﻿######OpenITI#


#META# Author: الالوسي
#META# Title: روح المعاني
#META# Date: ت 1270 ه
#META# Tafsir_type: تفاسير حديثة
#META# Source: altafsir.com

#META#Header#End#

### | [1 - سورة الفاتحة]

### || [1.1-7]

# بسم الله الرحمن الرحيم

# فيها أبحاث البحث الأول: اختلف العلماء فيها هل هي من خواص هذه الأمة أم
~~لا؟ فنقل العلامة أبو بكر التونسي إجماع علماء كل ملة على أن الله تعالى
~~افتتح كل كتاب بها وروى السيوطي فيما نقله عنه السرميني والعهدة عليه:
~~بسم الله الرحمن الرحيم فاتحة كل كتاب، وذهب هذا الراوي إلى أن البسملة
~~من الخصوصيات لما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يكتب باسمك اللهم إلى
~~أن نزل

# بسم الله مجراها

# [هود: 41] فأمر بكتابة بسم الله حتى نزل:

# قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن

# [الإسراء: 110] فأمر بكتابة بسم الله الرحمن إلى أن نزلت آية النمل فأمر
~~بكتابة بسم الله الرحمن الرحيم، ولما اشتهر أن معاني الكتب في القرآن
~~ومعانيه في الفاتحة ومعانيها في البسملة ومعاني البسملة في الباء فلو
~~كانت في الكتب القديمة لأمر من أول الأمر بكتابتها ولكانت معاني القرآن
~~في كل كتاب واللازم منتف فكذا الملزوم، وفيه أن الأمر بذلك التفصيل لا
~~يستلزم النفي لاحتمال نفي العلم إذ ذاك ولا ضير وأن المختص بالقرآن اللفظ
~~العربي بهذا الترتيب والكتب السماوية بأسرها خلافا للغيطى غير عربية
~~وما في القرآن منها مترجم فلربما لهذه الألفاظ مدخل في الاشتمال على جميع
~~المعاني فلا تكون في غير القرآن كما توهمه السرميني وإن كان هناك بسملة
~~على أن في أول الدليلين بظاهره دليلا على عدم الخصوصية.

# البحث الثاني: وهو من أمهات المسائل حتى أفرده جمع بالتصنيف اختلف الناس
~~في البسملة في غير النمل إذ هي فيها بعض آية بالاتفاق على عشرة أقوال
~~الأول: أنها ليست آية من السور أصلا الثاني: أنها آية من جميعها غير
~~براءة الثالث: أنها آية من الفاتحة دون غيرها الرابع: أنها بعض آية منها
~~فقط الخامس: أنها آية فذة أنزلت لبيان رؤوس السور تيمنا للفصل بينها
~~السادس: أنه يجوز جعلها آية منها وغير آية لتكرر نزولها بالوصفين.
~~السابع: أنها بعض آية من جميع السور الثامن: أنها آية من الفاتحة وجزء ms00001
~~آية من السور التاسع: عكسه العاشر: أنها آيات فذة وإن أنزلت مرارا فابن
~~عباس وابن المبارك وأهل مكة كابن كثير وأهل الكوفة كعاصم والكسائي
~~وغيرهما سوى حمزة وغالب أصحاب الشافعي والإمامية على الثاني، وقال بعض
~~الشافعية وحمزة ونسب للإمام أحمد بالثالث وأهل المدينة ومنهم مالك والشام
~~ومنهم الأوزاعي والبصرة ومنهم أبو عمرو ويعقوب على الخامس وهو المشهور من
~~مذهبنا وعلى المرء نصرة مذهبه والذب عنه وذلك بإقامة الحجج على إثباته
~~وتوهين أدلة نفاته وكنت من قبل أعد السادة الشافعية لي غزية ولا أعد نفسي
~~إلا منها، وقد ملكت فؤادي غرة أقوالهم كما ملكت فؤاد قيس ليلى العامرية
~~فحيث لاحت لا متقدم ولا متأخر لي عنها:

# أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى

# فصادف قلبا خاليا فتمكنا

# إلى أن كان ما كان فصرت مشغولا بأقوال السادة الحنفية وأقمت منها برياض
~~شقائق النعمان واستولى علي من حبها ما جعلني أترنم بقول القائل:

# محا حبها حب الألى كن قبلها

# وحلت مكانا لم يكن حل من قبل

# وقد أطال الفخر في هذا المقام المقال وأورد ست عشرة حجة لإثبات أنها آية
~~من الفاتحة كما هو نص كلامه ولا عبرة بالترجمة فها أنا بتوفيق الله تعالى
~~راده ولا فخر وناصر مذهبي بتأييد الله تعالى ومنه التأييد والنصر فأقول
~~قال:

# /الحجة الأولى: روى الشافعي عن ابن جريج عن [ابن] أبي مليكة عن أم سلمة
~~أنها قالت: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب فعد { بسم
~~الله الرحمن الرحيم } آية: { الحمد لله رب
~~العلمين } آية: { الرحمن الرحيم } آية: { ملك
~~يوم الدين } آية: { إياك نعبد وإياك نستعين }
~~آية: { اهدنا الصراط المستقيم } آية: { صراط الذين
~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين
~~} آية» وهذا نص صريح.

# الحجة الثانية: روى سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة: «أن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم قال:

# " فاتحة الكتاب سبع آيات أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم "

# الحجة الثالثة: روى الثعلبي بإسناده عن أبي بردة عن أبيه قال: قال
~~رسول الله صلى ms00002 الله عليه وسلم

# " ألا أخبرك بآية لم تنزل على أحد بعد سليمان بن داود غيري؟ فقلت بلى
~~قال: بأي شيء تستفتح القرآن إذا افتتحت الصلاة؟ فقلت بسم الله الرحمن
~~الرحيم قال: هي هي "

# الحجة الرابعة: روى الثعلبي بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه

# " عن جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له كيف تقول:
~~إذا قمت إلى الصلاة؟ قال: أقول الحمد لله رب العالمين قال: قل بسم الله
~~الرحمن الرحيم "

# وروى أيضا بإسناده عن أم سلمة:

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد
~~لله رب العالمين "

# وروى أيضا بإسناده عن علي كرم الله تعالى وجهه: «أنه كان إذا افتتح
~~السورة في الصلاة يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم وكان يقول: من ترك قراءتها
~~فقد نقص». وروى أيضا بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله
~~تعالى:

# ولقد ءاتينك سبعا من المثاني والقرءان
~~العظيم

# [الحجر: 87] قال: فاتحة الكتاب فقيل لابن عباس فأين السابعة فقال: {
~~بسم الله الرحمن الرحيم } وبإسناده عن أبي هريرة عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " إذا قرأتم أم القرآن فلا تدعوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها إحدى
~~آياتها "

# وبإسناده أيضا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال:

# " يقول الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال بسم الله
~~الرحمن الرحيم قال الله تعالى: مجدني عبدي وإذا قال: الحمد لله رب
~~العالمين قال الله حمدني عبدي وإذا قال: الرحمن الرحيم قال: أثنى علي
~~عبدي فإذا قال: مالك يوم الدين قال الله تعالى: فوض إلي عبدي وإذا قال:
~~إياك نعبد وإياك نستعين قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي وإذا قال:
~~اهدنا الصراط المستقيم قال الله تعالى: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل "

# وبإسناده أيضا

# " عن أبي هريرة قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد
~~والنبي يحدث أصحابه إذ دخل رجل يصلي فافتتح الصلاة وتعوذ ثم قال: الحمد
~~لله ms00003 رب العالمين فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال له يا رجل قطعت
~~على نفسك الصلاة أما علمت أن بسم الله الرحمن الرحيم من الحمد فمن تركها
~~فقد ترك آية منها ومن ترك آية منها فقد قطع عليه صلاته فإنه لا صلاة إلا
~~بها فمن ترك آية منها فقد بطلت صلاته "

# وبإسناده عن طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك آية من كتاب الله "

# الحجة الخامسة: قراءة بسم الله الرحمن الرحيم واجبة في أول الفاتحة وإذا
~~كان كذلك وجب أن تكون آية منها بيان الأول:

# اقرأ باسم ربك

# [العلق: 1] ولا يجوز أن يقال الباء صلة لأن الأصل أن تكون لكل حرف من
~~كلام الله تعالى فائدة وإذا كان الحرف مفيدا كان التقدير اقرأ مفتتحا
~~باسم ربك وظاهر الأمر الوجوب ولم يثبت في غير القراءة للصلاة فوجب إثباته
~~في القراءة فيها صونا للنص عن التعطيل.

# الحجة السادسة: التسمية مكتوبة بخط القرآن وكل ما ليس من القرآن فإنه
~~غير مكتوب بخط القرآن ألا ترى أنهم منعوا كتابة أسامي السور في المصحف
~~ومنعوا من العلامات على الأعشار والأخماس/ والغرض من ذلك كله أن يمنعوا
~~أن يختلط بالقرآن ما ليس بقرآن فلو لم تكن التسمية من القرآن لما كتبوها
~~بخط القرآن.

# الحجة السابعة: أجمع المسلمون على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى
~~والبسملة موجودة بينهما فوجب جعلها منه.

# الحجة الثامنة: أطبق الأكثرون على أن الفاتحة سبع آيات إلا أن الشافعي
~~قال: { بسم الله الرحمن الرحيم } آية وأبو حنيفة قال:
~~إنها ليست آية لكن { صراط الذين أنعمت عليهم } آية،
~~وسنبين أن قوله مرجوح ضعيف فحينئذ يبقى أن الآيات لا تكون سبعا إلا
~~بجعل البسملة آية تامة منها.

# الحجة التاسعة: أن نقول قراءة التسمية قبل الفاتحة واجبة فوجب كونها آية
~~منها، بيان الأول أن أبا حنيفة يسلم أن قراءتها أفضل وإذا كان كذلك
~~فالظاهر أنه صلى الله عليه وسلم قرأها فوجب ms00004 أن يجب علينا قراءتها لقوله
~~تعالى:

# واتبعوه

# [الأعراف: 158] وإذا ثبت الوجوب ثبت أنها من السورة لأنه لا قائل بالفرق
~~وقوله عليه الصلاة والسلام:

# " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بسم الله فهو أبتر "

# وأعظم الأعمال بعد الإيمان الصلاة فقراءة الفاتحة بدون قراءتها توجب كون
~~الصلاة عملا أبتر ولفظه يدل على غاية النقصان والخلل بدليل أنه ذكر ذما
~~للكافر الشانىء فوجب أن يقال للصلاة الخالية عنها في غاية النقصان والخلل
~~وكل من أقر بذلك قال بالفساد وهو يدل على أنها من الفاتحة.

# الحجة العاشرة: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب:

# " ما أعظم آية في القرآن؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم "

# فصدقه النبي في قوله وجه الاستدلال أن هذا يدل على أن هذا المقدار آية
~~تامة ومعلوم أنها ليست بتامة في النمل فلا بد أن تكون في غيرها وليس إلا
~~الفاتحة.

# الحجة الحادية عشرة: عن أنس أن معاوية قدم المدينة فصلى بالناس صلاة
~~جهرية فقرأ أم القرآن ولم يقرأ البسملة فلما قضى صلاته ناداه المهاجرون
~~والأنصار من كل ناحية أنسيت أين بسم الله الرحمن الرحيم حين استفتحت
~~القرآن؟! فأعاد معاوية الصلاة وجهر بها.

# الحجة الثانية عشرة: أن سائر الأنبياء كانوا عند الشروع في أعمال الخير
~~يبتدءون باسم الله فقد قال نوح:

# بسم الله مجراها

# [هود: 41] وسليمان:

# بسم الله الرحمن الرحيم * ألا تعلوا على

# [النمل: 3031] فوجب أن يجب على رسولنا ذلك لقوله تعالى:

# فبهداهم اقتده

# [الأنعام: 90] وإذا ثبت ذلك في حقه صلى الله عليه وسلم ثبت أيضا في
~~حقنا لقوله تعالى:

# واتبعوه

# [الأعراف: 158] وإذا ثبت في حقنا ثبت أنها آية من سورة الفاتحة.

# الحجة الثالثة عشرة: أنه تعالى قديم والغير محدث فوجب بحكم المناسبة
~~العقلية أن يكون ذكره سابقا على ذكر غيره والسبق في الذكر لا يحصل إلا
~~إذا كانت قراءة البسملة سابقة وإذا ثبت أن القول بوجوب هذا التقديم فما
~~رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وإذا ثبت وجوب القراءة ثبت أنها آية
~~من ms00005 الفاتحة لأنه لا قائل بالفرق.

# الحجة الرابعة عشرة: أنه لا شك أنها من القرآن في سورة النمل ثم إنا
~~نراه مكررا بخط القرآن فوجب أن يكون من القرآن كما أنا لما رأينا قوله
~~تعالى:

# ويل يومئذ للمكذبين

# [المرسلات: 15]

# فبأى ءالاء ربكما تكذبان

# [الرحمن: 13] مكررا كذلك قلنا: إن الكل منه.

# الحجة الخامسة عشرة: روى أنه عليه السلام كان يكتب «باسمك اللهم» الحديث
~~وهو يدل على أن أجزاء هذه الكلمة كلها من القرآن [و] مجموعها منه وهو
~~مثبت فيه فوجب الجزم بأنه من القرآن إذ لو جاز إخراجه مع هذه الموجبات
~~والشهرة لكان جواز إخراج سائر الآيات أولى وذلك يوجب الطعن في القرآن
~~العظيم.

# الحجة السادسة عشرة: قد بينا أنه ثبت بالتواتر أن الله تعالى كان ينزل
~~هذه الكلمة على محمد صلى الله عليه وسلم وكان عليه السلام يأمر بكتابتها
~~بخط المصحف فيه وبينا أن حاصل الخلاف في أنه هل تجب قراءته وهل يجوز
~~للمحدث مسه؟ فنقول ثبوت هذه الأحكام أحوط فوجب المصير إليه لقوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "

# انتهى كلامه وليس بشيء لأن البعض منه مجاب عنه والبعض لا يقوم حجة علينا
~~لأن الصحيح من مذهبنا أن بسم الله الرحمن الرحيم آية مستقلة وهي من
~~القرآن وإن لم تكن من الفاتحة نفسها وقد أوجب الكثير منا قراءتها في
~~الصلاة وذكر الزيلعي في «شرح الكنز» أن الأصح أنها واجبة، وذكر الزاهدي
~~عن «المجتبى» أن الصحيح أنها/ واجبة في كل ركعة تجب فيها القراءة وهي
~~الرواية الصحيحة عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وقال ابن وهبان في
~~«منظومته»:

# ولو لم يبسمل ساهيا كل ركعة

# فيسجد إذ إيجابها قال الأكثر

# وفي «غنية المتملي» وهو الأحوط وبه أقول خلافا لقاضيخان وصاحب
~~«الخلاصة» وغيرهم والحق أحق بالاتباع والقول عن بعض هذا أنه من طغيان
~~القلم غاية الطغيان ونهاية في التعصب من غير إتقان ولنتكلم على ما ذكره
~~هذا العلامة على التفصيل فنقول: أما ما ذكره في الحجة الأولى ms00006 من حديث أم
~~سلمة بالوجه الذي رواه مخالف لما في البيضاوي المخالف لما في الكتب
~~الحديثية فيجاب عنه بأن أبا مليكة لم يثبت سماعه عن أم سلمة وبتقديره
~~للمعاصرة يقال إن هذا اللفظ لم يوجد في المشهور ولعله نقل بالمعنى لبعض
~~الروايات الآتية على حسب ما يلوح له فقد أخرج أبو عبيد وأحمد وأبو داود
~~بلفظ: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته آية آية { بسم
~~الله الرحمن الرحيم } ، { الحمد لله رب
~~العلمين } ، { الرحمن الرحيم } ، { ملك يوم
~~الدين } » وابن الأنباري والبيهقي: «كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية
~~يقول: { بسم الله الرحمن الرحيم } ثم يقف ثم يقول: {
~~الحمد لله رب العلمين } ثم يقف ثم يقول: { الرحمن
~~الرحيم } ثم يقف ثم يقول: { ملك يوم الدين } » وابن خزيمة
~~والحاكم بلفظ: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة { بسم
~~الله الرحمن الرحيم } فعدها آية { الحمد لله رب
~~العلمين } اثنين { الرحمن الرحيم } ثلاث آيات {
~~ملك يوم الدين } أربع آيات وقال: هكذا { إياك نعبد
~~وإياك نستعين } وجمع خمس أصابعه» والدارقطني بلفظ: «كان يقرأ {
~~بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب
~~العلمين } إلى آخرها قطعها آية آية وعدها عد الأعراب وعد { بسم
~~الله الرحمن الرحيم } ولم يعد { عليهم } » والرواية
~~الأولى والثانية يمكن أن يقال: عنت بهما بيان كيفية قراءة رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم لسائر القرآن وذكرت بعضا منه على سبيل التمثيل ولم
~~تستوعب وليس فيهما سوى إثبات أنها آية وهو مسلم لكن من القرآن وأما أنها
~~من الفاتحة فلا، وكذا في الرواية الثالثة إثبات أنه صلى الله عليه وسلم
~~كان يقرؤها في الصلاة ويعدها آية لوقوفه عليها وهو مسلمنا أيضا وهي
~~الآية الأولى من القرآن والآية الثانية منه: { الحمد لله رب
~~العلمين } وهكذا إلى الخامسة وجمعت الأصابع وانقطع الكلام وأما
~~الرواية الرابعة فليست نصا أيضا في أن البسملة آية من الفاتحة إذ يحتمل
~~أن يكون المعنى كان صلى الله عليه وسلم يقرأ في بعض الأوقات في الصلاة أو
~~غيرها ms00007 ولا دوام لا وضعا ولا استعمالا من كتاب الله تعالى: { بسم
~~الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب
~~العلمين } إلى آخرها أي الآيات قطعها آية آية ولم يوصل بعضها ببعض
~~وعدها عد الإعراب واحدة واحدة وعد { بسم الله الرحمن
~~الرحيم } ولم يسقطها لوجوبها في الصلاة وللاعتناء بها في غيرها لما
~~فيها من عظائم الأسرار ودقائق الأفكار، ومن هذا أوجب الكثير من علمائنا
~~سجود السهو على من تركها وقد أزال صلى الله عليه وسلم بذلك ظن أنها ليست
~~من القرآن لاستعمالها في أوائل الرسائل ومبادىء الشؤون ولم يعد { صراط
~~الذين أنعمت عليهم } ولم يقف عليها بل وصل صلى الله عليه
~~وسلم تلك المرة لبيان الجواز وعدم تخيل شيء ينافي كونها آية بل هناك ما
~~يشعر به فإن تقارب الآي في الطول والقصر كتقارب الفقرات شيء مرغوب فيه
~~وعدم التشابه في المقاطع لا يضر فأين أفواجا من الفتح فلزوم الرعاية غير
~~لازم وكون الموصوف في آية والصفة في آية أخرى مسبوق بالمثل وسابق على
~~الأمثال ومن أنعم الله تعالى عليه وعرف { الذين أنعمت
~~عليهم } وجده تاما وعد توقفه على الشرط المفهوم من { غير
~~المغضوب } كلاما ناقصا وعلى هذا لم يثبت في هذه/ الرواية سوى أن
~~البسملة آية من القرآن وهو مسلم عند الطرفين وأما إنها من الفاتحة فدونه
~~خرط القتاد.

# وأما ما ذكره في الحجة الثانية: من حديث أبي هريرة فقد أخرجه الطبراني
~~وابن مردويه والبيهقي بلفظ: « { الحمد لله رب العلمين }
~~سبع آيات { بسم الله الرحمن الرحيم } إحداهن وهي السبع
~~المثاني والقرآن العظيم وهي أم القرآن وهي فاتحة الكتاب» وأخرجه
~~الدارقطني بلفظ:

# " إذا قرأتم الحمد فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم
~~إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن
~~الرحيم إحدى آياتها "

# ومعنى الرواية الأولى { الحمد لله رب العلمين } إلى آخر
~~الآيات سبع آيات، وبه قال الحنفيون، ولما لاحظ صلى الله عليه وسلم توهم
~~السامعين من عدم التعرض للبسملة مع تلك الشبهة السالفة كونها ليست بآية
~~من القرآن أزال هذا التوهم بوجه ms00008 بليغ فقال: { بسم الله
~~الرحمن الرحيم } إحداهن أي مثل إحداهن في كونها آية من القرآن
~~ومعنى الثانية إذا أردتم قراءة الحمد إلى آخر ما يليه فاقرؤا قبله {
~~بسم الله الرحمن الرحيم } إنها  أي الحمد  إلى الآخر
~~أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني. وهذا كالتعليل أو الترغيب بقراءة
~~الحمد لله رب العالمين إلى آخرها وقوله: و { بسم الله
~~الرحمن الرحيم } إحدى آياتها على حد ما ذكر في معنى الرواية
~~الأولى وهو كالتعليل أو الترغيب أيضا في قراءة البسملة وما ذكرناه وإن
~~كان فيه ارتكاب مجاز لكن دعانا إليه إجراء صدر الكلام على حقيقته وإن
~~أجري هذا على ظاهره فلا بد من ارتكاب المجاز في الصدر كما لا يخفى وهو
~~ارتكاب خلاف الأصل قبل الحاجة إليه وأما ما ذكره في الحجة الثالثة: فليس
~~سوى إثبات أن التسمية من القرآن كما أقر هو به ولسنا ممن نخالفه فيه
~~وأما ما ذكره في الرابعة: فالحديث الأول والثاني والثالث والسادس مع ضعفه
~~والثامن لا تدل على المقصود ونحن نقول بما تدل عليه، والرابع موقوف على
~~ابن عباس ولا نسلم أن حكمه الرفع لجواز الاجتهاد وإن قلنا إن الصحيح أن
~~الآية إنما تعلم بتوقيف من الشارع كمعرفة السورة مثلا ولذلك عدوا

# الم

# [البقرة: 1] آية حيث وقعت ولم يعدوا

# المر

# [الرعد: 1] لأنا لم نقل إنها جزء آية واجتهد فجعلها آية بل قلنا إنها
~~آية مستقلة من القرآن واجتهد وجعلها آية من الفاتحة أو نقول: إنه قال ذلك
~~أيضا عن توقيف لكن على ظنه واجتهاده أنه توقيف، والخامس لي شك في صحته
~~بهذا اللفظ ولعله باللفظ الذي خرجه به الدارقطني وقد سلف بتقريره وليس لي
~~اعتماد على الفخر في الأحاديث وليس من حفاظها وأراه إذا نقل بالمعنى غير
~~وليس عندي " تفسير الثعلبي " لأراه فإن النقل منه، والسابع لا تلوح عليه
~~طلاوة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فصاحته وهو أفصح من نطق
~~بالضاد بل من مارس الأحاديث جزم بوضع هذا ولعمري لو كان صحيحا لاكتفى به ms00009
~~الشافعية أو لقدموه على سائر أدلتهم ويا ليته ذكر إسناده لنراه وأما
~~الحجة الخامسة: ففيها أنا لا نسلم أن وجوبها في أول الفاتحة مستلزم
~~لكونها آية منها واستدلاله في هذا المقام بقوله:

# اقرأ باسم ربك

# [العلق: 1] واه جدا من وجوه أظهر من الشمس فلا نتعب البنان ببيانها
~~وأما الحجة السادسة: فهو أقوى ما يستدل به على كون البسملة من القرآن
~~وأما على أنها من الفاتحة فلا، وتعرض نفاة كونها قرآنا للتكلم في هذا
~~الدليل مما لا يرضاه الطبع السليم، والذهن المستقيم، والإنصاف نصف الدين،
~~والانقياد للحق من أخلاق المؤمنين وأما الحجة السابعة: فلنا لا علينا كما
~~لا يخفى وأما الحجة الثامنة: فدون إثبات مدارها  وهو توهين كلام مولانا
~~أبي حنيفة رحمه الله تعالى  جبال راسيات  وأما الحجة التاسعة: فهي
~~كالحجة الخامسة حذو القذة بالقذة واستدلاله بقوله صلى الله عليه وسلم:

# " كل أمر ذي بال "

# الخ ليس بشيء لأن الفاتحة جزء من الصلاة المفتتحة بالتكبير المقارن
~~للنية الذي هو ركن منها فحيث لم تفتتح بالبسملة عدت بتراء فبطلت وكذا
~~الركوع والسجود الذي أقرب ما يكون العبد فيه إلى ربه كل منهما أمر ذو بال
~~فإذا لم يفتتح بالبسملة كان أبتر باطلا فحسن الظن بديانة العلامة وعلمه
~~أنه كان يبسمل أول/ صلاته وعند ركوعه وسجوده وسائر انتقالاته رحمة الله
~~تعالى عليه وأما الحجة العاشرة: فلا تقوم علينا لأنا أعلمناك بمذهبنا
~~وأما الحجة الحادية عشرة: فقصارى ما تدل عليه ظاهرا بعد تسليمها أن
~~معاوية لما لم يقرأ البسملة وترك الواجب ولم يسجد للسهو أعاد الصلاة لتقع
~~سليمة من الخلل ولهذا أمهلوه إلى أن فرغ ليروا أيجبر الخلل بسجود السهو
~~أم لا واعتراضهم عليه بترك واجب يجبر بالسجود ليس أغرب من اعتراضهم عليه
~~في تلك الصلاة أيضا بترك هيئة حيث روى الشافعي نفسه كما نقله الفخر نفسه
~~أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ { بسم الله الرحمن
~~الرحيم } ولم يكبر عند الخفض إلى الركوع والسجود فلما سلم ناداه
~~المهاجرون والأنصار يا معاوية سرقت ms00010 من الصلاة أين { بسم الله
~~الرحمن الرحيم } وأين التكبير عند الركوع والسجود ثم إنه أعاد
~~الصلاة مع التسمية والتكبير وهذا لا يضرنا، نعم يبقى الجهر والبحث عنه
~~مخفي الآن وأما الحجة الثانية عشرة: ففيها كما تقدم أن الوجوب لا يستلزم
~~الجزئية على أن قوله: إن سائر الأنبياء يبتدئون عند الشروع بأعمال الخير
~~بذكر الله فوجب أن يجب على رسولنا ذلك الخ واستدل على الوجوب عليه إذ وجب
~~عليهم عليهم السلام بقوله تعالى:

# أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده

# [الأنعام: 90] لا أدري ما أقول فيه سوى أنه جهل بالتفسير وعدم اطلاع على
~~أخبار البشير النذير وأما الحجة الثالثة عشر: فلا تجديه نفعا في
~~مقابلتنا أيضا وفيها ما في أخواتها وأما الحجج الباقية: فككثير من
~~الماضية لا تنفع في البحث معنا إلا بتسويد القرطاس وتضييع نفائس الأنفاس
~~على أن بعض ما ذكره معارض بما أخرج مسلم وغيره من حديث أبي هريرة رضي
~~الله تعالى عنه قال:

# " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة
~~بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: الحمد لله
~~رب العلمين قال الله تعالى: حمدني عبدي وإذا قال: الرحمن
~~الرحيم قال: أثنى علي عبدي وإذا قال: ملك يوم الدين قال
~~الله تعالى: مجدني عبدي وإذا قال: إياك نعبد وإياك
~~نستعين قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال:
~~اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت
~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين قال: هذا
~~لعبدي ولعبدي ما سأل "

# وهذا يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة وأنها سبع بدونها حيث جعل
~~الوسطى إياك نعبد وإياك نستعين والثلاث قبلها لله
~~تعالى والثلاث بعدها للعبد وليس فيه نفي أنها من القرآن، ولا شك أن هذه
~~الرواية أصح من رواية الثعلبي ولا أقدم ثعلبيا على مسلم، وكذا من رواية
~~السجستاني ومتى خالف الراوي الثقة من هو أوثق منه بزيادة أو نقص فحديثه
~~شاذ وليس هذا من باب النفي والإثبات كما ظنه ms00011 من ليس له في هذا الفن رسوخ
~~ولا ثبات وحمل النصف فيه على النصف في المعنى أو الصنف من عدم الإنصاف إذ
~~ذاك مجاز ولا حاجة إليه ولا قرينة عليه وجعله حقيقة لكن باعتبار الدعاء
~~والثناء يكذبه العد والقول بأن مدار الرواية العلاء وقد ضعفه ابن معين
~~فهو على جلالة الرجل لا يسمن ولا يغني من جوع لأن الموثق كثير وتقديم
~~الجرح على التعديل ليس بالمطلق بل إن لم يكثر المعدلون جدا وقد كثروا
~~هنا وكون التقسيم لما يخص الفاتحة والبسملة مشتركة مع كونه خلاف الظاهر
~~لا تقتضيه الحكمة إذ هي عند الخصم أشرف الأجزاء وكون المراد بعض قراءة
~~الصلاة إذ الظاهر لا يمكن أن يراد لوجود الأعمال وضم السورة ويتحقق البعض
~~بهذا البعض ليس بشيء إذ اللائق أن يكون البعض مستقلا بمبدأ ومقطع
~~والثاني موجود والأول على قولنا وأيضا الفاتحة سورة كالكوثر والملك وقد
~~نص صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة عنه بأن الأولى ثلاث آيات/
~~والثانية ثلاثون ووقفهم عليها ولم يعد البسملة ولو عدها مستقلة لزاد
~~العدد أو جزءا لورد، وعلى المثبت البيان وأنى هو، على أنه يرد على
~~الثاني استلزامه للتحكم بدعوى الاستقلال في الفاتحة والبعضية في غيرها
~~وقول الرازي هذا غير بعيد ف { الحمد لله رب العلمين }
~~آية تارة وجزء آية أخرى كما في:

# وآخر دعوهم

# [يونس: 10] الآية بعيد بل قياس باطل لوجود المقتضي للجزئية هناك
~~وانتفائه هنا وأيضا نزل الكثير من السور بلا بسملة ثم ضمت بعد، وحديث
~~الصحيح في بدء الوحي يبدي صحة ما قلنا وهذا يبعد كونها آية من السورة أو
~~جزء آية وكونها لم تنزل بعد يبعد الثاني إن لم يبعد الأول وحديث إنها أول
~~ما نزلت ليس بالقوي بل الثابت ويشكل عليه ما روي أنه صلى الله عليه وسلم
~~كان يكتب باسمك اللهم الخ على أن الأولية إن سلمت وسلمت لا تضرنا،
~~وبالجملة يكاد أن يكون اعتقاد عدم كون البسملة جزءا من سورة من الفطريات
~~كما لا يخفى على ms00012 من سلم له وجدانه فهي آية من القرآن مستقلة ولا ينبغي
~~لمن وقف على الأحاديث أن يتوقف في قرآنيتها أو ينكر وجوب قراءتها ويقول
~~بسنيتها فوالله لو ملئت لي الأرض ذهبا لا أذهب إلى هذا القول وإن أمكنني
~~ والفضل لله تعالى  توجيهه كيف وكتب الأحاديث ملأى بما يدل على خلافه
~~وهو الذي صح عندي عن الإمام والقول بأنه لم ينص بشيء ليس بشيء وكيف لا
~~ينص إلى آخر عمره في مثل هذا الأمر الخطير الدائر عليه أمر الصلاة من
~~صحتها أو استكمالها ويمكن أن يناط به بعض الأحكام الشرعية وأمور الديانات
~~كالطلاق والحلف والتعليق وهو الإمام الأعظم والمجتهد الأقدم رضي الله
~~تعالى عنه والإخفاء بها في الجهرية لا يدل على السنية فإن القوم بوجوبها
~~لا ينافي إخفاءها اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعن ابن عباس لم
~~يجهر النبي صلى الله عليه وسلم بالبسملة حتى مات، وروى مسلم

# " عن أنس: «صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان
~~فلم أسمع منهم أحدا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم "

# ولم يرد نفي القراءات بل سماعها للإخفاء بدليل ما صرح به عنه »فكانوا لا
~~يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم» رواه أحمد والنسائي بإسناد على شرط
~~الشيخين، وروى الطبراني بإسناد عنه:

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم
~~وأبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضي الله تعالى عنهم "

# وروي

# " عن عبد الله بن المغفل ولا نسلم ضعفه أنه قال: سمعني أبي وأنا أقول
~~بسم الله الرحمن الرحيم فقال: أي بني إياك والحدث في الإسلام فقد صليت
~~خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فابتدءوا
~~القراءة بالحمد لله رب العلمين "

# فإذا صليت فقل الحمد لله رب العلمين أي اجهر بها واخف
~~البسملة وهو مذهب الثوري وابن المبارك وابن مسعود وابن الزبير وعمار بن
~~ياسر والحسن بن أبي الحسين والشعبي والنخعي وقتادة وعمر بن عبد العزيز
~~والأعمش والزهري ومجاهد وأحمد وغيرهم خلق ms00013 كثير وأحاديث الجهر لم يصح منها
~~سوى حديث ابن عباس الذي أخرجه الشافعي عنه " كان رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " وهو معارض بما تقدم عنه أو محمول
~~على أنه كان يجهر بها أحيانا لبيان أنه تقرأ فيها كما جهر عمر رضي الله
~~تعالى عنه بالثناء للتعليم وكما شرع الجهر بالتكبير للإعلام وحتى مات
~~هناك قيد للمنفي لا للنفي فلا يتنافيان على أنه روي عن بعض الحفاظ ليس
~~حديث صريح في الجهر إلا وفي إسناده مقال.

# وعن الدارقطني أنه صنف كتابا في الجهر فأقسم عليه بعض المالكية ليعرفه
~~الصحيح فقال: لم يصح في الجهر حديث والقول بأن الرواية عن أنس ست متعارضة
~~فتارة يروى عنه الجهر وأخرى الإخفاء للخوف من بني أمية المخالفين لعلي
~~كرم الله وجهه إذ مذهبه الجهر لا يضرنا إذ يقدم عند التعارض الأقوى
~~إسنادا وهو هنا ما يوافقنا إذ هو على شرط الشيخين، وتهمة الراوي المخالف
~~بالكذب على أنس أهون عندي من تهمة أنس صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقدمي أصحابه.

# ومن عجائب الرازي: كيف يبدي احتمال التهمة ويروي اعتراض أهل المدينة على
~~سيد ملوك بني أمية بذلك اللفظ الشنيع والمحل الرفيع فهلا خافوا وسكتوا
~~وصافوا، والأعجب من هذا أنه ذكر ست حجج لإثبات الجهر هي أخفى من العدم
~~الأولى: أن البسملة من السورة فحكمها حكمها سرا وجهرا وكون البعض سريا
~~والبعض جهريا مفقود ويرده ما علمته في الردود وبفرض تسليم أنها من
~~السورة أي مانع من إسرار البعض والجهر بالبعض وقد فعله رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم

# واتبعوه

# [الأعراف: 158] ولعل السر فيه كالسر في الجهر والإخفاء في ركعات صلاة
~~واحدة، أو يقال: إن حال المنزل عليه القرآن كان خلوة أولا وجلوة ثانيا
~~فناسب حاله حاله بل إذا تأملت قوله تعالى في الحديث القدسي الثابت عند
~~أهل الله:

# " كنت كنزا مخفيا "

# الخ ظهر لك سر أعظم فرضي الله تعالى عن ms00014 المجتهد الأقدم الثانية: أنها
~~ثناء وتعظيم فوجب الإعلان بها لقوله تعالى:

# فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم أو أشد ذكرا

# [البقرة: 200] ويرده أن غالب مشتملات الصلاة كذلك أفيجهر بها؟.

# الثالثة: أن الجهر بذكر الله يدل على الافتخار به وعدم المبالاة بمنكره
~~وهو مستحسن عقلا فيكون كذلك شرعا ولا يخفى إلا ما فيه عيب ثم قال وهذه
~~الحجة قوية في نفسي راسخة في عقلي لا تزول البتة بسبب كلمات المخالفين
~~ويرده ما رد سابقه وقد يخفى الشريف:

# ليس الخمول بعار

# على امرىء ذي جلال

# فليلة القدر تخفى

# وتلك خير الليالي

# ويا ليت شعري أكان تسبيحه الله تعالى في ركوعه وسجوده معيبا فيخفيه أو
~~جيدا فيجهر به ويبديه ولا أظن بالرجل إلا خيرا فإن الحجة قوية في نفسه
~~راسخة في عقله الرابعة: ما أخرجه الشافعي عن أنس: «أن معاوية صلى بأهل
~~المدينة ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فاعترض عليه المهاجرون والأنصار
~~فأعاد الحديث بمعناه ويرده معارضوه أو يقال لم يقرأ على ظاهره وعلموا ذلك
~~ببعض القرائن وما راء كمن سمعا» الخامسة: ما روى البيهقي عن أبي هريرة
~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن
~~الرحيم وهو المروي عن عمر وابنه وابن عباس وابن الزبير، وأما علي فقد
~~تواتر عنه ومن اقتدى في دينه بعلي فقد اهتدى ويرده المعارض وبتقدير نفيه
~~يقال: إن الجهر كان أحيانا لغرض وفي الأخبار التي ذكرناها ما يعارض
~~أيضا نسبته إلى عمر وعلي وابن عباس وما زعم من تواتر نسبته إلى علي
~~ممنوع عند أهل السنة، نعم ادعته الشيعة فذهبوا إلى الجهر في السرية
~~والجهرية ولو عمل أحد بجميع ما يزعمون/ تواتره عن الأمير كفر فليس إلا
~~الإيمان ببعض والكفر ببعض وما ذكره من أن من اقتدى في دينه بعلي فقد
~~اهتدى مسلم لكن إن سلم لنا خبر ما كان عليه علي رضي الله تعالى عنه
~~ودونه مهامه فيح على أن الشائع عند أهل السنة تقديم ما عليه الشيخان وإذا
~~اختلفا فما عليه ms00015 الصديق حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم ترقى في
~~التخصيص إليه فقال أولا:

# " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "

# وثانيا:

# " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي "

# وثالثا:

# " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر "

# ورابعا:

# " إن لم تجديني فأتي أبا بكر "

# السادسة: أنها متعلقة بفعل مضمر نحو بإعانة بسم الله أشرعوا ولا شك أن
~~استماع هذه الكلمة ينبه العقل على أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة
~~الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله وينبهه على أنه لا يتم شيء
~~من الخيرات إلا إذا وقع الابتداء فيه بذكر الله تعالى وبإظهارها أمر
~~بمعروف ويرده مع ركاكة هذا التقدير وعدم قائل به أن انفهام الأمر
~~بالمعروف من هذه الجملة يحتاج إلى فكر لو صرف عشر معشاره في قوله تعالى:
~~{ إياك نعبد وإياك نستعين } لحصل ضعف أضعافه من دون
~~غائلة كثيرة فيغني عنه ثم إنه رحمه الله تعالى ذكر كلاما لا ينفع إلا في
~~تكثير السواد وإرهاب ضعفاء الطلبة بجيوش المداد.

# البحث الثالث في معناها: فالباء إما للاستعانة أو المصاحبة أو الإلصاق
~~أو الاستعلاء أو زائدة أو قسمية والأربعة الأخيرة ليست بشيء وإن استؤنس
~~لبعض ببعض الآيات واختلف في الأرجح من الأولين فالذي يشعر به كلام
~~البيضاوي أرجحية الأول وأيد بأن جعله للاستعانة يشعر بأن له زيادة مدخل
~~في الفعل حتى كأنه لا يتأتى ولا يوجد بدون اسم الله تعالى ولا يخلو عن
~~لطف وما يدل عليه كلام الزمخشري أرجحية الثاني وأيد بأن باء المصاحبة
~~أكثر في الاستعمال من باء الاستعانة لا سيما في المعاني وما يجري مجراها
~~من الأفعال وبأن التبرك باسم الله تعالى تأدب معه وتعظيم له بخلاف جعله
~~للآلة فإنها مبتذلة غير مقصودة بذاتها وأن ابتداء المشركين بأسماء آلهتهم
~~كان على وجه التبرك فينبغي أن يرد عليهم في ذلك، وأن الباء إذا حملت على
~~المصاحبة كانت أدل على ملابسة جميع أجزاء الفعل لاسم الله تعالى منها إذا
~~جعلت داخلة على الآلة ويناسبه ما روي في ms00016 الحديث " تسمية الله تعالى في
~~قلب كل مسلم يسمي أو لم يسم " وأن التبرك باسم الله تعالى معنى ظاهر
~~يفهمه كل أحد ممن يبتدىء به والتأويل المذكور في كونه آلة لا يهتدي إليه
~~إلا بنظر دقيق وإن كون اسم الله تعالى آلة للفعل ليس إلا باعتبار أنه
~~يوصل إليه ببركته فقد رجع بالآخرة إلى معنى التبرك فلنقل به أولا وإن
~~جعل اسمه تعالى آلة لقراءة الفاتحة لا يتأتى على مذهب من يقول: إن
~~البسملة من السورة وأن قوله صلى الله عليه وسلم:

# " بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء "

# مما يستأنس به له وإن في الأول جعل الموجود حسا كالمعدوم وإن بسم الله
~~موجود في القراءة فإذا جعلت الباء للاستعانة كان سبيله سبيل القلم فلا
~~يكون مقروءا وهو مقروء وإن فيه الإيجاز والتوصل بتقليل اللفظ إلى تكثير
~~المعنى لتقدير متبركا وهو لكونه حالا فيه بيان هيئة الفاعل وقد ثبت أن
~~لا بد لكل فعل متقرب به إلى الله تعالى من إعانته جل شأنه فدل الحال على
~~زائد.

# وعندي: أن الاستعانة أولى بل يكاد أن تكون متعينة إذ فيها من الأدب
~~والاستكانة وإظهار العبودية ما ليس في دعوى المصاحبة ولأن فيها تلميحا
~~من أول وهلة إلى إسقاط الحول والقوة ونفي استقلال قدر العباد وتأثيرها
~~وهو استفتاح لباب الرحمة وظفر بكنز لا حول ولا قوة إلا بالله ولأن هذا
~~المعنى أمس بقوله تعالى { وإياك نستعين } ولأنه كالمتعين في
~~قوله:

# اقرأ باسم ربك

# [العلق: 1] ليكون جوابا لقوله صلى الله عليه وسلم

# " لست بقارىء "

# على أتم وجه وأكمله وما ذكروه في تأييد المصاحبة كله مردود أما الأول:
~~فلأن دون إثبات الأكثرية خرط القتاد وأما الثاني: فلأنه توهم نشأ من
~~تمثيلهم في الآلة بالمحسوسات وليست كل استعانة بآلة ممتهنة ولا شك في صحة
~~استعنت بالله وقد ورد في الشرع قال تعالى:

# استعينوا بالله واصبروا

# [الأعراف: 128] فهو إذن على أن جهة الابتذال مما لا تمر ببال والقلب قد
~~أحاط بجهاته جهة أخرى وأيضا في تخصيص ms00017 الاستعانة بالآلة نظر لأنها قد
~~تكون بها وبالقدرة ولو سلم فأي مانع من الإشارة بها هنا إلى أنه كما هو
~~المقصود بالذات فهو المقصود بالعرض إذ لا حول ولا قوة إلا به.

# وأما الثالث: فلأن المشركين إلى الاستعانة بآلهتهم أقرب إذ هم وسائطهم
~~في التقرب إليه تعالى وهي أشبه بالآلة. وأما الرابع: فلأن الآلة لا بد من
~~وجودها في كل جزء إلى آخر الفعل وإلا لم يتم ولا نسلم اللزوم بين مصاحبة
~~شيء لشيء وملابسته لجميع أجزائه وما ذكره من الحديث فهو بالاستعانة أنسب
~~لأنها مشعرة بتبري العبد من حوله وقوته وإثبات الحول والقوة لله تعالى
~~وهذا من باب العقائد التي عقد عليها قلب كل مسلم يسمي أو لم يسم. وأما
~~الخامس: فلأنه إن أراد أن معنى المصاحبة التبرك فظاهر البطلان وقد رجع
~~بخفي حنين وإن أراد أنه يفهم منها بالقرينة فندعيه نحن بها إذا قصد
~~الآلية لتوقف الاعتداد الشرعي عليها وأما كون التبرك معنى ظاهرا لكل أحد
~~فلا نسلم أنه من خصوص المصاحبة. وأما السادس: فلأن الانحصار فيه ممنوع.
~~وأما السابع: فلأن ما يفتتح به الشيء لا مانع من كونه جزءا فالفاتحة
~~مفتتح القرآن وجزؤه ولو سلم فجعلها مفتتحا بالنسبة إلى ما عداها قاله
~~الشهاب ولا يضر الحنفي ما فيه.

# وأما الثامن: فلأن معنى الحديث أفعل كذا مستعينا باسم الله الذي لا
~~يضرني مع ذكر اسمه مستعينا به شيء إذ من استعان بجنابه أعانه ومن لاذ
~~ببابه حفظه وصانه، وإن استبعدت هذا ورددت ما قيل في الرد من أن المراد
~~بالحديث الإخبار بأنه لا يضر مع ذكر اسمه شيء من مخلوق والمصاحبة تستدعي
~~أمرا حاصلا عندها نحو جاءكم الرسول بالحق والقراءة لم تحصل بعد فتعذرت
~~حقيقة المصاحبة بأن المصاحبة هنا ليست محسوسة وكونها إخبارا بنفي صحبة
~~الضرر يفهم منه صحبة النفع والبركة وهي دفع الوسوسة عن القارىء مع جزيل
~~الثواب فلا ضير أيضا لأنه مجرد استئناس ولا يوحشنا إذ ما نستأنس به كثير
~~وأما التاسع: فلأن جعل الموجود كالمعدوم ms00018 للجري لا على المقتضى من
~~المحسنات والنكتة ههنا إن شبه اسم الله بناء على يقين المؤمن بما ورد
~~من السنة والقطع بمقتضاها بالأمر المحسوس وهو حصول الكتب بالقلم وعدم
~~حصوله بعدمه ثم أخرج مخرج الاستعارة التبعية لوقوعها في الحرف. وأما
~~العاشر: فلأنه لا يخفى حال التشبيه بالقلم وأما الحادي عشر: فلأنه لا
~~نسلم أن التبرك معنى المصاحبة أو لازم معناه بل هو معلوم من أمر خارج هو
~~أن مصاحبة اسمه سبحانه يوجد معها ذلك وهو جار في الاستعانة باسمه عز شأنه
~~على أن في الاستعانة من اللطف ما لا يخفى ويمكن على بعد أن يكون عدم
~~اختيار الزمخشري لها لنزغات الشيطان الاعتزالية من استقلال العبد بفعله
~~فقد ذهب إليه هو وأصحابه وسيأتي إن شاء الله تعالى رده.

# وقد اختلف في متعلق الجار فذهب الإمام ابن جرير إلى تقديره أتلو لأن
~~تاليه متلو وهكذا يضمر الخاص الفعلي كل فاعل فعلا يجعل التسمية مبدأ له
~~وهو من المعاني القرآنية كنظائره للزومها في متعارف اللسان وبه يندفع
~~كلام الصادقي وليس المقصود هنا متكلما مخصوصا فهو على حد ولو ترى فينوي
~~كل بالضمير نفسه فلا يضر تقدمها على قراءة هذا القارىء بل على وجوده
~~ويتأتى القول بجزئيتها من الكل أو الجزء بلا خفاء ولما خفي ذلك على البعض
~~جعل المقدر فعل أمر متوجه إلى العباد ليتحد قائل الملفوظ والمقدر واختاره
~~الفراء عن اختيار وروي عن ابن عباس لأنه تعالى قدم/ التسمية حثا للعباد
~~على فعل ذلك وهو المناسب للتعليم وذهب النحويون إلى تقديره عاما نحو
~~أبتدىء وأيد بوجوه: منها: أن فعل الابتداء يصح تقديره في كل تسمية دون
~~فعل القراءة وتقدير العام أولى ألا تراهم يقدرون متعلق الجار الواقع
~~خبرا أو صفة أو حالا أو صلة بالكون والاستقرار حيثما وقع ويؤثرونه
~~لعموم صحة تقديره. ومنها: أنه مستقل بالغرض من التسمية وهو وقوعها مبتدأ
~~فتقديره أوقع بالمحل، وأنت إذا قدرت اقرأ قدرت أبتدىء بالقراءة لأن
~~الواقع في أثنائها قراءة أيضا والبسملة غير مشروعة فيه ومنها: ms00019 ظهور فعل
~~الابتداء في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع "

# ، وأما ظهور القراءة في قوله تعالى:

# اقرأ باسم ربك

# [العلق: 1] فلأن الأهم ثم هو القراءة غير منظور فيه إلى ابتدائها ولذا
~~قدم الفعل ولا كذلك في التسمية. وما ذهب إليه الإمام أمس وأخص بالمقصود
~~وأتم شمولا فإنه يقتضي أن القراءة واقعة بكمالها مقرونة بالتسمية
~~مستعانا باسم الله تعالى عليها كلها بخلاف تقدير أبتدىء إذ لا تعرض له
~~لذلك، وما ذكر أولا من الاستشهاد بتقدير النحاة الكون والاستقرار فليس
~~بجيد لأنهم فعلوه تمثيلا حيث لا يقصدون عاملا بعينه بل يريدون الكلام
~~على العامل من حيث هو فهو كتمثيلهم بزيد وعمرو لا لخصوصيتهما بل ليقع
~~الكلام على مثال فيكون أقرب إلى الفهم ولا يقال إذا أبهم الفاعل يقدر
~~بهما على أن الابتداء هنا ليس أعم من القراءة لأن المراد به ابتداء
~~القراءة وهو أخص من القراءة لصدقها على قراءة الأول والوسط والآخر،
~~واختصاص ابتداء القراءة بالأول فليس هذا هو الكون والاستقرار الذي قدرهما
~~النحاة فيما تقدم، ودعوى عموم أبتدىء باعتبار أنه منزل منزلة اللازم لكنه
~~يعلم بقرينة المقام أن المبتدأ به هو القراءة أو باعتبار أصل العامل في
~~الجميع لا يخفى فسادها فإنه إذا دل المقام على إرادته فما معنى تنزيله
~~منزلة اللازم حينئذ وكونه باعتبار اللفظ والأصل لا يدفع السؤال في الحال
~~فافهم.

# وأما ما ذكر ثانيا: من أن فعل البداءة مستقل بالغرض فغير مسلم وقد
~~قدمنا أن القراءة أمس وأشمل والوقوع في الابتداء بالبداية فعلا لا
~~بإضمار الابتداء فمتى ابتدأ بالبسملة حصل له المقصود غير مفتقر إلى شيء
~~كمن صلى فبدأ بتكبيرة الإحرام لا يحتاج في كونه بادئا إلى الإضمار لكنه
~~مفتقر إلى بركتها وشمولها لجميع ما فعله، ومن هذا يظهر ما في باقي الكلام
~~من الوهن وأما ما ذكر ثالثا: ففيه أن كون التسمية مبتدأ بها حاصل بالفعل
~~لا بإضمار الفعل ولم يرد الحديث بأن كل أمر ذي بال ms00020 لم يقل أو لم يضمر فيه
~~أبدأ ببسم الله فهو كذا على أن المحافظة على موافقة لفظ الحديث إنما يليق
~~أن يجعل نكتة في كلام المصنفين ومن ينخرط في سلكهم لا في كلام الله جل
~~شأنه كما لا يخفى على من له طبع سليم، وأيضا البحث إنما هو في ترجيح
~~تقدير الفعل العام كأبدأ أو أشرع وما شاكلهما لا في ترجيح خصوص اقرأ أعني
~~فعلا مصدره القراءة على خصوص أبدأ أعني فعلا مصدره البداءة ففيما ذكر
~~خروج عن قانون الأدب وموضع النزاع.

# وذهب البعض إلى تقدير ابتدائي مثلا وفيه زيادة إضمار لوجوب إضمار الخبر
~~حينئذ فيكون المضمر ثلاث كلمات ودلالة الإسمية على الثبوت معارضة بدلالة
~~المضارع على الاستمرار التجددي المناسب للمقام إلا أنه تبقى المخالفة بين
~~جملتي البسملة والحمد ولعل الأمر فيه سهل وجعل الشيخ الأكبر قدس سره هذا
~~الجار خبر مبتدأ مضمر هو ابتداء العالم وظهوره لأن سبب وجوده الأسماء
~~الإلهية وهي المسلطة عليه كجعله متعلقا بما بعده إذ لا يحمد الله تعالى
~~إلا بأسمائه من باب الإشارة فلا ينظر فيه إلى الظاهر ولا يتقيد بالقواعد
~~ولا أرى الاعتراض عليه من الإنصاف، وقد ذهب الكثير إلى أن تقدير المتعلق
~~هنا مؤخرا أحرى لأن اسم الله تعالى مقدم على الفعل ذاتا فليقدم على
~~الفعل/ ذكرا، وفيه إشارة إلى البرهان اللمي وهو أشرف من البرهان الإني،
~~ولذا قال بعض العارفين ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله وتحنيك طفل
~~الذهن بحلاوة هذا الاسم يعين على فطامه عن رضع ضرع السوي بدون وضع مرارة
~~الحدوث، على أن بركة التبرك طافحة بالأهمية وإن قلنا بأن في التقديم قطع
~~عرق الشركة ردا على من يدعيها ناسب مقام الرسالة وظهر سر تقديم الفعل في
~~أول آية نزلت إذ المقام إذ ذاك مقام نبوة ولا رد ولا تبليغ فيها ولكل
~~مقام مقال والبلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وقد اعتركت الأفهام هنا
~~في توجيه القصر لظنه من ذكر الاختصاص حتى ادعاه بعضهم بأنواعه الثلاثة
~~وأفرد البعض البعض، ms00021 فمقتصر على قصر الإفراد، وقائل به وبالقلب، وفي القلب
~~من كل شيء وعندي هنا يقدر مقدما، وبه قال الأكثرون وإن تقديره مؤخرا
~~مؤخر عن ساحة التحقيق لأنه إما أن يقدر بعد الباء أو بعد اسم أو بعد اسم
~~الله، أو بعد البعد، أما تقديره بعد الباء فلا يقوله من عرف الباء.

# وأما بعد الاسم فلاستلزامه الفصل ولو تعقلا حيث أوجبوا الحذف هنا بين
~~المتضايفين وأما بعد اسم الله فلاستلزامه الفصل كذلك بين الصفة والموصوف
~~وأما بين الصفتين فيتسع الخرق، وأما بعد التمام فيظهر نقص دقيق لأن في
~~الجملة تعليق الحكم بما يشعر بالعلية فكان الرحمن الرحيم علة للقراءة
~~المقيدة باسم الله فإذا تأخر العامل المقيد المعلول وتقدمت علته أشعر
~~بالانحصار ولا يظهر وجهه، وإذا قدرنا العامل مقدما كما هو الأصل أمنا من
~~المحذور ويحصل اختصاص أيضا إذ كأنه قيل مثلا اقرأ مستعينا أو متبركا
~~بسم الله الرحمن الرحيم لأنه الرحمن الرحيم، وانتفاء العلة يستلزم انتفاء
~~المعلول في المقام الخطابي إذا لم تظهر علة أخرى فيفيد الاختصاص لا سيما
~~عند القائل بمفهوم الصفة فيشعر بأن من لم يتصف بذلك خارج عن الدائرة
~~والاقتصار هنا ليس كالاقتصار هناك والتخلص بتقدير التركيب مستعينا باسم
~~الله لأنه الرحمن الرحيم اقرأ فيه ما لا يخفى على الطبع السليم، وفي
~~تقديم الحادث تعقلا وحذفه ذكرا وعدم وجود شيء في الظاهر مستقلا سوى
~~الاسم القديم رمز خفي إلى تقديم الأعيان الثابتة في العلم وإن لم يكن على
~~وجود الله تعالى إذ له جل شأنه التقدم المطلق وعدم ظهور شيء سواه وكل شيء
~~هالك إلا وجهه، وللإشارة إلى أنه لا ضرر في ذلك ارتكب، والتبرك كالوجوب
~~يقتضي التقدم بالذكر مكسورا لا مضموما وها هو كما ترى ومن الأكابر من
~~قال ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله تعالى فيه ولا حلول وقد عد أكمل من
~~الأول والمراتب أربع وتحنيك الرحمة يغني عن كل در ويفطم طفل الذهن عن سدى
~~جواري الفكر وكأن من قدر العامل مؤخرا رأى

# بسم الله ms00022 مجريها

# [هود: 41]، و " باسمك ربي وضعت جنبي " وأمثالهما فجرى مجراها والفرق
~~ظاهر للناظر وهذا من نسائم الأسحار فيتقظ له ونم عن غيره.

# والظرف مستقر عند بعض ولغو عند آخرين وقد اختلف في تفسيرهما، فقيل اللغو
~~ما يكون عامله مذكورا، والمستقر ما يكون عامله محذوفا مطلقا وقيل
~~المستقر ما يكون عامله عاما كالحصول والاستقرار وهو مقدر واللغو بخلافه،
~~وقيل اللغو ما يكون عامله خارجا عن الظرف غير مفهوم منه سواء ذكر أو لا،
~~والمستقر ما فهم منه معنى عامله المقدر الذي هو من الأفعال العامة وكل
~~ذلك اصطلاح وحيث لا مشاحة فيه اختار الأول فيكون الظرف هنا مستقرا كيفما
~~قدر العامل، وإنما كسرت الباء وحق الحروف المفردة أن تفتح لأنها مبنية
~~والأصل في البناء لثقله وكونه مقابلا للإعراب الوجودي السكون لخفته
~~وكونه عدميا إلا أنها من حيث كونها كلمات برأسها مظنة للابتداء وهو
~~بالساكن متعذر أو متعسر كان حقها الفتح إذ هو أخو السكون في الخفة
~~المطلوبة في كثير الدور على الألسنة لامتيازها من بين الحروف بلزوم
~~الحرفية والجر وكل منهما يناسب الكسر، أما الحرفية فلأنها تقتضي عدم
~~الحركة/ والكسر لقلته إذ لا يوجد في الفعل ولا في غير المنصرف ولا في
~~الحروف إلا نادرا يناسب العدم.

# وأما الجر فلموافقة حركة الباء أثرها ولا نقض بواو العطف اللازمة
~~للحرفية ولا بكاف التشبيه اللازمة للجر لأن المجموع سبب الامتياز ولم
~~يوجد في كل لكن يبقى النقض واو القسم وتائه ويجاب بأن عملها بالنيابة عن
~~الباء التي هي الأصل في حروفه فكأن الجر ليس أثرا لهما وهذه علل نحوية
~~مستخرجة بعد الوقوع لإبداء مناسبة فلا تتحمل مناقشة لضعفها كما قيل:

# عهد الذي أهوى وميثاقه

# أضعف من حجة نحوي

# فلا نسهر جفن الفكر فيما لها وعليها.

# وقال بعضهم من باب الاشارة: كسرت الباء في البسملة تعليما للتوصل إلى
~~الله تعالى والتعلق بأسمائه بكسر الجناب والخضوع وذل العبودية فلا يتوصل
~~إلى نوع من أنواع المعرفة إلا بنوع من أنواع الذل والكسر كما أشار إلى
~~ذلك ms00023 سيدي عمر بن الفارض قدس الله تعالى سره الفائض بقوله:

# ولو كنت لي من نقطة الباء خفضة

# رفعت إلى ما لم تنله بحيلة

# بحيث نرى أن لا ترى ما عددته

# وأن الذي أعددته غير عدة

# فإن الخفض يقابل الرفع فمن خفضه النظر إلى ذل العبودية، رفعه القدر إلى
~~مشاهدة عز الربوبية، ولا ينال هذا الرفع بحيلة؛ بل هو بمحض الموهبة
~~الإلهية الجليلة، ومن تنزل ليرتفع فتنزله معلول، وسعيه غير مقبول انتهى.
~~وهو أمر مخصوص بباء البسملة لا يمكن أن يجرى في باء الجر مطلقا كما لا
~~يخف، وعندي في سر ذلك أن الباء هي المرتبة الثانية بالنسبة إلى الألف
~~البسيطة المجردة المتقدمة على سائر المراتب فهي إشارة إلى الوجود الحق،
~~والباء إما إشارة إلى صفاته التي أظهرتها نقطة الكون ولذلك لما قيل
~~للعارف الشبلي أنت الشبلي؟ فقال أنا النقطة تحت الباء، وقال سيدي الشيخ
~~الأكبر قدس سره:

# الباء للعارف الشبلي معتبر

# وفي نقيطتها للقلب مدكر

# سر العبودية العلياء مازجها

# لذاك ناب مناب الحق فاعتبروا

# أليس يحذف من بسم حقيقته

# لأنه بدل منه فذا وزر

# والصفات إما جمالية أو جلالية، وللأولى السبق كما يشير إليه حديث

# " سبقت رحمتي غضبي "

# وباء الجر إشارة إليها لأنها الواسطة في الإضافة والإفاضة فناسبها الكسر
~~وخفض الجناح ليتم الأمر ويظهر السر، وفي الابتداء بهاهنا تعجيل للبشارة
~~ورمز إلى أن المدار هو الرحمة كما قال صلى الله عليه وسلم:

# " لن يدخل أحدكم الجنة عمله قيل حتى أنت يا رسول الله قال حتى أنا إلا
~~أن يتغمدني الله برحمته "

# وقد تدرج سبحانه وتعالى بإظهارها فرمز بالباء وأشار بالله وصرح أتم
~~تصريح بالرحمن الرحيم، وأما إشارة إلى الحقيقة المحمدية والتعين الأول
~~المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم:

# " أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر "

# وبواسطته حصلت الإفاضة كما يشير إليه «لولاك ما خلقت الأفلاك» ولكون
~~الغالب عليه عليه الصلاة والسلام صفة الرحمة لا سيما على مؤمني الأمة كما
~~يشير إليه قوله تعالى:

# وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين ms00024

# [الأنبياء: 107] وقوله تعالى:

# بالمؤمنين رءوف رحيم

# [التوبة: 128] ناسب ظهور الكسر فيما يشير إلى مرتبته وفي الابتداء به
~~هنا رمز إلى صفة من أنزل عليه الكتاب والداعي إلى الله. وفي ذلك مع بيان
~~صفة المدعو إليه بأنه الرحمن الرحيم تشويق تام وترغيب عظيم وقد تدرج
~~أيضا جل شأنه في وصفه صلى الله عليه وسلم بذلك في القرآن إلى أن قال
~~سبحانه:

# وإنك لعلى خلق عظيم

# [القلم: 4] واكتفى بالرمز ههنا لعدم ظهور الآثار بعد، وأول الغيث قطر
~~ثم ينهمل، وما من سورة إلا افتتحها/ الرب بالرمز إلى حاله صلى الله عليه
~~وسلم تعظيما له وبشارة لمن ألقى السمع وهو شهيد. ولما كان الجلال في
~~سورة براءة ظاهرا ترك الإشارة بالبسملة وأتى بباء مفتوحة لتغير الحال
~~وإرخاء الستر على عرائس الجمال ولم يترك سبحانه وتعالى الرمز بالكلية إلى
~~الحقيقة المحمدية ولا يسعنا الإفصاح بأكثر من هذا في هذا الباب خوفا من
~~قال أرباب الحجاب وخلفه سر جليل والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

# والاسم عند البصريين من الأسماء العشرة التي بنيت أوائلها على السكون
~~وهي ابن وابنة وابنم واسم واست واثنان واثنتان وامرؤ وامرأة وأيمن الله
~~وأيم الله منه وإلا فأحد عشر إن اعتد بابنم فإذا نطقوا بها زادوا همزة
~~لبشاعة الابتداء بالساكن غير المدات عندهم وفيها يمتنع والأمر ذوقي وهو
~~مما حذف عجزه كيد وما عدا الثلاثة الأخيرة مما تقدم.

# وأصله سمو حذفت الواو تخفيفا لكثرة الاستعمال ولتعاقب الحركات وسكن
~~السين وحرك الميم واجتلبت ألف الوصل فوزنه أفع وتصريفه إلى أسماء وسمي
~~وسميت دون أوسام ووسيم ووسمت يشهد له والجرح بالقلب لا يقبل، واشتقاقه من
~~السمو كالعلو لأنه لدلالته على مسماه يعليه من حضيض الخفاء إلى ذروة
~~الظهور والجلاء. وقال الكوفيون هو من السمة لأنه علامة على مسماه وأصله
~~وسم فحذفت الواو وعوضت عنها همزة الوصل

# وكفى الله المؤمنين القتال

# [الأحزاب: 25]، فوزنه أعلى ويرد عليهم أن الهمزة لم تعهد داخلة على ما
~~حذف صدره وزيادة الإعلال أقيس من عدم النظير وأيضا كونها ms00025 عوضا يقتضي
~~كونها مقصودة لذاتها ووصلا كونها مقصودة تبعا والعوض كجزء أصل دون
~~الوصل فما هو إلا جمع بين الضب والنون فلذا قيل لا حذف ولا تعويض وإنما
~~قلبت الواو همزة كإعاء وإشاح ثم كثر استعماله فجعلت همزته همزة وصل وقد
~~تقطع للضرورة ورجح الأول لهاتيك الشهادة وفيه لغات أوصلها البعض إلى
~~ثماني عشرة ونظمها فقال:

# للاسم عشر لغات مع ثمانية

# بنقل جدي شيخ الناس أكملها

# سم سمات سما واسم وزد سمة

# كذا سماء بتثليث لأولها

# هذا وقد طال التشاجر في أن الاسم هل هو عين المسمى أو غيره؟ فالأشاعرة
~~على الأول، والمعتزلة على الثاني وقد تحير نحارير الفضلاء في تحرير محل
~~البحث على وجه يكون حريا بهذا التشاجر حتى قال مولانا الفخر في «التفسير
~~الكبير»: ان هذا البحث يجري مجرى العبث وذكر وجها ادعى لطفه ودقته وقد
~~كفانا الشهاب مؤنة رده وقد أراد السيد النحرير في «شرح المواقف» فلم يتم
~~له، وللسهيلي في ذلك كلام ادعى أنه الحق/ وصنف في رده ابن السيد " رسالة
~~" مستقلة وادعى الشهاب أنه إلى الآن لم يتحرر وأنه لم ير مع سعة اطلاعه
~~في هذه المسألة ما فيه ثلج الصدور ولا شفاء الغليل ولم يأت رحمه الله
~~تعالى في " حواشيه على البيضاوي " من قبل نفسه بشيء يزيح الإشكال ويريح
~~البال وها أنا من فضل الله تعالى ذاكر شيئا إذا قبل فهو غاية ما أتمناه
~~وقد يوجد في الأسقاط ما لا يوجد في الأسفاط وإن رد فقد رد قبلي كلام ألوف
~~كل منهم فرد يقابل بصفوف

# وابن اللبون إذا ما لز في قرن

# لم يستطع صولة البزل القناعيس

# فأقول: الاسم يطلق على نفس الذات والحقيقة والوجود والعين وهي عندهم
~~أسماء مترادفة كما نقله الإمام أبو بكر بن فورك في كتابه الكبير في
~~«الأسماء والصفات» والأستاذ أبو القاسم السهيلي في «شرح الارشاد» وهما
~~ممن يعض عليه بالنواجذ، ومنه قوله تعالى:

# سبح اسم ربك

# [الأعلى: 1] إذ التسبيح في المعروف إنما يتوجه إلى الذات الأقدس وحمله
~~على تنزيه ms00026 اللفظ كحمله على المجاز والكناية مما لا يليق إذ بعد الثبوت لا
~~يحتاج إليه ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ويؤيده قوله تعالى:

# ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها

# [يوسف: 40] حيث أطلق الأسماء وأراد الذوات لأن الكفار إنما عبدوا حقيقة
~~ذوات الأصنام دون ألفاظها وإن استقام على بعد، وقال سيبوية وهو إمام
~~الصناعة وشيخ الجماعة: والفعل أمثلة أحداث من لفظ أحدث الأسماء ومن
~~العلوم أن الألفاظ لا إحداث لها فليس المراد إلا الذوات وهو بهذا المعنى
~~عين المسمى ولا ينافيه أخذ الاسم من السمو لأن سمو المعلوم في الحقيقة
~~إنما هو بوجوده إن كان موجودا حيث ارتفع عن نقص العدم وبمعقوليته عن
~~الالتباس بمعلوم آخر إن لم يكن ولو كنا نرى الموجودات كلها ونعلم
~~المعلومات بأسرها لم نحتج إلى مسمياتها لكن لما صحت غيبتها عنا لمانع في
~~أبصارنا وبصائرنا احتجنا إلى ما يدلنا عليها في التخاطب والاخبار عنها
~~فمن الله تعالى بهذه الأوضاع لطفا بنا وحكمة حكيم عليم فلما سمت
~~المعلومات بمعقوليتها عن الالتباس وبوجود ما كان موجودا منها عن العدم
~~قيل لها أسماء، ولما دلت الألفاظ عليها قيل لها ذلك أيضا تسمية للشيء
~~باسم ما هو دليل عليه ويطلق الاسم أيضا على الدال وهو قسمان، قديم وهو
~~ما سمى الله تعالى به نفسه في كلامه القديم والقول فيه كالقول في كلامه
~~الذي هو صفة له من أنه لا عين ولا غير، وحادث وهو ما سمى به تعالى شأنه
~~في غير ذلك وهو غير، فالمعتزلة لا يثبتون إلا القسم الثاني من هذا
~~الإطلاق لعدم ثبوت الأول عندهم ولنفيهم الكلام القديم، وأهل السنة لما
~~رأوا أن نزاعهم لهم في القسم الأول من الإطلاق الثاني يعود إلى النزاع من
~~منشئه تركوه واكتفوا بالنزاع في المنشأ عنه حتى برهنوا فيه على مدعاهم
~~ونوروا بالبينات القطيعة دعواهم وقد تقدم ذلك لك في المقدمات ونازعوهم في
~~الإطلاق الأول وأثبتوه بظواهر الآيات ونقل الثقات وقالوا ضد قولهم إن
~~الاسم عين المسمى فكأنه ترقى صورة ms00027 من نفي الغيرية وإثبات لا ولا إلى
~~القول بالعينية التي أنكروها ولعدم فهم المراد من ذلك اعترض بأنه لو كان
~~الاسم هو المسمى لتكثر المسمى عند تكثر الأسماء وأيضا الأسماء تتبدل
~~والمسمى لا يتبدل والاسم يطرأ بعد وجود المسمى والشيء لا يتقدم على نفسه
~~ولا يتأخر فليس هو هو والكل غير وارد إلا على تقدير القول بالعينية بناء
~~على القسم الثاني من الاطلاق الثاني وليس فليس، فاتضح من هذا أن قول
~~المعتزلة بالغيرية ناشىء عن ضلالة في الاعتقاد،

# ومن يضلل الله فما له من هاد

# [غافر: 33]، والاسم في البسملة عند بعض بالمعنى الأول لأن الاستعانة
~~بالألفاظ مجردها مما لا معنى لها وليس في التسعة والتسعين ما لفظه اسم
~~فلا يحسن إلا أن يراد به الذات وأمر الإضافة هين وفيه انه فرق بين
~~الاستعانة المتعدية بنفسها والاستعانة المتعدية بالباء المتعلقة بغير/
~~ذوي العلم نحو

# استعينوا بالصبر والصلوة

# [البقرة: 45]. وقال غير واحد سلمنا أن الاستعانة لا تكون إلا بالذات إلا
~~أن التبرك لا يكون بها وقد قالوا به ولهذا أو للفرق بين اليمين والتيمن
~~أو لئلا يختص التبرك باسم دون اسم أو ليكون أشد وفاقا لحديث الابتداء
~~على ما قيل قال بسم الله ولم يقل بالله ولم تكتب همزة الوصل مع أن الأصل
~~في كل كلمة أن ترسم باعتبار ما يتلفظ بها في الوقف وفي الابتداء بل حذفت
~~تبعا لحذفها في التلفظ للكثرة وقيل لأنها دخلت للابتداء بالسين الساكنة
~~فلما نابت الباء عنها سقطت في الخط بخلاف

# اقرأ باسم ربك

# [العلق: 1] إذ الباء لا تنوب منابها فيه إذ يمكن حذفها مع بقاء المعنى
~~فيقال  اقرأ اسم ربك  وظاهره أن الذي منع من الإسقاط في الآية إمكان
~~حذف الباء فقط وهو مخالف لما ذكره الدماميني من أنه لا بد للحذف من أمرين
~~عدم ذكر المتعلق وإضافة لفظ اسم للجلالة وكلاهما منتف في الآية وهل يشترط
~~تمام البسملة فيه؟ فيه تردد وظاهر كلام «التسهيل» اشتراطه. وقيل لا حذف
~~فيه والباء داخلة على اسم أحد ms00028 اللغات السابقة ثم سكنت السين هربا من
~~توالي كسرتين أو انتقاله من كسرة لضمة وهو مع غرابته بعيد، وعندي أن هذا
~~رسم عثماني وهو مما لا يكاد يعرف السر فيه أرباب الرسوم والكثير من عللهم
~~غير مطردة وبذلك اعتذر البعض عن عدم حذف ألف الله مع كثرة استعماله
~~واستغنى به عن الجواب بشدة الامتزاج وبأنها عوض وبأنه يلزم الاجحاف لو
~~حذفت أو الالتباس بقولنا لله مجرورا فالرأي إبداء سر ذوقي لذلك وقد حرره
~~الشيخ الأكبر قدس سره في «الفتوحات» بما لا مزيد عليه ولست ممن يفهمه
~~والقريب من الفهم أن الهمزة إنما حذفت في الخط ليكون اتصال السين بالباء
~~المشير إلى ما تقدم أتم وتلقي الفيض أقوى

# ومن يطع الرسول فقد أطاع الله

# [النساء: 80]

# ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على
~~ظهرها من دابة

# [فاطر: 45] وفيه إشارة من أول الأمر إلى عموم الرحمة وشمول البعثة لأن
~~السين لما كان ساكنا وتوصل إلى النطق به بالألف أشبه حال المعدوم الذي
~~ظهر بالله وحيث كان ذلك عاما إذ ما من معدوم يطلب الظهور إلا يكون ظهوره
~~بالله سبحانه وتعالى أعطى ذلك الحكم لما قام مقامه واتصل اتصاله وأدى في
~~اللفظ مؤداه فإن كان عبارة عن صفات الجمال ظهر عموم الرحمة

# ورحمتى وسعت كل شىء

# [الأعراف: 156] وإن كان عبارة عن الحقيقة المحمدية ظهر شمول البعثة

# ليكون للعلمين نذيرا

# [الفرقان: 1] بل والرحمة أيضا

# وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين

# [الأنبياء: 107] وتناسبت أجزاء البسملة إشارة وعبارة وإنما طولت الباء
~~للإشارة إلى أن الظهور تام أو إلى أنها وإن انخفضت لكنها إذا اتصلت هذا
~~الاتصال ارتفعت واستعلت، وفيه رمز إلى أن " من تواضع لله رفعه الله " ، "
~~وأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلى ". وقال الرسميون طولت لتدل على الألف
~~المحذوفة ولتكون عوضا عنها وليكون افتتاح كتاب الله تعالى بحرف مفخم
~~ولذا قال صلى الله عليه وسلم لمعاوية فيما روى

# " ألق الدواة وحرف القلم وانصب الباء وفرق السين ولا تعور الميم وحسن
~~الله ومد الرحمن وجود الرحيم ms00029 وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر لك "

# ولعل منه أخذ عمر بن عبد العزيز قوله لكاتبه طول الباء وأظهر السينات
~~ودور الميم، ولبعضهم في التعليل ما ادعى أنه ليس من عمل الأفهام بل
~~مبذولات الإلهام وهو في التحقيق من مبتذلات الأوهام وليس له في التحقيق
~~أدنى إلمام على أن في تعليلهم السابق خفاء بالنظر إلى مشربهم أيضا فافهم
~~ذلك كله.

# و(الله) أصله الإعلالي إله كما في «الصحاح» أو الاله كما في «الكشاف»
~~ولكل وجهة  فحذفت الهمزة اعتباطا على الأظهر وعوض عنها/ الألف واللام
~~ولذلك قيل يا الله بالقطع في الأكثر لتمحض الحرف للعوضية فيه احترازا عن
~~اجتماع أداتي تعريف وأما في غيره فيجري الحرف على أصله، وذكر الرضى أن
~~القطع لاجتماع شيئين لزوم الهمزة الكلمة إلا نادرا كما في لاهه الكبار
~~وكونها بدل همزة إله، وقال السعد: قد يقال فيه أنه نوى الوقف على حرف
~~النداء تفخيما للاسم الشريف واختلفوا في الفرق بين الإله والله فقال
~~السيد السند: هما علم لذاته إلا أنه قبل الحذف قد يطلق على غيره تعالى
~~وبعده لا يطلق على غيره سبحانه أصلا، وقال العلامة السعد: إن الإله اسم
~~لمفهوم كلي هو المعبود بحق والله علم لذاته تعالى، وقال الرضى: هما قبل
~~الإدغام وبعده مختصان بذاته تعالى لا يطلقان على غيره أصلا إلا أنه قبل
~~الإدغام من الأعلام الغالبة وبعده من الأعلام الخاصة، وادعى ابن مالك أن
~~الله من الأعلام التي قارن وضعها أل وليس أصله الاله ثم قال ولو لم يرد
~~على من قال ذلك إلا أنه ادعى ما لا دليل عليه لكان ذلك كافيا لأن الله
~~والاله مختلفان لفظا ومعنى، أما لفظا فلأن أحدهما معتل العين، والثاني
~~مهموز الفاء صحيح العين واللام فهما من مادتين، فردهما إلى أصل واحد تحكم
~~من سوء التصريف وأما معنى: فلأن الله خاص به تعالى جاهلية وإسلاما
~~والاله ليس كذلك لأنه اسم لكل معبود ومن قال أصله الاله لا يخلو حاله من
~~أمرين لأنه إما أن يقول إن ms00030 الهمزة حذفت ابتداء ثم أدغمت اللام أو يقول
~~إنها نقلت حركتها إلى اللام قبلها وحذفت على القياس وهو باطل، أما الأول
~~فلأنه ادعى حذف الفاء بلا سبب ولا مشابهة ذي سبب من ثلاثي فلا يقاس بيد
~~لأن الآخر وكذا ما يتصل به محل التغيير ولا بعدة مصدر يعد لحمله على
~~الفعل فحذف للتشاكل ولا برقة بمعنى ورق لشبهه بعدة وزنا وإعلالا ولولا
~~أنه بمعناه لتعين إلحاقه بالثنائي المحذوف اللام كلثة، وأما ناس وأناس
~~فمن نوس وأنس على أن الحمل عليه على تقدير تسليم الأخذ زيادة في الشذوذ
~~وكثرة مخالفة الأصل بلا سبب يلجىء لذلك وأما الثاني: فلأنه يستلزم مخالفة
~~الأصل من وجوه، أحدها نقل حركة بين كلمتين على سبيل اللزوم، ولا نظير له،
~~والثاني نقل حركة همزة إلى مثل ما بعدها وهو يوجب اجتماع مثلين متحركين
~~وهو أثقل من تحقيق الهمزة بعد ساكن، الثالث من مخالفة الأصل تسكين
~~المنقول إليه الحركة فيوجب كونه عملا كلا عمل وهو بمنزلة من نقل في بئس
~~ولا يخفى ما فيه من القبح مع كونه في كلمة فما هو في كلمتين أمكن في
~~الاستقباح وأحق بالاطراح؛ الرابع إدغام المنقول إليه فيما بعد الهمزة وهو
~~بمعزل عن القياس لأن الهمزة المنقولة الحركة في تقدير الثبوت فإدغام ما
~~قبلها فيما بعدها كإدغام أحد المنفصلين، وقد اعتبر أبو عمرو في في
~~الإدغام الكبير الفصل بواجب الحذف نحو

# يبتغ غير

# [آل عمران: 85] فلم يدغم فاعتبار غير واجب الحذف أولى. ومن زعم أن أصله
~~إله يقول: إن الألف واللام عوض من الهمزة ولو كان كذلك لم يحذفا في لاه
~~أبوك أي لله أبوك إذ لا يحذف عوض ومعوض في حالة واحدة وقالوا لهى أبوك
~~أيضا فحذفوا لام الجر والألف واللام وقدموا الهاء وسكنوها فصارت الألف
~~ياء وعلم بذلك أن الألف كانت منقلبة لتحركها وانفتاح ما قبلها فلما وليت
~~ساكنا عادت إلى أصلها وفتحتها فتحة بناء، وسبب البناء تضمن معنى التعريف
~~عند أبي علي ومعنى حرف التعجب إذ لم يقع في ms00031 غيره وإن لم يوضع له حرف/
~~عندي وهو مع بنائه في موضع جر باللام المحذوفة واللام ومجرورها في موضع
~~رفع خبر أبوك اه ملخصا، قال ناظر الجيش: إنه لا مزيد عليه في الحسن،
~~وأنا أقول لا بأس به لولا قوله إن الإله اسم لكل معبود فقد بالغ البلقيني
~~في رده وادعى أنه لا يقع إلا على المعبود بالحق جل شأنه ومن أطلقه على
~~غيره حكم الله بكفره وأرسل الرسل لدعائه وكان نظير إطلاق النصارى الله
~~على عيسى على أن فيه ما يمكن الجواب عنه كما لا يخفى.

# واشتقاقه من أله كعبد إلاهة كعبادة وألوهة كعبودة وألوهية كعبودية فإله
~~صفة مشبهة بمعنى مألوه ككتاب بمعنى مكتوب وكونه مصدرا كما ذهب إليه
~~المرزوقي وصاحب «المدارك» خلاف المشهور أو من أله كفرح إذا تحير لتحير
~~العقول في كنه ذاته وصفاته وفيه أن الأصل في الاشتقاق أن يكون لمعنى قائم
~~بالمشتق والحيرة قائمة بالخلق لا بالحق أو من ألهت إلى فلان إذا سكنت
~~إليه

# ألا بذكر الله تطمئن القلوب

# [الرعد: 28] أو من أله إذا فزع والله مفزوع إليه

# وهو يجير ولا يجار عليه

# [المؤمنون: 88] أو من أله الفصيل إذا ولع بأمه والعباد مولعون بالتضرع
~~إليه في الشدائد، وقيل هو من وله الواوي بمعنى تحير أيضا وأصله ولاه
~~فقلبت الواو همزة لاستثقال الكسرة عليها فهو كإعاء وإشاح في وعاء ووشاح
~~ويرده الجمع على آلهة دون أولهة وقلب الواو ألفا إذا لم تتحرك مخالف
~~للقياس وتوهم أصالة الهمزة لعدم ولاه خلاف الظاهر ولعلك لا تعبأ بذلك هنا
~~فالشأن عجيب، وزعم بعضهم أن أصله لاه مصدر لاه يليه أولاه يلوه ليها
~~ولاها إذا ارتفع واحتجب وهو المحتجب بسرادقات الجلال والمرتفع عن إدراك
~~الخيال وقد قرىء شاذا (وهو الذي في السماء لاه) وقول ميمون بن قيس
~~الأعشى:

# كحلفه من أبي رباح

# يشهدها لاهه الكبار

# ووجه قطع الهمزة في حال النداء حينئذ بعض ما تقدم من الوجوه، وقيل أصله
~~الكناية لأنها للغائب وهو سبحانه الغائب عن أن تدركه الأبصار ms00032 أو تحيط به
~~الأفكار، وأيضا الهاء يخرج مع الأنفاس فهو المذكور وإن لم تشعر الحواس
~~ومتى انقطع خروجه انقطعت الحياة وحل بالحي الممات فبه وباسمه قوام
~~الأرواح والأبدان واستقامة كل متنفس من الحيوان فزيد عليها لام الملك ثم
~~مد بها الصوت تعظيما ثم ألزم اللام واستأنس لهذا أن الاسم الكريم إذا
~~حذفت منه الهمزة بقي لله

# ولله جنود السموات والارض

# [الفتح: 4] وإذا تركت اللام بقي على صورة له

# له ما في السموات الأرض

# [النحل: 52] وإن تركت اللام الباقية بقي الهاء المضمومة من هو

# لا إله إلا هو

# [البقرة: 163] والواو زائدة بدليل سقوطها في هما وهم فالأصل هو إذ لا
~~يبقى سواه وأنت إذا أمعنت النظر يظهر لك مناسبات أخر ولهذا مال كثير من
~~الصوفية إلى هذا القول وهو إلى المشرب قريب.

# وزعم البلخي أنه ليس بعربي بل هو عبراني أو سرياني معرب لاها ومعناه ذو
~~القدرة ولا دليل عليه فلا يصار إليه واستعمال اليهود والنصارى لا يقوم
~~دليلا إذ احتمال توافق اللغات قائم مع أن قولهم تأله وأله يأباه على أن
~~التصرف فيه كما قيل بحذف/ المدة وإدخال أل عليه وجعله بهذه الصفة دليل
~~على أنه لم يكن علما في غير العربية إذ اشترطوا في منع الصرف للعجمة كون
~~الأعجمي علما في اللغة الأعجمية والتصرف مضعف لها. فهذا الزعم ساقط عن
~~درجة الاعتبار لا يساعده عقل ولا نقل والذي عليه أكابر المعتبرين
~~كالشافعي ومحمد بن الحسن والأشعري وغالب أصحابه والخطابي وإمام الحرمين
~~والغزالي والفخر الرازي وأكثر الأصوليين والفقهاء، ونقل عن اختيار الخليل
~~وسيبويه والمازني وابن كيسان أنه عربي وعلم من أصله لذاته تعالى
~~المخصوصة أما أنه عربي فلا يكاد يحتاج إلى برهان وأما أنه علم كذلك فقد
~~استدل عليه بوجوه. الأول أنه يوصف ولا يوصف به وقراءة

# صراط العزيز الحميد * الله

# [إبراهيم: 1-2] بالجر محمولة على البيان وتجويز الزمخشري في سورة (فاطر)
~~كون الاسم الكريم صفة اسم الإشارة من باب قياس العلم على الجوامد في
~~وقوعها صفة لاسم الإشارة على ms00033 خلاف القياس إذ المنظور فيها رفع الإبهام
~~فقط وقد تفرد به، الثاني: أنه لا بد له من اسم يجري عليه صفاته فإن كل
~~شيء تتوجه إليه الأذهان ويحتاج إلى التعبير عنه قد وضع له اسم توقيفي أو
~~اصطلاحي فكيف يهمل خالق الأشياء ومبدعها ولم يوضع له اسم يجري عليه ما
~~يعزى إليه ولا يصلح له مما يطلق عليه سواه وكونه اسم جنس معرف مما لا
~~يليق لأنه غير خاص وضعا وكونه علما منقولا من الوصفية يستدعي أن لا
~~يكون في الأصل ما تجري عليه الصفات وهو كما ترى الثالث: أنه لو كان وصفا
~~لم تكن الكلمة توحيدا مثل لا إله إلا الرحمن إذ لا منع من الشركة وكذا
~~لو كان اسم جنس والإجماع منعقد على إفادتها له دون الثاني والسر أنه لو
~~كان صفة كان مدلوله المعنى لا الذات المعينة فلا يمنع من الشركة وإن اختص
~~استعمالا بذاته تعالى بخلاف ما إذا كان علما فإن مدلوله حينئذ الذات
~~المعينة وان تعقل بوجه كلي إذ كليته لا تستلزم كلية المعلوم وقد اعترفوا
~~بعموم الوضع وخصوص الموضوع له وقد انحل بهذا عصام قربة من قال إنه لو كفى
~~في التوحيد الاختصاص في الواقع فلا إله إلا الرحمن أيضا توحيد وإن لم
~~يكف واقتضى ما يعين بحيث لا تجوز فيه الشركة لم يكن لا إله إلا الله كذلك
~~إذ لا تنحصر ذاته تعالى لنا على وجه التشخص ولا حاجة إلى ما ذكره من
~~الجواب أخطأ فيه أم أصاب ولا يرد

# قل هو الله أحد

# [الإخلاص: 1] معارضا فإنه لو دل على التوحيد لم يكن للوصف فائدة لما
~~سيأتي إن شاء الله تعالى من تفسيره لعدم قبول التعدد بوجه وهو ليس من
~~لوازم العلمية ولا يغير هذه الوجوه المسفرة ما قيل إنها لا تستلزم المدعى
~~إذ الاختلاف إنما وقع بعد تسليم الاختصاص في كونه صفة فيكون كالرحمن أو
~~اسما فيكون علما، وهذا القدر يكفي بعد ذلك في المقصود كما لا يخفى على
~~من لم يركب ms00034 مطية الجحود.

# والإمام البيضاوي مع أن له اليد البيضاء في التحقيق لم يتبلج له صبح هذا
~~القول وهو لا يحتاج إلى النظر الدقيق فاختار أنه وصف في أصله لكنه لما
~~غلب عليه بحيث لا يستعمل في غيره وصار له كالعلم مثل الثريا والصعق أجرى
~~مجراه في إجراء الوصف عليه وامتناع الوصف به وعدم تطرق احتمال الشركة
~~إليه لأن ذاته من حيث هو بلا اعتبار أمر آخر حقيقي أو غيره غير معقول
~~للبشر فلا يمكن أن يدل عليه بلفظ ولأنه لو دل على مجرد ذاته المخصوص لما
~~أفاد ظاهر قوله تعالى:

# وهو الله فى السموات

# [الأنعام: 3] معنى صحيحا ولأن معنى الاشتقاق كون أحد اللفظين مشاركا
~~للآخر في المعنى والتركيب وهو حاصل بينه وبين الأصول المذكورة هذا كلامه،
~~وقد أبطل فيه الأدلة الثلاث وحيث لم يلزم من إبطال الدليل إبطال/ المدلول
~~أبطله بوجهين ونظم في سلكهما ثالثا يدل على الوصفية وفيه أن الوجه
~~الأول: قد اعترضه هو نفسه حيث قال في تعليقاته وفيه نظر إذ يكفي في وضع
~~العلم تعقله بوجه يمتاز به عن غيره من غير أن يعتبر ما به الامتياز في
~~المسمى فيمكن وضع العلم لمجرد الذات المعقولة في ضمن بعض الصفات وقد تقرر
~~في الكلام أنه يمكن أن يخلق الله تعالى العلم بكنه ذاته في البشر ولأنه
~~إنما يتمشى إذا لم يكن الواضع هو الله تعالى والتحقيق أن تصوير الموضوع
~~له بوجه ما كاف في وضع العلم وكذا في فهم السامع عند استعماله انتهى،
~~والمرء مؤاخذ بإقراره وهذا اكتفاء بأقل اللازم وإلا فالمحققون قد أبطلوا
~~هذا الدليل بما لا مزيد عليه، وأما الثاني: ففيه إن لم نقل الآية من
~~المتشابه أن العلم قد يلاحظ معه معنى به يصلح لتعلق الظرف كقولك أنت عندي
~~حاتم وقوله:

# أسد علي وفي الحروب نعامة

# فتخاء تنفر من صفير الصافر

# فليلاحظ هنا المعبود بالحق لاشتهاره سبحانه بذلك في ضمن هذا الاسم
~~المقدس على أنه يحتمل التعلق بيعلم في قوله تعالى:

# يعلم سركم

# [الأنعام: 3] الآية ms00035 والجملة خبر ثان أو هي الخبر ولفظ الله بدل والظاهر
~~أن قوله ظاهر لهذا.

# وأما الثالث: ففيه أن المنكر لاشتقاقه لا يسلم التوافق في المعنى على
~~أنه لا يستلزم الوصفية أيضا وكون المدعى ظني فيكفي فيه الحدس من مثل ذلك
~~لا يجدي نفعا إذ لنا أن نقول مثله والمنشأ أتم والظن أقوى والوجوه التي
~~ذكرت في الإبطال ترهقها ذلة لأنها كلها متوجهة تلقاء الغلبة وهي إن لم
~~تكن تحقيقية ضعيفة بل تقديرية قوية لكنها على كل حال دون العلمية الأصلية
~~قوة وشرفا فالعدول عن الأشرف في هذا الاسم الأقدس مما لا أسوغ الإقدام
~~عليه ودون إثبات الداعي نفي الرقاد وخرط القتاد. وقد رأيت بعض ذلك فالذي
~~أرتضيه لا عن تقليد أن هذا الاسم الأعظم موضوع للذات الجامعة لسائر
~~الصفات وإلى ذلك يشير كلام ساداتنا النقشبندية بلغنا الله تعالى ببركاتهم
~~كل أمنية في الوقوف القلبي وهو أن يلاحظ الذاكر في قلبه كلما كرر سكر
~~هذا الاسم الأقدس ذاتيا بلا مثل، وحققه الشيخ الأكبر قدس سره في مواضع
~~عديدة من كتبه.

# هذا وتفخيم اللام من هذا الاسم الكريم إذا انفتح ما قبله أو انضم طريقة
~~معروفة عند القراء وقيل مطلقا، وحذف ألفه لغة حكاها ابن الصلاح، وفي
~~«التيسير» إنها لغة ثابتة في الوقف دون الوصل والأفصح الإثبات حتى قال
~~بعضهم: إن الحذف لحن تفسد به الصلاة ولا ينعقد به صريح اليمين ولا يرتكب
~~إلا في الضرورة كقوله:

# ألا لا بارك الله في سهيل

# إذا ما بارك الله في الرجال

# وقد أطال الشيخ قدس سره الكلام في «الفتوحات» عن أسرار حروفه وأتى
~~بالعجب العجاب، وفي ظهور الألف تارة وخفائها أخرى وسكون اللام أولا
~~وتحركها ثانيا والختم باطنا بما به البدء ظاهرا واشتمال الكلمة على
~~متحرك وساكن وصالح لأن يظهر بأحد الأمرين إشارات لا تخفى على العارفين
~~فارجع إلى كتبهم فهم أعرف بالله تعالى منا، وسبحان من احتجب بنور العظمة
~~حتى تحيرت الأفهام في اللفظ الدال عليه إذ انعكست له من تلك الأنوار أشعة ms00036
~~بهرت أعين المستبصرين فلم يستطيعوا أن يمعنوا النظر فيه وإليه والقصور في
~~القابل لا في الفاعل:

# توهمت قدما أن ليلى تبرقعت

# وأن حجابا دونها يمنع اللثما

# فلاحت فلا والله ما ثم حاجب

# سوى أن طرفي كان عن حسنها أعمى

# و { الرحمن الرحيم } المشهور أنهما صفتان مشبهتان بنيتا
~~لإفادة المبالغة وأنهما من رحم مكسور العين نقل إلى رحم/ مضمومها بعد
~~جعله لازما وهذا مطرد في باب المدح والذم وأن الرحمة في اللغة رقة القلب
~~ولكونها من الكيفيات التابعة للمزاج المستحيل عليه سبحانه تؤخذ باعتبار
~~غايتها إما على طريقة المجاز المرسل بذكر لفظ السبب وإرادة المسبب وإما
~~على طريقة التمثيل بأن شبه حاله تعالى بالقياس إلى المرحومين في إيصال
~~الخير إليهم بحال الملك إذا رق لهم فأصابهم بمعروفه وإنعامه فاستعمل
~~الكلام الموضوع للهيئة الثانية في الأولى من غير أن يتمحل في شيء من
~~مفرداته وإما على طريقة الاستعارة المصرحة بأن يشبه الإحسان على ما
~~اختاره القاضي أبو بكر أو إرادته على ما اختاره الأشعري بالرحمة بجامع
~~ترتب الانتفاع على كل ويستعار له الرحمة ويشتق منها الرحمن الرحيم على حد
~~ الحال ناطقة بكذا  وإما على طريقة الاستعارة المكنية التخييلية بأن
~~يشبه معنى الضمير فيهما العائد إليه تعالى بملك رق قلبه على رعيته
~~تشبيها مضمرا في النفس ويحذف المشبه به ويثبت له شيء من لوازمه وهو
~~الرحمة، وقيل الرحمة في ذلك حقيقة شرعية وأن الرحمن أبلغ من الرحيم لأن
~~زيادة البناء تدل على زيادة المعنى فتؤخذ تارة باعتبار الكمية وأخرى
~~باعتبار الكيفية فعلى الأول قيل يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكفار
~~ورحيم الآخرة لأنه يخص المؤمن وعلى الثاني قيل يا رحمن الدنيا والآخرة
~~ورحيم الدنيا لأن النعم الأخروية كلها جسام وأما النعم الدنيوية فجليلة
~~وحقيرة وأنه إنما قدم الرحمن والقياس يقتضي الترقي لتقدم رحمة الدنيا
~~ولأنه صار كالعلم من حيث إنه لا يوصف به غيره لأن معناه المنعم الحقيقي
~~البالغ في الرحمة غايتها وذلك لا يصدق على غيره، وقول بني حنيفة في
~~مسيلمة ms00037 رحمن اليمامة وقول شاعرهم فيه:

# سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا

# وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا

# غلو في الكفر أو التقديم لأن الرحمن لما دل على جلائل النعم وأصولها ذكر
~~الرحيم ليتناول ما خرج منها فيكون كالتتمة والرديف له أو للمحافظة على
~~رؤوس الآي.

# هذا وجميعه لا يخلو عن مقال ولا يسلم من رشق نبال أما أولا فلأن الصفة
~~المشبهة لا تبنى إلا من لازم ولذا قال في «التسهيل»: إن ربا وملكا
~~ورحمانا ليست منها لتعدي أفعالها ولم يقل أحد بنقل ما تعدى منها لفعل
~~المضموم العين والمسطور في المتون المعول عليها أن فعل المفتوح والمكسور
~~إذا قصد به التعجب يحول إلى فعل المضموم كقضوا الرجل بمعنى ما أقضاه
~~وحينئذ فيه اختلاف هل يعطى حكم نعم أو فعل التعجب كما فصلوه ثمة وإلحاقهم
~~له بنعم كالصريح في عدم تصرفه وأنه لا يؤخذ منه صفة أصلا وكون رفيع
~~الدرجات بمعنى رفيع درجاته لا رافع الدرجات لا يجدي نفعا وإنما فسروه
~~بما ذكر لأن المراد درجات عزه وجبروته ليناسب المراد من قوله:

# ذو العرش يلقى الروح من أمره على من يشاء من
~~عباده

# [غافر: 15] وهي بسطة ملكه وسعة ملكوته وتلك الدرجات ليست مرفوعة بفعل.
~~ونقل ذلك عن الزمخشري في «الفائق» بعد تسليم أنه مذكور فيه معارض بما صرح
~~به هو في غيره «كالمفصل» على أن قولهم رحمن الدنيا ورحيم الآخرة بالإضافة
~~إلى المفعول كما نص عليه دون الفاعل يقتضي عدم اللزوم وأنهما ليسا بصفة
~~مشبهة فالأصح أنهما من أبنية المبالغة الملحقة باسم الفاعل وأخدا من فعل
~~متعد وذلك في الرحيم ظاهر وقد نص عليه سيبويه في قولهم رحيم فلانا وكذا
~~الزجاج والصيغة تساعده وللاشتباه،/ في الرحمن وعدم ذكر النحاة له في
~~أبنية المبالغة قال الأعلم وابن مالك: أنه علم في الأصل لا صفة ولا علم
~~بالغلبة التقديرية التي ادعاها الجل من العلماء.

# وأما ثانيا: فلأن نقل فعل المكسور إلى فعل المضموم لا يتوقف على جعله
~~لازما أولا لأنه بمجرد النقل يصير ms00038 كذلك وتحصيل المناسبة بين المنقول
~~والمنقول إليه باللزوم لعدم الاكتفاء فيها بمطلق الفعلية مما لا يحفى ما
~~فيه. وأما ثالثا: فلأن كون الرحمة في اللغة رقة القلب إنما هو فينا وهذا
~~لا يستلزم ارتكاب التجوز عند إثباتها لله تعالى لأنها حينئذ صفة لائقة
~~بكمال ذاته كسائر صفاته ومعاذ الله تعالى أن تقاس بصفات المخلوقين وأين
~~التراب من رب الأرباب. ولو أوجب كون الرحمة فينا رقة القلب ارتكاب المجاز
~~في الرحمة الثابتة له تعالى لاستحالة اتصافه بما نتصف به فليوجب كون
~~الحياة والعلم والإرادة والقدرة والكلام والسمع والبصر ما نعلمه منها
~~فينا ارتكاب المجاز أيضا فيها إذا أثبتت لله تعالى وما سمعنا أحدا قال
~~بذلك وما ندري ما الفرق بين هذه وتلك وكلها بمعانيها القائمة فينا يستحيل
~~وصف الله تعالى بها فأما أن يقال بارتكاب المجاز فيها كلها إذا نسبت إليه
~~عز شأنه أو بتركه كذلك وإثباتها له حقيقة بالمعنى اللائق بشأنه تعالى
~~شأنه.

# والجهل بحقيقة تلك الحقيقة كالجهل بحقيقة ذاته مما لا يعود منه نقص إليه
~~سبحانه بل ذلك من عزة كماله وكمال عزته والعجز عن درك الإدراك إدراك
~~فالقول بالمجاز في بعض والحقيقة في آخر لا أراه في الحقيقة إلا تحكما
~~بحتا بل قد نطق الإمام السكوني في كتابه «التمييز لما للزمخشري من
~~الاعتزال في تفسير كتاب الله العزيز» بأن جعل الرحمة مجازا نزغة
~~اعتزالية قد حفظ الله تعالى منها سلف المسلمين وأئمة الدين فإنهم أقروا
~~ما ورد على ما ورد وأثبتوا لله تعالى ما أثبته له نبيه صلى الله عليه
~~وسلم من غير تصرف فيه بكناية أو مجاز وقالوا لسنا أغير على الله من رسوله
~~لكنهم نزهوا مولاهم عن مشابهة المحدثات، ثم فوضوا إليه سبحانه تعيين ما
~~أراده هو أو نبيه من الصفات المتشابهات.

# والأشعري إمام أهل السنة ذهب في النهاية إلى ما ذهبوا إليه. وعول في
~~«الإبانة» على ما عولوا عليه فقد قال في أول كتاب «الإبانة» الذي هو آخر
~~مصنفاته: ((أما بعد فإن كثيرا من الزائغين ms00039 عن الحق من المعتزلة وأهل
~~القدر مالت بهم أهواؤهم إلى التقليد لرؤسائهم ومن مضي من أسلافهم فتأولوا
~~القرآن على آرائهم تأويلا لم ينزل الله به سلطانا ولا أوضح به برهانا
~~ولا نقلوه عن رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم ولا عن السلف
~~المتقدمين  وساق الكلام إلى أن قال  فإن قال لنا قائل قد أنكرتم قول
~~المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم
~~الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون قيل له قولنا الذي نقول به
~~وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم
~~وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان
~~عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون ولمن
~~خالف قوله مجانبون لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله
~~تعالى به الحق (عند ظهور الضلال) وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين
~~وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدم وكبير معظم
~~مفخم)) وعلى جميع أئمة المسلمين ثم سرد الكلام في بيان عقيدته مصرحا
~~بإجراء ما ورد من الصفات على حالها بلا كيف غير متعرض لتأويل ولا ملتفت
~~إلى قال وقيل.

# فما نقل عنه من تأويل صفة الرحمة إما غير ثابت أو مرجوع عنه والأعمال
~~بالخواتيم. وكذا يقال في حق غيره من القائلين به من أهل السنة على أنه
~~إذا سلم/ الرأس كفى ومن ادعى ورود ذلك عن سلف المسلمين فليأت ببرهان مبين
~~فما كل من قال يسمع ولا كل من ترأس يتبع:

# أما الخيام فإنها كخيامهم

# وأرى نساء الحي غير نسائهم

# والعجب من علماء أعلام، ومحققين فخام كيف غفلوا عما قلناه، وناموا عما
~~حققناه ولا أظنك في مرية منه وإن قل ناقلوه وكثر منكروه: و

# كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله

# [البقرة: 249].

# وأما رابعا فلأن إجراء الاستعارة التمثيلية هنا مع أنه تكلف لا سيما
~~على مذهب السيد السند قدس سره فيه ظاهرا نوع من سوء الأدب إذ ms00040 لا يقال إن
~~لله تعالى هيئة شبيهة بهيئة الملك ولم يرد إطلاق الحال عليه سبحانه
~~وتعالى فهل هذا إلا تصرف في حق الله تعالى بما لم يأذن به الله، ومثل هذا
~~أيضا مكني في المكنية وبلاغة القرآن غنية عن تكلف مثل ذلك؛ وأما خامسا
~~فلأن وجه تشبيه الإحسان في احتمال الاستعارة المصرحة بالرحمة التي هي رقة
~~القلب غير صريح لأنه لا ينتفع بها نفسها وإنما الانتفاع بآثارها وكم من
~~رق قلبه على شخص حتى أرق له لم ينفعه بشيء ولا أعانه بحي ولا لي.

# أهم بأمر الحزم لا أستطيعه

# وقد حيل بين العير والنزوان

# ولا كذلك الانتفاع بالإحسان وأما الإرادة فهي إن قلنا بصحة إرادتها هنا
~~لا تصح في وجه المجاز المرسل بالنظر إليه تعالى بل إنك إذا تأملت وأنصفت
~~وجدت الرحمة إن تسببت الإحسان أو أرادته فإنما تسببه إذا كانت هي وهو
~~صفتين لنا ومجرد السببية والمسببية في هذه الحالة لا يوجب كون الرحمة
~~المنسوبة إليه عز شأنه مجازا مرسلا عن أحد الأمرين وبفرض وجود الرحمة
~~بذلك المعنى فيه تعالى كيفما كان الفرض لانجزم بالسببية والمسببية أيضا
~~وقياس الغائب على الشاهد مما لا ينبغي والفرق مثل الصبح ظاهر والذهن مقيد
~~عن دعوى الإطلاق لما لا يخفى عليك فتأمل في هذا المقام فقد غفل عنه أقوام
~~بعد أقوام.

# وأما سادسا فلأن كون الرحمن أبلغ من الرحيم غير مسلم وإن قال الراغب:
~~إن فعيلا لمن كثر منه الفعل وفعلان لمن كثر منه وتكرر حتى قيل الرحيم
~~أبلغ لتأخره، وقول ابن المبارك الرحمن إذا سئل أعطى والرحيم إذا لم يسئل
~~غضب وقيل هما سواء لظاهر الحديث الذي أخرجه الحاكم في «المستدرك» مرفوعا

# " رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما "

# وإليه ذهب الجويني وقرره بأن فعلان لمن تكرر منه الفعل وكثر وفعيل لمن
~~ثبت منه الفعل ودام وفرق بعضهم بينهما بأن الرحمن دال على الصفة القائمة
~~به تعالى والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم فكان الأول للوصف والثاني
~~للصفة فالأول دال على أن الرحمة صفته والثاني دال ms00041 على أنه يرحم خلقه
~~برحمته وإذا أردت فهم ذلك فتأمل قوله تعالى:

# وكان بالمؤمنين رحيما

# [الأحزاب: 43]

# إنه بهم رءوف رحيم

# [التوبه: 117] ولم يجىء قط رحمن فإنه يستشعر منه إن رحمن هو الموصوف
~~بالرحمة ورحيم هو الراحم برحمته وما ذكر من قولهم لأن زيادة البناء تدل
~~على زيادة المعنى قاعدة أغلبية أسسها ابن جني فلعلها لا تثبت مع بسم الله
~~الرحمن الرحيم وقد نقضت بحذر فإنه أبلغ من حاذر مع زيادة حروفه، فإن أجيب
~~بأنها أكثرية فيأمر حبا بالوفاق وإن أجيب بأن ما ذكر لا ينافي أن يقع في
~~البناء إلا نقص زيادة معنى بسبب آخر كالإلحاق بالأمور الجبلية مثل شره
~~ونهم فجاز أن حاذرا أبلغ من حذر لدلالته على زيادة الحذر وإن لم يدل على
~~ثبوته ولزومه فهو على ما فيه لا يصفو عن كدر لأنهم صرحوا بأنه قد كثر
~~استعمال فعيل في الغرائز كشريف وكريم وفعلان في غيرها كغضبان وسكران
~~فيقتضي أنه أبلغ ولو من وجه أو لا فسواء وإن أجيب بأن القاعدة فيما إذا
~~كان اللفظان المتلاقيان في الاشتقاق متحدي النوع في المعنى كغرث وغرثان
~~وصد وصديان ورحيم ورحمن لا كحذر وحاذر للاختلاف فإن أحدهما اسم فاعل
~~والآخر صفة مشبهة فيقال قد صرح ابن الحاجب بأنه من أبنية المبالغة
~~المعدودة من اسم الفاعل فهما متحدان نوعا أيضا فيحصل الانتقاض ألبتة ثم
~~إنهم استشكلوا الأبلغية/ بأن أصل المبالغة مما لا يمكن هنا لأنها عبارة
~~عن أن تثبت للشيء أكثر مما له وذلك فيما يقبل الزيادة والنقص، وصفاته
~~تعالى منزهة عن ذلك لاستلزامه التغير المستلزم للحدوث، وأجيب بأن المراد
~~الأكثرية في التعلقات والمتعلقات لا في الصفة نفسها وهذا إذا كانت صفة
~~ذات وإن كانت صفة فعل فلا إشكال على ما ذهب إليه الأشاعرة من القول
~~بحدوثها. وأما على ما ذهب إليه ساداتنا الماتريدية القائلون بقدوم صفة
~~التكوين فيجاب بما أجيب به عن الأول.

# وأما سابعا فلأن قولهم فعلى الأول قيل يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن
~~والكافر ورحيم الآخرة لأنه ms00042 يخص المؤمن إن أرادوا به أن أبلغية الرحمن
~~ههنا باعتبار كثرة أفراد الرحمة في الدنيا لوجودها في المؤمن والكافر
~~فلا يستقيم عليه، ورحيم الآخرة إذ النعم الأخروية غير متناهية وإن خصت
~~المؤمن، وإن أرادوا أنها باعتبار كثرة أفراد المرحومين فلا يخفى أن كثرة
~~أفرادهم إنما تؤثر في الأبلغية باعتبار اقتضائها كثرة أفراد الرحمة في
~~الدنيا أيضا ومعلوم أن أفراد الرحمة في الآخرة أكثر منها بكثير بل لا
~~نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلا فهذا الوجه مخدوش على الحالين على
~~أن في اختصاص رحمة الآخرة بالمؤمنين مقالا إذ قد ورد في الصحيح شفاعته
~~صلى الله عليه وسلم لعامة الناس من هول الموقف:

# عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا

# [الإسراء: 79] وروي تخفيف العذاب عن بعض الأشقياء في الآخرة وكون الكفار
~~في الأول تبعا غير مقصودين كيف وهم بعد الموقف يلاقون ما هو أشد منه
~~فليس ذلك رحمة في حقهم والتخفيف في الثاني على تقدير تحققه نزول من مرتبة
~~من مراتب الغضب إلى مرتبة دونها فليس رحمة من كل الوجوه ليس بشيء أما
~~أولا فلأن القصد تبعا وأصالة لا مدخل له وحبذا الولد من أين جاء، وأما
~~ثانيا فلأن ملاقاتهم بعد لما هو أشد فلا يكون ذلك رحمة في حقهم يستدعي
~~أن لا رحمة من الله تعالى لكافر في الدنيا كما قد قيل به لقوله تعالى:

# ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم خير
~~لانفسهم إنما نملى لهم ليزدادوا إثما ولهم
~~عذاب مهين

# [آل عمران: 178] وقوله تعالى:

# ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد
~~الله أن يعذبهم بها

# [التوبة: 85] فيبطل حينئذ دعوى شمول الرحمة المؤمن والكافر في الدنيا إذ
~~لا فرق بين ما يكون للكافر في الدنيا مما يتراءى أنه رحمة وما يكون له في
~~الآخرة فوراء كل عذاب شديد، وأما ثالثا فلأن كون التخفيف ليس برحمة من
~~كل الوجوه لا يضر وكل أهل النار يتمنى التخفيف:

# وقال الذين فى النار لخزنة جهنم ادعوا
~~ربكم يخفف عنا يوما من العذاب

# [غافر: 49] وحنانيك بعض الشر ms00043 أهون من بعض.

# وأما ثامنا فلأن قولهم وعلى الثاني قيل يا رحمن الدنيا والآخرة الخ فيه
~~بعض شيء وهو أنه يصح أن يكون بالاعتبار الأول لأن نعم الدنيا والآخرة
~~تزيد على نعم الآخرة نعم يجاب عنه بأنه يلزم حينئذ أن يكون ذكر رحيم
~~الدنيا لغوا ولا يلزم ذلك على اعتبار الكيفية إذ المراد يا موليا لجسام
~~النعم في الدارين ولما دونها في الدنيا. وأيضا مقصود القائل التوسل بكلا
~~الاسمين المشتقين من الرحمة في مقام طلبها مشيرا إلى عموم الأول وخصوص
~~الثاني ويحصل في ضمنه الاهتمام برحمته الدنيوية الواصلة إليه الباعثة
~~لمزيد شكره إلا أنه يرد عليه كسابقه أن الأثر لا يعرف والمعروف المرفوع:
~~«رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما» وكفاية كونه من كلام السلف ليس بشيء كما
~~لا يخفى.

# وأما تاسعا فلأن السؤال عن تقديم الرحمن معترض بمقبول ومردود، وذكر ابن
~~هشام أنه غير متجه لأن هذا خارج عن كلام العرب إذ لم يستعمل صفة ولا
~~مجردا من أل فهو بدل لا نعت والرحيم نعت له لا نعت لاسم الله سبحانه إذ
~~لا يتقدم البدل على النعت ومما يوضح لك أن الرحمن غير صفة مجيئه كثيرا
~~غير تابع نحو:

# الرحمن على العرش استوى

# [طه: 5]

# الرحمن * علم القرءان

# [الرحمن: 1-2]

# قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن

# [الإسراء: 110]

# وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما
~~الرحمن

# [الفرقان: 60] وقال ابن خروف هو صفة غالبة ولم يقع تابعا إلا لله
~~تعالى/ في البسملة والحمدلة ولذا حكم عليه بغلبة الاسمية وقل استعماله
~~منكرا ومضافا فوجب كونه بدلا لا صفة لكون لفظة الله أعرف المعارف،
~~وقال غير واحد: إنهما ما ذكرا لإفادة الشمول والعموم كما تقول الكبير
~~والصغير يعرفه ولو عكست صح وكان المعنى بحاله ومثله لا يلزم فيه الترتيب
~~كما فصل في «المثل السائر». وللعلماء في هذا الترتيب كلام كثير وداعى
~~العلامة المدقق في «الكشف» أن التحقيق يقتضي أن يرد النظم على هذا الوجه
~~ولا يجوز غيره لأن الله اسم للذات الإلهية باعتبار أن الكل منه وإليه ms00044
~~وجودا ورتبة وماهية والرحمن اسم له باعتبار إفاضة الرحمة العامة أعني
~~الوجود على الممكنات والرحيم اسم له باعتبار تخصيص كل ممكن بحصة من
~~الرحمة وهي الوجود الخاص وما يتبعه من وجود كمالاته فلو لم يورد كذلك لم
~~يكن على النهج الواقع المحقق ذوقا وشهودا عقلا ووجودا، وأيضا لما
~~كان المقصود تعليم وجه التيمن بأسمائه الحسنى وتقديمها عند كل ملم كان
~~المناسب أن يبدأ من الأعلى فالأعلى إرشادا لمن يقتصر على واحد أن يقتصر
~~على الأولى فالأولى وتقريرا في ذهن السامع لوجه التنزل أولا فأولا
~~انتهى، ويؤيد بعضه بعض ما أسلفناه من الآثار والبعض الآخر في القلب منه
~~شيء لأن تخصيص الرحمن بالوجود العام والرحيم بالكمالات تحكم غير مرضي
~~وربما ينافي المأثور على أنه لا معنى لإفاضة الوجود على الكل إلا تخصيص
~~كل ممكن بحصة منه وهل يوجد في الخارج من النوع إلا الحصص الإفرادية
~~فتخصيص الإفاضة بالرحمن والتخصيص بالرحيم على ما يلوح بمعزل عن التحقيق
~~والعجب ممن فاته ذلك.

# وأما عاشرا فلأن ما ذكروه في الجواب عن قول بني حنيفة بأنه غلو في
~~الكفر فيكون الإطلاق غير صحيح لغة وشرعا فيه أنه إذا كان إطلاقه عليه
~~تعالى شأنه مجازا كما زعموا وبالغلبة فكيف يقال إن استعماله في حقيقته
~~وأصل معناه خطأ لغة. وقد ذهب السبكي إلى أن المخصوص به تعالى هو المعرف
~~دون المنكر والمضاف لوروده لغيره ورد به على القول بأنه مجاز لا حقيقة له
~~وأن صحة المجاز إنما تقتضي الوضع للحقيقة لا الاستعمال نعم هو في لسان
~~الشرع يمنع إطلاقه على غيره مطلقا وإن جاز لغة كالصلاة على الأنبياء
~~عليهم الصلاة والسلام وبذلك صرح العز بن عبد السلام. وقيل إن رحمانا في
~~البيت مصدر لا صفة مشبهة والمراد لا زلت ذا رحمة وفيه ما لا يخفى وأفهم
~~كلامه أن الرحيم يوصف به غيره تعالى وهو المعروف لكن أخرج ابن أبي حاتم
~~عن الحسن البصري أنه قال: الرحيم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه ولعل مراده
~~المعرف دون المنكر والمضاف ms00045 فافهم.

# وأما الحادي عشر فلأن المحافظ على رؤوس الآي إنما تحسن  كما قال
~~الزمخشري  بعد إيقاع المعاني على النهج الذي يقتضيه حسن النظم والتئامه
~~فأما أن تهمل المعاني ويهتم للتحسين وحده فليس من قبيل البلاغة.

# وقال الشيخ عبد القاهر: أصل الحسن في جميع المحسنات اللفظية أن تكون
~~الألفاظ تابعة للمعاني فمجرد المحافظة على الرؤوس لا يصير نكتة للتقديم
~~إلا بعد أن يثبت أن المعاني إذا أرسلت على سجيتها كانت تقتضي التقديم على
~~أن المحافظة لا تجري في كل سورة بل فيها ما يقتضي خلاف هذا كسورة الرحمن،
~~وأيضا هو مبني على أن الفاتحة أول نازل فروعي فيها ذلك ثم اطرد في غيرها
~~وعلى أن البسملة آية من السورة ودون ذلك سور من حديد، وعندي من باب
~~الإشارة أن تأخير الرحيم لأنه صفة محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى:

# بالمؤمنين رءوف رحيم

# [التوبة: 128] وبه عليه السلام كمال الوجود وبالرحيم تمت البسملة
~~وبتمامها تم العالم خلقا وإبداعا وكان/ صلى الله عليه وسلم مبتدأ وجود
~~العالم عقلا ونفسا فبه بدء الوجود باطنا وبه ختم المقام ظاهرا في
~~عالم التخطيط فقال

# " لا رسول بعدي "

# فالرحيم هو نبينا عليه الصلاة والسلام وبسم الله هو أبونا آدم عليه
~~السلام وأعني في مقام ابتداء الأمر ونهايته وذلك أن آدم عليه السلام حامل
~~الأسماء قال تعالى:

# وعلم ءادم الاسماء كلها

# [البقرة: 31] ومحمد صلى الله عليه وسلم حامل معاني تلك الأسماء التي
~~حملها آدم عليه السلام:

# لك ذات العلوم من عالم الغي

# ب ومنها لآدم الأسماء

# وهي الكلم قال صلى الله عليه وسلم:

# " أوتيت جوامع الكلم "

# ومن أثني على نفسه أمكن وأتم ممن أثنى عليه كيحيى وعيسى عليهما
~~السلام ومن حصل له الذات فالأسماء تحت حكمه وليس كل من حصل إسما يكون
~~المسمى محصلا عنده ولهذا فضلت الصحابة علينا رضوان الله تعالى عليهم
~~فإنهم حصلوا الذات وحصلنا الأسماء، ولما راعينا الاسم مراعاتهم الذات
~~ضوعف لنا الأجر فللعامل منا أجر خمسين ممن يعمل بعمل الصحابة لا من
~~أعيانهم بل ms00046 من أمثالهم والحسرة الغيبة التي لم تكن لهم فكان تضعيف على
~~تضعيف فنحن الأخوان وهم الأصحاب وهو صلى الله عليه وسلم إلينا بالأشواق
~~وما أفرحه بلقاء واحد منا وكيف لا يفرح وقد ورد عليه من كان بالأشواق
~~إليه، وأيضا وجدنا بين الله والرحمن من المناسبة ما ليس بينه وبين
~~الرحيم فلهذا قدم الرحمن على الرحيم بيان ذلك أما أولا فلاقتران الرحمن
~~بالجلالة في قوله تعالى:

# قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما
~~تدعوا فله الاسماء الحسنى

# [الإسراء: 110] وقد يشعر هذا الاقتران بجعلهما للذات ولذلك اختار من
~~اختار البدل على النعت وجعلوه إشارة إلى مقام الجمع المرموز إليه بما صح
~~عند القوم من طريق الكشف أن الله تعالى خلق آدم على صورته والرحيم ليس
~~كذلك، وأما ثانيا فلأن في الله وفي الرحمن ألفين ألف الذات وألف العلم
~~والأولى في كل خفية والثانية ظاهرة وإنما خفيت الأولى في الأول لرفع
~~الالتباس في الخط بين الله والإله وفي الثاني على ما عليه أهل الله في
~~رسمه وهو أحد الرسمين عند أهل الرسوم لدلالة الصفات عليهما دلالة ضرورية
~~من حيث قيام الصفة بالموصوف فخفيت الذات وتجلت للعالم الصفات فلم يعرفوا
~~من الإله غيرها والجهل هنا كمال وذلك حقيقة العبودية:

# زدني بفرط الحب فيك تحيرا

# وارحم حشا بلظى هواك تسعرا

# فالرحمن مشير إلى الذات وسائر الصفات فالألف الظاهرة واللام والراء
~~إشارة إلى العلم والإرادة والقدرة والحاء والميم والنون إشارة إلى الكلام
~~والسمع والبصر، وشرط هذه الصفات الحياة ولا يتحقق المشروط بدون الشرط
~~فظهرت الصفات السبع بأسرها وخفيت الذات كما ترى وادعى بعض العارفين أن
~~الألف الخفية هنا ظهرت من حيث الجزئية من هذا اللفظ في الشيطان بناء على
~~أخذه من شطن وزيادة الألف فيه للإشارة إلى عموم الرحمة:

# الرحمن على العرش استوى

# [طه: 5] فللشيطان أيضا حصة منها ومنها وجوده وبقى سر لا يمكن كشفه ولا
~~كذلك الرحيم إذ ليس فيه إلا ألف العلم ولما كان هذا الاسم مشيرا إلى
~~سيدنا محمد صلى الله عليه ms00047 وسلم باعتبار رتبته ظهرت فيه لكونه المرسل إلى
~~الناس كافة فطلب التأييد فأعطيها فظهر بها، وأما ثالثا فقد طال النزاع
~~في تحقيق لفظ الرحمن كما طال في تحقيق لفظ الله حتى توهم أنه ليس بعربي
~~لنفور العرب منه فإنهم لما قيل لهم

# اعبدوا الله

# [النحل: 36] لم يقولوا وما الله ولما قيل لهم

# اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن

# [الفرقان: 60] ولعل سبب ذلك توهمهم التعدد وأنهم خافوا أن يكون المعبود
~~الذي يدلهم عليهم من جنسهم فأنكروه لذلك لا لأنه ليس بعربي، واختلف
~~أيضا في الصرف وعدمه قال ابن الحاجب: النون والألف إذا كانا في اسم/
~~فشرطه العلمية وفي صفة فانتفاء فعلانة وقيل وجود فعلي، ومن ثمة اختلف في
~~رحمن دون سكران وندمان وبنو أسد يصرفون جميع فعلان لأنهم يقولون في كل
~~مؤنث له فعلانة اه وقال في «التسهيل»: واختلف فيما لزم تذكيره كلحيان
~~بمعنى كبير اللحية فمن منعه ألحقه بباب سكران لأنه أكثر ومن حذفه رأى أنه
~~ضعف داعي منعه والأصل الصرف، واختار الزمخشري والشيخ الرضى وابن مالك
~~واستظهره البيضاوي عدم الصرف إلحاقا له بما هو أغلب في بابه لأن الغالب
~~في فعلان صفة فعلى حتى ذكر الإمام السيوطي أن ما مؤنثه فعلانة لم يجىء
~~إلا أربعة عشر لفظا بل إن فعلان صفة من فعل بالكسر لم يجىء منه ما مؤنثه
~~فعلانة أصلا إلا ما رواه المرزوقي من خشيان وخشيانة وإنما اقتضى الإلحاق
~~أظهرية ذلك مع أن كون الأصل في الاسم الصرف يقتضي خلافه لأن رعاية ما هو
~~الغالب في النوع أولى من رعاية الأصل، والحشر مع الجماعة عيد.

# ولما رأى السعد أن هذه المسألة مما تعارض فيها الأصل والغالب ولم يترجح
~~عنده أحدهما مال إلى جواز الصرف وعدمه عملا بالأمرين والإعمال في الجملة
~~أولى من الإهمال بالكلية وحيث لم يسمع هذا الاسم إلا مضافا أو معرفا
~~بأل أو منادى وما ورد شاذا كما في البيت لا يصلح شاهدا لأحد الأمرين
~~لاحتمال أن يكون ممنوعا وألفه للإطلاق عدلوا إلى الاستدلال واتسعت دائرة ms00048
~~المقال والرحيم سليم من هذا فافهم ذاك والله يتولى هداك.

# وإنما جعل الله البسملة مبدأ كلامه لوجهين، أما الأول فلأنها إجمال ما
~~بعدها وهي آية عظيمة ونعمة للعارف جسيمة لا نهاية لفوائدها ولا غاية
~~لقيمة فرائدها والباحث عنها مع قصرها إذا أراد ذرة من علمها ودرة من
~~عيلمها احتاج إلى باع طويل في العلوم واطلاع عريض في المنطوق والمفهوم،
~~مثلا إذا أراد أن يبحث عن الباء من حيث إنها حرف جر بل عن سائر كلماتها
~~من حيث الإعراب والبناء احتاج إلى علم النحو وإذا أراد أن يبحث عن أصول
~~كلماتها كيف كانت وكيف آلت احتاج إلى علمي الصرف والاشتقاق وإن أراد أن
~~يبحث عن نحو القصر بأقسامه وهل يوجد فيها شيء منه احتاج إلى علم المعاني
~~وإن أراد أن يبحث عما فيها من الحقيقة والمجاز احتاج إلى علم البيان وإن
~~أراد أن يبحث عما بين كلماتها من المحسنات اللفظية احتاج إلى علم البديع
~~وإن أراد أن يبحث عنها من حيث إنها شعر أو نثر موزون أو غير موزون مثلا
~~احتاج إلى علمي العروض والقوافي وإن أراد أن يعرف مدلولات الألفاظ لغة
~~احتاج إلى مراجعة اللغة وإن أراد أن يعرف من أي الأقسام وضع هاتيك
~~الألفاظ احتاج إلى علم الوضع وإن أراد معرفة ما في رسمها احتاج إلى علم
~~الخط وإن أراد البحث عن كونها قضية ومن أي قسم من أقسامها أو غير قضية
~~احتاج إلى علم المنطق وإن أراد أن يعرف أن كنه ما فيها من الأسماء هل
~~يعلم أو لا احتاج إلى علم الكلام وإن أراد معرفة حكم الابتداء بها وهل
~~يختلف باختلاف المبدوء به احتاج إلى علم الفقه وإن أراد معرفة أن ما فيها
~~ظاهر أو نص مثلا احتاج إلى علم الأصول وإن أراد معرفة تواترها احتاج إلى
~~علم المصطلح وإن أراد معرفة أنها من أي مقولة من الأعراض احتاج إلى علم
~~الحكمة وإن أراد معرفة طبائع حروفها احتاج إلى علم الحرف وإن أراد معرفة
~~أنواع الرحمة المشار ms00049 إليها بها احتاج إلى علم الأفلاك وعلم تشريح الأعضاء
~~وخواص الأشياء وعلم المساحة وغير ذلك وإن أراد معرفة ما يمكن التخلق به
~~مما تدل عليه الأسماء احتاج إلى علم الأخلاق وإن أراد معرفة ما خفي على
~~أرباب الرسوم من الإشارات فليضرع إلى ربه وإن أراد أن يقف على جميع ما
~~فيها من الأسرار فليعد غير المتناهي وكيف يطمع في ذلك وهي عنوان كلام
~~الله تعالى المجيد وخال وجنة القرآن الذي لا يأتيه الباطل/ من بين يديه
~~ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد:

# وعلى تفنن واصفيه بوصفه

# يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف

# وإن أردت أن تمتحن ذهنك في بعض أسرارها فتأمل سر افتتاحها واختتامها
~~بحرفين شفويين ومع كل ألف صورية متصلة بأول الأول وآخر الآخر وتحت الأول
~~دائرة غيبية ظهرت في صورة الثاني وسر ما وقع فيها من أنواع التثليث أما
~~أولا ففي مخارج الحروف فإنها ثلاثة الشفة واللسان والحلق في الباء
~~واللام والهاء. وأما ثانيا ففي المحذوف من حروفها فإنها ثلاثة أيضا ألف
~~الاسم وألف الله وألف الرحمن. وأما ثالثا ففي المنطوق منها والمرسوم
~~فإنه ثلاثة أنواع أيضا منطوق به مرسوم كالباء ومنطوق به غير مرسوم كألف
~~الرحمن ومرسوم غير منطوق به كاللام منه مثلا، وأما رابعا ففي المتحرك
~~والساكن، فمتحرك لا يسكن كالباء وساكن لا يتحرك كالألف، وقابل لهما كميم
~~الرحيم وقفا ووصلا، وأما خامسا ففي أنواع كلماتها الملفوظة والمقدرة
~~فهي على رأي اسم وفعل وحرف، وأما سادسا ففي أنواع الجر الذي فيها فهو جر
~~بحرف وبإضافة وبتبعية على المشهور، وأما سابعا ففي الأسماء الحسنى التي
~~دبجتها فهي الله والرحمن والرحيم، وأما ثامنا ففي العاملية والمعمولية
~~فكلمة عاملة غير معمولة ومعمولة غير عاملة وعاملة معمولة، وأما تاسعا
~~ففي الاتصال والانفصال فمتصل بما بعده فقط وبما قبله فقط وبما بعده
~~وقبله، وفي كل واحد من هذه الثلاثيات أسرار تحير الأفكار وتبهر أولي
~~الأبصار وانظر لم اشتملت حروفها على الطبائع الأربع وتقدم في الظهور
~~الهواء ولم كانت تسعة عشر، ms00050 ولم أعتنق اللام الألف واتصلت الميم باللام
~~والهاء بالراء والنون بها نطقا لا خطا ولم فتح ما قبل الألف حتى لم
~~يتغير في موضع أصلا؟ وتفكر في سر تربيع الألفاظ وسكون السين وتحرك الميم
~~ونقطتي الياء ونقطة النون والباء، والأمر وراء ما يظنه أرباب الرسوم
~~ونهاية ما ذكروه البحث عن المدلولات وتوسيع دائرة المقال بإبداء
~~الاحتمالات، وقد صرح السرميني بإبداء خمسة آلاف وثلثمائة ألف وأحد وتسعين
~~ألفا وثلثمائة وستين احتمالا وزدت عليه من فضل الله تعالى حين سئلت عن
~~ذلك بما يقرب أن يكون بمقدار ضرب هذا العدد بنفسه والدائرة أوسع إلا أن
~~الواقع البعض، ولقد خلوت ليلة بليلي هذه الكلمة وأوقدت مصباح ذلي في
~~مشكاة حضرتها المكرمة وفرشت لها سري وضممتها سحرا إلى سحري ونحري:

# فكان ما كان مما لست أذكره

# فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر

# وأما الوجه الثاني: فلتعليم العباد إذا بدءوا بأمر كيف يبدءون به ولهذا
~~قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو هريرة وأخرجه الحافظ عبد
~~القادر الرهاوي:

# " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر "

# والبال الحال والشأن فمعنى ذي بال شريف يحتفل به ويهتم كأنه شغل القلب
~~وملكه حتى صار صاحبه، وقيل شبه الأمر العظيم بذي قلب على سبيل الاستعارة
~~المكنية والتخييلية، وفي هذا الوصف فائدتان إحداهما رعاية تعظيم اسم الله
~~تعالى لأن يبتدىء به في الأمور المعتد بها. والأخرى التيسير على الناس في
~~محقرات الأمور كذا قالوه، وعندي أن الأظهر جعل الوصف للتعميم كما في قوله
~~تعالى:

# ولا طائر يطير بجناحيه

# [الأنعام: 38] أي كل أمر يخطر بالبال جليلا كان أو حقيرا لا يبدأ به
~~الخ. وفي هذا غاية الإظهار لعظمة الله تعالى وحث على التبري عن الحول
~~والقوة إلا بالله وإشارة إلى أن قدر العباد غير مستقلة في الأفعال فحمل
~~تبنة كحمل جبل إن لم يعن الله الملك المتعال وقد أمر سبحانه وتعالى
~~بالإكثار من ذكره فقال تعالى:

# فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم أو أشد ذكرا

# [البقرة: 200] وحيث ms00051 لم يجب ذلك كما هو معلوم يحصل للناس تيسير، وقد سن
~~صلى الله عليه وسلم بعض الأشياء ونفى لحرج بنفي وجوبها وفي قوله عليه
~~الصلاة والسلام:

# " ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله "

# وما روي: «أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام يا موسى سلني حتى
~~ملح قدرك وشراك نعلك» ما يدفع عنك توهم عدم رعاية التعظيم في ذكره تعالى
~~عند محقرات الأمور وأي فرق عند المنصف بين ذكره سبحانه عندها وطلبها منه.
~~على أن العارف الجليل لا يقع بصره على شيء حقير:

# ما ترى فى خلق الرحمن من تفوت فارجع
~~البصر هل ترى من فطور * ثم ارجع البصر كرتين
~~ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير

# [الملك: 3-4] نعم التسمية على الحرام والمكروه مما لا ينبغي بل هي حرام
~~في الحرام لا كفر على الصحيح مكروهة في المكروه وقيل مكروهة فيهما إن لم
~~يقصد استخفافا وإن قصده  والعياذ بالله تعالى  كفر مطلقا وهذا لا يضر
~~فيما قلناه كما لا يخفى.

# وقد اضطرب الحديث هنا فوقع في بعض الروايات «لا يبدأ فيه بالحمد لله»
~~وفي بعضها «بحمد الله» وفي البعض «أجذم» وفي أخرى «أقطع» وفي خبر «كل
~~كلام» وفي أثر «يبدأ» وفي آخر «يفتتح» وفي موضع وضع الذكر بدل الحمد إلى
~~غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع حتى قيل إنه مضطرب سندا ومتنا ولولا
~~أنه في فضائل الأعمال ما اغتفر فيه ذلك على أنه تقوى بالمتابعة معنى
~~أيضا والشهرة في دفع التعارض بين الروايات تغني عن التعرض للاستيفاء،
~~واستحسن فيه أن روايتي البسملة والحمدلة تعارضتا فسقط قيداهما كما في
~~مسألة التسبيع في الغسلات عند الشافعي ورجع للمعنى الأعم وهو إطلاق الذكر
~~المراد منه إظهار صفة الكمال وقيل إن المراد في كل رواية الابتداء
~~بأحدهما أو بما يقوم مقامه ولو ذكرا آخر بقرينة تعبيره تارة بالبسملة
~~وأخرى بالحمدلة وطورا بغيرهما ولا يرد على كل أنا نرى كثيرا من الأمور
~~يبدأ فيه بما ورد في الحديث مع أنه لا يتم ms00052 ونرى كثيرا منها بالعكس لأنا
~~نقول المراد من الحديث ألا يكون معتبرا في الشرع فهو غير تام معنى وإن
~~كان تاما حسا فباسم الله تعالى تتم معاني الأشياء ومن مشكاة بسم الله
~~الرحمن الرحيم تشرق على صفحات الأكوان أنوار البهاء:

# ولو جليت سرا على أكمه غدا

# بصيرا ومن راووقها تسمع الصم

# ولو أن ركبا يمموا ترب أرضها

# وفي الركب ملسوع لما ضره السم

# ولو رسم الراقي حروف اسمها على

# جبين مصاب جن أبرأه الرسم

# وفوق لواء الجيش لو رقم اسمها

# لأسكر من تحت اللوا ذلك الرقم

# ولما افتتح سبحانه وتعالى كتابة البسملة وهي نوع من الحمد ناسب أن
~~يردفها بالحمد الكلي الجامع لجميع أفراده البالغ أقصى درجات الكمال فقال
~~جل شأنه: { الحمد لله رب العلمين } وهو أول الفاتحة وآخر
~~الدعوات الخاتمة كما قال تعالى:

# وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين

# [يونس: 10]:

# كأن الحب دائرة بقلبي

# فأوله وآخره سواء

# وقد قيل للجنيد قدس سره ما النهاية؟ فقال الرجوع إلى البداية وفيه أسرار
~~شتى، والحمد على المشهور هو الثناء باللسان على الجميل سواء تعلق
~~بالفضائل أم بالفواضل، قالوا ولا بد لتحققه من خمسة أمور محمود به ومحمود
~~عليه وحامد ومحمود وما يدل على اتصاف المحمود بصفة فالأول صفة تظهر اتصاف
~~الشيء بها على وجه مخصوص ويجب كونه صفة كمال ولو ادعاء إذ المناط التعظيم
~~ولا فرق عند الإمام الرازي قدس سره بين كونه ثبوتيا أو سلبيا متعديا
~~أو غير متعد بل ولا بين كونه صادرا عن المحمود باختياره أو لا كما قرره
~~العلامة الدواني وصدر الأفاضل في «حواشي التجريد»/ «والمطالع» وجزم به
~~المحقق الملا خسرو وادعى أنه الأشهر إلا أن العلامة في «شرح التهذيب» نقل
~~عن البعض وجوب كونه اختياريا واختاره كما في المحمود عليه فكما لم يسمع
~~الحمد على رشاقة القد وصباحة الخد لم يسمع الحمد بهما وعدم حمد اللؤلؤة
~~كما يمكن كونه من جهة حال المحمود عليه يمكن كونه من جهة المحمود فجعله
~~دليلا على أحدهما فقط تحكم.

# الثاني ms00053 ما يقع الثناء بإزائه ويقابله بمعنى أن المثنى عليه لما اتصف به
~~أظهر كماله ولولاه لم يتحقق ذلك فهو كالعلة الباعثة وقد يكون الشيء
~~الواحد محمودا به وعليه معا كأن رأي من ينعم أو يصلي فأظهر اتصافه بذلك
~~فهناك يتحقق الأمران لحيثيتين ويجب أن يكون كمالا على نحو ما سبق وظاهر
~~كلام الجمهور أنه أعم من كونه فعلا صادرا من المحمود أو كيفية قائمة به
~~ويفهم كلام الإمام اختيار الأول واشترط أن يكون حصوله من المحمود
~~باختياره، واستشكل الحمد على صفاته تعالى الذاتية سواء جعلت عين ذاته أو
~~زائدة عليها، وأجيب بأن الحمد عليها بتنزيلها منزلة الاختياري لكون ذاته
~~كافية فيها أو بأن المراد بالفعل الاختياري المنسوب إلى الفاعل المختار
~~سواء كان مختارا فيه أو لا. وقيل: إنها صادرة بالإختيار بمعنى إن شاء
~~فعل وإن لم يشأ لم يفعل لا بمعنى صحة الفعل والترك أو بمعناه والصفات
~~صادرة بالاختيار وسبقه عليها ذاتي فلا يلزم حدوثها، وقيل إنه بالنظر إلى
~~حمد البشر فالمراد ما جنسه اختياري كما قيل في قيد اللسان وأورد على
~~الأول مع ما فيه أنه إنما يحسن إذا كان المعتاد من الأفعال الاختيارية
~~كون فاعلها مستقلا في إيجادها من غير احتياج إلى شيء آخر من آلة وغيرها
~~ليظهر استقامة التنزيل وليس كذلك فإن العمل الاختياري يحتاج إلى العلم
~~والقدرة والكثير إلى آلة وأسباب وعلى الثاني أنه خلاف المتبادر وعلى
~~الثالث أن هذا المعنى ادعاه الحكماء حين قالوا بقدم العالم للإيجاب
~~فلزمهم أن لا يكون لموجده إرادة وقالوا إن صدق الشرطية لا يقتضي وجود
~~مقدمها ولا عدمه فمقدم الأولى بالنسبة إلى وجود العالم دائم الوقوع ومقدم
~~الثانية دائم اللا وقوع ولهذا أطلق عليه الصانع وهو من له الإرادة وهو
~~صرح ممرد من قوارير لأن ما بالإرادة يصح وجوده بالنظر إلى ذات الفاعل فإن
~~أريد بالدوام الدوام مع صحة وقوع النقيض فهو مخالف لما صرحوا به من إيجاب
~~العالم بحيث لا يصح عدم وقوعه منه وإن أريد مع امتناع الوقوع ms00054 فليس هناك
~~من الإرادة إلا لفظها ومتعلقها لا محيص عن حدوثه والعالم عندهم قديم
~~واختيار الشق الأول ثم القول بأن الصادر عن الموجب بالذات ليس واجبا
~~كذلك بل ممكن بذاته والقدم زماني لا ذاتي وصحة وقوع النقيض لا يقتضي
~~الوقوع إذا أحجم القلم عنه إنما يظهر في العالم ويبقى ما نحن فيه من
~~الصفات ولا أقدم على إطلاق القول بإمكانها لاحتياجها للذات واستنادها
~~إليها وعلى الرابع أن اتصاف الصفات بالصدور لو انشرحت لتوجيهه الصدور
~~يبقى الإشكال في صفة القدرة ولا قدرة لدعوى صدورها بالاختيار وإلا لزم
~~تقدم الشيء على نفسه فلا حسم وعلى الخامس أن هاتيك الصفات مقدسة عن أن
~~تشرك مع صفة البشر في جنس وأين الأزلي من الزائل؟! على أنه ما فيه خلاف
~~المنساق إلى الذهن ولكثرة المقال والقيل لم يشترط بعضهم في المحمود عليه
~~أن يكون اختياريا لأنه الباعث على الحمد وأي مانع من أن لا يكون كذلك
~~ومن ذلك:

# عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا

# [الإسراء: 79] وعند الصباح يحمد القوم السري، وجاورته فما حمدت جواره:

# والصبر يحمد في المواطن كلها

# إلا عليك فإنه مذموم

# والحق الحقيق بالاتباع أن الحمد اللغوي لا يكون إلا على الأفعال
~~الاختيارية والحمد على الصفات الذاتية إما لغوي راجع لما يترتب عليها من
~~الآثار الاختيارية، أو عرفي ولا ضرر في تعلقه بها، وما ذكر من الأمثلة
~~ونحوها فالحمد فيها مجاز عن الرضا، ويقال في الآية زيادة عليه أن محمودا
~~حال من الضمير المنصوب أو نعت لمقاما والمعنى محمودا فيه/ النبي
~~لشفاعته أو الله تعالى لتفضله عليه بالإذن وسيأتي إن شاء الله تعالى
~~تحقيقه.

# والثالث: وهو من يتحقق منه الحمد وشرطه أن يكون معظما بثنائه للمحمود
~~ظاهرا وباطنا كما حققه الصدر نعم لا يلزم اعتقاد اتصاف المحمود بالجميل
~~عند المحققين بل الشرط عدم اقترانه ثبوت تحقير فيدخل الوصف بما قطع
~~بانتفائه ولا يناقضه كما قال الدواني توجيه الشريف اشتراط التعظيمين بأنه
~~إذا عري عن مطابقة الاعتقاد لم يكن حمدا بل سخرية لأنه أراد ms00055 بالاعتقاد
~~لازمه وهو إنشاء التعظيم لا معناه الحقيقي فإن الحمد قد يكون إنشائيا
~~ولا معنى لمطابقة الاعتقاد فيه لأن ما لا يتعلق به الاعتقاد لا يوصف
~~حقيقة بمطابقته إذ المتبادر منها الاتحاد في الإيجاب والسلب أو ما
~~يستلزمه أو يؤول إليه وذا لا يوجد إلا في القضايا ولذا لا تسمع أحدا
~~يقول إن التصور يطابقه بل لو قال قائل إن مفهوم اضرب يطابق الاعتقاد ضرب
~~عنه صفحا وربما نسب لما يكره وحمل المطابقة على هذا أقرب من التزام
~~اتصاف التصورات بالمطابقة واللا مطابقة إذ ليس فيه سوى ذكر الملزوم
~~وإرادة اللازم مع أن أهل العرف العام قد يطلقون الاعتقاد بهذا المعنى
~~فيقولون فلان له اعتقاد في فلان ويريدون ما أردنا ولا بعد فيه لأن الناس
~~يعدون الوصف بالجميل المعلوم الانتفاء إذا كان كذلك مدحا وحمدا كما في
~~كثير من القصائد. وأما الجواب: بأن الواصف يعتقد الاتصاف وبأن المراد
~~معان مجازية واتصاف المنعوت بها معتقد فيرده أن الأول خلاف البديهة
~~والثاني خلاف الواقع والجواب عن الأول بأنه لو كان خلاف البديهة لم يقصد
~~العقلاء إفادته ولم يكن اللفظ مستعملا في معناه الحقيقي وعن الثاني بأنه
~~لو كان خلاف الواقع لما كان مستعملا في معناه المجازي فيلزم أن لا يكون
~~ذلك الكلام حقيقة ولا مجازا كلام نشأ من ضيق الصدر إذ لا يلزم من عدم
~~اعتقاد المدلول أن لا يكون الكلام مستعملا فيه فالأخبار الغير المعتقدة
~~كقول السني الخفي حاله: العبد خالق لأفعاله مستعمل في حقيقته غير معتقد
~~بل جميع الأكاذيب التي يعتمدها أهلها كذلك ثم إن المجيب حمل أن الأول
~~خلاف البديهة على أن مضمون تلك الأخبار خلافها وفرع عليه أنه يلزم أن لا
~~يقصد العقلاء إفادته ويرد عليه المنع فإن الأكاذيب التي يعتمدها العاقل
~~قد تخالف البديهة مع قصد إفادتها لغرض ما كالتغليظ أو التنكيت أو
~~الامتحان أو للتخيل كما في كثير من القضايا حتى قال بعض المحققين: لا
~~يلزم أن يكون ذلك الكلام حقيقة ولا مجازا وفيه تأمل.

# الرابع: ms00056 المحمود وقد علمت ما يشترط فيه.

# الخامس: وهو ذكر ما يدل على اتصاف المحمود بالمحمودية وقد اشتهر تقييده
~~باللسان وأريد به جارحة النطق ولما كان الواقع كون آلة التكلم في الغالب
~~هي تلك الجارحة خصوه بها فلو فقد إنسان لسانه فأثنى بحروفه الشفوية أو
~~خلق النطق في بعض جوارحه فأثنى به  كما شوهد في مقطوع جميع اللسان  فهو
~~حمد وقضية التقييد أن لا يكون الصادر عمن لا جارحة له حمدا وقد قال
~~تعالى:

# وإن من شىء إلا يسبح بحمده

# [الإسراء: 44] وأما حمد الله تعالى نفسه بنفسه مثلا فذهب الأكثر إلى
~~أنه إخبار باستحقاق الحمد وأمر به أو مقول على ألسنة العباد أو مجاز عن
~~إظهار الصفات الكمالية الذي هو الغاية القصوى من الحمد ومال السيد إلى
~~الأخير. وقال الدواني: كون الحمد في حقه سبحانه مجازا بعيد عن قاعدة أهل
~~الحق من إثبات الكلام له حقيقة والقول مساوق للكلام فالأظهر أن الحصر في
~~اللسان إضافي لمقابلة الجنان والأركان والمراد الأمر الذي مصدره اللسان
~~غالبا أو هو قيد غالبي يسوغ الاستعمال فيه واللفظ قد يكون موضوعا في
~~أصل اللغة لعام ويشتهر في بعض مخصوص بحيث يصير فيه حقيقة عرفية وسبب
~~الاشتهار إما كثرة تداول ذلك الفرد كما في الدابة وإما عدم الاطلاع على
~~فرد آخر فيستعمله أهل اللسان في ذلك الفرد حتى إذا استمر ولم يطلع على
~~إطلاقه على فرد آخر ظن أنه موضوع لخصوصه كما في الميزان فإنه في الأصل
~~موضوع لآلة الوزن، ثم من لم يطلع إلا على ما له لسان/ وعمود ربما يجزم
~~بأنه موضوع له فقط ولا يدري أن وراء ذلك موازين ومثل هذا يجري في كثير من
~~الألفاظ والأمر في المشتقات لا يكاد يخفى على من له أدنى فطنة لظهوره
~~بالرجوع إلى قاعدة الاشتقاق وفي غيرها ربما يشتبه على الجماهير وبذلك
~~يفوت كثير من حقائق الكتاب والسنة فإن أكثرهما وارد على أصل اللغة وعلى
~~ذلك فقس الحمد فإن حقيقته عندهم إظهار صفات الكمال.

# ولما كان الإظهار القولي ms00057 أظهر أفراده وأشهرها عند العامة شاع استعمال
~~لفظ الحمد فيه حتى صار كأنه مجاز في غيره مع أنه بحسب الأصل أعم بل
~~الإظهار الفعلي أقوى وأتم فهو بهذا الاسم أليق وأولى كما هو شأن القول
~~بالتشكيك وفرقوا بين الحمد والمدح بأمور. أحدها: أن الحمد يختص بالثناء
~~على الفعل الاختياري لذوي العلم، والمدح يكون في الاختياري وغيره ولذوي
~~العلم وغيرهم كما يقال مدحت اللؤلؤة على صفائها. وثانيها وثالثها: أن
~~الحمد يشترط صدوره عن علم لا ظن وأن تكون الصفات المحمودة صفات كمال
~~والمدح قد يكون عن ظن وبصفة مستحسنة وإن كان فيها نقص ما. رابعها: أن في
~~الحمد من التعظيم والفخامة ما ليس في الحمد وهو أخص بالعقلاء والعظماء
~~وأكثر إطلاقا على الله تعالى. وخامسها: أن الحمد إخبار عن محاسن الغير
~~مع المحبة والإجلال، والمدح إخبار عن المحاسن ولذا كان الحمد إخبارا
~~يتضمن إنشاء والمدح خبرا محضا. وسادسها: أن الحمد مأمور به مطلقا ففي
~~الأثر: «من لم يحمد الناس لم يحمد الله» والمدح ليس كذلك: «أحثوا في وجوه
~~المداحين التراب» ويشعر كلام الزمخشري في «الكشاف» «والفائق» بترادفهما
~~ففي الأول أنهما أخوان وجعل فيه نقيض المدح أعني الذم نقيضا للحمد وفي
~~الثاني الحمد المدح والوصف بالجميل فالمدح عنده مخصوص بالاختياري وتأول
~~المدح بالجمال وصباحة الوجه واحتمال أن يراد من الأخوين ما يكون بينهما
~~اشتقاق كبير بأن يشتركا في الحروف الأصول من غير ترتيب كجبذ وجذب وأن
~~الأدباء يجوزون التعريف بالأعم والنقيض هناك بالمعنى اللغوي ويجوز أن
~~يكون شيء واحد نقيضا لشيئين بينهما عموم وخصوص بهذا المعنى لا ينفي ما
~~قلناه بل إذا أنصفت تكاد تجزم بأن الزمخشري قائل بالترادف ولا تستفزك هذه
~~الاحتمالات لأنها كسراب بقعية نعم هذا القول بعيد منه وهو شيخ العربية
~~وفتاها فالحق الذي لا ينبغي العدول عنه أن المدح يكون على غير الاختياري
~~وكأنه لذلك لم يقل عز شأنه المدح لله كما قالوا إظهارا لأن الله تعالى
~~فاعل مختار وفي ذلك من الترغيب والترهيب المناسبين لمقام البعثة والتبليغ ms00058
~~ما لا يخفى.

# وأما الشكر: فهو أيضا مغاير للحمد إلا أن بعضهم خصه بالعمل والحمد
~~بالقول، وبعض جعله على النعم الظاهرة، والآخر على النعم الباطنة وادعى
~~آخرون اختصاصه بفعل اللسان كالحمد في المشهور إلا أنه على النعمة وإليه
~~يشير كلام الراغب، والمعروف أنه ما كان في مقابلتها قولا باللسان وعملا
~~وخدمة بالأركان واعتقادا ومحبة بالجنان، وقول الطيبي إن هذا عرف أهل
~~الأصول فإنهم يقولون شكر المنعم واجب ويريدون منه وجوب العبادة وهي لا
~~تتم إلا بهذه الثلاثة وإلا فالشكر اللغوي ليس إلا باللسان غير طيب فإن
~~ظاهر الكتاب والسنة إطلاق الشكر على غير اللسان قال تعالى:

# اعملوا آل داوود شكرا

# [سبأ: 13] وروى الطبراني عن النواس بن سمعان: «أن ناقة رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم الجدعاء سرقت فقال لئن ردها الله تعالى علي لأشكرن ربي
~~فلما ردت قال الحمد لله فانتظروا هل يحدث صوما أو صلاة فظنوا أنه نسي
~~فقالوا له: فقال: ألم/ أقل الحمد لله؟!» فلو لم يفهموا رضي الله تعالى
~~عنهم إطلاق الشكر على العمل لم ينتظروه، وزاد بعضهم في أقسام الشكر
~~رابعا وهو شكر الله تعالى بالله فلا يشكره حق شكره إلا هو ذكره صاحب
~~«التجريد» وأنشد:

# وشكري ذوي الإحسان بالقلب تارة

# وبالقول أخرى ثم بالعمل الأثني

# وشكري لربي لا بقلبي وطاعتي

# ولا بلساني بل به شكرنا عنا

# والذي أطبق عليه الناس التثليث وعلى كل حال بينه وبين الحمد عموم وخصوص
~~من وجه والحمد أقوى شعبة لأن حقيقته إشاعة النعمة والكشف عنها كما أن
~~كفرانها إخفاؤها وسترها وتلك بالقول أتم لأن الاعتقاد أمر خفي في نفسه
~~وعمل الجوارح وإن كان ظاهرا إلا أنه يحتمل خلاف ما قصد به وكم فرق بين
~~حمدت الله وشكرته ومجدته وعظمته وبين أفعال العبادة وهي كلها موافقة
~~للعادة ولسان الحال أنطق من لسان المقال أمر ادعائي كما هو المعروف في
~~أمثاله، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عمر رضي الله تعالى
~~عنهما:

# " الحمد رأس الشكر ما شكر الله تعالى ms00059 عبد لا يحمده "

# وهو وإن كان فيه انقطاع إلا أن له شاهدا يتقوى به وإن كان مثله فحيث
~~كان النطق يجلي كل مشتبه وكان الحمد أظهر الأنواع وأشهرها حتى إذا فقد
~~كان ما عداه بمنزلة العدم شبهه صلى الله عليه وسلم بالرأس الذي هو أظهر
~~الأعضاء وأعلاها والأصل لها والعمدة في بقائها وكأنه لهذا أتى به الرب
~~سبحانه ليكون الرأس للرئيس ويفتتح النفيس بالنفيس أو لأنه لو قال جل شأنه
~~الشكر لله كان ثناء عليه تعالى بسبب إنعام وصل إلى ذلك القائل والحمد
~~لله ليس كذلك فهو أعلى كعبا وأظهر عبودية ويمكن أن يقال إن الشكر على
~~الإعطاء وهو متناه والحمد يكون على المنع وهو غير متناه فالابتداء بشكر
~~دفع البلاء الذي لا نهاية له على جانب من الحسن لا نهاية له ودفع الضر
~~أهم من جلب النفع فتقديمه أحرى، وأيضا مورد الحمد في المشهور خاص
~~ومتعلقه عام والشكر بالعكس موردا ومتعلقا ففي إيراده دونه إشارة قدسية
~~ونكتة على ذوي الكثرة خفية

# وإلى الله ترجع الأمور

# [آل عمران: 109] وكأنه لمراعاة هذه الإشارة لم يأت بالتسبيح مع أنه مقدم
~~على التحميد إذ يقال سبحان الله والحمد لله على أن التسبيح داخل في
~~التحميد دون العكس فإن الأول يدل على كونه سبحانه وتعالى مبرأ في ذاته
~~وصفاته عن النقائص والثاني يشير إلى كونه محسنا إلى العباد ولا يكون
~~محسنا إليهم إلا إذا كان عالما قادرا غنيا ليعلم مواقع الحاجات فيقدر
~~على تحصيل ما يحتاجون إليه ولا يشغله حاجة نفسه عن حاجة غيره، وإن أبيت 
~~ولا أظن  قلنا كل تسبيح حمد وليس كل حمد تسبيحا لأن التسبيح يكون
~~بالصفات السلبية فحسب والحمد بها وبالثبوتية على ما سلف فهو أعم منه بذلك
~~الاعتبار فافتتح به لأنه لجمعيته وشموله أوفق بحال القرآن وتقديم التسبيح
~~هناك لغرض آخر ولكل مقام مقال.

# والتعريف هنا للجنس ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أن الحمد ما
~~هو مثله في قول لبيد يصف العير وأتنه:

# وأرسلها العراك ولم ms00060 يذدها

# ولم يشفق على نفض الدخال

# / وعليه جمع منهم الزمخشري حتى قال والاستغراق الذي يتوهمه كثير من
~~الناس وهم وقد صار هذا معترك الأفهام ومزدحم أفكار العلماء الأعلام،
~~فقيل: إنه مبني على مسألة خلق الأعمال فإن أفعال العباد لما كانت مخلوقة
~~لهم عند المعتزلة كانت المحامد عليها راجعة إليهم فلا يصح تخصيص المحامد
~~كلها به تعالى ورد بأن اختصاص الجنس يستلزم اختصاص أفراده أيضا إذ لو
~~وجد فرد منه لغيره ثبت الجنس له في ضمنه وصح هذا عندهم لأن الأفعال
~~الحسنة التي يستحق بها الحمد إنما هي بإقدار الله تعالى وتمكينه فبهذا
~~الاعتبار يرجع الأمر إليه كله وأما حمد غيره فاعتداد بأن النعمة جرت على
~~يده، وقيل إنه جعل الجنس في المقام الخطابي منصرفا إلى الكامل كأنه كل
~~الحقيقة ورد بأنه يجوز في الاستغراق أيضا بأن يجعل ما عدا محامده كالعدم
~~فلا فرق بين اختصاص الجنس والاستغراق في منافاتهما ظاهرا لمذهبه ودفعهما
~~بالعناية، وقيل مبناه على أن المصادر نائبة مناب الأفعال وهي لا تعدو
~~دلالتها عن الحقيقة إلى الاستغراق ورد بأن ذلك لا ينافي قصد الاستغراق
~~بمعونة القرائن، وقيل إنما اختاره بناء على أنه المتبادر الشائع لا سيما
~~في المصادر وعند خفاء القرائن ورد بأن المحلى بلام الجنس في المقامات
~~الخطابية يتبادر منه الاستغراق وهو الشائع هناك مطلقا وأي مقام أولى
~~بملاحظة الشمول والاستغراق من مقام تخصيص الحمد به سبحانه تعظيما،
~~فقرينة الاستغراق كنار على علم فالحق أن سبب الاختيار هو أن اختصاص الجنس
~~مستفاد من جوهر الكلام ومستلزم لاختصاص جميع الأفراد فلا حاجة في تأدية
~~المقصود من إثبات الحمد له تعالى وانتفائه عن غيره إلى أن يلاحظ بمعونة
~~الأمور الخارجية بل نقول على ما اختاره يكون اختصاص الأفراد بطريق برهاني
~~فيكون أقوى من إثباته ابتداء وفيه أن فهم اختصاص الجنس من جوهر الكلام
~~يدل على سرعته وهو معنى التبادر وقد رده، وأيضا إذا كان الاختصاص بطريق
~~برهاني فلا شبهة في خفائه فأين النار وأين العلم؟! وقيل غير ذلك ولا ms00061 يبعد
~~أن يقال إن اختيار الزمخشري كون التعريف للجنس وكون القول بالاستغراق وهم
~~لا يبعد أن يكون رعاية لنزغة اعتزالية وأن يكون لنكتة عربية لأنه جعل أصل
~~المعنى نحمد الله حمدا وزعم أن { إياك نعبد وإياك
~~نستعين } بيان لحمدهم كأنه قيل كيف تحمدوني فقيل إياك نعبد ثم سئل
~~وأجاب فقيل في توجيه ذلك أنه لما كان معناه نحمد الله حمدا كان إخبارا
~~عن ثبوت حمد غير معين من المتكلم له تعالى على أن المصدر للعدد فاتجه أن
~~يقال كيف تحمدونه أي بينوا كيفية حمدكم فإنها غير معلومة فبين بقوله
~~تعالى: { إياك نعبد } الخ أي نقول هذه الكلمات ونحمده بهذا الحمد
~~فورد السؤال عن التعريف لأن المناسب للإبهام ثم البيان التنكير وأجاب أنه
~~لتعريف الجنس من حيث وجوده في فرد غير معين ولذا بين؛ وقيل لما كان
~~المعنى نحمد حمدا كان المصدر للتأكيد فيكون دالا على الحقيقة من غير
~~دلالة على الفردية والسؤال المقدر عن كيفية صدور تلك الحقيقة والجواب أنا
~~نحمد حمدا مقارنا لفعل الجوارح وفعل القلب ولا نقتصر على مجرد القول ثم
~~أورد بأنه يكفي لإفادة هذا المصدر المنكر فما فائدة التعريف؟ فأجاب بأنه
~~تعريف للجنس للإشارة إلى الماهية المعلومة للمخاطب من حيث هي، وعلى هذين
~~التوجيهين يكون اختياره الجنس ومنعه الاستغراق لرعاية مذهبه والاختصاص
~~على الأول اختصاص الفرد وعلى الثاني اختصاص الجنس باعتبار الكمال ولا
~~يخفى سقوط اعتراض السعد حينئذ بأن الاختصاصين متلازمان وكل منهما مخالف
~~لمذهبه ظاهرا موافق له تأويلا فلا يكون رعاية المذهب موجبا لاختيار
~~الجنس دون الاستغراق ولا يرد ما أورد السيد على الثاني من أنه كما يجوز
~~الحمل على الجنس باعتبار الكمال على مذهبه يجوز الحمل على الاستغراق
~~باعتبار تنزيل محامد غيره منزلة العدم لأن فيه تطويل المسافة والالتجاء
~~إلى معونة المقام من غير حاجة، وقيل حاصل الجواب عن كيفية صدور تلك/
~~الحقيقة بتخصيص العبادة المشتملة على الحمد وغيره لأن انضمام غيره معه
~~نوع بيان لكيفيته أي حال حمدنا أنا نجمعه بسائر عبادات الجوارح ms00062
~~والاستعانة في المهمات ونخص مجموعها بك وتقدير السؤال والجواب بحاله
~~وحينئذ لا يصح أن يكون الاختيار للرعاية لأن الاختصاصين متلازمان بل لأن
~~الحمد مصدر ساد مسد الفعل وهو لا يدل إلا على الحقيقة فكذا ما ينوب منابه
~~وإن كان معرفة ليصح بيانه بإياك نعبد والحمل على الاستغراق يبطل النيابة
~~إذ يصير الكلام مسوقا لبيان العموم ولا يصح البيان، وهذا الاختيار
~~مستفاد من جعل { إياك نعبد } بيانا لحمدهم ولعل الذي دعاه إليه
~~ترك العاطف فظن أنه لذلك لا يكون إلا بيانا وهو من التعكيس لأن جعل
~~الصدر متبوعا للعجز أولى من العكس فالمحققون المحقون على تعميم الحمد
~~وأن الفصل لأن الكلام الأول جار على المدح للغائب بسبب استحقاقه كل الحمد
~~والثاني جار على الحكاية عن نفس الحامد وبيان أحواله بين يدي الباطن
~~الظاهر والأول الآخر فترك العطف للتفرقة بين الحالتين لا للبيان، ويدل
~~على ذلك أن أحسن الالتفات أن يكون النقل من إحدى الصيغتين إلى الأخرى في
~~سياق واحد لمعلوم واحد ولا بيان له على البيان على أن جعل { إياك
~~نعبد } بيانا ربما يناقض ما ادعاه من أن الشكر بالقلب والجوارح
~~واللسان والحمد بالأخير لأن العبادة تكون بها كلها فيلزم أن يكون الحمد
~~كذلك وأيضا الذهاب إلى فسحة الالتفات والقول بأن قوله { الحمد } الخ
~~وارد على الشكر اللساني و { إياك نعبد } مشعر بالشكر بالجوارح و
~~{ إياك نستعين } مؤذن بالشكر القلبي أولى من الفرار إلى مضيق
~~القول بالبيان، وأيضا في تعقيب هذه الصفات للحمد إشعار بأن استحقاقه له
~~لاتصافه بها وقد تقرر أن في اقتران الوصف المناسب بالحكم إشعارا بالعلية
~~وههنا الصفات بأسرها تضمنت العموم فينبغي أن يكون العموم في الحمد أيضا
~~لأن الشكر يقتضي المنعم والمنعم عليه والنعمة فالمنعم هو الله تعالى
~~والاسم الأعظم جامع لمعاني الأسماء الحسنى ما علم منها وما لم يعلم
~~والمنعم عليه العالمون وقد اشتمل على كل جنس مما سمي به وموجب النعم
~~الرحمن الرحيم وقد استوعب ما استوعب فإذن لا يستدعي تخصيص الحكم بالبعض
~~سوى التحكم ms00063 أو التوهم.

# هذا وأنا لو خليت وطبعي لا أمنع أن تكون أل للحقيقة من حيث هي كما في
~~قولهم الرجل خير من المرأة أو لها من حيث وجودها في فرد غير معين كما في
~~ادخل السوق أو لها في جميع الأفراد وهو الاستغراق كما في:

# إن الإنسن لفى خسر

# [العصر: 2] والقول بأن هذا المقام آب عن الاستغراق لأن اختصاص حقيقة
~~الحمد به تعالى أبلغ من اختصاص أفرادها جمعا وفرادى لاستلزام الأول
~~الثاني وسلوك طريقة البرهان أقضى لحق البلاغة، وأيضا أصل الكلام نحمد
~~الله تعالى حمدا وحمدنا بعض لا كل وفي اختصاص الجنس إشعار بأن حمد كل
~~حامد لكل محمود حمد لله تعالى على الحقيقة لأنه إنما حمده على الصفات
~~الكمالية المفاضة عليه من الفياض الحق جل وعلا فهو فعله على الحقيقة
~~والحمد على الفعل الجميل والمعتزلي وإن قال بالاستقلال لا يمنع أن
~~الإقدار والتمكين منه تعالى فيمكنه من هذا الوجه أن يعمم عند المقتضى له
~~وقد صرح بهذا الزمخشري أول التغابن [1] فقال في قوله تعالى:

# له الملك وله الحمد

# (( قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله
~~تعالى ثم قال وأما حمد غيره فاعتداد بأن نعمة الله تعالى جرت على يده))
~~وقد يقال أيضا على أصله إن الحمد المستغرق لا يجوز أن يختص بل الحمد
~~الحقيقي الكامل الذي يقتضيه إجراء هذه الصفات فاللام للحقيقة ويراد أكمل
~~أنواعها فهو من باب

# ذلك الكتاب

# [البقرة: 2] وحاتم الجود لأنه الذي يحق أن يطلق عليه الحقيقة حتى كأنه
~~كلها لا لأنها للاستغراق في المقام الخطابي وتنزيل غير ذلك منزلة العدم
~~فإنه تطويل للمسافة مع قصرها كلام لا أقبله وإن جل قائله ويعرف الرجال
~~بالحق لا الحق/ بالرجال كيف ومن سنة الله تعالى التي لا تبديل لها إجراء
~~الكلام على سبيل الخطابة وإن كان برهانيا فهي أكثر تأثيرا في النفوس
~~وأنفع لعوام الناس كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى:

# ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة

# [النحل: 125] فالتحرز عن ms00064 الاستغراق احترازا عن المقام الخطابي ذهول عن
~~مقرىء كلام الله تعالى.

# ثم لما كان المقام مقتضيا لدقائق النعم وروادفها لم يكن تنزيل الحمد
~~الغير الكامل منزلة العدم من مقتضيات المقام وتصريح الزمخشري في التغابن
~~بالتعميم ممنوع للتفرقة بين استغراق أفراد الحمد الخارجية والذهنية
~~الحقيقية والمجازية الكاملة وغير الكاملة وبين اختصاص حقيقة الحمد كما
~~يشعر به قوله وذلك لأن الملك على الحقيقة له وكذلك الحمد فكما أنه لا
~~ينفي الملك عن غيره مطلقا فكذلك لا ينفي الحمد عنه كذلك فإن من أصل
~~المعتزلة أن نعمة الله تعالى جارية على يد العبد لكنه موجد لانعمامه فله
~~حمد يليق بإيجاده ولله تعالى حمد يليق بتمكينه وإفاضته وهو الحمد الكامل
~~المختص به عز شأنه لا ذاك وفي «الكشاف» ما يؤيد ما قلناه لمن أمعن النظر،
~~وأما حديث إن اختصاص حقيقة الحمد أبلغ من اختصاص الأفراد لاستلزام الأول
~~الثاني فيجاب عنه بأن اختصاص الأفراد الخارجية والذهنية كما قررنا مستلزم
~~لاختصاص الحقيقة أيضا إذ لم يبق لها فرد غير مختص فأين توجد فالاستلزام
~~متعاكس على أن حقيقة الحمد يصدق عليها الحمد فهي فرد من أفراده كما قال
~~الدامغاني فإذا خصص جميع أفراد الحمد به اختص حقيقته أيضا وكون الأصل
~~نحمد الله تعالى حمدا ليس بقاطع احتمال الاستغراق الآن فقد تغير الحال،
~~وأنت إذا تأملت بعد يرتفع عنك سجاف الإشكال ولست أقول إن الحمد أينما وقع
~~يفيد ذلك بل إذا دعا المقام إليه أجبناه ولهذا فرقوا بين هذا الحمد وحمد
~~الأنعام إذ عموم الربوبية وشمول الرحمة واستمرار الملك هنا تقتضي استغراق
~~الأفراد توفية لحق هذه السورة وحرصا على التئام نظمها بخلاف ما في تلك
~~السورة فإن العمومات مفقودة فيها.

# ومن الغريب: أن بعضهم جعلها للعهد، قال الفاكهي: سمعت شيخنا أبا العباس
~~المرسي يقول: قلت لابن النحاس ما تقول في الألف واللام في الحمد أجنسية
~~هي أم عهدية؟ فقال: يا سيدي قالوا إنها جنسية فقلت له الذي أقول: إنها
~~عهدية وذلك أن الله تعالى لما علم عجز خلقه ms00065 عن كنه حمده حمد نفسه بنفسه
~~في أزله نيابة عن خلقه قبل أن نحمده فقال أشهدك أنها للعهد واستأنس له
~~بما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قوله:

# " اللهم لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك "

# وأغرب من هذا ما ذهب إليه بعض ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم
~~وليس بالغريب عندهم أن الحمد لله على حد الكبرياء لله و

# ألا له الخلق والامر

# [الأعراف: 54] فهو الحامد والمحمود والجميع شؤونه ولهم كلام غير هذا
~~والكل يسقى بماء واحد، وعن إمامنا الماتريدي روح الله تعالى روحه أنه
~~جعل هذا حمدا من الله تعالى لنفسه قال وإنما حمد نفسه ليعلم الخلق ولا
~~ضير في ذلك لأنه سبحانه هو المستحق لذاته والحقيق بما هنالك إذ لا عيب
~~يمسه ولا آفة تحل به.

# ثم إن الحمد: فيما تواتر مرفوع وهو مبتدأ خبره { لله } وقرأ الحسن
~~البصري وزيد بن علي (الحمد لله) باتباع الدال اللام وإبراهيم بن عبلة
~~وأهل البادية بالعكس وجاز ذلك استعمالا مع أن الاتباع إنما يكون في كلمة
~~واحدة لتنزيلهما لكثرة استعمالهما مقترنين منزلة الكلمة الواحدة، واختلف
~~في الترجيح مع الإجماع على الشذوذ فقيل قراءة إبراهيم أسهل لأمرين
~~أحدهما: أن اتباع الثاني للأول أيسر من العكس وإن ورد كما في مد وشد
~~وأقبل وأدخل لأنه جار مجرى السبب والمسبب وينبغي أن يكون السبب أسبق رتبة
~~من المسبب، وثانيهما: أن ضمة الدال إعراب وكسرة اللام بناء وحرمة الإعراب
~~أقوى من حرمة البناء/ والمطرد غلبة الأقوى الأضعف وقيل إن قراءة الحسن
~~أحسن لأن الأكثر جعل الثاني متبوعا لأن ما مضى فات ولأن جعل غير اللازم
~~تابعا للازم أولى والاستقامة عين الكرامة وكأنه لتعارض الترجيح قال
~~الزمخشري: وأشف القراءتين قراءة إبراهيم فعبر بأشف وهو من الأضداد، وقرأ
~~هارون بن موسى (الحمد لله) بالنصب وعامة بني تميم وكثير من العرب ينصبون
~~المصادر بالألف واللام وهو بفعل محذوف قدروه نحمد بنون الجماعة لأنه مقول
~~على ألسنة العباد ومناسب لنعبد ونستعين لا بنون العظمة لعدم ms00066 مناسبته
~~لمقام العبادة المقتضي لغاية التذلل والخضوع ويجوز أن يكون من باب:

# وإن حدثوا عنها فكلي مسامع

# وكلي إذا حدثتهم ألسن تتلو

# وحمل الغزالي قدس سره حديث

# " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة "

# على ذلك وأرفع القراءات قراءة الرفع لدلالة الجملة الإسمية على الثبوت
~~والدوام بقرينة المقام بخلاف الفعلية فإنها تدل على التجدد والحدوث وإن
~~كان هناك ظرف فإن قدر متعلقه اسما فهو ظاهر وإلا فقد قيل الخبر الفعلي
~~إنما يفيد الحدوث إذا كان مصرحا به على أنه قيل لا تقدير، وما ذكره
~~النحاة لأمر صناعي اقتضاه كقولهم الظرفية اختصار الفعلية، وقيل إن الجملة
~~الإسمية بمجردها لا تدل على ذلك بل مع انضمام العدول وإن أعجبك فالتزمه
~~فقد قيل بالعدول هنا ولكن ليس هذا في كلام الشيخ عبد القاهر بل من تدبر
~~كلامه في بحث الحال من «الدلائل» دفع بأقوى دليل الحال الذي عرض
~~للناظرين، وقولهم المضارع يفيد الاستمرار أرادوا به الاستمرار التجددي في
~~المستقبل لا في جميع الأزمنة فلا ينافي ما قلنا، واختار الجملة الإسمية
~~ههنا إجابة لداعي المقام، وقد قال غير واحد إن أصل هذا المصدر النصب لأن
~~المصادر أحداث متعلقة بمحالها فيقتضي أن تدل على نسبتها إليها والأصل في
~~بيان النسبة في المتعلقات الأفعال فينبغي أن تلاحظ معها ويؤيد ذلك كثرة
~~النصب في بعضها والتزامه في بعض آخر وقد تنزل منزلة أفعالها فتسد مسدها
~~وتستوفي حقها لفظا ومعنى فيكون ذكرها معها كالشريعة المنسوخة يستنكرها
~~المتدين بعقائد اللغة.

# وبقي ههنا أمور: الأول اختلف في جملة الحمد هل هي إخبارية أم إنشائية؟
~~فالذي عليه معظم العلماء أنها إخبارية كما يقتضيه الظاهر لما يلزم على
~~الإنشاء من انتفاء الاتصاف بالجميل قبل حمد الحامد ضرورة أن الإنشاء
~~يقارن معناه لفظه في الوجود واللازم باطل فالملزوم مثله ولا يرد أن القصد
~~إحداث الحمد لا الإخبار بثبوته لأن الإخبار بثبوت جميع المحامد لله تعالى
~~هو عين الحمد كما أن قولك الله واحد عين التوحيد، وألف العلامة البخاري
~~في الانتصار لذلك ورد ms00067 من زعم أنها إنشائية وأطال فيه واهتم برده ابن
~~الهمام وذكر أن ما ذكر باطل لأن اللازم من المقارنة انتفاء انتفاء وصف
~~الواصف لا الاتصاف إذ الحمد إظهار الصفات لا ثبوتها، وأيضا المخبر
~~بالحمد/ لا يقال له حامد إذ لا يصاغ لغة للمخبر عن غيره من متعلق إخباره
~~اسم قطعا فلا يقال لقائل زيد له القيام قائم فلو كان الحمد إخبارا
~~محضا لم يقل لقائل الحمد لله حامد وهو باطل نعم يتراءى لزوم أن يكون كل
~~مخبر منشئا حيث كان واصفا للواقع ومظهرا له وهو توهم فإن الحمد مأخوذ
~~فيه مع ذكر الواقع كونه على وجه التعظيم وهذا ليس جزء ماهية الخبر
~~فاختلفت الحقيقتان فالجملة إنشائية لا محالة، وقال الملاخسرو هي وأمثالها
~~إخبارية لغة ونقلها الشارع للإنشاء لمصلحة الأحكام واعترض على إنشائيتها
~~بأن الاستغراق ينافيه ويستلزم كون الحامد منشئا لكل حمد ومن المحال
~~إنشاء الحمد القائم بغيره، وأجيب بأنه لا منافاة ولا استلزام ويكفي كونه
~~منشئا للإخبار بأن كل حمد ثابت له ومحمود به والذي ارتضيه أنها إخبارية
~~كما عليه المعظم ويد الله تعالى مع الجماعة والمراد الإخبار بأن الله
~~تعالى مستحق الحمد كما قال سبحانه:

# له الحمد فى الاولى والاخرة

# [القصص: 70] والمتكلم بها عن اعتقاد واصف ربه سبحانه بالجميل ومعظم له
~~جل شأنه فيقال له حامد لذلك لا لمحض الإخبار بما فيه لفظ الحمد بل إذا
~~غير الصيغة إلى ما ليس فيها ذلك اللفظ مما هو مشتمل على الوصف بالجميل
~~بقصد التعظيم قيل له أيضا حامد فللحمد صيغ شتى وعبارات كثيرة حتى جعل
~~منها الإقرار بالعجز عن الحمد، وقد نقل أن داود عليه السلام قال: يا رب
~~كيف أشكرك والشكر من آلائك؟ فقال: يا داود لما علمت عجزك عن شكري فقد
~~شكرتني، فما ذكره ابن الهمام أولا من أن المخبر بالحمد لا يقال له حامد
~~إن أراد أن المخبر من حيث إنه مخبر لا يقال له ذلك فمسلم والدليل تام
~~لكنا بمعزل عن هذه الدعوى وإن أراد أن المخبر ms00068 مطلقا ولو قصد التعظيم لا
~~يقال له ذلك فممنوع ولا تقريب في الدليل كما لا يخفى، وما ذكره ثانيا من
~~قوله: نعم الخ يعلم دفعه من خبايا زوايا كلامنا وما ذكره الملاخسرو يرد
~~عليه أن النقل في أمثال ما نحن فيه بلا ضرورة ممنوع ولا تظن من كلامي هذا
~~أني أمنع أن يكون الحمد بجملة إنشائية رأسا معاذ الله ولكني أقول: إن
~~الجملة هنا إخبارية وإن الحمد يصح بها بناء على ما ذكرناه والبحث بعد
~~محتاج إلى تحرير ولعل الله تعالى يوفقه لنا في مظانه والظن بالله تعالى
~~حسن.

# الثاني: أنه شاع السؤال عن معنى كون حمد العباد لله تعالى مع أن حمدهم
~~حادث وهو سبحانه القديم ولا يجوز قيام الحادث به وأجيب بأن المراد تعلق
~~الحمد به تعالى ولا يلزم من التعلق القيام كتعلق العلم بالمعلومات فلا
~~يتوجه الإشكال أصلا، وقيل إن الحمد مصدر بناء المجهول فيكون الثابت له
~~عز شأنه هو المحمودية وصيغة المصدر تحتمل ذلك وغيره ولهذا جعل بعضهم في
~~الحمد لله أوائل الكتب اثنين وأربعين احتمالا وقيل وهو من الغرابة بمكان
~~أن اللام للتعليل أي الحمد ثابت لأجل الله تعالى.

# الثالث: أنه أتى باسم الذات في الحمدلة لئلا يتوهم لو اقتصر على الصفة
~~اختصاص استحقاقه الحمد بوصف دون وصف وذلك لأن اللام على ما قيل للاستحقاق
~~فإذا قيل الحمد لله يفيد استحقاق الذات له وإذا علق بصفة أفاد استحقاق
~~الذات الموصوفة بتلك الصفة له والاختصاص إفادة التعريف ولكون الاختصاص
~~كذلك حكما باطلا في نفسه جعل متوهما لا لأن تعليق الحكم بالوصف يدل
~~على العلية لا على الاختصاص لأنه/ مستفاد من تعريف المسند إليه ومعنى
~~الاستحقاق الذاتي ما لا يلاحظ معه خصوصية صفة حتى الجميع لا ما يكون
~~الذات البحت مستحقا له فإن استحقاق الحمد ليس إلا على الجميل وسمي
~~ذاتيا لملاحظة الذات فيه من غير اعتبار خصوصية صفة أو لدلالة اسم الذات
~~عليه أو لأنه لما لم يكن مستندا إلى صفة من الصفات المخصوصة كان مسندا ms00069
~~إلى الذات وقد قسم بعض ساداتنا قدس الله تعالى أسرارهم الحمد باعتبار
~~صدوره إلى قسمين فمصدره باعتبار الفرق من محلين ومنبعه من عينين فإن وجد
~~من الحق وصدر من الوجود المطلق فتارة يكون على الذات بانفرادها ووحدتها
~~وغيبتها في عماء هويتها وتارة بكمال إطلاقها في وجودها وتارة بتنزلاتها
~~إلى حظيرات شهودها وتارة بكمال أوصافها ونعوتها وتارة بكمال آثارها
~~وأفعالها وتارة يثني على أوصافها من حيث الجملة وتارة من حيث التفصيل
~~فيثني على العلم من حيث إحاطته بكل معلوم من حق وخلق وغيب وشهادة وملك
~~وملكوت وبرزخ وجبروت واستقلاله بالوجود من غير مدة ولا مادة ولا معلم ولا
~~مفيد وتقدسه عن النقص وتنزهه عما يخطر في الوهم وكذلك على سائر الصفات
~~بما يليق بها ويجب لها، وإن وجد من الخلق والوجود المقيد فتارة يكون على
~~ذات الحق وتارة على صفاته وتارة على أسمائه ومرة على أفعاله وطورا على
~~أسراره وكرة على لطيف صنعه وخفي حكمته في أفعاله وآثاره وذلك بحسب مبلغ
~~الناس في العلم ومنتهاهم في العقل والفهم

# وما قدروا الله حق قدره

# [الأنعام: 91] و

# ولا يحيطون به علما

# [طه: 110] و

# سبحن ربك رب العزة عما يصفون

# [الصافات: 180] وإذا اعتبر الجمع كان الكل منه وإليه

# وأن إلى ربك المنتهى

# [النجم: 42] فلا حامد ولا محمود سواه.

# أوري بسعدي والرباب وزينب

# وأنت الذي يعني وأنت المؤمل

# وهناك يرتفع كل إشكال وينقطع كل مقال وإنما قدم الحمد على الاسم الكريم
~~لاقتضاء المقام مزيد اهتمام به لكونه بصدد صدور مدلوله فهو نصب العين وإن
~~كان ذكر الله تعالى أهم في نفسه والأهمية تقتضي التقديم إلا أن المقتضي
~~العارض بحسب المقام أقوى عند المتكلم وتأخير ما قدم هنا في نحو قوله
~~تعالى:

# وله الحمد فى السموات

# [الروم: 18] لغرض آخر سيأتيك مع أمور أخر في محله إن شاء الله تعالى.

# والرب في الأصل مصدر بمعنى التربية وهي تبليغ الشيء إلى كماله بحسب
~~استعداده الأزلي شيئا فشيئا وكأنها من ربا الصغير كعلا إذا نشأ فعدي
~~بالتضعيف ووصف به ms00070 للمبالغة الحقيقية والصورية فالتجوز فيه إما عقلي من
~~قبيل

# فإنما هي إقبال وإدبار

# أو لغوي ك { اسأل القرية } [يوسف: 82] وقيل هو صفة مشبهة. وفي «شرح
~~التسهيل» أنه ممنوع والظاهر أنه من مبالغة اسم الفاعل أو هو اسم فاعل
~~وأصله راب فحذفت ألفه كما قالوا رجل بار وبر قاله أبو حيان، ويؤيده
~~إضافته إلى المفعول وقد ذكروا أن الصفة المشبهة تضاف إلى الفاعل ويطلق
~~أيضا على الخالق والسيد والملك والمنعم والمصلح والمعبود والصاحب إلا أن
~~المشهور كونه بمعنى التربية فلهذا قال بعض المحققين: إنه حقيقة فيه لأن
~~التبادر أمارتها وفي البواقي إما مجاز أو مشترك والأول أرجح لأن في
~~جميعها يوجد معنى التربية ووجود العلاقة أمارة المجاز ولأن اللفظ إذا دار
~~بين المجاز والاشتراك يحمل على المجاز كما تقرر في مبادىء اللغة وحمله
~~الزمخشري هنا على معنى المالك ولعل ما اخترناه خير منه لأنه بعد تسليم
~~أنه حقيقة في ذلك يؤدي إلى أن يكون { ملك يوم الدين } تكرارا
~~لدخوله في { رب العلمين } وإن قلنا بالتخصيص بعد التعميم يحتاج
~~إلى بيان نكتة إدراج { الرحمن الرحيم } بينهما ولا تظهر لهذا
~~العبد على أن مختارنا أنسب بالمقام لأن التربية أجل النعم بالنسبة إلى
~~المنعم عليه وأدل على كمال فعله تعالى وقدرته وحكمته، تدلك على ذلك
~~الآثار وما فيها من الأسرار، واستطيب بعضهم ما اختاره الطيبي من وجوب
~~حمل الرب على كلا مفهوميه والقدر المشترك المتصرف ألزم وسبيل أعمال
~~المشترك في كلا مفهوميه إذا/ اتفقا في أمر سبيل الكناية من أنها لا تنافي
~~إرادة التصريح مع إرادة ما عبر عنه وإذا اختلف سبيل الحقيقة والمجاز وعلى
~~كل حال لا يطلق لغة على غيره تعالى إطلاقا مستفيضا إلا مقيدا بإضافة
~~ونحوها مما يدل على ربوبية مخصوصة، وقول ابن حلزة في المنذر بن ماء
~~السماء:

# وهو الرب والشهيد على يو

# م الخيارين والبلاء بلاء

# نادر، واستظهر الإمام السيوطي أن المراد نفي إطلاقه على غيره تعالى
~~شرعا والشعر جاهلي وفي كلام الجوهري ما يؤيده، وقال الشهاب: لو كان ms00071
~~بمعنى غير المالك جاز مع القرينة إطلاقه على غيره تعالى، وجوز بعضهم
~~إطلاقه منكرا كما في قوله النابغة:

# نحث إلى النعمان حتى نناله

# فدى لك من رب طريفي وتالدي

# وكره بعضهم إطلاقه مقيدا بالإضافة إلى عاقل كرب العبد لإيهام الاشتراك،
~~وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «لا يقل أحدكم أطعم ربك
~~وضىء ربك ولا يقل أحد ربي وليقل سيدي ومولاي» وأجابوا عن قول يوسف عليه
~~السلام:

# ارجع إلى ربك

# [يوسف: 50] و

# إنه ربى

# [يوسف: 23] ونحوه بأنه مثل:

# وخروا له سجدا

# [يوسف: 100] مخصوص جوازه بزمانه.

# و { العلمين } في المشهور جمع عالم واعترض بأنه يعم العقلاء
~~وغيرهم وعالمون خاص بالعقلاء وأجيب بكونه جمعا له بعد تخصيصه بهم وهو في
~~حكم الصفات كما سيعلم بتوفيقه تعالى من تعريفه أو نقول بالتغليب وقيل نزل
~~من ليس له العلم لكونه دالا على معنى العلم منزلة من له العلم فجمع
~~بالواو والنون كما في:

# أتينا طائعين

# [فصلت: 11]

# ورأيتهم لى ساجدين

# [يوسف: 4] وقيل هو اسم جمع على وزن السلامة ولا نظير له وفيه نظر لأن
~~الاسم الدال على أكثر من اثنين إن كان موضوعا للآحاد المجتمعة دالا
~~عليها دلالة تكرار الواحد بالعطف فهو الجمع وإن كان موضوعا للحقيقة ملغى
~~فيه اعتبار الفردية فهو اسم الجنس الجمعي كتمر وتمرة وإن كان موضوعا
~~لمجموع الآحاد فهو اسم جمع سواء كان له واحد كركب أو لا كرهط فانظر أي
~~التعريفات صادقة عليه وفي " الكشف " لو قيل عالم وعالمون كعرفة وعرفات لم
~~يبعد وفيه أنه أبعد بعيد لأنه قياس فيما يعرف بالسماع على أن للعالمين
~~آحادا يسمى كل منها عالما فلا مرية في كونه جمعا له بخلاف عرفات فإنه
~~ليس لها آحاد كل منها عرفة والعالم كالخاتم اسم لما يعلم به وغلب فيما
~~يعلم به الخالق تعالى شأنه وهو كل ما سواه من الجواهر والأعراض ويطلق على
~~مجموع الأجناس وهو الشائع كما يطلق على واحد منها فصاعدا فكأنه اسم
~~للقدر المشترك وإلا يلزم الاشتراك أو الحقيقة والمجاز والأصل ms00072 نفيهما، ولا
~~يطلق على فرد منها فلا يقال عالم زيد كما يقال عالم الإنسان ولعله ليس
~~إلا باعتبار الغلبة والاصطلاح وأما باعتبار الأصل فلا ريب في صحة الإطلاق
~~قطعا لتحقق المصداق حتما فإنه كما يستدل على الله سبحانه وتعالى بمجموع
~~ما سواه وبكل جنس من أجناسه يستدل عليه تعالى بكل جزء من أجزاء ذلك
~~المجموع وبكل فرد من أفراد تلك الأجناس لتحقق الحاجة إلى المؤثر الواجب
~~لذاته في الكل فإن كل ما ظهر في المظاهر مما عز وهان وحضر في هذه المحاضر
~~كائنا ما كان لإمكانه وافتقاره دليل لائح على الصانع المجيد وسبيل واضح
~~إلى عالم التوحيد:

# فيا عجبا كيف يعصي الال

# ه أم كيف يجحده الجاحد

# وفي كل شيء له آية

# تدل على أنه واحد

# وإنما أتى الرب سبحانه بالجمع المعرف لأنه لو أفرد وعرف بلام الاستغراق
~~لم يكن نصا فيه لاحتمال العهد بأن يكون إشارة إلى هذا العالم المحسوس
~~لأن العالم وإن كان موضوعا للقدر المشترك إلا أنه شاع استعماله بمعنى/
~~المجموع كالوجود في الوجود الخارجي وقد غلب استعماله في العرف بهذا
~~المعنى في العالم المحسوس لإلف النفس بالمحسوسات فجمع ليفيد الشمول قطعا
~~لأنه حينئذ لا يكون مستعملا في المجموع حتى يتبادر منه هذا العالم
~~المحسوس فيكون مستعملا في كل جنس إذ لا ثالث فيكون المعنى رب كل جنس سمي
~~بالعالم والتربية للأجناس إنما تتعلق باعتبار أفرادها فيفيد شمول آحاد
~~الأجناس المخلوقة كلها نظرا إلى الحكم، وحديث أن استغراق المفرد أشمل
~~على ما فيه أمر فرغ عنه ولا ضرر لنا منه كما لا يخفى على المتأمل، وبعضهم
~~خص { العلمين } بذوي العلم من الملائكة والثقلين ورب أشرف
~~الموجودات رب غيرهم قال الإمام الأسيوطي: وعليه هو مشتق من العلم وعلى
~~القول بالعموم من العلامة، وفيه أن الكل في كل محتمل والتخصيص دعوى من
~~غير دليل وقيل هم الجن والإنس لقوله تعالى:

# ليكون للعلمين نذيرا

# [الفرقان: 1] وقيل هم الإنس لقوله تعالى:

# أتأتون الذكران من العلمين

# [الشعراء: 165] وهو المنقول عن جعفر الصادق ms00073 والمأخوذ من بحر أهل البيت
~~ورب البيت أدرى. ولعل الوجه فيه الإشارة إلى أن الإنسان هو المقصود
~~بالذات من التكليف بالحلال والحرام وإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام
~~ولأنه فذلكة جميع الموجودات ونسخة جميع الكائنات المنقولة من اللوح
~~الرباني بالقلم الرحماني، ومن هذا الباب ما نسب لباب مدينة العلم كرم
~~الله وجهه:

# دواؤك فيك وما تبصر

# وداؤك منك وما تشعر

# وتزعم أنك جرم صغير

# وفيك انطوى العالم الأكبر

# ومن تأمل في ذاته وتفكر في صفاته ظهرت له عظمة باريه وآيات مبديه

# وفى الارض ءايت للموقنين * وفى أنفسكم أفلا
~~تبصرون

# [الذاريات: 20-21] بل من عرف نفسه فقد عرف ربه والمناسب للمقام هنا
~~العموم والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام

# ولو أنما فى الارض من شجرة أقلام

# [لقمان: 27] وروي في بعض الأخبار «أن الله تعالى خلق مائة ألف قنديل
~~وعلقها بالعرش والسموات والأرض وما فيهن حتى الجنة والنار في قنديل واحد
~~ولا يعلم ما في باقي القناديل إلا الله تعالى». وقال كعب الأحبار: لا
~~يحصي عدد العالمين إلا الله تعالى:

# ويخلق ما لا تعلمون

# [النحل: 8]

# وما يعلم جنود ربك إلا هو

# [المدثر: 31] وما من ذرة من ذرات العوالم إلا وهي في حيطة تربيته سبحانه
~~بل ما من شيء مما أحاط به نطاق الإمكان والوجود من العلويات والسفليات
~~والمجردات والماديات والروحانيات والجسمانيات إلا وهو في حد ذاته بحيث لو
~~فرض انقطاع آثار التربية عنه آنا واحدا لما استقر له القرار ولا اطمأنت
~~به الدار إلا في مطمورة العدم ومهاوي البوار لكن يفيض عليه من الجناب
~~الأقدس تعالى شأنه وتقدس في كل زمان يمضي وكل آن يمر وينقضي من فنون
~~الفيوض المتعلقة بذاته ووجوده وصفاته وكمالاته ما لا يحيط بذلك فلك
~~التعبير ولا يعلمه إلا اللطيف الخبير ضرورة أنه كما لا يستحق شيء من
~~الممكنات بذاته الوجود ابتداء لا يستحقه بقاء وإنما ذلك من جناب المبدأ
~~الأول عز وعلا فكما لا يتصور وجوده ابتداء ما لم ينسد عليه جميع أنحاء
~~عدمه الأصلي لا يتصور بقاؤه على ms00074 الوجود بعد تحققه بعلته ما لم ينسد عليه
~~جميع أنحاء عدمه الطارىء لما أن الدوام من خصائص الوجود الواجبي، وظاهر
~~أن ما يتوقف عليه وجوده من/ الأمور الوجودية التي هي علله وشرائطه وإن
~~كانت متناهية لوجوب تناهي ما دخل تحت الوجود لكن الأمور العدمية التي لها
~~دخل في وجوده وهي المعبر عنها بارتفاع الموانع ليست كذلك إذ لا استحالة
~~في أن يكون لشيء واحد موانع غير متناهية يتوقف وجوده أو بقاؤه على
~~ارتفاعها أي بقائها على العدم مع إمكان وجودها في أنفسها، فإبقاء تلك
~~الموانع التي لا تتناهى على العدم تربية لذلك الشيء من وجوه غير متناهية،
~~وبالجملة آثار تربيته تعالى واضحة المنار ساطعة الأنوار فسبحانه من رب لا
~~يضاهى ومنان لا يحصى كرمه ولا يتناهى ونحن في تيار بحر جوده سابحون وعن
~~إقامة مراسم شكره قاصرون، وما أحسن قول بعض العارفين أنه تعالى يملك
~~عبادا غيرك وأنت ليس لك رب سواه ثم إنك تتساهل في خدمته والقيام في
~~وظائف طاعته كأن لك ربا بل أربابا غيره وهو سبحانه يعتني بتربيتك حتى
~~كأنه لا عبد له سواك فسبحانه ما أتم تربيته وأعظم رحمته.

# وإنما كان الجمع بالواو والنون مع أنه في المشهور جمع قلة والظاهر مستدع
~~لجمع الكثرة تنبيها على أن العوالم وإن كثرت قليلة بل أقل من القليل في
~~جنب عظمة الله تعالى وكبريائه:

# وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا
~~قبضته يوم القيمة والسموت مطويت
~~بيمينه

# [الزمر: 67] على أن جمع القلة كثيرا ما يوصله المقام إلى جمع الكثرة
~~على أن بعض المحققين المحقين من أرباب العربية ذهب إلى أن الجمع المذكر
~~السالم صالح للقلة والكثرة فاختر لنفسك ما يحلو. وقد أشار سبحانه وتعالى
~~بقوله: { رب العلمين } إلى حضرة الربوبية التي هي مقام العارفين
~~وهي اسم للمرتبة المقتضية للأسماء التي تطلب الموجودات فدخل تحتها العليم
~~والسميع والبصير والقيوم والمريد والملك وما أشبه ذلك لأن كل واحد من هذه
~~الأسماء والصفات يطلب ما يقع عليه فالعليم يقتضي معلوما والقادر مقدورا ms00075
~~والمريد مرادا إلى غير ذلك والأسماء التي تحت اسم الرب هي الأسماء
~~المشتركة بين الحق والخلق والأسماء المختصة بالخلق اختصاصا تأثيريا فمن
~~القسم الأول: العليم مثلا فإن له وجهين وجه يختص بالجناب الإلهي ومنه
~~يقال: يعلم نفسه ووجه ينظر إلى المخلوقات ومنه يقال: يعلم غيره ومن القسم
~~الثاني: الخالق ونحوه من الأسماء الفعلية فله وجه واحد ومنه يقال: خالق
~~للموجودات ولا يقال: خالق لنفسه، تعالى عن ذلك وهذا القسم من الأسماء تحت
~~اسمه الملك ومنه يظهر الفرق بينه وبين الرب، وأما الفرق بين الرب والرحمن
~~فهو أن الرحمن عندهم اسم لمرتبة اختصت بجميع الأوصاف العلية الإلهية سواء
~~انفردت الذات به كالعظيم والفرد أو حصل الاشتراك أو الاختصاص بالخلق
~~كالقسمين المتقدمين فهو أكثر شمولا من الرب ومن مرتبة الربوبية ينظر
~~الرحمن إلى الموجودات وأما اسمه تعالى الله: فهو اسم لمرتبة ذاتية جامعة
~~وفلك محيط بالحقائق وهو مشير إلى الألوهية التي هي أعلى المراتب وهي التي
~~تعطي كل ذي حق حقه وتحتها الأحدية وتحتها الواحدية وتحتها الرحمانية
~~وتحتها الربوبية وتحتها الملكية ولهذا كان اسمه الله أعلى الأسماء وأعلى
~~من اسمه الأحد فالأحدية أخص مظاهر الذات لنفسها والألوهية أفضل مظاهر
~~الذات لنفسها أو لغيرها ومن ثم منع أهل الله تعالى تجلي الأحدية ولم
~~يمنعوا تجلي الألوهية لأن الأحدية ذات محض لا ظهور لصفة فيها فضلا عن أن
~~يظهر فيها مخلوق فما هي إلا للقديم القائم بذاته.

# ومما قررنا يعلم سر كثرة افتتاح العبد دعاءه بيا رب يا رب مع أنه تعالى
~~ما عين هذا الاسم الكريم في الدعاء ونفى ما سواه بل قال سبحانه:

# قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن

# [الإسراء: 110] وقال:

# ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها

# [الأعراف: 180] وقال أرباب الظاهر: الداعي لا يطلب إلا ما يظنه صلاحا
~~لحاله وتربية لنفسه فناسب أن يدعوه بهذا الاسم ونداء المربي في الشاهد
~~بوصف التربية أقرب لدر ثدي الإجابة وأقوى لتحريك عرق الرحمة، وعند
~~ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم يختلف الكلام باختلاف المقام
~~فرقا وجمعا ms00076 وعندي وهو قبس من أنوارهم أن الأرواح أول ما شنفت آذانها
~~وعطرت/ أردانها بسماع وصف الربوبية كما يشعر بذلك قوله تعالى:

# وإذ أخذ ربك من بنى ءادم من ظهورهم ذريتهم
~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى

# [الأعراف: 172] فهم ينادونه سبحانه بأول اسم قررهم به فأقروا وأخذ به
~~عليهم العهد فاستقاموا واستقروا فهو حبيبهم الأول ومفزعهم إذا أشكل الأمر
~~وأعضل:

# تركت هوى سعدى وليلى بمعزل

# وعدت إلى مصحوب أول منزل

# ونادتني الأهواء مهلا فهذه

# منازل من تهوى رويدك فانزل

# وقريب من هذا ما ذكره الشيخ الأكبر قدس سره الأنور مما حاصله أن الله
~~تعالى لما أوجد الكلمة المعبر عنها بالروح الكلي إيجاد إبداع وأعماه عن
~~رؤية نفسه فبقي لا يعرف من أين صدر ولا كيف صدر فحرك همته لطلب ما عنده
~~ولا يدري أنه عنده:

# قد يرحل المرء لمطلوبه

# والسبب المطلوب في الراحل

# ونحن أقرب إليه من حبل الوريد

# [ق: 16] فأخذ في الرحلة بهمته فأشهده الحق ذاته فعلم ما أودع الله تعالى
~~فيه من الأسرار والحكم وتحقق عنده حدوثه وعرف ذاته معرفة إحاطية فكانت
~~تلك المعرفة غذاء معينا يتقوت به وتدوم حياته فقال له عند ذلك التجلي
~~الأقدس ما أسمي عندك فقال أنت ربي فلم يعرفه إلا في حضرة الربوبية وتفرد
~~القديم بالألوهية فإنه لا يعرفه إلا هو فقال له سبحانه أنت مربوبي وأنا
~~ربك أعطيتك أسمائي وصفاتي ولا يحصل لك العلم إلا من حيث الوجود ولو أحطت
~~علما بي لكنت أنت أنا ولكنت محاطا لك وأمدك بالأسرار الإلهية وأربيك
~~بها فتجدها مجعولة فيك فتعرفها وقد حجبتك عن معرفة كيفية إمدادي لك بها
~~إذ لا طاقة لك أن تحمل مشاهدتها إذ لو عرفتها لا تحدت الإنية وأين المركب
~~من البسيط ولا سبيل إلى قلب الحقائق إلى آخر ما قال، ويعلم منه إشارة سر
~~افتتاح الأوصاف في الفاتحة برب العالمين، وفيه أيضا مناسبة لحال البعثة
~~وإرساله صلى الله عليه وسلم إلى من أرسل إليه لأن ذلك أعظم تربية للعباد
~~ورمز خفي ms00077 إلى طلب الشفقة والرأفة بالخلق كيف كانوا لأن الله تعالى ربهم
~~أجمعين:

# داريت أهلك في هواك وهم عدا

# ولأجل عين ألف عين تكرم

# وقد قرىء (رب العالمين) بالنصب ونسب ذلك إلى زيد بن علي رضي الله تعالى
~~عنهما، وقد اختلف في توجيهه فقيل نصب على القطع ويقدر العامل هنا أمدح
~~للمقام أو أذكر لا أعني لأن ذلك إذا لم يكن المنعوت متعينا كما في «شرح
~~العمدة» وضعف بالاتباع بعد القطع في النعت وأجيب بأن الرحمن بدل لا نعت
~~وروى أنه قرىء بنصب (الرحمن الرحيم) فلا ضعف حينئذ وقيل بفعل مقدر دل
~~عليه الحمد وليس على التوهم كما توهم أبو حيان فضعفه بزعمه أنه من خصائص
~~العطف وقيل بالحمد المذكور واعترض بأن فيه إعمال المصدر المحلى باللام
~~وبأنه يلزم الفصل بين العامل والمعمول بالخبر الأجنبي وأجيب عن الأول
~~بأن سيبويه وهو هو جوز إعمال المحلى مطلقا والظرف تكفيه رائحة الفعل نعم
~~منعه الكوفيون مطلقا وجوزه على قبح الفارسي وبعض البصريين وفصل البعض
~~بين ما تعاقب أل فيه الضمير فيجوز ومالا فلا، وعن الثاني بأن هذا الخبر
~~كان معمولا لهذا المبتدأ في موضع المفعول كما تقول حمدا له فليس
~~بأجنبي صرف على أن المبتدأ والخبر لاتحادهما معنى كشيء واحد فلا أجنبي.
~~وحكي عن بعض النحاة جواز الإعمال مطلقا وقيل بالنداء ولا يخفى ما فيه من
~~اللبس والفصل والالتفات الذي لا يكاد لخلوه عما يأتي إن شاء الله تعالى
~~يلتفت إليه وقيل رب فعل ماض وفيه أن أمره مضارع في البعد لما تقدم وأن
~~الجملة لا تكون صفة والحالية غير حسنة الحال مع أنه قرىء بنصب ما بعد
~~والمناسب المناسبة وأهون الأمور عندي أولها/ بل يكاد يقطع الظاهر بالقطع.

# ثم إنه سبحانه وتعالى بعدما ذكر عموم تربيته صرح بعظيم رحمته فقال عز
~~شأنه: { الرحمن الرحيم } وقد تقدم الكلام عليهما والجمهور على
~~خفضهما، ونصبهما زيد وأبو العالية وابن السميقع وعيسى بن عمرو، ورفعهما
~~أبو رزين العقيلي والربيع بن خيثم وأبو عمران الجوني واستدل بعض ms00078 ساداتنا
~~بتكرارهما على أن البسملة ليست آية من الفاتحة وليس بالقوي لأن التكرار
~~لفائدة، فذكرهما في البسملة تعليل للابتداء باسمه عز شأنه، وذكرهما هنا
~~تعليل لاستحقاقه تعالى الحمد، وقال الإمام الرازي قدس سره في بيان حكمة
~~التكرار التقدير كأنه قيل له اذكر أني إله ورب مرة واحد واذكر أني رحمن
~~رحيم مرتين لتعلم أن العناية بالرحمة أكثر منها بسائر الأمور ثم لما بين
~~الرحمة المضاعفة فكأنه قال لا تغتروا بذلك فإني مالك يوم الدين ونظيره
~~قوله تعالى:

# غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب

# [غافر: 3] انتهى، وفي القلب منه شيء فإن الألوهية مكررة أيضا كما ترى
~~وعندي بمسلك صوفي أن ذكر { الرحمن الرحيم } تفصيل من وجه لما
~~في رب العالمين من الإجمال وذلك أن التربية تنقسم ببعض الاعتبارات إلى
~~قسمين، أحدهما التربية بغير واسطة كالكلمة لأنه لا يتصور في حقه واسطة
~~البتة، وثانيهما التربية بواسطة كما فيمن دون الكلمة وهذا الثاني له
~~قسمان أيضا، قسم ممزوج بألم كما في تربية العبد بأمور مؤلمة له شاقة
~~عليه، وقسم لا مزج فيه كما في تربية كثير ممن شمله اللطف السبحاني:

# غافل والسعادة احتضنته

# وهو عنها مستوحش نفار

# فالرحمن يشير إلى التربية بالوسائط وغيرها في عالمه والرحيم يشير إلى
~~التربية بلا واسطة في كلماته ورحمة الرحمن أيضا قد تمزج بالألم كشرب
~~الدواء الكره الطعم والرائحة فإنه وإن كان رحمة بالمريض لكن فيه ما لا
~~يلائم طبعه ورحمة الرحيم لا يمازجها شوب فهي محض النعم ولا توجد إلا عند
~~أهل السعادات الكاملة. اللهم اجعلنا سعداء الدارين بحرمة سيد الثقلين صلى
~~الله عليه وسلم.

# { ملك يوم الدين } قرأ مالك كفاعل مخفوضا عاصم والكسائي وخلف
~~في اختياره ويعقوب وهي قراءة العشرة إلا طلحة والزبير وقراءة كثير من
~~الصحابة، منهم أبي وابن مسعود ومعاذ وابن عباس، والتابعين منهم قتادة
~~والأعمش، وقرأ (ملك) كفعل بالخفض أيضا باقي السبعة وزيد وأبو الدرداء
~~وابن عمر والمسور وكثير من الصحابة والتابعين، وقرأ (ملك) على وزن سهل
~~أبو هريرة وعاصم الجحدري ورواها الجعفي ms00079 وعبد الوارث عن أبي عمرو وهي لغة
~~بكر بن وائل، وقرأ (ملكي) باشباع كثرة الكاف أحمد بن صالح عن ورش عن
~~نافع، وقرأ (ملك) على وزن عجل أبو عثمان والشعبي وعطية، وقرأ أنس بن
~~مالك وأبو نوفل عمرو بن مسلم البصري (ملك يوم الدين) بنصب الكاف من غير
~~ألف، وقرأ كذلك إلا أنه رفع الكاف سعد بن أبي وقاص وعائشة، وقرأ (ملك)
~~فعلا ماضيا أبو حنيفة على ما قيل وأبو حيوة وجبير بن مطعم وأبو عاصم
~~عبيد بن عمير الليثي وينصبون اليوم وذكر ابن عطية أن هذه قراءة علي بن
~~أبي طالب كرم الله تعالى وجهه والحسن ويحيى بن يعمر، وقرأ (مالك)
~~بالنصب الأعمش أيضا وابن السميقع وعثمان بن أبي سليمان وعبد الملك قاضي
~~الهند، وذكر ابن عطية أنها قراءة عمر بن عبد العزيز وأبي صالح السمان
~~وروى ابن عاصم عن اليماني (مالكا) بالنصب والتنوين، وقرأ (مالك) برفع
~~الكاف والتنوين.

# ورويت عن خلف بن هشام وأبي عبيد وأبي حاتم فينصب اليوم، وقرأ (مالك
~~يوم) بالرفع والإضافة أبو هريرة وأبو حيوة وعمر بن عبد العزيز بخلاف عنهم
~~ونسبها صاحب «اللوامح» إلى ابن شداد العقيلي البصري وقرأ (مليك) كفعيل
~~أبو هريرة/ في رواية وأبو رجاء العطاردي، وقرأ (مالك) بالإمالة البليغة
~~يحيى بن يعمر وأيوب السختياني وبين بين قتيبة بن مهران عن الكسائي ولم
~~يطلع على ذلك أبو علي الفارسي فقال لم يمل أحد وذكر أنه قرأ (ملاك)
~~بالألف وتشديد اللام وكسر الكاف فهذه عدة قراءات ذكرتها لغرابة وقوع
~~مثلها في كلمة واحدة بعضها راجعة إلى الملك وبعضها إلى المالك، قال بعض
~~اللغويين: وهما راجعان إلى الملك وهو الشد والربط ومنه ملك العجين
~~وأنشدوا قول قيس بن الخطيم:

# ملكت بها كفى فأنهزت فتقها

# يرى قائما من دونها ما وراءها

# والمتواتر منها قراءة (مالك) و (ملك) فهما نيرا سواريها وقطبا فلك
~~دراريها، واختلف في الأبلغ منهما قال الزمخشري: و(ملك) هو الاختيار لأنه
~~قراءة أهل الحرمين ولقوله تعالى:

# لمن الملك

# [غافر: 16] ولقوله تعالى:

# ملك الناس ms00080

# [الناس: 2] ولأن الملك يعم والملك يخص ورجحه صاحب «الكشف» أيضا بأنه
~~يلزم على قراءة (مالك) نوع تكرار لأن الرب بمعناه أيضا وبأنه تعالى وصف
~~ذاته المتعالية بالملكية عند المبالغة في قوله

# ملك الملك

# [آل عمران: 26] بالضم دون المالكية.

# واعترض ذلك كله، أما أولا: فلأن قراءة أهل الحرمين لا تدل على الرجحان
~~لأنه لو سلم كون أوائلهم أعلم بالقرآن لا نسلم ذلك في عهد القراء
~~المشهورين ألا ترى أن «صحيح البخاري» مقدم على «موطأ مالك» وهو عالم
~~المدينة على أن القراءات المشهورة كلها متواترة وبعد التواتر المفيد
~~للقطع لا يلتفت إلى أصول الرواة، وقول الشهاب: لا يخفى أن أهل الحرمين
~~قديما وحديثا أعلم بالقرآن والأحكام فمن وراء المنع أيضا ودون إثباته
~~التعب الكثير كما لا يخفى على من لم ترعه القعاقع.

# وأما ثانيا: فلأن الاستدلال بقوله تعالى:

# لمن الملك اليوم

# [غافر: 16] يخدشه قوله:

# يوم لا تملك نفس لنفس شيئا

# [الإنفطار: 19] فإنه سبحانه أراد باليوم يوم القيامة وهو يوم الدين ونفي
~~المالكية عن غيره يقتضي إثباتها له إذ السياق لبيان عظمته تعالى والأمر
~~آخر الآية واحد الأمور لا الأوامر وإن كثر استعماله فيه.

# وأما ثالثا: فلأن ما في الناس مغاير لما هنا لأن (مالك الناس) لو كان
~~هناك كما قرىء به شذوذا يتكرر مع رب الناس وأما هنا فلا تكرار لاختلاف
~~المقام.

# وأما رابعا: فلأن ما ادعاه من أن الملك بضم الميم يعم والملك بالكسر
~~يخص خلاف الظاهر والظاهر أن بين المالك والملك عموما وخصوصا من وجه لغة
~~عرفا فيوسف الصديق عليه السلام بناء على أنه مالك رقاب المصريين في
~~القحط بمقتضى شرعهم ملك ومالك التاجر مالك غير ملك والسلطان على بلد لا
~~ملك له فيها ملك غير مالك.

# وأما خامسا: فبأن التكرار الذي زعمه صاحب «الكشف» قد كشف أمره على أنه
~~مشترك الإلزام إذ الجوهري ذكر أن الرب كان يطلق على الملك.

# أما سادسها: فلأن الدليل الأخير الذي ساقه لك أن تقلبه بأنه تعالى وصف
~~ذاته بالمالكية دون الملكية وأيضا إضافة ms00081 المالك إلى الملك تدل على أن
~~المالك أبلغ من الملك لأن الملك بالضم قد جعل تحت حيطة المالكية فكأنه
~~أحد مملوكاته كذا قالوه ولهم ما كسبوا وعليهم ما اكتسبوا، وعندي لا ثمرة
~~للخلاف والقراءتان فرسا رهان ولا فرق بين المالك والملك صفتين لله تعالى
~~كما قاله السمين ولا التفات إلى من قال إنهما كحاذر وحذر ومتى أردت ترجيح
~~أحد الوصفين تعارضت لدي الأدلة وسدت على الباب الآثار وانقلب إلي بصر
~~البصيرة خاسئا وهو حسير إلا أني اقرأ كالكسائي (مالك) لأحظى بزيادة عشر
~~حسنات ولأن فيه إشارة واضحة إلى الفضل الكبير والرحمة الواسعة والطمع
~~بالمالك من حيث إنه مالك فوق الطمع بالملك من حيث إنه ملك فأقصى ما يرجى
~~من الملك أن ينجو الإنسان منه رأسا برأس ومن المالك يرجى ما هو فوق ذلك
~~فالقراءة به/ أرفق بالمذنبين مثلي وأنسب بما قبله وإضافته إلى يوم الدين
~~بهذا المعنى ليكسر حرارته فإن سماع { يوم الدين } يقلقل أفئدة
~~السامعين ويشبه ذلك من وجه قوله تعالى:

# عفا الله عنك لم أذنت لهم

# [التوبة: 43] والمدار على الرحمة لا سيما والأمر جدير والترغيب فيه أرغب
~~على أنه لا يخلو الحال عن ترهيب وكأني بك تعارض هذه النكت وما علي فهذا
~~الذي دعاني إليه حسن الظن.

# واليوم: في العرف عبارة عما بين طلوع الشمس وغروبها من الزمان وفي الشرع
~~عند أهل السنة ما عدا الأعمش عبارة عما بين طلوع الفجر الثاني وغروب
~~الشمس ويطلق على مطلق الوقت. ويوم القيامة حقيقة شرعية في معناه المعروف
~~وتركيبه غريب إذ فاء الكلمة فيه ياء وعينها واو ولم يأت من ذلك كما في "
~~البحر المحيط " إلا يوم وتصاريفه.

# والدين: الجزاء ومنه الحديث المرسل عن أبي قلابة رضي الله تعالى عنه
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " البر لا يبلى والإثم لا ينسى والديان لا يموت فكن كما شئت كما تدين
~~تدان "

# وقيل فرق بينهما فإن الدين ما كان بقدر فعل المجازى والجزاء أعم. وقيل
~~الدين اسم للجزاء المحبوب المقدر ms00082 بقدر ما يقتضيه الحساب إذا كان ممن معه
~~وقع الأمر المجزي به فلا يقال لمن جازى عن غيره أو أعطى كثيرا في مقابلة
~~قليل دين ويقال جزاء والأرجح عندي أن الدين والجزاء بمعنى فيوم الدين هو
~~يوم الجزاء ويؤيده قوله تعالى:

# اليوم تجزى كل نفس بما كسبت

# [غافر: 17] و

# اليوم تجزون ما كنتم تعملون

# [الجاثية: 28] وإضافة مالك إلى يوم على التوسع وقد قال النحاة الظرف إما
~~متصرف وهو الذي لا يلزم الظرفية أو غير متصرف وهو مقابله والأول كيوم
~~وليلة فلك أن تتوسع فيهما بأن ترفع أو تجر أو تنصب من غير أن تقدر فيه
~~معنى (في) فيجرى مجرى المفعول للتساوي في عدم التقدير فإذا قلت سرت اليوم
~~كان منصوبا انتصاب زيد في ضربت زيدا ويجري سرت مجرى ضربت في التعدي
~~مجازا لأن السير لا يؤثر في اليوم تأثير الضرب في زيد ولا يخرج بذلك عن
~~معنى الظرفية ولذا يتعدى إليه الفعل اللازم ولا يظهر في الاسم وإنما يظهر
~~في الضمير كقوله:

# ويوما شهدناه سليما وعامرا

# قليل سوى طعن النهار نوافله

# وإذا توسع في الظرف فإن كان فعله غير متعد تعدى وإن كان متعديا إلى
~~واحد تعدى إلى اثنين وإن كان متعديا إلى اثنين تعدى إلى ثلاثة وهو قليل
~~ومنعه البعض وإن كان متعديا إلى ثلاثة لم يتعد إلى رابع في المشهور إذ
~~لا نظير له. وحكى ابن السراج جوازه والتوسع هذا تجوز حكمي في النسبة
~~الظرفية الواقعة بعد نسبة المفعول به الحقيقي فالمتعدي قبله باق على حاله
~~حتى إذا لم يذكر مفعوله قدر أو نزل منزلة اللازم والجمع بين الحقيقة
~~والمجاز في المجاز الحكمي ليس محل الخلاف ولذا قال الرضى: اتفقوا على أن
~~معنى الظرف متوسعا فيه وغير متوسع فيه سواء والمعنى مالك الأمر كله في
~~يوم الدين وهذا ثابت له سبحانه أزلا وأبدا لأنه إما من الصفات الذاتية
~~المتفق على ثبوتها له سبحانه كذلك أو من الصفات الفعلية وهي عند
~~الماتريدية مثلها بل قال الزركشي من الأشاعرة في ms00083 إطلاق الخالق والرازق
~~ونحوهما في حقه تعالى قبل وجود الخلق والرزق حقيقة وإن قلنا بحدوث صفات
~~الأفعال أو المعنى ملك الأمور يوم الدين على حد

# ونادى أصحب الجنة

# [الأعراف: 44] ففي الآية استعارة تبعية كما يفهمه كلامه العلامة
~~البيضاوي في «تفسيره» وعلى التقديرين يصح وقوعه صفة للمعرفة لأن الإضافة
~~حينئذ حقيقية ولا ينافي ذلك التوسع في الظرف لأنه مفعول من حيث المعنى لا
~~من حيث الإعراب أي يتعلق المالك به تعلق المملوكية حتى لو كانت شرائط
~~العمل حاصلة عمل فيه كما قاله الشريف وفيه تأمل والأولى باستمرار
~~الاعتبار اعتبار الاستمرار والمستمر يصح أن تكون إضافته معنوية كما يصح
~~أن لا تكون/ كذلك والتعيين مفوض للمقام وذلك لاشتماله على الأزمنة الثلاث
~~ولا يرد أن (يوم الدين) وما فيه ليس مستمرا في جميع الأزمنة فكيف يتصور
~~كونه تعالى مالكا على الاستمرار لأنا نقول ليس عند ربك صباح ولا مساء
~~وهو سبحانه ليس بزماني والأزل والأبد عنده نقطة واحدة والفرق بينهما
~~بالاعتبار والتعبيرات المختلفة في كلامه عز شأنه بالنظر إلى حال المخاطب
~~فالاستمرار بالنظر إليه تعالى متحقق بلا شبهة ومن هنا يستنبط جواب للسؤال
~~المشهور بأن المالك لا يكون مالكا للشيء إلا إذا كان موجودا ويوم الدين
~~غير موجود الآن، وأجاب غير واحد بأن يوم الدين لما كان محققا جعل
~~كالقائم في الحال وأيضا من مات فقد قامت قيامته فكأن القيامة حاصلة في
~~الحال فزال السؤال، ولا يخفى أن السؤال باق على مذهب بعض المتكلمين
~~القائلين بأن الزمان معدوم إذ يقال بعد إن تملك المعدوم محال إلا أن يقال
~~يجعل الكلام كناية عن كونه مالكا للأمر كله لأن تلك الزمان كتلك المكان
~~يستلزم تملك جميع ما فيه ولا يلزم في الكناية إمكان المعنى الحقيقي
~~والاستلزام بمعنى الانتقال في الجملة لا بمعنى عدم الانفكاك فلا يرد
~~المنع وأنت إذا قرأت (ملك) تسلم من هذا القيل والقال إن جعلته صفة مشبهة
~~أو ألحقته بأسماء الأجناس الجامدة كسلطان وأما إذا جعلته صيغة مبالغة
~~كحذر  وهو ملحق باسم ms00084 الفاعل  فيرد عليك ما ورد علينا وأنا من فضل الله
~~تعالى لا تحركني العواصف بل ذلك يزيدني في المالك حبا، وإنما قال {
~~ملك يوم الدين } ولم يقل يوم القيامة مراعاة للفاصلة وترجيحا
~~للعموم فإن الدين بمعنى الجزاء يشمل جميع أحوال القيامة من ابتداء النشور
~~إلى السرمد الدائم بل يكاد يتناول النشأة الأولى بأسرها على أن يوم
~~القيامة لا يفهم منه الجزاء مثل يوم الدين ولا يخلو اعتباره عن لطف،
~~وأيضا للدين معان شاع استعماله فيها كالطاعة والشريعة فتذهب نفس السامع
~~إلى كل مذهب سائغ وقد قال بكل من هذين المعنيين بعض والمعنى حينئذ على
~~تقدير مضاف فعلى الأول يوم الجزاء الكائن للدين وعلى الثاني يوم الجزاء
~~الثابت في الدين وإذا أريد بالطاعة في الأول الانقياد المطلق لظهوره ذلك
~~اليوم ظاهرا وباطنا وجعل إضافة يوم للدين في الثاني لما بينهما من
~~الملابسة باعتبار الجزاء لم يحتج إلى تقدير، وتخصيص اليوم بالإضافة مع
~~أنه تعالى مالك وملك جميع الأشياء في كل الأوقات والأيام إما للتعظيم
~~وإما لأن الملك والملك الحاصلين في الدنيا لبعض الناس بحسب الظاهر يزولان
~~وينسلخ الخلق عنهما انسلاخا ظاهرا في الآخرة:

# وكلهم آتيه يوم القيمة فردا

# [مريم: 95] وينفرد سبحانه في ذلك اليوم بهما انفرادا لا خفاء فيه ولذلك
~~قال سبحانه:

# يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والامر يومئذ
~~لله

# [الإنفطار: 19] و

# لمن الملك اليوم لله الوحد القهار

# [غافر: 16] وأيضا هنالك يجتمع الأولون والآخرون ويقوم الروح والملائكة
~~صفا وتجتمع العبيد في صعيد واحد وتظهر صفة الجمال والجلال أتم ظهور
~~فتعلم صفة المالكية والملكية للمجموع في آن واحد فوق ما علمت لكل فرد فرد
~~أو جمع جمع على توالي الأزمان وإنما ختم سبحانه هذه الأوصاف بهذا الوصف
~~إشارة إلى الإعادة كما افتتح بما يشير إلى الإبداء وفي إجرائها عليه
~~تعالى تعليل لإثبات ما سبق وتمهيد لما لحق وفيه إيماء إلى أن الحمد ليس
~~مجرد الحمد لله بل مع العلم بصفات الكمال ونعوت الجلال وهذه أمهاتها ولم
~~تك تصلح إلا له ولم ms00085 يك يصلح إلا لها وقد يقال في إجراء هذه الأوصاف بعد
~~ذكر اسم الذات الجامع لصفات الكمال إشارة إلى أن الذي يحمده الناس
~~ويعظمونه إنما يكون حمده وتعظيمه لأحد أمور أربعة، إما لكونه كاملا في
~~ذاته وصفاته وإن لم يكن منه إحسان إليهم، وإما لكونه محسنا إليهم
~~ومتفضلا عليهم، وإما لأنهم يرجون لطفه وإحسانه في الاستقبال، وإما لأنهم
~~يخافون من كمال قدرته فهذه هي الجهات الموجبة للحمد والتعظيم فكأنه
~~سبحانه يقول يا عبادي إن كنتم تحمدون وتعظمون للكمال الذاتي والصفاتي
~~فاحمدوني فإني/ أنا الله وإن كان للإحسان والتربية والإنعام فإني أنا رب
~~العالمين وإن كان للرجاء والطمع في المستقبل فإني أنا الرحمن الرحيم وإن
~~كان للخوف فإني أنا مالك يوم الدين.

# ومن الناس من استدل كما قال الإمام على وجوب الشكر عقلا قبل مجيء الشرع
~~بأنه تعالى أثبت الحمد هنا لذاته ووصفه بكونه ربا للعالمين رحمانا
~~رحيما بهم مالكا لعاقبة أمورهم في القيامة، وترتب الحكم على الوصف
~~المناسب يدل على كون الحكم معللا به فدل ذلك على ثبوت الحمد لة قبل
~~الشرع وبعده وهو على ما فيه دليل عليه لا له لأنه بيان من الله تعالى
~~لإيجابه فهو سمعي لا عقلي فالمستدل به كناطح صخرة.

# هذا وفي ذكر هذه الأسماء الخمسة أيضا لطائف فالإنسان بدن ونفس شيطانية
~~ونفس سبعية ونفس بهيمية وجوهر ملكي عقلي فالتجلي باسمه تعالى الله للجوهر
~~الملكي:

# ألا بذكر الله تطمئن القلوب

# [الرعد: 28] وباسم الرب للنفس الشيطانية

# رب أعوذ بك من همزات الشيطين

# [المؤمنون: 97] وباسم الرحمن للنفس السبعية بناء على أنه مركب من لطف
~~وقهر

# الملك يومئذ الحق للرحمن

# [الفرقان: 26] وباسم الرحيم للنفس البهيمية

# أحل لكم الطيبت

# [المائدة: 5] وبمالك يوم الدين للبدن الكثيف

# سنفرغ لكم أيه الثقلان

# [الرحمن: 31].

# وآثار هذا التجلي طاعة الأبدان بالعبادة وطاعة النفس الشيطانية بطلب
~~الاستعانة والسبعية بطلب الهداية والبهيمية بطلب الاستقامة، وتواضعت
~~الروح القدسية فعرضت لطلب إيصالها إلى الأرواح العالية المطهرة وأيضا
~~دعائم الإسلام خمس فالشهادة من أنوار تجلي الله والصلاة من أنوار ms00086 تجلي
~~الرب وإيتاء الزكاة من أنوار تجلي الرحمن وصيام رمضان من أنوار تجلي
~~الرحيم والحج من أنوار تجلي مالك يوم الدين وكأنه لهذا طلبت الفاتحة في
~~الصلاة التي هي العماد.

# ولما بلغ الثناء الغاية القصوى قال سبحانه: { إياك نعبد
~~وإياك نستعين } إيا في المشهور ضمير نصب منفصل واللواحق حروف
~~زيدت لبيان الحال، وقيل أسماء أضيف هو إليها، وقيل الضمير هي تلك اللواحق
~~وإيا دعامة، وقيل الضمير هو المجموع وقيل إيا مظهر مبهم مضاف إلى اللواحق
~~وزعم أبو عبيدة اشتقاقه وهو جهل عجيب والبحث مستوفى في علم النحو، وقد
~~جاء وياك بقلب الهمزة واوا ولا أدري أهو عن القراء أم عن العرب وقرأ
~~عمرو بن فائد عن أبي (إياك) بكسر الهمزة وتخفيف الياء وعلي وأبو الفضل
~~الرقاشي (أياك) بفتح الهمزة والتشديد وأبو السوار الغنوي (هياك) بإبدال
~~الهمزة مكسورة ومفتوحة هاء والجمهور (إياك) بالكسر والتشديد.

# والعبادة أعلى مراتب الخضوع ولا يجوز شرعا ولا عقلا فعلها إلا لله
~~تعالى لأنه المستحق لذلك لكونه موليا لأعظم النعم من الحياة والوجود
~~وتوابعهما ولذلك يحرم السجود لغيره سبحانه لأن وضع أشرف الأعضاء على أهون
~~الأشياء وهو التراب وموطىء الأقدام والنعال غاية الخضوع وقيل لا تستعمل
~~إلا في الخضوع له سبحانه وما ورد من نحو قوله تعالى:

# إنكم وما تعبدون من دون الله

# [الأنبياء: 98] وارد على زعمهم تعريضا لهم ونداء على غباوتهم وتستعمل
~~بمعنى الطاعة ومنه:

# أن لا تعبدوا الشيطن

# [يس: 60] وبمعنى الدعاء ومنه:

# إن الذين يستكبرون عن عبادتى

# [غافر: 60] وبمعنى التوحيد ومنه:

# وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

# [الذاريات: 56] وكلها متقاربة المعنى وذكر بعض المحققين أن لها ثلاث
~~درجات لأنه إما أن يعبد الله تعالى رغبة في ثوابه أو رهبة من عقابه ويختص
~~باسم الزاهد حيث يعرض عن متابعة الدنيا وطيباتها طمعا فيما هو أدوم
~~وأشرف وهذه مرتبة نازلة عند أهل الله تعالى وتسمى عبادة وإما أن يعبد
~~الله تعالى تشرفا بعبادته أو لقبوله لتكاليفه أو بالانتساب إليه وهذه
~~مرتبة متوسطة وتسمى بالعبودية وإما أن يعبد ms00087 الله تعالى لاستحقاقه الذاتي
~~من غير نظر إلى نفسه بوجه من الوجوه ولا يتقضيه إلا الخضوع والذلة وهذه
~~أعلى الدرجات وتسمى بالعبودة وإليه الإشارة بقول المصلي أصلي لله تعالى
~~فإنه/ لو قال أصلي لثوابه تعالى مثلا أو للتشرف بعبادته فسدت صلاته.

# والاستعانة طلب المعونة وياء فعله منقلبة عن واو وتمسكت الجبرية
~~والقدرية بهذه الآية أما الجبرية فقالوا لو كان العبد مستقلا لما كان
~~للاستعانة على الفعل فائدة وأما القدرية فقالوا السؤال إنما يحسن لو كان
~~العبد متمكنا في أصل الفعل فيطلب الإعانة من الغير أما إذا لم يقدر عليه
~~لم يكن للاستعانة فائدة وقد أشار ناصر الملة والدين البيضاوي بيض الله
~~تعالى وجه حجته ببيان المعونة إلى أنه لا تمسك لواحد من الفريقين في ذلك
~~حيث قال وهي إما ضرورية أو غيرها والضرورية ما لا يتأتى الفعل دونه
~~كاقتدار الفاعل وتصوره وحصول آلة ومادة يفعل بها فيها وعند استجماعها يصح
~~أن يوصف الرجل بالاستطاعة ويصح أن يكلف بالفعل وغير الضرورية تحصيل ما
~~يتيسر به الفعل ويسهل كالراحلة في السفر للقادر على المشي أو يقرب الفاعل
~~إلى الفعل ويحثه عليه وهذا القسم لا يتوقف عليه صحة التكليف انتهى.

# وحاصله أن الاستعانة طلب ما يتمكن به العبد من الفعل أو يوجب اليسر عليه
~~وشيء منهما لا يوجب الجبر ولا القدر وعندي أن الآية إن استدل بها على شيء
~~من بحث خلق الأفعال فليستدل بها على أن للعباد قدرا مؤثرة بإذن الله
~~تعالى لا بالاستقلال كما عقدت عليه خنصر عقيدتي لا أنهم ليس لهم قدرة
~~أصلا بل جميع أفعالهم كحركة المرتعش كما يقوله الجبرية إذ الضرورية
~~تكذبه ولا أن لهم قدرة غير مؤثرة أبدا كاليد المشلولة كما هو الشائع من
~~مذهب الأشاعرة إذ هو في المآل كقول الجبرية وأي فرق بين قدرة لا أثر لها
~~وبين عدم القدرة بالكلية إلا بما هو

# كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه
~~لم يجده شيئا

# [النور: 39] ولا أن لهم قدرة مستقلة بالأفعال يفعلون بها ما ms00088 شاؤا فالله
~~تعالى يريد ما لا يفعله العبد ويفعل العبد ما لا يريده الله تعالى كما
~~يقوله المعتزلة إذ يرد ذلك النصوص القواطع كما ستسمعه إن شاء الله تعالى،
~~ووجه الاستدلال أن { إياك نعبد } مشير إلى صدور الفعل من العباد
~~وذلك يستدعي قدرة يكون بها الإيجاد ومن لا قدرة له أو له قدرة لا مدخل
~~لها في الإيجاد لا يقال له أوجد وصحة ذلك باعتبار الكسب كيفما فسر لا
~~يرتضيه المنصف العاقل.

# وقوله { وإياك نستعين } يدل على نفي الاستقلال فيه وأنه بإذن
~~الله تعالى وإعانته كما يشير إليه لا حول ولا قوة إلا بالله وهذا هو
~~اللبن السائغ الذي يخرج من بين فرث ودم فلا جبر ولا تفويض فاحفظه وانتظر
~~تتمته:

# ولو كان هذا موضع القول لاشتفى

# فؤادي ولكن للمقال مواضع

# وههنا أبحاث: الأول في سر تقديم الضمير على الفعلين وذكروا له وجوها
~~الدلالة على الحصر والاختصاص كما يشعر به عدول البليغ عما هو الأصل من
~~غير ضرورة ولذلك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما معناه لا نعبد غيرك
~~وهو حقيقي لا يستدعي رد خطأ المخاطب والمقصود منه التبرئة عن الشرك
~~وتعريض بالمشركين وتقديم ما هو مقدم في الوجود فإنه تعالى مقدم على
~~العابد والعبادة ذاتا فقدم وضعا ليوافق الوضع الطبع. وتنبيه العابد من
~~أول الأمر على أن المعبود هو الله تعالى الحق فلا يتكاسل في التعظيم ولا
~~يلتفت يمينا وشمالا والاهتمام فإن ذكره تعالى أهم للمؤمنين في كل حال
~~لا سيما حال العبادة لأنها محل وساوس الشيطان من الغفلة والكسل والبطالة
~~والتصريح من أول وهلة بأن العبادة له سبحانه فهو أبلغ في التوحيد وأبعد
~~عن احتمال الشرك فإنه لو أخر فقبل أن يذكر المفعول يحتمل أن تكون العبادة
~~لغيره تعالى.

# والإشارة إلى حال العارف وأنه ينبغي أن يكون نظره إلى المعبود أولا
~~وبالذات وإلى العبادة من حيث إنها وصلة إليه وراحلة تغد به عليه فيبقى
~~مستغرقا في مشاهدة أنوار جلاله مستقرا في فردوس أنوار جماله وكم من فرق ms00089
~~بين قوله تعالى للمحمديين:

# فاذكرونى أذكركم

# [البقرة: 152] وبين قوله للإسرائليين:

# اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم

# [البقره: 40] وبين ما حكى عن الحبيب من قوله:

# لا تحزن إن الله معنا

# [التوبه: 40] وبين ما حكاه عن الكليم من قوله:

# إن معى ربى سيهدين

# [الشعراء: 62].

# الثاني في سر قوله { نعبد } دون أعبد فقد قيل هو الإشارة إلى حال
~~العبد كأنه يقول إلهي ما بلغت عبادتي إلى حيث أذكرها وحدها لأنها ممزوجة
~~بالتقصير ولكن أخلطها بعبادة جميع العابدين وأذكر الكل بعبارة واحدة حتى
~~لا يلزم تفريق الصفقة وقيل النكتة في العدول إلى الإفراد التحرز عن
~~الوقوع في الكذب فإنا لم نزل خاضعين لأهل الدنيا متذللين لهم مستعينين في
~~حوائجنا بمن لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا حياتا ولا موتا ولا
~~نشورا ويا ليت الفحل يهضم نفسه فكيف يقول أحدنا إياك أعبد وإياك أستعين
~~بالإفراد ويمكن في الجمع أن يقصد تغليب الأصفياء المتقين من الأولياء
~~والمقربين وقيل لو قال إياك أعبد لكان ذلك بمعنى أنا العابد ولما قال {
~~إياك نعبد } كان المعنى أني واحد من عبيدك وفرق بين الأمرين كما
~~يرشدك إليه قوله تعالى حكاية عن الذبيح عليه السلام:

# ستجدنى إن شاء الله من الصبرين

# [الصافات: 102] وقوله تعالى: حكاية عن موسى

# ستجدنى إن شاء الله صابرا

# [الكهف: 69] فصبر الذبيح لتواضعه بعد نفسه واحدا من جمع ولم يصبر
~~الكليم لإفراده نفسه مع أن كلا منهما عليهما السلام قال { إن شاء
~~الله } وقيل الضمير في الفعلين للقاري ومن معه من الحفظة وحاضري
~~الجماعة وقيل هو من باب: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ» على ما ذكره
~~الغزالي قدس سره وقد تقدم.

# الثالث في سر تقديم فعل العبادة على فعل الاستعانة وله وجوه الأول أن
~~العبادة أمانة كما قال تعالى:

# إنا عرضنا الامانة على السموات والارض
~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها
~~وحملها الإنسن

# [الأحزاب: 72] فاهتم للأداء فقدم، الثاني أنه لما نسب المتكلم العبادة
~~إلى نفسه أوهم ذلك تبجحا واعتدادا منه بما صدر عنه فعقبه بقوله: {
~~وإياك نستعين } ليدل ms00090 على أن العبادة مما لا تتم إلا بمعونة
~~وتوفيق وإذن منه سبحانه، الثالث أن العبادة مما يتقرب بها العبد إلى الله
~~تعالى والاستعانة ليست كذلك فالأول أهم، الرابع أنها وسيلة فتقدم على طلب
~~الحاجة لأنه أدعى للإجابة.

# الخامس: أنها مطلوبة لله تعالى من العبادة، والاستعانة مطلوبهم منه
~~سبحانه فتقديم العبد ما يريده مولاه منه أدل على صدق العبودية من تقديم
~~ما يريده من مولاه، السادس: أن العبادة واجبة حتما لا مناص للعبادة عن
~~الإتيان بها حتى جعلت كالعلة لخلق الإنس والجن فكانت أحق بالتقديم.
~~السابع: أنها أشد مناسبة بذكر الجزاء والاستعانة أقوى التئاما بطلب
~~الهداية، الثامن: أن مبدأ الإسلام التخصيص بالعبادة والخلوص من الشرك
~~والتخصيص بالاستعانة بعد الرسوخ، التاسع: أن في تأخير فعل الاستعانة
~~توافق رءوس الآي، العاشر: أن أحدهما إذا كان مرتبطا بالآخر لم يختلف
~~التقديم والتأخير كما يقال قضيت حقي فأحسنت إلي وأحسنت إلي فقضيت حقي.
~~الحادي عشر: أن مقام السالكين ينتهي عند قوله { إياك نعبد }
~~وبعده يطلب التمكين وذلك أن الحمد مبادي حركة المريد فإن نفس السالك إذا
~~تزكت ومرآة قلبه إذا انجلت فلاحت فيها أنوار العناية الموجبة للولاية
~~تجردت النفس الزكية للطلب فرأت آثار نعم الله تعالى عليها سابغة وألطافه
~~غير متناهية فحمدت على ذلك وأخذت في الذكر فكشف لها الحجاب من وراء أستار
~~العزة عن معنى { رب العلمين } فشاهدت ما سوى الله سبحانه على
~~شرف الفناء مفتقرا إلى المبقى محتاجا إلى التربية فترقت لطلب الخلاص من
~~وحشة الأدبار وظلمة السكون إلى الأغيار فهبت لها من نفحات جناب القدس
~~نسائم ألطاف الرحمن الرحيم فعرجت للمعات بوارق الجلال من وراء سجاف
~~الجمال إلى الملك الحقيقي فنادت بلسان الاضطرار في مقام

# لمن الملك اليوم لله الوحد القهار

# [غافر: 16] أسلمت نفسي إليك وأقبلت بكليتي عليك وهناك خاضت لجة الوصول
~~وانتهت إلى مقام العين فحققت نسبة العبودية فقال { إياك نعبد }
~~وهنا انتهاء مقام السالك/ ألا يرى إلى سيد الخلق وحبيب الحق كيف عبر عن
~~مقامه هذا بقوله:

# سبحان الذى أسرى ms00091 بعبده ليلا

# [الإسراء: 1] فطلب التمكين بقوله: { وإياك نستعين * اهدنا
~~الصراط المستقيم } واستعاذ عن التلوين بقوله: { غير
~~المغضوب عليهم ولا الضالين } فصعد مستكملا ورجع مكملا
~~وكأنه لهذا سميت الصلاة معراج المؤمنين.

# البحث الرابع: في سر الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وقد ازدحمت فيه
~~أذهان العلماء بعد بيان نكتته العامة وهي التفنن في الكلام والعدول من
~~أسلوب إلى آخر تطرية له وتنشيطا للسامع فقيل لما ذكر الحقيق بالحمد ووصف
~~بصفات عظام تميز بها عن سائر الذوات وتعلق العلم بمعلوم معين خوطب بذلك
~~ليكون أدل على الاختصاص والترقي من البرهان إلى العيان والانتقال من
~~الغيبة إلى الشهود وكأن المعلوم صار عيانا والمعقول مشاهدا والغيب
~~حضورا، وقيل لما شرح الله تعالى صدر عبده وأفاض على قلبه وقالبه نور
~~الإيمان والإسلام من عنده ترقى بذريعة الحمد المستجلب لمزيد النعم إلى
~~رتبة الإحسان وهو: «أن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه
~~يراك» وأيضا حقيقة العبادة انقياد النفس الأمارة لأحكام الله تعالى
~~وصورته وقالبه الإسلام ومعناه وروحه الإيمان ونوره ونوره الإحسان وفي {
~~نعبد } والالتفات تتم الأمور الثلاثة وأيضا لما تبين أنه ملك في
~~الأزل ما في أحايين الأبد علم أن الشاهد والغائب والماضي والمستقبل
~~بالنسبة إليه على حد سواء فلذلك عدل عن الغيبة إلى الخطاب ويحتمل أن يكون
~~السر أن الكلام من أول السورة إلى هنا ثناء والثناء في الغيبة أولى ومن
~~هنا إلى الآخر دعاء وهو في الحضور أولى والله تعالى حي كريم.

# وقيل إنه لما كان الحمد لا يتفاوت غيبة وحضورا بل هو مع ملاحظة الغيبة
~~أدخل وأتم وكانت العبادة إنما يستحقها الحاضر الذي لا يغيب كما حكى
~~سبحانه عن إبراهيم عليه السلام:

# فلمآ أفل قال لا أحب الآفلين

# [الأنعام: 76] لا جرم عبر سبحانه وتعالى عن الحمد بطريق الغيبة وعنها
~~بطريق الخطاب إعطاء لكل منهما ما يليق من النسق المستطاب وأيضا من تشبه
~~بقوم فهو منهم، فالعابد لما رام ذلك سلك مسلك القوم في الذكر ومزج عبادته
~~بعبادتهم وتكلم بلسانهم وساق ms00092 كلامه على طبق مساقهم عسى أن يصير محسوبا
~~في عدادهم مندرجا في سياقهم:

# إن لم تكونوا منهم فتشبهوا

# إن التشبه بالكرام فلاح

# وأيضا فيه إشارة إلى أن من لزم جادة الأدب والانكسار ورأى نفسه بعيدا
~~عن ساحة القرب لكمال الاحتقار فهو حقيق أن تدركه رحمة إلهية وتلحقه عناية
~~أزلية إلى حظائر القدس وتطلعه على سرائر الأنس فيصير واطئا على بساط
~~الاقتراب فائزا بعز الحضور وسعادة الخطاب. وأيضا إنه لما لم يكن في
~~الحمد مزيد كلفة بخلاف العبادة فإن خطبها عظيم ومن دأب المحب تحمل المشاق
~~العظيمة في حضور المحبوب قرن سبحانه العبادة بما يشعر بحضوره ليأتي بها
~~العابد خالية عن الكلال عارية عن الفتور والملال مقرونة بكمال النشاط
~~موجبة لتمام الانبساط:

# حمامة جرعى حومة الجندل اسجعي

# فأنت بمرأى من سعاد ومسمع

# وأيضا إن الحمد ليس إلا إظهار صفات الكمال على الغير فما دام للأغيار
~~وجود في نظر السالك فهو يواجههم بإظهار مزايا المحبوب عليهم ويخاطبهم
~~بذكر مآثره الجميلة لديهم وأما إذا آل أمره بملازمة الأذكار إلى ارتفاع
~~الحجب والأستار واضمحلال جميع الأغيار لم يبق في نظره سوى المعبود الحق
~~والجمال المطلق وانتهى إلى مقام الجمع وصار في مقعد

# فأينما تولوا فثم وجه الله

# [البقرة: 115] فبالضرورة لا يصير توجيه الخطاب إلا إليه ولا يمكن إظهار
~~السر إلا لديه فينعطف عنان لسانه إلى جنابه ويصير كلامه منحصرا في
~~خطابه، وثم وراء الذوق معنى يدق عن مدارك أرباب العقول السليمة/ وعندي
~~وهو من نسائم الأسحار أن الله سبحانه بعد أن ذكر { يوم الدين } وهو
~~يوم القيامة التفت إلى الخطاب للإشارة إلى أنه إذا قامت القيامة على ساق
~~وكان

# إلى ربك يومئذ المساق

# [القيامة: 30] هنالك يفوز المؤمن بلذة الحضور ويتبلج جبينه بأنوار الفرح
~~والسرور ويخلو به الديان وليس بينه وبينه ترجمان ويكشف الحجاب وتدور بين
~~الأحباب كؤس الخطاب، فتأمل في عظيم الرحمة كيف قرن سبحانه هذا الترهيب
~~برحمتين فصرح قبل يوم الدين بما صرح ورمز بعد ذكره بما رمز ولن يغلب عسر
~~يسرين. ومن ms00093 باب الإشارة أن يوم الدين تلويح إلى مقام الفناء لأنه موت
~~النفس عن شهواتها وخروجها عن جسد تعلقها بالأغيار والتفاتها و " من مات
~~فقد قامت قيامته " فعند ذلك يحصل البقاء في جنة الشهود ويتحقق الجمع في
~~مقام صدق عند المليك المعبود وفوق هذا مقام آخر لا يفي بتقريره الكلام
~~ولا تقدر على تحريره الأقلام بل لا يزيده البيان إلا خفاء ولا يكسبه
~~التقريب إلا بعدا واعتلاء:

# ولو أن ثوبا حيك من نسج تسعة

# وعشرين حرفا في علاه قصير

# اللهم أغرقنا في بحار مشاهدتك ومن علينا بخندريس وحدتك حتى لا نحدث إلا
~~عنك ولا نسمع إلا منك ولا نرى إلا إياك.

# هذا وقد ذكر الإمام السيوطي نقلا عن الشيخ بهاء الدين أنه قال اتفقوا
~~على أن فيما نحن فيه التفاتا واحدا وفيه نظر لأن الزمخشري ومن تابعه
~~على أن الالتفات خلاف الظاهر مطلقا فإن كان التقدير قولوا الحمد لله ففي
~~الكلام المأمور به التفاتان، أحدهما في لفظ الجلالة وأصله الحمد لك لأنه
~~تعالى حاضر، والثاني في { إياك } لمجيئه على خلاف أسلوب ما قبله وإن
~~لم يقدر كان في { الحمد لله } التفات من التكلم للغيبة لأنه تعالى
~~حمد نفسه ولا يكون في { إياك } التفات لتقدير قولوا معها قطعا فأحد
~~الأمرين لازم للزمخشري والسكاكي إما أن يكون في الآية التفاتان أو لا
~~يكون التفات أصلا هذا إن قلنا برأي السكاكي كما يشعر به كلام الزمخشري
~~في «الكشاف» لأنه جعل في الشعر الذي ذكره ثلاث التفاتات وإن قلنا برأي
~~الجمهور ولم نقدر قولوا إياك نعبد فإن قدر قولوا قبل { الحمد لله
~~} كان فيه التفات واحد وبطل قول الزمخشري إن في البيت ثلاث التفاتات
~~انتهى. وهو كلام يغني النظر فيه عن شرح حاله فليفهم.

# البحث الخامس: في سر تكرار { إياك } فقيل للتنصيص على طلب العون منه
~~تعالى فإنه لو قال سبحانه: إياك نعبد ونستعين لاحتمل أن يكون إخبارا
~~بطلب المعونة من غير أن يعين ممن يطلب وقيل إنه لو اقتصر على واحد ربما
~~توهم أنه ms00094 لا يتقرب إلى الله تعالى إلا بالجمع بينهما والواقع خلافه.

# وقيل إنه جمع بينهما للتأكيد كما يقال الدار بين زيد وبين عمرو وفيه أن
~~التكرير إنما يكون تأكيدا إذا لم يكن معمولا لفعل ثان وإياك الثاني في
~~الآية معمول لنستعين مفعول له فكيف يكون تأكيدا، وقيل إنه تعليم لنا في
~~تجديد ذكره تعالى عند كل حاجة، وعندي أن التكرار للإشعار أن حيثية تعلق
~~العبادة به تعالى غير حيثية تعلق طلب الاستعانة منه سبحانه ولو قال: إياك
~~نعبد ونستعين لتوهم أن الحيثية واحدة والشأن ليس كذلك إذ لا بد في طلب
~~الإعانة من توسط صفة ولا كذلك في العبادة فلاختلاف التعلق أعاد المفعول
~~ليشير بها إليه.

# البحث السادس: في سر إطلاق الاستعانة فقيل ليتناول كل مستعان فيه فالحذف
~~هنا مثله في قولهم فلان يعطي في الدلالة على العموم ورجح بلزوم الترجيح
~~بلا مرجح في الحمل على البعض وأيضا قرينة التقييد خفية وبأنه المروي عن
~~ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وبأن عموم المفعول متضمن
~~لنفي الحول والقوة عن نفسه والانقطاع بالكلية إليه تعالى عمن سواه فهو
~~أولى بمقام العبادة وإلى ترجيحه يشير صنيع العلامة البيضاوي، وقال صاحب
~~«الكشاف»: الأحسن أن يراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة ويكون
~~قوله تعالى: { اهدنا } بيانا للمطلوب من المعونة/ كأنه قيل كيف
~~أعينكم فقالوا اهدنا الصراط المستقيم وإنما كان أحسن لتلاؤم الكلام وأخذ
~~بعضه بحجزة بعض انتهى، ووجه التخصيص حينئذ كمال احتياج العبادة إلى طلب
~~الإعانة لكونها على خلاف مقتضى النفس.

# إن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربى

# [يوسف: 53] والقرينة مقارنة العبادة ولا خفاء في وضوحها وكون عموم
~~المفعول متضمنا لما ذكر معارض بنكتة التخصيص والرواية عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما لعلها لم تثبت كذا قيل، والإنصاف عندي أن الحمل على
~~العموم أولى ليتوافق ألفاظ هذه السورة الكريمة في المعنى المطلوب منها
~~ولأن التوسل بالعبادة إلى تحصيل مرام يستوعب جميع ما يصح أن يستعان فيه
~~ليدخل فيه التوفيق دخولا أوليا ms00095 أولى من مجرد التوفيق ويلائمه الصراط
~~المستقيم فإنه أعم من العبادات والاعتقادات والأخلاق والسياسات
~~والمعاملات والمناكحات وغير ذلك من الأمور الدينية والنجاة من شدائد
~~القبر والبرزخ والحشر والصراط والميزان ومن عذاب النار والوصول إلى دار
~~القرار والفوز بالدرجات العلى وكلها مفتقر إلى إعانة الله تعالى وفضله.
~~وأيضا طرق الضلالات التي يستعاذ منها بغير المغضوب عليهم ولا الضالين لا
~~نهاية لها وباستعانته يتخلص من مهالكها. وأيضا لا يخفى أن المراد
~~بالعبادة في { إياك نعبد } هي وما يتعلق بها وما تتوقف عليه
~~فإذا توافق الاستعانة في العموم. وأيضا قوله: { أنعمت عليهم
~~} مطلق شامل كل إنعام، وأيضا لو كان المراد الاستعانة به وبتوفيقه على
~~أداء العبادة يبقى حكم الاستعانة في غيرها غير معلوم في أم الكتاب ولا
~~أظن أحدا يقول إنه يعلم من هذا التخصيص فلا أختار أنا إلا العموم وقد
~~ثبت في " الصحيح " عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عباس:

# " إذا استعنت فاستعن بالله "

# الحديث وهو ظاهر فيه ولعل ابن عباس من هنا قال به في الآية إذا قلنا
~~بثبوت ذلك عنه وهو الظن الغالب فمن استعان بغيره في المهمات بل وفي غيرها
~~فقد استسمن ذا ورم ونفخ في غير ضرم أفلا يستعان به وهو الغني الكبير أم
~~كيف يطلب من غيره والكل إليه فقير؟ وإني لأرى أن طلب المحتاج من المحتاج
~~سفه من رأيه وضلة من عقله فكم قد رأينا من أناس طلبوا العزة من غيره
~~فذلوا وراموا الثروة من سواه فافتقروا وحاولوا الارتفاع فاتضعوا فلا
~~مستعان إلا به ولا عون إلا منه:

# إليك وإلا لا تشد الركائب

# ومنك وإلا فالمؤمل خائب

# وفيك وإلا فالغرام مضيع

# وعنك وإلا فالمحدث كاذب

# وقد قرأ عبيد بن عمير الليثي وزيد بن حبيش ويحيى بن وثاب والنخعي نعبد
~~ بكسر النون  وهي لغة قيس وتميم وأسد وربيعة وهذيل وكذلك حكم حروف
~~المضارعة في هذا الفعل وما أشبهه كنستعين مما لم ينضم ما بعدها فيه سوى
~~الباء لاستثقال الكسرة عليها على أن بعضهم قال يجل ms00096 بكسر ياء المضارعة من
~~وجل وقرأ بعضهم يعلمون وقرأ الحسن وابن المتوكل وأبو محلف يعبد بالياء
~~مبنيا للمفعول وهو غريب وعن بعض أهل مكة أنه قرأ نعبد بإسكان الدال وقرأ
~~الجمهور نعبد  بفتح النون وضم الدال  وهي لغة أهل الحجاز وهي الفصحى.

# { اهدنا الصراط المستقيم } الهداية دلالة بلطف لدلالة
~~اشتقاقه ومادته عليه ولذا أطلق على المشيء برفق تهاد وسميت الهداية لطفا
~~وقوله تعالى:

# فاهدوهم إلى صرط الجحيم

# [الصافات: 23] وارد على الصحيح مورد التهكم على حد

# فبشرهم بعذاب أليم

# [الإنشقاق: 24] ويقال هداه لكذا وإلى كذا فتعديه باللام وإلى إذا لم يكن
~~فيه وهداه كذا بدونهما محتمل للحالين حتى لا يجوز في

# والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا

# [العنكبوت: 69] لسبلنا أو إلى سبلنا إلا بإرادة الإرادة في جاهدوا أو
~~إرادة تحصيل المراتب العلية في سبلنا ومن ثم جمعها وقد ورد " من عمل بما
~~علم ورثة الله تعالى علم ما لم يعلم " وقد يقال المراد بيان الاستعمال
~~الحقيقي وأما باب التجوز فواسع وهل يعتبر في الدلالة الإيصال أم لا/ فيه
~~اختلاف المتأخرين من أهل اللسان ففريق خصها بالدلالة الموصلة وآخرون
~~بالدلالة على ما يوصل، وقليل قال إن تعدت إلى المفعول الثاني بنفسها كانت
~~بمعنى الإيصال ولا تسند إلا إليه تعالى كما في الآية وإن تعدت باللام أو
~~إلى كانت بمعنى إراءة الطريق فكما تسند إليه سبحانه تسند إلى القرآن
~~كقوله تعالى:

# إن هذا القرءان يهدى للتى هى أقوم

# [الإسراء: 9] وإلى النبي صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى:

# وإنك لتهدى إلى صرط مستقيم

# [الشورى: 52] والكل من هذه الآراء غير خال عن خلل، أما الأول فيرد عليه
~~قوله تعالى: { وأما ثمود فهدينهم فاستحبوا
~~العمى على الهدى } والجواب بجواز وقوعهم في الضلال بالارتداد
~~بعد الوصول إلى الحق لا يساعده ما في التفاسير والتواريخ فإنها ناطقة بأن
~~الجم الغفير من قوم ثمود لم يتصفوا بالإيمان قطعا ومن آمن من قومه إلا
~~قليل وقد بقوا على إيمانهم ولم يرتدوا على أن صاحب الذوق يدرك من نفس
~~الآية خلاف الفرض ms00097 كما لا يخفى. وأما الثاني فيرد عليه قوله تعالى لحبيبه
~~صلى الله عليه وسلم:

# إنك لا تهدى من أحببت

# [القصص: 56] وما يقال إنه على حد قوله تعالى:

# وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى

# [الأنفال: 17] أو أن المعنى أنك لا تتمكن من إراءة الطريق لكل من أحببت
~~بل إنما يمكنك إراءته لمن أردنا لا يخلو عن تكلف، وأما الثالث فإن كلام
~~أهل اللغة لا يساعده بل ينادي بما ينافيه ومع ذلك فالقول بأن المتعدية لا
~~تسند إلا إلى الله تعالى منتقض بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه
~~السلام:

# يأبت إنى قد جاءنى من العلم ما لم يأتك
~~فاتبعنى أهدك صراطا سويا

# [مريم: 43] وعن مؤمن آل فرعون

# يقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد

# [غافر: 38] ولهذا الخلل قال طائفة بالاشتراك والبحث لغوي لا دخل
~~للاعتزال فيه وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمته.

# { والصراط } الطريق وأصله بالسين من السرط وهو اللقم ولذلك يسمى
~~لقما كأن سالكه يبتلعه أو يبتلع سالكه ففي الأزهري أكلته المفازة إذا
~~نهكته لسيره فيها وأكل المفازة إذا قطعها بسهولة قال أبو تمام:

# رعته الفيافي بعد ما كان حقبة

# رعاها وماء المزن ينهل ساكبه

# وبالسين على الأصل قرأ ابن كثير برواية قنبل ورويس اللؤلؤي عن يعقوب
~~وقرأ الجمهور بالصاد وهي لغة قريش وقرأ حمزة باشمام الصاد زايا والزاي
~~الخالصة لغة لعذرة وكعب والصاد عندي أفصح وأوسع وأهل الحجاز يؤنثون
~~الصراط كالطريق والسبيل والزقاق والسوق وبنو تميم يذكرون هذا كله وتذكيره
~~هو الأكثر ويجمع في الكثرة على صرط ككتاب وكتب وفي القلة قياسه أصرطة هذا
~~إذا كان الصراط مذكرا وأما إذا أنث فقياسه أفعل نحو ذراع وأذرع.

# و { المستقيم } المستوى الذي لا اعوجاج فيه واختلف في المراد منه
~~فقيل الطريق الحق. وقيل ملة الإسلام. وقيل القرآن وردهما الرازي قدس سره
~~بأن قوله تعالى: { صراط الذين أنعمت عليم } يدل على الصراط
~~المستقيم وهم المتقدمون من الأمم وما كان لهم القرآن والإسلام وفيه ما لا
~~يخفى والعجب كل العجب من هذا المولى أنه ذكر ms00098 في أحد الوجوه المرضية عنده
~~أن الصراط المستقيم هو الوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في كل الأخلاق
~~وفي كل الأعمال وأكد ذلك بقوله تعالى:

# وكذلك جعلنكم أمة وسطا

# [البقرة: 143] فياليت شعري ماذا يقول لو قيل له لم يكن هذا للمتقديمن من
~~الأمم وتلونا عليه الآية التي ذكرها وسبحان من لا يرد عليه وقيل المراد
~~به معرفة ما في كل شيء من كيفية دلالته على الذات والصفات وقيل المراد
~~منه صراط الأولين في تحمل المشاق العظيمة لأجل مرضاة الله تعالى وقيل
~~العبادة لقوله تعالى:

# وأن اعبدونى هذا صرط مستقيم

# [يس: 61] والقرآن يفسر بعضه بعضا وفيه نظر، وقيل هو الإعراض عن السوي
~~والإقبال بالكلية على المولى وقال الشيخ الأكبر قدس سره: هو ثبوت التوحيد
~~في الجمع والتفرقة ولهم أقوال غير ذلك قريبة وبعيدة، وعندي بعد الاطلاع
~~على ما للعلماء و

# كل حزب بما لديهم فرحون

# [الروم: 32] أن الصراط المستقيم بتنوع إلى عام للناس وخاص بخواصهم والكل
~~منهما صراط المنعم عليهم على اختلاف درجاتهم فالأول جسر بين العبد وبين
~~الله/ سبحانه ممدود على متن جهنم الكفر والفسق والجهل والبدع والأهواء
~~وهو الاستقامة على ما ورد به الشرع الشريف القويم علما وعملا وخلقا
~~وحالا وهو الذي يظهر في الآخرة على متن جهنم الجزاء ممثلا مصورا
~~بالتمثيل الرباني والتصوير الإلهي على حسب ما عليه العبد اليوم " فمن وجد
~~خيرا فليحمد الله ومن وجد دون ذلك فلا يلومن إلا نفسه " وللتذكير بذلك
~~الصراط لم يقل السبيل ولا الطريق وإن كان الكل واحدا، الثاني طريق
~~الوصول إلى الله تعالى ومن شهد الخلق لا فعل لهم فقد فاز ومن شهدهم لا
~~حياة لهم فقد جاز ومن شهدهم عين العدم فقد وصل وتم سفره إلى الله تعالى
~~ثم يتجدد له السفر فيه سبحانه وهو غير متناه لأن نعوت جماله وجلاله غير
~~متناهية ولا يزال العبد يرقى من بعضها إلى بعض كما يشير إليه قوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة ms00099 "

# وهناك يكون عز شأنه يده وسمعه وبصره فبه يبطش وبه يسمع وبه يبصر ووراء
~~ذلك ما يحرم كشفه فمتى قال العامي اهدنا الصراط المستقيم أراد أرشدنا إلى
~~الاستقامة على امتثال أوامرك واجتناب نواهيك ومتى قال ذلك أحد الخواص
~~أراد ثبتنا على ما منحتنا به وهو المروي عن يعسوب المؤمنين كرم الله
~~تعالى وجهه وأبي رضي الله تعالى عنه وذلك لأن طالب هداية الطريق
~~المستقيم ليسلكه له في سلوكه مقامات وأحوال ولكل منها بداية ونهاية ولا
~~يصل إلى النهاية ما لم يصحح البداية ولا ينتقل إلى مقام أو حال إلا بعد
~~الرسوخ فيما تحته والثبات عليه فما دام هو في أثناء المقام أو الحال ولم
~~يصل إلى نهاية يطلب الثبات على ما منح به ليرسخ له ذلك المقام ويصير ملكه
~~فيرقى منه إلى ما فوقه وذلك هو الفضل الكبير والفوز العظيم.

# وللمحققين في معنى اهدنا وجوه دفعوا بها ما يوشك أن يسأل عنه من أن
~~المؤمن مهتد فالدعاء طلب لتحصيل الحاصل. أحدها أن معناه ثبتنا على الدين
~~كيلا تزلزلنا الشبه وفي القرآن

# ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا

# [آل عمران: 8] وفي الحديث:

# " اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك "

# وثانيها: أعطنا زيادة الهدى كما قال تعالى:

# والذين اهتدوا زادهم هدى

# [محمد: 17] وثالثها: أن الهداية الثواب كقوله تعالى:

# يهديهم ربهم بإيمانهم

# [يونس: 9] فالمعنى اهدنا طريق الجنة ثوابا لنا وأيد بقوله تعالى:

# الحمد لله الذى هدانا لهذا

# [الأعراف: 43] ورابعها: أن المراد دلنا على الحق في مستقبل عمرنا كما
~~دللتنا عليه في ماضيه ولهم بعد أيضا كلمات متقاربة غير هذا ولعله يغنيك
~~عن الكامل ما ذكره الفقير فتدبره ولا تغفل.

# بقي الكلام في ربط هذه الجملة بما قبلها وقد قيل إن عندنا احتمالات
~~أربعة لأن طلب المعونة إما في المهمات كلها أو في أداء العبادة والصراط
~~المستقيم إما أن يؤخذ بمعنى خاص كملة الإسلام أو بمعنى عام كطريق الحق
~~خلاف الباطل فعلى تقديري عموم الاستعانة والصراط وخصوصهما يكون اهدنا
~~بيانا للمعونة المطلوبة ms00100 كأنه قال كيف أعينكم في المهمات أو في العبادة
~~فقالوا اهدنا طريق الحق في كل شيء أو ملة الإسلام فيكون الفصل لشبه كمال
~~الاتصال وعلى تقدير عموم الاستعانة وخصوص الصراط يكون اهدنا إفرادا
~~للمقصود الأعظم من جميع المهمات فيكون الفصل حينئذ لكمال الاتصال، وأما
~~على تقدير خصوص الاستعانة وعموم الصراط فلا ارتباط، وما عندي غير خفي
~~عليك إن أحطت خبرا بما قدمناه لديك. وقد قرأ الحسن والضحاك وزيد بن علي
~~(صراطا مستقيما) دون تعريف وقرأ جعفر الصادق (صراط المستقيم) بالإضافة
~~والمتواتر ما تلوناه.

# { صراط الذين أنعمت عليهم } بدل من { الصراط }
~~الأول بدل الكل من الكل وهو الذي يسميه ابن مالك البدل الموافق أو
~~المطابق تحاشيا من إطلاق الكل على الله تعالى في مثل

# صراط العزيز الحميد * الله

# [إبراهيم: 1-2]. وفائدة الإبدال تأكيد النسبة بناء على أن البدل في حكم
~~تكرير العامل والإشعار بأن الصراط المستقيم بيانه وتفسيره صراط المسلمين
~~فيكون ذلك شهادة لاستقامة صراطهم على أبلغ وجه وآكده، وقيل صفة له. ومن
~~غريب المنقول أن الصراط الثاني غير الأول وكأنه نوى فيه حرف/ العطف وفي
~~تعيين ذلك اختلاف، فعن جعفر بن محمد هو العلم بالله والفهم عنه وقيل
~~موافقة الباطن للظاهر في إسباغ النعمة وقيل التزام الفرائض والسنن ولا
~~يخفى أن هذا القول خروج عن الصراط المستقيم فلا نتعب جواد القلم فيه.

# وقرأ ابن مسعود وزيد بن علي { صراط من أنعمت عليهم } وهو المروي عن عمر
~~وأهل البيت رضي الله تعالى عنهم. قال الشهاب: وفيه دليل على جواز إطلاق
~~الأسماء المبهمة { كمن } على الله تعالى انتهى. وهو خبط ظاهر إذ
~~الإضافة إلى المفعول لا الفاعل.

# والإنعام إيصال الإحسان إلى الغير من العقلاء كما قاله الراغب فلا يقال
~~أنعم على فرسه ولذا قيل إن النعمة نفع الإنسان من دونه لغير عوض، واختلف
~~في هؤلاء المنعم عليهم فقيل المؤمنون مطلقا وقيل الأنبياء وقيل أصحاب
~~موسى وعيسى عليهما السلام قبل التحريف والنسخ. وقيل أصحاب محمد صلى الله
~~عليه وسلم. وقيل محمد صلى الله ms00101 عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله تعالى
~~عنهما. وقيل الأولى ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~أن المراد بالذين أنعمت عليهم الأنبياء والملائكة والشهداء والصديقون ومن
~~أطاع الله تعالى وعبده وإليه يشير قوله تعالى:

# فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من
~~النبيين والصديقين والشهداء والصلحين وحسن
~~أولئك رفيقا

# [النساء: 69] فما في هاتيك الأقوال اقتصار على بعض الأفراد. ولم يقيد
~~الأنعام ليعم

# وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها

# [إبراهيم: 34] وقيل أنعم عليهم بخلقهم للسعادة. وقيل بأن نجاهم من
~~الهلكة. وقيل بالهداية وفي بناء أنعمت للفاعل استعطاف فكأن الداعي يقول
~~أطلب منك الهداية إذ سبق إنعامك فاجعل من إنعامك إجابة دعائنا وإعطاء
~~سؤالنا وسبحانه ما أكرمه كيف يعلمنا الطلب ليجود على كل بما طلب:

# لو لم ترد نيل ما نرجو ونطلبه

# من فيض جودك ما علمتنا الطلبا

# وحكى اللغويون في { عليهم } عشر لغات ضم الهاء وإسكان الميم وهي
~~قراءة حمزة، وكسرها وإسكان الميم وهي قراءة الجمهور، وكسر الهاء والميم
~~وياء بعدها وهي قراءة الحسن، قيل وعمر بن خالد وكذلك بغير ياء وهي قراءة
~~عمر بن فائد، وكسر الهاء وضم الميم بواو بعدها - وهي قراءة ابن كثير
~~وقالون - بخلاف عنه وضم الهاء والميم وواو بعدها - وهي قراءة الأعرج
~~ومسلم بن جندب وجماعة - وضمهما بغير واو ونسبت لابن هرمز وكسر الهاء وضم
~~الميم بغير واو ونسبت للأعرج والخفاف عن أبي عمرو وضم الهاء وكسر الميم
~~بياء بعدها وكذلك بغير ياء وقرىء بهما أيضا. وحاصلها ضم الهاء مع سكون
~~الميم أو ضمها بإشباع أو دونه أو كسرها بإشباع أو دونه وكسر الهاء مع
~~سكون الميم أو كسرها بإشباع أو دونه أو ضمها بإشباع أو دونه. وحجج كل في
~~" كتب العربية ".

# { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } بدل من {
~~الذين } بدل كل من كل. وقيل من ضمير { عليهم } ولا يخلو من
~~الركاكة بحسب المعنى وأما أنه يلزم عليه خلو الصلة عن الضمير فلا لأن
~~المبدل منه ليس في نية الطرح حقيقة ms00102 والقول بأن { غير } في الأصل صفة
~~بمعنى مغاير والبدل بالوصف ضعيف ضعيف لأنها غلبت عليها الإسمية ولذا لم
~~تجر على موصوف في الأكثر.

# وعن سيبويه أنها صفة { الذين } مبينة أو مقيدة ولا يرد أن { غير
~~} من الأسماء المتوغلة في الإبهام فلا تتعرف بالإضافة فلا توصف بها
~~المعرفة بل ولا تبدل منها على المشهور لأنا نقول الموصوف هنا معنى
~~كالنكرة فيصح أن يوصف بها وذلك لأن الموصول بعد اعتبار تعريفه بالصلة
~~يكون كالمعرف باللام في استعمالاته فإذا استعمل في بعض ما اتصف بالصلة
~~كان كالمعرف باللام للعهد الذهني فكما أن المعرف المذكور لكون التعريف
~~فيه للجنس يكون معرفة بالنظر إلى مدلوله وفي حكم النكرة بالنظر إلى قرينة
~~البعضية المبهمة ولذا يعامل به معاملتهما/ كذلك الموصول المذكور بالنظر
~~إلى التعيين الجنسي المستفاد من مفهوم الصلة معرفة وبالنظر إلى البعضية
~~المستفادة من خارج كالنكرة فيعامل به معاملتهما أيضا فالذين أنعمت عليهم
~~إذا لم يقصد به معهود كذلك إذ لا صحة لإرادة جنس المنعم عليهم من حيث هو
~~إذ لا صراط له ولا غرض يتعلق بطلب صراط من أنعم عليهم على سبيل الاستغراق
~~سواء أريد استغراق الأفراد والجماعات أو المجموع من حيث المجموع فالمطلوب
~~صراط جماعة ممن أنعم عليهم بالنعم الأخروية أعني طائفة من المؤمنين لا
~~بأعيانها فإن نظر إلى البعضية المبهمة المستفادة من إضافة الصراط إليهم
~~كان كالنكرة وإن نظر إلى مفهومه الجنسي أعني المنعم عليهم كان معرفة قاله
~~العلامة السيالكوتي وغيره ولا يخلو عن دغدغة أو يقال وهو المعول عليه عند
~~من يعول عليه أن { غير } هنا معرفة لأن المحققين من علماء العربية
~~قالوا إنها قد تتعرف بالإضافة وذلك إذا وقعت بين متضادين معرفتين نحو
~~عليك بالحركة غير السكون، وقال ابن السري وغيره: إذا أضيفت { غير }
~~إلى معرف له ضد واحد فقط تعرفت لانحصار الغيرية وهنا المنعم عليهم ضد لما
~~بعده ولا يرد على هذا قوله تعالى:

# ربنا أخرجنا نعمل صلحا غير الذى كنا
~~نعمل

# [فاطر: 37] لجواز أن يكون { صلحا } حالا قدمت ms00103 على صاحبها وهو {
~~غير الذي } أو { غير الذي } بدلا من { صالحا } ولو قيل ضد الصالح
~~الطالح والذي كانوا يعملون فرد من أفراده فليس بضد لم يبعد، وقرأ عمر بن
~~الخطاب رضي الله تعالى عنه { غير } بالنصب وروي ذلك شاذا عن ابن كثير
~~وهو حال من ضمير { عليهم } والعامل فيه { أنعمت } ويضعف أن
~~يكون حالا من { الذين } لأنه مضاف إليه والصراط لا يصح بنفسه أن
~~يعمل في الحال وقيل يجوز والعامل فيه معنى الإضافة، وجوز الأخفش أن يكون
~~النصب على الاستثناء المنقطع أو المتصل إن فسر الإنعام بما يعم ومنعه
~~الفراء لأنه حينئذ بمعنى سوى فلا يجوز أن يعطف عليه (بلا) لأنها نفي
~~وجحد ولا يعطف الجحد إلا على مثله، وأجيب بزيادة لا مثلها في قوله تعالى:

# ما منعك ألا تسجد

# [الأعراف: 12] وفي قول الأخوص:

# ويلحينني في اللهو أن لا أحبه

# وللهو داع دائب غير غافل

# واعترض بأنه لم تسمع زيادتها بعد واو العطف والكلام فيه، وحكى بعضهم عن
~~الأخفش أن الاستثناء في معنى النفي فيجوز العطف عليه (بلا) حملا على
~~المعنى فحينئذ لا يرد ما ورد، وعند الخليل النصب بفعل محذوف أعني أعني
~~وبه أقول لأن الاستثناء كما ترى والحالية تقتضي التنكير ولا يتحقق إلا
~~بعدم تحقق التضاد أو يجعل { غير } بمعنى مغاير لتكون إضافته لفظية
~~وكلاهما غير مرضي لما علمت وقال بعضهم في الآية حذف والتقدير غير صراط
~~المغضوب عليهم وهو ممكن على هذه القراءة فيكون { غير } حينئذ إما صفة
~~لقوله الصراط وهو ضعيف لتقدم البدل على الوصف إذا قلنا به والأصل العكس
~~أو بدل أو صفة للبدل أو بدل منه أو حال من أحد الصراطين والصراط السوي
~~عدم التقدير.

# والغضب أصله الشدة ومنه الغضبة الصخرة الصلبة الشديدة المركبة في الجبل
~~والغضوب الحية الخبيثة والناقة العبوس وفسر تارة بحركة للنفس مبدؤها
~~إرادة الانتقام كما في «شرح المفتاح» للسعد وتارة بإرادة الانتقام كما في
~~«شرح الكشاف» له وأخرى بكيفية تعرض للنفس فيتبعها حركة الروح إلى خارج
~~طلبا للانتقام كما في ms00104 «شرح المقاصد». ويقرب منه ما قيل تغير يحدث عند
~~غليان دم القلب، وفي الحديث:

# " اتقوا الغضب فإنه جمرة تتوقد في قلب ابن آدم ألم تروا إلى انتفاخ
~~أوداجه وحمرة عينيه "

# وفي «الكشاف» معنى غضب الله تعالى إرادة الانتقام من العصاة وإنزال
~~العقوبة بهم وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده وأنا
~~أقول كما قال سلف الأمة هو صفة لله تعالى لائقة بجلال ذاته لا أعلم
~~حقيقتها ولا كيف هي والعجز عن درك الإدراك إدراك والكلام فيه كالكلام في
~~الرحمة حذو القذة بالقذة فهما صفتان قديمتان له سبحانه وتعالى.

# / وحديث

# " سبقت رحمتي غضبي "

# محمول على الزيادة في الآثار أو تقدم ظهورها.

# وأصل الضلال الهلاك ومنه قوله تعالى:

# أءذا ضللنا فى الأرض

# [السجده: 10] أي هلكنا وقوله تعالى:

# وأضل أعملهم

# [محمد: 8] أي أهلكها والضلال في الدين الذهاب عن الحق، وقرأ أبو أيوب
~~السختياني { ولا الضالين } بإبدال الألف همزة فرارا من التقاء
~~الساكنين مع أنه في مثله جائز. وحكى أبو زيد دأبة وشأبة وعلى هذه اللغة
~~قراءة عمرو بن عبيد:

# فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان

# [الرحمن: 39] قوله:

# والأرض أما سودها فتجللت

# بياضا وأما بيضها فادهأمت

# وهل يقاس عليه أم لا؟ قولان وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه
~~وعبد الله بن الزبير أنهما كانا يقرآن (وغير الضالين) والمتواتر لا كما
~~في الإمام وهو سيف خطيب أتى بها لتأكيد ما في { غير } من معنى النفي
~~والكوفيون يجعلونها هنا بمعناها والمراد بالمغضوب عليهم اليهود وبالضالين
~~النصارى وقد روى ذلك أحمد في «مسنده» وحسنه ابن حبان في «صحيحه» مرفوعا
~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس وابن
~~مسعود رضي الله تعالى عنهم، وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم فيه خلافا
~~للمفسرين فمن زعم أن الحمل على ذلك ضعيف لأن منكري الصانع والمشركين أخبث
~~دينا من اليهود والنصارى فكان الاحتراز منهم أولى بل الأولى أن يحمل
~~المغضوب عليهم على كل من أخطأ ms00105 في الأعمال الظاهرة وهم الفساق ويحمل
~~الضالون على كل من أخطأ في الاعتقاد لأن اللفظ عام والتقييد خلاف الأصل
~~فقد ضل ضلالا بعيدا إن كان قد بلغه ما صح عن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وإلا فقد تجاسر على تفسير كتاب الله تعالى مع الجهل بأحاديث رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم وما قاله في منكري الصانع لا يعتد به لأن من لا
~~دين له لا يعتد بذكره، والعجب من الإمام الرازي أنه نقل هذا ولم يتعقبه
~~بشيء سوى أنه زاد في الشطرنج بغلا فقال ويحتمل أن يقال المغضوب عليهم هم
~~الكفار والضالون هم المنافقون وعلله بما في أول البقرة من ذكر المؤمنين
~~ثم الكفار ثم المنافقين فقاس ما هنا على ما هناك وهل بعد قول رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين قول لقائل أو قياس لقائس هيهات هيات
~~دون ذلك أهوال.

# واستدل بعضهم على أن المغضوب عليهم هم اليهود بقوله تعالى:

# من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة
~~والخنازير

# [المائدة: 60] وعلى أن الضالين النصارى بقوله تعالى:

# ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا

# [المائدة: 77] والأولى الاستدلال بالحديث لأن الغضب والضلال وردا جميعا
~~في القرآن لجميع الكفار على العموم فقد قال تعالى:

# ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من
~~الله

# [النحل: 106] وقال تعالى:

# إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد
~~ضلوا ضللا بعيدا

# [النساء: 167] ووردا لليهود والنصارى جميعا على الخصوص كما ذكره
~~المستدل وإنما قدم سبحانه المغضوب عليهم على الضالين  مع أن الضلال في
~~بادىء النظر سبب للغضب إذ يقال ضل فغضب عليه  لتقدم زمان المغضوب عليهم
~~وهم اليهود على زمان الضالين وهم النصارى أو لأن الإنعام يقابل بالانتقام
~~ولا يقابل بالضلال فبينهما تقابل معنوي بناء على أن الأول إيصال الخير
~~إلى المنعم عليه والثاني إيصال الشر إلى المغضوب عليه أو لأن اليهود أشد
~~في الكفر والعناد وأعظم في الخبث والفساد و أشد عداوة للذين آمنوا ولذا
~~ضربت عليهم الذلة والمسكنة.

# وورد في الحديث:

# " من ms00106 لم يكن عنده صدقة فليلعن اليهود "

# رواه السلفي والديلمي وابن عدي، والنصارى دون ذلك وأقرب للإسلام منهم
~~ولذا وصفوا بالضلال لأن الضال قد يهتدي، ومما يدل على أن اليهود أسوأ
~~حالا من النصارى أنهم كفروا بنبيين محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى عليه
~~السلام والنصارى كفروا بنبي واحد وهو نبينا صلى الله عليه وسلم وفضائحهم
~~وفظائعهم أكثر مما عند النصارى كما ستقرؤه وتراه إن شاء الله تعالى، وقول
~~النصارى/ بالتثليث ليس أفظع من قول اليهود

# إن الله فقير ونحن أغنياء

# [آل عمران: 181] وقولهم:

# يد الله مغلولة

# [المائدة: 64] وقولهم:

# عزير ابن الله

# [التوبة: 30] فمن زعم أن النصارى أسوأ حالا متوكئا على ما في " دلائل
~~الأسرار " لم يعرف أسرار الدلائل وهي بعد العيوق عنه وليست المسألة من
~~الفروع ليكتفي مثلنا فيها بالتقليد المحض لا سيما وفضل الله تعالى ليس
~~بمقصور على البعض. وقال بعضهم: تأخير الضالين لموافقة رؤوس الآي ولا بأس
~~بضمه إلى تلك الوجوه وإلا فالاقتصار عليه من ضيق العطن وإنما أسند النعمة
~~إليه تعالى تقربا والمقصود طلب الهداية إلى صراط من ثبت إنعام الله
~~تعالى عليه وتحقق، ولذلك أتى بالفعل ماضيا وانحرف عن ذلك عند ذكر الغضب
~~إلى الغيبة تأدبا ولأن من طلب منه الهداية ونسب الإنعام إليه لا يناسب
~~نسبة الغضب إليه لأنه مقام تلطف وترفق وتذلل لطلب الإحسان فلا يناسب
~~مواجهته بوصف الانتقام.

# وقد عد ابن الأثير في «كنز البلاغة» والتنوخي في «الأقصى القريب» بناء
~~الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله نوعا غريبا من الالتفات فإن كان الالتفات
~~كما في استعمال الأدباء والمتقدمين بمعنى الافتنان فلا غبار عليه وإن كان
~~بالمعنى المتعارف فلك أن تقول على رأي السكاكي الذي لا يشترط تعدد
~~التعبير بل مخالفة مقتضى الظاهر أن المخاطب إذا ترك خطابه وبنى ما أسند
~~إليه للمفعول والمحذوف كالغائب فلا مانع من أن يسمى التفاتا فكما يجري
~~في الانتقال من مقدر إلى محقق يجري في عكسه وهو معنى بديع كما قاله
~~الشهاب.

# ويسن بعد الختام أن يقول القارىء: آمين ms00107 فقد روى ابن أبي شيبة في
~~«مصنفه» والبيهقي في «الدلائل» عن أبي ميسرة: «أن جبريل أقرأ النبي صلى
~~الله عليه وسلم فاتحة الكتاب فلما قال { ولا الضآلين } قال له قل
~~آمين فقال آمين» ويقولها المأموم لقراءة إمامه فقد أخرج مسلم وأبو داود
~~والنسائي وابن ماجه وابن أبي شيبة عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم:

# " إذا قرأ  يعني الإمام  { غير المغضوب عليهم ولا
~~الضآلين } فقولوا آمين يحبكم الله "

# وإخفاؤها مذهب ساداتنا الحنفية وهو مذهب أمير المؤمنين علي كرم الله
~~تعالى وجهه وعبد الله بن مسعود، وعند الشافعية يجهر بها. وعن الحسن لا
~~يقولها الإمام لأنه الداعي. وعن أبي حنيفة في رواية غير مشهورة مثله
~~والمشهور أنه يخفيها، وروى الإخفاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد
~~الله بن مغفل وأنس رضي الله تعالى عنهما كما في «الكشاف» ورواية الجمهور
~~محمولة على التعليم والبحث فقهي، وهذا القدر يكفي فيه.

# وليست من القرآن إجماعا ولذا سن الفصل بينها وبين السورة بسكتة لطيفة
~~وما قيل إنها من السورة عند مجاهد فمما لا ينبغي أن يلتفت إليه إذ هو في
~~غاية البطلان إذ لم يكتب في الإمام ولا في غيره من المصاحف أصلا حتى ذكر
~~غير واحد أن من قال: إن آمين من القرآن كفر، وهي اسم فعل مبني على الفتح
~~كأين لالتقاء الساكنين والبحث عن أسماء الأفعال مفروغ عنه في «كتب النحو»
~~والصحيح أنها كلمة عربية ومعناها استجب وقيل موضوعة لما هو أعم منه ومن
~~مرادفه ومن الغريب ما قيل إنه عجمي معرب همين لما أن فاعيل كقابيل ليس من
~~أوزان العرب ورد بأنه يكون وزنا لا نظير له وله نظائر ولذا قيل إنه في
~~الأصل مقصور ووزنه فعيل فأشبع، ومن العجيب ما قيل إنه اسم الله تعالى
~~والقول في توجيهه أنه لما كان مشتملا على الضمير المستتر الراجع إليه
~~تعالى قيل إنه من أسمائه أعجب منه وقد تمد ألفه وتقصر وإلى أصالة كل ذهب
~~طائفة، وأما ms00108 تشديد ميمه فذكر الواحدي أنه لغة فيه، وقيل إنه جمع آم بمعنى
~~قاصد منصوب باجعلنا ونحوه مقدرا، وقيل إنه خطأ ولحن وحيث إنه ليس من
~~القرآن بل دعاء ومعناه صحيح قال بعضهم: لا تفسد به الصلاة وإن كان لحنا.

# وفضل هذه السورة مما لا يخفى ويكفي في فضلها ما روي بأسانيد صحيحة عن
~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أبي بن كعب فقال: يا أبي
~~وهو يصلي فالتفت أبي فلم يجبه فصلى أبي فخفف ثم انصرف إلى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله فقال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم: ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟ فقال: يا رسول الله إني كنت
~~في الصلاة قال: أفلم تجد فيما أوحى الله إلي { استجيبوا لله
~~وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم }؟ قال: بلى ولا أعود إن
~~شاء الله تعالى قال تحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل
~~ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ قال: نعم يا رسول الله فقال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: كيف تقرأ في الصلاة فقرأ بأم القرآن فقال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ما نزل في التوراة ولا في
~~الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها وإنها للسبع من المثاني  أو
~~قال السبع المثاني  والقرآن العظيم الذي أعطيته "

# والأحاديث في ذلك كثيرة ولا بدع فهي أم الكتاب والحاوية من دقائق
~~الأسرار العجب العجاب حتى إن بعض الربانيين استخرج منها الحوادث الكونية
~~وأسماء الملوك الإسلامية وشرح أحوالهم وبيان مآلهم، وبالجملة هي كنز
~~العرفان بل اللوح المحفوظ لما يلوح في عالم الإمكان. نسأل الله تعالى أن
~~يمن علينا بإشراق أنوارها والاطلاع على مخزونات أسرارها إنه ولي التوفيق
~~والهادي إلى معالم التحقيق.

### | [2 - سورة البقرة]

### || [2.1]

# بسم الله الرحمن الرحيم { الم } هي وسائر الألفاظ التي يتهجى بها كبا
~~تا ثا أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة التي ركبت ms00109 منها الكلمة لصدق حد
~~الاسم المتفق عليه واعتوار خواصه المجمع عليها على كل منها، ويحكى عن
~~الخليل أنه سأل أصحابه كيف تنطقون في الباء من ضرب والكاف من لك؟ فقالوا:
~~باء كاف، فقال إنما جئتم بالاسم لا الحرف/ وأنا أقول به كه. وما روي عن
~~ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال:

# " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من قرأ حرفا من كتاب الله
~~تعالى فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: { آلم } حرف ولكن ألف
~~حرف ولام حرف وميم حرف "

# فالمراد به غير المصطلح إذ هو عرف جديد بل المعنى اللغوي وهو واحد حروف
~~المباني فمعنى ألف حرف الخ مسمى ألف وهكذا ولعله صلى الله عليه وسلم سمى
~~ذلك حرفا باسم مدلوله فهو معنى حقيقي له وما قيل إنه سماه حرفا مجازا
~~لكونه اسم الحرف وإطلاق أحد المتلازمين على الآخر مجاز مشهور ليس بشيء
~~فإن أريد من { الم } مفتتح سورة الفيل يكون المراد أيضا منه مسماه
~~وتكون الحسنات ثلاثين وفائدة النفي دفع توهم أن يكون المراد بالحرف فيمن
~~قرأ حرفا الكلمة وإن أريد نحو ما هنا فالمراد نفسه ويكون عدد الحسنات
~~حينئذ تسعين وفائدة الاستئناف دفع أن يراد بالحرف الجملة المستقلة كما
~~في «الإبانة» لأبي نصر عن ابن عباس قال: آخر حرف عارض به جبريل رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم

# الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين

# [البقرة: 1-2] والمعنى لا أقول إن مجموع الأسماء الثلاثة حرف بل مسمى كل
~~منها حرف وإنما لم يذكر تلك الحروف من حيث إنها أجزاء بأن يقابل ألف حرف
~~ولام حرف تنبيها على أن المعتبر في عدد الحسنات الحروف المقروءة التي هي
~~المسميات سواء كانت أجزاء لها أو لكلمات أخر لا من حيث إنها أجزاء لتلك
~~الأسماء فيكون عدد الحسنات في نحو ضرب ثلاثين.

# والحاصل أن الحروف المذكورة من حيث إنها مسميات تلك الأسماء أجزاء لجميع
~~الكلم مفردة بقراءتها ومن حيث إنها أجزاء تلك الأسماء لا تكون مفردة ms00110 إلا
~~عند قراءة تلك الأسماء والمعتبر في عدد الحسنات الاعتبار الأول دون
~~الثاني ذكر ذلك بعض المحققين ثم إنهم راعوا في هذه التسمية لطيفة حيث
~~جعلوا المسمى صدر كل اسم له، كما قاله ابن جني وذلك ليكون تأديتها
~~بالمسمى أول ما يقرع السمع ألا ترى أنك إذا قلت جيم فأول حروفه جيم وإذا
~~قلت ألف فأول حروفه ألف التي نطقت بها همزة ولما لم يمكن للواضع أن
~~يبتدىء بالألف التي هي مدة ساكنة دعمها باللام قبلها متحركة ليمكن
~~الابتداء بها فقالوا لا كما  لا  كما يقوله المعلمون لام ألف فإنه خطأ
~~وخص اللام بالدعامة لأنهم توصلوا إلى اللام بأختها في التعريف فكأنهم
~~قصدوا ضربا من المعاوضة فالألف هي أول حروف المعجم صورة الهمزة في
~~الحقيقة ويضاهي هذا في إيداع اللفظ دلالة على المعنى البسملة والحمدلة
~~والحوقلة وتسمية النحاة نحتا وحكم أسماء الحروف سكون الإعجاز ما لم تكن
~~معمولة وهل هي معربة أم مبنية أم لا؟ ولا خلاف مبني على الاختلاف في
~~تفسير المعرب والمبني فالخلاف لفظي وللناس فيما يعشقون مذاهب.

# والبحث مستوفى في «كتبنا النحوية».

# وقد كثر الكلام في شأن أوائل السور والذي أطبق عليه الأكثر وهو مذهب
~~سيبويه وغيره من المتقدمين أنها أسماء لها وسميت بها إشعارا بأنها كلمات
~~معروفة التركيب فلو لم تكن وحيا من الله تعالى لم تتساقط مقدرتهم دون
~~معارضتها وذلك كما سموا بلام والد حارثة بن لام الطائي وبصاد النحاس
~~وبقاف الجبل، واستدل عليه بأنها لو لم تكن مفهمة كان الخطاب بها كالخطاب
~~بالمهمل والتكلم بالزنجي مع العربي ولم يكن القرآن بأسره بيانا وهدى
~~ولما أمكن التحدي به، وإن كانت مفهمة فإما أن يراد بها السور التي هي
~~مستهلها على أنها ألقابها بناء على ذلك الإشعار أو غير ذلك والثاني باطل
~~لأنه إما أن يكون المراد ما وضعت له في لغة العرب وظاهر أنه ليس كذلك أو
~~غيره وهو باطل لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين/ فلا يحمل على ما ليس في
~~لغتهم وعورض بوجوه، ms00111 الأول أنا نجد سورا كثيرة افتتحت بالم وحم والمقصود
~~رفع الاشتباه، الثاني لو كانت أسماء لوردت ولاشتهرت بها والشهرة بخلافها
~~كسورة البقرة وآل عمران، الثالث أن العرب لم تتجاوز ما سموا به مجموع
~~اسمين كبعلبك ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة فالقول
~~بأنها أسماء السور خروج عن لغتهم، الرابع أنه يؤدي إلى اتحاد الاسم
~~والمسمى، الخامس أن هذه الألفاظ داخلة في السور وجزء الشيء متقدم على
~~الشيء بالرتبة واسم الشيء متأخر عنه فيلزم أن يكون متقدما متأخرا معا
~~وهو محال.

# وأجيب عن الأول بما يجاب عن الأعلام المشتركة من أنها ليست بوضع واحد،
~~وعن الثاني بأنه ورد عنه صلى الله عليه وسلم:

# " يس قلب القرآن ومن قرأ حم حفظ إلى أن يصبح "

# وفي " السنن ":

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في (ص) "

# وإذا ثبت في البعض ثبت في الجميع إذ لا فارق مع أن شهرة أحد العلمين لا
~~يضر علمية الآخر فكم من مسمى لا يعرف اسمه إلا بعد التنقير لاشتهاره
~~بغيره كأبي هريرة وذي اليدين وعدم اشتهار بعضها لكونه مشتركا فترك
~~لاحتياجه إلى ضميمة كألم هنا، وعن الثالث بأن التسمية بثلاثة أسماء مثلا
~~إنما تمتنع إذا ركبت وجعلت اسما واحدا فأما إذا نثرت نثر أسماء الأعداد
~~فلا لأنها من باب التسمية بما حقه أن يحكى.

# وقد وردت التسمية بثلاثة ألفاظ كشاب قرناها، وسر من رأى، ودارابجرد وسوى
~~سيبويه بين التسمية بالجملة والبيت من الشعر وطائفة من أسماء حروف
~~المعجم، وعن الرابع بأن هذه التسمية من تسمية مؤلف بمفرد والمفرد غير
~~المؤلف فلا اتحاد ألا ترى أنهم جعلوا اسم الحرف مؤلفا منه ومن غيره كصاد
~~فهما متغايران ذاتا وصفة، وعن الخامس بأن تأخر ما هو متقدم باعتبار آخر
~~غير مستحيل والجزء مقدم من حيث ذاته مؤخر من حيث وصفه وهو الاسمية فلا
~~محذور، وقال بعضهم: كونها أسماء الحروف المقطعة أقرب إلى التحقيق لظهوره
~~وعدم التجوز فيه وسلامته مما يرد على غيره ولأنه الأمر المحقق وأوفق
~~للطائف ms00112 التنزيل لدلالته على الإعجاز قصدا ووقوع الاشتراك في الأعلام من
~~واضع واحد فإنه يعود بالنقض على ما هو مقصود العلمية وكلام سيبويه وغيره
~~ليس نصا فيها لاحتمال أنهم أرادوا أنها جارية مجراها، كما يقولون: قرأت
~~بانت سعاد و { قل هو الله أحد } [الإخلاص: 1] أي ما أوله ذلك فلما
~~غلب جريانها على الألسنة صارت بمنزلة الأعلام الغالبة فذكرت في باب العلم
~~وأثبتت لها أحكامه على أن ما ذكر في الاعتراض الثالث مما لا محيص عنه إذ
~~عدم وجود التسمية بثلاثة أسماء وأربعة وخمسة في كلام العرب مما لا شك فيه
~~وما نقل عن سيبويه مجرد قياس محتاج للإثبات كما ذكره السيد السند.

# هذا ووراء هذين القولين أقوال أخشى من نقلها الملال والذي يغلب على الظن
~~أن تحقيق ذلك علم مستور وسر محجوب عجزت العلماء  كما قال ابن عباس  عن
~~إدراكه وقصرت خيول الخيال عن لحاقه، ولهذا قال الصديق رضي الله تعالى
~~عنه: لكل كتاب سر وسر القرآن أوائل السور، وقال الشعبي: سر الله تعالى
~~فلا تطلبوه:

# بين المحبين سر ليس يفشيه

# قول ولا قلم للخلق يحكيه

# فلا يعرفه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الأولياء الورثة فهم
~~يعرفونه من تلك الحضرة وقد تنطق لهم الحروف عما فيها كما كانت تنطق لمن
~~سبح بكفه الحصى وكلمه الضب والظبي صلى الله عليه وسلم كما صح ذلك من
~~رواية أجدادنا أهل البيت رضي الله تعالى عنهم بل متى جنى العبد ثمرة شجرة
~~قرب النوافل علمها وغيرها بعلم الله تعالى الذي لا يعزب عن علمه مثقال
~~ذرة في الأرض ولا في السماء، وما ذكره المستدل سابقا من أنه لو لم تكن
~~مفهمة كان الخطاب بها كالخطاب بالمهمل الخ فمهمل من القول وإن جل قائله
~~لأنه إن أراد/ إفهام جميع الناس فلا نسلم أنه موجود في العلمية وإن أراد
~~إفهام/ المخاطب بها وهو هنا الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مما لا يشك
~~فيه مؤمن وإن أراد جملة من الناس فيا حيهلا إذ أرباب ms00113 الذوق يعرفونها وهم
~~كثيرون في المحمديين والحمد لله.

# نجوم سماء كلما انقض كوكب

# بدا كوكب تأوي إليه كواكبه

# وجهل أمثالنا بالمراد منها لا يضر فإن من الأفعال التي كلفنا بها ما لا
~~نعرف وجه الحكمة فيه كرمي الجمرات والسعي بين الصفا والمروة والرمل
~~والاضطباع والطاعة في مثله على كمال الانقياد ونهاية التسليم فلم لا يجوز
~~أن يأمرنا من لا يسئل عما يفعل جل شأنه بما لم نقف على معناه من الأقوال
~~ويكون المقصود من ذلك ظهور كمال الانقياد من المأمور للآمر ونهاية
~~التسليم والامتثال للحكيم القادر:

# لو قال تيها قف على جمر الغضى

# لوقفت ممتثلا ولم أتوقف

# على أن فيه فائدة أخرى هي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط
~~وقعه عن القلب وإذا لم يقف على المقصود منه مع القطع بأن المتكلم به حكيم
~~فإنه يبقى قلبه منقلبا إليه أبدا ومتلفتا نحوه سرمدا ومتفكرا فيه
~~وطائرا إلى وكره بقدامى ذهنه وخوافيه وباب التكليف اشتغال السر بذكر
~~المحبوب والتفكر فيه وفي كلامه فلا يبعد أن يعلم الله تعالى أن في بقاء
~~العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبدا مصلحة عظيمة ومنة منه عليه
~~جسيمة ربما يرقى بواسطتها إلى حظائر القدس ومعالم الأنس وأول العشق خيال
~~وهذا لا ينافي كون القرآن عربيا مبينا مثلا لأنه بالنسبة إلى من علمت.
~~وأما التحدي فليس بجميع أجزائه وكون أول السورة مما ينبغي أن يكون مما
~~يتحدى به غير مسلم.

# ومن عجائب هذه الفواتح أنها نصف حروف المعجم على قول وهي موجودة في تسع
~~وعشرين سورة عدد الحروف كلها على قول، واشتملت على أنصاف أصنافها من
~~المهموسة والمجهورة والشديدة والمطبقة والمستعلية والمنخفضة وحروف
~~القلقلة وقد تكلم الشيخ الأكبر قدس سره ((على سر عدد حروفها بالتكرار
~~وعدد حروفها بغير تكرار وعلى جملتها في السور وعلى أن إفرادها في (ص) و
~~(ق) و (ن) وتثنيتها في (طس) و (طه) وأخواتهما وجمعها من ثلاثة فصاعدا
~~ولم بلغت خمس حروف ولم وصل بعضها وقطع بعض؟ فقال قدس ms00114 سره في «فتوحاته»
~~أعاد الله تعالى علينا من طيب نفحاته ما حاصله: اعلم أن مبادىء السور
~~المجهولة لا يعلم حقيقتها إلا أهل الصور المعقولة فجعلها تبارك وتعالى
~~تسعا وعشرين سورة وهو كمال الصورة

# والقمر قدرنه منازل

# [يس: 39] والتاسع والعشرون القطب الذي به قوام الفلك وهو علة وجوده وهو
~~سورة آل عمران [1-2]

# الم * الله

# ولولا ذلك ما ثبتت الثمانية والعشرون وجملتها على تكرار الحروف ثمانية
~~وسبعون حرفا فالثمانية حقيقة البضع قال صلى الله عليه وسلم:

# " الإيمان بضع وسبعون "

# وهذه الحروف ثمانية وسبعون فلا يكمل عبد أسرار الإيمان حتى يعلم حقائق
~~هذه الحروف في سورها كما أنه إذا علمها من غير تكرار علم تنبيه الله فيها
~~على حقيقة الإيجاد وتفرد القديم سبحانه وتعالى بصفاته الأزلية فأرسلها في
~~قرآنه أربعة عشر حرفا مفردة مبهمة فجعل الثمانية لمعرفة الذات والسبع
~~الصفات منا وجعل الأربعة للطبائع المؤلفة فجاءت اثنتا عشرة موجودة وهذا
~~هو الإنسان من هذا الفلك ومن فلك آخر متركب من أحد عشر ومن عشرة ومن تسعة
~~ومن ثمانية حتى يصل إلى فلك الاثنين ولا يتحلل إلى الأحدية أبدا فإنها
~~مما انفرد بها الحق سبحانه ثم إنه تعالى جعل أولها الألف في الخط والهمزة
~~في اللفظ وآخرها النون، فالألف لوجود الذات على كمالها لأنها غير مفتقرة
~~إلى حركة، والنون لوجود الشطر من العالم وهو عالم التركيب وذلك نصف
~~الدائرة الظاهرة لنا من الفلك والنصف الآخر النون المعقولة عليها التي لو
~~ظهرت للحس وانتقلت إلى عالم الروح لكانت دائرة محيطة ولكن أخفى هذه النون
~~الروحانية التي بها كمال الوجود وجعلت نقطة النون المحسوسة دالة عليها/
~~فالألف كاملة من جميع وجوهها والنون ناقصة فالشمس كاملة والقمر ناقص لأنه
~~محو فصفة ضوئه معارة وهي الأمانة التي حملها وعلى قدر محوه وسراره إثباته
~~وظهوره ثلاثة لثلاثة فثلاثة غروب القمر القلبي الإلهي في الحضرة الأحدية
~~وثلاثة طلوع القمر القلبي الإلهي في الحضرة الربانية وما بينهما في
~~الخروج والرجوع قدما بقدم لا يختل أبدا ثم جعل سبحانه وتعالى هذه ms00115
~~الحروف على مراتب منها موصول ومنها مقطوع ومنها مفرد ومثنى ومجموع ثم نبه
~~أن في كل وصل قطعا وليس في كل قطع وصل فكل وصل يدل على فصل وليس كل فصل
~~يدل على وصل والوصل والفصل في الجمع وغير الجمع والفصل وحده في عين الفرق
~~فما أفرده من هذا فإشارة إلى فناء رسم العبد أزلا أو ما ثناه فإشارة إلى
~~وجود رسم العبودية حالا وما جمعه فإشارة إلى الأبد بالموارد التي لا
~~تتناهى والإفراد للبحر الأزلي والجمع للبحر الأبدي والمثنى للبرزخ
~~المحمدي الإنساني والألف فيما نحن فيه إشارة إلى التوحيد والميم إشارة
~~إلى الملك الذي لا يبيد واللام بينهما واسطة ليكون بينهما رابطة، فانظر
~~إلى السطر الذي يقع عليه الخط من اللام، فتجد الألف إليه ينتهي أصلها
~~وتجد الميم منه يبتدىء نشؤها ثم تنزل من أحسن تقويم وهو موضع السطر إلى
~~أسفل سافلين منتهى تعريف الميم ونزول الألف إلى السطر مثل قوله: " ينزل
~~ربنا إلى السماء الدنيا " وهو أول عالم التركيب لأنه سماء آدم عليه
~~السلام ويليه فلك النار فلذلك نزل إلى أول السطر فإنه سبحانه وتعالى نزل
~~من مقام الأحدية إلى مقام الخليفة نزول تقدس وتنزيه لا نزول تمثيل وتشبيه
~~وكانت اللام واسطة وهي نائبة مناب المكون والكون فهي القدرة التي عنها
~~وجد العالم فأشبهت الألف في النزول إلى أول السطر؛ ولما كانت ممتزجة من
~~المكون والكون فإنه سبحانه وتعالى لا يتصف بالقدرة على نفسه وإنما هو
~~قادر على خلقه فكان وجه القدرة مصروفا إلى الخلق فلا بد من تعلقها بهم.

# ولما كانت حقيقتها لا تتم بالوصول إلى السطر فتكون هي والألف على مرتبة
~~واحدة طلبت بحقيقتها النزول تحت السطر أو عليه كما نزل الميم فنزلت إلى
~~إيجاده ولم تتمكن أن تنزل على صورته فكان لا يوجد عنها إلا الميم فنزلت
~~نصف دائرة حتى بلغت إلى السطر من غير الجهة التي نزلت منها فصارت نصف فلك
~~محسوس تطلب نصف فلك معقول فكان منهما فلك دائر فكان العالم كله في ms00116 ستة
~~أيام أجناسا من أول يوم الأحد إلى آخر يوم الجمعة وبقي يوم السبت
~~للانتقال من مقام إلى مقام ومن حال إلى حال فصار آلم فلكا محيطا من
~~دار به علم الذات والصفات والأفعال والمفعولات فمن قرأها بهذه الحقيقة
~~حضر بالكل للكل مع الكل)) إلى آخر ما قال، وذكر في كتاب «الاسرا إلى
~~المقام الأسرى» ما يشير إلى دقائق أفكار وخفايا أسرار مبنية على أعداد
~~الحروف وهي ثلاثة آلاف وخمسمائة واثنين وثلاثين وأول التفصيل من نوح إلى
~~إشراق يوح ثم إلى آخر التركيب الذي نزل فيه الكلمة والروح فبعد عدده
~~تضربه وتجمعه وتحط منه طرحا وتضعه يبدو لك تمام الشريعة حتى إلى انخرام
~~الطبيعة، ومما يستأنس به لذلك ما رواه العز بن عبد السلام أن عليا رضي
~~الله تعالى عنه استخرج وقعة معاوية من

# حم * عسق

# [الشورى: 1-2] واستخرج أبو الحكم عبد السلام بن برجان في " تفسيره " فتح
~~بيت المقدس سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة من قوله تعالى:

# الم * غلبت الروم

# [الروم: 1-2] وذكر الشيخ قدس سره كيفية استخراج ذلك بغير الطريق الذي
~~ذكره وهو أن تأخذ عدد { الم } بالجزم الصغير فيكون ثمانية وتجمعها إلى
~~ثمانية البضع في الآية فتكون ستة عشر فتزيل الواحد الذي للألف للأس فتبقى
~~خمسة عشر فتمسكها عندك ثم ترجع إلى العمل في ذلك بالجمل الكبير وهو الجزم
~~فتضرب ثمانية البضع في أحد وسبعين واجعل ذلك كله سنين يخرج لك في الضرب
~~خمسمائة وثمانية وستون سنة فتضيف إليها الخمسة عشر التي مسكتها عندك
~~فتصير ثلاثة وثمانين وخمسمائة/ سنة وهو زمان فتح بيت المقدس على قراءة
~~(غلبت) بفتح الغين واللام و (سيغلبون) بضم الياء وفتح اللام انتهى وإذا
~~علمت أن هذه الفواتح السر الأعظم والبحر الخضم والنور الأتم:

# صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا

# ونور ولا نار وروح ولا جسم

# فاعلم: أن كل ما ذكر الناس فيها رشفة من بحار معانيها ومن ادعى قصرا
~~فمن قصوره أو زعم أنه أتى بكثير فمن قلة نوره والعارف يقول باندماج جميع ms00117
~~ما ذكروه في صدف فرائدها وامتزاج سائر ما سطروه في طمطام فوائدها فإن شئت
~~فقل كما أنها مشتملة على هاتيك الأسرار يشير كل حرف منها إلى اسم من
~~أسمائه تعالى وإن شئت فقل أتى بها هكذا لتكون كالإيقاظ وقرع العصا لمن
~~تحدى بالقرآن وإن شئت فقل جاءت كذلك ليكون مطلع ما يتلى عليهم مستقلا
~~بضرب من الغرابة أنموذجا لما في الباقي من فنون الإعجاز فإن النطق بأنفس
~~الحروف في تضاعيف الكلام وإن كان على طرف الثمام يتناوله الخواص والعوام
~~لكن التلفظ بأسمائها إنما يتأتى ممن درس وخط وأما من لم يحم حول ذلك قط
~~فأعز من بيض الأنوق وأبعد من مناط العيوق ولا سيما إذا كان على نمط عجيب
~~وأسلوب غريب منبىء عن سر سري مبني على نهج عبقري بحيث يحار فيه أرباب
~~العقول ويعجز عن إدراكه ألباب الفحول وإن شئت فقل فيها جلب لإصغاء
~~الأذهان وإلجام كل من يلغو من الكفار عند نزول القرآن لأنهم إذا سمعوا ما
~~لم يفهموه من هذا النمط العجيب تركوا اللغط وتوفرت دواعيهم للنظر في
~~الأمر المناسب بين حروف الهجاء التي جاءت مقطعة وبين ما يجاورها من الكلم
~~رجاء أنه ربما جاء كلام يفسر ذلك المبهم ويوضح ذلك المشكل وفي ذلك رد شر
~~كثير من عنادهم وعتوهم ولغوهم الذي كان إذ ذاك يظهر منهم وفي ذلك رحمة
~~منه تعالى للمؤمنين ومنة للمستبصرين وإن شئت فقل إن بعض مركباتها بالمعنى
~~الذي يفهمه أهل الله تعالى منها يصح إطلاقه عليه سبحانه فيجري ما روي عن
~~علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال يا كهيعص ويا حمعسق على ظاهره، وإن أبيت
~~فقل المراد يا منزلهما وإن شئت فقل غير ذلك حدث عن البحر ولا حرج.

# وعندي فيما نحن فيه لطائف وسبحان من لا تتناهى أسرار كلامه فقد أشار
~~سبحانه بمفتتح الفاتحة حيث أتى به واضحا إلى اسمه الظاهر وبمبدأ سورة
~~البقرة إلى اسمه الباطن فهو الأول والآخر والظاهر والباطن وأشار بتقديم
~~الأول إلى أن الظاهر مقدم وبه ms00118 عموم البعثة نحن نحكم بالظاهر والله تعالى
~~يتولى السرائر، وأيضا في الأول إشارة إلى مقام الجمع وفي الثاني رمز إلى
~~الفرق بعد الجمع وأيضا افتتاح هذه السورة بالمبهم ثم تعقيبه بالواضح فيه
~~أتم مناسبة لقصة البقرة التي سميت السورة بها

# وإذ قتلتم نفسا فادرأتم فيها والله مخرج ما
~~كنتم تكتمون

# [البقرة: 72] وأيضا في الحروف رمز إلى ثلاثة أشياء فالألف إلى الشريعة
~~واللام إلى الطريقة والميم إلى الحقيقة فهناك يكون العبد كالدائرة
~~نهايتها عين بدايتها وهو مقام الفناء في الله تعالى بالكلية وأيضا الألف
~~من أقصى الحلق واللام من طرف اللسان وهو وسط المخارج والميم من الشفة وهو
~~آخرها فيشير بها إلى أن أول ذكر العبد ووسطه وآخره لا ينبغي إلا لله عز
~~وجل، وأيضا في ذلك إشارة إلى سر التثليث فالألف مشير إلى الله تعالى
~~واللام إلى جبريل والميم إلى محمد صلى الله عليه وسلم وقد قال جعفر
~~الصادق رضي الله تعالى عنه في الألف ست صفات من صفات الله تعالى الابتداء
~~والله تعالى هو الأول والاستواء والله تعالى هو العدل الذي لا يجور
~~والانفراد والله تعالى هو الفرد وعدم الاتصال بحرف وهو سبحانه بائن عن
~~خلقه وحاجة الحروف إليها مع عدم حاجتها وأنتم الفقراء إلى الله والله هو
~~الغني ومعناها الألفة وبالله تعالى الائتلاف، وبقيت أسرار وأي أسرار يغار
~~عليها العارف الغيور/ من الأغيار.

# ومن الظرائف أن بعض الشيعة استأنس بهذه الحروف لخلافة الأمير علي كرم
~~الله تعالى وجهه فإنه إذا حذف منها المكرر يبقى ما يمكن أن يخرج منه
~~(صراط علي حق نمسكه) ولك أيها السني أن تستأنس بها لما أنت عليه فإنه بعد
~~الحذف يبقى ما يمكن أن يخرج منه ما يكون خطابا للشيعي وتذكيرا له بما
~~ورد في حق الأصحاب رضي الله تعالى عنهم أجمعين وهو (طرق سمعك النصيحة)
~~وهذا مثل ما ذكروه حرفا بحرف وإن شئت قلت (صح طريقك مع السنة) ولعله
~~أولى وألطف، وبالجملة عجائب هذه الفواتح لا تنفد ولا يحصرها العد:

# وكل يدعي ms00119 وصلا لليلى

# وليلى لا تقر لهم بذاكا

# وقد اختلف الناس في إعرابها حسبما اختلفت أقوالهم فيها فإن جعلت أسماء
~~للسور مثلا كان لها حظ من الإعراب رفعا ونصبا وجرا فالرفع على أنها
~~خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف والنصب بتقدير فعل القسم أو فعل
~~يناسب المقام وجاز النصب بتقدير فعل القسم فيما وقع بعده مجرور مع الواو
~~نحو

# ق والقرءان

# [ق: 1] مع أنه يلزم المخالفة بين المتعاطفين في الإعراب إن جعلت الواو
~~للعطف واجتماع قسمين على شيء واحد إن جعلت للقسم وهو مستكره كما قاله
~~الخليل وسيبويه لأن المعطوف عليه في محل يقع فيه المجرور فيكون العطف على
~~المحل ويقدر الجواب من جنس ما بعد إن كانت للقسم أو لا حاجة للتقدير
~~ويكتفي بجواب واحد إذ لا مانع من جعل أحد القسمين مؤكدا للآخر من غير
~~عطف أو يقال هما لما كانا مؤكدين لشيء واحد وهو الجواب جاز ذلك ولا وجه
~~وجيه للاستكراه وإن كان للضلالة أب فالتقليد أبوها والجر على إضمار حرف
~~القسم وقول ابن هشام إنه وهم لأن ذلك مختص عند البصريين باسم الله سبحانه
~~وبأنه لا جواب للقسم في سورة البقرة ونحوها ولا يصح جعل ما بعد جوابا
~~وحذفت اللام كحذفها في قوله:

# ورب السماوات العلى وبروجها

# والأرض وما فيها المقدر كائن

# لأن ذلك على قلته مخصوص باستطالة القسم وهم لا يخفى على الوليد إذ
~~مذهبنا كوفي واتباع البصري ليس بفرض وكثيرا ما يستغنى عن الجواب بما يدل
~~عليه والمقسم عليه مضمون ما بعده وهو قرينة قريبة وبهذا صرح في «التسهيل
~~وشروحه»، وحديث الاستطالة ليس بلازم بل هو الأغلب كما صرح به ابن مالك.

# ثم ما كان من هذه الفواتح مفردا كص أو موازنا له كحم بزنة قابيل
~~يتأتى فيه الإعراب لفظا أو محلا بأن يسكن حكاية لحاله قبل ويقدر إعرابه
~~وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث وما خالفهما نحو كهيعص يحكى لا غير وجازت
~~الحكاية في هذه الأسماء مع أنها مختصة بالأعلام التي نقلت من الجمل ms00120 كتأبط
~~شرا لرعاية صورها المنبئة عن نقلها إلى العلمية وفي الألفاظ التي وقعت
~~أعلاما لأنفسها كضرب فعل ماض لحفظ المجانسة مع المسمى في الأشعار بأنها
~~لم تنقل عن أصلها بالكلية لأنها لكثرة استعمالها معدودة موقوفة صارت هذه
~~الحالة كأنها أصل فلما جعلت أعلاما جازت حكايتها على تلك الهيئة الراسخة
~~تنبيها على أن فيها سمة من ملاحظة الأصل وهو الحروف المبسوطة والمقصود
~~الإيقاظ وقرع العصا فتجويز الحكاية مخصوص بهذه الأسماء أعلاما للسور
~~وإلا فلم تجز الحكاية كذا في «الحواشي الشريفة الشريفية» وإطباق النحاة
~~على أن المفردات تحكى بعد من وأي الاستفهاميتين وبدونهما كقولهم دعنا من
~~تمرتان مخالف لدعوى الاختصاص التي حكاها كما لا يخفى وإن أبقيت على
~~معانيها مسرودة على نمط التعديد لم تعرب لعدم المقتضي والعامل وكذا إذا
~~جعلت أبعاضا على الصحيح أو مزيدة/ للفصل مثلا نعم إن قدرت بالمؤلف من
~~هذه الحروف كانت في حيز الرفع على ما مر وإن جعلت مقسما بها يكون كل
~~كلمة منها منصوبا أو مجرورا على اللغتين في الله لافعلن وهل ذلك
~~المجموع نحو { الم } و

# حم

# [غافر: 1] أو للألف والحاء مثلا على طريق الرمان حلو حامض؟ خلاف
~~والظاهر الأول وجوز بعضهم الرفع بالابتداء والخبر قسمي محذوفا وتصريح
~~الرضى باختصاص ذلك فيما إذا كان المبتدأ صريحا في القسمية يجعله غير
~~مرتضى، وجعل بعضهم النصب في البعض مخصوصا بما إذا لم يمنع مانع كما في

# ص والقرءان

# [ص: 1] فيتعين الجر للزوم المخالفة بين المتعاطفين واجتماع القسمين
~~حينئذ وفيه ما تقدم فلا تغفل، وبقيت أقوال مبنية على أقوال لا أظنها تخفى
~~عليك إن أحطت خبرا بما قدمناه لديك فتدبر، وفي كون هذه الفواتح آية خلاف
~~فقال الكوفيون: { الم } آية أينما وقعت وكذلك (آلمص) و (طسم)
~~وأخواتهما و (طه) و (يس) و (حم) وأخواتها و (كهيعص) آية و (حم
~~عسق) آيتان وأما (المر) وأخواتها الخمس فليست بآية وكذلك (طس) و
~~(ص) و (ق) و (ن)، وقال البصريون: ليس شيء من ذلك آية وفي «المرشد» أن
~~الفواتح في ms00121 السور كلها آيات عند الكوفيين من غير تفرقة وليس بشيء كقول
~~بعض إن { الم } في آل عمران [1] ليست بآية.

### || [2.2]

# جملة مستأنفة وابتداء كلام أو متعلقة بما قبلها وفيه احتمالات أطالوا
~~فيها وكتاب الله تعالى يحمل على أحسن المحامل وأبعدها من التكلف وأسوغها
~~في لسان العرب وذلك إشارة إلى الكتاب الموعود به صلى الله عليه وسلم
~~بقوله تعالى:

# إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا

# [المزمل: 5] كما قال الواحدي أو على لسان موسى وعيسى عليهما السلام
~~لقوله تعالى:

# وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا

# [البقرة: 89] الآية ويؤيده ما روى عن كعب «عليكم بالقرآن فإنه فهم العقل
~~ونور الحكمة وينابيع العلم وأحدث الكتب بالله عهدا»، وقال في التوراة
~~«يا محمد إني منزل عليك توراة حديثة تفتح بها أعينا عميا وآذانا صما
~~وقلوبا غلفا» كما قاله غير واحد أو إلى ما بين أيدينا والإشارة بذلك
~~للتعظيم وتنزيل البعد الرتبي منزلة البعد الحقيقي كما في قوله تعالى:

# فذلكن الذى لمتننى فيه

# [يوسف: 32] كما اختاره في «المفتاح» أو لأنه لما نزل عن حضرة الربوبية
~~وصار بحضرتنا بعد ومن أعطى غيره شيئا أو أوصله إليه أو لاحظ وصوله عبر
~~عنه بذلك لأنه بانفصاله عنه بعيد أو في حكمه، وقد قيل: كل ما ليس في يديك
~~بعيد.

# ولما لم يتأت هذا المعنى في قوله تعالى:

# وهذا كتاب أنزلناه

# [الأنعام: 92] لأنه إشارة إلى ما عنده سبحانه لم يأت بذلك مع بعد
~~الدرجة وهذا الذكر حروف التهجي في الأول وهي تقطع بها الحروف وهو لا يكون
~~إلا في حقنا وعدم ذكرها في الثاني فلذا اختلف المقامان وافترقت الإشارتان
~~كما قاله السهيلي، وهو عند قوم تحقيق ويرشدك إلى ما فيه عندي نظر دقيق
~~وأبعد بعضهم فوجه البعد بأن القرآن لفظ وهو من قبيل الأعراض السيالة
~~الغير القارة فكل ما وجد منه اضمحل وتلاشى وصار منقضيا غائبا عن الحس
~~وما هو كذلك في حكم البعيد، وقيل لأن صيغة البعيد والقريب قد يتعاقبان
~~كقوله تعالى في قصة عيسى عليه السلام:

# ذلك نتلوه ms00122 عليك

# [آل عمران: 58] ثم قال تعالى:

# إن هذا لهو القصص الحق

# [آل عمران: 62] وله نظائر في الكتاب الكريم ونقله الجرجاني عن طائفة
~~وأنشدوا:

# أقول له والرمح يأطر متنه

# تأمل خفافا إنني أنا ذلكا

# وليس بنص لاحتمال أن يكون المراد إنني أنا ذلك الذي كنت تحدث عنه وتسمع
~~به، وقول الإمام الرازي: إن ذلك للبعيد عرفا لا وضعا فحمله هنا على
~~مقتضى الوضع اللغوي لا العرفي مخالف لما نفهمه من كتب أرباب العربية وفوق
~~كل ذي علم عليم والقول بأن الإشارة إلى التوراة والإنجيل  كما نقل عن
~~عكرمة  إن كان قد ورد فيه حديث صحيح قبلناه وتكلفنا له وإلا ضربنا به
~~الحائط وما كل احتمال يليق، وأغرب ما رأيناه في توجيه الإشارة أنها إلى
~~الصراط/ المستقيم في الفاتحة كأنهم لما سألوا الهداية لذلك قيل لهم ذلك
~~الصراط الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب وهذا إن قبلته يتبين به وجه
~~ارتباط سورة البقرة بسورة الحمد على أتم وجه وتكون الإشارة إلى ما سبق
~~ذكره والذي تنفتح له الآذان أنه إشارة إلى القرآن ووجه البعد ما ذكره
~~صاحب «المفتاح» ونور القريب يلوح عليه، والمعتبر في أسماء الإشارة هو
~~الإشارة الحسية التي لا يتصور تعلقها إلا بمحسوس مشاهد فإن أشير بها إلى
~~ما يستحيل إحساسه نحو

# ذلكم الله ربكم

# [غافر: 62] أو إلى محسوس غير مشاهد نحو

# تلك الجنة

# [مريم: 63] فلتصييره كالمشاهد وتنزيل الإشارة العقلية منزلة الحسية كما
~~في الرضى فالإشارة هنا لا تخلو عن لطف، وقول بعضهم إن اسم الإشارة إذا
~~كان معه صفة له لم يلزم أن يكون محسوسا  وهم محسوس .

# والكتاب كالكتب مصدر كتب ويطلق على المكتوب كاللباس بمعنى الملبوس
~~والكتب  كما قال الراغب  ضم أديم إلى أديم بالخياطة، وفي المتعارف ضم
~~الحروف بعضها إلى بعض والأصل في الكتابة النظم بالخط وقد يقال ذلك
~~للمضموم بعضه إلى بعض باللفظ ولذا يستعار كل واحد للآخر ولذا سمي كتاب
~~الله وإن لم يكن كتابا والكتاب هنا إما باق على المصدرية وسمي به
~~المفعول للمبالغة ms00123 أو هو بمعنى المفعول وأطلق على المنظوم عبارة قبل أن
~~تنظم حروفه التي يتألف منها في الخط تسمية بما يؤل إليه مع المناسبة وقول
~~الإمام  إن اشتقاق الكتاب من كتبت الشيء إذا جمعته وسميت الكتيبة
~~لاجتماعها فسمي الكتاب كتابا لأنه كالكتيبة على عساكر الشبهات أو لأنه
~~اجتمع فيه جميع العلوم أو لأن الله تعالى ألزم فيه التكاليف على الخلق 
~~كلام ملفق لا يخفى ما فيه، ويطلق الكتاب كالقرآن على المجموع المنزل على
~~النبي المرسل صلى الله عليه وسلم وعلى القدر الشائع بين الكل والجزء ولا
~~يحتاج هنا إلى ما قيل في دفع المغالطة المعروفة بالجذر الأصم ولا أرى فيه
~~بأسا إن احتجته واللام في الكتاب للحقيقة مثلها في أنت الرجل والمعنى
~~ذلك هو الكتاب الكامل الحقيق بأن يخص به اسم الكتاب لغاية تفوقه على بقية
~~الأفراد في حيازة كمالات الجنس حتى كأن ما عداه من الكتب السماوية خارج
~~منه بالنسبة إليه، وقال ابن عصفور: كل لام وقعت بعد اسم الإشارة وأي في
~~النداء وإذا الفجائية فهي للعهد الحضوري وقرىء (تنزيل الكتاب).

# والريب الشك وأصله مصدر رابني الشيء إذا حصل فيك الريبة وهي قلق النفس
~~ومنه ريب الزمان لنوائبه فهو مما نقل من القلق إلى ما هو شبيه به ويستعمل
~~أيضا لما يختلج في القلب من أسباب الغيظ، وقول الإمام الرازي: إن هذين
~~قد يرجعان إلى معنى الشك لأن ما يخاف من الحوادث محتمل فهو كالمشكوك
~~وكذلك ما اختلج في القلب فإنه غير مستيقن مستيقن رده، فالمنون من الريب
~~أو يشك فيه ويختلج في القلب من أسباب الغيظ على الكفار مثلا مما { لا
~~ريب فيه } أو فيه ريب وفرق أبو زيد بين رابني وأرابني فيقال رابني
~~من فلان أمر إذا كنت مستيقنا منه بالريب وإذا أسأت به الظن ولم تستيقن
~~منه قلت أرابني وعليه قول بشار:

# أخوك الذي إن ربته قال إنما

# أراب وإن عاتبته لان جانبه

# وبعض فرق بين الريب والشك بأن الريب شك مع تهمة، وقال الراغب: الشك وقوف ms00124
~~النفس بين شيئين متقابلين بحيث لا يترجح أحدهما على الآخر بأمارة،
~~والمرية التردد في المتقابلين وطلب الأمارة من مرى الضرع أي مسحه للدر،
~~والريب أن يتوهم في الشيء ثم ينكشف عما توهم فيه، وقال الجولي: يقال الشك
~~لما استوى فيه الاعتقادان أو لم يستويا ولكن لم ينته أحدهما لدرجة الظهور
~~الذي تنبني عليه الأمور والريب لما لم يبلغ درجة اليقين وإن ظهر نوع ظهور
~~ولذا حسن هنا { لا ريب فيه } للإشارة إلى أنه لا يحصل فيه ريب
~~فضلا عن شك ونفى سبحانه الريب فيه مع كثرة المرتابين  لا كثرهم الله
~~تعالى  على معنى أنه في علو الشأن وسطوع البرهان بحيث لا يرتاب العاقل
~~بعد النظر/ في كونه وحيا من الله تعالى لا أن لا يرتاب فيه حتى لا يصح
~~ويحتاج إلى تنزيل وجود الريب عن البعض منزلة العدم لوجود ما يزيله، وقيل
~~إنه على الحذف كأنه قال لا سبب ريب فيه لأن الأسباب التي توجبه في الكلام
~~التلبيس والتعقيد والتناقض والدعاوى العارية عن البرهان وكل ذلك منتف عن
~~كتاب الله تعالى، وقيل معناه النهي وإن كان لفظه خبرا أي لا ترتابوا فيه
~~على حد

# فلا رفث ولا فسوق

# [البقرة: 197] وقيل معناه لا ريب فيه للمتقين فالظرف صفة و {
~~للمتقين } خبر و { هدى } حال من الضمير المجرور أي لا ريب
~~كائنا فيه للمتقين حال كونه هاديا وهي حال لازمة فيفيد انتفاء الريب في
~~جميع الأزمنة والأحوال ويكون التقييد كالدليل على انتفاء الريب و { لا }
~~لنفي اتصاف الاسم بالخبر لا لنفي قيد الاسم فلا تتوجه إليه ليختل المعنى
~~نعم هو قول قليل الجدوى مع أن الغالب في الظرف الذي بعد لا هذه كونه
~~خبرا وإنما لم يقل سبحانه لا فيه ريب على حد

# لا فيها غول

# [الصافات: 47] لأن التقديم يشعر بما يبعد عن المراد وهو أن كتابا غيره
~~فيه الريب كما قصد فيه الآية تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا بأنها لا
~~تغتال العقول كما تغتالها فليس فيها ما في غيرها من ms00125 العيب قاله الزمخشري،
~~وبعضهم لم يفرق بين ليس في الدار رجل وليس رجل في الدار حتى أنكر أبو
~~حيان إفادة تقديم الخبر هنا الحصر وهو مما لا يلتفت إليه.

# وقرأ سليم أبو الشعثاء (لا ريب فيه) بالرفع وهو لكونه نقيضا لريب فيه
~~وهو محتمل لأن يكون إثباتا لفرد ونفيه يفيد انتفاءه فلا يوجب الاستغراق
~~كما في القراءة المشهورة ولهذا جاز لا رجل في الدار بل رجلان دون لا رجل
~~فيها بل رجلان فلا لعموم النفي لا لنفي العموم والوقف على { فيه } هو
~~المشهور وعليه يكون الكتاب نفسه هدى وقد تكرر ذلك في التنزيل وعن نافع
~~وعاصم الوقف على { لا ريب } ولا ريب في حذف الخبر، وذهب الزجاج إلى
~~جعل { لا ريب } بمعنى حقا فالوقف عليه تام إلا أنه أيضا دون الأول،
~~وقرأ ابن كثير (فيهي) بوصل الهاء ياء في اللفظ وكذلك كل هاء كناية قبلها
~~ياء ساكنة فإن كان قبلها ساكن غير الياء وصلها بالواو ووافقه حفص في

# فيه مهانا

# [الفرقان: 69] و

# ملاقيه

# { الإنشقاق: 6 } و

# سأصليه

# [المدثر: 26]، والباقون لا يشبعون وإذا تحرك ما قبل الهاء أشبعوه، وقرأ
~~الزهري وابن جندب بضم الهاء من الكنايات في جميع القرآن على الأصل.

# والهدى في الأصل مصدر هدى أو عوض عن المصدر وكل في كلام سيبويه ولم يجىء
~~من المصادر بهذه الزنة إلا قليل كالتقى، والسرى، والبكى بالقصر في لغة
~~ولقى كما قال الشاطبي وأنشد:

# وقد زعموا حلما لقاك فلم أزد

# بحمد الذي أعطاك حلما ولا عقلا

# والمراد منه هنا اسم الفاعل بأحد الوجوه المعروفة في أمثاله وهو لفظ
~~مؤنث عند ابن عطية ومذكر عند اللحياني وبنو أسد يؤنثون كما قال الفراء
~~فهو كالهداية وقد تقدم معناها وفي «الكشاف» هي الدلالة الموصلة إلى
~~البغية واستدل عليه بثلاثة وجوه، الأول: وقوع الضلال في مقابله كما في
~~قوله تعالى:

# لعلى هدى أو فى ضلل

# [سبأ: 24] والضلال عبارة عن الخيبة وعدم الوصول إلى البغية فلو لم يعتبر
~~الوصول في مفهوم الهدى لم يتقابلا لجواز الاجتماع بينهما، ms00126 والثاني: أنه
~~يقال مهدي في موضع المدح كمهتد ومن حصل له الدلالة من غير الاهتداء لا
~~يقال له ذلك فعلم أن الايصال معتبر في مفهومه، والثالث: أن اهتدى مطاوع
~~هدى ولن يكون المطاوع في خلاف معنى أصله ألا ترى إلى نحو كسره فانكسر
~~وفيه بحث أما أولا: فلأن المذكور في مقابلة الضلالة هو الهدى اللازم
~~بمعنى الاهتداء مجازا أو اشتراكا وكلامنا في المتعدي ومقابلة الاضلال
~~ولا استدلال به إذ ربما يفسر بالدلالة على ما لا يوصل ولا يجعله ضالا
~~على أنه لو فسرت الهداية بمطلق الدلالة على ما من شأنه الإيصال أوصل أم
~~لا، وفسر الضلال المقابل لها  وتقابل الإيجاب والسلب  بعدم تلك الدلالة
~~المطلقة لزم منه عدم الوصول لأن سلب الدلالة المطلقة سلب للمقيدة إذ سلب
~~الأعم يستلزم سلب الأخص فليس في هذا التقابل ما يرجح المدعي، وأما
~~ثانيا: فلأنا لا نسلم أن الضلالة عبارة عن الخيبة/ الخ بل هو العدول عن
~~الطريق الموصل إلى البغية فيكون الهدى عبارة عن الدلالة على الطريق
~~الموصل، نعم إن عدم الوصول إلى البغية لازم للضلالة ويجوز أن يكون اللازم
~~أعم، وأما ثالثا: فلأنه لا يلزم من عدم إطلاق المهدي إلا على المهتدي أن
~~يكون الوصول معتبرا في مفهوم الهدى لجواز غلبة المشتق في فرد من مفهوم
~~المشتق منه، وأما رابعا: فلأنا لا نسلم أن اهتدى مطاوع هدى بل هو من
~~قبيل أمره فأتمر من ترتب فعل يغاير الأول فإن معنى هداه فاهتدى دله على
~~الطريق الموصل فسلكه بدليل أنه يقال هداه فلم يهتد على أن جمعا يعتد بهم
~~قالوا: لا يلزم من وجود الفعل وجود مطاوعه مطلقا ففي المختار لا يجب أن
~~يوافق المطاوع أصله ويجب في غيره ويؤيده قوله تعالى:

# وما نرسل بالأيت إلا تخويفا

# [الإسراء: 59] مع قوله سبحانه:

# ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا

# [الإسراء: 60] فقد وجد التخويف بدون الخوف ولا يقال كسرته فما انكسر
~~والفرق بينهما مفصل في «عروس الأفراح»، وأما خامسا: فلأن ما ذكره معارض
~~بما فيه الهداية وليس ms00127 فيه وصول إلى البغية وقد مر بعضه ولهذا اختلفوا هل
~~هي حقيقة في الدلالة المطلقة مجاز في غيرها أو بالعكس أو هي مشتركة
~~بينهما أو موضوعة لقدر مشترك؟ وإلى كل ذهب طائفة، وقيل والمذكور في كلام
~~الأشاعرة أن المختار عندهم ما ذكر في «الكشاف» وعند المعتزلة ما ذكرناه
~~والمشهور هو العكس  والتوفيق بأن كلام الأشاعرة في المعنى الشرعي
~~والمشهور مبني على المعنى اللغوي أو العرفي  يخدشه اختيار صاحب «الكشاف»
~~مع تصلبه في الاعتزال ما اختاره مع أن الظاهر في القرآن المعنى الشرعي
~~فالأظهر للموفق عكس هذا التوفيق، والحق عند أهل الحق أن الهداية مشتركة
~~بين المعنيين المذكورين وعدم الإهلاك وبه يندفع كثير من القال والقيل.

# و { المتقين } جمع متق اسم فاعل من وقاه فاتقى ففاؤه واو لا تاء،
~~والوقاية لغة الصيانة مطلقا وشرعا صيانة المرء نفسه عما يضر في الآخرة
~~والمراتب متعددة لتعدد مراتب الضرر فأولاها: التوقي عن الشرك؛ والثانية:
~~التجنب عن الكبائر  ومنها الإصرار على الصغائر  والثالثة: ما أشير إليه
~~بما رواه الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم:

# " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به
~~بأس "

# وفي هذه المرتبة يعتبر ترك الصغائر ولذا قيل:

# خل الذنوب كبيرها

# وصغيرها فهو التقى

# واصنع كماش فوق أر

# ض الشوك يحذر ما يرى

# لا تحقرن صغيرة

# إن الجبال من الحصى

# وفي هذه المرتبة اختلفت عبارات الأكابر، فقيل: التقوى أن لا يراك الله
~~حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك، وقيل: التبري عن الحول والقوة، وقيل:
~~التنزه عن كل ما يشغل السر عن الحق، وفي هذا الميدان تراكضت أرواح
~~العاشقين وتفانت أشباح السالكين حتى قال قائلهم:

# ولو خطرت لي في سواك إرادة

# على خاطري سهوا حكمت بردتي

# وهداية الكتاب المبين شاملة لأرباب هذه المراتب أجمعين فإن أريد بكونه
~~هدى للمتقين إرشاده إياهم إلى تحصيل المرتبة الأولى: فالمراد بهم
~~المشارفون مجازا لاستحالة تحصيل الحاصل وإيثاره على العبارة المعربة عن
~~ذلك للإيجاز، وتصدير السورة الكريمة بذكر أوليائه تعالى ms00128 وتفخيم شأنهم
~~واعتبار المشارفة بالنظر إلى زمان نسبة الهدى فلا ينافي حسن التعقيب ب

# الذين يؤمنون

# [البقرة: 3] لأن ذلك كما قيل بالنظر إلى زمان إثبات تلك النسبة كما يقال
~~قتل قتيلا دفن في موضع كذا وربما جعل التقدير هم الذين في جواب من
~~المتقون؟ وحمل الكل/ على المشارفة يأباه السوق وقد يقال المتقين مجاز
~~بالمشارفة والصفة ترشيح بلا مشارفة ولا تجوز كما هو المعهود في أمثاله أو
~~نقول هو على حد نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الشفيع يوم المحشر
~~فلا إشكال وإن أريد به إرشاده إلى تحصيل إحدى المرتبتين الأخيرتين فإن
~~عنى بالمتقين أصحاب المرتبة الأولى تعينت الحقيقة وإن عنى بهم أصحاب
~~الطبقتين الأخيرتين تعين المجاز لأن الوصول إليهما إنما يتحقق بهدايته
~~المرقية، وكذا الحال فيما بين المرتبة الثانية والثالثة فإن أريد بالهدى
~~الإرشاد إلى تحصيل المرتبة الثالثة فإن عنى بالمتقين أصحاب المرتبة
~~الثانية تعينت الحقيقة وإن عنى بهم أصحاب المرتبة الثالثة تعين المجاز،
~~ولفظ الهداية حقيقة في جميع الصور وأما إن أريد بكونه هدى لهم تثبيتهم
~~على ما هم عليه وإرشادهم إلى الزيادة فيه على أن يكون مفهومها داخلا في
~~المعنى المستعمل فيه فهو مجاز محالة ولفظ (المتقين) حقيقة على كل حالة
~~كذا حققه مولانا مفتى الديار الرومية ومنه يعلم اندفاع ما قيل أن الهداية
~~إن فسرت بالدلالة الموصلة يقتضي أن يكون { هدى للمتقين } دالا
~~على تحصيل الحاصل كأنه قيل دلالة موصلة إلى المطلوب للواصلين إليه وإن
~~فسرت بالدلالة على ما يوصل كان هناك محذورا آخر فإن المهتدي إلى مقصوده
~~يكون دلالته على ما يوصله إليه لغوا، ووجه الاندفاع ظاهر لكن حقق بعض
~~المحققين أن الأظهر أنه لا حاجة إلى التجوز هنا لأنه إذا قيل السلاح عصمة
~~للمعتصم والمال غنى للغني على معنى سبب غناه وعصمته لم يلزم أن يكون
~~السلاح والمال سبي عصمة وغنى حادثين غير ما هما فيه، فما نحن فيه غير
~~محتاج للتأويل وليس من المجاز في شيء إذ المتقي مهتد بهذا الهدى حقيقة. ms00129

# وقد اختلف أهل العربية والأصول في الوصف المشتق هل هو حقيقة في الحال أو
~~الاستقبال وهل المراد زمان النسبة أو التكلم من غير واسطة بينهما؟ والذي
~~عليه المحققون أنه زمن النسبة، وقد ذهب السبكي والكرماني إلى أن " من قتل
~~قتيلا فله سلبه " حقيقة وخطآ من قال أنه مجاز ولا يقال إنه لا مفاد
~~لإثبات القتل لمقتول به لأن قصد البليغ بمعونة القرينة العقلية أن القتل
~~المتصف به صادر عن هذا القاتل دون غيره فكأنه قيل لم يشاركه فيه غيره
~~فسلبه له دون غيره، ومن هنا جعل المعنى فيما نحن فيه لا هدى للمتقين إلا
~~بكتاب الله تعالى المتلألىء نور هدايته الساطع برهان دلالته وإذا علق حكم
~~على اسم الإشارة الموصوف نحو عصرت هذا الخل مثلا فهناك تعليقان في
~~الحقيقة تعليق الحكم السابق بذات المشار إليه وتعليق الإشارة والمعتبر
~~زمان الإشارة لا زمان الحكم السابق فإذا صح إطلاق الخل على المشار إليه
~~واتصافه بالخلية مثلا في زمان الإشارة  مع قطع النظر  عن الحكم السابق
~~كان حقيقة وإلا فمجاز فافهم وتدبر.

# ثم لا يقدح في كونه هدى ما فيه من المجمل والمتشابه لأنه لا يستلزم كونه
~~هدى هدايته باعتبار كل جزء منه فيجوز أن يذكر فيه ما فيه ابتلاء لذوي
~~الألباب من الفحول بما لا تصل إليه الأفهام والعقول أو لأن ذلك لا ينفك
~~عن بيان المراد منه كما ذهب إليه الشافعية فهو بعد التبيين هدى وتوقف
~~هدايته على شيء لا يضر فيها كما أنه على رأي متوقف على تقدم الإيمان
~~بالله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم فقد نص الإمام على أنه كل
~~ما يتوقف صحة كون القرآن حجة على صحته لا يكون القرآن هدي فيه كمعرفة ذات
~~الله وصفاته ومعرفة النبوات لئلا يلزم الدور إلا أن يكون هدى في تأكيد ما
~~في العقول والاعتداد به، وبعض صحح أن القرآن في نفسه مدى في كل شيء حتى
~~معرفة الله تعالى لمن تأمل في أدلته العقلية وحججه اليقينية كما يشعر به ms00130
~~ظاهر قوله تعالى:

# شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس

# [البقرة: 185] ويكون الاقتصار على المتقين هنا بناء على تفسيرنا
~~الهداية/ مدحا لهم ليبين سبحانه أنهم الذين اهتدوا وانتفعوا به كما قال
~~تعالى:

# إنما أنت منذر من يخشها

# [النازعات: 45] مع عموم إنذاره صلى الله عليه وسلم وأما غيرهم فلا

# وإذا قرأت القرءان جعلنا بينك وبين الذين لا
~~يؤمنون بالأخرة حجابا مستورا

# [الإسراء: 45] و

# لا يزيد الظلمين إلا خسارا

# [الإسراء: 82] وأما القول بأن التقدير  هدى للمتقين والكافرين  فحذف
~~لدلالة المتقين على حد

# سرابيل تقيكم الحر

# [النحل: 81] فمما لا يلتفت إليه.

# هذا ولا يخفى ما في هذه الجمل والآيات من التناسق ف

# الم

# [البقرة: 1] أشارت إلى ما أشارت و { ذلك الكتاب } قررت بعض
~~إشارتها بأنه الكتاب الكامل الذي لا يحق غيره أن يسمى كتابا في جنسه أي
~~باب التحدي والهداية و { لا ريب فيه } كالتأكيد لأحد الركنين و {
~~هدى للمتقين } كالتأكيد للركن الآخر. وخلاصته هو الحقيق بأن
~~يتحدى به لكمال نظمه في باب البلاغة وكماله في نفسه وفيما هو المقصود
~~منه، وقيل: بالحمل على الاستئناف كأنه سئل ما باله صار معجزا؟ فأجيب
~~بأنه كامل بلغ أقصى الكمال لفظا ومعنى وهو معنى { ذلك الكتاب }
~~ثم سئل عن مقتضى الاختصاص بكونه هو الكتاب الكامل فأجيب بأنه لا يحوم
~~حوله ريب ثم لما طولب بالدليل على ذلك استدل بكونه { هدى
~~للمتقين } لظهور اشتماله على المنافع الدينية والدنيوية والمصالح
~~المعاشية والمعادية بحيث لا ينكره إلا من كابر نفسه وعاند عقله وحسه، وقد
~~يقال الإعجاز مستلزم غاية الكمال وغاية كمال الكلام البليغ ببعده من
~~الريب والشبه لظهور حقيته وذلك مقتض لهدايته وإرشاده فإن نظر إلى اتحاد
~~المعاني بحسب المآل كان الثاني مقررا للأول فلذا ترك العطف وإن نظر إلى
~~أن الأول مقتض لما بعده للزومه بعد التأمل الصادق فالأول لاستلزامه ما
~~يليه وكونه في قوته يجعله منزلا منه منزلة بدل الاشتمال لما بينهما من
~~المناسبة والملازمة فوزانه وزان حسنها في أعجبتني الجارية حسنها وترك
~~العطف حينئذ لشدة ms00131 الاتصال بين هذه الجمل. وفيها أيضا من النكت الرائقة
~~والمزايا الفائقة ما لا يخفى جلالة قدره  على من مر ما ذكرناه  على
~~فكره.

### || [2.3]

# صفة للمتقين قبل، فإن أريد بالتقوى أولى مراتبها فمخصصة أو ثانيتها
~~فكاشفة أو ثالثتها فمادحة. وفي «شرح المفتاح الشريفي» إن حمل المتقي على
~~معناه الشرعي  أعني الذي يفعل الواجبات ويترك السيآت  فإن كان المخاطب
~~جاهلا بذلك المعنى كان الوصف كاشفا وإن كان عالما كان مادحا وإن حمل
~~على ما يقرب من معناه اللغوي كان مخصصا، واستظهر كون الموصول مفصولا
~~قصد الإخبار عنه بما بعده لا إثباته لما قبله وإن فهم ضمنا فهو وإن لم
~~يجر عليه كالجاري وهذا كاف في الارتباط، والاستئناف إما نحوي أو بياني
~~كأنه قيل ما بال المتقين خصوا بذلك الهدى، والوقف على

# المتقين

# [البقرة:2] تام على هذا الوجه حسن على الوجه الأول. والإيمان في اللغة
~~التصديق أي إذعان حكم المخبر وقبوله وجعله صادقا وهو إفعال من الأمن كأن
~~حقيقة آمن به آمنه التكذيب والمخالفة ويتعدى باللام كما في قوله تعالى:

# أنؤمن لك واتبعك الأرذلون

# [الشعراء: 111] وبالباء كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان أن
~~تؤمن بالله» الحديث، قالوا: والأول باعتبار تضمينه معنى الإذعان والثاني
~~باعتبار تضمينه معنى الاعتراف إشارة إلى أن التصديق لا يعتبر ما لم يقترن
~~به الاعتراف وقد يطلق بمعنى الوثوق من حيث إن الواثق صار ذا أمن وهو فيه
~~حقيقة عرفية أيضا كما في «الأساس» ويفهم مجازيته ظاهر كلام «الكشاف»
~~وأما في الشرع فهو التصديق بما علم مجيء النبي صلى الله عليه وسلم به
~~ضرورة تفصيلا فيما علم تفصيلا وإجمالا فيما علم إجمالا وهذا مذهب
~~جمهور المحققين لكنهم اختلفوا في أن مناط الأحكام الأخروية مجرد هذا
~~المعنى أم مع الإقرار؟ فذهب الأشعري وأتباعه إلى أن مجرد هذا المعنى كاف
~~لأنه المقصود والإقرار إنما هو ليعلم وجوده فإنه أمر باطن ويجري عليه
~~الأحكام فمن صدق بقلبه وترك الإقرار مع تمكنه منه كان مؤمنا شرعا فيما
~~بينه وبين الله تعالى ms00132 ويكون مقره/ الجنة لكن ذكر ابن الهمام أن أهل هذا
~~القول اتفقوا على أنه يلزم أن يعتقد أنه متى طلب منه الإقرار أتى به فإن
~~طولب ولم يقر فهو كفر عناد، وذهب إمامنا أبو حنيفة رحمه الله وغالب من
~~تبعه إلى أن الإقرار وما في حكمه كإشارة الأخرس لا بد منه فالمصدق
~~المذكور لا يكون مؤمنا إيمانا يترتب عليه الأحكام الأخروية كالمصلي مع
~~الرياء فإنه لا تنفعه صلاته ولعل هذا لأنه تعالى ذم المعاندين أكثر مما
~~ذم الجاهلين المقصرين وللمانع أن يجعل الذم للإنكار اللساني ولا شك أنه
~~علامة التكذيب أو للإنكار القلبي الذي هو التكذيب، وحاصل ذلك منع حصول
~~التصديق للمعاند فإنه ضد الإنكار وإنما الحاصل له المعرفة التي هي ضد
~~النكارة والجهالة، وقد اتفقوا على أن تلك المعرفة خارجة عن التصديق
~~اللغوي وهو المعتبر في الإيمان نعم اختلفوا في أنها هل هي داخلة في
~~التصور أم في التصديق المنطقي فالعلامة الثاني على الأول وأنه يجوز أن
~~تكون الصورة الحاصلة من النسبة التامة الخبرية تصورا وأن التصديق
~~المنطقي بعينه التصديق اللغوي ولذا فسره رئيسهم في الكتب الفارسية (بكر
~~ويدن) وفي العربية بما يخالف التكذيب والإنكار وهذا بعينه المعنى اللغوي
~~ويؤيده ما أورده السيد السند في «حاشية شرح التلخيص» أن المنطقي إنما
~~يبين ما هو في العرف واللغة إلا أنه يرد أن المعنى المعبر عنه (بكر ويدن)
~~أمر قطعي وقد نص عليه العلامة في «المقاصد» ولذا يكفي في باب الإيمان
~~التصديق البالغ حد الجزم والإذعان مع أن التصديق المنطقي يعم الظني
~~بالاتفاق فإنهم يقسمون العلم بالمعنى الأعم تقسيما حاصرا إلى التصور
~~والتصديق توسلا به إلى بيان الحاجة إلى المنطق بجميع أجزائه التي منها
~~القياس الجدلي المتألف من المشهورات والمسلمات ومنها القياس الخطابي
~~المتألف من المقبولات والمظنونات، والشعري المتألف من المخيلات فلو لم
~~يكن التصديق المنطقي عاما لم يثبت الاحتياج إلى هذه الأجزاء وهو ظاهر
~~وصدر الشريعة على الأخير فإن الصورة الحاصلة من النسبة التامة الخبرية
~~تصديق قطعا فإن كان حاصلا ms00133 بالقصد والاختيار بحيث يستلزم الإذعان
~~والقبول فهو تصديق لغوي وإن لم يكن كذلك كمن وقع بصره على شيء فعلم أنه
~~جدار مثلا فهو معرفة يقينية وليس بتصديق لغوي فالتصديق اللغوي عنده أخص
~~من المنطقي، وذهب الكرامية إلى أن الإيمان شرعا إقرار اللسان بالشهادتين
~~لا غير، والخوارج والعلاف وعبد الجبار من المعتزلة إلى أن كل طاعة إيمان
~~فرضا كانت أو نفلا، والجبائي وابنه وأكثر معتزلة البصرة إلى أنه
~~الطاعات المفترضة دون النوافل منها، والقلانسي من أهل السنة والنجار من
~~المعتزلة  وهو مذهب أكثر أهل الأثر  إلى أنه المعرفة بالجنان والإقرار
~~باللسان والعمل بالأركان.

# قيل: وسر هذا الاختلاف، الاختلاف في أن المكلف هو الروح فقط أو البدن
~~فقط أو مجموعهما؟ والحق أن منشأ كل مذهب دليل دعا صاحبه إلى السلوك فيه،
~~وأوضح المذاهب أنه التصديق ولذا قال يعسوب المؤمنين علي كرم الله تعالى
~~وجهه إن الإيمان معرفة والمعرفة تسليم والتسليم تصديق، ويؤيد هذا المذهب
~~قوله تعالى:

# أولئك كتب فى قلوبهم الإيمن

# [المجادله: 22] وقوله تعالى:

# ولما يدخل الإيمن فى قلوبكم

# [الحجرات: 14] وقوله تعالى:

# وقلبه مطمئن بالإيمن

# [النحل: 106] وقوله صلى الله عليه وسلم:

# " اللهم ثبت قلبي على دينك "

# حيث نسبه فيها وفي نظائرها الغير المحصورة إلى القلب فدل ذلك على أنه
~~فعل القلب وليس سوى التصديق إذ لم يبين في الشرع بمعنى آخر فلا نقل وإلا
~~لكان الخطاب بالإيمان خطابا بما لا يفهم ولأنه خلاف الأصل فلا يصار إليه
~~بلا دليل واحتمال أن يراد بالنصوص الإيمان اللغوي فهو الذي محله القلب لا
~~الإيمان الشرعي فيجوز أن يكون الإقرار أو غيره جزءا من معناه يدفعه أن
~~الإيمان من المنقولات الشرعية بحسب خصوص المتعلق ولذا بين صلى الله عليه
~~وسلم متعلق دون معناه فقال:

# " أن تؤمن بالله وملائكته "

# الحديث/ فهو في المعنى اللغوي مجاز في كلام الشارع والأصل في الإطلاق
~~الحقيقة، وأيضا ورد في عطف الأعمال على الإيمان كقوله تعالى:

# إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت

# [البقرة: 277] والجزء لا يعطف على كله

# تنزل الملائكة والروح

# [القدر: 4] على ms00134 أحد الوجهين بتأويل الخروج لاعتبار خطابي وتخصيصها
~~بالنوافل بناء على خروجها خلاف الظاهر وكفى بالظاهر حجة، وأيضا جعل
~~الإيمان شرط صحة الأعمال كقوله تعالى:

# ومن يعمل من الصلحت وهو مؤمن

# [ طه: 112] مع القطع بأن المشروط لا يدخل في الشرط لامتناع اشتراط الشيء
~~لنفسه إذ جزء الشرط شرط، وأيضا ورد إثبات الإيمان لمن ترك بعض الأعمال
~~كما في قوله تعالى:

# وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا

# [الحجرات: 9] مع أنه لا يتحقق للشيء بدون ركنه، وأيضا ما ذكرناه أقرب
~~إلى الأصل إذ لا فرق بينهما إلا باعتبار خصوص المتعلق كما لا يخفى.

# وقد أورد الخصم وجوها في الالزام، الأول: أن الإيمان لو كان عبارة عن
~~التصديق لما اختلف مع أن إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يشبهه إيمان
~~العوام بل ولا الخواص، الثاني: أن الفسوق يناقض الإيمان ولا يجامعه، بنص

# ولكن الله حبب إليكم الإيمن وزينه فى
~~قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق

# [الحجرات: 7] ولو كان بمعنى التصديق لما امتنع مجامعته، الثالث: أن فعل
~~الكبيرة مما ينافيه لقوله تعالى:

# وكان بالمؤمنين رحيما

# [الأحزاب: 43] مع قوله تعالى في المرتكب:

# ولا تأخذكم بهما رأفة

# [النور: 2] ولو كان بمعنى التصديق ما نافاه، الرابع: أن المؤمن غير مخزي
~~لقوله تعالى:

# يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه

# [التحريم: 8] وقال سبحانه في قطاع الطريق:

# ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الأخرة عذاب
~~عظيم

# [المائدة: 33] فهم ليسوا بمؤمنين مع أنهم مصدقون. الخامس: مستطيع الحج
~~إذا تركه من غير عذر كافر لقوله تعالى:

# ولله على الناس حج البيت من استطع إليه
~~سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العلمين

# [آل عمران: 97] مع أنه مصدق، السادس: من لم يحكم بما أنزل الله مصدق مع
~~أنه كافر بنص

# ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
~~الكفرون

# [المائدة: 44] السابع: أن الزاني كذلك بنص قوله صلى الله عليه وسلم:

# " لا يزني الزاني وهو مؤمن "

# وكذا تارك الصلاة عمدا من غير عذر وأمثال ذلك، الثامن: أن المستخف
~~بنبي مثلا مصدق مع أنه ms00135 كافر بالإجماع. التاسع: أن فعل الواجبات هو
~~الدين لقوله تعالى:

# وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين
~~حنفاء ويقيموا الصلوة ويؤتوا الزكوة وذلك
~~دين القيمة

# [البينه: 5] والدين هو الإسلام لقوله تعالى:

# إن الدين عند الله الإسلم

# [آل عمران: 19] والإسلام هو الإيمان لأنه لو كان غير لما قبل من مبتغيه
~~لقوله سبحانه:

# ومن يبتغ غير الإسلم دينا فلن يقبل منه

# [آل عمران: 85] العاشر: أنه لو كان هو التصديق لما صح وصف المكلف به
~~حقيقة إلا وقت صدوره منه كما في سائر الأفعال مع أن النائم والغافل
~~يوصفان به إجماعا مع أن التصديق غير باق فيهما، الحادي عشر: أنه يلزم أن
~~يقال لمن صدق بآلهية غير الله سبحانه مؤمن وهو خلاف الإجماع، الثاني عشر:
~~أن الله تعالى وصف بعض المؤمنين به عز وجل بكونه مشركا فقال:

# وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون

# [يوسف: 106] ولو كان هو التصديق لامتنع مجامعته للشرك، سلمنا أنه هو
~~ولكن ما المانع أن يكون هو التصديق باللسان كما قاله الكرامية كيف وأهل
~~اللغة لا يفهمون من التصديق غير التصديق باللسان؟.

# وأجيب عن الأول بأن التصديق الواحد وإن سلمنا عدم الزيادة والنقصان فيه
~~من النبي والواحد منا إلا أنه لا يمتنع التفاوت بين الإيمانين بسبب تخلل
~~الفعلة والقوة بين أعداد الإيمان المتجددة وقلة تخللها أو بسبب عروض
~~الشبه والتشكيكات وعدم عروضها، وللنبي الأكمل الأكمل صلى الله عليه
~~وسلم.

# وللزنبور والبازي جميعا

# لدى الطيران أجنحة وخفق

# ولكن بين ما يصطاد باز

# وما يصطاده الزنبور فرق

# وعن الثاني بأن الآية ليس فيها ما يدل على أن الفسوق لا يجامع الإيمان
~~فإنه لو قيل حبب إليكم العلم وكره إليكم/ الفسوق لم يدل على المناقضة بين
~~العلم والفسوق وكون الكفر مقابلا للايمان لم يستفد من الآية بل من خارج
~~ولئن سلمنا دلالة الآية على ما ذكرتم إلا أن ذلك معارض بما يدل على عدمه
~~كقوله تعالى:

# الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمنهم بظلم

# [الأنعام: 82] فإنه يدل على مقارنة الظلم للايمان في بعض، ms00136 وعن الثالث
~~بأنا لا نسلم أن فعل الكبيرة مناف للايمان

# ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله

# [النور: 2] على معنى لا تحملنكم الشفقة على إسقاط حدود الله تعالى بعد
~~وجوبها، وعن الرابع بأن ما ذكر من الآيتين ليس فيه دلالة لأن آية نفي
~~الخزي إنما دلت على نفيه في الآخرة عن المؤمنين مطلقا أو أصحابه صلى
~~الله عليه وسلم وآية القاطع دالة على الخزي في الدنيا ولا يلزم من منافاة
~~الخزي يوم القيامة للايمان منافاته للايمان في الدنيا، وعن الخامس بأنا
~~لا نسلم كفر من ترك الحج من غير عذر

# ومن كفر

# [آل عمران: 97] ابتداء كلام أو المراد من لم يصدق بمناسك الحج وجحدها
~~ولا يتصور مع ذلك التصديق، وعن السادس بأن معنى:

# ومن لم يحكم

# [المائدة: 44] الآية من لم يصدق أو من لم يحكم بشيء مما نزل الله أو
~~المراد بذلك التوراة بقرينة السابق، وعن السابع بأنه يمكن أن يقال معنى:
~~«لا يزني الزاني وهو مؤمن» أي آمن من عذاب الله أي إن زنى والعياذ بالله
~~فليخف عذابه سبحانه وتعالى ولا يأمن مكره أو المراد لا يزني مستحلا
~~لزناه وهو مؤمن أو لا يزني وهو على صفات المؤمن من اجتناب المحظورات،
~~وهذا التأويل أولى من مخالفة الأوضاع اللغوية لكثرته دونها وكذا يقال في
~~نظائر هذا، وعن الثامن بأنا لا ننكر مجامعة الكبائر للايمان عقلا غير أن
~~الأمة مجمعة على إكفار المستخف فعلمنا انتفاء التصديق عند وجود الاستخفاف
~~مثلا سمعا والجمع بين العمل بوضع اللغة وإجماع الأمة على الإكفار أولى
~~من إبطال أحدهما، وعن التاسع بأن الآية قد فرقت بين الدين وفعل الواجبات
~~للعطف وهو ظاهرا دليل المغايرة، سلمنا أن الدين فعل الواجبات وأن الدين
~~هو الإسلام لكن لا نسلم أن الإسلام هو الإيمان وليس المراد بغير الإسلام
~~في الآية ما هو مغاير له بحسب المفهوم وإلا يلزم أن لا تقبل الصلاة
~~والزكاة مثلا بل المغاير له بحسب الصدق فحينئذ يحتمل أن يكون الإسلام
~~أعم وهذا كما إذا قلت من ms00137 يبتغ غير العلم الشرعي فقد سها فإنك لا تحكم
~~بسهو من ابتغى الكلام، وظاهر أن ذم غير الأعم لا يستلزم ذم الأخص فإن
~~قولك غير الحيوان مذموم لا يستلزم أن يكون الإنسان مذموما، وعن العاشر
~~بأنه مشترك الإلزام فما هو جوابكم فهو جوابنا على أنا نقول التصديق في
~~حالة النوم والغفلة باق في القلب والذهول إنما هو عن حصوله والنوم ضد
~~لإدراك الأشياء ابتداء لا أنه مناف لبقاء الإدراك الحاصل حالة اليقظة،
~~سلمنا إلا أن الشارع جعل المحقق الذي لا يطرأ عليه ما يضاده في حكم
~~الباقي حتى كان المؤمن اسما لمن آمن في الحال أو في الماضي ولم يطرأ
~~عليه ما هو علامة التكذيب، وعن الحادي عشر بأن عدم تسمية من صدق بآلهية
~~غير الله مؤمنا إنما هو لخصوصية متعلق الإيمان شرعا فتسميته مؤمنا يصح
~~نظرا إلى الوضع اللغوي ولا يصح نظرا إلى الاستعمال الشرعي، وعن الثاني
~~عشر بأن الإيمان ضد الشرك بالاجماع وما ذكروه لازم على كل مذهب ونحن نقول
~~إن الإيمان هناك لغوي إذ في الشرعي يعتبر التصديق بجميع ما علم مجيئه به
~~صلى الله عليه وسلم كما تقدم فالمشرك المصدق ببعض لا يكون مؤمنا إلا
~~بحسب اللغة دون الشرع لإخلاله بالتوحيد والآية إشارة إليه. وقولهم أهل
~~اللغة لا يفهمون الخ مجرد دعوى لا يساعدها البرهان نعم لا شك أن المقر
~~باللسان وحده يسمى مؤمنا لغة لقيام دليل الإيمان الذي هو التصديق
~~القلبي فيه كما يطلق الغضبان والفرحان على سبيل الحقيقة لقيام الدلائل
~~الدالة عليها من الآثار اللازمة للغضب والفرح ويجري عليه أحكام الإيمان
~~ظاهرا ولا نزاع في ذلك وإنما النزاع في كونه مؤمنا عند الله تعالى
~~والنبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده كما كانوا يحكمون بإيمان من تكلم
~~بالشهادتين كانوا يحكمون بكفر المنافق فدل على أنه لا يكفي في الإيمان
~~فعل اللسان/ وهذا مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان وكأنه لهذا اشترط
~~الرقاشي والقطان مواطأة القلب مع المعرفة عند الأول والتصديق المكتسب
~~بالاختيار عند ms00138 الثاني، وقال الكرامية: من أضمر الإنكار وأظهر الإذعان وإن
~~كان مؤمنا لغة وشرعا لتحقق اللفظ الدال الذي وضع لفظ الإيمان بإزائه
~~إلا أنه يستحق ذلك الشخص الخلود في النار لعدم تحقق مدلول ذلك اللفظ الذي
~~هو مقصود من اعتبار دلالته.

# هذا وبعد سبر الأقوال في هذا المقام لم يظهر لي بأس فيما ذهب إليه السلف
~~الصالح وهو أن لفظ الإيمان موضوع للقدر المشترك بين التصديق وبين الأعمال
~~فيكون إطلاقه على التصديق فقط وعلى مجموع التصديق والأعمال حقيقة كما أن
~~المعتبر في الشجرة المعينة  بحسب العرف  القدر المشترك بين ساقها
~~ومجموع ساقها مع الشعب والأوراق فلا يطلق الانعدام عليها ما بقي الساق
~~فالتصديق بمنزلة أصل الشجرة والأعمال بمنزلة فروعها وأغصانها فما دام
~~الأصل باقيا يكون الإيمان باقيا وقد ورد في الصحيح

# " الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة
~~الأذى عن الطريق "

# وقريب من هذا قول من قال إن الأعمال آثار خارجة عن الإيمان مسببة له
~~ويطلق عليها لفظ الإيمان مجازا ولا مخالفة بين القولين إلا بأن إطلاق
~~اللفظ عليها حقيقة على الأول مجاز على الثاني وهو بحث لفظي والمتبادر من
~~الإيمان ههنا التصديق كما لا يخفى.

# والغيب مصدر أقيم مقام الوصف وهو غائب للمبالغة بجعله كأنه هو وجعله
~~بمعنى المفعول يرده كما في «البحر» أن الغيب مصدر غاب وهو لازم لا يبنى
~~منه اسم مفعول وجعله تفسيرا بالمعنى لأن الغائب يغيب بنفسه تكلف من غير
~~داع أو فيعل خفف كقيل وميت  وفي «البحر»  لا ينبغي أن يدعى ذلك إلا
~~فيما سمع مخففا ومثقلا، وفسره جمع هنا بما لا يقع تحت الحواس ولا
~~تقتضيه بداهة العقل، فمنه ما لم ينصب عليه دليل وتفرد بعلمه اللطيف
~~الخبير سبحانه وتعالى كعلم القدر مثلا، ومنه ما نصب عليه دليل كالحق
~~تعالى وصفاته العلا فإنه غيب يعلمه من أعطاه الله تعالى نورا على حسب
~~ذلك النور فلهذا تجد الناس متفاوتين فيه، وللأولياء نفعنا الله تعالى بهم
~~الحظ الافر منه.

# ومن هنا ms00139 قيل: الغيب مشاهدة الكل بعين الحق فقد يمنح العبد قرب النوافل
~~فيكون الحق سبحانه بصره الذي يبصر به وسمعه الذي يسمع به ويرقى من ذلك
~~إلى قرب الفرائض فيكون نورا فهناك يكون الغيب له شهودا والمفقود لدينا
~~عنده موجودا ومع هذا لا أسوغ لمن وصل إلى ذلك المقام أن يقال فيه أنه
~~يعلم الغيب

# قل لا يعلم من فى السموات والأرض الغيب إلا
~~الله

# [النمل: 65].

# وقل لقتيل الحب وفيت حقه

# وللمدعي هيهات ما الكحل الكحل

# واختلف الناس في المراد به هنا على أقوال شتى حتى زعمت الشيعة أنه
~~القائم وقعدوا عن إقامة الحجة على ذلك والذي يميل إليه القلب أنه ما أخبر
~~به الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام وهو الله تعالى
~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره لأن الإيمان المطلوب
~~شرعا هو ذاك لا سيما وقد انضم إليه الوصفان بعده وكون ذلك مستلزما
~~لإطلاق الغيب عليه سبحانه ضمنا والغيب والغائب ما يجوز عليه الحضور
~~والغيبة مما لا يضر إذ ليس فيه إطلاقه عليه سبحانه بخصوصه فهذا ليس من
~~قبيل التسمية على أنه لا نسلم أن الغيب لا يستعمل إلا فيما يجوز عليه
~~الحضور وبعض أهل العلم فرق بين الغيب والغائب فيقولون الله تعالى غيب
~~وليس بغائب ويعنون بالغائب ما لا يراك ولا تراه وبالغيب ما لا تراه أنت،
~~ولا يبعد أن يقال بالتغليب ليدخل إيمان الصحابة رضي الله تعالى عنهم به
~~صلى الله عليه وسلم إذ ليس بغيب بالنسبة إليهم أو يقال الإيمان به عليه
~~الصلاة والسلام راجع إلى الإيمان برسالته مثلا إذ لا معنى للإيمان/ به
~~نفسه معرى عن الحيثيات. ورسالته غيب نصب عليها الدليل كما نصب لنا وإن
~~افترقنا بالخبر والمعاينة أو أنه من إسناد ما للبعض إلى الكل مجازا كبنو
~~فلان قتلوا فلانا أو المراد أنهم يؤمنون بالغيب كما يؤمنون بالشهادة
~~فاستوى عندهم المشاهد وغيره. واختار أبو مسلم الأصفهاني أن المراد أن
~~هؤلاء المتقين يؤمنون بالغيب أي حال الغيبة عنكم ms00140 كما يؤمنون حال الحضور
~~لا كالمنافقين الذين

# .. إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا
~~إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن
~~مستهزئون

# [البقرة: 14] فهو على حد قوله تعالى:

# ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب

# [يوسف: 52] ويحتمل أن يقال حال غيبة المؤمن به، ففي «سنن الدارمي» عن
~~ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن الحرث بن قيس قال له عند الله نحتسب ما
~~سبقتمونا إليه من رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن مسعود عند
~~الله نحتسب إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم ولم تروه إن أمر محمد صلى
~~الله عليه وسلم كان بينا لمن رآه والذي لا إله إلا هو ما من أحد أفضل من
~~إيمان بغيب ثم قرأ:

# الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين

# [البقرة: 1-2] إلى قوله:

# المفلحون

# [البقرة: 5] ولا يلزم من تفضيل إيمان على آخر من حيثية تفضيله عليه من
~~سائر الحيثيات ولا تفضيل المتصف بأحدهما على المتصف بالآخر فإن الأفضلية
~~تختلف بحسب الإضافات والاعتبارات وقد يوجد في المفضول ما ليس في الفاضل،
~~ويا ليت ابن مسعود رضي الله تعالى عنه سكن لوعة الحرث بما ورد عنه صلى
~~الله عليه وسلم مرفوعا

# " نعم قوم يكونون بعدكم يؤمنون بي ولم يروني "

# وما كان أغناه رضي الله تعالى عنه عما أجاب به إذ يخرج الصحابة رضي الله
~~تعالى عنهم عن هذا العموم الذي في هذه الآية كما يشعر به قراءته لها
~~مستشهدا بها، وبه قال بعض أهل العلم وأنا لا أميل إلى ذلك وقيل المراد
~~بالغيب القلب أي يؤمنون بقلوبهم لا كمن يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم
~~والباء على الأول للتعدية وعلى الثاني والثالث للمصاحبة وعلى الرابع
~~للآلة وقرأ أبو جعفر وعاصم في رواية الأعشى عن أبي بكر بترك الهمزة من {
~~يؤمنون } وكذا كل همزة ساكنة بل قد يتركان كثيرا من المتحركة مثل

# لا يؤاخذكم

# [البقرة: 225] و

# يؤيد بنصره

# [آل عمران: 13] وتفصيل مذهب أبي جعفر طويل وأماأبو عمرو فيترك كل همزة
~~ساكنة إلا ms00141 أن يكون سكونها علامة للجزم مثل

# يهيىء لكم

# [الكهف: 16] و

# نبئهم

# [الحجر: 51] و

# اقرأ كتبك

# [الإسراء: 14] فإنه لا يترك الهمزة فيها وروي عنه أيضا الهمز في
~~الساكنة وأما نافع فيترك كل همزة ساكنة ومتحركة إذا كانت فاء الفعل نحو {
~~يومنون } و { لا يواخذكم } واختلفت قراءة الكسائي وحمزة ولكل مذهب يطول
~~ذكره.

# { ويقيمون } من الإقامة يقال أقمت الشيء إقامة إذا وفيت حقه قال
~~تعالى:

# لستم على شىء حتى تقيموا التوراة والإنجيل

# [المائدة: 68] أي توفوا حقهما بالعلم والعمل ومعنى { يقيمون
~~الصلوة } يعدلون أركانها بأن يوقعوها مستجمعة للفرائض والواجبات أو
~~لها مع الآداب والسنن من أقام العود إذا قومه أو يواظبون عليها ويداومون
~~من قامت السوق إذا نفقت وأقمتها إذا جعلتها نافقة أو يتشمرون لأدائها بلا
~~فترة عنها ولا توان من قولهم قام بالأمر وأقامه إذا جد فيه أو يؤدونها
~~ويفعلونها وعبر عن ذلك بالإقامة لأن القيام بعض أركانها فهذه أربعة أوجه،
~~وفي الكلام على الأولين منها استعارة تبعية وعلى الأخيرين مجاز مرسل،
~~وبيان ذلك في الأول أن يشبه تعديل الأركان بتقويم العود بإزالة اعوجاجه
~~فهو قويم تشبيها له بالقائم ثم استعير الإقامة من تسوية الأجسام التي
~~صارت حقيقة فيها لتسوية المعاني كتعديل أركان الصلاة على ما هو حقها،
~~وقيل الإقامة بمعنى التسوية حقيقة في الأعيان والمعاني بل التقويم في
~~المعاني كالدين والمذهب أكثر/ فلا حاجة إلى الاستعارة ولا يخفى ما فيه
~~فإن المجازية ما لا شبهة فيها دراية ورواية وذاك الاستعمال مجاز مشهور أو
~~حقيقة عرفية، وفي الثاني: بأن نفاق السوق كانتصاب الشخص في حسن الحال
~~والظهور التام فاستعمل القيام فيه والإقامة في إنفاقها ثم استعيرت منه
~~للمداومة فإن كلا منهما يجعل متعلقه مرغوبا متنافسا فيه متوجها إليه
~~وهذا معنى لطيف لا يقف عليه إلا الخواص إلا أن فيه تجوزا من المجاز
~~وكأنه لهذا مال الطيبي إلى أن في هذا الوجه كناية تلويحية حيث عبر عن
~~الدوام بالإقامة فإن إقامة الصلاة بالمعنى الأول مشعرة بكونها مرغوبا
~~فيها وإضاعتها تدل على ابتذالها كالسوق ms00142 إذا شوهدت قائمة دلت على نفاق
~~سلعتها ونفاقها على توجه الرغبات إليها وهو يستدعي الاستدامة بخلافها إذا
~~لم تكن قائمة، وفي الثالث: بأن القيام بالأمر يدل على الاعتناء بشأنه
~~ويلزمه التشمر فأطلق القيام على لازمه، وقد يقال بأن قام بالأمر معناه
~~جد فيه وخرج عن عهدته بلا تأخير ولا تقصير فكأنه قام بنفسه لذلك وأقامه
~~أي رفعه على كاهله بجملته فحينئذ يصح أن يكون فيه استعارة تمثيلية أو
~~مكنية أو تصريحية ويجوز أن يكون أيضا مجازا مرسلا لأن من قام لأمر على
~~أقدام الإقدام ورفعه على كاهل الجد فقد بذل فيه جهده، وفي الرابع: بأن
~~الأداء المراد به فعل الصلاة والقيد خارج عبر عنه بالإقامة بعلاقة اللزوم
~~إذ يلزم من تأدية الصلاة وإيجادها كلها فعل القيام وهو الإقامة لأن فعل
~~الشيء فعل لأجزائه أو العلاقة الجزئية لأن الإقامة جزء أو جزئي لمطلق
~~الفعل ويجوز أن يكون هناك استعارة لمشابهة الأداء للإقامة في أن كلا
~~منهما فعل متعلق بالصلاة.

# وإلى ترجيح أول الأوجه مال جمع لأنه أظهر وأقرب إلى الحقيقة وأفيد وهو
~~المروي عن ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما أخرجه ابن
~~جرير وابن أبي حاتم من طرق عنه ولعل ذلك منه عن توقيف من رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم أو حمل لكلام الله سبحانه وتعالى على أحسن محامله حيث إنه
~~المناسب لترتيب الهدى الكامل والفلاح التام الشامل وفيه المدح العظيم
~~والثناء العميم ولا يبعد أن يقال باستلزامه لما في الأوجه الأخيرة وتعين
~~الأخير كما قيل في حديث:

# " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول
~~الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم
~~وأموالهم إلا بحق الإسلام "

# لا يضر في أرجحية الأول في الكلام القديم إذ يرد أنه لو أريد ذلك قيل
~~يصلون والعدول عن الأخصر الأظهر بلا فائدة لا يتجه في كلام بليغ فضلا عن
~~أبلغ الكلام ولكل مقام مقال فافهم.

# والصلاة في الأصل عند ms00143 بعض بمعنى الدعاء ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:

# " إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب وإن كان صائما فليصل "

# وهي عند أهل الشرع مستعملة في ذات الأركان لأنها دعاء بالألسنة الثلاثة
~~الحال والفعل والمقال، والمشهور في أصول الفقه أن المعتزلة على أن هذه
~~وأمثالها حقائق مخترعة شرعية لأنها منقولة عن معان لغوية والقاضي أبو بكر
~~منا على أنها مجازات لغوية مشهورة لم تصر حقائق وجماهير الأصحاب على أنها
~~حقائق شرعية عن معان لغوية. وقال أبو علي ورجحه السهيلي الصلاة من
~~الصلوين لعرقين في الظهر لأن أول ما يشاهد من أحوالها تحريكهما للركوع
~~واستحسنه ابن جني وسمى الداعي مصليا تشبيها له في تخشعه بالراكع
~~الساجد. وقيل أخذت الصلاة من ذاك لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت بالمصلى
~~من الخيل للآتي مع صلوى السابق وأنكر الإمام الاشتقاق من الصلوين مستندا
~~إلى أن الصلاة من أشهر الألفاظ فاشتقاقها من غير المشهور في غاية البعد
~~وأكاد أوافقه وإن قيل إن عدم الاستشهار لا يقدح في النقل وقيل من صليت
~~العصا إذا قومتها بالصلي، فالمصلي كأنه يسعى في تعديل ظاهره وباطنه مثل
~~ما يحاول تعديل الخشبة بعرضها على النار وهي فعله/ - بفتح العين - على
~~المشهور وجوز بعضهم سكونها فتكون حركة العين منقولة من اللام وقد اتفقت
~~المصاحف على رسم الواو مكان الألف في مشكوة ونجاة ومناة وصلاة وزكاة
~~وحياة حيث كن موحدات مفردات محلات باللام وعلى رسم المضاف منها كصلاتى
~~بالألف وحذفت من بعض المصاحب العثمانية، واتفقوا على رسم المجموع منها
~~بالواو على اللفظ قال الجعبري: ووجه كتابة الواو الدلالة على أن أصلها
~~المنقلبة عنه واو وهو اتباع للتفخيم وهذا معنى قول ابن قتيبة بعض العرب
~~يميلون الألف إلى الواو ولم أختر التعليل به لعدم وقوعه في القرآن العظيم
~~وكلام الفصحاء والمراد بالصلاة هنا الصلاة المفروضة وهي الصلوات الخمس
~~كما قاله مقاتل أو الفرائض والنوافل كما قاله الجمهور والأول هو المروي
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وادعى الإمام أنه هو المراد لأنه الذي
~~يقع ms00144 عليه الفلاح لأنه صلى الله عليه وسلم لما بين للأعرابي صفة الصلاة
~~المفروضة قال:

# " والله لا أزيد عليها ولا أنقص منها فقال عليه الصلاة والسلام أفلح
~~الأعرابي إن صدق "

# والرزق بالفتح لغة الإعطاء لما ينتفع الحيوان به. وقيل إنه يعم غيره
~~كالنبات وبالكسر اسم منه ومصدر أيضا على قول. وقيل أصل الرزق الحظ
~~ويستعمل بمعنى المرزوق المنتفع به وبمعنى الملك وبمعنى الشكر عند أزد.
~~واختلف المتكلمون في معناه شرعا فالمعول عليه عند الأشاعرة ما ساقه الله
~~تعالى إلى الحيوان فانتفع به سواء كان حلالا أو حراما من المطعومات أو
~~المشروبات أو الملبوسات أو غير ذلك والمشهور أنه اسم لما يسوقه الله
~~تعالى إلى الحيوان ليتغذى به ويلزم على الأول أن تكون العواري رزقا
~~لأنها مما ساقه الله تعالى للحيوان فانتفع به وفي جعلها رزقا بعد بحسب
~~العرف كما لا يخفى، ويلزم أيضا أن يأكل شخص رزق غيره لأنه يجوز أن ينتفع
~~به الآخر بالأكل إلا أن الآية توافقه إذ يجوز أن يكون الانتفاع من جهة
~~الإنفاق على الغير بخلاف التعريف الثاني إذ ما يتغذى به لا يمكن إنفاقه
~~إلا أن يقال إطلاق الرزق على المنفق مجاز لكونه بصدده والمعتزلة فسروه في
~~المشهور تارة بما أعطاه الله تعالى عبده ومكنه من التصرف فيه وتارة بما
~~أعطاه الله تعالى لقوامه وبقائه خاصة، وحيث إن الإضافة إلى الله تعالى
~~معتبرة في معناه وأنه لا رازق إلا الله سبحانه وأن العبد يستحق الذم
~~والعقاب على أكل الحرام وما يستند إلى الله تعالى عز وجل عندهم لا يكون
~~قبيحا ولا مرتكبه مستحقا ذما وعقابا قالوا إن الرزق هو الحلال،
~~والحرام ليس برزق وإلى ذلك ذهب الجصاص منا في كتاب «أحكام القرآن» وعندنا
~~الكل منه وبه وإليه

# قل كل من عند الله

# [النساء: 78] ولا حول ولا قوة إلا بالله وإلى الله تصير الأمور والذم
~~والعقاب لسوء مباشرة الأسباب بالاختيار نعم الأدب من خير رأس مال المؤمن
~~فلا ينبغي أن ينسب إليه سبحانه إلا الأفضل فالأفضل كما ms00145 قال إبراهيم عليه
~~السلام:

# وإذا مرضت فهو يشفين

# [الشعراء: 80] وقال تعالى:

# أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم

# [الفاتحة: 7] فالحرام رزق في نفس الأمر لكنا نتأدب في نسبته إليه سبحانه
~~والدليل على شمول الرزق له ما أخرجه ابن ماجه وأبو نعيم والديلمي من حديث
~~صفوان بن أمية قال:«

# " جاء عمرو بن قرة فقال: يا رسول الله إن الله قد كتب علي الشقوة فلا
~~أراني أرزق إلا من دفي بكفي فأذن لي في الغناء من غير فاحشة فقال صلى
~~الله عليه وسلم: لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة كذبت أي عدو الله لقد رزقك
~~الله تعالى رزقا حلالا طيبا فاخترت ما حرم الله تعالى عليك من رزقه
~~مكان ما أحل الله لك من حلاله "

# وحمله على المشاكلة كالقول بأنه يحتمل قوله عليه الصلاة والسلام
~~«فاخترت» الخ كونه رزقا لمن أحل له فيسقط الاستدلال لقيام الاحتمال خلاف
~~الظاهر جدا. ومثل هذا الاحتمال إن قدح في الاستدلال لا يبقى وجه الأرض
~~دليل والطعن في السند لا يقبل من غير مستند وهو مناط الثريا كما لا يخفى
~~والاستدلال على هذا المطلب كما فعل البيضاوي وغيره بأنه لو لم يكن الحرام
~~رزقا لم يكن المتغذى/ به طول عمره مرزوقا وليس كذلك لقوله تعالى:

# وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها

# [هود: 6] ليس بشيء لأن للمعتزلة أن لا يخصوا الرزق بالغذاء بل يكتفوا
~~بمطلق الانتفاع دون الانتفاع بالفعل بل التمكن فيه فلا يتم الدليل إلا
~~إذا فرض أن ذلك الشخص لم ينتفع من وقت وفاته إلى وقت موته بشيء انتفاعا
~~محللا لا رضعة من ثدي ولا شربة من ماء مباح ولا نظرة إلى محبوب ولا وصلة
~~إلى مطلوب بل ولا تمكن من ذلك أصلا والعادة تقضي بعدم وجوده ومادة النقض
~~لا بد من تحققها على أنه لو قدر وجوده لقالوا إن ذلك ليس محرما بالنسبة
~~إليه

# فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه

# [البقرة: 173] وأيضا لهم أن يعترضوا بمن عاش يوما مثلا ثم ms00146 مات قبل أن
~~يتناول حلالا ولا حراما وما يكون جوابنا لهم يكون جوابهم لنا على أن
~~الآية لم تدل على أن الله تعالى يوصل جميع ما ينتفع به كل أحد إليه فإن
~~الواقع خلافه بل دلت على أنه سبحانه وتعالى يسوق الرزق ويمكن من الانتفاع
~~به فإذا حصل الإعراض من الحلال إلى الحرام لم يقدح في تحقق رازقيته جل
~~وعلا، وأيضا قد يقال: معنى الآية ما من دابة متصفة بالمرزوقية فلا تدخل
~~مادة النقض ليضر خروجها كما لا يدخل السمك في قولهم كل دابة تذبح بالسكين
~~أي كل دابة تتصف بالمذبوحية فالاتصاف أن هذا لا يصلح دليلا، والأحسن
~~الاستدلال بالاجماع قبل ظهور المعتزلة على أن من أكل الحرام طول عمره
~~مرزوق طول عمره ذلك الحرام والظواهر تشهد بانقسام الرزق إلى طيب وخبيث
~~وهي تكفي في مثل هذه المسألة والأصل الذي بني عليه التخصيص قد تركه أهل
~~السنة قاعا صفصفا.

# والإنفاق الإنفاد يقال أنفقت الشيء وأنفدته بمعنى والهمزة للتعدية وأصل
~~المادة تدل على الخروج والذهاب ومنه نافق والنافقاء ونفق وإنما قدم
~~سبحانه وتعالى المعمول اعتناء بما خول الله تعالى العبد أو لأنه مقدم على
~~الإنفاق في الخارج ولتناسب الفواصل والمراد بالرزق هنا الحلال لأنه في
~~معرض وصف المتقي ولا مدح أيضا في إنفاق الحرام قيل ولا يرد قول الفقهاء
~~إذا اجتمع عند أحد مال لا يعرف صاحبه ينبغي أن يتصدق به فإذا وجد صاحبه
~~دفع قيمته أو مثله إليه فهذا الإنفاق مما يثاب عليه لأنه لما فعله بإذن
~~الشارع استحق المدح لأنه لما لم يعرف صاحبه كان له التصرف فيه وانتقل
~~بالضمان إلى ملكه وتبدلت الحرمة إلى ثمنه على أنه قد وقع الخلاف فيما لو
~~عمل الخير بمال مغصوب عرف صاحبه كما قال ابن القيم في «بدائع الفوائد»
~~فذهب ابن عقيل إلى أنه لا ثواب للغاصب فيه لأنه آثم ولا لرب المال لأنه
~~لا نية له ولا ثواب بدونها وإنما يأخذ من حسنات الغاصب بقدر ماله.

# وقيل إنه نفع حصل بماله ms00147 وتولد منه ومثله يثاب عليه كالولد الصالح يؤجر
~~به وإن لم يقصده، ويفهم كلام البعض  وهو من الغرابة بمكان  أن الغاصب
~~أيضا يؤجر إذا صرفها بخير وإن تعد واقتص من حسناته بسبب أخذه لأنه لو
~~فسق به عوقب مرتين مرة على الغصب ومرة على الفسق فإذا عمل به خيرا ينبغي
~~أن يثاب عليه

# فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل
~~مثقال ذرة شرا يره

# [الزلزله:78] ولا يرد على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم

# " لا يقبل الله صدقة من غلول "

# وقوله:

# " إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا "

# لأن مآل ما ذكر أن الثواب على نفس العدول من الصرف في المعصية إلى الصرف
~~فيما هو طاعة في نفسه لا على نفس الصدقة مثلا بالمال الحرام من حيث إنه
~~حرام والفرق دقيق لا يهتدى إليه إلا بتوفيق.

# وقد اختلف في الإنفاق ههنا فقيل  وهو الأولى  صرف المال في سبل
~~الخيرات أو البذل من النعم الظاهرة والباطنة وعلم لا يقال به ككنز لا
~~ينفق منه. وعن ابن عباس الزكاة، وعنه وعن ابن مسعود نفقة العيال، وعن
~~الضحاك التطوع قبل فرض الزكاة أو النفقة في الجهاد. ولعل هذه الأقوال
~~تمثيل للمنفق لا خلاف فيه، وبعضهم جعلها خلافا ورجح كونها الزكاة
~~المفروضة باقترانها/ بأختها الصلاة في عدة مواضع من القرآن ومن التبعضية
~~حينئذ مما لا يسئل عن سرها إذ الزكاة المفروضة لا تكون بجميع المال وأما
~~إذا كان المراد بالإنفاق مطلقه الأعم مثلا ففائدة إدخالها الإشارة إلى
~~أن إنفاق بعض المال يكفي في اتصاف المنفق بالهداية والفلاح ولا يتوقف على
~~إنفاق جميع المال وقول مولانا البيضاوي تبعا للزمخشري: إنه للكف عن
~~الإسراف المنهي عنه مخصوص بمن لم يصبر على الفاقة ويتجرع مرارة الإضافة
~~وإلا فقد تصدق الصديق رضي الله تعالى عنه بجميع ماله ولم ينكره عليه صلى
~~الله عليه وسلم لعلمه بصبره واطلاعه على ما وقر في صدره، و(من) ههنا لما
~~قيل للحسن بن سهل لا خير في الإسراف قال لا إسراف في ms00148 الخير، وقيل النكتة
~~في إدخال (من) التبعضية هي أن الرزق أعم من الحلال والحرام فأدخلت
~~إيذانا بأن الانفاق المعتد به ما يكون من الحلال وهو بعض من الرزق.

# و(ما) في الآية إما موصولة أو مصدرية أو موصوفة والأول أولى فالعائد
~~محذوف، واستشكل بأنه إن قدر متصلا يلزم اتصال ضميرين متحدي الرتبة
~~والانفصال في مثله واجب وإن قدر منفصلا امتنع حذفه إذ قد أوجبوا ذكر
~~المنفصل معللين بأنه لم ينفصل إلا لغرض وإذا حذفت فاتت الدلالة عليه،
~~وأجيب على اختيار كل. أما الأول: فبأنه لما اختلف الضميران جمعا
~~وإفرادا جاز اتصالهما وإن اتحدا رتبة كقوله:

# لوجهك في الإحسان بسط وبهجة

# أنا لهماه قفو أكرم والد

# وأيضا لا يلزم من منع ذلك ملفوظا به منعه مقدرا لزوال القبح اللفظي،
~~وأما الثاني: فبأن الذي يمنع حذفه ما كان منفصلا لغرض معنوي كالحصر لا
~~مطلقا كما قال ابن هشام في «الجامع الصغير» وأشار إليه غير واحد وكتبت
~~(من) متصلة بما محذوفة النون لأن الجار والمجرور كشيء واحد وقد حذفت
~~النون لفظا فناسب حذفها في الخط قاله في «البحر» وجعل سبحانه صلات {
~~الذين } أفعالا مضارعة ولم يجعل الموصول أل فيصله باسم الفاعل لأن
~~المضارع فيما ذكره البعض مشعر بالتجدد والحدوث مع ما فيه هنا من
~~الاستمرار التجددي وهذه الأوصاف متجددة في المتقين واسم الفاعل عندهم ليس
~~كذلك، ورتبت هذا النحو من الترتيب لأن الأعمال إما قلبية وأعظمها اعتقاد
~~حقيقة التوحيد والنبوة والمعاد إذ لولاه كانت الأعمال كسراب بقيعة يحسبه
~~الظمآن ماء أو قالبية وأصلها الصلاة لأنها الفارقة بين الكفر والإسلام
~~وهي عمود الدين ومعراج الموحدين والأم التي يتشعب منها سائر الخيرات
~~والمبرات ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:

# " وجعلت قرة عيني في الصلاة "

# وقد أطلق الله تعالى عليها الإيمان كما قاله جمع من المفسرين في قوله
~~تعالى:

# وما كان الله ليضيع إيمنكم

# [البقرة: 143] أو مالية وهي الإنفاق لوجه الله تعالى وهي التي إذا وجدت
~~علم الثبات على الإيمان وهذه الثلاثة متفاوتة الرتب فرتب سبحانه وتعالى ms00149
~~ذلك مقدما الأهم فالأهم والألزم فالألزم لأن الإيمان لازم للمكلف في كل
~~آن والصلاة في أكثر الأوقات والنفقة في بعض الحالات فافهم ذاك والله
~~يتولى هداك.

### || [2.4]

# عطف على الموصول الأول مفصولا وموصولا والمروي عن ابن عباس وابن مسعود
~~رضي الله تعالى عنهم أنهم مؤمنو أهل الكتاب وحيث إن المتبادر من العطف أن
~~الإيمان بكل من المنزلين على طريق الاستقلال اختص ذلك بهم لأن إيمان
~~غيرهم بما أنزل من قبل إنما هو على طريق الاجمال والتبع للإيمان بالقرآن
~~لا سيما في مقام المدح، وقد دلت الآيات والأحاديث على أن لأهل الكتاب
~~أجرين بواسطة ذلك وبهذا غايروا من قبلهم وقيل التغاير باعتبار أن الإيمان
~~الأول بالعقل وهذا بالنقل أو بأن ذاك بالغيب وهذا بما عرفوه كما يعرفون
~~أبناءهم

# أولئك على هدى

# [البقرة: 5] حينئذ إشارة إلى الطائفة الأولى لأن إيمانهم بمحض الهداية
~~الربانية

# وأولئك هم المفلحون

# [البقرة: 5]/ إشارة إلى الثانية لفوزهم بما كانوا ينتظرونه أو بأن أولئك
~~من حيث المجموع كان فيهم شرك وهؤلاء لم يشركوا ولم ينكروا، وقيل التغاير
~~بالعموم والخصوص مثله في قوله تعالى:

# تنزل الملئكة والروح

# [القدر: 4] والتخصيص هنا بعد التعميم للإشارة إلى الأفضلية من حيثية
~~إنهم يعطون أجرهم مرتين وقد يوجد في المفضول ما ليس في الفاضل وفي ذلك
~~ترغيب أهل الكتاب في الدخول في الإسلام، وقال بعضهم إن هؤلاء هم الأولون
~~بأعيانهم وتوسيط العطف جار في الأسماء والصفات باعتبار تغاير المفهومات
~~ويكون بالواو والفاء وثم باعتبار تعاقب الانتقال في الأحوال والجمع
~~المستفاد من الواو هنا واقع بين معاني الصفات المفهومة من المتعاطفين
~~والإيمان الذي مع أولهما إجمالي وعقلي ومع ثانيها تفصيلي ونقلي وإعادة
~~الموصول للتنبيه على تغاير القبيلين وتباين السبيلين وقد يعطف على

# للمتقين

# [البقرة: 2] والموصول غير مفصول لما يلزم على الوصل الفصلي بأجنبي بين
~~المبتدأ وخبره والمعطوف، والمعطوف عليه والتغاير بين المتعاطفين باعتبار
~~أن المراد بالمعطوف عليه من آمن من العرب الذين ليسوا بأهل كتاب
~~وبالمعطوف من آمن به صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب ms00150 وقد رجح بعض
~~المحققين احتمال أن يكون هؤلاء هم الأولون وتوسط الواو بين الصفات بأن
~~الإيمان بالمنزلين مشترك بين المؤمنين قاطبة فلا وجه لتخصيصه بمؤمني أهل
~~الكتاب والإفراد بالذكر لا يدل على أن الإيمان بكل بطريق الاستقلال فقد
~~أفرد الكتب المنزلة من قبل في قوله تعالى:

# قولوا ءامنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل
~~إلى إبرهيم

# [البقرة: 136] ولم يقتض الإيمان بها على الانفراد وبأن أهل الكتاب لم
~~يكونوا مؤمنين بجميع ما أنزل من قبل لأن اليهود لم يؤمنوا بالإنجيل
~~ودينهم منسوخ به وبأن الصفات السابقة ثابتة لمن آمن من أهل الكتاب
~~فالتخصيص بمن عداهم تحكم وجعل الكلام من قبيل عطف الخاص على العام لا
~~يلائم المقام.

# وأجيب أما أولا فبأن المتبادر من السياق الإيمان بالاستقلال لا سيما في
~~مقام المدح وإليه يشير ما جاء أنهم يؤتون أجرهم مرتين والخطاب في الآية
~~للمسلمين بأن يقولوا دفعة ولم يعد فيها الإيمان والمؤمن فلا ترد نقضا،
~~وأما ثانيا فلأن إيمان أهل الكتاب بكل وحي إنما هو بالنظر إلى جميعهم
~~فاليهود اشتمل إيمانهم على القرآن والتوراة، والنصارى اشتمل إيمانهم على
~~الإنجيل أيضا ويكفي هذا في توجيه المروي عمن شاهدوا نزول الوحي ولا يرغب
~~عنه إذا أمكن توجيهه وكون المفهوم المتبادر ثبوت الحكم لكل واحد إن سلم
~~لا يرده ولا يرد أن اليهود الذين آمنوا على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم
~~لم يؤمنوا قبل ذلك بالتوراة وإلا لتنصروا لأن فيها نبوة عيسى كما فيها
~~نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قد ورد فيها  إن الله جاء من طور
~~سيناء وظهر بساعير وعلن بفاران  وساعير بيت المقدس الذي ظهر فيه عيسى،
~~وفاران جبال مكة التي كانت مظهر المصطفى صلى الله عليه وسلم لأنا نقول
~~إنهم آمنوا بالتوراة وتأولوا ما دل منها على نبوة المسيح عليه السلام
~~فبعض أنكر نبوته رأسا ورموه بما رموه  وحاشاه وهم الكثيرون  وبعض
~~كالعنانية قالوا: إنه من أولياء الله تعالى المخلصين العارفين بأحكام
~~التوراة وليس بنبي وهؤلاء قليلون مخالفون ms00151 لسائر اليهود في السبت
~~والأعياد ويقتصرون على أكل الطير والظباء والسمك والجراد وهذا الإيمان
~~وإن لم يكن نافعا في النجاة من النار إلا أنه يقلل الشر بالنسبة إلى
~~الكفر بالتوراة وإنكارها بالكلية مع الكفر بعيسى عليه السلام وربما
~~يمدحون بالنظر إلى أصل الإيمان بها وإن ذموا بحيثية أخرى وكأنه لهذا
~~يكتفى منهم بالجزية ولم يكونوا طعمة للسيوف مطلقا والقول بأنهم مدحوا
~~بعد إيمانهم بالقرآن بالإيمان بالتوراة نظرا إلى أسلافهم الذين كانوا
~~على عهد موسى عليه السلام فإنهم مؤمنون بها إيمانا صحيحا على وجهها كما
~~أنهم ذموا بما صنع آباؤهم على عهده على ما ينطق به كثير من الآيات ليس
~~بشيء إذ لا معنى لإيتائهم/ أجرين حينئذ والفرق بين البابين واضح.

# ثم النسخ الذي ادعاه المرجح خلاف ما ذكره الشهرستاني وغيره من أن
~~الإنجيل لم يبين أحكاما ولا استبطن حلالا وحراما ولكنه رموز وأمثال
~~ومواعظ والأحكام محالة إلى التوراة وقد قال المسيح ما جئت لأبطل التوراة
~~بل جئت لأكملها وهذا خلاف ما تقتضيه الظواهر وسيأتي إن شاء الله تعالى
~~تحقيقه، وأما ثالثا فلأن ثبوت الصفات لمن آمن من أهل الكتاب لا يضرنا
~~لأنها مذكورة في الأول صريحا وفي الثاني التزاما، وأما رابعا فلأنا لا
~~نسلم أن ذلك العطف لا يلائم المقام فنكات عطف الخاص على العام لا تخفى
~~كثرتها على ذوي الأفهام فدع ما مر وخذ ما حلا، وعندي بعد هذا كله أن
~~الاعتراض ذكر والجواب أنثى لكن الرواية دعت إلى ذلك ولعل أهل مكة أدرى
~~بشعابها وفوق كل ذي علم عليم على أن الدراية قد تساعده كما قيل بناء على
~~أن إعادة الموصول وتوصيفه بالإيمان بالمنزلين مع اشتراكه بين جميع
~~المؤمنين واشتمال الإيمان بما أنزل إليك على الإيمان بما أنزل من قبلك
~~يستدعي أن يراد به من لهم نوع اختصاص بالصلة وهم مؤمنو أهل الكتاب حيث
~~كانوا مطالبين بالإيمان بالقرآن خصوصا قال تعالى:

# وءامنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم

# [البقرة: 41] مؤمنين بالكتب استقلالا في الجملة بخلاف سائر المؤمنين،
~~ثم المتبادر ms00152 من أهل الكتاب أهل التوراة والإنجيل وحمله على أهل الإنجيل
~~خاصة وقد آمن منهم أربعون واثنان وثلاثون جاءوا مع جعفر من أرض الحبشة
~~وثمانية من الشام لا تساعده رواية ولا دراية كما لا يخفى.

# والإنزال الإيصال والإبلاغ ولا يشترط أن يكون من أعلى خلافا لمن ادعاه
~~نحو:

# فإذا نزل بساحتهم

# [الصافات: 177] أي وصل وحل وإنزال الكتب الإلهية قد مر في المقدمات ما
~~يطلعك إلى معارجه، وذكر أن معنى إنزال القرآن أن جبريل سمع كلام الله
~~تعالى كيف شاء الله تعالى فنزل به أو أظهره في اللوح كتابة فحفظه الملك
~~وأداه بأي نوع كان من الأداء. وذهب بعض السلف إلى أنه من المتشابه الذي
~~نجزم به من غير بحث عن كيفيته. وقال الحكماء: إن نفوس الأنبياء عليهم
~~السلام قدسية فتقوى على الاتصال بالملأ الأعلى فينتقش فيها من الصور ما
~~ينتقل إلى القوة المتخيلة والحس المشترك فيرى كالمشاهد وهو الوحي وربما
~~يعلو فيسمع كلاما منظوما ويشبه أن نزول الكتب من هذا. وعندي أن هذا قد
~~يكون لأرباب النفوس القدسية والأرواح الإنسية إلا أن أمر النبوة وراء ذلك
~~وأين الثريا من يد المتناول. وفعلا الإنزال مبنيان للمفعول وقرأهما
~~النخعي وأبو حيوة ويزد بن قطيب مبنيين للفاعل وقرىء شاذا (بما أنزل
~~إليك) بتشديد اللام ووجه ذلك أنه أسكن لام (أنزل) ثم حذف همزة إلى ونقل
~~كسرتها إلى اللام فالتقى المثلان فأدغم. وضمير الفاعل قيل الله وقيل
~~جبريل عليه السلام. وفي «البحر» أن فيه التفاتا لتقدم {.. مما
~~رزقنهم } فخرج من ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة ولو جرى على
~~الأول لجاء  بما أنزلنا إليك وما أنزلنا من قبلك .

# وأتى سبحانه بصلة (ما) الأولى فعلا ماضيا مع أن المراد بالمنزل جميعه
~~لاقتضاء السياق، والسباق له من ترتب الهدى والفلاح الكاملين عليه ولوقوعه
~~في مقابلة ما أنزل قبل ولاقتضاء { يؤمنون } المنبىء عن الاستمرار
~~والجميع لم ينزل وقت تنزل الآية لأمرين: الأول إنه تغليب لما وجد نزوله
~~على ما لا يوجد فهو من قبيل إطلاق الجزء على الكل والثاني ms00153 تشبيه جميع
~~المنزل بشيء نزل في تحقق الوقوع لأن بعضه نزل وبعضه سينزل قطعا فيصير
~~إنزال مجموعه مشبها بإنزال ذلك الشيء الذي نزل فتستعار صيغة الماضي من
~~إنزاله لإنزال المجموع، هذا ما حققه من يعقد عند ذكرهم الخناصر وفيه
~~دغدغة كبرى.

# وأهون منه أن التعبير بالماضي هنا للمشاكلة لوقوع غير المتحقق في صحبة
~~المتحقق، وأهون من ذلك كله أن المراد به حقيقة الماضي ويدل على الإيمان
~~بالمستقبل بدلالة النص. وما قيل من أن الإيمان بما سينزل ليس بواجب إلا
~~أن حمله على الجميع أكمل فلذا اقتصر عليه لا وجه له إذ لا شبهة في أنه
~~يلزم المؤمن أن يؤمن بما/ نزل وبأن كل ما سينزل حق وإن لم يجب تفصيله
~~وتعيينه، وقد ذكر العلماء أن الإيمان إجمالا بالكتب المنزلة مطلقا فرض
~~عين وتفصيلا بالقرآن المتعبد بتفاصيله فرض كفاية إذ لو كان فرض عين أدى
~~إلى الحرج والمشقة والدين يسر لا عسر، وهذا مما لا شبهة فيه حتى قال
~~الدواني: يجب على الكفاية تفصيل الدلائل الأصولية بحيث يتمكن معه من
~~إزالة الشبه وإلزام المعاندين وإرشاد المسترشدين، وذكر الفقهاء أنه لا بد
~~أن يكون في كل حد من مسافة القصر شخص متصف بهذه الصفة ويسمى المنصوب للذب
~~ويحرم على الإمام إخلاؤها من ذلك كما يحرم إخلاؤها عن العالم بالأحكام
~~التي يحتاج إليها العامة وقيل لا بد من شخص كذلك في كل إقليم وقيل يكفي
~~وجوده في جميع البلاد المعمورة الإسلامية ولعل هذا التنزل لنزول الأمر
~~وقلة علماء الدين في الدنيا بهذا العصر:

# أمست يبابا وأمسى أهلها احتملوا

# أخنى عليها الذي أخنى على لبد

# وإلى الله تعالى المشتكى وإليه الملتجى:

# إلى الله أشكو إن في القلب حاجة

# تمر بها الأيام وهي كما هيا

# والآخرة تأنيث الآخر اسم فاعل من أخر الثلاثي بمعنى تأخر وإن لم يستعمل
~~كما أن الآخر  بفتح الخاء  اسم تفضيل منه وهي صفة في الأصل كما في 

# الدار الأخرة

# [القصص: 83] و

# ينشىء النشأة الأخرة

# [العنكبوت: 20]  ثم غلبت كالدنيا. والوصف الغالب ms00154 قد يوصف به دون الاسم
~~الغالب فلا يقال قيد أدهم للزوم التكرار في المفهوم وهو وإن كان من
~~الدهمة إلا أنه يستعمله من لا تخطر بباله أصلا فافهم. وقد تضاف الدار
~~لها كقوله تعالى:

# ولدار الأخرة

# [يوسف: 109] أي دار الحياة الآخرة وقد يقابل بالأولى كقوله سبحانه
~~وتعالى:

# له الحمد فى الأولى والأخرة

# [القصص: 70] والمعنى هنا الدار الآخرة أو النشأة الآخرة والجمهور على
~~تسكين لام التعريف وإقرار الهمزة التي تكون بعدها للقطع، وورش يحذف وينقل
~~الحركة إلى اللام.

# والإيقان التحقق للشيء كسكونه ووضوحه يقال يقن الماء إذا سكن وظهر ما
~~تحته وهو واليقين بمعنى خلافا لمن وهم فيه. قال الجوهري: اليقين العلم
~~وزوال الشك يقال منه يقنت بالكسر يقينا وأيقنت واستيقنت كلها بمعنى،
~~وذهب الواحدي وجماعة إلى أنه ما يكون عن نظر واستدلال فلا يوصف به
~~البديهي ولا علم الله تعالى.

# وذهب الإمام النسفي وبعض الأئمة إلى أنه العلم الذي لا يحتمل النقيض،
~~وعدم وصف الحق سبحانه وتعالى به لعدم التوقيف، وذهب آخرون إلى أنه العلم
~~بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكا فيه سواء كان ضروريا أو استدلاليا، وذكر
~~الراغب ((أن اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها يقال علم
~~يقين ولا يقال معرفة يقين وهو سكون النفس مع ثبات الحكم))، وفي " الأحياء
~~"  والقلب إليه يميل  ((أن اليقين مشترك بين معنيين. الأول عدم الشك
~~فيطلق على كل ما لا شك فيه سواء حصل بنظر أو حس أو غريزة عقل أو بتواتر
~~أو دليل هذا لا يتفاوت. الثاني وهو ما صرح به الفقهاء والصوفية وكثير من
~~العلماء وهو ما لا ينظر فيه إلى التجويز والشك بل إلى غلبته على القلب
~~حتى يقال فلان ضعيف اليقين بالموت وقوي اليقين بإتيان الرزق فكل ما غلب
~~على القلب واستولى عليه فهو يقين وتفاوت هذا ظاهر))، وقرأ الجمهور: {
~~يوقنون } بواو ساكنة بعد الياء وهي مبدلة منها لأنه من أيقن وقرأ
~~النميري بهمزة ساكنة بدل الواو وشاع عندهم أن الواو إذا ضمت ضمة غير
~~عارضة كما ms00155 فصل في العربية يجوز إبدالها همزة كما قيل في وجوه جمع وجه
~~أجوه فلعل الإبدال هنا لمجاورتها للمضموم فأعطيت حكمه وقد يؤخذ الجار
~~بظلم الجار، وغاير سبحانه بين الإيمان بالمنزل والإيمان بالآخرة فلم يقل
~~ وبالآخرة هم يؤمنون  دفعا لكلفة التكرار أو لكثرة غرائب متعلقات
~~الآخرة وما أعد فيها من الثواب/ والعقاب وتفصيل أنواع التنعيم والتعذيب
~~ونشأة أصحابهما على خلاف النشأة الدنيوية مع إثبات المعاد الجسماني كيفما
~~كان إلى غير ذلك مما هو أغرب من الإيمان بالكتاب المنزل حتى أنكره كثير
~~من الناس وخلا عن تفاصيله على ما عندنا التوراة والإنجيل فليس في الأول 
~~على ما في " شرح الطوالع "  ذكر المعاد الجسماني وإنما ذكر في كتب حزقيل
~~وشعياء والمذكور في الإنجيل إنما هو المعاد الروحاني فناسب أن يقرن هذا
~~الأمر المهم الغريب الذي حارت عقول الكثيرين في إثباته وتهافتوا على
~~إنكاره تهافت الفراش على النار بالإيقان وهو هو إظهارا لكمال المدح
~~وإبداء لغاية الثناء، وتقديم المجرور للإشارة إلى أن إيقانهم مقصور على
~~حقيقة الآخرة لا يتعداها إلى خلاف حقيقتها مما يزعمه اليهود مثلا حيث
~~قالوا:

# لن يدخل الجنة إلا من كان هودا

# [البقرة: 111]

# لن تمسنا النار إلا أياما معدودة

# [البقرة: 80] وزعموا أنهم يتلذذون بالنسيم والأرواح إذ ليس ذلك من
~~الآخرة في شيء وفي بناء { يوقنون } على { هم } إشارة إلى أن اعتقاد
~~مقابليهم في الآخرة جهل محض وتخييل فارغ وليسوا من اليقين في ظل ولا فيء.

### || [2.5]

# { أولئك على هدى من ربهم } الظاهر أنه جملة مرفوعة
~~المحل على الخبرية فإن جعل الموصول الأول مفصولا على أكثر التقادير في
~~الثاني ويتبعه فصله بحسب الظاهر إذ لا يقطع المعطوف عليه دون المعطوف
~~فالخبرية له وإن جعل موصولا وأريد بالثاني طائفة مما تقدمه وجعل هو
~~مفصولا كان الإخبار عنه وذكر الخاص بعد العام كما يجوز أن يكون بطريق
~~التشريك بينهما في الحكم السابق  أعني

# هدى للمتقين

# [البقرة: 2]  يجوز أن يكون بطريق إفراده بالحكم عن العام وحينئذ تكون
~~الجملة المركبة من الموصول الثاني وجملة الخبر معطوفة ms00156 على جملة

# هدى للمتقين

# [البقرة: 2] الموصوفين  ب

# الذين يؤمنون بالغيب

# [البقرة: 3]  والجملة الأولى وإن كانت مسوقة لمدح الكتاب والثانية لمدح
~~الموصوفين بالإيمان بجميع الكتب إلا أن مدحهم ليس إلا باعتبار إيمانهم
~~بذلك الكتاب فهما متناسبتان باعتبار إفادة مدحه وفائدة جعل المدح مقصودا
~~بالذات ترغيب أمثالهم والتعريض على ما قيل بمن ليس على صفتهم والتخصيص
~~المستفاد من المعطوف بالقياس إلى من لم يتصف بأوصافهم فلا ينافي ما
~~استفيد من المعطوف عليه من ثبوت الهدى للمتقين مطلقا. نعم ليس هذا الوجه
~~في البلاغة بمرتبة فصل الموصول الأول فهو أولى، وعليه تكون الجملة مشيرة
~~إلى جواب سؤال إما عن الحكم أي إن المتقين هل يستحقون ما أثبت لهم من
~~الاختصاص بالهدى أو عن السبب كأنه قيل ما سبب اختصاصهم أو عن مجموع
~~الأمرين أي هل هم أحقاء بذلك وما السبب فيه حتى يكونوا كذلك؟ فأجيب بأن
~~هؤلاء لأجل اتصافهم بالصفات المذكورة متمكنون على الهدى الكامل الذي
~~منحهم إياه ربهم تعالى بكتابه. ومعلوم أن العلة مختصة بهم فيكونون
~~مستحقين للاختصاص. فالجواب مشتمل على الحكم المطلوب مع تلخيص موجبه وضم
~~نتيجة الهدى تقوية للمبالغة التي تضمنها تنكير هدى أو تحقيقا للحكم
~~بالبرهان الآتي أيضا ولذا استغنى عن تأكيد النسبة أو الجملة الإسمية
~~مؤكدة. وقد يقال إنه بين الجواب مرتبا عليه مسببيه أعني الهدى والفلاح
~~لأن ذلك أوصل إلى معرفة السبب ولا حاجة حينئذ إلى التأكيد، والأمر على
~~التقدير الثالث ظاهر وجعل الجملة مشيرة إلى الجواب على احتمال وصل الأول
~~وفصل الثاني مما لا يخفى انفصاله عن ساحة القبول، وإذا وصل الأول وعطف
~~الثاني تكون هذه الجملة مستأنفة استئنافا نحويا، والفصل لكمال الاتصال
~~إذ هي كالنتيجة للصفات السابقة أو بيانيا والفصل لكونها كالمتصلة فكأن
~~سائلا يقول ما للموصوفين بهذه الصفات اختصوا بالهدى؟ فأجيب بأن سبب
~~اختصاصهم أنه سبحانه قدر في الأزل سعادتهم وهدايتهم فجبلتهم مطبوعة على
~~الهداية والسعيد سعيد في بطن أمه لا سيما إذا انضم إليه الفلاح الأخروي
~~الذي هو أعظم المطالب، أو يقال إن ms00157 الجواب بشرح/ ما انطوى عليه اسمهم
~~إجمالا من نعوت الكمال وبيان ما تستدعيه من النتيجة أي الذين هذه شؤونهم
~~أحقاء بما هو أعظم من ذلك.

# وهذا المسلك يسلك تارة بإعادة من استؤنف عنه الحديث  كأحسنت إلى زيد 
~~زيد حقيق بالإحسان وأخرى بإعادة صفته  كأحسنت إلى زيد صديقك القديم 
~~أهل لذلك وهذا أبلغ لما فيه من بيان الموجب للحكم وإيراد اسم الإشارة هنا
~~بمنزلة إعادة الموصوف بصفاته المذكورة مع ما فيه من الإشعار بكمال تميزه
~~بها وانتظامه لذاك في سلك الأمور المشاهدة مع الإيماء إلى بعد منزلته
~~وعلو درجته.

# هذا وجعل { أولئك } وحده خبرا و { على هدى } حال بعيد
~~كجعله بدلا من 

# الذين

#  [البقرة: 3] والظرف خبرا. وإنما كتبوا واوا في { أولئك }
~~للفرق بينه وبين إليك الجار والمجرور كما قيل، وقيل إنه لما كان مشارا
~~به لجمع المذكر وكان مبنيا ومباينا للشائع من صيغ الجموع جبر في الجملة
~~بكتابة حرف يكون في الجمع في بعض الآنات. ومن المشهور  " ردوا السائل
~~ولو بظلف محرق "  وفي قوله سبحانه: { على هدى } استعارة تمثيلية
~~تبعية حيث شبهت حال أولئك  وهي تمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسكهم
~~به  بحال من اعتلى الشيء وركبه ثم استعير للحال التي هي المشبه المتروك
~~كلمة الاستعلاء المستعملة في المشبه به وإلى ذلك ذهب السعد، وأنكر السيد
~~اجتماع التمثيلية والتبعية لأن كونها تبعية يقتضي كون كل من الطرفين معنى
~~مفردا لأن المعاني الحرفية مفردة وكونها تمثيلية يستدعي انتزاعهما من
~~أمور متعددة وهو يستلزم تركبه. وأبدى قدس سره في الآية ثلاثة أوجه. الأول
~~أنها استعارة تبعية مفردة بأن شبه تمسك المتقين بالهدى باستعلاء الراكب
~~على مركوبه في التمكن والاستقرار فاستعير له الحرف الموضوع للاستعلاء.
~~الثاني أن يشبه هيئة منتزعة من المتفي والهدى وتمسكه به بالهيئة المنتزعة
~~من الراكب والمركوب واعتلائه عليه فيكون هناك استعارة تمثيلية تركب كل من
~~طرفيها لكن لم يصرح من الألفاظ التي بإزاء المشبه به إلا بكلمة { على
~~} فإن مدلولها هو العمدة في تلك الهيئة وما عداه تابع له ملاحظ ms00158 في ضمن
~~ألفاظ منوية وإن لم تقدر في نظم الكلام فليس في { على } استعارة أصلا
~~بل هي على حالها قبل الاستعارة كما إذا صرح بتلك الألفاظ كلها. الثالث أن
~~يشبه الهدى بالمركوب على طريق الاستعارة بالكناية وتجعل كلمة { على }
~~قرينة لها على عكس الوجه الأول. وهذا الخلاف بين الشيخين في هذه المسألة
~~مما سارت به الركبان وعقدت له المجالس وصنفت فيه الرسائل، وأول ما وقع
~~بينهما في مجلس تيمور  وكان الحكم نعمان الخوارزمي المعتزلي  فحكم 
~~والظاهر أنه لأمر ما  للسيد السند والعلماء إلى اليوم فريقان في ذلك ولا
~~يزالون مختلفين فيه إلا أن الأكثر مع السعد.

# وأجابوا عن شبهة السيد بأن انتزاع شيء من أمور متعددة يكون على وجوه شتى
~~فقد يكون من مجموع تلك الأمور كالوحدة الاعتبارية وقد يكون من أمر
~~بالقياس إلى آخر كالإضافات وقد يكون بعضه من أمر وبعضه من آخر وعلى
~~الأولين لا يقتضي تركيبه بل تعدد مأخذه فيجوز حينئذ أن يكون المدلول
~~الحر في لكونه أمرا إضافيا كالاستعلاء حالة منتزعة من أمور متعددة
~~فلجريانها في الحرف تكون تبعية ولكون كل من الطرفين حالة إضافية منتزعة
~~من أمور متعددة تمثيلية، ولعل اختيار القوم في تعريف التمثلية لفظ
~~الانتزاع دون التركيب يرشد المنصف إلى عدم اشتراط التركيب في طرفيه وإلا
~~لكان الأظهر لفظ التركيب، وقد أشبعنا القول في ذلك وذكرنا ما له وما عليه
~~في كتابنا  " الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية "  وفي هذا القدر
~~هنا كفاية.

# وفي تنكير { هدى } إشارة إلى عظمته فلا يعرف حقيقته ومقداره إلا
~~اللطيف الخبير وإنما ذكر الرب مع أن الهدى لا يكون إلا منه سبحانه
~~تأكيدا لذلك بإسناده إليه جل شأنه، وفيه مناسبة واضحة إذ حيث كان ربهم
~~ناسب أن يهيئ لهم أسباب السعادتين ويمن عليهم بمصلحة الدارين وقد
~~تكون/ ثم صفة محذوفة أي { على هدى } أي هدى وحذف الصفة لفهم المعنى
~~جائز. وقيل يحتمل أن يكون التنوين للإفراد أي على هدى واحد إذ لا هدى إلا
~~هدى ما أنزل إليه صلى ms00159 الله عليه وسلم لنسخه ما قبله. و { من } لابتداء
~~الغاية أو للتبعيض على حذف مضاف أي من هدى ربهم، ومعنى كون ذلك منه
~~سبحانه أنه هو الموفق لهم والمفيض عليهم من بحار لطفه وكرمه وإن توسطت
~~هناك أسباب عادية ووسائط صورية على أن تلك الوسائط قد ترتفع من البين
~~فيتبلج صبح العيان لذي عينين.

# وقد قرأ ابن هرمز  من ربهم  بضم الهاء وكذلك سائر هاءات جمع المذكر
~~والمؤنث على الأصل من غير أن يراعي فيها سبق كسر أو ياء وأدغم النون في
~~الراء بلا غنة الجمهور وعليه العمل، وذهب كثير من أهل الأداء إلى الإدغام
~~مع الغنة ورووه عن نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وأبي جعفر
~~ويعقوب، وأظهر النون أبو عون عن قالون، وأبو حاتم عن يعقوب، وهذه الأوجه
~~جارية أيضا في النون والتنوين إذ لاقت لاما.

# { وأولئك هم المفلحون } الفلاح الفوز والظفر بإدراك
~~البغية وأصله الشق والقطع ويشاركه في معنى الشق مشاركة في الفاء والعين
~~نحو  فلى وفلق وفلذ  وفي تكرار اسم الإشارة إشارة إلى أن هؤلاء
~~المتصفين بتلك الصفات يستحقون بذلك الاستقلال بالتمكن في الهدى
~~والاستبداد بالفلاح والاختصاص بكل منهما ولولاه لربما فهم اختصاصهم
~~بالمجموع فيوهم تحقق كل واحد منهما بالانفراد فيمن عداهم وإنما دخل
~~العاطف بين الجملتين لكونهما واقعتين بين كمال الاتصال والانفصال لأنهما
~~وإن تناسبا مختلفان مفهوما ووجودا فإن الهدى في الدنيا والفلاح في
~~الآخرة وإثبات كل منهما مقصود في نفسه وبهذا فارقا قوله تعالى:

# أولئك كالأنعم بل هم أضل أولئك هم
~~الغفلون

# [الأعراف: 179] فالثانية فيه مؤكدة للأولى إذ لا معنى للتشبيه إلا
~~بالأنعام المبالغة في الغفلة فلا مجال للعطف بينهما و { هم } يحتمل أن
~~يكون فضلا أو بدلا فيكون { المفلحون } خبرا عن أولئك أو مبتدأ 
~~والمفلحون  خبره والجملة خبر {..أولئك } وهذه الجملة لا تخلو عن
~~إفادة الحصر كما لا يخفى. وقد ذكر غير واحد أن اللام في  المفلحون  حرف
~~تعريف بناء على أن المراد الثبات على الفلاح فهو حينئذ مما غلبت عليه ms00160
~~الإسمية أو ألحق بالصفة المشبهة فهي إما للعهد الخارجي للدلالة على أن
~~المتقين هم الذين بلغك أنهم مفلحون في العقبى وضمير الفصل إما للقصر 
~~أو لمجرد تأكيد النسبة ولا استبعاد في جريان القصر قلبا أو تعيينا بل
~~إفرادا أيضا أو للجنس  فتشير إلى ما يعرفه كل أحد من هذا المفهوم فإن
~~أريد القصر كان الفصل لتأكيد النسبة ولتأكيد الاختصاص أيضا وإن أريد
~~الاتحاد كان لمجرد تأكيد النسبة.

# وتشبث المعتزلة والخوارج بهذه الآية لخلود تارك الواجب في العذاب لأن
~~قصر جنس الفلاح على الموصوفين يقتضي انتفاء الفلاح عن تارك الصلاة
~~والزكاة فيكون مخلدا في العذاب وهذا أوهن من بيت العنكبوت فلا يصلح
~~للاستدلال لأن الفلاح عدم الدخول أو لأن انتفاء كمال الفلاح كما يقتضيه
~~السياق، والسباق لا يقتضي انتفاءه مطلقا ولا حاجة إلى حمل المتقين على
~~المجتنبين للشرك ليدخل العاصي فيهم لأن الإشارة ليست إليهم فقط فلا يجدي
~~نفعا ككون الصفة مادحة كما لا يخفى، وههنا سر دقيق وهو أنه سبحانه
~~وتعالى حكى في مفتتح كتابه الكريم مدح العبد لباريه بسبب إحسانه إليه
~~وترقى فيه ثم مدح الباري هنا عبده بسبب هدايته له وترقى فيه على أسلوب
~~واحد فسبحانه من آله ماجد كم أسدى جميلا، وأعطى جزيلا، وشكر قليلا،
~~فله الفضل بلا وعد، وله الحمد بلا حد.

### || [2.6]

# كلام مستأنف يتميز به حال الكفرة/ الغواة المردة العتاة سيق إثر بيان
~~بديع أحوال أضدادهم المتصفين بنعوت الكمال الفائزين بمطالبهم في الحال
~~والمآل، ولم يعطف على سابقه عطف القصة على القصة لأن المقصود من ذلك بيان
~~اتصاف الكتاب بغاية الكمال في الهداية تقريرا لكونه يقينا لا مجال للشك
~~فيه، ومن هذا بيان اتصاف الكفار بالإصرار على الكفر والضلال بحيث لا يجدي
~~فيهم الإنذار، والقول إنهما مسوقان لبيان حال الكتاب وأنه هدى لقوم وليس
~~هدى لآخرين لا يجدي نفعا لأن عدم كونه هدى لهم مفهوم تبعا لا مقصود
~~أصالة على أن الانتفاع به صفة كمال له يؤيد ما سبق من تفخيم شأنه وإعلاء
~~مكانه ms00161 بخلاف عدم الانتفاع. وقيل إن ترك العطف لكونه استئنافا آخر كأنه
~~قيل ثانيا ما بال غيرهم لم يهتدوا به؟ فأجيب بأنهم لإعراضهم وزوال
~~استعدادهم لم ينجع فيهم دعوة الكتاب إلى الإيمان وليس بشيء لأنه بعد ما
~~تقرر أن تلك الأوصاف المختصة هي المقتضية لم يبق لهذا السؤال وجه، وأغرب
~~من هذا تخيل أن الترك لغاية الاتصال زعما أن شرح تمرد الكفار يؤكد كون
~~الكتاب كاملا في الهداية نعم يمكن على بعد أن يوجه السؤال بأن يقال: لو
~~كان الكتاب كاملا لكان هدى للكفار أيضا فيجاب بأن عدم هدايته إياهم
~~لتمردهم وتعنتهم لا لقصور في الكتاب.

# والنجم تستصغر الأبصار رؤيته

# والذنب للطرف لا للنجم في الصغر

# والعطف في قوله تعالى:

# إن الأبرار لفى نعيم * وإن الفجار لفى جحيم

# [الإنفطار: 13-14] لاتحاد الجامع إذ الجملة الأولى مسوقة لبيان ثواب
~~الأخيار، والثانية لذكر جزاء الأشرار مع ما فيهما من الترصيع والتقابل
~~وقد عد التضاد وشبهه جامعا يقتضي العطف لأن الوهم ينزل المتضادين منزلة
~~المتضايفين فيجتهد في الجمع بينهما في الذهن حتى قالوا إن الضد أقرب
~~خطورا بالبال مع الضد من الأمثال. وصدرت الجملة بإن اعتناء بمضمونها وقد
~~تصدر بها الأجوبة لأن السائل لكونه مترددا يناسبه التأكيد وتعريف
~~الموصول إما للعهد والمراد من شافههم صلى الله عليه وسلم بالإنذار في
~~عهده وهم مصرون على كفرهم أو للجنس كما في قوله تعالى:

# كمثل الذى ينعق بما لا يسمع

# [البقرة: 171] وكقول الشاعر:

# ويسعى إذا أبني ليهدم صالحي

# وليس الذي يبني كمن شأنه الهدم

# فهو حينئذ عام خصه العقل بغير المصرين، والإخبار بما ذكر قرينة عليه أو
~~المخصص عود ضمير خاص عليه من الخبر لا الخبر نفسه وقد ذكر الأصوليون
~~ثلاثة أقوال فيما إذا عاد ضمير خاص على العام فقيل يخصصه وقيل لا وقيل
~~بالوقف ومثلوه بقوله تعالى:

# والمطلقت يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء

# [البقرة: 228] فإن الضمير في { بعولتهن }  للرجعيات فقط.

# وما ذكره بعض أجلة المفسرين أن المخصص هنا الخبر أورد عليه أن تعين
~~المخبر عنه بمفهوم الخبر ms00162 ينافي ما تقرر من أن المخبر عنه لا بد أن يكون
~~متعينا عند المخاطب قبل ورود الخبر فلو توقف تعين المخبر عنه على الخبر
~~لزم الدور.

# والكفر بالضم مقابل الإيمان وأصله المأخوذ منه الكفر  بالفتح  مصدر
~~بمعنى الستر يقال كفر يكفر من باب قتل، وما في " الصحاح " من أنه من باب
~~ضرب فالظاهر أنه غير صحيح وإن لم ينبه عليه في " القاموس " وشاع استعماله
~~في ستر النعمة خاصة وفي مقابل الإيمان لأن فيه ستر الحق ونعم الفيض
~~المطلق، وقد صعب على المتكلمين تعريف الكفر الشرعي الغير التبعي واختلفوا
~~في تعريفه على حسب اختلافهم في تعريف الإيمان إلا أن الذي عول عليه
~~الشافعية/ رحمهم الله تعالى أنه إنكار ما علم مجيء الرسول صلى الله عليه
~~وسلم به مما اشتهر حتى عرفه الخواص والعوام فلا يكفر جاحد المجمع عليه
~~على الإطلاق بل من جحد مجمعا عليه فيه نص وهو من الأمور الظاهرة التي
~~يشترك في معرفتها سائر الناس كالصلاة وتحريم الخمر ومن جحد مجمعا عليه
~~لا يعرفه إلا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب فليس بكافر
~~ومن جحد مجمعا عليه ظاهرا لا نص فيه ففي الحكم بتكفيره خلاف، وأما
~~ساداتنا الحنفية رضي الله تعالى عنهم فلم يشترطوا في الإكفار سوى القطع
~~بثبوت ذلك الأمر الذي تعلق به الإنكار لا بلوغ العلم به حد الضرورة وهذا
~~أمر عظيم وكأنه لذلك قال ابن الهمام: يجب حمله على ما إذا علم المنكر
~~ثبوته قطعا لأن مناط التكفير التكذيب أو الاستخفاف.

# ولا يرد على أخذ الإنكار في التعريف أن أهل الشرع حكموا على بعض الأفعال
~~والأقوال بأنها كفر وليست إنكارا من فاعلها ظاهرا لأنهم صرحوا بأنها
~~ليست كفرا وإنما هي دالة عليه فأقيم الدال مقام مدلوله حماية لحريم
~~الدين وصيانة لشريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وليست بعض المنهيات
~~التي تقتضيها الشهوة النفسانية كذلك فلا يبطل الطرد بغير الكفر من الفسق
~~فليس شعار الكفار مثلا ليس في الحقيقة كفرا كما قاله مولانا الإمام ms00163
~~الرازي وغيره إلا أنهم كفروا به لكونه علامة ظاهرة على أمر باطن وهو
~~التكذيب لأن الظاهر أن من يصدق الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأتي به
~~فحيث أتى به دل على عدم التصديق وهذا إذا لم تقم قرينة على ما ينافي تلك
~~الدلالة ولهذا قال بعض المحققين: إن لبس شعار الكفرة سخرية بهم وهزلا
~~ليس بكفر. وقال مولانا الشهاب وليس ببعيد إذا قامت القرينة وأنا أقول إذا
~~قامت القرينة على غرض آخر غير السخرية والهزل لا كفر به أيضا كما يظنه
~~بعض من ادعى العلم اليوم وليس منه في قبيل ولا دبير ولا في العير ولا
~~النفير.

# ثم الإنكار هنا بمعنى الجحود ولا يرد أن من تشكك أو كان خاليا عن
~~التصديق والتكذيب ليس بمصدق ولا جاحد وأنه قول بالمنزلة بين المنزلتين
~~وهو باطل عند أهل السنة لأنه يجوز أن يكون كفر الشاك والخالي لأن تركهما
~~الإقرار مع السعة والأعمال بالكلية دليل - كما قاله السيالكوتي - على
~~التكذيب كما أن التلفظ بكلمة الشهادة دليل على التصديق وقيل هو ههنا من
~~أنكرت الشيء جهلته فلا ورود أيضا، وفيه أن الإنكار بمعنى الجهل يقابل
~~المعرفة فيلزم أن يكون العارف الغير المصدق كأحبار اليهود واسطة فالمحذور
~~باق بحاله. وعرف في " المواقف " الكفر بأنه عدم تصديق الرسول صلى الله
~~عليه وسلم في بعض ما علم مجيئه به بالضرورة ولعله أيضا يقول بإقامة بعض
~~الأفعال والأقوال مقام عدم التصديق واعترض على أخذ الضرورة بأن ما ثبت
~~بالإجماع قد يخرج من الضروريات وكذا براءة عائشة رضي الله تعالى عنها
~~ثبتت بالقرآن، وأدلته اللفظية غير موجبة للعلم فتخرج عن الضروريات أيضا.
~~وأجيب بأن خروج ما ثبت بالإجماع عن الضروريات ممنوع والدلالة اللفظية
~~تفيد العلم بانضمام القرائن وهي موجودة في براءة عائشة رضي الله تعالى
~~عنها ولقد عد أصحابنا رضي الله تعالى عنهم في باب الإكفار أشياء كثيرة لا
~~أراها توجب إكفارا والإخراج عن الملة أمر لا يشبهه شيء فينبغي الاتئاد
~~في هذا الباب مهما أمكن، وقول ابن ms00164 الهمام: أرفق بالناس وفي " أبكار
~~الأفكار "  في هذا البحث  ما يقضي منه العجب ولا أرغب في طول بلا طول
~~وفضول بلا فضل.

# واستدل المعتزلة بهذه الآية ونحوها على حدوث كلامه سبحانه وتعالى
~~لاستدعاء صدق الأخبار بمثل هذا الماضي سابقة المخبر عنه أعني النسبة
~~بالزمان وكل مسبوق بالزمان حادث، وأجيب بأن سبق المخبر عنه يقتضي تعلق
~~كلامه الأزلي بالمخبر عنه فاللازم سبق المخبر عنه على التعلق وحدوثه وهو
~~لا يستلزم حدوث الكلام كما في علمه تعالى بوقوع الأشياء فإن له تعلقا
~~حادثا مع عدم حدوثه أو يقال إن ذاته تعالى وصفاته/ لما لم تكن زمانية
~~يستوي إليها جميع الأزمنة استواء جميع الأمكنة فالأنواع كل منها حاضر
~~عنده في مرتبته واختلاف التعبيرات بالنظر إلى المخاطب الزماني رعاية
~~للحكمة في باب التفهيم، وقيل غير ذلك مما يطول ذكره، وقد ذكرنا في
~~الفائدة الرابعة ما يفيدك ذكره هنا فتذكر.

# و { سوآء } اسم مصدر بمعنى الاستواء وهو لا يثنى ولا يجمع وقد استغنوا
~~عن تثنيته بتثنية { سي } إلا شذوذا وكأنه في الأصل مصدر كما قاله الرضى
~~ورفع على أنه خبران وما بعده مرتفع به على الفاعلية كأنه قيل إن الذين
~~كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه  أو خبر مبتدأ محذوف  تقديره الأمران
~~سواء ثم بين الأمرين بقوله سبحانه: { ءأنذرتهم أم لم
~~تنذرهم } أو خبر لما بعده أي إنذارك وعدمه سيان وهو المشهور على
~~ألسنة الطلبة في مثله.

# وأورد عليه أمور. الأول: إن الفعل لا يسند إليه. الثاني: إنه مبطل
~~لصدارة الاستفهام. الثالث: إن الهمزة و { أم } موضوعان لأحد الأمرين
~~وكل ما يدل على الاستواء لا يسند إلا إلى متعدد فلذا يقال استوى وجوده
~~وعدمه ولا يقال أو عدمه. الرابع: إنه على تقدير كونه خبرا يلزم أن لا
~~يصح تقديمه لالتباس المبتدأ بالفاعل.

# ويجاب أما عن الأول فبأنه من جنس الكلام المهجور فيه جانب اللفظ إلى
~~جانب المعنى، والعرب تميل في مواضع من كلامهم مع المعاني ميلا بينا ومن
~~ذلك  لا تأكل السمك وتشرب اللبن  أي لا ms00165 يكن منك أكل السمك وشرب اللبن
~~ولو أجرى على ظاهره لزم عطف الاسم المنصوب على الفعل بل المفرد على جملة
~~لا محل لها. ودعوى البيضاوي  بيض الله تعالى غرة أحواله  أنه استعمل
~~فيه اللفظ في جزء معناه وهو الحدث تجوزا فلذا صح الإخبار عنه كما يجوز
~~الإخبار عما يراد به مجرد لفظه كضرب ماض مفتوح الباء على ما فيها لا
~~تتأتى فيما إذا كان المعادلان  أو أحدهما بعد همزة التسوية  جملة اسمية
~~كما في قوله تعالى:

# سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صمتون

# [الأعراف: 193] ويدخل في الميل مع المعنى مع أنه لا يلزم عليه الخروج عن
~~الحقيقة وقد نقل ابن جني عن أبي علي أنه قال: الجملة المركبة من المبتدأ
~~والخبر تقع موقع الفعل المنصوب بأن إذا انتصب وانصرف القول به والرأي فيه
~~إلى مذهب المصدر كقوله تعالى:

# هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركآء في ما
~~رزقناكم فأنتم فيه سوآء

# [الروم: 28] وكقوله سبحانه وتعالى:

# أعنده علم الغيب فهو يرى

# [النجم: 35] ألا ترى أن الفاء جواب الاستفهام وهي تصرف الفعل بعدها إلى
~~الانتصاب بأن مضمرة والفعل المنصوب مصدر لا محالة حتى كأنه قال أعنده علم
~~الغيب فرؤيته وهل بينكم شركة فاستواء، وأما عن الثاني والثالث فبأن
~~الهمزة و { أم } انسلخا عن معنى الاستفهام عن أحد الأمرين ولما كانا
~~مستويين في علم المستفهم جعلا مستويين في تعلق الحكم بكليهما، ولهذا قيل
~~تجوز بهما عن معنى الواو العاطفة الدالة على اجتماع متعاطفيها في نسبة ما
~~من غير ملاحظة تقدم أو تأخر، ثم إن مثل هذا المعنى وإن كان مرادا إلا
~~أنه لا يلاحظ في عنوان الموضوع بعد السبك كما لا يلاحظ معنى العاطف فلا
~~يقال في الترجمة هنا إلا الإنذار وعدمه سواء من غير نظر إلى التساوي حتى
~~يقال إذا كان تقدير المبتدأ المتساويان يلغو حمل سواء عليه فيدفع بما
~~يدفع، وقد قال الإمام الآفسراي: إن أنذرتهم الخ.

# انتقل عن أن يكون المقصود أحدهما إلى أن يكون المراد كليهما وهذا معنى
~~الاستواء ms00166 الموجود فيه، وأما الحكم بالاستواء في عدم النفع فلم يحصل إلا
~~من قوله: { سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم }
~~وذكر أنه ظفر بمثله عن أبي علي الفارسي، وكلام المولى الفناري يحوم حول
~~هذا الحمى، وذهب بعض المحققين إلى أنهما في الأصل للاستفهام عن أحد
~~الأمرين وهما مستويان في علم المستفهم، وقد ذهب ذلك الاستواء هنا إذ سلخ
~~عنهما الاستفهام وبقي الاستواء في العلم وهو معنى قول من قال الهمزة و {
~~أم } مجردتان لمعنى الاستواء فيكون الحاصل فيما نحن فيه المتساويان في
~~علمك مستويان في عدم/ الجدوى وهذا على ما فيه تكلف مستغنى عنه بما ذكرناه
~~ومثله ما ذكر العاملي من أن تمام معناهما الاستواء والاستفهام معا فجردا
~~عن معنى الاستفهام وصارا لمجرد الاستواء ولتكرر الحكم بالاستواء بمعنى
~~واحد يحصل التأكيد كأنه قيل سواء الإنذار وعدمه سواء وهو بعيد عن ساحة
~~التحقيق كما لا يخفى ويوهم قولهم بالتجريد أن هناك مجازا مرسلا استعمل
~~فيه الكل في جزئه، والتحقيق إنه إما استعارة أو مستعمل في لازم معناه ثم
~~المشهور أنه لا يجوز العطف بعد سواء بأو إن كان هناك همزة التسوية حتى
~~قال في «المغني»: إنه من لحن الفقهاء، وفي شرح الكتاب للسيرافي { سوآء
~~} إذا دخلت بعدها ألف الاستفهام لزمت { أم } كسواء علي أقمت أم قعدت
~~فإذا عطف بعدها أحد اسمين على آخر عطف بالواو لا غير نحو سواء عندي زيد
~~وعمرو فإذا كان بعدها فعلان بغير استفهام عطف أحدهما على الآخر  بأو 
~~كقولك سواء علي قمت أو قعدت فإن كان بعدها مصدران مثل سواء علي قيامك
~~وقعودك فلك العطف بالواو وبأو. وإنما دخلت في الفعلين بغير استفهام لما
~~في ذلك من معنى المجازاة، فتقدير المثال إن قمت أو قعدت فهما على سواء،
~~والظاهر من هذا بيان استعمالات العرب  لسواء  ولم يحك في شيء من ذلك
~~شذوذا فقراءة ابن محيصن من طريق الزعفراني  سواء عليهم أنذرتهم أو لم
~~تنذرهم  شاذة رواية فقط لا استعمالا كما يفهمه كلام ابن هشام فافهم هذا
~~المقام ms00167 فقد غلط فيه أقوام بعد أقوام.

# وأما عن الرابع فبأن النحاة قد صرحوا بتخصيص ذلك بالخبر الفعلي دون
~~الصفة نحو زيد قام فلا يقدم لالتباس المبتدأ بالفاعل حينئذ فإذا لم
~~يمتنع في صريح الصفة فعدم امتناعه هنا أولى على ما قيل، وإنما عدل سبحانه
~~عن المصدر فلم يأت به على الأصل لوجهين، لفظي وهو حسن دخول الهمزة وأم
~~لأنهما في الأصل للاستفهام وهو بالفعل أولى، ومعنوي وهو إيهام التجدد
~~نظرا لظاهر الصيغة، وفيه إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم أحدث ذلك
~~وأوجده فأدى الأمانة وبلغ الرسالة وإنما لم يؤمنوا لسبق الشقاء ودرك
~~القضاء لا لتقصير منه وحاشاه فهو وإن أفاد اليأس فيه تسلية له صلى الله
~~عليه وسلم.

# وعلى هنا باعتبار أصل معناه لأن الاستواء يتعدى بعلى كقوله تعالى:

# استوى على العرش

# [الأعراف: 54] وقيل بمعنى عند  ففي «المغني»  على تجرد للظرفية، وعلى
~~ذلك أكثر المفسرين والقول بأنها هنا للمضرة كدعاء عليه ليس بشيء لأن {
~~سوآء } تستعمل مع على مطلقا فيقال  مودتي دائمة سواء على أزرت أم لم
~~تزر .

# والإنذار التخويف مطلقا أو الإبلاغ وأكثر ما يستعمل في تخويف عذاب الله
~~تعالى ويتعدى إلى اثنين كقوله تعالى:

# إنا أنذرنكم عذابا قريبا

# [النبأ: 40]

# فقل أنذرتكم صعقة

# [فصلت: 13] فالمفعول الثاني هنا محذوف أي العذاب ظاهرا ومضمرا واستحسن
~~أن لا يقدر ليعم، وفي البحر: " الإنذار " الإعلام مع التخويف في مدة تسع
~~التحفظ من المخوف فإن لم تسع فهو إشعار وإخبار لا إنذار ولم يذكر سبحانه
~~البشارة لأنها تفهم بطريق دلالة النص لأن الإنذار أوقع في القلب وأشد
~~تأثيرا فإذا لم ينفع كانت البشارة بعدم النفع أولى. وقيل لا محل للبشارة
~~هنا لأن الكافر ليس أهلا لها.

# وقوله عز من قائل: { لا يؤمنون } يحتمل أن تكون مفسرة لإجمال ما
~~قبلها مما فيه الاستواء والكفر وعدم نفع الإنذار في الماضي بحسب الظاهر
~~مسكوت فيه عن الاستمرار و { لا يؤمنون } دال عليه ومبين له فلا
~~حاجة إلى القول بأن هذا بالنظر إلى مفهوم اللفظ مع قطع ms00168 النظر عن أنه
~~إخبار عن المصرين وهي حينئذ لا محل لها من الإعراب كما هو شأن الجمل
~~المفسرة، وعند الشلوبين لها محل لأنها عطف بيان عنده ويحتمل أن تكون
~~حالا مؤكدة لما قبلها وصاحب الحال ضمير { عليهم } أو { أنذرتهم } وليس
~~هذا كزيد أبوك عطوفا لفقد ما يشترط في هذا النوع ههنا وأن/ تكون بدلا،
~~إما بدل اشتمال لاشتمال عدم نفع ما مر على عدم الإيمان، أو بدل كل لأنه
~~عينه بحسب المآل أو خبرا بعد خبرا أو خبر مبتدأ محذوف  أي هم لا
~~يؤمنون  أو خبر إن والجملة قبلها اعتراض. وفي " التسهيل ": الاعتراضية
~~هي المفيدة تقوية وهي هنا كالعلة للحكم لدلالتها على قسوة قلوبهم وعدم
~~تأثرها بالإنذار وهو مقتض لعدم الإيمان؛ وحيث أن الموضوع دال على عدم
~~الإيمان في الماضي والمحمول على استمراره في المستقبل اندفع توهم عدم
~~الفائدة في الإخبار وجعل الجملة دعائية بعيد، وأبعد منه ما روي أن الوقف
~~على  أم لم تنذر  والابتداء  بهم لا يؤمنون  على أنه مبتدأ وخبر بل
~~ينبغي أن لا يلتفت إليه.

# وقرأ الجحدري: { سوآء } بتخفيف الهمزة على لغة الحجاز فيجوز أنه أخلص
~~الواو ويجوز أنه جعل الهمزة بين بين أي بين الهمزة والواو وعن الخليل أنه
~~قرأ (سوء عليهم) بضم السين مع واو بعدها فهو عدول عن معنى المساواة إلى
~~السب والقبح وعليه لا تعلق إعرابيا له بما بعده كما في " البحر " ، وقرأ
~~الكوفيون وابن ذكوان  وهي لغة بني تميم  (أأنذرتهم) بتحقيق الهمزتين
~~وهو الأصل، وأهل الحجاز لا يرون الجمع بينهما طلبا للتخفيف فقرأ
~~الحرميان وأبو عمرو وهشام بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية إلا أن أبا عمرو
~~وقالون وإسماعيل بن جعفر عن نافع وهشام يدخلون بينهما ألفا وابن كثير لا
~~يدخل. وروي تحقيقهما عن هشام مع إدخال ألف بينهما وهي قراءة ابن عباس
~~وابن أبي إسحاق. وروي عن ورش كابن كثير وكقالون إبدال الهمزة الثانية
~~ألفا فيلتقي ساكنان على غير حدهما عند البصريين، وزعم الزمخشري أن ذلك
~~لحن وخروج عن كلام العرب من ms00169 وجهين أحدهما: الجمع بين ساكنين على غير حدة
~~الثاني: إن طريق تخفيف الهمزة المتحركة المفتوح ما قبلها هو بالتسهيل بين
~~بين لا بالقلب ألفا لأنه طريق الهمزة الساكنة وما قالوه مذهب البصريين،
~~والكوفيون أجازوا الجمع على غير الحد الذي أجازه البصريون، وهذه القراءة
~~من قبيل الأداء، ورواية المصريين عن ورش وأهل بغداد يروون التسهيل بين
~~بين كما هو القياس فلا يكون الطعن فيها طعنا فيما هو من السبع المتواتر
~~إلا أن المعتزلي أساء الأدب في التعبير.

# وقد احتج بهذه الآية وأمثالها من قال بوقوع التكليف بالممتنع لذاته
~~بناء على أن يراد بالموصول ناس بأعيانهم، وحاصل الاستدلال أنه سبحانه
~~وتعالى أخبر بأنهم لا يؤمنون وأمرهم بالإيمان وهو ممتنع إذ لو كان ممكنا
~~لما لزم من فرض وقوعه محال لكنه لازم إذ لو آمنوا انقلب خبره كذبا وشمل
~~إيمانهم الإيمان بأنهم لا يؤمنون لكونه مما جاء به صلى الله عليه وسلم
~~وإيمانهم بأنهم لا يؤمنون فرع اتصافهم بعدم الإيمان فيلزم اتصافهم
~~بالإيمان وعدم الإيمان فيجتمع الضدان، وكلا الأمرين من انقلاب خبره تعالى
~~كذبا واجتماع الضدين محال وما يستلزم المحال محال وأجيب بأن إيمانهم ليس
~~من المتنازع فيه لأنه أمر ممكن في نفسه وبإخباره سبحانه وتعالى بعدم
~~الإيمان لا يخرج من الإمكان، غايته أنه يصير ممتنعا بالغير واستلزام
~~وقوعه الكذب أو اجتماع الضدين بالنظر إلى ذلك لأن إخباره تعالى بوقوع
~~الشيء أو عدم وقوعه لا ينفي القدرة عليه ولا يخرجه من الإمكان الذاتي
~~لامتناع الانقلاب وإنما ينفي عدم وقوعه أو وقوعه فيصير ممتنعا بالغير
~~واللازم للممكن أن لا يلزم من فرض وقوعه نظرا إلى ذاته محال، وأما
~~بالنظر إلى امتناعه بالغير فقد يستلزم الممتنع بالذات كاستلزام عدم
~~المعلول الأول عدم الواجب.

# وقيل في بيان استحالة إيمانهم بأنهم لا يؤمنون أنه تكليف بالنقيضين لأن
~~التصديق في الإخبار بأنهم لا يصدقونه في شيء يستلزم عدم تصديقهم في ذلك
~~والتكليف بالشيء تكليف بلوازمه، وقوبل بالمنع لا سيما اللوازم العدمية.
~~وقيل لأن تصديقهم في أن لا يصدقوه ms00170 يستلزم أن لا يصدقوه وما يستلزم وجوده
~~عدمه محال، ورد بأنه يجوز أن يكون ذلك الاستلزام/ لامتناعه بالغير كما
~~فيما نحن فيه، وقيل لأن إذعان الشخص بخلاف ما يجد في نفسه محال. واعترض
~~بأنه يجوز أن لا يخلق الله تعالى العلم بتصديقه فيصدقه في أن لا يصدقه
~~نعم إنه خلاف العادة لكنه ليس من الممتنع بالذات كذا قيل، ولا يخلو
~~المقام بعد عن شيء وأي شيء، والبحث طويل واستيفاؤه هنا كالتكليف بما لا
~~يطاق وسيأتيك إن شاء الله تعالى على أتم وجه.

# ثم فائدة الإندار بعد العلم بأنه لا يثمر استخراج سر ما سبق به العلم
~~التابع للمعلوم من الطوع والإباء في المكلفين

# لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل

# [النساء: 165] فإن الله تعالى لو أدخل ابتداء كلا داره التي سبق العلم
~~بأنها داره لكان شأن المعذب منهم ما وصف الله تعالى بقوله:

# ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا
~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك
~~من قبل أن نذل ونخزى

# [طه: 134] فأرسل رسلا مبشرين ومنذرين ليستخرج ما في استعدادهم من الطوع
~~والآباء  فيهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة  فإن الذكرى تنفع
~~المؤمنين  وتقوم به الحجة على الآخرين إذ بعد الذكرى وتبليغ الرسالة
~~تتحرك الدواعي للطوع والإباء بحسب الاستعداد الأزلي فيترتب عليه الفعل أو
~~الترك بالمشيئة السابقة التابعة للعلم التابع للمعلوم الثابت الأزلي
~~فيترتب عليه النفع والضر من الثواب والعقل وإنما قامت الحجة على الكافر
~~لأن ما امتنع من الإتيان به بعد بلوغ الدعوة وظهور المعجزة من الإيمان لو
~~كان ممتنعا لذاته مطلقا لما وقع من أحد لكنه قد وقع فعلم أن عدم وقوعه
~~منه كان عن إباء ناشىء من استعداده الأزلي باختياره السيء وإن كان إباؤه
~~بخلق الله تعالى به فإن فعل الله تعالى تابع لمشيئته التابعة لعلمه
~~التابع للمعلوم والمعلوم من حيث ثبوته الأزلي غير مجعول فتعلق العلم به
~~على ما هو عليه في ثبوته الغير المجعول مما يقتضيه استعداده الأزلي في ms00171
~~الإرادة تعلقت بتخصيص ما سبق العلم به من مقتضى استعداده الأزلي فأبرزته
~~القدرة على طبق الإرادة قال تعالى: { أعطى كل شىء خلقه }
~~فلهذا قال:

# قل فلله الحجة البلغة فلو شاء لهداكم
~~أجمعين

# [الأنعام: 149] لكنه لم يشأ إذ لم يسبق به العلم لكونه كاشفا للمعلوم
~~وما في استعداده الأزلي فالمعلوم المستعد للهداية في نفسه كشفه عما هو
~~عليه من قبوله لها، والمستعد للغواية تعلق به على ما هو عليه من عدم
~~قبوله لها فلم يشأ إلا ما سبق به العلم من مقتضيات الاستعداد فلم تبرز
~~القدرة إلا ما شاء الله تعالى فصح أن لله الحجة البالغة سبحانه إذا نوزع
~~لأن الله تعالى: { قد أعطى كل شىء خلقه } وما يقتضيه
~~استعداده وما نقص منه شيئا ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:

# " فمن وجد خيرا فليحمد الله "

# فإن الله متفضل بالإيجاد ولا واجب عليه

# " ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه "

# لأنه ما أبرز قدرته بجوده ورحمته مما اقتضته الحكمة من الأمر الذي لا
~~خير فيه له إلا لكونه مقتضى استعداده فالحمد لله على كل حال ونعوذ به من
~~أحوال أهل الزيغ والضلال، وإنما قال سبحانه: { سواء عليهم } ولم
~~يقل عليك لأن الانذار وعدمه ليسا سواء لديه صلى الله عليه وسلم  لفضيلة
~~الإنذار الواجب عليه  على تركه، وإذا أريد بالموصول ناس معينون على أنه
~~تعريف عهدي كما مر كان فيه معجزة لأخباره بالغيب وهو موت أولئك على الكفر
~~كما كان.

### || [2.7]

# إشارة إلى برهان لمي للحكم السابق كما أن

# سوآء عليهم

# [البقرة: 6] الخ على تقدير كونه اعتراضا برهان إني، فالختم والتغشية
~~مسببان عن نفس الكفر، واقتراف المعاصي سببان للاستمرار على عدم الإيمان
~~أو لاستواء الإنذار وعدمه فالقطع لأنه سؤال عن سبب الحكم، والختم الوسم
~~بطابع ونحوه والأثر الحاصل، ويتجوز بذلك تارة في الاستيثاق من الشيء
~~والمنع منه اعتبارا بما يحصل من المنع بالختم على الكتب والأبواب، وتارة
~~في تحصيل أثر عن أثر اعتبارا بالنقش الحاصل، وتارة يعتبر معه بلوغ
~~الآخر، ومنه ختمت ms00172 القرآن والغشاوة  على ما عليه السبعة  بكسر الغين/
~~المعجمة من غشاه إذا غطاه، قال أبو علي: ولم يسمع منه فعل إلا يائي
~~فالواو مبدلة من الياء عنده أو يقال لعل له مادتين وفعالة عن الزجاج لما
~~اشتمل على شيء كاللفافة ومنه أسماء الصناعات كالخياطة لاشتمالها على ما
~~فيها وكذلك ما استولى على شيء كالخلافة، وعند الراغب: هي لما يفعل به
~~الفعل كاللف في اللفافة فإن استعملت في غيره فعلى التشبيه، وبعضهم فرق
~~بين ما فيه هاء التأنيث وبين ما ليس فيه، فالأول: اسم لما يفعل به الشيء
~~كالآلة نحو حزام وإمام، والثاني: لما يشتمل على الشيء ويحيط به وحمل
~~الظاهريون الختم والتغشية على حقيقتهما وفوضوا الكيفية إلى علم من لا
~~كيفية له سبحانه، وروى عن مجاهد أنه قال: إذا أذنب العبد ضم من القلب
~~هكذا  وضم الخنصر  ثم إذا أذنب ضم هكذا  وضم البنصر  وهكذا إلى
~~الإبهام ثم قال: وهذا هو الختم والطبع والرين، وهو عندي غير معقول، والذي
~~ذهب إليه المحققون أن الختم استعير من ضرب الخاتم على نحو الأواني لإحداث
~~هيئة في القلب والسمع مانعة من نفوذ الحق إليهما كما يمنع نقش الخاتم 
~~تلك الظروف  من نفوذ ما هو بصدد الانصباب فيها فيكون استعارة محسوس
~~لمعقول بجامع عقلي وهو الاشتمال على منع القابل عما من شأنه أن يقبله ثم
~~اشتق من الختم ختم، ففيه استعارة تصريحية تبعية، وأما الغشاوة فقد
~~استعيرت من معناها الأصلي لحالة في أبصارهم مقتضية لعدم اجتلائها الآيات
~~والجامع ما ذكر؛ فهناك استعارة تصريحية أصلية أو تبعية إذا أولت الغشاوة
~~بمشتق أو جعلت اسم آلة على مقيل، ويجوز أن يكون في الكلام استعارة
~~تمثيلية بأن يقال شبهت حال قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم مع الهيئة الحادثة
~~فيها المانعة من الاستنفاع بها بحال أشياء معدة للانتفاع بها في مصالح
~~مهمة مع المنع من ذلك بالختم والتغطية ثم يستعار للمشبه اللفظ الدال على
~~المشبه به فيكون كل واحد من طرفي التشبيه مركبا والجامع عدم الانتفاع
~~بما أعد له بسبب ms00173 عروض مانع يمكن فيه كالمانع الأصلي وهو أمر عقلي منتزع
~~من تلك العدة ثم إن إسناد الختم إليه عز وجل باعتبار الخلق والذم
~~والتشنيع الذي تشير إليه الآية باعتبار كون ذلك مسببا عما كسبه الكفار
~~من المعاصي كما يدل عليه قوله تعالى:

# بل طبع الله عليها بكفرهم

# [النساء: 155] وإلا أشكل التشنيع والذم على ما ليس فعلهم كذا قاله مفسرو
~~أهل السنة عن آخرهم فيما أعلم.

# والمعتزلة لما رأوا أن الآية يلزم منها أن يكون سبحانه مانعا عن قبول
~~الحق وسماعه بالختم وهو قبيح يمتنع صدوره عنه تعالى على قاعدتهم التزموا
~~للآية تأويلات ذكر الزمخشري جملة منها حتى قال: الشيطان هو الخاتم في
~~الحقيقة أو الكافر إلا أن الله سبحانه وتعالى لما كان هو الذي أقدره (أو)
~~مكنه أسند الختم إليه كما يسند [الفعل] إلى السبب نحو  بني الأمير
~~المدينة، وناقة حلوب  وأنا أقول: إن ماهيات الممكنات معلومة له سبحانه
~~أزلا فهي متميزة في أنفسها تميزا ذاتيا غير مجعول لتوقف العلم بها على
~~ذلك التميز وإن لها استعدادات ذاتية غير مجعولة أيضا مختلفة الاقتضاءات
~~والعلم الإلهي متعلق بها كاشف لها على ما هي عليه في أنفسها من اختلاف
~~استعداداتها التي هي من مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا هو واختلاف
~~مقتضيات تلك الاستعدادات فإذا تعلق العلم/ الإلهي بها على ما هي عليه مما
~~يقتضيه استعدادها من اختيار أحد الطرفين الخير والشر تعلقت الإرادة
~~الإلهية بهذا الذي اختاره العبد بمقتضى استعداده فيصير مراده بعد تعلق
~~الإرادة الإلهية مرادا لله تعالى فاختياره الأزلي بمقتضى استعداده متبوع
~~للعلم المتبوع للإرادة مراعاة للحكمة وأن اختياره فيما لا يزال تابع
~~للإرادة الأزلية المتعلقة باختياره لما اختاره، فالعباد منساقون إلى أن
~~يفعلوا ما يصدر عنهم باختيارهم لا بالإكراه والجبر وليسوا مجبورين في
~~اختيارهم الأزلي لأنه سابق الرتبة على تعلق العلم السابق على تعلق
~~الإرادة والجبر تابع للإرادة التابعة للعلم التابع للمعلوم الذي هو هنا
~~اختيارهم الأزلي فيمتنع أن يكون تابعا لما هو متأخر عنه بمراتب، فما من ms00174
~~شيء يبرزه الله تعالى بمقتضى الحكمة ويفيضه على الممكنات إلا وهو مطلوبها
~~بلسان استعدادها وما حرمها سبحانه شيئا من ذلك كما يشير إليه قوله
~~تعالى:

# أعطى كل شىء خلقه

# [طه: 50] أي الثابت له في الأزل مما يقتضيه استعداده الغير المجعول، وإن
~~كانت الصور الوجودية الحادثة مجعولة. وقوله تعالى:

# فألهمها فجورها وتقواها

# [الشمس: 8] أي الثابتين لها في نفس الأمر والكل من حيث أنه خلقه حسن
~~لكونه بارزا بمقتضى الحكمة من صانع مطلق لا حاكم عليه ولهذا قال عز
~~شأنه:

# أحسن كل شىء خلقه

# [السجدة: 7] و

# ما ترى فى خلق الرحمن من تفوت

# [الملك: 3] أي من حيث أنه مضاف إليه ومفاض منه وإن تفاوت من جهة أخرى
~~وافترق عند إضافة بعضه إلى بعض، فعلى هذا يكون الختم منه سبحانه وتعالى
~~دليلا على سواء استعدادهم الثابت في علمه الأزلي الغير المجعول بل هذا
~~الختم الذي هو من مقتضيات الاستعداد لم يكن من الله تعالى إلا إيجاده
~~وإظهار يقينه طبق ما علمه فيهم أزلا حيث لا جعل

# وما ظلمهم الله

# [النحل: 33] تعالى في إظهاره إذ من صفته سبحانه إفاضة الوجود على
~~القوابل بحسب القابليات على ما تقتضيه الحكمة

# ولكن كانوا أنفسهم يظلمون

# [النحل: 33] حيث كانت مستعدة بذاتها لذلك فحينئذ يظهر أن إسناد الختم
~~إليه تعالى باعتبار الإيجاد حقيقة ويحسن الذم لهم به من حيث دلالته على
~~سوء الاستعداد وقبح ما انطوت عليه ذواتهم في ذلك الناد

# والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذى
~~خبث لا يخرج إلا نكدا

# [الأعراف: 58].

# وأما ما ذكره المفسرون من أن إسناد الختم إليه تعالى باعتبار الخلق
~~فمسلم لا كلام لنا فيه، وأما إن الذم باعتبار كون ذلك مسببا عما كسبه
~~الكفار الخ فنقول فيه: إن أرادوا بالكسب ما شاع عند الاشاعرة من مقارنة
~~الفعل لقدرة العبد من غير تأثير لها فيه أصلا وإنما المؤثر هو الله
~~تعالى فهو مع مخالفته لمعنى الكسب وكونه

# كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه
~~لم يجده شيئا

# [النور: 39] لا يشفي عليلا ولا ms00175 يروى غليلا إذ للخصم أن يقول أي معنى
~~لذم العبد بشيء لا مدخل لقدرته فيه إلا كمدخل اليد الشلاء فيما فعلته
~~الأيدي السليمة وحينئذ يتأتى ما قاله الصاحب بن عباد في هذا الباب: كيف
~~يأمر الله تعالى العبد بالإيمان وقد منعه منه وينهاه عن الكفر وقد حمله
~~عليه، وكيف يصرفه عن الإيمان ثم يقول:

# أنى يصرفون

# [غافر: 69] ويخلق فيهم الإفك ثم يقول:

# أنى تؤفكون

# [الأنعام: 95] وأنشأ فيهم الكفر ثم يقول

# لم تكفرون

# [آل عمران: 70] وخلق فيهم لبس الحق بالباطل ثم يقول:

# لم تلبسوا الحق بالبطل

# [آل عمران: 71] وصدهم عن السبيل ثم يقول:

# لم تصدون عن سبيل الله

# [آل عمران: 99] وحال بينهم وبين الإيمان ثم قال:

# وماذا عليهم لو ءامنوا

# [النساء: 39] وذهب بهم عن الرشد ثم قال:

# فأين تذهبون

# [التكوير: 26] وأضلهم عن الدين حتى أعرضوا ثم قال:

# فما لهم عن التذكرة معرضين

# [المدثر: 49]؟ فإن أجابوا بأن لله أن يفعل ما يشاء ولا يتعرض للاعتراض
~~عليه المعترضون

# لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون

# [الأنبياء: 23] قلنا لهم: هذه كلمة حق أريد بها باطل وروضة صدق ولكن ليس
~~لكم منها حاصل لأن كونه تعالى لا يسأل عما يفعل ليس إلا لأنه حكيم لا
~~يفعل ما عنه يسأل وإذا قلتم لا أثر للقدرة الحادثة في مقدورها كما لا أثر
~~للعلم في معلومه فوجه مطالبة/ العبد بأفعاله كوجه مطالبته بأن يثبت في
~~نفسه ألوانا وإدراكات وهذا خروج عن حد الاعتدال إلى التزام الباطل
~~والمحال، وفيه إبطال الشرائع العظام ورد ما ورد عن النبيين عليهم الصلاة
~~والسلام.

# وإن أرادوا بالكسب فعل العبد استقلالا ما يريده هو وإن لم يرده الله
~~تعالى فهذا مذهب المعتزلة وفيه الخروج عما درج عليه سلف الأمة واقتحام
~~ورطات الضلال وسلوك مهامه الوبال.

# مساو لو قسمن على الغواني

# لما أمهرن إلا بالطلاق

# وإن أرادوا به تحصيل العبد بقدرته الحادثة حسب استعداده الأزلي المؤثرة
~~لا مستقلا بل بإذن الله تعالى ما تعلقت به من الأفعال الاختيارية مشيئته
~~التابعة لمشيئة الله تعالى على ما أشرنا ms00176 إليه فنعمت الإرادة وحبذا السلوك
~~في هذه الجادة، وسيأتي إن شاء الله تعالى بسطها وإقامة الأدلة على صحتها
~~وإماطة الأذى عن طريقها إلا أن أشاعرتنا اليوم لا يشعرون وأنهم ليحسبون
~~أنهم يحسنون صنعا ولبئس ما كانوا يصنعون.

# ما في الديار أخو وجد نطارحه

# حديث نجد ولا خل نجاريه

# وأما ما ذكره المعتزلة لا سيما علامتهم الزمخشري فليس أول عشواء خبطوها
~~وفي مهواة من الأهواء أهبطوها ولكم نزلوا عن منصة الإيمان بالنص إلى حضيض
~~تأويله ابتغاء الفتنة واستيفاء لما كتب عليهم من المحنة وطالما استوخموا
~~من السنة المناهل العذاب ووردوا من حميم البدعة موارد العذاب، والشبهة
~~التي تدندن هنا حول الحمى أن أفعال العباد لو كانت مخلوقة لله تعالى لما
~~نعاها على عباده ولا عاقبهم بها ولا قامت حجة الله تعالى عليهم وهي أوهى
~~من بيت العنكبوت وإنه لأوهن البيوت، وقد علمت جوابها مما قدمناه لك 
~~وليكن على ذكر منك  على أنا نرجع فنقول إن أسندوا الملازمة  وكذلك
~~يفعلون  إلى قاعدة التحسين والتقبيح، وقالوا: معاقبة الإنسان مثلا بفعل
~~غيره قبيحة في الشاهد لا سيما إذا كانت من الفاعل فيلزم طرد ذلك غائبا،
~~قيل: ويقبح في الشاهد أيضا أن يمكن الإنسان عبده من القبائح والفواحش
~~بمرأى ومسمع ثم يعاقبه على ذلك مع القدرة على ردعه ورده من الأول عنها
~~وأنتم تقولون إن القدرة التي بها يخلق العبد الفواحش لنفسه مخلوقة لله
~~تعالى على علم منه عز وجل أن العبد يخلق بها لنفسه ذلك فهو بمثابة إعطاء
~~سيف باتر لفاجر يعلم أنه يقطع به السبيل ويسبى به الحريم وذلك في الشاهد
~~قبيح جزما.

# فان قالوا ثم حكمة استأثر الله تعالى بعلمها فرقت بين الغائب
~~والشاهد فحسن من الغائب ذلك التمكين ولم يحسن في الشاهد قلنا سبيل
~~التنزل والموافقة لبعض الناس ما المانع أن تكون تلك الأفعال مخلوفة لله
~~تعالى ويعاقب العبد عليها لمصلحة وحكمة استأثر بها كما فرغتم منه الآن
~~حذو القذة بالقذة؟!على أن في كون الخاتم في الحقيقة هو الشيطان مما لا ms00177
~~يقدم عليه حتى الشيطان ألا تسمعه كيف قال:

# فبعزتك لأغوينهم أجمعين

# [ص: 82] فلا حول ولا قوة إلا بالله. وليكن هذا المقدار كافيا في هذا
~~المقام ولشحرور القلم بعد إن شاء الله تعالى على كل بانة تغريد بأحسن
~~مقام.

# والقلوب  جمع قلب  وهو في الأصل مصدر سمي به الجسم الصنوبري المودع في
~~التجويف الأيسر من الصدر وهو مشرق اللطيفة الإنسانية، ويطلق على نفس
~~اللطيفة النورانية الربانية العالمة التي هي مهبط الأنوار الإلهية
~~الصمدانية وبها يكون الإنسان إنسانا وبها يستعد لاكتساب الأوامر واجتناب
~~الزواجر وهي خلاصة تولدت من الروح الروحاني ويعبر عنها الحكيم بالنفس
~~الناطقة ولكونها هدف سهام القهر واللطف ومظهر الجمال والجلال ومنشأ البسط
~~والقبض ومبدأ المحو والصحو ومنبع الأخلاق المرضية والأحوال الردية، وقلما
~~تستقر على حال وتستمر على منوال  سميت قلبا  فهي متقلبة في أمره
~~ومنقلبة/ بقضاء الله وقدره. وفي الحديث

# " إن القلب كريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح "

# وقد قال الشاعر:

# قد سمي القلب قلبا من تقلبه

# فأحذر على القلب من قلب وتحويل

# وتسمية الجسم المعروف قلبا إذا أمعنت النظر ليس إلا لتقلب هاتيك
~~اللطيفة المشرقة عليه لأنه العضو الرئيس الذي هو منشأ الحرارة الغريزية
~~الممدة للجسد كله ويكنى بصلاحه وفساده عن صلاح هاتيك اللطيفة وفسادها لما
~~بينهما من التعلق الذي لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى وكأنه لهذا قال صلى
~~الله عليه وسلم:

# " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد
~~كله ألا وهي القلب "

# وكثير من الناس ذهب إلى أن تلك المضغة هي محل العلم، وقيل: إنه في
~~الدماغ وقيل إنه مشترك بينهما وبنى ذلك على إثبات الحواس الباطنة والكلام
~~فيها مشهور. ومن راجع وجد أنه أدرك أن بين الدماغ والقلب رابطة معنوية
~~ومراجعة سرية لا ينكرها من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، لكن معرفة
~~حقيقة ذلك متعززة كما هي معتذرة والإشارة إلى كنه ما هنالك على أرباب
~~الحقائق وأصحاب الدقائق متعسرة، ومن عرف نفسه فقد عرف ربه، والعجز ms00178 عن درك
~~الإدراك إدراك.

# والسمع مصدر  سمع سمعا وسماعا  ويطلق على قوة مودعة في العصب المفروش
~~أو المبطل في الأذن تدرك بها الأصوات ويعبر به تارة عن نفس الأذن وأخرى
~~عن الفعل نحو

# إنهم عن السمع لمعزولون

# [الشعراء: 212]، والأبصار  جمع بصر  وهو في الأصل بمعنى إدراك العين
~~وإحساسها ثم تجوز به عن القوة المودعة في ملتقى العصبتين المجوفتين
~~الواصلتين من الدماغ إلى الحدقتين التي من شأنها إدراك الألوان والأشكال
~~بتفصيل معروف في محله وعن العين التي هي محله، وشاع هذا حتى صار حقيقة في
~~العرف لتبادره وهو المناسب للغشاوة لتعلقها بالأعيان ويناسب الختم ما
~~يناسب الغشاوة، وإنما قدم سبحانه الختم على القلوب هنا لأن الآية تقرير
~~لعدم الإيمان فناسب تقديم القلوب لأنها محل الإيمان والسمع  والأبصار
~~طرق وآلات له  وهذا بخلاف قوله تعالى:

# وختم على سمعه وقلبه

# [الجاثية: 23] فإنه مسوق لعدم المبالاة بالمواعظ ولذا جاءت الفاصلة

# أفلا تذكرون

# [الجاثية: 23] فكان المناسب هناك تقديم السمع، وأعاد جل شأنه الجار
~~لتكون أدل على شدة الختم في الموضعين فإن ما يوضع في خزانة إذا ختمت
~~خزانته وختمت داره كان أقوى المنع عنه وأظهر في الاستقلال لأن إعادة
~~الجار تقتضي ملاحظة معنى الفعل المعدى به حتى كأنه ذكر مرتين، ولذا قالوا
~~في مررت بزيد وعمرو: مرور واحد، وفي مررت بزيد وبعمرو: مروران، والعطف
~~وإن كان في قوة الإعادة لكنه ليس ظاهرا مثلها في الإفادة لما فيه من
~~الاحتمال. ووحد السمع مع أنه متعدد في الواقع ومقتضى الانتظام بالسباق
~~واللحاق أن يجري على نمطهما للاختصار والتفنن مع الإشارة إلى نكتة  هي
~~أن مدركاته نوع واحد ومدركاتهما مختلفة  وكثيرا ما يعتبر البلغاء مثل
~~ذلك، وقيل: إن وحدة اللفظ تدل على وحدة مسماه  وهو الحاسة  ووحدتها تدل
~~على قلة مدركاتها في بادىء النظر فهناك دلالة التزام ويكفي مثل ما ذكر في
~~اللزوم عرفا ومنه يتنبه لوجه جمع القلوب كثرة والأبصار قلة وإن كان ذلك
~~هو المعروف في استعمال الفقهاء في جميعها على أن الإسماع قلما قرع السمع ms00179
~~ ومنه قراءة ابن أبي عبلة في الشواذ  (وعلى أسماعهم)، واستشهد له
~~بقوله:

# / قالت ولم تقصد لقيل الخنا

# مهلا لقد أبلغت أسماعي

# والقول بأنه وحدة للأمن عن اللبس كما في قوله:

# كلوا في بعض بطنكم تعفوا

# فإن زمانكم زمن خميص

# ولأنه في الأصل مصدر والمصادر لا تجمع فروعي ذلك ليس بشيء لأن ما ذكر
~~مصحح لا مرجع وأدنى من هذا عندي تقدير مضاف مثل - وحواس سمعهم - وقد اتفق
~~القراء على الوقف على { سمعهم } وظاهره دليل على أنه لا تعلق له بما بعده
~~فهو معطوف على { على قلوبهم } وهذا أولى من كونه هو وما عطف عليه خبرا
~~مقدما لغشاوة أو عاملان فيه على التنازع وإن احمتلته الآية لتعين نظيره
~~في قوله تعالى:

# وختم على سمعه وقلبه

# [الجاثية: 23] والقرآن يفسر بعضه بعضا ولأن السمع كالقلب يدرك ما يدركه
~~من جميع الجهات فناسب أن يقرن معه بالختم الذي يمنع من جميعها وإن اختص
~~وقوعه بجانب إلا أنه لا يتعين، ولما كان إدراك البصر لا يكون عادة إلا
~~بالمحاذاة والمقابلة جعل المانع ما يمنع منها وهو الغشاوة لأنها في
~~الغالب كذلك كغاشية السرج، ومثل هذا يكفي في النكات ولا يضره ستره لجميع
~~الجوانب كالإزار، وما في " الكشف ": من أن الوجه أن الغشاوة مشهورة في
~~أمراض العين فهي أنسب بالبصر من غير حاجة لما تكلفوه، يكشف عن حاله النظر
~~في المعنى اللغوي ممن لا غشاوة على بصره.

# ولعل سبب تقديم السمع على البصر مشاركته للقلب في التصرف في الجهات الست
~~مثله دون البصر. ومن هنا قيل: إنه أفضل منه، والحق أن كلا من الحواس
~~ضروري في موضعه، ومن فقد حسا فقد علما، وتفضيل البعض على البعض تطويل
~~من غير طائل.

# وقد قرىء بإمالة { أبصارهم } ووجه الإمالة - مع أن الصاد حرف
~~مستعل وهو مناف لها لاقتضائها لتسفل الصوت - مناسبة الكسرة واعتبرت على
~~الراء دون غيرها لمناسبة الإمالة الترقيق، والمشهور عند أهل العربية أن
~~ذلك لقوة الراء لتكرره على اللسان في النطق به فإنه يرتعد ويظهر ذلك إذا ms00180
~~شدد أو وقف عليه فكسرته بمنزلة كسرتين فقوي السبب حتى أزال المانع. ولعل
~~مرادهم أنه متكرر طبعا كما يدركه الوجدان إلا أنه يجب المحافظة لئلا يقع
~~التقرير فإنه مضر في الأداء حتى سمعت من بعض الشافعية أن من كرر الراء في
~~تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته والعهدة على الراوي، والجمهور على أن {
~~على أبصارهم } خبر مقدم لغشاوة والتقديم مصحح لجواز الابتداء
~~بالنكرة مع أن فيه مطابقة الجملة قبله لأنه تقدم الجزء المحكوم به فيها
~~وهذا كذلك، ففي الآية جملتان خبريتان فعلية دالة على التجدد واسمية دالة
~~على الثبوت حتى كأن الغشاوة جبلية فيهم وكون الجملتين دعائيتين ليس بشي،
~~وفي تقديم الفعلية إشارة إلى أن ذلك قد وقع وفرغ منه، ونصب المفضل وأبو
~~حيوة وإسماعيل بن مسلم { غشاوة } فقيل هو على تقدير جعل كما صرح به
~~في قوله تعالى

# وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره
~~غشاوة

# [الجاثية: 23]، وقيل إنه على حذف الجار، وقال أبو حيان: يحتمل أن يكون
~~مصدرا من معنى ختم لأنه معناه غشى وستر كأنه قيل تغشيه على سبيل التأكيد
~~فيكون حينئذ قلوبهم وسمعهم وأبصارهم مختوما عليها مغشاة، وقيل: يحتمل أن
~~يكون مفعول ختم والظروف أحوال أي ختم غشاوة كائنة على هذه الأمور لئلا
~~يتصرف بها بالرفع والإزالة، وفي كل ما لا يخفى، فقراءة الرفع أولى، وقرىء
~~أيضا بضم الغين ورفعه، وبفتح الغين ونصبه، وقرىء (غشوة) بكسر المعجمة
~~مرفوعا وبفتحها مرفوعا ومنصوبا، وغشية بالفتح والرفع وغشاوة بفتح
~~المهملة والرفع، وجوز فيه الكسر والنصب من الغشا/ بالفتح والقصر وهو
~~الرؤية نهارا لا ليلا، والمعنى أنهم يبصرون إبصار غفلة لا إبصار عبرة
~~أو أنهم لا يرون آيات الله في ظلمات كفرهم ولو زالت أبصروها، وقال
~~الراغب: العشا ظلمة تعرض للعين، وعشي عن كذا عمي قال تعالى:

# ومن يعش عن ذكر الرحمن

# [الزخرف: 36] فالمعنى حينئذ ظاهر والتنوين للإشارة إلى نوع من الأغطية
~~غير ما يتعارفه الناس ويحتمل أن يكون للتعظيم أي غشاوة أي غشاوة، وصرح
~~بعضهم بحمله على النوعية والتعظيم معا ms00181 كما حمل على التكثير والتعظيم
~~معا في قوله تعالى:

# فقد كذبت رسل

# [فاطر: 4].

# واللام في { لهم } للاستحقاق كما في

# لهم في الدنيا خزي

# [البقرة: 114] وفي " المغني ": لام الاستحقاق هي الواقعة بين معنى وذات
~~وهنا كذلك إلا أنه قدم الخبر استحسانا لأن المبتدأ نكرة موصوفة ولو أخر
~~جاز ك

# أجل مسمى عنده

# [الأنعام: 2] ويجوز كما قيل: أن يكون تقديمه للتخصيص فلا يعذب عذابهم
~~أحد ولا يوثق وثاقهم أحد وكون اللام للنفع واستعملت هنا للتهكم مما لا
~~وجه له لأنها إنما تقع له في مقابلة (على) في الدعاء وما يقاربه ولم يقل
~~به أحد ممن يوثق به هنا ولا يقال عليهم العذاب، والظاهر أن الجملة مساقة
~~لبيان إصرارهم بأن مشاعرهم ختمت وأن الشقوه عليهم ختمت، وهي معطوفة على
~~ما قبلها وليست استئنافا ولا حالا، وقال السيالكوتي: عطف على

# الذين كفروا

# [البقرة: 6] والجامع أن ما سبق بيان حالهم وهذا بيان ما يستحقونه، أو
~~على خبر إن والجامع الشركة في المسند إليه مع تناسب مفهوم المسندين، وجعل
~~ذلك لدفع ما يتوهم من عدم استحقاقهم العذاب على كفرهم لأنه بختم الله
~~تعالى وتغشيته ليس بوجيه كما لا يخفى.

# والعذاب في الأصل الاستمرار ثم اتسع فيه فسمي به كل استمرار ألم،
~~واشتقوا منه فقالوا: عذبته أي دوامت عليه الألم قاله أبو حيان، وعن
~~الخليل - وإليه مال كثير - أن أصله المنع يقال:عذب الفرس إذا امتنع عن
~~العلف، ومنه العذب لمنعه من العطش ثم توسع فأطلق على كل مؤلم شاق مطلقا
~~وإن لم يكن مانعا ورادعا ولهذا كان أعم من النكال لأنه ما كان رادعا
~~كالعقاب، وقيل العقاب ما يجازي به كما في الآخرة، وشمل البيان عذاب
~~الأطفال والبهائم وغيرهما، وخص السجاوندي العذاب بإيصال الألم إلى الحي
~~مع الهوان فإيلام الأطفال والبهائم ليس بعذاب عنده، وقيل إن العذاب مأخوذ
~~في الأصل من التعذيب ثم استعمل في الإيلام مطلقا، وأصل التعذيب على ما
~~قيل: إكثار الضرب بعذبه السوط، وقال الراغب أصله من العذب فعذبته أزلت
~~عذب حياته على بناء ms00182 مرضته وقذيته والتنكير فيه للنوعية أي لهم في الآخرة
~~نوع من العذاب غير متعارف في عذاب الدنيا، وحمله على التعظيم يستدعي حمل
~~ما يستفاد من الوصف على التأكيد ولا حاجة إليه.

# والعظيم الكبير، وقيل: فوق الكبير لأن الكبير يقابله الصغير والعظيم
~~يقابله الحقير والحقير دون الصغير، فالصغير والحقير خسيسان والحقير
~~أخسهما، والعظيم والكبير شريفان والعظيم أشرفهما فتوصيف العذاب به أكثر
~~في التهويل من توصيفه بالكبير كما ذكره الكثير ممن شاع فضله إذ العادة
~~جارية بأن الأخس يقابل بالأشرف والخسيس بالشريف فما يتوهم من أن نقيض
~~الأخص - أعم - مما لا يلتفت إليه هنا، نعم يشكل على دعوى أن التعظيم فوق
~~الكبير قوله عز شأنه في الحديث القدسي:

# " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري "

# حيث جعل سبحانه الكبرياء مقام الرداء والعظمة مقام الإزار، ومعلوم أن
~~الرداء أرفع من الإزار فيجب أن يكون صفة الكبر أرفع من العظمة، ويقال: إن
~~الكبير هو الكبير في ذاته سواء استكبره غيره أم لا، وأما العظمة فعبارة
~~عن كونه بحيث يستعظمه غيره، فالصفة الأولى على هذا ذاتية وأشرف من
~~الثانية ويمكن أن يجاب على بعد بأن ما ذكروه خاص بما إذا استعمل الكبير
~~والعظيم في غيره تعالى أو فيما إذا خلا الكلام عن قرينة تقتضي العكس، أو
~~يقال: إنه سبحانه جعل العظمة وهي أشرف من الكبرياء إزارا لقلة العارفين
~~به جل شأنه بهذا العنوان بالنظر إل العارفين/ بعنوان الكبرياء فلقلة
~~أولئك كانت إزارا ولكثرة هؤلاء كانت رداءا وسبحان الكبير العظيم، وذكر
~~الراغب (( أن أصل عظم الرجل كبر عظمه ثم استعير لكل كبير وأجري مجراه
~~محسوسا كان أو معقولا معنى كان أو عينا، والعظيم إذا استعمل في
~~الأعيان فأصله أن يقال في الأجزاء المتصلة والكبير يقال في المنفصلة، وقد
~~يقال فيها أيضا: عظيم وهو بمعنى كبير كجيش عظيم))، وعظم العذاب بالنسبة
~~إلى عذاب دونه يتخلله فتور وبهذا التخلل يصح ان يتفاضل العذابان كسوداين
~~أحدهما اشبع من الآخر وقد تخلل الآخر ما ليس بسواد.

# وقد ذهب المسلمون إلى أنه يحسن من ms00183 الله تعالى تعذيب الكفار، وهذه الآية
~~وأمثالها شواهد صدق على ذلك. وقال بعضهم: لا يحسن وذكروا دلائل عقلية
~~مبنية على الحسن والقبح العقلين فقالوا: التعذيب ضرر خال عن المنفعة لأنه
~~سبحانه منزه عن أن ينتفع بشيء والعبد يتضرر به ولو سلم انتفاعه فالله
~~تعالى قادر أن يوصل إليه النفع من غير عذاب، والضرر الخالي عن النفع قبيح
~~بديهة، وأيضا إن الكافر لا يظهر منه إلا العصيان فتكليفه متى حصل ترتب
~~عليه العذاب وما كان مستعقبا للضرر من غير نفع قبيح، فأما أن يقال لا
~~تكليف أو تكليف ولا عذاب، وأيضا هو الخالق لداعية المعصية فيقبح أن
~~يعاقب عليها، وقالوا أيضا: هب أنا سلمنا العقاب فمن أين القول بالدوام؟
~~وأقسى الناس قلبا إذا أخذ من بالغ في الإساءة إليه - وعذبه وبالغ فيه
~~وواظب عليه - لامه كل أحد وقيل له إما أن تقتله وتريحه وإما أن تعفو عنه
~~فإذا قبح هذا من إنسان يلتذ بالانتقام، فالغني عن الكل كيف يليق به هذا
~~الدوام؟! وأيضا من تاب من الكفر ولو بعد حين تاب الله تعالى عليه، أفترى
~~أن هذا الكرم العظيم يذهب في الآخرة أو تسلب عقول أولئك المعذبين فلا
~~يتوبون أو يحسن أن يقول في الدنيا:

# ادعوني أستجب لكم

# [غافر: 60] وفي الآخرة لا يجيب دعاءهم إلا ب

# اخسئوا فيها ولا تكلمون

# [المؤمنون: 108].

# بقي التمسك بالدلائل اللفظية وهي لا تفيد اليقين فلا تعارض الأدلة
~~العقلية المفيدة له على أنا ندعي أن أخبار الوعيد في الكفار مشروطة بعدم
~~العفو وإن لم يكن هذا الشرط مذكورا صريحا كما قال ذلك فيها من جوز
~~العفو عن الفساق، على أنه يحتمل أن تكون تلك الجمل دعائية أو أنها
~~إخبارية لكن الإخبار عن استحقاق الوقوع لا عن الوقوع نفسه، وهذا خلاصة ما
~~ذكر في هذا الباب.

# وبسط الإمام الرازي الكلام فيه ولم يتعقبه بما يشرح الفؤاد ويبرد
~~الأكباد وتلك شنشنة أعرفها من أخزم، ولعمري إنها شبه تمكنت في قلوب كثير
~~من الناس فكانت لهم الخناس الوسواس فخلعوا ربقة ms00184 التكليف وانحرفوا عن
~~الدين الحنيف وهي عند المؤمنين المتمكنين كصرير باب أو كطنين ذباب،
~~فأقول: وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب نفي العذاب مطلقا
~~مما لم يقله أحد ممن يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر حتى إن المجوس لا
~~يقولونه مع أنهم الذين بلغوا من الهذيان أقصاه فإن عقلاءهم - والعقل
~~بمراحل عنهم - زعموا أن إبليس عليه اللعنة لم يزل في الظلمة بمعزل عن
~~سلطان الله تعالى ثم لم يزل يزحف حتى رأى النور فوثب فصار في سلطان الله
~~تعالى وأدخل معه الآفات والشرور فخلق الله تعالى هذا العالم شبكة له فوقع
~~فيها فصار لا يمكنه الرجوع إلى سلطانه فبقي محبوسا يرمى بالآفات فمن
~~أحياه الله تعالى أماته ومن أصحه أسقمه ومن أسره أحزنه وكل يوم ينقص
~~سلطانه فإذا قامت القيامة وزالت قوته طرحه الله تعالى في الجو وحاسب أهل
~~الأديان وجازاهم على طاعتهم للشيطان وعصيانهم له، نعم المشهور عنهم أن
~~الآلام الدنيوية قبيحة لذاتها ولا تحسن بوجه من الوجوه فهي صادرة عن
~~الظلمة دون النور، وبطلان مذهب هؤلاء أظهر من نار على علم، ولئن سلمنا أن
~~أحدا من الناس يقول ذلك فهو مردود، وغالب الأدلة التي تذكر في هذا الباب
~~مبني على الحسن والقبح العقليين وقد نفاهما أهل السنة والجماعة وأقاموا
~~الأدلة على بطلانهما وشيوع ذلك/ في كتب الكلام يجعل نقله هنا من لغو
~~الكلام على أنا نقول إن لله تعالى صفتي لطف وقهر ومن الواجب في الحكمة أن
~~يكون الملك - لا سيما ملك الملوك - كذلك إذ كل منهما من أوصاف الكمال ولا
~~يقوم أحدهما مقام الآخر ومن منع ذلك فقد كابر، وقد مدح في الشاهد ذلك كما
~~قيل:

# يداك يد خيرها يرتجى

# وأخرى لأعدائها غائظة

# فلما نظر الله سبحانه إلى ما علمه من الماهيات الأزلية والأعيان الثابتة
~~ورأى فيها من استعد للخير وطلبه بلسان استعداه ومن استعد للشر وطلبه كذلك
~~أفاض على كل بمقتضى حكمته ما استعد له وأعطاه ما طلبه منه ثم كلفه ورغبه
~~ورهبه إتماما للنعمة ms00185 وإظهارا للحجة إذ لو عذبه وأظهر فيه صفة قهره قبل
~~أن ينذره لربما قال:

# لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل
~~أن نذل ونخزى

# [طه: 134] فالتعذيب وإن لم يكن فيه نفع له سبحانه بالمعنى المألوف لكنه
~~من آثار القهر ووقوع فريق في طريق القهر ضروري في حكمته تعالى وكل ما
~~تقتضيه حكمته تعالى وكماله حسن، وإن شئت فقل: إن صفتي اللطف والقهر من
~~مستتبعات ذاته التي هي في غاية الكمال ولهما متعلقات في نفس الأمر مستعدة
~~لهما في الأزل استعدادا غير مجعول. وقد علم سبحانه في الأزل التعلقات
~~والمتعلقات فظهرت طبق ما علم ولو لم تظهر كذلك لزم انقلاب الحقائق وهو
~~محال. فالإيمان والكفر في الحقيقة ليسا سببا حقيقا وعلة تامة للتنعيم
~~والتعذيب وإنما هما علامتان لهما دعت إليهما الحكمة والرحمة. وهذا معنى
~~ما ورد في " الصحيح "

# " اعملوا فكل ميسر لما خلق له "

# أما من كان - أي في علم الله - من أهل السعادة المستعدة لها ذاته فسييسر
~~بمقتضى الرحمة لعمل أهل السعادة لأنه شأنه تعالى الإفاضة على القوابل
~~بحسب القابليات، وأما من كان القهر - لعمل أهل الشقاوة، وفي ذلك تظهر
~~المنة وتتم الحجة ولا يرد في قوله تعالى:

# فلو شآء لهداكم أجمعين

# [لأنعام: 149] لأن نفي الهداية لنفي المشيئة ولا شك أن المشيئة تابعة
~~للعلم والعلم تابع لثبوت المعلوم في نفس الأمر كما يشير إليه قوله تعالى
~~في المستحيل الغير الثابت في نفسه:

# أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض

# [الرعد: 33] وحيث لا ثبوت للهداية في نفسها لا تعلق للعلم بها، وحيث لا
~~تعلق لا مشيئة، فسبب نفي إيجاد الهداية نفي المشيئة وسبب نفي المشيئة
~~تقرر عدم الهداية في نفسها فيئول الأمر إلى أن سبب نفي إيجاد الهداية
~~انتفاؤها في نفس الأمر وعدم تقررها في العلم الأزلي:

# ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم

# [الأنفال: 23] فإذا انتقش هذا على صحيفة خاطرك، فنقول:

# قولهم الضرر الخالي عن النفع قبيح بديهة ليس بشيء لأن ذلك الضرر من آثار
~~القهر التابع للذات الأقدس ومتى ms00186 خلا عن القهر - كان عز شأنه عما يقوله
~~الظالمون - كالأقطع الذي ليس له إلا يد واحدة بل من أنصفه عقله يعلم أن
~~الخلو عن صفة القهر يخل بالربوبية ويسلب إزار العظمة ويحط شأن الملكية إذ
~~لا يرهب منه حينئذ فيختل النظام وينحل نبذ هذا الانتظام. على أن هذه
~~الشبهة تستدعي عدم إيلام الحيوان في هذه النشأة لا سيما البهائم والأطفال
~~الذين لا ينالهم من هذه الآلام نفع بالكلية لا عاجلا ولا آجلا مع أنا
~~نشاهد وقوع ذلك أكثر من نجوم السماء فما هو جوابهم عن هذه الآلام منه
~~سبحانه في هذه النشأة مع أنه لا نفع له منها بوجه فهو جوابنا عن التعذيب
~~في تلك النشأة.

# وقولهم إن الكافر لا يظهر منه إلا العصيان فتكليفه متى حصل ترتب عليه
~~العذاب الخ، ففيه أن الكافر في علم الله تعالى حسب استعداده متعشق للنار
~~تعشق الحديد للمغناطيس وإن نفر عنها نافر عن الجنة نفور الظلمة عن النور
~~وإن تعشقها فهو إن كلف وإن لم يكلف لا بد وأن يعذب فيها، ولكن التكليف
~~لاستخراج ما في استعداده من الإباء لإظهار الحجة والكفر مجرد علامة

# وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون

# [النحل: 33].

# وقولهم هو سبحانه الخالق لداعية المعصية مسلم لكنه خلقها وأظهرها طبق ما
~~دعا إليه الاستعداد الذاتي الذي لا دخل للقدرة إلا في إيجاده وأي قبح في
~~إعطاء الشيء ما طلبه بلسان استعداده وإن أضر به ولا يلزم الله تعالى
~~عقلا أن يترك مقتضى حكمته ويبطل شأن ربوبيته مع عدم تعلق علمه بخلاف ما
~~اقتضاه ذلك الاستعداد.

# وقولهم هب أنا سلمنا العقاب فينم أين الدوام الخ قلنا الدوام من خبث
~~الذات وقبح الصفات الثابتين فيما لم يزل الظاهرين فيما لا يزال بالإباء
~~بعد التكليف مع مراعاة الحكمة، وهذا الخبث دائم فيهم ما دامت حكمة الله
~~تعالى الذاتية وذواتهم - كما يرشدك إلى ذلك - قوله سبحانه:

# ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه

# [الأنعام: 28] ويدوم المعلول ما دامت علته أو يقال العذاب وهو في
~~الحقيقة ms00187 البعد من الله لازم للكفر والملزوم لا ينفك من اللازم، وأيضا
~~الكفر مع ظهور البرهان في الأنفس والآفاق بمن لا تتناهى كبرياؤه ولا
~~تنحصر عظمته أمر لا يحيط نطاق الفكر بقبحه وإن لم يتضرر به سبحانه لكن
~~الغيرة الإلهية لا ترتضيه وإن أفاضته القدرة الأزلية حسب الاستعداد
~~بمقتضى الحكمة، ومثل ذلك يطلب عذابا أبديا وعقابا سرمديا وشبيه الشيء
~~منجذب إليه، ولا يقاس هذا بما ضربه من المثال إذ أين ذل التراب من عزة رب
~~الأرباب، وليس مورد المسألتين منهلا واحدا.

# وقولهم من تاب من الكفر ولو بعد حين تاب الله تعالى عليه، أفترى أن هذا
~~الكرم العظيم يذهب في الآخرة أو تسلب عقول أولئك المعذبين فلا يتوبون
~~الخ. ففيه أن من تاب من الكفر فقد أبدل القبيح بضده وأظهر سبحانه مقتضى
~~ذاته وماهيته المعلومة له حسب علمه فهناك حينئذ كفر قبيح زائل وإيمان حسن
~~ثابت، وقد انضم إلى هذا الإيمان ندم على ذلك الكفر في دار ينفع فيها
~~تدارك ما فات والندم على الهفوات فيصير الكفر بهذا الإيمان كأن لم يكن
~~شيئا مذكورا إذ يقابل القبيح بالحسن ويبقى الندم وهو ركن التوبة مكسبا
~~على أن ظهور الإيمان بعد الكفر دليل على نجابة الذات في نفسها وطهارتها
~~في معلوميتها والأعمال بالخواتيم فلا بدع في مغفرة الله تعالى له جودا
~~وكرما ورحمة الله تعالى - وإن وسعت كل شيء ببعض اعتباراتها - إلا أنها
~~خصت المتقين باعتبار آخر كما يشير إليه قوله تعالى:

# ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين
~~يتقون

# [الأعراف: 156] فهي كمعيته سبحانه الغير المكيفة، ألا تسمع قوله تعالى
~~مرة:

# ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا
~~خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا
~~أكثر إلا هو معهم

# [المجادلة: 7]، وتارة

# إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون

# [النحل: 128] وكرة

# إن الله معنا

# [التوبة: 40] وطورا

# إن معي ربي

# [الشعراء: 62] ولا ينافي كون الرحمة أوسع دائرة من الغضب كما يرمز إليه

# الرحمن على العرش استوى

# [طه: 5] أن الكفار المعذبين أكثر ms00188 من المؤمنين المنعمين كما يقتضيه قوله
~~تعالى:

# ولكن أكثر الناس لا يؤمنون

# [الرعد: 1] وكذا حديث البعث لأن هذه الكثرة بالنسبة إلى الملائكة والحور
~~والغلمان

# وما يعلم جنود ربك إلا هو

# [المدثر: 31]

# ويخلق ما لا تعلمون

# [النحل: 8] فيكون أهل الرحمة أكثر من أهل الغضب على أن أهل النار
~~مرحومون في عذابهم وما عند الله تعالى من كل شيء لا يتناهى وبعض الشر
~~أهون من بعض وهم متخلفون في العذاب، وبين عذاب كل طبقة وطبقة ما بين
~~السماء والأرض وإن ظن كل من أهلها أنه أشد الناس عذابا لكن الكلام في
~~الواقع بل منهم من هو ملتذ بعذابه من بعض الجهات ومنهم غير ذلك، نعم فيهم
~~من عذابه محض لا لذ لهم فيه ومع هذا يمقتون أنفسهم لعلمهم أنها هي التي
~~استعدت لذلك ففاض عليها ما فاض من جانب المبدأ الفياض كما يشير إليه قوله
~~تعالى:

# لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم

# [غافر: 10] ومن غفل منهم عن ذلك نبهه إبليس عليه اللعنة كما حكى الله
~~عنه بقوله:

# فلا تلوموني ولوموا أنفسكم

# [إبراهيم: 22] ولا تنفعهم التوبة هناك كما تنفعهم هنا إذ قد اختلفت
~~الداران وامتاز الفريقان وانتهى الأمد المضروب/ لها بمقتضى الحكمة
~~الإلهية. وقد رأينا في الشاهد أن لنفع الدواء وقتا مخصوصا إذا تعداه
~~ربما يؤثر ضررا ومن الكفار من يعرف أنه قد مضى الوقت وانقضى ذلك الزمان
~~وأن التوبة إنما كانت في الدار الدنيا ولهذا

# قال رب ارجعون * لعلي أعمل صالحا فيما تركت

# [المؤمنون: 99100] ولما كان هذا الطلب عارف من وجه جاهل من وجه آخر قال
~~الله تعالى في مقابلته:

# كلا إنها كلمة هو قآئلها

# [المؤمنون: 100] ولم يغلظ عليه كما أغلظ على من قال:

# ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون

# [المؤمنون: 107] حيث صدر عن جهل محض فأجابهم بقوله:

# اخسئوا فيها ولا تكلمون

# [المؤمنون: 108] فلما اختلف الطلب اختلف الجواب وليس كل دعاء يستجاب كما
~~لا يخفى على أولي الألباب.

# وقولهم بقي التمسك بالدلائل اللفظية وهي لا تفيد اليقين فلا تعارض
~~الأدلة العقلية ms00189 المفيدة له فيقال فيه إن أرادوا أن هذه الأدلة العقلية
~~مفيدة لليقين فقد علمت حالها وأنها كسراب بقيعة وليتها أفادت ظنا وإن
~~أرادوا مطلق الأدلة العقلية فهذه ليست منها على أن كون الدلائل اللفظية
~~لا تفيد اليقين إنما هو مذهب المعتزلة وجمهور الأشاعرة، والحق أنها قد
~~تفيد اليقين بقرائن مشاهدة أو متواترة تدل على انتفاء الاحتمالات، ومن
~~صدق القائل يعلم عدم المعارض العقلي فإنه إذا تعين المعنى وكان مرادا له
~~فلو كان هناك معارض عقلي لزم كذبه، نعم في إفادتها اليقين في العقليات
~~نظر لأن كونها مفيدة لليقين مبني على أنه هل يحصل بمجردها والنظر فيها -
~~وكون قائلها صادقا - الجزم بعدم المعارض العقلي وأنه هل للقرينة التي
~~تشاهد أو تنقل تواترا مدخل في ذلك الجزم وحصول ذلك الجزم بمجردها
~~ومدخلية القرينة فيه مما لا يمكنه الجزم بأحد طرفيه الإثبات والنفي فلا
~~جرم كانت إفادتها اليقين في العقليات محل نظر وتأمل.

# فإن قلت: إذا كان صدق القائل مجزوما به لزم منه الجزم بعدم المعارض في
~~العقليات كما لزم منه في الشرعيات وإلا احتمل كلامه الكذب فيهما فلا فرق
~~بينهما. قلت: أجاب بعض المحققين بأن المراد بالشرعيات أمور يجزم العقل
~~بإمكانها ثبوتا وانتفاء ولا طريق إليها، وبالعقليات ما ليس كذلك وحينئذ
~~جاز أن يكون من الممتنعات فلأجل هذا الاحتمال ربما لم يحصل الجزم بعدم
~~المعارض العقلي للدليل النقلي في العقليات وإن حصل الجزم به في الشرعيات
~~وذلك بخلاف الأدلة العقلية في العقليات فإنها بمجردها تفيد الجزم بعدم
~~المعارض لأنها مركبة من مقدمات علم بالبديهة صحتها أو علم بالبديهة
~~لزومها مما علم صحته بالبديهة، وحينئذ يستحيل أن يوجد ما يعارضها لأن
~~أحكام البديهة لا تتعارض بحسب نفس الأمر أصلا.

# هذا وقال الفاضل الرومي ههنا بحث مشهور وهو أن المعنى بعدم المعارض
~~العقلي في الشرعيات صدق القائل وهو قائم في العقليات أيضا وما لا يحكم
~~العقل بإمكانه ثبوتا أو انتفاء لا يلزم أن يكون من الممتنعات لجواز
~~إمكانه الخافي من العقل فينبغي أن يحمل ms00190 كل ما علم أن الشرع نطق به على
~~هذا القسم لئلا يلزم كذبه وإبطال قطع العقل بصدقه فالحق أن النقلي يفيد
~~القطع في العقليات أيضا ولا مخلص إلا بأن يقال المراد أن النظر في
~~الأدلة نفسها والقرائن في الشرعيات يفيد الجزم بعدم المعارض لأجل إفادة
~~الإرادة من القائل الصادق جزما. وفي العقليات إفادته الجزم بعدمه محل
~~نظر بناء على أن إفادته الإرادة محتملة انتهى.

# وقد ذهب الشيخ الأكبر قدس سره إلى تقديم الدليل النقلي على العقلي فقال
~~في الباب الثاني والسبعين والأربعمائة من «الفتوحات»:

# على السمع عولنا فكنا أولي النهى

# ولا علم فيما لا يكون عن السمع

# وقال قدس سره في الباب الثامن والخمسين والثلثمائة:

# كيف للعقل دليل والذي

# قد بناه العقل بالكشف انهدم

# فنجاة النفس في الشرع فلا

# تك إنسانا رأى ثم حرم

# / واعتصم بالشرع في الكشف فقد

# فاز بالخير عبيد قد عصم

# اهمل الفكر فلا تحفل به

# واتركنه مثل لحم في وضم

# إن للفكر مقاما فاعتضد

# به فيه تك شخصا قد رحم

# كل علم يشهد الشرع له

# هو علم فيه فلتعتصم

# وإذا خالفه العقل فقل

# طورك الزم ما لكم فيه قدم

# ويؤيد هذا ما روي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن للعقل حدا
~~ينتهي إليه كما أن للبصر حدا ينتهي إليه، وقال الإمام الغزالي: ولا
~~تستبعد أيها المعتكف في عالم العقل أن يكون وراء العقل طور آخر يظهر فيه
~~ما لا يظهر في العقل كما لا تستبعد أن يكون العقل طورا وراء التمييز
~~والإحساس ينكشف فيه عوالم وعجائب يقصر عنها الإحساس والتمييز إلى آخر ما
~~قال ففيما نحن فيه في القرآن والسنة المتواترة ما لا يحصى مما يدل على
~~الخلود في النار، وفي العذاب دلالة واضحة لا خفاء فيها فتأويلها كلها
~~بمجرد شبه أضعف من حبال القمر، والعدول عنها إلى القول بنفي العذاب أو
~~الخلود فيه مما لا ينبغي لا سيما في مثل هذه الأوقات التي فيها الناس كما
~~ترى، على أن هذه التأويلات في ms00191 غاية السخافة إذ كيف يتصور حقيقة الدعاء من
~~رب الأرض والسماء أم كيف يكون التعليق بعد النظر في قوله تعالى:

# إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون
~~ذلك لمن يشاء

# [النساء: 48] أم كيف يقبل أن يكون الإخبار عن الاستحقاق دون الوقوع على
~~ما فيه في مثل قوله تعالى:

# كلما خبت زدناهم سعيرا

# [الإسراء: 97] و

# كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها

# [النساء: 56] سبحانك هذا بهتان عظيم.

# وأما ما ينقل عن بعض السلف الصالح  وكذا عن حضرة مولانا الشيخ الأكبر
~~ومن حذا حذوه من السادة الصوفية رضي الله تعالى عنهم  من القول بعدم
~~الخلود فذلك مبني على مشرب آخر وتجل لم ينكشف لنا، والكثير منهم قد بنى
~~كلامه على اصطلاحات ورموز وإشارات قد حال بيننا وبين فهمها العوائق
~~الدنيوية والعلائق النفسانية، ولعل قول من قال بعدم الخلود ممن لم يسلك
~~مسلك أهل السلوك مبني على عدم خلود طائفة من أهل النار وهم العصاة مما
~~دون الكفر وإن وقع إطلاق الكفر عليهم حمل على معنى آخر كما حمل على رأي
~~في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " من ترك الصلاة فقد كفر "

# ، على أن الشيخ قدس سره كم وكم صرح في كتبه بالخلود فقال في عقيدته
~~الصغرى أول «الفتوحات»: والتأبيد لأهل النار في النار حق، وفي الباب
~~الرابع والستين في بحث ذبح الموت ونداء المنادي يا أهل النار خلود ولا
~~خروج ما نصه: ويغتم أهل النار أشد الغم لذلك ثم تغلق أبواب النار غلقا
~~لا فتح بعده وتنطبق النار على أهلها ويدخل بعضهم في بعض ليعظم انضغاطهم
~~فيها ويرجع أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها ويرى الناس والجن فيها مثل قطع
~~اللحم في القدر التي تحتها النار العظيمة تغلي كغلي الحميم فتدور في
~~الخلق علوا وسفلا

# كلما خبت زدناهم سعيرا

# [الإسراء: 97].

# وذكر الشيخ عبد الكريم الجيلي في كتابه المسمى ب «الإنسان الكبير»، وفي
~~«شرح لباب الأسرار من الفتوحات»: أن مراد القوم بأن أهل النار يخرجون
~~منها هم عصاة الموحدين لا الكفار، وقال: إياك ms00192 أن تحمل كلام الشيح محيى
~~الدين أو غيره من الصوفية في قولهم بانتهاء مدة أهل النار من العصاة على
~~الكفار فإن ذلك كذب وخطأ وإذا احتمل الكلام وجها صحيحا وجب المصير إليه
~~انتهى، نعم قال قدس سره في تفسير الفاتحة من «الفتوحات»: فإذا وقع الجدار
~~وانهدم الصور وامتزجت الأنهار والتقى البحران وعدم البرزخ صار العذاب
~~نعيما وجهنم جنة ولا عذاب ولا عقاب إلا نعيم وأمان بمشاهدة العيان الخ،
~~وهذا وأمثاله محمول على معنى/ صحيح يعرفه الذوق لا ينافي ما وردت به
~~القواطع، وقصارى ما يخطر لأمثالنا فيه أنه محمول على مسكن عصاة هذه الأمة
~~من النار، وفيه: يضع الجبار قدمه ويتجلى بصفة القهر على النار فتقول قط
~~قط ولا تطيق تجليه فتخمد ولا بعد أن تلحق بعد بالجنة وإياك أن تقول
~~بظاهره مع ما أنت عليه وكلما وجدت مثل هذا لأحد من أهل الله تعالى فسلمه
~~لهم بالمعنى الذي أرادوه مما لا تعلمه أنت ولا أنا لا بالمعنى الذي ينقدح
~~في عقلك المشوب بالأوهام فالأمر والله وراء ذلك والأخذ بظواهر هذه
~~العبارات النافية للخلود في العذاب وتأويل النصوص الدالة على الخلود في
~~النار بأن يقال الخلود فيها لا يستلزم الخلود في العذاب لجواز التنعم
~~فيها وانقلاب العذاب عذوبة مما يجر إلى نفي الأحكام الشرعية وتعطيل
~~النبوات وفتح باب لا يسد. وإن سولت نفسك لك ذلك قلبنا البحث معك ولنأتينك
~~بجنود من الأدلة لا قبل لها بها وما النصر إلا من عند الله

# وكان حقا علينا نصر المؤمنين

# [الروم: 47]، ولا يوقعنك في الوهم أن الخلود مستلزم لتناهي التجليات
~~فالله تعالى هو الله و

# كل يوم هو في شأن

# [الرحمن: 29]

# فخذ مآ آتيتك وكن من الشاكرين

# [الأعراف: 144] ولا أظنك تجد هذا التحقيق من غيرنا والحمد لله رب
~~العالمين.

### || [2.8]

# هذه الآية وما بعدها إلى آخر القصة معطوفة على قصة

# إن الذين كفروا

# [البقرة: 6] وكل من المتعاطفين مسوق لغرض إلا أن فيهما من النعي على أهل
~~الضلال ما لا يخفى وقد سيقت هذه ms00193 الآية إلى ثلاث عشر آية لنعي المنافقين
~~الذين ستروا الكفر وأظهروا الإسلام فهم بحسب الظاهر أعظم جرما من سائر
~~الكفار كما يشير إليه قوله تعالى:

# إن المنفقين فى الدرك الأسفل من النار

# [النساء: 145] والناس  أصله عند سيبويه والجمهور  أناس وهو جمع أو اسم
~~جمع لإنسان، وقد حذفت فاؤه تخفيفا فوزنه فعال، ويشهد لأصله إنسان وإنس
~~وأناسي ونقصه وإتمامه جائزان إذا نكر فإذا عرف بأل فالأكثر نقصه ومن عرف
~~خص بالبلاء ويجوز إتمامه على قلة كما في قوله:

# إن المنايا يطلع

# ن على الإناس الآمنينا

# وهو مأخوذ من الأنس ضد الوحشة لأنسه بجنسه لأنه مدني بالطبع ومن هنا
~~قيل:

# وما سمي الإنسان إلا لأنسه

# ولا القلب إلا أنه يتقلب

# أو من آنس أي أبصر قال تعالى:

# آنس من جانب الطور نارا

# [القصص: 29] وجاء بمعنى سمع وعلم، وسمي به لأنه ظاهر محسوس، وذهب
~~السكاكي إلى أنه اسم تام وعينه واو من نوس إذا تحرك بدليل تصغيره على
~~نويس فوزنه فعل.

# وفي «الكشاف» أنه من المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان ورويجل،
~~وقيل: من نسي بالقلب لقوله تعالى في آدم عليه السلام:

# فنسى ولم نجد له عزما

# [طه: 115] وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فوزنه حينئذ
~~(فلع) ولا يستعمل في الغالب إلا في بني آدم، وحكى ابن خالويه عن ناس من
~~العرب: أناس من الجن، قال أبو حيان: وهو مجاز وإذا أخذ من نوس يكون صدق
~~المفهوم على الجن ظاهرا لا سيما إذا قلنا إن النوس تذبذب الشيء في
~~الهواء، وعن سلمة بن عاصم أنه جزم بأن كلا من ناس وأناس مادة مستقلة.

# واللام فيه إما للجنس أو للعهد الخارجي فإن كان الأول فمن نكرة موصوفة
~~وإن كان الثاني فهي موصولة مرادا بها عبد الله بن أبي وأشياعه، وجوز
~~ابن هشام وجماعة أن تكون موصولة على تقدير الجنس وموصوفة على تقدير العهد
~~لأن بعض الجنس قد يتعين بوجه ما وبعض المعينين قد يجهل باعتبار حال من
~~أحواله كأهل محلة محصورين ms00194 فيهم قاتل لم يعرف بعينه كونه قاتلا وإن عرف
~~شخصه فلا وجه للتخصيص عند هؤلاء، وقيل إن التخصيص هو الأنسب لأن المعرف
~~بلام الجنس لعدم التوقيت فيه قريب من النكرة وبعض النكرة نكرة فناسب من
~~الموصوفة للطباق والأمر بخلافه في العهد، وعلى هذا الأسلوب/ ورد قوله
~~تعالى:

# من المؤمنين رجال

# [الأحزاب: 23]

# ومنهم الذين يؤذون النبى

# [التوبة: 61] لأنه أريد في الأول الجنس، وفي مرجع الضمير في الثاني
~~طائفة معينة من المنافقين، ولما كان في الآية تفصيل معنوي لأنه سبحانه
~~ذكر المؤمنين ثم الكافرين ثم عقب بالمنافقين فصار نظيرا للتفصيل اللفظي،
~~وفي قوة تفصيل الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق  تضمن الإخبار عمن يقول بأنه
~~من الناس  فائدة، ولك أن تحمله على معنى من يختفي من المنافقين معلوم
~~لنا ولولا أن الستر من الكرم فضحته فيكون مفيدا أيضا وملوحا إلى تهديد
~~ما، وقيل: المراد بكونهم من الناس أنهم لا صفة لهم تميزهم سوى الصورة
~~الإنسانية، أو المراد التنبيه على أن الصفات المذكورة تنافي الإنسانية
~~فيتعجب منها أو مناط الفائدة الوجود أي إنهم موجودون فيما بينهم أو إنهم
~~من الناس لا من الجن إذ لا نفاق فيهم، أو المراد بالناس المسلمون والمعنى
~~أنهم يعدون مسلمين أو يعاملون معاملتهم فيما لهم وعليهم، ولا يخفى ما في
~~بعض هذه الوجوه من الكلف والتكلف ولكل ساقطة لاقطة، واختار أبو حيان هنا
~~أن تكون { من } موصلة مدعيا أنها إنما تكون موصوفة إذا وقعت في مكان
~~يختص بالنكرة في الأكثر، وفي غير ذلك قليل حتى أن السكاكي على علو كعبه
~~أنكره ولا يخفى ما فيه، ولا يرد على إرادة العهد أنه كيف يدخل المنافقون
~~مطلقا في الكفرة المصرين المحكوم عليهم بالختم وإن { ومن الناس }
~~الآية وقع عديلا لأن الذين كفروا بيانا للقسم الثالث المذبذب فلا يدخل
~~فيه لأن المراد بالمنافقين المصممون منهم المختوم عليهم بالكفر كما يدل
~~عليه

# صم بكم عمى فهم لا يرجعون

# [البقرة: 18] لا مطلق المنافقين ولأن اختصاصهم بخلط الخداع والاستهزاء
~~مع الكفر لا ينافي دخولهم تحت ms00195 الكفرة المصرين؛ وبهذا الاعتبار صاروا
~~قسما ثالثا فالقسمة ثنائية بحسب الحقيقة ثلاثية بالاعتبار، وفي قوله
~~تعالى: { يقول ءامنا } مراعاة للفظ (من) ومعناها ولو راعى الأول
~~فقط لقال آمنت أو الثاني فقط لقال يقولون ولما روعيا جميعا حسن مراعاة
~~اللفظ أولا إذ هو في الخارج قبل المعنى والواحد قبل الجمع ولو عكس جاز،
~~وزعم ابن عطية أنه لا يجوز الرجوع من جمع إلى توحيد ويرده قول الشاعر:

# لست ممن يكع أو يستكينو

# ن إذا كافحته خيل الأعادي

# واقتصر من متعلق الإيمان على الله واليوم الآخر مع أنهم كانوا يؤمنون
~~بأفواههم بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لأنهما المقصود
~~الأعظم من الإيمان إذ من آمن بالله تعالى على ما يليق بجلال ذاته آمن
~~بكتبه ورسله وشرائعه، ومن علم أنه إليه المصير استعد لذلك بالأعمال
~~الصالحة، وفي ذلك إشعار بدعوى حيازة الإيمان بطرفيه المبدأ والمعاد وما
~~طريقه العقل والسمع ويتضمن ذلك الإيمان بالنبوة أو أن تخصيص ذلك بالذكر
~~للإيذان بأنهم يبطنون الكفر فيما ليسوا فيه منافقين في الجملة لأن القوم
~~في المشهور كانوا يهودا وهم مخلصون في أصل الإيمان بالله واليوم الآخر
~~على ظنهم، ومع ذلك كانوا ينافقون في كيفية الإيمان بهما ويرون المؤمنين
~~أن إيمانهم بهما مثل إيمانهم فكيف فيما يقصدون به النفاق المحض وليسوا
~~مؤمنين به أصلا كنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم والقرآن أو أنهم قصدوا
~~بتخصيص الإيمان بهما التعرض بعدم الإيمان بخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم
~~وما بلغه ففي ذلك بيان لمزيد خبثهم، وهذا لو قصد حقيقته حينئذ لم يكن
~~إيمانا لأنه لا بد من الإقرار بما جاء به صلى الله عليه وسلم فكيف وهو
~~مخادعة وتلبيس؟! وقيل: إنه لما كان غرضهم المبالغة في خلوص إسلامهم بأنهم
~~تركوا عقائدهم التي كانوا عليها في المبدأ والمعاد واعترفوا أنهم كانوا
~~في ضلال خصوا إيمانهم بذلك لأنهم كانوا قائلين بسائر الأصول، وأما النبوة
~~فليس في الإيمان بها اعتراف بذلك، وأيضا ترك/ الراسخ في القلب مما عليه
~~الإباء بترك ms00196 الإيمان به صلى الله عليه وسلم من المسلمات فكأنهم لم
~~يتعرضوا له للإشارة إلى أنه مما لا شبهة في أنهم معتقدون له بعد اعتقادهم
~~ما هو أشد منه عليهم  وحمل { بالله وباليوم الأخر } على
~~القسم منهم على الإيمان  سمج بالله، وأسمج منه بمراتب حمله على القسم
~~منه تعالى على عدم إيمانهم بتقدير ما آمنوا { وما هم بمؤمنين }
~~فيجب أن يكون الباء صلة الإيمان وكررت مبالغة في الخديعة والتلبيس بإظهار
~~أن إيمانهم تفصيلي مؤكد قوي.

# واليوم الآخر يحتمل أن يراد به الوقت الدائم من الحشر بحيث لا يتناهى أو
~~ما عينه الله تعالى منه إلى استقرار كل من المؤمنين والكافرين فيما أعد
~~له، وسمي آخرا لأنه آخر الأوقات المحدودة والأشبه هو الأول لأن إطلاق
~~اليوم شائع عليه في القرآن سواء كان حقيقة أو مجازا ولأن الإيمان به
~~يتضمن الإيمان بالثاني لدخوله فيه من غير عكس، نعم المناسب للفظ اليوم
~~لغة هو الثاني لمحدوديته وهو على كل تقدير مغاير لما عند الناس لأن اليوم
~~عرفا من طلوع الشمس إلى غروبها وشرعا على الصحيح من طلوع الفجر الصادق
~~إلى الغروب، واصطلاحا من نصف النهار إلى نصف النهار والأمر وراء ذلك،
~~وسيأتي لذلك تتمة.

# وفي قوله سبحانه: { وما هم بمؤمنين } حيث قدم الفاعل وأولى حرف
~~النفي رد لدعوى أولئك المنافقين على أبلغ وجه لأن انخراطهم في سلك
~~المؤمنين من لوازم ثبوت الإيمان الحقيقي لهم وانتفاء اللازم أعدل شاهد
~~على انتفاء الملزوم، وقد بولغ في نفي اللازم بالدلالة على دوامه المستلزم
~~لانتفاء حدوث الملزوم مطلقا، وأكد ذلك النفي بالباء أيضا وهذا سبب
~~العدول عن الرد بما آمنوا المطابق لصدر الكلام، وبعضهم يجري الكلام على
~~التخصيص وأن الكفار لما رأوا أنفسهم أنهم مثل المؤمنين في الإيمان
~~الحقيقي وادعوا موافقتهم قيل في جوابهم: { وما هم بمؤمنين } على
~~قصر الإفراد والذوق يبعده، وإطلاق الوصف للإشارة إلى العموم وأنهم ليسوا
~~من الإيمان في شيء، وقد يقيد بما قيد به سابقه لأنه واقع في جوابه إلا أن
~~نفي المطلق يستلزم ms00197 نفي المقيد فهو أبلغ وأوكد.

# وفي هذه الآية دلالة على أن من لم يصدق بقلبه لا يكون مؤمنا، وأما على
~~أن من أقر بلسانه وليس في قلبه ما يوافقه أو ينافيه ليس بمؤمن فلا لوجود
~~المنافي في المنافق هنا لأنه من المختوم على قلبه أو لأن الله تعالى كذبه
~~وليس إلا لعدم مطابقة التصديق القلبي للساني كذا قيل، ودقق بعضهم مدعيا
~~أن من يجعل الإيمان الإقرار اللساني سواء يشترط الخلو عن الانكار
~~والتكذيب أم لا يشترط أن يكون الإقرار بالشهادتين ولا يكفي عنده نحو آمنت
~~بالله وباليوم الآخر لأن المدار على النطق بهما كما ورد في " الصحيح "
~~حتى اشترط بعضهم لفظ اشهد، والاسم الخاص به تعالى واسم محمد صلى الله
~~عليه وسلم فليس في الآية حينئذ دليل على إبطال مذهب الكرامية بوجه
~~فليتدبر.

### || [2.9]

# أصل الخدع بفتح الخاء وكسرها الإخفاء والإيهام، وقيل: بالكسر اسم مصدر،
~~ومنه المخدع للخزانة والأخدعان لعرقين خفيين في موضع المحجمة وخدع الضب
~~إذا توارى واختفى ويستعمل في إظهار ما يوهم السلامة وإبطال ما يقتضي
~~الإضرار بالغير أو التلخص منه كما قاله الإمام، وقال السيد: هو أن يوهم
~~صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه وتصيبه به، وفي «الكشف» التحقيق أن
~~الخدع صفة فعلية قائمة بالنفس عقيب استحضار مقدمات في الذهن متوصل بها
~~توصلا/ يستهجن شرعا أو عقلا أو عادة إلى استجرار منفعة من نيل معروف
~~لنفسه أو إصابة مكروه لغيره مع خفائهما على الموجه نحوه القصد بحيث لا
~~يتأتى ذلك النيل أو الإصابة بدونه أو لو تأتى لزم فوت غرض آخر حسب تصوره
~~وعليه يكون الحرب خدعة مجازا ولا تخفى غرابته. والمخادعة مفاعلة،
~~والمعروف فيها أن يفعل كل أحد بالآخر مثل ما يفعله به فيقتضي أن يصدر من
~~كل واحد من الله ومن المؤمنين ومن المنافقين فعل يتعلق بالآخر، وظاهر هذا
~~مشكل لأن الله سبحانه لا يخدع ولا يخدع، أما على التحقيق فلأنه غني عن كل
~~نيل وإصابة واستجرار منفعة لنفسه وهو أيضا متعال على التعمل ms00198 واستحضار
~~المقدمات ولأنه جل عن أن يحوم حول سرادقات جلاله نقص الانفعال وخفاء
~~معلوم ما عليه، وأما على ما ذكره السيد فلأنه جل شأنه أجل من أن تخفى
~~عليه خافية أو يصيبه مكروه فكيف يمكن للمنافقين أن يخدعوه ويوقعوا في
~~علمه خلاف ما يريدون من المكروه ويصيبونه به مع أنهم لكونهم من أهل
~~الكتاب عالمون باستحالة ذلك، والعاقل لا يقصد ما تحقق لديه امتناعه، وأما
~~أنه لا يخدع فلأنه وإن جاز عندنا أن يوقع سبحانه في أوهام المنافقين خلاف
~~ما يريده من المكاره ليغتروا ثم يصيبهم به لكن يمتنع أن ينسب إليه لما
~~يوهمه من أنه إنما يكون عن عجز عن المكافحة وإظهار المكتوم لأنه المعهود
~~منه في الإطلاق  كما في «الانتصاف»  ولذا زيد في تفسيره مع استشعار خوف
~~أو استحياء من المجاهرة، وأما المؤمنون وإن جاز أن يخدعوا إلا أنه يبعد
~~أن يقصدوا خدع المنافقين لأنه غير مستحسن بل مذموم مستهجن وهي أشبه شيء
~~بالنفاق وهم في غنى عنه على أن الانخداع المتمدح به هو التخادع بمعنى
~~إظهار التأثر دونه كرما كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم:

# " المؤمن غر كريم "

# لا الانخداع الدال على البله، ولذا قالت عائشة في عمر رضي الله تعالى
~~عنهما: كان أعقل من أن يخدع وأفضل من أن يخدع، ويجاب عن ذلك بأن صورة
~~صنيعهم مع الله تعالى حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون، وصورة صنيع الله
~~تعالى معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عند أهل الدرك
~~الأسفل، وصورة صنيع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر الله تعالى فيهم
~~فأجروا ذلك عليهم تشبه صورة المخادعة ففي الكلام إما استعارة تبعية في {
~~يخدعون } وحده أو تمثيلية في الجملة وحيث إن ابتداء الفعل في باب
~~المفاعلة من جانب الفاعل صريحا وكون المفعول آتيا بمثل فعله مدلول عليه
~~من عرض الكلام حسن إيراد ذلك في معرض الذم لما أسند إليه الفعل صريحا
~~وكون مقتضى المقام إيراد حالهم خاصة  كما قاله مولانا مفتي الديار
~~الرومية  مما لا ms00199 يخدش هذا الوجه الحسن أو يجاب  كما قيل  بأن المراد
~~مخادعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوقع الفعل على غير ما يوقع عليه
~~للملابسة بينهما وهي الخلافة فهناك مجاز عقلي في النسبة الإيقاعية وهذا
~~ظاهر على رأي من يكتفي بالملابسة بين ما هو له وغير ما هو له، وأما على
~~رأي من يعتبر ملابسة الفعل بغير ما هو له بأن يكون من معمولاته فلا، على
~~أنه يبقى من الإشكال أن لا خدع من الرسول والمؤمنين ولا مجال لأن يكون
~~الخدع من أحد الجانبين حقيقة ومن الآخر مجازا لاتحاد اللفظ وكأن المجيب
~~إما قائل بجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز أو غير قائل بامتناع صدور
~~الخدع من الرسول والمؤمنين حتى يتأتى لهم ما يريدون من إعلاء الدين
~~ومصالح المسلمين.

# وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأبو حيوة (يخدعون) والجواب عما يلزم
~~هو الجواب فيما يلزم، وقد تأتي/ فاعل بمعنى فعل كعافاني الله تعالى
~~وعاقبت اللص فلا بعد في حمل قراءة الجمهور على ذلك ويكون إيثار صيغة
~~المفاعلة لإفادة المبالغة في الكيفية فإن الفعل متى غولب فيه بولغ به أو
~~في الكمية كما في الممارسة والمزاولة فإنهم كانوا مداومين على الخدع و {
~~يخدعون } إما بيان ل { يقول } [البقرة:8] لا على وجه العطف إذ
~~لا يجري عطف البيان في الجمل عند النحاة وإن أوهمه كلام أهل المعاني وإما
~~استئناف بياني كأنه قيل لم يدعون الإيمان كاذبين وماذا نفعهم؟ فقيل
~~يخادعون الخ، وهذا في المآل كالأول ولعل الأول أولى.

# وجوز أبو حيان كون هذه الجملة بدلا من صلة { من } [البقرة:8] بدل
~~اشتمال أو حالا من الضمير المستكن في { يقول } [البقرة:8] أي مخادعين،
~~وأبو البقاء أن يكون حالا من الضمير المستتر في { مؤمنين } [البقرة:8]،
~~ولعل النفي متوجه للمقارنة لا لنفس الحال  كما في ما جاءني زيد، وقد طلع
~~الفجر 

# وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان
~~الله معذبهم وهم يستغفرون

# [الأنفال: 33] على أنه قد تجعل الحال ونحوها في مثل ذلك قيدا للنفي لا ms00200
~~للمنفي كما قرروه في  لم أبالغ  في اختصاره تقريبا، وجعل الجملة صفة
~~للمؤمنين ممنوع لمكان النفي والقيد وليست حال الصفة كصفة الحال فلا عجب
~~في تجويز إحداهما ومنع الأخرى كما توهمه أبو حيان في «بحره»، نعم التعجب
~~من كون الجملة بيانا للتعجب من كونهم من الناس كما لا يخفى.

# ثم إن الغرض من مخادعة هؤلاء لمن خادعوه كالغرض من نفاقهم طبق النعل
~~بالنعل فقد قصدوا تعظيمهم عند المؤمنين والتطلع على أسرارهم ليفشوها ورفع
~~القتل عنهم أو ضرب الجزية عليهم والفوز بسهم من الغنائم ونحو ذلك وثمرة
~~مخادعة من خادعوه إياهم إن كانت حكم إلهية ومصالح دينية ربما يؤدي تركها
~~إلى مفاسد لا تحصى ومحاذير لا تستقصى.

# وقرأ الحرميان وأبو عمرو: { وما يخدعون } ، وقرأ باقي السبعة:
~~{ وما يخدعون } وقرأ الجارود وأبو طالوت: { وما يخدعون }
~~بضم الياء مبنيا للمفعول. وقرأ بعضهم: { وما يخدعون } بفتح
~~الدال مبنيا للمفعول أيضا وقرأ قتادة والعجلي: { وما يخدعون }
~~من خدع مضاعفا مبنيا للفاعل، وبعضهم بفتح الياء والخاء وتشديد الدال
~~المكسورة وما عدا القراءتين الأوليين شاذة وعليهما نصب { أنفسهم } على
~~المفعولية الصرفة أو مع الفاعلية معنى، وأما على قراءة بناء الفعل
~~للمفعول فهو إما على إسقاط الجار أي في أنفسهم أو عن أنفسهم أو على
~~التمييز على رأي الكوفيين أو التشبيه بالمفعول على زعم بعضهم أو على أنه
~~مفعول بتضمين الفعل يتنقصون مثلا، ولا يشكل على قراءة (يخادعون) أنه كيف
~~يصح حصر الخداع على أنفسهم، وذلك يقتضي نفيه عن الله تعالى والمؤمنين،
~~وقد أثبت أولا، وإن المخادعة إنما تكون في الظاهر بين اثنين فكيف يخادع
~~أحد نفسه لأنا نقول المراد أن دائرة الخداع راجعة إليهم وضررها عائد
~~عليهم فالخداع هنا هو الخداع الأول والحصر باعتباره أن ضرره عائد إلى
~~أنفسهم فتكون العبادة الدالة عليه مجازا أو كناية عن انحصار ضررها فيهم
~~أو نجعل لفظ الخداع مجازا مرسلا عن ضرره في المرتبة الثانية، وكونه
~~مجازا باعتبار الأول كما قاله السعد غير ظاهر. وقد يقال إنهم خدعوا
~~أنفسهم لما غروها ms00201 بذلك وخدعتهم حيث حدثتهم بالأماني الخالية، فالمراد
~~بالخداع غير الأول. والمخادع والمخادع متغايران بالاعتبار فالخداع على
~~هذا مجاز عن إيهام الباطل وتصويره بصورة الحق، وحمله على حقيقته بعيد
~~وكون ذلك من التجريد كقوله:

# لا خيل عندك تهديها ولا مال

# فليسعد النطق إن لم يسعد الحال

# لا يرتضيه الذوق السليم كالقول بأن الكلام من باب المبالغة في امتناع
~~خداعهم لله تعالى وللمؤمنين لأنه كما لا يخفى خداع المخادع لنفسه فيمتنع
~~خداعه لها يمتنع خداع الله تعالى لعلمه والمؤمنون لاطلاعهم باعلامه تعالى
~~أو الكناية عن أن مخالفتهم ومعاداتهم لله تعالى وأحبابه معاملة مع أنفسهم
~~لأن الله تعالى والمؤمنين ينفعونهم كأنفسهم،/ وبعضهم يجعل التعبير هنا
~~بالمخادعة للمشاكلة مع كون كل من المشاكل والمشاكل مجازا وكل يعمل على
~~شاكلته.

# والنفس حقيقة الشيء وعينه ولا اختصاص لها بالأجسام لقوله تعالى:

# كتب على نفسه الرحمة

# [الأنعام: 12]

# ويحذركم الله نفسه

# [آل عمران: 28] وتطلق على الجوهر البخاري اللطيف الحال لقوة الحياة
~~والحس والحركة الإرادية وسماها الحكيم الروح الحيوانية وأول عضو تحله
~~القلب إذ هو أول ما يخلق على المشهور، ومنه تفيض إلى الدماغ والكبد وسائر
~~الأعضاء ولا يلزم من ذلك أن يكون منبت الأعصاب إذ من الجائز أن يكون
~~العضو المستفيد منبتا لآلة الاستفادة، وقيل: الدماغ لأنه المنبت ولم تقم
~~دلالة قطعية على ذلك كما في «شرح القانون» للإمام الرازي وكثيرا ما تطلق
~~على الجوهر المجرد المتعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف وهي الروح
~~الأمرية المرادة في - " من عرف نفسه فقد عرف ربه " - وتسمى النفس الناطقة
~~وبتنوع صفاتها تختلف أسماؤها وأحظى الأعضاء بإشراق أنوارها المعنوية
~~القلب أيضا ولذلك الشرف قد يسمى نفسا، وبعضهم يسمي الرأي بها، والظاهر
~~في الآية على ما قيل: المعنى الأول إذ المقصود بيان أن ضرر مخادعتهم راجع
~~إليهم ولا يتخطاهم إلى غيرهم وليس بالمتعين كما لا يخفى، وتطلق على معان
~~أخر ستسمعها مع تحقيق هذا المبحث إن شاء الله تعالى.

# وجملة { وما يشعرون } مستأنفة أو معطوفة على { وما يخدعون
~~إلا أنفسهم } ومفعول { يشعرون } محذوف أي: ms00202 وما يشعرون أنهم
~~يخدعونها أو أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون أو إطلاع الله تعالى نبيه
~~صلى الله عليه وسلم على خداعهم وكذبهم كما روي ذلك عن ابن عباس أو هلاك
~~أنفسهم وإيقاعها في الشقاء الأبدي بكفرهم ونفاقهم كما روي عن زيد، أو
~~المراد لا يشعرون بشيء، ويحتمل كما في «البحر» أن يكون { وما
~~يشعرون } جملة حالية أي: وما يخدعون إلا أنفسهم غير شاعرين بذلك ولو
~~شعروا لما خادعوا، والشعور الادراك بالحواس الخمس الظاهرة ويكون بمعنى
~~العلم، قال الراغب: شعرت كذا يستعمل بوجهين بأن يؤخذ من مس الشعر ويعبر
~~به عن اللمس؛ ومنه استعمل المشاعر للحواس، فإذا قيل: فلان لا يشعر فذلك
~~أبلغ في الذم من أنه لا يسمع ولا يبصر لأن حس اللمس أعم من حس السمع
~~والبصر، وتارة يقول: شعرت كذا أي أدركت شيئا دقيقا من قولهم شعرته أي
~~أصبت شعره نحو أذنته ورأسته وكان ذلك إشارة إلى قولهم فلان يشق الشعر إذا
~~دق النظر؛ ومنه أخذ الشاعر لإدراك دقائق المعاني انتهى. والآية تحتمل نفي
~~الشعور بمعنى العلم فمعنى { لا يشعرون } لا يعلمون وكثيرا ما ورد
~~بهذا المعنى، وفي اللحاق نوع إشارة إليه، ويحتمل نفيه بمعنى الإدراك
~~بالحواس فيجعل متعلق الفعل كالمحسوس الذي لا يخفى إلا على فاقد الحواس،
~~ونفي ذلك نهاية الذم لأن من لا يشعر بالبديهي المحسوس مرتبته أدنى من
~~مرتبة البهائم فهم كالأنعام بل هم أضل. ولعل هذا أولى لما فيه من التهكم
~~بهم مع الدلالة على نفي العلم بالطريق الأولى، وهو أيضا أنسب بقوله
~~تعالى:

# ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى
~~أبصرهم غشوة

# [البقرة: 7] كما لا يخفى.

### || [2.10]

# المرض بفتح الراء كما قرأ الجمهور، وبسكونها كما قرأ الأصمعي عن أبي
~~عمر وعلى ما ذهب إليه أهل اللغة حالة خارجة عن الطبع ضارة بالفعل، وعند
~~الأطباء ما يقابل الصحة وهي الحالة التي تصدر عنها الأفعال سليمة،
~~والمراد من الأفعال ما هو متعارف وهي إما طبيعية كالنمو أو حيوانية
~~كالنفس أو نفسانية كجودة الفكر، ms00203 فالحول والحدب مثلا مرض عندهم دون أهل
~~اللغة وقد يطلق المرض لغة على أثره وهو الألم كما قاله جمع ممن يوثق بهم،
~~وعلى الظلمة كما في قوله:

# في ليلة مرضت من كل ناحية

# فما يحس بها نجم ولا قمر

# وعلى ضعف القلب وفتوره كما قاله غير واحد ويطلق مجازا على ما يعرض
~~المرء مما يخل بكمال نفسه كالبغضاء والغفلة وسوء العقيدة والحسد وغير ذلك
~~من موانع الكمالات المشابهة لاختلال البدن المانع عن الملاذ والمؤدية إلى
~~الهلاك الروحاني الذي هو أعظم من الهلاك الجسماني، والمنقول عن ابن مسعود
~~وابن عباس ومجاهد وقتادة وسائر السلف الصالح حمل المرض في الآية على
~~المعنى المجازي. ولا شك أن قلوب المنافقين كانت ملأى من تلك الخبائث التي
~~منعتهم مما منعتهم وأوصلتهم إلى الدرك الأسفل من النار. ولا مانع عند
~~بعضهم أن يحمل المرض أيضا على حقيقته الذي هو الظلمة

# ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور

# [النور: 40]

# والذين كفروا أولياؤهم الطغوت يخرجونهم
~~من النور إلى الظلمت

# [البقرة: 257] وكذا على الألم فإن في قلوب أولئك ألما عظيما بواسطة
~~شوكة الإسلام وانتظام أمورهم غاية الانتظام، فالآية على هذا محتملة
~~للمعنيين ونصب القرينة المانعة في المجاز إنما يشترط في تعيينه دون
~~احتماله فإذا تضمن نكتة ساوى الحقيقة فيمكن الحمل عليهما نظرا إلى
~~الأصالة والنكتة إلا أنه يرد هنا أن الألم مطلقا ليس حقيقة المرض بل
~~حقيقته الألم لسوء المزاج وهو مفقود في المنافقين والقول بأن حالهم التي
~~هم عليها تفضي إليه في غاية الركاكة على أن قلوب أولئك لو كانت مريضة
~~لكانت أجسامهم كذلك أو لكان الحمام عاجلهم ويشهد لذلك الحديث النبوي
~~والقانون الطبي، أما الأول: فلقوله صلى الله عليه وسلم:

# " إن في الجسد مضغة "

# الحديث، وأما الثاني: فلأن الحكماء بعد أن بينوا تشريح القلب قالوا إذا
~~حصلت فيه مادة غليظة فإن تمكنت منه ومن غلافه أو من أحدهما عاجلت المنية
~~صاحبه وإن لم تتمكن تأخرت الحياة مدة يسيرة ولا سبيل إلى بقائها مع مرض ms00204
~~القلب، فالأولى دراية ورواية حمله على المعنى المجازي  ومنه الجبن
~~والخور  وقد داخل ذلك قلوب المنافقين حين شاهدوا من رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم والمؤمنين ما شاهدوا.

# والتنوين للدلالة على أنه نوع غير ما يتعارفه الناس من الأمراض، ولم
~~يجمع كما جمع القلوب لأن تعداد المحال يدل على تعداد الحال عقلا فاكتفى
~~بجمعها عن جمعه.

# والجملة الأولى إما مستأنفة لبيان الموجب لخداعهم وما هم فيه من النفاق
~~أو مقررة لما يفيده

# وما هم بمؤمنين

# [البقرة: 8] من استمرار عدم إيمانهم أو تعليل له كأنه قيل: ما بالهم لا
~~يؤمنون؟ فقال: في قلوبهم مرض يمنعه أو مقررة لعدم الشعور وإن كان سبيل
~~قوله:

# وما يشعرون

# [البقرة: 9] سبيل الاعتراض على ما قيل وجملة { فزادهم الله
~~مرضا } إما دعائية معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه والمعترضة قد
~~تقترن بالفاء كما في قوله:

# واعلم فعلم المرء ينفعه

# أن سوف يأتي كلما قدرا

# كما صرح به في «التلويح» وغيره نقلا عن النحاة أو إخبارية معطوفة على
~~الأولى وعطف الماضي على الإسمية لنكتة إن أريد في الأولى أن ذلك لم يزل
~~غضا طريا إلى زمن الإخبار، وفي الثانية أن ذلك سبب لازدياد مرضهم
~~المحقق إذ لولا تدنس فطرتهم لازدادوا بما من الله تعالى به على المؤمنين
~~شفاء ولا يتكرر هذا مع قوله تعالى:

# ويمدهم في طغينهم

# [البقرة: 15] للفرق بين زيادة المرض وزيادة الطغيان على أنه لا مانع من
~~زيادة التوكيد مع بعد المسافة، وأيضا الدعاء إن لم يكن جاريا على لسان
~~العبد أو مرادا به مجرد السب والتنقيص يكون إيجابا منه سبحانه فيؤول
~~إلى ما آل إليه الإخبار وزيادة الله تعالى مرضهم إما بتضعيف حسدهم بزيادة
~~نعم الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أو ظلمة قلوبهم
~~بتجدد كفرهم بما ينزله سبحانه شيئا فشيئا من الآيات والذكر الحكيم فهم
~~في ظلمات بعضها فوق بعض أو بتكثير خوفهم ورعبهم المترتب عليه ترك
~~مجاهرتهم بالكفر بسبب/ إمداد الله تعالى الإسلام ورفع أعلامه على أعلام
~~الإعزاز والاحترام، أو ms00205 بإعظام الألم بزيادة الغموم وإيقاد نيران الهموم:

# والغم يخترم النفوس نحافة

# ويشيب ناصية الصبي ويهرم

# ويكون ذلك بتكاليف الله تعالى لهم المتجددة وفعلهم لها مع كفرهم بها
~~وبتكليف النبي صلى الله عليه وسلم لهم ببعض الأمور وتخلفهم عنه الجالب
~~لما يكرهونه من لومهم وسوء الظن بهم فيغتمون إن فعلوا وإن تركوا ونسبة
~~الزيادة إلى الله تعالى حقيقة ولو فسرت بالطبع فإنه سبحانه الفاعل
~~الحقيقي بالأسباب وبغيرها ولا يقبح منه شيء، وبعضهم جعل الإسناد مجازا
~~في بعض الوجوه ولعله نزغة اعتزالية، وأغرب بعضهم فقال: الإسناد مجازي
~~كيفما كان المرض، وحمل على أن المراد أنه ليس هنا من يزيدهم مرضا حقيقة
~~على رأي الشيخ عبد القاهر في أنه لا يلزم في الإسناد المجازي أن يكون
~~للفعل فاعل يكون الإسناد إليه حقيقة مثل:

# يزيدك وجهه حسنا

# إذا ما زدته نظرا

# فتدبر، وإنما عدى سبحانه الزيادة إليهم لا إلى القلوب فلم يقل فزادها
~~إما ارتكابا لحذف المضاف  أي فزاد الله قلوبهم مرضا  أو إشارة إلى أن
~~مرض القلب مرض لسائر الجسد أو رمزا إلى أن القلب هو النفس الناطقة
~~ولولاها ما كان الإنسان إنسانا وإعادة مرض منكرا لكونه مغايرا للأول
~~ضرورة أن المزيد يغاير المزيد عليه، وتوهم من زعم أنه من وضع المظهر موضع
~~المضمر، والتنكير للتفخيم، والأليم فعيل من الألم بمعنى مفعل كالسميع
~~بمعنى مسمع، وعلى ما ذهب إليه الزمخشري من ألم الثلاثي كوجيع من وجع،
~~وإسناده إلى العذاب مجاز على حد جد جده، ولم يثبت عنده فعيل بمعنى مفعل
~~وجعل

# بديع السموات

# [البقرة: 117] من باب الصفة المشبهة أي بديعة سمواته، وسميع في قوله:

# أمن ريحانة الداعي السميع

# يؤرقني وأصحابي هجوع

# بمعنى سامع  أي أمن ريحانة داع من قلبي سامع لدعاء داعيها  بدليل ما
~~بعده فإن أكثر القلق والأرق إنما يكون من دواعي النفس وأفكارها فعلى هذا
~~يكون تفسيره بمؤلم اسم فاعل بيان لحاصل المعنى، وقد أخرج ابن أبي حاتم
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كل شيء في القرآن أليم فهو ms00206 موجع، وقد
~~جمع للمنافقين نوعان من العذاب، عظيم وأليم، وذلك للتخصيص بالذكر هنا
~~والاندراج مع الكفار هناك؛ قيل: وهذه الجملة معترضة لبيان وعيد النفاق
~~والخداع.

# والباء إما للسببية أو للبدلية و(ما) إما مصدرية مؤولة بمصدر كان إن كان
~~أو بمصدر متصيد من الخبر كالكذب وإما موصولة، واستظهره أبو البقاء بأن
~~الضمير المقدر عائد على ما أورده في «البحر» بأنه لا يلزم أن يكون ثم
~~مقدر بل من قرأ (يكذبون) بالتخفيف وهم الكوفيون فالفعل غير متعد ومن قرأ
~~بالتشديد كنافع وابن كثير وأبي عمر فالمفعول محذوف لفهم المعنى والتقدير
~~بكونهم يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، ويحتمل أن يكون
~~المشدد في معنى المخفف للمبالغة في الكيف كما قالوا في بان الشيء وبين،
~~وصدق وصدق وقد يكون التضعيف للزيادة في الكم كموتت الإبل ويحتمل أن يكون
~~من كذب الوحش إذا جرى ووقف لينظر ما وراءه، وتلك حال المتحير وهي حال
~~المنافق ففي الكلام حينئذ استعارة تبعية تمثيلية أو تبعية أو تمثيلية
~~ويشهد لهذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم:

# " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى
~~هذه مرة "

# والجار والمجرور صفة لعذاب لا لأليم كما قاله أبو البقاء لأن الأصل في
~~الصفة أن لا توصف.

# والكذب هو الإخبار عن الشيء النسبة أو الموضوع على خلاف/ ما هو عليه في
~~نفس الأمر عندنا، وفي الاعتقاد عند النظام، وفيهما عند الجاحظ، وكل مقصود
~~محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام لعدم
~~الحاجة إليه فإن لم يمكن إلا بالكذب فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك
~~المقصود مباحا وواجب إن كان واجبا، وصرح في الحديث بجوازه في ثلاث
~~مواطن، في الحرب، وإصلاح ذات البين، وكذب الرجل لامرأته ليرضيها ولا حصر
~~ولهذا جاز تلقين الذين أقروا بالحدود الرجوع عن الإقرار فينبغي أن يقابل
~~بين مفسدة الكذب والمفسدة المترتبة على الصدق فإن كانت المفسدة في الصدق
~~أشد ضررا فله الكذب وإن كان عكسه أو شك حرم ms00207 عليه، فما قاله الإمام
~~البيضاوي عفا الله تعالى عنه من أن الكذب حرام كله يوشك أن يكون مما سها
~~فيه.

# وفي الآية تحريض للمؤمنين على ما هم عليه من الصدق والتصديق فإن المؤمن
~~إذا سمع ترتب العذاب على الكذب دون النفاق الذي هو هو تخيل في نفسه تغليظ
~~اسم الكذب وتصور سماجته فانزجر عنه أعظم انزجار، وهذا ظاهر على قراءة
~~التخفيف ويمكن في غيرها أيضا لأن نسبة الصادق إلى الكذب كذب، وكذا كثرته
~~وإن تكلف في المعنى الأخير، وقيل: إنه مأخوذ من كذب المتعدي كأنه يكذب
~~رأيه فيقف لينظر لكن لما كثر استعماله في هذا المعنى وكانت حالة المنافق
~~شبيهة بهذا جاز أن يستعار منه لها أمكن على بعد بعيد ذلك التحريض، ولا
~~يرد على تحريم الكذب في بعض وجوهه ما روي في حديث الشفاعة عن إبراهيم
~~عليه السلام أنه يقول: «لست لها إني كذبت ثلاث كذبات» وعنى كما في رواية
~~أحمد

# إنى سقيم

# [الصافات: 98] و

# بل فعله كبيرهم

# [الأنبياء: 63]. وقوله للملك في جواب سؤاله عن امرأته سارة: هي أختي حين
~~أراد غصبها، وكان من طريق السياسة التعرض لذات الأزواج دون غيرهن بدون
~~رضاهن فإنها إن كانت من الكذب المحرم فأين العصمة وهو أبو الأنبياء؟! وإن
~~لم تكن كذلك فقد أخبر يوم القيامة بخلاف الواقع وحاشاه حيث إن المفهوم من
~~ذلك الكلام أني أذنبت فأستحي أن أشفع، وهي يستحي مما لا إثم فيه ولقوة
~~هذه الشبهة قطع الرازي بكذب الرواية صيانة لساحة إبراهيم عليه السلام
~~لأنا نقول إن ذلك من المعاريض، وفيها مندوحة عن الكذب، وقد صدرت من سيد
~~أولي العصمة صلى الله عليه وسلم كقوله مما في حديث الهجرة، وتسميته كذبا
~~على سبيل الاستعارة للاشتراك في الصورة فهي من المعاريض الصادقة كما
~~ستراه بأحسن وجه إن شاء الله تعالى في موضعه لكنها لما كانت مبنية على
~~لين العريكة مع الأعداء، ومثله ممن تكفل الله تعالى بحمايته يناسبه
~~المبارزة  فلعدوله عن الأولى بمقامه  عد ذلك في ذلك المقام ذنبا وسماه ms00208
~~كذبا لكونه على صورته، وما وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام من ذلك لم
~~يقع في مثل هذا المقام حتى يستحيى منه فلكل مقام مقال، على أنا نقول إنها
~~لو كانت كذبا حقيقة لا ضرر فيها ولا استحياء منها، كيف وقد قال صلى الله
~~عليه وسلم:

# " ما منها كذبة إلا جادل بها عن دين الله تعالى فهي من الكذب المباح "

# لكن لما كان مقام الشفاعة هو المقام المحمود المخبوء للحبيب لا الخليل
~~أظهر الاستحياء للدفع عنه بما يظن أنه مما يوجب ذلك وهو لا يوجبه. وفي
~~ذلك من التواضع وإظهار العجز والدفع بالتي هي أحسن مما لا يخفى فكأنه
~~قال: أنا لا آمن من العتاب على كذب مباح فكيف لي بالشفاعة لكم في هذا
~~المقام فليحفظ.

# ثم إن الإتيان بالأفعال المضارعة في أخبار الأفعال الماضية الناقصة أمر
~~مستفيض  كأصبح يقول كذا، وكادت تزيغ قلوب فريق منهم  ومعناه أنه في
~~الماضي كان مستمرا متجددا بتعاقب الأمثال والمضي والاستقبال بالنسبة
~~لزمان الحكم، وقد عد الاستمرار من معاني (كان) فلا إشكال في { بما
~~كانوا يكذبون } حيث دلت (كان) على انتساب الكذب إليهم في الماضي
~~ويكذبون على انتسابه في الحال والاستقبال/ والزمان فيهما مختلف ودفعه بأن
~~(كان) دالة على الاستمرار في جميع الأزمنة ويكذبون دل على الاستمرار
~~التجددي الداخل في جميع الأزمنة على علاته يغني الله تعالى عنه. وأمال
~~حمزة فزادهم في عشرة أفعال ووافقه ابن ذكوان في إمالة جاء وشاء وزاد هذه،
~~وعنه خلاف في زاد غيرها، والإمالة لتميم والتفخيم للحجاز. وقد نظم أبو
~~حيان تلك العشرة فقال:

# وعشرة أفعال تمال لحمزة

# فجاء وشاء ضاق ران وكملا

# بزاد وخاب طاب خاف معا وحا

# ق زاغ سوى الأحزاب مع صادها فلا

### || [2.11]

# اختلف في هذه الجملة فقيل معطوفة على

# يكذبون

# [البقرة: 10] لأنه أقرب وليفيد تسببه للعذاب أيضا وليؤذن أن صفة الفساد
~~يحترز منها كما يحترز عن الكذب. ووجه إفادته لتسبب الفساد للعذاب أنه
~~داخل في حيز صلة الموصول الواقع سببا إذ المعنى في قولهم: { إنما ms00209
~~نحن مصلحون } إنكار لادعائهم أن ما نسب لهم منه صلاح وهو عناد
~~وإصرار على الفساد والإصرار على ذلك فساد وإثم، وهذا الذي مال إليه
~~الزمخشري  وهو مبني على عدم الاحتياج إلى ضمير في الجملة  يعود إلى
~~(ما) فإنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع وإلا يكون التقدير
~~ولهم عذاب أليم بالذي كانوا إذا قيل لهم الخ وهو غير منتظم وكأن من يجعل
~~(ما) مصدرية يجعل الوصل ب (كان) حيث لم يعهد وصلها بالجملة الشرطية نعم
~~يرد أن قوله تعالى: { إنما نحن مصلحون } كذب فيؤول المعنى
~~إلى استحقاق العذاب بالكذب وعطف التفسير مما يأباه الذوق والاستعمال ومن
~~هنا قيل: بأن هذا العطف وجيه على قراءة

# يكذبون

# [البقرة: 10] بالتشديد على أحد احتمالاته ليكون سببا للجمع بين ذمهم
~~بالكذب والتكذيب. وقول مولانا مفتي الديار الرومية في الاعتراض: إن هذا
~~النحو من التعليل حقه أن يكون بأوصاف ظاهرة العلية مسلمة الثبوت للموصوف
~~غنية عن البيان لشهرة الاتصاف بها عند السامع أو لسبق الذكر صريحا أو
~~استلزاما، ولا ريب في أن هذه الشرطية غير معلومة الانتساب بوجه حتى
~~تستحق الانتظام في سلك التعليل لا يخفى ما فيه على من أمعن النظر، وقيل:
~~معطوفة على

# يقول

# [البقرة: 8] لسلامته مما في ذلك العطف من الدغدغة ولتكون الآيات حينئذ
~~على نمط تعديد قبائحهم وإفادتها اتصافهم بكل من تلك الأوصاف استقلالا
~~وقصدا ودلالتها على لحوق العذاب بسبب كذبهم الذي هو أدنى أحوالهم فما
~~ظنك بسائرها؟ ولكون هذا الماضي لمكان إذا مستقبلا حسن العطف، وفيه أن
~~مآل هذه الجملة الكذب كما أشير إليه فلا تغاير سابقها ولو سلم التغاير
~~بالاعتبار وضم القيود فهي جزء الصلة أو الصفة وكلاهما يقتضي عدم
~~الاستقلال، وأيضا كون ذلك الكذب أدنى أحوالهم لا يقبل عند من له أدنى
~~عقل على أن تخلل البيان والاستئناف وإن لم يكن أجنبيا بين أجزاء الصلة
~~أو الصفة لا يخلو عن استهجان فالذي أميل إليه وأعول دون هذين الأمرين
~~عليه ما اختاره المدقق في «الكشف»، وقريب منه كلام ms00210 أبي حيان في «البحر»
~~أنها معطوفة على قوله:

# ومن الناس من يقول

# [البقرة: 8] لبيان حالهم في ادعاء الإيمان وكذبهم فيه أولا ثم بيان
~~حالهم في انهماكهم في باطلهم ورؤية القبيح حسنا والفساد صلاحا ثانيا،
~~ويجعل المعتمد بالعطف مجموع الأحوال وإن لزم فيه عطف الفعلية على الاسمية
~~فهو أرجح بحسب السياق ونمط تعديد القبائح، وما قيل عليه إنه ليس مما يعتد
~~به وإن توهم كونه أوفى بتأدية هذه المعاني وذلك لعدم دلالته على اندراج
~~هذه الصفة وما بعدها في قصة المنافقين وبيان أحوالهم إذ لا يحسن حينئذ
~~عود الضمائر/ التي فيها إليهم  كما يشهد به سلامة الفطرة لمن له أدنى
~~دربة بأساليب الكلام  كلام خارج عن دائرة الإنصاف كما يشهد به سلامة
~~الفطرة من داء التعصب والاعتساف فإن عود الضمائر رابط للصفات بهم وسوق
~~الكلام مناد عليه، وقد يأتي في القصة الواحدة جملة مستأنفة بغير عطف فإذا
~~لم ينافه الاستئناف رأسا كيف ينافيه العطف على أوله المستأنف، والعطف
~~إنما يقتضي مغايرة الأحوال لا مغايرة القصص وأصحابها.

# وما أخرجه ابن جرير عن سلمان رضي الله تعالى عنه من أن أهل هذه الآية لم
~~يأتوا بعد  ليس المراد به أنها مخصوصة بقوم آخرين كما يشعر به الظاهر بل
~~إنها لا تختص بمن كان من المنافقين وإن نزلت فيهم إذ خصوص السبب لا ينافي
~~عموم النظم، ثم القائل للمنافقين في عصر النزول هذا القول إما النبي صلى
~~الله عليه وسلم تبليغا عن الله سبحانه المخبر له بنفاقهم أو أنه عليه
~~الصلاة والسلام بلغه عنهم ذلك ولم يقطع به فنصحهم فأجابوه بما أجابوه أو
~~بعض المؤمنين الظانين بهم المتفرسين بنور الإيمان فيهم أو بعض من كانوا
~~يلقون إليه الفساد فلا يقبله منهم لأمر ما فينقلب واعظا لهم قائلا: لا
~~تفسدوا.

# والفساد التغير عن حالة الاعتدال والاستقامة ونقيضه الصلاح، والمعنى لا
~~تفعلوا ما يؤدي إلى الفساد وهو هنا الكفر كما قاله ابن عباس أو المعاصي
~~كما قاله أبو العالية أو النفاق الذي صافوا به الكفار فأطلعوهم ms00211 على أسرار
~~المؤمنين فإن كل ذلك يؤدي ولو بالوسائط إلى خراب الأرض وقلة الخير ونزع
~~البركة وتعطل المنافع، وإذا كان القائل بعض من كانوا يلقون إليه الفساد
~~فلا يقبله ممن شاركهم في الكفر يحمل الفساد على هيج الحروب والفتن الموجب
~~لانتفاء الاستقامة ومشغولية الناس بعضهم ببعض فيهلك الحرث والنسل. ولعل
~~النهي عن ذلك لخور أو تأمل في العاقبة وإراحة النفس عما ضرره أكبر من
~~نفعه مما تميل إليه الحذاق. على أن في أذهان كثير من الكفار إذا ذاك توقع
~~ما يغني عن القتال من وقوع مكروه بالمؤمنين

# ويأبى الله إلا أن يتم نوره

# [التوبة: 32]، ولا يخفى ما في هذا الوجه من التكلف، والمراد من الأرض
~~جنسها أو المدينة المنورة، والحمل على جميع الأرض ليس بشيء إذ تعريف
~~المفرد يفيد استيعاب الأفراد لا الأجزاء، اللهم إلا أن يعتبر كل بقعة
~~أرضا، لكن يبقى أنه لا معنى للحمل على الاستغراق باعتبار تحقق الحكم في
~~فرد واحد وليس ذكر الأرض لمجرد التأكيد بل في ذلك تنبيه على أن الفساد
~~واقع في دار مملوكة لمنعم أسكنكم بها وخولكم بنعمها:

# وأقبح خلق الله من بات عاصيا

# لمن بات في نعمائه يتقلب

# و { إنما } للحصر كما جرى عليه بعض النحويين وأهل الأصول، واختار في
~~«البحر» أن الحصر يفهم من السياق ولم تدل عليه وضعا، وجعل القول بكونها
~~مركبة من (ما) النافية دخل عليها (إن) التي للإثبات فأفادت الحصر قولا
~~ركيكا صادر عن غير عارف بالنحو. ومعنى { إنما نحن مصلحون }
~~مقصورون على الإصلاح المحض الذي لم يشبه شيء من وجوه الفساد وقد بلغ
~~في الوضوح بحيث لا ينبغي أن يرتاب فيه، والقصر إما قصر إفراد أو قلب وهذا
~~إما ناشىء عن جهل مركب فاعتقدوا الفساد صلاحا فأصروا واستكبروا
~~استكبارا:

# يقضي على المرء في أيام محنته

# حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن

# وإما جار على عادتهم في الكذب وقولهم بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وقرأ
~~هشام والكسائي { قيل } بإشمام الضم ليكون دالا على الواو المنقلبة،
~~وقول: بإخلاص الضم ms00212 وسكون الواو لغة لهذيل ولم يقرأ بها.

### || [2.12]

# رد لدعواهم المحكية على أبلغ وجه حيث سلك فيه مسلك الاستئناف المؤدي إلى
~~زيادة تمكن الحكم في ذهن السامع مع تأكيد الحكم وتحقيقه (بإن، وألا)
~~بناء/ على تركبها من همزة الاستفهام الإنكاري الذي هو نفي معنى و(لا)
~~النافية فهو نفي نفي فيفيد الإثبات بطريق برهاني أبلغ من غيره ولإفادتها
~~التحقيق كما قال ناصر الدين: لا يكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بما
~~يتلقى به القسم (كان، واللام، وحرف النفي) والذي ارتضاه الكثير أنها
~~بسيطة لا لأنها تدخل على أن المشددة و(لا) النافية لا تدخل عليها إذ قد
~~يقال: انفسخ بعد التركيب حكمها الأصلي بل لأن الأصل البساطة، ودعوى لا
~~يكاد الخ لا تكاد تسلم كيف وقد دخلت على رب وحبذا ويا النداء في  ألا رب
~~يوم صالح لك منهما  و  ألا حبذا هند وأرض بها هند  و  ألا يا قيس
~~والضحاك سيرا  وضم إلى ذلك تعريف الخبر وتوسيط الفصل وأشار ب { لا
~~يشعرون } على وجه إلى أن كونهم من المفسدين قد ظهر ظهور المحسوس
~~بالمشاعر وإن لم يدركوه، وأتى سبحانه بالاستدراك هنا ولم يأت به بعد
~~المخادعة لأن المخادعة هناك لم يتقدمها ما يتوهم منه الشعور توهما يقتضي
~~تعقيبه بالرفع بخلاف ما هنا فإنهم لما نهوا عما تعاطوه من الفساد الذي لا
~~يخفى على ذوي العقول فأجابوه بادعاء أنهم على خلافه، وأخبر سبحانه
~~بفسادهم كانوا حقيقيين بالعلم به مع أنهم ليسوا كذلك فكان محلا
~~للاستدراك، وما يقال: من أنه لا ذم على من أفسد ولم يعلم وإنما الذم على
~~من أفسد عن علم، يدفعه أن المقصر في العلم مع التمكن منه مذموم بلا ريب
~~بل ربما يقال إنه أسوأ حالا من غيره، وهذا كله على تقدير أن يكون مفعول
~~{ لا يشعرون } محذوفا مقدرا بأنهم مفسدون، ويحتمل أن يقدر أن
~~وبال ذلك الفساد يرجع إليهم، أو أنا نعلم أنهم مفسدون ويكون { ألا
~~إنهم هم المفسدون } لإفادة لازم فائدة الخبر بناء على أنهم
~~عالمون ms00213 بالخبر جاحدون له كما هو عادتهم المستمرة، ويبعد هذا إذا كان
~~المنافقون أهل كتاب، ويحتمل أن لا ينوي محذوف وهو أبلغ في الذم. وفيه
~~مزيد تسلية له صلى الله عليه وسلم إذ من كان من أهل الجهل لا ينبغي
~~للعالم أن يكترث بمخالفته.

# وفي " التأويلات "  لعلم الهدى  إن هذه الآية حجة على المعتزلة في أن
~~التكليف لا يتوجه بدون العلم بالمكلف به وأن الحجة لا تلزم بدون المعرفة
~~فإن الله تعالى أخبر أن ما صنعوا من النفاق إفساد منهم مع عدم العلم فلو
~~كان حقيقة العلم شرطا للتكليف ولا علم لهم به لم يكن صنيعهم إفسادا لأن
~~الإفساد ارتكاب المنهي عنه فإذا لم يكن النهي قائما عليهم عن النفاق لم
~~يكن فعلهم إفسادا فحيث كان إفسادا دل على أن التكليف يعتمد قيام آلة
~~العلم والتمكن من المعرفة لا حقيقة المعرفة فيكون حجة عليهم. وهذه
~~المسألة متفرعة على مسألة مقارنة القدرة للفعل وعدمها، وأنت تعلم أنه مع
~~قيام الاحتمال يقعد على العجز الاستدلال.

### || [2.13]

# { وإذا قيل لهم ءامنوا كما ءامن الناس } إشارة إلى
~~التحلية بالحاء المهملة كما أن

# لا تفسدوا

# [البقرة: 11] إشارة إلى التخلية بالخاء المعجمة ولذا قدم، وليس هنا ما
~~يدل على أن الأعمال داخلة في كمال الإيمان أو في حقيقته كما قيل لأن
~~اعتبار ترك الفساد لدلالته على التكذيب المنافي للإيمان وحذف المؤمن به
~~لظهوره أو أريد افعلوا الإيمان والكاف في موضع نصب، وأكثر النحاة
~~يجعلونها نعتا لمصدر محذوف أي إيمانا كما آمن الناس وسيبويه لا يجوز
~~حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه في هذا الموضع ويجعلها منصوبة على الحال
~~من المصدر المضمر المفهوم من الفعل ولم تجعل متعلقة بآمنوا والظرف لغو
~~بناء على أن الكاف لا تكون كذلك و(ما) إما مصدرية أو كافة ولم تجعل
~~موصولة لما فيه من التكلف، والمعنى على المصدرية آمنوا إيمانا مشابها
~~لإيمان الناس، وعلى الكف حققوا إيمانكم كما تحقق إيمان الناس وذلك بأن
~~يكون مقرونا بالإخلاص خالصا عن شوائب النفاق، والمراد من الناس الرسول ms00214
~~صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين مطلقا كما أخرجه ابن جرير عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهم نصب عين أولى الغين، وملتفت/ خواطرهم
~~لتأملهم منهم، وقد مر ذكرهم أيضا لدخولهم دخولا أوليا في

# الذين آمنوا

# [البقرة: 9] فالعهد خارجي، أو خارجي ذكري، أو من آمن من أبناء جنسهم
~~كعبد الله بن سلام كما قاله جماعة من وجوه الصحابة، أو المراد الكاملون
~~في الإنسانية الذين يعد من عداهم في عداد البهائم في فقد التمييز بين
~~الحق والباطل، فاللام إما للجنس أو للاستغراق.

# واستدل بالآية على أن الإقرار باللسان إيمان وإلا لم يفد التقييد، وكونه
~~للترغيب يأباه إيرادهم التشبيه في الجواب؛ والجواب عنه بعد إمكان معارضته
~~بقوله تعالى:

# وما هم بمؤمنين

# [البقرة: 8] أنه لا خلاف في جواز إطلاق الإيمان على التصديق اللساني لكن
~~من حيث إنه ترجمة عما في القلب أقيم مقامه إنما النزاع في كونه مسمى
~~الإيمان في نفسه ووضع الشارع إياه له مع قطع النظر عما في الضمير على ما
~~بين لك في محله، ولما طلب من المنافق الإيمان دل ذلك على قبول توبة
~~الزنديق:

# فإن لا يكنها أو تكنه فإنه

# أخوها غذته أمه بلبانها

# نعم إن كان معروفا بالزندقة داعيا إليها ولم يتب قبل الأخذ قتل
~~كالساحر ولم تقبل توبته كما أفتى به جمع من المحققين.

# { قالوا أنؤمن كما ءامن السفهاء } أرادوا ألا يكون ذلك
~~أصلا فالهمزة للإنكار الإبطالي وعنوا بالسفهاء إما أولئك الناس
~~المتقدمين أو الجنس بأسره وأولئك الكرام والعقلاء الفخام داخلون فيه
~~بزعمهم الفاسد دخولا أوليا، وأبعد من ذهب إلى أن اللام للصفة الغالبة
~~كما في العيوق لأنه لم يغلب هذا الوصف على أناس مخصوصين إلا أن يدعي
~~غلبته فيما بينهم قاتلهم الله أنى يؤفكون والسفه الخفة والتحرك
~~والاضطراب، وشاع في نقصان العقل والرأي وإنما سفهوهم جهلا منهم حيث
~~اشتغلوا بما لا يجدي في زعمهم ويحتمل أن يكون ذلك من باب التجلد حذرا من
~~الشماتة إن فسر الناس بمن آمن منهم، واليهود قوم بهت، ms00215 وقد استشكل هذه
~~الآية كثير من العلماء بأنه إذا كان القائل المؤمنين كما هو الظاهر
~~والمجيب المنافقين يلزم أن يكونوا مظهرين للكفر إذا لقوا المؤمنين فأين
~~النفاق وهو المفهوم من السباق والسياق؟ وأجيب بأن هذا الجواب كان فيما
~~بينهم وحكاه الله تعالى عنهم ورده عليهم، وليس الجواب ما يقال مواجهة فقط
~~فقد استفاض من الخلف إطلاق لفظ الجواب على رد كلام السلف مع بعد العهد من
~~غير نكير، وقيل: { إذا } هنا بمعنى لو تحقيقا لإبطانهم الكفر وأنهم
~~على حال تقتضي أنهم لو قيل لهم كذا قالوا كذا كما قيل مثله في قوله وإذا
~~ما لمته لمته وحدي، وقيل: إنه كان بحضرة المسلمين لكن مساررة بينهم
~~وأظهره عالم السر والنجوى، وقيل: كان عند من لم يفش سرهم من المؤمنين
~~لقرابة أو لمصلحة ما، وذكر مولانا مفتي الديار الرومية ((أن الحق الذي لا
~~محيد عنه أن قولهم هذا وإن صدر بمحضر من الناصحين لا يقتضي كونهم من
~~المجاهرين فإنه ضرب من الكفر أنيق وفن في النفاق عريق لأنه كلام محتمل
~~للشر كما ذكره في " تفسيره " وللخير بأن يحمل على ادعاء الإيمان كإيمان
~~الناس وإنكار ما اتهموا به من النفاق على معنى أنؤمن كما آمن السفهاء
~~والمجانين الذين لا اعتداد بإيمانهم لو آمنوا ولا نؤمن كإيمان الناس حتى
~~تأمرونا بذلك، وقد خاطبوا به الناصحين استهزاء بهم مرائين لإرادة المعنى
~~الأخير وهم معولون على الأول))، والشرع ينظر للظاهر وعند الله تعالى علم
~~السرائر، ولهذا سكت المؤمنون ورد الله سبحانه عليهم ما كانوا يسرون،
~~فالكلام كناية عن كمال إيمانهم ولكن في قلب تلك الكناية نكاية فهو على
~~مشاكلة قولهم:

# أسمع غير مسمع

# [النساء: 46] في احتمال الشر والخير ولذلك نهى عنه، وجعل رحمه الله
~~تعالى قوله تعالى في الحكاية عنهم:

# إنما نحن مصلحون

# [البقرة: 11] من هذا القبيل أيضا، وإلى ذلك مال مولانا الشهاب الخفاجي
~~وادعى أنه من بنات أفكاره، وعندي أنه ليس بشيء لأن { أنؤمن } لإنكار
~~الفعل في الحال وقولهم: { كما آمن السفهاء } بصيغة الماضي صريح/ ms00216
~~في نسبتهم السفاهة إلى المؤمنين لإيمانهم فلا تورية ولا نفاق، ولعله لما
~~رأى صيغة الماضي زاد في بيان المعنى لو آمنوا، ولا أدري من أين أتى به.
~~ولا يصلح العطار ما أفسد الدهر. فالأهون بعض هاتيك الوجوه، وقوله: إن
~~إبراز ما صدر عن أحد المتحاورين في الخلاء في معرض ما جرى بينهما في مقام
~~المحاورة مما لا عهد به في الكلام فضلا عما هو في منصب الإعجاز لا يخفي
~~ما فيه على من اطلع على محاورات الناس قديما وحديثا والله يقول الحق
~~وهو يهدي السبيل.

# { ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون } رد
~~وأشنع تجهيل حسبما أشير إليه فيما سلف، وإنما قال سبحانه هنا: { لا
~~يعلمون } وهناك

# لا يشعرون

# [البقرة: 12] لأن المثبت لهم هناك هو الإفساد وهو مما يدرك بأدنى تأمل
~~ولا يحتاج إلى كثير فكر، فنفى عنهم ما يدرك بالمشاعر مبالغة في تجهيلهم،
~~والمثبت هنا السفه والمصدر به الأمر بالإيمان وذلك مما يحتاج إلى نظر تام
~~يفضي إلى الإيمان والتصديق ولم يقع منهم المأمور به فناسب ذلك نفي العلم
~~عنهم، ولأن السفه خفة العقل والجهل بالأمور على ما قيل فيناسبه أتم
~~مناسبة نفي العلم، وهذا مبني على ما هو الظاهر في المفعول وعلى غير
~~الظاهر غير ظاهر فتدبر.

# ثم اعلم أنه إذا التقت الهمزتان والأولى مضمومة والثانية مفتوحة من
~~كلمتين نحو { السفهاء ألا } ففي ذلك أوجه. تحقيق الهمزتين وبذلك قرأ
~~الكوفيون وابن عامر وتحقيق الأولى وتخفيف الثانية بإبدالها واوا وبذلك
~~قرأ الحرميان وأبو عمرو. وتسهيل الأولى بجعلها بين الهمزة والواو. وتحقيق
~~الثانية وتسهيل الأولى وإبدال الثانية واوا، وأجاز قوم جعل الهمزتين بين
~~بين ومنعه آخرون.

### || [2.14]

# { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا } بيان لدأب
~~المنافقين وأنهم إذا استقبلوا المؤمنين دفعوهم عن أنفسهم بقولهم آمنا
~~استهزاء فلا يتوهم أنه مكرر مع أول القصة لأنه إبداء لخبثهم ومكرهم وكشف
~~عن إفراطهم في الدعارة وادعاء أنهم مثل المؤمنين في الإيمان الحقيقي
~~وأنهم أحاطوه من جانبيه على أنه لو لم يكن هذا لا ms00217 ينبغي أن يتوهم تكرار
~~أيضا لأن المعنى ومن الناس من يتفوه بالإيمان نفاقا للخداع وذلك التفوه
~~عند لقاء المؤمنين وليس هذا من التكرار بشيء لما فيه من التقييد وزيادة
~~البيان وأنهم ضموا إلى الخداع الاستهزاء، وأنهم لا يتفوهون بذلك إلا عند
~~الحاجة، والقول بأن المراد ب { آمنا } أولا الإخبار عن إحداث
~~الإيمان وهنا عن إحداث إخلاص الإيمان مما ارتضاه الإمام ولا أقتدي به
~~وتأييده له بأن الإقرار اللساني كان معلوما منهم غير محتاج للبيان وإنما
~~المشكوك الإخلاص القلبي فيجب إرادته يدفعه النظر من ذي ذوق فيما حررناه،
~~واللقاء استقبال الشخص قريبا منه وهو أحد أربعة عشر مصدرا للقي، وقرأ
~~أبو حنيفة وابن السميقع (لاقوا)، وجعله في «البحر» بمعنى الفعل المجرد،
~~وحذف المفعول في (آمنا) قيل اكتفاء بالتقييد قبل

# بالله وباليوم الأخر

# [البقرة: 8] وقيل: المراد آمنا بما آمنتم به، وأبعد من قال أرادوا
~~الإيمان بموسى عليه السلام دون غيره وحذفوا تورية منهم وإيهاما. هذا ولم
~~يصح عندي في سبب نزول هذه الآية شيء، وأما ما ذكره الزمخشري والبيضاوي
~~ومولانا مفتي الديار الرومية وغيرهم فهو من طريق السدي الصغير وهو كذاب،
~~وتلك السلسلة سلسلة الكذب لا سلسلة الذهب، وآثار الوجه لائحة على ما
~~ذكروه فلا يعول عليه ولا يلتفت بوجه إليه.

# { وإذا خلوا إلى شيطينهم } من خلوت به وإليه إذا
~~انفردت معه أو من قولهم في المثل: اطلب الأمر وخلاك ذم أي عداك ومضى عنك
~~ومنه

# قد خلت من قبلكم سنن

# [آل عمران: 137] وعلى الثاني المفعول الأول ههنا محذوف لعدم تعلق الغرض
~~به أي إذا خلوهم، وتعديته إلى المفعول الثاني ب { إلى } لما في المضي
~~عن الشيء معنى الوصول إلى الآخر واحتمال أن يكون من خلوت به أي سخرت منه،
~~فمعنى الآية إذا أنهوا السخرية معهم/ وحدثوهم كما يقال أحمد إليك فلانا
~~وأذمه إليك مما لا ينبغي أن يخرج عليه كلام رب العزة وإن ذكره الزمخشري
~~والبيضاوي وغيرهما إذ لم يقع صريحا خلا بمعنى سخر في كلام من يوثق به،
~~وقولهم: خلا ms00218 فلان بعرض فلان يعبث به ليس بالصريح إذ يجوز أن يكون خلا على
~~حقيقته أو بمعنى تمكن منه على ما قيل، والدال على السخرية يعبث به، وزعم
~~النضر بن شميل أن { إلى } هنا بمعنى مع ولا دليل عليه كالقول بأنها
~~بمعنى الباء على أن سيبويه والخليل لا يقولان بنيابة الحرف عن الحرف، نعم
~~إن الخلوة كما في «التاج» تستعمل ب (إلى، والباء، ومع) بمعنى واحد ويفهم
~~من كلام الراغب أن أصل معنى الخلو فراغ المكان والحيز عن شاغل وكذا
~~الزمان وليس بمعنى المضي، وإذا أريد به ذلك كان مجازا وظاهر كلام غيره
~~أنه حقيقة وضعيفان يغلبان قويا.

# والمراد ب { شيطينهم } من كانوا يأمرونهم بالتكذيب من اليهود -
~~كما قاله ابن عباس - أو كهنتهم كما قاله الضحاك وجماعة - وسموا بذلك
~~لتمردهم وتحسينهم القبيح وتقبيحهم الحسن أو لأن قرناءهم الشياطين إن
~~فسروا بالكهنة - وكان على عهده صلى الله عليه وسلم كثير منهم ككعب بن
~~الأشرف من بني قريظة، وأبي بردة من بني أسلم، وعبد الدار في جهينة، وعوف
~~بن عامر في بني أسد، وابن السوداء في الشام.

# وحمله على شياطين الجن - كما قاله الكلبي - مما لا يختلج بقلبي،
~~والشياطين جمع تكسير وإجراؤه مجرى الصحيح كما في بعض الشواذ - (تنزلت به
~~الشياطون) لغة غريبة جدا والمفرد شيطان وهو فيعال عند البصريين فنونه
~~أصلية من شطن أي بعد لبعده عن امتثال الأمر ويدل عليه تشيطن وإلا لسقطت،
~~واحتمال أخذه من الشيطان لا من أصله على أن المعنى فعل فعله خلاف الظاهر،
~~وعند الكوفيين وزنه فعلان فنونه زائدة من شاط يشيط إذا هلك أو بطل أو
~~احترق غضبا والأنثى شيطانة وأنشد في «البحر»:

# هي البازل الكوماء لا شيء غيرها

# وشيطانة قد جن منها جفونها

# وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الشيطان كل متمرد من الجن
~~والإنس والدواب.

# { قالوا إنا معكم } أي معية معنوية وهي مساواتهم لهم في
~~اعتقاد اليهودية وهو أم الخبائث، وأتى بالجملة الفعلية الدالة على الحدوث
~~مع ترك التأكيد فيما ألقى ms00219 على المؤمنين المنكرين لما هم عليه أو
~~المتمردين، وبالجملة الثبوتية مع التأكيد فيما ألقى إلى شياطينهم الذين
~~ليسوا كذلك لأنهم في الأول بصدد دعوى إحداث الإيمان ولم ينظروا هنا
~~لإنكار أحد وتردده إيهاما منهم أنهم بمرتبة لا ينبغي أن يتردد في
~~إيمانهم ليؤكدوا لعله أن يتم لهم مرامهم بذلك في زعمهم وفي الثاني بصدد
~~إفادة الثبات دفعا لما يختلج بخواطر شياطينهم من مخالطة المؤمنين
~~ومخاطبتهم بالإيمان، وقيل: إن التأكيد كما يكون لإزالة الإنكار والشك
~~يكون لصدق الرغبة وتركه كما يكون لعدم ذلك يكون لعدم اعتناء المتكلم
~~فللرغبة أكدوا ولعدمها تركوا، أو لأنهم لو قالوا إنا مؤمنون كان ادعاء
~~لكمال الإيمان وثباته، وهو لا يروج عند المؤمنين مع ما هم عليه من
~~الرزانة وحدة الذكاء ولا كذلك شياطينهم، وعندي أن الوجه هو الأول إذ يرد
~~على الأخيرين قوله تعالى فيما حكى عنهم:

# نشهد إنك لرسول الله

# [المنافقون: 1] إلا أن يقال إنهم أظهروا الرغبة هناك وتبالهوا عن عدم
~~الرواج لغرض ما من الأغراض والأحوال شتى، والعوارض كثيرة ولهذا قيل: إنهم
~~للتقية والخداع، ودعوى أنهم مثل المؤمنين في الإيمان ليجروا عليهم
~~أحكامهم ويعفوهم عن المحاربة أكدوا بالباء فيما تقدم حيث قالوا:

# بالله وباليوم الأخر

# [البقرة: 8]. والقول بأن الفرق بين آية الشهادة وآية الإيمان هنا ظاهر
~~لأنهم لو قالوا إنا لمؤمنون لكانوا ملتزمين أمرين، رسالته صلى الله عليه
~~وسلم ووجوب إيمانهم به بخلاف آية الشهادة فإن فيها التزام الأول ولا يلزم
~~من عدم الرغبة في أمرين عدمها في أحدهما ظاهر الركاكة للمنصفين كما لا
~~يخفى، وقرأ/ الجمهور { معكم } بتحريك العين وقرىء شاذا بسكونها وهي
~~لغة ربيعة وغنم.

# { إنما نحن مستهزءون } الاستهزاء الاستخفاف والسخرية،
~~واستفعل بمعنى فعل تقول هزأت به واستهزأت بمعنى كاستعجب وعجب، وذكر حجة
~~الإسلام الغزالي أن الاستهزاء الاستحقار والاستهانة والتنبيه على العيوب
~~والنقائص على وجه يضحك منه، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول
~~وبالإشارة والإيماء، وأرادوا مستخفون بالمؤمنين. وأصل هذه المادة الخفة
~~يقال: ناقته تهزأ به أي تسرع وتخف وقول الرازي: ms00220 إنه عبارة عن إظهار
~~موافقة مع إبطال ما يجري مجرى السوء على طريق السخرية غير موافق للغة
~~والعرف. والجملة إما استئناف فكأن الشياطين قالوا لهم لما قالوا: {
~~إنا معكم } إن صح ذلك - فما بالكم توافقون المؤمنين - فأجابوا
~~بذلك. أو بدل من { إنا معكم }؛ وهل هو بدل اشتمال، أو كل، أو بعض؟
~~خلاف، أما الأول: فلأن هذه الجملة تفيد ما تفيده الأولى وهو الثبات على
~~اليهودية لأن المستهزىء بالشيء مصر على خلافه وزيادة وهو تعظيم الكفر
~~المفيد لدفع شبهة المخالطة وتصلبهم في الكفر فيكون بدل اشتمال. وأما
~~الثاني: وبه قال السعد: فللتساوي من حيث الصدق ولا يقتضي التساوي من حيث
~~المدلول، وأما الثالث فلأن كونهم معهم عام في المعية الشاملة للاستهزاء
~~والسخرية وغير ذلك، أو تأكيد لما قبله بأن يقال إن مدعاهم ب { إنا
~~معكم } الثبات على الكفر وإنما نحن مستهزؤن لاستلزامه رد الإسلام
~~ونفيه يكون مقررا للثبات عليه إذ رفع نقيض الشيء تأكيد لثباته لئلا يلزم
~~ارتفاع النقيضين، أو يقال يلزم: { إنا معكم } إنا نوهم أصحاب محمد
~~صلى الله عليه وسلم الإيمان فيكون الاستخفاف بهم وبدينهم تأكيدا باعتبار
~~ذلك اللازم، وأولى الأوجه - عند المحققين - الاستئناف لولا ما ذكره الشيخ
~~«في دلائل الإعجاز» من أن موضوع (إنما) أن تجىء لخبر لا يجهله المخاطب
~~ولا يدفع صحته فإنه يقتضي أن تقدير السؤال هنا أمر مرجوح ولعل الأمر فيه
~~سهل، وقرىء { مستهزءون } بتخفيف الهمزة وبقلبها ياء مضمومة، ومنهم
~~من يحذف الياء فتضم الزاي.

### || [2.15]

# { الله يستهزىء بهم } حمل أهل الحديث وطائفة من أهل التأويل
~~الاستهزاء منه تعالى على حقيقته وإن لم يكن المستهزىء من أسمائه سبحانه،
~~وقالوا: إنه التحقير على وجه من شأنه أن من اطلع عليه يتعجب منه ويضحك
~~ولا استحالة في وقوع ذلك منه عز شأنه ومنعه من قياس الغائب على الشاهد،
~~وذهب أكثر الناس إلى أنه لا يوصف به جل وعلا حقيقة لما فيه من تقرير
~~المستهزأ به على الجهل الذي فيه، ومقتضى الحكمة والرحمة أن يريه الصواب
~~فإن كان ms00221 عنده أنه ليس متصفا بالمستهزأ به فهو لعب لا يليق بكبريائه
~~تعالى، فالآية على هذا مؤولة إما بأن يراد بالاستهزاء جزاؤه لما بين
~~الفعل وجزائه من مشابهة في القدر وملابسة قوية ونوع سببية مع وجود
~~المشاكلة المحسنة ههنا، ففي الكلام استعارة تبعية أو مجاز مرسل، وإما
~~بأن يراد به إنزال الحقارة والهوان فهو مجاز عما هو بمنزلة الغاية له
~~فيكون من إطلاق المسبب على السبب نظرا إلى التصور وبالعكس نظرا إلى
~~الوجود، وإما بأن يجعل الله - تعالى وتقدس - كالمستهزىء بهم على سبيل
~~الاستعارة المكنية وإثبات الاستهزاء له تخييلا، ورب شيء يصح تبعا ولا
~~يصح قصدا وله سبحانه أن يطلق على ذاته المقدسة ما يشاء تفهيما للعباد،
~~وقد يقال: إن الآية جارية على سبيل التمثيل والمراد يعاملهم سبحانه
~~معاملة المستهزىء؛ أما في الدنيا بإجراء أحكام الإسلام واستدراجهم من حيث
~~لا يعلمون، وأما في الآخرة بأن يفتح لأحدهم باب إلى الجنة فيقال: - هلم
~~هلم - فيجىء بكربه وغمه فإذا جاء أغلق دونه، ثم يفتح له باب آخر فيقال: -
~~هلم هلم - فيجىء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه فما يزال كذلك حتى إن
~~الرجل ليفتح له باب فيقال: - هلم هلم - فما يأتيه، وقد روي ذلك بسند مرسل
~~جيد الإسناد في/ المستهزئين بالناس، وأسند سبحانه الاستهزاء إليه مصدرا
~~الجملة بذكره للتنبيه على أن الاستهزاء بالمنافقين هو الاستهزاء الأبلغ
~~الذي لا اعتداد معه باستهزائهم لصدوره عمن يضمحل علمهم وقدرتهم في جانب
~~علمه وقدرته وأنه تعالى كفى عباده المؤمنين وانتقم لهم وما أحوجهم إلى
~~معارضة المنافقين تعظيما لشأنهم لأنهم ما استهزىء بهم إلا فيه ولا أحد
~~أغير من الله سبحانه، وترك العطف لأنه الأصل وليس في الجملة السابقة ما
~~يصح عطف هذا القول عليه إلا بتكلف وبعد، وقيل: ليكون إيراد الكلام على
~~وجه يكون جوابا عن السؤال عن معاملة الله تعالى معهم في مقابلة معاملتهم
~~هذه مع المؤمنين، وقولهم:

# إنما نحن مستهزءون

# [البقرة: 14] إشعار بأن ما حكي من الشناعة بحيث يقتضي ظهور غيرة الله
~~تعالى ويسأل كل ms00222 أحد عن كيفية انتقامه منهم، ويشعر كلام بعض المحققين أنه
~~لو ورد هذا القول بالعطف ولو على محذوف مناسب للمقام - كهم مستهزءون -
~~بالمؤمنين لأفاد أن ذلك في مقابلة استهزائهم فلا يفيد أن الله تعالى أغنى
~~المؤمنين عن معارضتهم مطلقا وأنه تولى مجازاتهم مطلقا بل يوهم تخصيص
~~التولي بهذه المجازاة، وأيضا لكون استهزاء الله تعالى - بمكان بعيد من
~~استهزائهم إلى حيث لا مناسبة بينهما - يكون العطف كعطف أمرين غير
~~متناسبين، وبعضهم رتب الفائدتين اللتين ذكرناهما في الإسناد إليه تعالى
~~على الاستئناف مدعيا أنه لو عطف - ولو بحسب التوهم - على مقدر بأن يقال
~~المؤمنون مستهزؤون بهم والله يستهزىء بهم لفاتت الفائدتان هذا، ولعل ما
~~ذكرناه أسلم من القيل والقال وأبعد عن مظان الاستشكال فتدبر، وعدل سبحانه
~~عن - الله مستهزىء بهم المطابق لقولهم - إلى قوله: { الله
~~يستهزىء بهم } لإفادته التجدد الاستمراري وهو أبلغ من الاستمرار
~~الثبوتي الذي تفيده الاسمية لأن البلاء إذا استمر قد يهون وتألفه النفس
~~كما قيل:

# خلقت ألوفا ولو رجعت إلى الصبا

# لفارقت شيبي موجع القلب باكيا

# وقد كانت نكايات الله تعالى فيهم ونزول الآيات في شأنهم أمرا متجددا
~~مستمرا

# أولا يرون أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو
~~مرتين

# [التوبة: 126]

# يحذر المنفقون أن تنزل عليهم سورة
~~تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله
~~مخرج ما تحذرون

# [التوبة: 64] وهذا نوع من العذاب الأدنى

# ولعذاب الأخرة أكبر لو كانوا يعلمون

# [الزمر: 26] وصرح بالمستهزأ به هنا ليكون الاستهزاء بهم نصا وإنما تركه
~~المنافقون فيما حكى عنهم خوفا من وصوله للمؤمنين فأبقوا اللفظ محتملا
~~ليكون لهم مجال في الذب إذا حوققوا فجعل الله تعالى كلمة الذين كفروا
~~السفلى وكلمته هي العليا -.

# { ويمدهم في طغينهم يعمهون } معطوف على قوله
~~سبحانه وتعالى: { يستهزىء بهم } كالبيان له على رأي، والمد من
~~مد الجيش وأمده بمعنى أي ألحق به ما يقويه ويكثره، وقيل: مد زاد من الجنس
~~وأمد زاد من غير الجنس، وقيل: مد في الشر وأمد في الخير عكس وعد وأوعد،
~~وإذا استعمل أمد في ms00223 الشر فلعله من باب

# فبشرهم بعذاب أليم

# [آل عمران: 21]، وقد ورد استعمال هذه المادة بمعنيين، أحدهما: ما ذكرنا،
~~وثانيهما: الإمهال، ومنه مد العمر، والواقع هنا من الأول دون الثاني
~~لوجهين، الأول: أنه روي عن ابن كثير من غير السبعة { يمدهم } بالضم
~~من المزيد وهو لم يسمع في الثاني، والثاني: أنه متعد بنفسه والآخر متعد
~~باللام والحذف والإيصال خلاف الأصل فلا يرتكب بغير داع، فمعنى {
~~يمدهم في طغينهم } يزيدهم ويقويهم فيه، وإلى ذلك ذهب
~~البيضاوي وغيره، والحق أن الإمهال هنا محتمل وإليه ذهب الزجاج وابن كيسان
~~والوجهان مخدوشان، فقد ورد - عند من يعول عليه من أهل اللغة  كل منهما
~~ثلاثيا ومزيدا ومعدى بنفسه وباللام وكلاهما من أصل واحد ومعناهما يرجع
~~إلى الزيادة كما أو كيفا، وفي «الصحاح» مد الله في عمره ومده في غيه
~~أمهله وطول له، / وروي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن مد الله تعالى
~~في طغيانهم التمكين من العصيان.

# وعن ابن عباس الإملاء ونسبة المد إلى الله تعالى بأي معنى كان عند أهل
~~الحق - حقيقة إذ هو سبحانه وتعالى الموجد للأشياء المنفرد باختراعها على
~~حسب ما اقتضته الحكمة ورفعت له أكفها الاستعدادات، ونسبته إلى غيره
~~سبحانه وتعالى في قوله عز شأنه:

# وإخونهم يمدونهم فى الغى

# [الأعراف: 202] نسبة التوفي إلى الملك في قوله تعالى:

# يتوفكم ملك الموت

# [السجدة: 11] مع قوله جل وعلا:

# الله يتوفى الأنفس

# [الزمر: 42] وذهبت المعتزلة أن الزيادة في الطغيان والتقوية فيه مما
~~يستحيل نسبته إليه تعالى حقيقة وحملوا الآية على محامل أخر، وقد قدمنا ما
~~يوهن مذهبهم - فلنطوه هنا - على ما فيه.

# والطغيان بضم الطاء على المشهور، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما
~~بكسرها وهما لغتان فيه، وقد سمعا في مصدر اللقاء، وقد أماله الكسائي،
~~وأصله تجاوز المكان الذي وقفت فيه ومن أخل بما عين من المواقف الشرعية
~~والمعارف العقلية فلم يرعها فقد طغى، ومنه طغى الماء أي تجاوز الحد
~~المعروف فيه، وإضافته إليهم لأنه فعلهم الصادر منهم بقدرهم المؤثرة بإذن
~~الله ms00224 تعالى فالاختصاص المشعرة به الإضافة إنما هو بهذا الاعتبار لا
~~باعتبار المحلية والاتصاف فإنه معلوم لا حاجة فيه إلى الإضافة ولا
~~باعتبار الإيجاد استقلالا من غير توقف على إذن الفعال لما يريد فإنه
~~اعتبار عليه غبار بل غبار ليس له اعتبار فلا تهولنك جعجعة الزمخشري
~~وقعقعته، ويحتمل أن يكون الاختصاص للإشارة إلى أن طغيان غيرهم في جنبهم
~~كلا شيء لادعاء اختصاصهم به وليس بالمنحرف عن سنن البلاغة.

# والعمه التردد والتحير، ويستعمل في الرأي خاصة  والعمى فيه وفي البصر
~~ فبينهما عموم وخصوص مطلق في الاستعمال وإن تغايرا في أصل الوضع، واختص
~~العمى بالبصر على ما قيل، وأصله الأصيل عدم الأمارات في الطريق التي تنصب
~~- لتدل من حجارة - وتراب ونحوهما وهي المنار ويقال عمه يعمه كتعب يتعب
~~عمها وعمهانا فهو عمه وعامه وعمهاء فمعنى يعمهون على هذا يترددون
~~ويتحيرون، وإلى ذلك ذهب جمع من المفسرين، وقيل: العمه العمى عن الرشد،
~~وقال ابن قتيبة: هو أن يركب رأسه فلا يبصر ما يأتي، فالمعنى يعمون عن
~~رشدهم أو يكبون رؤوسهم فلا يبصرون وكأن هذا أقرب إلى الصواب لأن
~~المنافقين لم يكونوا مترددين في الكفر بل كانوا مصرين عليه معتقدين أنه
~~الحق وما سواه باطل إلا أن يقال التردد والتحير في أمر آخر لا في الكفر،
~~وجملة { يعمهون } في موضع نصب على الحال إما من الضمير في {
~~يمدهم } وإما من الضمير في - { في طغينهم } - لأنه مصدر
~~مضاف إلى الفاعل، وفي { طغينهم } يحتمل أن يكون متعلقا بيمدهم
~~وأن يكون متعلقا بيعمهون وجاز على خلاف كون { في طغينهم } و {
~~يعمهون } حالين من الضمير في يمدهم.

### || [2.16]

# { أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى }
~~إشارة إلى المنافقين الذين تقدم ذكرهم الجامعين للأوصاف الذميمة من دعوى
~~الصلاح وهم المفسدون، ونسبة السفه للمؤمنين - وهم السفهاء - والاستهزاء -
~~وهم المستهزأ بهم - ولبعد منزلتهم في الشر وسوء الحال أشار إليهم بما يدل
~~على البعد، والكلام هنا يمكن أن يكون واقعا موقع

# أولئك على هدى من ربهم

# [البقرة: 5] فإن السامع بعد سماع ذكرهم وإجراء تلك الأوصاف ms00225 عليهم كأنه
~~يسأل من أين دخل على هؤلاء هذه الهيئات؟ فيجاب بأن أولئك المستبعدين إنما
~~جسروا عليها لأنهم اشتروا الضلالة بالهدى حتى خسرت صفقتهم وفقدوا
~~الاهتداء للطريق المستقيم ووقعوا في تيه الحيرة والضلال، وقيل: هو فذلكة
~~وإجمال لجميع ما تقدم من حقيقة حالهم أو تعليل لاستحقاقهم الاستهزاء
~~الأبلغ والمد في الطغيان أو مقرر لقوله تعالى:

# ويمدهم في طغينهم يعمهون

# [البقرة: 15] وفيه حصر المسند على المسند إليه لكون تعريف الموصول للجنس
~~بمنزلة تعريف اللام الجنسي وهو ادعائي باعتبار كمالهم في ذلك الاشتراء، /
~~وإن كان الكفار الآخرون مشاركين لهم في ذلك لجمعهم هاتيك المساوىء
~~الشنيعة والخلال الفظيعة، فبذلك الاعتبار صح تخصيصهم بذلك.

# والضلالة الجور عن القصد، والهدى التوجه إليه، ويطلقان على العدول عن
~~الصواب في الدين والاستقامة عليه، والاشتراء كالشراء استبدال السلعة
~~بالثمن - أي أخذها به - وبعضهم يجعله من الأضداد لأن المتبايعين تبايعا
~~الثمن والمثمن فكل من العوضين مشترى من جانب مبيع من جانب، ويطلق مجازا
~~على أخذ شيء بإعطاء ما في يده عينا كان كل منهما أو معنى، وهذا يستدعي
~~بظاهره أن يكون ما يجري مجرى الثمن - وهو الهدى - حاصلا لهؤلاء قبل، ولا
~~ريب أنهم بمعزل عنه فإما أن يقال إن الاشتراء مجاز عن الاختيار لأن
~~المشتري للشيء مختار له فكأنه تعالى قال: اختاروا الضلالة على الهدى
~~ولكون الاستبدال ملحوظا جىء بالباء على أنه قيل إن التوافق معنى لا
~~يقتضي التوافق متعلقا، ولا يرد على هذا الحمل كونه مخلا بالترشيح الآتي
~~كما زعمه مولانا مفتي الديار الرومية لأن الترشيح المذكور يكفي له وجود
~~لفظ الاشتراء وإن كان المعنى المقصود غير مرشح - كما هو العادة في أمثاله
~~- أو يقال ليس المراد بما في حيز الثمن نفس الهدى بل هو التمكن التام منه
~~بتعاضد الأسباب وبأخذ المقدمات المستتبعة له بطريق الاستعارة كأنه نفس
~~الهدى بجامع المشاركة في استتباع الجدوى، ولا مرية في أن ذلك كان حاصلا
~~لأولئك المنافقين بما شاهدوه من الآيات الباهرة والمعجزات القاهرة
~~والإرشاد العظيم والنصح والتعليم لكنهم نبذوا ذلك فوقعوا ms00226 في مهاوي
~~المهالك، أو يقال: المراد بالهدى الهدى الجبلي وقد كان حاصلا لهم حقيقة
~~- فإن كل مولود يولد على الفطرة - وقول مولانا مفتي الديار الرومية: إن
~~حمل الهدى على الفطرة الأصلية الحاصلة لكل أحد يأباه أن إضاعتها غير
~~مختصة بهؤلاء، ولئن حملت على الإضاعة التامة الواصلة إلى حد الختم
~~المختصة بهم فليس في إضاعتها فقط من الشناعة ما في إضاعتها مع ما يؤيدها
~~من المؤيدات النقلية والعقلية على أن ذلك يفضي إلى كون - ما فصل من أول
~~السورة إلى هنا ضائعا - كلام ناشىء عن الغفلة عن معنى الإشارة فإنها
~~تقتضي ملاحظتهم بجميع ما مر من الصفات، والمعنى أن الموصوفين بالنفاق
~~المذكور هم الذين ضيعوا الفطرة أشد تضييع بتهويد الآباء ثم بعد ما ظفروا
~~بها أضاعوها بالنفاق مع تحريضهم على المحافظة والنصح شفاها ونحو ذلك مما
~~لا يوجد في غيرهم كما يشير إليه التعريف، أو يقال: هذه ترجمة عن جناية
~~أخرى من جناياتهم، والمراد بالهدى ما كانوا عليه من التصديق ببعثته صلى
~~الله عليه وسلم وحقية دينه بما وجدوه عندهم في التوراة ولهذا كانوا
~~يستفتحون به ويدعون بحرمته ويهددون الكفار بخروجه

# فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله
~~على الكفرين

# [البقرة: 89] وأما حمل الهدى على ما كان عندهم ظاهرا من التلفظ
~~بالشهادة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والغزو فمما لا يرتضيه من
~~هدي إلى سواء السبيل، وما ذكرناه من أن { أولئك } إشارة إلى
~~المنافقين - هو الذي ذهب إليه أكثر المفسرين - والمروي عن مجاهد، وهو
~~الذي يقتضيه النظم الكريم - وبه أقول - وروي عن قتادة أنهم أهل الكتاب
~~مطلقا، وعن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم أنهم الكفار
~~مطلقا، والكل عندي بعيد، ولعل مراد من قال ذلك أن الآية بظاهر مفهومها
~~تصدق على من أرادوا لا أن الآية نزلت فيهم، وقرأ يحيى بن يعمر وابن
~~إسحق: { اشتروا الضللة } بالكسر لأنه الأصل في التقاء
~~الساكنين، وأبو السماك { اشتروا } بالفتح اتباعا لما قبل، وأمال
~~حمزة والكسائي { الهدى } وهي لغة بني تميم وعدم ms00227 الإمالة لغة قريش.

# { فما ربحت تجرتهم وما كانوا مهتدين } عطف على
~~الصلة، وأتى بالفاء للإشارة إلى تعقب نفي الربح للشراء وأنه بنفس ما وقع
~~الشراء تحقق عدم الربح، وزعم بعضهم أن الفاء دخلت لما في الكلام من معنى
~~الجزاء لمكان/ الموصول فهو على حد الذي يدخل الدار فله درهم وليس بشيء
~~لأن الموصول هنا ليس بمبتدأ كما في المثال بل هو خبر عن { أولئك }
~~وما بعد الفاء ليس بخبر بل هو معطوف على الصلة فهو صلة ولا يجوز أن يكون
~~{ أولئك } مبتدأ و { الذين } مبتدأ و { فما ربحت
~~تجرتهم } خبر عن الثاني وهو وخبره خبر عن الأول لعدم الرابط في
~~الجملة الثانية ولتحقق معنى الصلة، وإذا كانت الصلة ماضية معنى لم تدخل
~~الفاء في خبر موصولها ولا أن يكون { أولئك } مبتدأ و { الذين
~~} بدلا منه والجملة خبرا لأن الفاء إنما تدخل الخبر لعموم الموصول
~~والمبدل من المخصوص مخصوص فالحق ما ذكرناه، ومعنى الآية عليه ليس غير كما
~~في «البحر».

# والتجارة التصرف في رأس المال طلبا للربح ولا يكاد يوجد - تاء - أصلية
~~بعدها جيم إلا نتج وتجر ورتج وارتج، وأما تجاه ونحوه فأصلها الواو،
~~والربح تحصيل الزيادة على رأس المال، وشاع في الفضل عليه، والمهتدي اسم
~~فاعل من اهتدى مطاوع هدى ولا يكون افتعل المطاوع إلا من المتعدي، وأما
~~قوله:

# حتى إذا اشتال سهيل في السحر

# كشعلة القابس ترمى بالشرر

# فافتعل فيه بمعنى فعل تقول: شال يشول واشتال يشتال بمعنى، وفي الآية
~~ترشيح لما سمعت من المجاز فيما قبلها، والمقصد الأصلي تصوير خسارهم بفوت
~~الفوائد المترتبة على الهدى التي هي كالربح وإضاعة الهدى الذي هو - كرأس
~~المال - بصورة خسارة التاجر الفائت للربح المضيع لرأس المال حتى كأنه هو
~~على سبيل الاستعارة التمثيلية مبالغة في تخسيرهم ووقوعهم في أشنع الخسار
~~الذي يتحاشى عنه أولو الأبصار، وإسناد الربح إلى التجارة  وهو لأربابها
~~ مجاز للملابسة، وكنى في مقام الذم بنفي الربح عن الخسران لأن فوت
~~الربح يستلزمه في الجملة ولا أقل من قدر ما ms00228 يصرف من القوة، وفائدة
~~الكناية التصريح بانتفاء مقصد التجارة مع حصول ضده بخلاف ما لو قيل خسرت
~~تجارتهم فلا يتوهم إن نفى أحد الضدين إنما يوجب إثبات الآخر إذا لم يكن
~~بينهما واسطة وهي موجودة هنا فإن التاجر قد لا يربح ولا يخسر، وقيل: إن
~~ذلك إنما يكون إذا كان المحل قابلا للكل كما في التجارة الحقيقية أما
~~إذا كان لا يقبل إلا اثنين منها فنفي أحدهما يكون إثباتا للآخر، والربح
~~والخسران في الدين لا واسطة بينهما على أنه قد قامت القرينة هنا على
~~الخسران لقوله تعالى: { وما كانوا مهتدين } وقد جعله غير واحد
~~كناية عن إضاعة رأس المال فإن من لم يهتد بطرق التجارة تكثر الآفات على
~~أمواله، واختير طريق الكناية نكاية لهم بتجهيلهم وتسفيههم، ويحتمل على
~~بعد أن يكون النفي هنا من باب قوله: على لا حب لا يهتدى بمناره، أي لا
~~منار فيهتدى به فكأنه قال: لا تجارة ولا ربح، والظاهر أن { وما
~~كانوا مهتدين } عطف على ما ربحت للقرب مع التناسب والتفرع
~~باعتبار المعنى الكنائي، وبتقدير المتعلق لطرق الهداية يندفع توهم أن عدم
~~الاهتداء قد فهم مما قبل فيكون تكرارا لما مضى وهو إما من باب التكميل
~~والإحتراس كقوله:

# فسقى ديارك غير مفسدها

# صوب الغمام وديمة تهمى

# أو من باب التتميم كقوله:

# كأن عيون الوحش حول خبائنا

# وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب

# وقال الشريف قدس سره: إن العطف على { اشتروا الضللة
~~بالهدى } أولى لأن عطفه على (ما ربحت) يوجب ترتبه على ما قبله
~~بالفاء فيلزم تأخره عنه، والأمر بالعكس إلا أن يقال ترتيبه باعتبار الحكم
~~والإخبار، وفيه أنه لو كان معطوفا على { اشتروا } كان الظاهر
~~تقديمه لما في التأخير من الإيهام، وحينئذ يكون الأحسن ترك العطف
~~احتياطا كما ذكر في نحو قوله:

# / وتظن سلمى أنني أبغي بها

# بدلا أراها في الضلال تهيم

# على أن بين معنى { اشتروا } الخ ومعنى { وما كانوا } الخ
~~تقاربا يمنع حسن العطف كما لا يخفى على من لم يضع فطرته السليمة، وجوز ms00229
~~أن تكون الجملة حالا، ولا يخفى سوء حاله على من حسن تمييزه. وقرأ ابن
~~أبي عبلة (تجاراتهم) على الجمع ووجهه أن لكل واحد تجارة، ووجه الإفراد
~~في قراءة الجمهور فهم المعنى مع الإشارة أن تجاراتهم وإن تعددت فهي من
~~سوق واحدة وهم شركاء فيها.

### || [2.17]

# { مثلهم كمثل الذى استوقد نارا } جملة مقررة لجملة
~~قصة المنافقين المسرودة إلى هنا فلذا لم تعطف على ما قبلها، ولما كان ذلك
~~جاريا على ما فيه من استعارات وتجوزات مجرى الصفات الكاشفة عن حقيقة
~~المنافقين وبيان أحوالهم عقبه ببيان تصوير تلك الحقيقة وإبرازها في صورة
~~المشاهد بضرب المثل تتميما للبيان، فلضرب المثل شأن لا يخفى ونور لا
~~يطفى يرفع الأستار عن وجوه الحقائق ويميط اللثام عن محيا الدقائق ويبرز
~~المتخيل في معرض اليقين ويجعل الغائب كأنه شاهد، وربما تكون المعاني التي
~~يراد تفهيمها معقولة صرفة، فالوهم ينازع العقل في إدراكها حتى يحجبها عن
~~اللحوق بما في العقل فبضرب الأمثال تبرز في معرض المحسوس فيساعد الوهم
~~العقل في إدراكها، وهناك تنجلي غياهب الأوهام ويرتفع شغب الخصام

# وتلك الأمثل نضربها للناس لعلهم
~~يتفكرون

# [الحشر: 21] وقيل: الأشبه أن تجعل موضحة لقوله تعالى:

# أولئك الذين اشتروا

# [البقرة: 16] الخ ولا بعد فيه؛ والحمل على الاستئناف بعيد لا سيما
~~والأمثال تضرب للكشف والبيان.

# والمثل بفتحتين - كالمثل - بكسر فسكون - والمثيل في الأصل النظر
~~والشبيه، والتفرقة لا أرتضيها، وكأنه مأخوذ من المثول - وهو الانتصاب -
~~ومنه الحديث:

# " من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار "

# ثم أطلق على الكلام البليغ الشائع الحسن المشتمل إما على تشبيه بلا
~~شبيه، أو استعارة رائقة تمثيلية وغيرها، أو حكمة وموعظة نافعة، أو كناية
~~بديعة، أو نظم من جوامع الكلم الموجز، ولا يشترط فيه أن يكون استعارة
~~مركبة خلافا لمن وهم، بل لا يشترط أن يكون مجازا، وهذه أمثال العرب
~~أفردت بالتآليف وكثرت فيها التصانيف وفيها الكثير مستعملا في معناه
~~الحقيقي ولكونه فريدا في بابه، وقد قصد حكايته لم يجوزوا تغييره لفوات
~~المقصود وتفسيره بالقول السائر ms00230 الممثل مضربه بمورده يرد عليه أمثال
~~القرآن لأن الله تعالى ابتدأها وليس لها مورد من قبل، اللهم إلا أن يقال
~~إن هذا اصطلاح جديد أو أن الأغلب في المثل ذلك، ثم استعير لكل حال أو قصة
~~أو صفة لها شأن وفيها غرابة. ومن ذلك:

# ولله المثل الأعلى

# [النحل: 60] و

# مثل الجنة التى وعد المتقون

# [الرعد: 35] وهو المراد هنا في المثل دون التمثيل المدلول عليه بالكاف.
~~والمعنى حالهم العجيبة الشأن كحال من استوقد نارا الخ فيما سيكشف عن
~~وجهه إن شاء الله تعالى، فالكاف حرف تشبيه متعلقة بمحذوف خبر عن المبتدأ،
~~وزعم ابن عطية أنها اسم مثلها في قول الأعشى:

# أينتهون ولن ينهى ذوي شطط

# كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل

# وهذا مذهب ابن الحسن، وليس بالحسن إلا في الضرورة والقول بالزيادة كما
~~في قوله: فصيروا مثل:

# كعصف مأكول

# [الفيل: 5] زيادة في الجهل، والذي وضع موضع  الذين  إن كان ضمير {
~~بنورهم } راجعا إليه وإلا فهو باق على ظاهره إذ لا ضير في تشبيه
~~حال الجماعة بحال الواحد وجاز هنا وضع المفرد موضع الجمع، وقد منعه
~~الجمهور فلم يجوزوا إقامة القائم مقام القائمين لأن هذا مخالف لغيره
~~لخصوصية اقتضته فإنه إنما وضع ليتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل فلما لم
~~يقصد لذاته توسعوا فيه، ولأنه مع صلته كشيء واحد، وعلامة الجمع لا تقع
~~حشوا فلذا لم/ يلحقوها به ووضعوه لما يعم كمن وما، والذين  ليس جمعا
~~له بل هو اسم وضع مزيدا فيه لزيادة المعنى، وقصد التصريح بها ولذا لم
~~يعرف بالحروف كغيره على الأفصح، ولأن استطال بالصلة فاستحق التخفيف حتى
~~بولغ فيه إلى أن اقتصر على اللام في نحو اسم الفاعل، قاله القاضي وغيره،
~~ولا يخلو عن كدر لا سيما الوجه الأخير، وما روي عن بعض النحاة من جواز
~~حذف نون  الذين  ليس بالمرضي عند المحققين، ولئن تنزل يلتزم عود ضمير
~~الجمع إليه كما في قوله تعالى:

# وخضتم كالذي خاضوا

# [التوبة: 69] على وجه، وقول الشاعر:

# يا رب عيسى لا تبارك في أحد ms00231

# في قائم منهم ولا فيمن قعد

# إلا الذي قاموا بأطراف المسد

# وإفراد الضمير لم نسمعه ممن يوثق به ولعله لأن المحذوف كالملفوظ، فالوجه
~~أن يقال إنه نظر إلى ما في  الذي  من معنى الجنسية العامة إذ لا شبهة
~~في أنه لم يرد به  مستوقد  مخصوص ولا جميع أفراد المستوقدين والموصول
~~كالمعرف باللام يجري فيه ما يجري فيه، واسم الجنس وإن كان لفظه مفردا قد
~~يعامل معاملة الجمع ك

# عليهم ثياب سندس خضر

# [الإنسان: 21] وقولهم: الدينار الصفر، والدرهم البيض، أو يقال: إنه مقدر
~~له موصوف مفرد اللفظ مجموع المعنى كالفوج والفريق فيحسن النظام، ويلاحظ
~~في ضمير  استوقد  لفظ الموصوف، وفي ضمير { بنورهم } معناه، و
~~(استوقدوا) بمعنى أوقدوا، فقد حكى أبو زيد أوقد واستوقد بمعنى كأجاب
~~واستجاب وبه قال الأخفش، وجعل الاستيقاد بمعنى طلب الوقود وهو سطوع النار
~~كما فعل البيضاوي محوج إلى حذف، والمعنى حينئذ طلبوا نارا واستدعوها
~~فأوقدوها { فلما أضاءت } لأن الإضاءة لا تتسبب عن الطلب وإنما
~~تتسبب عن الإيقاد.

# والنار جوهر لطيف مضىء محرق، واشتقاقها من نار ينور نورا إذا نفر لأن
~~فيها على ما تشاهد حركة واضطرابا لطلب المركز، وكونه من غلط الحس كأنه
~~من غلط الحس، نعم أورد على التعريف أن الإضاءة لا تعتبر في حقيقتها وليست
~~شاملة لما ثبت في «الكتب الحكمية» أن النار الأصلية حيث الأثير شفافة لا
~~لون لها وكذا يقال في الإحراق، والجواب أن تخصيص الأسماء لأعيان الأشياء
~~حسبما تدرك أو للمعاني الذهنية المأخوذة منها، وأما اعتبار لوازمها
~~وذاتياتها فوظيفة من أراد الوقوف على حقائقها وذلك خارج عن وسع أكثر
~~الناس، والناس يدركون من النار التي عندهم الإضاءة والإحراق ويجعلونهما
~~أخص أوصافها، والتعريف للمتعارف وعدم الإحراق لمانع لا يضر على أن كون
~~النار التي تحت الفلك هادية غير محرقة وإن زعمه بعض الناس أبطله الشيخ،
~~واحتراق الشهب شهاب على من ينكر الإحراق، وأغرب من هذا نفي النار التي
~~عند الأثير؛ وقريب منه القول بأنها ليست غير الهواء الحار جدا.

# وقرأ ابن السميقع (كمثل ms00232 الذين) على الجمع وهي قراءة مشكلة جدا، وقصارى
~~ما رأيناه في توجيهها أن إفراد الضمير على ما عهد في لسان العرب من
~~التوهم كأنه نطق بمن  الذي  لها لفظا ومعنى كما جزم بالذي على توهم من
~~الشرطية في قوله:

# كذاك الذي يبغي على الناس ظالما

# تصبه على رغم عواقب ما صنع

# أو أنه اكتفى بالإفراد عن الجمع كما يكتفي بالمفرد الظاهر عنه فهو
~~كقوله:

# وبالبدو منا أسرة يحفظونها

# سراع إلى الداعي عظام كراكره

# أي كراكرهم، أو أن الفاعل في استوقد عائد على اسم الفاعل المفهوم من
~~الفعل كما في قوله تعالى:

# ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيت

# [يوسف: 35] على وجه، والعائد حينئذ محذوف على خلاف القياس أي لهم
~~أولا: عائد في الجملة الأولى اكتفاء بالضمير من الثانية المعطوفة
~~بالفاء، وفي القلب من كل شيء.

# { فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم } (لما)
~~حرف وجود لوجود، أو وجوب لوجوب كما نص عليه سيبويه، أو ظرف بمعنى حين، أو
~~إذ، والإضاءة جعل/ الشيء مضيئا نيرا، أو الإشراق وفرط الإنارة. وأضاء
~~يكون متعديا ولازما، فعلى الأول: (ما) موصولة أو موصوفة والظرف صلة أو
~~صفة وهي المفعول والفاعل ضمير النار، وعلى الثاني: فما كذلك وهي الفاعل
~~وأنث فعله لتأويله بمؤنث كالأمكنة والجهات أو الفاعل ضمير النار وما
~~زائدة أو في محل نصب على الظرفية، ولا يجب التصريح بفي حينئذ كما توهم
~~لأن الحق أن ما الموصولة أو الموصوفة إذا جعلت ظرفا فالمراد بها الأمكنة
~~التي تحيط بالمستوقد وهي الجهات الست وهي مما ينصب على الظرفية قياسا
~~مطردا فكذا ما عبر به عنها، وأولى الوجوه أن تكون (أضاءت) متعدية و (ما)
~~موصولة إذ لا حاجة حينئذ إلى الحمل على المعنى، ولا ارتكاب ما قل
~~استعماله لا سيما زيادة ما هنا حتى ذكروا أنها لم تسمع هنا، ولم يحفظ من
~~كلام العرب جلست ما مجلسا حسنا ولا قمت ما يوم الجمعة. ويا ليت شعري من
~~أين أخذ ذلك الزمخشري وكيف تبعه البيضاوي؟! وإذا جعل ms00233 الفاعل ضمير النار
~~والفعل لازم يكون الإسناد إلى السبب لأن النار لم توجد حول المستوقد ووجد
~~ضوؤها فجعل إشراق ضوئها حوله بمنزلة إشراقها نفسها على ما قيل، وهو مبني
~~على أن الظرف إذا تعلق بفعل قاصر له أثر متعد يشترط في تحقق النسبة
~~الظرفية للأثر والمؤثر فلا بد في إشراق كذا في كذا من كون الإشراق
~~والمشرق فيه، وهذا كما إذا تعلق الظرف بفعل قاصر  كقام زيد في الدار 
~~فإن زيدا والقيام فيها ذاتا وتبعا  وإلى ذلك مال الزمخشري  ومن
~~الناس من اكتفى بوجود الأثر فيه وإن لم يوجد المؤثر فيه بذاته كما في
~~الأفعال المتعدية فأضاءت الشمس في الأرض حقيقة على هذا مجاز على الأول.

# وحول ظرف مكان ملازم للظرفية والإضافة  ويثنى ويجمع  فيقال حوليه
~~وأحواله وحوال مثله فيثنى على حوالي، ولم نظفر بجمعه فيما حولنا من الكتب
~~اللغوية ولا تقل حواليه بكسر اللام كما في «الصحاح». ولعل التثنية والجمع
~~ مع ما يفهم من بعض الكتب أن حول وكذا حوال بمعنى الجوانب وهي مستغرقة 
~~ليسا حقيقين، وقيل: باعتبار تقسيم الدائرة كما أشار إليه المولى عاصم
~~أفندي في ترجمة «القاموس» بالرومية وفيه تأمل، وأصل هذا التركيب موضوع
~~للطواف والإحاطة كالحول للسنة فإنه يدور من فصل أو يوم إلى مثله، ولما
~~لزمه الانتقال والتغير استعمل فيه باعتباره كالاستحالة والحوالة وإن خفي
~~في نحو الحول بمعنى القوة، وقيل: أصله تغير الشيء وانفصاله.

# و (ذهب) الخ جواب (لما) والسببية ادعائية فإنه لما ترتب إذهاب النور على
~~الإضاءة بلا مهلة جعل كأنه سبب له على أنه يكفي في الشرط مجرد التوقف نحو
~~ إن كان لي مال حججت  والإذهاب متوقف على الإضاءة، والضمير في {
~~بنورهم } للذي أو لموصوفه وجمعه لما تقدم. واختار النور على النار
~~لأنه أعظم منافعها والمناسب للمقام سباقا ولحاقا، وقيل: الجملة متسأنفة
~~جوابا عما بالهم شبهت حالهم بذلك، أو بدل من جملة التمثيل للبيان
~~والضمير للمنافقين وجواب (لما) محذوف أي خمدت نارهم فبقوا متحيرين، ومثله

# فلما ذهبوا به

# [يوسف: 15] وحذفه للإيجاز وأمن ms00234 الإلباس ولا يخفى ما فيه على من له أدنى
~~إنصاف وإن ارتضاه الجم الغفير، ويجل عن مثل هذا الإلغاز كلام الله تعالى
~~اللطيف الخبير. وإسناد الفعل إليه تعالى حقيقة فهو سبحانه الفعال المطلق
~~الذي بيده التصرف في الأمور كلها بواسطة وبغير واسطة، ولا يعترض على
~~الحكيم بشيء، وحمل النار على نار لا يرضى الله تعالى إيقادها إما مجازية
~~كنار الفتنة والعداوة للإسلام أو حقيقية أوقدها الغواة للفساد أو
~~الإفساد، فحينئذ يليق بالحكيم إطفاؤها وإلا يرتكب المجاز لم يدع إليه
~~إلا اعتزال وإيقاد نار الغواية والإضلال، وعدي بالباء دون الهمزة لما في
~~" المثل السائر " أن ذهب بالشيء يفهم منه أنه استصحبه وأمسكه عن الرجوع
~~إلى الحالة الأولى ولا كذلك أذهبه فالباء والهمزة وإن اشتركا في معنى
~~التعدية فلا يبعد أن ينظر صاحب المعاني إلى معنى الهمزة والباء الأصليين،
~~أعني الإزالة/ والمصاحبة والإلصاق.

# ففي الآية لطف لا ينكر كيف والفاعل هو الله تعالى القوي العزيز الذي لا
~~راد لما أخذه ولا مرسل لما أمسكه. وذكر أبو العباس أن ذهبت بزيد يقتضي
~~ذهاب المتكلم مع زيد دون أذهبته، ولعله يقول: إن ما في الآية مجاز عن شدة
~~الأخذ بحيث لا يرد أو يجوز أن يكون الله تعالى وصف نفسه بالذهاب على معنى
~~يليق به كما وصف نفسه سبحانه بالمجىء في ظاهر قوله تعالى:

# وجاء ربك

# [الفجر: 22] والذي ذهب إليه سيبويه إلى أن الباء بمعنى الهمزة فكلاهما
~~لمجرد التعدية عنده بلا فرق فلذا لا يجمع بينهما.

# والنور منشأ الضياء ومبدؤه كما يشير إليه استعمال العرب حيث أضافوا
~~الضياء إليه كما قال ورقة بن نوفل:

# ويظهر في البلاد ضياء نور

# وقال العباس رضي الله تعالى عنه:

# وأنت لما ظهرت أشرقت الأر

# ض وضاءت بنورك الأفق

# ولهذا أطلق عليه سبحانه النور دون الضياء، وأشار سبحانه إلى نفي الضياء
~~الذي هو مقتضى الظاهر بنفي النور وإذهابه لأنه أصله وبنفي الأصل ينتفي
~~الفرع، وهذا الذي ذكرنا هو الذي ارتضاه المحققون من أهل اللغة، ومنه يعلم
~~وجه وصف الشريعة ms00235 المحمدية بالنور في قوله تعالى:

# قد جاءكم من الله نور وكتب مبين

# [المائدة: 15] والشريعة الموسوية بالضياء في قوله تعالى:

# ولقد ءاتينا موسى وهرون الفرقان وضياء
~~وذكرا للمتقين

# [الأنبياء: 48] وفي ذلك إشارة إلى مقام نبينا صلى الله عليه وسلم الجامع
~~الفارق ومزيته على أخيه موسى عليه السلام الذي لم يأت إلا بالفرق ولفرق
~~ما بين الحبيب والكليم:

# وكل آي أتى الرسل الكرام بها

# فإنما اتصلت من نوره بهم

# وكذا وجه وصف الصلاة  الناهية عن الفحشاء والمنكر في حديث مسلم 
~~بالنور والصبر بالضياء، ويعلم من هذا أنه أقوى من الضياء كذا قيل واعترض
~~بأنه قد جاء وصف ما أوتيه نبينا صلى الله عليه وسلم بالضياء كما جاء وصف
~~ما أوتيه موسى عليه السلام بالنور وإليه يشير كلام الشيخ الأكبر قدس سره
~~في «الفتوحات» فتدبر، وذهب بعض الناس إلى أن الضياء أقوى من النور لقوله
~~تعالى:

# جعل الشمس ضياء والقمر نورا

# [يونس: 5] وعلى هذا يكون التعبير ب { ذهب الله بنورهم } دون
~~ذهب الله بضوئهم دفعا لاحتمال إذهاب ما في الضوء من الزيادة وبقاء ما
~~يسمى نورا مع أن الغرض إزالة النور رأسا، وذكر بعضهم أن كلا من الضوء
~~والنور يطلق على ما يطلق عليه الآخر فهما كالمترادفين والفرق إنما نشأ من
~~الاستعمال أو الاصطلاح لا من أصل الوضع واللغة، ومن هنا قال الحكماء: إن
~~الضوء ما يكون للشيء من ذاته، والنور ما يكون من غيره، واستعمل الضوء لما
~~فيه حرارة حقيقة كالذي في الشمس، أو مجازا كالذي ذكر فيما أوتيه موسى
~~عليه السلام مما فيه شدة ومزيد كلفة، ومنه «الصبر ضياء» ومعلوم أنه
~~كاسمه، والنور لما ليس كذلك كالذي في القمر وفيما جاء به النبي صلى الله
~~عليه وسلم من الشريعة السهلة السمحة البيضاء، ومنه

# " الصلاة نور "

# ولا شك أنها قرة العين وراحة القلب وإلى ذلك يشير:

# " وجعلت قرة عيني في الصلاة "

# " وأرحنا يا بلال "

# واستعمل النور لما يطرأ في الظلم كما ورد: «كان الناس في ظلمة فرش الله
~~تعالى عليهم من نوره» ms00236 وقول الشاعر:

# بتنا وعمر الليل في غلوائه

# وله بنور البدر فرع أشمط

# والضوء ليس كذلك إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع، والذي يميل القلب
~~إليه أن الضياء يطلق على النور القوي/ وعلى شعاع النور المنبسط فهو
~~بالمعنى الأول أقوى وبالمعنى الثاني أدنى ولكل مقام مقال ولكل مرتبة
~~عبارة ولا حجر على البليغ في اختيار أحد الأمرين في بعض المقامات لنكتة
~~اعتبرها ومناسبة لاحظها، وآية الشمس لا تدل على أن الضياء أقوى من النور
~~أينما وقع  فالله نور السموات والأرض ولله المثل الأعلى  وشاع إطلاق
~~النور على الذوات المجردة دون الضوء ولعل ذلك لأن انسياق العرضية منه إلى
~~الذهن أسرع من انسياقها من النور إليه فقد انتشر أنه عرض وكيفية مغايرة
~~للون، والقول بأنه عبارة عن ظهور اللون  أو أنه أجسام صغار تنفصل من
~~المضيء فتتصل بالمستضىء  مما بين بطلانه في «الكتب الحكمية» وإن قال بكل
~~بعض من الحكماء، ثم التعبير بالنور هنا دون الضوء يحتمل أن يكون لسر غير
~~ما انقدح في أذهان الناس وهو كونه أنسب بحال المنافقين الذين حرموا
~~الانتفاع والإضاءة بما جاء من عند الله مما سماه سبحانه نورا في قوله
~~تعالى:

# قد جاءكم من الله نور وكتب

# [المائدة: 15] فكأن الله عز شأنه أمسك عنهم النور وحرمهم الانتفاع به،
~~ولم يسمه سبحانه ضوءا لتتأتى هذه الإشارة  لو قال هنا ذهب الله بضوئهم
~~ بل كساه من حلل أسمائه وأفاض عليه من أنوار آلائه فهو المظهر الأتم
~~والرداء المعلم. هذا وإضافة النور إليهم لأدنى ملابسة لأنه للنار في
~~الحقيقة لكن لما كانوا ينتفعون به صح إضافته إليهم، وقرأ ابن السميقع
~~وابن أبي عبلة فلما أضاءت ثلاثيا وتخريجها يعلم مما تقدم، وقرأ اليماني
~~أذهب الله نورهم وفيها تأييد لمذهب سيبويه.

# { وتركهم في ظلمت لا يبصرون } عطف على قوله تعالى:
~~{ ذهب الله بنورهم } وهو أوفى بتأدية المراد فيستفاد منه
~~التقرير لانتفاء النور بالكلية تبعا لما فيه من ذكر الظلمة وجمعها
~~وتنكيرها، وإيراد { لا يبصرون } وجعل الواو للحال بتقدير قد ms00237 مع ما
~~فيه يقتضي ثبوت الظلمة قبل ذهاب النور ومعه، وليس المعنى عليه  والترك 
~~في المشهور طرح الشيء كترك العصا من يده أو تخليته محسوسا كان أو غيره
~~وإن لم يكن في يده كترك وطنه ودينه، وقال الراغب: ترك الشيء رفضه قصدا
~~واختيارا أو قهرا واضطرارا.

# ويفهم من «المصباح» أنه حقيقة في مفارقة المحسوسات ثم استعير في
~~المعاني، وفي كون الفعل من النواسخ الناصبة للجزأين لتضمينه معنى صير أم
~~لا خلاف  والكل هنا محتمل  فعلى الأول: (هم) مفعوله الأول، و { فى
~~ظلمت } مفعوله الثاني، و { لا يبصرون } صفة لظلمات بتقدير
~~فيها أو حال من الضمير المستتر، أو من (هم) ولا يجوز أن يكون في ظلمات
~~حالا، و { لا يبصرون } مفعولا ثانيا لأن الأصل في الخبر أن لا
~~يكون مؤكدا وإن جوزه بعضهم. وعلى الثاني: (هم) مفعوله، و { في
~~ظلمت لا يبصرون } حالان مترادفان من المفعول أو متداخلان،
~~فالأول: من المفعول والثاني: من الضمير فيه أو { فى ظلمت } متعلق
~~ب { تركهم } و { لا يبصرون } حال.

# والظلمة في المشهور عدم الضوء عما من شأنه أن يكون مستضيئا، فالتقابل
~~بينها وبين الضوء تقابل العدم والملكة، واعترض بأن الظلمة كيفية محسوسة
~~ولا شيء من العدم كذلك وبأنها مجعولة كما يقتضيه قوله تعالى:

# وجعل الظلمت والنور

# [الأنعام: 1] والمجعول لا يكون إلا موجودا، وأجيب عن الأول بمنع الصغرى
~~فإنا إذا غمضنا العين لا نشاهد شيئا البتة كذلك إذا فتحنا العين في
~~الظلمة؛ وعن الثاني بالمنع أيضا فإن الجاعل كما يجعل الموجود يجعل العدم
~~الخاص كالعمى والمنافي للمجعولية هو العدم الصرف، وقيل: كيفية مانعة من
~~الإبصار فالتقابل تقابل التضاد، واعترض بأنه لو كانت كيفية لما اختلف حال
~~من في الغار المظلم ومن هو في الخارج في الرؤية وعدمها إلا أن يقال
~~المراد أنها كيفية مانعة من إبصار ما فيها فيندفع الاعتراض عنه، وربما
~~يرجح عليه بأنه قد يصدق على الظلمة الأصلية السابقة على وجود العالم دونه
~~كما قيل، وقيل: التقابل بين النور والظلمة تقابل الإيجاب والسلب وجمع ms00238
~~الظلمات إما لتعددها في الواقع سواء رجع ضمير الجمع إلى المستوقدين أو
~~المنافقين أو لأنها في الحقيقة، وإن/ كانت ظلمة واحدة لكنها لشدتها
~~استعير لها صيغة الجمع مبالغة  كما قيل رب واحد يعدل ألفا  أو لأنه
~~لما كان لكل واحد ظلمة تخصه جمعت بذلك الاعتبار كذا قالوا.

# ومن اللطائف أن الظلمة حيثما وقعت في القرآن وقعت مجموعة والنور حيثما
~~وقع وقع مفردا، ولعل السبب هو أن الظلمة وإن قلت تستكثر والنور وإن كثر
~~يستقل ما لم يضر، وأيضا كثيرا ما يشار بهما إلى نحو الكفر والإيمان
~~والقليل من الكفر كثير والكثير من الإيمان قليل فلا ينبغي الركون إلى
~~قليل من ذاك ولا الاكتفاء بكثير من هذا، وأيضا معدن الظلمة بهذا المعنى
~~قلوب الكفار

# تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى

# [الحشر: 14] ومشرق النور بذلك المعنى قلوب المؤمنين وهي كقلب رجل واحد،
~~وأيضا النور المفاض هو الوجود المضاف وهو واحد لا تعدد فيه كما يرشدك
~~إليه قوله تعالى:

# الله نور السموات والأرض

# [النور: 35] وفي الظلمة لا يرى مثل هذا، وأيضا الظلمة يدور أصل معناها
~~على المنع فلذا أخذت من قولهم  ما ظلمك أن تفعل كذا  أي ما منعك، وفي
~~«مثلثات» ابن السيد الظلم بفتح الظاء شخص كل شيء يسد بصر الناظر يقال
~~لقيته أول ذي ظلم أي أول شخص يسد بصري وزرته والليل ظلم أي مانع من
~~الزيارة فكأنها سميت ظلمة لأنها تسد في المشهور وتمنع الرؤية، فباعتبار
~~تعدد الموانع جمعت ولم يعتبر مثل هذا في أصل معنى النور فلم يجمع إلى غير
~~ذلك وإنما نكرت ظلمات هنا ولم تضف إلى ضميرهم كما أضيف النور اختصارا
~~للفظ واكتفاء بما دل عليه المعنى، والظرفية مجازية كيفما فسرت الظلمة
~~على بعض الآراء، و { لا يبصرون } منزل منزلة اللازم لطرح المفعول
~~نسيا منسيا، ولعدم القصد إلى مفعول دون مفعول فيفيد العموم.

# وقرأ الجمهور: { فى ظلمت } بضم اللام، والحسن وأبو السماك
~~بسكونها، وقوم بفتحها، والكل جمع ظلمة.

# وزعم قوم أن (ظلمات) بالفتح جمع ظلم جمع ظلمة فهي جمع ms00239 الجمع، والعدول
~~إلى الفتح تخفيفا مع سماعه في أمثاله أسهل من ادعاء جمع الجمع إذ ليس
~~بقياسي ولا دليل قطعي عليه، وقرأ اليماني (في ظلمة)، وفي الآية إشارة إلى
~~تشبيه إجراء كلمة الشهادة على ألسنة من ذكر  والتحلي بحلية المؤمنين
~~ونحو ذلك  مما يمنع من قتلهم ويعود عليهم بالنفع الدنيوي من نحو الأمن
~~والمغانم، وعدم إخلاصهم لما أظهروه بالنفاق الضار في الدين بإيقاد نار
~~مضيئة للانتفاع بها أطفأها الله تعالى فهبت عليهم الرياح والأمطار وصيرت
~~موقدها في ظلمة وحسرة، ويحتمل أنهم لما وصفوا بأنهم

# اشتروا الضللة بالهدى

# [البقرة: 16] عقب ذلك بهذا التمثيل لتشبيه هداهم الذي باعوه بالنار
~~المضيئة ما حول المستوقد، والضلالة التي اشتروها وطبع الله تعالى بها على
~~قلوبهم بذهاب الله تعالى بنورهم وتركه إياهم في الظلمات، والتفسير
~~المأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما أخرجه ابن جرير عنه أن ذلك
~~مثل للإيمان الذي أظهروه لاجتناء ثمراته بنار ساطعة الأنوار موقدة
~~للانتفاع والاستبصار ولذهاب أثره وانطماس نوره بإهلاكهم وإفشاء حالهم
~~بإطفاء الله تعالى إياها وإذهاب نورها، ويحتمل التشبيه وجوها أخر.

# ومن البطون القرآنية التي ذكرها ساداتنا الصوفية نفعنا الله تعالى بهم
~~أن الآية مثل من دخل طريقة الأولياء بالتقليد لا بالتحقيق فعمل عمل
~~الظاهر وما وجد حلاوة الباطن فترك الأعمال بعد فقدان الأحوال، أو مثل من
~~استوقد نيران الدعوى وليس عنده حقيقة المعنى فأضاءت ظواهره بالصيت
~~والقبول فأفشى الله تعالى نفاقه بين الخلق حتى نبذوه في الآخر ولا يجد
~~مناصا من الفضيحة يوم تبلى السرائر، وقال أبو الحسن الوراق: هذا مثل
~~ضربه الله تعالى لمن لم يصحح أحوال الإرادة فارتقى من تلك الأحوال
~~بالدعاوى إلى أحوال الأكابر فكان يضيء عليه أحوال إرادته لو صححها
~~بملازمة آدابها فلما مزجها بالدعاوى أذهب الله تعالى عنه تلك الأنوار
~~وبقي في ظلمات دعاويه لا يبصر طريق الخروج منها، نسأل الله تعالى العفو
~~والعافية ونعوذ به من الحور بعد الكور.

### || [2.18]

# الأوصاف جموع كثرة على وزن/ فعل وهو قياس في جمع فعلاء ms00240 وأفعل الوصفين
~~سواء تقابلا كأحمر وحمراء أم انفردا لمانع في الخلقة كغرل ورتق فإن كان
~~الوصف مشتركا ولكن لم يستعملا على نظام أحمر وحمراء كرجل ألي، وامرأة
~~عجزاء فالوزن فيه سماعي، والصمم داء في الأذن يمنع السمع، وقال الأطباء:
~~هو أن يخلق الصماخ بدون تجويف يشتمل على الهواء الراكد الذي يسمع الصوت
~~بتموجه فيه أو بتجويف لكن العصب لا يؤدي قوة الحس فإن أدى بكلفة سمي
~~عندهم طرشا، وأصله من الصلابة أو السد، ومنه قولهم قناة صماء وصممت
~~القارورة. والبكم الخرس وزنا ومعنى وهو داء في اللسان يمنع من الكلام
~~وقيل: الأبكم هو الذي يولد أخرس، وقيل: الذي لا يفهم شيئا ولا يهتدي إلى
~~الصواب فيكون إذ ذاك داء في الفؤاد لا في اللسان، والعمى عدم البصر عما
~~من شأنه أن يكون بصيرا، وقيل: ظلمة في العين تمنع من إدراك المبصرات،
~~ويطلق على عدم البصيرة مجازا عند بعض وحقيقة عند آخرين، وهي أخبار
~~لمبتدأ محذوف هو ضمير المنافقين أو خبر واحد وتؤول إلى عدم قبولهم الحق
~~وهم وإن كانوا سمعاء الآذان فصحاء الألسن بصراء الأعين إلا أنهم لما لم
~~يصيخوا للحق وأبت أن تنطق بسائره ألسنتهم ولم يتلمحوا أدلة الهدى
~~المنصوبة في الآفاق والأنفس وصفوا بما وصفوا به من الصمم والبكم والعمى
~~على حد قوله:

# أعمى إذا ما جارتي برزت

# حتى يواري جارتي الخدر

# وأصم عما كان بينهما

# أذني وما في سمعها وقر

# وهذا من التشبيه البليغ عند المحققين لذكر الطرفين حكما، وذكرهما قصدا
~~حكما أو حقيقة مانع عن الاستعارة عندهم، وذهب بعضهم إلى أنه استعارة،
~~وآخرون إلى جواز الأمرين، وهذا أمر مفروغ عنه ليس لتقريره هنا كثير جدوى،
~~غير أنهم ذكروا هنا بحثا وهو أنه لا نزاع أن التقدير: هم صم الخ لكن ليس
~~المستعار له حينئذ مذكورا لأنه لبيان أحوال مشاعر المنافقين لا ذواتهم،
~~ففي هذه الصفات استعارة تبعية مصرحة إلا أن يقال تشبيه ذوات المنافقين
~~بذوات الأشخاص الصم متفرع على تشبيه حالهم بالصمم، فالقصد إلى إثبات هذا ms00241
~~الفرع أقوى وأبلغ، وكأن المشابهة بين الحالين تعدت إلى الذاتين فحملت
~~الآية على هذا التشبيه برعاية المبالغة، أو يقال  ولعله أولى  إن هم
~~المقدر راجع للمنافقين السابق حالهم وصفاتهم وتشهيرهم بها حتى صاروا
~~مثلا فكأنه قيل هؤلاء المتصفون بما ترى صم على أن المستعار له ما تضمنه
~~الضمير الذي جعل عبارة عن المتصفين بما مر، والمستعار ما تضمن الصم
~~وأخويه من قوله: صم الخ فقد انكشف المغطى وليس هذا بالبعيد جدا.

# والآية فذلكة ما تقدم ونتيجته إذ قد علم من قوله سبحانه:

# لا يشعرون

# [البقرة: 12] و

# لا يبصرون

# [البقرة: 17] أنهم صم عمي، ومن كونهم يكذبون أنهم لا ينطقون بالحق فهم
~~كالبكم ومن كونهم غير مهتدين أنهم لا يرجعون وقدم الصمم لأنه إذا كان
~~خلقيا يستلزم البكم وأخر العمى لأنه كما قيل: شامل لعمى القلب الحاصل من
~~طرق المبصرات والحواس الظاهرة، وهو بهذا المعنى متأخر لأنه معقول صرف ولو
~~توسط  حل بين العصا ولحائها  ولو قدم  لأوهم تعلقه ب

# لا يبصرون

# [البقرة: 17]  أو الترتيب على وفق حال الممثل له لأنه يسمع أولا دعوة
~~الحق ثم يجيب ويعترف ثم يتأمل ويتبصر. ومثل هذه الجملة وردت تارة بالفاء
~~كما في قوله تعالى:

# ووعدنا موسى ثلثين ليلة وأتممناها بعشر
~~فتم ميقت ربه أربعين ليلة

# [الأعراف: 142] وأخرى بدونها كما في قوله تعالى:

# فصيام ثلثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم
~~تلك عشرة كاملة

# [البقرة: 196] لأن استلزام ما قبلها وتضمنه لها بالقوة منزل منزلة
~~المتحد معه فيترك العطف ومغايرتها له وترتبها عليه ترتب النتاج، والفرع
~~على أصله يقتضي الاقتران بالفاء وهو الشائع المعروف، وبعض الناس يجعل
~~الآية من تتمة التمثيل فلا يحتاج حينئذ إلى التجوز ويكفي فيه الفرض وإن/
~~امتنع عادة كما في قوله:

# أعلام ياقوت نشر

# ن على رماح من زبرجد

# فيفرض هنا حصول الصمم والبكم والعمى لمن وقع في هاتيك الظلمة الشديدة
~~المطبقة، وقيل: لا يبعد فقد الحواس ممن وقع في ظلمات مخوفة هائلة إذ ربما
~~يؤدي ذلك إلى الموت فضلا عن ذلك، ويؤيد ms00242 كونها تتمته قراءة ابن مسعود
~~وحفصة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم صما وبكما وعميا بالنصب فإن
~~الأوصاف حينئذ تحتمل أن تكون مفعولا ثانيا لترك و

# في ظلمات

# [البقرة: 17] متعلقا به أو في موضع الحال و

# لا يبصرون

# [البقرة: 17] حالا أو منصوبة على الحال من مفعول

# تركهم

# [البقرة: 17] متعديا لاثنين أو لواحد أو منصوبة بفعل محذوف أعني أعني،
~~والقول بأنها منصوبة على الحال من ضمير

# لا يبصرون

# [البقرة: 17] جهل بالحال، وقريب منه في الذم من نصب على الذم إذ ذاك
~~إنما يحسن حيث يذكر الاسم السابق، وأما جعل هذه الجملة على القراءة
~~المشهورة دعائية وفيها إشارة إلى ما يقع في الآخرة من قوله تعالى:

# ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا
~~وبكما وصما

# [الإسراء: 97] فنسأل الله تعالى العفو والعافية من ارتكاب مثله ونعوذ به
~~من عمى قائله وجهله، ومثله  بل أدهى وأمر  القول بأن جملة { لا
~~يرجعون } كذلك ومتعلق  لا يرجعون  محذوف أي لا يعودون إلى الهدى
~~بعد أن باعوه أو عن الضلالة بعد أن اشتروها، وقد لا يقدر شيء ويترك على
~~الإطلاق. والوجهان الأولان مبنيان على أن وجه التشبيه في التمثيل مستنبط
~~من

# أولئك الذين اشتروا

# [البقرة: 16] الخ والأخير على تقدير أن يكون من

# ذهب الله بنورهم

# [البقرة:17] الخ بأن يراد به أنهم غب الإضاءة خبطوا في ظلمة وتورطوا في
~~حيرة، فالمراد هنا أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا جامدين في مكاناتهم
~~لا يبرحون ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون، وكيف يرجعون إلى حيث ابتدؤا
~~منه، والأعمى لا ينظر طريقا وأبكم لا يسأل عنها وأصم لا يسمع صوتا من
~~صوب مرجعه فيهتدي به والفاء للدلالة على أن اتصافهم بما تقدم سبب لتحيرهم
~~واحتباسهم كيف ما كانوا.

# ومن البطون: صم آذان أسماع أرواحهم عن أصوات الوصلة وحقائق إلهام القربة
~~بكم عن تعريف علل بواطنهم عند أطباء القلوب عجبا عمي عن رؤية أنوار جمال
~~الحق في سيماء أوليائه. وقال سيدي الجنيد قدس سره: صموا عن فهم ما سمعوا
~~وأبكموا عن عبارة ما عرفوا وعموا ms00243 عن البصيرة فيما إليه دعوا.

### || [2.19]

# { أو كصيب من السماء } شروع في تمثيل حالهم إثر تمثيل وبيان
~~لكل دقيق منها وجليل فهم أئمة الكفر الذين تفننوا فيه وتفيؤا ظلال الضلال
~~بعد أن طاروا إليه بقدامى النفاق وخوافيه فحقيق أن تضرب في بيداء بيان
~~أحوالهم الوخيمة خيمة الأمثال وتمد أطناب الإطناب في شرح أفعالهم ليكون
~~أفعى لهم ونكالا بعد نكال وكل كلام له حظ من البلاغة وقسط من الجزالة
~~والبراعة لا بد أن يوفى فيه حق كل من مقامي الإطناب والإيجاز فماذا عسى
~~أن يقال فيما بلغ الذروة العليا من البلاغة والبراعة والإعجاز؟ ولقد نعى
~~سبحانه عليهم في هذا التمثيل تفاصيل جناياتهم العديمة المثيل وهو معطوف
~~على

# الذى استوقد نارا

# [البقرة: 17] ويكون النظم كمثل ذوي صيب فيظهر مرجع ضمير الجمع فيما بعد
~~وتحصل الملائمة للمعطوف عليه والمشبه.

# و(أو) عند ذوي التحقيق لأحد الأمرين ويتولد منه في الخبر الشك والإبهام
~~والتفصيل على حسب اعتبارات المتكلم، وفي الإنشاء/ الإباحة والتخيير كذلك،
~~وحينئذ لا يلزم الاشتراك ولا الحقيقة والمجاز، وبعضهم يقول: إنها
~~باعتبار الأصل موضوعة للتساوي في الشك، وحمل على أنه فرد من أفراد المعنى
~~الحقيقي ثم اتسع فيها فجاءت للتساوي من غير شك كما  فيما نحن فيه  على
~~رأي إذ المعنى مثل بأي القصتين شئت فهما سواء في التمثيل ولا بأس لو مثلت
~~بهما جميعا وإن كان التشبيه الثاني أبلغ لدلالته على فرط الحيرة وشدة
~~الأمر وفظاعته ولذا أخر ليتدرج من الأهون إلى الأهول، وزعم بعضهم أن {
~~أو } هنا بمعنى الواو وما في الآيتين تمثيل واحد، وقيل: بمعنى بل،
~~وقيل: للإبهام، والكل ليس بشيء، نعم اختار أبو حيان أنها للتفصيل وكأن من
~~نظر إلى حالهم منهم من يشبهه بحال المستوقد؛ ومنهم من يشبهه بحال ذوي صيب
~~مدعيا أن الإباحة وكذا التخيير لا يكونان إلا في الأمر أو ما في معناه
~~انتهى. ولا يخفى على من نظر في معناه وحقق ما معناه أن ما نحن فيه داخل
~~في الشق الثاني على أن دعوى الاختصاص ms00244 مما لم يجمع عليه الخواص، فقد ذكر
~~ابن مالك أن أكثر ورود (أو) للإباحة في التشبيه نحو

# فهى كالحجارة أو أشد قسوة

# [البقرة: 74] والتقدير نحو

# فكان قاب قوسين أو أدنى

# [النجم: 9].

# والصيب في المشهور المطر من صاب يصوب إذا نزل وهو المروي هنا عن ابن
~~عباس وابن مسعود ومجاهد وقتادة وعطاء وغيرهم رضي الله تعالى عنهم، ويطلق
~~على السحاب أيضا كما في قوله:

# حتى عفاها صيب ودقه

# داني النواحي مسبل هاطل

# ووزنه فيعل بكسر العين عند البصريين وهو من الأوزان المختصة بالمعتل
~~العين إلا ما شذ من صيقل بكسر القاف علم لامرأة، والبغداديون يفتحون
~~العين وهو قول تسد الأذن عنه، وقريب منه قول الكوفيين: إن أصله فعيل
~~كطويل فقلب، وهل هو اسم جنس أو صفة بمعنى نازل أو منزل؟ قولان أشهرهما
~~الأول، وأكثر نظائره في الوزن من الثاني، وقرىء (أو كصائب) وصيب أبلغ
~~منه، والتنكير فيه للتنويع والتعظيم.

# والسماء كل ما علاك من سقف ونحوه والمعروفة عند خواص أهل الأرض والمرئية
~~عند عوامهم، وأصلها الواو من السمو وهي مؤنثة وقد تذكر كما في قوله:

# فلو رفع السماء إليه قوما

# لحقنا بالسماء مع السحاب

# وتلحقها هاء التأنيث فتصح الواو حينئذ كما قاله أبو حيان لأنها بنيت
~~عليها الكلمة فيقال سماوة وتجمع على سموات وأسمية وسمائي، والكل كما في
~~«البحر» شاذ لأنها اسم جنس وقياسه أن لا يجمع، وجمعه بالألف والتاء خال
~~عن شرط ما يجمع بهما قياسا، وجمعه على أفعلة ليس مما ينقاس في المؤنث،
~~وعلى فعائل لا ينقاس في فعال. والمراد بالسماء هنا الأفق والتعريف
~~للاستغراق لا للعهد الذهني كما ينساق لبعض الأذهان فيفيد أن الغمام آخذ
~~بالآفاق كلها فيشعر بقوة المصيبة مع ما فيه من تمهيد الظلمة ولهذا القصد
~~ذكرها، وعندي أن الذكر يحتمل أن يكون أيضا للتهويل والإشارة إلى أن ما
~~يؤذيهم جاء من فوق رؤوسهم وذلك أبلغ في الإيذاء كما يشير إليه قوله
~~تعالى:

# يصب من فوق رؤوسهم الحميم

# [الحج: 19] وكثيرا ما نجد أن المرء يعتني بحفظ ms00245 رأسه أكثر مما يعتني
~~بحفظ سائر أطرافه حتى أن المستطيع من الناس يتخذ طيلسانا لذلك، والعيان
~~الوجدان أقوى شاهد على ما قلنا.

# و { من } لابتداء الغاية، وقيل: يحتمل أن تكون للتبعيض على حذف مضاف
~~أي من أمطار السماء وليس بشيء، وزعم بعضهم أن الآية تبطل ما قيل: إن
~~المطر من أبخرة متصاعدة من السفل وهو من أبخرة الجهل إذ ليس في الآية سوى
~~أن المطر من هذه الجهة وهو غير مناف لما ذكر، كيف والمشاهدة تقضي به فقد
~~حدثني من بلغ مبلغ التواتر أنهم شاهدوا وهم فوق الجبال الشامخة سحابا/
~~يمطر أسفلهم وشاهدوا تارات أبخرة تتصاعد من نحو الجبال فتنعقد سحابا
~~فيمطر، فإياك أن تلتفت لبرق كلام خلب ولا تظن أن ذلك علم فالجهل منه
~~أصوب، ثم حمل الصيب هنا على السحاب وإن كان محتملا غير أنه بعيد بعد
~~الغمام وكذا حمل السماء عليه.

# { فيه ظلمت ورعد وبرق } أي معه ذلك كما في قوله تعالى:

# ادخلوا فى أمم

# [الأعراف: 38] وإذا حملت { فى } على الظرفية كما هو الشائع في كلام
~~المفسرين احتيج إلى حمل الملابسة التي تقتضيها الظرفية على مطلق الملابسة
~~الشاملة للسببية والمجاورة وغيرهما ففيه بذلك المعنى ظلمات ثلاث ظلمة
~~تكاثفه بتتابعه، وظلمة غمامه من ظلمة الليل التي يستشعرها الذوق من قوله
~~تعالى:

# كلما أضاء لهم مشوا فيه

# [البقرة: 20] وكذا فيه رعد وبرق لأنهما في منشئه ومحل ينصب منه، وقيل:
~~فيه  وهو كما قال الشهاب  وهم نشأ من عدم التدبر، وإن كان المراد
~~بالصيب السحاب فأمر الظرفية أظهر، والظلمات حينئذ ظلمة السحمة والتطبيق
~~مع ظلمة الليل، وجمع الظلمات على التقديرين مضيء، ولم يجمع الرعد والبرق
~~وإن كانا قد جمعا في لسان العرب، وبه تزداد المبالغة وتحصل المطابقة مع
~~الظلمات والصواعق لأنهما مصدران في الأصل، وإن أريد بهما العينان هنا كما
~~هو الظاهر، والأصل في المصدر أن لا يجمع على أنه لو جمعا لدل ظاهرا على
~~تعدد الأنواع كما في المعطوف عليه، وكل من الرعد والبرق نوع واحد. وذكر
~~الشهاب مدعيا ms00246 أنه مما لمعت به بوارق الهداية في ظلمات الخواطر نكتة سرية
~~في إفرادهما هنا وهي أن الرعد كما ورد في الحديث وجرت به العادة يسوق
~~السحاب من مكان لآخر فلو تعدد لم يكن السحاب مطبقا فتزول شدة ظلمته وكذا
~~البرق لو كثر لمعانه لم تطبق الظلمة كما يشير إليه قوله تعالى:

# كلما أضاء لهم مشوا فيه

# [البقرة: 20] فإفرادهما متعين هنا وعندي  وهو من أنوار العناية المشرقة
~~على آفاق الأسرار  أن النور لما لم يجمع في آية من القرآن  لما تقدم 
~~لم يجمع البرق إذ ليس هو البعيد عنه كما يرشدك إليه

# كلما أضاء لهم

# [البقرة: 20] والرعد مصاحب له فانعكست أشعته عليه:

# أو ما ترى الجلد الحقير مقبلا

# بالثغر لما صار جار المصحف

# وارتفاع ظلمات إما على الفاعلية للظرف المعتمد على الموصوف أو على
~~الابتدائية والظرف خبره وجعل الظرف حالا من النكرة المخصصة وظلمات فاعله
~~لا يخلو عن ظلمة البعد كما لا يخفى.

# وللناس في الرعد والبرق أقوال: والذي عول عليه أن الأول: صوت زجر الملك
~~الموكل بالسحاب، والثاني: لمعان مخاريقه التي هي من نار. والذي اشتهر عند
~~الحكماء أن الشمس إذا أشرقت على الأرض اليابسة حللت منها أجزاء نارية
~~يخالطها أجزاء أرضية فيركب منهما دخان ويختلط بالبخار وهو الحادث بسبب
~~الحرارة السماوية إذا أثرت في البلة ويتصاعدان معا إلى الطبقة الباردة
~~وينعقد ثمة سحاب ويحتقن الدخان فيه ويطلب الصعود إن بقي على طبعه الحار
~~والنزول إن ثقل وبرد وكيف كان يمزق السحاب بعنفه فيحدث منه الرعد، وقد
~~تشتعل منه لشدة حركته ومحاكته  نار لامعة وهي البرق إن لطفت والصاعقة إن
~~غلظت، وربما كان البرق سببا للرعد فإن الدخان المشتعل ينطفىء في السحاب
~~فيسمع لانطفائه صوت كما إذا أطفأنا النار بين أيدينا، والرعد والبرق
~~يكونان معا إلا أن البرق يرى في الحال لأن الأبصار لا يحتاج إلى المحاذاة
~~من غير حجاب، والرعد يسمع بعد لأن السماع إنما يحصل بوصول تموج الهواء
~~إلى القوة السامعة وذلك يستدعي زمانا كذا قالوه، وربما يختلج ms00247 في ذهنك
~~قرب هذا ولا تدري ماذا تصنع بما ورد عن حضرة من أسري به ليلا بلا رعد
~~ولا برق على ظهر البراق وعرج إلى ذي المعارج حيث لا زمان ولا مكان فرجع
~~وهو أعلم خلق الله على الإطلاق صلى الله عليه وسلم فأنا بحول من عز حوله
~~وتوفيق من غمرني فضله أوفق بما يزيل الغين عن العين ويظهر سر جوامع الكلم
~~التي أوتيها سيد الكونين صلى الله عليه وسلم.

# / فأقول: قد صح عند أساطين الحكمة والنبوة مما شاهدوه في أرصادهم
~~الروحانية في خلواتهم ورياضاتهم وكذا عند سائر المتألهين الربانيين من
~~حكماء الإسلام والفرس وغيرهم أن لكل نوع جسماني من الأفلاك والكواكب
~~والبسائط العنصرية ومركباتها ربا هو نور مجرد عن المادة قائم بنفسه مدبر
~~له حافظ إياه وهو المنمي والغاذي والمولد في النبات والحيوان والإنسان
~~لامتناع صدور هذه الأفعال المختلفة في النبات والحيوان عن قوة بسيطة لا
~~شعور لها وفينا عن أنفسنا وإلا لكان لنا شعور بها، فجميع هذه الأفعال من
~~الأرباب وإلى تلك الأرباب أشار صاحب الرسالة العظمى صلى الله عليه وسلم
~~بقوله:

# " وإن لكل شيء ملكا "

# حتى قال:

# " إن كل قطرة من القطرات ينزل معها ملك "

# وقال:

# " أتاني ملك الجبال وملك البحار "

# وحكى أفلاطون عن نفسه أنه خلع الظلمات النفسانية والتعلقات البدنية
~~وشاهدها، وذكر مولانا الشيخ صدر الدين القونوي قدس سره في «تفسيره
~~الفاتحة» أنه ما ثم صورة إلا ولها روح، وأطال أهل الله تعالى الكلام في
~~ذلك، فإذا علمت هذا فلا بعد في أن يقال: أراد صلى الله عليه وسلم بالملك
~~الموكل بالسحاب في بيان الرعد هو هذا الرب المدبر الحافظ وبزجره تدبيره
~~له حسب استعداده وقابليته، وأراد بصوت ذلك الزجر ما يحدث عند الشق
~~بالأبخرة الذي يقتضيه ذلك التدبير، وأراد بالمخاريق  في بيان البرق وهي
~~جمع مخراق وهو في الأصل ثوب يلف وتضرب به الصبيان بعضهم بعضا  الآلة
~~التي يحصل بواسطتها الشق، ولا شك أنها كما قررنا من نار أشعلتها شدة
~~الحركة والمحاكة فظهرت كما ترى، ms00248 وحيث فتحنا لك هذا الباب قدرت على تأويل
~~كثير مما ورد من هذا القبيل حتى قولهم: إن الرعد نطق الملك والبرق ضحكه،
~~وإن كان بحسب الظاهر مما يضحك منه، ولم أر أحدا وفق فوفق وتحقق فحقق
~~والله تعالى الموفق وهو حسبي ونعم الوكيل.

# { يجعلون أصبعهم فى ءاذانهم من الصوعق حذر
~~الموت } الضمائر عائدة على المحذوف المعلوم فيما قبل وكثيرا ما
~~يلتفت إليه كما في قوله تعالى:

# وكم من قرية أهلكنها فجاءها بأسنا بيتا أو
~~هم قائلون

# [الأعراف: 4]. والجملة استئناف لا محل لها من الإعراب مبني على سؤال نشأ
~~من الكلام كأنه قيل عند بيان أحوالهم الهائلة فماذا يصنعون في تضاعيف تلك
~~الشدة فقال: { يجعلون } الخ، وجوزوا وجوها أخر ككونها في محل جر
~~صفة للمقدر وجوز فيها وفي

# يكاد

# [البقرة: 20] كونها صفة صيب بتأويل نحو  لا يطيقونه  أو في محل نصب
~~على الحال من ضمير فيه، والعائد محذوف أو اللام نائبة عنه أي صواعقه،
~~والجعل في الأصل الوضع. والأصابع جمع إصبع وفيه تسع لغات حاصلة من ضرب
~~أحوال الهمزة الثلاث في أحوال الباء كذلك، وحكوا عاشرة وهي أصبوع بضمها
~~مع واو وهي مؤنثة وكذا سائر أسمائها إلا الإبهام فبعض بني أسد يذكرها
~~والتأنيث أجود.

# وفي الآية مبالغة في فرط دهشتهم وكمال حيرتهم كما في الفرائد من وجوه.
~~أحدها: نسبة الجعل إلى كل الأصابع وهو منسوب إلى بعضها وهو الأنامل
~~وثانيها: من حيث الإبهام في الأصابع والمعهود إدخال السبابة فكأنهم من
~~فرط دهشتهم يدخلون أي أصبع كانت ولا يسلكون المسلك المعهود وثالثها: في
~~ذكر الجعل موضع الإدخال فإن جعل شيء في شيء أدل على إحاطة الثاني بالأول
~~من إدخاله فيه، وهل هذا من المجاز اللغوي لتسمية الكل باسم جزئه أو
~~للتجوز في الجعل أو هو من المجاز العقلي بأن ينسب الجعل للأصابع وهو
~~للأنامل؟، فيه خلاف والمشهور هو الأول وعليه الجمهور. وابن مالك وجماعة
~~على الأخير ظنا منهم أن المبالغة في الاحتراز عن استماع الصاعقة إنما
~~يكون عليه ولم يكتفوا فيها بتبادر ms00249 الذهن إلى أن الكل أدخل في الأذن قبل
~~النظر للقرينة، وقيل: لا مجاز هنا أصلا لأن نسبة بعض الأفعال إلى ذي
~~أجزاء تنقسم يكفي فيه تلبسه ببعض أجزائه كما يقال: دخلت البلد وجئت ليلة
~~الخميس/ ومسحت بالمنديل فإن ذلك حقيقة من أن الدخول والمجيء والمسح في
~~بعض  البلد والليلة والمنديل  ولا يخفى أن كون مثل ذلك حقيقة ليس على
~~إطلاقه، والفرق بينه وبين ما نحن فيه ظاهر.

# و { من } تعليلية تغني غناء اللام في المفعول له وتدخل على الباعث
~~المتقدم والغرض المتأخر وهي متعلقة ب { يجعلون } وتعلقها بالموت
~~بعيد  أي يجعلون  من أجل الصواعق وهي جمع صاعقة ولا شذوذ، والظاهر أنها
~~في الأصل صفة من الصعق وهو الصراخ وتاؤها للتأنيث إن قدرت صفة لمؤنث أو
~~للمبالغة إن لم تقدر  كراوية  أو للنقل من الوصفية إلى الإسمية 
~~كحقيقة  وقيل: إنها مصدر كالعافية والعاقبة وهي اسم لكل هائل مسموع أو
~~مشاهد، والمشهور أنها الرعد الشديد معه قطعة من نار لا تمر بشيء إلا أتت
~~عليه، وقد يكون معه جرم حجرى أو حديدي، وسد الآذان إنما ينفع على المعنى
~~الأول، وقد يراد المعنى الثاني ويكون في الكلام إشارة إلى مبالغة أخرى في
~~فرط دهشتهم حيث يظنون ما لا ينفع نافعا، وقرأ الحسن (من الصواقع) وهي
~~لغة بني تميم كما في قوله:

# ألم تر أن المجرمين أصابهم

# صواقع لا بل هن فوق الصواقع

# وليس من باب القلب على الأصح إذ علامته كون أحد البناءين فائقا للآخر
~~ببعض وجوه التصريف والبناءان هنا مستويان في التصرف.

# و { حذر الموت } نصب على العلة ل { يجعلون } وإن كان من
~~الصواعق في المعنى مفعولا له كان هناك نوعان منصوب ومجرور، ولزوم العطف
~~في مثله غير مسلم خلافا لمن زعمه ولا مانع من أن يكون علة له مع علته
~~كما أن من الصواعق علة له نفسه، وورد مجيء المفعول له معرفة وإن كان
~~قليلا كما في قوله:

# وأغفر عوراء الكريم ادخاره

# وأعرض عن شتم اللئيم تكرما

# وجعله مفعولا مطلقا لمحذوف ms00250 أي يحذرون حذر الموت  بعيد. وقرأ قتادة
~~والضحاك وابن أبي ليلى (حذار) وهو كحذر شدة الخوف.

# والموت في المشهور زوال الحياة عما يتصف بها بالفعل وإطلاقه على العدم
~~السابق في قوله سبحانه:

# وكنتم أموتا فأحيكم

# [البقرة: 28] مجاز ولا يرد قوله تعالى:

# خلق الموت

# [الملك: 2] إذ لخلق فيه بمعنى التقدير وتعيين المقدار بوجه ما وهو مما
~~يوصف به الموجود والمعدوم لأن العدم كالوجود له مدة ومقدار معين عنده
~~تعالى، وقيل: المراد بخلق الموت إحداث أسبابه، وقيل: إنه العدم مطلقا
~~وإن لم يكن مخلوقا إلا أن إعدام الملكات مخلوقة لما فيها من شائبة
~~التحقق بمعنى أن استعداد الموضوع معتبر في مفهومها وهو أمر وجودي فيجوز
~~أن يعتبر تعلق الخلق والإيجاد باعتبار ذلك، وصحح محققو أهل السنة أن
~~الموت صفة وجودية خلقت ضدا للحياة، ولهذا يظهر كما في الحديث:

# " يوم تتجسد المعاني  كما قال أهل الله تعالى  بصورة كبش أملح "

# ويصير عدما محضا إذ يذبح بمدية الحياة التي لا ينتهي أمدها.

# { والله محيط بالكفرين } أي: لا يفوتونه كما لا يفوت
~~المحاط المحيط فإحاطته تعالى بهم مجاز تشبيها لحال قدرته الكاملة التي
~~لا يفوتها المقدور أصلا بإحاطة المحيط بالمحاط بحيث لا يفوته فيكون في
~~الإحاطة استعارة تبعية وإن شبه حاله تعالى  وله المثل الأعلى  معهم
~~بحال المحيط مع المحاط بأن تشبه هيئة منتزعة من عدة أمور بمثلها كان هناك
~~استعارة تمثيلية لا تصرف في مفرداتها إلا أنه صرح بالعمدة منها وقدر
~~الباقي فافهم.

# وجوز أبو علي في { محيط } أن يكون بمعنى مهلك كما في قوله تعالى:

# وأحطت به خطيئته

# [البقرة: 81] أو عالم علم مجازاة كما في قوله تعالى:

# وأحاط بما لديهم

# [الجن: 28] وكل هذا من الظاهر، ولأهل الشهود كلام من ورائه محيط 
~~والواو اعتراضية لا عاطفة ولا حالية والجملة معترضة بين جملتين من قصة
~~واحدة وفيها تتميم للمقصود من التمثيل/ بما تفيده من المبالغة لأن 
~~الكافرين  وضع موضع الضمير وعبر به إشعارا باستحقاق ذوي الصيب ذلك
~~العذاب لكفرهم فيكون الكلام على حد قوله تعالى: ms00251

# مثل ما ينفقون فى هذه الحيوة الدنيا كمثل
~~ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم
~~فأهلكته

# [آل عمران: 117] فإن التشبيه بحرث قوم كذلك لا يخفى حسنه لأن الإهلاك عن
~~سخط أشد وأبلغ وفيه تنبيه على أن ما صنعوه من سد الآذان بالأصابع لا يغني
~~عنهم شيئا وقد أحاط بهم الهلاك ولا يدفع الحذر القدر وماذا يصنع مع
~~القضاء تدبير البشر. وجعل الاعتراض من جملة أحوال المشبه على أن المراد
~~(بالكافرين) المنافقون ولا محيص لهم عن عذاب الدارين ووسط بين أحوال
~~المشبه به لإظهار كمال العناية بشأن المشبه والتنبيه على شدة الاتصال مما
~~يأباه الذوق السليم.

### || [2.20]

# { يكاد البرق يخطف أبصرهم } استئناف آخر بياني كأنه
~~قيل: فكيف حالهم مع ذلك البرق؟ فقال: { يكاد } الخ، وفي «البحر» يحتمل
~~أن يكون في موضع جر لذوي المحذوفة فيما تقدم ويكاد مضارع كاد من أفعال
~~المقاربة وتدل على قرب وقوع الخبر وأنه لم يقع والأول لوجود أسبابه
~~والثاني لمانع أو فقد شرط على ما تقضي العادة به، والمشهور أنها إن نفيت
~~أثبتت وإن أثبتت نفت وألغزوا بذلك، ولم يرتض هذا أبو حيان وصحح أنها
~~كسائر الأفعال في أن نفيها نفي وإثباتها إثبات، واللام في البرق للعهد
~~إشارة إلى ما تقدم نكرة، وقيل: إشارة إلى البرق الذي مع الصواعق أي برقها
~~وهو كما ترى. وإسناد الخطف وهو في الأصل الأخذ بسرعة أو الاستلاب إليه من
~~باب إسناد الإحراق إلى النار وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه قريبا.
~~والشائع في خبر كاد أن يكون فعلا مضارعا غير مقترن بأن المصدرية
~~الاستقبالية أما المضارع فلدلالته على الحال المناسب للقرب حتى كأنه لشدة
~~قربه وقع وأما أنه غير مقترن بأن فلمنافاتها لما قصدوا ونحو  وأبت إلى
~~فهم وما كدت آيبا، وكان الفقر أن يكون كفرا، وقد كاد  من طول البلى أن
~~يمحصا  قليل.

# وقرأ مجاهد وعلي بن الحسين ويحيى بن وثاب { يخطف } بكسر الطاء
~~والفتح أفصح. وعن ابن مسعود (يختطف) وعن الحسن (يخطف) بفتح الياء والخاء
~~وأصله يختطف ms00252 فأدغم التاء في الطاء. وعن عاصم وقتادة والحسن أيضا (يخطف)
~~بفتح الياء وكسر الخاء والطاء المشددة. وعن الحسن أيضا والأعمش (يخطف)
~~بكسر الثلاثة والتشديد. وعن زيد (يخطف) بضم الياء وفتح الخاء وكسر الطاء
~~المشددة وهو تكثير مبالغة لا تعدية، وكسر الطاء في الماضي لغة قريش، وهي
~~اللغة الجيدة.

# { كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم
~~قاموا } استئناف ثالث كأنه لما قيل إنهم مبتلون باستمرار تجدد خطف
~~الأبصار فهم منه أنهم مشغولون بفعل ما يحتاج إلى الأبصار ساعة فساعة وإلا
~~لغطوها كما سدوا الآذان، فسئل وقيل: ما يفعلون في حالتي وميض البرق
~~وعدمه؟ فأجيب بأنهم حراص على المشي  كلما أضاء لهم اغتنموه ومشوا وإذا
~~أظلم عليهم توقفوا مترصدين. و { كلما } في هذه الآية وأمثالها منصوبة
~~على الظرفية وناصبها (ما) هو جواب معنى. و (ما) حرف مصدري أو اسم نكرة
~~بمعنى وقت فالجملة بعدها صلة أو صفة وجعلت شرطا لما فيها من معناه وهي
~~لتقدير ما بعدها بنكرة تفيد عموما بدليا ولهذا أفادت (كلما) التكرار
~~كما صرح به الأصوليون وذهب إليه بعض النحاة واللغويين واستفادة التكرار
~~من (إذا) وغيرها من أدوات الشرط من القرائن الخارجية على الصحيح، ومن ذلك
~~قوله:

# إذا وجدت أوار الحب من كبدي

# أقبلت نحو سقاء القوم أبترد

# وزعم أبو حيان أن التكرار الذي ذكره الأصوليون وغيرهم في (كلما) إنما
~~جاء من عموم كل لا من وضعها وهو مخالف للمنقول والمعقول، وقد استعلمت هنا
~~في لازم معناها كناية أو مجازا وهو الحرص والمحبة لما دخلت عليه/ ولذا
~~قال مع الإضاءة (كلما) ومع الإظلام (إذا) وقول أبي حيان: إن التكرار متى
~~فهم من (كلما) هنا لزم منه التكرار في (إذا) إذ الأمر دائر بين إضاءة
~~البرق والإظلام ومتى وجد ذا فقد ذا فلزم من تكرار وجود ذا تكرار عدم ذا
~~غفلة عما أرادوه من هذا المعنى الكنائي والمجازي.

# وأضاء إما متعد كما في قوله:

# أعد نظرا يا عبد قيس لعلما

# أضاءت لك النار الحمار المقيدا

# والمفعول محذوف أي: كلما ms00253 أضاء لهم ممشى مشوا فيه وسلكوه، وإما لازم
~~ويقدر حينئذ مضافان أي كلما لمع لهم مشوا في مطرح ضوئه ولا بد من التقدير
~~إذ ليس المشي في البرق بل في محله وموضع إشراق ضوئه وكون (في) للتعليل
~~والمعنى مشوا لأجل الإضاءة فيه يتوقف فيه من له ذوق في العربية، ويؤيد
~~اللزوم قراءة ابن أبي عبلة (ضاء) ثلاثيا، وفي مصحف ابن مسعود بدل (مشوا
~~فيه) (مضوا فيه)، وللإشارة إلى ضعف قواهم لمزيد خوفهم ودهشتهم لم يأت
~~سبحانه بما يدل على السرعة، ولما حذف مفعول { أضآء } وكانت النكرة
~~أصلا أشار إلى أنهم لفرط الحيرة كانوا يخبطون خبط عشواء ويمشون كل ممشى.

# ومعنى { أظلم عليهم } اختفى عنهم، والمشهور استعمال أظلم
~~لازما، وذكر الأزهري  وناهيك به  في «التهذيب» أن كل واحد من أوصاف
~~الظلم يكون لازما ومتعديا، وعلى احتمال التعدي هنا ويؤيده قراءة زيد بن
~~قطيب والضحاك (أظلم) بالبناء للمفعول مع اتفاق النحاة على أن المطرد بناء
~~المجهول من المتعدي بنفسه يكون المفعول محذوفا أي إذا أظلم البرق بسبب
~~خفائه معاينة الطريق قاموا أي وقفوا عن المشي ويتجوز به على الكساد ومنه
~~قامت السوق، وفي ضده يقال: مشت الحال.

# { ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصرهم } عطف
~~على مجموع الجمل الاستئنافية ولم يجعلوها معطوفة على الأقرب ومن تتمته
~~لخروجها عن التمثيل وعدم صلاحيتها للجواب، وعطف ما ليس بجواب على الجواب
~~ليس بصواب وجوزه بعض المحققين إذ لا بأس بأن يزاد في الجواب ما يناسبه
~~وإن لم يكن له دخل فيه بل قد يستحسن ذلك إذا اقتضاه المقام كما في

# وما تلك بيمينك يموسى

# [طه: 17] الآية وكونها اعتراضية أو حالية من ضمير { قاموا } بتقدير
~~المبتدأ أو معطوفة على الجملة الأولى مع تخلل الفواصل اللفظية، والمقدرة
~~فضول عند ذوي الفضل، والقول بأنه أتى بها لتوبيخ المنافقين حيث لم ينتهوا
~~لأن من قدر على إيجاد قصيف الرعد ووميضه وإعدامهما قادر على إذهاب سمعهم
~~وأبصارهم أفلا يرجعون عن ضلالهم محل للتوبيخ إذ لا يصح عطف الممثل له على
~~حال ms00254 الممثل به.

# ومفعول { شآء } هنا محذوف وكثيرا ما يحذف مفعولها إذا وقعت في حيز
~~الشرط ولم يكن مستغربا، والمعنى ولو أراد الله إذهاب سمعهم بقصيف الرعد
~~وأبصارهم بوميض البرق لذهب، ولتقدم ما يدل على التقييد من

# يجعلون

# [البقرة: 19] و { يكاد } قوى دلالة السياق عليه وأخرجه من الغرابة،
~~ولك أن لا تقيد ذلك المفعول وتقيد الجواب كما صنعه الزمخشري أو لا تقيد
~~أصلا، ويكون المعنى لو أراد الله إذهاب هاتيك القوى أذهبها من غير سبب
~~فلا يغنيهم ما صنعوه، والمشيئة عند المتكلمين كالإرادة سواء، وقيل: أصل
~~المشيئة إيجاد الشيء وإصابته وإن استعمل عرفا في موضع الإرادة، وقرأ ابن
~~أبي عبلة (لأذهب الله بأسماعهم) وهي محمولة على زيادة الباء لتأكيد
~~التعدية أو على أن (أذهب) لازم بمعنى ذهب كما قيل بنحوه في

# تنبت بالدهن

# [المؤمنون: 20]

# ولا تلقوا بأيديكم

# [البقرة: 195] إذ الجمع بين أداتي تعدية لا يجوز، وبعضهم يقدر له مفعولا
~~أي لأذهبهم فيهون الأمر.

# وكلمة (لو) لتعليق حصول أمر ماض هو الجزاء بحصول أمر مفروض هو الشرط لما
~~بينهما من/ الدوران حقيقة أو ادعاء ومن قضية مفروضية الشرط دلالتها على
~~انتفائه قطعا والمنازع فيه مكابر، وأما دلالتها على انتفاء الجزاء فقد
~~قيل وقيل، والحق أنه إن كان ما بينهما من الدوران قد بني الحكم على
~~اعتباره فهي دالة عليه بواسطة مدلولها ضرورة استلزام انتفاء العلة
~~لانتفاء المعلول. أما في الدوران الكلي كالذي في قوله تعالى شأنه

# ولو شآء لهداكم

# [النحل: 9] وقولك لوجئتني لأكرمتك فظاهر، ثم إنه قد يساق الكلام لتعليل
~~انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط كما في المثالين، وهو الاستعمال الشائع في
~~(لو) ولذا قيل: إنها لامتناع الثاني لامتناع الأول وقد يساق للاستدلال
~~بانتفاء الثاني لكونه ظاهرا أو مسلما على انتفاء الأول لكونه بعكسه كما
~~في قوله تعالى:

# لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا

# [الأنبياء: 22] و

# لو كان خيرا ما سبقونا إليه

# [الأحقاف: 11] واللزوم في الأول: حقيقي وفي الثاني: ادعائي، وكذا انتفاء
~~الملزومين وليس هذا بطريق السببية الخارجية بل بطريق الدلالة العقلية ms00255
~~الراجعة إلى سببية العلم بانتفاء الثاني للعلم بانتفاء الأول. ومن لم
~~يتنبه زعم أنه لانتفاء الأول لانتفاء الثاني.

# وأما في مادة الدوران الجزئي كما في قولك: لو طلعت الشمس لوجد الضوء
~~فلأن الجزاء المنوط بالشرط ليس وجود أي ضوء بل وجود الضوء الخاص الناشىء
~~من الطلوع ولا ريب في انتفائه بانتفائه هذا إذا بنى الحكم على اعتبار
~~الدوران وإن بنى على عدمه فإما أن يعتبر تحقق مدار آخر له أو لا، فإن
~~اعتبر فالدلالة تابعة لحال ذلك المدار فإن كان بينه وبين الانتفاء الأول
~~منافاة تعين الدلالة كما إذا قلت: لو لم تطلع الشمس لوجد الضوء فإن وجود
~~الضوء معلق في الحقيقة بسبب آخر هو المدار ووضع عدم الطلوع موضعه لكونه
~~كاشفا عنه فكأنه قيل: لو لم تطلع الشمس لوجد الضوء بالقمر مثلا.

# ولا ريب في أن هذا الجزاء منتف عند انتفاء الشرط لاستحالة الضوء القمري
~~عند طلوع الشمس، وإن لم يكن بينهما منافاة تعين عدم الدلالة كحديث

# " لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة "

# فإن المدار المعتبر في ضمن الشرط  أعني كونها ابنة الأخ  غير مناف
~~لانتفائه الذي هو كونها ربيبته بل مجامع له، ومن ضرورته مجامعة أثريهما
~~أعني الحرمة الناشئة من هذا، وهذا وإن لم يعتبر تحقق مدار آخر بل بني
~~الحكم على اعتبار عدمه فلا دلالة لها على ذلك أصلا، ومساق الكلام حينئذ
~~لبيان ثبوت الجزاء على كل حال بتعليقه بما ينافيه ليعلم ثبوته عند وقوع
~~ما لا ينافيه بالأولى كما في قوله تعالى:

# قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى إذا
~~لأمسكتم

# [الإسراء: 100] فإن الجزاء قد نيط بما ينافيه إيذانا بأنه في نفسه بحيث
~~يجب ثبوته مع فرض انتفاء سببه أو تحقق سبب انتفائه فكيف إذا لم يكن كذلك
~~على طريقة (لو) الوصلية و «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» إن
~~حمل على تعليق عدم العصيان في ضمن عدم الخوف بمدار آخر كالحياء مما يجامع
~~الخوف ms00256 كان من قبيل حديث الربيبة، وإن حمل على بيان استحالة عصيانه مبالغة
~~كان من هذا القبيل، والآية الكريمة واردة على الاستعمال الشائع مفيدة
~~لفظاعة حالهم وهول ما دهمهم وأنه قد بلغ الأمر حيث لو تعلقت مشيئة الله
~~تعالى بإزالة قواهم لزالت لتحقق ما يقتضيه اقتضاء تاما. وقيل: كلمة (لو)
~~فيها  لربط جزائها بشرطها مجردة عن الدلالة على انتفاء أحدهما لانتفاء
~~الآخر  بمنزلة إن، ذكر جميع ذلك مولانا مفتي الديار الرومية وأظنه قد
~~أصاب الغرض إلا أن كلام مولانا السيالكوتي يشعر باختيار أن (لو) موضوعة
~~لمجرد تعليق حصول أمر في الماضي بحصول أمر آخر فيه من غير دلالة على
~~انتفاء الأول أو الثاني أو على استمرار الجزاء/ بل جميع هذه الأمور خارجة
~~عن مفهومها مستفادة بمعونة القرآن كيلا يلزم القول بالاشتراك أو الحقيقة
~~والمجاز من غير ضرورة، وبه قال بعضهم، وما ذهب إليه ابن الحاجب من أنها
~~للدلالة على انتفاء الأول لانتفاء الثاني من لوازم هذا المفهوم وكونه
~~لازما لا يستلزم الإرادة في جميع الموارد فإن الدلالة غير الإرادة. وذكر
~~أن ما قالوه من أنها لتعليق حصول أمر في الماضي بحصول أمر آخر فرضا مع
~~القطع بانتفائه فيلزم لأجل انتفائه انتفاء ما علق به فيفيد أن انتفاء
~~الثاني في الخارج إنما هو بسبب انتفاء الأول فيه مع توقفه على كون انتفاء
~~الأول مأخوذا في مدخولها، وقد عرفت أنه يستلزم خلاف الأصل يرد عليه أن
~~المستفاد من التعليق على أمر مفروض الحصول إبداء المانع من حصول المعلق
~~في الماضي وأنه لم يخرج من العدم الأصلي إلى حد الوجود وبقي على حاله
~~لارتباط وجوده بأمر معدوم، وأما أن انتفاءه سبب لانتفائه في الخارج فكلا
~~كيف والشرط النحوي قد يكون مسببا مضافا للجزاء، نعم إن هذا مقتضى الشرط
~~الاصطلاحي، وما استدل به العلامة التفتازاني على إفادتها السببية
~~الخارجية من قول الحماسي:

# ولو طار ذو حافر قبلها

# لطارت ولكنه لم يطر

# لأن استثناء المقدم لا ينتج، ففيه أن اللازم مما ذكر أن لا تكون مستعملة ms00257
~~للاستدلال بانتفاء الأول على انتفاء الثاني ولا يلزم منه أن لا تكون
~~مستعملة لمجرد التعليق لإفادة إبداء المانع مع قيام المقتضي كيف ولو كان
~~معناها إفادة سببية الانتفاء للانتفاء كان الاستثناء تأكيدا وإعادة
~~بخلاف ما إذا كان معناها مجرد التعليق فإنه يكون إفادة وتأسيسا، وهذا
~~محصل ما قالوه ردا وقبولا. وزبدة ما ذكروه إجمالا وتفصيلا. ومعظم
~~مفتى أهل العربية أفتوا بما قاله مفتي الديار الرومية، ولا أوجب عليك
~~التقليد فالأقوال بين يديك فاختر منها ما تريد.

# { إن الله على كل شىء قدير } كالتعليل للشرطية
~~والتقرير لمضمونها الناطق بقدرته تعالى على إذهاب ما ذكر لأن القادر على
~~الكل قادر على البعض والشيء لغة ما يصح أن يعلم ويخبر عنه كما نص عليه
~~سيبويه، وهو شامل للمعدوم والموجود الواجب والممكن وتختلف إطلاقاته،
~~ويعلم المراد منه بالقرائن فيطلق تارة، ويراد به جميع أفراده كقوله
~~تعالى:

# والله بكل شيء عليم

# [البقرة: 282] بقرينة إحاطه العلم الإلهي بالواجب والممكن المعدوم
~~والموجود والمحال الملحوظ بعنوان ما، ويطلق ويراد به الممكن مطلقا كما
~~في الآية الكريمة بقرينة القدرة التي لا تتعلق إلا بالممكن، وقد يطلق
~~ويراد به الممكن الخارجي الموجود في الذهن كما في قوله تعالى:

# ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدا * إلا أن
~~يشاء الله

# [الكهف: 23-24] بقرينة كونه متصورا مشيئا فعله غدا، وقد يطلق ويراد
~~به الممكن المعدوم الثابت في نفس الأمر كما في قوله تعالى:

# إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن
~~فيكون

# [النحل: 40] بقرينة إرادة التكوين التي تختص بالمعدوم، وقد يطلق ويراد
~~به الموجود الخارجي كما في قوله تعالى:

# وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا

# [مريم: 9] أي موجودا خارجيا لامتناع أن يراد نفي كونه شيئا بالمعنى
~~اللغوي الأعم الشامل للمعدوم الثابت في نفس الأمر لأن كل مخلوق فهو في
~~الأزل شيء أي معدوم ثابت في نفس الأمر وإطلاق الشيء عليه قد قرر، والأصل
~~في الإطلاق الحقيقة ولا يعدل عنه إلا لصارف ولا صارف.

# وشيوع استعماله في الموجود لا ينتهض صارفا ms00258 إذ ذاك إنما هو لكون تعلق
~~الغرض في المحاورات بأحوال الموجودات أكثر لا لاختصاصه به لغة، وما ذكره
~~مولانا البيضاوي من اختصاصه بالموجود  لأنه في الأصل مصدر شاء  أطلق
~~بمعنى شاء تارة؛ وحينئذ يتناول الباري تعالى وبمعنى مشيء أخرى أي مشيء
~~وجوده الخ ففيه مع ما فيه أنه يلزمه في قوله تعالى:

# والله بكل شيء عليم

# [البقرة: 282] استعمال المشترك في معنييه لأنه إذا كان بمعنى الشائي/ لا
~~يشمل نحو الجمادات عنده، وإذا كان بمعنى المشيء وجوده لا يشمل الواجب
~~تعالى شأنه، وفي استعمال المشترك في معنييه خلاف ولا خلاف في الاستدلال
~~بالآية على إحاطة علمه تعالى. وأما ما ذكر في «شرحي المواقف والمقاصد»
~~فجعجعة ولا أرى طحنا، وقعقعة ولا أرى سلاحا تقنا، وقد كفانا مؤنة
~~الإطالة في رده مولانا الكوراني قدس سره، والنزاع في هذا وإن كان لفظيا
~~والبحث فيه من وظيفة أصحاب اللغة إلا أنه يبتني على النزاع في أن المعدوم
~~الممكن ثابت أولا، وهذا بحث طالما تحيرت فيه أقوام وزلت فيه أقدام.

# والحق الذي عليه العارفون الأول لأن المعدوم الممكن  أي ما يصدق عليه
~~هذا المفهوم  يتصور ويراد بعضه دون بعض، وكل ما هو كذلك فهو متميز في
~~نفسه من غير فرض الذهن، وكل ما هو كذلك فهو ثابت ومتقرر في خارج أذهاننا
~~منفكا عن الوجود الخارجي فما هو إلا في نفس الأمر. والمراد به علم الحق
~~تعالى باعتبار عدم مغايرته للذات الأقدس فإن لعلم الحق تعالى اعتبارين
~~أحدهما: أنه ليس غيرا والثاني: أنه ليس عينا، ولا يقال بالاعتبار الأول
~~العلم تابع للمعلوم لأن التبعية نسبة تقتضي متمايزين ولو اعتبارا، ولا
~~تمايز عند عدم المغايرة، ويقال ذلك بالاعتبار الثاني للتمايز النسبي
~~المصحح للتبعية، والمعلوم الذي يتبعه العلم هو ذات الحق تعالى بجميع
~~شؤونه ونسبه واعتباراته. ومن هنا قالوا: علمه تعالى بالأشياء أزلا عين
~~علمه بنفسه لأن كل شيء من نسب علمه بالاعتبار الأول فإذا علم الذات بجميع
~~نسبها فقد علم كل شيء من عين علمه بنفسه، وحيث لم ms00259 يكن الشريك من نسب
~~العلم بالاعتبار الأول إذ لا ثبوت له في نفسه من غير فرض إذ الثابت كذلك
~~هو أنه تعالى لا شريك له فلا يتعلق به العلم بالاعتبار الثاني ابتداء،
~~ومتى كان تعلق العلم بالأشياء أزليا لم تكن أعداما صرفة إذ لا يصح
~~حينئذ أن تكون طرفا إذ لا تمايز، فإذا لها تحقق بوجه ما، فهي أزلية
~~بأزلية العلم، فلذا لم تكن الماهيات بذواتها مجعولة لأن الجعل تابع
~~للإرادة التابعة للعلم التابع للمعلوم الثابت، فالثبوت متقدم على الجعل
~~بمراتب فلا تكون من حيث الثبوت أثرا للجعل وإلا لدار، وإنما هي مجعولة
~~في وجودها، لأن العالم حادث وكل حادث مجعول وليس الوجود حالا حتى لا
~~تتعلق به القدرة، ويلزم أن لا يكون الباري تعالى موجدا للممكنات ولا
~~قادرا عليها لأنه قد حقق أن الوجود بمعنى ما  بانضمامه إلى الماهيات
~~الممكنة  يترتب عليها آثارها المختصة بها موجود، أما أولا: فلأن كل
~~مفهوم مغاير للوجود فإنه إنما يكون موجودا بأمر ينضم إليه وهو الوجود،
~~فهو موجود بنفسه لا بأمر زائد وإلا لتسلسل، وامتيازه عما عداه بأن وجوده
~~ليس زائدا على ذاته.

# وأما ثانيا: فلأنه لو لم يكن موجودا لم يوجد شيء أصلا لأن الماهية
~~الممكنة قبل انضمام الوجود متصفة بالعدم الخارجي فلو كان الوجود معدوما
~~كان مثلها محتاجا لما تحتاجه فلا يترتب على الماهية بضمه آثارها لأنه
~~على تقدير كونه معدوما ليس فيه بعد العدم إلا افتقاره إلى الوجود، وهذا
~~بعينه متحقق في الماهية قبل الضم فلا يحدث لها بالضم وصف لم تكن عليه،
~~فلو كان هذا الوجود المفتقر مفيدا لترتب الآثار لكانت الماهية مستغنية
~~عن الوجود حال افتقارها إليه واللازم باطل لاستحالة اجتماع النقيضين فلا
~~بد أن يكون الوجود موجودا بوجود هو نفسه وإلا لتسلسل أو انتهى إلى وجود
~~موجود بنفسه، والأول: باطل، والثاني: قاض بالمطلوب. نعم الوجود بمعنى
~~الموجودية حال لأنه صفة اعتبارية ليست بعرض ولا سلب، ومع هذا يتعلق به
~~الجعل لكن لا ابتداء بل بضم حصة من ms00260 الوجود الموجود إلى الماهية فيترتب
~~على ذلك اتصاف الماهية بالموجودية وظاهر أنه لا يلزم من عدم تعلق القدرة
~~بالوجود بمعنى الموجودية ابتداء أن لا تتعلق به بوجه آخر، وإذا تبين/ أن
~~الماهيات مجعولة في وجودها فلا بد أن يكون وجود كل شيء عين حقيقته، بمعنى
~~أن ما صدق عليه حقيقة الشيء من الأمور الخارجية هو بعينه ما صدق عليه
~~وجوده، وليس لهما هويتان متمايزتان في الخارج كالسواد والجسم إذ الوجود
~~إن قام بالماهية معدومة لزم التناقض، وموجودة لزم وجودان مع الدور أو
~~التسلسل، والقول بأن الوجود ينضم إلى الماهية من حيث هي لا تحقيق فيه، إذ
~~تحقق في محله أن الماهية قبل عروض الوجود متصفة في نفس الأمر بالعدم
~~قطعا لاستحالة خلوها عن النقيضين فيه، غاية الأمر أنا إذا لم نعتبر معها
~~العدم لا يمكن أن نحكم عليها بأنها معدومة، وعدم اعتبارنا العدم معها حين
~~عروض الوجود لا يجعلها منفكة عنه في نفس الأمر وإنما يجعلها منفكة عنه
~~باعتبارنا وضم الوجود أمر يحصل لها باعتبار نفس الأمر لا من حيث
~~اعتبارنا، فخلوها عن العدم باعتبارنا لا يصحح اتصافها بالوجود من حيث هي
~~هي في نفس الأمر سالما عن المحذور فإذا ليس هناك هويتان تقوم إحداهما
~~بالأخرى بل عين الشخص في الخارج عين تعين الماهية فيه وهو عين الماهية
~~فيه أيضا إذ ليس التعين أمرا وجوديا مغايرا بالذات للشخص منضما
~~للماهية في الخارج ممتازا عنهما فيه مركبا منها ومن الفرد بل لا وجود
~~في الخارج إلا للأشخاص، وهي عين تعيينات الماهية وعين الماهية في الخارج
~~لاتحادهما فيه، وعلى هذا فلا شك في مقدورية الممكن إذ جعله بجعل حصته من
~~الوجود المطلق الموجود في الخارج مقترنة بأعراض وهيآت يقتضيها استعداد
~~حصته من الماهية النوعية فيكون شخصا، وإيجاد الشخص من الماهية  على
~~الوجه المذكور  عين إيجاد الماهية لأنهما متحدان في الخارج جعلا ووجودا
~~متمايزان في الذهن فقط، وهذا تحقيق قولهم: المجعول هو الوجود الخاص، ولا
~~يستعد معدوم لعروضه إلا إذا كان له ثبوت ms00261 في نفس الأمر إذ ما لا ثبوت له 
~~وهو المنفي  لا اقتضاء فيه لعروض الوجود بوجه، وإلا لكان المحال ممكنا
~~واللازم باطل، فالثبوت الأزلي لماهية الممكن هو المصحح لعروض الإمكان
~~المصحح للمقدورية لا أنه المانع كما توهموه.

# هذا والبحث طويل والمطلب جليل. وقد أشبعنا الكلام عليه «الأجوبة
~~العراقية عن الأسئلة الإيرانية» على وجه رددنا فيه كلام المعترضين
~~المخالفين لما تبعنا فيه ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم، وهذه
~~نبذة يسيرة تنفعك في تفسير الآية الكريمة فاحفظها فلا أظنك تجدها في
~~تفسير، وحيث كان الشيء عاما لغة واصطلاحا عند أهل الله تعالى، وإن ذهب
~~إليه المعتزلة أيضا فلا بد في مثل ما نحن فيه من تخصيصه بدليل العقل
~~بالممكن.

# والقدرة عند الأشاعرة صفة ذاتية ذات إضافة تقتضي التمكن من الإيجاد
~~والإعدام والإبقاء لا نفس التمكن لأنه أمر اعتباري ولا نفي العجز عنه
~~تعالى لأنه من الصفات السلبية، ولعل من اختار ذلك اختاره تقليلا للصفات
~~الذاتية، أو نفيا لها والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل،
~~ولكون المشيئة عندنا صفة مرجحة لأحد طرفي المقدور، وعند الحكماء العناية
~~الأزلية ساغ لنا أن نعرفه بما ذكر دونهم خلافا لمن وهم فيه  والقدير 
~~هو الفعال لما يشاء على قدر ما تقتضيه الحكمة، وقلما يوصف به غيره تعالى،
~~والمقتدر إن استعمل فيه تعالى فمعناه القدير أو في البشر فمعناه المتكلف
~~والمكتسب للقدرة، واشتقاق القدرة من القدر بمعنى التحديد والتعيين، وفي
~~الآية دليل على أن الممكن الحادث حال بقائه مقدور لأنه شيء وكل شيء مقدور
~~له تعالى، ومعنى كونه مقدورا أن الفاعل إن شاء أعدمه وإن شاء لم يعدمه
~~واحتياج الممكن حال بقائه إلى المؤثر مما أجمع عليه من قال إن علة الحاجة
~~هي الإمكان ضرورة أن الإمكان لازم له حال البقاء وأما من قال إن علة
~~الحاجة الحدوث وحده أو مع الإمكان قال باستغنائه إذ لا حدوث حينئذ وتمسك
~~في ذلك ببقاء البناء بعد فناء البناء، ولما رأى بعضهم شناعة ذلك قالوا: ms00262
~~إن الجواهر لا تخلو عن الأعراض وهي لا تبقى زمانين فلا يتصور الاستغناء
~~عن القادر سبحانه بحال، وهذا مما ذهب إليه الأشعري/ ولما فيه من مكابرة
~~الحس ظاهرا  أنكره أهل الظاهر، نعم يسلمه العارفون من أهل الشهود
~~وناهيك بهم حتى إنهم زادوا على ذلك فقالوا: إن الجواهر لا تبقى زمانين
~~أيضا والناس

# في لبس من خلق جديد

# [ق: 15]، وأنا أسلم ما قالوا

# وأفوض أمري إلى الله

# [غافر: 44] الذي لا يتقيد بشأن وقد كان ولا شيء معه وهو الآن على ما
~~عليه كان.

# ثم المراد من هذا التمثيل تشبيه حال المنافقين في الشدة ولباس إيمانهم
~~المبطن بالكفر المطرز بالخداع حذر القتل بحال ذوي مطر شديد فيه ما فيه
~~يرقعون خروق آذانهم بأصابعهم حذر الهلاك إلى آخر ما علم من أوصافهم، ووجه
~~الشبه وجدان ما ينفع ظاهره وفي باطنه بلاء عظيم، وقيل: شبه سبحانه
~~المنافقين بأصحاب الصيب، وإيمانهم المشوب بصيب فيه ما تلى من حيث إنه وإن
~~كان نافعا في نفسه لكنه لما وجد كذا عاد نفعه ضرا، ونفاقهم حذرا عن
~~النكاية بجعل الأصابع في الآذان ممادها حذر الموت من حيث إنه لا يرد من
~~القدر شيئا وتحيرهم لشدة ما عنى وجهلهم بما يأتون ويذرون بأنهم كلما
~~صادفوا من البرق خفقة انتهزوها فرصة مع خوف أن يخطف أبصارهم فخطوا يسيرا
~~ثم إذا خفي بقوا متقيدين لا حراك لهم، وقيل: جعل الإسلام الذي هو سبب
~~المنافع في الدارين كالصيب الذي هو سبب المنفعة وما في الإسلام من
~~الشدائد والحدود بمنزلة الظلمات والرعد وما فيه من الغنيمة والمنافع
~~بمنزلة البرق فهم قد جعلوا أصابعهم في آذانهم من سماع شدائده وإذا لمع
~~لهم برق غنيمة مشوا فيه وإذا أظلم عليهم بالشدائد قاموا متحيرين، وقيل
~~غير ذلك، وما تقتضيه جزالة التنزيل وتستدعيه فخامة شأنه الجليل غير خفي
~~عليك إذا لمعت بوارق العناية لديك.

# ومن البطون تشبيه من ذكر في التشبيه الأول بذوي صيب فيكون قوله تعالى: {
~~كلما أضاء } الخ إشارة إلى أنهم كلما وجدوا من طاعتهم ms00263 حلاوة وعرضا
~~عاجلا { مشوا فيه } وإذا حبس عليهم طريق الكرامات تركوا الطاعات،
~~وقال الحسين: إذا أضاء لهم مرادهم من الدنيا في الدين أكثروا من تحصيله
~~وإذا أظلم عليهم قاموا متحيرين.

### || [2.21]

# { يأيها الناس اعبدوا ربكم } لما بين سبحانه فرق
~~المكلفين وقسمهم إلى مؤمنين وكفار ومذبذبين، وقال في الطائفة الأولى:

# الذين يؤمنون

# [البقرة: 3] وفي الثانية:

# سواء عليهم

# [البقرة: 6] وفي الثالثة:

# يخدعون الله

# [البقرة: 9] وشرح ما ترجع إليه أحوالهم دنيا وأخرى فقال سبحانه في
~~الأولى:

# أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم
~~المفلحون

# [البقرة: 5] وفي الثانية:

# ختم الله على قلوبهم... ولهم عذاب عظيم

# [البقرة: 7] وفي الثالثة:

# فى قلوبهم مرض.... ولهم عذاب أليم بما كانوا
~~يكذبون

# [البقرة: 10] أقبل عز شأنه عليهم بالخطاب على نهج الالتفات هزا لهم إلى
~~الإصغاء وتوجيها لقلوبهم نحو التلقي وجبرا لما في العبادة من الكلفة
~~بلذيذ المخاطبة ويكفي للنكتة الوجود في البعض، و (يا) حرف لا اسم فعل على
~~الصحيح وضع لنداء البعيد، وقيل: لمطلق النداء أو مشتركة بين أقسامه، وعلى
~~الأول ينادي بها القريب لتنزيله منزلة غيره إما لعلو مرتبة المنادي أو
~~المنادى، وقد ينزل غفلة السامع وسوء فهمه منزلة بعده، وقد يكون ذلك
~~للاعتناء بأمر المدعو له والحث عليه لأن نداء البعيد وتكليفه الحضور لأمر
~~يقتضي الاعتناء والحث، فاستعمل في لازم معناه على أنه مجاز مرسل أو
~~استعارة تبعية في الحرف أو مكنية وتخييلية  وهو مع المنادى المنصوب
~~لفظا أو تقديرا به لنيابته عن نحو ناديت الإنشائي أو بناديت اللازم
~~الإضمار لظهور معناه مع قصد الإنشاء  كلام يحسن السكوت عليه كما يحسن في
~~نحو (لا، ونعم) و (أي) لها معان شهيرة والواقعة في النداء نكرة موضوعة
~~لبعض من كل، ثم تعرفت بالنداء وتوصل بها لنداء ما فيه  أل  لأن (يا) لا
~~يدخل عليها في غير الله إلا شذوذا لتعذر الجمع بين حرفي التعريف فإنهما
~~كمثلين وهما لا يجتمعان إلا فيما شذ من نحو:

# فلا والله لا يلفي لما بي

# ولا للما بهم أبدا دواء

# / وأعطيت حكم المنادى ms00264 وجعل المقصود بالنداء وصفا لها والتزم فيه هذه
~~الحركة الخاصة المسماة بالضمة خلافا للمازني فإنه أجاز نصبه وليس له في
~~ذلك سلف ولا خلف لمخالفته للمسموع وإنما التزم ذلك إشعارا بأنه المقصود
~~بالنداء ولا ينافي هذا كون الوصف تابعا غير مقصود بالنسبة لمتبوعه لأن
~~ذلك بحسب الوضع الأصلي حيث لم يطرأ عليه ما يجعله مقصودا في حد ذاته
~~ككونه مفسرا لمبهم ومن هنا لم يشترطوا في هذا الوصف الاشتقاق مع أن
~~النحويين  إلا النذر  كابن الحاجب اشترطوا ذلك في النعوت على ما بين في
~~محله، و (ها) التنبيهية زائدة لازمة للتأكيد والتعويض عما تستحق من
~~المضاف إليه أو ما في حكمه من التنوين كما في

# أيا ما تدعوا

# [الإسراء: 110] وإن لم يستعمل هنا مضافا أصلا وكثر النداء في الكتاب
~~المجيد على هذه الطريقة لما فيها من التأكيد الذي كثيرا ما يقتضيه
~~المقام بتكرر الذكر والإيضاح بعد الإيهام والتأكيد بحرف التنبيه واجتماع
~~التعريفين. هذا ما ذهب إليه الجمهور، وقطع الأخفش لضعف نظره بأن (أيا)
~~الواقعة في النداء موصولة حذف صدر صلتها وجوبا لمناسبة التخفيف للمنادى
~~وأيد بكثرة وقوعها في كلامهم موصولة، وندرة وقوعها موصوفة، واعتذر عن عدم
~~نصبها حينئذ مع أنها مضارعة للمضاف بأنه إذا حذف صدر صلتها كان الأغلب
~~فيها البناء على الضم، فحرف النداء على هذا يكون داخلا على مبنى على
~~الضم ولم يغيره، وإن كان مضارعا للمضاف، ويؤيد الأول عدم الاحتياج إلى
~~الحذف وصدق تعريف النعت والموافقة مع هذا وأنها لو كانت موصولة لجاز أن
~~توصل بجملة فعلية أو ظرفية إلى غير ذلك مما يقطع المنصف معه بأرجحية مذهب
~~الجمهور، نعم أورد عليه إشكال استصعبه بعض من سلف من علماء العربية وقال:
~~إنه لا جواب له وهو أن ما ادعوا كونه تابعا معرب بالرفع وكل حركة
~~إعرابية إنما تحدث بعامل ولا عامل يقتضي الرفع هناك لأن متبوعه مبني
~~لفظا ومنصوب محلا فلا وجه لرفعه، وأقول: إن هذا من الأبحاث الواقعة بين
~~أبي نزار وابن الشجري، وذلك أنه وقع ms00265 سؤال عن ضمة هذا التابع فكتب أبو
~~نزار أنها ضمة بناء وليست ضمة إعراب لأن ضمة الإعراب لا بد لها من عامل
~~يوجبها ولا عامل هنا يوجب هذه الضمة، وكتب الشيخ منصور موهوب بن أحمد
~~أنها ضمة إعراب ولا يجوز أن تكون ضمة بناء، ومن قال ذلك فقد غفل عن
~~الصواب، وذلك لأن الواقع عليه النداء أي المبني على الضم لوقوعه موقع
~~الحرف والاسم الواقع بعد وإن كان مقصودا بالنداء إلا أنه صفة أي فمحال
~~أن يبنى أيضا لأنه مرفوع رفعا صحيحا، ولهذا أجاز فيه المازني النصب
~~على الموضع كما يجوز في (يا) زيد الظريف. وعلة الرفع أنه لما استمر الضم
~~في كل منادى معرفة أشبه ما أسند إليه الفعل فأجريت صفته على اللفظ فرفعت،
~~وأجاب ابن الشجري بما أجاب به الشيخ وكتب أنها ضمة إعراب لأن ضمة المنادى
~~المفرد لها باطرادها منزلة بين منزلتين فليست كضمة حيث لأنها غير مطردة
~~لعدم اطراد العلة التي أوجبتها ولا كضمة زيد في نحو خرج زيد لأنها حدثت
~~بعامل لفظي ولما اطردت الضمة في نحو يا زيد يا عمرو وكذلك اطردت في نحو
~~يا رجل يا غلام إلى ما لا يحصى نزل الاطراد فيها منزلة العامل المعنوي
~~الواقع للمبتدأ من حيث اطردت الرفعة في كل اسم ابتدىء به مجردا عن عامل
~~لفظي وجيء له بخبر كعمرو ومنطلق، وزيد ذاهب  إلى غير ذلك فلما استمرت
~~ضمة المنادى في معظم الأسماء كما استمرت الأسماء المعربة الضمة الحادثة
~~عن الابتداء  شبهتها العرب بضمة المبتدأ فأتبعها ضمة الإعراب في صفة
~~المنادى في نحو (يا زيد الطويل) وجمع بينهما أيضا أن الإطراد معنى كما
~~أن الإبتداء كذلك، ومن شأن العرب أن تحمل الشيء على الشيء مع حصول أدنى
~~مناسبة بينهما حتى إنهم قد حملوا أشياء على نقائضها، ألا ترى أنهم أتبعوا
~~حركة الإعراب حركة البناء في قراءة من قرأ

# الحمد لله

# [الفاتحة:2] بضم اللام وكذلك أتبعوا حركة البناء/ حركة الإعراب في نحو 
~~يا زيد بن عمرو  في قول ms00266 من فتح الدال من زيد انتهى ملخصا، وقد ذكر ذلك
~~ابن الشجري في «أماليه» وأكثر في الحط على ابن نزار وبين ما وقع بينه
~~وبينه مشافهة، ولولا مزيد الإطالة لذكرته بعجره وبجره، وأنت تعلم ما في
~~ذلك كله من الوهن، ولهذا قال بعض المحققين: إن الحق أنها حركة اتباع
~~ومناسبة لضمة المنادى  ككسر الميم من غلامي  وحينئذ يندفع الإشكال كما
~~لا يخفى على ذوي الكمال.

# بقي الكلام في اللام الداخلة على هذا النعت هل هي للتعريف أم لا؟ والذي
~~عليه الجمهور وهو المشهور أنها للتعريف كما تقدمت الإشارة إليه، ولما سئل
~~عن ذلك أبو نزار قال: إنها هناك ليست للتعريف لأن التعريف لا يكون إلا
~~بين اثنين في ثالث واللام فيما نحن فيه داخلة في اسم المخاطب، ثم قال:
~~والصحيح أنها دخلت بدلا من (يا)، و (أي) وإن كان منادى إلا أن نداءه
~~لفظي، والمنادى على الحقيقة هو المقرون بأل ولما قصدوا تأكيد التنبيه
~~وقدروا تكرير حرف النداء كرهوا التكرير فعوضوا عن حرف النداء ثانيا (ها)
~~وثالثا (أل) وتعقبه ابن الشجري قائلا: إن هذا قول فاسد بل اللام هناك
~~لتعريف الحضور كالتعريف في قولك جاء هذا الرجل مثلا ولكنها لما دخلت على
~~اسم المخاطب صار الحكم للخطاب من حيث كان قولنا يا أيها الرجل معناه يا
~~رجل، ولما كان الرجل هو المخاطب في المعنى غلب حكم الخطاب فاكتفى باثنين
~~لأن أسماء الخطاب لا تفتقر في تعريفها إلى حضور ثالث، ألا ترى أن قولك
~~خرجت يا هذا وانطلقت وأكرمتك لا حاجة به إلى ثالث؟ وليس كل وجوه التعريف
~~يقتضي أن يكون بين إثنين في ثالث فإن ضمير المتكلم في (أنا خرجت) معرفة
~~إجماعا ولا يتوقف تعريفه على حضور ثالث، وأيضا ما قص من حديث التعويض
~~يستدعي بظاهره أن يكون أصل يا أيها الرجل مثلا: (يا أي يايا رجل) وأنهم
~~عوضوا من (يا) الثانية (ها) ومن الثالثة الألف واللام، وأنت تعلم أن هذا
~~مع مخالفته لقول الجماعة خلف من القول يمجه السمع ms00267 وينكره الطبع فليفهم.

# والناس: اسم جمع على ما حققه جمع، والجموع وأسماؤها المحلاة بأل للعموم
~~حيث لا عهد خارجي كما يدل عليه وقوع الاستثناء والأصل فيه الاتصال هو
~~يقتضي الدخول يقينا ولا يتصور إلا بالعموم، ونحو ضربت زيدا إلا رأسه
~~وصمت رمضان إلا عشره الأخير  عام تأويلا، وكذا التأكيد بما يفيد العموم
~~إذا لو لم يكن هناك عموم كان التأكيد تأسيسا والاتفاق على خلافه، وشيوع
~~استدلال الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالعموم كما في حديث السقيفة وهم
~~أئمة الهدى. ثم هذا الخطاب في نحو { ياأيها الناس } يسمى بالخطاب
~~الشفاهي عند الأصوليين قالوا: وليس عاما لمن بعد الموجودين في زمن الوحي
~~أو لمن بعد الحاضرين مهابط الوحي، والأول هو الوجه وإنما يثبت حكمه لهم
~~بدليل آخر من نص أو قياس أو إجماع، وأما بمجرد الصيغة فلا، وقالت
~~الحنابلة: بل هو عام لمن بعدهم إلى يوم القيامة واستدل الأولون بأنا نعلم
~~أنه لا يقال للمعدومين نحو { ياأيها الناس } قال العضد: وإنكاره
~~مكابرة وبأنه امتنع خطاب الصبي والمجنون بنحوه وإذا لم نوجهه نحوهم مع
~~وجودهم لقصورهم عن الخطاب فالمعدوم أجدر أن يمنع لأن تناوله أبعد، واستدل
~~الآخرون بأنه لو لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطبا به لمن بعدهم
~~لم يكن مرسلا إليهم واللازم منتف وبأنه لم يزل العلماء يحتجون على أهل
~~الأعصار ممن بعد الصحابة بمثل ذلك، وهو إجماع على العموم لهم.

# وأجيب: أما عن الأول فبأن الرسالة إنما تستدعي التبليغ في الجملة وهو لا
~~يتوقف على المشافهة بل يكفي فيه حصوله للبعض شفاها وللبعض بنصب الدلائل
~~والأمارات على أن حكمهم حكم الذين شافههم، وأما عن الثاني: فبأنه لا
~~يتعين أن يكون ذلك لتناوله لهم بل قد يكون لأنهم علموا أن حكمه ثابت
~~عليهم بدليل آخر قاله غير واحد.

# وفي «شرح العلامة الثاني للشرح العضدي» أن القول بعموم الشفاهي وإن نسب
~~إلى الحنابلة ليس ببعيد. وقال بعض/ أجلة المحققين: إنه المشهور حتى قالوا
~~إن الحق أن العموم معلوم بالضرورة من الدين ms00268 المحمدي وهو الأقرب، وقول
~~العضد: إن إنكاره مكابرة حق لو كان الخطاب للمعدومين خاصة، أما إذا كان
~~للموجودين والمعدومين على طريق التغليب فلا، ومثله فصيح شائع وكل ما
~~استدل به على خلافه ضعيف انتهى. وإلى العموم ذهب كثير من الشافعية على
~~أنه عندهم عام بحاق لفظه ومنطوقه من غير احتياج إلى دليل آخر، وقد قيل:
~~إنه من قبيل الخطاب العام الذي أجري على غير ظاهره كما في قوله:

# إذا أنت أكرمت الكريم ملكته

# وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

# هذا وعلى كل حال ما روى عن ابن مسعود وعلقمة من أن كل شيء نزل فيه {
~~أيها الناس } مكي و { ياأيها الذين آمنوا } مدني إن
~~صح ولم يؤول لا يوجب تخصيص هذا العام بوجه بالكفار بل هم أيضا داخلون
~~فيه ومأمورون بأداء العبادة كالاعتقاد، والأمر بالشيء أمر بما لا يتم إلا
~~به وكون الإيمان أصل العبادات، ولو وجب بوجوبها انقلب الأصل تبعا مردود
~~بأن الأصالة بحسب الصحة لا تنافي التبعية في الوجوب على أنه واجب
~~استقلالا أيضا، والعجب كيف خفي على مشايخ سمرقند؟! وهذا ما ذهب إليه
~~العراقيون والشافعية، ويؤيده ظواهر الآيات كقوله تعالى:

# وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكوة

# [فصلت: 6-7] وقوله سبحانه:

# ما سلككم فى سقر * قالوا لم نك من المصلين *
~~ولم نك نطعم المسكين

# [المدثر: 42  44] وذهب البخاريون إلى أنهم مكلفون في حق الاعتقاد فقط،
~~وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه لم ينص ظاهرا على شيء في المسألة لكن في
~~كلام صاحبه الثاني ما يدل عليها، ولعل ذلك من الإمام لأنه لا ثمرة للخلاف
~~في الدنيا للاتفاق على أنهم ما داموا كفارا يمتنع منه الإقدام عليها ولا
~~يؤمرون بها وإذا أسلموا لم يجب قضاؤها عليهم، وإنما ثمرته في الآخرة وهو
~~أنهم يعذبون على تركها كما يعذبون على ترك الإيمان عند من قال بوجوبها
~~عليهم، وعلى ترك الإيمان فقط عند من لم يقل، وهذا في غير العقوبات
~~والمعاملات، أما هي فمتفق على خطابهم بها، والأمر بالعبادة هنا للطوائف
~~الثلاث باعتبار ms00269 أن المراد بها الشامل لإيجاد أصلها والزيادة والثبات 
~~فاعبدوا  يدل على طلب في الحال لعبادة مستقلة وهي من الكفار ابتداء
~~عبادة ومن بعض المؤمنين زيادة ومن آخرين مواظبة، وليس الابتداء والزيادة
~~والمواظبة داخلا في المفهوم وضعا فلا محذور في شيء أصلا خلافا لمن
~~توهمه فتكلف في دفعه وذكر سبحانه الرب ليشير إلى أن الموجب القريب
~~للعبادة هي نعمة التربية، وإن كانت عبادة الكاملين لذاته تعالى من غير
~~واسطة أصلا سوى أنه هو هو فسبحانه من إله ما أعظمه ومن رب ما أكرمه.

# { الذى خلقكم والذين من قبلكم } الموصول صفة مادحة
~~للرب، وفيها أيضا تعليل العبادة أو الربوبية على ما قيل، فإن كان الخطاب
~~في { ربكم } شاملا للفرق الثلاث فذاك وإن خص بالمشركين وأريد
~~بالرب ما تعورف بينهم من إطلاقه على غيره تعالى احتمل أن تكون مقيدة إن
~~حملت الإضافة على الجنس وموضحة إن حملت على العهد، ولا يبعد على هذا أن
~~تكون مادحة لأن المطلق يتبادر منه رب الأرباب إلا إن جعلها للتقييد
~~والتوضيح أظهر بناء على ما كانوا فيه وتعريضا بما كانوا عليه ولأنه
~~الأصل فلا يترك إلا بدليل.

# والخلق الاختراع بلا مثال ويكون بمعنى التقدير وعلى الأول لا يتصف به
~~سواه سبحانه، وعلى الثاني قد يتصف به غير ومنه

# فتبارك الله أحسن الخلقين

# [المؤمنون: 14]

# وإذ تخلق من الطين

# [المائدة: 110] وقول زهير:

# ولأنت تفري ما خلقت وبع

# ض القوم يخلق ثم لا يفري

# ومن العجب أن أبا عبد الله البصري أستاذ القاضي عبد الجبار قال: إطلاق
~~الخالق عليه تعالى محال لأن التقدير/ يستدعي الفكر والحسبان وهي مسألة
~~خلافية بينه وبين الله تعالى القائل:

# هو الله الخلق البارىء

# [الحشر: 24] وبقول الله تعالى أقول، والموصول الثاني عطف على المنصوب في
~~{ خلقكم } و (قبل) ظرف زمان بكثرة ومكان بقلة ويتجوز بها عن التقدم
~~بالشرف والرتبة، والخطاب إن شمل المؤمنين وغيرهم فالمراد بالذين قبلهم من
~~تقدمهم في الوجود ومن هو موجود وهو أعلى منزلة منهم وفي هذا تذكير لكمال
~~جلال الله تعالى وربوبيته ms00270 وفيه من تأكيد أمر العبادة ما لا يخفى، وقدم
~~سبحانه التنبيه على خلقهم وإن كان متأخرا بالزمان لأن علم الإنسان
~~بأحوال نفسه أظهر ولأنهم المواجهون بالأمر بالعبادة فتنبيههم أولا على
~~أنفسهم آكد وأهم، وأتى بالخلق صلة والصلات لا بد من كونها معلومة
~~الانتساب عند المخاطب، ولذا يعرف الموصول عنده بما فيها من العهد،
~~واشترطت خبريتها إشارة إلى أنه ليس في المخاطبين من ينكر كون الخالق هو
~~الله تعالى:

# ولئن سألتهم من خلقهم

# [الزخرف: 87] أو

# من خلق السموات والارض ليقولن الله

# [الزمر: 38] وانفهام ذلك من الوصف بناء على ما قالوا الأخبار بعد العلم
~~بها أوصاف والأوصاف قبل العلم بها أخبار مما قاله بعض المحققين وإن كان
~~هناك من لا يعلم أن الله تعالى خالقه وخالق من قبله احتيج إلى ادعاء
~~التغليب أو تنزيل غير العالم منزلة العالم لوضوح البراهين فتخرج الجملة
~~مخرج المعلوم على خلاف مقتضى الظاهر، وقرأ ابن السميقع (وخلق من قبلكم)
~~وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما والذين من قبلكم بفتح الميم، واستشكل
~~لتوالي موصولين والصلة واحدة وخرجت على جعل (من) تأكيدا للذين فلا يحتاج
~~إلى صلة نحو قوله:

# من النفر اللائي الذين إذا هم

# تهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا

# واعترض بأن الحرف لا يؤكد بدون إعادة ما اتصل به فالموصول أولى بذلك إذ
~~يكاد أن يكون تأكيده كتأكيد بعض الاسم (فمن) حينئذ موصولة أو موصوفة وهي
~~خبر مبتدأ مقدر وما بعدها صلة أو صفة وهي مع المقدر صلة الموصول الأول
~~ويكون على أحد الاحتمالين نظير:

# فقلت وأنكرت الوجوه هم هم

# وتخريج البيت على نحو هذا، وقيل: { من } زائدة، وقد أجاز بعض النحاة
~~زيادة الأسماء؛ والكسائي زيادة { من } الموصولة، و (جعل) من ذلك:

# وكفى بنا فضلا على من غيرنا

# حب النبي محمد إيانا

# وبعضهم استشكل القراءة المشهورة أيضا بأن الذين أعيان و { من
~~قبلكم } ناقص ليس في الإخبار به عنها فائدة، فكذلك الوصل به إلا على
~~تأويل وتأويله أن ظرف الزمان إذا وصف لفظا أو تقديرا مع القرينة ms00271 صح
~~الإخبار والوصل به تقول: نحن في يوم طيب، و (ما) هنا في تقدير: والذين
~~كانوا من زمان قبل زمانكم، وقدر أبو البقاء: والذين خلقهم من قبل خلقكم
~~فحذف الفعل الذي هو صلة وأقيم متعلقه مقامه فتدبر.

# { لعلكم تتقون } (لعل) في المشهور موضوعة للترجي وهو الطمع
~~في حصول أمر محبوب ممكن الوقوع والإشفاق وهو توقع مخوف ممكن، والظاهر
~~التقابل فتكون مشتركة، وذكر الرضي أنها للترجي وهو ارتقاب شيء لا وثوق
~~بحصوله فيدخل فيه الطمع والإشفاق، والذي يميل إليه القلب ما ذكره بعض
~~المحققين أنها لإنشاء توقع أمر متردد بين الوقوع وعدمه مع رجحان الأول،
~~إما محبوب فيسمى رجاء أو مكروه فيسمى إشفاقا وذلك قد يعتبر تحققه بالفعل
~~إما من جهة المتكلم  وهو الشائع  لأن معاني الإنشاآت قائمة به. وإما
~~من جهة المخاطب تنزيلا له منزلة المتكلم في التلبس التام بالكلام الجاري
~~بينهما، ومنه

# لعله يتذكر أو يخشى

# [طه: 44] وقد يعتبر تحققه بالقوة بضرب من التجوز إيذانا بأن ذلك الأمر
~~في نفسه مئنة للتوقع متصف بحيثية مصححة له من غير أن يعتبر هناك توقع
~~بالفعل من متوقع أصلا. ففي الآية الكريمة  إن جعلت الجملة حالا/ من
~~مفعول { خلقكم } وما عطف عليه بطريق تغليب المخاطبين على الغائبين
~~لأنهم المأمورون بالعبادة  امتنع حمل  لعل  على حقيقتها لا بالنظر إلى
~~المتكلم لاستحالة الترجي على عالم الغيب والشهادة الفاعل لما يشاء، ولا
~~بالنظر إلى المخاطبين لأنهم حين الخلق لم يكونوا عالمين فكيف يتصور
~~الرجاء منهم؟! ولا يجوز جعلها حالا مقدرة لأن المقدر حال الخلق التقوى
~~لا رجاؤها فلا بد أن يحمل على المعنى المجازي بأن يشبه طلب التقوى منهم
~~بعد اجتماع أسبابه ودواعيه بالترجي في أن متعلق كل واحد منهما مخير بين
~~أن يفعل وأن لا يفعل مع رجحان ما بجانب الفعل فيستعمل كلمة  لعل 
~~الموضوع له فيه فيكون استعارة تبعية أو تشبه صورة منتزعة من حال خالقهم
~~بالقياس إليهم بعد أن مكنهم على التقوى وتركها مع رجحانها منهم بحال
~~المرتجى بالقياس إلى المرتجى منه ms00272 القادر على المرتجى، وتركه مع رجحان
~~وجوده فيكون استعارة تمثيلية إلا أنه ذكر من المشبه به ما هو العمدة فيه
~~أعني كلمة  لعل  أو تشبه ذواتهم بمن يرجى منه التقوى فيثبت له بعض
~~لوازمه أعني الرجاء فيكون استعارة بالكناية، وجعل المشبه إرادته تعالى في
~~الاستعارة والتمثيل نزغة اعتزالية مؤسسة على القاعدة القائلة بجواز تخلف
~~المراد عن إرادته تعالى شأنه وبعضهم قال بالترجي هنا إلا أنه ليس من
~~المتكلم ولا من المخاطب بل من غيرهما كما في قوله تعالى:

# فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك

# [هود: 12] لأنه لما ولد كل مولود على الفطرة كان بحيث أن تأمله متأمل
~~توقع منه رجاء أن يكون متقيا وليس بالبعيد، وإن جعلت حالا من فاعل {
~~خلقكم } امتنعت الحقيقة أيضا وتعينت بعض الوجوه، وإن جعلت حالا من
~~ضمير { اعبدوا } جاز إبقاء الترجي على حقيقته مصروفا إلى المخاطبين
~~ أي راجين التقوى  والمراد بها حينئذ منتهى درجات السالكين وهو طرح
~~الهوى ونبذ السوى والفوز بالمحبوب الأعلى وفي ذلك غاية المبتغى والعروج
~~فوق سدرة المنتهى.

# وقد شاع ذلك عند الأقصى والأدنى وبذلك يصح الترغيب ويندفع ما قيل إن
~~اللائق بالبلاغة القرآنية أن يعتبر من أول الأمر غاية عبادتهم وما هو لذة
~~لهم  أعني الثواب  لا ما يشق عليهم وهو التقوى وإن كان مفضيا إليه
~~ووجه الدفع ظاهر، وما قاله المولى التفتازاني من أن تقييد العبادة بترجي
~~التقوى ليس له كثير معنى إنما المناسب تقييدها بالتقوى أو اقترانها برجاء
~~ثوابها يدفعه أن في الترجي تنبيها على أن العابد ينبغي أن لا يفتر في
~~عبادته ويكون ذا خوف ورجاء، نعم قالوا: الحال قيد لعاملها وهو هنا الأمر،
~~فإن قلنا: إنه أعم من الوجوب فلا إشكال، وإن قلنا: إنه حقيقة في الوجوب
~~اقتضى وجوب الرجاء المقيد به العبادة المأمور بها ولعله ليس بواجب والقول
~~بأنه يقتضي وجوب المقيد دون القيد فيه كلام في الأصول لا يخفى على ذويه.
~~وما أورد من أنه يلزم على هذا الوجه التوسط بين العصا ولحائها، فإن

# الذى ms00273 جعل لكم الأرض

# [البقرة: 22] موصول بربكم صفة له  يجاب عنه بأن القطع يهون الفصل وإن
~~كان هناك اتصال معنوي، وإن جعل { الذى جعل } مبتدأ  خبره

# لا تجعلوا

# [البقرة: 22] كاد يزول الإشكال ويرتفع المقال، ومع هذا لا شك في مرجوحية
~~هذا الوجه وإن أشعر كلام مولانا البيضاوي بأرجحيته، ثم لا يبعد أن يقال:
~~إن المعنى في الآية على التعليل إما لأن (لعل) تجيء بمعنى كي كما ذهب
~~إليه ابن الأنباري وغيره واستشهدوا بقوله:

# فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا

# نكف ووثقتم لنا كل موثق

# أو لأنها تجيء للإطماع فيكنى به بقرينة المقام عن تحقق ما بعدها على
~~عادة الكبراء، ثم يتجوز به عن كل متحقق/ كتحقق العلة سواء كان معه إطماع
~~أم لا على ما قيل. ولا يرد أن تعليل الخلق وهو فعله تعالى مما لم يجوزه
~~أكثر الأشاعرة حيث منعوا تعليل أفعاله سبحان بالأغراض لئلا يلزم استكماله
~~ عز شأنه  بالغير وهو محال لأنا نقول الحق الذي لا محيص عنه أن أفعاله
~~تعالى معللة بمصالح العباد مع أنه سبحانه لا يجب عليه الأصلح، ومن أنكر
~~تعليل بعض الأفعال  لا سيما الأحكام الشرعية كالحدود  فقد كاد أن ينكر
~~النبوة كما قاله مولانا صدر الشريعة، والوقوف على ذلك في كل محل مما لا
~~يلزم، على أن بعضهم يجعل الخلاف في المسألة لفظيا لأن العلة إن فسرت بما
~~يتوقف عليه ويستكمل به الفاعل امتنع ذلك في حقه سبحانه، وإن فسرت بالحكمة
~~المقتضية للفعل ظاهرا مع الغنى الذاتي فلا شبهة في وقوعها ولا ينكر ذلك
~~إلا جهول أو معاند، وإنما لم يقل سبحانه في النظم تعبدون لأجل  اعبدوا 
~~أو اتقوا لأجل تتقون ليتجاوب طرفاه مع اشتماله على صنعة بديعة من رد
~~العجز على الصدر لأن التقوى قصارى أمر العابد فيكون الكلام أبعث على
~~العبادة وأشد إلزاما كذا قيل، وفي القلب منه شيء، وسبب حذف مفعول {
~~تتقون } مما لا يخفى، وابن عباس رضي الله تعالى عنه يقدره الشرك،
~~والضحاك النار، وأظنك لا تقدر شيئا.

# ولما أمر سبحانه ms00274 المكلفين بعبادة الرب الواجد لهم ووصفه بما وصفه،
~~ومعلوم أن الصفة آلة لتمييز الموصوف عما عداه وأن تعليق الحكم بالوصف
~~مشعر بالعلية أشعرت الآية أن طريق معرفته تعالى والعلم بوحدانيته
~~واستحقاقه العبادة النظر في صنعه، ولما كان التربية والخلق اللذان نيط
~~بهما العبادة سابقين على طلبها فهم أن العبد لا يستحق ثوابا حيث أنعم
~~عليه قبل العبادة بما لا يحصى مما لا تفي الطاقة البشرية بشكره ولا تقاوم
~~عبادته عشر عشر.

# واستدل بالآية من زعم أن التكليف بالمحال واقع حيث أمر سبحانه بعبادته
~~من آمن به ومن كفر بعد إخباره عنهم أنهم لا يؤمنون وأنهم عن ضلالتهم لا
~~يرجعون، وقد تقدم الكلام في ذلك فارجع إليه.

### || [2.22]

# { الذى جعل لكم الأرض فرشا والسماء بناء }
~~الموصول إما منصوب على أنه نعت

# ربكم

# [البقرة: 21] أو بدل منه أو مقطوع بتقدير أخص أو أمدح وكونه مفعول

# تتقون

# [البقرة: 21]  كما قاله أبو البقاء  إعراب غث ينزه القرآن عنه، وكونه
~~نعت الأول يرد عليه أن النعت لا ينعت عند الجمهور إلا في مثل يا أيها
~~الفارس ذو الجمة، وفيه أيضا غير مجمع عليه، وإما مرفوع على أنه خبر
~~مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره جملة { فلا تجعلوا } والفاء قد تدخل في
~~خبر الموصول بالماضي كقوله تعالى:

# إن الذين فتنوا المؤمنين

# [البروج: 10] إلى قوله تعالى:

# فلهم عذاب جهنم

# [البروح: 10] والاسم الظاهر يقوم مقام الرابط عند الأخفش والإنشاء يقع
~~خبرا بالتأويل المشهور، ومع هذا كله الأولى ترك ما أوجبه وأبرد من يخ
~~قول من زعم أنه مبتدأ خبره { رزقا لكم } بتقدير يرزق، و { جعل
~~} بمعنى صير والمنصوبان بعده مفعولاه، وقيل: بمعنى أوجد وانتصاب الثاني
~~على الحالية أي أوجد الأرض حالة كونها مفترشة لكم فلا تحتاجون للسعي في
~~جعلها كذلك، ومعنى تصييرها فراشا أي كالفراش في صحة القعود والنوم عليها
~~أنه سبحانه جعل بعضها بارزا عن الماء مع أن مقتضى طبعها أن يكون الماء
~~محيطا بأعلاها لثقلها وجعلها متوسطة بين الصلابة واللين ليتيسر التمكن
~~عليها بلا مزيد كلفة، فالتصيير ms00275 باعتبار أنه لما كانت قابلة لما عدا ذلك
~~فكأنه نقلت منه، وإن صح ما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن
~~الأرض خلقت قبل خلق السماء غير مدحوة فدحيت بعد خلقها ومدت فأمر التصيير
~~حينئذ ظاهر إلا أن كل الناس غير عالمين به، والصفة يجب أن تكون معلومة
~~للمخاطب والذهاب إلى الطوفان، واعتبار التصيير بالقياس إليه من اضطراب
~~أمواج الجهل ولا ينافي كرويتها كونها فراشا لأن الكرة إذا عظمت كان كل
~~قطعة منها كالسطح في افتراشه كما لا يخفى. وعبر سبحانه هنا بجعل وفيما
~~تقدم بخلق لاختلاف المقام أو تفننا في التعبير كما في قوله تعالى:

# خلق السموات والأرض وجعل الظلمت والنور

# [الأنعام: 1] وتقديم المفعول الغير الصريح/ لتعجيل المسرة ببيان كون ما
~~يعقبه من منافع المخاطبين أو للتشويق إلى ما يأتي بعده لا سيما بعد
~~الإشعار بمنفعته فيتمكن عند وروده فضل تمكن، أو لما في المؤخر وما عطف
~~عليه من نوع طول فلو قدم لفات تجاوب الأطراف، واختار سبحانه لفظ السماء
~~على السموات موافقة للفظ الأرض وليس في التصريح بتعددها هنا كثير نفع،
~~ومع هذا يحتمل أن يراد بها مجموع السموات، وكل طبقة وجهة منها، والبناء
~~في الأصل مصدر أطلق على المبني بيتا كان أو قبة أو خباء أو طرافا، ومنه
~~بنى بأهله أو على أهله خلافا للحريري لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا
~~خباء جديدا ليدخلوا على العروس فيه، والمراد بكون السماء بناء أنها
~~كالقبة المضروبة أو أنها كالسقف للأرض، ويقال لسقف البيت بناء، وروى هذا
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقدم سبحانه حال الأرض لما أن
~~احتياجهم إليها وانتفاعهم بها أكثر وأظهر، أو لأنه تعالى لما ذكر خلقهم
~~ناسب أن يعقبه بذكر أول ما يحتاجونه بعده وهو المستقر أو ليحصل العروج من
~~الأدنى إلى الأعلى، أو لأن خلق الأرض متقدم على خلق السماء كما يدل عليه
~~ظواهر كثير من الآيات أو لأن الأرض لكونها مسكن النبيين ومنها خلقوا أفضل
~~من السماء، وفي ذلك خلاف مشهور، ms00276 وقرأ يزيد الشامي (بساطا)، وطلحة
~~(مهادا) وهي نظائر، وأدغم أبو عمرو لام (جعل) في لام (لكم).

# { وأنزل من السماء مآء فاخرج فأخرج به من
~~الثمرت رزقا لكم } عطف على (جعل) و { من } الأولى للابتداء
~~متعلقة بأنزل أو بمحذوف وقع حالا من المفعول وقدم عليه للتشويق على
~~الأول مع ما فيه من مزيد الانتظام مع ما بعد، أو لأن السماء أصله ومبدؤه
~~ولتتأتى الحالية على الثاني إذ لو قدم المفعول وهو نكرة صار الظرف صفة،
~~وذكر في «البحر» أن { من } على هذا للتبعيض أي من مياه السماء وهو كما
~~ترى. والمراد من السماء جهة العلو أو السحاب وإرادة الفلك المخصوص بناء
~~على الظواهر غير بعيدة نظرا إلى قدرة الملك القادر جل جلاله وسمت عن
~~مدارك العقل أفعاله، إلا أن الشائع أن الشمس إذا سامتت بعض البحار
~~والبراري أثارت من البحار بخارا رطبا ومن البراري يابسا، فإذا صعد
~~البخار إلى طبقة الهواء الثالثة تكاثف فإن لم يكن البرد قويا اجتمع
~~وتقاطر لثقله بالتكاثف، فالمجتمع سحاب والمتقاطر مطر، وإن كان قويا كان
~~ثلجا وبردا، وقد لا ينعقد ويسمى ضبابا.

# وفي كل شيء له آية

# تدل على أنه واحد

# وعلى هذا يراد بالنزول من السماء نشوؤه من أسباب سماوية وتأثيرات أثيرية
~~فهي مبدأ مجازي له، على أن من انجاب عن عين بصيرته سحاب الجهل رأى أن كل
~~ما في هذا العالم السفلي نازل من عرش الإرادة وسماء القدرة حسبما تقتضيه
~~الحكمة بواسطة أو بغير واسطة كما يشير إليه قوله تعالى:

# وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا
~~بقدر معلوم

# [الحجر: 21] بل من علم أن الله سبحانه في السماء  على المعنى الذي
~~أراده وبالوصف الذي يليق به مع التنزيه اللائق بجلال ذاته تعالى  صح له
~~أن يقول: إن ما في العالمين من تلك السماء، ونسبة نزوله إلى غيرها
~~أحيانا لاعتبارات ظاهرة وهي راجعة إليه في الآخرة.

# - والماء - معروف، وعرفه بعضهم بأنه جوهر سيال به قوام الحيوان ووزنه
~~فعل وألفه منقلبة عن واو همزته ms00277 بدل من هاء كما يدل عليه مويه ومياه
~~وأمواه وتنوينه للبعضية، وخصه سبحانه بالنزول من السماء في كثير من
~~الآيات تنويها بشأنه لكثرة منفعته ومزيد بركته، و { من } الثانية إما
~~للتبعيض إذ كم من ثمرة لم تخرج بعد، - فرزقا - حينئذ بالمعنى المصدري
~~مفعول له - لأخرج - و { لكم } ظرف لغو مفعول به/ لرزق أي أخرج شيئا {
~~من الثمرت } أي بعضها لأجل أنه رزقكم.

# وجوز أن يكون بعض الثمرات مفعول (أخرج)، و(رزقا) بمعنى مرزوقا حالا
~~من المفعول أو نصبا على المصدر لأخرج، وإما للتبيين - فرزق - بمعنى
~~مرزوق مفعول لأخرج و { لكم } صفته، وقد كان { من الثمرت } صفته
~~أيضا إلا أنه لما قدم صار حالا على القاعدة في أمثاله، وفي تقديم
~~البيان على المبين خلاف، فجوزه الزمخشري والكثيرون، ومنعه صاحب «الدر
~~المصون» وغيره، واحتمال جعلها ابتدائية بتقدير من ذكر الثمرات أو تفسير
~~الثمرات بالبذر تعسف لا ثمرة فيه.

# وأل في (الثمرات) إما للجنس أو للاستغراق وجعلها له، (ومن) زائدة ليس
~~بشيء لأن زيادة (من) في الإيجاب - وقبل - معرفة مما لم يقل به إلا
~~الأخفش، ويلزم من ذلك أيضا أن يكون جميع الثمرات التي أخرجت رزقا لنا،
~~وكم شجرة أثمرت ما لا يمكن أن يكون رزقا وأتى بجمع القلة مع أن الموضع
~~موضع الكثرة فكان المناسب لذلك من الثمار للإيماء إلى أن ما برز في رياض
~~الوجود بفيض مياه الجود كالقليل بل أقل قليل بالنسبة لثمار الجنة، ولما
~~ادخر في ممالك الغيب أو للإشارة إلى أن أجناسها من حيث إن بعضها يؤكل كله
~~وبعضها ظاهره فقط وبعضها باطنه فقط، المشير ذلك إلى ما يشير قليلة لم
~~تبلغ حد الكثرة، وما ذكر الإمام البيضاوي وغيره من أنه ساغ هذا الجمع هنا
~~لأنه أراد بالثمرات جمع ثمرة أريد بها الكثرة كالثمار مثلها في قولك:
~~أدركت ثمرة بستانك، وليست التاء للوحدة الحقيقية بل للوحدة الاعتبارية،
~~ويؤيده قراءة ابن السميقع (من الثمرة) أو لأن الجموع يتعاور بعضها موقع
~~بعض كقوله تعالى:

# كم تركوا من جنت

# [الدخان: 25] و

# ثلثة ms00278 قروء

# [البقرة: 228] أو لأنها لما كانت محلاة باللام خرجت عن حد القلة لا يخلو
~~صفاؤه عن كدر كما يسفر عنه كلام الشهاب، وإذا قيل: بأن جمع السلامة
~~المؤنث والمذكر موضوع للكثرة أو مشترك - والمقام يخصصه بها - اندفع
~~السؤال وارتفع المقال إلا أن ذلك لم يذهب إليه من الناس إلا قليل.

# والباء من (به) للسببية، والمشهور عند الأشاعرة أنها سببية عادية في
~~أمثال هذا الموضع فلا تأثير للماء عندهم أصلا في الإخراج بل ولا في غيره
~~وإنما المؤثر هو الله تعالى عند الأسباب لا بها لحديث الاستكمال بالغير،
~~قالوا: ومن اعتقد أن الله تعالى أودع قوة الري في الماء مثلا فهو فاسق
~~وفي كفره قولان، وجمع على كفره كمن قال: إنه مؤثر بنفسه فيجب عندهم أن
~~يعتقد المكلف أن الري جاء من جانب المبدأ الفياض بلا واسطة وصادف مجيئه
~~شرب الماء من غير أن يكون للماء دخل في ذلك بوجه من الوجوه سوى الموافقة
~~الصورية، والفقير لا أقول بذلك ولكني أقول: إن الله سبحانه ربط الأسباب
~~بمسبباتها شرعا وقدرا، وجعل الأسباب محل حكمته في أمره الديني الشرعي
~~وأمره الكوني القدري ومحل ملكه وتصرفه، فإنكار الأسباب والقوى جحد
~~للضروريات وقدح في العقول والفطر ومكابرة للحس وجحد للشرع والجزاء، فقد
~~جعل الله تعالى شأنه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، والثواب والعقاب
~~والحدود والكفارات والأوامر والنواهي والحل والحرمة كل ذلك مرتبطا
~~بالأسباب قائما بها بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه،
~~والقرآن مملوء من إثبات الأسباب، ولو تتبعنا ما يفيد ذلك من القرآن
~~والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع حقيقة لا مبالغة، ويالله تعالى العجب إذا
~~كان الله خالق السبب والمسبب وهو الذي جعل هذا سببا لهذا، والأسباب
~~والمسببات طوع مشيئته وقدرته منقادة، فأي قدح يوجب/ ذلك في التوحيد وأي
~~شرك يترتب عليه؟! نستغفر الله تعالى مما يقولون، فالله عز وجل يفعل
~~بالأسباب التي اقتضتها الحكمة مع غناه عنها كما صح أن يفعل عندها لا بها،
~~وحديث الاستكمال يرده أن الاستكمال إنما ms00279 يلزم لو توقف الفعل على ذلك
~~السبب حقيقة واللازم باطل لقوله تعالى:

# إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن
~~فيكون

# [يس: 82] فالأسباب مؤثرة بقوى أودعها الله تعالى فيها ولكن بإذنه وإذا
~~لم يأذن وحال بينها وبين التأثير لم تؤثر كما يرشدك إلى ذلك قوله تعالى:

# وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله

# [البقرة: 102] ولو لم يكن في هذه الأسباب قوى أودعها العزيز الحكيم لما
~~قال سبحانه:

# ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم

# [الأنبياء: 69] إذ ما الفائدة في القول وهي ليس فيها قوة الإحراق وإنما
~~الإحراق منه تعالى بلا واسطة ولو كان الأمر كما ذكروا لكان للنار أن
~~تقول: إلهي ما أودعتني شيئا ولا منحتني قوة وما أنا إلا كيد شلاء صحبتها
~~يد صحيحة تعمل الأعمال وتصول وتجول في ميدان الأفعال أفيقال لليد الشلاء
~~لا تفعلي وفي ذلك الميدان لا تنزلي ولا يقال ذلك لليد الفعالة وهي الحرية
~~بتلك المقالة، ولا أظن الأشاعرة يستطيعون لذلك جوابا ولا أراهم يبدون
~~فيه خطابا، وهذا الذي ذكرناه هو ما ذهب إليه السلف الصالح وتلقاه أهل
~~الله تعالى بالقبول، ولا يوقعنك في شك منه نسبته للمعتزلة فإنهم يقولون
~~أيضا لا إله إلا الله أفتشك فيها لأنهم قالوها معاذ الله تعالى من
~~التعصب فالحكمة ضالة المؤمن والحق أحق بالاتباع والله تعالى يقول الحق
~~وهو يهدي السبيل.

# { فلا تجعلوا لله أندادا } نهي معطوف على

# اعبدوا

# [البقرة: 21] مترتب عليه فكأنه قيل: إذا وجب عليكم عبادة ربكم فلا
~~تجعلوا لله ندا وأفردوه بالعبادة إذ لا رب لكم سواه وإيقاع الاسم الجليل
~~موقع الضمير لتعيين المعبود بالذات بعد تعيينه بالصفات وتعليل الحكم بوصف
~~الألوهية التي عليها يدور أمر الوحدانية واستحالة الشركة والإيذان
~~باستتباعها لسائر الصفات؛ وقيل: لفظ الرب مستعمل في المفهوم الكلي والله
~~علم للجزئي الحقيقي الواجب الوجود تعالى شأنه فلا يكون من وضع المظهر
~~موضع المضمر، وحنيئذ يظهر الفرق بين هذه الآية الكريمة حيث علق العبادة
~~بصفة الربوبية فالمناسب الفاء وبين قوله تعالى:

# اعبدوا الله ms00280 ولا تشركوا به شيئا

# [النساء: 36] حيث علق العبادة وعدم الشرك بذاته تعالى فالمناسب الواو،
~~فلا يرد أن المناسب على هذا الواو كما في الآية الثانية أو نفي منصوب
~~بإضمار أن جواب للأمر كما قاله مولانا البيضاوي، واعترض بأنه يأباه أن
~~ذلك فيما يكون الأول سببا للثاني، ولا ريب في أن العبادة لا تكون سببا
~~للتوحيد الذي هو أصلها ومنشؤها، وأجيب بأن عبادته تعالى أساسها التوحيد
~~وعدم الإشراك به، وأما عبادة الرب فليس أصلها عدم الإشراك بذاته تعالى بل
~~من متفرعاته، والحق أن الآية تضمنت عبادة رب موصوف بما يجعله كالمشاهد من
~~خلقه لهم ولأصولهم وإبداع الكائنات العظيمة والتفضل بإفاضة النعم الجسيمة
~~فدلت عليه دلالة عرفتهم به، فمحصلها اعبدوا الله تعالى الذي عرفتموه
~~معرفة لا مرية فيها، ولا شك في أن العبادة والمعرفة سبب لعدم الإشراك إذ
~~من عرف الله تعالى لا يسوي به سواه؛ فالذي سول للمعترض النظر للعبادة
~~وقطع النظر عن المعرفة، ويحتمل أن يكون متعلقا بلعل فينصب الفعل نصب
~~(فأطلع) على قراءة جعفر من

# لعلي أبلغ الأسباب

# [غافر: 36] الخ على رأي إلحاقا بالأشياء الستة لأنها غير موجبة لحصول
~~ما يتضمنها فتكون كالشرط في عدم التحقق، والقول بالإلحاق لها بليت
~~تنزيلا للمرجو منزلة المتمنى في عدم الوقوع يؤول إلى هذا إن أريد بعدم
~~الوقوع عدمه في حال الحكم لا استحالته، والمعنى خلقكم لتتقوا وتخافوا
~~عقابه/ فلا تشبهوه بخلقه فافهم، ويحتمل أن تكون الفاء زائدة مشعرة
~~بالسببية وجملة النهي بتأويل القول خبر عن { الذى } على جعله مبتدأ،
~~وقيل: الجملة متعلقة بالذي، والفاء جزاء شرط محذوف، والمعنى هو الذي جعل
~~لكم ما ذكر من النعم المتكاثرة، وإذا كان كذلك: فلا تجعلوا الخ.

# والجعل هنا بمعنى التصيير وهو كما يكون بالفعل نحو صيرت الحديد سيفا،
~~ومنه ما تقدم على وجه يكون بالقول والعقد. والأنداد - جمع ند - كعدل أو
~~أعدال أو نديد - كيتيم وأيتام - والند مثل الشيء الذي يضاده ويخالفه في
~~أموره وينافره ويتباعد عنه وليس من الأضداد على الأصح، وأصله من ند ms00281
~~ندودا إذا نفر، وقيل: الند المشارك في الجوهرية فقط، والشكل المشارك في
~~القدر والمساحة، والشبه المشارك في الكيفية فقط، والمساوي في الكمية فقط،
~~والمثل عام في جميع ذلك، وفي تسمية ما يعبده المشركون من دون الله
~~أندادا والحال أنهم ما زعموا أنها تماثله في ذاته تعالى وصفاته ولا
~~تخالفه في أفعاله.

# وإنما عبدوها لتقربهم إليه سبحانه زلفى - إشارة إلى استعارة تهكمية حيث
~~استعير النظير المصادر للمناسب المقرب كما استعير التبشير للإنذار والأسد
~~للجبان، وإن أريد بالند النظير مطلقا لم يكن هناك تضاد وإنما هو من
~~استعارة أحد المتشابهين للآخر، فإن المشركين جعلوا الأصنام بحسب أفعالهم
~~وأحوالهم مماثلة له تعالى في العبادة، وهي خطة شنعاء وصفة حمقاء في ذكرها
~~ما يستلزم تحميقهم والتهكم بهم، ولعل الأول أولى، وفي الإتيان بالجمع
~~تشنيع عليهم حيث جعلوا أندادا لمن يستحيل أن يكون له ند واحد، ولله در
~~موحد الفترة زيد بن عمر بن نفيل رضي الله تعالى عنه حيث يقول في ذلك:

# أربا واحدا أم ألف رب

# أدين إذا تقسمت الأمور

# تركت اللات والعزى جميعا

# كذلك يفعل الرجل البصير

# { وأنتم تعلمون } حال من ضمير (لا تجعلوا) والمفعول مطروح أي:
~~وحالكم أنكم من أهل العلم والمعرفة والنظر وإصابة الرأي فإذا تأملتم أدنى
~~تأمل علمتم وجود صانع يجب توحيده في ذاته وصفاته لا يليق أن يعبد سواه،
~~أو مقدر حسبما يقتضيه المقام ويسد مسد مفعولي العلم، أي: تعلمون أنه
~~سبحانه لا يماثله شيء، أو أنها لا تماثله ولا تقدر على مثل ما يفعله،
~~والحال على الوجه الأول للتوبيخ أو التقييد إذ العلم مناط التكليف ولا
~~تكليف عند عدم الأهلية، وعلى الوجه الثاني للتوبيخ لا غير لأن قيد الحكم
~~تعليق العلم بالمفعول، ومناط التكليف العلم فقط والتوبيخ باعتبار أفراد
~~المخاطبين بالنهي بناء على عموم الخطاب حسبما مر في الأمر فلا يستدعي
~~تخصيص الخطاب بالكفرة على أنه لا بأس بالتخصيص بهم أمرا ونهيا بل قيل:
~~إنه أولى للخلاص من التكلف وحسن الانتظام إذ لا محيص في ظاهر آية ms00282 التحدي
~~من تجريد الخطاب وتخصيصه بالكفرة مع ما فيه من رباء محل المؤمنين ورفع
~~شأنهم عن حيز الانتظام في سلك الكفرة اللئام والإيذان بأنهم مستمرون على
~~الطاعة والعبادة مستغنون في ذلك عن الأمر والنهي فتأمل.

# وقد تضمنت هذه الآيات من بدائع الصنعة ودقائق الحكمة وظهور البراهين ما
~~اقتضى أنه تعالى المنفرد بالإيجاد المستحق للعبادة دون غيره من الأنداد
~~التي لا تخلق ولا ترزق وليس لها نفع ولا ضر

# ألا له الخلق والامر

# [الأعراف: 54].

# ومن باب الإشارة أنه تعالى مثل البدن بالأرض، والنفس بالسماء، والعقل
~~بالماء، وما أفاض على القوابل من الفضائل العلمية والعملية المحصلة
~~بواسطة استعمال العقل والحس، وازدواج القوى النفسانية والبدنية بالثمرات
~~المتولدة من ازدواج القوى السماوية الفاعلة والأرضية المنفعلة بإذن
~~الفاعل المختار، وقد يقال: إنه تعالى لما امتن عليهم بأنه سبحانه خلقهم
~~والذين من قبلهم ذكر ما يرشدهم إلى معرفة كيفية خلقهم فجعل الأرض التي هي
~~فراش مثل الأم التي يفترشها الرجل، وهي أيضا تسمى فراشا، وشبه السماء
~~التي علت على الأرض بالأب الذي يعلو على الأم ويغشاها، وضرب/ الماء
~~النازل من السماء مثلا للنطفة التي تنزل من صلب الأب وضرب ما يخرج من
~~الأرض من الثمرات مثلا للولد الذي يخرج من الأم، كل ذلك ليؤنس عقولهم
~~ويرشدها إلى معرفة كيفية التخليق ويعرفها أنه الخالق لهذا الولد والمخرج
~~له من بطن أمه كما أنه الخالق للثمرات ومخرجها من بطون أشجارها ومخرج
~~أشجارها من بطن الأرض، فإذا وضح ذلك لهم أفردوه بالألوهية وخصوه بالعبادة
~~وحصلت لهم الهداية:

# تأمل في رياض الأرض وانظر

# إلى آثار ما صنع المليك

# عيون من لجين شاخصات

# على أهدابها ذهب سبيك

# على قضب الزبرجد شاهدات

# بأن الله ليس له شريك

### || [2.23]

# { وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا
~~فأتوا بسورة من مثله } لما قرر سبحانه أمر توحيده بأحسن
~~أسلوب عقبه بما يدل على تصديق رسوله صلى الله عليه وسلم، والتوحيد
~~والتصديق توأمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، فالآية وإن سيقت لبيان الإعجاز
~~إلا أن ms00283 الغرض منه إثبات النبوة، وفي التعقيب إشارة إلى الرد على
~~التعليمية الذين جعلوا معرفة الله تعالى مستفادة من معرفة الرسول،
~~والحشوية القائلين بعدم حصول معرفته سبحانه إلا من القرآن والأخبار،
~~والعطف إما على قوله تعالى:

# اعبدوا ربكم

# [البقرة: 21] و على

# فلا تجعلوا

# [البقرة: 22] وتوجيه الربط بأنه لما أوجب سبحانه وتعالى العبادة ونفي
~~الشرك - بإزاء تلك الآيات والانقياد لها لا يمكن بدون التصديق بأنها من
~~عنده سبحانه  أرشدهم بما يوجب هذا العلم، ولذا لم يقل جل شأنه - وإن
~~كنتم في ريب من رسالة عبدنا غير وجيه إذ يصير عليه البرهان العقلي سميعا
~~ولو أريد ذلك لكفى - اعبدوا ولا تشركوا - من دون تفصيل الأدلة الأنفسية
~~والآفاقية، والظاهر أن الخطاب هنا للكفار وهو المروي عن الحسن، وقيل
~~لليهود لما أن سبب النزول كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم
~~قالوا هذا الذي يأتينا به محمد صلى الله عليه وسلم لا يشبه الوحي {
~~وإنا لفى شك منه } وقيل: هو على نحو الخطاب في

# اعبدوا

# [البقرة: 21].

# وكلمة { إن } إما للتوبيخ على الارتياب وتصوير أنه مما لا ينبغي أن
~~يثبت إلا على سبيل الفرض لاشتمال المقام على ما يزيله، أو لتغليب - من لا
~~- قطع بارتيابهم على من سواهم، أو لأن البعض لما كان مرتابا والبعض غير
~~مرتاب جعل الجميع كأنه لا قطع بارتيابهم ولا بعدمه - وجعلها بمعنى إذا
~~كما ادعاه بعض المفسرين - خلاف مذهب المحققين - وإيراد كلمة كان لإبقاء
~~معنى المضي فإنها لتمحضها للزمان لا تقبلها - إن - إلى معنى الاستقبال -
~~كما ذهب إليه المبرد وموافقوه - والجمهور على أنها كسائر الأفعال
~~الماضية، وقدر بعضهم بينها وبين إن يكن، أو تبين مثلا ولا يميل إليه
~~الفؤاد.

# وتنكير الريب للإشعار بأن حقه إن كان أن يكون ضعيفا قليلا لسطوع ما
~~يدفعه وقوة ما يزيله، وجعله ظرفا بتنزيل المعاني منزلة الأجرام
~~واستقرارهم فيه وإحاطته بهم لا ينافي اعتبار ضعفه وقلته لما أن ما يقتضيه
~~ذلك هو دوام ملابستهم به لا قوته وكثرته، و (من) ابتدائية صفة { ريب ms00284 }
~~ولا يجوز أن تكون للتبعيض وحملها على السببية ربما يوهم كون المنزل محلا
~~للريب وحاشاه، و (ما) موصولة كانت أو موصوفة عبارة عن الكتاب، وقيل: عن
~~القدر المشترك بينه وبين أبعاضه.

# ومعنى كونهم في ريب منه ارتيابهم في كونه وحيا من الله تعالى شأنه،
~~والتضعيف في { نزلنا } للنقل وهو المرادف للهمزة، ويؤيد ذلك قراءة
~~زيد بن قطيب - (أنزلنا) - وليس التضعيف هنا دالا على نزوله منجما ليكون
~~إيثاره على الإنزال لتذكير منشأ ارتيابهم فقد قالوا:

# لولا نزل عليه القرءان جملة وحدة

# [الفرقان: 32] وبناء التحدي عليه إرخاء للعنان كما ذهب إليه الكثير ممن
~~يعقد عند/ ذكرهم الخناصر لأن ذلك قول بدلالة التضعيف على التكثير وهو
~~إنما يكون غالبا في الأفعال التي تكون قبل التضعيف متعدية نحو - فتحت
~~وقطعت -، و - (نزلنا) - لم يكن معتديا قبل، وأيضا التضعيف الذي يراد به
~~التكثير إنما يدل على كثرة وقوع الفعل وأما على أنه يجعل اللازم متعديا
~~فلا، والفعل هنا كان لازما فكون التعدي مستفادا من التضعيف دليل على
~~أنه للنقل لا للتكثير، وأيضا لو كان نزل مفيدا للتنجيم لاحتاج قوله
~~تعالى:

# لولا نزل عليه القرءان جملة واحدة

# [الفرقان: 32] إلى تأويل، لمنافاة العجز الصدر، وكذا مثل

# ولولا نزل عليه ءاية

# [الأنعام: 37] و

# لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا

# [الإسراء: 95] وقد قرىء بالوجهين في كثير مما لا يمكن فيه التنجيم
~~والتكثير وجعل هذا غير التكثير المذكور في النحو وهو التدريج بمعنى
~~الإتيان بالشيء قليلا قليلا كما ذكروه في تسللوا حيث فسروه بأنهم
~~يتسللون قليلا قليلا قالوا: ونظيره تدرج وتدخل ونحوه - رتبه - أي أتى
~~به رتبة رتبة ولم يوجد غير ذلك، فحينئذ تكون صيغة فعل بعد كونها للنقل
~~دالة على هذا المعنى إما مجازا أو اشتراكا فلا يلزم اطراده بعيد لا
~~سيما مع خفاء القرينة، وفي تعدي - (نزل) - بعلى إشارة إلى استعلاء المنزل
~~على المنزل عليه وتمكنه منه وأنه صار كاللابس له بخلاف إلى إذ لا دلالة
~~لها على أكثر من الانتهاء والوصول. وفي ذكره صلى الله عليه وسلم ms00285 - بعنوان
~~العبودية مع الإضافة إلى ضمير الجلالة - تنبيه على عظم قدره واختصاصه به
~~وانقياده لأوامره، وفي ذلك غاية التشريف والتنويه بقدره صلى الله عليه
~~وسلم:

# لا تدعني إلا بيا عبدها

# فإنه أشرف أسمائي

# وقرىء - (عبادنا) - فيحتمل أنه أريد بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وأمته لأن جدوى المنزل والهداية الحاصلة به لا تختص بل يشترك فيها
~~المتبوع والتابع فجعل كأنه نزل عليهم، ويحتمل أنه أريد به النبيون الذين
~~أنزل عليهم الوحي والرسول صلى الله عليه وسلم أول مقصود وأسبق داخل لأنه
~~الذي طلب معاندوه بالتحدي في كتابه، وفيه إيذان بأن ارتياب فيه، ارتياب
~~فيما أنزل من قبله لكونه مصدقا له ومهيمنا عليه، وبعضهم جعل الخطاب على
~~هذا لمنكري النبوات الذين حكى الله تعالى عنهم بقوله:

# وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل
~~الله على بشر من شىء

# [الأنعام: 91] وفي الآية التفات من الغائب إلى ضمير المتكلم وإلا لقال
~~سبحانه  مما نزل على عبده  لكنه عدل سبحانه إلى ذلك تفخيما للمنزل أو
~~المنزل عليه لا سيما وقد أتى ب - (نا) - المشعرة بالتعظيم التام وتفخيم
~~الأمر رعاية لرفعة شأنه عليه الصلاة والسلام.

# والفاء من { فأتوا } جوابية وأمر السببية ظاهر، والأمر من باب
~~التعجيز وإلقام الحجر كما في قوله تعالى:

# فأت بها من المغرب

# [البقرة: 258] وهو من الإتيان بمعنى المجيء بسهولة كيفما كان، ويقال في
~~الخير والشر والاعيان والاعراض، ثم صار بمعنى الفعل والتعاطي ك

# لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى

# [التوبة: 54] وأصل { فأتوا } فأتيوا فأعل الإعلال المشهور، وأتى
~~شذوذا حذف الفاء فقيل (ت وتوا) والتنوين في (سورة) للتنكير أي ائتوا
~~بسورة ما وهي القطعة من القرآن التي أقلها ثلاث آيات، وفيه من التبكيت
~~والتخجيل لهم في الارتياب ما لا يخفى.

# و { من مثله } إما أن يكون ظرفا مستقرا صفة لسورة والضمير راجع
~~إما ل - (ما) - التي هي عبارة عن المنزل أو للعبد وعلى الأول يحتمل أن
~~تكون من للتبعيض أو للتبيين، والأخفش يجوز زيادتها في مثله، والمعنى
~~بسورة مماثلة ms00286 للقرآن في البلاغة والأسلوب المعجز وهذا على الأخيرين ظاهر،
~~وأما على التبعيض فلأنه لم يرد بالمثل مثل محقق معين للقرآن بل ما يماثله
~~فرضا كما قيل: في مثلك لا يجهل، ولا شك أن بعضيتها للمماثل الفرضي
~~لازمة/ لمماثلتها للقرآن فذكر اللازم وأريد الملزوم سلوكا لطريق الكناية
~~مع ما في لفظ (من) التبعيضية الدالة على القلة من المبالغة المناسبة
~~لمقام التحدي، وبهذا رجح بعضهم التبعيض على التبيين مع ما في التبيين من
~~التصريح بما علم ضمنا حيث إن المماثلة للقرآن تفهم من التعبير بالسورة
~~إلا أنه مؤيد بما يأتي، وعلى الثاني يتعين أن تكون (من) للإبتداء مثلها
~~في

# إنه من سليمان

# [النمل: 30] ويمتنع التبعيض والتبيين والزيادة امتناع الابتداء في الوجه
~~الأول، وإما أن تكون صلة { فاتوا }. والشائع أنه يتعين حينئذ عود
~~الضمير للعبد لأن (من) لا تكون بيانية إذ لا مبهم، ولكونه مستقرا أبدا
~~لا تتعلق بالأمر لغوا ولا تبعيضية وإلا لكان الفعل واقعا عليه حقيقة
~~كما في  أخذت من الدراهم  ولا معنى لإتيان البعض بل المقصد الإتيان
~~بالبعض، ولا مجال لتقدير الباء مع وجود (من) ولأنه يلزم أن يكون {
~~بسورة } ضائعا فتعين أن تكون ابتدائية، وحينئذ يجب كون الضمير للعبد
~~لا للمنزل، وجعل المتكلم مبدأ عرفا - للإتيان بالكلام منه - معنى حسن
~~مقبول بخلاف جعل الكل مبدأ للإتيان ببعض منه فإنه لا يرتضيه ذو فطرة
~~سليمة، وأيضا المعتبر في مبدأ الفعل هو المبدأ الفاعلي أو المادي، أو
~~الغائي، أو جهة يتلبس بها وليس الكل بالنسبة إلى الجزء شيئا من ذلك،
~~وعليه يكون اعتبار مماثلة المأتي به للقرآن في البلاغة مستفادا من لفظ
~~السورة، ومساق الكلام بمعونة المقام.

# واعترض بأن معنى (من) لا ينحصر فيما ذكر فقد تجيء للبدل نحو

# أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة

# [التوبه: 38] و

# لجعلنا منكم ملئكة

# [الزخرف: 60] وللمجاوزة كعذت منه، فعلى هذا لو علق { من مثله } ب
~~{ فأتوا } وحمل (من) على البدل أو المجاوزة و  مثل  على المقحم ورجع
~~الضمير إلى { ما أنزلنا } على معنى: فأتوا بدل ذلك ms00287 الكتاب العظيم
~~شأنه، الواضح برهانه أو مجاوزين من هذا الكتاب مع فخامة أثره وجلالة قدره
~~بسورة فذة  لكان أبلغ في التحدي وأظهر في الإعجاز، على أن عدم صحة شيء
~~مما اعتبر في المبدأ ممنوع فإن الملابسة بين الكل والبعض أقوى منها بين
~~المكان والمتمكن، فكما يجوز جعل المكان مبدأ الفعل المتمكن يجوز أن يجعل
~~الكل مبدأ للإتيان بالبعض، ولعل من قال ذلك لم يطرق سمعه قول سيبويه:
~~وبمنزلة المكان ما ليس بمكان ولا زمان نحو  قرأت من أول السورة إلى
~~آخرها، وأعطيتك من درهم إلى دينار  وأيضا فالإتيان ببعض الشيء تفريقه
~~منه، ولا يستراب أن الكل مبدأ تفريق البعض منه، ويمكن أن يقال وهو الذي
~~اختاره مولانا الشهاب - أن المراد من الآية التحدي وتعجيز بلغاء العرب
~~المرتابين فيه عن الإتيان بما يضاهيه، فمقتضى المقام أن يقال لهم: معاشر
~~الفصحاء المرتابين في أن القرآن من عند الله ائتوا بمقدار أقصر سورة من
~~كلام البشر محلاة بطراز الإعجاز ونظمه، وما ذكر يدل على هذا إذا كان (من
~~مثله) صفة (سورة) سواء كان الضمير - لما - أو - للعبد - لأن معناه ائتوا
~~بمقدار سورة تماثله في البلاغة كائنة من كلام أحد، مثل هذا العبد في
~~البشرية فهو معجز للبشر عن الإتيان بمثله أو ائتوا بمقدار سورة من كلام
~~هو مثل هذا المنزل ومثل الشيء غيره فهو من كلام البشر أيضا، فإذا تعلق
~~ورجع الضمير للعبد فمعناه أيضا - ائتوا - من مثل هذا العبد في البشرية
~~بمقدار سورة تماثله فيفيد ما ذكرنا، ولو رجع على هذا لما كان معناه -
~~ائتوا - من مثل هذا المنزل بسورة، ولا شك أن (من) ليست بيانية لأنها لا
~~تكون لغوا ولا تبعيضية لأن المعنى ليس عليه فهي ابتدائية والمبدأ ليس
~~فاعليا بل ماديا، فحينئذ المثل الذي السورة بعض منه لم يؤمر بالإتيان
~~به، فلا يخلو من أن يدعى وجوده وهو خلاف الواقع وابتناؤه على الزعم أو
~~الفرض تعسف بلا مقتضى أولا ولا يليق بالتنزيل، وكيف يأتون ببعض من شيء
~~لا وجود له؟! ms00288 والحق عندي أن رجوع الضمير إلى كل من العبد، و (ما) على
~~تقديري اللغو والاستقرار/ أمر ممكن، ودائرة التأويل واسعة والاستحسان
~~مفوض إلى الذوق السليم، والذي يدركه ذوقي  ولا أزكى نفسي  أنه على
~~تقدير التعلق يكون رجوع الضمير إلى العبد أحلى، والبحث في هذه الآية
~~مشهور، وقد جرى فيه بين العضد والجار بردي ما أدى إلى تأليف الرسائل في
~~الانتصار لكل.

# وقد وفقت للوقوف على كثير منها والحمد لله، ونقلت نبذة منها في «الأجوبة
~~العراقية» ثم أولى الوجوه هنا على الإطلاق جعل الظرف صفة للسورة والضمير
~~للمنزل و { من } بيانية، أما أولا: فلأنه الموافق لنظائره من آيات
~~التحدي كقوله تعالى:

# فأتوا بسورة مثله

# [يونس: 38] لأن المماثلة فيها صفة للمأتي به، وأما ثانيا: فلأن الكلام
~~في المنزل لا المنزل عليه وذكره إنما وقع تبعا ولو عاد الضمير إليه ترك
~~التصريح بمماثلة السورة وهو عمدة التحدي وإن فهم، وأما ثالثا: فلأن أمر
~~الجم الغفير  لأن يأتوا من مثل ما أتى به واحد من جنسهم  أبلغ من أمرهم
~~بأن يجدوا أحدا يأتي ما أتى به رجل آخر، وأما رابعا: فلأنه لو رجع
~~الضمير للعبد لأوهم أن إعجازه لكونه ممن لم يدرس ولم يكتب لا أنه في نفسه
~~معجز مع أن الواقع هذا، وبعضهم رجح رد الضمير إلى العبد صلى الله عليه
~~وسلم باشتماله على معنى مستبدع مستجد وبأنه الكلام مسوق للمنزل عليه إذ
~~التوحيد والتصديق بالنبوة توأمان، فالمقصود إثبات النبوة والحجة ذريعة
~~فلا يلزم من الافتتاح بذكر  ما نزلنا  أن يكون الكلام مسوقا له وبأن
~~التحدي على ذلك أبلغ، لأن المعنى اجتمعوا كلكم وانظروا هل يتيسر لكم
~~الإتيان بسورة ممن لم يمارس الكتب ولم يدارس العلوم؟! وضم بنات أفكار
~~بعضهم إلى بعض معارض بهذه الحجة بل هي أقوى في الإفحام إذ لا يبعد أن
~~يعارضوه بما يصدر عن بعض علمائهم مما اشتمل على قصص الأمم الخالية
~~المنقولة من الكتب الماضية وإن كان بينهما بون إذ الغريق يتشبث بالحشيش،
~~وأما إذا تحدى بسورة من ms00289 أمي كذا وكذا لم يبق للعوارض مجال، هذا ولا يخفى
~~أنه صرح ممرد ونحاس مموه، وظاهر السباق يؤيد ما قلنا ويلائمه ظاهرا كما
~~سنبينه بمنه تعالى.

# قوله تعالى: { وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم
~~صدقين }. الدعاء النداء والاستعانة، ولعل الثاني مجاز أو كناية
~~مبنية على النداء لأن الشخص إنما ينادى ليستعان به، ومنه

# أغير الله تدعون

# [الأنعام: 40] والشهداء جمع شهيد أو شاهد، والشهيد كما قال الراغب: كل
~~من يعتد بحضوره ممن له الحل والعقد، ولذا سموا غيره مخلفا وجاء بمعنى
~~الحاضر، والقائم بالشهادة والناصر والإمام أيضا.

# و { دون } ظرف مكان لا ينصرف ويستعمل - (بمن) - كثيرا - وبالباء -
~~قليلا، وخصه في «البحر» بمن (دونها) ورفعه في قوله:

# ألم تريا أني حميت حقيقتي

# وباشرت حد الموت والموت دونها

# نادر لا يقاس عليه ومعناها أقرب مكان من الشيء فهو - كعند - إلا أنها
~~تنبىء عن دنو كثير وانحطاط يسير، ومنه دونك اسم فعل لا تدوين الكتب
~~خلافا للبيضاوي - كما قيل - لأنه من الديوان الدفتر ومحله، وهي فارسي
~~معرب من قول كسرى إذ رأى سرعة الكتاب في كتابتهم وحسابهم ديوانه. وقد
~~يقال لا بعد فيما ذكره البيضاوي وديوان مما اشتركت فيه اللغتان، وقد
~~استعمل في انحطاط محسوس لا في ظرف - كدون زيد في القامة - ثم استعير
~~للتفاوت في المراتب المعنوية تشبيها بالمراتب الحسية - كدون عمرو شرفا
~~- ولشيوع ذلك اتسع في هذا المستعار فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد ولو من
~~دون تفاوت وانحطاط، وهو بهذا المعنى قريب من غير فكأنه أداة استثناء، ومن
~~الشائع دون بمعنى خسيس فيخرج عن الظرفية ويعرف بأل ويقطع عن الإضافة كما
~~في قوله:

# إذا ما علا المرء رام العلا

# ويقنع (بالدون) من كان دونا

# وما في «القاموس» من أنه يقال رجل من دون، ولا يقال دون مخالف للدراية
~~والرواية، وليس عندي/ وجه وجيه في توجيهه، والمشهور أنه ليس لهذا فعل،
~~وقيل يقال: دان يدين منه واستعماله بمعنى فضلا وعليه حمل قول أبي تمام:

# الود للقربى ولكن عرفه

# للأبعد الأوطان ms00290 (دون) الأقرب

# لم يسلمه أرباب التنقير نعم قالوا: يكون بمعنى وراء كأمام وبمعنى فوق
~~ونقيضا له. و (من) لابتداء الغاية متعلقة بادعوا، ودون تستعمل بمعنى
~~التجاوز في محل النصب على الحال، والمعنى ادعوا إلى المعارضة من يحضركم
~~أو من ينصركم بزعمكم متجاوزين الله تعالى في الدعاء بأن لا تدعوه، والأمر
~~للتعجيز والإرشاد أو ادعوا من دون الله من يقيم لكم الشهادة بأن ما أتيتم
~~به مماثله فإنه لا يشهدون، ولا تدعوا الله تعالى للشهادة بأن تقولوا الله
~~تعالى شاهد وعالم بأنه مثله فإن ذلك علامة العجز والانقطاع عن إقامة
~~البينة والأمر حينئذ للتبكيت والشهيد على الأول بمعنى الحاضر، وعلى
~~الثاني بمعنى الناصر، وعلى الثالث بمعنى القائم بالشهادة، قيل: ولا يجوز
~~أن يكون بمعنى الأمام بأن يكون المراد بالشهداء الآلهة الباطلة لأن الأمر
~~بدعاء الأصنام لا يكون إلا تهكما، ولو قيل: ادعوا الأصنام ولا تدعوا
~~الله تعالى ولا تستظهروا به لانقلب الأمر من التهكم إلى الامتحان إذ لا
~~دخل لإخراج الله تعالى عن الدعاء في التهكم، وفيه أن أي تهكم وتحميق
~~أقوى من أن يقال لهم استعينوا بالجماد ولا تلتفتوا نحو رب العباد؟ ولا
~~يجوز حينئذ أن تجعل دون بمعنى القدام إذ لا معنى لأن يقال ادعوها بين يدي
~~الله تعالى أي في القيامة للاستظهار بها في المعارضة التي في الدنيا،
~~وجوزوا أن تتعلق من ب { شهداءكم } وهي للابتداء أيضا، و { دون }
~~بمعنى التجاوز في محل النصب على الحال والعامل فيه معنى الفعل المستفاد
~~من إضافة - الشهداء - أعني الاتخاذ، والمعنى ادعوا الذين اتخذتموهم
~~أولياء من دون الله تعالى، وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة، ويحتمل أن
~~يكون { دون } بمعنى أمام حقيقة أو مستعارا من معناه الحقيقي الذي
~~يناسبه أعني به أدنى مكان من الشيء وهو ظرف لغو معمول - لشهداء - ويكفيه
~~رائحة الفعل فلا حاجة إلى الاعتماد ولا إلى تقدير ليشهدوا، و (من)
~~للتبعيض كما قالوا في:

# من بين يديه ومن خلفه

# [الرعد: 11] لأن الفعل يقع في بعض الجهتين، وظاهر كلام الدماميني ms00291 في
~~«شرح التسهيل»: أنها زائدة، وهو مذهب ابن مالك، والجمهور على أنها
~~ابتدائية، والمعنى ادعوا الذين يشهدون لكم بين يدي الله عز وجل على
~~زعمكم، والأمر للتهكم، وفي التعبير عن الأصنام بالشهداء ترشيح له بتذكير
~~ما اعتقدوه من أنها من الله تعالى بمكان، وأنها تنفعهم بشهادتهم كأنه
~~قيل: هؤلاء عدتكم وملاذكم فادعوهم لهذه العظيمة النازلة بكم فلا عطر بعد
~~عروس، وما وراء عبادان قرية  ولم تجعل { دون } بمعنى التجاوز لأنهم لا
~~يزعمون شركته تعالى مع الأصنام في الشهادة فلا وجه للإخراج، وقيل يجوز أن
~~تكون { من } للابتداء والظرف حال ويحذف من الكلام مضاف، والمعنى: ادعوا
~~- شهداءكم - من فصحاء العرب وهم أولياء الأصنام متجاوزين في ذلك أولياء
~~الله ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله، والمقصود بالأمر حينئذ إرخاء العنان
~~والاستدراج إلى غاية التبكيت كأنه قيل: تركنا إلزامكم بشهداء الحق إلى
~~شهدائكم المعروفين بالذب عنكم فإنهم أيضا لا يشهدون لكم حذارا من
~~اللائمة وأنفة من الشهادة البتة البطلان، كيف لا وأمر الإعجاز قد بلغ من
~~الظهور إلى حيث لم يبق إلى إنكاره سبيل؟ وإخراج الله تعالى على بعض
~~الوجوه لتأكيد تناول المستثنى منه بجميع ما عداه لا لبيان استبداده تعالى
~~بالقدرة على ما كلفوه لإيهامه أنهم لو دعوه تعالى لأجابهم إليه وعلى بعض
~~للتصريح من أول الأمر ببراءتهم منه تعالى وكونهم في عروة المحادة
~~والمشاقة له قاصرين استظهارهم على ما سواه، والالتفات إما لإدخال الروع
~~وتربية المهابة أو للإيذان بكمال سخافة عقولهم حيث آثروا على عبادة من له
~~الألوهية الجامعة عبادة من لا أحقر منه - والصدق - مطابقة الواقع
~~والمذاهب فيه مشهورة، وجواب { إن } محذوف/ لدلالة الأول عليه وليس هو
~~جوابا لهما، وكذا متعلق الصدق أي: إن كنتم صادقين بزعمكم في أنه كلام
~~البشر أو في أنكم تقدرون على معارضته - فأتوا، وادعوا - فقد بلغ السيل
~~الزبى، وهذا كالتكرير للتحدي والتأكيد له، ولذا ترك العطف وجعل المتعلق
~~الارتياب لتقدمه مما لا ارتياب في تأخره لأن الارتياب من قبيل التصور
~~الذي لا يجري فيه صدق ولا ms00292 كذب، والقول بأن المراد: إن كنتم صادقين في
~~احتمال أنه كذا مع ما فيه من التكلف لا يجدي نفعا لأن الاحتمال شك
~~أيضا، ومن التكلف بمكان قول الشهاب: إن المراد من النظم الكريم الترقي
~~في إلزام الحجة، وتوضيح المحجة، فالمعنى إن ارتبتم فأتوا بنظيره ليزول
~~ريبكم ويظهر أنكم أصبتم فيما خطر على بالكم وحينئذ فإن صدقت مقالتكم في
~~أنه مفتري فأظهروها ولا تخافوا.

# هذا ووجه ملائمة الآية  لما قلناه في الآية السابقة  أنه سبحانه
~~وتعالى أمرهم بالاستعانة إما حقيقة أو تهكما بكل ما يعينهم بالإمداد في
~~الإتيان في - المثل - أو بالشهادة على أن المأتي به - مثل - ولا شك أن
~~ذلك إنما يلائم إذا كانوا مأمورين بالإتيان بالمثل بخلاف ما إذا كان
~~المأمور واحدا منهم فإنهم باعثون له على الإتيان فالملائم حينئذ نسبة
~~الشهداء إليه لأنهم شهداء له، وإن صح نسبته إليهم - باعتبار مشاركتهم
~~إياه في تلك الدعوى بالتحريك والحث والقول بأنهم مشاركون للمأتي منه في
~~دعوى المماثلة ليس بشيء لأنه شهادة على المماثلة - ثم ترجيح رجوع الضمير
~~للمنزل يقتضي ترجيح كون الظرف صفة للسورة أيضا، وقد أورد ههنا أمور
~~طويلة لا طائل تحتها.

### || [2.24]

# { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار
~~التى وقودها الناس والحجارة } فذلكة لما تقدم فلذا أتى
~~بالفاء أي إذا بذلتم في السعي غاية المجهود وجاوزتم في الحد كل حد معهود
~~متشبثين بالذيول راكبين متن كل صعب وذلول وعجزتم عن الإتيان بمثله وما
~~يداينه في أسلوبه وفضله ظهر أنه معجز والتصديق به لازم - فآمنوا واتقوا
~~النار، - وأتى - بإن - والمقام - لاذا - لاستمرار العجز - وهو سبحانه
~~وتعالى اللطيف الخبير - تهكما بهم كما يقول الواثق بالغلبة لخصمه إن
~~غلبتك لم أبق عليك، وتحميقا لهم لشكهم في المتيقن الشديد الوضوح، ففي
~~الآية استعارة تهكمية تبعية حرفية أو حقيقة وكناية كسائر ما جاء على خلاف
~~مقتضى الظاهر، وقد يقال عبر بذلك نظرا لحال المخاطبين فإن العجز كان قبل
~~التأمل كالمشكوك فيه لديهم لاتكالهم على فصاحتهم، و { تفعلوا }
~~مجزوم بلم ولا تنازع بينها ms00293 وبين { إن } ، وإن تخيل، وقد صرح ابن هشام
~~بأنه لا يكون بين الحروف لأنها لا دلالة لها على الحدث حتى تطلب
~~المعمولات إلا أن ابن العلج أجازه استدلالا بهذه الآية، ورد بأن (إن)
~~تطلب مثبتا، و (لم) منفيا، وشرط التنازع الاتحاد في المعنى - فإن - هنا
~~داخلة على المجموع عاملة في محله كأنه قال: فإن تركتم الفعل، فيفيد
~~الكلام استمرار عدم الإتيان المحقق في الماضي وبهذا ساغ اجتماعهما وإلا
~~فبين مقتضاهما الاستقبال والمضي تناف، نعم قيل في ذلك إشكال لم يحرر دفعه
~~بعد بما يشفي العليل: وهو أن المحل إن كان للفعل وحده لزم توارد عاملين
~~في نحو - إن لم يقمن - وإن كان للجملة يرد أنهم لم يعدوها مما لها محل أو
~~للمحل مع الفعل فلا نظير له فلعلهم يتصيدون فعلا مما بعدها ويجزمونه بها
~~وهو كما ترى، وعبر سبحانه عن الفعل الخاص حيث كان الظاهر - فإن لم تأتوا
~~بسورة من مثله بالفعل المطلق العام - ظاهرا لإيجاز القصر، وفيه إيذان
~~بأن المقصود بالتكليف إيقاع نفس الفعل المأمور به لإظهار عجزهم عنه لا
~~تحصيل المفعول ضرورة استحالته، وإن مناط الجواب في الشرطية - أعني الأمر
~~بالاتقاء - هو عجزهم عن إيقاعه لا فوت حصول المقصود، وقيل: أطلق الفعل
~~وأريد به الإتيان مع ما يتعلق به على طريقة ذكر اللازم وإرادة الملزوم
~~لما بينهما من التلازم المصحح للانتقال بمعونة قرائن الحال، أو على طريقة
~~التعبير/ عن الأسماء الظاهرة بالضمائر الراجعة إليها حذرا من التكرير،
~~والظاهر أن فيما عبر به إيجازا وكناية وإيهام نفي الإتيان بالمثل وما
~~يدانيه بل وغيره، وإن لم يكن مرادا (ولن) كلا في نفي المستقبل وإن
~~فارقتها بالاختصاص بالمضارع، وعمل النصب إلا فيما شذ من الجزم بها في
~~قوله:

# (لن) يخب الآن من رجاك ومن

# حرك من دون بابك الحلقة

# ولا تقتضي النفي على التأبيد وإن أفادت التأكيد والتشديد ولا طول مدة أو
~~قلتها خلافا لبعضهم، وليس أصلها (لا أن) كما روي عن الخليل فحذفت الهمزة
~~لكثرتها وسقطت الألف للساكنين وتغير الحكم ms00294 وصار (لن) تضرب كلاما تاما
~~دون أن ومصحوبها، وقيل به لقوله:

# يرجى المرء ما (لا أن) يلاقيه

# ويعرض دون أقربه الخطوب

# واحتمال زيادة أن يوهن الاحتجاج ولا لا كما عند الفراء فأبدلت ألفه
~~نونا إذ لا داعي إلى ذلك وهو خلاف الأصل.

# والجملة اعتراض بين جزئي الشرطية ظاهرا مقرر لمضمون مقدمها ومؤكد
~~لإيجاد العمل بتاليها وهذه معجزة باهرة حيث أخبر بالغيب الخاص علمه به
~~سبحانه وقد وقع الأمر كذلك، كيف لا ولو عارضوه بشيء يدانيه لتناقله
~~الرواة لتوفر الدواعي؟ وما أتى به نحو مسيلمة الكذاب مما تضحك منه الثكلى
~~لما يقصد به المعارضة وإنما ادعاه وحيا. وقوله سبحانه: { فاتقوا }
~~جواب للشرط على أن اتقاء النار كناية عن ظهور إعجازه المقتضي للتصديق
~~والإيمان به أو عن الإيمان نفسه، وبهذا يندفع ما يتوهم من أن اتقاء النار
~~لازم من غير توقف على هذا الشرط فما معنى التعليق، وأيضا الشرط سبب أو
~~ملزوم للجزاء، وليس عدم الفعل سببا للاتقاء ولا ملزوما له فكيف وقع
~~جزاء له، وبعضهم قدر لذلك جوابا، والتزمه جملة خبرية لأن الإنشائية لا
~~تقع جزاء كما لا تقع خبرا إلا بتأويل، والزمخشري لا يوجب ذلك فيها لعدم
~~الحمل المقتضي له.

# - والوقود - بالفتح كما قرأ به الجمهور ما يوقد به النار، وكذا كل ما
~~كان على فعول اسم لما يفعل به في المشهور، وقد يكون مصدرا عند بعض،
~~وحكوا ولوعا، وقبولا، ووضوءا، وطهورا، ووزوعا، ولغوبا. وقرأ عبيد
~~بن عمير (وقيدها) وعيسى بن عمير وغيره { وقودها } بالضم. فإن كان
~~اسما لما يوقد به كالمفتوح فذاك وإن كان مصدرا كما قيل في سائر ما كان
~~على فعول فحمله على النار للمبالغة أو للتجوز فيه أو في التشبيه أو
~~بتقدير مضاف أولا: كذو وقودها أو ثانيا: كاحتراق وهو نفسه خارجا غير
~~مفهوما وذاك مصداق الحمل، وحكي أن من العرب من يجعل المفتوح مصدرا
~~والمضموم اسما فينعكس الحال فيما نحن فيه.

# والحجارة كحجار جمع كثرة لحجر، وجمع القلة أحجار وجمع فعل - بفتحتين -
~~على فعال شاذ، ms00295 وابن مالك في «التسهيل» يقول: إنه اسم جمع لغلبة وزنه في
~~المفردات وهو الظاهر، والمراد بها على ما صح عن ابن عباس وابن مسعود رضي
~~الله تعالى عنهم، ولمثل ذلك حكم الرفع حجارة الكبريت، وفيها من - شدة
~~الحر وكثرة الالتهاب وسرعة الإيقاد ومزيد الالتصاق بالأبدان، وإعداد أهل
~~النار أن يكونوا حطبا مع نتن ريح وكثرة دخان ووفور كثافة - ما نعوذ
~~بالله منه، وفي ذلك تهويل لشأن النار وتنفير عما يجر إليها بما هو معلوم
~~في الشاهد، وإن كان الأمر وراء ذلك فالعالم وراء هذا العالم وعيلم قدرة
~~الجبار سبحانه وتعالى يضمحل فيه هذا العيلم، وقيل: المراد بها الأصنام
~~التي ينحتونها وقرنها بهم في الآخرة زيادة لتحسرهم حيث بدا لهم نقيض ما
~~كانوا يتوقعون، وهناك يتم لهم نوعان من العذاب روحاني وجسماني، ويؤيد هذا
~~قوله تعالى:

# إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم

# [الأنبياء: 98] / وحملها على الذهب والفضة لأنهما يسميان حجرا  كما في
~~«القاموس»  دون هذين القولين، الأصح أولهما: عند المحدثين وثانيهما: عند
~~الزمخشري؛ ويشير إليه كلام الشيخ الأكبر قدس سره.

# وأل فيها - على كل - ليست للعموم، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها له،
~~ويكون المعنى أن النار التي وعدوا بها صالحة لأن تحرق ما ألقي فيها من
~~هذين الجنسين؛ فعبر عن صلاحيتها واستعدادها بالأمر المحقق، وذكر الناس
~~والحجارة تعظيما لشأن جهنم وتنبيها على شدة وقودها ليقع ذلك في النفوس
~~أعظم موقع ويحصل به من التخويف ما لا يحصل بغيره وليس المراد الحقيقة وهو
~~خلاف الظاهر والمتبادر من الآيات، ويوشك أن يكون سوء ظن بالقدرة ولا
~~يتوهم من الاقتصار على هذين الجنسين أن لا يكون في النار غيرهما بدليل ما
~~ذكر في غير موضع من كون الجن والشياطين فيها أيضا، نعم قال سيدي الشيخ
~~الأكبر قدس سره: إنهم لهبها وأولئك جمرها، وبدأ سبحانه بالناس لأنهم
~~الذين يدركون الآلام أو لكونهم أكثر إيقادا من الجماد لما فيهم من
~~الجلود واللحوم والشحوم ولأن في ذلك مزيد التخويف، وإنما عرف النار وجعل
~~الجملة ms00296  صلة وأنها يجب أن تكون قصة معلومة لأن المنكر في سورة التحريم
~~نزل أولا فسمعوه بصفته فلما نزل هذا بعد جاء معهودا فعرف وجعلت صفته
~~صلة وكون الصفة كذلك الخطب فيه هين لما أن المخاطب هناك المؤمنون، وظاهر
~~أنهم سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن في كون سورة
~~التحريم نزلت أولا مقالا فتأمل.

# { أعدت للكفرين } ابتداء كلام قطع عما قبله مع أن مقتضى
~~الظاهر أن يعطف على الصلة السابقة اعتناء بشأنه بجعله مقصودا بالذات
~~بالإفادة مبالغة في الوعيد، وجعله استئنافا بيانيا بأن يقدر لمن أعدت
~~أو لم كان وقودها كذا وكذا، فمع عدم مساعدة عطف 

# بشر

# [البقرة: 25]  الآتي على البناء للمفعول عليه لأنه لا يصلح للجواب إلا
~~أن يقال المعطوف على الاستئناف لا يجب أن يكون استئنافا يأبى عنه الذوق،
~~أما الأول: فلأن السياق لا يقتضيه، وأما الثاني: فلأن المقصد من الصلة
~~التهويل، فالسؤال  بلم كان شأن النار كذا  مما لا معنى له، والجواب
~~غير واف به وجعله حالا من النار - بإضمار قد والخبر من أجزاء الصلة لذي
~~الحال لا من ضمير { وقودها } للجمود أو لوقوع الفصل بالخبر الأجبني
~~حينئذ  ليس بشيء إذ لا يحسن التقييد بهذه الحال إلا أن يقال إنها لازمة
~~بمنزلة الصفة فيفيد المعنى الذي تفيده الصلة، ولذا قيل: إنها صلة بعد صلة
~~وتعدد الصلات كالصفات والإخبار كثير بعاطف وبدونه كما نص عليه الإمام
~~المرزوقي وإن لم يظفر به السعد، أو معطوف بحذف الحرف كما صرح به ابن مالك
~~وجعله صلة.

# و { وقودها الناس } إما معترضة للتأكيد أو حال مما لا ينبغي أن
~~يخرج عليه التنزيل، ومعنى: { أعدت } هيئت، وقرأ عبد الله - (اعتدت)
~~-من العتاد بمعنى العدة، وابن أبي عبلة - (أعدها الله للكافرين) -
~~والمراد إما جنسهم والمخاطبون داخلون فيهم دخولا أوليا أو هم خاصة ووضع
~~الظاهر موضع ضميرهم حينئذ لذمهم وتعليل الحكم بكفرهم وكون الإعداد
~~للكافرين لا ينافي دخول غيرهم فيها على جهة التطفل فلا حاجة إلى القول
~~بأن نار العصاة غير ms00297 نار الكفار.

# ثم ما يتبادر من الآية الكريمة أن النار مخلوقة الآن والله تعالى أعلم
~~بمكانها في واسع ملكه، وجعل المستقبل لتحققه ماضيا  ك

# نفخ في الصور

# [الكهف: 99]  والإعداد مثله في

# أعد الله لهم مغفرة وأجرا

# [الأحزاب: 35] كما يقول المعتزلة خلاف الظاهر، والذي ذهب أهل الكشف إليه
~~أنها مخلوقة غير أنها لم تتم وهي الآن عندهم دار حرورها هواء محترق لا
~~جمر لها البتة ومن فيها من الزبانية في رحمة منعمون يسبحون الله تعالى لا
~~يفترون وتحدث فيها الآلام بحدوث أعمال الإنس والجن الذين يدخلونها، ولذا
~~يختلف عذاب داخليها وحدها بعد الفراغ من الحساب ودخول/ أهل الجنة الجنة
~~من مقعر فك الثوابت إلى أسفل السافلين، فهذا كله يزاد إلى ما هو الآن.
~~ولذا كان يقول عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: إذا رأى البحر يا
~~بحر متى تعود نارا، وكان يكره الوضوء بمائه ويقول: التيمم أحب إلي منه
~~وقال تعالى:

# وإذا البحار سجرت

# [التكوير: 6] أي أججت، وليس للكفار اليوم مكث فيها وإنما يعرضون عليها
~~كما قال تعالى:

# غدوا وعشيا

# [غافر: 46] وهي ناران حسية مسلطة على ظاهر الجسم، والإحساس والحيوانية،
~~ومعنوية وهي:

# التى تطلع على الأفئدة

# [الهمزة: 7] وبها يعذب الروح المدبر للهيكل الذي أمر فعصى، والمخالفة
~~وهي عين الجهل بمن استكبر عليه أشد العذاب، وقد أطالوا الكلام في ذلك
~~وأتوا بالعجب العجاب، وحقيقة الأمر عندي لا يعلمها إلا الله تعالى ولا
~~شيء أحسن من التسليم لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فكيفية ما في
~~تلك النشأة الأخروية مما لا يمكن أن تعلم كما ينبغي لمن غرق في بحار
~~العلائق الدنيوية  وماذا على إذا آمنت بما جاء مما أخبر به الصادق من
~~الأمور السمعية مما لا يستحيل على ما جاء وفوضت الأمر إلى خالق الأرض
~~والسماء أسأل الله تعالى أن يثبت قلوبنا على دينه.

### || [2.25]

# { وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } لما ذكر
~~سبحانه وتعالى فيما تقدم الكفار - وما يؤول إليه حالهم في الآخرة وكان في
~~ذلك أبلغ التخويف ms00298 والإنذار - عقب بالمؤمنين وما لهم جريا على السنة
~~الإلهية من شفع الترغيب بالترهيب والوعد بالوعيد لأن من الناس من لا
~~يجديه التخويف ولا يجديه وينفعه اللطف، ومنهم عكس ذلك فكأن هذا وما بعده
~~معطوف على سابقه عطف القصة على القصة، والتناسب بينهما باعتبار أنه بيان
~~لحال الفريقين المتباينين وكشف عن الوصفين المتقابلين، وهل هو معطوف على

# وإن كنتم

# [البقرة: 23] إلى

# أعدت

# [البقرة: 24] أو على

# فإن لم تفعلوا

# [البقرة: 24] الآية قولان؟ اختار السيد أولهما، وادعى بعضهم أنه أقضى
~~لحق البلاغة، وادعى لتلائم النظم لأن

# يأيها الناس اعبدوا

# [البقرة: 21] خطاب عام يشمل الفريقين

# وإن كنتم

# [البقرة: 23] الخ مختص بالمخالف ومضمونه الإنذار { وبشر } الخ مختص
~~بالموافق ومضمونه البشارة كأنه تعالى أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم
~~أن يدعو الناس إلى عبادته، ثم أمر أن ينذر من عاند ويبشر من صدق، والسعد
~~اختار ثانيهما لأن السوق لبيان حال الكفار ووصف عقابهم. وقيل عطف على

# فاتقوا

# [البقرة: 24] وتغاير المخاطبين لا يضر ك

# يوسف أعرض عن هذا واستغفرى

# [يوسف: 29] وترتبه على الشرط بحكم العطف باعتبار أن  اتقوا  إنذار
~~وتخويف للكفار { وبشر } تبشيرا للمؤمنين، وكل منهما مترتب على عدم
~~المعارضة بعدم التحدي لأن عدم المعارضة يستلزم ظهور إعجازه وهو يستلزم
~~استيجاب منكره العقاب، ومصدقه الثواب لأن الحجة تمت والدعوة كملت،
~~واستيجابهما إياهما يقتضي الإنذار والتبشير، فترتب الجملة الثانية على
~~الشرط ترتب الأولى عليه بلا فرق، وقد يقال إن الجزاء (فآمنوا) محذوفا
~~والمذكور قائم مقامه؛ فالمعنى إن لم تأتوا بكذا فآمنوا { وبشر
~~الذين ءامنوا } أي فليوجد إيمان منهم وبشارة منك ووضع الظاهر موضع
~~الضمير، وفيه حث لهم على الإيمان، ولعله أقل مؤنة. واختار صاحب «الإيضاح»
~~عطفه على  أنذر  مقدرا بعد جملة

# أعدت

# [البقرة: 24] وقيل: عطف على  قل  قبل { وإن لم تفعلوا }
~~وتقديره قبل

# ياأيها الناس

# [البقرة: 21] يحوج إلى إجراء

# مما نزلنا على عبدنا

# [البقرة: 23] على طريقة كلام العظماء، أو تقدير قال الله بعد قل.

# والبشارة  بالكسر والضم  اسم من بشر بشرا وبشورا  وتفتح الباء 
~~فتكون بمعنى الجمال، ms00299 وفي الفعل لغتان، التشديد وهي العليا، والتخفيف وهي
~~لغة أهل تهامة، وقرىء بهما في المضارع في مواضع والتكثير في المشدد
~~بالنسبة إلى المفعول، فإن واحدا كان فعل فيه مغنيا عن فعل، وفسروها في
~~المشهور، وصحح بالخبر السار الذي ليس عند المخبر علم به، واشترط بعضهم أن
~~يكون صدقا، وعن سيبويه إنها خبر يؤثر في البشرة حزنا أو سرورا وكثر
~~استعماله في الخير، وصححه في «البحر»

# فبشرهم بعذاب أليم

# [آل عمران: 21] ظاهر عليه، ومن باب التهكم/ على الأول والمأمور بالتبشير
~~البشير النذير صلى الله عليه وسلم، وقيل: كل من يتأتى منه ذلك كما في
~~قوله صلى الله عليه وسلم «بشر المشائين إلى المساجد» الحديث ففيه رمز إلى
~~أن الأمر لعظمته حقيق بأن يتولى التبشير به كل من يقدر عليه ويكون هناك
~~مجاز إن كان الضمير موضوعا لجزئي بوضع كلي وإلا ففي الحقيقة والمجاز
~~كلام في محله، ولم يخاطب المؤمنون كما خوطب الكفرة تفخيما لشأنهم
~~وإيذانا تاما بأنهم أحقاء بأن يبشروا ويهنئوا بما أعد لهم، وقيل: تغيير
~~للأسلوب لتخييل كمال التباين بين حال الفريقين، وعندي أنه سبحانه لما كسى
~~رسوله صلى الله عليه وسلم حلة عبوديته في قوله:

# مما نزلنا على عبدنا

# [البقرة: 23] ناسب أن يطرزها بطراز التكليف بما يزيد حب أحبابه له
~~فيزدادوا إيمانا إلى إيمانهم، وفي ذلك من اللطف به صلى الله عليه وسلم
~~وبهم ما لا يخفى.

# وقرأ زيد بن علي (وبشر) مبنيا للمفعول وهو معطوف على

# أعدت

# [البقرة: 24] كما اشتهر، وقيل: إنه خبر معنى الأمر فتوافق القراءتان
~~معنى وعطفا، وتعليق التبشير بالموصول للإشعار بأنه معلل بما في حيز
~~الصلة من الإيمان والعمل الصالح لكن لا لذاتهما بل بجعل الشارع ومقتضى
~~وعده، وجعل صلته فعلا مفيدا للحدوث بعد إيراد الكفار بصيغة الفاعل لحث
~~المخاطبين بالاتقاء على إحداث الإيمان وتحذيرهم من الاستمرار على الكفر،
~~ثم لا يخفى أن كون مناط البشارة مجموع الأمرين لا يقتضي انتفاء البشارة
~~عند انتفائه فلا يلزم من ذلك أن لا يدخل بالإيمان المجرد الجنة كما ms00300 هو
~~رأي المعتزلة على أن مفهوم المخالفة ظني لا يعارض النصوص الدالة على أن
~~الجنة جزاء مجرد الإيمان، ومتعلق { ءامنوا } مما لا يخفى، وقدره بعضهم
~~هنا بأنه منزل من عند الله عز وجل.

# و (الصالحات) جمع صالحة وهي في الأصل مؤنث الصالح اسم فاعل من صلح
~~صلوحا وصلاحا خلاف فسدت، ثم غلبت على ما سوغه الشرع وحسنه، وأجريت مجرى
~~الأسماء الجامدة في عدم جريها على الموصوف وغيره، وتأنيثها على تقدير
~~الخلة وللغلبة ترك، ولم تجعل التاء للنقل لعدم صيرورتها اسما و  أل 
~~فيها للجنس لكن لا من حيث تحققه في الأفراد إذ ليس ذلك في وسع المكلف ولو
~~أريد التوزيع يلزم كفاية عمل واحد بل في البعض الذي يبقى مع إرادته معناه
~~الأصلي الجنسية مع الجمعية وهو الثلاثة أو الاثنان، والمخصص حال المؤمن
~~فما يستطيع من الأعمال الصالحة بعد حصول شرائطه هو المراد، فالمؤمن الذي
~~لم يعمل أصلا أو عمل عملا واحدا غير داخل في الآية، ومعرفة كونه
~~مبشرا من مواقع أخر، وبعضهم جعل فيها شائبة التوزيع بأن يعمل كل ما يجب
~~من الصالحات إن وجب قليلا كان أو كثيرا، وأدخل من أسلم ومات قبل أن يجب
~~عليه شيء أو وجب شيء واحد، وليس هذا توزيعا في المشهور  كركب القوم
~~دوابهم  إذ قد يطلق أيضا على مقابلة أشياء بأشياء أخذ كل منها ما يخصه
~~سواء الواحد الواحد كالمثال أو الجمع الواحد كدخل الرجال مساجد محلاتهم
~~أو العكس كلبس القوم ثيابهم ومنه

# فاغسلوا وجوهكم وأيديكم

# [المائدة: 6] والسيد يسمي هذا شائبة التوزيع.

# { أن لهم جنت تجري من تحتها الانهر } أراد
~~سبحانه: ب { أن لهم } الخ لتعدي البشارة بالباء فحذف لاطراد حذف
~~الجار مع  أن، وأن  بغير عوض لطولهما بالصلة، ومع غيرهما فيه خلاف
~~مشهور، وفي المحل بعد الحذف قولان، النصب بنزع الخافض كما هو المعروف في
~~أمثاله، والجر لأن الجار بعد الحذف قد يبقى أثره ولام الجر للاستحقاق
~~وكيفيته مستفادة من خارج ولا استحقاق بالذات فهو بمقتضى وعد الشارع الذي
~~لا يخلفه ms00301 فضلا وكرما لكن بشرط الموت على الإيمان، والجنة في الأصل
~~المرة من الجن بالفتح مصدر جنه إذا ستره، ومدار التركيب على الستر ثم سمي
~~بها البستان الذي سترت أشجاره أرضه أو كل أرض فيها شجر ونخل/ فإن كرم
~~ففردوس، وأطلقت على الأشجار نفسها ووردت في شعر الأعشى بمعنى النخل خاصة
~~ثم نقلت وصارت حقيقة شرعية في دار الثواب إذ فيها من النعيم «مالا، ولا»
~~مما هو مغيب الآن عنا، وجمعت جمع قلة في المشهور لقلتها عددا كقلة أنواع
~~العبادات ولكن في كل واحدة منها مراتب شتى ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت
~~الأعمال والعمال، وما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها سبع لم
~~يقف على ثبوته الحفاظ، وتنوينها إما للتنويع أو للتعظيم، وتقديم الخبر
~~لقرب مرجع الضمير وهو أسر للسامع، والشائع التقديم إذا كان الاسم نكرة ك

# إن لنا لاجرا

# [الأعراف: 113] وتحت ظرف مكان لا يتصرف فيه بغير (من) كما نص عليه أبو
~~الحسن، والضمير للجنات فإن أريد الأشجار فذاك مع ما فيه قريب في الجملة
~~وإن أريد الأرض قيل  من تحت أشجارها  أو عاد عليها باعتبار الأشجار
~~استخداما ونحوه، وقيل: إن تحت بمعنى جانب كداري تحت دار فلان وضعف
~~كالقول  من تحت أوامر أهلها  وقيل: منازلها، وإن أريد مجموع الأرض
~~والأشجار فاعتبار التحتية  كما قيل  بالنظر إلى الجزء الظاهر المصحح
~~لإطلاق الجنة على الكل والوارد في الأثر الصحيح عن مسروق أن أنهار الجنة
~~تجري في غير أخدود، وهذا في أرض حصباؤها الدر والياقوت أبلغ في النزهة
~~وأحلى في المنظر وأبهج للنفس:

# وتحدث الماء الزلال مع الحصى

# فجرى النسيم عليه يسمع ما جرى

# والأنهار جمع نهر  بفتح الهاء وسكونها  والفتح أفصح، وأصله الشق،
~~والتركيب للسعة ولو معنوية  كنهر السائل  بناء على أنه الزجر البليغ
~~فأطلق على ما دون البحر وفوق الجدول، وهل هو نفس مجرى الماء أو الماء في
~~المجرى المتسع؟ قولان: أشهرهما الأول، وعليه فالمراد مياهها أو ماؤها،
~~وتأنيث { تجرى } رعاية للمضاف إليه أو للفظ الجمع، وفي ms00302 الكلام مجاز في
~~النقص أو في الطرف (أولا، ولا) والإسناد مجازي، و  أل  للعهد الذهني
~~قيل: أو الخارجي لتقدم ذكر الأنهار في قوله تعالى:

# فيها أنهار من ماء

# [محمد: 15] الآية فإنها مكية على الأصح، وذي مدنية نزلت بعدها، واستبعده
~~السيد والسعد، وقيل: عوض عن المضاف إليه  أي أنهارها  وهو مذهب كوفي،
~~وحملها على الاستغراق على معنى يجري تحت الأشجار جميع أنهار الجنة فهو
~~وصف لدار الثواب بأن أشجارها على شواطىء الأنهار وأنهارها تحت ظلال
~~الأشجار أبرد من الثلج، ولا يخفى الكلام على جمع القلة.

# { كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا
~~الذى رزقنا من قبل } صفة ثانية لجنات أخرت عن الأولى لأن
~~جريان الأنهار - من تحتها - وصف لها باعتبار ذاتها، وهذا باعتبار سكانها
~~أو خبر مبتدأ محذوف - أي هم - والقرينة ذكره في السابقة واللاحقة، وكون
~~الكلام مسوقا لبيان أحوال المؤمنين، وفائدة حذف هذا المبتدأ تحقق
~~التناسب بين الجمل الثلاثة صورة لإسميتها، ومعنى لكونها جواب سؤال كأنه
~~قيل: ما حالهم في تلك الجنات؟  فأجيب بأن لهم فيها ثمارا لذيذة عجيبة
~~وأزواجا نظيفة { وهم فيها خلدون } وتقدير المبتدأ هو أو هي 
~~للشأن أو القصة  ليس بشيء بناء على أنه لا يجوز حذف هذا الضمير، وإذا
~~لم تدخله النواسخ لا بد أن يكون مفسره جملة إسمية، نعم جاز تقدير هي
~~للجنات والجملة خبر إلا أن التناسب أنسب أو جملة مستأنفة  كأنه لما وصف
~~الجنات بما ذكر وقع في الذهن أن ثمارها كثمار جنات الدنيا أولا فبين
~~حالها { ولهم فيها أزوج } زيادة في الجواب ولو قدر السؤال نحو
~~ألهم في الجنات لذات كما في هذه الدار أم أتم وأزيد؟  كان أصح وأوضح،/
~~وأجاز أبو البقاء كونها حالا من { الذين } أو من { جنت }
~~لوصفها وهي حينئذ حال مقدرة والأصل في الحال المصاحبة، والقول بأنها صفة
~~مقطوعة دعوى موصولة بالجهل بشرط القطع وهو علم السامع باتصاف المنعوت
~~بذلك النعت وإلا لاحتاج إليه ولا قطع مع الحاجة.

# و { كلما } نصب على الظرفية ب { قالوا } ، و { رزقا ms00303 } مفعول
~~ثان لرزقوا كرزقه مالا أي أعطاه، وليس مفعولا مطلقا مؤكدا لعامله
~~لأنه بمعنى المرزوق أعرف، والتأسيس خير من التأكيد مع اقتضاء ظاهر ما
~~بعده له، وتنكيره للتنويع أو للتعظيم أي نوعا لذيذا غير ما تعرفونه، و
~~(من) الأولى والثانية للابتداء قصد بهما مجرد كون المجرور بهما موضعا
~~انفصل عنه الشيء، ولذا لا يحسن في مقابلتها نحو  إلى وهما  ظرفان
~~مستقران واقعان حالا على التداخل، وصاحب الأولى: { رزقا } والثانية:
~~ضميره المستكن في الحال، والمعنى كل حين رزقوا  مرزوقا  مبتدأ من
~~الجنات مبتدأ من ثمرة، والشائع كونهما لغوا، والرزق قد ابتدأ من الجنات،
~~والرزق من الجنات قد ابتدأ من ثمرة وجعل بمنزلة أن تقول: أعطاني فلان،
~~فيقال: من أين؟ فتقول: من بستانه، فيقول: من أي ثمرة؟ فتقول: من الرمان،
~~وتحريره أن { رزقوا } جعل مطلقا مبتدأ من الجنات ثم جعل مقيدا
~~بالابتداء من ذلك مبتدأ من ثمرة، وعلى القولين لا يرد أنهم منعوا تعلق
~~حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد والآية تخالفه، أما على الأول
~~فظاهر، وأما على الثاني فلأن ذاك إذا تعلقا به من جهة واحدة ابتداء من
~~غير تبعية.

# وما نحن فيه ليس كذلك للإطلاق والتقييد والمراد من الثمرة على هذا النوع
~~ كالتفاح والرمان  لا الفرد لأن ابتداء الرزق من البستان من فرد يقتضي
~~أن يكون المرزوق قطعة منه لا جميعه وهو ركيك جدا، ويحتمل أن تكون
~~الثانية مبينة للمرزوق والظرف الأول لغو والثاني مستقر خلافا لمن وهم
~~فيه وقع حالا من النكرة لتقدمه عليها ولتقدمها تقديرا جاز تقديم المبين
~~على المبهم، والثمرة يجوز حملها على النوع وعلى الجنأة الواحدة ولم يلتفت
~~المحققون إلى جعل الثانية تبعيضية في موقع المفعول، و { رزقا } مصدر
~~مؤكد أو في موقع الحال من { رزقا } لبعده مع أن الأصل التبيين
~~والابتداء فلا يعدل عنهما إلا لداع على أن مدلول التبعيضية أن يكون ما
~~قبلها أو ما بعدها جزأ لمجرورها لا جزئيا فتأتي الركاكة ههنا، وجمع
~~سبحانه بين { منها } و { من ثمرة } ولم يقل  من ms00304 ثمرها  بدل ذلك
~~لأن تعلق { منها } يفيد أن سكانها لا تحتاج لغيرها لأن فيها كل ما
~~تشتهي الأنفس، وتعلق { من ثمرة } يفيد أن المراد بيان المأكول على
~~وجه يشمل جميع الثمرات دون بقية اللذات المعلومة من السابق واللاحق، وهذا
~~إشارة إلى نوع ما رزقوا ويكفي إحساس أفراده وهذا كقولك مشيرا إلى نهر
~~جار هذا الماء لا ينقطع أو إلى شخصه، والإخبار عنه ب (الذي) الخ على
~~جعله عينه مبالغة أو تقدير مثل الذي رزقناه من قبل أي في الدنيا، والحكمة
~~في التشابه أن النفس تميل إلى ما يستطاب وتطلب زيادته.

# أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره

# هو المسك ما كررته يتضوع

# وهذا مختلف بحسب الأحوال والمقامات، أو لتبيين المزية وكنه النعمة فيما
~~رزقوه هناك إذ لو كان جنسا لم يعهد ظن أنه لا يكون إلا كذلك أو في
~~الجنة، والتشابه في الصورة إما مع الاختلاف في الطعم  كما روي عن الحسن:
~~«إن أحدهم يؤتي بالصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى
~~فيقول ذلك؟ فيقول الملك: كل فاللون واحد والطعم مختلف» أو مع التشابه في
~~الطعم أيضا كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم:

# " والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها
~~فما هي واصلة إلى فيه حتى يبدل الله تعالى مكانها مثلها "

# فلعلهم إذا رأوها على الهيئة الأولى قالوا ذلك، والداعي لهم لهذا القول
~~فرط استغرابهم وتبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم. / والمشهور أن كون
~~المراد بالقبلية في الدنيا أولى مما يقدم في الآخرة لأن (كلما) تفيد
~~العموم ولا يتصور قولهم ذلك في أول ما قدم إليهم، وقيل: كون المراد بها
~~في الآخرة أولى لئلا يلزم انحصار ثمار الجنة في الأنواع الموجودة في
~~الدنيا مع أن فيها ما علمت وما لم تعلم، على أن فيه توفية بمعنى حديث
~~تشابه ثمار الجنة وموافقته - لمتشابها - بعد فإنه في رزق الجنة أظهر،
~~وإعادة الضمير إلى المرزوق في الدارين تكلف وستسمعه بمنه تعالى.

# وفي الآية محمل آخر ms00305 يميل إليه القلب بأن يكون ما رزقوه قبل هو الطاعات
~~والمعارف التي يستلذها أصحاب الفطرة والعقول السليمة، وهذا جزاء مشابه
~~لها فيما ذكر من اللذة كالجزاء الذي في ضده في قوله تعالى:

# ذوقوا ما كنتم تعملون

# [العنكبوت: 55] أي جزاءه فالذي رزقناه مجاز مرسل عن جزائه بإطلاق اسم
~~المسبب على السبب ولا يضر في ذلك أن الجنة وما فيها من فنون الكرامات من
~~الجزاء كما لا يخفى أو هو استعارة بتشبيه الثمار والفواكه بالطاعات
~~والمعارف فيما ذكر، وقيل: أرض الجنة قيعان يظهر فيها أعمال الدنيا كما
~~يشير إليه بعض الآثار فثمرة النعيم ما غرسوه في الدنيا فتدبر.

# { وأتوا به متشبها } تذييل للكلام السابق وتأكيد له بما
~~يشتمل على معناه لا محل له من الإعراب، ويحتمل الاستئناف والحالية بتقدير
~~(قد) وهو شائع، وحذف الفاعل للعلم به وهو ظاهرا الخدم والولدان كما يشير
~~إليه قراءة هارون والعتكي (وأتوا) على الفاعل وفيها إضمار لدلالة المعنى
~~عليه، وقد أظهر ذلك في قوله تعالى:

# يطوف عليهم ولدن مخلدون

# إلى قوله سبحانه:

# وفكهة مما يتخيرون

# [الواقعة: 17 20] والضمير المجرور إما على تقدير أن يراد  من قبل  في
~~الدنيا فراجع إلى المفهوم الواحد الذي تضمنه اللفظان: { هذا }  و 
~~{ الذى رزقنا من قبل } وهو المرزوق في الدارين  أي أوتوا
~~بمرزوق الدارين متشابها بعضه بالبعض  ويسمى هذا الطريق بالكناية
~~الإيمائية ولو رجع إلى الملفوظ لقيل بهما، وعبر عما بعضه ماض وبعضه
~~مستقبل بالماضي لتحقق وقوعه، وفي «الكشف» أن المراد من المرزوق في الدنيا
~~والآخرة الجنس الصالح التناول لكل منهما لا المقيد بهما، وإما على تقدير
~~أن يراد في الجنة فراجع إلى الرزق أي أوتوا بالمرزوق في الجنة متشابه
~~الأفراد.

# قال أبو حيان: والظاهر هذا لأن مرزوقهم في الآخرة هو المحدث عنه والمشبه
~~- بالذي رزقوه من قبل - ولأن هذه الجملة إنما جاءت محدثا بها عن الجنة
~~وأحوالها وكونه يخبر عن المرزوق في الدنيا والآخرة أنه - متشابه ليس من
~~حديث الجنة - إلا بتكلف، ولا يعكر على دعوى متشابه ما في الدارين ما ms00306
~~أخرجه البيهقي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: «ليس في
~~الجنة من أطعمة الدنيا إلا الأسماء» لأنه لا يشترط فيه أن يكون من جميع
~~الوجوه وهو حاصل في الصورة التي هي مناط الاسم وإن لم يكن في المقدار
~~والطعم، وتحريره أن إطلاق الأسماء عليها لكونها على الاستعارة يقتضي
~~الاشتراك فيما هو مناطها وهو الصورة، وبذلك يتحقق التشابه بينهما
~~فالمستثنى في الأثر الأسماء وما هو مناطها بدلالة العقل.

# { ولهم فيها أزوج مطهرة وهم فيها خلدون }
~~صفة ثالثة ورابعة للجنات وأوردت الأوليتان بالجملة الفعلية لإفادة
~~التجدد، وهاتان بالإسمية لإفادة الدوام، وترك العاطف في البعض - مع
~~إيراده في البعض - قيل: للتنبيه على جواز الأمرين في الصفات، واختص كل
~~بما اختص به لمناسبة لا تخفى، وذهب أبو البقاء إلى أن هاتين الجملتين
~~مستأنفتان، وجوز أن تكون الثانية حالا من ضمير الجمع في (لهم) والعامل
~~فيها معنى الاستقرار - والأزواج - جمع قلة وجمع الكثرة زوجة كعود وعودة
~~ولم يكثر استعماله في الكلام، قيل: ولهذا استغنى عنه بجمع القلة توسعا،
~~وقد ورد في الآثار ما يدل على كثرة الأزواج في الجنة من الحور وغيرهن،
~~ويقال: الزوج للذكر والأنثى، ويكون لأحد المزدوجين ولهما معا، ويقال:
~~للأنثى زوجة في لغة تميم وكثير من قيس، والمراد هنا بالأزواج النساء
~~اللاتي تختص بالرجل لا يشركه فيها غيره، وليس في المفهوم اعتبار التوالد
~~الذي هو مدار بقاء/ النوع حتى لا يصح إطلاقه على أزواج الجنة لخلودهم
~~فيها واستغنائهم عن الأولاد، على أن بعضهم صحح التوالد فيها وروى آثارا
~~في ذلك لكن على وجه يليق بذلك المقام، وذكر بعضهم أن الأولاد روحانيون
~~والله قادر على ما يشاء. ومعنى كونها مطهرة أن الله سبحانه نزههن عن كل
~~ما يشينهن، فإن كن من الحور - كما روي عن عبد الله - فمعنى التطهر خلقهن
~~على الطهارة لم يعلق بهن دنس ذاتي ولا خارجي، وإن كن من بني آدم - كما
~~روي عن الحسن -: «من عجائزكم الرمص الغمص يصرن شواب» فالمراد إذهاب كل
~~شين عنهن ms00307 من العيوب الذاتية وغيرها.

# والتطهير كما قال الراغب يقال في الأجسام والأخلاق والأفعال جميعا،
~~فيكون عاما هنا بقرينة مقام المدح لا مطلقا منصرفا إلى الكامل، وكمال
~~التطهير إنما يحصل بالقسمين كما قيل، فإن المعهود من إرادة الكامل إرادة
~~أعلى أفراده لا الجميع.

# وقرأ زيد بن علي - (مطهرات) - بناء على طهرن لا طهرت - كما في الأولى -
~~ولعلها أولى استعمالا، وإن كان الكل فصيحا لأنهم قالوا: جمع ما لا يعقل
~~إما أن يكون جمع قلة أو كثرة، فإن كان جمع كثرة فمجىء الضمير على حد ضمير
~~الواحدة أولى من مجيئه على حد ضمير الغائبات، وإن كان جمع قلة فالعكس،
~~وكذلك إذا كان ضميرا عائدا على جمع العاقلات الأولى فيه النون دون
~~التاء ك

# بلغن أجلهن

# [البقرة: 234] و

# يرضعن أولدهن

# [البقرة: 233] ولم يفرقوا في هذا بين جمع القلة والكثرة، ومجىء هذه
~~الصفة مبينة للمفعول، ولم تأت طاهرة - وصف من طهر - بالفتح على الأفصح،
~~أو طهر بالضم، وعلى الأول قياس، وعلى الثاني شاذ للتفخيم لأنه أفهم أن
~~لها مطهرا وليس سوى الله تعالى، وكيف يصف الواصفون من طهره الرب
~~سبحانه؟! وقرأ عبيد بن عمير: { مطهرة } وأصله متطهرة فأدغم، ولما
~~ذكر سبحانه وتعالى مسكن المؤمنين ومطعمهم ومنكحهم؛ وكانت هذه الملاذ لا
~~تبلغ درجة الكمال مع خوف الزوال ولذلك قيل:

# أشد الغم عندي في سرور

# تيقن عنه صاحبه انتقالا

# أعقب ذلك بما يزيل ما ينغص إنعامه من ذكر الخلود في دار الكرامة،
~~والخلود عند المعتزلة البقاء الدائم الذي لا ينقطع، وعندنا البقاء الطويل
~~انقطع أو لم ينقطع، واستعماله في المكث الدائم من حيث إنه مكث طويل لا من
~~حيث خصوصه حقيقة وهو المراد هنا، وقد شهدت له الآيات والسنن، والجهمية
~~يزعمون أن الجنة وأهلها يفنيان وكذا النار وأصحابها، والذي دعاهم إلى هذا
~~أنه تعالى وصف نفسه بأنه الأول والآخر، والأولية تقدمه على جميع
~~المخلوقات، والآخرية تأخره ولا يكون إلا بفناء السوي، ولو بقيت الجنة
~~وأهلها كان فيه تشبيه لمن لا شبيه له سبحانه وهو محال، ولأنه ms00308 إن لم يعلم
~~أنفاس أهل الجنة كان جاهلا تعالى عن ذلك، وإن علم لزم الانتهاء وهو بعد
~~الفناء، ولنا النصوص الدالة على التأبيد والعقل معها لأنها دار سلام وقدس
~~لا خوف ولا حزن. والمرء لا يهنأ بعيش يخاف زواله بل قيل: البؤس خير من
~~نعيم زائل، والكفر جريمة خالصة فجزاؤها عقوبة خالصة لا يشوبها نقص،
~~ومعنى: (الأول والآخر) ليس كما في الشاهد بل بمعنى لا ابتداء ولا انتهاء
~~له في ذاته من غير استناد لغيره فهو الواجب القدم المستحيل العدم، والخلق
~~ليسوا كذلك، فأين الشبه والعلم لا يتناهى فيتعلق بما لا يتناهى، وما
~~أنفاس أهل الجنة إلا كمراتب الأعداد؟! أفيقال: إن الله سبحانه لا يعلمها
~~أو يقال إنها متناهية، تبا للجهمية ما أجهلهم، وأجهل منهم من قال إن
~~الأبدان مؤلفة من الأجزاء المتضادة في الكيفية معرضة للاستحالات المؤدية
~~إلى الانحلال والانفكاك فكيف يمكن التأبيد، وذلك لأن مدار هذا على قياس
~~هاتيك النشأة على هذه النشأة، وهيهات هيهات كيف يقاس ذلك العالم الكامل
~~على عالم الكون والفساد؟! على أنه إذا ثبت كونه تعالى قادرا مختارا ولا
~~فاعل في الوجود إلا هو فلم لا يجوز أن يعيد الأبدان بحيث لا تتحلل، أو
~~إن تحللت فلم لا يجوز أن يخلق بدل/ ما تحلل دائما أبدا؟ وسبحان القادر
~~الحكيم الذي لا يعجزه شيء.

### || [2.26]

# { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة }
~~قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره: نزلت في اليهود لما ضرب الله
~~تعالى الأمثال في كتابه بالعنكبوت والذباب وغير ذلك مما يستحقر قالوا: إن
~~الله تعالى أعز وأعظم من أن يضرب الأمثال بمثل هذه المحقرات فرد الله
~~تعالى عليهم بهذه الآية. ووجه ربطها بما تقدم على هذا وكان المناسب عليه
~~أن توضع في سورة العنكبوت مثلا أنها جواب عن شبهة تورد على إقامة الحجة
~~على حقية القرآن بأنه معجز فهي من الريب الذي هو في غاية الاضمحلال فكان
~~ذكرها هنا أنسب، وقال مجاهد وغيره: نزلت في المنافقين قالوا  لما ms00309 ضرب
~~الله سبحانه المثل بالمستوقد والصيب  الله تعالى أعلى وأعظم من أن يضرب
~~الأمثال بمثل هذه الأشياء التي لا بال لها فرد الله تعالى عليهم ووجه
~~الربط عليه ظاهر فإنها للذب عن التمثيلات السابقة على أحسن وجه وأبلغه،
~~وقيل: إنها متصلة بقوله تعالى:

# فلا تجعلوا لله أندادا

# [البقرة: 22] أي: لا يستحي أن يضرب مثلا لهذه الأنداد، وقيل: هذا مثل
~~ضرب للدنيا وأهلها فإن البعوضة تحيا ما جاعت وإذا شبعت ماتت، كذلك أهل
~~الدنيا إذا امتلؤا منها هلكوا، أو مثل لأعمال العباد وأنه لا يمتنع أن
~~يذكر منها ما قل أو كثر ليجازى عليه ثوابا وعقابا، وعلى هذين القولين
~~لا ارتباط للآية بما قبلها بل هي ابتداء كلام، وهذا وإن جاز لا أقول به
~~إذ المناسب بكل آية أن ترتبط بما قبلها وفي الآية إشارة إلى حسن التمثيل
~~كيف والله سبحانه مع عظمته وبالغ حكمته لم يتركه ولم يستح منه:

# وما انفكت الأمثال في الناس سائرة

# ((والحياء كما قال الراغب انقباض النفس عن القبائح))، وهو مركب من جبن
~~وعفة، وليس هو الخجل بل ذاك حيرة النفس لفرط الحياء فهما متغايران وإن
~~تلازما، وقال بعضهم: الخجل لا يكون إلا بعد صدور أمر زائد لا يريده
~~القائم به بخلاف الحياء فإنه قد يكون مما لم يقع فيترك لأجله، وما في
~~«القاموس» خجل استحيا تسامح، وهو مشتق من الحياة لأنه يؤثر في القوة
~~المختصة بالحيوان وهي قوة الحس والحركة، والآية تشعر بصحة نسبة الحياء
~~إليه تعالى لأنه في العرف لا يسلب الحياء إلا عمن هو شأنه، على أن النفي
~~داخل على كلام فيه قيد فيرجع إلى القيد فيفيد ثبوت أصل الفعل أو إمكانه
~~لا أقل، وأما في الأحاديث فقد صرح بالنسبة  وللناس في ذلك مذهبان  فبعض
~~يقول بالتأويل إذ الانقباض النفساني مما لا يحوم حول حظائر قدسه سبحانه،
~~فالمراد بالحياء عنده الترك اللازم للانقباض، وجوز جعل ما هنا بخصوصه من
~~باب المقابلة لما وقع في كلام الكفرة بناء على ما روي أنهم قالوا: ما ms00310
~~يستحي رب محمد أن يضرب الأمثال بالذباب والعنكبوت، وبعض  وأنا والحمد
~~لله منهم  لا يقول بالتأويل بل يمر هذا وأمثاله مما جاء عنه سبحانه في
~~الآيات والأحاديث على ما جاءت ويكل علمها بعد التنزيه عما في الشاهد إلى
~~عالم الغيب والشهادة.

# وقرأ الجمهور (يستحيي) بياءين والماضي استحيا، وجاء استفعل هنا للإغناء
~~عن الثلاثي المجرد كاستأثر، وقرأ ابن كثير في رواية وقليلون بياء واحدة
~~وهي لغة بني تميم، وهل المحذوف اللام فالوزن يستفع، أو العين فالوزن
~~يستفل؟ قولان: أشهرهما الثاني، وهذا الفعل مما يكون متعديا بنفسه
~~وبالحرف فيقال: استحييته واستحيت منه، والآية تحتملهما.

# والضرب إيقاع شيء على شيء، وضرب المثل من ضرب الدراهم وهو ذكر شيء يظهر
~~أثره في غيره، فمعنى يضرب هنا يذكر، وقيل: يبين، وقيل: يضع من

# ضربت عليهم الذلة

# [البقرة: 61] و (ما) اسم بمعنى شيء يوصف به النكرة لمزيد الإبهام ويسد
~~طرق التقييد، وقد يفيد التحقير أيضا  كأعطه شيئا ما  والتعظيم 
~~كلأمر ما جدع قصير أنفسه  والتنويع  كاضربه ضربا ما  وقد تجعل سيف
~~خطيب، والقرآن أجل من أن يلغى فيه شيء، وبعوضة إما صفة  لما  أو بدل
~~منها أو عطف بيان إن قيل بجوازه في النكرات أو بدل من { مثلا } أو عطف
~~بيان له إن قيل ما زائدة، أو مفعول/ و { مثلا } حال وهي المقصودة، أو
~~منصوب على نزع الخافض أي: ما من بعوضة فما فوقها كما نقل عن الفراء.
~~والفاء بمعنى إلى، أو مفعول ثان؛ أو أول بناء على تضمن الضرب معنى الجعل،
~~ولا يرد على إرادة العموم أن مثال المعنى على المشهور أن الله لا يترك أي
~~مثل كان فيقتضي أن جميع الأمثال مضروبة في كلامه فأين هي لأن المنفي ليس
~~مطلق الترك بل الترك لأجل الاستحياء؟ فالمعنى لا يترك مثلا ما استحياء
~~وإن تركه لأمر آخر أراده.

# وقرأ ابن أبي عبلة وجماعة: (بعوضة) بالرفع والشائع على أنه خبر،
~~واختلفوا فيما يكون عنه خبرا؛ فقيل: مبتدأ محذوف أي هي أو هو بعوضة،
~~والجملة صلة (ما) على ms00311 جعلها موصولة، وهو تخريج كوفي لحذف صدر الصلة من
~~غير طول، وقيل: (ما) بناء على أنها استفهامية مبتدأ، واختار في «البحر»
~~أن تكون (ما) صلة أو صفة وهي (بعوضة) جملة كالتفسير لما انطوى عليه
~~الكلام، وقيل: { بعوضة } مبتدأ، و { ما } نافية والخبر محذوف أي
~~متروكة لدلالة { لا يستحى } عليه.

# والبعوضة واحد البعوض، وهو طائر معروف، وفيه من دقيق الصنع وعجيب
~~الإبداع ما يعجز الإنسان أن يحيط بوصفه ولا ينكر ذلك إلا نمرود.

# وهو في الأصل صفة على فعول كالقطوع، ولذا سمي في لغة هذيل خموش فغلبت،
~~واشتقاقه من البعض بمعنى القطع.

# { فما فوقها } الفاء عاطفة ترتيبية، و { ما } عطف على {
~~بعوضة } أو { ما } إن جعل اسما والتفصيل وما فيه غير خفي. والمراد
~~بالفوقية إما الزيادة في حجم الممثل به فهو ترق من الصغير للكبير وبه قال
~~ابن عباس أو الزيادة في المعنى الذي وقع التمثيل فيه وهو الصغر والحقارة
~~فهو تنزل من الحقير للأحقر، وهذان الوجهان على القراءة المشهورة وأما على
~~قراءة الرفع فقد قالوا: إن جعلت { ما } موصولة ففيه الوجهان، وإن جعلت
~~استفهامية تعين الأول لأن العظم مبتدأ من البعوضة إذ ذاك، وقيل: أراد: ما
~~فوقها وما دونها فاكتفى بأحد الشيئين عن الآخر على حد

# سرابيل تقيكم الحر

# [النحل: 81] فافهم.

# { فأما الذين ءامنوا فيعلمون أنه الحق من
~~ربهم } تفصيل لما أشار إليه قوله تعالى: { إن الله لا
~~يستحى } الخ من أنه وقع فيه ارتياب بين التحقيق والارتياب، أو لما
~~يترتب على ضرب المثل من الحكم إثر تحقيق حقية صدوره عنه سبحانه، والفاء
~~للدلالة على ترتب ما بعدها على ما يشير إليه ما قبلها، وكأنه قيل كما قيل
~~فيضربه { مبينا فأما الذين } الخ، وتقديم بيان حال المؤمنين
~~لشرفه، وأما على ما عليه المحققون حرف متضمنة لمعنى الشرط ولذا لزمتها
~~الفاء غالبا، وتفيد مع هذا تأكيد ما دخلت عليه من الحكم؛ وتكون لتفصيل
~~مجمل تقدمها صريحا، أو دلالة، أو لم يتقدم لكنه حاضر في الذهن ولو
~~تقديرا، ولما كان هذا خلاف ms00312 الظاهر في كثير من موارد استعمالها جعله
~~الرضى والمرتضى من المحققين أغلبيا، وفسر سيبويه  أما زيد فذاهب 
~~بمهما يكن من شيء فزيد ذاهب وليس المراد به أنها مرادفة لذلك الاسم،
~~والفعل إذ لا نظير له، بل المراد أنها لما أفادت التأكيد وتحتم الوقوع في
~~المستقبل كان مآل المعنى ذلك، ولما أشعرت بالشرطية قدر شرط يدل على تحتم
~~الوقوع وهو وجود شيء ما في الدنيا إذ لا تخلو عنه فما علق عليه محقق،
~~وحيث كان المعنى ما ذكر سيبويه. ومهما مبتدأ والاسمية لازمة له، ويكن فعل
~~شرط والفاء لازمة تليه غالبا، وقامت  أما ذلك المقام  لزمها الفاء
~~ولصوق الاسم إقامة للازم مقام الملزوم وإبقاء لأثره في الجملة وكان الأصل
~~دخول الفاء على الجملة فيما ذكر لأنها الجزاء لكن كرهوا إيلاءها حرف
~~الشرط فأدخلوا الخبر وعوضوا المبتدأ عن الشرط لفظا، وقد يقدم على الفاء
~~ كما في الرضى  من أجزاء الجزاء المفعول به والظرف والحال إلى غير ذلك
~~مما عدوه على ما فيه، وفي تصدير الجملتين بها من الإحماد والذم ما لا
~~يخفى. والمراد بالموصول فريق المؤمنين المعهودين كما أن المراد بالموصول
~~الآتي فريق الكفرة الطاغين لا من يؤمن بضرب المثل ومن يكفر به لاختلال
~~المعنى، والضمير في { أنه } للمثل وهو أقرب،/ أو لضربه المفهوم من أن
~~يضرب، وقيل: لترك الاستحياء المنقدح مما مر، وقيل: للقرآن.

# والحق خلاف الباطل، وهو في الأصل مصدر حق يحق من بابي ضرب وقتل إذا وجب
~~أو ثبت، وقال الراغب: أصله المطابقة والموافقة، ويكون بمعنى الموجد بحسب
~~الحكمة والموجد على وفقها والاعتقاد المطابق للواقع، وقيل: إنه الحكم
~~المطابق، ويطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتماله
~~على ذلك، ولم يفرق في المشهور بينه وبين الصدق إلا أنه شاع في العقد
~~المطابق، والصدق في القول كذلك، وقد يفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في
~~الحق من جانب الواقع وفي الصدق من جانب الحكم، وتعريفه هنا إما للقصر
~~الادعائي كما يقال  هذا هو الحق  أو لدعوى الاتحاد ويكون المحكوم عليه
~~مسلم ms00313 الاتصاف، و { من ربهم } إما خبر بعد خبر أو حال من ضمير الحق،
~~و { من } لابتداء الغاية المجازية، والتعرض لعنوان الربوبية للإشارة
~~إلى أنهم يعترفون بحقية القرآن وبما أنعم الله تعالى به عليهم من النعم
~~التي من أجلها نزول هذا الكتاب وهو المناسب لقوله سبحانه:

# نزلنا على عبدنا

# [البقرة: 23] وأما الكفرة المنكرون لجلاله المتخذون غيره من الأرباب
~~فالله عز اسمه هو المناسب لحالهم

# ويحذركم الله نفسه

# [آل عمران: 28] وقيل: في ذلك  مع الإضافة إلى الضمير  تشريف وإيذان
~~بأن ضرب المثل تربية لهم وإرشاد إلى ما يوصلهم إلى كمالهم اللائق بهم،
~~والجملة سادة مسد مفعولي  يعلمون  عند الجمهور، ومسد الأول والثاني
~~محذوف عند الأخفش أي { فيعلمون } حقيته ثابتة.

# { وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله
~~بهذا مثلا } لم يقل سبحانه - وأما الذين كفروا فلا يعلمون -
~~ليقابل سابقه لما في هذا من المبالغة في ذمهم والتنبيه بأحسن وجه على
~~كمال جهلهم لأن الاستفهام إما لعدم العلم أو للإنكار وكل منهما يدل على
~~الجهل دلالة واضحة.

# ومن قال للمسك أين الشذا

# يكذبه ريحه الطيب

# قيل: ولم يقل سبحانه هناك  وأما الذين آمنوا فيقولون  الخ إشارة إلى
~~أن المؤمنين اكتفوا بالخضوع والطاعة من غير حاجة إلى التكلم والكافرون
~~لخبثهم وعنادهم لا يطيقون الأسرار لأنه كإخفاء الجمر في الحلفاء، وقيل:
~~إن  يقولون  لا يدل صريحا على العلم وهو المقصود والكافرون منهم
~~الجاهل والمعاند { فيقولون } الخ أشمل وأجمع، و { ماذا } لها ستة
~~أوجه في استعمالهم. الأول: أن تكون (ما) استفهامية في موضع رفع
~~بالابتداء، و (ذا) بمعنى الذي خبره، وأخبر عن المعرفة بالنكرة هنا بناء
~~على مذهب سيبويه في جوازه في أسماء الاستفهام وغيره يجعل النكرة خبرا عن
~~الموصول.

# الثاني: أن تكون (ماذا) كلها استفهاما مفعولا لأراد وهذان الوجهان
~~فصيحان اعتبرهما سائر المفسرين والمعربين في الآية، والاستفهام يحتمل
~~الاستغراب والاستبعاد والاستهزاء

# ظلمت بعضها فوق بعض

# [النور: 40]، الثالث: أن يجعل (ما) استفهامية، و (ذا) صلة لا إشارة ولا
~~موصولة، الرابع: أن يجعلا معا موصولا كقوله:

# دعى (ماذا) ms00314 علمت سأتقيه

# الخامس: أن يجعلا نكرة موصوفة، وقد جوز في المثال، السادس: أن تكون (ما)
~~استفهامية، و (ذا) اسم إشارة خبر له.

# ((والإرادة كما قاله الراغب: منقولة من راد يرود إذا سعى في طلب شيء وهي
~~في الأصل قوة مركبة من شهوة وخاطر وأمل، وجعل اسما لنزوغ النفس إلى
~~الشيء مع الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل، ثم يستعمل مرة في
~~المبدأ وهو نزوغ النفس إلى الشيء وتارة في المنتهى وهو الحكم فيه بأنه
~~ينبغي)) الخ، وإرادة المعنى من اللفظ مجرد القصد وهو استعمال آخر ولسنا
~~بصدده، وبين الإرادة والشهوة عموم من وجه لأنها قد تتعلق بنفسها بخلاف
~~الشهوة فإنها إنما تتعلق باللذات، والإنسان قد يريد الدواء البشع ولا
~~يشتهيه ويشتهي اللذيذ ولا يريده إذا علم فيه هلاكه وقد يشتهي ويريد.
~~وللمتكلمين أهل الحق وغيرهم في تفسيرها مذاهب، فالكلبي والنجار وغيرهما
~~على/ أن إرادته سبحانه لأفعاله أنه يفعلها عالما بها وبما فيها من
~~المصلحة، ولأفعال غيره أنه أمر بها وطلبها، فالمعاصي إذا ليست بإرادته
~~جل شأنه، ونحو ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وارد عليهم؛ والجاحظ
~~وبعض المعتزلة والحكماء على أن إرادته تعالى شأنه علمه بجميع الموجودات
~~من الأزل إلى الأبد وبأنه كيف ينبغي أن يكون نظام الوجود حتى يكون على
~~الوجه الأكمل، ويكفيه صدوره عنه حتى يكون الموجود على وفق المعلوم على
~~أحسن النظام من غير قصد وطلب شوقي، ويسمون هذا العلم عناية؛ وذهب
~~الكرامية وأبو علي وأبو هاشم إلى أنها صفة زائدة على العلم إلا أنها
~~حادثة قائمة بذاته عز شأنه عند الكرامية، وموجودة لا في محل عند الأبوين،
~~والمذهب الحق أنها ذاتية قديمة وجودية زائدة على العلم ومغايرة له
~~وللقدرة، مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع، وكونها نفس الترجيح الذي هو
~~من صفات الأفعال كما قال البيضاوي عفا الله تعالى عنه لم يذهب إليه أحد.
~~وفي كلمة (هذا) استحقار للمشار إليه مثلها في:

# أهذا الذى بعث الله رسولا

# [الفرقان: 41] وقد تكون للتعظيم ms00315 بحسب اقتضاء المقام، و { مثلا } نصب
~~على التمييز عن نسبة الاستغراب ونحوه إلى المشار إليه. وقد ذكر الرضى -
~~والعهدة عليه - أن الضمير واسم الإشارة إذا كانا مبهمين يجىء التمييز
~~عنهما والعامل هما لتماميهما بنفسهما حيث يمتنع إضافتهما، وإذا كانا
~~معلومين فالتمييز عن النسبة، ويحتمل أن يكون حالا من اسم الله تعالى أو
~~من (هذا) أي ممثلا أو ممثلا به أو بضربه.

# { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } جملتان جاريتان مجرى
~~البيان، والتفسير للجملتين المصدرتين - بأما - إذ يشتملان على أن كلا
~~الفريقين موصوف بالكثرة وعلى أن العلم بكونه حقا من الهدى الذي يزداد به
~~المؤمنون نورا إلى نورهم، والجهل بموقعه من الضلالة التي يزداد بها
~~الجهال خبطا في ظلمتهم، وهاتان يزيدان ما تضمنتاه وضوحا أو أنهما جواب
~~لدفع ما يزعمونه من عدم الفائدة في ضرب الأمثال بالمحقرات ببيان أنه
~~مشتمل على حكمة جليلة وغاية جميلة هي كونه وسيلة إلى هداية المستعدين
~~للهداية وإضلال المنهمكين في الغواية، وصرح بعضهم بأنهما جواب - لماذا -
~~ووضع الفعلان موضع المصدر للإشعار بالاستمرار التجددي والمضارع يستعمل له
~~كثيرا، ففي التعبير به هنا إشارة إلى أن الإضلال والهداية لا يزالان
~~يتجددان ما تجدد الزمان، قيل: ووضعهما موضع الفعل الواقع في الاستفهام
~~مبالغة في الدلالة على تحققهما فإن إرادتهما دون وقوعهما بالفعل وتجافيا
~~عن نظم الإضلال مع الهداية في سلك الإرادة لإيهامه تساويهما في التعلق
~~وليس كذلك، فإن المراد بالذات من ضرب المثل هو التذكير والاهتداء كما
~~يشير إليه قوله تعالى:

# وتلك الأمثل نضربها للناس لعلهم
~~يتفكرون

# [الحشر: 21] وأما الإضلال فعارض مترتب على سوء الاختيار، وقدم في النظم
~~الإضلال على الهداية مع سبق الرحمة على الغضب، وتقدمها بالرتبة والشرف
~~لأن قولهم ناشىء من الضلال مع أن كون ما في القرآن سببا له أحوج للبيان
~~لأن سببيته للهدى في غاية الظهور، فالاهتمام ببيانه أولى، ووصف كل من
~~القبيلتين بالكثرة بالنظر إلى أنفسهم وإلا فالمهتدون قليلون بالنسبة إلى
~~أهل الضلال وبعيد حمل كثرة المهتدين على الكثرة المعنوية بجعل كثرة
~~الخصائص اللطيفة ms00316 بمنزلة كثرة الذوات الشريفة كما قيل:

# ولم أر أمثال الرجال تفاوتت

# لدى المجد حتى عد ألف بواحد

# لا سيما وقد ذكر معها الكثرة الحقيقية، هذا وجوز بعضهم أن يكون قوله
~~تعالى: { يضل به كثيرا } الخ في موضع الصفة - لمثل - فهو من
~~كلام الكفار، ولعله من باب المماشاة مع المؤمنين إذ هم ليسوا بمعترفين
~~بأن هذا المثل - يضل الله به كثيرا ويهدي به كثيرا - وأغرب من هذا
~~تجويز ابن عطية أن يكون { يضل به كثيرا } من كلام/ الكفار وما
~~بعده من كلام الله تعالى وهو إلباس في التركيب وعدول عن الظاهر من غير
~~دليل، وإسناد الإضلال إليه تعالى حقيقي وقد تقدم وجهه فلا التفات إلى ما
~~في «الكشاف» لأنه نزغة اعتزالية، والضمير في { به } للمثل أو لضربه في
~~الموضعين، وقيل: في الأول للتكذيب، وفي الثاني للتصديق ودل على ذلك قوة
~~الكلام، ولا يخفى ضعفه، وقرأ زيد بن علي: { يضل }  هنا وفيما يأتي و
~~{ يهدى } بالبناء للمفعول وابن أبي عبلة في الثلاثة بالبناء للفاعل،
~~ورفعا الفاسقين  خفضهم الله تعالى .

# { وما يضل به إلا الفسقين } تذييل أو اعتراض في آخر
~~الكلام بناء على قول من جوزه، وقيل: حال، ومنع السيالكوتي عطفه على ما
~~قبله قائلا لأنه لا يصح كونه جوابا وبيانا، وأجازه بعضهم تكملة للجواب
~~وزيادة تعيين لمن أريد إضلالهم ببيان صفاتهم القبيحة المستتبعة له وإشارة
~~إلى أن ذلك ليس إضلالا ابتدائيا بل هو تثبيت على ما كانوا عليه من فنون
~~الضلال وزيادة فيه، و (الفاسقين) جمع فاسق من الفسق، وهو شرعا خروج
~~العقلاء عن الطاعة فيشمل الكفر ودونه من الكبيرة والصغيرة. واختص في
~~العرف والاستعمال بارتكاب الكبيرة فلا يطلق على ارتكاب الآخرين إلا
~~نادرا بقرينة، وهو من قولهم: فسق الرطب إذا خرج من قشره، قال ابن
~~الأعرابي: ولم يسمع الفسق وصفا للإنسان في كلام العرب، ولعله أراد في
~~كلام الجاهلية كما صرح به ابن الأنباري، وإلا فقد قال رؤبة، وهو شاعر
~~إسلامي يستدل بكلامه:

# يذهبن في نجد وغورا غائرا

# (فواسقا) عن قصدها ms00317 جوائرا

# على أنه يمكن أن يقال: لم يخرج الفسق في البيت عن الوضع لأنه وضعا خروج
~~الأجرام وبروز الأجسام من غير العقلاء وما فيه خروج الإبل وهي لا تعقل.
~~والمراد بالفاسقين هنا الخارجون عن حدود الإيمان وتخصيص الإضلال بهم
~~مرتبا على صفة الفسق وما أجرى عليهم من القبائح للإيذان بأن ذلك هو الذي
~~أعدهم للإضلال وأدى بهم إلى الضلال فإن كفرهم وعدولهم عن الحق وإصرارهم
~~على الباطل صرفت وجوه أنظارهم عن التدبر والتأمل حتى رسخت جهالتهم
~~وازدادت ضلالتهم فأنكروا وقالوا ما قالوا، ونصب { الفسقين } على
~~أنه مفعول { يضل } أو على الاستثناء والمفعول محذوف أي أحدا، ولا
~~تفريغ كما في قوله:

# نجا سالم والنفس منه بشدة

# ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا

# ومنع ذلك أبو البقاء ولعله محجوج بالبيت.

### || [2.27]

# { الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثقه } يحتمل
~~النصب والرفع، والأول إما على الاتباع أو القطع أي أذم والثاني إما على
~~الثاني من احتمالي الأول أو على الابتداء، والخبر جملة

# أولئك هم الخسرون

# [النمل: 5] وعلى هذا تكون الجملة كأنها كلام مستأنف لا تعلق لها إلا على
~~بعد. و - النقض - فسخ التركيب، وأصله يكون في الحبل ونقيضه الإبرام وفي
~~الحائط ونحوه، ونقيضه البناء. وشاع استعمال النقض في إبطال العهد - كما
~~قال الزمخشري - من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة لما فيه
~~من ثبات الوصلة بين المتعاهدين، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن
~~يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار ثم يرمزوا بذكر شيء من روادفه فينبهوا بتلك
~~الرمزة على مكانه نحو قولك: عالم يغترف منه الناس، وشجاع يفترس أقرانه.
~~والحاصل أن في الآية استعارة بالكناية، والنقض استعارة تحقيقية تصريحية
~~حيث شبه إبطال العهد بإبطال/ تأليف الجسم، وأطلق اسم المشبه به على
~~المشبه لكنها إنما جازت وحسنت بعد اعتبار تشبيه العهد بالحبل، فبهذا
~~الاعتبار صارت قرينة على استعارة الحبل للعهد، ومن هنا يظهر أن الاستعارة
~~المكنية قد توجد بدون التخييلية وأن قرينتها قد تكون تحقيقية، وتحقيق
~~البحث يطلب من محله.

# والعهد الموثق، وعهد إليه ms00318 في كذا إذا أوصاه ووثقه عليه، واستعهد منه إذا
~~اشترط عليه، واستوثق منه. والمراد بالعهد ههنا إما العهد المأخوذ بالعقل
~~وهو الحجة القائمة على عباده تعالى الدالة على وجوده ووحدته وصدق رسله
~~صلى الله تعالى عليهم وسلم، وفي نقضها لهم ما لا يخفى من الذم لأنهم
~~نقضوا ما أبرمه الله تعالى من الأدلة التي كررها عليهم في الأنفس والآفاق
~~وبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب مؤكدا لها، والناقضون
~~على هذا جميع الكفار. وأما المأخوذ من جهة الرسل على الأمم بأنهم إذا بعث
~~إليهم رسول مصدق بالمعجزات صدقوه واتبعوه ولم يكتموا أمره. وذكره في
~~الكتب المتقدمة ولم يخالفوا حكمه. والناقضون حينئذ أهل الكتاب
~~والمنافقون منهم حيث نبذوا كل ذلك وراء ظهورهم وبدلوا تبديلا، والنقض
~~على هذا عند بعضهم أشنع منه على الأول، وعكس بعض - ولكل وجهة - وقيل:
~~الأمانة التي حملها الإنسان بعد إباء السموات والأرض عن أن يحملنها،
~~وقيل: هو ما أخذ على بني إسرائيل من أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا
~~أنفسهم من ديارهم، إلى غير ذلك من الأقوال وهي مبنية على الاختلاف في سبب
~~النزول والظاهر العموم. و { من } للابتداء وكون المجرور بها موضعا
~~انفصل عنه الشيء وخرج، وتدل على أن النقض حصل عقيب توثق العهد من غير
~~فصل، وفيه إرشاد إلى عدم اكتراثهم بالعهد - فأثر ما استوثق الله تعالى
~~منهم نقضوه - وقيل: صلة وهو بعيد.

# والميثاق مفعال وهو في الصفات كثير - كمنحار - ويكون مصدرا عند أبي
~~البقاء والزمخشري - كميعاد - بمعنى الوعد، وأنكره جماعة وقالوا: هو اسم
~~في موضع المصدر كما في قوله:

# أكفرا بعد رد الموت عني

# وبعد (عطائك) المائة الرتاعا

# ويكون اسم آلة كمحراث ولم يشع هذا وليس بالبعيد، والمراد به ما وثق الله
~~تعالى به عهده من الآيات والكتب، أو ما وثقوه به من القبول والالتزام،
~~والضمير للعهد لأنه المحدث عنه. ويجوز عوده إلى الله تعالى ولم يجوزه
~~السيالكوتي لأن المعنى لا يتم بدون اعتبار العهد فهو أهم من ذكر الفاعل،
~~ولأن الرجوع إلى المضاف ms00319 خلاف الأصل، وأفهم كلام أبي البقاء أن الميثاق
~~هنا مصدر بمعنى التوثقة، وفي الضمير الاحتمالان فإن عاد إلى اسم الله
~~تعالى كان المصدر مضافا إلى الفاعل، وإن إلى العهد كان مضافا إلى
~~المفعول. وحديث الرجوع إلى المضاف خصه بعض المحققين في غير الإضافة
~~اللفظية، وأما فيها فمطرد كثير، وما نحن فيه كذلك لأنه مصدر أو مؤل بمشتق
~~فيكون كقولك أعجبني ضرب زيد وهو قائم، والوجه أنها في نية الانفصال.

# { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل }  { ما }
~~المقطوعة موصولة، أو نكرة موصوفة عند أبي البقاء، وفي المراد بها أقوال:
~~الأول: رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعوه بالتكذيب والعصيان - قاله
~~الحسن - وفيه استعمال (ما) لمن يعقل بل سيد العقلاء بل العقل والثاني:
~~القول فإنه تعالى أمر - أن يوصل - بالعمل فلم يصلوه ولم يعملوا، وظاهر
~~أنها نزلت في المنافقين الثالث: التصديق بالأنبياء أمروا بوصله فقطعوه
~~بتكذيب بعض وتصديق بعض الرابع: الرحم والقرابة قاله قتادة، وظاهره أنه
~~أراد كفار قريش وأشباههم الخامس: الأمر الشامل لما ذكر مما يوجب قطعه قطع
~~الوصلة - بين الله تعالى - وبين العبد المقصودة بالذات من كل وصل وفصل،
~~ولعل هذا هو الأوجه لأن فيه حمل اللفظ على مدلوله/ من العموم ولا دليل
~~واضح على الخصوص. ورجح بعضهم ما قبله بأن الظاهر أن هذا توصيف للفاسقين
~~بأنهم يضيعون حق الخلق بعد وصفهم بتضييع حق الحق سبحانه، وتضييع حقه بنقض
~~عهده وحق خلقه بتقطيع أرحامهم - وليس بالقوي.

# والأمر القول الطالب للفعل مع علو عند المعتزلة أو استعلاء عند أبي
~~الحسين، ويفسدهما ظاهر قوله تعالى حكاية عن فرعون:

# فماذا تأمرون

# [الأعراف: 110] ويطلق على التكلم بالصيغة وعلى نفسها، وفي موجبها خلاف،
~~وهذا هو الأمر الطلبي. وقد نقل إلى الأمر الذي يصدر عن الشخص لأنه يصدر
~~عن داعية تشبه الأمر فكأنه مأمور به أو لأنه من شأنه أن يؤمر به كما سمي
~~الخطب والحال العظيمة شأنا.

# وهو مصدر في الأصل بمعنى القصد وسمي به ذلك لأن من شأنه أن يقصد. وذهب
~~الفقهاء إلى ms00320 أن الأمر مشترك بين القول والفعل لأنه يطلق عليه مثل

# وما أمر فرعون برشيد

# [هود: 97]. و { أن يوصل } يحتمل النصب والخفض على أنه بدل من { ما
~~} أو من ضميره، والثاني: أولى للقرب ولأن قطع ما أمر الله تعالى بوصله -
~~أبلغ من قطع وصل ما أمر الله تعالى به نفسه، واحتمال الرفع بتقدير هو -
~~أو النصب بالبدلية من محل المجرور أو بنزع الخافض أو أنه مفعول لأجله أي
~~لأن - أو كراهية - أن ليس بشيء كما لا يخفى.

# { ويفسدون في الأرض أولئك هم الخسرون }
~~إفسادهم باستدعائهم إلى الكفر والترغيب فيه وحمل الناس عليه أو بإخافتهم
~~السبل وقطعهم الطرق على من يريد الهجرة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله
~~عليه وسلم أو بأنهم يرتكبون كل معصية يتعدى ضررها ويطير في الآفاق شررها
~~ولعل هذا أولى. وذكر في (الأرض) إشارة إلى أن المراد فساد يتعدى دون ما
~~يقف عليهم. و { أولئك } إشارة إلى

# الفسقين

# [البقرة: 26] باعتبار ما فصل من صفاتهم القبيحة، وفيه رمز إلى أنهم في
~~المرتبة البعيدة من الذم وحصر - الخاسرين - عليهم باعتبار كمالهم في
~~الخسران حيث أهملوا العقل عن النظر ولم يقتنصوا المعرفة المفيدة للحياة
~~الأبدية والمسرة السرمدية، واشتروا النقض بالوفاء، والفساد بالصلاح،
~~والقطيعة بالصلة، والثواب بالعقاب فضاع منهم الطلبتان - رأس المال والربح
~~- وحصل لهم الضرر الجسيم وهذا هو الخسران العظيم. وفي الآية ترشيح
~~للاستعارة المقدرة التي تتضمنها الآيات السابقة فافهم.

### || [2.28]

# { كيف تكفرون بالله } التفات إلى خطاب أولئك بعد أن عدد
~~قبائحهم المستدعية لمزيد سخطه تعالى عليهم والإنكار إذا وجه إلى المخاطب
~~كان أبلغ من توجيهه إلى الغائب وأردع له لجواز أن لا يصله. و { كيف }
~~اسم إما - ظرف وعزي إلى سيبويه - فمحلها نصب دائما، أو غير ظرف  وعزي
~~إلى الأخفش  فمحلها رفع مع المبتدأ، ونصب مع غيره، وادعى ابن مالك أن
~~أحدا لم يقل بظرفيتها إذ ليست زمانا ولا مكانا لكن لكونها تفسر بقولك
~~على أي حال أطلق اسم الظرف عليها مجازا، واستحسنه ابن هشام ودخول الجر
~~عليها شاذ. وأكثر ms00321 ما تستعمل استفهاما والشرط بها قليل والجزم غير مسموع،
~~وأجازه قياسا  الكوفيون وقطرب، والبدل منها أو الجواب إذا كانت مع فعل
~~مستغن منصوب ومع ما لا يستغني مرفوع إن كان مبتدأ ومنصوب إن كان ناسخا.
~~وزعم ابن موهب أنها تأتي عاطفة وليس بشيء، وهي هنا للاستخبار منضما إليه
~~الإنكار والتعجيب لكفرهم بإنكار الحال الذي له مزيد اختصاص بها وهي العلم
~~بالصانع والجهل به، ألا يرى أنه ينقسم باعتبارهما فيقال: كافر معاند
~~وكافر جاهل؟ فالمعنى أفي حال العلم تكفرون أم في حال الجهل وأنتم عالمون
~~بهذه القصة؟ وهو يستلزم العلم/ بصانع موصوف بصفات الكمال منزه عن
~~النقصان، وهو صارف قوي عن الكفر، وصدور الفعل عن القادر مع الصارف القوي
~~مظنة تعجيب وتوبيخ، وفيه إيذان بأن كفرهم عن عناد وهو أبلغ في الذم. وفيه
~~من المبالغة أيضا ما ليس في (أتكفرون) لأن الإنكار الذي هو نفي قد توجه
~~للحال التي لا تنفك، ويلزم من نفيها نفي صاحبها بطريق البرهان، وإن شئت
~~عممت الحال. وإنكار أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها مع أن كل موجود يجب أن
~~يكون وجوده على حال من الأحوال يستدعي إنكار وجود الكفر بذلك الطريق، ولا
~~يرد أن الاستخبار محال على - اللطيف الخبير عز شأنه - لأنه إما أن يكون
~~بمعنى طلب الخبر فلا نسلم المحالية إذ قد يكون لتنبيه المخاطب وتوبيخه
~~ولا يقتضي جهل المستخبر ولا يلزم من ضم الإنكار والتعجيب إليه وهما من
~~المعاني المجازية للاستفهام الجمع بين الحقيقة والمجاز إن كان الاستخبار
~~حقيقة للصيغة، وبين معنيين مجازيين إن كان مجازا لأن الانفهام بطريق
~~الاستتباع واللزوم لا من حاق الوسط، أو أنه تجوز على تجوز لشهرة
~~الاستفهام في معنى الاستخبار حتى كأنه حقيقة فيه، وإما أن يكون بمعنى
~~الاستفهام فنقول: لا قدح في صدوره ممن يعلم المستفهم عنه لأنه - كما في
~~«الإتقان» - طلب الفهم. أما فهم المستفهم - وهو محال عليه تعالى - أو
~~وقوع فهمه ممن لا يفهم كائنا من كان ولا استحالة فيه منه تعالى، وكذا لا
~~استحالة ms00322 في وقوع التعجيب منه تعالى بل قالوا: إذا ورد التعجب من الله جل
~~وعلا لم يلزم محذور إذ يصرف إلى المخاطب أو يراد غايته أو يرجع إلى مذهب
~~السلف، وأتى سبحانه - بتكفرون -ولم يأت بالماضي وإن كان الكفر قد وقع
~~منهم لأن الذي أنكر الدوام والمضارع هو المشعر به ولئلا يكون في الكلام
~~توبيخ لمن وقع منه الكفر ممن آمن كأكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

# { وكنتم أموتا فأحيكم ثم يميتكم ثم
~~يحييكم ثم إليه ترجعون } ما قبل { ثم } حال من ضمير
~~{ تكفرون } بتقدير قد لا محالة خلافا لمن وهم فيه. والمعنى: كيف
~~تكفرون وقد خلقكم، فعبر عن الخلق بذلك، ولما كان - مركوزا في الطباع
~~ومخلوقا في العقول - أن لا خالق إلى الله كانت حالا تقتضي أن لا تجامع
~~الكفر، والجمل بعد مستأنفة لا تعلق لها بالحال ولذا غايرت ما قبلها
~~بالحرف والصيغة، ولك أن تجعل جميع الجمل مندرجة في الحال وهو في الحقيقة
~~العلم بالقصة كأنه قيل: كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذه القصة وبأولها
~~وآخرها، فلا يضر اشتمالها على ماض ومستقبل، وكلاهما لا يصح أن يقع حالا،
~~ورجح هذا جمع محققون.

# والحياة قوة تتبع الاعتدال النوعي ويفيض منها سائر القوى، وقيل: القوة
~~الحساسة والعضو المفلوج حي وإلا لتسارع إليه الفساد، وعدم الإحساس بالفعل
~~لا يدل على عدم القوة لجواز فقدان الأثر لمانع. وكأنهم أرادوا من ذلك قوة
~~اللمس لأن مغايرة الحياة لما عداه من الحواس ظاهرة فإنها مختصة بعضو دون
~~عضو، وأنها مفقودة في بعض أنواع الحيوانات، وأنه يلزم تعدد الحياة بالنوع
~~في شخص واحد إن قيل بكون الحياة كل واحد منها. وتركبها في الخارج إن أريد
~~مجموعها، وتطلق مجازا على القوة النامية لأنها من طلائعها ومقدماتها،
~~وعلى ما يخص الإنسان من الفضائل كالعقل والعلم والإيمان من حيث إنها
~~كمالها وغايتها، و - الموت - مقابل لها في كل مرتبة والكل في كتاب الله
~~تعالى وحياته سبحانه وتعالى صحة اتصافه جل شأنه بالعلم والقدرة أو معنى
~~قائم بذاته تعالى يقتضي ذلك، ms00323 وأين التراب من رب الأرباب.

# ثم إن للناس في المراد بما في الآية الكريمة أقوالا شتى، والمروى عن
~~ابن عباس، وابن مسعود،/ ومجاهد رضي الله تعالى عنهم أن المراد بالموت
~~الأول العدم السابق، والإحياء الأول الخلق والموت الثاني المعهود في
~~الدار الدنيا، والحياة الثانية البعث للقيامة، واختاره بعض المحققين
~~وادعى أن قوله تعالى: { وكنتم أموتا } وإسناده آخر الاماتة إليه
~~تعالى مما يقويه، واختار آخرون أن كونهم أمواتا هو من وقت استقرارهم
~~نطفا في الأرحام إلى تمام الأطوار بعدها، وأن الحياة الأولى نفخ الروح
~~بعد تلك الأطوار، والإماتة - هي المعهودة - والإحياء بعدها - هو البعث -
~~يوم ينفخ في الصور ولعله أقرب من الأول، وإطلاق الأموات على تلك الأجسام
~~مجاز إن فسر - الموت - بعدم الحياة عمن اتصف به، وحقيقة إن فسر بعدم
~~الحياة عما من شأنه، قاله السيالكوتي، ويفهم كلام بعضهم: أنه على معنى
~~كالأموات على التفسير الثاني وإن فسر بعدم الحياة مطلقا كان حقيقة وهو
~~المشهور وأبعد الأقوال عندي حمل الموت الأول على المعهود بعد انقضاء
~~الأجل، والإحياء الأول على ما يكون للمسألة في القبر فيكون قد وضع الماضي
~~موضع المستقبل لتحقق الوقوع، ثم لا دليل في الآية على المختار لنفي عذاب
~~القبر إذ نهاية ما فيها عدم ذكر الإحياء المصحح له، ونحن لا نستدل لها
~~بذلك الوجه عليه ولنا - والحمد لله تعالى - في ذلك المطلب أدلة شتى، وكذا
~~لا دليل للمجسمة القائلين بأنه تعالى في مكان في { وإليه
~~ترجعون } لأن المراد بالرجوع إليه الجمع في المحشر حيث لا يتولى
~~الحكم سواه والأمر يومئذ لله، ووراء هذا من المقال مالا يخفى على
~~العارفين.

# وفي قوله تعالى: { ترجعون } على البناء للمفعول دون - يرجعكم -
~~المناسب للسياق مراعاة لتناسب رؤوس الآي مع وجود التناسب المعنوي للسباق،
~~ولهذا قيل إن قراءة الجمهور أفصح من قراءة يعقوب ومجاهد، وجماعة {
~~ترجعون } مبنيا للفاعل، ولا يرد أن الآية إذا كانت خطابا للكفار 
~~ومعنى العلم ملاحظ فيها  امتنع خطابهم بما بعد  ثم وثم  من الفعلين
~~لأنهم لا يعلمون ذلك لأن ms00324 تمكنهم من العلم لوضوح الأدلة آفاقية وأنفسية 
~~وسطوع أنوارها عقلية ونقلية  منزل منزل العلم في إزاحة العذر، وبهذا
~~يندفع أيضا ما قيل: هم شاكون في نسبة ما تقدم إليه تعالى فكيف يتأتى ذلك
~~الخطاب به، ويحتمل كما قيل: أن يكون الخطاب في الآية للمؤمن والكافر فإنه
~~سبحانه لما بين دلائل التوحيد أيضا من قوله سبحانه:

# ياأيها الناس

# إلى

# فلا تجعلوا

# [البقرة: 21-22] ودلائل النبوة من

# وإن كنتم

# إلى

# إن كنتم

# [البقرة: 23] وأوعد ب

# فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا

# [البقرة: 24] الآية، ووعد ب

# وبشر الذين ءامنوا

# [البقرة: 25] الخ أكد ذلك بأن عدد عليهم النعم العامة من قوله:

# وكنتم أموتا

# إلى

# هم فيها خلدون

# [البقرة: 2839] والخاصة من

# يابني إسرائيل

# إلى

# ما ننسخ

# [البقرة: 40106] واستقبح صدور الكفر - مع تلك النعم منهم - توبيخا
~~للكافر وتقريرا للمؤمن وعد الإماتة نعمة لأنها وصلة إلى الحياة الأبدية
~~واجتماع المحب بالحبيب، وقد يقال: إن المعدود عليهم كذلك هو المعنى
~~المنتزع من القصة بأسرها.

# ومن الاشارة قول ابن عطاء { وكنتم أموتا } بالظاهر {
~~فأحيكم } بمكاشفة الأسرار { ثم يميتكم } عن أوصاف
~~العبودية { ثم يحييكم } بأوصاف الربوبية، وقال فارس: { وكنتم
~~أموتا } بشواهدكم { فأحيكم } بشواهده { ثم يميتكم }
~~عن شاهدكم { ثم يحييكم } بقيام الحق { ثم إليه
~~ترجعون } عن جميع ما لكم فتكونون له.

### || [2.29]

# { هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا } معطوف على
~~قوله تعالى:

# وكنتم

# [البقرة: 28] وترك الحرف إما لكونه كالنتيجة له أو للتنبيه على
~~الاستقلال في إفادة ما أفاده، وذكر أنه بيان نعمة أخرى مترتبة على
~~الأولى، وأريد بترتبها أن الانتفاع بها يتوقف عليها فإن النعمة إنما تسمى
~~نعمة من حيث الانتفاع بها، و { هو } لغير المتكلم والمخاطب،/ وفيه
~~لغات: تخفيف الواو مفتوحة؛ وحذفها في الشعر، وتشديدها لهمدان، وتسكينها
~~لأسد وقيس، و { هو } عند أهل الله تعالى اسم من أسمائه تعالى ينبىء عن
~~كنه حقيقته المخصوصة المبرأة عن جميع جهات الكثرة، و { هو } اسم مركب
~~من حرفين الهاء والواو، و -الهاء - أصل، و - الواو - زائدة بدليل سقوطها
~~في التثنية والجمع فليس ms00325 في الحقيقة إلا حرف واحد دال على الواحد الفرد
~~الذي لا موجود سواه و

# كل شيء هالك إلا وجهه

# [القصص: 88]، ولمزيد ما فيه من الأسرار اتخذه الأجلة مدارا لذكرهم
~~وسراجا لسرهم، وهو جار مع الأنفاس، ومسماه غائب عن الحدس والقياس، وفي {
~~جعل } الضمير مبتدأ والموصول خبرا من الدلالة على الجلالة ما لا
~~يخفى، وتقديم الظرف على المفعول الصريح لتعجيل المسرة.

# واللام للتعليل والانتفاع - أي: خلق لأجلكم جميع ما في الأرض لتنتفعوا
~~به في أمور دنياكم بالذات أو بالواسطة وفي أمور دينكم بالاستدلال
~~والاعتبار. واستدل كثير من أهل النسة - الحنفية والشافعية - بالآية على
~~إباحة الأشياء النافعة قبل ورود الشرع، وعليه أكثر المعتزلة، واختاره
~~الإمام في «المحصول»، والبيضاوي في «المنهاج». واعترض بأن اللام تجيء
~~لغير النفع ك

# إن أسأتم فلها

# [الإسراء: 7] وأجيب بأنها مجاز لاتفاق أئمة اللغة على أنها للملك ومعناه
~~الاختصاص النافع، وبأن المراد النفع بالاستدلال، وأجيب بأن التخصيص خلاف
~~الظاهر مع أن ذلك حاصل لكل مكلف من نفسه فيحمل على غيره، وذهب قوم إلى أن
~~الأصل في الأشياء قبل الحظر، وقال قوم بالوقف لتعارض الأدلة عندهم،
~~واستدلت الإباحية بالآية على مدعاهم قائلين إنها تدل على أن ما في الأرض
~~جميعا خلق للكل فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلا، ويرده أنها تدل على أن
~~الكل للكل، ولا ينافي اختصاص البعض بالبعض لموجب، فهناك شبه التوزيع،
~~والتعيين يستفاد من دليل منفصل، ولا يلزم اختصاص كل شخص بشيء واحد كما
~~ظنه السيالكوتي.

# و { ما } تعم جميع ما في الأرض لا نفسها إذ لا يكون الشيء ظرفا لنفسه
~~إلا أن يراد بها جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو ويكفي في التحدر
~~العرش المحيط، أو تجعل الجهة اعتبارية، نعم قيل: تعم كل جزء من أجزاء
~~الأرض  فإنه من جملة ضروراتها  ما فيها ضرورة وجود الجزء في الكل
~~والمغايرة اعتبارية والقول: بأن الكلام على تقدير معطوف  أي: خلق ما في
~~الأرض والأرض  لا أرضى به، وبعضهم لم يتكلف شيئا من ذلك، واستغنى بتقدم
~~الامتنان بالأرض ms00326 في قوله تعالى:

# جعل لكم الأرض فراشا

# [البقرة: 22] و { جميعا } حال مؤكدة من كلمة { ما } ولا دلالة لها
~~كما ذكره البعض على الاجتماع الزماني وهذا بخلاف معا، وجعله حالا من
~~ضمير { لكم } يضعفه السياق لأنه لتعداد النعم دون المنعم عليه مع أن
~~مقام الامتنان يناسبه المبالغة في كثرة النعم، ولاعتبار المبالغة لم
~~يجعلوه حالا من الأرض أيضا.

# { ثم استوى إلى السماء } أي علا إليها وارتفع من غير تكييف
~~ولا تمثيل ولا تحديد - قاله الربيع - أو قصد إليها بإرادته قصدا سويا
~~بلا صارف يلويه ولا عاطف يثنيه من قولهم: استوى إليه - كالسهم المرسل -
~~إذا قصده قصدا مستويا من غير أن يلوي على شيء قاله الفراء وقيل: استولى
~~وملك كما في قوله:

# فلما (علونا واستوينا عليهم)

# تركناهم صرعى لنسر وكاسر

# وهو خلاف الظاهر لاقتضائه كون { إلى } بمعنى على، وأيضا الاستيلاء
~~مؤخر عن وجود المستولي عليه فيحتاج إلى القول بأن المراد استولى على
~~إيجاد السماء فلا يقتضي تقدم الوجود، ولا يخفى ما فيه.

# والمراد بالسماء الأجرام العلوية أو جهة العلو. وثم قيل: للتراخي في
~~الوقت، وقيل: لتفاوت ما بين الخلقين، وفضل خلق السماء على خلق الأرض،
~~والناس مختلفون في خلق السماء وما فيها، والأرض وما فيها باعتبار التقدم
~~والتأخر لتعارض الظواهر في ذلك، فذهب بعض إلى تقدم خلق السموات لقوله
~~تعالى:

# أم السماء بنها * رفع سمكها فسواها * وأغطش
~~ليلها وأخرج ضحها * والأرض بعد ذلك دحها *
~~أخرج منها ماءها ومرعها * والجبال أرسها

# [النازعات: 2732] وذهب آخرون إلى تقدم خلق الأرض لقوله تعالى:

# أئنكم لتكفرون بالذى خلق الأرض فى يومين

# إلى قوله سبحانه:

# وجعل فيها رواسى من فوقها وبرك فيها وقدر
~~فيها أقوتها فى أربعة أيام سواء للسائلين *
~~ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها
~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا
~~طائعين * فقضاهن سبع سموات فى يومين وأوحى
~~فى كل سماء أمرها

# [فصلت: 912] وجمع بعضهم فقال: إن

# أخرج منها ماءها

# [النازعات: 31] بدل أو عطف بيان لدحاها أي بسطها مبين للمراد منه فيكون
~~تأخرها ليس ms00327 بمعنى تأخر ذاتها بل بمعنى تأخر خلق ما فيها وتكميله وترتيبه
~~بل خلق التمتع والانتفاع به فإن البعدية كما تكون باعتبار نفس الشيء تكون
~~باعتبار جزئه الأخير. وقيده المذكور كما لو قلت: بعثت إليك رسولا ثم كنت
~~بعثت فلانا لينظر ما يبلغه فبعث الثاني، وإن تقدم لكن ما بعث لأجله
~~متأخر فجعل نفسه متأخرا. وما رواه الحاكم والبيهقي - بسند صحيح عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما في التوفيق بين الآيتين - يشير إلى هذا، ولا
~~يعارضه ما رواه ابن جرير وغيره وصححوه عنه أيضا  «إن اليهود أتت النبي
~~صلى الله عليه وسلم فسألته عن خلق السموات والأرض فقال:

# " خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد والإثنين، وخلق الجبال وما فيهن من
~~المنافع يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران
~~والخراب، فهذه أربعة فقال تعالى: { أئنكم لتكفرون } إلى {
~~سواء للسائلين } [فصلت: 910] وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم
~~الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة "

#  لجواز أن يحمل على أنه خلق مادة ذلك وأصوله إذ لا يتصور المدائن
~~والعمران والخراب قبل، فعطفه عليه قرينة لذلك، واستشكال الإمام الرازي
~~تأخر التدحية عن خلق السماء بأن الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن
~~التدحية فإذا كانت التدحية متأخرة كان خلقها أيضا متأخرا مبني كما قيل:
~~على الغفلة لأن من يقول بتأخر دحوها عن خلقها لا يقول بعظمها ابتداء بل
~~يقول: إنها في أول الخلق كانت كهيئة الفهر ثم دحيت، فيتحقق الانفكاك ويصح
~~تأخر دحوها عن خلقها، وقوله قدس سره: إن خلق الأشياء في الأرض  لا يمكن
~~إلا إذا كانت مدحوة  لا يخفى دفعه بناء على أن المراد بذلك خلق المواد
~~والأصول لا خلق الأشياء فيها كما هو اليوم.

# وقال بعض المحققين: اختلف المفسرون في أن خلق السماء مقدم على خلق الأرض
~~أو مؤخر؟ نقل الإمام الواحدي عن مقاتل الأول  واختاره المحققون  ولم
~~يختلفوا في أن جميع ما في الأرض مما ترى مؤخر عن خلق السموات السبع بل
~~اتفقوا عليه، فحينئذ يجعل - الخلق - في الآية الكريمة ms00328 بمعنى التقدير لا
~~الإيجاد أو بمعناه ويقدر الإرادة  ويكون المعنى أراد خلق ما في الأرض
~~جميعا  لكم على حد

# إذا قمتم إلى الصلاة

# [المائدة: 6] و

# إذا وإذا قرأت

# [الإسراء: 45] ولا يخالفه

# والأرض بعد ذلك دحها

# [النازعات: 30] فإن المتقدم على خلق السماء إنما هو تقدير الأرض وجميع
~~ما فيها، أو إرادة إيجادها والمتأخر عن خلق السماء إيجاد الأرض وجميع ما
~~فيها فلا إشكال، وأما قوله سبحانه وتعالى:

# خلق الأرض فى يومين

# [فصلت: 9] فعلى تقدير الإرادة، والمعنى أراد خلق الأرض، وكذا

# وجعل فيها رواسى

# [فصلت: 10] ينبغي أن يكون بمعنى أراد أن يجعل، ويؤيد ذلك قوله تعالى:

# فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا
~~أتينا طائعين

# [فصلت: 11] فإن الظاهر أن المراد ائتيا في الوجود، ولو كانت الأرض
~~موجودة سابقة لما صح هذا فكأنه سبحانه قال: أئنكم لتكفرون بالذي أراد
~~إيجاد الأرض وما فيها من الرواسي والأقوات في أربعة أيام ثم قصد إلى
~~السماء فتعلقت إرادته بإيجاد السماء والأرض فأطاعا بأمر التكوين فأوجد
~~سبع سموات في يومين وأوجد الأرض وما فيها في أربعة أيام.

# بقي ههنا: بيان النكتة في تغيير الأسلوب حيث قدم في الظاهر ههنا وفي {
~~حم } السجدة خلق الأرض وما فيها/ على خلق السموات وعكس في النازعات
~~ولعل ذلك لأن المقام في الأولين مقام الامتنان فمقتضاه تقديم ما هو نعمة
~~نظرا إلى المخاطبين فكأنه قال سبحانه وتعالى: هو الذي دبر أمركم قبل خلق
~~السماء ثم خلق السماء، والمقام في الثالثة مقام بيان كمال القدرة فمقتضاه
~~تقديم ما هو أدل على كمالها.

# هذا والذي يفهم من بعض عبارات القوم قدس الله تعالى أسرارهم أن المحدد 
~~ويقال له سماء أيضا  مخلوق قبل الأرض وما فيها، وأن الأرض نفسها خلقت
~~بعد، ثم بعد خلقها خلقت السموات السبع، ثم بعد السبع خلق ما في الأرض من
~~معادن ونبات، ثم ظهر عالم الحيوان، ثم عالم الإنسان، فمعنى { خلق
~~لكم ما فى الأرض } حينئذ قدره أو أراد إيجاده أو أوجد مواده،
~~ومعنى

# وجعل فيها رواسى

# [فصلت: 10] الخ ms00329 في الآية الأخرى على نحو هذا، وخلق الأرض فيها على ظاهره
~~ولا يأباه قوله سبحانه:

# فقال لها وللأرض ائتيا

# [فصلت: 11] الخ لجواز حمله على معنى ائتيا بما خلقت فيكما من التأثير
~~والتأثر وإبراز ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة والكائنات المتنوعة، أو
~~إتيان السماء حدوثها وإتيان الأرض أن تصير مدحوة أو ليأت كل منكما الأخرى
~~في حدوث ما أريد توليده منكما، وبعد هذا كله لا يخلو البحث من صعوبة، ولا
~~زال الناس يستصعبونه من عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى الآن، ولنا
~~فيه إن شاء الله تعالى عودة بعد عودة، ونسأل الله تعالى التوفيق.

# { فسواهن سبع سماوات } الضمير للسماء إن فسرت بالأجرام،
~~وجاز أن يرجع إليها بناء على أنها جمع أو مؤلة به، وإلا فمبهم يفسره ما
~~بعده على حد  نعم رجلا  وفيه من التفخيم والتشويق والتمكين في النفس ما
~~لا يخفى، وفي نصب { سبع } خمسة أوجه: البدل من المبهم، أو العائد إلى
~~السماء، أو مفعول به أي سوى منهن، أو حال مقدرة، أو تمييز، أو مفعول ثان
~~لسوى بناء على أنها بمعنى صير  ولم يثبت  والبدلية أرجح لعدم الاشتقاق
~~وبعدها الحالية  كما في «البحر»  وأريد بسواهن أتمهن وقومهن وخلقهن
~~ابتداء مصونات عن العوج والفطور لا أنه سبحانه وتعالى سواهن بعد أن لم
~~يكن كذلك فهو على حد قولهم: ضيق فم البئر ووسع الدار، وفي مقارنة التسوية
~~والاستواء حسن لا يخفى لا يقال إن أرباب الأرصاد أثبتوا تسعة أفلاك، وهل
~~هي إلا سموات؟ لأنا نقول هم شاكون إلى الآن في النقصان والزيادة فإن ما
~~وجدوه من الحركات يمكن ضبطها بثمانية وسبعة بل بواحد، وبعضهم أثبتوا بين
~~فلك الثوابت والأطلس كرة لضبط الميل الكلي، وقال بعض محققيهم: لم يتبين
~~لي إلى الآن أن كرة الثوابت كرة واحدة أو كرات منطوية بعضها على بعض،
~~وأطال الإمام الرازي الكلام في ذلك وأجاد، على أنه إن صح ما شاع فليس في
~~الآية ما يدل على نفي الزوائد بناء على ما اختاره الإمام من أن ms00330 مفهوم
~~العدد ليس بحجة، وكلام البيضاوي في «تفسيره» يشير إليه خلافا لما في
~~«منهاجه» الموافق لما عليه الإمام الشافعي ونقله عنه الغزالي في
~~«المنخول»، وذكر السيالكوتي أن الحق أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على
~~نفي الزائد  والخلاف في ذلك مشهور  وإذا قلنا بكروية العرش والكرسي لم
~~يبق كلام.

# { وهو بكل شىء عليم } تذييل مقرر لما قبله من خلق السموات
~~والأرض وما فيها على هذا النمط العجيب والأسلوب الغريب

# ما ترى فى خلق الرحمن من تفوت فارجع
~~البصر هل ترى من فطور * ثم ارجع البصر كرتين
~~ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير

# [الملك: 34] وفي { عليم } من المبالغة ما ليس في عالم وليس ذلك
~~راجعا إلى نفس الصفة لأن علمه تعالى واحد لا تكثر فيه لكن لما تعلق
~~بالكلي والجزئي والموجود والمعدوم والمتناهي وغير المتناهي وصف نفسه
~~سبحانه بما دل على المبالغة  والشيء  هنا عام باق على عمومه لا تخصيص
~~فيه بوجه خلافا لمن ضل عن سواء السبيل، والجار والمجرور متعلق بعليم
~~وإنما تعدى بالباء مع أنه من علم وهو متعد بنفسه، والتقوية تكون باللام
~~لأن أمثلة المبالغة/ كما قالوا: خالفت أفعالها لأنها أشبهت أفعل التفضيل
~~لما فيها من الدلالة على الزيادة فأعطيت حكمه في التعدية وهو أنه إن كان
~~فعله متعديا فإن أفهم علما أو جهلا تعدى بالباء كأعلم به وأجهل به،
~~وعليم به وجهول به  وأعلم من يضل على التأويل وإلا تعدى باللام  كاضرب
~~لزيد و

# فعال لما يريد

# [هود: 107] وإلا تعدى بما يتعدى به فعله  كاصبر على النار، وصبور على
~~كذا  ولعل ذلك أغلبي إذ يقال رحيم به فافهم.

### || [2.30]

# { وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل فى الأرض
~~خليفة } لما امتن سبحانه على من تقدم بما تقدم أتبع ذلك بنعمة عامة
~~وكرامة تامة والإحسان إلى الأصل إحسان إلى الفرع والولد سر أبيه و (إذ)
~~ظرف زمان للماضي مبني لشبهه بالحرف وضعا وافتقارا ويكون ما بعدها جملة
~~فعلية أو إسمية، ويستفاد الزمان منها بأن يكون ثاني جزأيها فعلا أو ms00331 يكون
~~مضمونها مشهورا بالوقوع في الزمان المعين، وإذا دخلت على المضارع قلبته
~~إلى الماضي، وهي ملازمة للظرفية إلا أن يضاف إليها زمان، وفي وقوعها
~~مفعولا به أو حرف تعليل أو مفاجاة أو ظرف مكان أو زائدة خلاف، وفي
~~«البحر» إنها لا تقع، وإذا استفيد شيء من ذلك فمن المقام، واختلف
~~المعربون فيها هنا فقيل: زائدة وبمعنى قد، وفي موضع رفع أي ابتداء خلقكم
~~إذ وفي موضع نصب بمقدر  أي ابتدأ خلقكم أو أحياكم إذ  ويعتبر وقتا
~~ممتدا لا حين القول، ويقال: بعدها ومعمول  لخلقكم  المتقدم والواو
~~زائدة والفصل بما يكاد أن يكون سورة، ومتعلق  باذكر  ويكفي في صحة
~~الظرفية ظرفية المفعول  كرميت الصيد في الحرم  وهذه عدة أقوال بعضها
~~غير صحيح والبعض فيه تكلف، فاللائق أن تجعل منصوبة  بقالوا  الآتي
~~وبينهما تناسب ظاهر والجملة بما فيها عطف على ما قبلها عطف القصة على
~~القصة كذا قيل، وأنت تعلم أن المشهور القول الأخير ولعله الأولى فتدبر،
~~ولا يخفي لطف الرب هنا مضافا إلى ضميره صلى الله عليه وسلم بطريق الخطاب
~~وكان في تنويعه والخروج من عامه إلى خاصه رمزا إلى أن المقبل عليه
~~بالخطاب له الحظ الأعظم والقسم الأوفر من الجملة المخبر بها فهو صلى الله
~~عليه وسلم على الحقيقة الخليفة الأعظم في الخليقة والإمام المقدم في
~~الأرض والسموات العلى، ولولاه ما خلق آدم بل ولا ولا ولله تعالى در سيدي
~~ابن الفارض حيث يقول عن لسان الحقيقة المحمدية:

# وإني وإن كنت ابن آدم صورة

# فلي فيه معنى شاهد بأبوتي

# واللام الجارة للتبليغ، و الملائكة جمع ملأك على وزن شمائل وشمأل وهو
~~مقلوب مالك صفة مشبهة عند الكسائي، وهو مختار الجمهور من الألوكة وهي
~~الرسالة، فهم رسل إلى الناس وكالرسل إليهم، وقيل: لا قلب فابن كيسان إلى
~~أنه فعال من الملك بزيادة الهمزة لأنه مالك ما جعله الله تعالى إليه أو
~~لقوته فإن (م ل ك) يدور مع القوة والشدة يقال: ملكت العجين شددت عجنه،
~~وهو اشتقاق بعيد، وفعال قليل، وأبو ms00332 عبيدة إلى أنه مفعل من لاك إذا أرسل
~~مصدر ميمي بمعنى المفعول؛ أو اسم مكان على المبالغة، وهو اشتقاق بعيد
~~أيضا، ولم يشتهر لاك، وكثر في الاستعمال الكني إليه  أي كن لي رسولا 
~~ولم يجىء سوى هذه الصيغة فاعتبره مهموز العين، وإن أصله ألاكني، وبعض
~~جعله أجوف من لاك يلوك، والتاء لتأنيث الجمع، وقيل: للمبالغة ولم يجعل
~~لتأنيث اللفظ كالظلمة لاعتبارهم التأنيث المعنوي في كل جمع حيث قالوا: كل
~~جمع مؤنث بتأويل الجماعة وقد ورد بغير تاء في قوله:

# أبا خالد صلت عليك الملائك

# واختلف الناس في حقيقتها بعد اتفاقهم على أنها موجودة سمعا أو عقلا،
~~فذهب أكثر المسلمين إلى أنها أجسام نورانية، وقيل: هوائية قادرة على
~~التشكل والظهور بأشكال مختلفة بإذن الله تعالى، وقالت النصارى: إنها
~~الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها الصافية الخيرة، والخبيثة عندهم
~~شياطين، وقال عبدة الأوثان: إنها هذه الكواكب السعد منها ملائكة الرحمة،
~~والنحس ملائكة العذاب. والفلاسفة يقولون: إنها جواهر مجردة مخالفة
~~للنفوس/ الناطقة في الحقيقة، وصرح بعضهم بأنها العقول العشرة والنفوس
~~الفلكية التي تحرك الأفلاك، وهي عندنا منقسمة إلى قسمين. قسم شأنهم
~~الاستغراق في معرفة الحق والتنزه عن الاشتغال بغيره

# يسبحون اليل والنهار لا يفترون

# [الأنبياء: 20]، وهم العليون والملائكة المقربون. وقسم يدبر الأمر من
~~السماء إلى الأرض على ما سبق به القضاء وجرى به القلم

# لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون

# [التحريم: 6] وهم

# فالمدبرات أمرا

# [النازعات: 5] فمنهم سماوية ومنهم أرضية، ولا يعلم عددهم إلى الله. وفي
~~الخبر «أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد
~~أو راكع» وهم مختلفون في الهيآت متفاوتون في العظم، لا يراهم على ما هم
~~عليه إلا أرباب النفوس القدسية. وقد يظهرون بأبدان يشترك في رؤيتها الخاص
~~والعام وهم على ما هم عليه، حتى قيل: إن جبريل عليه السلام في وقت ظهوره
~~في صورة دحية الكلبي بين يدي المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يفارق سدرة
~~المنتهى، ومثله يقع للكمل من الأولياء، وهذا ما ms00333 وراء طور العقل  وأنا به
~~من المؤمنين  وقد ذكر أهل الله قدس الله تعالى أسرارهم أن أول مظهر للحق
~~جل شأنه العما، ولما انصبغ بالنور فتح فيه صور الملائكة المهيمين الذين
~~هم فوق عالم الأجساد الطبيعية ولا عرش ولا مخلوق تقدمهم. فلما أوجدهم
~~تجلى لهم باسمه الجميل فهاموا في جلال جماله، فهم لا يفيقون، فلما شاء أن
~~يخلق عالم التدوين والتسطير عين واحدا من هؤلاء  وهو أول ملك ظهر عن
~~ملائكة ذلك النور  سماه العقل والقلم، وتجلى في مجلى التعليم الوهبي
~~بما يريد إيجاده من خلقه لا إلى غاية، فقبل بذاته علم ما يكون، وما للحق
~~من الأسماء الإلهية الطالبة صدور هذا العالم الخلقي، فاشتق من هذا العقل
~~ما سماه اللوح، وأمر القلم أن يتدلى إليه ويودع فيه ما يكون إلى يوم
~~القيامة لا غير.

# فجعل لهذا العلم ثلثمائة وستين سنا من كونه قلما، ومن كونه عقلا
~~ثلثمائة وستين تجليا أو رقيقة كل سن أو رقيقة تفترق من ثلثمائة وستين
~~صنفا من العلوم الإجمالية فيفصلها في اللوح، وأول علم حصل فيه علم
~~الطبيعة فكانت دون النفس، وهذا كله في عالم النور الخالص، ثم أوجد سبحانه
~~الظلمة المحضة التي هي في مقابلة هذا النور بمنزلة العدم المطلق المقابل
~~للوجود المطلق فأفاض عليها النور إفاضة ذاتية بمساعدة الطبيعة، فلأم
~~شعثها ذلك النور فظهر العرش، فاستوى عليه اسم الرحمن بالاسم الظاهر فهو
~~أول ما ظهر من عالم الخلق، وخلق من ذلك النور الممتزج الملائكة الحافين،
~~وليس لهم شغل إلا كونهم  حافين من حول العرش يسبحون بحمده  ثم أوجد
~~الكرسي في جوف هذا العرش، وجعل فيه ملائكة من جنس طبيعته، فكل فلك أصل
~~لما خلق فيه من عماره، كالعناصر فيما خلق فيها من عمارها، وقسم في هذا
~~الكرسي الكلمة إلى خبر وحكم، وهما القدمان اللتان تدلتا له من العرش كما
~~ورد في الخبر. ثم خلق في جوف الكرسي الأفلاك فلكا في جوف فلك، وخلق في كل
~~فلك عالما منه يعمرونه، وزينها بالكواكب

# وأوحى فى ms00334 كل سماء أمرها

# [فصلت: 12] إلى أن خلق صور المولدات، وتجلى لكل صنف منها بحسب ما هي
~~عليه، فتكون من ذلك أرواح الصور وأمرها بتدبيرها وجعلها غير منقسمة بل
~~ذاتا واحدة، وميز بعضها عن بعض فتميزت وكان تمييزها بحسب قبول الصور من
~~ذلك التجلي، وهذه الصور في الحقيقة كالمظاهر لتلك الأرواح، ثم أحدث
~~سبحانه الصور الجسدية الخيالية بتجل آخر، وجعل لكل من الأرواح والصور
~~غذاء يناسبه، ولا يزال الحق سبحانه يخلق من أنفاس العالم ملائكة ما داموا
~~متنفسين، وسبحان من يقول للشيء كن فيكون.

# إذا علمت ذلك فاعلم أنهم اختلفوا في الملائكة المقول لهم، فقيل: كلهم
~~لعموم اللفظ وعدم المخصص، فشمل المهيمين وغيرهم، وقيل: ملائكة الأرض
~~بقرينة أن الكلام في خلافة الأرض، وقيل: إبليس ومن كان معه في محاربة
~~الجن/ الذين أسكنوا الأرض دهرا طويلا ففسدوا فبعث الله تعالى عليهم
~~جندا من الملائكة يقال لهم الجن أيضا وهم خزان الجنة  اشتق لهم اسم
~~منها  فطردوهم إلى شعوب الجبال والجزائر. والذي عليه السادة الصوفية قدس
~~الله تعالى أسرارهم، أنهم ما عدا العالمين ممن كان مودعا شيئا من أسماء
~~الله تعالى وصفاته، وأن العالمين غير داخلين في الخطاب ولا مأمورين
~~بالسجود لاستغراقهم وعدم شعورهم بسوى الذات، وقوله تعالى:

# أستكبرت أم كنت من العلين

# [ص: 57] يشير إلى ذلك عندهم، وجعلوا من أولئك الملك المسمى بالروح
~~وبالقلم الأعلى وبالعقل الأول وهو المرآة لذاته تعالى، فلا يظهر بذاته
~~إلا في هذا الملك، وظهوره في جميع المخلوقات إنما هو بصفاته فهو قطب
~~العالم الدنيوي والأخروي وقطب أهل الجنة والنار وأهل الكثيب والأعراف،
~~وما من شيء إلا ولهذا الملك فيه وجه يدور ذلك المخلوق على وجهه فهو قطبه،
~~وهو قد كان عالما بخلق آدم ورتبته، فإنه الذي سطر في اللوح ما كان وما
~~يكون، واللوح قد علم علم ذوق ما خطه القلم فيه، وقد ظهر هذا الملك بكماله
~~في الحقيقة المحمدية كما يشير إليه قوله تعالى:

# وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا

# [الشورى: 52] ولهذا كان صلى الله عليه ms00335 وسلم أفضل خلق الله تعالى على
~~الإطلاق، بل هو الخليفة على الحقيقة في السبع الطباق، وليس هذا بالبعيد
~~فليفهم.

# و (جاعل) اسم فاعل من الجعل بمعنى التصيير فيتعدى لاثنين، والأول: هنا
~~خليفة، والثاني: { فى الأرض } أو بمعنى الخلق فيتعدى لواحد، ف { فى
~~الأرض } متعلق بخليفة، وقدم للتشويق وعمل الوصف لأنه بمعنى الاستقبال
~~ومعتمد على مسند إليه، ورجح في «البحر» كونه بمعنى الخلق لما في المقابل،
~~ويلزم  على كونه بمعنى التصيير  ذكر خليفة أو تقديره فيه. والمراد من
~~الأرض إما كلها وهو الظاهر، وبه قال الجمهور، أو أرض مكة، وروي هذا
~~مرفوعا والظاهر أنه لم يصح، وإلا لم يعدل عنه، وخص سبحانه الأرض لأنها
~~من عالم التغيير والاستحالات، فيظهر بحكم الخلافة فيها حكم جميع الأسماء
~~الإلهية التي طلب الحق ظهوره بها بخلاف العالم الأعلى.

# و- والخليفة - من يخلف غيره وينوب عنه، والهاء للمبالغة، ولهذا يطلق على
~~المذكر، والمشهور أن المراد به آدم عليه السلام وهو الموافق للرواية
~~ولإفراد اللفط ولما في السياق، ونسبة سفك الدم والفساد إليه حينئذ بطريق
~~التسبب أو المراد  بمن يفسد  الخ من فيه قوة ذلك، ومعنى كونه خليفة أنه
~~خليفة الله تعالى في أرضه، وكذا كل نبي استخلفهم في عمارة الأرض وسياسة
~~الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم لا لحاجة به تعالى، ولكن لقصور
~~المستخلف عليه لما أنه في غاية الكدورة والظلمة الجسمانية، وذاته تعالى
~~في غاية التقدس، والمناسبة شرط في قبول الفيض على ما جرت به العادة
~~الإلهية فلا بد من متوسط ذي جهتي تجرد وتعلق ليستفيض من جهة ويفيض بأخرى.
~~وقيل: هو وذريته عليه السلام، ويؤيده ظاهر قول الملائكة، فإلزامهم حينئذ
~~بإظهار فضل آدم عليهم لكونه الأصل المستتبع من عداه، وهذا كما يستغني
~~بذكر أبي القبيلة عنهم، إلا أن ذكر الأب بالعلم وما هنا بالوصف، ومعنى
~~كونهم خلفاء أنهم يخلفون من قبلهم من الجن بني الجان أو من إبليس ومن معه
~~من الملائكة المبعوثين لحرب أولئك على ما نطقت به الآثار، أو أنه يخلف
~~بعضهم بعضا، ms00336 وعند أهل الله تعالى المراد بالخليفة آدم وهو عليه السلام
~~خليفة الله تعالى وأبو الخلفاء والمجلي له سبحانه وتعالى، والجامع لصفتي
~~جماله وجلاله، ولهذا جمعت له اليدان وكلتاهما يمين، وليس في الموجودات من
~~وسع الحق سواه، ومن هنا قال الخليفة الأعظم صلى الله عليه وسلم:

# " إن الله تعالى خلق آدم على صورته أو  على  صورة الرحمن "

# وبه جمعت الأضداد وكملت النشأة وظهر الحق، ولم تزل تلك الخلافة في
~~الإنسان الكامل إلى قيام الساعة وساعة القيام، بل متى فارق هذا/ الإنسان
~~العالم مات العالم لأنه الروح الذي به قوامه، فهو العماد المعنوي للسماء،
~~والدار الدنيا جارحة من جوارح جسد العالم الذي الإنسان روحه. ولما كان
~~هذا الاسم الجامع قابل الحضرتين بذاته صحت له الخلافة وتدبير العالم
~~والله سبحانه الفعال لما يريد، ولا فاعل على الحقيقة سواه وفي المقام
~~ضيق، والمنكرون كثيرون ولا مستعان إلا بالله عز وجل.

# وفائدة قوله تعالى هذا للملائكة تعليم المشاورة لأن هذه المعاملة تشبهها
~~أو تعظيم شأن المجعول وإظهار فضله ويحتمل أنه سبحانه أراد بذلك تعريف آدم
~~عليه السلام لهم ليعرفوا قدره لأنه باطن عن الصورة الكونية بما عنده من
~~الصورة الإلهية وما يعرفه لبطونه من الملأ الأعلى إلا اللوح والقلم، وكان
~~هذا القول على ما ذكره الشيخ الأكبر قدس سره في دولة السنبلة بعد مضي
~~سبعة عشر ألف سنة من عمر الدنيا ومن عمر الآخرة التي لا نهاية له في
~~الدوام ثمانية آلاف سنة، ومن عمر العالم الطبيعي المقيد بالزمان المحصور
~~بالمكان إحدى وسبعون ألف سنة من السنين المعروفة الحاصلة أيامها من دورة
~~الفلك الأول وهو يوم وخمسا يوم من أيام ذي المعارج ولله تعالى الأمر من
~~قبل ومن بعد، وقرأ زيد بن علي - (خليقة) - بالقاف والمعنى واضح.

# { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء
~~} استكشاف عن الحكمة الخفية وعما يزيل الشبهة وليس استفهاما عن نفس
~~الجعل والاستخلاف لأنهم قد علموه قبل، فالمسؤول عنه هو الجعل ولكن لا
~~باعتبار ذاته بل باعتبار حكمته ومزيل شبهته، ms00337 أو تعجب من أن يستخلف لعمارة
~~الأرض وإصلاحها من يفسد فيها، أو يستخلف مكان أهل الفساد مثلهم أو مكان
~~أهل الطاعة أهل المعصية، وقيل استفهام محض حذف فيه المعادل  أي: أتجعل
~~فيها من يفسد أم تجعل من لا يفسد  وجعله بعضهم من الجملة الحالية  أي:
~~أتجعل فيها  كذا  ونحن نسبح بحمدك أم نتغير  واختار ذلك شيخنا علاء
~~الدين الموصلي روح الله تعالى روحه، والأدب يسكتني عنه، وعلى كل تقدير
~~ليست الهمزة للإنكار كما زعمته الحشوية مستدلين بالآية على عدم عصمة
~~الملائكة لاعتراضهم على الله تعالى وطعنهم في بني آدم، ومن العجيب أن
~~مولانا الشعراني  وهو من أكابر أهل السنة بل من مشايخ أهل الله تعالى 
~~نقل عن شيخه الخواص أنه خص العصمة بملائكة السماء معللا له بأنهم عقول
~~مجردة بلا منازع ولا شهوة، وقال: إن الملائكة الأرضية غير معصومين ولذلك
~~وقع إبليس فيما وقع إذ كان من ملائكة الأرض الساكنين بجبل الياقوت
~~بالمشرق عند خط الاستواء فعليه لا يبعد الاعتراض ممن كان في الأرض
~~والعياذ بالله تعالى، ويستأنس له بما ورد في بعض الأخبار أن القائلين
~~كانوا عشرة آلاف نزلت عليهم نار فأحرقتهم، وعندي أن ذلك غير صحيح، وقيل:
~~إن القائل إبليس وقد كان إذ ذاك معدودا في عداد الملائكة ويكون نسبة
~~القول إليهم على حد  بنو فلان قتلوا فلانا  والقاتل واحد منهم، والوجه
~~ما قررنا وتكرار الظرف للدلالة على الإفراط في الفساد ولم يكرره بعد
~~للاكتفاء مع ما في التكرار مما لا يخفى.

# والسفك الصب والإراقة ولا يستعمل إلا في الدم أو فيه وفي الدمع والعطف
~~من عطف الخاص على العام للإشارة إلى عظم هذه المعصية لأنه بها تتلاشى
~~الهياكل الجسمانية، والدماء جمع دم لامه ياء أو واو وقصره وتضعيفه
~~مسموعان، وأصله فعل أو فعل، والمراد بها المحرمة بقرينة المقام، وقيل:
~~الاستغراق فيتضمن جميع أنواعها من المحظور وغيره والمقصود عدم تمييزه
~~بينها.

# وقرأ ابن أبي عبلة - (يسفك) - بضم الفاء، ويسفك من أسفك وبالتضعيف من
~~سفك، وقرأ ابن هرمز بنصب ms00338 الكاف وخرج على النصب في جواب الاستفهام، وقرىء
~~على البناء للمجهول، والراجع إلى من حينئذ سواء جعل موصولا أو موصوفا/
~~محذوف  أي فيهم  وحكم الملائكة بالإفساد والسفك على الإنسان بناء على
~~بعض هاتيك الوجوه ليس من ادعاء علم الغيب أو الحكم بالظن والتخمين ولكن
~~بإخبار من الله تعالى ولم يقص علينا فيما حكي عنهم اكتفاء بدلالة الجواب
~~عليه للإيجاز كما هو عادة القرآن، ويؤيد ذلك ما روي في بعض الآثار أنه
~~لما قال الله تعالى ذلك قالوا: وما يكون من ذلك الخليفة؟ قال: تكون له
~~ذرية يفسدون في الأرض ويقتل بعضهم بعضا فعند ذلك قالوا: ربنا {
~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } وقيل:
~~عرفوا ذلك من اللوح ويبعده عدم علم الجواب، ويحتاج الجواب إلى تكلف،
~~وقيل: عرفوه استنباطا عما ركز في عقولهم من عدم عصمة غيرهم المفضي إلى
~~العلم بصدور المعصية عمن عداهم المفضي إلى التنازع والتشاجر إذ من لا
~~يرحم نفسه لا يرحم غيره، وذلك يفضي إلى الفساد وسفك الدماء، وقيل: قياسا
~~لأحد الثقلين على الآخر بجامع اشتراكهما في عدم العصمة ولا يخفى ما في
~~القولين، ويحتمل أنهم علموا ذلك من تسميته خليفة لأن الخلافة تقتضي
~~الإصلاح وقهر المستخلف عليه وهو يستلزم أن يصدر منه فساد إما في ذاته
~~بمقتضى الشهوة أو في غيره من السفك أو لأنها مجلى الجلال كما أنها مجلى
~~الجمال، ولكل آثار، - والإفساد والسفك - من آثار الجلال وسكتوا عن آثار
~~الجمال إذ لا غرابة فيها وهم على كل تقدير ما قدروا الله تعالى حق قدره
~~ولا يخل ذلك بهم ففوق كل ذي علم عليم.

# { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } حال من ضمير الفاعل
~~في { أتجعل } وفيها تقرير لجهة الإشكال، والمعنى تستخلف من ذكر ونحن
~~المعصومون وليس المقصود إلا الاستفسار عن المرجح لا العجب والتفاخر حتى
~~يضر بعصمتهم كما زعمت الحشوية، ولزوم الضمير، وترك الواو في الجملة
~~الاسمية إذا وقعت حالا مؤكدة غير مسلم كما في «شرح التسهيل» وصيغة
~~المضارع للاستمرار، وتقديم المسند إليه على ms00339 المسند الفعلي للاختصاص. ومن
~~الغريب جعل الجملة استفهامية حذف منها الأداة، وكذا المعادل والتسبيح في
~~الأصل مطلق التبعيد، والمراد به تبعيد الله تعالى عن السوء وهو متعد
~~بنفسه ويعدى باللام إشعارا بأن إيقاع الفعل لأجل الله تعالى وخالصا
~~لوجهه سبحانه فالمفعول المقدر ههنا يمكن أن يكون باللام على وفق قرينه،
~~وأن يكون بدونه كما هو أصله.

# و { بحمدك } في موضع الحال والباء لاستدامة الصحبة والمعية، وإضافة
~~الحمد إما إلى الفاعل والمراد لازمه مجازا من التوفيق والهداية، أو إلى
~~المفعول أي متلبسين بحمدنا لك على ما وفقتنا لتسبيحك، وفي ذلك نفي ما
~~يوهمه الإسناد من العجب، وقيل: المراد به تسبيح خاص وهو  سبحان ذي الملك
~~والملكوت سبحانه ذي العظمة والجبروت سبحان الحي الذي لا يموت  ويعرف هذا
~~بتسبيح الملائكة، أو  سبحان الله وبحمده  وفي حديث عن عبادة بن الصامت
~~عن أبي ذر:

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفى الله
~~تعالى لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده "

# أي وبحمده نسبح.

# و- التقديس - في المشهور كالتسبيح معنى، واحتاجوا لدفع التكرار إلى أن
~~أحدهما باعتبار الطاعات والآخر باعتبار الاعتقادات، وقيل: التسبيح تنزيهه
~~تعالى عما لا يليق به، والتقديس تنزيهه في ذاته عما لا يراه لائقا بنفسه
~~فهو أبلغ ويشهد له أنه حيث جمع بينهما آخر نحو  سبوح قدوس  ويحتمل أن
~~يكون بمعنى التطهير، والمراد نسبحك ونطهر أنفسنا من الأدناس أو أفعالنا
~~من المعاصي فلا نفعل فعلهم من الإفساد والسفك أو نطهر قلوبنا عن الالتفات
~~إلى غيرك، ولام { لك } إما للعلة متعلق  بنقدس  والحمل على التنازع
~~مما فيه تنازع أو معدية للفعل كما في  سجدت لله تعالى  أو للبيان كما
~~في  سفها لك  فمتعلقها حينئذ خبر مبتدأ محذوف أو زائدة والمفعول هو
~~المجرور.

# ثم الظاهر أن قائل هذه الجملة هو قائل الجملة الأولى، وأغرب الشيخ/ صفي
~~الدين الخزرجي في كتابه «فك الأزرار» فجعل القائل مختلفا، وبين ذلك بأن
~~الملائكة كانوا حين ورود الخطاب عليهم مجملين وكان إبليس مندرجا في ms00340
~~جملتهم فورد الجواب منهم مجملا، فلما انفصل إبليس عن جملتهم بإبائه
~~انفصل الجواب إلى نوعين، فنوع الاعتراض منه، ونوع التسبيح والتقديس ممن
~~عداه، فانقسم الجواب إلى قسمين كانقسام الجنس إلى جنسين، وناسب كل جواب
~~من ظهر عنه، فالكلام شبيه بقوله تعالى:

# وقالوا كونوا هودا أو نصرى تهتدوا

# [البقرة: 135] وهو تأويل لا تفسير.

# { قال إني أعلم ما لا تعلمون } أي أعلم من الحكم في ذلك
~~ما أنتم بمعزل عنه، وقيل: أراد بذلك علمه بمعصية إبليس وطاعة آدم، وقيل:
~~بأنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء وصالحون، وقيل: الأحسن أن يفسر هذا
~~المبهم بما أخبر به تعالى عنه بقوله سبحانه:

# إني أعلم غيب السموات والأرض

# [البقرة: 33] ويفهم من كلام القوم قدس الله تعالى أسرارهم، أن المراد من
~~الآية بيان الحكمة في الخلافة على أدق وجه وأكمله، فكأنه قال جل شأنه 
~~أريد الظهور بأسمائي وصفاتي ولم يكمل ذلك بخلقكم  فإني أعلم ما لا
~~تعلمونه لقصور استعدادكم ونقصان قابليتكم، فلا تصلحون لظهور جميع الأسماء
~~والصفات فيكم، فلا تتم بكم معرفتي ولا يظهر عليكم كنزي، فلا بد من إظهار
~~من تم استعداده، وكملت قابليته ليكون مجلي لي ومرآة لأسمائي وصفاتي
~~ومظهرا للمتقابلات في، ومظهرا لما خفي عندي، وبي يسمع وبي يبصر وبي
~~وبي، وبعد ذاك يرق الزجاج والخمر، وإلى الله عز شأنه يرجع الأمر. و {
~~أعلم } فعل مضارع، واحتمال أنه أفعل تفضيل مما لا ينبغي أن يخرج عليه
~~كتاب الله سبحانه كما لا يخفى.

### || [2.31]

# { وعلم ءادم الأسماء كلها } عطف على

# قال

# [البقرة: 30]، وفيه تحقيق لمضمون ما تقدم، وظاهر الابتداء بحكاية
~~التعليم يدل على أن ما مر من المقاولة إنما جرت بعد خلقه عليه السلام
~~بمحضر منه بأن قيل إثر نفخ الروح فيه: إن جاعل إياه خليفة، فقيل ما قيل،
~~وقيل: إنه معطوف على محذوف، أي فخلق وعلم، أو فخلقه وسواه ونفخ فيه الروح
~~وعلم، أو فجعل في الأرض خليفة وعلم، وإبراز اسمه عليه السلام للتنصيص
~~عليه والتنويه بذكره.

# وآدم صرح الجواليقي وكثيرون أنه عربي ووزنه ms00341 أفعل من الأدمة - بضم فسكون
~~- السمرة وياما أحيلاها في بعض، وفسرها أناس بالبياض أو الأدمة  بفتحتين
~~ الأسوة والقدوة أو من أديم الأرض ما ظهر منها. وقد أخرج أحمد والترمذي
~~وصححه غير واحد، أنه تعالى قبض قبضة من جميع الأرض سهلها وحزنها، فخلق
~~منها آدم، فلذلك تأتي بنوه أخيافا، أو من الأدم أو الأدمة، الموافقة
~~والألفة، وأصله أأدم  بهمزتين  فأبدلت الثانية ألفا لسكونها بعد فتحة،
~~ومنع صرفه للعلمية ووزن الفعل، وقيل: أعجمي ووزنه فاعل - بفتح العين -
~~ويكثر هذا في الأسماء كشالخ وآزر ويشهد له جمعه على أوادم - بالواو - لا
~~ أآدم  بالهمزة، وكذا تصغيره على  أويدم  لا  أؤيدم  واعتذر عنه
~~الجوهري بأنه ليس للهمزة أصل في البناء معروف، فجعل الغالب عليها  الواو
~~ ولم يسلموه له، وحينئذ لا يجري الاشتقاق فيه لأنه من تلك اللغة لا
~~نعلمه ومن غيرها لا يصح، والتوافق بين اللغات بعيد، وإن ذكر فيه فذاك
~~للإشارة إلى أنه بعد التعريب ملحق بكلامهم، وهو اشتقاق تقديري اعتبروه
~~لمعرفة الوزن والزائد فيه من غيره، ومن أجراه فيه حقيقة كمن جمع بين الضب
~~والنون، ولعل هذا أقرب إلى الصواب.

# والأسماء جمع اسم وهو باعتبار الاشتقاق ما يكون علامة للشيء ودليلا
~~يرفعه إلى الذهن من الألفاظ الموضوعة بجميع اللغات والصفات والأفعال،
~~واستعمل عرفا في الموضوع/ لمعنى مفردا كان أو مركبا مخبرا عنه أو
~~خبرا أو رابطة بينهما، وكلا المعنيين محتمل. والعلم بالألفاظ المفردة
~~والمركبة تركيبا خبريا أو إنشائيا يستلزم العلم بالمعاني التصورية
~~والتصديقية. وإرادة المعنى المصطلح مما لا يصلح لحدوثه بعد القرآن. وقال
~~الإمام: المراد بالأسماء صفات الأشياء ونعوتها وخواصها، لأنها علامات
~~دالة على ماهياتها، فجاز أن يعبر عنها بالأسماء، وفيه كما قال الشهاب نظر
~~إذ لم يعهد إطلاق الاسم على مثله حتى يفسر به النظم، وقيل: المراد بها
~~أسماء ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وعزي إلى ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما، وقيل: اللغات، وقيل: أسماء الملائكة، وقيل: أسماء النجوم،
~~وقال الحكيم الترمذي: أسماؤه تعالى، وقيل وقيل وقيل.

# والحق عندي ms00342 ما عليه أهل الله تعالى، وهو الذي يقتضيه منصب الخلافة الذي
~~علمت، وهو أنها أسماء الأشياء علوية أو سفلية جوهرية أو عرضية، ويقال لها
~~أسماء الله تعالى عندهم باعتبار دلالتها عليه، وظهوره فيها غير متقيد
~~بها. ولهذا قالوا: إن أسماء الله تعالى غير متناهية، إذ ما من شيء يبرز
~~للوجود من خبايا الجود، إلا وهو اسم من أسمائه تعالى وشأن من شؤونه عز
~~شأنه، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن. ومن هنا قال قدس سره:

# إن الوجود وإن تعدد ظاهرا

# وحياتكم ما فيه إلا أنتم

# لكن للفرق مقام وللجمع مقام ولكل مقام مقال، ولولا المراتب لتعطلت
~~الأسماء والصفات، وتعليمها له عليه السلام على هذا ظهور الحق جل وعلا فيه
~~منزها عن الحلول والاتحاد والتشبيه بجميع أسمائه وصفاته المتقابلة حسب
~~استعداده الجامع بحيث علم وجه الحق في تلك الأشياء، وعلم ما انطوت عليه
~~وفهم ما أشارت إليه، فلم يخف عليه منها خافية ولم يبق من أسرارها باقية،
~~فيالله هذا الجرم الصغير كيف حوى هذا العلم الغزير.

# واختلف الرسميون بينهم في كيفية التعليم بعد أن فسر بأنه فعل يترتب عليه
~~العلم غالبا، وبعد حصول ما يتوقف عليه من جهة المتعلم كاستعداده لقبول
~~الفيض وتلقيه من جهة المعلم لا تخلف فقيل: بأن خلق فيه  عليه السلام
~~بموجب استعداده  علما ضروريا تفصيليا بتلك الأسماء وبمدلولاتها
~~وبدلالتها ووجه دلالتها، وقيل: بأن خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباينة
~~مستعدا لإدراك أنواع المدركات، وألهمه معرفة ذوات الأشياء وأسمائها
~~وخواصها ومعارفها وأصول العلم وقوانين الصناعات وتفاصيل آلاتها وكيفيات
~~استعمالاتها فيكون ما مر من المقاولة قبل خلقه عليه السلام، والقول: بأن
~~التعليم على ظاهره  وكان بواسطة ملك غير داخل في عموم الخطاب ب {
~~أنبؤوني }  مما لا أرتضيه، اللهم إلا إن صح خبر في ذلك، ومع هذا أقول:
~~للخبر محمل غير ما يتبادر مما لا يخفى على من له ذوق، وقيل: غير ذلك.

# ثم إن هذا التعليم لا يقتضي تقدم لغة اصطلاحية كما زعمه أبو هاشم واحتج
~~عليه بوجوه ردت في ms00343 «التفسير الكبير»، إذ لو افتقر لتسلسل الأمر أو دار،
~~والإمام الأشعري يستدل بهذه الآية على أن الواضع للغات كلها هو الله
~~تعالى ابتداء ويجوز حدوث بعض الأوضاع من البشر كما يضع الرجل علم ابنه.
~~والمعتزلة يقولون: الواضع من البشر آدم أو غيره ويسمى مذهب الاصطلاح.
~~وقيل: وضع الله تعالى بعضها ووضع الباقي البشر وهو مذهب التوزيع وبه قال
~~الأستاذ، والمسألة مفصلة بأدلتها وما لها وما عليها في أصول الفقه.

# وقرأ اليماني: { وعلم } مبنيا للمفعول، وفي «البحر» أن التضعيف
~~للتعدية وهي به سماعية، وقيل: قياسية، والحريري في - " شرح لمحته " -
~~يزعم أن - علم - المتعدي لاثنين يتعدى به إلى ثلاثة، وقد وهم في ذلك.

# { ثم عرضهم على الملئكة } أي المسميات المفهومة من
~~الكلام وتذكير الضمير على بعض الوجوه لتغليب ما اشتملت عليه من العقلاء،
~~وللتعظيم بتنزيلها منزلتهم في رأي على البعض الآخر. وقيل: الضمير للأسماء
~~باعتبار أنها المسميات مجازا على طريق الاستخدام. ومن قال: الاسم عين
~~المسمى قال: الأسماء هي المسميات/ والضمير لها بلا تكلف  وإليه ذهب مكي
~~والمهدوي - ويرد عليه أن { أنبئونى بأسماء هؤلاء } يدل على أن
~~العرض للسؤال عن أسماء المعروضات - لا عن نفسها - وإلا لقيل: أنبؤوني
~~بهؤلاء، فلا بد أن يكون المعروض غير المسؤول عنه فلا يكون نفس الأسماء،
~~ومعنى عرض المسميات تصويرها لقلوب الملائكة، أو إظهارها لهم كالذر، أو
~~إخبارهم بما سيوجده من العقلاء وغيرهم إجمالا، وسؤالهم عما لا بد لهم
~~منه من العلوم والصنائع التي بها نظام معاشهم ومعادهم إجمالا أيضا،
~~وإلا فالتفصيل لا يمكن علمه لغير اللطيف الخبير، فكأنه سبحانه قال: سأوجد
~~كذا وكذا فأخبروني بما لهم وما عليهم، وما أسماء تلك الأنواع من قولهم:
~~عرضت أمري على فلان فقال لي كذا، فلا يرد أن المسميات عند بعض أعيان
~~ومعان، وكيف تعرض المعاني كالسرور والحزن والجهل والعلم، وعندي أن عرض
~~المسميات عليهم يحتمل أن يكون عبارة عن اطلاعهم على الصور العلمية
~~والأعيان الثابتة التي قد يطلع عليها في هذه النشأة بعض عباد الله تعالى
~~المجردين، أو إظهار ms00344 ذلك لهم في عالم تتجسد فيه المعاني - وهذا غير ممتنع
~~على الله تعالى - بل إن المعاني الآن متشكلة في عالم الملكوت بحيث يراها
~~من يراها، ومن أحاط خبرا بعالم المثال لم يستبعد ذلك، وقيل: إنهم شهدوا
~~تلك المسميات في آدم عليه السلام، وهو المراد بعرضها:

# وتزعم أنك جرم صغير

# وفيك انطوى العالم الأكبر

# وقرأ أبي: { ثم عرضها } وعبد الله: { عرضهن } والمعنى عرض
~~مسمياتها أو مسمياتهن، وقيل: لا تقدير.

# { فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء } تعجيز لهم وليس من التكليف
~~بما لا يطاق  على ما وهم  وفيه إشارة إلى أن أمر الخلافة والتصرف
~~والتدبير وإقامة المعدلة بغير وقوف على مراتب الاستعدادات ومقادير الحقوق
~~مما لا يكاد يمكن، فكيف يروم الخلافة من لا يعرف ذلك، أو من لا يعرف
~~الألفاظ أنفسها؟! - هيهات ذلك أبعد من العيوق وأعز من بيض الأنوق - وعندي
~~أن المراد إظهار عجزهم وقصور استعدادهم عن رتبة الخلافة الجامعة للظاهر
~~والباطن بأمرهم بالإنباء بتلك الأسماء على الوجه الذي أريد منها، والعاجز
~~عن نفس الإنباء أعجز عن التحلي المطلوب في ذلك المنصب المحبوب:

# كيف الوصول إلى سعاد ودونها

# قلل الجبال ودونهن حتوف

# الرجل حافية ومالي مركب

# والكف صفر والطريق مخوف

# و- الإنباء - في الأصل مطلق الإخبار - وهو الظاهر - هنا ويطلق على
~~الإخبار بما فيه فائدة عظيمة ويحصل به علم أو غلبة ظن، وقال بعضهم: إنه
~~إخبار فيه إعلام، ولذلك يجري مجرى كل منهما، واختاره هنا - على ما قيل
~~للإيذان - برفعة شأن الأسماء وعظم خطرها؛ وهذا مبني على أن النبأ إنما
~~يطلق على الخبر الخطير والأمر العظيم، وفي استعمال - ثم - فيما تقدم -
~~والفاء - هنا ما لا يخفى من الاعتناء بشأن آدم عليه السلام وعدمه في
~~شأنهم.

# وقرأ الأعمش: { أنبئونى } بغير همز.

# { إن كنتم صدقين } أي فيما اختلج في خواطركم من أني لا أخلق
~~خلقا إلا أنتم أعلم منه وأفضل - وهذا هو التفسير المأثور - فقد أخرج ابن
~~جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الملائكة قالوا: لن يخلق الله تعالى
~~خلقا أكرم عليه منا ولا ms00345 أعلم، وفي الكلام دلالة عليه، فإن

# ونحن نسبح

# [البقرة: 30] الخ يدل على أفضليتهم، وتنزيه الله تعالى وتقديسه - أو
~~تقديسهم أنفسهم - يدل على كمال العلم أيضا. وقيل: إن المعنى { إن
~~كنتم صدقين } في زعمكم أنكم أحق بالاستخلاف أو في أن استخلافهم
~~لا يليق فأثبتوه ببيان ما فيكم من الشرائط السابقة - وليس هذا من المعصية
~~في شيء - لأنه شبهة اختلجت، وسألوا عما يزيحها وليس باختياري، ولا يرد/
~~أن الصدق والكذب إنما يتعلق بالخبر - وهم استخبروا ولم يخبروا - لأنا
~~نقول: هما يتطرقان إلى الإنشاءات بالقصد الثاني، ومن حيث ما يلزم
~~مدلولها، وإن لم يتطرقا إليها بالقصد الأول ومن حيث منطوقها، وجواب { إن
~~} في مثل هذا الموضع محذوف عند سيبويه وجمهور البصريين يدل عليه السابق،
~~وهو هنا { أنبئونى } وعند الكوفيين وأبي زيد والمبرد أن الجواب هو
~~المتقدم، وهذا هو النقل الصحيح عمن ذكر في المسألة، ووهم البعض فعكس
~~الأمر، ومن زعم أن { إن } هنا بمعنى إذا الظرفية - فلا تحتاج إلى جواب -
~~فقد وهم، وكأنه لما رأى عصمة الملائكة وظن من الآية ما يخل بها، ولم يجد
~~لها محملا مع إبقاء { إن } على ظاهرها افتقر إلى ذلك، والحمد لله تعالى
~~على ما أغنانا من فضله ولم يحوجنا إلى هذا ولا إلى القول بأن الغرض من
~~الشرطية التوكيد لما نبههم عليه من القصور والعجز، فحاصل المعنى حينئذ
~~أخبروني ولا تقولوا إلا حقا - كما قال الإمام -.

### || [2.32]

# { قالوا سبحنك لا علم لنا إلا ما علمتنا }
~~استئناف واقع موقع الجواب كأنه قيل: فماذا قالوا إذ ذاك: هل خرجوا عن
~~عهدة ما كلفوه أولا؟ فقيل: { قالوا }: الخ. وذكر غير واحد أن الجمل
~~المفتتحة بالقول - إذا كانت مرتبا بعضها على بعض في المعنى فالأفصح أن
~~لا يؤتى فيها بحرف اكتفاء بالترتيب المعنوي، وقد جاء في سورة الشعراء من
~~ذلك كثير، بل القرآن مملوء منه، وسبحان قيل: إنه مصدر، وفعله - سبح -
~~مخففا بمعنى نزه، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا، إما للمفعول أو الفاعل
~~منصوبا بإضمار فعل وجوبا، وقوله:

# سبحانه ثم سبحانا ms00346 نعوذ به

# وقبلنا سبح الجودي والجمد

# شاذ كقوله:

# سبحانك اللهم ذا السبحان

# ومجئيه منادى مما زعمه الكسائي ولا حجة له وذهب جماعة إلى أنه علم
~~للتسبيح - بمعنى التنزيه - لا مصدر سبح - بمعنى قال: سبحان الله لئلا
~~يلزم الدور ولأن مدلول ذلك لفظ ومدلول هذا معنى واستدل على ذلك بقوله:

# قد قلت لما جاءني فخره

# سبحان من علقمة الفاخر

# إذ لولا أنه علم لوجب صرفه لأن الألف والنون في غير الصفات إنما تمنع
~~مع العلمية، وأجيب بأن - سبحان - فيه على حذف المضاف إليه أي - سبحان
~~الله - وهو مراد للعلم به، وأبقى المضاف على حاله مراعاة لأغلب أحواله -
~~وهو التجرد عن التنوين - وقيل: (من) زائدة والإضافة لما بعدها على التهكم
~~والاستهزاء به، ومن الغريب قول بعض: إن معنى { سبحنك } تنزيه لك
~~بعد تنزيه، كما قالوا في - لبيك - إجابة بعد إجابة، ويلزم على هذا ظاهرا
~~أن يكون مثنى ومفرده سبحا وأن لا يكون منصوبا - بل مرفوع - وأنه لم تسقط
~~النون للإضافة وإنما التزم فتحها، ويا سبحان الله تعالى لمن يقول ذلك،
~~والغرض من هذا الجواب الاعتراف بالعجز عن أمر الخلافة، والقصور عن معرفة
~~الأسماء على أبلغ وجه كأنهم قالوا: لا علم لنا إلا ما علمتنا - ولم
~~تعلمنا الأسماء - فكيف نعلمها؟ وفيه إشعار بأن سؤالهم لم يكن إلا
~~استفسارا، إذ لا علم لهم إلا من طريق التعليم، ومن جملته علمهم بحكمة
~~الاستخلاف مما تقدم فهو بطريق التعليم أيضا - فالسؤال المترتب هو عليه
~~سؤال مستفسر لا معترض وثناء عليه تعالى بما أفاض عليهم مع غاية التواضع
~~ومراعاة الأدب وترك الدعوى، ولهذا كله لم يقولوا - لا علم لنا بالأسماء -
~~مع أنه كان مقتضى الظاهر ذلك، ومن زعم عدم العصمة جعل هذا توبة، والإنصاف
~~أنه يشبهها ولكن/ لا عن ذنب مخل بالعصمة بل عن ترك أولى بالنسبة إلى علو
~~شأنهم ورفعة مقامهم إذ اللائق بحالهم على العلات أن يتركوا الاستفسار
~~ويقفوا مترصدين لأن يظهر حقيقة الحال.

# و(ما) عند الجمهور موصولة حذف عائدها وهي إما في موضع رفع ms00347 على البدل أو
~~نصب على الاستثناء. وحكى ابن عطية عن الزهراوي أنها في موضع نصب ب {
~~علمتنا } ويتكلف لتوجيهه بأن الاستثناء منقطع، ف { إلا } بمعنى
~~لكن. و { ما } شرطية والجواب محذوف كأنهم نفوا أولا سائر العلوم ثم
~~استدركوا أنه في المستقبل أي شيء علمهم علموه ويكون ذلك أبلغ في ترك
~~الدعوى كما لا يخفى.

# { إنك أنت العليم الحكيم } تذييل يؤكد مضمون الجملة
~~السابقة، ولما نفوا العلم عن أنفسهم أثبتوه لله تعالى على أكمل أوصافه
~~وأردفوه بالوصف بالحكمة لما تبين لهم ما تبين - وأصل الحكمة - المنع ومنه
~~حكمة الدابة لأنها تمنعها عن الاعوجاج، وتقال للعلم لأنه يمنع عن ارتكاب
~~الباطل، ولإتقان الفعل لمنعه عن طرق الفساد والاعتراض وهو المراد ههنا
~~لئلا يلزم التكرار، فمعنى الحكيم ذو الحكمة، وقيل: المحكم لمبدعاته، قال
~~في «البحر»: وهو على الأول صفة ذات، وعلى الثاني صفة فعل، والمشهور أنه
~~إن أريد به العليم - كان من صفات الذات أو الفاعل لما - لا اعتراض عليه
~~كان من صفات الفعل فافهم.

# وقدم سبحانه الوصف بالعلم على الوصف بالحكمة لمناسبة ما تقدم من

# أنبئوني

# [البقرة:31] و { سبحنك لا علم لنا } ولأن الحكمة لا تبعد
~~عن العلم وليكون آخر مقالتهم مخالفا لما يتوهم من أولها، و { أنت }
~~يحتمل أن يكون فصلا لا محل له على المشهور يفيد تأكيد الحكم، والقصر
~~المستفاد من تعريف المسند، وقيل: هو تأكيد لتقرير المسند إليه، ويسوغ في
~~التابع ما لا يسوغ في المتبوع، وقيل: مبتدأ خبره ما بعده، والحكيم إما
~~خبر بعد خبر أو نعت له وحذف متعلقهما لإفادة العموم، وقد خصهما بعض فقال:
~~العليم بما أمرت ونهيت الحكيم فيما قضيت وقدرت والعموم أولى.

### || [2.33]

# { قال ياءادم أنبئهم بأسمائهم } نادى سبحانه آدم باسمه
~~العلم كما هو عادته جل شأنه مع أنبيائه ما عدا نبينا صلى الله عليه وسلم
~~حيث ناداه ب

# يأيها النبى

# [الأنفال: 64] و

# يأيهاالرسول

# [المائدة: 41] لعلو مقامه ورفعة شأنه إذ هو الخليفة الأعظم، والسر في
~~إيجاد آدم. ولم يقل سبحانه أنبئني كما وقع في ms00348 أمر الملائكة مع حصول
~~المراد معه أيضا، وهو ظهور فضل آدم إبانة لما بين الرتبتين من التفاوت،
~~وإنباء للملائكة بأن علمه عليه السلام واضح لا يحتاج إلى ما يجري مجرى
~~الامتحان وأنه حقيق أن يعلم غيره أو لتكون له عليه السلام منة التعليم
~~كاملة حيث أقيم مقام المفيد وأقيموا مقام المستفيدين منه، أو لئلا تستولي
~~عليه الهيبة فإن إنباء العالم ليس كإنباء غيره. والمراد بالإنباء هنا
~~الإعلام لا مجرد الإخبار كما تقدم.

# وفيه دليل لمن قال: إن علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة، ومنع قوم
~~ذلك في الطبقة العليا منهم، وحمل عليه

# وما منا إلا له مقام معلوم

# [الصافات: 164] وأفهم كلام البعض منع حصول العلم المرقي لهم فلعل ما
~~يحصل علم قال: لا حال والفرق ظاهر لمن له ذوق، وقرأ ابن عباس: {
~~أنبئهم } بالهمز وكسر الهاء - وأنبيهم - بقلب الهمزة ياء، وقرأ
~~الحسن: - (أنبهم) - كأعطهم، والمراد بالأسماء ما عجزوا عن علمها واعترفوا
~~بالقصور عن بلوغ مرتبتها، والضمير عائد على المعروضين على ما تقدم.

# { فلما أنبأهم بأسمائهم } عطف على جملة محذوفة والتقدير -
~~فانبأهم بها - فلما أنبأهم الخ، وحذفت لفهم المعنى، وإظهار الأسماء في
~~موقع الإضمار لإظهار كمال العناية بشأنها مع الإشارة إلى أنه عليه السلام
~~أنبأهم بها على وجه التفصيل دون الإجمال. وعلمهم بصدقه من القرائن
~~الموجبة له والأمر أظهر من أن يخفى، ولا يبعد إن عرفهم سبحانه الدليل على
~~ذلك واحتمال أن يكون لكل صنف منهم لغة أو معرفة بشيء ثم حضر جميعهم/ فعرف
~~كل صنف إصابته في تلك اللغة أو ذلك الشيء بعيد.

# { قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات
~~والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } جواب
~~ل { ما } وتقرير لما مر من الجواب الإجمالي واستحضار له على وجه أبسط
~~من ذلك وأشرح. ولا يخفى ما في الآية من الإيجاز، إذ كان الظاهر أعلم غيب
~~السموات والأرض وشهادتهما وأعلم ما كنتم تبدون وما كنتم تكتمون وما
~~ستبدون وتكتمون، إلا أنه سبحانه اقتصر على غيب السموات والأرض لأنه يعلم
~~منه ms00349 شهادتهما بالأولى، واقتصر من الماضي على المكتوم لأنه يعلم منه
~~البادي كذلك - وعلى المبدأ من المستقبل - لأنه قبل الوقوع خفي، فلا فرق
~~بينه وبين غيره من خفياته - وتغيير الأسلوب حيث لم يقل: وتكتمون - لعله
~~لإفادة استمرار الكتمان - فالمعنى - أعلم ما تبدون قبل أن تبدوه وأعلم ما
~~تستمرون على كتمانه، وذكر السيالكوتي أن كلمة - كان - صلة غير مفيدة لشيء
~~إلا محض التأكيد المناسب للكتمان، ثم الظاهر من الآية العموم ومع ذلك

# ما لا تعلمون

# [البقرة: 30] أعم مفهوما لشموله - غيب الغيب - الشامل لذات الله تعالى
~~وصفاته - وخصها قوم - فمن قائل: غيب السموات أكل آدم وحواء من الشجرة،
~~وغيب الأرض قتل قابيل هابيل. ومن قائل: الأول: ما قضاه من أمور خلقه
~~والثاني: ما فعلوه فيها بعد القضاء، ومن قائل: الأول: ما غاب عن المقربين
~~مما استأثر به تعالى من أسرار الملكوت الأعلى والثاني: ما غاب عن أصفيائه
~~من أسرار الملك الأدنى وأمور الآخرة، والأولى - وما أبدوه - قبل قولهم:

# أتجعل فيها

# [البقرة: 30] وما كتموه، قولهم: لن يخلق الله تعالى أكرم عليه منا،
~~وقيل: ما أظهروه بعد من الامتثال. وقيل: ما أسره إبليس من الكبر، وإسناد
~~الكتم إلى الجميع حينئذ من باب - بنو فلان قتلوا فلانا والقاتل واحد
~~منهم - ومعنى الكتم على كل حال عدم إظهار ما في النفس لأحد ممن كان في
~~الجمع، وليس المراد أنهم كتموا الله تعالى شيئا بزعمهم - فإن ذلك لا
~~يكون حتى من إبليس - وأبدى سبحانه العامل في { ما تبدون } الخ
~~اهتماما بالإخبار بذلك المرهب لهم والظاهر عطفه على الأول - فهو داخل
~~معه تحت ذلك القول، ويحتمل أن يكون عطفا على جملة { ألم أقل } فلا
~~يدخل حينئذ تحته.

### || [2.34]

# { وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لأدم } الظرف متعلق
~~بمقدر دل عليه الكلام - كانقادوا وأطاعوا - والعطف من عطف القصة على
~~القصة وفي كل تعداد النعمة - مع أن الأول تحقيق للفضل وهذا اعتراف به -
~~ولا يصح عطف الظرف على الظرف بناءا على اللائق الذي قدمناه لاختلاف
~~الوقتين، وجوز على أن نصب السابق بمقدر، والسجود ms00350 في الأصل تذلل مع انخفاض
~~بانحناء وغيره، وفي الشرع وضع الجبهة على قصد العبادة وفي المعنى المأمور
~~به هنا خلاف فقيل: المعنى الشرعي، والمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى
~~- وآدم إما قبلة أو سبب - واعترض بأن لو كان كذلك ما امتنع إبليس، وبأنه
~~لا يدل على تفضيله عليه السلام عليهم. وقوله تعالى:

# أرأيتك هذا الذي كرمت علي

# [الإسراء: 62] يدل عليه - ألا ترى أن الكعبة ليست بأكرم ممن سجد إليها
~~وأجيب بالتباس الأمر على إبليس، وبأن التكريم يجعله جهة لهذه العبادة
~~دونهم، ولا يخفى ما فيه من الدلالة على عظمة الشأن - كما في جعل الكعبة
~~قبلة من بين سائر الأماكن - ومن الناس من جوز كون المسجود له آدم عليه
~~السلام حقيقة مدعيا أن السجود للمخلوق - إنما منع في شرعنا - وفيه أن
~~السجود الشرعي عبادة، وعبادة غيره سبحانه شرك محرم في جميع الأديان
~~والأزمان - ولا أراها حلت في عصر من الأعصار. وقيل: المعنى اللغوي ولم
~~يكن فيه وضع/ الجباه بل كان مجرد تذلل وانقياد، فاللام إما باقية على
~~ظاهرها، وإما بمعنى إلى مثلها في قول حسان رضي الله عنه:

# أليس أول من صلى لقبلتكم

# وأعرف الناس بالقرآن والسنن

# أو للسببية، مثلها في قوله تعالى:

# أقم الصلوة لدلوك الشمس

# [الإسراء: 78] وحكمة الأمر بالسجود إظهار الاعتراف بفضله عليه السلام،
~~والاعتذار عما قالوا فيه مع الإشارة إلى أن حق الأستاذ على من علمه حق
~~عظيم، وغير سبحانه الأسلوب حيث قال أولا:

# وإذ قال ربك

# [البقرة: 30] وهنا { وإذا قلنا } - بضمير العظمة - لأن في الأول
~~خلق آدم واستخلافه، فناسب ذكر الربوبية مضافا إلى أحب خلفائه إليه وهنا
~~المقام مقام إيراد أمر يناسب العظمة - وأيضا في السجود تعظيم، فلما أمر
~~بفعله لغيره أشار إلى كبريائه الغنية عن التعظيم. وقرأ أبو جعفر بضم تاء
~~{ الملئكة } اتباعا لضم الجيم، وهي لغة أزدشنوأة وهي لغة غريبة
~~عربية - وليست بخطأ كما ظن الفارسي - فقد روي أن امرأة رأت بناتها مع
~~رجل، فقالت:  أفي السوأ تنتنه - تريد أفي السوأة أنتنه.

# { فسجدوا إلا ms00351 إبليس } الفاء لإفادة مسارعتهم في الامتثال
~~وعدم تثبطهم فيه، وإبليس اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة،
~~ووزنه - فعليل - قاله الزجاج.

# وقال أبو عبيدة وغيره: إنه عربي مشتق من الإبلاس وهو الإبعاد من الخير
~~أو اليأس من رحمة الله تعالى، ووزنه على هذا مفعيل، ومنعه من الصرف
~~حينئذ لكونه لا نظير له في الأسماء؛ واعترض بأن ذلك لم يعد من موانع
~~الصرف مع أن له نظائر - كإحليل وإكليل - وفيه نظر، وقيل: لأنه شبيه
~~بالأسماء الأعجمية إذ لم يسم به أحد من العرب، وليس بشيء، واختلف الناس
~~فيه هل هو من الملائكة أم من الجن؟ فذهب إلى الثاني جماعة مستدلين بقوله
~~تعالى:

# إلا إبليس كان من الجن

# [الكهف: 50] وبأن الملائكة لا يستكبرون وهو قد استكبر، وبأن الملائكة
~~كما روي مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها -خلقوا من النور وخلق الجن من
~~مارج من نار وهو قد خلق مما خلق الجن كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عنه:

# أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين

# [ص: 76] وعد تركه السجود إباءا واستكبارا حينئذ إما لأنه كان ناشئا
~~بين الملائكة مغمورا بالألوف منهم فغلبوا عليه وتناوله الأمر ولم يمتثل،
~~أو لأن الجن أيضا كانوا مأمورين مع الملائكة، لكنه استغنى بذكرهم لمزيد
~~شرفهم عن ذكر الجن، أو لأنه عليه اللعنة كان مأمورا صريحا لا ضمنا كما
~~يشير إليه ظاهر قوله تعالى:

# إذ أمرتك

# [الأعراف: 12] وضمير { فسجدوا } راجع للمأمورين بالسجود. وذهب
~~جمهور العلماء من الصحابة والتابعين إلى الأول مستدلين بظاهر الاستثناء -
~~وتصحيحه بما ذكر تكلف - لأنه وإن كان واحدا منهم لكن كان رئيسهم ورأسهم
~~كما نطقت به الآثار - فلم يكن مغمورا بينهم، ولأن صرف الضمير إلى مطلق
~~المأمورين مع أنه في غاية البعد لم يثبت، إذ لم ينقل أن الجن سجدوا لآدم
~~سوى إبليس، وكونه مأمورا صريحا الآية غير صريحة فيه - ودون إثباته خرط
~~القتاد - واقتضاء ما ذكر من الآية كونه من جنس الجن ممنوع لجواز أن يراد
~~كونه منهم فعلا، وقوله تعالى: ms00352

# ففسق

# [الكهف: 50] كالبيان له، ويجوز أيضا أن يكون { كان } بمعنى صار - كما
~~روي أنه مسخ بسبب هذه المعصية - فصار جنيا - كما مسخ اليهود فصاروا قردة
~~وخنازير - سلمنا لكن لا منافاة بين كونه جنا وكونه ملكا، فإن الجن -
~~كما يطلق على ما يقابل الملك - يقال على نوع منه على ما روي عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما وكانوا خزنة الجنة أو صاغة حليهم. وقيل: صنف من
~~الملائكة لا تراهم الملائكة مثلنا، أو أنه يقال للملائكة جن أيضا - كما
~~قاله ابن إسحاق - لاجتنانهم واستتارهم عن أعين الناس، وبذلك/ فسر بعضهم
~~قوله تعالى:

# وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا

# [الصافات: 158] وورد مثله في كلام العرب، فقد قال الأعشى في سيدنا
~~سليمان عليه السلام:

# وسخر من جن الملائك تسعة

# قياما لديه يعملون بلا أجر

# وكون الملائكة لا يستكبرون - وهو قد استكبر - لا يضر، إما لأن من
~~الملائكة من ليس بمعصوم - وإن كان الغالب فيهم العصمة على العكس منا -
~~وفي «عقيدة أبي المعين النسفي» ما يؤيد ذلك، وإما لأن إبليس سلبه الله
~~تعالى الصفات الملكية وألبسه ثياب الصفات الشيطانية فعصى عند ذلك والملك
~~ما دام ملكا لا يعصي:

# ومن ذا الذي يامي لا يتغير

# وكونه مخلوقا من نار وهم مخلوقون من نور غير ضار أيضا - ولا قادح في
~~ملكيته - لأن النار والنور متحدا المادة بالجنس واختلافهما بالعوارض، على
~~أن ما في أثر عائشة رضي الله تعالى عنها من خلق الملائكة من النور جار
~~مجرى الغالب - وإلا خالفه كثير من ظواهر الآثار - إذ فيها أن الله تعالى
~~خلق ملائكة من نار وملائكة من ثلج وملائكة من هذا وهذه، وورد أن تحت
~~العرش نهرا إذا اغتسل فيه جبريل عليه السلام وانتفض يخلق من كل قطرة منه
~~ملك، وأفهم كلام البعض أنه يحتمل أن ضربا من الملائكة لا يخالف الشياطين
~~بالذات - وإنما يخالفهم بالعوارض والصفات - كالبررة والفسقة من الإنس -
~~والجن يشملهما - وكان إبليس من هذا الصنف، فعده ما شئت من - ملك وجن
~~وشيطان -، وبذلك يحصل الجمع بين الأقوال ms00353 والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.

# ثم المشهور أن الاستثناء متصل إن كان من الملائكة، ومنقطع إن لم يكن
~~منهم، وقد علمت تكلفهم لاتصاله مع قولهم بالثاني، وقد شاع عند النحاة
~~والأصوليين أن المنقطع هو المستثنى من غير جنسه، والمتصل هو المستثنى من
~~جنسه، قال القرافي في «العقد المنظوم»: وهو غلط فيهما، فإن قوله تعالى:

# لا تأكلوا أمولكم بينكم بالبطل إلا أن
~~تكون تجرة

# [النساء: 29] و

# لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى

# [الدخان: 56] و

# وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا

# [النساء: 92] الاستثناء فيه منقطع مع أن المستثنى من جنس ما قبله فيبطل
~~الحدان، والحق أن المتصل ما حكم فيه على جنس ما حكمت عليه أولا بنقيض ما
~~حكمت به - ولا بد من هذين القيدين فمتى انخرم أحدهما فهو منقطع بأن كان
~~غير الجنس - سواء حكم عليه بنقيضه أو لا - نحو رأيت القوم إلا فرسا،
~~فالمنقطع نوعان، والمتصل نوع واحد، ويكون المنقطع كنقيض المتصل، فإن نقيض
~~المركب بعدم أجزائه، فقوله تعالى:

# لا يذوقون

# [الدخان: 56] الخ منقطع بسبب الحكم بغير النقيض، لأن نقيضه ذاقوه فيها -
~~وليس كذلك - وكذلك

# إلا أن تكون تجرة

# [النساء: 29] لأنها لا تؤكل بالباطل - بل بحق - وكذلك

# إلا خطئا

# [النساء: 92] لأنه ليس له القتل مطلقا - وإلا لكان مباحا - فتنوع
~~المنقطع حينئذ إلى ثلاثة، الحكم على الجنس بغير النقيض، والحكم على غيره
~~به أو بغيره، والمتصل نوع واحد - فهذا هو الضابط - وقيل: العبرة بالاتصال
~~والانفصال الدخول في الحكم وعدمه لا في حقيقة اللفظ وعدمه، فتأمل ترشد.

# وأفهم كلام القوم - نفعنا الله تعالى بهم - أن جميع المخلوقات علويها
~~وسفليها سعيدها وشقيها مخلوق من الحقيقة المحمدية صلى الله عليه وسلم كما
~~يشير إليه قول النابلسي قدس سره دافعا ما يرد على الظاهر:

# طه النبي تكونت من نوره

# كل الخليقة ثم لو ترك القطا

# وفي الآثار ما يؤيد ذلك، إلا أن الملائكة العلويين خلقوا منه عليه
~~الصلاة والسلام من حيث الجمال، وإبليس من حيث الجلال، ويؤل هذا بالآخرة
~~إلى أن إبليس ms00354 مظهر جلال الله سبحانه وتعالى، ولهذا كان منه ما كان ولم
~~يجزع ولم يندم ولم يطلب المغفرة لعلمه أن الله تعالى يفعل ما يريده وأن
~~ما يريده سبحانه هو الذي/ تقتضيه الحقائق، فلا سبيل إلى تغييرها
~~وتبديلها، واستشعر ذلك من ندائه بإبليس - ولم يكن اسمه من قبل - بل كان
~~اسمه عزازيل أو الحرث، وكنيته أبا مرة - ووراء ذلك ما لم يمكن كشفه -
~~والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.

# وفي قوله تعالى: { أبى واستكبر وكان من الكفرين }
~~نوع إشارة إلى بعض ما ذكر، والجملة استئناف جواب لمن قال ما فعل، وقيل:
~~إن الفعلين الأولين في موضع نصب على الحال أي آبيا مستكبرا { وكان
~~من الكفرين } مستأنف أو في موضع الحال، وقيل: الجمل الثلاث
~~تذييل بعد تذييل، والاباء الامتناع مع الأنفة والتمكن من الفعل، ولهذا
~~كان قولك - أبي زيد الظلم أبلغ من لم يظلم - ولإفادة الفعل النفي صح
~~بعده الاستثناء المفرغ ك

# يأبى الله إلا أن يتم نوره

# [التوبة: 32] وقوله:

# أبى الله إلا عدله ووفاءه

# فلا النكر معروف ولا العرف ضائع

# والفعل منه - أبى - بالفتح، وعليه لا يكون يأبى قياسيا. وقد سمع - أبي
~~- كرضي فالمضارع حينئذ قياسي والمفعول هنا محذوف أي السجود، - والاستكبار
~~- التكبر وهو مما جاء فيه استفعل بمعنى تفعل، وقيل: التكبر أن يرى الشخص
~~نفسه أكبر من غيره وهو مذموم وإن كان أكبر في الواقع، والاستكبار طلب ذلك
~~بالتشبع، وقدم الإباء عليه وإن كان متأخرا عنه في الرتبة لأنه من
~~الأحوال الظاهرة بخلاف الاستكبار فإنه نفساني. أو لأن المقصود الإخبار
~~عنه بأنه خالف حاله حال الملائكة فناسب أن يبدأ أولا بتأكيد ما حكم به
~~عليه في الاستثناء أو بإنشاء الإخبار عنه بالمخالفة فبدأ بذلك على أبلغ
~~وجه (وكان) على بابها والمعنى كان في علم الله تعالى من الكافرين أو كان
~~من القوم الكافرين الذين كانوا في الأرض قبل خلق آدم، وقيل: بمعنى صار
~~وهو مما أثبته بعض النحاة قال ابن فورك: وترده الأصول ولأنه كان الظاهر
~~حينئذ فكان بالفاء. ms00355

# ثم إن كفره ليس لترك الواجب كما زعم الخوارج متمسكين بهذه الآية لأنه لا
~~يوجب ذلك في ملتنا على ما دلت عليه القواطع، وإيجابه قبل ذلك غير مقطوع
~~به بل باستقباحه أمر الله تعالى بالسجود لمن يعتقد أنه خير منه وأفضل -
~~كما يدل عليه الإباء والاستكبار - وقال أبو العالية: معنى { من
~~الكفرين } من العاصين ثم الظاهر أن كفره كان عن جهل بأن استرد
~~سبحانه منه ما أعاره من العلم الذي كان مرتديا به حين كان طاووس
~~الملائكة وأظافير القضاء إذا حكت أدمت، وقسى القدر إذا رمت أصمت :

# وكان سراج الوصل أزهر بيننا

# فهبت به ريح من البين فانطفى

# وقيل: عن عناد حمله عليه حب الرياسة والإعجاب بما أوتي من النفاسة ولم
~~يدر المسكين أنه لو امتثل ارتفع قدره وسما بين الملأ الأسمى فنحره ولكن:

# إذا لم يكن عون من الله للفتى

# فأول ما يجني عليه اجتهاده

# وكم أرقت هذه القصة جفونا، وأراقت من العيون عيونا فإن إبليس كان مدة
~~في دلال طاعته يختال في رداء مرافقته ثم صار إلى ما ترى وجرى ما به القلم
~~جرى:

# وكنا وليلى في صعود من الهوى

# فلما توافينا ثبت وزلت

# ومن هنا قال الشافعية والأشعرية - وبقولهم أقول - في هذه المسألة: إن
~~العبرة بالإيمان الذي يوافي العبد عليه ويأتي متصفا به في آخر حياته
~~وأول منازل آخرته، ولذا يصح أنا مؤمن إن شاء الله تعالى بالشك، ولكن ليس
~~في الإيمان الناجز بل في الإيمان الحقيقي المعتبر عند الموت وختم
~~الأعمال، وقد صح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه كما أورده الزرقاني -
~~أن من تمام إيمان العبد أن يستثني إذ عواقب المؤمنين مغيبة عندهم وهو
~~القاهر فوق/ عباده وفي " الصحيح " عن جابر

# " كان صلى الله عليه وسلم يكثر من قوله يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على
~~دينك "

# وخبر «من قال أنا مؤمن إن شاء الله تعالى فليس له من الإسلام نصيب»
~~موضوع باتفاق المحدثين، وأنا مؤمن بغيره إن شاء الله تعالى.

# هذا واعلم أن الذي ms00356 تقتضيه هذه الآية الكريمة، وكذا التي في الأعراف،
~~وبني إسرائيل، والكهف وطه أن سجود الملائكة ترتب على الأمر التنجيزي
~~الوارد بعد خلقه ونفخ الروح فيه، وهو الذي يشهد له النقل والعقل إلا أن
~~ما في - الحجر - [28  30] من قوله تعالى:

# وإذ قال ربك للملئكة إنى خلق بشرا من
~~صلصل من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت
~~فيه من روحى فقعوا له سجدين * فسجد
~~الملئكة كلهم أجمعون

# وكذا ما في - ص- [71] - تستدعي ظاهرا ترتبه على ما فيها من الأمر
~~التعليقي من غير أن يتوسط بينهما شيء غير الخلق وتوابعه، وبه قال بعضهم.
~~وحمل ما في تلك الآيات من الأمر على حكاية الأمر التعليقي بعد تحقق
~~المعلق به إجمالا فإنه حينئذ يكون في حكم التنجيز، و { ثم } في آية
~~الأعراف للتراخي الرتبي أو التراخي في الإخبار، أو يقال: إن الأمر
~~التعليقي لما كان قبل تحقق المعلق به بمنزلة العدم في عدم إيجاب المأمور
~~به جعل كأنه إنما حدث بعد تحققه، فحكي على صورة التنجيز، ولما رأى بعضهم
~~أن هذا مؤد إلى أن ما جرى في شأن الخلافة - وما قالوا وما سمعوا - إنما
~~جرى بعد السجود المسبوق بمعرفة جلالة قدره عليه السلام، وخروج إبليس من
~~البين باللعن، وبعد مشاهدتهم لكل ذلك وهو خرق لقضية النقل بل خرق في
~~العقل اضطر إلى القول بأن السجود كان مرتين، وهيهات لا يصلح العطار ما
~~أفسد الدهر، فالحق الحقيق ما دلت عليه هاتيك الآيات، وما استدل به
~~المخالف لا ينتهض دليلا لأن الشرط إن كان قيدا للجزاء كان معناه على
~~تقدير صدق - إذا سويته - أطلب بناء على أن الشرط قيد للطلب على ما صرح به
~~العلامة التفتازاني من أن معنى قولنا: إن جاءك زيد فأكرمه، أي على تقدير
~~صدق إن جاءك زيد أطلب منك إكرامه، وإن كان الحكم بين الشرط والجزاء
~~فالجزاء الطلبي لا بد من تأويله بالخبر أي يستحق أن يقال في حقه أكرمه،
~~وعلى التقديرين كان مدلول

# فقعوا له سجدين

# [ الحجر: 29] طلبا استقباليا لا حاليا فلا يلزم ms00357 تحقق الأمر بالسجود
~~قبل التسوية، نعم لو كان الشرط قيدا للمطلوب لا للطلب يكون المعنى الطلب
~~في الحال للسجود وقت التسوية فيفيد تقدم الأمر على التسوية، وقول مولانا
~~الرازي قدس سره: إن الآية كما تدل على تقدم الأمر بالسجود على التسوية
~~تفيد أن التعليم والإنباء كان بعد السجود لأنها تدل على أن آدم عليه
~~السلام كما صار حيا صار مسجودا للملائكة لأن الفاء في { فقعوا }
~~للتعقيب لا يخفى ما فيه لأن الفاء للسببية لا للعطف، وهو لا يقتضي
~~التعقيب كما في قوله تعالى:

# إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا

# [الجمعه: 9]، وقوله سبحانه:

# فتلقى ءادم من ربه كلمات

# [البقرة: 37]، ومن الناس من حمل نفخ الروح في الآية على التعليم لما
~~اشتهر أن العلم حياة والجهل موت، وأنت في غنى عنه، والله الموفق.

### || [2.35]

# { وقلنا يئادم اسكن أنت وزوجك الجنة } عطف على
~~

# إذ قلنا

# [البقرة: 34] بتقدير إذ أو بدونه أو على  قلنا  والزمان ممتد واسع
~~للقولين، وتصدير الكلام بالنداء لتنبيه المأمور لما يلقى إليه من الأمر
~~وتحريكه لما يخاطب به إذ هو من الأمور التي ينبغي أن يتوجه إليها، و
~~(أسكن) أمر من السكنى بمعنى اتخاذ المسكن لا من السكون ترك الحركة إذ
~~ينافيه ظاهرا { حيث شئتما } وذكر متعلقه بدون في وليس بمكان مبهم
~~و { أنت } توكيد للمستكن في { اسكن } ، والمقصود منه بالذات صحة
~~العطف إذ لولاه لزم العطف على الضمير المتصل بلا فصل وهو ممتنع في الفصيح
~~على الصحيح، وإفادة تقرير المتبوع مقصودة تبعا، وصح العطف مع أن المعطوف
~~لا يباشره فعل الأمر لأنه وقع تابعا، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في
~~المتبوع، وقيل: هناك تغليبان تغليب المخاطب على الغائب والمذكر على
~~المؤنث، ولكون/ التغليب مجازا ومعنى السكون والأمر موجودا فيهما حقيقة
~~خفي الأمر، فأما أن يلتزم أن التغليب قد يكون مجازا غير لغوي بأن يكون
~~التجوز في الإسناد، أو يقال إنه لغوي لأن صيغة الأمر هنا للمخاطب وقد
~~استعملت في الأعم، وللتخلص عن ذلك قيل: إنه معطوف بتقدير فليسكن، ms00358 وفيه
~~أنه حينئذ يكون من عطف الجملة على الجملة فلا وجه للتأكيد، والأمر يحتمل
~~أن يكون للإباحة  كاصطادوا  وأن يكون للوجوب كما أن النهي فيما بعد
~~للتحريم، وإيثاره على اسكنا للتنبيه على أنه عليه السلام المقصد بالحكم
~~في جميع الأوامر وهي تبع له كما أنها في الخلقة كذلك، ولهذا قال بعض
~~المحققين: لا يصح إيراد زوجك بدون العطف بأن يكون منصوبا على أنه مفعول
~~معه.

#  والجنة  في المشهور دار الثواب للمؤمنين يوم القيامة لأنها المتبادرة
~~عند الإطلاق ولسبق ذكرها في السورة، وفي ظواهر الآثار ما يدل عليه، ومنها
~~ما في " الصحيح " من محاجة آدم وموسى عليهما السلام فهي إذن في السماء
~~حيث شاء الله تعالى منها، وذهب المعتزلة وأبو مسلم الأصفهاني وأناس إلى
~~أنها جنة أخرى خلقها الله تعالى امتحانا لآدم عليه السلام وكانت بستانا
~~في الأرض بين فارس وكرمان، وقيل: بأرض عدن، وقيل: بفلسطين كورة بالشام
~~ولم تكن الجنة المعروفة، وحملوا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة
~~كما في

# اهبطوا مصرا

# [البقرة: 61] أو على ظاهره، ويجوز أن تكون في مكان مرتفع قالوا: لأنه لا
~~نزاع في أنه تعالى خلق آدم في الأرض ولم يذكر في القصة أنه نقله إلى
~~السماء ولو كان نقله إليها لكان أولى بالذكر ولأنه سبحانه قال في شأن تلك
~~الجنة وأهلها

# لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قليلا
~~سلما سلما

# [الواقعة: 2526] و

# لا لغو فيها ولا تأثيم

# [الطور: 23]

# وما هم منها بمخرجين

# [الحجر: 48] وقد لغا إبليس فيها وكذب وأخرج منها آدم وحواء مع إدخالهما
~~فيها على وجه السكنى لا كإدخال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج.
~~ولأن جنة الخلد دار للنعيم وراحة وليست بدار تكليف، وقد كلف آدم أن لا
~~يأكل من الشجرة ولأن إبليس كان من الكافرين وقد دخلها للوسوسة ولو كانت
~~دار الخلد ما دخلها ولا كاد لأن الأكابر صرحوا بأنه لوجىء بالكافر إلى
~~باب الجنة لتمزق ولم يدخلها لأنه ظلمة وهي نور ودخوله مستترا في الجنة
~~على ما فيه ms00359 - لا يفيد، ولأنها محل تطهير فكيف يحسن أن يقع فيها العصيان
~~والمخالفة ويحل بها غير المطهرين ولأن أول حمل حواء كان في الجنة على ما
~~في بعض الآثار ولم يرد أن ذلك الطعام اللطيف يتولد منه نطفة هذا الجسد
~~الكثيف، والتزام الجواب عن ذلك كله لا يخلو عن تكلف، والتزام ما لا يلزم
~~- وما في حيز المحاجة يمكن حمله على هذه الجنة وكون حملها على ما ذكر
~~يجري مجرى الملاعبة بالدين والمراغمة لإجماع المسلمين - غير مسلم، وقيل:
~~كانت في السماء وليست دار الثواب بل هي جنة الخلد، وقيل: كانت غيرهما
~~ويرد ذلك أنه لم يصح أن في السماء بساتين غير بساتين الجنة المعروفة،
~~واحتمال أنها خلقت إذ ذاك ثم اضمحلت مما لا يقدم عليه منصف، وقيل: الكل
~~ممكن والله تعالى على ما يشاء قدير والأدلة متعارضة، فالأحوط والأسلم هو
~~الكف عن تعيينها والقطع به، وإليه مال صاحب «التأويلات»، والذي ذهب إليه
~~بعض سادتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم أنها في الأرض عند جبل
~~الياقوت تحت خط الاستواء ويسمونها جنة البرزخ وهي الآن موجودة وإن
~~العارفين يدخلونها اليوم بأرواحهم لا بأجسامهم ولو قالوا: إنها جنة
~~المأوى ظهرت حيث شاء الله تعالى وكيف شاء كما ظهرت لنبينا صلى الله عليه
~~وسلم على ما ورد في «الصحيح» في عرض حائط المسجد لم يبعد على مشربهم ولو
~~أن قائلا قال بهذا لقلت به لكن للتفرد في مثل هذه المطالب آفات.

# وكما اختلف في هذه الجنة اختلف في وقت خلق زوجه عليه السلام، فذكر السدي
~~عن ابن مسعود وابن عباس وناس من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن الله
~~تعالى لما أخرج إبليس من الجنة وأسكنها آدم بقي فيها وحده وما كان معه من
~~يستأنس به قألقى الله تعالى عليه النوم ثم أخذ ضلعا من جانبه الأيسر
~~ووضع مكانه لحما وخلق حواء منه فلما استيقظ وجدها/ عند رأسه قاعدة
~~فسألها من أنت؟ قالت: امرأة قال ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إلي فقالت
~~الملائكة تجربة لعلمه: من ms00360 هذه؟ قال: امرأة قالوا: لم سميت امرأة؟ قال:
~~لأنها خلقت من المرء فقالوا: ما اسمها؟ قال: حواء قالوا: لم سميت حواء؟
~~قال: لأنها خلقت من شيء حي.

# وقال كثيرون ولعلي أقول بقولهم إنها خلقت قبل الدخول ودخلا معا، وظاهر
~~الآية الكريمة يشير إليه وإلا توجه الأمر إلى معدوم وإن كان في علمه
~~تعالى موجودا، وأيضا في تقديم (زوجك) على (الجنة) نوع إشارة إليه وفي
~~المثل، الرفيق قبل الطريق. وأيضا هي مسكن القلب، والجنة مسكن البدن، ومن
~~الحكمة تقديم الأول على الثاني، وأثر السدي  على ما فيه مما لا يخفى
~~عليك  معارض بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: بعث الله
~~جندا من الملائكة فحملوا آدم وحواء على سرير من ذهب كما تحمل الملوك
~~ولباسهما النور حتى أدخلوهما الجنة فإنه كما ترى يدب على خلقها قبل دخول
~~الجنة.

# { وكلا منها رغدا حيث شئتما } الضمير المجرور للجنة على
~~حذف مضاف أي من مطاعمها من ثمار وغيرها فلم يحظر عليهما شيئا إلا ما
~~سيأتي، وأصل كلا أأكلا بهمزتين الأولى للوصل، والثانية فاء الكلمة
~~فحذفت الثانية لاجتماع المثلين حذف شذوذ وأتبعت بالأولى لفوات الغرض،
~~وقيل: حذفا معا لكثرة الاستعمال - والرغد بفتح الغين - وقرأ النخعي -
~~بسكونها - الهني الذي لا عناء فيه أو الواسع، يقال: رغد عيش القوم، ورغد
~~بكسر الغين وضمها كانوا في رزق واسع كثير، وأرغد القوم أخصبوا وصاروا في
~~رغد من العيش، ونصبه على أنه نعت لمصدر محذوف، أي أكلا رغدا. وقال ابن
~~كيسان: إنه حال بتأويل راغدين مرفهين، و (حيث) ظرف مكان مبهم لازم
~~للظرفيه، وإعرابها لغة بني فقعس ولا تكون ظرف زمان خلافا للأخفش، ولا
~~يجزم بها دون (ما) خلافا للفراء، ولا تضاف للمفرد خلافا للكسائي؛ ولا
~~يقال: زيد حيث عمرو - خلافا للكوفيين - ويعتقب على آخرها الحركات الثلاث
~~- مع الياء والواو والألف - ويقال: حايث على قلة وهي هنا متعلقة بكلا،
~~والمراد بها العموم لقرينة المقام وعدم المرجح أي أي مكان من الجنة
~~شئتما وأباح لهما الأكل كذلك إزاحة ms00361 للعذر في التناول مما حظر، ولم تجعل
~~متعلقة ب { اسكن } ، لأن عموم الأمكنة مستفاد من جعل الجنة مفعولا به
~~له، مع أن التكريم في الأكل من كل ما يريد منها لا في عدم تعيين السكنى
~~ولأن قوله تعالى في آية أخرى:

# فكلا من حيث شئتما

# [الأعراف: 19] يستدعي ما ذكرنا، وكذا قوله سبحانه:

# { ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من
~~الظلمين } ظاهر هذا النهي التحريم، والمنهي عنه الأكل من الشجرة،
~~إلا أنه سبحانه نهى عن قربانها مبالغة، ولهذا جعل جل شأنه العصيان المرتب
~~على الأكل مرتبا عليه، وعدل عن فتأثما إلى التعبير بالظلم الذي يطلق على
~~الكبائر، ولم يكتف بأن يقول: ظالمين، بل قال: { من الظلمين }
~~بناء على ما ذكروا أن قولك: زيد من العالمين، أبلغ من زيد عالم لجعله
~~غريقا في العلم إبا عن جد، وإن قلنا بأن (تكونا) دالة على الدوام
~~ازدادت المبالغة، ومن الناس من قال: لا تقرب - بفتح الراء - نهي عن
~~التلبس بالشيء وبضمها بمعنى لا تدن منه، وقال الجوهري: قرب - بالضم -
~~يقرب قربا دنا وقربته - بالكسر - قربانا دونت منه.

# والتاء في (الشجرة) للوحدة الشخصية وهو اللائق بمقام الازاحة - وجاز أن
~~يراد النوع، وعلى التقديرين - اللام - للجنس - كما في «الكشف» - ووقع
~~خلاف في هذه الشجرة، فقيل: الحنطة، وقيل: النخلة، وقيل: شجرة الكافور
~~ونسب إلى علي كرم الله تعالى وجهه - وقيل: التين، وقيل: الحنظل، وقيل:
~~شجرة المحبة، وقيل: شجرة الطبيعة والهوى: وقيل، وقيل.... والأولى: عدم
~~القطع والتعيين - كما أن الله تعالى لم يعينها/ باسمها في الآية - ولا
~~أرى ثمرة في تعيين هذه الشجرة ويقال: فيها شجرة - بكسر الشين - وشيرة -
~~بإبدال الجيم ياءا مفتوحة مع فتح الشين وكسرها وبكل قرأ بعض، وعن أبي
~~عمرو أنه كره - شيرة - قائلا: إن برابر مكة وسودانها يقرؤون بها - ولا
~~يخفى ما فيه، والشجر ماله ساق أو كل ما تفرع له أغصان وعيدان، أو أعم من
~~ذلك لقوله تعالى:

# شجرة من يقطين

# [الصافات: 146].

# وقوله تعالى: { فتكونا } إما مجزوم بحذف النون معطوفا على {
~~تقربا } فيكون منهيا ms00362 عنه وكان على أصل معناها، أو منصوب على أنه جواب
~~للنهي كقوله سبحانه:

# ولا تطغوا فيه فيحل

# [طه: 81] والنصب باضمار (أن) عند البصريين وبالفاء نفسها عند الجرمى،
~~وبالخلاف عند الكوفيين - و (كان) - حينئذ بمعنى صار، وأيا ما كان من
~~تفهم سببية ما تقدم لكونها (من الظالمين) أي الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب
~~المعصية أو نقصوا حظوظهم بمباشرة ما يخل بالكرامة والنعيم أو تعدوا حدود
~~الله تعالى، ولعل القربان المنهي عنه الذي يكون سببا للظلم المخل
~~بالعصمة هو ما لا يكون مصحوبا بعذر - كالنسيان هنا مثلا - المشار إليه
~~بقوله تعالى:

# فنسى ولم نجد له عزما

# [طه: 115] فلا يستدعي حمل النهي على التحريم، - والظلم - المقول
~~بالتشكيك على ارتكاب المعصية عدم عصمة آدم عليه السلام - بالأكل المقرون
~~بالنسيان - وإن ترتب عليه ما ترتب - نظرا إلى أن حسنات الأبرار سيآت
~~المقربين - وللسيد أن يخاطب عبده بما شاء، نعم لو كان ذلك غير مقرون بعذر
~~كان ارتكابه حينئذ مخلا - ودون إثبات هذا خرط القتاد - فإذا لا دليل في
~~هذه القصة على عدم العصمة، ولا حاجة إلى القول إن ما وقع كان قبل النبوة
~~لا بعدها - كما يدعيه المعتزلة - القائلون بأن ظهوره مع علمه بالأسماء
~~معجزة على نبوته إذ ذاك. وصدور الذنب قبلها جائز عند أكثر الأصحاب - وهو
~~قول أبي هذيل وأبي علي من المعتزلة - ولا إلى حمل النهي على التنزيه
~~والظلم على نقص الحظ مثلا - والتزمه غير واحد - وقرىء { تقربا } -
~~بكسر التاء - وهي لغة الحجازيين، وقرأ ابن محيض { هذي } بالياء.

### || [2.36]

# { فأزلهما الشيطن عنها } أي حملهما على الزلة بسببها،
~~وتحقيقه أصدر زلتهما عنها وعن هذه مثلها في قوله تعالى:

# وما كان استغفار إبرهيم لأبيه إلا عن موعدة

# [التوبه: 114] والضمير على هذا للشجرة، وقيل: أزلهما أي أذهبهما، ويعضده
~~قراءة حمزة (فأزالهما) وهما متقاربان في المعنى غير أن أزل يقتضي عثرة
~~مع الزوال - والضمير حينئذ للجنة وعوده إلى الشجرة بتجوز، أو تقدير مضاف
~~أي محلها - أو إلى الطاعة المفهومة من الكلام - بعيد، وإزلاله - عليه
~~اللعنة - إياهما - عليهما السلام ms00363 - كان بكذبه عليهما ومقاسمته على ما قص
~~الله تعالى في كتابه، وفي كيفية توسله إلى ذلك أقوال، فقيل: دخل الجنة
~~ابتلاء لآدم وحواء، وقيل: قام عند الباب فناداهما، وأفسد حالهما، وقيل:
~~تمثل بصورة دابة فدخل ولم يعرفه الخزنة، وقيل: أرسل بعض أتباعه إليهما.
~~وقيل: بينما هما يتفرجان في الجنة إذ راعهما طاووس تجلى لهما على سور
~~الجنة فدنت حواء منه وتبعها آدم فوسوس لهما من وراء الجدار، وقيل: توسل
~~بحية تسورت الجنة - ومشهور حكاية الحية - وهذان الأخيران يشير أولهما:
~~عند ساداتنا الصوفية إلى توسله من قبل الشهوة خارج الجنة، وثانيهما: إلى
~~توسله بالغضب، وتسور جدار الجنة عندهم إشارة إلى أن الغضب أقرب إلى الأفق
~~الروحاني والحيز القلبي من الشهوة، وقيل: توسله إلى ما توسل إليه إذ ذاك
~~مثل توسله اليوم إلى إذلال من شاء الله تعالى وإضلاله، ولا نعرف من ذلك
~~إلا الهواجس والخواطر التي تفضي إلى ما تفضي، ولا جزم عند كثير من دخول
~~الشيطان في القلب بل لا يعقلونه، ولهذا قالوا: خبر

# " إن الشيطان - يجرى من بني آدم مجرى الدم - "

# محمول على الكناية عن مزيد سلطانه عليهم وانقيادهم له، وكأني بك تختار
~~هذا القول، وقال أبو منصور: ليس لنا البحث عن كيفية ذلك، ولا نقطع القول
~~بلا دليل، وهذا من الإنصاف بمكان، وقرأ ابن مسعود/ رضي الله تعالى عنه {
~~فوسوس لهما الشيطن عنها } والضمير في هذه القراءة -
~~للشجرة - لا غير، وعوده إلى - الجنة - بتضمين الإذهاب ونحو بعيد.

# { فأخرجهما مما كانا فيه } أي من النعيم والكرامة أو من
~~الجنة. والأول: جار على تقدير رجوع ضمير { عنها } إلى - الشجرة - أو -
~~الجنة - والثاني: مخصوص بالتقدير الأول لئلا يسقط الكلام. وقيل: أخرجهما
~~من لباسهما الذي { كانا فيه } لأنهما لما أكلا تهافت عنهما، وفي
~~الكلام من التفخيم ما لا يخفى.

# { وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو } - الهبوط -
~~النزول، وعين المضارع تكسر وتضم، وقال المفضل: هو الخروج من البلد،
~~والدخول فيها من الأضداد - ويقال في انحطاط المنزلة - والبعض في الأصل
~~مصدر بمعنى القطع ويطلق على ms00364 الجزء، وهو ككل ملازم للإضافة - لفظا أو نية
~~- ولا تدخل عليه اللام، ويعود عليه الضمير مفردا ومجموعا - إذا أريد به
~~جمع - والعدو - من - العداوة - مجاوزة الحد أو التباعد أو الظلم، ويطلق
~~على الواحد المذكر ومن عداه بلفظ واحد، وقد يقال: - أعداء وعدوة -
~~والخطاب لآدم وحواء، لقوله تعالى:

# قال اهبطا منها جميعا

# [طه: 123] والقصة واحدة، وجمع الضمير لتنزيلهما منزلة البشر كلهم، ولما
~~كان في الأمر بالهبوط انحطاط رتبة المأمور لم يفتتحه بالنداء - كما افتتح
~~الأمر بالسكنى - واختار الفراء أن المخاطب هما - وذريتهما - وفيه خطاب
~~المعدوم، والمأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد وكثير من
~~السلف - أنه هما وإبليس - واعترض بخروجه قبلهما، وأجيب بأن الإخبار عما
~~قال لهم مفرقا على أنه لا مانع من المعية وقيل: هم والحية، واعترض بعدم
~~تكليفها، - وأجيب بأن الأمر تكويني، والجملة الإسمية منصوبة المحل على
~~الحال المقدرة، والحكم باعتبار الذرية - وإذا دخل إبليس والحية - كان
~~الأمر أظهر، ولا يرد أنه كيف يقيد الأمر بالتعادي - وهو منهي عنه - لأنا
~~نقول: بصرف توجه النظر عن القيد كون العداوة طبيعية والأمور الطبيعية غير
~~مكلف بها - وإن كلف فبالنظر إلى أسبابها، وإذا جعل الأمر تكوينيا زال
~~الإشكال - إلا أن فيه بعدا - وبعضهم يجعل الجملة مستأنفة على تقدير
~~السؤال فرارا عن هذا السؤال - مع ما في الاكتفاء بالضمير دون الواو في
~~الجملة الإسمية الحالية من - المقال، حتى ذهب الفراء إلى شذوذه، وإن كان
~~التحقيق ما ذكره بعض المحققين أن الجملة الحالية لا تخلو من أن تكون من
~~سبب ذي الحال أو أجنبية - فإن كانت من سببه لزمها العائد والواو كجاء
~~زيد، وأبوه منطلق إلا ما شذ من نحو كلمته فوه إلى في وإن أجنبية لزمتها
~~الواو نائبة عن العائد، وقد يجمع بينهما - كقدم بشر وعمرو قادم إليه -
~~وقد جاءت - بلا ولا - كقوله:

# ثم انتصبنا جبال الصغد معرضة

# عن اليسار وعن أيماننا جدد

# وقد تكون صفة ذي الحال ك

# توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون

# [البقرة: 83] وهذه يجوز فيها الوجهان باطراد، ms00365 وما نحن فيه من هذا القبيل
~~فتدبر.

# وإفراد العدو إما للنظر إلى لفظ البعض، وإما لأن وزانه وزان المصدر
~~كالقبول، وبه تعلق ما قبله واللام - كما في «البحر» - مقوية، وقرأ أبو
~~حيوة { اهبطوا } - بضم الباء - وهو لغة فيه، وبهذا الأمر نسخ الأمر
~~والنهي السابقان.

# { ولكم فى الأرض مستقر ومتع إلى حين } أراد
~~بالأرض محل الإهباط، وليس المراد شخصه الذي هو لآدم عليه السلام - موضع
~~بجبل سرنديب - ولحواء موضع بجدة، ولإبليس موضع بالأبلة، ولصاحبته موضع
~~بنصيبين أو أصبهان أو سجستان - والمستقر - اسم مكان أو مصدر ميمي، ويحتمل
~~على بعد كونه اسم مفعول بمعنى ما استقر ملككم عليه وتصرفكم فيه - وأبعد
~~منه - احتمال كونه اسم زمان؛/ وهو مبتدأ خبره { لكم } وفيه متعلق بما
~~تعلق به - والمتاع - البلغة، مأخوذ من متع النهار - إذا ارتفع - ويطلق
~~على الانتفاع الممتد وقته - ولا يختص بالحقير  والحين مقدار من الزمان -
~~قصيرا أو طويلا - والمراد هنا إلى وقت الموت - وهو القيامة الصغرى -
~~وقيل: إلى يوم القيامة الكبرى، وعليه تجعل السكنى في القبر تمتعا في
~~الأرض، أو يجعل الخطاب شاملا لإبليس  ويراد الكل المجموعي  والجار
~~متعلق بمتاع، قيل: أو به، وبمستقر على التنازع  أو بمقدار صفة لمتاع -
~~وهذه الجملة كالتي قبلها استئنافا وحالية.

### || [2.37]

# { فتلقى ءادم من ربه كلمت } المراد - بتلقى -
~~الكلمات استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها، فهو مستعار من استقبال
~~الناس بعض الأحبة  إذا قدم بعد طول الغيبة  لأنهم لا يدعون شيئا من
~~الإكرام إلا فعلوه، وإكرام الكلمات الواردة من الحضرة الأخذ والقبول
~~والعمل بها، وفي التعبير  بالتلقي  إيماء إلى أن آدم عليه السلام كان
~~في ذلك الوقت في مقام البعد و { من ربه } حال من { كلمت }
~~مقدم عليها، وقيل: متعلق ب { تلقى } وهي من تلقاه منه بمعنى تلقنه،
~~ولولا خلوه عما في الأول من اللطافة لتلقيناه بالقبول، وقرأ ابن كثير
~~بنصب { ءادم } ورفع { كلمت } على معنى  استقبلته  فكأنها مكرمة
~~له لكونها سبب العفو عنه، وقد يجعل الاستقبال مجازا عن البلوغ بعلاقة
~~السببية، والمروي في المشهور عن ابن ms00366 عباس رضي الله تعالى عنهما، أن هذه
~~الكلمات هي

# ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا

# [الأعراف: 23] الآية، وعن ابن مسعود أنها: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك
~~اسمك، وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر
~~الذنوب إلا أنت. وقيل: رأى مكتوبا على ساق العرش، محمد رسول الله فتشفع
~~به، وإذا أطلقت الكلمة على عيسى عليه السلام، فلتطلق الكلمات على الروح
~~الأعظم، والحبيب الأكرم صلى الله عليه وسلم، فما عيسى، بل وما موسى، بل
~~وما.. وما.. إلا بعض من ظهور أنواره، وزهرة من رياض أنواره، وروي غير
~~ذلك.

# { فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } التوبة أصلها
~~الرجوع وإذا أسندت إلى العبد كانت  كما في " الإحياء "  عبارة عن مجموع
~~أمور ثلاثة  علم  وهو معرفة ضرر الذنب، وكونه حجابا عن كل محبوب، وحال
~~يثمره ذلك العلم، وهو تألم القلب بسبب فوات المحبوب، ونسميه ندما. وعمل
~~يثمره الحال  وهو الترك والتدارك  والعزم على عدم العود، وكثيرا ما
~~تطلق على الندم وحده لكونه لازما للعلم مستلزما للعمل. وفي الحديث

# " الندم توبة "

# وطريق تحصيلها تكميل الإيمان بأحوال الآخرة وضرر المعاصي فيها، وإذا
~~أسندت إليه سبحانه كانت عبارة عن قبول التوبة والعفو عن الذنب ونحوه، أو
~~التوفيق لها والتيسير لأسبابها بما يظهر للتائبين من آياته، ويطلعهم عليه
~~من تخويفاته، حتى يستشعروا الخوف فيرجعوا إليه، وترجع في الآخرة إلى معنى
~~التفضل والعطف، ولهذا عديت  بعلى  وأتى سبحانه بالفاء لأن تلقي الكلمات
~~عين التوبة، أو مستلزم لها، ولا شك أن القبول مترتب عليه، فهي إذا لمجرد
~~السببية، وقد يقال: إن التوبة لما دام عليها صح التعقيب  باعتبار آخرها
~~إذ لا فاصل حينئذ  وعلى كل تقدير لا ينافي هذا ما روي عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما، أنهما بكيا مائتي سنة على ما فاتهما، ولم يقل جل شأنه
~~ فتاب عليهما  لأن النساء تبع يغني عنهن ذكر المتبوع، ولذا طوى ذكرهن
~~في كثير من الكتاب والسنة، وفي الجملة الاسمية ما يقوي رجاء المذنبين،
~~ويجبر كسر ms00367 قلوب الخاطئين حيث افتتحها بإن وأتي بضمير الفصل وعرف المسند
~~وأتى به من صيغ المبالغة إشارة إلى قبول التوبة كلما تاب العبد، ويحتمل
~~أن ذلك لكثرة من يتوب عليهم، وجمع بين وصفي كونه توابا وكونه رحيما/
~~إشارة إلى مزيد الفضل، وقدم التواب لظهور مناسبته لما قبله، وقيل في ذكر
~~الرحيم بعده إشارة إلى أن قبول التوبة ليس على سبيل الوجوب  كما زعمت
~~المعتزلة  بل على سبيل الترحم والتفضل، وأنه الذي سبقت رحمته غضبه،
~~فيرحم عبده في عين غضبه  كما جعل هبوط آدم سبب ارتفاعه، وبعده سبب قربه
~~ فسبحانه من تواب ما أكرمه، ومن رحيم ما أعظمه، وإذا فسر التواب بالرجاع
~~إلى المغفرة  كان الكلام تذييلا  لقوله تعالى: { فتاب عليه }
~~أو بالذي يكثر الإعانة على التوبة  كان تذييلا  لقوله تعالى: {
~~فتلقى ءادم } الخ، وقرأ نوفل { أنه } بفتح الهمزة على تقدير 
~~لأنه .

### || [2.38]

# { قلنا اهبطوا منها جميعا } كرر للتأكيد، فالفصل لكمال
~~الاتصال  والفاء  في

# فتلقى

# [البقرة: 37] للاعتراض، إذ لا يجوز تقدم المعطوف على التأكيد، وفائدته
~~الإشارة إلى مزيد الاهتمام بشأن التوبة وأنه يجب المبادرة إليها  ولا
~~يمهل  فإنه ذنب آخر مع ما في ذلك من إظهار الرغبة بصلاح حاله عليه
~~السلام وفراغ باله، وإزالة ما عسى يتشبث به الملائكة عليهم السلام، وقد
~~فضل عليهم وأمروا بالسجود له، أو كرر ليتعلق عليه معنى آخر غير الأول، إذ
~~ذكر إهباطهم أولا: للتعادي وعدم الخلود، والأمر فيه تكويني. وثانيا:
~~ليهتدي من يهتدي، ويضل من يضل، والأمر فيه تكليفي، ويسمى هذا الأسلوب في
~~البديع  الترديد  فالفصل حينئذ للانقطاع لتباين الغرضين، وقيل: إن
~~إنزال القصص للاعتبار بأحوال السابقين، ففي تكرير الأمر تنبيه على أن
~~الخوف الحاصل من تصور إهباط آدم عليه السلام المقترن بأحد هذين الأمرين
~~من التعادي والتكليف كاف لمن له حزم، وخلا عن عذر أن تعوقه عن مخالفة
~~حكمه تعالى، فكيف المخالفة الحاصلة من تصور الإهباط المقترن بهما؟؟ فلو
~~لم يعد الأمر لعطف { فإما يأتينكم } على الأول: فلا يفهم إلا
~~إهباط مترتب عليه جميع هذه ms00368 الأمور، ويحتمل  على بعد  أن تكون فائدة
~~التكرار التنبيه على أنه تعالى هو الذي أراد ذلك، ولولا إرادته لما كان
~~ما كان؛ ولذلك أسند الإهباط إلى نفسه مجردا عن التعليق بالسبب بعد إسناد
~~إخراجهما إلى الشيطان، فهو قريب من قوله عز شأنه:

# وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى

# [الأنفال: 17] وقال الجبائي: إن الأول: من الجنة إلى السماء. والثاني:
~~منها إلى الأرض، ويضعفه ذكر

# ولكم فى الأرض مستقر

# [البقرة: 36] عقيب الأول و { جميعا } حال من فاعل { اهبطوا } أي
~~مجتمعين، سواء كان في زمان واحد أو لا، وقد يفهم الاتحاد في الزمان من
~~سياق الكلام، كما قيل به في

# فسجد الملئكة كلهم أجمعون

# [الحجر: 30] وأبعد ابن عطية فجعله تأكيدا لمصدر محذوف أي هبوطا
~~جميعا.

# { فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا
~~خوف عليهم ولا هم يحزنون }. لا يدخل في الخطاب غير
~~المكلف، وأدرج الكثيرون إبليس لأنه مخاطب بالإيمان  والفاء  لترتيب ما
~~بعدها على الهبوط المفهوم من الأمر و (إما) مركبة من إن الشرطية و (ما)
~~الزائدة للتأكيد، وكثر تأكيد الفعل بعدها بالنون، ولم يجب كما يدل عليه
~~قول سيبويه: إن شئت لم تقحم النون، كما أنك إن شئت لم تجيء بما وقد ورد
~~ذلك في قوله:

# يا صاح أما تجدني غير ذي جدة

# فما التخلي عن الخلان من شيمي

# وقوله:

# إما أقمت وإما كنت مرتحلا

# فالله يحفظ ما تبقي وما تذر

# وحمل ذلك من قال بالوجوب على الضرورة وهو مما لا ضرورة إليه، والقول
~~بأنه يلزم حينئذ مزية التابع  الذي هو حرف الشرط على المتبوع وهو الفعل
~~ يدفعه أن التابع ومؤكده تابع فلا مزية، أو أن (ما) لتأكيد الفعل/ في
~~أوله كما أن النون إذا كانت تأكيدا له في آخره وجيء بحرف الشك إذ لا قطع
~~بالوقوع فإنه تعالى لا يجب عليه شيء بل إن شاء هدى وإن شاء ترك، وقيل:
~~بالقطع واستعمال (إن) في مقامه لا يخلو عن نكتة كتنزيل العالم منزلة غيره
~~بعدم جريه على موجب العلم، ويحسنه ms00369 سبق ما سيق وقوعه من آدم، وقيل: إن
~~زيادة (ما) والتوكيد بالثقيلة لا يتقاعد في إفادة القطع عن إذا، نعم لا
~~ينظر فيه إلى الزمان بل إلى أنه محقق الوقوع أبهم وقته، وأنت تعلم أن ما
~~اخترناه أسلم وأبعد عن التلكف مما ذكر  وإن جل قائله فتدبر .

# و { مني } متعلق بما قبله، وفيه شبه الالتفات  كما في «البحر»  وأتي
~~بالضمير الخاص هنا للرمز إلى أن اللائق  بمن  هدى التوحيد الصرف وعدم
~~الالتفات إلى الكثرة، ونكر  الهدى  لأن المقصود هو المطلق ولم يسبق فيه
~~عهد فيعرف، وفي المراد به هنا أقوال، فقيل الكتب المنزلة، وقيل: الرسل،
~~وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم. ولعل المراد هديه الذي جاء به نوابه
~~عليهم الصلاة والسلام، والفاء في { فمن } للربط و (ما) بعد جملة شرطية
~~وقعت جوابا للشرط الأول على حد  إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك  وقال
~~السجاوندي: جوابه محذوف أي فاتبعوه، واختار أبو حيان كون (من) هذه موصولة
~~لما في المقابل من الموصول، ودخلت الفاء في خبرها لتضمنها معنى الشرط،
~~ووضع المظهر موضع المضمر في هداي إشارة للعلية لأن الهدى بالنظر إلى ذاته
~~واجب الاتباع، وبالنظر إلى أنه أضيف إليه تعالى إضافة تشريف أحرى وأحق أن
~~يتبع، وقيل: لم يأت به ضميرا لأنه أعم من الأول لشموله لما يحصل
~~بالاستدلال والعقل، ولم يقل الهدى لئلا تتبادر العينية أيضا لأن النكرة
~~في الغالب إذا أعيدت معرفة كانت عين الأول مع ما في الإضافة إلى نفسه
~~تعالى من التعظيم ما لا يكون لو أتى به معرفا باللام.

# والخوف الفزع في المستقبل، والحزن ضد السرور مأخوذ من الحزن  وهو ما
~~غلظ من الأرض  فكأنه ما غلط من الهم، ولا يكون إلا في الأمر الماضي على
~~المشهور، ويؤل حينئذ نحو

# إنى ليحزننى أن تذهبوا به

# [يوسف: 13] بعلم ذلك الواقع، وقيل: إنه والخوف كلاهما في المستقبل لكن
~~الخوف استشعارهم لفقد مطلوب، والحزن استشعار غم لفوت محبوب، وجعل هنا نفي
~~الخوف كناية عن نفي العقاب، ونفي الحزن كناية عن ms00370 نفي الثواب وهي أبلغ من
~~الصريح وآكد لأنها كدعوى الشيء ببينة، والمعنى  لا خوف عليهم  فضلا عن
~~أن يحل بهم مكروه، ولا هم يفوت عنهم محبوب فيحزنوا عليه، فالمنفي عن
~~الأولياء خوف حلول المكروه والحزن في الآخرة، وفيه إشارة إلى أنه يدخلهم
~~الجنة التي هي دار السرور والأمن لا خوف فيها ولا حزن، وحينئذ يظهر
~~التقابل بين الصنفين في الآيتين.

# وقال بعض الكبراء: خوف المكروه منفي عنهم مطلقا. وأما خوف الجلال ففي
~~غاية الكمال والمخلصون على خطر عظيم، وقيل: المعنى  لا خوف عليهم  من
~~الضلالة في الدنيا، ولا حزن من الشقاوة في العقبى، وقدم انتفاء الخوف
~~لأن انتفاء الخوف فيما هو آت أكثر من انتفاء الحزن على ما فات. ولهذا صدر
~~بالنكرة التي هي أدخل في النفي، وقدم الضمير إشارة إلى اختصاصهم بانتفاء
~~الحزن وأن غيرهم يحزن. والمراد بيان دوام الانتفاء لا بيان انتفاء الدوام
~~كما يتوهم من كون الخبر في الجملة الثانية مضارعا لما تقرر في محله أن
~~النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام، وذكر
~~بعض الناس أن العدول عن لا خوف لهم أو عندهم إلى  لا خوف عليهم 
~~للإشارة إلى أنهم قد بلغت حالهم إلى حيث لا ينبغي أن يخاف أحد عليهم. وفي
~~«البحر» أنه سبحانه كنى بعليهم عن الاستيلاء والإحاطة إشارة إلى أن الخوف
~~لا ينتفي بالكلية ألا ترى انصراف النفي على كونية الخوف عليهم، ولا يلزم
~~من نفي كونية استيلاء الخوف انتفاؤه في كل حال، فلا دليل في الآية/ على
~~نفي أهوال القيامة وخوفها عن المطيعين، وأنت تعلم أن فيما أشرنا إليه
~~كناية غنية عن مثله وكذا عما قيل إن نفس الاستيلاء للتعريض بالكفار،
~~والإشارة إلى أن الخوف مستول عليهم.

# هذا وقرأ الأعرج { هداي } بسكون الياء، وفيه الجمع بين ساكنين وذلك
~~من إجراء الوصل مجرى الوقف. وقرأ الجحدري وغيره { هدى } بقلب الألف ياء
~~وإدغامها في الياء على لغة هذيل. وقرأ الزهري وغيره { فلا خوف }
~~بالفتح، وابن محيصن باختلاف عنه بالرفع من ms00371 غير تنوين، وكأنه حذف لنية
~~الإضافة، أو لكثرة الاستعمال، أو لملاحظة اللام في الاسم  على ما في
~~«البحر»  ليحصل التعادل في كون لا دخلت على المعرفة في كلا الجملتين
~~هو على قراءة الجمهور مبتدأ، و { عليهم } خبره أو أن { لا } عاملة
~~عمل ليس كما قال ابن عطية والأول أولى.

### || [2.39]

# عطف على

# فمن تبع

# [البقرة: 38] قسيم له كأنه قال: ومن لم يتبعه، وإنما أوثر عليه ما ذكر
~~تعظيما لحال الضلالة وإظهارا لكمال قبحها أو لأن من لم يتبع شامل لمن
~~لم تبلغه الدعوة ولم يكن من المكلفين فعدل عن ذلك لإخراجهم، ولأنه شامل
~~للفاسق بناء على أن المراد بالمتابعة المتابعة الكاملة ليترتب عليه عدم
~~الخوف والحزن فلو قال سبحانه ذلك لزم منه خلوده في النار ولما قال ما قال
~~لم يلزم ذلك بل خرج الفاسق من الصنفين، ويعلم بالفحوى أن عليه خوفا
~~وحزنا على قدر عدم المتابعة  ولو جعل قوله تعالى:

# فلا خوف عليهم

# [البقرة: 38] حينئذ لنفي استمرار الخوف والحزن، وأريد بمتابعة الهدى
~~الإيمان به تعالى  كان داخلا في

# فمن تبع هداي

# [البقرة: 38] إلا أن أولياء كتاب الله تعالى لا يرضون ذلك ولا يقبلون 
~~وأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  وإيراد الموصول بصيغة الجمع للإشارة
~~إلى كثرة الكفرة، والمتبادر من الكفر الكفر بالله تعالى، ويحتمل أن يكون
~~كفروا وكذبوا متوجهين إلى الجار والمجرور فيراد بالكفر بالآيات إنكارها
~~بالقلب، وبالتكذيب إنكارها باللسان.

# والآية في الأصل: العلامة الظاهرة بالقياس إلى ذي العلامة، ومنه آية
~~القرآن لأنها علامة لانقطاع الكلام الذي بعدها والذي قبلها، أو لأنها
~~علامة على معناها وأحكامها، وقيل: سميت آية لأن الآية تطلق على الجماعة
~~أيضا، كما قال أبو عمرو يقال: خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم، وهي جماعة
~~من القرآن وطائفة من الحروف، وذكر بعضهم أنها سميت بذلك لأنها عجب يتعجب
~~من إعجازه، كما يقال: فلان آية من الآيات، وفي أصلها ووزنها أقوال: فمذهب
~~سيبويه والخليل أن أصلها أيية  بفتحات  قلبت الياء الأولى ألفا
~~لتحركها وانفتاح ما قبلها على ms00372 خلاف القياس  كغاية وراية  إذ المطرد عند
~~اجتماع حرفي علة إعلال الآخر لأنه محل التغيير، ومذهب الكسائي أن أصلها
~~آيية  كفاعلة  وكان القياس أن تدغم كدابة، إلا أنه ترك ذلك تخفيفا
~~فحذفوا عينها، ومذهب الفراء أن وزنها فعلة  بسكون العين  من تأي القوم
~~إذا اجتمعوا، وقالوا في الجمع: آياء كأفعال، فظهرت الياء، والهمزة
~~الأخيرة بدل ياء والألف الثانية بدل من همزة هي فاء الكلمة، ولو كان
~~عينها واوا لقالوا في الجمع: آواء، ثم إنهم قلبوا الياء الساكنة ألفا
~~على غير القياس لعدم تحركها وانفتاح ما قبلها. ومذهب الكوفيين أن وزنها 
~~أيية  كنبقة فأعلت وهو في الشذوذ كالأول، وقيل: وزنها فعلة بضم العين،
~~وقيل: أصلها أياة فقدمت اللام وأخرت العين  وهو ضعيف  وكل الأقوال فيها
~~لا تخلو عن شذوذ، ولا بدع فهي آية.

# والمراد بالآيات هنا الكتب المنزلة أو الأنبياء، أو القرآن، أو الدوال
~~عليه سبحانه من كتبه ومصنوعاته، وينزل المعقول منزلة الملفوظ ليتأتى
~~التكذيب، وأتى سبحانه بنون العظمة لتربية المهابة وإدخال الروعة، وأضاف
~~تعالى الآيات إليها لإظهار كمال قبح التكذيب/ بها، وأشار ب {
~~أولئك } إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة للإشعار
~~بتميز { أولئك } بذلك الوصف تميزا مصححا للإشارة الحسية مع
~~الإيذان ببعد منزلتهم فيه وهو مبتدأ خبره أصحابه وهو جمع صاحب، وجمع فاعل
~~على أفعال شاذ كما في «البحر»، ومعنى الصحبة الاقتران بالشيء، والغالب في
~~العرب أن تطلق على الملازمة، وهذه الجملة خبر عن الذين، ويحتمل أن يكون
~~اسم الإشارة بدلا منه أو عطف بيان، والأصحاب خبره، والجملة الإسمية بعد
~~في حيز النصب على الحالية لورود التصريح في قوله تعالى:

# أولئك أصحب النار خلدين فيها

# [التغابن: 10] وجوز كونها حالا من النار لاشتمالها على ضميرها،
~~والعامل معنى الإضافة أو اللام المقدرة، أو في حيز الرفع على أنها خبر
~~آخر  لأولئك  على رأي من يرى ذلك، قال أبو حيان: ويحتمل أن تكون مفسرة
~~لما أبهم في { أصحب النار } مبينة أن هذه الصحبة لا يراد منها
~~مطلق الاقتران بل الخلود، فلا ms00373 يكون لها إذ إذ ذاك محل من الإعراب،
~~والخلود هنا الدوام على ما انعقد عليه الإجماع، ومن البديع ما ذكره بعضهم
~~أن في الآيتين نوعا منه، يقال له الاحتباك، ويا حبذاه لولاه الكناية
~~المغنية عما هناك.

### || [2.40]

# { يبنى إسرءيل اذكروا نعمتي التى أنعمت
~~عليكم } خطاب لطائفة خاصة من الكفرة المعاصرين للنبي صلى الله عليه
~~وسلم بعد الخطاب العام، وإقامة دلائل التوحيد والنبوة والمعاد والتذكير
~~بصنوف الانعام، وجعله سبحانه بعد قصة آدم، لأن هؤلاء بعد ما أوتوا من
~~البيان الواضح والدليل اللائح، وأمروا ونهوا وحرضوا على اتباع  النبي
~~الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم  ظهر منهم ضد ذلك، فخرجوا عن جنة
~~الإيمان الرفيعة، وهبطوا إلى أرض الطبيعة، وتعرضت لهم الكلمات  إلا أنهم
~~لم يتلقوها بالقبول  ففات منهم ما فات، وأقبل عليهم بالنداء ليحركهم
~~لسماع ما يرد من الأوامر والنواهي.

# و (بني) جمع ابن شبيه بجمع التكسير لتغير مفرده، ولذا ألحق في فعله تاء
~~التأنيث  كقالت بنو عامر  وهو مختص بالأولاد الذكور، وإذا أضيف عم في
~~العرف  الذكور والإناث  فيكون بمعنى الأولاد  وهو المراد هنا  وذكر
~~السيالكوتي أنه حقيقة في الأبناء الصلبية  كما بين في الأصول 
~~واستعماله في العام مجاز، وهو محذوف اللام، وفي كونها  ياء أو واوا 
~~خلاف، فذهب إلى الأول ابن درستويه وجعله من البناء، لأن الابن فرع الأب
~~ومبني عليه، ولهذا ينسب المصنوع إلى صانعه، فيقال للقصيدة مثلا: بنت
~~الفكر، وقد أطلق في شريعة من قبلنا على بعض المخلوقين  أبناء الله تعالى
~~ بهذا المعنى، لكن لما تصور من هذا الجهلة الأغبياء  معنى الولادة 
~~حظر ذلك حتى صار التفوه به كفرا، وذهب إلى الثاني الأخفش، وأيده بأنهم
~~قالوا: البنوة، وبأن حذف  الواو  أكثر، وقد حذفت في  أب وأخ  وبه
~~قال الجوهري ولعل الأول أصح، ولا دلالة في البنوة لأنهم قالوا أيضا:
~~الفتوة، ولا خلاف في أنها من ذوات  الياء  وأمر الأكثرية سهل، وعلى
~~التقديرين في وزن  ابن  هل هو فعل أو فعل؟ خلاف.

# و (إسرائيل) اسم أعجمي، وقد ذكروا أنه مركب ms00374 من  إيل  اسم من أسمائه
~~تعالى، و (إسرا) وهو العبد، أو الصفوة أو الإنسان أو المهاجر  وهو لقب
~~سيدنا يعقوب عليه السلام  وللعرب فيه تصرفات، فقد قالوا: إسرائيل بهمزة
~~بعد الألف وياء بعدها  وبه قرأ الجمهور  وإسراييل  بياءين بعد الألف 
~~وبه قرأ أبو جعفر وغيره  وإسرائل  بهمزة ولام، وهو مروي عن ورش 
~~وإسرأل  بهمزة مفتوحة ومكسورة بعد الراء، ولام  وإسرأل  بألف ممالة 
~~بعدها لام خفيفة  وبها ولا إمالة  وهي رواية عن نافع  وقراءة الحسن
~~وغيره و (إسرائين) / بنون بدل اللام، كما في قوله:

# تقول أهل السوء لما جينا

# هذا ورب البيت (إسرائينا)

# وأضاف سبحانه هؤلاء المخاطبين إلى هذا اللقب  تأكيدا لتحريكهم إلى
~~طاعته  فإن في إسرائيل ما ليس في اسم الكريم  يعقوب  وقولك: يا ابن
~~الصالح أطع الله تعالى، أحث للمأمور من قولك: يا ابن زيد  مثلا  أطع،
~~لأن الطبائع تميل إلى اقتفاء أثر الآباء  وإن لم يكن محمودا  فكيف إذا
~~كان؟ ويستعمل مثل هذا في مقام الترغيب والترهيب  بناء على أن الحسنة في
~~نفسها حسنة  وهي من بيت النبوة أحسن  والسيئة في نفسها سيئة  وهي من
~~بيت النبوة أسوأ.

# و { اذكروا } أمر الذكر  بكسر الذال وضمها  بمعنى واحد، ويكونان
~~باللسان والجنان، وقال الكسائي: هو بالكسر  للسان  وبالضم  للقلب 
~~وضد الأول الصمت، وضد الثاني النسيان. وعلى العموم: فإما أن يكون مشتركا
~~بينهما، أو موضوعا لمعنى عام شامل لهما والظاهر هو الأول، والمقصود من
~~الأمر بذلك  الشكر على النعمة والقيامة بحقوقها  لا مجرد الأخطار
~~بالجنان، أو التفوه باللسان، وإضافة النعمة إلى ضميره تعالى لتشريفها،
~~وإيجاب تخصيص شكرها به سبحانه، وقد قال بعض المحققين: إنها تفيد
~~الاستغراق  إذ لا عهد  ولمناسبته بمقام الدعوة إلى الإيمان، فهي شاملة
~~للنعم العامة والخاصة بالمخاطبين، وفائدة التقييد بكونها عليهم أنها  من
~~هذه الحيثية أدعى للشكر  فإن الإنسان حسود غيور، وقال قتادة: أريد بها
~~ما أنعم به على آبائهم  مما قصه سبحانه في كتابه  وعليهم من فنون
~~النعمة التي أجلها  إدراك زمن أشرف الأنبياء  وجعلهم من جملة ms00375 أمة
~~الدعوة له، ويحتاج تصحيح الخطاب حينئذ إلى اعتبار التغليب، أو جعل نعم
~~الآباء نعمهم، فلا جمع بين الحقيقة والمجاز  كما وهم  ويجوز في الياء
~~من { نعمتي } الإسكان والفتح، والقراء السبعة متفقون على الفتح، و {
~~أنعمت } صلة { التى } والعائد محذوف، والتقدير  أنعمتها  وقرىء
~~ ادكروا  بالدال المهملة المشددة على وزن افتعلوا.

# { وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم } يقال: أوفى ووفى  مخففا
~~ومشددا  بمعنى، وقال ابن قتيبة: يقال: أوفيت بالعهد ووفيت به، وأوفيت
~~الكيل لا غير، وجاء  أوفى  بمعنى ارتفع كقوله:

# ربما (أوفيت) في علم

# ترفعن ثوبي شمالات

# والعهد يضاف إلى كل ممن يتولى أحد طرفيه، والظاهر هنا أن الأول: مضاف
~~إلى الفاعل، والثاني: إلى المفعول، فإنه تعالى أمرهم بالإيمان والعمل
~~وعهد إليهم بما نصب من الحجج العقلية والنقلية الآمرة بذلك، ووعدهم بحسن
~~الثواب على حسناتهم والمعنى: أوفوا بعهدي بالإيمان والطاعة أوف بعهدكم
~~بحسن الإثابة، ولتوسط الأمر صح طلب الوفاء منهم.

# واندفع ما قال العلامة التفتازاني على ما فيه أنه لا معنى لوفاء غير
~~الفاعل بالعهد، وقيل:  وهو المفهوم من كلام قتادة ومجاهد أن كليهما مضاف
~~إلى المفعول والمعنى  أوفوا بما عاهدتموني من الإيمان والتزام الطاعة
~~أوف بما عاهدتكم من حسن الإثابة، وتفصيل العهدين قوله تعالى:

# ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل

# [المائدة: 12] إلى قوله سبحانه:

# ولأدخلنكم

# [المائدة: 12] الخ، ويحوج هذا إلى اعتبار أن عهد الآباء عهد الأبناء
~~لتناسبهم في الدين، وإلا فالمخاطبون ب { أوفوا } ما عوهدوا بالعهد
~~المذكور في الآية، وقيل: إن فسر  الإيفاء  بإتمام العهد تكون الإضافة
~~إلى المفعول في الموضعين، وإن فسر بمراعاته تكون الإضافة الأولى للفاعل
~~والثانية للمفعول/ وفيه تأمل، ولا يخفى أن للوفاء عرضا عريضا، فأول
~~المراتب الظاهرة منا الإتيان بكلمتي الشهادة، ومنه تعالى حقن الدماء
~~والمال وآخرها منا الفناء حتى عن الفناء، ومنه تعالى التحلية بأنوار
~~الصفات والأسماء  فما روي من الآثار على اختلاف أسانيدها صحة وضعفا في
~~بيان الوفاء بالعهدين فبالنظر إلى المراتب المتوسطة، وهي لعمري كثيرة 
~~ولك أن تقول: أول: المراتب منا توحيد الأفعال، وأوسطها: توحيد ms00376 الصفات.
~~وآخرها: توحيد الذات، ومنه تعالى ما يفيضه على السالك في كل مرتبة مما
~~تقتضيه تلك المرتبة من المعارف والأخلاق.

# وقرأ الزهري { أوف } بالتشديد، فإن كان موافقا للمجرد فذاك؛ وإن أريد
~~به التكثير  والقلب إليه يميل  فهو إشارة إلى عظيم كرمه وإحسانه، ومزيد
~~امتنانه، حيث أخبر وهو الصادق، أنه يعطي الكثير في مقابلة القليل، وهو
~~صرح بذلك في قوله سبحانه:

# من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها

# [الأنعام: 160] وانجزام الفعل لوقوعه في جواب الأمر والجزم إما به نفسه
~~أو بشرط مقدر، وهو اختيار الفارسي ونص سيبويه.

# { وإيى فارهبون } الرهبة الخوف مطلقا، وقيل: مع تحرز، وبه
~~فارق الاتقاء، لأنه مع حزم ولهذا كان الأول: للعامة، والثاني: للأئمة،
~~والأشبه بمواقع الاستعمال أن الاتقاء التحفظ عن المخوف، وأن يجعل نفسه في
~~وقاية منه، والرهبة نفس الخوف، وفي الأمر بها وعيد بالغ، وليس ذلك
~~للتهديد والتهويل كما في

# اعملوا ما شئتم

# [فصلت: 40] كما وهم لأن هذا مطلوب وذاك غير مطلوب كما لا يخفى و (إياي)
~~ضمير منفصل منصوب المحل بمحذوف يفسره المذكور، والفاء عند بعضهم جزائية
~~زحلقت من الجزاء المحذوف إلى مفسره ليكون دليلا على تقدير الشرط، ويحتمل
~~أن تكون مفسرة للفاء الجزائية المحذوفة مع الجزاء، ومن أطلق الجزائية
~~عليها فقد توسع، ولا يجوز أن تكون عاطفة لئلا يجتمع عاطفان، واختار صاحب
~~«المفتاح» أنها للعطف على الفعل المحذوف، فإن أريد التعقيب الزماني أفادت
~~طلب استمرار الرهبة في جميع الأزمنة بلا تخلل فاصل وإن أريد الرتبي كان
~~مفادها طلب الترقي من رهبة إلى رهبة أعلى ولا يقدح في ذلك اجتماعها مع
~~واو العطف مثلا لأنها لعطف المحذوف على ما قبله وهذه الفاء لعطف المذكور
~~على المحذوف وكون (فارهبون) مفسرا للمحذوف لا يقتضي اتحاده به من جميع
~~الوجوه وأن لا يفيد معنى سوى التفسير حتى لا يصح جعلها عاطفة، واستحسن
~~هذا بعض المتأخرين لاشتماله على معنى بديع خلت عنه الجزائية، وقال بعضهم
~~كالمتوسط في المسألة: إنها عاطفة بحسب الأصل، وبعد الحذف زحلقت وجعلت
~~جزائية وعلى كل تقدير ms00377 فالآية الكريمة آكد في إفادة التخصيص من

# إياك نعبد

# [الفاتحة: 5] وعد من وجوه التأكيد تقديم الضمير المنفصل وتأخير المتصل
~~والفاء الموجبة معطوفا عليه ومعطوفا أحدهما مظهر والآخر مضمر تقديره
~~إياي ارهبوا { فارهبون } وما في ذلك من تكرير الرهبة وما فيه من
~~معنى الشرط بدلالة الفاء والمعنى إن كنتم متصفين بالرهبة فخصوني بالرهبة،
~~وحذف متعلق الرهبة للعموم أي ارهبوني في جميع ما تأتون وتذرون، وقيل:
~~ارهبون في نقض العهد؛ ولعل التخصيص به مستفاد من ذكر الأمر بالرهبة معه
~~ثم الخوف خوفان: خوف العقاب وهو نصيب أهل الظاهر، وخوف إجلال وهو نصيب
~~أهل القلوب. وما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  أن المعنى
~~ارهبون أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد
~~عرفتم من المسخ وغيره  ظاهر في قسم أهل الظاهر وهو المناسب بحال هؤلاء
~~المخاطبين  الذين

# يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا وهم عن
~~الأخرة هم غفلون

# [الروم: 7] وحذفت ياء الضمير من ارهبون لأنها فاصلة، وقرأ ابن أبي إسحق
~~بالياء على الأصل.

### || [2.41]

# { وءامنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم } عطف على ما
~~قبله، وظاهره أنه/ أمر لبني إسرائيل، وقيل: نزلت في كعب بن الأشرف
~~وأصحابه علماء اليهود ورؤسائهم فهو أمر لهم، وأفرد سبحانه الإيمان بعد
~~اندراجه في

# وأوفوا بعهدى

# [البقرة: 40] بمجموع الأمر به والحث عليه المستفاد من قوله تعالى: {
~~مصدقا لما معكم } للإشارة إلى أنه المقصود، والعمدة للوفاء
~~بالعهود، و (ما) موصولة، و { أنزلت } صلته والعائد محذوف أي أنزلته و
~~{ مصدقا } حال إما من الموصول أو من ضميره المحذوف. واللام في {
~~لما } مقوية، والمراد (بما أنزلت) القرآن وفي التعبير عنه بذلك تعظيم
~~لشأنه والمراد بما معكم التوراة والتعبير عنها بذلك للإيذان بعلمهم
~~بتصديقه لها فإن المعية مئنة لتكرار المراجعة إليها والوقوف على تضاعيفها
~~المؤدي إلى العلم بكونه مصدقا لها، ومعنى تصديقه لها أنه نازل حسبما نعت
~~فيها، أو مطابق لها في أصل الدين والملة أو لما لم ينسخ كالقصص والمواعظ
~~وبعض المحرمات  كالكذب والزنا ms00378 والربا  أو لجميع ما فيها والمخالفة في
~~بعض جزئيات الأحكام التي هي للأمراض القلبية كالأدوية الطبية للأمراض
~~البدنية المختلفة بحسب الأزمان والأشخاص ليست بمخالفة في الحقيقة بل هي
~~موافقة لها من حيث إن كلا منها حق في عصره متضمن للحكمة التي يدور
~~عليها فلك التشريع، وليس في التوراة ما يدل على أبدية أحكامها المنسوخة
~~حتى يخالفها ما ينسخها بل إن نطقها بصحة القرآن الناسخ لها نطق بنسخها
~~وانتهاء وقتها الذي شرعت للمصلحة فيه وليس هذا من البداء في شيء كما
~~يتوهمون، فإذن المخالفة في تلك الأحكام المنسوخة إنما هو اختلاف العصر
~~حتى لو تأخر نزول المتقدم لنزل على وفق المتأخر، ولو تقدم نزول المتأخر
~~لوافق المتقدم، وإلى ذلك يشير ما أخرجه الإمام أحمد وغيره عن جابر أنه
~~صلى الله عليه وسلم قال حين قرأ بين يديه عمر رضي الله تعالى عنه شيئا
~~من التوراة:

# " لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي "

# وفي رواية الدرامي

# " والذي نفس محمد بيده لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن
~~سواء السبيل ولو كان حيا وأدرك نبوتي لاتبعني "

# وتقييد المنزل بكونه  مصدقا لما معهم  لتأكيد وجوب الإمتثال فإن
~~إيمانهم بما معهم يقتضي الإيمان بما يصدقه قطعا، ومن الناس من فسر
~~المنزل بالكتاب  والرسول صلى الله عليه وسلم  وما معهم بالتوراة
~~والإنجيل، وليس فيه كثير بعد إلا أن البعيد من وجه جعل  مصدقا  حالا
~~من الضمير المرفوع والأبعد جعل (ما) مصدرية، ومصدقا حال من  ما 
~~الثانية، وأبعد منه جعله حالا من المصدر المقدر.

# { ولا تكونوا أول كافر به } أي لا تسارعوا إلى الكفر به
~~فإن وظيفتكم أن تكونوا أول من آمن به لما أنكم تعرفون حقيقة الأمر وحقيته
~~وقد كنتم من قبل تقولون إنا نكون أول من يتبعه فلا تضعوا موضع ما يتوقع
~~فيكم، ويجب منكم ما يبعد صدوره عنكم ويحرم عليكم من كونكم أول كافر به. و
~~(أول) في المشهور أفعل لقولهم: هذا أول منك ولا فعل له لأن فاءه وعينه
~~واو. وقد ms00379 دل الاستقراء على انتفاء الفعل لما هو كذلك وإن وجد فنادر. وما
~~في «الشافية» من أنه من وول بيان للفعل المقدر. وقيل: أصله  أوأل  من
~~وأل وأولا إذا لجأ ثم خفف بإبدال الهمزة واوا ثم الإدغام وهو تخفيف غير
~~قياسي، والمناسبة الاشتقاقية أن الأول الحقيقي  أعني ذاته تعالى  ملجأ
~~للكل، وإن قلنا وأل بمعنى تبادر فالمناسبة أن التبادر سبب الأولية، وقيل:
~~أوأل من آل بمعنى رجع، والمناسبة الاشتقاقية على قياس ما ذكر سابقا،
~~وإنما لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع،
~~وقال الدريدي: هو فوعل فقلبت الواو الأولى همزة، وأدغمت واو فوعل في عين
~~الفعل، ويبطله ظاهرا منع الصرف وهو خبر عن ضمير الجمع، ولا بد هنا عند
~~الجمهور من تأويل المفضل عليه بجعله مفردا للفظ جمع المعنى أي: أول فريق
~~مثلا أو تأويل المفضل أي لا يكن كل واحد منكم، والمراد عموم السلب/ كما
~~في

# لا تطع كل حلاف

# [القلم: 10] وبعض الناس  لا يوجب في مثل هذا  المطابقة بين النكرة
~~التي أضيف إليها أفعل التفضيل وما جرى هو عليه بل يجوز الوجهان عنده كما
~~في قوله:

# وإذا هم طعموا فالأم طاعم

# وإذا هم جاعوا فشر جياع

# ومن أوجب أول البيت كالآية ونهيهم عن التقدم في الكفر به مع أن مشركي
~~العرب أقدم منهم لما أن المراد التعريض  فأول  الكافرين غيرهم أو ولا
~~تكونوا أول كافر من أهل الكتاب، والخطاب للموجودين في زمانه صلى الله
~~عليه وسلم بل للعلماء منهم، وقد يقال الضمير راجع إلى ما معكم والمراد من
~~ لا تكونوا أول كافر  بما معكم  لا تكونوا أول كافر  ممن كفر بما معه
~~ ومشركو مكة  وإن سبقوهم في الكفر بما يصدق القرآن حيث سبقوا بالكفر به
~~وهو مستلزم لذلك لكن ليسوا ممن كفر بما معه، والفرق بين لزوم الكفر
~~والتزامه غير بين إلا أنه يخدش هذا الوجه، إن هذا واقع في مقابلة {
~~وآمنوا بمآ أنزلت } فيقتضي اتحاد متعلق الكفر والإيمان، وقيل
~~يقدر في الكلام مثل، وقيل: ويقدر ms00380  ولا تكونوا أول كافر  وآخره. وقيل: {
~~أول } زائدة، والكل بعيد، وبحمل التعريض على سبيل الكناية يظهر وجه
~~التقييد بالأولية، وقيل: إنها مشاكلة لقولهم: إنا نكون أول من يتبعه، وقد
~~يقال: إنها بمعنى السبق، وعدم التخلف فافهم.

# { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } الاشتراء مجاز عن
~~الاستبدال لاختصاصه بالأعيان إما باستعمال المقيد في المطلق  كالمرسن في
~~الأنف  أو تشبيه الاستبدال المذكور في كونه مرغوبا فيه بالاشتراء
~~الحقيقي، والكلام على الحذف  أي لا تستبدلوا بالإيمان بآياتي، والاتباع
~~لها  حظوظ الدنيا الفانية القليلة المسترذلة بالنسبة إلى حظوظ الآخرة
~~وما أعد الله تعالى للمؤمنين من النعيم العظيم الأبدي، والتعبير عن ذلك 
~~بالثمن  مع كونه مشترى لا مشترى به للدلالة على كونه كالثمن في
~~الاسترذال والامتهان، ففيه تقريع وتجهيل قوى حيث إنهم قلبوا القضية
~~وجعلوا المقصود آلة والآلة مقصودة وإغراب لطيف حيث جعل المشتري ثمنا
~~بإطلاق الثمن عليه، ثم جعل الثمن مشترى بإيقاعه بدلا لما جعله ثمنا
~~بإدخال الباء عليه فإن قيل: الاشتراء بمعنى الاستبدال بالإيمان بالآيات
~~إنما يصح إذا كانوا مؤمنين بها ثم تركوا ذلك للحظوظ الدنيوية وهم بمعزل
~~عن الإيمان، أجيب بأن مبنى ذلك على أن الإيمان بالتوراة الذي يزعمونه
~~إيمان بالآيات كما أن الكفر بالآيات كفر بالتوراة فيتحقق الاستبدال، ومن
~~الناس من جعل الآيات كناية عن الأوامر والنواهي التي وقفوا عليها في أمر
~~النبي صلى الله عليه وسلم من التوراة والكتب الإلهية أو ما علموه من
~~نعته الجليل وخلقه العظيم عليه الصلاة والسلام، وقد كانوا يأخذون كل عام
~~شيئا معلوما من زروع أتباعهم وضروعهم ونقودهم فخافوا إن بينوا ذلك لهم
~~وتابعوه صلى الله عليه وسلم أن يفوتهم ذلك فضلوا وأضلوا، وقيل: كان
~~ملوكهم يدرون عليهم الأموال ليكتموا ويحرفوا، وقيل: غير ذلك.

# وقد استدل بعض أهل العلم بالآية على منع جواز أخذ الأجرة على تعليم كتاب
~~الله تعالى والعلم، وروي في ذلك أيضا أحاديث لا تصح، وقد صح أنهم قالوا:

# " يا رسول الله أنأخذ على التعليم أجرا؟ فقال: إن خير ما أخذتم عليه
~~أجرا ms00381 كتاب الله تعالى "

# وقد تظافرت أقوال العلماء على جواز ذلك وإن نقل عن بعضهم الكراهة، ولا
~~دليل في الآية على ما ادعاه هذا الذاهب كما لا يخفى والمسألة مبينة في
~~الفروع.

# { وإيى فاتقون } بالإيمان واتباع الحق والإعراض عن الاشتراء
~~بآيات الله تعالى الثمن القليل والعرض الزائل، وإنما ذكر في الآية الأولى

# فارهبون

# [البقرة: 40] وهنا { فاتقون } لأن الرهبة دون التقوى فحيثما خاطب
~~الكافة عالمهم ومقلدهم وحثهم على ذكر النعمة التي يشتركون فيها أمرهم
~~بالرهبة التي تورث التقوى ويقع فيها الاشتراك، / ولذا قيل الخشية ملاك
~~الأمر كله، وحيثما أراد بالخطاب فيما بعد  العلماء منهم، وحثهم على
~~الإيمان ومراعاة الآيات  أمرهم بالتقوى التي أولها ترك المحظورات وآخرها
~~التبري مما سوى غاية الغايات، وليس وراء عبادان قرية.

### || [2.42]

# { ولا تلبسوا الحق بالبطل } هذا النهي مع ما بعده
~~معطوف على مجموع الآية التي قبله وهي قوله تعالى:

# وءامنوا

# [البقرة: 41] الخ، وهذا كما قالوا في قوله تعالى:

# هو الأول والأخر والظهر والبطن

# [الحديد: 3] إن مجموع الوصفين الأخيرين بعد اعتبار التعاطف معطوف على
~~مجموع الأولين كذلك، ويجوز العطف على جملة واحدة من الجمل السابقة إلا أن
~~المناسبة على الأول أشد والملاءمة أتم. واللبس بفتح اللام الخلط، وفعله
~~لبس من باب ضرب ويكون بمعنى الاشتباه إما بالاشتراك أو الحقيقة والمجاز:
~~والباء إما للتعدية أو للاستعانة واللام في  الحق والباطل  للعهد أي لا
~~تخلطوا الحق المنزل في التوراة بالباطل الذي اخترعتموه وكتبتموه أو لا
~~تجعلوا ذلك ملتبسا مشتبها غير واضح لا يدركه الناس بسبب الباطل وذكره،
~~ولعل الأول أرجح لأنه أظهر وأكثر لا لأن جعل وجود الباطل سببا للالتباس
~~الحق ليس أولى من العكس لما أنه لما كان المذموم هو التباس الحق بالباطل
~~ وإن لزمه العكس وكان هذا طارئا على ذلك  استحق الأولوية التي نفيت.

# { وتكتموا الحق } مجزوم بالعطف على { تلبسوا } فالنهي عن
~~كل واحد من الفعلين، وجوزوا أن يكون منصوبا على إضمار  أن  وهو عند
~~البصريين عطف على مصدر متوهم. وروى الجرمي أن النصب بنفس الواو  وهي
~~عندهم ms00382 بمعنى مع  وتسمى واو الجمع وواو الصرف لأنها مصروف بها الفعل عن
~~العطف، والمراد لا يكن منكم لبس الحق على من سمعه وكتمان الحق وإخفاؤه
~~عمن لم يسمعه، والقصد أن ينعى عليهم سوء فعلهم الذي هو الجمع بين أمرين
~~كل منهما مستقل بالقبح، ووجوب الانتهاء وطريق واسع إلى الإضلال والإغواء،
~~وحيث كان التلبيس بالنسبة إلى من سمع، والكتمان إلى من لم يسمع اندفع
~~السؤال بأن النهي عن الجمع بين شيئين إنما يتحقق إذا أمكن افتراقهما في
~~الجملة وليس  لبس الحق بالباطل مع كتمان الحق كذلك  ضرورة أن لبس الحق
~~بالباطل كتمان له، وكرر الحق إما لأن المراد بالأخير ليس عين الأول بل هو
~~نعت النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وإما لزيادة تقبيح المنهي عنه إذ في
~~التصريح باسم الحق ما ليس في ضميره.

# وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (وتكتمون) وخرجت على أن الجملة في
~~موضع الحال  أي وأنتم تكتمون، أو كاتمين  وفي جواز اقتران الحال
~~المصدرة بالمضارع بالواو قولان، وليس للمانع دليل يعتمد عليه، وهذه الحال
~~عند بعض المحققين لازمة والتقييد لإفادة التعليل كما في  لا تضرب زيدا
~~وهو أخوك  وعليه يكون المراد بكتمان الحق ما يلزم من لبس الحق بالباطل
~~لا إخفائه عمن لا يسمع، وجوز أن تكون معطوفة على جملة النهي على مذهب من
~~يرى جواز ذلك  وهو سيبويه وجماعة  ولا يشترط التناسب في عطف الجمل.

# { وأنتم تعلمون } جملة حالية ومفعول { تعلمون } محذوف
~~اقتصارا  أي وأنتم من ذوي العلم  ولا يناسب من كان عالما أن يتصف
~~بالحال الذي أنتم عليه، ولا يبعد أن يكون الحذف للاختصار  أي وأنتم
~~تعلمون أنكم لابسون كاتمون  أو تعلمون صفته صلى الله عليه وسلم أو البعث
~~والجزاء، والمقصود من تقييد النهي بالعلم زيادة تقبيح حالهم لأن الإقدام
~~على هاتيك الأشياء القبيحة مع العلم بما ذكر أفحش من الإقدام عليها مع
~~الجهل  وليس من يعلم كمن لا يعلم  وجوز ابن عطية أن تكون هذه الجملة
~~معطوفة وإن كانت ثبوتية على ما ms00383 قبلها من جملة النهي، وإن لم تكن مناسبة
~~في الإخبار، وهي عنده شهادة عليهم بعلم حق مخصوص في أمر النبي/ صلى الله
~~عليه وسلم وليست شاهدة بالعلم على الإطلاق إذ هم بمراحل عنه، واستدل
~~بالآية على أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه بالشروط
~~المعروفة لدى العلماء.

### || [2.43]

# { وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة } المراد بهما  سواء
~~كانت اللام للعهد أو للجنس  صلاة المسلمين وزكاتهم لأن غيرهما مما نسخه
~~القرآن ملتحق بالعدم، والزكاة في الأصل النماء والطهارة، ونقلت شرعا
~~لإخراج معروف، فإن نقلت من الأول فلأنها تزيد بركة المال وتفيد النفس
~~فضيلة الكرم، أو لأنها تكون في المال النامي وإن نقلت من الثاني فلأنها
~~تطهر المال من الخبث والنفس من البخل. واستدل بالآية حيث كانت خطابا
~~لليهود من قال: إن الكفار مخاطبون بالفروع واحتمال أن يكون الأمر فيها
~~بقبول الصلاة المعروفة والزكاة والإيمان بهما، أو أن يكون أمرا للمسلمين
~~ كما قاله الشيخ أبو منصور  خلاف الظاهر فلا ينافي الاستدلال بالظاهر،
~~وقدم الأمر بالصلاة لشمول وجوبها ولما فيها من الإخلاص والتضرع للحضرة،
~~وهي أفضل العبادات البدنية وقرنها بالزكاة لأنها أفضل العبادات المالية،
~~ثم من قال: لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب قال: إنما جاء هذا
~~بعد أن بين صلى الله عليه وسلم أركان ذلك وشرائطه، ومن قال بجوازه قال
~~بجواز أن يكون الأمر لقصد أن يوطن السامع نفسه  كما يقول السيد لعبده
~~إني أريد أن آمرك بشيء فلا بد أن تفعله .

# { واركعوا مع الراكعين } أي صلوا مع المصلين وعبر بالركوع عن
~~الصلاة احترازا عن صلاة اليهود فإنها لا ركوع فيها وإنما قيد ذلك بكونه
~~مع الراكعين لأن اليهود كانوا يصلون وحدانا فأمروا بالصلاة جماعة لما
~~فيها من الفوائد ما فيها، واستدل به بعضهم على وجوبها. ومن لم يقل به حمل
~~الأمر على الندب أو المعية على الموافقة وإن لم يكونوا معهم، وقيل: 
~~الركوع  الخضوع والانقياد لما يلزمهم من الشرع قال الأضبط السعدي:

# لا تذل الفقير علك أن

# (تركع) يوما ms00384 والدهر قد رفعه

# ولعل الأمر به حينئذ بعد الأمر بالزكاة لما أنها مظنة ترفع فأمروا
~~بالخضوع لينتهوا عن ذلك إلا أن الأصل في إطلاق الشرع المعاني الشرعية:
~~وفي المراد بالراكعين قولان: فقيل: النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه،
~~وقيل: الجنس وهو الظاهر.

# ومن باب الإشارة: في قوله تعالى: { ولا تلبسوا الحق } الخ أي
~~لا تقطعوا على أنفسكم طريق الوصول إلى الحق بالباطل الذي هو تعلق القلب
~~بالسوى  فإن أصدق كلمة قالها شاعر  كلمة لبيد:

# ألا كل شيء ما خلا الله باطل

# { وتكتموا الحق } بالتفاتكم إلى غيره سبحانه

# وأنتم تعلمون

# [البقرة: 42] أنه ليس لغيره وجود حقيقي، أو لا تخلطوا صفاته تعالى
~~الثابتة الحقة بالباطل الذي هو صفات نفوسكم، ولا تكتموها بحجاب صفات
~~النفس وأنتم تعلمون من علم توحيد الأفعال أن مصدر الفعل هو الصفة فكما لم
~~تسندوا الفعل إلى غيره لا تثبتوا صفته لغيره { وأقيموا الصلوة }
~~بمراقبة القلوب { وآتوا الزكاة } أي بالغوا في تزكية النفس عن
~~الصفات الذميمة لتحصل لكم التحلية بعد التخلية، أو أدوا زكاة الهمم فإن
~~لها زكاة كزكاة النعم بل إن لكل شيء زكاة كما قيل:

# كل شيء له (زكاة) تؤدى

# و  زكاة  الجمال رحمة مثلي

# واركعوا

# [البقرة: 43] أي اخضعوا لما يفعل بكم المحبوب، فالخضوع علامة الرضا الذي
~~هو ميراث تجلي الصفات العلى، وحاصله ارضوا بقضائي عند مطالعة صفاتي فإن
~~لي أحبابا لسان حال كل منهم يقول:

# وتعذيبكم عذب لدي وجوركم

# علي بما يقضي الهوى لكم عدل

# ثم إنه تعالى لما أمرهم بفعل الخير شكرا لما خصهم به من النعم حرضهم
~~على ذلك من مأخذ آخر بقوله سبحانه: { أتأمرون الناس بالبر
~~وتنسون أنفسكم... }

### || [2.44]

# / { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم }
~~والهمزة فيه للتقرير مع توبيخ وتعجيب. و  البر  سعة المعروف والخير
~~ومنه البر، والبرية للسعة، ويتناول كل خير، والنسيان  كما في " البحر
~~"  السهو الحادث بعد العلم. والمراد به هنا الترك لأن أحدا لا ينسى
~~نفسه بل يحرمها ويتركها كما يترك الشيء المنسي مبالغة في عدم المبالاة
~~والغفلة فيما ينبغي ms00385 أن يفعله، وقد نزلت هذه الآية  على ما روي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما  في أحبار المدينة كانوا يأمرون سرا من
~~نصحوه باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ولا يتبعونه وقيل: إنهم كانوا
~~يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون. فالمراد بالبر هنا إما الإيمان أو الإحسان،
~~وتركه بعضهم على ظاهره متناولا كل خير على ما قال السدي: إنهم كانوا
~~يأمرون الناس بطاعة الله تعالى وينهونهم عن معصيته وهم كانوا يتركون
~~الطاعة ويقدمون على المعصية، والتوبيخ ليس على أمر الناس بالبر نفسه بل
~~لمقارنته بالنسيان المذكور.

# { وأنتم تتلون الكتب } أي التوراة، والجملة حال من فاعل {
~~أتأمرون } ، والمراد التبكيت وزيادة التقبيح { أفلا تعقلون
~~} أصل هذا الكلام ونحوه عند الجمهور كان بتقديم حرف العطف على الهمزة لكن
~~لما كان للهمزة صدر الكلام قدمت على حرف العطف، وبعضهم ذهب إلى أنه لا
~~تقديم ولا تأخير ويقدر بين الهمزة وحرف العطف ما يصح العطف عليه، و 
~~العقل  في الأصل المنع والإمساك، ومنه  عقال البعير  سمي به النور
~~الروحاني الذي به تدرك النفوس العلوم الضرورية والنظرية لأنه يحبس عن
~~تعاطي ما يقبح ويعقل على ما يحسن، والفعل يحتمل أن يكون مطلقا أجري مجرى
~~اللازم، ويحتمل أن يكون متعديا مقدرا لمفعول، والمعنى  أفلا عقل لكم
~~يمنعكم عما تعلمون سوء خاتمته ووخامة عاقبته  أو أفلا تعقلون قبح صنيعكم
~~شرعا لمخالفة ما تتلونه في التوراة، وعقلا لكونه جمعا بين المتنافيين،
~~فإن المقصود من الأمر بالبر الإحسان والامتثال، والزجر عن المعصية،
~~ونسيانهم أنفسهم ينافي كل هذه الأغراض، ولا نزاع في كون قبح الجمع بين
~~ذلك عقلا بمعنى كونه باطلا فعلى هذا لا حجة للمعتزلة في الآية على
~~القبح العقلي الذي يزعمونه بل قد ادعى بعض المحققين أنها دليل على خلاف
~~ما ذهبوا إليه لأنه سبحانه رتب التوبيخ على ما صدر منهم بعد تلاوة الكتاب
~~وكذا لا حجة فيها لمن زعم أنه ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن
~~المنكر لأن التوبيخ على جمع الأمرين بالنظر للثاني فقط لا منع الفاسق ms00386 عن
~~الوعظ فإن النهي عن المنكر لازم ولو لمرتكبه فإن ترك النهي ذنب وارتكابه
~~ذنب آخر، وإخلاله بأحدهما لا يلزم منه الإخلال بالآخر.

# ثم إن هذا التوبيخ والتقريع  وإن كان خطابا لبني إسرائيل  إلا أنه
~~عام  من حيث المعنى  لكل واعظ يأمر ولا يأتمر، ويزجر ولا ينزجر، ينادي
~~الناس البدار البدار، ويرضى لنفسه التخلف والبوار، ويدعو الخلق إلى الحق،
~~وينفر عنه، ويطالب العوام بالحقائق؛ ولا يشم ريحها منه. وهذا هو الذي
~~يبدأ بعذابه قبل عبدة الأوثان، ويعظم ما يلقى لوفور تقصيره يوم لا حاكم
~~إلا الملك الديان. وعن محمد بن واسع قال: بلغني أن أناسا من أهل الجنة
~~اطلعوا على ناس من أهل النار فقالوا لهم: قد كنتم تأمروننا بأشياء
~~عملناها فدخلنا الجنة، قالوا: كنا نأمركم بها، ونخالف إلى غيرها. هذا ومن
~~الناس من جعل هذا الخطاب للمؤمنين، وحمل الكتاب على القرآن، فيكون ذلك من
~~تلوين الخطاب  كما في 

# يوسف أعرض عن هذا واستغفرى

# [يوسف: 29] والظاهر يبعده.

### || [2.45]

# { واستعينوا بالصبر والصلوة } لما أمرهم سبحانه بتارك
~~الضلال والإضلال والتزام الشرائع، وكان ذلك شاقا عليهم  لما فيه من
~~فوات محبوبهم وذهاب مطلوبهم  عالج مرضهم بهذا الخطاب، والصبر حبس النفس
~~على ما تكره، وقدمه على الصلاة  لأنها لا تكمل إلا به  أو لمناسبته
~~لحال المخاطبين، / أو لأن تأثيره  كما قيل  في إزالة ما لا ينبغي،
~~وتأثير الصلاة في حصول ما ينبغي، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح 
~~واللام  فيه للجنس، ويجوز أن يراد بالصبر نوع منه  وهو الصوم  بقرينة
~~ذكره مع الصلاة،  والاستعانة بالصبر  على المعنى الأول: لما يلزمه من
~~انتظار الفرج والنجح  توكلا على من لا يخيب المتوكلين عليه  ولذا قيل:
~~الصبر مفتاح الفرج، وبه على المعنى الثاني: لما فيه من كسر الشهوة وتصفية
~~النفس الموجبين للانقطاع إلى الله تعالى  الموجب لإجابة الدعاء  وأما
~~الاستعانة بالصلاة فلما فيها من أنواع العبادة، مما يقرب إلى الله تعالى
~~قربا يقتضي الفوز بالمطلوب والعروج إلى المحبوب، وناهيك من عبادة تكرر
~~في اليوم والليلة خمس مرات ms00387 يناجي فيها العبد علام الغيوب، ويغسل بها
~~العاصي درن العيوب، وقد روى حذيفة أنه صلى الله عليه وسلم إذا حزنه أمر
~~صلى، وروى أحمد أنه إذا حزنه أمر فزع إلى الصلاة، وحمل الصلاة على الدعاء
~~في الآية وكذا في الحديث لا يخلو عن بعد، وأبعد منه كون المراد بالصبر
~~الصبر على الصلاة.

# { وإنها لكبيرة إلا على الخشعين } الضمير للصلاة
~~ كما يقتضيه الظاهر، وتخصيصها  برد الضمير إليها  لعظم شأنها
~~واستجماعها ضروبا من الصبر، ومعنى  كبرها  ثقلها وصعوبتها على من
~~يفعلها، على حد قوله تعالى:

# كبر على المشركين ما تدعوهم إليه

# [الشورى: 13] والاستثناء مفرغ أي: كبيرة على كل أحد إلا على الخاشعين
~~وهم المتواضعون المستكينون، وأصل  الخشوع  الإخبات، ومنه الخشعة 
~~بفتحات  الرمل المتطامن، وإنما لم تثقل عليهم، لأنهم عارفون بما يحصل
~~لهم فيها متوقعون ما ادخر من ثوابها فتهون عليهم، ولذلك قيل: من عرف ما
~~يطلب هان عليه ما يبذل، ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية، وجوز رجوع الضمير
~~إلى  الاستعانة  على حد

# اعدلوا هو أقرب للتقوى

# [المائدة: 8] ورجح بالشمول، وما يقال: إن الاستعانة ليست بكبيرة لا طائل
~~تحته، فإن الاستعانة بالصلاة أخص من فعل الصلاة لأنها أداؤها  على وجه
~~الاستعانة بها على الحوائج  أو على سائر الطاعات لاستجرارها ذلك، وقيل:
~~يجوز أن يكون من أسلوب

# والله ورسوله أحق أن يرضوه

# [التوبة: 62] وقوله:

# إن شرخ الشباب والشعر الأس

# ود ما لم يعاص كان جنونا

# والتأنيث مثله في قوله تعالى على رأي:

# والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها

# [التوبة: 34] أو المراد كل خصلة منها، وقيل: الضمير راجع إلى المذكورات
~~المأمور بها والمنهي عنها، ومشقتها عليهم ظاهرة، وهو أقرب مما قاله
~~الأخفش من رجوعه إلى إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم، والبعيد بل الأبعد
~~عوده إلى الكعبة المفهومة من ذكر الصلاة.

### || [2.46]

# الظن في الأصل الحسبان  واللقاء  وصول أحد الجسمين إلى الآخر بحيث
~~يماسه، والمراد من ملاقاة الرب سبحانه، إما ملاقاة ثوابه أو الرؤية عند
~~من يجوزها، وكل منهما مظنون متوقع لأنه وإن علم الخاشع ms00388 أنه لا بد من
~~ثواب للعمل الصالح، وتحقق أن المؤمن يرى ربه يوم المآب  لكن من أين يعلم
~~ما يختم به عمله  ففي وصف أولئك بالظن إشارة إلى خوفهم، وعدم أمنهم مكر
~~ربهم

# فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخسرون

# [الأعراف: 99] وفي تعقيب الخاشعين به حينئذ لطف لا يخفى، إلا أن عطف
~~{...أنهم إليه رجعون } على ما قبله يمنع حمل الظن على ما
~~ذكر  لأن الرجوع إليه تعالى  المفسر بالنشور  أو المصير إلى الجزاء
~~مطلقا، مما لا يكفي فيه الظن والتوقع  بل يجب القطع به  اللهم إلا أن
~~يقدر له عامل  أي ويعلمون  أو يقال: إن الظن متعلق بالمجموع من حيث هو
~~مجموع، وهو كذلك/ غير مقطوع به  وإن كان أحد جزئيه مقطوعا  أو يقال:
~~إن الرجوع إلى الرب هنا المصير إلى جزائه الخاص، أعني الثواب بدار
~~السلام، والحلول بجواره جل شأنه  والكل خلاف الظاهر  ولهذا اختير تفسير
~~الظن باليقين مجازا، ومعنى التوقع والانتظار في ضمنه، ولقاء الله تعالى
~~بمعنى الحشر إليه، والرجوع بمعنى المجازات  ثوابا أو عقابا  فكأنه عز
~~شأنه قال: يعلمون أنهم يحشرون إليهم فيجازيهم متوقعين لذلك، وكأن النكتة
~~في استعمال الظن المبالغة في إيهام أن من ظن ذلك لا يشق عليه ما تقدم 
~~فكيف من تيقنه  والتعرض لعنوان الربوبية للإشعار بعلية الربوبية 
~~والمالكية للحكم  وجعل خبر (أن) في الموضعين اسما للدلالة على تحقق
~~اللقاء والرجوع وتقررهما عنده، وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه
~~(يعلمون) وهي تؤيد هذا التفسير.

# ومن باب الإشارة: { أتأمرون الناس بالبر } الذي هو الفعل
~~الجميل الموجب لصفاء القلب وزكاء النفس ولا تفعلون ما ترتقون به من مقام
~~تجلي الأفعال إلى تجلي الصفات { وأنتم تتلون } كتاب فطرتكم الذي
~~يأمركم بالدين السالك بكم سبيل التوحيد

# أفلا تعقلون

# [البقرة: 44] فتقيدون مطلقات صفاتكم الذميمة بعقال ما أفيض عليكم من
~~الأنوار القديمة، واطلبوا المدد والعون ممن له القدرة الحقيقية بالصبر
~~على ما يفعل بكم، لكي تصلوا إلى مقام الرضا والصلاة التي هي المراقبة
~~وحضور القلب لتلقي تجليات الرب، ms00389 وإن المراقبة لشاقة  إلا على  المنكسرة
~~قلوبهم، اللينة أفئدتهم لقبول أنوار التجليات اللطيفة، واستيلاء سطواتها
~~القهرية، فهم الذين يتيقنون أنهم بحضرة ربهم

# وأنهم إليه رجعون

# [البقرة: 46] بفناء صفاتهم ومحوها في صفاته؛ فلا يجدون في الدار إلا
~~شؤون الملك اللطيف القهار.

### || [2.47]

# { يبنى إسرءيل اذكروا نعمتي التى أنعمت
~~عليكم } كرر التذكير للتأكيد والإيذان بكمال غفلتهم عن القيام بحقوق
~~النعمة، وليربط ما بعده من الوعيد الشديد به لتتم الدعوة بالترغيب
~~والترهيب، فكأنه قال سبحانه: إن لم تطيعوني لأجل سوابق نعمتي، فأطيعوني
~~للخوف من لواحق عقابي، ولتذكير التفضيل الذي هو أجل النعم، فإنه لذلك
~~يستحق أن يتعلق به التذكير بخصوصه مع التنبيه على أجليته بتكرير النعمة
~~التي هو فرد من أفرادها.

# { وأنى فضلتكم على العلمين } عطف على { نعمتي }
~~من عطف الخاص على العام، وهو مما انفردت به  الواو  كما في «البحر»،
~~ويسمى هذا النحو من العطف  بالتجريد  كأنه جرد المعطوف من الجملة،
~~وأفرد بالذكر اعتناءا به، والكلام على حذف مضاف  أي فضلت آباءكم  وهم
~~الذين كانوا قبل التغيير، أو باعتبار أن نعمة الآباء نعمة عليهم، قال
~~الزجاج: والدليل على ذلك قوله تعالى:

# وإذ نجينكم

# [البقرة: 49] الخ، والمخاطبون لم يروا فرعون ولا آله، ولكنه تعالى
~~أذكرهم أنه لم يزل منعما عليهم، والمراد بالعالمين سائر الموجودين في
~~وقت التفضيل، وتفضيلهم بما منحهم من النعم المشار إليها بقوله تعالى:

# وإذ قال موسى لقومه يقوم قوم اذكروا نعمة
~~الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم
~~ملوكا

# [المائدة: 20] فلا يلزم من الآية تفضيلهم على النبي صلى الله عليه وسلم
~~ولا على أمته، الذين هم خير أمة أخرجت للناس وكذا لا يصح الاستدلال بها
~~على أفضلية البشر على الملائكة من جميع الوجوه  ولو صح ذلك  يلزم تفضيل
~~عوامهم على خواص الملائكة، ولا قائل به.

# ومن اللطائف أن الله سبحانه وتعالى أشهد بني إسرائيل فضل أنفسهم فقال: {
~~وأنى فضلتكم } الخ، وأشهد المسلمين فضل نفسه فقال:

# قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا

# [يونس: 58] فشتان من مشهوده فضل ربه، ومن مشهوده فضل ms00390 نفسه فالأول: يقتضي
~~الفناء والثاني: يقتضي الإعجاب، والحمد لله الذي فضلنا على كثير/ ممن خلق
~~تفضيلا.

### || [2.48]

# { واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا } اليوم
~~الوقت، وانتصابه إما على الظرف والمتقى محذوف  أي واتقوا العذاب يوما 
~~وإما مفعول به  واتقاؤه  بمعنى  اتقاء ما فيه  إما مجازا يجعل الظرف
~~عبارة عن المظروف أو كناية عنه للزومه له، وإلا  فالاتقاء  من نفس 
~~اليوم  مما لا يمكن، لأنه آت لا محالة، ولا بد أن يراه أهل الجنة والنار
~~جميعا، والممكن المقدور  اتقاء  ما فيه بالعمل الصالح، و { تجزى }
~~من جزى بمعنى قضى، وهو متعد بنفسه لمفعوله الأول، وبعن للثاني  وقد ينزل
~~منزلة اللازم للمبالغة  والمعنى لا تقضي يوم القيامة نفس عن نفس شيئا
~~مما وجب عليها، ولا تنوب عنها، ولا تحتمل مما أصابها، أو لا تقضي عنها
~~شيئا من الجزاء، فنصب { شيئا } إما على أنه  مفعول به  أو على أنه
~~ مفعول مطلق  قائم مقام المصدر، أي جزاء ما.

# وقرأ أبو السماك: { ولا تجزئ } من أجزأ عنه إذا أغنى، فهو لازم، و {
~~شيئا } مفعول مطلق لا غير، والمعنى لا تغني نفس عن نفس شيئا من
~~الإغناء  ولا تجديها نفعا  وتنكير الأسماء للتعميم في الشفيع
~~والمشفوع، وما فيه الشفاعة، وفيه من التهويل والإيذان بانقطاع المطامع ما
~~لا يخفى، كما يشير إليه قوله تعالى:

# يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه *
~~وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن
~~يغنيه

# [عبس: 3437] والجملة في المشهور صفة يوم والرابط محذوف، أي: لا تجزي
~~فيه ولم يجوز الكسائي حذف المجرور إذا لم يتعين، فلا تقول: رأيت رجلا
~~أرغب، وأنت تريد أرغب فيه، ومذهبه في هذا التدريج، وهو أن يحذف حرف الجر
~~أولا حتى يتصل الضمير بالفعل  فيصير منصوبا  فيصح حذفه كما في قوله:

# فما أدري أغيرهم تناء

# وطول العهد أو مال أصابوا

# يريد أصابوه، وقد يجوز  على رأي الكوفيين  أن لا تكون الجملة صفة، بل
~~مضاف إليها (يوم) محذوف  لدلالة ما قبله عليه  فلا تحتاج إلى ضمير،
~~ويكون ذلك ms00391 المحذوف  بدلا من المذكور  ومن ذلك ما حكاه الكسائي 
~~أطعمونا لحما سمينا، شاة ذبحوها  بجر شاة  على تقدير  لحم شاة 
~~وحكى الفراء مثل ذلك، ومنه قوله:

# رحم الله أعظما دفنوها

# بسجستان طلحة الطلحات

# في رواية من خفض طلحة، والبصريون لا يجوزون حذف المضاف، وترك المضاف
~~إليه على خفضه، ويقولون بشذوذ ما ورد من ذلك، وقرأ أبو سرار: (لا تجزي
~~نسمة عن نسمة) وهي بمعنى النفس.

# { ولا يقبل منها شفعة ولا يؤخذ منها عدل }
~~الشفاعة  كما في «البحر»  ضم غيره إلى وسيلته  وهي من الشفع ضد الوتر
~~ لأن الشفيع ينضم إلى الطالب في تحصيل ما يطلب  فيصير شفعا بعد أن كان
~~فردا  والعدل الفدية، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وروي عنه
~~أيضا  البدل  أي رجل مكان رجل، وأصل العدل  بفتح العين  ما يساوي
~~الشيء  قيمة وقدرا  وإن لم يكن من جنسه  وبكسرها  المساوى في الجنس
~~والجرم، ومن العرب من يكسر  العين  من معنى الفدية، وذكر الواحدي أن
~~(عدل) الشيء  بالفتح والكسر  مثله، وأنشد قول كعب بن مالك:

# صبرنا لا نرى لله عدلا

# على ما نابنا متوكلينا

# وقال ثعلب: العدل الكفيل والرشوة  ولم يؤثر في الآية  والضميران
~~المجروران  بمن  إما راجعان إلى النفس/ الثانية لأنها أقرب مذكور
~~ولموافقته لقوله تعالى: { ولا هم ينصرون } ولأنه المتبادر من
~~قوله: { ولا يؤخذ منها عدل } ومعنى عدم قبول الشفاعة حينئذ
~~أنها إن جاءت بشفاعة شفيع لم تقبل منها وإما إلى الأولى لأنها المحدث
~~عنها، والثانية فضلة ولأن المتبادر من نفي قبول الشفاعة أنها لو شفعت لم
~~تقبل شفاعتها، وحينئذ معنى عدم  أخذ العدل  من الأولى أنه لو أعطى
~~عدلا من الثانية لم يؤخذ، وكأن في الآية على هذا نوعا من الترقي ارتكب
~~هنا وإن لم يرتكب في مقام آخر كأنه قيل: إن النفس الأولى لا تقدر على
~~استخلاص صاحبتها من قضاء الواجبات وتدارك التبعات لأنها مشغولة عنها
~~بشأنها، ثم إن قدرت على نفي ما كان بشفاعة لا يقبل منها، وإن زادت عليه
~~بأن ضمت ms00392 الفداء فلا يؤخذ منها، وإن حاولت الخلاص بالقهر والغلبة  وأنى
~~لها ذلك  فلا تتمكن منه، واختار الكواشي جعل الضمير الأول للنفس الأولى،
~~والثانية للثانية على اللف والنشر لما فيه من إجراء الجملتين على المعنى
~~الظاهر منهما، ويهون أمر التفكيك الاتضاح، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو 
~~ولا تقبل  بالتاء، وسفيان { يقبل } بفتح الياء، ونصب شفاعة على
~~البناء للفاعل، وفيه التفات من ضمير المتكلم في

# نعمتي

# [البقرة: 47] الخ إلى ضمير الغائب وبناؤه للمفعول أبلغ.

# { ولا هم ينصرون } النصر في الأصل المعونة، ومنه أرض منصورة
~~ممدودة بالمطر، والمراد به هنا ما يكون بدفع الضرر  أي ولاهم يمنعون من
~~عذاب الله عز وجل  والضمير راجع إما إلى ما دلت عليه النفس الثانية
~~المنكرة الواقعة في سياق النفي من النفوس الكثيرة فيكون من قبيل ما تقدم
~~ذكره معنى بدلالة لفظ آخر، وإما إلى النفس المنكرة من حيث كونها لعمومها
~~بالنفي في معنى الكثرة كما قيل في قوله تعالى:

# فما منكم من أحد عنه حجزين

# [الحاقة: 47] وأتى به مذكرا لتأويل النفوس بالعباد والأناسي، وفيه
~~تنبيه على أن تلك النفوس عبيد مقهورون مذللون تحت سلطانه تعالى، وأنهم
~~ناس كسائر الناس في هذا الأمر، وعوده إلى النفسين بناء على أن التثنية
~~جمع ليس بشيء، وجعل النفي  منسحبا على جملة اسمية للتقوى، ورفع { هم
~~} على الابتداء والجملة بعده خبره، وجعله مفعولا لما لم يسم فاعله
~~والفعل بعده مفسر فتوافق الجمل  لا أوافق على اختياره  وإن ذهب إليه
~~بعض الأجلة .

# وتمسك المعتزلة بعموم الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر  وكون الخطاب
~~للكفار والآية نازلة فيهم  لا يدفع العموم المستفاد من اللفظ، وأجيب
~~بالتخصيص من وجهين، الأول: بحسب المكان والزمان فإن مواقف القيامة ومقدار
~~زمانها فيها سعة وطول، ولعل هذه الحالة في ابتداء وقوعها وشدته ثم يأذن
~~بالشفاعة، وقد قيل: مثل ذلك في الجمع بين قوله تعالى:

# فلا أنسب بينهم يومئذ ولا يتساءلون

# [المؤمنون: 101] وقوله تعالى:

# وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون

# [الطور: 25] وكون مقام الوعيد يأبى عنه غير مسلم، والثاني: بحسب ms00393
~~الأشخاص إذ لا بد لهم من التخصيص في غير العصاة لمزيد الدرجات فليس العام
~~باقيا على عمومه عندهم وإلا اقتضى نفي زيادة المنافع وهم لا يقولون به،
~~ونحن نخصص في العصاة بالأحاديث الصحيحة البالغة حد التواتر، وحيث فتح باب
~~التخصيص نقول أيضا: ذلك النفي مخصص بما قبل الإذن، لقوله تعالى:

# لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن

# [سبأ: 23] وهو تخصيص له دليل، وتخصيصهم لا يظهر له دليل على أن الشفاعة
~~بزيادة المنافع يكاد أن لا تكون شفاعة وإلا لكنا شفعاء الرسول صلى الله
~~عليه وسلم عند الصلاة عليه مع أن الإجماع وقع منا ومنهم على أنه هو
~~الشفيع، وأيضا في قوله تعالى:

# واستغفر لذنبك وللمؤمنين

# [محمد: 19] ما يشير إلى الشفاعة التي ندعيها  ويحث على التخصيص الذي
~~نذهب إليه  رزقنا الله تعالى الشفاعة وحشرنا في زمرة أهل السنة
~~والجماعة، ولما قدم سبحانه ذكر نعمه إجمالا أراد أن يفصل ليكون أبلغ في
~~التذكير وأعظم في الحجة فقال: { وإذ نجينكم من ءال... }.

### || [2.49]

# { وإذ نجينكم من ءال فرعون يسومونكم سوء
~~العذاب } وهو على الشائع عطف على

# نعمتي

# [البقرة: 47] بتقدير: اذكروا/ كيلا يلزم الفصل بين المعطوفين بأجنبي
~~وهو اتقوا وقد تقدم قبل ما ينفعك هنا، وقرىء  (أنجيناكم)، و (أنجيتكم) 
~~ونسبت الأولى للنخعي، والآل قيل: بمعنى الأهل وإن ألفه بدل عن هاء، وإن
~~تصغيره أهيل، وبعضهم ذهب إلى أن ألفه بدل من همزة ساكنة وتلك الهمزة بدل
~~من هاء، وقيل: ليس بمعنى الأهل لأن الأهل القرابة والآل من يؤول إليك في
~~قرابة أو رأي أو مذهب، فألفه بدل من واو، ولذلك قال يونس في تصغيره:
~~أويل، ونقله الكسائي نصا عن العرب، وروي عن أبي عمر  غلام ثغلب  إن
~~الأهل القرابة كان لها تابع أو لا، والآل القرابة بتابعها فهو أخص من
~~الأهل، وقد خصوه أيضا بالإضافة إلى أولي الخطر فلا يضاف إلى غير العقلاء
~~ولا إلى من لا خطر له منهم، فلا يقال  آل الكوفة، ولا  آل الحجام 
~~وزاد بعضهم اشتراط التذكير فلا يقال  آل ms00394 فاطمة  ولعل كل ذلك أكثري وإلا
~~فقد ورد على خلاف ذلك  كآل أعوج  اسم فرس، وآل المدينة، وآل نعم، وآل
~~الصليب، وآلك  ويستعمل غير مضاف  كهم خير آل  ويجمع  كأهل  فيقال
~~آلون.

# وفرعون لقب لمن ملك العمالقة  ككسرى لملك الفرس، وقيصر لملك الروم،
~~وخاقان لملك الترك، وتبع لملك اليمن، والنجاشي لملك الحبشة  وقال
~~السهيلي: هو اسم لكل من ملك القبط ومصر، وهو غير منصرف للعلمية والعجمة،
~~وقد اشتق منه باعتبار ما يلزمه فقيل: تفرعن الرجل إذا تجبر وعتا، واسم
~~فرعون هذا الوليد بن مصعب  قاله ابن إسحاق، وأكثر المفسرين  وقيل: أبوه
~~مصعب بن ريان حكاه ابن جرير، قيل: قنطوس حكاه مقاتل، وذكر وهب بن منبه أن
~~أهل الكتابين قالوا: إن اسمه قابوس، وكنيته أبو مرة وكان من القبط، وقيل:
~~من بني عمليق أو عملاق بن لاوز بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام، وهم
~~أمم تفرقوا في البلاد، وروي أنه من أهل اصطخر ورد إلى مصر فصار بها
~~ملكا، وقيل: كان عطارا بأصفهان ركبته الديون فدخل مصر وآل أمره إلى ما
~~آل  وحكاية البطيخ شهيرة  وقد نقلها مولانا مفتي الديار الرومية في
~~«تفسيره»، والصحيح أنه غير فرعون يوسف عليه السلام، وكان اسمه  على
~~المشهور  الريان بن الوليد، وقد آمن بيوسف ومات في حياته وهو من أجداد
~~فرعون المذكور على قول، ويؤيد الغيرية أن بين دخول يوسف ودخول موسى
~~عليهما السلام أكثر من أربعمائة سنة، والمراد بآل فرعون هنا أهل مصر أو
~~أهل بيته خاصة أو أتباعه على دينه، وبأنجيناكم أنجينا آباءكم، وكذا
~~نظائره فلا حجة فيها لتناسخي، وهذا في كلام العرب شائع كقوله حسان:

# ونحن قتلناكم ببدر فأصبحت

# عساكركم في الهالكين (تجول)

# و (يسومونكم) من السوم، وأصله الذهاب للطلب، ويستعمل للذهاب وحده تارة،
~~ومنه السائمة، وللطلب أخرى، ومنه السوم في البيع، ويقال: سامه كلفه العمل
~~الشاق، و  السوء  مصدر ساء يسوء، ويراد به السيء، ويستعمل في كل ما
~~يقبح  كأعوذ بالله تعالى من سوء الخلق و (سوء العذاب) أفظعه ms00395 وأشده
~~بالنسبة إلى سائره، وهو منصوب على المفعولية ليسومونكم بإسقاط حرف الجر
~~أو بدونه، والجملة يحتمل أن تكون مستأنفة، وهي حكاية حال ماضية، ويحتمل
~~أن تكون في موضع الحال من ضمير { نجينكم } أو { من ءال
~~فرعون } ، وهو الأقرب، والمعنى يولونكم أو يكلفونكم الأعمال الشاقة،
~~والأمور الفظيعة أو يرسلونكم إليها ويصرفونكم فيها أو يبغونكم سوء العذاب
~~المفسر بما بعده، وقد حكي أن فرعون جعل بني إسرائيل خدما وخولا، وصنفهم
~~في الأعمال  فصنف يبنون، وصنف يحرثون، وصنف يخدمون  ومن لم يكن منهم في
~~عمل وضع عليه الجزية يؤديها كل يوم، ومن غربت عليه الشمس قبل أن يؤديها
~~غلت يده إلى عنقه شهرا، وجعل النساء يغزلن الكتان، وينسجن.

# { يذبحون أبناءكم } جملة حالية أو استئنافية كأنه قيل: ما
~~الذي ساموهم إياه، فقال:/ { يذبحون } الخ، ويجوز أن تخرج على إبدال
~~الفعل من الفعل كما في قوله تعالى:

# يلق أثاما * يضعف له العذاب

# [الفرقان: 6869]، وقيل: بالعطف وحذف حرفه لآية إبراهيم، والمحققون على
~~الفرق، وحملوا { سوء العذاب } فيها على التكاليف الشاقة غير الذبح،
~~وعطف للتغاير، واعتبر هناك لا هنا على رأيهم لسبق

# وذكرهم بأيام الله

# [إبراهيم: 5]، وهو يقتضي التعداد، وليس هنا ما يقتضيه، والأبناء الأطفال
~~الذكور، وقيل: إنهم الرجال هذا وسموا أبناء باعتبار ما كانوا قبل، وفي
~~بعض الأخبار أنه قتل أربعين ألف صبي، وحكي أنه كان يقتل الرجال الذين
~~يخاف منهم الخروج والتجمع لإفساد أمره، والمشهور حمل الأبناء على الأول،
~~وهو المناسب المتبادر، وفي سبب ذلك أقوال وحكايات مختلفة ومعظمها يدل على
~~أن فرعون خاف من ذهاب ملكه على يد مولود من بني إسرائيل ففعل ما فعل

# وكان أمر الله قدرا مقدورا

# [الأحزاب: 38] وقرأ الزهري وابن محيصن: { يذبحون } مخففا، وعبد
~~الله: { يقتلون } مشددا.

# { ويستحيون نساءكم } عطف على { يذبحون } أي يستبقون
~~بناتكم ويتركونهن حيات، وقيل: يفتشون في حيائهن ينظرون هل بهن حمل 
~~والحياء الفرج  لأنه يستحى من كشفه، والنساء جمع المرأة، وفي «البحر»
~~إنه جمع تكسير لنسوة على وزن فعلة جمع قلة، وزعم ابن السراج أنه اسم ms00396 جمع،
~~وعلى القولين لم يلفظ له بواحد من لفظه، وهي في الأصل البالغات دون
~~الصغائر، فهي على الوجه الأول مجاز باعتبار الأول للإشارة إلى أن
~~استبقاءهم كان لأجل أن يصرن نساء لخدمتهم، وعلى الثاني فيه تغليب
~~البالغات على الصغائر، وعلى الثالث حقيقة، وقدم الذبح لأنه أصعب الأمور
~~وأشقها عند الناس وإن كان ذلك الاستحياء أعظم من القتل لدى الغيور.

# { وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم } إشارة إلى التذبيح
~~والاستحياء، أو إلى الإنجاء، وجمع الضمير للمخاطبين، ويجوز أن يشار بذلكم
~~إلى الجملة وأصل البلاء الاختبار، وإذا نسب إليه تعالى يراد منه ما يجري
~~مجراه مع العباد على المشهور، وهو تارة يكون بالمسار ليشكروا، وتارة
~~بالمضار ليصبروا، وتارة بهما ليرغبوا ويرهبوا  فإن حملت الإشارة على
~~المعنى الأول:  فالمراد بالبلاء المحنة، وإن على الثاني: فالمراد به
~~النعمة، وإن على الثالث: فالمراد به القدر المشترك كالامتحان الشائع
~~بينهما، ويرجح الأول: التبادر، والثاني: أنه في معرض الامتنان، والثالث:
~~لطف جمع الترغيب والترهيب؛ ومعنى { من ربكم } من جهته تعالى إما
~~بتسليطهم عليكم أو ببعث موسى عليه السلام وتوفيقه لتخليصكم أو بهما
~~جميعا، و(عظيم) صفة(بلاء) وتنكيرهما للتفخيم، والعظم بالنسبة للمخاطب،
~~والسامع لا بالنسبة إليه تعالى لأنه العظيم الذي لا يستعظم شيئا.

# ومن باب الإشارة: والتأويل: { وإذ نجيناكم } من قوى فرعون
~~النفس الأمارة المحجوبة بأنانيتها، والنظر إلى نفسها المستعلية على إهلاك
~~الوجود، ومصر مدينة البدن المستعبدة، وهي وقواها من الوهم، والخيال،
~~والغضب، والشهوة القوى الروحانية التي هي أبناء صفوة الله تعالى يعقوب
~~الروح، والقوى الطبيعية البدنية من الحواس الظاهرة والقوى النباتية أولئك
~~يكلفونكم المتاعب الصعبة، والأعمال الشاقة من جمع المال، والحرص وترتيب
~~الأقوات والملابس وغير ذلك، ويستعبدونكم بالتفكر فيها والاهتمام بها
~~لتحصل لكم لذة هي في الحقيقة عذاب وذلة لأنها تمنعكم عن مشاهدة الأنوار،
~~والتمتع بدار القرار { يذبحون أبناءكم } التي هي القوى
~~الروحانية من القوى النظرية التي هي العين اليمنى للقلب، والعملية التي
~~هي العين اليسرى له، والفهم الذي هو سمعه، والسر الذي هو قلبه

# ويستحيون

# [البقرة: 49] قواكم ms00397 الطبيعية ليستخدموها ويمنعوها عن أفعالها اللائقة
~~بها. وفي ذلك  الإنجاء  نعمة عظيمة من ربكم المرقي لكم من مقام إلى
~~مقام ومشهد إلى مشهد حتى تصلوا إليه وتحطوا رحالكم بين يديه، أو في مجموع
~~ذلك امتحان لكم وظهور آثار الأسماء/ المختلفة عليكم فاشكروا واصبروا
~~فالكل منه وكل ما فعل المحبوب محبوب.

### || [2.50]

# { وإذ فرقنا بكم البحر } عطف على ما قبل، و  الفرق 
~~الفصل بين الشيئين، وتعديته إلى البحر بتضمين معنى الشق، أي فلقناه
~~وفصلنا بين بعضه وبعض لأجلكم، وبسبب إنجائكم. والباء للسببية الباعثة
~~بمنزلة اللام  إذا قلنا بتعليل أفعاله تعالى  وللسببية الشبيهة بها في
~~الترتيب على الفعل، وكونه مقصودا منه  إن لم نقل به  وإنما قال
~~سبحانه: { بكم } دون لكم، لأن العرب  على ما نقله الدامغاني  تقول:
~~غضبت لزيد  إذا غضبت من أجله وهو حي  وغضبت بزيد  إذا غضبت من أجله
~~وهو ميت  ففيه تلويح إلى أن الفرق كان من أجل أسلاف المخاطبين، ويحتمل
~~أن تكون للاستعانة على معنى  بسلوككم  ويكون هناك استعارة تبعية بأن
~~يشبه سلوكهم بالآلة في كونه واسطة في حصول الفرق من الله تعالى، ويستعمل
~~الباء. وقول الإمام الرازي قدس سره:  إنهم كانوا يسلكون، ويتفرق الماء
~~عند سلوكهم، فكأنه فرق بهم  يرد عليه أن تفرق الماء كان سابقا على
~~سلوكهم على ما تدل عليه القصة، وقوله تعالى:

# أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق
~~كالطود العظيم

# [الشعراء: 63] وما قيل: إن الآلة هي العصا  كما تفهمه الآية  غير
~~مسلم. والمفهوم كونها آلة الضرب  لا الفرق  ولو سلم يجوز كون المجموع
~~آلة، على أن آلية السلوك على التجوز، وقد يقال: إن الباء للملابسة،
~~والجار والمجرور ظرف مستقر واقع موقع الحال من الفاعل، وملابسته تعالى
~~معهم حين الفرق ملابسة عقلية، وهو كونه ناصرا وحافظا لهم، وهي ما أشار
~~إليه موسى عليه السلام بقوله تعالى:

# كلا إن معى ربى سيهدين

# [الشعراء: 62] ومن الناس من جعله حالا من البحر مقدما  وليس بشيء 
~~لأن الفرق مقدم على ملابستهم البحر اللهم إلا على التوسع. ms00398

# واختلفوا في هذا البحر فقيل: القلزم  وكان بين طرفيه أربعة فراسخ 
~~وقيل: النيل، والعرب تسمي الماء الملح والعذب بحرا  إذا كثر، ومنه:

# مرج البحرين يلتقيان

# [الرحمن: 19] وأصله السعة، وقيل: الشق، ومن الأول: البحرة البلدة، ومن
~~الثاني: البحيرة التي شقت أذنها، وفي كيفية الانفلاق قولان: فالمشهور
~~كونه خطيا، وفي بعض الآثار ما يقتضي كونه قوسيا، إذ فيه أن الخروج من
~~الجانب الذي دخلوا منه، واحتمال الرجوع في طريق الدخول يكاد يكون باطلا
~~لأن الأعداء في أثرهم، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ما يتعلق بهذا
~~المبحث.

# { فأنجينكم وأغرقنا ءال فرعون } في الكلام حذف يدل
~~عليه المعنى والتقدير: وإذا فرقنا بكم البحر وتبعكم فرعون وجنوده في
~~تقحمه فأنجيناكم أي من الغرق، أو من إدراك فرعون وآله لكم، أو مما
~~تكرهون، وكنى سبحانه بآل فرعون عن فرعون وآله كما يقال: بني هاشم؛ وقوله
~~تعالى:

# ولقد كرمنا بنى ءادم

# [الإسراء: 70] يعني هذا الجنس الشامل لآدم، أو اقتصر على ذكر الآل لأنهم
~~إذا عذبوا بالإغراق كان مبدأ العناد ورأس الضلال أولى بذلك، وقد ذكر
~~تعالى غرق فرعون في آيات أخر من كتابه كقوله سبحانه:

# فأغرقناه ومن معه جميعا

# [الإسراء: 103]

# فأخذنه وجنوده فنبذنهم فى اليم

# [القصص: 40] وحمل الآل  على الشخص حيث إنه ثبت لغة كما في «الصحاح» 
~~ركيك غير مناسب للمقام، وإنما المناسب له التعميم، وناسب نجاتهم 
~~بإلقائهم في البحر وخروجهم منه سالمين  نجاة نبيهم موسى على نبينا وعليه
~~أفضل الصلاة والسلام من الذبح بإلقائه وهو طفل في البحر وخروجه منه
~~سالما، ولكل أمة نصيب من نبيها وناسب هلاك فرعون  وقومه بالغرق  هلاك
~~بني إسرائيل على أيديهم بالذبح لأن الذبح فيه تعجيل الموت بإنهار الدم،
~~والغرق فيه إبطاء الموت ولا دم خارج وكان ما به الحياة وهو الماء كما
~~يشير إليه قوله تعالى:

# وجعلنا من الماء كل شىء حى

# [الأنبياء: 30] سببا لإعدامهم من الوجود، وفيه إشارة إلى تقنيطهم
~~وانعكاس آمالهم كما قيل:

# إلى الماء يسعى من يغص بلقمة

# (إلى أين) يسعى من يغص بماء

# ولما كان ms00399 الغرق من أعسر الموتات وأعظمها شدة  ولهذا كان الغريق المسلم
~~شهيدا  جعله الله تعالى نكالا لمن ادعى الربوبية وقال:

# أنا ربكم الأعلى

# [النازعات: 24] وعلى قدر الذنب يكون العقاب. ويناسب دعوى الربوبية
~~والاعتلاء انحطاط المدعي وتغييبه في قعر الماء، ولك أن تقول لما افتخر
~~فرعون بالماء كما يشير إليه قوله تعالى حكاية عنه:

# أليس لى ملك مصر وهذه الاأنهر تجرى من
~~تحتى

# [الزخرف: 51] جعل الله تعالى هلاكه بالماء، وللتابع حظ وافر من المتبوع
~~ وكان ذلك الغرق والإنجاء، والإغراق يوم عاشوراء  والكلام فيه مشهور.

# { وأنتم تنظرون } جملة حالية وفيها تجوز أي وآباؤكم ينظرون،
~~والمفعول محذوف أي جميع ما مر فإن أريد الأحكام فالنظر بمعنى العلم 
~~وعليه ابن عباس رضي الله تعالى عنه  وإن نفس الأفعال من الغرق والإنجاء.
~~والإغراق فهو بمعنى المشاهدة  وعليه الجمهور  والحال على هذا من الفاعل
~~وهو معمول بجميع الأفعال السابقة على التنازع، وفائدته: تقرير النعمة
~~عليهم كأنه قيل: وأنتم لا تشكون فيها، وجوز أن يقدر المفعول خاصا أي
~~غرقهم، وإطباق البحر عليهم فالحال متعلق بالقريب، وهو { أغرقنا }
~~وفائدته: تتميم النعمة فإن هلاك العدو نعمة؛ ومشاهدته نعمة أخرى، وفي
~~«قصص الكسائي» أن بني إسرائيل حين عبروا البحر وقفوا ينظرون إلى البحر
~~وجنود فرعون، ويتأملون كيف يفعلون، أو انفلاق البحر فيكون الحال متعلقا
~~بالأصل في الذكر، وهو { فرقنا } وفائدته: إحضار النعمة ليتعجبوا من
~~عظم شأنها، ويتعرفوا إعجازها، أو ذلك الآل الغريق فالحال من مفعول {
~~أغرقنا } متعلق به والفائدة: تحقيق الإغراق وتثبيته، وقيل: المراد
~~ينظر بعضكم بعضا وأنتم سائرون في البحر، وذلك أنه نقل أن بعض قوم موسى
~~قالوا له: أين أصحابنا؟ فقال: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم.

# قالوا: لا نرضى حتى نراهم فأوحى الله تعالى أن قل بعصاك هكذا فقال بها
~~على الحيطان فصار بها كوى فتراأوا وسمعوا كلام بعضهم بعضا فالحال متعلق
~~بفرقنا وفائدته: تتميم النعمة فإن كونهم مستأنسين يرى بعضهم  حال بعض
~~آخر  نعمة أخرى، وبعض الناس يجعل الفعل على هذا الوجه منزلا منزلة
~~اللازم وليس بالبعيد، ms00400 نعم البعيد جعل النظر هنا مجازا عن القرب أي وأنتم
~~بالقرب منهم أي بحال لو نظرتم إليهم لرأيتموهم كقولهم  أنت مني بمرأى
~~ومسمع  أي قريب مني بحيث أراك وأسمعك، وكذا جعله بمعنى الاعتبار أي
~~وأنتم تعتبرون بمصرعهم وتتعظون بمواقع النقمة التي أرسلت عليهم. هذا وقد
~~حكوا في كيفية خروج بني إسرائيل وتعنتهم وهم في البحر، وفي كيفية خروج
~~فرعون بجنوده، وفي مقدار الطائفتين حكايات مطولة جدا لم يدل القرآن ولا
~~الحديث الصحيح عليها والله تعالى أعلم بشأنها.

# والإشارة: في الآية أن البحر هو الدنيا وماءه شهواتها ولذاتها، وموسى هو
~~القلب، وقومه صفات القلب، وفرعون هو النفس الأمارة، وقومه صفات النفس،
~~وهم أعداء موسى، وقومه يطلبونهم ليقتلوهم، وهم سائرون إلى الله تعالى،
~~والعدو من خلفهم، وبحر الدنيا أمامهم، ولا بد لهم في السير إلى الله
~~تعالى من عبوره ولو يخوضونه بلا ضرب عصا لا إله إلا الله بيد موسى 
~~القلب فإن له يدا بيضاء في هذا الشأن  لغرقوا كما غرق فرعون وقومه، ولو
~~كانت هذه العصا في يد فرعون النفس لم ينفلق فكما أن يد موسى القلب شرط في
~~الانفلاق كذلك عصا الذكر شرط فيه، فإذا حصل الشرطان، وضرب موسى بعصا
~~الذكر مرة بعد أخرى ينفلق بإذن الله بحر الدنيا بالنفي وينشبك ماء
~~الشهوات يمينا وشمالا، ويرسل الله تعالى ريح العناية، وشمس الهداية على
~~قعر ذلك البحر فيصير يابسا من ماء الشهوات فيخرج موسى وقومه بعناية
~~التوحيد/ إلى ساحل النجاة

# وأن إلى ربك المنتهى

# [النجم: 42] ويقال لفرعون وقومه إذا غرقوا وأدخلوا نارا: ألا بعدا
~~للقوم الظالمين.

### || [2.51]

# { وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة } لما جاوز بنو إسرائيل
~~البحر سألوا موسى عليه السلام أن يأتيهم بكتاب من عند الله فوعده سبحانه
~~أن يعطيه التوراة وقبل موسى ذلك، وضرب له ميقاتا ذا القعدة وعشر ذي
~~الحجة أو ذا الحجة وعشر المحرم فالمفاعلة على بابها، وهي من طرف فعل، ومن
~~آخر قبوله مثل  عالجت المريض  وإنكار جواز ذلك لا يسمع مع وروده في
~~كلام العرب ms00401 وتصريح الأئمة به وارتضائهم له، ويجوز أن يكون { وعدنا }
~~من باب الموافاة وليس من الوعد في شيء وإنما هو من قولك موعدك يوم كذا
~~وموضع كذا، ويحتمل أن يكون بمعنى (وعدنا) وبه قرأ أبو عمرو، أو يقدر
~~الملاقاة، أو يقال بالتفكيك إلى فعلين فيقدر الوحي في أحدهما؛ والمجىء في
~~الآخر ولا محذور في شيء كما حققه الدامغاني، وقول أبي عبيدة: المواعدة
~~لا تكون إلا من البشر غير مسلم، وقول أبي حاتم: أكثر ما تكون من
~~المخلوقين المتكافئين على تقدير تسليمه لا يضرنا.

# و(أربعين) مفعول به بحذف المضاف بأدنى ملابسة أي إعطاء أربعين أي عند
~~انقضائها، أو في العشر الأخير منها، أو في كلها، أو في أولها على اختلاف
~~الروايات، أو ظرف مستقر وقع صفة لمفعول محذوف  لواعدنا  أي واعدنا موسى
~~أمرا كائنا في أربعين، وقيل: مفعول مطلق أي واعدنا موسى مواعدة أربعين
~~ليلة. ومن الناس من ذهب إلى أن الأولى أن لا يقدر مفعول لأن المقصود بيان
~~من وعد لا ما وعد  وينصب الأربعين على الإجراء مجرى المفعول به توسعا،
~~وفيه مبالغة بجعل ميقات الوعد موعودا وجعل الأربعين ظرفا لواعدنا على
~~حد جاء زيد يوم الخميس  ليس بشيء كما لا يخفى.

# و(موسى) اسم أعجمي لا ينصرف للعلمية والعجمة، ويقال: هو مركب من (مو)
~~وهو الماء (وشى) وهو الشجر وغير إلى (سى) بالمهملة وكأن من سماه به
~~أراد ماء البحر والتابوت الذي قذف فيه  وخاض بعضهم في وزنه  فعن سيبويه
~~أن وزنه مفعل وقيل: إنه فعلى وهو مشتق من ماس يميس فأبدلت الياء واوا
~~لضم ما قبلها كما قالوا طوبى، وهي من ذوات الياء لأنها من طاب يطيب،
~~ويبعده أن الإجماع على صرفه نكرة ولو كان فعل لم ينصرف لأن ألف التأنيث
~~وحدها تمنع الصرف في المعرفة والنكرة على أن زيادة الميم أولا أكثر من
~~زيادة الألف آخرا، وعبر سبحانه وتعالى عن ذلك الوقت بالليالي دون الأيام
~~لأن افتتاح الميقات كان من الليل، والليالي غرر شهور العرب لأنها وضعت
~~على سير ms00402 القمر، والهلال إنما يهل بالليل، أو لأن الظلمة أقدم من الضوء
~~بدليل

# وءاية لهم اليل نسلخ منه النهار

# [يس: 37] أو إشارة إلى مواصلة الصوم ليلا ونهارا ولو كان التفسير
~~باليوم أمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل فلما نص على الليالي فهم من
~~قوة الكلام أنه واصل أربعين ليلة بأيامها، والقول بأن ذكر الليلة  كان
~~للإشعار بأن وعد موسى عليه السلام كان بقيام الليل  ليس بشيء لأن المروي
~~أن المأمور به كان الصيام لا القيام.

# وقد يقال من طريق الإشارة: إن ذكر الليلة للرمز إلى أن هذه المواعدة
~~كانت بعد تمام السير إلى الله تعالى ومجاوزة بحر العوائق والعلائق، وهناك
~~يكون السير في الله تعالى الذي لا تدرك حقيقته، ولا تعلم هويته، ولا يرى
~~في بيداء جبروته إلا الدهشة والحيرة، وهذا السير متفاوت باعتبار الأشخاص
~~والأزمان ولي مع الله تعالى وقت يشير إلى ذلك.

# { ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظلمون }
~~الاتخاذ يجيء بمعنى ابتداء صنعة فيتعدى لواحد نحو  اتخذت سيفا  أي
~~صنعته. وبمعنى اتخاذ وصف فيجري مجرى الجعل ويتعدى/ لاثنين نحو  اتخذت
~~زيدا صديقا  والأمران محتملان في الآية، والمفعول الثاني على الاحتمال
~~الثاني محذوف لشناعته أي: اتخذتم العجل الذي صنعه السامري إلها، والذم
~~فيه ظاهر لأنهم كلهم عبدوه إلا هارون مع اثني عشر ألفا، أو إلا هارون
~~والسبعين الذين كانوا مع موسى عليه السلام، وعلى الاحتمال الأول لا حاجة
~~إلى المفعول الثاني ويؤيده عدم التصريح به في موضع من آيات هذه القصة،
~~والذم حينئذ لما ترتب على الاتخاذ من العبادة أو على نفس الاتخاذ لذلك،
~~والعرب تذم أو تمدح القبيلة بما صدر عن بعضها.

# والعجل ولد البقرة الصغير وجعله الصوفية إشارة إلى عجل النفس الناقصة
~~وشهواتها وكون ما اتخذوه عجلا ظاهر في أنه صار لحما ودما فيكون عجلا
~~حقيقة ويكون نسبة الخوار إليه فيما يأتي حقيقة أيضا وهو الذي ذهب إليه
~~الحسن، وقيل: أراد سبحانه بالعجل ما يشبهه في الصورة والشكل. ونسبة
~~الخوار إليه مجاز وهو الذي ذهب إليه ms00403 الجمهور، وسيأتي إن شاء الله تعالى
~~الكلام على ذلك. ومن الغريب أن هذا إنما سمي عجلا لأنهم عجلوا به قبل
~~قدوم موسى فاتخذوه إلها، أو لقصر مدته حيث إن موسى عليه السلام بعد
~~الرجوع من الميقات حرقه ونسفه في اليم نسفا.

# والضمير في { بعده } راجع إلى موسى، أي: بعد ما رأيتم منه من التوحيد
~~والتنزيه والحمل عليه والكف عما ينافيه، وذكر الظرف للإيذان بمزيد شناعة
~~فعلهم، ولا يقتضي أن يكون موسى متخذا إلها  كما وهم  لأن مفهوم
~~الكلام أن يكون الاتخاذ  بعد  موسى ومن أين يفهم اتخاذ موسى سيما في
~~هذا المقام؟ ويجوز أن يكون في الكلام حذف، وأقرب ما يحذف مصدر يدل عليه {
~~وعدنا } أي من بعد مواعدته؛ وقيل: المحذوف الذهاب المدلول عليه 
~~بالمواعدة  لأنها تقتضيه.

# والجملة الاسمية في موضع الحال، ومتعلق الظلم الإشراك، ووضع العبادة في
~~غير موضعها، وقيل: الكف عن الاعتراض على ما فعل السامري وعدم الإنكار
~~عليه  وفائدة التقييد بالحال  الإشعار بكون الاتخاذ  ظلما  بزعمهم
~~أيضا لو راجعوا عقولهم بأدنى تأمل، وقيل: الجملة غير حال بل مجرد إخبار
~~أن سجيتهم الظلم وإنما راج فعل السامري عندهم لغاية حمقهم وتسلط الشيطان
~~عليهم  كما يدل على ذلك سائر أفعالهم  واتخاذ السامري لهم العجل دون
~~سائر الحيوانات، قيل: لأنهم مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم على صور
~~البقر فقالوا:

# اجعل لنا إلها كما لهم ءالهة

# [الأعراف: 138] فهجس في نفس السامري أن فتنتهم من هذه الجهة، فاتخذ لهم
~~ذلك. وقيل: إنه كان هو من قوم يعبدون البقر  وكان منافقا  فاتخذ عجلا
~~من جنس ما يعبده.

### || [2.52]

# (ثم) لتفاوت ما بين فعلهم القبيح، ولطفه تعالى في شأنهم، فلا يكون { من
~~بعد ذلك } تكرارا. و(عفا) بمعنى درس يتعدى ولا يتعدى  كعفت
~~الدار، وعفاها الريح  والمراد بالعفو هنا  محو الجريمة بالتوبة  وذلك
~~موضوع موضع (ذلكم) والإشارة  للاتخاذ  كما هو الظاهر، وإيثارها لكمال
~~العناية بتمييزه  كأنه يجعل ظلمهم مشاهدا لهم  وصيغة البعيد مع قربه
~~لتعظيمه ليتوسل بذلك إلى جلالة قدر العفو والمراد بالترجي ms00404 ما علمت،
~~والمشهور هنا كونه مجازا عن طلب الشكر على العفو ومن قدر الإرادة من أهل
~~السنة  أراد مطلق الطلب  وليس ذلك من الاعتزال، إذ لا نزاع في أن الله
~~تعالى قد يطلب من العباد ما لا يقع والشكر عند الجنيد هو العجز عن الشكر،
~~وعند الشبلي  التواضع تحت رؤية المنة  وقال ذو النون: الشكر لمن فوقك
~~بالطاعة، ولنظيرك بالمكافآت، ولمن دونك بالإحسان.

### || [2.53]

# (الكتاب) التوراة  بإجماع المفسرين / وفي الفرقان أقوال: الأول: إنه
~~هو التوراة أيضا، والعطف من قبيل عطف الصفات للإشارة إلى استقلال كل
~~منها، فإن التوراة لها صفتان يقالان بالتشكيك، كونها كتابا جامعا لما
~~لم يجمعه منزل سوى القرآن، وكونها (فرقانا) أي حجة تفرق بين الحق
~~والباطل  قاله الزجاج  ويؤيد هذا قوله تعالى:

# ولقد ءاتينا موسى وهرون الفرقان وضياء
~~وذكرا

# [الأنبياء: 48] الثاني: أنه الشرع الفارق بين الحلال والحرام، فالعطف
~~مثله في:

# تنزل الملئكة والروح

# [القدر: 4] قاله ابن بحر. الثالث: أنه المعجزات الفارقة بين الحق
~~والباطل  من العصا واليد وغيرهما  قاله مجاهد.

# الرابع: إنه النصر الذي فرق بين العدو والولي، وكان آية لموسى عليه
~~السلام، ومنه قيل ليوم بدر: يوم الفرقان، قاله ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما، وقيل: إنه القرآن، ومعنى إتيانه لموسى عليه السلام نزول ذكره له
~~حتى آمن به، حكاه ابن الأنباري  وهو بعيد  وأبعد منه، ما حكي عن الفراء
~~وقطرب  أنه القرآن  والكلام على حذف مفعول  أي ومحمدا الفرقان 
~~وناسب ذكر الاهتداء إثر ذكر إتيان موسى، الكتاب والفرقان لأنهما يترتب
~~عليهما ذلك لمن

# ألقى السمع وهو شهيد

# [ق: 37].

### || [2.54]

# { وإذ قال موسى لقومه يقوم إنكم ظلمتم
~~أنفسكم باتخاذكم العجل } نعمة أخروية في حق المقتولين من
~~بني إسرائيل حيث نالوا درجة الشهداء، كما أن العفو نعمة دنيوية في حق
~~الباقين، وإنما فصل بينهما بقوله:

# وإذ آتينا

# [البقرة: 53] الخ؛ لأن المقصود تعداد النعم  فلو اتصلا لصارا نعمة
~~واحدة  وقيل: هذه الآية وما بعدها منقطعة عما تقدم من التذكير بالنعم 
~~وليس بشيء  واللام في { لقومه } للتبليغ، وفائدة ذكره ms00405 التنبيه على
~~أن خطاب موسى لقومه كان مشافهة لا بتوسط من يتلقى منه  كالخطابات
~~المذكورة سابقا لبني إسرائيل  والقوم اسم جمع لا واحد له من لفظه،
~~وإنما واحده امرؤ  وقياسه أن لا يجمع  وشذ جمعه على  أقاويم 
~~والمشهور اختصاصه بالرجال لقوله تعالى:

# لا يسخر قوم من قوم

# [الحجرات: 11] مع قوله:

# ولا نسآء من نسآء

# [الحجرات: 11] وقال زهير:

# فما أدري وسوف إخال أدري

# أ (قوم) آل حصن أم (نساء)

# وقيل: لا اختصاص له بهم، بل يطلق على النساء أيضا لقوله تعالى:

# إنا أرسلنا نوحا إلى قومه

# [نوح: 1] والأول أصوب، واندراج النساء على سبيل الاستتباع، والتغليب
~~والمجاز خير من الاشتراك، وسمي الرجال قوما لأنهم يقومون بما لا يقوم به
~~النساء، وفي إقبال موسى عليهم بالنداء، ونداؤه لهم بيا قوم إيذان بالتحنن
~~عليهم وأنه منهم وهم منه، وهز لهم لقبولهم الأمر بالتوبة بعد تقريعهم
~~بأنهم ظلموا أنفسهم والباء في { باتخاذكم } سببية وفي  الاتخاذ 
~~هنا الاحتمالان السابقان هناك.

# { فتوبوا إلى بارئكم } الفاء للسببية  لأن الظلم سبب
~~للتوبة  وقد عطفت ما بعدها على { إنكم ظلمتم } والتوافق في
~~الخبرية والإنشائية إنما يشترط في العطف  بالواو  وتشعر عبارات بعض
~~الناس أنها للسببية دون العطف، والتحقيق أنها لهما معا، والبارىء هو
~~الذي خلق الخلق بريا  من التفاوت  وعدم تناسب الأعضاء وتلائم الأجزاء
~~بأن تكون إحدى اليدين في غاية الصغر والرقة، والأخرى بخلافه؛ ومتميزا
~~بعضه عن بعض بالخواص والأشكال والحسن والقبح  فهو أخص من الخالق  وأصل
~~التركيب لخلوص الشيء وانفصاله عن غيره إما على سبيل التفصي  كبرأ المريض
~~ أو الإنشاء  كبرأ الله تعالى آدم  أي خلقه ابتداء متميزا عن لوث
~~الطين، وفي ذكره في هذا المقام تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم
~~الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله تعالى ونزول
~~أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم،/ وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم حين لم
~~يشكروا النعمة في ذلك وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها  وهو مثل
~~في الغباوة والبلادة  وقرأ ms00406 أبو عمرو: { بارئكم } بالاختلاس، وروي
~~عنه  السكون  أيضا وهو من إجراء المتصل من كلمتين مجرى المنفصل من
~~كلمة، وللناس في تخريجه وجوه لا تخلو عن شذوذ.

# { فاقتلوا أنفسكم } الفاء للتعقيب، والمتبادر من القتل القتل
~~المعروف من إزهاق الروح  وعليه جمع من المفسرين  والفعل معطوف على
~~سابقه، فإن كانت توبتهم هو القتل إما في حقهم خاصة، أو توبة المرتد
~~مطلقا في شريعة موسى عليه السلام، فالمراد بقوله تعالى: { فتوبوا }
~~اعزموا على التوبة  ليصح العطف  وإن كانت هي الندم والقتل من متمماتها
~~ كالخروج عن المظالم في شريعتنا  فهو على معناه ولا إشكال، وقد يقال:
~~إن التوبة جعلت لهؤلاء عين القتل ولا حاجة إلى تأويل توبوا باعزموا، بل
~~تجعل  الفاء  للتفسير  كما تجعل الواو له  وقد قيل به في قوله تعالى:

# فانتقمنا منهم فأغرقنهم في اليم

# [الأعراف: 136] وظاهر الأمر أنهم مأمورون بأن يباشر كل قتل نفسه، وفي
~~بعض الآثار أنهم أمروا أن يقتل بعضهم بعضا، فمعنى { فاقتلوا
~~أنفسكم } حينئذ، ليقتل بعضكم بعضا، كما في قوله تعالى:

# ولا تقتلوا أنفسكم

# [النساء: 29]

# ولا تلمزوا أنفسكم

# [الحجرات: 11] والمؤمنون كنفس واحدة، وروي أنه أمر من لم يعبد العجل أن
~~يقتل من عبده، والمعنى عليه استسلموا أنفسكم للقتل، وسمى الاستسلام للقتل
~~قتلا على سبيل المجاز، والقاتل إما غير معين، أو الذين اعتزلوا مع هارون
~~عليه السلام، والذين كانوا مع موسى عليه السلام، وفي كيفية القتل أخبار
~~لا نطيل بذكرها، وجملة القتلى سبعون ألفا، وبتمامها نزلت التوبة وسقطت
~~الشفار من أيديهم، وأنكر القاضي عبد الجبار أن يكون الله تعالى أمر بني
~~إسرائيل  بقتل أنفسهم  وقال: لا يجوز ذلك عقلا  إذ الأمر لمصلحة
~~المكلف  وليس بعد القتل حال تكليف ليكون فيه مصلحة، ولم يدر هذا القاضي
~~بأن لنفوسنا خالقا  بأمره نستبقيها؛ وبأمره نفنيها  وأن لها بعد هذه
~~الحياة التي هي لعب ولهو، حياة سرمدية وبهجة أبدية، وأن الدار الآخرة لهي
~~الحيوان، وأن قتلها بأمره يوصلها إلى حياة خير منها، ومن علم أن الإنسان
~~في هذه الدنيا  كمجاهد أقيم في ثغر ms00407 يحرسه، ووال في بلد يسوسه  وأنه
~~مهما استرد فلا فرق بين أن يأمره الملك بخروجه بنفسه، أو يأمر غيره
~~بإخراجه  وهذا واضح لمن تصور حالتي الدنيا والآخرة، وعرف قدر الحياتين
~~والميتتين فيهما، ومن الناس من جوز ذلك  إلا أنه استبعد وقوعه  فقال:
~~معنى { فاقتلوا أنفسكم } ذللوا، ومن ذلك قوله:

# إن التي عاطيتني فرددتها

# (قتلت قتلت) فهاتها لم (تقتل)

# ولولا أن الروايات على خلاف ذلك لقلت به تفسيرا.

# ونقل عن قتادة أنه قرأ: (فأقيلوا أنفسكم) والمعنى أن أنفسكم قد تورطت في
~~عذاب الله تعالى بهذا الفعل العظيم الذي تعاطيتموه، وقد هلكت  فأقيلوها
~~ بالتوبة والتزام الطاعة، وأزيلوا آثار تلك المعاصي بإظهار الطاعات.

# { ذلكم خير لكم عند بارئكم } جملة معترضة للتحريض على
~~التوبة أو معللة، والإشارة إلى المصدر المفهوم مما تقدم، و { خير }
~~أفعل تفضيل حذفت همزته، ونطقوا بها في الشعر. قال الراجز:

# بلال خير الناس وابن الأخير

# وقد تأتي  ولا تفضيل  والمعنى: أن ذلكم خير لكم من العصيان والإصرار
~~على الذنب  أو خير من ثمرة العصيان، وهو الهلاك الدائم، والكلام  على
~~حد العسل  أحلى من الخل أو خير من الخيور كائن لكم./ والعندية هنا مجاز،
~~وكرر البارىء بلفظ الظاهر اعتناء بالحث على التسليم له في كل حال، وتلقى
~~ما يرد من قبله بالقبول والامتثال فإنه كما رأى الإنشاء راجحا فأنشأ رأي
~~الإعدام راجحا، فأمر به وهو العليم الحكيم.

# { فتاب عليكم } جواب شرط محذوف بتقدير  قد  إن كان من كلام
~~موسى عليه السلام لهم، تقديره إن فعلتم ما أمرتم به فقد تاب عليكم ومعطوف
~~على محذوف  إن كان خطابا من الله تعالى لهم، كأنه قال: ففعلتم ما أمرتم
~~فتاب عليكم بارئكم وفيه التفات لتقدم التعبير عنهم في كلام موسى عليه
~~السلام بلفظ القوم وهو من قبيل الغيبة، أو من التكلم إلى الغيبة في {
~~فتاب } حيث لم يقل: فتبنا، ورجح العطف لسلامته من حذف الأداة والشرط
~~وإبقاء الجواب، وفي ثبوت ذلك عن العرب مقال، وظاهر الآية كونها إخبارا
~~عن المأمورين بالقتل الممتثلين ذلك. وقال ms00408 ابن عطية: جعل الله تعالى 
~~القتل  لمن  قتل  شهادة وتاب عن الباقين وعفا عنهم، فمعنى {
~~عليكم } عنده، على باقيكم.

# { إنه هو التواب الرحيم } تذييل لقوله تعالى: {
~~فتوبوا } فإن  التوبة بالقتل  لما كانت شاقة على النفس هونها
~~سبحانه بأنه هو الذي يوفق إليها ويسهلها ويبالغ في الإنعام على من أتى
~~بها، أو تذييل لقوله تعالى: { فتاب عليكم } وتفسر التوبة منه
~~تعالى حينئذ بالقبول لتوبة المذنبين  والتأكيد لسبق الملوح  أو
~~للاعتناء بمضمون الجملة، والضمير المنصوب إن كان ضمير الشأن  فالضمير
~~المرفوع مبتدأ  وهو الأنسب لدلالته على كمال الإعتناء بمضمون الجملة،
~~وإن كان راجعا إلى البارىء سبحانه فالضمير المرفوع إما فصل أو مبتدأ.

# هذا وحظ العارف من هذه القصة أن يعرف أن هواه بمنزلة عجل بني إسرائيل 
~~فلا يتخذه إلها 

# أفرأيت من اتخذ إلهه هواه

# [الجاثية: 23] وأن الله سبحانه قد خلق نفسه في أصل الفطرة مستعدة لقبول
~~فيض الله تعالى والدين القويم، ومتهيئة لسلوك المنهج المستقيم، والترقي
~~إلى جناب القدس وحضرة الأنس، وهذا هو الكتاب الذي أوتيه موسى القلب،
~~والفرقان الذي يهتدى بنوره في ليالي السلوك إلى حضرة الرب، فمتى أخلدت
~~النفس إلى الأرض واتبعت هواها، وآثرت شهواتها على مولاها، أمرت بقتلها
~~بكسر شهواتها وقلع مشتهياتها ليصح لها البقاء بعد الفناء، والصحو بعد
~~المحو، وليست التوبة الحقيقية سوى محو البشرية بإثبات الألوهية، وهذا هو
~~الجهاد الأكبر والموت الأحمر:

# ليس من مات فاستراح بميت

# إنما الميت ميت الأحياء

# وهذا صعب لا يتيسر إلا لخواص الحق ورجال الصدق، وإليه الإشارة ب "
~~موتوا قبل أن تموتوا ". وقيل أول قدم في العبودية إتلاف النفس وقتلها
~~بترك الشهوات، وقطعها عن الملاذ، فكيف الوصول إلى شيء من منازل الصديقين
~~ومعارج المقربين  هيهات هيهات  ذاك بمعزل عنا، ومناط الثريا منا:

# تعالوا نقم مأتما للهموم

# فإن الحزين يواسي الحزينا

### || [2.55]

# { وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك } القائل هم السبعون
~~الذين اختارهم موسى عليه السلام لميقات التوراة، قيل: قالوه بعد الرجوع،
~~وقتل عبدة العجل، وتحريق عجلهم، ويفهم من بعض الآثار أن القائل ms00409 أهل
~~الميقات الثاني الذي ضربه الله تعالى للاعتذار عن عبدة العجل  وكانوا
~~سبعين أيضا، وقيل القائل عشرة آلاف من قومه، وقيل: الضمير لسائر بني
~~إسرائيل  إلا من عصمه الله تعالى  وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأعراف
~~ما ينفعك هنا  واللام  من { لك } إما  لام الأجل  أو للتعدية
~~بتضمين معنى الإقرار على أن موسى مقر له/ والمقر به محذوف، وهو أن الله
~~تعالى أعطاه التوراة، أو أن الله تعالى كلمه فأمره ونهاه، وقد كان هؤلاء
~~مؤمنين  من قبل  بموسى عليه السلام، إلا أنهم نفوا هذا الإيمان المعين
~~والإقرار الخاص. وقيل: أرادوا نفي الكمال أي لا يكمل إيماننا لك، كما قيل
~~في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه "

# والقول إنهم لم يكونوا مؤمنين أصلا لم نره لأحد من أئمة التفسير.

# { حتى نرى الله جهرة }  { حتى } هنا حرف غاية، والجهرة
~~في الأصل مصدر جهرت بالقراءة  إذا رفعت صوتك بها  واستعيرت للمعاينة
~~بجامع الظهور التام. وقال الراغب: (( الجهر  يقال لظهور الشيء بإفراط
~~حاسة البصر أو حاسة السمع أما البصر فنحو رأيته جهارا وأما السمع فنحو))

# وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى

# [طه: 7] وانتصابها  على أنها مصدر  مؤكد مزيل لاحتمال أن تكون الرؤية
~~مناما أو علما بالقلب، وقيل: على أنها حال على تقدير ذوي  جهرة  أو
~~مجاهرين، فعلى الأول  الجهرة  من صفات الرؤية، وعلى الثاني من صفات
~~الرائين، وثم قول ثالث، وهو أن تكون راجعة لمعنى القول أو القائلين 
~~فيكون المعنى  وإذ قلتم كذا قولا جهرة أو جاهرين بذلك القول مكترثين
~~ولا مبالين، وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبي عبيدة،
~~وقرأ سهل بن شعيب وغيره جهرة بفتح الهاء، وهي إما مصدر  كالغلبة 
~~ومعناها معنى المسكنة وإعرابها إعرابها أو جمع  جاهر  أو كفاسق وفسقة،
~~وانتصابها على الحال.

# { فأخذتكم الصعقة } أي استولت عليكم وأحاطت بكم، وأصل 
~~الأخذ  القبض باليد، والصاعقة هنا نار من السماء أحرقتهم أو جند سماوي
~~سمعوا حسهم فماتوا، أو ms00410 صيحة سماوية خروا لها صعقين ميتين يوما وليلة،
~~واختلف في موسى هل أصابه ما أصابهم؟ والصحيح  لا  وأنه صعق ولم يمت
~~لظاهر

# فلمآ أفاق

# [الأعراف: 143] في حقه، و

# ثم بعثنكم

# [البقرة: 56] الخ في حقهم، وقرأ عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما
~~(الصعقة).

# { وأنتم تنظرون } جملة حالية ومتعلق النظر ما حل بهم من الصاعقة
~~أو أثرها الباقي في أجسامهم بعد البعث، أو إحياء كل منهم  كما وقع في
~~قصة العزيز، قالوا: أحيا عضوا بعد عضو: والمعنى: وأنتم تعلمون أنها
~~تأخذكم، أو وأنتم يقابل بعضكم بعضا، قال في «البحر»: ((ولو ذهب ذاهب إلى
~~أن المعنى: وأنتم تنظرون إجابة السؤال في حصول الرؤية لكم كان وجها من
~~قولهم: نظرت الرجل  أي انتظرته  كما قال:

# فإنكما إن (تنظراني) ساعة

# من الدهر تنفعني لدى أم جندب

# لكن هذا الوجه غير منقول فلا أجسر على القول به، وإن كان اللفظ
~~يحتمله)).

### || [2.56]

# { ثم بعثنكم من بعد موتكم } بسبب الصاعقة، وكان ذلك
~~بدعاء موسى عليه السلام ومناشدته ربه بعد أن أفاق، ففي بعض الآثار أنهم
~~لما ماتوا لم يزل موسى يناشد ربه في إحيائهم ويقول: يا رب إن بني إسرائيل
~~يقولون قتلت خيارنا حتى أحياهم الله تعالى جميعا رجلا بعد رجل ينظر
~~بعضهم إلى بعض كيف يحييون، والموت هنا ظاهر في مفارقة الروح الجسد، وقيد
~~البعث به لأنه قد يكون عن نوم كما هو في شأن أصحاب الكهف، وقد يكون بمعنى
~~إرسال الشخص  وهو في القرآن كثير  ومن الناس من قال: كان هذا الموت
~~غشيانا وهمودا لا موتا حقيقة كما في قوله تعالى:

# ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت

# [إبراهيم: 17] ومنهم من حمل الموت على الجهل مجازا كما في قوله تعالى:

# أو من كان ميتا فأحيينه

# [الأنعام: 122]. وقد شاع ذلك نثرا ونظما، ومنه قوله:

# / أخو (العلم حي) خالد بعد موته

# وأوصاله تحت التراب رميم

# وذو (الجهل ميت) وهو ماش على الثرى

# يظن من الأحياء وهو عديم

# ومعنى البعث على هذا التعليم أي ثم علمناكم بعد ms00411 جهلكم.

# { لعلكم تشكرون } أي نعمة الله تعالى عليكم بالإحياء بعد
~~الموت أو نعمته سبحانه بعدما كفرتموها إذ رأيتم بأس الله تعالى في رميكم
~~بالصاعقة وإذاقتكم الموت وتكليف من أعيد بعد الموت مما ذهب إليه جماعة
~~لئلا يخلو بالغ عاقل من تعبد في هذه الدار بعد بعثة المرسلين، ومن جعل
~~البعث بعد الموت مجازا عن التعليم بعد الجهل جعل متعلق الشكر ذلك، وفي
~~بعض الآثار أنه لما أحياهم الله تعالى سألوا أن يبعثهم أنبياء ففعل،
~~فمتعلق الشكر حينئذ على ما قيل: هذا البعث وهو بعيد، وأبعد منه جعل
~~متعلقه إنزال التوراة التي فيها ذكر توبته عليهم وتفصيل شرائعهم بعد أن
~~لم يكن لهم شرائع.

# وقد استدل المعتزلة وطوائف من المبتدعة بهذه الآية على استحالة رؤية
~~الباري سبحانه وتعالى لأنها لو كانت ممكنة لما أخذتهم الصاعقة بطلبها،
~~والجواب أن أخذ الصاعقة لهم ليس لمجرد الطلب ولكن لما انضم إليه من
~~التعنت وفرط العناد كما يدل عليه مساق الكلام حيث علقوا الإيمان بها،
~~ويجوز أيضا أن يكون ذلك الأخذ لكفرهم بإعطاء الله تعالى التوراة لموسى
~~عليه السلام وكلامه إياه أو نبوته لا لطلبهم، وقد يقال: إنهم لما لم
~~يكونوا متأهلين لرؤية الحق في هذه النشأة كان طلبهم لها ظلما فعوقبوا
~~بما عوقبوا، وليس في ذلك دليل على امتناعها مطلقا في الدنيا والآخرة،
~~وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق هذه المسألة بوجه لا غبار عليه.

### || [2.57]

# { وظللنا عليكم الغمام } عطف على

# بعثنكم

# [البقرة: 56] وقيل: على

# قلتم

# [البقرة: 55] والأول أظهر للقرب والاشتراك في المسند إليه مع التناسب في
~~المسندين في كون كل منهما نعمة بخلاف { قلتم } فإنه تمهيد لها،
~~وإفادته تأخير التظليل والإنزال عن واقعة طلبهم الرؤية، وعلى التقديرين
~~لا بد لترك كلمة

# إذ

# [البقرة: 55] ههنا من نكتة، ولعلها الاكتفاء بالدلالة العقلية على كون
~~كل منهما نعمة مستقلة مع التحرز عن تكرارها في { ظللنا } و { أنزلنا
~~} والغمام اسم جنس كحمامة وحمام وهو السحاب، وقيل: ما ابيض منه، وقال
~~مجاهد: هو أبرد من السحاب وأرق، وسمي ms00412 غماما لأنه يغم وجه السماء ويستره
~~ومنه الغم والغمم، وهل كان غماما حقيقة أو شيئا يشبهه وسمي به؟ قولان،
~~والمشهور الأول وهو مفعول { ظللنا } على إسقاط حرف الجر كما تقول:
~~ظللت على فلان بالرداء أو بلا إسقاط، والمعنى جعلنا الغمام علكيم ظلة،
~~والظاهر أن الخطاب لجميعهم فقد روي أنهم لما أمروا بقتال الجبارين
~~وامتنعوا وقالوا:

# فاذهب أنت وربك فقاتلا

# [المائدة: 24] ابتلاهم الله تعالى بالتيه بين الشام ومصر أربعين سنة
~~وشكوا حر الشمس فلطف الله تعالى بهم بإظلال الغمام  وإنزال المن
~~والسلوى  وقيل: لما خرجوا من البحر وقعوا بأرض بيضاء عفراء ليس فيها ماء
~~ولا ظل فشكوا الحر فوقوا به، وقيل: الذين ظللوا بالغمام بعض بني إسرائيل
~~وكان الله تعالى قد أجرى العادة فيهم أن من عبد ثلاثين سنة لا يحدث فيها
~~ذنبا أظلته الغمامة وكان فيهم جماعة يسمون أصحاب غمائم فامتن الله تعالى
~~لكونهم فيهم من له هذه الكرامة الظاهرة والنعمة الباهرة.

# { وأنزلنا عليكم المن والسلوى } المن اسم جنس لا
~~واحد له من لفظه والمشهور أنه الترنجبين وهو شيء يشبه الصمغ حلو مع شيء
~~من الحموضة كان ينزل عليهم كالطل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس في كل يوم
~~إلا يوم السبت وكان كل شخص مأمورا بأن يأخذ قدر صاع كل يوم أو ما يكفيه
~~يوما وليلة ولا يدخر إلا يوم الجمعة فإن ادخار حصة السبت كان مباحا
~~فيه. وعن وهب أنه الخبز الرقاق، وقيل: المراد به جميع ما من الله تعالى/
~~به عليهم في التيه وجاءهم عفوا بلا تعب، وإليه ذهب الزجاج ويؤيده قوله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " الكمأة من المن الذي من الله تعالى به على بني إسرائيل "

# والسلوى اسم جنس أيضا واحدها سلواة كما قاله الخليل. وليست الألف فيها
~~للتأنيث وإلا لما أنثت بالهاء في قوله:

# كما انتفض السلوات من بلل القطر

# وقال: الكسائي: السلوى واحدة وجمعها سلاوي، وعند الأخفش الجمع والواحد
~~بلفظ واحد، وقيل: جمع لا واحد له من لفظه وهو طائر يشبه السماني أو هو ms00413
~~السماني بعينها وكانت تأتيهم من جهة السماء بكرة وعشيا أو متى أحبوا
~~فيختارون منها السمين ويتركون منها الهزيل، وقيل: إن ريح الجنوب تسوقها
~~إليهم فيختارون منها حاجتهم ويذهب الباقي، وفي رواية كانت تنزل عليهم
~~مطبوخة ومشوية  وسبحان من يقول للشيء كن فيكون  وذكر السدوسي أن السلوى
~~هو العسل بلغة كنانة ويؤيده؛ قول الهذلي:

# وقاسمها بالله جهدا لأنتم

# ألذ من (السلوى) إذا ما نشورها

# وقول ابن عطية  إنه غلط  غلط، واشتقاقها من السلوة لأنها لطيبها تسلي
~~عن غيرها وعطفها على بعض وجوه المن من عطف الخاص على العام اعتناء
~~بشأنه.

# { كلوا من طيبت ما رزقنكم } أمر إباحة على إرادة
~~القول أي وقلنا أو قائلين، و  الطيبات  المستلذات وذكرها للمنة عليهم
~~أو الحلالات فهو للنهي عن الإدخار، و { من } للتبعيض، وأبعد من جعلها
~~للجنس أو للبدل، ومثله من زعم أن هذا على حذف مضاف أي من عوض طيبات
~~قائلا إن الله سبحانه عوضهم عن جميع مآكلهم المستلذة من قبل  بالمن
~~والسلوى  فكانا بدلا من الطيبات، و { ما } موصولة والعائد محذوف  أي
~~رزقناكموه  أو مصدرية والمصدر بمعنى المفعول، واستنبط بعضهم من الآية
~~أنه لا يكفي وضع المالك الطعام بين يدي الإنسان في إباحة الأكل بل لا
~~يجوز التصرف فيه إلا بإذن المالك وهو أحد أقوال في المسألة.

# { وما ظلمونا } عطف على محذوف أي فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر
~~أو فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا بذلك، ويجوز  كما في «البحر»
~~ أن لا يقدر محذوف لأنه قد صدر منهم ارتكاب قبائح من اتخاذ العجل إلها،
~~وسؤال رؤيته تعالى ظلما وغير ذلك فجاء قوله تعالى: { وما ظلمونا }
~~بجملة منفية تدل على أن ما وقع منهم من تلك القبائح لم يصل إلينا منها
~~نقص ولا ضرر، وفي هذا دليل على أنه ليس من شرط نفي الشيء عن الشيء إمكان
~~وقوعه لأن ظلم الإنسان لله تعالى لا يمكن وقوعه البتة.

# { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بالكفران أو بما فعلوا
~~إذ لا يتخطاهم ضرره، وتقديم المفعول للدلالة على ms00414 القصر الذي يقتضيه النفي
~~السابق، وفيه ضرب تهكم بهم، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة
~~على تماديهم في الظلم واستمرارهم عليه، وفي ذكر (أنفسهم) بجمع القلة
~~تحقير لهم وتقليل، والنفس العاصية أقل من كل قليل.

### || [2.58]

# { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية } منصوبة على الظرفية
~~عند سيبويه، والمفعولية عند الأخفش، والظاهر أن الأمر بالدخول على لسان
~~موسى عليه السلام كالأوامر السابقة واللاحقة  والقرية  بفتح القاف 
~~والكسر لغة أهل اليمن  المدينة من قريت إذا جمعت سميت بذلك لأنها تجمع
~~الناس على طريقة المساكنة، وقيل: إن قلوا قيل لها: قرية، وإن كثروا قيل
~~لها مدينة، وأنهى بعضهم حد القلة إلى ثلاثة، والجمع القرى على غير قياس،
~~وقياس أمثاله فعال كظبية وظباء وفي المراد بها هنا خلاف جم/ والمشهور عن
~~ابن عباس وابن مسعود وقتادة والسدي، والربيع، وغيرهم  وإليه ذهب الجمهور
~~ أنها بيت المقدس، وقد كان هذا الأمر بعد التيه والتحير وهو أمر إباحة
~~يدل عليه عطف { فكلوا } الخ وهو غير الأمر المذكور بقوله تعالى:

# ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله
~~لكم ولا ترتدوا على أدبركم فتنقلبوا
~~خسرين

# [المائدة: 21] لأنه كان قبل ذلك وهو أمر تكليف كما يدل عليه عطف النهي،
~~ومنهم من زعم اتحادهما، وجعل هذا الأمر أيضا للتكليف. وحمل تبديل الأمر
~~على عدم امتثاله بناء على أنه لم يدخلوا القدس في حياة موسى عليه السلام،
~~ومنهم من ادعى اختلافهما لكنه زعم أن ما هنا كان بعد التيه على لسان
~~يوشع لا على لسان موسى عليهما السلام لأنه وأخاه هرون ماتا في التيه وفتح
~~يوشع مع بني إسرائيل أرض الشام بعد موته عليه السلام بثلاثة أشهر، ومنهم
~~من قال الأمر في التيه بالدخول بعد الخروج عنه ولا يخفى ما في كل،
~~فالأظهر ما ذكرنا. وقد روي أن موسى عليه السلام سار بعد الخروج من التيه
~~بمن بقي من بني إسرائيل إلى أريحاء  وهي بأرض القدس  وكان يوشع بن نون
~~على مقدمته ففتحها وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قبض، وكأنهم أمروا ms00415 بعد
~~الفتح بالدخول على وجه الإقامة والسكنى كما يشير إليه قوله تعالى: {
~~فكلوا } الخ، وقوله تعالى في الأعراف [161]

# اسكنوا هذه القرية

# ويؤكد كونه بعد الفتح الإشارة بلفظ القريب، والقول  بأنها نزلت منزلة
~~القريب ترويجا للأمر  بعيد، ولا ينافي هذا ما مر من أنه مات في التيه
~~لأن المراد به المفازة لا التيه مصدر تاه يتيه تيها بالكسر والفتح
~~وتيهانا إذا ذهب متحيرا فليفهم.

# { فكلوا منها حيث شئتم رغدا } أي واسعا هنيئا ونصبه
~~على المصدرية أو الحالية من ضمير المخاطبين، وفي الكلام إشارة إلى حل
~~جميع مواضعها لهم، أو الإذن بنقل حاصلها إلى أي موضع شاءوا مع دلالة
~~(رغدا) على أنهم مرخصون بالأكل منها  واسعا  وليس عليهم القناعة لسد
~~الجوعة، ويحتمل أن يكون وعدا لهم بكثرة المحصولات وعدم الغلاء، وأخر هذه
~~المنصوب هنا مع تقديمه في آية آدم عليه السلام قبل لمناسبة الفاصلة في
~~قوله تعالى: { وادخلوا الباب سجدا } والخلاف في نصب (الباب)
~~في نصب { هذه القرية } والمراد بها على المشهور أحد أبواب بيت
~~القدس، وتدعى الآن باب حطة قاله ابن عباس، وقيل: الباب الثامن من أبوابه،
~~ويدعى الآن باب التوبة  وعليه مجاهد  وزعم بعضهم أنها باب القبة التي
~~كانت لموسى وهارون عليهما السلام يتعبدان فيها، وجعلت قبلة لبني إسرائيل
~~في التيه، وفي وصفها أمور غريبة في القصص لا يعلمها إلا الله تعالى.

# و (سجدا) حال من ضمير { أدخلوا } والمراد خضعا متواضعين لأن
~~اللائق بحال المذنب التائب والمطيع الموافق الخشوع والمسكنة، ويجوز حمل
~~السجود على المعنى الشرعي، والحال مقارنة أو مقدرة، ويؤيد الثاني ما روي
~~عن وهب في معنى الآية  إذا دخلتموه فاسجدوا شكرا لله أي على ما أنعم
~~عليكم حيث أخرجكم من التيه ونصركم على من كنتم منه تخافون وأعادكم إلى ما
~~تحبون  وقول الزمخشري  أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرا لله
~~تعالى وتواضعا  لم نقف على ما يدل عليه من كتاب وسنة، وفسر ابن عباس
~~السجود هنا بالركوع، وبعضهم بالتطامن والانحناء قالوا: وأمروا بذلك لأن
~~الباب كان صغيرا ms00416 ضيقا يحتاج الداخل فيه إلى انحناء، وفي «الصحيح» عن
~~أبي هريرة أنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم،

# " قيل لبني إسرائيل: { ادخلوا الباب سجدا } فدخلوا يزحفون
~~على أستاههم "

# { وقولوا حطة } أي مسألتنا، أو شأنك يا ربنا أن تحط عنا ذنوبنا،
~~وهي فعلة من  الحط  كالجلسة، وذكر أبان أنها بمعنى التوبة وأنشد:

# فاز (بالحطة) التي جعل الل

# ه بها ذنب عبده مغفورا

# / والحق أن تفسيرها بذلك تفسير باللازم، ومن البعيد قول أبي مسلم: إن
~~المعنى أمرنا  حطة  أي أن نحط في هذه القرية ونقيم بها لعدم ظهور تعلق
~~الغفران به وترتب التبديل عليه إلا أن يقال كانوا مأمورين بهذا القول عند
~~الحط في القرية لمجرد التعبد، وحين لم يعرفوا وجه الحكمة بدلوه، وقرأ ابن
~~أبي عبلة بالنصب بمعنى حط عنا ذنوبنا (حطة) أو نسألك ذلك، ويجوز أن يكون
~~النصب على المفعولية  لقولوا  أي قولوا هذه الكلمة بعينها  وهو المروي
~~عن ابن عباس  ومفعول القول عند أهل اللغة يكون مفردا إذا أريد به لفظه
~~ولا عبرة بما في «البحر» من المنع إلا أنه يبعد هذا إن هذه اللفظة عربية
~~وهم ما كانوا يتكلمون بها، ولأن الظاهر أنهم أمروا أن يقولوا قولا دالا
~~على التوبة والندم حتى لو قالوا اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان
~~المقصود حاصلا ولا تتوقف التوبة على ذكر لفظة بعينها، ولهذا قيل: الأوجه
~~في كونها مفعولا  لقولوا  أن يراد قولوا أمرا حاطا لذنوبكم من
~~الاستغفار، وحينئذ يزول عن هذا الوجه الغبار، ثم هذه اللفظة على جميع
~~التقادير عربية معلومة الاشتقاق، والمعنى وهو الظاهر المسموع، وقال
~~الأصم: هي من ألفاظ أهل الكتاب لا نعرف معناها في العربية.

# وذكر عكرمة إن معناها لا إله إلا الله وهو من الغرابة بمكان.

# { نغفر لكم خطيكم } بدخولكم الباب سجدا وقولكم حطة.
~~والخطايا أصلها خطايىء بياء بعد ألف ثم همزة فأبدلت الياء  عند سيبويه 
~~الزائدة همزة لوقوعها بعد الألف واجتمعت همزتان وأبدلت الثانية ياء ثم
~~قلبت ألفا، وكانت الهمزة بين ألفين فأبدلت ياء، ms00417 وعند الخليل قدمت الهمزة
~~على الياء ثم فعل بها ما ذكر، وقرأ نافع { يغفر }  بالياء  وابن
~~عامر  بالتاء  على البناء للمجهول، والباقون  بالنون  والبناء
~~للمعلوم  وهو الجاري على نظام ما قبله وما بعده  ولم يقرأ أحد من
~~السبعة إلا بلفظ { خطيكم } وأمالها الكسائي، وقرأ الجحدري
~~وقتادة { تغفر } بضم التاء، وأفرد  الخطيئة  وقرأ الجمهور بإظهار 
~~الراء  من { يغفر } عند  اللام  وأدغمها قوم، قالوا: وهو ضعيف.

# { وسنزيد المحسنين } معطوف على جملة { قولوا حطة }
~~وذكر أنه عطف على الجواب، ولم ينجزم لأن  السين  تمنع الجزاء عن قبول
~~الجزم، وفي إبرازه في تلك الصورة دون تردد دليل على أن المحسن يفعل ذلك
~~البتة، وفي الكلام صفة الجمع مع التفريق، فإن { قولوا حطة } جمع،
~~و { نغفر لكم } و { سنزيد } تفريق، والمفعول محذوف، أي
~~ثوابا.

### || [2.59]

# { فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم }
~~أي بدل الذين ظلموا بالقول الذي قيل لهم قولا غيره { فبدل } يتعدى
~~لمفعولين أحدهما: بنفسه والآخر: بالياء، ويدخل على المتروك  فالذم
~~متوجه  وجوز أبو البقاء أن يكون  بدل  محمولا على المعنى، أي: فقال
~~{ الذين ظلموا قولا } الخ، والقول بأن (غير) منصوب بنزع
~~الخافض، كأنه قيل: فغيروا قولا بغيره غير مرضي من القول، وصرح سبحانه 
~~بالمغايرة  مع استحالة تحقق  التبديل  بدونها تحقيقا لمخالفتهم
~~وتنصيصا على  المغايرة  من كل وجه؛ وظاهر الآية انقسام من هناك إلى 
~~ظالمين  وغير  ظالمين  وأن  الظالمين  هم  الذين بدلوا  وإن كان 
~~المبدل  الكل كان وضع ذلك من وضع الظاهر موضع الضمير  للإشعار بالعلة 
~~واختلف في  القول الذي بدلوه  ففي " الصحيحين " أنهم قالوا: حبة في
~~شعيرة، وروى الحاكم { حنطة } بدل { حطة } وفي «المعالم» إنهم قالوا
~~بلسانهم  حطة سمقاثا  أي حنطة حمراء، قالوا ذلك استهزاء منهم بما قيل
~~لهم، والروايات في ذلك كثيرة، وإذا صحت يحمل اختلاف الألفاظ على اختلاف
~~القائلين، والقول بأنه لم يكن منهم  تبديل  ومعنى  فبدلوا لم يفعلوا
~~ما أمروا به، لا أنهم أتوا ببدل له  غير مسلم  وإن قاله أبو مسلم 
~~وظاهر الآية، والأحاديث تكذبه.

# / { فأنزلنا على ms00418 الذين ظلموا رجزا من السماء
~~بما كانوا يفسقون } وضع المظهر موضع الضمير مبالغة في تقبيح
~~أمرهم، وإشعارا بكون ظلمهم وإضرارهم أنفسهم بترك ما يوجب نجاتها، أو
~~وضعهم غير المأمور به موضعا سببا لإنزال  الرجز  وهو العذاب  وتكسر
~~راؤه وتضم  والضم لغة بني الصعدات  وبه قرأ ابن محيصن  والمراد به هنا
~~ كما روى عن ابن عباس  ظلمة وموت، يروى أنه مات منهم في ساعة أربعة
~~وعشرون ألفا، وقال وهب: طاعون غدوا به أربعين ليلة ثم ماتوا بعد ذلك،
~~وقال ابن جبير: ثلج هلك به منهم سبعون ألفا  فإن فسر بالثلج  كان كونه
~~{ من السماء } ظاهرا  وإن بغيره  فهو إشارة إلى الجهة التي يكون
~~منها القضاء أو مبالغة في علوه بالقهر والاستيلاء، وذكر بعض المحققين أن
~~الجار والمجرور ظرف مستقر وقع صفة لرجزا و { بما كانوا يفسقون
~~} متعلق به لنيابته عن العامل علة له، وكلمة (ما) مصدرية، والمعنى:
~~أنزلنا على الذين ظلموا لظلمهم عذابا مقدرا بسبب كونهم مستمرين على 
~~الفسق  في الزمان الماضي، وهذا أولى من جعل الجار والمجرور ظرفا لغوا
~~متعلقا بأنزلنا لظهوره على سائر الأقوال، ولئلا يحتاج في تعليل 
~~الإنزال بالفسق  بعد التعليل المستفاد من التعليق بالظلم إلى القول بأن
~~الفسق  عين  الظلم  وكرر للتأكيد، أو أن  الظلم أعم  والفسق  لا بد
~~أن يكون من الكبائر، فبعد وصفهم  بالظلم  وصفوا  بالفسق  للإيذان
~~بكونه من الكبائر، فإن الأول: بضاعة العاجز.

# والثاني: لا يدفع ركاكة التعليل، وما قيل: إنه تعليل  للظلم  فيكون
~~إنزال العذاب مسببا عن  الظلم  المسبب عن  الفسق  ليس بشيء، إذ 
~~ظلمهم  المذكور سابقا، الذي هو سبب الإنزال لا يحتاج إلى العلة، وقد
~~احتج بعض الناس بقوله تعالى: { فبدل } الخ وترتب العذاب على
~~التبديل، على أن ما ورد به التوقيف من الأقوال لا يجوز تغييره ولا تبديله
~~بلفظ آخر، وقال قول: يجوز ذلك إذا كانت الكلمة الثانية تسد الأولى، وعلى
~~هذا جرى الخلاف  كما في " البحر "  في قراءة القرآن بالمعنى ورواية
~~الحديث به، وجرى في تكبيرة الإحرام، وفي تجويز النكاح ms00419 بلفظ الهبة والبيع
~~والتمليك، والبحث مفصل في محله.

# هذا وقد ذكر مولانا الإمام الرازي رحمه الله تعالى أن هذه الآية ذكرت في
~~الأعراف مع مخالفة من وجوه لنكات. الأول: قال هنا:

# وإذ قلنا

# [البقرة: 58] لما قدم ذكر النعم؛ فلا بد من ذكر المنعم، وهناك

# وإذ قيل

# [الأعراف: 161] إذ لا إبهام بعد تقديم التصريح به. الثاني: قال هنا: {
~~ادخلوا } وهناك { اسكنوا } لأن الدخول مقدم، ولذا قدم وضعا
~~المقدم طبعا. الثالث: قال هنا: { خطيكم }  بجمع الكثرة  لما
~~أضاف ذلك القول إلى نفسه، واللائق بجوده غفران الذنوب الكثيرة، وهناك {
~~خطيئتكم }  بجمع القلة  إذ لم يصرح بالفاعل. الرابع: قال هنا:
~~{ رغدا } دون هناك لإسناد الفعل إلى نفسه هنا، فناسب ذكر الإنعام
~~الأعظم وعدم الإسناد هناك.

# الخامس: قال هنا: { ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة }
~~وهناك بالعكس، لأن  الواو  لمطلق الجمع، وأيضا المخاطبون يحتمل أن
~~يكون بعضهم مذنبين، والبعض الآخر ما كانوا كذلك، فالمذنب لا بد وأن يكون
~~اشتغاله بحط الذنب مقدما على اشتغاله بالعبادة، فلا جرم كان تكليف هؤلاء
~~أن يقولوا: (حطة) ثم  يدخلوا  وأما الذي لا يكون مذنبا، فالأولى به أن
~~يشتغل أولا: بالعبادة ثم يذكر التوبة. ثانيا: للهضم وإزالة العجب
~~فهؤلاء يجب أن  يدخلوا ثم يقولوا  فلما احتمل كون أولئك المخاطبين
~~منقسمين إلى ذين القسمين، لا جرم/ ذكر حكم كل واحد منهما في سورة أخرى.

# السادس: قال هنا: { وسنزيد }  بالواو  وهناك بدونه، إذ جعل هنا 
~~المغفرة  مع الزيادة جزاءا واحدا لمجموع الفعلين، وأما هناك فالمغفرة
~~جزاء قول (حطة) والزيادة جزاء الدخول فترك (الواو) يفيد توزع كل من
~~الجزاءين على كل من الشرطين.

# السابع: قال هناك:

# الذين ظلموا منهم

# [الأعراف: 162] وهنا لم يذكر (منهم) لأن أول القصة هناك مبني على
~~التخصيص ب { من } حيث قال:

# ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق

# [الأعراف: 159] فخص في آخر الكلام ليطابق أوله؛ ولما لم يذكر في الآيات
~~التي قبل { فبدل } هنا تمييزا وتخصيصا لم يذكر في آخر القصة ذلك.
~~الثامن: قال هنا: { فأنزلنا } وهناك

# فأرسلنا

# [الأعراف: 162] لأن الإنزال ms00420 يفيد حدوثه في أول الأمر، والإرسال يفيد
~~تسليطه عليهم واستئصاله لهم، وذلك يكون بالآخرة. التاسع: قال هنا:

# فكلوا

# [البقرة: 58]  بالفاء  وهناك  بالواو  لما مر في

# وكلا منها رغدا

# [البقرة: 35] وهو أن كل فعل عطف عليه شيء  وكان الفعل بمنزلة الشرط،
~~وذلك الشيء بمنزلة الجزاء  عطف الثاني على الأول  بالفاء  دون  الواو
~~ فلما تعلق الأكل بالدخول قيل في سورة البقرة: { فكلوا } ولما لم
~~يتعلق  الأكل بالسكون  في الأعراف [161] قيل: { وكلوا }. العاشر:
~~قال هنا: { يفسقون } وهناك

# يظلمون

# [الأعراف: 162] لأنه لما بين هنا كون الفسق ظلما اكتفى بلفظ  الظلم 
~~هناك انتهى.

# ولا يخفى ما في هذه الأجوبة من النظر، أما في الأول والثاني والثامن
~~والعاشر فلأنها إنما تصح إذا كانت سورة البقرة متقدمة على سورة الأعراف
~~نزولا  كما أنها متقدمة عليها ترتيبا  وليس كذلك، فإن سورة البقرة
~~كلها مدنية، وسورة الأعراف كلها مكية إلا ثمان آيات من قوله تعالى:

# وسئلهم عن القرية

# إلى قوله تعالى:

# وإذ نتقنا الجبل

# [الأعراف: 163-171] وقوله تعالى:

# اسكنوا هذه القرية

# [الأعراف: 161] داخل في الآيات المكية، فحينئذ لا تصح الأجوبة المذكورة.
~~وأما ما ذكر في التاسع فيرد عليه منع عدم تعلق  الأكل بالسكون  لأنهم
~~إذا سكنوا القرية، تتسبب سكناهم  للأكل  منها كما ذكر الزمخشري، فقد
~~جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها، فحينئذ لا فرق بين { كلوا }
~~و { فكلوا } فلا يتم الجواب، وأما الثالث فلأنه تعالى  وإن قال في
~~الأعراف [161]

# وإذ قيل

#  لكنه قال في السورتين:

# نغفر لكم

# [البقرة: 58، الأعراف: 161] وأضاف  الغفران  إلى نفسه، فبحكم تلك
~~اللياقة ينبغي أن يذكر في السورتين  جمع الكثرة  بل لا شك أن رعاية {
~~نغفر لكم } أولى من رعاية { وإذ قيل لهم } لتعلق 
~~الغفران بالخطايا  كما لا يخفى على العارف بالمزايا. وأما الرابع فلأنه
~~تعالى  وإن لم يسند الفعل إلى نفسه تعالى  لكنه مسند إليه في نفس
~~الأمر، فينبغي أن يذكر الإنعام الأعظم في السورتين. وأما الخامس فلأن
~~القصة واحدة، وكون بعضهم مذنبين وبعضهم غير مذنبين محقق  فعلى مقتضى ما
~~ذكر  ينبغي أن يذكر ms00421 { وقولوا حطة } مقدما في السورتين.

# وأما السادس فلأن القصة واحدة، وأن  الواو  لمطلق الجمع، وقوله تعالى:
~~{ نغفر } في مقابلة { قولوا } سواء قدم أو أخر، وقوله تعالى:

# وسنزيد

# [البقرة: 58] في مقابلة

# وادخلوا

# [الأعراف: 161] سواء ذكر  الواو  أو ترك، وأما السابع فلأنه تعالى قد
~~ذكر هنا قبل

# فبدل

# [البقرة: 59] ما يدل على التخصيص والتمييز، حيث قال سبحانه:

# وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن
~~والسلوى كلوا من طيبت ما رزقنكم

# [البقرة: 57] الخ بكافات الخطاب وصيغته  فاللائق حينئذ  أن يذكر لفظ
~~(منهم) أيضا، والجواب الصحيح عن جميع هذه السؤالات وما حكاها  ما ذكره
~~الزمخشري  من أنه لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هناك تناقض، ولا
~~تناقض بين قوله تعالى:

# اسكنوا هذه القرية

# [الأعراف: 161] وقوله:

# وكلوا

# [الأعراف: 161] لأنهم إذا سكنوا القرية فتسبب سكناهم للأكل منها، فقد
~~جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها، وسواء قدموا (الحطة) على  دخول
~~الباب  أو أخروها، فهم جامعون في الإيجاد بينهما، وترك ذكر  الرغد  لا
~~يناقض/ إثباته، وقوله تعالى:

# نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين

# [الأعراف: 161] موعد بشيئين  بالغفران والزيادة، وطرح  الواو  لا يخل
~~لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل: ماذا بعد الغفران؟ فقيل له: {
~~سنزيد المحسنين } وكذلك زيادة { منهم } زيادة بيان و

# فأرسلنا

# [الأعراف: 162] و

# أنزلنا

# [البقرة: 57] و

# يظلمون

# [ الأعراف: 162] و

# يفسقون

# [البقرة: 59] من دار واحد، انتهى.

# وبالجملة التفنن في التعبير لم يزل دأب البلغاء، وفيه من الدلالة على
~~رفعة شأن المتكلم ما لا يخفى، والقرآن الكريم مملوء من ذلك، ومن رام بيان
~~سر لكل ما وقع فيه منه فقد رام ما لا سبيل إليه إلا بالكشف الصحيح والعلم
~~اللدني، والله يؤتي فضله من يشاء، وسبحان من لا يحيط بأسرار كتابه إلا
~~هو.

# ومن باب الإشارة في الآيات: { وإذ قلتم } لموسى القلب { لن
~~نؤمن } الإيمان الحقيقي حتى نصل إلى مقام المشاهدة والعيان 

# فأخذتكم

# [البقرة: 55] صاعقة الموت  الذي هو الفناء في التجلي الذاتي  وأنتم
~~تراقبون أو تشاهدون 

# ثم بعثنكم

# [البقرة: 56] بالحياة الحقيقية والبقاء بعد الفناء لكي تشكروا نعمة
~~التوحيد ms00422 والوصول بالسلوك في الله عز وجل،  { وظللنا عليكم }
~~غمام تجلي الصفات  لكونها حجب الذات المحرقة سبحات وجهه ما انتهى إليه
~~بصره. { وأنزلنا عليكم } من الأحوال والمقامات الذوقية الجامعة
~~بين الحلاوة وإذهاب رذائل أخلاق النفس، كالتوكل والرضا وسلوى الحكم
~~والمعارف والعلوم الحقيقية التي يحشرها عليكم ريح الرحمة، والنفحات
~~الإلهية في تيه الصفات عند سلوككم فيها، فتسلون بذلك (السلوى) وتنسون من
~~لذائذ الدنيا كل ما يشتهى { كلوا } أي تناولوا وتلقوا هذه الطيبات
~~التي رزقتموها حسب استعدادكم، وأعطيتموها على ما وعد لكم { وما
~~ظلمونا } أي ما نقصوا حقوقنا وصفاتنا باحتجابهم بصفات أنفسهم، {
~~ولكن كانوا } ناقصين حقوق { أنفسهم } بحرمانها وخسرانها،
~~وهذا هو الخسران المبين.

# { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية } أي المحل المقدس
~~الذي هو مقام المشاهدة { وادخلوا الباب } الذي هو الرضا بالقضاء،
~~فهو باب الله تعالى الأعظم { سجدا } منحنين خاضعين لما يرد عليكم من
~~التجليات، واطلبوا أن يحط الله تعالى عنكم ذنوب صفاتكم وأخلاقكم
~~وأفعالكم، فإن فعلتم ذلك { نغفر لكم خطيكم }

# " فمن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا. ومن تقرب إلي ذراعا، تقربت
~~إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة "

# وسنزيد المحسنين

# [البقرة: 58] أي المشاهدين

# " ما لا عين رأيت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر "

# وهل ذلك إلا الكشف التام عن الذات الأقدس. { فبدل الذين
~~ظلموا } أنفسهم وأضاعوها ووضعوها في غير موضعها اللائق بها { قولا
~~غير الذي قيل لهم } ابتغاءا للحظوظ الفانية والشهوات الدنية.

# فأنزلنا

# [البقرة: 59] على الظالمين خاصة، عذابا وظلمة وضيقا في سجن الطبيعة،
~~وإسرا في وثاق التمني، وقيد الهوى، وحرمانا، وذلا بمحبة الماديات
~~السفلية، والإعراض عن هاتيك التجليات العلية، وذلك من جهة قهر سماء
~~الروح، ومنع اللطف والروح عنهم بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة القلب الذي لا
~~يأمر إلا بالهدى  كما ورد في الأثر 

# " إستفت قلبك وإن أفتاك المفتون "

# إلى طاعة النفس الأمارة بالسوء. وهذا هو البلاء العظيم، والخطب الجسيم:

# من كان يرغب في السلامة فليكن

# أبدا من الحدق المراض عياذه

# لا تخدعنك بالفتور فإنه

# نظر يضر بقلبك استلذاذه

# إياك ms00423 من طمع المنى فعزيزه

# كذليله، وغنيه شحاذه

### || [2.60]

# { وإذ استسقى موسى لقومه } تذكير لنعمة عظيمة كفروا بها
~~ وكان ذلك في التيه لما عطشوا  ففي/ بعض الآثار أنهم قالوا فيه: من لنا
~~بحر الشمس  فظلل عليهم الغمام  وقالوا: من لنا بالطعام  فأنزل الله
~~تعالى عليهم المن والسلوى  وقالوا: من لنا بالماء  فأمر موسى بضرب
~~الحجر  وتغير الترتيب لقصد إبراز كل من الأمور المعدودة في معرض أمر
~~مستقل واجب التذكير والتذكر، ولو روعي الترتيب الوقوعي لفهم أن الكل أمر
~~واحد  أمر بذكره  والاستسقاء  طلب  السقيا  عند عدم الماء أو قلته.
~~قيل: ومفعول  استسقى  محذوف أي  ربه  أو  ماء  وقد تعدى هذا الفعل
~~في الفصيح إلى  المستسقى  منه تارة  وإلى  المستسقي أخرى  كما في
~~قوله تعالى:

# إذ استسقه قومه

# [الأعراف: 160] وقوله:

# وأبيض  يستسقى  الغمام بوجهه

# ثمال اليتامى عصمة للأرامل

# وتعديته إليهما مثل أن تقول:  استسقى زيد ربه الماء  لم نجدها في شيء
~~من كلام العرب  واللام  متعلقة بالفعل، وهي سببية أي لأجل قومه.

# { فقلنا اضرب بعصاك الحجر } أي فأجبناه { فقلنا } الخ
~~ والعصا  مؤنث والألف منقلبة عن  واو  بدليل عصوان وعصوته  أي ضربته
~~بالعصا  ويجمع على أفعل شذوذا وعلى فعول قياسا، فيقال: أعص وعصى،
~~وتتبع حركة  العين  حركة  الصاد  و (الحجر) هو هذا الجسم المعروف،
~~وجمعه أحجار وحجار، وقالوا: حجارة، واشتقوا منه فقالوا: استحجر الطين،
~~والاشتقاق من الأعيان قليل جدا. والمراد بهذه (العصا) المسؤول عنها في
~~قوله تعالى:

# وما تلك بيمينك يموسى

# [طه: 17] والمشهور أنها من آس الجنة  طولها عشرة أذرع طول موسى عليه
~~السلام  لها شعبتان تتقدان في الظلمة، توارثها صاغر عن كابر حتى وصلت
~~إلى شعيب ومنه إلى موسى عليهما السلام؛ وقيل: رفعها له ملك في طريق مدين،
~~وفي المراد من (الحجر) خلاف، فقال الحسن: لم يكن حجرا معينا، بل أي حجر
~~ضربه انفجر منه الماء، وهذا أبلغ في الإعجاز وأبين في القدرة، وقال وهب:
~~كان يقرع لهم أقرب حجر فتنفجر، وعلى هذا  اللام  فيه للجنس، وقيل:
~~للعهد، وهو حجر معين حمله ms00424 معه من الطور مكعب له أربعة أوجه ينبع من كل
~~وجه ثلاثة أعين، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي أمرت أن
~~تسقيهم، وكانوا ستمائة ألف ما عدا دوابهم، وسعة المعسكر إثنا عشر ميلا،
~~وقيل: حجر كان عند آدم وصل مع العصا إلى شعيب فدفع إلى موسى، وقيل: هو
~~الحجر الذي فر بثوبه، والقصة معروفة.

# وقيل: حجر أخذ من قعر البحر خفيف يشبه رأس الآدمي كان يضعه في مخلاته،
~~فإذا احتاج للماء ضربه. والروايات في ذلك كثيرة، وظاهر أكثرها التعارض،
~~ولا ينبني على تعيين هذا الحجر أمر ديني، والأسلم تفويض علمه إلى الله
~~تعالى.

# { فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا } عطف على مقدر، أي
~~فضرب فانفلق، ويدل على هذا المحذوف وجود الانفجار، ولو كان ينفجر دون ضرب
~~لما كان للأمر فائدة، وبعضهم يسمي هذه  الفاء  الفصيحة ويقدر شرطا أي
~~فإن ضربت فقد انفجرت وفي «المغني»: إن هذا التقدير يقتضي تقدم الانفجار
~~على الضرب، إلا أن يقال: المراد فقد حكمنا بترتب الانفجار على ضربك، وقال
~~بعض المتأخرين: لا حذف، بل  الفاء  للعطف وإن مقدرة بعد  الفاء  كما
~~هو القياس، بعد الأمر عند قصد السببية، والتركيب من قبيل  زرني فأكرمك 
~~أي { اضرب بعصاك الحجر } فإن انفجرت فليكن منك الضرب
~~فالانفجار  ولا يخفى ما في كل/ حتى قال مولانا مفتي الديار الرومية في
~~الأول: إنه غير لائق بجلالة شأن النظم الكريم.  والثاني: أدهى وأمر .

# والانفجار انصداع شيء من شيء، ومنه الفجر والفجور، وجاء هنا {
~~انفجرت } وفي الأعراف [160]

# فانبجست

# فقيل: هما سواء. وقيل: بينهما فرق وهو أن الانبجاس أول خروج الماء،
~~والانفجار اتساعه وكثرته، أو الانبجاس خروجه من الصلب، والآخر خروجه من
~~اللين، والظاهر استعمالهما بمعنى واحد  وعلى فرض المغايرة  لا تعارض
~~لاختلاف الأحوال، و (من) لابتداء الغاية، والضمير عائد على  الحجر
~~المضروب  وعوده إلى الضرب، و (من) سببية مما لا ينبغي الإقدام عليه،
~~والتاء في إثنتا للتأنيث ويقال: ثنتا إلا أن التاء فيها على ما في
~~«البحر» للإلحاق، وهذا نظير أنبت ونبت ms00425 ولامها محذوفة، وهي ياء لأنها من
~~ثنيت.

# وقرأ مجاهد وجماعة  ورواه السعدي عن أبي عمرو  عشرة بكسر الشين وهي
~~لغة بني تميم، وقرأ الفضل الأنصاري بفتحها قال ابن عطية: وهي لغة ضعيفة،
~~ونص بعضها النحاة على الشذوذ، ويفهم من بعض المتأخرين إن هذه اللغات في
~~المركب لا في عشرة وحدها، وعبارات القوم لا تساعده، و  العين  منبع
~~الماء وجمع على أعين شذوذا وعيون قياسا، وقالوا في أشراف الناس: أعيان،
~~وجاء ذلك في الباصرة قليلا كما في قوله:

# أعيانا لها ومآقيا

# وهو منصوب على التمييز، وإفراده في مثل هذا الموضع لازم، وأجاز الفراء
~~أن يكون جمعا.

# وكان هذا العدد دون غيره لكونهم كانوا اثني عشر سبطا وكان بينهم تضاغن
~~وتنافس فأجرى الله تعالى لكل سبط عينا يردها لا يشركه فيها أحد من السبط
~~الآخر دفعا لإثارة الشحناء، ويشير إلى حكمة الانقسام، قوله تعالى: {
~~قد علم كل أناس مشربهم } وهي جملة مستأنفة مفهمة على
~~أن كل سبط منهم قد صار له مشرب يعرفه فلا يتعدى لمشرب غيره، و (أناس) جمع
~~لا واحد له من لفظه، وما ذكر من شذوذ إثبات همزته إنما هو مع الألف
~~واللام، وأما بدونها فشائع صحيح، و (علم) هنا متعدية لواحد أجريت مجرى
~~عرف  ووجد ذلك بكثرة  و  المشرب  إما اسم مكان أي محل الشرب، أو مصدر
~~ميمي بمعنى الشرب، وحمله بعضهم على المشروب وهو الماء، وحمله على المكان
~~أولى عند أبي حيان، وإضافة المشرب إليهم لأنه لما تخصص كل مشرب بمن تخصص
~~به صار كأنه ملك لهم وأعاد الضمير في مشربهم على معنى { كل } ولا يجوز
~~أن يعود على لفظها لأن  كلا  متى أضيف إلى نكرة وجب مراعاة المعنى
~~كما في قوله تعالى:

# يوم ندعوا كل أناس بإممهم

# [الإسراء: 71] وقوله:

# وكل أناس سوف تدخل بينهم

# دويهية تصفر منها الأنامل

# ونص على المشرب تنبيها على المنفعة العظيمة التي هي سبب الحياة وإن كان
~~سرد الكلام يقتضي  قد علم كل أناس عينهم  وفي الكلام حذف أي منها لأن {
~~قد ms00426 علم } صفة  لاثنتا عشرة عينا  فلا بد من رابط، وإنما وصفها به
~~لأنه معجزة أخرى حيث يحدث مع حدوث الماء جداول يتميز بها مشرب كل من مشرب
~~آخر، ويحتمل أن تكون الجملة حالية لا صفة لقوله تعالى: { اثنتا
~~عشرة } لئلا يحتاج إلى تقدير العائد وليفيد مقارنة العلم بالمشارب
~~للانفجار، والمشرب حينئذ العين.

# { كلوا واشربوا من رزق الله } على إرادة القول، وبدأ
~~بالأكل لأن قوام الجسد به، والاحتياج إلى الشرب حاصل عنه، و (من) لابتداء
~~الغاية، ويحتمل أن تكون للتبعيض، وفي ذكر الرزق مضافا تعظيم للمنة،
~~وإشارة إلى حصول ذلك لهم من غير تعب ولا تكلف، وفي هذا التفات إذ تقدم {
~~فقلنا اضرب } ولو جرى على نظم واحد لقال من رزقنا، ولو جعل الإضمار
~~قبل { كلوا } مسندا إلى موسى  أي وقال موسى: كلوا واشربوا  لا يكون
~~فيه ذلك، و  الرزق  هنا بمعنى المرزوق وهو الطعام المتقدم من المن
~~والسلوى، والمشروب من ماء/ العيون، وقيل: المراد به الماء وحده لأنه يشرب
~~ويؤكل مما ينبت منه ويضعفه أنه لم يكن أكلهم في التيه من زروع ذلك الماء
~~كما يشير إليه قوله تعالى:

# يخرج لنا مما تنبت الأرض

# [البقرة: 61] و

# لن نصبر على طعام وحد

# [البقرة: 61] ويلزم عليه أيضا الجمع بين الحقيقة والمجاز إذ يؤول إلى 
~~كلوا واشربوا  من الماء، ويكون نسبة الشرب إليه بإرادة ذاته، والأكل
~~بإرادة ما هو سبب عنه، أو القول بحذف متعلق أحد الفعلين أي كلوا من رزق
~~الله واشربوا من رزق الله، وقول بعض المتأخرين إن رزق الله  عبارة عن
~~الماء، وفي الآية إشارة إلى إعجاز آخر وهو أن هذا الماء كما يروي العطشان
~~يشبع الجوعان فهو طعام وشراب  بعيد غاية البعد، وأقرب منه أن لا يكون {
~~كلوا واشربوا } بتقدير القول من تتمة ما يحكى عنهم بل يجعل أمرا
~~مرتبا على ذكرهم ما وقع وقت الاستسقاء على وجه الشكر والتذكير بقدرة
~~الله تعالى فهو أمر المخاطبين بهذه الحكاية بأكلهم وشربهم مما يرزقهم
~~الله تعالى، وعدم الإفساد بإضلال الخلق، وجمع ms00427 عرض الدنيا ويكون فصله عما
~~سبق لأنه بيان للشكر المأمور أو نتيجة للمذكور.

# واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال لأن أقل درجات هذا
~~الأمر أن يكون للإباحة فاقتضى أن يكون الرزق مباحا فلو وجد رزق حرام
~~لكان الرزق مباحا وحراما، وأنه غير جائز، والجواب أن الرزق هنا ليس
~~بعام إذا أريد المن والسلوى والماء المنفجر من الحجر، ولا يلزم من حلية
~~معين ما من أنواع الرزق حلية جميع الرزق وعلى تسليم العموم يلتزم
~~التبعيض.

# { ولا تعثوا فى الأرض مفسدين } لما أمروا بالأكل والشرب
~~من رزق الله تعالى ولم يقيد ذلك عليهم بزمان ولا مكان ولا مقدار كان ذلك
~~إنعاما وإحسانا جزيلا إليهم، واستدعى ذلك التبسط في المأكل والمشرب
~~نهاهم عما يمكن أن ينشأ عن ذلك وهو الفساد حتى لا يقابلوا تلك النعم
~~بالكفران، و  العثي  عند بعض المحققين مجاوزة الحد مطلقا فسادا كان
~~أو لا فهو كالاعتداء، ثم غلب في الفساد، و(مفسدين) على هذا حال غير مؤكدة
~~وهو الأصل فيها كما يدل عليه تعريفها، وذكر أبو البقاء أن  العثي 
~~الفساد والحال مؤكدة، وفيه أن مجىء الحال المؤكدة بعد الفعلية خلاف مذهب
~~الجمهور. وذهب الزمخشري أن معناه أشد الفساد والمعنى لا تتمادوا في
~~الفساد حال إفسادكم، والمقصد النهي عما كانوا عليه من التمادي في الفساد
~~وهو من أسلوب

# لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة

# [آل عمران: 130] وإلا فالفساد أيضا منكر منهي عنه، وفيه أنه تكلف
~~مستغنى عنه بما ذكرنا، والمراد من (الأرض) عند الجمهور أرض التيه. ويجوز
~~أن يريدها وغيرها مما قدروا أن يصلوا إليها فينالها فسادهم، وجوز أن يريد
~~الأرضين كلها، و (أل) لاستغراق الجنس، ويكون فسادهم فيها من جهة أن كثرة
~~العصيان والإصرار على المخالفات والبطر يؤذن بانقطاع الغيث وقحط البلاد
~~ونزع البركات، وذلك انتقام يعم الأرضين.

# هذا ثم إن ظاهر القرآن لا يدل على تكرر هذا الاستسقاء ولا الضرب ولا
~~الانفجار فيحتمل أن يكون ذلك متكررا، ويحتمل أن يكون ذلك مرة واحدة
~~والواحدة هي المتحققة. والحكايات ms00428 في هذا الأمر كثيرة وأكثرها لا صحة له،
~~وقد أنكر بعض الطبيعيين هذه الواقعة وقال: كيف يعقل خروج الماء العظيم
~~الكثير من الحجر الصغير، وهذا المنكر مع أنه لم يتصور قدرة الله تعالى في
~~تغيير الطبائع والاستحالات فقد ترك النظر على طريقتهم إذ قد تقرر عندهم
~~أن حجر المغناطيس يجذب الحديد والحجر الحلاق يحلق الشعر والحجر الباغض
~~للخل ينفر منه، وذلك كله من أسرار الطبيعة وإذا لم يكن مثل ذلك منكرا
~~عندهم فليس يمتنع أن يخلق في حجر آخر قوة جذب الماء من تحت الأرض، ويكون
~~خلق تلك القوة عند ضرب العصا أو عند أمر موسى عليه السلام على ما ورد أنه
~~كان بعد ذلك يأمره، فينفجر ولا ينافيه انفصاله عن الأرض كما وهم، ويحتمل
~~أيضا أن يقلب الله تعالى  بواسطة قوة أودعها في الحجر  الهواء/ ماء
~~بإزالة اليبوسة عن أجزائه وخلق الرطوبة فيها.

# والله تعالى على كل شيء قدير.

# وحظ العارف من الآية أن يعرف الروح الإنسانية وصفاتها في عالم القلب
~~بمثابة موسى وقومه وهو مستسق ربه لإروائها بماء الحكمة والمعرفة وهو
~~مأمور بضرب عصا  لا إله إلا الله  ولها شعبتان من النفي والإثبات
~~تتقدان نورا عند استيلاء ظلمات النفس، وقد حملت من حضرة العزة على حجر
~~القلب الذي هو كالحجارة أو أشد قسوة { فانفجرت منه اثنتا
~~عشرة عينا } من مياه الحكمة لأن كلمة  لا إله إلا الله  اثنتا
~~عشرة حرفا فانفجر من كل حرف عين قد علم كل سبط من أسباط صفات
~~الإنسان. وهي اثنا عشر سبطا من الحواس الظاهرة والباطنة، واثنان من
~~القلب والنفس، ولكل واحد منهم مشرب من عين جرت من حرف من حروف الكلمة، و
~~(قد علم) مشربه ومشرب كل واحد حيث ساقه رائده وقاده قائده فمن مشرب
~~عذب فرات. ومشرب ملح أجاج، والنفوس ترد مناهل التقى والطاعات والأرواح
~~تشرب من زلال الكشوف والمشاهدات، والأسرار تروى من عيون الحقائق بكأس
~~تجلي الصفات عن ساقي

# وسقهم ربهم شرابا طهورا

# [الإنسان: 21] للاضمحلال في حقيقة الذات { كلوا واشربوا ms00429 من
~~رزق الله } بأمره ورضاه { ولا تعثوا } في هذا القالب {
~~مفسدين } بترك الأمر واختيار الوزر وبيع الدين بالدنيا وإيثار
~~الأولى على العقبى وتقديمهما على المولى.

### || [2.61]

# { وإذ قلتم يموسى لن نصبر على طعام وحد }
~~الظاهر أنه داخل في تعداد النعم وتفصيلها وهو إجابة سؤالهم بقوله تعالى:
~~{ اهبطوا } الخ مع استحقاقهم كمال السخط لأنهم كفروا نعمة إنزال
~~الطعام اللذيذ عليهم وهم في التيه من غير كد وتعب حيث سألوا ب { لن
~~نصبر } فإنه يدل على كراهيتهم إياه إذ الصبر حبس النفس في المضيق،
~~ولذا أنكر عليه بقوله تعالى: { أتستبدلون } الخ، فالآية في
~~الأسلوب مثل قوله تعالى:

# وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك

# [البقرة: 55] الخ، حيث عاندوا بعد سماع الكلام وأهلكوا، ثم أفاض عليهم
~~نعمة الحياة، قال مولانا السيالكوتي: ومن هذا ظهر ضعف ما قال الإمام
~~الرازي  لو كان سؤالهم معصية لما أجابهم، لأن الإجابة إلى المعصية معصية
~~ وهي غير جائزة على الأنبياء  وإن قوله تعالى:

# كلوا واشربوا

# [البقرة: 60] أمر إباحة لا إيجاب، فلا يكون سؤالهم غير ذلك الطعام
~~معصية، ووصف الطعام بواحد وإن كانا طعامين (المن والسلوى) اللذين
~~رزقوهما في التيه، إما باعتبار كونه على نهج واحد كما يقال: طعام مائدة
~~الأمير واحد  ولو كان ألوانا شتى  بمعنى أنه لا يتبدل ولا يختلف بحسب
~~الأوقات، أو باعتبار كونه ضربا واحدا لأن المن والسلوى من طعام أهل
~~التلذذ والسرف، وكأن القوم كانوا فلاحة فما أرادوا إلا ما ألفوه، وقيل:
~~إنهم كانوا يطبخونهما معا فيصير طعاما واحدا، والقول بأن هذا القول
~~كان قبل نزول السلوى نازل من القول، وأهون منه القول بأنهم أرادوا
~~بالطعام الواحد السلوى لأن المن كان شرابا، أو شيئا يتحلون به، فلم
~~يعدوه طعاما آخر، وإلا نزل القول بأنه عبر بالواحد عن الاثنين كما عبر
~~بالاثنين عن الواحد في نحو

# يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان

# [الرحمن: 22] وإنما يخرج من أحدهما  وهو الملح دون العذب .

# { فادع لنا ربك } أي سله لأجلنا  بدعائك إياه  بأن يخرج لنا
~~كذا وكذا  والفاء  لسببية عدم الصبر ms00430 للدعاء، ولغة بني عامر { فادع }
~~ بكسر العين  جعلوا  دعا من ذوات الياء  كرمى، وإنما سألوا من موسى
~~أن يدعو لهم، لأن دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أقرب للإجابة من
~~دعاء غيرهم، على أن دعاء الغير للغير مطلقا أقرب إليها  فما ظنك بدعاء
~~الأنبياء لأممهم؟ 

# " ولهذا قال صلى الله عليه وسلم/ لعمر رضي الله تعالى عنه: «أشركنا في
~~دعائك "

# وفي الأثر: «ادعوني بألسنة لم تعصوني فيها» وحملت على ألسنة الغير،
~~والتعرض لعنوان الربوبية لتمهيد مبادىء الإجابة، وقالوا: (ربك) ولم
~~يقولوا: ربنا، لأن في ذلك من الاختصاص به ما ليس فيهم من مناجاته وتكليمه
~~وإيتائه التوراة، فكأنهم قالوا: ادع لنا المحسن إليك بما لم يحسن به
~~إلينا، فكما أحسن إليك من قبل نرجو أن يحسن إليك في إجابة دعائك.

# { يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها
~~وفومها وعدسها وبصلها } المراد  بالإخراج  المعنى
~~المجازي اللازم للمعنى الحقيقي، وهو الإظهار بطريق الإيجاد  لا بطريق
~~إزالة الخفاء  والحمل على المعنى الحقيق يقتضي مخرجا عنه، وما يصلح له
~~ههنا هو (الأرض) وبتقديره يصير الكلام سخيفا، و { يخرج } مجزوم لأنه
~~جواب الأمر، وجزمه  بلام الطلب  محذوفة لا يجوز عند البصريين، و (من)
~~الأولى تبعيضية أي مأكولا بعض ما (تنبت) وادعى الأخفش زيادتها  وليس
~~بشيء  و (ما) موصولة والعائد محذوف، أي تنبته، وجعلها مصدرية لم يجوزه
~~أبو البقاء  لأن المقدر جوهر  ونسبة  الإنبات  إلى (الأرض) مجاز من
~~باب النسبة إلى القابل. وقد أودع الله تعالى في الطبقة الطينية من الأرض
~~ أو فيها  قوة قابلة لذلك، وكون القوة القابلة مودعة في الحب دون
~~التراب ربما يفضي إلى القول بقدم الحب بالنوع، و (من) الثانية بيانية،
~~فالظرف مستقر واقع موقع الحال، أي كائنا من بقلها. وقال أبو حيان:
~~تبعيضية واقعة موقع البدل من كلمة (ما) فالظرف لغو متعلق ب (يخرج)
~~وعلى التقديرين  كما قال السيالكوتي : يفيد أن المطلوب إخراج بعض
~~هؤلاء، ولو جعل بيانا لما أفاده (من) التبعيضية  كما قاله المولى عصام
~~الدين  لخلا الكلام عن الإفادة المذكورة، وأوهم ms00431 أن المطلوب إخراج جميع
~~هؤلاء لعدم العهد.

#  والبقل  جنس يندرج فيه النبات الرطب مما يأكله الناس والأنعام،
~~والمراد به هنا أطاييب البقول التي يأكلها الناس  والقثاء  هو هذا
~~المعروف، وقال الخليل: هو الخيار، وقرأ يحيى بن وثاب وغيره  بضم القاف
~~ وهو لغة  والفوم  الحنطة  وعليه أكثر الناس  حتى قال الزجاج: لا
~~خلاف عند أهل اللغة أن  الفوم  الحنطة، وسائر الحبوب التي تختبز يلحقها
~~اسم  الفوم  وقال الكسائي وجماعة: هو الثوم، وقد أبدلت  ثاؤه فاء 
~~كما في  جدث وجدف  وهو بالبصل والعدس أوفق  وبه قرأ ابن مسعود رضي
~~الله تعالى عنه  ونفس شيخنا  عليه الرحمة  إليه تميل، والقول بأنه
~~الخبز يبعده الإنبات من الأرض وذكره مع البقل وغيره. وما في «المعالم» عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن  الفوم  الخبز يمكن توجيهه بأن
~~معناه إنه يقال عليه، ووجه ترتيب النظم أنه ذكر أولا ما هو جامع للحرارة
~~والبرودة والرطوبة واليبوسة  وهو البقل  إذ منه ما هو بارد رطب 
~~كالهندبا  ومنه ما هو حار يابس  كالكرفس والسذاب  ومنه ما هو حار وفيه
~~رطوبة، كالنعناع وثانيا: ما هو بارد رطب  وهو القثاء  وثالثا: ما هو
~~حار يابس  وهو الثوم  ورابعا: ما هو بارد يابس  وهو العدس  وخامسا:
~~ما هو حار رطب  وهو البصل  وإذا طبخ صار باردا رطبا عند بعضهم، أو
~~يقال: إنه ذكر أولا ما يؤكل من غير علاج نار، وذكر بعده ما يعالج به مع
~~ما ينبغي فيه ذلك ويقبله.

# { قال أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير
~~} استئناف وقع جوابا عن سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال لهم؟ فقيل قال:
~~{ أتستبدلون } الخ، والقائل إما الله تعالى على لسان موسى عليه
~~السلام، ويرجحه كون المقام مقام تعداد النعم، أو موسى نفسه  وهو الأنسب
~~بسياق النظم  والاستفهام للإنكار، والاستبدال الاعتياض. / فإن قلت كونهم
~~لا يصبرون على طعام واحد أفهم طلب ضم ذلك إليه  لا استبداله به  أجيب
~~بأن قولهم: { لن نصبر } يدل على كراهتهم ذلك الطعام؛ وعدم الشكر
~~على النعمة ms00432 دليل الزوال، فكأنهم طلبوا زوالها ومجيء غيرها، وقيل: إنهم
~~طلبوا ذلك، وخطابهم بهذا إشارة إلى أنه تعالى إذا أعطاهم ما سألوا منع
~~عنهم المن والسلوى فلا يجتمعان، وقيل: الاستبدال في المعدة  وهو كما
~~ترى .

# وقرأ أبي:  أتبدلون  وهو مجاز، لأن التبديل ليس لهم  إنما ذلك إلى
~~الله تعالى  لكنهم لما كانوا يحصل التبديل بسؤالهم جعلوا مبدلين، وكان
~~المعنى أتسألون تبديل الذي الخ، و { الذى } مفعول { تستبدلون }
~~وهو الحاصل؛ و { الذى } دخلت عليه الباء هو الزائل، وهو { أدنى }
~~صلة { الذى } وهو هنا واجب الإثبات  عند البصريين  إذ لا طول، و {
~~أدنى } إما من الدنو أو مقلوب من الدون، وهو على الثاني ظاهر، وعلى
~~الأول مجاز استعير فيه الدنو بمعنى القرب المكاني للخسة كما استعير البعد
~~للشرف، فقيل: بعيد المحل [و] بعيد الهمة، ويحتمل أن يكون مهموزا من
~~الدناءة، وأبدلت فيه  الهمزة ألفا  ويؤيده قراءة زهير والكسائي { أدنأ
~~} بالهمزة، وأريد بالذي هو خير المن والسلوى ومعنى خيرية هذا المأكول
~~بالنسبة إلى ذلك غلاء قيمته وطيب لذته، والنفع الجليل في تناوله، وعدم
~~الكلفة في تحصيله، وخلوه عن الشبهة في حله.

# { اهبطوا مصرا } جملة محكية بالقول كالأولى، وإنما لم يعطف
~~إحداهما على الأخرى في المحكي لأن الأولى خبر معنى، وهذه ليست كذلك،
~~ولكونها كالمبينة لها فإن الإهباط طريق الاستبدال، هذا إذا جعل الجملتان
~~من كلام الله تعالى أو كلام موسى، وإن جعل إحداهما من موسى والأخرى من
~~الله تعالى، فوجه الفصل ظاهر، والوقف على (خير) كاف على الأول: وتام على
~~الثاني: والهبوط يجوز أن يكون مكانيا بأن يكون التيه أرفع من المصر، وأن
~~يكون رتبيا، وهو الأنسب بالمقام، وقرىء { اهبطوا } بضم الهمزة
~~والباء  والمصر  البلد العظيم وأصله الحد والحاجز بين الشيئين، قال:

# وجاعل الشمس (مصرا) لا خفاء به

# بين النهار وبين الليل قد فصلا

# وإطلاقه على البلد لأنه ممصور أي محدود، وأخذه من مصرت الشاة أمصرها 
~~إذا حلبت كل شيء في ضرعها  بعيد، وحكي عن أشهب أنه قال: قال لي مالك: هي
~~مصر قريتك ms00433 مسكن فرعون  فهو إذا علم  وأسماء المواضع قد تعتبر من
~~حيث المكانية فتذكر، وقد تعتبر من حيث الأرضية فتؤنث، فهو  إن جعل
~~علما  فإما باعتبار كونه بلدة، فالصرف مع العلمية، والتأنيث لسكون
~~الوسط، وإما باعتبار كونه  بلدا  فالصرف على بابه، إذ الفرعية الواحدة
~~لا تكفي في منعه، ويؤيد ما قاله الإمام مالك رضي الله تعالى عنه: أنه في
~~مصحف ابن مسعود (مصر) بلا  ألف بعد الراء  ويبعده أن الظاهر من التنوين
~~التنكير، وأن قوله تعالى:

# ادخلوا الأرض المقدسة

# [المائدة: 21] يعني الشام التي كتب الله تعالى لكم للوجوب  كما يدل
~~عليه عطف النهي  وذلك يقتضي المنع من دخول أرض أخرى، وأن يكون الأمر
~~بالهبوط مقصورا على بلاد التيه  وهو ما بين بيت المقدس إلى قنسرين 
~~ومن الناس من جعل (مصر) معرب  مصرائيم  كإسرائيل اسم لأحد أولاد نوح
~~عليه السلام  وهو أول من اختطها  فسميت باسمه، وإنما جاز الصرف حينئذ
~~لعدم الاعتداد بالعجمة لوجود التعريب والتصرف فيه فافهم وتدبر.

# { فإن لكم ما سألتم } تعليل للأمر بالهبوط، وفي «البحر»
~~أنها جواب للأمر  وكما يجاب بالفعل يجاب بالجملة  وفي ذلك محذوفان فإن
~~ما يربط الجملة بما قبلها، والضمير العائد على { ما } والتقدير: فإن لكم
~~فيها ما سألتموه/، والتعبير عن الأشياء المسؤولة ب (ما) للاستهجان
~~بذكرها، وقرأ النخعي ويحيى: { سألتم } بكسر السين.

# { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } أي جعل ذلك محيطا
~~بهم إحاطة القبة بمن ضربت عليه، أو ألصق بهم من ضرب الطين على الحائط ففي
~~الكلام استعارة بالكناية حيث شبه ذلك بالقبة أو بالطين، و (ضربت) استعارة
~~تبعية تحقيقية لمعنى الإحاطة والشمول أو اللزوم واللصوق بهم، وعلى
~~الوجهين فالكلام كناية عن كونهم أذلاء متصاغرين، وذلك بما ضرب عليهم من
~~الجزية التي يؤدونها عن يد وهم صاغرون، وبما ألزموه من إظهار الزي ليعلم
~~أنهم يهود ولا يلتبسوا بالمسلمين وبما طبعوا عليه من فقر النفس وشحها فلا
~~ترى ملة من الملل أحرص منهم، وبما تعودوا عليه من إظهار سوء الحال مخافة
~~أن تضاعف عليهم الجزية إلى غير ms00434 ذلك مما تراه في اليهود اليوم، وهذا الضرب
~~مجازاة لهم على كفران تلك النعمة، وبهذا ارتبطت الآية بما قبلها، وإنما
~~أورد ضمير الغائب للإشارة إلى أن ذلك راجع إلى جميع اليهود، وشامل
~~للمخاطبين، بقوله تعالى: { فإن لكم ما سألتم } ولمن يأتي
~~بعدهم إلى يوم القيامة فليس من قبيل الالتفات على ما وهم.

# { وباءوا بغضب من الله } أي نزلوا وتمكنوا بما حل بهم من
~~البلاء والنقم في الدنيا، أو بما تحقق لهم من العذاب في العقبى؛ أو بما
~~كتب عليهم من المكاره فيهما  أو رجعوا بغضب  أي صار عليهم، ولذا لم
~~يحتج إلى اعتبار المرجوع إليه، أو صاروا أحقاء به، أو استحقوا العذاب
~~بسببه  وهو بعيد  وأصل  البواء  بالفتح والضم مساواة الأجزاء ثم
~~استعمل في كل مساواة فيقال: هو بواء فلان أي كفؤه، ومنه بؤ  لشسع نعل
~~كليب  وحديث:

# " فليتبوأ مقعده من النار "

# وفي وصف الغضب بكونه من الله تعالى تعظيم لشأنه بعد تعظيم وتفخيم بعد
~~تفخيم.

# { ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيت الله
~~ويقتلون النبيين بغير الحق } أشار بذلك إلى ما سبق من
~~ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب العظيم، وإنما بعده لبعد بعضه حتى
~~لو كان إشارة إلى البوء لم يكن على لفظ البعيد، أو للإشارة إلى أنهم
~~أدركتهم هذه الأمور مع بعدهم عنها لكونهم أهل الكتاب، أو للإيماء إلى
~~بعدها في الفظاعة، والباء للسببية وهي داخلة على المصدر المؤل ولم يعبر
~~به، وعبر بما عبر تنبيها على تجدد الكفر والقتل منهم حينا بعد حين
~~واستمرارهم عليهما فيما مضى، أو لاستحضار قبيح صنعهم، و (الآيات) إما
~~المعجزات مطلقا أو التسع التي أتى بها موسى عليه السلام، أو ما جاء به
~~من التسع وغيرها، أو آيات الكتب المتلوة مطلقا، أو التوراة أو آيات منها
~~كالآيات التي فيها صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو التي فيها الرجم
~~أو القرآن، وفي إضافة الآيات إلى اسمه تعالى زيادة تشنيع عليهم، وبدأ
~~سبحانه بكفرهم بآياته لأنه أعظم كل عظيم، وأردفه بقتلهم النبيين لأنه
~~كالمنشأ ms00435 له، وأتى بالنبيين الظاهر في القلة دون الأنبياء الظاهر في
~~الكثرة إذ الفرق بين الجمعين إذا كانا نكرتين وأما إذا دخلت عليهما (أل)
~~فيتساويان  كما في «البحر»  فلا يرد أنهم قتلوا ثلثمائة نبي في أول
~~النهار، وأقاموا سوقهم في آخره.

# وقيد القتل بغير الحق مع أن قتل الأنبياء لا يكون إلا كذلك للإيذان بأن
~~ذلك بغير الحق عندهم إذ لم يكن أحد معتقدا حقية قتل أحد منهم عليهم
~~السلام، وإنما حملهم عليه حب الدنيا، واتباع الهوى والغلو في العصيان،
~~والاعتداء فاللام في الحق على هذا للعهد، وقيل: الأظهر أنها للجنس،
~~والمراد بغير حق أصلا إذ لام الجنس المبهم كالنكرة، ويؤيده ما في آل
~~عمران [21]

# بغير حق

# فيفيد أنه لم يكن حقا باعتقادهم أيضا، ويمكن أن يكون فائدة التقييد
~~إظهار معايب صنيعهم فإنه قتل النبي ثم جماعة منهم ثم كونه بغير الحق،
~~وهذا أوفق بما هو الظاهر من كون المنهي القتل بغير الحق في نفس الأمر/
~~سواء كان حقا عند القاتل أو لا إلا أن الاقتصار على القتل بغير الحق
~~عندهم أنسب للتعريض بما هم فيه على ما قيل، والقول: بأنه يمكن أن يقال 
~~لو لم يقيد بغير الحق لأفاد أن من خواص النبوة أنه لو قتل أحدا بغير حق
~~لا يقتص، ففائدة التقييد أن يكون النظم مفيدا لما هو الحكم الشرعي 
~~بعيد كما لا يخفى، قال بعض المتأخرين: هذا كله إذا كان الغير بمعنى النفي
~~ أي بلا حق، أما إذا كان بمعناه  أي بسبب أمر مغاير للحق أي الباطل 
~~فالتقييد مفيد لأن قتلهم النبيين بسبب الباطل وحمايته، وقريب من هذا ما
~~قاله القفال من إنهم كانوا يقولون: إنهم كاذبون وأن معجزاتهم تمويهات
~~ويقتلونهم بهذا السبب، وبأنهم يريدون إبطال ما هم عليه من الحق بزعمهم،
~~ولعل ذلك غالب أحوالهم وإلا فشعياء، ويحيى وزكريا عليهم السلام لم
~~يقتلوا لذلك، وإنما قتل شعياء لأن ملكا من بني إسرائيل لما مات مرج أمر
~~بني إسرائيل، وتنافسوا الملك، وقتل بعضهم بعضا فنهاهم عليه السلام فبغوا ms00436
~~عليه وقتلوه، ويحيى عليه السلام إنما قتل لقصة تلك الامرأة لعنها الله
~~تعالى، وكذلك زكريا لأنه لما قتل ابنه انطلق هاربا فأرسل الملك في طلبه
~~غضبا لما حصل لامرأته من قتل ابنه فوجد في جوف شجرة ففلقوا الشجرة معه
~~فلقتين طولا بمنشار.

# ثم الظاهر أن الجار والمجرور مما تنازع فيه الكفر والقتل، وفي «البحر»
~~أنه متعلق بما عنده، وزعم بعض الملحدين  أن بين هذه الآية  وما أشبهها،
~~وقوله تعالى:

# إنا لننصر رسلنا

# [غافر: 51] تناقضا  وأجيب بأن المقتولين من الأنبياء والموعود بنصرهم
~~الرسل ورد بأن قوله تعالى:

# أفكلما جاءكم رسول

# [البقرة: 78] إلى قوله سبحانه:

# ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون

# [البقرة: 78] يدل على أن المقتول رسل أيضا، وأجاب بعضهم بأن المراد
~~النصرة بغلبة الحجة أو الأخذ بالثأر كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أن الله تعالى قدر أن يقتل بكل نبي سبعين ألفا، وبكل خليفة خمسا
~~وثلاثين ألفا ولا يخفى ما فيه، فالأحسن أن المراد بالرسل المأمورون
~~بالقتال  كما أجاب به بعض المحققين  لأن أمرهم بالقتال وعدم عصمتهم لا
~~يليق بحكمة العزيز الحكيم.

# وقرأ علي رضي الله تعالى عنه: (يقتلون) بالتشديد، والحسن في رواية عنه
~~(وتقتلون) بالتاء فيكون ذلك من الالتفات، وقرأ نافع بهمز النبيين وكذا
~~النبي والنبوة، واستشكل بما روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه
~~وسلم:

# " يا نبىء الله  بالهمزة  فقال: لست بنبىء الله  يعني مهموزا 
~~ولكن نبي الله "

# بغير همزة فأنكر عليه ذلك. ولهذا منع بعضهم من إطلاقه عليه عليه الصلاة
~~والسلام على أنه استشكل أيضا جمع النبي على نبيين وهو فعيل بمعنى
~~مفعول، وقد صرحوا بأنه لا يجمع جمع مذكر سالم وأجيب عن الأول بأن أبا زيد
~~حكى نبأت من الأرض إذا خرجت منها فمنع لوهم أن معناه يا طريد الله تعالى
~~فنهاه عن ذلك لإيهامه، ولا يلزم من صحة استعمال الله تعالى له في حق نبيه
~~صلى الله عليه وسلم  الذي برأه من كل نقص  جوازه من البشر، وقيل: إن
~~النهي كان خاصا في ms00437 صدر الإسلام حيث دسائس اليهود كانت فاشية وهذا كما
~~نهى عن قول:

# رعنا

# [البقرة: 104] إلى قول:

# انظرنا

# [البقرة: 104] وعن الثاني بأنه ليس بمتفق عليه إذ قيل: إنه بمعنى فاعل
~~ولو سلم فقد خرج عن معناه الأصلي، ولم يلاحظ فيه هذا إذ يطلقه عليه من لا
~~يعرف ذلك، فصح جمعه باعتبار المعنى الغالب عليه فتدبر.

# { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } إشارة إلى الكفر
~~والقتل الواقعين سببا لما تقدم، وجازت الإشارة بالمفرد إلى متعدد
~~للتأويل بالمذكور، ونحوه مما هو مفرد لفظا متعدد معنى، وقد يجري مثل ذلك
~~في الضمير حملا عليه، والباء للسببية، وما بعدها سبب للسبب، والمعنى: إن
~~الذي حملهم على الكفر بآيات الله تعالى، وقتلهم الأنبياء إنما هو تقدم
~~عصيانهم واعتدائهم ومجاوزتهم الحدود، والذنب يجر الذنب، وأكد الأول لأنه
~~مظنة الاستبعاد بخلاف مطلق العصيان، وقيل: الباء بمعنى مع؛ وقيل: الإشارة
~~بذلك إلى ما أشير إليه بالأول، وترك العاطف للدلالة/ على أن كل واحد
~~منهما مستقل في استحقاق الضرب فكيف إذا اجتمعا. وضعف هذا الوجه بأن
~~التكرار خلاف الأصل مع فوات معنى لطيف حصل بالأول وسابقه بأنه لا يظهر
~~حينئذ  لإيراد كلمة ذلك  فائدة إذ الظاهر { بما عصوا } الخ ويفوت
~~أيضا ما يفوت.

# وحظ العارف من هذه الآيات الاعتبار بحال هؤلاء الذين لم يرضوا بالقضاء
~~ولم يشكروا على النعماء ولم يصبروا على البلواء كيف ضرب عليهم ذل الطغيان
~~قبل وجود الأكوان، وقهرهم بلطمة المسكنة في بيداء الخذلان وألبس قلوبهم
~~حب الدنيا وأهبطهم من الدرجة العليا.

# ومن باب الإشارة: الطعام الواحد هو الغذاء الروحاني من الحكمة والمعرفة،
~~وما تنبته الأرض هو الشهوات الخبيثة واللذات الخسيسة والتفكهات الباردة
~~الناشئة من أرض النفوس المبتذلة في مصر البدن الموجبة للذلة لمن ذاقها
~~والمسكنة لمن لاكها والهلاك لمن ابتلعها، وسبب طلب ذلك الاحتجاب عن آيات
~~الله تعالى وتجلياته وتسويد القلوب بدرن الذنوب، وقطع وريدها بقطع
~~واردها، والذي يجر إلى هذا الغفلة عن المحبوب، والاعتياض بالأغيار عن ذلك
~~المطلوب نسأل الله تعالى لنا ولكم العافية.

### || [2.62]

# { إن ms00438 الذين ءامنوا } لما انجر الكلام إلى ذكر وعيد أهل الكتاب
~~قرن به ما يتضمن الوعد جريا على عادته سبحانه من ذكر الترغيب والترهيب
~~وبهذا يتضح وجه توسيط هذه الآية وما قبلها بين تعداد النعم، وفي المراد
~~ب { الذين كفروا } هنا أقوال، والمروي عن سفيان الثوري أنهم
~~المؤمنون بألسنتهم، وهم المنافقون بدليل انتظامهم في سلك الكفرة والتعبير
~~عنهم بذلك دون عنوان النفاق للتصريح بأن تلك المرتبة وإن عبر عنها
~~بالإيمان لا تجديهم نفعا ولا تنقذهم من ورطة الكفر قطعا، وعن السدي
~~أنهم الحنيفيون ممن لم يلحق الرسول صلى الله عليه وسلم  كزيد بن عمرو بن
~~نفيل وقس بن ساعدة وورقة بن نوفل  ومن لحقه  كأبي ذر وبحيرى  ووفد
~~النجاشي الذين كانوا ينتظرون البعثة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~أنهم المؤمنون بعيسى قبل أن يبعث الرسول صلى الله عليه وسلم، وروى السدي
~~عن أشياخه أنهم المؤمنون بموسى إلى أن جاء عيسى عليهما السلام فآمنوا به،
~~وقيل: إنهم أصحاب سلمان الذين قص حديثهم على رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فقال له:

# " هم في النار "

# فأظلمت الأرض عليه كما روى مجاهد عنه فنزلت عند ذلك الآية إلى: {
~~يحزنون } قال سلمان: فكأنما كشف عني جبل، وقيل: إنهم المتدينون بدين
~~محمد صلى الله عليه وسلم مخلصين أو منافقين  واختاره القاضي  وكأن سبب
~~الاختلاف قوله تعالى فيما بعد: { من ءامن } الخ فإن ذلك يقتضي أن
~~يكون المراد من أحدهما غير المراد من الآخر وأقل الأقوال مؤنة أولها:

# { والذين هادوا } أي تهودوا يقال: هاد وتهود إذا دخل في
~~اليهودية، و  يهود  إما عربي من هاد إذا تاب سموا بذلك لما تابوا من
~~عبادة العجل، ووجه التخصيص كون توبتهم أشق الأعمال كما مر، وإما معرب
~~يهوذا بذال معجمة وألف مقصورة كأنهم سموا بأكبر أولاد يعقوب عليه السلام،
~~وقرىء { هادوا } بفتح الدال أي مال بعضهم إلى بعض. { والنصرى
~~} جمع نصران بمعنى نصراني، وورد ذلك في كلام العرب وإن أنكره البعض
~~كقوله:

# تراه إذا دار العشي محنفا

# ويضحي ms00439 لديه وهو (نصران) شامس

# ويقال في المؤنث نصران كندمان وندمانة  قال سيبويه  وأنشد:

# كما سجدت نصرانة لم تحنف

# والياء في نصراني عنده للمبالغة كما يقال للأحمر أحمري إشارة إلى أنه
~~عريق في وصفه، وقيل: إنها للفرق بين الواحد والجمع كزنج وزنجي، وروم
~~ورومي، وقيل: النصارى جمع نصرى كمهرى ومهارى حذفت إحدى ياءيه وقلبت
~~الكسرة فتحة للتخفيف فقلبت الياء ألفا وإلى ذلك ذهب الخليل، وهو اسم
~~لأصحاب عيسى عليه السلام، وسموا بذلك لأنهم/ نصروه، أو لنصر بعضهم لبعض،
~~وقيل: إن عيسى عليه السلام ولد في بيت لحم بالقدس ثم سارت به أمه إلى مصر
~~ولما بلغ اثني عشر سنة عادت به إلى الشام وأقامت بقرية ناصرة، وقيل:
~~نصرايا، وقيل: نصرى، وقيل: نصرانة، وقيل: نصران  وعليه الجوهري  فسمي
~~من معه باسمها، أو أخذ لهم اسم منها.

# (والصبئين) هم قوم مدار مذاهبهم على التعصب للروحانيين واتخاذهم
~~وسائط ولما لم يتيسر لهم التقرب إليها بأعيانها والتلقي منها بذواتها
~~فزعت جماعة منهم إلى هياكلها، فصابئة الروم مفزعها السيارات، وصابئة
~~الهند مفزعها الثوابت، وجماعة نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص التي لا تسمع
~~ولا تبصر ولا تغني عن أحد شيئا. فالفرقة الأولى: هم عبدة الكواكب،
~~والثانية: هم عبدة الأصنام وكل من هاتين الفرقتين أصناف شتى مختلفون في
~~الاعتقادات والتعبدات، والإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يقول: إنهم
~~ليسوا بعبدة أوثان وإنما يعظمون النجوم كما تعظم الكعبة، وقيل: هم قوم
~~موحدون يعتقدون تأثير النجوم ويقرون ببعض الأنبياء كيحيى عليه السلام،
~~وقيل: إنهم يقرون بالله تعالى ويقرءون الزبور ويعبدون الملائكة ويصلون
~~إلى الكعبة، وقيل: إلى مهب الجنوب، وقد أخذوا من كل دين شيئا، وفي جواز
~~مناكحتهم وأكل ذبائحهم كلام للفقهاء يطلب في محله، واختلف في اللفظ فقيل
~~غير عربي، وقيل عربي من صبأ  بالهمز  إذا خرج أو من صبا معتلا بمعنى
~~مال لخروجهم عن الدين الحق وميلهم إلى الباطل، وقرأ نافع وحده بالياء
~~وذلك إما على الأصل أو الإبدال للتخفيف.

# { من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا } أي ms00440
~~أحدث من هذه الطوائف إيمانا بالله تعالى وصفاته وأفعاله والنبوات،
~~وبالنشأة الثانية على الوجه اللائق، وأتى  بعمل صالح  حسبما يقتضيه
~~الإيمان بما ذكر، وهذا مبني على أول الأقوال، والقائلون بآخرها منهم من
~~فسر الآية بمن اتصف من أولئك بالإيمان الخالص بالمبدأ والمعاد على
~~الإطلاق سواء كان ذلك بطريق الثبات، والدوام عليه كإيمان المخلصين، أو
~~بطريق إحداثه، وإنشائه كإيمان من عداهم من المنافقين، وسائر الطوائف،
~~وفائدة التعميم للمخلصين مزيد ترغيب الباقين في الإيمان ببيان أن تأخرهم
~~في الاتصاف به غير مخل بكونهم أسوة لأولئك الأقدمين، ومنهم من فسرها بمن
~~كان منهم في دينه قبل أن ينسخ مصدقا بقلبه بالمبدأ والمعاد عاملا
~~بمقتضى شرعه، فيعم الحكم المخلصين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم،
~~والمنافقين الذين تابوا، واليهود والنصارى الذين ماتوا قبل التحريف
~~والنسخ والصابئين الذين ماتوا زمن استقامة أمرهم إن قيل: إن لهم دينا،
~~وكذا يعم اليهود والصابئين الذين آمنوا بعيسى عليه السلام وماتوا في
~~زمنه، وكذا من آمن من هؤلاء الفرق بمحمد صلى الله عليه وسلم.

# وفائدة ذكر { الذين آمنوا } على هذا مع أن الوعيد السابق كان في اليهود
~~لتسكين حمية اليهود بتسوية المؤمنين بهم في أن كون كل في دينه قبل النسخ:
~~يوجب الأجر وبعده: يوجب الحرمان، كما أن ذكر الصابئين للتنبيه على أنهم
~~مع كونهم أبين المذكورين ضلالا يتاب عليهم إذا صح منهم الإيمان والعمل
~~الصالح، فغيرهم بالطريق الأولى وانفهام قبل النسخ من { وعمل
~~صلحا } إذ لا صلاح في العمل بعده، وهذا هو الموافق لسبب النزول لا
~~سيما على رواية أن سلمان رضي الله تعالى عنه ذكر للنبي صلى الله عليه
~~وسلم حسن حال الرهبان الذين صحبهم، فقال:

# " ماتوا وهم في النار "

# فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال عليه الصلاة والسلام:

# " من مات على دين عيسى عليه السلام قبل أن يسمع بي فهو على خير، ومن
~~سمع ولم يؤمن بي فقد هلك "

# والمناسب لعموم اللفظ وعدم صرفه إلى تخصيص { الذين آمنوا
~~والذين هادوا والنصارى } بالكفرة منهم/ وتخصيص { من ms00441
~~ءامن } الخ بالدخول في ملة الإسلام، إلا أنه يرد عليه أنه مستلزم أن
~~يكون للصائبين دين، وقد ذكر غير واحد أنه ليس لهم دين تجوز رعايته في وقت
~~من الأوقات ففي «الملل والنحل» ((أن الصبوة في مقابلة الحنيفية، ولميل
~~هؤلاء عن سنن الحق وزيغهم عن نهج الأنبياء قيل لهم: الصابئة))، ولو سلم
~~أنه كان لهم دين سماوي ثم خرجوا عنه، فمن مضى من أهل ذلك الدين قبل
~~خروجهم منه ليسوا من الصابئين فكيف يمكن إرجاع الضمير الرابط بين اسم
~~(إن) وخبرها إليهم  على القول المشهور  وارتكاب إرجاعه إلى المجموع من
~~حيث هو مجموع قصدا إلى إدراج الفريق المذكور فيهم ضرورة أن من كان من
~~أهل الكتاب عاملا بمقتضى شرعه قبل نسخه من مجموع أولئك الطوائف بحكم
~~اشتماله على اليهود والنصارى وإن لم يكن من الصابئين مما يجب تنزيه ساحة
~~التنزيل عنه؟! على أن فيه بعد ما لا يخفى فتدبر.

# و { من } مبتدأ، وجوزوا فيها أن تكون موصولة والخبر جملة قوله تعالى: {
~~فلهم أجرهم عند ربهم } ودخلت  الفاء  لتضمن المبتدأ
~~معنى الشرط كما في قوله تعالى:

# إن الذين فتنوا

# [البروج: 10] الآية، وأن تكون شرطية  وفي خبرها خلاف  هل الشرط، أو
~~الجزاء، أو هما؟ وجملة { من ءامن } الخ خبر { إن } فإن كانت { من }
~~موصولة  وهو الشائع هنا  احتيج إلى تقدير  منهم  عائدا، وإن كانت
~~شرطية لم يحتج إلى تقديره  إذ العموم يغني عنه  كأنه قيل: هؤلاء وغيرهم
~~إذا آمنوا { فلهم } الخ على ما قالوا في قوله تعالى:

# إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحات إنا لا
~~نضيع أجر من أحسن عملا

# [الكهف: 30] وجوز بعضهم أن تكون { من } بدلا من اسم { إن } وخبرها {
~~فلهم أجرهم } واختار أبو حيان أنها بدل من المعاطيف التي بعد
~~اسم { إن } فيصح إذ ذاك المعنى، وكأنه قيل: إن الذين آمنوا من غير
~~الأصناف الثلاثة، ومن آمن من الأصناف الثلاثة (فلهم) الخ.

# وقد حملت الضمائر الثلاثة باعتبار معنى الموصول، كما أن إفراد ما في
~~الصلة باعتبار لفظه، وفي «البحر» إن هذين ms00442 الحملين لا يتمان إلا بإعراب {
~~من } مبتدأ، وأما على إعرابها بدلا فليس فيها إلا حمل على اللفظ فقط
~~فافهم. ثم المراد من  الأجر  الثواب الذي وعدوه على الإيمان والعمل
~~الصالح، فإضافته إليهم واختصاصه بهم بمجرد الوعد لا بالاستيجاب  كما
~~زعمه الزمخشري رعاية للاعتزال  لكن تسميته  أجرا  لعدم التخلف، ويؤيد
~~ذلك قوله تعالى: { عند ربهم } المشير إلى أنه لا يضيع لأنه عند
~~لطيف حفيظ، وهو متعلق بما تعلق به { لهم } ، ويحتمل أن يكون حالا من
~~{ أجرهم }.

# { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } عطف على جملة {
~~فلهم أجرهم } وقد تقدم الكلام على مثلها في آخر قصة آدم عليه
~~السلام فأغنى عن الإعادة هنا.

### || [2.63]

# { وإذ أخذنا ميثقكم } تذكير بنعمة أخرى، لأنه سبحانه إنما
~~فعل ذلك لمصلحتهم، والظاهر من الميثاق هنا العهد، ولم يقل: مواثيقكم، لأن
~~ما أخذ على كل واحد منهم أخذ على غيره  فكان ميثاقا واحدا  ولعله كان
~~بالانقياد لموسى عليه السلام، واختلف في أنه متى كان؟ فقيل: قبل رفع
~~الطور؛ ثم لما نقضوه رفع فوقهم لظاهر قوله تعالى:

# ورفعنا فوقهم الطور بميثقهم

# [النساء: 154] الخ، وقيل: كان معه { ورفعنا فوقكم الطور }
~~ الواو  للعطف؛ وقيل: للحال، والطور قيل: جبل من الجبال، وهو سرياني
~~معرب، وقيل: الجبل المعين. وعن أبي حاتم عن ابن عباس أن موسى عليه
~~السلام لما جاءهم بالتوراة وما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم وأبوا
~~قبولها فأمر جبريل بقلع الطور فظلله فوقهم حتى قبلوا؛ وكان على قدر
~~عسكرهم  فرسخا في فرسخ  ورفع فوقهم قدر قامة الرجل، واستشكل بأن هذا
~~يجري مجرى الإلجاء/ إلى الإيمان فينافي التكليف، وأجاب الإمام بأنه لا
~~إلجاء لأن الأكثر فيه خوف السقوط عليهم، فإذا استمر في مكانه مدة  وقد
~~شاهدوا السموات مرفوعة بلا عماد  جاز أن يزول عنهم الخوف فيزول الإلجاء
~~ويبقى التكليف، وقال العلامة: كأنه حصل لهم بعد هذا الإلجاء قبول
~~اختياري، أو كان يكفي في الأمم السالفة مثل هذا الإيمان  وفيه كما قال
~~السيالكوتي  إن الكلام في أنه كيف يصح التكليف ب { خذوا ms00443 } الخ مع
~~القسر، وقد تقرر أن مبناه على الاختيار  فالحق أنه إكراه  لأنه حمل
~~الغير على أن يفعل ما لا يرضاه ولا يختاره  لو خلي ونفسه  فيكون معدما
~~للرضا لا للاختيار إذ الفعل يصدر باختياره كما فصل في الأصول، وهذا
~~كالمحاربة مع الكفار، وأما قوله:

# لا إكراه فى الدين

# [البقرة: 256] وقوله سبحانه:

# أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين

# [يونس: 99] فقد كان قبل الأمر بالقتال ثم نسخ به.

# { خذوا ما ءاتينكم بقوة } هو على إضمار القول أي قلنا أو
~~قائلين خذوا وقال بعض الكوفيين: لا يحتاج إلى إضماره لأن أخذ الميثاق
~~قول، والمعنى: وإذ أخذنا ميثاقكم بأن تأخذوا ما آتيناكم،  وليس بشيء 
~~والمراد هنا  بالقوة  الجد والاجتهاد  كما قاله ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما، ويؤول إلى عدم التكاسل والتغافل، فحينئذ لا تصلح الآية
~~دليلا لمن ادعى أن الاستطاعة قبل الفعل إذ لا يقال: خذ هذا بقوة، إلا
~~والقوة حاصلة فيه لأن القوة بهذا المعنى لا تنكر صحة تقدمها على الفعل. {
~~واذكروا ما فيه } أي ادرسوه واخفظوه ولا تنسوه، أو تدبروا معناه،
~~أو اعلموا بما فيه من الأحكام، فالذكر يحتاج أن يراد به الذكر اللساني
~~والقلبي والأعم منهما وما يكون كاللازم لهما، والمقصود منهما أعني
~~العمل.

# { لعلكم تتقون } قد تقدم الكلام على الترجي في كلامه تعالى،
~~وقد ذكر ههنا أن كلمة  لعل  متعلقة  بخذوا، واذكروا  إما مجاز يؤول
~~معناه بعد الاستعارة إلى تعليل ذي الغاية بغايته أو حقيقة لرجاء المخاطب؛
~~والمعنى: خذوا واذكروا راجين أن تكونوا متقين ويرجح المعنى المجازي أنه
~~لا معنى لرجائهم فيما يشق عليهم أعنى التقوى، اللهم إلا باعتبار تكلف
~~أنهم سمعوا مناقب المتقين ودرجاتهم فلذا كانوا راجين للانخراط في سلكهم،
~~وجوز المعتزلة كونها متعلقة  بقلنا  المقدر وأولوا الترجي بالإرادة أي:
~~قلنا و  اذكروا  إرادة أن تتقوا، وهو مبني على أصلهم الفاسد من أن
~~إرادة الله تعالى لأفعال العباد غير موجبة للصدور لكونها عبارة عن العلم
~~بالمصلحة، وجوز العلامة تعلقها إذا أول الترجي بالإرادة  بخذوا  أيضا
~~على أن ms00444 يكون قيدا للطلب لا للمطلوب، وجوز الشهاب أن يتعلق بالقول على
~~تأويله بالطلب والتخلف فيه جائز، وفيه أن القول المذكور وهو { خذوا
~~ما ءاتينكم } بعينه طلب التقوى فلا يصح أن يقال  خذوا ما آتيناكم
~~ طالبا منكم التقوى إلا بنوع تكلف فافهم.

### || [2.64]

# { ثم توليتم من بعد ذلك } أي أعرضتم عن الوفاء بالميثاق
~~بعد أخذه وخالفتم، وأصل التولي الإعراض المحسوس ثم استعمل في الإعراض
~~المعنوي كعدم القبول، ويفهم من الآية أنهم امتثلوا الأمر ثم تركوه.

# { فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من
~~الخسرين } الفضل التوفيق للتوبة والرحمة قبولها، أو الفضل والرحمة
~~بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإدراكهم لمدته، فالخطاب على الأول
~~جار على سنن الخطابات السابقة مجازا باعتبار الأسلاف وعلى الثاني جار
~~على الحقيقة، والخسران ذهاب رأس المال أو نقصه، والمراد لكنتم مغبونين
~~هالكين بالإنهماك في المعاصي، أو بالخبط في مهاوي الضلال عند الفترة،
~~وكلمة  لولا  إما بسيطة أو مركبة من لو الامتناعية/ وتقدم الكلام
~~عليها، وحرف النفي  والاسم الواقع بعدها عند سيبويه  مبتدأ خبره محذوف
~~وجوبا لدلالة الحال عليه وسد الجواب مسده، والتقدير  ولولا فضل الله
~~ورحمته  حاصلان، ولا يجوز أن يكون الجواب خبرا لكونه في الأغلب خاليا
~~عن العائد إلى المبتدأ، وعند الكوفيين فاعل فعل محذوف أي لولا ثبت فضل
~~الله تعالى الخ، و { لكنتم } جواب  لولا  ويكثر دخول اللام على
~~الجواب إذا كان موجبا، وقيل: إنه لازم إلا في الضرورة كقوله:

# لولا الحياء ولولا الدين (عبتكما)

# ببعض ما فيكما إذ عبتما عورى

# وجاء في كلامهم بعد اللام قد، كقوله:

# لولا الأمير ولولا خوف طاعته

# (لقد) شربت وما أحلى من العسل

# وقد جاء أيضا حذف اللام وإبقاء قد نحو  لولا زيد قد أكرمتك  ولم يجيء
~~في القرآن مثبتا إلا باللام إلا فيما زعم بعضهم أن قوله تعالى:

# وهم بها

# [يوسف: 24] جواب { لولا } قدم عليها.

# هذا ومن باب الإشارة والتأويل في الآية: { وإذ أخذنا
~~ميثقكم } المأخوذ بدلائل العقل بتوحيد الأفعال  والصفات {
~~ورفعنا فوقكم } طور  الدماغ للتمكن من فهم ms00445 المعاني وقبولها،
~~أو أشار سبحانه  بالطور  إلى موسى القلب، وبرفعه إلى علوه واستيلائه في
~~جو الإرشاد وقلنا { خذوا } أي اقبلوا

# ما ءاتينكم

# [البقرة: 63] من كتاب العقل الفرقاني بجد، وعوا ما فيه من الحكم
~~والمعارف والعلوم والشرائع لكي تتقوا الشرك والجهل والفسق ثم أعرضتم
~~باقبالكم إلى الجهة السفلية بعد ذلك فلولا حكمة الله تعالى بإمهاله وحكمه
~~بإفضاله لعاجلتكم العقوبة ولحل بكم عظيم المصيبة.

# إلى الله يدعى بالبراهين من أبى

# فإن لم يجب نادته بيض الصوارم

### || [2.65]

# { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت }
~~اللام واقعة في جواب قسم مقدر، و  علم  عنا كعرف فلذلك تعدت إلى
~~واحد، وظاهر هذا أنهم علموا أعيان المعتدين، وقدر بعضهم مضافا أي اعتداء
~~الذين، وقيل: أحكامهم، و { منكم } في موضع الحال، و (السبت) اسم لليوم
~~المعروف وهو مأخوذ من السبت الذي هو القطع لأنه سبت فيه خلق كل شيء
~~وعمله، وقيل: من السبات وهو الراحة والدعة. والمراد به هنا اليوم والكلام
~~على حذف مضاف أي في حكم السبت لأن الاعتداء والتجاوز لم يقع في اليوم بل
~~وقع في حكمه بناء على ما حكي أن موسى عليه السلام أراد أن يجعل يوما
~~خالصا للطاعة وهو يوم الجمعة فخالفوه وقالوا: نجعله يوم السبت لأن الله
~~تعالى لم يخلق فيه شيئا فأوحى الله تعالى إليه أن دعهم وما اختاروا ثم
~~امتحنهم فيه فأمرهم بترك العمل وحرم عليهم فيه صيد الحيتان فلما كان زمن
~~داود عليه السلام  اعتدوا  وذلك أنهم كانوا يسكنون قرية على الساحل
~~يقال لها أيلة. وإذا كان يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلا برز هناك
~~وأخرج خرطومه وإذا مضى تفرقت فحفروا حياضا وأشرعوا إليها الجداول وكانت
~~الحيتان تدخلها يوم السبت بالموج فلا تقدر على الخروج لبعد العمق وقلة
~~الماء فيصطادونها يوم الأحد، وروي أنهم فعلوا ذلك زمانا فلم ينزل عليهم
~~عقوبة فاستبشروا وقالوا: قد أحل لنا العمل في السبت فاصطادوا فيه علانية
~~وباعوا في الأسواق، وعلى هذا يصح جعل اليوم ظرفا للاعتداء، ولا يحتاج
~~إلى ms00446 تقدير مضاف، وقيل: المراد بالسبت هنا مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم
~~السبت وليس بمعنى اليوم فحينئذ لا حاجة إلى تقدير مضاف إذ يؤول المعنى
~~إلى أنهم اعتدوا في التعظيم وهتكوا الحرمة الواجبة عليهم. وقد ذكر بعضهم
~~أن تسمية العرب للأيام بهذه الأسماء المشهورة حدثت بعد عيسى عليه السلام
~~وأن أسماءها قبل غير ذلك وهي التي في قوله:

# / أؤمل أن أعيش وأن يومي

# بأول أو بأهون أو جبار

# أو التالي دبار فإن أفته

# فمونس أو عروبة أو شبار

# واستدل بهذه الآية على تحريم الحيل في الأمور التي لم تشرع كالربا 
~~وإلى ذلك ذهب الإمام مالك  فلا تجوز عنده بحال، قال الكواشي: وجوزها
~~أكثرهم ما لم يكن فيها إبطال حق أو إحقاق باطل، وأجابوا عن التمسك بالآية
~~بأنها ليست حيلة وإنما هي عين المنهي عنه لأنهم إنما نهوا عن أخذها ولا
~~يخفى ما في هذا الجواب، وتحقيقه في «كتب الفقه».

# { فقلنا لهم كونوا قردة خسئين } القردة جمع قرد وهو
~~معروف ويجمع فعل الاسم قياسا على فعول، وقليلا على فعلة، والخسوء
~~الصغار والذلة ويكون متعديا ولازما، ومنه قولهم للكلب: اخسأ وقيل:
~~الخسوء والخساء مصدر خسأ الكلب بعد، وبعضهم ذكر الطرد عند تفسير
~~الخسوء كالإبعاد؛ فقيل: هو لاستيفاء معناه لا لبيان المراد، وإلا لكان
~~الخاسىء بمعنى الطارد، والتحقيق أنه معتبر في المفهوم إلا أنه بالمعنى
~~المبني للمفعول، وكذلك الإبعاد فالخاسىء الصاغر المبعد المطرود، وظاهر
~~القرآن أنهم مسخوا قردة على الحقيقة، وعلى ذلك جمهور المفسرين  وهو
~~الصحيح  وذكر غير واحد منهم أنهم بعد أن مسخوا لم يأكلوا ولم يشربوا ولم
~~يتناسلوا ولم يعيشوا أكثر من ثلاثة أيام، وزعم مقاتل أنهم عاشوا سبعة
~~أيام وماتوا في اليوم الثامن، واختار أبو بكر بن العربي أنهم عاشوا 
~~وأن القردة الموجودين اليوم من نسلهم  ويرده ما رواه مسلم عن ابن مسعود
~~رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمن سأله عن
~~القردة والخنازير أهي مما مسخ؟

# " إن الله تعالى لم يهلك قوما أو ms00447 يعذب قوما فيجعل لهم نسلا وإن
~~القردة والخنازير كانوا قبل ذلك "

# وروى ابن جرير عن مجاهد «أنه ما مسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم فلا تقبل
~~وعظا ولا تعي زجرا» فيكون المقصود من الآية تشبيههم بالقردة كقوله:

# إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى

# فكن (حجرا) من يابس الصخر جلمدا

# و { كونوا } على الأول: ليس بأمر حقيقة، لأن صيرورتهم ما ذكر ليس فيه
~~تكسب لهم لأنهم ليسوا قادرين على قلب أعيانهم، بل المراد منه سرعة
~~التكوين وأنهم صاروا كذلك كما أراد من غير امتناع ولا لبث.

# وعلى الثاني: يكون الأمر مجازا عن التخلية والترك والخذلان  كما في
~~قوله صلى الله عليه وسلم:

# " اصنع ما شئت "

# وقد قرره العلامة في تفسير قوله تعالى:

# ليكفروا بما ءاتينهم وليتمتعوا

# [العنكبوت: 66] والمنصوبان خبران للفعل الناقص، ويجوز أن يكون (خاسئين)
~~حالا من الاسم، ويجوز أن يكون صفة لقردة والمراد وصفهم بالصغار عند الله
~~تعالى دفعا لتوهم أن يجعل مسخهم وتعجيل عذابهم في الدنيا لدفع ذنوبهم
~~ورفع درجاتهم.

# واعترض أنه لو كان صفة لها لوجب أن يقول: خاسئة لامتناع الجمع  بالواو
~~ والنون في غير ذوي العلم، وأجيب بأن ذلك على تشبيههم بالعقلاء كما في

# سجدين

# [الأعراف: 120] أو باعتبار أنهم كانوا عقلاء، أو بأن المسخ إنما كان
~~بتبدل الصورة فقط، وحقيقتهم سالمة على ما روي أن الواحد منهم كان يأتيه
~~الشخص من أقاربه الذين نهوهم، فيقول له: ألم أنهك؟ فيقول: بلى ثم تسيل
~~دموعه على خده  ولم يتعرض في الآية بمسخ شيء منهم خنازير  وروى عن
~~قتادة أن الشباب صاروا قردة والشيوخ صاروا  خنازير  وما نجا إلا الذين
~~نهوا، وهلك سائرهم، وقرىء { قردة }  بفتح القاف وكسر الراء  و { خاسين
~~} بغير همز.

### || [2.66]

# { فجعلنها نكلا } أي كينونتهم/ وصيرورتهم قردة أو المسخة
~~أو العقوبة، أو الآية المدلول عليها بقوله تعالى:

# ولقد علمتم

# [البقرة: 65] وقيل: الضمير للقرية، وقيل: للحيتان  والنكال  واحد 
~~الأنكال  وهي القيود  ونكل به  فعل به ما يعتبر به غيره، فيمتنع عن
~~مثله { لما بين يديها وما خلفها ms00448 } أي لمعاصريهم ومن خلفهم
~~ وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وغيره  وروي عنه أيضا
~~(لما) بحضرتها من القرى  أي أهلها وما تباعد هنها  أو للآتين والماضين
~~ وهو المختار عند جماعة  فكل من ظرفي المكان مستعار للزمان، و (ما)
~~أقيمت مقام  من  إما تحقيرا لهم في مقام العظمة والكبرياء  أو
~~لاعتبار الوصف  فإن ما يعبر بها عن العقلاء تعظيما  إذا أريد الوصف 
~~كقوله: «سبحان ما سخركن» وصحح كونها نكالا للماضين أنها ذكرت في زبر
~~الأولين  فاعتبروا بها  وصحت  الفاء  لأن جعل ذلك (نكالا) للفريقين
~~إنما يتحقق بعد القول والمسخ، أو لأن  الفاء  إنما تدل على ترتب جعل
~~العقوبة (نكالا) على القول وتسببه عنه  سواء كان على نفسه أو على
~~الإخبار به  فلا ينافي حصول الاعتبار قبل وقوع هذه الواقعة بسبب سماع
~~هذه القصة، وقيل:  اللام  لام الأجل و (ما) على حقيقتها  والنكال 
~~بمعنى العقوبة لا  العبرة  والمراد بما { بين يديها } ما تقدم
~~من سائر الذنوب قبل أخذ السمك، وب { ما خلفها } ما بعدها، والقول
~~بأن المراد جعلنا المسخ عقوبة لأجل ذنوبهم المتقدمة على المسخة والمتأخرة
~~عنها يستدعي بقاءهم مكلفين بعد المسخ ولا يظهر ذلك إلا على قول مجاهد،
~~وحمل الذنوب التي بعد المسخة  على السيآت الباقية آثارها  ليس بشيء كما
~~لا يخفى، وقول أبي العالية  إن المراد ب { ما بين يديها } ما
~~مضى من الذنوب، وب { ما خلفها } من يأتي بعد، والمعنى فجعلناها
~~عقوبة لما مضى من ذنوبهم؛ وعبرة لمن بعدهم  منحط من القول جدا لمزيد ما
~~فيه من تفكيك النظم والتكلف.

# { وموعظة للمتقين } الموعظة ما يذكر مما يلين القلب 
~~ثوابا كان أو عقابا  والمراد بالمتقين ما يعم كل متق من كل أمة 
~~وإليه ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  وقيل: من أمة محمد صلى الله
~~عليه وسلم، وقيل: منهم، ويحتمل أنهم اتعظوا بذلك وخافوا عن ارتكاب خلاف
~~ما أمروا به، ويحتمل أنهم وعظ بعضهم بعضا بهذه الواقعة.

# وحظ العارف من هذه القصة أن يعرف أن الله ms00449 سبحانه وتعالى خلق الناس
~~لعبادته وجعلهم بحيث لو أهملوا وتركوا وخلوا بينهم وبين طباعهم لتوغلوا
~~وانهمكوا في اللذات الجسمانية والغواشي الظلمانية لضروراتهم لهم
~~واعتيادهم من الطفولية عليها.

# والنفس كالطفل إن تهمله شب على

# حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

# فوضع الله تعالى العبادات، وفرض عليهم تكرارها في الأوقات المعينة ليزول
~~عنهم بها درن الطباع المتراكم في أوقات الغفلات وظلمة الشواغل العارضة في
~~أزمنة ارتكاب الشهوات، وجعل يوما من أيام الأسبوع مخصوصا للاجتماع على
~~العبادة وإزالة وحشة التفرقة ودفع ظلمة الاشتغال بالأمور الدنيوية، فوضع
~~السبت لليهود لأن عالم الحس الذي إليه دعوة اليهود هو آخر العوالم والسبت
~~آخر الأسبوع، والأحد للنصارى لأن عالم العقل الذي إليه دعوتهم أول
~~العوالم، ويوم الأحد أول الأسبوع، والجمعة للمسلمين لأنه يوم الجمع، 
~~والختم  فهو أوفق بهم وأليق بحالهم  فمن لم يراع هذه الأوضاع
~~والمراقبات أصلا  زال نور استعداده، وطفىء مصباح فؤاده، ومسخ كما مسخ
~~أصحاب السبت، ومن غلب عليه وصف من أوصاف الحيوانات ورسخ فيه بحيث أزال
~~استعداده، وتمكن في طباعه، وصار صورة ذاتية له كالماء الذي منبعه معدن
~~الكبريت مثلا أطلق عليه اسم/ ذلك الحيوان حتى كأن صار طباعه طباعه، ونفسه
~~نفسه، فليجهد المرء على حفظ إنسانيته، وتدبير صحته بشراب الأدوية الشرعية
~~والمعاجين الحكمية، وليحث نفسه بالمواعظ الوعدية والوعيدية:

# هي النفس إن تهمل تلازم خساسة

# وإن تنبعث نحو الفضائل تلهج

### || [2.67]

# { وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن
~~تذبحوا بقرة } بيان نوع من مساويهم من غير تعديد النعم وصح
~~العطف لأن ذكر النعم سابقا كان مشتملا على ذكر المساوي أيضا من
~~المخالفة للأنبياء والتكذيب لهم وغير ذلك، وقد يقال: هو على نمط ما تقدم،
~~لأن الذبح نعمة دنيوية لرفعة التشاجر بين الفريقين، وأخروية لكونه معجزة
~~لموسى عليه السلام. وكأن مولانا الإمام الرازي خفي عليه ذلك فقال: إنه
~~تعالى لما عدد وجوه إنعامه عليهم أولا ختم ذلك بشرح بعض ما وجه إليهم من
~~التشديدات، وجعل النوع الثاني ما أشارت إليه هذه الآية  وليس بالبعيد .

# وأول ms00450 القصة: قوله تعالى:

# وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها

# [البقرة: 72] الخ، وكان الظاهر أن يقال  قال موسى إذ قتل قتيل تنوزع في
~~قاتله  إن الله يأمر بذبح بقرة هي كذا وكذا، وأن يضرب ببعضها ذلك القتيل
~~ويخبر بقاتله فيكون كيت وكيت إلا أنه فك بعضها وقدم لاستقلاله بنوع من
~~مساويهم التي قصد نعيها عليهم، وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في
~~السؤال، وترك المصارعة إلى الامتثال، ولو أجري على النظم لكانت قصة
~~واحدة، ولذهبت تثنية التقريع، وقد وقع في النظم من فك التركيب والترتيب
~~ما يضاهيه في بعض القصص، وهو من المقلوب المقبول لتضمنه نكتا وفوائد،
~~وقيل: إنه يجوز أن يكون ترتيب نزولها على موسى عليه السلام على حسب
~~تلاوتها بأن يأمرهم الله تعالى  بذبح البقرة  ثم يقع القتل فيؤمروا
~~بضرب بعضها  لكن المشهور خلافه  والقصة أنه عمد أخوان من بني إسرائيل
~~إلى ابن عم لهما  أخي أبيهما  فقتلاه ليرثا ماله وطرحاه على باب محلهم
~~ثم جاءا يطلبان بدمه فأمر الله تعالى بذبح بقرة وضربه ببعضها ليحيا،
~~ويخبر بقاتله، وقيل: كان القاتل أخا القتيل، وقيل: ابن أخيه ولا وارث له
~~غيره فلما طال عليه عمره قتله ليرثه، وقيل: إنه كان  تحت رجل يقال له
~~عاميل  بنت عم لا مثل لها في بني إسرائيل في الحسن والجمال فقتله ذو
~~قرابة له لينكحها فكان ما كان، وقرأ الجمهور (يأمركم) بضم الراء، وعن
~~أبي عمرو السكون والاختلاس  وإبدال الهمزة ألفا، و { أن تذبحوا
~~} من موضع المفعول الثاني ليأمر، وهو على إسقاط حرف الجر  أي بأن
~~تذبحوا.

# { قالوا أتتخذنا هزوا } استئناف وقع جوابا عما ينساق إليه
~~الكلام كأنه قيل: فماذا صنعوا هل سارعوا إلى الإمتثال أم لا؟ فأجيب بذلك،
~~والاتخاذ كالتصيير، والجعل يتعدى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، و {
~~هزوا } مفعوله الثاني ولكونه مصدرا لا يصلح أن يكون مفعولا ثانيا
~~لأنه خبر المبتدأ في الحقيقة وهو اسم ذات هنا فيقدر مضاف  كمكان، أو أهل
~~ أو يجعل بمعنى المهزوء به كقوله تعالى:

# أحل لكم صيد البحر

# [المائدة: 96] أي ms00451 مصيده أو يجعل الذات نفس المعنى مبالغة كرجل عدل، وقد
~~قالوا ذلك إما بعد أن أمرهم موسى عليه السلام بذبح بقرة دون ذكر الإحياء
~~بضربها، وإما بعد أن أمرهم وذكر لهم استبعادا لما قاله واستخفافا به
~~كما يدل عليه الاستفهام إذ المعنى أتسخر بنا فإن جوابك لا يطابق سؤالنا
~~ولا يليق، وأين ما نحن فيه مما أنت آمر به، ولا يأبى ذلك انقيادهم له
~~لأنه بعد العلم بأنه جد وعزيمة، ومن هنا قال بعضهم: إن إجابتهم نبيهم 
~~حين أخبرهم عن أمر الله تعالى بأن يذبحوا بقرة بذلك  دليل على سوء
~~اعتقادهم بنبيهم وتكذيبهم له/ إذ لو علموا أن ذلك إخبار صحيح عن الله
~~تعالى لما استفهموا هذا الاستفهام، ولا كانوا أجابوا هذا الجواب، فهم قد
~~كفروا بموسى عليه السلام. ومن الناس من قال: كانوا مؤمنين مصدقين ولكن
~~جرى هذا على نحو ما هم عليه من غلظ الطبع والجفاء والمعصية، والعذر لهم
~~أنهم لما طلبوا من موسى عليه السلام تعيين القاتل فقال ما قال ورأوا ما
~~بين السؤال والجواب توهموا أنه عليه السلام داعبهم، أو ظنوا أن ذلك يجري
~~مجرى الاستهزاء، فأجابوا بما أجابوا، وقيل: استفهموا على سبيل الاسترشاد
~~ لا على وجه الانكار والعناد  وقرأ عاصم وابن محيصن { يتخذنا } 
~~بالياء  على أن الضمير لله تعالى. وقرأ حمزة وإسمعيل عن نافع { هزأ }
~~بالإسكان، وحفص عن عاصم  بالضم وقلب الهمزة واوا ، والباقون  بالضم
~~والهمزة  والكل لغات فيه.

# { قال أعوذ بالله أن أكون من الجهلين } أي من أن
~~أعد في عدادهم، ((و  الجهل  كما قال الراغب  له معان، عدم العلم،
~~واعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه، وفعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل  سواء
~~اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أو فاسدا))  وهذا الأخير هو المراد هنا، وقد
~~نفاه عليه السلام عن نفسه قصدا إلى نفي ملزومه الذي رمي به  وهو
~~الاستهزاء على طريق الكناية  وأخرج ذلك في صورة الاستعارة استفظاعا له،
~~إذ  الهزء  في مقام الإرشاد كاد يكون كفرا وما يجري مجراه، ووقوعه في
~~مقام ms00452 الاحتقار والتهكم مثل:

# فبشرهم بعذاب أليم

# [آل عمران: 21] سائغ شائع  وفرق بين المقامين  وذكر بعضهم أن
~~الاستعاذة بالله تعالى من ذلك من باب الأدب والتواضع معه سبحانه كما في
~~قوله تعالى:

# وقل رب أعوذ بك من همزات الشيطين

# [المؤمنون: 97] لأن الأنبياء معصومون عن مثل ذلك، والأول أولى  وهو
~~المعروف من إيراد الاستعاذة في أثناء الكلام  والفرق بين  الهزء والمزح
~~ ظاهر فلا ينافي وقوعه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحيانا كما لا
~~يخفى.

### || [2.68]

# { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى } أي سل
~~لأجلنا ربك  الذي عودك ما عودك  يظهر لنا ما حالها وصفتها، فالسؤال
~~في الحقيقة عن الصفة، لأن الماهية ومسمى الاسم معلومان  ولا ثالث لهما 
~~لتستعمل { ما } فيه، أما إذا أريد بقرة معينة فظاهر لأنه استفسار لبيان
~~المجمل  وإلا فلمكان التعجب  وتوهم أن مثل هذه البقرة لا تكون إلا
~~معينة، والجواب على الأول: بيان. وعلى الثاني: نسخ وتشديد، وهكذا الحال
~~فيما سيأتي من السؤال والجواب. وكان مقتضى الظاهر على الأول: أي لأنها
~~للسؤال عن المميز وصفا كان أو ذاتيا. وعلى الثاني: كيف؟ لأنها موضوعة
~~للسؤال عن الحال، و { ما } وإن سئل بها عن الوصف لكنه على سبيل الندور،
~~وهو إما مجاز أو اشتراك  كما صرح به في «المفتاح»  والغالب السؤال بها
~~عن الجنس، فإن أجريت هنا على الاستعمال الغالب نزل مجهول الصفة لكونه على
~~صفة لم يوجد عليها جنسه  وهو إحياء الميت بضرب بعضه  منزلة مجهول
~~الحقيقة فيكون سؤالا عن الجنس تنزيلا، وعن الصفة حقيقة. وإن أجريت على
~~النادر لم يحتج إلى التنزيل المذكور، والقول إنه يمكن أن يجعل { ما هى
~~} على حذف مضاف  أي ما حالها؟  فيكون سؤالا عن نوع حال تفرع عليه هذه
~~الخاصية  على بعده  خال عن اللطافة اللائقة بشأن الكتاب العزيز. و {
~~ما } استفهامية خبر مقدم ل { هى } والجملة في موضع نصب بيبين لأنه
~~معلق عنها، وجاز فيه ذلك لشبهه بأفعال القلوب، والمعنى: يبين لنا جواب
~~هذا السؤال.

# { قال إنه يقول إنها بقرة لا ms00453 فارض ولا بكر }
~~الفارض اسم للمسنة التي انقطعت ولادتها من الكبر، والفعل  فرضت  بفتح
~~الراء وضمها  ويقال لكل ما قدم/ وطال أمره فارض ومنه قوله:

# يا رب ذي ضعن علي (فارض)

# له قروء كقروء الحائض

# وكأن المسنة سميت  فارضا  لأنها  فرضت  سنها أي قطعتها وبلغت آخرها،
~~و  البكر اسم للصغيرة، وزاد بعضهم  التي لم تلد من الصغر  وقال ابن
~~قتيبة: هي التي ولدت ولدا واحدا، والبكر من النساء التي لم يمسها
~~الرجال، وقيل: هي التي لم تحمل، والبكر من الأولاد الأول، ومن الحاجات
~~الأولى  والبكر  بفتح الباء  الفتي من الإبل، والأنثى  بكرة  وأصله
~~من التقدم في الزمان، ومنه  البكرة والباكورة  والاسمان صفة بقرة ولم
~~يؤت  بالتاء  لأنهما اسمان لما ذكر، واعترضت { لا } بين الصفة والموصوف
~~وكررت لوجوب تكريرها مع الخبر والنعت والحال إلا في الضرورة خلافا
~~للمبرد وابن كيسان كقوله:

# قهرت العدا (لا مستعينا) بعصبة

# ولكن بأنواع الخدائع والمكر

# ومن جعل ذلك من الوصف بالجمل فقدر مبتدأ أي لا هي فارض ولا بكر فقد
~~أبعد، إذ الأصل الوصف بالمفرد، والأصل أيضا أن لا حذف، وذكر (يقول)
~~للإشارة إلى أنه من عند الله تعالى لا من عند نفسه.

# { عوان بين ذلك } أي متوسطة السن، وقيل: هي التي ولدت بطنا أو
~~بطنين، وقيل: مرة بعد مرة ويجمع على فعل كقوله:

# طوال مثل أعناق الهوادي

# نواعم بين أبكار (وعون)

# ويجوز ضم عين الكلمة في الشعر، وفائدة هذا بعد { لا فارض ولا
~~بكر } نفي أن تكون عجلا أو جنينا، وأراد من ذلك ما ذكر من الوصفين
~~السابقين وبهذا صح الإفراد وإضافة (بين) إليه فإنه لا يضاف إلا إلى متعدد
~~وكون الكلام مما حذف منه المعطوف لدلالة المعنى عليه والتقدير عوان بين
~~ذلك وهذا أي  الفارض والبكر  فيكون نظير قوله:

# فما كان بين الخير لو جاء سالما

# أبو حجر (إلا ليال) قلائل

# حيث أراد بين الخير وباغيه تكلف مستغنى عنه بما ذكر. واختار السجاوندي
~~أن المراد في وسط زمان الصلاح للعوان واعتداله تقول: سافرت إلى ms00454 الروم
~~وطفت بين ذلك، فالمشار إليه عوان وارتضاه بعض المحققين مدعيا أنه أولى
~~لئلا يفوت معنى بين ذلك لأن أهل اللغة قالوا: بقرة عوان (لا فارض ولا
~~بكر) وعلى الشائع ربما يحتاج الأمر إلى تجريد كما لا يخفى، ثم إن عود
~~الضمائر المذكورة في السؤال والجواب وإجراء تلك الصفات على بقرة يدل على
~~أن المراد بها معينة لأن الأول: يدل على أن الكلام في البقرة المأمور
~~بذبحها، والثاني: يفيد أن المقصد تعيينها وإزالة إبهامها بتلك الصفات كما
~~هو شأن الصفة لا أنها تكاليف متغايرة بخلاف ما إذا ذكر تلك الصفات بدون
~~الإجراء، وقيل: إنها لا فارض ولا بكر فإنه يحتمل أن يكون المقصود منه
~~تبديل الحكم السابق.

# والقول:  بأنهم لما تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا ظنوها
~~معينة خارجة عما عليه الجنس فسألوا عن حالها وصفتها فوقعت الضمائر لمعينة
~~باعتقادهم فعينت تشديدا عليهم وإن لم يكن المراد منها أول الأمر معينة 
~~ليس بشيء لأنه حينئذ لم تكن الضمائر عائدة إلى ما أمروا بذبحها بل ما
~~اعتقدوها، والظاهر خلافه واللازم على هذا تأخير البيان عن وقت الخطاب
~~وليس بممتنع والممتنع تأخيره عن وقت الحاجة إلا عند من يجوز/ التكليف
~~بالمحال وليس بلازم إذ لا دليل على أن الأمر هنا للفور حتى يتوهم ذلك ومن
~~الناس من أنكروا ذلك وادعوا أن المراد بها بقرة من نوع البقر بلا تعيين
~~وكان يحصل الامتثال لو ذبحوا أي بقرة كانت إلا أنها انقلبت مخصوصة
~~بسؤالهم  وإليه ذهب جماعة من أهل التفسير  وتمسكوا بظاهر اللفظ فإنه
~~مطلق فيترك على إطلاقه مع ما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما موقوفا لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لأجزأتهم ولكن شددوا
~~على أنفسهم فشدد الله تعالى عليهم، وأخرجه سعيد بن منصور في «سننه» عن
~~عكرمة مرفوعا مرسلا وبأنه لو كانت معينة لما عنفهم على التمادي وزجرهم
~~عن المراجعة إلى السؤال، واللازم حينئذ النسخ قبل الفعل بناءا على مذهب
~~من يقول الزيادة على ms00455 الكتاب نسخ كجماهير الحنفية القائلين بأن الأمر
~~المطلق يتضمن التخيير وهو حكم شرعي والتقييد يرفعه وهو جائز بل واقع كما
~~في حديث فرض الصلاة ليلة المعراج، والممتنع النسخ قبل التمكن من الاعتقاد
~~بالاتفاق لأنه بداء وقبل التمكن من الفعل عند المعتزلة وليس بلازم  على
~~ما قيل  على أنه قيل: يمكن أن يقال: ليس ذلك بنسخ لأن البقرة المطلقة
~~متناولة للبقرة المخصوصة وذبح البقرة المخصوصة ذبح للبقرة مطلقا فهو
~~امتثال للأمر الأولي فلا يكون نسخا.

# واعترض على كون التخيير حكما شرعيا الخ بالمنع مستندا بأن الأمر
~~المطلق إنما يدل على إيجاب ماهية من حيث هي بلا شرط لكن لما تتحقق إلا في
~~ضمن فرد معين جاء التخيير عقلا من غير دلالة النص عليه وإيجاب الشيء لا
~~يقتضي إيجاب مقدمته العقلية إذ المراد بالوجوب الوجوب الشرعي، ومن الجائز
~~أن يعاقب المكلف على ترك ما يشمله مقدمة عقلية ولا يعاقب على ترك
~~المقدمة، ونسب هذا الاعتراض لمولانا القاضي في منهياته  وفيه تأمل 
~~وذكر بعض المحققين أن تحقيق هذا المقام أنه إن كان المراد بالبقرة
~~المأمور بذبحها مطلق البقرة أي بقرة كانت فالنسخ جائز لأن شرط النسخ
~~التمكن من الاعتقاد وهو حاصل بلا ريب، وإن كان البقرة المعينة فلا يجوز
~~النسخ لعدم التمكن من الاعتقاد حينئذ لأنه إنما حصل بعد الاستفسار
~~فاختلاف العلماء في جواز النسخ وعدمه في هذا المقام من باب النزاع اللفظي
~~فتدبر.

# { فافعلوا ما تؤمرون } أي من ذبح البقرة ولا تكرروا السؤال
~~ولا تتعنتوا، وهذه الجملة يحتمل أن تكون من قول الله تعالى لهم، ويحتمل
~~أن تكون من قول موسى عليه السلام حرضهم على امتثال ما أمروا به شفقة منه
~~عليهم، و { ما } موصولة والعائد محذوف أي ما تؤمرونه بمعنى ما تؤمرون
~~به، وقد شاع حذف الجار في هذا الفعل حتى لحق بالمتعدي إلى مفعولين
~~فالمحذوف من أول الأمر هو المنصوب، وأجاز بعضهم أن تكون { ما } مصدرية
~~أي  فافعلوا أمركم  ويكون المصدر بمعنى المفعول كما في قوله تعالى:

# والله خلقكم وما ms00456 تعملون

# [الصافات: 96] على أحد الوجهين، وفيه بعد لأن ذلك في الحاصل بالسبك قليل
~~وإنما كثر في صيغة المصدر.

### || [2.69]

# إسناد البيان في كل مرة إلى الله عز وجل لإظهار كمال المساعدة في إجابة
~~مسؤولهم وصيغة الاستقبال لاستحضار الصورة  والفقوع  أشد ما يكون من
~~الصفرة وأبلغه والوصف به للتأكيد  كأمس الدابر  وكذا في قولهم أبيض
~~ناصع، وأسود حالك، وأحمر قان، وأخضر ناضر، و (لونها) مرفوع بفاقع ولم
~~يكتف بقوله صفراء فاقعة لأنه أراد تأكيد نسبة الصفرة فحكم عليها أنها
~~صفراء ثم حكم على اللون أنه شديد الصفرة فابتدأ أولا بوصف البقرة
~~بالصفرة ثم أكد ذلك بوصف اللون بها فكأنه قال: هي صفراء ولونها شديد
~~الصفرة، وعن الحسن سوداء/ شديدة السواد ولا يخفى أنه خلاف الظاهر لأن
~~الصفرة  وإن استعملها العرب بهذا المعنى  نادرا كما أطلقوا الأسود على
~~الأخضر لكنه في الإبل خاصة على ما قيل في قوله تعالى:

# جملت صفر

# [المرسلات: 33] لأن سواد الإبل تشوبه صفرة وتأكيده بالفقوع ينافيه لأنه
~~من وصف الصفرة في المشهور، نعم ذكر في «اللمع» أنه يقال: أصفر فاقع،
~~وأحمر فاقع، ويقال: في الألوان كلها فاقع وناصع إذا أخلصت فعليه لا يرد
~~ما ذكر، ومن الناس من قال: إن الصفرة  استعيرت هنا للسواد، وكذا فاقع
~~لشديد السواد وهو ترشيح ويجعل سواده من جهة البريق واللمعان  وليس بشيء،
~~وجوز بعضهم أن يكون (لونها) مبتدأ وخبره إما (فاقع) أو الجملة بعده،
~~والتأنيث على أحد معنيين، أحدهما: لكونه أضيف إلى مؤنث كما قالوا: ذهبت
~~بعض أصابعه؛ والثاني: أنه يراد به المؤنث إذ هو الصفرة فكأنه قال: صفرتها
~~تسر الناظرين ولا يخفى بعد ذلك.

# و  السرور  أصله لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه أو رؤية أمر معجب
~~رائق، وأما نفسه فانشراح مستبطن فيه  وبين السرور، والحبور، والفرح 
~~تقارب لكن السرور هو الخالص المنكتم سمي بذلك اعتبارا بالإسرار، والحبور
~~ما يرى حبره  أي أثره  في ظاهر البشرة وهما يستعملان في المحمود. وأما
~~الفرح فما يحصل بطرا وأشرا ولذلك كثيرا ما ms00457 يذم كما قال تعالى:

# إن الله لا يحب الفرحين

# [القصص: 76] والمراد به هنا عند بعض الإعجاب مجازا للزومه له غالبا،
~~والجملة صفة البقرة أي تعجب الناظرين إليها.

# وجمهور المفسرين يشيرون إلى أن الصفرة من الألوان السارة ولهذا كان علي
~~كرم الله تعالى وجهه يرغب في النعال الصفر ويقول من لبس نعلا أصفر قل
~~همه، ونهى ابن الزبير ويحيى بن أبي كثير عن لباس النعال السود لأنها
~~تغم، وقرىء  يسر  بالياء فيحتمل أن يكون (لونها) مبتدأ  ويسر  خبره
~~ويكون (فاقع) صفة تابعة لصفراء على حد قوله:

# وإني لأسقى الشرب (صفراء فاقعا)

# كأن ذكى المسك فيها يفتق

# إلا أنه قليل حتى قيل: بابه الشعر، ويحتمل أن يكون لونها فاعلا بفاقع و
~~ يسر  إخبار مستأنف.

### || [2.70]

# { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى } إعادة
~~للسؤال عن الحال والصفة لا لرد الجواب الأول  بأنه غير مطابق وأن السؤال
~~باق على حاله  بل لطلب الكشف الزائد على ما حصل وإظهار أنه لم يحصل
~~البيان التام.

# { إن البقر تشبه علينا } تعليل لقوله تعالى: { ادع }
~~كما في قوله تعالى:

# صل عليهم إن صلوتك سكن لهم

# [التوبة: 103] وهو اعتذار لتكرير السؤال أي إن البقر الموصوف بما ذكر
~~كثير فاشتبه علينا، والتشابه مشهور في البقر، وفي الحديث: «فتن كوجوه
~~البقر» أي يشبه بعضها بعضا، وقرأ يحيى وعكرمة  (إن الباقر)  وهو اسم
~~لجماعة البقر، والبقر اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين واحده بالتاء ومثله
~~يجوز تذكيره وتأنيثه  ك

# نخل منقعر

# [القمر: 20]

# والنخل بسقت

#  [ ق: 10] وجمعه أباقر، ويقال فيه: بيقور وجمع بواقر، وفي «البحر» إنما
~~سمي هذا الحيوان بذلك لأنه يبقر الأرض أي يشقها للحرث، وقرأ الحسن {
~~تشبه } بضم الهاء جعله مضارعا محذوف التاء وماضيه (تشابه) وفيه ضمير
~~يعود على البقر على أنه مؤنث، والأعرج كذلك إلا أنه شدد الشين، والأصل 
~~تتشابه  فأدغم، وقرىء (تشبه)  بتشديد الشين  على صيغة المؤنث من
~~المضارع المعلوم، ويشبه بالياء والتشديد على صيغة المضارع المعلوم أيضا،
~~وابن مسعود  يشابه  بالياء والتشديد جعله مضارعا من تفاعل ms00458 لكنه أذغم
~~التاء في الشين، وقرىء مشتبه ومتشبه ويتشابه  والأعمش  متشابه،
~~ومتشابهة  وقرىء  تشابهت  بالتخفيف، وفي مصحف أبي بالتشديد، واستشكل
~~بأن التاء لا تدغم إلا في المضارع، وليس في زنة الأفعال فعل ماض على
~~تفاعل بتشديد الفاء ووجه بأن أصله  / إن البقرة تشابهت  فالتاء الأولى
~~من البقرة؛ والثانية من الفعل فلما اجتمع مثلان أدغم نحو  الشجرة تمايلت
~~ إلا أن جعل التشابه في بقرة ركيك، والأهون القول بعدم ثبوت هذه القراءة
~~فإن دون تصحيحها على وجه وجيه خرط القتاد، ويشكل أيضا  تشابه  من غير
~~تأنيث لأنه كان يجب ثبوت علامته إلا أن يقال: إنه على حد قوله:

# ولا أرض أبقل إبقالها

# وابن كيسان يجوزه في السعة.

# { وإنا إن شاء الله لمهتدون } أي إلى عين البقرة المأمور
~~بذبحها، أو لما خفي من أمر القاتل، أو إلى الحكمة التي من أجلها أمرنا،
~~وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس  مرفوعا معضلا  وسعيد عن عكرمة 
~~مرفوعا مرسلا  وابن أبي حاتم عن أبي هريرة  مرفوعا موصولا  أنه
~~صلى الله عليه وسلم قال:

# " لو لم يستثنوا لما تبينت لهم آخر الأبد "

# واحتج بالآية على أن الحوادث بإرادة الله تعالى حيث علق فيما حكاه وجود
~~الاهتداء الذي هو من جملة الحوادث بتعلق المشيئة وهي نفس الإرادة وما قصه
~~الله تعالى في كتابه من غير نكير فهو حجة على ما عرف في محله، وهذا مبني
~~على القول بترادف المشيئة والإرادة، وفيه خلاف وأن كون ما ذكر بالإرادة
~~مستلزم لكون جميع الحوادث بها  وفيه نظر  واحتج أيضا بها على أن الأمر
~~قد ينفك عن الإرادة وليس هو الإرادة كما يقوله المعتزلة لأنه تعالى لما
~~أمرهم بالذبح فقد أراد اهتداءهم في هذه الواقعة فلا يكون لقوله: إن شاء
~~الله الدال على الشك وعدم تحقق الاهتداء فائدة بخلاف ما إذا قلنا: إنه
~~تعالى قد يأمر بما لا يريد، والقول بأنه يجوز أن يكون أولئك معتقدين على
~~خلاف الواقع للانفكاك، أو يكون مبنيا على ترددهم في كون الأمر منه تعالى
~~يدفعه التقرير ms00459 إلا أنه يرد أن الاحتجاج إنما يتم لو كان معنى {
~~لمهتدون } الاهتداء إلى المراد بالأمر أما لو كان المراد إن شاء
~~الله اهتداءنا في أمر ما لكنا مهتدين فلا إلا أنه خلاف الظاهر كالقول بأن
~~اللازم أن يكون المأمور به وهو الذبح مرادا ولا يلزمه الاهتداء إذ يجوز
~~أن يكون لتلك الإرادة حكمة أخرى بل هذا أبعد بعيد، والمعتزلة والكرامية
~~يحتجون بالآية على حدوث إرادته تعالى بناء على أنها والمشيئة سواء لأن
~~كلمة (إن) دالة على حصول الشرط في الاستقبال وقد تعلق الاهتداء الحادث
~~بها، ويجاب بأن التعليق باعتبار التعلق فاللازم حدوث التعلق ولا يلزمه
~~حدوث نفس الصفة وتوسط الشرط بين اسم (إن) وخبرها لتتوافق رؤوس الآي، وجاء
~~خبر (إن) اسما لأنه أدل على الثبوت وعلى أن الهداية حاصلة لهم وللاعتناء
~~بذلك أكد الكلام.

### || [2.71]

# { قال إنه يقول إنها بقرة } صفة { بقرة } وهو من
~~الوصف بالمفرد، ومن قال: هو من الوصف بالجملة، وأن التقدير لا هي ذلول
~~فقد أبعد عن الصواب، و { لا } بمعنى غير، وهو اسم على ما صرح به السخاوي
~~وغيره لكن لكونها في صورة الحرف ظهر إعرابها فيما بعدها، ويحتمل أن تكون
~~حرفا  كإلا  التي بمعنى غير في مثل قوله تعالى:

# لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا

# [الأنبياء: 22] و  الذلول  الريض الذي زالت صعوبته يقال: دابة ذلول
~~بينة الذل بالكسر، ورجل ذلول بين الذل بالضم.

# { تثير الارض ولا تسقى الحرث }  { لا } صلة لازمة لوجوب
~~التكرار في هذه الصورة وهي مفيدة للتصريح بعموم النفي إذ بدونها يحتمل أن
~~يكون لنفى الاجتماع، ولذا تسمى المذكرة و  الإثارة  قلب الأرض للزراعة
~~من أثرته إذا هيجته، والحرث الأرض المهيأة للزرع أو هو شق الأرض ليبذر
~~فيها، ويطلق على ما حرث وزرع، وعلى نفس الزرع أيضا، والفعلان صفتا
~~(ذلول) والصفة يجوز وصفها على ما ارتضاه بعض النحاة وصرح به السمين
~~والفعل الأول داخل في حيز النفي والمقصود نفي إثارتها الأرض  أي لا تثير
~~الأرض  فتذل فهو من باب:

# على لا حب ms00460 لا يتهدي بمناره

# ففيه نفي للأصل والفرع معا، وانتفاء الملزوم بانتفاء اللازم، قال
~~الحسن: كانت هذه البقرة وحشية ولهذا وصفت بأنها { لا تثير الارض }
~~الخ، وذهب قوم إلى أن تثير مثبت لفظا ومعنى؛ وأنه أثبت للبقرة أنها تثير
~~الأرض وتحرثها ونفى عنها سقي الحرث، ورد بأن ما كان يحرث لا ينتفي عنه
~~كونه ذلولا، وقال بعض: المراد إنها تثير الأرض بغير الحرث بطرا ومرحا،
~~ومن عادة البقر إذا بطرت تضرب بقرونها وأظلافها فتثير تراب الأرض فيكون
~~هذا من تمام قوله: { لا ذلول } لأن وصفها بالمرح والبطر دليل على
~~ذلك  وليس عندي بالبعيد  وذهب بعضهم كما في الكواشي إلى أن جملة {
~~تثير } في محل نصب على الحال، قال ابن عطية: ولا يجوز ذلك لأنها من
~~نكرة، واعترض بأنه إن أراد بالنكرة بقرة فقد وصفت، والحال من النكرة
~~الموصوفة جائزة جوازا حسنا وإن أراد بها { لا ذلول } فمذهب سيبويه
~~جواز مجيء الحال من النكرة وإن لم توصف، وقد صرح بذلك في مواضع من "
~~كتابه " اللهم إلا أن يقال: إنه تبع الجمهور في ذلك  وهم على المنع 
~~وجعل الجملة حالا من الضمير المستكن في ذلول أي: لا ذلول في حال إثارتها
~~ليس بشيء.

# وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: { لا ذلول } بالفتح فلا للتبرئة،
~~والخبر محذوف أي هناك، والمراد مكان وجدت هي فيه، والجملة صفة ذلول، وهو
~~نفي لأن توصف بالذل، ويقال: هي ذلول بطريق الكناية لأنه لو كان في مكان
~~البقرة لكانت موصوفة به ضرورة اقتضاء الصفة للموصوف، فلما لم يكن في
~~مكانها لم تكن موصوفة به، فهذا كقولهم محل  فلان  مظنة الجود والكرم،
~~وهذا أولى مما قيل: إن { تثير } خبر { لا } والجملة معترضة بين الصفة
~~والموصوف لأنه أبلغ كما لا يخفى، وبعضهم خرج القراءة على البناء نظرا
~~إلى صورة { لا } كما  في كنت بلا مال  بالفتح، وليس بشيء لأن ذلك مقصور
~~على مورد السماع، وليس بقياسي على ما يشعر به كلام الرضي وقرىء { تسقى
~~} بضم حرف المضارعة من أسقى بمعنى سقى، وبعض ms00461 فرق بينهما بأن سقى لنفسه،
~~وأسقى لغيره كماشيته وأرضه.

# { مسلمة لا شية فيها } أي سلمها الله تعالى من العيوب قاله
~~ابن عباس، أو أعفاها أهلها من سائر أنواع الاستعمال قاله الحسن، أو مطهرة
~~من الحرام لا غضب فيها ولا سرقة قاله عطاء، أو أخلص لونها من الشيات قاله
~~مجاهد، والأولى: ما ذهب إليه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لأن المطلق
~~ينصرف إلى الكامل ولكونه تأسيسا، وعلى آخر الأقوال يكون { لا شية
~~فيها } أي لا لون فيها يخالف لونها تأكيدا والتضعيف هنا للنقل
~~والتعدية، ووهم غير واحد فزعم أنه للمبالغة، و  الشية  مصدر وشيت الثوب
~~أشيه وشيا إذا زينته بخطوط مختلفة الألوان فحذف فاؤه  كعدة وزنة  ومنه
~~الواشي للنمام، قيل: ولا يقال له: واش حتى يغير كلامه ويزينه، ويقال: ثور
~~أشيه، وفرس أبلق، وكبش أخرج، وتيس أبرق، وغراب أبقع  كل ذلك بمعنى
~~البلقة  وفي «البحر» ليس الأشيه في قولهم: ثور أشيه للذي فيه بلق
~~مأخوذا من الشيه لاختلاف المادتين، و  شية  اسم { لا } و { فيها }
~~خبره.

# { قالوا الئن جئت بالحق } أي أظهرت حقيقة ما أمرنا به
~~فالحق هنا بمعنى الحقيقة، وقيل: بمعنى الأمر المقضي أو اللازم؛ وقيل:
~~بمعنى القول المطابق للواقع ولم يريدوا أن ما سبق لم يكن حقا بل أرادوا
~~أنه لم يظهر الحق به كمال الظهور فلم يجىء بالحق بل أومأ إليه فعلى هذه
~~الأقوال لم يكفروا بهذا القول، وأجراه قتادة على ظاهره وجعله  متضمنا
~~أن ما جئت به من قبل  كان باطلا فقال: إنهم كفروا بهذا القول، والأولى
~~عدم الإكفار. و (الآن)/ ظرف زمان لازم البناء على الفتح ولا يجوز تجريده
~~من  أل  واستعماله على خلافه لحن، وهي تقتضي الحال وتخلص المضارع له
~~غالبا، وقد جاءت حيث لا يمكن أن تكون له نحو

# فالآن بشروهن

# [البقرة: 187] إذ الأمر نص في الاستقبال، وادعى بعضهم إعرابها لقوله:

# كأنهما ملآن لم يتغيرا

# يريد من الآن فجره وهو يحتمل البناء على الكسر، و (أل) فيها للحضور عند
~~بعض، وزائدة عند آخرين، ms00462 وبنيت لتضمنها معنى الإشارة، أو لتضمنها معنى 
~~أل  التعريفية  كسحر  وقرىء (آلآن) بالمد على الاستفهام التقريري
~~إشارة إلى استبطائه وانتظارهم له. وقرأ نافع بحذف الهمزة وإلقاء حركتها
~~على اللام وعنه روايتان حذف واو { قالوا } وإثباتها.

# { فذبحوها } أي فطلبوا هذه البقرة الجامعة للأوصاف السابقة وحصلوها
~~{ فذبحوها } فالفاء فصيحة عاطفة على محذوف إذ لا يترتب الذبح على
~~مجرد الأمر بالذبح، وبيان صفتها وحذف لدلالة الذبح عليه؛ وتحصيلها كان
~~باشترائها من الشاب البار بأبويه كما تظافرت عليه أقوال أكثر المفسرين
~~والقصة مشهورة، وقيل:  كانت وحشية فأخذوها، وقيل: لم تكن من بقر الدنيا
~~بل أنزلها الله تعالى من السماء  وهو قول هابط إلى تخوم الأرض، قيل:
~~ووجه الحكمة في جعل البقرة آلة دون غيرها من البهائم أنهم كانوا يعبدون
~~البقر والعجاجيل وحبب ذلك في قلوبهم، لقوله تعالى:

# وأشربوا فى قلوبهم العجل

# [البقرة: 93] ثم بعد ما تابوا أراد الله تعالى أن يمتحنهم بذبح ما حبب
~~إليهم ليكون حقيقة لتوبتهم، وقيل:  ولعله ألطف وأولى  إن الحكمة في هذا
~~الأمر إظهار توبيخهم في عبادة العجل بأنكم كيف عبدتم ما هو في صورة
~~البقرة مع أن الطبع لا يقبل أن يخلق الله تعالى فيه خاصية يحيا به ميت
~~بمعجزة نبي؟! وكيف قبلتم قول السامري إنه إلهكم وها أنتم لا تقبلون قول
~~الله سبحانه: إنه يحيا بضرب لحمة منه الميت سبحان الله تعالى! هذا الخرق
~~العظيم.

# { وما كادوا يفعلون } كنى على الذبح بالفعل أي  وما كادوا
~~يذبحون  واحتمال أن يكون المراد: وما كادوا يفعلون ما أمروا به بعد
~~الذبح من ضرب بعضها على الميت بعيد، و  كاد  موضوعة لدنو الخبر حصولا
~~ولا يكون خبرها في المشهور إلا مضارعا دالا على الحال لتأكيد القرب،
~~واختلف فيها فقيل: هي في الإثبات نفي وفي النفي إثبات، فمعنى  كاد زيد
~~يخرج  قارب ولم يخرج وهو فاسد لأن معناها مقاربة الخروج، وأما عدمه فأمر
~~عقلي خارج عن المدلول ولو صح ما قاله لكان قارب ونحوه كذلك ولم يقل به
~~أحد، وقيل: هي في الإثبات ms00463 إثبات وفي النفي الماضي إثبات وفي المستقبل على
~~قياس الأفعال. وتمسك القائل بهذه الآية لأنه لو كان معنى { وما
~~كادوا } هنا نفيا للفعل عنهم لناقض قوله تعالى: { فذبحوها } حيث
~~دل على ثبوت الفعل لهم والحق أنها في الإثبات والنفي كسائر الأفعال،
~~فمثبتها لإثبات القرب، ومنفيها لنفيه، والنفي والإثبات في الآية محمولان
~~على اختلاف الوقتين أو الاعتبارين فلا تناقض إذ من شرطه اتحاد الزمان
~~والاعتبار، والمعنى أنهم ما قاربوا ذبحها حتى انقطعت تعللاتهم فذبحوا
~~كالملجأ أو فذبحوها ائتمارا وما كادوا من الذبح خوفا من الفضيحة أو
~~استثقالا لغلو ثمنها حيث روى أنهم اشتروها بملء جلدها ذهبا، وكانت
~~البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير؛ واستشكل القول باختلاف الوقتين بأن الجملة
~~حال من فاعل { ذبحوها } فيجب مقارنة مضمونها لمضمون العامل، والجواب
~~بأنهم صرحوا بأنه قد يقيد بالماضي فإن كان مثبتا قرن  بقد  لتقربه من
~~الحال وإن كان منفيا  كما هنا  لم يقرن بها لأن الأصل استمرار النفي
~~فيفيد المقاربة لا يجدي نفعا لأن عدم مقاربة الفعل لا يتصور مقارنتها
~~له، ولهذا عول بعض المتأخرين في الجواب على أن { فذبحوها وما
~~كادوا يفعلون } كناية عن تعسر الفعل وثقله عليهم وهو مستمر باق،
~~وقد صرح في «شرح التسهيل»/ أنه قد يقول القائل  لم يكد زيد يفعل 
~~ومراده أنه فعل بعسر لا بسهولة وهو خلاف الظاهر الذي وضع له اللفظ فافهم.

### || [2.72]

# { وإذ قتلتم نفسا } أي شخصا أو ذا نفس، ونسبة القتل إلى
~~المخاطبين لوجوده فيهم على طريقة العرب في نسبة الأشياء إلى القبيلة إذا
~~وجد من بعضها ما يذم به أو يمدح، وقول بعضهم:  إنه لا يحسن إسناد فعل أو
~~قول صدر عن البعض إلى الكل إلا إذا صدر عنه بمظاهرتهم أو رضا منهم  غير
~~مسلم، نعم لا بد لإسناده إلى الكل من نكتة ما، ولعلها هنا الإشارة إلى أن
~~الكل بحيث لا يبعد صدور القتل منهم لمزيد حرصهم وكثرة طمعهم وعظم جرأتهم:

# فهم كأصابع الكفين طبعا

# وكل منهم طمع جسور

# وقيل: إن القاتل جمع وهم ms00464 ورثة المقتول، وقد روي أنهم اجتمعوا على قتله؛
~~ولهذا نسب القتل إلى الجمع.

# { فادارأتم فيها } أصله تدارأتم من الدرء وهو الدفع فاجتمعت
~~التاء والدال مع تقارب مخرجيهما وأريد الإدغام فقلبت التاء دالا وسكنت
~~للإدغام فاجتلبت همزة الوصل للتوصل إلى الإبتداء بها، وهذا مطرد في كل
~~فعل على تفاعل أو تفعل فاؤه  تاء أو طاء، أو ظاء، أو صاد، أو ضاد 
~~والتدارؤ هنا إما مجاز عن الاختلاف والاختصام، أو كناية عنه إذ
~~المتخاصمان يدفع كل منهما الآخر، أو مستعمل في حقيقته أعني التدافع بأن
~~طرح قتلها كل عن نفسه إلى صاحبه فكل منهما من حيث إنه مطروح عليه يدفع
~~الآخر من حيث إنه طارح، وقيل: إن طرح القتل في نفسه نفس دفع الصاحب  وكل
~~من الطارحين دافع فتطارحهما  تدافع، وقيل: إن كلا منهما يدفع الآخر عن
~~البراءة إلى التهمة فإذا قال أحدهما: أنا بريء وأنت متهم يقول الآخر: بل
~~أنت المتهم وأنا البريء، ولا يخفى أن ما ذكر على كل ما فيه بالمجاز أليق،
~~ولهذا عد ذلك أبو حيان من المجاز، والضمير في { فيها } عائد على النفس،
~~وقيل: على القتلة المفهومة من الفعل، وقيل: على التهمة الدال عليها معنى
~~الكلام، وقرأ أبو حيوة { فتدارأتم } على الأصل، وقيل: قرأ هو وأبو السوار
~~ فادرأتم  بغير ألف قبل الراء، وإن طائفة أخرى قرءوا  فتدارأتم .

# { والله مخرج ما كنتم تكتمون } أي مظهر لا محالة ما
~~كنتم تكتمونه من أمر القتيل، والقاتل كما يشير إليه بناء الجملة الاسمية
~~وبناء اسم الفاعل على المبتدأ المفيد لتأكيد الحكم وتقويه  وذلك بطريق
~~التفضل عندنا  والوجوب عند المعتزلة وتقدير المتعلق خاصا هو ما عليه
~~الجمهور، وقيل: يجوز أن يكون عاما في القتيل وغيره، ويكون القتيل من
~~جملة أفراده، وفيه نظر إذ ليس كل ما كتموه عن الناس أظهره الله تعالى،
~~وأعمل { مخرج } لأنه مستقبل بالنسبة للحكم الذي قبله، وهو التدارؤ 
~~ومضيه الآن  لا يضر والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على
~~الاستمرار. وفي «البحر»  إن كان  للدلالة على تقدم الكتمان. ms00465

### || [2.73]

# { فقلنا اضربوه ببعضها } عطف على قوله تعالى:

# فادارأتم

# [البقرة: 72] وما بينهما اعتراض يفيد أن كتمان القاتل لا ينفعه، وقيل:
~~حال أي والحال أنكم تعلمون ذلك. والهاء في { اضربوه } عائد على النفس
~~بناء على تذكيرها إذ فيها التأنيث  وهو الأشهر  والتذكير، أو على تأويل
~~الشخص أو القتيل، أو على أن الكلام على حذف مضاف أي ذا نفس، وبعد الحذف
~~أقيم المضاف إليه مقامه، وقيل: الأظهر أن التذكير لتذكير المعنى، وإذا
~~كان اللفظ مذكرا والمعنى مؤنثا أو بالعكس فوجهان، وذكر هذا الضمير  مع
~~سبق التأنيث  تفننا أو تمييزا بين هذا الضمير والضمير الذي بعده
~~توضيحا، والظاهر أن المراد بالبعض أي بعض كان إذ لا فائدة في تعينه/ 
~~ولم يرد به نقل صحيح .

# واختلف بم ضربوه فقيل: بلسانها أو بأصغريها أو بفخذها اليمنى أو بذنبها
~~أو بالغضروف أو بالعظم الذي يليه أو بالبضعة التي بين الكتفين أو بالعجب
~~أو بعظم من عظامها، ونقل أن الضرب كان على جيد القتيل، وذلك قبل دفنه،
~~ومن قال: إنهم مكثوا في تطلبها أربعين سنة أو أنهم أمروا بطلبها ولم تكن
~~في صلب ولا رحم قال: إن الضرب على القبر بعد الدفن، والأظهر أنه المباشر
~~بالضرب لا القبر، وفي بعض الآثار أنه قام وأوداجه تشخب دما؛ فقال: قتلني
~~ابن أخي، وفي رواية فلان وفلان لابني عمه ثم سقط ميتا فأخذا وقتلا وما
~~ورث قاتل بعد ذلك، وفي بعض القصص أن القاتل حلف بالله تعالى ما قتلته
~~فكذب بالحق بعد معاينته قال الماوردي: وإنما كان الضرب بميت لا حياة فيه
~~لئلا يلتبس على ذي شبهة أن الحياة إنما انقلبت إليه مما ضرب به فلإزالة
~~الشبهة وتأكد الحجة كان ذلك.

# { كذلك يحى الله الموتى } جملة اعتراضية تفيد تحقق
~~المشبه وتيقنه بتشبيه الموعود بالموجود، والمماثلة في مطلق الإحياء، وفي
~~الكلام حذف دلت عليه الجملة أي فضربوه فحيي، والتكلم من الله تعالى مع
~~من حضر وقت الحياة  والكاف  خطاب لكل من يصح أن يخاطب ويسمع هذا الكلام
~~لأن أمر الإحياء عظيم ms00466 يقتضي الاعتناء بشأنه أن يخاطب به كل من يصح منه
~~الاستماع فيدخل فيه أولئك دخولا أوليا، ويدل على ذلك قوله تعالى: {
~~ويريكم } الخ ولا بد على هذا من تقدير القول أي قلنا أو وقلنا لهم
~~كذلك ليرتبط الكلام بما قبله، وقيل: حرف الخطاب مصروف إليهم، وكان الظاهر
~~كذلكم على وفق ما بعده إلا أنه أفرده بإرادة كل واحد أو بتأويل فريق
~~ونحوه قصدا للتخفيف، ويحتمل أن يكون التكلم مع من حضر نزول الآية، وعليه
~~لا تقدير إذ ينتظم بدونه بل ربما يخرج معه من الانتظام، وأبعد الماوردي
~~فجعله خطابا من موسى نفسه عليه السلام.

# { ويريكم ءايته } مستأنف أو معطوف على ما قبله، والظاهر أن
~~الآيات جمع في اللفظ والمعنى، والمراد بها الدلائل الدالة على أن الله
~~تعالى على كل شيء قدير، ويجوز أن يراد بها هذا الإحياء، والتعبير عنه
~~بالجمع لاشتماله على أمور بديعة من ترتب الحياة على الضرب بعضو ميت،
~~وإخبار الميت بقاتله وما يلابسه من الأمور الخارقة للعادات، وفي
~~«المنتخب» أن التعبير عن الآية الواحدة بالآيات لأنها تدل على وجود
~~الصانع القادر على كل المقدورات العالم بكل المعلومات المختار في الإيجاد
~~والإبداع، وعلى صدق موسى عليه السلام، وعلى براءة ساحة من لم يكن قاتلا،
~~وعلى تعين تلك التهمة على من باشر القتل.

# { لعلكم تعقلون } أي لكي تعقلوا الحياة بعد الموت والبعث
~~والحشر فإن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم
~~الاختصاص

# ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس وحدة

# [لقمان: 28] أو لكي يكمل عقلكم أو لعلكم تمتنعون من عصيانه وتعملون على
~~قضية عقولكم، وقد ذكر المفسرون أحكاما فقهية انتزعوها واستدلوا عليها من
~~قصة هذا القتيل ولا يظهر ذلك من الآية ولا أرى لذكر ذلك طائلا سوى
~~الطول.

# هذا ومن باب الإشارة: إن البقرة هي النفس الحيوانية حين زال عنها شره
~~الصبا ولم يلحقها ضعف الكبر وكانت معجبة رائقة النظر لا تثير أرض
~~الاستعداد بالأعمال الصالحة ولا تسقي حرث المعارف والحكم التي فيها
~~بالقوة بمياه ms00467 التوجه إلى حضرة القدس والسير إلى رياض الأنس، وقد سلمت
~~لترعى أزهار الشهوات ولم تقيد بقيود الآداب والطاعات فلم يرسخ فيها مذهب
~~واعتقاد، ولم يظهر عليها ما أودع فيها من أنواع الاستعداد، وذبحها قمع
~~هواها ومنعها عن/ أفعالها الخاصة بها بشفرة سكين الرياضة فمن أراد أن
~~يحيا قلبه حياة طيبة ويتحلى بالمعارف الإلهية والعلوم الحقيقية وينكشف له
~~حال الملك والملكوت وتظهر له أسرار اللاهوت والجبروت ويرتفع ما بين عقله
~~ووهمه من التدارؤ والنزاع الحاصل بسبب الألف للمحسوسات فليذبحها وليوصل
~~أثره إلى قلبه الميت فهناك يخرج المكتوم وتفيض بحار العلوم وهذا الذبح هو
~~الجهاد الأكبر والموت الأحمر وعقباه الحياة الحقيقية والسعادة الأبدية.

# ومن لم يمت في حبه لم يعش به

# ودون اجتناء النحل ما جنت النحل

# وقد أشير بالشيخ والعجوز والطفل والشاب المقتول على ما في بعض الآثار في
~~هذه القصة إلى الروح والطبيعة الجسمانية والعقل والقلب وتطبيق سائر ما في
~~القصة بعد هذا إليك هذا وسلام الله تعالى عليك.

### || [2.74]

# { ثم قست قلوبكم } القسوة في الأصل اليبس والصلابة وقد شبهت
~~هنا حال قلوبهم وهي نبوها عن الاعتبار بحال قسوة الحجارة في أنها لا يجري
~~فيها لطف العمل ففي { قست } استعارة تبعية أو تمثيلية، و { ثم }
~~لاستبعاد القسوة بعد مشاهدة ما يزيلها، وقيل: إنها للتراخي في الزمان
~~لأنهم قست قلوبهم بعد مدة حين قالوا إن الميت كذب عليهم أو أنه عبارة عن
~~قسوة عقبهم، والضمير في { قلوبكم } لورثة القتيل عند ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما، وعند أبي العالية وغيره لبني إسرائيل { من بعد
~~ذلك } أي إحياء القتيل، وقيل: كلامه، وقيل: ما سبق من الآيات التي
~~علموها  كمسخهم قردة وخنازير، ورفع الجبل، وانبجاس الماء، والإحياء 
~~وإلى ذلك ذهب الزجاج، وعليه تكون { ثم قست } الخ عطفا على مضمون
~~جميع القصص السابقة والآيات المذكورة، وعلى سابقه تكون عطفا على قصة

# وإذ قتلتم

# [البقرة: 72] { فهى كالحجارة } أي في القسوة وعدم التأثر
~~والجمع لجمع القلوب وللإشارة إلى أنها متفاوتة في القسوة كما أن الحجارة
~~متفاوتة ms00468 في الصلابة  والكاف  للتشبيه وهي حرف عند سيبويه وجمهور
~~النحويين. والأخفش يدعى اسميتها وهي متعلقة هنا بمحذوف أي كائنة كالحجارة
~~خلافا لابن عصفور إذ زعم أن كاف التشبيه لا تتعلق بشيء.

# { أو أشد قسوة } أي من الحجارة فهي كالحديد مثلا أو كشيء لا
~~يتأثر أصلا ولو وهما، و { أو } لتخيير المبالغ ويكون في التشبيه كما
~~يكون بعد الأمر، أو للتنويع أي بعض كالحجارة وبعض أشد أو للترديد بمعنى
~~تجويز الأمرين مع قطع النظر عن الغير على ما قيل، أو بمعنى بل ويحتاج إلى
~~تقدير مبتدأ إذا قلنا باختصاص ذلك بالجمل، أو بمعنى الواو أو للشك وهو
~~لاستحالته عليه تعالى يصرف إلى الغير والعلامة لا يرتضي ذلك لما أنه يؤدي
~~إلى تجويز أن يكون معاني الحروف بالقياس إلى السامع، وفيه إخراج للألفاظ
~~عن أوضاعها فإنها إنما وضعت ليعبر بها المتكلم عما في ضميره، والحق جواز
~~اعتبار السامع في معاني الألفاظ عند امتناع جريها على الأصل بالنظر إلى
~~المتكلم فلا بأس بأن يسلك ب { أو } في الشك مسلك لعل في الترجي الواقع
~~في كلامه تعالى فتلك جادة مسلوكة لأهل السنة. وقد مرت الإشارة إلى ذلك
~~فتذكر.

# و { أشد } عطف على { كالحجارة } من قبيل عطف المفرد على
~~المفرد كما تقول: زيد على سفر أو مقيم، وقدر بعضهم أو هي أشد فيصير من
~~عطف الجمل، ومن الناس من يقدر مضافا محذوفا أي مثل ما هو أشد، ويجعله
~~معطوفا على الكاف إن كان اسما أو مجموع الجار والمجرور إذا كان حرفا،
~~ثم لما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه فأعرب بإعرابه، ولا يخفى أن
~~اعتبار التشبيه في جانب المعطوف بدون عطفه على المجرور بالكاف مستبعد
~~جدا.

# وقرأ الأعمش { أو أشد } مجرورا بالفتحة لكونه غير منصرف/ للوصف
~~ووزن الفعل وهو عطف على الحجارة واعتبار التشبيه حينئذ ظاهر وإنما لم يقل
~~سبحانه وتعالى  أقسى  مع أن فعل القسوة مما يصاغ منه أفعل وهو أخصر
~~ووارد في الفصيح كقوله:

# كل خمصانة أرق من الخم

# ر بقلب (أقسى) من ms00469 الجلمود

# لما في أشد من المبالغة لأنه يدل على الزيادة بجوهره وهيئته بخلاف أقسى
~~فإن دلالته بالهيئة فقط، وفيه دلالة على اشتداد القسوتين ولو كان أقسى
~~لكان دالا على اشتراك القلوب والحجارة في القسوة، واشتمال القلوب على
~~زيادة القسوة لا في شدة القسوة وليس هذا مثل قولك زيد أشد إكراما من
~~عمرو حيث ذكروا أن ليس معناه إلا أنهما مشتركان في الإكرام وإكرام زيد
~~زيد على إكرام عمرو لا أنهما مشتركان في شدة الإكرام، وشدة إكرام زيد
~~زائدة على شدة إكرام عمرو للفرق بين ما بني للتوصل وما بني لغيره وما نحن
~~فيه من الثاني وإن كان الأول أكثر. والاعتراض  بأن أشد محمول على القلوب
~~دون القسوة  ليس بشيء لأنه محمول عليها بحسب المعنى لكونها تمييزا
~~محولا عن الفاعل أو منقولا عن المبتدأ كما في «البحر»، ويمكن أن يقال:
~~إن الله تعالى أبرز القساوة في معرض العيوب الظاهرة تنبيها على أنها من
~~العيوب بل العيب كل العيب ما صد عن عالم الغيب

# فإنها لا تعمى الأبصر ولكن تعمى القلوب
~~التى فى الصدور

# [الحج: 46].

# { وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهر
~~وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن
~~منها لما يهبط من خشية الله } تذييل لبيان تفضيل
~~قلوبهم على الحجارة أو اعتراض بين قوله تعالى: { ثم قست
~~قلوبكم } وبين الحال عنها وهو { وما الله بغفل } لبيان
~~سبب ذلك فإنه لغرابته يحتاج إلى بيان السبب كما في قوله:

# فلا هجره يبدو وفي اليأس راحة

# ولا وصفه يصفو لنا (فنكارمه)

# وجعله جملة حالية مشعرة بالتعليل يأباه الذوق إذ لا معنى للتقييد، وكونه
~~بيانا وتقريرا من جهة المعنى لما تقدم  مع كونه بحسب اللفظ معطوفا
~~على جملة  هي كالحجارة أو أشد  كما قاله العلامة  مما لا يظهر وجهه
~~لأنه إذا كان بيانا في المعنى كيف يصح عطفه ويترك جعله بيانا، والمعنى
~~إن الحجارة تتأثر وتنفعل، وقلوب هؤلاء لا تتأثر ولا تنفعل عن أمر الله
~~تعالى أصلا، وقد ترقى سبحانه في بيان التفضيل كأنه ms00470 بين أولا تفضيل
~~قلوبهم في القساوة على الحجارة التي تتأثر تأثرا يترتب عليه منفعة عظيمة
~~من تفجر الأنهار، ثم على الحجارة التي تتأثر تأثرا ضعيفا يترتب عليه
~~منفعة قليلة من خروج الماء، ثم على الحجارة التي تتأثر من غير منفعة
~~فكأنه قال سبحانه:  قلوب هؤلاء أشد قسوة من الحجارة لأنها لا تتأثر بحيث
~~يترتب عليه المنفعة العظيمة بل الحقيرة بل لا تتأثر أصلا وبما ذكر يظهر
~~نكتة ذكر تفجر الأنهار وخروج الماء، وترك فائدة الهبوط، وذكر غير واحد أن
~~الآية واردة على نهج التتميم دون الترقي  كالرحمن الرحيم  إذ لو أريد
~~الترقي لقيل  وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يتفجر منه
~~الأنهار  وفائدته استيعاب جميع الانفعالات التي على خلاف طبيعة هذا
~~الجوهر، وهو أبلغ من الترقي، ويكون { وإن منها } الأخير تتميما
~~للتتميم، ولا يخفى أنه يرد عليه منع إفادته لاستيعاب جميع الانفعالات
~~وخلوه عن لطافة ما ذكرناه.

# و  التفجر  التفتح بسعة وكثرة كما يدل عليه جوهر الكلمة وبناء التفعل،
~~والمراد من الأنهار الماء الكثير الذي يجري في الأنهار، والكلام إما على
~~حذف المضاف، أو ذكر المحل وإرادة الحال أو الإسناد مجازي، قال بعض
~~المحققين: وحملها على المعنى الحقيقي وهم إذ التفتح لا يمكن إسناده إلى
~~الأنهار اللهم إلا بتضمين معنى الحصول بأن يقال: يتفجر ويحصل منه الأنهار
~~على أن تفجير الحجارة بحيث تصير/ نهرا غير معتاد فضلا عن كونها
~~أنهارا، والتشقق التصدع بطول أو بعرض، والخشية الخوف، واختلف في المراد
~~منها فذهب قوم  وهو المروي عن مجاهد وغيره  أنها هنا حقيقة، وهي مضافة
~~إلى الاسم الكريم من إضافة المصدر إلى مفعوله  أي من خشية الحجارة الله
~~ ويجوز أن يخلق الله تعالى العقل والحياة في الحجر، واعتدال المزاج
~~والبنية ليسا شرطا في ذلك خلافا للمعتزلة، وظواهر الآيات ناطقة بذلك،
~~وفي «الصحيح»

# " إني لأعرف حجرا كان يسلم علي قبل أن أبعث "

# وأنه صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه ما مر بحجر ولا مدر إلا سلم عليه،
~~وورد في ms00471  الحجر الأسود  أنه يشهد لمن استلمه، وحديث تسبيح الحصى بكفه
~~الشريف صلى الله عليه وسلم مشهور، وقيل: هي حقيقة، والإضافة هي الإضافة
~~إلا أن الفاعل محذوف هو العباد، والمعنى: أن من الحجارة ما ينزل بعضه عن
~~بعض عند الزلزال من خشية عباد الله تعالى إياه؛ وتحقيقه أنه لما كان
~~المقصود منها خشية الله تعالى صارت تلك الخشية كالعلة المؤثرة في ذلك
~~الهبوط فيؤل المعنى أنه يهبط من أجل أن يحصل خشية العباد الله تعالى.

# وذهب أبو مسلم إلى أن الخشية حقيقة، وأن الضمير في { منها لما
~~يهبط } عائد على القلوب، والمعنى إن من القلوب قلوبا تطمئن وتسكن
~~وترجع إلى الله تعالى، وهي قلوب المخلصين، فكنى عن ذلك بالهبوط، وقيل:
~~إنها حقيقة إلا أن إضافتها من إضافة المصدر إلى الفاعل، والمراد بالحجر
~~البرد، وبخشيته تعالى إخافته عباده بإنزاله وهذا القول أبرد من الثلج وما
~~قبله أكثف من الحجر وما قبلهما بين بين وقال قوم: إن الخشية مجاز عن
~~الانقياد لأمر الله تعالى إطلاقا لاسم الملزوم على اللازم، ولا ينبغي أن
~~تحمل على حقيقتها، أما على القول بأن اعتدال المزاج والبنية شرط وما ورد
~~مما يقتضي خلافه محمول على أن الله تعالى قرن ملائكته بتلك الجمادات،
~~ومنها هاتيك الأفعال ونحو «هذا جبل يحبنا ونحبه» على حذف مضاف أي يحبنا
~~أهله ونحب أهله فظاهر.

# وأما على القول بعدم الاشتراط فلأن الهبوط والخشية على تقدير خلق العقل
~~والحياة لا يصح أن يكون بيانا لكون الحجارة في نفسها أقل قسوة  وهو
~~المناسب للمقام  والاعتراض بأن قلوبهم إنما تمتنع عن الانقياد لأمر
~~التكليف بطريق القصد والاختيار ولا تمتنع عما يراد بها على طريق القسر
~~والإلجاء كما في الحجارة وعلى هذا لا يتم ما ذكر، فالأولى الحمل على
~~الحقيقة أجيب عنه بأن المراد أن قلوبهم أقسى من الحجارة لقبولها التأثر
~~الذي يليق بها وخلقت لأجله بخلاف قلوبهم فإنها تنبو عن التأثر الذي يليق
~~بها وخلقت له، والجواب بأن ما رأوه من الآيات مما يقسر القلب ويلجؤه فلما ms00472
~~لم تتأثر قلوبهم عن القاسرات الكثيرة ويتأثر الحجر من قاسر واحد تكون
~~قلوبهم أشد قسوة لا يخلو عن نظر لأنه إن أريد بذلك المبالغة في الدلالة
~~على الصدق فلا ينفع، وإن أريد به حقيقة الإلجاء فممنوع، وإلا لما تخلف
~~عنها التأثر ولما استحق من آمن بعد رؤيتها الثواب لكونه إيمانا
~~اضطراريا  ولم يقل به أحد  ثم الظاهر على هذا تعلق خشية الله بالأفعال
~~الثلاثة السابقة.

# وقرىء { وإن } على أنها المخففة من الثقيلة ويلزمها  اللام 
~~الفارقة بينها وبين النافية، والفراء يقول: إنها النافية  واللام 
~~بمعنى إلا وزعم الكسائي أن { إن } إن وليها اسم كانت المخففة، وإن فعل
~~كانت النافية، وقطرب إنها إن وليها فعل كانت بمعنى  قد  وقرأ مالك بن
~~دينار { ينفجر } مضارع انفجر والأعمش { يتشقق } و { يهبط }  بالضم
~~.

# { وما الله بغافل عما تعملون } وعيد على ما ذكر كأنه
~~قيل: إن الله تعالى لبالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم حافظ لأعمالهم محص
~~لها، فهو مجازيهم بها في الدنيا والآخرة، وقرأ ابن كثير { يعملون }
~~ بالياء التحتانية  ضما إلى/ ما بعده من قوله سبحانه: { أن
~~يؤمنوا } و

# يسمعون

# [البقرة: 75] وفريق منهم، وقرأ الباقون  بالتاء الفوقانية  لمناسبة

# وإذ قتلتم فادارأتم

# [البقرة: 72] وتكتمون الخ وقيل: ضما إلى قوله تعالى:

# أفتطمعون

# [البقرة: 75] بأن يكون الخطاب فيه للمؤمنين وعدلهم، ويبعده أنه لا وجه
~~لذكر وعد المؤمنين تذييلا لبيان قبائح اليهود.

### || [2.75]

# { أفتطمعون } الاستفهام للاستبعاد أو للإنكار التوبيخي، والجملة
~~قيل: معطوفة على قوله تعالى:

# ثم قست

# [البقرة: 74] أو على مقدر بين  الهمزة والفاء  عند غير سيبويه، أي
~~تحسبون أن قلوبكم صالحة للإيمان فتطمعون  والطمع  تعلق النفس بإدراك
~~مطلوب تعلقا قويا  وهو أشد من الرجاء لا يحدث إلا عن قوة رغبة وشدة
~~إرادة  والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: والمؤمنين  أو للمؤمنين
~~ قاله أبو العالية وقتادة، أو للأنصار  قاله النقاش  والمروي عن ابن
~~عباس ومقاتل أنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، والجمع للتعظيم.

# { أن يؤمنوا لكم } أي يصدقوا مستجيبين لكم، فالإيمان بالمعنى
~~اللغوي والتعدية  باللام  للتضمين كما في ms00473 قوله تعالى:

# فآمن له لوط

# [العنكبوت: 26] أو يؤمنوا لأجل دعوتكم لهم فالفعل  منزل منزلة اللازم 
~~والمراد بالإيمان المعنى الشرعي  واللام لام الأجل  وعلى التقديرين {
~~أن يؤمنوا } معمول لتطمعون على إسقاط حروف الجر وهو في موضع نصب
~~عند سيبويه، وجر عند الخليل والكسائي، وضمير الغيبة لليهود المعاصرين له
~~صلى الله عليه وسلم لأنهم المطموع في إيمانهم، وقيل: المراد جنس اليهود
~~ليصح جعل طائفة منهم مطموع الإيمان وطائفة محرفين وفيه ما لا يخفى.

# { وقد كان فريق منهم } أي طائفة من أسلافهم وهم الأحبار {
~~يسمعون كلم الله ثم يحرفونه } أي يسمعون التوراة
~~ويؤولونها تأويلا فاسدا حسب أغراضهم، وإلى ذلك ذهب ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما والجمهور على أن تحريفها بتبديل كلام من تلقائهم  كما فعلوا
~~ذلك في نعته صلى الله عليه وسلم  فإنه روي أن من صفاته فيها أنه أبيض
~~ربعة فغيروه بأسمر طويل وغيروا آية الرجم بالتسخيم وتسويد الوجه  كما في
~~البخاري  وقيل: المراد بكلام الله تعالى ما سمعوه على الطور، فيكون
~~المراد من الفريق طائفة من أولئك السبعين، وقد روى الكلبي أنهم سألوا
~~موسى عليه السلام أن يسمعهم كلامه تعالى، فقال لهم: اغتسلوا والبسوا
~~الثياب النظيفة ففعلوا فأسمعهم الله تعالى كلامه، ثم قالوا: سمعنا يقول
~~في آخره: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا
~~تفعلوا. والتحريف على هذا الزيادة. ثم لا يخفى أن فيما افتروا شاهدا على
~~فساده حيث علقوا الأمر بالاستطاعة والنهي بالمشيئة  وهما لا يتقابلان 
~~وكأنهم أرادوا بالأمر غير الموجب على معنى افعلوا إن شئتم وإن شئتم فلا
~~تفعلوا كذا أفاده العلامة ومقصوده بيان منشأ تحريفهم الفاسد، فلا ينافي
~~كون عدم التقابل شاهدا على فساده، ومقتضى هذه الرواية أن هؤلاء سمعوا
~~كلامه تعالى بلا واسطة كما سمعه موسى عليه السلام، والمصحح أنهم لم
~~يسمعوا بغير واسطة، وأن ذلك مخصوص به عليه السلام، وقيل: المراد به الوحي
~~المنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم، كان جماعة من اليهود يسمعونه
~~فيحرفونه قصدا أن يدخلوا في الدين ما ms00474 ليس منه، ويحصل التضاد في أحكامه

# ويأبى الله إلا أن يتم نوره

# [التوبة: 32] وقرأ الأعمش { كلم الله }.

# { من بعد ما عقلوه } أي ضبطوه وفهموه  ولم يشتبه عليهم صحته 
~~و { ما } مصدرية أي من بعد عقلهم إياه، والضمير في { عقلوه } عائد
~~على كلام الله، وقيل: { ما } موصولة والضمير عائد عليها وهو بعيد. {
~~وهم يعلمون } متعلق العلم محذوف، أي إنهم مبطلون كاذبون، أو ما
~~في تحريفه من العقاب، وفي ذلك كمال مذمتهم، وبهذا التقرير يندفع توهم
~~تكرار ما ذكر  بعد ما عقلوه  وحاصل الآية استبعاد الطمع في أن يقع من
~~هؤلاء السفلة إيمان، وقد كان أحبارهم ومقدموهم على هذه الحالة الشنعاء،
~~ولا شك أن هؤلاء أسوأ خلقا وأقل تمييزا من أسلافهم أو استبعادا لطمع
~~في إيمان هؤلاء الكفرة المحرفين، وأسلافهم الذين كانوا زمن نبيهم فعلوا
~~ذلك فلهم فيه سابقة، وبهذا يندفع ما عسى أن يختلج في الصدر من أنه كيف
~~يلزم من إقدام بعضهم على التحريف حصول اليأس من إيمان باقيهم.

### || [2.76]

# { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا } جملة مستأنفة
~~سيقت إثر بيان ما صدر عن أسلافهم لبيان ما صدر عنهم بالذات من الشنائع
~~المؤيسة عن إيمانهم من نفاق بعض وعتاب آخرين عليهم، ويحتمل أن تكون
~~معطوفة على

# وقد كان فريق منهم

# [البقرة: 75] الخ، وقيل: معطوف على

# يسمعون

# [البقرة: 75] وقيل: على قوله تعالى:

# وإذ قتلتم نفسا

# [البقرة: 72] عطف القصة على القصة وضمير { لقوا } لليهود على طبق

# أن يؤمنوا لكم

# [البقرة: 75] وضمير { قالوا } للاقين لكن لا يتصدى الكل للقول حقيقة،
~~بل بمباشرة منافقيهم وسكوت الباقين، فهو إسناد ما للبعض للكل  ومثله
~~أكثر من أن يحصى  وهذا أدخل، كما قال مولانا  مفتي الديار الرومية  في
~~تقبيح حال الساكتين أولا: العاتبين ثانيا لما فيه من الدلالة على
~~نفاقهم واختلاف أحوالهم وتناقض آرائهم من إسناد القول إلى المباشرين خاصة
~~بتقدير المضاف، أي قال منافقوهم  كما فعله البعض  وقيل: الضمير الأول
~~لمنافقي اليهود كالثاني ليتحد فاعل الشرط والجزاء مراعاة لحق النظم
~~ويؤيده ما روي عن ابن عباس ms00475 والحسن وقتادة في تفسير { وإذا لقوا }
~~يعني منافقي اليهود المؤمنين الخلص قالوا: إلا أن السباق واللحاق  كما
~~رأيت وسترى  يبعدان ذلك، وقرأ ابن السميقع { لاقوا }.

# { وإذا خلا بعضهم إلى بعض } أي إذا انفرد بعض المذكورين
~~ وهم الساكتون منهم  بعد فراغهم عن الاشتغال بالمؤمنين متوجهين منضمين
~~إلى بعض آخر منهم وهم من نافق، وهذا كالنص على اشتراك الساكتين في لقاء
~~المؤمنين، إذ  الخلو  إنما يكون بعد الاشتغال، ولأن عتابهم معلق بمحض 
~~الخلو  ولولا إنهم حاضرون عند المقاولة لوجب أن يجعل سماعهم من تمام
~~الشرط، ولأن فيه زيادة تشنيع لهم على ما أوتوا من السكوت ثم العتاب.

# { قالوا } أي أولئك البعض الخالي موبخين لمنافقيهم على ما صنعوا
~~بحضرتهم. { أتحدثونهم بما فتح الله عليكم } أي
~~تخبرون المؤمنين بما بينه الله تعالى لكم خاصة من نعت نبيه محمد صلى الله
~~عليه وسلم أو من أخذ العهود على أنبيائكم بتصديقه صلى الله عليه وسلم
~~ونصرته، والتعبير عند  بالفتح  للإيذان بأنه سر مكتوم وباب مغلق، وفي
~~الآية إشارة إلى أنهم لم يكتفوا بقولهم: { ءامنا } بل عللوه بما ذكر،
~~وإنما لم يصرح به تعويلا على شهادة التوبيخ، ومن الناس من جوز كون هذا
~~التوبيخ من جهة المنافقين لأعقابهم وبقاياهم الذين لم ينافقوا، وحينئذ
~~يكون البعض الذي هو فاعل خلا عبارة عن المنافقين، وفيه وضع المظهر موضع
~~المضمر تكثيرا للمعنى  والاستفهام إنكار  ونهي عن التحديث في الزمان
~~المستقبل وليس بشيء  وإن جل قائله  اللهم إلا أن يكون فيه رواية صحيحة،
~~ودون ذلك خرط القتاد.

# { ليحاجوكم به } متعلق بالتحديث دون الفتح خلافا لمن تكلف له،
~~والمراد تأكيد النكير وتشديد التوبيخ، فإن التحديث  وإن كان منكرا في
~~نفسه  لكنه لهذا الغرض مما لا يكاد يصدر عن العاقل، والمفاعلة هنا غير
~~مرادة، والمراد ليحتجوا به عليكم، إلا أنه إنما أتى بها للمبالغة، وذكر
~~ابن تمجيد أنه لو ذهب أحد/ إلى المشاركة بين المحتج والمحتج عليه بأن
~~يكون من جانب احتجاج ومن جانب آخر سماع لكان له وجه  كما في بايعت زيدا ms00476
~~ وقد تقدم ما ينفعك هنا فتذكر.  واللام  هذه  لام كي  والنصب بأن
~~مضمرة بعدها أو بها، وهي مفيدة للتعليل  ولعله هنا مجاز  لأن المحدثين
~~لم يحوموا حول ذلك الغرض، لكن فعلهم ذلك  لما كان مستتبعا له البتة 
~~جعلوا كأنهم فاعلون له إظهارا لكمال سخافة عقولهم وركاكة آرائهم، وضمير
~~{ به } راجع إلى { بما فتح الله } على ما يقتضيه الظاهر.

# { عند ربكم } أي في كتابه وحكمه  وهو عند عصابة  بدل من { به
~~} ، ومعنى كونه بدلا منه أن عامله الذي هو نائب عنه بدل منه إما بدل
~~الكل إن قدر صيغة اسم الفاعل أو بدل اشتمال إن قدر مصدرا، وفائدته بيان
~~جهة الاحتجاج بما فتح الله تعالى، فإن الاحتجاج به يتصور على وجوه شتى،
~~كأنه قيل: ليحاجوكم به بكونه في كتابه، أي يقولوا: إنه مذكور في كتابه
~~الذي آمنتم به، وبما ذكر يظهر وجه الجمع بين قوله تعالى: { به } أي {
~~بما فتح الله عليكم } وقوله تعالى: { عند ربكم }
~~واندفع ما قيل لا يصح جعله بدلا لوجوب اتحاد البدل والمبدل منه في
~~الإعراب، وههنا ليس كذلك لكون الثاني ظرفا والأول مفعولا به بالواسطة،
~~وقيل: المعنى بما عند ربكم فيكون الظرف حالا من ضمير { به } وفائدته
~~التصريح بكون الاحتجاج بأمر ثابت عنده تعالى وإن كان ذلك مستفادا من
~~كونه بما فتح الله تعالى، وقيل: عند ذكر ربكم، فالكلام على حذف مضاف،
~~والمراد من الذكر الكتاب وجعل المحاجة بما فتح الله تعالى باعتبار أنه في
~~الكتاب محاجة عنده توسعا وهذه الأقوال مبنية على أن المراد بالمحاجة في
~~الدنيا وهو ظاهر لأنها دار المحاجة والتأويل في قوله تعالى: { عند
~~ربكم } وقيل: عند ربكم على ظاهره  والمحاجة يوم القيامة  واعترض
~~بأن الإخفاء لا يدفع هذه المحاجة لأنه إما لأجل أن لا يطلع المؤمنون على
~~ما يحتجون به  وهو حاصل لهم بالوحي  أو ليكون للمحتج عليهم طريق إلى
~~الإنكار، وذا لا يمكن عنده تعالى يوم القيامة ولا يظن بأهل الكتاب أنهم
~~يعتقدون أن إخفاء ما في الكتاب في الدنيا ms00477 يدفع المحاجة بكونه فيه في
~~العقبى لأنه اعتقاد منهم بأنه تعالى لا يعلم ما أنزل في كتابه وهم برآء
~~منه، والقول بأن المراد: ليحاجوكم يوم القيامة وعند المسائل، فيكون
~~زائدا في ظهور فضيحتكم وتوبيخكم على رؤس الأشهاد في الموقف العظيم، فكان
~~القوم يعتقدون أن ظهور ذلك في الدنيا يزيد ذلك في الآخرة للفرق بين من
~~اعترف وكتم، وبين من ثبت على الإنكار، أو بأن المحاجة بأنكم بلغتم
~~وخالفتم  تندفع بالإخفاء  يرد عليه أن الإخفاء حينئذ إنما يدفع
~~الاحتجاج بإقرارهم  لا بما فتح الله عليهم على أن المدفوع في الوجه
~~الأول زيادة التوبيخ والفضيحة  لا المحاجة  وقيل: { عند ربكم }
~~بتقدير  من عند ربكم  وهو معمول لقوله تعالى: { بما فتح الله
~~عليكم } وهو مما لا ينبغي أن يرتكب في فصيح الكلام، وجوز الدامغاني
~~أن يكون { عند } للزلفى أي: ليحاجوكم به متقربين إلى الله تعالى  وهو
~~بعيد أيضا  كقول بعض المتأخرين: إنه يمكن أن تجعل المحاجة به عند الرب
~~عبارة عن المباهلة في تحقق ما يحدثونه، وعليه تكون المحاجة على مقتضى
~~المفاعلة  وعندي  أن رجوع ضمير { به } لما فتح الله من حيث إنه محدث
~~به وجعل القيد هو المقصود، أو للتحديث المفهوم من { أتحدثونهم }
~~وحمل { عند ربكم } على يوم القيامة، والتزام أن الإخفاء يدفع هذا
~~الاحتجاج ليس بالبعيد  إلا أن أحدا لم يصرح به  ولعله أولى من بعض
~~الوجوه فتدبر.

# { أفلا تعقلون } عطف إما على { أتحدثونهم }  والفاء 
~~لإفادة ترتب عدم عقلهم على تحديثهم، وإما على مقدر أي ألا تتأملون فلا
~~تعقلون، والجملة مؤكدة لإنكار التحديث، وهو من تمام/ كلام اللائمين،
~~ومفعوله إما ما ذكر أولا، أو لا: مفعول له  وهو أبلغ  وقيل: هو خطاب
~~من الله تعالى للمؤمنين متصل بقوله تعالى:

# أفتطمعون

# [البقرة: 75] والمعنى: أفلا تعقلون حال هؤلاء اليهود وأن لا مطمع في
~~إيمانهم، وهم على هذه الصفات الذميمة والأخلاق القبيحة، ويبعده قوله
~~تعالى: { أولا يعلمون... }.

### || [2.77]

# { أولا يعلمون } فإنه تجهيل لهم منه تعالى فيما حكى عنهم فيكون
~~توسيط خطاب المؤمنين في أثنائه ms00478 من قبيل الفصل بين الشجرة ولحائها على أن
~~في تخصيص الخطاب بالمؤمنين تعسفا ما، وفي تعميمه للنبي صلى الله عليه
~~وسلم سوء أدب  كما لا يخفى  والاستفهام فيه للإنكار مع التقريع لأن أهل
~~الكتاب كانوا عالمين بإحاطة علمه تعالى والمقصود بيان شناعة فعلهم بأنهم
~~يفعلون ما ذكر مع علمهم.

# { أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } وفيه
~~إشارة إلى أن الآتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية أعظم وزرا  والواو
~~ للعطف على مقدر ينساق إليه الذهن  والضمير للموبخين  أي أيلومونهم
~~على التحديث المذكور مخافة المحاجة ولا يعلمون ما ذكر، وقيل: الضمير
~~للمنافقين فقط، أو لهم وللموبخين، أو لآبائهم المحرفين، والظاهر حمل ما
~~في الموضعين على العموم ويدخل فيه الكفر الذي أسروه، والإيمان الذي
~~أعلنوه، واقتصر بعض المفسرين عليهما، وقيل: العداوة والصداقة، وقيل: صفته
~~صلى الله عليه وسلم التي في التوراة المنزلة والصفة التي أظهروها افتراء
~~على الله تعالى.

# وقدم سبحانه الإسرار على الإعلان، إما لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة
~~العلن إذ ما من شيء يعلن إلا وهو أو مباديه قبل ذلك مضمر في القلب يتعلق
~~به الإسرار غالبا، فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلقه
~~بحالته الثانية، وإما للإيذان بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه من أول الأمر،
~~وإما للمبالغة في بيان شمول علمه المحيط بجميع الأشياء كان علمه بما
~~يسرون أقدم منه بما يعلنونه مع كونهما  في الحقيقة  على السوية، فإن
~~علمه تعالى ليس بطريق حصول الصورة، بل وجود كل شيء في نفسه علم بالنسبة
~~إليه تعالى، وفي هذا المعنى لا يختلف الحال بين الأشياء البارزة ولا
~~الكامنة، وعكس الأمر في قوله تعالى:

# إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به
~~الله

# [البقرة: 284] لأن الأصل فيما تتعلق المحاسبة به هو الأمور البادية دون
~~الخافية، وقرأ ابن محيصن: { أولا تعلمون }  بالتاء  فيحتمل أن
~~يكون ذلك خطابا للمؤمنين أو خطابا لهم، ثم إنه تعالى أعرض عن خطابهم
~~وأعاد الضمير إلى الغيبة إهمالا لهم، ويكون ذلك من باب الالتفات.

### || [2.78]

# { ومنهم أميون ms00479 لا يعلمون الكتب } مستأنفة مسوقة
~~لبيان قبائح جهلة اليهود أثر بيان شنائع الطوائف السالفة، وقيل: عطف على

# وقد كان فريق منهم

# [البقرة: 75] وعليه الجمع، وقيل: على

# وإذا لقوا

# [البقرة: 76] واختار بعض المتأخرين أنه وهذا الذي عطف عليه اعتراض وقع
~~في البين لبيان أصناف اليهود استطرادا لأولئك المحرفين، والأميون جمع 
~~أمي  وهو  كما في «المغرب»  من لا يكتب ولا يقرأ منسوب إلى أمة العرب
~~الذين كانوا لا يكتبون ولا يقرءون، أو إلى الأم بمعنى أنه كما ولدته أمه،
~~أو إلى أم القرى لأن أهلها لا يكتبون غالبا، والمراد أنهم جهلة، و
~~(الكتاب) التوراة  كما يقتضيه سباق النظم وسياقه  فاللام  فيه إما
~~للعهد أو أنه من الأعلام الغالبة، وجعله مصدر كتب كتابا  واللام 
~~للجنس بعيد، وقرأ ابن أبي عبلة: { أميون } بالتخفيف.

# { إلا أمانى } جمع  أمنية  وأصلها  أمنوية، أفعولة وهو في
~~الأصل ما يقدره الإنسان في نفسه من  منى  إذا قدر، ولذلك تطلق على
~~الكذب وعلى ما يتمنى وما يقرأ، والمروي عن ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهم
~~أن  الأماني  هنا  الأكاذيب  أي إلا أكاذيب أخذوها تقليدا من
~~شياطينهم المحرفين، وقيل: إلا ما هم عليه من أمانيهم أن الله تعالى يعفو
~~عنهم ويرحمهم، ولا يؤاخذهم بخطاياهم/ وأن آبائهم الأنبياء يشفعون لهم،
~~وقيل إلا مواعيد مجردة سمعوها من أحبارهم من أن الجنة لا يدخلها إلا من
~~كان هودا، وأن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة  واختاره أبو مسلم 
~~والاستثناء على ذلك منقطع لأن ما هم عليه من الأباطيل، أو سمعوه من
~~الأكاذيب ليس من الكتاب، وقيل: إلا ما يقرؤن قراءة عادية عن معرفة المعنى
~~وتدبره، فالاستثناء حينئذ متصل بحسب الظاهر، وقيل: منقطع أيضا إذ ليس
~~ما يتلى من جنس علم الكتاب، واعترض هذا الوجه بأنه لا يناسب تفسير الآتي
~~بما في «المغرب»، وأجيب بأن معناه أنه لا يقرأ من الكتاب ولا يعلم الخط؛
~~وإما على سبيل الأخذ من الغير فكثيرا ما يقرؤن من غير علم بالمعاني، ولا
~~بصور الحروف، وفيه تكلف إذ لا يقال ms00480 للحافظ الأعمى: إنه أمي، نعم إذا فسر
~~الأمي بمن لا يحسن الكتابة والقراءة على ما ذهب إليه جمع لا ينافي أن
~~يكتب ويقرأ في الجملة واستدل على ذلك بما روى البخاري ومسلم أن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم يوم صلح الحديبية أخذ الكتاب  وليس يحسن الكتب 
~~فكتب: «هذا ما قضى عليه محمد بن عبد الله» الخ، ومن فسر الأمي بما تقدم
~~أول الحديث بأن كتب فيه بمعنى أمر بالكتابة، وأطال بعض شراح الحديث
~~الكلام في هذا المقام  وليس هذا محله.

# وقرأ أبو جعفر والأعرج وابن جماز عن نافع، وهارون عن أبي عمرو {
~~أمانى } بالتخفيف.

# { وإن هم إلا يظنون } الاستثناء مفرغ والمستثنى محذوف
~~أقيمت صفته مقامه، أي ما هم إلا قوم قصارى أمرهم الظن من غير أن يصلوا
~~إلى مرتبة العلم  فأنى يرجى منهم الإيمان المؤسس على قواعد اليقين  وقد
~~يطلق الظن على ما يقابل العلم اليقيني عن دليل قاطع سواء قطع بغير دليل،
~~أو بدليل غير صحيح، أو لم يقطع، فلا ينافي نسبة الظن إليهم إن كانوا
~~جازمين.

### || [2.79]

# { فويل للذين يكتبون الكتب بأيديهم }  الويل
~~ مصدر لا فعل له من لفظه، وما ذكر من قولهم: وأل مصنوع  كما في «البحر»
~~ ومثله ويح وويب وويس وويه وعول، ولا يثنى ولا يجمع ويقال: ويلة ويجمع
~~على ويلات وإذا أضيف فالأحسن فيه النصب  ولا يجوز غيره عند بعض  وإذا
~~أفردته اختير  الرفع  ومعناه الفضيحة والحسرة وقال الخليل: شدة الشر؛
~~وابن المفضل  الحزن  وغيرها  الهلكة  وقال الأصمعي: هي كلمة تفجع وقد
~~تكون ترحما ومنه  ويل أمه مسعر حرب  وورد من طرق صححها الحفاظ عن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " الويل واد في جهنم يهوي به الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره "

# وفي بعض الروايات:

# " إنه جبل فيها "

# وإطلاقه على ذلك إما حقيقة شرعية، وإما مجاز لغوي من إطلاق لفظ الحال
~~على المحل ولا يمكن أن يكون حقيقة لغوية لأن العرب تكلمت به في نظمها
~~ونثرها قبل أن يجىء القرآن ms00481 ولم تطلقه على ذلك وعلى كل حال هو هنا مبتدأ
~~خبره { للذين } فإن كان علما لما في الخبر فظاهر، وإلا فالذي سوغ
~~الابتداء به كونه دعاء، وقد حول عن المصدر المنصوب للدلالة على الدوام
~~والثبات، ومثله يجوز فيه ذلك لأنه غير مخبر عنه، وقيل: لتخصص النكرة فيه
~~بالداعي كما تخصص سلام في  سلام عليك  بالمسلم فإن المعنى  سلامي عليك
~~ وكذلك المعنى ههنا  دعائي عليهم بالهلك ثابت لهم  والكتابة معروفة.
~~وذكر الأيدي تأكيدا لدفع توهم المجاز، ويقال: أول من كتب بالقلم إدريس،
~~وقيل: آدم عليهما السلام، والمراد بالكتاب المحرف، وقد روي أنهم كتبوا في
~~التوراة ما يدل على خلاف صورة النبي صلى الله عليه وسلم وبثوها في
~~سفهائهم وفي العرب وأخفوا تلك النسخ التي كانت عندهم بغير تبديل وصاروا
~~إذا سئلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: ما هذا هو الموصوف عندنا
~~في التوراة ويخرجون التوراة المبدلة ويقرؤنها ويقولون: هذه التوراة التي
~~أنزلت من عند الله، ويحتمل أن يكون/ المراد به ما كتبوه من التأويلات
~~الزائغة وروجوه على العامة، وقد قال بعض العلماء: ما انفك كتاب منزل من
~~السماء من تضمن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ولكن بإشارة لا يعرفها إلا
~~العالمون، ولو كان متجليا للعوام لما عوتب علماؤهم في كتمانه، ثم ازداد
~~ذلك غموضا بنقله من لسان إلى لسان، وقد وجد في التوراة ألفاظ إذا
~~اعتبرتها وجدتها دالة على صحة نبوته عليه الصلاة والسلام بتعريض هو عند
~~الراسخين جلي، وعند العامة خفي، فعمد إلى ذلك أحبار من اليهود فأولوه،
~~وكتبوا تأويلاتهم المحرفة بأيديهم.

# { ثم يقولون هذا من عند الله } إعظاما لشأنه
~~وتمكينا له في قلوب أتباعهم الأميين، و { ثم } للتراخي الرتبي، فإن
~~نسبة المحرفة والتأويل الزائغ إلى الله سبحانه صريحا أشد شناعة من نفس
~~التحريف والتأويل، والإشارة إما إلى الجميع، أو إلى الخصوص.

# { ليشتروا به ثمنا قليلا } أي ليحصلوا  بما أشاروا إليه
~~ غرضا من أغراض الدنيا الدنيئة، وهو  وإن جل  أقل قليل بالنسبة إلى
~~ما استوجبوه من العذاب ms00482 الدائم، وحرموه من الثواب المقيم، وهو علة للقول 
~~كما في «البحر»  ولا أرى في الآية دليلا على المنع من أخذ الأجرة على
~~كتابة المصاحف، ولا على كراهية بيعها، والأعمش تأول الآية واستدل بها على
~~الكراهة  وطرف المنصف أعمى عن ذلك  نعم ذهب إلى الكراهة جمع منهم ابن
~~عمر رضي الله تعالى عنهما  وبه قال بعض الأئمة : لكن لا أظنهم يستدلون
~~بهذه الآية، وتمام البحث في محله.

# { فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم
~~مما يكسبون }  الفاء  لتفصيل ما أجمل في قوله تعالى: {
~~فويل للذين يكتبون } الخ، حيث يدل على ثبوت الويل
~~للموصوفين بما ذكر لأجل اتصافهم به بناء على التعليق بالوصف من غير
~~دلالة على أن ثبوته لأجل مجموع ما ذكر أولا  بل كل واحد  فبين ذلك
~~بقوله: { ويل لهم } الخ مع ما فيه من التنصيص بالعلة، ولا يخفى ما
~~في هذا الإجمال والتفصيل من المبالغة في الوعيد والزجر والتهويل.

# و (من) تعليلية متعلقة بويل أو بالاستقرار في الخبر، و (ما) قيل: موصولة
~~اسمية، والعائد محذوف، أي: كتبته وقيل: مصدرية والأول: أدخل في الزجر عن
~~تعاطي المحرف والثاني: في الزجر عن التحريف و (ما) الثانية مثلها، ورجح
~~بعضهم المصدرية في الموضعين  لفظا ومعنى  لعدم تقدير العائد، ولأن
~~مكسوب العبد حقيقة فعله الذي يعاقب عليه ويثاب، وذكر بعض المحققين أن
~~التحقيق أن العبد كما يعاقب على نفس فعله، يعاقب على أثر فعله، لإفضائه
~~إلى حرام آخر  وهو هنا يفضي إلى إضلال الغير وأكل الحرام  وغاير بين
~~الآيتين بأنه بين في الأولى: استحقاقهم العقاب بنفس الفعل وفي الثانية:
~~استحقاقهم له بأثره، ولذا جاء  بالفاء  ولا يخفى أنه كلام خال عن
~~التحقيق  كما لا يخفى على أرباب التدقيق  ومما ذكرنا ظهر فائدة ذكر 
~~الويل  ثلاث مرات، وقيل: فائدته أن اليهود جنوا ثلاث جنايات. تغيير صفة
~~النبي صلى الله عليه وسلم، والافتراء على الله تعالى، وأخذ الرشوة.
~~فهددوا بكل جناية  بالويل  وكأنه جعل محط الفائدة في قوله تعالى: {
~~فويل للذين } إلى آخر المعطوف كما ms00483 في خبر

# " لا يؤمن الرجل قوما فيخص نفسه بالدعاء "

# وهو  على بعده  لا يظهر عليه وجه إيراد  الفاء  في الثاني، ثم
~~الظاهر أن مفعول الكسب خاص  وهو ما دل عليه سياق الآية  وقيل: المراد
~~ب { ما يكسبون } جميع الأعمال السيئة ليشمل القول  ولا يخفى
~~بعده  وعدم التعرض للقول لما أنه من مبادىء ترويج ما كتبت أيديهم
~~والآية نزلت في أحبار اليهود الذين خافوا أن تذهب رياستهم بإبقاء صفة
~~النبي صلى الله عليه وسلم على حالها فغيروها، وقيل: خاف ملوكهم على
~~ملكهم  إذا آمن الناس  فرشوهم فحرفوا،/ والقول بأنها نزلت في الذين لم
~~يؤمنوا بنبي ولم يتبعوا كتابا، بل كتبوا بأيديهم كتابا وحللوا فيه ما
~~اختاروا، وحرموا ما اختاروا، وقالوا: هذا من عند الله غير مرضي، كالقول
~~بأنها نزلت في عبد الله بن سرح كاتب النبي صلى الله عليه وسلم كان يغير
~~القرآن فارتد.

### || [2.80]

# { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة }
~~جملة حالية معطوفة على قوله تعالى:

# وقد كان فريق منهم

# [البقرة: 75] عند فريق منهم، وعند آخرين على

# وإذ قتلتم

# [البقرة: 72] عطف قصة على قصة، واختار بعض المحققين أنها اعتراض لرد ما
~~قالوا حين أوعدوا  على ما تقدم  بالوليل  بل جميع الجمل عنده من قوله
~~تعالى:

# أفتطمعون

# [البقرة: 75] إلى قوله تعالى:

# وإذ أخذنا ميثق

# [البقرة: 83] الخ، ذكر استطرادا بين القصتين المعطوفتين، فالضمير في {
~~قالوا } عائد على

# للذين يكتبون الكتب

# [البقرة: 79]  والمس  اتصال أحد الشيئين بآخر  على وجه الإحساس
~~والإصابة  وذكر الراغب أنه كاللمس، لكن اللمس قد يقال لطلب الشيء  وإن
~~لم يوجد  كقوله:

# وألمسه فلا أجده

# والمراد من النار نار الآخرة، ومن المعدودة المحصورة القليلة، وكنى 
~~بالمعدودة  عن القليلة لما أن الأعراب لعدم علمهم بالحساب وقوانينه
~~تصور القليل متيسر العدد والكثير متعسره، فقالوا: شيء معدود  أي قليل 
~~وغير معدود  أي كثير  والقول بأن  القلة  تستفاد من أن الزمان  إذا
~~كثر  لا يعد بالأيام، بل بالشهور والسنة والقرن يشكل بقوله تعالى:

# كتب عليكم الصيام

# [البقرة: 183] إلى

# أياما معدودت

# [البقرة: 184] وبقوله سبحانه: ms00484

# وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة

# [البقرة: 51] وروي عنهم أنهم يعذبون أربعين يوما عدد عبادتهم العجل؛ ثم
~~ينادى أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل، وفي رواية أنهم يعذبون سبعة أيام
~~لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوم، وهي سبعة آلاف سنة. وروي عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما، أنهم زعموا أنهم وجدوا مكتوبا في التوراة إن ما
~~بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، وأنهم
~~يقطعون في كل يوم مسيرة سنة فيكملونها، وقد قالوا ذلك حين دخل النبي صلى
~~الله عليه وسلم المدينة وسمعه المسلمون فنزلت هذه الآية.

# { قل أتخذتم عند الله عهدا } تبكيت لهم وتوبيخ 
~~والعهد  مجاز عن خبره تعالى، أو وعده بعدم مساس النار لهم سوى  الأيام
~~المعدودة  وسمي ذلك عهدا لأنه أوكد من العهود المؤكدة بالقسم والنذر،
~~وفسره قتادة هنا بالوعد مستشهدا بقوله تعالى:

# ومنهم من عهد الله

# [التوبة: 75] إلى قوله سبحانه:

# بما أخلفوا الله ما وعدوه

# [التوبة: 77].

# واعترض: بأنه لا وجه للتخصيص، فإن { لن تمسنا } الخ فرع الوعد
~~والوعيد لأن مساس النار وعيد، وأجيب بأنه إنما لم يتعرض للوعيد، لأن
~~المقصود بالاستفهام الوعد  لا الوعيد  فإنه ثابت في حقهم. وروي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أن معنى الآية هل قلتم لا إله إلا الله،
~~وآمنتم وأطعتم فتستدلون بذلك وتعلمون خروجكم من النار؟ ويؤول إلى هل
~~أسلفتم عند الله أعمالا توجب ما تدعون؟ والمعنى الأول أظهر.

# وقرأ ابن كثير وحفص بإظهار  الذال  والباقون بإدغامه، وحذفت من اتخذ 
~~همزة الوصل  لوقوعها في الدرج.

# { فلن يخلف الله عهده } جواب شرط مقدر، أي إن اتخذتم عند
~~الله عهدا فلن يخلف وقدره العلامة إن كنتم اتخذتم  إذ ليس المعنى على
~~الاستقبال  وهو مبني على أن حرف الشرط لا يغير معنى  كان  وفيه خلاف
~~معروف فإن قلت: لا يصح جعل { فلن يخلف الله } جزاء لامتناع
~~السببية والترتب لكون { لن } لمحض الاستقبال قلت: ذلك ليس بلازم في 
~~الفاء الفصيحة  كقوله:

# قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ms00485

# ثم القفول فقد جئنا خراسانا

# /  ولو سلم  فقد ترتب على اتخاذ العهد الحكم بأنه لا يخلف العهد فيما
~~يستقبل من الزمان فقط، كما في قوله تعالى:

# وما بكم من نعمة فمن الله

# [النحل: 53] كذا أفاده العلامة، والجواب الأول: مبني على أن  الفاء
~~الفصيحة  لا تنافي تقدير الشرط، وأنها تفيد كون مدخولها سببا عن
~~المحذوف سواء ترتب عليه أو تأخر لتوقفه على أمر آخر بدليل أن قوله:

# فقد جئنا خراسانا

# علم عندهم في  الفصيحة  مع كونه بتقدير الشرط وعدم الترتب  كما في
~~«شرح المفتاح الشريفي»  ومبنى الثاني: على أن المراد حكمهم لا حكمه
~~تعالى حين النزول، ولخفاء ذلك قال المولى عصام:  الأظهر  أنه دليل
~~الجزاء وضع موضعه، أي إن كنتم اتخذتم عند الله عهدا فقد نجوتم لأنه لن
~~يخلف الله عهده فافهم. ومن الناس من لا يقدر محذوفا ويجعل  الفاء 
~~سببية ليكون اتخاذ العهد مترتبا عليه عدم إخلاف الله تعالى عهده ويكون
~~المنكر حينئذ المجموع فتفطن. وهذه الجملة  كما قال ابن عطية  اعتراضية
~~بين { اتخذتم } والمعادل فلا موضع لها من الإعراب.

# وإظهار الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم فإن عدم الإخلاف من قضية
~~الألوهية والعهد مضاف إلى ضميره تعالى لذلك أيضا، أو لأن المراد به جميع
~~عهوده لعمومه بالإضافة، فيدخل العهد المعهود مع التجافي عن التصريح بتحقق
~~مضمون كلامهم، وإن كان معلقا على الاتخاذ المعلق بحبال العدم واستدل
~~بالآية من ذهب إلى نفي الخلف في الوعد والوعيد بحمل العهد على الخبر
~~الشامل لهما، وادعى بعضهم أن العهد ظاهر في الوعد بل حقيقة عرفية فيه فلا
~~دليل فيها على نفي الخلف في الوعيد.

# { أم تقولون على الله ما لا تعلمون }  { أم } يحتمل
~~أن تكون متصلة للمعادلة بين شيئين بمعنى أي هذين واقع اتخاذكم العهد  أم
~~قولكم على الله ما لا تعلمون  وخرج ذلك مخرج المتردد في تعيينه على سبيل
~~التقرير لأولئك المخاطبين لعلم المستفهم  وهو النبي صلى الله عليه وسلم
~~ بوقوع أحدهما، وهو قولهم بما لا يعلمون على التعيين فلا يكون الاستفهام
~~على ms00486 حقيقته، ويعلم من هذا أن الواقع بعد { أم } المتصلة قد يكون جملة
~~لأن التسوية قد تكون بين الحكمين  وبهذا صرح ابن الحاجب في «الإيضاح»،
~~ويحتمل أن تكون منقطعة بمعنى  بل  والتقدير بل أتقولون، ومعنى بل فيها
~~الإضراب والانتقال من التوبيخ بالإنكار على الاتخاذ إلى ما تفيد همزتها
~~من التوبيخ على القول، وظاهر كلام صاحب «المفتاح» تعين الانقطاع حيث جعل
~~علامة المنقطعة كون ما بعدها جملة، وإنما علق التوبيخ بإسنادهم إليه
~~سبحانه وتعالى ما لا يعلمون وقوعه مع أن ما أسندوه إليه تعالى من قبيل ما
~~يعلمون عدم وقوعه المبالغة في التوبيخ، فإن التوبيخ على الأدنى يستلزم
~~التوبيخ على الأعلى بطريق الأولى، وقولهم المحكي  وإن لم يكن صريحا
~~بالافتراء عليه جل شأنه  لكنه مستلزم له لأن ذلك الجزم لا يكون إلا
~~بإسناد سببه إليه تعالى.

### || [2.81]

# جواب عن قولهم المحكي وإبطال له على وجه أعم شامل لهم ولسائر الكفرة،
~~كأنه قال: بل تمسكم وغيركم دهرا طويلا وزمانا مديدا  لا كما تزعمون
~~ ويكون ثبوت الكلية كالبرهان على إبطال ذلك بجعله كبرى لصغرى سهلة
~~الحصول فبلى داخلة على ما ذكر بعدها وإيجاز الاختصار أبلغ من إيجاز
~~الحذف، وزعم بعضهم أنها داخلة على محذوف وأن المعنى على تمسكم أياما
~~معدودة  وليس بشيء  وهي حرف جواب  كجير ونعم  إلا أنها لا تقع جوابا
~~إلا لنفي متقدم سواء دخله استفهام أم لا، فتكون إيجابا له، وهي بسيطة.
~~وقيل: أصلها  بل  فزيدت عليها  الألف  والكسب جلب النفع  والسيئة 
~~الفاحشة الموجبة للنار، قاله السدي، وعليه تفسير من فسرها بالكبيرة/
~~لأنها التي توجب النار  أي يستحق فاعلها النار إن لم يغفر له  وذهب
~~كثير من السلف إلى أنها هنا  الكفر  وتعليق  الكسب بالسيئة  على
~~طريقة التهكم، وقيل: إنهم بتحصيل السيئة استجلبوا نفعا قليلا فانيا،
~~فبهذا الاعتبار أوقع عليه الكسب، والمراد  بالإحاطة  الاستيلاء والشمول
~~وعموم الظاهر والباطن  والخطيئة  السيئة، وغلبت فيما يقصد بالعرض أي لا
~~يكون مقصودا في نفسه بل يكون القصد إلى شيء آخر، لكن تولد منه ذلك الفعل ms00487
~~كمن رمى صيدا فأصاب إنسانا، وشرب مسكرا فجنى جناية، قال بعض المحققين:
~~ولذلك أضاف الإحاطة إليها إشارة إلى أن السيئات باعتبار وصف الإحاطة
~~داخلة تحت القصد بالعرض لأنها بسبب نسيان التوبة، ولكونها راسخة فيه
~~متمكنة حال الإحاطة أضافها إليه بخلاف حال الكسب فإنها متعلق القصد
~~بالذات وغير حاصلة فيه فضلا عن الرسوخ؛ فلذا أضاف الكسب إلى سيئة
~~ونكرها، وإضافة الأصحاب إلى النار على معنى الملازمة لأن الصحبة وإن شملت
~~القليل والكثير لكنها في العرف تخص بالكثرة والملازمة، ولذا قالوا: لو
~~حلف من لاقى زيدا أنه لم يصحبه لم يحنث.

# والمراد  بالخلود  الدوام، ولا حجة في الآية على خلود صاحب الكبيرة
~~لأن الإحاطة إنما تصح في شأن الكافر لأن غيره إن لم يكن له سوى تصديق
~~قلبه وإقرار لسانه فلم تحط خطيئته به لكون قلبه ولسانه منزها عن
~~الخطيئة، وهذا لا يتوقف على كون التصديق والإقرار حسنتين، بل على أن لا
~~يكونا سيئتين فلا يرد البحث بأن الخصم يجعل العمل شرطا لكونهما حسنتين
~~كما يجعل الاعتقاد شرطا لكون الأعمال حسنات فلا يتم عنده أن الإحاطة
~~إنما تصح في شأن الكافر، ولا يحتاج إلى الدفع بأن المقصود أنه لا حجة له
~~في الآية، وهذا يتم بمجرد كون الإحاطة ممنوعة في غير الكافر، فلو ثبت أن
~~العمل داخل في الإيمان صارت الآية حجة  ودون إثباته خرط القتاد  ثم إن
~~نفي الحجية بحمل الإحاطة على ما ذكر إنما يحتاج إليه إذا كانت السيئة
~~والخطيئة بمعنى واحد  وهو مطلق الفاحشة  أما إذا فسرت السيئة بالكفر أو
~~ الخطيئة  به حسبما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما وأبي هريرة رضي الله تعالى عنه وابن جرير عن أبي وائل ومجاهد
~~وقتادة وعطاء والربيع، فنفي الحجية أظهر من نار على علم.

# ومن الناس من نفاها بحمل  الخلود  على أصل الوضع وهو اللبث الطويل 
~~وليس بشيء  لأن فيه تهوين الخطب في مقام التهويل مع عدم ملائمته حمل
~~الخلود في الجنة على الدوام؛ وكذا لا حجة ms00488 في قوله تعالى:

# وقالوا لن تمسنا النار

# [البقرة: 80] الخ بناء على ما زعمه الجبائي حيث قال: دلت الآية على أنه
~~تعالى ما وعد موسى ولا سائر الأنبياء بعده بإخراج أهل الكبائر والمعاصي
~~من النار بعد التعذيب، وإلا لما أنكر على اليهود بقوله تعالى:

# قل أتخذتم

# [البقرة: 80] الخ وقد ثبت أنه تعالى أوعد العصاة بالعذاب زجرا لهم عن
~~المعاصي فقد ثبت أن يكون عذابهم دائما وإذا ثبت في سائر الأمم وجب ثبوته
~~في هذه الأمة إذ الوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم إذا كان قدر المعصية
~~واحدا لأن ما أنكر الله عليهم جزمهم بقلة العذاب لانقطاعه مطلقا  على
~~أن ذلك في حق الكفار لا العصاة كما لا يخفى .

# و { من } تحتمل أن تكون شرطية، وتحتمل أن تكون موصولة، والمسوغات
~~لجواز دخول  الفاء  في الخبر إذا كان المبتدأ موصولا موجودة، ويحسن
~~الموصولية مجىء الموصول في قسيمه وإيراد اسم الإشارة المنبىء عن استحضار
~~المشار إليه بما له من الأوصاف للإشعار بعليتها لصاحبية النار وما فيه من
~~معنى البعد للتنبيه على بعد منزلتهم في الكفر والخطايا، وإنما أشير إليهم
~~بعنوان الجمعية مراعاة لجانب المعنى في كلمة { من } بعد مراعاة جانب
~~اللفظ في الضمائر الثلاثة لما أن ذلك هو المناسب لما أسند إليهم في تينك
~~الحالتين، فإن كسب السيئة وإحاطة الخطيئة به في حالة الإفراد  وصاحبية
~~النار في حالة الاجتماع  / قاله بعض المحققين  ولا يخلو عن حسن .

# وقرأ نافع: { خطيآته } وبعض { خطياه } و { خطيته } و { خطياته } بالقلب
~~والإدغام، واستحسنوا قراءة الجمع بأن الإحاطة لا تكون بشيء واحد، ووجهت
~~قراءة الإفراد بأن  الخطيئة  وإن كانت مفردة لكنها لإضافتها متعددة، مع
~~أن الشيء الواحد قد يحيط كالحلقة فلا تغفل.

### || [2.82]

# لما ذكر سبحانه أهل النار وما أعد لهم من الهلاك أتبع ذلك بذكر أهل
~~الإيمان وما أعد لهم من الخلود في الجنان، وقد جرت عادته جل شأنه على أن
~~يشفع وعده بوعيده مراعاة لما تقتضيه الحكمة في إرشاد العباد من الترغيب
~~تارة والترهيب أخرى، وقيل: إن ms00489 في الجمع تربية الوعيد بذكر ما فات أهله من
~~الثواب، وتربية الوعد بذكر ما نجا منه أهله من العقاب، وعطف العمل على
~~الإيمان يدل على خروجه عن مسماه  إذ لا يعطف الجزء على الكل  ولا يدل
~~على عدم اشتراطه به حتى يدل على أن صاحب الكبيرة غير خارج عن الإيمان،
~~وتكون الآية حجة على الوعيدية  كما قاله المولى عصام  فإن قلت: للمخالف
~~أن يقول: العطف للتشريف لكون العمل أشق وأحمز من التصديق وأفضل الأعمال
~~أحمزها، أجيب بأن الإيمان أشرف من العمل لكونه أساس جميع الحسنات إذ
~~الأعمال ساقطة عن درجة الاعتبار عند عدمه ويخطر في البال إنه يمكن أن
~~يكون لذكر العمل الصالح هنا مع الإيمان نكتة، وهو أن يكون الإيمان في
~~مقابلة السيئة المفسرة بالكفر  عند بعض  والعمل الصالح في مقابلة
~~الخطيئة المفسرة بما عداه والمراد من (الذين آمنوا) أمة محمد صلى الله
~~عليه وسلم ومؤمنو الأمم قبلهم، قاله ابن عباس وغيره  وهو الظاهر  وقال
~~ابن زيد: المراد بهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمته خاصة وذكر  الفاء
~~ فيما سبق وتركها هنا إما لأن الوعيد من الكريم مظنة الخلف دون الوعد
~~فكان الأول حريا بالتأكيد دون الثاني، وإما للإشارة إلى سبق الرحمة فإن
~~النحاة قالوا: من دخل داري فأكرمه  يقتضي إكرام كل داخل لكن على خطر أن
~~لا يكرم  وبدون  الفاء  يقتضي إكرامه البتة، وإما للإشارة إلى أن
~~خلودهم في النار بسبب أفعالهم السيئة وعصيانهم وخلودهم في الجنة بمحض
~~لطفه تعالى وكرمه، وإلا فالإيمان والعمل الصالح لا يفي بشكر ما حصل للعبد
~~من النعم العاجلة  وإلى كل ذهب بعض  والقول بأن ترك  الفاء  هنا
~~لمزيد الرغبة في ذكر ما لهم ليس بشيء.

### || [2.83]

# { وإذ أخذنا ميثق بنى إسرءيل } شروع في تعداد بعض آخر
~~من قبائح أسلاف اليهود مما ينادي باستبعاد إيمان أخلافهم، وقيل: إنه نوع
~~آخر من النعم التي خصهم الله تعالى بها، وذلك لأن التكليف بهذه الأشياء
~~موصل إلى أعظم النعم  وهو الجنة  والموصل إلى النعمة نعمة، وهذا ms00490 
~~الميثاق  ما أخذ عليهم على لسان موسى وغيره من أنبيائهم عليهم السلام،
~~أو ميثاق أخذ عليهم في التوراة، وقول مكي: إنه ميثاق أخذه الله تعالى
~~عليهم وهم في أصلاب آبائهم كالذر لا يظهرهم وجهه هنا.

# { لا تعبدون إلا الله } على إرادة القول أي قلنا أو قائلين
~~ليرتبط بما قبله وهو إخبار في معنى النهي كقوله تعالى:

# لا يضار كاتب ولا شهيد

# [البقرة: 282] وكما تقول: تذهب إلى فلان وتقول له كيت وكيت، وإلى ذلك
~~ذهب الفراء، ويرجحه أنه أبلغ من صريح النهي لما فيه من إيهام أن المنهي
~~كأنه سارع إلى ذلك فوقع منه حتى أخبر عنه بالحال أو الماضي أي ينبغي أن
~~يكون كذلك فلا يرد أن حال المخبر عنه على خلافه وأنه قرأ ابن مسعود {
~~لا تعبدوا } على النهي وأن { قولوا } عطف عليه فيحصل التناسب
~~المعنوي بينهما في كونهما إنشاء، وإن كان يجوز عطف الإنشاء على الإخبار
~~فيما له محل من الإعراب، وقيل: تقديره أن لا تعبدوا، فلما حذف الناصب
~~ارتفع الفعل، ولا يجب الرفع بعد الحذف في مثل ذلك خلافا لبعضهم  وإلى
~~هذا ذهب الأخفش  ونظيره من نثر العرب/ مره يحفرها ومن نظمها:

# ألا أيها الزاجري احضر الوغى

# وإن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

# ويؤيد هذا قراءة { أن لا تعبدوا } ويضعفه أن (أن) لا تحذف
~~قياسا في مواضع ليس هذا منها؛ فلا ينبغي تخريج الآية عليه، وعلى تخريجها
~~عليه فهو مصدر مؤول بدل من الميثاق أو مفعول به بحذف حرف الجر أي بأن لا
~~أو على أن لا، وقيل: إنه جواب قسم دل عليه الكلام، أي حلفناهم لا تعبدون،
~~أو جواب الميثاق نفسه لأن له حكم القسم، وعليه يخلو الكلام عما مر في وجه
~~رجحان الأول، وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو عمرو، وعاصم، ويعقوب،  بالتاء
~~ حكاية لما خوطبوا به والباقون  بالياء  لأنهم غيب، وفي الآية حينئذ
~~التفاتان في  لفظ الجلالة  و (يعبدون).

# { وبالولدين إحسانا } متعلق بمضمر تقديره وتحسنون، أو
~~أحسنوا، والجملة معطوفة على (تعبدون) وجوز تعلقه ب (إحسانا) ms00491 وهو يتعدى
~~بالباء، وإلى ك

# أحسن بى إذ أخرجنى من السجن

# [يوسف: 100]

# وأحسن كما أحسن الله إليك

# [القصص: 77] ومنع تقدم معمول المصدر عليه مطلقا ممنوع، ومن المعربين من
~~قدر استوصوا فبالوالدين متعلق به و (إحسانا) مفعوله، ومنهم من قدر
~~ووصيناهم فإحسانا مفعول لأجله، والوالدان تثنية والد لأنه يطلق على الأب
~~والأم أو تغليب بناء على أنه لا يقال إلا للأب كما ذهب إليه الحلبي،
~~وقد دلت الآية على الحث ببر الوالدين وإكرامهما، والآيات والأحاديث في
~~ذلك كثيرة، وناهيك احتفالا بهما أن الله عز اسمه قرن ذلك بعبادته.

# { وذى القربى واليتمى والمسكين } عطف على
~~(الوالدين) والقربى مصدر كالرجعى  والألف  فيه للتأنيث وهي قرابة
~~الرحم والصلب. واليتامى وزنه فعالى  وألفه  للتأنيث، وهو جمع يتيم
~~كنديم وندامى، ولا ينقاس، ويجمع على أيتام. واليتم أصل معناه الإنفراد،
~~ومنه: الدرة اليتيمة، وقال ثعلب: الغفلة، وسمي اليتيم يتيما لأنه يتغافل
~~عن بره، وقال أبو عمرو: الإبطاء لإبطاء البر عنه، وهو في الآدميين من قبل
~~الآباء  ولا يتم بعد بلوغ  وفي البهائم من قبل الأمهات، وفي الطيور من
~~جهتهما. وحكى الماوردي أنه يقال في الآدميين لمن فقدت أمه أيضا  والأول
~~هو المعروف  والمساكين جمع مسكين على وزن مفعيل مشتق من السكون، كأن
~~الحاجة أسكنته  فالميم  زائدة كمحضير من الحضور، وروي تمسكن فلان 
~~والأصح تسكن أي صار مسكينا  والفرق بينه وبين الفقير معروف  وسيأتي إن
~~شاء الله تعالى .

# وقد جاء هذا الترتيب اعتناء بالأوكد فالأوكد، فبدأ بالوالدين إذ لا
~~يخفى تقدمهما على كل أحد في الإحسان إليهما، ثم بذي القربى لأن صلة
~~الأرحام مؤكدة، ولمشاركة الوالدين في القرابة وكونهما منشأ لها وقد ورد
~~في الأثر

# " إن الله تعالى خاطب الرحم فقال: أنت الرحم وأنا الرحمن أصل من وصلك
~~وأقطع من قطعك "

# ، ثم باليتامى لأنهم لا قدرة لهم تامة على الاكتساب، وقد جاء:

# " أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين "

# وأشار صلى الله عليه وسلم إلى السبابة والوسطى وتأخرت درجة المساكين لأن
~~المسكين يمكنه أن يتعهد نفسه بالاستخدام ويصلح معيشته ms00492 مهما أمكن بخلاف
~~اليتيم  فإنه لصغره لا ينتفع به  ويحتاج إلى من ينفعه وأفرد (ذي
~~القربى)  كما في «البحر»  لأنه أريد به الجنس، ولأن إضافته إلى المصدر
~~يندرج فيه كل ذي قرابة، وكأن فيه إشارة إلى أن ذوي القربى  وإن كثروا 
~~كشيء واحد لا ينبغي أن يضجر من الإحسان إليهم.

# { وقولوا للناس حسنا } أي قولا حسنا  سماه به للمبالغة 
~~وقيل: هو لغة في الحسن كالبخل والبخل والرشد والرشد، والعرب والعرب،
~~والمراد قولوا لهم القول الطيب وجاوبوهم بأحسن ما يحبون  قاله أبو
~~العالية  وقال سفيان الثوري: مروهم بالمعروف وانهوهم/ عن المنكر، وقال
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قولوا لهم لا إله إلا الله مروهم بها،
~~وقال ابن جريج: أعلموهم بما في كتابكم من صفة رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم  وقول أبي العالية في المرتبة العالية  والظاهر أن هذا الأمر من
~~جملة الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل: ومن قال: إن المخاطب به الأمة وهو
~~محكم أو منسوخ بآية السيف أو إن الناس مخصوص بصالحي المؤمنين إذ لا يكون
~~القول الحسن مع الكفار والفساق لأنا أمرنا بلعنهم وذمهم ومحاربتهم  فقد
~~أبعد .

# وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب { حسنا }  بفتحتين  وعطاء وعيسى 
~~بضمتين  وهي لغة الحجاز وأبو طلحة بن مصرف { حسنى } على وزن فعلى،
~~واختلف في وجهه فقيل: هو مصدر كرجعى، واعترضه أبو حيان بأنه غير مقيس ولم
~~يسمع فيه، وقيل: هو صفة كحبلى أي مقالة أو كلمة حسنى وفي الوصف بها وجهان
~~أحدهما: أن تكون باقية على أنها للتفضيل واستعمالها بغير الألف واللام
~~والإضافة للمعرفة نادر وقد جاء ذلك في الشعر كقوله:

# وإن دعوت إلى جلى ومكرمة

# يوما كرام سراة الناس فادعينا

# وثانيهما: أن تجرد عن التفضيل فتكون بمعنى  حسنة  كما قالوا ذلك في:
~~(يوسف أحسن إخوته) وقرأ الجحدري: { إحسنا } على أنه مصدر أحسن الذي
~~همزته للصيرورة كما تقول: أعشبت الأرض إعشابا أي صارت ذا عشب فهو حينئذ
~~نعت لمصدر محذوف أي قولا ذا حسن.

# { وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة } أراد سبحانه بهما
~~ما ms00493 فرض عليهم في ملتهم لأنه حكاية لما وقع في زمان موسى عليه السلام
~~وكانت زكاة أموالهم  كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قربانا
~~تهبط إليها نار فتحملها  وكان ذلك علامة القبول  وما لا تفعل النار به
~~كذلك كان غير متقبل، والقول بأن المراد بهما هذه الصلاة وهذه الزكاة
~~المفروضتان علينا، والخطاب لمن بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم من أبناء
~~اليهود لا غير، والأمر بهما كناية عن الأمر بالإسلام، أو للإيذان بأن
~~الكفار مخاطبون بالفروع أيضا ليس بشيء كما لا يخفى.

# { ثم توليتم } أي أعرضتم عن الميثاق ورفضتموه. و { ثم }
~~للاستبعاد أو لحقيقة التراخي فيكون توبيخا لهم بالارتداد بعد الانقياد
~~مدة مديدة وهو أشنع من العصيان من الأول، وقد ذكر بعض المحققين أنه إذا
~~جعل ناصب الظرف خطابا له صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فهذا التفات إلى
~~خطاب بني إسرائيل جميعا بتغليب أخلافهم على أسلافهم لجريان ذكرهم كلهم
~~حينئذ على نهج الغيبة، فإن الخطابات السابقة للأسلاف محكية بالقول
~~المقدر قبل { لا تعبدون } كأنهم استحضروا عند ذكر جناياتهم فنعيت
~~عليهم  وإن جعل خطابا لليهود المعاصرين  فهذا تعميم للخطاب بتنزيل
~~الأسلاف منزلة الأخلاف كما أنه تعميم للتولي بتنزيل الأخلاف منزلة
~~الأسلاف للتشديد في التوبيخ، وقيل: الالتفات إنما يجىء على قراءة { لا
~~يعبدون } بالغيبة، وأما على قراءة الخطاب  فلا التفات  ومن الناس
~~من جعل هذا الخطاب خاصا بالحاضرين في زمنه عليه الصلاة والسلام وما تقدم
~~خاصا بمن تقدم، وجعل الالتفات على القراءتين لكنه بالمعنى الغير المصطلح
~~عليه أن كون الالتفات بين خطابين لاختلافهما لم يقل به أهل المعاني 
~~لكنه وقع مثله في كلام بعض الأدباء  وما ذكرناه من التغليب أولى وأحرى
~~خلافا لمن التفت عنه.

# { إلا قليلا منكم } وهم من الأسلاف من أقام اليهودية على
~~وجهها قبل النسخ، ومن الأخلاف من أسلم كعبد الله بن سلام وأضرابه فالقلة
~~في عدد الأشخاص، وقول ابن عطية: إنه يحتمل أن تكون في الإيمان أي لم/ يبق
~~حين عصوا وكفر آخرهم بمحمد صلى الله ms00494 عليه وسلم إلا إيمان قليل إذ لا
~~ينفعهم لا يقدم عليه إلا القليل ممن لم يعط فهما في الألفاظ العربية،
~~وروي عن أبي عمرو وغيره رفع قليل والكثير المشهور في أمثال ذلك النصب
~~لأن ما قبله موجب، واختلفوا في تخريج الرفع فقيل: إن المرفوع تأكيد
~~للضمير أو بدل منه، وجاز لأن (توليتم) في معنى النفي أي لم يفوا، وقد
~~خرج غير واحد قوله صلى الله عليه وسلم: فيما صح على الصحيح:

# " الناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون
~~هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر "

# وقول الشاعر:

# وبالصريمة منهم منزل خلق

# عاف تغير إلا النوء والوتد

# على ذلك، وقول أبي حيان إنه ليس بشيء إذ ما من إثبات إلا ويمكن تأويله
~~بنفي فيلزم جواز قام القوم إلا زيد بالرفع على التأويل والإبدال  ولم
~~يجوزه النحويون  ليس بشيء كما لا يخفى، وقيل: إن (إلا) صفة بمعنى غير
~~ظهر إعرابها فيما بعدها، وقد عقد سيبويه لذلك بابا في «كتابه» فقال: هذا
~~باب ما يكون فيه إلا وما بعدها وصفا بمنزلة غير ومثل، وذكر من أمثلة هذا
~~الباب لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا و

# لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا

# [الأنبياء: 22] وقوله:

# أينخت فألقت بلدة فوق بلدة

# قليل بها الأصوات إلا بغامها

# وخرج جمع جميع ما سلف على هذا، وفيه أن ذلك فيما نحن فيه لا يستقيم إلا
~~على مذهب ابن عصفور حيث ذهب إلى أن الوصف ب (إلا) يخالف الوصف بغيرها من
~~حيث إنه يوصف بها النكرة والمعرفة، والظاهر والمضمر وأما على مذهب غيره 
~~وهو ابن شاهين  بالنسبة إليه من أنه لا يوصف بها إلا إذا كان الموصوف
~~نكرة أو معرفة  بلام الجنس  فلا، والمبرد يشترط في الوصف بها صلاحية
~~البدل في موضعه؛ وقيل: إنه مبتدأ خبره محذوف أي لم يقولوا  ولا يرد عليه
~~شيء مما تقدم  إلا أن فيه كلاما سنذكره إن شاء الله تعالى عند قوله
~~تعالى:

# إلا إبليس لم يكن من السجدين

# [الأعراف: 11].

# { وأنتم معرضون ms00495 } جملة معترضة أي وأنتم قوم عادتكم الإعراض
~~والتولي عن المواثيق، ويؤخذ كونه عادتهم من الاسمية الدالة على الثبوت،
~~وقيل: حال مؤكدة  والتولي والإعراض شيء واحد  ويجوز فصل الحال المؤكدة
~~ بالواو  عند المحققين وفرق بعضهم بين التولي والإعراض بأن الأول قد
~~يكون لحاجة تدعو إلى الانصراف مع ثبوت العقد والإعراض هو الانصراف عن
~~الشيء بالقلب. وقيل: إن التولي أن يرجع عوده إلى بدئه، والإعراض أن يترك
~~المنهج ويأخذ في عرض الطريق والمتولي أقرب أمرا من المعرض لأنه متى عزم
~~سهل عليه العود إلى سلوك المنهج والمعرض حيث ترك المنهج وأخذ في عرض
~~الطريق يحتاج إلى طلب منهجه فيعسر عليه العود إليه.

# ومن الناس من جوز أن يكون (معرضون) على ظاهره، والجملة حال مقيدة أي لم
~~يتول القليل وأنتم معرضون عنهم ساخطون لهم فيكون في ذلك مزيد توبيخ لهم
~~ومدحا للقليل  فهو بعيد  كالقول بأنها مقيدة ومتعلق التولي والإعراض
~~مختلف أي توليتم على المضي في الميثاق وأعرضتم عن اتباع هذا النبي صلى
~~الله عليه وسلم.

### || [2.84]

# { وإذ أخذنا ميثقكم لا تسفكون دماءكم ولا
~~تخرجون أنفسكم من ديركم } على نحو ما سبق في

# لا تعبدون

# [البقرة: 83] والمراد أن لا يتعرض بعضكم بعضا بالقتل والإجلاء وجعل قتل
~~الرجل غيره قتل نفسه لاتصاله نسبا أو دينا، أو لأنه يوجبه قصاصا، ففي
~~الآية مجاز، إما في ضمير  كم  حيث عبر به عمن يتصل به أو في {
~~تسفكون } حيث أريد به ما هو سبب السفك. وقيل: معناه لا ترتكبوا ما
~~يبيح سفك دمائكم وإخراجكم من دياركم، أو لا تفعلون ما يرديكم ويصرفكم عن
~~لذات الحياة الأبدية فإنه القتل في الحقيقة ولا تقترفوا ما تمنعون به/ عن
~~الجنة التي هي داركم، وليس النفي في الحقيقة جلاء الأوطان بل البعد من
~~رياض الجنان ولعل ما يساعده سياق النظم الكريم هو الأول. والدماء جمع دم
~~معروف وهو محذوف  اللام  وهي  ياء  عند بعض لقوله:

# جرى الدميان بالخبر اليقين

#  وواو  عند آخرين لقولهم دموان ووزنه فعل أو فعل، وقد سمع مقصورا ms00496
~~وكذا مشددا، وقرأ طلحة وشعيب { تسفكون }  بضم الفاء  وأبو نهيك 
~~بضم التاء وفتح السين وكسر الفاء مشددة  وابن أبي إسحق كذلك إلا أنه
~~سكن السين وخفف الفاء.

# { ثم أقررتم } أي بالميثاق واعترفتم بلزومه خلفا بعد سلف
~~فالإقرار ضد الجحد ويتعدى  بالباء  قيل ويحتمل أنه بمعنى إبقاء الشيء
~~على حاله من غير اعتراف به  وليس بشيء  إذ لا يلائمه حينئذ { وأنتم
~~تشهدون } حال مؤكدة رافعة احتمال أن يكون الإقرار ذكر أمر آخر لكنه
~~يقتضيه، ولا يجوز العطف لكمال الاتصال ولا الاعتراض إذ ليس المعنى وأنتم
~~عادتكم الشهادة بل المعنى على التقييد وقيل: وأنتم أيها الموجودون تشهدون
~~على إقرار أسلافكم فيكون إسناد الإقرار إليهم مجازا، وضعف بأن يكون
~~حينئذ استبعاد القتل والإجلاء منهم مع أن أخذ الميثاق والإقرار كان من
~~أسلافهم لاتصالهم بهم نسبا ودينا بخلاف ما إذا اعتبر نسبة الإقرار
~~إليهم على الحقيقة فإنه يكون بسبب إقرارهم وشهادتهم  وهو أبلغ في بيان
~~قبيح صنيعهم  وادعى بعضهم أن الأظهر: أن المراد أقررتم حال كونكم شاهدين
~~على إقراركم بأن شهد كل أحد على إقرار غيره كما هو طريق الشهادة ولا يخفي
~~انحطاظ المبالغة حينئذ.

### || [2.85]

# { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } نزلت  كما في
~~«البحر»  في بني قينقاع وبني قريظة وبني النضير من اليهود، كان بنو
~~قينقاع أعداء بني قريظة، وكانت الأوس حلفاء بني قينقاع، والخزرج حلفاء
~~بني قريظة، والنضير والأوس والخزرج إخوان؛ وبنو قريظة والنضير إخوان  ثم
~~افترقوا  فصارت بنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس،
~~فكانوا يقتتلون ويقع منهم ما قص الله تعالى فعيرهم الله تعالى بذلك. و {
~~ثم } للاستبعاد في الوقوع  لا للتراخي في الزمان  لأنه الواقع في
~~نفس الأمر  كما قيل به  و (أنتم) مبتدأ، و (هؤلاء) خبره على معنى أنتم
~~بعد ذلك المذكور من الميثاق والإقرار والشهادة هؤلاء الناقضون، كقولك:
~~أنت: ذلك الرجل الذي فعل كذا، وكان مقتضى الظاهر، ثم أنتم بعد ذلك
~~التوكيد في الميثاق نقضتم العهد فتقتلون أنفسكم الخ أي صفتكم الآن غير
~~الصفة التي كنتم ms00497 عليها، لكن أدخل (هؤلاء) وأوقع خبرا ليفيد أن الذي تغير
~~هو الذات نفسها نعيا عليهم لشدة وكادت الميثاق ثم تساهلهم فيه وتغيير
~~الذات فهم من وضع اسم الإشارة الموضوع للذات موضع الصفة لا من جعل ذات
~~واحد في خطاب واحد مخاطبا وغائبا، وإلا لفهم ذلك من نحو

# بل أنتم قوم تجهلون

# [النمل: 55] أيضا. وصح الحمل مع اعتبار التغير لأنه ادعائي  وفي
~~الحقيقة واحد  وعدوا حضورا مشاهدين باعتبار تعلق العلم بما أسند إليهم
~~من الأفعال المذكورة سابقا وغيبا باعتبار عدم تعلق العلم بهم لما سيحكى
~~عنهم من الأفعال بعد، لا لأن المعاصي توجب الغيبة عن غير الحضور إذ
~~المناسب حينئذ الغيبة في (تقتلون) و(تخرجون) قاله السيالكوتي.

# و (تقتلون) إما حال والعامل فيه معنى الإشارة أو بيان كأنه لما قيل: {
~~ثم أنتم هؤلاء } قالوا كيف نحن/ فجيء ب { تقتلون }
~~تفسيرا له، ويحتمل أن تجعل مفسرة لها من غير تقدير سؤال، وذهب ابن كيسان
~~وغيره إلى أن { أنتم } مبتدأ و { تقتلون } الخبر و { هؤلاء }
~~تخصيص للمخاطبين لما نبهوا على الحال التي هم عليها مقيمون فيكون إذ ذاك
~~منصوبا بأعنى وفيه أن النحاة نصوا على أن التخصيص لا يكون بأسماء
~~الإشارة ولا بالنكرة والمستقر من لسان العرب أنه يكون بأيتها كاللهم اغفر
~~لنا أيتها العصابة وبالمعرف  باللام  كنحن العرب أقرى الناس للضيف  أو
~~الإضافة ك " نحن معاشر الأنبياء لا نورث "  وقد يكون بالعلم  ك:

# بنا تميما نكشف الضبابا

# وأكثر ما يأتي بعد ضمير متكلم  وقد يجيء بعد ضمير المخاطب  كبك الله
~~نرجو الفضل، وقيل: (هؤلاء) تأكيد لغوي (لأنتم) فهو إما بدل منه أو عطف
~~بيان عليه وجعله من التأكيد اللفظي بالمرادف توهم، والكلام على هذا خال
~~عن تلك النكتة، وقيل: هؤلاء بمعنى الذين والجملة صلته والمجموع هو الخبر،
~~وهذا مبني على مذهب الكوفيين حيث جوزوا كون جميع أسماء الإشارة موصولة
~~سواء كانت بعد (ما) أولا والبصريون يخصونه إذا وقعت بعد (ما) الاستفهامية
~~ وهو المصحح  على أن الكلام يصير حينئذ من قبيل:

# أنا الذي سمتني ms00498 أمي حيدرة

# وهو ضعيف  كما قاله الشهاب  وقرأ الحسن { تقتلون } على التكثير
~~وفي «تفسير المهدوي» أنها قراءة أبي نهيك.

# { وتخرجون فريقا منكم من ديرهم } عطف على ما قبله
~~وضمير ديارهم للفريق وإيثار الغيبة مع جواز دياركم كما في الأول للاحتراز
~~عن توهم كون المراد إخراجهم من ديار المخاطبين من حيث ديارهم لا ديار
~~المخرجين { تظهرون عليهم بالإثم والعدون } حال من
~~فاعل { تخرجون } أو من مفعوله قيل: أو من كليهما لأنه لاشتماله على
~~ضميرهما يبين هيئتهما، والمعنى على الأول تخرجون متظاهرين عليهم وعلى
~~الثاني تخرجون فريقا متظاهرا عليهم، وعلى الثالث تخرجون واقعا التظاهر
~~منهم عليهم و  التظاهر  التعاون وأصله من  الظهر  كأن المتعاونين
~~يسند كل واحد منهما ظهره إلى صاحبه و(الاثم) الفعل الذي يستحق عليه صاحبه
~~الذم واللوم، وقيل: ما تنفر منه النفس ولا يطمئن إليه القلب، وفي الحديث:

# " الإثم ما حاك في صدرك "

# وهو متعلق بتظاهرون حال من فاعله أي متلبسين بالإثم، وكونه هنا مجازا
~~عما يوجبه من إطلاق المسبب على سببه كما سميت الخمر إثما في قوله:

# شربت (الاثم) حتى ضل عقلي

# كذاك (الاثم) تذهب بالعقول

# مما لا يدعو إليه داع، والعدوان تجاوز الحد في الظلم.

# وقرأ عاصم وحمزة والكسائي { تظهرون } بتخفيف الظاء وأصله 
~~بتاءين  حذفت ثانيتهما عند أبي حيان وأولاهما عند هاشم وقرأ باقي
~~السبعة بالتشديد على إدغام  التاء في الظاء  وأبو حيوة (تتظاهرون) 
~~بضم التاء وكسر الهاء  ومجاهد وقتادة باختلاف عنهما { تظهرون } 
~~بفتح التاء والظاء والهاء مشددتين دون ألف  ورويت عن أبي عمرو أيضا
~~وبعضهم تتظاهرون على الأصل.

# { وإن يأتوكم أسرى تفدوهم } أي تخرجوهم من الأسر
~~بإعطاء الفداء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وابن عامر (تفدوهم) وعليه
~~حمل بعض قراءة الباقين إذ لا مفاعلة، وفرق جمع بين فادى وفدى بأن معنى
~~الأول: بادل أسيرا بأسير والثاني: جمع الفداء ويعكر عليه قول العباس رضي
~~الله تعالى عنه فاديت نفسي وفاديت عقيلا إذ من المعلوم أنه ما بادل
~~أسيرا بأسير، وقيل: (تفادوهم) بالعنف و (تفدوهم) بالصلح؛ وقيل:
~~(تفادوهم) ms00499 تطلبوا الفدية من الأسير الذي في أيديكم من أعدائكم ومنه قوله:

# قفي فادي أسيرك إن قومي

# وقومك لا أرى لهم احتفالا

# /وقال أبو علي: معناه لغة تطلقونهم بعد أن تأخذوا منهم شيئا، وأراه هنا
~~كسابقه في غاية البعد، والقول بأن  معنى الآية وإن يأتوكم أسارى في أيدي
~~الشياطين تتصدون لانقاذهم بالإرشاد والوعظ من تضييعكم أنفسكم إلى البطون
~~ أقرب كما لا يخفى، و  الأسارى  قيل: جمع أسير بمعنى مأسور وكأنهم
~~حملوا أسيرا على كسلان فجمعوه جمعه كما حملوا كسلان عليه فقالوا كسلى
~~كذا قال سيبويه، ووجه الشبه أن الأسير محبوس عن كثير من تصرفه للأسر
~~والكسلان محبوس عن ذلك لعادته، وقيل: إنه مجموع كذا ابتداء من غير حمل
~~كما قالوا في قديم قدامى، وسمع بفتح الهمزة وليست بالعالية خلافا لبعضهم
~~حيث زعم أن الفتح هو الأصل والضم ليزداد قوة، وقيل: جمع أسرى  وبه قرأ
~~حمزة  وهو جمع أسير كجريح وجرحى فيكون أسارى جمع الجمع قاله المفضل،
~~وقال أبو عمرو: الأسرى من في اليد، والأسارى من في الوثاق  ولا أرى
~~فرقا  بل المأخوذون على سبيل القهر والغلبة مطلقا أسرى وأسارى.

# { وهو محرم عليكم إخراجهم } حال من فاعل {
~~تخرجون فريقا منكم } أو مفعوله بعد اعتبار التقييد بالحال
~~السابقة، وقوله تعالى: { وإن يأتوكم } اعتراض بينهما لا معطوف على
~~{ تظهرون } لأن الاتيان لم يكن مقارنا للإخراج وقيد الإخراج بهذه
~~الحال لإفادة أنه لم يكن عن استحقاق ومعصية موجبة له، وتخصيصه بالتقييد
~~دون القتل للإهتمام بشأنه لكونه أشد منه

# والفتنة أشد من القتل

# [البقرة: 191] وقيل: لا بل لكونه أقل خطرا بالنسبة إلى القتل فكان مظنة
~~التساهل، ولأن مساق الكلام لذمهم وتوبيخهم على جناياتهم وتناقض أفعالهم
~~وذلك مختص بصورة الإخراج إذ لم ينقل عنهم تدارك القتلى بشيء من دية أو
~~قصاص وهو السر في تخصيص التظاهر فيما سبق، وقيل: النكتة في إعادة تحريم
~~الإخراج وقد أفاده  لا تخرجون أنفسكم  بأبلغ وجه، وفي تخصيص تحريم
~~الإخراج بالإعادة دون القتل أنهم امتثلوا حكما في باب المخرج وهو الفداء
~~وخالفوا ms00500 حكما وهو الإخراج فجمع مع الفداء حرمة الإخراج ليتصل به {
~~أفتؤمنون } الخ أشد اتصال ويتضح كفرهم بالبعض وإيمانهم بالبعض
~~كمال اتضاح حيث وقع في حق شخص واحد، والضمير للشأن والجملة بعده خبره.
~~وقيل: خبره (محرم) و (إخراجهم) نائب فاعل وهو مذهب الكوفيين وتبعهم
~~المهدوي، وإنما ارتكبوه لأن الخبر المتحمل ضميرا مرفوعا لا يجوز تقديمه
~~على المبتدأ فلا يجيزون قائم زيد على أن يكون قائم خبرا مقدما،
~~والبصريون يجوزون ذلك ولا يجيزون هذا الوجه لأن ضمير الشأن لا يخبر عنه
~~عندهم إلا بجملة مصرح بجزأيها، وقيل: إنه ضمير مبهم مبتدأ أيضا و (محرم)
~~خبره و (إخراجهم) بدل منه مفسر له، وهذا بناء على جواز إبدال الظاهر من
~~الضمير الذي لم يسبق ما يعود إليه، ومنهم من منعه وأجازه الكسائي، وقيل:
~~راجع إلى الإخراج المفهوم من (تخرجون) و (إخراجهم) عطف بيان له أو بدل
~~منه أو من ضمير محرم، وضعف بأنه بعد عوده إلى الإخراج لا وجه لإبداله
~~منه.

# ومن الغريب ما نقل عن الكوفيين أنه يحتمل أن يكون هو ضمير فصل، وقد تقدم
~~مع الخبر والتقدير  وإخراجهم هو محرم عليكم  فلما قدم خبر المبتدأ عليه
~~قدم هو معه ولا يجوزه البصريون  لأن وقوع الفصل بين معرفة ونكرة لا
~~تقارب المعرفة  لا يجوز عندهم وتوسطه بين المبتدأ والخبر أو بين ما هما
~~أصله شرط عندهم أيضا، ولابن عطية في هذا الضمير كلام يجب إضماره.

# { أفتؤمنون ببعض الكتب وتكفرون ببعض } عطف
~~على { تقتلون } أو على محذوف أي أتفعلون ما ذكر فتؤمنون الخ
~~والاستفهام للتهديد والتوبيخ على التفريق بين أحكام الله تعالى إذ العهد
~~كان بثلاثة أشياء ترك القتل وترك الإخراج ومفاداة الأسارى فقتلوا وأخرجوا
~~على خلاف العهد وفدوا بمقتضاه، وقيل: المواثيق أربعة فزيد ترك المظاهرة،
~~وقد أخرج ابن جرير عن أبي العالية أن عبد الله بن سلام مر على رأس/
~~الجالوت بالكوفة وهو يفادي من النساء ما لم يقع عليه العرب ولا يفادي من
~~وقع عليه العرب فقال له عبد الله بن سلام: ms00501 أما إنه مكتوب عندك في كتابك
~~أن فادوهن كلهن، وروى محيى السنة عن السدي أن الله تعالى أخذ على بني
~~إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من
~~ديارهم وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه
~~فأعتقوه، ولعل كفرهم بما ارتكبوا لاعتقادهم عدم الحرمة مع دلالة صريح
~~التوراة عليها لكن ما في «الكشاف» من أنه قيل لهم: كيف تقاتلونهم ثم
~~تفدونهم؟ فقالوا: أمرنا بالفداء وحرم علينا القتال لكنا نستحي من حلفائنا
~~يدل على أنهم لا ينكرون حرمة القتال فاطلاق الكفر حينئذ على فعل ما حرم
~~إما لأنه كان في شرعهم كفرا أو أنه للتغليظ كما أطلق على ترك الصلاة
~~ونحوه ذلك في شرعنا، والقول بأن المعنى أتستعملون البعض وتتركون البعض
~~فالكلام محمول على المجاز بهذا الاعتبار لا اعتبار به كالقول بأن المراد
~~بالبعض المؤمن به نبوة موسى عليه السلام، والبعض الآخر نبوة نبينا صلى
~~الله عليه وسلم.

# { فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى في
~~الحيوة الدنيا } الإشارة إلى الكفر ببعض الكتاب والإيمان ببعض،
~~أو إلى ما فعلوه من القتل والاجلاء مع مفاداة  الأسارى  والجزاء
~~المقابلة؛ ويطلق في الخير والشر.  والخزي  الهوان، والماضي  خزي 
~~بالكسر، وقال ابن السكيت: معنى  خزي  وقع في بلية  وخزي  الرجل 
~~خزاية  إذا استحى وهو  خزيان  وقوم  خزايا  وامرأة  خزيا  والمراد
~~به هنا الفضيحة والعقوبة أو ضرب الجزية غابر الدهر أو غلبة العدو أو قتل
~~قريظة وإجلاء النضير من منازلهم إلى أريحاء وأذرعات.

# وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كان عادة بني قريظة
~~القتل وعادة بني النضير الإخراج فلما غلب رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~أجلى بني النضير وقتل رجال قريظة وأسر نساءهم وأطفالهم وتنكير  الخزي 
~~للإيذان بفظاعة شأنه وأنه بلغ مبلغا لا يكنه كنهه، ومن هنا لم يخصه
~~بعضهم ببعض الوجوه، وادعى أن الأظهر ذلك وجعل الإشارة إلى الكفر ببعض
~~الكتاب والإيمان ببعض أي بعض كان ولذلك ms00502 أفردها، وحينئذ يتناول الكفرة
~~بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونظيره من يفعل جميع ذلك.

# و (الدنيا) مأخوذة من دنا يدنو وياؤها منقلبة عن  واو  ولا يحذف منها
~~ الألف واللام  إلا قليلا، وخصه أبو حيان في الشعر، و (ما) نافية و
~~(من) إن جعلت موصولة فلا محل ليفعل من الإعراب، وإن جعلت موصوفة فمحله
~~الجر على أنه صفتها، و (منكم) حال من فاعل  يفعل . و (إلا خزي) استثناء
~~مفرغ وقع خبرا للمبتدأ ولا يجوز النصب في مثل ذلك على المشهور. ونقل عن
~~يونس إجازته في الخبر بعد (إلا) كائنا ما كان، وقال بعضهم: إن كان (ما)
~~بعد إلا هو الأول في المعنى أو منزل منزلته لم يجز فيه إلا الرفع عند
~~الجمهور، وأجاز الكوفيون النصب فيما كان الثاني فيه منزلا منزلة الأول،
~~وإن كان وصفا أجاز فيه الفراء النصب  ومنعه البصريون  وحكى عنهم أنهم
~~لا يجوزون النصب في غير المصادر إلا أن يعرف المعنى فيضمر ناصب حينئذ
~~وتحقيقه في محله.

# { ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب } أي
~~يصيرون إليه فلا يلزم كينونتهم قبل ذلك في أشد العذاب، وقد يراد بالرد
~~الرجوع إلى ما كانوا فيه كما في قوله تعالى:

# فرددنه إلى أمه

# [القصص: 13] وكأنهم كانوا في الدنيا، أو في القبور في أشد العذاب أيضا
~~فردوا إليه، والمراد به الخلود في النار وأشديته من حيث إنه لا انقضاء
~~له، أو المراد أشد/ جميع أنواع العذاب ولكن بالنسبة إلى عذاب من لم يفعل
~~هذا العصيان لأن عصيانهم أشد من عصيان هؤلاء وجزاء سيئة سيئة مثلها ويدل
~~على ما قررناه قوله تعالى: { من يفعل ذلك منكم } فلا يرد ما
~~أورده الإمام الرازي أنه كيف يكون عذاب اليهود أشد من الدهرية المنكرين
~~للصانع ولا يفيد ما قيل لأنهم كفروا بعد معرفتهم أنه كتاب الله تعالى
~~وإقرارهم وشهادتهم إذ الكافر الموحد كيف يقال إنه أشد عذابا من المشرك؟!
~~أو النافي للصانع وإن كان كفره عن علم ومعرفة، وضمير (يردون) راجع إلى
~~(من) وأوثر صيغة الجمع ms00503 نظرا إلى معناها بعد ما أوثر الإفراد نظرا إلى
~~لفظها لما أن الرد إنما يكون بالاجتماع وغير السبك حيث لم يقل مثلا 
~~وأشد العذاب يوم القيامة  للايذان بكمال التنافي بين جزاءي النشأتين،
~~وتقديم  اليوم  على ذكر ما يقع فيه لتهويل الخطب وتفظيع الحال من أول
~~الأمر.

# وقرأ الحسن وابن هرمز باختلاف عنهما، وعاصم في رواية المفضل  تردون 
~~على الخطاب، والجمهور على الغيبة، ووجه ذلك أن (يردون) راجع إلى من يفعل
~~فمن قرأ بصيغة الغيبة نظر إلى صيغة (من) ومن قرأ بصيغة الخطاب نظر إلى
~~دخوله في (منكم) لا أن الضمير حينئذ راجع إلى (كم) كما وهم.

# { وما الله بغفل عما تعملون } اعتراض وتذييل لتأكيد
~~الوعيد المستفاد مما قبله أي  إنه بالمرصاد لا يغفل عما تعملون من
~~القبائح  التي من جملتها هذا المنكر؛ والمخاطب به من كان مخاطبا بالآية
~~قبل، وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن بني إسرائيل قد مضوا
~~وأنتم تعنون بهذا يا أمة محمد وبما يجري مجراه، وقرأ نافع وابن كثير وأبو
~~بكر  يعملون  بالياء على أن الضمير لمن والباقون بالتاء من فوق.

### || [2.86]

# { أولئك الذين اشتروا الحيوة الدنيا
~~بالأخرة } أي آثروا الحياة الدنيا واستبدلوها بالآخرة وأعرضوا عنها
~~مع تمكنهم من تحصيلها { فلا يخفف عنهم العذاب } الموعودون
~~به يوم القيامة أو مطلق العذاب دنيويا كان أو أخرويا. { ولا هم
~~ينصرون } بدفع الخزي إلى آخر الدنيا أو بدفع الجزية في الدنيا،
~~والتعذيب في العقبى، وعلى الاحتمال الأول في الأمرين يستفاد نفي دفع
~~العذاب من نفي تخفيفه بأبلغ وجه وآكده، ورجحه بعضهم بأن المقام على
~~الثاني يستدعي تقديم نفي الدفع على نفي التخفيف، وتقديم المسند إليه
~~لرعاية الفاصلة والتقوى لا للحصر إذ ليس المقام مقامه، ولذا لم يقل فلا
~~عنهم يخفف العذاب، والجملة معطوفة على الصلة. ويجوز أن يوصل الموصول
~~بصلتين مختلفتين زمانا، وجوز أن يكون (أولئك) مبتدأ و (الذين) خبره،
~~وهذه الجملة خبر بعد خبر، والفاء لما أن الموصول إذا كانت صلته فعلا كان
~~فيها معنى ms00504 الشرط، وفيه أن معنى الشرطية لا يسري إلى المبتدأ الواقعة
~~خبرا عنه، وجوز أيضا أن يكون (أولئك) مبتدأ و (الذين) مبتدأ ثان، وهذه
~~الجملة خبر الثاني، والمجموع خبر الأول، ولا يحتاج إلى رابط لأن الذين هم
~~أولئك، ولا يخفى ما فيه.

# هذا ومن باب الإشارة في هذه الآيات { وإذ أخذنا ميثقكم
~~لا تسفكون دماءكم } بميلكم إلى هوى النفس وطباعها ومتاركتكم
~~حياتكم الحقيقية لأجل تحصيل لذاتكم الدنية ومآربكم الدنيوية { ولا
~~تخرجون } ذواتكم من مقاركم الروحانية، ورياضتكم القدسية { ثم
~~أقررتم } بقبولكم لذلك

# وأنتم تشهدون

# [البقرة: 84] عليه باستعداداتكم الأولية وعقولكم الفطرية { ثم
~~أنتم هؤلاء } الساقطون عن الفطرة المحتجبون عن نور الاستعداد {
~~تقتلون أنفسكم } وتهلكونها بغوايتكم ومتابعتكم الهوى {
~~وتخرجون فريقا منكم } من أوطانهم القديمة باغوائهم وإضلالهم
~~وتحريضهم على ارتكاب المعاصي تتعاونون عليهم بارتكاب الفواحش/ ليروكم
~~فيتبعوكم فيها وبالزامكم إياهم رذائل القوتين البهيمية والسبعية وتحريضكم
~~لهم عليها { وإن يأتوكم أسرى } في قيد ما ارتكبوه ووثاق شين
~~ما فعلوه قد أخذتهم الندامة وعيرتهم عقولهم وعقول أبناء جنسهم بما لحقهم
~~من العار والشنار { تفادوهم } بكلمات الحكمة والموعظة الدالة على أن
~~اللذات المستعلية هي العقلية والروحية وأن اتباع النفس مذموم رديء
~~فيتعظوا بذلك ويتخلصوا من هاتيك القيود سويعة { أفتؤمنون } ببعض
~~كتاب العقل والشرع قولا وإقرارا { وتكفرون ببعض } فعلا
~~وعملا فلا تنتهون عما نهاكم عنه { فما جزاء من يفعل ذلك
~~منكم إلا } ذلة وافتضاح { في الحياة الدنيا } ويوم مفارقة
~~الروح البدن { يردون إلى أشد العذاب } وهو تعذيبهم
~~بالهيآت المظلمة الراسخة في نفوسهم واحتراقهم بنيرانها

# وما الله بغفل

# [البقرة: 85] عن أفعالكم أحصاها وضبطها في أنفسكم وكتبها عليكم.

### || [2.87]

# { ولقد ءاتينا موسى الكتب } شروع في بيان بعض آخر من
~~جناياتهم، وتصديره بالجملة القسمية لإظهار كمال الاعتناء به، و  الايتاء
~~ الاعطاء، و (الكتاب) التوراة في قول الجمهور وهو مفعول ثان  لآتينا 
~~وعند السهيلي مفعول أول، والمراد بإتيانها له إنزالها عليه. وقد روي عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن التوراة نزلت جملة واحدة فأمر الله
~~تعالى موسى عليه السلام بحملها فلم ms00505 يطق فبعث بكل حرف منها ملكا فلم
~~يطيقوا حملها فخففها الله تعالى لموسى عليه السلام فحملها، وقيل: يحتمل
~~أن يكون  آتينا  الخ أفهمناه ما انطوى عليه من الحدود والأحكام
~~والأنباء والقصص وغير ذلك مما فيه، والكلام على حذف مضاف أي علم  الكتاب
~~ أو فهمه وليس بالظاهر.

# { وقفينا من بعده بالرسل } يقال  قفاه  إذا اتبعه 
~~وقفاه  به إذا أتبعه إياه من  القفا  وأصل هذه الياء واو لأنها متى
~~وقعت رابعة أبدلت كما تقول عريت من العرو أي أرسلناهم على أثره كقوله
~~تعالى:

# ثم أرسلنا رسلنا تترا

# [المؤمنون: 44] وكانوا إلى زمن عيسى عليه السلام أربعة آلاف، وقيل:
~~سبعين ألفا وكلهم على شريعته عليه السلام منهم يوشع وشمويل وشمعون.
~~وداود وسليمان وشعياء وارمياء وعزيز وحزقيل والياس واليسع ويونس وزكريا
~~ويحيى وغيرهم عليهم الصلاة والسلام، وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر  بالرسل
~~ بتسكين السين، وهو لغة أهل الحجاز والتحريك لغة تميم.

# { وءاتينا عيسى ابن مريم البينت } أي الحجج الواضحة
~~الدالة على نبوته فتشمل كل معجزة  أوتيها  عليه السلام وهو الظاهر،
~~وقيل: الإنجيل، وعيسى أصله بالعبرانية أيشوع بهمزة ممالة بين بين، أو
~~مكسورة  ومعناه السيد  وقيل: المبارك فعرب، والنسبة إليه عيسي وعيسوي
~~وجمعه عيسون بفتح السين  وقد تضم  وأفرده عن الرسل عليه السلام لتميزه
~~عنهم لكونه من أولي العزم وصاحب كتاب، وقيل: لأنه ليس متبعا لشريعة موسى
~~عليه السلام حيث نسخ كثيرا من شريعته، وأضافه إلى أمه ردا على اليهود
~~إذ زعموا أن له أبا، ومريم بالعبرية الخادم وسميت أم عيسى به لأن أمها
~~نذرتها لخدمة بيت المقدس، وقيل: العابدة، وبالعربية من النساء من تحب
~~محادثة الرجال فهي كالزير من الرجال، وهو الذي يحب محادثة النساء، قيل:
~~ولا يناسب مريم أن يكون عربيا لأنها كانت برية عن محبة محادثة الرجال
~~اللهم إلا أن يقال سميت بذلك تمليحا كما يسمى الأسود كافورا، وقال بعض
~~المحققين: لا مانع من تسميتها بذلك بناء على أن شأن من تخدم من النساء
~~ذلك، وفي «القاموس» هي التي تحب محادثة الرجال ولا ms00506 تفجر  وعليه لا بأس
~~بالتسمية كما ذكره المولى عصام  والأولى عندي أن التسمية وقعت بالعبري
~~لا بالعربي بل يكاد يتعين ذلك كما لا يخفى على المنصف؛ وعن الأزهري
~~المريم المرأة التي لا تحب مجالسة الرجال وكأنه قيل لها ذلك تشبيها لها
~~بمريم البتول ووزنه عربيا مفعل لا فعيلا/ لأنه لم يثبت في الأبنية
~~على المشهور، وأثبته الصاغاني في «الذيل»، وقال: إنه مما فات سيبويه،
~~ومنه عثير للغبار، وضهيد  بالمهملة والمعجمة  للصلب واسم موضع،
~~ومدين على القول بأصالة ميمه، وضهيا بالقصر وهي المرأة التي لا تحيض أو
~~لا ثدي لها من المضاهاة كأنها أطلق عليها ذلك بمشابهتها الرجل؛ وابن جني
~~يقول: إن ضهيد وعثير مصنوعان فلا دلالة فيهما على إثبات فعيل، وذكر
~~السيالكوتي أن عثير بمعنى الغبار  بكسر العين  وإذا كان مفعلا فهو
~~أيضا على خلاف القياس إذ القياس إعلاله بنقل حركة الياء إلى الراء
~~وقلبها ألفا نحو مباع لكنه شذ كما شذ مدين، ومزيد، وإذا كان من رام يريم
~~إذا فارق وبرح فالقياس كسريائه أيضا.

# { وأيدنه بروح القدس } أي قويناه بجبريل عليه السلام
~~وإطلاق روح القدس عليه شائع فقد قال سبحانه:

# قل نزله روح القدس

# [النحل: 102] وقال صلى الله عليه وسلم لحسان رضي الله تعالى عنه:

# " اهجهم وروح القدس معك "

# ومرة قال له:

# " وجبريل معك "

# وقال حسان:

# وجبريل وروح القدس فينا

# (وروح القدس) ليس له كفاء

# و (القدس) الطهارة والبركة، أو  التقديس  ومعناه التطهير. والإضافة من
~~إضافة الموصوف إلى الصفة للمبالغة في الاختصاص، وهي معنوية بمعنى  اللام
~~ فإذا أضيف العلم كذلك يكون مؤلا بواحد من المسمين به. وقال مجاهد
~~والربيع: (القدس) من أسماء الله تعالى  كالقدوس  وزعم بعضهم أن إطلاق
~~الروح على جبريل مجاز لأنه الريح المتردد في مخارق الإنسان  ومعلوم أن
~~جبريل ليس كذلك  لكنه أطلق عليه سبيل التشبيه من حيث إن  الروح  سبب
~~الحياة الجسمانية، وجبريل سبب الحياة المعنوية بالعلوم، وكأن هذا الزعم
~~نشأ من كثافة روح الزاعم وعدم تغذيها بشيء من العلوم، وخص عيسى عليه
~~السلام بذكر ms00507 التأييد بروح القدس لأنه تعالى خصه به من وقت صباه إلى حال
~~كبره، كما قال تعالى:

# إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس فى المهد
~~وكهلا

# [المائدة: 110] ولأنه حفظه حتى لم يدن منه الشيطان، ولأنه بالغ إثنا عشر
~~ألف يهودي لقتله، فدخل عيسى بيتا فرفعه عليه السلام مكانا عليا. وقيل:
~~ الروح  هنا اسم الله تعالى الأعظم الذي كان يحيي به الموتى  وروي ذلك
~~كالأول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  وقال ابن زيد: الإنجيل  كما
~~جاء في شأن القرآن  قوله تعالى:

# وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا

# [الشورى: 52] وذلك لأنه سبب للحياة الأبدية والتحلي بالعلوم والمعارف
~~التي هي حياة القلوب وانتظام المعاش الذي هو سبب الحياة الدنيوية، وقيل:
~~روح عيسى عليه السلام نفسه، ووصفها به لطهارته عن مس الشيطان، أو لكرامته
~~عليه تعالى  ولذلك أضافها إلى نفسه  أو لأنه لم يضمه الأصلاب ولا أرحام
~~الطوامث، بل حصل من نفخ جبريل عليه السلام في درع أمه فدخلت النفخة في
~~جوفها. وقرأ ابن كثير (القدس)  بسكون الدال  حيث وقع، وأبو حيوة
~~(القدوس) بواو.

# { أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم
~~استكبرتم } مسبب عن قوله تعالى: { ولقد ءاتينا } بحيث لا
~~يتم الكلام السابق بدونه كالشرط بدون الجزاء، وقد أدخلت  الهمزة  بين
~~السبب والمسبب للتوبيخ على تعقيبهم ذلك بهذا، والتعجيب من شأنهم على معنى
~~ولقد آتينا موسى الكتاب وأنعمنا عليكم بكذا وكذا لتشكروا بالتلقي بالقبول
~~ فعكستم بأن كذبتم  ويحتمل أن يكون ابتداء كلام  والفاء  للعطف على
~~مقدر كأنه قيل: أفعلتم ما فعلتم  فكلما جاءكم  ثم المقدر يجوز أن يكون
~~عبارة عما وقع بعد  الفاء  فيكون العطف للتفسير، وأن يكون غيره مثل
~~(أكفرتم النعمة واتبعتم الهوى) فيكون لحقيقة التعقيب، وضعف هذا الاحتمال
~~بما ذكره الرضى/ أنه لو كان كذلك لجاز وقوع  الهمزة  في الكلام قبل أن
~~يتقدمه ما كان معطوفا عليه  ولم تجيء إلا مبنية على كلام متقدم، وفي
~~كون الهمزة الداخلة على جملة معطوفة  بالواو، أو الفاء، أو ثم  في
~~محلها الأصلي، أو مقدمة ms00508 من تأخير حيث إن محلها بعد العاطف خلاف مشهور بين
~~أهل العربية، وبعض المحققين يحملها في بعض المواضع  على هذا  وفي البعض
~~ على ذلك  بحسب مقتضى المقام ومساق الكلام  والقلب يميل إليه  قيل:
~~ولا يلزم بطلان صدارة  الهمزة  إذ لم يتقدمها شيء من الكلام الذي دخلت
~~هي عليه، وتعلق معناها بمضمونه غاية الأمر أنها توسطت بين كلامين لإفادة
~~إنكار جمع الثاني مع الأول، أو لوقوعه بعده متراخيا أو غير متراخ، وهذا
~~مراد من قال: إنها مقحمة مزيدة لتقرير معنى الإنكار أو التقرير، أي مقحمة
~~على المعطوف مزيدة بعد اعتبار عطفه، ولم يرد أنها صلة.

# و (تهوى) من  هوي  بالكسر إذا أحب، ومصدره  هوى  بالقصر، وأما  هوى
~~ بالفتح فبمعنى سقط، ومصدره  هوى  بالضم وأصله فعول فأعل. وقال
~~المرزوقي:  هوى  انقض انقضاض النجم والطائر، والأصمعي يقول: هوت العقاب
~~إذا انقضت لغير الصيد، وأهوت إذا انقضت للصيد، وحكى بعضهم أنه يقال: هوى
~~يهوي هويا  بفتح الهاء  إذا كان القصد من أعلى إلى أسفل، وهوى يهوي
~~هويا بالضم إذا كان من أسفل إلى أعلى  وما ذكرناه أولا هو المشهور 
~~والهوى  يكون في الحق وغيره، وإذا أضيف إلى النفس فالمراد به الثاني في
~~الأكثر، ومنه هذه الآية.

# وعبر عن المحبة بذلك للإيذان بأن مدار الرد والقبول عندهم هو المخالفة
~~لأهواء أنفسهم والموافقة لها لا شيء آخر، ومتعلق (استكبرتم) محذوف أي عن
~~الإيمان بما جاء به مثلا، واستفعل هنا بمعنى تفعل.

# { ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون } الظاهر أنه عطف على
~~{ استكبرتم } والفاء للسببية إن كان التكذيب والقتل مرتبين على
~~الاستكبار، وللتفصيل إن كانا نوعين منه، وجوز الراغب أن يكون عطفا على {
~~وأيدنه } ويكون { أفكلما } مع ما بعده فصلا بينهما على
~~سبيل الإنكار، وقدم { فريقا } في الموضعين للاهتمام وتشويق السامع إلى
~~ما فعلوا بهم لا للقصر، وثم محذوف أي: فريقا منهم، وبدأ بالتكذيب لأنه
~~أول ما يفعلونه من الشر ولأنه المشترك بين المكذب والمقتول، ونسب القتل
~~إليهم مع أن القاتل آباؤهم لرضاهم به ولحوق مذمته بهم، وعبر بالمضارع ms00509
~~حكاية للحال الماضية واستحضارا لصورتها لفظاعتها واستعظامها، أو مشاكلة
~~للأفعال المضارعة الواقعة في الفواصل فيما قبل، أو للدلالة على أنكم الآن
~~فيه فإنكم حول قتل محمد صلى الله عليه وسلم ولولا أني أعصمه لقتلتموه
~~ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة، فالمضارع للحال ولا ينافيه قتل البعض.
~~والمراد من القتل مباشرة الأسباب الموجبة لزوال الحياة سواء ترتب عليه أو
~~لا، وقيل: لا حاجة إلى التعميم لأنه صلى الله عليه وسلم قتل حقيقة بالسم
~~الذي ناولوه على ما وقع في " الصحيح " بلفظ

# " وهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم "

# وفيه أنه لم يتحقق منهم القتل زمان نزول الآية بل مباشرة الأسباب فلا بد
~~من التعميم.

### || [2.88]

# { وقالوا قلوبنا غلف } عطف على

# استكبرتم

# [البقرة: 87] أو على

# كذبتم

# [البقرة: 87] فتكون تفسيرا للاستكبار، وعلى التقديرين فيه التفات من
~~الخطاب إلى الغيبة إعراضا عن مخاطبتهم وإبعادا لهم عن الحضور،
~~والقائلون هم الموجودون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، و  الغلف 
~~جمع أغلف كأحمر وحمر وهو الذي لا يفقه، قيل: وأصله ذو الغلفة الذي لم
~~يختن، أو جمع غلاف ويجمع على غلف بضمتين أيضا. وبه قرأ ابن عباس وغيره،
~~وأرادوا على الأول قلوبنا مغشاة بأغشية خلقية مانعة عن نفوذ ما جئت به
~~فيها، وهذا كقولهم:

# قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه

# [فصلت: 5] قصدوا به إقناط النبي صلى الله عليه وسلم عن الإجابة وقطع
~~طمعه عنهم بالكلية، وقيل: مغشاة بعلوم من التوراة نحفظها أن يصل إليها ما
~~تأتي به، أو بسلامة من الفطرة كذلك، وعلى الثاني أنها أوعية العلم فلو
~~كان ما تقوله حقا وصدقا لوعته  قاله ابن عباس وقتادة والسدي  أو
~~مملوءة علما فلا تسع بعد شيئا فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره، روي ذلك
~~عن ابن عباس أيضا، وقيل: أرادوا أنها أوعية العلم فكيف يحل لنا اتباع
~~الأمي ولا يخفى بعده.

# { بل لعنهم الله بكفرهم } رد لما قالوه، وتكذيب لهم
~~فيما زعموه، والمعنى أنها خلقت على فطرة التمكن من النظر الصحيح الموصل
~~إلى الحق لكن ms00510 الله تعالى أبعدهم، وأبطل استعدادهم الخلقي للنظر الصحيح
~~بسبب اعتقاداتهم الفاسدة وجهالاتهم الباطلة الراسخة في قلوبهم، أو أنها
~~لم تأب قبول ما تقوله لعدم كونه حقا وصدقا بل لأنه سبحانه طردهم وخذلهم
~~بكفرهم فأصمهم وأعمى أبصارهم أو أن الله تعالى أقصاهم عن رحمته فأنى لهم
~~ادعاء العلم الذي هو أجل آثارها، ويعلم من هذه الوجوه كيفية الرد على ما
~~قيل قبل من الوجوه.

# { فقليلا ما يؤمنون } الفاء لسببية اللعن لعدم الإيمان، و 
~~قليلا  نصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي إيمانا قليلا، وهو إيمانهم
~~ببعض الكتاب و (ما) مزيدة لتأكيد معنى القلة لا نافية لأن ما في حيزها لا
~~يتقدمها ولأنه وإن كان بمعنى  لا يؤمنون قليلا فضلا عن الكثير  لكن
~~ربما يتوهم لا سيما مع التقديم أنهم لا يؤمنون قليلا بل كثيرا، ولا
~~مصدرية لاقتضائها رفع القليل بأن يكون خبرا، والمصدر المعرف بالإضافة
~~مبتدأ، والتقدير فإيمانهم قليل، وجوز بعضهم  كونها نافية بناء على مذهب
~~الكوفيين من جواز تقدم ما في حيزها عليها ولم يبال بالتوهم وآخرون كونها
~~مصدرية، والمصدر فاعل { قليلا } وكانوا مقدرة في نظم الكلام فتكون على
~~طرز

# كانوا قليلا من اليل ما يهجعون

# [الذاريات: 17]  ولا يخفى ما فيه من التكلف، وجوز أيضا انتصاب قليلا
~~على الحال إما من ضمير الإيمان أو من فاعل { يؤمنون } والتقدير
~~فيؤمنونه أي الإيمان في حال قلته، وهو المروي عن سيبويه أو فيؤمنون حال
~~كونهم جمعا قليلا أي المؤمن منهم قليل، وهو المروي عن ابن عباس وطلحة
~~وقتادة، ولذا جوز كونه نعتا للزمان أي زمانا قليلا وهو زمان الاستفتاح
~~أو بلوغ الروح التراقي، أو ما قالوا:

# آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه
~~النهار واكفروا آخره

# [آل عمران: 72] وأولى الوجوه أولها، والظاهر أن المراد بالإيمان المعنى
~~اللغوي، والقلة مقابل الكثرة، وقال الزمخشري: يجوز أن تكون بمعنى العدم،
~~وكأنه أخذه من كلام الواقدي لا قليلا ولا كثيرا؛ واعترضه في «البحر»
~~بأن القلة بمعنى النفي، وإن صحت لكن في غير هذا التركيب لأن قليلا انتصب ms00511
~~بالفعل المثبت، فصار نظير قمت قليلا أي قياما قليلا، ولا يذهب ذاهب
~~إلى أنك إذا أتيت بفعل مثبت، وجعلت قليلا صفة لمصدره يكون المعنى في
~~المثبت الواقع على صفة أو هيئة انتفاء ذلك المثبت رأسا، وعدم وقوعه
~~بالكلية، وإنما الذي نقل النحويون أنه قد يراد بالقلة النفي المحض في
~~قولهم  أقل رجل يقول ذلك، وقلما يقوم زيد  فحملها هنا على ذلك ليس
~~بصحيح، وليت شعري أي معنى لقولنا يؤمنون إيمانا معدوما، وما نقل
~~الكسائي عن العرب أنهم يقولون: مررنا بأرض قليلا ما تنبت ويريدون لا
~~تنبت شيئا فإنما ذلك لأن قليلا حال من الأرض، وإن كان نكرة، و (ما)
~~مصدرية والتقدير قليلا إنباتها فلا مانع فيه من حمل القلة على العدم 
~~وأين ما نحن فيه  من ذاك اللهم إلا على بعض الوجوه المرجوحة لكن
~~الزمخشري غير قائل به، ويمكن أن يقال: إن ذلك على طريق الكناية فإن قلة
~~الشيء تستتبع عدمه في أكثر الأوقات لا على أن لفظ القلة مستعمل بمعنى
~~العدم فإنه هنا قول بارد جدا ولو أوقد عليه الواقدي ألف سنة.

### || [2.89]

# / { ولما جاءهم كتب من عند الله } وهو القرآن
~~وتنكيره للتعظيم ووصفه بما عنده للتشريف والإيذان بأنه جدير بأن يقبل ما
~~فيه ويتبع لأنه من خالقهم وإلههم الناظر في مصالحهم، والجملة عطف على

# قالوا قلوبنا غلف

# [البقرة: 88] أي وكذبوا لما جاءهم الخ { مصدق لما معهم } من
~~كتابهم أي نازل حسبما نعت أو مطابق له، و { مصدق } صفة ثانية لكتاب
~~وقدمت الأولى عليها لأن الوصف بكينونته من عنده تعالى آكد ووصفه بالتصديق
~~ناشىء عنها وجعله مصدقا لكتابهم لا مصدقا به إشارة إلى أنه بمنزلة
~~الواقع ونفس الأمر لكتابهم لكونه مشتملا على الإخبار عنه محتاجا في
~~صدقه إليه؛ وإلى أنه باعجازه مستغن عن تصديق الغير، وفي مصحف أبي {
~~مصدقا } بالنصب، وبه قرأ ابن أبي عبلة، وهو حينئذ حال من الضمير
~~المستقر في الظرف، أو من { كتب } لتخصيصه بالوصف المقرب له من
~~المعرفة، واحتمال أن الظرف لغو متعلق بجاء بعيد ms00512  فلا يضر  على أن
~~سيبويه جوز مجيء الحال من النكرة بلا شرط.

# { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا }
~~نزلت في بني قريظة والنضير كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله
~~صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه  قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~وقتادة  والمعنى يطلبون من الله تعالى أن ينصرهم به على المشركين، كما
~~روى السدي أنهم كانوا إذا اشتد الحرب بينهم وبين المشركين أخرجوا التوراة
~~ووضعوا أيديهم على موضع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: اللهم إنا
~~نسألك بحق نبيك الذي وعدتنا أن تبعثه في آخر الزمان أن تنصرنا اليوم على
~~عدونا فينصرون  فالسين  للطلب  والفتح  متضمن معنى النصر بواسطة
~~(على) أو يفتحون عليهم من قولهم: فتح عليه إذا علمه ووقفه كما في قوله
~~تعالى:

# أتحدثونهم بما فتح الله عليكم

# [البقرة: 76] أي يعرفون المشركين أن نبيا يبعث منهم وقد قرب زمانه 
~~فالسين  زائدة للمبالغة، كأنهم فتحوا بعد طلبه من أنفسهم  والشيء بعد
~~الطلب أبلغ  وهو من باب التجريد، جردوا من أنفسهم أشخاصا وسألوهم
~~الفتح كقولهم: استعجل كأنه طلب العجلة من نفسه، ويؤول المعنى إلى يا نفس
~~عرفي المشركين أن نبيا يبعث منهم، وقيل: (يستفتحون) بمعنى يستخبرون عنه
~~صلى الله عليه وسلم، هل ولد مولود صفته كذا وكذا؟ نقله الراغب وغيره، وما
~~قيل: إنه لا يتعدى بعلى لا يسمع بمجرد التشهي.

# { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } كنى عن الكتاب
~~المتقدم بما عرفوا لأن معرفة من أنزل عليه معرفة له، والاستفتاح به
~~استفتاح به، وإيراد الموصول دون الاكتفاء بالإضمار لبيان كمال مكابرتهم،
~~ويحتمل أن يراد به النبي صلى الله عليه وسلم وما قد يعبر بها عن صفات من
~~يعقل، وبعضهم فسره بالحق إشارة إلى وجه التعبير عنه عليه الصلاة والسلام
~~بما وهو أن المراد به الحق  لا خصوصية ذاته المطهرة  وعرفانهم ذلك حصل
~~بدلالة المعجزات والموافقة لما نعت في كتابهم  فإنه كالصريح عند
~~الراسخين  فلا يرد أن نعت الرسول في التوراة إن كان مذكورا على التعيين
~~فكيف ms00513 ينكرونه فإنه مذكور بالتواتر  وإلا فلا عرفان للاشتباه  على أن
~~الإيراد في غاية السقوط، لأن الآية مساقة على حد قوله تعالى:

# وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم

# [النمل: 14] أي جحدوه مع علمهم به  وهذا أبلغ في ذمهم  و { كفروا
~~} جواب لما الأولى ولما الثانية تكرير لها لطول العهد كما في قوله تعالى:

# لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون
~~أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم
~~بمفازة من العذاب

# [آل عمران: 188] وإلى ذلك ذهب المبرد، وقال الفراء: لما الثانية مع
~~جوابها جواب الأولى كقوله تعالى:

# فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي

# [البقرة: 38] الخ، وعلى الوجهين يكون قوله سبحانه: { وكانوا من
~~قبل } جملة حالية بتقدير  قد  مقررة، واختار الزجاج والأخفش أن جواب
~~الأولى/ محذوف  أي كذبوا به مثلا  وعليه يكون { وكانوا من قبل
~~} الخ مع ما عطف عليه من قوله تعالى: { فلما جاءهم } من الشرط،
~~والجزاء جملة معطوفة على { لما جاءهم } بعد تمامها، تدل الأولى على
~~معاملتهم مع الكتاب المصدق، والثانية مع الرسول المستفتح به، وارتضاه بعض
~~المحققين  لما  في الأول من لزوم التأكيد  والتأسيس أولى منه 
~~واستعمال الفاء للتراخي الرتبي فإن مرتبة المؤكد بعد مرتبة المؤكد، و 
~~لما  في الثاني من دخول الفاء في جواب (لما) مع أنه ماض وهو قليل جدا
~~حتى لم يجوزه البصريون ولو جوز وقوعها زائدة (فلما) لا تجاب بمثلها لا
~~يقال  لما جاء زيد، لما قعد عمرو أكرمتك  بل هو كما ترى تركيب معقود في
~~لسانهم مع خلو الوجهين عن فائدة عظيمة وهو بيان سوء معاملتهم مع الرسول
~~واستلزامهما جعل و(كانوا) حالا.

# واختار أبو البقاء إن (كفروا) جواب  لما  الأولى، والثانية ولا حذف
~~لأن مقتضاهما واحد وليس بشيء كجعل { فلعنة الله على
~~الكفرين }. جوابا للأولى وما بينهما اعتراض واللام في الكافرين
~~للعهد أي عليهم ووضع المظهر موضع المضمر للإشعار بأن حلول اللعنة عليهم
~~بسبب كفرهم كما أن الفاء للإيذان بترتبها عليه، وجوز كونها للجنس ويدخلون
~~فيه دخولا أوليا، واعترض بأن دلالة العام متساوية فليس فيها شيء ms00514 أول
~~ولا أسبق من شيء، والجواب أن المراد دخولا قصديا لأن الكلام سيق
~~بالأصالة فيهم ويكون ذلك من الكناية الإيمائية ويصار إليها إذا كان
~~الموصوف مبالغا في ذلك الوصف ومنهمكا فيه حتى إذا ذكر خطر ذلك الوصف
~~بالبال كقولهم لمن يقتني رذيلة ويصر عليها  أنا إذا نظرتك خطر ببالي
~~سبابك وسباب كل من هو من أبناء جنسك  فاليهود لما بالغوا في الكفر
~~والعناد وكتمان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ونعى الله تعالى عليهم ذلك
~~صار الكفر كأنه صفة غير مفارقة لذكرهم وكان هذا الكلام لازما لذكرهم
~~ورديفه وأنهم أولى الناس دخولا فيه لكونهم تسببوا استجلاب هذا القول في
~~غيرهم وجعل السكاكي من هذا القبيل قوله:

# إذا الله لم يسق إلا الكراما

# فيسقي وجوه بني حنبل

# فإنه في إفادة كرم بني حنبل كما ترى لا خفاء فيه.

### || [2.90]

# { بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل
~~الله } أي باعوا، فالأنفس بمنزلة المثمن، والكفر بمنزلة الثمن لأن
~~أنفسهم الخبيثة لا تشترى بل تباع وهو على الاستعارة أي إنهم اختاروا
~~الكفر على الإيمان وبذلوا أنفسهم فيه، وقيل: هو بمعناه المشهور لأن
~~المكلف إذا خاف على نفسه من العقاب أتى بأعمال يظن أنها تخلصه فكأنه
~~اشترى نفسه بها فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنه يخلصهم من
~~العقاب ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم وخلصوها فذمهم الله تعالى عليه، واعترض
~~بأنه كيف يدعي أنهم ظنوا ذلك مع قوله تعالى:

# فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به

# [البقرة: 89] فإذا علموا مخالفة الحق كيف يظنون نجاتهم بما فعلوا وإرادة
~~العقاب الدنيوي كترك الرياسة غير صحيح لأنه لا يشتري به الأنفس. ويمكن
~~الجواب بأن المراد أنهم ظنوا على ما هو ظاهر حالهم من التصلب في اليهودية
~~والخوف فيما يأتون ويذرون وادعاء الحقية فيه فلا ينافي عدم ظنهم في
~~الواقع على ما تدل عليه الآية، والمراد بما أنزل الله الكتاب المصدق، وفي
~~تبديل المجىء بالإنزال المشعر بأنه من العالم العلوي مع الإسناد إليه
~~تعالى إيذان بعلو شأنه وعظمه الموجب ms00515 للإيمان به، وقيل: يحتمل أن يراد به
~~التوراة والإنجيل وأن يراد الجميع، والكفر ببعضها كفر بكلها.

# واختلف في (ما) الواقعة بعد بئس ألها محل من الإعراب أم لا؟ فذهب الفراء
~~إلى أنها لا محل لها وأنها مع بئس شيء واحد كحبذا، وذهب/ الجمهور إلى أن
~~لها محلا، واختلف أهو نصب أم رفع؟ فذهب الأخفش إلى الأول على أنها
~~تمييز، والجملة بعدها في موضع نصب على الصفة، وفاعل بئس مضمر مفسر بها،
~~والتقدير بئس هو شيئا اشتروا به، و { أن يكفروا } هو المخصوص
~~بالذم والتعبير بصيغة المضارع لإفادة الاستمرار على الكفر فإنه الموجب
~~للعذاب المهين، ويحتمل على هذا الوجه أن يكون المخصوص محذوفا، و
~~(اشتروا) صفة له، والتقدير بئس شيء اشتروا به، و { أن يكفروا } بدل
~~من المحذوف أو خبر مبتدأ محذوف، وذهب الكسائي إلى النصب على التمييز
~~أيضا إلا أنه قدر بعدها (ما) أخرى موصولة هي المخصوص بالذم، و (اشتروا)
~~صلتها، والتقدير بئس شيئا الذي اشتروا، وذهب سيبويه إلى الثاني على أنها
~~فاعل (بئس) وهي معرفة تامة، والمخصوص محذوف أي: شيء اشتروا، وعزي هذا إلى
~~الكسائي أيضا، وقيل: موصولة وهو أحد قولي الفارسي، وعزاه ابن عطية إلى
~~سيبويه وهو وهم، ونقل المهدوي عن الكسائي أن (ما) مصدرية والمتحصل فاعل
~~(بئس) واعترض بأن (بئس) لا تدخل على اسم معين يتعرف بالإضافة إلى الضمير،
~~ولك على هذا التقدير أن لا تجعل ذلك فاعلا بل تجعله المخصوص والفاعل
~~مضمر والتمييز محذوف لفهم المعنى، والتقدير  بئس اشتراء اشتراؤهم  فلا
~~يلزم الاعتراض، نعم يرد عود ضمير به على (ما) والمصدرية لا يعود عليها
~~الضمير لأنها حرف عند غير الأخفش فافهم.

# { بغيا أن ينزل الله }  البغي  في الأصل الظلم والفساد من
~~قولهم  بغى  الجرح فسد قاله الأصمعي، وقيل: أصله الطلب، وتختلف أنواعه
~~ففي طلب زوال النعمة حسد، والتجاوز على الغير ظلم، والزنا فجور، والمراد
~~به هنا بمعونة المقام طلب ما ليس لهم فيؤل إلى الحسد، وإلى ذلك ذهب قتادة
~~وأبو العالية والسدي، وقيل: الظلم وانتصابه على ms00516 أنه مفعول له ليكفرون
~~فيفيد أن كفرهم كان لمجرد العناد الذي هو نتيجة الحسد لا للجهل وهو أبلغ
~~في الذم لأن الجاهل قد يعذر، وذهب الزمخشري إلى أنه علة (اشتروا) ورد
~~بأنه يستلزم الفصل بالأجنبي وهو المخصوص بالذم وهو وإن لم يكن أجنبيا
~~بالنسبة إلى فعل الذم وفاعله لكن لا خفاء في أنه أجنبي بالنسبة إلى
~~الفعل الذي وصف به تمييز الفاعل، والقول بأن المعنى  على ذم ما باعوا به
~~أنفسهم حسدا وهو الكفر لا على ذم ما باعوا به أنفسهم وهو الكفر حسدا 
~~تحكم، نعم قد يقال: إنما يلزم الفصل بأجنبي إذا كان المخصوص مبتدأ خبره
~~بئسما أما لو كان خبر مبتدأ محذوف  وهو المختار  فلا لأن الجملة حينئذ
~~جواب للسؤال عن فاعل (بئس) فيكون الفصل بين المعلول وعلته بما هو بيان
~~للمعلول ولا امتناع فيه، وجعله بعضهم علة ل (اشتروا) محذوفا فرارا من
~~الفصل، ومنهم من أعربه حالا ومفعولا مطلقا لمقدر أي بغوا بغيا، و {
~~أن ينزل } إما مفعول من أجله للبغي أي حسدا لأجل تنزيل الله، وإما
~~على إسقاط الخافض المتعلق بالبغي أي حسدا على أن ينزل والقول بأنه في
~~موضع خفض على أنه بدل اشتمال من (ما) في قوله: { بما أنزل الله }
~~بعيد جدا، وربما يقرب منه ما قيل: إنه في موضع المفعول الثاني، والبغي
~~بمعنى طلب الشخص ما ليس له يتعدى إليه بنفسه تارة، وباللام أخرى،
~~والمفعول الأول ههنا أعني محمدا عليه الصلاة والسلام محذوف لتعينه؛
~~وللدلالة على أن الحسد مذموم في نفسه كائنا ما كان المحسود  كما لا
~~يخفى  وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب { ينزل } بالتخفيف.

# { من فضله } أراد به الوحي، و (من) لابتداء الغاية صفة لموصوف
~~محذوف أي شيئا كائنا من فضله وجوز أبو البقاء أن تكون زائدة على مذهب
~~الأخفش { على من يشاء من عباده } أي على من يختاره للرسالة،
~~وفي «البحر» أن المراد به محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم حسدوه لما لم
~~يكن منهم، وكان من العرب ومن ولد ms00517 إسماعيل  ولم يكن من ولده نبي سواه
~~عليه الصلاة والسلام/ وإضافة  العباد  إلى ضميره تعالى للتشريف، و {
~~من } إما موصولة أو موصوفة.

# { فباءو بغضب على غضب } تفريع على ما تقدم، أي فرجعوا
~~متلبسين بغضب كائن على غضب مستحقين له حسبما اقترفوا من الكفر والحسد.
~~وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الغضب الأول: لعبادة العجل
~~والثاني: لكفرهم به صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة: الأول: كفرهم
~~بالإنجيل والثاني: كفرهم بالقرآن، وقيل: هما الكفر بعيسى ومحمد عليهما
~~الصلاة والسلام، أو قولهم:

# عزير ابن الله

# [التوبة: 30] و

# يد الله مغلولة

# [المائدة: 64] وغير ذلك من أنواع كفرهم، وكفرهم الأخير بالنبي صلى الله
~~عليه وسلم ولا يخفى أن  فاء العطف  يقتضي صيرورتهم أحقاء بترادف الغضب
~~لأجل ما تقدم، وقولهم: { عزير ابن الله } مثلا غير مذكور فيما
~~سبق، ويحتمل أن يراد بقوله سبحانه: { بغضب على غضب } الترادف
~~والتكاثر لا غضبان فقط، وفيه إيذان بتشديد الحال عليهم جدا كما في قوله:

# ولو كان رمحا واحدا لاتقيته

# ولكنه رمح (وثان وثالث)

# ومن الناس من زعم أن  الفاء فصيحة  والمعنى فإذا كفروا وحسدوا على ما
~~ذكر باءوا الخ، وليس بشيء.

# { وللكفرين عذاب مهين }  اللام  في الكافرين للعهد،
~~والإظهار في موضع الإضمار للإيذان بعلية كفرهم لما حاق بهم؛ ويحتمل أن
~~تكون للعموم فيدخل المعهودون فيه على طرز ما مر. و  المهين  المذل،
~~وأصله مهون فأعل، وإسناده إلى العذاب مجاز من الإسناد إلى السبب  والوصف
~~به للتقييد  والاختصاص الذي يفهمه تقديم الخبر بالنسبة إليه، فغير
~~الكافرين إذا عذب فإنما يعذب للتطهير  لا للإهانة والإذلال  ولذا لم
~~يوصف عذاب غيرهم به في القرآن فلا تمسك للخوارج بأنه خص العذاب بالكافرين
~~فيكون الفاسق كافرا لأنه معذب ولا للمرجئة أيضا.

### || [2.91]

# { وإذا قيل لهم } ظرف لقالوا والجملة عطف على

# قالوا قلوبنا غلف

# [البقرة: 88] ولا غرض يتعلق بالقائل، فلذا بني الفعل لما لم يسم فاعله،
~~والظاهر أنه من جانب المؤمنين. { آمنوا بما أنزل الله }
~~الجمهور على أنه القرآن، وقيل: سائر ما أنزل ms00518 من الكتب الإلهية إجراء لما
~~على العموم ومع هذا: جل الغرض الأمر بالإيمان بالقرآن لكن سلك مسلك
~~التعميم منه إشعارا بتحتم الامتثال من حيث مشاركته لما آمنوا به فيما في
~~حيز الصلة وموافقته له في المضمون، وتنبيها على أن الإيمان بما عداه من
~~غير إيمان به ليس إيمانا بما أنزل الله.

# { قالوا نؤمن بما أنزل علينا } أي نستمر على الإيمان
~~بالتوراة وما في حكمها مما أنزل لتقرير حكمها، وحذف الفاعل للعلم به إذ
~~من المعلوم أنه لا ينزل الكتب إلا هو سبحانه، ولجريان ذكره في الخطاب
~~ومرادهم بضمير المتكلم إما أنبياء بني إسرائيل  وهو الظاهر  وفيه إيماء
~~إلى أن عدم إيمانهم بالقرآن كان بغيا وحسدا على نزوله على من ليس منهم
~~ وإما أنفسهم  ومعنى الإنزال عليهم تكليفهم بما في المنزل من الأحكام،
~~وذموا على هذه المقالة لما فيها من التعريض بشأن القرآن  ودسائس اليهود
~~مشهورة  أو لأنهم تأولوا الأمر المطلق العام ونزلوه على خاص هو الإيمان
~~بما أنزل عليهم كما هو ديدنهم في تأويل الكتاب بغير المراد منه.

# { ويكفرون بما وراءه } عطف على { قالوا }؛ والتعبير
~~بالمضارع لحكاية الحال استغرابا للكفر بالشيء بعد العلم بحقيته أو
~~للتنبيه على أن كفرهم مستمر إلى زمن الإخبار، وقيل: استئناف  وعليه ابن
~~الأنباري  ويجوز أن يكون حالا إما على مذهب من يجوز وقوع المضارع
~~المثبت حالا مع الواو، وإما على تقدير مبتدأ أي وهم/ يكفرون، والتقييد
~~بالحال حينئذ لإفادة بيان شناعة حالهم بأنهم متناقضوا في إيمانهم لأن
~~كفرهم بما وراءه حال الإيمان بالتوراة يستلزم عدم الإيمان به  وهذا أدخل
~~في رد مقالتهم  ولهذا اختار هذا الوجه بعض الوجوه،  ووراء  في الأصل
~~مصدر لاشتقاق المواراة والتواري منه، والمزيد فرع المجرد إلا أنه لم
~~يستعمل فعله المجرد أصلا ثم جعل ظرف مكان ويضاف إلى الفاعل فيراد به
~~المفعول وإلى المفعول فيراد به الفاعل أعني الساتر، ولصدقه على الضدين 
~~الخلف، والأمام  عد من الأضداد وليس موضوعا لهما، وفي «الموازنة»
~~للأموي تصريح بأنه ليس منها وإنما هو من المواراة ms00519 والاستتار فما استتر
~~عنك فهو وراء  خلفا كان أو قداما  إذا لم تره فأما إذا رأيته فلا
~~يكون وراءك. والمراد هنا بما بعده قاله قتادة  أو بما سواه  وبه فسر

# وأحل لكم ما وراء ذلكم

# [النساء: 24] وأريد به القرآن كما عليه الجمهور. وقال الواحدي: هو
~~والإنجيل، واحتمال أن يراد بما وراءه باطن معاني ما أنزل عليهم التي هي
~~وراء ألفاظها، وفيه إشعار بأن إيمانهم بظاهر اللفظ ليس بشيء إلا أن يراد
~~بذلك الباطن القرآن ولا يخفى بعده.

# { وهو الحق } الضمير عائد لما وراءه حال منه، وقيل: من فاعل
~~(يكفرون) والجملة الحالية المقترنة بالواو لا يلزم أن يعود منها ضمير إلى
~~ذي الحال  كجاء زيد والشمس طالعة  وعلى فرض اللزوم ينزل وجود الضمير
~~فيما هو من تتمتها منزلة وجوده فيها، والمعنى وهم مقارنون لحقيته أي
~~عالمون بها وهو أبلغ في الذم من كفرهم بما هو حق في نفسه، والأول أولى
~~لظهوره ولا تفوت تلك الأبلغية عليه أيضا إذ تعريف الحق للإشارة إلى أن
~~المحكوم عليه مسلم الاتصاف به معروفه من قبيل  والدك العبد  فيفيد أن
~~كفرهم به كان لمجرد العناد، وقيل: التعريف لزيادة التوبيخ والتجهيل بمعنى
~~أنه خاصة الحق الذي يقارن تصديق كتابهم ولولا الحال أعني (مصدقا) لم
~~يستقم الحصر لأنه في مقابلة كتابهم وهو حق أيضا، وفيه أنه لا يستقيم ولو
~~لوحظ الحال بناء على تخصيص ذي الضمير بالقرآن لأن الإنجيل حق مصدق
~~للتوراة أيضا، نعم لو أريد بالحق الثابت المقابل للمنسوخ لاستقام الحصر
~~مطلقا إلا أنه بعيد.

# { مصدقا لما معهم } حال مؤكدة لأن كتب الله تعالى يصدق بعضها
~~بعضا، فالتصديق لازم لا ينتقل، وقد قررت مضمون الخبر لأنها كالاستدلال
~~عليه، ولهذا تضمنت رد قولهم: { نؤمن بما أنزل علينا } حيث
~~إن من لم يصدق بما وافق التوراة لم يصدق بها، واحتمال أن يراد مما معهم
~~التوراة والإنجيل كما في «البحر» لأنهما أنزلا على بني إسرائيل وكلاهما
~~غير مخالف للقرآن مخالف لما يقتضيه الذوق سباقا وسياقا.

# { قل فلم تقتلون أنبياء الله ms00520 من قبل } أمر للنبي
~~صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك تبكيتا لهم حيث قتلوا الأنبياء مع ادعاء
~~الإيمان بالتوراة وهي لا تسوغه، ويحتمل أن يكون أمرا لمن يريد جدالهم
~~كائنا من كان. والفاء جواب شرط مقدر أي: إن كنتم مؤمنين { فلم } الخ،
~~و (ما) استفهامية حذفت ألفها لأجل  لام  الجر ويقف البزي في مثل ذلك
~~بالهاء وغيره بغير هاء، وإيراد صيغة المضارع مع الظرف الدال على المضي
~~للدلالة على استمرارهم على القتل في الأزمنة الماضية، وقيل: لحكاية تلك
~~الحال، والمراد بالقتل معناه الحقيقي وإسناده إلى الأخلاف المعاصرين له
~~صلى الله عليه وسلم مع أن صدوره من الأسلاف مجاز للملابسة بين الفاعل
~~الحقيقي وما أسند إليه، وهذا كما يقال لأهل قبيلة  أنتم قتلتم زيدا 
~~إذا كان القاتل آباءهم، وقيل: القتل مجاز عن الرضا أو العزم عليه، ولا
~~يخفى أن الاعتراض على الوجه الأول أقوى تبكيتا منه على الآخرين فتدبر،
~~وفي إضافة (أنبياء) إلى الاسم الكريم تشريف عظيم وإيذان بأنه كان ينبغي
~~لمن جاء من عند الله تعالى أن يعظم وينصر لا أن يقتل.

# { إن كنتم مؤمنين } / تكرير للاعتراض لتأكيد الإلزام وتشديد
~~التهويل أي: إن كنتم مؤمنين فلم تقتلونهم وقد حذف من كل واحدة من
~~الشرطيتين ما حذف ثقة بما أثبت في الأخرى على طريق الاحتباك، وقيل: إن
~~المذكور قبل جواب لهذا الشرط بناء على جواز تقديمه وهو رأي الكوفيين
~~وأبي زيد، واختاره في «البحر»، وقال الزجاج: (إن) هنا نافية ولا يخفى
~~بعده.

### || [2.92]

# { ولقد جاءكم موسى بالبينت } داخل تحت الأمر فهو من
~~تمام التبكيت والتوبيخ وكذا ما يأتي بعد لا تكرير لما قص من قبل، والمراد
~~بالبينات الدلائل الدالة على صدقه عليه السلام في دعوته والمعجزات
~~المؤيدة لنبوته كالعصا واليد، وانفلاق البحر مثلا؛ وقيل: الأظهر أن يراد
~~بها الدلائل الدالة على الوحدانية فإنه أدخل في التقريع بما بعد، وعندي
~~الحمل على العموم بحيث يشمل ذلك أيضا أولى وأظهر.

# { ثم اتخذتم العجل } أي الذي صنعه لكم السامري من حليكم
~~إلها { من ms00521 بعده } أي بعد مجىء موسى عليه السلام بها ومن عد التوراة
~~وانفجار الماء منها لم يرد الجميع بل الجنس لأن ذلك كان بعد قصة العجل
~~وكلمة (ثم) على هذا للاستبعاد لئلا يلغو القيد. وقد يقال: الضمير لمتقدم
~~معنى وهو الذهاب إلى الطور فكلمة (ثم) على حقيقتها، وعد ما ذكرنا من
~~البينات حينئذ ظاهر، ويشير هذا العطف على أنهم فعلوا ذلك بعد مهلة من
~~النظر في الآيات وذلك أعظم ذنبا وأكثر شناعة لحالهم، والتزم بعضهم 
~~رجوع الضمير إلى البينات بحذف المضاف أي من بعد تدبر الآيات ليظهر ذلك،
~~وعود الضمير إلى العجل، والمراد بعد وجوده أي عبدتم الحادث الذي حدث
~~بمحضركم ليكون فيه التوبيخ العظيم  لا يخفى ما فيه من البعد العظيم
~~المستغنى عنه بما أشرنا إليه.

# { وأنتم ظلمون } أي واضعون الشيء في غير محله اللائق به أو
~~مخلون بآيات الله تعالى، والجملة حال مؤكدة للتوبيخ والتهديد وهي جارية
~~مجرى القرينة على إرادة العبادة من الاتخاذ، وفيها تعريض بأنهم صرفوا
~~العبادة عن موضعها الأصلي إلى غير موضعها وإيهام المبالغة من حيث إن
~~إطلاق الظلم يشعر بأن عبادة العجل كل الظلم وأن من ارتكبها لم يترك شيئا
~~من الظلم. واختار بعضهم كونها اعتراضا لتأكيد الجملة بتمامها دون تعرض
~~لبيان الهيئة الذي تقتضيه الحالية أي وأنتم قوم عادتكم الظلم واستمر
~~منكم، ومنه عبادة العجل، والذي دعاه إلى ذلك زعم أنه يلزم على الحالية أن
~~يكون تكرارا محضا فإن عبادة العجل لا تكون إلا ظلما بخلافه على هذا
~~فإنه يكون بيانا لرذيلة لهم تقتضي ذلك، وفيه غفلة عما ذكرنا، وإذا حمل
~~الاتخاذ على الحقيقة نحو  اتخذت خاتما  تكون الحالية أولى بلا شبهة
~~لأن الاتخاذ لا يتعين كونه ظلما إلا إذا قيد بعبادته كما لا يخفى.

### || [2.93]

# { وإذ أخذنا ميثقكم ورفعنا فوقكم الطور
~~خذوا ما ءاتينكم بقوة } أي قلنا لهم خذوا ما أمرتكم به في
~~التوراة بجد وعدم فتور { واسمعوا }  أي سماع تقبل وطاعة إذ لا
~~فائدة في الأمر بالمطلق بعد الأمر بالأخذ بقوة بخلافه ms00522 على تقدير التقييد
~~فإنه يؤكده ويقرره لاقتضائه كمال إبائهم عن قبول ما آتاهم إياه ولذا رفع
~~الجبل عليهم، وكثيرا ما يراد من السماع القبول ومن ذلك " سمع الله لمن
~~حمده " وقوله:

# دعوت الله حتى خفت أن لا

# يكون الله (يسمع) ما أقول

# { قالوا سمعنا وعصينا } أي سمعنا قولك: (خذوا واسمعوا)
~~وعصينا أمرك فلا نأخذ ولا نسمع سماع الطاعة، وليس هذا جوابا ل (اسمعوا)
~~باعتبار تضمنه أمرين لأنه يبقى (خذوا) بلا جواب، وذهب الجم إلى ذلك
~~وأوردوا هنا سؤالا وجوابا، حاصل الأول أن السماع في الأمر إن كان على
~~ظاهره فقولهم سمعنا طاعة وعصينا مناقض/ وإن كان القبول فإن كان في الجواب
~~كذلك كذب وتناقض وإلا لم يكن له تعلق بالسؤال، وزبدة الجواب أن السماع
~~هناك مقيد والأمر مشتمل على أمرين سماع قوله وقبوله بالعمل فقالوا: نمتثل
~~أحدهما دون الآخر، ومرجعه إلى القول بالموجب، ونظيره

# يقولون هو أذن قل أذن خير لكم

# [التوبة: 61] وقيل: المعنى قالوا بلسان القال سمعنا وبلسان الحال عصينا،
~~أو سمعنا أحكاما قبل وعصينا فنخاف أن نعصي بعد سماع قولك هذا، وقيل:
~~(سمعنا) جواب (اسمعوا) و (عصينا) جواب (خذوا) وقال أبو منصور: إن قولهم
~~(عصينا) ليس على أثر قولهم: (سمعنا) بل بعد زمان كما في قوله تعالى:

# ثم توليتم

# [البقرة: 64] فلا حاجة إلى الدفع بما ذكر، وأنت تعلم أنه لا حاجة إلى
~~جميع ذلك بعدما سمعت كما لا يخفى.

# { وأشربوا فى قلوبهم العجل } عطف على { قالوا } أو
~~مستأنف أو حال بتقدير قد أو بدونه. والعامل (قالوا) و  الإشراب  مخالطة
~~المائع الجامد، وتوسع فيه حتى صار في اللونين، ومنه بياض مشرب بحمرة،
~~والكلام على حذف مضاف أي حب العجل، وجوز أن يكون العجل مجازا عن صورته
~~فلا يحتاج إلى الحذف، وذكر  القلوب  لبيان مكان الإشراب، وذكر المحل
~~المتعين يفيد مبالغة في الإثبات؛ والمعنى داخلهم حب العجل ورسخ في قلوبهم
~~صورته لفرط شغفهم به كما داخل الصبغ الثوب وأنشدوا:

# إذا ما القلب (أشرب) حب شيء

# فلا تأمل له عنه انصرافا ms00523

# وقيل:  أشربوا  من أشربت البعير إذا شددت في عنقه حبلا كأن العجل شد
~~في قلوبهم لشغفهم به؛ وقيل: من الشراب ومن عادتهم أنهم إذا عبروا عن
~~مخامرة حب أو بغض استعاروا له اسم الشراب إذ هو أبلغ منساغ في البدن،
~~ولذا قال الأطباء: الماء مطية الأغذية والأدوية ومركبها الذي تسافر به
~~إلى أقطار البدن، وقال الشاعر:

# تغلغل حيث لم يبلغ (شراب)

# ولا حزن ولم يبلغ سرور

# وقيل: من الشرب حقيقة، وذلك أن السدي نقل أن موسى عليه السلام برد العجل
~~بالمبرد ورماه في الماء وقال لهم: اشربوا فشربوا جميعهم فمن كان يحب
~~العجل خرجت برادته على شفتيه، ولا يخفى أن قوله تعالى: { فى قلوبهم
~~} يبعد هذا القول جدا على أن ما قص الله تعالى لنا في كتابه عما فعل
~~موسى عليه السلام بالعجل يبعد ظاهر هذه الرواية أيضا، وبناء  أشربوا 
~~للمفعول يدل على أن ذلك فعل بهم ولا فاعل سواه تعالى. وقالت المعتزلة: هو
~~على حد قول القائل  أنسيت كذا  ولم يرد أن غيره فعل ذلك به وإنما
~~المراد نسيت وأن الفاعل من زين ذلك عندهم ودعاهم إليه كالسامري.

# { بكفرهم } أي بسبب كفرهم لأنهم كانوا مجسمة يجوزون أن يكون جسم
~~من الأجسام إلها أو حلولية يجوزون حلوله فيه تعالى عن ذلك علوا كبيرا،
~~ولم يروا جسما أعجب منه فتمكن في قلوبهم ما سول لهم، وثعبان العصا كان
~~لا يبقى زمانا ممتدا ولا يبعد من أولئك أن يعتقدوا عجلا صنعوه على
~~هيئة البهائم إلها وإن شاهدوا ما شاهدوا من موسى عليه السلام لما ترى من
~~عبدة الأصنام الذين كان أكثرهم أعقل من كثير من بني إسرائيل، وقيل: الباء
~~بمعنى مع أي مصحوبا بكفرهم فيكون ذلك كفرا على كفر.

# { قل بئسما يأمركم به إيمنكم } أي بما أنزل عليكم
~~من التوراة حسبما تدعون، وإسناد الأمر إلى الإيمان وإضافته إلى ضميرهم
~~للتهكم كما في قوله تعالى:

# أصلوتك تأمرك

# [هود: 87] والمخصوص بالذم محذوف  أي قتل الأنبياء  وكذا وكذا، وجوز
~~أن يكون المخصوص مخصوصا بقولهم: عصينا ms00524 أمرك، وأراه على القرب بعيدا.

# { إن كنتم مؤمنين } قدح في دعواهم الإيمان بالتوراة وإبطال
~~لها، وجواب الشرط ما فهم من قوله تعالى: /

# فلم تقتلون

# [البقرة: 91] إلى آخر الآيات المذكورة في رد دعواهم الإيمان، أو الجملة
~~الإنشائية السابقة  إما بتأويل أو بلا تأويل  وتقرير ذلك: إن كنتم
~~مؤمنين ما رخص لكم إيمانكم بالقبائح التي فعلكم، بل منع عنها فتناقضتم في
~~دعواكم له فتكون باطلا، أو: إن كنتم مؤمنين بها فبئسما أمركم به إيمانكم
~~بها أو فقد أمركم إيمانكم بالباطل، لكن الإيمان بها لا يأمر به فإذن لستم
~~بمؤمنين، والملازمة بين الشرط والجزاء على الأول: بالنظر إلى نفس الأمر،
~~وإبطال الدعوى بلزوم التناقض وعلى الثاني: تكون الملازمة بالنظر إلى
~~حالهم من تعاطي القبائح مع ادعائهم الإيمان، والمؤمن من شأنه أن لا
~~يتعاطى إلا ما يرخصه إيمانه، وإبطال التالي بالنظر إلى نفس الأمر، 
~~واستظهر بعضهم في هذا  ونظائره كون الجزاء معرفة السابق أي: إن كنتم
~~مؤمنين تعرفون أنه بئس المأمور به، وقيل: (إن) نافية، وقيل: للتشكيك 
~~وإليه يشير كلام «الكشاف»  وفيه أن المقصد إبطال دعوتهم بإبراز إيمانهم
~~القطعي العدم منزلة ما لا قطع بعدمه للتبكيت والإلزام  لا للتشكيك  على
~~أنه لم يعهد استعمال (إن) لتشكيك السامع  كما نص عليه بعض المحققين 
~~وقرأ الحسن ومسلم بن جندب  بهو إيمانكم  بضم الهاء ووصلها بواو .

### || [2.94]

# { قل إن كانت لكم الدار الأخرة } رد لدعوى أخرى لهم بعد
~~رد دعوى  الإيمان بما أنزل عليهم  ولاختلاف الغرض لم يعطف أحدهما على
~~الآخر مع ظهور المناسبة المصححة للذكر، والآية نزلت  فيما حكاه ابن
~~الجوزي  عندما قالت اليهود: إن الله تعالى لم يخلق الجنة إلا لإسرائيل
~~وبنيه. وقال أبو العالية والربيع: سبب نزولها قولهم:

# لن يدخل الجنة

# [البقرة: 111] الخ و

# نحن أبناء الله

# [المائدة: 18] الخ و

# لن تمسنا النار

# [البقرة: 80] الخ، وروي مثله عن قتادة. والضمير في { قل } إما للنبي
~~صلى الله عليه وسلم أو لمن يبغي إقامة الحجة عليهم، والمراد من (الدار
~~الآخرة) الجنة  وهو الشائع  واستحسن في «البحر» ms00525 تقدير مضاف أي: نعيم
~~الدار الآخرة.

# { عند الله } أي في حكمه، وقيل: المراد  بالعندية  المكانة
~~والمرتبة والشرف، وحملها  على عندية المكان  كما قيل به  احتمالا 
~~بعيد { خالصة من دون الناس } أي مخصوصة بكم كما تزعمون 
~~والخالص  الذي لا يشوبه شيء، أو ما زال عنه شوبه، ونصب (خالصة) على
~~الحال من الدار الذي هو اسم (كان) و (لكم) خبرها قدم للاهتمام  أو
~~لإفادة الحصر  وما بعده للتأكيد، هذا إن جوز مجىء الحال من اسم (كان)
~~وهو الأصح، ومن لم يجوز بناء على أنه ليس بفاعل جعلها حالا من الضمير
~~المستكن في الخبر، وقيل: (خالصة) هو الخبر و (لكم) ظرف لغو لكان أو
~~لخالصة ولا يخفى بعده  فإنه تقييد للحكم قبل مجيئه  ولا وجه لتقديم
~~متعلق الخبر على الاسم مع لزوم توسط الظرف بين الاسم والخبر، وأبعد
~~المهدوي وابن عطية أيضا فجعلا (خالصة) حالا و (عند الله) هو الخبر، مع
~~أن الكلام لا يستقل به وحده. و (دون) هنا للاختصاص وقطع الشركة، يقال:
~~هذا لي دونك، وأنت تريد لا حق لك فيه معي ولا نصيب، وهو متعلق بخالصة
~~والمراد بالناس الجنس وهو الظاهر، وقيل: المراد بهم النبي صلى الله عليه
~~وسلم والمسلمون، وقيل: النبي صلى الله عليه وسلم وحده  قاله ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما  قالوا: ويطلق الناس ويراد به الرجل الواحد، ولعله
~~لا يكون إلا مجازا بتنزيل الواحد منزلة الجماعة.

# { فتمنوا الموت إن كنتم صدقين } في أن الجنة
~~خالصة لكم، فإن من أيقن أنه من أهل الجنة اختار أن ينتقل إلى دار القرار،
~~وأحب أن يخلص من المقام في دار الأكدار، كما روي عن علي كرم الله تعالى
~~وجهه أنه كان يطوف بين الصفين في غلالة، فقال له الحسن: / ما هذا بزي
~~المحاربين، فقال: يا بني  لا يبالي أبوك سقط على الموت، أم سقط عليه
~~الموت  وكان عبد الله بن رواحة ينشد وهو يقاتل الروم:

# يا حبذا الجنة واقترابها

# طيبة وبارد شرابها

# والروم روم قد دنا عذابها

# وقال عمار بصفين: ms00526

# غدا نلقي الأحبة محمدا وصحبه

# وروي عن حذيفة أنه كان يتمنى الموت، فلما احتضر قال: حبيب جاء على فاقة.
~~وعنه صلى الله عليه وسلم أنه لما بلغه قتل من قتل ببئر معونة قال: «يا
~~ليتني غودرت معهم في لحف الجبل» ويعلم من ذلك أن تمني الموت لأجل
~~الاشتياق إلى دار النعيم ولقاء الكريم غير منهي عنه، إنما المنهي عنه
~~تمنيه لأجل ضر أصابه  فإنه أثر الجزع وعدم الرضا بالقضاء  وفي الخبر:

# " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، وإن كان ولا بد فليقل: اللهم أحيني
~~ما كانت الحياة خيرا لي، وأمتني ما كانت الوفاة خيرا لي "

# والمراد  بالتمني  قول الشخص: ليت كذا، وليت من أعمال القلب أو
~~الاشتهاء بالقلب ومحبة الحصول مع القول، فمعنى الآية سلوا الموت باللسان
~~ قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أو اشتهوه بقلوبكم وسلوه بألسنتكم
~~ قاله قوم  وعلى التقديرين  الأمر بالتمني حقيقة، واحتمال أن يكون
~~المراد  تعرضوا للموت ولا تحترزوا عنه كالمتمني فحاربوا من يخالفكم ولا
~~تكونوا من أهل الجزية والصغار، أو كونوا على وجه يكون المتمنون للموت
~~المشتهون للجنة عليه من العمل الصالح  مما لا تساعده الآثار، فقد أخرج
~~ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما موقوفا:

# " لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه "

# وأخرج البيهقي عنه مرفوعا

# " لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه "

# والبخاري مرفوعا عنه أيضا:

# " لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا "

# وقرأ ابن أبي إسحاق: { فتمنوا الموت }  بكسر الواو  وحكى
~~الحسن بن إبراهيم عن أبي عمرو  فتحها  وروي عنه أيضا اختلاس ضمتها.

### || [2.95]

# { ولن يتمنوه أبدا } الظاهر أنه جملة مستأنفة معترضة غير
~~داخلة تحت الأمر سيقت من جهته تعالى لبيان ما يكون منهم من الإحجام الدال
~~على كذبهم في دعواهم، والمراد لن يتمنوه ما عاشوا، وهذا خاص بالمعاصرين
~~له صلى الله عليه وسلم على ما روي عن نافع رضي الله تعالى عنه قال:
~~خاصمنا يهودي وقال: إن في كتابكم { فتمنوا الموت } الخ، فأنا
~~أتمنى الموت، فمالي ms00527 لا أموت، فسمع ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فغضب،
~~فدخل بيته وسل سيفه وخرج، فلما رآه اليهودي فر منه، وقال ابن عمر: أما
~~والله لو أدركته لضربت عنقه، توهم هذا الكلب اللعين الجاهل أن هذا لكل
~~يهودي أو لليهود في كل وقت لا إنما هو لأولئك الذين كانوا يعاندون
~~ويجحدون نبوة النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن عرفوا، وكانت المحاجة
~~معهم باللسان دون السيف. ويؤيد هذا ما أخرج ابن جرير عن ابن عباس
~~موقوفا:

# " لو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات "

# وهذه الجملة إخبار بالغيب ومعجزة له صلى الله عليه وسلم، وفيها دليل على
~~اعترافهم بنبوته صلى الله عليه وسلم لأنهم لو لم يتيقنوا ذلك ما امتنعوا
~~من التمني، وقيل: لا دليل، بل الامتناع كان بصرف الصرفة كما قيل في عدم
~~معارضة القرآن، والقول بأنه كيف يكون ذلك معجزة مع أنه لا يمكن أن يعلم
~~أنه لم يتمن أحد، والتمني أمر قلبي لا يطلع عليه، مجاب عنه بأنا لا نسلم
~~أن المراد بالتمني هنا الأمر القلبي، بل هو أن يقول: ليت كذا ونحوه كما
~~مر آنفا، ولو سلم أنه أمر قلبي فهذا مذكور على طريق المحاجة وإظهار
~~المعجزة فلا يدفع إلا بالإظهار والتلفظ كما إذا قال رجل لامرأته: أنت
~~طالق إن شئت أو أحببت، فإنه يعلق بالإخبار لا بالإضمار، فحيث ثبت عدم
~~تلفظهم بالإخبار، وبأنه لو وقع لنقل واشتهر لتوفر الدواعي إلى نقله لأنه
~~أمر عظيم يدور عليه أمر/ عظيم يدور عليه أمر النبوة، فإنه بتقدير عدمه
~~يظهر صدقه، وبتقدير حصوله يبطل القول بنبوته ثبت كونه معجزة أيده بها
~~ربه، ومن حمل التمني على المجاز لا يرد عنده هذا السؤال، ولا يحتاج إلى
~~هذا الجواب، وقد علمت ما فيه. وذهب جمهور المفسرين إلى عموم حكم الآية
~~لجميع اليهود في جميع الأعصار، ولست ممن يقول بذلك وإن ارتضاه الجم
~~الغفير، وقالوا: إنه المشهور الموافق لظاهر النظم الكريم، اللهم إلا أن
~~يكون ذلك ms00528 بالنسبة إلى جميع اليهود المعتقدين نبوته صلى الله عليه وسلم
~~الجاحدين لها في جميع الأعصار  لا بالنسبة إلى اليهود مطلقا في جميعها
~~ ومع هذا لي فيه نظر بعد.

# { بما قدمت أيديهم } أي بسبب ما عملوا من المعاصي الموجبة
~~للنار كالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وقتل الأنبياء، و (ما)
~~موصولة، والعائد محذوف أو مصدرية ولا حذف، واليد كناية عن نفس الشخص،
~~ويكنى بها عن القدرة أيضا لما أنها من بين جوارح الإنسان مناط عامة
~~صنائعه ومدار أكثر منافعه، ولا يجعل الإسناد مجازيا؛ واليد على حقيقتها
~~فيكون المعنى بما قدموا بأيديهم كتحريف التوراة ليشمل ما قدموا بسائر
~~الأعضاء، وهو أبلغ في الذم.

# { والله عليم بالظلمين } تذييل للتهديد والتنبيه على أنهم
~~ظالمون في ادعاء ما ليس لهم ونفيه عن غيرهم، والمراد  بالعلم  إما ظاهر
~~معناه، أو أنه كنى به عن المجازاة،  وأل  إما للعهد وإيثار الإظهار على
~~الإضمار للذم، وإما للجنس فيدخل المعهودون فيه على طرز ما تقدم.

### || [2.96]

# { ولتجدنهم أحرص الناس على حيوة } الخطاب للنبي
~~صلى الله عليه وسلم، و  تجد  من وجد بعقله بمعنى علم المتعدية إلى
~~مفعولين، والضمير مفعول أول، و (أحرص) مفعول ثان، واحتمال أنها من وجد
~~بمعنى لقي وأصاب فتتعدى إلى واحد، و (أحرص) حال لا يتأتى على مذهب من
~~يقول إن إضافة أفعل محضة كما سيأتي، والضمير عائد على اليهود الذين أخبر
~~عنهم بأنهم لا يتمنون الموت، وقيل: على جميعهم، وقيل: على علماء بني
~~إسرائيل و  أل  في الناس للجنس، وهو الظاهر، وقيل: للعهد، والمراد
~~جماعة عرفوا بغلبة الحرص عليهم، وتنكير (حياة) لأنه أريد بها فرد نوعي،
~~وهي الحياة المتطاولة، فالتنوين للتعظيم، ويجوز أن يكون للتحقير فإن
~~الحياة الحقيقية هي الأخروية و

# وإن الدار الأخرة لهى الحيوان

# [العنكبوت: 64] ويجوز أن يكون التنكير للإبهام، بل قيل: إن الأوجه أي
~~على حياة مبهمة غير معلومة المقدار، ومنه يعلم حرصهم على الحياة
~~المتطاولة من باب الأولى وجوز أبو حيان أن يكون الكلام على حذف مضاف أو
~~صفة أي ms00529 طول حياة أو حياة طويلة، وأنت تعلم أنه لا يحتاج إلى ذلك، والجملة
~~إما حال من فاعل

# قل

# [البقرة: 94]  وعليه الزجاج  وإما معترضة لتأكيد عدم تمنيهم الموت،
~~وقرأ أبي (على الحياة) بالألف واللام.

# { ومن الذين أشركوا } هم المجوس ووصفوا بالإشراك لأنهم
~~يقولون بالنور والظلمة وكانت تحيتهم إذا عطس العاطس عش ألف سنة، وقيل:
~~مشركو العرب الذين عبدوا الأصنام وهذا من الحمل على المعنى كأنه قال:
~~أحرص من الناس ومن الذين الخ بناء على ما ذهب إليه ابن السراج وعبد
~~القاهر والجزولي وأبو علي من أن إضافة أفعل المضاف إذا أريد الزيادة على
~~ما أضيف إليه لفظية لأن المعنى على إثبات (من) الابتدائية، والجار
~~والمجرور في محل نصب مفعوله، وسيبويه يجعلها معنوية بتقدير اللام،
~~والمراد بالناس على هذا التقدير ما عدا اليهود لما تقرر أن المجرور  بمن
~~ مفضول عليه بجميع أجزائه أو الأعم ولا يلزم تفضيل الشيء على نفسه لأن
~~أفعل ذو جهتين ثبوت أصل المعنى والزيادة فكونه من جملتهم بالجهة الأولى
~~دون الثانية وجىء  بمن  في الثانية لأن من شرط أفعل المراد به الزيادة
~~على المضاف إليه أن يضاف إلى ما هو بعضه لأنه موضوع لأن يكون جزءا من
~~جملة معينة بعده مجتمعة منه ومن أمثاله، ولا شك أن اليهود غير داخلين في
~~الذين أشركوا فإن الشائع في القرآن ذكرهما/ متقابلين، ويجوز أن يكون ذلك
~~من باب الحذف أي  وأحرص من الذين  وهو قول مقاتل؛ ووجه الآية على مذهب
~~سيبويه، وعلى التقديرين ذكر  المشركين  تخصيص بعد التعميم على الوجه
~~الظاهر في  اللام  لإفادة المبالغة في حرصهم والزيادة في توبيخهم
~~وتقريعهم حيث كانوا مع كونهم أهل كتاب يرجون ثوابا ويخافون عقابا، أحرص
~~ممن لا يرجو ذلك، ولا يؤمن ببعث ولا يعرف إلا الحياة العاجلة، وإنما كان
~~حرصهم أبلغ لعلمهم بأنهم صائرون إلى العذاب، ومن توقع شرا كان أنفر
~~الناس عنه، وأحرصهم على أسباب التباعد منه.

# ومن الناس من جوز كون (من الذين) صفة لمحذوف معطوف على الضمير المنصوب
~~في { لتجدنهم } والكلام ms00530 على التقديم والتأخير، أي: لتجدنهم وطائفة من 
~~الذين أشركوا أحرص الناس  ولا أظن يقدم على مثل ذلك في كتاب الله تعالى
~~من له أدنى ذوق، لأنه  وإن كان معنى صحيحا في نفسه  إلا أن التركيب
~~ينبو عنه، والفصاحة تأباه، ولا ضرورة تدعو إليه لا سيما على قول من يخص
~~التقديم والتأخير بالضرورة، نعم يحتمل أن يكون هناك محذوف  هو مبتدأ 
~~والمذكور صفته، أو المذكور خبر مبتدأ محذوف صفته.

# { يود أحدهم } وحذف موصوف الجملة فيما إذا كان بعضا من سابقه
~~المجرور بمن أو  في  جائز في السعة، وفي غيره مختص بالضرورة نحو:

# أنا ابن جلا وطلاع الثنايا

# وحينئذ يراد بالذين أشركوا اليهود لأنهم قالوا عزير ابن الله ووضع
~~المظهر موضع المضمر نعيا عليهم بالشرك، وجوز بعضهم أن يراد بذلك الجنس،
~~ويراد بمن يود أحدهم اليهود، والمراد كل واحد منهم  وهو بعيد  وجملة {
~~يود } الخ، على الوجهين الأولين مستأنفة، كأنه قيل: ما شدة حرصهم،
~~وقيل: حال من (الذين) أو من ضمير (أشركوا) أو من الضمير المنصوب في {
~~لتجدنهم }.

# { لو يعمر ألف سنة } جواب { لو } محذوف  أي لسر بذلك 
~~وكذا مفعول { يود } أي طول الحياة، وحذف لدلالة { لو يعمر }
~~عليه كما حذف الجواب لدلالة { يود } عليه، وهذا هو الجاري على قواعد
~~البصريين في مثل هذا المكان، وذهب بعض الكوفيين  في مثل ذلك  إلى أن {
~~لو } مصدرية بمعنى  أن  فلا يكون لها جواب، وينسبك منها مصدر هو
~~مفعول { يود } كأنه قال: يود أحدهم تعمير ألف سنة، وقيل: { لو }
~~بمعنى ليت ولا يحتاج إلى جواب والجملة محكية بيود في موضع المفعول، وهو 
~~وإن لم يكن قولا ولا في معناه  لكنه فعل قلبي يصدر عنه الأقوال فعومل
~~معاملتها، وكان أصله  لو أعمر  إلا أنه أورد بلفظ الغيبة لأجل مناسبة {
~~يود } فإنه غائب، كما يقال: حلف ليفعلن  مقام لأفعلن  وهذا بخلاف
~~ما لو أتى بصريح القول، فإنه لا يجوز قال: ليفعلن، وإذا قلنا: إن (لو)
~~التي للتمني مصدرية لا يحتاج إلى اعتبار الحكاية، وابن مالك رضي الله ms00531
~~تعالى عنه يقول: إن (لو) في أمثال ذلك مصدرية لا غير، لكنها أشبهت  ليت
~~ في الإشعار بالتمني، وليست حرفا موضوعا له  كليت  ونحو لو تأتيني
~~فتحدثني  بالنصب  أصله وددت لو تأتيني الخ، فحذف فعل التمني لدلالة
~~(لو) عليه، وقيل: هي (لو) الشرطية أشربت معنى التمني، ومعنى { ألف
~~سنة } الكثرة ليشمل من (يود) أن لا يموت أبدا، ويحتمل أن يراد ألف
~~سنة حقيقة  والألف  العدد المعلوم من الألفة، إذ هو مؤلف من أنواع
~~الأعداد بناء على متعارف الناس، وإن كان الصحيح أن العدد مركب من
~~الوحدات التي تحته  لا الأعداد  وأصل (سنة) سنوة، لقولهم: سنوات، وقيل:
~~سنهة  كجبهة  لقولهم: سانهته، وتسنهت النخلة إذا أتت عليها السنون،
~~وسمع أيضا في الجمع سنهات.

# { وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر }  { ما }
~~حجازية أو تميمية، وهو ضمير عائد إلى { أحدهم } اسمها  أو مبتدأ 
~~و { بمزحزحه } خبرها أو خبره  والباء  زائدة، و { أن يعمر
~~} / فاعل (مزحزحه) والمعنى  ما أحدهم يزحزحه من العذاب تعميره  وفيه
~~إشارة إلى ثبوت من  يزحزحه التعمير  وهو (من آمن وعمل صالحا) ولا يجوز
~~عند المحققين أن يكون الضمير المرفوع للشأن لأن مفسره جملة، ولا تدخل 
~~الباء في خبر { ما } وليس إلا إذا كان مفردا عند غير الفراء، وأجاز ذلك
~~أبو علي، وهو ميل منه إلى مذهب الكوفيين من أن مفسر ضمير الشأن يجوز أن
~~يكون غير جملة إذا انتظم إسنادا معنويا نحو ما هو بقائم زيد؛ نعم
~~جوزوا أن يكون لما دل عليه { يعمر } و { أن يعمر } بدل منه،
~~أي: ما تعميره بمزحزحه من العذاب واعترض بأن فيه ضعفا للفصل بين البدل
~~والمبدل منه، وللإبدال من غير حاجة إليه، وأجاب بعض المحققين أنه لما كان
~~لفظ  التعمير  غير مذكور، بل ضميره حسن الإبدال؛ ولو كان التعمير
~~مذكورا بلفظه لكان الثاني تأكيدا  لا بدلا  ولكونه في الحقيقة
~~تكريرا يفيد فائدته من تقرير المحكوم عليه اعتناء بشأن الحكم بناء على
~~شدة حرصه على التعمير  ووداده إياه  جاز الفصل بينه وبين المبدل منه
~~بالخبر، ms00532 كما في التأكيد في قوله تعالى:

# وهم بالأخرة هم كفرون

# [هود: 19] وقيل: هو ضمير مبهم يفسره البدل فهو راجع إليه لا إلى شيء
~~متقدم مفهوم من الفعل، والتفسير بعد الإبهام ليكون أوقع في نفس السامع،
~~ويستقر في ذهنه كونه محكوما عليه بذلك الحكم والفصل بالظرف بينه وبين
~~مفسره جائز  كما يفهمه كلام الرضي في بحث أفعال المدح والذم  واحتمال
~~أن يكون (هو) ضمير فصل قدم مع الخبر بعيد  والزحزحة  التبعيد، وهو
~~مضاعف من زح يزح زحا، ككبكب من كب  وفيه مبالغة  لكنها متوجهة إلى
~~النفي على حد ما قيل:

# وما ربك بظلم للعبيد

# [فصلت: 46] فيؤول  إلى أنه لا يؤثر في إزالة العذاب أقل تأثير 
~~التعمير، وصح ذلك مع أن التعمير يفيد رفع العذاب مدة البقاء، لأن الإمهال
~~بحسب الزمان وإن حصل، لكنهم لاقترافهم المعاصي بالتعمير زاد عليهم من حيث
~~الشدة فلم يؤثر في إزالته أدنى تأثير بل زاد فيه حيث استوجبوا بمقابلة
~~(أيام معدودة) عذاب الأبد.

# { والله بصير بما يعملون } أي عالم بخفيات أعمالهم  فهو
~~مجازيهم لا محالة  وحمل  البصر  على  العلم  هنا وإن كان بمعنى
~~الرؤية صفة لله تعالى أيضا لأن بعض الأعمال لا يصح أن يرى  على ما ذهب
~~إليه بعض المحققين  وفي هذه الجملة من التهديد والوعيد ما هو ظاهر،
~~و(ما) إما موصولة أو مصدرية، وأتى بصيغة المضارع لتواخي الفواصل، وقرأ
~~الحسن وقتادة والأعرج ويعقوب { تعملون }  بالتاء  على سبيل
~~الالتفات.

### || [2.97]

# { قل من كان عدوا لجبريل } أخرج ابن أبي شيبة في
~~«مسنده»، وابن جرير وابن أبي حاتم عن الشعبي، أنه دخل عمر رضي الله
~~تعالى عنه مدراس اليهود يوما فسألهم عن جبريل فقالوا: ذاك عدونا،
~~يطلع محمدا على أسرارنا، وأنه صاحب كل خسف وعذاب، وميكائيل صاحب الخصب
~~والسلام فقال: ما منزلتهما من الله تعالى؟ قالوا: جبريل عن يمينه،
~~وميكائيل عن يساره  وبينهما عداوة  فقال: لئن كانا كما تقولون فليسا
~~بعدوين، ولأنتم أكفر من الحمير، ومن كان عدوا لأحدهما فهو عدو لله. ثم
~~رجع عمر فوجد جبريل قد ms00533 سبقه بالوحي، فقال صلى الله عليه وسلم: «لقد وافقك
~~ربك يا عمر» قال عمر: لقد رأيتني بعد ذلك أصلب من الحجر، وقيل: نزلت في
~~عبد الله بن صوريا  كان يهوديا من أحبار فدك  سأل رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم عمن ينزل عليه فقال: «جبريل» فقال: ذاك عدونا عادانا مرارا،
~~وأشدها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بخت نصر، فبعثنا من
~~يقتله فرآه ببابل، فدفع عنه جبريل وقال: إن كان ربكم أمره بهلاككم فلا
~~يسلطكم عليه، وإلا فبم تقتلونه؟ وصدقه الرجل المبعوث ورجع إلينا، وكبر
~~بختنصر وقوي/ وغزانا، وخرب بيت المقدس، روى ذلك بعض الحفاظ، وقال
~~العراقي: لم أقف له على سند، فلعل الأول أقوى منه  وإن أوهم صنيع بعضهم
~~العكس .

# و(جبريل) علم ملك كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~بالقرآن، وهو اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وأبعد من ذهب
~~إلى أنه مشتق من جبروت الله وجعله مركبا تركيب مزج من مضاف ومضاف إليه،
~~فمنعه من الصرف للعلمية، والتركيب ليس بشيء لأن ما يركب هذا التركيب يجوز
~~فيه البناء والإضافة ومنع الصرف، فكونه لم يسمع فيه الإضافة أو البناء
~~دليل على أنه ليس من تركيب المزج، وقد تصرفت فيه العرب على عادتها في
~~تغيير الأسماء الأعجمية حتى بلغت فيه إلى ثلاث عشرة لغة، أفصحها وأشهرها
~~(جبريل) كقنديل، وهي قراءة أبي عمرو ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم وهي
~~لغة الحجاز، قال ورقة بن نوفل:

# (وجبريل) يأتيه وميكال معهما

# من الله وحي يشرح الصدر منزل

# الثانية: كذلك إلا أنها  بفتح الجيم  وهي قراءة ابن كثير والحسن وابن
~~محيصن قال الفراء: لا أحبها لأنه ليس في الكلام فعليل  وليس بشيء  لأن
~~الأعجمي إذ عربوه قد يلحقونه بأوزانهم  كلجام  وقد لا يحلقونه بها 
~~كإبريسم  وجبريل من هذا القبيل، مع أنه سمع  سمويل  لطائر، الثالث:
~~جبرئيل كسلسبيل، وبها قرأ حمزة والكسائي وحماد عن أبي بكر عن عاصم، وهي
~~لغة قيس وتميم وكثير من أهل نجد، وحكاها الفراء، ms00534 واختارها الزجاج، وقال:
~~هي أجود اللغات، وقال حسان:

# شهدنا فما يلقى لنا من كتيبة

# مدى الدهر إلا (جبرئيل) أمامها

# الرابعة: كذلك إلا أنها بدون  ياء بعد الهمزة  وهي رواية يحيى بن آدم
~~عن أبي بكر عن عاصم، وتروى عن يحيى بن يعمر الخامسة: كذلك إلا أن 
~~اللام مشددة  وهي قراءة أبان عن عاصم، ويحيى بن يعمر أيضا السادسة:
~~(جبرائل)  بألف وهمزة بعدها مكسورة بدون ياء  وبها قرأ ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما وعكرمة السابعة: مثلها مع زيادة  ياء بعد الهمزة 
~~الثامنة: (جبراييل) بياءين بعد الألف، وبها قرأ الأعمش وابن يعمر، ورواها
~~الكسائي عن عاصم التاسعة: (جبرال) العاشرة: (جبريل)  بالياء والقصر 
~~وهي قراءة طلحة بن مصرف الحادية عشرة: (جبرين)  بفتح الجيم والنون 
~~الثانية عشرة: كذلك إلا أنها  بكسر الجيم  وهي لغة أسد الثالثة عشر:
~~(جبراين) قال أبو جعفر النحاس: جمع (جبريل) جمع تكسير على  جبارين  على
~~اللغة العالية، واشتهر أن معناه عبد الله، على أن  جبر  هو الله تعالى
~~ وإيل  هو العبد، وقيل: عكسه، ورده بعضهم بأن المعهود في الكلام العجمي
~~تقديم المضاف إليه على المضاف، وفيه تأمل.

# { فإنه نزله على قلبك } جواب الشرط إما نيابة أو حقيقة
~~والمعنى من عاداه منهم فقد خلع ربقة الإنصاف أو كفر بما معه من الكتاب
~~بمعاداته إياه لنزوله عليك بالوحي لأنه نزل كتابا مصدقا للكتب
~~المتقدمة، أو فالسبب في عداوته أنه نزل عليك، وليس المبتدأ على هذا
~~الأخير محذوفا، و  أنه نزله  خبره حتى يرد أن الموضع للمفتوحة بل أن 
~~الفاء  داخلة على السبب، ووقع جزاءا باعتبار الإعلام والإخبار بسببيته
~~لما قبله فيؤول المعنى إلى من عاداه فأعلمكم بأن سبب عداوته كذا فهو
~~كقولك: إن عاداك فلان فقد آذيته أي فأخبرك بأن سبب عداوتك أنك آذيته،
~~وقيل: الجزاء محذوف بحيث لا يكون المذكور نائبا وعنه يقدر مؤخرا عنه
~~ويكون هو تعليلا وبيانا لسبب العداوة والمعنى من عاداه  لأنه نزله على
~~قلبك  فليمت غيظا، أو فهو عدو لي وأنا عدوه/ والقرينة على حذف الثاني ms00535
~~الجملة المعترضة المذكورة بعده في وعيدهم، واحتمال أن يكون { من كان
~~عدوا } الخ استفهاما للاستبعاد، أو التهديد ويكون فإنه تعليل العداوة
~~وتقييدا لها أو تعليل الأمر بالقول مما لا ينبغي أن يرتكب في القرآن
~~العظيم، والضمير الأول البارز لجبريل، والثاني: للقرآن كما يشير إليه
~~الأحوال لأنها كلها من صفات القرآن ظاهرا، وقيل: الأول لله تعالى
~~والثاني لجبريل أي  فإن الله نزل جبريل بالقرآن على قلبك  وفي كل من
~~الوجهين إضمار يعود على ما يدل عليه السياق، وفي ذلك من فخامة الشأن ما
~~لا يخفى، ولم يقل سبحانه عليك كما في قوله تعالى:

# ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى

# [طه: 2] بل قال: { على قلبك } لأنه القابل الأول للوحي إن أريد
~~به الروح، ومحل الفهم والحفظ إن أريد به العضو بناء على نفي الحواس
~~الباطنة، وقيل: كنى بالقلب عن الجملة الإنسانية كما يكنى ببعض الشيء عن
~~كله، وقيل: معنى { نزله على قلبك } جعل قلبك متصفا بأخلاق
~~القرآن ومتأدبا بآدابه كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها:

# " كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويغضب لغضبه "

# وكان الظاهر أن يقول على قلبي لأن القائل رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~لكنه حكى ما قال الله تعالى له وجعل القائل كأنه الله تعالى لأنه سفير
~~محض.

# { بإذن الله } أي بأمره أو بعلمه وتمكينه إياه من هذه المنزلة أو
~~باختياره، أو بتيسيره وتسهيله، وأصل معنى  الإذن  في الشيء الإعلام
~~بإجازته والرخصة فيه فالمعاني المذكورة كلها مجازية، والعلاقة ظاهرة،
~~والمنتخب كما في «المنتخب»  المعنى الأول، والمعتزلة  لما لم يقولوا
~~بالكلام النفسي وإسناد الإذن إليه تعالى باعتبار الكلام اللفظي يحتاج إلى
~~تكلف  اقتصر الزمخشري على الوجه الأخير، والقول: إن الإذن بمعنى الأمر
~~إن أريد بالتنزيل معناه الظاهر، وبمعنى التيسير إن أريد به التحفظ
~~والتفهيم مما لا وجه له.

# { مصدقا لما بين يديه } من الكتب الإلهية التي معظمها
~~التوراة وانتصاب { مصدقا } على الحال من الضمير المنصوب في {
~~نزله } إن كان عائدا للقرآن وإن كان لجبريل فيحتمل وجهين، أحدهما:
~~أن يكون ms00536 حالا من المحذوف لفهم المعنى كما أشرنا إليه، والثاني: أن يكون
~~حالا من جبريل، والهاء إما للقرآن أو لجبريل فإنه مصدق أيضا لما بين
~~يديه من الرسل والكتب. { وهدى وبشرى للمؤمنين } معطوفان
~~على { مصدقا } فهما حالان مثله، والتأويل غير خفي، وخص المؤمنين 
~~بالذكر لأنه على غيرهم عمى.

# وقد دلت الآية على تعظيم جبريل والتنويه بقدره حيث جعله الواسطة بينه
~~تعالى وبين أشرف خلقه، والمنزل بالكتاب الجامع للأوصاف المذكورة، ودلت
~~على ذم اليهود حيث أبغضوا من كان بهذه المنزلة العظيمة الرفيعة عند الله
~~تعالى، قيل: وتعلقت الباطنية بهذه الآية وقالوا: إن القرآن إلهام والحروف
~~عبارة الرسول صلى الله عليه وسلم، ورد عليهم بأنه معجزة ظاهرة بنظمه وإن
~~الله تعالى سماه قرآنا وكتابا وعربيا، وإن جبريل نزل به والملهم لا
~~يحتاج إليه.

### || [2.98]

#  العدو  للشخص ضد الصديق يستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع،
~~وقد يؤنث ويثنى ويجمع، وهو الذي يريد إنزال المضار به، وهذا المعنى لا
~~يصح إلا فينا دونه تعالى فعداوة الله هنا مجاز إما عن مخالفته تعالى وعدم
~~القيام بطاعته لما أن ذلك لازم للعداوة، وإما عن عداوة أوليائه، وأما
~~عداوتهم لجبريل والرسل عليهم السلام فصحيحة لأن الإضرار جار عليهم، غاية
~~ما في الباب أن عداوتهم لا تؤثر لعجزهم عن الأمور المؤثرة فيهم، وصدر
~~الكلام على الاحتمال الأخير بذكره لتفخيم شأن أولئك الأولياء حيث جعل
~~عداوتهم عداوته تعالى، وأفرد الملكان بالذكر تشريفا/ لهما وتفضيلا
~~كأنهما من جنس آخر تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات
~~كقوله:

# فإن تفق الأنام وأنت منهم

# فإن (المسك) بعض دم الغزال

# وقيل: لأن اليهود ذكروهما ونزلت الآية بسببهما، وقيل: للتنبيه على أن
~~معاداة الواحد والكل سواء في الكفر واستجلاب العداوة من الله تعالى، وإن
~~من عادى أحدهم فكأنما عادى الجميع لأن الموجب لمحبتهم وعداوتهم على
~~الحقيقة واحد وإن اختلف بحسب التوهم والاعتقاد، ولهذا أحب اليهود ميكائيل
~~وأبغضوا جبريل.

# واستدل بعضهم بتقديم جبريل على ميكائيل على أنه أفضل منه وهو المشهور،
~~واستدلوا عليه أيضا بأنه ms00537 ينزل بالوحي والعلم وهو مادة الأرواح، وميكائيل
~~بالخصب والأمطار وهي مادة الأبدان، وغذاء الأرواح أفضل من غذاء الأشباح،
~~واعترض بأن التقديم في الذكر لا يدل على التفضيل إذ يحتمل أن يكون ذلك
~~للترقي أو لنكتة أخرى كما قدمت الملائكة على الرسل وليسوا أفضل منهم
~~عندنا، وكذا نزوله بالوحي ليس قطعيا بالأفضلية إذ قد يوجد في المفضول ما
~~ليس في الفاضل فلا بد في التفضيل من نص جلي واضح، وأنا أقول بالأفضلية
~~وليس عندي أقوى دليلا عليها من مزيد صحبته لحبيب الحق بالاتفاق وسيد
~~الخلق على الإطلاق صلى الله عليه وسلم وكثرة نصرته وحبه له ولأمته، ولا
~~أرى شيئا يقابل ذلك وقد أثنى الله تعالى عليه عليه السلام بما لم يثن به
~~على ميكائيل بل ولا على إسرافيل وعزرائيل وسائر الملائكة أجمعين، وأخرج
~~الطبراني  لكن بسند ضعيف  عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبرائيل "

# وأخرج أبو الشيخ عن موسى بن عائشة قال:

# " بلغني أن جبريل إمام أهل السماء "

# و(من) شرطية والجواب، قيل: محذوف وتقديره فهو كافر مجزى بأشد العذاب،
~~وقيل: فإن الله الخ على نمط ما علمت، وأتى باسم الله ظاهرا ولم يقل فإنه
~~عدو دفعا لانفهام غير المقصود أو التعظيم، والتفخيم والعرب إذا فخمت
~~شيئا كررته بالاسم الذي تقدم له، ومنه

# لينصرنه الله إن الله

# [الحج: 60] وقوله:

# لا أرى الموت يسبق الموت شيء

# وأل في الكافرين للعهد وإيثار الاسمية للدلالة على التحقيق والثبات،
~~ووضع المظهر موضع المضمر للإيذان بأن عداوة المذكورين كفر وأن ذلك بين لا
~~يحتاج إلى الإخبار به وأن مدار عداوته تعالى لهم وسخطه المستوجب لأشد
~~العقوبة والعذاب هو كفرهم المذكور، وقيل: يحتمل أنه تعالى عدل عن الضمير
~~لعلمه أن بعضهم يؤمن فلا ينبغي أن يطلق عليه عداوة الله تعالى للمآل 
~~وهو احتمال أبعد من العيوق  ويحتمل أن تكون  أل للجنس كما تقدم، ومن
~~الناس من روى أن عمر رضي الله تعالى عنه نطق بهذه ms00538 الآية مجاوبا لبعض
~~اليهود في قوله: ذاك عدونا يعني جبريل فنزلت على لسان عمر وهو خبر ضعيف
~~كما نص عليه ابن عطية.

# والكلام في منع صرف ميكائيل كالكلام في جبريل، واشتهر أن معناه عبيد
~~الله وقيل: عبد الله، وفيه لغات، الأولى: ميكال كمفعال، وبها قرأ أبو
~~عمرو وحفص وهي لغة الحجاز، الثانية: كذلك إلا أن بعد الألف همزة، وقرأ
~~بها نافع وابن شنبوذ لقنبل، الثالثة: كذلك إلا أنه بياء بعد الهمزة، وبها
~~قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وأبو بكر وغير ابن شنبوذ لقنبل والبزي،
~~الرابعة: ميكئيل كميكعيل، وبها قرأ ابن محيصن. الخامسة: كذلك إلا أنه لا
~~ياء بعد الهمزة وقرىء بها، السادسة: ميكائيل بياءين بعد الألف أولهما
~~مكسورة، وبها قرأ الأعمش.

# ولساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم في هذين الملكين  بل وفي
~~أخويهما إسرافيل وعزرائيل عليهما السلام أيضا  كلام مبسوط، والمشهور أن
~~جبرائيل هو العقل الفعال، وميكائيل هو روح الفلك السادس وعقله المفيض
~~للنفس النباتية الكلية الموكلة بأرزاق الخلائق، وإسرافيل هو روح الفلك
~~الرابع وعقله المفيض للنفس الحيوانية الكلية الموكلة بالحيوانات،
~~وعزرائيل هو روح الفلك السابع الموكل بالأرواح الإنسانية كلها بعضها
~~بالوسائط التي هي/ أعوانه وبعضها بنفسه والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.

### || [2.99]

# نزلت بسبب ابن صوريا كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حين قال
~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من
~~آيات فنتبعك، وجعلت عطفا على قوله تعالى:

# قل من كان عدوا

# [البقرة: 97] الخ عطف القصة على القصة { وما يكفر } عطف على جواب
~~القسم فإنه كما يصدر باللام يصدر بحرف النفي، و(الآيات) القرآن والمعجزات
~~والإخبار عما خفي وأخفي في الكتب السابقة أو الشرائع والفرائض، أو مجموع
~~ما تقدم كله والظاهر الإطلاق، و(الفاسقون) المتمردون في الكفر الخارجون
~~عن الحدود فإن من ليس على تلك الصفات من الكفرة لا يجترىء على الكفر بمثل
~~هاتيك البينات، قال الحسن: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على
~~أعظم أفراد ذلك النوع من ms00539 كفر أو غيره فإذا قيل: هو فاسق في الشرب فمعناه
~~هو أكثر ارتكابا له وإذا قيل: هو فاسق في الزنا يكون معناه هو أشد
~~ارتكابا له، وأصله من فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، واللام إما للعهد
~~لأن سياق الآيات يدل على أن ذلك لليهود، وإما للجنس وهم داخلون كما مر
~~غير مرة.

### || [2.100]

# { أو كلما عهدوا عهدا } نزلت في مالك بن الصيف قال:
~~والله ما أخذ علينا عهد في كتابنا أن نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا
~~ميثاق، وقيل: في اليهود عاهدوا إن خرج لنؤمنن به ولنكونن معه على مشركي
~~العرب فلما بعث كفروا به، وقال عطاء: في اليهود عاهدوا رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم بعهود فنقضوها كفعل قريظة والنضير، والهمزة للإنكار بمعنى
~~ما كان ينبغي، وفيه إعظام ما يقدمون عليه من تكرر عهودهم ونقضها حتى صار
~~سجية لهم وعادة، وفي ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم وإشارة إلى أنه
~~ينبغي أن لا يكترث بأمرهم وأن لا يصعب عليه مخالفتهم، والواو للعطف على
~~محذوف أي أكفروا بالآيات وكلما عاهدوا، وهو من عطف الفعلية على الفعلية
~~لأن { كلما } ظرف { نبذه } والقرينة على ذلك المحذوف قوله
~~تعالى:

# وما يكفر بها

# [البقرة: 99] الخ، وبعضهم يقدر المعطوف مأخوذا من الكلام السابق ويقول
~~بتوسط الهمزة بين المعطوف والمعطوف عليه لغرض يتعلق بالمعطوف خاصة،
~~والتقدير عنده نقضوا هذا العهد وذلك العهد { أو كلما عهدوا }
~~وفيه مع ارتكاب ما لا ضرورة تدعو إليه أن الجمل المذكورة بقربه ليس فيها
~~ذكر نقض العهد، وقال الأخفش: هي زائدة، والكسائي هي  أو  الساكنة حركت
~~واوها بالفتح وهي بمعنى بل ولا يخفى ضعف القولين، نعم قرأ ابن السماك
~~العدوي وغيره (أو) بالإسكان وحينئذ لا بأس بأن يقال: إنها إضرابية بناء
~~على رأي الكوفيين وأنشدوا:

# بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى

# وصورتها (أو) أنت في العين أملح

# والعطف  على هذا  على صلة الموصول الذي هو  اللام  في

# الفاسقون

# [البقرة: 99] ميلا إلى جانب المعنى وإن كان فيه مسخ ms00540  اللام 
~~الموصولة، كأنه قيل: إلا الذين فسقوا بل كلما عاهدوا والقرينة على ذلك {
~~بل أكثرهم } الخ، وفيه ترق إلى الأغلظ فالأغلظ، ولك أن لا تميل
~~مع المعنى بل تعطف على الصلة  وأل  تدخل على الفعل بالتبعية في السعة
~~كثيرا كقوله تعالى:

# إن المصدقين والمصدقت وأقرضوا

# [الحديد: 18] لاغتفارهم في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل. ومن الناس
~~من جوز هذا العطف باحتماليه على القراءة الأولى أيضا  ولم يحتج إلى
~~ذلك المحذوف  وقرأ الحسن وأبو رجاء { عوهدوا } وانتصاب (عهدا) على أنه
~~مصدر على غير الصدر أي  معاهدة  ويؤيده أنه قرىء { ما عهدوا }
~~أو على أنه مفعول به بتضمين (عاهدوا) معنى أعطوا.

# { نبذه فريق منهم } أي نقضه وترك العمل به، وأصل  النبذ /
~~طرح ما لا يعتد به  كالنعل البالية  لكنه غلب فيما من شأنه أن ينسى
~~لعدم الاعتداد به، ونسبة  النبذ  إلى  العهد  مجاز  والنبذ  حقيقة
~~إنما هو في المتجسدات نحو

# فأخذنه وجنوده فنبذنهم فى اليم

# [القصص: 40]  والفريق  اسم جنس لا واحد له يقع على القليل والكثير،
~~وإنما قال: (فريق) لأن منهم من لم ينبذه. وقرأ عبد الله { نقضه } قال في
~~«البحر»: وهي قراءة تخالف سواد المصحف  فالأولى حملها على التفسير 
~~وليس بالقوي إذ لا يظهر للتفسير دون ذكر المفسر خلال القراءة وجه.

# { بل أكثرهم لا يؤمنون } يحتمل أن يراد  بالأكثر
~~النابذون  وأن يراد من عداهم فعلى الأول: يكون ذلك ردا لما يتوهم أن 
~~الفريق  هم الأقلون بناء على أن المتبادر منه القليل وعلى الثاني: رد
~~لما يتوهم أن من لم ينبذ جهارا يؤمنون به سرا، والعطف على التقديرين من
~~عطف الجمل، ويحتمل أن يكون من عطف المفردات بأن يكون أكثرهم معطوفا على
~~{ فريق } وجملة { لا يؤمنون } حال من { أكثرهم } والعامل
~~فيها { نبذه }.

### || [2.101]

# { ولما جاءهم رسول } ظرف لنبذ والجملة عطف على سابقتها داخلة
~~تحت الإنكار، والضمير لبني إسرائيل لا لعلمائهم فقط، والرسول محمد صلى
~~الله عليه وسلم، والتنكير للتفخيم، وقيل: عيسى عليه السلام، وجعله مصدرا
~~بمعنى الرسالة كما في قوله:

# لقد كذب ms00541 الواشون ما بحت عندهم

# بليلى ولا أرسلتهم برسول

# خلاف الظاهر { من عند الله } متعلق ب (جاء) أو بمحذوف وقع صفة
~~للرسول لإفادة مزيد تعظيمه إذ قدر الرسول على قدر المرسل { مصدق
~~لما معهم } أي من التوراة من حيث إنه صلى الله عليه وسلم جاء على
~~الوصف الذي ذكر فيها، أو أخبر بأنها كلام الله تعالى المنزل على نبيه
~~موسى عليه السلام، أو صدق ما فيها من قواعد التوحيد وأصول الدين، وإخبار
~~الأمم والمواعظ والحكم، أو أظهر ما سألوه عنه من غوامضها، وحمل بعضهم
~~(ما) على العموم لتشمل جميع الكتب الإلهية التي نزلت قبل، وقرأ ابن أبي
~~عبلة: { مصدقا } بالنصب على الحال من النكرة الموصوفة.

# { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتب } أي التوراة وهم
~~اليهود الذين كانوا في عهده صلى الله عليه وسلم لا الذين كانوا في عهد
~~سليمان عليه السلام  كما توهمه بعضهم من اللحاق  لأن  النبذ  عند
~~مجىء النبي صلى الله عليه وسلم لا يتصور منهم، وإفراد هذا  النبذ 
~~بالذكر مع اندراجه في قوله تعالى:

# أو كلما عهدوا

# [البقرة: 100] الخ، لأنه معظم جناياتهم، ولأنه تمهيد لما يأتي بعد.
~~والمراد  بالإيتاء  إما إيتاء علمها فالموصول عبارة عن علمائهم، وإما
~~مجرد إنزالها عليهم فهو عبارة عن الكل، ولم يقل: فريق منهم إيذانا بكمال
~~التنافي بين ما ثبت لهم في حيز الصلة وبين ما صدر عنهم من النبذ.

# { كتب الله } مفعول { نبذ } والمراد به التوراة لما روي عن
~~السدي أنه قال: لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عارضوه بالتوراة
~~فاتفقت التوراة والفرقان فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت
~~وماروت فلم توافق القرآن، فهذا قوله تعالى: { ولما جاءهم رسول
~~} الخ، ويؤيده أن النبذ يقتضي سابقة الأخذ في الجملة  وهو متحقق بالنسبة
~~إليها  وأن المعرفة إذا أعيدت معرفة كان الثاني عين الأول، وأن مذمتهم
~~في أنهم نبذوا الكتاب الذي أوتوه واعترفوا بحقيته أشد فإنه يفيد أنه كان
~~مجرد مكابرة وعناد، ومعنى نبذهم لها اطراح أحكامها، أو ما فيها من صفة
~~النبي صلى ms00542 الله عليه وسلم، وقيل: القرآن، وأيده أبو حيان بأن الكلام مع
~~الرسول فيصير المعنى أنه يصدق ما بأيديهم من التوراة، وهم بالعكس/ يكذبون
~~ما جاء به من القرآن ويتركونه ولا يؤمنون به بعدما لزمهم تلقيه بالقبول،
~~وقيل: الإنجيل  وليس بشيء  وأضاف الكتاب إلى الاسم الكريم تعظيما له
~~وتهويلا لما اجترءوا عليه من الكفر به.

# { وراء ظهورهم } جمع  ظهر  وهو معروف، ويجمع أيضا على  ظهران
~~ وقد شبه تركهم كتاب الله تعالى وإعراضهم عنه بحالة شيء يرمى به وراء
~~الظهر، والجامع عدم الالتفات وقلة المبالاة، ثم استعمل ههنا ما كان
~~مستعملا هناك  وهو النبذ وراء الظهر  والعرب كثيرا ما تستعمل ذلك في
~~هذا المعنى، ومنه قوله:

# تميم بن مر لا تكونن حاجتي

# بظهر  ولا يعيى عليك جوابها

# ويقولون أيضا: جعل هذا الأمر دبر أذنه ويريدون ما تقدم.

# { كأنهم لا يعلمون } جملة حالية، أي نبذوه مشبهين بمن لا
~~يعلم أنه كتاب الله تعالى أو لا يعلمه أصلا أو لا يعلمونه على وجه
~~الإيقان، ولا يعرفون ما فيه من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، وهذا على
~~تقدير أن يراد الأحبار، وفيه إيذان بأن علمهم به رصين لكنهم يتجاهلون؛
~~وفي الوجهين الأولين زيادة مبالغة في إعراضهم عما في التوراة من دلائل
~~النبوة، ومن فسر كتاب الله تعالى بالقرآن جعل متعلق العلم أنه كتاب الله
~~أي كأنهم لا يعلمون أن القرآن كتاب الله تعالى مع ثبوت ذلك عندهم وتحققه
~~لديهم، وفيه إشارة إلى أنهم نبذوه لا عن شبهة ولكن بغيا وحسدا، وجعل
~~المتعلق  أنه نبي صادق  بعيد، وقد دل الآيتان قوله تعالى:

# أو كلما عهدوا

# [البقرة: 100] الخ، وقوله تعالى: { ولما جاءهم } الخ بناء على
~~احتمال أن يكون الأكثر غير النابذين، على أن جل اليهود أربع فرق، ففرقة
~~آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الكتاب، وهم الأقلون المشار
~~إليهم ب

# بل أكثرهم لا يؤمنون

# [البقرة: 100] وفرقة جاهروا بنبذ العهود وتعدي الحدود، وهم المعنيون
~~بقوله تعالى: { نبذ فريق } وفرقة لم يجاهروا، ولكن نبذوا لجهلهم 
~~وهم الأكثرون  وفرقة ms00543 تمسكوا بها ظاهرا ونبذوها سرا؛ وهم المتجاهلون.

### || [2.102]

# { واتبعوا ما تتلوا الشيطين } عطف على

# نبذ

# [البقرة: 101] والضمير لفريق من الذين أوتوا الكتاب  على ما تقدم عن
~~السدي، وقيل: عطف على مجموع ما قبله عطف القصة على  القصة، والضمير
~~للذين تقدموا من اليهود، أو الذين كانوا في زمن سليمان عليه السلام، أو
~~الذين كانوا في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم، أو ما يتناول الكل لأن ذاك
~~غير ظاهر إذ يقتضي الدخول في حيز ل (ما) واتباعهم هذا ليس مترتبا على
~~مجىء الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيه أن ما علمت من قول السدي يفتح باب
~~الظهور، اللهم إلا أن يكون المبني غيره، وقيل: عطف على

# أشربوا

# [البقرة: 93] وهو في غاية البعد، بل لا يقدم عليه من جرع جرعة من
~~الإنصاف، والمراد  بالاتباع  التوغل والإقبال على الشيء بالكلية، وقيل:
~~الاقتداء، و { ما } موصولة و { تتلوا } صلتها، ومعناه تتبع أو تقرأ
~~ وهو حكاية حال ماضية، والأصل  تلت  وقول الكوفيين إن المعنى: ما كانت
~~تتلوا محمول على ذلك  لا أن كان هناك مقدرة  والمتبادر من الشياطين
~~مردة الجن وهو قول الأكثرين، وقيل: المراد بهم شياطين الإنس، وهو قول
~~المتكلمين من المعتزلة. وقرأ الحسن والضحاك (الشياطون) على حد ما رواه
~~الأصمعي عن العرب  بستان فلان حوله بساتون  وهو من الشذوذ بمكان حتى
~~قيل: إنه لحن.

# { على ملك سليمن } متعلق ب { تتلوا } وفي الكلام مضاف
~~محذوف أي عهد ملكه وزمانه، أو الملك مجاز عن العهد، وعلى التقديرين {
~~على } بمعنى  في  كما أن  في  بمعنى على في قوله تعالى:

# لاصلبنكم فى جذوع النخل

# [طه: 71] وقد صرح في «التسهيل» بمجيئها للظرفية ومثل له بهذه الآية لأن
~~الملك/ وكذا العهد لا يصلح كونه مقروءا عليه، ومن الأصحاب من أنكر مجىء
~~ على  بمعنى  في  وجعل هذا من تضمين تتلو معنى تتقول، أو الملك عبارة
~~عن الكرسي لأنه كان من آلات ملكه، فالكلام على حد قرأت على المنبر،
~~والمراد بما يتلونه السحر، فقد أخرج سفيان بن عيينة وابن جرير والحاكم، ms00544
~~وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «إن الشياطين كانوا يسترقون
~~السمع من السماء، فإذا سمع أحدهم بكلمة كذب عليها ألف كذبة، فأشربتها
~~قلوب الناس واتخذوها دوادوين فأطلع الله تعالى على ذلك سليمان بن داود
~~فأخذها وقذفها تحت الكرسي فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق فقال: ألا
~~أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه الممنع؟ قالوا: نعم
~~فأخرجوه فإذا هو سحر فتناسختها الأمم فأنزل الله تعالى عذر سليمان فيما
~~قالوا من السحر» وقيل: روي أن سليمان كان قد دفن كثيرا من العلوم التي
~~خصه الله تعالى بها تحت سرير ملكه خوفا على أنه إذا هلك الظاهر منها
~~يبقى ذلك المدفون فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن
~~كتبوا في خلال ذلك أشياء من السحر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه ثم
~~بعد موته واطلاع الناس على تلك الكتب أوهموهم أنها من علم سليمان، ولا
~~يخفى ضعف هذه الرواية.

# ((وسليمان  كما في «البحر»  اسم أعجمي، وامتنع من الصرف للعلمية
~~والعجمة، ونظيره من الأعجمية في أن آخره ألف ونون  هامان وماهان وشامان
~~ وليس امتناعه من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون كعثمان لأن
~~زيادتهما موقوفة على الاشتقاق والتصريف، وهما لا يدخلان الأسماء
~~الأعجمية)) وكثير من الناس اليوم على خلافه.

# { وما كفر سليمن } اعتراض لتبرئة سليمان عليه السلام عما
~~نسبوه إليه، فقد أخرج ابن جرير عن شهر بن حوشب قال: قال اليهود: انظروا
~~إلى محمد يخلط الحق بالباطل يذكر سليمان مع الأنبياء، وإنما كان ساحرا
~~يركب الريح، وعبر سبحانه عن السحر بالكفر بطريق الكناية رعاية لمناسبة {
~~لكن } الاستدراكية في قوله تعالى { ولكن الشيطين
~~كفروا يعلمون الناس السحر } فإن (كفروا) معها مستعمل في
~~معناه الحقيقي وجملة (يعلمون) حال من الضمير، وقيل: من الشياطين، ورد بأن
~~(لكن) لا تعمل في الحال، وأجيب بأن فيها رائحة الفعل وقيل: بدل من
~~(كفروا)، وقيل: استئناف والضمير  للشياطين  أو  للذين اتبعوا .

# والسحر في الأصل مصدر سحر يسحر بفتح العين فيهما إذا ms00545 أبدى ما يدق ويخفى
~~وهو من المصادر الشاذة، ويستعمل بما لطف وخفي سببه، والمراد به أمر غريب
~~يشبه الخارق  وليس به  إذ يجري فيه التعلم ويستعان في تحصيله بالتقرب
~~إلى الشيطان بارتكاب القبائح، قولا كالرقى التي فيها ألفاظ الشرك ومدح
~~الشيطان وتسخيره، وعملا كعبادة الكواكب؛ والتزام الجناية وسائر الفسوق،
~~واعتقادا كاستحسان ما يوجب التقرب إليه ومحبته إياه وذلك لا يستتب إلا
~~بمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس فإن التناسب شرط التضام والتعاون فكما
~~أن الملائكة لا تعاون إلا أخيار الناس المشبهين بهم في المواظبة على
~~العبادة والتقرب إلى الله تعالى بالقول والفعل كذلك الشياطين لا تعاون
~~إلا الأشرار المشبهين بهم في الخباثة والنجاسة قولا وفعلا واعتقادا،
~~وبهذا يتميز الساحر عن النبي والولي، فلا يرد ما قال المعتزلة: من أنه
~~لو أمكن للإنسان من جهة الشيطان ظهور الخوارق والإخبار عن المغيبات
~~لاشتبه طريق النبوة بطريق السحر، وأما ما يتعجب منه  كما يفعله أصحاب
~~الحيل بمعونة الآلات المركبة على النسبة الهندسية تارة، وعلى صيرورة
~~الخلاء ملاء أخرى، وبمعونة الأدوية كالنارنجيات أو يريه صاحب خفة اليد 
~~فتسميته سحرا على التجوز وهو مذموم أيضا/ عند البعض، وصرح النووي في
~~«الروضة» بحرمته، وفسره الجمهور بأنه خارق للعادة يظهر من نفس شريرة
~~بمباشرة أعمال مخصوصة.

# والجمهور على أن له حقيقة وأنه قد يبلغ الساحر إلى حيط يطير في الهواء
~~ويمشي على الماء ويقتل النفس ويقلب الإنسان حمارا، والفاعل الحقيقي في
~~كل ذلك هو الله تعالى ولم تجر سنته بتمكين الساحر من فلق البحر وإحياء
~~الموتى وإنطاق العجماء وغير ذلك من آيات الرسل عليهم السلام، والمعتزلة
~~وأبو جعفر الاستراباذي من أصحابنا على أنه لا حقيقة له وإنما هو تخييل،
~~وأكفر المعتزلة من قال ببلوغ الساحر إلى حيث ما ذكرنا زعما منهم أن بذلك
~~انسداد طريق النبوة وليس كما زعموا على ما لا يخفى، ومن المحققين من فرق
~~بين السحر والمعجزة باقتران المعجزة بالتحدي بخلافه فإنه لا يمكن ظهوره
~~على يد مدعي نبوة كاذبا كما جرت به عادة ms00546 الله تعالى المستمرة صونا
~~لهذا المنصب الجليل عن أن يتسور حماه الكذابون.

# وقد شاع أن العمل به كفر حتى قال العلامة التفتازاني: لا يروى خلاف في
~~ذلك، وعده نوعا من الكبائر مغاير الإشراك لا ينافي ذلك لأن الكفر أعم
~~والإشراك نوع منه وفيه بحث: أما أولا: فلأن الشيخ أبا منصور ذهب إلى أن
~~القول بأن السحر كفر على الإطلاق خطأ بل يجب البحث عن حقيقته فإن كان في
~~ذلك رد ما لزم من شرط الإيمان فهو كفر وإلا فلا، ولعل ما ذهب إليه
~~العلامة مبني على التفسير أولا فإنه عليه مما لا يمتري في كفر فاعله،
~~وأما ثانيا: فلأن المراد من الإشراك فيما عدا الكبائر مطلق الكفر وإلا
~~تخرج أنواع الكفر منها.

# ثم السحر الذي هو كفر يقتل عليه الذكور لا الإناث وما ليس بكفر، وفيه
~~إهلاك النفس ففيه حكم قطاع الطريق ويستوي فيه الذكور والإناث وتقبل توبته
~~إذا تاب، ومن قال لا تقبل فقد غلط فإن سحرة موسى قبلت توبتهم كذا في
~~«المدارك»، ولعله إلى الأصول أقرب، والمشهور عن أبي حنيفة رضي الله
~~تعالى عنه أن الساحر يقتل مطلقا إذا علم أنه ساحر ولا يقبل قوله:
~~أترك السحر وأتوب عنه فإن أقر بأني كنت أسحر مدة وقد تركت منذ زمان
~~قبل منه ولم يقتل؛ واحتج بما روي أن جارية لحفصة أم المؤمنين رضي الله
~~تعالى عنها سحرتها فأخذوها فاعترفت بذلك فأمرت عبد الرحمن بن زيد فقتلها،
~~وإنكار عثمان رضي الله تعالى عنه إنما كان لقتلها بغير إذنه. وبما روي عن
~~عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: اقتلوا كل ساحر وساحرة فقتلوا ثلاث
~~سواحر، والشافعية نظروا في هذا الاحتجاج واعترضوا على القول بالقتل
~~مطلقا بأنه صلى الله عليه وسلم لم يقتل اليهودي الذي سحره، فالمؤمن مثله
~~لقوله عليه السلام:

# " لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين "

# وتحقيقه في الفروع.

# واختلف في تعليمه وتعلمه فقيل: كفر لهذه الآية إذ فيها ترتيب الحكم على
~~الوصف المناسب وهو مشعر بالعلية، وأجيب بأنا ms00547 لا نسلم أن فيها ذلك لأن
~~المعنى أنهم كفروا وهم مع ذلك يعلمون السحر، وقيل: إنهما حرامان  وبه
~~قطع الجمهور  وقيل: مكروهان  وإليه ذهب البعض  وقيل: مباحان، والتعليم
~~المساق للذم هنا محمول على التعليم للإغواء والإضلال، وإليه مال الإمام
~~الرازي قائلا: اتفق المحققون على أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور
~~لأن العلم لذاته شريف لعموم قوله تعالى:

# هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون

# [الزمر: 9] ولو لم يعلم السحر لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة والعلم
~~بكون المعجز معجزا واجب وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب فهذا يقتضي أن
~~يكون تحصيل العلم بالسحر واجبا وما يكون واجبا كيف يكون حراما
~~وقبيحا. ونقل بعضهم وجوب تعلمه على المفتي حتى يعلم ما يقتل به وما لا
~~يقتل به، فيفتي به في وجوب القصاص انتهى.

# والحق عندي الحرمة تبعا للجمهور إلا لداع شرعي، وفيما قاله رحمه الله
~~تعالى نظر. أما أولا: فلأنا لا ندعي أنه قبيح لذاته، وإنما قبحه باعتبار
~~ما يترتب عليه، فتحريمه/ من باب سد الذرائع  وكم من أمر حرم لذلك  وفي
~~الحديث:

# " من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه "

# وأما ثانيا: فلأن توقف الفرق بينه وبين المعجزة على العلم به ممنوع،
~~ألا ترى أن أكثر العلماء أو كلهم  إلا النادر  عرفوا الفرق بينهما ولم
~~يعرفوا علم السحر  وكفى فارقا بينهما ما تقدم، ولو كان تعلمه واجبا
~~لذلك لرأيت أعلم الناس به الصدر الأول مع أنهم لم ينقل عنهم شيء من ذلك،
~~أفتراهم أخلوا بهذا الواجب وأتى به هذا القائل، أو أنه أخل به كما أخلوا
~~وأما ثالثا: فلأن ما نقل عن بعضهم غير صحيح، لأن إفتاء المفتي بوجوب
~~القود أو عدمه لا يستلزم معرفته علم السحر لأن صورة إفتائه  على ما
~~ذكره العلامة ابن حجر  إن شهد عدلان عرفا السحر وتابا منه أنه يقتل
~~غالبا قتل الساحر وإلا فلا .

# هذا وقد أطلق بعض العلماء السحر على المشي بين الناس بالنميمة لأن فيها
~~قلب الصديق عدوا والعدو صديقا، كما ms00548 أطلق على حسن التوسل باللفظ الرائق
~~العذب لما فيه من الاستمالة، ويسمى سحرا حلالا، ومنه قوله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " إن من البيان لسحرا "

# والقول بأنه مخرج مخرج الذم للفصاحة والبلاغة بعيد  وإن ذهب إليه عامر
~~الشعبي راوي الحديث  وظاهر قوله تعالى: { يعلمون } الخ أنهم
~~يفهمونهم إياه بالإقراء والتعليم، وقيل: يدلونهم على تلك الكتب، فأطلق
~~على تلك الدلالة تعليما إطلاقا للسبب على المسبب، وقيل: المعنى يوقرون
~~في قلوبهم أنها حق تضر وتنفع، وأن سليمان عليه السلام إنما تم له ما تم
~~بذلك  والإطلاق عليه هو الإطلاق  وقيل: { يعلمون } بمعنى يعلمون
~~من الإعلام وهو الإخبار، أي يخبرونهم بما أو بمن يتعلمون به أو منه
~~(السحر).

# وقرأ نافع وعاصم وابن كثير وأبو عمرو { لكن } بالتشديد وابن عامر
~~وحمزة والكسائي  بالتخفيف وارتفاع ما بعدها بالابتداء والخبر  وهل يجوز
~~إعمالها إذا خففت؟ فيه خلاف، والجمع على المنع  وهو الصحيح  وعن يونس
~~والأخفش الجواز، والصحيح إنها بسيطة ومنهم: من زعم أنها مركبة من (لا)
~~النافية  وكاف الخطاب  (وأن) المؤكدة المحذوفة الهمزة للاستثقال، وهو
~~إلى الفساد أقرب.

# { وما أنزل على الملكين } المراد: الجنس، وهو عطف على {
~~السحر } وهما واحد إلا أنه نزل تغاير المفهوم منزلة تغاير الذات كما
~~في قوله:

# إلى الملك القرم وابن الهمام

# البيت، وفائدة العطف التنصيص بأنهم  يعلمون  ما هو جامع بين كونه
~~سحرا وبين كونه منزلا على الملكين للابتلاء، فيفيد ذمهم بارتكابهم
~~النهي بوجهين، وقد يراد بالموصول المعهود  وهو نوع آخر أقوى  فيكون من
~~عطف الخاص على العام إشارة إلى كماله، وقال مجاهد: هو دون السحر وهو  ما
~~يفرق به بين المرء وزوجه  لا غير والمشهور الأول، وجوز العطف على {
~~ما تتلوا } فكأنه قيل: اتبعوا السحر المدون في الكتب وغيره، وهذان
~~الملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله تعالى للناس، فمن تعلم وعمل
~~به كفر، ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإيمان، ولله تعالى أن يمتحن عباده
~~بما شاء كما امتحن قوم طالوت بالنهر، وتمييزا بينه وبين المعجزة حيث أنه
~~كثر في ms00549 ذلك الزمان، وأظهر السحرة أمورا غريبة وقع الشك بها في النبوة،
~~فبعث الله تعالى الملكين لتعليم أبواب السحر حتى يزيلا الشبه ويميطا
~~الأذى عن الطريق، قيل: كان ذلك في زمن إدريس عليه السلام، وأما ما روي أن
~~الملائكة تعجبت من بني آدم في مخالفتهم ما أمر الله تعالى به، وقالوا له
~~تعالى: لو كنا مكانهم ما عصيناك، فقال: اختاروا ملكين منكم، فاختاروهما،
~~فهبطا إلى الأرض ومثلا بشرين، وألق الله تعالى عليهما الشبق، وحكما بين
~~الناس، فافتتنا بأمرأة يقال لها زهرة، فطلباها وامتنعت إلا أن يعبدا
~~صنما، أو يشربا خمرا، أو يقتلا/ نفسا ففعلا ثم تعلمت منهما ما صعدت
~~به إلى السماء، فصعدت ومسخت هذا  النجم  وأرادا العروج فلم يمكنهما
~~فخيرا بين عذاب الدنيا والآخرة  فاختارا عذاب الدنيا  فهما الآن يعذبان
~~فيها، إلى غير ذلك من الآثار التي بلغت طرقها نيفا وعشرين، فقد أنكره
~~جماعة منهم القاضي عياض، وذكر أن ما ذكره أهل الأخبار ونقله المفسرون في
~~قصة هاروت وماروت لم يرد منه شيء  لا سقيم ولا صحيح  عن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم  وليس هو شيئا يؤخذ بالقياس  وذكر في «البحر» أن جميع
~~ذلك لا يصح منه شيء، ولم يصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلعن
~~الزهرة، ولا ابن عمر رضي الله تعالى عنهما خلافا لمن رواه، وقال الإمام
~~الرازي بعد أن ذكر الرواية في ذلك إن هذه الرواية فاسدة مردودة غير
~~مقبولة، ونص الشهاب (العراقي) على أن من اعتقد في هاروت وماروت أنهما
~~ملكان يعذبان على خطيئتهما مع الزهرة فهو كافر بالله تعالى العظيم، فإن
~~الملائكة معصومون

# لا يعصون ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون

# [التحريم: 6]

# لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون *
~~يسبحون اليل والنهار لا يفترون

# [الأنبياء: 1920] والزهرة كانت يوم خلق الله تعالى السموات والأرض،
~~والقول بأنها تمثلت لهما فكان ما كان وردت إلى مكانها غير معقول ولا
~~مقبول.

# واعترض الإمام السيوطي على من أنكر القصة بأن الإمام أحمد وابن حبان
~~والبيهقي وغيرهم رووها مرفوعة ms00550 وموقوفة على علي وابن عباس وابن عمر وابن
~~مسعود رضي الله تعالى عنهم بأسانيد عديدة صحيحة يكاد الواقف عليها يقطع
~~بصحتها لكثرتها وقوة مخرجيها، وذهب بعض المحققين أن ما روي مروي حكاية
~~لما قاله اليهود  وهو باطل في نفسه  وبطلانه في نفسه لا ينافي صحة
~~الرواية، ولا يرد ما قاله الإمام السيوطي عليه، إنما يرد على المنكرين
~~بالكلية، ولعل ذلك من باب الرموز والإشارات، فيراد من الملكين العقل
~~النظري والعقل العملي اللذان هما من عالم القدس، ومن المرأة المسماة
~~بالزهرة  النفس الناطقة  ومن تعرضهما لها تعليمهما لها ما يسعدها، ومن
~~حملها إياهما على المعاصي تحريضها إياهما بحكم الطبيعة المزاجية إلى
~~الميل إلى السفليات المدنسة لجوهريهما، ومن صعودها إلى السماء بما تعلمت
~~منهما عروجها إلى الملأ الأعلى ومخالطتها مع القدسيين بسبب انتصاحها
~~لنصحهما، ومن بقائهما معذبين بقاؤهما مشغولين بتدبير الجسد وحرمانهما عن
~~العروج إلى سماء الحضرة، لأن طائر العقل لا يحوم حول حماها.

# ومن الأكابر من قال في حل هذا الرمز: إن الروح والعقل للذين هما من
~~عالم المجردات قد نزلا من سماء التجرد إلى أرض التعلق، فعشقا البدن الذي
~~هو كالزهرة في غاية الحسن والجمال لتوقف كمالهما عليه، فاكتسبا بتوسطه
~~المعاصي والشرك وتحصيل اللذات الحسية الدنية، ثم صعد إلى السماء بأن وصل
~~بحسن تدبيرهما إلى الكمال اللائق به، ثم مسخ بأن انقطع التعلق وتفرقت
~~العناصر، وهما بقيا معذبين بعذاب الحرمان عن الاتصال بعالم القدس متألمين
~~بالآلام الروحانية منكوسي الحال حيث غلب التعلق على التجرد وانعكس القرب
~~بالبعد، وقيل: المقصود من ذلك الإشارة إلى أن من كان ملكا إن اتبع
~~الشهوة هبط عن درجة الملائكة إلى درجة البهيمة، ومن كان امرأة ذات شهوة
~~إذا كسرت شهوتها، وغلبت عليها صعدت إلى درج الملك واتصلت إلى سماء
~~المنازل والمراتب، وكتب بعضهم لحله.

# مل وأيم الله نفسي نفسي

# وطال في مكث حياتي حبسي

# أصبح في مضاجعي وأمسي

# أمسي كيومي وكيومي أمسي

# يا حبذا يوم نزولي رمسي

# مبدأ سعدي وانتهاء نحسي

# وكل جنس لاحق بالجنس ms00551

# من جوهر يرقى بدار الأنس

# / وعرض يبقى بدار الحس

# هذا ومن قال: بصحة هذه القصة في نفس الأمر وحملها على ظاهرها فقد ركب
~~شططا وقال غلطا، وفتح بابا من السحر يضحك الموتى، ويبكي الأحياء،
~~وينكس راية الإسلام، ويرفع رؤوس الكفرة الطغام كما لا يخفى ذلك على
~~المنصفين من العلماء المحققين.

# وقرأ ابن عباس والحسن وأبو الأسود والضحاك (الملكين) بكسر اللام، وحمل
~~بعضهم قراءة الفتح على ذلك فقال هما رجلان إلا أنهما سميا ملكين باعتبار
~~صلاحهما، ويؤيده ما قيل: إنهما داود وسليمان، ويرده قول الحسن: إنهما
~~علجان كانا ببابل العراق، وبعضهم يقول إنهما من الملائكة ظهرا في صورة
~~الملوك  وفيه حمل الكسر على الفتح على عكس ما تقدم و  الإنزال  إما
~~على ظاهره أو بمعنى القذف في قلوبهما.

# { ببابل } الباء بمعنى في وهي متعلقة  بأنزل  أو بمحذوف وقع حالا
~~من (الملكين) أو من الضمير في (أنزل) وهي كما قال ابن عباس وابن مسعود
~~رضي الله تعالى عنهما: بلد في سواد الكوفة، وقيل: بابل العراق، وقال
~~قتادة: هي من نصيبين إلى رأس العين، وقيل: جبل دماوند، وقيل: بلد بالمغرب
~~ والمشهور اليوم الثاني  وعند البعض هو الأول، قيل وسميت بابل لتبلبل
~~الألسنة فيها عند سقوط صرح نمرود، وأخرجه الدينوري في «المجالسة». وابن
~~عساكر من طريق نعيم بن سالم  وهو متهم  عن أنس بن مالك قال: ((لما حشر
~~الله تعالى الخلائق إلى بابل بعث إليهم ريحا شرقية وغربية وقبلية وبحرية
~~فجمعتهم إلى بابل فاجتمعوا يومئذ ينظرون لما حشروا له إذ نادى مناد من
~~جعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره واقتصد إلى البيت الحرام بوجهه فله
~~كلام أهل السماء فقام يعرب بن قحطان فقيل له: يا يعرب بن قحطان بن هود
~~أنت هو فكان أول من تكلم بالعربية فلم يزل المنادي ينادي من فعل كذا وكذا
~~فله كذا وكذا حتى افترقوا على اثنين وسبعين لسانا وانقطع الصوت وتبلبلت
~~الألسن فسميت بابل وكان اللسان يومئذ بابليا))، وعندي في القولين تردد
~~بل عدم قبول، والذي أميل ms00552 إليه أن بابل اسم أعجمي كما نص عليه أبو حيان لا
~~عربي كما يشير إليه كلام الأخفش، وأنه في الأصل اسم للنهر الكبير في بعض
~~اللغات الأعجمية القديمة وقد أطلق على تلك الأرض لقرب الفرات منها، ولعل
~~ذلك من قبيل تسمية بغداد دار السلام بناء على أن السلام اسم لدجلة، وقد
~~رأيت لذلك تفصيلا لا أدريه اليوم في أي كتاب، وأظنه قريبا مما ذكرته
~~فليحفظ.

# ومنع بعضهم الصلاة بأرض بابل احتجاجا بما أخرج أبو داود وابن أبي حاتم
~~والبيهقي في «سننه» على علي كرم الله تعالى وجهه أن حبيبي صلى الله عليه
~~وسلم نهاني أن أصلي بأرض بابل فإنها ملعونة، وقال الخطابي: في إسناد هذا
~~الحديث مقال، ولا أعلم أحدا من العلماء حرم الصلاة بها، ويشبه إن ثبت
~~الحديث أن يكون نهاه عن أن يتخذها وطنا ومقاما فإذا أقام بها كانت
~~صلاته فيها وهذا من باب التعليق في علم البيان، أو لعل النهي له خاصة ألا
~~ترى قال: نهاني، ومثله حديث آخر

# " نهاني [أن] أقرأ ساجدا أو راكعا ولا أقول نهاكم "

# ، وكان ذلك إنذارا منه بما لقي من المحنة في تلك الناحية.

# { هروت ومروت } عطف بيان  للملكين  وهما اسمان أعجميان
~~لهما منعا من الصرف للعلمية والعجمة وقيل: عربيان من الهرت والمرت بمعنى
~~الكسر؛ وكان اسمهما قبل عزا وعزايا فلما قارفا الذنب سميا بذلك؛ ويشكل
~~عليه منعهما من الصرف، وليس إلا العلمية، وتكلف له بعضهم بأنه يحتمل أن
~~يقال: إنهما معدولان من الهارت والمارت، وانحصار العدل في الأوزان
~~المحفوظة غير مسلم وهو كما ترى، وقرأ الحسن والزهري برفعهما على أن
~~التقدير هما هاروت وماروت، ومما يقضي منه العجب ما قاله الإمام القرطبي:
~~«إن هاروت وماروت/ بدل من الشياطين على قراءة التشديد، و { ما } في {
~~وما أنزل } نافية، والمراد من الملكين جبرائيل وميكائيل لأن اليهود
~~زعموا أن الله تعالى أنزلهما بالسحر، وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير:
~~(وما كفر سليمان وما أنزل على الملكين ولكن الشياطين هاروت وماروت كفروا
~~يعلمون الناس السحر ببابل) ms00553 وعليه فالبدل إما بدل بعض من كل، ونص عليهما
~~بالذكر لتمردهما، ولكونهما رأسا في التعليم، أو بدل كل من كل إما بناء
~~على أن الجمع يطلق على الإثنين أو على أنهما عبارتان عن قبيلتين من
~~الشياطين لم يكن غيرهما بهذه الصفة، وأعجب من قوله هذا قوله: وهذا أولى
~~ما حملت عليه الآية من التأويل وأصح ما قيل فيها، ولا تلتفت إلى ما سواه.
~~ولا يخفى لدي كل منصف أنه لا ينبغي لمؤمن حمل كلام الله تعالى  وهو في
~~أعلى مراتب البلاغة والفصاحة  على ما هو أدنى من ذلك وما هو إلا مسخ
~~لكتاب الله تعالى عز شأنه وإهباط له عن شأواه ومفاسد قلة البضاعة لا
~~تحصى، وقيل إنهما بدل من الناس أي: يعلمون الناس خصوصا هاروت وماروت
~~والنفي هو النفي.

# { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن
~~فتنة فلا تكفر } أي ما يعلم الملكان أحدا حتى ينصحاه ويقولا
~~له إنما نحن ابتلاء من الله عز وجل فمن تعلم منا وعمل به كفر ومن تعلم
~~وتوقى ثبت على الإيمان فلا تكفر باعتقاده وجواز العمل به، وقيل: فلا
~~تتعلم معتقدا أنه حق حتى تكفر، وهو مبني  على رأي الاعتزال  من أن
~~السحر تمويه وتخييل، ومن اعتقد حقيته يكفر، و { من } مزيدة في المفعول
~~به لإفادة تأكيد الاستغراق، وإفراد  الفتنة  مع تعدد المخبر عنه لكونها
~~مصدرا، والحمل مواطأة للمبالغة، والقصر لبيان أنه ليس لهما فيما
~~يتعاطيانه شأن سواها لينصرف الناس عن تعلمه، و { حتى } للغاية وقيل:
~~بمعنى إلا، والجملة في محل النصب على الحالية من ضمير { يعلمون }
~~والظاهر أن القول مرة واحدة والقول: بأنه ثلاث أو سبع أو تسع لا ثبت له.

# واختلف في كيفية تلقي ذلك العلم منهما فقال مجاهد إنهما لا يصل إليهما
~~أحد من الناس وإنما يختلف إليهما شيطانان في كل سنة اختلافة واحدة
~~فيتعلمان منهما، وقيل وهو الظاهر: إنهما كان يباشران التعليم بأنفسهما في
~~وقت من الأوقات، والأقرب أنهما ليسا إذ ذاك على الصورة الملكية، وأما ما
~~أخرجه ms00554 ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في «سننه» عن
~~عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: قدمت علي امرأة من أهل دومة
~~الجندل تبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته تسأله عن شيء دخلت
~~فيه من أمر السحر ولم تعمل به قالت: كان لي زوج غاب عني فدخلت على عجوز
~~فشكوت إليها فقالت: إن فعلت ما آمرك اجعله يأتيك فلما كان الليل جاءتني
~~بكلبين أسودين فركبت أحدهما وركبت الآخر فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل،
~~فإذا أنا برجلين معلقين بأرجلهما، فقالا: ما جاء بك؟ فقلت أتعلم السحر،
~~فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي، فأبيت وقلت: لا، قالا: فاذهبي
~~إلى ذلك التنور فبولي به، إلى أن قالت: فذهبت فبلت فيه، فرأيت فارسا
~~مقنعا بحديد خرج مني حتى ذهب إلى السماء وغاب عني حتى ما أراه، فجئتهما
~~وذكرت لهما فقالا: صدقت، ذلك إيمانك خرج منك، اذهبي فلن تريدي شيئا إلا
~~كان  الخبر بطوله  فهو ونظائره  مما ذكره المفسرون من القصص في هذا
~~الباب  مما لا يعول عليه ذوو الألباب، والإقدام على تكذيب مثل هذه
~~الامرأة الدوجندية أولى من اتهام العقل في قبول هذه الحكاية التي لم يصح
~~فيها شيء عن رسول رب البرية صلى الله عليه وسلم، ويا ليت كتب الإسلام لم
~~تشتمل على هذه الخرافات التي لا يصدقها العاقل ولو كانت أضغاث أحلام.

# واستدل بالآية من جوز تعلم السحر، ووجهه أن فيها دلالة على وقوع
~~التعليم من الملائكة مع عصمتهم، والتعلم مطاوع له، بل هما متحدان بالذات
~~مختلفان بالاعتبار كالإيجاب/ والوجوب، ولا يخفى أنه لا دليل فيها على
~~الجواز مطلقا لأن ذلك التعليم كان للابتلاء والتمييز كما قدمنا، وقد ذكر
~~القائلون بالتحريم: إن تعلم السحر إذا فرض فشوه في صقع، وأريد تبيين
~~فساده لهم ليرجعوا إلى الحق غير حرام كما لا يحرم تعلم الفلسفة للمنصوب
~~للذب عن الدين برد الشبه  وإن كان أغلب أحواله التحريم  وهذا لا ينافي
~~إطلاق القول به، ومن قال: إن هاروت وماروت ms00555 من الشياطين قال: إن معنى
~~الآية ما يعلمان السحر أحدا حتى ينصحاه ويقولا إنا مفتونان باعتقاد
~~جوازه والعمل به فلا تكن مثلنا في ذلك فتكفر، وحينئذ لا استدلال أصلا،
~~وما ذكرنا أن القول على سبيل النصح في هذا الوجه هو الظاهر، وحكى المهدوي
~~أنه على سبيل الاستهزاء لا النصيحة وهو الأنسب بحال الشياطين، وقرأ طلحة
~~بن مصرف (يعلمان) بالتخفيف من الإعلام وعليها حمل بعضهم قراءة التشديد،
~~وقرأ أبي بإظهار الفاعل.

# { فيتعلمون منهما } عطف على الجملة المنفية لأنها في قوة
~~المثبتة كأنه قال: يعلمانهم بعد ذلك القول فيتعلمون، وليس عطفا على
~~المنفي بدون هذا الاعتبار كما توهمه أبو علي من كلام الزجاج، وعطفه بعضهم
~~على { يعلمان } محذوفا، وبعضهم على (يأتون) كذلك، والضمير المرفوع
~~لما دل عليه (أحد) وهو الناس أو  لأحد  حملا له على المعنى كما في
~~قوله تعالى:

# فما منكم من أحد عنه حجزين

# [الحاقه: 47] وحكى المهدوي جواز العطف على { يعلمون الناس }
~~فمرجع الضمير حينئذ ظاهر، وقيل: في الكلام مبتدأ محذوف أي فهم يتعلمون
~~فتكون جملة ابتدائية معطوفة على ما قبلها من عطف الاسمية على الفعلية 
~~ونسب ذلك إلى سيبويه  وليس بالجيد، وضمير (منهما) عائد على (الملكين)، و
~~من الناس من جعله عائدا إلى السحر والكفر أو الفتنة والسحر، وعطف
~~(يتعلمون) على (يعلمون) وحمل (ما يعلمان) على النفي، و { حتى
~~يقولا } على التأكيد له أي لا يعلمان السحر لأحد بل ينهيانه حتى يقولا
~~الخ فهو كقولك: ما أمرته بكذا حتى قلت له إن فعلت نالك كذا وكذا، وجعل 
~~ما أنزل  أيضا نفيا معطوفا على  ما كفر  وهو كما ترى.

# { ما يفرقون به بين المرء وزوجه } أي الذي أو شيئا
~~يفرقون به وهو السحر المزيل بطريق السببية الألفة والمحبة بين الزوجين
~~الموقع للبغضاء والشحناء الموجبتين للتفرق بينهما؛ وقيل: المراد: ما يفرق
~~لكونه كفرا لأنه إذا تعلم كفر فبانت زوجته أو إذا تعلم عمل فتراه الناس
~~فيعتقدون أنه حق فيكفرون فتبين أزواجهم، و  المرء  الرجل، والأفصح فتح
~~الميم مطلقا، وحكي الضم مطلقا، ms00556 وحكي الاتباع لحركة الإعراب، ومؤنثة
~~المرأة، وقد جاء جمعه بالواو والنون فقالوا: المرؤون، والزوج امرأة
~~الرجل، وقيل: المراد به هنا القريب والأخ الملائم، ومنه

# من كل زوج بهيج

# [الحج: 5] و

# احشروا الذين ظلموا وأزوجهم

# [الصافات: 22] وقرأ الحسن والزهري وقتادة المر بغير همز مخففا، وابن
~~أبي اسحق  المرء  بضم الميم مع الهز، والأشهب بالكسر والهمز، ورويت عن
~~الحسن، وقرأ الزهري أيضا  المر  بالفتح وإسقاط الهمزة وتشديد الراء.

# { وما هم بضارين به من أحد } الضمير للسحرة الذين عاد
~~إليهم ضمير { فيتعلمون } وقيل: لليهود الذين عاد إليهم ضمير {
~~واتبعوا } وقيل  للشياطين  وضمير (به) عائد لما، و { من }
~~زائدة لاستغراق النفي كأنه قيل: وما يضرون به أحدا، وقرأ الأعمش  بضاري
~~ محذوف النون، وخرج على أنها حذفت تخفيفا وإن كان اسم الفاعل ليس صلة 
~~لأل  فقد نص ابن مالك على عدم الاشتراط لقوله:

# ولسنا إذا تأتون سلمى بمدعي

# لكم غير أنا أن نسالم نسالم

# وقولهم: قطاقطا بيضك ثنتا وبيضي مائتا، وقيل: إنها حذفت للإضافة إلى
~~محذوف مقدر لفظا على حد قوله: يا تيم تيم عدي في أحد الوجوه، وقيل:
~~للإضافة إلى (أحد) على جعل الجار جزأ منه والفصل بالظرف/ مسموع كما في
~~قوله:

# هما أخوا في الحرب من لا أخاله

# وإن خاف يوما كبوة فدعاهما

# واختار ذلك الزمخشري، وفيه أن جعل الجار جزءا من المجرور ليس بشيء لأنه
~~مؤثر فيه، وجزء الشيء لا يؤثر فيه، وأيضا الفصل بين المتضايفين بالظرف
~~وإن سمع من ضرائر الشعر كما صرح به أبو حيان ولظن تعين هذا مخرجا قال
~~ابن جني: إن هذه القراءة أبعد الشواذ.

# { إلا بإذن الله } استثناء مفرغ من الأحوال والباء متعلقة
~~بمحذوف وقع حالا من ضمير  ضارين  أو من مفعوله المعتمد على النفي أو
~~الضمير المجرور في { به } أو المصدر المفهوم من الوصف، والمراد من
~~الاذن هنا التخلية بين المسحور وضرر السحر  قاله الحسن  وفيه دليل على
~~أن فيه ضررا مودعا إذا شاء الله تعالى حال بينه وبينه، وإذا شاء خلاه
~~وما أودعه فيه، وهذا ms00557 مذهب السلف في سائر الأسباب والمسببات، وقيل: الإذن
~~بمعنى الأمر ويتجوز به عن التكوين بعلاقة ترتب الوجود على كل منهما في
~~الجملة، والقرينة عدم كون القبائح مأمورا بها ففيه نفي كون الأسباب
~~مؤثرة بنفسها بل يجعله إياها أسبابا إما عادية أو حقيقية، وقيل: إنه هنا
~~بمعنى العلم، وليس فيه إشارة إلى نفي التأثير بالذات كالوجهين الأولين.

# { ويتعلمون ما يضرهم } لأنهم يقصدون به العمل قصدا
~~جازما وقصد المعصية كذلك معصية أو لأن العلم يدعو إلى العمل ويجر إليه
~~لا سيما عمل الشر الذي هو هوى النفس، فصيغة المضارع للحال على الأول
~~وللاستقبال على الثاني { ولا ينفعهم } عطف على ما قبله للإيذان
~~بأنه شر بحت وضرر محض لا كبعض المضار المشوبة بنفع وضرر لأنهم لا يقصدون
~~به التخلص عن الاغترار بأكاذيب السحرة ولا إماطة الأذى عن الطريق حتى
~~يكون فيه نفع في الجملة، وفي الاتيان ب (لا) إشارة إلى أنه غير نافع في
~~الدارين لأنه لا تعلق له بانتظام المعاش ولا المعاد وفي الحكم بأنه ضار
~~غير نافع تحذير بليغ  لمن ألقى السمع وهو شهيد  عن تعاطيه وتحريض على
~~التحرز عنه، وجوز بعضهم أن يكون { لا ينفعهم } على إضمار هو فيكون
~~في موضع رفع وتكون الواو للحال ولا يخفى ضعفه.

# { ولقد علموا } متعلق بقوله تعالى:

# ولما جاءهم

# [البقرة: 101] الخ، وقصة السحر مستطردة في البين فالضمير لأولئك اليهود،
~~وقيل: الضمير لليهود الذين كانوا على عهد سليمان عليه السلام، وقيل:
~~للملكين لأنهما كانا يقولان: { فلا تكفر } وأتى بضمير الجمع على
~~قول من يرى ذلك { لمن اشتراه } أي استبدل ما تتلوا الشياطين بكتاب
~~الله، واللام للابتداء وتدخل على المبتدأ، وعلى المضارع ودخولها على
~~الماضي مع قد كثير وبدونه ممتنع، وعلى خبر المبتدأ إذا تقدم عليه، وعلى
~~معمول الخبر إذا وقع موقع المبتدأ؛ والكوفيون يجعلونها في الجميع جواب
~~القسم المقدر وليس في الوجود عندهم لام ابتداء كما يشير إليه كلام الرضى،
~~وقد علقت هنا  علم  عن العمل سواء كانت متعدية لمفعول أو مفعولين  فمن
~~ موصولة مبتدأ ms00558 و (اشتراه) صلتها وقوله تعالى:

# { ما له فى الأخرة من خلق } جملة ابتدائية خبرها، و  من 
~~مزيدة في المبتدأ، و { فى الأخرة } متعلق بما تعلق به الخبر أو حال
~~من الضمير فيه أو من مرجعه، و  الخلاق  النصيب  قاله مجاهد  أو
~~القوام  قاله ابن عباس  رضي الله تعالى عنهما، أو القدر  قاله قتادة 
~~ومنه قوله:

# فمالك بيت لدى الشامخات

# ومالك في غالب من (خلاق)

# / قال الزجاج: وأكثر ما يستعمل في الخير، ويكون للشر على قلة، وذهب أبو
~~البقاء تبعا للفراء إلى أن اللام موطئة للقسم، و (من) شرطية مبتدأ و
~~(اشتراه) خبرها و (ماله) الخ جواب القسم، وجواب الشرط محذوف دل هو عليه
~~لأنه إذا اجتمع قسم وشرط يجاب سابقهما غالبا، وفيه ما فيه لأنه نقل عن
~~الزجاج رد من قال بشرطية (من) هنا بأنه ليس موضع شرط، ووجهه أبو حيان
~~بأن الفعل ماض لفظا ومعنى، لأن الاشتراء قد وقع فجعله شرطا لا يصح لأن
~~فعل الشرط إذا كان ماضيا لفظا فلا بد أن يكون مستقبلا معنى، وقد ذكر
~~الرضى في  لزيد قائم  أن الأولى كون اللام فيه لام الابتداء مفيدة
~~للتأكيد ولا يقدر القسم كما فعله الكوفية لأن الأصل عدم التقدير،
~~والتأكيد المطلوب من القسم حاصل من اللام، والقول بأن اللام تأكيد للأولى
~~أو زائدة مما لا يكاد يصح، أما الأول: فلأن بناء الكلمة إذا كان على حرف
~~واحد لا يكرر وحده بل مع عماده إلا في ضرورة الشعر على ما ارتضاه الرضى،
~~وأما الثاني: فلأن المعهود زيادة اللام الجارة وهي مكسورة في الاسم
~~الظاهر.

# { ولبئس ما شروا به أنفسهم } اللام فيه لام ابتداء
~~أيضا، والمشهور أنها جواب القسم، والجملة معطوفة على القسمية الأولى، و
~~(ما) نكرة مميزة للضمير المبهم في  بئس  والمخصوص بالذم محذوف، و
~~(شروا) يحتمل المعنيين والظاهر هو الظاهر  أي والله لبئس شيئا شروا به
~~حظوظ أنفسهم  أي باعوها أو شروها في زعمهم ذلك الشراء، وفي «البحر»
~~بئسما باعوا أنفسهم السحر أو الكفر.

# { لو كانوا يعلمون ms00559 } أي مذمومية الشراء المذكور لامتنعوا عنه،
~~ولا تنافي بين إثبات العلم لهم أولا ونفيه عنهم ثانيا إما لأن المثبت
~~لهم هو العقل الغريزي والمنفي عنهم هو الكسب الذي هو من جملة التكليف، أو
~~لأن الأول: هو العلم بالجملة والثاني: هو العلم بالتفصيل، فقد يعلم
~~الإنسان مثلا قبح الشيء ثم لا يعلم أن فعله قبيح فكأنهم علموا أن شراء
~~النفس بالسحر مذموم لكن لم يتكفروا في أن ما يفعلونه هو من جملة ذلك
~~القبيح أو لأنهم علموا العقاب ولم يعلموا حقيقته وشدته، وإما لأن الكلام
~~مخرج على تنزيل العالم بالشيء منزلة الجاهل ووجود الشيء منزلة عدمه لعدم
~~ثمرته أنهم لم يعملوا بعلمهم، أو على تنزيل العالم بفائدة الخبر ولازمها
~~منزلة الجاهل بناء على أن قوله تعالى: { لو كانوا يعلمون }
~~معناه لو كان لهم علم بذلك الشراء لامتنعوا منه أي ليس لهم علم فلا
~~يمتنعون، وهذا هو الخبر الملقى إليهم، واعتراض العلامة بأن هذا الخبر لو
~~فرض كونه ملقى إليهم فلا معنى لكونهم عالمين بمضمونه كيف وقد تحقق في {
~~ولقد علموا } نقيضه وهو أن لهم علما به وبعد اللتيا والتي لا
~~معنى لتنزيلهم منزلة الجاهل بأن ليس لهم علم بأن من اشتراه  ماله في
~~الآخرة من خلاق  بل إن كان فلا بد أن ينزلوا منزلة الجاهل بأن لهم علما
~~بذلك يجاب عنه: أما أولا: فبأن الخطاب صريحا للرسول صلى الله عليه وسلم
~~وتعريضا لهم ولذا أكد، وأما ثانيا: فبأن المستفاد من { ولقد
~~علموا } ثبوت العلم لهم حقيقة والمستفاد من الخبر الملقى لهم نفي
~~العلم عنهم تنزيلا ولا منافاة بينهما، وأما ثالثا: فبأن العالم إذا عمل
~~بخلاف علمه كان عالما بأنه بمنزلة الجاهل في عدم ترتب ثمرة علمه، ومقتضى
~~هذا العلم أن يمتنع عن ذلك العمل ففيما نحن فيه كانوا عالمين فيه بأن ليس
~~لهم علم وأنهم بمنزلة الجاهل في ذلك الشراء، ومقتضى هذا العلم أن يمتنعوا
~~عنه وإذا لم يمتنعوا كانوا بمنزلة الجاهل في عدم جريهم على مقتضى هذا
~~العلم فألقى الخبر ms00560 إليهم بأن ليس لهم علم مع علمهم به كذا قيل، ولا يخفى
~~ما فيه من شدة التكلف.

# وأجاب بعضهم عما يتراءى من التنافي بأن مفعول { يعلمون } ما دل
~~عليه { لبئس ما شروا } الخ أعنى مذمومية الشراء، ومفعول {
~~علموا } أنه لا نصيب لهم/ في الآخرة، والعلم بأنه لا نصيب لهم في
~~الآخرة لا ينافي نفي العلم بمذمومية الشراء بأن يعتقدوا إباحته  فلا
~~حاجة حينئذ إلى جميع ما سبق  وفيه أن العلم بكون الشراء المذكور موجبا
~~للحرمان في الآخرة بدون العلم بكونه مذموما غاية المذمومية  مما لا
~~يكاد يعقل عند أرباب العقول  والقول بأن مفعول { علموا } محذوف، أي
~~لقد علموا أنه يضرهم ولا ينفعهم، و { لمن اشتراه } مرتبط بأول
~~القصة، وضمير { لبئس ما شروا } (لمن اشتراه) ركيك جدا، و (بئسما)
~~يشتري، ودفع التنافي بأنه أثبت أولا: العلم بسوء ما شروه بالكتاب بحسب
~~الآخرة، ثم ذم بالسوء مطلقا في الدين والدنيا، لأن بئس للذم العام،
~~فالمنفى  العلم بالسوء المطلق  يعني: لو كانوا يعلمون ضرره في الدين
~~والدنيا لامتنعوا، إنما غرهم توهم النفع العاجل، أو بأن المثبت أولا
~~العلم بأن ما شروه ما لهم في الآخرة نصيب منه، لا أنهم شروا أنفسهم به
~~وأخرجوها من أيديهم بالكلية، بل كانوا يظنون أن آباءهم الأنبياء يشفعونهم
~~في الآخرة والعلم المنفي هو هذا العلم لا يخفى ما فيه. أما أولا: فلأن
~~عموم الذم في (بئس) وإن قيل به لكنه بالنسبة إلى إفراد الفاعل في نفسها
~~من دون تعرض للأزمنة والأمكنة  والتزام ذلك لا يخلو عن كدر  وأما
~~ثانيا: فلأن تخصيص النصيب  بمنه  مع كونه نكرة مقرونة ب (من) في سياق
~~النفي المساق للتهويل مما لا يدعو إليه إلا ضيق العطن، والجواب  بإرجاع
~~ضمير (علموا) (للناس) أو (الشياطين) و (اشتروا) لليهود  ارتكاب للتفكيك
~~من غير ضرورة تدعو إليه، ولا قرينة واضحة تدل عليه، وبعد كل حساب 
~~الأولى عندي في الجواب  كون الكلام مخرجا على التنزيل، ولا ريب في كثرة
~~وجود ذلك في الكتاب الجليل، والأجوبة التي ذكرت من ms00561 قبل  مع جريان الكلام
~~فيها على مقتضى الظاهر  لا تخلو في الباطن عن شيء فتدبر.

### || [2.103]

# { ولو أنهم ءامنوا } أي بالرسول، أو بما أنزل إليه من
~~الآيات، أو بالتوراة { واتقوا } أي المعاصي التي حيكت عنهم {
~~لمثوبة من عند الله خير } جواب { لو } الشرطية، وأصله 
~~لأثيبوا مثوبة من عند الله خيرا مما شروا به أنفسهم  فحذف الفعل، وغير
~~السبك إلى ما ترى ليتوسل بذلك مع معونة المقام إلى الإشارة إلى ثبات
~~المثوبة، وثبات نسبة الخيرية إليها مع الجزم بخيريتها لأن الجملة إذا
~~أفادت ثبات المثوبة كان الحكم بمنزلة التعليق بالمشتق، كأنه قيل: لمثوبة
~~دائمة خير لدوامها وثباتها، وحذف المفضل عليه إجلالا للمفضل من أن ينسب
~~إليه، ولم يقل لمثوبة الله، مع أنه أخصر ليشعر التنكير بالتقليل، فيفيد
~~أن شيئا قليلا من ثواب الله تعالى في الآخرة الدائمة خير من ثواب كثير
~~من الدنيا الفانية، فكيف وثواب الله تعالى كثير دائم، وفيه من الترغيب
~~والترهيب المناسبين للمقام ما لا يخفى، وببيان الأصل انحل إشكالان (لفظي)
~~وهو أن جواب { لو } إنما يكون فعلية ماضوية (ومعنوي) وهو أن خيرية 
~~المثوبة  ثابتة لا تعلق لها بإيمانهم وعدمه، ولهذين الإشكالين قال
~~الأخفش واختاره جمع لسلامته من وقوع الجملة الابتدائية في الظاهر جوابا
~~ل (لو) ولم يعهد ذلك في لسان العرب  كما في «البحر»  أن  اللام 
~~جواب قسم محذوف والتقدير  ولو أنهم آمنوا واتقوا لكان خيرا لهم ولمثوبة
~~عند الله خير  وبعضهم التزم التمني  ولكن من جهة العباد لا من جهته
~~تعالى  خلافا لمن اعتزل دفعا لهما إذ لا جواب لها حينئذ، ويكون الكلام
~~مستأنفا، كأنه لما تمنى لهم ذلك قيل: ما هذا التحسر والتمني؟ فأجيب بأن
~~هؤلاء المبتذلين حرموا ما شيء قليل منه خير من الدنيا وما فيها، وفي ذلك
~~تحريض وحث على الإيمان، وذهب أبو حيان إلى أن (خير) هنا للتفضيل لا
~~للأفضلية على حد

# فخيركما لشركما فداء

# والمثوبة مفعلة  بضم العين  من الثواب، فنقلت  الضمة  إلى ما قبلها،
~~فهو مصدر ميمي، وقيل: مفعولة وأصلها ms00562 (مثووبة) فنقلت  ضمة الواو  إلى ما
~~قبلها، وحذفت لالتقاء الساكنين، فهي من المصادر التي جاءت على مفعولة
~~كمصدوقة  كما نقله الواحدي  ويقال: { مثوبة }  بسكون الثاء وفتح
~~الواو  وكان من حقها أن تعل، فيقال: مثابة  كمقامة  إلا أنهم صححوها
~~كما صححوا في الأعلام مكوزة وبها قرأ قتادة وأبو السماك؛ والمراد بها
~~الجزاء والأجر، وسمي بذلك لأن المحسن يثوب إليه، والقول بأن المراد بها
~~الرجعة إليه تعالى بعيد.

# { لو كانوا يعلمون } المفعول محذوف بقرينة السابق، أي إن ثواب
~~الله تعالى خير وكلمة (لو) إما للشرط، والجزاء محذوف أي: آمنوا وإما
~~للتمني ولا حذف، ونفي العلم على التقديرين بنفي ثمرته الذي هو العمل، أو
~~لترك التدبر.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات { واتبعوا } أي اليهود وهي القوى
~~الروحانية { ما تتلوا الشيطين } وهم من الإنس المتمردون
~~الأشرار، ومن الجن الأوهام والتخيلات المحجوبة عن نور الروح المتمردة عن
~~طاعة القلب العاصية لأمر العقل والشرع، والنفوس الأرضية المظلمة القوية {
~~على } عهد { ملك سليمن } الروح الذي هو خليفة الله تعالى في
~~أرضه { وما كفر سليمن } بملاحظة السوى واتباع الهوى، وإسناد
~~التأثير إلى الأغيار { ولكن الشياطين كفروا } وستروا
~~مؤثرية الله تعالى وظهوره الذي محا ظلمة العدم. { يعلمون الناس
~~السحر } والشبه الصادة عن السير والسلوك إلى ملك الملوك { وما
~~أنزل على الملكين } وهما العقل النظري والعقل العملي النازلان
~~من سماء القدس إلى أرض الطبيعة المنكوسان في بئرها لتوجههما إليها
~~باستجذاب النفس إياهما { ببابل } الصدر المعذبان بضيق المكان بين
~~أبخرة حب الجاه، ومواد الغضب؛ وأدخنة نيران الشهوات المبتليان بأنواع
~~المتخيلات، والموهومات الباطلة من الحيل والشعوذة والطلسمات والنيرنجات {
~~وما يعلمان من أحد حتى يقولا } له { إنما نحن
~~} امتحان وابتلاء من الله تعالى { فلا تكفر } وذلك لقوة النورية
~~وبقية الملكوتية فيهما، فإن العقل دائما ينبه صاحبه  إذا صحا عن سكرته
~~وهب من نومته  عن الكفر والاحتجاب { فيتعلمون منهما ما
~~يفرقون به بين } القلب والنفس، أو بين الروح والنفس بتكدير
~~القلب { ويتعلمون ما يضرهم } بزيادة الاحتجاب وغلبة هوى
~~النفس { ولا ينفعهم } كسائر العلوم ms00563 في رفع الحجاب وتخلية النفس
~~وتزكيتها

# ولقد علموا لمن اشتراه ماله

# [البقرة: 102] في مقام الفناء والرجوع إلى الحق سبحانه من نصيب لإقباله
~~على العالم السفلي وبعده عن العالم العلوي بتكدر جوهر قلبه، وانهماكه
~~برؤية الأغيار { ولو أنهم ءامنوا } برؤية الأفعال من الله
~~تعالى واتقوا الشرك باثبات ما سواه لأثيبوا بمثوبه { من عند الله
~~} تعالى دائمة، ولرجعوا إليه، وذلك { خير لهم لو كانوا } من
~~ذوي العلم والعرفان والبصيرة والإيقان.

### || [2.104]

# { يأيها الذين ءامنوا لا تقولوا رعنا } الرعي حفظ
~~الغير لمصلحته سواء كان الغير عاقلا أو لا، وسبب نزول الآية  كما أخرج
~~أبو نعيم في «الدلائل» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه  أن اليهود كانوا
~~يقولون ذلك سرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سب قبيح بلسانهم،
~~فلما سمعوا أصحابه عليه الصلاة والسلام يقولون: أعلنوا بها، فكانوا
~~يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروي أن سعد
~~بن عبادة رضي الله تعالى عنه سمعها منهم، فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة
~~الله، والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى
~~الله عليه وسلم لأضربن عنقه، قالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت الآية ونهي
~~المؤمنون سدا للباب، وقطعا للألسنة وإبعادا عن المشابهة. وأخرج عبيد
~~وابن جرير والنحاس عن عطاء قال: كانت (راعنا) لغة الأنصار في الجاهلية
~~فنهاهم الله تعالى عنها في الإسلام، ولعل المراد أنهم يكثرونها في
~~كلامهم/ واستعملها اليهود سبا فنهوا عنها، وأما دعوى أنها لغة مختصة بهم
~~فغير ظاهر لأنها محفوظة في لغة جميع العرب منذ كانوا، وقيل: ومعنى هذه
~~الكلمة عند اليهود لعنهم الله تعالى اسمع  لا سمعت  وقيل: أرادوا نسبته
~~صلى الله عليه وسلم وحاشاه إلى الرعن، فجعلوه مشتقا من الرعونة وهي
~~الجهل والحمق، وكانوا إذا أرادوا أن يحمقوا إنسانا قالوا: راعنا، أي يا
~~أحمق  فالألف حينئذ لمد الصوت  وحرف النداء محذوف  وقد ذكر الفراء أن
~~أصل يا زيد يا زيدا  بالألف  ليكون المنادى بين صوتين، ثم اكتفى بيا
~~ونوى الألف، ويحتمل ms00564 أنهم أرادوا به المصدر، أي  رعنت رعونة  أو أرادوا
~~صرت راعنا وإسقاط  التنوين  على اعتبار الوقف.

# وقد قرأ الحسن وابن أبي ليلى وأبو حيوة وابن محيصن  بالتنوين  وجعله
~~الكثير صفة لمصدر محذوف، أي قولا: راعنا وصيغة فاعل حينئذ للنسبة 
~~كلابن وتامر ، ووصف القول به للمبالغة كما يقال: كلمة حمقاء، وقرأ عبد
~~الله وأبي { راعونا } على إسناد الفعل لضمير الجمع للتوقير  كما أثبته
~~الفارسي  وذكر أن في مصحف عبد الله (ارعونا) وذهب بعض العلماء أن سبب
~~النهي أن لفظ المفاعلة يقتضي الاشتراك في الغالب  فيكون المعنى عليه 
~~ليقع منك رعي لنا ومنا رعي لك، وهو مخل بتعظيمه صلى الله عليه وسلم، ولا
~~يخفى بعده عن سبب النزول بمراحل.

# { وقولوا انظرنا } أي انتظرنا وتأن علينا، أو انظر إلينا، ليكون
~~ذلك أقوى في الإفهام والتعريف، وكان الأصل أن يتعدى الفعل بإلى، لكنه
~~توسع فيه فتعدى بنفسه على حد قوله:

# ظاهرات الجمال والحسن ينظر

# ن كما ينظر (الأراك.. الظباء)

# وقيل: هو من نظر البصيرة، والمراد به التفكر والتدبر فيما يصلح حال
~~المنظور في أمره والمعنى تفكر في أمرنا وخير الأمور عندي أوسطها إلا أنه
~~ينبغي أن يقيد نظر العين بالمقترن بتدبير الحال لتقوم هذه الكلمة مقام
~~الأولى خالية من التدليس، وبدأ بالنهي لأنه من باب التروك فهو أسهل ثم
~~أتى بالأمر بعده الذي هو أشق لحصول الاستئناس قبل بالنهي، وقرأ أبي
~~والأعمش (أنظرنا) بقطع الهمزة وكسر الظاء من الإنظار ومعناه أمهلنا حتى
~~نتلقى عنك ونحفظ ما نسمعه منك، وهذه القراءة تشهد للمعنى الأول على قراءة
~~الجمهور إلا أنها على شذوذها لا تأبى ما اخترناه.

# { واسمعوا } أي ما أمرتكم به ونهيتكم عنه بجد حتى لا تعودوا إلى ما
~~نهيتكم عنه ولا تتركوا ما أمرتكم به، أو هو أمر بحسن الاستماع بأن يكون
~~باحضار القلب وتفريغه عن الشواغل حتى لا يحتاج إلى طلب صريح المراعاة
~~ففيه تنبيه على التقصير في السماع حتى ارتكبوا ما تسبب للمحذور، والمراد
~~سماع القبول والطاعة فيكون تعريضا لليهود حيث قالوا:

# سمعنا ms00565 وعصينا

# [البقرة: 93] وإذا كان المراد سماع هذا الأمر والنهي يكون تأكيدا لما
~~تقدم.

# { وللكفرين عذاب أليم } اللام للعهد فالمراد بالكافرين
~~اليهود الذين قالوا ما قالوا تهاونا بالرسول صلى الله عليه وسلم المعلوم
~~مما سبق بقرينة السياق ووضع المظهر موضع المضمر إيذانا بأن التهاون
~~برسول الله صلى الله عليه وسلم كفر يوجب أليم العذاب، وفيه من تأكيد
~~النهي ما فيه، وجعلها للجنس  فيدخل اليهود كما اختاره أبو حيان  ليس
~~بظاهر على ما قيل: لأن الكلام مع المؤمنين فلا يصلح هذا أن يكون تذييلا.

### || [2.105]

# { ما يود الذين كفروا من أهل الكتب ولا
~~المشركين } الود محبة الشيء وتمني كونه، ويذكر ويراد كل واحد
~~منهما قصدا والآخر تبعا، والفارق كون مفعوله جملة إذا استعمل في التمني
~~ومفردا إذا استعمل في المحبة فتقول على الأول: وددت لو تفعل كذا، وعلى
~~الثاني: وددت الرجل، ونفيه كناية عن الكراهة وأتي ب (ما) للإشارة/ إلى
~~أن أولئك متلبسون بها و { من } للتبيين، وقيل: للتبعيض وفي إيقاع الكفر
~~صلة للموصول وبيانه بما بين وإقامة المظهر موضع المضمر إشعار بأن كتابهم
~~يدعوهم إلى متابعة الحق إلا أن كفرهم يمنعهم وإن الكفر شر كله لأنه الذي
~~يورث الحسد ويحمل صاحبه على أن يبغض الخير ولا يحبه كما أن الإيمان خير
~~كله لأنه يحمل صاحبه على تفويض الأمور كلها إلى الله تعالى، و (لا) صلة
~~لتأكيد النفي وزيدت (له) هنا دون قوله:

# لم يكن الذين كفروا من أهل الكتب
~~والمشركين

# [البينة: 1] لما أن مبنى النفي الحسد، واليهود بهذا الداء أشهر لا سيما
~~وقد تقدم ما يفيد ابتلاءهم به فلم يلزم من نفي ودادتهم هذه نفي ودادة
~~المشركين لها ولم يكن ذلك في { لم يكن }.

# وسبب نزول الآية أن المسلمين قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمد صلى
~~الله عليه وسلم فقالوا: وددنا لو كان خيرا مما نحن عليه فنتبعه فأكذبهم
~~الله تعالى بذلك، وقيل: نزلت تكذيبا لجمع من اليهود يظهرون مودة
~~المؤمنين ويزعمون أنهم يودون لهم الخير وفصلت عما قبل، وإن اشتركا ms00566 في
~~بيان قبائح اليهود مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لاختلاف
~~الغرضين فإن الأول لتأديب المؤمنين وهذا لتكذيب أولئك الكافرين، ولأجل
~~هذا الاختلاف فصل السابق عن سابقه، ومما ذكرنا يعلم وجه تعلق الآية بما
~~قبلها، والقول بأن ذلك من حيث إن القول المنهي عنه كثيرا ما كان يقع عند
~~تنزيل الوحي المعبر عنه بالخير فيها فكأنه أشير إلى أن سبب تحريفهم له 
~~إلى ما حكي عنهم لوقوعه في أثناء حصول ما يكرهونه من تنزيل الخير  مساق
~~على سبيل الترجي وأظنه إلى التمني أقرب، وقرىء { ولا المشركون }
~~بالرفع عطفا على { الذين كفروا }.

# { أن ينزل عليكم } في موضع النصب على أنه مفعول { يود }
~~وبناء الفعل للمفعول للثقة بتعيين الفاعل وللتصريح به فيما بعد، وذكر
~~التنزيل دون الإنزال رعاية للمناسبة بما هو الواقع من تنزيل الخيرات على
~~التعاقب وتجددها لا سيما إذا أريد من { خير } في قوله تعالى: { من
~~خير } الوحي وهو قائم مقام الفاعل، و (من) صلة وزيادة خير، والنفي
~~الأول منسحب عليها، ولذا ساغت زيادتها عند الجمهور ولا حاجة إلى ما قيل:
~~إن التقدير يود أن لا ينزل خير، وذهب قوم إلى أنه للتبعيض وعليه يكون
~~عليكم قائما ذلك المقام، والمراد من الخير إما الوحي أو القرآن أو
~~النصرة أو ما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المزايا أو عام في
~~أنواع الخير كلها لأن المذكورين لا يودون تنزيل جميع ذلك على المؤمنين
~~عداوة وحسدا وخوفا من فوات الدراسة وزوال الرياسة، وأظهر الأقوال كما
~~في «البحر» الأخير ولا يأباه ما سيأتي لما سيأتي.

# { من ربكم } في موضع الصفة للخير، و (من) ابتدائية والتعرض لعنوان
~~الربوبية للإشعار بعلية التنزيل والإضافة إلى ضمير المخاطبين لتشريفهم {
~~والله يختص برحمته من يشاء } جملة ابتدائية سيقت
~~لتقرير ما سبق من تنزيل الخير والتنبيه على حكمته وإرغام الكارهين له،
~~والمراد من الرحمة ذلك الخير إلا أنه عبر عنه بها اعتناء به وتعظيما
~~لشأنه؛ ومعنى اختصاص ذلك على القول الأول ظاهر ولذا اختاره من ms00567 اختاره،
~~وعلى الأخير انفراد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بمجموعه وعدم
~~شركة أولئك الكارهين فيه وعروهم عن ترتب آثاره، وقيل: المراد من الآية
~~دفع الاعتراض الذي يشير إليه الحسد بأن من له أن يخص لا يعترض عليه إذا
~~عم، وفي إقامة لفظ  الله  مقام ضمير (ربكم) تنبيه على أن تخصيص بعض
~~الناس بالخير دون بعض يلائم الألوهية كما أن إنزال الخير على العموم
~~يناسب الربوبية، والباء داخلة على المقصور أي يؤتي رحمته، و (من) مفعول،
~~وقيل: الفعل لازم، و (من) فاعل وعلى التقديرين العائد محذوف.

# { والله ذو الفضل العظيم } تذييل لما سبق/ وفيه تذكير
~~للكارهين الحاسدين بما ينبغي أن يكون مانعا لهم لأن المعنى على أنه
~~سبحانه المتفضل بأنواع التفضلات على سائر عباده فلا ينبغي لأحد أن يحسد
~~أحدا، ويود عدم إصابة خير له، والكل غريق في بحار فضله الواسع الغزير
~~كذا قيل: وإذا جعل الفضل عاما؛ وقيل: بإدخال النبوة فيه دخولا أوليا
~~لأن الكلام فيها على أحد الأقوال: كان هناك إشعار بأن النبوة من الفضل لا
~~كما يقوله الحكماء من أنها بتصفية الباطن، وأن حرمان بعض عباده ليس لضيق
~~فضله بل لمشيئته وما عرف فيه من حكمته، وتصدير هذه الجملة بالاسم الكريم
~~لمناسبة { العظيم }.

### || [2.106]

# { ما ننسخ من ءاية أو ننسها } نزلت لما قال المشركون أو
~~اليهود: ألا ترون إلى محمد صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بأمر ثم
~~ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا، ما هذا
~~القرآن إلا كلام محمد عليه الصلاة والسلام يقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام
~~يناقض بعضه بعضا  والنسخ  في اللغة إزالة الصورة  أو ما في حكمها 
~~عن الشيء، وإثبات مثل ذلك في غيره سواء كان في الاعراض أو في الأعيان 
~~ومن استعماله في المجموع التناسخ  وقد استعمل لكل واحد منهما مجازا 
~~وهو أولى من الاشتراك  ولذا رغب فيه الراغب، فمن الأول نسخت الريح الأثر
~~أي أزالته، ومن الثاني نسخت الكتاب إذا أثبت ما فيه في موضع آخر، ms00568 ونسخ
~~الآية  على ما ارتضاه بعض الأصوليين  بيان انتهاء التعبد بقراءتها
~~كآية: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالا من الله والله عزيز
~~حكيم) أو الحكم المستفاد منها كآية:

# والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا وصية
~~لأزواجهم متعا إلى الحول غير إخراج

# [البقرة: 240] أو بهما جميعا كآية (عشر رضعات معلومات يحرمن) وفيه رفع
~~التأبيد المستفاد من إطلاقها، ولذا عرفه بعضهم برفع الحكم الشرعي، فهو
~~بيان بالنسبة إلى الشارع، ورفع بالنسبة إلينا، وخرج بقيد التعبد الغاية،
~~فإنها بيان لانتهاء مدة نفس الحكم  لا للتعبد به  واختص التعريف
~~بالأحكام إذ لا تعبد في الأخبار أنفسها.

# وإنساؤها إذهابها عن القلوب بأن لا تبقى في الحفظ  وقد وقع هذا  فإن
~~بعض الصحابة أراد قراءة بعض ما حفظه فلم يجده في صدره، فسأل النبي صلى
~~الله عليه وسلم فقال:

# " نسخ البارحة من الصدور "

# وروى مسلم عن أبي موسى: «إنا كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة
~~ببراءة، فأنسيتها غير أني حفظت منها (لو كان لابن آدم واديان من مال
~~لابتغى واديا ثالثا وما يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) وكنا نقرأ بسورة
~~نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها، غير أني حفظت منها: (يا أيها الذين
~~آمنوا لم تقولوا ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم
~~القيامة) وهل يكون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان لغيره أو
~~لا؟ فيه خلاف، والذاهبون إلى الأول استدلوا بقوله تعالى:

# سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله

# [الأعلى: 67] وهو مذهب الحسن، واستدل الذاهبون إلى الثاني بقوله تعالى:

# ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك

# [الإسراء: 86] فإنه يدل على أنه لا يشاء أن يذهب بما أوحي إليه صلى الله
~~عليه وسلم  وهذا قول الزجاج  وليس بالقوي لجواز حمل (الذي) على ما لا
~~يجوز عليه ذلك من أنواع الوحي، وقال أبو علي: المراد لم نذهب بالجميع،
~~وعلى التقديرين لا ينافي الاستثناء، وسبحان من لا ينسى.

# وفسر بعضهم  النسخ  بإزالة الحكم سواء ثبت اللفظ أو لا  والإنساء 
~~بإزالة اللفظ ثبت حكمه أو ms00569 لا، وفسر بعض آخر الأول: بالإذهاب إلى بدل
~~للحكم السابق والثاني: بالإذهاب لا إلى بدل، وأورد على كلا الوجهين أن
~~تخصيص  النسخ  بهذا المعنى مخالف للغة والاصطلاح، وأن  الإنساء حقيقة
~~في الإذهاب عن القلوب، والحمل على المجاز  بدون تعذر الحقيقة  تعسف،
~~ولعل ما يتمسك به لصحة هذين التفسيرين من الرواية عن بعض الأكابر لم
~~يثبت.

# و(ما) شرطية جازمة ل (ننسخ) منتصبة به على المفعولية، ولا تنافي بين
~~كونها عاملة/ ومعمولة لاختلاف الجهة، فبتضمنها الشرط عاملة، وبكونها
~~اسما معمولة  ويقدر لنفسها جازم  وإلا لزم توارد العاملين على معمول
~~واحد، وتدل على جواز وقوع ما بعدها، إذ الأصل فيها أن تدخل على الأمور
~~المحتملة، واتفقت أهل الشرائع على جواز النسخ ووقوعه؛ وخالفت اليهود غير
~~العيسوية في جوازه وقالوا: يمتنع عقلا، وأبو مسلم الأصفهاني في وقوعه
~~فقال: إنه وإن جاز عقلا لكنه لم يقع  وتحقيق ذلك في الأصول.

# و { من آية } في موضع النصب على التمييز والمميز { ما } أي: أي
~~شيء ننسخ من آية واحتمال زيادة (من) وجعل (آية) حالا  ليس بشيء 
~~كاحتمال كون (ما) مصدرية شرطية و (آية) مفعولا به أي أي نسخ ننسخ آية بل
~~هذا الاحتمال أدهى وأمر  كما لا يخفى  والضمير المنصوب عائد إلى آية
~~على حد  عندي درهم ونصفه  لأن المنسوخ غير المنسي، وتخصيص  الآية 
~~بالذكر باعتبار الغالب، وإلا فالحكم غير مختص بها، بل جار فيما دونها
~~أيضا على ما قيل.

# وقرأ طائفة وابن عامر من السبعة { ننسخ } من باب الأفعال  والهمزة 
~~كما قال أبو علي: للوجدان على صفة نحو أحمدته  أي وجدته محمودا 
~~فالمعنى ما نجده منسوخا وليس نجده كذلك إلا بأن ننسخه، فتتفق القراءتان
~~في المعنى  وإن اختلفا في اللفظ  وجوز ابن عطية كون  الهمزة 
~~للتعدية، فالفعل حينئذ متعد إلى مفعولين، والتقدير: ما ننسخك من آية أي
~~ما نبيح لك نسخه، كأنه لما نسخها الله تعالى أباح لنبيه صلى الله عليه
~~وسلم تركها بذلك النسخ فسمي تلك الإباحة إنساخا وجعل بعضهم  الإنساخ 
~~عبارة عن الأمر بالنسخ ms00570 والمأمور هو النبي صلى الله عليه وسلم، أو
~~جبرائيل عليه السلام، واحتمال أن يكون من نسخ الكتاب، أي ما نكتب وننزل
~~من اللوح المحفوظ، أو ما نؤخر فيه ونترك فلا ننزله، والضميران الآتيان
~~بعد عائدان على ما عاد إليه ضمير { ننسها } ناشيء عن الذهول عن قاعدة
~~أن اسم الشرط لا بد في جوابه من عائد عليه.

# وقرأ عمر وابن عباس والنخعي وأبو عمرو وابن كثير وكثير { ننسأها } 
~~بفتح نون المضارعة والسين وسكون الهمزة  وطائفة كذلك إلا أنه  بالألف
~~من غير همز  ولم يحذفها للجازم لأن أصلها  الهمزة  من  نسأ  بمعنى
~~أخر، والمعنى في المشهور نؤخرها في اللوح المحفوظ فلا ننزلها أو نبعدها
~~عن الذهن بحيث لا يتذكر معناها ولا لفظها، وهو معنى ننسها فتتحد
~~القراءتان، وقيل: ولعله ألطف: إن المعنى نؤخر إنزالها، وهو في شأن
~~الناسخة حيث أخر ذلك مدة بقاء المنسوخة فالمأتية حينئذ عبارة عن المنسوخة
~~كما أنه حين النسخ عبارة عن الناسخة فمعنى الآية عليه أن رفع المنسوخة
~~بإنزال الناسخة وتأخير الناسخة بإنزال المنسوخة كل منهما يتضمن المصلحة
~~في وقته.

# وقرأ الضحاك وأبو الرجاء { ننسها } على صيغة المعلوم للمتكلم مع
~~الغير من التنسية، والمفعول الأول محذوف يقال: أنسانيه الله تعالى
~~ونسانيه تنسية بمعنى أي ننس أحدا إياها، وقرأ الحسن وابن يعمر (تنسها)
~~بفتح التاء من النسيان؛ ونسبت إلى سعد بن أبي وقاص، وفرقة كذلك إلا أنهم
~~همزوا، وأبو حيوة كذلك إلا أنه ضم التاء على أنه من الإنساء، وقرأ معبد
~~مثله، ولم يهمز، وقرأ أبي  (ننسك)  بضم النون الأولى وكسر السين من
~~غير همز وبكاف الخطاب. وفي مصحف سالم مولى أبي حذيفة  (ننسكها) 
~~بإظهار المفعولين؛ وقرأ الأعمش (ما ننسك من آية أو ننسخها نجيء بمثلها).

# ومناسبة الآية لما قبلها أن فيه ما هو من قبيل النسخ حيث أقر الصحابة
~~رضي الله تعالى عنهم مدة على قول راعنا واقراره صلى الله عليه وسلم على
~~الشيء منزل منزلة الأمر به والإذن فيه، ثم إنهم نهوا عن ذلك فكان مظنة
~~لما ms00571 يحاكي ما حكي في سبب النزول، أو لأنه تعالى لما ذكر أنه ذو الفضل
~~العظيم كاد ترفع الطغام رءوسها وتقول: إن من الفضل عدم النسخ/ لأن النفوس
~~إذا داومت على شيء سهل عليها فأتى سبحانه بما ينكس رءوسهم ويكسر ناموسهم
~~ويشير إلى أن النسخ من جملة فضله العظيم وجوده العميم، أو لأنه تعالى لما
~~أشار إلى حقية الوحي ورد كلام الكارهين له رأسا عقبه بما يبين سر النسخ
~~الذي هو فرد من أفراد تنزيل الوحي وإبطال مقالة الطاعنين فيه فليتدبر.

# { نأت بخير منها أو مثلها } أي بشيء هو خير للعباد منها
~~أو مثلها حكما كان ذلك أو عدمه، وحيا متلوا أو غيره، والخيرية أعم من
~~أن تكون في النفع فقط أو في الثواب فقط أو في كليهما، والمثلية خاصة
~~بالثواب على ما أشار إليه بعض المحققين، وفصله بأن الناسخ إذا كان ناسخا
~~للحكم سواء كان ناسخا للتلاوة أو لا بد أن يكون مشتملا على مصلحة خلا
~~عنها الحكم السابق لما أن الأحكام إنما تنوعت للمصالح، وتبدلها منوط
~~بتبدلها بحسب الأوقات فيكون الناسخ خيرا منه في النفع سواء كان خيرا
~~منه في الثواب أو مثلا له أو لا ثواب فيه أصلا كما إذا كان الناسخ
~~مشتملا على الإباحة أو عدم الحكم وإذا كان ناسخا للتلاوة فقط لا يتصور
~~الخيرية في النفع لعدم تبدل الحكم السابق والمصلحة فهو إما خير منه في
~~الثواب أو مثل له، وكذا الحال في الإنساء فإن المنسي إذا كان مشتملا على
~~حكم يكون المأتي به خيرا في النفع سواء كان النفع لخلوه عن الحكم مطلقا
~~أو لخلوه عن ذلك الحكم واشتماله على حكم يتضمن مصلحة خلا عنها الحكم
~~المنسي مع جواز خيريته في الثواب ومماثلته أيام خلوه عنه، وإذا لم يكن
~~مشتملا على حكم فالمأتي به بعده إما خير في الثواب أو مثل له، والحاصل
~~أن المماثلة في النفع لا تتصور لأنه على تقدير تبدل الحكم تتبدل المصلحة
~~فيكون خيرا منه، وعلى تقدير عدم تبدله المصلحة الأولى ms00572 باقية على حالها
~~انتهى.

# ثم لا يخفى أن ما تقدم من التعميم مبني على جواز النسخ بلا بدل وجواز
~~نسخ الكتاب بالسنة  وهو المذهب المنصور  ومن الناس من منع ذلك ومنع
~~النسخ ببدل أثقل أيضا، واحتج بظاهر الآية، أما على الأول: فلأنه لا
~~يتصور كون المأتي به خيرا أو مثلا إلا في بدل، وأما على الثاني: فلأن
~~الناسخ هو المأتي به بدلا وهو خير أو مثل، ويكون الآتي به هو الله
~~تعالى، والسنة ليست خيرا ولا مثل القرآن ولا مما أتى به سبحانه وتعالى،
~~وأما على الثالث: فلأن الأثقل ليس بخير من الأخف ولا مثلا له، ورد ذلك 
~~أما الأول والثالث  فلأنا لا نسلم أن كون المأتي به خيرا أو مثلا لا
~~يتصور إلا في بدل وأن الأثقل لا يكون خيرا من الأخف إذ الأحكام إنما
~~شرعت والآيات إنما نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم فضلا منه تعالى
~~ورحمة وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأشخاص كالدواء الذي تعالج به
~~الأدواء فإن النافع في عصر قد يضر في غيره والمزيل علة شخص قد يزيل علة
~~سواه فأذن قد يكون عدم الحكم أو الأثقل أصلح في انتظام المعاش وأنظم في
~~إصلاح المعاد والله تعالى لطيف حكيم.

# ولا يرد أن المتبادر من { نأت بخير منها } بآية خير منها وإن
~~عدم الحكم ليس بمأتي به لما أن الخلاف في جواز النسخ بلا بدل ليس في
~~إتيان اللفظ بدل الآية الأولى بل في الحكم كما لا يخفى على من راجع
~~الأصول  وأما الثاني  فلأنا لا نسلم حصر الناسخ بما ذكر إذ يجوز أن
~~يعرف النسخ بغير المأتي به فإن مضمون الآية ليس إلا أن نسخ الآية يستلزم
~~الإتيان بما هو خير منها أو مثل لها، ولا يلزم منه أن يكون ذلك هو الناسخ
~~فيجوز أن يكون أمرا مغايرا يحصل بعد حصول النسخ وإذا جاز ذلك فيجوز أن
~~يكون الناسخ سنة والمأتي به الذي هو خير أو مثل آية أخرى، وأيضا السنة
~~مما أتى به الله سبحانه لقوله ms00573 تعالى:

# وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى

# [النجم: 34] وليس المراد بالخيرية والمماثلة في اللفظ حتى لا تكون
~~السنة كذلك بل في النفع والثواب فيجوز أن يكون ما اشتملت عليه السنة
~~خيرا في ذلك.

# واحتجت المعتزلة بالآية على حدوث القرآن فإن التغير المستفاد/ من النسخ،
~~والتفاوت المستفاد من الخيرية في وقت دون آخر من روادف الحدث وتوابعه فلا
~~يتحقق بدونه، وأجيب بأن التغير والتفاوت من عوارض ما يتعلق به الكلام
~~النفسي القديم وهي الأفعال في الأمر والنهي والنسب الخبرية في الخبر وذلك
~~يستدعيهما في تعلقاته دون ذاته؛ وأجاب الإمام الرازي بأن الموصوف بهما
~~الكلام اللفظي، والقديم عندنا الكلام النفسي، واعترض بأنه مخالف لما
~~اتفقت عليه آراء الأشاعرة من أن الحكم قديم والنسخ لا يجري إلا في
~~الأحكام، وقرأ أبو عمرو  نات  بقلب الهمزة ألفا.

# { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } الاستفهام
~~قيل: للتقرير وقيل: للإنكار، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، وأريد
~~بطريق الكناية هو وأمته المسلمون وإنما أفرده لأنه صلى الله عليه وسلم
~~أعلمهم ومبدأ علمهم، ولإفادة المبالغة مع الاختصار، وقيل: لكل واقف عليه
~~على حد «بشر المشائين» وقيل: لمنكري النسخ، والمراد الاستشهاد بعلم
~~المخاطب بما ذكر على قدرته تعالى على النسخ وعلى الإتيان بما هو خير أو
~~مماثل لأن ذلك من جملة الأشياء المقهورة تحت قدرته سبحانه فمن علم شمول
~~قدرته عز وجل على جميع الأشياء علم قدرته على ذلك قطعا، والالتفات بوضع
~~الاسم الجليل موضع الضمير لتربية المهابة، ولأنه الاسم العلم الجامع
~~لسائر الصفات، ففي ضمنه صفة القدرة فهو أبلغ في نسبة القدرة إليه من ضمير
~~المتكلم المعظم، وكذا الحال في قوله عز شأنه: { ألم تعلم أن
~~الله له ملك... }.

### || [2.107]

# { ألم تعلم أن الله له ملك السموت والأرض
~~} أي قد علمت أيها المخاطب أن الله تعالى له السلطان القاهر، والاستيلاء
~~الباهر، المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلي  إيجادا وإعداما،
~~وأمرا ونهيا  حسبما تقتضيه مشيئته، لا معارض لأمره، ولا معقب لحكمه،
~~فمن هذا ms00574 شأنه كيف يخرج عن قدرته شيء من الأشياء؟! فيكون الكلام على هذا
~~كالدليل لما قبله في إفادة البيان، فيكون منزلا منزلة عطف البيان من
~~متبوعه في إفادة الإيضاح، فلذا ترك العطف وجوز أن يكون تكريرا للأول
~~وإعادة للاستشهاد على ما ذكر، وإنما لم تعطف { أن } مع ما في حيزها على
~~ما سبق من مثلها روما لزيادة التأكيد وإشعارا باستقلال العلم بكل
~~منهما وكفاية في الوقوف على ما هو المقصود، وخص السموات والأرض  بالملك
~~ لأنهما من أعظم المخلوقات الظاهرة، ولأن كل مخلوق لا يخلو عن أن يكون
~~في إحدى هاتين الجهتين فكان في الاستيلاء عليهما إشارة إلى الاستيلاء على
~~ما اشتملا عليه، وبدأ سبحانه بالتقرير على وصف القدرة لأنه منشئا لوصف
~~الاستيلاء والسلطان، ولم يقل جل شأنه: إن لله ملك الخ قصدا إلى تقوي
~~الحكم بتكرير الإسناد.

# { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } عطف على
~~الجملة الواقعة خبرا ل (أن) داخل معها حيث دخلت، وفيه إشارة إلى تناول
~~الخطاب فيما قبل للأمة أيضا، و { من } الثانية صلة فلا تتعلق بشيء، و
~~{ من } الأولى: لابتداء الغاية وهي متعلقة بمحذوف وقع حالا من مدخول {
~~من } الثانية:  وهو في الأصل صفة له  فلما قدم انتصب على الحالية وفي
~~«البحر» أنها متعلقة بما تعلق به { لكم } وهو في موضع الخبر؛ ويجوز
~~في: (ما) أن تكون تميمية وأن تكون حجازية على رأي من يجيز تقدم خبرها إذا
~~كان ظرفا أو مجرورا  والولي  المالك، و  النصير  المعين، والفرق
~~بينهما أن المالك قد لا يقدر على النصرة أو قد يقدر ولا يفعل، والمعين قد
~~يكون مالكا وقد لا يكون  بل يكون أجنبيا .

# والمراد من الآية الاستشهاد على تعلق إرادته تعالى بما ذكر من الإتيان
~~بما هو خير من المنسوخ أو بمثله، فإن مجرد قدرته تعالى على ذلك لا يستدعي
~~حصوله البتة، وإنما الذي يستدعيه كونه تعالى مع ذلك وليا نصيرا لهم،
~~فمن علم أنه تعالى وليه ونصيره لا ولي ولا نصير له سواه يعلم قطعا ms00575 أنه
~~لا يفعل به إلا ما هو خير له فيفوض أمره إليه تعالى، ولا يخطر بباله ريبة
~~في أمر النسخ وغيره أصلا.

### || [2.108]

# / { أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى
~~من قبل } جوز في { أم } هذه أن تكون متصلة، وأن تكون منقطعة، فإن
~~قدر (تعلمون) قبل { تريدون } بناء على دلالة السباق وهو

# ألم تعلم

# [البقرة: 106] والسياق وهو الاقتراح فإنه لا يكون إلا عند التعنت 
~~والعلم  بخلافه كانت متصلة، كأنه قيل: أي الأمرين من عدم العلم بما
~~تقدم، أو العلم مع الاقتراح واقع، والاستفهام حينئذ للإنكار بمعنى لا
~~ينبغي أن يكون شيء منهما، وإن لم يقدر كانت منقطعة للإضراب عن عدم علمهم
~~بالسابق إلى الاستفهام عن اقتراحهم كاقتراح اليهود إنكارا عليهم بأنه لا
~~ينبغي أن يقع أيضا وقطع بعضهم بالقطع بناء على دخول الرسول صلى الله
~~عليه وسلم في الخطاب أو لا، وعدم دخوله فيه هنا لأنه مقترح عليه لا مقترح
~~ وذلك مخل بالاتصال  وأجيب بأنه غير مخل به لحصوله بالنسبة إلى المقصد،
~~وإرادة الرسول صلى الله عليه وسلم في الأول كانت لمجرد التصوير والانتقال
~~لما قدمنا أنها بطريق الكناية، والمراد  على التقديرين  توصيته
~~المسلمين بالثقة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك الاقتراح بعد رد
~~طعن المشركين أو اليهود في  النسخ  فكأنه قيل: لا تكونوا فيما أنزل
~~إليكم من القرآن مثل اليهود في ترك الثقة بالآيات البينة واقتراح غيرها
~~فتضلوا وتكفروا بعد الإيمان، وفي هذه التوصية كمال المبالغة والبلاغة حتى
~~كأنهم بصدد الإرادة فنهوا عنها  فضلا عن السؤال  يعني من شأن العاقل
~~أن لا يتصدى لإرادة ذلك، ولم يقل سبحانه: كما سأل أمة موسى عليه السلام
~~أو اليهود للإشارة إلى أن من سأل ذلك يستحق أن يصان اللسان عن ذكره  ولا
~~يقتضي سابقية وقوع الاقتراح منهم  ولا يتوقف مضمون الآية عليه إذ
~~التوصية لا تقتضي سابقية الوقوع، كيف وهو كفر  كما يدل عليه ما بعد 
~~ولا يكاد يقع من المؤمن، ومما ذكرنا يظهر وجه ذكر هذه الآية بعد قوله ms00576
~~تعالى:

# ما ننسخ

# [البقرة: 106] فإن المقصد من كل منهما تثبيتهم على الآيات وتوصيتهم
~~بالثقة بها، وأما بيانه بأنه لعلهم كانوا يطلبون منه عليه الصلاة والسلام
~~بيان تفاصيل الحكم الداعية إلى النسخ فلذا أردفت آية النسخ بذلك فأراه
~~إلى التمني أقرب.

# وقد ذكر بعض المفسرين أنهم اقترحوا على الرسول صلى الله عليه وسلم في
~~غزوة خيبر أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين، فقال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم: «سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى:

# اجعل لنا إلها كما لهم ءالهة

# [الأعراف: 138]

# " والذي نفسي بيده لتركبن سنن من قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة
~~إن كان فيهم من أتى أمه يكون فيكم، فلا أدري أتعبدون العجل أم لا؟ "

# وهو مع الحاجة إليه يستدعي أن المخاطب في الآيات هم المؤمنون، والسباق
~~والسياق والتذييل تشهد له، وعليه يترجح الاتصال  لما نقل عن الرضى  أن
~~الفعليتين إذا اشتركتا في الفاعل نحو أقمت أم قعدت؟  فأم  متصلة؛ وزعم
~~قوم أن المخاطب بها اليهود، وأن الآية نزلت فيهم حين سألوا أن ينزل عليهم
~~كتاب من السماء جملة  كما نزلت التوراة على موسى عليه السلام  وخاطبهم
~~بذلك بعد رد طعنهم تهديدا لهم، وحينئذ يكون المضارع الآتي بمعنى الماضي،
~~إلا أنه عبر به عنه إحضارا للصورة الشنيعة، واختار هذا الإمام الرازي
~~وقال: إنه الأصح لأن هذه سورة من أول قوله تعالى:

# يبنى إسرءيل اذكروا نعمتي

# [البقرة: 40] حكاية عن اليهود ومحاجة معهم، ولأنه جرى ذكرهم وما جرى ذكر
~~غيرهم، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأل ما يكون متبدلا به الكفر
~~بالإيمان ولا يخفى ما فيه، وكأنه رحمه الله تعالى نسي قوله تعالى:

# يأيها الذين ءامنوا لا تقولوا رعنا وقولوا
~~انظرنا

# [البقرة: 104] وقيل: إن المخاطب أهل مكة، وهو قول ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما، وقد روي عنه أن الآية نزلت في عبد الله بن أمية ورهط من
~~قريش قالوا: يا محمد، اجعل لنا الصفا ذهبا ووسع لنا أرض مكة، وفجر لنا
~~الأنهار خلالها تفجيرا ونؤمن لك. ms00577 وحكي في سبب النزول غير/ ذلك، ولا مانع
~~ كما في «البحر»  من جعل الكل أسبابا، وعلى الخلاف في المخاطبين يجيء
~~الكلام في (رسولكم) فإن كانوا المؤمنين فالإضافة على ما في نفس الأمر وما
~~أقروا به من رسالته صلى الله عليه وسلم، وإن كانوا غيرهم فهي على ما في
~~نفس الأمر دون الإقرار.

# و(ما) مصدرية، والمشهور أن المجرور نعت لمصدر محذوف  أي سؤالا كما 
~~ورأى سيبويه أنه في موضع نصب على الحال، والتقدير عنده أن تسألوه أي
~~السؤال كما وأجاز الحوفي أن تكون (ما) موصولة في موضع المفعول به لتسألوا
~~أي كالأشياء التي سألها موسى عليه السلام قبل وهو الأنسب لأن الإنكار
~~عليهم إنما هو لفساد المقترحات، وكونها في العاقبة وبالا عليهم  وفيه
~~نظر  لأن المشبه { أن تسألوا } وهو مصدر، فالظاهر أن المشبه به
~~كذلك، وقبح السؤال إنما هو لقبح المسؤول عنه، بل قد يكون السؤال نفسه
~~قبيحا في بعض الحالات مع أن المصدرية لا تحتاج إلى تقدير رابط  فهو
~~أولى  و { من قبل } متعلق بسئل وجيء به للتأكيد. وقرأ الحسن وأبو
~~السمال (سيل)  بسين مكسورة وياء  وأبو جعفر والزهري،  بإشمام السين
~~الضم وياء  وبعضهم بتسهيل  الهمزة  بين بين  وضم السين .

# { ومن يتبدل الكفر بالإيمن فقد ضل سواء
~~السبيل } جملة مستقلة مشتملة على حكم كلي أخرجت مخرج المثل جيء بها
~~لتأكيد النهي عن الاقتراح المفهوم من قوله: { أم تريدون } الخ
~~معطوفة عليه، فهي تذييل له باعتبار أن المقترحين الشاكين من جملة 
~~الضالين الطريق المستقيم المتبدلين  و(سواء) بمعنى وسط أو مستوى،
~~والإضافة من باب إضافة الوصف إلى الموصوف لقصد المبالغة في بيان قوة
~~الاتصاف كأنه نفس  السواء  على منهاج حصول الصورة في الصورة الحاصلة 
~~والفاء  رابطة وما بعدها لا يصح أن يكون جزاء الشرط لأن ضلال الطريق
~~المستقيم متقدم على  الاستبدال  والارتداد لا يترتب عليه، ولأن الجزاء
~~إذا كان ماضيا مع (قد) كان باقيا على مضيه لأن (قد) للتحقيق، وما تأكد
~~ورسخ لا ينقلب، ولا يترتب الماضي على المستقبل، ولأن كون الشرط ms00578 مضارعا
~~والجزاء ماضيا صورة ضعيف لم يأت في الكتاب العزيز  على ما صرح به الرضي
~~وغيره  فلا بد من التقدير بأن يقال: ومن يتبدل الكفر بالإيمان فالسبب
~~فيه أنه تركه، ويؤل المعنى إلى أن ضلال الطريق المستقيم  وهو الكفر
~~الصريح في الآيات  سبب للتبديل والارتداد.

# وفسر بعضهم  التبدل  المذكور بترك الثقة بالآيات باعتبار كونه لازما
~~له فيكون كناية عنه، وحاصل الآية حينئذ ومن يترك الثقة بالآيات البينة
~~المنزلة بحسب المصالح التي من جملتها الآيات الناسخة التي هي خير محض،
~~وحق بحت واقترح غيرها فقد عدل وجار من حيث لا يدري عن الطريق المستقيم
~~الموصل إلى معالم الحق والهدى، وتاه في تيه الهوى، وتردى في مهاوي الردى،
~~واختار ما في النظم الكريم إيذانا من أول الأمر على أبلغ وجه بأن ذلك
~~كفر وارتداد، ولعل ما أشرنا إليه أولى كما لا يخفى على المتدبر، وقرىء {
~~ومن يبدل } من  أبدل  وإدغام  الدال في الضاد  والإظهار
~~قراءتان مشهورتان.

### || [2.109]

# { ود كثير من أهل الكتب } وهم طائفة من أحبار اليهود
~~قالوا للمسلمين بعد وقعة أحد: ألم تروا إلى ما أصابكم، ولو كنتم على الحق
~~لما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم، رواه الواحدي عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنه. وروي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفرا من اليهود
~~قالوا ذلك لحذيفة رضي الله تعالى عنه من حديث طويل، ذكر الحافظ ابن حجر
~~أنه لم يوجد في شيء من كتب الحديث.

# { لو يردونكم } حكاية لودادتهم، وقد تقدم الكلام على (لو) هذه
~~فأغنى عن الإعادة { من بعد إيمنكم كفارا } أي مرتدين، وهو
~~حال من ضمير/ المخاطبين يفيد مقارنة الكفر بالرد فيؤذن بأن الكفر يحصل
~~بمجرد الارتداد مع قطع النظر إلى ما يرد إليه، ولذا لم يقل  لو يردونكم
~~ إلى الكفر، وجوز أن يكون حالا من فاعل (ود) واختار بعضهم أنه مفعول
~~ثان  ليردونكم  على تضمين الرد معنى التصيير إذ منهم من لم يكفر حتى
~~يرد إليه فحيتاج إلى التغليب كما في

# لتعودن فى ms00579 ملتنا

# [الأعراف: 88] على أن في ذلك يكون الكفر المفروض بطريق القسر وهو أدخل
~~في الشناعة، وفي قوله تعالى: { من بعد } مع أن الظاهر  عن  لأن
~~الرد يستعمل بها تنصيص بحصول الإيمان لهم، وقيل: أورد متوسطا لإظهار
~~كمال فظاعة ما أرادوه وغاية بعده عن الوقوع إما لزيادة قبحه الصاد للعاقل
~~عن مباشرته، وإما لممانعة الإيمان له كأنه قيل: من بعده إيمانكم الراسخ،
~~وفيه من تثبيت المؤمنين ما لا يخفي.

# { حسدا } علة  لود  لا  ليردونكم  لأنهم يودون ارتدادهم
~~مطلقا لا ارتدادهم المعلل بالحسد، وجوزوا أن يكون مصدرا منصوبا على
~~الحال أي حاسدين ولم يجمع لأنه مصدر، وفيه ضعف لأن جعل المصدر حالا 
~~كما قال أبو حيان  لا ينقاس. وقيل: يجوز أن يكون منصوبا على المصدر
~~والعامل فيه محذوف يدل عليه المعنى أي حسدوكم حسدا وهو كما ترى.

# { من عند أنفسهم } متعلق بمحذوف وقع صفة إما للحسد أي حسدا
~~كائنا من أصل نفوسهم فكأنه ذاتي لها، وفيه إشارة إلى أن بلغ مبلغا
~~متناهيا، وهذا يؤكد أمر التنوين إذا جعل للتكثير أو التعظيم، وإما
~~للوداد المفهوم من (ود) أي ودادا كائنا من عند أنفسهم وتشهيهم لا من
~~قبل التدبر والميل إلى الحق، وجعله ظرفا لغوا معمولا  لود  أو
~~(حسدا) كما نقل عن مكي يبعده أنهما لا يستعملان بكلمة (من) كما قاله ابن
~~الشجري.

# { من بعد ما تبين لهم الحق } بالنعوت المذكورة في
~~التوراة والمعجزات وهذا كالدليل على تخصيص الكثير بالأحبار لأن التبين
~~بذلك إنما كان لهم لا للجهال، ولعل من قال: إن الودادة من عوامهم أيضا
~~لئلا يبطل دينهم الذي ورثوه وتبطل رياسة أحبارهم الذين اعتقدوهم واتخذوهم
~~رؤساء، فالمراد من الكثير جميعهم من كفارهم ومنافقيهم ويكون ذكره لإخراج
~~من آمن منهم سرا وعلانية يدعي أن التبين حصل للجميع أيضا إلا أن أسبابه
~~مختلفة متفاوتة وهذا هو الذي يغلب على الظن فإن من شاهد هاتيك المعجزات
~~الباهرة والآيات الزاهرة يبعد منه كيفما كان عدم تبين الحق ومعرفة مطالع
~~الصدق إلا أن الحظوظ النفسانية والشهوات الدنية ms00580 والتسويلات الشيطانية
~~حجبت من حجبت عن الإيمان وقيدت من قيدت في الخذلان.

# { فاعفوا واصفحوا } العفو ترك عقوبة المذنب، والصفح ترك
~~التثريب والتأنيب وهو أبلغ من العفو إذ قد يعفو الإنسان ولا يصفح، ولعله
~~مأخوذ من تولية صفحة الوجه إعراضا أو من تصفحت الورقة إذا تجاوزت عما
~~فيها. وآثر العفو على الصبر على أذاهم إيذانا بتمكين المؤمنين ترهيبا
~~للكافرين.

# { حتى يأتى الله بأمره } هو واحد الأوامر؛ والمراد به
~~الأمر بالقتال بقوله سبحانه: { قتلوا الذين لا يؤمنون
~~بالله ولا باليوم الأخر } إلى

# وهم صغرون

# [التوبة: 29] أو الأمر بقتل قريظة وإجلاء بني النضير، وقيل: واحد
~~الأمور، والمراد به القيامة أو المجازاة يومها أو قوة الرسالة وكثرة
~~الأمة، ومن الناس من فسر الصفح بالاعراض عنهم وترك مخالطتهم وجعل غاية
~~العفو إتيان آية القتال وغاية الإعراض إتيان الله تعالى أمره، وفسره
~~بإسلام من أسلم منهم  كما قاله الكلبي  وليس بشيء لأنه يستلزم أن يحمل
~~الأمر على واحد الأوامر وواحد الأمور، وهو عند المحققين جمع بين الحقيقة
~~والمجاز، وعن قتادة والسدي، وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أن الآية
~~منسوخة بآية السيف، واستشكل/ ذلك بأن النسخ لكونه بيانا لمدة الانتهاء
~~بالنسبة إلى الشارع ودفعا للتأبيد الظاهري من الإطلاق بالنسبة إلينا
~~يقتضي أن يكون الحكم المنسوخ خاليا عن التوقيت والتأبيد فإنه لو كان
~~مؤقتا كان الناسخ بيانا له بالنسبة إلينا أيضا ولو كان مؤبدا كان
~~بدءا لا بيانا بالنسبة إلى الشارع والأمر ههنا مؤقت بالغاية وكونها
~~غير معلومة يقتضي أن تكون آية القتال بيانا لإجماله وبذلك تبين ضعف ما
~~أجاب به الإمام الرازي وتبعه فيه كثيرون من أن الغاية التي يتعلق بها
~~الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعا لم يخرج الوارد من أن يكون ناسخا ويحل
~~محل { فاعفوا واصفحوا } إلى أن أنسخه لكم فليس هذا مثل قوله
~~تعالى:

# ثم أتموا الصيام إلى اليل

# [البقرة: 187] وأما تأييد الطيبي له بحكم التوراة والإنجيل لأنه ذكر
~~فيهما انتهاء مدة الحكم بهما بإرسال النبي الأمي بنحو قوله تعالى:

# الذين يتبعون ms00581 الرسول النبى الامى الذى
~~يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل

# [الأعراف: 157] وكان ظهوره صلى الله عليه وسلم نسخا فيرد عليه ما في
~~«التلويح» من أن الواقع فيهما البشارة بشرع النبي صلى الله عليه وسلم،
~~وإيجاب الرجوع إليه وذلك لا يقتضي توقيت الأحكام لاحتمال أن يكون الرجوع
~~إليه باعتبار كونه مفسرا أو مقررا أو مبدلا للبعض دون البعض فمن أين
~~يلزم التوقيت بل هي مطلقة يفهم منها التأبيد فتبديلها يكون نسخا؛ وأجيب
~~عن الاستشكال بأنه لا يبعد أن يقال: إن القائلين بالنسخ أرادوا به البيان
~~مجازا أو يقال: لعلهم فسروا الغاية بإماتتهم أو بقيام الساعة، والتأبيد
~~إنما ينافي إطلاق الحكم إذا كان غاية للوجوب، وأما إذا كان غاية للواجب
~~فلا، ويجري فيه النسخ عند الجمهور قاله مولانا السيالكوتي إلا أن الظاهر
~~لا يساعده فتدبر.

# { إن الله على كل شىء قدير } تذييل مؤكد لما فهم من
~~سابقه، وفيه إشعار بالانتقام من الكفار ووعد للمؤمنين بالنصرة والتمكين،
~~ويحتمل على بعد أن يكون ذكرا لموجب قبول أمره بالعفو والصفح وتهديدا
~~لمن يخالف أمره.

### || [2.110]

# { وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة } عطف على

# فاعفوا

# [البقرة: 109] كأنه سبحانه أمرهم بالمخالقة والالتجاء إليه تعالى
~~بالعبادة البدنية والمالية لأنها تدفع عنهم ما يكرهون، وقول الطبري: إنهم
~~أمروا هنا بالصلاة والزكاة ليحبط ما تقدم من ميلهم إلى قول اليهود

# رعنا

# [البقرة: 104] منحط عن درجة الاعتبار.

# { وما تقدموا لأنفسكم من خير } أي أي خير كان، وفي ذلك
~~توكيد للأمر بالعفو والصفح، والصلاة والزكاة، وترغيب إليه، واللام نفعية،
~~وتخصيص الخير بالصلاة، والصدقة خلاف الظاهر، وقرىء (تقدموا) من قدم من
~~السفر، وأقدمه غيره جعله قادما، وهي قريب من الأولى لا من الإقدام ضد
~~الإحجام.

# { تجدوه عند الله } أي تجدوا ثوابه لديه سبحانه فالكلام على
~~حذف مضاف، وقيل: الظاهر أن المراد تجدوه في علم الله تعالى، والله تعالى
~~عالم به إلا أنه بالغ في كمال علمه فجعل ثبوته في علمه بمنزلة ثبوت نفسه
~~عنده وقد أكد تلك المبالغة بقوله سبحانه: { إن الله بما
~~تعملون بصير ms00582 } حيث جعل جميع ما يعملون مبصرا له تعالى فعبر عن
~~علمه تعالى بالبصر مع أن قليلا مما يعملون من المبصرات، وكأنه لهذا فسر
~~الزمخشري البصير بالعالم، وأما قول العلامة إنه إشارة إلى نفي الصفات،
~~وأنه ليس معنى السمع والبصر في حقه تعالى إلا تعلق ذاته بالمعلومات ففيه
~~أن التفسير لا يفيد إلا أن المراد من البصير ههنا العالم ولا دلالة على
~~كونه نفس الذات أو زائدا عليه ولا على أن ليس معنى السمع والبصر في حقه
~~تعالى سوى التعلق المذكور، وقرىء (يعملون) بالياء والضمير/ حينئذ كناية
~~عن كثير، أو عن أهل الكتاب فيكون تذييلا لقوله تعالى:

# فاعفوا

# [البقرة: 109] الخ مؤكدا لمضمون الغاية، والمناسب أن يكون وعيدا
~~لأولئك ليكون تسلية، وتوطينا للمؤمنين بالعفو والصفح، وإزالة لاستبطاء
~~إتيان الأمر، وجوز أن يكون كناية عن المؤمنين المخاطبين بالخطابات
~~المتقدمة، والكلام وعيد للمؤمنين، ويستفاد من الالتفات الواقع من صرف
~~الكلام من الخطاب إلى الغيبة؛ وهو النكتة الخاصة بهذا الالتفات ولا يخفى
~~أنه كلام لا ينبغي أن يلتفت إليه.

### || [2.111]

# { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو
~~نصرى } عطف على

# ود

# [البقرة: 109] وما بينهما أعني

# فاعفوا واصفحوا

# [البقرة: 109] إما اعتراض بالفاء أو عطف على { ود } أيضا، وعطف
~~الإنشاء على الاخبار فيما لا محل له من الإعراب بما سوى الواو جائز،
~~والضمير  لأهل الكتاب  لا  لكثير منهم  كما يتبادر من العطف، والمراد
~~بهم اليهود والنصارى جميعا، وكأن أصل الكلام  قالت اليهود لن يدخل
~~الجنة إلا من كان هودا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى 
~~فلف بين هذين المقولين، وجعلا مقولا واحدا اختصارا وثقة بفهم السامع
~~أن ليس المقصد أن كل واحد من الفريقين يقول هذا القول المردد، وللعلم
~~بتضليل كل واحد منهما صاحبه بل المقصد تقسيم القول المذكور بالنسبة إليهم
~~فكلمه (أو) كما في «مغني اللبيب» للتفصيل والتقسيم لا للترديد فلا غبار 
~~وهود  جمع هائد كعوذ جمع عائذ، وقيل: مصدر يستوي فيه الواحد وغيره،
~~وقيل: إنه مخفف يهود بحذف الياء وهو ms00583 ضعيف، وعلى القول بالجمعية يكون اسم
~~(كان) مفردا عائدا على (من) باعتبار لفظها، وجمع الخبر باعتبار
~~معناها، وهو كثير في الكلام خلافا لمن منعه، ومنه قوله:

# وأيقظ من كان منكم نياما

# وقرأ أبي (يهوديا أو نصرانيا) فحمل الخبر والاسم معا على اللفظ.

# { تلك أمانيهم } الأماني جمع أمنية وهي ما يتمنى  كالأضحوكة
~~والأعجوبة  والجملة معترضة بين قولهم ذلك؛ وطلب الدليل على صحة دعواهم و
~~{ تلك } إشارة إلى { لن يدخل الجنة } الخ، وجمع الخبر مع أن
~~ما أشير إليه أمنية واحدة ليدل على تردد الأمنية في نفوسهم وتكررها فيها،
~~وقيل: إشعارا بأنها بلغت كل مبلغ لأن الجمع يفيد زيادة الآحاد فيستعمل
~~لمطلق الزيادة وهذا من بديع المجاز ونفائس البيان؛ وقيل: لا حاجة إلى هذا
~~كله بل الجمع لأن (تلك) محتوية على أمان  أن لا يدخل الجنة إلا اليهود،
~~وأن لا يدخل الجنة إلا النصارى  وحرمان المسلمين منها، وأيضا فقائله
~~متعدد وهو باعتبار كل قائل أمنية وباعتبار الجميع أمان كثيرة، ومن الناس
~~من جعلها إشارة إلى أن  لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأن يردوهم
~~كفارا، وأن لا يدخل الجنة غيرهم  وعليه يكون أمانيهم تغليبا لأن
~~الأولين من قبيل المتمنيات حقيقة؛ والثالث دعوى باطلة، وجوز أيضا أن
~~تكون إشارة إلى ما في الآية على حذف المضاف أي أمثال تلك الأمنية أمانيهم
~~فإن جعل الأماني بمعنى الأكاذيب، فإطلاق الأمنية على دعواهم على سبيل
~~الحقيقة، وإن جعل بمعنى المتمنيات فعلى الاستعارة تشبيها بالمتمني في
~~الاستحالة، ولا يخفى ما في الوجهين من البعد لا سيما أولهما لأن كل جملة
~~ذكر فيها  ودهم  لشيء قد انفصلت وكملت واستقلت في النزول فيبعد جدا
~~أن يشار إليها.

# { قل هاتوا برهنكم } أي على ما ادعيتموه من اختصاصكم بدخول
~~الجنة فهو متصل معنى بقوله تعالى: { قالوا لن يدخل } الخ على أنه
~~جواب له لا غير، و { هاتوا } بمعنى أحضروا والهاء أصلية لا بدل من
~~همزة  آتوا  ولا للتنبيه وهي فعل أمر خلافا لمن زعم أنها اسم فعل أو
~~صوت بمنزلة ms00584  ها  وفي مجيء الماضي والمضارع والمصدر من هذه المادة خلاف؛
~~وأثبت أبو حيان  هاتي يهاتى مهاتاة  والبرهان الدليل على صحة الدعوى،
~~قيل: هو مأخوذ من البره/ وهو القطع فتكون النون زائدة، وقيل: من البرهنة
~~وهو البيان فتكون النون أصلية لفقدان فعلن ووجود فعلل ويبنى على هذا
~~الاشتقاق الخلاف في  برهان  إذا سمي به هل ينصرف أو لا؟

# { إن كنتم صدقين } جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله ومتعلق
~~الصدق دعواهم السابق لا  الإيمان  ولا  الأماني  كما قيل، وأفهم
~~التعليق أنه لا بد من البرهان للصادق ليثبت دعواه، وعلل بأن كل قول لا
~~دليل عليه غير ثابت عند الخصم فلا يعتد به، ولذا قيل: من ادعى شيئا بلا
~~شاهد لا بد أن تبطل دعواه، وليس في الآية دليل على منع التقليد فإن دليل
~~المقلد دليله كما لا يخفى، وتفسير الصدق هنا بالصلاح مما لا يدعو إليه
~~سوى فساد الذهن.

### || [2.112]

# { بلى } رد لقولهم الذي زعموه وإثبات لما تضمنه من نفي دخول غيرهم
~~الجنة. والقول بأنه رد لما أشار إليه

# قل هاتوا برهنكم

# [البقرة: 111] من نفي أن يكون لهم برهان مما لا وجه له ولا برهان عليه {
~~من أسلم وجهه لله } أي انقاد لما قضى الله تعالى وقدر، أو
~~أخلص له نفسه أو قصده فلم يشرك به تعالى غيره، أو لم يقصد سواه فالوجه
~~إما مستعار للذات وتخصيصه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء ومعدن الحواس وإما
~~مجاز عن القصد لأن القاصد للشيء مواجه له { وهو محسن } حال من
~~ضمير { أسلم } أي والحال أنه محسن في جميع أعماله، وإذا أريد بما
~~تقدم الشرك يؤول المعنى إلى: (آمن وعمل الصالحات) وقد فسر النبي صلى
~~الله عليه وسلم الإحسان بقوله:

# " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "

# { فله أجره } أي الذي وعد له على ذلك لا الذي يستوجبه كما قاله
~~الزمخشري رعاية لمذهب الاعتزال، والتعبير عما وعد بالأجر إيذانا بقوة
~~ارتباطه بالعمل { عند ربه } حال من (أجره) والعامل فيه معنى
~~الاستقرار، والعندية ms00585 للتشريف، والمراد عدم الضياع والنقصان، وأتى  بالرب
~~ مضافا إلى ضمير { من أسلم } إظهارا لمزيد اللطف به وتقريرا
~~لمضمون الجملة، والجملة جواب { من } إن كانت شرطية وخبرها إن كانت
~~موصولة والفاء فيها لتضمنها معنى الشرط، وعلى التقديرين يكون الرد ببلى
~~وحده وما بعده كلام مستأنف كأنه قيل: إذا بطل ما زعموه فما الحق في ذلك،
~~وجوز أن تكون (من) موصولة فاعل ليدخلها محذوفا، و (بلى) مع ما بعدها رد
~~لقولهم، ويكون { فله أجره } معطوفا على ذلك المحذوف عطف الاسمية
~~على الفعلية لأن المراد بالأولى التجدد، وبالثانية الثبوت، وقد نص
~~السكاكي بأن الجملتين إذا اختلفتا تجددا وثبوتا يراعى جانب المعنى
~~فيتعاطفان.

# { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } تقدم مثله والجمع
~~في الضمائر الثلاثة باعتبار معنى (من) كما أن الإفراد في الضمائر الأول
~~باعتبار اللفظ، ويجوز في مثل هذا العكس إلا أن الأفصح أن يبدأ بالحمل على
~~اللفظ ثم بالحمل على المعنى لتقدم اللفظ عليه في الإفهام.

### || [2.113]

# { وقالت اليهود ليست النصرى على شىء وقالت
~~النصرى ليست اليهود على شىء } المراد يهود المدينة
~~ووفد نصارى نجران تماروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسابوا
~~وأنكرت اليهود الإنجيل ونبوة عيسى عليه السلام وأنكر النصارى التوراة
~~ونبوة موسى عليه السلام فأل في الموضعين للعهد وقيل: المراد عامة اليهود
~~وعامة النصارى وهو من الإخبار عن الأمم السالفة، وفيه تقريع لمن بحضرته
~~صلى الله عليه وسلم وتسلية له عليه الصلاة والسلام إذ كذبوا بالرسل
~~والكتب قبله فأل في الموضعين للجنس، والأول: هو المروي في أسباب النزول،
~~وعليه يحتمل أن يكون القائل كل واحد من آحاد الطائفتين وهو الظاهر،
~~ويحتمل أن يكون/ المراد بذلك رجلين رجل من اليهود يقال له نافع بن حرملة
~~ورجل من نصارى نجران ونسبة ذلك للجميع حيث وقع من بعضهم وهي طريقة معروفة
~~عند العرب في نظمها ونثرها وهذا بيان لتضليل كل فريق صاحبه بخصوصه إثر
~~بيان تضليله كل من عداه على وجه العموم، و { على شىء } خبر ليس، وهو
~~عند بعض من ms00586 باب حذف الصفة أي شيء بعتد به في الدين لأنه من المعلوم أن
~~كلا منهما على شيء، والأولى عدم اعتبار الحذف، وفي ذلك مبالغة عظيمة
~~لأن الشيء  كما يشير إليه كلام سيبويه  ما يصح أن يعلم ويخبر عنه فإذا
~~نفى مطلقا كان ذلك مبالغة في عدم الاعتداد بما هم عليه وصار كقولهم 
~~أقل من لا شيء .

# { وهم يتلون الكتب } حال من الفريقين بجعلهما فاعل فعل
~~واحد لئلا يلزم إعمال عاملين في معمول واحد أي قالوا ذلك وهم عالمون بما
~~في كتبهم الناطقة بخلاف ما يقولون، وفي ذلك توبيخ لهم وإرشاد للمؤمنين
~~إلى أن من كان عالما بالقرآن لا ينبغي أن يقول خلاف ما تضمنه، والمراد
~~من الكتاب الجنس فيصدق على التوراة والإنجيل، وقيل: المراد به التوراة
~~لأن النصارى تمتثلها أيضا.

# { كذلك قال الذين لا يعلمون } وهم مشركو العرب في قول
~~الجمهور، وقيل: مشركو قريش، وقيل: هم أمم كانوا قبل اليهود والنصارى،
~~وأما القول بأنهم اليهود وأعيد قولهم مثل قول النصارى ونفى عنهم العلم
~~حيث لم ينتفعوا به فالظاهر أنه قول: { الذين لا يعلمون }
~~والكاف من { كذلك } في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف منصوب ب
~~(قال) مقدم عليه أي قولا مثل قول اليهود والنصارى { قال الذين لا
~~يعلمون } ويكون { مثل قولهم } على هذا منصوبا ب {
~~يعلمون } والقول بمعنى الاعتقاد، أو بقال على أنه مفعول به أو بدل
~~من محل الكاف، وقيل: { كذلك } مفعول به و { مثل } مفعول مطلق،
~~والمقصود تشبيه المقول بالمقول في المؤدي والمحصول، وتشبيه القول بالقول
~~في الصدور عن مجرد التشهي والهوى والعصبية، وجوزوا أن تكون الكاف في موضع
~~رفع بالابتداء والجملة بعده خبره والعائد محذوف أي قاله، و { مثل }
~~صفة مصدر محذوف، أو مفعول { يعلمون } ولا يجوز أن يكون مفعول (قال)
~~لأنه قد استوفى مفعوله، واعترض هذا بأن حذف العائد  على المبتدأ الذي لو
~~قدر خلو الفعل عن الضمير لنصبه  مما خصه الكثير بالضرورة ومثلوا له
~~بقوله:

# وخالد يحمد ساداتنا

# بالحق (لا تحمد) بالباطل

# وقيل: عليه ms00587 وعلى ما قبله أن استعمال الكاف اسما وإن جوزه الأخفش إلا أن
~~جماعة خصوه بضرورة الشعر مع أنه قد يؤل ما ورد منه فيه على أنه لا يخفى
~~ما في توجيه التشبيهين دفعا لتوهم اللغوية من التكلف والخروج عن الظاهر،
~~ولعل الأولى أن يجعل { مثل قولهم } إعادة لقوله تعالى: {
~~كذلك } للتأكيد والتقرير كما في قوله تعالى:

# جزآؤه من وجد فى رحله فهو جزاؤه

# [يوسف: 75] وبه قال بعض المحققين، وقد يقال: إن كذلك ليست للتشبيه هنا
~~بل لإفادة أن هذا الأمر عظيم مقرر، وقد نقل الوزير عاصم بن أيوب في شرح
~~قول زهير:

# (كذلك) خيمهم ولكل قوم

# إذا مستهم الضراء خيم

# عن الإمام الجرجاني إن { كذلك } تأتي للتثبيت إما لخبر مقدم وإما
~~لخبر متأخر وهي نقيض كلا لأن كلا تنفي وكذلك تثبت ومثله

# كذلك نسلكه فى قلوب المجرمين

# [الحجر: 12] وفي «شرح المفتاح الشريفي» أنه ليس المقصود من التشبيهات هي
~~المعاني الوضعية فقط إذ تشبيهات البلغاء قلما تخلو من مجازات وكنايات
~~فنقول: إنا رأيناهم يستعملون كذا وكذا للاستمرار تارة نحو عدل زيد في
~~قضية فلان كذا وهكذا أي عدل مستمر، وقال الحماسي:

# / (هكذا) يذهب الزمان ويفنى ال

# علم فيه ويدرس الأثر

# نص عليه التبريزي في «شرح الحماسة» وله شواهد كثيرة، وقال في شرح قول
~~أبي تمام:

# كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر

# إنه للتهويل والتعظيم وهو في صدر القصيدة لم يسبق ما يشبه به، وسيأتي
~~لذلك تتمة إن شاء الله تعالى، وإنما جعل قول أولئك مشبها به لأنه أقبح
~~إذ الباطل من العالم أقبح منه من الجاهل، وبعضهم يجعل التشبيه على حد

# إنما البيع مثل الربوا

# [البقرة: 275] وفيه من المبالغة والتوبيخ على التشبه بالجهال ما لا يخفى
~~وإنما وبخوا، وقد صدقوا إذ كلا الدينين بعد النسخ ليس بشيء لأنهم لم
~~يقصدوا ذلك وإما قصد كل فريق إبطال دين الآخر من أصله والكفر بنبيه
~~وكتابه على أنه لا يصح الحكم بأن كلا الدينين بعد النسخ ليس بشيء يعتد
~~به لأن المتبادر منه أن لا ms00588 يكون كذلك في حد ذاته وما لا ينسخ منهما حق
~~واجب القبول والعمل فيكون شيئا معتدا به في حد ذاته وإن يكن شيئا
~~بالنسبة إليهم لأنه لا انتفاع بما لم ينسخ مع الكفر بالناسخ.

# { فالله يحكم بينهم يوم القيمة فيما كانوا
~~فيه يختلفون } أي بين اليهود والنصارى لا بين الطوائف الثلاثة
~~لأن مساق النظم لبيان حال تينك الطائفتين والتعرض لمقالة غيرهم لإظهار
~~كمال بطلان مقالهم والحكم الفصل والقضاء وهو يستدعي جارين فيقال: حكم
~~القاضي في هذه الحادثة بكذا، وقد حذف هنا أحدهما اختصارا وتفخيما لشأنه
~~أي بما يقسم لكل فريق ما يليق به من العذاب، والمتبادر من الحكم بين
~~فريقين أن يحكم لأحدهما بحق دون الآخر فكأن استعماله بما ذكر مجاز، وقال
~~الحسن: المراد بالحكم بين هذين الفريقين تكذيبهم وإدخالهم النار وفي ذلك
~~تشريك في حكم واحد وهو بعيد عن حقيقة الحكم، و { يوم } متعلق ب {
~~يحكم } وكذا ما بعده ولا ضير لاختلاف المعنى، وفيه متعلق ب {
~~يختلفون } لا ب { كانوا } وقدم عليه للمحافظة على رؤوس الآي.

# ومن باب الإشارة في الآيات:

# ما ننسخ من ءاية

# [البقرة: 106] أي ما نزيل من صفاتك شيئا عن ديوان قلبك أو نخفيه بإشراق
~~أنوارنا عليه إلا ونرقم فيه من صفاتنا التي لا تظن قابليتك لما يشاركها
~~في الاسم والتي تظن وجود ما لا يشاركها فيك

# ألم تعلم أن الله له ملك

# [البقرة: 107] عالم الأرواح وأرض الأجساد وهو المتصرف فيهما بيد قدرته
~~بل العوالم على اختلافها ظاهر شؤون ذاته ومظهر أسمائه وصفاته فلم يبق شيء
~~غيره ينصركم ويليكم { أم تريدون أن تسئلوا } رسول العقل من
~~اللذات الدنية والشهوات الدنيوية

# كما سئل موسى

# القلب

# من قبل ومن يتبدل

# [البقرة: 108] الظلمة بالنور فقد ضل الطريق المستقيم وقالت اليهود لن
~~يدخل الجنة المعهودة عندهم وهي جنة الظاهر وعالم الملك التي هي جنة
~~الأفعال وجنة النفس { إلا من كان هودا } وقالت النصارى لن يدخل
~~الجنة المعهودة عندهم وهي جنة الباطن وعالم الملكوت التي هي جنة الصفات
~~وجنة القلب إلا ms00589 من كان نصرانيا، ولهذا قال عيسى عليه السلام: لن يلج
~~ملكوت السموات من لم يولد مرتين { تلك أمانيهم } أي غاية
~~مطالبهم التي وقفوا على حدها واحتجبوا بها عما فوقها { قل هاتوا }
~~دليلكم الدال على نفي دخول غيركم

# إن كنتم صدقين

# [البقرة: 111] في دعواكم بل الدليل دل على نقيض مدعاكم فإن { من
~~أسلم وجهه } وخلص ذاته من جميع لوازمها وعوارضها لله تعالى
~~بالتوحيد الذاتي عند المحو الكلي وهو مستقيم في أحواله بالبقاء بعد
~~الفناء مشاهد ربه في أعماله راجع من الشهود الذاتي إلى مقام الإحسان
~~الصفاتي الذي هو المشاهدة للوجود الحقاني

# فله أجره عند ربه

# [البقرة: 112] أي ما ذكرتم من الجنة وأصفى لاختصاصه بمقام العندية التي
~~حجبتم عنها ولهم زيادة على ذلك هي عدم خوفهم من احتجاب الذات وعدم حزنهم
~~على ما فاتهم من جنة الأفعال والصفات التي حجبتم بالوقوف عندها {
~~وقالت اليهود ليست النصرى على شىء } لاحتجابهم
~~بالباطن عن الظاهر { وقالت النصرى ليست اليهود على
~~شىء } لاحتجابهم عن الباطن بالظاهر { وهم يتلون الكتب }
~~وفيه ما يرشدهم إلى رفع الحجاب ورؤية حقية كل مذهب في مرتبته { كذلك
~~قال الذين لا يعلمون } المراتب { مثل قولهم } فخطأ
~~كل فرقة منهم الفرقة الأخرى ولم يميزوا بين الإرادة الكونية والإرادة
~~الشرعية ولم يعرفوا وجه الحق في كل مرتبة من مراتب الوجود { فالله }
~~تعالى الجامع لجميع الصفات على اختلاف مراتبها وتفاوت درجاتها { يحكم
~~بينهم } بالحق في اختلافاتهم { يوم } قيام

# القيمة

# [البقرة: 113] الكبرى وظهور الوحدة الذاتية وتجلي الرب بصور المعتقدات
~~حتى ينكرونه فلا يسجد له إلا من لم يقيده سبحانه حتى بقيد الإطلاق.

### || [2.114]

# { ومن أظلم ممن منع مسجد الله } نزلت في طيطوس
~~بن إسيانوس الرومي وأصحابه وذلك أنهم غزوا بني إسرائيل فقتلوا مقاتليهم
~~وسبوا ذراريهم وحرقوا التوراة وخربوا بيت المقدس وقذفوا فيه الجيف وذبحوا
~~فيه الخنازير وبقي خرابا إلى أن بناه المسلمون في أيام عمر بن الخطاب
~~رضي الله تعالى عنه، وروى عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها
~~نزلت في مشركي العرب منعوا ms00590 المسلمين من ذكر الله تعالى في المسجد الحرام،
~~وعلى الأول: تكون الآية معطوفة على قوله تعالى:

# وقالت النصرى

# [البقرة: 113] عطف قصة على قصة تقريرا لقبائحهم، وعلى الثاني: تكون
~~اعتراضا بأكثر من جملة بين المعطوف أعني

# قالوا اتخذ

# [البقرة: 116] والمعطوف عليه أعني

# قالت اليهود

# [البقرة: 113] لبيان حال المشركين الذين جرى ذكرهم بيانا لكمال شناعة
~~أهل الكتاب فإن المشركين الذين يضاهونهم إذا كانوا أظلم الكفرة، وظاهر
~~الآية العموم في كل مانع وفي كل مسجد وخصوص السبب لا يمنعه.

# و { أظلم } أفعل تفضيل خبر عن (من) ولا يراد بالاستفهام حقيقته
~~وإنما هو بمعنى النفي فيؤول إلى الخبر أي لا أحد أظلم من ذلك واستشكل بأن
~~هذا التركيب قد تقرر في القرآن ك

# ومن أظلم ممن ذكر بئايت ربه ثم أعرض
~~عنها

# [السجدة: 22]

# فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا

# [الأنعام: 144]

# فمن أظلم ممن كذب بآيت الله

# [الأنعام: 157] إلى غير ذلك فإذا كان المعنى على هذا لزم التناقض، وأجيب
~~بالتخصيص إما بما يفهم من نفس الصلات أو بالنسبة إلى من جاء بعد من ذلك
~~النوع ويؤول معناه إلى السبق في المانعية أو الافترائية مثلا، واعترض
~~بأن ذلك بعد عن مدلول الكلام ووضعه العربي وعجمة في اللسان يتبعها
~~استعجام المعنى، فالأولى أن يجاب بأن ذلك لا يدل على نفي التسوية في
~~الأظلمية وقصارى ما يفهم من الآيات أظلمية أولئك المذكورين فيها ممن
~~عداهم كما أنك إذا قلت لا أحد أفقه من زيد وعمرو وخالد لا يدل على أكثر
~~من نفي أن يكون أحد أفقه منهم، وإما أنه يدل على أن أحدهم أفقه من الآخر
~~فلا، ولا يرد أن من منع مساجد الله مثلا ولا يفتر على الله كذبا أقل
~~ظلما ممن جمع بينهما فلا يكون مساويا في الأظلمية لأن هذه الآيات إنما
~~هي في الكفار وهم متساوون فيها إذ الكفر شيء واحد لا يمكن فيه الزيادة
~~بالنسبة لأفراد من اتصف به وإنما تمكن بالنسبة لهم ولعصاة المؤمنين بجامع
~~ما اشتركوا فيه من المخالفة قاله أبو ms00591 حيان، ولا يخفى ما فيه.

# وقد قال غير واحد إن قولك: من أظلم ممن فعل كذا إنكار لأن يكون أحد أظلم
~~منه أو مساويا له وإن لم يكن سبك التركيب متعرضا لإنكار المساواة
~~ونفيها إلا أن العرف الفاشي والاستعمال المطرد يشهد له فإنه إذا قيل من
~~أكرم من فلان أو لا أفضل من فلان فالمراد به حتما أنه أكرم من كل كريم
~~وأفضل من كل فاضل فلعل الأولى الرجوع إلى أحد الجوابين مع ملاحظة الحيثية
~~وإن جعلت ذلك الكلام مخرجا مخرج المبالغة في التهديد والزجر مع قطع
~~النظر عن نفي المساواة أو الزيادة في نفس الأمر كما قيل به محكما العرف
~~أيضا زال الإشكال وارتفع القيل والقال فتدبر.

# { أن يذكر فيها اسمه } مفعول ثان لمنع أو مفعول من أجله
~~بمعنى/ منعها كراهية أن يذكر أو بدل اشتمال من (مساجد) والمفعول الثاني
~~إذن مقدر أي عمارتها أو العبادة فيها أو نحوه أو الناس مساجد الله تعالى
~~أو لا تقدير؛ والفعل متعد لواحد وكنى بذكر اسم الله تعالى عما يوقع في
~~المساجد من الصلوات والتقربات إلى الله تعالى بالأفعال القلبية والقالبية
~~المأذون بفعلها فيها. { وسعى فى خرابها } أي هدمها وتعطيلها،
~~وقال الواحدي: إنه عطف تفسير لأن عمارتها بالعبادة فيها.

# { أولئك } الظالمون المانعون الساعون في خرابها. { ما كان
~~لهم أن يدخلوها إلا خائفين }  اللام  في { لهم }
~~إما للاختصاص  على وجه اللياقة  كما في الجل للفرس، والمراد من  الخوف
~~ الخوف من الله تعالى، وإما للاستحقاق كما في  الجنة للمؤمن  والمراد
~~من  الخوف  الخوف من المؤمنين، وإما لمجرد الارتباط بالحصول، أي: ما
~~كان لهم في علم الله تعالى وقضائه أن يدخلوها فيما سيجىء إلا خائفين
~~والجملة على الأول: مستأنفة جواب لسؤال نشأ من قوله تعالى: { وسعى
~~فى خرابها } كأنه قيل: فما اللائق بهم؟ والمراد من  الظلم  حينئذ
~~وضع الشيء في غير موضعه. وعلى الثاني: جواب سؤال ناشىء من قوله سبحانه: {
~~من أظلم ممن منع } كأنه قيل: فما كان حقهم؟ والمراد من 
~~الظلم  التصرف في حق ms00592 الغير وعلى الثالث: اعتراض بين كلامين متصلين معنى،
~~وفيه وعد المؤمنين بالنصرة وتخليص  المساجد  عن الكفار  وللاهتمام
~~بذلك وسطه  وقد أنجز الله تعالى وعده والحمد لله؛ فقد روي أنه لا يدخل
~~بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكرا مسارقة، وقال قتادة: لا يوجد
~~نصراني في بيت المقدس إلا انتهك ضربا، وأبلغ إليه في العقوبة، ولا نقض
~~باستيلاء الأقرع، وبقاء بيت المقدس في أيدي النصارى أكثر من مائة سنة إلى
~~أن استخلصه الملك صلاح الدين لأن الإنجاز يستدعي تحقيقه في وقت ما، ولا
~~دلالة فيه على التكرار، وقيل: النفي بمعنى النهي  ومعناه على طريق
~~الكناية  النهي عن التخلية والتمكين من دخولهم المساجد، وذلك يستلزم 
~~أن لا يدخلوها إلا خائفين  من المؤمنين، فذكر اللازم وأريد الملزوم، ولا
~~يخفى أن النهي عن التخلية والتمكين المذكور في وقت قوة الكفار ومنعهم
~~المساجد لا فائدة فيه سوى الإشعار بوعد المؤمنين بالنصرة والاستخلاص
~~منهم، فالحمل عليه من أول الأمر أولى.

# واختلف الأئمة في دخول الكفار المسجد، فجوزه الإمام أبو حنيفة رضي الله
~~تعالى عنه مطلقا للآية  فإنها تفيد دخولهم بخشية وخشوع  ولأن وفد ثقيف
~~قدموا عليه عليه الصلاة والسلام فأنزلهم المسجد، ولقوله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل الكعبة فهو آمن "

# والنهي محمول على التنزيه أو الدخول للحرم بقصد الحج، ومنعه مالك رضي
~~الله تعالى عنه مطلقا لقوله تعالى:

# إنما المشركون نجس

# [التوبة: 28] والمساجد يجب تطهيرها عن النجاسات، ولذا يمنع الجنب عن
~~الدخول  وجوزه لحاجة  وفرق الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بين
~~المسجد الحرام وغيره وقال: الحديث منسوخ بالآية، وقرأ عبد الله { إلا
~~خفيا } وهو مثل صيم.

# { لهم فى الدنيا خزى } أي عظيم بقتل أبطالهم وأقيالهم، وكسر
~~أصنامهم، وتسفيه أحلامهم، وإخراجهم من جزيرة العرب التي هي دار قرارهم،
~~ومسقط رؤوسهم، أو بضرب الجزية على أهل الذمة منهم { ولهم فى
~~الأخرة عذاب عظيم } وهو عذاب النار لما أن سببه أيضا، وهو ما
~~حكى من ظلمهم  كذلك في العظم  وتقديم ms00593 الظرف في الموضعين للتشويق لما
~~يذكر بعده.

# ومن باب الإشارة في الآية: ومن أبخس حظا وأنقص حقا { ممن منع
~~} مواضع السجود لله تعالى وهي القلوب/ التي يعرف فيها فيسجد له بالفناء
~~الذاتي { أن يذكر فيها اسمه } الخاص الذي هو الاسم الأعظم، إذ
~~لا يتجلى بهذا الاسم إلا في القلب  وهو التجلي بالذات مع جميع الصفات 
~~أو اسمه المخصوص بكل واحد منها، أي الكمال اللائق باستعداده المقتضي له {
~~وسعى في خرابهآ } بتكديرها بالتعصبات وغلبة الهوى، ومنع أهلها
~~بتهييج الفتن اللازمة لتجاذب قوى النفس، ودواعي الشيطان والوهم {
~~أولئك ما كان لهم أن يدخلوهآ } ويصلوا إليها { إلا
~~خآئفين } منكسرين لظهور تجلي الحق فيها { لهم في الدنيا
~~خزي } وافتضاح وذلة بظهور بطلان ما هم عليه { ولهم في الآخرة
~~عذاب عظيم } وهو احتجابهم عن الحق سبحانه.

### || [2.115]

# { ولله المشرق والمغرب } أي الناحيتان المعلومتان
~~المجاورتان لنقطة تطلع منها الشمس وتغرب، وكنى بمالكيتهما عن مالكية كل
~~الأرض، وقال بعضهم: إذا كانت الأرض كروية يكون كل مشرق بالنسبة مغربا
~~بالنسبة  والأرض كلها كذلك  فلا حاجة إلى التزام الكناية، وفيه بعد {
~~فأينما تولوا } أي ففي أي مكان فعلتم التولية شطر القبلة، وقرأ
~~الحسن { تولوا } على الغيبة { فثم وجه الله } أي فهناك
~~جهته سبحانه التي أمرتم بها، فإذا مكان  التولية  لا يختص بمسجد دون
~~مسجد ولا مكان دون آخر { فأينما } ظرف لازم الظرفية متضمن لمعنى
~~الشرط وليس مفعولا ل { تولوا }  والتولية  بمعنى الصرف منزل
~~منزلة اللازم، و (ثم) اسم إشارة للمكان البعيد خاصة  مبني على الفتح 
~~ولا يتصرف فيه بغير  من  وقد وهم من أعربه مفعولا به في قوله تعالى:

# وإذا رأيت ثم رأيت نعيما

# [الإنسان: 20] وهو خبر مقدم، وما بعده مبتدأ مؤخر، والجملة جواب الشرط 
~~والوجه  الجهة  كالوزن والزنة  واختصاص الإضافة باعتبار كونها مأمورا
~~بها، وفيها رضاه سبحانه، وإلى هذا ذهب الحسن ومقاتل ومجاهد وقتادة وقيل:
~~الوجه بمعنى الذات مثله في قوله تعالى:

# كل شىء هالك إلا وجهه

# [القصص: 88] إلا أنه جعل هنا كناية عن علمه واطلاعه بما يفعل ms00594 هناك، وقال
~~أبو منصور: بمعنى الجاه، ويؤل إلى الجلال والعظمة، والجملة  على هذا 
~~اعتراض لتسلية قلوب المؤمنين بحل الذكر والصلاة في جميع الأرض  لا في
~~المساجد خاصة  وفي الحديث الصحيح:

# " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا "

# ولعل غيره عليه الصلاة والسلام لم تبح له الصلاة في غير البيع والكنائس،
~~وصلاة عيسى عليه السلام  في أسفاره  في غيرها كانت عن ضرورة  فلا حاجة
~~إلى القول باختصاص المجموع .

# وجوز أن تكون (أينما) مفعول { تولوا } بمعنى الجهة، فقد شاع في
~~الاستعمال (أينما) توجهوا، بمعنى أي جهة توجهوا  بناء على ما روي عن
~~ابن عمر رضي الله تعالى عنهما  أن الآية نزلت في صلاة المسافر والتطوع
~~على الراحلة، وعلى ما روي عن جابر أنها نزلت في قوم عميت عليهم  القبلة
~~ في غزوة كنت فيها معهم، فصلوا إلى الجنوب والشمال، فلما أصبحوا تبين
~~خطؤهم، ويحتمل  على هاتين الروايتين  أن تكون (أينما) كما في الوجه
~~الأول أيضا، ويكون المعنى في أي مكان فعلتم أي  تولية  لأن حذف
~~المفعول به يفيد العموم، واقتصر عليه بعضهم مدعيا أن ما تقدم لم يقل به
~~أحد من أهل العربية، ومن الناس من قال: الآية توطئة لنسخ القبلة، وتنزيه
~~للمعبود أن يكون في حيز وجهة، وإلا لكانت أحق بالاستقبال، وهي محمولة على
~~العموم غير مختصة بحال السفر أو حال التحري، والمراد ب (أينما) أي جهة،
~~وبالوجه الذات ووجه الارتباط حينئذ أنه لما جرى ذكر  المساجد  سابقا
~~أورد بعدها تقريبا حكم  القبلة  على سبيل الاعتراض، وادعى بعضهم أن
~~هذا أصح الأقوال، وفيه تأمل.

# { إن الله وسع } أي محيط بالأشياء ملكا أو رحمة، فلهذا  وسع
~~ عليكم  القبلة  ولم يضيق عليكم { عليم } بمصالح العباد وأعمالهم/
~~في الأماكن، والجملة على الأول: تذييل لمجموع { ولله المشرق
~~والمغرب } الخ وعلى الثاني: تذييل لقوله سبحانه: { فأينما
~~تولوا } الخ، ومن الغريب جعل ذلك تهديدا  لمن منع مساجد الله 
~~وجعل الخطاب المتقدم لهم أيضا، فيؤول المعنى إلى أنه لا مهرب من الله
~~تعالى لمن طغى، ولا مفر لمن بغى، لأن فلك ms00595 سلطانه حدد الجهات، وسلطان علمه
~~أحاط بالأفلاك الدائرات:

# أين المفر ولا مفر لهارب

# وله البسيطان الثرى والماء

# ومن باب الإشارة: أن المشرق عبارة عن عالم النور والظهور وهو جنة
~~النصارى وقبلتهم بالحقيقة باطنه، والمغرب عالم الأسرار والخفاء وهو جنة
~~اليهود وقبلتهم بالحقيقة باطنه، أو المشرق عبارة عن إشراقه سبحانه على
~~القلوب بظهور أنواره فيها والتجلي لها بصفة جماله حالة الشهود، والمغرب
~~عبارة عن الغروب بتستره واحتجابه واختفائه بصفة جلاله حالة البقاء بعد
~~الفناء ولله تعالى كل ذلك فأي جهة يتوجه المرء من الظاهر والباطن {
~~فثم وجه الله } المتحلي بجميع الصفات المتجلي بما شاء منزها
~~عن الجهات وقد قال قائل القوم:

# وما الوجه إلا واحد غير أنه

# إذا أنت عددت المرايا تعدد

# { إن الله وسع } لا يخرج شيء عن إحاطته { عليم } [البقرة:
~~115] فلا يخفى عليه شيء من أحوال خليقته ومظاهر صفته.

### || [2.116]

# { وقالوا اتخذ الله ولدا } نزلت في اليهود حيث  قالوا
~~عزيز ابن الله  وفي نصارى نجران حين قالوا المسيح ابن الله وفي مشركي
~~العرب حيث قالوا  الملائكة بنات الله  فالضمير لما سبق ذكره من النصارى
~~واليهود والمشركين الذين لا يعلمون، وعطفه على

# قالت اليهود

# [البقرة: 113] وقال أبو البقاء على

# وقالوا لن يدخل الجنة

# [البقرة: 111]. وجوز أن يكون عطفا على

# منع

# [البقرة: 114] أو على مفهوم  من أظلم  دون لفظه للاختلاف إنشائية
~~وخبرية، والتقدير ظلموا ظلما شديدا بالمنع، وقالوا: وإن جعل من عطف
~~القصة على القصة لم يحتج إلى تأويل، والاستئناف حينئذ بياني كأنه قيل
~~بعدما عدد من قبائحهم هل انقطع خيط إسهابهم في الافتراء على الله تعالى
~~أم امتد؟ فقيل: بل امتد فإنهم قالوا ما هو أشنع وأفظع، و  الاتخاذ  إما
~~بمعنى الصنع والعمل فلا يتعدى إلا إلى واحد، وإما بمعنى التصيير،
~~والمفعول الأول محذوف أي صير بعض مخلوقاته ولدا، وقرأ ابن عباس وابن
~~عامر وغيرهما (قالوا) بغير واو على الاستئناف أو ملحوظا فيه معنى العطف،
~~واكتفى بالضمير، والربط به عن الواو كما في «البحر» { سبحنه }
~~تنزيه وتبرئة له تعالى عما ms00596 قالوا: بأبلغ صيغة ومتعلق  سبحان  محذوف كما
~~ترى لدلالة الكلام عليه.

# { بل له ما في السموت والأرض } إبطال لما زعموه وإضراب
~~عما تقتضيه مقالتهم الباطلة من التشبيه بالمحدثات في التناسل والتوالد،
~~والحاجة إلى الولد في القيام بما يحتاج الوالد إليه، وسرعة الفناء لأنه
~~لازم للتركيب اللازم للحاجة، وكل محقق قريب سريع، ولإن الحكمة في التوالد
~~هو أن يبقى النوع محفوظا بتوارد الأمثال فيما لا سبيل إلى بقاء الشخص
~~بعينه مدة بقاء الدهر، وكل ذلك يمتنع على الله تعالى فإنه الأبدي الدائم
~~والغنى المطلق المنزع عن مشابهة المخلوقات، واللام في { له } قيل
~~للملك، وقيل: إنها كالتي في قولك لزيد  ضرب  تفيد نسبة الأثر إلى
~~المؤثر، وقيل: للاختصاص بأي وجه كان، وهو الأظهر، والمعنى ليس الأمر كما
~~افتروا بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها ما زعموه ولدا،
~~والخالق لكل موجود لا حاجة له إلى الولد إذ هو يوجد ما يشاء منزها عن
~~الاحتياج إلى التوالد.

# { كل له قنتون } أي كل ما فيهما كائنا ما كان جميعا/
~~منقادون له لا يستعصي شيء منهم على مشيئته وتكوينه إيجادا وإعداما
~~وتغيرا من حال إلى حال، وهذا يستلزم الحدوث والإمكان المنافي للوجوب
~~الذاتي فكل من كان متصفا بهذه الصفة لا يكون والدا لأن من حق الولد أن
~~يشارك والده في الجنس لكونه بعضا منه، وإن لم يماثله، وكان الظاهر كلمة
~~من مع { قنتون } كيلا يلزم اعتبار التغليب فيه، ويكون موافقا لسوق
~~الكلام فإن الكلام في العزير والمسيح والملائكة وهم عقلاء إلا أنه جاء
~~بكلمة (ما) المختصة بغير أولي العلم كما قاله بعضهم محتجا بقصة الزبعرى
~~مخالفا لما عليه الرضى من أنها في الغالب لما لا يعلم، ولما عليه
~~الأكثرون من عمومها كما في «التلويح»، واعتبر التغليب في { قنتون }
~~إشارة إلى أن هؤلاء الذين جعلوهم ولد الله تعالى سبحانه وتعالى في جنب
~~عظمته جمادات مستوية الأقدام معها في عدم الصلاحية لاتخاذ الولد، وقيل:
~~أتى بما في الأول لأنه إشارة إلى مقام الألوهية، والعقلاء فيه بمنزلة ms00597
~~الجمادات، وبجمع العقلاء في الثاني لأنه إشارة إلى مقام العبودية،
~~والجمادات فيه بمنزلة العقلاء.

# ويحتمل أن يقدر المضاف إليه كل ما جعلوه ولدا لدلالة المقول لا عاما
~~لدلالة مبطله، ويراد بالقنوت الانقياد لأمر التكليف كما أنه على العموم
~~الانقياد لأمر التكوين، وحينئذ لا تغليب في { قنتون } وتكون الجملة
~~إلزاما بأن ما زعموه ولدا مطيع لله تعالى مقر بعبوديته بعد إقامة الحجة
~~عليهم بما سبق، وترك العطف للتنبيه على استقلال كل منهما في الدلالة على
~~الفساد واختلافهما في كون أحدهما حجة والآخر إلزاما، وعلى الأول يكون
~~الأخير مقررا لما قبله.

# وذكر الجصاص أن في هذه الآية دلالة على أن ملك الإنسان لا يبقى على ولده
~~لأنه نفى الولد باثبات الملك باعتبار أن اللام له فمتى ملك ولده عتق
~~عليه، وقد حكم صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك في الوالد إذا ملكه ولده؛ ولا
~~يخفى أن هذا بعيد عما قصد بالآية لا سيما إذا كان الأظهر الاختصاص كما
~~علمت.

### || [2.117]

# { بديع السموت والأرض } أي مبدعهما فهو فعيل من أفعل وكان
~~الأصمعي ينكر فعيلا بمعنى مفعل، وقال ابن بري: قد جاء كثيرا نحو مسخن
~~وسخين ومقعد وقعيد وموصى ووصي ومحكم وحكيم ومبرم وبريم ومونق وأنيق في
~~أخوات له، ومن ذلك السميع في بيت عمرو بن معدي كرب السابق. والاستشهاد
~~بناءا على الظاهر المتبادر على ما هو الأليق بمباحث العربية فلا يرد ما
~~قيل في البيت لأنه على خلافه كما لا يخفى على المنصف، وقيل: هو من إضافة
~~الصفة المشبهة إلى فاعلها للتخفيف أي بديع سمواته. وأنت تعلم أنه قد تقرر
~~أن الصفة إذا أضيفت إلى الفاعل يكون فيها ضمير يعود إلى الموصوف فلا تصح
~~الإضافة إلا إذا صح اتصاف الموصوف بها نحو  حسن الوجه  حيث يصح اتصاف
~~الرجل بالحسن لحسن وجهه بخلاف حسن الجارية وإنما صح زيد كثير الاخوان
~~لاتصافه بأنه متقو بهم، وفيما نحن فيه  وإن امتنع اتصافه بالصفة
~~المذكورة  لكن يصح اتصافه بما دلت عليه وهو كونه مبدعا لهما. وهذا
~~يقتضي ms00598 أن يكون الأولى بقاء المبدع على ظاهره وهو الذي عليه أساطين أهل
~~اللغة، والإبداع اختراع الشيء لا عن مادة ولا في زمان، ويستعمل ذلك في
~~إيجاده تعالى للمبادي  كما قاله الراغب وهو غير الصنع إذ هو تركيب
~~الصورة بالعنصر؛ ويستعمل في إيجاد الأجسام وغير التكوين فإنه ما يكون
~~بتغير وفي زمان غالبا وإذا أريد من السموات والأرض جميع ما سواه تعالى
~~من المبدعات والمصنوعات والمكونات لاحتوائها على عالم الملك والملكوت
~~فبعد اعتبار التغليب يصح إطلاق كل من الثلاثة إلا أن لفظ الإبداع أليق
~~لأنه يدل على كمال قدرته تعالى، والقول بتعين حمل الإبداع على التكوين من
~~مادة أو أجزاء لأن إيجاد السموات من شيء كما يشير إليه قوله تعالى:

# ثم استوى إلى السماء وهى دخان

# [فصلت: 11] ناشىء من الغفلة عما ذكرنا، والآية حجة أخرى لإبطال تلك
~~المقالة الشنعاء، وتقريرها أنه تعالى مبدع لكل ما سواه فاعل على الإطلاق،
~~ولا شيء من الوالد كذلك ضرورة انفعاله بانفصال مادة الولد عنه فالله
~~تعالى ليس بوالد، وقرأ المنصور { بديع } بالنصب على المدح، وقرىء
~~بالجر على أنه بدل من الضمير في { له } على رأي من يجوز ذلك. { وإذا
~~قضى أمرا } أي أراد شيئا بقرينة قوله تعالى:

# إنما أمره إذا أراد شيئا

# [يس: 82] وجاء القضاء على وجوه ترجع كلها إلى إتمام الشيء قولا أو
~~فعلا وإطلاقه على الإرادة مجاز من استعمال اللفظ المسبب في السبب فإن
~~الإيجاد الذي هو إتمام الشيء مسبب عن تعلق الإرادة لأنه يوجبه، وساوى ابن
~~السيد بينه وبين القدر، والمشهور التفرقة بينهما بجعل القدر تقديرا
~~لأمور قبل أن تقع، والقضاء إنفاذ ذلك القدر وخروجه من العدم إلى حد
~~الفعل، وصحح ذلك الجمهور لأنه قد جاء في الحديث

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بكهف مائل للسقوط فأسرع المشي حتى
~~جاوزه فقيل: له أتفر من قضاء الله تعالى؟ فقال: أفر من قضائه تعالى إلى
~~قدره "

# ففرق صلى الله عليه وسلم بين القضاء والقدر.

# { فإنما يقول له كن فيكون } الظاهر أن الفعلين ms00599 من  كان
~~ التامة لعدم ذكر الخبر مع أنها الأصل أي احدث فيحدث، وهي تدل على معنى
~~الناقصة لأن الوجود المطلق أعم من وجوده في نفسه أو في غيره والأمر محمول
~~على حقيقته كما ذهب إليه محققو ساداتنا الحنفية والله تعالى قد أجرى سنته
~~في تكوين الأشياء أن يكونها بهذه الكلمة وإن لم يمتنع تكوينها بغيرها،
~~والمراد الكلام الأزلي لأنه يستحيل قيام اللفظ المرتب بذاته تعالى ولأنه
~~حادث فيحتاج إلى خطاب آخر فيتسلسل وتأخره عن الإرادة وتقدمه على وجود
~~الكون باعتبار التعلق، ولما لم يشتمل خطاب التكوين على الفهم واشتمل على
~~أعظم الفوائد جاز تعلقه بالمعدوم، وذهب المعتزلة وكثير من أهل السنة إلى
~~أنه ليس المراد به حقيقة الأمر والامتثال، وإنما هو تمثيل لحصول ما تعلق
~~به الإرادة بلا مهلة بطاعة المأمور المطيع بلا توقف فهناك استعارة
~~تمثيلية حيث شبهت هيأة حصول المراد بعد تعلق الإرادة بلا مهلة، وامتناع
~~بطاعة المأمور المطيع عقيب أمر المطاع بلا توقف وإباء تصويرا لحال
~~الغائب بصورة الشاهد ثم استعمل الكلام الموضوع للمشبه في المشبه به من
~~غير اعتبار استعارة في مفرداته وكان أصل الكلام إذا قضى أمرا فيحصل
~~عقيبه دفعة فكأنما يقول له كان فيكون ثم حذف المشبه، واستعمل المشبه به
~~مقامه، وبعضهم يجعل في الكلام استعارة تحقيقية تصريحية مبنية على تشبيه
~~حال بقال، ولعل الذي دعى هؤلاء إلى العدول عن الظاهر زعم امتناعه لوجوه
~~ذكرها بعض أئمتهم الأول: أن قوله تعالى: { كن } إما أن يكون قديما أو
~~محدثا لا جائز أن يكون قديما لتأخر النون ولتقدم الكاف، والمسبوق محدث
~~لا محالة، وكذا المتقدم عليه بزمان مقدر أيضا، ولأن { إذا } للاستقبال
~~فالقضاء محدث و { كن } مرتب عليه بفاء التعقيب، والمتأخر عن المحدث
~~محدث، ولا جائز أن يكون محدثا وإلا لدار أو تسلسل، الثاني: إما أن يخاطب
~~المخلوق بكن قبل دخوله في الوجود، وخطاب المعدوم سفه، وإما بعد دخوله ولا
~~فائدة فيه. الثالث: المخلوق قد يكون جمادا وتكليفه لا يليق بالحكمة
~~الرابع: إذا فرضنا القادر المريد ms00600 منفكا عن قوله { كن } فإن تمكن من
~~الإيجاد فلا حاجة إليها وإن لم يتمكن فلا يكون القادر قادرا على الفعل
~~إلا عند تكلمه ب { كن } فيلزم عجزه بالنظر إلى ذاته.

# الخامس: أنا نعلم بالضرورة أنه لا تأثير لهذه الكلمة إذا تكلمنا بها
~~فكذا إذا تكلم بها غيرنا. / السادس: المؤثر إما مجموع الكاف والنون ولا
~~وجود لهما مجموعين أو أحدهما وهو خلاف المفروض انتهى.

# وأنت إذا تأملت ما ذكرنا ظهر لك اندفاع جميع هذه الوجوه، ويا عجبا لمن
~~يقول بالكلام النفسي ويجعل هذا دالا عليه كيف تروعه هذه القعاقع أم كيف
~~تغره هذه الفقاقع؟! نعم لو ذهب ذاهب إلى هذا القول لما فيه من مزيد إثبات
~~العظمة لله تعالى ما ليس في الأول لا لأن الأول باطل في نفسه كان حريا
~~بالقبول  ولعلي أقول به  والآية مسوقة لبيان كيفية الإبداع ومعطوفة على
~~قوله تعالى: { بديع السموات والارض } مشتملة على تقرير
~~معنى الإبداع وفيها تلويح بحجة أخرى لإبطال ذلك الهذيان بأن اتخاذ الولد
~~من الوالد إنما يكون بعد قصده بأطوار ومهلة لما أن ذلك لا يمكن إلا بعد
~~انفصال مادته عنه وصيرورته حيوانا، وفعله تعالى بعد إرادته أو تعلق قوله
~~مستغن عن المهلة فلا يكون اتخاذ الولد فعله تعالى، وكأن السبب في هذه
~~الضلالة أنه ورد إطلاق الأب على الله تعالى في الشرائع المتقدمة باعتبار
~~أنه السبب الأول وكثر هذا الإطلاق في إنجيل يوحنا ثم ظنت الجهلة أن
~~المراد به معنى الولادة فاعتقدوا ذلك تقليدا وكفروا، ولم يجوز العلماء
~~اليوم إطلاق ذلك عليه تعالى مجازا، قطعا لمادة الفساد.

# وقرأ ابن عامر { فيكون } بالنصب، وقد أشكلت على النحاة حتى تجرأ
~~أحمد بن موسى فحكم بخطئها وهو سوء أدب بل من أقبح الخطأ ووجهها أن تكون
~~حينئذ جواب الأمر حملا على صورة اللفظ وإن كان معناه الخبر إذ ليس معناه
~~تعليق مدلول مدخول الفاء بمدلول صيغة الأمر الذي يقتضيه سببية ما قبل
~~الفاء لما بعدها اللازمة لجواب الأمر بالفاء إذ لا معنى لقولنا ليكن ms00601 منك
~~كون فكون، وقيل: الداعي إلى الحمل على اللفظ أن الأمر ليس حقيقيا فلا
~~ينصب جوابه وإن من شرط ذلك أن ينعقد منهما شرط وجزاء نحو  ائتني فأكرمك
~~ إذ تقديره إن تأتني أكرمك، وهنا لا يصح أن  يكن يكن  وإلا لزم كون
~~الشيء سببا لنفسه، وأجيب بأن المراد إن يكن في علم الله تعالى وإرادته
~~يكن في الخارج فهو على حد

# " من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله "

# وبأن كون الأمر غير الحقيقي لا ينصب في جوابه ممنوع فإن كان بلفظ فظاهر
~~ولكنه مجاز عن سرعة التكوين وإن لم يعتبر فهو مجاز عن إرادة سرعته فيؤول
~~إلى إن يراد سرعة وجود شيء يوجد في الحال فلا محذور للتغاير الظاهر ولا
~~يخفى ما فيه، ووجه الرفع الاستئناف أي فهو يكون وهو مذهب سيبويه، وذهب
~~الزجاج إلى عطفه على { يقول } وعلى التقديرين لا يكون { يكون }
~~داخلا في المقول ومن تتمته ليوجه العدول عن الخطاب بأنه من باب الالتفات
~~تحقيرا لشأن الأمر في سهولة تكونه ووجهه به غير واحد على تقدير الدخول.

### || [2.118]

# { وقال الذين لا يعلمون } عطف على قوله تعالى:

# وقالوا اتخذ الله

# [البقرة: 116] ووجه الارتباط أن الأول: كان قدحا في التوحيد وهذا قدح
~~في النبوة، والمراد من الموصول جهلة المشركين، وقد روي ذلك عن قتادة
~~والسدي والحسن وجماعة، وعليه أكثر المفسرين ويدل عليه قوله تعالى:

# لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا

# [الإسراء: 90] وقالوا:

# فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون

# [الأنبياء: 5] وقالوا:

# لولا أنزل علينا الملئكة أو نرى ربنا

# [الفرقان: 21] وقيل: المراد به اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم بدليل ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن
~~رافع بن خزيمة من اليهود قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت
~~رسولا من عند الله تعالى فقل لله يكلمنا حتى نسمع كلامه فأنزل الله
~~تعالى هذه الآية، وقوله تعالى:

# يسألك أهل الكتب أن تنزل عليهم كتبا من
~~السماء فقد ms00602 سألوا موسى أكبر من ذلك

# [النساء: 153] وقال مجاهد: المراد به النصارى ورجحه الطبري بأنهم
~~المذكورون في الآية، وهو كما ترى، ونفي العلم على الأول عنهم على حقيقته
~~لأنهم لم يكن لهم كتاب ولا هم أتباع نبوة/، وعلى الأخيرين لتجاهلهم أو
~~لعدم علمهم بمقتضاه.

# { لولا يكلمنا الله } أي هلا يكلمنا بأنك رسوله إما بالذات
~~كما يكلم الملائكة أو بإنزال الوحي إلينا، وهو استكبار منهم بعد أنفسهم
~~الخبيثة كالملائكة والأنبياء المقدسين عليهم الصلاة والسلام { أو
~~تأتينا ءاية } أي حجة على صدقك وهو جحود منهم قاتلهم الله تعالى
~~لما آتاهم من الآيات البينات، والحجج الباهرات التي تخر لها صم الجبال،
~~وقيل: المراد إتيان آية مقترحة، وفيه أن تخصيص النكرة خلاف الظاهر {
~~كذلك قال الذين من قبلهم } جواب لشبهتهم يعني أنهم يسألون
~~عن تعنت واستكبار مثل الأمم السابقة والسائل المتعنت لا يستحق إجابة
~~مسألته { مثل قولهم } هذا الباطل الشنيع

# فقالوا أرنا الله جهرة

# [النساء: 153]

# هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة

# [المائدة: 112]

# اجعل لنا إلها

# [الأعراف: 138] وقد تقدم الكلام على هذين التشبيهين، ولبعضهم هنا زيادة
~~على ما مر احتمال تعلق { كذلك } ب { تأتينا } وحينئذ يكون الوقف
~~عليه لا على { ءاية } أو جعل { مثل قولهم } متعلقا ب {
~~تشبهت } وحينئذ يكون الوقف على { من قبلهم } وأنت تعلم أنه
~~لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى الكريم على مثل هذه الاحتمالات الباردة.

# { تشبهت قلوبهم } أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى
~~والعناد، وقيل: في التعنت والاقتراح، والجملة مقررة لما قبلها، وقرأ أبو
~~حيوة وابن أبي إسحق بتشديد الشين قال أبو عمرو الداني: وذلك غير جائز
~~لأنه فعل ماض والتاآن المزيدتان إنما يجيئان في المضارع فيدغم أما الماضي
~~فلا، وفي " غرائب التفسير " أنهم أجمعوا على خطئه، ووجه ذلك الراغب بأنه
~~حمل الماضي على المضارع فزيد فيه ما يزاد فيه ولا يخفى أنه بهذا القدر لا
~~يندفع الإشكال، وقال ابن سهمي في الشواذ: إن العرب قد تزيد على أول تفعل
~~في الماضي تاء فتقول تتفعل وأنشد.

# تتقطعت بي دونك الأسباب ms00603

# وهو قول غير مرضي ولا مقبول فالصواب عدم صحة نسبة هذه القراءة إلى هذين
~~الإمامين وقد أشرنا إلى نحو ذلك فيما تقدم.

# { قد بينا الآيت } أي نزلناها بينة بأن جعلناها كذلك في
~~أنفسها فهو على حد سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل { لقوم يوقنون
~~} أي يعلمون الحقائق علما ذا وثاقة لا يعتريهم شبهة ولا عناد وهؤلاء
~~ليسوا كذلك فلهذا تعنتوا واستكبروا وقالوا ما قالوا، والجملة على هذا
~~معللة لقوله تعالى: { كذلك قال الذين من قبلهم } كما صرح
~~به بعض المحققين، ويحتمل أن يراد من الإتيان طلب الحق واليقين. و  الآية
~~ رد لطلبهم الآية وفي تعريف الآيات وجمعها وإيراد التبيين مكان الإتيان
~~الذي طلبوه ما لا يخفى من الجزالة، والمعنى أنهم اقترحوا آية فذة ونحن قد
~~بينا الآيات العظام لقوم يطلبون الحق واليقين وإنما لم يتعرض سبحانه لرد
~~قولهم { لولا يكلمنا الله } إيذانا بأنه منهم أشبه شيء بكلام
~~الأحمق وجواب الأحمق السكوت.

### || [2.119]

# { إنا أرسلنك بالحق } أي متلبسا مؤيدا به فالظرف
~~مستقر، وقيل: لغو متعلق بأرسلنا أو بما بعده، وفسر الحق بالقرآن أو
~~بالإسلام وبقاؤه على عمومه أولى { بشيرا ونذيرا } حالان من الكاف،
~~وقيل: من الحق والآية اعتراض لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه كان
~~يهتم ويضيق صدره لإصرارهم على الكفر والمراد: إنا أرسلناك لأن تبشر من
~~أطاع وتنذر من عصى لا لتجبر على الإيمان فما عليك إن أصروا أو كابروا.
~~والتأكيد لإقامة غير المنكر مقام المنكر بما لاح عليه من أمارة الإنكار
~~والقصر إفرادي.

# { ولا تسئل عن أصحب الجحيم } تذييل معطوف على ما
~~قبله، أو اعتراض أو حال أي أرسلناك غير  مسؤول عن أصحاب الجحيم  ما لهم
~~لم يؤمنوا بعد أن بلغت ما أرسلت به وألزمت الحجة عليهم؟!، / وقرأ أبي و
~~(ما) بدل و { لا } وابن مسعود (ولن) بدل (ذلك) وقرأ نافع، ويعقوب  لا
~~تسأل  على صيغة النهي إيذانا بكمال شدة عقوبة الكفار وتهويلا لها كما
~~تقول كيف حال فلان وقد وقع في مكروه فيقال لك لا تسأل عنه ms00604 أي أنه لغاية
~~فظاعة ما حل به لا يقدر المخبر على إجرائه على لسانه أو لا يستطيع السامع
~~أن يسمعه، والجملة على هذا اعتراض أو عطف على مقدر أي فبلغ، والنهي
~~مجازي، ومن الناس من جعله حقيقة، والمقصود منه بالذات نهيه صلى الله عليه
~~وسلم عن السؤال عن حال أبويه على ما روي  أنه عليه الصلاة والسلام سأل
~~جبريل عن قبريهما فدله عليهما فذهب فدعا لهما وتمنى أن يعرف حالهما في
~~الآخرة وقال: ليت شعري ما فعل أبواي؟ فنزلت  ولا يخفى بعد هذه الرواية
~~لأنه صلى الله عليه وسلم  كما في «المنتخب»  عالم بما آل إليه أمرهما،
~~وذكر الشيخ ولي الدين العراقي أنه لم يقف عليها، وقال الإمام السيوطي: لم
~~يرد في هذا إلا أثر معضل ضعيف الإسناد فلا يعول عليه، والذي يقطع به أن
~~الآية في كفار أهل الكتاب كالآيات السابقة عليها والتالية لها لا في
~~أبويه صلى الله عليه وسلم، ولتعارض الأحاديث في هذا الباب وضعفها، قال
~~السخاوي: الذي ندين الله تعالى به الكف عنهما وعن الخوض في أحوالهما.
~~والذي أدين الله تعالى به أنا أنهما ماتا موحدين في زمن الكفر، وعليه
~~يحمل كلام الإمام  أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه إن صح بل أكاد أقول:
~~إنهما أفضل من علي القاري وأضرابه. و  الجحيم  النار بعينه إذا شب
~~وقودها ويقال: جحمت النار تجحم جحما إذا اضطربت.

### || [2.120]

# { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصرى حتى
~~تتبع ملتهم } بيان لكمال شدة شكيمتي هاتين الطائفتين إثر بيان
~~ما يعمهما، والمشركين مما تقدم ولا بين المعطوفين لتأكيد النفي وللإشعار
~~بأن رضا كل منهما مباين لرضا الأخرى، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم،
~~وفيه من المبالغة في إقناطه صلى الله عليه وسلم من إسلامهم ما لا غاية
~~وراءه فإنهم حيث لم يرضوا عنه عليه الصلاة والسلام، ولو خلاهم يفعلون ما
~~يفعلون بل أملوا ما لا يكاد يدخل دائرة الإمكان، وهو الاتباع لملتهم التي
~~جاء بنسخها فكيف يتصور اتباعهم لملته صلى الله عليه وسلم، ms00605 واحتيج لهذه
~~المبالغة لمزيد حرصه صلى الله عليه وسلم على إيمانهم على ما روي أنه كان
~~يلاطف كل فريق رجاء أن يسلموا فنزلت. والملة في الأصل اسم من أمللت
~~الكتاب بمعنى أمليته كما قال الراغب، ومنه طريق ملول  أي مسلوك معلوم 
~~كما نقله الأزهري ثم نقلت إلى أصول الشرائع باعتبار أنها يمليها النبي
~~صلى الله عليه وسلم ولا يختلف الأنبياء عليهم السلام فيها، وقد تطلق
~~الباطل كالكفر ملة واحدة، ولا تضاف إليه سبحانه فلا يقال ملة الله، ولا
~~إلى آحاد الأمة، والدين يرادفها صدقا لكنه باعتبار قبول المأمورين لأنه
~~في الأصل الطاعة والانقياد ولاتحاد ما صدقهما قال تعالى:

# دينا قيما ملة إبراهيم

# [الأنعام: 161] وقد يطلق الدين على الفروع تجوزا، ويضاف إلى الله تعالى
~~وإلى الآحاد وإلى طوائف مخصوصة نظرا إلى الأصل على أن تغاير الاعتبار
~~كاف في صحة الإضافة، ويقع على الباطل أيضا، وأما الشريعة فهي المورد في
~~الأصل، وجعلت اسما للأحكام الجزئية المتعلقة بالمعاش والمعاد سواء كانت
~~منصوصة من الشارع أو لا لكنها راجعة إليه والنسخ والتبديل يقع فيها،
~~وتطلق على الأصول الكلية تجوزا قاله بعض المحققين. ووحدت الملة وإن كان
~~لهم ملتان للإيجاز أو لأنهما يجمعهما الكفر، وهو ملة واحدة، ثم إن هذا
~~ليس ابتداء كلام منه تعالى بعدم رضاهم بل هو حكاية لمعنى كلام قالوه
~~بطريق التكلم ليطابقه قوله سبحانه:

# { قل إن هدى الله هو الهدى } فإنه على طريقة الجواب
~~لمقالتهم ولعلهم ما قالوا ذلك إلا لزعمهم أن دينهم/ حق وغير باطل فأجيبوا
~~بالقصر القلبي  أي دين الله تعالى هو الحق ودينكم هو الباطل، وهدى الله
~~تعالى الذي هو الإسلام هو الهدى وما يدعون إليه ليس بهدى بل هوى  على
~~أبلغ وجه لإضافة الهدى إليه تعالى وتأكيده بأن وإعادة الهدى في الخبر على
~~حد:

# شعري شعري

# وجعله نفس الهدى المصدري وتوسيط ضمير الفصل وتعريف الخبر، ويحتمل أنهم
~~قالوا ذلك فيما بينهم، والأمر بهذا القول لهم لا يجب أن يكون جوابا لعين
~~تلك العبارة بل جواب ورد لما ms00606 يستلزم مضمونها أو يلزمه من الدعوة إلى
~~اليهودية أو النصرانية وأن الاهتداء فيهما، وقيل: يصح أن يكون لإقناطهم
~~عما يتمنونه ويطمعونه وليس بجواب.

# { ولئن اتبعت أهواءهم } أي آراءهم الزائغة المنحرفة عن
~~الحق الصادرة عنهم بتبعية شهوات أنفسهم وهي التي عبر عنها فيما قبل 
~~بالملة  وكان الظاهر  ولئن اتبعتها  إلا أنه غير النظم ووضع الظاهر
~~موضع المضمر من غير لفظه إيذانا بأنهم غيروا ما شرعه الله سبحانه
~~تغييرا أخرجوه به عن موضوعه، وفي صيغة الجمع إشارة إلى كثرة الاختلاف
~~بينهم وأن بعضهم يكفر بعضا. { بعد الذي جاءك من العلم }
~~أي المعلوم وهو الوحي أو الدين لأنه الذي يتصف بالمجيء دون العلم نفسه
~~ولك أن تفسر المجيء بالحصول فيجري العلم على ظاهره.

# { ملك من الله من ولي ولا نصير } جواب للقسم الدال
~~عليه السلام الموطئة ولو أجيب به الشرط هنا لوجبت الفاء، وقيل: إنه جواب
~~له ويحتاج إلى تقدير القسم مؤخرا عن الشرط وتأويل الجملة الإسمية
~~بالفعلية الاستقبالية أي ما يكون لك وهو تعسف إذ لم يقل أحد من النحاة
~~بتقدير القسم مؤخرا مع اللام الموطئة، وتأويل الإسمية بالفعلية لا دليل
~~عليه، وقيل: إنه جواب لكلا الأمرين القسم الدال عليه اللام وإن
~~الشرطية لأحدهما لفظا وللآخر معنى وهو كما ترى، والخطاب أيضا لرسول
~~الله صلى الله عليه وسلم وتقييد الشرط بما قيد للدلالة على أن متابعة
~~أهوائهم محال لأنه خلاف ما علم صحته فلو فرض وقوعه كما يفرض المحال لم
~~يكن له ولي ولا نصير يدفع عنه العذاب، وفيه أيضا من المبالغة في الإقناط
~~ما لا يخفى، وقيل: الخطاب هناك وهنا وإن كان ظاهرا للنبي صلى الله عليه
~~وسلم إلا أن المقصود منه أمته، وأنت تعلم مما ذكرنا أنه لا يحتاج إلى
~~التزام ذلك.

### || [2.121]

# { الذين ءاتينهم الكتب } اعتراض لبيان حال مؤمني أهل
~~الكتاب بعد ذكر أحوال كفرتهم ولم يعطف تنبيها على كمال التباين بين
~~الفريقين والآية نازلة فيهم وهم المقصودون منها سواء أريد بالموصول الجنس
~~أو العهد على ما قيل إنهم ms00607 الأربعون الذين قدموا من الحبشة مع جعفر بن
~~أبي طالب اثنان وثلاثون منهم من اليمن وثمانية من علماء الشام.

# { يتلونه حق تلاوته } أي يقرءونه حق قراءته وهي قراءة تأخذ
~~بمجامع القلب فيراعى فيها ضبط اللفظ والتأمل في المعنى وحق الأمر والنهي،
~~والجملة حال مقدرة أي آتيناهم الكتاب مقدرا تلاوتهم لأنهم لم يكونوا
~~تالين وقت الإيتاء وهذه الحال مخصصة لأنه ليس كل من أوتيه يتلوه، و {
~~حق } منصوب على المصدرية لإضافته إلى المصدر، وجوز أن يكون وصفا لمصدر
~~محذوف وأن يكون حالا أي محقين والخبر قوله تعالى: { أولئك
~~يؤمنون به } ويحتمل أن يكون { يتلونه } خبرا لا حالا، {
~~أولئك } الخ خبرا بعد خبر أو جملة مستأنفة، وعلى أول الاحتمالين
~~يكون الموصول للجنس، وعلى ثانيهما يكون للعهد أي مؤمنو أهل الكتاب،
~~وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي للحصر والتعريض، والضمير للكتاب أي
~~ أولئك يؤمنون بكتابهم  دون المحرفين فإنهم غير مؤمنين به، ومن هنا
~~يظهر فائدة الإخبار على الوجه الأخير، ولك أن تقول محط الفائدة ما يلزم
~~الإيمان به/ من الربح بقرينة ما يأتي، ومن الناس من حمل الموصول على
~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإليه ذهب عكرمة وقتادة، فالمراد من
~~(الكتاب) حينئذ القرآن، ومنهم من حمله على الأنبياء والمرسلين عليهم
~~السلام، وإليه ذهب ابن كيسان، فالمراد من الكتاب حينئذ الجنس ليشمل الكتب
~~المتفرقة، ومنهم من قال بما قلنا إلا أنه جوز عود ضمير { به } إلى

# الهدى

# [البقرة: 120] أو إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى الله تعالى،
~~وعلى التقديرين يكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة أو من التكلم
~~إليها ولا يخفى ما في بعض هذه الوجوه من البعد البعيد.

# { ومن يكفر به } أي الكتاب بسبب التحريف والكفر بما يصدقه،
~~واحتمالات نظير هذا الضمير مقولة فيه أيضا. { فأولئك هم
~~الخسرون } من جهة أنهم اشتروا الكفر بالإيمان، وقيل: بتجارتهم
~~التي كانوا يعملونها بأخذ الرشا على التحريف.

### || [2.122-123]

# تكرير لتذكير بني إسرائيل وإعادة لتحذيرهم للمبالغة في النصح، وللإيذان
~~بأن ذلك فذلكة ms00608 القصة والمقصود منها  وقد تفنن في التعبير فجاءت الشفاعة
~~أولا: بلفظ القبول متقدمة على  العدل  وهنا: بلفظ  النفع  متأخرة
~~عنه، ولعله  كما قيل  إشارة إلى انتفاء أصل الشيء وانتفاء ما يترتب
~~عليه، وأعطي المقدم وجودا تقدمه ذكرا، والمتأخر وجودا تأخره ذكرا،
~~وقيل: إن ما سبق كان للأمر بالقيام بحقوق النعم السابقة، وما هنا لتذكير
~~ نعمة بها فضلهم على العالمين  وهي نعمة الإيمان ببني زمانهم،
~~وانقيادهم لأحكامه ليغتنموها ويؤمنوا ويكونوا من الفاضلين  لا المفضولين
~~ وليتقوا بمتابعته عن أهوال القيامة وخوفها  كما اتقوا بمتابعة موسى
~~عليه السلام.

### || [2.124]

# { وإذ ابتلى إبرهيم ربه بكلمت } في متعلق { إذ
~~} احتمالات تقدمت الإشارة إليها في نظير الآية، واختار أبو حيان تعلقها
~~ب { قال } الآتي، وبعضهم بمضمر مؤخر، أي كان كيت وكيت والمشهور:
~~تعلقها بمضمر مقدم تقديره  اذكر  أو  اذكروا  وقت كذا، والجملة حينئذ
~~معطوفة على ما قبلها عطف القصة على القصة، والجامع الاتحاد في المقصد؛
~~فإن المقصد من  تذكيرهم وتخويفهم  تحريضهم على قبول دينه صلى الله عليه
~~وسلم، واتباع الحق، وترك التعصب، وحب الرياسة، كذلك المقصد من قصة
~~إبراهيم عليه السلام وشرح أحواله، الدعوة على ملة الإسلام؛ وترك التعصب
~~في الدين، وذلك لأنه إذا علم أنه نال  الإمامة  بالانقياد لحكمه تعالى
~~وأنه لم يستجب دعاءه في الظالمين وأن الكعبة كانت مطافا ومعبدا في وقته
~~مأمورا هو بتطهيره، وأنه كان يحج البيت داعيا مبتهلا  كما هو في دين
~~النبي صلى الله عليه وسلم  وأن نبينا عليه الصلاة والسلام من دعوته،
~~وأنه دعا في حق نفسه وذريته بملة الإسلام، كان الواجب على من يعترف بفضله
~~وأنه من أولاده، ويزعم اتباع ملته؛ ويباهي بأنه من ساكن حرمه وحامي بيته،
~~أن يكون حاله مثل ذلك، وذهب عصام الملة والدين إلى جواز العطف على

# نعمتي

# [البقرة: 122] أي: اذكروا وقت  ابتلاء إبراهيم  فإن فيه ما ينفعكم
~~ويرد اعتقادكم الفاسد أن آباءكم شفعاؤكم يوم القيامة، لأنه لم يقبل دعاء
~~إبراهيم في  الظلمة  ويدفع عنكم حب الرياسة المانع عن متابعة الرسول
~~صلى الله عليه ms00609 وسلم، فإنه يعلم منه أنه لا ينال الرياسة الظالمين واعترض
~~بأنه خروج عن طريق البلاغة مع لزوم تخصيص الخطاب بأهل الكتاب وتخلل

# اتقوا

# [البقرة: 123] بين المعطوفين .

# والابتلاء  في الأصل الاختبار  كما قدمنا / والمراد به هنا التكليف،
~~أو المعاملة معاملة الاختبار مجازا، إذ حقيقة الاختبار محالة عليه تعالى
~~ لكونه عالم السر والخفيات  و (إبراهيم) علم أعجمي، قيل: معناه قبل
~~النقل  أب رحيم  وهو مفعول مقدم لإضافة فاعله إلى ضميره، والتعرض
~~لعنوان الربوبية تشريف له عليه السلام، وإيذان بأن ذلك  الابتلاء 
~~تربية له وترشيح لأمر خطير، و  الكلمات  جمع  كلمة  وأصل معناها 
~~اللفظ المفرد  وتستعمل في الجمل المفيدة، وتطلق على معاني ذلك  لما بين
~~اللفظ والمعنى من شدة الاتصال  واختلف فيها، فقال طاوس عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما: إنها العشرة التي من الفطرة، المضمضة، والاستنشاق، وقص
~~الشارب، وإعفاء اللحية، والفرق، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وحلق العانة
~~والاستطابة، والختان، وقال عكرمة رواية عنه أيضا: لم يبتل أحد بهذا
~~الدين فأقامه كله إلا إبراهيم، ابتلاه الله تعالى بثلاثين خصلة من خصال
~~الإسلام، عشر منها في سورة براءة [112]

# التئبون

# [التوبة: 112] الخ، وعشر في الأحزاب [35]

# إن المسلمين والمسلمت

# [الأحزاب: 35] الخ، وعشر في المؤمنين و { سأل سائل } إلى

# والذين هم على صلاتهم يحافظون

# [المعارج: 134] وفي رواية الحاكم في «مستدركه» أنها ثلاثون، وعد السور
~~الثلاثة الأول ولم يعد السورة الأخيرة، فالذي في براءة التوبة والعبادة
~~والحمد والسياحة والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
~~والحفظ لحدود الله تعالى، والإيمان المستفاد من

# وبشر المؤمنين

# [التوبة: 112] أو من

# إن الله اشترى من المؤمنين

# [التوبة: 111]، [والذي] في الأحزاب، الإسلام والإيمان والقنوت والصدق
~~والصبر والخشوع والتصدق والصيام والحفظ للفروج، والذكر والذي في
~~المؤمنين: الإيمان والخشوع والإعراض عن اللغو والزكاة والحفظ للفروج 
~~إلا على الأزواج أو الإماء ثلاثة  والرعاية للعهد، والأمانة اثنين،
~~والمحافظة على الصلاة، وهذا مبني على أن لزوم التكرار في بعض الخصال بعد
~~جمع العشرات المذكورة، كالإيمان والحفظ للفروج لا ينافي كونها ثلاثين
~~تعدادا  إنما ينافي تغايرها ذاتا  ومن ms00610 هنا عدت التسمية مائة وثلاث
~~عشرة آية عند الشافعية باعتبار تكررها في كل سورة، وما في رواية عكرمة
~~مبني على اعتبار التغاير بالذات وإسقاط المكررات، وعده العاشرة البشارة
~~للمؤمنين في براءة، وجعل الدوام على الصلاة والمحافظة عليها واحدا

# والذين فى أمولهم حق معلوم * للسائل
~~والمحروم

# [المعارج: 2425] غير  الفاعلين للزكاة  لشموله صدقة التطوع وصلة
~~الأقارب، وما روي أنها أربعون وبينت بما في السور الأربع مبني على
~~الاعتبار الأول أيضا  فلا إشكال  وقيل: ابتلاه الله تعالى بسبعة
~~أشياء: بالكوكب، والقمرين، والختان على الكبر، والنار، وذبح الولد،
~~والهجرة من كوثى إلى الشام، وروي ذلك عن الحسن، وقيل: هي ما تضمنته
~~الآيات بعد من الإمامة، وتطهير البيت، ورفع قواعده، والإسلام، (وقيل،
~~وقيل...) إلى ثلاثة عشر قولا.

# وقرأ ابن عامر وابن الزبير وغيرهما (إبراهام) وأبو بكرة (إبراهم) 
~~بكسر الهاء وحذف الياء  وقرأ ابن عباس، وأبو الشعثاء، وأبو حنيفة رضي
~~الله تعالى عنهم برفع (إبراهيم) ونصب (ربه)  فالابتلاء  بمعنى الاختبار
~~حقيقة لصحته من العبد، والمراد: دعا ربه بكلمات مثل

# رب أرنى كيف تحيى الموتى

# [البقرة: 260] و

# اجعل هذا البلد امنا

# [ابراهيم: 35] ليرى هل يجيبه؟ ولا حاجة إلى الحمل على المجاز. وأما ما
~~قيل: إنه  وإن صح من العبد  لا يصح  أو لا يحسن تعليقه بالرب  فوجهه
~~غير ظاهر سوى ذكر لفظ  الابتلاء  ويجوز أن يكون ذلك في مقام الإنس،
~~ومقام الخلة غير خفي.

# { فأتمهن } الضمير المنصوب  للكلمات  لا غير، والمرفوع
~~المستكن يحتمل أن يعود  لإبراهيم  وأن يعود  لربه  على كل من قرائتي
~~ الرفع والنصب  فهناك أربعة احتمالات الأول: عوده على { إبراهيم }
~~منصوبا، ومعنى: { أتمهن } حينئذ أتى بهن على الوجه الأتم وأداهن/ كما
~~يليق.

# الثاني: عوده على { ربه } مرفوعا، والمعنى حينئذ يسر له العمل بهن
~~وقواه على  إتمامهن  أو أتم له أجورهن، أو أدامهن سنة فيه وفي عقبه
~~إلى يوم الدين. الثالث: عوده على إبراهيم مرفوعا  والمعنى عليه  أتم
~~إبراهيم الكلمات المدعو بها بأن راعى شروط الإجابة فيها، ولم يأت بعدها
~~بما يضيعها. الرابع: عوده إلى { ربه ms00611 } منصوبا  والمعنى عليه 
~~فأعطى سبحانه إبراهيم جميع ما دعاه، وأظهر الاحتمالات الأول والرابع، إذ
~~التمدح غير ظاهر في الثاني  مع ما فيه من حذف المضاف على أحد محتملاته 
~~والاستعمال المألوف غير متبع في الثالث، لأن الفعل الواقع في مقابلة
~~الاختبار يجب أن يكون فعل المختبر اسم مفعول.

# { قال إنى جعلك للناس إماما } استئناف بياني إن أضمر
~~ناصب { إذ } كأنه قيل: فماذا كان بعد؟ فأجيب بذلك، أو بيان  لابتلى 
~~بناء على رأي من جعل  الكلمات  عبارة عما ذكر أثره وبعضهم يجعل ذلك من
~~بيان الكلي بجزئي من جزئياته  وإذا نصبت { إذ } ب { قال } كما ذهب
~~إليه أبو حيان : يكون المجموع جملة معطوفة على ما قبلها على الوجه الذي
~~مر تفصيله، وقيل: مستطردة أو معترضة، ليقع قوله تعالى:

# أم كنتم شهداء

# [البقرة: 133] إن جعل خطابا لليهود موقعه، ويلائم قوله سبحانه:

# وقالوا كونوا هودا أو نصرى

# [البقرة: 135].

# و (جاعل) من  جعل  بمعنى صير المتعدي إلى مفعولين، و { للناس }
~~إما متعلق بجاعل أي لأجلهم، وإما في موضع الحال لأنه نعت نكرة تقدمت أي
~~إماما كائنا لهم  والإمام  اسم للقدوة الذي يؤتم به. ومنه قيل لخيط
~~البناء: إمام، وهو مفرد على فعال، وجعله بعضهم اسم آلة لأن فعالا من
~~صيغها  كالإزار  واعترض بأن  الإمام  ما يؤتم به، والإزار ما يؤتزر
~~به  فهما مفعولان  ومفعول الفعل ليس بآلة لأنها الواسطة بين الفاعل
~~والمفعول في وصول أثره إليه، ولو كان المفعول آلة لكان الفاعل كذلك 
~~وليس فليس  ويكون جمع  آم  اسم فاعل من  أم يؤم  كجائع وجياع، وقائم
~~وقيام، وهو بحسب المفهوم وإن كان شاملا للنبي والخليفة وإمام الصلاة،
~~بل كل من يقتدي به في شيء ولو باطلا كما يشير إليه قوله تعالى:

# وجعلنهم أئمة يدعون إلى النار

# [القصص: 41] إلا أن المراد به ههنا النبي المقتدى به، فإن من عداه
~~لكونه مأموم النبي ليست إمامته كإمامته، وهذه الإمامة إما مؤبدة  كما
~~هو مقتضى تعريف الناس  وصيغة اسم الفاعل الدال على الاستمرار ولا يضر
~~مجيء الأنبياء بعده لأنه ms00612 لم يبعث نبي إلا وكان من ذريته ومأمورا
~~باتباعه في الجملة لا في جميع الأحكام لعدم اتفاق الشرائع التي بعده في
~~الكل، فتكون إمامته باقية بإمامة أولاده التي هي أبعاضه على التناوب،
~~وإما مؤقتة بناء على أن ما نسخ  ولو بعضه  لا يقال له مؤبد وإلا لكانت
~~إمامة كل نبي مؤبدة ولم يشع ذلك، فالمراد من (الناس) حينئذ أمته الذين
~~اتبعوه، ولك أن تلتزم القول بتأبيد إمامة كل نبي  ولكن في " عقائد
~~التوحيد "  وهي لم تنسخ بل لا تنسخ أصلا كما يشير إليه قوله تعالى؛

# أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده

# [الأنعام: 90] وعدم الشيوع غير مسلم، ولئن سلم لا يضر، والامتنان على
~~إبراهيم عليه السلام بذلك دون غيره لخصوصية اقتضت ذلك لا تكاد تخفى
~~فتدبر.

# ثم لا يخفى أن ظاهر الآية يشير إلى أن الابتلاء كان قبل النبوة لأنه
~~تعالى جعل القيام بتلك الكلمات سببا لجعله إماما، وقيل: إنه كان بعدها
~~لأنه يقتضي سابقة الوحي، وأجيب بأن مطلق الوحي لا يستلزم البعثة إلى
~~الخلق وأنت تعلم أن ذبح الولد والهجرة والنار إن كانت من  الكلمات 
~~يشكل الأمر لأن هذه كانت بعد النبوة بلا شبهة، وكذا الختان أيضا بناء
~~على ما روي أنه عليه الصلاة والسلام حين ختن نفسه كان عمره مائة وعشرين
~~فحينئذ يحتاج إلى أن يكون  إتمام الكلمات  سبب الإمامة باعتبار عمومها
~~للناس واستجابة دعائه في حق بعض ذريته، ونقل الرازي عن القاضي أنه على
~~هذا يكون المراد من قوله تعالى: { فأتمهن } أنه سبحانه وتعالى
~~علم من حاله أنه/ يتمهن ويقوم بهن بعد النبوة فلا جرم أعطاه خلعة الإمامة
~~والنبوة ولا يخفى أن الفاء يأبى عن الحمل على هذا المعنى.

# { قال } استئناف بياني والضمير لإبراهيم عليه السلام { ومن
~~ذريتى } عطف على الكاف يقال سأكرمك فتقول وزيدا وجعله على معنى:
~~ماذا يكون من ذريتي بعيد. وذهب أبو حيان إلى أنه متعلق بمحذوف أي  اجعل
~~من ذريتي  إماما لأنه عليه السلام فهم من { إنى جعلك }
~~الاختصاص به، واختاره بعضهم واعترضوا على ms00613 ما تقدم بأن الجار والمجرور لا
~~يصلح مضافا إليه فكيف يعطف عليه وبأن العطف على الضمير كيف يصح بدون
~~إعادة الجار وبأنه كيف يكون المعطوف مقول قائل آخر، ودفع الأولان بأن
~~الإضافة اللفظية في تقدير الانفصال { ومن ذريتى } في معنى: بعض
~~ذريتي فكأنه قال: وجاعل بعض ذريتي وهو صحيح على أن العطف على الضمير
~~المجرور بدون إعادة الجار وإن أباه أكثر النحاة إلا أن المحققين من علماء
~~العربية وأئمة الدين على جوازه حتى قال صاحب «العباب»: إنه وارد في
~~القراآت السبعة المتواترة فمن رد ذلك فقد رد على النبي صلى الله عليه
~~وسلم، ودفع الثالث: بأنه من قبيل عطف التلقين فهو خبر في معنى الطلب وكأن
~~أصله: واجعل بعض ذريتي كما قدره المعترض لكنه عدل عنه إلى المنزل لما فيه
~~من البلاغة من حيث جعله من تتمة كلام المتكلم كأنه مستحق مثل المعطوف
~~عليه وجعل نفسه كالنائب عن المتكلم والعدول من صيغة الأمر للمبالغة في
~~الثبوت ومراعاة الأدب في التفادي عن صورة الأمر وفيه من الاختصار الواقع
~~موقعه ما يروق كل ناظر؛ ونظير هذا العطف ما روى الشيخان عن ابن عمر رضي
~~الله تعالى عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " اللهم ارحم المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: اللهم ارحم
~~المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين "

# وقد ذكر الأصوليون أن التلقين ورد بالواو وغيرها من الحروف وأنه وقع في
~~الاستثناء كما في الحديث:

# " إن الله تعالى حرم شجر الحرم قالوا إلا الإذخر يا رسول الله "

# واعترض أيضا بأن العطف المذكور يستدعي أن تكون إمامة  ذريته  عامة
~~لجميع الناس عموم إمامته عليه السلام على ما قيل، وليس كذلك؛ وأجيب بأنه
~~يكفي في العطف الاشتراك في أصل المعنى، وقيل: يكفي قبولها في حق نبينا
~~عليه الصلاة والسلام.

#  والذرية  نسل الرجل وأصلها الأولاد الصغار ثم عمت الكبار والصغار
~~الواحد وغيره، وقيل: إنها تشمل الآباء لقوله تعالى:

# أنا حملنا ذريتهم فى الفلك المشحون

# [يس: 41] يعني نوحا وأبناءه ms00614 والصحيح خلافه، وفيها ثلاث لغات  ضم الذال
~~وفتحها وكسرها  وبها قرىء وهي إما فعولة من ذروت أو ذريت والأصل ذرووة
~~أو ذروية فاجتمع في الأول واوان زائدة وأصلية فقلبت الأصلية ياء فصارت
~~كالثانية فاجتمعت ياء وواء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت
~~الياء في الباء فصارت ذرية أو فعلية منهما والأصل في الأولى  ذريوة 
~~فقلبت الواو ياء لما سبق فصارت  ذريية  كالثانية فأدغمت الياء في مثلها
~~فصارت ذرية، أو فعلية من الذرء بمعنى الخلق والأصل ذرئية فقلبت الهمزة
~~ياء وأدغمت، أو فعيلة من الذر بمعنى التفريق والأصل ذريرة قلبت الراء
~~الأخيرة ياء هربا من ثقل التكرير كما قالوا في تظننت تظنيت، وفي تقضضت
~~تقضيت، أو فعولة منه والأصل ذرورة فقلبت الراء الأخيرة ياء فجاء الإدغام
~~أو فعلية منه على صيغة النسبة قالوا: وهو الأظهر لكثرة مجئيها كحرية
~~ودرية، وعدم احتياجها إلى الإعلال وإنما ضمت ذاله لأن الأبنية قد تغير في
~~النسبة خاصة كما قالوا في النسبة إلى الدهر: دهري.

# { قال } استئناف بياني أيضا؛ والضمير لله عز اسمه.

# { لا ينال عهدي الظلمين } إجابة لما/ راعى الأدب في طلبه
~~من جعل بعض ذريته نبيا كما جعل مع تعيين جنس البعض الذي أبهم في دعائه
~~عليه السلام بأبلغ وجه وآكده حيث نفى الحكم عن أحد الضدين مع الإشعار إلى
~~دليل نفيه عنه ليكون دليلا على الثبوت للآخر فالمتبادر من العهد
~~الإمامة، وليست هي هنا إلا النبوة، وعبر عنها به للإشارة إلى أنها أمانة
~~الله تعالى وعهده الذي لا يقوم به إلا من شاء الله تعالى من عباده، وآثر
~~النيل على الجعل إيماء إلى أن إمامة الأنبياء من ذريته عليهم السلام ليست
~~بجعل مستقبل بل هي حاصلة في ضمن إمامته تنال كلا منهم في وقته المقدر
~~له، ولا يعود من ذلك نقص في رتبة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم لأنه جار
~~مجرى التغليب على أن مثل ذلك لو كان يحط من قدرها لما خوطب صلى الله عليه
~~وسلم بقوله تعالى:

# أن اتبع ms00615 ملة إبرهيم

# [النحل: 123] والمتبادر من  الظلم  الكفر لأنه الفرد الكامل من
~~أفراده، ويؤيده قوله تعالى:

# والكفرون هم الظلمون

# [البقرة: 254] فليس في الآية دلالة على عصمة الأنبياء عليهم السلام من
~~الكبائر قبل البعثة ولا على أن الفاسق لا يصلح للخلافة، نعم فيها قطع
~~إطماع الكفرة الذين كانوا يتمنون النبوة، وسد أبواب آمالهم الفارغة عن
~~نيلها.

# واستدل بها بعض الشيعة على نفي إمامة الصديق وصاحبيه رضي الله تعالى
~~عنهم حيث إنهم عاشوا مدة مديدة على الشرك و

# إن الشرك لظلم عظيم

# [لقمان: 13] والظالم بنص الآية لا تناله الإمامة، وأجيب بأن غاية ما
~~يلزم أن الظالم في حالة الظلم لا تناله، والإمامة إنما نالتهم رضي الله
~~تعالى عنهم في وقت كمال إيمانهم وغاية عدالتهم.

# واعترض بأن { من } تبعيضية فسؤال إبراهيم عليه السلام الإمامة إما
~~للبعض العادل من ذريته مدة عمره أو الظالم حال الإمامة سواء كان عادلا
~~في باق العمر أم لا، أو العادل في البعض الظالم في البعض الآخر أو الأعم،
~~فعلى الأول: يلزم عدم مطابقة الجواب، وعلى الثاني: جهل الخليل، وحاشاه
~~وعلى الثالث: المطلوب، وحياه، وعلى الرابع: إما المطلوب أو الفساد وأنت
~~خبير بأن مبنى الاستدلال حمل العهد على الأعم من النبوة والإمامة التي
~~يدعونها  ودون إثباته خرط القتاد  وتصريح البعض كالجصاص لا يبنى عليه
~~إلزام الكل، وعلى تقدير التنزل يجاب بأنا نختار أن سؤال الإمامة بالمعنى
~~الأعم للبعض المبهم من غير إحضار الاتصاف بالعدالة والظلم حال السؤال،
~~والآية إجابة لدعائه مع زيادة على ما أشرنا إليه، وكذا إذا اختير الشق
~~الأول بل الزيادة عليه زيادة، ويمكن الجواب باختيار الشق الثالث أيضا
~~بأن نقول: هو على قسمين، أحدهما: من يكون ظالما قبل الإمامة ومتصفا
~~بالعدالة وقتها اتصافا مطلقا بأن صار تائبا من المظالم السابقة فيكون
~~حال الإمامة متصفا بالعدالة المطلقة، والثاني من يكون ظالما قبل
~~الإمامة ومحترزا عن الظلم حالها لكن غير متصف بالعدالة المطلقة لعدم
~~التوبة، ويجوز أن يكون السؤال شاملا لهذا القسم ولا بأس به إذا أمن
~~الرعية من ms00616 الفساد الذي هو المطلوب يحصل به؛ فالجواب بنفي حصول الإمامة
~~لهذا القسم، والشيخان وعثمان رضي الله تعالى عنهم ليسوا منه بل هم في
~~أعلى مراتب القسم الأول متصفون بالتوبة الصادقة، والعدالة المطلقة،
~~والإيمان الراسخ، والإمام لا بد أن يكون وقت الإمامة كذلك، ومن كفر أو
~~ظلم ثم تاب وأصلح لا يصح أن يطلق عليه أنه كافر أو ظالم في لغة وعرف وشرع
~~إذ قد تقرر في الأصول أن المشتق فيما قام به المبدأ في الحال حقيقة، وفي
~~غيره مجاز، ولا يكون المجاز أيضا مطردا بل حيث يكون متعارفا وإلا لجاز
~~صبي لشيخ ونائم لمستيقظ، وغني لفقير، وجائع لشبعان، وحي لميت وبالعكس،
~~وأيضا لو اطرد ذلك يلزم من حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في
~~الحال إلا أنه كان كافرا قبل بسنين متطاولة أن يحنث ولا قائل به.

# هذا ومن أصحابنا من جعل الآية دليلا على عصمة الأنبياء عن الكبائر قبل
~~البعثة وأن الفاسق لا يصح للخلافة، ومبنى ذلك حمل العهد على الإمامة
~~وجعلها شاملة للنبوة والخلافة، وحمل الظالم على من ارتكب معصية مسقطة
~~للعدالة/ بناء على أن الظلم خلاف العدل، ووجه الاستدلال حينئذ أن الآية
~~دلت على أن نيل الإمامة لا يجامع الظلم السابق فإذا تحقق النيل كما في
~~الأنبياء علم عدم اتصافهم حال النيل بالظلم السابق وذلك إما بأن لا يصدر
~~منهم ما يوجب ذلك أو بزواله بعد حصوله بالتوبة ولا قائل بالثاني إذ
~~الخلاف إنما هو في أن صدور الكبيرة هل يجوز قبل البعثة أم لا؟ فيتعين
~~الثاني وهو العصمة، أو المراد بها ههنا عدم صدور الذنب لا الملكة وكذا
~~إذا تحقق الاتصاف بالظلم كما في الفاسق على عدم حصول الإمامة بعد ما دام
~~اتصافه بذلك واستفادة عدم صلاحية الفاسق للإمامة على ما قررنا من منطوق
~~الآية وجعلها من دلالة النص أو القياس المحوج إلى القول بالمساواة ولا
~~أقل، أو التزام جامع وهما مناط العيوق إنما يدعو إليه حمل الإمامة على
~~النبوة، وقد علمت أن ms00617 المبنى الحمل على الأعم وكان الظاهر أن الظلم
~~الطارىء والفسق العارض يمنع عن الإمامة بقاءا كما منع عنها ابتداءا لأن
~~المنافاة بين الوصفين متحققة في كل آن  وبه قال بعض السلف  إلا أن
~~الجمهور على خلافه مدعين أن المنافاة في الابتداء لا تقتضي المنافاة في
~~البقاء لأن الدفع أسهل من الرفع، واستشهدوا له بأنه لو قال لامرأة مجهولة
~~النسب يولد مثلها لمثله: هذه بنتي لم يجز له نكاحها ولو قال لزوجته
~~الموصوفة بذلك لم يرتفع النكاح لكن إن أصر عليه يفرق القاضي بينهما وهذا
~~الذين قالوه إنما يسلم فيما إذا لم يصل الظلم إلى حد الكفر أما إذا وصل
~~إليه فإنه ينافي الإمامة بقاءا أيضا بلا ريب وينعزل به الخليفة قطعا.

# ومن الناس من استدل بالآية على أن الظالم إذا عوهد لم يلزم الوفاء بعهده
~~وأيد ذلك بما روي عن الحسن أنه قال: إن الله تعالى لم يجعل للظالم عهدا
~~وهو كما ترى، وقرأ أبو الرجاء، وقتادة، والأعمش (الظالمون) بالرفع على أن
~~(عهدي) مفعول مقدم على الفاعل اهتماما ورعاية للفواصل.

### || [2.125]

# { وإذ جعلنا البيت } عطف على

# وإذ ابتلى

# [البقرة: 124] والبيت من الأعلام الغالبة للكعبة كالنجم للثريا {
~~مثابة للناس } أي مجمعا لهم قاله الخليل وقتادة  أو معاذا
~~وملجأ  قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أو مرجعا يثوب إليه أعيان
~~الزوار أو أمثالهم  قاله مجاهد وجبير  أو مرجعا يحق أن يرجع ويلجأ
~~إليه قاله بعض المحققين  أو موضع ثواب يثابون بحجه واعتماره  قاله عطاء
~~ وحكاه الماوردي عن بعض أهل اللغة والتاء فيه وتركه لغتان كما في مقام
~~ومقامة وهي لتأنيث البقعة  وهو قول الفراء والزجاج  وقال الأخفش: إن 
~~التاء فيه للمبالغة كما في نسابة وعلامة، وأصله مثوبة على وزن مفعلة مصدر
~~ميمي، أو ظرف مكان، واللام في الناس للجنس وهو الظاهر وجوز حمله على
~~العهد أو الاستغراق العرفي، وقرأ الأعمش وطلحة (مثابات) على الجمع لأنه
~~مثابة كل واحد من الناس لا يختص به أحد منهم

# سواء العكف فيه والباد

# [الحج: 25] فهو ms00618 وإن كان واحدا بالذات إلا أنه متعدد باعتبار الإضافات،
~~وقيل: إن الجمع بتنزيل تعدد الرجوع منزلة تعدد المحل أو باعتبار أن كل
~~جزء منه مثابة، واختار بعضهم ذلك زعما منه أن الأول يقتضي أن يصح
~~التعبير عن غلام جماعة بالمملوكين ولم يعرف، وفيه أنه قياس مع الفارق إذ
~~له إضافة المملوكية إلى كلهم لا إلى كل واحد منهم.

# { وأمنا } عطف على { مثابة } وهو مصدر وصف به للمبالغة، والمراد
~~موضع أمن إما لسكانه من الخطف؛ أو لحجاجه من العذاب حيث إن الحج يزيل
~~ويمحو ما قبله غير حقوق العباد والحقوق المالية كالكفارة على الصحيح، أو
~~للجاني الملتجيء إليه من القتل  وهو مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله
~~تعالى عنه  إذ عنده لا يستوفى قصاص النفس في الحرم لكن يضيق على الجاني
~~ولا يكلم ولا يطعم ولا يعامل حتى يخرج فيقتل، وعند الشافعي رضي الله
~~تعالى عنه من وجب عليه الحد والتجأ إليه يأمر الإمام بالتضييق عليه بما
~~يؤدي إلى خروجه فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل فإن لم يخرج جاز قتله
~~فيه، وعند الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه لا يستوفى من الملتجىء قصاص
~~مطلقا ولو قصاص الأطراف حتى يخرج ومن الناس من جعل  (أمنا)  مفعولا
~~ثانيا لمحذوف على معنى الأمر أي  واجعلوه أمنا  كما جعلناه مثابة وهو
~~بعيد عن ظاهر النظم، ولم يذكر للناس هنا كما ذكر من قبل، اكتفاء به أو
~~إشارة إلى العموم أي أنه أمن لكل شيء كائنا ما كان حتى الطير والوحش إلا
~~الخمس الفواسق فإنها خصت من ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~ويدخل فيه أمن الناس دخولا أوليا.

# { واتخذوا من مقام إبرهيم مصلى } عطف على جعلنا أو
~~حال من فاعله على إرادة القول أي وقلنا أو قائلين لهم اتخذوا والمأمور به
~~الناس كما هو الظاهر أو إبراهيم عليه السلام وأولاده كما قيل، أو عطف على
~~اذكر المقدر عاملا ل { إذ } ، أو معطوف على مضمر تقديره ثوبوا إليه {
~~واتخذوا } وهو معترض ms00619 باعتبار نيابته عن ذلك بين (جعلنا) و(عهدنا)
~~ولم يعتبر الاعتراض من دون عطف مع أنه لا يحتاج إليه ليكون الارتباط مع
~~الجملة السابقة أظهر، والخطاب على هذين الوجهين لأمة محمد صلى الله عليه
~~وسلم وهو صلى الله عليه وسلم رأس المخاطبين. و { من } إما للتبعيض أو
~~بمعنى  في  أو زائدة  على مذهب الأخفش  والأظهر الأول، وقال القفال:
~~هي مثل اتخذت من فلان صديقا وأعطاني الله تعالى من فلان أخا صالحا،
~~دخلت لبيان المتخذ الموهوب وتمييزه.

# و  المقام  مفعل من القيام يراد به المكان أي مكان قيامه وهو الحجر
~~الذي ارتفع عليه إبراهيم عليه السلام حين ضعف من رفع الحجارة التي كان
~~ولده إسماعيل يناوله إياها في بناء البيت، وفيه أثر قدميه قاله ابن عباس
~~وجابر وقتادة وغيرهم، وأخرجه البخاري  وهو قول جمهور المفسرين  وروي عن
~~الحسن أنه الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل عليه السلام تحت إحدى رجليه وهو
~~راكب فغسلت أحد شقي رأسه ثم رفعته من تحتها وقد غاصت فيه ووضعته تحت رجله
~~الأخرى فغسلت شقه الآخر وغاصت رجله الأخرى فيه أيضا، أو الموضع الذي كان
~~فيه الحجر حين قام عليه ودعا الناس إلى الحج ورفع بناء البيت، وهو موضعه
~~اليوم  فالمقام  في أحد المعنيين حقيقة لغوية وفي الآخر مجاز متعارف
~~ويجوز حمل اللفظ على كل منهما  كذا قالوا  إلا أنه استشكل تعيين الموضع
~~بما هو الموضع بما هو الموضع اليوم لما في «فتح الباري» ((من أنه كان
~~المقام أي الحجر من عهد إبراهيم عليه السلام لزيق البيت إلى أن أخره عمر
~~رضي الله تعالى عنه إلى المكان الذي هو فيه الآن أخرجه عبد الرزاق بسند
~~قوي، وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن مجاهد أن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم هو الذي حوله))، فإن هذا يدل على تغاير الموضعين سواء كان المحول
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عمر رضي الله تعالى عنه، وأيضا كيف
~~يمكن رفع البناء حين القيام عليه حال كونه في موضعه اليوم؟! وهو بعيد ms00620 من
~~الحجر الأسود بسبعة وعشرين ذراعا، وأيضا المشهور أن دعوة الناس إلى
~~الحج كانت فوق أبي قبيس فإنه صعده بعد الفراغ من عمارة البيت ونادى أيها
~~الناس حجوا بيت ربكم فإن لم يكن الحجر معه حينئذ أشكل القول بأنه قام
~~عليه ودعا وإن كان معه وكان الوقوف عليه فوق الجبل  كما يشير إليه كلام
~~" روضة الأحباب " ، وبه يحصل الجمع  أشكل التعيين بماهو اليوم وغاية
~~التوجيه أن يقال لا شك أنه عليه السلام كان يحول الحجر حين البناء من
~~موضع إلى موضع ويقوم عليه فلم يكن له موضع معين، وكذا حين الدعوة لم يكن
~~عند البيت بل فوق أبي قبيس فلا بد من صرف عباراتهم عن ظاهرها بأن يقال
~~الموضع الذي كان الحجر في أثناء زمان قيامه عليه واشتغاله بالدعوة، أو
~~رفع البناء لا حالة القيام عليه، ووقع في بعض الكتب أن هذا المقام الذي
~~فيه الحجر الآن كان بيت إبراهيم عليه السلام، وكان ينقل هذا الحجر بعد
~~الفراغ من العمل إليه، وأن الحجر/ بعد إبراهيم كان موضوعا في جوف
~~الكعبة، ولعل هذا هو الوجه في تخصيص هذا الموضع بالتحويل، وما وقع في
~~«الفتح» من أنه كان المقام من عهد إبراهيم لزيق البيت معناه بعد إتمام
~~العمارة فلا ينافي أن يكون في أثنائها في الموضع الذي فيه اليوم  كذا
~~ذكره بعض المحققين فليفهم .

# وسبب النزول ما أخرجه أبو نعيم من حديث ابن عمر:

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عمر رضي الله تعالى عنه فقال:
~~يا عمر هذا مقام إبراهيم فقال عمر: أفلا نتخذه مصلى فقال: لم أومر بذلك
~~فلم تغب الشمس حتى نزلت هذه الآية "

# والأمر فيها للاستحباب إذ المتبادر من  المصلى  موضع الصلاة مطلقا،
~~وقيل: المراد به الأمر بركعتي الطواف لما أخرجه مسلم عن جابر:

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه عمد إلى مقام
~~إبراهيم فصلى خلفه ركعتين، وقرأ الآية "

# فالأمر للوجوب على بعض الأقوال، ولا يخفى ضعفه لأن فيه التقييد بصلاة ms00621
~~مخصوصة من غير دليل وقراءته عليه الصلاة والسلام الآية حين أداء الركعتين
~~لا يقتضي تخصيصه بهما، وذهب النخعي ومجاهد إلى أن المراد من مقام إبراهيم
~~الحرم كله، وابن عباس وعطاء إلى أنه مواقف الحج كلها، والشعبي إلى أنه
~~عرفة ومزدلفة والجمار، ومعنى  اتخاذها مصلى  أن يدعى فيها ويتقرب إلى
~~الله تعالى عندها، والذي عليه الجمهور، هو ما قدمناه أولا، وهو الموافق
~~لظاهر اللفظ ولعرف الناس اليوم وظواهر الأخبار تؤيده.

# وقرأ نافع وابن عامر { واتخذوا } بفتح الخاء على أنه فعل ماض، وهو
~~حينئذ معطوف على { جعلنا } أي  واتخذ الناس  من مكان إبراهيم الذي
~~عرف به وأسكن ذريته عنده  وهو الكعبة قبلة يصلون إليها.

# فالمقام مجاز عن ذلك المحل وكذا  المصلى  بمعنى القبلة مجاز عن المحل
~~الذي يتوجه إليه في الصلابة بعلاقة القرب والمجاورة.

# { وعهدنا إلى إبرهيم وإسمعيل } أي وصينا أو أمرنا
~~أو أوحينا أو قلنا، والذي عليه المحققون أن العهد إذا تعدى ب (إلى) يكون
~~بمعنى التوصية، ويتجوز به عن الأمر، وإسمعيل علم أعجمي قيل: معناه
~~بالعربية مطيع الله، وحكي أن إبراهيم عليه السلام كان يدعو أن يرزقه الله
~~تعالى ولدا، ويقول:  اسمع إيل  أي استجب دعائي يا الله فلما رزقه الله
~~تعالى ذلك سماه بتلك الجملة، وأراه في غاية البعد وللعرب فيه لغتان اللام
~~والنون.

# { أن طهرا بيتى } أي بأن طهرا على أن { أن } مصدرية وصلت بفعل
~~الأمر بيانا للموصى المأمور به، وسيبويه وأبو علي جوزا كون صلة الحروف
~~المصدرية أمرا أو نهيا والجمهور منعوا ذلك مستدلين بأنه إذا سبك منه
~~مصدر فات معنى الأمر، وبأنه يجب في الموصول الإسمي كون صلته خبرية.
~~والموصول الحرفي مثله، وقدروا هنا  قلنا  ليكون مدخول الحرف المصدري
~~خبرا، ويرد عليهم أولا أن كونه مع الفعل بتأويل المصدر لا يستدعي
~~اتحاد معناهما ضرورة عدم دلالة المصدر على الزمان مع دلالة الفعل عليه
~~وثانيا: أن وجوب كون الصلة خبرية في الموصول الأسمى إنما هو للتوصل إلى
~~وصف المعارف بالجمل وهي لا توصف بها إلا إذا كانت ms00622 خبرية، وأما الموصول
~~الحرفي فليس كذلك، وثالثا: أن تقدير  قلنا  يفضي إلى أن يكون المأمور
~~به القول، وليس كذلك، وجوز أن تكون { أن } هذه مفسرة لتقدم ما يتضمن معنى
~~القول دون حروفه، وهو العهد، ويحتاج حينئذ إلى تقدير المفعول إذ يشترط مع
~~تقدم ما ذكر كون مدخولها مفسرا لمفعول مقدر أو ملفوظ أي قلنا لهما شيئا
~~هو: أن طهرا والمراد من التطهير التنظيف من كل ما لا يليق فيدخل فيه
~~الأوثان والأنجاس وجميع الخبائث وما يمنع منه شرعا كالحائض؛ وخص مجاهد،
~~وابن عطاء، ومقاتل، وابن جبير التطهير بإزالة الأوثان، وذكروا أن البيت
~~كان عامرا على عهد نوح عليه السلام وأنه كان فيه أصنام على أشكال
~~صالحيهم، وأنه طال/ العهد فعبدت من دون الله تعالى فأمر الله تعالى
~~بتطهيره منها، وقيل: المراد بخراه ونظفاه وخلقاه وارفعا عنه
~~الفرث والدم الذي كان يطرح فيه، وقيل: أخلصاه لمن ذكر بحيث لا يغشاه
~~غيرهم فالتطهير عبارة عن لازمه، ونقل عن السدي أن المراد به البناء
~~والتأسيس على الطهارة والتوحيد وهو بعيد.

# وتوجيه الأمر هنا إلى إبراهيم وإسمعيل لا ينافي ما في سورة الحج من
~~تخصيصه بإبراهيم عليه السلام فإن ذلك واقع قبل بناء البيت كما يفصح عنه
~~قوله تعالى:

# وإذ بوأنا لإبرهيم مكان البيت

# [الحج: 26] وكان إسمعيل حينئذ بمعزل من مثابة الخطاب، وظاهر أن هذا بعد
~~بلوغه مبلغ الأمر والنهي، وتمام البناء بمباشرته كما ينبىء عنه إيراده
~~إثر حكاية جعله مثابة وإضافة البيت إلى ضمير الجلالة للتشريف ك

# ناقة الله

# [الأعراف: 73] لا أنه مكان له تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

# { للطائفين } أي لأجلهم فاللام تعليلية وإن فسر التطهير بلازمه
~~كانت صلة له، و  الطائف  اسم فاعل من طاف به إذا دار حوله، والظاهر أن
~~المراد كل من يطوف من حاضر أو باد  وإليه ذهب عطاء وغيره  وقال ابن
~~جبير: المراد الغرباء الوافدون مكة حجاجا وزوارا. { والعكفين }
~~وهم أهل البلد الحرام المقيمون عند ابن جبير، وقال عطاء: هم الجالسون من
~~غير طواف من بلدي وغريب، ms00623 وقال مجاهد: المجاورون له من الغرباء، وقيل: هم
~~المعتكفون فيه { والركع السجود } وهم المصلون جمع راكع وساجد،
~~وخص الركوع والسجود بالذكر من جميع أحوال المصلي لأنهما أقرب أحواله إليه
~~تعالى وهما الركنان الأعظمان وكثيرا ما يكنى عن الصلاة بهما ولذا ترك
~~العطف بينهما ولم يعبر بالمصلين مع اختصاره إيذانا بأن المعتبر صلاة ذات
~~ركوع وسجود لا صلاة اليهود. وقدم الركوع لتقدمه في الزمان وجمعا جمع
~~تكسير لتغير هيأة المفرد مع مقابلتهما ما قبلهما من جمعي السلامة وفي ذلك
~~تنويع في الفصاحة، وخالف بين وزني تكسيرهما للتنويع مع المخالفة في
~~الهيآت وكان آخرهما على فعول لأجل كونه فاصلة والفواصل قبل وبعد آخرها
~~حرف قبله حرف مد ولين.

### || [2.126]

# { وإذ قال إبرهيم رب اجعل هذا بلدا ءامنا }
~~الإشارة إلى الوادي المذكور بقوله تعالى:

# ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع
~~عند بيتك المحرم

# [إبراهيم: 37] أي اجعل هذا المكان القفر بلدا الخ فالمدعو به البلدية
~~مع الأمن، وهذا بخلاف ما في سورة إبراهيم [35]

# رب اجعل هذا البلد امنا

# ولعل السؤال متكرر، وما في تلك السورة كان بعد، والأمن المسؤول فيها إما
~~هو الأول وأعاد سؤاله دون البلدية رغبة في استمراره لأنه المقصد الأصلي،
~~أو لأن المعتاد في البلدية الاستمرار بعد التحقق بخلافه. وإما غيره بأن
~~يكون المسؤول أولا: مجرد الأمن المصحح للسكنى، وثانيا: الأمن المعهود،
~~ولك أن تجعل { هذا البلد } في تلك السورة إشارة إلى أمر مقدر في
~~الذهن كما يدل عليه

# ربنا إنى أسكنت

# [إبراهيم: 37] الخ فتطابق الدعوتان حينئذ؛ وإن جعلت الإشارة هنا إلى
~~البلد تكون الدعوة بعد صيرورته بلدا والمطلوب كونه آمنا على طبق ما في
~~السورة من غير تكلف إلا أنه يفيد المبالغة أي بلدا كاملا في الأمن كأنه
~~قيل: اجعله بلدا معلوم الاتصاف بالأمن مشهورا به كقولك كان هذا اليوم
~~يوما حارا، والوصف بآمن إما على معنى النسب أي ذا أمن على حد ما قيل:

# فى عيشة راضية

# [القارعة: 7] وإما على الاتساع والإسناد المجازي، والأصل آمنا أهله ms00624
~~فأسند { ما } للحال للمحل لأن الأمن والخوف من صفات ذوي الإدراك، وهل
~~الدعاء بأن يجعله آمنا من الجبابرة والمتغلبين، أو من أن يعود حرمه
~~حلالا، أو من أن يخلو من أهله أو من الخسف والقذف، أو من القحط والجذب،
~~أو من دخول الدجال، أو من دخول أصحاب الفيل؟؟ أقوال، والواقع يرد بعضها
~~فإن الجبابرة دخلته وقتلوا فيه  كعمرو بن لحي الجرهمي، والحجاج الثقفي
~~والقرامطة وغيرهم  وكون البعض لم يدخله للتخريب بل كان/ غرضه شيئا آخر
~~لا يجدي نفعا كالقول بأنه ما آذى أهله جبار إلا قصمه الله تعالى ففي
~~المثل:

# إذا مت عطشانا فلا نزل القطر

# وكان النداء بلفظ الرب مضافا لما في ذلك من التلطف بالسؤال والنداء
~~بالوصف الدال على قبول السائل، وإجابة ضراعته، وقد أشرنا من قبل إلى ما
~~ينفعك هنا فتذكر.

# { وارزق أهله من الثمرت } أي من أنواعها بأن تجعل قريبا
~~منه قرى يحصل فيها ذلك أو تجىء إليه من الأقطار الشاسعة  قد حصل كلاهما
~~ حتى إنه يجتمع فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد
~~روي أن الله سبحانه لما دعا إبراهيم أمر جبريل فاقتلع بقعة من فلسطين،
~~وقيل: من الأردن وطاف بها حول البيت سبعا فوضعها حيث وضعها رزقا للحرم
~~وهي الأرض المعروفة اليوم بالطائف وسميت به لذلك الطواف، وهذا على تقدير
~~صحته غير بعيد عن قدرة الملك القادر جل جلاله؛ وإن أبيت إبقاءه على ظاهره
~~فباب التأويل واسع، وجمع القلة إظهارا للقناعة، وقد أشرنا إلى أنه
~~كثيرا ما يقوم مقام جمع الكثرة، و { من } للتبعيض، وقيل: لبيان الجنس.

# { من ءامن منهم بالله واليوم الأخر } بدل من {
~~أهله } بدل البعض وهو مخصص لما دل عليه المبدل منه واقتصر في متعلق
~~الإيمان بذكر المبدأ والمعاد لتضمن الإيمان بهما الإيمان بجميع ما يجب
~~الإيمان به.

# { قال } أي الله تعالى. { ومن كفر } عطف على { من ءامن } أي
~~ وارزق من كفر أيضا  فالطلب بمعنى الخبر على عكس

# ومن ذريتى

# [البقرة: 124] وفائدة العدول تعليم تعميم دعاء الرزق وأن لا يحجر ms00625 في طلب
~~اللطف وكأن إبراهيم عليه السلام قاس الرزق على الإمامة فنبهه سبحانه على
~~أن الرزق رحمة دنيوية لا تخص المؤمن بخلاف الإمامة أو أنه عليه السلام
~~لما سمع

# لا ينال

# [البقرة: 124] الخ احترز من الدعاء لمن ليس مرضيا عنده تعالى فأرشده
~~إلى كرمه الشامل، وبما ذكرنا اندفع ما في «البحر» من أن هذا العطف لا يصح
~~لأنه يقتضي التشريك في العامل فيصير: قال إبراهيم وارزق فينافيه ما بعد،
~~ولك أن تجعل العطف على محذوف أي  أرزق من آمن ومن كفر  بلفظ الخبر ومن
~~لا يقول بالعطف التلقيني يوجب ذلك ويجوز أن تكون { من } مبتدأ شرطية أو
~~موصولة وقوله تعالى: { فأمتعه قليلا } على الأول: معطوف على {
~~كفر } وعلى الثاني: خبر للمبتدأ  والفاء  لتضمن المبتدأ معنى الشرط
~~ولا حاجة إلى تقدير  أنا  لأن ابن الحاجب نص على أن المضارع في الجزاء
~~يصح اقترانه بالفاء إلا أن يكون استحسانا، وإلى عدم التقدير ذهب المبرد،
~~ومذهب سيبويه وجوب التقدير وأيد بأن المضارع صالح للجزاء بنفسه فلولا أنه
~~خبر مبتدأ لم يدخل عليه الفاء، ثم الكفر وإن لم يكن سببا للتمتع المطلق
~~لكنه يصلح سببا لتقليله وكونه موصولا بعذاب النار  وقليلا  صفة
~~لمحذوف أي متاعا أو زمانا قليلا.

# وقرأ ابن عامر { فأمتعه } مخففا على الخبر، وكذا قرأ يحيى بن
~~وثاب إلا أنه كسر الهمزة، وقرأ أبي  فنمتعه  بالنون وابن عباس ومجاهد
~~{ فأمتعه } على صيغة الأمر، وعلى هذه القراءة يتعين أن يكون
~~الضمير في { قال } عائدا إلى إبراهيم وحسن إعادة { قال } طول الكلام
~~وأنه انتقل من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين فكأنه أخذ في كلام آخر
~~وكونه عائدا إليه تعالى  أي: قال الله فأمتعه يا قادر يا رازق خطابا
~~لنفسه على طريق التجريد  بعيد جدا لا ينبغي أن يلتفت إليه.

# { ثم أضطره إلى عذاب النار } الاضطرار ضد الاختيار
~~وهو حقيقة في كون الفعل صادرا من الشخص من غير تعلق إرادته به كمن ألقى
~~من السطح مثلا مجاز في كون الفعل باختياره لكن بحيث لا ms00626 يملك الامتناع
~~عنه بأن عرض له عارض يقسره على اختياره كمن أكل الميتة حال المخمصة
~~وبكلا المعنيين قال بعض، ويؤيد الأول قوله تعالى:

# يوم يدعون إلى نار جهنم دعا

# [الطور: 13] و

# يسحبون فى النار على وجوههم

# [القمر: 48] و

# فيؤخذ بالنواصى والأقدام

# [الرحمن: 41] ويؤيد الثاني قوله تعالى:

# وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا
~~جاءوها فتحت أبوبها

# [الزمر: 71]

# وإن منكم إلا واردها

# [مريم: 71] الآية و

# إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم
~~أنتم لها واردون

# [الأنبياء: 98] والتحقيق أن أحوال الكفار يوم القيامة عند إدخالهم النار
~~شتى وبذلك يحصل الجمع بين الآيات وإن الاضطرار مجاز عن كون العذاب واقعا
~~به وقوعا محققا حتى كأنه مربوط به، قيل: إن هذا الاضطرار في الدنيا وهو
~~مجاز أيضا كأنه شبه حال الكافر الذي أدر الله تعالى عليه النعمة التي
~~استدناه بها قليلا إلى ما يهلكه بحال من لا يملك الامتناع مما اضطر إليه
~~فاستعمل في المشبه ما استعمل في المشبه به وهو كلام حسن لولا أنه يستدعي
~~ظاهرا حمل (ثم) على التراخي الرتبي وهو خلاف الظاهر.

# وقرأ ابن عامر  إضطره  بكسر الهمزة، ويزيد بن أبي حبيب  اضطره  بضم
~~الطاء وأبي  نضطره  بالنون، وابن عباس ومجاهد على صيغة الأمر، وابن
~~محيصن  أطره  بإدغام الضاد في الطاء خبرا  قال الزمخشري  وهي لغة
~~مرذولة لأن حروف ضم شفر يدغم فيها ما يجاورها دون العكس، وفيه أن هذه
~~الحروف ادغمت في غيرها فأدغم أبو عمرو الراء في اللام في

# نغفر لكم

# [البقرة: 58] والضاد في الشين في 

# لبعض شأنهم

#  [النور: 62] والشين في السين في

# العرش سبيلا

# [الإسراء: 42] والكسائي الفاء في الباء في

# نخسف بهم

# [سبأ: 9] ونقل سيبويه عن العرب أنهم قالوا  مضطجع ومطجع  إلا أن عدم
~~الإدغام أكثر، وأصل اضطر على هذا على ما قيل: اضتر فأبدلت التاء طاءا،
~~ثم وقع الإدغام.

# { وبئس المصير } المخصوص بالذم محذوف لفهم المعنى أي  وبئس
~~المصير النار  إن كان المصير اسم مكان وإن كان مصدرا على من أجاز ذلك
~~فالتقدير وبئست الصيرورة ms00627 صيرورته إلى العذاب.

### || [2.127]

# { وإذ يرفع إبرهيم } عطف على

# وإذ قال إبرهيم

# [البقرة: 126] وإذ للمضي وآثر صيغة المضارع مع أن القصة ماضية استحضارا
~~لهذا الأمر ليقتدي الناس به في إتيان الطاعات الشاقة مع الابتهال في
~~قبولها وليعلموا عظمة البيت المبني فيعظموه { القواعد من
~~البيت } القواعد جمع قاعدة وهي الأساس كما قاله أبو عبيدة صفة صارت
~~بالغلبة من قبيل الأسماء الجامدة بحيث لا يذكر لها موصوف ولا يقدر من
~~القعود بمعنى الثبات، ولعله مجاز من المقابل للقيام، ومنه قعدك الله
~~تعالى في الدعاء بمعنى أدامك الله تعالى وثبتك، ورفع القواعد على هذا
~~المعنى مجاز عن البناء عليها إذ الظاهر من رفع الشيء جعله عاليا
~~مرتفعا، والأساس لا يرتفع بل يبقى بحاله لكن لما كانت هيأته قبل البناء
~~عليه الانخفاض ولما بني عليه انتقل إلى هيأة الارتفاع بمعنى أنه حصل له
~~مع ما بني عليه تلك الهيأة صار البناء عليه سببا للحصول كالرفع فاستعمل
~~الرفع في البناء عليه واشتق من ذلك { يرفع } بمعنى يبني عليها، وقيل:
~~القواعد ساقات البناء وكل ساق قاعدة لما فوقه، فالمراد برفعها على هذا
~~بناؤها نفسها، ووجه الجمع عليه ظاهر وعلى الأول لأنها مربعة ولكل حائط
~~أساس، وضعف هذا القول بأن فيه صرف لفظ القواعد عن معناه المتبادر وليس هو
~~كصرف الرفع في الأول، وقيل: الرفع بمعنى الرفعة والشرف، والقواعد بمعناه
~~الحقيقي السابق فهو استعارة تمثيلية  وفيه بعد  إذ لا يظهر حينئذ
~~فائدة لذكر القواعد. و { من } ابتدائية متعلقة ب { يرفع } أو حال
~~من { القواعد } ولم يقل قواعد البيت لما في الإبهام والتبيين من
~~الاعتناء الدال على التفخيم ما لا يخفى.

# { وإسمعيل } عطف على { إبراهيم } ، وفي تأخيره عن المفعول
~~المتأخر عنه رتبة إشارة إلى أن مدخليته في رفع البناء، والعمل دون مدخلية
~~إبراهيم عليه السلام، وقد ورد أنه كان يناوله الحجارة، وقيل: كانا يبنيان
~~في طرفين أو على التناوب، وأبعد بعضهم فزعم أن إسمعيل مبتدأ وخبره محذوف
~~أي يقول: ربنا، وهذا ميل/ إلى القول بأن إبراهيم عليه السلام ms00628 هو المتفرد
~~بالبناء ولا مدخلية لإسمعيل فيه أصلا بناء على ما روي عن علي كرم
~~الله تعالى وجهه أنه كان إذ ذاك طفلا صغيرا، والصحيح أن الأثر غير
~~صحيح.

# هذا وقد ذكر أهل الأخبار في ماهية هذا البيت وقدمه وحدوثه، ومن أي شيء
~~كان باباه، وكم مرة حجه آدم، ومن أي شيء بناه إبراهيم، ومن ساعده على
~~بنائه، ومن أين أتى بالحجر الأسود؟؟؟ أشياء لم يتضمنها القرآن العظيم،
~~ولا الحديث الصحيح، وبعضها يناقض بعضا، وذلك على عادتهم في نقل ما دب
~~ودرج، ومن مشهور ذلك أن الكعبة أنزلت من السماء في زمان آدم، ولها بابان
~~إلى المشرق والمغرب فحج آدم من أرض الهند واستقبلته الملائكة أربعين
~~فرسخا فطاف بالبيت ودخله ثم رفعت في زمن طوفان نوح عليه السلام إلى
~~السماء ثم أنزلت مرة أخرى في زمن إبراهيم فزارها ورفع قواعدها وجعل
~~بابيها بابا واحدا ثم تمخض أبو قبيس فانشق عن الحجر الأسود، وكان
~~ياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة نزل بها جبريل فخبئت في زمان الطوفان إلى
~~زمن إبراهيم فوضعه إبراهيم مكانه ثم اسود بملامسة النساء الحيض.

# وهذا الخبر وأمثاله إن صح  عند أهل الله تعالى  إشارات ورموز لمن ألقى
~~السمع وهو شهيد فنزولها في زمن آدم عليه السلام إشارة إلى ظهور عالم
~~المبدأ والمعاد ومعرفة عالم النور وعالم الظلمة في زمانه دون عالم
~~التوحيد، وقصده زيارتها من أرض الهند إشارة إلى توجهه بالتكوين،
~~والاعتدال من عالم الطبيعة الجسمانية المظلمة إلى مقام القلب، واستقبال
~~الملائكة إشارة إلى تعلق القوى النباتية والحيوانية بالبدن وظهور آثارها
~~فيه قبل آثار القلب في الأربعين التي تكونت فيها بنيته وتخمرت طينته أو
~~توجهه بالسير والسلوك من عالم النفس الظلماني إلى مقام القلب، واستقبال
~~الملائكة تلقى القوى النفسانية والبدنية إياه بقبول الآداب والأخلاق
~~الجميلة، والملكات الفاضلة، والتمرن والتنقل في المقامات قبل وصوله إلى
~~مقام القلب، وطوافه بالبيت إشارة إلى وصوله إلى مقام القلب وسلوكه فيه مع
~~التلوين، ودخوله إشارة إلى تمكينه واستقامته فيه، ورفعه في زمن الطوفان ms00629
~~إلى السماء إشارة إلى احتجاب الناس بغلبة الهوى وطوفان الجهل في زمن نوح
~~عن مقام القلب، وبقاؤه في السماء إشارة إلى البيت المعمور الذي هو قلب
~~العالم ونزوله مرة أخرى في زمان إبراهيم إشارة إلى اهتداء الناس في زمانه
~~إلى مقام القلب بهدايته، ورفع إبراهيم قواعده وجعله ذا باب واحد إشارة
~~إلى ترقي القلب إلى مقام التوحيد إذ هو أول من أظهر التوحيد الذاتي
~~المشار إليه بقوله تعالى حكاية عنه:

# وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض حنيفا
~~وما أنا من المشركين

# [الأنعام: 79] والحجر الأسود إشارة إلى الروح التي هي أمر الله عز شأنه
~~ويمينه، وموضع سره، وتمخض أبي قبيس وانشقاقه عنه إشارة إلى ظهوره
~~بالرياضة وتحرك آلات البدن باستعمالها في التفكر والتعبد في طلب ظهوره،
~~ولهذا قيل: خبئت أي احتجبت بالبدن، واسوداده بملامسة الحيض إشارة إلى
~~تكدره بغلبة القوى النفسانية على القلب، واستيلائها عليه، وتسويدها الوجه
~~النوراني الذي يلي الروح منه:

# ولو ترك القطا ليلا لناما

# { ربنا تقبل منا } أي: يقولان ربنا وبه قرأ أبي والجملة
~~حال من فاعل { يرفع } وقيل: معطوفة على ما قبله بجعل القول متعلقا
~~ل { إذ } والتقبل مجاز عن الإثابة والرضا لأن كل عمل يقبله الله تعالى
~~فهو يثيب صاحبه ويرضاه منه، وفي سؤال الثواب على العمل دليل على أن ترتبه
~~عليه ليس واجبا، وإلا لم يطلب، وفي اختيار صيغة التفعل اعتراف بالقصور
~~لما فيه من الإشعار بالتكلف في القبول، وإن كان التقبل والقبول بالنسبة
~~إليه تعالى على السواء إذ لا يمكن تعقل التكلف في شأنه عز شأنه، ويمكن أن
~~يكون المراد من التقبل الرضا فقط دون الإثابة لأن غاية ما يقصده المخلصون
~~من الخدم/ لوقوع أفعالهم موضع القبول والرضا عند المخدوم، وليس الثواب
~~مما يخطر لهم ببال، ولعل هذا هو الأنسب بحال الخليل وابنه إسمعيل عليهما
~~السلام.

# { إنك أنت السميع العليم } تعليل لاستدعاء التقبل،
~~والمراد السميع لدعائنا، والعليم بنياتنا، وبذلك يصح الحصر المستفاد من
~~تعريف المسندين ويفيد نفي السمعة والرياء في الدعاء والعمل الذي هو ms00630 شرط
~~القبول، وتأكيد الجملة لإظهار كمال قوة يقينهما بمضمونها وتقديم صفة
~~السمع، وإن كان سؤال التقبل متأخرا عن العمل للمجاورة ولأنها ليست مثل
~~العلم شمولا.

### || [2.128]

# { ربنا واجعلنا مسلمين لك } أي منقادين قائمين بشرائع
~~الإسلام أو مخلصين موحدين لك  فمسلمين  إما من استسلم إذا انقاد أو من
~~أسلم وجهه إذا أخلص نفسه أو قصده ولكل من المعنيين عرض عريض، فالمراد طلب
~~الزيادة فيهما أو الثبات عليهما، والأول أولى نظرا إلى منصبهما وإن كان
~~الثاني أولى بالنظر إلى أنه أتم في إظهار الانقطاع إليه جل جلاله. وقرأ
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنه { مسلمين } بصيغة الجمع على أن المراد
~~أنفسهما والموجود من أهلهما كهاجر وهذا أولى من جعل لفظ الجمع مرادا به
~~التثنية، وقد قيل به هنا.

# { ومن ذريتنا } عطف على الضمير المنصوب في { أجعلنا } وهو
~~في محل المفعول الأول و { أمة مسلمة لك } في موضع المفعول
~~الثاني معطوف على { مسلمين لك } ولو اعتبر حذف الجعل فلا بد أن
~~يحمل على معنى التصيير لا الإيجاد لأنه وإن صح من جهة المعنى إلا أن
~~الأول لا يدل عليه وإنما خصا  الذرية  بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة كما
~~قال الله تعالى:

# قوا أنفسكم وأهليكم نارا

# [التحريم: 6] ولأنهم أولاد الأنبياء وبصلاحهم صلاح كل الناس فكان
~~الاهتمام بصلاحهم أكثر، وخصا البعض لما علما من قوله سبحانه:

# ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه

# [الصافات: 113] أو من قوله عز شأنه:

# لا ينال عهدي الظلمين

# [البقرة: 124] باعتبار السياق إن في  ذريتهما  ظلمة وأن الحكمة
~~الإلهية تستدعي الانقسام إذ لولاه ما دارت أفلاك الأسماء ولا كان ما كان
~~من أملاك السماء، والمراد من الأمة الجماعة أو الجيل، وخصها بعضهم بأمة
~~محمد صلى الله عليه وسلم وحمل التنكير على التنويع، واستدل على ذلك بقوله
~~تعالى:

# وابعث

# [البقرة: 129] الخ ولا يخفى أنه صرف للفظ عن ظاهره واستدلال بما لا يدل،
~~وجوز أبو البقاء أن يكون (أمة) المفعول الأول { ومن ذريتنا } حال
~~لأنه نعت نكرة تقدم عليها  ومسلمة  المفعول الثاني وكان الأصل  واجعل
~~أمة ms00631 من ذريتنا مسلمة لك  فالواو داخلة في الأصل على (أمة) وقد فصل
~~بينهما بالجار والمجرور، و (من) عند بعضهم على هذا بيانية على حد

# وعد الله الذين ءامنوا منكم

# [النور: 55] ونظر فيه أبو حيان بأن أبا علي وغيره منعوا أن يفصل بين حرف
~~العطف والمعطوف بالظرف والفصل بالحال أبعد من الفصل بالظرف، وجعلوا ما
~~ورد من ذلك ضرورة وبأن كون (من) للتبيين مما يأباه الأصحاب ويتأولون ما
~~فهم ذلك من ظاهره؛ ولا يخفى أن المسألة خلافية وما ذكره مذهب البعض وهو
~~لا يقوم حجة على البعض الآخر.

# { وأرنا مناسكنا } قال قتادة: معالم الحج، وقال عطاء و[ابن]
~~جريج: مواضع الذبح، وقيل: أعمالنا التي نعملها إذا حججنا فالمنسك بفتح
~~السين والكسر شاذ إما مصدر أو مكان وأصل النسك بضمتين غاية العبادة وشاع
~~في الحج لما فيه من الكلفة غالبا والبعد عن العادة، { وأرنا } من
~~رأى البصرية ولهمزة الأفعال تعدت إلى مفعولين أو من رأى القلبية بمعنى
~~عرف لا علم، وإلا لتعدت إلى ثلاثة، وأنكر ابن الحاجب وتبعه أبو حيان ثبوت
~~رأى بمعنى عرف، وذكره الزمخشري في «المفصل» والراغب/ في «مفرداته» وهما
~~من الثقات فلا عبرة بإنكارهما، وقرأ ابن مسعود (وأرهم مناسكهم) بإعادة
~~الضمير إلى الذرية، وقرأ ابن كثير ويعقوب  وأرنا  بسكون الراء وقد شبه
~~فيه المنفصل بالمتصل فعومل معاملة (فخذ) في إسكانه للتخفيف، وقد استعملته
~~العرب كذلك ومنه قوله:

# أرنا إداوة عبد الله نملؤها

# من ماء زمزم إن القوم قد ظمئوا

# وقول الزمخشري: ((إن هذه القراءة قد استرذلت لأن الكسرة منقولة من
~~الهمزة الساقطة دليل عليها فإسقاطها إجحاف)) مما لا ينبغي لأن القراءة من
~~المتواترات ومثلها أيضا موجود في كلام العرب العرباء.

# { وتب علينا } أي وفقنا للتوبة أو اقبلها منا والتوبة تختلف
~~باختلاف التائبين فتوبة سائر المسلمين الندم والعزم على عدم العود ورد
~~المظالم إذا أمكن، ونية الرد إذا لم يمكن، وتوبة الخواص الرجوع عن
~~المكروهات من خواطر السوء، والفتور في الأعمال، والإتيان بالعبادة على
~~غير وجه الكمال، وتوبة خواص الخواص لرفع ms00632 الدرجات، والترقي في المقامات،
~~فإن كان إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام طلبا التوبة لأنفسهما خاصة،
~~فالمراد بها ما هو من توبة القسم الأخير، وإن كان الضمير شاملا لهما
~~وللذرية كان الدعاء بها منصرفا لمن هو من أهلها ممن يصح صدور الذنب
~~المخل بمرتبة النبوة منه، وإن قيل: إن الطلب للذرية فقط وارتكب التجوز في
~~النسبة إجراءا للولد مجرى النفس بعلاقة البعضية ليكون أقرب إلى الإجابة،
~~أو في الطرف حيث عبر عن الفرع باسم الأصل، أو قيل: بحذف المضاف  أي على
~~عصاتنا  زال الإشكال كما إذا قلنا: إن ذلك عما فرط منهما من الصغائر
~~سهوا، والقول بأنهما لم يقصدا الطلب حقيقة، وإنما ذكرا ذلك للتشريع
~~وتعليم الناس إن تلك المواضع مواضع التنصل، وطلب التوبة من الذنوب بعيد
~~جدا، وجعل الطلب للتثبيت لا أراه هنا يجدي نفعا  كما لا يخفى  وقرأ
~~عبد الله { وتب عليهم } بضمير جمع الغيبة أيضا.

# { إنك أنت التواب الرحيم } تعليل للدعاء ومزيد استدعاء
~~للإجابة، وتقديم التوبة للمجاورة، وتأخير الرحمة لعمومها ولكونها أنسب
~~بالفواصل.

### || [2.129]

# { ربنا وابعث فيهم } أي ارسل في  الأمة المسلمة  وقيل: في
~~ الذرية  وعود الضمير إلى أهل مكة بعيد { رسولا منهم } أي من
~~أنفسهم، ووصفه بذلك ليكون أشفق عليهم، ويكونوا أعز به وأشرف، وأقرب
~~للإجابة، لأنهم يعرفون منشأه وصدقه وأمانته، ولم يبعث من ذرية كليهما سوى
~~محمد صلى الله عليه وسلم، وجميع أنبياء بني إسرائيل من ذرية إبراهيم عليه
~~الصلاة والسلام  لا من ذريتهما  فهو المجاب به دعوتهما، كما روى الإمام
~~أحمد وشارح السنة عن العرباض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " سأخبركم بأول أمري، أنا دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي
~~رأت حين وضعتني "

# وأراد صلى الله عليه وسلم إثر دعوته، أو مدعوه، أو عين دعوته  على
~~المبالغة  ولما كان إسمعيل عليه السلام شريكا في الدعوة كان رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم دعوة إسمعيل أيضا إلا أنه خص إبراهيم لشرافته وكونه
~~أصلا في الدعاء، ووهم من قال: إن الاقتصار في الحديث ms00633 على إبراهيم يدل
~~على أن المجاب من الدعوتين كان دعوة إبراهيم دون إسمعيل عليهما الصلاة
~~والسلام. وقرأ أبي { وابعث فيهم فى آخرهم رسولا } وهذا يؤيد
~~أن المراد به نبينا صلى الله عليه وسلم، وفي الأثر أنه لما دعي إبراهيم
~~قيل له: قد استجيب لك، وهو يكون في آخر الزمان.

# { يتلوا عليهم ءايتك } أي يقرأ عليهم ما توحى إليه من
~~العلامات الدالة على التوحيد والنبوة وغيرهما،/ وقيل: خبر من مضى ومن
~~يأتي إلى يوم القيامة، والجملة صفة (رسولا) وقيل: في موضع الحال منه. {
~~ويعلمهم الكتب } بأن يفهمهم ألفاظه ويبين لهم كيفية أدائه،
~~ويوقفهم على حقائقه وأسراره. والظاهر: أن مقصودهما من هذه الدعوة أن يكون
~~ الرسول  صاحب كتاب يخرجهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، وقد أجاب
~~سبحانه هذه الدعوة بالقرآن، وكونه بخصوصه كان مدعوا به غير بين ولا
~~مبين.

# { والحكمة } أي وضع الأشياء مواضعها، أو ما يزيل من القلوب وهج حب
~~الدنيا، أو الفقه في الدين، أو السنة المبينة  للكتاب  أو  الكتاب 
~~نفسه، وكرر للتأكيد اعتناء بشأنه، وقد يقال: المراد بها حقائق الكتاب
~~ودقائقه وسائر ما أودع فيه، ويكون  تعليم الكتاب  عبارة عن تفهيم
~~ألفاظه، وبيان كيفية أدائه، وتعليم الحكمة الإيقاف على ما أودع فيه،
~~وفسرها بعضهم بما تكمل به النفوس من المعارف والأحكام؛ فتشمل الحكمة
~~النظرية والعملية، قالوا: وبينها وبين ما في الكتاب عموم من وجه لاشتمال
~~القرآن على القصص والمواعيد، وكون بعض الأمور الذي يفيد كمال النفس 
~~علما وعملا  غير مذكور في (الكتاب) وأنت تعلم أن هذا القول بعد سماع
~~قوله تعالى:

# ما فرطنا فى الكتب من شىء

# [الأنعام: 38] وقوله سبحانه تعالى:

# تبيانا لكل شىء

# [النحل: 89] مما لا ينبغي الإقدام عليه، اللهم إلا أن تكون هذه النسبة
~~بين ما في (الكتاب) الذي في الدعوة مع قطع النظر عما أجيبت به وبين
~~الحكمة فتدبر.

# { ويزكيهم } أي يطهرهم من أرجاس الشرك وأنجاس الشك وقاذورات
~~المعاصي  وهو إشارة إلى التخلية كما أن التعليم إشارة إلى التحلية 
~~ولعل تقديم الثاني على الأول لشرافته ms00634  والقول بأن المراد يأخذ منهم
~~الزكاة التي هي سبب لطهرتهم أو يشهد لهم  بالتزكية والعدالة  بعيد {
~~إنك أنت العزيز الحكيم } أي الغالب المحكم لما يريد، فلك أن
~~تخصص واحدا منهم بالرسالة الجامعة لهذه الصفات بإرادته من غير مخصص،
~~وحمل (العزيز) هنا على من لا مثل له  كما قاله ابن عباس  أو المنتقم 
~~كما قاله الكلبي  و (الحكيم) على العالم  كما قيل  لا يخلو عن بعد.

### || [2.130]

# { ومن يرغب عن ملة إبرهيم } إنكار واستبعاد لأن يكون في
~~العقلاء من يرغب عن ملته وهي الحق الواضح غاية الوضوح، أي لا يرغب عن ذلك
~~أحد { إلا من سفه نفسه } أي جعلها مهانة ذليلة. وأصل  السفه
~~ الخفة، ومنه زمام سفيه  أي خفيف  وسفه  بالكسر  كما قال المبرد
~~وثعلب: متعد بنفسه، و { نفسه } مفعول به، وأما (سفه) بالضم فلازم،
~~ويشهد له ما جاء في الحديث:

# " الكبر أن تسفه الحق وتغمط الناس "

# وقيل: إنه لازم أيضا، وتعدى إلى المفعول لتضمنه معنى ما يتعدى إليه، أي
~~جهل نفسه لخفة عقله وعدم تفكره، وهو قول الزجاج، أو أهلكها، وهو قول أبي
~~عبيدة؛ وقيل: إن النصب بنزع الخافض  أي في نفسه  فلا ينافي اللزوم 
~~وهو قول لبعض البصريين  وقيل: على التمييز كما في قول نابغة الذبياني:

# ونأخذ بعده بذناب عيش

# أجب الظهر ليس له سنام

# وقيل: على التشبيه بالمفعول به، واعترض الجميع أبو حيان قائلا: إن
~~التضمين والنصب بنزع الخافض لا ينقاسان، وإن التشبيه بالمفعول به مخصوص
~~عند الجمهور بالصفة  كما قيل به في البيت  وأن البصريين منعوا مجىء
~~التمييز معرفة، فالحق الذي لا ينبغي أن يتعدى القول بالتعدي. و (من) إما
~~موصولة أو موصوفة في محل الرفع على المختار بدلا من الضمير في {
~~يرغب } لأنه استثناء من غير موجب، وسبب نزول الآية ما روي أن عبد
~~الله / بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرا إلى الإسلام؛ فقال لهما: قد
~~علمتما أن الله تعالى قال في التوراة: إني باعث من ولد إسمعيل نبيا
~~اسمه أحمد، فمن آمن به فقد ms00635 اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم
~~سلمة وأبي مهاجر، فنزلت.

# { ولقد اصطفينه في الدنيا } أي اخترناه بالرسالة بتلك
~~الملة، واجتبيناه من بين سائر الخلق، وأصله اتخاذ صفوة الشيء أي خالصه. {
~~وإنه فى الأخرة لمن الصلحين } أي المشهود لهم
~~بالثبات على الاستقامة والخير والصلاح، والجملة معطوفة على ما قبلها،
~~وذلك من حيث المعنى دليل مبين لكون  الراغب عن ملة إبراهيم سفيها  إذ
~~الاصطفاء والعز في الدنيا غاية المطالب الدنيوية  والصلاح  جامع
~~للكمالات الأخروية ولا مقصد للإنسان الغير  السفيه  سوى خير الدارين،
~~وأما من حيث اللفظ فيحتمل أن يكون حالا مقررة لجهة الإنكار  واللام لام
~~الابتداء  أي أيرغب عن ملته ومعه ما يوجب عكس ذلك، وهو الظاهر لفظا
~~لعدم الاحتياج إلى تقدير القسم  وارتضاه الرضي  ويحتمل أن يكون عطفا
~~على ما قبله، أو اعتراضا بين المعطوفين  واللام  جواب القسم المقدر
~~وهو الظاهر معنى لأن الأصل في الجمل الاستقلال ولإفادة زيادة التأكيد
~~المطلوب في المقام والإشعار بأن المدعي لا يحتاج إلى البيان، والمقصود
~~مدحه عليه السلام وإيراد الجملة الأولى: ماضوية لمضيها من وقت الإخبار،
~~والثانية: اسمية لعدم تقييدها بالزمان لأن انتظامه في زمرة صالحي أهل
~~الآخرة أمر مستمر في الدارين لا أنه يحدث في الآخرة، والتأكيد بأن واللام
~~لما أن الأمور الأخروية خفية عند المخاطبين فحاجتها إلى التأكيد أشد من
~~الأمور التي تشاهد آثارها، وكلمة (في) متعلقة ب (الصالحين) على أن  أل
~~ فيه للتعريف لا موصولة ليلزم تقديم بعض الصلة عليها على أنه قد يغتفر
~~في الظرف ما لا يغتفر في غيره، أو بمحذوف أي صالح أو أعني، وجعله متعلقا
~~ب (اصطفيناه) وفي الآية تقديم وتأخير، أو بمحذوف حالا من المستكن في
~~الوصف بعيد.

### || [2.131]

# ظرف  لاصطفيناه  والمتوسط المعطوف ليس بأجنبي لأنه لتقدير المتعلق
~~المعطوف تأكيده لأن اصطفاءه في الدنيا إنما هو للرسالة وما يتعلق بصلاح
~~الآخرة فلا حاجة إلى أن يجعل اعتراضا أو حالا مقدرة كما قيل به، أو
~~تعليل له، أو منصوب ب (اذكر) كأنه قيل: اذكر ذلك ms00636 الوقت لتقف على أنه
~~المصطفى الصالح وأنه ما نال ما نال إلا بالمبادرة والانقياد إلى ما أمر
~~به وإخلاص سره حين دعاه ربه، وجوز جعله ظرفا ل { قال } وليس الأمر
~~وما في جوابه على حقيقتهما بل هو تمثيل، والمعنى أخطر بباله الدلائل
~~المؤيدة إلى المعرفة، واستدل بها وأذعن بمدلولاتها إلا أنه سبحانه وتعالى
~~عبر عن ذلك بالقولين تصويرا لسرعة الانتقال بسرعة الإجابة فهو إشارة إلى
~~استدلاله عليه السلام بالكوكب والشمس والقمر واطلاعه على أمارات الحدوث
~~على ما يشير إليه كلام الحسن وابن عباس من أن ذلك قبل النبوة وقبل
~~البلوغ، ومن ذهب إلى أنه بعد النبوة قال: المراد الأمر بالطاعة والإذعان
~~لجزئيات الأحكام والاستقامة والثبات على التوحيد على حد

# فاعلم أنه لا إله إلا الله

# [محمد: 19] ولا يمكن الحمل على الحقيقة أعني إحداث الإسلام والإيمان لأن
~~الأنبياء معصومون عن الكفر قبل النبوة وبعدها ولأنه لا يتصور الوحي
~~والاستنباء قبل الإسلام نعم إذا حمل الإسلام على العمل بالجوارح لا على
~~معنى الإيمان أمكن الحمل على الحقيقة  كما قيل به  وفي الالتفات مع
~~التعرض لعنوان الربوبية والإضافة إليه عليه السلام إظهار لمزيد اللطف به
~~والاعتناء بتربيته، وإضافة الرب في الجواب إلى { العلمين }
~~للإيذان بكمال قوة إسلامه حيث أيقن حين النظر شمول ربوبيته تعالى
~~للعالمين قاطبة لا لنفسه فقط كما هو المأمور به ظاهرا.

### || [2.132]

# / { ووصى إبرهيم بنيه } مدح له عليه السلام بتكميله غيره
~~إثر مدحه بكماله في نفسه، وفيه توكيد لوجود الرغبة في ملته، والتوصية
~~التقدم إلى الغير بفعل فيه صلاح وقربة سواء كان حالة الاحتضار أو لا
~~وسواء كان ذلك التقدم بالقول أو الدلالة وإن كان الشائع في العرف
~~استعمالها في القول المخصوص حالة الاحتضار وأصلها الوصل من قولهم أرض
~~واصية أي متصلة النبات، ويقال: وصاه إذا وصله، وفصاه إذا فصله كأن الموصي
~~يصل فعله بفعل الوصي، والضمير في { بها } إما للملة أو لقوله

# أسلمت

# [البقرة: 131] على تأويل الكلمة أو الجملة، ويرجح الأول كون المرجع
~~مذكورا صريحا وكذا ترك المضمر إلى ms00637 المظهر، وعطف (يعقوب) عليه فإن ذلك
~~يدل على أنه شروع في كلام آخر لبيان تواصي الأنبياء باستمساك الدين الحق
~~الجامع لجميع أحكام الأصول والفروع ليتوارثوا الملة القويمة والشرع
~~المستقيم نسلا بعد نسل، وذكر يعقوب الدين في توصيته لبنيه  وهو
~~والملة  أخوان ولو كان الضمير للثاني لكان الإسلام بدله، ويؤيد الثاني
~~كون الموصى به مطابقا في اللفظ ل

# أسلمت

# [البقرة: 131] وقرب المعطوف عليه لأنه حينئذ يكون معطوفا على { قال
~~أسلمت } أي ما اكتفى بالامتثال بل ضم توصية بنيه بالإسلام بخلاف
~~التقدير الأول فإنه معطوف على 

# من يرغب

#  [البقرة: 130] لأنه كما أشرنا إليه في معنى النفي، وخص البنين لأنه
~~عليهم أشفق وهم بقبول وصيته أجدر ولأن النفع بهم أكثر، وقرأ نافع وابن
~~عامر (أوصى) ولا دلالة فيها على التكثير كالأولى الدالة عليه لصيغة
~~التفعيل.

# { ويعقوب } عطف على (إبراهيم)، ورفعه على الابتداء وحذف الخبر أي 
~~يعقوب  كذلك، والجملة معطوفة على الجملة الفعلية، وجعله فاعلا  لوصى 
~~مضمرا بعيد، وقرىء بالنصب فيكون عطفا على { بنيه } والمراد بهم
~~أبناء الصلب وهو عليه الصلاة والسلام كان نافلة، وإنما سمي يعقوب لأنه
~~وعيصا  كانا توأمين  فتقدم عيص، وخرج يعقوب على أثره آخذا بعقبه كذا
~~روي عن ابن عباس ولا أظن صحته.

# { يبنى } على إضمار القول عند البصريين، ويقدر بصيغة الإفراد على
~~تقدير نصب يعقوب أي قال، أو قائلا. وبصيغة التثنية على تقدير الرفع؛
~~ووقوع الجملة بعد القول مشروط بأن يكون المقصود مجرد الحكاية، والكلام
~~المحكي مشترك بين إبراهيم ويعقوب، وإن كان المخاطبون في الحالين
~~متغايرين، وذهب الكوفيون إلى عدم الإضمار لأن التوصية لاشتمالها على معنى
~~القول بل هي القول المخصوص كان حكمها حكمه. فيجوز وقوع الجملة في حيز
~~مفعولها، وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (أن يا بني) ولا حاجة
~~حينئذ إلى تقدير القول عند البصريين بل لا يجوز ذلك عندهم على ما يشير
~~إليه كلام بعض المحققين، وبنو إبراهيم على ما في «الإتقان» اثنا عشر وهم:
~~إسمعيل وإسحق ومدين وزمزان وسرح ونقش ونقشان وأميم وكيسان وسورج ms00638 ولوطان
~~ونافس وبنو يعقوب أيضا كذلك وهم: يوسف وروبيل وشمعون ولاوى ويهوذا وداني
~~وتفتاني وكاد واسبر وإيساجر ورايكون وبنيامين.

# { إن الله اصطفى لكم الدين } أي جعل لكم الدين الذي هو
~~صفوة الأديان بأن شرعه لكم ووفقكم للأخذ به، والمراد به دين الإسلام الذي
~~به الإخلاص لله تعالى والانقياد له، وليس المراد ما يتراءى من أن الله
~~تعالى جعله صفوة الأديان لكم لأن هذا الدين صفوة في نفسه لا اختصاص له
~~بأحد، وليس عند الله تعالى غيره، ومن هنا يعلم أن الإسلام يطلق على غير
~~ديننا لكن العرف خصصه به، وزعم بعضهم عدم الإطلاق وألف في ذلك رسالة تكلف
~~بها غاية التكلف.

# { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } نهي عن الاتصاف
~~بخلاف حال الإسلام وقت الموت، والمفهوم/ من الآية ظاهرا النهي عن الموت
~~على خلاف تلك الحال، وليس بمقصود لأنه غير مقدور وإنما المقدور قيده
~~فيعود النهي إليه كما سمعت لما أن الامتناع عن الاتصاف بتلك الحال يستتبع
~~الامتناع عن الموت في تلك الحال فأما أن يقال استعمل اللفظ الموضوع للأول
~~في الثاني فيكون مجازا، أو يقال استعمل اللفظ في معناه لينتقل منه إلى
~~ملزومه فيكون كناية، وقال الفاضل اليمني: إن هذا كناية بنفي الذات عن نفي
~~الحال على عكس ما قيل في قوله تعالى:

# كيف تكفرون بالله

# [البقرة: 28] من أنه كناية بنفي الحال عن نفي الذات، وفيه أن نفي الذات
~~إنما يصير كناية عن نفي جميع الصفات لا عن صفة معينة فافهم.

# والمراد من الأمر الذي يشير إليه ذلك النهي الثبات على الإسلام لأنه
~~اللازم له، والمقصود من التوصية، ولأن أصل الإسلام كان حاصلا لهم، وإنما
~~أدخل حرف النفي على الفعل مع أنه ليس منهيا عنه للدلالة على أن موتهم لا
~~على الإسلام موت لا خير فيه، وأن حقه أن لا يحل بهم وأنه يجب أن يحذروه
~~غاية الحذر، وذكر بعضهم أن الإسلام المأمور به هنا ما يكون بالقلب دون
~~العمل بالجوارح لأن ذلك مما لا يكاد يمكن عند الموت ولهذا ms00639 ورد في الحديث:

# " اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على
~~الإيمان "

# ولا يخفى ما فيه.

### || [2.133]

# { أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت } الخطاب لجنس
~~اليهود أو الموجودين في زمانه صلى الله عليه وسلم على ما يشير إليه سبب
~~النزول فقد ذكر الواحدي أن الآية نزلت في اليهودي حين قالوا للنبي صلى
~~الله عليه وسلم: ألست تعلم أن يعقوب لما مات أوصى بنيه باليهودية؟ و {
~~أم } إما منقطعة بمعنى بل، وهمزة الإنكار، ومعنى بل الإضراب عن الكلام
~~الأول وهو بيان التوصية إلى توبيخ اليهود على ادعائهم اليهودية على يعقوب
~~وأبنائه، وفائدته الانتقال من جملة إلى أخرى أهم منها أي ما كنتم حاضرين
~~حين احتضاره عليه الصلاة والسلام وسؤاله بنيه عن الدين فلم تدعون ما
~~تدعون؟! ولك أن تجعل الاستفهام للتقرير أي كانت أوائلكم حاضرين حين وصى
~~بنيه عليه الصلاة والسلام بالإسلام والتوحيد وأنتم عالمون بذلك فما لكم
~~تدعون عليه خلاف ما تعلمون؟! فيكون قد نزل علمهم بشهادة أوائلهم منزلة
~~الشهادة فخوطبوا بما خوطبوا، وإما متصلة وفي الكلام حذف  والتقدير أكنتم
~~غائبين أم كنتم شاهدين  وليس الاستفهام على هذا على حقيقته للعلم بتحقق
~~الأول وانتفاء الثاني بل هو للإلزام والتبكيت أي أي الأمرين كان
~~فمدعاكم باطل، أما على الأول: فلأنه رجم بالغيب، وأما على الثاني: فلأنه
~~خلاف المشهور.

# واعترض أبو حيان على هذا الوجه بأنا لا نعلم أحدا أجاز حذف الجملة
~~المعطوف عليها في (أم) المتصلة وإنما سمع حذف (أم) مع المعطوف لأن
~~الثواني تحتمل ما لا تحتمل الأوائل، وقيل: الخطاب للمؤمنين ومعنى بل
~~الإضراب عن الكلام الأول والأخذ فيما هو الأهم وهو التحريض على اتباعه
~~صلى الله عليه وسلم بإثبات بعض معجزاته وهو الإخبار عن أحوال الأنبياء
~~السابقين من غير سماع من أحد ولا قراءة من كتاب كأنه تعالى بعد ذكر ما
~~تقدم التفت إلى مؤمني الأمة أما شهدتم ما جرى وأما علمتم ذلك بالوحي
~~وإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم فعليكم باتباعه إلا أنه ms00640 اكتفى بذكر
~~مقاولة يعقوب وبنيه ليعلم عدم حضورهم حين توصية إبراهيم عليه الصلاة
~~والسلام بطريق الأولى، ولا يخفى أن هذا القائل لم يعتبر سبب النزول ولعله
~~لما فيه من الضعف حتى قال الإمام السيوطي: لم أقف عليه، و  الشهداء 
~~جمع شهيد أو شاهد بمعنى حاضر، وحضر من باب قعد، وقرىء { حضر } بالكسر
~~ومضارعه أيضا  يحضر  بالضم وهي لغة شاذة، وقيل: إنها على التداخل.

# { إذ قال لبنيه } بدل من { إذ حضر } بدل اشتمال وكلاهما
~~مقصودان كما هو المقرر في إبدال الجمل إلا أن في البدل زيادة بيان ليست
~~في المبدل منه ولو تعلقت إذ هنا ب { قالوا } لم ينتظم الكلام.

# / { ما تعبدون من بعدى } أي أي شيء تعبدونه بعد موتي ف {
~~ما } في محل رفع والعائد محذوف وكونه في محل نصب على المفعولية مفوت
~~للتقوى المناسب للمقام؛ ويسأل بها عن كل شيء فإذا عرف خص العقلاء ب (من)
~~إذا سئل عن تعينه فيجاب بما يفيده، وإذا سأل عن وصفه قيل (ما) زيد أكاتب
~~أم شاعر، وفي السؤال عن حالهم بعد موته دليل على أن الغرض حثهم على ما
~~كانوا عليه حال حياته من التوحيد والإسلام، وأخذ الميثاق منهم عليه فليس
~~الاستفهام حقيقيا وكان هذا بعد أن دخل عليه السلام مصر ورأى فيها من
~~يعبد النار فخاف على ولده فحثهم على ما حثهم.

# { قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبرهيم
~~وإسمعيل وإسحق } استئناف وقع جوابا لسؤال نشأ عن حكاية
~~السؤال وفي إضافة الإله إلى المتعدد إشارة إلى الاتفاق على وجوده
~~وألوهيته وقدم إسمعيل في الذكر على إسحق لكونه أسن منه وعده من آباء
~~يعقوب مع أنه عمه تغليبا للأكثر على الأقل، أو لأنه شبه العم بالأب
~~لانخراطهما في سلك واحد وهو الأخوة فأطلق عليه لفظه، ويؤيده ما أخرجه
~~الشيخان

# " عم الرجل صنو أبيه "

# وحينئذ يكون المراد  بآبائك  ما يطلق عليه اللفظ كيلا يلزم الجمع بين
~~الحقيقة والمجاز، والآية على حد ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره من قوله
~~عليه الصلاة والسلام:

# " احفظوني في ms00641 العباس فإنه بقية آبائي "

# وقرأ الحسن (أبيك) وهو إما مفرد وإسمعيل وإسحق عطف نسق عليه وإبراهيم
~~وحده عطف بيان، أو جمع وسقطت نونه للإضافة كما في قوله:

# فلما (تبين) أصواتنا

# بكين وفديننا بالأبينا

# { إلها وحدا } بدل من { إله آبائك } والنكرة تبدل من
~~المعرفة بشرط أن توصف كما في قوله تعالى:

# بالناصية * ناصية كذبة

# [العلق: 1516] والبصريون لا يشترطون فيها ذلك، وفائدة الإبدال دفع توهم
~~التعدد الناشىء من ذكر الإله مرتين، أو نصب على المدح أو الحال الموطئة
~~كما في «البحر».

# { ونحن له مسلمون } أي مذعنون مقرون بالعبودية، وقيل: خاضعون
~~منقادون مستسلمون لنهيه وأمره قولا وعقدا، وقيل: داخلون في الإسلام
~~ثابتون عليه، والجملة حال من الفاعل، أو المفعول، أو منهما لوجود
~~ضميريهما، أو اعتراضية محققة لمضمون ما سبق في آخر الكلام  بلا كلام 
~~وقال أبو حيان: الأبلغ أن تكون معطوفة على { نعبد } فيكونوا قد
~~أجابوا بشيئين وهو من باب الجواب المربي عن السؤال.

### || [2.134]

# { تلك أمة قد خلت } الإشارة إلى إبراهيم عليه الصلاة
~~والسلام وأولاده، و  الأمة  أتت بمعان، والمراد بها هنا الجماعة من أم
~~بمعنى قصد، وسميت كل جماعة يجمعهم أمر ما إما دين واحد، أو زمان واحد، أو
~~مكان بذلك لأنهم يؤم بعضهم بعضا ويقصده، و  الخلو  المضي وأصله
~~الانفراد.

# { لها ما كسبت ولكم ما كسبتم } استئناف أو بدل من قوله
~~تعالى: { خلت } لأنها بمعنى لا تشاركونهم وهي كغير الوافية وهذه وافية
~~بتمام المراد، أو الأولى صفة أخرى  لأمة  أو حال من ضمير { خلت }
~~والثانية جملة مبتدأة، إذ لا رابط فيها ولا مقارنة في الزمان، وفي الكلام
~~مضاف محذوف بقرينة المقام، أي لكل أجر عمله، وتقديم المسند لقصر المسند
~~إليه على المسند، والمعنى أن انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم،
~~وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم، كما قال صلى الله عليه وسلم:

# " يا معشر قريش، إن أولى الناس بالنبي المتقون، فكونوا بسبيل من ذلك،
~~فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الأعمال، وتلقوني بالدنيا فأصد عنكم
~~بوجهي "

# ولك أن تحمل الجملة الأولى: على ms00642 معنى  لها ما كسبته  لا يتخطاها إلى
~~غيرها، والثانية: على معنى/ ولكم ما كسبتموه  لا ما كسبه غيرهم  فيختلف
~~القصران لاقتضاء المقام ذلك.

# { ولا تسئلون عما كانوا يعملون } إن أجري  السؤال
~~ على ظاهره فالجملة مقررة لمضمون ما قبلها وإن أريد به مسببه  أعني
~~الجزاء  فهو تذييل لتتميم ما قبله، والجملة مستأنفة أو معترضة، والمراد
~~تخييب المخاطبين وقطع أطماعهم من الانتفاع بحسنات من مضى منهم، وإنما
~~أطلق  العمل  لإثبات الحكم بالطريق البرهاني في ضمن قضية كلية، وحمل
~~الزمخشري الآية على معنى  لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا تثابون بحسناتهم 
~~واعترض بأنه مما لا يليق بشأن التنزيل، كيف لا وهم منزعون عن كسب السيئات
~~فمن أين يتصور تحميلها على غيرهم حتى يتصدى لبيان انتفائه، وأنت تعلم أنه
~~إذا كان المقصود سوق ذلك بطريق كلي برهاني لا يتوهم ما ذكر.

# هذا ومن الغريب حمل الإشارة على كل من إبراهيم وإسمعيل وإسحق وأن
~~المعنى كل واحد منهم أمة أي بمنزلتها في الشرف والبهاء قد خلت أي مضت،
~~ولستم مأمورين بمتابعتهم لها ما كسبت وهو ما أمرها الله تعالى به ولكم ما
~~كسبتم مما يأمركم به سبحانه وتعالى، ولا ينفعكم مكتسبهم لأنه ليس مقبولا
~~منكم لأنه ليس في حقكم، إنما ينفعكم ما يجب عليكم كسبه ولا تسألون عما
~~كانوا يعملون هل عملتم به؟ وإنما تسألون عما كان يعمل نبيكم الذي أمرتم
~~بمتابعته، فإن أعماله ما هو كسبكم المسؤول عنه، فدعوا أن هذا ما أمر به
~~إبراهيم أو غيره، وتمسكوا بما أمر به نبيكم، واعتبروا إضافة العمل إليه
~~دونهم، ولا يخفى أنه لو كانت هذه الآيات كلام هذا المفسر لأمكن حملها على
~~هذا التفسير الذي لا فرع ولا أصل له، لكنها كلام رب العالمين الذي يجل عن
~~الحمل على مثل ذلك.

# ومن باب الإشارة والتأويل في الآيات السابقة إلى هنا: { وإذ
~~ابتلى إبراهيم ربه بكلمات } أي بمراتب الروحانيات
~~كالقلب والسر والروح والخفاء والوحدة والأحوال والمقامات التي يعبر بها
~~على تلك المراتب كالتسليم والتوكل والرضا وعلومها { فأتمهن }
~~بالسلوك ms00643 إلى الله تعالى وفي الله تعالى حتى الفناء فيه { قال إنى
~~جعلك للناس إماما } بالبقاء بعد الفناء، والرجوع إلى الخلق
~~من الحق، تؤمهم وتهديهم سلوك سبيلي، ويقتدون بك فيهتدون

# قال ومن ذريتى قال لا ينال عهدي الظلمين

# [البقرة: 124] فلا يكونون خلفائي مع ظلمهم وظلمتهم برؤية الأغيار
~~ومجاوزة الحدود { وإذ جعلنا } بيت القلب مرجعا للناس، ومحل أمن
~~وسلامة لهم إذا وصلوا إليه وسكنوا فيه من شر غوائل صفات النفس، وفتك قتال
~~القوى الطبيعية وإفسادها، وتخييل شياطين الوهم والخيال وإغوائهم. {
~~واتخذوا من مقام إبرهيم } الذي هو مقام الروح والخلة
~~موطنا للصلاة الحقيقية التي هي المشاهدة والخلة الذوقية

# وعهدنا إلى إبرهيم وإسمعيل

# [البقرة: 125] أمرناهما بتطهير بيت القلب من قاذورات أحاديث النفس،
~~ونجاسات وساوس الشيطان، وأرجاس دواعي الهوى، وأدناس صفات القوى للسالكين
~~المشتاقين الذين يدورون حول القلب في سيرهم، والواصلين إلى مقامه بالتوكل
~~الذي هو توحيد الأفعال، والخاضعين الذين بلغوا إلى مقام تجلي الصفات
~~وكمال مرتبة الرضا، الغائبين في الوحدة، الفانين فيها { وإذ قال
~~إبرهيم رب اجعل هذا } الصدر الذي هو حريم القلب { بلدا
~~آمنا } من استيلاء صفات النفس، واغتيال العدو اللعين، وتخطف جن القوى
~~البدنية { وارزق أهله } من ثمرات معارف الروح من وحد الله تعالى
~~منهم وعلم المعاد إليه، قال: ومن احتجب أيضا من الذين يسكنون الصدر ولا
~~يجاوزون حده بالترقي إلى مقام/ العين لاحتجابهم بالعلم الذي وعاؤه الصدر
~~{ فأمتعه قليلا } من المعاني العقلية والمعلومات الكلية النازلة
~~إليهم من عالم الروح على حسب استعدادهم { ثم أضطره إلى
~~عذاب } نار الحرمان والحجاب

# وبئس المصير

# [البقرة: 126] مصيرهم لتعذيبهم بنقصانهم وعدم تكميل نشأتهم { وإذ
~~يرفع إبرهيم القواعد من البيت } على الكيفية التي
~~ذكرناها قبل { وإسمعيل } كذلك قائلين { ربنا تقبل
~~منا } مجاهداتنا ومساعينا في السلوك إليك بأمداد التوفيق { إنك
~~أنت السميع } لهواجس خواطرنا فيه

# العليم

# [البقرة: 127] بنياتنا وأسرارنا { ربنا واجعلنا مسلمين
~~لك } لا تكلنا إلى أن أنفسنا { ومن ذريتنا } المنتمين إلينا {
~~أمة مسلمة لك وأرنا } طرق الوصول إلى نفي ما سواك {
~~وتب علينا } فيك عن أنفسنا وفنائنا ms00644 { إنك أنت التواب }
~~الموفق للرجوع إليك

# الرحيم

# [البقرة: 128] بمن عول دون السوى عليك { ربنا وابعث فيهم
~~رسولا منهم } وهو الحقيقة المحمدية { يتلو عليهم
~~ءايتك } الدالة عليك { ويعلمهم } كتاب العقل الجامع لصفاتك {
~~والحكمة } الدالة على نفي غيرك { ويزكيهم } ويطهرهم عن دنس
~~الشرك

# إنك أنت العزيز

# [البقرة: 129] الغالب، فأنى يظهر سواك المحكم لما ظهرت فيه فلا يرى إلا
~~إياك { ومن يرغب عن ملة إبرهيم } وهي التوحيد الصرف، إلا
~~من احتجب عن نور العقل بالكلية، وبقي في ظلمة نفسه

# ولقد اصطفينه

# [البقرة: 130] فكان من المحبوبين المرادين بالسابقة الأزلية في عالم
~~الملك، وأنه في عالم الملكوت من أهل الاستقامة، الصالح لتدبير النظام
~~وتكميل النوع { إذ قال له ربه أسلم } أي وحد وأسلم لله
~~تعالى ذاتك

# قال أسلمت لرب العلمين

# [البقرة: 131] وفنيت فيه { ووصى } بكلمة التوحيد { إبرهيم
~~بنيه } السالكين على يده { و } كذلك يعقوب { يعقوب يبنى
~~إن الله اصطفى لكم } دينه الذي لا دين غيره عنده

# فلا تموتن

# [البقرة: 132] بالموت الطبيعي وموت الجهل، بل كونوا ميتين بأنفسكم،
~~أحياء بالله أبدا، فيدرككم موت البدن على هذه الحالة { تلك أمة
~~قد خلت } فلا تكونوا مقيدين بالتقليد البحت لهم، فليس لأحد إلا ما
~~كسب من العلم والعمل والاعتقاد والسيرة، فكونوا على بصيرة في أمركم،
~~واطلبوا ما طلبوا لتنالوا ما نالوا

# والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا

# [العنكبوت: 69] ومن دق باب الكريم ولج ولج.

### || [2.135]

# { وقالوا كونوا هودا أو نصرى تهتدوا } الضمير
~~الغائب لأهل الكتاب، والجملة عطف على ما قبلها عطف القصة على القصة،
~~والمراد منها رد دعوتهم إلى دينهم الباطل إثر رد ادعائهم اليهودية على
~~يعقوب عليه السلام، و { أو } لتنويع المقال  لا للتخيير  بدليل أن كل
~~واحد من الفريقين يكفر الآخر، أي: قال اليهود للمؤمنين كونوا هودا وقالت
~~النصارى لهم كونوا نصارى و { تهتدوا } جواب الأمر، أي إن كنتم كذلك
~~تهتدوا. روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في رؤوس يهود
~~المدينة، كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهوذا وأبي ياسر بن أحطب ms00645
~~وفي نصارى أهل نجران، وذلك أنهم خاصموا المسلمين في الدين كل فرقة تزعم
~~أنها أحق بدين الله من غيرها، فقالت اليهود: نبينا موسى أفضل الأنبياء،
~~وكتابنا التوراة أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، وكفرت بعيسى والإنجيل
~~ومحمد والقرآن، وقالت النصارى: نبينا عيسى أفضل الأنبياء، وكتابنا
~~الإنجيل أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، وكفرت بمحمد والقرآن، وقال كل
~~واحد من الفريقين للمؤمنين كونوا على ديننا، فلا دين إلا ذلك في رواية
~~ابن إسحق وابن جرير وغيرهما عنه أن عبد الله بن صوريا الأعور قال للنبي
~~صلى الله عليه وسلم: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد،
~~وقالت النصارى: مثل ذلك فأنزل الله تعالى فيهم الآية.

# { قل } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أي قل لأولئك القائلين على
~~سبيل الرد عليهم،/ وتبيين ما هو الحق لديهم وإرشادهم إليه. { بل
~~ملة إبرهيم } أي لا نكون كما تقولون، بل نكون ملة إبراهيم أي
~~أهل  ملته  أو بل نتبع ملة إبراهيم. والأول: يقتضيه رعاية جانب لفظ ما
~~تقدم  وإن احتاج إلى حذف المضاف والثاني: يقتضيه الميل إلى جانب المعنى
~~إذ يؤل الأول إلى اتبعوا ملة اليهود أو النصارى مع عدم الاحتياج إلى
~~التقدير، وجوز أن يكون المعنى بل اتبعوا أنتم ملته، أو كونوا أهل ملته،
~~وقيل: الأظهر بل نؤتي ملة إبراهيم  ولم يظهر لي وجهه  وقرىء { بل
~~ملة } بالرفع، أي بل ملتنا أو أمرنا ملته أو نحن ملته أي أهلها،
~~وقيل: بل الهداية أو تهدي ملة إبراهيم وهو كما ترى.

# { حنيفا } أي مستقيما أو مائلا عن الباطل إلى الحق ويوصف به
~~المتدين والدين، وهو حال إما من المضاف بتأويل الدين أو تشبيها له بفعيل
~~بمعنى مفعول كما قوله تعالى:

# إن رحمت الله قريب من المحسنين

# [الأعراف: 56] وهذا على قراءة النصب وتقدير (نتبع) ظاهر، وإما على تقدير
~~تكون عليها فلأن { ملة } فاعل الفعل المستفاد من الإضافة أي تكون ملة
~~ثبتت لإبراهيم، وعلى قراءة الرفع تكون الحال مؤكدة لوقوعها بعد جملة
~~اسمية جزآها جامدان معرفتان مقررة ms00646 لمضمونها لاشتهار ملته عليه الصلاة
~~والسلام بذلك فالنظم على حد  أنا حاتم جوادا  أو من المضاف إليه
~~بناءا على ما ارتضوه من أنه يجوز مجيء الحال منه في ثلاث صور: إذا كان
~~المضاف مشتقا عاملا، أو جزءا، أو بمنزلة الجزء في صحة حذفه كما هنا
~~فإنه يصح  اتبعوا إبراهيم  بمعنى اتبعوا ملته، وقيل: إن الذي سوغ وقوع
~~الحال من المضاف إليه كونه مفعولا لمعنى الفعل المستفاد من الإضافة أو
~~اللام  وإليه يشير كلام أبي البقاء  ولعله أولى لاطراده في التقدير
~~الأول، وقيل: هو منصوب بتقدير أعني.

# { وما كان من المشركين } عطف على (حنيفا) على طبق

# حنفاء لله غير مشركين به

# [الحج: 31] فهو حال من المضاف إليه لا من المضاف إلا أن يقدر  وما كان
~~دين المشركين  وهو تكلف، والمقصود التعريض بأهل الكتاب والعرب الذين
~~يدعون اتباعه ويدينون بشرائع مخصوصة به من حج البيت والختان وغيرهما فإن
~~في كل طائفة منهم شركاء فاليهود قالوا  عزيز ابن الله  والنصارى 
~~المسيح ابن الله  والعرب عبدوا الأصنام وقالوا الملائكة بنات الله.

### || [2.136]

# { قولوا ءامنا بالله } خطاب للمؤمنين لا للكافرين  كما قيل 
~~لما فيه من الكلف والتكلف وبيان للاتباع المأمور به فهو بمنزلة بدل البعض
~~من قوله سبحانه:

# بل ملة إبرهيم

# [البقرة: 135] لأن الاتباع يشمل الاعتقاد والعمل وهذا بيان الاعتقاد أو
~~بدل الاشتمال لما فيه من التفصيل الذي ليس في الأول، وقيل: استئناف كأنهم
~~سألوا كيف الاتباع؟ فأجيبوا بذلك وأمر أولا: بصيغة الإفراد، وثانيا:
~~بصيغة الجمع إشارة إلى أنه يكفي في الجواب قول الرسول صلى الله عليه وسلم
~~من جانب كل المؤمنين بخلاف الاتباع فإنه لا بد فيه من قول كل واحد لأنه
~~شرط الإيمان أو شطره قاله بعض المحققين، والقول بأنه بمنزلة البيان
~~والتأكيد للقول الأول  ولذا ترك العطف  لا يخلو عن شيء وقدم الإيمان
~~بالله سبحانه لأنه أول الواجبات ولأنه بتقدم معرفته تصح معرفة النبوات
~~والشرعيات.

# { وما أنزل إلينا } أي القرآن وهو وإن كان في الترتيب النزولي
~~مؤخرا عن غيره لكنه في الترتيب ms00647 الإيماني مقدم عليه لأنه سبب الإيمان
~~بغيره لكونه مصدقا له ولذا قدمه.

# { وما أنزل إلى إبرهيم وإسمعيل وإسحق
~~ويعقوب والأسباط } يعني الصحف وهي وإن نزلت على إبراهيم عليه
~~الصلاة والسلام لكن لما كان ما عطف عليه متعبدين بتفاصيلها داخلين تحت
~~أحكامها صح نسبة/ نزولها إليهم أيضا كما صحح تعبدنا بتفاصيل القرآن
~~ودخولنا تحت أحكامه نسبة نزوله إلينا، والأسباط جمع سبط كأحمال وحمل وهم
~~أولاد إسرائيل، وقيل: هم في أولاد إسحق كالقبائل في أولاد إسمعيل مأخوذ
~~من السبط وهو شجرة كثيرة الأغصان فكأنهم سموا بذلك لكثرتهم، وقيل: من
~~السبوطة وهي الاسترسال، وقيل: إنه مقلوب البسط، وقيل: للحسنين سبطا رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم لانتشار ذريتهم ثم قيل لكل ابن بنت: سبط، وكذا
~~قيل له: حفيد أيضا.

# واختلف الناس في الأسباط أولاد يعقوب هل كانوا كلهم أنبياء أم لا؟ والذي
~~صح عندي الثاني وهو المروي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه  وإليه
~~ذهب الإمام السيوطي  وألف فيه لأن ما وقع منهم مع يوسف عليه الصلاة
~~والسلام ينافي النبوة قطعا وكونه قبل البلوغ غير مسلم لأن فيه أفعالا
~~لا يقدر عليها إلا البالغون، وعلى تقدير التسليم لا يجدي نفعا على ما هو
~~القول الصحيح في شأن الأنبياء وكم كبيرة تضمن ذلك الفعل وليس في القرآن
~~ما يدل على نبوتهم، والآية قد علمت ما ذكرنا فيها فاحفظ ذلك هديت.

# { وما أوتى موسى وعيسى } أي التوراة والإنجيل، ولكون أهل
~~الكتاب زادوا ونقصوا وحرفوا فيهما وادعوا أنهما أنزلا كذلك، والمؤمنون
~~ينكرونه اهتم بشأنهما فأفردهما بالذكر وبين طريق الإيمان بهما ولم
~~يدرجهما في الموصول السابق، ولأن أمرهما أيضا بالنسبة إلى موسى وعيسى
~~أنهما منزلان عليهما حقيقة، لا باعتبار التعبد فقط كما في المنزل على
~~إسحق ويعقوب والأسباط ولم يعد الموصول لذلك في عيسى لعدم مخالفة شريعته
~~لشريعة موسى إلا في النزر، ولذلك الاهتمام عبر  بالإيتاء  دون 
~~الإنزال  لأنه أبلغ لكونه المقصود منه، ولما فيه من الدلالة على الإعطاء
~~الذي فيه شبه التمليك والتفويض، ولهذا يقال: ms00648 أنزلت الدلو في البئر، ولا
~~تقول: آتيتها إياها، ولك أن تقول: المراد بالموصول هنا ما هو أعم من
~~التوراة والإنجيل وسائر المعجزات الظاهرة بأيدي هذين النبيين الجليلين
~~حسبما فصل في التنزيل الجليل، وإيثار  الإيتاء  لهذا التعميم، وتخصيص
~~النبيين بالذكر لما أن الكلام مع  اليهود والنصارى .

# { وما أوتي النبيون } وهي الكتب التي خصت من خصته منهم، أو
~~ما يشمل ذلك والمعجزات، وهو تعميم بعد التخصيص كيلا يخرج من الإيمان أحد
~~من الأنبياء { من ربهم } متعلق ب { أوتي } قبله؛ والضمير 
~~للنبيين  خاصة، وقيل: لموسى وعيسى أيضا، ويكون { ما أوتى } تكريرا
~~للأولى، والجار متعلقا بها، وهو  على التقديرين  ظرف لغو، وجوز أن
~~يكون في موضع الحال من العائد المحذوف، واحتمال أن يكون { ما } مبتدأ
~~والجار خبره بعيد.

# { لا نفرق بين أحد منهم } أي كما فرق أهل الكتاب، فآمنوا
~~ببعض وكفروا ببعض  بل نؤمن بهم جميعا  وإنما اعتبر عدم التفريق بينهم،
~~مع أن الكلام فيما أوتوه لاستلزام - ذلك عدم التفريق - فيه بين  ما
~~أوتوه  و { أحد } أصله  وحد  بمعنى  واحد  وحيث وقع في سياق
~~النفي عم واستوى فيه  الواحد والكثير  وصح إرادة كل منهما  وقد أريد
~~به هنا الجماعة  ولهذا ساغ أن يضاف إليه (بين) ويفيد عموم الجماعات 
~~كذا قاله بعض المحققين  وهو مخالف لما هو المشهور عند أرباب العربية من
~~أن الموضوع في النفي العام أو المستعمل مع كل في الإثبات  همزته  أصلية
~~بخلاف ما استعمل في الإثبات بدون كل فإن  همزته  منقلبة عن  واو  ومن
~~هنا قال العلامة التفتازاني: إن (أحد) في معنى الجماعة بحسب الوضع لأنه
~~اسم لمن يصلح أن يخاطب يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى
~~والمجموع، ويشترط أن يكون استعماله مع/ كلمة  كل  أو مع النفي، نص على
~~ذلك أبو علي وغيره من أئمة العربية، وهذا غير  الأحد  الذي هو أول
~~العدد في قوله تعالى:

# قل هو الله أحد

# [الإخلاص: 1] وليس كونه في معنى الجماعة من جهة كونه نكرة في سياق النفي
~~ على ما سبق  إلى كثير من الأوهام، ms00649 ألا ترى أنه لا يستقيم لا نفرق بين
~~رسول من الرسل إلا بتقدير عطف أي رسول ورسول، و

# لستن كأحد من النساء

# [الأحزاب: 32] ليس في معنى  كامرأة منهن  انتهى.

# وأنت  بعد التأمل  تعلم أن ما ذكره العلامة لا يرد على ذلك البعض،
~~وإنما ترد عليه المخالفة في الأصالة وعدمها فقط  ولعل الأمر فيها سهل 
~~على أن دعوى عدم تلك الاستقامة إلا بذلك التقدير غير مجمع عليه، فقد ذكر
~~في «الانتصاف» أن النكرة الواقعة في سياق النفي تفيد العموم لفظا عموما
~~شموليا حتى ينزل المفرد فيها منزلة الجمع في تناوله  الآحاد  مطابقة،
~~لا كما ظنه بعض الأصوليين من أن مدلولها بطريق المطابقة في النفي
~~كمدلولها في الإثبات، وجعل هذا التعدد والعموم وضعا هو المسوغ لدخول
~~(بين) عليها هنا، ومن الناس من جوز كون (أحد) في الآية بمعنى واحد،
~~وعمومه بدلي، وصحة دخول (بين) عليه باعتبار معطوف قد حذف لظهوره { بين
~~أحد منهم } وغيره، وفيه من الدلالة على تحقق التفريق بين كل فرد
~~فرد منهم، وبين من عداه كائنا من كان ما ليس في أن يقال: (لا نفرق)
~~بينهم،  ولا يخفى ما فيه  والجملة حال من الضمير في { آمنا }.

# { ونحن له مسلمون } أي خاضعون لله تعالى بالطاعة، مذعنون
~~بالعبودية، وقيل: منقادون لأمره ونهيه، ومن جعل الضمير المجرور لما تقدم
~~ذكره من الأنبياء فقد أبعد، والجملة حال أخرى، أو عطف على { آمنا }.

### || [2.137]

# { فإن ءامنوا بمثل ما ءامنتم به فقد اهتدوا }
~~متعلق بقوله سبحانه:

# قولوا ءامنا

# [البقرة: 136] الخ، أو بقوله عز شأنه:

# بل ملة إبرهيم

# [البقرة: 135] الخ، و  إن  لمجرد الفرض والكلام من باب الاستدراج
~~وإرخاء العنان مع الخصم حيث يراد تبكيته، وهو مما تتراكض فيه خيول
~~المناظرين  فلا بأس بحمل كلام الله تعالى عليه  يعني نحن لا نقول: إننا
~~على الحق وأنتم على الباطل، ولكن إن حصلتم شيئا مساويا لما نحن عليه
~~مما يجب الإيمان أو التدين به فقد اهتديتم ومقصودنا هدايتكم كيفما كانت،
~~والخصم إذا نظر بعين الإنصاف في هذا الكلام ms00650 وتفكر فيه علم أن الحق ما
~~عليه المسلمون لا غير، إذ لا مثل لما آمنوا به، وهو ذاته تعالى وكتبه
~~المنزلة على أنبيائه  ولا دين كدينهم؛ ف { ءامنوا } متعدية  بالباء
~~ و  مثل  على ظاهرها، وقيل: { ءامنوا } جار مجرى اللازم  والباء 
~~إما للاستعانة والآلة والمعنى إن دخلوا في الإيمان بواسطة شهادة مثل
~~شهادتكم قولا واعتقادا { فقد اهتدوا } أو فإن تحروا  الإيمان 
~~بطريق يهدي إلى الحق مثل طريقكم، فإن وحدة المقصد لا تأبى تعدد الطرق،
~~كما قيل: الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق، والمقام مقام تعيين
~~الدين الحق لا مقام تعيين شخص الطريق الموصول إليه ليأتي هذا التوجيه،
~~وإما زائدة للتأكيد؛ و { ما } مصدرية؛ وضمير { به } لله، أو لقوله
~~سبحانه:

# آمنا بالله

# [البقرة: 136] الخ بتأويل المذكور، أو للقرآن، أو لمحمد صلى الله عليه
~~وسلم، والمعنى: فإن آمنوا بما ذكر مثل إيمانكم به، وإما للملابسة، أي
~~فآمنوا متلبسين بمثل ما آمنتم متلبسين به، أو فإن آمنوا إيمانا متلبسا
~~بمثل ما آمنتم إيمانا متلبسا به من الإذعان والإخلاص وعدم التفريق بين
~~الأنبياء عليهم السلام، وقيل: المثل مقحم كما في قوله تعالى:

# وشهد شاهد من بنى إسرءيل على مثله

# [الأحقاف: 10] أي عليه، ويشهد له قراءة أبي { بالذي آمنتم به } وقراءة
~~ابن عباس { بما آمنتم به } وكان رضي الله تعالى عنه يقول: اقرءوا ذلك
~~فليس لله تعالى مثل، ولعل ذلك محمول على التفسير لا على أنه أنكر
~~القراءة/ المتواترة  وخفي عليه معناها  ومن الناس من قال: يمكن
~~الاستغناء عن جميع ذلك بأن يقال: فإن آمن اليهود بمثل ما آمنتم كمؤمنيهم
~~قبل التحريف، فإنهم آمنوا بمثل ما آمن المؤمنون، فإن فيما أوتي به
~~النبيون في زمن محمد صلى الله عليه وسلم ما أنزل إليه  ولم يكن ذلك قبله
~~ إلا أن هذا التوجيه يقتضي إبقاء صيغة الماضي على معناها كما في قولهم:
~~إن أكرمتني فقد أكرمتك، فتأمل انتهى.

# وأنت تعلم أن المؤمن به لا يتصور فيه التعدد وإبقاء الكلام على ظاهره،
~~والاستغناء عن جميع ما ذكر يستدعي ms00651 وجود ذلك التعدد المحال، فماذا عسى
~~ينفع هذا سوى تكثير القيل والقال، وتوسيع دائرة النزاع والجدال فتدبر.

# { وإن تولوا } أي أعرضوا عن الإيمان المأمور به، أو عن قولكم في
~~جواب قولهم. { فإنما هم فى شقاق } أي مخالفة لله تعالى  قاله
~~ابن عباس  أو منازعة ومحاربة  قاله ابن زيد  أو عداوة  قاله الحسن 
~~واختلف في اشتقاق  الشقاق  فقيل: من الشق أي الجانب، وقيل: من المشقة،
~~وقيل: مأخوذ من قولهم: شق العصا إذا أظهر العداوة  والتنوين للتفخيم 
~~والجملة جواب الشرط إما على أن المراد مشاقتهم الحادثة بعد توليهم عن
~~الإيمان، وأوثرت الاسمية للدلالة على ثباتهم واستقرارهم على ذلك، وإما
~~بتأويل فاعلموا.

# { فسيكفيكهم الله } تسلية له صلى الله عليه وسلم وتفريح
~~للمؤمنين بوعد النصر والغلبة وضمان التأييد والإعزاز على أبلغ وجه للسين
~~الدالة على تحقق الوقوع البتة، أو للتذييل الآتي حيث أن السين في المشهور
~~لا تدل على أكثر من التنفيس عقب ذكر ما يؤدي إلى الجدال والقتال، والمراد
~~سيكفيك كيدهم وشقاقهم لأن الكفاية لا تتعلق بالأعيان بل بالأفعال، وتلوين
~~الخطاب بتجريده للنبي صلى الله عليه وسلم مع أنه سبحانه أنجز وعده
~~الكريم بما هو كفاية للكل من قتل بني قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير لما
~~أنه صلى الله عليه وسلم الأصل والعمدة في ذلك وهو سلك حبات أفئدة
~~المؤمنين ومطمح نظر كيد الكافرين، وللإيذان بأن القيام بأمور الحروب
~~وتحمل المشاق ومقاساة الشدائد في مناهضة الأعداء من وظائف الرؤساء فنعمته
~~تعالى في الكفاية والنصرة في حقه أتم وأكمل.

# { وهو السميع العليم } تذييل لما سبق الوعد وتأكيد له أي: هو
~~السميع لما تدعو به العليم بما في نيتك من إظهار دينه فيستجيب لك ويوصلك
~~إلى مرادك أو وعيد للكفرة بمعنى  يسمع  ما يبدون  ويعلم  ما يخفون
~~مما لا خير فيه وهو معاقبهم عليه، وفيه أيضا تأكيد الوعد السابق فإن
~~وعيد الكفرة وعد للمؤمنين.

### || [2.138]

# { صبغة الله } الصبغة بالكسر فعلة من  صبغ  كالجلسة من جلس وهي
~~الحالة التي يقع عليها  الصبغ  عبر بها عن التطهير ms00652 بالإيمان بما ذكر
~~على الوجه الذي فصل لأنه ظهر أثره عليهم ظهور  الصبغ  على  المصبوغ 
~~وتداخل في قلوبهم تداخله فيه وصار حلية لهم فهناك استعارة تحقيقية
~~تصريحية والقرينة الإضافة والجامع ما ذكر، وقيل: للمشاكلة التقديرية فإن
~~النصارى كانوا  يصبغون  أولادهم بماء أصفر يسمونه المعمودية يزعمون أنه
~~الماء الذي ولد فيه عيسى عليه الصلاة والسلام ويعتقدون أنه تطهير للمولود
~~كالختان لغيرهم، وقيل: هو ماء يقدس بما يتلى من الإنجيل ثم تغسل به
~~الحاملات، ويرد على هذا الوجه أن الكلام عام لليهود غير مختص بالنصارى
~~اللهم إلا أن يعتبر أن ذلك الفعل كائن فيما بينهم في الجملة ونصبها على
~~أنها مصدر مؤكد لقوله تعالى:

# آمنا

# [البقرة: 136] وهي من المصادر المؤكدة لأنفسها فلا ينافي كونها للنوع
~~والعامل فيها  صبغنا  كأنه قيل  صبغنا الله صبغته  وقدر المصدر
~~مضافا إلى الفاعل لتحقق/ شرط وجوب حذف عامله من كونه مؤكدا لمضمون
~~الجملة إذ لو قدر منكرا لكان مؤكدا لمضمون أحد جزئيه أعني الفعل فقط
~~نحو ضربت ضربا، وقيل: إنها منصوبة بفعل الإغراء أي الزموا  صبغة الله 
~~لا عليكم وإلا لوجب ذكره  كما قيل  وإليه ذهب الواحدي، ولا يجب حينئذ
~~إضمار العامل لأنه مختص في الإغراء بصورتي التكرار أو العطف كالعهد العهد
~~وكالأهل والولد، وذهب الأخفش والزجاج والكسائي وغيرهم إلى أنها بدل من

# ملة إبرهيم

# [البقرة: 135].

# { ومن أحسن من الله صبغة } مبتدأ وخبر، والاستفهام
~~للإنكار، وقوله تعالى: { صبغة } تمييز منقول من المبتدأ نحو  زيد
~~أحسن من عمرو وجها  والتقدير  ومن صبغته أحسن من صبغة الله تعالى 
~~كما يقدر وجه زيد أحسن من وجه عمرو، والتفضيل جار بين الصبغتين لا بين
~~فاعليهما أي لا صبغة أحسن من صبغته تعالى على معنى أنه أحسن من كل صبغة
~~وحيث كان مدار التفضيل على تعميم  الحسن  للحقيقي والفرضي المبني على
~~زعم الكفرة لم يلزم أن يكون في (صبغة) غيره تعالى حسن في الجملة، والجملة
~~معترضة مقررة لما في صبغة الله تعالى من التبجح والابتهاج أو جارية مجرى
~~التعليل للإغراء.

# { ونحن له ms00653 عبدون } أي موحدون أو مطيعون متبعون ملة إبراهيم
~~أو خاضعون مستكنون في اتباع تلك الملة، وتقديم الجار لإفادة اختصاص
~~العبادة له تعالى، وتقديم المسند إليه لإفادة قصر ذلك الاختصاص عليهم،
~~وعدم تجاوزه إلى أهل الكتاب فيكون تعريضا لهم بالشرك أو عدم الانقياد له
~~تعالى باتباع ملة إبراهيم، والجملة عطف على

# آمنا

# [البقرة: 136] وذلك يقتضي دخولة صبغة الله في مفعول

# قولوا

# [البقرة: 136] لئلا يلزم الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالأجنبي،
~~وإيثار الجملة الاسمية للإشعار بالدوام، ولمن نصب { صبغة } على
~~الإغراء أو البدل أن يضمر (قولوا) قبل هذه الجملة معطوفا على الزموا على
~~تقدير الإغراء، وإضمار القول سائغ شائع، والقرينة  السياق  لأن ما قبله
~~مقول المؤمنين وأن يضمر اتبعوا في

# بل ملة إبرهيم

# [البقرة: 135] لا نتبع ويكون

# قولوا ءامنا

# [البقرة: 136] بدلا من { اتبعوا } بدلا من اتبعوا بدل البعض لأن
~~الإيمان داخل في اتباع ملة إبراهيم فلا يلزم الفصل بين المعطوف والمعطوف
~~عليه، ولا بين البدل والمبدل منه بالأجنبي وما قيل: إنه يلزم الفصل ببدل
~~الفعل بين المفعول، والمبدل منه ففيه أن

# قولوا

# [البقرة: 136] ليس بدلا من الفعل فقط بل الجملة بدل من الجملة فلا
~~محذور، وأما القول  بأنه يمكن أن تجعل هذه الجملة حالا من لفظة الله في
~~قوله سبحانه: { ومن أحسن من الله صبغة } أي صبغته بتطهير
~~القلب أو الإرشاد أو حفظ الفطرة أحسن الاصباغ حال إخلاص العبادة له 
~~فليس بشيء كما لا يخفى.

### || [2.139]

# { قل أتحاجوننا } تجريد الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لما
~~أن المأمور به من الوظائف الخاصة به عليه الصلاة والسلام، والهمزة
~~للإنكار، وقرأ زيد والحسن وغيرهما بإدغام النون أي تجادلونا.

# { فى الله } أي في دينه وتدعون أن دينه الحق اليهودية والنصرانية
~~وتبنون دخول الجنة والاهتداء عليهما، وقيل: المراد في شأن الله تعالى
~~واصطفائه نبيا من العرب دونكم بناءا على أن الخطاب لأهل الكتاب وسوق
~~النظم يقتضي أن تفسر المحاجة بما يختص بهم، والمحاجة في الدين ليست كذلك
~~والقرينة على التقييد قوله سبحانه قبل:

# وما أنزل إلينا ms00654

# [البقرة: 136] وبعد

# ومن أظلم ممن كتم شهدة

# [البقرة: 140] حيث إنه تعريض بكتمان أهل الكتاب شهادة الله سبحانه بنبوة
~~محمد صلى الله عليه وسلم، وما روي في سبب النزول أن أهل الكتاب قالوا
~~الأنبياء كلهم منها فلو كنت نبيا لكنت منا فنزلت، ولا يخفى عليك أن
~~المحاجة في الدين على ما ذكرنا مختصة بهم على أن ظاهر السوق يقتضي ذمهم
~~بما صار دينا لهم وشنشنة فيهم حتى عرفوا فيه، ومشركو العرب وإن حاجوا في
~~الدين/ أيضا لكنهم لم يصلوا فيه إلى رتبة أهل الكتاب لما أنهم أميون
~~عارون عن سائر العلوم جاهلون بوظائف البحث بالكلية نظرا إلى أولئك
~~القائمين على ساق الجدال وإن القرينتين السابقة واللاحقة على التقييد في
~~غاية الخفاء وأن ما روي في سبب النزول ليس مذكورا في شيء من كتب الحديث
~~ولا التفاسير المعتبرة كما نص على ذلك الإمام السيوطي وكفى به حجة في هذا
~~الشأن.

# { وهو ربنا وربكم } جملة حالية أي أتجادلوننا والحال أنه
~~لا وجه للمجادلة أصلا لأنه تعالى مالك أمرنا وأمركم { ولنا
~~أعملنا ولكم أعملكم } عطف على ما قبله أي لنا جزاء
~~أعمالنا الحسنة الموافقة لأمره ولكم جزاء أعمالكم السيئة المخالفة لحكمه
~~{ ونحن له مخلصون } في تلك الأعمال لا نبتغي بها إلا وجهه
~~فأنى لكم المحاجة ودعوى حقيقة ما أنتم عليه والقطع بدخول الجنة بسببه
~~ودعوة الناس إليه. والجملة حالية كالتي قبلها، وذهب بعض المحققين أن هذه
~~الجملة كجملتي

# ونحن له مسلمون

# [البقرة: 133]

# ونحن له عبدون

# [البقرة: 138] اعتراض وتذييل للكلام الذي عقب به مقول على ألسنة العباد
~~بتعليم الله تعالى لا عطف، وتحريره أن { ونحن له مسلمون }
~~مناسب  لآمنا  أي نؤمن بالله وبما أنزل على الأنبياء صلوات الله تعالى
~~وسلامه عليهم ونستسلم له وننقاد لأوامره ونواهيه وقوله تعالى: { ونحن
~~له عبدون } ملائم لقوله تعالى:

# صبغة الله

# [البقرة: 138] لأنها بمعنى دين الله فالمصدر كالفذلكة لما سبق، وهذه
~~الآية موافقة لما قبلها، ولعل الذوق السليم لا يأباه، وأما القول بأن
~~معنى { وهو ربنا } الخ أنه لا اختصاص ms00655 له تعالى بقوم دون قوم فيصيب
~~برحمته من يشاء فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا كما أكرمكم بأعمالكم كأنه
~~ألزمهم على كل مذهب يفتحونه إفحاما وتبكيتا فإن كرامة النبوة إما تفضل
~~من الله تعالى فالكل فيه سواء، وإما إفاضة حق على المستحقين لها
~~بالمواظبة على الطاعة والتحلي بالإخلاص فكما أن لكم أعمالا ربما يعتبرها
~~الله تعالى في إعطائها فلنا أيضا أعمال ونحن له مخلصون بها لا أنتم، فمع
~~بنائه على ما علمت ركاكته غير ملائم لسباق النظم الكريم وسياقه بل غير
~~صحيح في نفسه كما أفتى به مولانا مفتي الديار الرومية لما أن المراد
~~بالأعمال من الطرفين ما أشير إليه من الأعمال الصالحة والسيئة ولا ريب أن
~~أمر الصلاح والسوء يدور على موافقة الدين المبني على البعثة ومخالفته
~~فكيف يتصور اعتبار تلك الأعمال في استحقاق النبوة واستعدادها المتقدم على
~~البعثة بمراتب.

# هذا وقد اختلف الناس في الإخلاص، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
~~قال:

# " سألت جبريل عن الإخلاص ما هو؟ فقال: سألت رب العزة عنه فقال: سر من
~~أسراري استودعته قلب من أحببته من عبادي "

# وقال سعيد بن جبير: الإخلاص أن لا تشرك في دينه ولا تراء أحدا في عمله،
~~وقال الفضيل: ترك العمل من أجل الناس رياءا والعمل من أجل الناس شرك،
~~والإخلاص أن يعافيك الله تعالى منهما، وقال حذيفة المرعشي: أن تستوي
~~أفعال العبد في الباطن والظاهر، وقال أبو يعقوب: المكفوف أن يكتم العبد
~~حسناته كما يكتم سيآته، وقال سهل: هو الإفلاس، ومعناه احتقار العمل وهو
~~معنى قول رويم  ارتفاع عملك عن الرؤية  قيل: ومقابل الإخلاص الرياء،
~~وذكر[أبو] سليمان الداراني ثلاث علامات له: الكسل عند العبادة في الوحدة
~~والنشاط في الكثرة وحب الثناء على العمل.

### || [2.140]

# { أم تقولون إن إبرهيم وإسمعيل وإسحق
~~ويعقوب والاسباط كانوا هودا أو نصرى }  { أم }
~~إما متصلة معادلة للهمزة في

# أتحاجوننا

# [البقرة: 139] داخلة في حيز الأمر والمراد بالاستفهام إنكارهما معا
~~بمعنى كل من الأمرين منكر ينبغي أن لا يكون إقامة الحجة وتنوير البرهان ms00656
~~على حقية ما أنتم عليه، والحال ما ذكر والتشبث بذيل التقليد والافتراء/
~~على الأنبياء عليهم السلام، وفائدة هذا الأسلوب مع أن العلم حاصل بثبوت
~~الأمرين الإشارة إلى أن أحدهما كاف في الذم فكيف إذا اجتمعا كما تقول لمن
~~أخطأ تدبيرا ومقالا: أتدبيرك أم تقريرك، وبهذا يندفع ما قاله أبو حيان
~~من أن الاتصال يستدعي وقوع إحدى الجملتين والسؤال عن تعيين إحداهما وليس
~~الأمر كذلك إذ وقعتا معا، وإما منقطعة مقدرة ببل والهمزة دالة على
~~الإضراب والانتقال من التوبيخ على المحاجة إلى التوبيخ على الافتراء على
~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

# وقرأ غير ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص { أم يقولون }  بالياء 
~~ويتعين كون { أم } حينئذ منقطعة لما فيها من الاضراب من الخطاب إلى
~~الغيبة ولا يحسن في المتصلة أن يختلف الخطاب من مخاطب إلى غيره كما يحسن
~~في المنقطعة ويكون الكلام استئنافا غير داخل تحت الأمر بل وارد منه
~~تعالى توبيخا لهم وإنكارا عليهم، وحكى أبو جعفر الطبري عن بعض النحاة
~~جواز الاتصال لأنك إذا قلت  أتقوم يا زيد أم يقوم عمرو  صح الاتصال،
~~واعترض عليه ابن عطية بأن المثال غير جيد لأن القائل فيه واحد والمخاطب
~~واحد والقول في الآية من اثنين والمخاطب اثنان غير أن [وإنما] يتجه
~~معادلة { أم } للهمزة على الحكم المعنوي كان معنى

# قل أتحاجوننا

# [البقرة: 139] أي يحاجون يا محمد أم يقولون، ولا يخفى أن القول
~~بالانقطاع إن لم يكن متعينا فلا أقل من أنه أولى.

# { قل أأنتم أعلم أم الله } أي لستم أعلم بحال إبراهيم
~~عليه السلام في باب الدين بل الله تعالى أعلم بذلك وقد أخبر سبحانه بنفي
~~اليهودية والنصرانية عنه، واحتج على انتفائهما عنه بقوله:

# وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده

# [آل عمران: 65] وهؤلاء المعطوفون عليه أتباعه في الدين وفاقا فحالهم
~~حاله فلم تدعون له ولهم. ما نفى الله تعالى؟ فما ذلك إلا جهل غال ولجاج
~~محض.

# { ومن أظلم } إنكار لأن يكون أحد أظلم { ممن كتم
~~شهدة } ثابتة. { عنده } واصلة { من الله } إليه وهي ms00657 شهادته
~~تعالى لإبراهيم عليه السلام بالحنيفية والبراءة عن اليهودية والنصرانية
~~حسبما تلى آنفا، وجيء بالوصفين لتعليل الإنكار وتأكيده فإن ثبوت 
~~الشهادة عنده  وكونها من جانب جناب العلي الأعلى عز شأنه من أقوى
~~الدواعي إلى إقامتها وأشد الزواجر عن كتمانها، وتقديم الأول مع أنه متأخر
~~في الوجود لمراعاة طريق الترقي والمعنى لا أحد أظلم من أهل الكتاب  حيث
~~كتموا هذه الشهادة وأثبتوا نقيضها بما ذكر من الافتراء  والجملة تذييل
~~يقرر ما أنكر عليهم من ادعاء اليهودية والنصرانية وتعليق الأظلمية بمطلق
~~الكتمان للإيماء إلى أن مرتبة من يردها ويشهد بخلافها في الظلم خارجة عن
~~دائرة البيان، أو لا أحد  أظلم منا لو كتمنا هذه  الشهادة  ولم نقمها
~~في مقام المحاجة، والجملة حينئذ تذييل مقرر ما أوقع في قوله تعالى: {
~~أأنتم أعلم أم الله } من أنهم شاهدون بما شهد الله تعالى به
~~مصدوقونه بما أعلمهم، وجعلها على هذا من تتمة

# قولوا ءامنا

# [البقرة: 136] لأنه في معنى إظهار الشهادة. وعلى الأول من تتمة

# قل أتحاجوننا

# [البقرة: 139] لأنه في معنى كتمانها ظاهر التعسف.

# ولا يخفى أن في الآية تعريضا بغاية أظلمية أهل الكتاب على نحو ما أشير
~~إليه، وفي إطلاق الشهادة  مع أن المراد بها ما تقدم من الشهادة المعينة
~~ تعريض بكتمانهم شهادة الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في
~~التوراة والإنجيل، وفي «ري الظمآن» ((أن  من  صلة { أظلم }
~~والكلام على التقديم والتأخير كأنه قيل: ومن أظلم (من الله) ممن كتم
~~شهادة حصلت عنده كقولك ومن أظلم من زيد من جملة الكاتمين للشهادة،
~~والمعنى لو كان إبراهيم وبنوه يهودا أو نصارى ثم إن الله تعالى كتم هذه
~~الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم الشهادة أظلم منه لكن لما استحال ذلك مع
~~عدله وتنزيهه عما لا يليق علمنا أن الأمر ليس كذلك))، وقيل: إن (من) صلة
~~(كتم)/ والكلام على حذف مضاف  أي كتم من عباد الله شهادة عنده  ومعناه
~~أنه تعالى ذمهم على منع أن يوصلوا إلى عباد الله تعالى، ويؤدوا إليهم
~~شهادة الحق، ms00658 ولا يخفى ما في هذين الوجهين من التكلف والتعسف وانحطاط
~~المعنى فلينزه كتاب الله تعالى العظيم عنه، على أنك لو نظرت بعين الانصاف
~~رأيت الوجه الثاني من الأولين لا يخلو عن بعد لأن الآية إنما تقدمها
~~الإنكار لما نسب إلى إبراهيم عليه السلام، ومن ذكر معه فالذي يليق أن
~~يكون الكلام مع أهل الكتاب لا مع الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه
~~لأنهم مقرون بما أخبر الله تعالى به وعالمون بذلك فلا يفرض في حقهم
~~كتمانه والتذييل الذي ادعى فيه خلاف الظاهر أيضا.

# { وما الله بغفل عما تعملون } وعيد وتهديد لأهل
~~الكتاب أي إن الله تعالى لا يترك أمركم سدى بل هو محصل لأعمالكم محيط
~~بجميع ما تأتون وتذرون فيعاقبكم بذلك أشد عقاب، ويدخل في ذلك كتمانهم
~~لشهادته تعالى وافتراؤهم على أنبيائه عليهم السلام، وقرىء  (عما يعملون)
~~ بصيغة الغيبة فالضمير إما لمن كتم باعتبار المعنى أو لأهل الكتاب.

### || [2.141]

# تكرير لما تقدم للمبالغة في التحذير عما استحكم في الطباع من الافتخار
~~بالآباء والاتكال عليهم كما يقال: اتق الله اتق الله، أو تأكيد وتقرير
~~للوعيد يعني أن الله تعالى يجازيكم على أعمالكم ولا تنفعكم آباؤكم ولا
~~تسألون يوم القيامة عن أعمالهم بل عن أعمال أنفسكم، وقيل: الخطاب فيما
~~سبق لأهل الكتاب، وفي هذه الآية لنا تحذيرا عن الاقتداء بهم، وقيل:
~~المراد بالأمة في الأول: الأنبياء وفي الثاني أسلاف اليهود لأن القوم لما
~~قالوا في إبراهيم وبنيه إنهم كانوا ما كانوا  فكأنهم قالوا  إنهم على
~~مثل طريقة أسلافنا فصار سلفهم في حكم المذكورين فجاز أن يعنوا بالآية،
~~ولا يخفى ما في ذلك من التعسف الظاهر.

### || [2.142]

# / { سيقول السفهاء } ، أي الخفاف الأحلام أو المستمهنوها
~~بالتقليد المحض، والإعراض عن التدبر، والمتبادر منهم ما يشمل سائر
~~المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين، وروي عن السدي
~~الاقتصار على الأول، وعن ابن عباس الاقتصار على الثاني، وعن الحسن
~~الاقتصار على الثالث، ولعل المراد بيان طائفة نزلت هذه الآية في حقهم لا
~~حمل الآية عليها لأن الجمع ms00659 فيها محلى باللام، وهو يفيد العموم فيدخل فيه
~~الكل، والتخصيص بالبعض لا يدعو إليه داع، وتقديم الإخبار بالقول على
~~الوقوع لتوطين النفس به فإن مفاجأة المكروه أشد إيلاما؛ والعلم به قبل
~~الوقوع أبعد من الاضطراب، ولما أن فيه إعداد الجواب والجواب المعد قبل
~~الحاجة إليه أقطع للخصم وفي المثل  قبل الرمي يراش السهم  وليكون
~~الوقوع بعد الإخبار معجزة له صلى الله عليه وسلم، وقيل: إن الوجه في
~~التقديم هو التعليم والتنبيه على أن هذا القول أثر السفاهة فلا يبالي به
~~ولا يتألم منه ويرد عليه  أن التعليم  والتنبيه المذكورين يحصلان بمجرد
~~ذكر هذا السؤال، والجواب ولو بعد الوقوع، وقال القفال: إن الآية نزلت بعد
~~تحويل القبلة، وأن لفظ { سيقول } مراد منه الماضي، وهذا كما يقول
~~الرجل إذا عمل عملا فطعن فيه بعض أعدائه: أنا أعلم أنهم سيطعنون في 
~~كأنه يريد أنه إذا ذكر مرة فيذكرونه مرات أخرى  ويؤيد ذلك ما رواه
~~البخاري عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا،
~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يتوجه نحو الكعبة فأنزل الله
~~تعالى:

# قد نرى تقلب وجهك في السماء

# [البقرة: 144] إلى آخر الآية فقال السفهاء وهم اليهود { ما ولهم
~~عن قبلتهم } إلى آخر الآية، وفي رواية أبن إسحق وعبد بن حميد
~~وأبن أبي حاتم عنه زيادة فأنزل الله تعالى: { سيقول السفهاء }
~~الخ، ومناسبة الآية لما قبلها أن الأولى: قدح في الأصول، وهذا في أمر
~~متعلق بالفروع، وإنما لم يعطف تنبيها على استقلال كل منهما في الشناعة.

# { من الناس } في موضع نصب على الحال، والمراد منهم الجنس، وفائدة
~~ذكره التنبيه على كمال سفاهتهم بالقياس إلى الجنس، وقيل: الكفرة، وفائدته
~~بيان أن ذلك القول المحكي لم يصدر عن كل فرد فرد من تلك الطوائف بل عن
~~أشقيائهم المعتادين للخوض في آسن الفساد، والأول أولى كما لا يخفى.

# { ماولهم } أي أي شيء ms00660 صرفهم، وأصله من الولي، وهو حصول الثاني
~~بعد الأول من غير فصل والاستفهام للإنكار { عن قبلتهم } يعني بيت
~~المقدس وهي فعلة من المقابلة كالوجهة من المواجهة، وأصلها الحالة التي
~~كان عليها المقابل إلا أنها في العرف العام اسم للمكان/ المقابل المتوجه
~~إليه للصلاة.

# { التى كانوا عليها } أي على استقبالها، والموصول صفة القبلة،
~~وفي وصفها بذلك بعد إضافتها إلى ضمير المسلمين تأكيد للإنكار ومدار هذا
~~الإنكار بالنسبة إلى اليهود زعمهم استحالة النسخ وكراهتهم مخالفته صلى
~~الله عليه وسلم لهم في القبلة حتى إنهم قالوا له: ارجع إلى قبلتنا نتبعك
~~ونؤمن بك، ولعلهم ما أرادوا بذلك إلا فتنته عليه الصلاة والسلام،
~~وبالنسبة إلى مشركي العرب القصد إلى الطعن في الدين وإظهار أن كلا من
~~التوجه إليها، والانصراف عنها بغير داع إليه حتى إنهم كانوا يقولون: إنه
~~رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها وليرجعن إلى دينهم أيضا، وبالنسبة إلى
~~المنافقين مختلف باختلاف أصولهم فإن فيهم اليهود وغيرهم، واختلف الناس في
~~مدة بقائه صلى الله عليه وسلم مستقبلا بيت المقدس، ففي رواية البخاري ما
~~علمت، وفي رواية مالك بن أنس تسعة أشهر أو عشرة أشهر، وعن معاذ ثلاثة عشر
~~شهرا، وعن الصادق سبعة أشهر، وهل استقبل غيره قبل بمكة أم لا؟ قولان:
~~أشهرهما الثاني وهو المروي أيضا عن الصادق رضي الله تعالى عنه.

# { قل لله المشرق والمغرب } أي جميع الأمكنة والجهات
~~مملوكة له تعالى مستوية بالنسبة إليه عز شأنه لا اختصاص لشيء منها به جل
~~وعلا إنما العبرة لامتثال أمره فله أن يكلف عباده باستقبال أي مكان وأي
~~جهة شاء { يهدى من يشآء إلى صرط مستقيم } أي طريق مستو
~~وهو ما تقتضيه الحكمة من التوجه إلى بيت المقدس تارة وإلى الكعبة أخرى،
~~والجملة بدل اشتمال مما تقدم وهو إشارة إلى مصحح التولية وهذا إلى مرجحها
~~كأنه قيل: إن التولية المذكورة هداية يخص الله تعالى بها من يشاء ويختار
~~من عباده وقد خصنا بها فله الحمد.

### || [2.143]

# { وكذلك جعلنكم أمة وسطا } اعتراض بين كلامين ms00661
~~متصلين وقعا خطابا له صلى الله عليه وسلم استطرادا لمدح المؤمنين بوجه
~~آخر أو تأكيدا لرد الإنكار بأن هذه الأمة وأهل هذه الملة شهداء عليكم
~~يوم الجزاء وشهاداتهم مقبولة عندكم فأنتم إذا أحق باتباعهم والاقتداء
~~بهم فلا وجه لإنكاركم عليهم، وذلك إشارة إلى الجعل المدلول عليه 
~~بجعلناكم  وجيء بما يدل على البعد تفخيما. والكاف مقحم للمبالغة وهو
~~إقحام مطرد ومحلها في الأصل النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، وأصل التقدير
~~ جعلناكم أمة وسطا  جعلا كائنا مثل ذلك الجعل فقدم على الفعل لإفادة
~~القصر، وأقحمت الكاف فصار نفس المصدر المؤكد لا نعتا له أي ذلك الجعل
~~البديع جعلناكم لا جعلا آخر أدنى منه كذا قالوا، وقد ذكرنا قبل أن
~~(كذلك) كثيرا ما يقصد بها تثبيت ما بعدها وذلك لأن وجه الشبه يكون
~~كثيرا في النوعية والجنسية كقولك  هذا الثوب كهذا الثوب  في كونه خزا
~~أو بزا، وهذا التشبيه يستلزم وجود مثله وثبوته في ضمن النوع فأريد به
~~على طريق الكناية مجرد الثبوت لما بعده، ولما كانت الجملة تدل على الثبوت
~~كان معناها موجودا بدونها وهي مؤكدة له فكانت كالكلمة الزائدة، وهذا
~~معنى قولهم إن الكاف مقحمة لا أنها زائدة كما يوهمه كلامهم، وأما استفادة
~~كون ما بعدها عجيبا فليس إلا لأن ما ليس كذلك لا يحتاج لبيان فلما اهتم
~~بإثباته في الكلام البليغ علم أنه أمر غريب، أو لحمل البعد المفهوم من
~~ذلك على البعد الرتبي، ومن الناس من جعل { كذلك } للتشبيه  بجعل 
~~مفهوم من الكلام السابق أي مثل ما جعلناكم مهديين، أو جعلنا قبلتكم أفضل
~~القبل  جعلناكم أمة وسطا  ويرد على ذلك أن المحل المشبه به غير مختص
~~بهذه الأمة لأن مؤمني الأمم السابقة كانوا أيضا مهتدين إلى صراط مستقيم،
~~وكانت قبلة بعضهم أفضل القبل أيضا، والجعل المشبه مختص بهم فلا يحسن
~~التشبيه على أنهم لا يفهم من السابق سوى أن التوجه إلى كل واحد القبلتين
~~في وقته  صراط مستقيم والأمر به في ذلك الوقت هداية ولا يفهم منه أن ms00662
~~قبلتهم أفضل القبل، والناسخ لا يلزم أن يكون خيرا من المنسوخ اللهم
~~إلا أن يكون مراد القائل  كما جعلنا قبلتكم الكعبة التي هي أفضل القبل
~~في الواقع جعلنا  إلا أنه على ما فيه لا يحسم الإيراد كما لا يخفى.

# ومعنى: { وسطا } خيارا أو عدولا وهو في الأصل اسم لما يستوي نسبة
~~الجوانب إليه  كالمركز  ثم استعير للخصال المحمودة البشرية لكونها
~~أوساطا للخصال الذميمة المكتنفة بها من طرفي الإفراط والتفريط كالجود
~~بين الإسراف والبخل والشجاعة بين الجبن والتهور، والحكمة بين الجربزة
~~والبلادة، ثم أطلق على المتصف بها إطلاق الحال على المحل واستوى فيه
~~الواحد وغيره لأنه بحسب الأصل جامد لا تعتبر مطابقته، وقد يراعى فيه ذلك
~~وليس هذا الإطلاق مطردا كما يظن من قولهم: خير الأمور الوسط إذ يعارضه
~~قولهم  على الذم أثقل من مغن وسط  لأنه كما قال الجاحظ يختم على القلب
~~ويأخذ بالأنفاس وليس بجيد فيطرب ولا بردىء فيضحك، وقولهم: أخو الدون
~~الوسط بل هو وصف مدح في مقامين في النسب لأن أوسط القبيلة أعرقها
~~وصميمها، وفي الشهادة كما هنا لأنه العدالة التي هي كمال القوة العقلية
~~والشهوية والغضبية أعني استعمالها فيما ينبغي على ما ينبغي، ولما كان علم
~~العباد لم يعط إلا بالظاهر أقام الفقهاء الاجتناب عن الكبائر وعدم
~~الإصرار على الصغائر مقام ذلك  وسموه عدالة  في إحياء الحقوق فليحفظ.

# وشاع عن أبي منصور الاستدلال بالآية  على أن الإجماع حجة إذ لو كان ما
~~اتفقت عليه الأمة باطلا لانثلمت به عدالتهم وهو مع بنائه على تفسير
~~الوسط بالعدول وللخصم أن يفسره بالخيار فلا يتم إذ كونهم خيارا لا يقتضي
~~خيريتهم في جميع الأمور فلا ينافي اتفاقهم على الخطأ  لا يخلو عن شيء،
~~أما أولا: فلأن العدالة لا تنافي الخطأ في الاجتهاد إذ لا فسق فيه كيف
~~والمجتهد المخطىء مأجور، وأما ثانيا: فلأن المراد كونهم (وسطا) بالنسبة
~~إلى سائر الأمم، وأما ثالثا: فلأنه لا معنى لعدالة المجموع بعد القطع
~~بعدم عدالة كل واحد، وأما رابعا: فلأنه لا يلزم أن ms00663 يكونوا عدولا في
~~جميع الأوقات بل وقت أداء الشهادة وهو يوم القيامة، وأما خامسا: فلأن
~~قصارى ما تدل عليه بعد اللتيا والتي حجية إجماع كل الأمة أو كل أهل الحل
~~والعقد منهم وذا متعذر، ولا تدل على حجية إجماع مجتهدي كل عصر والمستدل
~~بصدد ذلك.

# وأجيب عن الأول والثاني بأن العدالة بالمعنى المراد تقتضي العصمة في
~~الاعتقاد والقول والفعل وإلا لما حصل التوسط بين الإفراط والتفريط وبأنه
~~عبارة عن حالة متشابهة حاصلة عن امتزاج الأوساط من القوى التي ذكرناها
~~فلا يكون أمرا نسبيا، وعن الثالث: بأن المراد أن فيهم من يوجد على هذه
~~الصفة، فإذا كنا لا نعرفهم بأعيانهم افتقرنا إلى اجتماعهم كيلا يخرج من
~~يوجد على هذه الصفة  لكن يدخل المعتبرون في اجتماعهم  ومتى دخلوا وحصل
~~الخطأ انثلمت عدالة المجموع. وعن الرابع: بأن { جعلنكم } يقتضي
~~تحقق العدالة بالفعل، واستعمال الماضي بمعنى المضارع خلاف الظاهر. وعن
~~الخامس: بأن الخطاب للحاضرين  أعني الحصابة كما هو أصله  فيدل على حجية
~~الإجماع في الجملة، وأنت تعلم أن هذا الجواب الأخير لا يشفي عليلا ولا
~~يروي غليلا، لأنه بعيد بمراحل عن مقصود المستدل، على أن من نظر بعين
~~الإنصاف لم ير في الآية أكثر من دلالتها على أفضلية هذه الأمة على سائر
~~الأمم، وذلك لا يدل على حجية إجماع ولا عدمها، نعم ذهب بعض الشيعة إلى أن
~~الآية خاصة بالأئمة الإثني عشر، ورووا عن الباقر أنه قال: نحن الأمة
~~الوسط، ونحن شهداء الله على خلقه، وحجته في أرضه، وعن علي كرم الله تعالى
~~وجهه: نحن الذين قال الله تعالى فيهم: { وكذلك جعلنكم
~~أمة وسطا } وقالوا: قول كل واحد من أولئك حجة/ أفضلا عن إجماعهم،
~~وأن الأرض لا تخلو عن واحد منهم حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، ولا
~~يخفى أن دون إثبات ما قالوه خرط القتاد.

# { لتكونوا شهداء على الناس } أي سائر الأمم يوم القيامة
~~بأن الله تعالى قد أوضح السبل وأرسل الرسل فبلغوا ونصحوا وهو غاية 
~~للجعل  المذكور مترتبة عليه. أخرج الإمام ms00664 أحمد وغيره عن أبي سعيد قال:
~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان وأكثر من
~~ذلك فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: هل بلغت
~~قومك؟ فيقول: نعم، فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيدعى محمد
~~وأمته فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟
~~فيقولون: جاءنا نبينا صلى الله عليه وسلم فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا فذلك
~~قوله تعالى: { وكذلك جعلنكم أمة وسطا } "

# وفي رواية:

# " فيؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد
~~بعدالتهم "

# وذلك قوله عز وجل: { ويكون الرسول عليكم شهيدا } وكلمة
~~الاستعلاء لما في  الشهيد  من معنى الرقيب، أو لمشاكلة ما قبله، وأخرت
~~صلة الشهادة أولا وقدمت آخرا لأن المراد في الأول: إثبات شهادتهم على
~~الأمم، وفي الثاني: اختصاصهم  بكون الرسول شهيدا عليهم  وقيل: لتكونوا
~~شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصلح إلا بشهادة العدول الأخيار {
~~ويكون الرسول عليكم شهيدا } ويزكيكم ويعلم بعدالتكم،
~~والآثار لا تساعد ذلك على ما فيه.

# { وما جعلنا القبلة التى كنت عليها } وهي صخرة بيت
~~المقدس، بناءا على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن قبلته
~~صلى الله عليه وسلم بمكة كانت بيت المقدس لكنه لا يستدبر الكعبة  بل
~~يجعلها بينه وبينه  و { التى } مفعول ثان  لجعل  لا صفة (القبلة)
~~والمفعول الثاني محذوف أي (قبلة) كما قيل. وقال أبو حيان: إن  الجعل 
~~تحويل الشيء من حالة إلى أخرى، فالمتلبس بالحالة الثانية هو المفعول
~~الثاني، كما في  جعلت الطين خزفا  فينبغي أن يكون المفعول الأول هو
~~الموصول والثاني هو القبلة وهو المنساق إلى الذهن بالنظر الجليل، ولكن
~~التأمل الدقيق يهدي إلى ما ذكرنا لأن القبلة عبارة عن الجهة التي تستقبل
~~للصلاة  وهو كلي  والجهة التي كنت عليها جزئي من جزئياتها،  فالجعل 
~~المذكور من باب تصيير الكلي جزئيا، ولا شك أن الكلي يصير جزئيا 
~~كالحيوان يصير إنسانا  دون العكس. ms00665

# والمعنى أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة  كما هو الآن  { وما
~~جعلنا } قبلتك بيت المقدس لشيء من الأشياء { إلا لنعلم } أي
~~في ذلك الزمان { من يتبع الرسول } أي يتبعك في الصلاة إليها،
~~والالتفات إلى الغيبة مع إيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة
~~للإشارة إلى علة الاتباع. { ممن ينقلب على عقبيه } أي
~~يرتد عن دين الإسلام فلا يتبعك فيها ألفا لقبلة آبائه، و (من) هذه للفصل
~~كالتي في قوله تعالى:

# والله يعلم المفسد من المصلح

# [البقرة: 220] والكلام من باب الاستعارة التمثيلية بجامع أن المنقلب
~~يترك ما في يديه ويدبر عنه على أسوأ أحوال الرجوع، وكذلك المرتد يرجع عن
~~الإسلام ويترك ما في يديه من الدلائل على أسوإ حال. و (نعلم) حكاية حال
~~ماضية، و (يتبع) و (ينقلب) بمعنى الحدوث،  والجعل  مجاز باعتبار أنه
~~كان الأصل استقبال الكعبة، أو المعنى: ما جعلنا قبلتك بيت المقدس إلا
~~لنعلم الآن بعد التحويل إلى الكعبة من يتبعك حينئذ ممن لا يتبعك كبعض أهل
~~الكتاب ارتدوا لما تحولت القبلة فنعلم على حقيقة الحال. والحاصل أن ما
~~فعلناه كان لأمر عارض  وهو امتحان الناس/  إما في وقت  الجعل  أو في
~~وقت التحويل، وما كان لعارض يزول بزواله، وقيل: المراد بالقبلة الكعبة
~~بناءا على أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي إليها بمكة، والمعنى ما
~~رددناك إلا لنعلم الثابت الذي لا يزيغه شبهة ولا يعتريه اضطراب ممن يرتد
~~بقلقلة واضطراب بسبب التحويل بأنه إن كان الأول حقا فلا وجه للتحويل
~~عنه، وإن كان الثاني فلا معنى للأمر بالأول  والجعل  على هذا حقيقة، و
~~{ يتبع } للاستمرار بقرينة مقابله، ويضعف هذا القول أنه يستلزم دعوى
~~نسخ القبلة مرتين.

# واستشكلت الآية بأنها تشعر بحدوث  العلم  في المستقبل  وهو تعالى لم
~~يزل عالما  وأجيب بوجوه، الأول: أن ذلك على سبيل التمثيل، أي فعلنا ذلك
~~فعل من يريد أن يعلم. الثاني: أن المراد  العلم  الحالي الذي يدور عليه
~~ فلك الجزاء  أي ليتعلق علمنا به موجودا بالفعل، فالعلم مقيد
~~بالحادث، والحدوث راجع إلى ms00666 القيد. الثالث: أن المراد ليعلم الرسول
~~والمؤمنون، وتجوز في إسناد فعل بعض خواص الملك إليه تنبيها على كراهة
~~القرب والاختصاص، فهو كقول الملك: فتحنا البلد، وإنما فتحها جنده.

# الرابع: أنه ضمن العلم معنى التمييز أو أريد به التمييز في الخارج،
~~وتجوز بإطلاق اسم السبب على المسبب؛ ويؤيده تعديه بمن كالتمييز  وبه
~~فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  ويشهد له قراءة { ليعلم } على
~~البناء للمفعول حيث إن المراد ليعلم كل من يأتي منه  العلم  وظاهر أنه
~~فرع تمييز الله وتفريقه بينهما في الخارج بحيث لا يخفى على أحد الخامس:
~~أن المراد به الجزاء، أي لنجازي الطائع والعاصي، وكثيرا ما يقع التهديد
~~في القرآن بالعلم. السادس: أن { نعلم } للمتكلم مع الغير، فالمراد
~~ليشترك  العلم  بيني وبين الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ويرد
~~على هذا أن مخالفته مع جعلنا آب عنه، مع أن تشريك الله تعالى مع غيره في
~~ضمير واحد غير مناسب، ثم العلم إن كان مجازا عن التمييز  فمن، وممن 
~~مفعولاه بواسطة وبلا واسطة، وإن كان حقيقة فإما أن يكون من الإدراك
~~المعدى إلى مفعول واحد  فمن  موصولة في موضع نصب به، و { ممن } حال
~~أي متميزا ممن أو من  العلم  المعدى إلى مفعولين فمن استفهامية في
~~موضع المبتدا، و { يتبع } في موضع الخبر، والجملة في موضع
~~المفعولين، { ممن ينقلب } حال لمن فاعل { يتبع } وبهذا يندفع
~~قول أبي البقاء: إنه لا يجوز أن تكون (من) استفهامية لأنه لا يبقى لقوله
~~تعالى: { ممن ينقلب } متعلق لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيما
~~بعده، ولا معنى لتعلقه بيتبع والكلام دال على هذا التقدير  فلا يرد أنه
~~لا قرينة عليه  ثم إن جملة { وما جعلنا } الخ، معطوفة كالجملتين
~~التاليتين لها على مجموع السؤال والجواب بيان لحكمة التحويل، وقيل:
~~معطوفة على

# قل لله المشرق والمغرب

# [البقرة: 142] ويحتاج إلى أن يقال حينئذ: إنه صلى الله عليه وسلم مأمور
~~بأداء مضمون هذا الكلام بألفاظه إذ لا يصح ضمير المتكلم في كلامه عليه
~~الصلاة والسلام، وفيه ms00667 بعد ما كما لا يخفى.

# { وإن كانت لكبيرة } أي شاقة ثقيلة، والضمير لما دل عليه قوله
~~تعالى: { وما جعلنا } الخ من الجعلة، أو التولية، أو الردة، أو
~~التحويلة، أو الصيرورة، أو المتابعة، أو القبلة، وفائدة اعتبار التأنيث 
~~على بعض الوجوه  الدلالة على أن هذا الرد والتحويل بوقوعه مرة واحدة،
~~واختصاصه بالنبي صلى الله عليه وسلم كانت ثقيلة عليهم حيث لم يعهدوه
~~سابقا، والقول بأن تأنيث (كبيرة) يجعله صفة حادثة، وتأنيث الضمير لتأنيث
~~الخبر فيرجع إلى  الجعل  أو الرد أو التحويل بدون تكلف تكلف عري عن
~~الفائدة و { إن } هي المخففة من الثقيلة المفيدة لتأكيد الحكم ألغيت عن
~~العمل فيما بعدها بتوسط (كان)/  واللام  هي الفاصلة بين المخففة
~~والنافية.

# وزعم الكوفيون أن (إن) هي النافية  واللام  بمعنى إلا، وقال البصريون،
~~لو كان كذلك لجاز أن يقال: جاء القوم لزيدا على معنى إلا زيدا  وليس
~~فليس  وقرىء { لكبيرة } بالرفع ففي (كان) ضمير القصة، و (كبيرة)
~~خبر مبتدأ محذوف، أي لهي (كبيرة) والجملة خبر (كان) وقيل: إن كانت زائدة
~~كما في قوله:

# وإخوان لنا كانوا كرام

# واعترض بأنه إن أريد أن (كان) مع اسمها زائدة كانت (كبيرة) بلا مبتدأ
~~و(إن) المخففة بلا جملة، ومثله خارج عن القياس، وإن أريد إن (كان) وحدها
~~كذلك والضمير باق على الرفع بالابتداء  فلا وجه لاتصاله واستتاره 
~~وأجيب بأنه لما وقع بعد (كان) وكان من جهة المعنى في موقع اسم (كان) جعل
~~مستترا تشبيها بالاسم، وإن كان مبتدأ تحقيقا، ولا يخفى أنه من التكلف
~~غايته، ومن التعسف نهايته.

# { إلا على الذين هدى الله } أي إلى سر الأحكام الشرعية
~~المبنية على الحكم والمصالح إجمالا أو تفصيلا، والمراد بهم { من
~~يتبع الرسول } من الثابتين على الإيمان الغير المتزلزلين
~~المنقلبين على أعقابهم.

# { وما كان الله ليضيع إيمنكم } أي صلاتكم إلى القبلة
~~المنسوخة، ففي الصحيح أنه لما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
~~القبلة قالوا: يا رسول الله، فكيف بالذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت
~~المقدس، فنزلت، فالإيمان مجاز من ms00668 إطلاق اللازم على ملزومه، والمقام قرينة
~~وهو التفسير المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره من أئمة
~~الدين  فلا معنى لتضعيفه كما يحكيه صنيع بعضهم  وقيل: المراد ثباتكم
~~على الإيمان أو إيمانكم بالقبلة المنسوخة  واللام  في { ليضيع }
~~متعلقة بخبر (كان) المحذوف  كما هو رأي البصريين  وانتصاب الفعل بعدها
~~بأن مضمرة أي ما كان مريدا  لأن يضيع  وفي توجيه النفي إلى إرادة
~~الفعل مبالغة ليست في توجيهه إليه نفسه، وقال الكوفيون: اللام زائدة وهي
~~الناصبة للفعل، و (يضيع) هو الخبر، ولا يقدح في عملها زيادتها كما لا
~~تقدح زيادة حروف الجر في العمل، وبهذا يندفع استبعاد أبي البقاء خبرية
~~(يضيع) بأن  اللام لام الجر  و(إن) بعدها مرادة فيصير التقدير ما كان
~~الله إضاعة إيمانكم  فيحوج للتأويل  لكن أنت تعلم أن هذا الذي ذهب إليه
~~الكوفيون بعيد من جهة أخرى لا تخفى.

# { إن الله بالناس لرءوف رحيم } تذييل لجميع ما تقدم،
~~فإن اتصافه تعالى بهذين الوصفين يقتضي لا محالة أن الله لا يضيع أجورهم
~~ولا يدع ما فيه صلاحهم  والباء  متعلقة ب (رءوف) وقدم على { رحيم
~~}  الرأفة مبالغة في رحمة خاصة، وهي رفع المكروه وإزالة الضرر كما يشير
~~إليه قوله تعالى:

# ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله

# [النور: 2] أي لا ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما  الرحمة  أعم منه،
~~ومن الإفضال ودفع الضرر أهم من جلب النفع، وقول القاضي بيض الله تعالى
~~غرة أحواله: لعل تقديم  الرءوف  مع أنه أبلغ  محافظة على الفواصل 
~~ليس بشيء لأن فواصل القرآن لا يلاحظ فيها الحرف الأخير كالسجع 
~~فالمراعاة حاصلة على كل حال  ولأن الرحمة حيث وردت في القرآن قدمت ولو
~~في غير الفواصل كما في قوله تعالى:

# رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها

# [الحديد: 27] في وسط الآية، وكلام الجوهري في هذا الموضع خزف لا يعول
~~عليه، وقول عصام:  إنه لا يبعد أن يقال:  الرءوف  إشارة إلى المبالغة
~~في رحمته لخواص عباده  والرحيم  إشارة إلى الرحمة لمن دونهم فرتبا على
~~حسب ترتيبهم، فقد  الرءوف  لتقدم متعلقه ms00669 شرفا وقدرا  لا شرف ولا
~~قدر، بل ولا عصام له لأنه تخصيص لا يدل عليه كتاب ولا سنة ولا استعمال،
~~وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحفص { لرءوف } بالمد، والباقون
~~بغير مد كندس.

### || [2.144]

# / { قد نرى تقلب وجهك في السماء } أي كثيرا ما نرى
~~تردد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء متشوفا للوحي، وكان رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم يقع في قلبه، ويتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة لما أن
~~اليهود كانوا يقولون: يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا، ولما أنها قبلة أبيه
~~إبراهيم عليه السلام، وأقدم القبلتين وأدعى للعرب إلى الإيمان، والظاهر
~~أنه صلى الله عليه وسلم لم يسأل ذلك من ربه بل كان ينتظر فقط إذ لو وقع
~~السؤال لكان الظاهر ذكره؛ ففي ذلك دلالة على كمال أدبه صلى الله عليه
~~وسلم، وقال قتادة والسدي وغيرهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلب
~~وجهه في الدعاء إلى الله تعالى أن يحوله إلى الكعبة، فعلى هذا يكون
~~السؤال واقعا منه عليه الصلاة والسلام، ولم يذكر لأن تقلب الوجه نحو
~~السماء التي هي قبلة الدعاء يشير إليه في الجملة، ولعل ذلك بعد حصول
~~الإذن له بالدعاء لما أن الأنبياء لا يسألون الله تعالى شيئا من غير أن
~~يؤذن لهم فيه لأنه يجوز أن لا يكون فيه مصلحة فلا يجابون إليه فيكون فتنة
~~لقومهم، ويؤيد ذلك ما في بعض الآثار أنه صلى الله عليه وسلم استأذن جبريل
~~أن يدعو الله تعالى فأخبره بأن الله تعالى قد أذن له بالدعاء كذا يفهم من
~~كلامهم، والذي أراه أنه لا مانع من دعائه صلى الله عليه وسلم وسؤاله
~~التحويل لمصلحة ألهمها ومنفعة دينية فهمها، ولا يتوقف ذلك على الاستئذان
~~ولا الإذن الصريحين لأن من نال قرب النوافل مستغن عن ذلك فكيف من حصل له
~~مقام قرب الفرائض حتى غدا سيد أهله، ومن علم مرتبة الحبيب عد جميع ما
~~يصدر منه في غاية الكمال مع مراعاة نهاية الأدب، وأما معاتبته صلى الله
~~عليه وسلم ms00670 في بعض ما صدر فليس لنقص فيه ولا لإخلال بالأدب عند فعله حاشاه
~~ثم حاشاه، ولكن لأسرار خفية، وحكم ربانية علمها من علمها وجهلها من
~~جهلها، بقي هل دعا صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة صريحا أم لا؟
~~الظاهر الثاني بناءا على ما صح عندنا من ظواهر الأخبار حيث لم يكن فيها
~~سوى حب التحويل، فقد أخرج البخاري ومسلم في «صحيحهما» عن البراء قال:
~~صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا
~~نحو بيت المقدس، ثم علم الله تعالى هوى نبيه عليه الصلاة والسلام فنزلت:
~~{ قد نرى } الآية، وليس في الآية ما يدل صريحا على أحد الأمرين،
~~وأما الإشارة فقد تصلح لهذا وهذا كما لا يخفى، هذا ومن الناس من جعل {
~~قد } هنا للتقليل زعما منه أن وقوع التقلب قليلا أدل على كمال أدبه
~~صلى الله عليه وسلم، واعترض بأن من رفع بصره إلى السماء مرة واحدة لا
~~يقال له: قلب بصره إلى السماء، وإنما يقال: قلب إذا داوم فالكثرة تفهم من
~~الآية لا محالة  لأن التقلب  الذي هو مطاوع التقليب يدل عليها، وهل
~~التكثير معنى مجازي  لقد  أو حقيقي؟ قولان نسب ثانيهما إلى سيبويه،
~~وهذه الكثرة أو القلة هنا منصرفة إلى التقلب، وذكر بعض النحاة أن (قد)
~~تقلب المضارع ماضيا، ومنه ما هنا، وقوله تعالى:

# قد يعلم ما أنتم عليه

# [النور: 64]

# ولقد نعلم أنك يضيق صدرك

# [الحجر: 97] إلى غير ذلك.

# { فلنولينك قبلة } أي لنمكننك من استقبالها من قولك: وليته
~~كذا إذا جعلته واليا له أو فلنجعلنك تلي جهتها دون جهة المقدس من وليه
~~دنا منه ووليته إياه أدنيته منه، والفاء لسببية ما قبلها لما بعدها، وهي
~~في الحقيقة داخلة على قسم محذوف تدل عليه السلام، وجاء هذا الوعد على
~~إضمار القسم مبالغة في وقوعه لأنه يؤكدون مضمون الجملة المقسم عليها،
~~وجاء قبل الأمر لفرح النفس بالإجابة ثم بانجاز الوعد فيتوالى السرور
~~مرتين،  ونولي  يتعدى لاثنين الكاف الأول وقبلة الثاني.

# وقوله تعالى: { ترضها ms00671 } أي تحبها وتميل إليها للأغراض الصحيحة
~~التي أضمرتها، ووافقت مشيئة الله تعالى وحكمته في موضع نصب صفة  لقبلة
~~، ونكرها لأنه لم يجر قبلها ما يقتضي أن تكون معهودة فتعرف باللام،
~~وليس في اللفظ ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يطلب قبلة معينة.

# { فول وجهك } الفاء لتفريع الأمر على الوعد وتخصيص التولية
~~بالوجه لما أنه مدار التوجه ومعياره، وقيل: المراد به جميع البدن وكنى
~~بذلك عنه لأنه أشرف الأعضاء وبه يتميز بعض الناس عن بعض، أو مراعاة لما
~~قبل والتولية إذا كانت متعدية بنفسها إلى تمام المفعولين كانت مستعملة
~~بأحد المعنيين المتقدمين، وإذا كانت متعدية إلى واحد فمعناها الصرف إما
~~عن الشيء أو إلى الشيء على اختلاف صلتها الداخلة على المفعول الثاني، وهي
~~هنا بهذا المعنى  فوجهك  مفعول أول.

# وقوله تعالى: { شطر المسجد الحرام } أي نحوه كما روي عن ابن
~~عباس، أو قبله كما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه؛ أو تلقاءه كما روي عن
~~قتادة ظرف مكان مبهم كمفسره منصوب على الظرفية أغنى غناء إلى فان مؤدى 
~~ول وجهك  نحو أو قبل أو تلقاء المسجد  وول وجهك إلى المسجد  واحد
~~وإنما لم يجعل الأمر من المتعدية إلى مفعولين بأن يكون { شطر } مفعوله
~~الثاني  ما قيل به  لأن ترتبه بالفاء وكونه إنجازا للوعد بأن الله
~~تعالى يجعل مستقبل القبلة أو قريبا من جهتها بأن يؤمر بالصلاة إليها
~~يناسبه أن يكون مأمورا بصرف الوجه إليها لا بأن يجعل نفسه مستقبلا لها
~~أو قريبا من جهتها فإن المناسب لهذا فلنأمرنك بأن تولي ولأنه يلزم حينئذ
~~أن يكون الواجب رعاية سمت الجهة لأن المسجد الحرام جهة القبلة فإذا كان
~~النبي صلى الله عليه وسلم مأمورا بجعل نفسه مستقبل جهة المسجد أو
~~قريبا منها كان مأمورا باستقبال جهة الجهة أو بقرب جهة الجهة بخلاف ما
~~إذا جعل من التولية بمعنى الصرف، و  شطر  ظرفا فإنه يصير المعنى اصرف
~~وجهك نحو المسجد الحرام وتلقاءه الذي هو جهة القبلة فيكون مأمورا
~~بمسامته الجهة ms00672 وإصابته  قاله بعض المحققين  وقيل: الشطر في الأصل لما
~~انفصل عن الشيء ثم استعمل لجانبه وإن لم ينفصل فيكون بمعنى بعض الشيء
~~ويتعين حينئذ جعله مفعولا ثانيا  وفيه أنه  وإن لم يلزم حينئذ وجوب
~~رعاية جهة الجهة لكن عدم مناسبته بانجاز الوعد باق، والقول  بأن الشطر
~~هنا بمعنى النصف  مما لا يكاد يصح، و  الحرام  المحرم أي محرم فيه
~~القتال؛ أو ممنوع من الظلمة أن يتعرضوا.

# وفي ذكر المسجد الحرام الذي هو محيط بالكعبة دون الكعبة مع أنها القبلة
~~التي دلت عليها الأحاديث الصحاح إشارة إلى أنه يكفي للبعيد محاذاة جهة
~~القبلة وإن لم يصب عينها وهذه الفائدة لا تحصل من لفظ الشطر  كما قاله
~~جمع  لأنه لو قيل: فول وجهك شطر الكعبة لكان المعنى اجعل صرف الوجه في
~~مكان يكون مسامتا ومحاذيا للكعبة  وهذا هو مذهب أبي حنيفة رضي الله
~~تعالى عنه وأحمد، وقول أكثر الخراسانيين من الشافعية  ورجحه حجة الإسلام
~~في «الإحياء» إلا أنهم قالوا: يجب أن يكون قصد المتوجه إلى الجهة العين
~~التي في تلك الجهة لتكون القبلة عين الكعبة، وقال العراقيون والقفال
~~منهم: يجب إصابة العين، وقال الإمام مالك: إن الكعبة قبلة أهل المسجد،
~~والمسجد قبلة مكة، وهي قبلة الحرم، وهو قبلة الدنيا، وفي حديث ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما مرفوعا ما يدل عليه، وهذا الخلاف في غير من يكون
~~شاهدا أما هو فيجب عليه إصابة العين بالإجماع، ولم يقيد سبحانه وتعالى
~~التولية في الصلاة لأن المطلوب لم يكن سوى ذلك فأغنى عن الذكر، وقيل: لأن
~~الآية نزلت وهو صلى الله عليه وسلم في الصلاة فأغنى التلبس بها عن ذكرها،
~~واستدل هذا القائل بما ذكره القاضي تبعا لغيره أنه صلى الله عليه وسلم
~~قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم وجه إلى الكعبة في رجب
~~بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين، وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة
~~ركعتين من الظهر فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب، وتبادل الرجال والنساء
~~صفوفهم  فسمى المسجد ms00673 مسجد القبلتين / وهذا  كما قال الإمام السيوطي 
~~تحريف للحديث، فإن قصة بني سلمة لم يكن فيها النبي صلى الله عليه وسلم
~~إماما ولا هو الذي تحول في الصلاة، فقد أخرج النسائي عن أبي سعيد بن
~~المعلى قال: كنا نغدو إلى المسجد فمررنا يوما ورسول الله صلى الله عليه
~~وسلم قاعد على المنبر، فقلت: حدث أمر، فجلست، فقرأ رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم { قد نرى تقلب وجهك في السماء } الآية، فقلت
~~لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فنكون أول من صلى، فصليناهما، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى
~~للناس الظهر يومئذ، وروى أبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي
~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون نحو بيت المقدس فلما نزلت هذه
~~الآية مر رجل ببني سلمة فناداهم وهم ركوع في صلاة الفجر نحو بيت المقدس،
~~ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة فمالوا كما هم ركوعا إلى الكعبة، فما
~~ذكر مخالف للروايات الصحيحة الثابتة عند أهل هذا الشأن فلا يعول عليه.

# وقرأ أبي { تلقاء المسجد الحرام } وهي تؤيد القول الأول
~~في { شطر } كما لا يخفى.

# { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } عطف على {
~~فول وجهك } ومن تتمة إنجاز الوعد  والفاء  جواب الشرط لأن (حيث)
~~إذا لحقه (ما) الكافة عن الإضافة يكون من كلم المجازاة، والفراء لا يشترط
~~ذلك فيها، و (كان) تامة  أي في أي موضع وجدتم  وأصل { ولوا }
~~وليوا فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان فحذف أولهما وضم ما
~~قبل الياء للمناسبة  فوزنه فعوا  وهذا تصريح بعموم الحكم المستفاد من
~~السابق اعتناء به إذ الخطاب الوارد في شأن النبي صلى الله عليه وسلم
~~عام حكمه ما لم يظهر اختصاصه به عليه الصلاة والسلام، وفائدة تعميم
~~الأمكنة  على ما ذهب إليه البعض  دفع توهم أن هذه القبلة مختصة بأهل
~~المدينة، وقيل: لما كان الصرف عن الكعبة لاستجلاب قلوب اليهود وكان مظنة
~~أن لا يتوجه إليها ms00674 في حضورهم أشار إلى تعميم التولية جميع الأمكنة أو
~~يقال: صرح بأن التولية جهة الكعبة فرض مع حضور بيت المقدس؛ ولأهله أيضا
~~لئلا يظن أن حضور بيت المقدس يمنع التوجه إلى جهة الكعبة مع غيبتها
~~فليفهم. وقرأ عبد الله { فولوا وجوهكم قبله }.

# { وإن الذين أوتوا الكتب } أي من اليهود والنصارى {
~~ليعلمون أنه } أي التحويل أو التوجه المفهوم من التولية {
~~الحق من ربهم } لا غيره لعلمهم بأن محمدا صلى الله عليه وسلم
~~لا يأمر بالباطل إذ هو النبي المبشر به في كتبهم وتحققهم أنه لا يتجاوز
~~كل شريعة عن قبلتها إلى قبلة شريعة أخرى، وأما اشتراك النبي صلى الله
~~عليه وسلم وإبراهيم عليه السلام في هذه القبلة فلاشتراكهما في الشريعة
~~على ما ينبىء عنه قوله تعالى:

# بل ملة إبرهيم حنيفا

# [البقرة: 135]، ووقوفهم على ما تضمنته كتبهم من أنه صلى الله عليه وسلم
~~يصل إلى القبلتين، والجملة عطف على { قد نرى } بجامع أن السابقة
~~مسوقة لبيان أصل التحويل وهذه لبيان حقيته قيل: أو اعتراضية لتأكيد أمر
~~القبلة.

# { وما الله بغفل عما يعملون } اعتراض بين الكلامين
~~جيء به للوعد والوعيد للفريقين من أهل الكتاب الداخلين تحت العموم السابق
~~المشار إليهما فيما سيجيء قريبا إن شاء الله تعالى وهما من كتم ومن لم
~~يكتم وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي { تعملون } بالتاء فهو وعد
~~للمؤمنين، وقيل: على قراءة الخطاب وعد لهم، وعلى قراءة الغيبة وعيد لأهل
~~الكتاب مطلقا، وقيل: الضمير على القراءتين لجميع الناس فيكون وعدا
~~ووعيدا لفريقين من المؤمنين والكافرين.

### || [2.145]

# { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتب } عطف على

# وإن الذين

# [البقرة: 144] بجامع أن كلا منهما مؤكد لأمر القبلة ومبين لحقيته
~~والمراد من الموصول الكفار من (أولئك) بدليل الجواب ولذا وضع المظهر موضع
~~المضمر ومن خص ما تقدم بالكفار جعل هذا الوضع للإيذان بكمال سوء حالهم من
~~العناد مع تحقق ما ينافيه من الكتاب الصادح بحقية ما كابروا في قبوله {
~~بكل ءاية } وحجة قطعية دالة على أن توجهك إلى الكعبة هو الحق واللام
~~موطئة لقسم ms00675 محذوف { ما تبعوا قبلتك } جواب القسم ساد مسد جواب
~~الشرط لا جواب الشرط، لما تقرر أن الجواب إذا كان القسم مقدما للقسم لا
~~للشرط إن لم يكن مانع فكيف إذا كان كترك الفاء ههنا فإنها لازمة في
~~الماضي المنفي إذا وقع جزاءا وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن
~~قبولهم الحق، والمعنى أنهم ما تركوا (قبلتك) لشبهة تدفعها بحجة وإنما
~~خالفوك لمحض العناد وبحت المكابرة، وليس المراد من التعليق بالشرط
~~الإخبار عن عدم متابعتهم على أبلغ وجه وآكده بأن يكون المعنى أنهم لا
~~يتبعونك أصلا  وإن أتيت بكل  حجة فاندفع ما قيل: كيف حكم بأنهم لا
~~يتبعون وقد آمن منهم فريق واستغنى عن القول بأن ذلك في قوم مخصوصين أو
~~حكم على الكل دون الأبعاض فإنه تكلف مستغنى عنه وإضافة القبلة إلى ضميره
~~صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى تعبده باستقبالها.

# { وما أنت بتابع قبلتهم } أي لا يكون ذلك منك ومحال أن
~~يكون فالجملة خبرية لفظا ومعنى سيقت لتأكيد حقية أمر القبلة كل التأكيد
~~وقطع تمني أهل الكتاب فإنهم قالوا: يا محمد عد إلى قبلتنا ونؤمن بك
~~ونتبعك مخادعة منهم لعنهم الله تعالى، وفيها إشارة إلى أن هذه القبلة لا
~~تصير منسوخة أبدا، وقيل: إنها خبرية لفظا إنشائية معنى ومعناها النهي
~~أي لا تتبع قبلتهم أي داوم على عدم اتباعها، وأفرد القبلة وإن كانت مثناة
~~إذ لليهود قبلة وللنصارى قبلة لأنهما اشتركتا في كونهما باطلتين فصار
~~الاثنان واحدا من حيث البطلان، وحسن ذلك المقابلة لأن قبله { ما
~~تبعوا قبلتك } وقد يقال: إن الأفراد بناء على أن قبلة
~~الطائفتين الحقة في الأصل بيت المقدس وعيسى عليه السلام لم يصل جهة الشرق
~~حتى رفع وإنما كانت قبلته قبلة بني إسرائيل اليوم ثم بعد رفعه شرع أشياخ
~~النصارى لهم الاستقبال إلى الشرق واعتذروا بأن المسيح عليه السلام فوض
~~إليهم التحليل والتحريم وشرع الأحكام وأن ما حللوه وحرموه فقد حلله هو
~~وحرمه في السماء وذكروا لهم أن في الشرق أسرارا ليست في ms00676 غيره ولهذا كان
~~مولد المسيح شرقا كما يشير إليه قوله تعالى:

# إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا

# [مريم: 16] واستقبل المسيح حين صلب بزعمهم الشرق، وقيل: إن بعض رهبانهم
~~قال لهم: إني لقيت عيسى عليه الصلاة والسلام فقال لي: إن الشمس كوكب أحبه
~~يبلغ سلامي في كل يوم فمر قومي ليتوجهوا إليها في صلاتهم فصدقوا
~~وفعلوا، ويؤيد ذلك أنه ليس في الإنجيل استقبال الشرق، وذهب ابن القيم
~~((إلى أن قبلة الطائفتين الآن لم تكن قبلة بوحي وتوقيف من الله تعالى بل
~~بمشورة واجتهاد منهم، أما النصارى فاجتهدوا وجعلوا الشرق قبلة وكان عيسى
~~قبل الرفع يصلي إلى الصخرة، وأما اليهود فكانوا يصلون إلى التابوت الذي
~~معهم إذا خرجوا وإذا قدموا بيت المقدس نصبوه إلى الصخرة وصلوا إليه فلما
~~رفع اجتهدوا فأدى اجتهادهم إلى الصلاة إلى موضعه وهو الصخرة وليس في
~~التوراة الأمر بذلك، والسامرة منهم يصلون إلى طورهم بالشام قرب بلدة
~~نابلس))، وهذان القولان إن صحا يشكل عليهما القول بأن عادته تعالى تخصيص
~~كل شريعة بقبلة فتدبر. ثم إن هذه الجملة أبلغ في النفي من الجملة الأولى
~~من وجوه: كونها اسمية وتكرر فيها الاسم مرتين وتأكد نفيها/ بالباء وفعل
~~ذلك اعتناء بما تقدم.

# { وما بعضهم بتابع قبلة بعض } أي إن اليهود لا تتبع
~~قبلة النصارى ولا النصارى تتبع قبلة اليهود ما داموا باقين على اليهودية
~~والنصرانية وفي ذلك بيان لتصلبهم في الهوى وعنادهم بأن هذه المخالفة
~~والعناد لا يختص بك بل حالهم فيما بينهم أيضا كذلك، والجملة عطف على ما
~~تقدم مؤكدة لأمر القبلة ببيان أن إنكارهم ذلك ناشىء عن فرط العناد وتسلية
~~للرسول صلى الله عليه وسلم.

# { ولئن اتبعت أهواءهم } أي على سبيل الفرض وإلا فلا معنى
~~لاستعمال أن الموضوعة للمعاني المحتملة بعد تحقق الانتفاء فيما سبق،
~~والمقصود بهذا الفرض ذكر مثال لاتباع الهوى وذكر قبحه من غير نظر إلى
~~خصوصية المتبع والمتبع.

# { من بعد ما جاءك من العلم } أي المعلوم الذي أوحي إليك
~~بقرينة إسناد المجىء إليه، والمراد بعد ما ms00677 بان لك الحق { إنك إذا
~~لمن الظلمين } أي المرتكبين الظلم الفاحش، وهذه الجملة أيضا
~~تقرير لأمر القبلة وفيها وجوه من التأكيد والمبالغة، وهي القسم، واللام
~~الموطئة له، وإن الفرضية، وأن التحقيقية، واللام في حيزها، وتعريف
~~الظالمين، والجملة الاسمية، وإذا الجزائية، وإيثار (من الظالمين) على 
~~ظالم أو الظالم  لإفادته أنه مقرر محقق وأنه معدود في زمرتهم عريق فيهم.
~~وإيقاع  الاتباع  على ما سماه  هوى  أي لا يعضده برهان، ولا نزل في
~~شأنه بيان، والإجمال والتفصيل وجعل الجائي نفس (العلم) وعد أيضا من ذلك
~~عده واحدا من الظالمين مغمورا فيهم غير متعين كتعينهم فيما بين
~~المسلمين، فإن فيه مبالغة عظيمة للإشعار بالانتقال من مرتبة العدل إلى
~~الظلم، ومن مرتبة التعين والسيادة المطلقة إلى السفالة والمجهولية، ولو
~~جعل { كنت } في

# كنت عليها

# [البقرة: 143] بمعنى صرت لكان أعلى كعبا في الإفادة. وأنت تعلم أن
~~التركيب يقتضي المبالغة في الاستعمال لا المجهولية، ولو اقتضاها فيه لكان
~~العد معدودا في عداد المقبول، وفي هذه المبالغات تعظيم لأمر الحق وتحريض
~~على اقتفائه وتحذير عن متابعة الهوى، واستعظام لصدور الذنب عن الأنبياء
~~وذو المرتبة الرفيعة إلى تجديد الإنذار عليه أحوج حفظا لمرتبته، وصيانة
~~لمكانته، فلا حاجة إلى القول بأن الخطاب للنبي والمعني به غيره.

### || [2.146]

# { الذين ءاتينهم الكتب يعرفونه } مبتدأ وخبر،
~~والمراد بهم العلماء لأن  العرفان  لهم حقيقة، ولذا وضع المظهر موضع
~~المضمر، ولأن  أوتوا  يستعمل فيمن لم يكن له قبول، و (آتينا) أكثر ما
~~جاء فيمن له ذلك، وجوز أن يكون الموصول بدلا من الموصول الأول، أو (من
~~الظالمين) فتكون الجملة حالا من { الكتب } أو من الموصول، ويجوز
~~أن يكون نصبا بأعني، أو رفعا على تقديرهم، وضمير { يعرفونه }
~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم  وإن لم يسبق ذكره  لدلالة قوله تعالى:
~~{ كما يعرفون أبناءهم } عليه، فإن تشبيه معرفته بمعرفة 
~~الأبناء  دليل على أنه المراد، وقيل: المرجع مذكور فيما سبق صريحا
~~بطريق الخطاب، فلا حاجة إلى اعتبار التقديم المعنوي غاية الأمر: أن يكون
~~ههنا التفات إلى الغيبة للإيذان ms00678 بأن المراد ليس معرفتهم له عليه الصلاة
~~والسلام من حيث ذاته ونسبه الزاهر، بل من حيث كونه مسطورا في الكتاب
~~منعوتا فيه بالنعوت التي تستلزم إفحامهم، ومن جملتها أنه يصلي إلى
~~القبلتين، كأنه قال: الذين آتيناهم الكتاب يعرفون من وصفناه فيه، وأجيب
~~بأنه صلى الله عليه وسلم وإن خوطب في الكلام الذي في شأن القبلة مرارا
~~لكنه لا يحسن إرجاع الضمير إليه لأن هذه الجملة اعتراضية مستطردة بعد ذكر
~~أمر القبلة وظهورها عند أهل الكتاب بجامع المعرفة الجلية مع الطعن  ولذا
~~لم تعطف  فلو رجع الضمير إلى المذكور لأوهم نوع اتصال  ولم يحسن ذلك/
~~الحسن  ودليل الاستطراد

# ولكل وجهة

# [البقرة: 148] نعم إن قيل: بمجرد الجواز فلا بأس إذ هو محتمل، ولعله
~~الظاهر بالنظر الجليل، وقيل: الضمير  للعلم  المذكور بقوله تعالى:

# من بعد ما جاءك من العلم

# [البقرة: 145] أو القرآن بادعاء حضوره في الأذهان، أو للتحويل لدلالة
~~مضمون الكلام السابق عليه، وفيه أن التشبيه يأبى ذلك لأن المناسب تشبيه
~~الشيء بما هو من جنسه، فكان الواجب في نظر البلاغة حينئذ كما يعرفون
~~التوراة أو الصخرة، وأن التخصيص بأهل الكتاب يقتضي أن تكون هذه المعرفة
~~مستفادة من (الكتاب) وقد أخبر سبحانه عن ذكر نعته صلى الله عليه وسلم في
~~التوراة والإنجيل بخلاف المذكورات فإنها غير مذكور فيه ذكرها فيهما 
~~والكاف  في محل نصب على أنها صفة لمصدر محذوف أي: يعرفونه بالأوصاف
~~المذكورة في الكتاب بأنه النبي الموعود بحيث لا يلتبس عليهم عرفانا مثل
~~ عرفانهم أبناءهم  بحيث لا تلتبس عليهم أشخاصهم بغيرهم، وهو تشبيه
~~للمعرفة العقلية الحاصلة من مطالعة الكتب السماوية بالمعرفة الحسية في أن
~~كلا منهما يتعذر الاشتباه فيه، والمراد  بالأبناء  الذكور لأنهم أكثر
~~مباشرة ومعاشرة للآباء، وألصق وأعلق بقلوبهم من البنات، فكان ظن اشتباه
~~أشخاصهم أبعد، وكان التشبيه بمعرفة الأبناء آكد من التشبيه بالأنفس لأن
~~الإنسان قد يمر عليه قطعة من الزمان لا يعرف فيها نفسه كزمن الطفولية 
~~بخلاف الأبناء  فإنه لا يمر عليه زمان إلا وهو يعرف ابنه.

# وما حكي ms00679 عن عبد الله بن سلام أنه قال في شأنه صلى الله عليه وسلم: أنا
~~أعلم به مني بابني، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: لم؟ قال: لأني لست
~~أشك بمحمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته خانت، فقبل عمر رضي الله
~~تعالى عنه رأسه، فمعناه: أني لست أشك في نبوته عليه الصلاة والسلام بوجه،
~~وأما ولدي فأشك في بنوته وإن لم أشك بشخصه، وهو المشبه به في الآية فلا
~~يتوهم منه أن  معرفة الأبناء  لا تستحق أن يشبه بها لأنها دون المشبه
~~للاحتمال، ولا يحتاج إلى القول بأنه يكفي في وجه الشبه كونه أشهر في
~~المشبه به  وإن لم يكن أقوى  ومعرفة الأبناء  أشهر من غيرها، ولا إلى
~~تكلف أن المشبه به في الآية إضافة  الأبناء  إليهم مطلقا سواء كانت
~~حقة أو لا. وما ذكره ابن سلام كونه ابنا له في الواقع.

# { وإن فريقا منهم } وهم الذين لم يسلموا { ليكتمون
~~الحق } الذي يعرفونه { وهم يعلمون } جملة حالية، و {
~~يعلمون } إما منزلة منزلة اللازم ففيه تنبيه على كمال شناعة كتمان
~~الحق وأنه لا يليق بأهل العلم، أو المفعول محذوف أي: يعلمونه فيكون حالا
~~مؤكدة لأن لفظ (يكتمون الحق) يدل على علمه إذ  الكتم  إخفاء ما يعلم،
~~أو يعلمون عقاب الكتمان، أو أنهم يكتمون فتكون مبينة، وهذه الجملة عطف
~~على ما تقدم من عطف الخاص على العام، وفائدته تخصيص من عاند وكتم بالذم،
~~واستثناء من آمن وأظهر علمه عن حكم الكتمان.

### || [2.147]

# { الحق من ربك } استئناف كلام قصد به رد الكاتمين، وتحقيق أمر
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذا فصل، و(الحق) إما مبتدأ خبره الجار 
~~واللام  إما للعهد إشارة إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا
~~ذكر بلفظ المظهر أو الحق الذي كتمه هؤلاء ووضع فيه المظهر موضع المضمر
~~تقريرا لحقيته وتثبيتا لها، أو للجنس وهو يفيد قصر جنس الحق على ما ثبت
~~من الله أي أن الحق ذلك كالذي أنت عليه لا غيره كالذي عليه أهل ms00680 الكتاب،
~~وإما خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق، أو هذا الحق، و { من ربك } خبر بعد
~~خبر أو حال مؤكدة  واللام  حينئذ للجنس كما في

# ذلك الكتاب

# [البقرة: 2] ومعناه أن ما يكتمونه هو الحق  لا ما يدعونه ويزعمونه 
~~ولا معنى حينئذ للعهد لأدائه إلى التكرار فيحتاج/ إلى تكلف. وقرأ الإمام
~~علي كرم الله تعالى وجهه { الحق } بالنصب على أنه مفعول

# يعلمون

# [البقرة: 146] أو بدل، و { من ربك } حال منه، وبه يحصل مغايرته
~~للأول وإن اتحد لفظهما، وجوز النصب بفعل مقدر  كالزم  وفي التعرض لوصف
~~الربوبية مع الإضافة من إظهار اللطف به صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى.

# { فلا تكونن من الممترين } أي الشاكين أو المترددين في
~~كتمانهم الحق عالمين به، أو في أنه من ربك وليس المراد نهي الرسول صلى
~~الله عليه وسلم عن ذلك لأن النهي عن شيء يقتضي وقوعه أو ترقبه من المنهي
~~عنه وذلك غير متوقع من ساحة حضرة الرسالة صلى الله عليه وسلم فلا فائدة
~~في نهيه، ولأن المكلف به يجب أن يكون اختياريا، وليس الشك والتردد مما
~~يحصل بقصد واختيار بل المراد إما تحقيق الأمر وأنه بحيث لا يشك فيه أحد
~~كائنا من كان، أو الأمر للأمة بتحصيل المعارف المزيلة لما نهى عنه فيجعل
~~النهي مجازا عن ذلك الأمر وفي جعل امتراء الأمة امتراءه صلى الله عليه
~~وسلم مبالغة لا تخفى، ولك أن تقول: إن الشك ونحوه وإن لم يكن مقدور
~~التحصيل لكنه مقدور لإزالة البقاء، ولعل النهي عنه بهذا الاعتبار ولهذا
~~قال الله تعالى: { فلا تكونن من الممترين } دون فلا تمتر،
~~ومن ظن أن منشأ الإشكال إفخام الكون لأنه هو الذي ليس مقدورا فلا ينهى
~~عنه دون الشك والتردد لم يأت بشيء.

### || [2.148]

# { ولكل وجهة } أي لكل أهل ملة أو جماعة من المسلمين واليهود
~~والنصارى، أو لكل قوم من المسلمين جهة وجانب من الكعبة يصلي إليها جنوبية
~~أو شمالية أو شرقية أو غربية، وتنوين  كل  عوض عن المضاف إليه و  وجهة
~~ جاء على ms00681 الأصل والقياس جهة مثل عدة وزنة وهي مصدر بمعنى المتوجه إليه
~~كالخلق بمعنى المخلوق وهو محذوف الزوائد لأن الفعل توجه أو اتجه، والمصدر
~~التوجه أو الاتجاه، ولم يستعمل منه وجه كوعد، وقيل: إنها اسم للمكان
~~المتوجه إليه فثبوت الواو ليس بشاذ. وقرأ أبي  ولكل قبلة  { هو
~~موليها } الضمير المرفوع عائد إلى  كل  باعتبار لفظه، والمفعول
~~الثاني للوصف محذوف أي وجهه أو نفسه أي مستقبلها، ويحتمل أن يكون الضمير
~~لله تعالى أي  الله موليها  إياه، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أنه قرأ { ولكل وجهة } بالإضافة، وقد صعب
~~تخريجها حتى تجرأ بعضهم على ردها وهو خطأ عظيم، وخرجها البعض أن  كل 
~~كان في الأصل منصوبا على أنه مفعول به لعامل محذوف يفسره { موليها }
~~وضمير { هو } عائد إلى الله تعالى قطعا ثم زيدت اللام في المفعول به
~~صريحا لضعف العامل المقدر من جهتين، كونه اسم فاعل وتقديم المعمول عليه
~~والمفعول الآخر محذوف  أي لكل وجهة الله مولى موليها  ورد بأن لام
~~التقوية لا تزاد في أحد مفعولي المتعدي لاثنين، لأنه إما أن تزاد في
~~الآخر ولا نظير له، أو لا فيلزم الترجيح بلا مرجح، وإن أجيب بإطلاق
~~النحاة يقتضي جوازه، والترجيح بلا مرجح مدفوع هنا بأنه ترجح بتقديمه.
~~وقيل: إن المجرور معمول للوصف المذكور على أنه مفعول به له واللام مزيدة،
~~أو أن الكلام من باب الاشتغال بالضمير، ولا يخفى أن هذين التخريجين يحوج
~~أولهما: إلى إرجاع الضمير المجرور بالوصف إلى التولية، وجعله مفعولا
~~مطلقا كقوله:

# هذا سراقة للقرآن يدرسه

# لئلا يقال: كيف يعمل الوصف مع اشتغاله بالضمير، وثانيهما: إلى القول:
~~بأنه قد يجىء المجرور من باب الاشتغال على قراءة من قرأ

# والظلمين أعد لهم

# [الانسان: 31] والقول: بأن اللام أصلية، والجار متعلق  بصلوا  محذوفا
~~أو باستبقوا والفاء زائدة بعيد بل لا أكاد أجيزه، وقرأ ابن عامر، وروي عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  مولاها  على صيغة اسم المفعول  أي هو
~~قد ولى تلك الجهة  فالضمير المرفوع ms00682 حينئذ عائد/ إلى كل البتة، ولا يجوز
~~رجوعه إلى الله تعالى لفساد المعنى، وأخرج ابن جرير وابن أبي داود في
~~«المصاحف» عن منصور قال: نحن نقرأ  ولكل جعلنا قبلة يرضونها .

# { فاستبقوا الخيرت } جمع خيرة بالتخفيف وهي الفاضلة من كل
~~شيء، والتأنيث باعتبار الخصلة، واللام للاستغراق فيعم المحلى أمر القبلة
~~وغيره، والخطاب للمؤمنين، والاستباق متعد كما في «التاج»، وقيل: لازم، و
~~(إلى) بعده مقدرة أي إذا كان كذلك فبادروا أيها المؤمنون ما به يحصل
~~السعادة في الدارين من استقبال القبلة وغيره ولا تنازعوا من خالفكم إذ لا
~~سبيل إلى الاجتماع على قبلة واحدة لجرى العادة على تولية كل قوم قبلة
~~يستقبلها، وفي أمر المؤمنين بطلب التسابق فيما بينهم كما قال السعد:
~~دلالة على طلب سبق غيرهم بطريق الأولى، وقيل: الاقتصار على سبق بعضهم
~~إشارة إلى أن غيرهم ليس في طريق الخير حتى يتصور أمر أحد بالسبق إلى
~~الخير عليه، ويجوز أن تكون (اللام) للعهد فالمراد بالخيرات الفاضلات من
~~الجهات التي تسامت الكعبة، وفيه إشارة إلى أن الصلاة إلى عين الكعبة أكثر
~~ثوابا من الصلاة التي جهتها، وقيل: يحتمل أن يراد بها الصلوات الفاضلات،
~~والمراد  بالاستباق  السرعة فيها والقيام بها في أول أوقاتها، وفيه
~~بعد، وأبعد منه ما قيل: إن المعنى  فاستبقوا قبلتكم  وعبر عنها
~~بالخيرات إشارة إلى اشتمالها على كل خير.

# واستدل الشافعية بالآية على أن الصلاة في أول الوقت بعد تحققه أفضل وهي
~~مسألة فرغ منها في الفروع، ولبعض العارفين في الآية وجه آخر وهو أنه
~~تعالى جعل الناس في أمور دنياهم وأخراهم على أحوال متفاوتة، فجعل بعضهم
~~أعوان بعض فواحد يزرع وآخر يطحن وآخر يخبز، وكذلك في أمر الدين، واحد
~~يجمع الحديث وآخر يحصل الفقه وآخر يطلب الأصول، وهم في الظاهر مختارون،
~~وفي الباطن مسخرون، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم:

# " كل ميسر لما خلق له "

# ولهذا قال بعض الصالحين لما سئل عن تفاوت الناس في أفعالهم: كل ذلك طرق
~~إلى الله تعالى أراد أن يعمرها بعباده ومن ms00683 تحرى وجه الله تعالى في كل
~~طريق يسلكه وصل إليه لكن ينبغي تحري الأحسن من تلك الطرق إذ المراتب
~~متفاوتة والشؤون مختلفة ومظاهر الأسماء شتى، وقيل: المراد بها أن لكل أحد
~~قبلة فقبلة المقربين العرش. والروحانيين الكرسي والكروبيين البيت
~~المعمور. والأنبياء قبلك بيت المقدس وقبلتك الكعبة، وهي قبلة جسدك، وأما
~~قبلة روحك فأنا، وقبلتي أنت كما يشير إليه

# " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي "

# { أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا } (أين) ظرف
~~مكان تضمن معنى الشرط، و { ما } مزيدة، و { يأت } جوابها والمعنى في
~~أي موضع تكونوا من المواضع الموافقة لطبعكم كالأرض أو المخالفة كالسماء
~~أو المجتمعة الأجزاء كالصخرة أو المتفرقة التي يختلط بها ما فيها كالرمل
~~يحشركم الله تعالى إليه لجزاء أعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر،
~~والجملة معللة لما قبلها، وفيها حث على الاستباق بالترغيب والترهيب وهي
~~على حد قوله تعالى:

# يبنى إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن
~~فى صخرة أو فى السموت أو فى الأرض يأت بها
~~الله

# [لقمان: 16] أو في أي موضع تكونوا من أعماق الأرض وقلل الجبال يقبض الله
~~تعالى أرواحكم إليه فهي على حد قوله تعالى:

# أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى
~~بروج مشيدة

# [النساء: 78] ففيها حث على الاستباق باغتنام الفرصة فإن الموت لا يختص
~~بمكان دون مكان، أو أينما تكونوا من الجهات المتقابلات يمنة ويسرة وشرقا
~~وغربا يجعل الله تعالى صلاتكم مع اختلاف جهاتها في حكم صلاة متحدة الجهة
~~كأنها إلى عين الكعبة أو في المسجد الحرام  فيأت بكم  مجاز عن جعل
~~الصلاة متحدة الجهة وفائدة الجملة المعللة حينئذ بيان حكم الأمر
~~بالاستباق، ومنهم من قال: الخطاب/ في استبقوا إما عام للمؤمنين
~~والكافرين، وإما خاص بالمؤمنين فعلى الأول: يراد هنا العموم أي في أي
~~موضع تكونوا من المواضع الموافقة للحق أو المخالفة له، وعلى الثاني:
~~الخصوص  أي أينما تكونوا في الصلاة أيها المؤمنون من الجهات المتقابلة
~~شمالا وجنوبا وشرقا وغربا بعد أن تولوا جهة الكعبة يجعل الله تعالى ms00684
~~صلاتكم كأنها إلى جهة واحدة لاتحادكم في الجهة التي أمرتم بالاتجاه إليها
~~ وليس بشيء كما لا يخفى { إن الله على كل شىء قدير }
~~ومن ذلك إماتتكم وإحياؤكم، وجمعكم والجملة تذييل وتأكيد لما تقدم.

### || [2.149]

# { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد
~~الحرام } عطف على

# فاستبقوا

# [البقرة: 148] و { حيث } ظرف لازم الإضافة إلى الجمل غالبا، والعامل
~~فيها ما هو في محل الجزاء لا الشرط فهي هنا متعلقة  بول  والفاء صلة
~~للتنبيه على أن ما بعدها لازم لما قبلها لزوم الجزاء للشرط لأن  حيث 
~~وإن لم تكن شرطية لكنها لدلالتها على العموم أشبهت كلمات الشرط ففيها
~~رائحة الشرط، ولا يجوز تعلقها  بخرجت  لفظا وإن كانت ظرفا له معنى
~~لئلا يلزم عدم الإضافة والمعنى من أي موضع خرجت فول وجهك من ذلك الموضع
~~شطر الخ، و(من) ابتدائية لأن الخروج أصل لفعل ممتد وهو المشي وكذا
~~التولية أصل للاستقبال وقت الصلاة الذي هو ممتد، وقيل: إن  حيث  متعلقة
~~ بول  والفاء ليست زائدة، وما بعدها يعمل فيما قبلها كما بين في محله
~~إلا أنه لا وجه لاجتماع الفاء والواو فالوجه أن يكون التقدير افعل ما
~~أمرت به من حيث خرجت فول فيكون { فول } عطفا على المقدر، ويجوز أن
~~يجعل  من حيث خرجت  بمعنى أينما كنت وتوجهت فيكون  فول  جزاءا له
~~على أنها شرطية العامل فيها الشرط  ولا يخفى ما فيه من التكلف 
~~والتخريج على قول ضعيف لم يذهب إليه إلا الفراء وهو شرطية  حيث  بدون 
~~ما  حتى قالوا: إنه لم يسمع في كلام العرب، ثم الأمر بالتولية مقيد
~~بالقيام إلى الصلاة للإجماع على عدم وجوب استقبال القبلة في غير ذلك.

# { وإنه } أي الاستقبال أو الصرف أو التولية والتذكير باعتبار أنها
~~أمر من الأمور أو لتذكير الخبر أو لعدم الاعتداد بتأنيث المصدر أو بذي
~~التاء الذي لا معنى للمجرد عنه سواء كان مصدرا أو غيره، وإرجاع الضمير
~~للأمر السابق واحد الأوامر على قربه بعيد { للحق من ربك } أي
~~الثابت الموافق للحكمة. { وما الله بغفل عما تعملون ms00685 }
~~فيجازيكم بذلك أحسن الجزاء فهو وعيد للمؤمنين، وقرىء (يعملون) على صيغة
~~الغيبة فهو وعيد للكافرين، والجملة عطف على ما قبلها وهما اعتراض
~~للتأكيد.

### || [2.150]

# { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد
~~الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره }
~~معطوف على مجموع قوله تعالى:

# ولكل وجهة

# [البقرة: 148] الخ أو على قوله تعالى:

# قد نرى تقلب وجهك

# [البقرة: 144] الخ عطف القصة على القصة وليس معطوفا على قوله تعالى:

# ومن حيث خرجت

# [البقرة: 149] الداخل تحت فاء السببية الدالة على ترتبه على قوله تعالى:

# ولكل وجهة

# [البقرة: 148] لأنه معلل بقوله تعالى: { لئلا يكون للناس
~~عليكم حجة } وهو وإن كان علة  لولوا  لا لمحذوف  أي عرفناكم
~~وجه الصواب في قبلتكم  والحجة في ذلك كما قيل به: إلا أنه يفهم منه كونه
~~علة  لول  لأن انقطاع الحجة بالتولية إذا حصل للأمة كان حصوله بها
~~للرسول صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى، ولو جعل الخطاب عاما للرسول
~~صلى الله عليه وسلم والأمة ولم يلتزم تخصيصه بالأمة على حد خطابات الآية
~~كان علة لهما وإنما كرر هذا الحكم لتعدد علله، والحصر المستفاد من

# إلا لنعلم

# [البقرة: 143] الخ إضافي/ أو ادعائي فإنه تعالى ذكر للتحويل ثلاث علل،
~~تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم بابتغاء مرضاته أولا. وجري العادة
~~الإلهية على أن يؤتي كل أهل ملة وجهة ثانيا. ودفع حجج المخالفين
~~ثالثا. فإن التولية إلى الكعبة تدفع احتجاج اليهود بأن المنعوت في
~~التوراة قبلته الكعبة لا الصخرة وهذا النبي يصلي إلى الصخرة فلا يكون
~~النبي الموعود، وبأنه صلى الله عليه وسلم يدعي أنه صاحب شريعة ويتبع
~~قبلتنا وبينهما تدافع لأن عادته سبحانه وتعالى جارية بتخصيص كل صاحب
~~شريعة بقبلة، وتدفع احتجاج المشركين بأنه عليه الصلاة والسلام يدعي ملة
~~إبراهيم ويخالف قبلته وترك سبحانه التعميم بعد التخصيص في المرتبة
~~الثالثة اكتفاء بالعموم المستفاد من العلة، وزاد { من حيث خرجت
~~} دفعا لتوهم مخالفة حال السفر لحال الحضر بأن يكون حال السفر باقيا
~~على ما كان كما في الصلاة حيث زيد في الحضر ms00686 ركعتان أو يكون مخيرا بين
~~التوجهين كما في الصوم.

# وقد يقال فائدة هذا التكرار الاعتناء بشأن الحكم لأنه من مظان الطعن
~~وكثرة المخالفين فيه لعدم الفرق بين النسخ والبداء، وقيل: لا تكرار فإن
~~الأحوال ثلاثة، كونه في المسجد وكونه في البلد خارج المسجد وكونه خارج
~~البلد، فالأول: محمول على الأول، والثاني: على الثاني، والثالث: على
~~الثالث، ولا يخفى أنه مجرد تشه لا يقوم عليه دليل.

# { إلا الذين ظلموا منهم } إخراج من الناس، وهو بدل على
~~المختار، والمعنى عند القائلين بأن الاستثناء من النفي إثبات: لئلا يكون
~~لأحد من الناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا بالعناد فإن لهم عليكم حجة فإن
~~اليهود منهم يقولون ما تحول إلى الكعبة إلا ميلا لدين قومه وحبا لبلده،
~~والمشركين منهم يقولون بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى
~~دينهم، وتسمية هذه الشبهة الباطلة حجة مع أنها عبارة عن البرهان المثبت
~~للمقصود لكونها شبيهة بها باعتبار أنهم يسوقونها مساقها، واعترض بأن صدر
~~الكلام لو تناول هذا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وإلا لم يصح
~~الاستثناء لأن الحجة مختصة بالحقيقة، ولا محيص سوى أن يراد بالحجة
~~المتمسك حقا كان أو باطلا، وأجيب بأنه لم يستثن شبهتهم عن الحجة بل
~~ذواتهم عن الناس إلا أنه لزم تسمية شبهتهم حجة باعتبار مفهوم المخالفة
~~فلا حاجة إلى تناول الصدر إياها، وأنت تعلم أن مراد المعترض إن الاستثناء
~~وإن كان من الناس إلا أنه يثبت به ما نفي عن المستثنى منه للمستثنى بناء
~~على أن الاستثناء من النفي إثبات فإن كان الصدر مشتملا على ما أثبت
~~للمستثنى لزم الجمع وإلا لم يتحقق الاستثناء بمقتضاه إذ الثابت للمستثنى
~~منه شيء وللمستثنى شيء آخر، ولا محيص للتفصي عن ذلك إلا أن يراد بالحجة
~~المتمسك أو ما يطلق عليه الحجة في الجملة فيتحقق حينئذ الاستثناء
~~بمقتضاه لأن الشبهة حجة بهذا المعنى كالبرهان، ولا يلزم الجمع بين
~~الحقيقة والمجاز، ولك أن تحمل الحجة على الاحتجاج والمنازعة كما في قوله
~~تعالى:

# لا حجة ms00687 بيننا وبينكم

# [الشورى: 15] فأمر الاستثناء حينئذ واضح إلا أن صوغ الكلام بعيد عن
~~الاستعمال عند إرادة هذا المعنى، وقيل: الاستثناء منقطع، وهو من تأكيد
~~الشيء بضده وإثباته بنفيه، والمعنى إن يكن لهم حجة فهي الظلم والظلم لا
~~يمكن أن يكون حجة فحجتهم غير ممكنة أصلا فهو إثبات بطريق البرهان على حد
~~قوله:

# ولا عيب فيهم غير أن نزيلهم

# (يلام) بنسيان الأحبة والوطن

# وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما (ألا) بالفتح والتخفيف وهي حرف
~~يستفتح به الكلام لينبه السامع إلى الإصغاء، و { الذين } مبتدأ خبره
~~قوله تعالى: { فلا تخشوهم } والفاء زائدة فيه للتأكيد، وقيل:
~~لتضمن المبتدأ/ معنى الشرط، وجوز أن يكون الموصول نصبا على شريطة
~~التفسير، والمشهور أن  الخشية  مرادفة للخوف أي فلا تخافوا الظالمين
~~لأنهم لا يقدرون على نفع ولا ضر، وجوز عود الضمير إلى الناس وفيه بعد. {
~~واخشونى } أي وخافوني فلا تخالفوا أمري فإني القادر على كل شيء،
~~واستدل بعض أهل السنة بالآية على حرمة التقية التي يقول بها الإمامية،
~~وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك في محله[أي في آل عمران: 28].

# { ولأتم نعمتى عليكم ولعلكم تهتدون } الظاهر
~~من حيث اللفظ أنه عطف على قوله تعالى: { لئلا يكون } كأنه قيل: 
~~فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة ولأتم  الخ فهو علة لمذكور
~~أي أمرتكم بذلك لأجمع لكم خير الدارين، أما دنيا فلظهور سلطانكم على
~~المخالفين، وأما عقبى فلإثابتكم الثواب الأوفى ولا يرد الفصل بالاستثناء
~~وما بعده لأنه  كلا فصل  إذ هو من متعلق العلة الأولى، نعم اعترض ببعد
~~المناسبة وبأن إرادة الاهتداء المشعر بها الترجي إنما تصلح علة للأمر
~~بالتولية لا لفعل المأمور به كما هو الظاهر في المعطوف عليه فالظاهر معنى
~~جعله علة لمحذوف أي وأمرتكم بالتولية  والخشية  لإتمام نعمتي عليكم
~~وإرادتي اهتداءكم  والجملة المعللة معطوفة على الجملة المعللة السابقة،
~~أو عطف على علة مقدرة مثل واخشوني لأحفظكم ولأتم الخ، ورجح بعضهم هذا
~~الوجه بما أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» والترمذي من حديث معاذ بن ms00688 جبل

# " تمام النعمة دخول الجنة "

# ولا يخفى أنه على الوجه الأول قد يؤول الكلام إلى معنى  فاعبدوا وصلوا
~~متجهين شطر المسجد الحرام لأدخلكم الجنة  والحديث لا يأبى هذا بل
~~يطابقه حذو القذة بالقذة فكونه مرجحا لذلك بمعزل عن التحقيق فإن قيل:
~~إنه تعالى أنزل عند قرب وفاته صلى الله عليه وسلم:

# اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم
~~نعمتى

# [المائدة: 3] فبين أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم فكيف قال قبل ذلك
~~بسنين في هذه الآية: { ولأتم نعمتى عليكم }؟ أجيب بأن تمام
~~النعمة في كل وقت بما يليق به فتدبر.

### || [2.151]

# { كما أرسلنا فيكم رسولا منكم } متصل بما قبله، فالكاف
~~للتشبيه وهي في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، والتقدير  لأتم نعمتي
~~عليكم  في أمر القبلة أو في الآخرة إتماما مثل إتمام إرسال الرسول،
~~وذكر الإرسال وإرادة الإتمام من إقامة السبب مقام المسبب، و { فيكم }
~~متعلق  بأرسلنا  وقدم على المفعول الصريح تعجيلا بإدخال السرور ولما
~~في صفاته من الطول، وقيل: متصل بما بعده أي اذكروني ذكرا مثل ذكري لكم
~~بالإرسال، أو اذكروني بدل إرسالنا فيكم رسولا فالكاف للمقابلة متعلق
~~باذكروني، ومنها يستفاد التشبيه لأن المتقابلين متشابهان ومتبادلان،
~~وإيثار صيغة المتكلم مع الغير بعد التوحيد افتنان وجريان على سنن
~~الكبرياء وإشارة إلى عظمة نعمة هذا الإرسال، وهذا الرسول صلى الله عليه
~~وسلم { يتلوا عليكم ءايتنا } صفة (رسولا) وفيه إشارة إلى
~~طريق إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام لأن تلاوة الأمي الآيات الخارجة عن
~~طوق البشر باعتبار بلاغتها واشتمالها على الإخبار بالمغيبات والمصالح
~~التي ينتظم بها أمر المعاد والمعاش أقوى دليل على نبوته { ويزكيكم
~~} أي يطهركم من الشرك وهي صفة أخرى للرسول وأتى بها عقب التلاوة لأن
~~التطهير عن ذلك ناشىء عن إظهار المعجزة لمن أراد الله تعالى توفيقه {
~~ويعلمكم الكتب والحكمة } صفة إثر صفة وأخرت لأن تعليم
~~الكتاب وتفهيم ما انطوى عليه من الحكمة الإلهية والأسرار الربانية إنما
~~يكون بعد التخلي عن دنس الشرك ونجس الشك بالاتباع، وأما قبل ذلك فالكفر
~~حجاب، ms00689 وقدم التزكية على التعليم في هذه الآية وأخرها عنه في دعوة
~~إبراهيم/ [البقرة: 129] لاختلاف المراد بها في الموضعين، ولكل مقام مقال،
~~وقيل: التزكية عبارة عن تكميل النفس بحسب القوة العملية وتهذيبها المتفرع
~~على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على التلاوة إلا
~~أنها وسطت بين التلاوة والتعليم المترتب عليها للإيذان بأن كلا من
~~الأمور المترتبة نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر ولو روعي ترتيب
~~الوجود كما في دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لتبادر إلى الفهم كون
~~الكل نعمة واحدة، وقيل: قدمت التزكية تارة وأخرت أخرى لأنها علة غائية
~~لتعليم الكتاب والحكمة، وهي مقدمة في القصد والتصور مؤخرة في الوجود
~~والعمل فقدمت وأخرت رعاية لكل منهما، واعترض بأن غاية التعليم صيرورتهم
~~أزكياء عن الجهل لا تزكية الرسول عليه الصلاة والسلام إياها المفسرة
~~بالحمل على ما يصيرون به أزكياء لأن ذلك إما بتعليمه إياهم أو بأمرهم
~~بالعمل به فهي إما نفس التعليم أو أمر لا تعلق له به، وغاية ما يمكن أن
~~يقال: إن التعليم باعتبار أنه يترتب عليه زوال الشك وسائر الرذائل تزكيته
~~إياهم فهو باعتبار غاية وباعتبار مغيا  كالرمي. والقتل  في قولهم: رماه
~~فقتله فافهم { ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } مما لا
~~طريق إلى معرفته سوى الوحي وكان الظاهر و { ما لم تكونوا } ليكون
~~من عطف المفرد على المفرد إلا أنه تعالى كرر الفعل للدلالة على أنه جنس
~~آخر غير مشارك لما قبله أصلا فهو تخصيص بعد التعميم مبين لكون إرساله
~~صلى الله عليه وسلم نعمة عظيمة ولولاه لكان الخلق متحيرين في أمر دينهم
~~لا يدرون ماذا يصنعون.

### || [2.152]

# { فاذكرونى } بالطاعة قلبا وقالبا فيعم الذكر باللسان والقلب
~~والجوارح، فالأول:  كما في «المنتخب»  الحمد والتسبيح والتحميد وقراءة
~~كتاب الله تعالى والثاني: الفكر في الدلائل الدالة على التكاليف والوعد
~~والوعيد وفي الصفات الإلهية والأسرار الربانية. والثالث: استغراق
~~الجوارح في الأعمال المأمور بها خالية عن الأعمال المنهي عنها ولكون
~~الصلاة مشتملة على هذه الثلاثة سماها الله تعالى ذكرا في قوله:

# فاسعوا إلى ms00690 ذكر الله

# [الجمعة: 9] وقال أهل الحقيقة: حقيقة ذكر الله تعالى أن ينسى كل شيء
~~سواه { أذكركم } أي أجازكم بالثواب، وعبر عن ذلك بالذكر للمشاكلة
~~ولأنه نتيجته ومنشؤه، وفي «الصحيحين»:

# " من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من
~~ملئه "

# { واشكروا لي } ما أنعمت به عليكم وهو  واشكروني  بمعنى ولي
~~أفصح مع الشكر وإنما قدم الذكر على الشكر لأن في الذكر اشتغالا بذاته
~~تعالى وفي الشكر اشتغالا بنعمته والاشتغال بذاته تعالى أولى من الاشتغال
~~بنعمته. { ولا تكفرون } بجحد نعمتي وعصيان أمري وأردف الأمر بهذا
~~النهي ليفيد عموم الأزمان وحذف ياء المتكلم تخفيفا لتناسب الفواصل وحذفت
~~نون الرفع للجازم.

### || [2.153]

# { يأيها الذين ءامنوا استعينوا بالصبر } على
~~الذكر والشكر وسائر الطاعات من الصوم والجهاد وترك المبالاة بطعن
~~المعاندين في أمر القبلة { والصلوة } التي هي الأصل والموجب لكمال
~~التقرب إليه تعالى. { إن الله مع الصبرين } معية خاصة
~~بالعون والنصر ولم يقل مع المصلين لأنه إذا كان مع الصابرين كان مع
~~المصلين من باب أولى لاشتمال الصلاة على الصبر.

### || [2.154]

# { ولا تقولوا } عطف على

# واستعينوا

# [البقرة: 153] الخ مسوق لبيان/ إنه لا غائلة للمأمور به وإن الشهادة
~~التي ربما يؤدي إليها الصبر حياة أبدية { لمن يقتل فى سبيل
~~الله } أي في طاعته وإعلاء كلمته وهم الشهداء واللام للتعليل لا
~~للتبليغ لأنهم لم يبلغوا الشهداء قولهم: { أموت } أي هم أموات. {
~~بل أحياء } أي بل هم أحياء، والجملة معطوفة على { لا تقولوا }
~~إضراب عنه، وليس من عطف المفرد على المفرد ليكون في حيز القول ويصير
~~المعنى بل  قولوا أحياء  لأن المقصود إثبات الحياة لهم لا أمرهم بأن
~~يقولوا في شأنهم أنهم أحياء وإن كان ذلك أيضا صحيحا.

# { ولكن لا تشعرون } أي لا تحسون ولا تدركون ما حالهم بالمشاعر
~~لأنها من أحوال البرزخ التي لا يطلع عليها ولا طريق للعلم بها إلا بالوحي
~~ واختلف في هذه الحياة. فذهب كثير من السلف إلى أنها حقيقة بالروح
~~والجسد ولكنا لا ندركها في هذه النشأة، ms00691 واستدلوا بسياق قوله تعالى:

# عند ربهم يرزقون

# [آل عمران: 169] وبأن الحياة الروحانية التي ليست بالجسد ليست من خواصهم
~~فلا يكون لهم امتياز بذلك على من عداهم، وذهب البعض إلى أنها روحانية
~~وكونهم يرزقون لا ينافي ذلك  فقد روي عن الحسن  أن الشهداء أحياء عند
~~الله تعالى تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض
~~الناس على أرواح آل فرعون غدوا وعشيا فيصل إليهم الوجع، فوصول هذا
~~الروح إلى الروح هو الرزق، والامتياز ليس بمجرد الحياة بل مع ما ينضم
~~إليها من اختصاصهم بمزيد القرب من الله عز شأنه ومزيد البهجة والكرامة،
~~وذهب البلخي إلى نفي الحياة بالفعل عنهم مطلقا  وأخرج الجملة الاسمية
~~الدالة على الاستمرار المستوعب للأزمنة من وقت القتل إلا ما لا آخر له عن
~~ظاهرها  وقال: معنى { بل أحياء } إنهم يحيون يوم القيامة فيجزون
~~أحسن الجزاء، فالآية على حد

# إن الأبرار لفى نعيم * وإن الفجار لفى جحيم

# [الإنفطار: 1314] وفائدة الإخبار بذلك الرد على المشركين حيث قالوا: إن
~~أصحاب محمد يقتلون أنفسهم ويخرجون من الدنيا بلا فائدة ويضيعون أعمارهم
~~فكأنه قيل: ليس الأمر كما زعمتم بل يحيون ويخرجون، وذهب بعضهم إلى إثبات
~~الحياة الحكمية لهم بما نالوا من الذكر الجميل والثناء الجليل كما روي عن
~~علي كرم الله تعالى وجهه هلك خزان الأموال والعلماء باقون ما بقي الدهر
~~أعيانهم مفقودة وآثارهم في القلوب موجودة، وحكى عن الأصم أن المراد
~~بالموت والحياة الضلال والهدى أي لا تقولوا هم أموات في الدين ضالون عن
~~الصراط المستقيم بل هم أحياء بالطاعة قائمون بأعبائها، ولا يخفى أن هذه
~~الأقوال  ما عدا الأولين  في غاية الضعف بل نهاية البطلان، والمشهور
~~ترجيح القول الأول، ونسب إلى ابن عباس، وقتادة ومجاهد والحسن وعمرو بن
~~عبيد وواصل بن عطاء والجبائي والرماني، وجماعة من المفسرين لكنهم اختلفوا
~~في المراد بالجسد، فقيل: هو هذا الجسد الذي هدمت بنيته بالقتل ولا يعجز
~~الله تعالى أن يحل به حياة تكون سبب الحس والإدراك وإن كنا نراه رمة
~~مطروحة على ms00692 الأرض لا يتصرف ولا يرى فيه شيء من علامات الأحياء، فقد جاء
~~في الحديث:

# " إن المؤمن يفسح له مد بصره ويقال له نم نومة العروس "

# مع أنا لا نشاهد ذلك إذ البرزخ برزخ آخر بمعزل عن أذهاننا وإدراك قوانا.
~~وقيل: جسد آخر على صورة الطير تتعلق الروح فيه، واستدل بما أخرجه عبد
~~الرزاق عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " إن أرواح الشهداء في صور طير خضر معلقة في قناديل الجنة حتى يرجعها
~~الله تعالى يوم القيامة "

# ولا يعارض هذا ما أخرجه مالك، وأحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن
~~ماجه عن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " إن/ أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تعلق من ثمر الجنة  أو  شجر
~~الجنة "

# ولا ما أخرجه مسلم في «صحيحه» عن ابن مسعود مرفوعا

# " إن أرواح الشهداء عند الله في حواصل طيور خضر تسرح في أنهار الجنة حيث
~~شاءت، ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش "

# لأن كونها في الأجواف أو في الحواصل يجامع كونها في تلك الصور إذ الرائي
~~لا يرى سواها، وقيل: جسد آخر على صور أبدانهم في الدنيا بحيث لو رأى
~~الرائي أحدهم لقال: رأيت فلانا  وإلى ذلك ذهب بعض الإمامية  واستدلوا
~~بما أخرجه أبو جعفر مسندا إلى يونس بن ظبيان قال: كنت عند أبي عبد الله
~~جالسا فقال: ما تقول الناس في أرواح المؤمنين؟ قلت: يقولون: في حواصل
~~طير خضر في قناديل تحت العرش، فقال أبو عبد الله: سبحان الله! المؤمن
~~أكرم على الله تعالى من أن يجعل روحه في حوصلة طائر أخضر يؤنس المؤمن إذا
~~قبضه الله تعالى صير روحه في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون،
~~فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا. ووجه
~~الاستدلال إذا كان المراد  بالمؤمنين  الشهداء ظاهر، وأما إذا كان
~~المراد بهم سائر من آمن فيعلم منه حال الشهداء وأن أرواحهم ليست في
~~الحواصل بطريق الأولى، وعندي أن ms00693 الحياة في البرزخ ثابتة لكل من يموت من
~~شهيد وغيره، وأن الأرواح  وإن كانت جواهر قائمة بأنفسها  مغايرة لما
~~يحس به من البدن لكن لا مانع من تعلقها ببدن برزخي مغاير لهذا البدن
~~الكثيف، وليس ذلك من التناسخ الذي ذهب إليه أهل الضلال، وإنما يكون منه
~~لو لم تعد إلى جسم نفسها الذي كانت فيه  والعود حاصل في النشأة الجنانية
~~ بل لو قلنا بعدم عودها إليه والتزمنا العود إلى جسم مشابه لما كان في
~~الدنيا مشتمل على الأجزاء النطقية الأصلية أو غير مشتمل لا يلزم ذلك
~~التناسخ أيضا لأنهم قالوه على وجه نفوا به الحشر والمعاد، وأثبتوا فيه
~~سرمدية عالم الكون والفساد، وأن أرواح الشهداء يثبت لها هذا التعلق على
~~وجه يمتازون به عمن عداهم إما في أصل التعلق أو في نفس الحياة بناءا على
~~أنها من المشكك لا المتواطىء، أو في نفس المتعلق به مع ما ينضم إلى ذلك
~~من البهجة والسرور والنعيم اللائق بهم، والذي يميل القلب إليه أن لهاتيك
~~الأبدان شبها تاما صوريا بهذه الأبدان، وأن المواد مختلفة والأجزاء
~~متفاوتة  إذ فرق بين العالمين، وشتان ما بين البرزخين  ويمكن حمل
~~أحاديث الطير على تشبيه هذه الأبدان الغضة الطرية بسرعة حركتها وذهابها
~~حيث شاءت بالطير الخضر، وتحمل الصورة على الصفة كما حملت على ذلك في
~~حديث:

# " خلق آدم على صورة الرحمن "

# واستبعاد أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه ما تقدم محمول على ما يفهمه
~~العامة من ظاهر اللفظ، ولمزيد الإيضاح اللائق بعوام وقته عدل عنه إلى
~~عبارة لا يتراءى منها شائبة استبعاد كما يتراءى من ظاهر الحديث حتى إن
~~بعض العلماء لذلك حملوا (في) فيه على  على  وهو إما تجاهل أو جهل بأن
~~صغر المتعلق أو ضيقه لو كان موجودا فيما نحن فيه لا يضر الروح شيئا ولا
~~ينافي نعيمها، أو ظن بأن لتلك الصورة روحا غير روح  الشهيد  فلا يمكن
~~أن تتعلق بها روحان، والأمر على خلاف ما يظنون، وإن شئت قلت بتمثل الروح
~~نفسها صورة ms00694 لأن الأرواح في غاية اللطافة وفيها قوة التجسد كما يشعر به
~~ظهور الروح الأمين عليه السلام بصورة دحية الكلبي رضي الله تعالى عنه.
~~وأما القول بحياة هذا الجسد الرميم مع هدم بنيته وتفرق أجزائه وذهاب
~~هيئته  وإن لم يكن ذلك بعيدا عن قدرة من يبدأ الخلق ثم يعيده  لكن ليس
~~إليه كثير حاجة، ولا فيه مزيد فضل، ولا عظيم منة، بل ليس فيه سوى إيقاع
~~ضعفة المؤمنين بالشكوك والأوهام وتكليفهم من غير حاجة بالإيمان بما يعدون
~~قائله من سفهة الأحلام، وما يحكى من/ مشاهدة بعض الشهداء الذين قتلوا منذ
~~مآت سنين، وأنهم إلى اليوم تشخب جروحهم دما إذا رفعت العصابة عنها؛ فذلك
~~مما رواه  هيان بن بيان  وما هو إلا حديث خرافة وكلام يشهد على مصدقيه
~~تقديم السخافة.

# هذا ثم إن نهي المؤمنين عن أن يقولوا في شأن الشهداء أموات، إما أن يكون
~~دفعا لإيهام مساواتهم لغيرهم في ذلك البرزخ  وتلك خصوصية لهم وإن
~~شاركهم في النعيم  بل وزاد عليهم بعض عباد الله تعالى المقربين ممن يقال
~~في حقهم ذلك، وإما أن يكون صيانة لهم عن النطق بكلمة قالها أعداء الدين
~~والمنافقون في شأن أولئك الكرام قاصدين بها أنهم حرموا من النعيم ولم
~~يروه أبدا، وليس في الآية نهي عن نسبة الموت إليهم بالكلية بحيث إنهم ما
~~ذاقوه أصلا ولا طرفة عين، وإلا لقال تعالى: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل
~~الله ماتوا، فحيث عدل عنه إلى ما ترى علم أنهم امتازوا بعد أن قتلوا
~~بحياة لائقة بهم مانعة عن أن يقال في شأنهم أموات وعدل سبحانه عن  {
~~قتلوا }  المعبر عنه في آل عمران [169] إلى { يقتل } روما
~~للمبالغة في النهي، وتأكيد الفعل في تلك السورة يقوم مقام هذا العدول هنا
~~كما قرره بعض أحبابنا من الفضلاء المعاصرين، والآية نزلت  كما أخرجه ابن
~~منده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه  في شهداء بدر وكانوا عدة لياليه
~~ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

### || [2.155]

# { ولنبلونكم } عطف ms00695 على قوله تعالى:

# استعينوا

# [البقرة: 153] الخ عطف المضمون على المضمون، والجامع أن مضمون الأولى
~~طلب الصبر، ومضمون الثانية بيان مواطنه، والمراد لنعاملنكم معاملة
~~المبتلي والمختبر، ففي الكلام استعارة تمثيلية لأن الابتلاء حقيقة لتحصيل
~~العلم، وهو محال من اللطيف الخبير  والخطاب عام لسائر المؤمنين  وقيل:
~~للصحابة فقط، وقيل: لأهل مكة فقط. { بشيء من الخوف والجوع }
~~أي بقليل من ذلك، والقلة بالنسبة لما حفظهم عنه مما لم يقع بهم وأخبرهم
~~سبحانه به قبل وقوعه ليوطنوا عليه نفوسهم فإن مفاجأة المكروه أشد، ويزداد
~~يقينهم عند مشاهدتهم له حسبما أخبر به، وليعلموا أنه شيء يسير له عاقبة
~~محمودة.

# { ونقص من الأمول والأنفس والثمرت } عطف إما على
~~(شيء) ويؤيده التوافق في التنكير ومجيء البيان بعد (كل) وإما على (الخوف)
~~ويؤيده قرب المعطوف عليه ودخوله تحت (شيء) والمراد من الخوف خوف العدو،
~~ومن الجوع القحط إقامة للمسبب مقام السبب  قاله ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما، ومن نقص الأموال هلاك المواشي، ومن نقص الأنفس ذهاب الأحبة بالقتل
~~والموت، ومن نقص الثمرات تلفها بالجوائح، ونص عليها مع أنها من الأموال
~~لأنها قد لا تكون مملوكة، وقال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: الخوف
~~خوف الله تعالى والجوع صوم رمضان، والنقص من الأموال الزكوات والصدقات،
~~ومن الأنفس الأمراض، ومن الثمرات موت الأولاد، وإطلاق الثمرة على الولد
~~مجاز مشهور لأن الثمرة كل ما يستفاد ويحصل، كما يقال: ثمرة العلم العمل،
~~وأخرج الترمذي من حديث أبي موسى وحسنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:

# " إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة: أقبضتم ولد عبدي؟
~~فيقولون: نعم، فيقول: أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: نعم، فيقول الله تعالى:
~~ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي
~~بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد "

# واعترض ما قاله الإمام بعد تسلم أن الآية نزلت قبل فرضية الصوم والزكاة
~~بأن خوف الله تعالى لم تزل قلوب المؤمنين مشحونة به قبل/ نزول الآية،
~~وكذا الأمراض وموت الأولاد موجودان قبل، فلا معنى للوعد بالابتلاء بذلك، ms00696
~~وكذا لا معنى للتعبير عن الزكاة  وهي النمو والزيادة  بالنقص، وأجيب
~~بأن كون قلوب المؤمنين مشحونة بالخوف قبل لا ينافي ابتلاءهم في الاستقبال
~~بخوف آخر، فإن الخوف يتضاعف بنزول الآيات، وكذا الأمراض، وموت الأولاد
~~أمور متجددة يصح الابتلاء بها في الآتي من الأزمان، والتعبير عن الزكاة 
~~بالنقص  لكونها نقصا صورة  وإن كانت زيادة معنى  فعند الابتلاء سماها
~~نقصا، وعند الأمر بالأداء سماها زكاة ليسهل أداؤها.

# { وبشر الصبرين } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل من
~~تتأتى منه البشارة، والجملة عطف على ما قبلها عطف المضمون على المضمون من
~~غير نظر إلى الخبرية والإنشائية  والجامع ظاهر  كأنه قيل: الابتلاء
~~حاصل لكم  وكذا البشارة  ولكن لمن صبر منكم، وقيل: على محذوف أي أنذر
~~الجازعين وبشر

# وفي توصيف الصابرين بقوله تعالى: { الذين إذآ أصابتهم
~~مصيبة قالوا إنا لله... }.

### || [2.156]

# إشارة إلى أن الأجر لمن صبر وقت إصابتها، كما في الخبر

# " إنما الصبر عند أول صدمة "

# والمصيبة تعم ما يصيب الإنسان من مكروه في نفس أو مال أو أهل  قليلا
~~كان المكروه أو كثيرا  حتى لدغ الشوكة، ولسع البعوضة، وانقطاع الشسع،
~~وانطفاء المصباح، وقد استرجع النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وقال:

# " كل ما يؤذي المؤمن فهو مصيبة له وأجر "

# وليس الصبر بالاسترجاع باللسان، بل الصبر باللسان وبالقلب بأن يخطر
~~بباله ما خلق لأجله من معرفة الله تعالى وتكميل نفسه، وأنه راجع إلى ربه
~~وعائد إليه بالبقاء السرمدي، ومرتحل عن هذه الدنيا الفانية وتارك لها على
~~علاتها، ويتذكر نعم الله تعالى عليه ليرى ما أعطاه أضعاف ما أخذ منه
~~فيهون على نفسه ويستسلم له، والصبر من خواص الإنسان لأنه يتعارض فيه
~~العقل والشهوة، والاسترجاع من خواص هذه الأمة، فقد أخرج الطبراني، وابن
~~مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه
~~وسلم:

# " أعطيت أمتي شيئا لم يعطه أحد من الأمم، أن تقول عند المصيبة إنا لله
~~وإنا إليه راجعون "

# وفي رواية:

# " أعطيت هذه الأمة عند المصيبة شيئا ms00697 لم تعطه الأنبياء قبلهم، إنا لله
~~وإنا إليه راجعون ولو أعطيها الأنبياء قبلهم لأعطيها يعقوب إذ يقول: {
~~يأسفى على يوسف } "

# [يوسف: 84] ويسن أن يقول بعد الاسترجاع: " اللهم آجرني في مصيبتي واخلف
~~لي خيرا منها " ، فقد أخرج مسلم عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم يقول:

# " ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني
~~الخ، إلا أجره الله تعالى في مصيبته وأخلف له خيرا منها "

# قالت فلما توفي أبو مسلم قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فأخلف الله تعالى لي خيرا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومفعول

# بشر

# [البقرة: 155] محذوف أي برحمة عظيمة وإحسان جزيل - بدليل قوله تعالى: {
~~أولئك عليهم صلوت... }.

### || [2.157]

# { أولئك عليهم صلوت من ربهم ورحمة } الصلاة
~~في الأصل على ما عليه أكثر أهل اللغة الدعاء ومن الله تعالى الرحمة،
~~وقيل: الثناء، وقيل: التعظيم، وقيل: المغفرة، وقال: الإمام الغزالي:
~~الاعتناء بالشأن، ومعناها الذي يناسب أن يراد هنا سواء كان حقيقيا أو
~~مجازيا الثناء والمغفرة لأن إرادة الرحمة يستلزم التكرار، ويخالف ما روي
~~«نعم العدلان للصابرين الصلاة والرحمة» وحملها على التعظيم والاعتناء
~~بالشأن يأباهما صيغة الجمع ثم إن جوزنا إرادة المعنيين بتجويز عموم
~~المشترك أو الجمع بين الحقيقة والمجاز أو بين المعنيين المجازيين يمكن
~~إرادة المعنيين المذكورين كليهما وإلا فالمراد أحدهما/ والرحمة تقدم
~~معناها وأتى بعلى إشارة إلى أنهم منغمسون في ذلك وقد غشيهم وتجللهم فهو
~~أبلغ من اللام، وجمع (صلوات) للإشارة إلى أنها مشتملة على أنواع كثيرة
~~على حسب اختلاف الصفات التي بها الثناء والمعاصي التي تتعلق بها المغفرة،
~~وقيل: للإيذان بأن المراد صلاة بعد صلاة على حد التثنية في «لبيك وسعديك»
~~وفيه أن مجيء الجمع لمجرد التكرار لم يوجد له نظير، والتنوين فيها وكذا
~~فيما عطف عليها للتفخيم والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم
~~لإظهار مزيد العناية بهم،  ومن  ابتدائية، وقيل: تبعيضية، وثم مضاف
~~محذوف أي: من (صلوات) ربهم، وأتى بالجملة اسمية للإشارة ms00698 إلى أن نزول ذلك
~~عليهم في الدنيا والآخرة. فقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي
~~في «شعب الإيمان» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه مرفوعا:

# " من استرجع عند المصيبة جبر الله تعالى مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له
~~خلفا صالحا يرضاه "

# { وأولئك } إشارة كسابقه إلى الصابرين المنعوتين بما ذكر من
~~النعوت، والتكرير لإظهار كمال العناية بهم، ويجوز أن يكون إشارة إليهم
~~باعتبار حيازتهم ما ذكر من  الصلوات والرحمة  المترتبة على ما تقدم،
~~فعلى الأول المراد بالاعتداء في قوله عز شأنه { هم المهتدون } هو
~~الاهتداء للحق والصواب مطلقا، والجملة مقررة لما قبل كأنه قيل: وأولئك
~~هم المختصون بالاهتداء لكل حق وصواب، ولذلك استرجعوا واستسلموا لقضاء
~~الله تعالى، وعلى الثاني هو الاهتداء والفوز بالمطالب، والمعنى: أولئك هم
~~الفائزون بمطالبهم الدينية والدنيوية فإن من مال كما تزكية الله تعالى
~~ورحمته لم يفته مطلب.

# ومن باب الإشارة والتأويل:

# يآأيها الذين آمنوا

# [البقرة: 135] الإيمان العياني

# استعينوا بالصبر

# [البقرة: 135] معي عند سطوات تجليات عظمتي وكبريائي

# والصلوة

# أي الشهود الحقيقي

# إن الله مع الصبرين

# [البقرة: 153] المطيقين لتجليات أنواري { ولا تقولوا لمن }
~~يجعل فانيا مقتولا في سلوك سبيل التوحيد { أموات } أي عجزة مساكين
~~{ بل } هم { أحياء } عند ربهم بالحياة الحقيقية الدائمة السرمدية
~~شهداء لله تعالى قادرون به

# ولكن لا تشعرون

# [البقرة: 154] لعمى بصيرتكم وحرمانكم من النور الذي تبصر به القلوب
~~أعيان عالم القدس وحقائق الأرواح { ولنبلونكم بشيء من
~~الخوف } أي خوفي الموجب لانكسار النفس وانهزامها { والجوع }
~~الموجب لهتك البدن وضعف القوى ورفع حجاب الهوى وتضييق مجاري الشيطان إلى
~~القلب { ونقص من الأموال } التي هي مواد الشهوات المقوية للنفس
~~الزائدة في طغيانها { والانفس } المستولية على القلب بصفاتها أو أنفس
~~الأحباب الذين تأوون إليهم لتنقطعوا إلي { والثمرت } أي الملاذ
~~النفسانية لتلتذوا بالمكاشفات والمعارف القلبية والمشاهدات الروحية عند
~~صفاء بواطنكم وخلوص نضار قلوبكم بنار الرياضة

# وبشر الصبرين

# [البقرة: 155] معي بي أو عن مألوفاتهم بلذة محبتي { الذين إذآ
~~أصابتهم مصيبة } من تصرفاتي فيهم شاهدوا آثار قدرتي بل أنوار
~~تجليات صفتي واستسلموا وأيقنوا ms00699 أنهم ملكي أتصرف فيه بتجلياتي وتفانوا في
~~وشاهدوا هلكهم بي  فقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون { أولئك
~~عليهم صلوت من ربهم } بالوجود الموهوب لهم بعد الفناء
~~المنهلة عليه صفاتي الساطعة عليه أنواري { ورحمة } أي هداية يهدون
~~بها خلقي، ومن أراد التوجه نحوي { وأولئك هم المهتدون }
~~[البقرة: 157] بي الواصلون إلى بعد تخلصهم من وجودهم الذي هو الذنب
~~الأعظم عندي.

### || [2.158]

# { إن الصفا والمروة من شعائر الله } لما أشار
~~سبحانه فيما تقدم إلى الجهاد عقب ذلك ببيان معالم الحج فكأنه جمع بين
~~الحج والغزو، وفيهما شق الأنفس وتلف الأموال، وقيل: لما ذكر الصبر عقبه
~~ببحث الحج/ لما فيه من الأمور المحتاجة إليه، والصفا في الأصل الحجر
~~الأملس مأخوذ من صفا يصفو إذا خلص، واحده صفاة  كحصى وحصاة، ونوى ونواة
~~ وقيل: إن الصفا واحد قال المبرد وهو كل حجر لا يخالطه غيره من طين أو
~~تراب، وأصله من الواو لأنك تقول في تثنيته صفوان ولا يجوز إمالته،
~~والمروة في الأصل الحجر الأبيض اللين  والمرو  لغة فيه، وقيل: هو جمع
~~مثل تمرة وتمر، ثم صارا في العرف علمين لموضعين معروفين بمكة للغلبة،
~~واللام لازمة فيهما، وقيل: سمي الصفا لأنه جلس عليه آدم صفي الله تعالى،
~~وسمي  المروة  لأنه جلست عليه امرأته حواء، و  الشعائر  جمع شعيرة،
~~أو شعارة  وهي العلامة  والمراد بهما أعلام المتعبدات أو العبادات
~~الحجية، وقيل: المعنى إن الطواف بين هذين الجبلين من علامات دين الله
~~تعالى، أو أنهما من المواضع التي يقام فيها دينه، أو من علاماته التي
~~تعبد بالسعي بينهما لا من علامات الجاهلية.

# { فمن حج البيت أو اعتمر } الحج لغة القصد مطلقا أو
~~إلى معظم، وقيده بعضهم بكونه على وجه التكرار، و  العمرة  الزيارة
~~أخذا من العمارة كأن الزائر يعمر المكان بزيارته فغلبا شرعا على المقصد
~~المتعلق بالبيت وزيارته على الوجهين المخصوصين، والبيت خارج من المفهوم،
~~والنسبة مأخوذة فيه فلا بد من ذكره فلا يرد أن البيت مأخوذ في مفهومهما
~~فيكفي من حج أو اعتمر ولا حاجة إلى أن ms00700 يتكلف بأنه مأخوذ في مفهوم الاسمين
~~خارج عن مفهوم الفعلين، وعلى تقدير أخذه في مفهومهما يعتبر التجريد ليظهر
~~شرف البيت.

# { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } أي لا إثم عليه في
~~أن يطوف. وأصل الجناح الميل، ومنه

# وإن جنحوا للسلم

# [الأنفال: 61] وسمي الاسم به لأنه ميل من الحق إلى الباطل، وأصل يطوف
~~يتطوف فأدغمت التاء في الطاء، وسبب النزول ما صح عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنه أنه كان على الصفا صنم على صورة رجل يقال له أساف، وعلى المروة
~~صنم على صورة امرأة تدعى نائلة زعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة
~~فمسخهما الله تعالى حجرين فوضعا على الصفا والمروة ليعتبر بهما فلما طالت
~~المدة عبدا من دون الله تعالى فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسحوا
~~الوثنين فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل
~~الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية، ومنه يعلم دفع ما يتراءى أنه لا
~~يتصور فائدة في نفي الجناح بعد إثبات أنهما من الشعائر بل ربما لا
~~يتلازمان إذ أدنى مراتب الأول الندب وغاية الثاني الإباحة، وقد وقع
~~الإجماع على مشروعية الطواف بينهما في الحج والعمرة لدلالة نفي الجناح
~~عليه قطعا لكنهم اختلفوا في الوجوب، فروي عن أحمد أنه سنة  وبه قال أنس
~~وابن عباس وابن الزبير  لأن نفي الجناح يدل على الجواز، والمتبادر منه
~~عدم اللزوم كما في قوله تعالى:

# فلا جناح عليهما أن يتراجعا

# [البقرة: 230] وليس مباحا بالاتفاق ولقوله تعالى: { من شعائر
~~الله } فيكون مندوبا، وضعف بأن نفي الجناح وإن دل على الجواز
~~المتبادر منه  عدم اللزوم إلا أنه يجامع الوجوب فلا يدفعه ولا ينفيه 
~~والمقصود ذلك  فلعل ههنا دليلا يدل على الوجوب كما في قوله تعالى:

# فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة

# [النساء: 101] ولعل هذا كقولك لمن عليه صلاة الظهر مثلا وظن أنه لا
~~يجوز فعلها عند الغروب فسأل عن ذلك: لا جناح عليك إن صليتها في هذا الوقت
~~فإنه جواب صحيح ولا يقتضي نفي وجوب صلاة ms00701 الظهر، وعن الشافعي ومالك أنه
~~ركن  وهو رواية عن الإمام أحمد  واحتجوا بما أخرج الطبراني عن ابن عباس
~~قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

# " إن الله تعالى كتب عليكم السعي فاسعوا "

# ومذهب إمامنا أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه واجب يجبر بالدم لأن
~~الآية لا تدل إلا على نفي الإثم المستلزم للجواز، والركنية لا تثبت إلا
~~بدليل مقطوع به ولم يوجد، والحديث إنما يفيد/ حصول الحكم معللا ومقررا
~~في الذهن، ولا يدل على بلوغه غاية الوجوب بحيث يفوت الجواز بفوته لتتحقق
~~الركنية وهو ظني السند وإن فرض قطعي الدلالة فلا يدل على الفرضية، وما
~~روى مسلم عن عائشة أنها قالت  لعمري ما أتم الله تعالى حج من لم يسع بين
~~الصفا والمروة ولا عمرته  ليس فيه دليل على الفرضية أيضا سلمنا لكنه
~~مذهب لها، والمسألة اجتهادية فلا تلزم به على أنه معارض بما أخرجه
~~الشعبي عن عروة بن مضرس الطائي أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم
~~بالمزدلفة فقلت: يا رسول الله جئت من جبل طي ما تركت جبلا إلا وقفت عليه
~~فهل لي من حج؟ فقال:

# " من صلى معنا هذه الصلاة ووقف معنا هذا الموقف، وقد أدرك عرفة قبل ذلك
~~ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه "

# فأخبر صلى الله عليه وسلم بتمام حجه، وليس فيه السعي بينهما، ولو كان من
~~فروضه لبينه للسائل لعلمه بجهله، وقرأ ابن مسعود وأبي  (أن لا يطوف) 
~~ولا تصلح أن تكون ناصرة للقول الأول لأنها شاذة لا عمل بها مع ما يعارضها
~~ولاحتمال أن (لا) زائدة كما يقتضيه السياق.

# { ومن تطوع خيرا } أي من انقاد انقيادا  خيرا، أو بخير، أو
~~آتيا بخير  فرضا كان أو نفلا، وهو عطف على { فمن حج } الخ مؤكد
~~أمر الحج والعمرة والطواف تأكيد الحكم الكلي للجزئي، أو من تبرع تبرعا 
~~خيرا  أو بخير أو آتيا بخير من حج أو عمرة أو طواف لقرينة المساق،
~~وعليه تكون الجملة مسوقة لإفادة شرعية التنفل بالأمور ms00702 الثلاثة، وفائدة {
~~خيرا } على الوجهين مع أن التطوع لا يكون إلا كذلك التنصيص بعموم
~~الحكم بأن من فعل خيرا أي خير كان يثاب عليه، أو من تبرع تبرعا خيرا
~~أو بخير أو آتيا بخير من السعي فقط بناءا على أنه سنة، والجملة حينئذ
~~تكميل لدفع ما يتوهم من نفي الجناح من الإباحة، وفائدة القيد التنصيص
~~بخيرية الطواف دفعا لحرج المسلمين. وقرأ ابن مسعود (ومن تطوع بخير)
~~وحمزة، والكسائي، ويعقوب (يطوع) على صيغة المضارع المجزوم لتضمن { من }
~~معنى الشرط وأصله  يتطوع  فأدغم.

# { فإن الله شاكر } أي مجاز على الطاعة بالثواب وفي التعبير به
~~مبالغة في الإحسان إلى العباد { عليم } مبالغ في العلم بالأشياء فيعلم
~~مقادير أعمالهم وكيفياتها فلا ينقص من أجورهم شيئا، وبهذا ظهر وجه تأخير
~~هذه الصفة عما قبلها، ومن قال: أتى بالصفتين ههنا  لأن التطوع بالخير
~~يتضمن الفعل والقصد فناسب ذكر الشكر باعتبار الفعل وذكر العلم باعتبار
~~القصد وأخر صفة العلم وإن كانت متقدمة على الشكر كما أن النية متقدمة على
~~الفعل لتواخي رءوس الآي  لم يأت بشيء. وهذه الجملة علة لجواب الشرط
~~المحذوف قائم مقامه كأنه قيل:  ومن تطوع خيرا جازاه الله تعالى أو
~~أثابه فإن الله شاكر عليم.

### || [2.159]

# { إن الذين يكتمون } أخرج جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنه قال: سأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ وخارجة بن زيد نفرا من أحبار
~~يهود عن بعض ما في التوراة فكتموهم إياه وأبوا أن يخبروهم فأنزل الله
~~تعالى فيهم هذه الآية، وعن قتادة أنها نزلت في الكاتمين من اليهود
~~والنصارى، وقيل نزلت في كل من كتم شيئا من أحكام الدين لعموم الحكم للكل
~~فقد روى البخاري وابن ماجه وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه
~~قال: لولا آية في كتاب الله تعالى ماحدثت أحدا بشيء أبدا ثم تلا هذه
~~الآية، وأخرج أبو يعلى والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " من سئل عن ms00703 علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار "

# والأقرب أنها نزلت في اليهود والحكم عام كما تدل عليه الأخبار وكونها
~~نزلت في اليهود لا يقتضي الخصوص فإن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب،
~~فالموصول/ للاستغراق ويدخل فيه من ذكر دخولا أوليا، والكتم والكتمان
~~ترك إظهار الشيء قصدا مع مساس الحاجة إليه وتحقق الداعي إلى إظهاره وذلك
~~قد يكون بمجرد ستره وإخفائه وقد يكون بإزالته ووضع شيء آخر موضعه واليهود
~~قاتلهم الله تعالى ارتكبوا كلا الأمرين { ما أنزلنا } على الأنبياء
~~{ من البينت } أي الآيات الواضحة الدالة على الحق ومن ذلك ما
~~أنزلناه على موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام في أمر محمد صلى الله عليه
~~وسلم.

# { والهدى } عطف على { البينت } والمراد به  ما يهدى  إلى
~~الرشد مطلقا ومنه  ما يهدى  إلى وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم
~~والإيمان به وهي الآيات الشاهدة على صدقه عليه الصلاة والسلام، والعطف
~~باعتبار التغاير في المفهوم كجاءني الآكل فالشارب، وقيل: إنه عطف على {
~~ما أنزلنا } الخ، والمراد بالأول الأدلة النقلية، وبالثاني ما يدخل
~~فيه الأدلة العقلية، أو المراد بالأول: التنزيل، وبالثاني: ما يقتضيه من
~~الفوائد، ولا يخفى أنه تكلف يأبى عنه قرب المعطوف عليه والتبيين الدال
~~على كمال الوضوح في قوله سبحانه: { من بعد ما بينه
~~للناس } أي شرحناه وأظهرناه لهم والظرف متعلق  بيكتمون  واللام في
~~ الناس  صلة  بينا  أو لام الأجل، والمراد بهم الجنس أو الاستغراق،
~~وفي تقييد الكتمان بالظرف إشارة إلى شناعة حالهم بأنهم يكتمون ما وضح 
~~للناس  وإلى عظم الإثم بأنهم يكتمون ما فيه النفع العام.

# { فى الكتب } متعلق  ببيناه  وتعلق جارين بفعل واحد عند اختلاف
~~المعنى مما لا ريب في جوازه، أو متعلق بمحذوف وقع حالا من مفعوله،
~~والمراد به الجنس، وقيل: التوراة، وقيل: هي والإنجيل، وقيل: القرآن،
~~والمراد من الناس أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن الناس من حمل 
~~البينات  على ما في القرآن وعلق { من بعد } ب { أنزلنا } ،
~~وفسر (الكتاب) بالتوراة  والكتمان  بعدم الاعتراف بالحقية، ولعل ما
~~ذهبنا ms00704 إليه أولى من جميع ذلك.

# { أولئك يلعنهم الله } أي يبعدهم عن رحمته ويذيقهم أليم
~~نقمته والالتفات إلى الغيبة بإظهار اسم الذات لتربية المهابة والإشعار
~~بأن مبدأ صدور اللعن صفة الجلال المغايرة لما هو مبدأ الإنزال والتبيين
~~من صفة الجمال، ولم يؤت بالفاء في هذه الجملة التي هي خبر الموصول كما
~~أتى به فيما بعد من قوله سبحانه:

# فأولئك أتوب عليهم

# [البقرة: 160] مع أن الموصول متضمن لمعنى الشرط وقصد السببية في
~~الموضعين ولذا أورد اسم الإشارة الذي تعليق الحكم به كتعليقه بالمشتق،
~~قيل: لئلا يتوهم أن  لعنهم  إنما هو بهذا السبب بناءا على أن  فاء 
~~السببية في الأصل لكونه  فاء  التعقيب يفيد أن حصول المسبب بعد السبب
~~بلا تراخ، وقد يقصد منه ذلك بمعونة المقام كما في الآية بعد، وليس كذلك
~~بل له أسباب جمة وبهذا علم أن اسم الإشارة لا يغني عن الفاء لأنه يشعر
~~بالسببية ولا يشعر بالتعقيب الموهم للانحصار بناءا على امتناع التوارد.

# { ويلعنهم اللعنون } أي من يتأتى منه اللعن عليهم من
~~الملائكة والثقلين، فالمراد  باللاعنون  معناه الحقيقي وليس على حد "
~~من قتل قتيلا " في المشهور؛ والاستغراق عرفي أي كل فرد مما يتناوله
~~اللفظ بحسب متفاهم العرف، وليس بحقيقي حتى يرد أنه لا يلعنهم كل لاعن في
~~الدنيا، ويحتاج إلى التخصيص وإنما أعاد الفعل لأن لعنة اللاعنين بمعنى
~~الدعاء عليهم بالإبعاد عن رحمة الله تعالى، وروى البيهقي في «شعب
~~الإيمان» عن مجاهد تفسير اللاعنين بدواب الأرض حتى العقارب والخنافس،
~~ولعل الجمع حينئذ على حد قوله تعالى:

# والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين

# [يوسف: 4] واستدل بهذه الآية على وجوب إظهار علم الشريعة وحرم كتمانه
~~لكن اشترطوا لذلك أن لا يخشى العالم على نفسه وأن يكون متعينا وإلا لم
~~يحرم عليه الكتم إلا إن سئل فيتعين عليه الجواب ما لم يكن إثمه أكبر/ من
~~نفعه قالوا: وفيها دليل أيضا على وجوب قبول خبر الواحد لأنه لا يجب عليه
~~البيان إلا وقد وجب قبول قوله، وقد يستدل بها على عدم وجوب ذلك ms00705 على
~~النساء بناءا على أنهن لا يدخلن في خطاب الرجال.

### || [2.160]

# { إلا الذين تابوا } أي رجعوا عن الكتمان أو عنه وعن سائر ما
~~يجب أن يتاب عنه بناءا على أن حذف المعمول يفيد العموم، وفيه إشارة إلى
~~أن التوبة عن الكتمان فقط لا يوجب صرف اللعن عنهم ما لم يتوبوا عن الجميع
~~فإن للعنهم أسبابا جمة { وأصلحوا } ما أفسدوا بالتدارك فيما يتعلق
~~بحقوق الحق والخلق ومن ذلك أن يصلحوا قومهم بالإرشاد إلى الإسلام بعد
~~الإضلال وأن يزيلوا الكلام المحرف ويكتبوا مكانه ما كانوا أزالوه عند
~~التحريف { وبينوا } أي أظهروا ما بينه الله تعالى للناس معاينة
~~وبهذين الأمرين تتم التوبة، وقيل: أظهروا ما أحدثوه من التوبة ليمحوا سمة
~~الكفر عن أنفسهم ويقتدى بهم أضرابهم فإن إظهار التوبة ممن يقتدي به شرط
~~فيها على ما يشير إليه بعض الآثار، وفيه أن الصحيح إظهار التوبة إنما هو
~~لدفع معصية المتابعة وليس شرطا في التوبة عن أصل المعصية فهو داخل في
~~قوله تعالى: (وأصلحوا) { فأولئك أتوب عليهم } بالقبول
~~وإفاضة المغفرة والرحمة { وأنا التواب الرحيم } عطف على ما
~~قبله تذييل له والالتفات إلى التكلم للافتنان مع ما فيه من الرمز إلى
~~اختلاف مبدأ فعليه السابق واللاحق.

### || [2.161]

# { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } الموصول للعهد
~~كما هو الأصل، والمراد به الذين كتموا وعبر عن الكتمان بالكفر نعيا
~~عليهم به، والجملة عديلة لما فيها (إلا) ولم تعطف عليها إشارة إلى كمال
~~التباين بين الفريقين، والآية مشتملة على الجمع والتفريق جمع الكاتمين في
~~حكم واحد وهو أنهم ملعونون ثم فرق فقال: أما الذين تابوا فقد تاب الله
~~تعالى عليهم وأزال عنهم عقوبة اللعنة، وأما الذين ماتوا على الكتمان ولم
~~يتوبوا عنه فقد استقرت عليهم اللعنة ولم تزل عنهم. وأورد كلمة الاستثناء
~~في الجملة الأولى مع أنه ليس للإخراج عن الحكم السابق بل هو بمعنى لكن
~~للدلالة على أن التوبة صارت مكفرة للعن عنهم فكأنهم لم يباشروا ولم
~~يدخلوا تحته  قاله بعض المحققين  وفيه ارتكاب خلاف الظاهر في ms00706
~~الاستثناء، ولهذا قال البعض إن المراد بالجملة المستثنى منها بيان دوام
~~اللعن واستمراره وعليه يدور الاستثناء المتصل، وجملة { إن الذين
~~كفروا } الخ مستأنفة سيقت لتحقيق بقاء اللعن فيما وراء الاستثناء
~~وتأكيد دوامه واستمراره على غير التائبين والاقتصار على ذكر الكفر في
~~الصلة من غير تعرض لعدم التوبة والإصلاح والتبيين مبني على أن وجود الكفر
~~مستلزم لعدمها جميعها كما أن وجودها مستلزم للإيمان الموجب لعدم الكفر،
~~ولذا لم يصرح بالإيمان في صفات التائبين، والفرق بين الدوامين أن الأول:
~~تجددي، والثاني: ثبوتي  ولا يخفى أن هذا أوفق بظاهر اللفظ  وما ذكره
~~بعض المحققين أجزل معنى وأعلى كعبا وأدق نظرا، وقيل: الموصول عام للذين
~~كتموا وغيرهم كما يقتضيه ظاهر الصلة، والآية من باب التذييل فيدخل
~~الكاتمون الذين ماتوا على الكتمان دخولا أوليا؛ واعترض بأن تقييد
~~الوعيد بعدم التخفيف أعدل شاهد على أن الآية في شأن الكاتمين الذين ماتوا
~~على ذلك لأنهم أشد الكفرة وأخبثهم فإن الوعيد في حق الكفرة مطلق الخلود
~~في النار، وأنت تعلم أن هذا في حيز المنع بل ما من كافر جهنمي إلا وحاله
~~يوم القيامة طبق ما ذكر في الآية ولا أظنك في مرية من ذلك بعد سماع قوله
~~تعالى:

# إن المجرمين فى عذاب جهنم خلدون * لا
~~يفتر عنهم وهم فيه مبلسون

# [الزخرف: 7475] فلا يبعد القول بحسن هذا القيل  وإليه ذهب الإمام 
~~وكلام الطيبي يشير إلى حسنه وطيبه فتدبر.

# / { أولئك عليهم لعنة الله والملئكة
~~والناس أجمعين } المراد استمرار ذلك ودوامه فهذا الحكم غير ما
~~سبق إذ المراد منه حدوث اللعنة ووقوعها عليهم وليس المقصود من ذكر 
~~الملائكة والناس  التخصيص لينافي العموم السابق ولا العموم ليرد خروج
~~المهيمين الذي لا شعور لهم بذواتهم وكثير من الأتقياء الذين لا يلعنون
~~أحدا بل المقصود أنه يلعنهم هؤلاء المعتدون من خلقه و(أجمعين) تأكيد
~~بالنسبة إلى الكل لا للناس فقط، والمراد بهم المؤمنون لأنهم المعتدون
~~منهم، والكفار كالأنعام لأنه لا يحسم مادة الإشكال، وقيل: إنه باقي على
~~عمومه والكفار يلعن بعضهم بعضا يوم القيامة، ms00707 أو الجملة مساقة للإخبار
~~باستحقاق أولئك اللعن من العموم لا بوقوعه بالفعل ولم يكرر اللعنة هنا
~~كما كرر الفعل قبل اكتفاءا به وافتنانا في النظم الكريم ومناسبة لما
~~يشعر به التأكيد.

# وقرأ الحسن (والملائكة والناس أجمعون) بالرفع، وخرج على وجوه، فقيل: عطف
~~على { لعنة } بتقدير لعنة الله ولعن الملائكة فحذف المضاف من الثاني
~~وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل: مبتدأ محذوف الخبر أي  والملائكة والناس
~~يلعنونهم  أو فاعل لفعل محذوف أي يلعنهم، وقيل إن { لعنة } مصدر
~~مضاف إلى فاعله والمرفوع معطوف على محله، وقد أتبعت العرب فاعل المصدر
~~على محله رفعا كقوله:

# مشى الهلوك عليها الخيعل (الفضل)

# برفع الفضل وهو صفة للهلوك على الموضع، وإذا ثبت في النعت جاز في العطف
~~إذ لا فارق بينهما، وادعى أبو حيان عدم الجواز لأن شرط العطف على الموضع
~~أن يكون ثمت طالب ومحرز للموضع لا يتغير، وأيضا { لعنة } وإن سلم
~~مصدريته فهو إنما يعمل إذا انحل  لأن، والفعل  وهنا المقصود الثبوت فلا
~~يصح انحلاله لهما وسلمه له غيره، وقالوا: إنه مذهب سيبويه.

### || [2.162]

# { خلدين فيها } أي في اللعنة، وهو يؤكد ما تفيده اسمية الجملة
~~من الثبات، وجوز رجوع الضمير إلى النار والإضمار قبل الذكر يدل على
~~حضورها في الذهن المشعر بالاعتناء المفضي إلى التفخيم والتهويل، وقيل: إن
~~اللعن يدل عليها استقرار الطرد عن الرحمة يستلزم الخلود في النار خارجا
~~وذهنا، والموت على الكفر وإن استلزم ذلك خارجا لكنه لا يستلزمه ذهنا
~~فلا يدل عليه، و { خلدين } على كلا التقديرين في المرجع حال مقارن
~~لاستقرار اللعنة لا كما قيل: إنه على الثاني حال مقدرة.

# { لا يخفف عنهم العذاب } إما مستأنف لبيان كثرة عذابهم من
~~حيث الكيف إثر بيان كثرته من حيث الكم، وإما حال من ضمير

# عليهم

# [البقرة: 161] أيضا أو من ضمير { خلدين }. { ولا هم
~~ينظرون } عطف على ما قبله جار فيه ما جرى فيه، وإيثار الجملة الاسمية
~~لإفادة دوام النفي واستمراره، والفعل إما من الإنظار بمعنى التأخير  أي
~~لا يمهلون  عن العذاب ولا يؤخرون ms00708 عنه ساعة. وإما من النظر بمعنى
~~الانتظار أي  لا ينتظرون  ليعتذروا، وإما من النظر بمعنى الرؤية أي 
~~لا ينظر الله تعالى إليهم نظر رحمة  والنظر بهذا المعنى يتعدى بنفسه
~~أيضا كما في «الأساس» فيصاغ منه المجهول.

### || [2.163]

# { وإلهكم إله وحد } نزلت كما روي عن ابن عباس لما قال
~~كفار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: صف لنا ربك، والخطاب عام لكل من
~~يصح أن يخاطب كما هو الظاهر غير مختص بشأن النزول، والجملة معطوفة على

# إن الذين يكتمون

# [البقرة: 159] عطف القصة على القصة، والجامع أن الأولى مسوقة لإثبات
~~نبوته صلى الله عليه وسلم، وهذه لإثبات وحدانيته تعالى، وقيل: الخطاب
~~للكاتمين، وفيه انتقال عن زجرهم عما يعاملون رسولهم إلى زجرهم عن
~~معاملتهم ربهم حيث يكتمون وحدانيته، ويقولون:  عزير وعيسى  ابنان لله
~~عز وجل، وفيه أنه وإن حسن الانتظام إلا أنه فيه خروج شأن النزول عن الآية
~~ وهو باطل  وإضافة  إله  إلى ضمير المخاطبين باعتبار الاستحقاق لا
~~باعتبار الوقوع فإن الآلهة الغير المستحقة كثيرة، وإعادة/ لفظ  إله 
~~وتوصيفه بالوحدة لإفادة أن المعتبر الوحدة في الألوهية، واستحقاق
~~العبادة، ولولا ذلك لكفى  وإلهكم واحد  فهو بمنزلة وصفهم الرجل  بأنه
~~سيد واحد، وعالم واحد  وقال أبو البقاء:  إله  خبر المبتدأ، و (واحد)
~~صفة له، والغرض هنا هو الصفة إذ لو قال:  وإلهكم واحد  لكان هو المقصود
~~إلا أن في ذكره زيادة تأكيد، وهذا يشبه الحال الموطئة كقولك: مررت بزيد
~~رجلا صالحا، وكقولك في الخبر: زيد شخص صالح، ولعل الأول ألطف، وأكثر
~~الناس على أن الواحد هنا بمعنى لا نظير له ولا شبيه في ذاته ولا في صفاته
~~ولا في أفعاله، وقيل إن المراد به ما ليس بذي أبعاض ولا يجوز عليه
~~الانقسام ولا يحتمل التجزئة أصلا، وليس المعنى به هنا مبدأ العدد، وأصح
~~الأقوال عند ذوي العقول السليمة أنه الذي لا نظير له ولا شبيه له في
~~استحقاق العبادة وهو مستلزم لكل كمال آب عما فيه أدنى وصمة وإخلال.

# { لا إله إلا هو } خبر ثان ms00709 للمبتدأ أو صفة أخرى للخبر أو
~~جملة معترضة لا محل لها من الإعراب، وعلى أي تقدير هو مقرر للوحدانية
~~ومزيح  على ما قيل  لما عسى أن يتوهم أن في الوجود إلها لكن لا يستحق
~~العبادة، والضمير المرفوع على الصحيح بدل من الضمير المستكن في الخبر
~~المحذوف فهو بدل مرفوع من ضمير مرفوع، وقد اختلف في المنفي هل المعبود
~~بحق أو المعبود بباطل؟ فقال محمد الشيشيني: النفي إنما تسلط على الآلهة
~~المعبودة بباطل تنزيلا لها منزلة العدم، وقال عبد الله الهبطي: إنما
~~تسلط على الآلهة المعبدة بحق ولكل انتصر بعض، وذكر الملوي أن الحق مع
~~الثاني لأن المعبود بباطل له وجود في الخارج، ووجود في ذهب المؤمن بوصف
~~كونه باطلا، ووجود في ذهن الكافر بوصف كونه حقا فهو من حيث وجوده في
~~الخارج في نفسه لا تنفي لأن الذات لا تنفي، وكذا من حيث كونه معبودا
~~بباطل لا ينفي أيضا إذ كونه معبودا بباطل أمر حق لا يصح نفيه وإلا كان
~~كذبا، وإنما ينفي من حيث وجوده في ذهن الكافر من حيث وجوده في ذهنه
~~بوصفه كونه معبودا بحق، فالمعبودات الباطلة لم تنف إلا من حيث كونها
~~معبودة بحق فلم ينف في هذه الكلمة إلا المعبود بحق غيره تعالى فافهم،
~~وسيأتي تحقيق ما في هذه الكلمة الطيبة في محله إن شاء الله تعالى.

# { الرحمن الرحيم }. خبران آخران بعد خبر أو خبرين لقوله
~~تعالى: { إلهكم } أو لمبتدأ محذوف والجملة معترضة، أو بدلان على
~~رأي وجىء بهما لتمييز الذات الموصوفة بالوحدة عما سواه وليكون الجواب
~~موافقا لما سألوه وفي ذلك إشارة إلى حجة الوحدانية لأنه لما كان مولى
~~النعم كلها أصولا وفروعا دنيا وأخرى، وما سواه إما خير محض أو خير
~~غالب، وهو إما نعمة أو منعم عليه لم يستحق العبادة أحد غيره لاستواء الكل
~~في الاحتياج إليه تعالى في الوجود وما يتبعه من الكمالات.

### || [2.164]

# { إن في خلق السموت والارض } أخرج البيهقي عن أبي
~~الضحى  معضلا  أنه كان للمشركين حول الكعبة ثلثمائة ms00710 وستون صنما، فلما
~~سمعوا هذه الآية تعجبوا وقالوا: إن كنت صادقا فأت بآية نعرف بها صدقك
~~فنزلت. ولفرط جهلهم لم يكفهم الحجة الإجمالية المشير إليها الوصفان،
~~وإنما جمع السموات وأفرد الأرض للانتفاع بجميع أجزاء الأولى باعتبار ما
~~فيها من نور كواكبها وغيره دون الثانية فإنه إنما ينتفع بواحدة من آحادها
~~ وهي ما نشاهده منها  وقال أبو حيان: لم تجمع الأرض لأن جمعها ثقيل وهو
~~مخالف للقياس، ورب مفرد لم يقع في القرآن جمعه لثقله وخفة المفرد، وجمع
~~لم يقع مفرده  كالألباب  وفي «المثل السائر» نحوه، وقال بعض المحققين:
~~جمع السموات لأنها طبقات ممتازة كل واحدة من الأخرى بذاتها الشخصية كما
~~يدل عليه قوله تعالى:

# فسواهن سبع سموات

# [البقرة: 29] سواء كانت متماسة  كما هو رأي الحكيم  أو لا كما جاء/ في
~~الآثار  أن بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام  مختلفة الحقيقة لما أن
~~الاختلاف في الآثار المشار إليه بقوله تعالى:

# وأوحى فى كل سماء أمرها

# [فصلت: 12] يدل عليه، ولم يجمع الأرض لأن طبقاتها ليست متصفة بجميع ذلك
~~فإنها، سواء كانت متفاصلة بذواتها، كما ورد في الأحاديث  من أن بين كل
~~أرضين كما بين كل سماءين  أو لا تكون متفاصلة  كما هو رأي الحكيم  غير
~~مختلفة في الحقيقة اتفاقا.

# { واختلف اليل والنهار } أي تعاقبهما وكون كل منهما
~~خلفا للآخر، أو اختلاف كل منهما في أنفسهما ازديادا وانتقاصا، أو ظلمة
~~ونورا، وقدم الليل لسبقه في الخلق أو لشرفه.

# { والفلك التى تجرى فى البحر } عطف على { خلق
~~السموات } لا على { السموات } أو عطف على { الليل
~~والنهار } ، { والفلك } من الألفاظ التي استعملت مفردا
~~وجمعا، وقدر بينهما تغاير اعتباري، فإن اعتبر أن ضمته أصلية كضمة  قفل
~~ فمفرد، وإن اعتبر أنها عارضة كضمة  أسد  فجمع، ومن الأول: قوله
~~تعالى:

# فى الفلك المشحون

# [يس: 41] ومن الثاني: قوله تعالى:

# إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم

# [يونس: 22] وقيل: إنه جمع فلك  بفتح الفاء وسكون اللام  وقيل: إنه اسم
~~جمع، وزعم بعضهم أنه قرىء { فلك } بضمتين وهو عند بعض مفرد لا ms00711 غير.
~~وقال الكواشي: الفلك والفلك  بضمتين  لغتان الواحد والجمع سواء في
~~اللفظ، ويعرف ذلك بجمع ضمير فعلهما وإفراده. { بما ينفع الناس }
~~(ما) إما مصدرية أي  بنفعهم  أو موصولة أي  بالذي ينفعهم  وعلى
~~الأول: ضمير الفاعل إما  للفلك  لأنه مذكر اللفظ مؤنث المعنى  كما قيل
~~ أو  للجري  أو  للبحر  واحتمال كونها موصوفة لا يلائمه مقام
~~الاستدلال.

# { وما أنزل الله من السماء من ماء } عطف على {
~~الفلك } وقيل: وتأخيره عن ذكرها مع كونه أعم منها نفعا لما فيه من
~~مزيد تفضيل، وقيل: المقصود من الأول الاستدلال بالبحر وأحواله لا بالفلك
~~الجاري فيه لأن الاستدلال بذلك إما بصنعته على وجه يجري في الماء، أو
~~العلم بكيفية إجرائه، أو  بتسخير الريح والبحر  لذلك، أو توسله إلى ما
~~ينفع الناس وشيء منها ليس من حاله في نفسه، ولأن الاستدلال  بالفلك
~~الجاري في البحر  استدلال بحال من أحوال البحر بخلاف ما لو استدل بالبحر
~~وجميع أحواله فإنه أعم وأليق بالمقام، إلا أنه خص الفلك بالذكر مع أن
~~مقتضى المقام حينئذ أن يقال: والعجائب التي في البحر  لأنه سبب الاطلاع
~~على أحواله وعجائبه  فكان ذكره ذكرا لجميع أحواله، وطريقا إلى العلم
~~بوجوه دلالته، ولذلك قدم على ذكر  المطر والسحاب  لأن منشأهما البحر في
~~غالب الأمر، وإلا فالمناسب بعد ذكر اختلاف الليل والنهار الذي هو من
~~الآيات العلوية ذكر  المطر والسحاب  اللذين هما من كائنات الجو وعدم
~~نظم الفلك في البين لكونها من الآيات السفلية. وعندي أن هذا خلاف الظاهر
~~جدا  وإن جل قائله  إذ يؤول المعنى إلى  والبحر الذي تجري فيه الفلك
~~بما ينفع الناس  وهو قلب للنظم الكريم بغير داع إليه ولا دليل يعول
~~عليه، وأي مانع من كون الاستدلال باختلاف الفلك وذهابها مرة كذا ومرة كذا
~~على حسب ما تحركها المقادير الإلهية، أو بالفلك الجارية في البحر من حيث
~~إنها جارية فيه موقرة مقبلة ومدبرة، متعلقة بحبال الهواء على لطفه،
~~وكثافتها لا ترسب إلى قاع البحر مع تلاطم أمواجه واضطراب لججه، وكون شيء
~~من ذلك ms00712 ليس حالا لها في نفسها غير مسلم، ووجه الترتيب  على ما أرى 
~~أنه سبحانه ذكر أولا: خلق أمرين علوي وسفلي، واختلاف شيئين بمدخلية
~~أمرين سماوي وأرضي ثانيا: إذ تعاقب الليل والنهار أو اختلافهما/
~~ازديادا وانتقاصا أو ظلمة ونورا إنما هو بمدخلية سير الفلك وحيلولة
~~جرم الأرض على كيفيتين مخصوصتين، ثم عقب ذلك بما يشبه آيتي الليل والنهار
~~السابح كل منهما في لجة بحر فلكه الدوار المسخر بالجريان فيه ذهابا
~~وإيابا بما ينفع الناس في أمر معاشهم وانتظام أحوالهم، وهو الفلك التي
~~تجري على كبد البحر بذلك، ويختلف جريانها شرقا وغربا على حسب تسليك
~~المقادير الإلهية لها في هاتيك المسالك، فالآية حينئذ على حد قوله
~~تعالى:

# وءاية لهم اليل نسلخ منه النهار فإذا هم
~~مظلمون * والشمس تجرى لمستقر لها ذلك
~~تقدير العزيز العليم * والقمر قدرنه منازل
~~حتى عاد كالعرجون القديم * لا الشمس ينبغى لها
~~أن تدرك القمر ولا اليل سابق النهار وكل فى
~~فلك يسبحون * وءاية لهم أنا حملنا ذريتهم
~~فى الفلك المشحون

# [يس: 3741] إلا أن الفرق بين الآيتين أن الآيتين في الثانية ذكرتا
~~متوسطتين صريحا بين حديث الفلك وشأن الليل والنهار، وفي الأولى تقدم ما
~~يشعر بهما ويشير إليهما، ثم عقب ذلك بما يشترك فيه العالم العلوي والعالم
~~السفلي، وله مناسبة لذكر البحر بل ولذكر الفلك التي تجري فيه بما ينفع
~~الناس وهو إنزال الماء من السماء ونشر ما كان دفينا في الأرض بالإحياء،
~~وفي ذلك النفع التام والفضل العام. و (من) الأولى: ابتدائية والثانية:
~~بيانية، وجوز أن تكون تبعيضية وأن تكون بدلا من الأولى، والمراد من
~~السماء جهة العلو، وقد تقدم تحقيق ذلك.

# { فأحيا به الأرض } بتهييج قواها النامية، وإظهار ما أودع فيها
~~من أنواع النبات والأزهار والأشجار { بعد موتها } وعدم ظهور ذلك
~~فيها لاستيلاء اليبوسة عليها حسبما تقتضيه طبيعتها { وبث فيها من
~~كل دابة } عطف إما على { أنزل } والجامع كون كل منهما آية
~~مستقلة لوحدانيته تعالى وهو الغرض المسوق له الكلام مع الاشتراك في
~~الفاعل، و (أحيا) من ms00713 تتمة الأول كان الاستدلال بالإنزال المسبب عنه
~~الإحياء فلا يكون الفصل به مانعا للعطف، إما على (أحياء) فيدخل تحت فاء
~~السببية، وسببية إنزال الماء للبث باعتبار أن الماء سبب حياة المواشي
~~والدواب  والبث  فرع الحياة، ولا يحتاج إلى تقدير الضمير للربط لإغناء
~~فاء السببية عنه في المشهور، وقيل: يحتاج إلى تقدير به  أي بالماء 
~~ليشعر بارتباطه بأنزل استقلالا كأحيا وفاء السببية لا تكفي في ذلك إذ
~~يجوز أن يكون السبب مجموعهما، وحديث أن المجرور إنما يحذف إن جر الموصول
~~بمثله أكثري لا كلي، و { من } بيانية على التقدير الأول على الصحيح،
~~والمراد من { كل دابة } كل نوع من الدواب، ومعنى  بثها  تكثيرها
~~بالتوالد والتولد، فالاستدلال بتكثير كل نوع مما يدب على الأرض وعدم
~~انحصاره في البعض، وقيل: تبعيضية لأن الله تعالى لم يبث إلا بعض الأفراد
~~بالنسبة إلى ما في قدرته، على أنه أثبت الزمخشري دواب في السماء أيضا في
~~سورة

# حم * عسق

# [الشورى: 12]، وفيه أن بث كل نوع مما يدب على الأرض لا ينافي كون بعض
~~أفراده مقدرا ولا وجوده في السماء، على أن مدلول التبعيضية كون شيء
~~جزءا من مدخولها لا فردا منه، وزائدة على التقدير الثاني لعدم تقدم
~~المبين، وعدم صحة التبعيض، وهي زيادة في الإثبات لم يجوزها سوى الأخفش.

# { وتصريف الريح } أي تقليب الله تعالى لها جنوبا وشمالا
~~وقبولا ودبورا، حارة وباردة وعاصفة ولينة وعقيما ولواقح، وتارة
~~بالرحمة ومرة بالعذاب، وقرأ حمزة والكسائي (الريح) على الإفراد وأريد به
~~الجنس، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  الرياح  للرحمة والريح
~~للعذاب، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا هبت ريح قال:

# " اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا "

# ولعله قصد بالأول والثاني قوله تعالى:

# ومن ءايته أن يرسل الريح مبشرت

# [الروم: 46] وقوله تعالى:

# وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم

# [الذاريات: 41]/ وعقب إحياء الأرض بالمطر، وبث كل دابة فيها بتصريف
~~الرياح لأن في ذلك تربية النبات وبقاء حياة الحيوانات التي تدب على وجه
~~الأرض ولو أمسك ms00714 الله تعالى الريح ساعة لأنتن ما بين السماء والأرض كما
~~نطق به بعض الآثار.

# { والسحاب } عطف على ما قبله، وهو اسم جنس واحده سحابة سمي بذلك
~~لانسحابه في الجو أو لجر الرياح له { المسخر بين السماء
~~والارض } صفة  للسحاب  باعتبار لفظه، وقد يعتبر معناه فيوصف بالجمع
~~ك

# سحابا ثقالا

# [الأعراف: 57]، و(بين) ظرف لغو متعلق بالمسخر ومعنى تسخيره أنه لا ينزل
~~ولا يزول مع أن الطبع يقتضي صعوده إن كان لطيفا وهبوطه إن كان كثيفا،
~~وقيل: الظرف مستقر وقع حالا من ضمير المسخر ومتعلقه محذوف أي المسخر
~~للرياح حيث تقلبه في الجو بمشيئة الله تعالى، وتعقيب تصريف الرياح
~~بالسحاب لأنه كالمعلول للرياح كما يشير إليه قوله تعالى:

# الله الذى يرسل الريح فتثير سحابا

# [الروم: 48] ولأن في جعله ختم المتعاطفات مراعاة في الجملة لما بدىء به
~~منها لأنه أرضي سماوي فينتظم بدء الكلام وختمه، وبما ذكرنا علم وجه
~~الترتيب في الآية، وقال بعض الفضلاء: لعل تأخير تصريف الرياح وتسخير
~~السحاب في الذكر عن جريان الفلك وإنزال الماء مع انعكاس الترتيب الخارجي
~~للإشعار باستقلال كل من الأمور المعدودة في كونها آية ولو روعي الترتيب
~~الخارجي لربما توهم كون المجموع المرتب بعضه على بعض آية واحدة، ولا يخفى
~~أنه يبعد هذا التوهم ظاهر قوله تعالى: { لايت } اسم (إن) دخلته 
~~اللام  لتأخره عن خبرها والتنكير للتفخيم كما وكيفا أي آيات عظيمة
~~كثيرة دالة على القدرة القاهرة والحكمة الباهرة والرحمة الواسعة المقتضية
~~لاختصاص الإلهية به سبحانه.

# { لقوم يعقلون } أي يتفكرون، فالعقل مجاز عن التفكر الذي هو
~~ثمرته، أخرج ابن أبي الدنيا وابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها
~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية قال:

# " ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها "

# وفيها تعريض بجعل المشركين الذين اقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم
~~آية تصدقه وتسجيل عليهم بسخافة العقول، وإلا فمن تأمل في تلك الآيات وجد
~~كلا منها مشتملا على وجوه كثيرة من الدلالة على وجوده تعالى ووحدانيته
~~وسائر صفاته الكمالية ms00715 الموجبة لتخصيص العبادة به تعالى واستغنى عن
~~سائرها، ومجمل القول في ذلك أن كل واحد من هذه الأمور المعدودة قد وجد
~~على وجه خاص من الوجوه الممكنة دون ما عداه مستتبعا لآثار معينة، وأحكام
~~مخصوصة من غير أن تقتضي ذاته وجوده فضلا عن وجوده على النمط الكذائي
~~فإذا لا بد له من موجد لامتناع وجود الممكن بلا موجد قادر إن شاء فعل
~~وإن لم يشأ لم يفعل، حكيم عالم بحقائق الأشياء وما فيها من المفاسد
~~والمصالح يوجده حسبما يستدعيه علمه بما فيه من المصلحة وتقتضيه مشيئته،
~~متعال عن مقابلة غيره إذ لو كان معه واجب يقدر على ما يقدر الحق تعالى
~~عليه فإن وافقت إرادة كل منهما إيجاده على وجه مخصوص أراده الآخر
~~فالتأثير إن كان لكل منهما لزم اجتماع فاعلين على أثر واحد وهو يستلزم
~~اجتماع العلتين التامتين، وإن كان الفعل لأحدهما لزم ترجيح الفاعل من غير
~~مرجح لاستوائهما في إرادة إيجاده على الاستقلال، وعجز الآخر لما أن
~~الفاعل سد عليه إيقاع ما أراده، وإن اختلفت الإرادتان بأن أراد أحدهما
~~وجوده على نحو، وأراد الآخر وجوده على نحو آخر لزم التمانع والتطارد لعدم
~~المرجح فيلزم عجزهما والعجز مناف للألوهية بديهة، وفي الآية إثبات
~~الاستدلال بالحجج العقلية وتنبيه على شرف علم الكلام وفضل أهله وربما
~~أشارت إلى شرف علم الهيئة.

### || [2.165]

# { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا } بيان
~~لحال المشركين بعد بيان الدلائل الدالة على توحيده/ تعالى، و { من دون
~~الله } حال من ضمير { يتخذ } و  الأنداد  الأمثال والمراد بها
~~الأصنام كما هو الشائع في القرآن، والمروي عن قتادة ومجاهد وأكثر
~~المفسرين، وقيل: الرؤساء الذين يطيعونهم طاعة الأرباب من الرجال، وروي عن
~~السدي  ونسب إلى الصادق رضي الله تعالى عنه  وقيل: المراد أعم منهما
~~وهو ما يشغل عن الله تعالى والمعنى: ومن الناس من يتخذ متجاوزين الإله
~~الواحد الذي ذكرت شؤونه الجليلة أمثالا فلا يقصرون الطاعة عليه سبحانه
~~بل يشاركونهم إياه، وإيثار الاسم الجليل لتعيينه تعالى بالذات غب ms00716
~~تعيينه بالصفات.

# { يحبونهم كحب الله } إما جملة مستأنفة أو صفة الأنداد، أو
~~صفة  لمن  إذا جعلتها نكرة موصوفة مسوقة لبيان وجه الاتخاذ، و 
~~المحبة  ميل القلب من الحب واحد الحبوب استعير لحبة القلب وسويدائه ثم
~~اشتق منه الحب لأنه يؤثر في صميم القلب ويرسخ فيه، ومحبة العباد لله
~~تعالى عند جمهور المتكلمين نوع من الإرادة سواء قلنا إنها نفس الميل
~~التابع لاعتقاد النفع كما هو رأي المعتزلة، أو صفة مرجحة مغايرة له كما
~~هو مذهب أهل السنة فلا تتعلق إلا بالجائزات ولا يمكن تعلقها بذاته تعالى
~~فمحبة العبد له سبحانه إرادة طاعته وتحصيل مراضيه وهذا مبني على انحصار
~~المطلوب بالذات في اللذة ورفع الألم، والعارفون بالله سبحانه قالوا: إن
~~الكمال أيضا محبوب لذاته فالعبد يحب الله تعالى لذاته لأنه الكامل
~~المطلق الذي لا يداني كماله كمال، وأما محبة خدمته وثوابه فمرتبة نازلة،
~~ومحبة الله تعالى للعباد صفة له عز شأنه لا تتكيف ولا يحوم طائر الفكر
~~حول حماها، وقيل: إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة وصونه عن المعاصي،
~~والمراد بالمحبة هنا التعظيم والطاعة أي أنهم يسوون بين الله تعالى وبين
~~الأنداد المتخذة فيعظمونهم ويطيعونهم كما يعظمون الله تعالى ويميلون إلى
~~طاعته، وضمير الجمع المنصوب راجع إلى الأنداد فإن أريد بها الرؤساء فواضح
~~وإلا فالتعبير عنها بضمير العقلاء باعتبار ذلك الزعم الباطل أنهم أنداد
~~الله تعالى والمصدر المضاف من المبني للفاعل وفاعله ضميرهم بقرينة سبق
~~الذكر وإن المشركين يعترفون به تعالى ويلجأون إليه في الشدائد

# ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض
~~ليقولن الله

# [الزمر: 38]

# فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له
~~الدين

# [العنكبوت: 65]، وقيل هو الخلاف الظاهر وعدول عما يقتضيه كون جملة 
~~يحبونهم  بيانا لوجه الاتخاذ إنه مصدر المبني للمفعول واستغنى عن ذكر
~~من يحب لأنه غير ملبس، والمعنى على تشبيه محبوبية الأنداد من جهة
~~المشركين بمحبوبيته تعالى من جهة المؤمنين، ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {
~~والذين ءامنوا أشد حبا لله } لأن التشبيه إنما وقع بين
~~المحبوبيتين وذلك يقتضي أن يكون ms00717 محبوبية الأصنام مماثلا لمحبوبيته
~~تعالى، والترجيح بين المحبتين لكن باعتبار رسوخ إحداهما دون الأخرى فإن
~~المراد بشدة محبة المؤمنين شدتها في المحل وهو رسوخها فيهم وعدم زوالها
~~عنهم بحال لا كمحبة المشركين لآلهتهم حيث يعدلون عنها إلى الله تعالى عند
~~الشدائد ويتبرءون منها عند معاينة الأهوال ويعبدون الصنم زمانا ثم
~~يرفضونه إلى غيره وربما أكلوه  كما يحكى: أن باهلة كانت لهم أصنام من
~~حيس فجاعوا في قحط أصابهم فأكلوها  ولله أبوهم فإنه لم ينتفع مشرك
~~بآلهته كانتفاع هؤلاء بها فإنهم ذاقوا حلاوة الكفر، وليس المراد من شدة
~~المحبة شدتها وقوتها في نفسها ليرد أنا نرى الكفار يأتون بطاعات شاقة لا
~~يأتي بشيء منها أكثر المؤمنين فكيف يقال: إن محبتهم؟ أشد من محبتهم ومن
~~هذا ظهر وجه اختيار  أشد حبا  على أحب إذ ليس المراد الزيادة في أصل
~~الفعل بل الرسوخ والثبات وهو ملاك الأمر، ولهذا نزل

# فاستقم كما أمرت

# [هود: 112] وكان أحب الأعمال إليه صلى الله عليه وسلم أدومها، وقال
~~العلامة: عدل عن أحب إلى أشد  لأنه شاع في الأشد محبوبية  فعدل/ عنه
~~احترازا عن اللبس، وقيل: إن أحب أكثر من حب، فلو صيغ منه أفعل لتوهم أنه
~~من المزيد.

# { ولو يرى الذين ظلموا } أي لو يعلم هؤلاء الذين ظلموا
~~بالاتخاذ المذكور؛ ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أن ذلك  الاتخاذ
~~ ظلم عظيم، وأن اتصاف المتخذين به أمر معلوم مشهور حيث عبر عنه بمطلق
~~الظلم، والموصول والصلة للإشعار بسبب  رؤيتهم العذاب  المفهومة من قوله
~~سبحانه { إذ يرون العذاب } أي عاينوا العذاب المعد لهم وأبصروه
~~يوم القيامة، وأورد صيغة المستقبل بعد { لو } و { إذ } المختصين
~~بالماضي لتحقق مدلوله فيكون ماضيا تأويلا مستقبلا تحقيقا فروعي
~~الجهتان.

# { أن القوة لله جميعا } ساد مسد مفعولي { يرى } ، وجواب
~~{ لو } محذوف للإيذان بخروجه عن دائرة البيان، أي لوقعوا من الحسرة
~~والندامة فيما لا يكاد يوصف، وقيل: هو متعلق الجواب  والمفعولان محذوفان
~~ والتقدير ولو يرى الذين ظلموا أندادهم لا تنفع لعلموا أن القوة لله
~~جميعا لا ينفع ms00718 ولا يضر غيره. وقرأ ابن عامر ونافع ويعقوب { ترى } على
~~أن الخطاب له صلى الله عليه وسلم، أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب، فالجواب
~~حينئذ  لرأيت أمرا لا يوصف من الهول والفظاعة  وابن عامر { إذ
~~يرون } بالبناء للمفعول، ويعقوب { إن } بالكسر، وكذا { وأن
~~الله شديد العذاب } على الاستئناف أو إضمار القول  أي قائلين
~~ذلك  وفائدة هذه الجملة المبالغة في تهويل الخطب وتفظيع الأمر، فإن
~~اختصاص القوة به تعالى لا يوجب شدة العذاب لجواز تركه عفوا مع القدرة
~~عليه.

### || [2.166]

# { إذ تبرأ الذين اتبعوا } بدل من

# إذ يرون

# [البقرة: 165] مطلقا وجاز الفصل بين البدل والمبدل منه بالجواب ومتعلقه
~~لطول البدل، وجوز أن يكون ظرفا ل

# شديد العذاب

# [البقرة: 165] أو مفعولا  لاذكروا  وزعم بعضهم أنه بدل من مفعول {
~~ترى } [البقرة: 165] على قراءة الخطاب، كما أن { إذ يرون } بدل منه
~~أيضا و

# أن القوة

# [البقرة: 165] في موضع بدل الاشتمال من { العذاب } ولا يخفى أن هذا
~~يقتضي جواز تعدد البدل ولم يعثر عليه في شيء من «كتب النحو»، وأيضا يرد
~~عليه أن المبدل منه في بدل الاشتمال يجب أن يكون متقاضيا للبدل دالا
~~عليه إجمالا، وأن يكون البدل مشتملا على ضمير المبدل منه  وكلاهما
~~مفقودان  والمعنى: إذ تبرأ الرؤساء المتبعون { من الذين اتبعوا
~~} أي المرءوسين بقولهم:

# تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون

# [القصص: 63] وقرأ مجاهد الأول: على البناء للفاعل والثاني: على البناء
~~للمفعول، أي تبرأ الأتباع وانفصلوا عن متبوعيهم، وندموا على عبادتهم.

# { ورأوا العذاب } حال من  الأتباع والمتبوعين  كما في لقيته
~~راكبين  أي رائين له  فالواو  للحال، و(قد) مضمرة، وقيل: عطف على {
~~تبرأ } وفيه أنه يؤدي إلى إبدال (إذ رأوا العذاب) من

# إذ يرون العذاب

# [البقرة: 165] وليس فيه كثير فائدة لأن فاعل الفعلين  وإن كانا
~~متغايرين  إلا أن تهويل الوقت باعتبار ما وقع فيه  وهو رؤية العذاب 
~~ولأن الحقيق بالاستفظاع  هو تبرؤهم حال رؤية العذاب  لا هو نفسه، وأجيب
~~أن البدل الوقت المضاف إلى الأمرين، والمبدل منه الوقت المضاف إلى واحد 
~~وهو الرؤية فقط ms00719  وفيه أن هذا أيضا لا يخرج ذلك عن الركاكة إذ بعد تهويل
~~الوقت بإضافته إلى  رؤية العذاب  لا حاجة إلى جمعها مع التبري بخلاف ما
~~إذا جعل حالا، فإن البدل هو التبرؤ الواقع في حال رؤية العذاب.

# { وتقطعت بهم الأسباب } إما عطف على { تبرأ } أو {
~~رأوا } أو حال، ورجح الأول لأن/ الأصل في  الواو  العطف، وفي
~~الجملة الاستقلال ولإفادته تكثير أسباب التهويل والاستفظاع مع عدم
~~الاحتياج إلى تقدير (قد) والباء من { بهم } للسببية، أي تقطعت بسبب
~~كفرهم الأسباب التي كانوا يرجون منها النجاة، وقيل: للملابسة أي  تقطعت
~~الأسباب  موصولة بهم كقولك: خرج زيد بثيابه، وقيل: بمعنى عن، وقيل:
~~للتعدية، أي  قطعتهم الأسباب  كما تقول: تفرقت بهم الطريق، ومنه قوله
~~تعالى:

# فتفرق بكم عن سبيله

# [الأنعام: 153] وأصل  السبب  الحبل مطلقا، أو الحبل الذي يتوصل به
~~إلى الماء، أو الحبل الذي أحد طرفيه متعلق بالسقف، أو الحبل الذي يرتقي
~~به النخل. والمراد بالأسباب هنا الوصل التي كانت بين  الأتباع
~~والمتبوعين  في الدنيا من الأنساب والمحاب، والاتفاق على الدين،
~~والاتباع والاستتباع، وقرىء { *تقطعت } بالبناء للمفعول  وتقطع  جاء
~~لازما ومتعديا.

### || [2.167]

# { وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة } أي لو ثبت
~~لنا عودة ورجوع إلى الدنيا. { فنتبرأ منهم } أي من المتبوعين
~~{ كما تبرءوا منا } تمنوا الرجوع إلى الدنيا حتى يطيعوا الله
~~تعالى فيتبرءوا من متبوعيهم في الآخرة إذا حشروا جميعا مثل تبرىء
~~المتبوعين منهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم، أي كما جعلوا بالتبري غائظين
~~متحيرين على متابعتهم نجعلهم أيضا بالتبري غائظين متحيرين على ما حصل
~~لنا بترك متابعتهم، ولذا لم يتبرءوا منهم قبل تمني الرجوع لأنه لا يغيظ
~~المتبوعين حيث تبرءوا من الأتباع أولا، ومن هنا يظهر وجه القراءة على
~~البناء للفاعل لأن تبرؤ الأتباع من المتبوعين بالآخرة بالانفصال عنهم بعد
~~ما تبين لهم عدم نفعهم، وذلك لا يغيظ المتبوعين لاشتغال كل منهم بما
~~يقاسيه، فلذا تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليتبرءوا منهم تبرؤا يغيظهم. وأما
~~قوله سبحانه: { كما تبرءوا } فلا يقتضي إلا وقوع التبرؤ من ms00720
~~المتبوعين  وهو منصوص في آية أخرى  ولا يقتضي أن يكون مذكورا فيما
~~سبق، وقيل: إن الأتباع بعد أن  تبرءوا  من المتبوعين يوم القيامة تمنوا
~~الكرة إلى الدنيا مع متبوعيهم ليتبرءوا منهم فيها ويخذلوهم  فيجتمع لهم
~~ذل الدنيا والآخرة  ويحتاج هذا التوجيه إلى اعتبار التغليب في { لنا }
~~أي لنا ولهم، إذ التبرؤ في الدنيا إنما يتصور إذا رجع كلتا الطائفتين.

# { كذلك } في موضع المفعول المطلق لما بعده، والمشار إليه الإراء
~~المفهوم من

# إذ يرون

# [البقرة: 165] أي كإراء العذاب المتلبس بظهور أن القوة لله والتبري
~~وتقطع الأسباب وتمني الرجعة. { يريهم الله أعملهم
~~حسرت عليهم } وجوز أن يكون المشار إليه المصدر المفهوم مما بعد
~~ والكاف  مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من الفخامة ومحله النصب
~~على المصدرية أيضا، أي ذلك الإراء الفظيع يريهم على حد ما قيل في قوله
~~تعالى:

# وكذلك جعلنكم أمة وسطا

# [البقرة: 143] والجملة تذييل لتأكيد الوعيد، وبيان حال المشركين في
~~الآخرة وخلود عذابهم، ويجوز أن تكون استئنافا كأنه لما بولغ في وعيدهم
~~وتفظيع عذابهم كان محل أن يتردد السامع ويسأل هل لهم سوى ذلك من العذاب
~~أم تم؟ فأجيب بما ترى، و (حسرات) أي ندمات وهو مفعول ثالث ليرى إن كانت
~~الرؤية قلبية، وحال من (أعمالهم) إن كانت بصرية، ومعنى رؤية هؤلاء
~~المشركين أعمالهم السيئة يوم القيامة حسرات رؤيتها مسطورة في كتاب لا
~~يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وتيقن الجزاء عليها، فعند ذلك يندمون
~~على ما فرطوا في جنب الله تعالى، و (عليهم) صفة (حسرات) وجوز تعلقه بها
~~على حذف المضاف أي تفريطهم، لأن  حسر  يتعدى  بعلى  واستدل بالآية من
~~ذهب إلى أن الكفار مخاطبون بالفروع.

# { وما هم بخرجين من النار } المتبادر في أمثاله حصر
~~النفي في المسند إليه نحو

# وما أنا بطارد الذين ءامنوا

# [هود: 29]

# وما أنت علينا بعزيز

# [هود: 91] ففيه إشارة إلى عدم خلود عصاة المؤمنين الداخلين في قوله
~~تعالى:

# والذين ءامنوا أشد حبا لله

# [البقرة: 165] في النار، وإذا أريد من

# الذين ظلموا

# [البقرة: 165] الكفار مطلقا دون ms00721 المشركين فقط كان الحصر حقيقيا، ويكون
~~المقصود منه المبالغة في الوعيد بأنه لا يشاركهم في الخلود غيرهم، فإن
~~الشركة تهون العقوبات، وقيل: إن المقصود نفي أصل الفعل لأنه اللائق
~~بمقام الوعيد  لا حصر النفي  إذ ليس المقام مقام تردد ونزاع في أن
~~الخارج هم أو غيرهم على الشركة أو الانفراد وإن كان صحيحا بالنظر إلى
~~العصاة إلا أنه غير إلى ما ترى إفادة للمبالغة في الخلود، والإقناط عن
~~الخلاص، والرجوع إلى الدنيا، وزيادة  الباء  وإخراج ذواتهم من عداد
~~الخارجين لتأكيد النفي، وأنت تعلم أنه إذا لم يعتبر في الحصر حال المخاطب
~~لم يبق فيه ما يقال سوى أن ظواهر بعض الآيات تقتضي عدم إرادة الحصر، ومن
~~ذلك قوله تعالى:

# يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخرجين
~~منها

# [المائدة: 37] فليس القول بعدم الحصر نصا في الاعتزال كما وهم.

# ومن باب الإشارة في الآيات: { إن الصفا } أي الروح الصافية عن درن
~~المخالفات

# والمروة

# [البقرة: 158] أي النفس القائمة بخدمة مولاها من إعلام دين الله ومناسكه
~~القلبية والقالبية، فمن بلغ مقام الوحدة الذاتية، ودخل بيت الحضرة
~~الإلهية بالفناء عن السوي أو زار الحضرة بتوحيد الصفات واتزر بأنوار
~~الجلال والجمال فلا حرج عليه حينئذ أن يطوف بهما ويرجع إلى مقامهما
~~بالوجود الموهوب بعد التمكين المطلوب ومن تبرع خيرا بالتعليم والنصيحة
~~وإرشاد المسترشدين فإن الله يشكر عمله ويعلم جزاءه { إن الذين
~~يكتمون } ما أفضنا عليهم من أنوار المعارف وهدى الأحوال { من
~~بعد ما بينه للناس في } كتاب عقولهم المنورة بنور
~~المتابعة { أولئك } يبعدهم الله تعالى ويحجبهم عنه

# ويلعنهم اللعنون

# [البقرة: 159] من الملأ الأعلى فلا يمدونهم، ومن المستعدين فلا يصحبونهم
~~{ إلا الذين } رجعوا إلى الله تعالى وعلموا أن ما هم فيه ابتلاء
~~منه عز وجل، وأصلحوا أحوالهم بالرياضة، وأظهروا ما احتجب عنهم بصدق
~~المعاملة { فأولئك } أقبل توبتهم

# وأنا التواب الرحيم

# [البقرة: 160] { إن الذين كفروا } واحتجبوا عن الحق، وبقوا
~~على احتجابهم حتى زال استعدادهم وانطفأ نور فطرتهم

# أولئك

# [البقرة: 161] استحقوا الطرد والبعد عن الحق وعالم الملكوت، {
~~خلدين ms00722 } في ذلك { لا يخفف عنهم العذاب } لرسوخ
~~الأمور الموجبة له فيهم

# ولا هم ينظرون

# [البقرة: 162] للزوم تلك الهيآت المظلمة إياهم

# وإلهكم إله وحد

# [البقرة: 163] بالذات لا شيء في الوجود غيره فأنى يعبد سواه، وهو العدم
~~البحت.

# إن في إيجاد سموات الأرواح وأرض النفوس، واختلاف النور والظلمة بينهما،
~~وفلك البدن التي تجري في بحر الاستعداد بما ينفع الناس في كسب كمالاتهم،
~~وتكميل نشأتهم، وما أنزل الله من سماء الأرواح من ماء العلم فأحيا به أرض
~~النفوس بعد موتها بالجهل وبث فيها القوى الحيوانية، وفرق في أفلاكها
~~سيارات عالم الملكوت، وتصريف رياح النفحات المحركة لأغصان أشجار الشوق في
~~رياض القلوب وسحاب التجليات المسخر بين سماء الروح وأرض النفس ليمطر
~~قطرات الخطاب على نيران الألباب لتسكن ساعة من الاحتراق بالتهاب نار
~~الوجد لآيات ودلائل

# لقوم يعقلون

# [البقرة: 164] بالعقل المنور بالأنوار القدسية المجرد عن شوائب الوهم، {
~~ومن الناس } من يعبد من دون الله أشياء منعته عن خدمة سيده،
~~والتوجه إليه يحبونهم ويميلون إليهم كحبهم لله ويسوون بينهم وبينه سبحانه
~~لأنهم لم يذوقوا لذة محبته ولم يروا نور مشاهدته وحقائق وصله وقربه {
~~والذين ءامنوا } الإيمان الكامل { أشد حبا لله } لأنهم
~~مستغرقون بمشاهدته هائمون بلذيذ خطابه من عهد

# ألست بربكم

# [الأعراف: 172] لا يلتفتون إلى سواه طرفة عين فهيهات أن/ يزول حبهم أو
~~يميل إلى الأغيار لبهم وهم أحبوه بحبه وصارت قلوبهم عرش تجلياته وقربه

# ولو يرى الذين ظلموا

# [البقرة: 165] وأشركوا من هو في الحقيقة لا شيء ولا حي ولا لي في وقت
~~رؤيتهم عذاب الاحتجاب عن رب الأرباب، وإن القدرة لله جميعا، وليس
~~لآلهتهم التي ألهتهم عنه منها شيء لندموا وتحسروا حيث لم يقصدوا وجه الله
~~تعالى ولم يطلبوه، وعند ذلك يتبرؤ الاتباع من المتبوعين وقد رأوا عذاب
~~الحرمان

# وتقطعت بهم

# [البقرة: 166] الوصل التي كانت بينهم في الدنيا وتمنوا ما لا يمكن بحال
~~وبقوا بحسرة وعذاب. وكذا يكون حال القوى الروحانية الصافية للقوى
~~النفسانية التابعة لها في تحصيل لذاتها، وطوبى للمتحابين في الله تعالى
~~عز شأنه. ms00723

### || [2.168]

# { يأيها الناس كلوا مما فى الأرض حللا } نزلت في
~~المشركين الذين حرموا على أنفسهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام  كما
~~ذكره ابن جرير وابن عباس رضي الله تعالى عنهما  وقيل: في عبد الله بن
~~سلام وأضرابه حيث حرموا على أنفسهم لحم الإبل لما كان حراما في دين
~~اليهود، وقيل: في قوم من ثقيف وبني عامر بن صعصعة وخزاعة وبني مدلج حيث
~~حرموا التمر والأقط على أنفسهم، و { حللا } إما مفعول { كلوا }
~~أو حال من الموصول  أي كلوه حال كونه حلالا  أو صفة لمصدر مؤكد أي
~~أكلا حلالا، و (من) على التقديرين الأخيرين للتبعيض ليكون مفعولا به 
~~لكلوا  وعلى التقدير الأول يجوز أن تكون ابتدائية متعلقة  بكلوا  أو
~~حالا من { حللا } وقدم عليه لتنكيره، وأن تكون ابتدائية بل هي
~~متعينة كما في «الكشف» على مذهب من جعل الأصل في الأشياء الإباحة، وأن
~~تكون تبعيضية بناءا على ما ارتضاه الرضي من أن التبعيضية في الأصل
~~ابتدائية إلا أنه يكون هناك شيء ظاهر أو مقدر هو بعض المجرور  بمن  ولا
~~يلزم صحة إقامة لفظ البعض مقامها، والعلامة التفتازاني منع كونها تبعيضية
~~على هذا التقدير لأنها في موقع المفعول به حينئذ، والفعل لا ينصب
~~مفعولين، وهو مبني  على ما في «التسهيل» وغيره  أن التبعيض معنى حقيقي
~~ لمن  وعلامته صحة إقامة لفظ البعض مقامها، والأمر للوجوب فيما إذا كان
~~الأكل لقوام البنية وللندب كما إذا كان لمؤانسة الضيف وللإباحة فيما عدا
~~ذلك ومناسبة الآية لما قبلها: أنه سبحانه لما بين التوحيد ودلائله وما
~~للتائبين والعاصين أتبع ذلك بذكر إنعامه وشمول رحمته ليدل على أن الكفر
~~لا يؤثر في قطع الإنعام.

# وقوله تعالى: { طيبا } صفة { حللا } ومعناه كما قال الإمام مالك
~~ما يجده فم الشرع لذيذا لا يعافه ولا يكرهه، أو تراه عينه طاهرا عن دنس
~~الشبهة، وفائدة وصف الحلال به تعميم الحكم كما في قوله تعالى:

# وما من دابة فى الأرض

# [الأنعام: 38] ليحصل الرد على من حرم بعض الحلالات، فإن النكرة الموصوفة
~~بصفة عامة تعم ms00724 بخلاف غير الموصوفة، وقال الإمام الشافعي رضي الله تعالى
~~عنه: المراد به ما تستطيبه الشهوة المستقيمة الناشئة من المزاج الصحيح،
~~ورد بأن ما لا تستطيبه إما حلال لا شبهة فيه فلا منع وإلا خرج بقيد
~~الحلال، وأجيب بأن المراد بالحلال ما نص الشارع على حله  وبهذا ما لم
~~يرد فيه نص  ولكنه مما يستلذ ويشتهيه الطبع المستقيم، ولم يكن في الشرع
~~ما يدل على حرمته كإسكار وضرر، والأولى نظرا للمقام أن يقال إن التقييد
~~ليس للاحتراز عما تستطيبه الشهوة الفاسدة بل لكونه معتبرا في مفهومه إذ
~~لا يقال الطيب واللذيذ إلا على ما تستلذه الشهوة المستقيمة وتكون فائدة
~~التوصيف حينئذ التنصيص على إباحة ما حرموه، والقول بأن في الآية على هذا
~~التفسير إشارة إلى النهي عن الأكل على امتلاء المعدة والشهوة الكاذبة لأن
~~ذلك لا يستطيب، لا يستطيب لأن الطعام اللذيذ المأكول كذلك مما تستطيبه
~~الشهوة إلا أنه ليس مأكولا بالشهوة المستقيمة، وبين المعنيين بعد بعيد
~~كما قاله بعض المحققين  واستدل بعضهم بالآية/ على أن من حرم طعاما
~~مثلا فهو لاغ ولا يحرم عليه، وفيه خفاء لا يخفى.

# { ولا تتبعوا خطوت الشيطن } أي آثاره  كما حكي عن
~~الخليل  أو أعماله  كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه  أو
~~خطاياه  كما نقل عن مجاهد  وحاصل المعنى لا تعتقدوا به وتستنوا بسنته
~~فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام، وعن الصادق من خطوات الشيطان الحلف
~~بالطلاق والنذور في المعاصي وكل يمين بغير الله تعالى، وقرأ نافع. وأبو
~~عمرو وحمزة بتسكين الطاء وهما لغتان في جمع خطوة وهي ما بين قدمي الماشي،
~~وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه بضمتين وهمزة، وفي توجيهها وجهان، الأول:
~~ما قيل: إن الهمزة أصلية من الخطأ بمعنى الخطيئة، والثاني: إن الواو قلبت
~~همزة لأن الواو المضمومة تقلب لها نحو  أجوه  وهذه لما جاورت الضمة
~~جعلت كأنها عليها قال الزجاج: وهذا جائز في العربية، وعن أبي السمال أنه
~~قرأ بفتحتين على أنه جمع خطوة وهي المرة من الخطو.

# { إنه لكم ms00725 عدو مبين } تعليل للنهي، و { مبين } من
~~أبان بمعنى بان وظهر أي ظاهر  العداوة  عند ذوي البصيرة وإن كان يظهر
~~الولاية لمن يغويه ولذلك سمي وليا في قوله تعالى:

# أولياؤهم الطغوت

# [البقرة: 257] ويحتمل أن يكون ذلك من باب تحيتهم السيف، وقيل:  أبان 
~~بمعنى أظهر أي مظهر  العداوة  والأول أليق بمقام التعليل.

### || [2.169]

# { إنما يأمركم بالسوء والفحشاء } استئناف لبيان كيفية
~~عداوته وتفصيل لفنون شره وإفساده وانحصار معاملته معهم في ذلك، أو علة
~~للعلة بضم، وكل من هذا شأنه فهو  عدو مبين  أو علة للأصل بضم، وكل من
~~هذا شأنه لا يتبع فيكون الحكم معللا بعلتين  العداوة  والأمر بما ذكر
~~وليس الأمر على حقيقته لا لأن قوله تعالى:

# إن عبادى ليس لك عليهم سلطن

# [الإسراء: 65] ينافي ذلك لكونه مبنيا على أن المعتبر في الأمر العلو 
~~كما هو مذهب المعتزلة  وإلا فمجرد الاستعلاء لا ينافي أن يكون له سلطان،
~~وعلى أن يكون  عبادي  لعموم الكل بدليل الاستثناء، وعلى أن الخطاب في {
~~يأمركم } لجميع الناس لا للمتبعين فقط، ولا منافاة أيضا بل لأنا
~~نجد من أنفسنا أنه لا طلب منه للفعل منا وليس إلا التزيين والبعث فهو
~~استعارة تبعية لذلك ويتبعها الرمز إلى أن المخاطبين بمنزلة المأمورين
~~المنقادين له، وفيه تسفيه رأيهم وتحقير شأنهم، ولا يرد أنه إذا كان الأمر
~~بمعنى التزيين فلا بد أن يقال: يأمر لكم، وإن كان بمعنى البعث فلا بد أن
~~يقال: يأمركم على السوء أو للسوء إذ المذكور لفظ الأمر فلا بد من رعاية
~~طريق استعماله.

#  والسوء  في الأصل مصدر ساءه يسوؤه سوءا أو مساءة إذا أحزنه، ثم أطلق
~~على جميع المعاصي سواء كانت قولا أو فعلا أو عقدا لاشتراك كلها في
~~أنها تسوء صاحبها، و { الفحشاء } أقبح أنواعها وأعظمها مساءة، وروي
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن السوء ما لا حد فيه، و {
~~الفحشاء } ما فيه حد، وقيل: هما بمعنى وهو ما أنكره العقل وحكم بأنه
~~ليس فيه مصلحة وعاقبة حميدة واستقبحه الشرع، والعطف حينئذ لتنزيل ms00726 تغاير
~~الوصفين منزلة تغاير الحقيقتين فإن ذلك سوء لاغتمام العاقل، وفحشاء
~~باستقباحه إياه، ولعل الداعي إلى هذا القول أنه سبحانه سمى جميع المعاصي
~~والفواحش سيئة في قوله جل شأنه:

# من كسب سيئة

# [البقرة: 81] و

# إن الحسنت يذهبن السيئت

# [هود: 114]

# وجزاء سيئة سيئة مثلها

# [الشورى:40] وسمى جميع المعاصي بالفواحش فقال تعالى:

# قل إنما حرم ربي الفوحش ما ظهر منها وما
~~بطن

# [الأعراف: 33] ويمكن أن يقال: سلمنا ولكن السيئة والفاحشة إذا اجتمعا
~~افترقا وإذا افترقا اجتمعا فلا يتم الاستدلال.

# { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } عطف على سابقه
~~أي  ويأمركم الشيطان بأن تفتروا على الله الكذب بأنه حرم هذا  وأحل هذا
~~أو بذلك وبأنه أمر باتخاذ الأنداد ورضي بما أنتم عليه من الإفساد،/
~~والتنصيص على الأمر بالتقول مع دخوله فيما سبق للاهتمام بشأنه، ومفعول
~~العلم محذوف أي  ما لا تعلمون  الإذن فيه منه تعالى، والتحذير عن ذلك
~~مستلزم للتحذير عن التقول عليه سبحانه بما يعلمون عدم الإذن فيه كما هو
~~حال كثير من المشركين استلزاما ظاهرا.

#  وظاهر الآية المنع من اتباع الظن رأسا لأن الظن مقابل للعلم لغة
~~وعرفا، ويشكل عليه أن المجتهد يعمل بمقتضى ظنه الحاصل عنده من النصوص
~~فكيف يسوغ اتباعه للمقلد؟! وأجيب بأن الحكم المظنون للمجتهد يجب العمل به
~~للديل القاطع وهو الإجماع، وكل حكم يجب العمل به قطعا علم قطعا بأنه
~~حكم الله تعالى وإلا لم يجب العمل به قطعا، وكل ما علم قطعا أنه حكم
~~الله تعالى فهو معلوم قطعا، فالحكم المظنون للمجتهد معلوم قطعا وخلاصته
~~أن الظن كاف في طريق تحصيله ثم بواسطة الإجماع لى وجوب العمل صار المظنون
~~معلوما وانقلب الظن علما، فتقليد المجتهد ليس من اتباع الظن في شيء،
~~وزعم ذلك من اتباع الظن وتحقيقه في الأصول.

### || [2.170]

# { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله } الضمير للناس
~~والعدول عن الخطاب إلى الغيبة للتنبيه على أنهم لفرط جهلم وحمقهم ليسوا
~~أهلا للخطاب بل ينبغي أن يصرف عنهم إلى من يعقله، وفيه من النداء لكل ms00727
~~أحد من العقلاء على ضلالتهم ما ليس إذا خوطبوا بذلك، وقيل: الضمير لليهود
~~وإن لم يذكروا بناءا على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن
~~الآية نزلت فيهم لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام،
~~وقيل: إنه راجع إلى

# من يتخذ

# [البقرة: 165] أو إلى المفهوم من

# إن الذين يكتمون

# [البقرة: 159]، والجملة مستأنفة بناءا على ما روي أنها نزلت في
~~المشركين، وأنت تعلم أن النزول في حق اليهود أو المشركين لا يقتضي تخصيص
~~الضمير بهم، وقد شاع أن عموم المرجع لا يقتضي عموم الضمير كما في قوله
~~تعالى:

# والمطلقت يتربصن

# [البقرة: 228] وقوله تعالى:

# وبعولتهن أحق بردهن

# [البقرة: 228] على أن نظم القرآن الكريم يأبى هذا القيل؛ والموصول إما
~~عام لسائر الأحكام الحقة المنزلة من الله تعالى، وإما خاص بما يقتضيه
~~المقام.

# { قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه ءاباءنا } أي
~~وجدناهم عليه، والظرف إما حال من  آبائنا، وألفينا  متعد إلى واحد،
~~وإما مفعول ثان له مقدم على الأول. { أو لو كان ءاباؤهم لا
~~يعقلون شيئا ولا يهتدون } جواب الشرط محذوف أي  لو كان
~~آبائهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين ولا يهتدون إلى الحق لاتعبوهم 
~~والواو للحال أو للعطف، والجملة الشرطية إما حال عن ضمير { قالوا } أو
~~معطوفة عليه، والهمزة لإنكار مضمون تلك الجملة وهو التزامهم الاتباع على
~~تقدير ينافيه وهو كونهم غير عاقلين ولا مهتدين المستلزم لالتزامهم
~~الاتباع على أي حال كانوا من غير تمييز، وعلم بكونهم محقين أو مبطلين وهو
~~التقليد المذموم  ويتولد من ذلك الإنكار التعجيب  وجوز أن تكون الجملة
~~حالا عن ضمير جملة محذوفة أي أيتبعونهم في حال فرضهم غير عاقلين ولا
~~مهتدين  وأن تكون معطوفة على شرط مقدر أي  يتبعونهم لو لم يكونوا غير
~~عاقلين، ولو كانوا غير عاقلين، وإلى الأول: ذهب الزمخشري، وإلى الثاني:
~~الجرمي، ولا يخفى أنه على تقدير حذف الجملة المتقدمة لا يحتاج إلى القول
~~بحذف الجزاء، ولعل ما ذكر أولا أولى لما فيه من التحرز عن كثرة الحذف ms00728
~~وإبقاء { لو } على معناها المشهور، والهمزة الاستفهامية على أصلها 
~~وهو إيلاء المسؤول عنه  وكون المعنى يدور على العطف على المحذوف في
~~أمثال ذلك في سائر اللغات غير مسلم، واختار الرضي أن  الواو  الداخلة
~~على كلمة الشرط في مثل هذا اعتراضية، وعني بالجملة الاعتراضية ما يتوسط
~~بين أجزاء الكلام، أو يجيء آخره متعلقا به معنى مستأنفا لفظا.

# قيل: وفي الآية دليل/ على المنع من التقليد لمن قدر على النظر، وأما
~~اتباع الغير في الدين بعد العلم بدليل ما أنه محق فاتباع في الحقيقة لما
~~أنزل الله تعالى  وليس من التقليد المذموم في شيء  وقد قال سبحانه:

# فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون

# [الأنبياء: 7].

### || [2.171]

# { ومثل الذين كفروا كمثل الذى ينعق بما لا
~~يسمع إلا دعاء ونداء } جملة ابتدائية واردة لتقرير ما قبلها
~~أو معطوفة عليه، والجامع أن الأولى لبيان حال الكفار وهذه تمثيل لها
~~وفيها مضاف محذوف إما من جانب المشبه أو المشبه به  أي مثل داعي الذين
~~كفروا كمثل الذي ينعق  أو مثل الذين كفروا  كمثل بهائم الذي ينعق 
~~ووضع المظهر  وهو الموصول  موضع المضمر  وهو البهائم  ليتمكن من
~~إجراء الصفة التي هي وجه الشبه عليه، وحاصل المعنى على التقديرين أن
~~الكفرة لأنهماكهم في التقليد وإخلادهم إلى ما هم عليه من الضلالة لا
~~يلقون أذهانهم إلى ما يتلى عليهم ولا يتأملون فيما يقرر معهم فهم في ذلك
~~كالبهائم التي ينعق عليها وهي لا تسمع إلا جرس النغمة ودوي الصوت، وقيل:
~~المراد تمثيلهم في اتباع آبائهم على ظاهر حالهم جاهلين بحقيقتها بالبهائم
~~التي تسمع الصوت ولا تفهم ما تحته، أو تمثيلهم في دعائهم الأصنام بالناعق
~~في نعقه وهذا يغني عن الإضمار لكن لا يساعده قوله تعالى: { إلا
~~دعاء ونداء } لأن الأصنام بمعزل عن ذلك فلا دخل للاستثناء في
~~التشبيه إلا أن يجعل من التشبيه المركب ويلتزم كون مجموع { لا يسمع
~~إلا دعاء ونداء } كناية عن عدم الفهم والاستجابة، والنعيق
~~التتابع في التصويت على البهائم للزجر، ويقال: نعق الغراب نعاقا ونعيقا ms00729
~~إذا صوت من غير أن يمد عنقه ويحركها، ونغق بالغين بمعناه فإذا مد عنقه
~~وحركها ثم صاح قيل: نعب بالباء، والدعاء والنداء بمعنى، وقيل: إن الدعاء
~~ما يسمع، والنداء قد يسمع وقد لا يسمع، وقيل: إن الدعاء للقريب والنداء
~~للبعيد.

# { صم بكم عمى } رفع على الذم إذ فيه معنى الوصف مع مانع لفظي
~~من الوصف به { فهم لا يعقلون } أي لا يدركون شيئا لفقدان
~~الحواس الثلاثة وقد قيل: من فقد حسا فقد فقد علما، وليس المراد نفي
~~العقل الغريزي باعتبار انتفاء ثمرته  كما قيل به  لعدم صحة ترتبه
~~بالفاء على ما قبله.

### || [2.172]

# { يأيها الذين ءامنوا كلوا من طيبات ما
~~رزقنكم } أي مستلذاته أو من حلاله، والآية إما أمر للمؤمنين بما
~~يليق بشأنهم من طلب الطيبات وعدم التوسع في تناول ما رزقوا من الحلال وذا
~~لم يستفد من الأمر السابق، وإما أمر لهم على طبق ما تقدم إلا أن فائدة
~~تخصيصهم بعد التعميم تشريفهم بالخطاب وتمهيد لطلب الشكر، و { كلوا }
~~لعموم جميع وجوه الانتفاع دلالة وعبارة { واشكروا لله } على ما
~~أنعم به عليكم والالتفات لتربية المهابة { إن كنتم إياه
~~تعبدون } بمنزلة التعليل لطلب الشكر كأنه قيل: واشكروا له لأنكم
~~تخصونه بالعبادة وتخصيصكم إياه بالعبادة يدل على أنكم تريدون عبادة كاملة
~~تليق بكبريائه وهي لا تتم إلا بالشكر لأنه من أجل العبادات  ولذا جعل
~~نصف الإيمان  وورد من حديث أبي الدرداء مرفوعا يقول الله تعالى:

# " إني والإنس والجن في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري "

# والقول بأن المراد إن كنتم تعرفونه أو إن أردتم عبادته منحط من القول.

### || [2.173]

# { إنما حرم عليكم الميتة } أي أكلها والانتفاع بها
~~وأضاف الحرمة إلى العين  مع أن الحرمة من الأحكام الشرعية التي هي من
~~صفات فعل المكلف، وليست مما تتعلق بالأعيان  إشارة إلى حرمة التصرف في
~~الميتة، وهي التي ماتت من غير ذكاة شرعية من جميع الوجوه بأخصر طريق
~~وأوكده حيث جعل العين غير قابلة لتعلق فعل المكلف بها إلا ما خصه الدليل ms00730
~~كالتصرف بالمدبوغ وألحق بالميتة ما أبين من حي للحديث الذي أخرجه/ أبو
~~داود، والترمذي وحسنه عن أبي واقد الليثي قال: قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة "

# وخرج عنها السمك والجراد للحديث الذي أخرجه ابن ماجه والحاكم من حديث
~~ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعا

# " أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال "

# وللعرف أيضا فإنه إذا قال القائل: أكل فلان الميتة لم يسبق الوهم
~~إليهما، نعم حرم بعضهم ميتة السمك الطافي وما مات من الجراد بغير سبب،
~~وعليه أكثر المالكية، واستدل بعموم الآية على تحريم الأجنة، وتحريم ما لا
~~نفس له سائلة خلافا لمن أباحه من المالكية، وقرأ أبو جعفر: (الميتة)
~~مشددة { والدم } قيد في سورة الأنعام [145] بالمسفوح وسيأتي، واستدل
~~بعمومه على تحريم نجاسة دم الحوت، وما لا نفس له تسيل { ولحم
~~الخنزير } خص اللحم بالذكر مع أن بقية أجزائه أيضا حرام خلافا
~~للظاهرية لأنه معظم ما يؤكل من الحيوان وسائر أجزائه كالتابع له، وقيل:
~~خص اللحم ليدل على تحريم عينه ذكي أو لم يذك، وفيه ما لا يخفى، ولعل السر
~~في إقحام لفظ اللحم هنا إظهار حرمة ما استطيبوه وفضلوه على سائر اللحوم
~~واستعظموا وقوع تحريمه، واستدل أصحابنا بعموم الخنزير على حرمة خنزير
~~البحر، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: لا بأس به، وروي عن الإمام مالك
~~أنه قال له شخص: ما تقول في خنزير البحر؟ فقال: حرام ثم جاء آخر فقال له:
~~ما تقول في حيوان في البحر على صورة الخنزير؟ فقال حلال  فقيل له  في
~~ذلك فقال: إن الله تعالى حرم الخنزير ولم يحرم ما هو على صورته، والسؤال
~~مختلف في الصورتين.

# { وما أهل به لغير الله } أي ما وقع متلبسا به أي بذبحه
~~الصوت لغير الله تعالى، وأصل الإهلال عند كثير من أهل اللغة رؤية الهلال
~~لكن لما جرت العادة أن يرفع الصوت بالتكبير إذا رؤى سمي بذلك إهلالا، ثم
~~قيل لرفع الصوت وإن كان بغيره، ms00731 والمراد  بغير الله تعالى  الصنم وغيره
~~كما هو الظاهر، وذهب عطاء ومكحول والشعبي والحسن وسعيد بن المسيب إلى
~~تخصيص الغير بالأول وأباحوا ذبيحة النصراني إذا سمى عليها باسم المسيح،
~~وهذا خلاف ما اتفق عليه الأئمة من التحريم وإنما قدم به هنا لأنه أمس
~~بالفعل وأخر في مواضع أخر نظرا للمقصود فيها من ذكر المستنكر وهو الذبح
~~لغير الله عز شأنه.

# { فمن اضطر غير باغ } بالاستئثار على مضطر آخر بأن ينفرد
~~بتناوله فيهلك الآخر { ولا عاد } أي متجاوز ما يسد الرمق والجوع وهو
~~ظاهر في تحريم الشبع وهو مذهب الأكثرين فعن الإمام أبي حنيفة والشافعي
~~رضي الله تعالى عنهما لا يأكل المضطر من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه لأن
~~الإباحة للاضطرار، وقد اندفع به، وقال عبد الله بن الحسن العبري: يأكل
~~منها قدر ما يسد جوعته، وخالف في ذلك الإمام مالك فقال: يأكل منها حتى
~~يشبع ويتزود فإن وجد غنى عنها طرحها، ونقل عن الشافعي أن المراد غير باغ
~~على الوالي ولا عاد بقطع الطريق وجعل من ذلك السفر في معصية فالعاصي في
~~سفره لا يباح له الأكل من هذه المحرمات  وهو المروي عن الإمام أحمد
~~أيضا  وهو خلاف مذهبنا، ويحتاج حكم الرخصة على هذا إلى التقييد بأن لا
~~يكون زائدا على قدر الضرورة من خارج، واستدل بعموم الآية على جواز أكل
~~المضطر ميتة الخنزير والآدمي خلافا لمن منع ذلك، وقرأ أهل الحجاز والشام
~~والكسائي { فمن اضطر } بضم النون وأبو جعفر منهم بكسر الطاء من
~~اضطر.

# { فلا إثم عليه } أي في تناوله بل ربما يأثم بترك التناول {
~~إن الله غفور رحيم } فلذا أسقط الحرمة في تناوله ورخص،
~~وقيل: الحرمة باقية إلا أنه سقط الإثم عن المضطر وغفر له لاضطراره كما هو
~~الظاهر من تقييد الإثم بعليه، واستدل للأول بقوله تعالى:

# إلا ما اضطررتم إليه

# [الأنعام: 119] حيث استثنى من الحرمة،/ ثم اعلم أنه ليس المراد من الآية
~~قصر الحرمة على ما ذكر مطلقا كما هو الظاهر حتى يرد منع الحصر بحرمة ms00732
~~أشياء لم تذكر بل مقيد بما اعتقدوه حلالا بقرينة أنهم كانوا يستحلون ما
~~ذكر فكأنه قيل: إنما حرم عليكم ما ذكر من جهة ما استحللتموه لأشياء أخر،
~~والمقصود من قصر الحرمة على ما ذكر رد اعتقادهم حليته بأبلغ وجه وآكده
~~فيكون قصر قلب إلا أن الجزء الثاني ليس لرد اعتقاد الحرمة إذ لم يعتقدوا
~~حرمة شيء مما استحلوه بل تأكيد الجزء الأول، والخطاب للناس باعتبار دخول
~~المشركين فيهم فيكون مفاد الآية الزجر عن تحليل المحرمات كما أن

# يأيها الناس كلوا

# [البقرة: 168] زجر عن تحريم الحلالات؛ أو المراد قصر حرمة ما ذكر على
~~حال الاختيار، كأنه قيل: إنما حرم عليكم هذه الأشياء ما لم تضطروا إليها،
~~والأنسب حينئذ أن يكون الخطاب للمؤمنين ليكون محط الفائدة هو القيد حيث
~~كانوا معتقدين لحرمة هذه الأمور، وفائدة الحكم الترخيص بعد التضييق عليهم
~~بطلب الحلال الطيب، أو تشريفهم بالامتنان بهذا الترخيص بعد الامتنان
~~عليهم بإباحة المستلذات، واختار بعضهم أن المراد من الحصر رد المشركين في
~~تحريمهم ما أحله الله تعالى  من البحيرة والوصيلة والحام  وأمثالها
~~لأكلهم من هذه المحرمات المذكورة في الآية، فكأنهم قالوا: تلك حرمت علينا
~~ولكن هذه أحلت لنا، فقيل: ما حرمت إلا هذه  فهو إذا إضافي  وذهب آخرون
~~إلى أنه قصر إفراد بالنسبة إلى ما حرمه المؤمنون مع المذكورات من
~~المستلذات، وفيه أن المؤمنين لم يعتقدوا حرمة المستلذات بل حرموها على
~~أنفسهم لما سمعوا من شدائد المحاسبة والسؤال عن النعم، قاله بعض المحققين
~~فليتدبر.

### || [2.174]

# { إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتب }
~~المشتمل على فنون الأحكام التي من جملتها أحكام المحللات والمحرمات،
~~والآية نزلت  كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه  في علماء اليهود
~~كانوا يصيبون من سفلتهم هدايا، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث
~~منهم، فلما بعث من غيرهم كتموا وغيروا صفته صلى الله عليه وسلم حتى لا
~~يتبع فتزول رياستهم وتنقطع هداياهم { ويشترون به } أي يأخذون
~~بدله في نفس الأمر، والضمير  للكتاب  أو لما أنزل أو للكتمان ms00733 { ثمنا
~~قليلا } أي عوضا حقيرا.

# { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } إما
~~في الحال  كما هو أصل المضارع  لأنهم أكلوا ما يتلبس بالنار وهو 
~~الرشا  لكونها عقوبة لها فيكون في الآية استعارة تمثيلية بأن شبه الهيئة
~~الحاصلة من أكلهم ما يتلبس بالنار بالهيئة المنتزعة من  أكلهم النار 
~~من حيث إنه يترتب على  أكل  كل منهما من تقطع الأمعاء والألم ما يترتب
~~على الآخر، فاستعمل لفظ المشبه به في المشبه، وإما في المآل، أي لا
~~يأكلون يوم القيامة إلا النار فالنار في الاحتمالين مستعمل في معناه
~~الحقيقي، وقيل: إنها مجاز عن  الرشا  إذا أريد الحال، والعلاقة السببية
~~والمسببية وحقيقة إذا أريد المآل، ولا يخفى أن الأول هو الأليق بمقام
~~الوعيد، والجار والمجرور حال مقدرة، أي: ما يأكلون شيئا حاصلا في
~~بطونهم إلا النار إذ الحصول في  البطن  ليس مقارنا للأكل، وبهذا
~~التقدير يندفع ضعف تقديم الحال على الاستثناء، ولا يحتاج إلى القول بأنه
~~متعلق بيأكلون والمراد في طريق بطونهم كما اختاره أبو البقاء، والتقييد 
~~بالبطون  لإفادة  الملء  لا للتأكيد  كما قيل به  والطرفية بلفظة
~~(في) وإن لم تقتض استيعاب المظروف الظرف، لكنه شاع استعمال ظرفية  البطن
~~ في الاستيعاب كما شاع ظرفية بعضه في عدمه كقوله:

# /  كلوا  في بعض  بطنكم  تعفوا

# فإن زمانكم زمن خميص

# { ولا يكلمهم الله يوم القيمة } أي كلام رحمة 
~~كما قال الحسن  فلا ينافي سؤاله سبحانه إياهم، وقيل: لا يكلمهم أصلا
~~لمزيد غضبه جل جلاله عليهم، والسؤال بواسطة الملائكة. { ولا
~~يزكيهم } أي لا يطهرهم من دنس الذنوب، أو لا يثني عليهم. { ولهم
~~عذاب أليم } أي مؤلم، وقد جاءت هذه الأخبار مرتبة بحسب المعنى،
~~لأنه لما ذكر سبحانه اشتراءهم بذلك  الثمن القليل  وكان كناية عن
~~مطاعمهم الخبيثة الفانية بدأ أولا في الخبر بقوله تعالى: { ما
~~يأكلون في بطونهم إلا النار } ثم قابل  كتمانهم الحق 
~~وعدم التكلم به بقوله تعالى: { ولا يكلمهم الله } تعالى،
~~وابتنى على  كتمانهم واشترائهم بما أنزل الله تعالى ثمنا قليلا  أنهم
~~شهود زور وأحبار سوء ms00734 آذوا بهذه الشهادة الباطلة رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وآلموه فقوبلوا بقوله سبحانه: { ولا يزكيهم ولهم عذاب
~~أليم } وبدأ أولا: بما يقابل فردا فردا، وثانيا: بما يقابل
~~المجموع.

### || [2.175]

# { أولئك الذين اشتروا } بسبب كتمانهم الحق للمطامع
~~الدنية، والأغراض الدنيوية { الضللة بالهدى } في الدنيا {
~~والعذاب بالمغفرة } في الآخرة، والجملة إما مستأنفة فإنه لما
~~عظم وعيد الكاتمين كان مظنة أن يسأل عن سبب عظم وعيدهم فقيل: إنهم بسبب
~~الكتمان خسروا الدنيا والآخرة، وإما خبر بعد خبر لأن، والجملة الأولى
~~لبيان شدة وعيدهم، وهذه لبيان شناعة كتمانهم.

# { فما أصبرهم على النار } أي ما أشد صبرهم، وهو تعجيب
~~للمؤمنين من ارتكابهم موجباتها من غير مبالاة وإلا فأي صبر لهم، و (ما)
~~في مثل هذا التركيب قيل: نكرة تامة  وعليه الجمهور  وقيل: استفهامية
~~ضمنت معنى التعجب  وإليه ذهب الفراء  وقيل: موصولة  وإليه ذهب الأخفش
~~ وحكي عنه أيضا أنها نكرة وموصوفة  وهي على هذه الأقوال  في محل رفع
~~على الابتداء، والجملة خبرها، أو خبرها محذوف إن كانت صفة أو صلة، وتمام
~~الكلام في «كتب النحو».

### || [2.176]

# { ذلك } أي مجموع ما ذكر من أكل النار وعدم التكليم والتزكية والعذاب
~~المرتب على الكتمان. { بأن الله نزل الكتب بالحق }
~~أي بسبب أن الله تعالى نزل القرآن، أو التوراة متلبسا بالحق ليس فيه
~~شائبة البطلان أصلا فرفضوه  بالتكذيب أو الكتمان . { وإن الذين
~~اختلفوا فى الكتب } أي في جنسه  بأن آمنوا ببعض كتب الله
~~تعالى وكفروا ببعض  أو في التوراة، ومعنى (اختلفوا) تخلفوا عن سلوك طريق
~~الحق فيها، أو جعلوا ما بدلوه خلفا عما فيها  أو في القرآن  واختلافهم
~~فيه قول بعضهم: إنه سحر، وبعضهم إنه شعر، وبعضهم إنه أساطير الأولين. {
~~لفى شقاق } أي خلاف { بعيد } عن الحق موجب لأشد العذاب، وهذه
~~الجملة تذييل لما تقدم معطوفة عليه. ومن الناس من جعل  الواو  للحال
~~والسببية المتقدمة راجعة إليها والتذييل أدخل في الذم كما لا يخفى.

### || [2.177]

# { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق
~~والمغرب }. البر اسم جامع لأنواع الخير والطاعات ms00735 المقربة إلى الله
~~تعالى  والخطاب لأهل الكتابين  والمراد من { قبل المشرق
~~والمغرب } السمتان المعينان، فإن اليهود تصلي  قبل المغرب  إلى
~~بيت المقدس من أفق مكة، والنصارى  قبل المشرق  والآية/ نزلت ردا عليهم
~~حيث أكثروا الخوض في أمر القبلة وادعى كل طائفة حصر  البر  على قبلته
~~ردا على الآخر فرد الله تعالى عليهم جميعا بنفي جنس البر عن قبلتهم
~~لأنها منسوخة، فتعريفه للجنس لإفادة عموم النفي  لا للقصر  إذ ليس
~~المقصود نفي القصر أو قصر النفي. ويحتمل أن يكون الخطاب عاما لهم
~~وللمسلمين  فيكون عودا على بدء  فإن الكلام في أمر القبلة وطعنهم في
~~النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كان أساس الكلام إلى هذا القطع، فجعل
~~خاتمة كلية أجمل فيها ما فصل. والمراد من ذكر المشرق والمغرب التعميم 
~~لا تعيين السمتين  وتعريف البر حينئذ إما للجنس فيفيد القصر، والمقصود
~~نفي اختصاص البر بشأن القبلة مطلقا على ما يقتضيه الحال من كثرة
~~الاشتغال والاهتمام بذلك والذهول عما سواه، وإما لعهد أي ليس البر العظيم
~~الذي أكثرتم الخوض فيه وذهلتم عما سواه ذلك، وقدم المشرق على المغرب مع
~~تأخر زمان الملة النصرانية رعاية لما بينهما من الترتيب المتفرع على
~~ترتيب الشروق والغروب، وقرأ حمزة وحفص  البر  بالنصب والباقون بالرفع
~~ووجه الأول: أن يكون خبرا مقدما كما في قوله:

# سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم

# فليس (سواءا) عالم وجهول

# وحسن ذلك أن المصدر المؤول أعرف من المحلى باللام لأنه يشبه الضمير من
~~حيث إنه لا يوصف ولا يوصف به والأعرف أحق بالاسمية ولأن في الاسم طولا
~~فلو روعي الترتيب المعهود لفات تجاوب أطراف النظم الكريم، ووجه الثانية:
~~أن كل فريق يدعي أن البر هذا فيجب أن يكون الرد موافقا لدعواهم وما ذلك
~~إلا بكون البر اسما كما يفصح عنه جعله مخبرا عنه في الاستدراك. وقرأ
~~ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: { ليس البر } بالنصب (بأن تولوا)
~~ بالباء .

# { ولكن البر من ءامن بالله } تحقيق للحق بعد بيان
~~بطلان الباطل، و  ال  في البر إما ms00736 للجنس فيكون القصر ادعائيا لكمال
~~ذلك الجنس في هذا الفرد، وإما للعهد أي ما ينبغي أن يهتم به ويعتني بشأنه
~~ويجد في تحصيله، والكلام على حذف مضاف أي  بر من آمن  إذ لا يخبر
~~بالجثة عن المعنى ويجوز أن لا يرتكب الحذف ويجعل المصدر بمعنى اسم الفاعل
~~أو يقال باطلاق البر على البار مبالغة، والأول أوفق لقوله: { ليس
~~البر } وأحسن في نفسه لأنه كنزع الخف عند الوصول إلى الماء ولأن
~~المقصود من كون ذي البر من آمن إفادة أن البر إيمانه فيؤول إلى الأول.

# والمراد بهذا الإيمان إيمان خال عن شائبة الإشراك لا كإيمان اليهود
~~والنصارى القائلين  عزير ابن الله والمسيح ابن الله  وقرأ نافع وابن
~~عامر (ولكن) بالتخفيف، وقرأ بعضهم البار بصيغة اسم الفاعل.

# { واليوم الأخر } أي المعاد الذي يقول به المسلمون وما يتبعه
~~عندهم { والملئكة } أي وآمن بهم وصدق بأنهم عباد مكرمون لا
~~يوصفون بذكورة ولا أنوثة ومنهم المتوسطون بينه تعالى وبين أنبيائهم عليهم
~~الصلاة والسلام بإلقاء الوحي وإنزال الكتب { والكتب } أي جنسه
~~فيشمل جميع  الكتب  الإلهية لأن البر الإيمان بجميعها وهو الظاهر
~~الموافق لقرينه ولما ورد في الحديث:

# " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله "

# أو القرآن لأنه المقصود بالدعوة والكامل الذي يستأهل أن يسمى كتابا
~~والإيمان به الإيمان بجميع الكتب لكونه مصدقا لما بين يديه، وقيل:
~~التوراة ويبعده عدم ظهور القرينة المخصصة لها وأن الإيمان بها لا يستلزم
~~الإيمان بالجميع إلا باعتبار استلزامه الإيمان بالقرآن، والإيمان بالكتب
~~أن يؤمن بأنها كلام الرب جل شأنه منزهة عن الحدوث منزلة على ذويها ظاهرة
~~لديهم حسبما اقتضته الحكمة من اللغات { والنبين } أي جميعهم من غير
~~تفرقة بين أحد منهم كما فعل أهل الكتابين والإيمان بهم أن يصدق بأنهم
~~معصومون مطهرون وأنهم أشرف الناس/ حسبا ونسبا وأن ليس فيهم وصمة ولا
~~عيب منفر ويعتقد أن سيدهم وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم وأن شريعته
~~ناسخة لجميع الشرائع والتمسك بها لازم لجميع المكلفين إلى يوم القيامة.

# { وءاتى المال على حبه } حال من ms00737 ضمير (ءاتى)، والضمير
~~المجرور للمال  أي أعطى المال كائنا على حب المال  والتقييد لبيان
~~أفضل أنواع الصدقة فقد أخرج البخاري. ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي
~~الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح [شحيح] تأمل البقاء وتخشى الفقر ولا
~~تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا لفلان كذا ألا وقد كان لفلان "

# وفي هذا إيذان بأن درجات الثواب تتفاوت حسب تفاوت المراتب في الحب حتى
~~إن صدقة الفقير والبخيل أفضل من صدقة الغني والكريم إلا أن يكونا أحب
~~للمال منهما، ويؤيد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام:

# " أفضل الأعمال أحمزها "

# وجوز رجوع الضمير لله تعالى أو للمصدر المفهوم من الفعل، والتقييد حينئذ
~~للتكميل، وبيان اعتبار الإخلاص أو طيب النفس في الصدقة ودفع كون إيتاء
~~المال مطلقا برا، والأول: هو المأثور عن السلف الصالح، ولعله المروي عن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم.

# { ذوى القربى } مفعول أول ل { ءاتى } قدم عليه مفعوله الثاني
~~للاهتمام أو لأن فيه مع (ما) عطف عليه طولا لو روعي الترتيب لفات تجاوب
~~الأطراف، وهو الذي اقتضى تقديم الحال أيضا، وقيل: هو المفعول الثاني،
~~والمراد ب { ذوى القربى }  ذوو قرابة  المعطي لكن المحاويج
~~منهم لا مطلقا لدلالة سوق الكلام، وعد مصارف الزكاة على أن المراد الخير
~~والصدقة  وإيتاء  الأغنياء هبة لا صدقة، وقدم هذا الصنف لأن  إيتاءهم
~~ أهم فقد صح عن أم كلثوم بنت عقبة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم يقول:

# " أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح "

# وأخرج أحمد والترمذي وغيرهما عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة "

# { واليتمى } عطف على { ذوى القربى } وقيل: على {
~~القربى } إذ لا يصح إيصال المال إلى من لا يعقل فالمعطي حينئذ
~~كافلهم لأجلهم، وفيه ما لا يخفى { والمسكين } جمع  مسكين  وهو
~~الدائم السكون لما أن الحاجة أسكنته بحيث لا حراك به أو دائم ms00738 السكون
~~والالتجاء إلى الناس، وتخصيصه بمن لا شيء له أو بمن لا يملك ما يقع
~~موقعا من حاجته خارج عن مفهومه { وابن السبيل } أي المسافر  كما
~~قاله مجاهد  وسمي بذلك لملازمته الطريق في السفر أو لأن الطريق تبرزه
~~فكأنها ولدته وكأن إفراده لانفراده عن أحبابه ووطنه وأصحابه فهو أبدا
~~يتوق إلى الجمع، ويشتاق إلى الربع، والكريم يحن إلى وطنه حنين الشارف إلى
~~عطنه، أو لأنه لما لم يكن بين أبناء السبيل، والمعطي تعارف غالبا يهون
~~أمر الإعطاء ويرغب فيه أفردهم ليهون أمر إعطائهم وليشير إلى أنهم وإن
~~كانوا جمعا ينبغي أن يعتبروا كنفس واحدة فلا يضجر من إعطائهم لعدم
~~معرفتهم وبعد منفعتهم فليفهم، وروي عن ابن عباس وقتادة وابن جبير أنه
~~الضيف الذي ينزل بالمسلمين { والسائلين } أي الطالبين للطعام سواء
~~كانوا أغنياء إلا أن ما عندهم لا يكفي لحاجتهم أو فقراء كما يدل عليه
~~ظاهر ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن أبي حاتم عن الحسين بن علي
~~رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " للسائل حق وإن جاء على فرس "

# فإن الجائي على فرس يكون في الغالب غنيا، وقيل: أرد المساكين/ الذين
~~يسألون فتعرف حالهم بسؤالهم، والمساكين السابق ذكرهم الذين لا يسألون
~~وتعرف حاجتهم بحالهم وإن كان ظاهرهم الغنى وعليه يكون التقييد في الحديث
~~لتأكيد رعاية حق السائل وتحقيق أن السؤال سبب للاستحقاق، وإن فرض وجوده
~~من الغني كالقرابة واليتم.

# { وفي الرقاب } متعلق ب { ءاتى } أي آتى المال في تخليص الرقاب
~~وفكاكها بمعاونة المكاتبين، أوفك الأسارى، أو ابتياع الرقاب لعتقها، و 
~~الرقبة  مجاز عن الشخص وإيراد كلمة  في للإيذان بأن ما يعطى لهؤلاء
~~مصروف في تخليصهم لا يملكونه كما في المصارف الأخر { وأقام
~~الصلوة } عطف على صلة (من) والمراد بالصلاة المفروضة كالزكاة في {
~~وءاتى الزكوة } بناءا على أن المراد بما مر من إيتاء المال نوافل
~~الصدقات وقدمت على الفريضة مبالغة في الحث عليها، أو حقوق كانت في المال
~~غير مقدرة سوى الزكاة، أخرج الترمذي ms00739 والدارقطني وجماعة عن فاطمة بنت قيس
~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " في المال حق سوى الزكاة ثم قرأ الآية "

# وأخرج البخاري في «تاريخه» عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه نحو ذلك،
~~واختلف هل بقي هذا الحق أم لا؟ فذهب قوم إلى الثاني واستدلوا بما روي عن
~~علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعا  نسخ الأضحى كل ذبح، ورمضان كل صوم؛
~~وغسل الجنابة كل غسل، والزكاة كل صدقة  وقال جماعة بالأول لقوله تعالى:

# وفى أمولهم حق للسائل والمحروم

# [الذاريات: 19] ولقوله عليه الصلاة والسلام:

# " لا يؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعا وجاره طاو إلى جنبه "

# وللإجماع على أنه إذا انتهت الحاجة إلى الضرورة وجب على الناس أن يعطوا
~~مقدار دفع الضرورة وإن لم تكن الزكاة واجبة عليهم ولو امتنعوا عن الأداء
~~جاز الأخذ منهم وأجابوا عن الحديث بأنه غريب معارض، وفي إسناده المسيب بن
~~شريك  وهو ليس بالقوي عندهم  وبأن المراد أن الزكاة نسخت كل صدقة
~~مقدرة، وجوز أن يكون المراد بما مر الزكاة المفروضة أيضا ولا تكرار لأن
~~الغرض مما تقدم بيان مصارفها، ومن هذا بيان أدائها والحث عليها وترك ذكر
~~بعض المصارف لأن المقصود ههنا بيان أبواب الخير دون الحصر، وقدم بيان
~~المصرف اهتماما بشأنه فإن الصدقة إنما تعتبر إذا كانت في مصرفها ومحلها
~~كما يدل عليه قوله تعالى:

# قل ما أنفقتم من خير فللولدين والأقربين

# [البقرة: 215] وعلى هذا يتعين أن يراد بالسائلين الفقراء.

# { والموفون بعهدهم إذا عهدوا } عطف على { من
~~ءامن } ولم يقل وأوفى كما قبله إشارة إلى وجوب استقرار الوفاء، وقيل:
~~رمزا إلى أنه أمر مقصود بالذات، وقيل: إيذانا بمغايرته لما سبق فإنه من
~~حقوق الله تعالى والسابق من حقوق الناس، وعلى هذا فالمراد بالعهد ما لا
~~يحلل حراما ولا يحرم حلالا من العهود الجارية فيما بين الناس، والظاهر
~~حمل العهد على ما يشمل حقوق الحق وحقوق الخلق، وحذف المعمول يؤذن بذلك،
~~والتقييد بالظرف للإشارة إلى أنه لا يتأخر إيفاؤهم بالعهد عن وقت
~~المعاهدة، ms00740 وقيل: للإشارة إلى عدم كون العهد من ضروريات الدين وليس
~~للتأكيد كما قيل به { والصبرين فى البأساء والضراء }
~~نصب على المدح بتقدير  أخص أو أمدح  وغير سبكه عما قبله تنبيها على
~~فضيلة الصبر ومزيته على سائر الأعمال حتى كأنه ليس من جنس الأول، ومجي
~~القطع في العطف مما أثبته الأئمة الأعلام ووقع في الكتاب أيضا واستحسنه
~~الأجلة وجعلوه أبلغ من الاتباع وقد جاء في النكرة أيضا كقول الهذلي:

# ويأوي إلى نسوة عطل

# وشعثا مراضيع مثل السعالى

# / و  البأساء  البؤس والفقر، و  الضراء  السقم والوجع وهما مصدران
~~بنيا على فعلاء وليس لهما أفعل لأن أفعل وفعلاء في الصفات والنعوت ولم
~~يأتيا في الأسماء التي ليست بنعوت وقرىء (والصابرون) كما قرىء
~~(والموفين).

# { وحين البأس } أي وقت القتال وجهاد العدو وهذا من باب الترقي في
~~الصبر من الشديد إلى الأشد لأن الصبر على المرض فوق الصبر على الفقر
~~والصبر على القتال فوق الصبر على المرض، وعدى الصبر على الأولين بفي لأنه
~~لا يعد الإنسان من الممدوحين إذا صبر على شيء من ذلك إلا إذا صار الفقر
~~والمرض كالظرف له وأما إذا أصاباه وقتا ما وصبر فليس فيه مدح كثير إذ
~~أكثر الناس كذلك وأتى  بحين  في الأخير لأن القتال حالة لا تكاد تدوم
~~في أغلب الأوقات.

# { أولئك الذين صدقوا } في إيمانهم أو طلب البر. {
~~وأولئك هم المتقون } عذاب الله تعالى بتجنب معاصيه وامتثال
~~أوامره، وأتى بخبر  أولئك  الأولى: موصولا بفعل ماض أيذانا بتحقق
~~اتصافهم به وإن ذلك قد وقع منهم واستقر، وغاير في خبر الثانية: ليدل على
~~أن ذلك ليس بمتجدد بل صار كالسجية لهم، وأيضا لو أتى به على طبق سابقه
~~لما حسن وقوعه فاصلة، هذا والآية كما ترى مشتملة على خمس عشرة خصلة وترجع
~~إلى ثلاثة أقسام، فالخمسة الأولى منها تتعلق بالكمالات الإنسانية التي هي
~~من قبيل صحة الاعتقاد، وآخرها قوله: { والنبيين } وافتتحها
~~بالإيمان بالله واليوم الآخر لأنهما إشارة إلى المبدأ والمعاد اللذين هما
~~المشرق والمغرب في الحقيقة فيلتئم مع ما ms00741 نفاه أولا غاية الالتئام،
~~والستة التي بعدها تتعلق بالكمالات النفسية التي هي من قبيل حسن معاشرة
~~العباد وأولها { وآتى المال } وآخرها { وفي الرقاب } والأربعة
~~الأخيرة تتعلق بالكمالات الإنسانية التي هي من قبيل تهذيب النفس وأولها {
~~وأقام الصلاة } وآخرها { وحين البأس } ولعمري من عمل بهذه
~~الآية فقد استكمل الإيمان ونال أقصى مراتب الإيقان.

# ومن باب التأويل: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل
~~} مشرق عالم الأرواح ومغرب عالم الأجساد فإن ذلك تقيد واحتجاب {
~~ولكن البر } بر الموحد الذي آمن بالله والمعاد في مقام الجمع
~~وشاهد الجمع في تفاصيل الكثرة ولم يحتجب بالجمع عن التفصيل الذي هو باطن
~~عالم الملائكة وظاهر عالم النبيين والكتاب الجامع بين الظاهر والباطن {
~~وءاتى } العلم الذي هو مال القلب مع كونه محبوبا ذوي قربى القوى
~~الروحانية القريبة منه، ويتامى القوى النفسانية المنقطعة عن الأب الحقيقي
~~وهو نور الروح، ومساكين القوى الطبيعية التي لم تزل دائمة السكون إلى
~~تراب البدن وأبناء السبيل السالكين إلى منزل الحق، والسائلين الطالبين
~~بلسان استعدادهم ما يكون غذاء لأرواحهم، وفي فك رقاب عبدة الدنيا وأسراء
~~الشهوات بالوعظ والإرشاد، وأقام صلاة الحضور، وآتى ما يزكي نفسه بنفي
~~الخواطر ومحو الصفات، والموفون بعهد الأزل بترك المعارضة في العبودية
~~والإعراض عما سوى الحق في مقام المعرفة، والصابرين في بأساء الافتقار إلى
~~الله تعالى دائما، وضراء كسر النفس، وحين بأس محاربة العدو الأعظم {
~~أولئك الذين صدقوا } الله تعالى في السير إليه وبذل الوجود
~~{ وأولئك هم المتقون } عن الشرك المنزهون عن سائر
~~الرذائل.

### || [2.178]

# { يأيها الذين ءامنوا } شروع في بيان بعض الأحكام الشرعية
~~على وجه التلافي لما فرط من المخلين بما تقدم من قواعد الدين التي يبنى
~~عليها أمر المعاش والمعاد { كتب عليكم } أي فرض وألزم عند مطالبة
~~صاحب الحق فلا يضر فيه قدرة الولي على العفو فإن الوجوب إنما اعتبر
~~بالنسبة إلى الحكام أو القاتلين، وأصل الكتابة الخط ثم كني به عن
~~الإلزام،/ وكلمة  على  صريحة في ذلك { القصاص في القتلى } أي
~~بسببهم على حد «إن امرأة دخلت ms00742 النار في هرة ربطتها» وقيل: عدى القصاص بفي
~~لتضمنه معنى المساواة إذ معناه أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل، ومنه سمي
~~المقص مقصا لتعادل جانبيه، والقصة قصة لأن الحكاية تساوي المحكي،
~~والقصاص قصاصا لأنه يذكر مثل أخبار الناس، والقتلى جمع قتيل كجريح
~~وجرحى، وقرىء كتب على البناء للفاعل، والقصاص بالنصب وليس في إضمار
~~المتعين المتقرر قبل ذكره إضمار قبل الذكر.

# { الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى
~~بالأنثى } جملة مبينة لما قبلها أي الحر يقتص بالحر، وقيل: مأخوذ
~~به، روي أنه كان في الجاهلية بين حيين من أحياء العرب دماء وكان لأحدهما
~~طول على الآخر فأقسموا لنقتلن الحر منهم بالعبد والذكر بالأنثى فلما جاء
~~الإسلام تحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت فأمرهم أن
~~يتباوؤا، فالآية كما تدل على أن لا يقتل العبد بالحر والأنثى بالذكر لأن
~~مفهوم المخالفة إنما يعتبر إذا لم يعلم نفيه بمفهوم الموافقة وقد علم من
~~قتل العبد بالعبد وقتل الأنثى بالأنثى أنه يقتل العبد بالحر والأنثى
~~بالذكر بطريق الأولى كذلك لا تدل على أن لا يقتل الحر بالعبد والذكر
~~بالأنثى لأن مفهوم المخالفة كما هو مشروط بذلك الشرط مشروط بأن لا يكون
~~للتخصيص فائدة أخرى، والحديث بين الفائدة وهو المنع من التعدي وإثبات
~~المساواة بين حر وحر وعبد وعبد فمنع الشافعي ومالك قتل الحر بالعبد سواء
~~كان عبده أو عبد غيره ليس للآية بل للسنة والإجماع والقياس، أما الأول:
~~فقد أخرج ابن أبي شيبة عن علي رضي الله تعالى عنه: «أن رجلا قتل عبده
~~فجلده الرسول صلى الله عليه وسلم ونفاه سنة ولم يقده به» وأخرج أيضا أنه
~~صلى الله عليه وسلم قال:

# " من السنة أن لا يقتل مسلم بذي عهد ولا حر بعبد "

# وأما الثاني: فقد روى أن أبا بكر. وعمر رضي الله تعالى عنهما كانا لا
~~يقتلان الحر بالعبد بين أظهر الصحابة ولم ينكر عليهما أحد منهم وهم الذين
~~لم تأخذهم في الله تعالى لومة لائم. وأما الثالث: فلأنه لا قصاص في
~~الأطراف ms00743 بين الحر والعبد بالاتفاق فيقاس القتل عليه.

# وعند إمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه يقتل الحر بالعبد لقوله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " المسلمون تتكافأ دماؤهم "

# ولأن القصاص يعتمد المساواة في العصمة وهي بالدين أو بالدار وهما سيان
~~فيهما، والتفاضل في الأنفس غير معتبر بدليل أن الجماعة لو قتلوا واحدا
~~قتلوا به ولقوله تعالى:

# أن النفس بالنفس

# [المائدة: 45] وشريعة من قبلنا إذا قصت علينا من غير دلالة على نسخها
~~فالعمل بها واجب على أنها شريعة لنا، ومن الناس من قال: إن الآية دالة
~~على ما ذهب إليه المخالف لأن { الحر بالحر } بيان وتفسير لقوله
~~تعالى: { كتب عليكم القصاص في القتلى } فدل على أن
~~رعاية التسوية في  الحرية والعبدية  معتبرة، وإيجاب القصاص على  الحر
~~ بقتل العبد إهمال لرعاية التسوية في ذلك المعنى ومقتضى هذا أن لا يقتل
~~العبد إلا بالعبد ولا تقتل الأنثى إلا بالأنثى إلا أن المخالف لم يذهب
~~إليه، وخالف الظاهر للقياس والإجماع، ومن سلم هذا منا ادعى نسخ الآية
~~بقوله تعالى:

# أن النفس بالنفس

# [المائدة: 45] لأنه لعمومه نسخ اشتراط المساواة في الحرية والذكورة
~~المستفادة منها، وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وسعيد بن
~~المسيب والشعبي والنخعي والثوري/ وأورد عليه أن الآية حكاية ما في
~~التوراة وحجية حكاية شرع من قبلنا مشروطة بأن لا يظهر ناسخه كما صرحوا
~~به، وهو يتوقف على أن لا يوجد في القرآن ما يخالف المحكي إذ لو وجد ذلك
~~كان ناسخا له لتأخره عنه فتكون الحكاية حكاية المنسوخ، ولا تكون حجة
~~فضلا عن أن تكون ناسخا، وبعد تسليم الدلالة يوجد الناسخ كما لا يخفى
~~هذا، وذهب ساداتنا الحنفية والمالكية وجماعة إلى أنه ليس للولي إلا
~~القصاص ولا يأخذ الدية إلا برضا القاتل لأن الله تعالى ذكر في الخطأ
~~الدية فتعين أن يكون القصاص فيما هو ضد الخطأ وهو العمد ولما تعين بالعمد
~~لا يعدل عنه لئلا يلزم الزيادة على النص بالرأي، واعترض بأن منطوق النص
~~وجوب رعاية المساواة في القود وهو لا ms00744 يقتضي وجوب أصل القود، وأجيب بأن
~~القصاص وهو القود بطريق المساواة يقتضي وجوبهما.

# { فمن عفى له من أخيه شىء } أي ما يسمى شيئا من العفو
~~والتجاوز ولو أقل قليل فالمصدر المبهم في حكم الموصوف فيجوز نيابته عن
~~الفاعل وله مفعول به، و { من أخيه } يجوز أن يتعلق بالفعل ويجوز أن
~~يكون حالا من { شيء } ، وفي إقامة { شيء } مقام الفاعل على إشعار بأن
~~بعض العفو كأن يعفى عن بعض الدم أو يعفو عنه بعض الورثة كالعفو التام في
~~إسقاط القصاص لأنه لا يتجزأ، والمراد بالأخ ولي الدم سماه أخا
~~استعطافا بتذكير إخوة البشرية والدين، وقيل: المراد به المقتول، والكلام
~~على حذف مضاف أي من دم أخيه، وسماه أخا القاتل للإشارة إلى أن أخوة
~~الإسلام بينهما لا تنقطع بالقتل، و { عفى } تعدى إلى الجاني وإلى
~~الجناية بعن يقال:  عفوت عن زيد وعن ذنبه  وإذا عديت إلى الذنب مرادا
~~سواء كان مذكورا أو لا كما في الآية عدي إلى الجاني باللام لأن التجاوز
~~عن الأول والنفع للثاني فالقصد هنا إلى التجاوز عن الجناية إلا أنه ترك
~~ذكرها لأن الاهتمام بشأن الجاني، وقدر بعضهم  عن  هذه داخلة على شيء
~~لكن لما حذفت ارتفع لوقوعه موقع الفاعل، وهو من باب الحذف والايصال
~~المقصور على السماع، ومن الناس من فسر (عفي) بترك فهو حينئذ متعد أقيم
~~مفعوله مقام فاعله، واعترض بأنه لم يثبت  عفا  الشيء بمعنى تركه، وإنما
~~الثابت أعفاه، ورد بأنه ورد، ونقله أئمة اللغة المعول عليهم في هذا الشأن
~~وهو وإن لم يشتهر إلا أن إسناد المبني للمجهول إلى المفعول الذي هو الأصل
~~يرجح اعتباره ويجعله أولى من المشهور لما أن فيه إسناد المجهول للمصدر
~~وهو خلاف الأصل، والقول بأن { شىء } مرفوع  بترك  محذوفا يدل عليه
~~{ عفى } ليس بشي لأنه بعد اعتبار معنى العفو لا حاجة إلى معنى الترك
~~بل هو ركيك كما لا يخفى.

# { فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسن } أي فليكن
~~ اتباع  أو فالأمر  اتباع  والمراد وصية العافي بأن لا يشدد في طلب ms00745
~~الدية على المعفو له وينظره إن كان معسرا ولا يطالبه بالزيادة عليها
~~والمعفو بأن لا يمطل العافي فيها ولا يبخس منها ويدفعها عند الإمكان،
~~وإلى هذا ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنه والحسن وقتادة ومجاهد، وقيل:
~~المراد فعلى المعفو له الاتباع والاداء، والجملة خبر (من) على تقدير
~~موصوليتها، وجواب الشرط على تقدير شرطيتها، وربما يستدل بالآية على أن
~~مقتضى العمد القصاص وحده حيث رتب الأمر بأداء الدية على العفو المرتب على
~~وجوب القصاص، واستدل بها بعضهم على أن الدية أحد مقتضى العمد وإلا لما
~~رتب الأمر بأداء الدية على مطلق العفو الشامل للعفو عن كل الدم وبعضه بل
~~يشترط رضا القاتل وتقييده بالبعض، واعترض بأنه إنما يتم لو كان التنوين
~~في (شيء) للإبهام أي شيء من العفو أي شيء كان ككله أو بعضه أما لو كان
~~للتقليل فلا إذ يكون الأمر بالأداء مرتيا على بعض العفو ولا شك أنه إذا
~~تحقق عن الدم يصير/ الباقي مالا وإن لم يرض القاتل، وأيضا الآية نزلت
~~في الصلح وهو الموافق " للأم " فإن عفا إذا استعملت بها كان معناها البدل
~~أي فمن أعطي له من جهة أخيه المقتول شيء من المال بطريق الصلح فلمن أعطى
~~وهو الولي مطالبة البدل عن مجاملة وحسن معاملة إلا أن يقال: إنها نزلت في
~~ العفو  كما هو ظاهر اللفظ، وبه قال أكثر المفسرين.

# { ذلك } أي الحكم المذكور في ضمن بيان العفو والدية { تخفيف من
~~ربكم ورحمة } لما في شرعية العفو تسهيل على القاتل، وفي شرعية
~~ الدية  نفع لأولياء المقتول، وعن مقاتل أنه كتب على اليهود القصاص
~~وحده، وعلى النصارى  العفو  مطلقا، وخير هذه الأمة بين الثلاث
~~تيسيرا عليهم وتنزيلا للحكم على حسب المنازل، وعلى هذا يكون

# فمن تصدق

# [المائدة: 45] بيانا لحكم هذه الشريعة بعد حكاية حكم كان في التوراة،
~~ليس داخلا تحت الحكاية { فمن اعتدى بعد ذلك } أي تجاوز ما
~~شرع بأن قتل غير القاتل بعد ورود هذا الحكم؛ أو قتل القاتل بعد  العفو 
~~وأخذ الدية { فله عذاب ms00746 أليم } أي نوع من العذاب مؤلم، والمتبادر
~~أنه في الآخرة، والمروي عن الحسن وابن جبير أنه في الدنيا بأن يقتل لا
~~محالة ولا يقبل منه ديه لما أخرجه أبو داود من حديث سمرة مرفوعا

# " لا أعافي أحدا قتل بعد أخذ الدية ".

### || [2.179]

# { ولكم في القصاص حيوة } عطف على قوله تعالى:

# كتب عليكم

# [البقرة: 178] والمقصود منه توطين النفس على الانقياد لحكم القصاص لكونه
~~شاقا للنفس  وهو كلام في غاية البلاغة  وكان أوجز كلام عندهم في هذا
~~المعنى  القتل أنفى للقتل  وفضل هذا الكلام عليه من وجوه، الأول: قلة
~~الحروف، فإن الملفوظ هنا عشرة أحرف  إذا لم يعتبر التنوين حرفا على حدة
~~ وهناك أربعة عشر حرفا، الثاني: الاطراد، إذ في كل  قصاص حياة  وليس
~~كل قتل أنفى للقتل  فإن القتل ظلما أدعى للقتل. الثالث: ما في تنوين
~~(حياة) من النوعية أو التعظيم. الرابع: صنعة الطباق بين  القصاص والحياة
~~ فإن القصاص تفويت  الحياة  فهو مقابلها. الخامس: النص على ما هو
~~المطلوب بالذات  أعني الحياة  فإن نفي  القتل  إنما يطلب لها لا
~~لذاته. السادس: الغرابة من حيث جعل الشيء فيه حاصلا في ضده، ومن جهة أن
~~المظروف إذا حواه الظرف صانه عن التفرق، فكان القصاص فيما نحن فيه يحمي
~~الحياة من الآفات. السابع: الخلو عن التكرار مع التقارب، فإنه لا يخلو
~~عن استبشاع، ولا يعد ردع العجز على الصدر حتى يكون محسنا. الثامن: عذوبة
~~اللفظ وسلاسته حيث لم يكن فيه ما في قولهم من توالي الأسباب الخفيفة إذ
~~ليس في قولهم: حرفان متحركان على التوالي إلا في موضع واحد، ولا شك أنه
~~ينقص من سلاسة اللفظ وجريانه على اللسان، وأيضا الخروج من  الفاء إلى
~~اللام  أعدل من الخروج من  اللام إلى الهمزة لبعد الهمزة من اللام 
~~وكذلك الخروج من  الصاد إلى الحاء  أعدل من الخروج من  الألف إلى
~~اللام  التاسع: عدم الاحتياج إلى الحيثية، وقولهم: يحتاج إليها. العاشر:
~~تعريف القصاص بلام الجنس الدالة على حقيقة هذا الحكم المشتملة على 
~~الضرب والجرح والقتل  وغير ذلك، ms00747 وقولهم: لا يشمله الحادي عشر: خلوه من
~~أفعل الموهم أن في الترك نفيا للقتل أيضا. الثاني عشر: اشتماله على ما
~~يصلح للقتال وهو  الحياة  بخلاف قولهم، فإنه يشتمل على نفي اكتنفه
~~قتلان، وإنه لمما يليق بهم. الثالث عشر: خلوه عما يوهمه ظاهر قولهم من
~~كون الشيء سببا لانتفاء نفسه  وهو محال إلى غير ذلك  فسبحان من علت
~~كلمته، وبهرت آيته، ثم المراد بالحياة إما الدنيوية  وهو الظاهر  لأن
~~في/ شرع القصاص والعلم به يردع القاتل عن القتل، فيكون سبب حياة نفسين في
~~هذه النشأة، ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل، والجماعة بالواحد، فتثور
~~الفتنة بينهم، وتقوم حرب البسوس على ساق، فإذا اقتص من القاتل سلم
~~الباقون  ويصير ذلك سببا لحياتهم  ويلزم على الأول: الإضمار، وعلى
~~الثاني: التخصيص، وأما الحياة الأخروية بناءا على أن القاتل إذا اقتص
~~منه في الدنيا لم يؤاخذ بحق المقتول في الآخرة، وعلى هذا يكون الخطاب
~~خاصا بالقاتلين، والظاهر أنه عام والظرفان إما خبران لحياة أو أحدهما
~~خبر والآخر صلة له، أو حال من المستكن فيه.

# وقرأ أبو الجوزاء { فى القصص } وهو مصدر بمعنى المفعول، والمراد من
~~المقصوص هذا الحكم بخصوصه  أو القرآن مطلقا  وحينئذ يراد  بالحياة 
~~حياة القلوب لا حياة الأجساد، وجوز كون القصص مصدرا بمعنى القصاص فتبقى
~~ الحياة  على حالها.

# { يأولي الألبب } يا ذوي العقول الخالصة عن شوب الهوى، وإنما
~~خصهم بالنداء مع أن الخطاب السابق عام لأنهم أهل التأمل في حكمة القصاص
~~من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس، وقيل: للإشارة إلى أن الحكم مخصوص
~~بالبالغين دون الصبيان { لعلكم تتقون } ربكم باجتناب معاصيه
~~المفضية إلى العذاب أو القتل بالخوف من القصاص وهو المروي عن ابن عباس
~~والحسن وزيد رضي الله تعالى عنهم، والجملة متعلقة بأول الكلام.

### || [2.180]

# { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت } بيان حكم آخر
~~من الأحكام المذكورة، وفصله عما سبق للدلالة على كونه حكما مستقلا 
~~كما فصل اللاحق لذلك  ولم يصدره بيا أيها الذين آمنوا لقرب العهد
~~بالتنبيه مع ملابسته بالسابق في كون كل منهما ms00748 متعلقا بالأموات، أو لأنه
~~لما لم يكن شاقا لم يصدره كما صدر الشاق تنشيطا لفعله، والمراد من 
~~حضور الموت  حضور أسبابه، وظهور أماراته من العلل والأمراض المخوفة، أو
~~حضوره نفسه ودنوه، وتقديم المفعول لإفادة كمال تمكن الفعل عند النفس وقت
~~وروده عليها.

# { إن ترك خيرا } أي مالا  كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه
~~ومجاهد  وقيده بعضهم بكونه كثيرا إذ لا يقال في العرف للمال خيرا إلا
~~إذا كان كثيرا، كما لا يقال: فلان ذو مال إلا إذا كان له مال كثير،
~~ويؤيده ما أخرجه البيهقي وجماعة  عن عروة  أن عليا كرم الله تعالى
~~وجهه دخل على مولى له في الموت وله سبعمائة درهم أو ستمائة درهم، فقال:
~~ألا أوصي؟ قال: لا إنما قال الله تعالى: { إن ترك خيرا } وليس لك
~~كثير مال، فدع مالك لورثتك. وما أخرجه ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله
~~تعالى عنها أن رجلا قال لها: أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة
~~آلاف، قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: قال الله تعالى: { إن ترك
~~خيرا } وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل، والظاهر من هذا أن
~~الكثرة غير مقدرة بمقدار، بل تختلف باختلاف حال الرجل فإنه بمقدار من
~~المال يوصف رجل بالغنى ولا يوصف به غيره لكثرة العيال. وعن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما تقديرها، فقد أخرج عبد بن حميد عنه: «من لم يترك ستين
~~دينارا لم يترك خيرا» ومذهب الزهري أن الوصية مشروعة مما قل أو كثر، 
~~فالخير  عنده المال مطلقا  وهو أحد إطلاقاته  ولعل اختياره إيذانا
~~بأنه ينبغي أن يكون الموصي به حلالا طيبا لا خبيثا لأن الخبيث يجب رده
~~إلى أربابه ويأثم بالوصية فيه.

# { الوصية للولدين والأقربين } مرفوع بكتب وفي الرضي
~~إذا كان الظاهر غير حقيقي التأنيث منفصلا فترك/ العلامة أحسن إظهار
~~الفضل الحقيقي على غيره  ولهذا اختير هنا تذكير الفعل  والوصية اسم من
~~أوصى يوصي، وفي «القاموس» ((أوصاه وصاه توصية عهد إليه والاسم [الوصاية
~~و] الوصاية والوصية ms00749 وهي الموصى به أيضا)) والجار متعلق بها فلا بد من
~~تأويلها بأن مع الفعل عند الجمهور، أو بالمصدر بناءا على تحقيق الرضي من
~~أن عمل المصدر لا يتوقف على تأويله، وهو الراجح ولذلك ذكر الراجع في
~~بدله، وجوز أن يكون النائب عليكم و (الوصية) خبر مبتدأ كأنه قيل: ما
~~المكتوب؟ فقيل: هو الوصية، وجواب الشرط محذوف دل عليه { كتب
~~عليكم } ، وقيل: مبتدأ خبره { للولدين } والجملة جواب الشرط
~~بإضمار الفاء لأن الاسمية إذا كانت جزاء لا بد فيها منها، والجملة
~~الشرطية مرفوعة بكتب أو (عليكم) وحده، والجملة استئنافية ورد بأن إضمار
~~الفاء غير صحيح لا يجترىء عليه إلا في ضرورة الشعر كما قال الخليل،
~~والعامل في (إذا) معنى (كتب) والظرف قيد للإيجاب من حيث الحدوث والوقوع،
~~والمعنى توجه خطاب الله تعالى (عليكم) ومقتضى كتابته (إذا حضر) وغير إلى
~~ما ترى لينظم إلى هذا المعنى أنه مكتوب في الأزل، وجوز أن يكون العامل
~~الوصية، وهي وإن كانت اسما إلا أنها مؤولة بالمصدر أو بأن والفعل،
~~والظرف مما يكفيه رائحة الفعل لأن له شأنا ليس لغيره لتنزيله من الشيء
~~منزلة نفسه لوقوعه فيه، وعدم انفكاكه عنه، ولهذا توسع في الظروف ما لم
~~يتوسع في غيرها، وليس كل مؤول بشيء حكمه حكم ما أول به، وقد كثر تقديم
~~معمول المصدر عليه في الكلام، والتقدير تكلف، ولا يرد على التقديرين أن
~~الوصية واجبة على  من حضره الموت  لا على جميع المؤمنين عند حضور أحدهم
~~الموت لأن { أحدكم } يفيد العموم على سبيل البدل فمعنى { إذا
~~حضر أحدكم } إذا حضر واحدا بعد واحد، وإنما زيد لفظ  أحد 
~~للتنصيص على كونها فرض عين لا كفاية كما في

# كتب عليكم القصاص في القتلى

# [البقرة: 178] والقول بأن الوصية لم تفرض على من  حضره الموت  فقط بل
~~عليه بأن يوصي، وعلى الغير بأن يحفظ ولا يبدل، ولهذا قال: { عليكم }
~~وقال: { أحدكم } لأن الموت يحضر أحد المخاطبين بالافتراض عليهم ليس
~~بشيء لأن حفظ الوصية إنما يفرض على البعض بعد الوصية لا وقت ms00750 الاحتضار
~~فكيف يصح أن يقال: فرض عليكم حفظ الوصية إذا حضر أحدكم الموت ولأن إرادة
~~الإيصاء، وحفظه من الوصية تعسف لا يخفى، واختار بعض المحققين أن { إذا
~~} شرطية وجواب كل من الشرطين محذوف، والتقدير: إذا حضر أحدكم الموت 
~~فليوص إن ترك خيرا  فليوص فحذف جواب الشرط الأول لدلالة السياق عليه،
~~وحذف جواب الشرط الثاني لدلالة الشرط الأول وجوابه عليه، والشرط الثاني
~~عند صاحب «التسهيل» مقيد للأول كأنه قيل: إذا حضر أحدكم الموت تاركا
~~للخير فليوص، ومجموع الشرطين معترض بين { كتب } وفاعله لبيان كيفية
~~الإيصاء قبل، ولا يخفى أن هذا الوجه مع غنائه عن تكلف تصحيح الظرفية
~~وزيادة لفظ  أحد  أنسب بالبلاغة القرآنية حيث ورد الحكم أولا مجملا
~~ثم مفصلا ووقع الاعتراض بين الفعل وفاعله للاهتمام ببيان كيفية الوصية
~~الواجبة انتهى، وأنت تعلم ما في ذلك من كثرة الحذف المهونة لما تقدم.

# ثم إن هذا الحكم كان في بدء الإسلام ثم نسخ بآية المواريث كما قاله ابن
~~عباس وابن عمر وقتادة وشريح ومجاهد وغيرهم وقد أخرج أحمد وعبد بن حميد
~~والترمذي وصححه، والنسائي وابن ماجه عن عمرو بن خارجة رضي الله تعالى
~~عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم على راحلته فقال:

# " إن الله قد قسم لكل إنسان نصيبه من الميراث فلا تجوز لوارث وصية "

# وأخرج أحمد والبيهقي في «سننه» عن أبي أمامة الباهلي سمعت رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في خطبته يقول:

# " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث "

# وأخرج عبد بن حميد عن الحسن نحو ذلك.

# وهذه الأحاديث لتلقي الأمة لها بالقبول انتظمت في سلك المتواتر/ في صحة
~~النسخ بها عند أئمتنا قدس الله أسرارهم بل قال البعض: إنها من المتواتر
~~وأن التواتر قد يكون بنقل من لا يتصور تواطؤهم على الكذب وقد يكون بفعلهم
~~بأن يكونوا عملوا به من غير نكير منهم على أن النسخ في الحقيقة بآية
~~المواريث والأحاديث مبينة لجهة نسخها، وبين فخر الإسلام ذلك بوجهين:
~~الأول: ms00751 أنها نزلت بعد آية الوصية بالاتفاق وقد قال تعالى:

# من بعد وصية يوصى بها أو دين

# [النساء: 11] فرتب الميراث على  وصية  منكرة  والوصية  الأولى كانت
~~معهودة فلو كانت تلك  الوصية  باقية لوجب ترتيبه على المعهود فلما لم
~~يترتب عليه ورتب على المطلق دل على نسخ الوصية المقيدة لأن الإطلاق بعد
~~التقييد نسخ كما أن التقييد بعد الإطلاق كذلك لتغاير المعنيين. والثاني:
~~أن النسخ نوعان، أحدهما: ابتداء بعد انتهاء محض، والثاني: بطريق الحوالة
~~من محل إلى آخر كما في نسخ القبلة، وهذا من قبيل الثاني لأن الله تعالى
~~فرض الإيصاء في الأقربين إلى العباد بشرط أن يراعوا الحدود، ويبينوا حق
~~كل قريب بحسب قرابته، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { بالمعروف } أي
~~بالعدل، ثم لما كان الموصي قد لا يحسن التدبير في مقدار ما يوصي لكل واحد
~~منهم وربما كان يقصد المضارة تولى بنفسه بيان ذلك الحق على وجه تيقن به
~~بأنه الصواب وأن فيه الحكمة البالغة، وقصره على حدود لازمة من السدس
~~والثلث والنصف والثمن لا يمكن تغيرها فتحول من جهة الإيصاء إلى الميراث
~~فقال:

# يوصيكم الله فى أولدكم

# [النساء: 11] أي الذي فوض إليكم تولى شأنه بنفسه إذ عجزتم عن مقاديره
~~لجهلكم، ولما بين بنفسه ذلك الحق بعينه انتهى حكم تلك الوصية لحصول
~~المقصود بأقوى الطرق كمن أمره غيره بإعتاق عبده ثم أعتقه بنفسه فإنه بذلك
~~انتهى حكم الوكالة، وإلى ذلك تشير الأحاديث لما أن  الفاء  تدل على
~~سببية ما قبلها لما بعدها فما قيل: إن من أن آية المواريث لا تعارض هذا
~~الحكم بل تحققه من حيث تدل على تقديم الوصية مطلقا، والأحاديث من الآحاد
~~وتلقي الأمة لها بالقبول لا تلحقها بالمتواتر، ولعله احترز عن النسخ من
~~فسر الوصية بما أوصى به الله عز وجل رجل من توريث الوالدين والأقربين
~~بقوله سبحانه:

# يوصيكم الله

# [النساء: 11] أو بإيصاء المحتضر لهم بتوفير ما أوصى به الله تعالى عليهم
~~على ما فيه بمعزل عن التحقيق وكذا ما قيل: من أن الوصية للوارث كانت
~~واجبة ms00752 بهذه الآية من غير تعيين لأنصبائهم فلما نزلت آية المواريث بيانا
~~للأنصباء بلفظ الإيصاء فهم منها بتنبيه النبي صلى الله عليه وسلم أن
~~المراد منه هذه الوصية التي كانت واجبة كأنه قيل: إن الله تعالى أوصى
~~بنفسه تلك الوصية ولم يفوضها إليكم فقام الميراث مقام الوصية فكان هذا
~~معنى النسخ لا أن فيها دلالة على رفع ذلك الحكم لأن كون آية المواريث
~~رافعة لذلك الحكم مبينة لانتهائه مما لا ينبغي أن يشتبه على أحد، ثم إن
~~القائلين بالنسخ اختلفوا، فمنهم من قال: إن وجوبها صار منسوخا في حق
~~الأقارب الذين يرثون وبقي في حق الذين لا يرثون من الوالدين والأقربين
~~كأن يكونوا كافرين، وإليه ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وروي عن علي
~~كرم الله تعالى وجهه من لم يوص عند موته لذوي قرابته ممن لا يرث فقد ختم
~~عمله بمعصية، ومنهم من قال: إن الوجوب صار منسوخا في حق الكافة وهي
~~مستحبة في حق الذين لا يرثون وإليه ذهب الأكثرون، واستدل محمد بن الحسن
~~بالآية على أن مطلق الأقربين لا يتناول الوالدين لعطفه عليه.

# { حقا على المتقين } مصدر مؤكد للحدث الذي دل عليه { كتب }
~~وعامله إما { كتب } أو (حق) محذوفا أي حق ذلك حقا فهو على طرز قعدت
~~جلوسا، ويحتمل أن يكون مؤكدا لمضمون جملة { كتب عليكم } وإن
~~اعتبر إنشاء فيكون على طرز  له علي ألف  عرفا، وجعله صفة/ لمصدر
~~محذوف أي إيصاءا حقا ليس بشيء وعلى التقديرين { على المتقين }
~~صفة له أو متعلق بالفعل المحذوف على المختار، ويجوز أن يتعلق بالمصدر لأن
~~المفعول المطلق يعمل نيابة عن الفعل، والمراد  بالمتقين  المؤمنون ووضع
~~المظهر موضع المضمر للدلالة على أن المحافظة على الوصية والقيام بها من
~~شعائر المتقين الخائفين من الله تعالى.

### || [2.181]

# { فمن بدله } أي غير الإيصاء من شاهد ووصي، وتغيير كل منهما إما
~~بإنكار الوصية من أصلها أو بالنقص فيها أو بتبديل صفتها أو غير ذلك، وجعل
~~الشافعية من التبديل عموم وصيته من أوصي إليه بشيء خاص، ms00753 فالموصى بشيء خاص
~~لا يكون وصيا في غيره عندهم ويكون عندنا وليس ذلك من التبديل في شيء {
~~بعد ما سمعه } أي علمه وتحقق لديه، وكنى بالسماع عن العلم لأنه
~~طريق حصوله.

# { فإنما إثمه على الذين يبدلونه } أي فما إثم
~~الإيصاء المبدل أو التبديل، والأول: رعاية لجانب اللفظ، والثاني: رعاية
~~لجانب المعنى إلا على مبدليه لا على الموصي لأنهم الذين خالفوا الشرع
~~وخانوا، ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على علية التبديل للإثم، وإيثار
~~صيغة الجمع مراعاة لمعنى من، وفيه إشعار بشمول الإثم لجميع الأفراد.

# { إن الله سميع عليم } فيسمع أقوال المبدلين والموصين ويعلم
~~بنياتهم فيجازيهم على وفقها، وفي هذا وعيد للمبدلين ووعد للموصين، واستدل
~~بالآية على أن الفرض يسقط عن الموصي بنفس الوصية ولا يلحقه ضرر إن لم
~~يعمل بها، وعلى أن من كان عليه دين فأوصى بقضائه يسلم من تبعته في الآخرة
~~وإن ترك الوصي والوارث قضاءه  وإلى ذلك ذهب إلكيا  والذي يميل القلب
~~إليه أن المديون لا تبعة عليه بعد الموت مطلقا ولا يحبس في قبره  كما
~~يقوله الناس  أما إذا لم يترك شيئا ومات معسرا فظاهر لأنه لو بقي حيا
~~لا شيء عليه بعد تحقق إعساره سوى نظرة إلى ميسرة، فمؤاخذته وحبسه في قبره
~~بعد ذهابه إلى اللطيف الخبير مما لا يكاد يعقل، وأما إذا ترك شيئا وعلم
~~الوارث بالدين أوبرهن عليه به كان هو المطالب بأدائه والملزم بوفائه فإذا
~~لم يؤد ولم يف أوخذ هو لا من مات وترك ما يوفي منه دينه كلا أو بعضا
~~فإن مؤاخذة من يقول يا رب تركت ما يفي ولم يف عني من أوجبت عليه الوفاء
~~بعدي ولو أمهلتني لوفيت مما ينافي الحكمة ولا تقتضيه الرحمة، نعم
~~المؤاخذة معقولة فيمن استدان لحرام وصرف المال في غير رضا الملك العلام،
~~وما ورد في الأحاديث محمول على هذا أو نحوه وأخذ ذلك مطلقا مما لا يقبله
~~العقل السليم والذهن المستقيم.

### || [2.182]

# { فمن خاف من موص جنفا أو إثما } الجنف مصدر جنف كفرح
~~مطلق ms00754 الميل والجور، والمراد به الميل في الوصية من غير قصد بقرينة
~~مقابلته بالإثم فإنه إنما يكون بالقصد، ومعنى خاف توقع وعلم ومنه قوله:

# إذا مت فادفني إلى جنب كرمة

# تروي عظامي بعد موتي عروقها

# ولا تدفنني بالفلاة فإنني

# أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها

# وتحقيق ذلك أن الخوف حالة تعتري عند انقباض من شر متوقع فلتلك الملابسة
~~استعمل في التوقع وهو قد يكون مظنون الوقوع وقد يكون معلومه فاستعمل
~~فيهما بمرتبة ثانية ولأن الأول أكثر كان استعماله فيه أظهر، ثم أصله أن
~~يستعمل في الظن والعلم بالمحذور، وقد يتسع في إطلاقه على المطلق وإنما
~~حمل على المجاز هنا لأنه لا معنى للخوف من الميل والإثم بعد وقوع الإيصاء
~~وقرأ أهل الكوفة غير حفص ويعقوب (من موص) بالتشديد والباقون بالتخفيف.

# { فأصلح بينهم } أي بين الموصي لهم من الوالدين والأقربين
~~بإجرائهم على نهج الشرع؛ وقيل: المراد فعل ما فيه الصلاح بين الموصي
~~والموصى له بأن يأمر بالعدل والرجوع عن الزيادة وكونها للأغنياء/ وعليه
~~لا يراد الصلح المرتب على الشقاق فإن الموصي والموصى له لم يقع بينهما
~~شقاق { فلا إثم عليه } في ذلك التبديل لأنه تبديل باطل إلى حق
~~بخلاف السابق، واستدل بالآية على أنه إذا أوصى بأكثر من الثلث لا تبطل
~~الوصية كلها خلافا لزاعمه وإنما يبطل منها ما زاد عليه لأن الله تعالى
~~لم يبطل الوصية جملة بالجور فيها بل جعل فيها الوجه الأصلح.

# { إن الله غفور رحيم } تذييل أتى به للوعد بالثواب للمصلح
~~على إصلاحه وذكر المغفرة مع أن الإصلاح من الطاعات وهي إنما تليق من فعل
~~ما لا يجوز لتقدم ذكر الإثم الذي تتعلق به المغفرة ولذلك حسن ذكرها
~~وفائدتها التنبيه على الأعلى بما دونه يعني أنه تعالى غفور للآثام فلأن
~~يكون رحيما من أطاعه من باب الأولى، ويحتمل أن يكون ذكرها وعدا للمصلح
~~بمغفرة ما يفرط منه في الإصلاح إذ ربما يحتاج فيه إلى أقوال كاذبة وأفعال
~~تركها أولى، وقيل: المراد غفور للجنف والإثم الذي وقع من ms00755 الموصي بواسطة
~~إصلاح الوصي وصيته، أو غفور للموصي بما حدث به نفسه من الخطأ والعمل إذ
~~رجع إلى الحق، أو غفور للمصلح بواسطة إصلاحه بأن يكون الإصلاح مكفرا
~~لسيآته والكل بعيد.

### || [2.183]

# { يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام } بيان
~~لحكم آخر من الأحكام الشرعية وتكرير النداء لإظهار الاعتناء مع بعد
~~العهد، والصيام كالصوم مصدر صام وهو لغة الإمساك، ومنه يقال للصمت صوم
~~لأنه إمساك عن الكلام، قال ابن دريد: كل شيء تمكث حركته فقد صام، ومنه
~~قول النابغة:

# خيل (صيام) وخيل غير  صائمة

# تحت العجاج  وأخرى تعلك اللجما

# فصامت الريح ركدت، وصامت الشمس إذا استوت في منتصف النهار، وشرعا إمساك
~~عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص في زمان مخصوص ممن هو على صفات مخصوصة {
~~كما كتب على الذين من قبلكم } أي الأنبياء والأمم من
~~لدن آدم عليه الصلاة والسلام إلى يومنا كما هو ظاهر عموم الموصول، وعن
~~ابن عباس، ومجاهد رضي الله تعالى عنهما أنهم أهل الكتاب، وعن الحسن،
~~والسدي، والشعبي، أنهم النصارى، وفيه تأكيد للحكم وترغيب فيه وتطييب
~~لأنفس المخاطبين فيه، فإن الأمور الشاقة إذا عمت طابت، والمراد بالمماثلة
~~إما المماثلة في أصل الوجوب  وعليه أبو مسلم والجبائي  وإما في الوقت
~~والمقدار بناء على أن أهل الكتاب فرض عليهم صوم رمضان فتركه اليهود إلى
~~صوم يوم من السنة زعموا أنه اليوم الذي أغرق فيه فرعون، وزاد فيه النصارى
~~يوما قبل ويوما بعد احتياطا حتى بلغوا فيه خمسين يوما فصعب عليهم في
~~الحر فنقلوه إلى زمن نزول الشمس برج الحمل، وأخرج ابن حنظلة والنحاس
~~والطبراني عن دغفل بن حنظلة مرفوعا «كان على النصارى صوم شهر رمضان فمرض
~~ملكهم فقالوا: لئن شفاه الله تعالى لنزيدن عشرا، ثم كان آخر فأكل لحما
~~فأوجع فوه فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن سبعة، ثم كان عليهم ملك آخر
~~فقال: ما ندع من هذه الثلاثة أيام شيئا أن نتمها ونجعل صومنا في الربيع
~~ففعل فصارت خمسين يوما»، وفي { كما } خمسة أوجه. أحدها: أن محله النصب
~~على ms00756 أنه نعت لمصدر محذوف أي  كتب كتبا  مثل ما كتب. الثاني: أنه في
~~محل نصب حال من المصدر المعرفة أي  كتب عليكم الصيام الكتب  مشبها بما
~~كتب، و (ما) على الوجهين مصدرية. الثالث: أن يكون نعتا لمصدر من لفظ
~~الصيام أي صوما مماثلا للصوم المكتوب على من قبلكم. الرابع: أن يكون
~~حالا من الصيام أي حال كونه مماثلا لما كتب، و (ما) على الوجهين
~~موصولة. الخامس: أن يكون في محل رفع على أنه صفة للصيام بناء على أن
~~المعرف  بأل  الجنسية/ قريب من النكرة.

# { لعلكم تتقون } أي كي تحذروا المعاصي فإن الصوم يعقم الشهوة
~~التي هي أمها أو يكسرها. فقد أخرج البخاري، ومسلم في «صحيحيهما» عن عبد
~~الله رضي الله تعالى عنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن
~~للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء "

# ويحتمل أن يقدر المفعول الاخلال بأدائه، وعلى الأول: يكون الكلام
~~متعلقا بقوله: { كتب } من غير نظر إلى التشبيه، وعلى الثاني: بالنظر
~~إليه أي كتب عليكم مثل ما كتب على الأولين لكي  تتقوا  الإخلال بأدائه
~~بعد العلم بأصالته وقدمه ولا حاجة إلى تقدير محذوف أي أعلمتكم الحكم
~~المذكور لذلك  كما قيل به  وجوز أن يكون الفعل منزلا منزل اللازم أي
~~لكي تصلوا بذلك إلى رتبة التقوى.

### || [2.184]

# { أياما معدودت } أي معينات بالعد أو قليلات لأن القليل يسهل
~~عده فيعد والكثير يؤخذ جزافا قال مقاتل: كل معدودات في القرآن أو 
~~معدودة  دون الأربعين ولا يقال ذلك لما زاد، والمراد بهذه الأيام إما
~~رمضان واختار ذلك ابن عباس والحسن وأبو مسلم رضي الله تعالى عنه وأكثر
~~المحققين  وهو أحد قولي الشافعي  فيكون الله سبحانه وتعالى قد أخبر
~~أولا أنه كتب علينا الصيام ثم بينه بقوله عز وجل: { أياما
~~معدودت } فزال بعض الإبهام ثم بينه بقوله عز من قائل:

# شهر رمضان

# [البقرة: 185] توطينا للنفس عليه، واعترض بأنه لو كان المراد ذلك لكان ms00757
~~ذكر المريض والمسافر تكرارا، وأجيب بأنه كان في الابتداء صوم رمضان
~~واجبا على التخيير بينه وبين الفدية فحين نسخ التخيير وصار واجبا على
~~التعيين كان مظنة أن يتوهم أن هذا الحكم يعم الكل حتى يكون المريض
~~والمسافر فيه كالمقيم والصحيح فأعيد حكمهما تنبيها على أن رخصتهما باقية
~~بحالها لم تتغير كما تغير حكم المقيم والصحيح؛ وأما ما وجب صومه قبل
~~وجوبه وهو ثلاثة أيام من كل شهر  وهي أيام البيض  على ما روى عن عطاء
~~ونسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أو ثلاثة من كل شهر ويوم عاشوراء
~~على ما روي عن قتادة، واتفق أهل هذا القول على أن هذا الواجب قد نسخ بصوم
~~رمضان، واستشكل بأن فرضيته إنما ثبتت بما في هذه الآية فإن كان قد عمل
~~بذلك الحكم مدة مديدة  كما قيل به  فكيف يكون الناسخ متصلا وإن لم يكن
~~عمل به لا يصح النسخ إذ لا نسخ قبل العمل؟ وأجيب أما على اختيار الأول
~~فبأن الاتصال في التلاوة لا يدل على الاتصال في النزول، وأما على اختيار
~~الثاني فبأن الأصح جواز النسخ قبل العمل فتدبر.

# وانتصاب { أياما } ليس بالصيام كما قيل لوقوع الفصل بينهما بأجنبي
~~بل بمضمر دل هو عليه أعني صوموا إما على الظرفية أو المفعولية اتساعا،
~~وقيل: منصوب بفعل يستفاد من كاف التشبيه، وفيه بيان لوجه المماثلة كأنه
~~قيل: كتب عليكم الصيام مماثلا لصيام الذين من قبلكم في كونه أياما
~~معدودات أي المماثلة واقعة بين الصيامين من هذا الوجه وهو تعلق كل منهما
~~بمدة غير متطاولة، فالكلام من قبيل زيد كعمرو فقها، وقيل: نصب على أنه
~~مفعول ثان  لكتب  على الاتساع ورده في «البحر» بأن الاتساع مبني على
~~جواز وقوعه ظرفا  لكتب  وذا لا يصح لأن الظرف محل الفعل، والكتابة
~~ليست واقعة في الأيام وإنما الواقع فيها متعلقها وهو الصيام، وأجيب بأنه
~~يكفي للظرفية ظرفية المتعلق كما في

# يعلم ما فى السموات والأرض

# [التغابن: 4] وبأن معنى: { كتب } فرض، وفرضية الصيام واقعة في
~~الأيام. ms00758

# { فمن كان منكم مريضا } مرضا يعسر عليه الصوم معه كما يؤذن
~~به قوله تعالى فيما بعد:

# يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر

# [البقرة: 185] وعليه أكثر الفقهاء، وذهب ابن سيرين وعطاء والبخاري إلى
~~أن المرخص مطلق/ المرض عملا بإطلاق اللفظ، وحكي أنهم دخلوا على ابن
~~سيرين في رمضان وهو يأكل فاعتل بوجع إصبعه وهو قول للشافعية. { أو
~~على سفر } أو راكب سفر مستعل عليه متمكن منه بأن اشتغل به قبل
~~الفجر ففيه إيماء إلى أن من سافر في أثناء اليوم لم يفطر ولهذا المعنى
~~أوثر على مسافرا، واستدل بإطلاق السفر على أن القصير وسفر المعصية مرخص
~~للإفطار، وأكثر العلماء على تقييده بالمباح وما يلزمه العسر غالبا وهو
~~السفر إلى المسافة المقدرة في الشرع.

# { فعدة من أيام أخر } أي فعليه صوم عدة أيام المرض
~~والسفر من أيام أخر إن أفطر وحذف الشرط والمضافان للعلم بهما، أما الشرط
~~فلأن المريض والمسافر داخلان في الخطاب العام فدل على وجوب الصوم عليهما
~~فلو لم يتقيد الحكم هنا به لزم أن يصير المرض والسفر اللذان هما من
~~موجبات اليسر شرعا وعقلا موجبين للعسر، وأما المضاف الأول: فلأن الكلام
~~في الصوم ووجوبه، وأما الثاني: فلأنه لما قيل  من كان مريضا أو مسافرا
~~فعليه عدة  أي أيام معدودة موصوفة بأنها من أيام أخر علم أن المراد
~~معدودة بعدد أيام المرض والسفر واستغنى عن الإضافة وهذا الإفطار مشروع
~~على سبيل الرخصة فالمريض والمسافر إن شاآ صاما وإن شاآ أفطرا كما عليه
~~أكثر الفقهاء إلا أن الإمام أبا حنيفة ومالكا قالا: الصوم أحب، والشافعي
~~وأحمد والأوزاعي قالوا: الفطر أحب، ومذهب الظاهرية وجوب الإفطار وأنهم
~~إذا صاما لا يصح صومهما لأنه قبل الوقت الذي يقتضيه ظاهر الآية، ونسب ذلك
~~إلى ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وجماعة من الصحابة رضي الله تعالى
~~عنهم  وبه قال الإمامية  وأطالوا بالاستدلال على ذلك بما رووه عن أهل
~~البيت، واستدل بالآية على جواز القضاء متتابعا ومتفرقا وأنه ليس على
~~الفور خلافا لداود، وعلى ms00759 أن من أفطر رمضان كله قضى  أياما معدودة 
~~فلو كان تاما لم يجزه شهر ناقص أو ناقصا لم يلزمه شهر كامل خلافا لمن
~~خالف في الصورتين، واحتج بها أيضا من قال: لا فدية مع القضاء وكذا من
~~قال: إن المسافر إذا أقام والمريض إذا شفي أثناء النهار لم يلزمهما
~~الإمساك بقيته لأن الله تعالى إنما أوجب عدة من أيام أخر وهما قد أفطرا
~~فحكم الإفطار باق لهما ومن حكمه أن لا يجب أكثر من يوم ولو أمرناه
~~بالإمساك ثم القضاء لأوجبنا بدل اليوم أكثر منه، ولا يخفى ما فيه، وقرىء
~~(فعدة) بالنصب على أنه مفعول لمحذوف أي فليصم عدة ومن قدر الشرط هناك
~~قدره هنا.

# { وعلى الذين يطيقونه } أي وعلى المطيقين للصيام إن أفطروا.
~~{ فدية } أي إعطاؤها. { طعام مسكين } هي قدر ما يأكله كل
~~يوم وهي نصف صاع من بر أو صاع من غيره عند أهل العراق ومد عند أهل الحجاز
~~لكل يوم وكان ذلك في بدء الإسلام لما أنه قد فرض عليهم الصوم وما كانوا
~~متعودين له فاشتد عليهم فرخص لهم في الإفطار والفدية، أخرج البخاري،
~~ومسلم، وأبو داود، والترمذي والنسائي، والطبراني، وآخرون عن سلمة بن
~~الأكوع رضي الله تعالى عنه قال: لما نزلت هذة الآية { وعلى الذين
~~يطيقونه } كان من شاء منا صام، ومن شاء أفطر ويفتدي فعل ذلك حتى
~~نزلت الآية التي بعدها فنسختها

# فمن شهد منكم الشهر فليصمه

# [البقرة: 185]، وقرأ سعيد بن المسيب: (يطيقونه) بضم الياء الأولى
~~وتشديد الياء الثانية، ومجاهد، وعكرمة، { يطيقونه } بتشديد الطاء
~~والياء الثانية وكلتا القراءتين على صيغة المبني للفاعل على أن أصلهما
~~يطيوقونه ويتطيوقونه من فيعل وتفيعل لا من فعل وتفعل وإلا لكان بالواو
~~دون الياء لأنه من طوق وهو واوي، وقد جعلت الواو ياءا فيهما ثم أدغمت
~~الياء في الياء ومعناهما يتكلفونه، وعائشة رضي الله تعالى عنها { يطوقونه
~~} بصيغة المبني للمفعول من التفعيل أي يكلفونه أو يقلدونه من الطوق بمعنى
~~الطاقة أو القلادة، ورويت الثلاث/ عن ابن عباس رضي الله تعالى ms00760 عنه أيضا،
~~وعنه { يتطوقونه } بمعنى يتكلفونه أو يتقلدونه ويطوقونه  بإدغام التاء
~~في الطاء  وذهب إلى عدم النسخ  كما رواه البخاري وأبو داود وغيرهما 
~~وقال: إن الآية نزلت في الشيخ الكبير الهرم، والعجوز الكبيرة الهرمة. ومن
~~الناس من لم يقل بالنسخ أيضا على القراءة المتواترة وفسرها بيصومونه
~~جهدهم وطاقتهم، وهو مبني على أن  الوسع  اسم للقدرة على الشيء على وجه
~~السهولة  والطاقة  اسم للقدرة مع الشدة والمشقة، فيصير المعنى: وعلى
~~الذين يصومونه مع الشدة والمشقة فيشمل نحو الحبلى والمرضع أيضا، وعلى
~~أنه من أطاق الفعل بلغ غاية طوقه أو فرغ طوقه فيه، وجاز أن تكون  الهمزة
~~ للسلب كأنه سلب طاقته بأن كلف نفسه المجهود فسلب طاقته عند تمامه،
~~ويكون مبالغة في بذل المجهود لأنه مشارف لزوال ذلك  كما في «الكشف» 
~~والحق أن كلا من القراآت يمكن حملها على ما يحتمل النسخ وعلى ما لا
~~يحتمله،  ولكل ذهب بعض  وروي عن حفصة أنها قرأت { وعلى الذين لا
~~يطيقونه } وقرأ نافع، وابن عامر بإضافة (فدية) إلى  الطعام وجمع
~~المسكين  والإضافة حينئذ من إضافة الشيء إلى جنسه  كخاتم فضة  لأن
~~طعام المسكين يكون فدية وغيرها، وجمع المسكين لأنه جمع في { وعلى
~~الذين يطيقونه } فقابل الجمع بالجمع، ولم يجمع (فدية) لأنها
~~مصدر  والتاء فيها للتأنيث لا للمرة  ولأنه لما أضافها إلى مضاف إلى
~~الجمع فهم منها الجمع.

# { فمن تطوع خيرا } بأن زاد على القدر المذكور في  الفدية 
~~قال مجاهد: أو زاد على عدد من يلزمه إطعامه فيطعم مسكينين فصاعدا  قاله
~~ابن عباس  أو جمع بين الإطعام والصوم  قاله ابن شهاب . { فهو
~~خير له } أي التطوع أو الخير الذي تطوعه، وجعل بعضهم الخير الأول
~~مصدر  خرت يا رجل وأنت خائر  أي حسن، والخير الثاني اسم تفضيل  فيفيد
~~الحمل أيضا بلا مرية  وإرجاع الضمير إلى (من) أي فالمتطوع خير من غيره
~~لأجل التطوع لا يخفى بعده { وأن تصوموا } أي أيها المطيقون
~~المقيمون الأصحاء، أو المطوقون من الشيوخ والعجائز، أو المرخصون في
~~الإفطار من الطائفتين، والمرضى والمسافرين، وفيه ms00761 التفات من الغيبة إلى
~~الخطاب جبرا لكلفة الصوم بلذة المخاطبة، وقرأ أبي (والصيام) { خير
~~لكم } من الفدية أو تطوع الخير على الأولين، أو منهما ومن التأخير
~~للقضاء على الأخير { إن كنتم تعلمون } ما في الصوم من الفضيلة،
~~وجواب { إن } محذوف ثقة بظهوره  أي اخترتموه  وقيل: معناه إن كنتم من
~~أهل العلم علمتم أن الصوم خير لكم من ذلك، وعليه تكون الجملة تأكيدا
~~لخيرية الصوم وعلى الأول تأسيسا.

### || [2.185]

# { شهر رمضان } مبتدأ خبره الموصول بعده، ويكون ذكر الجملة مقدمة
~~لفرضية صومه بذكر فضله، أو { فمن شهد } والفاء لتضمنه معنى الشرط
~~لكونه موصوفا بالموصول، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلكم الوقت الذي كتب
~~عليكم الصيام فيه، أو المكتوب شهر رمضان، أو بدل من الصيام بدل كل بتقدير
~~مضاف، أي كتب عليكم الصيام صيام شهر رمضان، وما تخلل بينهما من الفصل
~~متعلق ب

# كتب

# [البقرة: 183] لفظا أو معنى فليس بأجنبي مطلقا، وإن اعتبرته بدل
~~اشتمال استغنيت عن التقدير، إلا أن كون الحكم السابق  وهو فرضية الصوم 
~~مقصودا بالذات، وعدم كون ذكر المبدل منه مشوقا إلى ذكر البدل يبعد ذلك،
~~وقرىء { شهر } بالنصب على أنه مفعول لتصوموا محذوفا؛ وقيل: إنه مفعول

# وأن تصوموا

# [البقرة: 184] وفيه لزوم الفصل بين أجزاء المصدرية/ بالخبر، وجوز أن
~~يكون مفعول

# تعلمون

# [البقرة: 184] بتقدير مضاف  أي شرف شهر رمضان ونحوه  وقيل: لا حاجة
~~إلى التقدير، والمراد: إن كنتم تعلمون نفس الشهر ولا تشكون فيه، وفيه
~~إيذان بأن الصوم لا ينبغي مع الشك  وليس بشيء كما لا يخفى  والشهر
~~المدة المعينة التي ابتداؤها رؤية الهلال، ويجمع في القلة على أشهر، وفي
~~الكثرة على شهور، وأصله من شهر الشيء أظهره، وهو  لكونه ميقاتا
~~للعبادات والمعاملات  صار مشهورا بين الناس، و (مضان) مصدر رمض  بكسر
~~العين  إذا احترق، وفي «شمس العلوم» من المصادر التي يشترك فيها الأفعال
~~فعلان  بفتح الفاء والعين  وأكثر ما يجيء بمعنى المجيء والذهاب
~~والاضطراب  كالخفقان والعسلان واللمعان  وقد جاء لغير المجيء والذهاب
~~كما في  شنأته شنآنا إذا بغضته  فما ms00762 في «البحر» من أن كونه مصدرا
~~يحتاج إلى نقل  فإن فعلانا ليس مصدر فعل اللازم  فإن جاء شيء منه كان
~~شاذا، فالأولى أن يكون مرتجلا لا منقولا ناشيء عن قلة الاطلاع،
~~والخليل يقول: إن من الرمض  مسكن الميم  وهو مطر يأتي قبل الخريف يطهر
~~وجه الأرض عن الغبار، وقد جعل مجموع المضاف والمضاف إليه علما للشهر
~~المعلوم، ولولا ذلك لم يحسن إضافة (شهر) إليه كما لا يحسن  إنسان زيد 
~~وإنما تصح إضافة العام إلى الخاص إذا اشتهر كون الخاص من أفراده، ولهذا
~~لم يسمع شهر رجب وشهر شعبان، وبالجملة فقد أطبقوا على أن العلم في ثلاثة
~~أشهر مجموع المضاف والمضاف إليه شهر رمضان، وشهر ربيع الأول وشهر ربيع
~~الثاني، وفي البواقي لا يضاف شهر إليه، وقد نظم ذلك بعضهم فقال:

# ولا تضف شهرا إلى اسم شهر

# إلا لما أوله  الرا  فادر

# واستثن منها رجبا فيمتنع

# لأنه فيما رووه ما سمع

# ثم في الإضافة يعتبر في أسباب منع الصرف وامتناع  اللام  ووجوبها حال
~~المضاف إليه فيمتنع في مثل { شهر رمضان } وابن دأية من الصرف
~~ودخول  اللام  وينصرف في مثل شهر ربيع الأول  وابن عباس  ويجب 
~~اللام  في مثل  امرىء القيس  لأنه وقع جزءا حال تحليته باللام، ويجوز
~~في مثل  ابن عباس  أما دخلوه فللمح الأصل، وأما عدمه فلتجرده في الأصل،
~~وعلى هذا فنحو من صام رمضان من حذف جزء العلم لعدم الإلباس  كذا قيل 
~~وفيه بحث  أما أولا: فلأن إضافة العام إلى الخاص مرجعها إلى الذوق،
~~ولهذا تحسن تارة كشجر الأراك، وتقبح أخرى  كإنسان زيد  وقبحها في {
~~شهر رمضان } لا يعرفه إلا من تغير ذوقه من أثر الصوم، وأما
~~ثانيا: فإن قولهم: لم يسمع شهر رجب الخ، مما سمع بين المتأخرين  ولا
~~أصل له  ففي «شرح التسهيل» جواز إضافة (شهر) إلى جميع أسماء الشهور 
~~وهو قول أكثر النحويين  فادعاء الإطباق غير مطبق عليه، ومنشأ غلط
~~المتأخرين ما في  «أدب الكاتب»  من أنه اصطلاح " الكتاب " ، قال: لأنهم
~~لما وضعوا التاريخ في زمن ms00763 عمر رضي الله تعالى عنه وجعلوا أول السنة
~~المحرم، فكانوا لا يكتبون في تواريخهم شهرا إلا مع رمضان والربيعين، فهو
~~أمر اصطلاحي  لا وضعي لغوي  ووجه في (رمضان) موافقة القرآن، وفي ربيع
~~الفصل عن الفصل، ولذا صحح سيبويه جواز إضافة الشهر إلى جميع أسماء
~~الشهور، وفرق بين ذكره وعدمه بأنه حيث ذكر لم يفد العموم  وحيث حذف
~~أفاده  وعليه يظهر الفرق بين  إنسان زيد  و { شهر رمضان } ولا
~~يغم هلال ذلك. وأما ثالثا: فلأن قوله: (ثم) في الإضافة الخ، مما صرح
~~النحاة بخلافه، فإن  ابن دأية  سمع منعه وصرفه كقوله:

# /

# ولما رأيت النسر عز  ابن دأية 

# وعشش في وكريه جاش له صدري

# قالوا: ولكل وجه، أما عدم الصرف فلصيرورة الكلمتين بالتركيب كلمة
~~بالتسمية فكان  كطلحة  مفردا وهو غير منصرف، وأما الصرف فلأن المضاف
~~إليه في أصله اسم جنس  والمضاف كذلك  وكل منهما بانفراده ليس بعلم،
~~وإنما العلم مجموعهما فلا يؤثر التعريف فيه؛ ولا يكون لمنع الصرف مدخل
~~فليحفظ، وبالجملة المعول عليه أن رمضان وحده علم وهو علم جنس لما علمت،
~~ومنع بعضهم أن يقال: رمضان بدون شهر لما أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ
~~وابن عدي والبيهقي والديلمي عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا

# " لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا: شهر
~~رمضان "

# وإلى ذلك ذهب مجاهد  والصحيح الجواز  فقد روي ذلك في " الصحيح " 
~~والاحتياط لا يخفى  وإنما سمي الشهر به لأن الذنوب ترمض فيه  قاله ابن
~~عمر  وروى ذلك أنس وعائشة مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل:
~~لوقوعه أيام رمض الحر حيث نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة، وكان
~~اسمه قبل ناتقا، ولعل ما روي عنه صلى الله عليه وسلم مبين لما ينبغي أن
~~يكون وجه التسمية عند المسلمين، وإلا فهذا الاسم قبل فرضية الصيام بكثير
~~على ما هو الظاهر.

# { الذى أنزل فيه القرءان } أي ابتدىء فيه إنزاله  وكان ذلك
~~ليلة القدر  قاله ابن إسحق، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ms00764 وابن
~~جبير والحسن أنه نزل فيه جملة إلى السماء الدنيا ثم نزل منجما إلى الأرض
~~في ثلاث وعشرين سنة، وقيل: أنزل في شأنه القرآن، وهو قوله تعالى:

# كتب عليكم الصيام

# [البقرة: 183] وأخرج الإمام أحمد والطبراني من حديث واثلة بن الأسقع عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين،
~~والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين "

# ولما كان بين الصوم ونزول الكتب الإلهية مناسبة عظيمة كان هذا الشهر
~~المختص بنزولها مختصا بالصوم الذي هو نوع عظيم من آيات العبودية، وسبب
~~قوي في إزالة العلائق البشرية المانعة عن إشراق الأنوار الصمدية.

# { هدى للناس وبينت من الهدى والفرقان }
~~حالان لازمان من القرآن والعامل فيهما (أنزل) أي أنزل وهو هداية للناس
~~بإعجازه المختص به كما يشعر بذلك التنكير، وآيات واضحات من جملة الكتب
~~الإلهية الهادية إلى الحق، والفارقة بين الحق والباطل باشتمالها على
~~المعارف الإلهية والأحكام العملية كما يشعر بذلك جعله بينات منها فهو هاد
~~بواسطة أمرين مختص وغير مختص فالهدى ليس مكررا، وقيل: مكرر تنويها
~~وتعظيما لأمره وتأكيدا لمعنى الهداية فيه كما تقول عالم نحرير.

# { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } (من) شرطية أو موصولة
~~ والفاء  إما جواب الشرط، أو زائدة في الخبر، و { منكم } في محل نصب
~~على الحال من المستكن في { شهد } والتقييد به لإخراج الصبي والمجنون،
~~و { شهد } من الشهود والتركيب يدل على الحضور إما ذاتا أو علما، وقد
~~قيل: بكل منهما هنا، و { الشهر } على الأول: مفعول فيه والمفعول به
~~متروك لعدم تعلق الغرض به فتقدير البلد أو المصر ليس بشيء، وعلى الثاني:
~~مفعول به بحذف المضاف أي هلال الشهر  وأل  فيه على التقديرين للعهد
~~ووضع المظهر موضع المضمر للتعظيم ونصب الضمير المتصل في  يصمه  على
~~الاتساع لأن صام لازم والمعنى فمن حضر في الشهر ولم يكن مسافرا فليصم
~~فيه أو من علم هلال الشهر وتيقن به فليصم، ومفاد الآية على هذا عدم وجوب/
~~الصوم على من شك في الهلال ms00765 وإنما قدر المضاف لأن شهود الشهر بتمامه إنما
~~يكون بعد انقضائه ولا معنى لترتب وجوب الصوم فيه بعد انقضائه وعليه يكون
~~قوله تعالى: { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من
~~أيام أخر } مخصصا بالنظر إلى المريض والمسافر كليهما، وعلى
~~الأول: مخصص بالنظر إلى الأول دون الثاني وتكريره حينئذ لذلك التخصيص أو
~~لئلا يتوهم نسخه كما نسخ قرينه والأول كما قيل على رأي من شرط في المخصص
~~أن يكون متراخيا موصولا، والثاني: على رأي من جوز كونه متقدما وهذا
~~بجعل المخصص هو الآية السابقة، و (ما) هنا لمجرد دفع التوهم ورجح المعنى
~~الأول من المعنيين بعدم الاحتياج إلى التقدير وبأن الفاء في { فمن
~~شهد } عليه وقعت في مخرها مفصلة لما أجمل في قوله تعالى: { شهر
~~رمضان } من وجوب التعظيم المستفاد مما في أثره على كل من أدركه
~~ومدركه إما حاضر أو مسافر فمن كان حاضرا فحكمه كذا الخ ولا يحسن أن يقال
~~من علم الهلال فليصم ومن كان مريضا أو على سفر فليقض لدخول القسم الثاني
~~في الأول والعاطف التفصيلي يقتضي المغايرة بينهما كذا قيل، لكن ذكر
~~المريض يقوي كونه مخصصا لدخوله فيمن شهد على الوجهين، ولذا ذهب أكثر
~~النحويين إلى أن الشهر مفعول به  فالفاء  للسببية أو للتعقيب لا
~~للتفصيل.

# { يريد الله } بهذا الترخيص { بكم اليسر ولا يريد
~~بكم العسر } لغاية رأفته وسعة رحمته، واستدل المعتزلة بالآية على
~~أنه قد يقع من العبد ما لا يريده الله تعالى وذلك لأن المريض والمسافر
~~إذا صاما حتى أجهدهما الصوم فقد فعلا خلاف ما أراد الله تعالى لأنه أراد
~~التيسير ولم يقع مراده، ورد بأن الله تعالى أراد التيسير وعدم التعسير في
~~حقهما بإباحة الفطر، وقد حصل بمجرد الأمر بقوله عز شأنه: { فعدة
~~من أيام أخر } من غير تخلف، وفي «البحر» تفسير الإرادة هنا
~~بالطلب، وفيه أنه التزام لمذهب الاعتزال من أن إرادته تعالى لأفعال
~~العباد عبارة عن الأمر وأنه تعالى ما طلب منا اليسر بل شرعه لنا، وتفسير
~~اليسر بما يسر ms00766 بعيد، وقرأ أبو جعفر (اليسر) و (العسر) بضمتين.

# { ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما
~~هداكم ولعلكم تشكرون } علل لفعل محذوف دل عليه { فمن
~~شهد منكم الشهر } الخ أي وشرع لكم جملة ما ذكر من أمر الشاهد
~~بصوم الشهر المستفاد من قوله تعالى: { فمن شهد منكم الشهر
~~فليصمه } وأمر المرخص له بالقضاء كيفما كان متواترا أو متفرقا
~~وبمراعاة عدة ما أفطره من غير نقصان فيه المستفادين من قوله سبحانه
~~وتعالى: { فعدة من أيام أخر } ومن الترخيص المستفاد من
~~قوله عز وجل: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم
~~العسر } أو من قوله تعالى: { فعدة } الخ  لتكملوا  الخ والأول
~~علة الأمر بمراعاة عدة الشهر بالأداء في حال شهود الشهر، وبالقضاء في حال
~~الإفطار بالعذر فيكون علة لمعللين أي أمرناكم بهذين الأمرين لتكملوا عدة
~~الشهر بالأداء والقضاء فتحصلوا خيراته ولا يفوتكم شيء من بركاته نقصت
~~أيامه أو كملت { ولتكبروا الله } علة الأمر بالقضاء وبيان
~~كيفيته { ولعلكم تشكرون } علة الترخيص والتيسير، وتغيير
~~الأسلوب للإشارة إلى أن هذا المطلوب بمنزلة المرجو لقوة الأسباب المتآخذة
~~في حصوله وهو ظهور كون الترخيص نعمة، والمخاطب موقن بكمال رأفته وكرمه مع
~~عدم فوات بركات الشهر، وهذا نوع من اللف لطيف المسلك قلما يهتدى إليه لأن
~~مقتضى الظاهر ترك الواو لكونها عللا لما سبق، ولذا قال من لم يبلغ درجة
~~الكمال: إنها زائدة أو عاطفة على علة مقدرة ووجه اختياره أما على الأول:
~~فظاهر، وأما على الثاني: فلما فيه من مزيد الاعتناء بالأحكام السابقة مع
~~عدم التكلف لأن الفعل المقدر لكونه مشتملا على ما سبق إجمالا يكون ما
~~سبق قرينة عليه مع بقاء التعليل/ بحاله ولكونه مغايرا له بالإجمال،
~~والتفصيل يصح عطفه عليه، وفي ذكر الأحكام تفصيلا أولا، وإجمالا ثانيا
~~وتعليلها من غير تعيين ثقة على فهم السامع بأن يلاحظها مرة بعد أخرى ويرد
~~كل علة إلى ما يليق به ما لا يخفى من الاعتناء، وجوز أن تكون عللا
~~لأفعال مقدرة كل فعل مع علة والتقدير  ولتكملوا العدة  أوجب عليكم ms00767 عدة
~~أيام أخر ولتكبروا الله على ما هداكم علمكم كيفية القضاء { ولعلكم
~~تشكرون } رخصكم في الإفطار وإن شئت جعلتها معطوفة على علة مقدرة أي
~~ليسهل عليكم أو لتعلموا ما تعملون ولتكملوا الخ وجعلت المجموع علة
~~للأحكام السابقة إما باعتبار أنفسها أو باعتبار الأعلام بها فقوله: ليسهل
~~أو لتعلموا علة لما سبق باعتبار الإعلام وما بعده علة للأحكام المذكورة
~~كما مر، ولك أن لا تقدر شيئا أصلا وتجعل العطف على اليسر أي  ويريد
~~بكم لتكملوا  الخ واللام زائدة مقدرة بعدها أن وزيدت كما قيل: بعد فعل
~~الإرادة تأكيدا له لما فيها من معنى الإرادة في قولك جئتك لإكرامك،
~~وقيل: إنها بمعنى أن كما في الرضي إلا أنه يلزم على هذا الوجه أن يكون {
~~ولعلكم تشكرون } عطفا على { يريد } إذ لا معنى لقولنا
~~يريد لعلكم تشكرون، وحينئذ يحصل التفكيك بين المتعاطفات وهو بعيد،
~~ولاستلزام هذا الوجه ذلك وكثرة الحذف في بعض الوجوه السابقة وخفاء بعضها
~~عدل بعضهم عن الجميع، وجعل الكلام من الميل مع المعنى لأن ما قبله علة
~~للترخيص فكأنه قيل: رخص لكم في ذلك لإرادته بكم اليسر دون ولتكملوا الخ،
~~ولا يخفى عليك ما هو الأليق بشأن الكتاب العظيم، والمراد من التكبير
~~الحمد والثناء مجازا لكونه فردا منه ولذلك عدي بعلى، واعتبار التضمين
~~أي لتكبروا حامدين ليس بمعتبر لأن الحمد نفس التكبير ولكونه على هذا
~~عبادة قولية ناسب أن يعلل به الأمر بالقضاء الذي هو نعمة قولية أيضا،
~~وأخرج ابن المنذر وغيره عن زيد بن أسلم أن المراد به التكبير يوم العيد،
~~وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه التكبير عند الإهلال، وأخرج
~~ابن جرير عنه أنه قال: حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن
~~يكبروا الله تعالى حتى يفرغوا من عيدهم لأن الله تعالى يقول: {
~~ولتكملوا العدة ولتكبروا الله } وعلى هذين القولين
~~لا يلائم تعليل الأحكام السابقة، و (ما) يحتمل أن تكون مصدرية وأن تكون
~~موصولة أي الذي هداكموه أو هداكم إليه، والمراد من الشكر ms00768 ما هو أعم من
~~الثناء ولذا ناسب أن يجعل طلبه تعليلا للترخيص الذي هو نعمة فعلية.

# وقرأ أبو بكر عن عاصم { ولتكملوا } بالتشديد.

### || [2.186]

# { وإذا سألك عبادي } في تلوين الخطاب مع توجيهه لسيد ذوي
~~الألباب عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى من التشريف ورفع المحل { عني }
~~أي عن قربي وبعدي إذ ليس السؤال عن ذاته تعالى. { فإني قريب } أي
~~فقل لهم ذلك بأن تخبر عن القرب بأي طريق كان، ولا بد من التقدير إذ بدونه
~~لا يترتب على الشرط، ولم يصرح بالمقدر كما في أمثاله للإشارة إلى أنه
~~تعالى تكفل جوابهم ولم يكلهم إلى رسوله صلى الله عليه وسلم تنبيها على
~~كمال لطفه، والقرب حقيقة في القرب المكاني المنزه عنه تعالى فهو استعارة
~~لعلمه تعالى بأفعال العباد وأقوالهم واطلاعه على سائر أحوالهم، وأخرج
~~سفيان بن عيينة وعبد الله بن أحمد عن أبي قال: قال المسلمون يا رسول
~~الله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله الآية { أجيب
~~دعوة الداع إذا دعان } دليل للقرب وتقرير له فالقطع لكمال
~~الاتصال، وفيه وعد الداعي بالإجابة في الجملة على ما تشير إليه كلمة {
~~إذا } لا كليا فلا حاجة إلى التقييد بالمشيئة المؤذن به قوله تعالى في
~~آية أخرى:

# فيكشف ما تدعون إليه إن شاء

# [الأنعام: 41] ولا إلى أن القول بأن إجابة الدعوة غير قضاء الحاجة لأنها
~~قوله سبحانه وتعالى: لبيك يا عبدي وهو موعود موجود لكل مؤمن يدعو ولا/
~~إلى تخصيص الدعوة بما ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، أو الداعي بالمطيع
~~المخبت. نعم كونه كذلك أرجى للإجابة لا سيما في الأزمنة المخصوصة
~~والأمكنة المعلومة والكيفية المشهورة، ومع هذا قد تتخلف الإجابة مطلقا
~~وقد تتخلف إلى بدل، ففي الصحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله
~~تبارك وتعالى إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له وإما أن
~~يكف عنه من السوء ms00769 مثلها "

# وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى.

# { فليستجيبوا لى } أي فليطلبوا إجابتي لهم إذا دعوني أو
~~فليجيبوا لي إذا دعوتهم للإيمان والطاعة كما أني أجيبهم إذا دعوني
~~لحوائجهم، واستجاب وأجاب واحد ومعناه قطع مسألته بتبليغه مراده من الجوب
~~بمعنى القطع، وهذا ما عليه أكثر المفسرين ولا يغني عنه { وليؤمنوا
~~بى } لأنه أمر بالثبات والمداومة على الإيمان { لعلهم يرشدون
~~} أي يهتدون لمصالح دينهم ودنياهم، وأصل الباب إصابة الخير، وقرىء بفتح
~~الشين وكسرها، ولما أمرهم سبحانه وتعالى بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم
~~على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على أنه تعالى
~~خبير بأفعالهم سميع لأقوالهم مجازيهم على أعمالهم تأكيدا له وحثا عليه،
~~أو أنه لما نسخ الأحكام في الصوم ذكر هذه الآية الدالة على كمال علمه
~~بحال العباد وكمال قدرته عليهم ونهاية لطفه بهم في أثناء نسخ الأحكام
~~تمكينا لهم في الإيمان، وتقريرا لهم على الاستجابة لأن مقام النسخ من
~~مظان الوسوسة والتزلزل، فالجملة على التقديرين اعتراضية بين كلامين
~~متصلين معنى، أحدهما: ما تقدم. والثاني: قوله سبحانه وتعالى: { أحل
~~لكم ليلة الصيام... }.

### || [2.187]

# { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم }
~~أخرج أحمد وجماعة عن كعب بن مالك قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل
~~فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد فرجع عمر بن
~~الخطاب رضي الله تعالى عنه من عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة
~~وقد سمر عنده فوجد امرأته قد نامت فأيقظها وأرادها فقالت: إني قد نمت
~~فقال: ما نمت، ثم وقع بها؛ وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر بن الخطاب
~~رضي الله تعالى عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فنزلت. وفي
~~رواية ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بينما هو نائم إذ سولت
~~له نفسه فأتى أهله ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول
~~الله إني أعتذر إلى الله تعالى وإليك من نفسي هذه الخاطئة فإنها زينت لي ms00770
~~فواقعت أهلي هل تجد لي من رخصة؟ قال: لم تكن حقيقا بذلك يا عمر فلما بلغ
~~بيته أرسل إليه فأنبأه بعذره في آية من القرآن وأمر الله تعالى رسوله أن
~~يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة فقال: { أحل لكم } الخ 
~~وليلة الصيام  الليلة التي يصبح منها صائما فالإضافة لأدنى ملابسة،
~~والمراد بها الجنس وناصبها  الرفث  المذكور أو المحذوف الدال هو عليه
~~بناءا على أن المصدر لا يعمل متقدما، وجوز أن يكون ظرفا  لأحل  لأن
~~إحلال الرفث في ليلة الصيام وإحلال الرفث الذي فيها متلازمان، والرفث من
~~رفث في كلامه وأرفث وترفث أفحش وأفصح بما يكنى عنه، والمراد به هنا
~~الجماع لأنه لا يكاد يخلو من الإفصاح، وما روي عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أنه أنشد وهو محرم:

# وهن يمشين بنا هميسا

# إن صدق الطير ننك لميسا

# فقيل له: أرفثت؟ فقال: إنما الرفث ما كان عند النساء، فالرفث فيه يحتمل
~~أن يكون قولا وأن يكون فعلا، والأصل فيه أن يتعدى  بالباء  وعدي بإلى
~~لتضمنه معنى الإفضاء ولم يجعل من أول الأمر كناية عنه لأن المقصود هو/
~~الجماع فقصرت المسافة، وإيثاره ههنا على ما كنى به عنه في جميع القرآن
~~من التغشية والمباشرة واللمس والدخول ونحوها استقباحا لما وجد منهم قبل
~~الإباحة، ولذا سماه اختيانا فيما بعد، والنساء جمع نسوة فهو جمع الجمع
~~أو جمع امرأة على غير اللفظ وإضافتها إلى ضمير المخاطبين للاختصاص إذ لا
~~يحل الإفضاء إلا لمن اختص بالمفضي إما بتزويج أو ملك، وقرأ عبد الله
~~(الرفوث).

# { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } أي هن سكن لكم
~~وأنتم سكن لهن قاله ابن عباس حين سأله نافع بن الأزرق وأنشد رضي الله
~~تعالى عنهما لما قال له: هل تعرف العرب ذلك؟ قول الذبياني:

# إذا ما الضجيع ثنى عطفه

# تثنت عليه فكانت (لباسا)

# ولما كان الرجل والمرأة يتعانقان ويشتمل كل منهما على صاحبه شبه كل واحد
~~بالنظر إلى صاحبه باللباس أو لأن كل واحد منهما يستر صاحبه ويمنعه ms00771 عن
~~الفجور، وقد جاء في الخبر

# " من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه "

# والجملتان مستأنفتان استئنافا نحويا والبياني يأباه الذوق، ومضمونهما
~~بيان لسبب الحكم السابق وهو قلة الصبر عنهن كما يستفاد من الأولى، وصعوبة
~~اجتنابهن كما تفيده الثانية  ولظهور احتياج الرجل إليهن وقلة صبره  قدم
~~الأولى، وفي الخبر

# " لا خير في النساء ولا صبر عنهن يغلبن كريما ويغلبهن لئيم وأحب أن
~~أكون كريما مغلوبا ولا أحب أن أكون لئيما غالبا "

# { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } جملة
~~معترضة بين قوله تعالى: { أحل } الخ وبين ما يتعلق به أعني { فالآن
~~} الخ لبيان حالهم بالنسبة إلى ما فرط منهم قبل الإحلال، ومعنى { علم
~~} تعلق علمه، و  الاختيان  تحرك شهوة الإنسان لتحري الخيانة أو الخيانة
~~البليغة فيكون المعنى تنقصون أنفسكم تنقيصا تاما بتعريضها للعقاب
~~وتنقيص حظها من الثواب، ويؤول إلى معنى تظلمونها بذلك، والمراد الاستمرار
~~عليه فيما مضى قبل إخبارهم بالحال كما ينبىء عنه صيغتا الماضي والمضارع
~~وهو متعلق العلم، وما تفهمه الصيغة الأولى من تقدم كونهم على الخيانة على
~~العلم يأبى حمله على الأزلي الذاهب إليه البعض.

# { فتاب عليكم } عطف على { علم } والفاء لمجرد التعقيب،
~~والمراد قبل توبتكم حين تبتم عن المحظور الذي ارتكبتموه { وعفا
~~عنكم } أي محا أثره عنكم وأزال تحريمه، وقيل: الأول لإزالة التحريم
~~وهذا لغفران الخطيئة { فالآن } مرتب على قوله سبحانه وتعالى: { أحل
~~لكم } نظرا إلى ما هو المقصود من الإحلال وهو إزالة التحريم أي حين
~~نسخ عنكم تحريم القربان وهو ليلة الصيام كما يدل عليه الغاية الآتية
~~فإنها غاية للأوامر الأربعة التي هذا ظرفها، والحضور المفهوم منه بالنظر
~~إلى فعل نسخ التحريم وليس حاضرا بالنظر إلى الخطاب بقوله تعالى: {
~~بشروهن } ، وقيل: إنه وإن كان حقيقة في الوقت الحاضر إلا أنه قد
~~يطلق على المستقبل القريب تنزيلا له منزلة الحاضر وهو المراد هنا أو إنه
~~مستعمل في حقيقته والتقدير قد أبحنا لكم مباشرتهن، وأصل المباشرة إلزاق
~~البشرة بالبشرة وأطلقت على الجماع للزومها لها.

# { وابتغوا ما كتب الله لكم } أي اطلبوا ms00772 ما قدره الله
~~تعالى لكم في اللوح من الولد، وهو المروي عن ابن عباس والضحاك ومجاهد رضي
~~الله تعالى عنهم وغيرهم. والمراد الدعاء بطلب ذلك بأن يقولوا: اللهم
~~ارزقنا ما كتبت لنا، وهذا لا يتوقف على أن يعلم كل واحد أنه قدر له ولد،
~~وقيل: المراد ما قدره لجنسكم والتعبير بما نظرا إلى الوصف كما في قوله
~~تعالى:

# والسماء وما بنها

# [الشمس: 5] وفي الآية دلالة على أن المباشر ينبغي أن يتحرى بالنكاح حفظ
~~النسل  لا قضاء الشهوة فقط  لأنه سبحانه وتعالى جعل لنا شهوة الجماع
~~لبقاء نوعنا إلى/ غاية كما جعل لنا شهوة الطعام لبقاء أشخاصنا إلى غاية،
~~ومجرد قضاء الشهوة لا ينبغي أن يكون إلا للبهائم، وجعل بعضهم هذا الطلب
~~كناية عن النهي عن العزل، أو عن إتيان المحاش، وبعض فسر من أول مرة ما
~~كتب بما سن وشرع من صب الماء في محله، أي اطلبوا ذلك دون العزل والإتيان
~~المذكورين  والمشهور حرمتهما  أما الأول: فالمذكور في الكتب فيه أنه لا
~~يعزل الرجل عن الحرة بغير رضاها، وعن الأمة المنكوحة بغير رضاها أو رضا
~~سيدها على الاختلاف بين الإمام وصاحبيه، ولا بأس بالعزل عن أمته بغير
~~رضاها إذ لا حق لها. وأما الثاني: فسيأتي بسط الكلام فيه على أتم وجه إن
~~شاء الله تعالى. وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه تفسير ذلك بليلة القدر.
~~وحكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أيضا وعن قتادة أن المراد: ابتغوا
~~الرخصة التي كتب الله تعالى لكم فإن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب
~~أن تؤتى عزائمه، وعليه تكون الجملة كالتأكيد لما قبلها، وعن عطاء أنه سئل
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كيف تقرأ هذه الآية { ابتغوا } أو
~~(اتبعوا)؟ فقال: أيهما شئت، وعليك بالقراءة الأولى.

# { وكلوا واشربوا } الليل كله { حتى يتبين } أي يظهر
~~{ لكم الخيط الأبيض } وهو أول ما يبدو من الفجر الصادق
~~المعترض في الأفق قبل انتشاره، وحمله على الفجر الكاذب المستطيل الممتد
~~كذنب السرحان وهم { من ms00773 الخيط الاسود } وهو ما يمتد مع بياض
~~الفجر من ظلمة آخر الليل { من الفجر } بيان لأول الخيطين  ومنه
~~يتبين الثاني  وخصه بالبيان لأنه المقصود وقيل: بيان لهما بناءا على أن
~~الفجر عبارة عن مجموعهما لقول الطائي:

# وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه

# فهو على وزان قولك: حتى يتبين العالم من الجاهل من القوم، وبهذا البيان
~~خرج الخيطان عن الاستعارة إلى التشبيه لأن شرطها عندهم تناسيه بالكلية،
~~وادعاء أن المشبه هو المشبه به لولا القرينة والبيان ينادي على أن المراد
~~ مثل هذا الخيط وهذا الخيط  إذ هما لا يحتاجان إليه، وجوز أن تكون {
~~من } تبعيضية لأن ما يبدو جزء من الفجر كما أنه فجر بناء على أنه اسم
~~للقدر المشترك بين الكل والجزاء، و { من } الأولى قيل: لابتداء للغاية،
~~وفيه أن الفعل المتعدي بها يكون ممتدا أو أصلا للشيء الممتد، وعلامتها
~~أن يحسن في مقابلتها (إلى) أو ما يفيد مفادها  وما هنا ليس كذلك 
~~فالظاهر أنها متعلقة ب { يتبين } بتضمين معنى التميز، والمعنى حتى
~~يتضح لكم الفجر متميزا عن غبش الليل؛ فالغاية إباحة ما تقدم حتى يتبين
~~أحدهما من الآخر ويميز بينهما، ومن هذا وجه عدم الاكتفاء ب { حتى
~~يتبين لكم } الفجر، أو (يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر) لأن
~~تبين الفجر له مراتب كثيرة، فيصير الحكم مجملا محتاجا إلى البيان، وما
~~أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما قال: "
~~أنزلت { وكلوا واشربوا } الخ ولم ينزل { من الفجر } فكان
~~رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود
~~فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله تعالى بعد { من
~~الفجر } فعلموا إنما يعني الليل والنهار " ، فليس فيه نص على أن
~~الآية قبل محتاجة إلى البيان بحيث لا يفهم منها المقصود إلا به وأن تأخير
~~البيان عن وقت الحاجة جائز لجواز أن يكون الخيطان مشتهرين في المراد
~~منهما، إلا أنه صرح بالبيان لما التبس على بعضهم، ويؤيد ذلك أنه صلى الله
~~عليه وسلم ms00774 وصف من لم يفهم المقصود من الآية قبل التصريح  بالبلادة  ولو
~~كان الأمر موقوفا على البيان لاستوى فيه الذكي البليد، فقد أخرج سفيان
~~بن عيينة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وجماعة عن عدي بن حاتم
~~رضي الله تعالى عنه قال: " لما أنزلت هذه الآية/ { وكلوا
~~واشربوا } الخ عمدت إلى عقالين أحدهما: أسود والآخر أبيض فجعلتهما
~~تحت وسادتي فجعلت أنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود فلما أصبحت
~~غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بالذي صنعت فقال:

# " إن وسادك إذا لعريض إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل "

# وفي رواية:

# " إنك لعريض القفا "

# وقيل: إن نزول الآية كان قبل دخول رمضان  وهي مبهمة  والبيان ضروري
~~إلا أنه تأخر عن وقت الخطاب لا عن وقت الحاجة وهو لا يضر  ولا يخفى ما
~~فيه  وقال أبو حيان: إن هذا من باب النسخ، ألا ترى أن الصحابة عملوا
~~بظاهر ما دل عليه اللفظ ثم صار مجازا بالبيان ويرده على ما فيه أن النسخ
~~يكون بكلام مستقل ولم يعهد نسخ هكذا.

# وفي هذه الأوامر دليل على جواز نسخ السنة بالكتاب بل على وقوعه بناءا
~~على القول بأن الحكم المنسوخ من حرمة الوقاع والأكل والشرب كانت ثابتة
~~بالسنة، وليس في القرآن ما يدل عليها، و { أحل } أيضا يدل على ذلك
~~إلا أنه نسخ بلا بدل وهو مختلف فيه، واستدل بالآية على صحة صوم الجنب
~~لأنه يلزم من إباحة المباشرة إلى تبين الفجر إباحتها في آخر جزء من أجزاء
~~الليل متصل بالصبح فإذا وقعت كذلك أصبح الشخص جنبا فإن لم يصح صومه لما
~~جازت المباشرة لأن الجنابة لازمة لها ومنافي اللازم مناف للملزوم، ولا
~~يرد خروج المني بعد الصبح بالجماع الحاصل قبله لأنه إنما يفسد الصوم
~~لكونه مكمل الجماع فهو جماع واقع في الصبح، وليس بلازم للجماع كالجنابة،
~~وخالف في ذلك بعضهم ومنع الصحة زاعما أن الغاية متعلقة بما عندها، واحتج
~~بآثار صح لدى المحدثين خلافها.

# واستدل بها أيضا على جواز الأكل ms00775 مثلا لمن شك في طلوع الفجر لأنه تعالى
~~أباح ما أباح مغيا بتبينه ولا تبين مع الشك خلافا لمالك ومجاهد بها على
~~عدم القضاء والحال هذه إذا بان أنه أكل بعد الفجر لأنه أكل في وقت أذن له
~~فيه، وعن سعيد بن منصور مثله  وليس بالمنصور  والأئمة الأربعة رضي الله
~~تعالى عنهم على أن أول النهار الشرعي طلوع الفجر فلا يجوز فعل شيء من
~~المحظورات بعده وخالف في ذلك الأعمش ولا يتبعه إلا الأعمى، فزعم أن أوله
~~طلوع الشمس كالنهار العرفي وجوز فعل المحظورات بعد طلوع الفجر، وكذا
~~الإمامية وحمل { من الفجر } على التبعيض وإرادة الجزء الأخير منه
~~والذي دعاه لذلك خبر «صلاة النهار عجماء» وصلاة الفجر ليست بها فهي في
~~الليل، وأيده بعضهم بأن شوب الظلمة بالضياء كما أنه لم يمنع من الليلية
~~بعد غروب الشمس ينبغي أن لا يمنع منها قبل طلوعها وتساوي طرفي الشيء مما
~~يستحسن في الحكمة وإلى البدء يكون العود.

# وفيه أن النهار في الخبر بعد تسليم صحته يحتمل أن يكون بالمعنى العرفي
~~ولو أراده سبحانه وتعالى في هذا الحكم لقال: وكلوا واشربوا إلى النهار {
~~ثم أتموا الصيام إلى اليل } مع أنه أخصر وأوفق مما عدل
~~إليه فحيث لم يفعل فهم أن الأمر مربوط بالفجر لا بطلوع الشمس سواء عد ذلك
~~نهارا أم لا، وما ذكر من استحسان تساوي طرفي الشيء مع كونه  مما لا
~~يسمن ولا يغني من جوع  في هذا الباب يمكن معارضته بأن جعل أول النهار
~~كأول الليل وهما متقابلان مما يدل على عظم قدرة الصانع الحكيم وإلى
~~الانتهاء غاية الإتمام، ويجوز أن يكون حالا من الصيام فيتعلق بمحذوف ولا
~~يجوز جعله غاية للإيجاب لعدم امتداده، وعلى التقديرين تدل الآية على نفي
~~كون الليل محل الصوم وأن يكون صوم اليومين صومة واحدة، وقد استنبط النبي
~~صلى الله عليه وسلم منها حرمة الوصال كما قيل، فقد روى أحمد من طريق ليلى
~~امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعني بشير ms00776
~~وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه وقال: يفعل ذلك النصارى
~~ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى، وأتموا الصيام إلى الليل فإذا كان
~~الليل فافطروا " ، ولا تدل الآية على أن لا يجوز الصوم حتى يتخلل الإفطار
~~خلافا لزاعمه، / نعم استدل بها على صحة نية رمضان في النهار، وتقرير ذلك
~~أن قوله تعالى: { ثم أتموا } الخ معطوف على قوله: {
~~بشروهن } إلى قوله سبحانه: { حتى يتبين } وكلمة {
~~ثم } للتراخي والتعقيب بمهلة  واللام  في (الصيام) للعهد على ما هو
~~الأصل، فيكون مفاد { ثم أتموا } الخ الأمر  بإتمام الصيام 
~~المعهود أي الإمساك المدلول عليه بالغاية سواء فسر بإتيانه تاما، أو
~~بتصييره كذلك متراخيا عن الأمور المذكورة المنقضية بطلوع الفجر تحقيقا
~~لمعنى (ثم) فصارت نية الصوم بعد مضي جزء من الفجر لأن قصد الفعل إنما
~~يلزمنا حين توجه الخطاب، وتوجهه  بالإتمام  بعد الفجر لأنه بعد الجزء
~~الذي هو غاية لانقضاء الليل تحقيقا لمعنى التراخي، والليل لا ينقضي إلا
~~متصلا بجزء من الفجر، فتكون النية بعد مضي جزء الفجر الذي به انقطع
~~الليل، وحصل فيه الإمساك المدلول عليه بالغاية، فإن قيل: لو كان كذلك وجب
~~وجوب النية بعد المضي، أجيب بأن ترك ذلك بالإجماع، وبأن إعمال الدليلين 
~~ولو بوجه  أولى من إهمال أحدهما، فلو قلنا بوجوب النية كذلك عملا
~~بالآية بطل العمل بخبر «لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل» ولو قلنا
~~باشتراط النية قبله عملا بالخبر بطل العمل بالآية، فقلنا بالجواز عملا
~~بهما، فإن قيل: مقتضى الآية  على ما ذكر  الوجوب وخبر الواحد لا
~~يعارضها، أجيب بأنها متروكة الظاهر بالإجماع فلم تبق قاطعة  فيجوز أن
~~يكون الخبر بيانا لها  ولبعض الأصحاب تقرير الاستدلال بوجه آخر، ولعل
~~ما ذكرناه أقل مؤنة فتدبر.

# وزعم بعض الشافعية أن الآية تدل على وجوب التبييت، لأن معنى { ثم
~~أتموا } صيروه تاما بعد الانفجار، وهو يقتضي الشروع فيه قبله  وما
~~ذاك إلا بالنية  إذ لا وجوب للإمساك قبل، ولا يخفى ما فيه.

# { ولا تبشروهن وأنتم عكفون في ms00777 المسجد } أي
~~معتكفون فيها  والاعتكاف  في اللغة الاحتباس واللزوم مطلقا، ومنه
~~قوله:

# فباتت بنات الليل حولي  عكفا 

#  عكوف  بواكي حولهن صريع

# وفي الشرع لبث مخصوص، والنهي عطف على أول الأوامر  والمباشرة فيه
~~كالمباشرة فيه  وقد تقدم أن المراد بها الجماع، إلا أنه لزم من إباحة
~~الجماع إباحة اللمس والقبلة وغيرهما بخلاف النهي فإنه  لا يستلزم النهي
~~عن الجماع  النهي عنهما، فهما إما مباحان اتفاقا بأن يكونا بغير شهوة،
~~وإما حرامان بأن يكونا بها يبطل الاعتكاف ما لم ينزل وصحح معظم أصحاب
~~الشافعي البطلان  وقيل: المراد من  المباشرة  ملاقاة البشرتين، ففي
~~الآية منع عن مطلق المباشرة  وليس بشيء  فقد كانت عائشة رضي الله تعالى
~~عنها ترجل رأس النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف، وفي تقييد 
~~الاعتكاف بالمساجد  دليل على أنه لا يصح إلا في المسجد إذ لو جاز شرعا
~~في غيره لجاز في البيت  وهو باطل بالإجماع  ويختص بالمسجد الجامع عند
~~الزهري، وروي عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه مختص بمسجد له
~~إمام ومؤذن راتب، وقال حذيفة رضي الله تعالى عنه: يختص بالمساجد الثلاث،
~~وعن علي كرم الله تعالى وجهه لا يجوز إلا في المسجد الحرام، وعن ابن
~~المسيب لا يجوز إلا فيه أو في المسجد النبوي، ومذهب الشافعي رضي الله
~~تعالى عنه أنه يصح في جميع المساجد مطلقا بناءا على عموم اللفظ وعدم
~~اعتبار أن المطلق ينصرف إلى الكامل، واستدل بالآية على صحة اعتكاف المرأة
~~في غير المسجد بناءا على أنها لا تدخل في خطاب الرجال، وعلى اشتراط
~~الصوم في الاعتكاف لأنه قصر الخطاب على الصائمين، فلو لم يكن الصوم من
~~شرطه لم يكن لذلك معنى، وهو المروي عن نافع مولى ابن عمر، وعائشة رضي
~~الله تعالى عنهم، وعلى أنه لا يكفي فيه أقل من يوم  كما أن الصوم لا
~~يكون كذلك  والشافعي رضي الله تعالى/ عنه لا يشترط يوما ولا صوما، لما
~~أخرج الدارقطني والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن النبي ms00778
~~صلى الله عليه وسلم قال:

# " ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه "

# ومثله عن ابن مسعود، وعن علي كرم الله تعالى وجهه روايتان أخرجهما ابن
~~أبي شيبة من طريقين إحداهما: الاشتراط، وثانيتهما: عدمه، وعلى أن
~~المعتكف إذا خرج من المسجد فباشر خارجا جاز لأنه حصر المنع من المباشرة
~~حال كونه فيه، وأجيب بأن المعنى: لا تباشروهن حال ما يقال لكم إنكم
~~عاكفون في المساجد ومن خرج من المسجد لقضاء الحاجة فاعتكافه باق، ويؤيده
~~ما روي عن قتادة كان الرجل يعتكف فيخرج إلى امرأته فيباشرها ثم يرجع 
~~فنهوا عن ذلك  واستدل بها أيضا على أن الوطء يفسد الاعتكاف لأن النهي
~~للتحريم، وهو في العبادات يوجب الفساد، وفيه أن المنهي عنه هنا 
~~المباشرة حال الاعتكاف  وهو ليس من العبادات لا يقال: إذا وقع أمر منهي
~~عنه في العبادة  كالجماع في الاعتكاف  كانت تلك العبادة منهية باعتبار
~~اشتمالها على المنهي ومقارنتها إياه إذ يقال: فرق بين كون الشيء منهيا
~~عنه باعتبار ما يقارنه، وبين كون المقارن منهيا في ذلك الشيء والكلام في
~~الأول، وما نحن فيه من قبيل الثاني.

# { تلك } أي الأحكام الستة المذكورة المشتملة على إيجاب وتحريم وإباحة
~~{ حدود الله } أي حاجزة بين الحق والباطل { فلا تقربوها }
~~كيلا يدانى الباطل والنهي عن القرب من  تلك الحدود  التي هي الأحكام
~~كناية عن النهي عن قرب الباطل لكون الأول لازما للثاني وهو أبلغ من (لا
~~تعتدوها) لأنه نهي عن قرب الباطل بطريق الكناية التي هي أبلغ من الصريح،
~~وذلك نهي عن الوقوع في الباطل بطريق الصريح، وعلى هذا لا يشكل لا تقربوها
~~في تلك الأحكام مع اشتمالها على ما سمعت، ولا وقوع

# فلا تعتدوها

# [البقرة: 229] وفي آية أخرى إذ قد حصل الجمع وصح لا تقربوها في الكل،
~~وقيل: يجوز أن يراد بحدود الله تعالى محارمه ومناهيه إما لأن الأوامر
~~السابقة تستلزم النواهي لكونها مغياة بالغاية، وإما لأن المشار إليه قوله
~~سبحانه: { ولا تبشروهن } وأمثاله، وقال أبو مسلم: معنى { لا
~~تقربوها } لا تتعرضوا ms00779 لها بالتغيير كقوله تعالى:

# ولا تقربوا مال اليتيم

# [الأنعام: 152] فيشمل جميع الأحكام  ولا يخفى ما في الوجهين من التكليف
~~ والقول  بأن تلك إشارة إلى الأحكام  والحد  إما بمعنى المنع أو
~~بمعنى الحاجز بين الشيئين، فعلى الأول: يكون المعنى تلك الأحكام ممنوعات
~~الله تعالى عن الغير ليس لغيره أن يحكم بشيء { فلا تقربوها } أي
~~لا تحكموا على أنفسكم أو على عباده من عند أنفسكم بشيء  فإن الحكم لله
~~تعالى عز شأنه  وعلى الثاني: يريد أن تلك الأحكام حدود حاجزة بين
~~الألوهية والعبودية، فالإله يحكم والعباد تنقاد، فلا تقربوا الأحكام لئلا
~~تكونوا مشركين بالله تعالى  لا يكاد يعرض على ذي لب فيرتضيه، وهو بعيد
~~بمراحل عن المقصود كما لا يخفى.

# { كذلك } أي مثل ذلك التبيين الواقع في أحكام الصوم { يبين
~~الله آياته } إما مطلقا أو الآيات الدالة على سائر الأحكام التي
~~شرعها { للناس لعلهم يتقون } مخالفة أوامره ونواهيه،
~~والجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه لتقرير الأحكام السابقة
~~والترغيب إلى امتثالها بأنها شرعت لأجل تقواكم، ولما ذكر سبحانه الصيام
~~وما فيه عقبه بالنهي عن الأكل الحرام المفضي إلى عدم قبول عبادته من
~~صيامه واعتكافه فقال: { ولا تأكلوا أمولكم بينكم
~~بالبطل... }.

### || [2.188]

# { ولا تأكلوا أمولكم بينكم بالبطل } والمراد من
~~ الأكل  ما يعم الأخذ والاستيلاء، وعبر به/ لأنه أهم الحوائج  وبه
~~يحصل إتلاف المال غالبا  والمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض، فهو على حد

# ولا تلمزوا أنفسكم

# [الحجرات: 11] وليس من تقسيم الجمع على الجمع، كما في  ركبوا دوابهم 
~~حتى يكون معناه لا يأكل كل واحد منكم مال نفسه، بدليل قوله سبحانه: {
~~بينكم } فإنه  بمعنى الواسطة  يقتضي أن يكون ما يضاف إليه منقسما
~~إلى طرفين بكون الأكل والمال حال الأكل متوسطا بينهما  وذلك ظاهر على
~~المعنى المذكور  والظرف متعلق ب { تأكلوا } كالجار والمجرور بعده،
~~أو بمحذوف حال من الأموال  والباء  للسببية والمراد من الباطل الحرام،
~~كالسرقة والغصب، وكل ما لم يأذن بأخذه الشرع.

# { وتدلوا بها إلى الحكام } عطف على { تأكلوا } فهو
~~منهي عنه مثله مجزوم بما ms00780 جزم به وجوز نصبه بأن مضمرة ومثل هذا التركيب
~~وإن كان للنهي عن الجمع إلا أنه لا ينافي أن يكون كل من الأمرين منهيا
~~عنه والإدلاء في الأصل إرسال الحبل في البئر ثم استعير للتوصل إلى الشيء
~~أو الإلقاء  والباء  صلة الإدلاء وجوز أن تكون سببية والضمير المجرور
~~للأموال أي لا تتوصلوا، أو لا تلقوا بحكومتها والخصومة فيها إلى  الحكام
~~ وقيل: لا تلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة، وقرأ أبي {
~~ولا تدلوا }.

# { لتأكلوا } بالتحاكم والرفع إليهم { فريقا } قطعة وجملة. {
~~من أمول الناس بالإثم } أي بسبب ما يوجب إثما كشهادة الزور
~~واليمين الفاجرة، ويحتمل أن تكون  الباء  للمصاحبة أي متلبسين  بالإثم
~~ والجار والمجرور على الأول: متعلق بتأكلوا وعلى الثاني: حال من فاعله
~~وكذلك { وأنتم تعلمون } ومفعول العلم محذوف أي  تعلمون  أنكم
~~مبطلون، وفيه دلالة على أن من لا يعلم أنه مبطل، وحكم له الحاكم بأخذ مال
~~فإنه يجوز له أخذه، أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير مرسلا أن عبدان
~~بن أشوع الحضرمي، وامرؤ القيس بن عابس اختصما في أرض ولم تكن بينة فحكم
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحلف امرؤ القيس فهم به فقرأ رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم:

# إن الذين يشترون بعهد الله وأيمنهم ثمنا
~~قليلا

# [آل عمران: 77] فارتدع عن اليمين وسلم الأرض فنزلت.

# واستدل بها على أن حكم القاضي لا ينفذ باطنا فلا يحل به الأخذ في
~~الواقع، وإلى ذلك ذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وأبو يوسف ومحمد،
~~ويؤيده ما أخرجه البخاري ومسلم عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم
~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض
~~فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه
~~فإنما أقطع له قطعة من النار "

# وذهب الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه إلى أن الحاكم إذا حكم ببينة
~~بعقد ms00781 أو فسخ عقد مما يصح أن يبتدأ فهو نافذ ظاهرا وباطنا ويكون كعقد
~~عقداه بينهما، وإن كان الشهود زورا كما روي أن رجلا خطب امرأة هو دونها
~~فأبت فادعى عند علي كرم الله تعالى وجهه أنه تزوجها وأقام شاهدين فقالت
~~المرأة: لم أتزوجه وطلبت عقد النكاح فقال علي كرم الله تعالى وجهه: قد
~~زوجك الشاهدان، وذهب فيمن ادعى حقا في يدي رجل وأقام بينة تقتضي أنه له
~~وحكم بذلك الحاكم أنه لا يباح له أخذه وإن حكم الحاكم لا يبيح له ما كان
~~قبل محظورا عليه وحمل الحديث على ذلك، والآية ليست نصا في مدعى مخالفيه
~~لأنهم إن أرادوا أنها دليل على عدم النفوذ مطلقا فممنوع وإن أرادوا أنها
~~دليل على عدم النفوذ في الجملة فمسلم ولا نزاع فيه لأن الإمام الأعظم رضي
~~الله تعالى عنه يقول بذلك، ولكن فيما سمعت والمسألة معروفة في الفروع
~~والأصول ولها تفصيل في «أدب القاضي» فارجع إليه.

### || [2.189]

# { يسئلونك عن الأهلة } أخرج ابن عساكر بسند ضعيف  أن
~~معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو ويطلع
~~دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير ثم لا يزال ينقص ويدق
~~حتى يعود كما كان لا يكون على حال واحد؟ فنزلت، وفي رواية أن معاذا قال:
~~يا رسول الله إن اليهود يكثرون مسألتنا عن الأهلة فأنزل الله تعالى هذه
~~الآية، فيراد بالجمع على الرواية الأولى ما فوق الواحد أو ينزل الحاضرون
~~المترقبون للجواب منزلة السائل وظاهره المتبادر على الرواية الثانية
~~بناءا على أن سؤال اليهود من بعض أصحابه بمنزلة السؤال منه صلى الله
~~عليه وسلم إذ هو طريق علمهم ومستمد فيضهم، والأهلة جمع هلال واشتقاقه من
~~استهل الصبي إذا بكى وصاح حين يولد ومنه أهل القوم بالحج إذا رفعوا
~~أصواتهم بالتلبية، وسمي به القمر في ليلتين من أول الشهر، أو في ثلاث أو
~~حتى يحجر وتحجيره أن يستدير بخط دقيق  وإليه ذهب الأصمعي  أو حتى يبهر
~~ضوءه سواد الليل، ms00782 وغيا ذلك بعضهم بسبع ليال  وسمي بذلك لأنه حين يرى يهل
~~الناس بذكره  أو بالتكبير؛ ولهذا يقال: أهل الهلال واستهل ولا يقال
~~هل، والسؤال يحتمل أن يكون عن الغاية والحكمة وأن يكون عن السبب والعلة،
~~ولا نص في الآية والخبر على أحدهما أما الملفوظ من الآية فظاهر، وأما
~~المحذوف فيحتمل أن يقدر ما سبب اختلافها وأن يقدر ما حكمته، وهي وإن كانت
~~في الظاهر سؤالا عن التعدد إلا أنها في الحقيقة متضمنة للسؤال عن اختلاف
~~التشكلات النورية لأن التعدد يتبع اختلافها إذ لو كان الهلال على شكل
~~واحد لا يحصل التعدد كما لا يخفى، وأما الخبر فلأن ما فيه يسأل بها عن
~~الجنس وحقيقته فالمسؤول حينئذ حقيقة أمر الهلال وشأنه حال اختلاف تشكلاته
~~النورية، ثم عوده إلى مكان عليه وذلك الأمر المسؤول عن حقيقته يحتمل ذينك
~~الأمرين بلا ريب فعلى الأول: يكون الجواب بقوله تعالى: { قل هى
~~مواقيت للناس والحج } مطابقا مبينا للحكمة الظاهرة اللائقة
~~بشأن التبليغ العام المذكرة لنعمة الله تعالى ومزيد رأفته سبحانه وهي أن
~~يكون معالم للناس يوقتون بها أمورهم الدنيوية ويعلمون أوقات زروعهم
~~ومتاجرهم ومعالم للعبادات الموقتة يعرف بها أوقاتها كالصيام والإفطار
~~وخصوصا الحج، فإن الوقت مراعى فيه أداءا وقضاءا ولو كان الهلال مدورا
~~كالشمس أو ملازما حالة واحدة لم يكد يتيسر التوقيت به، ولم يذكر صلى
~~الله عليه وسلم الحكمة الباطنة لذلك مثل كون اختلاف تشكلاته سببا عاديا
~~أو جعليا لاختلاف أحوال المواليد العنصرية كما بين في محله لأنه مما لم
~~يطلع عليه كل أحد، وعلى الثاني: يكون من الأسلوب الحكيم، ويسمى القول
~~بالموجب وهو تلقي السائل بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيها
~~على أنه الأولى بحاله  واختاره السكاكي وجماعة  فيكون في هذا الجواب
~~إشارة إلى أن الأولى على تقدير وقوع السؤال أن يسألوا عن الحكمة لا عن
~~السبب لأنه لا يتعلق به صلاح معاشهم ومعادهم، والنبي إنما بعث لبيان ذلك
~~لا لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ليسوا ممن يطلع على دقائق ms00783 علم الهيئة
~~الموقوفة على الأرصاد والأدلة الفلسفية كما وهم لأن ذلك على فرض تسليمه
~~في حق أولئك المشائين في ركاب النبوة، والمرتاضين في رواق الفتوة،
~~والفائزين بإشراق الأنوار، والمطلعين بأرصاد قلوبهم على دقائق الأسرار،
~~وإن لم يكن نقصا من قدرهم إلا أنه يدل على أن سبب الاختلاف ما بين في
~~علم الهيئة من بعد القمر عن الشمس وقربه إليها وهو باطل عند أهل الشريعة
~~فإنه مبني على أمور لم يثبت جزما شيء منها غاية الأمر أن الفلاسفة الأول
~~تخيلوها موافقة لما أبدعه الحكيم المطلق كما يشير إليه كلام مولانا الشيخ
~~الأكبر قدس سره في «فتوحاته»، ومما ينادي على أن ما ذهبوا إليه مجرد
~~تخيل/ لا تأباه الحكمة وليس مطابقا لما في نفس الأمر أن المتأخرين مما
~~انتظم في سلك الفلاسفة كهرشل الحكيم وأتباعه أصحاب الرصد والزيج الجديد
~~تخيلوا خلاف ما ذهب إليه الأولون في أمر الهيئة، وقالوا: بأن الشمس مركز
~~والأرض وكذا النجوم دائرة حولها وبنوا حكم الكسوف والخسوف ونحوه على ذلك
~~وبرهنوا عليه وردوا مخالفيه ولم يتخلف شيء من أحكامهم في هذا الباب بل
~~يقع حسبما يقع ما يقوله الأولون مبنيا على زعمهم فحيث اتفقت الأحكام مع
~~اختلاف المبنيين وتضاد المشائين، ورد أحد الزعمين بالآخر ارتفع الوثوق
~~بكلا المذهبين ووجب الرجوع إلى العلم المقتبس من مشكاة الرسالة والمنقدح
~~من أنوار شمس السيادة والبسالة، والاعتماد على ما قاله الشارع الأعظم صلى
~~الله عليه وسلم بعد إمعان النظر فيه وحمله على أحسن معانيه وإذا أمكن
~~الجمع بين ما يقوله الفلاسفة كيف كانوا مما يقبله العقل وبين ما يقوله
~~سيد الحكماء ونور أهل الأرض والسماء فلا بأس به بل هو الأليق الأحرى في
~~دفع الشكوك التي كثيرا ما تعرض لضعفاء المؤمنين وإذا لم يمكن ذلك فعليك
~~بما دارت عليه أفلاك الشرع وتنزلت به أملاك الحق.

# إذا قالت حذام فصدقوها

# فإن القول ما قالت حذام

# وسيأتي تتمة لهذا المبحث إن شاء الله تعالى.

# والمواقيت جمع ميقات صيغة آلة أي ما يعرف به الوقت، ms00784 والفرق بينه وبين
~~المدة والزمان  على ما يفهم من كلام الراغب  أن المدة المطلقة امتداد
~~حركة الفلك في الظاهر من مبدئها إلى منتهاها، والزمان مدة مقسومة إلى
~~السنين والشهور والأيام والساعات، والوقت الزمان المقدر والمعين، وقرىء
~~بإدغام نون (عن) في (الأهلة) بعد النقل والحذف، واستدل بالآية على جواز
~~الإحرام بالحج في كل السنة، وفيه بعد بل ربما يستدل بها على خلاف ذلك
~~لأنه لو صح لم يحتج إلى الهلال في الحج، وإنما احتيج إليه لكونه خاصا
~~بأشهر معلومة محتاجة في تمييزها عن غيرها إليه، وإلى هذا ذهب الشافعي رضي
~~الله تعالى عنه، ومناسبة الآية لما قبلها ظاهرة لأنه في بيان حكم الصيام،
~~وذكر شهر رمضان وبحث الأهلة يلائم ذلك لأن الصوم مقرون برؤية الهلال وكذا
~~الإفطار، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:

# " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته "

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: أنه سبحانه ذكر قوانين جليلة من قوانين
~~العدالة، فمنها القصاص الذي فرض لإزالة عدوان القوة السبعية، وهو ظل من
~~ظلال عدله فإذا تصرف في عبده بإفنائه وقتله بسيف حبه عوضه عن حر روحه
~~روحا، وعن عبد قلبه قلبا، وعن أنثى نفسه نفسا فإنه كما كتب القصاص في
~~قتلاكم  كتب على نفسه الرحمة في قتلاه  ففي بعض الآثار من طرق القوم
~~أنه سبحانه يقول: " من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته " ولكن في مقاصة
~~الله تعالى إياكم بما ذكر حياة عظيمة لا موت بعدها يا أولي العقول
~~الخالصة عن قشر الأوهام وغواشي التعينات والأجرام لكي تتقوا تركه أو شرك
~~وجودكم، ومنها الوصية التي هي قانون آخر فرض لإزالة نقصان القوة الملكية
~~وقصورها عما تقتضي الحكمة من التصرفات ووصية أهل الله تعالى قدس الله
~~تعالى أسرارهم المحافظة على عهد الأزل بترك ما سوى الحق، ومنها الصيام،
~~وهو قانون فرض لإزالة تسلط القوى البهيمية، وهو عند أهل الحقيقة الإمساك
~~عن كل قول وفعل وحركة ليس بالحق للحق والأيام المعدودة هي أيام الدنيا
~~التي ستنقرض عن قريب فاجعلها كلها أيام صومك، واجعل ms00785 فطرك في عيد لقاء
~~الله تعالى، وشهر رمضان هو وقت احتراق النفس واضمحلالها بأنوار تجليات
~~القرب الذي أنزل فيه القرآن، وهو العلم الإجمالي الجامع هداية للناس إلى
~~الوحدة باعتبار الجمع، ودلائل مفصلة من الجمع، والفرق  فمن حضر منكم ذلك
~~الوقت/ وبلغ مقام الشهود فليمسك عن كل شيء إلا له، وبه، وفيه، ومنه،
~~وإليه، ومن كان مبتلى بأمراض القلب والحجب النفسانية المانعة عن الشهود؛
~~أو على سفر وتوجه إلى ذلك المقام فعليه مراتب أخر يقطعها حتى يصل إليه {
~~يريد الله بكم اليسر } والوصول إلى مقام التوحيد، والاقتدار
~~بقدرته { ولا يريد بكم العسر } وتكلف الأفعال بالنفس الضعيفة
~~{ ولتكلموا } عدة المراتب ولتعظموا الله تعالى على هدايته لكم إلى مقام
~~الجمع

# ولعلكم تشكرون

# [البقرة: 185] بالاستقامة

# وإذا سألك عبادي

# [البقرة: 186] المختصون بي المنقطعون إلي عن معرفتي { فإني
~~قريب } منهم بلا أين ولا بين ولا إجماع ولا افتراق { أجيب } من
~~يدعوني بلسان الحال، والاستعداد بإعطائه ما اقتضى حاله واستعداده

# فليستجيبوا لي

# [البقرة: 186] بتصفية استعدادهم وليشاهدوني عند التصفية حين أتجلى في
~~مرايا قلوبهم لكي يستقيموا في مقام الطمأنينة وحقائق التمكين.

# ولما كان للإنسان تلونات بحسب اختلاف الأسماء فتارة يكون بحكم غلبات
~~الصفات الروحانية في نهار الواردات الربانية وحينئذ يصوم عن الحظوظ
~~الإنسانية، وتارة يكون بحكم الدواعي والحاجات البشرية مردودا بمقتضى
~~الحكمة إلى ظلمات الصفات الحيوانية وهذا وقت الغفلة الذي يتخلل ذلك
~~الإمساك أباح له التنزل بعض الأحايين إلى مقارنة النفوس وهو الرفث إلى
~~النساء وعلله بقوله سبحانه: { هن لباس لكم وأنتم لباس
~~لهن } أي لا صبر لكم عنها بمقتضى الطبيعة لكونها تلابسكم وكونكم
~~تلابسونهن بالتعلق الضروري { علم الله أنكم كنتم
~~تختانون أنفسكم } وتنقصونها حظوظها الباقية باستراق تلك الحظوظ
~~الفانية في أزمنة السلوك والرياضة { فتاب عليكم وعفا عنكم
~~فالآن } أي وقت الاستقامة والتمكين حال البقاء بعد الفناء {
~~بشروهن } بقدر الحاجة الضرورية { وابتغوا } بقوة هذه
~~المباشرة { ما كتب الله لكم } من التقوى والتمكن على توفير
~~حقوق الاستقامة والوصول إلى المقامات العقلية

# وكلوا واشربوا

# [البقرة: 187] في ليالي الصحو حتى يظهر ms00786 لكم بوادر الحضور ولوامعه وتغلب
~~آثاره وأنواره على سواد الغفلة وظلمتها ثم كونوا على الإمساك الحقيقي
~~بالحضور مع الحق حتى يأتي زمان الغفلة الأخرى فإن لكل حاضر سهما منها
~~ولولا ذلك لتعطلت مصالح المعاش، وإليه الإشارة بخبر

# " لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولي وقت مع حفصة
~~وزينب "

# ، ولا تقاربوهن حال اعتكافكم وحضوركم في مقامات القربة والأنس ومساجد
~~القلوب { ولا تأكلوا } أموال معارفكم { بينكم } بباطل شهوات
~~النفس، وترسلوا بها إلى حكام النفوس الأمارة بالسوء { لتأكلوا }
~~الطائفة { من أموال } القوى الروحانية بالظلم لصرفكم إياها في ملاذ
~~القوى النفسانية

# وأنتم تعلمون

# [البقرة: 188] أن ذلك إثم ووضع للشيء في غير موضعه { يسئلونك
~~عن الأهلة } وهي الطوالع القلبية عند إشراق نور الروح عليها {
~~قل هى مواقيت } للسالكين يعرف بها أوقات وجوب المعاملة في سبيل
~~الله وعزيمة السلوك وطواف بيت القلب، والوقوف في عرفة العرفان، والسعي من
~~صفوة الصفا ومروة المروة، وقيل: الأهلة للزاهدين مواقيت أورادهم،
~~وللصديقين مواقيت مراقباتهم، والغالب على الأولين القيام بظواهر الشريعة،
~~وعلى الآخرين القيام بأحكام الحقيقة، فإن تجلى عليهم بوصف الجلال طاشوا،
~~وإن تجلى عليهم بوصف الجمال عاشوا، فهو بين جلال، وجمال، وخضوع، ودلال،
~~نفعنا الله تعالى بهم، وأفاض علينا من بركاتهم.

# { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } أخرج
~~ابن جرير، والبخاري، عن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا
~~البيت من ظهره فأنزل الله { وليس البر } الآية، وكأنهم كانوا
~~يتحرجون من الدخول من الباب من أجل سقف الباب أن يحول بينهم وبين السماء
~~كما صرح به الزهري في رواية ابن جرير/ عنه  ويعدون فعلهم ذلك برا 
~~فبين لهم أنه ليس ببر { ولكن البر من اتقى } أي  بر من
~~اتقى  المحارم والشهوات، أو لكن ذا البر أو البار من اتقى والظاهر أن
~~جملة النفي معطوفة على مقول  قل  فلا بد من الجامع بينهما فأما أن
~~يقال: إنهم سألوا عن الأمرين كيف ما اتفق، فجمع بينهما في الجواب بناءا
~~على الاجتماع الاتفاقي في السؤال، ms00787 والأمر الثاني: مقدر إلا أنه ترك ذكره
~~إيجازا واكتفاءا بدلالة الجواب عليه، وإيذانا بأن هذا الأمر مما لا
~~ينبغي أن يقع فيحتاج إلى السؤال عنه، أو يقال: إن السؤال واقع عن الأهلة
~~فقط وهذا مستعمل إما على الحقيقة مذكور للاستطراد حيث ذكر  مواقيت الحج
~~ والمذكور أيضا من أفعالهم فيه إلا الخمس، أو للتنبيه على أن اللائق
~~بحالهم أن يسألوا عن أمثال هذا الأمر، ولا يتعرضوا بما لا يهمهم عن أمر
~~الأهلة وإما على سبيل الاستعارة التمثيلية بأن يكون قد شبه حالهم في
~~سؤالهم عما لا يهم، وترك المهم بحال من ترك الباب وأتى من غير الطريق
~~للتنبيه على تعكيسهم الأمر في هذا السؤال، فالمعنى: وليس البر بأن تعكسوا
~~مسائلكم ولكن البر من اتقى ذلك ولم يجترئ على مثله، وجوز أن يكون العطف
~~على قوله سبحانه: { يسألونك } والجامع بينهما أن الأول: قول لا
~~ينبغي، والثاني: فعل لا ينبغي وقعا من الأنصار على ما تحكيه بعض
~~الروايات.

# { وأتوا البيوت من أبوبها } إذ ليس في العدول برا
~~وباشروا الأمور عن وجوهها، والجملة عطف على { وليس البر } إما
~~لأنه في تأويل  لا تأتوا البيوت من ظهورها  أو لكونه مقول القول، وعطف
~~الإنشاء على الإخبار جائز فيما له محل من الإعراب سيما بعد القول، وقرأ
~~ابن كثير وكثير بكسر باء البيوت حيثما وقع { واتقوا الله } في
~~تغيير أحكامه  كإتيان البيوت من أبوابها  والسؤال عما لا يعني، ومن
~~الحكم والمصالح المودعة في مصنوعاته تعالى بعد العلم بأنه أتقن كل شيء،
~~أو في جميع أموركم. { لعلكم تفلحون } أي لكي تفوزوا بالمطلوب
~~من الهدى والبر، فإن من اتقى الله تعالى تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه؛
~~وانكشفت له دقائق الأسرار حسب تقواه.

### || [2.190]

# { وقتلوا في سبيل الله } أي جاهدوا لإعزاز دين الله تعالى
~~وإعلاء كلمته  فالسبيل  بمعنى الطريق مستعار لدين الله تعالى وكلمته
~~لأنه يتوصل المؤمن به إلى مرضاته تعالى، والظرفية التي هي مدلولة في
~~ترشيح للاستعارة { الذين يقتلونكم } أي يناجزونكم القتال من
~~الكفار، وكان هذا  على ما روي ms00788 عن أبي العالية  قبل أن أمروا بقتال
~~المشركين كافة  المناجزين والمحاجزين  فيكون ذلك حينئذ تعميما بعد
~~التخصيص المستفاد من هذا الأمر مقررا لمنطوقه ناسخا لمفهومه  أي لا
~~تقاتلوا المحاجزين  وكذا المنطوق في النهي الآتي فإنه على هذا الوجه
~~مشتمل على النهي عن قتالهم أيضا. وقيل: معناه الذين يناصبونكم القتال،
~~ويتوقع منهم ذلك دون غيرهم عن المشايخ والصبيان والنساء والرهبان فتكون
~~الآية مخصصة لعموم ذلك الأمر مخرجة لمن لم يتوقع منهم وقيل: المراد ما
~~يعم سائر الكفار فإنهم بصدد قتال المسلمين وقصده فهم في حكم المقاتلة
~~قاتلوا أو لم يقاتلوا، ويؤيد الأول ما أخرجه أبو صالح عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنه أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت
~~عام الحديبية وصالحوه على أن يرجع عامه القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام
~~فيطوف بالبيت ويفعل ما شاء فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم وأصحابه لعمرة القصاء وخافوا أن لا تفي/ لهم قريش بذلك
~~وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم وكره أصحابه قتالهم في الشهر
~~الحرام في الحرم فأنزل الله تعالى الآية، وجعل ما يفهم من الأثر  وجها
~~رابعا في المراد بالموصول بأن يقال المراد به من يتصدى  من المشركين
~~للقتال في الحرم وفي الشهر الحرام كما فعل البعض  بعيد لأنه تخصيص من
~~غير دليل وخصوص السبب لا يقتضي خصوص الحكم.

# { ولا تعتدوا } أي لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ولا
~~من ألقى إليكم السلم وكف يده فإن فعلتم فقد اعتديتم رواه ابن أبي حاتم
~~عن ابن عباس  أو لا تعتدوا  بوجه من الوجوه كابتداء القتال أو قتال
~~المعاهد أو المفاجأة به من غير دعوة أو قتل من نهيتم عن قتله قاله بعضهم،
~~وأيد بأن الفعل المنفي يفيد العموم { إن الله لا يحب
~~المعتدين } أي المتجاوزين ما حد لهم وهو كالتعليل لما قبله ومحبته
~~تعالى لعباده في المشهور عبارة عن إرادة الخير والثواب لهم ولا واسطة بين
~~المحبة والبغض بالنسبة إليه عز ms00789 شأنه وذلك بخلاف محبة الإنسان وبغضه فإن
~~بينهما واسطة وهي عدمهما.

### || [2.191]

# { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } أي وجدتموهم كما قال ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما حين سأله نافع بن الأزرق، وأنشد عليه قول حسان
~~رضي الله تعالى عنه:

# فإما { يثقفهن } بني لوى

# جذيمة أن قتلهم دواء

# وأصل الثقف الحذق في إدراك الشيء عملا كان أو علما ويستعمل كثيرا في
~~مطلق الإدراك، والفعل منه ثقف ككرم وفرح { وأخرجوهم من حيث
~~أخرجوكم } أي مكة وقد فعل بهم ذلك عام الفتح وهذا الأمر معطوف على
~~سابقه، والمراد افعلوا كل ما يتيسر لكم من هذين الأمرين في حق المشركين
~~فاندفع ما قيل: إن الأمر بالإخراج لا يجامع الأمر بالقتل فإن القتل
~~والإخراج لا يجتمعان، ولا حاجة إلى ما تكلف من أن المراد إخراج من دخل في
~~الأمان أو وجدوه بالأمان كما لا يخفى { والفتنة أشد من
~~القتل } أي شركهم في الحرم أشد قبحا فلا تبالوا بقتالهم فيه لأنه
~~ارتكاب القبيح لدفع الأقبح فهو مرخص لكم ويكفر عنكم، أو المحنة التي
~~يفتتن بها الإنسان كالإخراج من الوطن المحبب للطباع السليمة أصعب من
~~القتل لدوام تعبها وتألم النفس بها، ومن هنا قيل:

# لقتل بحد سيف أهون موقعا

# على النفس من قتل (بحد فراق)

# والجملة على الأول من باب التكمل والاحتراس لقوله تعالى: {
~~واقتلوهم } الخ عن توهم أن القتال في الحرم قبيح فكيف يؤمر به،
~~وعلى الثاني تذييل لقوله سبحانه: { وأخرجوهم } الخ لبيان حال
~~الإخراج والترغيب فيه، وأصل  الفتنة  عرض الذهب على النار لاستخلاصه من
~~الغش ثم استعمل في الابتلاء والعذاب والصد عن دين الله والشرك به،
~~وبالأخير فسرها أبو العالية في الآية.

# { ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى
~~يقتلوكم فيه } نهي للمؤمنين أن يبدءوا القتال في ذلك الموطن
~~الشريف حتى يكون هم الذين يبدءون، فالنهي عن المقاتلة التي هي فعل اثنين
~~باعتبار نهيهم عن الابتداء بها الذي يكون سببا لحصولها، وكذا كونها غاية
~~باعتبار المفاتحة لئلا يلزم كون الشيء غاية لنفسه.

# { فإن قتلوكم فاقتلوهم } نفي للحرج ms00790 عن القتال في الحرم
~~الذي خاف منه المسلمون وكرهوه أي إن قاتلوكم هناك فلا تبالوا بقتالهم
~~لأنهم الذين هتكوا الحرمة وأنتم في قتالهم دافعون القتل عن أنفسكم وكان
~~الظاهر الإتيان بأمر المفاعلة إلا أنه عدل عنه إلى أمر فعل بشارة
~~للمؤمنين بالغلبة عليهم أي هم من الخذلان وعدم النصر بحيث/ أمرتم بقتلهم،
~~وقرأ حمزة والكسائي (ولا تقتلوهم حتي يقتلوكم فإن قتلوكم فاقتلوهم)
~~واعترض الأعمش على حمزة في هذه القراءة فقال له: أرأيت قراءتك إذا صار
~~الرجل مقتولا فبعد ذلك كيف يصير قاتلا لغيره؟! فقال حمزة إن العرب إذا
~~قتل منهم رجل قالوا: قتلنا، وإذا ضرب منهم الرجل قالوا: ضربنا، وحاصله أن
~~الكلام على حذف المضاف إلى المفعول وهو لفظ بعض فلا يلزم كون المقتول
~~قاتلا، وأما إسناد الفعل إلى الضمير فمبني على أن الفعل الواقع من البعض
~~برضا البعض الآخر يسند إلى الكل على التجوز في الإسناد فلا حاجة فيه إلى
~~التقدير، ولذا اكتفى الأعمش في السؤال بجانب المفعول، وكذا قوله سبحانه:
~~{ ولا تقتلوهم } جاز على حقيقة من غير تأويل لأن المعنى على
~~السلب الكلي أي لا يقتل واحد منكم واحدا منهم حتى يقع منهم قتل بعضهم.

# ثم إن هذا التأويل مختص بهذه القراءة ولا حاجة إليه في (لا تقاتلوهم)
~~لأن المعنى لا تفاتحوهم والمفاتحة لا تكون إلا بشروع البعض بقتال البعض
~~قاله بعض المحققين، وقد خفي على بعض الناظرين فتدبر.

# { كذلك جزاء الكفرين } تذييل لما قبله أي يفعل بهم مثل ما
~~فعلوا، والكافرين إما من وضع المظهر موضع المضمر نعيا عليهم بالكفر أو
~~المراد منه الجنس ويدخل المذكورون فيه دخولا أوليا. والجار في المشهور
~~خبر مقدم وما بعده مبتدأ مؤخر، واختار أبو البقاء أن الكاف بمعنى مثل
~~مبتدأ وجزاء خبره إذ لا وجه للتقديم.

### || [2.192]

# { فإن انتهوا } عن الكفر بالتوبة منه كما روي عن مجاهد وغيره،
~~أو عنه وعن القتال كما قيل لقرينة ذكر الأمرين { فإن الله غفور
~~رحيم } فيغفر لهم ما قد سلف، واستدل به في «البحر» على ms00791 قبول توبة
~~قاتل العمد إذ كان الكفر أعظم مأثما من القتل، وقد أخبر سبحانه أنه يقبل
~~التوبة منه.

### || [2.193]

# { وقتلوهم حتى لا تكون فتنة } عطف على

# وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم

# [البقرة: 190] والأول مسوق لوجوب أصل القتال وهذا لبيان غايته، والمراد
~~من الفتنة الشرك على ما هو المأثور عن قتادة والسدي وغيرهما، ويؤيده أن
~~مشركي العرب ليس في حقهم إلا الإسلام أو السيف لقوله سبحانه:

# تقتلونهم أو يسلمون

# [الفتح: 16] { ويكون الدين لله } أي خالصا له كما يشعر به
~~اللام، ولم يجىء هنا كلمة  كله  كما في آية الأنفال لأن ما هنا في
~~مشركي العرب، وما هناك في الكفار عموما فناسب العموم هناك وتركه هنا {
~~فإن انتهوا } تصريح بمفهوم الغاية فالمتعلق الشرك  والفاء 
~~للتعقيب { فلا عدون إلا على الظلمين } علة للجزاء
~~المحذوف أقيمت مقامه والتقدير: فان انتهوا وأسلموا  فلا تعتدوا  عليهم
~~لأن العدوان على الظالمين والمنتهون ليسوا بظالمين، والمراد نفي الحسن
~~والجواز لا نفي الوقوع لأن العدوان واقع على غير الظالمين، والمراد من
~~العدوان العقوبة بالقتل، وسمي القتل عدوانا من حيث كان عقوبة  للعدوان
~~ وهو الظلم كما في قوله تعالى:

# فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه

# [البقرة: 194]

# وجزاء سيئة سيئة مثلها

# [الشورى: 40] وحسن ذلك لازدواج الكلام والمزاوجة هنا معنوية ويمكن أن
~~يقال سمي جزاء الظلم ظلما لأنه وإن كان عدلا من المجازي لكنه ظلم في حق
~~الظالم من عند نفسه لأنه ظلم بالسبب لإلحاق هذا الجزاء به وقيل: لا حذف
~~والمذكور هو الجزاء على معنى فلا تعتدوا على المنتهين إما بجعل { فلا
~~عدون إلا على الظلمين } بمعنى  فلا عدوان على غير
~~الظالمين  المكنى به عن المنتهين، أو جعل اختصاص العدوان بالظالمين
~~كناية عن عدم جواز العدوان على غيرهم وهم المنتهون، واعترض بأنه على
~~التقدير الأول: يصير الحكم الثبوتي المستفاد من القصر زائدا، وعلى
~~التقدير الثاني: يصير المكنى عنه من المكنى به، وجوز أن يكون المذكور هو
~~الجزاء/ ومعنى: الظالمين المتجاوزين عن حد حكم القتال، كأنه قيل: فان
~~انتهوا عن الشرك فلا ms00792 عدوان إلا على المتجاوزين عما حده الله تعالى للقتال
~~وهم المتعرضون للمنتهين، ويؤل المعنى إلى أنكم إن تعرضتم للمتقين صرتم
~~ظالمين وتنعكس الحال عليكم  وفيه من المبالغة في النهي عن قتال المنتهين
~~ما لا يخفى  وذهب بعضهم إلى أن هذا المعنى يستدعي حذف الجزاء، وجعل
~~المذكور علة له على معنى: فإن انتهوا فلا تتعرضوهم لئلا تكونوا ظالمين
~~فيسلط الله عليكم من يعدوا عليكم لأن  العدوان  لا يكون إلا على
~~الظالمين أو فإن انتهوا يسلط عليكم من يعدوا عليكم على تقدير تعرضكم لهم
~~لصيرورتكم ظالمين بذلك، وفيه من البعد ما لا يخفى فتدبر.

### || [2.194]

# { الشهر الحرام بالشهر الحرام } قاتلهم المشركون عام
~~الحديبية في ذي القعدة قتالا خفيفا بالرمي بالسهام والحجارة، فاتفق
~~خروجهم لعمرة القضاء فيه فكرهوا أن يقاتلوهم لحرمته. فقيل: هذا الشهر
~~الحرام بذلك، وهتكه بهتكه فلا تبالوا به { والحرمت قصاص } أي
~~الأمور التي يجب أن يحافظ عليها ذوات قصاص أو مقاصة، وهو متضمن لإقامة
~~الحجة على الحكم السابق، كأنه قيل: لا تبالوا بدخولكم عليه عنوة، وهتك
~~حرمة هذا الشهر ابتداءا بالغلبة، فإن الحرمات يجري فيها  القصاص 
~~فالصد قصاصه العنوة فإن قاتلوكم فاقتلوهم.

# { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما
~~اعتدى عليكم } فذلكة لما تقدمه، وهو أخص مفادا منه لأن الأول:
~~يشمل ما إذا هتك حرمة الإحرام والصيد والحشيش مثلا بخلاف هذا، وفيه
~~تأكيد لقوله تعالى: { الشهر الحرام بالشهر الحرام } ولا
~~ينافي ذلك فذلكيته معطوفا  بالفاء  والأمر للإباحة  إذ العفو جائز 
~~ومن تحتمل الشرطية والموصولية، وعلى الثاني: تكون  الفاء  صلة في
~~الخبر  والباء  تحتمل الزيادة وعدمها، واستدل الشافعي بالآية على أن
~~القاتل يقتل بمثل ما قتل به من محدد، أو خنق، أو حرق، أو تجويع، أو
~~تغريق، حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يلق في ماء ملح؛ واستدل بها أيضا على
~~أن من غصب شيئا وأتلفه يلزمه رد مثله، ثم إن المثل قد يكون من طريق
~~الصورة  كما في ذوات الأمثال  وقد يكون من طريق المعنى كالقيم فيما لا
~~مثل ms00793 له { واتقوا الله } في الانتصار لأنفسكم وترك الاعتداء بما
~~لم يرخص لكم فيه { واعلموا أن الله مع المتقين }
~~بالنصر والعون.

### || [2.195]

# { وأنفقوا فى سبيل الله } عطف على

# قاتلوا

# [البقرة: 190] أي وليكن منكم إنفاق ما في سبيله { ولا تلقوا
~~بأيديكم إلى التهلكة } بترك الغزو والإنفاق فيه، فهو متعلق
~~بمجموع المعطوف والمعطوف عليه نهيا عن ضدهما تأكيدا لهما، ويؤيد ذلك ما
~~أخرجه غير واحد  عن أبي عمران  قال: كنا بالقسطنطينية فخرج صف عظيم من
~~الروم فحمل رجل من المسلمين حتى دخل فيهم، فقال الناس: ألقى بيديه إلى
~~التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: أيها الناس، إنكم تؤولون هذه
~~الآية هذا التأويل، وإنما نزلت فينا معاشر الأنصار، إنا لما أعز الله
~~تعالى دينه وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله تعالى قد أعز الإسلام، وكثر ناصروه،
~~فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى على نبيه
~~صلى الله عليه وسلم ما يرد علينا ما قلنا وأنفقوا الخ، فكانت التهلكة
~~الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الغزو. وقال الجبائي: التهلكة الإسراف
~~في الإنفاق، فالمراد بالآية النهي عنه بعد الأمر بالإنفاق تحريا للطريق
~~الوسط/ بين الإفراط والتفريط فيه، وروى البيهقي في «الشعب»  عن الحسن 
~~أنها البخل لأنه يؤدي إلى الهلاك المؤبد فيكون النهي مؤكدا للأمر
~~السابق، واختار البلخي أنها اقتحام الحرب من غير مبالاة، وإيقاع النفس
~~الخطر والهلاك، فيكون الكلام متعلقا ب

# قاتلوا

# [البقرة: 190] نهيا عن الإفراط والتفريط في الشجاعة، وأخرج سفيان بن
~~عيينة وجماعة عن البراء بن عازب أنه قيل: له { ولا تلقوا
~~بأيديكم إلى التهلكة } هو الرجل يلقي العدو فيقاتل حتى
~~يقتل، قال: لا، ولكن هو الرجل يذنب الذنب فيلقي بيديه فيقول: لا يغفر
~~الله تعالى لي أبدا  وروي مثله عن عبيدة السلماني  وعليه يكون
~~متعلقا بقوله سبحانه:

# فإن الله غفور رحيم

# [البقرة: 192] وهو في غاية البعد، ولم أر من صحح الخبر عن البراء رضي
~~الله تعالى عنه سوى ms00794 الحاكم  وتصحيحه لا يوثق به  وظاهر اللفظ العموم 
~~والإلقاء  تصيير الشيء إلى جهة السفل وألقى عليه مسألة مجاز، ويقال لكل
~~من أخذ من عمل ألقى يديه إليه وفيه، ومنه قول لبيد في الشمس:

# حتى إذا (ألقت) يدا في كافر

# وأجن عورات الثغور ظلامها

# وعدي  بإلى  لتضمنه معنى الإفضاء أو الإنهاء  والباء  مزيدة في
~~المفعول تأكيد معنى النهي، لأن  ألقى  يتعدى كما في

# فألقى موسى عصاه

# [الشعراء: 45] وزيادتها في المفعول لا تنقاس، والمراد  بالأيدي 
~~الأنفس مجازا، وعبر بها عنها لأن أكثر ظهور أفعالها بها، وقيل: يحتمل أن
~~تكون زائدة  والأيدي  بمعناها، والمعنى لا تجعلوا التهلكة آخذة بأيديكم
~~قابضة إياها، وأن تكون غير مزيدة  والأيدي  أيضا على حقيقتها ويكون
~~المفعول محذوفا أي: لا تلقوا بأيديكم أنفسكم إلى التهلكة وفائدة ذكر 
~~الأيدي  حينئذ التصريح بالنهي عن الإلقاء إليها بالقصد والاختيار،
~~والتهلكة مصدر كالهلك والهلاك، وليس في كلام العرب مصدر على تفعلة  بضم
~~العين  إلا هذا في المشهور، وحكى سيبويه عن العرب  تضرة وتسرة  أيضا
~~بمعنى الضرر والسرور، وجوز أن يكون أصلها  تهلكة بكسر اللام  مصدر هلك
~~مشددا كالتجربة والتبصرة فأبدلت  الكسرة ضمة  وفيه أن مجيء تفعلة 
~~بالكسر  من فعل المشدد الصحيح الغير المهموز شاذ، والقياس تفعيل وإبدال
~~ الكسرة بالضم من غير علة  في غاية الشذوذ، وتمثيله بالجوار  مضموم
~~الجيم  في جوار مكسورها  ليس بشيء  إذ ليس ذلك نصا في الإبدال لجواز
~~أن يكون بناء المصدر فيه على فعال  مضموم الفاء شذوذا  يؤيده ما في
~~«الصحاح» جاورته مجاورة وجوارا وجوارا  والكسر أفصح، وفرق بعضهم بين
~~التهلكة والهلاك بأن الأول: ما يمكن التحرز عنه، والثاني: ما لا يمكن،
~~وقيل: الهلاك مصدر والتهلكة نفس الشيء المهلك، وكلا القولين خلاف
~~المشهور، واستدل بالآية على تحريم الإقدام على ما يخاف منه تلف النفس،
~~وجواز الصلح مع الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين
~~{ وأحسنوا } أي بالعود على المحتاج  قاله عكرمة  وقيل: أحسنوا
~~الظن بالله تعالى وأحسنوا في أعمالكم بامتثال الطاعات ولعله أولى.

# { إن الله يحب ms00795 المحسنين } ويثيبهم.

### || [2.196]

# { وأتموا الحج والعمرة لله } أي اجعلوهما تامين إذا
~~تصديتم لأدائهما لوجه الله تعالى فلا دلالة في الآية على أكثر من وجوب
~~الإتمام بعد الشروع فيهما وهو متفق عليه بين الحنفية والشافعية رضي الله
~~تعالى عنهم، فإن إفساد الحج والعمرة مطلقا يوجب المضي في بقية الأفعال
~~والقضاء، ولا تدل على وجوب الأصل، والقول بالدلالة بناءا على أن الأمر 
~~بالإتمام  مطلقا يستلزم الأمر/ بالأداء لما تقرر من أن ما لا يتم
~~الواجب المطلق إلا به فهو واجب  ليس بشيء  لأن الأمر بالإتمام يقتضي
~~سابقية الشروع فيكون الأمر بالإتمام مقيدا بالشروع، وادعاء أن المعنى
~~ائتوا بهما حال كونهما تامين مستجمعي الشرائط والأركان، وهذا يدل على
~~وجوبهما لأن الأمر ظاهر فيه، ويؤيده قراءة (وأقيموا الحج والعمرة) ليس
~~بسديد. أما أولا: فلأنه خلاف الظاهر وبتقدير قبوله في مقام الاستدلال
~~يمكن أن يجعل الوجوب المستفاد من الأمر فيه متوجها إلى القيد  أعني
~~تامين  لا إلى أصل الإتيان كما في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " بيعوا سواء بسواء "

# وأما ثانيا: فلأن الأمر في القراءة محمول على المعنى المجازي المشترك
~~بين الواجب والمندوب  أعني طلب الفعل  والقرينة على ذلك الأحاديث
~~الدالة على استحباب العمرة، فقد أخرج الشافعي في «الأم» وعبد الرزاق وابن
~~أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ماجه أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " الحج جهاد والعمرة تطوع "

# وأخرج الترمذي وصححه  عن جابر  أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم عن العمرة، أواجبة هي؟ قال:

# " لا، وأن تعتمروا خير لكم "

# ويؤيد ذلك أن ابن مسعود صاحب هذه القراءة قال فيما أخرجه عند ابن أبي
~~شيبة وعبد بن حميد:

# " الحج فريضة والعمرة تطوع "

# وأخرج ابن أبي داود في «المصاحف»  عنه أيضا  أنه كان يقرأ ذلك ثم
~~يقول: والله لولا التحرج أني لم أسمع فيها من رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم شيئا لقلت: إن العمرة واجبة مثل الحج، وهذا يدل على أنه رضي الله
~~تعالى عنه لم يجعل الأمر بالنسبة إليها للوجوب لأنه ms00796 لم يسمع شيئا فيه 
~~ولعله سمع ما يخالفه  ولهذا جزم في الرواية الأولى عنه بفرضية الحج
~~واستحباب العمرة، وكأنه لذلك حمل الأمر في قراءته على القدر المشترك الذي
~~قلناه لا غير بناءا على امتناع استعمال المشترك في معنييه؛ وعدم جواز
~~الجمع بين الحقيقة والمجاز والميل إلى عدم تقدير فعل موافق للمذكور يراد
~~به الندب، نعم لا يعد ما ذكر صارفا إلا إذا ثبت كونه قبل الآية، أما إذا
~~ثبت كونه بعدها فلا لأنه يلزم نسخ الكتاب بخبر الواحد لما أن الأمر ظاهر
~~في الوجوب، وليس مجملا في معانيه على الصحيح حتى يحمل الخبر على تأخير
~~البيان  على ما وهم  والقول  بأن أحاديث الندب سابقة ولا تصرف الأمر
~~عن ظاهره بل يكون ذلك ناسخا لها  سهو ظاهر لأن الأحاديث نص في
~~الاستحباب، والقرآن ظاهر في الوجوب فكيف يكون الظاهر ناسخا للنص، والحال
~~أن النص مقدم على الظاهر عن التعارض.

# ثم إن هذا الذي ذكرناه  وإن لم يكن مبطلا لأصل التأييد إلا أنه يضعفه
~~جدا، وادعى بعضهم أن الأحاديث الدالة على استحباب العمرة معارضة بما يدل
~~على وجوبها منها، فقد أخرج الحاكم عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت "

# وأخرج أبو داود، والنسائي أن رجلا قال لعمر: إني وجدت الحج والعمرة
~~مكتوبين علي أهللت بهما جميعا فقال: هديت لسنة نبيك، فإن هذا يدل على
~~أن الإهلال بهما طريقة النبي صلى الله عليه وسلم لأن الاستدلال بما حكاه
~~الصحابي من سنته عليه الصلاة والسلام يكون استدلالا بالحديث الفعلي
~~الذي رواه الصحابي، والقول بأن  أهللت بهما  جملة مفسرة لقوله وجدت
~~فيجوز أن يكون الوجوب بسبب الإهلال بهما فلا يدل الحديث على الوجوب
~~ابتداءا ليس بشيء لأن الجملة مستأنفة كأنه قيل: فما فعلت؟ فقال: أهللت
~~فيدل على أن الوجدان سبب الاهلال دون العكس لأن مقصود السائل السؤال عن
~~صحة إهلاله بهما فكيف يقول وجدتهما مكتوبين لأني أهللت بهما فإنه إنما
~~يصح على ms00797 تقدير علمه بصحة إهلاله بهما، وجواب عمر رضي الله تعالى عنه
~~بمعزل عن وجوب الإتمام لأن كون الشروع/ في الشيء موجبا لإتمامه، لا يقال
~~فيه إنه طريقة النبي صلى الله عليه وسلم بل يقال في أداء المناسك
~~والعبادات، ويؤيد ذلك ما وقع في بعض الروايات  فأهللت  بالفاء الدالة
~~على الترتب، وما ذكر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه معارض بما روي عنه
~~من القول بالوجوب وبذلك قال علي كرم الله تعالى وجهه وكان يقرأ:
~~(وأقيموا) أيضا كما رواه عنه ابن جرير وغيره، وكذا ابن عباس، وابن عمر
~~رضي الله تعالى عنهم انتهى، والإنصاف تسليم تعارض الأخبار، وقد أخذ كل من
~~الأئمة بما صح عنده والمسألة من الفروع، والاختلاف في أمثالها رحمة وإن
~~الحق أن الآية لا تصلح دليلا للشافعية ومن وافقهم كالإمامية علينا، وليس
~~فيها عند التحقيق أكثر من بيان وجوب إتمام أفعالهما عند التصدي لأدائهما
~~وإرشاد الناس إلى تدارك ما عسى يعتريهم من العوارض المخلة بذلك من
~~الإحصار ونحوه من غير تعرض لحالهما من الوجوب وعدمه، ووجوب الحج مستفاد
~~من قوله تعالى:

# ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه
~~سبيلا

# [آل عمران: 97] ومن ادعى من المخالفين أنها دليل له فقد ركب شططا وقال
~~غلطا كما لا يخفى على من ألقى السمع وهو شهيد، وأخرج ابن جرير، وابن
~~المنذر، والبيهقي، وجماعة عن علي كرم الله تعالى وجهه: إتمام الحج
~~والعمرة لله أن تحرم بهما من دويرة أهلك، ومثله عن أبي هريرة مرفوعا
~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن
~~ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما عن
~~الآخر وأن يعتمر في غير أشهر الحج؛ وقيل: إتمامهما أن تكون النفقة
~~حلالا، وقيل: أن تحدث لكل منهما سفرا، وقيل: أن تخرج قاصدا لهما لا
~~لتجارة ونحوها، وقرىء (إلى البيت)، و(للبيت) والأول: مروي عن ابن مسعود،
~~والثاني: عن علي كرم الله تعالى وجهه.

# { فإن أحصرتم } مقابل لمحذوف أي ms00798 هذا إن قدرتم على إتمامهما
~~والإحصار والحصر كلاهما في أصل اللغة بمعنى المنع مطلقا، وليس الحصر
~~مختصا بما يكون من العدو، والإحصار بما يكون من المرض، والخوف  كما
~~توهم الزجاج  من كثرة استعمالهما كذلك فإنه قد يشيع استعمال اللفظ
~~الموضوع للمعنى العام في بعض أفراده، والدليل على ذلك أنه يقال: حصره
~~العدو وأحصره كصده وأصده فلو كانت النسبة إلى العدو معتبرة في مفهوم
~~الحصر لكان التصريح بالإسناد إليه تكرارا ولو كانت النسبة إلى المرض
~~ونحوه معتبرة في مفهوم الإحصار لكان إسناده إلى العدو مجازا وكلاهما
~~خلاف الأصل، والمراد من الإحصار هنا حصر العدو عند مالك والشافعي رحمهما
~~الله تعالى لقوله تعالى: { فإذا أمنتم } فإن الأمن لغة في مقابلة
~~الخوف ولنزوله عام الحديبية، ولقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا حصر
~~إلا حصر العدو فقيد إطلاق الآية وهو أعلم بمواقع التنزيل. وذهب الإمام
~~أبو حنيفة إلى أن المراد به ما يعم كل منع من عدو ومرض وغيرهما، فقد أخرج
~~أبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم من حديث الحجاج
~~بن عمرو

# " من كسر أو عرج فعليه الحج من قابل "

# وروى الطحاوي من حديث عبد الرحمن بن زيد قال:

# " أهل رجل بعمرة يقال له عمر بن سعيد فلسع فبينا هو صريع في الطريق إذ
~~طلع عليه ركب فيهم ابن مسعود فسألوه فقال: ابعثوا بالهدي واجعلوا بينكم
~~وبينه يوم أمارة فإذا كان ذلك فليحل "

# وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء لا إحصار إلا من مرض أو عدو أو أمر حابس،
~~وروى البخاري مثله عنه، وقال عروة: كل شيء حبس المحرم فهو إحصار، وما
~~استدل به الخصم مجاب عنه، أما الأول: فستعلم ما فيه، وأما الثاني: فإنه
~~لا عبرة بخصوص السبب، والحمل على أنه للتأييد يأبى عنه ذكره باللام
~~استقلالا، والقول بأن  أحصرتم  ليس عاما إذ الفعل المثبت لا عموم له
~~فلا يراد إلا ما ورد فيه وهو حبس العدو بالاتفاق ليس بشيء لأنه إن لم يكن
~~عاما لكنه مطلق فيجري على ms00799 إطلاقه.

# وأما الثالث: فلأنه بعد تسليم حجية قول ابن عباس/ رضي الله تعالى عنه في
~~أمثال ذلك معارض بما أخرجه ابن جرير، وابن المنذر عنه في تفسير الآية أنه
~~قال: يقول: «من أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو
~~يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من الهدي» فكما خصص في الرواية الأولى: عمم في
~~هذه وهو أعلم بمواقع التنزيل والقول  بأن حديث الحجاج ضعيف  ضعيف إذ له
~~طرق مختلفة في السنن وقد روى أبو داود أن عكرمة سأل العباس وأبا هريرة
~~رضي الله تعالى عنهما عن ذلك فقالا: صدق، وحمله على ما إذا اشترط المحرم
~~الإحلال عند عروض المانع من المرض له وقت النية لقوله صلى الله عليه وسلم
~~لضباعة:

# " حجي واشترطي وقولي اللهم محلي حيث حبستني "

# لا يتمشى على ما تقرر في أصول الحنفية من أن المطلق يجري على إطلاقه إلا
~~إذا اتحد الحادثة والحكم وكان الإطلاق والتقييد في الحكم إذ ما نحن فيه
~~ليس كذلك كما لا يخفى.

# { فما استيسر من الهدى } أي فعليكم أو فالواجب أو فاهدوا
~~ما استيسر أي تيسر فهو كصعب واستصعب، وليست السين للطلب، والهدي مصدر
~~بمعنى المفعول أي المهدي ولذلك يطلق على المفرد والجمع أو جمع هدية 
~~كجدي وجدية  وقرىء (هدي) بالتشديد جمع هدية  كمطي ومطية  وهو في موضع
~~الحال من الضمير المستكن، والمعنى أن المحرم إذا أحصر وأراد أن يتحلل
~~تحلل بذبح هدي تيسر عليه من بدنة أو بقرة أو شاة، قال ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنه: وما عظم فهو أفضل، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه خص
~~الهدي ببقرة أو جزور فقيل له: أو ما يكفيه شاة؟ فقال: لا ويذبحه حيث أحصر
~~عند الأكثر لأنه صلى الله عليه وسلم ذبح عام الحديبية بها وهي من الحل،
~~وعندنا يبعث من أحصر به ويجعل للمبعوث بيده يوم أمارة فإذا جاء اليوم
~~وغلب على ظنه أنه ذبح تحلل لقوله تعالى: { ولا تحلقوا رءوسكم
~~حتى يبلغ الهدى محله ms00800 } فإن حلق الرأس كناية عن الحل
~~الذي يحصل بالتقصير بالنسبة للنساء، والخطاب للمحصرين لأنه أقرب مذكور،
~~والهدي الثاني عين الأول كما هو الظاهر أي لا تحلوا حتى تعلموا أن الهدي
~~المبعوث إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب أن ينحر فيه وهو الحرم لقوله
~~تعالى:

# ثم محلها إلى البيت العتيق

# [الحج: 33]

# هديا بلغ الكعبة

# [المائدة: 95] وما روي من ذبحه صلى الله عليه وسلم في الحديبية مسلم لكن
~~كونه ذبح في الحل غير مسلم، والحنفية يقولون: إن محصر رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم كان في طرف الحديبية أسفل مكة، والحديبية متصلة بالحرم، والذبح
~~وقع في الطرف المتصل الذي نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه يجمع
~~بين ما قاله مالك وبين ما روى الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~نحر في الحرم وكون الرواية عنه ليس بثبت في حيز المنع، وحمل الأولون بلوغ
~~الهدي محله على ذبحه حيث يحل ذبحه فيه حلا كان أو حرما وهو خلاف الظاهر
~~إلا أنه لا يحتاج إلى تقدير العلم كما في السابق، واستدل باقتصاره على
~~الهدي في مقام البيان على عدم وجوب القضاء، وعندنا يجب القضاء لقضاء رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عمرة الحديبية التي أحصروا فيها وكانت
~~تسمى عمرة القضاء، والمقام مقام بيان طريق خروج المحصر عن الإحرام لا
~~مقام بيان كل ما يجب عليه ولم يعلم من الآية حكم غير المحصر عبارة كما
~~علم حكم المحصر من عدم جواز الحل له قبل بلوغ الهدي، ويستفاد ذلك بدلالة
~~النص وجعل الخطاب عاما للمحصر وغيره بناءا على عطف { ولا تحلقوا
~~} على قوله سبحانه: { وأتموا } لا على { فما استيسر } يقتضي
~~بتر النظم لأن { فإذا أمنتم } عطف على { فإن أحصرتم }
~~كما لا يخفى. و  المحل  بالكسر من حد ضرب يطلق للمكان كما هو الظاهر في
~~الآية، وللزمان  كما يقال  محل الدين لوقت حلوله وانقضاء أجله.

# { فمن كان منكم مريضا } يحتاج للحلق وهو مخصص لقوله سبحانه {
~~ولا تحلقوا } متفرع عليه/ { أو به أذى ms00801 من رأسه } من
~~جراحة وقمل وصداع { ففدية } أي فعلية فدية إن حلق. { من صيام
~~أو صدقة أو نسك } بيان لجنس الفدية. وأما قدرها فقد أخرج في
~~«المصابيح» عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم:

# " مر به وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو محرم وهو يوقد تحت قدر
~~والقمل يتهافت على وجهه فقال: أيؤذيك هوامك؟ قال: نعم قال: فاحلق رأسك
~~وأطعم فرقا بين ستة مساكين  والفرق ثلاثة آصع  أو صم ثلاثة أيام أو
~~انسك نسيكة "

# وفي رواية البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه والترمذي أن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم قال له:

# " ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا أما تجد شاة؟ فقال: لا قال: صم ثلاثة
~~أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك "

# وقد بين في هذه الرواية ما يطعم لكل مسكين ولم يبين محل الفدية، والظاهر
~~العموم في المواضع كلها كما قاله ابن الفرس وهو مذهب الإمام مالك.

# { فإذا أمنتم } من الأمن ضد الخوف، أو الأمنة زواله فعلى الأول
~~معناه فإذا كنتم في أمن وسعة ولم تكونوا خائفين، وعلى الثاني فإذا زال
~~عنكم خوف الإحصار، ويفهم منه حكم من كان آمنا ابتداءا بطريق الدلالة 
~~والفاء  للعطف على { أحصرتم } مفيدة للتعقيب سواء أريد حصر العدو
~~أو كل منع في الوجود، ويقال للمريض إذا زال مرضه وبرىء: آمن كما روي ذلك
~~عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنهم من طريق إبراهيم فيضعف
~~استدلال الشافعي ومالك بالآية على ما ذهبا إليه.

# { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } الفاء واقعة في جواب 
~~(إذا) والباء وإلى  صلة التمتع، والمعنى فمن استمتع وانتفع بالتقرب إلى
~~الله تعالى بالعمرة إلى وقت الحج أي قبل الانتفاع بالحج في أشهره، وقيل:
~~الباء سببية ومتعلق التمتع محذوف أي بشيء من محذورات الاحرام ولم يعينه
~~لعدم تعلق الغرض بتعيينه، والمعنى ومن استمتع بسبب أوان العمرة والتحلل
~~منها باستباحة محظورات الإحرام إلى أن يحرم بالحج، وفيه صرف التمتع عن ms00802
~~المعنى الشرعي إلى المعنى اللغوي، والثاني هو الانتفاع مطلقا، والأول هو
~~أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويأتي بمناسكها ثم يحرم بالحج من جوف مكة
~~ويأتي بأعماله ويقابله القران وهو أن يحرم بهما معا ويأتي بمناسك الحج
~~فيدخل فيها مناسك العمرة، والإفراد وهو أن يحرم بالحج وبعد الفراغ منه
~~بالعمرة.

# { فما استيسر من الهدى } الفاء واقعة في جواب (من) أي
~~فعليه دم استيسر عليه بسبب التمتع فهو دم جبران لأن الواجب عليه أن يحرم
~~الحج من الميقات فلما أحرم لا من الميقات أورث ذلك خللا فيه فجبر بهذا
~~الدم، ومن ثم لا يجب على المكي ومن في حكمه، ويذبحه إذا أحرم بالحج ولا
~~يجوز قبل الإحرام ولا يتعين له يوم النحر بل يستحب ولا يأكل منه، وهذا
~~مذهب الشافعي، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه دم نسك كدم القارن لأنه وجب
~~عليه شكرا للجمع بين النسكين فهو كالأضحية ويذبح يوم النحر.

# { فمن لم يجد } أي الهدي وهو عطف على { فإذا أمنتم }  {
~~فصيام ثلثة أيام في الحج } أي فعليه صيام وقرىء
~~(فصيام) بالنصب أي فليصم، وظرف الصوم محذوف إذ يمتنع أن يكون شيء من
~~أعمال الحج ظرفا له، فقال أبو حنيفة: المراد في وقت الحج مطلقا لكن بين
~~الإحرامين إحرام الحج وإحرام العمرة وهو كناية عن عدم التحلل عنهما فيشمل
~~ما إذا وقع قبل إحرام الحج سواء تحلل من العمرة أو لا، وما وقع بعده
~~بدليل أنه إذا قدر على الهدي بعد صوم الثلاثة قبل التحلل وجب عليه الذبح
~~ولو قدر/ عليه بعد التحلل لا يجب عليه لحصول المقصد بالصوم وهو التحلل،
~~وقال الشافعي: المراد وقت أداء الحج وهو أيام الاشتغال به بعد الإحرام
~~وقبل التحلل، ولا يجوز الصوم عنده قبل إحرام الحج، والأحب أن يصوم سابع
~~ذي الحجة وثامنه وتاسعة لأنه غاية ما يمكن في التأخير لاحتمال القدرة على
~~الأصل وهو الهدي، ولا يجوز يوم النحر وأيام التشريق لكون الصوم منهيا
~~فيها، وجوز بعضهم صوم الثلاثة الأخيرة احتجاجا بما أخرجه ms00803 ابن جرير.

# والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر قال: رخص النبي صلى الله عليه وسلم
~~للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم حتى فاته أيام العشر أن يصوم أيام
~~التشريق مكانها، وأخرج مالك عن الزهري قال:

# " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة فنادى في أيام
~~التشريق فقال: إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى إلا من كان عليه صوم
~~من هدي "

# وأخرج الدارقطني مثله من طريق سعيد بن المسيب، وأخرج البخاري وجماعة عن
~~عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لم يرخص صلى الله عليه وسلم في أيام
~~التشريق أن يصمن إلا لمتمتع لم يجد هديا، وبذلك أحد الإمام مالك ولعل
~~سادتنا الحنفية عولوا على أحاديث النهي وقالوا: إذا فاته الصوم حتى أتى
~~يوم النحر لم يجزه إلا الدم ولا يقضيه بعد أيام التشريق كما ذهب إليه
~~الشافعية لأنه بدل والأبدال لا تنصب إلا شرعا والنص خصه بوقت الحج وجواز
~~الدم على الأصل؛ وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه أمر في مثله بذبح الشاة.

# { وسبعة إذا رجعتم } أي فرغتم ونفرتم من أعماله، فذكر
~~الرجوع وأريد سببه، أو المعنى إذا رجعتم من منى، وقال الشافعي رضي الله
~~تعالى عنه  على ما هو الأصح عند معظم أصحابه : إذا رجعتم إلى أهليكم،
~~ويؤيده ما أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «إذا رجعتم إلى
~~أمصاركم» وأن لفظ الرجوع أظهر في هذا المعنى، وحكم ناوي الإقامة بمكة
~~توطنا حكم الراجع إلى وطنه لأن الشرع أقام موضع الإقامة مقام الوطن، وفي
~~«البحر» المراد بالرجوع إلى الأهل الشروع فيه  عند بعض  والفراغ
~~بالوصول إليهم  عند آخرين  وفي الكلام التفات، وحمل على معنى [من] بعد
~~الحمل على لفظه في إفراده وغيبته؛ وقرىء { سبعة } بالنصب عطفا على
~~محل { ثلثة أيام } لأنه مفعول اتساعا، ومن لم يجوزه قدر 
~~وصوموا  وعليه أبو حيان.

# { تلك عشرة كاملة } الإشارة إلى  الثلاثة، والسبعة  ومميز
~~العدد محذوف أي أيام وإثبات  التاء  في العدد مع حذف المميز أحسن ms00804
~~الاستعمالين، وفائدة الفذلكة أن لا يتوهم أن  الواو  بمعنى أو
~~التخييرية، وقد نص السيرافي في «شرح الكتاب» على مجيئها لذلك، وليس تقدم
~~الأمر الصريح شرطا فيه بل الخبر الذي هو بمعنى الأمر كذلك، وأن يندفع
~~التوهم البعيد الذي أشرنا إليه في مقدمة إعجاز القرآن، وأن يعلم العدد
~~جملة  كما علم تفصيلا  فيحاط به من وجهين فيتأكد العلم، ومن أمثالهم 
~~علمان خير من علم  لا سيما وأكثر العرب لا يحسن الحساب، فاللائق بالخطاب
~~العامي الذي يفهم به الخاص والعام الذين هم من أهل الطبع، لا أهل
~~الارتياض بالعلم أن يكون بتكرار الكلام وزيادة الإفهام والإيذان بأن
~~المراد  بالسبعة  العدد دون الكثرة فإنها تستعمل بهذين المعنيين، فإن
~~قلت: ما الحكمة في كونها كذلك حتى يحتاج إلى تفريقها المستدعي لما ذكر؟
~~أجيب بأنها لما كانت بدلا عن الهدى والبدل يكون في محل المبدل منه
~~غالبا جعل الثلاثة بدلا عنه في زمن الحج وزيد عليها السبعة علاوة
~~لتعادله من غير نقص في الثواب لأن الفدية مبنية على التيسير،/ ولم يجعل 
~~السبعة  فيه لمشقة الصوم في الحج، وللإشارة إلى هذا التعادل وصفت 
~~العشرة  بأنها كاملة فكأنه قيل: تلك عشرة كاملة في وقوعها بدلا من الهدي
~~وقيل: إنها صفة مؤكدة تفيد زيادة التوصية بصيامها وأن لا يتهاون بها ولا
~~ينقص من عددها كأنه قيل تلك عشرة كاملة فراعوا كمالها ولا تنقصوها، وقيل:
~~إنها صفة مبينة كمال العشرة فإنها عدد كمل فيه خواص الأعداد، فإن الواحد
~~مبتدأ العدد، والاثنين أول العدد، والثلاثة أول عدد فرد، والأربعة أول
~~عدد مجذور، والخمس أول عدد دائر، والستة أول عدد تام، والسبعة عدد أول،
~~والثمانية أول عدد زوج الزوج، والتسعة أول عدد مثلث، والعشرة نفسها ينتهي
~~إليها العدد فإن كل عدد بعدها مركب منها ومما قبلها قاله بعض المحققين.

# وذكر الإمام لهذه الفذلكة مع الوصف عشرة أوجه  لكنها عشرة غير كاملة 
~~ولولا مزيد التطويل لذكرتها بما لها وعليها.

# { ذلك } إشارة إلى التمتع المفهوم من قوله سبحانه: { فمن تمتع
~~} عند أبي حنيفة ms00805 رضي الله تعالى عنه إذ لا متعة ولا قران لحاضري المسجد
~~لأن شرعهما للترفه بإسقاط أحد السفرتين وهذا في حق الآفاقي لا في حق أهل
~~مكة ومن في حكمهم، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: إنها إشارة إلى
~~الأقرب وهو الحكم المذكور أعني لزوم الهدي أو بدله على المتمتع وإنما
~~يلزم ذلك إذا كان المتمتع آفاقيا لأن الواجب أن يحرم عن الحج من الميقات
~~فلما أحرم من الميقات عن العمرة ثم أحرم عن الحج لا من الميقات فقد حصل
~~هناك الخلل فجعل مجبورا بالدم، والمكي لا يجب إحرامه في الميقات فإقدامه
~~على التمتع لا يوقع خللا في حجه فلا يجب عليه الهدي ولا بدله، ويرده أنه
~~لو كانت الإشارة للهدي والصوم لأتى  بعلى  دون اللام في قوله سبحانه:

# { لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام } لأن
~~الهدى وبدله واجب على المتمتع والواجب يستعمل  بعلى  لا باللام، وكون
~~اللام واقعة موقع على كما قيل به في «اشترطي لهم الولاء» خلاف الظاهر،
~~والمراد بالموصول من كان من الحرم على مسافة القصر عند الشافعي رضي الله
~~تعالى عنه، ومن كان مسكنه وراء الميقات عند أبي حنيفة رضي الله تعالى
~~عنه، وأهل الحل عند طاووس، وغير أهل مكة عند مالك رضي الله تعالى عنه،
~~والحاضر على الوجه الأول ضد المسافر، وعلى الوجوه الأخر بمعنى الشاهد
~~الغير الغائب، والمراد من حضور الأهل حضور المحرم، وعبر به لأن الغالب
~~على الرجل كما قيل: أن يسكن حيث أهله ساكنون، و  للمسجد الحرام 
~~إطلاقان، أحدهما: نفس المسجد، والثاني: الحرم كله، ومنه قوله سبحانه:

# سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد
~~الحرام

# [الإسراء: 1] بناءا على أنه صلى الله عليه وسلم إنما أسري به من الحرم
~~لا من المسجد، وعلى إرادة المعنى الأخير في الآية هنا أكثر أئمة الدين.

# { واتقوا الله } في كل ما يأمركم به وينهاكم عنه كما يستفاد من
~~ترك المفعول ويدخل فيه الحج دخولا أوليا وبه يتم الانتظام {
~~واعلموا أن الله شديد العقاب } لمن لم يتقه أي ms00806
~~استحضروا ذلك لتمتنعوا عن العصيان، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار
~~لتربية المهابة وإدخال الروعة؛ وإضافة شديد من إضافة الصفة المشبهة إلى
~~مرفوعها.

### || [2.197]

# { الحج أشهر } أي وقته ذلك وبه يصح الحمل، وقيل: ذو أشهر أو حج
~~أشهر، وقيل: لا تقدير، ويجعل الحج الذي هو فعل من الأفعال عين الزمان
~~مبالغة، ولا يخفى أن المقصد بيان وقت الحج كما يدل عليه ما بعد فالتنصيص
~~عليه أولى، ومعنى قوله سبحانه وتعالى: { معلومت } معروفات عند
~~الناس وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة عندنا، وهو المروي عن ابن
~~عباس وابن مسعود وابن الزبير وابن عمر والحسن/ رضي الله تعالى عنهم، وأيد
~~بأن يوم النحر وقت لركن من أركان الحج  وهو طواف الزيارة  وبأنه فسر
~~يوم الحج الأكبر بيوم النحر، وعند مالك الشهران الأولان وذو الحجة كله
~~عملا بظاهر لفظ الأشهر، ولأن أيام النحر يفعل فيها بعض أعمال الحج من
~~طواف الزيارة، والحلق، ورمي الجمار، والمرأة إذا حاضت تؤخر الطواف الذي
~~لا بد منه إلى انقضاء أيامه بعد العشرة، ولأنه يجوز  كما قيل  تأخير
~~طواف الزيارة إلى آخر الشهر  على ما روي عن عروة بن الزبير  ولأن ظواهر
~~الأخبار ناطقة بذلك، فقد أخرج الطبراني والخطيب وغيرهما بطرق مختلفة «أن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عد الثلاثة أشهر الحج» وأخرج سعيد بن
~~منصور وابن المنذر عن عمر رضي الله تعالى عنه مثل ذلك. وعند الشافعي رضي
~~الله تعالى عنه الشهران الأولان وتسع ذي الحجة بليلة النحر لأن الحج
~~يفوت بطلوع الفجر من يوم النحر، والعبادة لا تكون فائتة مع بقاء وقتها،
~~قاله الرازي، وفيه أن فوته بفوت ركنه الأعظم  وهو الوقوف  لا بفوت
~~وقته مطلقا، ومدار الخلاف أن المراد بوقته وقت مناسكه وأعماله من غير
~~كراهة وما لا يحسن فيه غيره من المناسك مطلقا  أو وقت إحرامه 
~~والشافعي رضي الله تعالى عنه  على الأخير  والإحرام لا يصح بعد طلوع
~~فجر يوم النحر لعدم إمكان الأداء، وإن جاز أداء بعض أعمال الحج في ms00807 أيام
~~النحر، ومالك على الثاني فإنه  على ما قيل  كره الاعتمار في بقية ذي
~~الحجة، لما روي أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يخوف الناس بالدرة
~~وينهاهم عن ذلك فيهن، وإن ابنه رضي الله تعالى عنه قال لرجل: إن أطعتني
~~انتظرت حتى إذا هل المحرم خرجت إلى ذات عرق فأهللت منها بعمرة. والإمام
~~أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه على الأول لكون العاشر وقتا لأداء الرمي
~~والحلق وغيرهما، وغيرها من بقية أيام النحر  وإن كان وقتا لذلك أيضا 
~~إلا أنه خصص بالعشر اقتضاءا لما روي في الآثار من ذكر العشر، ولعل وجهه
~~أن المراد الوقت الذي يتمكن فيه المكلف من الفراغ عن مناسكه بحيث يحل له
~~كل شيء وهو اليوم العاشر وما سواه من بقية أيام النحر، فللتيسير في أداء
~~الطواف، ولتكميل الرمي، والأشهر مستعمل في حقيقته إلا أنه تجوز في بعض
~~أفراده، فإن أقل الجمع ثلاثة أفراد عند الجمهور فجعل بعض من فرد فردا ثم
~~جمع، وقيل: إنه مجاز فيما فوق الواحد بعلاقة الاجتماع، وليس من الجمع
~~حقيقة بناءا على المذهب المرجوح فيه لأنه إنما يصح إطلاقه على اثنين
~~فقط، أو ثلاثة  لا على اثنين  وبعض ثالث، والقول  بأن المراد به اثنان
~~والثالث في حكم العدم  في حكم العدم، وقيل: المراد ثلاثة، ولا تجوز في
~~بعض الأفراد لأن أسماء الظروف تطلق على بعضها حقيقة لأنها على معنى  في
~~ فيقال: رأيته في سنة كذا أو شهر كذا أو يوم كذا وأنت قد رأيته في ساعة
~~من ذلك  ولعله قريب إلى الحق  وصيغة جمع المذكر في غير العقلاء  تجي 
~~بالألف والتاء.

# { فمن فرض } أي ألزم نفسه { فيهن الحج } بالإحرام، ويصير
~~محرما  بمجرد النية  عند الشافعي لكون الإحرام التزام الكف عن
~~المحظورات فيصير شارعا فيه بمجردها كالصوم، وعندنا  لا  بل لا بد من
~~مقارنة التلبية لأنه عقد على الأداء فلا بد من ذكر كما في تحريمة الصلاة،
~~ولما كان باب الحج أوسع من باب الصلاة كفى ذكر يقصد به التعظيم سوى ms00808
~~التلبية  فارسيا كان أو عربيا  وفعل كذلك من سوق الهدي أو تقليده،
~~واستدل بالآية على أنه لا يجوز الإحرام بالحج إلا في تلك الأشهر، كما
~~قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه وعطاء وغيرهما إذ لو جاز في غيرها 
~~كما ذهب إليه الحنفية  لما كان لقوله سبحانه: { فيهن } فائدة، وأجيب
~~بأن فائدة ذكر { فيهن } كونها وقتا لأعماله من غير كراهية فلا
~~يستفاد منه عدم جواز/ الإحرام قبله، فلو قدم الإحرام انعقد حجا مع
~~الكراهة، وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه يصير محرما بالعمرة، ومدار
~~الخلاف أنه ركن عنده  وشرط عندنا  فأشبه الطهارة في جواز التقديم على
~~الوقت، والكراهة جاءت للشبهة، فعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم:

# " لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج "

# { فلا رفث } أي لا جماع، أو لا فحش من الكلام { ولا فسوق }
~~ولا خروج عند حدود الشرع بارتكاب المحظورات، وقيل: بالسباب والتنابز
~~بالألقاب { ولا جدال } ولا خصام مع الخدم والرفقة. { في الحج }
~~أي في أيامه، والإظهار في مقام الإضمار لإظهار كمال الاعتناء بشأنه
~~والإشعار بعلة الحكم فإن زيارة البيت المعظم والتقرب بها إلى الله
~~تعالى من موجبات ترك الأمور المذكورة المدنسة لمن قصد السير والسلوك إلى
~~ملك الملوك، وإيثار النفي للمبالغة في النهي والدلالة على أنه حقيقة بأن
~~لا تكون، فإن ما كان منكرا مستقبحا في نفسه منهيا عنه مطلقا فهو
~~للمحرم بأشرف العبادات وأشقها أنكر وأقبح كلبس الحرير في الصلاة وتحسين
~~الصوت بحيث تخرج الحروف عن هيآتها في القرآن، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو
~~الأولين بالرفع حملا لهما على معنى النهي أي: لا يكونن رفث ولا فسوق
~~والثالث  بالفتح  على معنى الإخبار بانتفاء الخلاف في الحج، وذلك أن
~~قريشا كانت تقف بالمشعر الحرام وسائر العرب يقفون بعرفة، وبعد ما أمر
~~الكل بالوقوف في عرفة ارتفع الخلاف فأخبر به، وقرىء بالرفع فيهن ووجهه
~~لا يخفى.

# { وما تفعلوا من خير يعلمه الله } بتأويل الأمر
~~معطوف على { فلا رفث } أي لا ترفثوا وافعلوا الخيرات ms00809  وفيه التفات
~~ وحث على  الخير  عقيب النهي عن الشر ليستبدل به، ولهذا خص متعلق
~~العلم مع أنه تعالى عالم بجميع ما يفعلونه من خير أو شر، والمراد من 
~~العلم  إما ظاهره فيقدر بعد الفعل فيثيب عليه، وإما المجازاة مجازا {
~~وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } أخرج البخاري وأبو
~~داود والنسائي وابن المنذر وابن حبان والبيهقي عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن
~~متوكلون، ثم يقدمون فيسألون الناس فنزلت  فالتزود  بمعناه الحقيقي 
~~وهو اتخاذ الطعام للسفر  والتقوى بالمعنى اللغوي  وهو الاتقاء من
~~السؤال  وقيل: معنى الآية اتخذوا التقوى زادكم لمعادكم فإنها خير زاد،
~~فمفعول (تزودوا) محذوف بقرينة خبر إن  وهو التقوى بالمعنى الشرعي 
~~وكان مقتضى الظاهر أن يحمل { خير الزاد } على { التقوى } فإن
~~المسند إليه والمسند إذا كانا معرفتين يجعل ما هو مطلوب الإثبات مسندا،
~~والمطلوب هنا إثبات خير الزاد للتقوى لكونه دليلا على تزودها إلا أنه
~~أخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر للمبالغة لأنه حينئذ يكون المعنى إن
~~الشيء الذي بلغكم أنه خير الزاد وأنتم تطلبون نعته هو التقوى فيفيد اتحاد
~~خير الزاد بها { واتقون يأولي الالبب } أي أخلصوا لي
~~التقوى فإن مقتضى العقل الخالص عن الشوائب ذلك وليس فيه  على هذا 
~~شائبة تكرار مع سابقه لأنه حث على الإخلاص بعد الحث على التقوى.

### || [2.198]

# { ليس عليكم جناح } أي حرج في { أن تبتغوا } أي تطلبوا
~~{ فضلا من ربكم } أي رزقا منه تعالى بالربح بالتجارة في مواسم
~~الحج، أخرج البخاري وغيره  عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه  قال: كانت
~~عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في الموسم
~~فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم/ عن ذلك فنزلت، واستدل بها على
~~إباحة التجارة والإجارة وسائر أنواع المكاسب في الحج وأن ذلك لا يحبط
~~أجرا ولا ينقص ثوابا، ووجه الارتباط أنه تعالى لما نهى عن الجدال في
~~الحج كان مظنة للنهي عن التجارة فيه أيضا لكونها مفضية في الأغلب إلى ms00810
~~النزاع في قلة القيمة وكثرتها فعقب ذلك بذكر حكمها، وذهب أبو مسلم إلى
~~المنع عنها في الحج، وحمل الآية على ما بعد الحج، وقال؛ المراد واتقون في
~~كل أفعال الحج ثم بعد ذلك ليس عليكم جناح الخ كقوله تعالى:

# فإذا قضيت الصلوة فانتشروا فى الأرض وابتغوا
~~من فضل الله

# [الجمعة: 10] وزيف بأن حمل الآية على محل الشبهة أولى من حملها على ما
~~لا شبهة فيه ومحل الاشتباه هو التجارة في زمان الحج. وأما بعد الفراغ
~~فنفي الجناح معلوم وقياس الحج على الصلاة فاسد فإن الصلاة أعمالها متصلة
~~فلا يحل في أثنائها التشاغل بغيرها، وأعمال الحج متفرقة تحتمل التجارة في
~~أثنائها، وأيضا الآثار لا تساعد ما قاله فقد سمعت ما أخرجه البخاري، وقد
~~أخرج أحمد وغيره

# " عن أبي أمامة التيمي قال سألت ابن عمر فقلت: إنا قوم نكري في هذا
~~الوجه وإن قوما يزعمون أنه لا حج لنا قال: ألستم تلبون ألستم تطوفون بين
~~الصفا والمروة ألستم ألستم؟؟ قلت بلى قال: إن رجلا سأل النبي صلى الله
~~عليه وسلم عما سألت عنه فلم يدر ما يرد عليه حتى تزلت { ليس
~~عليكم جناح } الآية فدعاه فتلا عليه حين نزلت وقال: " أنتم
~~الحجاج "

# وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقرأ فيما أخرجه البخاري وعبد ابن
~~حميد وابن جرير وغيرهم عنه { ليس عليكم جناح أن تبتغوا
~~فضلا من ربكم } في مواسم الحج، وكذلك روي عن ابن مسعود، وأيضا
~~ الفاء  في قوله تعالى: { فإذا أفضتم من عرفت } ظاهرة
~~في أن هذه الإفاضة حصلت عقيب ابتغاء الفضل وذلك مؤذن بأن المراد وقوع
~~التجارة في زمان الحج، نعم قال بعضهم: إذا كان الداعي للخروج إلى الحج هو
~~التجارة أو كانت جزء العلة أضر ذلك بالحج لأنه ينافي الإخلاص لله تعالى
~~به  وليس بالبعبد  و { أفضتم } من الإفاضة من فاض الماء إذا سال
~~منصبا.

# وأفضته أسلته والهمزة فيه للتعدية، ومفعوله مما التزم حذفه للعلم به،
~~وأصله أفيضتم فنقلت حركة  الياء  إلى  الفاء  قبلها فتحركت  الياء 
~~في الأصل ms00811 وانفتح ما قبلها الآن فقلبت ألفا ثم حذفت، والمعنى هنا فإذا
~~دفعتم أنفسكم بكثرة من عرفات و { من } لابتداء الغاية وعرفات موضع بمنى
~~وهي اسم في لفظ الجمع فلا تجمع قال الفراء: ولا واحد له بصحة، وقول الناس
~~نزلنا عرفة شبيه بمولد  وليس بعربي محض  واعترض عليه بخبر

# " الحج عرفة "

# وأجيب بأن عرفة فيه اسم لليوم التاسع من ذي الحجة كما صرح به الراغب
~~والبغوي والكرماني، والذي أنكره استعماله في المكان، فالاعتراض ناشىء من
~~عدم فهم المراد ومن هنا قيل: إنه جمع عرفة وعليه صاحب «شمس العلوم»،
~~والتعدد حينئذ باعتبار تسمية كل جزء من ذلك المكان عرفة كقولهم: جب
~~مذاكيره فلا يرد ما قاله العلامة: من أنه لو سلم كون عرفة عربيا محضا
~~فعرفة وعرفات مدلولهما واحد، وليس ثمة أماكن متعددة كل منها عرفة لتجمع
~~على عرفات، وإنما نون وكسر مع أن فيه العلمية والتأنيث لأن تنوين جمع
~~المؤنث في مقابلة نون جمع المذكر فإن النون في جمع المذكر قائم مقام
~~التنوين الذي في الواحد في المعنى الجامع لأقسام التنوين وهو كونه علامة
~~تمام الاسم فقط، وليس في النون شيء من من معاني الأقسام للتنوين فكذا
~~التنوين في جمع المؤنث علامة لتمام الاسم فقط، وليس فيها أيضا شيء من
~~تلك المعاني سوى المقابلة وليس الممنوع من غير المنصرف هذا التنوين بل
~~تنوين التمكين لأنه الدال على عدم مشابهة الاسم بالفعل وأن ذهاب الكسرة
~~على المذهب المرضي تبع لذهاب التنوين من غير عوض لعدم الصرف، وهنا ليس
~~كذلك  قاله الجمهور  وقال الزمخشري: إنما نون وكسر لأنه منصرف لعدم
~~الفرعيتين المعتبرتين إذ التأنيث/ المعتبر مع العلمية في منع الصرف إما
~~أن يكون بالتاء المذكورة وهي ليست تاء تأنيث بل علامة الجمع، وإما أن
~~يكون بتاء مقدرة كما في زينب، واختصاص هذه التاء بجمع المؤنث يأبى تقدير
~~تاء لكونه بمنزلة الجمع بين علامتي تأنيث فهذه التاء كتاء بنت ليست
~~للتأنيث بل عوض عن الواو المحذوفة، واختصت بالمؤنث فمنعت تقدير التاء
~~فعلى هذا لو ms00812 سمي بمسلمات، وبنت مؤنث كان منصرفا، وقول ابن الحاجب: إن
~~هذا يقتضي أنه إذا سمي بذلك منع صرفه ليس بشيء إذ الاقتضاء غير مسلم،
~~وكذا ما قاله عصام الدين من أن التأنيث لمنع الصرف لا يستدعي قوة ألا يرى
~~أن طلحة يعتبر تأنيثه لمنع الصرف ولا يعتبر لتأنيث ضمير يرجع إليه لأن
~~بناء الاستدلال ليس على اعتبار القوة والضعف بل على عدم تحقق التأنيث،
~~نعم يرد ما أورده الرضي من أنه لو لم يكن فيه تأنيث لما التزم تأنيث
~~الضمير الراجع إليه، ويجاب بأن اختصاص هذا الوزن بالمؤنث يكفي لإرجاع
~~الضمير ولا يلزم فيه وجود التاء لفظا أو تقديرا وإنما سمي هذا المكان
~~المخصوص بلفظ ينبىء عن المعرفة لأنه نعت لإبراهيم عليه الصلاة والسلام
~~فعرفه، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما، أو لأن جبريل كان يدور به في المشاعر (فلما رآه) قال: قد عرفت،
~~وروي عن عطاء، أو لأن آدم وحواء اجتمعا فيه فتعارفا، وروي عن الضحاك
~~والسدي؛ أو لأن جبريل عليه السلام قال لآدم فيه اعترف بذنبك واعرف مناسكك
~~قاله بعضهم، وقيل: سمي بذلك لعلوه وارتفاعه، ومنه عرف الديك، واختير
~~الجمع للتسمية مبالغة فيما ذكر من وجوهها كأنه عرفات متعددة وهي من
~~الأسماء المرتجلة قطعا عند المحققين، وعرفة يحتمل أن تكون منها وأن تكون
~~منقولة من جمع عارف ولا جزم بالنقل إذ لا دليل على جعلها جمع عارف والأصل
~~عدم النقل.

# { فاذكروا الله } بالتلبية والتهليل والدعاء، وقيل: بصلاة
~~العشاءين لأن ظاهر الأمر للوجوب ولا ذكر واجب { عند المشعر
~~الحرام } إلا الصلاة، والمشهور أن المشعر مزدلفة كلها، فقد أخرج وكيع
~~وسفيان وابن جرير والبيهقي وجماعة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه
~~سئل عن المشعر الحرام فسكت حتى إذا هبطت أيدي الرواحل بالمزدلفة قال: هذا
~~المشعر الحرام وأيد بأن الفاء تدل على أن الذكر عند المشعر يحصل عقيب
~~الإفاضة من عرفات وما ذاك إلا بالبيتوتة بالمزدلفة، وذهب كثير إلى أنه
~~جبل ms00813 يقف عليه الإمام في المزدلفة ويسمى قزح، وخص الله تعالى الذكر عنده
~~مع أنه مأمور به في جميع المزدلفة لأنها كلها موقف إلا وادي محسر كما دلت
~~عليه الآثار الصحيحة لمزيد فضله وشرفه، وعن سعيد بن جبير  ما بين جبلي
~~مزدلفة فهو المشعر الحرام ومثله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وإنما
~~سمي  مشعرا  لأنه معلم العبادة، ووصف  بالحرام  لحرمته، والظرف
~~متعلق باذكروا أو بمحذوف حال من فاعله.

# { واذكروه كما هداكم } أي كما علمكم المناسك والتشبيه لبيان
~~الحال وإفادة التقييد أي اذكروه على ذلك النحو ولا تعدلوا عنه، ويحتمل أن
~~يراد مطلق الهداية ومفاد التشبيه التسوية في الحسن والكمال أي: اذكروه
~~ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة إلى المناسك وغيرها. و (ما)  على
~~المعنيين تحتمل أن تكون مصدرية فمحل { كما هداكم } النصب على
~~المصدرية بحذف الموصوف أي ذكرا مماثلا لهدايتكم، وتحتمل أن تكون كافة
~~فلا محل لها من الإعراب، والمقصود من الكاف مجرد تشبيه مضمون الجملة
~~بالجملة، ولذا لا تطلب عاملا تفضي بمعناه إلى مدخولها، وذهب بعضهم إلى
~~أن  الكاف  للتعليل وأنها متعلقة بما عندها و  ما  مصدرية لا غير أي:
~~اذكروه وعظموه لأجل هدايته السابقة منه تعالى لكم.

# { وإن كنتم } أي وإنكم كنتم فخففت (إن) وحذف الاسم وأهملت عن العمل
~~ولزم اللام فيما بعدها، وقيل: إن (إن) / نافية، واللام بمعنى إلا { من
~~قبله } أي  الهدى  والجار متعلق بمحذوف يدل عليه { لمن
~~الضالين } ولم يعلقوه به لأن ما بعد  ال  الموصولة لا يعمل فيما
~~قبلها وفيه تأمل، والمراد من الضلال الجهل بالإيمان ومراسم الطاعات،
~~والجملة تذييل لما قبلها كأنه قيل: اذكروه الآن إذ لا يعتبر ذكركم السابق
~~المخالف لما هداكم لأنه من الضلالة، وحمله على الحال توهم بعيد عن
~~المرام.

### || [2.199]

# { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } أي من عرفة لا من 
~~المزدلفة  والخطاب عام، والمقصود إبطال ما كان عليه الحمس من الوقوف
~~بجمع، فقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: " كانت
~~قريش ومن دان ms00814 دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس وكان سائر العرب
~~يقفون بعرفات فلما جاء الإسلام أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم
~~أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله سبحانه: { ثم
~~أفيضوا } الآية ومعناها: ثم أفيضوا أيها الحجاج من مكان أفاض جنس
~~الناس منه قديما وحديثا، وهو عرفة لا من مزدلفة، وجعل الضمير عبارة عن
~~الحمس يلزم منه بتر النظم إذ الضمائر السابقة واللاحقة كلها عامة؛
~~والجملة معطوفة على قوله تعالى:

# فإذا أفضتم

# [البقرة: 198] ولما كان المقصود من هذه التعريض كانت في قوة ثم لا
~~تفيضوا من المزدلفة؛ وأتى  بثم  إيذانا بالتفاوت بين الإفاضتين في
~~الرتبة بأن إحداهما صواب، والأخرى خطأ، ولا يقدح في ذلك أن التفاوت إنما
~~يعتبر بين المتعاطفين لا بين المعطوف عليه وما دخله حرف النفي من المعطوف
~~لأن الحصر ممنوع، وكذا لا يضر انفهام التفاوت من كون أحدهما مأمورا به،
~~والآخر منهيا عنه كيفما كان العطف لأن المراد أن كلمة (ثم) تؤذن بذلك مع
~~قطع النظر عن تعلق الأمر والنهي، وجوز أن يكون العطف على  فاذكروا 
~~ويعتبر التفاوت بين الإفاضتين أيضا كما في السابق بلا تفاوت، وبعضهم
~~جعله معطوفا على محذوف أي: أفيضوا إلى منى ثم أفيضوا الخ وليس بشيء
~~كالقول بأن في الآية تقديما وتأخيرا والتقدير: ليس عليكم جناح أن
~~تبتغوا فضلا من ربكم  ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس فإذا أفضتم من عرفات
~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام واستغفروا وإذا أريد بالمفاض منه
~~المزدلفة وبالمفاض إليه منى  كما قال الجبائي  بقيت كلمة (ثم) على
~~ظاهرها لأن الإفاضة إلى منى بعيدة عن الإفاضة من  عرفات  لأن الحاج إذا
~~إفاضوا منها عند غروب الشمس يوم عرفة يجيئون إلى المزدلفة ليلة النحر
~~ويبيتون بها فإذا طلع الفجر وصلوا بغلس ذهبوا إلى قزح فيرقون فوقه أو
~~يقفون بالقرب منه ثم يذهبون إلى وادي محسر ثم منه إلى منى، والخطاب على
~~هذا عام بلا شبهة، والمراد من الناس الجنس كما هو الظاهر  أي من حيث ms00815
~~أفاض الناس كلهم قديما وحديثا، وقيل: المراد بهم إبراهيم عليه السلام
~~وسمي ناسا لأنه كان إماما للناس، وقيل: المراد هو وبنوه، وقرىء (الناس)
~~بالكسر أي الناسي والمراد به آدم عليه السلام لقوله تعالى في حقه:

# فنسي

# [طه: 115] وكلمة  ثم  على هذه القراءة للإشارة إلى بعد ما بين الإفاضة
~~من عرفات والمخالفة عنها بناءا على أن معنى ثم أفيضوا عليها ثم لا
~~تخالفوا عنها لكونها شرعا قديما كذا قيل فليتدبر { واستغفروا
~~الله } من جاهليتكم في تغيير المناسك ونحو { إن الله غفور }
~~للمستغفرين { رحيم } بهم منعم عليهم.

### || [2.200]

# { فإذا قضيتم منسككم } أي أديتم عباداتكم الحجية وفرغتم
~~منها { فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم } أي كما كنتم
~~تذكرونهم عند فراغ حجكم بالمفاخر، روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~قال: كان أهل الجاهلية يجلسون بعد الحج فيذكرون أيام آبائهم وما يعدون من
~~أنسابهم يومهم أجمع فأنزل الله تعالى ذلك { أو أشد ذكرا } إما
~~مجرور معطوف/ على الذكر بجعل الذكر ذاكرا على المجاز والمعنى  واذكروا
~~الله ذكرا كذكركم آباءكم أو كذكر أشد منه وأبلغ  أو على ما أضيف إليه
~~بناءا على مذهب الكوفيين المجوزين للعطف على الضمير المجرور بدون إعادة
~~الخافض في السعة بمعنى  أو كذكر قوم أشد منكم ذكرا  وإما منصوب بالعطف
~~على { ءاباءكم } و { ذكرا } من فعل المبني للمفعول بمعنى أو كذكركم
~~أشد مذكورية من آبائكم، أو بمضمر دل عليه المعنى أي ليكن ذكركم الله
~~تعالى أشد من ذكركم آباءكم أو كونوا أشد ذكرا لله تعالى منكم لآبائكم
~~كذا قيل، واختار في «البحر» أن يكون (أشد) نصب على الحال من { ذكرا }
~~المنصوب  باذكروا  إذ لو تأخر عنه لكان صفة له وحسن تأخر { ذكرا }
~~لأنه كالفاصلة ولزوال قلق التكرار إذ لو قدم لكان التركيب فاذكروا الله
~~كذكركم آباءكم، أو اذكروا ذكرا أشد، وفيه أن الظاهر على هذا الوجه أن
~~يقال أو أشد بدون (ذكرا) بأن يكون معطوف على { كذكركم } صفة للذكر
~~المقدر وأن المطلوب الذكر الموصوف بالأشدية لا طلبه حال الأشدية.

# { فمن الناس من ms00816 يقول } جملة معترضة بين الأمرين المتعاطفين
~~للحث والاكثار من ذكر الله تعالى وطلب ما عنده، وفيها تفصيل للذاكرين
~~مطلقا حجاجا أو غيرهم كما هو الظاهر إلى مقل لا يطلب بذكر الله تعالى
~~إلا الدنيا ومكثر يطلب خير الدارين، وما نقل عن بعض المتصوفة من قولهم إن
~~عبادتنا لذاته تعالى فارغة من الأغراض والاعراض جهل عظيم ربما يجر إلى
~~الكفر كما قاله حجة الإسلام قدس سره لأن عدم التعليل في الأفعال مختص
~~بذاته تعالى على أن البعض قائل بأن أفعاله سبحانه أيضا معللة بما تقتضيه
~~الحكمة، نعم إن عبادته تعالى قد تكون لطلب الرضا لا لخوف مكروه أو لنيل
~~محبوب لكن ذا من أجل حسنات الأخرى يطلبه خلص عباده قال تعالى:

# ورضون من الله أكبر

# [التوبة: 72] وقرن سبحانه الذكر بالدعاء للإشارة إلى أن المعتبر من
~~الذكر ما يكون عن قلب حاضر وتوجه باطن كما هو حال الداعي حين طلب حاجة لا
~~مجرد التفوه والنطق به، وذهب الإمام وأبو حيان إلى أن التفصيل للداعين
~~المأمورين بالذكر بعد الفراغ من المناسك، وبدأ سبحانه وتعالى بالذكر
~~لكونه مفتاحا للإجابة ثم بين جل شأنه أنهم ينقسمون في سؤال الله تعالى
~~إلى من يغلب عليه حب الدنيا فلا يدعو إلا بها ومن يدعو بصلاح حاله في
~~الدنيا والآخرة، وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة حطا لطالب
~~الدنيا عن ساحة عز الحضور، ولا يخفى أن الأول هو المناسب لإبقاء (الناس)
~~على عمومه والمطابق لما سيأتي من قوله سبحانه:

# ومن الناس من يعجبك

# [البقرة: 204] الخ

# ومن الناس من يشرى

# [البقرة: 207] نعم سبب النزول  كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما  طائفة من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيطلبون الدنيا، وطائفة من
~~المؤمنين يجيئونه فيطلبون الدنيا والآخرة وهذا لا يقتضي التخصيص.

# { ربنا ءاتنا فى الدنيا } أي اجعل كل إيتائنا ومنحتنا فيها
~~فالمفعول الثاني متروك ونزل الفعل بالقياس منزلة اللازم ذهابا إلى عموم
~~الفعل للإشارة إلى أن همته مقصورة على مطالب الدنيا { وما له فى
~~الأخرة من خلق ms00817 } إخبار منه تعالى ببيان حال هذا الصنف في
~~الآخرة يعني أنه لا نصيب له فيها ولا حظ؛ و  الخلاق  من خلق به إذا
~~لاق، أو من الخلق كأنه الأمر الذي خلق له وقدر، وقيل: الجملة بيان لحال
~~ذلك في الدنيا فهي تصريح بما علم ضمنا من سابقه تقريرا له وتأكيدا أي
~~ليس له في الدنيا طلب خلاق في الآخرة، وليس المراد أنه ليس له طلب في
~~الآخرة للخلاق ليقال: إن هذا حكم كل أحد إذ لا طلب في الآخرة وإنما فيها
~~الحظ والحرمان، ويجاب بمنع عدم الطلب إذ المؤمنون يطلبون زيادة الدرجات
~~والكافرون الخلاص من شدة العذاب، و { من } صلة، و  له  خبر مقدم
~~والجار والمجرور بعده متعلق/ بما تعلق به أو حال مما بعده.

### || [2.201]

# { ومنهم من يقول ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة }
~~يعني العافية والكفاف قاله قتادة، أو المرأة الصالحة قاله علي كرم الله
~~تعالى وجهه، أو العلم والعبادة قاله الحسن، أو المال الصالح قاله السدي،
~~أو الأولاد الأبرار، أو ثناء الخلق قاله ابن عمر، أو الصحة والكفاية
~~والنصرة على الأعداء والفهم في كتاب الله تعالى، أو صحبة الصالحين قاله
~~جعفر، والظاهر أن الحسنة وإن كانت نكرة في الإثبات وهي لا تعم إلا أنها
~~مطلقة فتنصرف إلى الكامل والحسنة الكاملة في الدنيا ما يشمل جميع حسناتها
~~وهو توفيق الخير وبيانها بشيء مخصوص ليس من باب تعيين المراد إذ لا دلالة
~~للمطلق على المقيد أصلا وإنما هو من باب التمثيل وكذا الكلام في قوله
~~تعالى: { وفي الأخرة حسنة } فقد قيل هي الجنة، وقيل: السلامة
~~من هول الموقف وسوء الحساب، وقيل: الحور العين وهو مروي عن علي كرم الله
~~تعالى وجهه، وقيل: لذة الرؤية وقيل، وقيل... والظاهر الإطلاق وإرادة
~~الكامل وهو الرحمة والإحسان.

# { وقنا عذاب النار } أي احفظنا منه بالعفو والمغفرة واجعلنا
~~ممن يدخل الجنة من غير عذاب، وقال الحسن: احفظنا من الشهوات والذنوب
~~المؤدية إلى عذاب النار، وقال علي كرم الله تعالى وجهه: عذاب النار
~~الامرأة السوء أعاذنا الله ms00818 تعالى منها وهو على نحو ما تقدم وقد كان صلى
~~الله عليه وسلم أكثر دعوة يدعو بها هذه الدعوة كما رواه البخاري ومسلم عن
~~أنس رضي الله تعالى عنه. وأخرجا عنه أيضا أنه قال:

# " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من المسلمين قد صار مثل
~~الفرخ المنتوف فقال له صلى الله عليه وسلم: " هل كنت تدعو الله تعالى
~~بشيء؟ " قال: نعم كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي
~~في الدنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سبحان الله إذا لا تطيق
~~ذلك ولا تستطيعه فهلا قلت ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا
~~عذاب النار ودعا له فشفاه الله تعالى ".

### || [2.202]

# { أولئك } إشارة إلى الفريق الثاني والجملة في مقابلة

# وما له فى الأخرة من خلق

# [البقرة: 200] والتعبير باسم الإشارة للدلالة على أن اتصافهم بما سبق
~~علة للحكم المذكور ولذا ترك العطف ههنا لكونه كالنتيجة لما قبله، قيل:
~~وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى علو درجتهم وبعد منزلتهم في الفضل،
~~وجوز أن تكون الإشارة إلى كلا الفريقين المتقدمين فالتنوين في قوله
~~تعالى: { لهم نصيب مما كسبوا } على الأول: للتفخيم وعلى
~~الثاني: للتنويع أي لكل منهم نصيب من جنس ما كسبوا، أو من أجله، أو مما
~~دعوا به نعطيهم منه ما قدرناه، و  من  إما للتبعيض أو للابتداء،
~~والمبدئية على تقدير الأجلية على وجه التعليل، وفي الآية على الاحتمال
~~الثالث وضع الظاهر موضع المضمر بغير لفظ السابق لأن المفهوم من

# ربنا ءاتنا

# [البقرة: 201] الدعاء لا الكسب إلا أنه يسمى كسبا لأنه من الأعمال
~~وقرىء (مما اكتسبوا).

# { والله سريع الحساب }. يحاسب العباد على كثرتهم في قدر نصف
~~نهار من أيام الدنيا، وروي بمقدار فواق ناقة، وروي بمقدار لمحة البصر أو
~~يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب الناس فبادروا إلى الطاعات واكتساب الحسنات،
~~والجملة تذييل لقوله تعالى:

# فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم

# [البقرة: 200] الخ والمحاسبة إما على حقيقتها كما هو قول أهل الحق من أن ms00819
~~النصوص على ظاهرها ما لم يصرف عنها صارف، أو مجاز عن خلق علم ضروري فيهم
~~بأعمالهم وجزائها كما وكيفا، ومجازاتهم عليها.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { وليس البر بأن تأتوا }
~~بيوت قلوبكم من طرف حواسكم ومعلوماتكم البدنية المأخوذة من المشاعر فإنها
~~ظهور القلوب التي تلي البدن { ولكن البر من اتقى }
~~شواغل/ الحواس وهواجس الخيال ووساوس النفس الأمارة { وأتوا } هاتيك {
~~البيوت من أبوبها } التي تلي الروح، ويدخل منها الحق

# واتقوا الله

# [البقرة: 189] عن رؤية تقواكم لعلكم تفوزون به { وقتلوا في
~~سبيل الله الذين يقتلونكم } من قوى نفوسكم ودواعي
~~بشريتكم فإن ذلك هو الجهاد الأكبر { ولا تعتدوا } بإهمالها
~~والوقوف مع حظوظها أو لا تتجاوزوا في القتال إلى أن تضعفوا البدن عن
~~القيام بمراسم الطاعة، ووظائف العبودية:

# فرب مخمصة شر من التخم

# إن الله لا يحب المعتدين

# [البقرة: 190] الواقفين مع نفوسهم أو المتجاوزين ظل الوحدة وهو العدالة
~~{ واقتلوهم } حيث وجدتموهم أي امنعوا هاتيك القوى عن شم لذائذ
~~الشهوات والهوى حيث كانوا { وأخرجوهم } عن مكة الصدر كما أخرجوكم
~~عنها واستنزلوكم إلى بقعة النفس وحالوا بينكم وبين مقر القلب وفتنتهم
~~التي هي عبادة الهوى والسجود لأصنام اللذات أشد من الإماتة بالكلية أو
~~بلاؤكم عند استيلاء النفس أشد عليكم من القتل الذي هو محو الاستعداد وطمس
~~الغرائز لما يترتب على ذلك من ألم الفراق عن حضرة القدس الذي لا يتناهى {
~~ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام } وهو مقام القلب
~~إذا وافقوكم في توجهكم حتى ينازعوكم في مطالبكم ويجروكم عن دين الحق
~~ويدعوكم إلى عبادة عجل النظر إلى الأغيار فإن نازعوكم { فاقتلوهم }
~~بسيف الصدق واقطعوا مادة تلك الدواعي

# كذلك جزاء الكفرين

# [البقرة: 191] الساترين للحق { فإن انتهوا } عن نزاعهم

# فإن الله غفور رحيم

# [البقرة: 192] { وقتلوهم } على دوام الرعاية وصدق العبودية {
~~حتى لا تكون فتنة } ولا يحصل التفات إلى السوي { ويكون
~~الدين } كله { لله } بتوجه الجمع إلى الجناب الأقدس والذات
~~المقدس

# فإن انتهوا فلا عدون

# [البقرة: 193] إلا على المجاوزين للحدود { الشهر الحرام } الذي
~~قامت به النفس لحقوقها { بالشهر الحرام ms00820 } الذي هو وقت حضوركم
~~ومراقبتكم

# والحرمت قصاص

# [البقرة: 194] فلا تبالوا بهتك حرمتها { وأنفقوا فى سبيل
~~الله } ما معكم من العلوم بالعمل به والإرشاد 

# ولا تلقوا بأيديكم

# [البقرة: 195] إلى تهلكة التفريط

# وأحسنوا

#  [البقرة: 195] بأن تكونوا مشاهدين ربكم في سائر أعمالكم إن الله يحب
~~المشاهدين له،  وأتموا حج  توحيد الذات وعمرة توحيد الصفات لله بإتمام
~~جميع المقامات والأحوال { فإن أحصرتم } بمنع أعداء النفوس أو
~~مرض الفتور فجاهدوا في الله بسوق هدي النفس وذبحها بفناء كعبة القلب،
~~ولاختلاف النفوس في الاستعداد قال:(ما استيسر) { ولا تحلقوا
~~رءوسكم } ولا تزيلوا آثار الطبيعة وتختاروا فراغ الخاطر حتى يبلغ هدي
~~النفس محله فحينئذ تأمنون من التشويش وتكدر الصفاء { فمن كان منكم
~~مريضا } ضعيف الاستعداد { أو به أذى من رأسه } أي مبتلى
~~بالتعلقات ولم يتيسر له السلوك على ما ينبغي فعليه فدية من إمساك عن بعض
~~لذاته وشواغله أو فعل بر أو رياضة تقمع بعض القوى { فإذا أمنتم }
~~من المانع المحصر { فمن تمتع } بذوق تجلي الصفات متوسلا به إلى
~~حج تجلي الذات فيجب عليه ما أمكن من الهدي بحسب حاله { فمن لم
~~يجد } لضعف نفسه وانقهارها { فصيام ثلثة أيام في
~~الحج } أي فعليه الإمساك عن أفعال القوى التي هي الأصول القوية في وقت
~~التجلي والاستغراق في الجمع والفناء وهي العقل والوهم والمتخيلة {
~~وسبعة إذا رجعتم } إلى مقام التفصيل والكثرة، وهي الحواس
~~الخمسة الظاهرة والغضب والشهوة لتكون عند الاستقامة في الأشياء بالله عز
~~وجل { تلك عشرة كاملة } موجبة لأفاعيل عجيبة مشتملة على أسرار
~~غريبة

# ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام

# [البقرة: 196] من الكاملين الحاضرين مقام الوحدة لأن أولئك لا يخاطبون
~~ولا يعاتبون ومن وصل فقد استراح { الحج أشهر معلومت }
~~وهي مدة الحياة الفانية أو من وقت بلوغ الحلم إلى الأربعين كما قال في
~~البقرة [68]

# لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك

# ومن هنا قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد، نعم العمش خير من العمى والقليل
~~خير من الحرمان { فمن فرض فيهن الحج } على نفسه بالعزيمة {
~~فلا رفث } أي ms00821 فلا يمل إلى الدنيا وزينتها { ولا فسوق } ولا
~~يخرج القوة الغضبية عن طاعة القلب بل/ لا يخرج عن الوقت ولا يدخل فيما
~~يورث المقت { ولا جدال في الحج } أي ولا ينازع أحدا في مقام
~~التوجه إليه تعالى إذ الكل منه وإليه ومن نازعه في شيء ينبغي أن يسلمه
~~إليه ويسلم عليه

# وإذا خاطبهم الجهلون قالوا سلاما

# [الفرقان: 63] { وما تفعلوا } من فضيلة في ترك شيء من هذه الأمور
~~{ يعلمه الله } ويثيبكم عليه، { وتزودوا } من الفضائل
~~التي يلزمها الاجتناب عن الرذائل { فإن خير الزاد التقوى
~~} وتمامها بنفي السوي

# واتقون يأولي الألبب

# [البقرة: 197] فإن قضية العقل الخالص عن شوب الوهم وقشر المادة اتقاء
~~الله تعالى { ليس عليكم } حرج عند الرجوع إلى الكثرة أن تطلبوا
~~رفقا لأنفسكم على مقتضى ما حده المظهر الأعظم صلى الله عليه وسلم فإذا
~~دفعتم أنفسكم من عرفات المعرفة { فاذكروا الله عند المشعر
~~الحرام } أي شاهدوا جماله سبحانه عند السر الروحي المسمى بالخفي وسمي
~~مشعرا لأنه محل الشعور بالجمال، ووصف بالحرام لأنه محرم أن يصل إليه
~~الغير { واذكروه كما هداكم } إلى ذكره في المراتب { وإن
~~كنتم من } قبل الوصول إلى عرفات المعرفة والوقوف بها

# لمن الضالين

# [البقرة: 198 ] عن هذه الأذكار في طلب الدنيا { ثم أفيضوا } إلى
~~ظواهر العبادات { من حيث أفاض } سائر الناس إليها وكونوا كأحدهم
~~فإن النهاية الرجوع إلى البداية أو أفيضوا من حيث أفاض الأنبياء عليهم
~~السلام لأجل أداء الحقوق والشفقة على عباد الله تعالى بالإرشاد والتعليم
~~{ واستغفروا الله } فقد كان الشارع الأعظم صلى الله عليه وسلم
~~يغان على قلبه ويستغفر الله تعالى في اليوم سبعين مرة، ومن أنت يا مسكين
~~بعده

# إن الله غفور رحيم

# [البقرة: 199] { فإذا قضيتم منسككم } وفرغتم من الحج {
~~فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم } قبل السلوك { أو
~~أشد ذكرا } لأنه المبدأ الحقيقي فكونوا مشغولين به حسبما تقتضيه
~~ذاته سبحانه { فمن الناس } من لا يطلب إلا الدنيا ولا يعبد إلا
~~لأجلها

# وما له

# [البقرة:200] في مقام الفناء من نصيب لقصور همته واكتسابه الظلمة
~~المنافية للنور؛ ms00822 ومنهم من يطلب خير الدارين ويحترز عن الاحتجاب بالظلمة
~~والتعذيب بنيران الطبيعة { أولئك لهم نصيب مما كسبوا
~~} من حظوظ الآخرة والأنوار الباهرة واللذات الباقية والمراتب العالية {
~~والله سريع الحساب } [البقرة: 202].

### || [2.203]

# { واذكروا الله } أي كبروه إدبار الصلوات وعند ذبح القرابين
~~ورمي الجمار وغيرها. { فى أيام معدودت } وهي ثلاثة أيام
~~التشريق وهو المروي في المشهور عن عمرو وعلي وابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهم، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها أربعة
~~أيام بضم يوم النحر إليها، واستدل بعضهم للتخصيص بأن هذه الجملة معطوفة
~~على قوله سبحانه.

# فاذكروا الله

# [البقرة: 200] الخ فكأنه قيل: فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله في أيام
~~معدودات، والفاء للتعقيب فاقتضى ذلك إخراج يوم النحر من الأيام، ومن
~~اعتبر العطف والتعقيب وجعل بعض يوم يوما استدل بالآية على ابتداء
~~التكبير خلف الصلاة من ظهر يوم النحر، واستدل بعمومها من قال: يكبر خلف
~~النوافل. واستشكل وصف أيام بمعدودات لأن أياما جمع يوم وهو مذكر، و {
~~معدودت } واحدها معدودة وهو مؤنث فكيف تقع صفة له، فالظاهر معدودة
~~ووصف جمع ما لا يعقل بالمفرد المؤنث جائز، وأجيب بأن معدودات جمع معدود
~~لا معدودة، وكثيرا ما يجمع المذكر جمع المؤنث كحمامات وسجلات، وقيل: إنه
~~قدر اليوم مؤنثا باعتبار ساعاته، وقيل: إن المعنى أنها في كل سنة
~~معدودة، وفي السنين معدودات فهي جمع معدودة حقيقة ولا يخفى ما فيه.

# { فمن تعجل } أي عجل في النفر أو استعجل النفر من منى، وقد ذكر
~~غير واحد أن عجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل يقال: تعجل في الأمر
~~واستعجل، ومتعديين يقال: تعجل الذهاب، والمطاوعة عند الزمخشري أوفق لقوله
~~تعالى: { ومن تأخر } كما هي كذلك في قوله:

# /

# قد يدرك المتأني بعض حاجته

# وقد يكون من (المستعجل) الزلل

# لأجل المتأني، وذهب بعض أرباب التحقيق إلى ترجيح التعدي لأن المراد بيان
~~أمور  العجل  لا التعجل مطلقا، وقيل: لأن اللازم يستدعي تقدير (في)
~~فيلزم تعلق حرفي جر أحدهما: المقدر والثاني: { فى يومين } بالفعل
~~وذا لا ms00823 يجوز  واليومان  يوم القر. ويوم الرؤوس. واليوم الذي بعده.
~~والمراد فمن نفر في ثاني أيام التشريق قبل الغروب  وبعد رمي الجمار عند
~~الشافعية  وقبل طلوع الفجر من اليوم الثالث إذا فرغ من رمي الجمار عندنا
~~ والنفر في أول يوم منها لا يجوز  فظرفية اليومين له على التوسع
~~باعتبار أن الاستعداد له في اليوم الأول، والقول بأن التقدير في أحد
~~يومين إلا أنه مجمل فسر باليوم الثاني، أو في آخر يومين خروج عن مذاق
~~النظر.

# { فلا إثم عليه } باستعجاله { ومن تأخر } في النفر حتى
~~رمي في اليوم الثالث قبل الزوال أو بعده عندنا، وعند الشافعي بعده فقط {
~~فلا إثم عليه } بما صنع من التأخر، والمراد التخيير بين  التعجل
~~والتأخر  ولا يقدح فيه أفضلية الثاني خلافا لصاحب  «الإنصاف»  وإنما
~~ورد  بنفي الإثم  تصريحا بالرد على أهل الجاهلية حيث كانوا مختلفين
~~فيه، فمن مؤثم للمعجل، ومؤثم للمتأخر { لمن اتقى } خبر لمحذوف 
~~واللام  إما للتعليل أو للاختصاص، أي ذلك التخيير المذكور بقرينة القرب
~~لأجل  المتقي  لئلا يتضرر بترك ما يقصده من  التعجيل والتأخر  لأنه
~~حذر متحرز عما يريبه، أو ذلك المذكور من أحكام الحج مطلقا نظرا إلى عدم
~~المخصص القطعي، وإن كانت عامة لجميع المؤمنين مختصة  بالمتقي  لأنه
~~الحاج على الحقيقة، والمنتفع بها، والمراد من  التقوى  على التقديرين
~~التجنب عما يؤثم من  فعل أو ترك  ولا يجوز حملها على التجنب عن الشرك
~~لأن الخطاب في جميع ما سبق للمؤمنين، واستدل بعضهم بالآية على أن الحاج
~~إذا اتقى في أداء حدود الحج وفرائضه غفرت له ذنوبه كلها، وروي ذلك عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما، وأخرج ابن جرير عنه أنه فسر الآية بذلك ثم
~~قال: إن الناس يتأولونها على غير تأويلها، وهو من الغرابة بمكان.

# { واتقوا الله } في جميع أموركم التي يتعلق بها العزم لتنتظموا
~~في سلك المغتنمين بالأحكام المذكورة، أو احذروا الإخلال بما ذكر من أمور
~~الحج { واعلموا أنكم إليه تحشرون } للجزاء على أعمالكم
~~بعد الإحياء والبعث، وأصل  الحشر  الجمع وضم المفرق وهو ms00824 تأكيد للأمر
~~بالتقوى وموجب للامتثال به، فإن من علم بالحشر والمحاسبة والجزاء كان ذلك
~~من أقوى الدواعي له إلى ملازمة التقوى، وقدم إليه للاعتناء بمن يكون
~~الحشر إليه ولتواخي الفواصل.

### || [2.204]

# { ومن الناس من يعجبك قوله } عطف على قوله تعالى:

# فمن الناس من يقول

# [البقرة: 200] والجامع أنه سبحانه لما ساق بيان أحكام الحج إلى بيان
~~انقسام الناس في الذكر والدعاء في تلك المناسك إلى الكافر والمؤمن، تممه
~~سبحانه ببيان قسمين آخرين  المنافق والمخلص  وأصل  التعجب  حيرة تعرض
~~للإنسان لجهله بسبب المتعجب منه، وهو هنا مجاز عما يلزمه من الروق
~~والعظمة فإن الأمر الغريب المجهول يستطيبه الطبع ويعظم وقعه في القلوب،
~~وليس على حقيقته لعدم الجهل بالسبب أعني الفصاحة والحلاوة، فالمعنى ومنهم
~~من يروقك ويعظم في نفسك ما يقول { في الحيوة الدنيا } أي في
~~أمور الدنيا وأسباب المعاش  سواء كانت عائدة إليه أم لا  فالمراد من
~~الحياة ما به الحياة والتعيش،/ أو في معنى الدنيا فإنها مرادة من ادعاء
~~المحبة وإظهار الإيمان  فالحياة الدنيا  على معناها، وجعله ظرفا للقول
~~من قبيل قولهم في عنوان المباحث الفصل الأول في كذا والكلام في كذا أي
~~المقصود منه ذلك ولا حذف في شيء من التقديرين على ما وهم وتكون الظرفية
~~حينئذ تقديرية كما في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " في النفس المؤمنة مائة من الإبل "

# أي في قتلها فالسبب الذي هو القتل متضمن للدية تضمن الظرف للمظروف وهذه
~~هي التي يقال لها إنها سببية كذا في الرضي قاله بعض المحققين، وجوز تعلق
~~المجرور بالفعل قبله أي يعجبك في الدنيا قوله لفصاحته وطراوة ألفاظه ولا
~~يعجبك في الآخرة لما يعتريه من الدهشة واللكنة أو لأنه لا يؤذن له في
~~الكلام فلا يتكلم حتى يعجبك، والآية كما قال السدي: نزلت في الأخنس بن
~~شريق الثقفي حليف بن زهرة «أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في
~~المدينة فأظهر له الإسلام وأعجب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منه وقال:
~~إنما جئت أريد الإسلام والله تعالى يعلم ms00825 إني لصادق ثم خرج من عند رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فمر بزرع [لقوم] من المسلمين وحمر فأحرق الزرع
~~وعقر الحمر» وقيل: في المنافقين كافة.

# { ويشهد الله على ما فى قلبه } أي بحسب ادعائه حيث
~~يقول الله يعلم أن ما في قلبي موافق لما في لساني وهو معطوف على {
~~يعجبك } وفي مصحف أبي (ويستشهد الله)، وقرىء (ويشهد الله) بالرفع،
~~فالمراد بما في قلبه ما فيه حقيقة، ويؤيده قراءة ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما، (والله يشهد على ما في قلبه) على أن كلمة على لكون المشهود به
~~مضرا له، والجملة حينئذ اعتراضية.

# { وهو ألد الخصام } أي شديد المخاصمة في الباطل كما قال ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما واستشهد عليه بقول مهلهل:

# إن تحت الحجار حزما وجورا

# وخصيما ألد ذا مقلاق

# فألد صفة كأحمر بدليل جمعه على لد ومجىء مؤنثه لداء لا أفعل تفضيل
~~والإضافة من إضافة الصفة إلى فاعلها كحسن الوجه على الإسناد المجازي
~~وجعلها بعضهم بمعنى في على الظرفية التقديرية أي شديد في المخاصمة؛ ونقل
~~أبو حيان عن الخليل أن ألد أفعل تفضيل فلا بد من تقدير، وخصامه ألد
~~الخصام أو ألد ذوي الخصام، أو يجعل وهو راجع إلى الخصام المفهوم من
~~الكلام على بعد، أو يقال الخصام جمع خصم كبحر وبحار وصعب وصعاب، فالمعنى
~~أشد الخصوم خصومة، والإضافة فيه للاختصاص كما في أحسن الناس وجها، وفي
~~الآية إشارة إلى أن شدة المخاصمة مذمومة، وقد أخرج البخاري ومسلم عن
~~عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم:

# " أبغض الرجال إلى الله تعالى الألد الخصم "

# وأخرج أحمد عن أبي الدرداء

# " كفى بك إثما أن لا تزال مماريا وكفى بك ظالما أن لا تزال مخاصما
~~وكفى بك كاذبا أن لا تزال محدثا إلا حديث في ذات الله عز وجل "

# وشدة الخصومة من صفات المنافقين لأنهم يحبون الدنيا فيكثرون الخصام
~~عليها.

### || [2.205]

# { وإذا تولى } أي أدبر وأعرض قاله الحسن، أو إذا غلب وصار
~~واليا  قاله الضحاك . { سعى ms00826 } أي أسرع في المشي أو عمل. { فى
~~الأرض ليفسد فيها } ما أمكنه. { ويهلك الحرث
~~والنسل } كما فعله الأخنس، أو كما يفعله ولاة السوء بالقتل
~~والإتلاف، أو بالظلم الذي يمنع الله تعالى بشؤمه القطر، والحرث الزرع
~~والنسل كل ذات روح يقال نسل ينسل نسولا إذا خرج فسقط، ومنه نسل وبر
~~البعير أو ريش الطائر، وسمي العقب من الولد نسلا لخروجه من ظهر أبيه
~~وبطن أمه، وذكر الأزهري/ أن الحرث هنا النساء والنسل الأولاد، وعن الصادق
~~أن الحرث في هذا الموضع الدين والنسل الناس. وقرىء (ويهلك الحرث والنسل)
~~على أن الفعل للحرث والنسل، والرفع للعطف على { سعى } وقرأ الحسن بفتح
~~اللام وهي لغة  أبى يأبى  وروي عنه (ويهلك) على البناء للمفعول.

# { والله لا يحب الفساد } لا يرضى به فاحذروا غضبه عليه،
~~والجملة اعتراض للوعيد واكتفى فيها على الفساد لانطوائه على الثاني لكونه
~~من عطف العام على الخاص، ولا يرد أن الله تعالى مفسد للأشياء قبل
~~الإفساد، فكيف حكم سبحانه بأنه لا يحب الفساد، لأنه يقال: الإفساد  كما
~~قيل في الحقيقة  إخراج الشيء عن حالة محمودة  لا لغرض صحيح  وذلك غير
~~موجود في فعله تعالى ولا هو آمر به، وما نراه من فعله جل وعلا إفسادا
~~فهو بالإضافة إلينا، وأما بالنظر إليه تعالى فكله صلاح، وأما أمره بإهلاك
~~الحيوان مثلا لأكله فلإصلاح الإنسان الذي هو زبدة هذا العالم، وأما
~~إماتته فأحد أسباب حياته الأبدية ورجوعه إلى وطنه الأصلي، وقد تقدم ما
~~عسى أن تحتاجه هنا.

### || [2.206]

# { وإذا قيل له اتق الله } في فعلك { أخذته العزة
~~} أي احتوت عليه وأحاطت به، وصار كالمأخوذ بها، والعزة في الأصل خلاف
~~الذل وأريد بها الأنفة والحمية مجازا { بالإثم } أي مصحوبا أو
~~مصحوبة به أو بسبب إثمه السابق، ويجوز أن يكون  أخذ  من الأخذ بمعنى
~~الأسر، ومنه الأخيذ للأسير، أي جعلته العزة وحمية الجاهلية أسيرا بقيد
~~الإثم لا يتخلص منه { فحسبه جهنم } مبتدأ وخبر أي كافيه جهنم
~~وقيل: جهنم فاعل لحسبه ساد مسد خبره، وهو مصدر بمعنى الفاعل ms00827 وقوي
~~لاعتماده على  الفاء  الرابطة للجملة بما قبلها، وقيل: حسب اسم فعل ماض
~~بمعنى كفى  وفيه نظر  وجهنم علم لدار العقاب أو لطبقة من طبقاتها
~~ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث، وهي من الملحق بالخماسي بزيادة الحرف
~~الثالث ووزنه فعنلل، وفي «البحر» إنها مشتقة من قولهم: ركية جهنام  إذا
~~كانت بعيدة القعر  وكلاهما من الجهم، وهي الكراهية، والغلظ، ووزنها
~~فعنل، ولا يلتفت لمن قال: وزنها فعنلل كعرندس، وأن فعنلا مفقود لوجود
~~فعنل نحو دونك وخفنك وغيرهما، وقيل: إنها فارسي وأصلها كهنام فعربت 
~~بإبدال الكاف جيما وإسقاط الألف  والمنع من الصرف حينئذ للعلمية
~~والعجمة { ولبئس المهاد } جواب قسم مقدر؛ والمخصوص بالذم محذوف
~~لظهوره وتعينه، والمهاد الفراش، وقيل: ما يوطىء للجنب  والتعبير به
~~للتهكم  وفي الآية ذم لمن يغضب إذا قيل له اتق الله ولهذا قال العلماء:
~~إذا قال الخصم للقاضي: اعدل ونحوه له أن يعزره، وإذا قال له: اتق الله لا
~~يعزره. وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه «إن من أكبر
~~الذنب أن يقول الرجل لأخيه: اتق الله تعالى فيقول: عليك بنفسك عليك
~~بنفسك».

### || [2.207]

# { ومن الناس من يشرى نفسه } أي يبيعها ببذلها في الجهاد
~~على ما روي عن ابن عباس والضحاك رضي الله تعالى عنهما أن الآية نزلت في
~~سرية الرجيع، أو في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على ما أخرج ابن
~~جرير عن أبي الخليل قال: سمع عمر رضي الله تعالى عنه إنسانا يقرأ هذه
~~الآية فاسترجع وقال: قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل.

# { ابتغاء مرضت الله } أي طلبا لرضاه، فابتغاء مفعول له،
~~ومرضات مصدر بني  كما في «البحر»  على التاء كمدعاة، والقياس تجريده
~~منها، وكتب في المصحف  بالتاء  ووقف عليه  بالتاء والهاء  وأكثر
~~الروايات أن الآية نزلت في صهيب الرومي رضي الله تعالى عنه،/ فقد أخرج
~~جماعة أن صهيبا أقبل مهاجرا نحو النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر
~~من المشركين فنزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته وأخذ قوسه ثم قال: يا ms00828
~~معشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم رجلا؛ وأيم الله لا تصلون إلي حتى
~~أرمي بما في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما
~~شئتم. فقالوا. دلنا على بيتك ومالك بمكة ونخلي عنك، وعاهدوه إن دلهم أن
~~يدعوه ففعل، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " أبا يحيى ربح البيع ربح البيع "

# وتلا له الآية. وعلى هذا يكون الشراء على ظاهره بمعنى الاشتراء.

# وفي الكواشي أنها نزلت في الزبير بن العوام وصاحبه المقداد بن الأسود
~~لما قال عليه الصلاة والسلام:

# " من ينزل خبيبا عن خشبته فله الجنة "

# فقال: أنا وصاحبي المقداد  وكان خبيب قد صلبه أهل مكة  وقال الإمامية
~~وبعض منا: إنها نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه حين استخلفه النبي صلى
~~الله عليه وسلم على فراشه بمكة لما خرج إلى الغار، وعلى هذا يرتكب في
~~الشراء مثل ما ارتكب أولا { والله رءوف بالعباد } أي
~~المؤمنين حيث أرشدهم لما فيه رضاه، وجعل النعيم الدائم جزاء العمل
~~المنقطع وأثاب على شراء ملكه بملكه.

### || [2.208]

# { يأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كافة }
~~أخرج غير واحد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في عبد الله
~~بن سلام وأصحابه، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا
~~بشرائعه وشرائع موسى عليه السلام فعظموا السبت وكرهوا لحمان الإبل
~~وألبانها بعد ما أسلموا، فأنكر ذلك عليهم المسلمون، فقالوا: إنا نقوى على
~~هذا وهذا، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن التوراة كتاب الله تعالى
~~فدعنا فلنعمل بها، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فالخطاب لمؤمني أهل
~~الكتاب، والسلم بمعنى الإسلام، وكافة في الأصل صفة من كف بمعنى منع،
~~استعمل بمعنى الجملة بعلاقة أنها مانعة للأجزاء عن التفرق  والتاء  فيه
~~للتأنيث أو للنقل من الوصفية إلى الإسمية كعامة وخاصة وقاطبة، أو
~~للمبالغة واختار الطيبي الأول مدعيا أن القول بالأخيرين خروج عن الأصل
~~من غير ضرورة، والشمول المستفاد منه شمول الكل للأجزاء لا الكلي لجزئياته ms00829
~~ولا الأعم منهما، ولا يختص بمن يعقل، ولا بكونه حالا ولا نكرة خلافا
~~لابن هشام  وليس له في ذلك ثبت  وهو هنا حال من الضمير في { ادخلوا
~~} والمعنى ادخلوا في الإسلام بكليتكم ولا تدعوا شيئا من ظاهركم وباطنكم
~~إلا والإسلام يستوعبه بحيث لا يبقى مكان لغيره من شريعة موسى عليه
~~السلام، وقيل: الخطاب للمنافقين، والسلم بمعنى الاستسلام والطاعة على ما
~~هو الأصل فيه، وكافة حال من الضمير أيضا، أي استسلموا لله تعالى وأطيعوه
~~جملة واتركوا النفاق وآمنوا ظاهرا وباطنا، وقيل: الخطاب لكفار أهل
~~الكتاب الذين زعموا الإيمان بشريعتهم، والمراد من السلم جميع الشرائع
~~بذكر الخاص وإرادة العام بناءا على القول بأن الإسلام شريعة نبينا صلى
~~الله عليه وسلم، وحمل  اللام  على الاستغراق، { وكافة } حال من {
~~السلم } والمعنى ادخلوا أيها المؤمنون بشريعة واحدة في الشرائع كلها
~~ولا تفرقوا بينها، وقيل: الخطاب للمسلمين الخلص، والمراد من السلم شعب
~~الإسلام، وكافة حال منه، والمعنى: ادخلوا أيها المسلمون المؤمنون بمحمد
~~صلى الله عليه وسلم في شعب الإيمان كلها ولا تخلوا بشيء من أحكامه، وقال
~~الزجاج في هذا الوجه: المراد من السلم الإسلام، والمقصود أمر المؤمنين
~~بالثبات عليه، وفيه أن التعبير عن الثبات على الإسلام بالدخول فيه بعيد
~~غاية البعد، وهذا ما اختاره بعض المحققين من ستة عشر احتمالا في الآية
~~حاصلة من ضرب/ احتمالي (السلم) في احتمالي (كافة) وضرب المجموع في
~~احتمالات الخطاب، ومبنى ذلك على أمرين، بأحدهما أن { كافة } لإحاطة
~~الأجزاء، والثاني: أن محط الفائدة في الكلام القيد كما هو المقرر عند
~~البلغاء، ونص عليه الشيخ في «دلائل الإعجاز»، وإذا اعتبرت احتمال الحالية
~~من الضمير والظاهر معا كما في قوله:

# خرجت بها نمشي تجر وراءنا

# على أثرينا ذيل مرط مرحل

# بلغت الاحتمالات أربعة وعشرين، ولا يخفى ما هو الأوفق منها بسبب النزول.
~~وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي (السلم) بفتح السين والباقون  بكسرها 
~~وهما لغتان مشهورتان فيه، وقرأ الأعمش بفتح السين واللام { ولا
~~تتبعوا خطوت الشيطن } بمخالفة ما أمرتم به، أو بالتفرق
~~في جملتكم، ms00830 أو بالتفريق بالشرائع أو الشعب { إنه لكم عدو
~~مبين } ظاهر العداوة أو مظهر لها، وهو تعليل للنهي والانتهاء.

### || [2.209]

# { فإن زللتم } أي ملتم عن الدخول في السلم وتنحيتم، وأصله السقوط
~~وأريد به ما ذكر مجازا { من بعد ما جاءتكم البينت } أي
~~الحجج الظاهرة الدالة على أنه الحق، أو آيات الكتاب الناطقة بذلك الموجبة
~~للدخول { فاعلموا أن الله عزيز } غالب على أمره لا يعجزه
~~شيء من الانتقام منكم { حكيم }. لا يترك ما تقتضيه الحكمة من مؤاخذة
~~المجرمين.

### || [2.210]

# { هل ينظرون } استفهام في معنى النفي، والضمير للموصول السابق إن
~~أريد به المنافقون أو أهل الكتاب، أو إلى

# من يعجبك

# [البقرة: 204] إن أريد به مؤمنو أهل الكتاب أو المسلمون. { إلا أن
~~يأتيهم الله } بالمعنى اللائق به جل شأنه منزها عن مشابهة
~~المحدثات والتقيد بصفات الممكنات. { في ظلل } جمع ظلة كقلة وكقلل وهي
~~ما أظلك، وقرىء (ظلال) كقلال { من الغمام } أي السحاب أو الأبيض
~~منه. { والملئكة } يأتون، وقرىء { والملئكة } بالجر عطف
~~على (ظلل) أو (الغمام) والمراد: مع الملائكة أخرج ابن مردويه عن ابن
~~مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " يجمع الله تعالى الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما شاخصة
~~أبصارهم إلى السماء ينظرون فصل القضاء وينزل الله تعالى في ظلل من الغمام
~~من العرش إلى الكرسي "

# ؛ وأخرج ابن جرير وغيره عن عبد الله بن عمر في هذه الآية قال: يهبط حين
~~يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب منها النور والظلمة والماء فيصوت
~~الماء في تلك العظمة صوتا تنخلع له القلوب، وعن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أن من الغمام ظللا يأتي الله تعالى فيها محفوفات بالملائكة، وقرأ
~~أبي { إلا أن يأتيهم الله والملئكة في ظلل }
~~ومن الناس من قدر في أمثال هذه المتشابهات محذوفا فقال: في الآية
~~الإسناد مجازي، والمراد يأتيهم أمر الله تعالى وبأسه أو حقيقي، والمفعول
~~محذوف أي يأتيهم الله تعالى ببأسه، وحذف المأتي به للدلالة عليه بقوله
~~سبحانه:

# أن الله عزيز حكيم

# [البقرة: 209] فإن العزة والحكمة تدل ms00831 على الانتقام بحق، وهو البأس
~~والعذاب، وذكر الملائكة لأنهم الواسطة في إتيان أمره أو الآتون على
~~الحقيقة، ويكون ذكر الله تعالى حينئذ تمهيدا لذكرهم كما في قوله
~~سبحانه:

# يخدعون الله والذين ءامنوا

# [البقرة: 9] على وجه وخص الغمام بمحلية العذاب لأنه مظنة الرحمة فإذا
~~جاء منه العذاب كان أفظع لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أصعب فكيف
~~إذا جاء من حيث يحتسب الخير، ولا يخفى أن من علم أن الله تعالى أن يظهر
~~بما شاء وكيف شاء ومتى شاء وأنه في حال ظهوره باق على إطلاقه حتى عن قيد
~~الإطلاق منزه عن التقيد مبرأ عن التعدد كما ذهب إليه سلف الأمة وأرباب
~~القلوب/ من ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم لم يحتج إلى هذه
~~الكلفات، ولم يحم حول هذه التأويلات.

# { وقضى الأمر } أي أتم أمر العباد وحسابهم فأثيب الطائع وعوقب
~~العاصي وأتم أمر إهلاكهم وفرغ منه وهو عطف على { هل ينظرون } لأنه
~~خبر معنى ووضع الماضي موضع المستقبل لدنو وتيقن وقوعه. وقرأ معاذ بن جبل
~~(وقضاء الأمر) عطفا على (الملائكة) { وإلى الله ترجع
~~الأمور } تذييل للتأكيد كأنه قيل: وإلى الله ترجع الأمور التي من
~~جملتها الحساب أو الإهلاك، وعلى قراءة معاذ عطف على { هل ينظرون }
~~أي لا ينظرون إلا الإتيان وأمر ذلك إلى الله تعالى، وقرأ نافع وابن كثير
~~وأبو عمرو وعاصم  (ترجع)  على البناء للمفعول على أنه من الرجع، وقرأ
~~الباقون على البناء للفاعل بالتأنيث غير يعقوب على أنه من الرجوع، وقرىء
~~أيضا بالتذكير وبناء المفعول.

### || [2.211]

# { سل بنى إسرءيل } أمر للرسول صلى الله عليه وسلم كما هو الأصل
~~في الخطاب أو لكل واحد ممن يصح منه السؤال، والمراد بهذا السؤال تقريعهم
~~وتوبيخهم على طغيانهم وجحودهم الحق بعد وضوح الآيات لا أن يجيبوا فيعلم
~~من جوابهم كما إذا أراد واحد منا توبيخ أحد يقول لمن حضر سله كم أنعمت
~~عليه، وربط الآية بما قبلها على ما قيل: إن الضمير في

# هل ينظرون

# [البقرة: 210] إن كان لأهل الكتاب ms00832 فهي كالدليل عليه وإن كان ل

# من يعجبك

# [البقرة: 204] فهي بيان لحال المعاندين من أهل الكتاب بعد بيان حال
~~المنافقين من أهل الشرك { كم آتيناهم من آية بينة } أي
~~علامة ظاهرة وهي المعجزات الدالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~كما قال الحسن ومجاهد، وتخصيص إيتاء المعجزات بأهل الكتاب مع عمومه للكل
~~لأنهم أعلم من غيرهم بالمعجزات وكيفية دلالتها على الصدق لعلمهم بمعجزات
~~الأنبياء السابقة وقد يراد بالآية معناها المتعارف وهو طائفة من القرآن
~~وغيره، و(بينة) من بان المتعدي، فالسؤال على إيتاء الآيات المتضمنة لنعت
~~الرسول صلى الله عليه وسلم وتحقيق نبوته والتصديق بما جاء به. و { كم }
~~إما خبرية والمسؤول عنه محذوف، والجملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب
~~مبينة لاستحقاقهم التقريع كأنه قيل: سل بني إسرائيل عن طغيانهم وجحودهم
~~للحق بعد وضوحه فقد  آتيناهم آيات كثيرة بينة،  وزعم لزوم انقطاع
~~الجملة على هذا التقدير  وهم كما ترى، وإما استفهامية والجملة في موضع
~~المفعول الثاني ل { سل } وقيل: في موضع المصدر أي سلهم هذا السؤال،
~~وقيل: في موضع الحال أي سلهم قائلا  كم آتيناهم  والاستفهام للتقرير
~~بمعنى حمل المخاطب على الإقرار، وقيل: بمعنى التحقيق والتثبيت، واعترض
~~بأن معنى التقريع الاستنكار والاستبعاد وهو لا يجامع التحقيق؛ وأجيب بأن
~~التقريع إنما هو على جحودهم الحق وإنكاره المجامع لإيتاء الآيات لا على
~~الإيتاء حتى يفارقه، ومحلها النصب على أنها مفعول ثان  لآتينا  وليس من
~~الاشتغال كما وهم أو الرفع بالابتداء على حذف العائد، والتقدير 
~~آتيناهموما  أو آتيناهم إياها، وهو ضعيف عند سيبويه، وآية تمييز، ومن
~~صلة أتى بها للفصل بين كون آية مفعولا  لآتينا  وكونها مميزة ل {
~~كم } ويجب الإتيان بها في مثل هذا الموضع فقد قال الرضي: وإذا كان
~~الفصل بين  كم  الخبرية ومميزها بفعل متعد وجب الإتيان بمن لئلا يلتبس
~~المميز بمفعول ذلك المتعدي نحو

# كم تركوا من جنت

# [الدخان: 25] و

# كم أهلكنا من قرية

# [القصص: 58] وحال  كم  الاستفهامية المجرور مميزها مع الفصل كحال  كم
~~ الخبرية في جميع ms00833 ما ذكرنا انتهى، وحكي عنه أنه أنكر زيادة من في مميز
~~الاستفهامية وهو محمول على الزيادة بلا فصل لا مطلقا فلا تنافي بين
~~كلاميه.

# { ومن يبدل نعمة الله } أي آياته فإنها سبب الهدى الذي هو
~~أجل النعم، وفيه وضع المظهر موضع المضمر بغير لفظه السابق لتعظيم الآيات،
~~وتبديلها تحريفها وتأويلها الزائغ، أو جعلها سببا للضلالة وازدياد/
~~الرجس، وعلى التقديرين لا حذف في الآية، وقال أبو حيان حذف حرف الجر من
~~(نعمة) والمفعول الثاني ل (يبدل) والتقدير: ومن يبدل بنعمة الله كفرا،
~~ودل على ذلك ترتيب جواب الشرط عليه وفيه ما لا يخفى، وقرىء  ومن يبدل 
~~بالتخفيف { من بعد ما جاءته } أي وصلته وتمكن من معرفتها، وفائدة
~~هذه الزيادة  وإن كان تبديل الآيات مطلقا مذموما  التعريض بأنهم
~~بدلوها بعد ما عقلوها، وفيه تقبيح عظيم لهم ونعي على شناعة حالهم
~~واستدلال على استحقاقهم العذاب الشديد حيث بدلوا بعد المعرفة وبهذا يندفع
~~ما يتراءى من أن التبديل لا يكون إلا بعد المجىء فما الفائدة في ذكره {
~~فإن الله شديد العقاب } تعليل للجواب أقيم مقامه والتقدير:
~~ومن يبدل نعمة الله عاقبه أشد عقوبة لأنه شديد العقاب، ويحتمل أن يكون هو
~~الجواب بتقدير الضمير أي شديد العقاب له وإظهار الاسم الجليل لتربية
~~المهابة وإدخال الروعة.

### || [2.212]

# { زين للذين كفروا الحيوة الدنيا } أي أوجدت حسنة
~~وجعلت محبوبة في قلوبهم فتهافتوا عليها تهافت الفراش على النار وأعرضوا
~~عما سواها ولذا أعرض أهل الكتاب عن الآيات وبدلوها؛ وفاعل التزيين بهذا
~~المعنى حقيقة هو الله تعالى وإن فسر بالتحسين بالقول ونحوه من الوسوسة
~~كما في قوله تعالى:

# لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم

# [الحجر: 39] كان فاعل ذلك هو الشيطان والآية محتملة لمعنيين، والتزيين
~~حقيقة فيهما على ما يقتضيه ظاهر كلام الراغب.

# { ويسخرون من الذين ءامنوا } الموصول للعهد، والمراد به
~~فقراء المؤمنين كصهيب وبلال وعمار أي يستهزؤون بهم على رفضهم الدنيا
~~وإقبالهم على العقبى، و { من } للتعدية وتفيد معنى الابتداء كأنهم
~~جعلوا لفقرهم ورثاثة حالهم منشأ للسخرية وقد يعدى السخر بالباء ms00834 إلا أنه
~~لغة رديئة، والعطف على (زين) وإيثار صيغة الاستقبال للدلالة على
~~الاستمرار، وجوز أن تكون الواو للحال و(يسخرون) خبر لمحذوف أي وهم
~~يسخرون، والآية نزلت في أبي جهل وأضرابه من رؤساء قريش بسطت لهم الدنيا
~~وكانوا يسخرون من فقراء المؤمنين ويقولون لو كان محمد صلى الله عليه وسلم
~~نبيا لاتبعه أشرافنا، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وقيل:
~~نزلت في ابن أبي بن سلول، وقيل: في رؤساء اليهود، ومن بني قريظة
~~والنضير وقينقاع سخروا من فقراء المهاجرين وعن عطاء لا مانع من نزولها في
~~جميعهم.

# { والذين اتقوا } هم الذين آمنوا بعينهم وآثر التعبير به مدحا
~~لهم بالتقوى وإشعارا بعلة الحكم، ويجوز أن يراد العموم ويدخل هؤلاء فيهم
~~دخولا أوليا. { فوقهم يوم القيمة } مكانا لأنهم في
~~عليين وأولئك في أسفل السافلين، أو مكانة لأنهم في أوج الكرامة وهم في
~~حضيض الذل والمهانة، أو لأنهم يتطاولون عليهم في الآخرة فيسخرون منهم كما
~~سخروا منهم في الدنيا، والجملة معطوفة على ما قبلها، وإيثار الاسمية
~~للدلالة على دوام مضمونها، وفي ذلك من تسلية المؤمنين ما لا يخفى. {
~~والله يرزق } في الآخرة { من يشآء بغير حساب } أي بلا
~~نهاية لما يعطيه، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: هذا الرزق في
~~الدنيا، وفيه إشارة إلى تملك المؤمنين المستهزىء بهم أموال بني قريظة
~~والنضير، ويجوز أن يراد في الدارين فيكون تذييلا لكلا الحكمين.

### || [2.213]

# { كان الناس أمة وحدة } متفقين على التوحيد مقرين
~~بالعبودية حين أخذ الله تعالى عليهم العهد، وهو المروي عن أبي بن كعب
~~أو بين آدم وإدريس عليهما السلام بناءا على ما في «روضة الأحباب» أن
~~الناس في زمان آدم كانوا موحدين متمسكين بدينه بحيث يصافحون الملائكة إلا
~~قليل من قابيل ومتابعيه إلى زمن رفع إدريس، أو بين آدم ونوح عليهما
~~السلام على ما روى البزار وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما/ أنه
~~كان بينهما عشرة قرون على شريعة من الحق، أو بعد الطوفان إذ لم يبق بعده ms00835
~~سوى ثمانين رجلا وامرأة ثم ماتوا إلا نوحا وبنيه حام وسام ويافث
~~وأزواجهم وكانوا كلهم على دين نوح عليه الصلاة والسلام فالاستغراق على
~~الأول والأخير حقيقي، وعلى الثاني والثالث ادعائي بجعل القليل في حكم
~~العدم، وقيل: متفقين على الجهالة والكفر بناءا على ما أخرجه ابن أبي
~~حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا كفارا
~~وذلك بعد رفع إدريس عليه الصلاة والسلام إلى أن بعث نوح، أو بعد موت نوح
~~عليه الصلاة والسلام إلى أن بعث هود عليه الصلاة والسلام.

# { فبعث الله النبيين } أي فاختلفوا فبعث الخ وهي قراءة ابن
~~مسعود رضي الله تعالى عنه، وإنما حذف تعويلا على ما يذكر عقبه. {
~~مبشرين } من آمن بالثواب. { ومنذرين } من كفر بالعذاب وهم
~~كثيرون، فقد أخرج أحمد وابن حبان

# " عن أبي ذر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم كم الأنبياء؟ قال: "
~~مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا قلت: يا رسول الله كم الرسل؟ قال: ثلثمائة
~~وثلاثة عشر جم غفير "

# ولا يعارض هذا قوله تعالى

# ورسلا قد قصصنهم عليك

# [النساء: 164] الآية لما سيأتي إن شاء الله تعالى، والجمعان منصوبان على
~~الحال من (النبيين)، والظاهر أنها حال مقدرة، والقول بأنها حال مقارنة
~~خلاف الظاهر.

# { وأنزل معهم الكتب } اللام للجنس ومعهم حال مقدرة من
~~الكتاب فيتعلق بمحذوف، وليس منصوبا بأنزل والمعنى أنزل جنس الكتاب
~~مقدرا مقارنته ومصاحبته للنبيين حيث كان كل واحد منهم يأخذ الأحكام إما
~~من كتاب يخصه أو من كتاب من قبله، والكتب المنزلة مائة وأربعة في المشهور
~~أنزل على آدم عشر صحائف وعلى شيث ثلاثون، وعلى إدريس خمسون، وعلى موسى
~~قبل التوراة عشر، والتوراة والإنجيل، والزبور والفرقان، وجوز كون اللام
~~للعهد وضمير معهم للنبيين باعتبار البعض أي أنزل مع كل واحد من بعض
~~النبيين كتابه، ولا يخفى ما فيه من الركة { بالحق } متعلق ب {
~~أنزل } أو حال من { الكتب } أي متلبسا شاهدا به { ليحكم
~~بين الناس } علة للإنزال المذكور أوله وللبعث، وهذا البعث المعلل
~~هو المتأخر عن ms00836 الاختلاف فلا يضر تقدم بعثة آدم وشيث، وإدريس عليهم الصلاة
~~والسلام بناءا على بعض الوجوه السابقة والحكم بمعنى الفصل بقرينة تعلق
~~بين به ولو كان بمعنى القضاء لتعدى بعلى؛ والضمير المستتر راجع إلى الله
~~سبحانه ويؤيده قراءة الجحدري فيما رواه عنه مكي (لنحكم) بنون العظمة أو
~~إلى النبي وأفرد الفعل لأن الحاكم كل واحد من النبيين، وجوز رجوعه إلى
~~الكتاب والإسناد حينئذ مجازي باعتبار تضمنه ما به الفصل، وزعم بعضهم أنه
~~الأظهر إذ لا بد في عوده إلى الله تعالى من تكلف في المعنى أي يظهر حكمه
~~وإلى النبي من تكلف في اللفظ حيث لم يقل ليحكموا، ومما ذكرنا يعلم ما
~~فيه من الضعف، والمراد من الناس المذكورون والإظهار في موضع الإضمار
~~لزيادة التعيين.

# { فيما اختلفوا فيه } أي في الحق الذي اختلفوا فيه بناءا على
~~أن وحدة الأمة بالاتفاق على الحق وإذا فسرت الوحدة بالاتفاق على الجهالة
~~والكفر يكون الاختلاف مجازا عن الالتباس والاشتباه اللازم له والمعنى
~~فيما التبس عليهم.

# { وما اختلف فيه } أي في الحق بأن أنكروه وعاندوه أو في الكتاب
~~المنزل متلبسا به بأن حرفوه وأولوه بتأويلات زائغة والواو حالية. {
~~إلا الذين أوتوه } أي الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف وإزاحة
~~الشقاق أي عكسوا الأمر حيث جعلوا ما أنزل مزيحا للاختلاف سببا لرسوخه
~~واستحكامه، وبهذا يندفع السؤال بأنه/ لما لم يكن الاختلاف إلا من الذين
~~أوتوه  فالاختلاف لا يكون سابقا على البعثة  وحاصله أن المراد ههنا
~~استحكام الاختلاف واشتداده، وعبر عن  الإنزال بالإيتاء  للتنبيه من أول
~~الأمر على كمال تمكنهم من الوقوف على ما فيه من الحق فإن  الإنزال  لا
~~يفيد ذلك، وقيل: عبر به ليختص الموصول بأرباب العلم والدراسة من أولئك
~~المختلفين، وخصهم بالذكر لمزيد شناعة فعلهم ولأن غيرهم تبع لهم.

# { من بعد ما جاءتهم البينت } أي رسخت في عقولهم الحجج
~~الظاهرة الدالة على الحق، و { من } متعلقة ب { اختلفوا }
~~محذوفا، والحصر على تسليم أن يكون مقصودا مستفاد من المقام أو من حذف
~~الفعل، ووقوع الظرف بعد حرف الاستثناء ms00837 لفظا، أو من تقدير المحذوف مؤخرا
~~ وفي «الدر المصون» تجويز تعلقه بما اختلف قبله  ولا يمنع منه إلا كما
~~قاله أبو البقاء، وللنحاة في هذا المقام كلام محصله أن استثناء شيئين
~~بأداة واحدة بلا عطف غير جائز مطلقا عند الأكثرين، لا على وجه البدل ولا
~~غيره  ويجوز عند جماعة مطلقا  وفصل بعضهم إن كان المستثنى منه مذكورا
~~مع كل من المستثنيين وهما بدلان جاز  وإلا فلا  واستدل من أجاز مطلقا
~~بقوله تعالى:

# وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى
~~الرأى

# [هود: 27] فإنه لم يذكر فيه المستثنى أصلا، والتقدير: ما نراك اتبعك
~~أحد في حال إلا أراذلنا في بادي الرأي وأجاب من لم يجوز بأن النصب بفعل
~~مقدر أي: اتبعوا وبأن الظرف يكفيه رائحة الفعل فيجوز فيه ما لا يجوز في
~~غيره  قاله الرضي  وهو مبنى الاختلاف في الآية.

# وقوله تعالى: { بغيا بينهم } متعلق بما تعلق به { من } و 
~~البغي  الظلم أو الحسد، و { بينهم } متعلق بمحذوف صفة { بغيا }
~~وفيه إشارة  على ما أرى  إلى أن هذا  البغي  قد باض وفرخ عندهم، فهو
~~يحوم عليهم ويدور بينهم لا طمع له في غيرهم، ولا ملجأ له سواهم، وفيه
~~إيذان بتمكنهم في ذلك وبلوغهم الغاية القصوى فيه  وهو فائدة التوصيف
~~بالظرف  وقيل: أشار بذلك إلى أن البغي أمر مشترك بينهم وأن كلهم سفل،
~~ومنشأ ذلك مزيد حرصهم في الدنيا وتكالبهم عليها.

# { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من
~~الحق بإذنه } أي بأمره أو بتوفيقه وتيسيره، و { من } بيان {
~~لما } والمراد للحق الذي اختلف الناس فيه  فالضمير عام شامل للمختلفين
~~السابقين واللاحقين  وليس راجعا إلى { الذين أوتوه } كالضمائر
~~السابقة، والقرينة على ذلك عموم الهداية للمؤمنين السابقين على اختلاف
~~أهل الكتاب واللاحقين بعد اختلافهم، وقيل: المراد من { الذين
~~آمنوا } أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والضمير في { اختلفوا }
~~للذين أوتوه أي الكتاب، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم
~~قال: اختلفوا في يوم الجمعة، فأخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم ms00838 الأحد
~~فهدى الله تعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليوم الجمعة. و اختلفوا
~~في القبلة، فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس وهدى الله تعالى
~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم للقبلة. و اختلفوا في الصلاة، فمنهم من
~~يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم
~~من يصلي وهو يمشي، فهدى الله تعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من
~~ذلك. واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم النهار والليل، ومنهم من يصوم عن
~~بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك.
~~واختلفوا في إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقالت اليهود: كان يهوديا،
~~وقالت النصارى: كان نصرانيا، وجعله الله تعالى حنيفا مسلما فهدى الله
~~تعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى عليه
~~الصلاة/ والسلام، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه: بهتانا عظيما، وجعلته
~~النصارى إلها وولدا، وجعله الله تعالى روحه وكلمته، فهدى الله تعالى
~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك وقراءة أبي بن كعب { فهدى
~~الله الذين ءامنوا لما اختلفوا فيه من الحق
~~بإذنه ليكونوا شهداء على الناس }. { والله يهدى
~~من يشاء إلى صرط مستقيم } وهو طريق الحق الذي لا يضل
~~سالكه، والجملة مقررة لمضمون ما قبلها.

### || [2.214]

# { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } نزلت في غزوة الخندق
~~حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة والخوف والبرد وسوء العيش
~~وأنواع الأذى، حتى بلغت القلوب الحناجر، وقيل: في غزوة أحد، وقال عطاء:
~~لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة اشتد الضر عليهم،
~~لأنهم خرجوا بغير مال وتركوا ديارهم وأموالهم بيد المشركين، وآثروا رضا
~~الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله
~~صلى الله عليه وسلم، وأسر قوم من الأغنياء النفاق فأنزل الله تطييبا
~~لقلوبهم هذه الآية، والخطاب إما للمؤمنين خاصة، أو للنبي صلى الله عليه
~~وسلم ولهم، ونسبة  الحسبان  إليه عليه الصلاة والسلام إما لأنه لما ms00839
~~كان يضيق صدره الشريف من شدائد المشركين نزل منزلة من يحسب أن يدخل الجنة
~~بدون تحمل المكاره، وإما على سبيل التغليب كما في قوله سبحانه:

# أو لتعودن فى ملتنا

# [الأعراف: 88] و { أم } منقطعة  والهمزة المقدرة  لإنكار ذلك
~~الحسبان وأنه لا ينبغي أن يكون، وقيل: متصلة بتقدير معادل، وقيل: منقطعة
~~بدون تقدير، وفي الكلام التفات إلا أنه غير صريح من الغيبة إلى الخطاب
~~لأن قوله سبحانه:

# كان الناس أمة وحدة

# [البقرة: 213] كلام مشتمل على ذكر الأمم السابقة والقرون الخالية، وعلى
~~ذكر من بعث إليهم من الأنبياء وما لقوا منهم من الشدائد، وإظهار المعجزات
~~تشجيعا للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر على أذى
~~المشركين، أو للمؤمنين خاصة  فكانوا من هذا الوجه مرادين غائبين 
~~ويؤيده

# فهدى الله الذين ءامنوا

# [البقرة: 213] الخ فإذا قيل: بعد { أم حسبتم } كان نقلا من
~~الغيبة إلى الخطاب، أو لأن الكلام الأول تعريض للمؤمنين بعدم التثبت
~~والصبر على أذى المشركين، فكأنه وضع موضع كان من حق المؤمنين التشجيع
~~والصبر تأسيا بمن قبلهم، كما يدل عليهم ما أخرجه البخاري وأبو داود
~~والنسائي والإمام أحمد عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم ما لقينا من المشركين فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو
~~الله تعالى لنا؟ فقال:

# " إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فتخلص إلى
~~قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا
~~يصرفه ذلك عن دينه ثم قال: والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من
~~صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله تعالى والذئب على غنمه ولكنكم
~~تستعجلون "

# وهذا هو المضرب عنه  ببل  التي تضمنتها { أم } أي دع ذلك  أحسبوا
~~أن يدخلوا الجنة  فترك هذا إلى الخطاب وحصل الالتفات معنى، ومما ذكر
~~يعلم وجه ربط الآية بما قبلها، وقيل: وجه ذلك أنه سبحانه لما قال:

# يهدى من يشآء إلى صرط مستقيم

# [البقرة: 213] وكان المراد بالصراط الحق الذي يفضي اتباعه إلى ms00840 دخول
~~الجنة بين أن ذلك لا يتم إلا باحتمال الشدائد والتكليف.

# { ولما يأتكم } الواو للحال، والجملة بعدها نصب على الحال أي
~~غير آتيكم { ولما } جازمة  كلم  وفرق بينهما في «كتب النحو»،
~~والمشهور أنها بسيطة، وقيل: مركبة من  لم وما النافية  وهي نظيرة قد في
~~أن الفعل المذكور بعدها منتظر الوقوع./ { مثل الذين خلوا
~~من قبلكم } أي مثل مثلهم وحالهم العجيبة، فالكلام على حذف مضاف، و
~~(الذين) صفة لمحذوف أي المؤمنين، و { من قبلكم } متعلق ب {
~~خلوا } وهو كالتأكيد لما يفهم منه.

# { مستهم البأساء والضراء } بيان  للمثل  على
~~الاستئناف سواء قدر كيف ذلك المثل أو لا، وجوز أبو البقاء كونها حالية
~~بتقدير قد { وزلزلوا } أي أزعجوا إزعاجا شديدا بأنواع البلاء. {
~~حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه } أي انتهى
~~أمرهم من البلاء إلى حيث اضطروا إلى أن يقول الرسول وهو أعلم الناس بما
~~يليق به تعالى، وما تقتضيه حكمته، والمؤمنون المقتدون بآثاره، المهتدون
~~بأنواره { متى } يأتي { نصر الله } طلبا وتمنيا له، واستطالة
~~لمدة الشدة  لا شكا وارتيابا  والمراد من (الرسول) الجنس لا واحد
~~بعينه، وقيل: هو اليسع، وقيل: شعياء، وقيل: أشعياء، وعلى التعيين يكون
~~المراد من { الذين خلوا } قوما بأعيانهم  وهم أتباع هؤلاء
~~الرسل  وقرأ نافع { يقول } بالرفع على أنها حكاية حال ماضية و {
~~معه } يجوز أن يكون منصوبا ب { يقول } أي إنهم صاحبوه في هذا
~~القول وأن يكون منصوبا ب { ءامنوا } أي وافقوه في الإيمان.

# { ألا إن نصر الله قريب } استئناف نحوي على تقدير القول أي
~~فقيل لهم حينئذ ذلك تطييبا لأنفسهم بإسعافهم بمرامهم وإيثار الجملة
~~الاسمية على الفعلية المناسبة لما قبلها وتصديرها بحرف التنبيه والتأكيد
~~من الدلالة على تحقق مضمونها وتقريره ما لا يخفى، واختيار حكاية الوعد
~~بالنصر لما أنها في حكم إنشاء الوعد للرسول والاقتصار على حكايتها دون
~~حكاية النصر مع تحققه للإيذان بعدم الحاجة إلى ذلك لاستحالة الخلف، وقيل:
~~لما كان السؤال  بمتى  يشير إلى استعلام القرب تضمن الجواب القرب
~~واكتفى به ليكون الجواب طبق السؤال، وجوز أن ms00841 يكون هذا واردا من جهته
~~تعالى عند الحكاية على نهج الاعتراض لا واردا عند وقوع المحكي، والقول
~~بأن هذه الجملة مقول الرسول و { متى نصر الله } تعالى مقول من
~~معه على طريق اللف والنشر الغير المرتب ليس بشيء، أما لفظا فلأنه لا
~~يحسن تعاطف القائلين دون المقولين، وأما معنى فلأنه لا يحسن ذكر قول
~~الرسول { ألا إن نصر الله قريب } في الغاية التي قصد بها
~~بيان تناهي الأمر في الشدة، والقول  بأن ترك العطف للتنبيه على أن كلا
~~مقول لواحد منهما، واحتراز عن توهم كون المجموع مقول واحد وتنبيه على أن
~~الرسول قال لهم في جوابهم وبأن منصب الرسالة يستدعي تنزيه الرسول عن
~~التزلزل  لا ينبغي أن يلتفت إليه لأنه إذا ترك العطف لا يكون معطوفا
~~على القول الأول فكيف التنبيه على كون كل مقولا لواحد منهما، ولا نأمن
~~وراء منع كون منصب الرسالة يستدعي ذلك التنزيه وليس التزلزل والانزعاج
~~أعظم من الخوف، وقد عرى الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم كما يصرح به
~~كثير من الآيات، وفي الآية رمز إلى أن الوصول إلى الجناب الأقدس لا يتيسر
~~إلا برفض اللذات ومكابدة المشاق كما ينبىء عنه خبر

# " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات "

# وأخرج الحاكم وصححه عن أبي مالك قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى ليجرب أحدكم بالبلاء
~~وهو أعلم به كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز
~~فذلك الذي نجاه الله تعالى من السيآت ومنهم من يخرج كالذهب الأسود فذلك
~~الذي قد افتتن "

# ومن باب الإشارة في الآيات: { ومن الناس من يعجبك قوله
~~فى الحيوة الدنيا } يدعي المحبة ويتكلم في دقائق الأسرار ويظهر
~~خصائص الأحوال وهو في مقام النفس الأمارة/ { ويشهد الله على
~~ما فى قلبه } من المعارف والإخلاص بزعمه

# وهو ألد الخصام

# [البقرة: 204] شديد الخصومة لأهل الله تعالى في نفس الأمر { وإذا
~~تولى سعى فى الأرض ليفسد فيها } بالقاء الشبه على
~~ضعفاء المريدين { ويهلك الحرث } ويحصد بمنجل تمويهاته زرع
~~الإيمان ms00842 النابت في رياض قلوب السالكين ويقطع نسل المرشدين

# والله لا يحب الفساد

# [البقرة: 205] فكيف يدعي هذا الكاذب محبة الله تعالى ويرتكب ما لا يحبه
~~{ وإذا قيل له اتق الله } حملته الحمية النفسانية حمية
~~الجاهلية على الإثم لجاجا وحبا لظهور نفسه وزعما منه أنه أعلم بالله
~~سبحانه من ناصحه

# فحسبه جهنم

# [البقرة: 206] أي يكفيه حبسه في سجين الطبيعة وظلماتها، وهذه صفة أكثر
~~أرباب الرسوم الذين حجبوا عن إدراك الحقائق بما معهم من العلوم

# ومن الناس من

# [البقرة: 207] يبذل نفسه في سلوك سبيل الله طلبا لرضاه ولا يلتفت إلى
~~القال والقيل ولا يغلو لديه في طلب مولاه جليل

# يأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم

# [البقرة: 208] وتسليم الوجود لله تعالى والخمود تحت مجاري القدرة لكم
~~وعليكم كافة

# فإن زللتم

# [البقرة: 209] عن مقام التسليم والرضا بالقضاء

# من بعد ما جآءتكم

# [البقرة: 209] دلائل تجليات الأفعال والصفات،

# فاعلموا أن الله

# [البقرة: 209] تعالى

# عزيز

# [البقرة: 209] غالب يقهركم،

# حكيم

# [البقرة: 209] لا يقهر إلا على مقتضى الحكمة، { هل ينظرون } إلا
~~أن يتجلى الله سبحانه

# في ظلل

# [البقرة: 210] صفات قهرية منن جملة تجليات الصفات وصور ملائكة القوى
~~السماوية،

# وقضى الامر

# [البقرة: 210] بوصول كل إلى ما سبق له في الأزل

# وإلى الله ترجع الأمور

# [البقرة: 210] بالفناء { كان الناس أمة وحدة } على الفطرة
~~ودين الحق في عالم الإجمال ثم اختلفوا في النشأة بحسب اختلاف طبائعهم
~~وغلبة صفات نفوسهم واحتجاب كل بمادة بدنه

# فبعث الله النبيين

# [البقرة: 213] ليدعوهم من الخلاف إلى الوفاق ومن الكثرة إلى الوحدة ومن
~~العداوة إلى المحبة فتفرقوا وتحزبوا عليهم وتميزوا، فالسفليون
~~ازدادوا خلافا وعنادا؛ والعلويون هداهم الله تعالى إلى الحق
~~وسلكوا الصراط المستقيم { أم حسبتم أن تدخلوا } جنة
~~المشاهدة ومجالس الأنس بنور المكاشفة { ولما يأتكم } حال
~~السالكين قبلكم مستهم بأساء الفقر وضراء المجاهدة وكسر النفس بالعبادة
~~حتى تضجروا من طول مدة الحجاب وعيل صبرهم عن مشاهدة الجمال وطلبوا نصر
~~الله تعالى بالتجلي فأجيبوا إذا بلغ السيل الزبى، وقيل: لهم { ألا
~~إن نصر الله } برفع الحجاب وظهور آثار الجمال { قريب ms00843 } ممن
~~بذل نفسه وصرف عن غير مولاه حسنه وتحمل المشاق وذبح الشهوات بسيف
~~الأشواق:

# ومن لم يمت في حبه لم يعش به

# ودون اجتناء النحل ما جنت النحل

### || [2.215]

# { يسئلونك ماذا ينفقون } قال ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما في رواية أبي صالح: «كان عمرو بن الجموح شيخا كبيرا ذا مال كثير
~~فقال: يا رسول الله بماذا نتصدق وعلى من ننفق؟ فنزلت» وفي رواية عطاء عنه
~~إنها نزلت في

# " رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي دينارا، فقال: أنفقه
~~على نفسك فقال: إن لي دينارين فقال: أنفقهما على أهلك فقال: إن لي ثلاثة
~~فقال: أنفقها على خادمك فقال: إن لي أربعة فقال: أنفقها على والديك فقال:
~~إن لي خمسة فقال: أنفقها على قرابتك فقال: إن لي ستة فقال: أنفقها في
~~سبيل الله تعالى "

# وعن ابن جريج قال: «سأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم أين
~~يضعون أموالهم؟» فنزلت.

# { قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين
~~والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل }
~~ظاهر الآية أنه سئل عن المنفق فأجاب ببيان المصرف صريحا لأنه أهم فإن
~~اعتداد النفقة باعتباره، وأشار إجمالا إلى بيان المنفق فإن { من
~~خير } يتضمن كونه حلالا إذ لا يسمى ما عداه خيرا وإنما تعرض لذلك
~~وليس في السؤال ما يقتضيه لأن السؤال للتعلم لا للجدل، وحق المعلم فيه
~~أن يكون كطبيب رفيق يتحرى ما فيه الشفاء، طلبه المريض أم لم يطلبه، ولما
~~كانت حاجتهم إلى من ينفق عليه كحاجتهم إلى ما ينفق بين الأمرين وهذا كمن
~~به صفراء فاستأذن طبيبا في أكل العسل فقال: كله مع الخل، فالكلام إذا
~~من أسلوب الحكيم، ويحتمل أن يكون في الكلام ذكر المصرف أيضا كما تدل
~~عليه الرواية الأولى في سبب النزول إلا أنه لم يذكره في الآية للإيجاز في
~~النظم تعويلا على الجواب فتكون الآية جوابا لأمرين مسؤول عنهما،
~~والاقتصار في بيان المنفق على الإجمال من غير تعرض للتفصيل كما في بيان
~~المصرف للإشارة إلى كون الثاني أهم، وهل ms00844 تخرج الآية بذلك عن كونها من
~~أسلوب الحكيم أم لا؟ قولان أشهرهما الثاني حيث أجيب عن المتروك صريحا
~~وعن المذكور تبعا، والأكثرون على أن الآية في التطوع، وقيل: في الزكاة،
~~واستدل بها من أباح صرفها للوالدين، وفيه أن عموم (خير) مما ينافي كونها
~~في الزكاة لأن الفرض فيها قدر معين بالاجماع ولم يتعرض سبحانه للسائلين،
~~و (الرقاب) إما اكتفاء بما ذكر في المواضع الأخر، وإما بناءا على
~~دخولهم تحت عموم قوله تعالى: { وما تفعلوا من خير } فإنه
~~شامل لكل خير واقع في أي مصرف كان و { ما } شرطية مفعول به  لتفعلوا 
~~والفعل أعم من الإنفاق وأتى بما يعم تأكيدا للخاص الواقع في الجواب. {
~~فإن الله به عليم } يعلم كنهه كما يشير به صيغة فعيل مع
~~الجملة الإسمية المؤكدة، والجملة جواب الشرط باعتبار معناها الكنائي إذ
~~المراد منها توفية الثواب، وقيل: إنها دليل الجواب، وليست به، ومناسبة
~~هذه الآية لما قبلها هو أن الصبر على النفقة وبذل المال من أعظم ما تحلى
~~به المؤمن وهو من أقوى الأسباب الموصلة إلى الجنة حتى ورد «الصدقة تطفىء
~~غضب الرب».

### || [2.216]

# { كتب عليكم القتال } أي قتال الكفار وهو فرض عين إن دخلوا
~~بلادنا، وفرض كفاية إن كانوا ببلادهم، وقرىء بالبناء للفاعل وهو الله عز
~~وجل ونصب (القتال)، وقرىء أيضا (كتب عليكم القتل) أي قتل الكفرة {
~~وهو كره لكم } عطف على (كتب) وعطف الاسمية على الفعلية جائز
~~كما نص عليه، وقيل: الواو للحال، والجملة حال ورد بأن الحال المؤكدة لا
~~تجيء  بالواو  والمنتقلة لا فائدة فيها والكره بالضم  كالكره بالفتح 
~~وبهما قرىء (الكراهة) وقيل: المفتوح المشقة التي تنال الإنسان من خارج
~~والمضموم ما يناله من ذاته، وقيل: المفتوح اسم بمعنى الإكراه والمضموم
~~بمعنى الكراهة وعلى كل حال فإن كان مصدرا فمؤل أو محمول على المبالغة أو
~~هو صفة كخبز بمعنى مخبوز، وإن كان بمعنى الإكراه وحمل على الكره عليه فهو
~~على التشبيه البليغ كأنهم أكرهوا عليه لشدته وعظم مشقته ثم كون القتل
~~مكروها لا ينافي ms00845 الإيمان لأن تلك الكراهية طبيعية لما فيه من القتل
~~والأسر وإفناء البدن وتلف المال وهي لا تنافي الرضا بما كلف به كالمريض
~~الشارب للدواء البشع يكرهه لما فيه من البشاعة ويرضى به من جهة أخرى.

# { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم } وهو جميع ما
~~كلفوا به فإن الطبع يكرهه وهو مناط صلاحهم ومنه القتال فإن فيه الظفر
~~والغنيمة والشهادة التي هي السبب الأعظم للفوز بغاية الكرامة. { وعسى
~~أن تحبوا شيئا وهو شر لكم } وهو جميع ما نهوا عنه فإن
~~النفس تحبه وتهواه وهو يفضي بها إلى/ الردى، ومن ذلك ترك قتال الأعداء
~~فإن فيه الذل وضعف الأمر وسبي الذراري ونهب الأموال وملك البلاد وحرمان
~~الحظ الأوفر من النعيم الدائم، والجملتان الإسميتان حالان من النكرة وهو
~~قليل، ونص سيبويه على جوازه كما في «البحر»، وجوز أبو البقاء أن يكونا
~~صفة لها وساغ دخول الواو لما أن صورة الجملة هنا كصورتها إذا كانت حالا
~~(وعسى) الأولى: للإشفاق والثانية: للترجي على ما ذهب إليه البعض، وإنما
~~ذكر عسى الدالة على عدم القطع لأن النفس إذا ارتاضت وصفت انعكس عليها
~~الأمر الحاصل لها قبل ذلك فيكون محبوبها مكروها ومكروهها محبوبها فلما
~~كانت قابلة بالارتياض لمثل هذا الانعكاس لم يقطع بأنها تكره ما هو خير
~~لها وتحب ما هو شر لها فلا حاجة إلى أن يقال إنها هنا مستعملة في التحقيق
~~كما في سائر القرآن ما عدا قوله تعالى:

# عسى ربه إن طلقكن

# [التحريم: 5] { والله يعلم } ما هو خير لكم وما هو شر لكم وحذف
~~المفعول للإيجاز { وأنتم لا تعلمون } ذلك فبادروا إلى ما
~~يأمركم به لأنه لا يأمركم إلا بما علم فيه خيرا لكم وانتهوا عما نهاكم
~~عنه لأنه لا ينهاكم إلا عما هو شر لكم، ومناسبة هذه الآية لما قبلها
~~ظاهرة لأن فيها الجهاد وهو بذل النفس الذي هو فوق بذل المال.

### || [2.217]

# { يسئلونك عن الشهر الحرام } أخرج ابن إسحق، وابن
~~جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي من طريق زيد بن رومان عن ms00846 عروة قال: بعث
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش، وهو ابن عمة النبي صلى
~~الله عليه وسلم إلى نخلة فقال: كن بها حتى تأتينا بخبر من أخبار قريش ولم
~~يأمره بقتال، وذلك في الشهر الحرام؛ وكتب له كتابا قبل أن يعلمه أين
~~يسير فقال: أخرج أنت وأصحابك حتى إذا سرت يومين فافتح كتابك، وانظر فيه
~~فما أمرتك به فامض له ولا تستكره أحدا من أصحابك على الذهاب معك. فلما
~~سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه «أن امض حتى تنزل نخلة فأتنا من أخبار
~~قريش، بما اتصل إليك منهم» فقال لأصحابه: وكانوا ثمانية حين قرأ الكتاب
~~سمعا وطاعة من كان منكم له رغبة في الشهادة فلينطلق معي فإني ماض لأمر
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كره ذلك منكم فليرجع فإن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم قد نهاني أن أستكره منكم أحدا فمضى معه القوم حتى إذا
~~كانوا بنجران أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا
~~يعتقبانه فتخلفا عليه يطلبانه ومضى القوم حتى نزلوا نخلة فمر بهم عمرو بن
~~الحضرمي، والحكم بن كيسان، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، ونوفل بن عبد
~~الله معهم تجارة قد مروا بها من الطائف أدم، وزبيب فلما رآهم القوم أشرف
~~لهم واقد بن عبد الله، وكان قد حلق رأسه فلما رأوه حليقا قالوا: عمار
~~ليس عليكم منهم بأس وأتمر القوم بهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وكان آخر يوم من جمادى فقالوا: لئن قتلتموهم إنكم لتقتلونهم في الشهر
~~الحرام ولئن تركتموهم ليدخلن في هذه الليلة  مكة الحرام  فليمتنعن [به]
~~منكم فأجمع القوم على قتلهم فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن
~~الحضرمي بسهم فقتله واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت
~~نوفل وأعجزهم واستاقوا العير فقدموا بها على رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فقال لهم والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام فأوقف رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم ms00847 الأسيرين والعير فلم يأخذ منها شيئا فلما قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم ما قال: سقط في أيديهم، وظنوا أن قد هلكوا
~~وعنفهم إخوانهم من المسلمين، وقالت قريش: حين بلغهم أمر هؤلاء قد سفك
~~محمد صلى الله عليه وسلم الدم الحرام وأخذ المال وأسر الرجال، واستحل
~~الشهر الحرام فنزلت فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم / العير وفدى
~~الأسيرين، وفي «سيرة ابن سيد الناس» أن ذلك في رجب وأنهم لقوا أولئك في
~~آخر يوم منه، وفي رواية الزهري عن عروة أنه لما بلغ كفار قريش تلك الفعلة
~~ركب وفد منهم حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أيحل
~~القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله تعالى الآية.

# ومن هنا قيل: السائلون هم المشركون، وأيد بأن ما سيأتي من ذكر الصد
~~والكفر والإخراج أكبر شاهد صدق على ذلك ليكون تعريضا بهم موافقا
~~لتعريضهم بالمؤمنين.

# واختار أكثر المفسرين أن السائلين هم المسلمون قالوا: وأكثر الروايات
~~تقتضيه، وليس الشاهد مفصحا بالمقصود والمراد من الشهر الحرام رجب أو
~~جمادى فأل فيه للعهد، والكثير والأظهر أنها للجنس فيراد به الأشهر الحرم
~~وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وسميت حرما لتحريم القتال فيها،
~~والمعنى: يسئلونك أي المسلمون أو الكفار عن القتال في الشهر الحرام على
~~أنه { قتال فيه } بدل اشتمال من الشهر لما أن الأول: غير واف
~~بالمقصود مشوق إلى الثاني: ملابس له بغير الكلية والجزئية، ولما كان
~~النكرة موصوفة أو عاملة صح إبدالها من المعرفة على أن وجوب التوصيف إنما
~~هو في بدل الكل كما نص عليه الرضي، وقرأ عبد الله (عن قتال) وهو أيضا
~~بدل اشتمال إلا أنه بتكرير العامل، وقرأ عكرمة (قتل فيه) وكذا في { قل
~~قتال فيه كبير } أي عظيم وزرا، وفيه تقرير لحرمة القتال في
~~الشهر الحرام، وأن ما اعتقد من استحلاله صلى الله عليه وسلم القتال فيه
~~باطل، وما وقع من أصحابه عليه الصلاة والسلام كان من باب الخطأ في
~~الاجتهاد وهو معفو عنه  بل من اجتهد ms00848 وأخطأ فله أجر واحد  كما في
~~الحديث، والأكثرون على أن هذا الحكم منسوخ بقوله سبحانه:

# فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين
~~حيث وجدتموهم

# [التوبة: 5] فإن المراد بالأشهر الحرم أشهر معينة أبيح للمشركين السياحة
~~فيها بقوله تعالى:

# فسيحوا فى الأرض أربعة أشهر

# [التوبة: 2] وليس المراد بها الأشهر الحرم من كل سنة فالتقييد بها يفيد
~~أن قتلهم بعد انسلاخها مأمور به في جميع الأمكنة والأزمنة وهو نسخ الخاص
~~بالعام، وساداتنا الحنفية يقولون به، وأما الشافعية فيقولون: إن الخاص
~~سواء كان متقدما على العام أو متأخرا عنه مخصص له لكون العام عندهم
~~ظنيا والظني لا يعارض القطعي، وقال الإمام: الذي عندي أن الآية لا تدل
~~على حرمة القتال مطلقا في الشهر الحرام لأن القتال فيها نكرة في حيز
~~مثبت فلا تعم فلا حاجة حينئذ إلى القول بالنسخ، واعترض بأنها عامة لكونها
~~موصوفة بوصف عام أو بقرينة المقام ولو سلم فقتال المشركين مراد قطعا لأن
~~قتال المسلمين مطلقا من غير تقييد بالأشهر الحرم، وفيه أنا لا نسلم أنها
~~موصوفة لجواز أن يكون الجار ظرفا لغوا ولو سلم فلا نسلم عموم الوصف بل
~~هو مخصص لها بالقتال الواقع في الشهر الحرام المعين، والوصف المفيد
~~للعموم هو الوصف المساوي عمومه عموم الجنس كما في قوله تعالى:

# وما من دابة فى الأرض ولا طائر يطير بجناحيه

# [الأنعام: 38] وقول الشاعر:

# ولا ترى الضب بها ينجحر

# وكون الأصل مطابقة الجواب للسؤال قرينة على الخصوص وكون المراد قتال
~~المشركين على عمومه غير مسلم لأن الكلام في القتال المخصوص ولو سلم
~~عمومها في السؤال فلا نسلم عمومها في الجواب بناءا على ما ذكره الراغب
~~أن النكرة المذكورة إذا أعيد ذكرها يعاد معرفا نحو سألتني عن رجل والرجل
~~كذا وكذا ففي تنكيرها هنا تنبيه على أنه ليس المراد كل قتال حكمه هذا فإن
~~قتال النبي صلى الله عليه وسلم لأهل مكة لم يكن هذا حكمه فقد قال عليه
~~الصلاة والسلام:

# " أحلت لي ساعة من نهار "

# وحرمة قتال المسلمين مطلقا لا يخفى ما ms00849 فيه لأن قتال أهل البغي يحل وهم
~~مسلمون فالإنصاف أن القول بالنسخ ليس بضروري، نعم هو ممكن وبه قال ترجمان
~~القرآن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما رواه عنه الضحاك، وأخرج/ ابن
~~أبي حاتم عن سفيان الثوري أنه سئل عن هذه الآية فقال: هذا شيء منسوخ ولا
~~بأس بالقتال في الشهر الحرام، وخالف عطاء في ذلك فقد روي عنه أنه سئل عن
~~القتال في الشهر الحرام فحلف بالله تعالى ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم
~~ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه وجعل ذلك حكما مستمرا إلى يوم
~~القيامة والأمة اليوم على خلافه في سائر الأمصار.

# { وصد } أي منع وصرف { عن سبيل الله } وهو الإسلام قاله
~~مقاتل، أو الحج قاله ابن عباس والسدي، أو الهجرة كما قيل، أو سائر ما
~~يوصل العبد إلى الله تعالى من الطاعات، فالإضافة إما للعهد أو للجنس {
~~وكفر به } أي بالله أو بسبيله { والمسجد الحرام } اختار
~~أبو حيان عطفه على الضمير المجرور وإن لم يعد الجار، وأجاز ذلك الكوفيون،
~~ويونس، والأخفش، وأبو علي وهو شائع في لسان العرب نظما ونثرا، واعترض
~~بأنه لا معنى للكفر بالمسجد الحرام وهو لازم من العطف، وفيه بحث إذ الكفر
~~قد ينسب إلى الأعيان باعتبار الحكم المتعلق بها كقوله تعالى:

# فمن يكفر بالطغوت

# [البقرة: 256] واختار القاضي تقدير مضاف معطوف على { صد } أي وصد
~~المسجد الحرام عن الطائفين والعاكفين والركع السجود، واعترض بأن حذف
~~المضاف وإبقاء المضاف إليه بحاله مقصور على السماع ورد بمنع الإطلاق ففي
~~«التسهيل» إذا كان المضاف إليه إثر عاطف متصل به أو مفصول بلا مسبوق
~~بمضاف مثل المحذوف لفظا ومعنى جاز حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على
~~انجراره قياسا نحو ما مثل زيد وأبيه يقولان ذلك  أي مثل أبيه  ونحو ما
~~كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة، وإذا انتفى واحد من الشروط كان مقصورا
~~على السماع، وفيما نحن فيه سبق إضافة مثل ما حذف منه، واختار الزمخشري
~~عطفه على { سبيل الله } تعالى، واعترض بأن ms00850 عطف { وكفر به }
~~على { وصد } مانع من ذلك إذ لا يقدم العطف على الموصول على العطف على
~~الصلة، وذكر لصحة ذلك وجهان، أحدهما أن { وكفر به } في معنى الصد
~~عن سبيل الله فالعطف على سبيل التفسير كأنه قيل  وصد عن سبيل الله أعني
~~كفرا به والمسجد الحرام  والفاصل ليس بأجنبي، ثانيهما: أن موضع {
~~وكفر به } عقيب { والمسجد الحرام } إلا أنه قدم لفرط
~~العناية كما في قوله تعالى:

# ولم يكن له كفوا أحد

# [الإخلاص: 4] حيث كان من حق الكلام ولم يكن أحد كفوا له، ولا يخفى أن
~~الوجه الأول أولى لأن التقديم لا يزيل محذور الفصل ويزيد محذورا آخر،
~~واختار السجاوندي العطف على  الشهر الحرام  وضعف بأن القوم لم يسألوا
~~عن المسجد الحرام واختار أبو البقاء كونه متعلقا بفعل محذوف دل عليه
~~الصد  أي ويصدون عن المسجد الحرام  كما قال سبحانه:

# هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام

# [الفتح: 25] وضعف بأن حذف حرف الجر وبقاء عمله مما لا يكاد يوجد إلا في
~~الشعر، وقيل: إن الواو للقسم وقعت في أثناء الكلام وهو كما ترى.

# { وإخراج أهله منه } وهم النبي صلى الله عليه وسلم
~~والمؤمنون وإنما كانوا أهله لأنهم القائمون بحقوقه، وقيل: إن ذلك باعتبار
~~أنهم يصيرون أهله في المستقبل بعد فتح مكة { أكبر عند الله }
~~خبر للأشياء المعدودة من كبائر قريش، وأفعل من يستوي فيه الواحد والجمع
~~المذكر والمؤنث. والمفضل عليه محذوف أي مما فعلته السرية خطأ في
~~الاجتهاد، ووجود أصل الفعل في ذلك الفعل مبني على الزعم { والفتنة
~~أكبر من القتل } تذييل لما تقدم للتأكيد عطف عليه عطف الحكم
~~الكلي على الجزئي أي ما يفتن به المسلمون ويعذبون به ليكفروا أكبر عند
~~الله من القتل وما ذكر سابقا داخل فيه دخولا أوليا، وقيل: المراد
~~بالفتنة الكفر، والكلام كبرى لصغرى/ محذوفة، وقد سيق تعليلا للحكم
~~السابق.

# { ولا يزالون يقتلونكم حتى يردوكم عن
~~دينكم } عطف على { يسئلونك } بجامع الاتحاد في المسند إليه إن
~~كان السائلون هم المشركون، أو معترضة إن كان السائلون ms00851 غيرهم والمقصود
~~الاخبار بدوام عداوة الكفار بطريق الكناية تحذيرا للمؤمنين عنهم
~~وإيقاظا في بعض الأمور، و { حتى } للتعليل، والمعنى لا يزالون
~~يعادونكم لكي يردوكم عن دينكم، وقوله تعالى: { إن استطاعوا }
~~متعلق بما عنده، والتعبير بإن لاستبعاد استطاعتهم وأنها لا تجوز إلا على
~~سبيل الفرض كما يفرض المحال، وفائدة التقييد بالشرط التنبيه على سخافة
~~عقولهم وكون دوام عداوتهم فعلا عبثا لا يترتب عليه الغرض وليس متعلقا
~~ بلا يزالون يقاتلونكم  إذ لا معنى لدوامهم على العداوة إن استطاعوها
~~لكنها مستبعدة.

# وذهب ابن عطية إلى أن { حتى } للغاية والتقييد بالشرط حينئذ لإفادة
~~أن الغاية مستبعدة الوقوع والتقييد بالغاية الممتنع وقوعها شائع كما في
~~قوله تعالى:

# حتى يلج الجمل فى سم الخياط

# [الأعراف: 40] وفيه أن استبعاد وقوع الغاية مما يترتب عليه عدم انقطاع
~~العداوة وقد أفاده صدر الكلام، والقول بالتأكيد غير أكيد، نعم يمكن الحمل
~~على الغاية لو أريد من المقاتلة معناها الحقيقي ويكون الشرط متعلقا 
~~بلا يزالون  فيفيد التقييد أن تركهم المقاتلة في بعض الأوقات لعدم
~~استطاعتهم إلا أن المعنى حينئذ يكون مبتذلا كما لا يخفى.

# { ومن يرتدد منكم عن دينه } الحق باضلالهم وإغوائهم، أو
~~الخوف من عداوتهم { فيمت وهو كافر } بأن لم يرجع إلى الإسلام {
~~فأولئك } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة من
~~الارتداد والموت على الكفر وما فيه من البعد للإشعار ببعد منزلة من يفعل
~~ذلك في الشر والفساد والجمع والإفراد نظرا للفظ والمعنى. { حبطت
~~أعملهم } أي صارت أعمالهم الحسنة التي عملوها في حالة الإسلام
~~فاسدة بمنزلة ما لم تكن، قيل: وأصل الحبط فساد يلحق الماشية لأكل الحباط
~~وهو ضرب من الكلأ مضر، وفي «النهاية» «أحبط الله تعالى عمله أبطله يقال:
~~حبط عمله وأحبط وأحبطه غيره وهو من قولهم: حبطت الدابة حبطا
~~بالتحريك إذا أصابت مرعى طيبا فأفرطت في الأكل حتى تنتفخ فتموت، وقرىء
~~(حبطت) بالفتح وهو لغة فيه.

# { فى الدنيا والاخرة } لبطلان ما تخيلوه وفوات ما للإسلام من
~~الفوائد في الأولى وسقوط الثواب في الأخرى { وأولئك أصحب ms00852
~~النار هم فيها خلدون }.

# كسائر الكفرة ولا يغني عنهم إيمانهم السابق على الردة شيئا، واستدل
~~الشافعي بالآية على أن الردة لا تحبط الأعمال حتى يموت عليها وذلك بناءا
~~على أنها لو أحبطت مطلقا لما كان للتقييد بقوله سبحانه: { فيمت
~~وهو كافر } فائدة والقول بأنه فائدته أن إحباط جميع الأعمال حتى لا
~~يكون له عمل أصلا موقوف على الموت على الكفر حتى لو مات مؤمنا لا يحبط
~~إيمانه ولا عمل يقارنه وذلك لا ينافي إحباط الأعمال السابقة على الارتداد
~~بمجرد الارتداد مما لا معنى له لأن المراد من الأعمال في الآية الأعمال
~~السابقة على الارتداد إذ لا معنى لحبوط ما لم يفعل فحينئذ لا يتأتى هذا
~~القول كما لا يخفى، وقيل: بناءا على أنه جعل الموت عليها شرطا في
~~الإحباط وعند انتفاء الشرط ينتفي المشروط، واعترض بأن الشرط النحوي
~~والتعليقي ليس بهذا المعنى بل غايته السببية والملزومية وانتفاء السبب أو
~~الملزوم لا يوجب انتفاء المسبب أو اللازم لجواز تعدد الأسباب ولو كان
~~شرطا بهذا المعنى لم يتصور اختلاف القول بمفهوم الشرط، وذهب إمامنا أبو
~~حنيفة رضي الله تعالى عنه إلى أن مجرد الارتداد يوجب الإحباط لقوله
~~تعالى:

# ومن يكفر بالإيمن فقد حبط عمله

# [المائدة: 5] وما استدل به الشافعي ليس صريحا في المقصود لأنه إنما يتم
~~إذا/ كانت جملة، و (أولئك) الخ تذييلا معطوفة على الجملة الشرطية، وأما
~~لو كانت معطوفة على الجزاء وكان مجموع الإحباط والخلود في النار مرتبا
~~على الموت على الردة فلا نسلم تماميته، ومن زعم ذلك اعترض على الإمام
~~أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه بأن اللازم عليه حمل المطلق على المقيد
~~عملا بالدليلين، وأجيب بأن حمل المطلق على المقيد مشروط عنده بكون
~~الإطلاق والتقييد في الحكم واتحاد الحادثة وما هنا في السبب فلا يجوز
~~الحمل لجواز أن يكون المطلق سببا كالمقيد، وثمرة الخلاف على ما قيل:
~~تظهر فيمن صلى ثم ارتد ثم أسلم والوقت باق فإنه يلزمه عند الإمام قضاء
~~الصلاة خلافا للشافعي وكذا الحج، واختلف الشافعيون ms00853 فيمن رجع إلى الإسلام
~~بعد الردة هل يرجع له عمله بثوابه أم لا؟ فذهب بعض إلى الأول: فيما عدا
~~الصحبة فإنها ترجع مجردة عن الثواب، وذهب الجل إلى الثاني: وأن أعماله
~~تعود بلا ثواب ولا فرق بين الصحبة وغيرها، ولعل ذلك هو المعتمد في المذهب
~~فافهم.

### || [2.218]

# { إن الذين ءامنوا } أخرج ابن أبي حاتم والطبراني في
~~«الكبير» من حديث جندب بن عبد الله أنها نزلت في السرية لما ظن بهم أنهم
~~إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر. { والذين هجروا } أي فارقوا
~~أوطانهم، وأصله من الهجر ضد الوصل. { وجهدوا في سبيل الله
~~} لإعلاء دينه وإنما كرر الموصول مع أن المراد بهما واحد لتفخيم شأن
~~الهجرة والجهاد فكأنهما وإن كانا مشروطين بالإيمان في الواقع مستقلان في
~~تحقق الرجاء، وقدم الهجرة على الجهاد لتقدمها عليه في الوقوع تقدم
~~الإيمان عليهما.

# { أولئك } المنعوتون بالنعوت الجليلة { يرجون رحمت
~~الله } أي يؤملون تعلق رحمته سبحانه بهم أو ثوابه على أعمالهم، ومنها
~~تلك الغزاة في الشهر الحرام، واقتصر البعض عليها بناءا على ما رواه
~~الزهري أنه لما فرج الله تعالى عن أهل تلك السرية ما كانوا فيه من غم
~~طمعوا فيما عند الله تعالى من ثوابه فقالوا: يا نبي الله أنطمع أن تكون
~~غزوة نعطي فيها أجر المهاجرين في سبيل الله تعالى فأنزل الله تعالى هذه
~~الآية، ولا يخفى أن العموم أعم نفعا وأثبت لهم الرجاء دون الفوز بالمرجو
~~للإشارة إلى أن العمل غير موجب إذ لا استحقاق به ولا يدل دلالة قطعية على
~~تحقق الثواب إذ لا علاقة عقلية بينهما وإنما هو تفضل منه تعالى سيما
~~والعبرة بالخواتيم فلعله يحدث بعد ذلك ما يوجب الحبوط ولقد وقع ذلك
~~والعياذ بالله تعالى كثيرا فلا ينبغي الاتكال على العمل { والله
~~غفور رحيم } تذييل لما تقدم وتأكيد له ولم يذكر المغفرة فيما تقدم
~~لأن رجاء الرحمة يدل عليها وقدم وصف المغفرة لأن درء المفاسد مقدم على
~~جلب المصالح.

### || [2.219]

# { يسئلونك عن الخمر والميسر } قال الواحدي: نزلت في
~~عمر ms00854 بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار أتوا رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل ومسلبة
~~للمال فأنزل الله تعالى هذه الآية وفي بعض الروايات «أن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر فسألوه عن
~~ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال قوم: ما حرما علينا فكانوا يشربون
~~الخمر إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعا أناسا من الصحابة
~~وأتاهم بخمر فشربوا وسكروا وحضرت صلاة المغرب فقدموا عليا كرم الله
~~تعالى وجهه فقرأ

# قل يأيها الكافرون

# [الكافرون: 1] الخ بحذف (لا) فأنزل الله تعالى:

# لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى

# [النساء: 43] فقل من يشربها ثم اتخذ عتبان بن مالك صنيعا ودعا رجالا
~~من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا منه
~~وشربوا الخمر حتى أخذت منهم ثم إنهم افتخروا عند ذلك/ وتناشدوا الأشعار
~~فأنشد سعد ما فيه هجاء الأنصار وفخر لقومه فأخذ رجل من الأنصار لحي
~~البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم وشكا إليه الأنصار فقال: اللهم بين لنا رأيك في الخمر بيانا
~~شافيا فأنزل الله تعالى:

# إنما الخمر والميسر

# إلى قوله تعالى:

# فهل أنتم منتهون

# [المائدة: 9091] وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام فقال عمر رضي الله تعالى
~~عنه: انتهينا يا رب. وعن علي كرم الله تعالى وجهه لو وقعت قطرة منها في
~~بئر فبنيت في مكانها منارة لم أؤذن عليها ولو وقعت في بحر ثم جف فنبت فيه
~~الكلأ لم أرعه دابتي. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لو أدخلت أصبعي
~~فيها لم تتبعني  وهذا هو الإيمان والتقى حقا .

# والخمر عند الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه التي من ماء العنب إذا
~~غلى واشتد وقذف بالزبد وسميت بذلك لأنها تخمر العقل أي تستره ومنه خمار
~~المرأة لستره وجهها، والخامر وهو من يكتم الشهادة، وقيل: لأنها تغطى حتى
~~تشتد، ms00855 ومنه «خمروا آنيتكم» أي غطوها، وقيل: لأنها تخالط العقل وخامره داء
~~خالطه؛ وقيل: لأنها تترك حتى تدرك، ومنه اختمر العجين أي بلغ إدراكه وهي
~~أقوال متقاربة، وعليها فالخمر مصدر يراد به اسم الفاعل أو المفعول ويجوز
~~أن يبقى على مصدريته للمبالغة، وذهب الإمامان إلى عدم اشتراط القذف ويكفي
~~الاشتداد لأن المعنى المحرم يحصل به، وللإمام أن الغليان بداية الشدة
~~وكمالها بقذف الزبد وسكونه إذ به يتميز الصافي من الكدر وأحكام الشرع
~~قطعية فتناط بالنهاية كالحد وإكفار المستحل وحرمة البيع، وأخذ بعضهم
~~بقولهما في حرمة الشرب احتياطا.

# ثم إطلاق الخمر على غير ما ذكر مجاز عندنا وهو المعروف عند أهل اللغة،
~~ومن الناس من قال هو حقيقة في كل مسكر لما أخرج الشيخان وأبو داود
~~والترمذي والنسائي:

# " كل مسكر خمر "

# وأخرج أبو داود نزل تحريم الخمر يوم نزل وهو من خمسة من العنب والتمر
~~والحنطة والشعير والذرة، والخمر ما خامر العقل، وأخرج مسلم عن أبي هريرة

# " الخمر من هاتين الشجرتين،  وأشار إلى الكرم والنخلة "

#  وأخرج البخاري عن أنس «حرمت الخمر حين حرمت وما يتخذ من خمر الأعناب
~~إلا قليل، وعامة خمرنا البسر والتمر» ويمكن أن يجاب أن المقصود من ذلك
~~كله بيان الحكم، وتعليم أن ما أسكر حرام  كالخمر  وهو الذي يقتضيه منصب
~~الإرشاد  لا تعليم اللغات العربية  سيما والمخاطبون في الغاية القصوى
~~من معرفتها؛ وما يقال: إنه مشتق من مخامرة العقل، وهي موجودة في كل مسكر
~~لا يقتضي العموم، ولا ينافي كون الاسم خاصا فيما تقدم فإن النجم مشتق
~~من الظهور، ثم هو اسم خاص للنجم المعروف  لا لكل ما ظهر  وهذا كثير
~~النظير، وتوسط بعضهم فقال: إن الخمر حقيقة في لغة العرب في التي من ماء
~~العنب إذا صار مسكرا، وإذا استعمل في غيره كان مجازا إلا أن الشارع
~~جعله حقيقة في كل مسكر شابه موضوعه اللغوي، فهو في ذلك حقيقة شرعية
~~كالصلاة والصوم والزكاة في معانيها المعروفة شرعا، والخلاف قوي ولقوته
~~ووقوع الإجماع على تسمية المتخذ من العنب ms00856 خمرا دون المسكر من غيره
~~أكفروا مستحل الأول، ولم يكفروا مستحل الثاني بل قالوا: إن عين الأول
~~حرام غير معلول بالسكر ولا موقوف عليه، ومن أنكر حرمة العين وقال: إن
~~السكر منه حرام لأنه به يحصل الفساد فقد كفر لجحوده الكتاب إذ سماه رجسا
~~فيه والرجس محرم العين فيحرم كثيره وإن لم يسكر  وكذا قليله ولو قطرة 
~~ويحد شاربه مطلقا، وفي الخبر

# " حرمت الخمر لعينها "

# وفي رواية

# " بعينها قليلها وكثيرها سواء "

# والسكر من كل شراب، وقالوا: إن الطبخ لا يؤثر لأنه للمنع من ثبوت
~~الحرمة  لا لرفعها بعد ثبوتها  إلا أنه لا يحد فيه ما لم يسكر منه
~~بناءا على أن الحد/ بالقليل النيئ خاصة  وهذا قد طبخ  وأما غير ذلك
~~فالعصير إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه وهو المطبوخ أدنى طبخة  ويسمى
~~الباذق  والمنصف وهو ما ذهب نصفه بالطبخ فحرام عندنا إذا غلى واشتد
~~وقذف بالزبد أو إذا اشتد على الاختلاف، وقال الأوزاعي وأكثر المعتزلة:
~~إنه مباح لأنه مشروب طيب  وليس بخمر  ولنا أنه رقيق ملد مطرب، ولذا
~~يجتمع عليه الفساق فيحرم شربه رفعا للفساد المتعلق به، وأما نقيع التمر
~~وهو السكر  وهو النيء من ماء التمر  فحرام مكروه، وقال شريك: إنه مباح
~~للامتنان ولا يكون بالمحرم، ويرده إجماع الصحابة، والآية محمولة على
~~الابتداء كما أجمع عليه المفسرون، وقيل: أراد بها التوبيخ أي: (أتتخذون
~~منه سكرا وتدعون رزقا حسنا) وأما نقيع الزبيب  وهو النيئ من ماء
~~الزبيب  فحرام إذا اشتد وغلى، وفيه خلاف الأوزاعي، ونبيذ الزبيب والتمر
~~إذا طبخ كل واحد منهما أدنى طبخة حلال، وإن اشتد إذا شرب منه ما يغلب
~~على ظنه أنه لا يسكر من غير لهو ولا طرب عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند
~~محمد والشافعي حرام، ونبيذ العسل والتين والحنطة والذرة والشعير وعصير
~~العنب إذا طبخ وذهب ثلثاه حلال عند الإمام الأول والثاني، وعند محمد
~~والشافعي حرام أيضا، وأفتى المتأخرون بقول محمد في سائر الأشربة، وذكر
~~ابن وهبان أنه مروي عن الكل ونظم ms00857 ذلك فقال:

# وفي عصرنا فاختير حد وأوقعوا

# طلاقا لمن من مسكر الحب يسكر

# وعن كلهم يروى وأفتى محمد

# بتحريم ما قد  قل  وهو المحرر

# وعندي أن الحق الذي لا ينبغي العدول عنه أن الشراب المتخذ مما عدا
~~العنب كيف كان وبأي اسم سمي متى كان بحيث يسكر من لم يتعوده حرام 
~~وقليله ككثيره  ويحد شاربه ويقع طلاقه ونجاسته غليظة.

# وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن النقيع  وهو نبيذ العسل 
~~فقال:

# " كل شراب أسكر فهو حرام "

# وروى أبو داود

# " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر "

# وصح

# " ما أسكر كثيره فقليله حرام "

# وفي حديث آخر:

# " ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام "

# والأحاديث متظافرة على ذلك، ولعمري إن اجتماع الفساق في زماننا على شرب
~~المسكرات مما عدا الخمر ورغبتهم فيها فوق اجتماعهم على شرب الخمر ورغبتهم
~~فيه بكثير، وقد وضعوا لها أسماء  كالعنبرية والإكسير  ونحوهما ظنا
~~منهم أن هذه الأسماء تخرجها من الحرمة وتبيح شربها للأمة  وهيهات
~~هيهات  الأمر وراء ما يظنون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، نعم حرمة هذه
~~الأشربة دون حرمة الخمر حتى لا يكفر مستحلها كما قدمنا لأنها اجتهادية،
~~ولو ذهب ذاهب إلى القول بالتكفير لم يبق في يده من الناس اليوم إلا قليل.

# والميسر مصدر ميمي من  يسر  كالموعد والمرجع يقال: يسرته إذا قمرته
~~واشتقاقه إما من  اليسر  لأنه أخذ المال بيسر وسهولة، أو من  اليسار
~~ لأنه سلب له، وقيل: من يسروا الشيء إذا اقتسموه، وسمي المقامر  ياسرا
~~ لأنه بسبب ذلك الفعل يجزىء لحم الجزور، وقال الواحدي: من يسر الشيء إذا
~~وجب، والياسر الواجب بسبب القدح، وصفته أنه كانت لهم عشرة أقداح هي:
~~الأزلام والأقلام الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى
~~والمنيح والسفيح والوغد لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها
~~ويجزءونها ثمانية وعشرين إلا الثلاثة وهو المنيح والسفيح والوغد، للفذ
~~سهم، وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل
~~ستة وللمعلى سبعة يجعلونها في الربابة ms00858  وهي خريطة  ويضعونها على يدي
~~عدل ثم/ يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحا منها، فمن خرج له
~~قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح
~~مما لا نصيب له لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور كله مع حرمانه، وكانوا
~~يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمون
~~من لم يدخل فيه ويسمونه البرم.

# ونقل الأزهري كيفية أخرى لذلك ولم يذكر  الوغد  في الأسماء بل ذكر
~~غيره، والذي اعتمده الزمخشري وكثيرون ما ذكرناه، وقد نظم بعضهم هذه
~~الأسماء فقال:

# كل سهام الياسرين عشرة

# فأودعوها صحفا منشره

# لها فروض ولها نصيب

# الفذ والتوأم والرقيب

# والحلس يتلوهن ثم النافس

# وبعده مسبلهن السادس

# ثم المعلى كاسمه المعلى

# صاحبه في الياسرين الأعلى

# والوغد والسفيح والمنيح

# غفل فما فيما يرى ربيح

# وفي حكم ذلك جميع أنواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما حتى أدخلوا
~~فيه لعب الصبيان بالجوز والكعاب والقرعة في غير القسمة وجميع أنواع
~~المخاطرة والرهان، وعن ابن سيرين  كل شيء فيه خطر فهو من الميسر  ومعنى
~~الآية يسألونك عما في تعاطي هذين الأمرين، ودل على التقدير بقوله تعالى:
~~{ قل فيهما } إذ المراد في تعاطيهما بلا ريب { إثم كبير } من
~~حيث إن تناولهما مؤد إلى ما يوجب  الإثم  وهو ترك المأمور، وفعل
~~المحظور { ومنفع للناس } من اللذة والفرح وهضم الطعام وتصفية
~~اللون وتقوية الباه وتشجيع الجبان وتسخية البخيل وإعانة الضعيف، وهي
~~باقية قبل التحريم وبعده، وسلبها بعد التحريم مما لا يعقل ولا يدل عليه
~~دليل، وخبر

# " ما جعل الله تعالى شفاء أمتي فيما حرم عليها "

# لا دليل فيه عند التحقيق كما لا يخفى.

# { وإثمهما أكبر من نفعهما } أي المفاسد التي تنشأ منها
~~أعظم من المنافع المتوقعة فيهما، فمن مفاسد الخمر إزالة العقل الذي هو
~~أشرف صفات الإنسان، وإذا كانت عدوة للأشرف لزم أن تكون أخس الأمور لأن
~~العقل إنما سمي عقلا لأنه يعقل  أي يمنع صاحبه عن القبائح التي يميل
~~إليها بطبعه  فإذا شرب زال ms00859 ذلك العقل المانع عن القبائح وتمكن إلفها 
~~وهو الطبع  فارتكبها وأكثر منها، وربما كان ضحكة للصبيان حتى يرتد إليه
~~عقله.

# ذكر ابن أبي الدنيا أنه مر بسكران وهو يبول بيده ويغسل به وجهه كهيأة
~~المتوضىء ويقول: الحمد لله الذي جعل الإسلام نورا والماء طهورا. وعن
~~العباس بن مرداس أنه قيل له في الجاهلية: ألا تشرب الخمر فإنها تزيد في
~~حرارتك؟ فقال: ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله جوفي، ولا أرضى أن أصبح سيد
~~قوم وأمسي سفيههم، ومنها صدها عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة وإيقاعها
~~العداوة والبغضاء غالبا. وربما يقع القتل بين الشاربين في مجلس الشرب،
~~ومنها أن الإنسان إذا ألفها اشتد ميله إليها وكاد يستحيل مفارقته لها
~~وتركه إياها، وربما أورثت فيه أمراضا كانت سببا لهلاكه، وقد ذكر
~~الأطباء لها مضار بدنية كثيرة كما لا يخفى على من راجع «كتب الطب»،
~~وبالجملة لو لم يكن فيها سوى إزالة العقل والخروج عن حد الاستقامة لكفي
~~فإنه إذا اختل العقل حصلت الخبائث بأسرها، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:

# " اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث "

# ولم يثبت أن الأنبياء عليهم السلام شربوها في وقت أصلا.

# ومن مفاسد الميسر أن فيه أكل الأموال بالباطل وأنه يدعو كثيرا/ من
~~المقامرين إلى السرقة وتلف النفس وإضاعة العيال وارتكاب الأمور القبيحة
~~والرذائل الشنيعة والعداوة الكامنة والظاهرة، وهذا أمر مشاهد لا ينكره
~~إلا من أعماه الله تعالى وأصمه، ولدلالة الآية على أعظمية المفاسد ذهب
~~بعض العلماء إلى أنها هي المحرمة للخمر فإن المفسدة إذا ترجحت على
~~المصلحة اقتضت تحريم الفعل وزاد بعضهم على ذلك بأن فيها الإخبار بأن فيها
~~الإثم الكبير، والإثم إما العقاب أو سببه، وكل منهما لا يوصف به إلا
~~المحرم، والحق أن الآية ليست نصا في التحريم كما قال قتادة، إذ للقائل
~~أن يقول: الإثم بمعنى المفسدة، وليس رجحان المفسدة مقتضيا لتحريم الفعل
~~بل لرجحانه، ومن هنا شربها كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعد نزولها،
~~وقالوا: إنما نشرب ما ينفعنا، ولم يمتنعوا حتى ms00860 نزلت آية المائدة فهي
~~المحرمة من وجوه كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وقرىء (إثم كثير)
~~بالمثلثة، وفي تقديم الإثم ووصفه بالكبر أو الكثرة وتأخير ذكر المنافع مع
~~تخصيصها بالناس من الدلالة على غلبة الأول ما لا يخفى، وقرأ أبي
~~(وإثمهما أقرب من نفعهما).

# { ويسئلونك ماذا ينفقون } أخرج ابن إسحق عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنه أن نفرا من الصحابة أمروا بالنفقة في سبيل الله تعالى
~~أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا لا ندري ما هذه النفقة التي
~~أمرنا بها في أموالنا فما ننفق منها فنزلت، وكان قبل ذلك ينفق الرجال
~~ماله حتى ما يجد ما يتصدق، ولا ما يأكل حتى يتصدق عليه، وأخرج ابن أبي
~~حاتم من طريق أبان عن يحيى أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله إن لنا أرقاء وأهلين فما
~~ننفق من أموالنا فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهي معطوفة على {
~~يسئلونك } قبلها عطف القصة على القصة، وقيل: نزلت في عمرو بن
~~الجموح كنظيرتها، وكأنه سئل أولا عن المنفق والمصرف ثم سئل عن كيفية
~~الإنفاق بقرينة الجواب فالمعنى يسألونك عن صفة ما ينفقونه { قل
~~العفو } أي صفته أن يكون عفوا فكلمة { ما } للسؤال عن الوصف كما
~~يقال ما زيد؟ فيقال كريم إلا أنه قليل في الاستعمال وأصل العفو نقيض
~~الجهد، ولذا يقال  للأرض الممهدة السهلة الوطء  عفو، والمراد به ما لا
~~يتبين في الأموال، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الفضل من
~~العيال، وعن الحسن ما لا يجهد، أخرج الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي
~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:

# " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول "

# وأخرج ابن خزيمة عنه أيضا أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " خير الصدقة ما أبقت غنى واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن
~~تعول تقول المرأة أنفق علي أو طلقني، ويقول مملوكك أنفق ms00861 علي أو بعني،
~~ويقول ولدك إلى من تكلني "

# وأخرج ابن سعد عن جابر قال: قدم أبو حصين السلمي بمثل بيضة الحمامة من
~~ذهب فقال:

# " يا رسول الله أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها فأعرض
~~عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن فقال له
~~مثل ذلك فأعرض عنه ثم أتاه من ركنه الأيسر فأعرض عنه ثم أتاه من خلفه
~~فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته أو
~~لعقرته فقال: يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة ثم يقعد يتكفف الناس
~~خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول "

# وقرأ أبو عمرو بالرفع بتقدير المتبدأ على أن { ماذا ينفقون }
~~مبتدأ وخبر، والباقون بالنصب بتقدير الفعل، و (ماذا) مفعول { ينفقون
~~} ليطابق الجواب السؤال.

# { كذلك يبين الله لكم الآيت } أي مثل ما بين أن العفو
~~أصلح من الجهد لأنه أبقى للمان وأكثر نفعا في الآخرة فالمشار إليه ما
~~يفهم من قوله سبحانه: { قل العفو } وإيراد صيغة البعيد مع قربه
~~لكونه/ معنى متقدم الذكر، ويجوز أن يكون المشار إليه جميع ما ذكر من قوله
~~سبحانه: { يسئلونك ماذا ينفقون }  إذ لا مخصص مع كون
~~التعميم أفيد والقرب إنما يرجح القريب على ما سواه فقط وجعل المشار إليه
~~قوله عز شأنه: { وإثمهما أكبر من نفعهما } على ما فيه
~~لا يخفى بعده، والكاف في موضع النصب صفة لمحذوف، واللام في (الآيات)
~~للجنس أي يبين لكم الآيات المشتملة على الأحكام تبيينا مثل هذا التبيين
~~إما بإنزالها واضحة الدلالة، أو بإزالة إجمالها بآية أخرى أو ببيان من
~~قبل الرسول صلى الله عليه وسلم وكان مقتضى الظاهر أن يقال  كذلك  على
~~طبق (لكم) لكنه وحد بتأويل نحو القبيلة، أو الجمع مما هو مفرد اللفظ جمع
~~المعنى روما للتخفيف لكثرة لحوق علامة الخطاب باسم الإشارة، وقيل: إن
~~الإفراد للإيذان بأن المراد به كل من يتلقى الكلام كما في قوله تعالى:

# ثم عفونا عنكم من بعد ms00862 ذلك

# [البقرة: 52] وفيه أنه يلزم تعدد الخطاب في كلام واحد من غير عطف وذا لا
~~يجوز كما نص عليه الرضي { لعلكم تتفكرون } أي في الآيات
~~فتستنبطوا الأحكام منها وتفهموا المصالح والمنافع المنوطة بها وبهذا
~~التقدير حسن كون ترجي التفكر غاية لتبيين الآيات.

### || [2.220]

# { فى الدنيا والاخرة } أي في أمورهما فتأخذون بالأصلح منهما
~~وتجتنبون عما يضركم ولا ينفعكم أو يضركم أكثر مما ينفعكم، والجار بعد
~~تقدير المضاف متعلق ب

# تتفكرون

# [البقرة: 219] بعد تقييده بالأول، وقيل: يجوز أن يتعلق ب

# يبين

# [البقرة: 219] أي يبين لكم الآيات فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة
~~لعلكم تتفكرون وقدم التفكر للاهتمام، وفيه أنه خلاف ظاهر النظم مع أن
~~ترجي أصل التفكر ليس غاية لعموم التبيين فلا بد من عموم التفكر فيكون
~~المراد  لعلكم تتفكرون في أمور الدنيا والآخرة  وفي التكرار ركاكة،
~~وقيل: متعلق بمحذوف وقع حالا من الآيات أي يبينها لكم كائنة فيهما أي
~~مبينة لأحوالكم المتعلقة بهما ولا يخفى ما فيه، ومن الناس من لم يقدر 
~~ليتفكرون  متعلقا وجعل المذكور متعلقا بها أي بين الله لكم الآيات
~~لتتفكروا في الدنيا وزوالها والآخرة وبقائها فتعلموا فضل الآخرة على
~~الدنيا وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وقتادة والحسن.

# { ويسئلونك عن اليتمى } عطف على ما قبله من نظيره،
~~أخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما قال لما أنزل الله تعالى:

# ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن

# [الأنعام: 152] و

# إن الذين يأكلون أمول اليتمى

# [النساء: 10] الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه
~~من شرابه فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فيرمى
~~به فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت،
~~والمعنى  يسألونك عن القيام بأمر اليتامى، أو التصرف في أموالهم، أو عن
~~أمرهم وكيف يكونون معهم  { قل إصلاح لهم خير } أي مداخلتهم
~~مداخلة يترتب عليها إصلاحهم أو إصلاح أموالهم بالتنمية والحفظ خير من
~~مجانبتهم، ms00863 وفي الاحتمال الأول إقامة غاية الشيء مقامه.

# { وإن تخالطوهم فإخونكم } عطف على سابقه والمقصود الحث
~~على المخالطة المشروطة بالإصلاح مطلقا أي إن تخالطوهم في الطعام والشراب
~~والمسكن والمصاهرة تؤدوا اللائق بكم لأنهم إخوانكم أي في الدين؛ وبذلك
~~قرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وأخرج عبد بن حميد عنه المخالطة أن
~~يشرب من لبنك وتشرب من لبنه ويأكل في قصعتك وتأكل في قصعته ويأكل من
~~تمرتك وتأكل من تمرته، واختار أبو مسلم الأصفهاني أن المراد بالمخالطة
~~المصاهرة، وأيد بما نقله الزجاج أنهم كانوا يظلمون اليتامى فيتزوجون منهم
~~العشرة ويأكلون أموالهم فشدد عليهم في أمر اليتامى تشديدا خافوا معه
~~التزوج بهم/ فنزلت هذه الآية فأعلمهم سبحانه أن الإصلاح لهم خير الأشياء
~~وأن مخالطتهم في التزويج مع تحري الإصلاح جائزة وبأن فيه على هذا الوجه
~~تأسيسا إذ المخالطة بالشركة فهمت مما قبل وبأن المصاهرة مخالطة مع
~~اليتيم نفسه بخلاف ما عداها وبأن المناسبة حينئذ لقوله تعالى: {
~~فإخوانكم } ظاهرة لأنها المشروطة بالإسلام فإن اليتيم إذا كان
~~مشركا يجب تحري الإصلاح في مخالطته فيما عدا المصاهرة وبأنه ينتظم على
~~ذلك النهي الآتي بما قبله كأنه قيل: المخالطة المندوبة إنما هي في
~~اليتامى الذين هم إخوانكم فإن كان اليتيم من المشركات فلا تفعلوا ذلك،
~~ولا يخفى أن ما نقله الزجاج أضعف من الزجاج إذ لم يثبت ذلك في أسباب
~~النزول في كتاب يعول عليه، والزجاج وأمثاله ليسوا من فرسان هذا الشأن
~~وبأن التأسيس لا ينافي الحث على المخالطة لما أن القوم تجنبوا عنها كل
~~التجنب وأن إطلاق المخالطة أظهر من تخصيصها بخلط نفسه وأن المناسبة
~~والانتظام حاصلان بدخول المصاهرة في مطلق المخالطة.

# { والله يعلم المفسد } في أمورهم بالمخالطة { من
~~المصلح } لها بها فيجازي كلا حسب فعله أو نيته ففي الآية وعيد
~~ووعدهم، وقدم المفسد اهتماما بإدخال الروع عليه وأل في الموضعين للعهد،
~~وقيل: للاستغراق ويدخل المعهود دخولا أوليا، وكلمة { من } للفضل وضمن
~~(يعلم) معنى يميز فلذا عداه بها { ولو شاء الله لأعنتكم }
~~أي لضيق عليكم ms00864 ولم يجوز لكم مخالطتهم، أو لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى
~~موبقا  قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه  وأصل الإعنات الحمل على
~~مشقة لا تطاق ثقلا، ويقال: عنت العظم عنتا إذا أصابه وهن أو كسر بعد
~~جبر، وحذف مفعول المشيئة لدلالة الجواب عليه، وفي ذلك إشعار بكمال لطفه
~~سبحانه ورحمته حيث لم يعلق مشيئته بما يشق علينا في اللفظ أيضا، وفي
~~الجملة تذكير بإحسانه تعالى على أوصياء اليتامى.

# { أن الله عزيز } غالب على أمره لا يعجزه أمر من الأمور التي
~~من جملتها إعناتكم { حكيم } فاعل لأفعاله حسبما تقتضيه الحكمة وتتسع
~~له الطاقة التي هي أساس التكليف، وهذه الجملة تذييل وتأكيد لما تقدم من
~~حكم النفي والإثبات  أي ولو شاء لأعنتكم لكونه غالبا  لكنه لم يشأ
~~لكونه حكيما. وفي الآية  كما قال إلكيا  دليل لمن جوز خلط مال الولي
~~بمال اليتيم والتصرف فيه بالبيع والشراء ودفعه مضاربة إذا وافق الإصلاح،
~~وفيها دلالة على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث لأن الإصلاح الذي تضمنته
~~الآية إنما يعلم من الاجتهاد وغلبة الظن وفيها دلالة على أنه لا بأس
~~بتأديب اليتيم وضربه بالرفق لإصلاحه ووجه مناسبتها لما قبلها أنه سبحانه
~~لما ذكر السؤال عن الخمر والميسر وكان في تركها مراعاة لتنمية المال ناسب
~~ذلك النظر في حال اليتيم فالجامع بين الآيتين أن في ترك الخمر والميسر
~~إصلاح أحوالهم أنفسهم، وفي النظر في أحوال اليتامى إصلاحا لغيرهم ممن هو
~~عاجز أن يصلح نفسه فمن ترك ذلك وفعل هذا فقد جمع بين النفع لنفسه ولغيره.

### || [2.221]

# { ولا تنكحوا المشركت حتى يؤمن } روى الواحدي
~~وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~بعث رجلا من غنى يقال له مرثد بن أبي مرثد حليفا لبني هاشم إلى مكة
~~ليخرج أناسا من المسلمين بها أسرى فلما قدمها سمعت به امرأة يقال لها
~~عناق وكانت خليلة له في الجاهلية فلما أسلم أعرض عنها فأتته فقالت: ويحك
~~يا مرثد ألا تخلو فقال لها: إن ms00865 الإسلام قد حال بيني وبينك وحرمه علينا
~~ولكن إن شئت تزوجتك فقالت: نعم فقال: إذا رجعت إلى رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم استأذنته في ذلك ثم تزوجتك فقالت له: أبي تتبرم؟ ثم استعانت
~~عليه فضربوه ضربا وجيعا ثم خلوا سبيله فلما قضى/ حاجته بمكة انصرف إلى
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا وأعلمه الذي كان من أمره وأمر عناق
~~وما لقي بسببها فقال: يا رسول الله أيحل أن أتزوجها  وفي رواية  أنها
~~تعجبني فنزلت» وتعقب ذلك السيوطي بأن هذا ليس سببا لنزول هذه الآية
~~وإنما هو سبب في نزول آية النور [3]

# الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة

# وروى السدي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هذه نزلت في عبد الله
~~بن رواحة وكانت له أمة سوداء وأنه غضب عليها فلطمها ثم إنه فزع فأتى
~~النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرها فقال له النبي صلى الله عليه
~~وسلم:

# " ما هي يا عبد الله؟ فقال: هي يا رسول الله تصوم وتصلي وتحسن الوضوء
~~وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله فقال: يا عبد الله هي مؤمنة قال عبد
~~الله: فوالذي بعثك بالحق نبيا لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل فطعن عليه ناس
~~من المسلمين فقالوا: نكح أمة وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين
~~وينكحوهم رغبة في أنسابهم فأنزل الله تعالى: { ولا تنكحوا } الآية
~~"

# وقرىء بفتح  التاء  وبضمها وهو المروي عن الأعمش أي لا تتزوجوهن أو لا
~~تزوجوهن من المسلمين وحمل كثير من أهل العلم المشركات على ما عدا
~~الكتابيات فيجوز نكاح الكتابيات عنده لقوله تعالى:

# لم يكن الذين كفروا من أهل الكتب
~~والمشركين

# [البينة: 1] و

# ما يود الذين كفروا من أهل الكتب ولا
~~المشركين

# [البقرة: 105] والعطف يقتضي المغايرة؛ وأخرج ابن حميد عن قتادة المراد
~~بالمشركات مشركات العرب التي ليس لهن كتاب، وعن حماد قال: سألت إبراهيم
~~عن تزويج اليهودية والنصرانية. فقال: لا بأس به فقلت: أليس الله تعالى
~~يقول: { ولا تنكحوا المشركت }؟ فقال: إنما ذلك المجوسيات
~~وأهل الأوثان، ms00866 وذهب البعض إلى أنها تعم الكتابيات قيل: لأن من جحد نبوة
~~نبينا عليه الصلاة والسلام فقد أنكر معجزته وأضافها إلى غيره تعالى وهذا
~~هو الشرك بعينه ولأن الشرك وقع في مقابلة الإيمان فيما بعد ولأنه تعالى
~~أطلق الشرك على أهل الكتاب لقوله:

# وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصرى
~~المسيح ابن الله

# إلى قوله سبحانه:

# عما يشركون

# [التوبة: 30-31] وأخرج البخاري والنحاس في «ناسخه» عن نافع عن ابن عمر
~~رضي الله تعالى عنهما كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية
~~قال: حرم الله تعالى المشركات على المسلمين ولا أعرف شيئا من الإشراك
~~أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى أو عبد من عباد الله تعالى، وإلى هذا
~~ذهب الإمامية وبعض الزيدية، وجعلوا آية المائدة [5]

# والمحصنت من الذين أوتوا الكتب

# منسوخة بهذه الآية نسخ الخاص بالعام وتلك وإن تأخرت تلاوة مقدمة نزولا
~~والإطباق على أن سورة المائدة لم ينسخ منها شيء ممنوع ففي «الإتقان» ومن
~~المائدة [2] قوله تعالى:

# ولا الشهر الحرام

# منسوخ بإباحة القتال فيه وقوله تعالى:

# فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم

# [المائدة: 42] منسوخ بقوله سبحانه:

# وأن احكم بينهم بما أنزل الله

# [المائدة: 49] وقوله تعالى:

# أو آخران من غيركم

# [المائدة: 106] منسوخ بقوله عز شأنه:

# وأشهدوا ذوى عدل منكم

# [الطلاق: 2] والمشهور الذي عليه العمل أن هذه الآية قد نسخت بما في
~~المائدة على ما يقتضيه الظاهر، فقد أخرج أبو داود في «ناسخه» عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما أنه قال في: { ولا تنكحوا المشركت }
~~نسخ من ذلك نكاح نساء أهل الكتاب أحلهن للمسلمين وحرم المسلمات على
~~رجالهم، وعن الحسن ومجاهد مثل ذلك وهو الذي ذهب إليه الحنفية والشافعية
~~يقولون بالتخصيص دون النسخ، ومبنى الخلاف أن قصر العام بكلام مستقل تخصيص
~~عند الشافعي رضي الله تعالى عنه ونسخ عندنا.

# { ولأمة مؤمنة خير من مشركة } تعليل للنهي وترغيب
~~في مواصلة المؤمنات صدر بلام الابتداء الشبيهة بلام القسم في إفادة
~~التأكيد مبالغة في الحمل على الانزجار، وأصل أمة أمو حذفت ms00867 لامها على غير
~~قياس وعوض عنها هاء التأنيث ويدل على أن لامها واو رجوعها في الجمع
~~كقوله:

# أما الإماء فلا يدعونني ولدا

# إذا تداعى بنو الأموان بالعار

# وظهورها في المصدر يقال: هي أمة بينة الأموة وأقرت له بالأموة، وهل
~~وزنها فعلة  بسكون العين  أو فعلة  بفتحها ؟ قولان اختار الأكثرون
~~ثانيهما، وتجمع على آم وهو في الاستعمال دون إماء وأصله أأمو  بهمزتين 
~~الأولى: مفتوحة زائدة، والثانية: ساكنة هي فاء الكلمة، فوقعت  الواو 
~~طرفا مضموما ما قبلها في اسم معرب ولا نظير له فقلبت  ياءا والضمة
~~قبلها كسرة لتصح الياء  فصار الاسم من قبيل  غاز وقاض  ثم قلبت 
~~الهمزة الثانية ألفا لسكونها بعد همزة أخرى مفتوحة  فصارا آم وإعرابه
~~كقاض.

# والظاهر أن المراد  بالأمة  ما تقابل الحرة، وسبب النزول يؤيد ذلك
~~لأنه العيب على من تزوج الأمة والترغيب في نكاح حرة مشركة، ففي الآية
~~تفضيل الأمة المؤمنة على المشركة مطلقا  ولو حرة  ويعلم منه تفضيل
~~الحرة عليها بالطريق الأولى، ثم إن التفضيل يقتضي أن في المشركة
~~خيرا، فإما أن يراد بالخير الانتفاع الدنيوي وهو مشترك بينهما، أو يكون
~~على حد

# أصحب الجنة يومئذ خير مستقرا

# [الفرقان: 24] وقيل: المراد  بالأمة  المرأة حرة كانت أو مملوكة فإن
~~الناس كلهم عبيد الله تعالى وإماؤه، ولا تحمل على الرقيقة لأنه لا بد من
~~تقدير الموصوف في (مشركة) فإن قدر (أمة) بقرينة السياق لم يفد خيرية
~~الأمة المؤمنة على الحرة المشركة، وإن قدر حرة أو امرأة كان خلاف
~~الظاهر، والمذكور في سبب النزول التزوج  بالأمة  بعد عتقها. والأمة
~~بعد العتق حرة. ولا يطلق عليها أمة إلا باعتبار مجاز الكون. والحق أن
~~الأمة بمعنى  الرقيقة  كما هو المتبادر، وأن الموصوف المقدر ل (مشركة)
~~عام.  وكونه خلاف الظاهر  خلاف الظاهر. وعلى تقدير التسليم هو مشترك
~~الإلزام، ولعل ارتكاب ذلك آخرا أهون من ارتكابه أول وهلة إذ هو من قبيل
~~نزع الخف قبل الوصول إلى الماء  وما في سبب النزول مؤيد لا دليل عليه 
~~وقد قيل فيه: إن عبد الله ms00868 نكح أمة  إن حقا وإن كذبا  فالمعنى: ولأمة
~~مؤمنة مع ما فيها من خساسة الرق وقلة الخطر خير مما اتصفت بالشرك مع ما
~~لها من شرف الحرية ورفعة الشأن.

# { ولو أعجبتكم } لجمالها ومالها وسائر ما يوجب الرغبة فيها،
~~أخرج سعيد بن منصور وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم قال:

# " لا تنكحوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تنكحوهن على
~~أموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، وانكحوهن على الدين فلأمة سوداء خرماء
~~ذات دين أفضل "

# وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال:

# " تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين
~~تربت يداك "

# والواو للحال  ولو لمجرد الفرض  مجردة عن معنى الشرط ولذا لا تحتاج
~~إلى الجزاء والتقدير مفروضا إعجابها لكن بالحسن ونحوه، وقال الجرمي:
~~الواو للعطف على مقدر أي لم تعجبكم ولو أعجبتكم وجواب الشرط محذوف دل
~~عليه الجملة السابقة، وقال الرضي: إنها اعتراضية تقع في وسط الكلام
~~وآخره، وعلى التقادير إثبات الحكم في نقيض الشرط بطريق الأولى ليثبت في
~~جميع التقادير.

# واستدل بعضهم بالآية على جواز نكاح الأمة المؤمنة مع وجود طول الحرة،
~~واعترضه إلكيا بأنه ليس في الآية نكاح الإماء وإنما ذلك للتنفير عن نكاح
~~الحرة المشركة لأن العرب كانوا بطباعهم نافرين عن نكاح الأمة فقيل لهم:
~~إذا نفرتم عن الأمة فالمشركة أولى  وفيه تأمل  وفي «البحر» أن مفهوم
~~الصفة يقتضي أن لا يجوز نكاح الأمة الكافرة/ كتابية أو غيرها؛ وأما
~~وطؤها بملك اليمين فيجوز مطلقا.

# { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } أي لا تزوجوا
~~الكفار من المؤمنات سواء كان الكافر كتابيا أو غيره وسواء كانت 
~~المؤمنة أمة  أو حرة، ف { تنكحوا } بضم التاء لا غير، ولا يمكن
~~الفتح  وإلا لوجب  ولا ينكحن المشركين، واستدل بها على اعتبار الولي في
~~النكاح مطلقا وهو خلاف مذهبنا، وفي دلالة الآية على ذلك خفاء لأن
~~المراد النهي عن إيقاع هذا الفعل والتمكين منه، ms00869 وكل المسلمين أولياء في
~~ذلك.

# { ولعبد مؤمن } مع ما فيه من ذل المملوكية. { خير من
~~مشرك } مع ما ينسب إليه من عز المالكية { ولو أعجبكم } بما
~~فيه من دواعي الرغبة { أولئك } أي المذكورون من المشركين
~~والمشركات { يدعون إلى النار } أي الكفر المؤدي إليها إما
~~بالقول أو بالمحبة والمخالطة فلا تليق مناكحتهم، فإن قيل: كما أن الكفار
~~يدعون المؤمنين إلى النار كذلك المؤمنون يدعونهم إلى الجنة بأحد الأمرين،
~~أجيب بأن المقصود من الآية أن المؤمن يجب أن يكون حذرا عما يضره في
~~الآخرة وأن لا يحوم حول حمى ذلك ويجتنب عما فيه الاحتمال مع أن النفس
~~والشيطان يعاونان على ما يؤدي إلى النار، وقد ألفت الطباع في الجاهلية
~~ذلك  قاله بعض المحققين  والجملة الخ معللة لخيرية المؤمنين والمؤمنات
~~من المشركين والمشركات { والله يدعو } بواسطة المؤمنين من يقاربهم
~~{ إلى الجنة والمغفرة } أي إلى الاعتقاد الحق والعمل
~~الصالح الموصلين إليهما وتقديم الجنة على المغفرة مع قولهم: التخلية أولى
~~بالتقديم على التحلية لرعاية مقابلة النار ابتداءا { بإذنه } متعلق
~~ب { يدعو } أي: يدعو إلى ذلك متلبسا بتوفيقه الذي من جملته إرشاد
~~المؤمنين لمقاربيهم إلى الخير فهم أحقاء بالمواصلة.

# { ويبين آيته للناس لعلهم يتذكرون } لكي
~~يتعظوا أو يستحضروا معلوماتهم بناءا على أن معرفة الله تعالى مركوزة في
~~العقول، والجملة تذييل للنصح والإرشاد، والواو اعتراضية أو عاطفة، وفصلت
~~الآية السابقة ب

# تتفكرون

# [البقرة: 219] لأنها كانت لبيان الأحكام والمصالح والمنافع والرغبة فيها
~~التي هي محل تصرف العقل والتبيين للمؤمنين فناسب التفكر، وهذه الآية ب {
~~يتذكرون } لأنها تذييل للإخبار بالدعوة إلى الجنة والنار التي لا
~~سبيل إلى معرفتها إلا النقل والتبيين لجميع الناس فناسب التذكر.

# ومن الناس من قدر في الآية مضافا أي فريق الله أو أولياؤه وهم
~~المؤمنون فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه تشريفا لهم، واعترض بأن
~~الضمير في المعطوف على الخبر لله تعالى فيلزم التفكيك مع عدم الداعي
~~لذلك، وأجيب بأن الداعي كون هذه الجملة معللة للخيرية السابقة ولا يظهر
~~التعليل بدون التقدير، وكذا لا تظهر ms00870 الملائمة لقوله سبحانه: { بإذنه
~~} بدون ذلك فإن تقييد دعوته تعالى (بإذنه) ليس فيه حينئذ كثير فائدة بأي
~~تفسير فسر  الإذن  وأمر التفكيك سهل لأنه بعد إقامة المضاف إليه مقام
~~المضاف للتشريف بجعل فعل الأول فعلا للثاني صورة فتتناسب الضمائر  كما
~~في «الكشف» ولا يخفى ما فيه  وعلى العلات هو أولى مما قيل: إن المراد:
~~والله يدعو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فتجب إجابته
~~بتزويج أوليائه لأنه وإن كان مستدعيا لاتحاد المرجع في الجملتين
~~المتعاطفتين الواقعتين خبرا، لكن يفوت التعليل وحسن المقابلة بينه وبين
~~{ أولئك يدعون إلى النار } وكذا لطافة التقييد كما لا
~~يخفى.

### || [2.222]

# { ويسئلونك عن المحيض } أخرج الإمام أحمد ومسلم وأبو داود
~~والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن أنس رضي الله تعالى عنهم

# " أن اليهود كانوا إذا/ حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها
~~ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~عن ذلك؟ فأنزل الله هذه الآية فقال صلى الله عليه وسلم: «جامعوهن في
~~البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح "

# وعن السدي  إن الذي سأل عن ذلك ثابت بن الدحداح رضي الله تعالى عنه 
~~والجملة معطوفة على ما تقدم من مثلها، ووجه مناسبتها له أنه لما نهى عن
~~مناكحة الكفار ورغب في مناكحة أهل الإيمان بين حكما عظيما من أحكام
~~النكاح، وهو حكم النكاح في الحيض، ولعل حكاية هذه الأسئلة الثلاثة بالعطف
~~لوقوع الكل في وقت واحد عرفي، وهو وقت السؤال عن الخمر والميسر فكأنه
~~قيل: يجمعون لكل بين السؤال عنهما والسؤال عن كذا وكذا؛ وحكاية ما عداها
~~بغير عطف لكونها كانت في أوقات متفرقة فكان كل واحد سؤالا مبتدأ؛ ولم
~~يقصد الجمع بينهما بل الإخبار عن كل واحد على حدة، فلهذا لم يورد الواو
~~بينها.

# وقال صاحب «الانتصاف» في بيان العطف والترك: إن أول المعطوفات عين الأول
~~من المجردة، ولكن وقع جوابه أولا بالمصرف لأنه الأهم، وإن كان المسؤول
~~عنه إنما هو المنفق لا جهة مصرفه ثم ms00871 لما لم يكن في الجواب الأول تصريح
~~بالمسؤول عنه أعيد السؤال ليجابوا عن المسؤول عنه صريحا، وهو العفو
~~الفاضل فتعين إذا عطفه ليرتبط بالأول، وأما السؤال الثاني من المقرونة
~~فقد وقع عن أحوال اليتامى، وهل يجوز مخالطتهم في النفقة والسكنى فكان له
~~مناسبة مع النفقة باعتبار أنهم إذا خالطوهم أنفقوا عليهم فلذا عطف على
~~سؤال الإنفاق، وأما السؤال الثالث فلما كان مشتملا على اعتزال الحيض
~~ناسب عطفه على ما قبله لما فيه من بيان ما كانوا يفعلونه من اعتزال
~~اليتامى، وإذا اعتبرت الأسئلة المجردة من الواو لم تجد بينها مداناة ولا
~~مناسبة ألبتة إذ الأول منها عن النفقة والثاني عن القتال في الشهر
~~الحرام، والثالث عن الخمر والميسر وبينها من التباين والتقاطع ما لا يخفى
~~فذكرت كذلك مرسلة متقاطعة غير مربوطة بعضها ببعض، وهذا من بدائع البيان
~~الذي لا تجده إلا في الكتاب العزيز ا ه. ولا أرى القلب يطمئن به كما لا
~~يخفى على من أحاط خبرا بما ذكرناه فتدبر.

# والمحيض كما قال الزجاج وعليه الكثير مصدر حاضت المرأة تحيض حيضا
~~ومحاضا فهو كالمجيء والمبيت وأصله السيلان يقال: حاض السيل وفاض قال
~~الأزهري: ومنه قيل: للحوض حوض لأن الماء يحيض إليه أي يسيل، والعرب تدخل
~~الواو على الياء لأنهما من جنس واحد، وقيل: إنه هنا اسم مكان، ونسب إلى
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

# وحكى الواحدي عن ابن السكيت أنه إذا كان الفعل من ذوات الثلاثة نحو كال
~~يكيل، وحاض يحيض فاسم المكان منه مكسور، والمصدر منه مفتوح، وحكى غيره عن
~~غيره التخيير في مثله بل قيل: إن الكسر والفتح جائزان في اسم الزمان
~~والمكان والمصدر وعلى ما نسب للترجمان، واختاره الإمام يحتاج إلى الحذف
~~في قوله تعالى: { قل هو أذى } أي موضع أذى وكذا يحتاج إلى اعتبار
~~الزمان في قوله سبحانه: { فاعتزلوا النساء في المحيض }
~~لركاكة قولنا: فاعتزلوا في موضع الحيض، وإن اختاره الإمام وقال: إن
~~المعنى  اعتزلوا مواضع الحيض.

# والأذى  مصدر من  أذاه يؤذيه إذا وإذاءا، ms00872 ولا يقال في المشهور إيذاء
~~وحمله على المحيض للمبالغة، والمعنى المقصود منه المستقذر وبه فسره
~~قتادة، واستعمل فيه بطريق الكناية، والمراد من اعتزال النساء اجتناب
~~مجامعتهن كما يفهمه آخر الآية، وإنما أسند الفعل إلى الذات للمبالغة كما
~~في قوله تعالى:

# حرمت عليكم أمهتكم

# [النساء: 23] ووضع الظاهر موضع المضمر لكمال العناية بشأنه بحيث لا
~~يتوهم غيره أصلا، وقد يقال لا وضع، وحديث الإعادة أغلبي بل يعتبر ما
~~أشرنا إلى اعتباره فيما أشرنا/ إلى عدم اعتباره لضعف النسبة، وقوة الداعي
~~إلى التقدير وعدمه أولى، وإنما وصف بأنه أذى ورتب الحكم عليه بالفاء ولم
~~يكتف في الجواب بالأمر للاشعار بأنه العلة والحكم المعلل أوقع في النفس.

# { ولا تقربوهن حتى يطهرن } تقرير للحكم السابق لأن
~~الأمر بالاعتزال يلزمه النهي عن القربان وبالعكس فيكون كل منهما مقررا
~~وإن تغايرا بالمفهوم فلذا عطف أحدهما على الآخر؛ وفيه بيان لغايته فإن
~~تقييد الاعتزال بقوله سبحانه وتعالى: { في المحيض } وترتبه على كونه
~~أذى يفيد تخصيص الحرمة بذلك الوقت، ويفهم منه عقلا انقطاعها بعده، ولا
~~يدل عليه اللفظ صريحا بخلاف { حتى يطهرن } والغاية انقطاع الدم
~~عند الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه فإن كان الانقطاع لأكثر مدة
~~الحيض حل القربان بمجرد الإنقطاع، وإن كان لأقل منها لم يحل إلا
~~بالاغتسال أو ما هو في حكمه من مضي وقت صلاة، وعند الشافعية هي الاغتسال
~~بعد الانقطاع قالوا: ويدل عليه صريحا قراءة حمزة. والكسائي وعاصم في
~~رواية ابن عياش { يطهرن } بالتشديد أي: يتطهرن والمراد به يغتسلن لا
~~لأن الاغتسال معنى حقيقي للتطهير كما يوهمه بعض عباراتهم  لأن استعماله
~~فيما عدا الاغتسال شائع في الكلام المجيد والأحاديث على ما لا يخفى على
~~المتتبع  بل لأن صيغة المبالغة يستفاد منها الطهارة الكاملة، والطهارة
~~الكاملة للنساء عن المحيض هو الاغتسال فلما دلت قراءة التشديد على أن
~~غاية حرمة القربان هو الاغتسال والأصل في القراءات التوافق حملت قراءة
~~التخفيف عليها بل قد يدعى أن الطهر يدل على الاغتسال أيضا بحسب اللغة
~~ففي «القاموس» «طهرت ms00873 المرأة انقطع دمها واغتسلت من الحيض كتطهرت».

# وأيضا قوله تعالى:

# { فإذا تطهرن فأتوهن } يدل التزاما على أن الغاية هي
~~الاغتسال لأنه يقتضي تأخر جواز الإتيان عن الغسل فهو يقوي كون المراد
~~بقراءة التخفيف الغسل لا الانقطاع وربما يكون قرينة على التجوز في الطهر
~~بحمله على الاغتسال إن لم يسلم ما تقدم وعلى فرض عدم تسليم هذا وذاك
~~والرجوع إلى القول بأن قراءة التخفيف من الطهر وهو حقيقة في انقطاع الدم
~~لا غير ولا تجوز ولا قرينة، وقراءة التشديد من التطهر، ويستفاد منه
~~الاغتسال يقال أيضا في وجه الجمع كما في «الكشف»: إن القراءة بالتشديد
~~لبيان الغاية الكاملة والتخفيف لبيان الناقصة، وحتى في الأفعال نظير إلى
~~في أنه لا يقتضي دخول ما بعدها فتكون الكاملة ألبتة، وبيانه أن الغاية
~~الكاملة ما يكون غاية بجميع أجزائه وهي الخارجة عن المغيا، والناقصة ما
~~تكون غاية باعتبار آخرها وحتى الداخلة على الأسماء تقتضي دخول ما بعدها
~~لولا الغاية والداخلة على الأفعال مثل إلى لا تقتضي كون ما بعدها جزءا
~~لما قبلها فانقطاع الدم غاية للحرمة باعتبار آخره فيكون وقت الانقطاع
~~داخلا فيها والاغتسال غاية لها باعتبار أوله فلا تعارض بين القراءتين،
~~ولعل فائدة بيان الغايتين بيان مراتب حرمة القربان فإنها أشد قبل
~~الانقطاع مما بعده، ولما رأى ساداتنا الحنفية أن ههنا قراءتين التخفيف
~~والتشديد وأن مؤدى الأولى انتهاء الحرمة العارضة على الحل بانقطاع الدم
~~مطلقا فإذا انتهت الحرمة العارضة حلت بالضرورة وإن مؤدى الثانية عدم
~~انتهائها عنده بل بعد الاغتسال، ورأوا أن الطهر إذا نسب إلى المرأة لا
~~يدل على الاغتسال لغة بل معناه فيها انقطاع الدم وهو المروي عن ابن عباس
~~ومجاهد، وفي «تاج البيهقي» طهرت خلاف طمثت، وفي «شمس العلوم» امرأة طاهر
~~بغير  هاء  انقطع دمها وفي «الأساس»: «امرأة طاهر ونساء طواهر (طهرن من
~~الحيض)»، ولا يعارض ذلك ما في «القاموس» لجواز أن يكون بيانا للاستعمال
~~ولو مجازا على ما هو طريقته في كثير من الألفاظ وأن الحمل على الاغتسال
~~مجازا من ms00874 غير قرينة معينة له مما لا يصح واعتبار { فإذا تطهرن
~~فأتوهن } قرينة بناءا على ما ذكروا ليس بشيء وما ذكروه في وجه/
~~الدلالة من الاقتضاء فيه بحث لأن  الفاء  الداخلة على الجملة التي لا
~~تصلح أن تكون شرطا كالجملة الإنشائية لمجرد الربط كما نص عليه ابن هشام
~~في «المغني» ومثل له بقوله تعالى:

# قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني

# [آل عمران: 31] ولو سلم فاللازم تأخر جواز الإتيان عن الغسل في الجملة
~~لا مطلقا حتى يكون قرينة على أن المراد بقراءة التخفيف أيضا الغسل وأن
~~القول بأن إحدى الغايتين داخلة في الحكم والأخرى خارجة خلاف المتبادر
~~احتاجوا للجمع بجعل كل منهما آية مستقلة فحملوا الأولى على الانقطاع
~~بأكثر المدة، والثانية لتمام العادة التي ليست أكثر مدة الحيض كما حمل
~~إبراهيم النخعي قراءة النصب والجر في

# أرجلكم

# [المائدة: 6] على حالة التخفيف وعدمه وهو المناسب لأن في توقف قربانها
~~في الانقطاع للأكثر على الغسل إنزالها حائضا حكما وهو مناف لحكم الشرع
~~لوجوب الصلاة عليها المستلزم لإنزاله إياها طاهرا حكما بخلاف تمام
~~العدة فإن الشرع لم يقطع عليها بالطهر بل يجوز الحيض بعده، ولذا لو زادت
~~ولم يجاوز العشرة كان الكل حيضا بالاتفاق بقي أن مقتضى الثانية ثبوت
~~الحرمة قبل الغسل فرفع الحرمة قبله بمضي أول وقت الصلاة أعني أدناه
~~الواقع آخرا، واعتبار الغسل حكما على ما قالوا معارضة النص بالمعنى،
~~والجواب أن القراءة الثانية خص منها صورة الانقطاع للعشرة بقراءة التخفيف
~~فجاز أن يخص ثانيا بالمعنى كما قاله بعض المحققين ولا يخفى ما في مذهب
~~الإمام من التيسير، والاحتياط لا يخفى.

# وحكي عن الأوزاعي أن حل الإتيان موقوف على التطهر وفسره بغسل موضع الحيض
~~وقد يقال لتنقية المحل تطهير، فقد أخرج البخاري ومسلم والنسائي عن عائشة
~~رضي الله تعالى عنها:

# " أن امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض
~~فأمرها قبل أن تغتسل قالت: خذي فرصة من مسك فتطهري بها قالت: كيف أتطهر
~~بها؟ قال: تطهري بها قالت: كيف؟ ms00875 قال: سبحان الله تطهري بها فاجتذبتها
~~إلي فقلت: تتبعي بها أثر الدم "

# وذهب طاوس ومجاهد في رواية عنه أن غسل الموضع مع الوضوء كاف في حل
~~الإتيان  وإليه ذهب الإمامية  ولا يخفى أنه ليس شيء من ذلك طهارة كاملة
~~للنساء وإنما هي طهارة كاملة لأعضائهن وهو خلاف المتبادر في الآية وإنما
~~المتبادر هو الأول وما في الحديث وإن كان أمرا بالتطهر لتلك المرأة لكن
~~المراد بذلك المبالغة في تطهير الموضع إلا أنه لأمر ما لم يصرح به صلى
~~الله عليه وسلم وإطلاق التطهير على تنقية المحل مما لا ننكره وإنما ننكر
~~إطلاق (يطهرن) على من طهرن مواضع حيضهن ودون إثباته حيض الرجال.

# واستدل بالآية على أنه لا يحرم الاستمتاع بالحائض بما بين السرة والركبة
~~وإنما يحرم الوطء، وسئلت عائشة رضي الله تعالى عنها فيما أخرجه ابن جرير
~~ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قالت: كل شيء إلا الجماع؛ وذهب
~~جماعة إلى حرمة الاستمتاع بما بين السرة والركبة استدلالا بما أخرجه
~~مالك عن زيد بن أسلم

# " أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا يحل لي من
~~امرأتي وهي حائض؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: لتشد عليها إزارها ثم شأنك
~~بأعلاها "

# وكأنه من باب سد الذرائع في الجملة، ولهذا ورد فيما أخرجه الإمام أحمد،
~~والتعفف عن ذلك أفضل والأمر في الآية للإباحة على حد

# إذا حللتم فاصطدوا

# [المائدة: 2] ففيها إباحة الإتيان لكنه مقيد بقوله سبحانه:

# { من حيث أمركم الله } أي من المكان الذي أمركم الله تعالى
~~بتجنبه لعارض الأذى وهو الفرج ولا تعدوا غيره قاله ابن عباس ومجاهد
~~وقتادة والربيع وقال الزجاج: معناه من الجهات التي يحل فيها أن تقرب
~~المرأة ولا تقربوهن من حيث لا يحل كما إذا كن صائمات أو محرمات أو
~~معتكفات وأيد بأنه لو أراد الفرج لكانت/  في  أظهر فيه من  من  لأن
~~الإتيان بمعنى الجماع يتعدى بها غالبا لا بمن، ولعله في حيز المنع عند
~~أهل القول الأول.

# { إن الله ms00876 يحب التوبين } مما عسى يندر منهم من ارتكاب
~~بعض الذنوب كالإتيان في الحيض المورث للجذام في الولد كما ورد في الخبر،
~~والمستدعي عقاب الله تعالى فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن
~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " من أتى حائضا فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم "

# وهو جار مجرى الترهيب فلا يعارض ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول
~~الله أصبت امرأتي وهي حائض فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتق
~~نسمة» وقيمة النسمة حينئذ دينار، وهذا إذا كان الاتيان في أول الحيض
~~والدم أحمر أما إذا كان في آخره والدم أصفر فينبغي أن يتصدق بنصف دينار
~~كما دلت عليه الآثار { ويحب المتطهرين } أي المتنزهين عن
~~الفواحش والأقذار كمجامعة الحائض والاتيان لا من حيث أمر الله تعالى وحمل
~~التطهر على التنزه هو الذي تقتضيه البلاغة وهو مجاز على ما في «الأساس» و
~~«شمس العلوم»، وعن عطاء حمله على التطهر بالماء والجملتان تذييل مستقل
~~لما تقدم.

### || [2.223]

# { نساؤكم حرث لكم } أخرج البخاري وجماعة عن جابر قال: «كانت
~~اليهود تقول إذا أتى الرجل امرأته من خلفها في قبلها ثم حملت جاء الولد
~~أحول فنزلت» والحرث إلقاء البذر في الأرض وهو غير الزرع لأنه إنباته
~~يرشدك إلى ذلك قوله تعالى:

# أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن
~~الزارعون

# [الواقعة: 6364] قال الجوهري: الحرث الزرع والحارث الزارع وعلى كل
~~تقدير هو خبر عما قبله إما بحذف المضاف أي مواضع حرث، أو التجوز والتشبيه
~~البليغ أي كمواضع ذلك وتشبيههن بتلك المواضع متفرع على تشبيه النطف
~~بالبذور من حيث إن كلا منهما مادة لما يحصل منه ولا يحسن بدونه فهو
~~تشبيه يكنى به عن تشبيه آخر.

# { فأتوا حرثكم } أي ما هو كالحرث ففيه استعارة تصريحية ويحتمل
~~أن يبقى الحرث على حقيقته والكلام تمثيل شبه حال إتيانهم النساء في ms00877
~~المأتي بحال إتيانهم المحارث في عدم الاختصاص بجهة دون جهة ثم أطلق لفظ
~~المشبه به على المشبه، والأول أظهر وأوفق لتفريع حكم الإتيان على تشبيههن
~~بالحرث تشبيها بليغا، وهذه الجملة مبينة لقوله تعالى:

# فأتوهن من حيث أمركم الله

# [البقرة: 222] لما فيه من الإجمال من حيث المتعلق، والفاء جزائية، وما
~~قبلها علة لما بعدها، وقدم عليه اهتماما بشأن العلة وليحصل الحكم معللا
~~فيكون أوقع، ويحتمل أن يكون المجموع كالبيان لما تقدم، والفاء للعطف وعطف
~~الإنشاء على الإخبار جائز بعاطف سوى الواو { إنى شئتم } قال قتادة
~~والربيع: من أين شئتم وقال مجاهد: كيف شئتم، وقال الضحاك: متى شئتم،
~~ومجيء { أنى } بمعنى  أين  وكيف ومتى مما أثبته الجم الغفير،
~~وتلزمها على الأول  من  ظاهرة أو مقدرة، وهي شرطية حذف جوابها لدلالة
~~الجملة السابقة عليه، واختار بعض المحققين كونها هنا بمعنى من أين أي من
~~أي جهة ليدخل فيه بيان النزول، والقول بأن الآية حينئذ تكون دليلا على
~~جواز الإتيان من الأدبار ناشىء من عدم التدبر في أن  من  لازمة إذ ذاك
~~فيصير المعنى من أي مكان لا في أي مكان فيجوز أن يكون المستفاد حينئذ
~~تعميم الجهات من القدام والخلف والفوق والتحت واليمين والشمال لا تعميم
~~مواضع الاتيان فلا دليل في الآية لمن جوز إتيان المرأة في دبرها كابن
~~عمر، والأخبار عنه في ذلك صحيحة مشهورة، والروايات عنه بخلافها على
~~خلافها، وكابن أبي مليكة وعبد الله بن القاسم حتى قال فيما أخرجه
~~الطحاوي عنه: ما أدركت أحدا اقتدي به في ديني يشك في أنه حلال، وكمالك
~~بن أنس حتى أخرج الخطيب عن أبي سلمان الجوزجاني أنه سأله عن ذلك فقال له:
~~/ الساعة غسلت رأس ذكري منه، وكبعض الإمامية لا كلهم كما يظنه بعض الناس
~~ممن لا خبرة له بمذهبهم، وكسحنون من المالكية، والباقي من أصحاب مالك
~~ينكرون رواية الحل عنه ولا يقولون به، ويا ليت شعري كيف يستدل بالآية على
~~الجواز مع ما ذكرناه فيها، ومع قيام الاحتمال كيف ينتهض الاستدلال لا
~~سيما ms00878 وقد تقدم قبل وجوب الاعتزال في المحيض وعلل بأنه أذى مستقذر تنفر
~~الطباع السليمة عنه، وهو يقتضي وجوب الاعتزال عن الإتيان في الأدبار
~~لاشتراك العلة، ولا يقاس ما في المحاش من الفضلة بدم الاستحاضة ومن قاس
~~فقد أخطأت إسته الحفرة لظهور الاستقذار.

# والنفرة مما في المحاش دون دم الاستحاضة، وهو دم انفجار العرق كدم
~~الجرح؛ وعلى فرض تسليم أن { أنى } تدل على تعميم مواضع الاتيان كما هو
~~الشائع يجاب بأن التقييد بمواضع الحرث يدفع ذلك فقد أخرج ابن جرير وابن
~~أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: بينا أنا ومجاهد جالسان عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما إذ أتاه رجل فقال: ألا تشفيني من آية المحيض قال: بلى
~~فقرأ

# ويسئلونك عن المحيض

# [البقرة: 222] إلى

# فأتوهن من حيث أمركم الله

# [البقرة: 222] فقال ابن عباس: من حيث جاء الدم من ثم أمرت أن تأتي فقال:
~~كيف بالآية { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم إنى
~~شئتم }؟ فقال: ويحك، وفي الدبر من حرث لو كان ما تقول حقا لكان
~~المحيض منسوخا إذا شغل من ههنا جئت من ههنا ولكن أنى شئتم من الليل
~~والنهار، وما قيل: من أنه لو كان في الآية تعين الفرج لكونه موضع الحرث
~~للزم تحريم الوطء بين الساقين وفي الاعكان لأنها ليست موضع حرث كالمحاش،
~~مدفوع بأن الإمناء فيها عدا الضمامين لا يعد في العرف جماعا ووطءا
~~والله تعالى قد حرم الوطء والجماع في غير موضع الحرث لا الاستمناء فحرمة
~~الاستمناء بين الساقين وفي الأعكان لم تعلم من الآية إلا أن يعد ذلك
~~إيتاء وجماعا وأنى به، ولا أظنك في مرية من هذا وبه يعلم ما في مناظرة
~~الإمام الشافعي والإمام محمد بن الحسن، فقد أخرج الحاكم عن [ابن] عبد
~~الحكم أن الشافعي ناظر محمدا في هذه المسألة فاحتج عليه ابن الحسن بأن
~~الحرث إنما يكون في الفرج فقال له أفيكون ما سوى الفرج محرما فالتزمه؟
~~فقال أرأيت لو وطئها بين ساقيها أو في في أعكانها أو في ذلك حرث؟ ms00879 قال: لا
~~قال: أفيحرم؟ قال: لا قال: فكيف تحتج بما لا تقول به، وكأنه من هنا قال
~~الشافعي فيما حكاه عنه الطحاوي. والحاكم. والخطيب لما سئل عن ذلك: ما صح
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحليله ولا تحريمه شيء والقياس أنه حلال
~~وهذا خلاف ما نعرف من مذهب الشافعي فإن رواية التحريم عنه مشهورة فلعله
~~كان يقول ذلك في القديم ورجع عنه في الجديد لما صح عنده من الأخبار أو
~~ظهر له من الآية.

# { وقدموا لأنفسكم } ما يصلح للتقديم من العمل الصالح ومنه
~~التسمية عند الجماع وطلب الولد المؤمن، فقد أخرج الشيخان. وغيرهما عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب
~~الشيطان ما رزقتنا فقضي بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدا "

# وصح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به
~~وولد صالح يدعو له "

# وعن عطاء تخصيص المفعول بالتسمية. وعن مجاهد بالدعاء عند الجماع، وعن
~~بعضهم بطلب الولد وعن آخرين بتزوج العفائف والتعميم أولى.

# { واتقوا الله } فيما أمركم به ونهاكم عنه. { واعلموا
~~أنكم ملقوه } بالبعث فيجازيكم بأعمالكم فتزودوا ما ينفعكم؛
~~والضمير المجرور راجع إلى الله تعالى بحذف مضاف أو بدونه ورجوعه إلى ما
~~قدمتم أو إلى الجزاء المفهوم منه بعيد والأوامر معطوفة على قوله تعالى: {
~~فأتوا حرثكم } وفائدتها الإرشاد العام بعد الإرشاد الخاص وكون
~~الجملة السابقة مبينة لا يقتضي أن يكون/ المعطوف عليها كذلك { وبشر
~~المؤمنين } الذين تلقوا ما خوطبوا به بالقبول والامتثال بما لا
~~تحيط به عبارة من الكرامة والنعيم، وحمل بعضهم المؤمنين على الكاملين في
~~الإيمان بناءا على أن الخطابات السابقة كانت للمؤمنين مطلقا فلو كانت
~~هذه البشارة لهم كان مقتضى الظاهر وبشرهم فلما وضع المظهر موضع المضمر
~~علم أن المراد غير السابقين وهم المؤمنون الكاملون ms00880 ولا يخفى أنه يجوز أن
~~يكون العدول إلى الظاهر للدلالة على العلية ولكونه فاصلة فلا يتم ما ذكره
~~والواو للعطف، { وبشر } عطف على

# قل

# [البقرة: 222] المذكور سابقا أو على (قل) مقدرة قبل قدموا وهي معطوفة
~~على المذكورة.

# ومن باب الإشارة: { يسألونك } عن خمر الهوى وحب الدنيا وميسر
~~احتيال النفس بواسطة قداحها التي هي حواسها العشرة المودعة في ربابة
~~البدن لنيل شيء من جزور اللذات والشهوات { قل فيهما إثم } الحجاب
~~والبعد عن الحضرة { ومنفع للناس } في باب المعاش وتحصيل اللذة
~~النفسانية والفرح بالذهول عن المعايب والخطرات المشوشة والهموم المكدرة {
~~وإثمهما أكبر من نفعهما } لأن فوات الوصال في حضائر
~~الجمال لا يقابله شيء، ولا يقوم مقامه  وصال سعدي ولامي  ولفرق عند
~~الأبرار بين السكر من المدير والسكر من المدار:

# وأسكر القوم ورود كأس

# وكان سكرى من المدير

# وهذا هو السكر الحلال لكنه فوق عالم التكليف ووراء هذا العالم الكثيف
~~وهو سكر أرواح لا أشباح وسكر رضوان لا حميا دنان:

# وما مل ساقيها ولا مل شارب

# عقار لحاظ كأسها يسكر اللبا

# { ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو } وهو ما سوى الحق
~~من الكونين { كذلك يبين الله لكم الآيت } المنزلة من
~~سماء الأرواح

# لعلكم تتفكرون

# [البقرة: 219]

# فى الدنيا والأخرة

# [البقرة: 220] وتقطعون بواديهما بأجنحة السير والسلوك إلى ملك الملوك {
~~ويسئلونك عن المحيض } وهو غلبة دواعي الصفات البشرية
~~والحاجات الإنسانية { قل هو أذى } تنفر القلوب الصافية عنه {
~~فاعتزلوا } بقلوبكم نساء النفوس في محيض غلبات الهوى { حتى
~~يطهرن } ويفرغن من قضاء الحوائج الضرورية { فإذا تطهرن }
~~بماء الإنابة ورجعن إلى الحضرة في طلب القربة { فأتوهن من حيث
~~أمركم الله } أي عند ظهور شواهد الحق لزهوق باطل النفس واضمحلال
~~هواها { إن الله يحب التوبين } عن أوصاف الوجود

# ويحب المتطهرين

# [البقرة: 222] بنور المعرفة عن غبار الكائنات، أو يحب التوابين من
~~سؤالاتهم ويحب المتطهرين من إراداتهم نساؤكم وهي النفوس التي غدت لباسا
~~لكم وغدوتم لباسا لهن موضع حرثكم للآخرة { فأتوا حرثكم } متى
~~شئتم الحراثة لمعادكم { وقدموا لأنفسكم } ما ينفعها ويكمل
~~نشأتها { واتقوا ms00881 الله } من النظر إلى ما سواه { واعلموا
~~أنكم ملقوه } بالفناء فيه إذا اتقيتم { وبشر
~~المؤمنين } بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

### || [2.224]

# { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمنكم } أخرج ابن جرير
~~عن ابن جريج أنها نزلت في الصديق رضي الله تعالى عنه لما حلف أن لا ينفق
~~على مسطح بن خالته وكان من الفقراء المهاجرين لما وقع في إفك عائشة رضي
~~الله تعالى عنها، وقال الكلبي: نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف على
~~ختنه بشير بن النعمان أن لا يدخل عليه أبدا ولا يكلمه ولا يصلح بينه
~~وبين امرأته بعد أن كان قد طلقها وأراد الرجوع إليها والصلح معها،
~~والعرضة فعلة بمعنى المفعول كالقبضة والغرفة وهي هنا من عرض الشيء من باب
~~نصر أو ضرب جعله معترضا أو من عرضه للبيع عرضا من باب ضرب إذا قدمه
~~لذلك، ونصبه/ له والمعنى على الأول لا تجعلوا الله حاجزا لما حلفتم عليه
~~وتركتموه من أنواع الخير فيكون المراد بالأيمان الأمور المحلوف عليها
~~وعبر عنها بالأيمان لتعلقها بها أو لأن اليمين بمعنى الحلف تقول حلفت
~~يمينا كما تقول حلفت حلفا فسمي المفعول بالمصدر كما في قوله صلى الله
~~عليه وسلم فيما أخرجه مسلم وغيره:

# " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي
~~هو خير "

# ، وقيل: (على) في الحديث زائدة لتضمن معنى الاستعلاء.

# وقوله تعالى { أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين
~~الناس } عطف بيان (لأيمانكم) وهو غير الاعلام كثير وفيها أكثر، وقيل:
~~بدل وضعف بأن المبدل منه لا يكون مقصودا بالنسبة بل تمهيد وتوطئة للبدل
~~وههنا ليس واللام صلة عرضة، وفيها معنى الاعتراض أو بتجعلوا والأول أولى
~~وإن كان المآل واحدا، وجوز أن تكون الأيمان على حقيقتها واللام للتعليل
~~و (أن تبروا) في تقدير لأن ويكون صلة للفعل أو لعرضة، والمعنى: لا تجعلوا
~~الله تعالى حاجزا لأجل حلفكم به عن البر والتقوى والاصلاح، وعلى الثاني
~~ولا تجعلوا الله نصبا لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف ms00882 به في كل حق وباطل
~~لأن في ذلك نوع جرأة على الله تعالى وهو التفسير المأثور عن عائشة رضي
~~الله تعالى عنها، وبه قال الجبائي وأبو مسلم وروته الإمامية عن الأئمة
~~الطاهرين، ويكون (أن تبروا) علة للنهي على معنى أنهيكم عنه طلب بركم
~~وتقواكم وإصلاحكم إذ الحلاف مجترىء على الله تعالى والمجترىء عليه بمعزل
~~عن الاتصاف بتلك الصفات ويؤول إلى لا تكثروا الحلف بالله تعالى لتكونوا
~~بارين متقين ويعتمد عليكم الناس فتصلحوا بينهم، وتقدير الطلب ونحوه لازم
~~إن كان { أن تبروا } في موضع النصب ليتحقق شرط حذف اللام وهو
~~المقارنة لأن المقارنة للنهي ليس هو البر والتقوى والإصلاح بل طلبها وإن
~~كان في موضع الجر بناءا على أن حذف حرف الجر من (أن) وإن قياسي فليس
~~بلازم وإنما قدروه لتوضيح المعنى والمراد به طلب الله تعالى لا طلب
~~العبد، وإن أريد ذلك كان علة للكف المستفاد من النهي كأنه قيل: كفوا
~~أنفسكم من جعله سبحانه عرضة وطلب العبد صالح للكف { والله سميع }
~~لأقوالكم وأيمانكم { عليم } بأحوالكم ونياتكم فحافظوا على ما كلفتموه،
~~ومناسبة الآية لما قبلها أنه تعالى لما أمرهم بالتقوى نهاهم عن ابتذال
~~اسمه المنافي لها أو نهاهم عن أن يكون اسمه العظيم حاجزا لها ومانعا
~~منها.

### || [2.225]

# { لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمنكم } اللغو
~~الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره ولغو اليمين عند الشافعي رضي الله
~~تعالى عنه ما سبق له اللسان، وما في حكمه مما لم يقصد منه اليمين كقول
~~العرب لا والله لا بالله لمجرد التأكيد، وهو المروي عن عائشة وابن عمر
~~وغيرهما في أكثر الروايات، والمعنى لا يؤاخذكم أصلا بما لا قصد لكم فيه
~~من الأيمان.

# { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } أي بما قصدتم من
~~الأيمان وواطأت فيها قلوبكم ألسنتكم، ولا يعارض هذه الآية ما في المائدة
~~[89] من قوله تعالى:

# لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمنكم ولكن
~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمن فكفارته إطعام
~~عشرة مسكين

# الخ بناءا على أن مقتضى هذه المؤاخذة بالغموس لأنها ms00883 من كسب القلب وتلك
~~تقتضي عدمها لأن اللغو فيها خلاف المعقودة، وهي ما يحلف فيها على أمر في
~~المستقبل أن يفعل ولا يفعل لوقوعه في مقابلة قوله سبحانه:

# بما عقدتم الأيمن

# [المائدة:89] فيتناول الغموس وهو الحلف على أمر ماض متعمد الكذب فيه
~~ولغويته لعدم تحقق البر فيه الذي هو فائدة اليمين الشرعية لأن الشافعي
~~حمل { بما عقدتم } على كسب القلب من عقدت على كذا عزمت عليه، ولم
~~يعكس لأن العقد مجمل يحتمل عقد القلب، ويحتمل ربط الشيء بالشيء، والكسب
~~مفسر، ومن القواعد حمل المجمل على المفسر، وإذا حمل عليه شمل الغموس،
~~وكان اللغو/ ما لا قصد فيه لا خلاف المعقودة إذ لا معقودة فتتحد الآيتان
~~في المؤاخذة على الغموس وعدم المؤاخذة على اللغو إلا أنه إن كان للفعل
~~المنفي عموم كان في الآيتين نفي المؤاخذة فيما لا قصد فيه بالعقوبة،
~~والكفارة وإثبات المؤاخذة في الجملة بهما أو بأحداهما فيما فيه قصد، وإن
~~لم يكن له عموم حمل المؤاخذة المطلقة في هذه الآية على المؤاخذة المقيدة
~~بالكفار في آية المائدة بناءا على اتحاد الحادثة والحكم، وسوق الآية
~~لبيان الكفارة فلا تكرار، وأيد العموم بما أخرجه ابن جرير عن الحسن

# " أنه صلى الله عليه وسلم مر بقوم ينتصلون ومعه بعض أصحابه فرمى رجل من
~~القوم فقال: أصبت والله أخطأت والله، فقال الذي معه: حنث الرجل يا رسول
~~الله فقال كلا أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة. "

# وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن اللغو هنا ما لا قصد فيه إلى الكذب بأن لا
~~يكون فيه قصد أو يكون بظن الصدق، وحمل المؤاخذة على الأخروية بناءا على
~~أن دار المؤاخذة هي الآخرة وأن المطلق ينصرف إلى الكامل وقرنت هذه
~~المؤاخذة بالكسب إذ لا عبرة للقصد وعدمه في وجوب الكفارات التي هي
~~مؤاخذات دنيوية، ولا شك أنه بمجرد اليمين بدون الحنث لا تتحقق المؤاخذة
~~الأخروية في المعقودة فلا يمكن إجراء ما كسبت على عمومه فلا بد من تخصيصه
~~بالغموس فيتحصل من هذه الآية ms00884 المؤاخذة الأخروية في الغموس دون الدنيوية
~~التي هي الكفارة، وفيه خلاف الشافعي وعدم المؤاخذة الأخروية فيما عداها
~~مما فيه قصد بظن الصدق، ومما لا قصد فيه أصلا  وفيه وفاق الشافعي  وحمل
~~المؤاخذة في آية المائدة على الدنيوية بقرينة قوله سبحانه فيها:

# فكفارته

# [المائدة: 89] الخ، وقوله تعالى: { بما عقدتم } على المعقودة
~~لأن المتبادر من  العقد  ربط الشيء بالشيء وهو ظاهر في المعقودة
~~فالمراد باللغو في تلك الآية ما عداها من الغموس وغيره فيتحصل منها عدم
~~المؤاخذة الدنيوية  بالكفارة  على غير المعقودة، وهي الغموس والمؤاخذة
~~عليه في الآخرة  كما علم من آية البقرة  والحلف بلا قصد أو به مع ظن
~~الصدق لغير المؤاخذة عليهما في الآخرة كما علم منها أيضا، والمؤاخذة
~~الدنيوية على المعقودة التي لم يعلم حكمها في الآخرة من الآيتين لظهوره
~~من ترتب المؤاخذة الدنيوية عليه  فلا تدافع بين الآيتين عنده أيضا 
~~لأن مقتضى الأولى: تحقق المؤاخذة الأخروية في الغموس، ومقتضى الثانية:
~~عدم المؤاخذة الدنيوية فيه، ومن هذا يعلم أن ما في  «الهداية»  وشاع في
~~كتب الأصحاب عن الإمام حيث قال: «إن الأيمان على ثلاثة أضرب يمين الغموس
~~ويمين منعقدة ويمين لغو» وبين حكم كل وفسر الأخير «بأن يحلف على [أمر]
~~ماض وهو يظن [أنه] كما قال والأمر بخلافه»، وثبت في بعض الروايات عن أبي
~~هريرة رضي الله تعالى عنه وغيره  ليس بشيء  لو كان المقصود بما في
~~التفسير الحصر لا التمثيل للغو لأن اللائق بالنظم أن يكون (ما كسبت)
~~مقابلا للغو من غير واسطة بينهما، وبقصد الحصر يبقى اليمين الذي لا قصد
~~معه واسطة بينهما غير معلوم الإسم ولا الرسم، وهو مما لا يكاد يكون كما
~~لا يخفى على المنصف فليتدبر فإنه مما فات كثيرا من الناس.

# وذهب مسروق إلى أن اللغو هو الحلف على المعاصي وبره ترك ذلك الفعل ولا
~~كفارة. وروى عن ابن عباس وطاوس أنه اليمين في حال الغضب فلا كفارة فيها.
~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لغو اليمين أن تحرم ما أحل ms00885 الله
~~تعالى عليك بأن تقول: مالي علي حرام إن فعلت كذا مثلا  وبهذا أخذ
~~مالك إلا في الزوجة  وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم قال: هو كقول الرجل:
~~أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا، وكقوله: هو مشرك هو كافر إن لم يفعل كذا،
~~فلا يؤاخذ به حتى يكون من قبله، وقيل: لغو اليمين يمين المكره  حكاه ابن
~~الفرس ولم ير مسندا  هذا ولم يعطف قوله تعالى:/ { لا يؤاخذكم }
~~الآية على ما قبله لاختلافها خبرا وإنشاءا، وإن كانا متشاركين في كون
~~كل منهما بيانا لحكم الأيمان.

# { والله غفور } حيث يؤاخذكم باللغو { حليم } حيث لم يعجل
~~بالمؤاخذة على يمين الجد؛ والجملة تذييل للجملتين السابقتين، وفائدته
~~الامتنان على المؤمنين وشمول الإحسان لهم والحليم من حلم بالضم يحلم إذا
~~أمهل بتأخير العقاب، وأصل الحلم الأناة، وأما حلم الأديم  فبالكسر يحلم
~~بالفتح  إذا فسد، وأما حلم أي رأى في نومه  فبالفتح  ومصدر الأول 
~~الحلم  بالكسر ومصدر الثاني  الحلم  بفتح اللام ومصدر الثالث  الحلم
~~ بضم الحاء مع ضم اللام وسكونها.

### || [2.226]

# { للذين يؤلون من نسائهم } الإيلاء  كما قال الراغب 
~~الحلف الذي يقتضي النقيصة في الأمر الذي يحلف فيه من قوله تعالى:

# لا يألونكم خبالا

# [آل عمران: 118] أي باطلا

# ولا يأتل أولوا الفضل منكم

# [النور: 22] وصار في الشرع عبارة عن الحلف المانع عن جماع المرأة، ف {
~~يؤلون } أي يحلفون، و { من نسائهم } على حذف المضاف، أو من
~~إقامة العين مقام الفعل المقصود منه للمبالغة، وعدى القسم على المجامعة
~~ب { من } لتضمنه معنى البعد، فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم مولين،
~~وقيل: إن هذا الفعل يتعدى ب (من) وعلى، ونقل أبو البقاء عن بعضهم من أهل
~~اللغة تعديته ب (من) وقيل: بها بمعنى على، وقيل: بمعنى في، وقيل: زائدة،
~~وجوز جعل الجار ظرفا مستقرا، أي استقر لهم من نسائهم.

# { تربص أربعة أشهر } وقرأ [عبد الله] { ألوا من
~~نسائهم } وفي مصحف أبي { للذين يقسمون } وهو المروي عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  والتربص  الانتظار والتوقف وأضيف إلى ms00886
~~الظرف على الاتساع  وإجراء المفعول فيه مجرى المفعول به، والمعنى على
~~الظرفية وهو مبتدأ ما قبله خبره أو فاعل للظرف  على ما ذهب إليه الأخفش
~~من جواز عمله وإن لم يعتمد  والجملة  على التقديرين  بمنزلة الاستثناء
~~من قوله سبحانه.

# ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم

# [البقرة: 225] فإن  الإيلاء  لكون أحد الأمرين لازما له الكفارة على
~~تقدير الحنث من غير إثم، والطلاق على تقدير البر مخالف لسائر الأيمان
~~المكتوبة حيث يتعين فيها  المؤاخذة  بهما أو بأحدهما عند الشافعي 
~~والمؤاخذة  الأخروية عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، فكأنه قيل: إلا
~~الإيلاء فإن حكمه غير ما ذكر، ولذلك لم تعطف هذه الجملة على ما قبلها،
~~وبعد أن ذكر سبحانه وتعالى  أن للمولين من نسائهم تربص أربعة أشهر 
~~بين حكمه بقوله تعالى جل شأنه: { فإن فآءوا } أي رجعوا في المدة {
~~فإن الله غفور رحيم } لما حدث منهم من اليمين على الظلم
~~وعقد القلب على ذلك الحنث، أو بسبب الفيئة والكفارة، ويؤيده قراءة ابن
~~مسعود { فإن فآءوا فيهن }.

### || [2.227]

# { وإن عزموا الطلق } أي صمموا قصده بأن لم يفيئوا
~~واستمروا على الإيلاء { فإن الله سميع } لإيلائهم الذي صار
~~منهم طلاقا بائنا بمضي العدة { عليم } بغرضهم من هذا الإيلاء
~~فيجازيهم على وفق نياتهم، وهذا ما حمل عليه الحنفية هذه الآية فإنهم
~~قالوا: الإيلاء من المرأة أن يقول: والله لا أقربك أربعة أشهر فصاعدا
~~على التقييد بالأشهر، أو لا أقربك على الإطلاق، ولا يكون فيما دون ذلك
~~عند الأئمة الأربعة وأكثر العلماء، خلافا للظاهرية والنخعية وقتادة
~~وحماد وابن أبي جماد وإسحق حيث يصير عندهم موليا في قليل المدة
~~وكثيرها، وحكمه إن فاء إليها في المدة بالوطء إن أمكن، أو بالقول إن عجز
~~عنه صح الفيء وحنث القادر ولزمته كفارة اليمين ولا كفارة على العاجز، وإن
~~مضت الأربعة بانت بتطليقة من غير مطالبة المرأة إيقاع الزوج/ أو الحكم،
~~وقالت الشافعية: لا إيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر فلو قال: والله لا
~~أقربك أربعة أشهر لا يكون إيلاء شرعا ms00887 عندهم ولا يترتب حكمه عليه بل هو
~~يمين كسائر الأيمان، إن حنث كفر، وإن بر فلا شيء عليه، وللمولي التلبث
~~في هذه المدة فلا يطالب بفيء ولا طلاق، فإن فاء في اليمين بالحنث فإن
~~الله غفور رحيم للمولي إثم حنثه إذا كفر كما في الجديد، أو ما توخى
~~بالإيلاء من ضرار المرأة ونحوه بالفيئة التي هي كالتوبة وإن عزم الطلاق
~~فإن الله سميع لطلاقه { عليم } بنيته، وإذا مضت المدة ولم
~~يفىء ولم يطلق طولب بأحد الأمرين، فإن أبى عنهما طلق عليه الحاكم؛ وأيد
~~كون مدته أكثر من أربعة أشهر بأن  الفاء  في الآية للتعقيب فتدل على
~~أن حكم الإيلاء من الفيئة والطلاق يترتب عليه بعد مضي أربعة أشهر، فلا
~~يكون الإيلاء في هذه المدة إيلاءا شرعا لانتفاء حكمه  وبذلك اعترضوا
~~على الحنفية  واعترضوا عليهم أيضا بأنه لو لم يحتج إلى الطلاق بعد مضي
~~المدة لزم وقوع الطلاق من غير موقع، وإن النص يشير إلى أنه مسموع، فلو
~~بانت من غير طلاق لا يكون ههنا شيء مسموع، وأجيب عن الأول بأن  الفاء
~~ للتعقيب في الذكر، وعن الثاني بأن المسموع ما يقارن ذلك الترك من
~~المقاولة والمجادلة وحديث النفس به كما يسمع وسوسة الشيطان عليهم بما
~~استمروا عليه من الظلم أو الإيلاء الذي صار طلاقا بائنا بالمضي، وهذا
~~أنسب بقوله سبحانه وتعالى: { وان عزموا الطلق } حيث اكتفى
~~بمجرد العزم بخلاف ما قالته الشافعية من أنه يحتاج إلى الطلاق بعد مضي
~~المدة فإنه يحتاج إلى التقدير، وبعده لا يحتاج إلى (عزموا) أو يحتاج إلى
~~جعل (عزم الطلاق) كناية عنه، فما قيل: من أن الآية بصريحها مع الشافعي
~~ليس في محله، وقد ذهب إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة وكثير من الإمامية.

# وأخرج عبد بن حميد عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: الإيلاء إيلاءان
~~إيلاء في الغضب، وإيلاء في الرضا، فأما الإيلاء في الغضب فإذا مضت أربعة
~~أشهر فقد بانت منه، وأما ما كان في الرضا فلا يؤاخذ به. وأخرج عبد
~~الرزاق عن ms00888 سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنهما قال: أتى رجل عليا كرم
~~الله تعالى وجهه فقال: إني حلفت أن لا آتي امرأتي سنتين فقال: ما أراك
~~إلا قد آليت، قال إنما حلفت من أجل أنها ترضع ولدي، قال فلا إذا. وروي
~~عن إبراهيم «ما أعلم الإيلاء إلا في الغضب لقوله سبحانه وتعالى:

# فإن فآءو

# [البقرة: 226] وإنما الفيء من الغضب» وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما.

# واستدل بعموم الآية على صحة الإيلاء من الكافر، وبأي يمين كان، ومن غير
~~المدخول بها والصغيرة والخصي وأن العبد تضرب له الأربعة أشهر كالحر.
~~واستدل بتخصيص هذا الحكم بالمولي على أن من ترك الوطء ضرارا بلا يمين
~~لا يلزمه شيء، وما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت وهي تعظ
~~خالد بن سعيد المخزومي وقد بلغها أنه هجر امرأته: إياك يا خالد وطول
~~الهجر، فإنك قد سمعت ما جعل الله تعالى للمولي من الأجل محمول على إرادة
~~العطف والتحذير من التشبه بالإيلاء.

### || [2.228]

# { والمطلقت } أي ذوات الأقراء من الحرائر المدخول بهن، لما
~~قد بين في الآيات والأخبار أن لا عدة على غير المدخول لها وأن عدة من
~~لا تحيض لصغر أو كبر أو حمل بالأشهر ووضع الحمل، وأن عدة الأمة قرآن أو
~~شهران  فأل  ليست للاستغراق لأنه ههنا متعذر لما بين، فتحمل على الجنس
~~كما في  لا أتزوج النساء  ويراد منه ما ذكر بقرينة الحكم، وهذا مذهب
~~ساداتنا الحنفية لأن الكلام المستقل الغير الموصول عندهم ناسخ للعام،
~~والنسخ إنما يصح إذا ثبت عموم الحكم السابق  لا عموم ههنا  وقال
~~الشافعية: إن (المطلقات) عام وقد خص البعض بكلام مستقل غير موصول،
~~واعترضه الإمام بأن التخصيص إنما يحسن إذا كان الباقي/ تحت العام أكثر،
~~وههنا ليس كذلك وليس بشيء لأنه مما لا شاهد له فإن المذكور في «كتب
~~الأصول» أن العام يجوز تخصيصه إلى أن يبقى تحته ما يستحق به معنى الجمع
~~لئلا يلزم إبطال الصيغة فليفهم.

# { يتربصن } أي ينتظرن، وهو خبر ms00889 قصد منه الأمر على سبيل الكناية
~~فلا يحتاج في وقوعه خبرا لمبتدأ إلى التأويل على رأي من لم يجوز وقوع
~~الإنشاء خبرا من غير تأويل، وقيل: إن الجملة الاسمية خبرية بمعنى
~~الأمر، أي: ليتربصن المطلقات ولا يخفى أنه لا يحتاج إليه، وتغيير العبارة
~~للتأكيد بدلالته على التحقيق لأن الأصل في الخبر الصدق والكذب احتمال
~~عقلي، والإشعار بأنه مما يجب أن يسارع إلى امتثاله حيث أقيم اللفظ الدال
~~على الوقوع مقام الدال على الطلب، وفي ذكره متأخرا عن المتبدأ فضل تأكيد
~~لما فيه من إفادة التقوى على أحد الطريقين المنقولين عن الشيخ عبد القاهر
~~والسكاكي، وقيد  التربص  هنا بقوله سبحانه وتعالى: { بأنفسهن }
~~وتركه في قوله تعالى:

# تربص أربعة أشهر

# [البقرة: 226] لتحريض النساء على  التربص  لأن  الباء  للتعدية
~~فيكون المأمور به أن يقمعن أنفسهن ويحملنها على الانتظار، وفيه إشعار
~~بكونهن مائلات إلى الرجال وذلك مما يستنكفن منه، فإذا سمعن هذا تربصن
~~وهذا بخلاف الآية السابقة فإن المأمور فيها  بالتربص  الأزواج وهم وإن
~~كانوا طامحين إلى النساء لكن ليس لهم استنكاف منه، فذكر  الأنفس  فيها
~~لا يفيد تحريضهم على التربص.

# { ثلثة قروء } نصب على الظرف لكونه عبارة عن المدة، والمفعول
~~به محذوف لأن  التربص  متعد قال تعالى:

# ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله

# [التوبة: 52] أي يتربصن التزوج، وفي حذفه إشعار بأنهن يتركن التزوج
~~في هذه المدة بحيث لا يتلفظن به، وجوز أن يكون على المفعولية بتقدير
~~مضاف أي: يتربصن مضيها  القروء  جمع قرء  بالفتح والضم  والأول أفصح
~~وهو يطلق للحيض لما أخرج النسائي وأبو داود والدارقطني

# " أن فاطمة ابنة أبي حبيش قالت: يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا
~~أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «لا، دعي الصلاة أيام
~~أقرائك "

# ويطلق للطهر الفاصل بين الحيضتين كما في ظاهر قول الأعشى:

# أفي كل عام أنت جاشم غزوة

# تشد لأقصاها عزيم عزائكا

# مورثة مالا وفي الحي رفعة

# لما ضاع فيها من قروء نسائكا

# أي أطهارهن لأنها وقت الاستمتاع ولا جماع في الحيض في ms00890 الجاهلية أيضا
~~وأصله الانتقال من الطهر إلى الحيض لاستلزامه كل واحد منهما، والدليل على
~~ذلك كما قال الراغب: أن الطاهر التي لم تر الدم لا يقال لها ذات قرء
~~والحائض التي استمر لها الدم لا يقال لها ذلك أيضا، والمراد بالقرء في
~~الآية عند الشافعي الانتقال من الطهر إلى الحيض في قول قوي له، أو الطهر
~~المنتقل منه كما في المشهور وهو المروي عن عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت
~~وخلق كثير لا الحيض، واستدلوا على ذلك بمعقول ومنقول وأما الأول: فهو أن
~~المقصود من العدة براءة الرحم من ماء الزوج السابق والمعرف لبراءة الرحم
~~هو الانتقال إلى الحيض لأنه يدل على انفتاح فم الرحم فلا يكون فيه العلوق
~~لأنه يوجب انسداد فم الرحم عادة دون الحيض فإن الانتقال من الحيض إلى
~~الطهر يدل على انسداد فم الرحم وهو مظنة العلوق فإذا جاء بعده الحيض علم
~~عدم انسداده. وأما الثاني: فقوله تعالى:

# فطلقوهن لعدتهن

# [الطلاق: 1] واللام للتأقيت والتخصيص بالوقت فيفيد أن مدخوله وقت لما
~~قبله كما في قوله تعالى:

# ونضع الموزين القسط ليوم القيمة

# [الأنبياء: 47]، و

# أقم الصلوة لدلوك الشمس

# [الإسراء: 78] فيفيد أن العدة وقت الطلاق والطلاق/ في الحيض غير مشروع
~~لما أخرج الشيخان

# " أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما طلق زوجته وهي حائض فذكر عمر لرسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ ثم قال: مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى
~~تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك
~~العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء "

# وهو أحد الأدلة أيضا على أن العدة بالأطهار.

# وذهب ساداتنا الحنفية إلى أن المراد بالقرء الحيض وهو المروي عن ابن
~~عباس ومجاهد وقتادة والحسن وعكرمة وعمرو بن دينار وجم غفير، وكون
~~الانتقال من الطهر إلى الحيض هو المعرف للبراءة إذا سلم معارض بأن سيلان
~~الدم هو السبب للبراءة المقصودة ولا نسلم أن اعتبار المعرف أولى من
~~اعتبار السبب وليس هذا من المكابرة في ms00891 شيء على أن المهم في مثل هذه
~~المباحث الأدلة النقلية، وفيما ذكروه منها بحث لأن لام التوقيت لا تقتضي
~~أن يكون مدخولها ظرفا لما قبلها ففي الرضي إن اللام في نحو جئتك لغرة
~~كذا هي المفيدة للاختصاص الذي هو أصلها، والاختصاص ههنا على ثلاثة أضرب:
~~إما أن يختص الفعل بالزمان بوقوعه فيه نحو كتبته لغرة كذا، أو يختص به
~~لوقوعه بعده نحو لليلة خلت، أو اختص به لوقوعه قبله نحو لليلة بقيت، فمع
~~الإطلاق يكون الاختصاص لوقوعه فيه ومع قرينة نحو خلت يكون لوقوعه بعده
~~ومع قرينة نحو بقيت لوقوعه قبله انتهى.

# وفيما نحن فيه قرينة تدل على كونه قبله لأن التطليق يكون قبل العدة لا
~~مقارنا لها، ويؤيده قراءة النبي صلى الله عليه وسلم (في قبل عدتهن) ففي
~~«الصحاح» القبل والقبل نقيض الدبر والدبر، ووقع السهم بقبل
~~الهدف وبدبره  وقد قميصه من قبل ودبر  أي من مقدمه ومؤخره، ويقال
~~أنزل بقبل هذا الجبل  أي بسفحه  فمعنى (في قبل عدتهن) في مقدم عدتهن
~~وأمامها  كما يقتضيه ظاهر الأمثلة  وما ذكره من أن قبل الشيء أوله
~~يرجع إلى هذا أيضا، وعلى تسليم عدم الرجوع يرجع المقدم على الأول
~~بالتبادر وكثرة الاستعمال والتأييد يحصل بذلك المقدار، والحديث الذي
~~أخرجه الشيخان مسلم لكن جعله دليلا على أن  العدة  هي الأطهار غير
~~مسلم لأنه موقوف على جعل الإشارة للحالة التي هي الطهر، ولا يقوم عليه
~~دليل فإن  اللام  في (يطلق لها النساء) كاللام في

# لعدتهن

# [الطلاق: 1] يجوز أن تكون بمعنى  في  وأن تكون بمعنى  قبل  فيجوز أن
~~يكون المشار إليه الحيض، وأنث اسم الإشارة مراعاة للخبر كالضمير إذا وقع
~~بين مرجع مذكر وخبر مؤنث فإن الأولى على ما عليه الأكثر مراعاة الخبر إذ
~~ما مضى فات، والمعنى فتلك الحيض العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق
~~قبلها النساء  لا أن يطلق فيها النساء  كما فهمه ابن عمر وأوقع الطلاق
~~فيه، وقول الخطابي: ((الأقراء التي تعتد بها المطلقة الأطهار [دون
~~الحيض] لأنه ذكر " فتلك العدة ms00892 " بعد الطهر)) مجاب عنه بأن ذكره بعد
~~الطهر لا يقتضي أن يكون مشارا إليه لجواز أن يكون ذكر الطهر للإشارة إلى
~~أن الحيض المحفوف بالطهر يكون عدة، وحينئذ لا يحتاج ذكر الطهر الثاني
~~إلى نكتة وهي أنه إذا راجعها في الطهر الأول بالجماع لم يكن طلاقها فيه
~~للسنة فيحتاج للطهر الثاني ليصح فيه إيقاع الطلاق السني، وأن لا يكون
~~الرجعة لغرض الطلاق فقط، وأن يكون كالتوبة عن المعصية باستبدال حاله، وأن
~~يطول مقامه معها فلعله يجامعها فيذهب ما في نفسها من سبب الطلاق فيمسكها
~~هذا ما يرجع إلى الدفع.

# وأما الاستدلال على أن القرء الحيض فهو ما أخرجه أبو داود والترمذي،
~~وابن ماجه والدارقطني عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان "

# فصرح بأن عدة الأمة حيضتان، ومعلوم أن الفرق بين الحرة والأمة
~~باعتبار مقدار العدة لا في جنسها فيلتحق قوله تعالى: { ثلثة
~~قروء } للإجمال الكائن بالاشتراك بيانا به وكونه لا يقاوم ما أخرجه/
~~الشيخان في قصة ابن عمر رضي الله تعالى عنه لضعفه لأن فيه مظاهرا ولم
~~يعرف له سواه، لا يخلو عن بحث، أما أولا: فلما علمت أن ذلك الحديث ليس
~~بنص في المدعى، وأما ثانيا: فلأن تعليل تضعيف مظاهر غير ظاهر، فإن ابن
~~عدي أخرج له حديثا آخر ووثقه ابن حبان، وقال الحاكم: ومظاهر شيخ من أهل
~~البصرة ولم يذكره أحد من متقدمي مشايخنا بجرح فإذا إن لم يكن الحديث
~~صحيحا كان حسنا، ومما يصحح الحديث عمل العلماء على وفقه قال الترمذي
~~عقيب روايته: حديث غريب والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب الرسول صلى
~~الله عليه وسلم وغيرهم، وفي الدارقطني قال القاسم وسالم: وعمل به
~~المسلمون، وقال مالك: شهرة الحديث تغني عن سنده كذا في «الفتح».

# ومن أصحابنا من استدل بأنه لو كان المراد من القرء الطهر لزم إبطال موجب
~~الخاص أعني لفظ (ثلاثة) فإنه حينئذ تكون العدة طهرين، وبعض الثالث في
~~الطلاق المشهور ولا يخفى أنه كأمثاله في هذا المقام ms00893 ناشيء عن قلة التدبر
~~فيما قاله الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فلهذا اعترضوا به عليه لأنه
~~إنما جعل القرء الانتقال من الطهر إلى الحيض، أو الطهر المنتقل منه لا
~~الطهر الفاصل بين الدمين والانتقال المذكور، أو الطهر المنتقل منه تام
~~على أن كون الثلاثة اسما لعدد كامل غير مسلم، والتحقيق فيه أنه إذا شرع
~~في الثالث ساغ الإطلاق ألا تراهم يقولون هو ابن ثلاث سنين وإن لم تكمل
~~الثالثة، وذلك لأن الزائد جعل فردا مجازا ثم أطلق على المجموع اسم
~~العدد الكامل.

# ومن الشافعية من جعل القرء اسما للحيض الذي يحتوشه دمان وجعل إطلاقه
~~على بعض الطهر وكله كإطلاق الماء والعسل، قالوا: والاشتقاق مرشد إلى معنى
~~الضم والاجتماع، وهذا الطهر يحصل فيه اجتماع الدم في الرحم وبعضه وكله في
~~الدلالة على ذلك على السواء  وأطالوا الكلام في ذلك  والإمامية وافقوهم
~~فيه واستدلوا عليه برواياتهم عن الأئمة والرواية عن علي كرم الله تعالى
~~وجهه في هذا الباب مختلفة، وبالجملة كلام الشافعية في هذا المقام قوي كما
~~لا يخفى على من أحاط بأطراف كلامهم واستقرأ ما قالوه وتأمل ما دفعوا به
~~أدلة مخالفيهم وفي «الكشف» بعض الكشف وما في «الكشاف» غير شاف لبغيتنا،
~~وهذا المقدار يكفي أنموذجا.

# هذا وكان القياس ذكر القرء بصيغة القلة التي هي الأقراء ولكنهم يتوسعون
~~في ذلك فيستعملون كل واحد من البناءين مكان الآخر ولعل النكتة المرجحة
~~لاختياره ههنا أن المراد بالمطلقات ههنا جميع المطلقات ذوات الأقراء
~~الحرائر وجميعها متجاوز فوق العشرة فهي مستعملة مقام جمع الكثرة ولكل
~~واحدة منها ثلاثة أقراء فيحصل في الأقراء الكثرة فحسن أن يستعمل جمع
~~الكثرة في تمييز الثلاثة تنبيها على ذلك وهذا كما استعمل (أنفسهن) مكان
~~نفوسهن للإشارة إلى أن الطلاق ينبغي أن يقع على القلة.

# { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فى
~~أرحامهن } قال ابن عمر: الحمل والحيض أي لا يحل لها إن كانت
~~حاملا أن تكتم حملها ولا إن كانت حائضا أن تكتم حيضها فتقول وهي حائض: ms00894
~~قد طهرت وكن يفعلن الأول: لئلا ينتظر لأجل طلاقها أن تضع ولئلا يشفق
~~الرجل على الولد فيترك تسريحها والثاني: استعجالا لمضي العدة وإبطالا
~~لحق الرجعة وهذا القول هو المروي عن الصادق والحسن ومجاهد وغيرهم والقول
~~ بأن الحيض غير مخلوق في الرحم بل هو خارج عنه  فلا يصح حمل (ما) على
~~عمومها بل يتعين حملها على الولد وهو المروي عن ابن عباس وقتادة مدفوع
~~بأن ذات الدم وإن كان غير مخلوق في الرحم لكن الاتصاف بكونه حيضا إنما
~~يحصل له فيه، وما قيل: إن الكلام في المطلقات ذوات الأقراء فلا يحتمل خلق
~~الولد في أرحامهن فيجب حمل (ما) على الحيض كما حكي عن عكرمة فمدفوع أيضا
~~بأن تخصيص العام/ وتقييده بدليل خارجي لا يقتضي اعتبار ذلك التخصيص أو
~~التقييد في الراجع، واستدل بالآية على أن قولها يقبل فيما خلق الله
~~تعالى في أرحامهن إذ لولا قبول ذلك لما كان فائدة في تحريم كتمانهن، قال
~~ابن الفرس: وعندي أن الآية عامة في جميع ما يتعلق بالفرج من بكارة
~~وثيوبة وعيب لأن كل ذلك مما خلق الله تعالى في أرحامهن فيجب أن يصدقن
~~فيه، وفيه تأمل.

# { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } شرط لقوله
~~تعالى: { لا يحل } لكن ليس الغرض منه التقييد حتى لو لم يؤمن
~~كالكتابيات  حل لهن الكتمان  بل بيان منافاة الكتمان للإيمان وتهويل
~~شأنه في قلوبهن، وهذه طريقة متعارفة يقال: إن كنت مؤمنا فلا تؤذ أباك،
~~وقيل: إنه شرط جزاؤه محذوف  أي فلا يكتمن  وقوله سبحانه: { لا يحل
~~} علة له أقيم مقامه، وتقدير الكلام: إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر لا
~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن لأنه لا يحل لهن وفيه: «أن لا يكتمن
~~المقدر» إن كان نهيا يلزم تعليل الشيء بنفسه، وإن كان نفيا يكون مفاد
~~الكلام تعليق عدم وقوع الكتمان في المستقبل بأيمانهم في الزمان الماضي
~~وهو كما ترى.

# { وبعولتهن } أي أزواج المطلقات جمع  بعل  كعم وعمومة، وفحل
~~وفحولة  والهاء  زائدة مؤكدة لتأنيث الجماعة، والأمثلة سماعية لا ms00895
~~قياسية، لا يقال: كعب وكعوبة، قاله الزجاج. وفي «القاموس»: ((البعل الزوج
~~والأنثى  بعل وبعلة  والرب والسيد والمالك، والنخلة التي لا تسقى أو
~~تسقى بماء المطر)) وقال الراغب:  البعل  النخل الشارب بعروقه، عبر به
~~عن الزوج لإقامته على الزوجة للمعنى المخصوص، وقيل: باعلها جامعها، وبعل
~~الرجل إذا دهش فأقام كأنه النخل الذي لا يبرح، ففي اختيار لفظ  البعولة
~~ إشارة إلى أن أصل الرجعة بالمجامعة، وجوز أن يكون  البعولة  مصدرا
~~نعت به من قولك: بعل حسن البعولة  أي العشرة مع الزوجة  أو أقيم مقام
~~المضاف المحذوف، أي وأهل بعولتهن:

# { أحق بردهن } إلى النكاح والرجعة إليهن، وهذا إذا كان الطلاق
~~رجعيا للآية بعدها، فالضمير  بعد اعتبار القيد  أخص من المرجوع إليه،
~~ولا امتناع فيه كما إذا كرر الظاهر، وقيل: بعولة المطلقات أحق بردهن
~~وخصص بالرجعي، و { أحق } ههنا بمعنى  حقيق  عبر عنه بصيغة التفضيل
~~للمبالغة، كأنه قيل: للبعولة حق الرجعة، أي حق محبوب عند الله تعالى
~~بخلاف الطلاق فإنه مبغوض، ولذا ولد للتنفير عنه:

# " أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق "

# وإنما لم يبق على معناه من المشاركة والزيادة إذ لا حق للزوجة في الرجعة
~~كما لا يخفى. وقرأ أبي { بردتهن }  { في ذلك } أي زمان  التربص
~~ وهو متعلق ب { أحق } أو { بردهن }  { إن أرادوا
~~إصلحا } أي إن أراد البعولة بالرجعة إصلاحا لما بينهم وبينهن، ولم
~~يريدوا الإضرار بتطويل العدة عليهن مثلا، وليس المراد من التعليق
~~اشتراط جواز الرجعة بإرادة الإصلاح حتى لو لم يكن قصده ذلك لا تجوز
~~للإجماع على جوازها مطلقا، بل المراد تحريضهم على قصد الإصلاح حيث جعل
~~كأنه منوط به ينتفي بانتفائه.

# { ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف } فيه صنعة
~~الاحتباك، ولا يخفى لطفه فيما بين الزوج والزوجة حيث حذف في الأول بقرينة
~~الثاني، وفي الثاني بقرينة الأول كأنه قيل: ولهن عليهم مثل الذي لهم
~~عليهن، والمراد  بالمماثلة  المماثلة في الوجوب  لا في جنس الفعل 
~~فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل لها مثل ذلك، ولكن
~~يقابله بما ms00896 يليق بالرجال، أخرج الترمذي وصححه، والنسائي وابن ماجه/ عن
~~عمرو بن الأحوص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على
~~نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم من تكرهون، ألا
~~وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن "

# وأخرج وكيع وجماعة عن أنس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «إني
~~لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين المرأة لي، لأن الله تعالى يقول:
~~{ ولهن } الآية، وجعلوا مما يجب لهن عدم العجلة إذا جامع حتى تقضي
~~حاجتها. والمجرور الأخير متعلق بما تعلق به الخبر، وقيل: صفة ل { مثل
~~} وهي لا تتعرف بالإضافة.

# { وللرجال عليهن درجة } زيادة في الحق لأن حقوقهم في
~~أنفسهن، فقد ورد أن النكاح كالرق أو شرف فضيلة لأنهم قوام عليهن وحراس
~~لهن، يشاركوهن في غرض الزواج من التلذذ وانتظام مصالح المعاش، ويخصون
~~بشرف يحصل لهم لأجل الرعاية والإنفاق عليهن.  والدرجة  في الأصل 
~~المرقاة  ويقال فيها: (درجة) كهمزة وقال الراغب:  الدرجة  نحو المنزلة
~~لكن تقال إذا اعتبرت بالصعود دون الامتداد على البسيط  كدرجة السطح
~~والسلم  ويعبر بها عن المنزلة الرفيعة، ومنه الآية فهي على التوجيهين
~~مجاز. وفي «الكشف»: إن أصل التركيب لمعنى الأناة والتقارب على مهل من 
~~درج الصبي إذا حبا  وكذلك الشيخ والمفيد لتقارب خطوهما  والدرجة 
~~التي يرتقي عليها لأن الصعود ليس في السهولة كالانحدار والمشي على مستو،
~~فلا بد من تدرج  والدرج  المواضع التي يمر عليها السيل شيئا فشيئا،
~~ومنه التدرج في الأمور، والاستدراج من الله، والدركة هي الدرجة بعينها
~~لكن في الانحدار  والرجال  جمع رجل، وأصل الباب القوة والغلبة وأتى
~~بالمظهر بدل المضمر للتنويه بذكر  الرجولية  التي بها ظهرت المزية
~~للرجال على النساء { والله عزيز } غالب لا يعجزه الانتقام ممن
~~خالف الأحكام { حكيم } عالم بعواقب الأمور والمصالح التي شرع ما شرع
~~لها، والجملة تذييل للترهيب والترغيب.

### || [2.229]

# { الطلق مرتان } إشارة إلى الطلاق المفهوم من قوله تعالى:

# وبعولتهن أحق ms00897 بردهن

# [البقرة: 228] وهو الرجعي وهو بمعنى التطليق الذي هو فعل الرجل 
~~كالسلام بمعنى التسليم  لأنه الموصوف بالوحدة والتعدد دون ما هو وصف
~~المرأة، ويؤيد ذلك ذكر ما هو من فعل الرجل أيضا بقوله تعالى: {
~~فإمساك بمعروف } أي بالرجعة وحسن المعاشرة { أو تسريح
~~بإحسن } أي إطلاق مصاحب له من جبر الخاطر وأداء الحقوق، وذلك إما
~~بأن لا يراجعها حتى تبين، أو يطلقها الثالثة  وهو المأثور  فقد أخرج
~~أبو داود وجماعة عن أبي رزين الأسدي

# " أن رجلا قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أسمع الله تعالى
~~يقول: { الطلق مرتان } فأين الثالثه؟ فقال: التسريح بإحسان هو
~~الثالثة "

# وهذا يدل على أن معنى (مرتان) اثنتان، ويؤيد العهد  كالفاء  في الشق
~~الأول فإن ظاهرها التعقيب بلا مهلة، وحكم الشيء يعقبه بلا فصل، وهذا هو
~~الذي حمل عليه الشافعية الآية، ولعله أليق بالنظم حيث قد انجر ذكر
~~اليمين إلى ذكر الإيلاء الذي هو طلاق، ثم انجر ذلك إلى ذكر حكم المطلقات
~~من العدة والرجعة، ثم انجر ذلك إلى ذكر أحكام الطلاق المعقب للرجعة، ثم
~~انجر ذلك إلى بيان الخلع والطلاق الثلاثة  وأوفق بسبب النزول  فقد
~~أخرج مالك، والشافعي، والترمذي رضي الله تعالى عنهما وغيرهم عن عروة قال:
~~كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له وإن
~~طلقها/ ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأته فطلقها حتى إذا ما شارفت انقضاء
~~عدتها ارتجعها ثم طلقها؛ ثم قال: والله لا آويك إلي ولا تخلين أبدا،
~~فأنزل الله تعالى الآية، والذي دعاهم إلى ذلك قولهم ((إن جمع الطلقات
~~الثلاث غير محرم وأنه لا سنة في التغريق كما في «تحفتهم»، واستدلوا عليه
~~بأن  عويمرا العجلاني  لما لاعن امرأته طلقها ثلاثا قبل أن يخبره صلى
~~الله عليه وسلم بحرمتها عليه  رواه الشيخان  فلو حرم لنهاه عنه لأنه
~~أوقعه معتقدا بقاء الزوجية، ومع اعتقادها يحرم الجمع عند المخالف، ومع
~~الحرمة يجب الإنكار على العالم وتعليم الجاهل، ولم يوجدا فدل على أنه لا
~~حرمة وبأنه ms00898 قد فعله جمع من الصحابة وأفتى به آخرون)).

# وقال ساداتنا الحنفية: إن الجمع بين التطليقتين والثلاث بدعة، وإنما
~~السنة التفريق لما روي في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم قال له:

# " إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالا فتطلقها لكل قرء تطليقة "

# فإنه لم يرد صلى الله عليه وسلم من السنة أنه يستعقب الثواب لكونه أمرا
~~مباحا في نفسه لا مندوبا بل كونه من الطريقة المسلوكة في الدين  أعني
~~ما لا يستوجب عقابا  وقد حصره عليه الصلاة والسلام على التفريق فعلم أن
~~ما عداه من الجمع والطلاق في الحيض بدعة  أي موجب لاستحقاق العقاب 
~~وبهذا يندفع ما قيل: إن الحديث إنما يدل على أن جمع الطلقتين أو الطلقات
~~في طهر واحد ليس سنة، وأما إنه بدعة فلا لثبوت الواسطة عند المخالف،
~~ووجه الدفع ظاهر كما لا يخفى وفي «الهداية» ((وقال الشافعي: كل الطلاق
~~مباح لأنه تصرف مشروع حتى يستفاد به الحكم [و] المشروعية لا تجامع الحظر
~~بخلاف الطلاق في [حالة] الحيض لأن المحرم تطويل العدة عليها لا الطلاق
~~ولنا أن الأصل في الطلاق هو الحظر لما فيه من قطع النكاح الذي تعلقت به
~~المصالح الدينية والدنيوية والإباحة للحاجة إلى الخلاص، ولا حاجة إلى
~~الجمع بين الثلاث، وهي في المفرق على  الأطهار  ثابتة نظرا إلى
~~دليلها، والحاجة في نفسها باقية فأمكن تصوير الدليل عليها، والمشروعية في
~~ذاته من حيث إنه إزالة الرق لا تنافي الحظر لمعنى في غيره  وهو ما
~~ذكرناه))  انتهى.

# ومنه يعلم أن المخالف معمم  لا مقسم  وإذا قلنا إنه مقسم بناءا على
~~ما فيه كتب بعض مذهبه فغاية ما أثبت أن الجمع خلاف الأولى من التفريق على
~~الأقراء أو الأشهر، وقد علمت أن تقسيم أبي القاسم صلى الله عليه وسلم
~~غير تقسيمه.

# وأجيب عما في خبر عويمر بأنها واقعة حال  فلعلها من المستثنيات  لما
~~أن مقام اللعان ضيق فيغتفر فيه مثل ذلك ويعذر فيه الغيور؛ وإعمال
~~الدليلين أولى من إهمال أحدهما ms00899 وحملوا الآية على أن المراد التطليق
~~الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق لما أن وظيفة الشارع بيان الأمور
~~الشرعية واللام ليست نصا في العهد بل الظاهر منها الجنس وأيضا تقييد
~~الطلاق بالرجعي يدع ذكر الرجعة بقوله سبحانه: { فإمساك بمعروف
~~} تكرارا إلا أن يقال المطلوب ههنا الحكم المردد بين الإمساك والتسريح،
~~وأيضا لا يعلم على ذلك الوجه حكم الطلاق الواحد إلا بدلالة النص، وهذا
~~الوجه مع كونه أبعد عن توهم التكرار ودلالته على حكم الطلاق الواحد
~~بالعبارة يفيد حكما زائدا وهو التفريق، ودلالة الآية حينئذ على ما
~~ذهبوا إليه ظاهرة إذا كان معنى مرتين مجرد التكرير دون التثنية على حد

# ثم ارجع البصر كرتين

# [الملك: 4] أي كرة بعد كرة لا كرتين ثنتين إلا أنه يلزم عله إخراج
~~التثنية عن معناها الظاهر، وكذا إخراج  الفاء  أيضا وجعل ما بعدها
~~حكما مبتدأ وتخييرا مطلقا عقيب تعليمهم كيفية التطليق وليس مرتبا على
~~الأول ضرورة أن التفريق المطلق لا يترتب عليه أحد الأمرين لأنه إذا كان
~~بالثلاث لا يجوز بعده الإمساك ولا التسريح وتحمل  الفاء  حينئذ على
~~التركيب الذكري  أي إذا علمتم كيفية الطلاق فاعلموا أن حكمه الإمساك أو
~~التسريح / فالإمساك في الرجعي والتسريح في غيره، وإذا كان معنى  مرتين
~~ التفريق مع التثنية كما قال به المحققون  بناءا على أنه حقيقة في
~~الثاني ظاهر في الأول إذ لا يقال لمن دفع إلى آخر درهمين مرة واحدة أنه
~~أعطاه مرتين حتى يفرق بينهما وكذا لمن طلق زوجته ثنتين دفعة أنه طلق
~~مرتين  اندفع حديث ارتكاب خلاف الظاهر في التثنية كما هو ظاهر، وفيما
~~بعدها أيضا لصحة الترتب ويكون عدم جواز الجمع بين التطليقتين مستفادا
~~من { مرتان } الدالة على التفريق والتثنية.

# وعدم الجمع بين الثالثة مستفادا من قوله سبحانه: { أو تسريح }
~~حيث رتب على ما قبله بالفاء قيل: إنه مستفاد من دلالة النص.

# هذا، ثم من أوجب التفريق ذهب إلى أنه لو طلق غير مفرق وقع طلاقه وكان
~~عاصيا، وخالف في ذلك الإمامية وبعض من أهل السنة ms00900  كالشيخ أحمد بن تيمية
~~ومن اتبعه  قالوا: لو طلق ثلاثا بلفظ واحد لا يقع إلا واحدة احتجاجا
~~بهذه الآية وقياسا على شهادات اللعان ورمي الجمرات فإنه لو أتى بالأربع
~~بلفظ واحد لا تعد له أربعا بالإجماع وكذا لو رمى بسبع حصيات دفعة واحدة
~~لم يجزه إجماعا، ومثل ذلك ما لو حلف ليصلين على النبي صلى الله عليه
~~وسلم ألف مرة فقال صلى الله تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم ألف مرة
~~فإنه لا يكون بارا ما لم يأت بآحاد الألف، وتمسكا بما أخرجه مسلم وأبو
~~داود والنسائي والحاكم والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
~~كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر،
~~وسنيتين من خلافة عمر واحدة فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت
~~لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه.

# وذهب بعضهم إلى أن مثل ذلك ما لو طلق في مجلس واحد ثلاث مرات فإنه لا
~~يقع إلا واحدة أيضا لما أخرج البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~قال:

# " طلق ركانة امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا فسأله
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثا قال: في
~~مجلس واحد؟ قال: نعم قال: فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت فراجعها "

# والذي عليه أهل الحق اليوم خلاف ذلك كله.

# والجواب عن الاحتجاج بالآية أنها كما علمت ليست نصا في المقصود، وأما
~~الحديث فقد أجاب عنه جماعة قال السبكي: وأحسن الأجوبة أنه فيمن يعرف
~~اللفظ فكانوا أولا يصدقون في إرادة التأكيد لديانتهم فلما كثرت الأخلاط
~~فيهم اقتضت المصلحة عدم تصديقهم وإيقاع الثلاث، واعترضه العلامة ابن حجر
~~قائلا: إنه عجيب فإن صريح مذهبنا تصديق مريد التأكيد بشرطه وإن بلغ في
~~الفسق ما بلغ، ثم نقل عن بعض المحققين أن أحسنها أنهم كانوا يعتادونه
~~طلقة ثم في زمن عمر رضي الله تعالى عنه استعجلوا وصاروا يوقعونه ثلاثا
~~فعاملهم بقضيته وأوقع الثلاث عليهم، فهو إخبار ms00901 عن اختلاف عادة الناس لا
~~عن تغيير حكم في مسألة، واعترض عليه بعدم مطابقته للظاهر المتبادر من
~~كلام عمر لا سيما مع قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الثلاث الخ، فهو
~~تأويل بعيد لا جواب حسن فضلا عن كونه أحسن، ثم قال: والأحسن عندي أن
~~يجاب بأن عمر رضي الله تعالى عنه لما استشار الناس علم فيه ناسخا لما
~~وقع قبل فعمل بقضيته وذلك الناسخ إما خبر بلغه أو إجماع وهو لا يكون إلا
~~عن نص، ومن ثم أطبق علماء الأمة عليه، وأخبار ابن عباس لبيان أن الناسخ
~~إنما عرف بعد مضي مدة من وفاته صلى الله عليه وسلم انتهى.

# وأنا أقول الطلاق الثلاث في كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يحتمل
~~أن يكون بلفظ واحد، وحينئذ يكون الاستدلال به على المدعي ظاهرا، ويؤيد
~~هذا الاحتمال ظاهرا ما أخرجه أبو داود عنه إذا قال الرجل لامرأته أنت
~~طالق ثلاثا بفم واحدة فهي واحدة وحينئذ يجاب بالنسخ، ويحتمل أن يكون
~~بألفاظ ثلاثة في مجلس واحد مثل أنت طالق أنت طالق أنت طالق، ويحمل ما
~~أخرجه أبو داود على هذا بأن/ يكون ثلاثا متعلقا  بقال  لا صفة لمصدر
~~محذوف أي طلاقا ثلاثا ولا تمييز للإبهام الذي في الجملة قبله؛ وبفم
~~واحدة معناه متتابعا وحينئذ يوافق الخبر بظاهره أهل القول الأخير، ويجاب
~~عنه بأن هذا في الطلاق قبل الدخول فإنه كذلك لا يقع إلا واحدة كما ذهب
~~إليه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه لأن البينونة وقعت بالتطليقة
~~الأولى فصادفتها الثانية وهي مبانة، ويدل على ذلك ما أخرجه أبو داود،
~~والبيهقي عن طاوس أن رجلا يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن
~~عباس قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها
~~جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وصدرا
~~من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن
~~يدخل بها جعلوها واحدة ms00902 على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر،
~~وصدرا من إمارة عمر فلما رأى الناس قد تتايعوا فيها قال: أجيزوهن عليهم،
~~وهذه مسألة اجتهادية كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرو
~~في الصحيح أنها رفعت إليه فقال فيها شيئا، ولعلها كانت تقع في المواضع
~~النائية في آخر أمره صلى الله عليه وسلم فيجتهد فيها من أوتي علما
~~فيجعلها واحدة؛ وليس في كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تصريح بأن
~~الجاعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل في قوله جعلوها واحدة إشارة إلى
~~ما قلنا، وعمر رضي الله تعالى عنه بعد مضي أيام من خلافته ظهر له
~~بالاجتهاد أن الأولى القول بوقوع الثلاث لكنه خلاف مذهبنا، وهو مذهب كثير
~~من الصحابة حتى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقد أخرج مالك، والشافعي،
~~وأبو داود، والبيهقي عن معاوية بن أبي عياش أنه كان جالسا مع عبد الله
~~بن الزبير، وعاصم بن عمر فجاءهما محمد بن أبي إياس بن البكير فقال إن
~~رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها فماذا تريان؟
~~فقال ابن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول اذهب إلى ابن عباس، وأبي
~~هريرة فإني تركتهما عند عائشة فاسألهما فذهب فسألهما فقال ابن عباس لأبي
~~هريرة أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة فقال أبو هريرة رضي الله تعالى
~~عنه: الواحدة تبينها والثلاثة تحرمها حتى تنكح زوجا غيره، وقال ابن عباس
~~مثل ذلك، وإن حملت الثلاث في هذا الخبر على ما كان بلفظ واحد لئلا يخالف
~~مذهب الإمام فإن عنده إذا طلق الرجل امرأته الغير المدخول بها ثلاثا
~~بلفظ واحد وقعن عليها لأن الواقع مصدر محذوف لأن معناه طلاقا بائنا،
~~فلم يكن أنت طالق إيقاعا على حدة فيقعن جملة، كان هذا الخبر معارضا لما
~~رواه مسلم مؤيدا للنسخ كالخبر الذي أخرجه الطبراني والبيهقي عن سويد بن
~~غفلة قال: «كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي رضي الله تعالى ms00903 عنهما
~~فقال لها: قتل علي كرم الله وجهه قالت: لتهنك الخلافة قال: يقتل علي
~~وتظهرين الشماتة اذهبي فأنت طالق ثلاثا قال: فتلفعت بثيابها وقعدت حتى
~~قضت عدتها فبعث إليها ببقية بقيت لها من صداقها وعشرة آلاف صدقة فلما
~~جاءها الرسول قالت: متاع قليل من حبيب مفارق فلما بلغه قولها بكى ثم قال:
~~لولا أني سمعت جدي  أو حدثني  أبي أنه سمع جدي يقول أيما رجل طلق
~~امرأته ثلاثا عند الأقراء أو ثلاثا مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجا
~~غيره لراجعتها»، وما أخرجه ابن ماجه عن الشعبي قال: «قلت لفاطمة بنت قيس
~~حديثيني عن طلاقك قالت: طلقني زوجي ثلاثا وهو خارج إلى اليمن فأجاز ذلك
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وأما حديث ركانة فقد روي على أنحاء،
~~والذي صح ما أخرجه الشافعي، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم،
~~والبيهقي

# " أن ركانة طلق امرأته ألبتة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك
~~وقال: والله ما أردت/ إلا واحدة فقال صلى الله عليه وسلم: والله ما أردت
~~إلا واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة قال: هو ما أردت فردها
~~عليه "

# وهذا لا يصلح دليلا لتلك الدعوى لأن الطلاق فيه كناية ونية العدد فيها
~~معتبرة، وقد يستدل به على صحة وقوع الثلاث بلفظ واحد لأنه دل على أنه لو
~~أراد ما زاد على الواحدة وقع وإلا لم يكن للاستحلاف فائدة والقياس على
~~شهادات اللعان ورمي الجمرات قياس في غير محله، ألا ترى أنه لا يمكن
~~الاكتفاء ببعض ذلك بوجه ويمكن الاكتفاء ببعض وحدات الثلاث في الطلاق
~~وتحصل به البينونة بانقضاء العدة ويتم الغرض إجماعا، ولعظم أمر اللعان
~~لم يكتف فيه إلا بالاتيان بالشهادات واحدة واحدة مؤكدات بالأيمان مقرونة،
~~خامستها باللعن في جانب الرجل لو كان كاذبا وفي جانبها بالغضب لو كان
~~صادقا فلعل الرجوع أو الإقرار يقع في البين فيحصل الستر أو يقام الحد
~~ويكفر الذنب، وأيضا الشهادات الأربع من الرجل منزلة منزلة الشهود
~~الأربعة المطلوبة في رمي المحصنات مع ms00904 زيادة كما يشير إليه قوله تعالى:

# والذين يرمون المحصنت ثم لم يأتوا
~~بأربعة شهداء فاجلدوهم

# [النور: 4] مع قوله سبحانه بعده:

# والذين يرمون أزوجهم ولم يكن لهم شهداء
~~إلا أنفسهم فشهدة أحدهم أربع شهدات

# [النور: 6] الخ فكما أن  شهادة الشهود  متعددة لا يكفي فيها اللفظ
~~الواحد كذلك المنزل منزلتها، ورمي الجمرات وتسبيعها أمر تعبدي وسره خفي
~~فيحتاط له ويتبع المأثور فيه حذو القذة بالقذة، وباب الطلاق ليس كهذين
~~البابين على أن من الاحتياط فيه أن نوقعه ثلاثا بلفظ واحد ومجلس واحد،
~~ولا نلغي فيه لفظ الثلاث التي لم يقصد بها إلا إيقاعه على أتم وجه
~~وأكمله، وما ذكر في مسألة الحلف على أن لا يصلين ألف مرة من أنه لا يبر
~~ما لم يأت بآحاد الألف فأمر اقتضاه القصد والعرف، وذلك وراء ما نحن فيه
~~كما لا يخفى، ولهذا ورد عن أهل البيت ما يؤيد مذهب أهل السنة فقد أخرج
~~البيهقي عن بسام الصيرفي قال: «سمعت جعفر بن محمد يقول من طلق امرأته
~~ثلاثا بجهالة أو علم فقد برئت»، وعن مسلمة بن جعفر الأحمس قال: «قلت
~~لجعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما يزعمون أن من طلق ثلاثا بجهالة رد
~~إلى السنة يجعلونه واحدة يروونها عنكم؟ قال: معاذ الله ما هذا من قولنا
~~من طلق ثلاثا فهو كما قال»، وقد سمعت ما رويناه عن الحسن؛ وما أخذ به
~~الإمامية يروونه عن علي كرم الله تعالى وجهه مما لا ثبت له والأمر على
~~خلافه، وقد افتراه على علي كرم الله تعالى وجهه شيخ بالكوفة وقد أقر
~~بالافتراء لدى الأعمش رحمه الله تعالى فليحفظ ما تلوناه فإني لا أظنك
~~تجده مسطورا في كتاب.

# { ولا يحل لكم أن تأخذوا } في مقابلة الطلاق { مما
~~ءاتيتموهن } أي من الصدقات فإن ذلك مناف للإحسان ومثلها في الحكم
~~سائر أموالهن إلا أن التخصيص إما لرعاية العادة أو للتنبيه على أن عدم حل
~~الأخذ مما عدا ذلك من باب الأولى، والجار والمجرور يحتمل أن يكون متعلقا
~~بما عنده أو ms00905 حال من { شيئا } لأنه لو أخر عنه كان صفة له، والتنوين
~~للتحقير، والخطاب مع الحكام، وإسناد الأخذ والإيتاء إليهم لأنهم الآمرون
~~بهما عند الترافع، وقيل: إنه خطاب للأزواج، ويرد عليه أن فيه تشويشا
~~للنظم الكريم لأن قوله تعالى: { إلا أن يخافا } أي الزوجان كلاهما
~~أو أحدهما { ألا يقيما حدود الله } بترك إقامة مواجب الزوجية
~~غير منتظم معه لأن المعبر عنه في الخطاب الأزواج فقط، وفي الغيبة الأزواج
~~والزواجات ولا يمكن حمله على الالتفات إذ من شرطه أن يكون المعبر عنه في
~~الطريقين واحدا، وأين هذا الشرط نعم لهذا القيل وجه صحة لكنها لا تسمن
~~ولا تغني، وهو أن الاستثناء لما كان بعد مضي جملة الخطاب من أعم الأحوال
~~أو الأوقات/ أو المفعول له على أن يكون المعنى بسبب من الأسباب إلا بسبب
~~الخوف جاز تغيير الكلام من الخطاب إلى الغيبة لنكتة وهي أن لا يخاطب مؤمن
~~بالخوف من عدم إقامة حدود الله، وقرىء { تخافا } و { تقيما } بتاء
~~الخطاب وعليها يهون الأمر فإن في ذلك حينئذ تغليب المخاطبين على الزوجات
~~الغائبات، والتعبير بالتثنية باعتبار الفريقين، وقرأ حمزة ويعقوب { أن
~~يخافا } على البناء للمفعول وإبدال { ءان } بصلته من  ألف الضمير 
~~بدل اشتمال كقولك: خيف زيد تركه حدود الله ويعضده قراءة عبد الله { إلا
~~أن تخافوا } وقال ابن عطية: عدي (خاف) إلى مفعولين أحدهما أسند
~~إليه الفعل، والآخر: بتقدير حرف جر محذوف فموضع { إن } جر بالجار
~~المقدر، أو نصب على اختلاف الرأيين ورده في «البحر» بأنه لم يذكره
~~النحويون حين عدوا ما يتعدى إلى اثنين، وأصل أحدهما: بحرف الجر، وفي
~~قراءة أبي (إلا أن يظنا) وهو يؤيد تفسير  الظن بالخوف .

# { فإن خفتم } خطاب للحكام لا غير لئلا يلزم تغيير الأسلوب قبل
~~مضي الجملة { ألا يقيما حدود الله } التي حدها لهم. { فلا
~~جناح عليهما } أي الزوجين، وهذا قائم مقام الجواب أي فمروهما
~~فإنه لا جناح { فيما افتدت به } نفسها واختلعت لا على الزوج في
~~أخذه ولا عليها في إعطائه إياه، أخرج ابن جرير عن ms00906 عكرمة أنه سئل هل كان
~~للخلع أصل؟ قال: كان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: إن أول خلع
~~كان في الإسلام في

# " أخت عبد الله بن أبي امرأة ثابت بن قيس: «أنها أتت رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدا إني
~~رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة
~~وأقبحهم وجها قال زوجها: يا رسول الله إني أعطيتها أفضل مالي حديقة لي
~~فإن ردت علي حديقتي قال: ما تقولين؟ قالت: نعم وإن شاء زدته قال: ففرق
~~بينهما "

# وفي رواية البخاري:  أن المرأة اسمها جميلة وأنها بنت عبد الله المنافق
~~ وهو الذي رجحه الحفاظ وكون اسمها زينب جاء من طريق الدارقطني قال
~~الحافظ ابن حجر: فلعل لها اسمين أو أحدهما لقب وإلا فجميلة أصح، وقد وقع
~~في حديث آخر أخرجه مالك، والشافعي، وأبو داود أن اسم امرأة ثابت حبيبة
~~بنت سهل، قال الحافظ: والذي يظهر أنهما قضيتان وقعتا له في امرأتين لشهرة
~~الحديثين وصحة الطريقين واختلاف السياقين.

# { تلك حدود الله } إشارة إلى ما حد من الأحكام من قوله سبحانه:
~~{ الطلق مرتان } إلى هنا فالجملة فذلكة لذلك أوردت لترتيب
~~النهي عليها { فلا تعتدوها } بالمخالفة والرفض { ومن يتعد
~~حدود الله فأولئك هم الظلمون }.تذييل للمبالغة في
~~التهديد والواو للاعتراض وفي إيقاع الظاهر موقع المضمر ما لا يخفى من
~~إدخال الروعة وتربية المهابة، وظاهر الآية يدل على أن الخلع لا يجوز من
~~غير كراهة وشقاق لأن نفي الحل الذي هو حكم العقد في جميع الأحوال إلا حال
~~الشقاق يدل على فساد العقد وعدم جوازه ظاهرا إلا أن يدل الدليل على خلاف
~~الظاهر، وعلى أنه لا يجوز أن يكون بجميع ما ساق الزوج إليها فضلا عن
~~الزائد لأن  من  في { مما ءاتيتموهن } تبعيضية فيكون مفاد
~~الاستثناء حل أخذ شيء مما آتيتموهن حين الخوف، وأما كلمة (ما) في قوله
~~سبحانه: { فيما افتدت } فليست ظاهرة في العموم حتى ينافي ظهور
~~الآية في ms00907 الحكم المذكور بل فاء التفسير في { فإن خفتم } يدل
~~ظاهرا على أنه بيان للحكم المفهوم بطريق المخالفة عن الاستثناء، وفائدته
~~التنصيص على الحكم ونفي الجناح في هذا العقد فإن ثبوت الحل المستفاد من
~~الاستثناء قد يجامع الجناح بأن يكون مع الكراهة، نعم تحتمل العموم فلا
~~تكون نصا في عدم جواز/ الخلع بجميع ما يساق، ولهذا قال عمر رضي الله
~~تعالى عنه: اخلعها ولو بقرطها، ويؤيد الأول: ما أخرجه أحمد وأبو داود
~~والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن ثوبان قال: «قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة
~~"

# وقال:

# " المختلعات هي المنافقات "

# ويؤيد الثاني: ما روي من بعض الطرق

# " أنه صلى الله عليه وسلم قال لجميلة: أتردين عليه حديقته؟ فقالت:
~~أردها وأزيد عليها فقال صلى الله عليه وسلم: أما الزائد فلا "

# وهذا وإن دل على نفي الزيادة دون جميع المهر إلا أنه يستفاد منه أن فيما
~~افتدت به ليس على عمومه فيكون المراد به ما يستفاد من الاستثناء وهو
~~البعض، وأكثر الفقهاء على أن الخلع بلا شقاق وبجميع ما ساق مكروه لكنه
~~نافذ لأن أركان العقد من الإيجاب والقبول وأهلية العاقدين مع التراضي
~~متحقق والنهي لأمر مقارن كالبيع وقت النداء وهو لا ينافي الجواز، وعلى
~~أنه يصح بلفظ المفاداة لأنه تعالى سمى الاختلاع افتداءا، واختلف في أنه
~~إذا جرى بغير لفظ الطلاق فسخ أو طلاق

# ومن جعله فسخا احتج بقوله تعالى: { فإن طلقها... }.

### || [2.230]

# { فإن طلقها } فإن تعقيبه للخلع بعد ذكر الطلقتين يقتضي أن يكون
~~طلقة رابعة لو كان الخلع طلاقا، والأظهر أنه طلاق وإليه ذهب أصحابنا وهو
~~قول للشافعية لأنه فرقة باختيار الزوج فهو كالطلاق بالعوض فحينئذ يكون {
~~فإن طلقها } متعلقا بقوله سبحانه

# الطلق مرتان

# [البقرة: 229] تفسيرا لقوله تعالى: { أو تسريح بإحسن } لا
~~متعلقا بآية الخلع ليلزم المحذور، ويكون ذكر الخلع اعتراضا لبيان أن
~~الطلاق يقع مجانا تارة وبعوض أخرى، والمعنى فإن طلقها بعد الثنتين أو
~~بعد الطلاق الموصوف ms00908 بما تقدم. { فلا تحل له من بعد } أي من
~~بعد ذلك التطليق { حتى تنكح زوجا غيره } أي تتزوج زوجا
~~غيره، ويجامعها فلا يكفي مجرد العقد كما ذهب إليه ابن المسيب وخطؤه لأن
~~العقد فهم من (زوجا)، والجماع من (تنكح)، وبتقدير عدم الفهم، وحمل
~~النكاح على العقد تكون الآية مطلقة إلا أن السنة قيدتها فقد أخرج الشافعي
~~وأحمد والبخاري ومسلم وجماعة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:

# " جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني
~~كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجني عبد الرحمن بن الزبير وما معه
~~إلا مثل هدبة الثوب فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتريدين أن
~~ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك "

# وعن عكرمة أن هذه الآية نزلت في هذه المرأة واسمها عائشة بنت عبد الرحمن
~~بن عتيك وكان نزل فيها { فإن طلقها فلا تحل له من بعد
~~حتى تنكح زوجا غيره } فيجامعها فإن طلقها بعدما جامعها
~~فلا جناح عليهما أن يتراجعا، وفي ذلك دلالة على أن الناكح الثاني لا بد
~~أن يكون زوجا فلو كانت أمة وطلقت البتة ثم وطئها سيدها لا تحل للأول.
~~وعلى أنه لو اشتراها الزوج من سيدها أو وهبها سيدها له بعد أن بت طلاقها
~~لم يحل له وطؤها في الصورتين بملك اليمين حتى تنكح زوجا غيره وعلى أن
~~الولي ليس شرطا في النكاح لأنه أضاف العقد إليها، والحكمة في هذا الحكم
~~ردع الزوج عن التسرع إلى الطلاق لأنه إذا علم أنه إذا بت الطلاق لا تحل
~~له حتى يجامعها رجل آخر. ولعله عدوه ارتدع عن أن يطلقها البتة لأنه وإن
~~كان جائزا شرعا لكن تنفر عنه الطباع وتأباه غيرة الرجال.

# والنكاح بشرط التحليل فاسد عند مالك وأحمد والثوري والظاهرية وكثيرين،
~~واستدلوا على ذلك بما أخرجه ابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي عن عقبة بن
~~عامر قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بالتيس المستعار؟
~~قالوا: بلى يا رسول الله ms00909 قال: هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له "

# وأخرج عبد الرزاق عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: «لا أوتي بمحلل ولا
~~محلل له إلا رجمتهما»، والبيهقي عن سليمان بن يسار «أن عثمان/ رضي الله
~~تعالى عنه رفع إليه رجل تزوج امرأة ليحللها لزوجها ففرق بينهما، وقال: لا
~~ترجع إليه إلا بنكاح رغبة غير دلسة»، وعندنا هو مكروه والحديث لا يدل على
~~عدم صحة النكاح لما أن المنع عن العقد لا يدل على فساده، وفي تسمية ذلك
~~محللا ما يقتضي الصحة لأنها سبب الحل، وحمل بعضهم الحديث على من اتخذه
~~تكسبا أو على ما إذا شرط التحليل في صلب العقد لا على من أضمر ذلك في
~~نفسه فإنه ليس بتلك المرتبة بل قيل: إن فاعل ذلك مأجور.

# { فإن طلقها } الزوج الثاني { فلا جناح عليهما } أي
~~على الزوج الأول والمرأة { أن يتراجعا } أن يرجع كل منهما إلى
~~صاحبه بالزواج بعد مضي العدة { إن ظنا أن يقيما حدود الله
~~} إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية التي حدها الله تعالى
~~وشرعها وتفسير الظن بالعلم ههنا قيل: غير صحيح لفظا ومعنى، أما معنى
~~فلأنه لا يعلم ما في المستقبل يقينا في الأكثر، وأما لفظا فلأن (أن)
~~المصدرية للتوقع وهو ينافي العلم، ورد بأن المستقبل قد يعلم ويتيقن في
~~بعض الأمور وهو يكفي للصحة، وبأن سيبويه أجاز  وهو شيخ العربية  ما
~~علمت إلا أن يقوم زيد والمخالف له فيه أبو علي الفارسي، ولا يخفى أن
~~الاعتراض الأول فيما نحن فيه مما لا يجدي نفعا لأن المستقبل وإن كان قد
~~يعلم في بعض الأمور إلا أن ما هنا ليس كذلك وليس المراجعة مربوطة بالعلم
~~بل الظن يكفي فيها.

# { وتلك } إشارة إلى الأحكام المذكورة إلى هنا { حدود الله }
~~أي أحكامه المعينة المحمية من التعرض لها بالتغيير والمخالفة {
~~يبينها } بهذا البيان اللائق، أو سيبينها بناءا على أن بعضها يلحقه
~~زيادة كشف في الكتاب والسنة، والجملة خبر على رأي من يجوزه في مثل ذلك،
~~أو حال من ms00910 { حدود الله } والعالم معنى الإشارة، وقرىء { نبينها }
~~بالنون على الالتفات { لقوم يعلمون } أي يفهمون ويعملون بمقتضى
~~العلم فهو للتحريض على العمل  كما قيل  أو لأنهم المنتفعون بالبيان، أو
~~لأن ما سيلحق بعض الحدود منه لا يعقله إلا الراسخون، أو ليخرج غير
~~المكلفين.

### || [2.231]

# { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن } أي آخر عدتهن
~~فهو مجاز من قبيل استعمال الكل في الجزء إن قلنا: إن الأجل حقيقة في جميع
~~المدة  كما يفهمه كلام الصحاح  وهو الدائر في كلام الفقهاء، ونقل
~~الأزهري عن الليث يدل على أنه حقيقة في الجزء الأخير، وكلا الاستعمالين
~~ثابت في الكتاب الكريم، فإن كان من باب الاشتراك فذاك وإلا فالتجوز من
~~الكل إلى الجزء الأخير أقوى من العكس  والبلوغ  في الأصل الوصول وقد
~~يقال للدنو منه  وهو المراد في الآية  وهو إما من مجاز المشارفة أو
~~الاستعارة تشبيها للمتقارب الوقوع بالواقع ليصح أن يرتب عليه:

# { فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف } إذ لا
~~إمساك بعد انقضاء الأجل لأنها حينئذ غير زوجة له ولا في عدته فلا سبيل
~~له عليها  والإمساك  مجاز عن المراجعة لأنها سببه  والتسريح  بمعنى
~~الإطلاق وهو مجاز عن الترك، والمعنى فراجعوهن من غير ضرار أو خلوهن حتى
~~تنقضي عدتهن من غير تطويل، وهذا إعادة للحكم في صورة بلوغهن أجلهن
~~اعتناءا لشأنه ومبالغة في إيجاب المحافظة عليه، ومن الناس من حمل 
~~الإمساك بالمعروف  على عقد النكاح وتجديده مع حسن المعاشرة  والتسريح
~~بالمعروف  على ترك العضل عن التزوج بآخر، وحينئذ لا حاجة إلى القول
~~بالمجاز في { بلغن } ولا يخفى بعده عن سبب النزول، فقد أخرج ابن جرير
~~وابن المنذر عن السدي أن رجلا من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق زوجته
~~حتى إذا انقضت/ عدتها إلا يومين أو ثلاثة راجعها ثم طلقها ففعل ذلك بها
~~حتى مضت لها تسعة أشهر يضارها فأنزل الله تعالى هذه الآية { ولا
~~تمسكوهن ضرارا } تأكيد للأمر  بالإمساك بالمعروف  وتوضيح
~~لمعناه وهو أدل منه على الدوام والثبات؛ وأصرح في الزجر عما كانوا
~~يتعاطونه، و (ضرارا) ms00911 نصب على العلية أو الحالية أي لا ترجعوهن للمضارة
~~أو مضارين، ومتعلق النهي القيد  واللام  في قوله تعالى: {
~~لتعتدوا } متعلق ب { ضرارا } أي لتظلموهن بالإلجاء إلى
~~الافتداء، واعترض بأن  الضرار  ظلم  والاعتداء  مثله فيؤول إلى: ولا
~~تمسكوهن ظلما لتظلموا وهو كما ترى، وأجيب بأن المراد  بالضرار  تطويل
~~المدة  وبالاعتداء  الإلجاء، فكأنه قيل: لا تمسكوهن بالتطويل
~~لتلجئوهن إلى الاختلاع والظلم قد يقصد ليؤدي إلى ظلم آخر، والمشهور أن
~~هذا الوجه متعين على الوجه الأول في { ضرارا } ولا يجوز عليه أن يكون
~~هذا علة لما كان هو له إذ المفعول له لا يتعدد إلا بالعطف، أو على البدل
~~ وهو غير ممكن لاختلاف الإعراب  ويجوز أن يكون كذلك على الوجه الثاني،
~~وجوز تعلقه بالفعل مطلقا إذا جعلت  اللام  للعاقبة، ولا ضرر في تعدي
~~الفعل إلى علة وعاقبة لاختلافهما وإن كانت  اللام  حقيقة فيهما على
~~رأي.

# { ومن يفعل ذلك } المذكور وما فيه من البعد للإيذان ببعد
~~منزلته في الشر والفساد { فقد ظلم نفسه } بتعريضها للعذاب، أو
~~بأن فوت على نفسه منافع الدين من الثواب الحاصل على حسن المعاشرة،
~~ومنافع الدنيا من عدم رغبة النساء به بعد لاشتهاره بهذا الفعل القبيح {
~~ولا تتخذوا ءايت الله } المنطوية على الأحكام المذكورة في
~~أمر النساء أو جميع آياته وهذه داخلة فيها { هزوا } مهزوءا بها بأن
~~تعرضوا عنها، وتتهاونوا في المحافظة عليها لقلة اكتراثكم بالنساء وعدم
~~مبالاتكم بهن، وهذا نهي أريد به الأمر بضده، أي جدوا في الأخذ بها
~~والعمل بما فيها وارعوها حق رعايتها. وأخرج ابن أبي عمرة وابن مردويه عن
~~أبي الدرداء قال: كان الرجل يطلق ثم يقول: لعبت ويعتق، ثم يقول: لعبت
~~فنزلت، وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم وصححه عن أبي
~~هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " ثلاث هزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة "

# وعن أبي الدرداء:

# " ثلاث اللاعب فيها كالجاد، النكاح والطلاق والعتاق "

# وعن عمر رضي الله تعالى عنه:

# " أربع مقفلات النذر والطلاق والعتق والنكاح "

# { واذكروا ms00912 نعمت الله عليكم } أي قابلوها بالشكر
~~والقيام بحقوقها  والنعمة  إما عامة فعطف { وما أنزل عليكم }
~~عليها من عطف الخاص على العام، وإما أن تخص بالإسلام ونبوة محمد صلى
~~الله عليه وسلم وخصا بالذكر ليناسب ما سبقه، وليدل على أن ما كانوا عليه
~~من الإمساك إضرارا من سنن الجاهلية المخالفة، كأنه لما قيل: جدوا في
~~العمل بالآيات على طريق الكناية أكد ذلك بأنه شكر النعمة فقوموا بحقه،
~~ويكون العطف تأكيدا على تأكيد لأن الإسلام ونبوة محمد صلى الله عليه
~~وسلم يشملان إنزال الكتاب والسنة  وهو قريب من عطف التفسير  ولا بأس أن
~~يسمى عطف التقرير، قيل: ولو عمم النعمة لم يحسن موقعه هذا الحسن، ولا
~~يخفى أنه في حيز المنع، والظرف الأول متعلق بمحذوف وقع حالا من نعمة أو
~~صفة لها على رأي من يجوز حذف الموصول مع بعض الصلة، ويجوز أن يتعلق
~~بنفسها إن أريد بها الإنعام لأنها اسم مصدر كنبات من أنبت ولا يقدح في
~~عمله  تاء التأنيث  لأنه مبني عليها كما في قوله:

# فلولا رجاء النصر منك وهيبة

# عقابك قد كانوا لنا كالموارد

# والظرف الثاني متعلق بما عنده وأتى به تنبيها للمأمورين وتشريفا لهم،
~~و { ما }  موصولة حذف عائدها من الصلة، و { من } في قوله تعالى: {
~~من الكتب والحكمة } بيانية، والمراد بهما القرآن الجامع
~~للعنوانين، أو القرآن والسنة، والإفراد بالذكر بعد الاندراج في المذكور
~~إظهارا للفضل وإيماءا إلى أن الشرف وصل إلى غاية لا يمكن معها
~~الاندراج، وذاك من قبيل:

# فإن تفق الأنام وأنت منهم

# فإن المسك بعض دم الغزال

# { يعظكم به } أي: بما أنزل حال من فاعل { أنزل } أو من
~~مفعوله، أو منهما معا، وجوز أن يكون { ما } مبتدأ وهذه الجملة خبره و
~~{ من الكتب } حال من العائد المحذوف، وقيل: الجملة معترضة
~~للترغيب والتعليل.

# { واتقوا الله } في أوامره والقيام بحقوقه { واعلموا أن
~~الله بكل شىء عليم } فلا يخفى عليه شيء مما تأتون وما تذرون
~~فليحذر من جزائه وعقابه، أو أنه عليم بكل شيء فلا يأمر إلا بما ms00913 فيه
~~الحكمة والمصلحة فلا تخالفوه، وفي هذا العطف ما يؤكد الأوامر والأحكام
~~السابقة، وليس هذا من التأكيد المقتضي للفصل، لأنه ليس إعادة لمفهوم
~~المؤكد ولا متحدا معه.

### || [2.232]

# { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن } أي انقضت
~~عدتهن كما يدل عليه السياق. { فلا تعضلوهن أن ينكحن
~~أزوجهن } أي لا تمنعوهن ذلك، وأصل العضل الحبس والتضييق، ومنه
~~عضلت الدجاجة بالتشديد إذا نشبت بيضتها ولم تخرج، والفعل مثلث العين،
~~واختلف في الخطاب فقيل  واختاره الإمام  أنه للأزواج المطلقين حيث
~~كانوا يعضلون مطلقاتهم بعد مضي العدة ولا يدعونهن يتزوجن ظلما وقسرا
~~لحمية الجاهلية، وقد يكون ذلك بأن يدس إلى من يخطبهن ما يخيفه أو ينسب
~~إليهن ما ينفر الرجل من الرغبة فيهن، وعليه يحمل الأزواج على من يردن أن
~~يتزوجنه، والعرب كثيرا ما تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه، وقيل واختاره
~~القاضي  إنه للأولياء فقد أخرج البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه
~~وأبو داود وخلق كثير من طرق شتى عن معقل بن يسار قال: «كانت لي أخت
~~فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة، ولم
~~يراجعها حتى انقضت العدة فهويها وهويته ثم خطبها مع الخطاب فقلت له: يا
~~لكع أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها ثم جئت تخطبها، والله لا ترجع إليك
~~أبدا وكان رجلا لا بأس به وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فعلم الله
~~تعالى حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل الله تعالى هذه الآية، قال:
~~ففي نزلت فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه» وفي لفظ «فلما سمعها معقل قال:
~~سمعا لربي وطاعة ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك» وعليه يحمل الأزواج على
~~الذين كانوا أزواجا وخطاب التطليق حينئذ إما أن يتوجه لما توجه له هذا
~~الخطاب ويكون نسبة التطليق للأولياء باعتبار التسبب كما ينبىء عنه التصدي
~~للعضل، وإما أن يبقى على ظاهره للأزواج المطلقين ويتحمل تشتيت الضمائر
~~اتكالا على ظهور المعنى، وقيل:  واختاره الزمخشري  إنه لجميع الناس
~~فيتناول عضل الأزواج والأولياء جميعا، ويسلم من انتشار ضميري الخطاب
~~والتفريق بين الإسنادين مع ms00914 المطابقة لسبب النزول، وفيه تهويل أمر العضل
~~بأن من حق الأولياء أن لا يحوموا حوله وحق الناس كافة أن ينصروا المظلوم،
~~وجعل بعضهم الخطابات السابقة/ كذلك، وذكر أن المباشرة لتوقفها على الشروط
~~العقلية والشرعية توزعت بحسبها كما إذا قيل لجماعة معدودة أو غير محصورة:
~~أدوا الزكاة وزوجوا الأكفاء وامنعوا الظلمة كان الكل مخاطبين والتوزع على
~~ما مر.

# هذا وليس في الآية على أي وجه حملت دليل على أنه ليس للمرأة أن تزوج
~~نفسها كما وهم ونهي الأولياء عن العضل ليس لتوقف صحة النكاح على رضاهم بل
~~لدفع الضرر عنهن لأنهن وإن قدرن على تزويج أنفسهن شرعا لكنهن يحترزن عن
~~ذلك مخافة اللوم والقطيعة أو مخافة البطش بهن، وفي إسناد النكاح إليهن
~~إيماء إلى عدم التوقف وإلا لزم المجاز وهو خلاف الظاهر، وجوز في أن
~~(ينكحن) وجهان: الأول: أنه بدل اشتمال من الضمير المنصوب قبله.

# والثاني: أن يكون على إسقاط الخافض والمحل إما نصب أو جر على اختلاف
~~الرأيين.

# { إذا ترضوا } ظرف  للا تعضلوا  والتذكير باعتبار التغليب
~~والتقييد به لأنه المعتاد لا لتجويز المنع قبل تمام التراضي، وقيل ظرف
~~لأن ينكحن. وقوله تعالى: { بينهم } ظرف للتراضي مفيد لرسوخه
~~واستحكامه { بالمعروف } أي بما لا يكون مستنكرا شرعا ومروءة،
~~والباء إما متعلقة بمحذوف وقع حالا من فاعل { ترضوا } أو نعتا
~~لمصدر محذوف أي تراضيا كائنا بالمعروف وإما بتراضوا أو بينكحن؛ وفي
~~التقييد بذلك إشعار بأن المنع من التزوج بغير كفء أو بما دون مهر المثل
~~ليس من باب العضل.

# { ذلك } إشارة إلى ما فصل والخطاب للجمع على تأويل القبيل أو لكل
~~واحد واحد أو أن الكاف تدل على خطاب قطع فيه النظر عن المخاطب وحدة
~~وتذكيرا وغيرهما. والمقصود الدلالة على حضور المشار إليه عند من خوطب
~~للفرق بين الحاضر والمنقضي الغائب أو للرسول صلى الله عليه وسلم ليطابق
~~ما في سورة الطلاق، وفيه إيذان بأن المشار إليه أمر لا يكاد يتصوره كل
~~أحد بل لا بد لتصور ذلك من مؤيد من عند الله ms00915 تعالى. { يوعظ به من
~~كان منكم يؤمن بالله واليوم الاخر } خصه بالذكر
~~لأنه المسارع إلى الامتثال إجلالا لله تعالى وخوفا من عقابه، و {
~~منكم } إما متعلق  بكان  على رأي من يرى ذلك وإما بمحذوف وقع حالا
~~من فاعل { يؤمن }  { ذلكم } أي الاتعاظ به والعمل بمقتضاه {
~~أزكى لكم } أي أعظم بركة ونفعا { وأطهر } أي أكثر تطهيرا
~~من دنس الآثام، وحذف لكم اكتفاء بما في سابقه، وقيل: إن المراد أطهر لكم
~~ولهم لما يخشى على الزوجين من الريبة بسبب العلاقة بينهما { والله
~~يعلم } ما فيه من المصلحة { وأنتم لا تعلمون } ذلك فلا رأي
~~إلا الاتباع، ويحتمل تعميم المفعول في الموضعين ويدخل فيه المذكور دخولا
~~أوليا وفائدة الجملة الحث على الامتثال.

### || [2.233]

# { والولدت يرضعن أولدهن } أمر أخرج مخرج الخبر
~~مبالغة ومعناه الندب أو الوجوب إن خص بما إذا لم يرتضع الصبي إلا من أمه
~~أو لم يوجد له ظئر أو عجز الوالد عن الاستئجار والتعبير عنهن بالعنوان
~~المذكور لاستعطافهن نحو أولادهن والحكم عام للمطلقات وغيرهن كما يقتضيه
~~الظاهر، وخصه بعضهم بالوالدات المطلقات وهو المروي عن مجاهد وابن جبير
~~وزيد بن أسلم، واحتج عليه بأمرين: الأول: أن الله تعالى ذكر هذه الآية
~~عقيب آيات الطلاق فكانت من تتمتها وإنما أتمها بذلك لأنه إذا حصلت الفرقة
~~ربما يحصل التعادي والتباغض وهو يحمل المرأة غالبا على إيذاء الولد
~~نكاية بالمطلق وإيذاءا له وربما رغبت في التزوج بآخر وهو كثيرا ما
~~يستدعي إهمال أمر الطفل وعدم مراعاته فلا جرم أمرهن على أبلغ وجه برعاية
~~جانبه والاهتمام بشأنه، والثاني: أن إيجاب/ الرزق والكسوة فيما بعد
~~للمرضعات يقتضي التخصيص إذ لو كانت الزوجية باقية لوجب على الزوج ذلك
~~بسبب الزوجية لا الرضاع، وقال الواحدي: الأولى أن يخص بالوالدات حال بقاء
~~النكاح لأن المطلقة لا تستحق الكسوة وإنما تستحق الأجرة ولا يخفى أن
~~الحمل على العموم أولى ولا يفوت الغرض من التعقيب؛ وإيجاب الرزق والكسوة
~~للمرضعات لا يقتضي التخصيص لأنه باعتبار البعض على أنه على ما قيل: ليس
~~في الآية ms00916 ما يدل على أنه للرضاع ومن قال: إنه له جعل ذلك أجرة لهن إلا
~~أنه لم يعبر بها وعبر بمصرفها الغالب حثا على إعطائها نفسها لذلك أو
~~إعطاء ما تصرف لأجله فتدبر.

# { حولين } أي عامين والتركيب يدور على الانقلاب وهو منصوب على
~~الظرفية و { كاملين } صفته، ووصف بذلك تأكيدا لبيان أن التقدير
~~تحقيقي لا تقريبي مبني على على المساحة المعتادة { لمن أراد أن
~~يتم الرضاعة } بيان للمتوجه عليه الحكم، والجار في مثله خبر
~~لمحذوف أي ذلك لمن أراد إتمام الرضاعة وجوز أن يكون متعلقا  بيرضعن 
~~فإن الأب يجب عليه الإرضاع كالنفقة للأم والأم ترضع له وكون الرضاع
~~واجبا على الأب لا ينافي أمرهن لأنه للندب أو لأنه يجب عليهن أيضا في
~~الصور السابقة. واستدل بالآية على أن أقصى مدة الإرضاع حولان ولا يعتد
~~به بعدهما فلا يعطى حكمه وأنه يجوز أن ينقص عنهما، وقرىء { أن يتم }
~~بالرفع واختلف في توجيهه فقيل: حملت (أن) المصدرية على ما أختها في
~~الإهمال كما حملت أختها عليها في الإعمال في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " كما تكونوا يولى عليكم "

# على رأي، وقيل: أن يتموا بضمير الجمع باعتبار معنى من وسقطت الواو في
~~اللفظ لالتقاء الساكنين فتبعها الرسم.

# { وعلى المولود له }  أي الوالد فإن الولد يولد له وينسب إليه
~~ولم يعبر به مع أنه أخصر وأظهر للدلالة على علة الوجوب بما فيه من معنى
~~الانتساب المشيرة إليه اللام وتسمى هذه الإشارة إدماجا عند أهل البديع
~~وإشارة النص عندنا، وقيل: عبر بذلك لأن الوالد قد لا تلزمه النفقة وإنما
~~تلزم المولود له كما إذا كانت تحته أمة فأتت بولد فإن نفقته على مالك
~~الأم لأنه المولود له دون الوالد، وفيه بعد لأن المولود له لا يتناول
~~الوالد والسيد تناولا واحدا وحكم العبيد دخيل في البين { رزقهن
~~وكسوتهن } أي إيصال ذلك إليهن أي الوالدات أجرة لهن، واستئجار
~~الأم جائز عند الشافعي وعندنا لا يجوز ما دامت في النكاح أو العدة {
~~بالمعروف } أي بلا إسراف ولا تقتير أو ms00917 حسب ما يراه الحاكم ويفي به
~~وسعه.

# { لا تكلف نفس إلا وسعها } تعليل لإيجاب المؤن بالمعروف
~~أو تفسير للمعروف ولهذا فصل وهو نص على أنه تعالى لا يكلف العبد بما لا
~~يطيقه ولا ينفي الجواز والإمكان الذاتي فلا ينتهض حجة للمعتزلة، ونصب {
~~وسعها } على أنه مفعول ثان  لتكلف  وقرىء و (لا تكلف) بفتح  التاء
~~ و(لا نكلف)  بالنون .

# { لا تضار ولدة بولدها ولا مولود بولده }
~~تفصيل لما يفهم من سابقه وتقريب له إلى الفهم وهو الداعي للفصل، والمضارة
~~مفاعلة من الضرر، والمفاعلة إما مقصودة والمفعول محذوف أي تضار والدة
~~زوجها بسبب ولدها وهو أن تعنف به وتطلب ما ليس بعدل من الرزق والكسوة وأن
~~تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد وأن تقول بعد أن ألفها الصبي أطلب له
~~ظئرا مثلا ولا يضار مولود له امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئا مما
~~وجب عليه من رزقها وكسوتها، أو يأخذ الصبي منها وهي تريد إرضاعه أو
~~يكرهها على الإرضاع وإما غير مقصودة، والمعنى/ لا يضر واحد منهما الآخر
~~بسبب الولد، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب (لا تضار) بالرفع فتكون
~~الجملة بمنزلة بدل الاشتمال مما قبلها، وقرأ الحسن (تضار) بالكسر
~~وأصله تضار مكسور الراء مبنيا للفاعل وجوز فتحها مبنيا للمفعول، ويبين
~~ذلك أنه قرىء  (ولا تضارر)، (ولا تضارر)  بالجزم وفتح الراء الأولى
~~وكسرها، وعلى تقدير البناء للمفعول يكون المراد النهي عن أن يلحق بها
~~الضرار من قبل الزوج وأن يلحق الضرار بالزوج من قبلها بسبب الولد، والباء
~~على كل تقدير سببية ولك أن تجعل فاعل بمعنى فعل والباء سيف خطيب، ويكون
~~المعنى لا تضر والدة ولدها بأن تسيء غذاءه وتعهده وتفرط فيما ينبغي له
~~وتدفعه إلى الأب بعدما ألفها ولا يضر الوالد ولده بأن ينزعه من يدها أو
~~يقصر في حقها فتقصر هي في حقه، وقرأ أبو جعفر  (لا تضار)  بالسكون مع
~~التشديد على نية الوقف، وعن الأعرج  (لا تضار)  بالسكون والتخفيف، وهو
~~من ضار يضير ونوى الوقف كما نواه الأول، وإلا لكان ms00918 القياس حذف الألف، وعن
~~كاتب عمر رضي الله تعالى عنه  (لا تضرر)  والتعبير بالولد في الموضعين،
~~وإضافته إليها تارة وإليه أخرى للاستعطاف، والإشارة إلى ما هو كالعلة في
~~النهي ولذا أقام المظهر مقام المضمر، ومن غريب التفسير ما رواه الإمامية
~~عن السيدين الصادق والباقر رضي الله تعالى عنهما أن المعنى  لا تضار 
~~والدة بترك جماعها خوف الحمل لأجل ولدها الرضيع  ولا يضار  مولود له
~~بمنعه عن الجماع كذلك لأجل ولده، وحينئذ تتعين الباء للسببية، ويجب أن
~~يكون الفعلان مبنيين للمفعول ولا يظهر وجه لطيف للتعبير بالولد في
~~الموضعين، وتخرج الآية عما يقتضيه السياق، وبعيد عن الباقر والصادق
~~الإقدام على ما زعمه هذا الراوي الكاذب.

# { وعلى الوارث مثل ذلك } عطف على قوله تعالى: { وعلى
~~المولود له } الخ وما بينهما تعليل أو تفسير معترض والمراد
~~بالوارث وارث الولد فإنه يجب عليه مثل ما وجب على الأب من الرزق والكسوة
~~بالمعروف إن لم يكن للولد مال، وهو التفسير المأثور عن عمر وابن عباس
~~وقتادة ومجاهد وعطاء وإبراهيم والشعبي وعبد الله بن عتبة وخلق كثير،
~~ويؤيده أن أل كالعوض عن المضاف إليه الضمير ورجوع الضمير لأقرب مذكور وهو
~~الأكثر في الاستعمال، وخص الإمام أبو حنيفة هذا الوارث بمن كان ذا رحم
~~محرم من الصبي، وبه قال حماد ويؤيده قراءة ابن مسعود (وعلى الوارث ذي
~~الرحم المحرم مثل ذلك)، وقيل: عصباته؛ وبه قال أبو زيد، ويروى عن عمر رضي
~~الله تعالى عنه ما يؤيده، وقال الشافعي: المراد وارث الأب وهو الصبي أي
~~مؤن الصبي من ماله إذا مات الأب، واعترض أن هذا الحمل يأباه أنه لا يخص
~~كون المؤنة في ماله إذا مات الأب بل إذا كان له مال لم يجب على الأب أجرة
~~الإرضاع بل يجب عليه النفقة على الصبي وأجرة الإرضاع من مال الصبي بحكم
~~الولاية وفيه نظر، وقيل: المراد الباقي من الأبوين، وقد جاء الوارث بمعنى
~~الباقي كما في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " اللهم متعني بسمعي وبصري واجعلهما الوارث مني "

# قيل: ms00919 وهذا يوافق مذهب الشافعي إذ لا نفقة عنده فيما عدا الولاد ولا يخفى
~~ما في ذلك من البحث لأن  من  إن كانت للبيان لزم التكرار أو الركاكة أو
~~ارتكاب خلاف الظاهر، وإن كانت للابتداء كان المعنى الباقي غير الأبوين
~~وهو يجوز أن يكون من العصبات أو ذوي الأرحام الذين ليست قرابتهم قرابة
~~الولاد وكون ذلك موافقا لمذهب الشافعي إنما يتأتى إذا تعين كون الباقي
~~ذوي قرابة الولاد وليس في اللفظ ما يفيده كما لا يخفى.

# { فإن أرادا } أي الوالدان { فصالا } أي فطاما للولد قبل
~~الحولين وهو المروي عن مجاهد وقتادة وأهل البيت، وقيل: قبلهما أو بعدهما
~~وهو مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعلى الأول: يكون هذا تفصيلا
~~لفائدة { لمن أراد أن يتم } وبيانا لحكم إرادة عدم الإتمام،
~~والتنكير للإيذان بأنه  فصال  غير معتاد، وعلى الثاني: توسعة في
~~الزيادة والتقليل في مدة/ الرضاعة بعد التحديد والتنكير للتعميم، ويجوز
~~على القولين أن يكون للإشارة إلى عظمه نظرا للصبي لما فيه من مفارقة
~~المألوف { عن تراض } متعلق بمحذوف ينساق إليه الذهن وإن كان كونا
~~خاصا أي: صادرا عن تراض وجوز أن يتعلق بأراد { منهما } أي الوالدين
~~لا من أحدهما فقط لاحتمال إقدامه على ما يضر الولد بأن تمل الأم أو يبخل
~~الأب { وتشاور } في شأن الولد وتفحص أحواله وهو مأخوذ من الشور وهو
~~اجتناء العسل وكذا  المشاورة والمشورة والمشورة  والمراد من ذلك
~~استخراج الرأي وتنكيره للتفخيم. { فلا جناح عليهما } في ذلك
~~وإنما اعتبر رضا المرأة مع أن ولي الولد هو الأب وصلاحه منوط بنظره
~~مراعاة لصلاح الطفل لأن الوالدة لكمال شفقتها على الصبي ربما ترى ما فيه
~~المصلحة له.

# { وإن أردتم } خطاب للآباء هزا لهم للامتثال على تقدير عدم
~~الاتفاق على عدم الفطام { أن تسترضعوا أولدكم } بحذف
~~المفعول الأول استغناءا عنه أي  تسترضعوا المراضع أولادكم  من أرضعت
~~المرأة طفلا واسترضعتها إياه كقولك أنجح الله تعالى حاجتي واستنجحتها
~~إياه، وقد صرح الإمام الكرماني بأن الاستفعال قد جاء لطلب المزيد
~~كالاستنجاء لطلب ms00920 الإنجاء والاستعتاب لطلب الاعتاب وصرح به غيره أيضا فلا
~~حاجة إلى القول بأنه من رضع بمعنى أرضع ولم يجعل من الأول أول الأمر لعدم
~~وجوده في كلامهم فإنه بمعزل عن التحقيق، وقيل: إن استرضع إنما يتعدى إلى
~~الثاني بحرف الجر يقال: استرضعت المرأة للصبي والمراد: أن تسترضعوا
~~المراضع لأولادكم فحذف الجار كما في قوله تعالى:

# وإذا كالوهم

# [المطففين: 3] أي كالوا لهم { فلا جناح عليكم } أي في ذلك،
~~واستدل بالإطلاق على أن للزوج أن  يسترضع للولد ويمنع الزوجة من الإرضاع
~~ وهو مذهب الشافعية، وعندنا أن الأم أحق برضاع ولدها وأنه ليس للأب أن
~~يسترضع غيرها إذا رضيت أن ترضعه لقوله تعالى: { والولدت يرضعن
~~أولدهن } وبه يخصص هذا الإطلاق وإلى ذلك يشير كلام ابن شهاب {
~~إذا سلمتم } إلى المراضع { ما ءاتيتم } أي ضمنتم والتزمتم أو
~~أردتم إتيانه لئلا يلزم تحصيل الحاصل، وقرأ ابن كثير (أتيتم) من أتى إليه
~~إحسانا إذا فعله، وشيبان عن عاصم (أوتيتم) أي ما آتاكم الله تعالى
~~وأقدركم عليه من الأجرة { بالمعروف } متعلق بسلمتم أي بالوجه
~~المتعارف المستحسن شرعا وجوز أن يتعلق بآتيتم وأن يكون حالا من فاعله
~~أو فاعل الفعل الذي قبله، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله وليس
~~التسليم شرطا لرفع الإثم بل هو الأولى والأصلح للطفل فشبه ما هو من
~~شرائط الأولية بما هو من شرائط الصحة للاعتناء به فاستعير له عبارته،
~~وقيل: لا حاجة إلى هذا لأن نفي الإثم بتسليم الأجرة مطلقا غير مقيد
~~بتقديمها عليه يعني لا جناح عليكم في الاسترضاع لو لم تأثموا بالتعدي في
~~الأجرة وتظلموا الأجير، وفيه تأمل لأن الإثم إذا لم يسلم بعد إنما هو
~~بالتعدي، والاسترضاع كان قبل خاليا عما يوجب الإثم { واتقوا
~~الله } في شأن مراعاة الأحكام { واعلموا أن الله بما
~~تعملون بصير } لا تخفى عليه أعمالكم فيجازيكم عليها، وفي إظهار
~~الاسم الجليل تربية للمهابة، وفي الآية من التهديد ما لا يخفى.

### || [2.234]

# { والذين } مبتدأ { يتوفون } أي تقبض أرواحهم فإن التوفي هو
~~القبض يقال: توفيت مالي من ms00921 فلان واستوفيته منه أي قبضته وأخذته. وقرأ علي
~~كرم الله تعالى وجهه فيما رواه أبو عبد الرحمن السلمي عنه والمفضل عن
~~عاصم { يتوفون } / بفتح  الياء  أي يستوفون آجالهم فعلى هذا
~~يقال للميت متوفي بمعنى مستوف لحياته، واستشكل بما حكي أن أبا الأسود كان
~~خلف جنازة فقال له رجل: من المتوفي؟ بكسر الفاء فقال: الله تعالى وكأن
~~هذا أحد الأسباب لعلي كرم الله تعالى وجه على أن أمره بوضع كتاب النحو،
~~وأجاب السكاكي بأن سبب التخطئة أن السائل كان ممن لم يعرف وجه صحته فلم
~~يصلح للخطاب به { منكم } في محل نصب على الحال من مرفوع {
~~يتوفون } و  من  تحتمل التبعيض وبيان الجنس والخطاب لكافة الناس
~~بتلوين الخطاب { ويذرون } أي يتركون ويستعمل منه الأمر ولا يستعمل
~~اسم الفاعل ولا اسم المفعول وجاء الماضي على شذوذ { أزوجا } أي نساء
~~لهم.

# { يتربصن بأنفسهن } خبر عن (الذين) والرابط محذوف أي لهم
~~أو بعدهم، ورجح الأول: بقلة الإضمار وبما في اللام من الإيماء إلى أن
~~العدة حق المتوفى، وقيل: خبر لمحذوف أي أزواجهم يتربصن، والجملة خبر
~~(الذين) وبعض البصريين قدر مضافا في صدر الكلام أي أزواج الذين وهن
~~نساؤهم، وفيه أنه لا يبقى  ليذرون أزواجا  فائدة جديدة يعتد بها،
~~ويروى عن سيبويه  أن (الذين)  مبتدأ والخبر محذوف أي فيما يتلى عليكم
~~حكم الذين الخ، وحينئذ يكون جملة  يتربصن  بيانا لذلك الحكم وفيه
~~كثرة الحذف، وذهب بعض المحققين إلى أن { الذين } مبتدأ و (يتربصن)
~~خبره والرابط حاصل بمجرد عود الضمير إلى الأزواج لأن المعنى يتربص
~~الأزواج اللاتي تركوهن، وقد أجاز الأخفش والكسائي مثل ذلك ولولا أن
~~الجمهور على منعه لكان من الحسن بمكان.

# { أربعة أشهر وعشرا } لعل ذلك العدد لسر تفرد الله تعالى
~~بعلمه أو علمه من شاء من عباده، والقول  بأنه لعل المقتضي لذلك أن
~~الجنين في غالب الأمر يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكرا ولأربعة إن كان
~~أنثى فاعتبر أقصى الأجلين وزيد عليه العشرة استظهارا إذ ربما تضعف حركته
~~في المبادي فلا يحس بها ms00922 مع ما فيه من المنافاة للحديث الصحيح

# " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل
~~ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله تعالى ملكا بأربع كلمات فيكتب
~~عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح "

# لأن ظاهره أن نفخ الروح بعد هذه المدة مطلقا  لا يروي الغليل ولا يشفي
~~العليل، وتأنيث العشر قيل: لأن التمييز المحذوف هو الليالي وإلى ذلك ذهب
~~ربيعة ويحيى بن سعيد، وقيل: بل هو باعتبار الليالي لأنها غرر الشهور
~~ولذلك لا يستعملون التذكير في مثله ذهابا إلى الأيام حتى إنهم يقولون 
~~كما حكى الفراء  صمنا عشرا من شهر رمضان مع أن الصوم إنما يكون في
~~الأيام ويشهد له قوله تعالى:

# إن لبثتم إلا عشرا

# [طه: 103] ثم

# إن لبثتم إلا يوما

# [طه: 104] وذكر أبو حيان أن قاعدة تذكير العدد وتأنيثه إنما هي إذا ذكر
~~المعدود، وأما عند حذفه فيجوز الأمران مطلقا ولعله أولى مما قيل.

# واستدل بالآية على وجوب العدة على المتوفى عنها سواء كان مدخولا بها أو
~~لا، وذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلى أنه لا عدة للثانية وهو
~~محجوج بعموم اللفظ كما ترى، وشملت الآية المسلمة والكتابية وذات الأقراء
~~والمستحاضة والآيسة والصغيرة والحرة والأمة  كما قاله الأصم  والحامل
~~وغيرها لكن القياس اقتضى تنصيف المدة للأمة والإجماع خص الحامل عنه لقوله
~~تعالى:

# وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن

# [الطلاق: 4] وعن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس أنها تعتد بأقصى
~~الأجلين احتياطا وهو لا ينافي الإجماع بل فيه عمل بمقتضى الآيتين،
~~واستدل بعضهم بها على أن العدة من الموت حيث علقت عليه فلو لم يبلغها موت
~~الزوج إلا بعد مضي العدة حكم بانقضائها وهو/ الذي ذهب إليه الأكثرون
~~والشافعي في أحد قوليه، ويؤيده أن الصغيرة التي لا علم لها يكفي في
~~انقضاء عدتها هذه المدة، وقيل: إنها ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تنقضي
~~عدتها بهذه الأيام لما روي «امرأة المفقود امرأة حتى يأتيها ms00923 تبين موته
~~أو طلاقه».

# { فإذا بلغن أجلهن } أي انقضت عدتهن { فلا جناح
~~عليكم } أيها القادرون عليهن، وقيل: الخطاب للأولياء، وقيل: لجميع
~~المسلمين { فيما فعلن فى أنفسهن } مما حرم عليهن في
~~العدة، وفي التقييد إشارة إلى علة النهي { بالمعروف } أي بالوجه
~~الذي يعرفه الشرع ولا ينكره، وقيد به للإيذان بأنه لو فعلن خلاف ذلك
~~فعليهم أن يكفوهن، فإن قصروا أثموا { والله بما تعملون
~~خبير } فلا تعملوا خلاف ما أمرتم به والظاهر: أن المخاطب به هو
~~المخاطب في سابقه، وجوز أن يكون خطابا للقادرين من الأولياء والأزواج
~~فيكون فيه تغليبان  الخطاب على الغيبة  والذكور على الإناث  وفيه
~~تهديد للطائفتين، ويحتمل أن يكون وعدا ووعيدا لهما.

### || [2.235]

# { ولا جناح عليكم } أيها الرجال المبتغون للزواج. { فيما
~~عرضتم به من خطبة النساء } بأن يقول أحدكم  كما روى
~~البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  إني أريد التزوج،
~~وإني لأحب امرأة من أمرها وأمرها، وإن من شأني النساء، ولوددت أن الله
~~تعالى كتب لي امرأة صالحة، أو يذكر للمرأة فضله وشرفه، فقد روي

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم سلمة وقد كانت عند ابن
~~عمها أبي سلمة فتوفي عنها فلم يزل يذكر لها منزلته من الله تعالى وهو
~~متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله عليها وكان ذلك
~~تعريضا لها "

# والتعريض في الأصل إمالة الكلام عن نهجه إلى عرض منه وجانب، واستعمل في
~~أن تذكر شيئا مقصودا في الجملة بلفظه الحقيقي أو المجازي أو الكنائي
~~ليدل بذلك الشيء على شيء آخر لم يذكر في الكلام مثل أن تذكر المجيء
~~للتسليم بلفظه ليدل على التقاضي وطلب العطاء، وهو غير الكناية لأنها أن
~~تذكر معنى مقصودا بلفظ آخر يوضع له لكن استعمل في الموضوع  لا على وجه
~~القصد  بل لينتقل منه إلى الشيء المقصود، فطويل النجاد مستعمل في معناه
~~لكن لا يكون المقصود بالإثبات بل لينتقل منه إلى طول القامة، وقرر بعض
~~المحققين أن بينهما عموما من وجه، ms00924 فمثل قول المحتاج: جئتك لأسلم عليك
~~كناية وتعريض، ومثل  زيد طول النجاد  كناية لا تعريض، ومثل قولك: في
~~عرض من يؤذيك وليس المخاطب  آذيتني فستعرف  تعريض بتهديد المؤذي لا
~~كناية والمشهور: تسمية التعريض تلويحا لأنه يلوح منه ما تريده، وعدوا
~~جعل السكاكي له اسما للكناية البعيدة لكثرة الوسائط مثل  كثير الرماد 
~~للمضياف اصطلاحا جديدا وفي «الكشف»: وقد يتفق عارض يجعل الكناية في حكم
~~المصرح به كما في الاستواء على العرش وبسط اليد، ويجعل الالتفات في
~~التعريض نحو المعرض به كما في قوله تعالى:

# ولا تكونوا أول كافر به

# [البقرة: 41] فلا ينتهض نقضا على الأصل.

# والخطبة  بكسر الخاء  قيل: الذكر الذي يستدعى به إلى عقد النكاح أخذا
~~من الخطاب، وهو توجيه الكلام للإفهام  وبضمها  الوعظ المتسق على ضرب من
~~التأليف، وقيل: إنهما اسم الحالة غير أن  المضمومة  خصت بالموعظة 
~~والمكسورة  بطلب المرأة والتماس نكاحها  وأل  في (النساء) للعهد،
~~والمعهودات هي الأزواج المذكورة في قوله تعالى:

# ويذرون أزوجا

# [البقرة: 234] ولا يمكن حملها على الاستغراق لأن من النساء من يحرم
~~التعريض بخطبتهن في العدة  كالرجعيات والبائنات  في قول، والأظهر عند/
~~الشافعي رضي الله تعالى عنه جوازه في عدتهن قياسا على معتدات الوفاة
~~لا يقال: كان ينبغي أن تقدم هذه الآية على قوله تعالى:

# فإذا بلغن أجلهن

# [البقرة: 234] لأن ما فيها من أحكام النساء قبل البلوغ إلى الأجل لأنا
~~نقول: لا نسلم ذلك، بل هي من أحكام الرجال بالنسبة إليهن، فكان المناسب
~~أن يذكر بعد الفراغ من أحكامهن قبل البلوغ من الأجل وبعده، واستدل إلكيا
~~بالآية على نفي الحد بالتعريض في القذف لأنه تعالى جعل حكمه مخالفا
~~لحكم التصريح، وأيد بما روي: «من عرض عرضنا، ومن مشى على الكلأ ألقيناه
~~في النهر» واستدل بها على جواز نكاح الحامل من الزنا إذ لا عدة لها، ولا
~~يخفى ما فيه.

# { أو أكننتم فى أنفسكم } أي أسررتم في قلوبكم من نكاحهن
~~بعد مضي عدتهن ولم تصرحوا بذلك لهن { علم الله أنكم
~~ستذكرونهن } ولا تصبرون على السكوت عنهن ms00925 وعن إظهار الرغبة
~~فيهن، فلهذا رخص لكم ما رخص، وفيه نوع ما من التوبيخ.

# { ولكن لا تواعدوهن سرا } استدراك عن محذوف دل عليه {
~~ستذكرونهن } أي فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن نكاحا بل اكتفوا بما
~~رخص لكم، وجواز أن يكون استدراكا عن { لا جناح } فإنه في معنى 
~~عرضوا بخطبتهن  أو أكنوا في أنفسكم ولكن الخ، وحمله على الاستدراك على
~~ما عنده،  ليس بشيء  وإرادة النكاح من  السر  بواسطة إرادة الوطء منه
~~إذ قد تعارف إطلاقه عليه لأنه يسر، ومنه قول امرىء القيس:

# ألا زعمت بسباسة اليوم أنني

# كبرت وأن لا يحسن  السر  أمثالي

# وإرادة العقد من ذلك لما بينهما من السببية والمسببية، ولم يجعل من أول
~~الأمر عبارة عن العقد لأنه لا مناسبة بينهما في الظاهر، والمروي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أن  السر  هنا الجماع، وتوهم الرخصة حينئذ
~~في المحظور الذي هو التصريح  بالنكاح  مما لا يكاد يخطر ببال، وعن سعيد
~~بن جبير ومجاهد، وروي عن الحبر أيضا أنه العهد على الامتناع عن التزوج
~~بالغير  وهو على هذه الأوجه نصب على المفعولية  وجوز انتصابه على
~~الظرفية، أي: لا تواعدوهن في السر، على أن المراد بذلك المواعدة بما
~~يستهجن.

# { إلا أن تقولوا قولا معروفا } وهو التعريض الذي عرف
~~تجويزه، والمستثنى منه ما يدل عليه النهي أي: لا تواعدوهن نكاحا مواعدة
~~ما إلا مواعدة معروفة؛ أو إلا مواعدة بقول معروف، أو لا تقولوا في وعد
~~الجماع أي طلب الامتناع عن الغير إلا قولكم قولا معروفا والاستثناء في
~~جميع ذلك متصل، وفي الكلام على الوجه الأول تصريح بما فهم من { ولا
~~جناح } على وجه يؤكد ذلك الرفع وهو نوع من الطرد  والعكس حسن  وعلى
~~الأخيرين تأسيس لمعنى ربما يعلم بطريق المقايسة إذ حملوا  التعريض 
~~فيهما على  التعريض  بالوعد لها أو الطلب منها، وهو غير  التعريض 
~~السابق لأنه بنفس الخطبة وإذا أريد الوجه الرابع وهو الأخير من الأوجه
~~السابقة احتمل الاستثناء الاتصال والانقطاع، والانقطاع في المعنى أظهر
~~على معنى: لا تواعدوهن بالمستهجن ولكن ms00926 واعدوهن بقول معروف لا يستحيا منه
~~في المجاهرة من حسن المعاشرة والثبات إن وقع النكاح، وبعض قال بذلك إلا
~~أنه جعل الاستثناء من { سرا } وضعف بأنه يؤدي إلى كون التعريض
~~موعودا، وجعله من قبيل

# إلا من ظلم

# [النمل: 11] يأبى أن يكون استثناءا منه بل من أصل الحكم.

# { ولا تعزموا عقدة النكاح } أي لا تقصدوا قصدا جازما
~~عقد عقدة النكاح وفي النهي عن مقدمة الشيء نهي/ عن الشيء على وجه أبلغ،
~~وصح تعلق النهي به لأنه من الأفعال الباطنة الداخلة تحت الاختيار ولذا
~~يثاب على النية، والمراد به العزم المقارن لأن من قال: لا تعزم على السفر
~~في صفر مثلا لم يفهم منه النهي عن عزم فيه متأخر الفعل إلى ربيع، وذلك
~~لأن القصد الجازم حقه المقارنة وتقدير المضاف لصحة التعلق لأنه لا يكون
~~إلا على الفعل، و  العقدة  ليست به لأنها موضع العقد وهو ما يعقد عليه
~~ولم يقدره بعضهم، وجعل الإضافة بيانية فالعقدة حينئذ نفس النكاح وهو فعل،
~~ويحتمل أن يكون الكلام من باب

# حرمت عليكم أمهتكم

# [النساء: 23] وعلى كل تقدير هي مفعول به، وجوز أن تكون مفعولا مطلقا
~~على أن معنى  لا تعزموا  لا تعقدوا فهو على حد  قعدت جلوسا  وأن
~~الإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: المعنى لا تقطعوا ولا تبرموا
~~عقدة النكاح فيكون النهي عن نفس الفعل لا عن قصده كما في الأول، وبهذا
~~ينحط عنه، ومن الناس من حمل العزم على القطع ضد الوصل وجعل المعنى لا
~~تقطعوا عقدة نكاح الزوج المتوفى بعقد نكاح آخر ولا حاجة حينئذ إلى تقدير
~~مضاف أصلا، وفيه بحث أما أولا: فلأن مجيء العزم بمعنى القطع ضد الوصل
~~في اللغة محل تردد، وقول الزمخشري: حقيقة العزم القطع بدليل قوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل "

# وروي

# " لم يبيت "

# ليس بنص في ذلك بل لا يكاد يصح حمله إذ الدليل لا يساعده إذ لا خفاء في
~~أن المراد بعزم الصوم ليس قطعة بمعنى الفك ms00927 بل الجزم وقطع التردد، وأما
~~ثانيا: فلأنه لا معنى للنهي عن قطع عقدة نكاح الزوج الأول حتى ينهى عنه
~~إذ لا تنقطع عقدة نكاح المتوفى بعقد نكاح آخر لأن الثاني لغو، ومن هنا
~~قيل: إن المراد لا تفكوا عقدة نكاحكم ولا تقطعوها، ونفي القطع عبارة عن
~~نفي التحصيل فإن تحصيل الثمرة من الشجرة بالقطع، وهذا كما ترى مما لا
~~ينبغي أن يحمل عليه كلام الله تعالى العزيز.

# { حتى يبلغ الكتب أجله } أي ينتهي ما كتب وفرض من
~~العدة { واعلموا أن الله يعلم ما فى أنفسكم } من
~~العزم على ما لا يجوز أو من ذوات الصدور التي من جملتها ذلك {
~~فاحذروه } ولا تعزموا عليه أو  احذروه  بالاجتناب عن العزم
~~ابتداءا أو إقلاعا عنه بعد تحققه { واعلموا أن الله غفور
~~} يغفر لمن يقلع عن عزمه أو ذنبه خشية منه { حليم } لا يعاجل بالعقوبة
~~فلا يتوهم من تأخيرها أن ما نهى عنه لا يستتبع المؤاخذة وإعادة العامل
~~اعتناءا بشأن الحكم، ولا يخفى ما في الجملة مما يدل على سعة رحمته تبارك
~~اسمه.

### || [2.236]

# { لا جناح عليكم } لا تبعة من مهر وهو الظاهر، وقيل: من وزر
~~لأنه لا بدعة في الطلاق قبل المسيس ولو كان في الحيض، وقيل: كان النبي
~~صلى الله عليه وسلم كثيرا ما ينهى عن الطلاق فظن أن فيه جناحا فنفى ذلك
~~{ إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن } أي غير ماسين لهن
~~أو مدة عدم المس وهو كناية عن الجماع، وقرأ حمزة والكسائي (تماسوهن)
~~والأعمش (من قبل أن تمسوهن) وعبد الله (من قبل أن تجامعوهن) { أو
~~تفرضوا لهن فريضة } أي: حتى تفرضوا أو إلا أن تفرضوا على ما
~~في «شروح الكتاب»، و (فريضة) فعيلة بمعنى مفعول نصب على المفعول به،
~~والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الإسمية فصار بمعنى المهر فلا تجوز،
~~وجوز أن يكون نصبا على المصدرية، وليس بالجيد والمعنى إنه لا تبعة على
~~المطلق بمطالبة المهر أصلا إذا كان الطلاق قبل المسيس على كل حال إلا في
~~حال الفرض ms00928 فإن عليه حينئذ نصف المسمى كما سيصرح به، وفي حال عدم تسميته
~~عليه المتعة لا نصف مهر المثل، وأما إذا كان/ بعد المساس فعليه في صورة
~~التسمية تمام المسمى، وفي صورة عدمها تمام مهر المثل، هذه أربع صور
~~للمطلقة نفت الآية بمنطوقها الوجوب في بعضها، واقتضى مفهومها الوجوب في
~~الجملة في البعض الآخر، قيل: وههنا إشكال قوي، وهو أن ما بعد (أو) التي
~~بمعنى حتى التي بمعنى إلى نهاية للمعطوف عليه فقولك لألزمنك أو تقضيني
~~حقي معناه أن اللزوم ينتهي إلا الإعطاء فعلى قياسه يكون فرض الفريضة
~~نهاية عدم المساس لا عدم الجناح، وليس المعنى عليه، وأجيب بأن ما بعدها
~~عطف على الفعل وهو مرتبط بما قبله فهو معنى مقيد به فكأنه قيل: أنتم ما
~~لم تمسوهن بغير جناح وتبعة إلا إذا  فرضت الفريضة  فيكون الجناح لأن
~~المقيد في المعنى ينتهي برفع قيده فتأمل، ومن الناس من جعل كلمة (أو)
~~عاطفة لمدخولها على ما قبلها من الفعل المجزوم، ولم حينئذ لنفي أحد
~~الأمرين لا بعينه، وهو نكرة في سياق النفي فيفيد العموم أي ما لم يكن
~~منكم مسيس، ولا فرض على حد

# ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا

# [الإنسان: 24] واعترضه القطب بأنه يوهم تقدير حرف النفي فيصير ما لم
~~تمسوهن وما لم تفرضوا فيكون الشرط حينئذ أحد النفيين لا نفي أحد الأمرين
~~فيلزم أن لا يجب المهر إذا عدم المسيس ووجد الفرض أو عدم الفرض ووجد
~~المسيس، ولا يخفى أنه غير وارد، ولا حاجة إلى القول بأن (أو) بمعنى الواو
~~كما في قوله تعالى:

# أو يزيدون

# [الصافات: 147] على رأي.

# { ومتعوهن } أي ملكوهن ما يتمتعن به وذلك الشيء يسمى متعة وهو
~~عطف على ما هو جزاء في المعنى كأنه قيل: إن طلقتم النساء فلا جناح
~~ومتعوهن، وعطف الطلبي على الخبري على ما في «الكشف» لأن الجزاء جامع
~~جعلهما كالمفردين أي الحكم هذا وذاك، أو لأن المعنى فلا جناح وواجب هذا،
~~أو فلا تعزموا ذلك ومتعوهن، وجوز أن يكون عطفا على الجملة ms00929 الخبرية عطف
~~القصة على القصة وأن يكون اعتراضا بالواو واردا لبيان ما يجب للمطلقات
~~المذكورات على أزواجهن بعد التطليق، والعطف على محذوف ينسحب عليه الكلام
~~أي فطلقوهن ومتعوهن يأباه الذوق السليم إذ لا معنى لقولنا إذا طلقتم
~~النساء فطلقوهن إلا أن يكون المقصود المعطوف، والحكمة في إعطاء المتعة
~~جبر إيحاش الطلاق، والظاهر فيها عدم التقدير لقوله تعالى:

# { على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } أي على كل
~~منهما مقدار ما يطيقه ويليق به كائنا ما كان، وأخرج ابن جرير عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما متعة الطلاق أعلاها الخادم ودون ذلك الورق
~~ودون ذلك الكسوة، وعن ابن عمر أدنى ما يكون من المتعة ثلاثون درهما،
~~وقال الإمام أبو حنيفة: هي درع وخمار وملحفة على حسب الحال إلا أن يقل
~~مهر مثلها من ذلك فلها الأقل من نصف مهر المثل، ومن المتعة ولا ينتقص من
~~خمسة دراهم، والموسع من يكون ذا سعة وغنى من أوسع الرجل إذا كثر ماله
~~واتسعت حاله، والمقتر من يكون ضيق الحال من  أقتر  إذا افتقر وقل ما
~~في يده وأصل الباب الإقلال، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب مبينة
~~لمقدار حال المتعة بالنظر إلى حال المطلق  إيسارا وإقتارا  والجمهور
~~على أنها في موضع الحال من فاعل { متعوهن } ، والرابط محذوف أي منكم، ومن
~~جعل الألف واللام عوضا عن المضاف إليه أي على موسعكم الخ استغنى عن
~~القول بالحذف.

# وقرأ أبو جعفر وأهل الكوفة إلا أبا بكر. وابن ذكوان { قدره } بفتح
~~الدال، والباقون بإسكانها وهما لغتان فيه، وقيل:  القدر  بالتسكين
~~الطاقة وبالتحريك المقدار، وقرىء { قدره } بالنصب ووجه بأنه مفعول
~~على المعنى لأن معنى { متعوهن } الخ ليؤد كل منكم  قدر  وسعه قال أبو
~~البقاء: وأجود من هذا أن يكون التقدير فأوجبوا على الموسع قدره.

# { متعا } اسم مصدر أجري مجراه أي تمتيعا { بالمعروف } أي
~~متلبسا بالوجه الذي يستحسن وهو في محل الصفة  / لمتاعا  و { حقا }
~~أي ثابتا صفة ثانية له ويجوز أن يكون مصدرا مؤكدا أي حق ذلك حقا ms00930 {
~~على المحسنين } متعلق بالناصب للمصدر أو به أو بمحذوف وقع صفة،
~~والمراد بالمحسنين من شأنهم الإحسان أو الذين يحسنون إلى أنفسهم
~~بالمسارعة إلى الامتثال أو إلى المطلقات بالتمتيع وإنما سموا بذلك
~~اعتبارا للمشارفة ترغيبا وتحريضا.

# وقال الإمام مالك: المحسنون المتطوعون وبذلك استدل على استحباب المتعة
~~وجعله قرينة صارفة للأمر إلى الندب؛ وعندنا هي واجبة للمطلقات في الآية
~~مستحبة لسائر المطلقات، وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه في أحد قوليه هي
~~واجبة لكل زوجة مطلقة إذا كان الفراق من قبل الزوج إلا التي سمي لها
~~وطلقت قبل الدخول، ولما لم يساعده مفهوم الآية ولم يعتبر العموم في قوله
~~تعالى:

# وللمطلقت متع بالمعروف

# [البقرة: 241] لأنه يحمل المطلق على المقيد قال بالقياس، وجعله مقدما
~~على المفهوم لأنه من الحجج القطعية دونه، وأجيب عما قاله مالك بمنع قصر
~~المحسن على المتطوع بل هو أعم منه ومن القائم بالواجبات فلا ينافي الوجوب
~~فلا يكون صارفا للأمر عنه مع ما انضم إليه من لفظ (حقا).

### || [2.237]

# { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد
~~فرضتم لهن فريضة } بيان لحكم التي سمي لها مهر وطلقت قبل
~~المسيس، وجملة { وقد } الخ إما حال من فاعل { طلقتموهن } أو
~~من مفعوله ونفس الفرض من المبني للفاعل أو للمفعول وإن لم يقارن حالة
~~التطليق لكن اتصاف المطلق بالفارضية فيما سبق مما لا ريب في مقارنته لها،
~~وكذا الحال في اتصاف المطلقة بكونها مفروضا فيما سبق { فنصف ما
~~فرضتم } أي فلهن نصف ما قدرتم وسميتم لهن من المهر، أو فالواجب
~~عليكم ذلك وهذا صريح في أن المنفي في الصورة السابقة إنما هو تبعة المهر،
~~وقرىء (فنصف) بالنصب على معنى فأدوا نصف ولعل تأخير حكم التسمية مع أنها
~~الأصل في العقد والأكثر في الوقوع من باب التدرج في الأحكام، وذكر الأشق
~~فالأشق، والقول بأن ذلك لما أن الآية الكريمة

# " نزلت في أنصاري تزوج امرأة من بني حنيفة وكانت مفوضة فطلقها قبل
~~الدخول بها فتخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عليه ms00931
~~الصلاة والسلام: «أمتعتها؟ قال: لم يكن عندي شيء قال: متعها بقلنسوتك "

# مما لا أراه شيئا على أن في هذا الخبر مقالا حتى قال الحافظ ولي الدين
~~العراقي: لم أقف عليه.

# { إلا أن يعفون } استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي فلهن نصف
~~المفروض معينا في كل حال إلا حال عفوهن أي المطلقات المذكورات فإنه يسقط
~~ذلك حينئذ بعد وجوبه والصيغة في حد ذاتها تحتمل التذكير والتأنيث، والفرق
~~بالاعتبار فإن الواو في الأولى ضمير والنون علامة الرفع وفي الثانية لام
~~الفعل والنون ضمير والفعل مبني ولذلك لم تؤثر فيه { أن } هنا مع أنها
~~ناصبة لا مخففة بدليل عطف المنصوب عليه من قوله تعالى: { أو يعفوا
~~} وقرأ الحسن بسكون الواو فهو على حد:

# أبى الله أن أسمو بأم ولا أب

# { الذى بيده عقدة النكاح } وهو الزوج المالك لعقد النكاح
~~وحله وهو التفسير المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخرجه ابن
~~جرير وابن أبي حاتم والطبراني في «الأوسط» والبيهقي بسند حسن عن ابن عمر
~~مرفوعا  وبه قال جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم  ومعنى عفوه تركه
~~تكرما ما يعود إليه من نصف المهر الذي ساقه كملا على ما هو المعتاد أو
~~إعطاؤه تمام المهر المفروض قبل بعد الطلاق كما فسره بذلك ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما وتسمية ذلك عفوا من باب المشاكلة وقد يفسر بالزيادة
~~والفضل كما في قوله تعالى:

# يسئلونك ماذا ينفقون قل العفو

# [البقرة: 219] وقول زهير:

# حزما وبرا للإله وشيمة

# تعفو على خلق المسيء المفسد

# فمرجع الاستثناء حينئذ إلى منع الزيادة في المستثنى منه كما أنه في
~~الصورة الأولى إلى منع النقصان فيه أي فلهن هذا المقدار بلا زيادة ولا
~~نقصان في جميع الأحوال إلا في حال عفوهن فإنه لا يكون إذ ذاك لهن القدر
~~المذكور بل ينتفي أو ينحط، أو في حال عفو الزوج فإنه وقتئذ تكون لهن
~~الزيادة هذا على تقدير الأول في { فنصف } غير ملاحظ فيه الوجوب، وأما
~~على التقدير الثاني فلا بد من ms00932 القطع بكون الاستثناء منقطعا لأن في صورة
~~عفو الزوج لا يتصور الوجوب عليه كذا قيل فليتدبر، وذهب ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما في إحدى الروايات عنه وعائشة وطاوس ومجاهد وعطاء والحسن
~~وعلقمة والزهري والشافعي رضي الله تعالى عنه في قوله القديم إلى  أن
~~الذي بيده عقدة النكاح  هو الولي الذي لا تنكح المرأة إلا بإذنه فإن له
~~العفو عن المهر إذا كانت المنكوحة صغيرة في رأي البعض ومطلقا في رأي
~~الآخرين وإن أبت. والمعول عليه هو المأثور وهو الأنسب بقوله تعالى: {
~~وأن تعفوا أقرب للتقوى } فإن إسقاط حق الغير ليس في شيء
~~من التقوى وهذا خطاب للرجال والنساء جميعا، وغلب المذكر لشرفه وكذا فيما
~~بعد  واللام  للتعدية، ومن قواعدهم التي قل من يضبطها أن أفعل التفضيل
~~وكذا فعل التعجب يتعدى بالحرف الذي يتعدى به فعله كأزهد فيه من كذا وإن
~~كان من متعد في الأصل فإن كان الفعل يفهم علما أو جهلا تعدى  بالباء 
~~كأعلم بالفقه وأجهل بالنحو، وإن كان لا يفهم ذلك تعدى باللام كأنت أضرب
~~لعمرو إلا في باب الحب والبغض فإنه يتعدى إلى المفعول  بفي  كهو أحب في
~~بكر وأبعض في عمرو وإلى الفاعل المعنوي بإلى كزيد أحب إلى خالد من بشر أو
~~أبغض إليه منه، وقرىء (وأن يعفوا)  بالياء .

# { ولا تنسوا الفضل بينكم } عطف على الجملة الإسمية
~~المقصود منها الأمر على أبلغ وجه أي لا تتركوا أن يتفضل بعضكم على بعض
~~كالشيء المنسي، والظرف إما متعلق بتنسوا أو بمحذوف وقع حالا من الفضل
~~وحمل الفضل على الزيادة إشارة إلى ما سبق من قوله تعالى:

# وللرجال عليهن درجة

# [البقرة: 228] في الدرج الأسفل من الضعف، وقيل: إن الظرف متعلق بمحذوف
~~وقع صفة للفضل على رأي من يرى حذف الموصول مع بعض صلته والفضل بمعنى
~~الإحسان أي  لا تنسوا الإحسان  الكائن بينكم من قبل وليكن منكم على ذكر
~~حتى يرغب كل في العفو مقابلة الإحسان صاحبه عليه، وليس بشيء لأنه على ما
~~فيه يرد عليه أن لا إحسان ms00933 في الغالب بين المرأة وزوجها قبل الدخول، وقرأ
~~علي كرم الله تعالى وجهه  ولا تناسوا  وبعضهم  ولا تنسوا  بسكون
~~الواو. { إن الله بما تعملون بصير } فلا يكاد يضيع ما
~~عملتم.

### || [2.238]

# { حفظوا على الصلوت } أي داوموا على أدائها لأوقاتها من
~~غير إخلال كما ينبىء عنه صيغة المفاعلة المفيدة للمبالغة ولعل الأمر بها
~~عقيب الحض على العفو، والنهي عن ترك الفضل لأنها تهيىء النفس لفواضل
~~الملكات لكونها الناهية عن الفحشاء والمنكر، أو ليجمع بين التعظيم لأمر
~~الله تعالى والشفقة على خلقه، وقيل: أمر بها في خلال بيان ما تعلق
~~بالأزواج والأولاد من الأحكام الشرعية المتشابكة إيذانا بأنها حقيقة
~~بكمال الاعتناء بشأنها والمثابرة عليها من غير اشتغال عنها بشأن أولئك
~~فكأنه قيل: لا يشغلنكم التعلق بالنساء وأحوالهن وتوجهوا إلى مولاكم
~~بالمحافظة على ما هو عماد الدين ومعراج المؤمنين.

# { والصلوة الوسطى } أي المتوسطة بينها أو الفضلى منها، وعلى
~~الأول استدل بالآية على أن الصلوات خمس/ بلا زيادة دون الثاني، وفي
~~تعيينها أقوال: أحدها أنها الظهر لأنها تفعل في وسط النهار، الثاني أنها
~~العصر لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل وهو المروي عن علي والحسن
~~وابن عباس وابن مسعود وخلق كثير وعليه الشافعية والثالث: أنها المغرب،
~~وعليه قبيصة بن ذؤيب لأنها وسط في الطول والقصر والرابع: أنها صلاة
~~العشاء لأنها بين صلاتين لا يقصران. والخامس: أنها الفجر لأنها بين صلاتي
~~الليل والنهار ولأنها صلاة لا تجمع مع غيرها فهي منفردة بين مجتمعين وهو
~~المروي عن معاذ وجابر وعطاء وعكرمة ومجاهد واختاره الشافعي رضي الله
~~تعالى عنه نفسه، وقيل: المراد بها صلاة الوتر، وقيل: الضحى، وقيل: عيد
~~الفطر، وقيل: عيد الأضحى، وقيل: صلاة الليل، وقيل: صلاة الجمعة، وقيل:
~~الجماعة، وقيل: صلاة الخوف (وقيل، وقيل..).

# والأكثرون صححوا أنها صلاة العصر لما أخرج مسلم من حديث علي كرم الله
~~تعالى وجهه

# " أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى
~~صلاة العصر ملأ الله تعالى بيوتهم نارا "

# وخصت بالذكر لأنها تقع في وقت اشتغال ms00934 الناس لا سيما العرب، قال بعض
~~المحققين: والذي يقتضيه الدليل من بين هذه الأقوال أنها الظهر ونسب ذلك
~~إلى الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وبيان ذلك أن سائر الأقوال
~~ليس لها مستند يقف له العجلان سوى القول بأنها صلاة العصر، والأحاديث
~~الواردة بأنها هي قسمان: مرفوعة وموقوفة، والموقوفة لا يحتج بها لأنها
~~أقوال صحابة عارضها أقوال صحابة آخرين أنها غيرها، وقول الصحابي لا يحتج
~~به إذا عارضه قول صحابي آخر قطعا وإنما جرى الخلاف في الاحتجاج به عند
~~عدم المعارضة، وأما المرفوعة فغالبها لا يخلو إسناده عن مقال والسالم من
~~المقال قسمان: مختصر بلفظ الصلاة الوسطى صلاة العصر، ومطول فيه قصة وقع
~~في ضمنها هذه الجملة، والمختصر مأخوذ من المطول اختصره بعض الرواة فوهم
~~في اختصاره على ما ستسمع، والأحاديث المطولة كلها لا تخلو من احتمال فلا
~~يصح الاستدلال بها فقوله من حديث مسلم:

# " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر "

# فيه احتمالان، أحدهما: أن يكون لفظ صلاة العصر ليس مرفوعا بل مدرج في
~~الحديث أدرجه بعض الرواة تفسيرا منه كما وقع ذلك كثيرا في أحاديث،
~~ويؤيده ما أخرجه مسلم من وجه آخر عن علي كرم الله تعالى وجهه بلفظ

# " حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس "

# يعني العصر، الثاني: على تقدير أنه ليس بمدرج يحتمل أن يكون عطف نسق على
~~حذف العاطف لا بيانا ولا بدلا والتقدير شغلونا عن الصلاة الوسطى وصلاة
~~العصر، ويؤيد ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يشغل يوم الأحزاب عن صلاة
~~العصر فقط بل شغل عن الظهر والعصر معا كما ورد من طريق أخرى فكأنه أراد
~~بالصلاة الوسطى الظهر وعطف عليها العصر، ومع هذين الاحتمالين لا يتأتى
~~الاستدلال بالحديث والاحتمال الأول أقوى للرواية المشار إليها، ويؤيده من
~~خارج أنه لو ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير أنها العصر لوقف
~~الصحابة عنده ولم يختلفوا، وقد أخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: كان
~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مختلفين ms00935 في الصلاة الوسطى هكذا وشبك
~~بين أصابعه، ثم على تقدير عدم الاحتمالين فالحديث معارض بالحديث المرفوع
~~أنها الظهر، وإذا تعارض الحديثان، ولم يكن الجمع طلب الترجيح، وقد ذكر
~~الأصوليون أن من المرجحات أن يذكر السبب، والحديث الوارد في أنها الظهر
~~مبين فيه سبب النزول ومساق لذكرها بطريق القصد بخلاف حديث «شغلونا» الخ
~~فوجب الرجوع إليه، وهو ما أخرجه أحمد وأبو داود بسند جيد عن زيد بن ثابت
~~قال:

# " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة، ولم تكن صلاة
~~أشد على الصحابة منها فنزلت: { حفظوا على الصلوت
~~والصلوة الوسطى } "

# وأخرج أحمد من وجه آخر عن زيد أيضا

# " أن رسول الله/ صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر بالهجير فلا يكون
~~وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وتجارتهم فأنزل الله تعالى: {
~~حفظوا على الصلوت } الخ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
~~«لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم "

# ويؤكد كونها غير العصر ما أخرجه مسلم وغيره من طرق عن أبي يونس مولى
~~عائشة قال: «أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا فأملت علي (حافظوا على
~~الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر) وقالت: سمعتها من رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم» والعطف يقتضي المغايرة، وأخرج مالك وغيره من طرق أيضا
~~عن عمرو بن رافع قال: «كنت أكتب مصحفا لحفصة زوج النبي صلى الله عليه
~~وسلم فأملت علي (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر) وأخرج
~~ابن أبي داود في «المصاحف» عن عبد الله بن رافع أنه كتب لأم سلمة مصحفا
~~فأملت عليه مثل ما أملت عائشة وحفصة» وأخرج ابن أبي داود عن ابن عباس
~~رضي الله عنهما أنه قرأ كذلك، وأخرج أيضا عن أبي رافع مولى حفصة قال:
~~«كتبت مصحفا لحفصة فقالت اكتب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة
~~العصر فلقيت أبي بن كعب فقال: هو كما قالت أو ليس أشغل ما نكون عند
~~صلاة الظهر في عملنا ونواضحنا» وهذا يدل على أن الصحابة فهموا من هذه
~~القراءة أنها الظهر، هذا وعن ms00936 الربيع بن خيثم وأبي بكر الوراق أنها إحدى
~~الصلوات الخمس ولم يعينها الله تعالى وأخفاها في جملة الصلوات المكتوبة
~~ليحافظوا على جميعها كما أخفى ليلة القدر في ليالي شهر رمضان.

# واسمه الأعظم في جميع الأسماء وساعة الإجابة في ساعات الجمعة؛ وقرأ عبد
~~الله وعلي (الصلاة الوسطى) وروي عن عائشة (والصلاة) بالنصب على المدح
~~والاختصاص، وقرأ نافع (الوصطى) بالصاد.

# { وقوموا لله } أي في الصلاة { قنتين } أي مطيعين كما هو
~~أصل معنى القنوت عند بعض وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أو
~~ذاكرين له تعالى في القيام بناءا على أن القنوت هو الذكر فيه، وقيل:
~~خاشعين، وقيل: مكملين الطاعة ومتميها على أحسن وجه من غير إخلال بشيء مما
~~ينبغي فيها، ويؤيده ما أخرجه ابن جرير عن مجاهد قال: من القنوت طول
~~الركوع وغض البصر والخشوع وأن لا يلتفت وأن لا يقلب الحصى ولا يعبث بشيء
~~ولا يحدث نفسه بأمر من أمور الدنيا، وفسره البخاري في «صحيحه» بساكتين
~~لما أخرج هو ومسلم وأبو داود وجماعة عن زيد بن أرقم قال: «كنا نتكلم على
~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه وهو
~~إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: { وقوموا لله قنتين } فأمرنا
~~بالسكوت ونهينا عن الكلام، ولا يخفى أنه ليس بنص في المقصود، ولعل الأوضح
~~منه ما أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما قال: أتيت
~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فلم يرد على فلما قضي
~~الصلاة قال:

# " إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أنا أمرنا أن نقوم قانتين لا
~~نتكلم في الصلاة "

# وقال ابن المسيب: المراد به القنوت في الصبح وهو رواية عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما، والجار والمجرور متعلق بما قبله أو بما بعده.

### || [2.239]

# { فإن خفتم } من عدو أو غيره { فرجالا أو ركبانا }
~~حالان من الضمير في جواب الشرط أي فصلوا راجلين أو راكبين، والأول جمع
~~راجل، وهو الماشي على رجليه ms00937  ورجل  بفتح فضم أو بفتح فكسر بمعناه،
~~وقيل: الراجل الكائن على رجليه واقفا أو ماشيا، واستدل الشافعي رضي
~~الله تعالى عنه بظاهر الآية على وجوب الصلاة حال المسايفة/ وإن لم يمكن
~~الوقوف، وذهب إمامنا إلى أن المشي وكذا القتال يبطلها، وإذا أدى الأمر
~~إلى ذلك أخرها ثم صلاها آمنا، فقد أخرج الشافعي بإسناد صحيح

# " عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: حبسنا يوم الخندق حتى
~~ذهب هوي من الليل حتى كفينا القتال وذلك قوله تعالى: { وكفى الله
~~المؤمنين القتال } [الأحزاب: 25] فدعا رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم بلالا فأمر فأقام الظهر فصلاها كما كان يصلي، ثم أقام العصر فصلاها
~~كذلك، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك، وفي لفظ
~~فصلى كل صلاة ما كان يصليها في وقتها "

# وقد كانت صلاة الخوف مشروعة قبل ذلك لأنها نزلت في ذات الرقاع  وهي قبل
~~الخندق  كما قاله ابن إسحق وغيره من أهل السير، وأجيب بمنع أن صلاة
~~الخوف مطلقا ولو شديدا شرعت قبل الخندق ليستدل بما وقع فيه من التأخير،
~~ويجعل ناسخا لما في الآية  كما قيل  والمشروع في ذات الرقاع قبل صلاة
~~الخوف الغير الشديد وهي التي نزلت فيها:

# وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلوة

# [النساء: 102] لا صلاة شدة الخوف المبينة بهذه الآية، والنزاع إنما هو
~~فيها  وهي لم تشرع قبل الخندق بل بعده  وفيه كان الخوف شديدا فلا يضر
~~التأخير، وقد أجاب بعض الحنفية بأنا سلمنا جميع ذلك إلا أن هذه الآية
~~ليست نصا في جواز الصلاة مع المشي أو المسايفة إذ يحتمل أن يكون الراجل
~~فيها بمعنى الواقف على رجليه لا سيما وقد قوبل بالراكب وقد علم من خارج
~~وجوب عدم الإخلال في الصلاة، وهذا إخلال كلي لا يحتمل فيها لإخراجه لها
~~عن ماهيتها بالكلية، وأنت تعلم  إذا أنصفت  أن ظاهر الآية صريحة مع
~~الشافعية لسبق

# وقوموا

# [البقرة: 238] والدين يسر لا عسر والمقامات مختلفة، والميسور لا يسقط
~~بالمعسور، وما لا يدرك لا يترك فليفهم. وقرىء ms00938 (رجالا)  بضم الراء مع
~~التخفيف، وبضمها مع التشديد  وقرىء { فرجلا } أيضا.

# { فإذا أمنتم } وزال خوفكم. وعن مجاهد  إذا خرجتم من دار السفر
~~إلى دار الإقامة  ولعله على سبيل التمثيل { فاذكروا الله } أي
~~فصلوا صلاة الأمن  كما قال ابن زيد  وعبر عنها بالذكر لأنه معظم
~~أركانها، وقيل: المراد  أشكروه على الأمن  وبعضهم أوجب الإعادة، وفسر
~~هذا  بأعيدوا الصلاة  وهو من البعد بمكان { كما علمكم } أي
~~ذكرا مثل ما علمكم من الشرائع وكيفية الصلاة حالتي  الأمن والخوف  أو
~~شكرا يوازي ذلك، و { ما } مصدرية وجوز أن تكون موصولة  وفيه بعد .

# { ما لم تكونوا تعملون } مفعول علمكم وزاد { تكونوا }
~~ليفيد النظم، ووقع في موضع آخر بدونها كقوله تعالى:

# علم الإنسن ما لم يعلم

# [العلق: 5] فقيل: الفائدة في ذكر المفعول فيه وإن كان الإنسان لا يعلم
~~إلا ما لم يعلم التصريح بذكر حالة الجهل التي انتقل عنها فإنه أوضح في
~~الامتنان، وفي إيراد الشرطية الأولى بأن المفيد لمشكوكية وقوع الخوف
~~وندرته، وتصدير الثانية ب (إذا) المنبئة عن تحقق وقوع الأمن وكثرته مع
~~الإيجاز في جواب الأولى، والإطناب في جواب الثانية المبنيين على تنزيل
~~مقام وقوع المأمور به فيهما منزلة مقام وقوع الأمر تنزيلا مستدعيا
~~لإجراء مقتضى المقام الأول في كل منهما مجرى مقتضى المقام الثاني من
~~الجزالة والاعتبار كما قيل  ما فيه عبرة لذوى الأبصار.

### || [2.240]

# { والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا } عود إلى
~~بيان بقية الأحكام المفصلة فيما سبق، وفي { يتوفون } مجاز
~~المشارفة { وصية لأزواجهم قرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة عن
~~عاصم بنصب { وصية } على المصدرية، أو على أنها مفعول به، والتقدير
~~ليوصوا أو يوصون وصية أو كتب الله تعالى عليهم، أو/ ألزموا وصية ويؤيد
~~ذلك قراءة عبد الله (كتب عليكم الوصية لأزواجكم متاعا إلى الحول) مكان {
~~والذين } الخ، وقرأ الباقون  بالرفع  على أنه خبر بتقدير ليصح
~~الحمل أي ووصية الذين يتوفون أو حكمهم وصية أو { والذين
~~يتوفون } أهل وصية، وجوز أن يكون نائب فاعل فعل محذوف، أو مبتدأ
~~لخبر محذوف مقدم عليه ms00939 أي: كتب عليهم أو عليهم وصية وقرأ أبي (متاع
~~لأزواجهم)، وروي عنه { فمتع } بالفاء.

# { متعا إلى الحول } نصب بيوصون إن أضمرته ويكون من باب
~~الحذف والإيصال، وإلا فبالوصية لأنها بمعنى التوصية، وبمتاع على قراءة
~~أبي لأنه بمعنى التمتع { غير إخراج } بدل منه بدل اشتمال إن
~~اعتبر اللزوم بين التمتع { إلى الحول } وبين  غير الإخراج  وبدل
~~الكل بحسب الذات فإنهما متحدان بالذات، ومتغايران بالوصف، وذكر بعضهم أنه
~~على تقدير البدل لا بد من تقدير مضاف إلى غير تقديره: متاعا إلى الحول
~~متاع غير إخراج وإلا لم يصح لأن متاعا مفسر بالإنفاق، { وغير
~~إخراج } عبارة عن الإسكان وليس مدلوله مدلول الأول، ولا جزأه، ولا
~~ملابسا له، فيكون بدل غلط  وهو لا يصح في الكلام المجيد  فيتعين
~~التقدير، وحينئذ يكون إبدال الخاص من العام وهو من قيبل إبدال الكل من
~~الجزء نحو  رأيت القمر فلكه  وهو بدل الاشتمال  كما صرح به صاحب
~~«المفتاح»  وأجيب بأنا لا نسلم أن متاعا مفسر بالإنفاق فقط بل 
~~المتاع  عام شامل للإنفاق والإسكان جميعا، فيكون { غير إخراج }
~~عبارة عن الإسكان الذي هو بعض من { متعا } فيكون بدل البعض من
~~الكل، وجوز أن يكون مصدرا مؤكدا لأن  الوصية بأن يمتعن حولا  يدل
~~على أنهن لا يخرجن، فكأنه قيل: لا يخرجن غير إخراج ويكون تأكيدا لنفي 
~~الإخراج  الدال عليه

# لا يخرجن

# [الطلاق: 1] فيؤول إلى قولك: لا يخرجن لا يخرجن، وأن يكون حالا من
~~(أزواجهم) والأكثرون على أنها حال مؤكدة إذ لا معنى لتقييد  الإيصاء 
~~بمفهوم هذه الحالة وأنها مقدرة لأن معنى نفي  الإخراج إلى الحول  ليس
~~مقارنا  للإيصاء  وفيه تأمل، وأن يكون صفة (متاع) أو منصوبا بنزع
~~الخافض، والمعنى: يجب على الذين يتوفون أن يوصوا قبل أن يحتضروا لأزواجهم
~~بأن يمتعن بعدهم  حولا  بالنفقة والسكنى، وكان ذلك على الصحيح في أول
~~الإسلام ثم نسخت المدة بقوله تعالى:

# أربعة أشهر وعشرا

# [البقرة: 234] وهو وإن كان متقدما في التلاوة فهو متأخر في النزول وكذا
~~النفقة بتوريثهن الربع أو الثمن، واختلف في سقوط ms00940 السكنى وعدمه، والذي
~~عليه ساداتنا الحنفية الأول، وحجتهم أن مال الزوج صار ميراثا للوارث،
~~وانقطع ملكه بالموت، وذهب الشافعية إلى الثاني لقوله صلى الله عليه وسلم:

# " امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله "

# واعترض بأنه ليس فيه دلالة على أن لها السكنى في مال الزوج، والكلام
~~فيه { فإن خرجن } بعد الحول، ومضى العدة، وقيل: في الأثناء
~~باختيارهن { فلا جناح عليكم } يا أولياء الميت، أو أيها
~~الأئمة. { فى ما فعلن في أنفسهن من معروف } لا ينكره
~~الشرع كالتطيب والتزين وترك الحداد والتعرض للخطاب أو في ترك منعهن من
~~الخروج، أو قطع النفقة عنهن، فلا نص في الآية على أنه لم يكن يجب عليهن
~~ملازمة مسكن الزوج والحداد عليه وإنما كن مخيرات بين الملازمة وأخذ
~~النفقة، وبين الخروج وتركها { والله عزيز } غالب على أمره ينتقم
~~ممن خالف أمره في  الإيصاء  وإنفاذ الوصية وغير ذلك { حكيم } يراعي/
~~في أحكامه مصالح عباده فينبغي أن يمتثل أمره ونهيه.

### || [2.241]

# { وللمطلقت } سواء كن مدخولا بهن أولا { متع } أي مطلق
~~المتعة الشاملة للواجبة والمستحبة وأوجبها سعيد بن جبير وأبو العالية
~~والزهري للكل، وقيل: المراد بالمتاع نفقة العدة، ويجوز أن يكون اللام
~~للعهد أي المطلقات المذكورات في الآية السابقة وهن غير الممسوسات وغير
~~المفروض لهن، والتكرير للتأكيد والتصريح بما هو أظهر في الوجوب وهذا هو
~~الأوفق بمذهبنا، ويؤيده ما أخرجه ابن جرير عن ابن زيد قال: لما نزل قوله
~~تعالى:

# متعا بالمعروف حقا على المحسنين

# [البقرة: 236] قال رجل: إن أحسنت فعلت وإن لم أرد ذلك لم أفعل فأنزل
~~الله تعالى هذه الآية فلا حاجة حينئذ إلى القول بأن تلك الآية مخصصة
~~بمفهومها منطوق هذه الآية المعممة على مذهب من يرى ذلك ولا إلى القول
~~بنسخ هذه كما ذهب إليه ابن المسيب وهو أحد قولي الإمامية {
~~بالمعروف حقا على المتقين } أي من الكفر والمعاصي.

### || [2.242]

# { كذلك } أي مثل ذلك البيان الواضح للأحكام السابقة { يبين
~~الله لكم ءايته } الدالة على ما تحتاجون إليه معاشا ومعادا
~~{ لعلكم تعقلون } أي لكي تكمل ms00941 عقولكم أو لكي تصرفوا عقولكم
~~إليها أو لكي تفهموا ما أريد منها.

### || [2.243]

# { ألم تر } هذه الكلمة قد تذكر لمن تقدم علمه فتكون للتعجب
~~والتقرير والتذكير لمن علم بما يأتي كالأحبار وأهل التواريخ، وقد تذكر
~~لمن لا يكون كذلك فتكون لتعريفه وتعجيبه، وقد اشتهرت في ذلك حتى أجريت
~~مجرى المثل في هذا الباب بأن شبه حال من لم ير الشيء بحال من رآه في أنه
~~لا ينبغي أن يخفى عليه وأنه ينبغي أن يتعجب منه ثم أجرى الكلام معه كما
~~يجري مع من رأى قصدا إلى المبالغة في شهرته وعراقته في التعجب، والرؤية
~~إما بمعنى الأبصار مجازا عن النظر، وفائدة التجوز الحث على الاعتبار لأن
~~النظر اختياري دون الإدراك الذي بعده وإما بمعنى الإدراك القلبي متضمنا
~~معنى الوصول والانتهاء ولهذا تعدت بإلى في قوله تعالى: { إلى الذين
~~} كما قاله غير واحد، وقال الراغب: إن الفعل مما يتعدى بنفسه لكن لما
~~استعير لمعنى  ألم تنظر  عدي تعديته بإلى وفائدة استفادته أن النظر قد
~~يتعدى عن الرؤية فإذا أريد الحث على نظر ناتج لا محالة لها استعيرت له
~~وقلما استعمل ذلك في غير التقرير فلا يقال رأيت إلى كذا انتهى. وقد يتعدى
~~اللفظ على هذا المعنى بنفسه وقل من نبه عليه كقول امرىء القيس:

#  ألم تر  بأني كلما جئت طارقا

# وجدت بها طيبا ولم تتطيب

# والمراد بالموصول أهل قرية يقال لها داوردان قرب واسط. { خرجوا من
~~ديرهم } فارين من الطاعون أو من الجهاد حيث دعوا إليه { وهم
~~ألوف حذر الموت } وكانوا فوق عشرة آلاف على ما استظهره الأكثر
~~بناءا على أنه لا يقال  عشرة ألوف ولا تسعة ألوف  وهكذا وإنما يقال
~~آلاف، فقول عطاء الخراساني: إنهم كانوا ثلاثة آلاف، وابن عباس في إحدى
~~الروايات عنه أنهم أربعة آلاف، ومقاتل والكلبي إنهم ثمانية آلاف، وأبي
~~صالح إنهم تسعة آلاف، وأبي رءوف إنهم عشرة آلاف لا يساعده هذا
~~الاستعمال، والقائلون بالفوقية اختلفوا فقيل: كانوا بضعة وثلاثين ألفا،
~~وحكى ذلك عن السدي، وروي عن ابن ms00942 عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم أربعون
~~ألفا، وقال عطاء بن أبي رباح: إنهم سبعون ألفا ولا أرى لهذا الخلاف
~~ثمرة بعد القول بالكثرة وإلى ذلك يميل كلام الضحاك، وحكي عن ابن زيد أن
~~المراد: خرجوا مؤتلفي القلوب ولم يخرجوا عن تباغض فجعله جمع/ آلف مثل
~~قاعد وقعود وشاهد وشهود وهو خلاف الظاهر، وليس فيه كثير اعتبار إذ ورود
~~الموت دفعة كما ينبىء عنه قوله تعالى: { فقال لهم الله موتوا
~~} على جمع عظيم أبلغ في الاعتبار، وأما وقوعه على قوم بينهم ألفة فهو
~~كوقوعه على غيرهم، ومثل هذا القول بأن المراد ألفهم وحبهم لديارهم أو
~~لحياتهم الدنيا، والمراد بقوله تعالى إما ظاهره وإما مجاز عن تعلق إرادته
~~تعالى بموتهم دفعة، وقيل: هو تمثيل لإماتته تعالى إياهم ميتة نفس واحدة
~~في أقرب وقت وأدناه وأسرع زمان وأوحاه بأمر [آمر] مطاع لمأمور مطيع،
~~وقيل: ناداهم ملك بذلك، وعن السدي أن المنادي ملكان وإنما أسند إليه
~~تعالى تخويفا وتهويلا.

# { ثم أحيهم } عطف على مقدر يستدعيه المقام أي: فماتوا ثم
~~أحياهم قيل: وإنما حذف للدلالة على الاستغناء عن ذكره لاستحالة تخلف
~~مراده تعالى عن إرادته الكونية، وجوز أن يكون عطفا على  قال  لما أنه
~~عبارة عن الإماتة والمشهور أنهم بقوا موتى مدة حتى تفرقت عظامهم فمر بهم
~~حزقيل الشهير بابن العجوز خليفة كالب بن يوفنا خليفة يوشع بن نون، وقيل:
~~شمعون، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال وهب: إنه شمويل
~~وهو ذو الكفل، وقيل: يوشع نفسه فوقف متعجبا لكثرة ما يرى منهم (فأوحى
~~الله تعالى إليه أن ناد أيتها العظام أن الله تعالى يأمركم أن تجتمعي
~~فاجتمعت حتى التزق بعضها ببعض فصارت أجسادا من عظام لا لحم ولا دم ثم
~~أوحى الله تعالى إليه أن ناد أيتها الأجسام أن الله تعالى يأمرك أن تكتسي
~~لحما فاكتست لحما ثم أوحى الله تعالى إليه أن ناد أن الله تعالى يأمرك
~~تقومي فبعثوا أحياء يقولون سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت) ms00943
~~والروايات في هذا الباب كثيرة.

# والظاهر أنهم لم يروا في هذا الموت من الأهوال والأحوال ما يصير بها
~~معارفهم ضرورية، ويمنع من صحة التكليف بعد الإحياء كما في الآخرة، ويمكن
~~أن يقال إنهم رأوا ما يراه الموتى إلا أنهم أنسوه بعد العودة والقادر على
~~الإماتة والإحياء قادر على الإنساء وسبحان من لا يعجزه شيء، وعلى كلا
~~التقديرين لا يشكل موت هؤلاء في الدنيا مرتين مع قوله تعالى:

# لا يذوقون فيها الموت

# [الدخان: 56] الآية لأن ذلك لم يكن عن استيفاء آجال  كما قال مجاهد 
~~وإنما هو موت عقوبة فكأنه ليس بموت، وأيضا هو من خوارق العادات فلا يرد
~~نقضا، ومن الناس من قال: إن هذا لم يكن موتا كالموت الذي يكون وراءه
~~الحياة للنشور، وإنما هو نوع انقطاع تعلق الروح عن الجسد بحيث يلحقه
~~التغير والفساد وهو فوق داء السكتة والإغماء الشديد حتى لا يشك الرائي
~~الحاذق لو رآه بانقطاع التعلق أصلا ولم يعلم أنه قد بقي تعلق ما لكنه لم
~~يصل إلى حد الحياة المعلومة لدينا، ولعل هذا القول يعود بالآخرة إلى
~~انقسام الموت أو إلى أن إطلاق الموت على ما ذكر مجاز، وكلا الأمرين في
~~القلب منهما شيء بل أشياء. وقد ذهب إلى مثله ابن الراوندي في جميع
~~الأموات فقال: إن الأرواح لا تفارق الأبدان أصلا وإنما يحدث في الأبدان
~~عوارض وعلل يحدث تفرق الأجزاء منها كما يحدث للمجذومين، والروح كامنة في
~~الأجزاء المتفرقة أينما كانت لكونها عرية عن الإحساس والإدراك وهو مذهب
~~تحكم الضرورة برده عافانا الله تعالى والمسلمين عن اعتقاد مثله.

# { إن الله لذو فضل على الناس } جميعا، أما أولئك فقد
~~أحياهم ليعتبروا فيفوزوا بالسعادة وأما الذين سمعوا فقد هداهم إلى
~~الاعتبار، وهذا كالتعليل لما تقدم { ولكن أكثر الناس لا
~~يشكرون } استدراك مما تضمنه ما قبله والتقدير: فيجب عليهم أن يشكروا
~~فضله ولكان الخ، وجوز أن يراد بالشكر الاستبصار والاعتبار، ولا يخفى
~~بعده، والإظهار في مقام الإضمار لمزيد التشنيع ومناسبة هذه لما قبلها أنه
~~سبحانه لما ذكر ms00944 جملا من الأحكام/ التكليفية مشتملة على ذكر شيء من أحكام
~~الموتى عقب ذلك بهذه القصة العجيبة تنبيها على عظيم قدرته وأنه القادر
~~على الإحياء والبعث للمجازاة واستنهاضا للعزائم على العمل للمعاد
~~والوفاء بالحقوق والصبر على المشاق. وقيل: وجه المناسبة أنه لما ذكر
~~سبحانه

# كذلك يبين الله لكم ءآيته لعلكم تعقلون

# [البقرة: 242] ذكر هذه القصة لأنها من عظيم آياته وبدائع قدرته، وقيل:
~~جعل الله تعالى هذه القصة لما فيها من تشجيع المسلمين على الجهاد والتعرض
~~للشهادة، والحث على التوكل والاستسلام للقضاء تمهيدا لقوله تعالى: {
~~وقتلوا في سبيل الله }.

### || [2.244]

# { وقتلوا في سبيل الله } وهو عطف في المعنى على

# ألم تر

# [البقرة: 243] لأنه بمعنى انظروا وتفكروا، والسورة الكريمة لكونها سنام
~~القرآن ذكر فيها كليات الأحكام الدينية من الصيام والحج والصلاة والجهاد
~~على نمط عجيب مستطردا تارة للاهتمام بشأنها يكر عليها كلما وجد مجال،
~~ومقصودا أخرى دلالة على أن المؤمن المخلص لا ينبغي أن يشغله حال عن حال،
~~وإن المصالح الدنيوية ذرائع إلى الفراغة للمشاغل الأخروية، والجهاد لما
~~كان ذروة سنام الدين، وكان من أشق التكاليف حرضهم عليه من طرق شتى مبتدأ
~~من قوله سبحانه:

# ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله

# [البقرة: 154] منتهيا إلى هذا المقام الكريم مختتما بذكر الانفاق في
~~سبيله للتتميم  قاله في «الكشف» وجوز في العطف وجوه أخر، الأول: أنه
~~عطف على مقدر يعينه ما قبله كأنه قيل فاشكروا فضله بالاعتبار بما قص
~~عليكم  وقاتلوا في سبيله  لما علمتم أن الفرار لا ينجي من الحمام وأن
~~المقدر لا يمحى فإن كان قد حان الأجل فموت في سبيل الله تعالى خير سبيل
~~وإلا فنصر وثواب، الثاني: أنه عطف على ما يفهم من القصة أي اثبتوا ولا
~~تهربوا كما هرب هؤلاء وقاتلوا، والثالث: أنه عطف على

# حفظوا على الصلوت

# إلى

# فإن خفتم

# [البقرة: 238239] الآية لأن فيه إشعارا بلقاء العدو وما جاء جاء
~~كالاعتراض، الرابع: أنه عطف على

# فقال لهم الله

# [البقرة: 243] والخطاب لمن أحياهم الله تعالى وهو كما ترى {
~~واعلموا أن ms00945 الله سميع } لما يقوله المتخلف عن الجهاد من
~~تنفير الغير عنه وما يقوله السابق إليه من ترغيب فيه { عليم } بما
~~يضمره هذا وذلك من الأغراض والبواعث فيجازي كلا حسب عمله ونيته.

### || [2.245]

# { من ذا الذى يقرض الله }  { من } استفهامية مرفوعة
~~المحل بالابتداء، و { ذا } خبره و { الذى } صفة له أو بدل منه، ولا
~~يجوز أن يكون { من ذا } بمنزلة اسم واحد مثل ما تكون ماذا كذلك كما نص
~~عليه أبو البقاء لأن ما أشد إبهاما من  من  وإقراض الله تعالى مثل
~~لتقديم العمل العاجل طلبا للثواب الآجل، والمراد هاهنا إما الجهاد
~~المشتمل على بذل النفس والمال، وإما مطلق العمل الصالح، ويدخل فيه ذلك
~~دخولا أوليا، وعلى كلا التقديرين لا يخفى انتظام الجملة بما قبلها {
~~قرضا } إما مصدر بمعنى  إقراضا  فيكون نصبا على المصدرية، وإما
~~بمعنى المفعول فيكون نصبا على المفعولية، وقوله سبحانه: { حسنا } صفة
~~له على الوجهين وجهة الحسن على الأول الخلوص مثلا وعلى الثاني الحل
~~والطيب، وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه 
~~القرض الحسن  المجاهدة والانفاق في سبيل الله تعالى، وعليه يلتئم النظم
~~أتم التئام { فيضعفه } أي  القرض  { له } وجعله  مضاعفا 
~~مجاز لأنه سبب  المضاعفة  وجوز تقدير مضاف أي  فيضاعف  جزاءه، وصيغة
~~المفاعلة ليست على بابها إذ لا مشاركة وإنما اختيرت للمبالغة المشيرة
~~إليها المغالبة.

# وقرأ عاصم بالنصب، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون  معطوفا  على مصدر 
~~يقرض  في المعنى أي  من ذا الذي  يكون منه قرض فمضاعفة من الله تعالى،
~~وثانيهما: أن يكون جوابا لاستفهام معنى أيضا لأن المستفهم/ عنه وإن كان
~~المقرض في اللفظ إلا أنه في المعنى الإقراض فكأنه قيل: أيقرض الله تعالى
~~أحد فيضاعفه وهذا ما اختاره أبو البقاء ولم يجوز أن يكون جواب الاستفهام
~~في اللفظ لأن المستفهم عنه فيه المقرض لا القرض ولا عطفه على المصدر الذي
~~هو قرضا كما يعطف الفعل على المصدر بإضمار إن لأمرين  على ما قيل 
~~الأول: أن (قرضا) هنا مصدر مؤكد وهو لا ms00946 يقدر بأن والفعل، والثاني: إن
~~عطفه عليه يوجب أن يكون معمولا ليقرض، ولا يصح هذا لأن المضاعفة ليست
~~مقروضة، وإنما هي فعل من الله تعالى وفيه تأمل، وقرأ ابن كثير (يضعفه)
~~بالرفع والتشديد، ويعقوب وابن عامر (يضعفه) بالنصب.

# { أضعافا } جمع ضعف وهو مثل الشيء في المقدار إذا زيد عليه فليس
~~بمصدر والمصدر الإضعاف أو المضاعفة فعلى هذا يجوز أن يكون حالا من الهاء
~~في { يضعفه } وأن يكون مفعولا ثانيا على المعنى بأن تضمن
~~المضاعفة معنى التصيير، وجوز أن يعتبر واقعا موقع المصدر فينتصب على
~~المصدرية حينئذ، وإنما جمع والمصادر لا تثنى ولا تجمع لأنها موضوعة
~~للحقيقة من حيث هي لقصد الأنواع المختلفة، والمراد به أيضا إذ ذاك
~~الحقيقة لكنها تقصد من حيث وجودها في ضمن أنواعها الداخلة تحتها {
~~كثيرة } لا يعلم قدرها إلا الله تعالى، وأخرج الإمام أحمد وابن
~~المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عثمان النهدي قال: بلغني عن أبي هريرة
~~أنه قال: إن الله تعالى ليكتب لعبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة
~~فحججت ذلك العام ولم أكن أريد أن أحج إلا للقائه في هذا الحديث فلقيت أبا
~~هريرة فقلت له: فقال: ليس هذا قلت ولم يحفظ الذي حدثك إنما قلت إن الله
~~تعالى ليعطي العبد المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة ثم قال أبو
~~هريرة: أو ليس تجدون هذا في كتاب الله تعالى: { من ذا الذى
~~يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا
~~كثيرة }؟ فالكثيرة عنده تعالى أكثر من ألفي ألف وألفي ألف والذي نفسي
~~بيده لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " إن الله تعالى يضاعف الحسنة ألفي ألفي حسنة» "

# { والله يقبض ويبسط } أي يقتر على بعض ويوسع على بعض أو
~~يقتر تارة ويوسع أخرى حسبما تقتضيه الحكمة التي قد دق سرها وجل قدرها
~~وإذا علمتم أنه هو القابض والباسط وأن ما عندكم إنما هو من بسطه وعطائه
~~فلا تبخلوا عليه فأقرضوه وأنفقوا مما وسع عليكم بدل توسعته وإعطائه ولا
~~تعكسوا بأن تبخلوا بدل ms00947 ذلك فيعاملكم مثل معاملتكم في التعكيس بأن يقبض
~~ويقتر عليكم من بعد ما وسع عليكم وأقدركم على الانفاق، وعن قتادة،
~~والأصم، والزجاج أن المعنى يقبض الصدقات، ويبسط الجزاء عليها فالكلام
~~كالتأكيد والتقرير لما قبله ووجه تأخير البسط عليه ظاهر، ووجه تأخيره على
~~الأول الإيماء إلى أنه يعقب القبض في الوجود تسلية للفقراء، وقرىء { يبصط
~~}. { وإليه ترجعون } فيجازيكم على حسب ما قدمتم.

# ومن باب الإشارة: إن الصلوات خمس، صلاة السر بشهوده مقام الغيب، وصلاة
~~النفس بخمودها عن دواعي الريب، وصلاة القلب بمراقبته أنوار الكشف، وصلاة
~~الروح بمشاهدة الوصل، وصلاة البدن بحفظ الحواس وإقامة الحدود، فالمعنى
~~حافظوا على هذه الصلوات الخمس، والصلاة الوسطى التي هي صلاة القلب التي
~~شرطها الطهارة عن الميل إلى السوى وحقيقتها التوجه إلى المولى ولهذا تبطل
~~بالخطرات والانحراف عن كعبة الذات { وقوموا لله } بالتوجه إليه

# قنتين

# [البقرة: 238] أي مطيعين له ظاهرا وباطنا بدفع الخواطر { فإن
~~خفتم } صدمات الجلال حال سفركم إلى الله تعالى فصلوا راجلين في
~~بيداء/ المسير سائرين على أقدام الصدق أو راكبين على مطايا العزم ولا
~~يصدنكم الخوف عن ذلك { فإذا أمنتم } بعد الرجوع عن ذلك السفر إلى
~~الوطن الأصلي بكشف الحجاب

# فاذكروا الله

# [البقرة: 239] أي فصلوا له بكليتكم حتى تفنوا فيه أو فإذا أمنتم بالرجوع
~~إلى البقاء بعد الفناء فاذكروا الله تعالى لحصول الفرق بعد الجمع حينئذ،
~~وأما قبل ذلك فلا ذكر إذ لا امتياز ولا تفصيل وقد قيل للمجنون: أتحب
~~ليلى؟ فقال: ومن ليلى؟! أنا ليلى، وقال بعضهم:

# أنا من أهوى ومن أهوى أنا

# نحن روحان حللنا بدنا

# فإذا أبصرتني أبصرته

# وإذا أبصرته أبصرتنا

# { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديرهم } أي أوطانهم
~~المألوفة ومقار نفوسهم المعهودة ومقاماتهم ومراتبهم من الدنيا وما ركنوا
~~إليها بدواعي الهوى { وهم } قوم { ألوف } كثيرة أو متحابون متألفون
~~في الله تعالى حذر موت الجهل والانقطاع عن الحياة الحقيقية والوقوع في
~~المهاوي الطبيعية { فقال لهم الله موتوا } أي أمرهم بالموت
~~الاختياري أو أماتهم عن ذواتهم بالتجلي الذاتي حتى فنوا فيه ms00948

# ثم أحياهم

# [البقرة: 243] بالحياة الحقيقية العلمية أو به بالوجود الحقاني 
~~والبقاء بعد الفناء 

# إن الله لذو فضل على

# [البقرة: 243] سائر

# الناس

# [البقرة: 243] بتهيئة أسباب إرشادهم

# ولكن أكثر الناس لا يشكرون

# [البقرة: 243] لمزيد غفلتهم عما يراد بهم

# وقتلوا في سبيل الله

# [البقرة: 244] النفس والشيطان

# واعلموا أن الله سميع

# [البقرة: 244] هواجس نفوس المقاتلين في سبيله

# عليم

# [البقرة: 244] بما في قلوبهم { من ذا الذى يقرض الله }
~~ويبذل نفسه له بذلا خالصا عن الشركة { فيضاعفه له أضعافا
~~كثيرة } بظهور نعوت جماله وجلاله فيه  { والله يقبض } أرواح
~~الموحدين  بقبضته الجبروتية في نور الأزلية، { ويبسط } [البقرة:
~~245] أسرار العارفين من قبضة الكبرياء وينشرها في مشاهدة ثناء الأبدية،
~~ويقال: القبض سره والبسط كشفه، وقيل: القبض للمريدين والبسط للمرادين أو
~~الأول: للمشتاقين والثاني: للعارفين، والمشهور أن القبض والبسط حالتان
~~بعد ترقي العبد عن حالة الخوف والرجاء فالقبض للعارف كالخوف للمستأمن،
~~والفرق بينهما أن الخوف والرجاء يتعلقان بأمر مستقبل مكروه أو محبوب،
~~والقبض والبسط بأمر حاضر في الوقت يغلب على قلب العارف من وارد غيبي
~~وكان الأول: من آثار الجلال والثاني: من آثار الجمال.

### || [2.246]

# { ألم تر إلى الملإ من بنى إسرءيل } الملأ من القوم
~~وجوههم وأشرافهم وهو اسم للجماعة لا واحد له من لفظه، وأصل الباب
~~الاجتماع فيما لا يحتمل المزيد وإنما سمي الأشراف بذلك لأن هيبتهم تملأ
~~الصدور أو لأنهم يتمالؤن أي يتعاونون بما لا مزيد عليه، و (من) للتبغيض
~~والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالا من الملأ { من بعد موسى }
~~أي من بعد وفاته عليه السلام، و (من) للابتداء وهي متعلقة بما تعلق به ما
~~قبله ولا يضر اتحاد الحرفين لفظا لاختلافهما معنى { إذ قالوا
~~لنبى لهم } قال أبو عبيدة: هو أشمويل بن حنة بن العاقر  وعليه
~~الأكثر . وعن السدي أنه شمعون وقال قتادة: هو يوشع بن نون لمكان { من
~~بعد } من قبل وهي ظاهرة في الاتصال، ورد بأن يوشع هذا فتى موسى عليهما
~~السلام وكان بينه وبين داود قرون كثيرة والاتصال غير لازم، و { إذ }
~~متعلقة ms00949 بمضمر يستدعيه المقام أي: ألم تر قصة الملأ أو حديثهم حين قالوا:
~~{ ابعث لنا ملكا } أي أقم لنا أميرا، وأصل البعث إرسال المبعوث
~~من المكان الذي هو فيه لكن يختلف باختلاف متعلقه يقال: بعث البعير من
~~مبركه إذا أثاره وبعثته في السير إذا هيجته، وبعث الله تعالى الميت إذا
~~أحياه، وضرب البعث على الجند إذا أمروا بالارتحال.

# / { نقتل فى سبيل الله } مجزوم بالأمر، وقرىء بالرفع على
~~أنه حال مقدرة أي ابعثه لنا مقدرين القتال أو مستأنف استئنافا بيانيا
~~كأنه قيل: فماذا تفعلون مع الملك؟ فأجيب نقاتل، وقرىء (يقاتل)  بالياء 
~~مجزوما ومرفوعا على الجواب للأمر. والوصف  لملكا  وسبب طلبهم ذلك
~~على ما في بعض الآثار أنه لما مات موسى خلفه يوشع ليقيم فيهم أمر الله
~~تعالى ويحكم بالتوراة ثم خلفه كالب كذلك ثم حزقيل كذلك ثم إلياس كذلك ثم
~~اليسع كذلك، ثم ظهر لهم عدو وهم العمالقة قوم جالوت  وكانوا سكان بحر
~~الروم  بين مصر وفلسطين، وظهروا عليهم، وغلبوا على كثير من بلادهم
~~وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين، وضربوا عليهم الجزية وأخذوا
~~توراتهم ولم يكن لهم نبي إذ ذاك يدبر أمرهم وكان سبط النبوة قد هلكوا
~~إلا امرأة حبلى فولدت غلاما فسمته أشمويل ومعناه إسمعيل، وقيل: شمعون
~~فلما كبر سلمته التوراة وتعلمها في بيت المقدس وكفله شيخ من علمائهم فلما
~~كبر نبأه الله تعالى وأرسله إليهم فقالوا: إن كنت صادقا  فابعث لنا
~~ملكا  الآية، وكان قوام أمر بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك وطاعة
~~أنبيائهم وكان الملك هو الذي يسير بالجموع والنبي هو الذي يقيم أمره
~~ويرشده ويشير عليه.

# { قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا
~~تقتلوا } (عسى) من النواسخ وخبرها (أن لا تقاتلوا) وفصل بالشرط
~~اعتناءا به، والمعنى هل قاربتم أن لا تقاتلوا كما أتوقعه منكم، والمراد
~~تقرير أن المتوقع كائن وتثبيته على ما قيل، واعترض بأن عسيتم أن لا
~~تقاتلوا معناه توقع عدم القتال، و (هل) لا يستفهم بها إلا عما دخلته
~~فيكون الاستفهام عن التوقع لا المتوقع ms00950 ولا يلزم من تقرير الاستفهام أن
~~المتوقع ثابت بل إن التوقع كائن وأين هذا من ذاك؟! وأجيب بأن الاستفهام
~~دخل على جملة مشتملة على توقع ومتوقع ولا سبيل إلى الأول لأن الرجل لا
~~يستفهم عن توقعه فتعين أن يكون عن المتوقع، ولما كان الاستفهام على سبيل
~~التقرير كان المراد أن المتوقع كائن، وقيل: لما كانت عسى لإنشاء التوقع
~~ولا تخرج عنه جعل الاستفهام التقريري متوجها إلى المتوقع وهو الخبر الذي
~~هو محل الفائدة فقرره وثبته وكون المستفهم عنه يلي الهمزة ليس أمرا
~~كليا، وقيل: إن (عسى) ليست من النواسخ وقد تضمنت معنى قارب و (إن) وما
~~بعدها مفعول لها وهذا معنى قول بعضهم: إن خبر لا إنشاء، واستدل على ذلك
~~بدخول الاستفهام عليها ووقوعها خبرا في قوله:

# لا تكسرن إني عسيت صائما

# ولا يخفى ما فيه، وإنما ذكر في معرض الشرط كتابة القتال دون ما التمسوه
~~مع أنه أظهر تعلقا بكلامهم مبالغة في بيان تخلفهم عنه فإنهم إذا لم
~~يقاتلوا عند فرضية القتال عليهم بإيجاب الله تعالى فلأن لا يقاتلوا عند
~~عدم فرضيته أولى ولأن ما ذكروه بما يوهم أن سبب تخلفهم هو المبعوث لا نفس
~~القتال، ويحتمل أنه أقام هذا مقام ذلك إيماءا إلى أن ذلك البعث المترتب
~~عليه القتال إذا وقع فإنما يقع على وجه يترتب عليه الفرضية، وقرىء 
~~عسيتم  بكسر السين وهي لغة قليلة.

# { قالوا وما لنا ألا نقتل فى سبيل الله } أي ما
~~الداعي لنا إلى أن لا نقاتل أي إلى ترك القتال، والجار والمجرور متعلق
~~بما تعلق به (لنا) أو به نفسه وهو خبر عن { ما } ودخلت الواو لتدل على
~~ربط هذا الكلام بما قبله ولو حذفت لجاز أن يكون منقطعا عنه  قاله أبو
~~البقاء  وجوز أن تكون عاطفة على محذوف كأنهم قالوا عدم القتال غير متوقع
~~منا  وما لنا أن لا نقاتل  وإنما لم يصرحوا به تحاشيا عن مشافهة نبيهم
~~بما هو ظاهر في رد كلامه، والشائع في مثل هذا التركيب ما لنا نفعل ms00951 أو لا
~~نفعل على أن الجملة حال، ولما منع من ذلك هنا أن المصدرية إذ لا توافقه
~~التزم فيه ما التزم، والأخفش ادعى/ زيادة إن وأن العمل لا ينافيها،
~~والجملة نصب على الحال كما في الشائع، وقيل: إنه على حذف الواو ويؤول إلى
~~(ما لنا) ولأن لا نقاتل كقولك: إياك وأن تتكلم؛ وقد يقال: إياك أن تتكلم
~~والمعنى على  الواو ، وقيل: إن (ما) هنا نافية أي ليس لنا ترك القتال.

# { وقد أخرجنا من ديرنا وأبنائنا } في موضع الحال
~~والعامل (نقاتل) والغرض الإخبار بأنهم يقاتلون لا محالة إذ قد عرض لهم ما
~~يوجب المقاتلة إيجابا قويا وهو الإخراج عن الأوطان والاغتراب من الأهل
~~والأولاد، وإفراد الأبناء بالذكر لمزيد تقوية أسباب القتال وهو معطوف على
~~الديار وفيه حذف مضاف عند أبي البقاء أي ومن بين أبنائنا، وقيل: لا حذف
~~والعطف على حد:

# علفتها تبنا وماء باردا

# وفي الكلام إسناد ما للبعض للكل إذ المخرج بعضهم لا كلهم.

# { فلما كتب عليهم القتال } بعد سؤال النبي وبعث الملك
~~{ تولوا } أعرضوا وضيعوا أمر الله تعالى ولكن لا في ابتداء الأمر
~~بل بعد مشاهدة كثرة العدو وشكوته كما سيجيء وإنما ذكر ههنا مآل أمرهم
~~إجمالا إظهارا لما بين قولهم وفعلهم من التنافي والتباين { إلا
~~قليلا منهم } وهم الذين جاوزوا النهر وكانوا ثلثمائة وثلاثة عشرة
~~عدة أهل بدر على ما أخرجه البخاري عن البراء رضي الله تعالى عنه، والقلة
~~إضافية فلا يرد وصف هذا العدد أحيانا بأنه جم غفير { والله عليم
~~بالظلمين } ومنهم الذين ظلموا بالتولي عن القتال وترك الجهاد
~~وتنافت أقوالهم وأفعالهم، والجملة تذييل أريد منها الوعيد على ذلك.

### || [2.247]

# { وقال لهم نبيهم } شروع في التفصيل بعد الإجمال أي قال بعد
~~أن أوحى لهم ما أوحي { إن الله قد بعث لكم طالوت
~~ملكا } يدبر أمركم وتصدرون عن رأيه في القتال. وطالوت فيه قولان
~~أظهرهما أنه علم أعجمي عبري  كداود  ولذلك لم ينصرف، وقيل: إنه عربي
~~من الطول وأصله طولوت  كرهبوت ورحموت  فقلبت  الواو ألفا  لتحركها
~~وانفتاح ms00952 ما قبلها ومنع صرفه حينئذ للعلمية وشبه العجمة لكونه ليس من
~~أبنية العرب، وأما ادعاء العدل عن طويل، والقول بأنه عبراني وافق العربي
~~فتكلف. و { ملكا } حال من { طالوت } أخرج ابن أبي حاتم عن السدي
~~أن  نبيهم  لما دعا ربه أن يملكهم أتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم فلم
~~يساوها إلا طالوت. وأخرج ابن إسحق وابن جرير عن وهب بن منبه أنه لما دعا
~~الله قال له: أنظر القرن الذي فيه الدهن في بيتك فإذا دخل عليك رجل فنش
~~الدهن الذي فيه فهو ملك بني إسرائيل فأدهن رأسه منه وملكه عليهم فأقام
~~ينتظر متى يدخل ذلك الرجل عليه وكان طالوت رجلا دباغا يعمل الأدم،
~~وقيل: كان سقاءا وكان من سبط بنيامين بن يعقوب عليه السلام ولم يكن فيهم
~~نبوة ولا ملك فخرج طالوت في ابتغاء دابة له ضلت ومعه غلام فمرا ببيت
~~النبي فقال غلام طالوت له: لو دخلت بنا على هذا النبي فسألناه عن أمر
~~دابتنا فيرشدنا ويدعو لنا فيها بخير فقال طالوت: ما بما قلت من بأس فدخلا
~~عليه فبينما هو عنده يذكر له شأن دابته ويسأله أن يدعو له إذ نش الدهن
~~الذي في القرن فقام إليه النبي فأخذه ثم قالت لطالوت: قرب رأسك فقربه
~~فدهنه منه ثم قال: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى أن أملكك
~~عليهم فجلس عنده وقال الناس: ملك طالوت فأتت عظماء بني إسرائيل نبيهم
~~مستغربين ذلك حيث لم يكن من بيت النبوة ولا الملك.

# { قالوا أنى يكون له الملك علينا } أي من أين يكون
~~أو كيف يكون له ذلك؟ والاستفهام حقيقي أو للتعجب/ لا لتكذيب نبيهم
~~والإنكار عليه في رأي، وموضعه نصب على الحال من الملك، و  يكون  يجوز
~~أن تكون الناقصة فيكون الخبر (له)،  و (علينا)  حال من الملك أو الخبر
~~(علينا) و (له) حال، ويجوز أن تكون التامة فيكون له متعلقا بها. و {
~~علينا } حال { ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت
~~سعة من المال } الواو الأولى: حالية، ms00953 والثانية: عاطفة جامعة
~~للجملتين أي كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق
~~منه ولعدم ما يتوقف عليه الملك من المال، أو لعدم ما يجبر نقصه لو كان
~~ويلحقه بالأشراف عرفا من ذلك، وأصل  سعة  وسعة بالواو وحذفت لحذفها من
~~يسع وكان حق الفعل كسر السين فيه ليتأتى الحذف كما في  يعد  وإنما
~~ارتكب الفتح لحرف الحلق فهو عارض، ولذا أجرى عليه حكم الكسرة ولذلك الفتح
~~فتحت السين في المصدر ولم تكسر كما كسرت عين عدة.

# { قال إن الله اصطفه عليكم وزاده بسطة في
~~العلم والجسم والله يؤتى ملكه من يشاء والله
~~وسع عليم } رد عليهم بأبلغ وجه وأكمله كأنه قيل: لا تستبعدوا تملكه
~~عليكم لفقره وانحطاط نسبه عنكم، أما أولا: فلأن ملاك الأمر هو اصطفاء
~~الله تعالى وقد اصطفاه واختاره وهو سبحانه أعلم بالمصالح منكم، وأما
~~ثانيا: فلأن العمدة وفور العلم ليتمكن به من معرفة الأمور السياسية،
~~وجسامة البدن ليكون أعظم خطرا في القلوب وأقوى على كفاح الأعداء ومكابدة
~~الحروب لا ما ذكرتم وقد خصه الله تعالى بحظ وافر منهما، وأما ثالثا:
~~فلأنه تعالى مالك الملك على الإطلاق وللمالك أن يمكن من شاء من التصرف في
~~ملكه بإذنه، وأما رابعا: فلأنه سبحانه واسع الفضل يوسع على الفقير
~~فيغنيه عليم بما يليق بالملك من النسيب وغيره، وفي تقديم البسطة في العلم
~~على البسطة في الجسم إيماء إلى أن الفضائل النفسانية أعلى وأشرف من
~~الفضائل الجسمانية بل يكاد لا يكون بينهما نسبة لا سيما ضخامة الجسم
~~ولهذا حمل بعضهم البسطة فيه هنا على الجمال أو القوة لا على المقدار كطول
~~القامة كما قيل: إن الرجل القائم كان يمد يده حتى ينال رأسه فإن ذلك لو
~~كان كمالا لكان أحق الخلق به رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه عليه
~~الصلاة والسلام كان ربعة من الرجال، ولعل ذكر ذلك على ذلك التقدير لأنه
~~صفة تزيد الملك المطلوب لقتال العمالقة حسنا لأنهم كانوا ضخاما ذوي
~~بسطة في الأجسام ms00954 وكان ظل ملكهم جالوت ميلا على ما في بعض الأخبار لا
~~أنها من الأمور التي هي عمدة في الملوك من حيث هم كما لا يخفى على من
~~تحقق  أن المرء بأصغريه لا بكر جسمه وطول برديه .

# وفي اختيار واسع وعليم في الإخبار عنه تعالى هنا حسن المناسبة لبسطة
~~الجسم وكثرة العلم ما تهتش له الخواطر لا سيما على ما يتبادر من بسطة
~~الجسم، وقدم الوصف الأول مع أن ما يناسبه ظاهرا مؤخر لأن له مناسبة معنى
~~لأول الأخبار إذ الاصطفاء من سعة الفضل أيضا، ولأن عليم أوفق بالفواصل
~~وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة.

### || [2.248]

# { وقال لهم نبيهم } عطف على مثله مما تقدم وكان توسيط ما
~~تقدم بينهما للإشعار بعدم اتصال أحدهما بالآخر وتخلل كلام من جهة
~~المخاطبين متفرع على السابق مستتبع للاحق، وروايات القصاص متظافرة على
~~أنهم قالوا لنبيهم: ما آية ملكه واصطفائه علينا؟ فقال: { إن ءاية
~~ملكه أن يأتيكم التابوت } ولما لم يكن قولهم ذلك مذكورا
~~ليقع هذا جوابا له صراحة أعاد الفاعل ليغاير ما علم صراحة كونه جوابا،
~~وإنما لم يجر ذلك المجرى بأن يذكر مقولهم ويكون هذا جوابا له، ويكتفي
~~بالإضمار كما اكتفى به أولا للإيماء إلى أن ذلك السؤال للنبي بعد
~~تصديقهم له وبيانه لهم ما استفهموا عنه مما لا ينبغي أن يكون حتى يجاب
~~لأن له شبها تاما بالتعنت حينئذ وإن عد من باب/ السؤال لتقوية العلم،
~~وهذا بناءا على أن القوم كانوا مؤمنين، وفي بعض الروايات ما يقتضي أنهم
~~لم يكونوا آمنوا به حينئذ فعن السدي أن هذا النبي كان قد كفله شيخ من
~~علماء بني إسرائيل فلما أراد الله تعالى أن يبعثه نبيا أتاه جبريل وهو
~~غلام نائم إلى جنب الشيخ، وكان لا يأمن عليه غيره فدعاه بلحن الشيخ فقام
~~فزعا إلى الشيخ فقال: يا أبتاه دعوتني؟ فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع
~~فقال: يا بني ارجع فنم فرجع فنام فدعاه الثانية فأتاه الغلام أيضا فقال:
~~دعوتني؟ فقال: ارجع فنم فإن دعوتك الثالثة ms00955 فلا تجبني، فلما كانت الثالثة
~~ظهر له جبريل فقال له: اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك فإن الله تعالى قد
~~بعثك فيهم نبيا فلما أتاهم كذبوه وقالوا: استعجلت بالنبوة ولم يأن لك
~~وقالوا: إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا ثم جرى ما جرى فقال: إن الله قد
~~بعث لكم طالوت ملكا فقالوا: ما كنت قط أكذب منك الساعة واعترضوا وأجيبوا
~~ثم  قالوا إن كنت صادقا فأتنا بآية  أن هذا ملك فقال: ما قص الله
~~تعالى، وحينئذ لا يبعد أن يكون الاستفهام المصرح به في الآية وكذا الطلب
~~المرموز إليه فيها صادرا عن إنكار وعدم إيقان، ووجه ترك ذكر سؤالهم
~~حينئذ إن كان الإشارة إلى أن من شأن الأنبياء الإتيان بالآيات وإن لم
~~تطلب منهم جلبا للشارد وتقييدا للوارد وليزداد الذين آمنوا هدى.

# والتابوت الصندوق وهو فعلوت من التوب وهو الرجوع لما أنه لا يزال يرجع
~~إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاجه من مودعاته فتاؤه مزيدة
~~كتاء ملكوت، وأصله توبوت فقلبت الواو ألفا وليس بفاعول من التبت لقلة ما
~~كان فاؤه ولامه من جنس واحد كسلس وقلق، وقرىء (تابوه) بالهاء، وهي لغة
~~الأنصار والأولى لغة قريش، وهي التي أمر عثمان رضي الله تعالى عنه
~~بكتابتها في الإمام حين ترافع لديه في ذلك زيد وأبان رضي الله تعالى
~~عنهما ووزنه حينئذ  على ما اختاره الزمخشري  فاعول لأن شبهة الاشتقاق
~~لا تعارض زيادة الهاء وعدم النظير، وأما جعل الهاء بدلا من التاء
~~لاجتماعهما في الهمس  وأنهما من حروف الزيادة  فضعيف لأن الإبدال في
~~غير تاء التأنيث ليس بثبت؛ وذهب الجوهري إلى أن التاء فيه للتأنيث وأصله
~~عنده تابوة مثل ترقوة فلما سكنت الواو انقلبت هاء التأنيث تاءا، والمراد
~~به صندوق كان يتبرك به بنو إسرائيل فذهب منهم، واختلف في تحقيق ذلك فقال
~~أرباب الأخبار: هو صندوق أنزله الله تعالى على آدم عليه السلام فيه
~~تماثيل الأنبياء جميعهم، وكان من عود الشمشاذ نحوا من ثلاثة أذرع في
~~ذراعين، ولم يزل ينتقل ms00956 من كريم إلى كريم حتى وصل إلى يعقوب ثم إلى بنيه 
~~ثم وثم  إلى أن فسد بنو إسرائيل وعصوا بعد موسى عليه السلام فسلط الله
~~تعالى عليهم العمالقة فأخذوه منهم فجعلوه في موضع البول والغائط فلما
~~أراد الله تعالى أن يملك طالوت سلط عليهم البلاء حتى إن كل من أحدث عنده
~~ابتلي بالبواسير وهلكت من بلادهم خمس مدائن فعلموا أن ذلك بسبب استهانتهم
~~به فأخرجوه وجعلوه على ثورين فأقبلا يسيران وقد وكل الله تعالى بهما
~~أربعة من الملائكة يسوقونهما حتى أتوا منزل طالوت.

# وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه صندوق التوراة وكان قد رفعه
~~الله تعالى إلى السماء سخطا على بني إسرائيل لما عصوا بعد وفاة موسى
~~عليه السلام فلما طلبت الآية أتى من السماء والملائكة يحفظونه وبنو
~~إسرائيل يشاهدون ذلك حتى أنزلوه في بيت طالوت. وعن أبي جعفر رضي الله
~~تعالى عنه أنه التابوت الذي أنزل على أم موسى فوضعته فيه وألقته في البحر
~~وكان عند بني إسرائيل يتبركون به إلى أن فسدوا فجعلوا يستخفون به فرفعه
~~الله تعالى إلى أن كان ما كان، وروي غير ذلك مما يطول، وأقرب الأقوال
~~التي رأيتها أنه صندوق التوراة تغلبت عليه العمالقة حتى رده الله تعالى،
~~وأبعدها أنه صندوق نزل من السماء على آدم عليه السلام وكان/ يتحاكم الناس
~~إليه بعد موسى عليه السلام إذ اختلفوا فيحكم بينهم ويتكلم معهم إلى أن
~~فسدوا فأخذه العمالقة، ولم أر حديثا صحيحا مرفوعا يعول عليه بفتح قفل
~~هذا الصندوق ولا فكرا كذلك.

# { فيه سكينة من ربكم } أي في إتيانه سكون لكم وطمأنينة،
~~فالسكينة مصدر حينئذ أو فيه نفسه ما تسكنون إليه وهو التوراة، وقيل: وليس
~~بالصحيح  كما قاله الراغب  صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت لها رأس
~~وذنب كرأس الهرة وذنبها وجناحان فتئن فيزف التابوت نحو العدو وهم يمضون
~~معه فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر، والجملة في موضع الحال.

# و (من) لابتداء الغاية أو للتبعيض أي من سكينات ربكم. { وبقية ms00957
~~مما ترك ءال موسى وءال هرون } هي رضاض الألواح وثياب
~~موسى وعمامة هرون وطست من ذهب كانت تغسل به قلوب الأنبياء. وكلمة الفرج
~~لا إله إلا الله الحليم الكريم وسبحان الله رب السموات السبع ورب العرش
~~العظيم، والحمد لله رب العالمين، وآلهما أتباعهما أو أنفسهما، أو أنبياء
~~بني إسرائيل، لأنهم أبناء عمهما { تحمله الملئكة } حال من
~~التابوت، والحمل إما حقيقة أو مجاز على حد:

# حمل زيد متاعي إلى مكة

# { إن فى ذلك } إشارة إلى ما ذكر من إتيان التابوت فهو من كلام
~~النبي لقومه أو إلى نقل القصة وحكايتها فهو ابتداء خطاب منه تعالى
~~للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين وجيء به قبل تمام القصة
~~إظهارا لكمال العناية، وإفراد حرف الخطاب مع تعدد المخاطبين على
~~التقديرين بتأويل الفريق ونحوه { لآية } عظيمة كائنة { لكم } دالة
~~على جعل طالوت ملكا عليكم أو على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر
~~بما أخبر من غير سماع من البشر ولا أخذ من كتاب { إن كنتم
~~مؤمنين } أي مصدقين بتمليكه عليكم أو بشيء من الآيات، و { ءان }
~~شرطية والجواب محذوف اعتمادا على ما قبله وليس المقصود حقيقة الشرطية
~~إذا كان المخاطب من تحقق إيمانه، وقيل: هي بمعنى إذ.

### || [2.249]

# { فلما فصل طالوت بالجنود } أي انفصل عن بيت المقدس
~~مصاحبا لهم لقتال العمالقة، وأصله فصل نفسه عنه، ولما اتحد فاعله
~~ومفعوله شاع استعماله محذوف المفعول حتى نزل منزلة القاصر  كانفصل 
~~وقيل: فصل فصولا وجوز كونه أصلا برأسه ممتازا من المتعدي بمصدره كوقف
~~وقوفا ووقفه وقفا وصد عنه صدودا وصده صدا وهو باب مشهور، والجنود
~~الأعوان والأنصار جمع جند، وفيه معنى الجمع، وروى أنه قال لقومه: لا يخرج
~~معي رجل بنى بناءا لم يفرغ منه ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا متزوج
~~بامرأة لم يبن عليها ولا ابتغي إلا الشاب النشيط الفارغ فاجتمع إليه ممن
~~اختاره ثمانون ألفا، وقيل: سبعون ألفا، وكان الوقت قيظا فسلكوا مفازة
~~فسالوا نهرا { قال إن الله مبتليكم } أي معاملكم ms00958 معاملة من
~~يريد أن يختبركم ليظهر للعيان الصادق منكم والكاذب { بنهر } بفتح
~~الهاء، وقرىء بسكونها وهي لغة فيه وكان ذلك نهر فلسطين كما روي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما وعن قتادة والربيع أنه نهر بين فلسطين والأردن
~~{ فمن شرب منه } أي ابتدأ شربه لمزيد عطشه من نفس النهر بأن كرع
~~لأنه الشرب منه حقيقة، وهذا كثيرا ما يفعله العطشان المشرف على الهلاك،
~~وقيل: الكلام على حذف مضاف أي: فمن شرب من مائه مطلقا { فليس مني
~~} أي من أشياعي، أو ليس بمتصل بي ومتحد معي { فمن } اتصالية وهي غير
~~التبعيضية عند بعض وكأنها بيانية عنده وعينها عند آخرين.

# / { ومن لم يطعمه فإنه منى } أي من لم يذقه من طعم
~~الشيء إذا ذاقه، مأكولا كان أو مشروبا، حكاه الأزهري عن الليث، وذكر
~~الجوهري أن الطعم ما يؤديه الذوق وليس هو نفس الذوق فمن فسره به على هذا
~~فقد توسع وعلى التقديرين استعمال طعم الماء بمعنى ذاق طعمه مستفيض لا
~~يعاب استعماله لدى العرب العرباء ويشهد له قوله:

# وإن شئت حرمت النساء سواكم

# وإن شئت لم  أطعم  نقاخا ولا بردا

# وأما استعماله بمعنى شربه واتخذه طعاما فقبيح إلا أن يقتضيه المقام كما
~~في حديث

# " زمزم طعام طعم وشفاء سقم "

# فإنه تنبيه على أنها تغذي بخلاف سائر المياه، ولا يخدش هذا ما حكي أن
~~خالد بن عبد الله القسري قال على منبر الكوفة وقد خرج عليه المغيرة بن
~~سعيد: أطعموني ماءا فعابت عليه العرب ذلك وهجوه به وحملوه على شدة جزعه،
~~وقيل فيه:

# بل المنابر من خوف ومن وهل

# واستطعم  الماء  لما جد في الهرب

# وألحن الناس كل الناس قاطبة

# وكان يولع بالتشديق بالخطب

# لأن ذلك إنما عيب عليه لأنه صدر عن جزع فكان مظنة الوهم وعدم قصد المعنى
~~الصحيح، وإلا فوقوع مثله في كلامهم مما لا ينبغي أن يشك فيه، وإنما علم
~~طالوت أن من شرب عصاه ومن لم يطعم أطاعه بواسطة الوحي إلى نبي بني
~~إسرائيل وإنما لم يخبرهم النبي ms00959 نفسه بذلك بل ألقاه إلى طالوت فأخبر به
~~كأنه من تلقاء نفسه ليكون له وقع في قلوبهم، وجوز أن يكون ذلك بواسطة وحي
~~إليه بناءا على أنه نبئ بعد أن ملك وهو قول لا ثبت له، والقول بأنه
~~يحتمل أن يكون بالفراسة والإلهام بعيد.

# { إلا من اغترف غرفة بيده } استثناء من الموصول الأول
~~أو ضميره في الخبر فإن فسر الشرب بالكروع كان الاستثناء منقطعا وإلا كان
~~متصلا، وفائدة تقديم الجملة الثانية الإيذان بأنها من تتمة الأولى وأن
~~الغرض منها تأكيدها وتتميمها نهيا عن الكروع من كل وجه، وإفادة أن
~~المغترف ليس بذائق حكما فيؤكد ترخيص الاغتراف ولو أخرت لم تفد هذه
~~الفوائد ولاختل النظم لدلالة الاستثناء إذ ذاك على أن المغترف متحد معه،
~~ودلالة الجملة الثانية بمفهومها على أنه غير متحد معه ولا يصح في
~~الاستثناء أن يكون من أحد الضميرين الراجعين إلى الموصولين في الصلة
~~للفصل بين أجزاء الصلة حينئذ بالخبر وأداء المعنى في الأول إلى أن
~~المجتزىء في الشرب بغرفة واحدة ليس متصلا به متحدا معه لأن التقدير 
~~والذين شربوا كلهم إلا المغترف ليس مني  ولا يصح أيضا أن يكون من
~~الموصول الثاني أو الضمير الراجع إليه في الخبر خلافا للبعض إذ لا فرق
~~لأدائه إلى أن المجتزىء المذكور مخرج من حكم الاتحاد معه لأن التقدير 
~~والذين لم يذوقوه فإنهم كلهم إلا المغترف منهم متصلون بي متحدون معي 
~~وليس بالمراد أصلا، والغرفة ما يغرف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأهل
~~المدينة (غرفة) بفتح الغين على أنها مصدر، وقيل: الغرفة والغرفة مصدران
~~والضم والفتح لغتان، والباء متعلقة باغترف أو بغرفة في قول، أو بمحذوف
~~وقع صفة لها.

# { فشربوا منه } عطف على مقدر يقتضيه المقام أي فابتلوا به
~~فشربوا، والمراد إما كرعوا  وهو المتبادر  وروي عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما، أو أفرطوا في الشرب { إلا قليلا منهم } لم يكرعوا
~~أو لم يفرطوا في الشرب بل اقتصروا على الغرفة باليد وكانت تكفيهم لشربهم
~~وإداوتهم كما أخرجه ابن أبي حاتم ms00960 عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما،
~~وأخرج عنه أيضا أن من شرب/ لم يزدد إلا عطشا، وفي رواية: إن الذين
~~شربوا اسودت شفاههم وغلبهم العطش وكان ذلك من قبيل المعجزة لذلك النبي،
~~وقرأ أبي والأعمش (إلا قليل) بالرفع وجعلوه من الميل إلى جانب المعنى
~~فإن قوله تعالى: { فشربوا منه } في قوة أن يقال: فلم يطيعوه فحق
~~أن يرد المستثنى مرفوعا كما في قول الفرزدق:

# وعض زمان يا ابن مروان  لم يدع 

# من المال إلا مسحت أو مجلف

# فإن قوله: لم يدع في حكم لم يبق. وذهب أبو حيان إلى أنه لا حاجة إلى
~~التأويل، وجوز في الموجب وجهين النصب وهو الأفصح والاتباع لما قبله على
~~أنه نعت أو عطف بيان وأورد له قوله:

# وكل أخ مفارقه أخوه

# لعمر أبيك إلا الفرقدان

# ولا يخفى ما فيه { فلما جاوزه } أي النهر وتخطاه { هو } أي
~~طالوت { والذين ءامنوا } عطف على الضمير المتصل المؤكد بالمنفصل،
~~والمراد بهم القليلون والتعبير عنهم بذلك تنويها بشأنهم وإيماءا إلى أن
~~من عداهم بمعزل عن الإيمان { معه } متعلق  بجاوز  لا  بآمنوا 
~~وجوز أن يكون خبرا عن (الذين) بناءا على أن الواو للحال كأنه قيل: فلما
~~جاوزه والحال إن الذين آمنوا كائنون معه.

# { قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } أي لا
~~قدرة لنا بمحاربتهم ومقاومتهم فضلا عن الغلبة عليهم، وجالوت كطالوت،
~~والقائل بعض المؤمنين لبعض وهو إظهار ضعف لا نكوص لما شاهدوا من الأعداء
~~ما شاهدوا من الكثرة والشدة، قيل: كانوا مائة ألف مقاتل شاكي السلاح،
~~وقيل: ثلثمائة ألف { قال } على سبيل التشجيع لذلك البعض وهو استئناف
~~بياني { الذين يظنون } أي يتيقنون { أنهم ملقوا
~~الله } بالبعث والرجوع إلى ما عنده وهم الخلص من أولئك والأعلون
~~إيمانا فلا ينافي وصفهم بذلك إيمان الباقين فإن درجات المؤمنين في ذلك
~~متفاوتة ويحتمل إبقاء الظن على معناه، والمراد يظنون أنهم يستشهدون عما
~~قريب ويلقون الله تعالى، وقيل: الموصول عبارة عن المؤمنين كافة، وضمير
~~(قالوا) للمنخزلين عنهم كأنهم قالوا ذلك اعتذارا عن التخلف ms00961 والنهر
~~بينهما ولا يخفى بعده لأن الظاهر أنهم قالوا هذه المقالة عند لقاء العدو
~~ولم يكن المنخزلون إذ ذاك معهم، وأيضا أي حاجة إلى إبداء العذر عن
~~التخلف مع ما سبق من طالوت أن الكارعين ليسوا منه في شيء فلو لم ينخزلوا
~~لمنعوا من الذهاب معه.

# { كم من فئة } أي قطعة من الناس وجماعة  من فأوت رأسه  إذا شققته
~~أو من فاء إليه إذا رجع وأصلها على الأول: فيوة فحذفت لامها فوزنها فعة،
~~وأصلها على الثاني: فيئة فحذفت عينها فوزنها فله. و { كم } هنا خبرية
~~ومعناها كثير، و { من } زائدة، و { فئة } تمييز، وجوز أبو البقاء أن
~~يكون { من فئة } في موضع رفع صفة ل  كم  كما تقول عندي مائة من
~~درهم ودينار، وجوز بعضهم أن تكون { كم } استفهامية ولعله ليس على
~~حقيقته، ونقل عن الرضي أن (من) لا تدخل بعد (كم) الاستفهامية، فالقول
~~بالخبرية أولى { قليلة } نعت  لفئة  على لفظها { غلبت } أي
~~قهرت عند المحاربة { فئة كثيرة } بالنسبة إليها.

# { بإذن الله } أي بحكمه وتيسيره ولم يقولوا أطاقت حسبما وقع في
~~كلام أصحابهم مبالغة في تشجيعهم وتسكين قلوبهم، وإذا حمل التنوين في {
~~فئة } الأولى للتحقير، وفي  فئة  الثانية للتعظيم كان أبلغ في
~~التشجيع وأكمل في التسكين وقد ورد مثل ذلك في قوله:

# / له حاجب عن كل أمر يشينه

# وليس له عن طالب العرف حاجب

# وهذا كما ترى ناشىء من كمال  إيمانهم بالله واليوم الآخر  وتصديقهم
~~بأنه سبحانه لا يعجزه إحياء الموتى كما لا يعجزه إماتة الأحياء فضلا عن
~~نصرة الضعفاء فلا ريب في أن ما في حيز الصلة مما له كمال ملاءمة للحكم
~~الوارد على الموصول لا سيما وقد أخذ فيه إذن الله تعالى وحكمه، ومن لا
~~يؤمن بلقاء الله تعالى لا يكاد يقرب من هذا القيد قيد شبر فاندفع بهذا ما
~~قاله  مولانا مفتي الديار الرومية  من أن هذا الجواب كما ترى ناشىء من
~~كمال ثقتهم بنصر الله تعالى وتوفيقه ولا دخل في ذلك لظن لقاء الله تعالى
~~بالبعث ms00962 ولا لتوقع ثوابه عز شأنه، ولا ريب في أن ما ذكر في حيز الصلة
~~ينبغي أن يكون مدارا للحكم الوارد على الموصول ولا أقل من أن يكون وصفا
~~ملائما له فإن الملائمة على ما جاد به هذا الذهن الكليل حصلت على أتم
~~وجه وأكمله فلا حاجة في تحصيلها إلى ما ذكره رحمه الله تعالى بعد من
~~إخراج اللفظ عن ظاهره الشائع استعماله فيه إلى يوم ملاقاته تعالى وحمل
~~ملاقاته سبحانه على ملاقاة نصره تعالى وتأييده وجعل التعبير بذلك عنه
~~مبالغة فإنه بمعزل عن استعمال ذلك في جميع الكتاب المجيد وليس هو من قبيل
~~قوله تعالى: { والله مع الصبرين } المراد منه المعية بالنصر
~~والإحسان لأنه في سائر القرآن مألوف استعماله في مثل ذلك كما لا يخفى،
~~وهو يحتمل أن يكون من كلام الأعلين أتى به تكميلا للتشجيع وترغيبا
~~بالصبر بالإشارة إلى ما فيه، ويحتمل أن يكون ابتداء كلام من جهته تعالى
~~جىء به تقريرا لكلامهم ودعاءا للسامعين إلى مثل حال هؤلاء المشير إليها
~~مقالهم.

### || [2.250]

# { ولما برزوا } أي ظهر طالوت ومن معه وصاروا في براز من الأرض
~~وهو ما انكشف منها واستوى { لجالوت وجنوده } أي لمحاربتهم
~~وقتالهم { قالوا } جميعا بعد أن قويت قلوب الضعفاء متضرعين إلى الله
~~تعالى متبرئين من الحول والقوة. { ربنا أفرغ علينا صبرا }
~~أي صب ذلك علينا ووفقنا له، والمراد به حبس النفس للقتال { وثبت
~~أقدامنا } أي هب لنا كمال القوة والرسوخ عند المقارعة بحيث لا
~~تتزلزل، وليس المراد بتثبيت الأقدام مجرد تقررها في حيز واحد إذ ليس في
~~ذلك كثير جدوى { وانصرنا على القوم الكفرين } أي أعنا
~~عليهم بقهرهم وهزمهم، ووضع (الكافرين) موضع الضمير العائد إلى  جالوت
~~وجنوده  للإشعار بعلة النصر عليهم، وفي هذا الدعاء من اللطافة وحسن
~~الأسلوب والنكات ما لا يخفى، أما أولا: فلأن فيه التوسل بوصف الربوبية
~~المنبئة عن التبليغ إلى الكمال، وأما ثانيا: فلأن فيه الإفراغ، وهو يؤذن
~~بالكثرة، وفيه جعل الصبر بمنزلة الماء المنصب عليهم لثلج صدورهم وإغنائهم
~~عن الماء الذي منعوا ms00963 عنه، وأما ثالثا: فلأن فيه التعبير  بعلى  المشعر
~~بجعل ذلك كالظرف وجعلهم كالمظروفين، وأما رابعا: فلأن فيه تنكير صبرا
~~المفصح عن التفخيم، وأما خامسا: فلأن في الطلب الثاني وهو تثبيت الأقدام
~~ما يرشح جعل الصبر بمنزلة الماء في الطلب الأول إذ مصاب الماء مزالق
~~فيحتاج فيها إلى التثبيت، وأما سادسا: فلأن فيه حسن الترتيب حيث طلبوا
~~أولا: إفراغ الصبر على قلوبهم عند اللقاء وثانيا: ثبات القدم والقوة
~~على مقاومة العدو حيث أن الصبر قد يحصل لمن لا مقاومة له، وثالثا:
~~العمدة والمقصود من المحاربة وهو النصرة على الخصم حيث إن الشجاعة بدون
~~النصرة طريق عتبته عن النفع خارجة، وقيل: إنما طلبوا أولا: إفراغ الصبر
~~لأنه ملاك الأمر، وثانيا: التثبيت لأنه متفرع عليه، وثالثا: النصر لأنه
~~الغاية القصوى، واعترض/ هذا بأنه يقتضي حينئذ التعبير بالفاء لأنها التي
~~تفيد الترتيب، وأجيب بأن الواو أبلغ لأنه عول في الترتيب على الذهن الذي
~~هو أعدل شاهد كما ذكر السكاكي.

### || [2.251]

# { فهزموهم } أي كسروهم وغلبوهم، والفاء فيه فصيحة أي استجاب الله
~~تعالى دعاءهم فصبروا وثبتوا ونصروا فهزموهم { بإذن الله } أي
~~بإرادته انهزامهم ويؤول إلى نصره وتأييده، والباء إما للاستعانة والسببية
~~وإما للمصاحبة { وقتل داوود } هو ابن إيشا { جالوت } أخرج عبد
~~الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: لما
~~برز طالوت لجالوت قال جالوت: أبرزوا إلي من يقاتلني فإن قتلني فلكم ملكي
~~وإن قتلته فلي ملككم فأتى بداود إلى طالوت فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته
~~وأن يحكمه في ماله فألبسه طالوت سلاحا فكره داود أن يقاتله بسلاح وقال:
~~إن الله تعالى إن لم ينصرني عليه لم يغن السلاح شيئا فخرج إليه بالمقلاع
~~ومخلاة فيها أحجار ثم برز له فقال له جالوت: أنت تقاتلني؟ قال داود: نعم
~~قال: ويلك ما خرجت إلا كما تخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة لأبددن لحمك
~~ولأطعمنه اليوم للطير والسباع فقال له داود: بل أنت عدو الله تعالى شر من
~~الكلب فأخذ داود حجرا فرماه بالمقلاع ms00964 فأصابت بين عينيه حتى قعدت في
~~دماغه فصرخ جالوت وانهزم من معه واحتز رأسه.

# { وءاته الله الملك } في بني إسرائيل بعد ما قتل جالوت وهلك
~~طالوت، وذلك أن طالوت  كما روي في بعض الأخبار  لما رجع وفى بالشرط
~~فأنكح داود ابنته وأجرى خاتمه في ملكه فمال الناس إلى داود وأحبوه فلما
~~رأى ذلك طالوت وجد في نفسه وحسده فأراد قتله فعلم به داود فسجى له زق خمر
~~في مضجعه فدخل طالوت إلى منام داود وقد هرب داود فضرب الزق ضربة فخرقه
~~فسال الخمر منه فقال: يرحم الله تعالى داود ما كان أكثر شربه للخمر ثم إن
~~داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم فوضع سهمين عند رأسه وعند رجليه
~~وعن يمينه وعن شماله سهمين فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها فقال:
~~يرحم الله تعالى داود هو خير مني ظفرت به فقتلته وظفر بي فكف عني ثم إنه
~~ركب يوما فوجده يمشي في البرية وطالوت على فرس فقال: اليوم أقتل داود
~~وكان داود إذا فزع لا يدرك فركض على أثره طالوت ففزع داود فاشتد فدخل
~~غارا وأوحى الله تعالى إلى العنكبوت فضربت عليه بيتا فلما انتهى طالوت
~~إلى الغار ونظر إلى بناء العنكبوت قال: لو كان دخل ههنا لخرق بيت
~~العنكبوت فرجع، وجعل العلماء والعباد يطعنون عليه بما فعل مع داود وجعل
~~هو يقتل العلماء وسائر من ينهاه عن قتل داود حتى قتل كثيرا من الناس ثم
~~إنه ندم بعد ذلك وخلى الملك وكان له عشرة بنين فأخذهم وخرج يقاتل في سبيل
~~الله تعالى كفارة لما فعل حتى قتل هو وبنوه في سبيل الله تعالى فاجتمعت
~~بنو إسرائيل على داود وملكوه أمرهم فهذا إيتاء الملك { والحكمة }
~~المراد بها النبوة ولم يجتمع الملك والنبوة لأحد قبله بل كانت النبوة في
~~سبط، والملك في سبط، وهذا بعد موت ذلك النبي وكان موته قبل طالوت، وذكر
~~الحكمة بعد الملك لأنها كانت بعده وقوعا أو للترقي من ذكر الأدنى إلى
~~ذكر الأعلى { وعلمه مما ms00965 يشاء } كصنعة اللبوس ومنطق الطير
~~وكلام الدواب، والضمير المستتر راجع إلى الله تعالى، وعوده إلى داود كما
~~قال  السمين ضعيف  لأن معظم ما علمه تعالى له مما لا يكاد يخطر ببال،
~~ولا يقع في أمنية بشر ليتمكن من طلبه ومشيئته.

# { ولولا دفع الله الناس بعضهم } وهم أهل الشرور في
~~الدنيا أو في الدين أو في مجموعهما { ببعض } آخر منهم يردهم عما هم
~~عليه بما قدره الله تعالى من القتل كما في القصة المحكية أو غيره،/ وقرأ
~~نافع هنا وفي الحج [40]  دفاع  على أن صيغة المغالبة للمبالغة {
~~لفسدت الأرض } وبطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل
~~وسائر ما يصلح الأرض ويعمرها، وقيل: هو كناية عن فساد أهلها وعموم الشر
~~فيهم؛ وفي هذا تنبيه على فضيلة الملك وأنه لولاه ما استتب أمر العالم،
~~ولهذا قيل: الدين والملك توأمان ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الآخر لأن
~~الدين أس والملك حارس وما لا أس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع. {
~~ولكن الله ذو فضل } لا يقدر قدره { على العلمين }
~~كافة وهذا إشارة إلى قياس استثنائي مؤلف من وضع نقيض المقدم منتج  لنقيض
~~ التالي خلا أنه قد وضع موضعه ما يستتبعه ويستوجبه أعني كونه تعالى ذا
~~فضل على العالمين إيذانا بأنه تعالى يتفضل في ذلك الدفع من غير أن يجب
~~عليه ذلك وأن فضله تعالى غير منحصر فيه بل هو فرد من أفراد فضله العظيم
~~كأنه قيل: ولكنه تعالى يدفع فساد بعضهم ببعض فلا تفسد الأرض وينتظم به
~~مصالح العالم وينصلح أحوال الأمم، قاله مولانا مفتي الديار الرومية قدس
~~سره.

# واعترض بأنه مخالف لقول المنطقيين: إن المتصلة ينتج استثناء عين مقدمها
~~عين تاليها لاستلزام وجود الملزوم وجود اللازم واستثناء نقيض تاليها نقيض
~~المقدم لاستلزام عدم اللازم عدم الملزوم ولا ينعكس فلا ينتج استثناء عين
~~التالي عين المقدم ولا نقيض المقدم نقيض التالي لجواز أن يكون التالي أعم
~~من المقدم فلا يلزم من وجود اللازم وجود الملزوم ولا من عدم الملزوم عدم
~~اللازم، وأجيب بأن ذلك ms00966 إنما هو باعتبار الهيئة، وقد يستلزمه بواسطة
~~خصوصية مادة المساواة، وقد صرح ابن سينا في «الفصول» بأن الملازمة إذا
~~كانت من الطرفين كما بين العلة والمعلول ينتج استثناء كل من المقدم
~~والتالي عين الآخر ونقيضه نقيض الآخر، وفي تعليل القوم أيضا إشارة إليه
~~حيث قالوا: لجواز أن يكون اللازم أعم وكأن في عبارة المولى إشارة إلى أن
~~الملازمة في الشرطية من الطرفين حيث قال: منتج ولم يقل ينتج اه.

# وأجاب بعضهم بأن قولهم ذلك ليس على سبيل الاطراد بل إذا كان نقيض المقدم
~~أعم من نقيض التالي، وأما إذا كان نقيضه بعكس هذا كما في هذه الآية
~~الكريمة وأمثالها فإنه ينتج التالي، وذلك أن الدفع المذكور لما كان
~~ملزوما لعدم فساد الأرض كانت الملازمة ثابتة بينهما لأن وجود الملزوم
~~يستلزم وجود اللازم كما بين في موضعه وادعاء أن الملازمة من الطرفين هنا
~~كما زعمه المجيب الأول ليس بشيء بل اللازم ههنا أعم من الملزوم كما لا
~~يخفى على ذي روية، وكون عبارة المولى مشيرة إلى أن الملازمة من الطرفين
~~في حيز المنع وما ذكره لا يدل عليه كما لا يخفى فافهم وتدبر فإن نظر
~~المولى دقيق.

### || [2.252]

# { تلك آيت الله } إشارة إلى ما سلف من حديث الألوف وموتهم
~~وإحيائهم وتمليك طالوت؛ وإظهاره بالآية وإهلاك الجبابرة على يد صبي وما
~~فيه من البعد للإيذان بعلو شأن المشار إليه، وقيل: إشارة إلى ما مر من
~~أول السورة إلى هنا وفيه بعد، والجملة على التقديرين مستأنفة، وقوله
~~تعالى: { نتلوها عليك } أي بواسطة جبريل عليه السلام إما حال من
~~الآيات والعامل معنى الإشارة، وإما جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب {
~~بالحق } في موضع النصب على أنه حال من مفعول (نتلوها) أي متلبسة
~~باليقين الذي لا يرتاب فيه أحد من أهل الكتاب وأرباب التواريخ لما
~~يجدونها موافقة لما عندهم أو لا ينبغي أن يرتاب فيه أو من فاعله أي
~~نتلوها عليك متلبسين بالحق والصواب وهو معنا أو من الضمير المجرور أي
~~متلبسا بالحق وهو ms00967 معك.

# / { وإنك لمن المرسلين } حيث تخبر بتلك الآيات وقصص
~~القرون الماضية وأخبارها على ما هي عليه من غير مطالعة كتاب ولا اجتماع
~~بأحد يخبر بذلك. ووجه مناسبة هذه القصة لما قبلها ظاهرة وذلك لأنه تعالى
~~لما أمر المؤمنين بالقتال في سبيله وكان قد قدم قبل ذلك قصة الذين خرجوا
~~من ديارهم حذر الموت إما بالطاعون أو القتال على سبيل التشجيع والتثبيت
~~للمؤمنين والإعلام أنه لا ينجي حذر من قدر أردف ذلك بأن القتال كان
~~مطلوبا مشروعا في الأمم السابقة فليس من الأحكام التي خصصتم بها لأن ما
~~وقع فيه الاشتراك كانت النفس أميل لقبوله من التكليف الذي يقع به
~~الانفراد.

# هذا ومن باب الإشارة في هذه الآيات:

# ألم تر إلى

# [البقرة: 246] ملأ القوى

# من بني إسرائيل

# [البقرة: 246] البدن

# من بعد موسى

# [البقرة: 246] القلب

# إذ قالوا لنبي

# [البقرة: 246] عقولهم

# ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله

# [البقرة: 246] وطريق الوصول إليه بواسطة أمره وإرشاده

# قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا
~~تقاتلوا

# [البقرة: 246] أي إني أتوقع منكم عدم المقاتلة لانغماسكم في أوحال
~~الطبيعة

# قالوا وما لنا ألا نقتل

# [البقرة: 246] في طريق السير إلى الله تعالى،

# وقد أخرجنا

# [البقرة: 246] من ديار استعداداتنا الأصلية التي لم نزل بالحنين إليها؛
~~واغتربنا عن أبناء كمالاتنا اللاتي لم نبرح عن مزيد البكاء عليها

# فلما كتب عليهم القتال

# [البقرة: 246] لعدوهم الذي تسبب لهم الاغتراب وأحل بهم العجب العجاب

# تولوا

# [البقرة: 246] وأعرضوا عن مقاتلته وانتظموا في سلك شيعته

# إلا قليلا منهم

# [البقرة: 246] وهم القوى المستعدة

# والله عليم بالظلمين

# [البقرة: 246] الذين نقصوا حظوظهم

# وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت

# [البقرة: 247] الروح الإنساني

# ملكا

# [البقرة: 247] متوجا بتاج الأنوار الإلهية جالسا على كسرى التدبيرات
~~الصمدانية

# قالوا

# [البقرة: 247]: لاحتجابهم بحجاب الأنانية وغفلتهم عن العلوم الحقانية
~~كيف يكون له الملك علينا مع انحطاط مرتبته بتنزله إلى عالم الكثافة من
~~عالمه الأصلي وليس فيه مشابهة لنا

# ونحن أحق بالملك منه

# [البقرة: 247] لاشتراكنا في عالمنا ومشابهة بعضنا بعضا وشبيه الشيء
~~ميال إليه ms00968 قريب اتباعه له:

# ولكل شيء آفة من جنسه

# ولم يؤت سعة

# [البقرة: 247] من مال التصرف إذ لا يتصرف إلا بالواسطة

# قال إن الله

# [البقرة: 247] تعالى اختاره عليكم لبساطته وتركبكم وزاده سعة في العلم
~~الإلهي وقوة في الذات النوراني،

# والله يؤتى ملكه من يشاء

# [البقرة: 247] فيدبره بإذنه،

# والله وسع

# [البقرة: 247] لسعة الإطلاق،

# عليم

# [البقرة: 247] بالحكم التي تقتضي الظهور والتجلي بمظاهر الأسماء،

# وقال لهم نبيهم إن ءاية ملكه

# [البقرة: 248] عليكم وخلافته من قبل الرب فيكم

# أن يأتيكم

# [البقرة: 248] تابوت الصدر

# فيه سكينة

# [البقرة: 248] أي طمأنينة

# من ربكم

# [البقرة: 248] وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس بالله تعالى،

# وبقية مما ترك ءال موسى

# [البقرة: 248] القلب

# وآل هارون

# [البقرة: 248] السر، وهي من التوحيد وعصا لا إله إلا الله التي تلقف
~~عظيم سحر صفات النفس وطست تجلي الأنوار الذي يغسل به قلوب الأنبياء وشيء
~~من توراة الإلهامات

# تحمله

# [البقرة: 248 ] ملائكة الاستعدادات لدى طالوت الروح فعند ذلك تسلم له
~~الخلافة وينقاد له جميع أسباط صفات الإنسان،

# فلما فصل طالوت

# [البقرة: 249] وجنوده من وزير العقل ومشير القلب ومدبر الأفهام ونظام
~~الحواس

# قال إن الله مبتليكم بنهر

# [البقرة: 249] الطبيعة الجسمانية المترع بمياه الشهوات

# فمن شرب منه

# [البقرة: 249] وكرع مفرطا في الري فليس من أشياعي الذين هم من عالم
~~الروحانيات وأهل مكاشفات الصفات

# ومن لم يطعمه

# [البقرة: 249] ويذقه فإنه من سكان حظائر القدس وحضار جلوة عرائس منصة
~~الأنس

# إلا من اغترف غرفة بيده

# [البقرة: 249] وقنع من ذلك بقدر الضرورة ولاحتياج من غير حرص وانهماك

# فشربوا منه

# [البقرة: 249] وكرعوا وانهمكوا فيه

# إلا قليلا منهم

# [البقرة: 249] وهم المتنزهون عن الأقذار الطبيعية المتقدسون عن ملابسها
~~المتجردون عن غواشيها وقليل ما هم فلما جاوز طالوت الروح نهر الطبيعة
~~وعبره

# هو والذين ءامنوا

# [البقرة: 249] من القلب والعقل والملك وغيرهم من اتباع الروح

# معه

# [البقرة: 249]، قال بعضهم وهم الضعفاء الذين/ لم يصلوا إلى مقام التمكين

# لا طاقة لنا اليوم

# [البقرة: 249] بمحاربة جالوت النفس وأعوانه لعراقتهم بالخدع والدسائس

# قال الذين

# [البقرة: 249] يتيقنون

# أنهم ملاقوا الله

# [البقرة: 249]بالرجوع إليه: ms00969

# كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة

# [البقرة: 249] وقهرتها حتى أذهبت كثرتها

# بإذن الله

# [البقرة: 249] وتيسيره،

# والله مع الصبرين

# [البقرة: 249] بالتجلي الخاص لهم، فلما برزوا لحرب جالوت وجنوده تبرءوا
~~من الحول والقوة وقالوا:

# ربنا أفرغ علينا صبرا

# [البقرة: 250] واستقامة،

# وثبت أقدامنا

# [البقرة: 250] في ميادين الجهاد حتى لا نرجع القهقرى من بعد؛

# وانصرنا

# [البقرة: 250] على أعدائنا الذين ستروا الحق، وهم النفس الأمارة وصفاتها

# فهزموهم

# [البقرة: 251] وكسروهم

# بإذن الله وقتل داود

# [البقرة: 251] القلب

# جالوت

# [البقرة: 251] النفس، ووصلوا كلهم إلى مقام التمكين فلا يخشون الرجعة
~~والردة، وكان قد رماه بحجر التسليم في مقلاع الرضا بيد ترك الالتفات إلى
~~السوي فأصاب ذلك دماغ هواه فخر صريعا فآتى الله تعالى داود ملك الخلافة
~~وحكمة الإلهامات

# وعلمه مما يشاء

# [البقرة: 251] من صنعة لبوس الحروب، ومنطق طيور الواردات وتسبيح جبال
~~الأبدان،

# ولولا دفع الله الناس بعضهم

# [البقرة: 251] كأرباب الطلب

# ببعض

# [البقرة: 251] كالمشايخ الواصلين

# لفسدت

# [البقرة: 251] أرض استعداداتهم المخلوقة في أحسن تقويم عند استيلاء
~~جالوت النفس،

# ولكن الله ذو فضل على العلمين

# ، [البقرة: 251] ومن فضله تحريك سلسلة طلب الطالبين وإلهام أسرارهم
~~إرادة المشايخ الكاملين وتوفيقهم للتمسك بذيل تربيتهم والتشبث بأهداب
~~سيرتهم فسبحانه من جواد لا يبخل ومتفضل على من سأل ومن لم يسأل.

### || [2.253]

# / { تلك الرسل } استئناف مشعر بالترقي كأنه قيل: إنك لمن
~~المرسلين وأفضلهم فضلا، والإشارة لجماعة الرسل الذين منهم رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم، وما فيه من معنى البعد  كما قيل  للإيذان بعلو طبقتهم
~~وبعد منزلتهم، واللام للاستغراق، ويجوز أن تكون للجماعة المعلومة له صلى
~~الله عليه وسلم أو المذكورة قصصها في السورة، واللام للعهد، واختيار جمع
~~التكسير لقرب جمع التصحيح { فضلنا بعضهم على بعض } بأن
~~خصصنا بعضهم بمنقبة ليست تلك المنقبة للبعض الآخر، وقيل: المراد التفضيل
~~بالشرائع فمنهم من شرع ومنهم من لم يشرع، وقيل: هو تفضيل بالدرجات
~~الأخروية ولا يخفى ما في كل، ويؤيد الأول قوله تعالى: { منهم من
~~كلم الله } فإنه تفصيل للتفضيل المذكور إجمالا، والجملة لا محل
~~لها من الإعراب، وقيل: ms00970 بدل من { فضلنا } والمراد بالموصول إما موسى
~~عليه السلام فالتعريف عهدي، أو كل من كلمه الله تعالى عن رضا بلا واسطة،
~~وهم آدم  كما ثبت في الأحاديث الصحيحة وموسى وهو الشهير بذلك، ونبينا
~~صلى الله عليه وسلم وهو المخصوص بمقام قاب والفائز بعرائس خطاب ما تعرض
~~بالتعريض لها الخطاب، وقرىء { كلم الله } بالنصب وقرأ اليماني (كالم
~~الله) من المكالمة قيل وفي إيراد الاسم الجليل بطريق الالتفات تربية
~~للمهابة ورمز إلى ما بين التكلم والرفع وبين ما سبق من مطلق التفضيل وما
~~لحق من إيتاء البينات والتأييد بروح القدس من التفاوت.

# { ورفع بعضهم درجت } أي ومنهم من رفعه الله تعالى على
~~غيره من الرسل بمراتب متباعدة ومن وجوه متعددة، وتغيير الأسلوب لتربية ما
~~بينهم من اختلاف الحال في درجات الشرف، والمراد ببعضهم هنا النبي صلى
~~الله عليه وسلم كما ينبىء عنه الإخبار بكونه صلى الله عليه وسلم منهم
~~فإنه قد خص بمزايا تقف دونها الأماني حسرى. وامتاز بخواص علمية وعملية لا
~~يستطيع لسان الدهر لها حصرا. ورقى أعلام فضل رفعت له على كواهله الأعلام
~~وطأطأت له رؤوس شرفات الشرف فقبلت منه الأقدام فهو المبعوث رحمة للعالمين
~~والمنعوت بالخلق العظيم بين المرسلين والمنزل عليه قرآن مجيد

# لا يأتيه البطل من بين يديه ولا من خلفه
~~تنزيل من حكيم حميد

# [فصلت: 42] والمؤيد دينه المؤبد بالمعجزات المستمرة الباهرة والفائز
~~بالمقام المحمود والشفاعة العظمى في الآخرة، والإبهام لتفخيم شأنه
~~وللإشعار بأنه العلم الفرد الغني عن التعيين، وقيل: المراد به إبراهيم
~~حيث خصه الله تعالى بمقام الخلة التي هي أعلا المراتب ولا يخفى ما فيه،
~~وقيل: إدريس لقوله تعالى:

# ورفعناه مكانا عليا

# [مريم: 57]، وقيل: أولو العزم من الرسل، وفيه  كما في «الكشف»  أنه لا
~~يلائم ذوق المقام الذي فيه الكلام البتة، وكذا الكلام عندي في سابقه إذ
~~الرفعة عليه حقيقة والمقام يقتضي المجاز كما لا يخفى،/ و  درجات  قيل:
~~حال من (بعضهم) على معنى ذا درجات، وقيل: انتصابه على المصدر لأن الدرجة
~~بمعنى الرفعة فكأنه قيل: ms00971 ورفعنا بعضهم رفعات، وقيل: التقدير  على  أو 
~~إلى  أو  في  درجات فلما حذف حرف الجر وصل الفعل بنفسه، وقيل: إنه
~~مفعول ثان لرفع على أنه ضمن معنى بلغ، وقيل: إنه بدل اشتمال وليس بشيء.

# { وءاتينا عيسى ابن مريم البينت } أي الآيات
~~الباهرات والمعجزات الواضحات كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى
~~والإخبار بما يأكلون ويدخرون، أو الإنجيل، أو كلما يدل على نبوته، وفي
~~ذكر ذلك في مقام التفضيل إشارة إلى أنه السبب فيه، وهذا يقتضي أفضلية
~~نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء إذ له من قداح ذلك المعلى
~~والرقيب. { وأيدنه بروح القدس } قد تقدم تفسيره، وإفراده
~~عليه السلام بما ذكر لرد ما بين أهل الكتابين في شأنه من التفريط
~~والإفراط، والآية ناطقة بأن الأنبياء عليهم السلام متفاوتة الأقدار فيجوز
~~تفضيل بعضهم على بعض ولكن بقاطع لأن الظن في الاعتقاديات لا يغنى من الحق
~~شيئا.

# { ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم } أي
~~جاءوا من بعد كل رسول كما يقتضيه المعنى لا جميع الرسل كما هو ظاهر اللفظ
~~من الأمم المختلفة أي لو شاء الله تعالى عدم اقتتالهم ما اقتتلوا بأن
~~جعلهم متفقين على الحق واتباع الرسل الذين جاءوا به فمفعول المشيئة محذوف
~~لكونه مضمون الجزاء على القاعدة المعروفة، ومن قدر  ولو شاء الله هدى
~~الناس جميعا ما اقتتل  الخ وعدل عما تقتضيه القاعدة ظنا بأن هذا العدم
~~لا يحتاج إلى مشيئة وإرادة بل يكفي فيه عدم تعلق الإرادة بالوجود لم يأت
~~بشيء { من بعد ما جاءتهم } من جهة أولئك الرسل، وقيل: الضمير
~~عائد إلى الذين من قبلهم وهم الرسل، والمجرور متعلق  باقتتل  وقيل: بدل
~~من نظيره مما قبله { البينت } أي المعجزات الباهرة والآيات
~~الظاهرة الدالة على حقية الحق الموجبة للاتباع الزاجرة عن الإعراض المؤدي
~~إلى الاقتتال.

# { ولكن اختلفوا } استدراك من الشرطية أشير به إلى قياس
~~استثنائي مؤلف من وضع نقيض مقدمها منتج لنقيض تاليها إلا أنه قد وضع فيه
~~الاختلاف موضع نقيض المقدم المترتب عليه للإيذان بأن الاقتتال ناشيء ms00972 من
~~قبلهم وسوء اختيارهم لا من جهته تعالى ابتداءا كأنه قيل: ولكن لم يشأ
~~عدم اقتتالهم لأنهم اختلفوا اختلافا فاحشا. { فمنهم من ءامن
~~} أي بما جاءت به أولئك الرسل وثبت على إيمانه وعمل بموجبه، وهذا بيان
~~للاختلاف فلا محل للجملة من الإعراب { ومنهم من كفر } بذلك
~~كفرا لا ارعواء له عنه فاقتضت الحكمة عدم مشيئته لعدم اقتتالهم فاقتتلوا
~~بموجب ما اقتضته أحوالهم.

# { ولو شاء الله } عدم اقتتالهم بعد هذه المرتبة أيضا من
~~الاختلاف المستتبع للقتال عادة { ما اقتتلوا } وما رفعوا رأس
~~التطاول والتعادي لما أن الكل بيد قهره فالتكرير ليس للتأكيد كما ظن بل
~~للتنبيه على أن اختلافهم ذلك ليس موجبا لعدم مشيئته تعالى لعدم اقتتالهم
~~كما يفهم ذلك من وضعه في الاستدراك موضعه بل هو سبحانه مختار في ذلك حتى
~~لو شاء بعد ذلك عدم اقتتالهم ما اقتتلوا كما يفصح عنه الاستدراك بقوله عز
~~وجل: { ولكن الله يفعل ما يريد } حسبما يريد من غير أن
~~يوجبه عليه موجب أو يمنعه عنه مانع كذا قرره المولى أبو السعود قدس سره
~~وهو من الحسن بمكان إلا أنه قد اعترضه العلامة عبد الباقي البغدادي في
~~«تفسيره» بنحو ما تقدم آنفا في نظير هذا القياس، وذكر أنه خلاف استعمال
~~(لو) عند أرباب العربية وأرباب الاستدلال/ ولعل الجواب عن هذا هو الجواب
~~عن ذلك مع أدنى تغيير فلا تغفل، وما ذكره من توجيه التكرير مما تفرد به
~~فيما أعلم، والأكثرون على أنه للتأكيد ((إلا أن وراءه سرا خص منه  كما
~~ذكره صاحب «الانتصاف»  وهو أن العرب متى بنت أول كلامها على مقصد ثم
~~اعترضها مقصد آخر وأرادت الرجوع إلى الأول قصدت ذكره إما بتلك العبارة أو
~~بقريب منها، وذلك عندهم مهيع من الفصاحة مسلوك وطريق معتد، وفي كتاب الله
~~تعالى مواضع من ذلك منها قوله تعالى:

# من كفر بالله من بعد إيمنه إلا من أكره
~~وقلبه مطمئن بالإيمن ولكن من شرح بالكفر
~~صدرا

# [النحل: 106] وهذه الآية من هذا النمط فإنه لما صدر الكلام بأن ms00973 اقتتالهم
~~كان على وفق المشيئة ثم لما طال الكلام وأريد بيان أن مشيئة الله تعالى
~~كما نفذت في هذا الأمر الخاص وهو اقتتال هؤلاء فهي نافذة في كل فعل واقع
~~وهو المعبر عنه في قوله تعالى: { ولكن الله يفعل ما
~~يريد } طرأ ذكر تعلق المشيئة بالاقتتال لتلوه عموم تعلق المشيئة
~~(ليتناسب الكلام ويقرن) كل بشكله وهذا سر ينشرح لبيانه الصدر ويرتاح (به)
~~السر)) ولعله أحسن من القول بأن الأول بلا واسطة والثاني بواسطة المؤمنين
~~أو بالعكس، هذا وفي الآية دليل على أن الحوادث تابعة لمشيئة الله تعالى
~~خيرا كانت أو شرا إيمانا أو كفرا.

### || [2.254]

# { يأيها الذين ءامنوا أنفقوا مما رزقنكم }
~~قيل: أراد به الفرض كالزكاة دون النفل لأن الأمر حقيقة في الوجوب
~~ولاقتران الوعيد به وهو المروي عن الحسن، وقيل: يدخل فيه الفرض والنفل
~~وهو المروي عن ابن جريج واختاره البلخي، وجعل الأمر لمطلق الطلب وليس
~~فيما بعد سوى الإخبار بأهوال يوم القيامة وشدائدها ترغيبا في الإنفاق
~~وليس فيه وعيد على تركه ليتعين الوجوب، وقال الأصم: المراد به الانفاق في
~~الجهاد، والدليل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد معنى، وبذلك ترتبط
~~الآية بما قبلها ولا يخفى أن هذا الدليل مما لا ينبغي أن يسمع لأن
~~الارتباط على تقدير العموم حاصل أيضا بدخول الانفاق المذكور فيه دخولا
~~أوليا، وكذا على تقدير إرادة الفرض لأن الإنفاق في الجهاد قد يكون فرضا
~~إذا توقف الفرض عليه، و(ما) موصولة حذف عائدها والتعرض لوصوله منه تعالى
~~للحث على الانفاق والترغيب فيه.

# { من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة } أي
~~لا مودة ولا صداقة { ولا شفعة } أي لأحد إلا من بعد أن يأذن
~~الرحمن لمن يشاء ويرضى وأراد بذلك يوم القيامة، والمراد  من وصفه بما
~~ذكر  الإشارة إلى أنه لا قدرة لأحد فيه على تحصيل ما ينتفع به بوجه من
~~الوجوه لأن من في ذمته حق مثلا إما أن يأخذ بالبيع ما يؤديه به وإما أن
~~يعينه أصدقاؤه وإما أن يلتجىء إلى ms00974 من يشفع له في حطه والكل منتف ولا
~~مستعان إلا بالله عز وجل؛ و(من) متعلقة بما تعلقت به أختها ولا ضير
~~لاختلاف معنييهما إذ الأولى: تبعيضية وهذه لابتداء الغاية وإنما رفعت هذه
~~المنفيات الثلاثة مع أن المقام يقتضي التعميم والمناسب له الفتح لأن
~~الكلام على تقدير  هل بيع فيه أو خلة أو شفاعة  والبيع وأخواه فيه
~~مرفوعة فناسب رفعها في الجواب مع حصول العموم في الجملة وإن لم يكن
~~بمثابة العموم الحاصل على تقدير الفتح، وقد فتحها ابن كثير، وأبو عمرو،
~~ويعقوب على الأصل في ذكر ما هو نص في العموم كذا قالوا، ولعل الأوجه
~~القول بأن الرفع لضعف العموم في غالبها وهو الخلة والشفاعة للاستثناء
~~الواقع في بعض الآيات، والمغلوب منقاد لحكم الغالب، وأما ما قالوه فيرد
~~عليه أن ما بعد (يوم) جملة وقعت بعد نكرة فهي صفة غير مقطوعة ولا يقدر
~~بين الصفة والموصوف إذا لم يكن قطع سؤال قطعا، واعتبار كون/ النكرة
~~موصوفة بما يفهمه التنوين من التعظيم فتقدر الجملة صفة مقطوعة تحقيقا
~~لذلك وتقريرا له فيصح تقدير السؤال حينئذ مما لا يكاد يقبله الذهن
~~السليم.

# { والكفرون هم الظلمون }  أي المستحقون لإطلاق هذا
~~الوصف عليهم لتناهي ظلمهم، والجملة معطوفة على محذوف  أي فالمؤمنون
~~المتقون موفون والكافرون  الخ والمراد بهم تاركو الانفاق رأسا، وعبر عن
~~التارك بالكافر تغليظا حيث شبه فعله وهو ترك الإنفاق بالكفر، أو جعل
~~مشارفة عليه، أو عبر بالملزوم عن اللازم فهو إما استعارة تبعية أو مجاز
~~مشارفة أو مجاز مرسل أو كناية ومثل ذلك وضع

# من كفر

# [آل عمران: 97] موضع من لم يحج آخر آية الحج، وبعضهم لم يتجوز بالكفر
~~وقال: إنه عبارة عن الكفر بالله تعالى حقيقة، وفائدة الإخبار حينئذ
~~الإشارة إلى أن نفي تلك الأشياء بالنسبة إليهم وأن ذلك لا يعد منا ظلما
~~لهم لأنهم هم الظالمون لأنفسهم المتسببون لذلك.

### || [2.255]

# { الله لا إله إلا هو } مبتدأ وخبر، والمراد هو المستحق
~~للعبودية لا غير، قيل: وللناس  في رفع الضمير المنفصل وكذا في ms00975 الاسم
~~الكريم إذا حل محله  أقوال خمسة: قولان معتبران، وثلاثة لا معول عليها،
~~فالقولان المعتبران: أحدهما: أن يكون رفعه على البدلية، وثانيهما: أن
~~يكون على الخبرية  والأول هو الجاري على ألسنة المعربين  وهو رأي ابن
~~مالك، وعليه إما أن يقدر للأخير أو لا، والقائلون بالتقدير اختلفوا فمن
~~مقدر أمرا عاما كالوجود والإمكان؛ ومن مقدر أمرا خاصا كلنا وللخلق،
~~واعترض تقدير العام بأنه يلزم منه أحد المحذورين إما عدم إثبات الوجود
~~بالفعل لله تعالى شأنه وإما عدم تنزهه سبحانه عن إمكان الشركة، وكذا
~~تقدير الخاص يرد عليه أنه لا دليل عليه أو فيه خفاء، ويمكن الجواب
~~باختيار تقديره عاما، ولا محذور أما على تقدير الوجود فلأن نفي الوجود
~~يستلزم نفي الإمكان إذ لو اتصف فرد آخر بوجوب الوجود لوجد ضرورة فحيث لم
~~يوجد علم عدم اتصافه به وما لم يتصف بوجوب الوجود لم يمكن أن يتصف به
~~لاستحالة الانقلاب، وأما على تقدير الإمكان فلأنا نقول قد ظهر أن إمكان
~~اتصاف شيء بوجوب الوجود يستلزم اتصافه بالفعل بالضرورة فإذا استفيد
~~إمكانه يستفاد وجوده أيضا إذ كل ما لم يوجد يستحيل أن يكون واجب الوجود
~~على أنه قد ذكر غير واحد أن نفي وجود إله غيره تعالى يجوز أن يكون مرتبة
~~من التوحيد يناط بها الإسلام ويكتفى بها من أكثر العوام، وإن لم يعلموا
~~نفي إمكانه سيما مع الغفلة وعدم الشعور به فلا يضر عدم دلالة الكلمة عليه
~~بل قال بعضهم: إن إيجاب النفي جاء والآلهة غير الله تعالى موجودة، وقد
~~قامت عبادتها على ساق، وعكف عليها المشركون في سائر الآفاق، فأمر الناس
~~بنفي وجودها من حيث إنها آلهة حقة ولو كان إذ ذاك قوم يقولون بإمكان وجود
~~إله حق غيره تعالى لكنه غير موجود أصلا لأمروا بنفي ذلك الإمكان ولا
~~يخفى أن هذا ليس من المتانة بمكان، ويمكن الجواب باختيار تقديره خاصا
~~بأن يكون ذلك الخاص مستحقا للعبادة والمقام قرينة واضحة عليه، واعترض
~~بأنه لا يدل على نفي التعدد لا بالإمكان ولا ms00976 بالفعل لجواز وجود إله غيره
~~سبحانه لا يستحق العبادة وبأنه يمكن أن يقال: إن المراد إما نفي المستحق
~~غيره تعالى بالفعل أو الإمكان، والأول: لا ينفي الإمكان، والثاني: لا يدل
~~على استحقاقه تعالى بالفعل، وأجيب بأن من المعلوم بأن وجوب الوجود مبدأ
~~جميع الكمالات فلا ريب أنه يوجب استحقاق التعظيم والتبجيل ولا معنى
~~لاستحقاق العبادة سواه فإذا لم يستحق غيره تعالى للعبادة لم يوجد غيره
~~تعالى وإلا لاستحق العبادة قطعا وإذا لم يوجد لم يكن ممكنا أيضا على
~~ما أشير إليه فثبت أن نفي الاستحقاق يستلزم نفي التعدد مطلقا، والقائلون
~~بعدم/ تقدير الخبر ذهب الأكثر منهم إلى أن { لا } هذه لا خبر لها، واعترض
~~بأنه يلزم حينئذ انتفاء الحكم والعقد وهو باطل قطعا ضرورة اقتضاء
~~التوحيد ذلك، وأجيب بأن القول بعدم الاحتياج لا يخرج المركب من { لا }
~~واسمها عن العقد لأن معناه انتفى هذا الجنس من غير هذا الفرد وإلا عند
~~هؤلاء بمعنى غير تابعة لمحل اسم { لا } وظهر إعرابها فيما بعدها ولا مجال
~~لجعلها للاستثناء إذ لو كانت له لما أفاد الكلام التوحيد لأن حاصله حينئذ
~~أن هذا الجنس على تقدير عدم دخول هذا الفرد فيه منتف فيفهم منه عدم
~~انتفاء أفراد غير خارج عنها ذلك وهو بمعزل عن التوحيد كما لا يخفى.

# واستشكل الإبدال من جهتين، الأول: أنه بدل بعض ولا ضمير للمبدل منه وهو
~~شرط فيه، الثاني: أن بينهما مخالفة فإن البدل موجب والمبدل منه منفي،
~~وأجيب عن الأول: بأن { إلا } تغني عن الضمير لإفهامها البعضية، وعن
~~الثاني: بأنه بدل عن الأول في عمل العامل، وتخالفهما في الإيجاب والنفي
~~لا يمنع البدلية على أنه لو قيل: إن البدل في الاستثناء على حدة لم يبعد.
~~والثاني: من القولين الأولين وهو القول بخبرية ما بعد { إلا } ذهب إليه
~~جماعة وضعف بأنه يلزم عمل (لا) في المعارف وهي لا تعمل فيها وبأن اسمها
~~عام وما بعد (إلا) خاص فكيف يكون خبرا، وقد قالوا: بامتناع الحيوان
~~إنسان، وأجيب عن الأول: بأن ms00977 { لا } لا عمل لها في الخبر على رأي سيبويه
~~وأنه حين دخولها مرفوع بما كان مرفوعا به قبل فلم يلزم عملها في المعرفة
~~وهو كما ترى، وعن الثاني: بأنا لا نسلم أن في التركيب قد أخبر بالخاص عن
~~العام إذ العموم منفي والكلام مسوق العموم، والتخصيص بواحد من أفراد ما
~~دل عليه العام وفيه ما فيه.

# وأما الأقوال الثلاثة التي لا يعول عليها فأولها: أن (إلا) ليست أداة
~~استثناء وإنما هي بمعنى غير وهي مع اسمه تعالى شأنه صفة لا إسم لا
~~باعتبار المحل، والتقدير لا إله غير الله تعالى في الوجود، وثانيها: 
~~وقد نسب للزمخشري  أن لا إله في موضع الخبر و { إلا } وما بعدها في
~~موضع المبتدأ، والأصل هو، أو الله إله فلما أريد قصر الصفة على الموصوف
~~قدم الخبر وقرن المبتدأ بإلا إذ المقصور عليه هو الذي يلي { إلا }
~~والمقصور هو الواقع في سياق النفي، والمبتدأ إذا اقترن بإلا وجب تقديم
~~الخبر عليه كما قرر في موضعه، وثالثها: أن ما بعد { إلا } مرفوع بإله
~~كما هو حال المبتدأ إذا كان وصفا لأن إلها بمعنى مألوه فيكون قائما
~~مقام الفاعل وسادا مسد الخبر كما في ما مضروب العمران، ويرد على الأول:
~~أن فيه خللا من جهة المعنى لأن المقصود من الكلمة أمران نفي الإلهية عن
~~غيره تعالى وإثباتها له سبحانه وهذا إنما يتم إذا كان { إلا } فيها
~~للاستثناء إذ يستفاد النفي والإثبات حينئذ بالمنطوق، وأما إذا كانت بمعنى
~~غير فلا يفيد الكلام بمنطوقه إلا نفي الإلهية عن غيره تعالى، وأما
~~إثباتها له عز اسمه فلا يستفاد من التركيب واستفادته من المفهوم لا
~~تكاد تقبل لأنه إن كان مفهوم لقب فلا عبرة به ولو عند القائلين بالمفهوم
~~إذ لم يقل به إلا الدقاق وبعض الحنابلة، وإن كان مفهوم صفة فمن البين أنه
~~غير مجمع عليه، ويرد على الثاني: أنه مع ما فيه من التمحل يلزم منه أن
~~يكون الخبر مبنيا مع { لا } وهي لا يبنى معها إلا المبتدأ، وأيضا ms00978 لو
~~كان الأمر كما ذكر لم يكن لنصب الاسم الواقع بعد { إلا } في مثل هذا
~~التركيب وجه، وقد جوزه فيه جماعة، وعلى الثالث: أنا لا نسلم أن إلها وصف
~~وإلا لوجب إعرابه وتنوينه ولا قائل به.

# هذا ولي إن شاء الله تعالى عودة بعد عودة إلى ما في هذه الكلمة الطيبة
~~من الكلام.

# وفي قوله تعالى: { الحي } سبعة أوجه من وجوه الإعراب: الأول: أن يكون
~~خبرا ثانيا للفظ الجلالة، الثاني: أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف أي هو
~~الحي، الثالث: أن يكون بدلا من قوله سبحانه: { لا إله إلا هو
~~} ، الرابع: أن يكون/ بدلا من { هو } وحده، الخامس: أن يكون مبتدأ
~~خبره { لا تأخذه } ، السادس: أنه بدل من (الله)، السابع أنه صفة له
~~ويعضده القراءة بالنصب على المدح لاختصاصه بالنعت، وفي أصله قولان:
~~الأول: أن أصله حيي بيائين من حي يحيى، والثاني: أنه حيو فقلبت الواو
~~المتطرفة المنكسر ما قبلها ياءا، ولذلك كتبوا الحياة بواو في رسم المصحف
~~تنبيها على هذا الأصل، ويؤيده الحيوان لظهور هذا الأصل فيه، ووزنه قيل:
~~فعل وقيل: فيعل فخفف كميت في ميت.

# والحياة عند الطبيعي القوة التابعة للاعتدال النوعي التي تفيض عنها سائر
~~القوى الحيوانية أو قوة التغذية أو قوة الحس أو قوة تقتضي الحس والحركة،
~~والكل مما يمتنع اتصاف الله تعالى به لأنه من صفات الجسمانيات فهي فيه
~~سبحانه صفة موجودة حقيقية قائمة بذاته لا يكتنه كنهها ولا تعلم حقيقتها
~~كسائر صفاته جل شأنه زائدة على مجموع العلم والقدرة وليست نفس الذات
~~حقيقة ولا ثابتة لا موجودة ولا معدومة  كما قيل بكل  فالحي ذات قامت به
~~تلك الصفة، وفسره بعض المتكلمين ((بأنه الذي يصح أن يعلم ويقدر، واعترضه
~~الإمام بأن هذا القدر حاصل لجميع الحيوانات فكيف يحسن أن يمدح الله تعالى
~~نفسه بصفة يشاركه بها أخس الحيوانات؟ ثم قال والذي عندي في هذا الباب أن
~~الحي في أصل اللغة ليس عبارة عن نفس هذه الصحة بل كل شيء كان كاملا في
~~جنسه يسمى حيا ألا ms00979 يرى أن عمارة الأرض الخربة تسمى إحياء الموات، والصفة
~~المسماة في عرف المتكلمين حياة إنما سميت بها لأنها كمال الجسم أن يكون
~~موصوفا بتلك الصفة فلا جرم سميت تلك الصفة حياة، وكمال حال الأشجار أن
~~تكون مورقة خضرة فلا جرم سميت هذه الحال حياة فالمفهوم الأصلي من الحي
~~كونه واقعا على أكمل أحواله وصفاته وإذا كان كذلك زال الإشكال لأن
~~المفهوم من الحي هو الكامل ولما لم يكن ذلك مقيدا دل على أنه كامل على
~~الإطلاق، والكامل كذلك من لا يكون قابلا للعدم لا في ذاته ولا في صفاته
~~الحقيقية ولا في صفاته السلبية والإضافية)) انتهى.

# ولا يخفى أنه صرح ممرد من قوارير. أما أولا: فلأن قوله: إن الحي 
~~بمعنى الذي يصح أن يعلم ويقدر مما يشترك به سائر الحيوانات فلا يحسن أن
~~يمدح الله تعالى به نفسه  في غاية السقوط لأنه إن أراد الاشتراك في
~~إطلاق اللفظ فليس الحي وحده كذلك بل السميع والبصير أيضا مثله في
~~الإطلاق على أخس الحيوانات، وقد مدح الله تعالى بهما نفسه ولم يستشكل ذلك
~~أهل السنة، وإن أراد الاشتراك في الحقيقة فمعاذ الله تعالى من ذلك إذ
~~الاشتراك فيها مستحيل بين التراب ورب الأرباب، وبين الأزلي والزائل، ومتى
~~قلت إن الاشتراك في إطلاق اللفظ يوجب ذلك الاشتراك حقيقة، ولا مناص عنه
~~إلا بالحمل على المجاز لزمك مثل ذلك في سائر الصفات ولا قائل به من أهل
~~السنة، وأما ثانيا: فلأن كون الحياة في اللغة بمعنى الكمال مما لم يثبت
~~في شيء من كتب اللغة أصلا وإنما الثابت فيها غير ذلك ووصف الجمادات بها
~~إنما هو على سبيل المجاز دون الحقيقة كما وهم فإن قال: إنها مجاز في الله
~~تعالى أيضا بذلك المعنى عاد الإشكال بحصول الاشتراك في الكمال مع
~~الجمادات فضلا عن الحيوان، فإن قال: كمال كل شيء بالنسبة إلى ما يليق به
~~قلنا: فحياة كل حي حقيقة بالنسبة إلى ما يليق به، وليس كمثل الله تعالى
~~شيء، وكأني بك تفهم من كلامي ms00980 الميل إلى مذهب السلف في مثل هذه المواطن
~~فليكن ذلك فهم القوم كل القوم.

# ويا حبذا هند وأرض بها هند

# والزمخشري فسر الحي بالباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء وجعلوا ذلك
~~منه تفسيرا بما هو المتعارف من كلام العرب وأرى أن في القلب منه شيء،
~~ولعلي من وراء المنع لذلك، نعم روي عن قتادة أنه الذي لا يموت وهو ليس
~~بنص في المدعى.

# { القيوم } صيغة مبالغة للقيام وأصله قيووم على فيعول فاجتمعت
~~الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياءا/ وأدغمت؛ ولا يجوز
~~أن يكون فعولا وإلا لكان قووما لأنه واوي، ويجوز فيه قيام وقيم وبهما
~~قرىء، وروي أولهما عن عمر رضي الله تعالى عنه، وقرىء (القائم) و(القيوم)
~~بالنصب ومعناه كما قال الضحاك وابن جبير: الدائم الوجود، وقيل: القائم
~~بذاته، وقيل: القائم بتدبير خلقه من إنشائهم ابتداءا، وإيصال أرزاقهم
~~إليهم  وهو المروي عن قتادة  وقيل: هو العالم بالأمور من قولهم فلان
~~يقوم بالكتاب أي يعلم ما فيه، وقال بعضهم: هو الدائم القيام بتدبير الخلق
~~وحفظه، وذكر الراغب أنه يقال: قام كذا أي دام وقام بكذا أي حفظه، والقيوم
~~القائم الحافظ لكل شيء والمعطى له ما به قوامه، والظاهر منه أن القيام
~~بمعنى الدوام ثم يصير بالتعدية بمعنى الإدامة وهو الحفظ فأورد عليه أن
~~المبالغة ليست من أسباب التعدية فإذا عرى القيوم عن أداتها كان بمعنى
~~اللازم فلا يصح تفسيره بالحافظ ثم إن المبالغة في الحفظ كيف تفيد إعطاء
~~ما به القوام، ولعله من حيث إن الاستقلال بالحفظ إنما يتحقق بذلك كما لا
~~يخفى، وأورد على تفسيره بنحو القائم بذاته أن يكون معنى قيوم السماوات
~~والأرض الوارد في الأدعية المأثورة واجب السماوات والأرض وهو كما ترى،
~~فالظاهر أنه فيه بمعنى آخر مما يليق إذ لا يصح ذلك إلا بنوع تمحل.

# وذهب جمع إلى أن القيوم هو اسم الله تعالى الأعظم، وفسره هؤلاء بأنه
~~القائم بذاته والمقوم لغيره، وفسروا القيام بالذات بوجوب الوجود المستلزم
~~لجميع الكمالات والتنزه عن سائر وجوه النقص ms00981 وجعلوا التقويم للغير متضمنا
~~جميع الصفات الفعلية فصح لهم القول بذلك وأغرب الأقوال أنه لفظ سرياني
~~ومعناه بالسريانية الذي لا ينام، ولا يخفى بعده لأنه يتكرر حينئذ في قوله
~~تعالى:

# { لا تأخذه سنة ولا نوم } السنة  بكسر أوله  فتور يتقدم
~~النوم وليس بنوم لقول عدي بن الرقاع:

# وسنان أقصده العناس فرنقت

# في عينه (سنة) وليس بنائم

# والنوم بديهي التصور يعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات
~~الأبخرة المتصاعدة بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأسا، وزعم
~~السيوطي في بعض «رسائله» أن سببه شم هواء يهب من تحت العرش، ولعله أراد
~~تصاعد الأبخرة من المعدة تحت القلب الذي هو عرش الروح وإلا فلا أعقله،
~~وتقديم السنة عليه وقياس المبالغة يقتضي التأخير مراعاة للترتيب الوجودي
~~فلتقدمها على النوم في الخارج قدمت عليه في اللفظ، وقيل: إنه على طريق
~~التتميم وهو أبلغ لما فيه من التأكيد إذ نفي  السنة  يقتضي نفي النوم
~~ضمنا فإذا نفي ثانيا كان أبلغ، ورد بأنه إنما هو على أسلوب الإحاطة
~~والإحصاء وهو متعين فيه مراعاة الترتيب الوجودي والابتداء من الأخف
~~فالأخف كما في قوله تعالى:

# لا يغادر صغيرة ولا كبيرة

# [الكهف: 49] ولهذا توسطت كلمة { لا } تنصيصا على الإحاطة وشمول النفي
~~لكل منهما، وقيل: إن تأخير النوم رعاية للفواصل ولا يخفى أنه من ضيق
~~العطن، وقال بعض المحققين: هذا كله إنما يحتاج إليه إذا أخذ الأخذ بمعنى
~~العروض والاعتراء، وأما لو أخذ بمعنى القهر والغلبة  كما ذكره الراغب
~~وغيره من أئمة اللغة  ومنه قوله تعالى:

# أخذ عزيز مقتدر

# [القمر: 42] فالترتيب على مقتضى الظاهر إذ يكون المعنى لا تغلبه السنة
~~ولا النوم الذي هو أكثر غلبة منها.

# والجملة نفي للتشبيه وتنزيه له تعالى أن يكون له مثل من الأحياء لأنها
~~لا تخلو من ذلك فكيف تشابهه، وفيها تأكيد لكونه تعالى حيا قيوما لأن
~~النوم آفة تنافي دوام الحياة وبقاءها وصفاته تعالى قديمة لا زوال لها
~~ولأن من يعتريه النوم والغلبة لا يكون واجب الوجود دائمه ولا عالما
~~مستمر العلم ms00982 ولا حافظا قوي الحفظ، وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عن ابن
~~عباس/ رضي الله تعالى عنهما «أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل ينام ربك؟
~~قال: اتقوا الله تعالى فناداه ربه يا موسى سألوك هل ينام ربك فخذ زجاجتين
~~في يديك فقم الليل ففعل موسى فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبتيه ثم
~~انتعش فضبطهما حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقط الزجاجتان فانكسرتا فقال:
~~يا موسى لو كنت أنام لسقطت السماوات والأرض فهلكن كما هلكت الزجاجتان في
~~يديك» ولما فيها من التأكيد كالذي بعدها ترك العاطف فيها وهي إما
~~استئنافية لا محل لها من الإعراب وإما حال مؤكدة من الضمير المستكن في {
~~القيوم } ، وجوز أن تكون خبرا عن الحي أو عن الاسم الجليل.

# { له ما في السموت وما في الأرض } تقرير لقيوميته تعالى
~~واحتجاج على تفرده في الإلهية، والمراد بما فيهما ما هو أعم من أجزائهما
~~الداخلة فيهما ومن الأمور الخارجة عنهما المتمكنة فيهما من العقلاء
~~وغيرهم فيعلم من الآية نفي كون الشمس والقمر وسائر النجوم والملائكة
~~والأصنام والطواغيت آلهة مستحقة للعبادة.

# { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } استفهام إنكاري
~~ولذا دخلت { إلا } والمقصود منه بيان كبرياء شأنه تعالى وأنه لا أحد
~~يساويه أو يدانيه بحيث يستقل أن يدفع ما يريده دفعا على وجه الشفاعة
~~والاستكانة والخضوع فضلا عن أن يستقل بدفعه عنادا أو مناصبة وعداوة وفي
~~ذلك تأييس للكفار حيث زعموا أن آلهتهم شفعاء لهم عند الله تعالى {
~~يعلم ما بين أيديهم } أي أمر الدنيا { وما خلفهم }
~~أي أمر الآخرة قاله مجاهد وابن جريج وغيرهما، وروي عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما وقتادة عكس ذلك، وقيل: يعلم ما كان قبلهم وما كان بعدهم،
~~وقيل: ما بين أيديهم من خير أو شر وما خلفهم مما فعلوه كذلك، وقيل: ما
~~يدركونه وما لا يدركونه أو ما يحسونه ويعقلونه والكل محتمل، ووجه الإطلاق
~~فيه ظاهر، وضمير الجمع يعود على ما في { ما في السموات } الخ
~~إلا أنه غلب ms00983 من يعقل على غيره، وقيل: للعقلاء في ضمنه فلا تغليب، وجوز أن
~~يعود على ما دل عليه { من ذا } من الملائكة والأنبياء، وقيل: الأنبياء
~~خاصة، والعلم بما بين أيديهم وما خلفهم كناية عن إحاطة علمه سبحانه،
~~والجملة إما استئناف أو خبر عما قبل أو حال من ضمير (يشفع) أو من المجرور
~~في (بإذنه).

# { ولا يحيطون بشيء من علمه } أي معلومه كقولهم: اللهم
~~اغفر لنا علمك فينا، والإحاطة بالشيء علما علمه كما هو على الحقيقة،
~~والمعنى لا يعلم أحد من هؤلاء كنه شيء ما من معلوماته تعالى { إلا
~~بما شاء } أن يعلم، وجوز أن يراد (من علمه) معلومه الخاص وهو كل ما في
~~الغيب

# فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من
~~رسول

# [الجن: 2627] وعطفت هذه الجملة على ما قبلها لمغايرتها له لأن ذلك يشعر
~~بأنه سبحانه يعلم كل شيء وهذه تفيد أنه لا يعلمه غيره ومجموعهما دال على
~~تفرده تعالى بالعلم الذاتي الذي هو من أصول صفات الكمال التي يجب أن يتصف
~~الإله تعالى شأنه بها بالفعل.

# { وسع كرسيه السموت والأرض } الكرسي جسم بين يدي
~~العرش محيط بالسماوات السبع، وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما قال: لو أن السماوات السبع والأرضين السبع بسطن ثم
~~وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعته  أي الكرسي  إلا بمنزلة الحلقة في
~~المفازة وهو غير العرش كما يدل عليه ما أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ وابن
~~مردويه عن أبي ذر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي فقال:

# " يا أبا ذر ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة
~~ملقاة بأرض فلاة وأن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة "

# وفي رواية الدارقطني والخطيب عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما/ قال:

# " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: { وسع كرسيه }
~~الخ «قال: كرسيه موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره "

# وقيل: هو العرش نفسه، ونسب ذلك إلى الحسن، وقيل: ms00984 قدرة الله تعالى، وقيل:
~~تدبيره، وقيل: ملك من ملائكته، وقيل: مجاز عن العلم من تسمية الشيء
~~بمكانه لأن الكرسي مكان العالم الذي فيه العلم فيكون مكانا للعلم
~~بتبعيته لأن العرض يتبع المحل في التحيز حتى ذهبوا إلى أنه معنى قيام
~~العرض بالمحل، وحكي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: عن
~~الملك أخذا من كرسي الملك، وقيل: أصل الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن
~~مقعد القاعد.

# والكلام مساق على سبيل التمثيل لعظمته تعالى شأنه وسعة سلطانه وإحاطة
~~علمه بالأشياء قاطبة، ففي الكلام استعارة تمثيلية وليس ثمة كرسي ولا قاعد
~~ولا قعود وهذا الذي اختاره الجم الغفير من الخلف فرارا من توهم التجسيم،
~~وحملوا الأحاديث التي ظاهرها حمل الكرسي على الجسم المحيط على مثل ذلك لا
~~سيما الأحاديث التي فيها ذكر القدم كما قدمنا، وكالحديث الذي أخرجه
~~البيهقي وغيره عن أبي موسى الأشعري الكرسي: موضع القدمين وله أطيط كأطيط
~~الرحل؛ وفي رواية عن عمر مرفوعا

# " له أطيط كأطيط الرحل الجديد إذا ركب عليه من يثقله ما يفضل منه أربع
~~أصابع "

# وأنت تعلم أن ذلك وأمثاله ليس بالداعي القوي لنفي الكرسي بالكلية فالحق
~~أنه ثابت كما نطقت به الأخبار الصحيحة وتوهم التجسيم لا يعبأ به وإلا
~~للزم نفي الكثير من الصفات وهو بمعزل عن اتباع الشارع والتسليم له. وأكثر
~~السلف الصالح جعلوا ذلك من المتشابه الذي لا يحيطون به علما وفوضوا علمه
~~إلى الله تعالى مع القول بغاية التنزيه والتقديس له تعالى شأنه.

# والقائلون بالمظاهر من ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم لم يشكل
~~عليهم شيء من أمثال ذلك، وقد ذكر بعض العارفين منهم أن الكرسي عبارة عن
~~تجلي جملة الصفات الفعلية فهو مظهر إلهي ومحل نفوذ الأمر والنهي والإيجاد
~~والإعدام المعبر عنهما بالقدمين، وقد وسع السماوات والأرض وسع وجود عيني
~~ووسع حكمي لأن وجودهما المقيد من آثار الصفات الفعلية التي هو مظهر لها
~~وليست القدمان في الأحاديث عبارة عن قدمي الرجلين ومحل النعلين تعالى
~~الله سبحانه عن ذلك ms00985 علوا كبيرا، ولا «الأطيط» عبارة عما تسمعه وتفهمه
~~في الشاهد بل هو إن لم تفوض علمه إلى العليم الخبير إشارة إلى بروز
~~الأشياء المتضادة أو اجتماعها في ذلك المظهر الذي هو منشأ التفصيل
~~والإبهام ومحل الإيجاد والإعدام ومركز الضر والنفع والتفريق والجمع،
~~ومعنى ما يفضل منه إلا أربع أصابع إن كان الضمير راجعا إلى الرحل ظاهر
~~وإن كان راجعا إلى الكرسي فهو إشارة إلى وجود حضرات هي مظاهر لبعض
~~الأسماء لم تبرز إلى عالم الحس ولا يمكن أن يراها إلا من ولد مرتين، وليس
~~المراد من الأصابع الأربع ما تعرفه من نفسك، وللعارفين في هذا المقام
~~كلام غير هذا، ولعلنا نشير إلى بعض منه إن شاء الله تعالى.

# ثم المشهور أن الياء في الكرسي لغير النسب، واشتقاقه من الكرس  وهو
~~الجمع  ومنه الكراسة للصحائف الجامعة للعلم، وقيل: كأنه منسوب إلى 
~~الكرس  بالكسر وهو الملبد وجمعه كراسي  كبختي وبخاتي  وفيه لغتان ضم
~~كافه  وهي المشهورة  وكسرها للاتباع والجمهور على فتح الواو والعين،
~~وكسر السين في { وسع } على أنه فعل والكرسي فاعله، وقرىء بسكون السين
~~مع كسر الواو  كعلم  في علم، وبفتح الواو وسكون السين ورفع العين مع جر
~~ كرسيه  ورفع السماوات فهو حينئذ مبتدأ مضاف إلى ما بعده و (السماوات
~~والأرض) خبره.

# { ولا يؤده } أي لا يثقله  كما قال ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما  وهو مأخوذ من الأود بمعنى الاعوجاج لأن الثقيل يميل له ما تحته،
~~وماضيه آد؛ والضمير لله تعالى. وقيل: الكرسي. { حفظهما } / أي
~~السماوات والأرض وإنما لم يتعرض لذكر ما فيهما لما أن حفظهما مستتبع
~~لحفظه، وخصهما بالذكر دون الكرسي لأن حفظهما هو المشاهد المحسوس، والقول
~~بالاستخدام ليدخل هو والعرش وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله تعالى بعيد {
~~وهو العلى } أي المتعالي عن الأشباه والأنداد والأمثال. والأضداد
~~وعن أمارات النقص ودلالات الحدوث، وقيل: هو من العلو الذي هو بمعنى
~~القدرة والسلطان والملك وعلو الشأن والقهر والاعتلاء والجلال والكبرياء {
~~العظيم } ذو العظمة وكل شيء بالإضافة إليه حقير.

# ولما جليت ms00986 على منصة هذه الآية الكريمة عرائس المسائل الإلهية وأشرقت
~~على صفحاتها أنوار الصفات العلية حيث جمعت أصول الصفات من الألوهية
~~والوحدانية والحياة والعلم والملك والقدرة والإرادة، واشتملت على سبعة
~~عشر موضعا فيها اسم الله تعالى ظاهرا في بعضها ومستترا في البعض ونطقت
~~بأنه سبحانه موجود منفرد في ألوهيته حي واجب الوجود لذاته موجد لغيره
~~منزه عن التحيز والحلول مبرأ عن التغير والفتور لا مناسبة بينه وبين
~~الأشباح ولا يحل بساحة جلاله ما يعرض النفوس والأرواح مالك الملك
~~والملكوت ومبدع الأصول والفروع ذو البطش الشديد العالم وحده بجلي الأشياء
~~وخفيها وكليها وجزئيها واسع الملك والقدرة لكل ما من شأنه أن يملك ويقدر
~~عليه لا يشق عليه شاق ولا يثقل شيء لديه متعال عن كل ما لا يليق بجنابه
~~عظيم لا يستطيع طير الفكر أن يحوم في بيداء صفات قامت به تفردت بقلائد
~~فضل خلت عنها أجياد أخواتها الجياد وجواهر خواص تتهادى بها بين أترابها
~~ولا كما تتهادى لبنى وسعاد.

# أخرج مسلم وأحمد وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " إن أعظم آية في القرآن آية الكرسي "

# وأخرج البيهقي من حديث أنس مرفوعا

# " من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة حفظ إلى الصلاة الأخرى ولا
~~يحافظ عليها إلا نبي أو صديق أو شهيد "

# وأخرج الديلمي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: «لو تعلمون ما فيها
~~لما تركتموها على حال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " أعطيت آية الكرسي من كنز تحت العرش لم يؤتها نبي قبلي "

# والأخبار في فضلها كثيرة شهيرة إلا أن بعضها مما لا أصل له كخبر من
~~«قرأها بعث الله تعالى ملكا يكتب من حسناته ويمحو من سيئآته إلى الغد من
~~تلك الساعة»، وبعضها منكر جدا كخبر «إن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه
~~السلام أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة فإنه من يقرؤها في دبر
~~كل صلاة مكتوبة أجعل له قلب الشاكرين ولسان الذاكرين وثواب المنيبين ms00987
~~وأعمال الصديقين».

# ولا يخفى أن أكثر الأحاديث في هذا الباب حجة لمن قال: إن بعض القرآن قد
~~يفضل على غيره وفيه خلاف فمنعه بعضهم كالأشعري والباقلاني وغيرهما
~~لاقتضائه نقص المفضول وكلام الله تعالى لا نقص فيه، وأولوا أعظم بعظيم
~~وأفضل بفاضل، وأجازه إسحق بن راهويه وكثير من العلماء والمتكلمين  وهو
~~المختار  ويرجع إلى عظم أجر قارئه ولله تعالى أن يخص ما شاء بما شاء لما
~~شاء.

# ومناسبة هذه الآية الكريمة لما قبلها أنه سبحانه لما ذكر أن الكافرين هم
~~الظالمون ناسب أن ينبههم جل شأنه على العقيدة الصحيحة التي هي محض
~~التوحيد الذي درج عليه المرسلون على اختلاف درجاتهم وتفاوت مراتبهم بما
~~أينعت من ذلك رياضه وتدفقت حياضه وصدح عندليبه وصدع على منابر البيان
~~خطيبه فلله الحمد على ما أوضح الحجة وأزال الغبار عن وجه المحجة.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { تلك آيت الله } أي أسراره
~~وأنواره ورموزه وإشاراته { نتلوها } بلسان الوحي { عليك } ملابسة
~~للحق الثابت الذي لا يعتريه تغيير

# وإنك لمن المرسلين

# [البقرة: 252] الذين عبروا هذه المقامات/ وصح لهم صفاء الأوقات { تلك
~~الرسل فضلنا بعضهم على بعض } بمقتضى استعلاء أنوار
~~استعداداتهم { منهم من كلم الله } عند تجليه على طور قلبه
~~وفي وادي سره { ورفع بعضهم درجت } بفنائه عن ظلمة الوجود
~~بالكلية وبقائه في حضرة الأنوار الإلهية وبلوغه مقام قاب قوسين وظفره
~~بكنز فأوحى إلى عبده ما أوحى من أسرارهم النشأتين حتى عاد وهو نور
~~الأنوار والمظهر الأعظم عند ذوي الأبصار { وآتينا عيسى ابن
~~مريم البينات } والآيات الباهرات من إحياء أموات القلوب
~~والأخبار عما يدخر في خزائن الأسرار من الغيوب { وأيدنه بروح
~~القدس } الذي هو روح الأرواح المنزه عن النقائص الكونية والمقدس عن
~~الصفات الطبيعية { ولو شاء الله ما اقتتل الذين } جاءوا
~~{ من بعدهم } بسيوف الهوى ونبال الضلال { من بعد ما
~~جاءتهم } من أنوار الفطرة وإرشاد الرسل الآيات الواضحات { ولكن
~~اختلفوا } حسبما اقتضاه استعدادهم الأزلي { فمنهم من ءامن
~~} بما جاء به الوحي { ومنهم من كفر ولو شاء الله ما ms00988
~~اقتتلوا } عن اختلاف بأن يتحد استعدادهم

# ولكن الله يفعل ما يريد

# [البقرة: 253] ولا يريد إلا ما في العلم وما كان فيه سوى هذا الاختلاف {
~~يأيها الذين ءامنوا أنفقوا مما رزقنكم } ببذل
~~الأرواح وإرشاد العباد { من قبل أن يأتى يوم } القيامة
~~الكبرى { لا بيع فيه } ولا تبدل صفة بصفة فلا يحصل تكميل النشأة {
~~ولا خلة } لظهور الحقائق { ولا شفعة } للتجلي الجلالي،

# والكفرون هم

# [البقرة: 254] الذين ظلموا أنفسهم بنقص حظوظها وما ظلمناهم إذ لم نقض
~~عليهم سوى ما اقتضاه استعدادهم الغير المجعول { الله لا إله } في
~~الوجود العلمي { إلا هو الحى } الذي حياته عين ذاته وكل ما هو
~~حي لم يحي إلا بحياته { القيوم } الذي يقوم بنفسه ويقوم كل ما يقوم
~~به، وقيل: الحي الذي ألبس حياته أسرار الموحدين فوحدوا به، والقيوم الذي
~~ربى بتجلي الصفات وكشف الذات أرواح العارفين ففنوا في ذاته واحترقوا
~~بنور كبريائه. { لا تأخذه سنة ولا نوم } بيان لقيوميته
~~وإشارة إلى أن حياته عين ذاته له ما في سماوات الأرواح وأرض الأشباح فلا
~~يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن ولا يخطر خاطر في بر أو بحر وسر أو جهر إلا
~~بقدرته وإرادته وعلمه ومشيئته { من ذا الذى يشفع عنده إلا
~~بإذنه } إذ كلهم له ومنه وإليه وبه { يعلم ما بين
~~أيديهم } من الخطرات { وما خلفهم } من العثرات، أو ما بين
~~أيديهم من المقامات وما خلفهم من الحالات، أو يعلم منهم ما قبل إيجادهم
~~من كمية استعدادهم وما بعد إنشائهم من العمل بمقتضى ذلك { ولا
~~يحيطون بشيء من } معلوماته التي هي مظاهر أسمائه { إلا
~~بما شاء } كما يحصل لأهل القلوب من معاينات أسرار الغيوب وإذا تقاصرت
~~الفهوم عن الإحاطة بشيء من معلوماته فأي طمع لها في الإحاطة بذاته هيهات
~~هيهات أنى لخفاش الفهم أن يفتح عينه في شمس هاتيك الذات؟ { وسع
~~كرسيه } الذي هي قلب العارف { السموات والأرض } لأنه
~~معدن العلوم الإلهية والعلم اللدني الذي لا نهاية له ولا حد، ومن هنا
~~قال أبو يزيد البسطامي: لو وقع العالم ومقدار ms00989 ما فيه ألف ألف مرة في
~~زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به، وقيل: كرسيه عالم الملكوت وهو مطاف
~~أرواح العارفين لجلال الجبروت { ولا يؤده } ولا يثقله {
~~حفظهما } في ذلك الكرسي لأنهما غير موجودين بدونه { وهو
~~العلي } الشأن الذي لا تقيده الأكوان { العظيم } [البقرة: 255]
~~الذي لا منتهى لعظمته ولا يتصور كنه ذاته لإطلاقه حتى عن قيد الإطلاق.

### || [2.256]

# { لا إكراه فى الدين } قيل: إن هذه إلى قوله سبحانه:

# خلدون

# [البقرة: 257] من بقية آية الكرسي، والحق أنها ليست منها بل هي جملة
~~مستأنفة جيء بها إثر بيان دلائل التوحيد للإيذان بأنه لا يتصور الإكراه
~~في الدين لأنه في الحقيقة إلزام الغير فعلا لا يرى فيه خيرا يحمله عليه
~~والدين خير كله، والجملة على هذا خبر باعتبار/ الحقيقة ونفس الأمر وأما
~~ما يظهر بخلافه فليس إكراها حقيقيا، وجوز أن تكون إخبارا في معنى
~~النهي أي لا تكرهوا في الدين وتجبروا عليه وهو حينئذ إما عام منسوخ
~~بقوله تعالى:

# جهد الكفار والمنفقين

# [التوبة: 73] وهو المحكي عن ابن مسعود وابن زيد وسليمان بن موسى، أو
~~مخصوص بأهل الكتاب الذين قبلوا الجزية  وهو المحكي عن الحسن وقتادة
~~والضحاك  وفي سبب النزول ما يؤيده فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما «أن رجلا من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له
~~الحصين كان له ابنان نصرانيان وكان هو رجلا مسلما فقال للنبي صلى الله
~~عليه وسلم: ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله
~~تعالى فيه ذلك». وأل في (الدين) للعهد، وقيل: بدل من الإضافة أي دين الله
~~وهو ملة الإسلام، وفاعل الإكراه على كل تقدير غيره تعالى، ومن الناس من
~~قال: إن المراد ليس في الدين إكراه من الله تعالى وقسر بل مبنى الأمر على
~~التمكين والاختيار ولولا ذلك لما حصل الابتلاء ولبطل الامتحان فالآية
~~نظير قوله تعالى:

# فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر

# [الكهف: 29] وإلى ذلك ذهب القفال.

# { قد تبين الرشد من الغي } تعليل صدر بكلمة التحقيق ms00990
~~لزيادة تقرير مضمونه أي قد تميز بما ذكر من نعوته تعالى التي يمتنع توهم
~~اشتراك الغير في شيء منها الإيمان من الكفر والصواب من الخطأ و  الرشد 
~~بضم الراء وسكون الشين على المشهور مصدر  رشد  بفتح الشين يرشد بضمها،
~~ويقرأ بفتح الراء والشين، وفعله رشد يرشد مثل علم يعلم وهو نقيض  الغي 
~~وأصله سلوك طريق الهلاك، وقال الراغب، هو كالجهل إلا أن الجهل يقال
~~اعتبارا بالاعتقاد، والغي اعتبارا بالأفعال، ولهذا قيل: زوال الجهل
~~بالعلم، وزوال الغي بالرشد، ويقال لمن أصاب: رشد، ولمن أخطأ غوى، ويقال
~~لمن خاب: غوى أيضا، ومنه قوله:

# ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره

# ومن يغو لم يعدم على الغي (لائما)

# { فمن يكفر بالطغوت } أي الشيطان وهو المروي عن عمر بن
~~الخطاب والحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم وبه قال مجاهد وقتادة وعن
~~سعيد بن جبير وعكرمة أنه الكاهن، وعن أبي العالية أنه الساحر، وعن مالك
~~بن أنس كل ما عبد من دون الله تعالى، وعن بعضهم الأصنام، والأولى أن يقال
~~بعمومه سائر ما يطغى، ويجعل الاقتصار على بعض في تلك الأقوال من باب
~~التمثيل وهو بناء مبالغة كالجبروت والملكوت، واختلف فيه فقيل: هو مصدر في
~~الأصل ولذلك يوحد ويذكر كسائر المصادر الواقعة على الأعيان  وإلى ذلك
~~ذهب الفارسي  وقيل: هو اسم جنس مفرد فلذلك لزم الإفراد والتذكير  وإليه
~~ذهب سيبويه  وقيل: هو جمع  وهو مذهب المبرد  وقد يؤنث ضميره كما في
~~قوله تعالى:

# والذين اجتنبوا الطغوت أن يعبدوها

# [الزمر: 17] وهو تأنيث اعتباري واشتقاقه من طغى يطغى أو طغى يطغو ومصدر
~~الأول: الطغيان. والثاني: الطغوان، وأصله على الأول: طغيوت، وعلى الثاني:
~~طغووت فقدمت اللام وأخرت العين فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلب
~~ألفا فوزنه من قبل فعلوت والآن فلعوت، وقدم ذكر الكفر بالطاغوت على ذكر
~~الإيمان بالله تعالى اهتماما بوجوب التخلية أو مراعاة للترتيب الواقعي
~~أو للاتصال بلفظ الغي.

# { ويؤمن بالله } أي يصدق به طبق ما جاءت به رسله عليهم الصلاة
~~والسلام { فقد استمسك } أي ms00991 بالغ في التمسك حتى كأنه وهو متلبس به
~~يطلب من نفسه الزيادة فيه والثبات عليه { بالعروة الوثقى }
~~وهي الإيمان  قاله مجاهد  أو القرآن  قاله أنس بن مالك  أو كلمة/
~~الإخلاص  قاله ابن عباس  أو الاعتقاد الحق أو السبب الموصل إلى رضا
~~الله تعالى أو العهد، وعلى كل تقدير يجوز أن يكون في (العروة) استعارة
~~تصريحية و(استمسك) ترشيح لها أو استعارة أخرى تبعية، ويجوز أن يجعل
~~الكلام تمثيلا مبنيا على تشبيه الهيئة العقلية المنتزعة من ملازمة الحق
~~الذي لا يحتمل النقيض بوجه أصلا لثبوته بالبراهين النيرة القطعية
~~بالهيئة الحسية المنتزعة من التمسك بالحبل المحكم المأمون انقطاعه من غير
~~تعرض للمفردات، واختار ذلك بعض المحققين ولا يخلو عن حسن، وجعل العروة
~~مستعارة للنظر الصحيح المؤدي للاعتقاد الحق  كما قيل  ليس بالحسن لأن
~~ذلك غير مذكور في حيز الشرط أصلا { لا انفصام لها } أي لا انقطاع
~~لها؛ والانفصام والانقصام لغتان وبالفاء أفصح  كما قال الفراء  وفرق
~~بعضهم بينهما بأن الأول: انكسار بغير بينونة، والثاني: انكسار بها
~~وحينئذ يكون انتفاء الثاني معلوما من نفي الأول بالأولوية، والجملة إما
~~مستأنفة لتقرير ما قبلها من وثاقة العروة وإما حال من (العروة)، والعامل
~~(استمسك) أو من الضمير المستكن في (الوثقى) لأنها للتفضيل تأنيث الأوثق،
~~و { لها } في موضع الخبر.

# { والله سميع } بالأقوال { عليم } بالعزائم والعقائد، والجملة
~~تذييل حامل على الإيمان رادع عن الكفر والنفاق لما فيها من الوعد
~~والوعيد، قيل: وفيها أيضا إشارة إلى أنه لا بد في الإيمان من الاعتقاد
~~والإقرار.

### || [2.257]

# { الله ولي الذين ءامنوا } أي معينهم أو محبهم أو متولي
~~أمورهم والمراد بهم من أراد الإيمان أو ثبت في علمه تعالى إيمانه أو آمن
~~بالفعل { يخرجهم } بهدايته وتوفيقه وهو تفسير للولاية أو خبر ثان
~~عند من يجوز كونه جملة أو حال من الضمير في { ولي }. { من
~~الظلمت } التابعة للكفر أو ظلمات المعاصي أو الشبه كيف كانت. {
~~إلى النور } أي نور الإيمان أو نور الطاعات أو نور الإيقان بمراتبه،
~~وعن الحسن أنه فسر الإخراج هنا ms00992 بالمنع فالمعنى يمنعهم عن أن يدخلوا في
~~شيء من الظلمات واقتصر الواقدي في تفسير الظلمات، والنور  على ذكر الكفر
~~والإيمان وحمل كل ما في القرآن على ذلك سوى ما في الأنعام [1] من قوله
~~تعالى:

# وجعل الظلمت والنور

# فإن المراد بهما هناك الليل والنهار، والأولى أن يحمل الظلمات على
~~المعنى الذي يعم سائر أنواعها ويحمل النور أيضا على ما يعم سائر أنواعه،
~~ويجعل في مقابلة كل ظلمة مخرج منها نور مخرج إليه حتى أنه سبحانه ليخرج
~~من شاء من ظلمة الليل إلى نور العيان، ومن ظلمة الوحشة إلى نور الوصلة،
~~ومن ظلمة عالم الأشباح إلى نور عالم الأرواح إلى غير ذلك «مما لا، ولا»
~~وأفرد النور لوحدة الحق كما أن جمع الظلمات لتعدد فنون الضلال، أو أن
~~الأول: إيماء إلى القلة والثاني: إلى الكثرة.

# { والذين كفروا } أي أرادوا الكفر أو ثبت كفرهم في علمه سبحانه
~~أو كفروا بالفعل { أولياؤهم } حقيقة أو فيما عندهم { الطغوت
~~} أي الشياطين أو الأصنام أو سائر المضلين عن طرق الحق، والموصول مبتدأ
~~أول، و (أولياؤهم) مبتدأ ثان، و (الطاغوت) خبره، والجملة خبر الأول
~~والجملة الحاصلة معطوفة على ما قبلها، قيل: ولعل تغيير السبك للاحتراز عن
~~وضع الطاغوت في مقابلة الاسم الجليل ولقصد المبالغة بتكرير الإسناد مع
~~الإيماء إلى التباين بين الفريقين من كل وجه حتى من جهة التعبير أيضا،
~~وقرىء (الطواغيت) على الجمع وصح جمعه على القول بأنه مصدر لأنه صار اسما
~~لما يعبد من دون الله تعالى.

# { يخرجونهم } بالوساوس وإلقاء الشبه أو بكونهم بحالة جرت اعتقادهم
~~فيهم النفع والضر وأنهم يقربونهم إلى الله تعالى زلفى، والتعبير/ عنهم
~~بضمير العقلاء إما لأنهم منهم حقيقة أو ادعاء ونسبة الإخراج إليهم مجاز
~~من باب النسبة إلى السبب فلا يأبى تعلق قدرته وإرادته تعالى بذلك { من
~~النور } أي الفطري الذي جبل عليه الناس كافة، أو نور البينات
~~المتتابعة التي يشاهدونها بتنزيل تمكنهم من الاستضاءة بها منزلة نفسها
~~فلا يرد أنهم متى كانوا في نور ليخرجوا منه، وقيل: التعبير بذلك
~~للمقابلة، ms00993 وقيل: إن الإخراج قد يكون بمعنى المنع وهو لا يقتضي سابقية
~~الدخول، وعن مجاهد أن الآية نزلت في قوم ارتدوا فلا شك في أنهم حينئذ
~~أخرجوا من النور الذي كانوا فيه وهو نور الإيمان { إلى الظلمت }
~~وهي ظلمات الكفر والانهماك في الغي وعدم الارعواء والاهتداء بما يترى من
~~الآيات ويتلى، والجملة تفسير لولاية الطاغوت فالانفصال لكمال الاتصال،
~~ويجوز أن تكون خبرا ثانيا كما مر.

# { أولئك } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة
~~وما يتبع ذلك من القبائح، وجوز أن تكون إشارة إلى الكفار وأوليائهم، وفيه
~~بعد { أصحب النار } أي ملابسوها وملازموها لعظم ما هم عليه {
~~هم فيها خلدون } ماكثون أبدا، وفي هذا وعد وتحذير للكافرين،
~~ولعل عدم مقابلته بوعد المؤمنين كما قيل: للإشعار بتعظيمهم وأن أمرهم غير
~~محتاج إلى البيان وأن شأنهم أعلى من مقابلة هؤلاء، أو أن ما أعد لهم لا
~~تفي ببيانه العبارة، وقيل: إن قوله سبحانه: (ولي المؤمنين) دل على الوعد
~~وكفى به.

### || [2.258]

# { ألم تر إلى الذى حاج إبرهم فى ربه } بيان
~~لتسديد المؤمنين إذ كان وليهم وخذلان غيرهم ولذا لم يعطف، واهتم ببيانه
~~لأن منكري ولايته تعالى للمؤمنين كثيرون، وقيل: استشهاد على ما ذكر من أن
~~الكفرة أولياؤهم الطاغوت وتقرير لهم كما أن ما بعده استشهاد على ولايته
~~تعالى للمؤمنين وتقرير لها، وبدأ به لرعاية الاقتران بينه وبين مدلوله
~~ولاستقلاله بأمر عجيب حقيق بأن يصدر به المقال وهو اجتراؤه على المحاجة
~~في الله عز وجل، وما أتى به في أثنائها من العظيمة المنادية بكمال
~~حماقته، ولأن فيما بعده تعدادا وتفصيلا يورث تقديمه انتشار النظم على
~~أنه قد أشير في تضاعيفه إلى هدايته تعالى أيضا بواسطة إبراهيم عليه
~~الصلاة والسلام فإن ما يحكى عنه من الدعوة إلى الحق وادحاض حجة الكافرين
~~من آثار ولايته تعالى ولا يخفى ما فيه.

# وهمزة الاستفهام لإنكار النفي وتقرير المنفي، والجمهور على أن في الكلام
~~معنى التعجب أي  ألم تنظر، أو ألم ينته علمك  إلى قصة هذا الكافر الذي ms00994
~~لست بولي له كيف تصدى لمحاجة من تكفلت بنصرته وأخبرت بأني ولي له ولمن
~~كان من شيعته أي قد تحققت رؤية هذه القصة العجيبة وتقررت بناءا على أن
~~الأمر من الظهور بحيث لا يكاد يخفى على أحد ممن له حظ من الخطاب فلتكن في
~~الغاية القصوى من تحقق ما ذكرته لك من ولايتي للمؤمنين وعدمها للكافرين
~~ولتطب نفسك أيها الحبيب وأبشر بالنصر فقد نصرت الخليل، وأين مقام الخليل
~~من الحبيب، وخذلت رأس الطاغين فكيف بالأذناب الأرذلين

# والمراد بالموصول نمروذ بن كنعان بن سنجاريب  وهو أول من تجبر وادعى
~~الربوبية، كما قاله مجاهد وغيره  وإنما أطلق على ما وقع لفظ المحاجة وإن
~~كانت مجادلة بالباطل لإيرادها موردها، واختلف في وقتها فقيل: عند كسر
~~الأصنام وقبل إلقائه في النار  وهو المروي عن مقاتل  وقيل: بعد إلقائه
~~في النار وجعلها عليه بردا وسلاما  وهو المروي عن جعفر الصادق رضي
~~الله تعالى عنه  وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه
~~الصلاة والسلام تشريف له وإيذان/ من أول الأمر بتأييد وليه له في المحاجة
~~فإن التربية نوع من الولاية.

# { أن ءآته الله الملك } أي لأن آتاه الله تعالى ذلك فالكلام
~~على حذف اللام وهو مطرد في  أن، وإن  وليس هناك مفعولا لأجله منصوب
~~لعدم اتحاد الفاعل، والتعليل فيه على وجهين: إما أن إيتاء الملك حمله على
~~ذلك لأنه أورثه الكبر والبطر فنشأت المحاجة عنهما، وإما أنه من باب العكس
~~في الكلام بمعنى أنه وضع المحاجة موضع الشكر إذ كان من حقه أن يشكر على
~~ذلك فعلى الأول: العلة تحقيقية، وعلى الثاني: تهكمية  كما تقول: عاداني
~~فلان لأني أحسنت إليه  وجوز أن يكون { ءآته } الخ واقعا موقع الظرف
~~بدون تقدير أو بتقدير مضاف أي حاج وقت أن آتاه الله وأورد عليه أن
~~المحاجة لم تقع وقت إيتاء الملك بل الإيتاء سابق عليها، وبأن النحاة نصوا
~~على أنه لا يقوم مقام الظرف الزماني إلا المصدر الصريح بلفظه  كجئت خفوق
~~النجم، وصياح الديك  ولا يجوز إن ms00995 خفق وإن صاح.

# وأجيب باعتبار الوقت ممتدا، وبأن النص معارض بأنهم نصوا على أن (ما)
~~المصدرية تنوب عن الزمان وليست بمصدر صريح، والذي جوز ذلك ابن جني
~~والصفار في «شرح الكتاب»، والحق أن التعليل لما أمكن  وهو متفق عليه 
~~خال عما يقال لا ينبغي أن يعدل عنه لا سيما وتقدير المضاف مع القول
~~بالامتداد والتزام  قول ابن جني والصفار مع مخالفته لكلام الجمهور  في
~~غاية من التعسف.

# والآية حجة على من منع إيتاء الله الملك لكافر وحملها على إيتاء الله
~~تعالى ما غلب به وتسلط من المال والخدام والأتباع، أو على أن الله تعالى
~~ملكه امتحانا لعباده كما فعل المانع القائل بوجوب رعاية الأصلح  ليس
~~بشيء إذ من له مسكة من الإنصاف يعلم أنه لا معنى لإيتاء الملك والتسليط
~~إلا إيتاء الأسباب ولو سلم ففي إيتاء الأسباب يتوجه السؤال ولو سلم فما
~~من قبيح إلا ويمكن أن يعتبر فيه غرض صحيح كالامتحان، ولقوة هذا الاعتراض
~~التزم بعضهم جعل ضمير { آته } لإبراهيم عليه السلام لأنه تعالى قال:

# لا ينال عهدي الظلمين

# [البقرة: 124] وقال سبحانه:

# فقد ءاتينا ءال إبرهيم الكتب والحكمة
~~وءاتينهم ملكا عظيما

# [النساء: 54] وهو المحكي عن أبي قاسم البلخي  ولا يخفى أنه خلاف
~~المنساق إلى الذهن  وخلاف التفسير المأثور عن السلف الصالح، والواقع مع
~~هذا يكذبه إذ ليس لإبراهيم عليه السلام إذ ذاك ملك ولا تصرف ولا نفوذ
~~أمر.

# وذهب بعض الإمامية إلى أن الملك الذي لا يؤتيه الله للكافر هو ما كان
~~بتمليك الأمر والنهي، وإيجاب الطاعة على الخلق، وأما ما كان بالغلبة وسعة
~~المال ونفوذ الكلمة قهرا كملك نمروذ فهو مما لا ينبغي أن ينتطح فيه
~~كبشان أو تكون فيه كلمتان، والقول بأن هذا المارد أعطى الملك بالاعتبار
~~الأول خارج عن الإنصاف بل الذي أوتي ذلك في الحقيقة إبراهيم عليه الصلاة
~~والسلام إلا أنه قد عورض في ملكه وغولب على ما من الله تعالى به عليه
~~إلى أن قضى الله تعالى ما قضى ومضى من مضى وللباطل جولة ms00996 ثم يزول، وهو
~~كلام أقرب ما يكون إلى الصواب لكني أشم منه ريح الضلال، ويلوح لي أنه
~~تعريض بالأصحاب  والله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور  وفي
~~العدول عن الإضمار إلى الإظهار في هذا المقام ما لا يخفى.

# { إذ قال إبرهم } ظرف لحاج، وجوز أن يكون بدلا من (آتاه)
~~بناءا على القول الذي علمت، واعترضه أبو حيان بأن الظرفين مختلفان إذ
~~وقت إيتائه الملك ليس وقت إبراهيم عليه السلام { ربي الذى يحى
~~ويميت } فإنه على ما روي قاله بعد أن سجن لكسره الأصنام وإثر قول
~~نمروذ له  وقد كان أوتي قبل الملك: من ربك الذي تدعو إليه؟ وأجاب
~~السفاقسي بالتجوز في { آته } وعدم إرادة ابتداء الإتيان منه بل زمان
~~الملك وهو ممتد يسع قولين بل أقوالا، واعترض أبو البقاء أيضا بأن
~~المصدر غير الظرف فلو كان/ بدلا لكان غلطا إلا أن يجعل (إذ) بمعنى أن
~~المصدرية، وقد جاء ذلك، وقال الحلبي:  وهذا بناءا  منه على أن إن
~~مفعول من أجله وليست واقعة موقع الظرف أما إذا كانت واقعة موقعه فلا يكون
~~بدل  غلط بل بدل كل من كل، وفيه ما تقدم من الكلام، وقيل: يجوز أن يكون
~~بدلا من { آته } بدل اشتمال، واستشكل بعضهم على جميع ذلك موقع قوله
~~تعالى: { قال أنا أحى وأميت } إلا أن يجعل استئنافا جواب
~~سؤال، وجعله بمنزلة المرئي يأبى ذلك، ومن هنا قيل: إن الظرف متعلق بقوله
~~سبحانه: { قال أنا } الخ، ويقدر السؤال قبل { إذ قال } كأنه قيل:
~~كيف حاج إبراهيم؟ فأجيب بما أجيب، ولا يخفى أن الإباء هو الإباء، فالأولى
~~القول من أول الأمر بأن هذا القول بيان لقوله سبحانه: { حاج } ، و {
~~ربي } بفتح الياء، وقرىء بحذفها، وأراد عليه السلام  بيحي ويميت 
~~يخلق الحياة والموت في الأجساد، وأراد اللعين غير ذلك فقد روي عنه أنه
~~أتي برجلين فقتل أحدهما وترك الآخر وقال ما قال، ولما كان هذا بمعزل عن
~~المقصود وكان بطلانه من الجلاء والظهور بحيث لا يخفى على أحد والتعرض
~~لإبطال مثل ms00997 ذلك من قبيل السعي في تحصيل الحاصل أعرض الخليل عليه الصلاة
~~والسلام عن إبطاله وأتى بدليل آخر أظهر من الشمس.

# { قال إبرهم فإن الله يأتي بالشمس من
~~المشرق فأت بها من المغرب } وفيه دليل على جواز انتقال
~~المجادل من حجة إلى أخرى أوضح منها، وهي مسألة متنازع فيها، وحمل ذلك على
~~هذا أحد طريقين مشهورين في الآية، وثانيهما أن الإنتقال إنما هو في
~~المثال كأنه قال: ربي الذي يوجد الممكنات ويعدمها وأتى بالإحياء
~~والإماتة مثالا فلما اعترض جاء بمثال أجلى دفعا للمشاغبة، قال الإمام:
~~((والإشكال عليهما من وجوه: الأول: أن صاحب الشبهة إذا ذكر الشبهة ووقعت
~~تلك الشبهة في الأسماع وجب على المحق القادر على ذكر الجواب، أن يذكر
~~الجواب في الحال إزالة للتلبيس والجهل عن العقول، فلما طعن المارد في
~~الدليل [الأول] أو في المثال الأول بتلك الشبهة كان الاشتغال بإزالتها
~~واجبا مضيقا فكيف يليق بالمعصوم تركه والانتقال إلى شيء آخر؟ والثاني:
~~أنه لما أورد المبطل ذلك السؤال كان ترك المحق الكلام عليه والتنبيه على
~~ضعفه مما يوجب سقوط وقع الرسول وحقارة شأنه وأنه غير جائز.

# والثالث: أنه وإن كان [يحسن] الانتقال من دليل إلى آخر أو من مثال إلى
~~غيره لكنه يجب أن يكون المنتقل إليه أوضح وأقرب وههنا ليس [الأمر] كذلك
~~لأن جنس الحياة لا قدرة للخلق عليه، وأما جنس تحريك الأجسام فللخلق قدرة
~~عليه فلا يبعد [في العقل] وجود ملك عظيم الجثة يكون محركا للسماوات فعلى
~~هذا [التقدير] الاستدلال بالإماتة والإحياء أظهر وأقوى من الاستدلال
~~بطلوع الشمس فكيف يليق بالنبي المعصوم أن ينتقل من الدليل الأوضح إلى
~~الدليل الخفي؟ والرابع: أن المارد لما لم يستح من معارضة الإحياء
~~والإماتة الصادرين من الله تعالى بالقتل والتخلية فكيف يؤمن منه عند
~~الانتقال إلى طلوع الشمس أن يقول بل طلوع الشمس من المشرق مني فإن كان لك
~~إله فقل له حتى يطلعها من المغرب وعند ذلك التزم المحققون أنه لو أورد
~~هذا السؤال لكان [من] الواجب أن يطلعها من ms00998 المغرب، ومن المعلوم أن
~~الاشتغال بإظهار فساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسهل بكثير من التزام
~~هذا الاطلاع، وأيضا فبتقدير أن يحصل طلوع الشمس من المغرب يكون الدليل
~~على وجود الصانع هو هذا الطلوع لا الطلوع الأول، وحينئذ يصير ذلك ضائعا
~~كما صار الأول كذلك، وأيضا فما الذي حمل الخليل عليه السلام على ترك
~~الجواب عن السؤال الركيك وتمسك بدليل لا يمكن تمشيته إلا بالتزام اطلاع
~~الشمس من المغرب وبتقدير ذلك يضيع الدليل الثاني كما ضاع/ الأول، ومن
~~المعلوم أن التزام هذه المحذورات لا تليق بأقل الناس علما فضلا عن أفضل
~~العلماء وأعلم الفضلاء. فالحق أن هذا ليس دليلا آخر ولا مثالا بل هو من
~~تتمة الدليل الأول، وذلك أنه لما احتج إبراهيم عليه السلام بالإماتة
~~والاحياء أورد الخصم عليه سؤالا وهو أنك إن ادعيت الإحياء والإماتة بلا
~~واسطة فذلك لا تجد إلى إثباته سبيلا وإن ادعيت حصولهما بواسطة حركات
~~الأفلاك فنظيره أو ما يقرب منه حاصل للبشر فأجاب الخليل عليه السلام بأن
~~الإحياء والإماتة وإن حصلا بواسطة حركات الأفلاك لكن تلك الحركات حصلت من
~~الله تعالى وذلك لا يقدح في كون الإحياء والإماتة منه بخلاف الخلق فإنهم
~~لا قدرة لهم على تحريك الأفلاك فلا جرم لا يكون الإحياء والإماتة صادرين
~~منهم، ومتى حملت الآية على هذا الوجه لم يلزم شيء من المحذورات عليه))
~~انتهى.

# ولا يخفي ما فيه. أما أولا: فلأن الشبهة إذا كانت في غاية السقوط
~~ونهاية البطلان بحيث لا يكاد يخفى حالها ولا يغر أحدا من الناس الها لم
~~يمتنع الإعراض عنها إلى ما هو بعيد عن التمويه دفعا للشغب وتحصيلا لما
~~هو المقصود من غير كثير تعب، ولا يوجب ذلك سقوط وقع ولا حقارة شأن وأي
~~تلبيس يحصل من هذه الشبهة للعقول حتى يكون الاشتغال بإزالتها واجبا
~~مضيقا فيخل تركه بالمعصوم على أنه روي أنه ما انتقل حتى بين للمارد فساد
~~قوله حيث قال له: إنك أحييت الحي ولم تحي الميت، وعن الصادق رضي الله
~~تعالى عنه ms00999 أنه قال له: أحي من قتلته إن كنت صادقا لكن لم يقص الله تعالى
~~ذلك الإلزام علينا في الكتاب اكتفاءا بظهور الفساد جدا، وأما ثانيا:
~~فلأنه من الواضح أن المنتقل إليه أوضح في المقصود من المنتقل عنه ويكاد
~~القول بعكسه يكون مكابرة، وما ذكره في معرض الاستدلال لا يخفى ما فيه،
~~وأما ثالثا: فلأن ما ذكره رابعا يرد أيضا على الوجه الذي اختاره إذ لا
~~يؤمن المارد من أن يقول لو كانت حركات الأفلاك من ربك فقل له حتى يطلعها
~~من المغرب  فما هو الجواب هنا هو الجواب  وقد أجابوا عن عدم قول اللعين
~~ذلك بأن المحاجة كانت بعد خلاصه من النار فعلم أن من قدر على ذلك قدر على
~~الإتيان بالشمس من مغربها فسكت، أو بأن الله تعالى أنساه ذلك نصرة لنبيه
~~عليه السلام  وهو ضعيف  بل الجواب أنه عليه السلام استدل بأنه لا بد
~~للحركة المخصوصة والمتحرك بها من محرك لأن حاجة المتحرك في الحركة إلى
~~المحرك بديهية، وبديهي أنه ليس بنمروذ فقال: هو ذا ربي فإن ادعيت أنك
~~الذي تفعل فأت بها من المغرب وهذا لا يتوجه عليه السؤال بوجه إذ لو ادعى
~~أن الحركة بنفسها  مع أنها مسبوقة بالغير ولو بآحاد الحركات  كان منع
~~البديهي ولو ادعى أنه الفاعل مع ظهور استحالته ألزم بالتغيير عن تلك
~~الحالة فلا بد من الاعتراف بفاعل يأتي بها من المشرق، والمدعي أن ذلك
~~الفاعل هو الرب، وأما رابعا: فلأن ما اختاره لا تدل عليه الآية الكريمة
~~بوجه، وليس في كلام الكافر سوى دعواه الإحياء والإماتة ولم يستشعر منها
~~بحث توسط حركات الأفلاك ولم يوقف له على أثر ليجاب بأن تلك الحركات أيضا
~~من الله تعالى فلا يقدح توسطها في كون الإحياء والإماتة منه تعالى شأنه 
~~ولا أظنك في مرية من هذا  ولعل الأظهر ما ذهب إليه الإمام ما ذكره بعض
~~المحققين من أن المارد لما كان مجوزا لتعدد الآلهة لم يكن مدعيا أنه
~~إله العالم ولو ادعاه لجنن على نحو ms01000 من مذهب الصابئة أن الله تعالى فوض
~~إلى الكواكب التدبير والأفعال من الإيجاد وغيره منسوبة إليهن، فجوز أن
~~يكون في الأرض أيضا من يفوض إليه إما قولا بالحلول أو لاكتساء خواص
~~فلكية أو غير ذلك أراد إبراهيم عليه السلام أن ينبه على قصوره عن هذه
~~الرتبة وفساد رأيه من جهة علمه الضروري بأنه مولود أحدث بعد أن لم يكن/
~~وأن من لا وجود له في نفسه لا يمكنه الإيجاد الذي هو إفاضة الوجود البتة
~~ضرورة احتياجه إلى الموجد ابتداءا ودواما وهذا كاف في إبطال دعوى
~~اللعين فلم يعمم الدعوى في تفرده تعالى بالإلهية على أنه لوح إليه من
~~حيث أنه لا فرق بين الإيجاد والإعدام نوعين هما الإحياء والإماتة
~~والقادر على إيجاد كل ممكن وإعدامه يلزمه أن يكون خارجا عن الممكنات
~~واحدا من كل الوجوه لأن التعدد يوجب الإمكان والافتقار كما برهن عليه في
~~محله، فعارضه اللعين بما أوهم أنه يجوز أن يكون الممكن لاستغنائه عن
~~الفاعل في البقاء  كما عند بعض القاصرين من المتكلمين  مفوضا إليه بعد
~~إيجاده ما يستقل بإيجاد الغير وتدبير الغير، وهذا قد خفي على الأذكياء
~~فضلا عن الأغبياء، وقال:  أنا أحي وأميت وأبدي  فعليه مشيرا إلى أن
~~للدوام حكم الابتداء في طرف الإحياء وهو في ذلك مناقض نفسه من حيث لا
~~يشعر إذ لو كان كذلك لم يكن التدبير مفوضا إلى غير الباري ولم يكن
~~مستغنيا عن الموجد طرفة عين وإلا فليس العفو إحياءا إن سلم أن القتل
~~إماتة فألزمه الخليل عليه السلام بأن القادر لا يفترق بالنسبة إليه
~~الدوام والابتداء  فإن الله تعالى يأتي بالشمس من المشرق فأت بها أنت من
~~المغرب  منبها على المناقضة المذكورة مصرحا بأنه غالط في إسناد الفعل
~~دواما إلى غير ما أسند إليه ابتداءا مظهرا لدى السامعين ما كان عسى أن
~~يغبى على البعض فهذا كلام وارد على الخطابة، والبرهان يتلقاه المواجه به
~~طوعا أو كرها بالإذعان ليس فيه مجال للاعتراض سليم عن العراض، وعليه
~~يكون المجموع دليلا واحدا ms01001 وليس من الانتفال إلى دليل آخر لما فيه من
~~القيل والقال، ولا من العدول إلى مثال أوضح حتى يقال كأنه قيل: ربي الذي
~~يوجد الممكنات وأتى بالإحياء والإماتة مثالا، فلما اعترض جاء بآخر أجلى
~~دفعا للمشاغبة لأنه مع أن فيه ما في الأول يرد عليه أن الكلام لم يسق
~~هذا المساق  كما لا يخفى  هذا والله تعالى أعلم بحقائق كتابه المجيد
~~فتدبر.

# وإنما أتى في الجملة الثانية بالاسم الكريم ولم يؤت بعنوان الربوبية كما
~~أتى بها في الجملة الأولى بأن يقال: إن ربي ليكون في مقابلة أنا في ذلك
~~القول مع ما فيه من الدلالة على ربوبيته تعالى له عليه السلام ولذلك
~~المارد عليه اللعنة ففيه ترق عما في تلك الجملة كالترقي من الأرض إلى
~~السماء وهو في هذا المقام حسن حسن التأكيد بأن والأمر للتعجيز والفاء
~~الأولى للإيذان بتعلق ما بعدها بما قبلها، والمعنى إذا ادعيت الإحياء
~~والإماتة لله تعالى وأخطأت أنت في الفهم أو غالطت فمريح البال ومزيح
~~الالتباس والإشكال (إن الله يأتي بالشمس) الخ.

# والباء للتعدية و (من) في الموضعين لابتداء الغاية متعلقة بما تقدمها من
~~الفعل، وقيل: متعلقة بمحذوف وقع حالا أي مسخرة أو منقادة.

# { فبهت الذى كفر } أي غلب وصار مبهوتا منقطعا عن الكلام
~~متحيرا لاستيلاء الحجة عليه، وقرىء (بهت) بفتح الباء وضم الهاء  وبهت 
~~بفتح الأولى وكسر الثانية وهما لغتان والفعل فيهما لازم  وبهت  بفتحهما
~~فيجوز أن يكون لازما أيضا، و (الذي) فاعله وأن يكون متعديا وفاعله
~~ضمير (إبراهيم)، و (الذي) مفعوله  أي فغلب إبراهيم عليه السلام الكافر
~~وأسكته  وإيراد الكفر في حيز الصلة للإشعار بعلة الحكم، قال إلكيا: وفي
~~الآية دليل على جواز المحاجة في الدين وإن كانت محاجة هذا الكافر كفرا {
~~والله يهدي القوم الظلمين } أي إلى مناهج الحق كما هدى
~~أولياءه، وقيل: لا يهديهم إلى طريق الجنة يوم القيامة.

### || [2.259]

# { أو كالذى مر على قرية } عطف على سابقه والكاف إما
~~اسمية بمعنى مثل معمولة  لأرأيت  محذوفا أي  أو أرأيت مثل الذي ms01002 مر 
~~وإلى ذلك ذهب الكسائي والفراء وأبو علي وأكثر/ النحويين وحذف لدلالة

# ألم تر

# [البقرة: 258] عليه على أنه قد قيل: إن مثال هذا النظم كثيرا ما يحذف
~~منه فعل الرؤية كقوله:

# قال لها كلابها أسرعي

# كاليوم (مطلوبا ولا طالبا)

# وجيء بهذه الكاف للتنبيه على تعدد الشواهد وعدم انحصارها فيما ذكر كما
~~في قولك  الفعل الماضي  مثل: نصر، وتخصيص هذا بذلك على ما قيل: لأن
~~منكر الإحياء كثير، والجاهل بكيفيته أكثر من أن يحصى بخلاف مدعي
~~الربوبية، وقيل: إنها زائدة  وإلى ذلك ذهب الأخفش  أي: ألم تر إلى الذي
~~حاج إبراهيم أو الذي مر الخ، وقيل: إنه عطف محمول على المعنى كأنه قيل:
~~ألم تر كالذي حاج أو كالذي مر وقيل: إنه من كلام إبراهيم عليه السلام
~~ذكره جوابا لمعارضة ذلك الكافر، وتقديره وإن كنت تحي فأحي كإحياء الذي
~~مر، ولا يخفى ضعفه للفصل وكثرة التقدير، وإنما لم تجعل الكاف أصلية
~~والعطف على { الذي } نفسه في الآية السابقة لاستلزامه دخول (إلى) على
~~الكاف، وفيه إشكال لأنها إن كانت حرفية فظاهر وإن كانت اسمية فلأنها
~~مشبهة بالحرف في عدم التصرف لا يدخل عليها من الحروف إلا ما ثبت في
~~كلامهم، وهو  عن  وذلك على قلة أيضا، وقال بعضهم: إن كلا من لفظ (ألم
~~تر) و (أرأيت) مستعمل لقصد التعجب إلا أن الأول: تعلق بالمتعجب منه
~~فيقال: ألم تر إلى الذي صنع كذا بمعنى أنظر إليه فتعجب من حاله، والثاني:
~~بمثل المتعجب منه فيقال  أرأيت مثل الذي صنع كذا بمعنى أنه من الغرابة
~~بحيث لا يرى له مثل ولا يصح ألم تر إلى مثله إذ يكون المعنى أنظر إلى
~~المثل وتعجب من الذي صنع، ولذا لم يستقم عطفك { الذي مر } على

# الذي حآج

# [البقرة: 258] ويحتاج إلى التأويل في المعطوف بجعله متعلقا بمحذوف  أي
~~أرأيت كالذي مر  فيكون من عطف الجملة أو في المعطوف عليه نظرا إلى أنه
~~في معنى  أرأيت كالذي حاج  فيصح العطف عليه؛ ومن هذا يعلم أن عدم
~~الاستقامة ليس لمجرد ms01003 امتناع دخول (إلى) على الكاف بل لو قلت: ألم تر إلى
~~الذي حاج أو مثل الذي مر فعدم الاستقامة بحاله عند من له معرفة بأساليب
~~الكلام، وإن هذا ليس من زيادة الكاف في شيء بل لا بد في التعجب بكلمة
~~(أرأيت) من إثبات كاف، أو ما في معناه  ولا يخفى أن هذا من الغرابة
~~بمكان  فإن (ألم تر) يستعمل للتعجب مع التشبيه في كلام العرب كما يشير
~~إليه كلام سيبويه، و (أرأيت) كثيرا ما يستعمل بدون الكاف أو ما في
~~معناه، وهو في القرآن كثير وكيف يفرق بينهما بأن الأول تعلق بالمتعجب
~~منه، وفي الثاني بمثله، والمثلية إنما جاءت من ذكر الكاف ولو ذكرت في
~~الأول لكان مثله بلا فرق فهذا مصادرة على المطلوب فليس إلا ما ذكر أولا
~~سوى أن تقدير (أرأيت) مع الكاف أولى لأن استعماله معها أكثر فتدبر.

# و (أو) للتخيير أو للتفصيل  والمار  هو عزيز بن شرخيا  كما أخرجه
~~الحاكم عن علي كرم الله تعالى وجهه وإسحاق بن بشر عن ابن عباس وعبد الله
~~بن سلام، وإليه ذهب قتادة وعكرمة والربيع والضحاك والسدي وخلق كثير 
~~وقيل: هو أرميا بن خلقيا من سبط هارون عليه السلام  وهو المروي عن أبي
~~جعفر رضي الله تعالى عنه  وإليه ذهب وهب، وقيل: هو الخضر عليه السلام 
~~وحكي ذلك عن ابن إسحاق  وزعم بعضهم أن هذين القولين واحد، وأن أرميا هو
~~الخضر بعينه، وقيل: شعيا، وقيل: غلام لوط عليه السلام، وقال مجاهد: كان
~~المار رجلا كافرا بالبعث وأيد بنظمه مع نمروذ في سلك واحد حيث سيق
~~الكلام للتعجيب من حالهما، وبأن كلمة الاستبعاد في هذا المقام تشعر
~~بالإنكار ظاهرا وليست هي فيه مثلها في

# أنى يكون لي غلم

# [آل عمران: 40] و

# أنى يكون لى ولد

# [آل عمران: 47] وعورض بما بين قصته وقصة إبراهيم الآتية بعد من التناسب
~~المعنوي فإن كليهما طلبا / معاينة الإحياء مع أن ما جرى له في القصة مما
~~يبعد أن يجري مع كافر  وإذا انضم إلى ذلك تحريه ms01004 الظاهر في الاحتراز عن
~~الكذب في القول الصادر قبل التبيين الموجب لإيمانه على زعم من يدعي كفره
~~ قوى المعارض جدا، وإن قلنا: بأن دلالة الانتظام في سلك نمروذ على
~~الإيمان أحق لينطبق على التفصيل المقدم في

# الله ولى الذين آمنوا

# [البقرة: 257] الخ حسب ما أشرنا إليه في القيل قبل لم يكد يتوهم القول
~~بالكفر كما لا يخفى،  والقرية  قال ابن زيد: هي التي خرج منها الألوف،
~~وقال الكلبي: دير سابراباد، وقال السدي: دير سلما باذ، وقيل: دير هرقل،
~~وقيل: المؤتفكة، وقيل: قرية العنب على فرسخين من بيت المقدس، وقال عكرمة
~~والربيع ووهب: هي بيت المقدس وكان قد خربها بختنصر وهذا هو الأشهر،
~~واشتقاقها من القرى وهو الجمع

# { وهي خاوية على عروشها } أي ساقطة على سقوفها بأن سقط
~~السقف أولا ثم تهدمت الجدران عليه، وقيل: المعنى خالية عن أهلها ثابتة
~~على عروشها أي إن بيوتها قائمة والجار والمجرور على الأول متعلق  بخاوية
~~ وعلى الثاني بمحذوف وقع خبرا بعد خبر  لهي  والجملة قيل: في موضع
~~الحال من الضمير المستتر في (مر) وقيل: من (قرية) ويجيء الحال من النكرة
~~على القلة، وقيل: في موضع الصفة لها ويبعده توسط الواو، ومن الناس من جوز
~~كون { على عروشها } بدلا من { قرية } بإعادة الجار وكونه صفة
~~لها، وجملة { وهي خاوية } إما حال من  العروش  أو من  القرية 
~~أو من  ها  والعامل معنى الإضافة والكل مما لا ينبغي حمل التنزيل عليه.

# { قال } في نفسه أو بلسانه { أنى يحى هذه الله بعد
~~موتها } المشار إليه إما نفس القرية بدون تقدير كما هو الظاهر،
~~فالإحياء والإماتة مجازان عن العمارة والخراب، أو بتقدير مضاف  أي أصحاب
~~هذه القرية  فالإحياء والإماتة على حقيقتها، وإما عظام القرية البالية
~~وجثثهم المتفرقة، والسياق دال على ذلك، والإحياء والإماتة على حالهما
~~أيضا، فعلى القول بالمجاز يكون هذا القول على سبيل التلهف والتشوق إلى
~~عمارة تلك القرية لكن مع استشعار اليأس عنها على أبلغ وجه وأوكده ولذا
~~أراه الله تعالى أبعد الأمرين في نفسه ثم في ms01005 غيره، ثم أراه ما استبعده
~~صريحا مبالغة في إزاحة ما عسى يختلج في خلده، وعلى القول الثاني يكون
~~اعترافا بالعجز عن معرفة طريق الإحياء واستعظاما لقدرة المحي إذا قلنا:
~~إن القائل كان مؤمنا وإنكارا للقدرة على ذلك إن كان كافرا، ورجح أول
~~الاحتمالات الثلاثة في المشار إليه بأن إرادة إحياء  لأهل، أو عظامهم 
~~يأباه التعرض لحال القرية دون حال من ذكر، والاقتصار على ذكر موتهم دون
~~كونهم ترابا أو عظاما نخرة مع كونه أدخل في الاستبعاد لشدة مباينته
~~للحياة وغاية بعده عن قبولها على أنه لم تتعلق إرادته تعالى بإحيائهم كما
~~تعلقت إرادته تعالى بعمارتها ومعاينة المار لها كما ستسمعه، وتقديم
~~المفعول على الفاعل للاعتناء به من حيث إن الاستبعاد ناشىء من جهته لا من
~~جهة الفاعل، و { أنى } نصب على الظرفية إن كانت بمعنى متى، وعلى
~~الحالية من هذه إن كانت بمعنى كيف، والعامل فيه على أي حال { يحيي }.

# { فأماته الله مائة عام } أي فألبثه ميتا مائة عام ولا
~~بد من اعتبار هذا التضمين لأن الإماتة بمعنى إخراج الروح وسلب الحياة مما
~~لا تمتد،  والعام  السنة من العوم وهو السباحة، وسميت بذلك لأن الشمس
~~تعوم في جميع بروجها { ثم بعثه } أي أحياه من بعثت الناقة إذا
~~أقمتها من مكانها، ولعل إيثاره على أحياه للدلالة على سرعته وسهولة/
~~تأتيه على الباري عز اسمه، وللإيذان بأنه قام كهيئته يوم مات عاقلا
~~فاهما مستعدا للنظر والاستدلال وكان ذلك بعد عمارة القرية، ففي «البحر»
~~أنه لما مر له سبعون سنة من موته وقد منعه الله تعالى من السباع والطير
~~ومنع العيون أن تراه أرسل ملكا إلى ملك عظيم من ملوك فارس يقال له: كوسك
~~فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيليا وأرضها
~~حتى تعود أحسن مما كانت فانتدب الملك في ثلاثة آلاف قهرمان مع كل قهرمان
~~ألف عامل وجعلوا يعمرونها وأهلك الله تعالى بختنصر ببعوضة دخلت دماغه
~~ونجى الله تعالى من بقي من بني إسرائيل وردهم إلى بيت ms01006 المقدس فعمروها
~~ثلاثين سنة وكثروا حتى كانوا كأحسن ما كانوا عليه فعند ذلك أحياه الله
~~تعالى.

# { قال } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا قال له؟ فقيل قال: {
~~كم لبثت } ليظهر له العجز عن الإحاطة بشؤون الله تعالى على أتم وجه
~~وتنحسم مادة استبعاده بالمرة و { كم } نصب على الظرفية ومميزها محذوف
~~تقديره: كم وقتا والناصب له { لبثت } والظاهر أن القائل هو الله
~~تعالى، وقيل: هاتف من السماء، وقيل: جبريل، وقيل: نبي، وقيل: رجل مؤمن
~~شاهده يوم مات وعمر إلى حين إحيائه فيكون الإسناد إليه تعالى مجازا {
~~قال لبثت يوما أو بعض يوم } قاله بناءا على التقريب
~~والتخمين أو استقصارا لمدة لبثه، وقيل: إنه مات ضحى وبعث بعد المائة قبل
~~الغروب فقال قبل النظر إلى الشمس: { يوما } ثم التفت فرأى بقية منها
~~فقال: { أو بعض يوم } على الاضراب، واعترض بأنه لا وجه للجزم
~~بتمام اليوم ولو بناءا على حسبان الغروب لتحقق النقصان من أوله.

# { قال بل لبثت مائة عام } عطف على مقدر أي ما لبثت ذلك
~~القدر بل هذا المقدار { فانظر إلى طعامك وشرابك } قيل:
~~كان طعامه عنبا أو تينا وشرابه عصيرا أو لبنا { لم يتسنه }
~~أي لم يتغير في هذه المدة المتطاولة، واشتقاقه من  السنة  وفي لامها
~~اختلاف فقيل: هاء بدليل سانهت فلانا فهو مجزوم بسكون الهاء، وقيل: واو
~~بدليل الجمع على سنوات فهو مجزوم بحذف الآخر والهاء هاء سكت ثبتت في
~~الوقف وفي الوصل لإجرائه مجراه، ويجوز أن يكون التسنه عبارة عن مضي
~~السنين كما هو الأصل ويكون عدم التسنه كناية عن بقائه على حاله غضا
~~طريا غير متكرج، وقيل: أصله لم يتسنن ومنه  الحمأ المسنون  أي الطين
~~المتغير ومتى اجتمع ثلاث حروف متجانسة يقلب أحدها حرف علة كما قالوا في
~~تظننت: تظنيت وفي تقضضت: تقضيت، وقد أبدلت هنا النون الأخيرة في رأي ياء،
~~ثم أبدلت الياء ألفا، ثم حذفت للجازم والجملة المنفية حال، وقد جاء
~~مثلها بغير واو خلافا لمن تردد فيه كقوله تعالى:

# لم يمسسهم سوء ms01007

# [آل عمران: 174] و

# أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شىء

# [الأنعام: 93] وصاحبها إما الطعام والشراب، وإفراد الضمير لإجرائهما
~~مجرى الواحد كالغذاء وإما الأخير واكتفى بدلالة حاله على حال الأول
~~ويؤيده قراءة عبد الله، (وهذا شربك  لم يتسنه)  وقرأ أبي  لم يسنه 
~~بإدغام التاء في السين واستشكل تفرع { فانظر } على  لبث المائة 
~~بالفاء وهو يقتضي التغير، وأجيب بأن المفرع عليه ليس  لبث المائة  بل
~~لبث المائة من غير تغير في جسمه حتى ظنه زمانا قليلا ففرع عليه ما هو
~~أظهر منه وهو عدم تغير الطعام والشراب وبقاء الحيوان حيا من غير غذاء،
~~وقيل: إن التقدير  إن حصل لك عدم طمأنينة في أمر البعث  فانظر إلى
~~طعامك وشرابك السريع التغير حتى تعرف أن من لم يغيره يقدر على البعث.

# وفيه نظر لأنه مع كونه خلاف الظاهر يعكر عليه قوله تعالى:

# { وانظر إلى حمارك } كيف نخرت عظامه وتفرقت أوصاله وهذا/ هو
~~الظاهر لأنه أدل على الحال وأوفق بما بعده، وكون المراد  انظر إليه
~~سالما في مكانه كما ربطته حفظناه بلا ماء وعلف كما حفظنا الطعام والشراب
~~ ليس بشيء ولا يساعده المأثور { ولنجعلك } متعلق بمقدر أي وفعلنا
~~ذلك لنجعلك، ومنهم من قدره متأخرا، وقيل: إنه متعلق بما قبله والواو
~~زائدة وعلى تقديره فهو معطوف على { لبثت } أو على مقدر بطريق
~~الاستئناف أي فعلنا ذلك لتعاين ما استبعدت أو لتهدى ولنجعلك، وقيل: إنه
~~عطف على { قال } ففيه التفات. { ءاية } أي عبرة أو مرشدا {
~~للناس } أي جنسهم أو من بقي من قومه أو للموجودين في هذا القرن بأن
~~يشاهدوك وأنت من أهل القرون الخالية ويأخذوا عنك ما انطوى عنهم منذ أحقاب
~~من علم التوراة، وفيه دليل على ما ذكر من اللبث المديد ولذلك قرن بينه
~~وبين الأمر بالنظر إلى حماره.

# { وانظر إلى العظام } أي عظام الحمار  كما قاله السدي  وكرر
~~الأمر لما أن المأمور به أولا هو النظر إليها من حيث الدلالة على المكث
~~المديد، وثانيا: هو النظر إليها من حيث تعتريها الحياة ومباديها، وقيل: ms01008
~~عظام أموات أهل القرية، وعن قتادة. والضحاك. والربيع عظام نفسه قالوا:
~~أول ما أحيا الله تعالى منه عيناه وسائر جسده ميت وعظامه نخرة فأمر
~~بالنظر إليها، وقيل: عظامه وعظام حماره والكل لا يعول عليه. { كيف
~~ننشزها } بالزاي المعجمة من الإنشاز وهو الرفع أي كيف نرفعها من
~~الأرض فنردها إلى أماكنها من الجسد، وقال الكسائي: نلينها ونعظمها، وقرأ
~~أبي (ننشيها)، وابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب  ننشرها  من أنشر
~~الله تعالى الموتى أحياها ولعل المراد بالإحياء ما تقدم لا معناه الحقيقي
~~لقوله تعالى: { ثم نكسوها لحما } أي نسترها به كما نستر الجسد
~~باللباس، وقرأ أبان عن عاصم  ننشرها  بفتح النون وضم الشين والراء وهو
~~حينئذ من النشر ضد الطي  كما قال الفراء  فالمعنى كيف نبسطها، والجملة
~~قيل: إما حال من العظام أي وانظر إليها مركبة مكسوة لحما أو بدل اشتمال
~~أي وانظر إلى العظام كيفية إنشازها وبسط اللحم عليها، واعترضت الحالية
~~بأن الجملة استفهامية وهي لا تقع حالا، وأجيب بأن الاستفهام ليس حقيقته
~~فما المانع من الحالية، ولعل عدم التعرض لكيفية نفخ الروح  كما قيل 
~~لما أنها مما لا تقتضي الحكمة بيانها، وفي بعض الآثار إن ملكا نادى
~~العظام فأجابت وأقبلت من كل ناحية ثم ألبسها العروق والعصب ثم كساها
~~اللحم ثم أنبت عليها الجلد والشعر ثم نفخ فيه الروح فقام الحمار رافعا
~~رأسه وأذنيه إلى السماء ناهقا.

# { فلما تبين له } أي اتضح اتضاحا تاما له ما دل عليه الأمر
~~من كيفية الإحياء بمباديه، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه الأمر المذكور
~~وإنما حذف للإيذان بظهور تحققه واستغنائه عن الذكر وللإشعار بسرعة وقوعه
~~كأنه قيل: فأنشرها الله تعالى وكساها لحما فنظر إليها فتبين له كيفيته
~~فلما تبين ذلك { قال أعلم أن الله على كل شيء } ومن
~~جملته ما شوهد { قدير }. وقيل: فاعل (تبين) مضمر يفسره مفعول (أعلم)
~~فالكلام من باب التنازع على مذهب البصريين، وأورد عليه أن شرط التنازع
~~كما نص عليه النحاة اشتراك العاملين بعطف ونحوه بحيث يرتبطان فلا يجوز
~~ضربني ms01009 أهنت زيدا قيل: وليس بشيء لأنه لم يشترطه إلا ابن عصفور، وقد صرح
~~بازات الفن بخلافه  كأبي علي وغيره  مع أنه لم يخص بالعطف إذ هو جار
~~في قوله تعالى:

# هآؤم اقرؤا كتابيه

# [الحاقة: 19] و  لما  رابطة للجملتين فيكفي مثله في/ الربط وإن لم
~~يصرحوا به، ومن الناس من استحسن أن يجعل من باب ما يكون المراد بالفعل
~~نفس وقوعه لا التلبس بالفاعل فكان معناه فلما فلما حصل له التبين قال
~~أعلم الخ، ويساعده قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { فلما
~~تبين له } على البناء للمفعول، وإيثار صيغة المضارع للدلالة على
~~أن علمه بذلك مستمر نظرا إلى أن أصله لم يتغير بل إنما تبدل بالعيان
~~وصفه، وفيه إشعار بأنه إنما قال ما قال بناءا على الاستبعاد العادي
~~واستعظاما للأمر، وقرأ ابن مسعود  قيل اعلم  على وجه الأمر، وأخرج
~~سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ { قال أعلم }
~~ويقول: لم يكن بأفضل من إبراهيم عليه السلام قال الله تعالى له:

# واعلم أن الله

# [البقرة: 260] وبذلك قرأ حمزة والكسائي، والآمر هو الله تعالى أو النبي
~~أو الملك، ويحتمل أن يكون المخاطب هو نفسه على سبيل التجريد مبكتا لها
~~موبخا على ما اعتراها من ذلك الاستبعاد.

# يروى أنه بعد هذا القول قام فركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس
~~وأنكرهم وأنكر منازلهم فانطلق على وهم منهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز
~~عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت أمة له وكان قد خرج عزير
~~وهي بنت عشرين سنة فقال لها: يا هذه أهذا منزل عزير؟ قالت: نعم وبكت
~~وقالت: ما رأيت أحدا منذ كذا وكذا سنة يذكر عزيرا وقد نسيه الناس قال:
~~فإني أنا عزير قالت: سبحان الله فإن عزيرا قد فقدناه منذ مائة سنة فلم
~~يسمع له بذكر قال: فإني عزير كان الله تعالى أماتني مائة سنة ثم بعثني
~~قالت: فإن عزيرا كان رجلا مستجاب الدعوة يدعو للمريض ولصاحب البلاء
~~بالعافية والشفاء فادع الله ms01010 تعالى أن يرد علي بصري حتى أراك فإن كنت
~~عزيرا عرفتك فدعا ربه ومسح يده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها فقال: قومي
~~بإذن الله تعالى فأطلق الله تعالى رجليها فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال
~~فنظرت فقالت: أشهد أنك عزير فانطلقت إلى محلة بني إسرائيل وأنديتهم
~~ومجالسهم، وابن العزير شيخ ابن مائة سنة وثمان عشرة سنة وبنو بنيه شيوخ
~~في المجلس فنادتهم فقالت: هذا عزير قد جاءكم فكذبوها فقالت: أنا فلانة
~~مولاتكم دعا إلى ربه فرد علي بصري وأطلق رجلي، وزعم أن الله تعالى كان
~~أماته مائة سنة ثم بعثه فنهض الناس فأقبلوا عليه فنظروا إليه فقال ابنه:
~~كانت لأبي شامة سوداء بين كتفيه فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير فقالت بنو
~~إسرائيل: فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حدثنا غير عزير وقد حرق
~~بختنصر التوراة ولم يبق منها شيء إلا ما حفظت الرجال فاكتبها لنا وكان
~~أبوه قد دفن التوراة أيام بختنصر في موضع لم يعرفه غير عزير فانطلق بهم
~~إلى ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوراة وكان قد عفن الورق ودرس الكتاب
~~فجلس في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله فنزل من السماء شهابان حتى دخلا جوفه
~~فتذكر التوراة فجددها لبني إسرائيل، وفي رواية أنه قرأها عليهم حين طلبوا
~~منه ذلك عن ظهر قلب من غير أن يخرم منها حرفا فقال رجل من أولاد
~~المسبيين مما ورد بيت المقدس بعد مهلك بختنصر: حدثني أبي عن جدي أنه دفن
~~التوراة يوم سبينا في خابية في كرم فإن أريتموني كرم جدي أخرجتها لكم
~~فذهبوا إلى كرم جده ففتشوها فوجدوها فعارضوها بما أملى عليهم عزير عن ظهر
~~قلب فما اختلفا في حرف واحد  فعند ذلك قالوا:

# عزير ابن الله

# [التوبة: 30]، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

# ومن باب الإشارة والتأويل في الآيات: { لا إكراه فى الدين } لأنه
~~في الحقيقة هو الهدى المستفاد من النور القلبي اللازم للفطرة وهو لا
~~مدخل للإكراه فيه { قد تبين } ووضح { الرشد } الذي هو طريق
~~الوحدة وتميز { من ms01011 الغي } الذي هو النظر إلى الأغيار { فمن
~~يكفر بالطغوت } وهو ما سوى الله تعالى { ويؤمن بالله
~~} إيمانا حقيقيا شهوديا { فقد استمسك بالعروة
~~الوثقى } التي هي الوحدة الذاتية { لا انفصام لها } في نفسها/
~~لأنها الموافقة لما في نفس الأمر والممكنات والشؤون داخلة في دائرتها غير
~~منقطعة عنها { والله سميع } يسمع قول كل ذي دين

# عليم

# [البقرة: 256] بنيته { الله ولي الذين ءامنوا } وليس ولي
~~سواه ولا ناصر ولا معين لهم غيره { يخرجهم من } ظلمات  النفس
~~وشبه الخيال والوهم إلى نور اليقين والهداية وفضاء عالم الأرواح {
~~والذين كفروا } بالميل إلى الأغيار { أولياؤهم
~~الطغوت } الذي حال بينهم وبين الله تعالى فلم يلتفتوا إليه {
~~يخرجونهم من } نور الاستعداد والهداية الفطرية إلى ظلمات صفات
~~النفس والشكوك والشبهات { أولئك } المبعدون عن الحضرة {
~~أصحب النار } الطبيعية

# هم فيها خلدون

# [البقرة: 257] { ألم تر الذى حاج إبرهيم فى ربه }
~~وهو نمروذ النفس الأمارة المجادلة لإبراهيم الروح القدسية التي ألقيت في
~~نار الطبيعة فعادت عليها بردا وسلاما، أو نمروذ الجبار وإبراهيم الخليل
~~عليه السلام { أن ؤآته الله الملك } الذي هو عالم القوى
~~البدنية وملك هذه الدنيا الدنية { إذ قال إبرهم } الروح أو
~~إبراهيم الخليل { ربي } أي من غذيت ببيان أنواره أو إيجاده وهدايته {
~~الذى يحيى } من توجه إليه { ويميت } من أعرض عنه، أو يحيى
~~ويميت الإحياء والإماتة المعهودتين { قال } نمروذ النفس الأمارة، أو
~~الجبار { أنا أحيى } بعض القوى بصرفها في ميادين اللذات واستنشاق
~~ريح الشهوات { وأميت } بعضها بتعطيله عن ذلك برهة، أو أحي بالعفو
~~وأميت بالقتل { قال إبرهيم } الروح، أو الخليل { إن الله
~~يأتي } بشمس العرفان من مشرقها وهو جانب المبدأ الفياض { فأت بها
~~من المغرب } أي أظهرها بعد غروبها وحيلولة أرض الوجود بينك
~~وبينها، أو أن الله  يأتي بشمس الروح من مشرقها  وهو مبدأها الأصلي
~~فتشرق أنوارها على صفحات البدن  فأت بها بعدما غربت  أي فأرجعها إلى من
~~قتلته وأمته، وعلى هذا يكون من تتمة الأول { فبهت } وغلب

# الذى كفر

# [البقرة: 258] وهو النفس الأمارة المدعية للربوبية على عرش البدن أو ms01012
~~نمروذ اللعين { أو كالذي مر } وهو العقل الإنساني { على
~~قرية } القلب الذي هو البيت المقدس، أو هو عزير النبي وكان قدم على
~~بيت المقدس قبل التجلي باسمه تعالى المحيى { وهى خاوية } خالية
~~من التجليات النافعة ثابتة { على عروشها } صورها أو ساقطة منهدمة
~~لضعف أس الاستعداد على عروش العزائم { قال } لذهوله عن النظر إلى
~~الحقائق { أنى } متى، أو كيف { يحي هذه } القرية { الله }
~~الجامع لصفات الجمال والجلال { بعد موتها } بداء الجهل والالتفات
~~إلى السوى { فأماته الله } أبقاه جاهلا { مئة عام } أي مدة
~~طويلة، وقيل: هي عبارة في الأصل عن ثمانية أعوام وأربعة أشهر أو خمسة
~~وعشرين سنة { ثم بعثه } بالحياة الحقيقية وطلب منه الوقوف على مدة
~~اللبث فما ظنها  إلا يوما أو بعض يوم  استصغارا لمدة اللبث في موت
~~الجهل المنقضية بالنسبة إلى الحياة الأبدية، أو أماته بالموت الإرادي في
~~إحدى المدد المذكورة فتكون المدة زمان رياضته وسلوكه ومجاهدته في سبيل
~~الله تعالى، أو أماته حتف أنفه بالموت الطبيعي ثم بعثه بالإحياء قال: بل
~~لبثت في الحقيقة مائة عام { فانظر إلى طعامك } وكان التين أو
~~العنب، والأول: إشارة إلى المدركات الكلية لكونه لبا كله وكون الجزئيات
~~فيه بالقوة كالحبات التي في التين، والثاني: إشارة إلى الجزئيات لبقاء
~~اللواحق المادية معها في الإدراك كالقشر والعجم { وشرابك } وكان
~~عصير العنب أو اللبن، والأول: إشارة إلى العشق والإرادة وعلوم المعارف
~~والحقائق، والثاني: إشارة إلى العلم النافع كالشرائع { لم يتسنه
~~} أي لم يتغير عما كان في الأول بحسب الفطر مودعا فيك فإن العلوم مخزونة
~~في كل نفس بحسب استعداده والناس معادن كمعادن الذهب والفضة وإن حجبت
~~بالمواد وخفيت مدة بالتقلب في البرازخ وظلماتها لم تبطل ولم تتغير عن
~~حالها حتى إذا رفع الحجاب ظهرت كما كانت { وانظر إلى حمارك }
~~وهو القالب الحامل للقلب أو/ المعنى الظاهر { ولنجعلك ءاية } أي
~~دليلا { للناس } بعثناك { وانظر إلى العظام } من القوى {
~~كيف ننشزها } ونرفعها عن أرض الطبيعة { ثم نكسوها لحما
~~} وهو العرفان الذي يكون لباسا لها، وعبر عنه باللحم ms01013 لنموه وزيادته كلما
~~تغذت الروح بأطعمة الشهود وأشربة الوصال، والمعنى الظاهر ظاهر { فلما
~~تبين } ووضح { له } ذلك { قال أعلم } علما مستمرا { إن
~~الله على كل شىء } ومن جملته ما كان { قدير } [البقرة:
~~259] لا يستعصي عليه ولا يعجزه.

### || [2.260]

# { وإذ قال إبرهيم } بيان لتسديد المؤمنين إثر بيان ولمغايرته
~~لما تقدم كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى غير الأسلوب والظرف منتصب إما
~~بمضمر صرح بمثله في قوله تعالى:

# واذكروا إذ جعلكم خلفاء

# [الأعراف: 69] وإيجاب ذكر الوقت إيجاب لذكر ما فيه بطريق برهاني وإما 
~~بقال  الآتي وقد تقدم تحقيق ذلك { رب } كلمة استعطاف شرع ذكرها قبل
~~الدعاء مبالغة في استدعاء الإجابة { أرني } من الرؤية البصرية
~~المتعدية بهمزة النقل إلى مفعولين فالباء مفعوله الأول وقوله تعالى: {
~~كيف تحيى الموتى } في محل مفعوله الثاني المعلق عنه، وإلى
~~ذلك ذهب أكثر المعربين، واعترض بأن البصرية لا تعلق، وأجيب بأن ذلك إنما
~~ذكره بعض النحاة، ورده ابن هشام بأنه سمع تعليقها، وفي «شرح التوضيح»
~~يجوز كونها علمية، ومن الناس من لم يجعل ما هنا من التعليق في شيء وجعل
~~كلمة { كيف } الخ في تأويل مصدر هو المفعول كما قاله ابن مالك في قوله
~~تعالى:

# وتبين لكم كيف فعلنا بهم

# [إبراهيم: 45].

# ثم الاستفهام  بكيف  إنما هو سؤال عن شيء متقرر الوجود عند السائل
~~والمسؤول، فالاستفهام هنا عن هيئة الإحياء المتقرر عند السائل أي  بصرني
~~كيفية إحيائك للموتى  وإنما سأله عليه السلام لينتقل من مرتبة علم
~~اليقين إلى عين اليقين، وفي الخبر «ليس الخبر كالمعاينة» وكان ذلك حين
~~رأى جيفة تمزقها سباع البر والبحر والهواء قاله الحسن والضحاك وقتادة،
~~وهو المروي عن أهل البيت، وروي عن ابن عباس والسدي وسعيد بن جبير أن
~~الملك بشره عليه السلام بأن الله تعالى قد اتخذه خليلا وأنه يجيب دعوته
~~ويحيى الموتى بدعائه فسأل لذلك، وروى عن محمد بن إسحاق بن يسار أن سبب
~~السؤال منازعة النمروذ إياه في الإحياء حيث رد عليه لما زعم أن العفو
~~إحياء وتوعده بالقتل إن لم ms01014 يحي الله تعالى الميت بحيث يشاهده فدعا حينئذ.

# { قال } استئناف مبني على السؤال والضمير للرب { أو لم تؤمن }
~~عطف على مقدر  أي ألم تعلم ولم تؤمن بأني قادر على الإحياء كيف أشاء حتى
~~تسألني عنه  أو بأني قد اتخذتك خليلا، أو بأن الجبار لا يقتلك { قال
~~} أي إبراهيم { بلى } آمنت بذلك { ولكن } سألت { ليطمئن
~~} أي يسكن { قلبي } بمضامة الأعيان إلى الإيمان والإيقان بأنك قادر
~~على ذلك، أو: ليطمئن قلبي بالخلة أو بأن الجبار لا يقتلني، وعلى كل
~~تقدير لا يعود نقص على إبراهيم من هذا السؤال ولا ينافي منصب النبوة
~~أصلا.

# وللناس ولوع بالسؤال عن هذه الآية  وما ذكر هو المشهور فيها  ويعجبني
~~ما حرره بعض المحققين في هذا المقام وبسطه في الذب عن الخليل عليه السلام
~~من الكلام، وهو أن السؤال لم يكن عن شك في أمر ديني والعياذ بالله ولكنه
~~سؤال عن كيفية الإحياء ليحيط علما بها وكيفية الإحياء لا يشترط في
~~الإيمان الإحاطة بصورتها، فالخليل عليه السلام طلب علم ما لا يتوقف
~~الإيمان على علمه، ويدل على ذلك ورود السؤال بصيغة { كيف } وموضوعها
~~السؤال عن الحال، ونظير هذا أن يقول القائل: كيف يحكم زيد في الناس فهو
~~لا يشك أنه يحكم فيهم ولكنه سأل عن كيفية حكمه المعلوم ثبوته ولو كان
~~سائلا عن/ ثبوت ذلك لقال  أيحكم زيد في الناس  ولما كان الوهم قد
~~يتلاعب ببعض الخواطر فتنسب إلى إبراهيم وحاشاه شكا من هذه الآية قطع
~~النبي صلى الله عليه وسلم دابر هذا الوهم بقوله على سبيل التواضع:

# " نحن أحق بالشك من إبراهيم "

# أي ونحن لم نشك فلأن لا يشك إبراهيم أحرى، وقيل: إن الكلام مع أفعل جاء
~~هنا لنفي المعنى عن الحبيب والخليل عليهما الصلاة والسلام أي لا شك عندنا
~~جميعا، ومن هذا الباب

# أهم خير أم قوم تبع

# [الدخان: 37] أي لا خير في الفريقين، وإنما جاء التقرير بعد لأن تلك
~~الصيغة وإن كانت تستعمل ظاهرا في السؤال عن الكيفية كما علمت إلا أنها
~~قد تستعمل ms01015 أيضا في الاستعجاز كما إذا ادعى مدع أنه يحمل ثقلا من
~~الأثقال وأنت جازم بعجزه عن حمله فتقول له: أرني كيف تحمل هذا وتريد أنك
~~عاجز عن حمله فأراد سبحانه لما علم براءة الخليل عن الحوم حول حمى هذا
~~المعنى أن ينطقه في الجواب بما يدفع عنه ذلك الاحتمال اللفظي في العبارة
~~الأولى ليكون إيمانه مخلصا بعبارة تنص عليه بفهمها كل من يسمعها فهما
~~لا يتخالجه فيه شك، ومعنى الطمأنينة حينئذ سكون القلب عن الجولان في
~~كيفيات الإحياء المحتملة بظهور التصوير المشاهد، وعدم حصول هذه الطمأنينة
~~قبل لا ينافي حصول الإيمان بالقدرة على الإحياء على أكمل الوجوه، ولا أرى
~~رؤية الكيفية زادت في إيمانه المطلوب منه عليه السلام شيئا وإنما أفادت
~~أمرا لا يجب الإيمان به، ومن هنا تعلم أن عليا كرم الله تعالى وجهه لم
~~يثبت لنفسه مرتبة في الإيمان أعلى من مرتبة الخليل فيه بقوله: لو كشف لي
~~الغطاء ما ازددت يقينا كما ظنه جهلة الشيعة.

# وكثير من أصحابنا لما لم يقف على ما حررنا تجشم لدفع ما عسى أن يتوهم من
~~كلامي الخليل والأمير من أفضلية الثاني على الأول فبعض دفعه بأن اليقين
~~يتصور أن يطرأ عليه الجحود لقوله تعالى:

# وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم

# [النمل: 14] والطمأنينة لا يتصور طرو ذلك عليها  ونسب هذا لحجة الإسلام
~~الغزالي  وفي القلب منه شيء، وبعض قرر في دفعه أن مقام النبوة مغاير
~~لمقام الصديقية، فلمقام النبوة طمأنينة وعدم طمأنينته بحسبه، ولمقام
~~الصديقية طمأنينة وعدم طمأنينته بحسبه أيضا، وطمأنينة مقام النبوة كانت
~~لخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم كما كشف عنها بقوله تعالى:

# ألم تر إلى ربك كيف مد الظل

# [الفرقان: 45] على ما يعرفه أهل الذوق من الآية وكان الاستعداد من
~~إبراهيم وكذا من موسى عليهما السلام متوجها إلى ابتغاء تلك الطمأنينة
~~كما أبانا عن أنفسهما ب { رب أرنى كيف تحيى الموتى } و

# رب أرني أنظر إليك

# [الأعراف: 143] وطمأنينة مقام الصديقية كانت للصديقين من أمة محمد صلى
~~الله عليه وسلم كما أبدى ms01016 عن نفسه إمام الصديقين كرم الله تعالى وجهه
~~بقوله: «لو كشف» الخ، وكان الاستعداد في صديقي سائر الأنبياء متوجها
~~إلى ابتغاء تلك الطمأنينة فثبتت الفضيلة لمحمد صلى الله عليه وسلم على
~~سائر إخوانه من الأنبياء والصديقية على سائر الصديقين من أممهم ولم يثبت
~~لصديقيه لوجدانهم طمأنينتهم الفضيلة على الأنبياء عند فقدانهم طمأنينتهم
~~لأن ما فقدوه من الطمأنينة غير ما وجده الصديقون منها لأنهم إنما يفقدون
~~الطمأنينة اللائقة بمقام النبوة والصديقون لم يجدوا مثل تلك الطمأنينة
~~وإنما وجدوا طمأنينة لائقة بمقام الصديقين ولو رضي النبيون بمثله لكان
~~حاصلا لهم، وأجل من ذلك بعدة مراتب ولقد اعترف الصديق الأكبر رضي الله
~~تعالى عنه بهذا التخلف حين بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
~~قال: إني لأسهو فقال: يا ليتني كنت سهو محمد صلى الله عليه وسلم إذ علم
~~أن ما يعده رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه الكريمة سهوا فوق أعلى
~~يقظان الصديق إذ حسنات الأبرار سيآت المقربين وحسنات المقربين سيآت
~~النبيين، وهذا أولى مما سبق.

# وبعض من المتصوفة كجهلة الشيعة التزموا ظاهر كل من الكلامين وزعموا أن
~~أولياء هذه الأمة وصديقيهم أعلى كعبا من الأنبياء ولو نالوا مقام
~~الصديقية/ محتجين بما روي عن الإمام الرباني سيدي وسندي عبد القادر
~~الكيلاني قدس سره أنه قال: يا معاشر الأنبياء الفرق بيننا وبينكم
~~بالألقاب وأوتينا ما لم تؤتوه، وببعض عبارات للشيخ الأكبر قدس سره ينطق
~~بذلك، وأنت تعلم أن التزام ذلك والقول به خرق لإجماع المسلمين ومصادم
~~للأدلة القطعية على أفضلية الأنبياء على سائر الخلق أجمعين، ويوشك أن
~~يكون القول به كفرا بل قد قيل به، وما روي عن الشيخ عبد القادر قدس سره
~~فمما لم يثبت نقله عنه في كتاب يعول عليه، وما يعزى إلى الشيخ الأكبر قدس
~~سره فتعارضه عبارات له أخر مثل قوله قدس سره  وهو الذي تعلم ترجمته
~~لنفسه وعده إياها من أكبر الصديقين بل خاتم الولاية الخاصة  والمقام
~~المحمدي فتح لي قدر خرم إبرة من ms01017 مقام النبوة تجليا لا دخولا فكدت
~~أحترق، وبتقدير تسليم ما نقل عمن نقل والقول بعدم قوة المعارض لنا أن
~~نقول: إن ذلك القول صدر عن القائل عند فنائه في الحقيقة المحمدية والذات
~~الأحمدية فاللسان حينئذ لسانها والقول قولها ولم يصدر ذلك منه حين رؤية
~~نفسه، والوقوف عند رتبته  وهذا غير ما ذهب إليه الشيعة  وبعيد عنه
~~بمراحل، ولعل النوبة تفضي إلى تحقيقه بأتم من هذا إن شاء الله تعالى،
~~فخزائن الفكر ولله الحمد مملوءة، ولكل مقام مقال.

# هذا وذكر الزمخشري أن المراد بالطمأنينة هنا العلم الذي لا مجال للتشكيك
~~فيه وهو علم الضرورة المخالف لعلم الاستدلال حيث يجوز معه ذلك، واعترض
~~بأن العلم الموقوف على سبب لا يتصور فيه تشكيك ما دام سببه مذكورا في
~~نفس العالم وإنما الذي قبل التشكيك قبولا مطلقا هو الاعتقاد وإن كان
~~صحيحا وسببه باق في الذكر وبهذا ينحط الاعتقاد الصحيح عن العلم، وأجيب
~~بأن هذا مبني على تفسير العلم بأنه صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض
~~بوجه  على ما ذكره ابن الحاجب في «مختصره»  وقد قيل عليه ما قيل فتدبر.

# واللام في { ليطمئن } لام كي والفعل منصوب بعدها بإضمار أن، وليس
~~بمبنى كما  زلق السمين  ومتعلق اللام محذوف كما أشرنا حذف  ما  منه
~~الاستدراك، وقيل: المتعلق { أرني } ولا أراه شيئا، والماضي للفعل 
~~اطمأن على وزن اقشعر، واختلف هل هو مقلوب أم لا؟ فمذهب سيبويه أنه مقلوب
~~من  اطأمن  فالطاء فاء الكلمة والهمزة عينها، والميم لامها فقدمت اللام
~~التي هي الميم على العين وهي الهمزة فوزنه افلعل، ومذهب الجرمي أنه غير
~~مقلوب وكأنه يقول  اطأمن واطمأن  مادتان مستقلتان ومصدره الطمأنينة
~~بسكون الميم وفتح الهمزة، وقيل: طمانينه بتخفيف الهمزة وهو قياس مطرد عند
~~الكوفيين وهو على غير قياس المصادر عند الجميع إذ قياس اطمأن أن يكون
~~مصدره على الاطمئنان، وقرىء  أرني  بسكون الراء.

# { قال } أي الرب { فخذ } الفاء لجواب شرط محذوف أي إن أردت ذلك
~~فخذ. { أربعة من الطير } المشهور أنه اسم جمع كركب وسفر،
~~وقيل: ms01018 بل هو جمع طائر كتاجر وتجر  وإليه ذهب أبو الحسن  وقيل: بل هو
~~مخفف من طير بالتشديد، وقال أبو البقاء: هو في الأصل مصدر طار يطير ثم
~~سمي به هذا الجنس وألحقت التاء في عدده لاعتباره مذكرا واسم الجنس لما
~~لا يعقل يذكر ويؤنث والجار متعلق بمحذوف وقع صفة لما قبله أو متعلق  بخذ
~~ والمروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها الغرنوق، والطاوس،
~~والديك، والحمامة، وعن مجاهد بدل الغرنوق الغراب، وفي رواية بدل الحمامة
~~بطة، وفي رواية نسر، وتخصيص الطير بذلك لأنه أقرب إلى الإنسان باعتبار
~~طلبه المعاش والمسكن ولذلك وقع في الحديث

# " لو توكلتم على الله تعالى حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير تغدو خماصا
~~وتروح بطانا "

# ولأنه أجمع لخواص الحيوان ولسهولة تأتي ما يفعل به من التجزئة والتفرقة
~~ولما فيه من مزيد أجزاء من الريش ففي إحيائها مزيد ظهور القدرة/ ولأن من
~~صفته الطيران في السماء وكان من همة إبراهيم عليه الصلاة والسلام الميل
~~إلى جهة العلو والوصول إلى الملكوت فكانت معجزته مشاكلة لهمته.

# { فصرهن } قرأ حمزة ويعقوب بكسر الصاد، والباقون بضمها مع التخفيف
~~من  صاره يصوره ويصيره  لغتان بمعنى قطعه أو أماله لأنه مشترك بينهما
~~كما ذكره أبو علي، وقال الفراء: الضم مشترك بين المعنيين، والكسر بمعنى
~~القطع فقط، وقيل: الكسر بمعنى القطع، والضم بمعنى الإمالة، وعن الفراء إن
~~صاره مقلوب صراه عن كذا قطعه، والصحيح أنه عربي وعن عكرمة أنه نبطي، وعن
~~قتادة أنه حبشي، وعن وهب أنه رومي، فإن كان المراد  أملهن  فقوله
~~تعالى: { إليك } متعلق به وإن كان المراد  فقطعهن  فهو متعلق  بخذ
~~ باعتبار تضمينه معنى الضم، واختار أبو البقاء أن يكون حالا من المفعول
~~المضمر أي  فقطعهن مقربة ممالة  إليك  وزعم ابن هشام  تبعا لغيره 
~~أنه لا يصح تعليق الجار  بصرهن  مطلقا إن لم يقدر مضاف أي إلى نفسك
~~محتجا بأنه لا يتعدى فعل غير علمي عامل في ضمير متصل إلى المنفصل، ورد
~~بأنه إنما يمنع إذا كان متعديا بنفسه أما ms01019 المتعدي بحرف فهو جائز كما صرح
~~به علماء العربية.

# وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  فصرهن  بتشديد الراء مع ضم الصاد
~~وكسرها من صره إذا جمعه، والراء إما مضمومة للاتباع أو مفتوحة للتخفيف،
~~أو مكسورة لالتقاء الساكنين، وعنه أيضا  فصرهن  من التصرية بفتح الصاد
~~وكسر الراء المشددة وأصلها تصررة فأبدل أحد أحرف التضعيف ياءا وهي في
~~الأصل من صريت الشاة إذا لم تحلبها أياما حتى يجتمع اللبن في ضرعها ثم
~~استعمل في مجرد معنى الجمع  أي اجمعهن وضمهن إليك لتتأملها وتعرف شأنها
~~مفصلة حتى تعلم بعد الإحياء أن جزءا من أجزائها لم ينتقل من موضعه الأول
~~أصلا .

# { ثم اجعل } أي ألق أو صير بعد ذبحهن وخلط لحومهن وريشهن ودمائهن
~~كما قاله قتادة. { على كل جبل } يمكنك الوضع عليه ولم يعين له
~~ذلك  كما روي عن مجاهد، والضحاك  وروي عن ابن عباس والحسن، وقتادة أن
~~الجبال كانت أربعة، وعن ابن جريج، والسدي أنها كانت سبعة، وعن أبي عبد
~~الله رضي الله تعالى عنه أنها كانت عشرة { منهن }  أي من تلك الطير
~~{ جزءا } أي قطعة، وبعضا ربعا، أو سبعا أو عشرا أو غير ذلك؛ وقرىء
~~(جزءا) بضمتين و (جزا) بطرح همزته تخفيفا ثم تشديده عند الوقف ثم
~~إجراء الوصل مجرى الوقف وهو مفعول  لاجعل  والجاران قبله متعلقان
~~بالفعل، ويجوز أن يكون على كل مفعولا ثانيا له إن كان بمعنى صير، و {
~~منهن } حال من { جزءا } لأنه في الأصل صفة للنكرة قدمت عليها.

# { ثم ادعهن } أي نادهن، أخرج ابن المنذر عن الحسن قال: إنه
~~عليه الصلاة والسلام نادى أيتها العظام المتمزقة واللحوم المتفرقة
~~والعروق المتقطعة اجتمعي يرد الله تعالى فيكن أرواحكن فوثب العظم إلى
~~العظم وطارت الريشة إلى الريشة وجرى الدم إلى الدم حتى رجع إلى كل طائر
~~دمه ولحمه وريشه ثم أوحى الله تعالى إلى إبراهيم إنك سألتني كيف أحي
~~الموتى وأني خلقت الأرض وجعلت فيها أربعة أرواح: الشمال والصبا والجنوب
~~والدبور حتى إذا كان يوم القيامة نفخ نافخ في الصور ms01020 فيجتمع من في الأرض
~~من القتلى والموتى كما اجتمعت أربعة أطيار من أربعة جبال ثم قرأ:

# ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس وحدة

# [لقمان: 28] وعن مجاهد أنه دعاهن باسم إله إبراهيم تعالين، واستشكل بأن
~~دعاء الجماد غير معقول، وأجيب بأنه من قبيل دعاء التكوين، وقيل: في الآية
~~حذف كأنه قيل: فقطعهن ثم اجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءا فإن الله
~~تعالى يحييهن فإذا أحياهن فادعهن.

# / { يأتينك سعيا } فالدعاء إنما وقع بعد الإحياء. ولا يخفى أن
~~الآثار مع ما فيه من التكلف لا تساعده، وأعظم منه فسادا ما قيل: إنه
~~عليه الصلاة والسلام جعل على كل جبل منهن طيرا حيا ثم دعاها فجاءت فإن
~~ذلك مما يبطل فائدة الطلب ويعارض الأخبار الصحيحة فإن أكثرها ناطق بأنه
~~دعاها ميتة متفرقة الأجزاء، وفي بعضها أن رؤوسهن كانت بيده فلما دعاهن
~~جعل كل جزء منهن يأتي إلى صاحبه حتى صارت جثثا ثم أقبلن إلى رؤوسهن
~~فانضمت كل جثة إلى رأسها فعادت كل واحدة منهن إلى ما كانت عليه من
~~الهيئة، و (سعيا) حال من فاعل  يأتينك  أي ساعيات مسرعات، أو ذوات سعي
~~طيرانا أو مشيا، وقيل: إطلاق السعي على الطيران مجاز، وجوز أن يكون
~~منصوبا على المصدرية كقعدت جلوسا.

# ومن الغريب ما نقل عن النضر بن شميل قال: سألت الخليل بن أحمد عن قوله
~~تعالى: { يأتينك سعيا } هل يقال الطائر إذا طار سعى؟ فقال: لا
~~قلت: فما معناه؟ قال: معناه: يأتينك وأنت تسعى سعيا  وهو من التكلف
~~الغير المحتاج إليه بمكان  وإنما اقتصر سبحانه على حكاية أوامره جل شأنه
~~من غير تعرض لامتثال خليله عليه الصلاة والسلام، ولا لما ترتب عليه من
~~آثار قدرته التي علمت النزر منها للإيذان بأن ترتب تلك الأمور على
~~الأوامر الجليلة واستحالة تخلفها عنها من الجلاء والظهور بحيث لا حاجة له
~~إلى الذكر أصلا، وزعم بعضهم أن الخليل عليه الصلاة والسلام لم يفعل
~~شيئا مما اقتضاه ظاهر الكلام وأن الأوامر فيه مثلها في قولك لمن لا ms01021 يعرف
~~تركيب الحبر مثلا: خذ كذا وكذا وأمكنهما سحقا وألق عليهما كذا وكذا وضع
~~ذلك في الشمس مدة أيام ثم استعمله تجده حبرا جيدا فإنه لا يقتضي
~~الامتثال إذ كان الغرض مجرد تعليم.

# و  الرؤية  هنا علمية كما نقل عن «شرح التوضيح»، وإبراهيم حصل له
~~العلم التام بمجرد وصف الكيفية واطمأن قلبه وسكن لبه، ولهذا لم يذكر الله
~~تعالى ما ترتب على هذه الأوامر من هاتيك الأمور ولم يتعرض للامتثال ولم
~~يعبأ بالإيماء إليه  بقال  أو حال، ومال إلى هذا القول أبو مسلم فأنكر
~~القصة أيضا، وقال: إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما طلب إحياء الموتى
~~من ربه سبحانه وأراه مثالا محسوسا قرب الأمر عليه، والمراد  بصرهن 
~~أملهن ومرنهن على الإجابة  أي عود الطيور الأربعة بحيث إذا دعوتها
~~أجابتك حال الحياة  والغرض منه ذكر مثال محسوس لعود الأرواح إلى الأجساد
~~على سبيل السهولة ولا يخفى أن هذا خلاف إجماع المسلمين، وضرب من الهذيان
~~لا يركن إليه أرباب الدين وعدول عما يقتضيه ظاهر الآية المؤيد بالأخبار
~~الصحيحة والآثار الرجيحة إلى ما تمجه الأسماع ولا يدعو إليه داع فالحق
~~اتباع الجماعة ويد الله تعالى معهم.

# وفي الآية دليل لمن ذهب إلى أن إحياء الموتى يوم القيامة بجمع الأجزاء
~~المتفرقة وإرسال الروح إليها بعد تركيبها وليس هو من باب إعادة المعدوم
~~الصرف لأنه سبحانه بين الكيفية بالتفريق ثم الجمع وإعادة الروح ولم يعدم
~~هناك سوى الجزء الصوري والهيئة التركيبية دون الأجزاء المادية، واحتج بها
~~بعضهم أيضا على أن البنية ليست شرطا في الحياة لأنه تعالى جعل كل واحد
~~من تلك الأجزاء والأبعاض حيا قادرا على السعي والعدو، وقال القاضي: دلت
~~الآية على أنه لا بد من البنية حيث أوجب التقطيع بطلان الحياة، وأجيب بأن
~~حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة، والانفكاك في بعض الأحوال يدل
~~على أن المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة ولما دلت الآية على حصول فهم
~~النداء لتلك الأجزاء كانت دليلا قاطعا على أن البنية ليست شرطا للحياة
~~ وفيه ms01022 تأمل .

# والمشهور أنها حجة على من ذهب إلى أن الإيمان لا يزيد/ ولا ينقص وهي
~~ظاهرة في أنه يزيد في الكيف وإن كان لا يزيد في الكم لكن المكلف به هو
~~الجزم الحاصل بالنظر والاستدلال، ويسميه البعض علم اليقين لا الجزم
~~الكائن بالمشاهدة المسمى بعين اليقين فإن في التكليف به حرجا في الدين،
~~وأنت تعلم أن في دلالة الآية على زيادة الإيمان ونقصه بناءا على الوجه
~~الذي أشرنا إلى اختياره ترددا كما لا يخفى؛ وفيها أيضا دليل على فضل
~~الخليل عليه الصلاة والسلام ويمن الضراعة في الدعاء وحسن الأدب في السؤال
~~حيث أراه سبحانه ما سأله في الحال على أيسر ما يكون من الوجوه، وأرى
~~عزيرا عليه السلام ما أراه بعد ما أماته مائة عام.

# { واعلم أن الله عزيز } غالب على أمره { حكيم } ذو حكمة
~~بالغة في أفعاله فليس بناء أفعاله على الأسباب العادية لعجزه عن خرق
~~العادات بل لكونه متضمنا للحكم والمصالح، حكي أن الله سبحانه لما وفى
~~لإبراهيم عليه الصلاة والسلام بما سأل قال له: يا إبراهيم نحن أريناك كيف
~~نحي الموتى فأرنا أنت كيف تميت الأحياء مشيرا إلى ما سيأمره به من ذبح
~~ولده عليه الصلاة والسلام وهو من باب الانبساط مع الخليل ودائرة الخلة
~~واسعة إلا أن حفاظ المحدثين لم يذكروا هذا الخبر وليس له رواية في «كتب
~~الأحاديث» أصلا.

# ومن باب الإشارة في هذه القصة: { وإذ قال إبرهيم رب أرني
~~كيف تحيى الموتى } أي موتى القلوب بداء الجهل { قال
~~أولم تؤمن } أي ألم تعلم ذلك علما يقينيا { قال بلى } أعلم
~~ذلك.

# ولكن للعيان لطيف معنى

# له سأل المشاهدة الخليل

# وهو المشار إليه بقوله سبحانه: { ليطمئن قلبي } الذي هو عرشك
~~{ قال فخذ أربعة من الطير } إشارة إلى طيور الباطن التي
~~في قفص الجسم، وهي أربعة من أطيار الغيب والعقل، والقلب، والنفس، والروح
~~{ فصرهن إليك } أي ضمهن واذبحهن، فاذبح طير العقل بسكين المحبة
~~على باب الملكوت، واذبح طير القلب بسكين الشوق على باب الجبروت، واذبح
~~طير النفس ms01023 بسكين العشق في ميادين الفردانية، واذبح طير الروح بسكين العجز
~~في تيه عزة أسرار الربانية { ثم اجعل على كل جبل منهن
~~جزءا } فاجعل العقل على جبل العظمة حتى يتراكم عليه أنوار سلطنة
~~الربوبية فيصير موصوفا بها ليدركني بي بعد فنائه في، واجعل القلب على
~~جبل الكبرياء حتى ألبسه سناء قدسي فيتيه في بيداء التفكر منعوتا بصرف
~~نور المحبة، واجعل النفس على جبل العزة حتى ألبسها نور العظمة لتصير
~~مطمئنة عند جريان ربوبيتي عليها فلا تنازعني في العبودية ولا تطلب أوصاف
~~الربوبية، واجعل الروح على جبل جمال الأزل حتى ألبسها نور النور وعز العز
~~وقدس القدس لتكون منبسطة في السكر مطمئنة في الصحو عاشقة في الانبساط
~~راسخة في التجليات { ثم ادعهن } ونادهن بصوت سر العشق {
~~يأتينك سعيا } إلى محض العبودية بجمال الأحدية { واعلم أن
~~الله عزيز } يعزك بعرفانك هذه المعاني واطلاعك على صفاته القديمة {
~~حكيم } في ظهوره بغرائب التجلي لأسرار باطنك، وقد يقال: أشار سبحانه
~~بالأربعة من الطير إلى القوى الأربعة التي تمنع العبد عن مقام العيان
~~وشهود الحياة الحقيقية، ووقع في أثر أنها كانت طاوسا، وديكا، وغرابا،
~~وحمامة، ولعل الطاوس إشارة إلى العجب والديك إلى الشهوة والغراب إلى
~~الحرص، والحمامة إلى حب الدنيا لإلفها الوكر والبرج، وفي أثر بدل الحمامة
~~بطة، وفي آخر نسر، وكان الأول: إشارة إلى الشره الغالب، والثاني: إلى طول
~~الأمل، ومعنى { فصرهن إليك } حينئذ ضمهن وأملهن إليك بضبطها
~~ومنعها عن الخروج إلى طلب لذاتها والنزوع إلى مألوفاتها، وفي الأثر أنه
~~عليه الصلاة والسلام أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويخلط لحومها ودماءها
~~بالدق ويحفظ رؤوسها عنده  أي يمنعها عن أفعالها ويزيل هيآتها عن النفس
~~ويقمع دواعيها وطبائعها وعادتها بالرياضة/ ويبقي أصولها فيه  ثم أمر أن
~~يجعل على كل جبل من الجبال التي بحضرته وهي العناصر الأربعة التي هي
~~أركان بدنه جزءا منهن وكأنه عليه الصلاة والسلام أمر بقمعها وإماتتها
~~حتى لا يبقى إلا أصولها المركوزة في الوجود والمواد المعدة في طبائع
~~العناصر التي هي فيه، وفي رواية ms01024 أن الجبال كانت سبعة فعلى هذا يشير بها
~~إلى الأعضاء السبعة التي هي أجزاء البدن، وفي أخرى أنها كانت عشرة وعليها
~~ربما تكون إشارة إلى الحواس الظاهرة والباطنة، وأشار سبحانه بالأمر
~~بالدعاء إلى أنه إذا كانت هاتيك الصفات حية بحياتها كانت غير منقادة
~~وحشية ممتنعة عن قبول الأمر فإذا قتلت كانت حية بالحياة الحقيقية
~~الموهومة بعد الفناء والمحو وهي حياة العبد وعند ذلك تكون مطيعة منقادة
~~متى دعيت أتت سعيا وامتثلت طوعا وذلك هو الفوز العظيم.

### || [2.261]

# { مثل الذين ينفقون أمولهم في سبيل الله } أي
~~في وجوه الخيرات الشاملة للجهاد وغيره، وقيل: المراد الإنفاق في الجهاد
~~لأنه الذي يضاعف هذه الأضعاف، وأما الإنفاق في غيره فلا يضاعف كذلك وإنما
~~تجزي الحسنة بعشر أمثالها { كمثل حبة } خبر عن المبتدأ قبله ولا
~~بد من تقدير مضاف في أحد الطرفين أي مثل نفقة الذين كمثل حبة أو مثلهم
~~كمثل باذر حبة ولولا ذلك لم يصح التمثيل، والحبة واحدة الحب وهو ما يزرع
~~للاقتيات وأكثر إطلاقه على البر وبذر ما لا يقتات به من البقل حبة بالكسر
~~{ أنبتت سبع سنابل } أي أخرجت تلك الحبة ساقا تشعب منه سبع
~~شعب لكل واحد منها سنبلة.

# { في كل سنبلة مائة حبة } كما نرى ذلك في كثير من الحب
~~في الأراضي المغلة بل أكثر من ذلك، والسنبلة على وزن فنعلة فالنون زائدة
~~لقولهم أسبل الزرع بمعنى سنبل إذا صار فيه السنبل، وقيل: وزنه فعلله
~~فالنون أصلية والأول هو المشهور وإسناد الإنبات إلى الحبة مجاز لأنها سبب
~~للإنبات  والمنبت في الحقيقة هو الله تعالى  وهذا التمثيل تصوير
~~للإضعاف كأنها حاضرة بين يدي الناظر فهو من تشبيه المعقول بالمحسوس.

# { والله يضعف } هذه المضاعفة أو فوقها إلى ما شاء الله تعالى،
~~واقتصر بعض على الأول، وبعض على الثاني، والتعميم أتم نفعا { لمن
~~يشاء } من عباده المنفقين على حسب حالهم من الإخلاص والتعب وإيقاع
~~الإنفاق في أحسن مواقعه، أخرج ابن ماجه وابن أبي حاتم عن علي كرم الله
~~تعالى وجهه، وأبي الدرداء، ms01025 وأبي هريرة، وعمران بن حصين، وأبي أمامة،
~~وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم كلهم يحدث عن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم
~~ومن غزا بنفسه في سبيل الله تعالى وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم يوم
~~القيامة سبعمائة ألف درهم "

# ثم تلا هذه الآية وعن معاذ بن جبل: «إن غزاة المنفقين قد خبأ الله تعالى
~~لهم من خزائن رحمته ما ينقطع عنه علم العباد». { والله وسع } لا
~~يضيق عليه ما يتفضل به من الزيادة { عليم } بنية المنفق وسائر أحواله.

# ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر قصة المار على
~~القرية، وقصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام  وكانا من أدل دليل على البعث
~~ ذكر ما ينتفع به يوم البعث وما يجد جزاءه هناك وهو الإنفاق في سبيل
~~الله تعالى كما أعقب قصة

# الذين خرجوا من ديرهم وهم ألوف حذر الموت

# [البقرة: 243] بقوله تعالى عز شأنه:

# من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا

# [البقرة: 245] وكما عقب قتل داود جالوت وقوله تعالى:

# ولو شاء الله ما اقتتلوا

# [البقرة: 253] بقوله سبحانه:

# يأيها الذين ءامنوا أنفقوا مما رزقنكم

# [البقرة: 254] الخ. / وفي ذكره الحبة في التمثيل هنا إشارة أيضا إلى
~~البعث وعظيم القدرة إذ من كان قادرا على أن يخرج من حبة واحدة في الأرض
~~سبعمائة حبة فهو قادر على أن يخرج الموتى من قبورهم بجامع اشتركا فيه من
~~التغذية والنمو.

### || [2.262]

# { الذين ينفقون أمولهم في سبيل الله } استئناف جىء
~~به لبيان كيفية الإنفاق الذي بين فضله. { ثم لا يتبعون ما
~~أنفقوا } أي إنفاقهم أو ما أنفقوه { منا } على المنفق عليه {
~~ولا أذى } أي له  والمن  عبد الإحسان وهو في الأصل القطع، ومنه
~~قوله: حبل منين  أي ضعيف  وقد يطلق على النعمة لأن المنعم يقطع من ماله
~~قطعة للمنعم عليه، و  الأذى  التطاول والتفاخر على المنفق عليه بسبب
~~إنفاقه، وإنما قدم المن ms01026 لكثرة وقوعه وتوسيط كلمة { لا } لشمول النفي
~~لاتباع كل واحد منهما، و { ثم } للتفاوت بين الإنفاق وترك المن
~~والأذى في الرتبة والبعد بينهما في الدرجة، وقد استعيرت من معناها الأصلي
~~وهو تباعد الأزمنة لذلك  وهذا هو المشهور في أمثال هذه المقامات .

# وذكر في «الانتصاف» وجها آخر في ذلك ((وهو الدلالة على دوام الفعل
~~المعطوف بها وإرخاء الطول في استصحابه وعلى هذا لا تخرج عن الإشعار ببعد
~~الزمن ولكن معناها الأصلي تراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه ومعناها المستعارة
~~له دوام وجود الفعل وتراخي زمن بقائه وعليه يحمل قوله تعالى:

# ثم استقموا

# [فصلت: 30] أي داوموا على الاستقامة دواما متراخيا ممتد الأمد وتلك
~~الاستقامة هي المعتبرة لا ما هو منقطع إلى ضده من الحيد إلى الهوى
~~والشهوات، وكذلك { ثم لا يتبعون } الخ أي يدومون على تناسي
~~الإحسان وعلى ترك الاعتداد به والامتنان ليسوا بتاركيه في أزمنة ثم
~~يثوبون إلى الإيذاء وتقليد المن، وبسببه مثله يقع في السين نحو

# إني ذاهب إلى ربي سيهدين

# [الصافات: 99] إذ ليس لتأخر الهداية معنى فيحمل على دوام الهداية
~~الحاصلة له وتراخي بقائها وتمادي أمدها)) وهو كلام حسن  ولعله أولى مما
~~ذكروه لأنه أبقى للحقيقة وأقرب للوضع على أحسن طريقة.

# والآية كما أخرج الواحدي عن الكلبي  والعهدة عليه  نزلت في عثمان بن
~~عفان وعبد الرحمن بن عوف أما عبد الرحمن فإنه جاء إلى رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم بأربعة آلاف درهم صدقة فقال: كان عندي ثمانية آلاف درهم فأمسكت
~~منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف درهم وأربعة آلاف أقرضها ربي فقال له رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم:

# " بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت "

# وأما عثمان رضي الله تعالى عنه فقال: علي جهاز من لا جهاز له في غزوة
~~تبوك فجهز المسلمين بألف بعير بأقتابها وأحلاسها وتصدق برومة ركية كانت
~~له على المسلمين، وقال أبو سعيد الخدري: رأيت رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم رافعا يديه يدعو لعثمان ويقول:

# " يا رب عثمان بن عفان رضيت عنه فارض عنه ms01027 فما زال رافعا يديه حتى طلع
~~الفجر "

# فأنزل الله تعالى فيه { الذين ينفقون } الخ.

# { لهم أجرهم } حسبما وعد لهم في ضمير التمثيل وهو جملة من مبتدأ
~~وخبر وقعت خبرا عن الموصول، وفي تكرير الإسناد وتقييد الأجر بقوله
~~تعالى: لهم { عند ربهم } من التأكيد والتشريف ما لا يخفى وكان
~~مقتضى الظاهر أن يدخل الفاء في حيز الموصول لتضمنه معنى الشرط كما في
~~قولك: الذي يأتيني فله درهم لكنه عدل عن ذلك إيهاما بأن هؤلاء المنفقين
~~مستحقون للأجر لذواتهم وما ركز في نفوسهم من نية الخير لا لوصف الإنفاق
~~فإن الاستحقاق به استحقاق وصفي، وفيه ترغيب دقيق لا يهتدى إليه إلا
~~بتوفيق، وجوز أن يكون تخلية الخبر عن الفاء المفيدة لسببية ما قبلها لما
~~بعدها للإيذان بأن/ ترتيب الأجر على ما ذكر من الإنفاق وترك اتباع المن
~~والأذى أمر بين لا يحتاج إلى التصريح بالسببية { ولا خوف عليهم
~~ولا هم يحزنون } المراد بيان دوام انتفائهما لا بيان انتفاء
~~دوامهما وقد تقدم الكلام على نظيرها.

### || [2.263]

# { قول معروف } أي كلام جميل يرد به السائل مثل يرحمك الله يرزقك
~~الله إن شاء الله تعالى أعطيك بعد هذا { ومغفرة } أي ستر لما وقع
~~من السائل من الإلحاف في المسألة وغيره مما يثقل على المسؤول وصفح عنه {
~~خير } للسائل { من صدقة } عليه { يتبعها } من المتصدق {
~~أذى } له لكونها مشوبة بضرر ما يتبعها وخلوص الأوليين من الضرر، وقيل:
~~يحتمل أن يراد بالمغفرة مغفرة الله تعالى للمسؤول بسبب تحمله ما يكره من
~~السائل أو مغفرة السائل ما يشق عليه من رد المسؤول خير للمسؤول من تلك
~~الصدقة، وفيه أن الأنسب أن يكون المفضل والمفضل عليه في هذا المقام
~~كلاهما صفتي شخص واحد  وعلى هذين الوجهين  ليس كذلك على أن اعتبار
~~الخيرية فيهما يؤدي إلى أن يكون في القصة الموصوفة بالنسبة إليه خير في
~~الجملة مع بطلانها بالمرة، وجعل الكلام من باب هو خير من لا شيء ليس
~~بشيء، والجملة مستأنفة مقررة لاعتبار ترك اتباع المن والأذى، وإنما لم ms01028
~~يذكر المن لأن الأذى يشمله وغيره، وذكره فيما تقدم اهتماما به لكثرة
~~وقوعه من المتصدقين وعسر تحفظهم عنه، وصح الابتداء بالنكرة في الأول:
~~لاختصاصها بالوصف وفي الثاني: بالعطف أو بالصفة المقدرة، وقد يقال: إن
~~المعطوف تابع لا يفتقر إلى مسوغ.

# { والله غنى } عن صدقات العباد وإنما أمرهم بها لمصلحة تعود
~~إليهم أو عن الصدقة بالمن والأذى فلا يقبلها، أو غني لا يحوج الفقراء
~~إلى تحمل مؤونة المن والأذى ويرزقهم من جهة أخرى { حليم } فلا يعجل
~~بالعقوبة على المن والإيذاء لا أنهم لا يستحقونها بسببهما، والجملة
~~تذييل لما قبلها مشتملة على الوعد والوعيد مقررة لاعتبار الخيرية بالنسبة
~~إلى السائل قطعا.

### || [2.264]

# { يأيها الذين ءامنوا } أقبل عليهم بالخطاب إثر بيان ما
~~بين بطريق الغيبة البالغة في إيجاب العمل بموجب النهي ولذلك ناداهم بوصف
~~الإيمان { لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى } أي بكل
~~واحد منهما لأن النفي أحق بالعموم وأدل عليه، والمراد بالمن المن على
~~الفقير كما تقدم وهو المشهور، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المراد
~~به المن على الله تعالى، وبالأذى الأذى للفقير، واستشكل ابن عطية هذه
~~الآية بأن ظاهرها يستدعي أن أجر الصدقة يبطل بأحد هذين الأمرين ولا يمكن
~~توجه الإبطال بذلك إلى نفس الصدقة لأنها قد ثبتت في الواقع فلا يعقل
~~إبطالها؛ ومن العقيدة أن السيئات لا تبطل الحسنات خلافا للمعتزلة،
~~والآية أحد متمسكاتهم، وأجيب بأن الصدقة التي يعلم الله تعالى من صاحبها
~~أنه يمن ويؤذي لا تقبل حتى قيل: إنه سبحانه يجعل للملك علامة فلا
~~يكتبها، والإبطال المتنازع فيه إنما هو في عمل صحيح وقع عند الله تعالى
~~في حيز القبول وما هنا ليس كذلك، فمعنى { لا تبطلوا } حينئذ لا
~~تأتوا بهذا العمل باطلا كذا قالوا، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر إلا أن
~~قوله تعالى: { كالذي ينفق ماله رئاء الناس } فيه نوع
~~تأييد له بناءا على أن { كالذي } في محل نصب إما على أنه نعت لمصدر
~~محذوف أي لا تبطلوها إبطالا كإبطال الذي الخ وإما على أنه حال ms01029 من فاعل {
~~لا تبطلوا } أي لا تبطلوها مشابهين الذي ينفق أي الذي يبطل إنفاقه
~~بالرياء، ووجه التأييد أن المرائي بالإجماع/ لم يأت بالعمل مقبولا
~~صحيحا، وإنما أتى به باطلا مردودا، وقد وقع التشبيه في البين فتدبر.

# وانتصاب (رياء) إما على أنه علة لينفق أي لأجل ريائهم؛ أو على أنه حال
~~من فاعله أي ينفق ماله مرائيا، وجعله نعتا لمصدر محذوف أي إنفاقا رياء
~~الناس ليس بشيء، وقريب منه جعل الجار حالا من ضمير المصدر المقدر لأنه
~~لا يتمشى إلا على رأي سيبويه، وأصل رياء رئاء فالهمزة الأولى عين الكلمة
~~والثانية بدل من ياء هي لام لأنها وقعت طرفا بعد ألف زائدة، ويجوز تخفيف
~~الهمزة الأولى بأن تقلب ياءا فرارا من ثقل الهمزة بعد الكسرة، وقد قرأ
~~به الخزاعي والشموني. وغيرهما، والمفاعلة في فعله عند السمين على بابها
~~لأن المرائي يرى الناس أعماله والناس يرونه الثناء عليه والتعظيم له؛
~~والمراد من الموصول ما يشمل المؤمن والكافر  كما قيل  وغالب المفسرين
~~على أن المراد به المنافق لقوله تعالى: { ولا يؤمن بالله
~~واليوم الأخر } حتى يرجو ثوابا أو يخشى عقابا.

# { فمثله } أي المرائي في الإنفاق، والفاء لربط ما بعدها بما قبلها
~~{ كمثل صفوان } أي حجر كبير أملس وهو جمع صفوانة أو صفاء أو اسم
~~جنس ورجح بعود الضمير إليه مفردا في قوله تعالى: { عليه تراب }
~~أي شيء يسير منه { فأصابه وابل } أي مطر شديد الوقع  والضمير
~~للصفوان  وقيل: للتراب.

# { فتركه صلدا } أي أملس ليس عليه شيء من الغبار أصلا، وهذا
~~التشبيه يجوز أن يكون مفرقا فالنافق المنافق كالحجر في عدم الانتفاع
~~ونفقته كالتراب لرجاء النفع منهما بالأجر والإنبات، ورياؤه كالوابل
~~المذهب له سريعا الضار من حيث يظن النفع ولو جعل مركبا لصح، وقيل: إنه
~~هو الوجه والأول ليس بشيء. { لا يقدرون على شىء مما
~~كسبوا } أي لا يجدون ثواب شيء مما أنفقوا رياءا ولا ينتفعون به
~~قطعا، والجملة مبينة لوجه الشبه أو استئناف مبني على السؤال كأنه قيل:
~~فماذا يكون حالهم حينئذ فقيل: ms01030 لا يقدرون، وجعلها حالا من (الذي) كما
~~قال السمين مهزول من القول كما لا يخفى، والضمير راجع إلى الموصول
~~باعتبار المعنى بعد ما روعي لفظه إذ هو صفة لمفرد لفظا مجموع معنى
~~كالجمع والفريق، أو هو مستعمل للجمع كما في قوله تعالى:

# وخضتم كالذي خاضوا

# [التوبة: 69] على رأي، وقوله:

# إن الذي حانت بفلج دماؤهم

# هم القوم كل القوم يا أم خالد

# وقيل: إن من والذي يتعاقبان فعومل هنا معاملته، ولا يخفى بعده، ورجوع
~~الضمير إلى (الذين آمنوا) من قبل بالالتفات مما لا يلتفت إليه.

# { والله لا يهدي القوم الكفرين } إلى ما ينفعهم،
~~والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله، وفيه تعريض بأن كلا من الرياء
~~والمن والأذى على الإنفاق من صفات الكفار ولا بد للمؤمنين أن يجتنبوها.

### || [2.265]

# { ومثل الذين ينفقون أمولهم ابتغاء مرضات
~~الله } أي لطلب رضاه أو طالبين له. { وتثبيتا من أنفسهم }
~~أي ولتثبيت أو مثبتين بعض أنفسهم على الإيمان  فمن تبعيضية  كما في
~~قولهم: هز من/ عطفيه وحرك من نشاطه فإن للنفس قوى بعضها مبدأ بذل المال،
~~وبعضها مبدأ بذل الروح فمن سخر قوة بذل المال لوجه الله تعالى فقد ثبت
~~بعض نفسه، ومن سخر قوة بذل المال وقوة بذل الروح فقد ثبت كل نفس، وقد
~~يجعل مفعول (تثبيتا) محذوفا أي تثبيتا للإسلام وتحقيقا للجزاء من أصل
~~أنفسهم وقلوبهم  فمن  ابتدائية كما في قوله تعالى:

# حسدا من عند أنفسهم

# [البقرة: 109] ويحتمل أن يكون المعنى: وتثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين
~~أنها صادقة الإيمان مخلصة فيه، ويعضده قراءة مجاهد (وتبيينا من أنفسهم)،
~~وجوز أن تكون { من } بمعنى اللام والمعنى توطينا لأنفسهم على طاعة
~~الله تعالى وإلى ذلك ذهب أبو علي الجبائي  وليس بالبعيد  وفيه تنبيه
~~على أن حكمة الإنفاق للمنفق تزكية النفس عن البخل وحب المال الذي هو
~~الداء العضال والرأس لكل خطيئة.

# { كمثل جنة بربوة } أي بستان بنشز من الأرض، والمراد تشبيه
~~نفقة هؤلاء في الزكاء بهذه الجنة، واعتبر كونها في ربوة لأن أشجار الربى
~~تكون أحسن منظرا وأزكى ms01031 ثمرا للطافة هوائها وعدم كثافته بركوده. وقرأ
~~ابن عامر وعاصم بربوة بالفتح، والباقون بالضم، وابن عباس بالكسر، وقرىء 
~~رباوة  وكلها لغات، وقرىء  كمثل حبة  بالحاء والباء { أصابها
~~وابل } مطر شديد { فأتت } أي أعطت صاحبها أو الناس ونسبة الإيتاء
~~إليها مجاز { أكلها } بالضم الشيء المأكول والمراد ثمرها وأضيف إليها
~~لأنها محله أو سببه، وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع بسكون الكاف تخفيفا
~~{ ضعفين } أي ضعفا بعد ضعف فالتثنية للتكثير، أو مثلي ما كانت تثمر
~~في سائر الأوقات بسبب ما أصابها من الوابل، أو أربعة أمثاله بناءا على
~~الخلاف في أن الضعف هل هو المثل أو المثلان، وقيل: المراد تأتي أكلها
~~مرتين في سنة واحدة كما قيل في قوله تعالى:

# تؤتى أكلها كل حين

# [إبراهيم: 25] ونصبه على الحال من أكلها أي مضاعفا { فإن لم
~~يصبها وابل فطل } أي فيصيبها، أو فالذي يصيبها طل أو فطل
~~يكفيها، والمراد أن خيرها لا يخلف على كل حال لجودتها وكرم منبتها ولطافة
~~هوائها و  الطل  الرذاذ من المطر وهو اللين منه.

# وحاصل هذا التشبيه أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله تعالى لا تضيع بحال
~~وإن كانت تتفاوت بحسب تفاوت ما يقارنها من الإخلاص والتعب وحب المال
~~والإيصال إلى الأحوج التقي وغير ذلك، فهناك تشبيه حال النفقة النامية
~~لابتغاء مرضاة الله تعالى الزاكية عن الأدناس لأنها للتثبيت الناشىء عن
~~ينبوع الصدق والإخلاص بحال جنة نامية زاكية بسبب الربوة وأحد الأمرين
~~الوابل، والطل، والجامع النمو المقرون بالزكاء على الوجه الأتم، وهذا من
~~التشبيه المركب العقلي ولك أن تعتبر تشبيه حال أولئك عند الله تعالى
~~بالجنة على الربوة ونفقتهم القليلة والكثيرة بالوابل والطل؛ فكما أن كل
~~واحد من المطرين يضعف أكل تلك الجنة فكذلك نفقتهم جلت أو قلت بعد أن يطلب
~~بها وجه الله تعالى زاكية زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عند ربهم جل شأنه
~~كذا قيل:  وهو محتمل  لأن يكون التشبيه حينئذ من المفرق  ويحتمل أن
~~يكون من المركب  والكلام مساق للإرشاد إلى انتزاع وجه الشبه وطريق
~~التركيب، ms01032 والفرق إذ ذاك بأن الحال للنفقة في الأول وللمنفق في الثاني.

# والحاصل أن حالهم في إنتاج القل والكثر منهم الأضعاف لأجورهم كحال الجنة
~~في إنتاج الوابل والطل الواصلين إليها الإضعاف لأثمارها، واختار بعضهم
~~الأول، وأبى آخرون الثاني فافهم.

# { والله بما تعملون بصير } فيجازي كلا من المخلص
~~والمرائي بما هو أعلم به، ففي الجملة ترغيب للأول، وترهيب للثاني مع ما
~~فيها من الإشارة/ إلى الحط على الأخير حيث قصد بعمله رؤية من لا تغني
~~رؤيته شيئا وترك وجه البصير الحقيقي الذي تغني وتفقر رؤيته عز شأنه.

### || [2.266]

# { أيود أحدكم } أي أيحب أحدكم، وكذلك قرأ عمر رضي الله تعالى
~~عنه في رواية عنه والهمزة فيه للإنكار { أن تكون له جنة }
~~وقرىء جنات { من نخيل وأعناب } أي كائنة من هذين الجنسين
~~النفيسين على معنى أنهما الركن والأصل فيها لا على أن لا يكون فيها
~~غيرهما، والنخيل  قيل: اسم جمع، وقيل: جمع نخل وهو اسم جنس جمعي، و
~~(أعناب) جمع عنبة ويقال عنباء فلا ينصرف لألف التأنيث الممدودة وحيث جاء
~~في القرآن ذكر هذين الأمرين فإنما ينص على النخل دون ثمرتها وعلى ثمرة
~~الكرم دون شجرتها ولعل ذلك  لأن النخلة كلها منافع  ونعمت العمات هي
~~أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وأعظم
~~منافع الكرم ثمرته دون سائره، وفي بعض الآثار  ولم أجده في كتاب يعول
~~عليه  إن الله تعالى يقول: أتكفرون بي وأنا خالق العنب، و  الجنة 
~~تطلق على الأشجار الملتفة المتكاثفة، وعلى الأرض المشتملة عليها، والأول
~~أنسب بقوله تعالى: { تجري من تحتها الأنهر } إذ على الثاني
~~يحتاج إلى تقدير مضاف أي من تحت أشجارها وكذا يحتاج إلى جعل إسناد
~~الاحتراق إليها فيما سيأتي مجازيا؛ والجملة في موضع رفع صفة (جنة) أو في
~~موضع نصب حال منها لوصفها بالجار والمجرور قبل.

# { له فيها من كل الثمرت } الظرف الأول: في محل رفع خبر
~~مقدم، والثاني: حال من الضمير المستتر في الخبر، والثالث: نعت لمبتدأ
~~محذوف أي رزق أو ثمر كائن ms01033 من كل الثمرات، وجوز زيادة (من) على مذهب
~~الأخفش، وحينئذ لا يحتاج إلى القول بحذف المبتدأ، وعلى التقديرين ليس
~~المراد بالثمرات العموم بل إنما هو الكثير، ومن الناس من جوز كون المراد
~~من الثمرات المنافع، وهذا يجعل ذكر ذينك الجنسين لعدم احتواء الجنة على
~~ما سواهما، ومنهم من قال: إن هذا من ذكر العام بعد الخاص للتتميم وليس
~~بشيء.

# { وأصابه الكبر } أي أثر فيه علو السن والشيخوخة وهو أبلغ من
~~كبر، والواو للحال، والجملة بتقدير قد في موضع نصب على الحال من فاعل 
~~يود  أي أيود أحدكم ذلك في هذه الحال التي هي مظنة شدة الحاجة إلى منافع
~~تلك الجنة ومئنة العجز عن تدارك أسباب المعاش، وقيل: الواو للعطف ووضع
~~الماضي موضع المضارع كما قاله الفراء، أو أول المضارع بالماضي أي لو
~~كانت له جنة وأصابه الكبر، واعترضه أبو حيان بأن ذلك يقتضي دخول الإصابة
~~في حيز التمني { وأصابه الكبر } لا يتمناها أحد، والجواب أن ذلك
~~غير وارد لما أن الاستفهام للإنكار فهو ينكر الجمع بينهما لا يخفى ما
~~فيه.

# { وله ذرية ضعفاء } في موضع الحال من الضمير في  أصابه 
~~أي أصابه الكبر، والحال أن له صبية ضعفاء لا يقدرون على الكسب وترتيب
~~معاشه ومعاشهم، و  الضعفاء  جمع ضعيف كشركاء جمع شريك، وترك التعبير
~~بصغار مع مقابلة الكبر لأنه أنسب كما لا يخفى، وقرىء  ضعاف  {
~~فأصابها إعصار } أي ريح تستدير على نفسها وتكون مثل المنارة
~~وتسمى الزوبعة وهي قد تكون هابطة، وقد تكون صاعدة خلافا لما يفهمه ظاهر
~~كلام البعض من تخصيصها بالثانية، وسبب الأولى: أنه إذا انفصل ريح من
~~سحابة وقصدت النزول فعارضها في طريق نزولها قطعة من السحاب وصدمتها من
~~تحتها ودفعها من فوقها سائر الرياح بقيت ما بين دافعين دافع من العلو
~~ودافع من السفل فيعرض من الدفعين المتمانعين أن تستدير وربما/ زادها تعوج
~~المنافذ تلويا كما يعرض للشعر أن لا يتجعد بسبب التواء مسامه، وسبب
~~الثانية: أن المادة الريحية إذا وصلت إلى الأرض وقرعتها قرعا عنيفا ms01034 ثم
~~أثبتت فقلبتها ريح أخرى من جهتها التوت واستدارت وقد تحدث أيضا من تلاقي
~~ريحين شديدتين وربما بلغت قوتها إلى حيث تقلع الأشجار وتخطف المراكب من
~~البحر، وعلامة النازلة أن تكون لفائفا تصعد وتنزل معا كالراقص، وعلامة
~~الصاعدة أن لا يرى للفائفها إلا الصعود وقد يكون كل منهما بمحض قدرة الله
~~تعالى من غير توسط سبب ظاهر وربما اشتمل دور الزوبعة على بخار مشتعل قوي
~~فيكون نارا تدور أيضا، ولتعيين هذا النوع وصف الإعصار بقوله سبحانه: {
~~فيه نار } وتذكير الضمير لاعتبار التذكير فيه وإنما سمي ذلك الهواء
~~إعصارا لأنه يلتف كما يلتف الثوب المعصور، وقيل: لأنه يعصر السحاب أو
~~يعصر الأجسام المار بها، والتنوين في النار للتعظيم وروي عن ابن عباس أن
~~الإعصار الريح الشديدة مطلقا وأن المراد من النار السموم وذكر سبحانه
~~الإعصار ووصفه بما ذكر، ولم يقتصر على ذكر النار كأن يقال  فأصابها نار
~~ { فاحترقت } لما في تلك الجملة من البلاغة ما فيها لمن دقق
~~النظر، والفعل المقرون بالفاء عطف على { أصابها } وقيل: على محذوف
~~معطوف عليه أي فأحرقها  فاحترقت  وهذا كما روي عن السدي تمثيل حال من
~~ينفق ويضم إلى إنفاقه ما يحبطه في الحسرة والأسف إذا كان يوم القيامة
~~واشتدت حاجته إلى ذلك ووجده هباءا منثورا بحال من هذا شأنه.

# وأخرج عبد بن حميد عن عطاء أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال:
~~آية من كتاب الله تعالى ما وجدت أحدا يشفيني عنها قوله تعالى: {
~~أيحب أحدكم أن تكون له } الخ فقال ابن عباس: يا أمير
~~المؤمنين إني أجد في نفسي منها فقال له عمر: فلم تحقر نفسك؟! فقال: يا
~~أمير المؤمنين هذا مثل ضربه الله تعالى فقال: أيحب أحدكم أن يكون عمره
~~يعمل بعمل أهل الخير وأهل السعادة حتى إذا كبر سنه وقرب أجله ورق عظمه
~~وكان أحوج إلى ما يكون أن يختم عمله بخير عمل بعمل أهل الشقاء فأفسد عمله
~~فأحرقه قال: فوقعت على قلب عمر وأعجبته.

# وفي رواية البخاري والحاكم وابن ms01035 جرير وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما قال: قال عمر يوما لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فيم ترون
~~[بضم أوله] هذه الآية نزلت { أيود أحدكم } الخ؟ قالوا: الله
~~تعالى أعلم فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس: في نفسي
~~منها شيء يا أمير المؤمنين فقال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك قال
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ضربت لرجل غني عمل بطاعة الله تعالى ثم
~~بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله، قيل: وهذا أحسن من
~~أن يكون تمثيلا لمن يبطل صدقته بالمن والأذى والرياء، وفصل عنه لاتصاله
~~بما ذكر بعده أيضا لأن ذلك لا عمل له، وأجيب بأن له عملا يجازى عليه
~~بحسب ظاهر حاله وظنه وهو يكفي للتمثيل المذكور، وأنت تعلم أن هذا لا يدفع
~~أحسنية ذلك لا سيما وقد قاله ترجمان القرآن وارتضاه الأمير المحدث رضي
~~الله تعالى عنه.

# { كذلك } أي مثل ذلك البيان الواضح الجاري في الظهور مجرى الأمور
~~المحسوسة { يبين الله لكم الآيت لعلكم تتفكرون
~~} أي كي تتفكروا فيها وتعتبروا بما تضمنته من العبر وتعملوا بموجبها، أو
~~لعلكم تعملون أفكاركم فيما يفنى ويضمحل من الدنيا وفيما هو باق لكم في
~~الأخرى فتزهدون في الدنيا وتنفقون مما آتاكم الله تعالى منها وترغبون في
~~الآخرة ولا تفعلون ما يحزنكم فيها.

### || [2.267]

# { يأيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبت } أي جياد
~~أو حلال/ { ما كسبتم } أي الذي كسبتموه أو كسبكم أي مكسوبكم من
~~النقد وعروض التجارة والمواشي. وأخرج ابن جرير عن علي كرم الله تعالى
~~وجهه أنه قال في { طيبت ما كسبتم }: من الذهب والفضة وفي
~~قوله تعالى: { ومما أخرجنا لكم من الأرض } يعني من الحب
~~والتمر وكل شيء عليه زكاة، والجملة لبيان حال ما ينفق منه إثر بيان أصل
~~الإنفاق وكيفيته وأعاد (من) في المعطوف لأن كلا من المتعاطفين نوع
~~مستقل، أو للتأكيد  ولعله أولى  وترك ذكر  الطيبات  لعلمه مما قبله،
~~وقيل: لعلمه مما بعد، وبعض ms01036 جعل (ما) عبارة عن ذلك.

# { ولا تيمموا } أي تقصدوا وأصله تتيمموا بتاءين فحذفت إحداهما
~~تخفيفا إما الأولى وإما الثانية على الخلاف، وقرأ عبد الله (ولا
~~تأمموا)، وابن عباس (تيمموا) بضم التاء والكل بمعنى { الخبيث } أي
~~الردىء وهو كالطيب من الصفات الغالبة التي لا تذكر موصوفاتها { منه
~~تنفقون } الضمير المجرور للخبيث وهو متعلق  بتنفقون  والتقديم
~~للتخصيص، والجملة حال مقدرة من فاعل { تيمموا } أي لا تقصدوا
~~الخبيث قاصرين الإنفاق عليه، أو من الخبيث أي مختصا به الإنفاق، وأيا
~~ما كان لا يرد أنه يقتضي أن يكون النهي عن الخبيث الصرف فقط مع أن
~~المخلوط أيضا كذلك لأن التخصيص لتوبيخهم بما كانوا يتعاطون من إنفاق
~~الخبيث خاصة. فعن عبيدة السلماني قال: سألت عليا كرم الله تعالى وجهه عن
~~هذه الآية فقال: نزلت في الزكاة المفروضة كان الرجل يعمد إلى التمر
~~فيصرمه فيعزل الجيد ناحية فإذا جاء صاحب الصدقة أعطاه من الردىء فقال
~~الله تعالى: { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } وقيل:
~~متعلق بمحذوف وقع حالا من (الخبيث)، والضمير راجع إلى المال الذي في ضمن
~~القسمين، أو لما أخرجنا وتخصيصه بذلك لأن الرداءة فيه أكثر وكذا الحرمة
~~لتفاوت أصنافه ومجالبه، و { تنفقون } حال من الفاعل المذكور  أي ولا
~~تقصدوا الخبيث كائنا من المال  أو مما أخرجنا لكم منفقين إياه.

# وقوله تعالى: { ولستم بآخذيه } حال على كل حال من ضمير {
~~تنفقون } أي  والحال أنكم لستم بآخذيه في وقت من الأوقات  أو بوجه
~~من الوجوه { إلا أن تغمضوا فيه } إلا وقت إغماضكم أو إلا
~~بإغماضكم فيه والإغماض كالغمض إطباق الجفن لما يعرض من النوم، وقد استعير
~~هنا  كما قال الراغب  للتغافل والتساهل، وقيل: إنه كناية عن ذلك ولا
~~يخلو عن تساهل وتغافل، وذكر أبو البقاء أنه يستعمل متعديا  وهو الأكثر
~~ ولازما مثل أغضى عن كذا، والآية محتملة للأمرين، وعلى الأول: يكون
~~المفعول محذوفا أي أبصاركم، والجمهور على ضم التاء وإسكان العين وكسر
~~الميم.

# وقرأ الزهري  تغمضوا  بتشديد الميم، وعنه أيضا  تغمضوا  بضم الميم
~~وكسرها مع فتح التاء، ms01037 وقرأ قتادة  تغمضوا  على البناء للمفعول أي
~~تحملوا على الإغماض أي توجدوا مغمضين وكلا المعنيين مما أثبته الحفاظ ومن
~~حفظ حجة على من لم يحفظ، والمنسبك من { أن } والفعل على كل تقدير في
~~موضع الجر كما أشرنا إليه، وجوز أبو البقاء أن يكون في موضع النصب على
~~الحالية، وسيبويه لا يجوز أن تقع { أن } وما في حيزها حالا، وزعم الفراء
~~{ أن } هنا شرطية لأن معناه إن أغمضتم أخذتم، وينبغي أن يغمض طرف
~~القبول عنه، ومن البعيد في الآية ما قيل: إن الكلام تم عند قوله تعالى: {
~~ولا تيمموا الخبيث } ثم استؤنف فقيل على طريقة التوبيخ
~~والتقريع: { منه تنفقون } والحال  أنكم لا تأخذونه إلا إن أغمضتم
~~ فيه ومآله الاستفهام الإنكاري فكأنه قيل: أمنه تنفقون الخ، وهو على
~~بعده خلاف التفاسير المأثورة عن السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم.

# / { واعلموا أن الله غني } عن نفقاتكم وإنما أمركم بها
~~لانتفاعكم، وفي الأمر بأن يعلموا ذلك مع ظهور علمهم به توبيخ لهم على ما
~~يصنعون من إعطاء الخبيث وإيذان بأن ذلك من آثار الجهل بشأنه عن شأنه {
~~حميد } أي مستحق للحمد على نعمه، ومن جملة الحمد اللائق بجلاله تحري
~~إنفاق الطيب مما أنعم به، وقيل: حامد بقبول الجيد والإثابة عليه.

# واحتج بالآية على وجوب زكاة قليل ما تخرجه الأرض وكثيره حتى البقل،
~~واستدل بها على أن من زرع في أرض اكتراها فالزكاة عليه لا على رب الأرض
~~لأن { أخرجنا لكم } يقتضي كونه على الزارع وعلى أن صاحب الحق لا
~~يجبر على أخذ المعيب بل له الرد وأخذ سليم بدله.

### || [2.268]

# { الشيطن يعدكم الفقر } استئناف لبيان سبب تيمم الخبيث
~~في الإنفاق وتوهين شأنه والوعد في أصل وضعه لغة شائع في الخير والشر،
~~وأما في الاستعمال الشائع فالوعد في الخير والإيعاد في الشر حتى يحملوا
~~خلافه على المجاز والتهكم، وقد استعمل هنا في الشر نظرا إلى أصل الوضع
~~لأن الفقر مما يراه الإنسان شرا، ولهذا يخوف الشيطان به المتصدقين فيقول
~~لهم: لا تنفقوا الجيد من أموالكم ms01038 وأن عاقبة إنفاقكم أن تفتقروا، وتسمية
~~ذلك وعدا مع أنه اعتبر فيه الإخبار بما سيكون من جهة المخبر والشيطان لم
~~يضف مجىء الفقر إلى جهته للإيذان بمبالغة اللعين في الإخبار بتحقق مجيئه
~~كأنه نزله في تقرر الوقوع منزلة أفعاله الواقعة حسب إرادته، أو لوقوعه في
~~مقابلة وعده تعالى على طريق المشاكلة، ومن الناس من زعم أن استعمال الوعد
~~هنا في الخير حسب الاستعمال الشائع، والمراد أن ما يخوفكم به هو وعد
~~الخير لأن الفقر للإنفاق أجل خير، ولا يخفى أنه بمراحل عن مذاق التنزيل،
~~وقرىء  الفقر  بالضم والسكون وبفتحتين وضمتين وكلها لغات في الفقر
~~وأصله كسر فقار الظهر.

# { ويأمركم بالفحشاء } أي الخصلة الفحشاء وهي البخل وترك
~~الصدقات والعرب تسمي البخيل فاحشا قال كعب:

# أخي يا أخي (لا فاحشا) عند بيته

# ولا برم عند اللقاء هيوب

# والمراد بالأمر بذلك الإغراء والحث عليه ففي الكلام استعارة مصرحة
~~تبعية، وقيل: المراد بالفحشاء سائر المعاصي وحملها على الزنا نعوذ بالله
~~منه؛ وجوز أن تكون بمعنى الكلمة السيئة فتكون هذه الجملة كالتأكيد للأولى
~~وقدم وعد الشيطان على أمره لأنه بالوعد يحصل الاطمئنان إليه فإذا اطمأن
~~إليه وخاف الفقر تسلط عليه بالأمر إذ فيه استعلاء على المأمور.

# { والله يعدكم } في الإنفاق على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم
~~{ مغفرة } لذنوبكم، وعن قتادة لفحشائكم، والتنوين فيها للتفخيم وكذا
~~وصفها بقوله تعالى: { منه } فهو مؤكد لفخامتها، وفيه تصريح بما علم
~~ضمنا من الوعد كما علمت مبالغة في توهين أمر الشيطان { وفضلا } أي
~~رزقا وخلفا  وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  فتكون
~~المغفرة إشارة إلى منافع الآخرة، وهذا إشارة إلى منافع الدنيا. وفي
~~الحديث:

# " ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان يقول أحدهما: اللهم أعط
~~منفقا خلفا ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا "

# وقدم منافع الآخرة لأنها أهم عند المصدق بها، وقيل: المغفرة والفضل
~~كلاهما في الآخرة وتقديم الأول حينئذ لتقدم التخلية على التحلية ولكون
~~رفع المفاسد أولى من جلب المصالح، وفي الآية

# فمن ms01039 زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز

# [آل عمران: 185] وحذف صفة الثاني لدلالة المذكور عليها { والله
~~وسع } بالرحمة والفضل { عليم } بما تنفقونه فيجازيكم عليه، والجملة
~~تذييل مقرر لمضمون ما قبله ومثلها في قوله تعالى: { يؤتى الحكمة
~~}.

### || [2.269]

# { يؤتى الحكمة } أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أنها المعرفة
~~بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومحكمه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه
~~وأمثاله، وفي رواية عنه الفقه في القرآن، ومثله عن قتادة والضحاك وخلق
~~كثير، وما روى ابن المنذر عن ابن عباس أنها النبوة يمكن أن يحمل على هذا
~~لما أخرج البيهقي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " من قرأ ثلث القرآن أعطي ثلث النبوة ومن قرأ نصف القرآن أعطي نصف
~~النبوة ومن قرأ ثلثيه أعطي ثلثي النبوة ومن قرأ القرآن كله أعطي كل
~~النبوة ويقال له يوم القيامة اقرأ وارق بكل آية درجة حتى ينجز ما معه من
~~القرآن فيقال له اقبض فيقبض فيقال له هل تدري ما في يديك؟ فإذا في يده
~~اليمنى الخلد وفي الأخرى النعيم "

# وليس المراد من القراءة في هذا الخبر مجردها إذ ذلك مما يشترك فيه البر
~~والفاجر ولكن المراد قراءة بفقه ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم عن
~~أبي الدرداء  الحكمة قراءة القرآن والفكرة فيه  وعن مجاهد أنها
~~الإصابة في القول والعمل، وفي رواية عنه أنها القرآن والعلم والفقه، وفي
~~أخرى العلم الذي تعظم منفعته وتجل فائدته، وعن عطاء أنها المعرفة بالله
~~تعالى، وقال أبو عثمان: هي نور يفرق به بين الوسواس والإلهام، وقيل غير
~~ذلك، وفي «البحر» أن فيها تسعة وعشرين قولا لأهل العلم قريب بعضها من
~~بعض، وعد بعضهم الأكثر منها اصطلاحا واقتصارا على ما رآه القائل فردا
~~مهما من الحكمة وإلا فهي في الأصل مصدر من الإحكام وهو الاتقان في علم
~~أو عمل أو قول أو فيها كلها، وعن مقاتل أنها فسرت في القرآن بأربعة أوجه
~~فتارة بمواعظ القرآن وأخرى بما فيه من عجائب الأسرار ومرة بالعلم والفهم
~~وأخرى ms01040 بالنبوة. قيل: ولعل الأنسب بالمقام ما ينتظم الأحكام المبينة في
~~تضاعيف الآية الكريمة من أحد الوجهين الأولين ومعنى إيتائها تبيينها
~~والتوفيق للعمل بها أي تبيينها ويوفق للعلم والعمل بها.

# { من يشآء } من عباده أن يؤتيها إياه بموجب سعة فضله وإحاطة علمه كما
~~آتاكم ما بينه في ضمن الآي من الحكم البالغة التي يدور عليها فلك منافعكم
~~فاغتنموها وسارعوا إلى العمل بها { ومن يؤت الحكمة } بناه
~~للمفعول إما لأن المقصود بيان فضيلة من نال الحكمة بقطع النظر عن الفاعل
~~وإما لتعين الفاعل والإظهار في مقام الإضمار للاعتناء بشأن هذا المظهر
~~ولهذا قدم من قبل على المفعول الأول وللإشعار بعلة الحكم، وقرأ يعقوب 
~~يؤتي  على البناء للفاعل وجعل { من } الشرطية مفعولا مقدما أو مبتدأ
~~والعائد محذوف، ويؤيد الثاني قراءة الأعمش (ومن يؤته الحكمة).

# { فقد أوتي خيرا } عظيما { كثيرا } إذ قد جمع له خير
~~الدارين. أخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " إن لقمان قال لابنه: يا بني عليك بمجالسة العلماء واسمع كلام الحكماء
~~فإن الله تعالى يحي القلب الميت بنور الحكمة كما يحي الأرض الميتة بوابل
~~المطر "

# وأخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم:

# " لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله تعالى مالا فسلطه على هلكته في
~~الحق ورجل آتاه الله تعالى الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها "

# وأخرج الطبراني عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " يبعث الله تعالى العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول: يا معشر
~~العلماء إني لم أضع فيكم علمي لأعذبكم اذهبوا فقد غفرت لكم "

# وفي رواية عن ثعلبة بن الحكم أنه سبحانه يقول: «إني لم أجعل علمي وحكمي
~~فيكم إلا وأنا أريد أن/ أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي».

# وهذا بالنسبة إلى حملة العلم الشرعي الذي جاء به حكيم الأنبياء ونبي
~~الحكماء حضرة خاتم الرسالة ومحدد جهات العدالة والبسالة صلى الله عليه
~~وسلم ms01041 لا ما ذهب إليه جالينوس وديمقراطيس. وأفلاطون وأرسطاليس ومن مشى على
~~آثارهم واعتكف في رواق أفكارهم فإن الجهل أولى بكثير مما ذهبوا إليه
~~وأسلم بمراتب مما عولوا عليه حتى إن كثيرا من العلماء نهوا عن النظر في
~~كتبهم واستدلوا على ذلك بما أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى من حديث جابر أن
~~عمر رضي الله تعالى عنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوامع
~~كتبها من التوراة ليقرأها ويزداد بها علما إلى علمه فغضب ولم يأذن له
~~وقال:

# " لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي "

# وفي رواية

# " يكفيكم كتاب الله تعالى "

# ووجه الاستدلال أنه صلى الله عليه وسلم لم يبح استعمال الكتاب الذي جاء
~~به موسى هدى ونورا في وقت كانت فيه أنوار النبوة ساطعة وسحائب الشبه
~~والشكوك بالرجوع إليه منقشعة فكيف يباح الاشتغال بما وضعه المتخبطون من
~~فلاسفة اليونان إفكا وزورا في وقت كثرت فيه الظنون وعظمت فيه الأوهام
~~وعاد الإسلام فيه غريبا، وفي كتاب الله تعالى غنى عما سواه كما لا يخفى
~~على من ميز القشر من اللباب والخطأ من الصواب.

# { وما يذكر إلا أولوا الألبب } أي ما يتعظ أو ما
~~يتفكر في الآيات إلا ذوو العقول الخالصة عن شوائب الوهم وظلم اتباع الهوى
~~وهؤلاء هم الذين أوتوا الحكمة ولإظهار الاعتناء بمدحهم بهذه الصفة أقيم
~~الظاهر مقام المضمر، والجملة إما حال أو اعتراض تذييلي.

# ومن باب الإشارة في الآيات: أنها اشتملت على ثلاثة إنفاقات متفاضلة
~~الأول: الانفاق في سبيل الله تعالى وهو إنفاق في عالم الملك عن مقام تجلي
~~الأفعال، وإلى هذا أشار بقوله سبحانه:

# الذين ينفقون أمولهم في سبيل الله كمثل
~~حبة

# [البقرة: 261] الخ، والثاني: الإنفاق عن مقام مشاهدة الصفات وهو الانفاق
~~لطلب رضا الله تعالى، وإليه أشار بقوله تعالى:

# الذين ينفقون أمولهم ابتغاء مرضات الله

# [البقرة: 265] ومن تمثيله بجنة يعلم مقدار فضله على الأول الممثل بحبة،
~~ولعل فضل أحدهما على الآخر كفضل الجنة على الحبة، ومما يزيد في الفرق أن
~~الجنة مع إيتاء أكلها ms01042 تبقى بحالها بخلاف الحبة، ولتأكيد الإشارة إلى
~~ارتفاع رتبة هذا الإنفاق على الأول أتى بالربوة وهي المرتفع من الأرض،
~~والثالث: الإنفاق بالله تعالى وهو عن مقام شهود الذات وهو إنفاق النفس
~~بعد تزكيها وإليه الإشارة بقوله تعالى:

# يأيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبت ما
~~كسبتم

# [البقرة: 267] والنفس مكتسبة بهذا الاعتبار وجزاء الإنفاق الأول الإضعاف
~~إلى سبعمائة وتزيد لأن يد الطول طويلة، وجزاء الثاني الجنة الصفاتية
~~المثمرة للإضعاف؛ وجزاء الثالث الحكمة اللازمة للوجود الموهوب بعد البذل
~~وهي الخير العظيم الكثير لأنها أخص صفاته تعالى، وصاحب هذا الإنفاق لا
~~يزال ينفق من الحكم الالهية والعلوم اللدنية لارتفاع البين وشهود العين
~~وقد نبه سبحانه في أثناء ذلك على أن الإنفاق يبطله المن والأذى لأنه
~~إنما يكون محمودا لثلاثة أوجه كونه موافقا للأمر  وهو حال له بالنسبة
~~إليه تعالى  وكونه مزيلا لرذائل البخل  وهو حال له بالنسبة إلى المنفق
~~نفسه  وكونه نافعا مريحا  وهو حال له بالنسبة إلى المستحق  فإذا من
~~صاحبه وآذى فقد خالف أمر الله تعالى وأتى بما ينافي راحة المستحق ونفعه
~~وظهرت نفسه بالاستطالة والاعتداد والعجب والاحتجاب بفعلها ورؤية النعمة
~~منها لا من الله تعالى وكلها رذائل أردأ من البخل ولهذا كان القول الجميل
~~خيرا من الصدقة المتبوعة بالأذى بل لا نسبة.

### || [2.270]

# { وما أنفقتم من نفقة } قليلة أو كثيرة سرا أو علانية في
~~حق أو باطل، فالآية بيان لحكم كلي شامل/ لجميع أفراد النفقات أو ما في
~~حكمها إثر بيان حكم ما كان منها في سبيل الله تعالى { أو نذرتم من
~~نذر } متعلق بالمال أو بالأفعال بشرط أو بغير شرط في طاعة أو معصية،
~~والنذر عقد القلب على شيء والتزامه على وجه مخصوص قيل: وأصله الخوف لأن
~~الشخص يعقد ذلك على نفسه خوف التقصير أو خوف وقوع أمر خطير ومنه نذر الدم
~~وهو العقد على سفكه للخوف من مضرة صاحبه قال عمرو بن معدى كرب:

# هم (ينذرون دمي) وأن

# ذر إن لقيت بأن أشدا

# وفعله كضرب ونصر، وعن يونس فيما ms01043 حكاه الأخفش تقول العرب: نذر على نفسه
~~نذرا ونذرت مالي فأنا أنذره نذرا { فإن الله يعلمه } كناية
~~عن مجازاته سبحانه عليه وإلا فهو معلوم، والفاء داخلة في الجواب إن كانت
~~{ ما } شرطية وصلة في الخبر إن كانت موصولة وتوحيد الضمير مع أن متعلق
~~العلم متعدد لاتحاد المرجع بناءا على كون العطف بكلمة أو وهي لأحد
~~الشيئين، وقال ابن عطية: إن التوحيد باعتبار المذكور وكأنه لم يعتبر
~~المذكور لاعتبار المرجع النفقة والنذر المذكورين دون المصدرين المفهومين
~~من فعليهما وهما المتعاطفان  بأو دونهما، وعلى تسليم أن عطف الفعلين
~~مستلزم لعطفهما لا ينبغي اعتبارهما أيضا لأن الضمير مذكر قطعا وهما
~~مذكر ومؤنث، واعتبار أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح ولا يخفى ما فيه
~~فإن مثل هذا الضمير قد يعتبر فيه حال المقدم مراعاة للأولية كما في قوله
~~تعالى:

# وإذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا إليها

# [الجمعة: 11] وقد يعتبر فيه حال المؤخر مراعاة للقرب كما في قوله تعالى:

# ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا

# [النساء: 112] وكل منهما سائغ شائع في الفصيح وما نحن فيه من الثاني إن
~~اعتبر المذكور صريحا والتزام التأويل في جميع ما ورد تعسف مستغنى عنه
~~كما لا يخفى، نعم جوز إرجاع الضمير إلى { ما } لكن على تقدير كونها
~~موصولة كما قاله غير واحد.

# { وما للظلمين } أي الواضعين للأشياء في غير مواضعها التي يحق
~~أن توضع فيها فيشمل المنفقين بالرياء والمن والأذى والمتحرين للخبيث في
~~الإنفاق والمنفقين في باطل والناذرين في معصية والممتنعين عن أداء ما
~~نذروا في حق والباخلين بالصدقة مما آتاهم الله تعالى من فضله، وخصهم أبو
~~سليمان الدمشقي بالمنفقين بالمن والأذى والرياء والمبذرين في المعصية؛
~~ومقاتل بالمشركين ولعل التعميم أولى { من أنصار } أي أعوان ينصرونه
~~من بأس الله تعالى لا شفاعة ولا مدافعة وهو جمع نصير  كحبيب، وأحباب 
~~أو ناصر  كشاهد وأشهاد  والإتيان به جمعا على طريق المقابلة فلا يرد
~~أن نفي الأنصار لا يفيد نفي الناصر وهو المراد.

# والقول  بأن هذا إنما يحتاج إليه ms01044 إذا جعلت { من } زائدة ولك أن
~~تجعلها تبعيضية أي شيء من الأنصار ليس بشيء كما [لا] يخفى والجملة
~~استئناف مقرر للوعيد المشتمل عليه مضمون ما قبله، ونفي أن يكون للظالم
~~على رأي مقاتل ناصر مطلقا ظاهر، وأما على تقدير أخذ المظالم عاما أو
~~خاصا بما قاله أبو سليمان فيحتاج إلى القول بأن الآية خارجة مخرج
~~الترهيب لما أن العاصي غير المشرك كيف ما كانت معصيته يجوز أن يكون له
~~ناصر يشفع له عند ربه.

# واستدل بالآية على مشروعية النذر والوفاء به ما لم يكن معصية وإلا فلا
~~وفاء، فقد أخرج النسائي عن عمران بن الحصين قال: قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " النذر نذران فما كان من نذر في طاعة الله تعالى فذلك لله تعالى وفيه
~~الوفاء وما كان من نذر في معصية الله تعالى فذلك للشيطان ولا وفاء فيه،
~~ويكفره ما يكفر اليمين "

# وتفصيل الكلام في النذر يأتي بعد إن شاء الله تعالى.

### || [2.271]

# { إن تبدوا الصدقت } أي تظهروا إعطاءها، قال الكلبي: لما
~~نزلت

# وما أنفقتم من نفقة

# [البقرة: 270] الآية قالوا: يا رسول الله/ صلى الله عليه وسلم أصدقة
~~السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فنزلت، فالجملة نوع تفصيل لبعض ما أجمل في
~~الشرطية وبيان له ولذلك ترك العطف بينهما، والمراد من الصدقات على ما ذهب
~~إليه جمهور المفسرين صدقات التطوع، وقيل: الصدقات المفروضة، وقيل: العموم
~~{ فنعما هي } الفاء  جواب للشرط،  ونعم  فعل ماض، و (ما) كما
~~قال ابن جني: نكرة تامة منصوبة على أنها تمييز وهي مبتدأ عائد للصدقات
~~على حذف مضاف أي إبداؤها أو لا حذف، والجملة خبر عن (هي)، والرابط
~~العموم، وقرأ ابن كثير وورش وحفص بكسر النون والعين للاتباع وهي لغة هذيل
~~قيل: ويحتمل أنه سكن ثم كسر لالتقاء الساكنين، وقرأ ابن عامر وحمزة
~~والكسائي بفتح النون وكسر العين على الأصل كعلم، وقرأ أبو عمرو وقالون
~~وأبو بكر بكسر النون وإخفاء حركة العين، وروي عنهم: الإسكان أيضا 
~~واختاره أبو عبيدة  وحكاه لغة، والجمهور على اختيار ms01045 الاختلاس على
~~الإسكان حتى جعله بعضهم من وهم الرواة، وممن أنكره المبرد والزجاج
~~والفارسي لأن فيه جمعا بين ساكنين على غير حده.

# { وإن تخفوها } أي تسروها والضمير المنصوب إما للصدقات مطلقا
~~وإما إليها لفظا لا معنى بناءا على أن المراد بالصدقات المبداة
~~المفروضة وبالمخفاة المتطوع بها فيكون من باب  عندي درهم ونصفه  أي نصف
~~درهم آخر، وفي جمع الإبداء والإخفاء من أنواع البديع الطباق اللفظي كما
~~أن في قوله تعالى: { وتؤتوها الفقرآء } الطباق المعنوي لأنه لا
~~يؤتي الصدقات إلا الأغنياء قيل: ولعل التصريح بإيتائها الفقراء مع أنه لا
~~بد منه في الإبداء أيضا لما أن الإخفاء مظنة الالتباس والاشتباه فإن
~~الغني ربما يدعي الفقر ويقدم على قبول الصدقة سرا ولا يفعل ذلك عند
~~الناس، وتخصيص الفقراء بالذكر اهتماما بشأنهم، وقيل: إن المبداة لما
~~كانت الزكاة لم يذكر فيها الفقراء لأن مصرفها غير مخصوص بهم، والمخفاة
~~لما كانت التطوع بين أن مصارفها الفقراء فقط وليس بشيء لأنه بعد تسليم أن
~~المبداة زكاة والمخفاة تطوع لا نسلم أن مصارف الثانية الفقراء فقط  ودون
~~إثبات ذلك الموت الأحمر  وكأنه لهذا فسر بعضهم الفقراء بالمصارف.

# { فهو خير لكم } أي فالإخفاء { خير لكم } من الإبداء،
~~و خير لكم من جملة الخيور، والأول هو الذي دلت عليه الآثار والأحاديث في
~~أفضلية الإخفاء أكثر من أن تحصى. أخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة

# " أن أبا ذر قال: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: «صدقة سر إلى فقير
~~أو جهد من مقل ثم قرأ الآية "

# ، وأخرج الطبراني مرفوعا

# " إن صدقة السر تطفىء غضب الرب "

# وأخرج البخاري

# " سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله  إلى أن قال  ورجل
~~تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه "

# والأكثرون على أن هذه الأفضلية فيما إذا كان كل من صدقتي السر والعلانية
~~تطوعا ممن لم يعرف بمال وإلا فإبداء الفرض لغيره أفضل لنفي التهمة وكذا
~~الإظهار أفضل لمن يقتدى به وأمن نفسه، وعن ابن عباس ms01046 رضي الله تعالى عنهما
~~«صدقة السر في التطوع تفضل على علانيتها سبعين ضعفا وصدقة الفريضة
~~علانيتها أفضل من سرها بخمس وعشرين ضعفا» وكذلك جميع الفرائض والنوافل
~~في الأشياء كلها.

# { ويكفر عنكم من سيئاتكم } أي والله يكفر أو الإخفاء،
~~والإسناد مجازي، و { من } تبعيضية لأن الصدقات لا يكفر بها جميع
~~السيئات، وقيل: مزيدة على رأي الأخفش، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في
~~رواية ابن عياش ويعقوب  نكفر  بالنون مرفوعا على أنه جملة مبتدأة أو
~~اسمية معطوفة على ما بعد الفاء/ أي ونحن نكفر، وقيل: لا حاجة إلى تقدير
~~المبتدأ، والفعل نفسه معطوف على محل (ما) بعد الفاء لأنه وحده مرفوع لأن
~~الفاء الرابطة مانعة من جزمه لئلا يتعدد الرابط، وقرأ حمزة والكسائي 
~~نكفر  بالنون مجزوما بالعطف على محل الفاء مع ما بعدها لأنه جواب الشرط
~~قاله غير واحد، واستشكله البدر الدماميني بأنه صريح في أن الفاء، و (ما)
~~دخلت عليه في محل جزم، وقد تقرر أن الجملة لا تكون ذات محل من الإعراب
~~إلا إذا كانت واقعة موقع المفرد وليس هذا من محال المفرد حتى تكون الجملة
~~واقعة ذات محل من الإعراب وذلك لأن جواب الشرط إنما يكون جملة ولا يصح أن
~~يكون مفردا فالموضع للجملة بالأصالة وادعى أن جزم الفعل ليس بالعطف على
~~محل الجملة وإنما هو لكونه مضارعا وقع صدر جملة معطوفة على جملة جواب
~~الشرط الجازم وهي لو صدرت بمضارع كان مجزوما فأعطيت الجملة المعطوفة حكم
~~الجملة المعطوف عليها وهو جزم صدرها إذا كان فعلا مضارعا ويمكن دفعه
~~بالعناية فتدبر، وقرىء  وتكفر  بالتاء مرفوعا ومجزوما على حسب ما
~~علمت والفعل للصدقات.

# { والله بما تعملون } في صدقاتكم من الإبداء والإخفاء {
~~خبير } عالم لا يخفى عليه شيء فيجازيكم على ذلك كله، ففي الجملة ترغيب
~~في الإعلان والإسرار وإن اختلفا في الأفضلية، ويجوز أن يكون الكلام
~~مساقا للترغيب في الثاني لقربه ولكون الخبرة بالإبداء ليس فيها كثير
~~مدح.

### || [2.272]

# { ليس عليك هداهم } أي لا يجب عليك أيها الرسول أن تجعل ms01047
~~هؤلاء المأمورين بتلك المحاسن المنهيين عن هاتيك الرذائل مهديين إلى
~~الائتمار والانتهاء  إن أنت إلا بشير ونذير ما عليه إلا البلاغ المبين 
~~{ ولكن الله يهدي } بهدايته الخاصة الموصلة إلى المطلوب
~~قطعا { من يشآء } هدايته منهم، والجملة معترضة جيء بها على طريق
~~تلوين الخطاب وتوجيهه إلى سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم مع الالتفات
~~إلى الغيبة فيما بين الخطابات المتعلقة بأولئك المكلفين مبالغة في حملهم
~~على الامتثال، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن وأبو علي الجبائي، وهو مبني على
~~رجوع ضمير { هداهم } إلى المخاطبين في تلك الآيات السابقة، والذي
~~يستدعيه سبب النزول رجوعه إلى الكفار، فقد أخرج ابن أبي حاتم وغيره عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا
~~أن لا نتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية» وأخرج ابن جرير عنه
~~قال: كان أناس من الأنصار لهم أنسباء وقرابة وكانوا يتقون أن يتصدقوا
~~عليهم ويريدونهم أن يسلموا فنزلت. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " لا تصدقوا إلا على أهل دينكم "

# فأنزل الله تعالى: { ليس عليك هداهم } أي ليس عليك هدى من
~~خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل دخولهم في الإسلام وحينئذ لا التفات، وإنما
~~هناك تلوين الخطاب فقط، والآية حث على الصدقة أيضا ولكن بوجه آخر
~~والارتباط على التقديرين ظاهر، وجعلها مرتبطة  بقوله سبحانه:

# يؤتى الحكمة من يشاء

# [البقرة: 269] إشارة إلى قسم آخر من الناس لم يؤتها  ليس بشيء.

# { وما تنفقوا } في وجوه البر { من خير } أي مال {
~~فلأنفسكم } أي فهو لأنفسكم لا ينتفع به في الآخرة غيركم فلا تيمموا
~~الخبيث ولا تبطلوه بالمن والأذى ورئاء الناس، أو فلا تمنعوه عن الفقراء
~~كيف كانوا فإن نفعكم به ديني ونفع الكافر منهم دنيوي، و { ما } شرطية
~~جازمة لتنفقوا منتصبة به على المفعولية و { من } تبعيضية متعلقة بمحذوف
~~وقع صفة لاسم الشرط مبينة ومخصصة له { وما تنفقون إلا ابتغاء
~~وجه الله } / استثناء من أعم العلل ms01048 وأعم الأحوال أي ما تنفقون بسبب
~~من الأسباب إلا لهذا السبب، أو في حال من الأحوال إلا في هذه الحال،
~~والجملة إما حال أو معطوفة على ما قبلها على معنى: وما تنفقوا من خير
~~فإنما يكون لكم لا عليكم إذا كان حالكم أن لا تنفقوا إلا لأجل طلب وجه
~~الله تعالى، أو إلا طالبين وجهه سبحانه لا مؤذين ولا مانين ولا مرائين
~~ولا متيممين الخبيث، أو على معنى ليست نفقتكم إلا لكذا أو حال كذا فما
~~بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث أو تمنعونها فقراء المشركين من أهل
~~الكتاب وغيرهم، وقيل: إنه نفي بمعنى النهي أي لا تنفقوا إلا كذا وإقحام
~~الوجه للتعظيم ودفع الشركة لأنك إذا قلت فعلته لوجه زيد كان أجل من قولك:
~~فعلته له لأن وجه الشيء أشرف ما فيه ثم كثر حتى عبر به عن الشرف مطلقا،
~~وأيضا قول القائل: فعلت هذا الفعل لفلان يحتمل الشركة وأنه قد فعله له
~~ولغيره ومتى قال: فعلته لوجهه انقطع عرق الشركة عرفا، وجعله كثير من
~~الخلق بمعنى الذات وبعضهم حمله هنا على الرضا وجعل الآية على حد

# ابتغآء مرضات الله

# [البقرة: 265] تعالى، والسلف بعد أن نزهوا فوضوا كعادتهم في المتشابه.

# { وما تنفقوا من خير يوف إليكم } أي تعطون جزاءه
~~وافرا وافيا كما تشعر به صيغة التفعيل في الآخرة حسبما تضمنته الآيات
~~من قبل  وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  والمراد نفي أن
~~يكون لهم عذر في مخالفة الأمر المشار إليه في الإنفاق، فالجملة تأكيد
~~للشرطية السابقة وليس بتأكيد صرف وإلا لفصلت ولكنها تضمنت ذلك من كون
~~سياقها للاستدلال على قبح ترك ذلك الأمر فكأنه قيل: كيف يمن أو يقصر
~~فيما يرجع إليه نفعه أو كيف يفعل ذلك فيما له عوض وزيادة، وهي بهذا
~~الاعتبار أمر مستقل، وقيل: إن المعنى يوفر عليكم خلفه في الدنيا ولا ينقص
~~به من مالكم شيء استجابة لقوله صلى الله عليه وسلم:

# " اللهم اجعل لمنفق خلفا ولممسك تلفا "

# والتوفية إكمال الشيء وإنما حسن ms01049 معها (إليكم) لتضمنها معنى التأدية
~~وإسنادها إلى { ما } مجازي وحقيقته ما سمعت.

# والآية بناءا على سبب النزول دليل على جواز دفع الصدقة للكافر وهو في
~~غير الواجبة أمر مقرر، وأما الواجبة التي للإمام أخذها كالزكاة فلا يجوز،
~~وأما غيرها كصدقة الفطر والنذر والكفارة ففيه اختلاف، والإمام أبو حنيفة
~~رضي الله تعالى عنه يجوزه، وظاهر قوله تعالى:

# ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما
~~وأسيرا

# [الإنسان: 8] يؤيده إذ الأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركا. {
~~وأنتم لا تظلمون } أي لا تنقصون شيئا مما وعدتم، والجملة حال
~~من ضمير { إليكم } والعامل (يوف).

### || [2.273]

# { للفقراء } متعلق بمحذوف ينساق إليه الكلام ولهذا حذف أي اعمدوا
~~للفقراء أو اجعلوا ما تنفقونه للفقراء أو صدقاتكم للفقراء، والجملة
~~استئناف مبني على السؤال، وجوز أن يكون الجار متعلقا بقوله تعالى:

# وما تنفقوا

# [البقرة: 272] وقوله سبحانه:

# وأنتم لا تظلمون

# [البقرة: 272] اعتراض أي وما تنفقوا للفقراء. { الذين أحصروا
~~فى سبيل الله } أي حبسهم الجهاد أو العمل في مرضاة الله تعالى يوف
~~إليكم ولا يخفى بعده { لا يستطيعون } لاشتغالهم بذلك { ضربا
~~في الأرض } أي مشيا فيها وذهابا للتكسب والتجارة وهم أهل الصفة رضي
~~الله تعالى عنهم، قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي  وكانوا نحوا من
~~ثلثمائة ويزيدون وينقصون من فقراء المهاجرين يسكنون سقيفة المسجد
~~يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والجهاد وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم، وعن سعيد بن جبير هم قوم أصابتهم الجراحات في
~~سبيل الله تعالى فصاروا زمنى فجعل لهم في أموال المسلمين/ حقا؛ ولعل
~~المقصود في الروايتين بيان بعض أفراد هذا المفهوم ودخوله فيه إذ ذاك
~~دخولا أوليا لا الحصر إذ هذا الحكم باق إلى يوم الدين.

# { يحسبهم } أي يظنهم { الجاهل } الذي لا خبرة له بحالهم. {
~~أغنياء من التعفف } أي من أجل تعففهم على المسألة  فمن 
~~للتعليل وأتى بها لفقد شرط من شروط النصب وهو اتحاد الفاعل، وقيل:
~~لابتداء الغاية والمعنى إن حسبان الجاهل غناهم نشأ من تعففهم، والتعفف
~~ترك الشيء والإعراض عنه ms01050 مع القدرة على تعاطيه، ومفعوله محذوف اختصارا
~~كما أشرنا إليه، وحال هذه الجملة كحال سابقتها.

# { تعرفهم بسيمهم } أي تعرف فقرهم واضطرارهم بالعلامة
~~الظاهرة عليهم كالتخشع والجهد ورثاثة الحال. أخرج أبو نعيم عن فضالة بن
~~عبيد قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى بالناس تخر رجال من
~~قيامهم في صلاتهم لما بهم من الخصاصة وهم أهل الصفة حتى يقول الأعراب إن
~~هؤلاء مجانين». وأخرج هو أيضا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
~~«كان من أهل الصفة سبعون رجلا ليس لواحد منهم رداء» والخطاب للرسول صلى
~~الله عليه وسلم أو لكل من له حظ من الخطاب مبالغة في بيان وضوح فقرهم،
~~ووزن  سيما  عفلا لأنها من الوسم بمعنى السمة نقلت الفاء إلى موضع
~~العين وقلبت ياءا لوقوعها بعد كسرة.

# { لا يسئلون الناس إلحافا } أي إلحاحا وهو أن يلازم
~~المسؤول حتى يعطيه من قولهم لحفني من فضل لحافه أي أعطاني من فضل ما
~~عنده، وقيل: سمي الإلحاح بذلك لأنه يغطي القلب كما يغطي اللحاف من تحته
~~ونصبه على المصدر فإنه كنوع من السؤال أو على الحال أي ملحفين، والمعنى
~~أنهم لا يسألون أصلا  وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه،
~~وإليه ذهب الفراء والزجاج وأكثر أرباب المعاني  وعليه يكون النفي
~~متوجها لأمرين على حد قول الأعشى:

# لا يغمز الساق من  أين ومن وصب 

# ولا يغص على  شرسوفة الصغر 

# واعترض بأن هذا إنما يحسن إذا كان القيد لازما للمقيد أو كاللازم حتى
~~يلزم من نفيه نفيه بطريق برهاني وماهنا ليس كذلك إذ الإلحاف ليس لازما
~~للسؤال ولا كلازمه، وأجيب بأن هذا مسلم إن لم يكن في الكلام ما يقتضيه
~~وهو كذلك هنا لأن التعفف حتى يظنوا أغنياء يقتضي عدم السؤال رأسا،
~~وأيضا { تعرفهم بسيمهم } مؤيد لذلك إذ لو سألوا لعرفوا
~~بالسؤال واستغنى عن العرفان  بالسيما  وقيل: المراد إنهم لا يسألون وإن
~~سألوا عن ضرورة لم يلحوا، ومن الناس من جعل المنصوب مفعولا مطلقا للنفي
~~أي يتركون السؤال ms01051 إلحاحا أي ملحين في الترك وهو كما ترى.

# { وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم }
~~فيجازيكم به وهو ترغيب في الإنفاق لا سيما على هؤلاء، أخرج البخاري ومسلم
~~عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان إنما
~~المسكين الذي يتعفف، واقرءوا إن شئتم { لا يسئلون الناس
~~إلحافا } "

# وتقديم الظرف مراعاة للفواصل أو إيماءا للمبالغة.

### || [2.274]

# { الذين ينفقون أمولهم بالليل والنهار سرا
~~وعلانية } أي يعممون الأوقات والأحوال بالخير والصدقة، فالمراد
~~بالليل والنهار جميع الأوقات كما أن المراد بما بعده جميع الأحوال، وقدم
~~الليل على النهار والسر على العلانية للإيذان بمزية الإخفاء على الإظهار،
~~وانتصاب (سرا وعلانية) على أنهما مصدران في موضع الحال أي مسرين/
~~ومعلنين، أو على أنهما حالان من ضمير الإنفاق على مذهب سيبويه، أو نعتان
~~لمصدر محذوف أي إنفاقا سرا، والباء بمعنى في، واختلف فيمن نزلت، فأخرج
~~عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في
~~علي كرم الله تعالى وجهه كانت له أربعة دراهم فأنفق بالليل درهما
~~وبالنهار درهما، وسرا درهما وعلانية درهما، وفي رواية الكلبي

# " فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على هذا؟ قال: حملني
~~أن استوجب على الله تعالى الذي وعدني فقال له رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: ألا إن ذلك لك "

# وأخرج ابن المنذر عن ابن المسيب أن الآية كلها في عثمان بن عفان وعبد
~~الرحمن بن عوف في نفقتهم في جيش العسرة، وأخرج عبد بن حميد وابن أبي
~~حاتم والواحدي من طريق حسن بن عبد الله الصنعاني أنه سمع ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما يقول في هذه الآية: { الذين ينفقون } الخ هم
~~الذين يعلفون الخيل في سبيل الله تعالى  وهو قول أبي أمامة وأبي
~~الدرداء ومكحول والأوزاعي ورباح بن يزيد  ولا يأبى ذلك ذكر السر
~~والعلانية كما لا يخفى، وقال بعضهم: إنها نزلت في أبي بكر الصديق ms01052 رضي
~~الله تعالى عنه تصدق بأربعين ألف دينار عشرة بالليل وعشرة بالنهار وعشرة
~~بالسر وعشرة بالعلانية، وتعقبه الإمام السيوطي  بأن حديث تصدقه بأربعين
~~ألف دينار رواه ابن عساكر في «تاريخه» عن عائشة رضي الله تعالى عنهما،
~~وخبر إن الآية نزلت فيه  لم أقف عليه وكأن من ادعى ذلك فهمه مما أخرجه
~~ابن المنذر عن ابن إسحق قال: لما قبض أبو بكر رضي الله تعالى عنه واستخلف
~~عمر خطب الناس فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها
~~الناس إن بعض الطمع فقر وإن بعض اليأس غنى وإنكم تجمعون مالا تأكلون
~~وتؤملون ما لا تدركون واعلموا أن بعضا من الشح شعبة من النفاق فأنفقوا
~~خيرا لأنفسكم فأين أصحاب هذه الآية وقرأ الآية الكريمة، وأنت تعلم أنها
~~لا دلالة فيها على المدعي { فلهم أجرهم } المخبوء لهم في خزائن
~~الفضل { عند ربهم } والفاء داخلة في حيز الموصول للدلالة على سببية
~~ما قبلها، وقيل: للعطف والخبر محذوف أي  ومنهم الذين  الخ، ولذلك جوز
~~الوقف على علانية { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }
~~تقدم تفسيره والإشارة في الآيات ظاهرة.

### || [2.275]

# { الذين يأكلون الربوا } أي يأخذونه فيعم سائر أنواع
~~الانتفاع والتعبير عنه بالأكل لأنه معظم ما قصد به، والربا في الأصل
~~الزيادة من قولهم: ربا الشيء يربو إذا زاد، وفي الشرع عبارة عن فضل مال
~~لا يقابله عوض في معاوضة مال بمال وإنما يكتب بالواو كالصلاة للتفخيم على
~~لغة من يفخم وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع فصار اللفظ به على طبق
~~المعنى في كون كل منهما مشتملا على زيادة غير مستحقة فأخذ لفظ الربا
~~الحرف الزائد وهو الألف بسبب اللفظ الذي يشابهه وهو واو الجمع حيث زيدت
~~فيه الألف كما يأخذ معنى لفظ الربا بمشابهته معنى لفظ البيع لاشتمال
~~المعنيين على معاوضة المال بالمال بالرضا  وإن كان أحد العوضين أزيد 
~~وقيل: الكتابة بالواو والألف لأن للفظ نصيبا منهما، وإنما لم تكتب
~~الصلاة والزكاة بهما لئلا يكون في مظنة الالتباس بالجمع، وقال الفراء: ms01053
~~إنهم تعلموا الخط من أهل الحيرة وهم نبط لغتهم  ربوا  بواو ساكنة فكتب
~~كذلك وهذا مذهب البصريين، وأجاز الكوفيون كتابته وكذا تثنيته بالياء لأجل
~~الكسرة التي في أوله، قال أبو البقاء: وهو خطأ عندنا

# { لا يقومون } أي يوم القيامة  وبه قرىء كما في «الدر المنثور». /
~~{ إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطن } أي إلا
~~قياما كقيام المتخبط المصروع في الدنيا  و  التخبط  تفعل بمعنى فعل
~~وأصله ضرب متوال على أنحاء مختلفة، ثم تجوز به عن كل ضرب غير محمود،
~~وقيام المرابي يوم القيامة كذلك مما نطقت به الآثار، فقد أخرج الطبراني
~~عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إياك الذنوب التي لا تغفر، الغلول فمن غل شيئا أتى به يوم القيامة،
~~وأكل الربا فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنونا يتخبط "

# ثم قرأ الآية، وهو مما لا يحيله العقل ولا يمنعه، ولعل الله تعالى جعل
~~ذلك علامة له يعرف بها يوم الجمع الأعظم عقوبة له كما جعل لبعض المطيعين
~~أمارة تليق به يعرف بها كرامة له، ويشهد لذلك  أن هذه الأمة  يبعثون
~~يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء  وإلى هذا ذهب ابن عباس، وابن
~~مسعود، وقتادة  واختاره الزجاج  وقال ابن عطية: المراد تشبيه المرابي
~~في حرصه وتحركه في اكتسابه في الدنيا بالمتخبط المصروع كما يقال لمن يسرع
~~بحركات مختلفة: قد جن، ولا يخفى أنه مصادمة لما عليه سلف الأمة، وروي عن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير داع سوى الاستبعاد الذي لا يعتبر في
~~مثل هذه المقامات.

# { من المس } أي الجنون يقال: مس الرجل فهو ممسوس إذا جن وأصله
~~اللمس باليد وسمي به لأن الشيطان قد يمس الرجل وأخلاطه مستعدة للفساد
~~فتفسد ويحدث الجنون، وهذا لا ينافي ما ذكره الأطباء من أن ذلك من غلبة
~~مرة السوداء لأن ما ذكروه سبب قريب  وما تشير إليه الآية سبب بعيد 
~~وليس بمطرد أيضا بل ولا منعكس فقد يحصل مس ولا يحصل جنون كما إذا كان ms01054
~~المزاج قويا وقد يحصل جنون ولم يحصل مس كما إذا فسد المزاج من دون عروض
~~أجنبي، والجنون الحاصل بالمس قد يقع أحيانا، وله عند أهل الحاذقين
~~أمارات يعرفونه بها، وقد يدخل في بعض الأجساد على بعض الكيفيات ريح متعفن
~~تعلقت به روح خبيثة تناسبه فيحدث الجنون أيضا على أتم وجه وربما استولى
~~ذلك البخار على الحواس وعطلها، واستقلت تلك الروح الخبيثة بالتصرف فتتكلم
~~وتبطش وتسعى بآلات ذلك الشخص الذي قامت به من غير شعور للشخص بشيء من ذلك
~~أصلا، وهذا كالمشاهد المحسوس الذي يكاد يعد منكره مكابرا منكرا
~~للمشاهدات.

# وقال المعتزلة والقفال من الشافعية: إن كون الصرع والجنون من الشيطان 
~~باطل لأنه لا يقدر على ذلك كما قال تعالى حكاية عنه:

# وما كان لى عليكم من سلطن

# [إبراهيم: 22] الآية و { ما } هنا وارد على ما يزعمه العرب ويعتقدونه
~~من أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع وأن الجني يمسه فيختلط عقله وليس لذلك
~~حقيقة  وليس بشيء بل هو من تخبط الشيطان بقائله ومن زعماته المردودة
~~بقواطع الشرع فقد ورد

# " ما من مولود يولد إلا يمسه الشيطان فيستهل صارخا "

# وفي بعض الطرق: «إلا طعن الشيطان في خاصرته» ومن ذلك يستهل صارخا إلا
~~مريم وابنها لقول أمها:

# وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطن الرجيم

# [آل عمران: 36] وقوله صلى الله عليه وسلم:

# " كفوا صبيانكم أول العشاء فإنه وقت انتشار الشياطين "

# وقد

# " ورد في حديث المفقود الذي اختطفته الشياطين وردته في زمنه عليه الصلاة
~~والسلام أنه حدث من شأنه معهم قال: «فجاءني طائر كأنه جمل قبعثري
~~فاحتملني على خافية من خوافيه "

# إلى غير ذلك من الآثار، وفي «لقط المرجان في أحكام الجان» كثير منها،
~~واعتقاد السلف وأهل السنة أن ما دلت عليه أمور حقيقية واقعة كما أخبر
~~الشرع عنها والتزام تأويلها كلها يستلزم خبطا طويلا لا يميل إليه إلا
~~المعتزلة ومن حذا حذوهم وبذلك ونحوه خرجوا عن قواعد الشرع القويم فاحذرهم
~~قاتلهم الله أنى يؤفكون، والآية التي ذكروها في معرض الاستدلال على
~~مدعاهم لا تدل عليه ms01055 إذ السلطان المنفي فيها إنما/ هو القهر والإلجاء إلى
~~متابعته لا التعرض للإيذاء والتصدي لما يحصل بسببه الهلاك، ومن تتبع
~~الأخبار النبوية وجد الكثير منها قاطعا بجواز وقوع ذلك من الشيطان بل
~~وقوعه بالفعل، وخبر «الطاعون من وخز أعدائكم الجن» صريح في ذلك، وقد حمله
~~بعض مشايخنا المتأخرين على نحو ما حملنا عليه مسألة التخبط والمس حيث
~~قال: إن الهواء إذا تعفن تعفنا مخصوصا مستعدا للخلط والتكوين تنفرز
~~منه وتنحاز أجزاء سمية باقية على هوائيتها أو منقلبة بأجزاء نارية محرقة
~~فيتعلق بها روح خبيثة تناسبها في الشرارة وذلك نوع من الجن فإنها على ما
~~عرف في الكلام أجسام حية لا ترى إما الغالب عليها الهوائية أو النارية
~~ولها أنواع عقلاء وغير عقلاء تتوالد وتتكون فإذا نزل واحد منها طبعا، أو
~~إرادة على شخص أو نفذ في منافذه، أو ضرب وطعن نفسه به يحصل فيه بحسب ما
~~في ذلك الشر من القوة السمية وما في الشخص من الاستعداد للتأثر منه كما
~~هو مقتضى الأسباب العادية في المسببات  ألم شديد مهلك غالبا مظهر
~~للدماميل والبثرات في الأكثر بسبب إفساده للمزاج المستعد، وبهذا يحصل
~~الجمع بين الأقوال في هذا الباب  وهو تحقيق حسن لم نجده لغيره كما لم
~~نجد ما حققناه في شأن المس  لأحد سوانا فليحفظ.

# والجار والمجرور متعلق بما قبله من الفعل المنفي بناءا  على أن ما قبل
~~(إلا) يعمل فيما بعدها إذا كان ظرفا كما في «الدر المصون» أي لا يقومون
~~من جهة المس الذي بهم بسبب  أكلهم الربا  أو  بيقوم  أو  بيتخبطه .

# { ذلك } إشارة إلى الأكل أو إلى ما نزل بهم من العذاب { بأنهم
~~قالوا إنما البيع مثل الربوا } أرادوا نظمهما في سلك
~~واحد لإفضائهما إلى الربح فحيث حل بيع ما قيمته درهم بدرهمين حل بيع درهم
~~بدرهمين إلا أنهم جعلوا الربا أصلا في الحل وشبهوا البيع به روما
~~للمبالغة كما في قوله:

# ومهمه مغبرة أرجاؤه

# كأن (لون أرضه سماؤه)

# وقيل: يجوز أن يكون التشبيه غير مقلوب بناءا على ms01056 ما فهموه أن البيع
~~إنما حل لأجل الكسب والفائدة وذلك في الربا متحقق وفي غيره موهوم.

# { وأحل الله البيع وحرم الربوا } جملة مستأنفة من
~~الله تعالى ردا عليهم وإنكارا لتسويتهم، وحاصله أن ما ذكرتم قياس فاسد
~~الوضع لأنه معارض للنص فهو من عمل الشيطان على أن بين البابين فرقا، وهو
~~أن من باع ثوبا يساوي درهما بدرهمين فقد جعل الثوب مقابلا لدرهمين فلا
~~شيء منهما إلا وهو في مقابلة شيء من الثوب، وأما إذا باع درهما بدرهمين
~~فقد أخذ الدرهم الزائد بغير عوض ولا يمكن جعل الإمهال عوضا إذ الإمهال
~~ليس بمال حتى يكون في مقابلة المال، وقيل: الفرق بينهما أن أحد الدرهمين
~~في الثاني ضائع حتما وفي الأول منجبر بمساس الحاجة إلى السلعة أو بتوقع
~~رواجها، وجوز أن تكون الجملة من تتمة كلام الكفار إنكارا للشريعة وردا
~~لها أي مثل هذا من الفرق بين المتماثلات لا يكون عند الله تعالى فهي
~~حينئذ حالية، وفيها  قد  مقدرة ولا يخفى أنه من البعد بمكان، والظاهر
~~عموم البيع والربا في كل بيع وفي كل ربا إلا ما خصه الدليل من تحريم بعض
~~البيوع وإحلال بعض الربا، وقيل: هما مجملان فلا يقدم على تحليل بيع ولا
~~تحريم ربا إلا ببيان، ويؤيده ما أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن جرير
~~عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: من آخر ما أنزل آية الربا
~~وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها لنا فدعوا الربا
~~والريبة.

# { فمن جاءه موعظة } أي فمن بلغه وعظ وزجر كالنهي عن الربا
~~واستحلاله، و (من) / شرطية أو موصولة، و { موعظة } فاعل جاء وسقطت
~~التاء للفصل وكون التأنيث مجازيا مع ما في الموعظة معنى من التذكير،
~~وقرأ أبي والحسن (جاءته) بإلحاق التاء { من ربه } متعلق بجاءه أو
~~بمحذوف وقع صفة لموعظة وعلى التقديرين فيه تعظيم لشأنها وفي ذكر الرب
~~تأنيس لقبول الموعظة إذ فيه إشعار بإصلاح عبده و (من) لابتداء الغاية أو
~~للتبعيض وحذف المضاف ms01057 { فانتهى } عطف على { جاءه } أي فاتعظ بلا
~~تراخ وتبع النهي { فله ما سلف } أي ما تقدم أخذه قبل التحريم لا
~~يسترد منه، وهذا هو المروي عن الباقر، وسعيد بن جبير، وقيل: المراد لا
~~مؤاخذة عليه في الدنيا ولا في الآخرة فيما تقدم له أخذه من الربا قبل،
~~والفاء إما للجواب أو صلة في الخبر، و { ما } في موضع الرفع بالظرف إن
~~جعلت (من) موصولة، وبالابتداء إن جعلت شرطية على رأي من يشترط الاعتماد،
~~وكون المرفوع اسم حدث، ومن لا يشترطهما يجوز كونه فاعل الظرف {
~~وأمره } أي المنتهى بعد التحريم { إلى الله } إن شاء عصمه من
~~الربا فلم يفعل وإن شاء لم يفعل، وقيل: المراد إنه يجازيه على انتهائه إن
~~كان عن قبول الموعظة وصدق النية أو يحكم في شأنه يوم القيامة بما شاء لا
~~اعتراض لكم عليه. ومن الناس من جعل الضمير المجرور لما سلف أو للربا
~~وكلاهما خلاف الظاهر.

# { ومن عاد } أي رجع إلى ما سلف ذكره من فعل الربا واعتقاد جوازه
~~والاحتجاج عليه بقياسه على البيع { فأولئك } إشارة إلى  من عاد 
~~والجمع باعتبار المعنى { أصحب النار } أي ملازموها { هم
~~فيها خلدون } أي ماكثون أبدا لكفرهم، والجملة مقررة لما قبلها؛
~~وجعل الزمخشري متعلق  عاد  الربا فاستدل بالآية على تخليد مرتكب
~~الكبيرة وعلى ما ذكرنا  وهو التفسير المأثور  لا يبقى للاستدلال بها
~~مساغ، واعترض بأن الخلود لو جعل جزاءا للاستحلال بقي جزاء مرتكب الفعل
~~من غير استحلال غير مذكور في الكلام أصلا لا عبارة ولا إشارة مع أنه
~~المقصود الأهم بخلاف ما لو جعل ذلك جزاء أصل الفعل فإن المقصود يكون
~~مذكورا صريحا مع إفادته جزاء الاستحلال وأنه أمر فوق الخلود، وأجيب بأن
~~ما يكفر مستحله لا يكون إلا من كبائر المحرمات وجزاؤها معلوم ولذا لم
~~ينبه عليه لظهوره، وقال بعض المحققين في الجواب: إن جعل ذلك إشارة إلى
~~الأكل كان الجزاء القيام المذكور من القبور إلى الموقف وكفى به نكالا،
~~ثم أخبر أن حاملهم على الأكل كان هذا القول ms01058 فأشعر الوصف أولا أن الوعيد
~~به ثم ذكر موجب اجترائهم فدل على أنه وعيد كل آكل سواء كان حامله عليه
~~ذلك القول أو لا.

# وأما قوله سبحانه: { فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى }
~~وقوله تعالى: { فمن عاد } فهو في القائل المعتقد وإن جعل إشارة إلى
~~القيام المذكور فالجزاء ما يفهم من ضم الفعل إلى القول فإنه لو لم يكن له
~~مدخل في التعذيب لم يحسن في معرض الوعيد، والقول بأن المتعلق الربا
~~والآية محمولة على التغليظ خلاف الظاهر فتدبر.

### || [2.276]

# { يمحق الله الربوا } أي يذهب بركته ويهلك المال الذي يدخل
~~فيه، أخرج أحمد، وابن ماجه، وابن جريج، والحاكم وصححه عن ابن مسعود عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " إن الربا وإن كثر فعاقبته تصير إلى قل "

# وأخرج عبد الرزاق عن معمر قال: سمعنا أنه لا يأتي على صاحب الربا أربعون
~~سنة حتى يمحق، ولعل هذا مخرج مخرج الغالب، وعن الضحاك أن هذا المحق في
~~الآخرة بأن يبطل ما يكون منه مما يتوقع نفعه فلا يبقى/ لأهله منه شيء {
~~ويربى الصدقت } يزيدها ويضاعف ثوابها ويكثر المال الذي أخرجت
~~منه الصدقة. أخرج البخاري، ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب  ولا يقبل الله تعالى إلا طيبا  فإن
~~الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل
~~الجبل "

# وأخرج الشافعي، وأحمد مثل ذلك، والنكتة في الآية أن المربي إنما يطلب
~~في الربا زيادة في المال ومانع الصدقة إنما يمنعها لطلب زيادة المال،
~~فبين سبحانه أن الربا سبب النقصان دون النماء وأن الصدقة سبب النماء دون
~~النقصان  كذا قيل  وجعلوه وجها لتعقيب آيات الإنفاق بآية الربا.

# { والله لا يحب } لا يرتضي { كل كفار } متمسك بالكفر
~~مقيم عليه معتاد له { أثيم } منهمك في ارتكابه والآية لعموم السلب لا
~~لسلب العموم إذ لا فرق بين واحد وواحد، واختيار صيغة المبالغة للتنبيه
~~على فظاعة آكل الربا ومستحله، وقد ورد في ms01059 شأن الربا وحده ما ورد فكيف
~~حاله مع الاستحلال؟ أعاذنا الله تعالى من ذلك. فقد أخرج الطبراني
~~والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " درهم ربا أشد على الله تعالى من ست وثلاثين زنية "

# وقال:

# " من نبت لحمه من سحت فالنار أولى به "

# وأخرج ابن ماجه وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " إن الربا سبعون بابا أدناها مثل أن يقع الرجل على أمه وإن أربى الربا
~~استطالة المرء في عرض أخيه "

# وأخرج جميل بن دراج عن الإمامية عن أبي عبد الله الحسين رضي الله تعالى
~~عنه قال: «درهم ربا أعظم عند الله تعالى من سبعين زنية كلها بذات محرم في
~~بيت الله الحرام». وأخرج عبد الرزاق وغيره عن علي كرم الله تعالى وجهه
~~أنه قال:

# " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الربا خمسة آكله وموكله وشاهديه
~~وكاتبه ".

### || [2.277]

# { إن الذين ءامنوا } بما وجب الإيمان به { وعملوا }
~~الأعمال { الصلحت } على الوجه الذي أمروا به { وأقاموا
~~الصلوة وءاتوا الزكوة } تخصيصهما بالذكر مع اندراجهما في
~~الأعمال للتنبيه على عظم فضلهما، فإن الأولى: أعظم الأعمال البدنية
~~والثانية: أفضل الأعمال المالية { لهم أجرهم } الموعود لهم حال
~~كونه { عند ربهم } وفي التعبير بذلك مزيد لطف وتشريف { ولا
~~خوف عليهم ولا هم يحزنون } لوفور حظهم.

### || [2.278]

# { يأيها الذين ءامنوا } في الظاهر { اتقوا الله }
~~أي قوا أنفسكم عقابه { وذروا } أي اتركوا { ما بقى من
~~الربوا } لكم عند الناس { إن كنتم مؤمنين } عن صميم القلب
~~فإن دليله امتثال ما أمرتم به وهو شرط حذف جوابه ثقة بما قبله، و { من
~~} تبعيضية متعلقة بمحذوف وقع حالا من فاعل { بقي } ، وقيل: متعلقة 
~~ببقي  وقرأ الحسن  بقى  بقلب الياء ألفا على لغة طي، والآية كما قال
~~السدي: نزلت في العباس رضي الله تعالى عنه ابن عبد المطلب ورجل من بني
~~المغيرة كانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى ناس من ثقيف من بني
~~عمرة وهم ms01060 بنو عمرو بن عمير فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة من الربا
~~فتركوها حين نزلت. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: نزلت هذه الآية في
~~بني عمرو بن عمير بن عوف الثقفي، ومسعود بن عمرو بن عبد ياليل بن عمرو،
~~وربيعة بن عمرو، وحبيب بن عمير وكلهم أخوة وهم الطالبون، والمطلوبون/ بنو
~~المغيرة من بني مخزوم وكانوا يداينون بني المغيرة في الجاهلية بالربا
~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم صالح ثقيفا فطلبوا رباهم إلى بني
~~المغيرة وكان مالا عظيما فقال بنو المغيرة: والله لا نعطي الربا في
~~الإسلام وقد وضعه الله تعالى ورسوله عن المسلمين فعرفوا شأنهم معاذ بن
~~جبل  ويقال  عتاب بن أسيد فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
~~بني عمرو بن عمير يطلبون رباهم عند بني المغيرة فأنزل الله تعالى: {
~~يأيها الذين ءامنوا } الخ، فكتب رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم إلى معاذ بن جبل أن أعرض عليهم هذه الآية فإن فعلوا فلهم رؤوس
~~أموالهم وإن أبوا فآذنهم بحرب من الله تعالى ورسوله وذلك قوله تعالى: {
~~فإن لم تفعلوا }.

### || [2.279]

# { فإن لم تفعلوا } أي ما أمرتم به من الاتقاء وترك البقايا
~~إما مع إنكار حرمته وإما مع الاعتراف { فأذنوا } أي فأيقنوا  وبذلك
~~قرأ الحسن  وهو التفسير المأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما {
~~بحرب من الله ورسوله } وهو كحرب المرتدين على الأول وكحرب
~~البغاة على الثاني، وقيل: لا حرب حقيقة وإنما هو تهديد وتخويف  وجمهور
~~المفسرين على الأول  وقرأ حمزة وعاصم في رواية ابن عياش (فآذنوا) بالمد
~~أي فأعلموا بها أنفسكم أو بعضكم بعضا أو غيركم، وهذا مستلزم لعلمهم
~~بالحرب على أتم وجه وتنكير  حرب  للتعظيم، ولذا لم يقل بحرب الله تعالى
~~بالإضافة، أخرج أبو يعلى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها لما نزلت
~~قال: ثقيف لا يدي لنا بحرب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

# { وإن تبتم } عما يوجب الحرب { فلكم رءوس أمولكم }
~~تأخذونها لا غير { لا تظلمون } غرماءكم بأخذ ms01061 الزيادة { ولا
~~تظلمون } أنتم من قبلهم بالنقص من رأس المال أو به وبنحو المطل،
~~وقرأ المفضل عن عاصم  لا تظلمون  الأول بالبناء للمفعول والثاني
~~بالبناء للفاعل على عكس القراءة الأولى، والجملة إما مستأنفة  وهو
~~الظاهر  وإما في محل نصب على الحال من الضمير في (لكم) والعامل ما تضمنه
~~الجار من الاستقرار لوقوعه خبرا  وهو رأي الأخفش  ومن ضرورة تعليق هذا
~~الحكم بتوبتهم عدم ثبوته عند عدمها لأن عدمها إن كان مع إنكار الحرمة فهم
~~المرتدون وما لهم المكسوب في حال الردة فيء للمسلمين عند الإمام أبي
~~حنيفة رضي الله تعالى عنه، وكذا سائر أموالهم عند الشافعي رضي الله تعالى
~~عنه، وعندنا هو لورثتهم ولا شيء لهم على كل حال وإن كان مع الاعتراف فإن
~~كان لهم شوكة فهم على شرف القتل لم يكد تسلم لهم رؤوسهم فكيف برؤوس
~~أموالهم وإلا فكذلك عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرج ابن
~~جرير عنه أنه قال: من كان مقيما على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام
~~المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلا ضرب عنقه، ومثله عن الصادق رضي الله
~~تعالى عنه، وأما عند غيرهما فهم محبوسون إلى أن تظهر توبتهم ولا يمكنون
~~من التصرفات رأسا فما لم يتوبوا لم يسلم لهم شيء من أموالهم بل إنما
~~يسلم بموتهم لورثتهم، قال المولى أبو السعود، وغيره: واستدل بالآية على
~~أن الممتنع عن أداء الدين مع القدرة ظالم يعاقب بالحبس وغيره وقد فصل ذلك
~~الفقهاء أتم تفصيل.

### || [2.280]

# { وإن كان ذو عسرة } أي إن وقع المطلوب  ذا إعسار لضيق حال من
~~جهة عدم المال على  إن  كان تامة، وجوز بعض الكوفيين أن تكون ناقصة، و
~~{ ذو } اسمها والخبر محذوف أي  وإن كان ذو عسرة لكم عليه حق أو غريما
~~أو من غرمائكم. وقرأ عثمان رضي الله تعالى عنه (ذا عسرة). وقرىء  ومن
~~كان ذا عسرة  وعلى القراءتين { كان } ناقصة واسمها ضمير مستكن فيها
~~يعود للغريم وإن لم يذكر، والآية نزلت  كما قال الكلبي: ms01062 حين قالت بنو
~~المغيرة لبني عمرو / بن عمير: نحن اليوم أهل عسرة فأخرونا إلى أن تدرك
~~الثمرة فأبوا أن يؤخروهم { فنظرة } الفاء جواب الشرط  ونظرة 
~~مبتدأ خبره محذوف أي فعليكم نظرة أو فاعل بفعل مضمر أي فتجب نظرة، وقيل:
~~خبر مبتدأ محذوف أي  فالأمر، أو فالواجب نظرة، والنظرة كالنظرة  بسكون
~~الظاء الانتظار، والمراد به الإمهال والتأخير، وقرأ عطاء (فناظره) بإضافة
~~ناظر إلى ضمير { ذو عسرة } أي فالمستحق ناظره أي منتظره وممهله
~~وصاحب نظرته على طريق  لابن، وتامر  وعنه أيضا  فناظره  أمرا من
~~المفاعلة أي فسامحه بالنظرة { إلى ميسرة } أي إلى وقت أو وجود
~~يسار، وقرأ حمزة ونافع  ميسرة  بضم السين وهما لغتان كمشرقة ومشرقة،
~~وقرىء بهما مضافين بحذف التاء وإقامة الإضافة مقامها فاندفع ما أورد على
~~هذه القراءة بأن مفعلا بالضم معدوم أو شاذ وحاصله أنها مفعلة لا مفعل،
~~وأجيب أيضا بأنه معدوم في الآحاد وهذا جمع ميسرة  كما قيل في مكرم 
~~جمع مكرمة، وقيل: أصله ميسورة فخففت بحذف الواو بدلالة الضمة عليها.

# { وأن تصدقوا } بحذف إحدى التاءين، وقرىء بتشديد الصاد على أن
~~أصله تتصدقوا فقلبت التاء الثانية صادا وأدغمت أي وتصدقكم على معسري
~~غرمائكم برؤوس أموالكم كلا أو بعضا { خير لكم } أي أكثر ثوابا
~~من الإنظار، أو خير مما تأخذونه لنفاد ذلك وبقاء هذا. أخرج ابن المنذر عن
~~الضحاك قال: النظرة واجبة وخير الله تعالى الصدقة على النظرة، وقيل:
~~المراد بالتصدق الإنظار لما أخرج أحمد عن عمران بن الحصين قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم:

# " من كان له على رجل حق فأخره كان له بكل يوم صدقة "

# وضعفه الإمام مع مخالفته للمأثور بأن وجوب الإنظار ثبت بالآية الأولى
~~فلا بد من حمل هذه الآية على فائدة زائدة وبأن قوله سبحانه: { خير
~~لكم } لا يليق بالواجب بل بالمندوب.

# واستدل بإطلاق الآية من قال بوجوب إنظار المعسر مطلقا سواء كان الدين
~~دين ربا أم لا وهو الذي ذهب إليه ابن عباس رضي الله تعالى عنه والحسن
~~والضحاك وأئمة أهل ms01063 البيت، وذهب شريح وإبراهيم النخعي وابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما في رواية عنه إلى أنه لا يجب إلا في دين الربا خاصة وتأولوا
~~الآية على ذلك. { إن كنتم تعلمون } جواب { إن } محذوف  أي إن
~~كنتم تعلمون أنه خير لكم عملتموه  وفيه تحريض على الفعل.

### || [2.281]

# { واتقوا يوما } وهو يوم القيامة أو يوم الموت وتنكيره للتفخيم
~~كما أن تعليق الاتقاء به للمبالغة في التحذير عما فيه من الشدائد التي
~~تجعل الولدان شيبا { ترجعون فيه } على البناء للمفعول من الرجع،
~~وقرىء على البناء للفاعل من الرجوع والأول أدخل كما قيل: في التهويل،
~~وقرىء  يرجعون  على طريق الالتفات، وقرأ أبي  تصيرون  وعبد الله 
~~تردون  { إلى الله } أي حكمه وفصله { ثم توفى } أي تعطى
~~كملا { كل نفس } كسبت خيرا أو شرا { ما كسبت } أي جزاء
~~ذلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر، والكسب العمل كيف كان كما نطقت به اللغة
~~ودلت عليه الآثار، وكسب الأشعري لا يشعر به سوى الأشاعرة { وهم لا
~~يظلمون } جملة حالية من { كل نفس } وجمع باعتبار المعنى،
~~وأعاد الضمير أولا مفردا اعتبارا باللفظ، وقدم اعتبار اللفظ لأنه
~~الأصل ولأن اعتبار المعنى وقع رأس فاصلة فكان تأخيره أحسن، ولك أن تقول:
~~إن الجمع أنسب بما يكون في يومه كما أن الإفراد أولى فيما إذا كان قبله.

# أخرج غير واحد من غير طريق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن آية {
~~واتقوا يوما } الخ آخر/ ما نزل من القرآن، واختلف في مدة بقائه
~~بعدها عليه الصلاة والسلام فقيل: تسع ليال، وقيل: سبعة أيام، وقيل: ثلاث
~~ساعات، وقيل: أحدا وعشرين يوما، وقيل: أحدا وثمانين يوما ثم مات 
~~بنفسي هو  حيا وميتا صلى الله عليه وسلم. روي أنه قال:

# " اجعلوها بين آية الربا وآية الدين "

# ، وفي رواية أخرى أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " جاءني جبرائيل فقال: اجعلوها على رأس مائتين وثمانين آية من البقرة "

# ولا يعارض الرواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في أن هذه آخر آية
~~نزلت ما ms01064 أخرجه البخاري، وأبو عبيد، وابن جرير، والبيهقي من طريق الشعبي
~~عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: آخر آية أنزلها الله تعالى على رسوله
~~صلى الله عليه وسلم آية الربا، ومثله ما أخرجه البيهقي من طريق ابن
~~المسيب عن عمر بن الخطاب  كما قاله محمد بن مسلمة فيما نقله عنه علي بن
~~أحمد الكرباسي  أن المراد من هذا أن آخر ما نزل من الآيات في البيوع آية
~~الربا، أو أن المراد إن ذلك من آخر ما نزل كما يصرح به ما أخرجه الإمام
~~أحمد، ولما أمر سبحانه بإنظار المعسر وتأجيله عقبه ببيان أحكام الحقوق
~~المؤاجلة وعقود المداينة فقال عز من قائل: { يأيها الذين
~~ءامنوا }.

### || [2.282]

# { يأيها الذين ءامنوا } بالله تعالى وبما جاء منه { إذا
~~تداينتم } أي تعاملتم وداين بعضكم بعضا { بدين } فائدة ذكره
~~تخليص المشترك ودفع الإيهام نصرا لأن (تداينتم) يجيء بمعنى تعاملتم
~~بدين، وبمعنى تجازيتم، ولا يرد عليه أن السياق يرفعه لأن الكلام في
~~النصوصية على أن السياق قد لا يتنبه له إلا الفطن، وقيل: ذكر ليرجع إليه
~~الضمير إذ لولاه لقيل: فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن عند ذي
~~الذوق العارف بأساليب الكلام، واعترض بأن التداين يدل عليه فيكون من باب

# اعدلوا هو أقرب

# [المائدة: 8] وأجيب بأن الدين لا يراد به المصدر بل هو أحد العوضين ولا
~~دلالة للتداين عليه إلا من حيث السياق ولا يكتفي به في معرض البيان لا
~~سيما وهو ملبس، وقيل: ذكر لأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل، وحال لما في
~~التنكير من الشيوع والتبعيض لما خص بالغاية ولو لم يذكر لاحتمل أن الدين
~~لا يكون إلا كذلك { إلى أجل } أي وقت وهو متعلق بتداينتم، ويجوز أن
~~يكون صفة للدين أي مؤخر أو مؤجل إلى أجل { مسمى } بالأيام أو
~~الأشهر، أو نظائرهما مما يفيد العلم ويرفع الجهالة لا بنحو الحصاد لئلا
~~يعود على موضوعه بالنقض { فاكتبوه } أي الدين بأجله لأنه أرفق
~~وأوثق؛ والجمهور على استحبابه لقوله سبحانه: { فإن أمن بعضكم
~~بعضا } والآية عند ms01065 بعض ظاهرة في أن كل دين حكمه ذلك، وابن عباس يخص
~~الدين بالسلم فقد أخرج البخاري عنه أنه قال: أشهد أن السلف المضمون إلى
~~أجل مسمى أن الله تعالى أجله وأذن فيه  ثم قرأ الآية  واستدل الإمام
~~مالك بها على جواز تأجيل القرض.

# { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } بيان لكيفية الكتابة
~~المأمور بها وتعيين من يتولاها إثر الأمر بها إجمالا، ومفعول  يكتب 
~~محذوف ثقة بانفهامه أو للقصد إلى إيقاع نفس الفعل والتقييد بالظرف
~~للإيذان بأنه ينبغي للكاتب أن لا ينفرد به أحد المتعاملين دفعا للتهمة
~~والجار متعلق بمحذوف وقع صفة للكاتب  أي ليكن الكاتب من شأنه التسوية
~~وعدم الميل إلى أحد الجانبين بزيادة أو نقص  ويجوز أن يكون ظرفا لغوا
~~متعلقا  بكاتب  أو بفعله، والمراد أمر المتداينين على طريق الكناية
~~بكتابة عدل فقيه دين حتى يكون ما يكتبه موثوقا به متفقا عليه بين أهل
~~العلم، فالكلام  كما قال الطيبي  مسوق لمعنى، ومدمج فيه آخر بإشارة
~~النص  وهو اشتراط الفقاهة في الكاتب لأنه لا يقدر على التسوية في
~~الأمور/ الخطرة إلا من كان فقيها  ولهذا استدل بعضهم بالآية على أنه لا
~~يكتب الوثائق إلا عارف بها عدل مأمون، ومن لم يكن كذلك يجب على الإمام أو
~~نائبه منعه لئلا يقع الفساد ويكثر النزاع والله لا يحسب المفسدين.

# { ولا يأب كاتب } أي لا يمتنع أحد من الكتاب الموصوفين بما ذكر
~~{ أن يكتب } بين المتداينين كتاب الدين { كما علمه الله }
~~أي لأجل ما علمه الله تعالى من كتابة الوثائق وتفضل به عليه وهو متعلق 
~~بيكتب  والكلام على حد 

# وأحسن كمآ أحسن الله إليك

# تعالى

# إليك

# [القصص: 77]  أي  لا يأب أن يتفضل على الناس بكتابته لأجل أن الله
~~تعالى تفضل عليه وميزه  ويجوز أن يتعلق الكاف  بأن يكتب  على أنه نعت
~~لمصدر محذوف أو حال من ضمير المصدر على رأي سيبويه، والتقدير أن يكتب
~~كتابة مثل ما علمه الله تعالى أو أن يكتبه أي الكتب مثل ما علمه الله
~~تعالى وبينه له بقوله سبحانه: { بالعدل ms01066 } وجوز أن يتعلق بقوله
~~تعالى: { فليكتب } والفاء غير مانعة كما في

# وربك فكبر

# [المدثر: 3] لأنها صلة في المعنى، والأمر بالكتابة بعد النهي عن الأداء
~~منها على الأول للتأكيد، واحتيج إليه لأن النهي عن الشيء ليس أمرا بضده
~~صريحا على الأصح فأكده بذكره صريحا اعتناءا بشأن الكتابة، ومن هذا ذهب
~~بعضهم إلى أن الأمر للوجوب ومن فروض الكفاية ولكن الأمر لما كان لنا لا
~~علينا صرف عن ذلك لئلا يعود ما تقدم في مسألة جهالة الأجل، وأما على
~~الوجه الثاني: فلا تأكيد وإنما هو أمر بالكتابة المقيدة بعد النهي عن
~~الامتناع من المطلقة وهذا لا يفيد التأكيد لأن النهي عن الامتناع عن
~~المطلق لا يدل على الأمر بالمقيد ليكون ذكره بعده تأكيدا، وادعاه بعضهم
~~لأنه إذا كان الامتناع عن مطلق الكتابة منهيا فلأن يكون الامتناع عن
~~الكتابة الشرعية منهيا بطريق الأولى، والنهي عن الامتناع عن الكتابة
~~الشرعية أمر بها فيكون الأمر بالكتابة - الشرعية صريحا للتوكيد، وأيضا
~~إذا ورد مطلق ومقيد والحادثة واحدة يحمل المطلق على المقيد سواء تقدم
~~المطلق أو تأخر فكما حمل الأمر بمطلق الكتابة في الوجه الأول على الكتابة
~~المقيدة ليفيد التأكيد، فلم لم يحمل النهي عن الامتناع عن مطلق الكتابة
~~على الكتابة المقيدة للتأكيد، وهل التفرقة بين الأمرين إلا تحكم بحت كما
~~لا يخفى؟! و(ما) قيل: إما مصدرية أو كافة  وجوز أن تكون موصولة أو
~~موصوفة  وعليهما فالضمير لها، وعلى الأولين للكاتب؛ وقدر بعضهم على كل
~~تقدير المفعول الثاني لعلم كتابة الوثائق فافهم.

# { وليملل } من الإملال بمعنى الإلقاء على الكاتب ما يكتبه وفعله
~~أمللت، وقد يبدل أحد المضاعفين ياءا ويتبعه المصدر فيه وتبدل همزة
~~لتطرفها بعد ألف زائدة فيقال: إملاءا فهو والإملال بمعنى، أي: وليكن
~~الملقى على الكاتب ما يكتبه من الدين { الذى عليه الحق }  وهو
~~المطلوب لأنه المشهود عليه فلا بد أن يكون هو المقر لا غيره وانفهام
~~الحصر من تعليق الحكم بالوصف فإن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية
~~والأصل عدم علة أخرى { وليتق } أي الذي ms01067 عليه الحق { الله
~~ربه } جمع بين الاسم الجليل والوصف الجميل مبالغة في الحث على التقوى
~~بذكر ما يشعر بالجلال والجمال { ولا يبخس } أي لا ينقص { منه }
~~أي من الحق الذي يمليه على الكاتب { شيئا } وإن كان حقيرا، وقرىء
~~(شيا) بطرح الهمزة (وشيا) بالتشديد.

# وهذا هو التفسير المأثور عن سعيد بن جبير، وقيل: يجوز أن يرجع ضمير 
~~يتق  للكاتب وليس بشيء لأن ضمير (يبخس) لمن عليه الحق إذ هو الذي يتوقع
~~منه البخس خاصة، وأما الكاتب فيتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه النقص فلو
~~أريد نهيه لنهى/ عن كليهما، وقد فعل ذلك حيث أمر بالعدل وإرجاع كل منهما
~~لكل منهما تفكيك لا يدل عليه دليل، وإنما شدد في تكليف المملي حيث جمع
~~فيه بين الأمر بالاتقاء والنهي عن البخس لما فيه من الدواعي إلى المنهي
~~عنه فإن الإنسان مجبول على دفع الضرر عنه ما أمكن، وفي { منه } وجهان:
~~أحدهما: أن يكون متعلقا بيبخس و  من  لابتداء الغاية، وثانيهما: أن
~~يكون متعلقا بمحذوف لأنه في الأصل صفة للنكرة فلما قدمت عليه نصبت
~~حالا، و { شيئا } إما مفعول به وإما مصدر.

# { فإن كان الذى عليه الحق } صرح بذلك في موضع الإضمار
~~لزيادة الكشف لا لأن الأمر والنهي لغيره، وعليه متعلق بمحذوف أي وجب و
~~(الحق) فاعل، وجوز أن يكون { عليه } خبرا مقدما و { الحق }
~~مبتدءا مؤخرا فتكون الجملة اسمية، وعلى التقديرين لا محل لها من
~~الإعراب لأنها صلة الموصول { سفيها } أي عاجزا أحمق قاله ابن زيد، أو
~~جاهلا بالإملال قاله مجاهد، أو مبذرا لماله ومفسدا لدينه قاله الشافعي
~~{ أو ضعيفا } أي صبيا، أو شيخا خرفا { أو لا يستطيع أن
~~يمل هو } جملة معطوفة على مفرد هو خبر (كان) لتأويلها بالمفرد أي 
~~أو غير مستطيع للإملاء بنفسه لخرس  كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أو لما هو أعم منه ومن الجهل باللغة وسائر العوارض المانعة،
~~والضمير البارز توكيد للضمير المستتر في  أن يمل  وفائدة التوكيد به
~~رفع المجاز الذي كان يحتمله ms01068 إسناد الفعل إلى الضمير والتنصيص على أنه غير
~~مستطيع بنفسه، وقيل: إن الضمير فاعل  ليمل  وتغيير الأسلوب اعتناءا
~~بشأن النفي، ولا يخفى حسن الإدغام هنا والفك فيما تقدم، ومثله الفك في
~~قوله تعالى: { فليملل وليه } أي متولي أمره وإن لم يكن خصوص
~~الولي الشرعي فيشمل القيم والوكيل والمترجم، والإقرار عن الغير في مثل
~~هذه الصورة مقبول وفرق بينه وبين الإقرار على الغير فاعرفه { بالعدل
~~} بين صاحب الحق والمولى عليه فلا يزيد ولا ينقص ولم يكلف بعين ما كلف به
~~من غير الحق لأنه يتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه البخس.

# واستدل بعضهم  بالآية على أنه لا يجوز أن يكون الوصي ذميا ولا فاسقا
~~وأنه يجوز أن يكون عبدا أو امرأة لأنه لم يشترط في الأولياء إلا العدالة
~~ذكره ابن الفرس  وليس بشيء كما لا يخفى. ومن الناس من استدل بقوله
~~سبحانه: { فليكتب }  { ولا يأب } على وجوب الكتابة، وإلى ذلك
~~ذهب الشعبي والجبائي والرماني إلا أنهم قالوا: إنها واجبة على الكفاية 
~~وإليه يميل كلام الحسن  وقال مجاهد والضحاك: واجب عليه أن يكتب إذا أمر،
~~وقيل: هي مندوبة، وروي عن الضحاك أنها كانت واجبة ثم نسخ ذلك.

# { واستشهدوا شهيدين } أي اطلبوهما ليتحملا الشهادة على ما
~~جرى بينكما، وجوز أن تكون السين والتاء زائدتين أي اشهدوا؛ وفي اختيار
~~صيغة المبالغة إيماء إلى طلب من تكررت منه الشهادة فهو عالم بموقعها
~~مقتدر على أدائها وكأن فيه رمزا إلى العدالة لأنه لا يتكرر ذلك من الشخص
~~عند الحكام إلا وهو مقبول عندهم ولعله لم يقل رجلين لذلك، والأمر للندب
~~أو للوجوب على الخلاف في ذلك { من رجالكم } متعلق باستشهدوا  و {
~~من } لابتداء الغاية أو بمحذوف على أنه صفة لشهيدين، و { من }
~~تبعيضية والخطاب للمؤمنين المصدر بهم الآية، وفي ذكر الرجال مضافا إلى
~~ضمير المخاطبين دلالة على اشتراط الإسلام والبلوغ والذكورة في الشاهدين
~~والحرية لأن المتبادر من الرجال الكاملون والأرقاء بمنزلة البهائم،
~~وأيضا خطابات الشرع لا تنتظم العبيد بطريق العبارة كما بين في محله،
~~وذهب الإمامية ms01069 إلى عدم اشتراط الحرية في قبول الشهادة وإنما/ الشرط فيه
~~عندهم الإسلام والعدالة، وإلى ذلك ذهب شريح وابن سيرين وأبو ثور وعثمان
~~البتي وهو خلاف المروي عن علي كرم الله تعالى وجهه  فإنه لم يجوز شهادة
~~العبد في شيء ولم تتعرض الآية لشهادة الكفار بعضهم على بعض، وأجاز ذلك
~~قياسا الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وإن اختلفت مللهم.

# { فإن لم يكونا } أي الشهيدان { رجلين } أي لم يقصد
~~إشهادهما ولو كانا موجودين والحكم من قبيل نفي العموم لا عموم النفي وإلا
~~لم يصح قوله تعالى: { فرجل وامرأتان } أي فإن لم يكونا رجلين
~~مجتمعين فليشهد رجل وامرأتان، أو فرجل وامرأتان يشهدون أو يكفون، أو
~~فالشاهد رجل وامرأتان أو فليستشهد رجل وامرأتان، أو فليكن رجل وامرأتان
~~شهودا، وإن جعلت  يكن  تامة استغنى عن تقدير شهود، وكفاية الرجل
~~والمرأتين في الشهادة فيما عدا الحدود والقصاص عندنا، وعند الشافعي في
~~الأموال خاصة لا في غيرها كعقد النكاح، وقال مالك: لا تجوز شهادة أولئك
~~في الحدود ولا القصاص ولا الولاء ولا الإحصان، وتجوز في الوكالة والوصية
~~إذا لم يكن فيها عتق، وأما قبول شهادة النساء مفردات فقد قالوا به في
~~الولادة والبكارة والاستهلال وما يجري مجرى ذلك مما بين في الكتب
~~الفقهية، وقرىء  وامرأتان  بهمزة ساكنة، ولعل ذلك لاجتماع المتحركات.

# { ممن ترضون } متعلق بمحذوف وقع صفة لرجل وامرأتان أي كائنون
~~ممن ترضونهم والتصريح بذلك هنا مع تحقق اعتباره في كل شهيد لقلة اتصاف
~~النساء به فلا يرد ما في «البحر» من أن جعله صفة للمذكور يشعر بانتفاء
~~هذا الوصف عن شهيدين، وقيل: هو صفة لشهيدين  وضعف بالفصل الواقع بينهما،
~~وقيل: بدل من  رجالكم  بتكرير العامل وضعف بالفصل أيضا، واختار أبو
~~حيان تعلقه  باستشهدوا  ليكون قيدا في الجميع ويلزمه الفصل بين اشتراط
~~المرأتين وتعليله  وهو كما ترى  والخطاب للمؤمنين، وقيل: للحكام ولم
~~يقل من المرضيين لإفهامه اشتراط كونهم كذلك في نفس الأمر ولا طريق لنا
~~إلى معرفته فإن لنا الظاهر والله تعالى يتولى السرائر { من ms01070 الشهداء
~~} متعلق بمحذوف على أنه حال من العائد المحذوف أي ممن ترضونهم حال كونهم
~~كائنين بعض الشهداء لعلمكم بعدالتهم وإدراج النساء في الجمع بطريق
~~التغليب.

# { أن تضل أحدهما فتذكر أحدهما اللأخرى } بيان
~~لحكمة مشروعية الحكم واشتراط العدد في النساء أي شرع ذلك إرادة أن تذكر
~~إحداهما الأخرى إن ضلت إحداهما لما أن النسيان غالب على طبع النساء لكثرة
~~الرطوبة في أمزجتهن، وقدرت الإرادة لما أن قيد الطلب يجب أن يكون فعلا
~~للآمر وباعثا عليه وليس هو هنا إلا إرادة الله تعالى للقطع بأن الضلال
~~والتذكير بعده ليس هو الباعث على الأمر بل إرادة ذلك، واعترض بأن النسيان
~~وعدم الاهتداء للشهادة لا ينبغي أن يكون مراد الله تعالى بالإرادة
~~الشرعية سيما وقد أمر بالاستشهاد، وأجيب بأن الإرادة لم تتعلق بالضلال
~~نفسه أعني عدم الاهتداء للشهادة بل بالضلال المرتب عليه الإذكار، ومن
~~قواعدهم أن القيد هو مصب الغرض فصار كأنه علق الإرادة بالإذكار المسبب عن
~~الضلال والمرتب عليه فيؤول التعليل إلى ما ذكرنا، وهذا أولى مما ذهب إليه
~~البعض في الجواب من أن المراد من الضلال الإذكار لأن الضلال سبب للإذكار
~~فأطلق السبب وأريد المسبب لظهور أنه لا يبقى على ظاهره معنى لقوله تعالى:
~~{ فتذكر } قيل: والنكتة في إيثار { أن تضل } الخ على  أن تذكر
~~إن ضلت  الإيماء إلى شدة الاهتمام بشأن الإذكار بحيث صار/ ما هو مكروه
~~كأنه مطلوب لأجله من حيث كونه مفضيا إليه، و (إحداهما) الثانية يجوز أن
~~تكون فاعل  تذكر  وليس من وضع المظهر موضع المضمر إذ ليست المذكرة هي
~~الناسية، ويجوز أن تكون مفعولا لتذكر  والأخرى  فاعل وليس من قبيل ضرب
~~موسى عيسى  كما وهم  حتى يتعين الأول بل من قبيل  أرضعت الصغرى الكبرى
~~ لأن سبق إحداهما بعنوان نسبة الضلال رافع للضلال والسبب في تقديم
~~المفعول على الفاعل التنبيه على الاهتمام بتذكير الضال ولهذا  كما قيل 
~~عدل عن الضمير إلى الظاهر لأن التقديم حينئذ لا ينبه على الاهتمام كما
~~ينبه عليه تقديم المفعول الظاهر الذي لو أخر ms01071 لم يلزم شيء سوى وضعه موضعه
~~الأصلي.

# وذكر غير واحد أن العدول عن  فتذكرها  الأخرى  وهي قراءة ابن مسعود
~~كما رواه الأعمش  إلى ما في النظم الكريم لتأكيد الإبهام والمبالغة في
~~الاحتراز عن توهم اختصاص الضلال  بإحداهما  بعينها والتذكير بالأخرى،
~~وأبعد الحسين بن علي المغربي في هذا المقام فجعل ضمير (إحداهما) الأولى
~~راجعا إلى الشهادتين، وضمير (إحداهما) الأخرى إلى المرأتين فالمعنى  أن
~~تضل إحدى الشهادتين أي تضيع بالنسيان فتذكر إحدى المرأتين الأخرى منهما 
~~وأيده الطبرسي بأنه لا يسمى ناسي الشهادة ضالا وإنما يقال: ضلت الشهادة
~~إذا ضاعت كما قال سبحانه:

# ضلوا عنا

# [الأعراف: 37] أي ضاعوا منا، وعليه يكون الكلام عاريا عن شائبة توهم
~~الإضمار في مقام الإظهار رأسا وليس بشيء إذ لا يكون لإحداهما أخرى في
~~الكلام مع حصول التفكيك وعدم الانتظام، وما ذكر في التأييد ينبىء عن قلة
~~الاطلاع على اللغة. ففي «نهاية ابن الأثير» وغيرها إطلاق الضال على
~~الناسي، وقد روي ذلك في الآية عن سعيد بن جبير والضحاك والربيع والسدي
~~وغيرهم، ويقرب هذا في الغرابة مما قيل: إنه من بدع التفسير وهو ما حكي عن
~~ابن عيينة أن معنى { فتذكر } الخ فتجعل إحداهما الأخرى ذكرا يعني
~~أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر فإن فيه قصورا من جهة المعنى
~~واللفظ لأن التذكير في مقابلة النسيان معنى مكشوف وغرض بين، ورعاية العدد
~~لأن النسوة محل النسيان كذلك ولأن جعلها ذكرا مجاز عن إقامتها مقام
~~الذكر ثم تجوز ثانيا لأنهما القائمتان مقامه فلم تجعل إحداهما الأخرى
~~قائمة مقامه  وبعد التجوز ليس على ظاهره  لأن الاحتياج إلى اقتران ذكر
~~البتة معهما.

# وقوله سبحانه: { فإن لم يكونا رجلين } ينبئان عن قصورهما
~~عن ذلك أيضا  والتزام توجيه مثل ذلك، وعرضه في سوق القبول  لا يعد
~~فضلا بل هو عند أرباب الذوق عين الفضول، ولقد رأيت في «طراز المجالس» أن
~~الخفاجي سأل قاضي القضاة شهاب الدين الغزنوي عن سر تكرار  إحدى  معرضا
~~بما ذكره المغربي فقال:

# يا رأس أهل العلوم السادة البرره

# ومن نداه ms01072 على كل الورى نشره

# ما سر تكرار  إحدى  دون تذكرها

# في آية لذوي الأشهاد في البقره

# وظاهر الحال إيجاز الضمير على

# تكرار (إحداهما) لو أنه ذكره

# وحمل الإحدى على نفس الشهادة في

# أولاهما ليس مرضيا لدى المهره

# فغص بفكرك لاستخراج جوهره

# من بحر علمك ثم ابعث لنا درره

# فأجاب القاضي

# يا من فوائده بالعلم منتشره

# ومن فضائله في الكون مشتهره

# يا من تفرد في كشف العلوم لقد

# وافى سؤالك والأسرار مستتره

# (تضل إحداهما) فالقول محتمل

# كليهما فهي للإظهار مفتقره

# ولو أتى بضمير كان مقتضيا

# تعيين واحدة للحكم معتبره

# ومن رددتم عليه الحل فهو كما

# أشرتم ليس مرضيا لمن سبره

# هذا الذي سمح الذهن الكليل به

# والله أعلم في الفحوى بما ذكره

# وقرىء { أن تضل } بالبناء للمفعول والتأنيث، وقرىء  فتذاكر  وقرأ
~~ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو والحسن  فتذكر  بسكون الذال وكسر الكاف،
~~وحمزة { أن تضل } على الشرط فتذكر بالرفع وعلى ذلك فالفعل مجزوم
~~والفتح لالتقاء الساكنين، والفاء في الجزاء قيل: لتقدير المبتدأ وهو ضمير
~~القصة أو الشهادة، وقيل: لا تقدير لأن الجزاء إذا كان مضارعا مثبتا
~~يجوز فيه الفاء وتركه، وقيل: الأوجه أن يقدر المبتدأ ضمير  الذاكرة  و
~~(إحداهما) بدل عنه أو عن الضمير في (تذكر) وقال بعض المحققين: الأوجه من
~~هذا كله تقدير ضمير التثنية أي فهما  تذكر إحداهما الأخرى  وعليه كلام
~~كثير من المعربين، والقائلون عن ذلك تفرقوا أيدي سبا لما رأوا تنظير
~~الزمخشري قراءة الرفع بقوله تعالى:

# ومن عاد فينتقم الله منه

# [المائدة: 95] ولم يتفطنوا بأن ذلك إنما هو من جهة تقدير ضمير بعد الفاء
~~بحسب ما يقتضيه المقام لا من جهة خصوص الضمير إفرادا وتثنية والله تعالى
~~الملهم للرشاد فتدبر.

# { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } لأداء الشهادة أو
~~لتحملها  وهو المروي عن ابن عباس والحسن رضي الله تعالى عنهم  وخص ذلك
~~مجاهد وابن جبير بالأول وهو الظاهر لعدم احتياجه إلى ارتكاب المجاز إلا
~~أن المروي عن الربيع أن الآية نزلت حين كان الرجل يطوف في القوم ms01073 الكثير
~~فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتبعه أحد منهم فإن ظاهره يستدعي القول بمجاز
~~المشارفة، و { ما } صلة وهي قاعدة مطردة بعد { إذا }.

# { ولا تسئموا } أي تملوا أو تضجروا، ومنه قول زهير:

# سئمت تكاليف الحياة ومن يعش

# ثمانين حولا لا أبا لك يسأم

# { أن تكتبوه } أي الدين أو (الحق)  أو الكتاب المشعر به الفعل
~~والمنسبك مفعول به  لتسأموا  ويتعدى بنفسه، وقيل: يتعدى بحرف الجر وحذف
~~للعلم به، وقيل: المراد من  السأم  الكسل إلا أنه كنى به عنه لأنه وقع
~~في القرآن صفة للمنافقين كقوله تعالى:

# وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى

# [النساء: 142] ولذا وقع في الحديث:

# " لا يقول المؤمن كسلت وإنما يقول ثقلت "

# وقرىء  ولا يسأموا  أن يكتبوه بالياء فيهما { صغيرا أو كبيرا
~~} حالان من الضمير أي على كل حال قليلا أو كثيرا مجملا أو مفصلا،
~~وقيل: منصوبان على أنهما خبرا كان المضمرة وقدم الصغير على الكبير
~~اهتماما به وانتقالا من الأدنى إلى الأعلى { إلى أجله } حال من
~~الهاء في  تكتبوه  أي مستقرا في ذمة المدين إلى وقت حلوله الذي أقر به
~~وليس متعلقا بتكتبوه لعدم استمرار الكتابة إلى الأجل إذ هي مما ينقضي في
~~زمن يسير.

# { ذلكم } أي الكتب  وهو الأقرب  أو الإشهاد  وهو الأبعد  أو
~~جميع ما ذكر  وهو الأحسن  والخطاب للمؤمنين { أقسط } أي أعدل {
~~عند الله } أي في حكمه سبحانه. { وأقوم للشهدة } أثبت
~~لها وأعون على إقامتها وأدائها وهما مبنيان من أقسط وأقام على رأي سيبويه
~~فإنه يجيز بناء أفعل من الأفعال من غير شذوذ، وقيل: من قاسط بمعنى ذي قسط
~~وقويم، وقال أبو حيان: قسط يكون بمعنى جار وعدل، وأقسط/ بمعنى عدل لا غير
~~حكاه ابن القطاع  وعليه لا حاجة إلى رأي سيبويه في أقسط  وقيل: هو من
~~قسط بوزن كرم بمعنى صار ذا قسط أي عدل، وإنما صحت الواو في أقوم ولم يقل
~~أقام لأنها لم تقلب في فعل التعجب نحو ما أقومه لجموده إذ هو لا يتصرف
~~وأفعل التفضيل يناسبه معنى فحمل عليه { وأدنى ألا ms01074 ترتابوا }
~~أي أقرب إلى انتفاء ريبكم وشككم في جنس الدين وقدره وأجله ونحو ذلك، قيل:
~~وهذا حكمة خلق اللوح المحفوظ، والكرام الكاتبين مع أنه الغني الكامل عن
~~كل شيء تعليما للعباد وإرشادا للحكام، وحرف الجر مقدر هنا  وهو إلى
~~كما سمعت  وقيل: اللام، وقيل: من، وقيل في، ولكل وجهة.

# { إلا أن تكون تجرة حاضرة تديرونها بينكم }
~~استثناء منقطع من الأمر بالكتابة فقوله تعالى: { فليكتب بينكم
~~كاتب بالعدل } إلى هنا جملة معترضة بين المستثنى والمستثنى منه
~~أي لكن وقت كون تداينكم أو تجارتكم تجارة حاضرة بحضور البدلين تديرونها
~~بينكم بتعاطيها يدا بيد  كذا قيل . وفي «الدر المصون» يجوز أن يكون
~~استثناءا متصلا من الاستشهاد فيكون قد أمر بالاستشهاد في كل حال إلا في
~~حال حضور التجارة، وقيل: إنه استثناء من هذا وذاك وهو منقطع أيضا أي لكن
~~التجارة الحاضرة يجوز فيها عدم الاستشهاد والكتابة؛ وقيل: غير ذلك  ولعل
~~الأول أولى  ونصب عاصم (تجارة) على أنها خبر (تكون) واسمها مستتر فيها
~~يعود إلى التجارة  كما قال الفراء  وعود الضمير في مثل ذلك على متأخر
~~لفظا ورتبة جار في فصيح الكلام، وقال بعضهم: يعود إلى المداينة
~~والمعاملة المفهومة من الكلام، وعليه فالتجارة مصدر لئلا يلزم الإخبار عن
~~المعنى بالعين، ورفعها الباقون على أنها اسم { تكون } والخبر جملة {
~~تديرونها } ويجوز أن تكون { تكون } تامة فجملة { تديرونها }
~~صفة.

# { فليس عليكم جناح ألا تكتبوها } أي فلا مضرة عليكم
~~أو لا إثم في عدم كتابتكم لها لبعد ذلك عن التنازع والنسيان، أو لأن في
~~تكليفكم الكتابة حينئذ مشقة جدا وإدخال الفاء للإيذان بتعلق ما بعدها
~~بما قبلها.

# { وأشهدوا إذا تبايعتم } أي هذا التبايع المذكور أو
~~مطلقا { ولا يضار كاتب ولا شهيد } نهي عن المضارة 
~~والفعل يحتمل البناء للفاعل والبناء للمفعول  والدليل عليه قراءة عمر
~~رضي الله تعالى عنه  ولا يضارر  بالفك والكسر، وقراءة ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما بالفك والفتح  والمعنى على الأول:  نهي الكاتب
~~والشاهد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما وعن التحريف والزيادة ms01075
~~والنقصان، وعلى الثاني: النهي عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم أو لا
~~يعطى الكاتب حقه من الجعل أو يحمل الشاهد مؤونة المجىء من بلد، ويؤيد
~~هذا المعنى ما أخرجه ابن جرير عن الربيع قال: لما نزلت هذه الآية { ولا
~~يأب كاتب } الخ كان أحدهم يجىء إلى الكاتب فيقول: اكتب لي فيقول:
~~إني مشغول أو لي حاجة فانطلق إلى غيري فيلزمه ويقول: إنك قد أمرت أن تكتب
~~لي فلا يدعه ويضاره بذلك، وهو يجد غيره فأنزل الله تعالى: { ولا
~~يضار كاتب ولا شهيد } وحمل بعضهم الصيغة على المعنيين وليس
~~بشيء كما لا يخفى، وقرأ الحسن  ولا يضار  بالكسر. وقرىء بالرفع على أنه
~~نفي بمعنى النهي.

# { وإن تفعلوا } ما نهيتم عنه من الضرار أو منه ومن غيره وبعيد
~~وقوعه منكم { فإنه } أي ذلك الفعل { فسوق بكم } أي خروج عن
~~طاعة متلبس بكم، وجوز كون الباء للظرفية، قيل: وهو أبلغ إذ جعلوا محلا
~~للفسق { واتقوا الله } فيما أمركم به ونهاكم عنه {
~~ويعلمكم الله } أحكامه المتضمنة لمصالحكم { والله بكل
~~شيء عليم } فلا يخفى عليه حالكم وهو مجازيكم بذلك فإن قيل: كيف كرر
~~سبحانه الاسم الجليل في الجمل الثلاث وقد استكرهوا مثل قوله:

# فما للنوى جذ النوى قطع النوى

# حتى قيل: سلط الله تعالى عليه شاة تأكل نواه؟ أجيب بأن التكرير منه
~~المستحسن ومنه المستقبح، فالمستحسن كل تكرير يقع على طريق التعظيم أو
~~التحقير في جمل متواليات كل جملة منها مستقلة بنفسها، والمستقبح هو أن
~~يكون التكرير في جملة واحدة أو في جمل بمعنى ولم يكن فيه التعظيم
~~والتحقير، وما في البيت من القسم الثاني لأن  جذ النوى قطع النوى  فيه
~~بمعنى واحد وما في الآية درة تاج القسم الأول لأن { اتقوا الله }
~~حث على تقوى الله تعالى { ويعلمكم الله } وعد بإنعامه سبحانه {
~~والله بكل شيء عليم } تعظيم لشأنه عز شأنه، ومن هنا علمت وجه
~~العطف فيها من اختلافها في الظاهر خبرا وإنشاءا، ومن الناس من جوز كون
~~الجملة الوسطى حالا من فاعل { اتقوا ms01076 } أي اتقوا الله مضمونا لكم
~~التعليم، ويجوز أن تكون حالا مقدرة، والأولى ما قدمنا لقلة اقتران الفعل
~~المضارع المثبت الواقع حالا بالواو.

### || [2.283]

# { وإن كنتم على سفر } أي مسافرين ففيه استعارة تبعية حيث شبه
~~تمكنهم في السفر بتمكن الراكب من مركوبه { ولم تجدوا كاتبا }
~~يكتب لكم حسبما بين قبل، والجملة عطف على فعل الشرط أو حال. وقرأ أبو
~~العالية (كتبا)، والحسن وابن عباس  كتابا جمع كات { فرهن
~~مقبوضة } أي فالذي يستوثق به أو فعليكم أو فليؤخذ أو فالمشروع رهان
~~وهو جمع رهن وهو في الأصل مصدر ثم أطلق على المرهون من باب إطلاق المصدر
~~على اسم المفعول  وليس هذا التعليق لاشتراط السفر وعدم الكاتب في شرعية
~~الارتهان لأن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه في المدينة من يهودي
~~على ثلاثين صاعا من شعير كما في البخاري  بل لإقامة التوثق بالارتهان
~~مقام التوثق بالكتبة في السفر الذي هو مظنة إعوازها، وأخذ مجاهد بظاهر
~~الآية فذهب إلى أن الرهن لا يجوز إلا في السفر وكذا الضحاك فذهب إلى أنه
~~لا يجوز في السفر إلا عند فقد الكاتب، وإنما لم يتعرض لحال الشاهد لما
~~أنه في حكم الكاتب توثقا وإعوازا، والجمهور على وجوب القبض في تمام
~~الرهن، وذهب مالك إلى أنه يتم بالإيجاب والقبول ويلزم الراهن بالعقد
~~تسليمه ويشترط عنده بقاؤه في يد المرتهن حتى لو عاد إلى يد الراهن بأن
~~أودعه المرتهن إياه أو أعاده له إعادة مطلقة فقد خرج من الرهن فلو قام
~~الغرماء وهو بيد الراهن على أحد هذين الوجهين مثلا كان أسوة للغرماء فيه
~~وكأنه إنما ذهب إلى ذلك لما في الرهن من اقتضاء الدوام أنشد أبو علي:

# فالخبز واللحم لهن راهن

# وقهوة راووقها ساكب

# وفي التعبير  بمقبوضة  دون تقبضونها إيماءا إلى الاكتفاء بقبض الوكيل
~~ولا يتوقف على قبض المرتهن نفسه وقرىء  فرهن  كسقف وهو جمع رهن أيضا،
~~وقرىء بسكون الهاء تخفيفا.

# { فإن أمن بعضكم بعضا } أي بعض الدائنين بعض المديونين
~~بحسن ظنه سفرا أو حضرا فلم يتوثق ms01077 بالكتابة والشهود والرهن، وقرأ أبي
~~ فإن أومن  أي آمنه الناس ووصفوا المديون بالأمانة والوفاء والاستغناء
~~عن التوثق من مثله، و { بعضا } على هذا منصوب بنزع الخافض  كما قيل 
~~{ فليؤد الذى اؤتمن } وهو المديون وعبر عنه بذلك العنوان
~~لتعينه طريقا للإعلام ولحمله على الأداء. { أمنته } أي دينه،
~~والضمير لرب الدين أو للمديون باعتبار أنه عليه، والأمانة مصدر أطلق على
~~الدين الذي في الذمة وإنما سمي أمانة وهو مضمون لائتمانه عليه بترك
~~الإرتهان به./ وقرىء  الذيتمن  بقلب الهمزة ياءا، وعن عاصم أنه قرأ 
~~الذتمن  بإدغام الياء في التاء، وقيل: هو خطأ لأن المنقلبة عن الهمزة في
~~حكمها فلا يدغم، ورد بأنه مسموع في كلام العرب، وقد نقل ابن مالك جوازه
~~لأنه قال: إنه مقصور على السماع، ومنه قراءة ابن محيصن  اتمن  ونقل
~~الصاغاني أن القول بجوازه مذهب الكوفيين، وورد مثله في كلام أم المؤمنين
~~عائشة رضي الله تعالى عنها وهي من الفصحاء المشهود لهم، ففي البخاري عنها

# " كان صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر "

# فالمخطىء مخطىء { وليتق الله ربه } في الخيانة وإنكار
~~الحق، وفي الجمع بين عنوان الألوهية وصفة الربوبية من التأكيد والتحذير
~~ما لا يخفى، وقد أمر سبحانه  بالتقوى  عند الوفاء حسبما أمر بها عند
~~الإقرار تعظيما لحقوق العباد وتحذيرا عما يوجب وقوع الفساد.

# { ولا تكتموا الشهدة } أي لا تخفوها بالامتناع عن أدائها
~~إذا دعيتم إليها وهو خطاب للشهود المؤمنين كما روي عن سعيد بن جبير وغيره
~~وجعله خطابا للمديونين على معنى لا تكتموا شهادتكم على أنفسكم بأن تقروا
~~بالحق عند المعاملة، أو لا تحتالوا بإبطال شهادة الشهود عليكم بالجرح
~~ونحوه عند المرافعة خلاف الظاهر المأثور عن السلف الصالح، وقرىء (يكتموا)
~~على الغيبة.

# { ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه } الضمير في (إنه) راجع
~~إلى { من } وهو الظاهر، وقيل: إنه ضمير الشأن والجملة بعده مفسرة له، و
~~(آثم) خبر (إن) وقلبه فاعل له لاعتماده ولا يجىء هذا على القول بأن
~~الضمير للشأن لأنه لا يفسر إلا بالجملة والوصف مع مرفوعه ليس بجملة عند ms01078
~~البصري، والكوفي يجيز ذلك، وقيل: إنه خبر مقدم وقلبه مبتدأ مؤخر، والجملة
~~خبر (إن) وعليه يجوز أن يكون الضمير للشأن وأن يكون  لمن  وقيل: (آثم)
~~خبر (إن) وفيه ضمير عائد إلى ما عاد إليه ضمير  إنه  وقلبه بدل من ذلك
~~الضمير بدل بعض من كل، وقيل: (آثم) مبتدأ وقلبه فاعل سد مسد الخبر،
~~والجملة خبر (إن)، وهذا جائز عند الفراء من الكوفيين والأخفش من البصريين
~~وجمهور النحاة لا يجوزونه وأضاف الآثم إلى القلب مع أنه لو قيل: (فإنه
~~آثم) لتم المعنى مع الاختصار، لأن الآثم بالكتمان وهو مما يقع بالقلب
~~وإسناد الفعل بالجارحة التي يعمل بها أبلغ، ألا تراك تقول إذا أردت
~~التوكيد هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي؟ ولأن
~~الإثم وإن كان منسوبا إلى جملة الشخص لكنه اعتبر الإسناد إلى هذا الجزء
~~المخصوص متجوزا به عن الكل لأنه أشرف الأجزاء ورئيسها، وفعله أعظم من
~~أفعال سائر الجوارح، فيكون في الكلام تنبيه على أن الكتمان من أعظم
~~الذنوب، وقيل: أسند الإثم إلى القلب لئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام
~~المتعلقة باللسان فقط وليعلم أن القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه، وقيل:
~~للإشارة إلى أن أثر الكتمان يظهر في قلبه كما جاء في الخبر

# " إذا أذنب العبد يحدث في قلبه نكتة سوداء وكلما أذنب زاد ذلك حتى يسود
~~ذلك بتمامه "

# ، أو للإشارة إلى أنه يفسد قلبه فيفسد بدنه كله، فقد ورد

# " إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا
~~وهي القلب "

# والكل ليس بشيء كما لا يخفى، وقرىء (قلبه) بالنصب على التشبيه بالمفعول
~~به. و (آثم) صفة مشبهة، وجوز أبو حيان كونه بدلا من اسم إن بدل بعض من
~~كل، وبعضهم كونه تمييزا واستبعده أبو البقاء، وقرأ ابن أبي عبلة {
~~ءاثم قلبه } أي جعله آثما.

# { والله بما تعملون } من كتمان الشهادة وأدائها على وجهها
~~وغير ذلك { عليم } فيجازيكم بذلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

### || [2.284]

# / { لله ما في السموت ms01079 وما فى الأرض } من الأمور
~~الداخلة في حقيقتهما والخارجة عنهما كيف كانت أي كلها ملك له تعالى
~~ومختصة به فله أن يلزم من شاء من مملوكاته بما شاء من تكليفاته وليس لأحد
~~أن يقول المال مالي أتصرف به كيف شئت، ومن الناس من جعل هذه الجملة
~~كالدليل لما قبلها { وإن تبدوا } أي تظهروا للناس { ما في
~~أنفسكم } أي ما حصل فيها حصولا أصليا بحيث يوجب اتصافها به
~~كالملكات الرديئة والأخلاق الذميمة كالحسد والكبر والعجب والكفران وكتمان
~~الشهادة { أو تخفوه } بأن لا تظهروه.

# { يحاسبكم به الله } أي يجازيكم به يوم القيامة، وأما تصور
~~المعاصي والأخلاق الذميمة فهو لعدم إيجابه اتصاف النفس به لا يعاقب عليه
~~ما لم يوجد في الأعيان، وإلى هذا الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم:

# " إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم "

# أي إن الله تعالى لا يعاقب أمتي على تصور المعصية وإنما يعاقب على
~~عملها، فلا منافاة بين الحديث والآية خلافا لمن توهم ذلك ووقع في حيص
~~بيص لدفعه. ولا يشكل على هذا أنهم قالوا: إذا وصل التصور إلى حد التصميم
~~والعزم يؤاخذ به لقوله تعالى:

# ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم

# [البقرة: 225] لأنا نقول: المؤاخذة بالحقيقة على تصميم العزم على إيقاع
~~المعصية في الأعيان وهو أيضا من الكيفيات النفسانية التي تلحق بالملكات
~~ولا كذلك سائر ما يحدث في النفس ونظمه بعضهم بقوله:

# مراتب القصد خمس هاجس ذكروا

# فخاطر فحديث النفس فاستمعا

# يليه هم فعزم كلها رفعت

# سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا

# فالآية على ما قررنا محكمة، وادعى بعضهم أنها منسوخة محتجا بما أخرجه
~~أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال:

# " لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { وإن تبدوا ما في
~~أنفسكم } الآية اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جثوا على الركب فقالوا: يا رسول
~~الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصوم والجهاد والصدقة وقد ms01080 أنزل
~~الله تعالى عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل
~~قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير "

# فلما اقترأها القوم وزلت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى في إثرها

# ءآمن الرسول

# [البقرة: 285] الآية فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل سبحانه

# لا يكلف الله نفسا إلا وسعها

# [البقرة: 286] الخ، وصح مثل ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس
~~وابن مسعود وعائشة رضي الله تعالى عنهم، وأخرج البخاري عن مروان الأصغر
~~عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  [قال] أحسبه ابن عمر {
~~إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } قال: نسختها الآية
~~التي بعدها، وعلى هذا لا يحتاج إلى التوفيق بين الآية وذلك الحديث الصحيح
~~بوجه، ويكون الحديث إخبارا عما كان بعد النسخ.

# واستشكل ذلك بأن النسخ مختص بالإنشاء ولا يجري في الخبر والآية الكريمة
~~من القسم الثاني ومن هنا قال الطبرسي وأخطأ أن الروايات في النسخ كلها
~~ضعيفة، وأجيب بأن النسخ لم يتوجه إلى مدلول الخبر نفسه سواء قلنا إنه مما
~~يتغير كإيمان زيد وكفر عمرو أم لا كوجود الصانع وحدوث العالم بل إن النهي
~~المفهوم منه كما يدل عليه قول الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
~~«كلفنا من الأعمال ما نطيق وقد أنزل الله تعالى عليك هذه الآية ولا
~~نطيقها» فإن ذلك صريح في أنهم فهموا من الآية تكليفا، والحكم الشرعي
~~المفهوم من/ الخبر يجوز نسخه بالاتفاق كما يدل عليه كلام العضد وغيره.

# وبعض من ادعى أن الآية محكمة وتوقف في قبول هذا الجواب ذهب إلى أن
~~المراد من النسخ البيان وإيضاح المراد مجازا كما مرت الإشارة إليه عند
~~قوله تعالى:

# فاعفوا واصفحوا

# [البقرة: 109] كأنه قيل: كيف يحمل { ما في أنفسكم } على ما يعم
~~الوساوس الضرورية وهو يستلزم التكليف بما ليس في الوسع والله لا يكلف
~~نفسا إلا وسعها، واعترض هذا بأنه على بعده يستلزم أنه صلى ms01081 الله عليه
~~وسلم أقر الصحابة على ما فهموه وهو بمعزل عن مراد الله تعالى ولم يبينه
~~لهم مع ما هم فيه من الاضطراب والوجل الذي جثوا بسببه على الركب حتى نزلت
~~الآية الأخرى، ويمكن أن يجاب على بعد بأنه لا محذور في هذا اللازم ويلتزم
~~بأنه من قبيل إقراره صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله تعالى
~~عنه حين فسر الرؤيا بين يديه عليه الصلاة والسلام وقال:

# " أخطأت أم أصبت يا رسول الله؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: أصبت بعضها
~~وأخطأت بعضها "

# ولم يبين له فيما أصاب وفيما أخطأ لأمر ما، ولعله هنا ابتلاؤهم وأن يمحص
~~ما في صدورهم وهذا على العلات أولى من حمل النسخ على التخصيص لاستلزامه
~~مع ما فيه وقوع التكليف بما لا يطاق كما لا يخفى، وقيل: معنى الآية إن
~~تعلنوا ما في أنفسكم من السوء، أو لم تعلنوه بأن تأتوا به خفية يعاقبكم
~~الله تعالى عليه، ويؤول إلى قولنا أن تدخلوا الأعمال السيئة في الوجود
~~ظاهرا أو خفية يحاسبكم بها الله تعالى أو إن تظهروا ما في أنفسكم من
~~كتمان الشهادة بأن تقولوا لرب الشهادة عندنا شهادة ولكن نكتمها ولا
~~نؤديها لك عند الحكام، أو تخفوه بأن تقولوا له ليس في علمنا خبر ما تريد
~~أن نشهد به وأنتم كاذبون في ذلك  يحاسبكم به الله  وأيد هذا بما أخرجه
~~سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنه في الآية الكريمة قال: نزلت في الشهادة، وقيل: الآية على
~~ظاهرها، و { ما في أنفسكم } على عمومه الشامل لجميع الخواطر إلا
~~أن معنى { يحاسبكم } يخبركم به الله تعالى يوم القيامة، وقد عدوا من
~~جملة معنى الحسيب العليم، وجميع هذه الأقوال لا تخلوا عن نظر فتدبر.

# وارجع إلى ذهنك فلا إخالك تجد فوق ما ذكرناه أو مثله في كتاب.

# وتقديم الجار والمجرور على الفاعل للاعتناء به، وأما تقديم الإبداء على
~~الإخفاء على عكس ما في قوله ms01082 تعالى:

# قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه
~~الله

# [آل عمران: 29] فلما قيل: إن المعلق  بما في أنفسهم  هنا المحاسبة
~~والأصل فيها الأعمال البادية، وأما العلم فتعلقه بها كتعلقه بالأعمال
~~الخافية ولا يختلف الحال عليه تعالى بين الأشياء البارزة والكامنة بل لا
~~كامن بالنسبة إليه سبحانه خلا أن مرتبة الإخفاء متقدمة على مرتبة الإبداء
~~[إذ] ما من شيء يبدو إلا وهو أو مباديه قبل ذلك مضمر في النفس فتعلق علمه
~~تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلق علمه بحالته الثانية.

# { فيغفر } بالرفع على الاستئناف أي فهو يغفر بفضله { لمن يشاء
~~} أن يغفر له من عباده { ويعذب } بعدله. { من يشآء } أن
~~يعذبه من عباده، وتقديم المغفرة على التعذيب لتقدم رحمته على غضبه، وقرأ
~~غير ابن عامر وعاصم ويعقوب بجزم الفعلين عطفا على جواب الشرط، وقرأ ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما بنصبهما بإضمار  أن  وتكون هي وما في حيزها
~~بتأويل مصدر معطوف على المصدر المتوهم من الفعل السابق، والتقدير تكن
~~محاسبة فغفران وعذاب، ومن القواعد المطردة أنه إذا وقع بعد جزاء الشرط
~~فعل بعد واو أو فاء جاء فيه الأوجه الثلاثة وقد أشار لها ابن مالك:

# والفعل من بعد الجزا إن يقترن

# بالفاء أو الواو بتثليث قمن

# / وقرأ ابن مسعود  يغفر ويعذب  بالجزم بغير فاء  ووجهه عند القائل
~~بجواز تعدد الجزاء كالخبر ظاهر  وأما عند غيره فالجزم على أنهما بدل من
~~{ يحاسبكم } بدل البعض من الكل أو الاشتمال، فإن كلا من المغفرة
~~والتعذيب بعض من الحساب المدلول عليه  بيحاسبكم  ومطلق الحساب جامع
~~لهما فإن اعتبر جمعه لهما على طريق اشتمال الكل على الأجزاء يكون بدل
~~البعض من الكل وإن اعتبر على طريق الشمول كشمول الكلي لأفراده يكون بدل
~~اشتمال كذا قيل، وقيل: إن أريد بيحاسبكم معناه الحقيقي فالبدل بدل اشتمال
~~ كأحب زيدا علمه  وإن أريد به المجازاة فالبدل بدل بعض  كضربت زيدا
~~رأسه  وقيل: غير ذلك، وذهب أبو حيان إلى تعين الاشتمال قال: ووقوعه في
~~الأفعال صحيح لأن الفعل يدل ms01083 على جنس تحته أنواع يشتمل عليها ولذلك إذا
~~وقع عليه النفي انتفت جميع أنواع ذلك الجنس، وأما بدل البعض من الكل فلا
~~يمكن في الفعل إذ الفعل لا يقبل التجزي فلا يقال فيه له كل وبعض إلا
~~بمجاز بعيد، واعترضه الحلبي بأنه ليس بظاهر لأن الكلية والبعضية صادقتان
~~على الجنس ونوعه فإن الجنس كل والنوع بعض فالصحيح وقوع النوعين في الفعل
~~وقد قيل بهما في قوله:

# متى تأتنا  تلمم  بنا في ديارنا

# تجد خير نار عندها خير موقد

# فإنهم جعلوا الإلمام بدلا من الإتيان إما بدل بعض لأنه إتيان لا توقف
~~فيه فهو بعضه أو اشتمال لأنه نزول خفيف، وروي عن أبي عمرو إدغام الراء
~~في اللام، وطعن الزمخشري  على عادته في الطعن  في القراآت السبع إذا لم
~~تكن على قواعد العربية ومن قواعدهم أن الراء لا تدغم إلا في الراء لما
~~فيها من التكرار الفائت بالإدغام في اللام وقد يجاب بأن القراآت السبع
~~متواترة والنقل بالمتواتر إثبات علمي، وقول النحاة نفي ظني ولو سلم عدم
~~التواتر فأقل الأمر أن تثبت لغة بنقل العدول وترجح بكونه إثباتا، ونقل
~~إدغام الراء في اللام عن أبي عمرو من الشهرة والوضوح بحيث لا مدفع له 
~~وممن روى ذلك عنه  أبو محمد اليزيدي وهو إمام في النحو إمام في القراآت
~~إمام في اللغات، ووجهه من حيث التعليل ما بينهما من شدة التقارب حتى
~~كأنهما مثلان بدليل لزوم إدغام اللام في الراء في اللغة الفصيحة إلا أنه
~~لمح تكرار الراء فلم يجعل إدغامه في اللام لازما على أن منع إدغام الراء
~~في اللام مذهب البصريين، وقد أجازه الكوفيون وحكوه سماعا، منهم الكسائي،
~~والفراء، وأبو جعفر الرؤاسي، ولسان العرب ليس محصورا فيما نقله البصريون
~~فقط، والقراء من الكوفيين ليسوا بمنحطين عن قراء البصرة وقد أجازوه عن
~~العرب فوجب قبوله والرجوع فيه إلى علمهم ونقلهم إذ من علم حجة على من لم
~~يعلم.

# { والله على كل شيء قدير } تذييل مقرر لمضمون ما قبله فإن
~~كمال قدرته تعالى ms01084 على جميع الأشياء موجب لقدرته على ما ذكر من المحاسبة
~~وما فرع عليه من المغفرة والتعذيب، وفي الآية دليل لأهل السنة في نفي
~~وجوب التعذيب حيث علق بالمشيئة واحتمال أن تلك المشيئة واجبة كمن يشاء
~~صلاة الفرض فإنه لا يقتضي عدم الوجوب خلاف الظاهر.

### || [2.285]

# { ءامن الرسول } قال الزجاج: لما ذكر الله تعالى عز وجل في هذه
~~السورة الجليلة الشأن الواضحة البرهان فرض الصلاة الزكاة، والطلاق،
~~والحيض، والإيلاء، والجهاد، وقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والدين،
~~والربا ختمها بهذا تعظيما لنبيه صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وتأكيدا
~~وفذلكة لجميع ذلك المذكور من قبل، وقد شهد سبحانه وتعالى هنا لمن تقدم في
~~صدر السورة بكمال الإيمان وحسن الطاعة واتصافهم بذلك بالفعل وذكره صلى
~~الله عليه وسلم بطريق الغيبة مع ذكره هناك/ بطريق الخطاب لما أن حق
~~الشهادة الباقية على مر الدهور أن لا يخاطب بها المشهود له ولم يتعرض
~~سبحانه ههنا لبيان فوزهم بمطالبهم التي من جملتها ما حكى عنهم من
~~الدعوات الآتية إيذانا بأنه أمر محقق غني عن التصريح لا سيما بعد ما نص
~~عليه فيما سلف وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة دون تعرض لاسمه
~~الشريف تعظيم له وتمهيد لما يذكر بعده. أخرج الحاكم والبيهقي عن أنس قال:

# " لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم { ءامن
~~الرسول } قال عليه الصلاة والسلام: «وحق له أن يؤمن» "

# وفي رواية عبد بن حميد عن قتادة وهي شاهد لحديث أنس  «فينجبر انقطاعه
~~ويحق له أن يؤمن».

# { بما أنزل إليه من ربه } من الأحكام المذكورة في هذه
~~السورة وغيرها والمراد إيمانه بذلك إيمانا تفصيليا، وأجمله إجلالا
~~لمحله صلى الله عليه وسلم وإشعارا بأن تعلق إيمانه عليه الصلاة والسلام
~~بتفاصيل ما أنزل إليه وإحاطته بجميع ما انطوى عليه مما لا يكتنه كنهه ولا
~~تصل الأفكار وإن حلقت إليه قد بلغ من الظهور إلى حيث استغنى عن ذكره
~~واكتفى عن بيانه، وفي تقديم الانتهاء على الإبتداء مع التعرض لعنوان
~~الربوبية والإضافة إلى ms01085 ضميره صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى من التعظيم
~~لقدره الشريف والتنويه برفعة محله المنيف { والمؤمنون } يجوز أن
~~يكون معطوفا على الرسول مرفوعا بالفاعلية فيوقف عليه، ويدل عليه ما
~~أخرجه أبو داود في «المصاحف» عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ  وآمن
~~المؤمنون  وعليه يكون قوله تعالى: { كل ءامن } جملة مستأنفة من
~~مبتدأ وخبر؛ وسوغ الابتداء بالنكرة كونها في تقدير الإضافة ويجوز أن يكون
~~مبتدأ، و { كل } مبتدأ ثان، و { ءامن } خبره، والجملة خبر الأول
~~والرابط مقدر ولا يجوز كون { كل } تأكيدا لأنهم صرحوا بأنه لا يكون
~~تأكيدا للمعرفة إلا إذا أضيف لفظا إلى ضميرها  ورجح الوجه الأول 
~~بأنه أقضى لحق البلاغة وأولى في التلقي بالقبول لأن الرسول صلى الله عليه
~~وسلم حينئذ يكون أصلا في حكم الإيمان بما أنزل الله والمؤمنون تابعون له
~~ويا فخرهم بذلك، ويلزم على الوجه في الثاني أن حكم المؤمنين أقوى من حكم
~~الرسول صلى الله عليه وسلم لكون جملتهم إسمية ومؤكدة، وعورض بأن في
~~الثاني إيذانا بتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيدا للإشعار بما
~~بين إيمانه صلى الله عليه وسلم المبني على المشاهدة والعيان وبين إيمان
~~سائر المؤمنين الناشيء عن الحجة والبرهان من التفاوت البين والفرق الواضح
~~كأنهما مختلفان من كل وجه حتى في هيئة التركيب؛ ويلزم على الأول: أنه إن
~~حمل كل من الإيمانين على ما يليق بشأنه صلى الله عليه وسلم من حيث الذات
~~ومن حيث التعلق استحال إسنادهما إلى غيره عليه الصلاة والسلام وضاع
~~التكرير، وإن حمل على ما يليق بشأن آحاد الأمة كان ذلك حطا لرتبته
~~العلية وإذا حملا على ما يليق بكل واحد مما نسبا إليه ذاتا وتعلقا بأن
~~يحملا بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم على الإيمان العياني المتعلق
~~بجميع التفاصيل وبالنسبة إلى آحاد الأمة على الإيمان المكتسب من مشكاته
~~صلى الله عليه وسلم واللائق بحالهم من الإجمال والتفصيل كان اعتسافا
~~بينا ينزه عنه التنزيل والشبهة التي ظنت معارضة مدفوعة بأن الإتيان
~~بالجملة الاسمية مع ms01086 تكرار الإسناد المقوي للحكم لما في الحكم بإيمان كل
~~واحد منهم على الوجه الآتي من نوع خفاء محوج لذلك، وتوحيد الضمير في {
~~ءامن } مع رجوعه إلى كل المؤمنين لما أن المراد بيان إيمان كل فرد فرد
~~منهم من غير اعتبار الاجتماع كما اعتبر في قوله تعالى:

# وكل أتوه دخرين

# [النمل: 87] وهو أبعد عن التقليد الذي هو إن لم يجرح خدش أي كل واحد/
~~منهم على حياله  آمن .

# { بالله } أي صدق به وبصفاته ونفى التشبيه عنه وتنزيهه عما لا يليق
~~بكبريائه من نحو الشريك في الألوهية والربوبية وغير ذلك {
~~وملئكته } من حيث إنهم معصومون مطهرون لا يعصون الله ما أمرهم
~~ويفعلون ما يؤمرون من شأنهم التوسط بينه تعالى وبين الرسل بإنزال الكتب
~~وإلقاء الوحي ولهذا ذكروا في النظم قبل قوله تعالى: { وكتبه
~~ورسله } أي من حيث مجيئهما منه تعالى على وجه يليق بشأن كل منهما
~~ويلزم الإيمان التفصيلي فيما علم تفصيلا من كل من ذلك والإجمالي فيما
~~علم إجمالا وإنما لم يذكر ههنا الإيمان باليوم الآخر كما ذكر في قوله
~~تعالى:

# ولكن البر من ءامن

# [البقرة: 177] الخ لاندراجه في الإيمان بكتبه والثواني كثيرا ما يختصر
~~فيها.

# وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  وكتابه  بالإفراد فيحتمل أن يراد
~~به القرآن بحمل الإضافة على العهد أو يراد الجنس فلا يختص به والفرق بينه
~~وبين الجمع  على ما ذهب إليه إمام الحرمين، والزمخشري  وروي عن الإمام
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  أن استغراق المفرد أشمل من استغراق
~~الجمع لأن المفرد يتناول جميع الآحاد ابتداءا فلا يخرج عنه شيء منه
~~قليلا أو كثيرا بخلاف الجمع فإنه يستغرق الجموع أولا وبالذات ثم يسري
~~إلى الآحاد  وهذا المبحث من معضلات علم المعاني  وقد فرغ من تحقيقه
~~هناك.

# { لا نفرق بين أحد من رسله } في حيز النصب بقول مقدر
~~مسند إلى ضمير { كل } مراعى فيه اللفظ فيفرد أو المعنى فيجمع  ولعله
~~أولى  والجملة منصوبة المحل على أنها حال من ضمير { ءامن } أو مرفوعة
~~على أنها خبر ms01087 آخر  لكل  أي يقولون، أو يقول: لا نفرق بين رسل الله
~~تعالى بأن نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل أهل الكتابين بل نؤمن بهم جميعا
~~ونصدق بصحة رسالة كل واحد منهم وقيدوا إيمانهم بذلك تحقيقا للحق
~~وتنصيصا على مخالفة أولئك المفرقين من الفريقين بإظهار الإيمان بما
~~كفروا به فلعنة الله على الكافرين.

# ومن هنا يعلم أن القائلين هم آحاد المؤمنين خاصة إذ يبعد أن يسند إليه
~~صلى الله عليه وسلم أن يقول لا أفرق بين أحد من رسله وهو يريد إظهار
~~إيمانه برسالة نفسه وتصديقه في دعواها، ومن اعتبر إدراج الرسول في {
~~كل } واستبعد هذا قال بالتغليب ههنا، ومن لم يستبعد إذ كان صلى الله
~~عليه وسلم يأتي بكلمة الشهادة كما يأتي بها سائر الناس أو يبدل العلم
~~فيها بضمير المتكلم لم يحتج إلى القول بالتغليب، وعدم التعرض لنفي
~~التفريق بين الكتب لاستلزام المذكور إياه وإنما لم يعكس مع تحقق التلازم
~~لما أن الأصل في تفريق المفرقين هو الرسل وكفرهم بالكتب متفرع على كفرهم
~~بهم وإيثار إظهار الرسل على الإضمار الواقع مثله في قوله تعالى:

# وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد
~~منهم

# [البقرة: 136] إما للاحتراز عن توهم اندراج الملائكة ولو على بعد في
~~الحكم وهو وإن لم يكن فيه بأس إلا أنه ليس في التعرض له كثير جدوى إذ لا
~~مزاحم في الظاهر، وإن كان فقليل أو للإشعار بعلة عدم التفريق أو للإيماء
~~إلى عنوانه لأن المعتبر عدم التفريق من حيث الرسالة دون سائر الحيثيات.

# وقرأ يعقوب، وأبو عمرو في رواية عنه  لا يفرق  بالياء على لفظ { كل
~~} وقرىء لا يفرقون حملا على معناه، والجملة نفسها حينئذ حال أو خبر على
~~نحو ما تقدم في القول المقدر ولا حاجة إليه هنا، والكلام على { أحد }
~~وإدخال { بين } عليه قد سبق في تفسير قوله تعالى:

# لا نفرق بين أحد منهم

# [البقرة: 136].

# { وقالوا } عطف على { ءامن } والجمع باعتبار المعنى وهو حكاية
~~لامتثالهم الأوامر والنواهي إثر حكاية إيمانهم { سمعنا } أي أجبنا ms01088
~~وهو المعنى/ العرفي للسمع { وأطعنا } وقبلنا عن طوع ما دعوتنا إليه
~~في الأوامر والنوهي، وقيل: (سمعنا) ما جاءنا من الحق وتيقنا بصحته، و
~~(أطعنا) ما فيه من الأمر والنهي { غفرانك ربنا } أي اغفر غفرانك
~~ما ينقص حظوظنا لديك، أو نسألك غفرانك ذلك، فغفران مصدر إما مفعول مطلق
~~أو مفعول به  ولعل الأول أولى  لما في الثاني من تقدير الفعل الخاص
~~المحوج إلى اعتبار القرينة وتقديم ذكر السمع على الطاعة لتقدم العام على
~~الخاص، أو لأن التكليف طريقه السمع والطاعة بعده وتقديم ذكرهما على طلب
~~الغفران لما أن تقدم الوسيلة على المسؤول أقرب إلى الإجابة والقبول،
~~والتعرض لعنوان الربوبية قد تقدم سره غير مرة { وإليك المصير }
~~أي الرجوع بالموت والبعث وهو مصدر ميمي، والجملة قيل: معطوفة على مقدر أي
~~فمنك المبدأ وإليك المصير وهي تذييل لما قبله مقرر للحاجة إلى المغفرة
~~وفيها إقرار بالمعاد الذي لم يصرح به قبل.

### || [2.286]

# { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } جملة مستأنفة سيقت
~~إخبارا منه تعالى بعد تلقيهم لتكاليفه سبحانه بالطاعة والقبول بما له
~~عليهم في ضمن التكليف من محاسن آثار الفضل والرحمة ابتداءا لا بعد
~~السؤال كما سيجيء  والتكليف  إلزام ما فيه كلفة ومشقة، و  الوسع  ما
~~تسعه قدرة الإنسان أو ما يسهل عليه من المقدور وهو ما دون مدى طاقته أي
~~سنته تعالى أنه  لا يكلف نفسا  من النفوس إلا ما تطيق وإلا ما هو دون
~~ذلك كما في سائر ما كلفنا به من الصلاة والصيام مثلا فإنه كلفنا خمس
~~صلوات والطاقة تسع ستا وزيادة. وكلفنا صوم رمضان والطاقة تسع شعبان معه
~~وفعل ذلك فضلا منه ورحمة بالعباد أو كرامة ومنة على هذه الأمة خاصة.

# وقرأ ابن أبي عبلة  وسعها  بفتح السين والآية على التفسيرين تدل على
~~عدم وقوع التكليف بالمحال لا على امتناعه، أما على الأول: فظاهر، وأما
~~على الثاني: فبطريق الأولى، وقيل: إنها على التفسير الثاني لا تدل على
~~ذلك لأن الخطاب حينئذ مخصوص بهذه الأمة وعلى كل تقدير لا دليل ms01089 فيها على
~~امتناع التكليف بالمحال كما وهم وقد تقدم لك بعض ما يتعلق بهذا المبحث
~~وربما يأتيك ما ينفعك فيه إن شاء الله تعالى.

# { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } جملة أخرى مستأنفة
~~سيقت للترغيب والمحافظة على مواجب التكليف والتحذير عن الإخلال بها ببيان
~~أن تكليف كل نفس مع مقارنته لنعمة التخفيف والتيسير يتضمن مراعاته منفعة
~~زائدة وأنها تعود إليها لا إلى غيرها ويستتبع الإخلال بها مضرة تحيق بها
~~لا بغيرها فإن اختصاص منفعة الفعل بفاعله من أقوى الدواعي إلى تحصيله
~~واقتصار مضرته عليه من أشد الزواجر عن مباشرته  قاله المولى مفتي الديار
~~الرومية قدس سره  وهو الذي ذهب إليه الكثير، وقيل: يجوز أن تجعل
~~الجملتان في حيز القول ويكون ذلك حكاية للأقوال المتفرقة الغير المعطوفة
~~بعضها على بعض للمؤمنين ويكون مدحا لهم بأنهم شكروا الله تعالى في
~~تكليفه حيث يرونه بأنه لم يخرج عن وسعهم وبأنهم يرون أن الله تعالى لا
~~ينتفع بعملهم الخير بل هو لهم ولا يتضرر بعملهم الشر بل هو عليهم  ولا
~~يخفى أنه بعيد  من جهة  قريب من أخرى  والضمير في { لها } للنفس
~~العامة والكلام على حذف مضاف هو ثواب في الأول وعقاب في الآخر، ومبين {
~~ما } الأولى: الخير لدلالة اللام الدالة على النفع عليه، ومبين { ما }
~~الثانية: الشر لدلالة  على  الدالة على الضر عليه وإيراد الإكتساب في
~~جانب الأخير لما فيه من زيادة المعنى وهو الاعتمال، والشر تشتهيه النفس
~~وتنجذب إليه فكانت أجد في تحصيله،/ ففيه إشارة إلى ما جبلت عليه النفوس
~~ولما لم يكن مثل ذلك في الخير استعمل الصيغة المجردة عن الاعتمال.

# { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } شروع في
~~حكاية بقية دعواتهم إثر بيان سر التكليف، وقيل: استيفاء لحكاية الأقوال،
~~وفي «البحر»  وهو المروي عن الحسن  أن ذلك على تقدير الأمر أي قولوا في
~~دعائكم ذلك فهو تعليم منه تعالى لعباده كيفية الدعاء والطلب منه وهذا من
~~غاية الكرم ونهاية الإحسان يعلمهم الطلب ليعطيهم ويرشدهم للسؤال ليثيبهم،
~~ولذلك قيل وقد ms01090 تقدم:

# لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه

# من فيض جودك ما علمتني الطلبا

# والمؤاخذة المعاقبة، وفاعل هنا بمعنى فعل، وقيل: المفاعلة على بابها لأن
~~الله تعالى يؤاخذ المذنب بالعقوبة والمذنب كأنه يؤاخذ ربه بالمطالبة
~~بالعفو إذ لا يجد من يخلصه من عذابه سواه فلذلك يتمسك العبد عند الخوف
~~منه به فعبر عن كل واحد بلفظ المؤاخذة ولا يخفى فساد هذا إلا بتكلف.

# واختلفوا في المراد من النسيان والخطأ على وجوه، الأول: أن المراد من
~~الأول الترك ومنه قوله:

# ولم أك عند الجود للجود قاليا

# ولا كنت يوم الروع للطعن ناسيا

# والمراد من الثاني العصيان لأن المعاصي توصف بالخطأ الذي هو ضد الصواب
~~وإن كان فاعلها متعمدا كأنه قيل: ربنا لا تعاقبنا على ترك الواجبات وفعل
~~المنهيات، الثاني: أن المراد منهما ما هما مسببان عنه من التفريط
~~والإغفال إذ قلما يتفقان إلا عن تقصير سابق فالمعنى لا تؤاخذنا بذلك
~~التقصير، الثالث: أن المراد بهما أنفسهما من حيث ترتبهما على ما ذكر، أو
~~مطلقا إذ لا امتناع في المؤاخذة بهما عقلا فإن المعاصي كالسموم فكما أن
~~تناولها ولو سهوا أو خطأ مؤد إلى الهلاك فتعاطي المعاصي أيضا لا يبعد
~~أن يفضي إلى العقاب وإن لم يكن عن عزيمة ولكنه تعالى وعد التجاوز عنه
~~رحمة منه وفضلا فيجوز أن يدعو الإنسان به استدامة واعتدادا بالنعمة
~~فيه. ويؤيد ذلك مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الطبراني، وقال
~~النووي حديث حسن:

# " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه "

# وأورد على هذا بأنه لا يتم على مذهب المحققين من أهل السنة والمعتزلة من
~~أن التكليف بغير المقدور غير جائز عقلا منه تعالى إذ لا يكون ترك
~~المؤاخذة على الخطأ والنسيان حينئذ فضلا يستدام ونعمة يعتد بها.

# { ربنا ولا تحمل علينا إصرا } أي عبئا ثقيلا يأصر
~~صاحبه أي يحبسه مكانه. والمراد به التكاليف الشاقة، وقيل: الإصر الذنب
~~الذي لا توبة له فالمعنى اعصمنا من اقترافه، وقرىء (آصارا) على الجمع،
~~وقرأ أبي  ولا تحمل ms01091  بالتشديد للمبالغة { كما حملته على
~~الذين من قبلنا } في حيز النصب على أنه صفة لمصدر محذوف أي
~~حملا مثل حملك إياه على من قبلنا، أو على أنه صفة لإصرا أي إصرا مثل
~~الإصر الذي حملته على من قبلنا  وهو ما كلفه بنو إسرائيل  من قتل النفس
~~في التوبة أو في القصاص لأنه كان لا يجوز غيره في شريعتهم وقطع موضع
~~النجاسة من الثياب ونحوها، وقيل: من البدن وصرف ربع المال في الزكاة.

# { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } استعفاء عن
~~العقوبات التي لا تطاق بعد الاستعفاء عما يؤدي إليها والتعبير عن إنزال
~~ذلك بالتحميل مجاز باعتبار ما يؤدى إليه، وجوز أن يكون طلبا لما هو أعم
~~من الأول لتخصيصه بالتشبيه إلا أنه صور فيه الإصر بصورة ما لا يستطاع
~~مبالغة، وقيل: هو استعفاء عن التكليف بما لا تفي به القدرة البشرية حقيقة
~~فتكون الآية دليلا على جواز التكليف بما لا يطاق وإلا لما سئل التخلص
~~عنه وليس بالقوي، والتشديد ههنا/ لمجرد تعدية الفعل لمفعول ثان دون
~~التكثير.

# { واعف عنا } أي امح آثار ذنوبنا بترك العقوبة. { واغفر لنا
~~} بستر القبيح وإظهار الجميل { وارحمنا } وتعطف علينا بما يوجب
~~المزيد، وقيل: { أعف عنا } من الأفعال { واغفر لنا } من
~~الأقوال { وارحمنا } بثقل الميزان، وقيل: { واعف عنا } في
~~سكرات الموت { واغفر لنا } في ظلمة القبور { وارحمنا } في
~~أهوال يوم النشور، قال أبو حيان: ولم يأت في هذه الجمل الثلاث بلفظ ربنا
~~لأنها نتائج ما تقدم من الجمل التي افتتحت بذلك فجاء  فاعف عنا 
~~مقابلا لقوله تعالى: { لا تؤاخذنا }  { واغفر لنا } لقوله
~~سبحانه: { ولا تحمل علينا إصرا }  { وارحمنا } لقوله
~~عز شأنه: { ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } لأن من آثار
~~عدم المؤاخذة بالنسيان والخطأ العفو، ومن آثار عدم حمل الإصر عليهم
~~المغفرة، ومن آثار عدم تحميل ما لا يطاق الرحمة ولا يخفى حسن الترتيب {
~~أنت مولنا } أي مالكنا وسيدنا، وجوز أن يكون بمعنى متولي الأمر
~~وأصله مصدر أريد به الفاعل وإذا ذكر المولى ms01092 والسيد وجب في الاستعمال
~~تقديم المولى فيقال: مولانا وسيدنا كما في قول الخنساء:

# وإن صخرا  لمولانا وسيدنا 

# وإن صخرا إذا اشتوا لمنحار

# وخطئوا من قال: سيدنا ومولانا بتقديم السيد على المولى  كما قاله ابن
~~أيبك  ولي فيه تردد قيل: والجملة على معنى القول أي قولوا أنت مولانا {
~~فانصرنا على القوم الكفرين } أي الأعداء في الدين
~~المحاربين لنا أو مطلق الكفرة وأتى بالفاء إيذانا بالسببية لأن الله
~~تعالى لما كان مولاهم ومالكهم ومدبر أمورهم تسبب عنه أن دعوه بأن ينصرهم
~~على أعدائهم فهو كقولك أنت الجواد فتكرم علي وأنت البطل فاحم الجار.

# ومن باب الإشارة في هذه الآيات: { لله ما فى السموات } أي
~~العوالم الروحانية كلها وما استتر في أستار غيوبه وخزائن علمه { وما
~~فى الأرض } أي العالم الجسماني والظواهر المشاهدة التي هي مظاهر
~~الأسماء والأفعال { وإن تبدوا ما في أنفسكم } يشهده بأسمائه
~~وظواهره فيحاسبكم به وإن تخفوه يشهده بصفاته وبواطنه ويحاسبكم به {
~~فيغفر } لكم { لمن يشآء } لتوحيده وقوة يقينه وعروض سيآته وعدم
~~رسوخها في ذاته { ويعذب من يشاء } لفساد اعتقاده ووجود شكه، أو
~~رسوخ سيآته في نفسه

# والله على كل شيء قدير

# [البقرة: 284] لأن به ظهور كل ظاهر وبطون كل باطن فيقدر على المغفرة
~~والتعذيب { آمن الرسول } الكامل الأكمل { بما أنزل إليه
~~من ربه } أي صدقه بقبوله والتخلق به فقد كان خلقه صلى الله عليه
~~وسلم القرآن والترقي بمعانيه والتحقق به { والمؤمنون كل ءامن
~~بالله } وحده مشاهدة حين لم يروا في الوجود سواه { وملئكته
~~وكتبه ورسله } حين رجوعهم إلى مشاهدتهم تلك الكثرة مظاهر
~~للوحدة يقولون { لا نفرق بين أحد من رسله } برد بعض
~~وقبول بعض لمشاهدة الحق فيهم بالحق { وقالوا سمعنا } أجبنا ربنا
~~في كتبه ورسله ونزول ملائكته واستقمنا في سيرنا { غفرانك ربنا }
~~أي اغفر وجوداتنا وصفاتنا واستر ذلك بوجودك وصفاتك فمنك المبدأ

# وإليك المصير

# [البقرة: 285] بالفناء فيك { لا يكلف الله نفسا إلا
~~وسعها } إلا ما يسعها ولا يضيق به طوقها واستعدادها من التجليات {
~~لها ما كسبت } من الخير والكمالات ms01093 والكشوف سواء كان ذلك باعتمال
~~أو بغير اعتمال { وعليها ما اكتسبت } وتوجهت إليه بالقصد من
~~السوء { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا } عهدك بميلنا إلى ظلمة
~~الطبيعة { أو أخطأنا } بالعمل على غير الوجه اللائق لحضرتك {
~~ربنا ولا تحمل علينا إصرا } وهو عبء الصفات والأفعال
~~الحابسة للقلوب من/ معاينة الغيوب { كما حملته على الذين
~~من قبلنا } من المحتجبين بظواهر الأفعال أو بواطن الصفات { ربنا
~~ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } من ثقل الهجران والحرمان
~~عن وصالك ومشاهدة جمالك بحجب جلالك { واعف عنا } سيآت أفعالنا
~~وصفاتنا فإنها سيآت حجبتنا عنك وحرمتنا برد وصالك ولذة رضوانك {
~~واغفر لنا } ذنوب وجودنا فإنه أكبر الكبائر { وارحمنا }
~~بالوجود الموهوب بعد الفناء { أنت مولنا } أي سيدنا ومتولي
~~أمورنا لأنا مظاهرك وآثار قدرتك { فانصرنا على القوم
~~الكفرين } من قوى نفوسنا الأمارة وصفاتها وجنود شياطين أوهامنا
~~المحجوبين عنك الحاجبين إيانا لكفرهم وظلمتهم.

# هذا وقد أخرج مسلم والترمذي من حديث ابن عباس لما نزلت هذه الآية فقرأها
~~صلى الله عليه وسلم قيل له عقيب كل كلمة قد فعلت، وأخرج أبو سعيد
~~والبيهقي عن الضحاك أن جبريل لما جاء بهذه الآية ومعه ما شاء الله تعالى
~~من الملائكة وقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له بعد كل كلمة لك
~~ذلك حتى فرغ منها، وأخرج أبو عبيد عن أبي ميسرة أن جبريل لقن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم عند خاتمة البقرة آمين، وأخرج الأئمة الستة في
~~«كتبهم» عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه "

# وأخرج الطبراني بسند جيد عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " إن الله تعالى كتب كتابا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام
~~فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ولا يقرآن في دار ثلاث ليال
~~فيقربها شيطان "

# وأخرج ابن عدي عن ابن مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " أنزل الله تعالى آيتين ms01094 من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق
~~الخلق بألفي عام من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل "

# وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في «الشعب» عن أبي ذر أن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم قال:

# " إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش
~~فتعلموهما وعلموهما نساءكم وأبناءكم فإنهما صلاة وقرآن ودعاء "

# وفي رواية أبي عبيد عن محمد بن المنكدر أنهن قرآن وأنهن دعاء وأنهن
~~يدخلن الجنة وأنهن يرضين الرحمن، وأخرج مسدد عن عمر رضي الله تعالى عنه
~~والدارمي عن علي كرم الله تعالى وجهه كلاهما قال: ما كنت أرى أحدا يعقل
~~ينام حتى يقرأ هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة. والآثار في فضلها كثيرة
~~وفيما ذكرنا كفاية لمن وفقه الله تعالى. اللهم اجعل لنا من إجابة هذه
~~الدعوات أوفر نصيب، ووفقنا للعمل الصالح والقول المصيب، واجعل القرآن
~~ربيع قلوبنا وجلاء أسماعنا ونزهة أرواحنا ويسر لنا إتمام ما قصدناه ولا
~~تجعل لنا مانعا عما بتوفيقك أردناه، وصل وسلم على خليفتك الأعظم، وكنزك
~~المطلسم، وعلى آله الواقفين على أسرار كتابك، وأصحابه الفائزين بحكم
~~خطابك ما ارتاحت روح وحصل لقارع باب جودك فتوح.

### | [3 - سورة آل عمران]

### || [3.1-2]

# قرأ أبو جعفر والأعمش والبرجمي عن أبي بكر عن عاصم بسكون الميم وقطع
~~الهمزة ولا إشكال فيها لأن طريق التلفظ فيما لا تكون من هذه الفواتح
~~مفردة  كص  ولا موازنة المفرد  كحم  حسبما ذكر في «الكتاب» الحكاية
~~فقط ساكنة الإعجاز على الوقف سواء جعلت أسماء، أو مسرودة على نمط التعديد
~~وإن لزمها التقاء الساكنين لما أنه مغتفر في باب الوقف قطعا، ولذا ضعفت
~~قراءة عمرو بن عبيد بكسر الميم، والجمهور يفتحون الميم ويطرحون الهمزة من
~~الاسم الكريم قيل: / وإنما فتحت لإلقاء حركة الهمزة عليها ليدل على أنها
~~في حكم الثابت لأنها أسقطت للتخفيف لا للدرج فإن الميم في حكم الوقف
~~كقوله: واحد اثنان لا لالتقاء الساكنين  كما قال سيبويه  فإنه غير
~~محذور في باب الوقف ولذلك لم تحرك ms01095 في لام  وإلى ذلك ذهب الفراء  وفي
~~«البحر» إنه ضعيف لإجماعهم على أن الألف الموصولة في التعريف تسقط في
~~الوصل وما يسقط لا تلقى حركته  كما قاله أبو علي وقولهم: إن الميم في
~~حكم الوقف وحركتها حركة الإلقاء مخالف لإجماع العرب، والنحاة أنه لا يوقف
~~على متحرك ألبتة سواء في ذلك حركة الإعراب والبناء والنقل والتقاء
~~الساكنين والحكاية والاتباع فلا يجوز في

# قد أفلح

# [المؤمنون: 1] إذا حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى الدال أن تقف على دال {
~~قد } بالفتحة بل تسكنها قولا واحدا، وأما تنظيرهم بواحد اثنان بإلقاء
~~حركة الهمزة على الدال فإن سيبويه ذكر أنهم يشمون آخر واحد لتمكنه  ولم
~~يحك الكسر  لغة فإن صح الكسر فليس واحد موقوفا عليه كما زعموا، ولا
~~حركته حركة نقل من همزة الوصل ولكنه موصول بقولهم: اثنان فالتقى ساكنان
~~دال واحد، وثاء اثنين فكسرت الدال لالتقائهما وحذفت الهمزة لأنها لا تثبت
~~في الوصل، وأما قولهم: إنه غير محذور في باب الوقف ولذلك لم يحرك في لام،
~~فجوابه أن الذي قال: إن الحركة لالتقاء الساكنين لم يرد بهما التقاء
~~الياء والميم من  ألم  في الوقف بل أراد الميم الأخير من  ألم  ولام
~~التعريف فهو كالتقاء نون من، ولام الرجل  إذ قلت من الرجل؟ على أن في
~~قولهم تدافعا فإن سكون آخر الميم إنما هو على نية الوقف عليها وإلقاء
~~حركة الهمزة عليها إنما هو على نية الوصل، ونية الوصل توجب حذف الهمزة،
~~ونية الوقف على ما قبلها توجب ثباتها وقطعها، وهذا متناقض، ولذا قال
~~الجاربردي: الوجه ما قاله سيبويه، والكثير من النحاة أن تحريك الميم
~~لالتقاء الساكنين واختيار الفتح لخفته وللمحافظة على تفخيم الاسم الجليل،
~~واختار ذلك ابن الحاجب  وادعى أن في مذهب الفراء حملا على الضعيف لأن
~~إجراء الوصل مجرى الوقف ليس بقوي في اللغة.

# وقال غير واحد: لا بد من القول بإجراء الوصل مجرى الوقف، والقول: بأنه
~~ضعيف غير مسلم ولئن سلم فغير ناهض لأنه قوى فيما المطلوب منه الخفة 
~~كثلاثة أربعة  وههنا ms01096 الاحتياج إلى التخفيف أمس ولهذا جعلوه من موجبات
~~الفتح، وإنما قيل ذلك لأن هذه الأسماء من قبيل المعربات وسكونها سكون وقف
~~لا بناء وحقها أن يوقف عليها، و { الم } رأس آية ثم إن جعلت اسم السورة
~~فالوقف عليها لأنها كلام تام وإن جعلت على نمط التعديد لأسماء الحروف إما
~~قرعا للعصا أو مقدمة لدلائل الإعجاز فالواجب أيضا القطع والابتداء بما
~~بعدها تفرقة بينها وبين الكلام المستقل المفيد بنفسه فإذن القول بنقل
~~الحركة هو المقبول لأن فيه إشعارا بإبقاء أثر الهمزة المحذوفة للتخفيف
~~المؤذن بالابتداء والوقف ولا كذلك القول بأن الحركة لالتقاء الساكنين
~~وحيث كانت حركة الميم لغيرها كانت في حكم الوقف على السكون دون الحركة
~~كما توهم لئلا يلزم المحذر  وكلام الزمخشري في هذا المقام مضطرب ففي
~~«الكشاف» اختار مذهب الفراء، وفي «المفصل» اختار مذهب سيبويه، ولعل
~~الأول: مبني على الاجتهاد والثاني: على التقليد والنقل لما في «الكتاب» 
~~لأن «المفصل» مختصره فتدبر.

# وقد تقدم الكلام على ما يتعلق بالفواتح من حيث الإعراب وغيره، وفيه
~~كفاية لمن أخذت العناية بيده، والاسم الجليل مبتدأ وما بعده خبره،
~~والجملة مستأنفة أي هو المستحق للعبودية لا غير، و { الحى
~~القيوم } خبر بعد خبر له أو خبر لمبتدأ محذوف أي هو الحي القيوم لا
~~غير، وقيل: هو صفة للمبتدأ أو بدل منه أو من الخبر الأول أو هو الخبر وما
~~قبله اعتراض بين المبتدأ والخبر مقرر لما يفيده الإسم الكريم، أو حال منه
~~على رأي من يرى صحة ذلك وأيا ما كان فهو كالدليل/ على اختصاص استحقاق
~~المعبودية به سبحانه، وقد أخرج الطبراني وابن مردويه من حديث أبي أمامة
~~مرفوعا " أن اسم الله الأعظم في ثلاث سور سورة البقرة وآل عمران وطه،
~~وقال أبو أمامة: فالتمستها فوجدت في البقرة [255]

# الله لا إله إلا هو الحى القيوم

# وفي آل عمران { الله لا إله إلا هو الحى القيوم
~~} وفي طه [111]

# وعنت الوجوه للحى القيوم

# وقرأ عمر وابن مسعود وأبي وعلقمة  الحي القيام  وهذا رد على النصارى
~~الزاعمين ms01097 أن عيسى عليه السلام كان ربا، فقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير
~~وابن المنذر عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: «قدم على النبي صلى الله
~~عليه وسلم وفد نجران وكانوا ستين راكبا فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم
~~فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة والعاقب وعبد
~~المسيح والأيهم السيد وهو من النصرانية على دين الملك مع اختلاف أمرهم
~~يقولون: هو الله تعالى، ويقولون: هو ولد الله تعالى، ويقولون: هو ثالث
~~ثلاثة كذلك قول النصرانية، وهم يحتجون لقولهم يقولون: هو الله تعالى فإنه
~~كان يحي الموتى ويبرىء الأسقام ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير
~~فينفخ فيه فيكون طيرا، ويحتجون في قولهم إنه ولد الله تعالى: بأنه لم
~~يكن له أب يعلم وقد تكلم في المهد وصنع ما لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله،
~~ويحتجون في قولهم إنه ثالث ثلاثة: إن الله تعالى يقول فعلنا وأمرنا
~~وخلقنا وقضينا فلو كان واحدا ما قال إلا فعلت وأمرت وخلقت وقضيت ولكنه
~~هو وعيسى ومريم، ففي كل ذلك من قولهم نزل القرآن وذكر الله تعالى لنبيه
~~صلى الله عليه وسلم فيه قولهم فلما كلمه الحبران وهما  العاقب والسيد 
~~كما في رواية الكلبي والربيع عن أنس قال لهما رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: أسلما قالا:

# " قد أسلمنا قبلك قال: كذبتما منعكما من الإسلام دعاؤكما لله تعالى
~~ولدا وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير؟ قالا: فمن أبوه يا محمد؟ وصمت
~~فلم يجب شيئا "

# فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم، واختلاف أمرهم كله صدر سورة آل عمران
~~إلى بضع وثمانين آية منها فافتتح السورة بتنزيه نفسه مما قالوا وتوحيده
~~إياها بالخلق والأمر لا شريك له فيه، ورد عليهم ما ابتدعوا من الكفر
~~وجعلوا معه من الأنداد، واحتج عليهم بقولهم في صاحبهم ليعرفهم بذلك
~~ضلالتهم فقال: { الم الله لا إله إلا هو الحى
~~القيوم } أي ليس معك غيره شريك في أمره الحي الذي لا يموت وقد مات
~~عيسى عليه السلام ms01098 في قولهم: (القيوم) القائم على سلطانه لا يزول وقد زال
~~عيسى، وفي رواية ابن جرير عن الربيع قال:

# " إن النصارى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فخاصموه في عيسى ابن
~~مريم وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على الله تعالى الكذب والبهتان فقال لهم
~~النبي صلى الله عليه وسلم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه
~~أباه؟ قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي
~~عليه الفناء؟ قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه
~~ويحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟ قالوا: لا
~~قال: ألستم تعلمون أن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في
~~السماء؟ قالوا: بلى قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا إلا ما علم؟ قالوا:
~~لا قال: ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء وأن ربنا لا
~~يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث؟ قالوا: بلى قال: ألستم
~~تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها
~~ثم غذي كما يغذى الصبي ثم كان يأكل الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟
~~قالوا: بلى قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فعرفوا ثم أبوا إلا جحودا
~~فأنزل { الم الله لا إله إلا هو الحى القيوم }
~~".

### || [3.3]

# { نزل عليك الكتب } أي القرآن الجامع للأصول والفروع ولما
~~كان وما يكون إلى يوم القيامة، وفي التعبير عنه باسم الجنس إيذان بتفوقه
~~على بقية الأفراد في الانطواء على كمالات/ الجنس كأنه هو الحقيق بأن يطلق
~~عليه اسم الكتاب دون ما عداه كما يلوح إليه التصريح باسم التوراة و
~~الإنجيل، وفي الإتيان بالظرف وتقديمه على المفعول الصريح واختيار ضمير
~~الخطاب، وإيثار  على  على إلى ما لا يخفى من تعظيمه صلى الله عليه وسلم
~~والتنويه برفعة شأنه عليه الصلاة والسلام؛ والجملة إما مستأنفة أو خبر
~~آخر للاسم الجليل أو هي الخبر، وما قبل كله اعتراض أو حال، و ms01099

# الحى القيوم

# [آل عمران: 2] صفة أو بدل، وقرأ الأعمش { نزل } بالتخفيف، ورفع
~~الكتاب والجملة حينئذ منقطعة عما قبلها، وقيل: متعلقة به بتقدير من عنده
~~{ بالحق } أي بالصدق في أخباره أو بالعدل  كما نص عليه الراغب  أو
~~بما يحقق أنه من عند الله تعالى من الحجج القطعية وهو في موضع الحال أي
~~متلبسا بالحق أو محقا، وفي «البحر» يحتمل أن يكون الباء للسببية أي
~~بسبب إثبات الحق { مصدقا } حال من الكتاب إثر حال أو بدل من موضع
~~الحال الأول أو حال من الضمير في المجرور وعلى كل حال فهي حال مؤكدة {
~~لما بين يديه } أي الكتب السالفة والظرف مفعول (مصدقا) واللام
~~لتقوية العمل وكيفية تصديقه لما تقدم تقدمت.

# { وأنزل التوراة والإنجيل } ذكرهما تعيينا (لما بين
~~يديه) وتبيينا لرفعة محله بذلك تأكيد لما قبل وتمهيد لما بعد ولم يذكر
~~المنزل عليه فيهما لأن الكلام في الكتابين لا فيمن نزلا عليه والتعبير 
~~بأنزل  فيهما للإشارة إلى أنه لم يكن لهما إلا نزول واحد وهذا بخلاف
~~القرآن فإن له نزولين، نزول من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من سماء
~~الدنيا جملة واحدة، ونزول من ذلك إليه صلى الله عليه وسلم منجما في ثلاث
~~وعشرين سنة على المشهور، ولهذا يقال فيه: نزل وأنزل وهذا أولى مما قيل:
~~إن  نزل  يقتضي التدريج وأنزل يقتضي الإنزال الدفعي إذ يشكل عليه

# لولا نزل عليه القرءان جملة وحدة

# [الفرقان: 32] حيث قرن  نزل  بكونه جملة، وقوله تعالى:

# وقد نزل عليكم فى الكتب

# [النساء: 140] وذكر بعض المحققين لهذا المقام أن التدريج ليس هو التكثير
~~بل الفعل شيئا فشيئا كما في تسلسل، والألفاظ لا بد فيها من ذلك فصيغة 
~~نزل  تدل عليه، والإنزال مطلق لكنه إذا قامت القرينة يراد بالتدريج
~~التنجيم، وبالإنزال الذي قد قوبل به خلافه، أو المطلق بحسب ما يقتضيه
~~المقام.

# واختلف في اشتقاق «التوراة» و «الإنجيل» فقيل: اشتقاق الأول من ورى
~~الزناد إذا قدح فظهر منه النار لأنها ضياء ونور بالنسبة لما عدا القرآن
~~تجلو ظلمة الضلال، وقيل: من ms01100 ورى في كلام إذا عرض لأن فيها رموزا كثيرة
~~وتلويحات جليلة، ووزنها عند الخليل وسيبويه فوعلة كصومعة، وأصله وورية
~~بواوين فأبدلت الأولى تاءا وتحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا
~~فصارت  توراة  وكتبت بالياء تنبيها على الأصل ولذلك أميلت، وقال
~~الفراء: وزنها تفعلة بكسر العين فأبدلت الكسرة فتحة وقلبت الياء ألفا
~~وفعل ذلك تخفيفا كما قالوا في توصية توصاة، واعترضه البصريون بأن هذا
~~البناء قليل وبأنه يلزم منه زيادة التاء أولا وهي لا تزاد كذلك إلا في
~~مواضع ليس هذا منها، وذهب بعض الكوفيين إلى أن وزنها تفعلة بفتح العين
~~فقلبت الياء ألفا، وقيل: اشتقاق الثاني من  النجل  بفتح فسكون وهو
~~الماء الذي ينز من الأرض، ومنه النجيل لما ينبت فيه ويطلق على الوالد
~~والولد وهو أعرف فهو ضد  كما قاله الزجاج  وهو من نجل بمعنى ظهر سمي به
~~لأنه مستخرج من اللوح المحفوظ وظاهر منه أو من التوراة، وقيل: من النجل
~~وهو التوسعة، ومنه عين نجلاء لسعتها لأن فيه توسعة ما لم تكن في التوراة
~~إذ حلل فيه بعض ما حرم فيها، وقيل: مشتق من التناجل وهو التنازع يقال
~~تناجل الناس إذا تنازعوا وسمي/ به لكثرة التنازع فيه  كذا قيل  ولا
~~يخفى أن أمر الاشتقاق والوزن على تقدير عربية اللفظين ظاهر، وأما على
~~تقدير  أنهما أعجميان أولهما عبراني والآخر سرياني وهو الظاهر  فلا
~~معنى له على الحقيقة لأن الاشتقاق من ألفاظ أخر أعجمية مما لا مجال
~~لإثباته، ومن ألفاظ عربية كما سمعت استنتاج للضب من الحوت فلم يبق إلا
~~أنه بعد التعريب أجروه مجرى أبنيتهم في الزيادة والأصالة وفرضوا له أصلا
~~ليتعرف ذلك كما أشرنا إليه فيما قبل، والاستدلال  على عربيتهما بدخول
~~اللام لأن دخولها في الأعلام العجمية محل نظر  محل نظر لأنهم ألزموا بعض
~~الأعلام الأعجمية الألف واللام علامة للتعريف  كما في الإسكندرية  فإن
~~أبا زكريا التبريزي قال: إنه لا يستعمل بدونها مع الاتفاق على أعجميته.

# ومما يؤيد أعجمية «الإنجيل» ما روي عن الحسن أنه قرأه بفتح الهمزة، ms01101
~~وأفعيل ليس من أبنية العرب.

### || [3.4]

# { من قبل } متعلق  ب

# وأنزل

#  [آل عمران: 3] أي أنزلهما من قبل تنزيل الكتاب، وقيل: من قبلك
~~والتصريح به مع ظهور الأمر للمبالغة في البيان كذا قالوا برمتهم، وأنا
~~أقول التصريح به للرمز إلى أن إنزالهما متضمن للإرهاص لبعثته صلى الله
~~عليه وسلم حيث قيد الإنزال المقيد بمن قبل بقوله سبحانه: { هدى
~~للناس } أي أنزلهما كذلك لأجل هداية الناس الذين أنزلا عليهم إلى
~~الحق الذي من جملته الإيمان به صلى الله عليه وسلم واتباعه حيث يبعث لما
~~اشتملتا عليه من البشارة به والحث على طاعته عليه الصلاة والسلام
~~والهداية بهما بعد نسخ أحكامهما بالقرآن إنما هي من هذا الوجه لا غير،
~~والقول بأنه يهتدى بهما أيضا فيما عدا الشرائع المنسوخة من الأمور التي
~~يصدقها القرآن  ليس بشيء لأن الهداية إذ ذاك بالقرآن المصدق لا بهما كما
~~لا يخفى على المنصف، ويجوز أن ينتصب (هدى) على أنه حال منهما والإفراد
~~لما أنه مصدر جعلا نفس الهدى مبالغة أو حذف منه المضاف أي ذوي هدى، وجعله
~~حالا من

# الكتب

# [آل عمران: 3] مما لا ينبغي أن يرتكب فيه.

# { وأنزل الفرقان } أخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه القرآن فرق
~~به بين الحق والباطل فأحل فيه حلاله وحرم حرامه وشرع شرائعه وحد حدوده
~~وفرائضه وبين بيانه وأمر بطاعته ونهى عن معصيته، وذكر بهذا العنوان بعد
~~ذكره باسم الجنس تعظيما لشأنه ورفعا لمكانه، وأخرج ابن جرير عن محمد بن
~~جعفر بن الزبير أنه الفاصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من
~~أمر عيسى عليه السلام وغيره، وأيد هذا بأن صدر السورة كما قدمنا نزلت في
~~محاجة النصارى للنبي صلى الله عليه وسلم في أمر أخيه عيسى عليه السلام
~~وعليه يكون المراد  بالفرقان  بعض القرآن ولم يكتف باندراجه في ضمن
~~الكل اعتناءا به، ومثل هذا القول ما روي عن أبي عبد الله رضي الله
~~تعالى عنه أن المراد به كل آية محكمة، وقيل: المراد به جنس الكتب الإلهية
~~عبر عنها ms01102 بوصف شامل لما ذكر منها وما لم يذكر على طريق التتميم بالتعميم
~~إثر تخصيص بعض مشاهيرها بالذكر، وقيل: نفس الكتب المذكورة أعيد ذكرها
~~بوصف خاص لم يذكر فيما سبق على طريق العطف بتكرير لفظ الإنزال تنزيلا
~~للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي، وقيل: المراد به الزبور وتقديم
~~الإنجيل عليه مع تأخره عنه نزولا لقوة مناسبته للتوراة في الاشتمال على
~~الأحكام وشيوع اقترانهما في الذكر، واعترض بأن الزبور مواعظ فليس فيه ما
~~يفرق بين الحق والباطل من الأحكام، وأجيب بأن المواعظ لما فيها من الزجر
~~والترغيب فارقة أيضا ولخفاء الفرق فيها خصت بالتوصيف به، وأورد عليه بأن
~~ذكر الوصف دون الموصوف يقتضي شهرته به حتى يغني عن ذكر موصوفه والخفاء
~~إنما يقتضي إثبات الوصف دون التعبير به، وقيل: المراد به المعجزات
~~المقرونة بإنزال الكتب المذكورة الفارقة بين المحق/ والمبطل، وعلى أي
~~تقدير كان فهو مصدر في الأصل كالغفران أطلق على الفاعل مبالغة.

# { إن الذين كفروا بأيت الله } يحتمل أن تكون الإضافة
~~للعهد إشارة إلى ما تقدم من آيات الكتب المنزلة، ويحتمل أن تكون للجنس
~~فتصدق الآيات على ما يتحقق في ضمن ما تقدم وعلى غيره كالمعجزات وأضافها
~~إلى الاسم الجليل تعيينا لحيثية كفرهم وتهويلا لأمرهم وتأكيدا
~~لاستحقاقهم العذاب، والمراد بالموصول إما من تقدم في سبب النزول أو أهل
~~الكتابين أو جنس الكفرة وعلى التقديرين يدخل أولئك فيه دخولا أوليا {
~~لهم عذاب شديد } ابتداء وخبر في موضع خبر إن ويجوز أن يرتفع
~~العذاب بالظرف والتنكير للتفخيم ففيه إشارة إلى أنه لا يقدر قدره وهو
~~مناط الحصر المستفاد من تقديم الظرف والتعليق بالموصول الذي هو في حكم
~~المشتق يشعر بالعلية وهو معنى تضمنه الشرط وترك فيه الفاء لظهوره فهو
~~أبلغ إذا اقتضاه المقام.

# { والله عزيز } أي غالب على أمره يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد {
~~ذو انتقام } افتعال من النقمة وهي السطوة والتسلط يقال: انتقم منه
~~إذا عاقبه بجنايته، ومجرده  نقم  بالفتح والكسر وجعله بعضهم بمعنى كره
~~لا غير والتنوين للتفخيم، واختار هذا التركيب ms01103 على منتقم مع اختصاره لأنه
~~أبلغ منه إذ لا يقال صاحب سيف إلا لمن يكثر القتل لا لمن معه السيف
~~مطلقا، والجملة اعتراض تذييلي مقرر للوعيد مؤكد له.

### || [3.5]

# استئناف لبيان سعة علمه سبحانه وإحاطته بجميع ما في العالم الذي من
~~جملته إيمان من آمن وكفر من كفر إثر بيان كمال قدرته وعظيم عزته وفي بيان
~~ذلك تربية للوعيد وإشارة إلى دليل كونه حيا وتنبيه على أن الوقوف على
~~بعض المغيبات كما وقع لعيسى عليه السلام بمعزل من بلوغ رتبة الصفات
~~الإلهية، والمراد من الأرض والسماء العالم بأسره، وجعله الكثير مجازا
~~من إطلاق الجزء وإرادة الكل، ومن قال: إنه لا يصح في (كل) كل وجزء بناءا
~~على اشتراط التركيب الحقيقي وزوال ذلك الكل بزوال ذلك الجزء جعل المذكور
~~كناية لا مجازا، وتقديم الأرض على السماء إظهارا للاعتناء بشأن أحوال
~~أهلها واهتماما بما يشير إلى وعيد ذوي الضلالة منهم وليكون ذكر السماء
~~بعد من باب العروج قيل: ولذا وسط حرف النفي بينهما، والجملة المنفية خبر
~~لأن، وتكرير الإسناد لتقوية الحكم وكلمة  في  متعلقة بمحذوف وقع صفة
~~لشيء مؤكدة لعمومه المستفاد من وقوعه في سياق النفي أي لا يخفى عليه شيء
~~ما كائن في العالم بأسره كيفما كانت الظرفية، والتعبير بعدم الخفاء أبلغ
~~من التعبير بالعلم، وجوز أبو البقاء تعلق الظرف  بيخفى .

### || [3.6]

# وقوله تعالى: { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف
~~يشاء } جملة مستأنفة على الصحيح ناطقة ببعض أحكام قيوميته تعالى مشيرة
~~إلى تقرير علمه مع زيادة بيان لتعلقه بالأشياء قبل وجودها، و  التصوير 
~~جعل الشيء على صورة لم يكن عليها، والصورة هيئة يكون عليها الشيء
~~بالتأليف، والأرحام جمع رحم وهي معلومة وكأنها أخذت من الرحمة لأنها مما
~~يتراحم بها ويتعاطف، وكلمة { في } متعلقة  بيصور  وجوز أن يكون حالا
~~من المفعول أي يصوركم وأنتم في الأرحام مضغ، و { كيف } في موضع نصب 
~~بيشاء  وهو حال، والمفعول محذوف تقديره يشاء تصويركم، وقيل: { كيف }
~~ظرف  ليشاء  والجملة في موضع الحال أي: يصوركم على مشيئته ms01104 أي مريدا إن
~~كان الحال من الفاعل أو يصوركم متقلبين على مشيئته تابعين لها في قبول
~~الأحوال المتغايرة من كونكم نطفا ثم علقا ثم مضغا  ثم، وثم  وفي
~~الاتصاف بالصفات المختلفة من الذكورة والأنوثة والحسن/ والقبح وغير ذلك،
~~وفيه من الدلالة على بطلان زعم من زعم ربوبية عيسى عليه السلام مع تقلبه
~~في الأطوار ودوره في فلك هذه الأدوار حسبما شاءه الملك القهار وركاكة
~~عقولهم ما لا يخفى، وقرأ طاوس  تصوركم  على صيغة الماضي من التفعل أي
~~اتخذ صوركم لنفسه وعبادته فهو من باب توسد التراب أي اتخذه وسادة فما
~~قيل: كأنه من تصورت الشيء بمعنى توهمت صورته فالتصديق أنه توهم محض.

# { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } كرر الجملة الدالة
~~على نفي الإلهية عن غيره تعالى وانحصارها فيه توكيدا لما قبلها ومبالغة
~~في الرد على من ادعى إلهية عيسى عليه السلام وناسب مجيئها بعد الوصفين
~~السابقين من العلم والقدرة إذ من هذان الوصفان له هو المتصف بالألوهية لا
~~غيره ثم أتى بوصف العزة الدالة على عدم النظير أو التناهي في القدرة
~~والحكمة لأن خلقهم على ما ذكر من النمط البديع أثر من آثار ذلك.

### || [3.7]

# { هو الذى أنزل عليك الكتب } استئناف لإبطال شبه
~~الوفد وإخوانهم الناشئة عما نطق به القرآن في نعت المسيح عليه السلام إثر
~~بيان اختصاص الربوبية ومناطها به سبحانه. قيل: إن الوفد قالوا لرسول الله
~~صلى الله عليه وسلم: ألست تزعم أن عيسى كلمة الله تعالى وروح منه؟ قال:
~~بلى قالوا: فحسبنا ذلك (فنعى سبحانه عليهم زيغهم) وفتنتهم وبين أن الكتاب
~~مؤسس على أصول رصينة وفروع مبنية عليها ناطقة بالحق قاضية ببطلان ما هم
~~عليه  كذا قيل  ومنه يعلم وجه مناسبة الآية لما قبلها، واعترض بأن هذا
~~الأثر لم يوجد له أثر في " الصحاح " ولا سند يعول عليه في غيرها، وقصارى
~~ما وجد عن الربيع أن المراد بالموصول الآتي الوفد، وفيه أن الأثر بعينه
~~أخرجه في «الدر المنثور» عن أبي حاتم وابن جرير عن الربيع، وعن ms01105 بعضهم أن
~~الآية نزلت في اليهود، وذلك حين مر أبو ياسر بن أخطب (فجاء رجل من يهود
~~لرسول) الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة [1-2]

# الم * ذلك الكتاب

# فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من يهود فقال: أتعلمون والله لقد سمعت
~~محمدا يتلو فيما أنزل عليه { الم * ذلك الكتاب } فقال: أنت
~~سمعته؟ قال: نعم فمشى حي وافى أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فقال: ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل عليك { الم * ذلك
~~الكتاب }؟ فقال: بلى فقال: لقد بعث الله تعالى قبلك أنبياء ما نعلمه
~~بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك. الألف واحدة واللام
~~ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة هل مع هذا غيره؟ قال: نعم

# المص

# [الأعراف: 1] قال: هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم
~~أربعون والصاد تسعون فهذه مائة وإحدى وستون سنة هل مع هذا غيره؟ قال: نعم

# الر

# [يونس: 1] قال: هذه أثقل وأطول هل مع هذا غيره؟ قال: بلى

# المر

# [الرعد: 1] قال: هذه أثقل وأطول ثم قال: لقد لبس علينا أمرك حتى ما ندري
~~أقليلا أعطيت أم كثيرا ثم قال: قوموا ثم قال أبو ياسر لأخيه ومن معه:
~~وما يدريكم لعله لقد جمع هذا كله لمحمد؟ فقالوا: لقد تشابه علينا أمره».
~~وقد أخرج ذلك البخاري في «التاريخ» وابن جرير وغيرهما عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما إلا أن فيه فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم وهو مؤذن
~~بعدم الجزم بذلك ومع هذا يبعده ما تقدم من رواية «إن الله تعالى أنزل في
~~شأن أولئك الوفد من مصدر آل عمران إلى بضع وثمانين آية» وعلى تقدير
~~الإغماض عن هذا يحتمل أن يكون وجه اتصال الآية بما قبلها أن في المتشابه
~~خفاءا كما أن تصوير ما في الأرحام كذلك أو أن في هذه تصوير الروح بالعلم
~~وتكميله به وفيما قبلها تصوير الجسد وتسويته فلما أن في كل منهما تصويرا
~~وتكميلا في الجملة ناسب/ ذكره ms01106 معه ولما أن بين التصوير الحقيقي الجسماني
~~والذي ليس هو كذلك من الروحاني من التفاوت والتباين ترك العطف.

# وقوله سبحانه: { منه آيت } الظرف فيه خبر مقدم، وآيات مبتدأ مؤخر
~~أو بالعكس، ورجح الأول: بأنه الأوفق بقواعد الصناعة، والثاني: بأنه أدخل
~~في جزالة المعنى إذ المقصود الأصلي انقسام الكتاب إلى القسمين المعهودين
~~لا كونهما من الكتاب، والجملة إما مستأنفة أو في حيز النصب على الحالية
~~من الكتاب أي هو الذي أنزل عليك الكتاب كائنا على هذه الحالة أي منقسما
~~إلى محكم وغيره أو الظرف وحده حال و (آيات) مرتفع به على الفاعلية {
~~محكمت } صفة (آيات) أي واضحة المعنى ظاهرة الدلالة محكمة العبارة
~~محفوظة من الاحتمال والاشتباه { هن أم الكتب } أي أصله
~~والعمدة فيه يرد إليها غيرها والعرب تسمي كل جامع يكون مرجعا  أما 
~~والجملة إما صفة لما قبلها أو مستأنفة وإنما أفرد  الأم  مع أن الآيات
~~متعددة لما أن المراد بيان أصلية كل واحدة منها أو بيان أن الكل بمنزلة
~~آية واحدة { وأخر } نعت لمحذوف معطوف على (آيات) أي  وآيات أخر 
~~وهي كما قال الرضي: جمع أخرى التي هي مؤنث آخر ومعناه في الأصل أشد
~~تأخرا فمعنى  جاءني زيد، ورجل آخر  جاءني زيد، ورجل أشد تأخرا منه في
~~معنى من المعاني، ثم نقل إلى معنى غيره فمعنى رجل آخر رجل غير زيد ولا
~~يستعمل إلا فيما هو من جنس المذكور أولا فلا يقال: جاءني زيد وحمار آخر
~~ولا امرأة أخرى، ولما خرج عن معنى التفضيل استعمل من دون لوازم أفعل
~~التفضيل أعني  من  والإضافة واللام وطوبق بالمجرد عن اللام والإضافة ما
~~هو له نحو رجلان آخران ورجال آخرون وامرأة أخرى وامرأتان أخريان ونسوة
~~أخر.

# وذهب أكثر النحويين إلى أنه غير منصرف لأنه وصف معدول عن الآخر قالوا:
~~لأن الأصل في أفعل التفضيل أن لا يجمع إلا مقرونا بالألف واللام 
~~كالكبر والصغر  فعدل عن أصله وأعطى من الجمعية مجردا ما لا يعطي غيره
~~إلا مقرونا، وقيل: الدليل على عدل (أخر) أنه لو ms01107 كان مع من المقدرة كما
~~في  الله أكبر  للزم أن يقال بنسوة آخر على وزن أفعل لأن أفعل التفضيل
~~ما دام بمن ظاهرة أو مقدرة لا يجوز مطابقته لمن هو له بل يجب إفراده، ولا
~~يجوز أن يكون بتقدير الإضافة لأن المضاف إليه لا يحذف إلا مع بناء
~~المضاف، أو مع ساد مسد المضاف إليه، أو مع دلالة ما أضيف إليه تابع
~~المضاف أخذا من استقراء كلامهم فلم يبق إلا أن يكون أصله اللام، واعترض
~~عليه أبو علي بأنه لو كان كذلك وجب أن يكون معرفة كسحر.

# وأجيب بأنه لا يلزم في المعدول عن شيء أن يكون بمعناه من كل وجه وإنما
~~يلزم أن يكون قد أخرج عما يستحقه وما هو القياس فيه إلى صيغة أخرى، نعم
~~قد تقصد إرادة تعريفه بعد النقل إما بألف ولام يضمن معناها فيبنى، أو إما
~~بعلمية كما في سحر فيمنع من الصرف، ولما لم يقصد في (أخر) إرادة الألف
~~واللام أعرب، ولا يصح إرادة العلمية لأنها تضاد الوصفية المقصودة منه.
~~وقال ابن جني: إنه معدول عن آخر من، وزعم ابن مالك أنه التحقيق وظاهر
~~كلام أبي حيان اختياره  واستدلوا عليه بما لا يخلو عن نظر .

# ووصف آخر بقوله سبحانه: { متشبهت } وهي في الحقيقة صفة لمحذوف
~~أي محتملات لمعان متشابهات لا يمتاز بعضها عن بعض في استحقاق الإرادة ولا
~~يتضح الأمر إلا بالنظر الدقيق، وعدم الاتضاح قد يكون للاشتراك أو
~~للإجمال، أو لأن ظاهره التشبيه فالمتشابه في الحقيقة وصف لتلك المعاني
~~وصف به الآيات على طريقة وصف الدال بما هو وصف للمدلول فسقط ما قيل: إن
~~واحد متشابهات متشابهة، / وواحد (أخر) أخرى، والواحد هنا لا يصح أن يوصف
~~بهذا الواحد فلا يقال: أخرى متشابهة إلا أن يكون بعض الواحدة يشبه بعضا
~~ وليس المعنى على ذلك  وإنما المعنى أن كل آية تشبه آية أخرى فكيف صح
~~وصف الجمع بهذا الجمع ولم يصح وصف مفرده بمفرده؟! ولا حاجة إلى ما تكلف
~~في الجواب عنه بأنه ليس من ms01108 شرط صحة وصف المثنى والمجموع صحة بسط مفردات
~~الأوصاف على أفراد الموصوفات كما أنه لا يلزم من الإسناد إليهما صحة
~~إسناده إلى كل واحد كما في

# فوجد فيها رجلين يقتتلان

# [القصص: 15] إذ الرجل لا يقتتل، وقيل: إنه لما كان من شأن الأمور
~~المتشابهة أن يعجز العقل عن التمييز بها سمي كل ما لا يهتدي العقل إليه
~~متشابها وإن لم يكن ذلك بسبب التشابه كما أن المشكل في الأصل ما دخل في
~~أشكاله وأمثاله ولم يعلم بعينه ثم أطلق على كل غامض وإن لم يكن غموضه من
~~تلك الجهة وعليه يكون المتشابه مجازا أو كناية عما لا يتضح معناه مثلا
~~فيكون السؤال مغالطة غير واردة رأسا وهذا الذي ذكره في تفسير المحكم
~~والمتشابه هو مذهب كثير من الناس  وعليه الشافعية .

# وتقسيم الكتاب إليهما من تقسيم الكل إلى أجزائه بناءا على أن المراد من
~~الكتاب ما بين الدفتين ولامه لتعريف العهد، وحينئذ إما أن يراد بالكتاب
~~الثاني المضاف إليه أم الأول الواقع مقسما كما يشعر به حديث إعادة الشيء
~~معرفة ويكون وضع المظهر موضع المضمر اعتناءا بشأن المظهر وتفخيما له
~~والإضافة على معنى في  كما في واحد العشرة  فلا يلزم كون الشيء أصلا
~~لنفسه لأن المعنى على أن الآيات المحكمات التي هي جزء مما بين الدفتين
~~أصل فيما بين الدفتين يرجع إليه المتشابه منه، واعتبار ظرفية الكل للجزء
~~يدفع توهم لزوم ظرفية الشيء لنفسه  وهذا أولى من القول بتقدير مضاف بين
~~المتضايفين  بأن يقال التقدير أم بعض الكتاب فإنه وإن بقي فيه الكتاب
~~على حاله إلا أنه لا يخلو عن تكلف، وإما أن يراد به الجنس فإنه كالقرآن
~~يطلق على القدر المشترك بين المجموع وبين كل بعض منه له به نوع اختصاص
~~كما بين في الأصول، ويراد من هذا الجنس ما هو في ضمن الآيات المتشابهات
~~فاللام حينئذ للجنس والإضافة على معنى اللام ولا يعارضه حديث الإعادة إذ
~~هو أصل كثيرا ما يعدل عنه ولا يتوهم منه كون الشيء  أما  لنفسه
~~أصلا ms01109 ولا أن المقام مقام الإضمار ليحتاج إلى الجواب عن ذلك، وبعض فضلاء
~~العصر  العاصرين حميا العلم من كرم أذهانهم الكريمة أحسن عصر  جوز كون
~~الإضافية  لامية ، و (الكتاب) المضاف إليه هو الكتاب الأول بعينه وليس
~~في الكلام مضاف محذوف وما يلزم على ذلك من كون الشيء  أما  لنفسه
~~وأصلا لها لا يضر لاختلاف الاعتبار فإن  أمومته  لغيره من المتشابه
~~باعتبار رده إليه وإرجاعه له  وأمومته  لنفسه باعتبار عدم احتياجه
~~لظهور معناه إلى شيء سوى نفسه، ولا يخفى عليك أن  الأم  إن كانت في كلا
~~الاعتبارين حقيقة لزم استعمال المشترك في معنييه وإن كانت في كليهما
~~مجازا لزم الجمع بين معنيين مجازيين، وإن كانت حقيقة في الأصل باعتبار
~~ما يرجع إليه غيره كما يفهم من بعض عباراتهم مجازا في الأصل بمعنى
~~المستغني عن غيره لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز ولا مخلص عن ذلك إلا
~~بارتكاب عموم المجاز، هذا وجوز أن يكون التقسيم إلى القسمين المحكم
~~والمتشابه من تقسيم الكلي إلى جزئياته فأل في  الكتاب  للجنس أولا
~~وآخرا إلا أن المراد من الكتاب في الأول الماهية من حيث هي كما هو الأمر
~~المعروف في مثل هذا التقسيم، وفي الثاني الماهية باعتبار تحققها في ضمن
~~بعض الأفراد وهو المتشابه، ويجوز أن يراد من الثاني أيضا مجموع ما بين
~~الدفتين والكلام فيه حينئذ على نحو ما سبق، قيل: وقصارى ما يلزم من هذا
~~التقسيم بعد تحمل القول بأنه خلاف الظاهر صدق الكتاب على الأبعاض وهو/
~~مما لا يتحاشى منه بل هو غرض من فسر الكتاب بالقدر المشترك، وأنت تعلم أن
~~فيه غير ذلك إلا أنه يمكن دفعه بالعناية فتدبر.

# وذهب ساداتنا الحنفية إلى أن المحكم الواضح الدلالة الظاهر الذي لا
~~يحتمل النسخ، والمتشابه الخفي الذي لا يدرك معناه عقلا ولا نقلا وهو ما
~~استأثر الله تعالى بعلمه كقيام الساعة والحروف المقطعة في أوائل السور؛
~~وقيل: المحكم الفرائض والوعد والوعيد، والمتشابه القصص والأمثال، أخرج
~~ابن أبي حاتم من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن ms01110 عباس قال  المحكمات 
~~ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه، و  المتشابهات  ما يؤمن به ولا
~~يعمل به، وأخرج الفريابي عن مجاهد قال  المحكمات  ما فيه الحلال
~~والحرام وما سوى ذلك متشابه، وأخرج عبيد بن عمير عن الضحاك قال 
~~المحكمات  ما لم ينسخ  والمتشابهات  ما قد نسخ، وقال الماوردي: المحكم
~~ما كان معقول المعنى، والمتشابه بخلافه كأعداد الصلوات، واختصاص الصيام
~~برمضان دون شعبان، وقيل: المحكم ما لم يتكرر ألفاظه، والمتشابه ما
~~يقابله، وقيل: غير ذلك، وهذا الخلاف في  المحكم والمتشابه  هنا وإلا
~~فقد يطلق المحكم بمعنى المتقن النظم، والمتشابه على ما يشبه بعضه بعضا
~~في البلاغة، وهما بهذا المعنى يطلقان على جميع القرآن وعلى ذلك خرج قوله
~~تعالى:

# الر كتاب أحكمت ءايته

# [هود: 1] وقوله سبحانه:

# كتبا متشبها مثاني

# [الزمر: 23].

# { فأما الذين فى قلوبهم زيغ } أي عدول عن الحق وميل عنه
~~إلى الأهواء. وقال الراغب: ((الزيغ الميل عن الاستقامة إلى أحد
~~الجانبين))  وزاغ وزال ومال  متقاربة لكن زاغ لا يقال إلا فيما كان عن
~~حق إلى باطل ومصدره زيغا وزيغوغة وزيغانا وزيوغا، والمراد بالموصول
~~نصارى نجران أو اليهود  وإليه ذهب ابن عباس  وقيل: منكرو البعث، وقيل:
~~المنافقون، وأخرج الإمام أحمد وغيره على أبي أمامة عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم أنهم الخوارج وظاهر اللفظ العموم لسائر من زاغ عن الحق فليحمل
~~ما ذكر على بيان بعض ما صدق عليه العام دون التخصيص، وفي جعل قلوبهم
~~مقرا للزيغ مبالغة في عدولهم عن سنن الرشاد وإصرارهم على الشر والفساد.
~~وزيغ مبتدأ أو فاعل { فيتبعون ما تشبه منه } أي يتعلقون
~~بذلك وحده بأن لا ينظروا إلى ما يطابقه من المحكم ويردوه إليه وهو إما
~~بأخذ ظاهره الغير المراد له تعالى أو أخذ أحد بطونه الباطلة وحينئذ
~~يضربون القرآن بعضه ببعض ويظهرون التناقض بين معانيه إلحادا منهم وكفرا
~~ويحملون لفظه على أحد محتملاته التي توافق أغراضهم الفاسدة في ذلك وهذا
~~هو المراد بقوله سبحانه: { ابتغاء الفتنة وابتغاء
~~تأويله } أي طلب أن يفتنوا المؤمنين والمؤمنات عن دينهم بالتشكيك ms01111
~~والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه  كما نقل عن الواقدي  وطلب أن
~~يؤولوه حسبما يشتهون، فالإضافة في { تأويله } للعهد أي بتأويل مخصوص
~~وهو ما لم يوافق المحكم بل ما كان موافقا للتشهي.

# والتأويل التفسير  كما قاله غير واحد  وقال الراغب: ((إنه من الأول
~~وهو الرجوع إلى الأصل  ومنه الموئل  للموضع الذي يرجع إليه وذلك هو رد
~~الشيء إلى الغاية المرادة منه علما كان أو فعلا، ومن الأول ما ذكر هنا،
~~ومن الثاني قوله:

# وللنوى قبل يوم البين تأويل

# وقوله تعالى:

# يوم يأتى تأويله

# [الأعراف: 53] أي بيانه الذي هو غايته المقصودة منه وقوله سبحانه:

# ذلك خير وأحسن تأويلا

# [الإسراء: 35] قيل: أحسن ترجمة ومعنى، وقيل: أحسن ثوابا في الآخرة))
~~انتهى. وجوز في هاتين الطلبتين أن تكونا على سبيل التوزيع بأن يكون {
~~ابتغاء الفتنة } طلبة بعض وابتغاء التأويل/ حسب التشهي طلبة
~~آخرين، ويجوز أن يكون الاتباع لمجموع الطلبتين وهو الخليق بالمعاند لأنه
~~لقوة عناده ومزيد فساده يتشبث بهما معا وأن يكون ذلك لكل واحدة منهما
~~على التعاقب وهو المناسب بحال الجاهل لأنه متحير تارة يتبع ظاهره وتارة
~~يؤوله بما يشتهيه لكونه في قبضة هواه يتبعه كلما دعاه، ومن الناس من حمل
~~الفتنة على المال فإن الله سبحانه قد سماه فتنة في مواضع من كلامه ولا
~~يخفى أنه ليس بشيء مدعى  ودليلا، وفي تعليل الاتباع  بابتغاء تأويله 
~~دون نفس (تأويله) وتجريد  التأويل  عن الوصف بالصحة والحقية إيذان
~~بأنهم ليسوا من التأويل  في عير ولا نفير، ولا قبيل ولا دبير  وأن ما
~~يتبعونه ليس بتأويل أصلا لا أنه تأويل غير صحيح قد يعذر صاحبه.

# { وما يعلم تأويله إلا الله والرسخون في
~~العلم } في موضع الحال من ضمير  يتبعون  باعتبار العلة الأخيرة أي
~~يتبعون المتشابه لابتغاء تأويله، والحال أن التأويل المطابق للواقع كما
~~يشعر به التعبير بالعلم والإضافة إلى الله تعالى مخصوص به سبحانه وبمن
~~وفقه عز شأنه من عباده الراسخين في العلم أي الذين ثبتوا وتمكنوا فيه ولم
~~يتزلزلوا في مزال الأقدام ومداحض الأفهام دونهم حيث إنهم ms01112 بمعزل عن تلك
~~الرتبة هذا ما يقتضيه الظاهر في تفسير الراسخين، وأخرج ابن عساكر من طريق
~~عبد الله بن يزيد الأزدي قال: «سمعت أنس بن مالك يقول:

# " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الراسخين في العلم فقال: من صدق
~~حديثه وبر في يمينه وعف بطنه وفرجه فذلك الراسخون في العلم "

# ولعل ذلك بيان علامتهم وما ينبغي أن يكونوا عليه، والمراد بالعلم العلم
~~الشرعي المقتبس من مشكاة النبوة فإن أهله هم الممدوحون.

# { يقولون ءامنا به } استئناف موضح لحال الراسخين ولهذا فصل،
~~والنحاة يقدرون له مبتدأ دائما  أي هم يقولون  وقد قيل: إنه لا حاجة
~~إليه ولم يعرف وجه التزامهم لذلك فلينظر، وجوز أن يكون حالا من الراسخين
~~ والضمير المجرور راجع إلى المتشابه وعدم التعريض لإيمانهم بالمحكم
~~لظهوره وإن رجع إلى الكتاب فله وجه أيضا لأن مآله كل من أجزاء الكتاب أو
~~جزئياته وذلك لا يخلو عن الأمرين، ثم هذا القول وإن لم يخص  الراسخين 
~~لكن فيه تعريض بأن مقتضى الإيمان به أن لا يسلك فيه طريق لا يليق من
~~تأويله على ما مر فكأن غيرهم ليس بمؤمن.

# { كل من عند ربنا } من تمام مقولهم مؤكد لما قبله ومقرر له أي
~~كل واحد منه ومن المحكم  أو كل واحد من متشابهه ومحكمه منزل من عنده
~~تعالى لا مخالفة بينهما، وفي التعبير بالرب إشارة إلى سر إنزال المتشابه،
~~والحكمة فيه لما أنه متضمن معنى التربية والنظر في المصلحة والإيصال إلى
~~معارج الكمال أولا فأولا، وقد قالوا: إنما أنزل المتشابه لذلك ليظهر
~~فضل العلماء ويزداد حرصهم على الاجتهاد في تدبره وتحصيل العلوم التي نيط
~~بها استنباط ما أريد به من الأحكام الحقيقية فينالوا بذلك وبإتعاب
~~القرائح واستخراج المقاصد الرائقة والمعاني اللائقة المدارج العالية
~~ويعرجوا بالتوفيق بينه وبين المحكم إلى رفرف الإيقان وعرش الاطمئنان
~~ويفوزوا بالمشاهد السامية وحينئذ ينكشف لهم الحجاب ويطيب لهم المقام في
~~رياض الصواب، وذلك من التربية والإرشاد أقصى غاية ونهاية في رعاية
~~المصلحة ليس وراءها نهاية.

# { وما يذكر إلا ms01113 أولوا الالبب } عطف على جملة {
~~يقولون } سيق من جهته تعالى مدحا للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر
~~لما أنهم قد تجردت عقولهم عما يغشاها من الركون إلى الأهواء الزائغة
~~المكدرة لها واستعدوا إلى الاهتداء إلى معالم الحق والعروج إلى معارج
~~الصدق، وللإشارة إلى ذلك وضع الظاهر موضع/ الضمير هذا على تقدير أن يكون
~~الوقف على (الراسخون) وهو الذي ذهب إليه الشافعية. وسائر من فسر المتشابه
~~بما لم يتضح معناه، وأما على تقدير أن يكون الوقف على { إلا الله }
~~وهو الذي ذهب إليه الحنفية القائلون بأن المتشابه ما استأثر الله تعالى
~~بعلمه فالراسخون مبتدأ وجملة { يقولون } خبر عنه، ورجح الأول بوجوه:
~~أما أولا: فلأنه لو أريد بيان حظ الراسخين مقابلا لبيان حظ الزائغين
~~لكان المناسب أن يقال وأما الراسخون فيقولون، وأما ثانيا: فلأنه لا
~~فائدة حينئذ في قيد الرسوخ بل هذا حكم العالمين كلهم، وأما ثالثا: فلأنه
~~لا ينحصر حينئذ الكتاب في المحكم والمتشابه على ما هو مقتضى ظاهر العبارة
~~حيث لم يقل  ومنه متشابهات  لأن ما لا يكون متضح المعنى ويهتدي العلماء
~~ألى تأويله ورده إلى المحكم لا يكون محكما ولا متشابها بالمعنى المذكور
~~وهو كثير جدا، وأما رابعا: فلأن المحكم حينئذ لا يكون  أم الكتاب 
~~بمعنى رجوع المتشابه إليه إذ لا رجوع إليه فيما استأثر الله تعالى بعلمه
~~كعدد الزبانية مثلا، وأما خامسا: فلأنه قد ثبت في الصحيح أنه صلى الله
~~عليه وسلم دعا لابن عباس فقال:

# " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل "

# ولو كان التأويل مما لا يعلمه إلا الله تعالى لما كان للدعاء معنى، وأما
~~سادسا: فلأن ابن عباس رضي الله تعالى عنه كان يقول: أنا ممن يعلم
~~تأويله، وأما سابعا: فلأنه سبحانه وتعالى مدح الراسخين بالتذكر في هذا
~~المقام وهو يشعر بأن لهم الحظ الأوفر من معرفة ذلك، وأما ثامنا: فلأنه
~~يبعد أن يخاطب الله تعالى عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته.

# والقول بأن  أما  للتفصيل فلا بد في مقابلة الحكم على الزائغين من ms01114 حكم
~~على الراسخين ليتحقق التفصيل. غاية الأمر أنه حذفت  أما  والفاء، وبأن
~~الآية من قبيل الجمع والتقسيم والتفريق فالجمع في قوله سبحانه: { أنزل
~~عليك الكتب } والتقسيم في قوله تعالى: { منه ءآيت
~~محكمت هن أم الكتب وأخر متشبهت }
~~والتفريق في قوله عز شأنه: { فأما الذين فى قلوبهم زيغ }
~~الخ فلا بد في مقابلة ذلك من حكم يتعلق بالمحكم وهو أن الراسخين يتبعونه
~~ويرجعون المتشابه إليه على ما هو مضمون قوله سبحانه: { والرسخون في
~~العلم } الخ مجاب عنه بأن كون  أما  للتفصيل أكثري لا كلي ولو سلم
~~فليس ذكر المقابل في اللفظ بلازم. ثم لو سلم بأن الآية من قبيل الجمع
~~والتقسيم والتفريق فذكر المقابل على سبيل الاستئناف أو الحال أعني:
~~(يقولون) الخ كاف في ذلك، ورجح الثاني بأنه مذهب الأكثرين من أصحاب رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم والتابعين وأتباعهم خصوصا أهل السنة، وهو أصح
~~الروايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، ولم يذهب إلى القول الأول إلا
~~شرذمة قليلة بالنسبة إلى الأكثرين كما نص عليه ابن السمعاني وغيره  ويد
~~الله تعالى مع الجماعة.

# ويدل على صحة مذهبهم أخبار كثيرة: الأول ما أخرجه عبد الرزاق في
~~«تفسيره». والحاكم في «مستدركه» عن ابن عباس أنه كان يقرأ  وما يعلم
~~تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به  فهذا يدل على أن
~~الواو للاستئناف لأن هذه الرواية وإن لم تثبت بها القراءة فأقل درجاتها
~~أن تكون خبرا بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن فيقدم كلامه على من دونه،
~~وحكى الفراء أن في قراءة أبي بن كعب أيضا  ويقول الراسخون في العلم.
~~وأخرج ابن أبي داود في «المصاحف» من طريق الأعمش قال في قراءة ابن مسعود
~~ وإن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به  الثاني
~~ما أخرج الطبراني في «الكبير» عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم يقول:

# " لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا
~~وأن يفتح لهم الكتاب ms01115 فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يبتغي تأويله إلا
~~الله تعالى "

# الحديث الثالث: ما أخرج ابن مردويه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
~~رسول الله/ صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به وما
~~تشابه فآمنوا به "

# الرابع: ما أخرج الحاكم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة
~~أبواب على سبعة: زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فأحلوا
~~حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا
~~بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا
~~"

# وأخرج البيهقي في «الشعب» نحوه عن أبي هريرة، الخامس: ما أخرجه ابن
~~جرير عن ابن عباس مرفوعا

# " أنزل القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته وتفسير
~~تفسره العلماء ومتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى ومن ادعى علمه سوى الله
~~تعالى فهو كاذب "

# إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على أن المتشابه مما لا يعلم تأويله إلا
~~الله تعالى.

# وذهب بعض المحققين إلى أن كلا من الوقف والوصل جائز  ولكل منهما وجه
~~وجيه  وبين ذلك الراغب بأن القرآن عند اعتبار بعضه ببعض ثلاث أضرب 
~~محكم على الإطلاق. ومتشابه على الإطلاق، ومحكم من وجه متشابه من وجه،
~~فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب. متشابه من جهة اللفظ فقط. ومن جهة
~~المعنى. ومن جهتهما معا، فالأول: ضربان. أحدهما يرجع إلى الألفاظ
~~المفردة أما من جهة الغرابة نحو الأب ويزفون، أو الاشتراك كاليد والعين.
~~وثانيهما يرجع إلى جملة الكلام المركب وذلك ثلاثة أضرب. ضرب لاختصار
~~الكلام نحو

# وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتمى فانكحوا ما
~~طاب لكم

# [النساء: 3] وضرب لبسطه نحو

# ليس كمثله شىء

# [الشورى: 11] لأنه لو قيل: ليس مثله شيء كان أظهر للسامع. وضرب لنظم
~~الكلام نحو

# أنزل على عبده الكتب ولم يجعل له عوجا *
~~قيما

# [الكهف: 1-2] إذ تقديره ms01116  أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا
~~ والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى وأوصاف يوم القيامة فإن تلك
~~الصفات لا تتصور لنا إذ لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو ليس من
~~جنسه، والمتشابه من جهتهما خمسة أضرب.

# الأول: من جهة الكمية كالعموم والخصوص نحو

# فاقتلوا المشركين

# [التوبة: 5]. والثاني: من جهة الكيفية كالوجوب والندب في نحو

# فانكحوا ما طاب لكم من النساء

# [النساء: 3]. والثالث: من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو

# اتقوا الله حق تقاته

# [آل عمران: 102]. والرابع: من جهة المكان والأمور التي نزلت فيه الآية
~~نحو

# وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها

# [البقرة: 189] و

# إنما النسىء زيادة فى الكفر

# [التوبة: 37] فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه تفسير هذه،
~~والخامس: من جهة الشروط التي يصح بها الفعل ويفسد كشرط الصلاة والنكاح،
~~ثم قال: وهذه الجملة إذا تصورت علم أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير
~~المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم؛ ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب. ضرب
~~لا سبيل للوقوف عليه كوقت الساعة وخروج الدابة وغير ذلك. وقسم للإنسان
~~سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة والأحكام الغلقة. وضرب متردد بين
~~الأمرين يختص بمعرفته بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم، وهو
~~المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله تعالى عنه:

# " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل "

# وإذا عرفت هذا ظهر لك جواز الأمرين الوقف على { إلا الله } والوقف
~~على { الراسخون }.

# وقال بعض أئمة التحقيق: الحق أنه إن أريد بالمتشابه ما لا سبيل إليه
~~للمخلوق فالحق الوقف على { إلا الله } وإن أريد ما لا يتضح بحيث
~~يتناول المجمل ونحوه فالحق العطف، ويجوز الوقف أيضا لأنه لا يعلم جميعه
~~أو لا يعلمه بالكنه إلا الله تعالى، وأما إذا فسر بما دل القاطع أي النص
~~النقلي أو الدليل الجازم العقلي على أن ظاهره غير مراد ولم يقم/ دليل على
~~ما هو المراد ففيه مذهبان. فمنهم من يجوز الخوض فيه وتأويله ms01117 بما يرجع إلى
~~الجادة في مثله فيجوز عنده الوقف وعدمه. ومنهم من يمنع الخوض فيه فيمتنع
~~تأويله ويجب الوقف عنده.

# والذاهبون إلى الوقف من السادة الحنفية أجابوا عما ذكره غيرهم في ترجيح
~~ما ذهبوا إليه من الوجوه، فعن الأول: بأنه أريد بيان حظ الراسخين مقابلا
~~لبيان حظ الزائغين إلا أنه لم يقل  وأما الراسخون  مبالغة في الاعتناء
~~بشأن الراسخين حيث لم يسلك بهم سبيل المعادلة اللفظية لهؤلاء الزائغين
~~وصينوا عن أن يذكروا معهم كما يذكر المتقابلان في الأغلب في مثل هذه
~~المقامات وقريب من هذا قوله تعالى:

# الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمت
~~إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطغوت

# [البقرة: 257] حيث لم يقل  والطاغوت أولياء الذين كفروا، ولا الذين
~~آمنوا وليهم الله  تعظيما لشأنه تعالى ورعاية للاعتناء بشأن المؤمنين،
~~وعن الثاني: بأن فائدة قيد الرسوخ المبالغة في قصر علم تأويل المتشابه
~~عليه تعالى لأنه إذا لم يعلموه هم كما يشعر به الحكم عليهم بأنهم يقولون
~~آمنا به فغيرهم أولى بعدم العلم فلم يبق عالم به إلا الله تعالى.

# وعن الثالث: بأنه يلتزم القول بعد الحصر، وفي «الاتقان» أن بعضا قال:
~~إن الآية لا تدل على الحصر في الشيئين إذ ليس فيها شيء من طرقه ولولا ذلك
~~لأشكل قوله تعالى:

# لتبين للناس ما نزل إليهم

# [النحل: 44] لأن المحكم لا تتوقف معرفته على البيان والمتشابه لا يرجى
~~بيانه فما هذا الذي يبينه النبي صلى الله عليه وسلم؟ وعن الرابع:
~~بالتزام أن إضافة  أم  إلى (الكتاب) على معنى في، والمحكم  أم  في
~~(الكتاب) ولكن لا للمتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه بل هو  أم 
~~وأصل في فهم العبادات الشرعية كوجوب معرفته وتصديق رسله وامتثال أوامره
~~واجتناب نواهيه، وعلى تقدير القول بأن الإضافة لامية يلتزم الأمومة
~~للكتاب باعتبار بعضه وهو الواسطة بين القسمين لأن متضح الدلالة كثيرا ما
~~يرجع إليه في خفيها مما لم يصل إلى حد الاستئثار، وعن الخامس: بأن
~~التأويل الذي دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس ms01118 لا يتعين
~~حمله على تأويل ما اختص علمه به تعالى بل يجوز حمله على تفسير ما يخفى
~~تفسيره من القسم المتردد بين الأمرين اللذين ذكرهما الراغب كما ذكره. وعن
~~السادس: بأن الرواية عن ابن عباس أنه قال: «أنا ممن يعلم تأويله» معارضة
~~بما هو أصح منها بدرجات فتسقط عن درجة الاعتبار، وعلى تقدير تسليم
~~اعتبارها يمكن أن يقال: مراده رضي الله تعالى عنه  أنا ممن يعلم تأويله
~~ أي المتشابه في الجملة حسبما دعا لي به رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وهذا وإن قيل: إنه متشابه لكنه في الحقيقة واسطة بين المحكم والمتشابه
~~بالمعنى المراد، وعن السابع: بأن مدح الراسخين بالتذكر ليس لأن لهم حظا
~~في معرفته بل لأنهم اتعظوا فخالفوا هواهم ووقفوا عند ما حد لهم مولاهم
~~ولم يسلكوا مسلك الزائغين ولم يخوضوا مع الخائضين ويمكن على بعد أن يراد
~~بالتذكر الانتفاع مجازا أي إن الراسخين هم الذين ينتفعون به حيث يؤمنون
~~به لخلوص عقولهم عن غشاوة الهوى كما أنهم آمنوا بالغيب وهذا بخلاف
~~الزائغين حيث صار المتشابه ضررا عليهم ووبالا لهم إذ ضلوا فيه كثيرا
~~وأضلوا عن سواء السبيل، وقد قال سبحانه من قبل فيما ضربه من المثل:

# يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به
~~إلا الفسقين

# [البقرة: 26] وعن الثامن: بأنه لا بعد في أن يخاطب الله تعالى عباده بما
~~لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته ويكون ذلك من باب الابتلاء كما ابتلى
~~سبحانه عباده بتكاليف كثيرة وعبادات وفيرة لم يعرف أحد حقيقة السر فيها،
~~والسر في هذا الابتلاء قص جناح العقل وكسر سورة الفكر وإذهاب عجب طاوس
~~النفس ليتوجه القلب بشراشره تجاه كعبة العبودية ويخضع تحت سرادقات
~~الربوبية ويعترف بالقصور ويقر بالعجز عن الوصول إلى ما في هاتيك القصور
~~وفي/ ذلك غاية التربية ونهاية المصلحة هذا إذا أريد بما لا سبيل لأحد من
~~الخلق إلى معرفته ما لا سبيل لأحد منهم إلى معرفته من طريق الفكر، وأما
~~إذا أريد ما لا سبيل إلى معرفته ms01119 مطلقا سواء كانت على الإجمال أو التفصيل
~~بالوحي أو بالإلهام لنبي أو لولي فوجود مثل هذا المخاطب به في القرآن
~~في حيز المنع، ولعل القائل بكون المتشابه مما استأثر الله تعالى بعلمه لا
~~يمنع تعليمه للنبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الوحي مثلا ولا إلقاءه في
~~روع الولي الكامل مفصلا لكن لا يصل إلى درجة الإحاطة  كعلم الله تعالى
~~ وإن لم يكن مفصلا فلا أقل من أن يكون مجملا ومنع هذا وذاك مما لا
~~يكاد يقول به من يعرف رتبة النبي صلى الله عليه وسلم ورتبة أولياء أمته
~~الكاملين وإنما المنع من الإحاطة ومن معرفته على سبيل النظر والفكر وهو
~~الطريق المعتاد والسبيل المسلوك في معرفة المشكلات واستحصال النظريات
~~ولتبادر هذا المعنى من يعلم إذا أسند إلى الراسخين منع إسناده إليهم ومتى
~~أريد منه العلم لا من طريق الفكر صح الإسناد وجاز العطف ولكن دون توهم
~~هذه الإرادة من ظاهر الكلام خرط القتاد، فلهذا شاع القول بعدم العطف وكان
~~القول به أسلم.

# ويؤيد ما قلنا ما ذكره الإمام الشعراني قال: أخبرني شيخنا علي الخواص
~~قدس سره إن الله تعالى أطلعه على معاني سورة الفاتحة فخرج منها مائتي
~~ألف علم وأربعين ألف علم وتسعمائة وتسعين علما وكان يقول: لا يسمى
~~عالما أي عند أهل الله تعالى إلا من عرف كل لفظ جاءت به الشريعة، وقال
~~في «الكشف» في نحو { ق }  { ص }  { حم }  { طس }: لعل إدراك ما تحته عند
~~أهله كإدراكنا للأوليات ولا يستبعد، ففيض الباري عم نواله غير محصور؛
~~واستعداد الإنسان الكامل عن القبول غير محسور، ومن لم يصدق إجمالا  بأن
~~وراء مدركات الفكرة ومباديها طورا أو أطوارا حظ العقل منها حظ الحس من
~~المعقولات  فهو غير متخلص عن مضيق التعطيل أو التشبيه وإن لم يتدارك
~~حاله بقي بعد كشف الغطاء في هذا التيه، ولتتحقق من هذا أن المراتب مختلفة
~~وأن الإحاطة على الحقائق الإلهية كما هي مستحيلة إلا للباري جل ذكره وأنه
~~لا بد للعارف وإن وصل إلى أعلى المراتب ms01120 أن يبقى له ما يجب الإيمان به
~~غيبا وهو من المتشابه الذي يقول الراسخون فيه: { ءامنا به كل من
~~عند ربنا } فهذا ما يجب أن يعتقد كي لا يلحد.

# ثم اعلم أن كثيرا من الناس جعل الصفات النقلية من الاستواء واليد
~~والقدم والنزول إلى السماء الدنيا والضحك والتعجب وأمثالها من المتشابه،
~~ومذهب السلف  والأشعري رحمه الله تعالى من أعيانهم  كما أبانت عن حاله
~~" الإبانة "  أنها صفات ثابتة وراء العقل ما كلفنا إلا اعتقاد ثبوتها مع
~~اعتقاد عدم التجسيم والتشبيه لئلا يضاد النقل العقل، وذهب الخلف إلى
~~تأويلها وتعيين مراد الله تعالى منها فيقولون: الاستواء مثلا بمعنى
~~الاستيلاء والغلبة، وذلك أثر من آثار بعض الصفات الثمانية التي ليس لله
~~تعالى عندهم وراءها صفة حتى ادعى السكوتي  وليته سكت  أن ما وراء ذلك
~~ممتنع إذ لا يلزم من نفيه محال وكل ما لا يلزم من نفيه محال لا يكون
~~واجبا، والله تعالى لا يتصف إلا بواجب، وذكر الشعراني في «الدرر
~~المنثورة» أن مذهب السلف أسلم وأحكم إذ المؤل انتقل عن شرح الاستواء
~~الجسماني على العرش المكاني بالتنزيه عنه إلى التشبيه السلطاني الحادث
~~وهو الاستيلاء على المكان فهو انتقال عن التشبيه بمحدث ما إلى التشبيه
~~بمحدث آخر فما بلغ عقله في التنزيه مبلغ الشرع فيه في قوله تعالى:

# ليس كمثله شىء

# [الشورى: 11] ألا ترى أنه استشهد في التنزيه العقلي في الاستواء بقول
~~شاعر:

# قد  استوى  بشر على العراق

# من غير حرب ودم مهراق

# وأين استواء  بشر على العراق  من استواء الرحمن على العرش، ونهاية
~~الأمر يحتاج إلى القول بأن المراد استيلاء يليق بشأن الرحمن جل شأنه
~~فليقل من أول الأمر قبل تحمل مؤنة هذا التأويل استواء يليق بشأن من عز
~~شأنه وتعالى عن إدراك العقول سلطانه، وهذا أليق بالأدب وأوفق بكمال
~~العبودية وعليه درج صدر الأمة وساداتها  وإياها اختار أئمة الفقهاء
~~وقاداتها  وإليها دعا أئمة الحديث في القديم والحديث حتى قال محمد بن
~~الحسن كما أخرجه عنه اللالكائي: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق ms01121 إلى المغرب
~~على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه، وورد عن سليمان بن يسار أن
~~رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه
~~عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وقد أعد له عراجين النخل فقال: من
~~أنت؟ فقال: أنا عبد الله صبيغ فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه
~~حتى أدمى رأسه  وفي رواية  فضربه بالجريد حتى ترك ظهره دبرة ثم تركه
~~حتى برىء ثم عاد إليه ثم تركه حتى برىء فدعا به ليعود فقال: إن كنت تريد
~~قتلتي فاقتلني قتلا جميلا فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعري
~~أن لا يجالسه أحد من المسلمين.

# لا يقال إن تركت أمثال هذه المتشابهات على ظواهرها دلت على التجسيم وإن
~~لم ترد ظواهرها فقد أولت لأن التأويل على ما قالوا: إخراج الكلام عن
~~ظاهره لأنا نقول: نختار الشق الثاني ولا نسلم أن التأويل إخراج الكلام عن
~~ظاهره مطلقا بل إخراجه إلى معنى معين معلوم كما يقال الاستواء مثلا
~~بمعنى الاستيلاء على أن للتأويل معنيين مشهورين لا يصدق شيء منهما على
~~نفي الظاهر من غير تعيين للمراد، أحدهما: ترجمة الشيء وتفسيره الموضح له،
~~وثانيهما: بيان حقيقته وإبرازها إما بالعلم أو بالعقل فإن من قال: بعد
~~التنزيه لا أدري من هذه المتشابهات سوى أن الله تعالى وصف بها نفسه وأراد
~~منها معنى لائقا بجلاله جل جلاله، ولا أعرف ذلك المعنى لم يقل في حقه
~~أنه ترجم وأوضح ولا بين الحقيقة وأبرز المراد حتى يقال إنه أول، ومن أمعن
~~النظر في مأخذ التأويل لم يشك في صحة ما قلنا، نعم ذهبت شرذمة قليلة من
~~السلف إلى إبقاء نحو المذكورات على ظواهرها إلا أنهم ينفون لوازمها
~~المنقدحة للذهن الموجبة لنسبة النقص إليه عز شأنه ويقولون: إنما هي لوازم
~~لا يصح انفكاكها عن ملزوماتها في صفاتنا الحادثة، وأما في صفات من ليس
~~كمثله شيء فليست بلوازم في الحقيقة ليكون القول بانفكاكها سفسطة  وأين
~~التراب من رب الأرباب  وكأنهم ms01122 إنما قالوا ذلك ظنا منهم أن قول الآخرين
~~من السلف تأويل، و الراسخون في العلم لا يذهبون إليه أو أنهم وجدوا بعض
~~الآثار يشعر بذلك مثل ما حكى مقاتل والكلبي عن ابن عباس في

# استوى

# [طه: 5] أنه بمعنى استقر، وما أخرجه أبو القاسم من طريق قرة بن خالد عن
~~الحسن عن أمه عن أم سلمة في قوله تعالى:

# الرحمن على العرش استوى

# [طه: 5] إنها قالت: الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإقرار به من
~~الإيمان والجحود به كفر. وقريب من هذا القول ما يصرح به كلام كثير من
~~ساداتنا الصوفية فإنهم قالوا: إن هذه المتشابهات تجرى على ظواهرها مع
~~القول بالتنزيه الدال عليه قوله تعالى:

# ليس كمثله شىء

# [الشورى: 11] حيث إن وجود الحق تعالى شأنه لا تقيده الأكوان وإن تجلى
~~فيما شاء منها إذ له كمال الإطلاق حتى عن قيد الإطلاق، ولا يخفى أن إجراء
~~المتشابهات على ظاهرها مع التنزيه اللائق بجلال ذاته سبحانه طور ما وراء
~~طور العقل وبحر لا يسبح فيه إلا من فاز بقرب النوافل.

# وذكر بعض أئمة التدقيق أن العقل سبيله في العلم بالصفات الثمانية
~~المشهورة كعلمه بتلك الصفات التي يدعي الخلف رجوعها إليها إذا أحد النظر،
~~فقد قام البرهان وشاهد العيان على عدم المماثلة ذاتا وصفات أيضا/ لكن
~~صفاته المتعالية وأسماؤه الحسنى قسمان، قسم يناسب ما عندنا من الصفات نوع
~~مناسبة وإن كانت بعيدة، ولا يقال: فلا بد فيه في أفهامنا معاشر الناقصين
~~من أن يسمى بتلك الأسماء المشتهرة عندنا فيسمى علما مثلا  لا دواة ولا
~~قلما  وقسم ليس كذلك وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم

# " أو استأثرت به في علم الغيب عندك "

# فقد يذكر له أسماء مشوقة لأن منه ما للإنسان الكامل منه نصيب بطريق
~~التخلق والتحقق فيذكر تارة اليد والنزول والقدم ونحو ذلك من المخيلات مع
~~العلم البرهاني والشهود الوجداني بتنزهه تعالى عن كل كمال يتصوره الإنسان
~~ويحيط به فضلا عن النقصان، فيعلم أنه أشار إلى ذلك القسم الذي علم
~~بالإجمال ms01123 ويتوجه إذ ذاك بكليته شطر كعبة الجلال والجمال فيفاض عليه من
~~ينبوع الكمال ما يستأنس عنده وينكشف له جلية الحال، وإذ ليس له مناسبة
~~بما عندنا لا توجد عبارة يترجم عنها إلا على سبيل الخيال، وإليه الإشارة
~~بقوله عليه الصلاة والسلام:

# " من عرف الله تعالى كل لسانه "

# وأخرى بين مقصد الكل ومن أحبه سبحانه ما يصان عن تهمة إدراك الأغيار من
~~نحو تلك الفواتح، ولعل إدراكها عند أهلها كإدراك الأوليات إلا أنه لا
~~إحاطة بل لا بد من بقاء شيء كما أشير إليه، وعلى هذا أيضا الأليق أن
~~يوقف لأنه شعار من لنا فيهم الأسوة الحسنة مع ظهور وجهه لكن لا تجعل
~~الآية حجة على من تأول نحو

# والارض جميعا قبضته يوم القيمة

# [الزمر: 67] مثلا إذ لا يسلم أنه داخل في ذلك المتشابه والحمل على
~~المجاز الشائع في كلام العرب والكناية البالغة في الشهرة مبلغ الحقيقة
~~أظهر من الحمل على معنى مجهول، نعم لو قيل: إن تصوير العظمة على هذا
~~الوجه دال على أن العقل غير مستقل بإدراكها وأنها أجل من أن تحيط بها
~~العقول فالكنه من المتشابه الذي دلت الآية عليه ويجب الإيمان به كان
~~حسنا، وجمعا بين ما عليه السلف ومشى عليه الخلف وهو الذي يجب أن يعتقد
~~كيلا يلزم ازدراء بأحد الفريقين كما فعل ابن القيم حتى قال: لام
~~الأشعرية كنون اليهودية أعاذنا الله تعالى من ذلك، وعلى هذا يجب أن يفسر
~~المتشابه في الآية بما يعم القسمين، والمحكم (أم) يرجع إليه في تمييز
~~القسمين أحدهما: فرعه الإيماني والثاني: فرعه الإيقاني، وابن دقيق العيد
~~توسط في مسألة التأويل، ويحتمل أنه لم يخرج ما قاله هذا المدقق أخيرا من
~~المتشابه فقال: إذا كان التأويل قريبا من لسان العرب لم ينكر أو بعيدا
~~توقفنا عنه وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد به مع التنزيه وما كان
~~معناه من هذه الألفاظ ظاهرا معهودا من تخاطب العرب قلنا به من غير توقف
~~كما في قوله تعالى:

# يحسرتى على ما فرطت فى ms01124 جنب الله

# [الزمر: 56] فنحمله على حق الله تعالى وما يجب له فليفهم هذا المقام فكم
~~زلت فيه أقوام بعد أقوام.

### || [3.8]

# { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } يحتمل أن
~~يكون من تمام مقالة الراسخين، ويحتمل أن يكون على معنى التعليم  أي
~~قولوا: ربنا لا تزغ قلوبنا عن نهج الحق إلى اتباع المتشابه بتأويل لا
~~ترتضيه بعد إذ هديتنا إلى معالم الحق من التفويض في المتشابه أو الإيمان
~~بالقسمين، أو التأويل الصحيح، ويؤل المعنى إلى لا تضلنا بعد الهداية لأن
~~زيغ القلوب في مقابلة الهداية ومقابلة الهداية الإضلال، وصحة نسبة ذلك
~~إلى الله تعالى  على مذهب أهل السنة في أفعال العباد  ظاهرة، والمعتزلة
~~يؤولون ذلك بنحو لا تبلنا ببلايا تزيغ بسببها قلوبنا ولا تمنعنا ألطافك
~~بعد أن لطفت بنا، وإنما دعوا بذلك أو أمروا بالدعاء به لأن القلوب لا
~~تتقلب، ففي «الصحيح» عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يدعو

# " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك قلت: يا رسول الله ما أكثر ما تدعو
~~بهذا الدعاء؟ فقال: ليس من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن إن
~~شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه "

# وأخرج الحكيم الترمذي من طريق عتبة بن عبد الله بن خالد بن معدان عن
~~أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إنما الإيمان بمنزلة القميص مرة تقمصه ومرة تنزعه "

# والروايات بمعنى ذلك كثيرة وهي تدل على جواز عروض الكفر بعد الإيمان
~~بطرو الشك مثلا والعياذ بالله تعالى، وفي كلام الصحابة رضي الله تعالى
~~عنهم أيضا ما يدل على ذلك فقد أخرج ابن سعد عن أبي عطاف أن أبا هريرة
~~كان يقول أي رب لا أزنين أي رب لا أسرقن أي رب لا أكفرن قيل له: أو
~~تخاف؟ قال: آمنت بمحرف القلوب ثلاثا.

# وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي الدرداء قال: «كان عبد الله بن رواحة إذا
~~لقيني قال: اجلس يا ms01125 عويمر فلنؤمن ساعة فنجلس فنذكر الله تعالى على ما
~~يشاء ثم قال: يا عويمر هذه مجالس الإيمان إن مثل الإيمان ومثلك كمثل
~~قميصك بينا أنت قد نزعته إذ لبسته وبينا أنت قد لبسته إذ نزعته يا عويمر
~~للقلب أسرع تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا»، وعن أبي أيوب
~~الأنصاري «ليأتين على الرجل أحايين وما في جلده موضع إبرة من النفاق
~~وليأتين عليه أحايين وما في جلده موضع إبرة من إيمان». وادعى بعضهم أن
~~هذا بالنسبة إلى الإيمان الغير الكامل وما رجع من رجع إلا من الطريق،
~~وأما بعد حصول الإيمان الكامل والتصديق الجازم والعلم الثابت المطابق فلا
~~يتصور رجعة وكفر أصلا لئلا يلزم انقلاب العلم جهلا وهو محال والتزم
~~تأويل جميع ما يدل على ذلك، ولا يخفى أن هذا القول مما يكاد يجر إلى
~~الأمن من مكر الله تعالى والتزام تأويل النصوص لشبهة اختلجت في الصدر هي
~~أوهن من بيت العنكبوت في التحقيق مما لا يقدم عليه من له أدنى مسكة كما
~~لا يخفى فتدبر.

# و { بعد } منصوب على الظرفية والعامل فيه { تزغ } ، و { إذ }
~~مضاف إليه وهي متصرفة كما ذكره أجلة النحويين، وأما القول بأنها بمعنى أن
~~المصدرية المفتوحة الهمزة، والمعنى  بعد هدايتنا فمما ذكره الحوفي في
~~«إعراب القرآن» ولم ير لغيره، والمذكور في النحو أنها تكون حرف تعليل
~~فتؤل مع ما بعدها بالمصدر نحو

# ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم

# [الزخرف: 39] أي لظلمكم فإن كان أخذ من هذا فهو كما ترى، وقرىء  لا تزغ
~~ بالياء والتاء ورفع (القلوب).

# { وهب لنا من لدنك } كلا الجارين متعلق  بهب  وتقديم الأول
~~اعتناءا به وتشويقا إلى الثاني، ويجوز تعلق الثاني بمحذوف هو حال من
~~المفعول أي كائنة من لدنك، و { من } لابتداء الغاية المجازية، و  لدن
~~ ظرف، وهي لأول غاية زمان أو مكان أو غيرهما من الذوات نحو  من لدن زيد
~~ وليست مرادفة لعند بل قد تكون بمعناها، وبعضهم يقيدها بظرف المكان وهي
~~ملازمة للإضافة فلا تنفك عنها بحال، فتارة تضاف إلى المفرد، ms01126 وتارة إلى
~~الجملة الإسمية أو الفعلية وقلما تخلو عن (من)، وفيها لغتان، الإعراب 
~~وهي لغة قيس  والبناء وهي اللغة المشهورة  وسببه شبهها بالحرف في لزوم
~~استعمال واحد وامتناع الإخبار بها بخلاف  عند، ولدي  فإنهما لا يلزمان
~~استعمالا واحدا إذ يكونان فضلة، وعمدة وغاية وغير غاية، قيل: ولقوة هذا
~~الشبه لا تعرب إذا أضيفت في المشهور واللغتان المذكورتان من الإعراب
~~والبناء مختصان  بلدن  المفتوحة اللام المضمومة الدال الواقع آخرها
~~نون، وأما بقية لغاتها فإنها فيها مبنية عند جميع العرب وفيها لغات
~~المشهورة منها ما تقدم  ولدن ولدن  بفتح الدال وكسرها  ولدن، ولدن
~~ بفتح اللام وضمها مع سكون الدال  ولدن بفتح اللام وضم الدال وبإبدال
~~الدال تاءا ساكنة ومتى أضيفت المحذوفة النون إلى ضمير وجب رد النون.

# { رحمة } مفعول  لهب  وتنوينه للتفخيم، والمراد بالرحمة الإحسان
~~والإنعام مطلقا، وقيل: الإنعام المخصوص وهو التوفيق للثبات على الحق،
~~وفي سؤال ذلك بلفظ الهبة إشارة إلى أن ذلك منه تعالى تفضل محض من غير
~~شائبة وجوب عليه عز شأنه وتأخير المفعول/ الصريح للتشويق { إنك أنت
~~الوهاب } تعليل للسؤال أو لإعطاء المسؤول، و { أنت } إما مبتدأ أو
~~فصل أو تأكيد لاسم  إن  وحذف المعمول لإفادة العموم كما في قولهم: فلان
~~يعطي واختيار صيغة المبالغة على فعال قيل: لمناسبة رؤوس الآي.

### || [3.9]

# { ربنا إنك جامع الناس } المكلفين وغيرهم { ليوم } أي
~~لحساب يوم، أو لجزاء يوم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه تهويلا
~~لما يقع فيه، وقيل: اللام بمعنى إلى أي جامعهم في القبور إلى يوم { لا
~~ريب فيه } أي لا ينبغي أن يرتاب في وقوعه ووقوع ما فيه من الحشر
~~والحساب والجزاء، وقيل: الضمير المجرور للحكم أي لا ريب في هذا الحكم،
~~فالجملة على الأول صفة ليوم، وعلى الثاني لتأكيد الحكم ومقصودهم من هذا 
~~كما قال غير واحد  عرض كمال افتقارهم إلى الرحمة وأنها المقصد الأسني
~~عندهم، والتأكيد لإظهار ما هم عليه من كمال الطمأنينة وقوة اليقين بأحوال
~~الآخرة لمزيد الرغبة في استنزال طائر الإجابة، وقرىء { جامع الناس ms01127
~~} بالتنوين.

# { إن الله لا يخلف الميعاد } تعليل لمضمون الجملة
~~المؤكدة أو لانتفاء الريب، وقيل: تأكيد بعد تأكيد للحكم السابق وإظهار
~~الاسم الجليل مع الالتفات للإشارة إلى تعظيم الموعود والإجلال الناشيء من
~~ذكر اليوم المهيب الهائل، وللإشعار بعلة الحكم فإن الألوهية منافية
~~للإخلاف؛ وهذا بخلاف ما في آخر السورة حيث أتى بلفظ الخطاب فيه لما أن
~~مقامه مقام طلب الإنعام، وقال الكرخي: الفرق بينهما أن ما هنا متصل بما
~~قبله اتصالا لفظيا فقط وما في الآخرة متصل اتصالا معنويا ولفظيا
~~لتقدم لفظ الوعد، وجوز أن تكون هذه الجملة من كلامه تعالى لتقرير قول
~~الراسخين لا من كلام الراسخين فلا التفات حينئذ، قال السفاقسي: وهو
~~الظاهر.

# و (الميعاد) مصدر ميمي بمعنى الحدث لا بمعنى الزمان والمكان وهو اللائق
~~بمفعولية  يخلف  وياؤه منقلبة عن واو لانكسار ما قبلها، واستدل بها
~~الوعيدية على وجوب العقاب للعاصي عليه تعالى وإلا يلزم الخلف، وأجيب عنه
~~بأن وعيد الفساق مشروط بعدم العفو بدلائل منفصلة كما هو مشروط بعدم
~~التوبة وفاقا؛ وقيل: هو إنشاء فلا يلزم محذور في تخلفه، وقيل: ما في
~~الآية ليس محلا للنزاع لأن الميعاد فيه مصدر بمعنى الوعد ولا يلزم من
~~عدم خلف الوعد عدم خلف الوعيد لأن الأول مقتضى الكرم كما قال:

# وإني إذا أوعدته أو وعدته

# لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

# واعترض بأن الوعيد الذي هو محل النزاع داخل تحت الوعد بدليل قوله تعالى:

# قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما
~~وعد ربكم حقا

# [الأعراف: 44] وأجيب بأنا لا نسلم الدخول والآية من باب التهكم فهي على
~~حد

# فبشرهم بعذاب أليم

# [التوبة: 34] واعترض أيضا بأن كون  الخلف في الإيعاد  مقتضى الكرم لا
~~يجوز الخلف على الله تعالى لأنه يلزم حينئذ صحة أن يسمى الله تعالى مكذب
~~نفسه وهو مما لا يقدم عليه أحد من المسلمين، وأجيب عنه بما تركه أصوب من
~~ذكره فالحق الرجوع إلى الجواب الأول.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات:

# الم

# [آل عمران: 1] تقدم الكلام عليه، وذكر بعض ساداتنا ms01128 فيه أنه أشير به إلى
~~كل الوجود من حيث هو كل لأن (أ) إشارة إلى الذات الذي هو أول الوجود وهو
~~مرتبة الإطلاق، و (ل) إلى العقل المسمى بجبريل الذي هو وسط الوجود الذي
~~يستفيض من المبدأ ويفيض إلى المنتهى، و (م) إلى محمد صلى الله عليه وسلم
~~الذي هو آخر الوجود، وبه تتم دائرته ولهذا كان الختم، وقال بعضهم: إن (ل)
~~ركبت من ألفين أي وضعت بإزاء الذات مع صفة العلم اللذين هما عالمان من
~~العوالم الثلاثة الإلهية التي أشرنا/ إليها فهو اسم من أسمائه تعالى،
~~وأما (م) فهي إشارة إلى الذات مع جميع الصفات والأفعال التي احتجبت بها
~~في صورة المحمدية التي هي اسم الله تعالى الأعظم بحيث لا يعرفها إلا من
~~يعرفها ألا ترى أن (أ) التي هي لصورة الذات كيف احتجبت فيها فإن الميم
~~فيها الياء وفي الياء ألف ولتضمن { الم } الإشارة إلى مراتب الوجود
~~والحقيقة المحمدية ناسب أن تفتتح بها هذه الآيات المتضمنة للرد على
~~النصارى الذين أخطأوا في التوحيد ولم يعرفوه على وجهه، ولهذا أردفه
~~سبحانه بقوله: { الله لا إله إلا هو } إذ لا موجود في سائر
~~العوالم حقيقة إلا هو إذ لا أحد أغير من الله تعالى جل جلاله { الحى }
~~أي المتصف بالحياة الكاملة على وجه يليق بذاته

# القيوم

# [آل عمران: 2] القائم بتدبير الأعيان الثابتة بظهوره فيها حسب استعدادها
~~الأزلي الغير المجعول { نزل عليك الكتب } وهو العلم المفيد
~~لمقام الجمع وهو التوحيد الذي تفنى فيه الكثرة ولا يشاهد فيه التعدد
~~متلبسا { بالحق } وهو الثابت الذي لا يعتريه تغير في ذاته {
~~مصدقا لما بين يديه } من التوحيد الأول الأزلي السابق
~~المعلوم في العهد الأول المخزون في غيب الاستعداد

# وأنزل التوراة والإنجيل

# [آل عمران: 3] { من قبل هدى للناس } إلى معالم التوحيد {
~~وأنزل الفرقان } وهو التوحيد التفصيلي الذي هو الحق باعتبار
~~الفرق وهو منشأ الاستقامة ومبدأ الدعوة { إن الذين كفروا } أي
~~احتجبوا عن هذين التوحيدين بالمظاهر والأكوان ورؤية الأغيار ولم يؤمنوا {
~~بآيات الله } تعالى الدالة على ms01129 أن له سبحانه رتبة الإطلاق وله الظهور
~~والتجلي بما شاء { لهم عذاب شديد } في البعد والحرمان عن حظائر
~~العرفان { والله عزيز } قاهر

# ذو انتقام

# [آل عمران: 4] شديد بمقتضى صفاته الجلالية { هو الذي يصوركم
~~} في أرحام الوجود { كيف يشاء } لأنكم المظاهر لأسمائه والمجلى
~~لذاته { لا إله } في الوجود { إلا هو العزيز } القاهر
~~للأعيان الثابتة فلا تشم رائحة الوجود بنفسها أبدا

# الحكيم

# [آل عمران: 6] الذي يظهرها بوجوده الحق ويتجلى بها حسبما تقتضيه الحكمة
~~{ هو الذى أنزل عليك الكتب } متنوعا في الظهور {
~~منه ءآيت محكمت } أحكمت من أن يتطرق إليها الاحتمال
~~والاشتباه فلا تحتمل إلا معنى واحدا { هن أم الكتب } والأصل
~~{ وأخر متشبهت } تحتمل معنيين فأكثر ويقع فيها الاشتباه
~~وذلك أن الحق تعالى له وجه واحد وهو المطلق الباقي بعد فناء خلقه لا
~~يحتمل التكثر من ذلك الوجه وله وجوه متكثرة بحسب المرايا والمظاهر بها
~~يقع الاشتباه فورد التنزيل كذلك { فأما الذين فى قلوبهم
~~زيغ } أي ميل عن الحق { فيتبعون ما تشبه منه }
~~لاحتجابهم بالكثرة عن الوحدة { وما يعلم تأويله } الذي يرجع
~~إليه { إلا الله } ويعلمه الراسخون في العلم  الذين لم يحتجبوا
~~بأحد الأمرين عن الآخر بعلمه الذي منحوه بواسطة قرب النوافل لا بالعلم
~~الفكري الحاصل بواسطة الأقيسة المنطقية، وبهذا يحصل الجمع بين الوقف على
~~{ إلا الله } والوقف على { الراسخون }  { وما يذكر }
~~بذلك العلم الواحد المفصل في التفاصيل المتشابهة المتكثرة

# إلا أولوا الالبب

# [آل عمران: 7] الذين صفت عقولهم بنور الهداية وتجردت عن قشر الهوى
~~والعادة { ربنا لا تزغ قلوبنا } بالنظر إلى الأكوان
~~والاحتجاب بها عن مكونها { بعد إذ هديتنا } بنورك إلى صراطك
~~المستقيم ومشاهدتك في مراتب الوجود والمرايا المتعددة { وهب لنا من
~~لدنك رحمة } خاصة تمحو صفاتنا بصفاتك وظلماتنا بأنوارك

# إنك أنت الوهاب

# [آل عمران: 8] المعطي للقوابل حسب القابليات { ربنا إنك جامع
~~الناس } على اختلاف مراتبهم { ليوم لا ريب فيه } وهو يوم
~~الجمع الذي هو الوصول إلى مقام الوحدة عند كشف الغطا وطلوع شمس العيان

# إن الله لا يخلف الميعاد

# [آل عمران: 9] لتظهر ms01130 صفاته الجمالية والجلالية ولذلك خلق الخلق وتجلى
~~للأعيان فأظهرها كيف شاء.

# هذا ثم لما بين سبحانه الدين الحق والتوحيد وذكر أحوال الكتب الناطقة
~~به/ وشرح حال القرآن العظيم وكيفية إيمان الراسخين به أردف ذلك ببيان حال
~~من كفر به بقوله جل شأنه: { إن الذين كفروا }.

### || [3.10]

# { إن الذين كفروا } الظاهر أن المراد بهم جنس الكفرة الشامل
~~لجميع الأصناف، وقيل: وفد نجران، أو اليهود من قريظة والنضير، وحكي عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أو مشركو العرب { لن تغنى عنهم
~~} أي لن تنفعهم، وقرىء بالتذكير وسكون الياء وهو من الجد في استثقال
~~الحركة على حروف اللين { أمولهم } التي أعدوها لدفع المضار وجلب
~~المصالح { ولا أولدهم } الذين يتناصرون بهم في الأمور المهمة
~~ويعولون عليهم في الملمات المدلهمة وتأخيرهم عن الأموال مع توسيط حرف
~~النفي  كما قال شيخ الإسلام إما لعراقتهم في كشف الكروب أو لأن الأموال
~~أول عدة يفزع إليها عند نزول الخطوب  { من الله } أي من عذابه
~~تعالى  فمن  لابتداء الغاية كما قال المبرد، وقوله تعالى: { شيئا }
~~نصب على المصدرية أي شيئا من الإغناء، وجوز أن يكون مفعولا به لما في
~~(أغنى) من معنى الدفع و { من } للتبعيض وهي متعلقة بمحذوف وقع صفة له
~~إلا أنها قدمت عليه فصارت حالا، وأن يكون مفعولا ثانيا بناءا على أن
~~معنى أغنى عنه كفاه ولا يخفى ما فيه، وقال أبو عبيدة: { من } هنا بمعنى
~~عند وهو ضعيف، وقال غير واحد: هي بدلية مثلها في قوله:

# فليت لنا (من) ماء زمزم شربة

# مبردة باتت على طهيان

# ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:

# " ولا ينفع ذا الجد منك الجد "

# وقوله تعالى:

# ولو نشآء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض
~~يخلفون

# [الزخرف: 60] والمعنى لن تغني عنهم بدل رحمة الله تعالى، أو بدل طاعته
~~سبحانه أموالهم ولا أولادهم ونفى ذلك سبحانه مع أن احتمال سد أموالهم
~~وأولادهم مسد رحمة الله تعالى وطاعته عز شأنه مما يبعد بل لا يكاد يخطر
~~ببال حتى يتصدى لنفيه إشارة إلى أن ms01131 هؤلاء الكفار قد ألهتهم أموالهم
~~وأولادهم عن الله تعالى والنظر فيما ينبغي له إلى حيث يخيل للرائي أنهم
~~ممن يعتقد أنها تسد مسد رحمة الله تعالى وطاعته. وقريب من ذلك قوله
~~تعالى:

# وما أمولكم ولا أولدكم بالتى تقربكم
~~عندنا زلفى

# [سبأ: 37] واعترض بأن أكثر النحاة  كما في «البحر»  ينكرون إثبات
~~البدلية  لمن  مع أن الأول هو الأليق في الظاهر بتهويل أمر الكفرة
~~والأنسب بقوله تعالى: { وأولئك هم وقود النار } وكذا بما
~~بعد.

# و  الوقود  بفتح الواو  وهي قراءة الجمهور  الحطب  أي أولئك
~~المتصفون بالكفر المبعدون عن عز الحضور  حطب النار التي تسعر به لكفرهم،
~~وقيل: الوقود بالفتح لغة في الوقود بالضم  وبه قرأ الحسن  مصدر بمعنى
~~الإيقاد فيقدر حينئذ مضاف أي أهل وقودها  والأول هو الصحيح  وإيثار
~~الجملة الإسمية للدلالة على تحقق الأمر وتقرره، أو للإيذان بأن حقيقة
~~حالهم ذلك وأنهم في حال كونهم في الدنيا وقود النار بأعيانهم، وهي إما
~~مستأنفة مقررة لعدم الإغناء أو معطوفة على الجملة الأولى الواقعة خبرا
~~لأن، و { هم } يحتمل أن يكون مبتدأ ويحتمل أن يكون فصلا.

### || [3.11]

# { كدأب ءال فرعون } الدأب العادة والشأن، وأصله من دأب في
~~الشيء دأبا ودءوبا إذا اجتهد فيه وبالغ  أي حال هؤلاء في الكفر
~~واستحقاق العذاب كحال آل فرعون  فالجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف،
~~والجملة منفصلة عما قبلها مستأنفة استئنافا بيانيا بتقدير  ما سبب هذا
~~ على ما قاله بعض المحققين. ومن الناس من جوز أن يكون الجار متعلقا
~~بمحذوف وقع صفة لمصدر

# تغني

# [آل عمران: 10] أي إغناء كائنا كعدم إغناء،/ أو بوقود أي توقد بهم كما
~~توقد بأولئك  ولا يخفى ما في الوجهين  أما الأول: فقد قال فيه أبو
~~حيان: إنه ضعيف للفصل بين العامل والمعمول بالجملة التي هي، و (أولئك)
~~الخ إذا قدرت معطوفة، فإن قدرت استئنافية وهو بعيد جاز. وأما الثاني: فقد
~~اعترضه الحلبي بأن الوقود على المشهور الأظهر فيه اسم لما يوقد به وإذا
~~كان اسما فلا عمل له. فإن قيل إنه مصدر كما في ms01132 قراءة الحسن صح لكنه لم
~~يصح وأورد عليهما معا أنهما خلاف الظاهر لأن المذكور في تفسير الدأب
~~إنما هو التكذيب والأخذ من غير تعرض لعدم الإغناء لا سيما على تقدير كون
~~{ من } بدلية  ولا  لإيقاد النار فليفهم.

# { والذين من قبلهم } وهم كفار الأمم الماضية فالضمير لآل
~~فرعون، وقيل: للذين كفروا، والمراد بالموصول معاصرو رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم. { كذبوا بآياتنا } تفسير لدأبهم الذي فعلوا على سبيل
~~الاستئناف البياني، والمراد بالآيات إما المتلوة في كتب الله تعالى أو
~~العلامات الدالة على توحيد الله تعالى وصدق أنبيائه عليهم الصلاة والسلام
~~{ فأخذهم الله } تفسير  لدأبهم  الذي فعل بهم أي فعاقبهم الله
~~تعالى ولم يجدوا من بأس الله تعالى محيصا، وقيل: إن جملة { كذبوا }
~~الخ في حيز النصب على الحال من { ءآل فرعون والذين من
~~قبلهم } بإضمار قد، ويجوز على بعد أن تكون في حيز الرفع على أنها
~~خبر عن (الذين) والالتفات للتكلم أولا: في آياتنا للجري على سنن
~~الكبرياء، وإلى الغيبة ثانيا: بإظهار الجلالة لتربية المهابة وإدخال
~~الروعة. { بذنوبهم } أي بسببها أو متلبسين بها غير تائبين، والمراد
~~من الذنوب على الأول: التكذيب بالآيات المتعددة، وجيء بالسببية تأكيدا
~~لما تفيده الفاء، وعلى الثاني: سائر الذنوب، وفي ذلك إشارة إلى أن لهم
~~ذنوبا أخر، وأصل الذنب التلو والتابع، ثم أطلق على الجريمة لأنها يتلو 
~~أي يتبع  عقابها فاعلها { والله شديد العقاب } لمن كفر
~~بآيات، والجملة تذييل مقررة لمضمون ما قبلها من الأخذ.

### || [3.12]

# { قل للذين كفروا ستغلبون } روى أبو صالح عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما أن يهود أهل المدينة قالوا لما هزم الله تعالى
~~المشركين يوم بدر: هذا والله النبي الأمي الذي بشرنا به موسى عليه
~~الصلاة والسلام ونجده في كتابنا بنعته وصفته وأنه لا يرد له راية وأرادوا
~~تصديقه واتباعه ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا إلى وقعة له
~~أخرى فلما كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوا
~~وقالوا: لا والله ما هو به ms01133 وغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا وكان بينهم وبين
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهد وانطلق كعب
~~بن الأشرف في ستين راكبا إلى أهل مكة أبي سفيان وأصحابه فوافقوهم
~~وأجمعوا أمرهم وقالوا: لتكونن كلمتنا واحدة ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل
~~الله تعالى فيهم هذه الآية.

# وأخرج ابن جرير وابن إسحاق والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~أيضا

# " أن رسول الله لما أصاب ما أصاب من بدر ورجع إلى المدينة جمع اليهود في
~~سوق بني قينقاع وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله تعالى بما
~~أصاب قريشا فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش
~~كانوا أغمارا لا يعرفون القتال إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن
~~الناس وأنك لم تكن مثلنا "

# فأنزل الله تعالى: { قل للذين كفروا } إلى قوله سبحانه:

# لاولى الابصر

# [آل عمران: 13] فالمراد من الموصول اليهود، والسين لقرب الوقوع أي تغلبن
~~عن قريب وأريد منه في الدنيا، وقد صدق الله تعالى وعده رسوله صلى الله
~~عليه وسلم / فقتل  كما قيل  من بني قريظة في يوم واحد ستمائة جمعهم في
~~سوق بني قينقاع وأمر السياف بضرب أعناقهم وأمر بحفر حفيرة ورميهم فيها
~~وأجلى بني النضير وفتح خيبر وضرب الجزية عليهم  وهذا من أوضح شواهد
~~النبوة .

# { وتحشرون } عطف على { ستغلبون } والمراد في الآخرة {
~~إلى جهنم } وهي غاية حشرهم ومنتهاه  فإلى  على معناها
~~المتبادر، وقيل: بمعنى  في  والمعنى أنهم يجمعون فيها، والآية كالتوكيد
~~لما قبلها فإن الغلبة تحصل بعدم الانتفاع بالأموال والأولاد، والحشر إلى
~~جهنم مبدأ كونهم وقودا لها، وقرأ أهل الكوفة غير عاصم  سيغلبون ويحشرون
~~ بالباء، والباقون بالتاء، وفرق بين القراءتين بأن المعنى على تقدير تاء
~~الخطاب أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم من عند نفسه بمضمون
~~الكلام حتى لو كذبوا كان التكذيب راجعا إليه، وعلى تقدير ياء الغيبة
~~أمره بأن يؤدي ما أخبر الله تعالى به من الحكم بأنهم  سيغلبون  بحيث لو
~~كذبوا كان ms01134 التكذيب راجعا إلى الله تعالى.

# وقوله سبحانه: { وبئس المهاد } إما من تمام ما يقال لهم أو
~~استئناف لتهويل جهنم وتفظيع حال أهلها، ومهاد  كفراش لفظا ومعنى،
~~والمخصوص بالذم مقدر وهو جهنم، أو ما مهدوه لأنفسهم.

### || [3.13]

# { قد كان لكم } من تتمة القول المأمور به جيء به لتقرير مضمون ما
~~قبله وتحقيقه والخطاب لليهود أيضا  واختاره شيخ الإسلام  وذهب إليه
~~البلخي أي قد كان لكم أيها اليهود المغترون بعددهم وعددهم { ءاية } أي
~~علامة عظيمة دالة على صدق ما أقول لكم أنكم  ستغلبون  { في فئتين
~~} أي فرقتين أو جماعتين من الناس كانت المغلوبة منهما مدلة بكثرتها معجبة
~~بعزتها فأصابها ما أصابها { التقتا } يوم بدر { فئة تقتل
~~فى سبيل الله } فهي في أعلى درجات الإيمان ولم يقل مؤمنة مدحا
~~لهم بما يليق بالمقام ورمزا إلى الاعتداد بقتالهم، وقرىء  يقاتل  على
~~تأويل الفئة بالقوم أو الفريق { وأخرى كافرة } بالله تعالى فهي
~~أبعد من أن تقاتل في سبيله وإنما لم توصف بما يقابل صفة الفئة الأولى
~~إسقاطا لقتالهم عن درجة الاعتبار وإيذانا بأنه لم يتصدوا له لما عراهم
~~من الهيبة والوجل.

# و { كان } ناقصة  وعليه جمهور المعربين و { ءاية } اسمها وترك
~~التأنيث في الفعل لأن المرفوع غير حقيقي التأنيث ولأنه مفصول ولأن الآية
~~والدليل بمعنى، وفي الخبر وجهان: أحدهما { لكم } و { في فئتين }
~~نعت  لآية  والثاني أن الخبر هو هذا النعت و { لكم } متعلق ب {
~~كان } على رأي من يرى ذلك، وجوز أن يكون { لكم } في موضع نصب على
~~الحال  وقد تقدم مرارا أن وصف النكرة إذا قدم عليها كان حالا  و
~~(التقتا) في حيز الجر نعت  لفئتين  وفئة خبر لمحذوف أي إحداهما فئة
~~وأخرى نعت لمقدر أي  وفئة أخرى  والجملة مستأنفة لتقرير ما في الفئتين
~~من الآية، وقيل: فئة وما عطف عليها بدل من الضمير في { التقتا } وما
~~بعدهما صفة فلا بد من ضمير محذوف عائد إلى المبدل منه مسوغ لوصف البدل
~~بالجملة العارية عن ضمير أي فئة منهما تقاتل الخ، وجوز أن يكون ms01135 كل من
~~المتعاطفين مبتدأ وما بعدهما خبر أي فئة منهما تقاتل الخ،  فئة. أخرى
~~كافرة، وقيل: كل منهما مبتدأ محذوف الخبر أي منهما فئة الخ، وقرىء (وأخرى
~~كافرة)  بالنصب فيهما وهو على المدح في الأولى والذم في الثاني، وقيل:
~~على الاختصاص، واعترضه أبو حيان بأن المنصوب عليه لا يكون نكرة، وأجيب
~~بأن القائل لم يعن الاختصاص المبوب له في النحو كما في

# " نحن معاشر الأنبياء لا نورث "

# وإنما عنى النصب بإضمار فعل لائق وأهل البيان يسمون هذا النحو اختصاصا
~~ كما قاله الحلبي / وجوز أن يكونا حالين كأنه قيل: التقتا مؤمنة
~~وكافرة، وفئة وأخرى على هذا توطئة للحال، وقرىء بالجر فيهما على البدلية
~~من (فئتين) بدل بعض من كل والضمير العائد إلى المبدل منه مقدر على نحو ما
~~مر ويسمى بدلا تفصيليا كما في قوله:

# وكنت كذي رجلين  رجل صحيحة

# ورجل رماها صائب الحدثان

# وقوله سبحانه: { يرونهم مثليهم } في حيز الرفع صفة للفئة
~~الأخيرة أو مستأنفة مبينة لكيفية الآية. والمراد كما قال السدي: ترى
~~الفئة الأخيرة الكافرة الفئة الأولى المؤمنة مثل عدد الرائين وقد كانوا
~~تسعمائة وخمسين مقاتلا كلهم شاكو السلاح، وعن علي كرم الله تعالى وجهه،
~~وابن مسعود كانوا ألفا وسقف بيت حلهم وربطهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس،
~~وفيهم من صناديد قريش ورؤساء الضلال أبو جهل وأبو سفيان وغيرهما، ومن
~~الإبل والخيل سبعمائة بعير ومائة فرس، روى محمد بن الفرات عن سعيد بن أوس
~~أنه قال: أسر المشركون رجلا من المسلمين فسألوه كم كنتم؟ قال: ثلثمائة
~~وبضعة عشر قالوا: ما كنا نراكم إلا تضعفون علينا وأرادوا ألفا وتسعمائة
~~ وهو المراد من { يرونهم مثليهم } وزعم الفراء أنه يحتمل
~~إرادة ثلاثة أمثالهم لأنك إذا قلت: عندي ألف وأحتاج إلى مثليها فإنما
~~تريد إلى ألفين مضافين إليها لا بدلا منها فهم كانوا يرونهم ثلاثة
~~أمثالهم، وأنكر هذا الوجه الزجاج لمخالفته لظاهر الكلام، أو مثلي عدد
~~المرئيين أي ستمائة ونيفا وعشرين حيث كانوا عدة المرسلين سبعة وسبعون
~~رجلا من المهاجرين ومائتا وستة ms01136 وثلاثون من الأنصار وكان صاحب لواء رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين علي الكرار كرم الله تعالى وجهه،
~~وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة وكان معهم من الإبل سبعون بعيرا، ومن
~~الخيل فرسان فرس للمقداد بن عمرو، وفرس لمرثد بن أبي مرثد، ومن السلاح
~~ست أدرع وثمانية سيوف وكان أكثرهم رجالة، واستشهد منهم يومئذ أربعة عشر
~~رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار  وقد مرت إليه الإشارة 
~~وإنما أراهم الله تعالى كذلك مع أنهم ليسوا كذلك ليهابوهم ويجبنوا عن
~~قتالهم وهو نوع من التأييد والمدد المعنوي وكان ذلك عند تداني الفئتين
~~بعد أن قللهم الله تعالى في أعينهم عند الترائي ليجترءوا عليهم ولا
~~يرهبوا فيهربوا حيث ينفع الهرب، وذهب جماعة من العلماء إلى أن المراد ترى
~~الفئة المؤمنة الفئة الكافرة مثلي أنفسهم مع كونهم ثلاثة أمثالهم ليثبتوا
~~ويطمئنوا بالنصر الموعود في قوله تعالى:

# فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين

# [الأنفال: 66].

# قال شيخ الإسلام مولانا مفتي الديار الرومية: والأول: هو أولى لأن رؤية
~~المثلين غير متعينة من جانب المؤمنين بل وقد وقعت رؤية المثل بل أقل منه
~~أيضا فإنه روي أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: نظرنا إلى المشركين
~~فرأيناهم يضعفون علينا ثم نظرنا إليهم فلما رأيناهم يزيدون علينا رجلا
~~واحدا ثم قللهم الله تعالى أيضا في أعينهم حتى رأوهم عددا يسيرا أقل
~~من أنفسهم قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لقد قللوا في أعيننا يوم
~~بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة فأسرنا منهم
~~رجلا فقلنا كم كنتم؟ قال: ألفا فلو أريد رؤية المؤمنين المشركين أقل من
~~عددهم في نفس الأمر  كما في الأنفال  لكانت رؤيتهم إياهم أقل من أنفسهم
~~أحق بالذكر في كونها آية من رؤيتهم مثليهم على أن إبانة آثار قدرة الله
~~تعالى وحكمته للكفرة بإراءتهم القليل كثيرا والضعيف قويا وإلقاء الرعب
~~في قلوبهم بسبب ذلك أدخل في كونها آية لهم وحجة عليهم وأقرب إلى اعتراف
~~المخاطبين بذلك لكثرة ms01137 مخالطتهم للكفرة المشاهدين للحال وكذا تعلق الفعل
~~بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول فجعل أقرب المذكورين السابقين فاعلا
~~وأبعدهما مفعولا سواء جعل الجملة صفة أو مستأنفة أولى من العكس انتهى.

# / ويمكن أن يقال من طرف الجمهور الذاهبين إلى أن المراد رؤية المؤمنين
~~المشركين مثلي أنفسهم بأنه التفسير المأثور عن ابن مسعود رضي الله تعالى
~~عنه، ولا نسلم أن رؤيتهم إياهم أقل من أنفسهم أحق بالذكر في كونها آية من
~~رؤيتهم مثليهم لجواز أن تكون الآية والعلامة لليهود على أنهم سيغلبون
~~قتال المؤمنين لهؤلاء المشركين وغلبتهم عليهم مع وجود السبب العادي للجبن
~~وهو رؤية المؤمنين إياهم أكثر من أنفسهم وأوفر من عددهم فكأنه قيل: يا
~~معشر اليهود تحققوا قتال المسلمين لكم وغلبتهم عليكم ولا تغتروا بعلمهم
~~بقلتهم وكثرتكم فإنهم يقدمون على قتال من يرونه أكثر منهم عددا ولا
~~يجبنون ولا يهابون وينتصرون فما ذاك إلا لأن الله تعالى قد ملأ قلوبهم
~~إيمانا وشدة على من خالفهم وأحاطهم بتأييده ونصره ووعدهم الوعد الجميل.

# لا يقال: إن الأوفق لهذا الغرض أن يرى المؤمنون المشركين على ما هم عليه
~~من كون المشركين ثلاثة أمثالهم أو يرونهم أكثر من ذلك لأن إقدامهم حينئذ
~~على قتالهم أدل على سبب الغلبة على اليهود لأنا نقول: نعم الأمر كما ذكر
~~إلا أن هذه الرؤية لوفائها بالمقصود مع تضمنها مدح المؤمنين بالثبات
~~الناشىء من قوة الإيمان بالنصر الموعود آخرا بقوله تعالى:

# فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين

# [الأنفال: 66] اختيرت على ما ليس فيها إلا أمر واحد غير متضمن لذلك
~~المدح المخصوص وعلى هذا لا يحتاج إلى التزام كون التثنية مجازا عن
~~التكثير كما في قوله تعالى:

# ثم ارجع البصر كرتين

# [الملك: 4] ولا إلى القول بأن ضمير { مثليهم } راجع إلى  الفئة 
~~الأخيرة أي ترى الفئة المؤمنة الفئة الكافرة مثلي عدد الفئة الكافرة أعني
~~قريبا من ألفين  وإن ذهب إلى ذلك البعض  ويرد أيضا على قوله: على أن
~~إبانة الخ بعد تسليم أن الإراءة نفسها كانت هي الآية أن إراءة القليل ms01138
~~كثيرا لم تقع لليهود المخاطبين بصدر الآية لتكون إبانة آثار قدرته تعالى
~~بذلك أدخل في كونها آية لهم وحجة عليهم وكون ذلك أقرب لاعترافهم لكثرة
~~مخالطتهم الكفرة الرائين يتوقف على أن الرائين قد أخبروهم بذلك وأنهم
~~صدقوا به ولم يحملوه على أنه خيل لهم لخوفهم بسبب عدم علمهم بالحرب
~~والخائف  يخيل إليه أن أشجار البيداء شجعان شاكية، وأسد ضارية  وإثبات
~~كل من هذه الأمور صعب على أن فيما روى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما  من أن اليهود قالوا له صلى الله عليه وسلم بعد
~~تلك الواقعة: لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت
~~منهم فرصة ولئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس  ما يشعر في الجملة بأنهم
~~لو أخبروهم بذلك وصدقوا لحملوه على نحو ما ذكرنا، وما ذكر من أن تعلق
~~الفعل بالفاعل أشد الخ، فمسلم إلا أنا لا نسلم أنه يستدعي أولوية جعل أول
~~المذكورين السابقين فاعلا وأبعدهما مفعولا من العكس مطلقا بل ذلك إذا
~~لم يكن في العكس معنى لطيف تحسن مراعاته نظرا للمقام  وهنا قد كان ذلك
~~ لا سيما وقد سبق مدح الفئة الأولى بالمقاتلة في سبيل الله تعالى وعدل
~~عن مدحهم بالإيمان الذي هو الأساس إليه ولا شك أن مقاتلتهم للمشركين مع
~~رؤيتهم إياهم أكثر من أنفسهم ومثليهم أمدح وأمدح كما لا يخفى.

# وقرأ نافع ويعقوب (ترونهم) بالتاء  واستشكلت  على تقدير كون الخطاب
~~لليهود بأنهم لم يروا المؤمنين مثلي أنفسهم ولا مثلي الكافرين ولم يروا
~~الكافرين أيضا مثلي أنفسهم ولا مثلي المؤمنين، وأجيب بأنه يصح أن يقال:
~~إنهم رأوا المؤمنين مثلي أنفسهم أو مثلي الكافرين على سبيل المجاز حيث
~~نزلت رؤية المشركين منزلة رؤيتهم لما بينهم من الاتحاد في الكفر والاتفاق
~~في الكلمة لا سيما بعد ما وقع بينهم بواسطة كعب بن الأشرف من العهد
~~والميثاق فأسندت الرؤية إليهم مبالغة في البيان وتحقيقا لعروض مثل تلك
~~الحالة لهم، وكذا يصح أن يقال: إنهم رأوا حقيقة الكافرين مثلي ms01139 المؤمنين،
~~/ وتحمل الرؤية على العلم والاعتقاد الناشىء عن الشهرة والتواتر ويلتزم
~~كون الآية لهم قتال المؤمنين الكافرين وغلبة الأولين الآخرين مع كونهم
~~أكثر منهم إلا أنه اقتصر على أقل اللازم ويعلم منه كون قتال المؤمنين
~~وغلبتهم على الفئة الكافرة مع كونها ثلاثة أمثالهم في نفس الأمر المعلوم
~~لهم أيضا آية من باب أولى.

# ولما في هذين الجوابين  كيفما كان  التزم بعضهم كون الخطاب من أول
~~الأمر للمشركين ليتضح أمر هذه القراءة وأوجب عليه أن يكون قوله سبحانه: {
~~قد كان لكم } خطابا لهم بعد ذلك ولا يكون داخلا تحت الأمر
~~بناءا على أن الوعيد كان بوقعة بدر ولا معنى للاستدلال بها قبل وقوعها،
~~وجعل ذلك داخلا في مفعول الأمر إلا أنه عبر عن المستقبل بلفظ الماضي
~~لتحقق وقوعه لا يخلو عن شيء، وجعل بعضهم الخطاب في قراءة نافع للمؤمنين
~~والتزم كون الخطاب السابق لهم أيضا على أنه ابتداء خطاب في معرض
~~الامتنان عليهم بما سبق الوعد به، وقيل: إنه لجميع الكفرة، وقال بعض أئمة
~~التحقيق: القول بأن الخطاب عام للمؤمنين واليهود ومشركي مكة هو الذي
~~يقتضيه المقام لئلا يقتطع الكلام ويقع التذييل بقوله سبحانه: { والله
~~يؤيد } الخ موقع المسك في الختام، ثم إن من عد التعبير عن جماعة
~~بطريق من الطرق الثلاثة مع التعبير بعد عن البعض بطريق آخر يخالفه منها
~~من الالتفات قال بوجوده في الآية على بعض احتمالاتها، ومن لم يعد ذلك منه
~~كما هو الظاهر أنكر الالتفات فيها وبهذا يجمع بين أقوال الناظرين في
~~الآية من هذه الحيثية واختلافهم في وجود الالتفات وعدمه فيها فأمعن النظر
~~فإنه لمثل هذا المبحث كله يدخر.

# وقرأ ابن مصرف  يرونهم  على البناء للمفعول بالياء والتاء أي يريهم
~~الله تعالى ذلك بقدرته.

# { رأي العين } مصدر مؤكد  ليرونهم  على تقدير جعلها بصرية 
~~فمثليهم  حينئذ حال، ويجوز أن يكون مصدرا تشبيهيا على تقدير جعلها
~~علمية اعتقادية  أي رأيا مثل رأي العين  فمثليهم حينئذ مفعول ثان،
~~وقيل: إن  رأى  منصوب على الظرفية أي في رأي العين ms01140 { والله }
~~المتصف بصفات الجمال والجلال { يؤيد } أي يقوي { بنصره } أي
~~بعونه، وقيل: بحجته وليس بالقوى { من يشآء } أن يؤيده من غير توسط
~~الأسباب المعتادة كما أيد الفئة المقاتلة في سبيله وهو من تمام القول
~~المأمور به.

# { إن فى ذلك } المذكور من النصر، وقيل: من تلك الرؤية {
~~لعبرة } أي اتعاظا ودلالة، وهي فعلة من العبور كالركبة والجلسة وهو
~~التجاوز، ومنه عبرت النهر وسمي الاتعاظ عبرة لأن المتعظ يعبر من الجهل
~~إلى العلم ومن الهلاك إلى النجاة، والتنوين للتعظيم أي عبرة عظيمة كائنة
~~{ لأولى الأبصر } جمع بصر بمعنى بصيرة مجازا أو بمعناه
~~المعروف أي لذوي العقول والبصائر أو لمن أبصرهم ورآهم بعيني رأسه، وهذه
~~الجملة إما من تمام الكلام الداخل تحت القول مقررة لما قبلها بطريق
~~التذييل وإما واردة من جهته تعالى تصديقا لمقالة رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم.

### || [3.14]

# { زين للناس } كلام مستأنف سيق للتنفير عن الحظوظ النفسانية التي
~~كثيرا ما يقع القتال بسببها إثر بيان حال الكفرة والتنصيص على عدم نفع
~~أموالهم وأولادهم لهم وقد كانوا يتعززون بذلك، والمراد من الناس الجنس {
~~حب الشهوت } أي المشتهيات وجعلها نفس الشهوات إشارة إلى ما ركز
~~في الطباع من محبتها والحرص عليها حتى كأنهم يشتهون اشتهاءها كما قيل
~~لمريض: ما تشتهي؟ فقال: أشتهي أن أشتهي، أو تنبيها على خستها لأن
~~الشهوات خسيسة عند الحكماء/ والعقلاء ففي ذلك تنفير عنها وترغيب فيما عند
~~الله تعالى، والمزين هو الله تعالى كما أخرجه ابن أبي حاتم عن عمر بن
~~الخطاب رضي الله تعالى عنه، وروي عن الحسن  الشيطان  والله زينها لهم
~~لأنا لا نعلم أحدا أذم لها من خالقها، وفي «الانتصاف» ((التزيين للشهوات
~~يطلق ويراد به خلق حبها في القلوب وهو بهذا المعنى مضاف إليه تعالى حقيقة
~~لأنه لا خالق إلا هو، ويطلق ويراد به الحض على تعاطي الشهوات المحظورة
~~فتزيينها بالمعنى الثاني مضاف إلى الشيطان تنزيلا لوسوسته وتحسينه منزلة
~~الأمر بها والحض على تعاطيها، وكلام الحسن رحمه الله تعالى محمول على
~~التزين بالمعنى الثاني ms01141 لا بالمعنى الأول فإنه يتحاشى أن ينسب خلق الله
~~تعالى إلى غيره)) والإسناد في كل حقيقة كما أشرنا إليه فيما تقدم، ومن
~~قال: الظاهر أنه من قبيل  أقدمني بلدك حق لي عليك  إذ لا إقدام هنا بل
~~قدوم محض أثبت له مقدم للمبالغة، والمراد أن الشهوات زينت في أعينهم
~~لنقصانهم ولا زينة لها في الحقيقة من غير أن يكون هناك مزين إلا أنه أثبت
~~مزين مبالغة في الزينة وتنزيلا لسبب الزينة منزلة الفاعل فقد تعسف
~~وتصلف، ومن قال: المزين في الحقيقة هو الشيطان لأن التزيين صفة تقوم به.
~~والقائل بأنه هو الله تعالى لأنه الخالق للأفعال والدواعي مخطىء في
~~الدعوى وغير مصيب في الدليل فالمخطىء ابن أخت خالته، وقرأ مجاهد  زين 
~~بالبناء للفاعل ونصب { حب }.

# { من النساء والبنين } في محل النصب على الحال من (الشهوات)
~~وهي مفسرة لها في المعنى، وقيل: { من } لبيان الجنس وقدم النساء
~~لعراقتهن في معنى الشهوة وهن حبائل الشيطان، وقد روي عنه صلى الله عليه
~~وسلم أنه قال:

# " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء "

# ويقال: فيهن فتنتان قطع الرحم وجمع المال من الحلال والحرام، وثنى
~~بالبنين لأنهم من ثمرات النساء في الفتن، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم
~~أنه قال:

# " الولد مبخلة مجبنة "

# ويقال فيهم فتنة واحدة وهي جمع المال، ولم يتعرض لذكر البنات لعدم
~~الاطراد في حبهن، وقيل: إن البنين تشملهن على سبيل التغليب.

# { والقنطير المقنطرة } جمع قنطار وهو المال الكثير كما
~~أخرجه ابن جرير عن الضحاك. وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " القنطار إثنا عشر ألف أوقية "

# وأخرج الحاكم عن أنس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

# " القنطار ألف أوقية "

# وفي رواية ابن أبي حاتم عنه القنطار ألف دينار. وأخرج ابن جرير عن
~~أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " القنطار ألف أوقية ومائتا دينار "

# وعن معاذ ألف ومائتا أوقية، وعن ابن عباس رضي الله تعالى ms01142 عنهما اثنا عشر
~~ألف درهم وألف دينار، وفي رواية أخرى عنه ألف ومائتا دينار ومن الفضة ألف
~~ومائتا مثقال، وعن أبي سعيد الخدري ملء جلد الثور ذهبا، وعن مجاهد
~~سبعون ألف دينار، وعن ابن المسيب ثمانون ألفا، وعن أبي صالح مائة رطل،
~~وعن قتادة قال: كنا نحدث أن القنطار مائة رطل من الذهب أو ثمانون ألفا
~~من الورق، وعن أبي جعفر خمسة عشر ألف مثقال والمثقال أربعة وعشرون
~~قيراطا، وقيل: القنطار عند العرب وزن لا يحد، وقيل: ما بين السماء
~~والأرض من مال وغير ذلك، ولعل الأولى كما قيل: ما روي عن الضحاك ويحمل
~~التنصيص على المقدار المعين في هذه الأقوال على التمثيل لا التخصيص
~~والكثرة تختلف بحسب الاعتبارات والإضافات، واختلف في وزنه فقيل: فعلال،
~~وقيل: فنعال: فالنون على الأول أصلية وعلى الثاني زائدة، ولفظ
~~المقنطرة مأخوذ منه، ومن عادة العرب أن يصفوا الشيء بما يشتق منه
~~للمبالغة  كظل ظليل  وهو كثير/ في وزن فاعل ويرد في المفعول ك

# حجرا محجورا

# [الفرقان: 22] و

# نسيا منسيا

# [مريم: 23] وقيل: المقنطرة المضعفة، وخصها بعضهم بتسعة قناطير، وقيل:
~~المقنطرة المحكمة المحصنة من قنطرت الشيء إذا عقدته وأحكمته، وقيل:
~~المضروبة دنانير أو دراهم، وقيل: المنضدة التي بعضها فوق بعض، وقيل:
~~المدفونة المكنوزة.

# { من الذهب والفضة } بيان للقناطير وهو في موضع الحال منها،
~~والذهب مؤنث يقال: هي الذهب الحمراء ولذلك يصغر على ذهيبة، وقال الفراء:
~~وربما ذكر، ويقال في جمعه: أذهاب وذهوب وذهبان، وقيل: إنه جمع في المعنى
~~لذهبة واشتقاقه من الذهاب، والفضة تجمع على فضض واشتقاقه من انفض الشيء
~~إذا تفرق { والخيل } عطف على (النساء) أو (القناطير) لا على (الذهب
~~والفضة) لأنها لا تسمى قنطارا وواحده خائل وهو مشتق من الخيلاء مثل طائر
~~وطير، وقال قوم: لا واحد له من لفظه بل هو اسم جمع واحده فرس ولفظه لفظ
~~المصدر وجوز أن يكون مخففا من خيل { المسومة } أي الراعية قاله
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في إحدى الروايات عنه فهي من سوم ماشيته
~~إذا ms01143 أرسلها في المرعى، أو المطهمة الحسان  قاله مجاهد  فهي من السيما
~~بمعنى الحسن أو المعلمة ذات الغرة والتحجيل  قاله عكرمة  فهي من السمة
~~أو السومة بمعنى العلامة { والأنعم } أي الإبل والبقر والغنم وسميت
~~بذلك لنعومة مشيها ولينه، والنعم مختصة بالإبل { والحرث } مصدر
~~بمعنى المفعول أي المزروع سواء كان حبوبا أم بقلا أم ثمرا.

# { ذلك } أي ما زين لهم من المذكور  ولهذا ذكر  وأفرد اسم الإشارة
~~ويصح أن يكون ذلك لتذكير الخبر وإفراده وهو { متع الحيوة
~~الدنيا } أي ما يتمتع به أياما قلائل ثم يزول عن صاحبه { والله
~~عنده حسن المآب } أي المرجع الحسن فالمآب مفعل من آب يؤب أي
~~رجع وأصله مأوب فنقلت حركة الواو إلى الهمزة الساكنة قبلها ثم قلبت ألفا
~~وهو اسم مصدر ويقع اسم مكان وزمان والمصدر أوب وإياب. أخرج ابن جرير عن
~~السدي أنه قال: (حسن المآب) حسن المنقلب وهي الجنة، وفي تكرير الإسناد
~~إلى الإسم الجليل زيادة تأكيد وتفخيم ومزيد اعتناء بالترغيب فيما عند
~~الله تعالى من النعيم المقيم والتزهيد في ملاذ الدنيا السريعة الزوال،
~~ومن غريب ما استنبط من الآية  كما قال أبو حيان  وجوب الزكاة في الخيل
~~السائمة لذكرها مع ما تجب فيه الصدقة أو النفقة، والثاني: النساء والبنون
~~ولا يخفى ما فيه.

### || [3.15]

# { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } تقرير وتثبيت لما فهم
~~مما قبل من أن ثواب الله تعالى خير من مستلذات الدنيا، والمراد من
~~الإنباء الإخبار و { ذلكم } إشارة إلى المذكور من النساء وما معه،
~~والقراء فيما إذا اجتمع همزتان أولاهما: مفتوحة والثانية: مضمومة كما هنا
~~وكما في سورة ص [8]

# أءنزل

# وسورة القمر [25]

# أءلقى

# على خمس مراتب: إحداها: مرتبة قالون وهي تسهيل الثانية بين بين وإدخال
~~ألف بين الهمزتين. الثانية: مرتبة ورش وابن كثير وهي تسهيل الثانية أيضا
~~بين بين من غير إدخال ألف بينهما. الثالثة: مرتبة الكوفيين وابن ذكوان عن
~~ابن عامر وهي تحقيق الثانية من غير إدخال ألف. الرابعة: مرتبة هشام وهي
~~أنه روي عنه ثلاثة أوجه: الأول: التحقيق ms01144 وعدم إدخال ألف بين الهمزتين.
~~الوجه الثاني: التحقيق وإدخال ألف بينهما في السور الثلاث. الوجه الثالث:
~~/ التفرقة بين السور فيحقق ويقصر هنا ويمد في الأخيرتين. الخامسة: مرتبة
~~أبي عمرو وهي تسهيل الثانية مع إدخال الألف وعدمه؛ والظرف الأول: متعلق
~~بالفعل قبله. والثاني: متعلق بأفعل التفضيل ولا يجوز أن يكون صفة  كما
~~قال أبو البقاء  لأنه يوجب أن تكون الجنة وما فيها مما رغبوا فيه بعضا
~~لما زهدوا عنه من الأموال ونحوها.

# وقوله تعالى: { للذين اتقوا عند ربهم جنت }
~~استئناف مبين لذلك الخير المبهم على أن { للذين } خبر مقدم، و {
~~جنت } مبتدأ مؤخر، و { عند ربهم } يحتمل وجهين كونه ظرفا
~~للاستقرار وكونه صفة للجنات في الأصل قدم فانتصب حالا منها، وفي ذكر ذلك
~~إشارة إلى علو رتبة الجنات ورفعة شأنها، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع
~~الإضافة إلى ضمير المتقين إيذان بمزيد اللطف بهم، والمراد منهم المتبتلون
~~إليه تعالى المعرضون عمن سواه  كما ينبىء عن ذلك الأوصاف الآتية 
~~وتعليق حصول الجنات وما يأتي بعد بهذا العنوان للترغيب في تحصيله والثبات
~~عليه، وجوز أن تكون اللام متعلقة  بخير  أيضا أو بمحذوف صفة له، و 
~~جنات  حينئذ خبر لمحذوف أي  هي جنات  والجملة مبينة  لخير  و  عند
~~ربهم  حينئذ إما أن يتعلق بالفعل على معنى ثبت تقواهم عنده شهادة لهم
~~بالإخلاص، وجاز أن يجعل خبرا مقدما فلا يحتاج إلى حذف المبتدأ، واعترض
~~بأنه يقال: عند الله تعالى الثواب ولا يقال عند الله تعالى الجنة، وبذلك
~~يصرح كلام السعد وغيره  وفي النفس منه شيء  وقرىء  جنات  بكسر التاء
~~وفيه وجهان: أحدهما: أنه مجرور على البدلية من لفظ  خير  وثانيهما: أنه
~~منصوب على إضمار أعني مثلا أو البدلية من محل  بخير .

# { تجرى } في محل الرفع أو النصب أو الجر صفة  لجنات  على القراءتين
~~{ من تحتها الأنهر } تقدم ما فيه { خلدين فيها } حال
~~مقدرة من المستكن في  للذين  والعامل ما فيه من معنى الاستقرار، وجوز
~~أبو البقاء كونه حالا من الهاء في  تحتها  أو من الضمير في ms01145  اتقوا 
~~ولا يخفى ما فيه. { وأزوج مطهرة } أي منزهة مما يستقذر من
~~النساء خلقا وخلقا، والعطف على  جنات  على قراءة الرفع وأما على
~~قراءة النصب فلا بد من تقدير  لهم  في الكلام { ورضون } أي رضا
~~عظيم على ما يشعر به التنوين، وقرأه عاصم  بضم الراء  وهما لغتان
~~وقراءتان سبعيتان في جميع القرآن إلا في قوله تعالى:

# من اتبع رضوانه سبل السلم

# [المائدة: 16] فإنه بالكسر بالاتفاق، وقيل: المكسور اسم والمضموم مصدر
~~وهو قول لا ثبت له { من الله } صفة لرضوان مؤكدة لما أفاده التنوين
~~من الفخامة { والله بصير بالعباد } أي خبير بهم وبأحوالهم
~~وأفعالهم فيثيب المحسن فضلا ويعاقب المسىء عدلا، أو خبير بأحوال الذين
~~اتقوا فلذلك أعد لهم ما أعد، فالعباد على الأول: عام؛ وعلى الثاني:
~~خاص.

# وقد بدأ سبحانه في هذه الآية أولا بذكر  المقر  وهو الجنات، ثم
~~ثنى بذكر ما يحصل به الأنس التام وهو الأزواج المطهرة، ثم ثلث بذكر ما
~~هو الإكسير الأعظم والروح لفؤاد الواله المغرم وهو رضا الله عز وجل. وفي
~~الحديث: أنه سبحانه

# " يسأل أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون ما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا
~~ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول جل شأنه ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون
~~يا رب وأي شيء أفضل من ذلك قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا
~~".

### || [3.16]

# { الذين يقولون ربنا إننآ آمنا } يجوز أن يكون في
~~محل الرفع على أنه خبر لمحذوف كأنه [قيل من] / أولئك المتقون؟ فقيل: هم
~~الذين الخ، وأن يكون في موضع نصب على المدح، وأن يكون في حيز الجر على
~~أنه تابع

# للذين اتقوا

# [آل عمران: 15] نعتا أو بدلا، أو العباد كذلك، واعترض كونه نعتا
~~للعباد بأن فيه تخصيص الإبصار ببعض العباد، وفيه أن ذلك التخصيص لا يوهم
~~الاختصاص لظهور الأمر بل يفيد الاهتمام بشأنهم ورفعة مكانهم، واعترض
~~أيضا كونه تابعا للمتقين بأنه بعيد جدا لا سيما إذا جعل اللام متعلقا
~~ بخير  لكثرة الفواصل بين التابع والمتبوع، وأجيب بأنه لا ms01146 بأس بهذا
~~الفصل كما لا بأس بالفصل بين الممدوح والمدح إذ الصفة المادحة المقطوعة
~~تابعة في المعنى ولهذا يلزم حذف الناصب أو المبتدأ لئلا يخرج الكلام عن
~~صورة التبعية فالفرق بين هذه وسائر التوابع في قبح الفصل وعدمه خفي لا بد
~~له من دليل نبيل، وفيه أن قياس التبعية لفظا ومعنى على التبعية معنى فقط
~~مما لا ينبغي من جاهل فضلا عن عالم فاضل، والتزام حذف الناصب أو المبتدأ
~~في صورة القطع للمدح أو للذم قد يقال: إنه لدفع توهم الإخبار، والمقصود
~~الإنشاء لا لئلا يخرج الكلام عن صورة التبعية، وتأكيد الجملة لإظهار أن
~~إيمانهم ناشىء من وفور الرغبة وكمال النشاط، وفي ترتيب طلب المغفرة في
~~قوله تعالى: { فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار }
~~على مجرد الإيمان دليل على كفايته في استحقاق المغفرة والوقاية من النار
~~من غير توقف على الطاعات، والمراد من الذنوب الكبائر والصغائر.

### || [3.17]

# { الصبرين } يجوز أن يكون مجرورا وأن يكون منصوبا صفة  للذين
~~ إن جعلته في موضع جر أو نصب وإذا جعلته في محل رفع كان هذا منصوبا على
~~المدح. والمراد بالصبر  الصبر على طاعة الله تعالى، والصبر عن محارمه 
~~قاله قتادة، وحذف المتعلق يشعر بالعموم فيشمل الصبر على البأساء والضراء
~~وحين البأس { والصدقين } في نياتهم وأقوالهم سرا  وعلانية وهو
~~المروي عن قتادة أيضا  { والقنتين } أي المطيعين  قاله ابن
~~جبير  أو المداومين على الطاعة والعبادة  قاله الزجاج  أو القائمين
~~بالواجبات  قاله القاضي  { والمنفقين } من أموالهم في حق الله
~~تعالى  قاله ابن جبير  أيضا { والمستغفرين بالأسحار }
~~قال مجاهد والكلبي وغيرهما: أي المصلين بالأسحار. وأخرج ابن أبي شيبة
~~عن زيد بن أسلم قال: هم الذين يشهدون صلاة الصبح، وأخرج ابن جرير عن ابن
~~عمر أنه كان يحي الليل صلاة ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فيقول: لا فيعاود
~~الصلاة فإذا قال: نعم قعد يستغفر الله تعالى ويدعو حتى يصبح، وأخرج ابن
~~مردويه عن أنس بن مالك قال:

# " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستغفر بالأسحار سبعين
~~استغفارة ms01147 "

# وروى الرضا عن أبيه عن أبي عبد الله «أن من استغفر الله تعالى في وقت
~~السحر سبعين مرة فهو من أهل هذه الآية» والباء في  بالأسحار  بمعنى في،
~~وهي جمع  سحر  بفتح الحاء المهملة وسكونها سميت أواخر الليالي بذلك لما
~~فيها من الخفاء  كالسحر  للشيء الخفي. وقال بعضهم: السحر من ثلث الليل
~~الأخير إلى طلوع الفجر.

# وتخصيص الأسحار بالاستغفار لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة إذ العبادة
~~حينئذ أشق والنفس أصفى والروع أجمع، وفي «الصحيح»:

# " أنه تعالى  وتنزه عن سمات الحدوث  ينزل إلى سماء الدنيا في ثلث
~~الليل الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني
~~فأغفر له فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر "

# وأخرج ابن جرير وأحمد عن سعيد الجريري قال: «بلغنا أن داود عليه الصلاة
~~والسلام سأل جبريل/ عليه السلام فقال: يا جبريل أي الليل أفضل قال: يا
~~داود ما أدري سوى أن العرش يهتز في السحر» وتوسيط الواو بين هذه الصفات
~~المذكورة إما لأن الموصوف بها متعدد وإما للدلالة على استقلال كل منها
~~وكمالهم فيها، وقول أبي حيان: لا نعلم أن العطف في الصفة بالواو يدل على
~~الكمال رده الحلبي بأن علماء البيان علموه وهم هم.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { قد كان لكم } يا معشر السالكين
~~إلى مقصد الكل { ءاية } دالة على كمالكم وبلوغكم إلى ذروة التوحيد {
~~في فئتين التقتا } للحرب { فئة } منهما وهي فئة القوى
~~الروحانية التي هي جند الله تعالى { تقتل فى سبيل الله }
~~وطريق الوصول إليه { وأخرى } منهما وهي جنود النفس وأعوان الشيطان {
~~كافرة } ساترة للحق محجوبة عن حظائر الصدق ترى الفئة الأخيرة الفئة
~~الأولى لحول عين بصيرتها { مثليهم } عند الالتقاء في معركة البدن
~~رؤية مكشوفة ظاهرة لا خفاء فيها مثل رؤية العين، وذلك لتأييد الفئة
~~المؤمنة بالأنوار الإلهية والإشراقات الجبروتية، وخذلان الفئة الكافرة
~~بما استولى عليها من تراكم ظلمات الطبيعة وذل البعد عن الحضرة {
~~والله } تعالى { يؤيد بنصره من يشاء } تأييده لقبول
~~استعداده لذلك { إن فى ذلك } التأييد ms01148

# لعبرة

# [آل عمران: 13] أي اعتبارا أو أمرا يعتبر به في الوصول إلى حيث
~~المأمول للمستبصرين الفاتحين أعين بصائرهم لمشاهدة الأنوار الأزلية في
~~آفاق المظاهر الإلهية { زين للناس حب الشهوت } بسبب ما
~~فيهم من العالم السفلي والغشاوة الطبيعية والغواشي البدنية { من
~~النساء } وهي النفوس { والبنين } وهي الخيالات المتولدة منها
~~الناشئة عنها { والقنطير المقنطرة من الذهب
~~والفضة } وهي العلوم المتداولة وغير المتداولة، أو الأصول والفروع
~~{ والخيل المسومة } وهي مراكب الهوى وأفراس اللهو {
~~والأنعم } وهي رواحل جمع الحطام وأسباب جلب المنافع الدنيوية {
~~والحرث } وهو زرع الحرص وطول الأمل

# ذلك متع الحيوة الدنيا

# [آل عمران: 14] الزائل عما قليل بالرجوع إلى المبدأ الأصلي والموطن
~~القديم. ولك أن تبقي هذه المذكورات على ظواهرها فإن النفوس المنغمسة في
~~أوحال الطبيعة لها ميل كلي إلى ذلك أيضا { قل أؤنبئكم بخير
~~من ذلكم } المذكور { للذين اتقوا } النظر إلى الأغيار {
~~جنت } جنة يقين وجنة مكاشفة وجنة مشاهدة وجنة رضا وجنة لا أقولها 
~~وهي التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر  وليس في
~~تلك الجنة عند العارفين إلا الله عز وجل { تجرى من تحتها } أنهار
~~التجليات المترعة بماء الغيوب { خلدين فيها } ببقائهم بعد فنائهم
~~{ وأزوج مطهرة } وهي الأرواح المقدسة عن أدناس الطبيعة
~~المقصورة في خيام الصفات الإلهية { ورضون من الله } لا يقدر
~~قدره

# والله بصير بالعباد

# [آل عمران: 15] في تقلب أرواحهم في عالم الملكوت محترقات من سطوات أنوار
~~الجبروت حبا لجواره وشوقا إلى لقائه يجازيها بقدر همومها في طلب وجهه
~~الأزلي وجماله الأبدي { الذين يقولون ربنا [إننا]
~~ءامنا } بأنوار أفعالك وصفاتك { فاغفر لنا } ذنوب وجوداتنا
~~بذاتك

# وقنا عذاب النار

# [آل عمران: 16] نار الحرمان ووجود البقية { الصبرين } على مضض
~~المجاهدة والرياضة { والصدقين } في المحبة والإرادة {
~~والقنتين } في السلوك إليه { والمنفقين } ما عداه فيه {
~~والمستغفرين } [آل عمران: 17] من ذنوب تلوناتهم وتعيناتهم في
~~أسحار التجليات، ويقال: (الصابرين) الذين صبروا على الطلب ولم يحتشموا من
~~التعب وهجروا كل راحة وطرب فصبروا على البلوى ورفضوا الشكوى حتى وصلوا
~~إلى ms01149 المولى ولم يقطعهم شيء من الدنيا والعقبى (والصادقين) الذين صدقوا
~~في الطلب فوردوا، ثم صدقوا فشهدوا، ثم صدقوا فوجدوا، ثم صدقوا ففقدوا
~~فحالهم قصد ثم ورود ثم شهود ثم وجود ثم خمود (والقانتين) الذين لازموا
~~الباب/ وداوموا على تجرع الاكتئاب وترك المحاب إلى أن تحققوا بالاقتراب
~~(والمنفقين) الذين جادوا بنفوسهم من حيث الأعمال ثم جادوا بميسورهم من
~~الأموال ثم جادوا بقلوبهم لصدق الأحوال ثم جادوا بكل حظ لهم في العاجل
~~والآجل استهلاكا في أنوار الوصال (والمستغفرين) هم الذين يستغفرون عن
~~جميع ذلك إذا رجعوا إلى الصحو وقت نزول الرب إلى السماء الدنيا وإشراق
~~أنوار جماله على آفاق النفس وندائه «هل من سائل هل من مستغفر هل من كذا
~~هل من كذا» ثم لما مدح سبحانه أحبابه أرباب الدين وذم أعداءه الكافرين
~~عقب ذلك ببيان الدين الحق والعروة الوثقى على أتم وجه وآكدة فقال سبحانه:
~~{ شهد الله أنه.

# .. }.

### || [3.18]

# { شهد الله أنه لا إله إلا هو } قال الكلبي:

# " لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه حبران من
~~أحبار أهل الشام فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه
~~المدينة بصفة مدينة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يخرج في آخر الزمان
~~فلما دخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت فقالا
~~له: أنت محمد؟ قال: نعم قالا. أنت أحمد؟ قال: نعم قالا: إنا نسألك عن
~~شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك فقال لهما رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم: سلاني فقالا له: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله تعالى؟
~~فأنزل الله تعالى الآية وأسلما "

# ، وقيل: نزلت في نصارى نجران لما حاجوا في أمر عيسى عليه السلام وهو
~~الذي يشعر به ما أشرنا إليه قبل من الآثار  ويميل إليه كلام محمد بن
~~جعفر بن الزبير  وقيل: نزلت في اليهود والنصارى لما تركوا اسم الإسلام
~~وتسموا باليهودية والنصرانية، وقيل: إنهم قالوا ديننا أفضل من دينك
~~فنزلت.

# والجمهور على قراءة { شهد } بلفظ الماضي ms01150 وفتح همزة { إنه } على
~~معنى بأنه أو على أنه، وقرىء { أنه } بكسر الهمزة إما بإجراء {
~~شهد } مجرى قال، وإما بجعل الجملة اعتراضا وإيقاع الفعل على

# إن الدين

# [آل عمران: 19] الخ على قراءة من يفتح الهمزة كما ستراه والضمير راجع
~~إليه تعالى، ويحتمل أن يكون ضمير الشأن وقرىء  شهداء لله  بالنصب
~~والرفع على أنه جمع شهيد  كظرفاء  في جمع ظريف، أو جمع شاهد  كشعراء 
~~في جمع شاعر، والنصب إما على الحالية من المذكورين، وإما على المدح،
~~والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ومآله المدح أي هم شهداء، والاسم الجليل
~~في الوجهين مجرور باللام متعلق بما عنده، وقرىء  شهداء الله  بالرفع
~~والإضافة. وفي { شهد } مسندا إلى الله تعالى استعارة تصريحية تبعية
~~لأن المراد أنه سبحانه دل على وحدانيته بل وسائر كمالاته بأفعاله الخاصة
~~التي لا يقدر عليها غيره وما نصبه من الدلائل التكوينية في الآفاق
~~والأنفس وبما أوحى من آياته الناطقة بذلك  كسورة الإخلاص، وآية الكرسي 
~~وغيرهما فشبه سبحانه تلك الدلالة الواضحة بشهادة الشاهد في البيان والكشف
~~ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه ثم سرت الاستعارة من المصدر إلى الفعل،
~~وجوز أن يكون هناك مجاز مرسل تبعي لما أن البيان لازم للشهادة، وقد ذكر
~~اللفظ الدال عن الملزوم وأريد به اللازم، وهذا الحمل ضروري على قراءة
~~الجمهور دون القراءة الشاذة.

# { والملئكة وأولوا العلم } عطف على الاسم الجليل ولا
~~بد حينئذ من حمل الشهادة على معنى مجازي شامل لما يسند إلى هذين الجمعين
~~بطريق عموم المجاز أي أقر الملائكة بذلك وآمن العلماء به واحتجوا عليه،
~~وبعضهم قدر في كل من المعطوفين لفظ { شهد } مرادا منه ما يصح نسبته
~~إلى ما أسند إليه، ولعل القول بعموم المجاز أولى منه، قيل: والمراد 
~~بأولوا العلم  الأنبياء عليهم السلام، وقيل: المهاجرون والأنصار، /
~~وقيل: علماء مؤمني [أهل] الكتاب، وقيل: جميع علماء المؤمنين الذين عرفوا
~~وحدانيته تعالى بالدلائل القاطعة والحجج الباهرة، وقدم  الملائكة  لأن
~~فيهم من هو واسطة لإفادة العلم لذويه، وقيل: لأن علمهم كله ضروري بخلاف
~~البشر فإن ms01151 علمهم ضروري واكتسابي، ثم إن ارتفاع هذين المرفوعين على ما شذ
~~من القراءة على الابتدائية والخبر محذوف لدلالة الكلام عليه أي:
~~والملائكة وأولوا العلم شهداء بذلك، وقيل: بالعطف على الضمير في شهداء
~~وصح ذلك للفصل، واعترض بأن ذلك على قراءة النصب على الحالية يؤدي إلى
~~تقييد حال المذكورين  بشهادة الملائكة وأولوا العلم  وليس فيه كثير
~~فائدة كما لا يخفى.

# وقوله تعالى: { قائما بالقسط } بيان لكماله تعالى في أفعاله
~~إثر بيان كماله في ذاته، و  القسط  العدل، والباء للتعدية أي مقيما
~~بالعدل، وفي انتصاب { قائما } وجوه: الأول: أن يكون حالا لازمة من
~~فاعل { شهد } ويجوز إفراد المعطوف عليه بالحال دون المعطوف إذا قامت
~~قرينة تعينه معنوية أو لفظية، ومنه

# ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة

# [الأنبياء: 72] وأخرت الحال عن المعطوفين للدلالة على علو مرتبتهما وقرب
~~منزلتهما، والمسارعة إلى إقامة شهود التوحيد اعتناءا بشأنه ولعله السر
~~في تقديمه على المعطوفين مع الإيذان بأصالته تعالى في الشهادة به،
~~والثاني: أن يكون منصوبا على المدح وهو وإن كان معروفا في المعرفة لكنه
~~ثابت في غيرها أيضا، والثالث: أن يكون وصفا لاسم  لا  المبني،
~~واستبعد بأنهم إنما يتسعون بالفصل بين الموصوف والصفة بفاصل ليس أجنبيا
~~من كل وجه، والمعطوف على فاعل { شهد } أجنبي مما هو في صلة  أن 
~~لفظا ومعنى، وبأنه متلبس بالحال فينبغي على هذا أن يرفع حملا على محل
~~اسم  لا  رفعا للالتباس. والرابع: أن يكون مفعول العلم أي: وأولوا
~~المعرفة قائما بالقسط ولا يخفى بعده، الخامس:  ولعله الأوجه  أن يكون
~~حالا من الضمير والعامل فيها معنى الجملة أي تفرد أو أحقه لأنها حال
~~مؤكدة ولا يضر تخلل المعطوفين هنا بخلافه في الصفة لأن الحال المؤكدة في
~~هذا القسم جارية مجرى جملة مفسرة نوع تفسير فناسب أن يقدم المعطوفان لأن
~~المشهود به واحد فهو نوع من تأكيده تمم بالحال المفسرة وعلى تقدير
~~الحالية من الفاعل والمفعولية للعلم لا يندرج في المشهود به وعلى تقدير
~~النصب على المدح يحتمل الاندراج وعدمه، وعلى التقديرين الأخيرين يندرج ms01152 لا
~~محالة.

# وقرأ عبد الله  القائم بالقسط  على أنه خبر لمبتدأ محذوف وكونه بدلا
~~من { هو } لا يخلو عن شيء، وقرأ أبو حنيفة: { قيما بالقسط }.

# { لا إله إلا هو } تكرير للمشهود به للتأكيد، وفيه إشارة إلى
~~مزيد الاعتناء بمعرفة أدلته لأن تثبيت المدعى إنما يكون بالدليل،
~~والاعتناء به يقتضي الاعتناء بأدلته ولينبني عليه قوله تعالى: {
~~العزيز الحكيم } فيعلم أنه المنعوت بهما، وقيل: لا تكرار لأن الأول
~~شهادة الله تعالى وحده، والثاني: شهادة الملائكة وأولي العلم، وهو ظاهر
~~عند من يرفع  الملائكة  بفعل مضمر، ووجه الترتيب تقدم العلم بقدرته
~~التي يفهمها (العزيز) على العلم بحكمته تعالى التي يؤذن بها (الحكيم)
~~وجعل بعضهم (العزيز) ناظرا إلى قوله سبحانه: { لا إله إلا هو
~~} و { الحكيم } ناظرا إلى قوله تعالى: { قائما بالقسط }
~~ورفعهما على الخبرية لمبتدأ محذوف أو البدلية من { هو } أو الوصفية له
~~بناءا على ما ذهب إليه السكاكي من جواز وصف ضمير الغائب، وجعلهما نعتا
~~لفاعل { شهد } بعيد.

# وقد روي في فضل الآية أخبار. أخرج الديلمي عن أبي أيوب الأنصاري
~~مرفوعا

# " لما نزلت الحمد لله رب العالمين، وآية الكرسي، و { شهد الله } ،
~~/ و { قل اللهم مالك الملك }  إلى { بغير حساب } 
~~[آل عمران: 26-27] تعلقن بالعرش وقلن: أتنزلنا على قوم يعملون بمعاصيك؟
~~فقال: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا يتلوكن عبد عند دبر كل صلاة مكتوبة
~~إلا غفرت له ما كان فيه وأسكنته جنة الفردوس ونظرت له كل يوم سبعين مرة
~~وقضيت له سبعين حاجة أدناها المغفرة "

# وأخرج ابن عدي والطبراني والبيهقي  وضعفه  والخطيب وابن النجار عن
~~غالب القطان قال: «أتيت الكوفة فنزلت قريبا من الأعمش فلما كان ليلة
~~أردت أن أنحدر قام فتهجد من الليل فمر بهذه الآية { شهد الله } الخ
~~فقال: وأنا أشهد بما شهد الله تعالى به واستودع الله تعالى هذه الشهادة
~~وهي لي وديعة عند الله تعالى قالها مرارا فقلت: لقد سمع فيها شيئا
~~فسألته فقال: حدثني أبو وائل بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم: ms01153

# " يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله تعالى عبدي عهد إلي عهدا وأنا
~~أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة "

# وروي عن سعيد بن جبير «أنه كان حول المدينة ثلثمائة وستون صنما فلما
~~نزلت هذه الآية الكريمة خررن سجدا للكعبة».

### || [3.19]

# { إن الدين عند الله الإسلم } جملة مبتدأة وقعت تأكيدا
~~للأولى، وتعريف الجزئين للحصر  أي لا دين مرضي عند الله تعالى سوى
~~الإسلام  وهو على ما أخرج ابن جرير عن قتادة «شهادة أن لا إله إلا الله
~~تعالى والإقرار بما جاء من عند الله تعالى وهو دين الله تعالى الذي شرع
~~لنفسه وبعث به رسله ودل عليه أولياؤه لا يقبل غيره ولا يجزى إلا به».
~~وروى علي بن إبراهيم عن أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه أنه قال في
~~خطبة له لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي، الإسلام هو التسليم،
~~والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار
~~هو الأداء، والأداء هو العمل ثم قال: إن المؤمن أخذ دينه عن ربه ولم
~~يأخذه عن رأيه إن المؤمن من يعرف إيمانه في عمله وإن الكافر يعرف كفره
~~بإنكاره أيها الناس دينكم دينكم فإن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره إن
~~السيئة فيه تغفر وإن الحسنة في غيره لا تقبل.

# وقرأ أبي  إن الدين عند الله للإسلام  والكسائي  أن الدين  بفتح
~~الهمزة على أنه بدل الشيء من الشيء إن فسر الإسلام بالإيمان وأريد به
~~الإقرار بوحدانية الله تعالى والتصديق بها الذي هو الجزء الأعظم وكذا إن
~~فسر بالتصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مما علم من الدين
~~بالضرورة لأن ذلك عين الشهادة بما ذكر باعتبار ما يلزمها فهي عينه مآلا،
~~وأما إذا فسر بالشريعة فالبدل بدل اشتمال لأن الشريعة شاملة للإيمان
~~والإقرار بالوحدانية، وفسرها بعضهم بعلم الأحكام وادعى أولوية هذا الشق
~~نظرا لسياق الكلام مستدلا بأنه لم يقيد علم الأصول بالعندية لأنها أمور
~~بحسب نفس الأمر لا تدور على الاعتبار ولهذا تتحد فيها الأديان الحقة
~~كلها، ms01154 وقيد كون الدين الإسلام بالعندية لأن الشرائع دائرة على اعتبار
~~الشارع ولهذا تغير وتبدل بحسب المصالح والأوقات، ولا يخفى ما فيه، أو على
~~أن

# شهد

# [آل عمران: 18] واقع عليه على تقدير قراءة  إنه  بالكسر كما أشير
~~إليه، و { عند } على كل تقدير ظرف العامل فيه الثبوت الذي يشير إليه
~~الجملة، وقيل: متعلق بكون خاص ينساق إليه الذهن يقدر معرفة وقع صفة للدين
~~أي  إن الدين المرضي عند الله الإسلام  وقيل: متعلق بمحذوف وقع حالا
~~في الدين، وقيل: متعلق به، وقيل: متعلق بمحذوف وقع خبرا عن مبتدأ محذوف،
~~والجملة معترضة أي هذا الحكم ثابت عند الله، وأرى الكل ليس بشيء أما
~~الأول: فلأن خلاف القاعدة المعروفة في الظروف إذا وقعت بعد النكرات، وأما
~~الثاني: / فلأن المشهور أن { إن } لا تعمل في الحال، وأما الثالث:
~~فلأنه لا وجه للتعلق بلفظ (الدين) إلا أن يكتفى بأنه في الأصل بمعنى
~~الجزاء، وأما الرابع: فلأن التكلف فيه المستغنى عنه أظهر من أن يخفى، هذا
~~وقد اختلف في إطلاق الإسلام على غير ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم،
~~والأكثرون على الإطلاق وأظن أنه بعد تحرير النزاع لا ينبغي أن يقع
~~اختلاف.

# { وما اختلف الذين أوتوا الكتب } قيل: المراد بهم
~~اليهود واختلفوا فيما عهد إليهم موسى عليه الصلاة والسلام، أخرج ابن جرير
~~عن الربيع قال: «إن موسى عليه الصلاة والسلام لما حضره الموت دعا سبعين
~~حبرا من أحبار بني إسرائيل فاستودعهم التوراة وجعلهم أمناء عليها
~~واستخلف يوشع بن نون فلما مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت الفرقة
~~بينهم وهم الذين أوتوا العلم من أبناء السبعين حتى أهراقوا بينهم الدماء
~~ووقع الشر طلبا لسلطان الدنيا وملكها وخزائنها وزخرفها فسلط الله تعالى
~~عليهم جبابرتهم»، وقيل: النصارى واختلفوا في التوحيد، وقيل: المراد
~~بالموصول اليهود والنصارى، و  بالكتاب  الجنس واختلفوا في التوحيد،
~~وقيل: في نبوته صلى الله عليه وسلم، وقيل: في الإيمان بالأنبياء، والظاهر
~~أن المراد من الموصول ما يعم الفريقين، والذي اختلفوا فيه الإسلام كما
~~يشعر به السياق ms01155 والتعبير عنهم بهذا العنوان زيادة تقبيح لهم فإن الاختلاف
~~بعد إتيان الكتاب أقبح.

# وقوله تعالى: { إلا من بعد ما جاءهم العلم } زيادة أخرى
~~فإن الاختلاف بعد مجيء العلم أزيد في القباحة والاستثناء مفرغ من أعم
~~الأحوال أو أعم الأوقات، والمراد من مجيء العلم التمكن منه لسطوع
~~براهينه، أو المراد منه حصول العلم بحقيقة الأمر لهم بالفعل ولم يقل
~~علموا مع أنه أخصر إشارة إلى أنه علم بسبب الوحي، وقوله سبحانه: {
~~بغيا بينهم } زيادة تشنيع، والاسم المنصوب مفعول له لما دل عليه
~~{ ما } و { إلا } من ثبوت الاختلاف بعد مجيء العلم كما تقول ما ضربت
~~إلا ابني تأديبا، فلا دلالة للكلام على حصر الباعث، وادعاه بعضهم أي إن
~~الباعث لهم على الاختلاف هو البغي والحسد لا الشبهة وخفاء الأمر، ولعل
~~انفهام ذلك من المقام أو من الكلام بناءا على جواز تعدد الاستثناء
~~المفرغ أي ما اختلفوا في وقت لغرض إلا بعد العلم لغرض البغي كما تقول: ما
~~ضرب إلا زيد عمرا  أي ما ضرب أحد أحدا إلا زيد عمرا.

# { ومن يكفر بئايت الله } قيل: المراد بها حججه، وقيل:
~~التوراة، وقيل: هي والإنجيل، وقيل: القرآن، وقيل: آياته الناطقة بأن
~~الدين عند الله الإسلام، والظاهر العموم أي أية آية كانت، والمراد  بمن
~~أيضا أعم من المختلفين المذكورين وغيرهم ولك أن تخصه بهم { فإن
~~الله سريع الحساب } قائم مقام جواب الشرط علة له  أي ومن يكفر
~~يعاقبه الله تعالى ويجازه عن قريب  فإنه سريع الحساب  أي يأتي حسابه عن
~~قريب أو يتم ذلك بسرعة، وقيل: إن سرعة الحساب تقتضي إحاطة العلم والقدرة
~~فتفيد الجملة الوعيد، وباعتباره ينتظم الشرط والجزاء من غير حاجة إلى
~~تقدير، ولعله أولى وأدق نظرا. وفي إظهار الاسم الجليل تربية للمهابة
~~وإدخال الروعة، وفي ترتيب العقاب على مطلق الكفر إثر بيان حال أولئك
~~المذكورين إيذان بشدة عقابهم.

### || [3.20]

# { فإن حاجوك } أي جادلوك في الدين بعد أن أقمت الحجج، والضمير
~~-للذين أوتوا الكتاب - من اليهود والنصاري - قاله الحسن - وقال أبو مسلم:
~~لجميع ms01156 الناس، وقيل: وفد نصارى نجران؛ وإلى هذا يشير كلام محمد بن جعفر بن
~~الزبير { فقل أسلمت وجهي لله } أي أخلصت/ وخضعت بقلبي
~~وقالبي لله لا أشرك به غيره، وفيه إشارة إلى أن الجدال معهم ليس في موقعه
~~لأنه إنما يكون في أمر خفي والذي جادلوا به أمر مكشوف، وحكم حاله معروف
~~وهو الدين القويم فلا تكون المحاجة والمجادلة إلا مكابرة، وحينئذ يكون
~~هذا القول إعراضا عن مجادلتهم، وقيل: إنه محاجة وبيانه أن القوم كانوا
~~مقرين بوجود الصانع وكونه مستحقا للعبادة فكأنه قال: هذا القول متفق
~~عليه بين الكل فأنا مستمسك بهذا القدر المتفق عليه، وداعي الخلق إليه،
~~وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك فاليهود يدعون التشبيه والجسمية، والنصارى
~~يدعون إلهية عيسى عليه السلام والمشركون يدعون وجوب عبادة الأوثان فهؤلاء
~~هم المدعون فعليهم الإثبات، ونظير ذلك

# قل يأهل الكتب تعالوا إلى كلمة سوآء
~~بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك
~~به شيئا

# [آل عمران: 64]، وعن أبي مسلم أن الآية في هذا الموضع كقول إبراهيم عليه
~~السلام:

# إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض

# [الأنعام: 79] فكأنه قيل: فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل: أنا
~~متمسك بطريق إبراهيم عليه السلام وأنتم معترفون بأنه كان محقا في قوله
~~صادقا في دينه فيكون من باب التمسك بالإلزامات وداخلا تحت قوله تعالى:

# وجدلهم بالتي هي أحسن

# [النحل: 125] ولعل القول بالإعراض أولى لما فيه من الإشارة إلى سوء
~~حالهم وحط مقدارهم، وعبر عن الجملة -بالوجه- لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة
~~ومظهر القوى والمشاعر ومجمع معظم ما يقع به العبادة وبه يحصل التوجه إلى
~~كل شيء، وفتح الياء نافع وابن عامر وحفص وسكنها الباقون.

# { ومن اتبعن } عطف على الضمير المتصل في { أسلمت } وحسن للفصل،
~~أو مفعول معه وأورد عليهما أنهما يقتضيان اشتراكهم معه صلى الله عليه
~~وسلم في إسلام وجهه وليس المعنى: أسلمت وجهي وهم أسلموا وجوههم إذ لا يصح
~~-أكلت رغيفا وزيدا ووزيدا، وقد أكل كل منهما رغيفا، فالواجب أن يكون
~~- من - مبتدأ والخبر محذوف أي: ms01157 ومن اتبعن كذلك، أو يكون معطوفا على
~~الجلالة وإسلامه صلى الله عليه وسلم لمن اتبعه بالحفظ والنصيحة، وأجيب
~~بأن فهم المعنى وعدم الإلباس يسوغ كلا الأمرين ويستغني بذلك عن مئونة
~~الحذف وتكلف خلاف الظاهر جدا، وأثبت الياء في - اتبعني - على الأصل أبو
~~عمرو ونافع، وحذفها الباقون - وحذفها أحسن - لموافقة خط المصحف، وقد جاء
~~الحذف في مثل ذلك كثيرا كقول الأعشى:

# فهل يمنعني ارتيادي البلا

# د من حذر الموت أن (يأتين)

# { وقل للذين أوتوا الكتب والأمين } عطف على الجملة
~~الشرطية، والمعنى فإن حاجك أهل الكتاب فقابلهم بذلك فإن أجدى فعمم الدعوة
~~وقل للأسود والأحمر { ءأسلمتم } متبعين لي كما فعل المؤمنون فإنه
~~قد جاءكم من الآيات ما يوجبه ويقتضيه أم أنتم على كفركم بآيات الله تعالى
~~وإصراركم على العناد- وهذا كما تقول إذا لخصت لسائل مسألة ولم تدع من طرق
~~البيان مسلكا إلا سلكته -فهل فهمتها؟ على طرز

# فهل أنتم منتهون

# [المائدة: 91] إثر تفصيل الصوارف عن تعاطي ما حرم تعاطيه، وفي ذلك تعيير
~~لهم بالمعاندة وقلة الإنصاف وتوبيخ بالبلادة وجمود القريحة، والكثيرون
~~على أن الاستفهام للتقرير وفي ضمنه الأمر ووضع الموصول موضع الضمير
~~لرعاية التقابل بين المتعاطفين، والمراد من الأميين الذين لا يكتبون من
~~مشركي العرب قاله ابن عباس وغيره.

# { فإن أسلموا } أي اتصفوا بالإسلام والدين الحق { فقد اهتدوا
~~} على تضمين معنى الخروج أي اهتدوا خارجين من الضلال كذا قيل، وبعض يفسر
~~الاهتداء باللازم وهو النفع أي فقد نفعوا أنفسهم قالوا: وسبب/ إخراجه عن
~~ظاهره أن الإسلام عين الاهتداء فإن فسر على الأصل اتحد الشرط والجزاء،
~~وفيه منع ظاهر. { وإن تولوا } أي أعرضوا عن الإسلام ولم يقبلوا {
~~فإنما عليك البلغ } قائم مقام الجواب أي لا يضرك شيئا إذ ما
~~عليك إلا البلاغ وقد أديته على أكمل وجه وأبلغه، وهذا قبل الأمر بالقتال
~~فهو منسوخ بآية السيف { والله بصير بالعباد } تذييل فيه وعد على
~~الإسلام ووعيد على التولي عنه.

### || [3.21]

# { إن الذين يكفرون بئايت الله } أية آية كانت،
~~ويدخل فيهم الكافرون بالآيات الناطقة بحقية ms01158 الإسلام دخولا أوليا {
~~ويقتلون النبيين بغير حق } هم أهل الكتاب الذين كانوا
~~في عصره صلى الله عليه وسلم إذ لا معنى لإنذار الماضين قال القطب: وإسناد
~~القتل إليهم ولم يصدر منهم قتل لوجهين: أحدهما: أن هذه الطريقة لما كانت
~~طريقة أسلافهم صحت إضافتها إليهم إذ صنع الأب قد يضاف إلى الابن لا سيما
~~إذا كان راضيا به، الثاني: أن المراد من شأنهم القتل إن لم يوجد مانع،
~~والتقييد بغير حق لما تقدم وتركت  أل  هنا دون ما سبق لتفاوت مخرج
~~الجملتين وقد مر ما ينفعك في هذه الآية فتذكر. وقرأ الحسن (يقتلون
~~النبيين).

# { ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس } أي
~~بالعدل، ولعل تكرير الفعل للإشعار بما بين القتلين من التفاوت أو
~~باختلافهما في الوقت، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة بن
~~الجراح قال: قلت يا رسول الله:

# " أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: «رجل قتل نبيا أو رجلا أمر
~~بالمعروف ونهى عن المنكر  ثم قرأ الآية  ثم قال صلى الله عليه وسلم: يا
~~أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا أول النهار في ساعة
~~واحدة فقام مائة رجل وسبعون رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم
~~بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار من ذلك اليوم فهم
~~الذين ذكر الله تعالى "

# وقرأ حمزة  ويقاتلون الذين  وقرأ عبد الله  وقاتلوا  وقرأ أبي 
~~ويقتلون النبيين  و  الذين يأمرون .

# { فبشرهم بعذاب أليم } خبر { إن } ودخلت الفاء فيه لتضمن
~~الاسم معنى الشرط ولا يمنع الناسخ الذي لم يغير معنى الابتداء من الدخول
~~ومتى غير  كليت ولعل  امتنع ذلك إجماعا، وسيبويه والأخفش يمنعانه عند
~~النسخ مطلقا فالخبر عندهما قوله تعالى: { أولئك الذين
~~حبطت أعمالهم.. }.

### || [3.22]

# { أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا
~~والآخرة } وجملة

# فبشرهم

# [آل عمران: 21] معترضة بالفاء كما في قولك زيد  فافهم  رجل صالح، وقد
~~صرح به النحاة في قوله:

#  فاعلم  فعلم المرء ينفعه

# أن سوف يأتي كل ما قدرا

# ومن لم يفهم هذا قال: إن ms01159 الفاء جزائية وجوابها مقدم من تأخير والتقدير
~~زيد رجل صالح؛ وإذا قلنا لك ذلك  فافهم  وعلى الأول هو استئناف، و {
~~أولئك } مبتدأ، وما فيه من البعد على المشهور للإيذان ببعد
~~منزلتهم في فظاعة الحال، والموصول خبره  أي أولئك المتصفون بتلك الصفات
~~الشنيعة الذين بطلت أعمالهم وسقطت عن حيز الاعتبار وخلت عن الثمرة في
~~الدنيا حيث لم تحقن دماؤهم وأموالهم ولم يستحقوا بها مدحا وثناءا وفي
~~الآخرة حيث لم تدفع عنهم العذاب ولم ينالوا بسببها الثواب  وهذا شامل
~~للأعمال المتوقفة على النية ولغيرها. ومن الناس من ذهب إلى أن العمل
~~الغير المتوقف على النية كالصدقة وصلة الرحم ينتفع به الكافر في الآخرة
~~ولا يحبط بالكفر، فالمراد بالأعمال هنا ما كان من القسم الأول، وإن أريد
~~ما يشمل القسمين التزم كون هذا/ الحكم مخصوصا بطائفة من الكفار وهم
~~الموصوفون بما تقدم من الصفات وفيه تأمل.

# { وما لهم من نصرين } ينصرونهم من بأس الله تعالى وعذابه في
~~أحد الدارين، وجمع  الناصر  لرعاية ما وقع في مقابلته لا لنفي تعدد
~~الأنصار لكل واحد منهم وقد يدعى أن مجيء الجمع هنا أحسن من مجيء المفرد
~~لأنه رأس آية، والمراد من انتفاء  الناصرين  انتفاء ما يترتب على النصر
~~من المنافع والفوائد وإذا انتفت من جمع فانتفاؤها من واحد أولى، ثم إن
~~هذا الحكم وإن كان عاما لسائر الكفار كما يؤذن به قوله تعالى:

# وما للظلمين من أنصار

# [البقرة: 270] إلا أن له هنا موقعا حيث إن هؤلاء الكفرة وصفوا بأنهم
~~يقتلون الذين يأمرون بالقسط وهم ناصرو الحق  على ما أشار إليه الحديث 
~~ولا يوجد فيهم ناصر يحول بينهم وبين قتل أولئك الكرام فقوبلوا لذلك بعذاب
~~لا ناصر لهم منه ولامعين لهم فيه. ومن الناس من زعم أن في الآية مقابلة
~~ثلاثة أشياء بثلاث أشياء الكفر بالعذاب وقتل الأنبياء بحبط الأعمال، وقتل
~~الآمرين [بالقسط] بانتفاء الناصر وهو كما ترى.

### || [3.23]

# { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب } تعجيب
~~للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى ms01160 منه الرؤية من حال أهل الكتاب
~~وأنهم إذا عضتهم الحجة فروا إلى الضجة وأعرضوا عن المحجة، وفيه تقرير لما
~~سبق من أن الاختلاف إنما كان بعد مجيء العلم، وقيل: إنه تنوير لنفي
~~الناصر لهم حيث يصيرون مغلوبين عند تحكيم كتابهم، والمراد بالموصول
~~اليهود - وبالنصيب - الحظ، و { من } إما للتبعيض وإما للبيان على معنى
~~(نصيبا) هو الكتاب، أو نصيبا منه لأن الوصول إلى كنه كلامه تعالى متعذر
~~فإن جعل بيانا كان المراد إنزال الكتاب عليهم وإن جعل تبعيضا كان
~~المراد هدايتهم إلى فهم ما فيه، وعلى التقديرين اللام في (الكتاب) للعهد،
~~والمراد به التوراة - وهو المروي عن كثير من السلف - والتنوين للتكثير،
~~وجوز أن يكون اللام في (الكتاب) للعهد والمراد به اللوح، وأن يكون للجنس؛
~~وعليه -النصيب- التوراة، و { من } للابتداء في الأول: ويحتملها، والتبعيض
~~في الثاني: والتنوين للتعظيم، ولك أن تجعله على الوجه السابق أيضا كذلك،
~~وجوز على تقدير أن يراد -بالنصيب- ما حصل لهم من العلم أن يكون التنوين
~~للتحقير، واعترض بأنه لا يساعده مقام المبالغة في تقبيح حالهم، وأجيب
~~بأنه يحتمل أن يكون المقصود تعييرهم بتمردهم واستكبارهم بالنصيب الحقير
~~عن متابعة من له علم لا يوازنه علوم المرسلين كلهم، والتعبير عما أوتوه
~~بالنصيب للإشعار بكمال اختصاصه بهم وكونه حقا من حقوقهم التي يجب
~~مراعاتها والعمل بموجبها.

# وقوله تعالى: { يدعون إلى كتب الله } إما جملة مستأنفة مبينة
~~لمحل التعجيب، وإما حال من الموصول، والمراد بكتاب الله التوراة والإظهار
~~في مقام الإضمار لإيجاب الإجابة، والإضافة للتشريف وتأكيد وجوب المراجعة،
~~وإلى ذلك ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنه وغيره. وقد أخرج ابن إسحق
~~وجماعة عنه قال:

# " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس على جماعة من يهود
~~فدعاهم إلى الله تعالى فقال النعمان بن عمرو، والحرث بن زيد: على أي دين
~~أنت يا محمد؟ قال: على ملة إبراهيم ودينه قالا: فإن إبراهيم كان يهوديا
~~فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلما إلى التوراة فهي بيننا
~~وبينكم فأبيا عليه ms01161 فأنزل الله تعالى الآية "

# وفي " البحر ":

# " زنى رجل من اليهود بامرأة ولم يكن بعد في ديننا الرجم فتحاكموا إلى
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تخفيفا على الزانيين لشرفهما فقال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: إنما/ أحكم بكتابكم فأنكروا الرجم فجيء
~~بالتوراة فوضع حبرهم ابن صوريا يده على آية الرجم فقال عبد الله بن سلام:
~~جاوزها يا رسول الله فأظهرها فرجما فغضبت اليهود فنزلت "

# وهو المروي عن ابن جريج - وحكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أيضا -
~~وذهب الحسن وقتادة إلى أن المراد بكتاب الله تعالى القرآن دعوا إليه لأن
~~ما فيه موافق لما في التوراة من أصول الديانة وأركان الشريعة والصفة التي
~~تقدمت البشارة بها أو لأنهم لا يشكون في أنه كتاب الله تعالى المنزل على
~~خاتم رسله.

# { ليحكم بينهم } قيل: أي ليفصل الحق من الباطل بين الذين أوتوا
~~-وهم اليهود - وبين الداعي لهم - وهو النبي صلى الله عليه وسلم في أمر
~~إبراهيم عليه السلام، أو في حكم الرجم، أو في شأن الإسلام، أو بين من
~~أسلم منهم ومن لم يسلم حيث وقع بينهم اختلاف في الدين الحق، وعلى هذا
~~-وهو المرضي عند البعض وإن لم يوافق سبب النزول- وربما أحوج إلى ارتكاب
~~مجاز في مرجع الضمير لا يتعين أن يكون الداعي رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم، وقرئ { ليحكم } على البناء للمفعول ونسب ذلك إلى أبي حنيفة.

# { ثم يتولى فريق منهم } عطف على (يدعون)، و { ثم }
~~للتراخي الرتبي، وفيه استبعاد توليهم بعد علمهم بوجوب الرجوع إليه، و {
~~منهم } صفة لفريق، ولعل المراد بهذا الفريق أكثرهم علما ليعلم تولي
~~سائرهم من باب الأولى قيل: وهذا سبب العدول عن -ثم يتولون- وقيل: الذين
~~لم يسلموا، ووجه العدول عليه ظاهر فتدبر.

# { وهم معرضون } جوز أن يكون صفة معطوفة على الصفة قبلها فالواو
~~للعطف، وأن تكون في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في { منهم } أو
~~من { فريق } لتخصيصه بالصفة فالواو حينئذ للحال وهي إما مؤكدة لأن التولي
~~والإعراض بمعنى، وإما ms01162 مبينة لاختلاف متعلقيهما بناءا على ما قيل: إن
~~التولي عن الداعي والإعراض عن المدعو إليه أو التولي بالبدن والإعراض
~~بالقلب، أو الأول كان من العلماء. والثاني من أتباعهم، وجوز أن لا يكون
~~لها محل من الإعراب بأن تكون تذييلا أو معترضة، والمراد وهم قوم ديدنهم
~~الإعراض، وبعضهم فسر الجملة بهذا مع اعتبار الحالية ولعله رأى أنه لا
~~يمنع عنها.

### || [3.24]

# { ذلك } أي المذكور من التولي والإعراض وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: {
~~بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما
~~معدودت } أي حاصل لهم بسبب هذا القول الذي رسخ اعتقادهم له وهونوا
~~به الخطوب ولم يبالوا معه بارتكاب المعاصي والذنوب، والمراد  بالأيام
~~المعدودات  أيام عبادتهم العجل، وجاء هنا { معدودت } بصيغة الجمع
~~دون ما في البقرة [80] فإنه

# معدودة

# بصيغة المفرد تفننا في التعبير، وذلك لأن جمع التكسير لغير العاقل يجوز
~~أن يعامل معاملة الواحدة المؤنثة تارة ومعاملة جمع الإناث أخرى فيقال:
~~هذه جبال راسية، وإن شئت قلت راسيات، وجمال ماشية وإن شئت ماشيات، وخص
~~الجمع هنا لما فيه من الدلالة على القلة كموصوفه وذلك أليق بمقام التعجيب
~~والتشنيع.

# { وغرهم فى دينهم } أي أطمعهم في غير مطمع وخدعهم { ما
~~كانوا يفترون } أي افتراؤهم وكذبهم أو الذي كانوا يفترونه من
~~قولهم: { لن تمسنا النار } الخ  قاله مجاهد  أو من قولهم:

# نحن أبنؤا الله وأحبؤه

# [المائدة: 18]  قاله قتادة  أو مما يشمل ذلك ونحوه من قولهم: «إن
~~آباءنا الأنبياء يشفعون لنا وإن الله تعالى وعد يعقوب أن لا يعذب أبناءه
~~إلا تحلة القسم» والظرف متعلق  بما عنده  أو  بيفترون  واعترضه
~~الخطيب بأن ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله؛ وأجيب بالتوسع.

### || [3.25]

# { فكيف } استعظام وتهويل وهدم لما استندوا إليه، وكلمة الاستفهام/
~~في موضع نصب على الحال والعامل فيه محذوف  أي كيف تكون حالهم  أو كيف
~~يصنعون أو كيف يكونون، وجوز أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف أي كيف حالهم،
~~وقولهم تعالى: { إذا جمعنهم } ظرف محض من غير تضمين شرط
~~والعامل فيه العامل في (كيف) إن قدر أنها منصوبة ms01163 بفعل مقدر، وإن قلنا:
~~إنها خبر لمبتدأ مضمر كان العامل في (إذا) ذلك المقدر أي كيف حالهم في
~~وقت جمعهم { ليوم } أي في يوم أو لجزاء يوم. { لا ريب فيه } أي
~~في وقوعه ووقوع ما فيه، روي أنه أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات
~~الكفار راية اليهود فيفضحهم الله تعالى على رءوس الأشهاد ثم يأمر بهم إلى
~~النار { ووفيت كل نفس ما كسبت } أي ما عملت من خير أو
~~شر، والمراد جزاء ذلك إلا أنه أقيم المكسوب مقام جزائه إيذانا بكمال
~~الاتصال والتلازم بينهما حتى كأنهما شيء واحد { وهم لا يظلمون }
~~شيئا فلا ينقصون من ثوابهم ولا يزادون في عذابهم بل يعطي كل منهم مقدار
~~ما كسبه، والضمير راجع إلى كل إنسان المشعر به كل نفس، وكل يجوز مراعاة
~~معناه فيجمع ضميره ووجه التذكير ظاهر.

### || [3.26]

# { قل اللهم ملك الملك } تأكيد لما تشعر به الآية
~~السابقة من مزيد عظمته تعالى وعظيم قدرته؛ وفيه أيضا إفحام لمن كذب
~~النبي صلى الله عليه وسلم ورد عليه لاسيما المنافقين الذين هم أسوأ
~~حالا من اليهود والنصارى، وبشارة له صلى الله عليه وسلم بالغلبة الحسية
~~على من خالفه كغلبته بالحجة على من جادله، وبهذا تنتظم هذه الآية الكريمة
~~بما قبلها. روى الواحدي عن ابن عباس وأنس بن مالك أنه لما افتتح رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم مكة وعد أمته ملك فارس والروم قالت المنافقون
~~واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم هم أعز وأمنع من ذلك
~~ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى يطمع في ملك فارس والروم؟!! فأنزل الله
~~تعالى هذه الآية.

# وروى أبو الحسن الثعالبي عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف قال:
~~حدثني أبي عن أبيه قال:

# " خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام الأحزاب ثم قطع لكل عشرة
~~أربعين ذراعا قال عمرو بن عوف: كنت أنا وسلمان الفارسي وحذيفة والنعمان
~~بن مقرن المزني، وستة من الأنصار في أربعين ذراعا فحفرنا فأخرج الله
~~تعالى ms01164 من بطن الخندق صخرة مدورة كسرت حديدنا وشقت علينا فقلنا: يا سلمان
~~إرق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره خبر هذه الصخرة فإما أن
~~نعدل عنها أو يأمرنا فيها بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه قال: فرقى
~~سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية فقال:
~~يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مدورة من بطن الخندق وكسرت حديدنا وشقت
~~علينا حتى ما يحتك فيها قليل ولا كثير فمرنا فيها بأمر فإنا لا نحب أن
~~نجاوز خطك فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان الخندق والتسعة
~~على شفير الخندق فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان
~~فضربها ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا
~~في جوف بيت مظلم وكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح فكبر
~~المسلمون ثم ضربها صلى الله عليه وسلم الثانية فبرق منها برق أضاء ما بين
~~لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم وكبر صلى الله عليه وسلم تكبير
~~فتح وكبر المسلمون ثم ضربها عليه الصلاة والسلام الثالثة فكسرها وبرق
~~منها برق كذلك فكبر صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون وأخذ بيد
~~سلمان ورقي فقال: سلمان بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا/ ما
~~رأيت مثله قط فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم فقال: رأيتم
~~ما يقول سلمان؟ قالوا نعم يا رسول الله قال: ضربت ضربتي الأولى فبرق لي
~~الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب
~~فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ثم ضربت الثانية فبرق لي الذي رأيتم
~~أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب وأخبرني
~~جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق لي الذي رأيتم
~~أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلام وأخبرني جبريل أن أمتي
~~ظاهرة عليها فأبشروا فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله ms01165 موعد صدق وعدنا
~~النصر بعد الحفر فقال المنافقون: ألا تعجبون ويعدكم الباطل ويخبركم أنه
~~يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون
~~الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا للقتال "

# فأنزل الله تعالى القرآن:

# وإذ يقول المنفقون والذين فى قلوبهم مرض
~~ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا

# [الأحزاب: 12] وأنزل هذه الآية { قل اللهم } الخ.

# وأصل (اللهم)  يا الله  فحذفت (يا) وعوض عنها  الميم  وأوثرت لقربها
~~من الواو التي هي حرف علة، وشددت لكونها عوضا عن حرفين وجمعها مع  يا 
~~كما في قوله:

# إني إذا ما حدث ألما

# أقول  يا اللهم  يا اللهما

# شاذ، وهذا من خصائص الاسم الجليل كعدم حذف حرف النداء منه من غير ميم
~~ودخوله عليه مع حرف التعريف وقطع همزته ودخول تاء القسم عليه واللام في
~~القسم التعجبي نحو  لله لا يؤخر الأجل  ودخول أيمن ويمين عليه في
~~القسم أيضا، وميم في  م الله  ووقوع همزة الاستفهام خلفا عن حرف
~~القسم نحو الله وحرف التنبيه في نحو  لاها الله ذا  وغير ذلك فسبحانه
~~من إله كل شأنه غريب، وزعم الكوفيون أن أصله  يا الله آمنا بخير  أي
~~أقصدنا به فخفف بحذف حرف النداء ومتعلقات الفعل وهمزته، ويجوز الجمع
~~عندهم بين يا  والميم بلا بأس  ولا يخفى ما فيه  ويقتضي أن لا يلي هذه
~~الكلمة أمر دعائي آخر إلا بتكلف الإبدال من ذلك الفعل أو العطف عليه
~~بإسقاط حرف العطف  وأل  في الملك للجنس أو الاستغراق.

# و (الملك) بالضم على ما ذكره بعض أئمة التحقيق  نسبة بين من قام به ومن
~~تعلق، وإن شئت قلت: صفة قائمة بذاته متعلقة بالغير تعلق التصرف التام
~~المقتضي استغناء المتصرف وافتقار المتصرف فيه ولهذا لم يصح على الإطلاق
~~إلا لله تعالى جده وهو أخص من الملك بالكسر لأنه تعلق باستيلاء مع ضبط
~~وتمكن من التصرف في الموضوع اللغوي وبزيادة كونه حقا في الشرع من غير
~~نظر إلى استغناء وافتقار  فمالك الملك  هو الملك الحقيقي المتصرف بما
~~شاء ms01166 كيف شاء إيجادا وإعداما إحياءا وإماتة وتعذيبا وإثابة من غير
~~مشارك ولا ممانع، ولهذا لا يقال: ملك الملك إلا على ضرب من التجوز، وحمل
~~(الملك) على هذا المعنى أوفق بمقام المدح، وقيل: المراد منه النبوة 
~~وإليه ذهب مجاهد  وقيل: المال والعبيد، وقيل: الدنيا والآخرة.

# وانتصاب { ملك } على الوصفية عند المبرد والزجاج، وسيبويه يوجب
~~كونه نداءا ثانيا، ولا يجوز أن يكون صفة  لأللهم  لأنه لاتصال الميم
~~به أشبه أسماء الأصوات وهي لا توصف، ونقض دليل سيبويه بسيبويه فإنه مع
~~كونه فيه اسم صوت يوصف، وأجيب بأن اسم الصوت تركب معه وصار كبعض حروف
~~الكلمة بخلاف ما نحن فيه، ومن هنا قال أبو علي: قول سيبويه عندي أصح لأنه
~~ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد  اللهم  ولذلك خالف سائر الأسماء
~~ودخل في حيز ما لا يوصف نحو حيهل فإنهما صارا بمنزلة صوت مضموم إلى اسم
~~فلم يوصف  والعلامة التفتازاني/ على هذا  وأيد أيضا بأن وقوع خلف حرف
~~النداء بين الموصوف والصفة كوقوع حرف النداء بينهما فلو جاز الوصف لكان
~~مكان الخلف بعده.

# { تؤتى الملك من تشاء } جملة مستأنفة مبينة لبعض وجوه التصرف
~~الذي يستدعيه مالكية الملك وجوز جعلها حالا من المنادى وفي انتصاب الحال
~~عنه خلاف، وصحح الجواز لأنه مفعول به، والحال تأتي منه كما تأتي من
~~الفاعل، وجعل الجملة خبرا لمبتدأ محذوف أي أنت تؤتي  وإن اختاره أبو
~~البقاء  ليس فيه كثير نفع { وتنزع الملك ممن تشاء } عطف
~~على { تؤتى } وحكمه حكمه، ومفعول { تشاء } في الموضعين محذوف أي من
~~تشاء إيتاءه إياه وممن تشاء نزعه منه، و (الملك) الثالث هو الثاني واللام
~~فيهما للجنس أو العهد وليسا هما عين الأول لأن الأول عند المحققين حقيقي
~~عام ومملوكيته حقيقية والآخران مجازيان خاصان ونسبتهما إلى صاحبهما
~~مجازية، واعتبر بعضهم في التفرقة كون المراد من الأول الجميع ومن الآخرين
~~البعض ضرورة أن المؤتى لا يمكن أن يكون الجميع والمنزوع هو ذاك لأنه
~~معرفة معادة، ويراد بها إن لم يمنع مانع عين الأول ولأنه ms01167 إذا لم يمكن
~~إيتاء الكل لم يمكن نزع الكل لأن الثاني مسبوق بالأول. ومن الناس من حمل
~~(الملك) هنا على النبوة ومعنى نزعها هنا نقلها من قوم إلى قوم أي تؤتى
~~النبوة بني إسرائيل وتنقلها منهم إلى العرب، وقيل: المعنى تعطي أسباب
~~الدنيا محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته وتسلبها من الروم وفارس فلا تقوم
~~الساعة حتى تفتح بلادهم ويملك ما في أيديهم المسلمون، وروي ذلك عن
~~الكلبي، وقيل: تنزعه من صناديد قريش.

# { وتعز من تشاء } أن تعزه في الدنيا (أو في)والآخرة أو فيهما
~~بالنصر والتوفيق { وتذل من تشاء } أن تذله في إحداهما أو فيهما
~~من غير ممانعة الغير، وقيل: المراد تعز محمدا صلى الله عليه وسلم
~~وأصحابه بأن تدخلهم مكة ظاهرين وتذل أبا جهل وأضغاث الشرك بالقتل
~~والإلقاء في القليب، وقال عطاء: تعز المهاجرين والأنصار وتذل فارس
~~والروم، وقيل: تعز المؤمنين بالظفر والغنيمة وتذل اليهود بالقتل والجزية،
~~وقيل: تعز بالإخلاص وتذل بالرياء، وقيل: تعز الأحباب بالجنة والرؤية وتذل
~~الأعداء بالنار والحجاب؛ وقيل: تعز بالقناعة والرضا وتذل بالحرص والطمع
~~وقيل وقيل. وينبغي حمل سائر الأقوال على التمثيل لأنه لا مخصص في الآية،
~~و { تعز } مضارع أعز ضد أذل، والمجرد من الهمزة منه  عز  ومضارعه يعز
~~بكسر العين، ومنه ما في دعاء قنوت الشافعية، وله استعمالان آخران الضم
~~والفتح، وقد نظم ذلك الإمام السيوطي بقوله:

# يا قارئا كتب الآداب كن يقظا

# وحرر الفرق في الأفعال تحريرا

# (عز) المضاعف يأتي في مضارعه

# تثليث عين بفرق جاء مشهورا

# فما كقل وضد (الذل) مع عظم

# كذا كرمت علينا جاء مكسورا

# وما  كعز  علينا الحال أي صعبت

# فافتح مضارعه إن كنت نحريرا

# وهذه الخمسة الأفعال لازمة

# واضمم مضارع فعل ليس مقصورا

# (عززت) زيدا بمعنى قد غلبت كذا

# أعنته فكلا ذا جاء مأثورا

# وقيل: إذا كنت في ذكر القنوت ولا

# (يعز) يا رب من عاديت مكسورا

# واشكر لأهل علوم الشرع إذ شرحوا

# لك الصواب وأبدوا فيه تذكيرا

# { بيدك الخير } جملة مستأنفة، وأجراها بعضهم على طرز ما ms01168 قبلها،
~~وتعريف الخير للتعميم وتقديم الخبر/ للتخصيص أي: بيدك التي لا يكتنه
~~كنهها، وبقدرتك التي لا يقدر قدرها الخير كله تتصرف به أنت وحدك حسب
~~مشيئتك لا يتصرف به أحد غيرك ولا يملكه أحد سواك، وإنما خص الخير بالذكر
~~تعليما لمراعاة الأدب وإلا فذكر الإعزاز والإذلال يدل على أن الخير
~~والشر كلاهما بيده سبحانه، وكذا قوله تعالى المسوق لتعليل ما سبق وتحقيقه
~~{ إنك على كل شىء قدير } فلا يبعد أن تكون الآية من باب
~~الاكتفاء، وقيل: إنما اقتصر عليه لما أن سبب نزول الآية ما آتى الله
~~تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من البشارة بالفتوح وترادف الخيرات، وقيل:
~~لما أن الأشياء باعتبار الشر وعدمه تنقسم إلى خمسة أقسام. الأول: ما لا
~~شر فيه أصلا. والثاني: ما يغلب خيره على شره. والثالث: ما يكون شرا
~~محضا. والرابع: ما يكون شره غالبا على خيره. والخامس: ما يتساوى الخير
~~والشر فيه، والموجود من هذه الأقسام في العالم  القسم الأول والثاني 
~~((والشر الذي فيه غير مقصود بالذات بل إنما قضاه الله تعالى لحكمة بالغة
~~وهو وسيلة إلى خير أعظم وأعم نفعا؛ والشر اليسير متى كان وسيلة إلى
~~الخير الكثير كان ارتكابه مصلحة تقتضيها الحكمة ولا يأباها الكرم المطلق،
~~ألا ترى أن الفصد والحجامة وشرب الدواء الكريه وقطع السلعة ونحوها من
~~الأمور المؤلمة لكونه وسيلة إلى حصول الصحة يحسن ارتكابه في مقتضى الحكمة
~~ويعد خيرا لا شرا وصحة لا مرضا وكل قضاء الله تعالى بما نراه شرا من
~~هذا القبيل، ولهذا ورد في الحديث

# " لا تتهم الله تعالى على نفسك "

# وورد

# " لا تكرهوا الفتن فإن فيها حصاد المنافقين "

# وجاء

# " لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب العجب "

# ومن هنا قيل: يا من إفساده صلاح فما قدر من المفاسد لتضمنه المصالح
~~العظيمة اغتفر ذلك القدر اليسير في جنبها لكونه وسيلة إليها وما أدى إلى
~~الخير فهو خير فكل شر قدره الله تعالى لكونه لم يقصد بالذات لأن أحكام
~~القضاء والقدر كما ms01169 قالوا: جارية على سنن ما اتفقت عليه الشرائع كلها من
~~النظر إلى جلب المصالح وذب المفاسد بل بالعرض لما يستلزمه من الخير
~~الأعظم والنفع الأتم يصدق عليه بهذا الاعتبار أنه خير فدخل في قوله
~~سبحانه: { بيدك الخير } فلذا اقتصر على الخير على وجه أنه شامل
~~لما قصد أصلا ولما وقع استلزاما، وهذا من باب  ليس في الإمكان أبدع
~~مما كان  وقد درج حكماء الإسلام عليه ولا يعبأ بمن وجه سهام الطعن إليه،
~~وفي «شرح الهياكل» أن الشر مقضي بالعرض وصادر بالتبع لما أن بعض ما يتضمن
~~الخيرات الكثيرة قد يستلزم الشر القليل فكان ترك الخيرات الكثيرة لأجل
~~ذلك الشر القليل شرا كثيرا فصدر عنك ذلك الخير فلزمه حصول ذلك الشر وهو
~~من حيث صدوره عنك خير إذ عدم صدوره شر لتضمنه فوات ذلك الخير فأنت المنزه
~~عن الفحشاء مع أنه لا يجري في ملكك إلا ما تشاء وليس هذا من القول بوجوب
~~الأصلح، ولا ينافيه

# لا يسئل عما يفعل

# [الأنبياء: 23] إذ لا يفعل ما يسئل عنه كرما وحكمة وجودا ومنة «ولو
~~اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع».

### || [3.27]

# { تولج اليل فى النهار وتولج النهار فى اليل
~~} الولوج في الأصل الدخول والإيلاج الإدخال واستعير لزيادة زمان النهار
~~في الليل وعكسه بحسب المطالع والمغارب في أكثر البلدان  وروي ذلك عن ابن
~~عباس والحسن ومجاهد  ولا يضر تساوي الليل والنهار دائما عند خط
~~الاستواء لأنه يكفي الزيادة والنقصان فيهما في الأغلب، وقال الجبائي:
~~المراد بإيلاج أحدهما في الآخر إيجاد كل واحد منهما عقيب الآخر والأول
~~أقرب إلى اللفظ، وعلى التقديرين الظاهر من الليل والنهار ليل التكوير
~~ونهاره وهما المشهوران عند العامة الذين يفهمون ظاهر القول، ووراء ذلك
~~أيام السلخ التي يعرفها العارفون وأيام الإيلاج الشأنية التي يعقلها
~~العلماء الحكماء./ وبيان ذلك على وجه الاختصار أن اليوم على ما ذكره
~~القوم الالهيون عبارة عن دورة واحدة من دورات فلك الكواكب وهو من النطح
~~إلى النطح ومن الشرطين إلى الشرطين ومن البطين إلى البطين وهكذا إلى ms01170 آخر
~~المنازل، ومن درجة المنزلة ودقيقتها إلى درجة المنزلة ودقيقتها، وأخفى من
~~ذلك إلى أقصى ما يمكن الوقوف عنده وما من يوم من الأيام المعروفة عند
~~العامة وهي من طلوع الشمس إلى طلوع الشمس أو من غروبها إلى غروبها أو من
~~استوائها إلى استوائها أو ما بين ذلك إلى ما بين ذلك إلا وفيه نهاية
~~ثلثمائة وستين يوما فاليوم طوله ثلاثمائة وستون درجة لأنه يظهر فيه
~~الفلك كله وتعمه الحركة وهذا هو اليوم الجسماني، وفيه اليوم الروحاني فيه
~~تأخذ العقول معارفها والبصائر مشاهدها والأرواح أسرارها كما تأخذ الأجسام
~~في هذا اليوم الجسماني أغذيتها وزيادتها ونموها وصحتها وسقمها وحياتها
~~وموتها فالأيام من جهة أحكامها الظاهرة في العالم المنبعثة من القوة
~~الفعالة للنفس الكلية سبعة من يوم الأحد إلى آخره ولهذه الأيام أيام
~~روحانية لها أحكام في الأرواح والعقول تنبعث من القوة العلامة للحق الذي
~~قامت به السماوات والأرض وهو الكلمة الالهية، وعلى هذه السبعة الدوارة
~~يدور فلك البحث فنقول: قال الله تعالى في المشهود من الأيام المحسوسة:

# يكور اليل على النهار ويكور النهار على
~~الليل

# [الزمر: 5] وأبان عن حقيقتين من طريق الحكم بعد هذا فقال في آية:

# وءاية لهم اليل نسلخ منه النهار

# [يس: 37] فهذه أنبأت أن الليل أصل والنهار كان غيبا فيه ثم سلخ، وليس
~~معنى السلخ معنى التكوير فلا بد أن يعرف ليل كل نهار من غيره حتى ينسب كل
~~ثوب إلى لابسه ويرد كل فرع إلى أصله، ويلحق كل ابن بأبيه، وقال في الآية
~~الكريمة كاشفا عن حقيقة أخرى: { يولج اليل فى النهار
~~ويولج النهار فى اليل } فجعل بين الليل والنهار نكاحا
~~معنويا لما كانت الأشياء تتولد منهما معا وأكد هذا المعنى بقوله عز
~~قائلا:

# يغشي الليل النهار

# [الأعراف: 54] ولهذا كان كل منهما مولجا ومولجا فيه فكل واحد منهما
~~لصاحبه أصل وبعل فكلما تولد في النهار فأمه النهار وأبوه الليل وكلما
~~تولد في الليل فأمه الليل وأبوه النهار فليس إذا حكم الايلاج حكم السلخ
~~فإن السلخ إنما هو ms01171 في وقت أن يرجع النهار من كونه مولجا ومولجا فيه
~~والليل كذلك إلا أنه ذكر السلخ الواحد ولم يذكر السلخ الآخر من أجل
~~الظاهر والباطن والغيب والشهادة. والروح والجسم والحرف والمعنى  وشبه
~~ذلك  فالايلاج روح كله والتكوير جسم هذا الروح الإيلاجي ولهذا كرر الليل
~~والنهار في الإيلاج كما كررهما في التكوير هذا في عالم الجسم وهذا في
~~عالم الروح، فتكوير النهار لإيلاج الليل وتكوير الليل لإيلاج النهار،
~~وجاء السلخ واحدا للظاهر لأربابه.

# وقد اختلف العجم والعرب في أصالة أي المكورين على الآخر، فالعجم يقدمون
~~النهار على الليل وزمانهم شمسي فليلة السبت عندهم مثلا الليلة التي تكون
~~صبيحتها يوم الأحد وهكذا، والعرب يقدمون الليل على النهار وزمانهم قمري

# أولئك كتب في قلوبهم الإيمان

# [المجادلة: 22] فليلة الجمعة عندهم مثلا هي الليلة التي يكون صبيحتها
~~يوم الجمعة وهم أقرب من العجم إلى العلم فإنه يعضدهم السلخ في هذا النظر
~~غير أنهم لم يعرفوا الحكم فنسبوا الليلة إلى غير يومها كما فعل أصحاب
~~الشمس وذلك لأن عوامهم لا يعرفون إلا أيام التكوير والعارفون من أهل هذه
~~الدولة، وورثة الأنبياء يعلمون ما وراء ذلك من أيام السلخ وأيام الإيلاج
~~الشاني، ولما كانت الأيام شيئا وكل شيء عندهم ظاهر وباطن وغيب وشهادة
~~وروح وجسم وملك وملكوت ولطيف وكثيف قالوا: إن اليوم نهار وليل في مقابلة
~~باطن وظاهر، والأيام سبعة ولكل يوم نهار وليل من جنسه، والنهار ظل ذلك
~~الليل وعلى صورته لأنه أصله المدرج هو فيه المنسلخ هو منه بالنفخة
~~الآلهية، وقد أطلق سبحانه في آية السلخ ولم يبين أي نهار سلخ من أية ليلة
~~ولم يقل ليلة كذا سلخ منها نهار كذا ليعقلها من ألهمه الله تعالى رشده
~~فينال/ فصل الخطاب، فعلى المفهوم من اللسان العربي بالحساب القمري أي
~~ليلة الأحد سلخ الله تعالى منها نهار الأربعاء وسلخ من ليلة الاثنين نهار
~~الخميس، ومن ليلة الثلاثاء نهار الجمعة، ومن ليلة الأربعاء نهار السبت،
~~ومن ليلة الخميس نهار الأحد، ومن ليلة الجمعة نهار الاثنين ومن ليلة ms01172
~~السبت نهار الثلاثاء فجعل سبحانه بين كل ليلة ونهارها المسلوخ منها ثلاث
~~ليال وثلاثة نهارات فكانت ستة وهي نشأتك ذات الجهات، فالليالي منها للتحت
~~والشمال والخلف، والنهارات منها للفوق واليمين والأمام فلا يكون الإنسان
~~نهارا ونورا تشرق شمسه وتشرق به أرضه حتى ينسلخ من ليل شهوته ولا يقبل
~~على من لا يقبل الجهات حتى يبعد عن جهات هيكله، وإنما نسبوا هذه النسبة
~~من جهة الاشتراك في الشأن الظاهر لستر الحكمة الالهية على يد الموكلين
~~بالساعات، وفي اليوم الإيلاجي الشأني يعتبرون ليلا ونهارا أيضا وهو
~~عندهم أربع وعشرون ساعة قد اتحد فيها الشأن فلم ينبعث فيها إلا معنى واحد
~~ويتنوع في الموجودات بحسب استعداداتها ولهذا قال سبحانه:

# كل يوم هو فى شأن

# [الرحمن: 29] ولم يقل  في شؤون  وتنوينه للتعظيم الظاهر باختلاف
~~القوابل وتكثر الأشخاص فإذا ساعات ذلك اليوم تحت حكم واحد ونظر وال واحد
~~قد ولاه من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء وتولاه وخصه بتلك الحركة وجعله
~~أميرا في ذلك، والمتصرف الحقيقي هو الله تعالى لا هو من حيث هو، فاليوم
~~الشأني ما كانت ساعاته كلها سواء ومتى اختلفت فليس بيوم واحد ولا يوجد
~~هذا في أيام التكوير وكذا في أيام السلخ إلا قليلا فطلبنا ذلك في الأيام
~~الإيلاجية فوجدناه مستوفى فيه، وقد أرسل سبحانه آية الإيلاج ولم يقل:
~~يولج الليل الذي صبيحته الأحد في الأحد ولا النهار الذي مساؤه ليلة
~~الاثنين في الاثنين فإذا لا يلتزم أن ليلة الأحد هي ليلة الكور ولا ليلة
~~السلخ وإنما يطلب وحدانية اليوم من أجل أحدية الشأن فلا ينظر إلا إلى
~~اتحاد الساعات، والحكم المولى من قبل المولى فليلة الأحد الايلاجي مركبة
~~من الساعة الأولى من ليلة الخميس، والثانية منها، والثالثة من يوم
~~الخميس، والعاشرة منها، والخامسة من ليلة الجمعة، والثانية عشرة منها،
~~والسابعة من يوم الجمعة، والثامنة من ليلة السبت، والتاسعة منها،
~~والرابعة من يوم السبت، والحادية عشرة منه، والسادسة من ليلة الأحد فهذه
~~ساعات ليله. وأما ساعات نهاره من أيام ms01173 التكوير فالأولى من يوم الأحد،
~~والثامنة والثالثة من يوم الاثنين والعاشرة منه، والخامسة من يوم الاثنين
~~والثانية عشرة منه والسابعة من ليلة الثلاثاء والثانية من يوم الثلاثاء
~~والتاسعة منه، والرابعة من ليلة الأربعاء والحادية عشرة منها والسادسة من
~~يوم الأربعاء فهذه أربعة وعشرون ساعة ظاهرة كالشمس ليوم الأحد الإيلاجي
~~الشأني كلها كنفس واحدة لأنها من معدن واحد، وهكذا تقول في سائر الأيام
~~حتى تكمل سبعة أيام متميزة بعضها من بعض مولجة بعضها في بعض نهارها في
~~ليلها وليلها في نهارها لحكمة التوالد والتناسل وذلك كسريان الحكم الواحد
~~في الأيام، ويظهر ذلك من أيام التكوير.

# وقد ذكر مولانا الشيخ الأكبر قدس سره الشأن في كل يوم في رسالته المسماة
~~«بالشأن الالهي»، ولعلي إن شاء الله تعالى أذكر ذلك عند قوله تعالى:

# كل يوم هو فى شأن

# [الرحمن: 29] وهذه الأيام أيضا غير يوم المثل وهو عمر الدنيا ويوم
~~الرب ويوم المعارج ويوم القمر ويوم الشمس ويوم زحل ويوم الحمل ولكل كوكب
~~من السيارات والبروج يوم  وقد ذكر كل ذلك في «الفتوحات»  وإنما تعرضنا
~~لهذا المقدار وإن كان الاستقصاء في بيان مشرب القوم ليس بدعا في هذا
~~الكتاب تعليما لبعض طلبة العلم ما الليل والنهار إذ قد ظنوا لجهلهم بسبب
~~بحث جرى بنا الظنون، وفي هذا كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد فحمدا لك
~~اللهم على ما علمت ولك الشكر على ما أنعمت.

# /

# { وتخرج الحى من الميت } أي تكون الحيوانات من موادها أو
~~من النطفة، وعليه ابن عباس وابن مسعود وقتادة ومجاهد والسدى وخلق كثير {
~~وتخرج الميت من الحى } أي النطفة من الحيوانات كما قال
~~عامة السلف. وأخرج ابن مردويه من طريق أبي عثمان النهدي عن سلمان
~~الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام أخرج ذريته فقبض قبضة بيمينه
~~فقال: هؤلاء أهل الجنة ولا أبالي وقبض بالأخرى قبضة فجاء فيها كل ردىء
~~فقال هؤلاء أهل النار ولا أبالي فخلط بعضهم ببعض فيخرج الكافر من ms01174 المؤمن
~~والمؤمن من الكافر "

# فذلك قوله تعالى: { وتخرج الحى من الميت } الآية  وإلى
~~هذا ذهب الحسن  وروي عن أئمة أهل البيت، فالحي والميت مجازيان، وعطف هذه
~~الجملة بعد الأولى لا يخفى، والقائلون بعموم المجاز قالوا: المراد تخرج
~~الحيوانات من النطف والنطف من الحيوانات، والنخلة من النواة والنواة من
~~النخلة، والطيب من الخبيث والخبيث من الطيب، والعالم من الجاهل والجاهل
~~من العالم، والذكي من البليد والبليد من الذكي إلى غير ذلك. ولا يلزم من
~~الآية أن يكون إخراج كل حي من ميت وكل ميت من حي ليلزم التسلسل في جانب
~~المبدىء إذ غاية ما تفهمه الآية أن لله تعالى هذه الصفة وأما أنه لا يخلق
~~شيئا إلا من شيء فلا كما لا يخفى، وقرىء { الميت } بالتخفيف في
~~الموضعين.

# { وترزق من تشاء بغير حساب } الظرف في محل الحال من
~~المفعول أي ترزق من تشاء غير محاسب له، أو من الفاعل أي ترزقه غير محاسب
~~له، أو غير مضيق عليه، وجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف، أو مفعول محذوف
~~أي رزقا غير قليل، وفي ذكر هذه الأفعال العظيمة التي تحير العقول
~~ونسبتها إليه تعالى دلالة على أن من يقدر على ذلك لا يعجزه أن ينزع الملك
~~من العجم ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم بل هو أهون عليه من كل هين.

# هذا وقد تقدم ما يشير إلى فضل هذه الآية، وقد أخرج ابن أبي الدنيا

# " عن معاذ بن جبل قال: شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم دينا كان
~~علي فقال: «يا معاذ أتحب أن يقضى دينك؟ قلت: نعم قال: { قل اللهم
~~مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك
~~ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء بيدك
~~الخير إنك على كل شيء قدير } [آل عمران: 26] رحمن
~~الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطي منهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء اقض
~~عني ديني فلو كان عليك ملء الأرض ذهبا أدى عنك "

# وفي رواية للطبراني الآية بتمامها.

# ومن باب الإشارة في الآيات: { شهد الله أنه لا إله ms01175
~~إلا هو } أي أبان بدلائل الآفاق والأنفس أنه لا إله في الوجود سواه،
~~أو شهد بذاته في مقام الجمع على وحدانيته حيث لا شاهد ولا مشهود غيره،
~~وشهد الملائكة وأولو العلم  بذلك وهي شهادة مظاهره سبحانه في مقام
~~التفصيل، ومن القوم من فرق بين الشهادتين بأن شهادة الملائكة من حيث
~~اليقين وشهادة أولي العلم من حيث المشاهدة، وأيضا قالوا: شهادة الملائكة
~~من رؤية الأفعال وشهادة أولي العلم من رؤية الصفات، وقيل: شهادة الملائكة
~~من رؤية العظمة ولذا يغلب عليهم الخوف، وشهادة العلماء من رؤية الجمال
~~ولذا يغلب عليهم الرجاء. وشهادة العلماء متفاوتة فشهادة بعض من الحالات،
~~وشهادة آخرين من المقامات، وشهادة طائفة من المكاشفات، وشهادة فرقة من
~~المشاهدات؛ وخواص أهل العلم يشهدون به له بنعت إدراك القدم وبروز نور
~~التوحيد من جمال الوحدانية، فشهادتهم مستغرقة في شهادة الحق لأنهم في محل
~~المحو { قائما بالقسط } أي مقيما للعدل بإعطاء كل من الظهور ما
~~هو له بحسب الاستعداد/ فيتجلى عليه على قدر دعائه { لا إله إلا
~~هو العزيز } فلا يصل أحد إلى معرفة كنهه وكنه معرفته

# الحكيم

# [آل عمران: 18] الذي يدبر كل شيء فيعطيه من مراتب التوحيد ما يطيق {
~~إن الدين } المرضي

# عند الله الإسلم

# [آل عمران: 19] وهو المقام الإبراهيمي المشار إليه بقوله:

# أسلمت وجهى

# [آل عمران: 20] أي نفسي وجملتي وانخلعت عن آنيتي لله تعالى ففنيت فيه {
~~إن الذين يكفرون بآيت الله } وهم المحجوبون عن الدين
~~والساترون للحق بالميل مع الشهوات { ويقتلون النبيين }
~~الداعين إلى التوحيد وهم العباد والواصلون الكاملون { ويقتلون
~~الذين يأمرون بالقسط } وهو نفي الأغيار وقصر الوجود الحق
~~على الله تعالى { من الناس } ، ويحتمل أن يشار  بالذين كفروا  إلى
~~قوى النفس الأمارة  وبالنبيين  إلى أنبياء القلوب المشرفة بوحي إلهام
~~الغيوب، وبالآمرين بالقسط القوى الروحانية التي هي من جنود أولئك
~~الأنبياء وأتباعهم، فبشر أولئك الكافرين

# بعذاب أليم

# [آل عمران: 21] وهو عذاب الحجاب والبعد عن حضرة رب الأرباب { أولئك
~~الذين حبطت } أي بطلت وانحطت عن حيز الاعتبار { أعملهم }
~~لعدم شرطها وهو التوحيد ms01176 { فى الدنيا } وهي عالم الشهادة {
~~والأخرة } وهي عالم الغيب

# وما لهم من نصرين

# [آل عمران: 22] لسوء حظهم وقلة استعدادهم { ألم تر إلى الذين
~~أوتوا نصيبا من الكتب } كعلماء السوء وأحبار الضلال {
~~يدعون إلى كتب الله } الناطق بمقام الجمع والفرق {
~~ليحكم بينهم } وبين الموحدين

# ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون

# [آل عمران: 23] عن قبول الحق لفرط حجابهم واغترارهم بما أوتوا { ذلك
~~بأنهم قالوا لن تمسنا النار } نار البعد { إلا
~~أياما معدودت } أي قليلة يسيرة { وغرهم فى دينهم }
~~الذي هم عليه

# ما كانوا يفترون

# [آل عمران: 24] من القضايا والأقيسة التي جاءت بها عقولهم المشوبة
~~بظلمات الوهم والخيال { فكيف } يكون حالهم { إذا جمعنهم }
~~بعد تفرقهم في صحراء الشكوك وتمزيق سباع الأوهام لهم { ليوم لا
~~ريب فيه } وهو يوم القيامة الكبرى الذي يظهر فيه الحق لمنكره، {
~~ووفيت كل نفس } صالحة وطالحة { ما كسبت } بواسطة
~~استعدادها

# وهم لا يظلمون

# [آل عمران: 25] جزاء ذلك { قل اللهم ملك الملك } أي
~~الملك المتصرف في مظاهرك من غير معارض ولا مدافع حسبما تقتضيه الحكمة {
~~تؤتى الملك من تشاء } وهو من اخترته للرياسة الباطنة وجعلته
~~متصرفا بإرادتك وقدرتك { وتنزع الملك ممن تشاء } بأن تنقله
~~إلى غيره باستيفاء مدة إقامته في عالم الأجسام وتكميل النشأة، أو تحرم من
~~تشاء عن إيتاء ذلك الملك لظلمه المانع له من أن ينال عهدك أو يمنح رفدك {
~~وتعز من تشاء } بإلقاء نور من أنوار عزتك عليه فإن العزة لله
~~جميعا { وتذل من تشاء } بسلب لباس عزتك عنه فيبقى ذليلا

# بيدك الخير

# [آل عمران: 26] كله وأنت القادر مطلقا تعطي على حسب مشيئتك وتتجلى طبق
~~إرادتك وتمنح بقدر قابلية مظاهرك { تولج اليل فى النهار }
~~تدخل ظلمة النفس في نور القلب فيظلم { وتولج النهار فى اليل
~~} وتدخل نور القلب في ظلمة النفس فتستنير وتخلطهما معا مع بعد المناسبة
~~بينهما { وتخرج } حي القلب من ميت النفس وميت النفس من حي القلب، أو
~~تخرج حي العلم من ميت الجهل وميت الجهل من حي العلم { وترزق من
~~تشاء } من النعم الظاهرة ms01177 والباطنة، أو من إحداهما فقط

# بغير حساب

# [آل عمران: 27] إذ لا حجر عليك.

# هذا ولما بين سبحانه أن إعطاء الملك والإعزاز من الله تعالى وأنه على كل
~~شيء قدير نبه المؤمنين على أنه لا ينبغى أن يوالوا أعداء الله تعالى
~~لقرابة أو صداقة جاهلية أو نحوهما أو أن لا يستظهروا بهم لأنه تعالى هو
~~المعز والقادر المطلق بقوله عز قائلا: { لا يتخذ المؤمنون
~~الكفرين أولياء }.

### || [3.28]

# { لا يتخذ المؤمنون الكفرين أولياء } قال ابن
~~عباس: كان الحجاج بن عمرو. وكهمس بن أبي الحقيق وقيس بن زيد  والكل من
~~اليهود  يباطنون نفرا من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن
~~المنذر وعبد الله بن جبير وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء
~~اليهود واحذروا/ لزومهم ومباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم فأبى أولئك النفر
~~إلا مباطنتهم وملازمتهم فأنزل الله هذه الآية، وقال الكلبي: نزلت في
~~المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه كانوا يتولون اليهود والمشركين
~~ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فأنزل الله تعالى الآية ونهى المؤمنين عن فعلهم. وروى الضحاك عن ابن
~~عباس أنها نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدريا نقيبا وكان له
~~حلفاء من اليهود فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال
~~عبادة: يا نبي الله إن معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي
~~فأستظهر بهم على العدو فأنزل الله تعالى { لا يتخذ } الخ.

# والفعل مجزوم بلا الناهية، وأجاز الكسائي فيه الرفع على الخبر والمعنى
~~على النهي أيضا وهو متعد لمفعولين، وجوز أن يكون متعديا لواحد 
~~فأولياء  مفعول ثان، أو حال وهو جمع ولي بمعنى الموالي من الولي وهو
~~القرب، والمراد لا يراعوا أمورا كانت بينهم في الجاهلية بل ينبغي أن
~~يراعوا ما هم عليه الآن مما يقتضيه الإسلام من بغض وحب شرعيين يصح
~~التكليف بهما وإنما قيدنا بذلك لما قالوا: إن المحبة لقرابة أو صداقة
~~قديمة أو جديدة خارجة عن الاختيار معفوة ساقطة عن ms01178 درجة الاعتبار، وحمل
~~الموالاة على ما يعم الاستعانة بهم في الغزو مما ذهب إليه البعض ومذهبنا
~~وعليه الجمهور  أنه يجوز ويرضخ لهم لكن إنما يستعان بهم على قتال
~~المشركين لا البغاة على ما صرحوا به، وما روي عن عائشة رضي الله تعالى
~~عنها أنها قالت:

# " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لبدر فتبعه رجل مشرك كان ذا جراءة
~~ونجدة ففرح أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين رأوه فقال له النبي صلى
~~الله عليه وسلم: ارجع فلن أستعين بمشرك "

# فمنسوخ بأن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم
~~واستعان بصفوان بن أمية في هوازن، وذكر بعضهم جواز الاستعانة بشرط الحاجة
~~والوثوق أما بدونهما فلا تجوز وعلى ذلك يحمل خبر عائشة، وكذا ما رواه
~~الضحاك عن ابن عباس في سبب النزول  وبه يحصل الجمع بين أدلة المنع وأدلة
~~الجواز  على أن بعض المحققين ذكر أن الاستعانة المنهي عنها إنما هي
~~استعانة الذليل بالعزيز وأما إذا كانت من باب استعانة العزيز بالذليل فقد
~~أذن لنا بها، ومن ذلك اتخاذ الكفار عبيدا وخدما ونكاح الكتابيات منهم
~~وهو كلام حسن كما لا يخفى.

# ومن الناس من استدل بالآية على أنه لا يجوز جعلهم عمالا ولا استخدامهم
~~في أمور الديوان وغيره وكذا أدخلوا في الموالاة المنهى عنها السلام
~~والتعظيم والدعاء بالكنية والتوقير بالمجالس، وفي «فتاوى العلامة ابن
~~حجر» جواز القيام في المجلس لأهل الذمة وعد ذلك من باب البر والإحسان
~~المأذون به في قوله تعالى:

# لا ينهكم الله عن الذين لم يقتلوكم فى
~~الدين ولم يخرجوكم من ديركم أن تبروهم
~~وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين

# [الممتحنة: 8] ولعل الصحيح أن كل ما عده العرف تعظيما وحسبه المسلمون
~~موالاة فهو منهي عنه ولو مع أهل الذمة لا سيما إذا أوقع شيئا في قلوب
~~ضعفاء المؤمنين ولا أرى القيام لأهل الذمة في المجلس إلا من الأمور
~~المحظورة لأن دلالته على التعظيم قوية وجعله من الإحسان لا أراه من
~~الإحسان كما لا يخفى. ms01179

# { من دون المؤمنين } حال من الفاعل أي متجاوزين المؤمنين إلى
~~الكافرين استقلالا أو اشتراكا ولا مفهوم لهذا الظرف إما لأنه ورد في
~~قوم بأعيانهم والوا الكفار دون المؤمنين فهو لبيان الواقع أو لأن ذكره
~~للاشارة إلى أن الحقيق بالموالاة هم المؤمنون وفي موالاتهم مندوحة عن
~~موالاة الكفار وكون هذه النكتة تقتضي أن يقال مع وجود المؤمنين دون { من
~~دون المؤمنين } في حيز المنع، وكونه إشارة إلى أن ولايتهم لا
~~تجامع ولاية المؤمنين في غاية الخفاء./ وقيل: الظرف في حيز الصفة
~~لأولياء، وقيل: متعلق بفعل الاتخاذ، و { من } لابتداء الغاية أي لا
~~تجعلوا ابتداء الولاية من مكان دون مكان المؤمنين.

# { ومن يفعل ذلك } أي الاتخاذ، والتعبير عنه بالفعل  كما قال
~~شيخ الإسلام  للاختصار أو لإيهام الاستهجان بذكره، و { من } شرطية، و
~~{ يفعل } فعل الشرط، وجوابه. { فليس من الله في شىء }
~~والكلام على حذف مضاف أي من ولايته، أو من دينه، والظرف الأول حال من {
~~شىء } والثاني خبر  ليس  وتنوين { شيء } للتحقير أي ليس في شيء يصح
~~أن يطلق عليه اسم الولاية أو الدين لأن موالاة المتضادين مما لا تكاد
~~تدخل خيمة الوقوع ولهذا قيل:

# تود عدوي ثم تزعم أنني

# صديقك ليس النوك عنك بعازب

# وقيل أيضا:

# إذا والى صديقك من تعادي

# فقد عاداك وانقطع الكلام

# والجملة معترضة، وقوله تعالى: { إلا أن تتقوا } على صيغة الخطاب
~~بطريق الغيبة استثناء مفرغ من أعم الأحوال والعامل فيه فعل النهي معتبرا
~~فيه الخطاب أي لا تتخذوهم أولياء في حال من الأحوال إلا حال اتقائكم،
~~وقيل: استثناء مفرغ من المفعول لأجله أي لا يتخذ المؤمن الكافر وليا
~~لشيء من الأشياء إلا للتقية { منهم } أي من جهتهم؛ و  من  للابتداء
~~متعلق بمحذوف وقع حالا من قوله تعالى: { تقة } لأنه نعت النكرة وقد
~~تقدم عليها، والمراد  بالتقاة  ما يتقى منه وتكون بمعنى اتقاء وهو
~~الشائع فعلى الأول: يكون مفعولا به لتتقوا، وعلى الثاني: مفعولا مطلقا
~~له، و { منهم } متعلق به، وتعدى  بمن  لأنه بمعنى خاف، وخاف يتعدى
~~بها ms01180 نحو

# وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا

# [النساء: 128] و

# فمن خاف من موص جنفا

# [البقرة: 182] والمجرور في موضع أحد المفعولين وترك المفعول الآخر للعلم
~~به أي ضررا ونحوه، وأصل تقاة وقية بواو مضمومة وياء متحركة بعد القاف
~~المفتوحة فأبدلت الواو المضمومة تاءا كتجاه وأبدلت الياء المتحركة ألفا
~~لتحركها وانفتاح ما قبلها ووزنه فعلة  كتخمة، وتؤدة  وهو في المصادر
~~غير مقيس وإنما المقيس اتقاء  كاقتداء  وقرأ أبو الرجاء وقتادة  تقية
~~ بالياء المشددة ووزنها فعيلة والتاء بدل من الواو أيضا.

# وفي الآية دليل على مشروعية التقية وعرفوها بمحافظة النفس أو العرض أو
~~المال من شر الأعداء، والعدو قسمان: الأول: من كانت عداوته مبنية على
~~اختلاف الدين كالكافر والمسلم، والثاني: من كانت عداوته مبنية على أغراض
~~دنيوية كالمال والمتاع والملك والإمارة، ومن هنا صارت التقية قسمين: أما
~~القسم الأول: فالحكم الشرعي فيه أن كل مؤمن وقع في محل لا يمكن له أن
~~يظهر دينه لتعرض المخالفين وجب عليه الهجرة إلى محل يقدر فيه على إظهار
~~دينه ولا يجوز له أصلا أن يبقى هناك ويخفي دينه ويتشبث بعذر الاستضعاف
~~فإن أرض الله تعالى واسعة، نعم إن كان ممن لهم عذر شرعي في ترك الهجرة
~~كالصبيان والنساء والعميان والمحبوسين والذين يخوفهم المخالفون بالقتل أو
~~قتل الأولاد أو الآباء أو الأمهات تخويفا يظن معه إيقاع ما خوفوا به
~~غالبا سواء كان هذا القتل بضرب العنق أو بحبس القوت أو بنحو ذلك فإنه
~~يجوز له المكث مع المخالف والموافقة بقدر الضرورة ويجب عليه أن يسعى في
~~الحيلة للخروج والفرار بدينه ولو كان التخويف بفوات المنفعة أو بلحوق
~~المشقة التي يمكنه تحملها كالحبس مع القوت والضرب القليل الغير المهلك لا
~~يجوز له موافقتهم، وفي صورة الجواز أيضا موافقتهم رخصة وإظهار مذهبه
~~عزيمة فلو تلفت نفسه لذلك فإنه شهيد قطعا، ومما يدل على أنها رخصة  ما
~~روي عن الحسن 

# " أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ ms01181 قال: نعم فقال: أتشهد أني رسول
~~الله؟ قال: نعم ثم دعا بالآخر فقال له: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال:
~~نعم فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصم قالها ثلاثا، وفي كل
~~يجيبه بأني أصم فضرب عنقه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
~~أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضله فهنيئا له. وأما
~~الآخر فقد رخصه الله تعالى فلا تبعة عليه "

# وأما القسم الثاني: فقد اختلف العلماء في وجوب الهجرة وعدمه فيه فقال
~~بعضهم: تجب لقوله تعالى:

# ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة

# [البقرة: 195] وبدليل النهي عن إضاعة المال، وقال قوم: لا تجب إذ الهجرة
~~عن ذلك المقام مصلحة من المصالح الدنيوية ولا يعود من تركها نقصان في
~~الدين لاتحاد الملة وعدوه القوي المؤمن لا يتعرض له بالسوء من حيث هو
~~مؤمن، وقال بعضهم: الحق أن الهجرة هنا قد تجب أيضا إذا خاف هلاك نفسه أو
~~أقاربه أو هتك حرمته بالإفراط ولكن ليست عبادة وقربة حتى يترتب عليها
~~الثواب فإن وجوبها لمحض مصلحة دنيوية لذلك المهاجر لا لإصلاح الدين
~~ليترتب عليها الثواب وليس كل واجب يثاب عليه لأن التحقيق أن كل واجب لا
~~يكون عبادة بل كثير من الواجبات ما لا يترتب عليه ثواب كالأكل عند شدة
~~المجاعة والاحتراز عن المضرات المعلومة أو المظنونة في المرض، وعن تناول
~~السموم في حال الصحة وغير ذلك، وهذه الهجرة أيضا من هذا القبيل وليست هي
~~كالهجرة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لتكون مستوجبة بفضل
~~الله تعالى لثواب الآخرة.

# وعد قوم من باب التقية مداراة الكفار والفسقة والظلمة وإلانة الكلام لهم
~~والتبسم في وجوههم والانبساط معهم وإعطائهم لكف أذاهم وقطع لسانهم
~~وصيانة العرض منهم ولا يعد ذلك من باب الموالاة المنهي عنها بل هي سنة
~~وأمر مشروع. فقد روى الديلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " إن الله تعالى أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض "

# وفي رواية

# " بعثت بالمداراة "

# وفي «الجامع»

# " سيأتيكم ms01182 ركب مبغضون فإذا جاءوكم فرحبوا بهم "

# وروى ابن أبي الدنيا

# " رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى مداراة الناس "

# وفي رواية البيهقي

# " رأس العقل المداراة "

# وأخرج الطبراني

# " مداراة الناس صدقة "

# وفي رواية له

# " ما وقى به المؤمن عرضه فهو صدقة "

# وأخرج ابن عدي وابن عساكر

# " من عاش مداريا مات شهيدا قوا بأموالكم أعراضكم وليصانع أحدكم بلسانه
~~عن دينه "

# وعن بردة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:

# " استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عنده فقال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: «بئس ابن العشيرة  أو أخو العشيرة  ثم أذن له
~~فألان له القول فلما خرج قلت: يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له القول؟
~~فقال: يا عائشة إن من أشر الناس من يتركه الناس أو يدعه الناس اتقاء فحشه
~~"

# وفي «البخاري» عن أبي الدرداء

# " إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم "

# وفي رواية الكشميهني

# " وإن قلوبنا لتقليهم "

# وفي رواية ابن أبي الدنيا وإبراهيم الحرمي بزيادة

# " ونضحك إليهم "

# إلى غير ذلك من الأحاديث لكن لا تنبغي المداراة إلى حيث يخدش الدين
~~ويرتكب المنكر وتسيء الظنون.

# ووراء هذا التحقيق قولان لفئتين متباينتين من الناس وهم الخوارج
~~والشيعة. أما الخوارج فذهبوا إلى أنه لا تجوز التقية بحال ولا يراعى
~~المال وحفظ النفس والعرض في مقابلة الدين أصلا ولهم تشديدات في هذا
~~الباب عجيبة منها أن أحدا لو كان يصلي وجاء سارق أو غاصب ليسرق أو يغصب
~~ماله الخطير لا يقطع الصلاة بل يحرم عليه قطعها وطعنوا على بريدة الأسلمي
~~صحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب أنه كان يحافظ فرسه/ في صلاته
~~كي لا يهرب، ولا يخفى أن هذا المذهب من التفريط بمكان، وأما الشيعة
~~فكلامهم مضطرب في هذا المقام فقال بعضهم: إنها جائزة في الأقوال كلها عند
~~الضرورة وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح ولا تجوز في الأفعال
~~كقتل المؤمن ولا فيما يعلم أو يغلب على الظن أنه إفساد في الدين؛ وقال
~~المفيد: إنها ms01183 قد تجب أحيانا وقد يكون فعلها في وقت أفضل من تركها وقد
~~يكون تركها أفضل من فعلها، وقال أبو جعفر الطوسي: إن ظاهر الروايات يدل
~~على أنها واجبة عند الخوف على النفس، وقال غيره: إنها واجبة عند الخوف
~~على المال أيضا ومستحبة لصيانة العرض حتى يسن لمن اجتمع مع أهل السنة أن
~~يوافقهم في صلاتهم وصيامهم وسائر ما يدينون به، ورووا عن بعض أئمة أهل
~~البيت «من صلى وراء سني تقية فكأنما صلى وراء نبي»، وفي وجوب قضاء تلك
~~الصلاة عندهم خلاف، وكذا في وجوب قضاء الصوم على من أفطر تقية حيث لا يحل
~~الإفطار قولان أيضا، وفي أفضلية التقية من سني واحد  صيانة لمذهب
~~الشيعة عن الطعن  خلاف أيضا، وأفتى كثير منهم بالأفضلية. ومنهم من ذهب
~~إلى جواز  بل وجوب  إظهار الكفر لأدنى مخافة أو طمع، ولا يخفى أنه من
~~الإفراط بمكان، وحملوا أكثر أفعال الأئمة مما يوافق مذهب أهل السنة ويقوم
~~به الدليل على رد مذهب الشيعة على التقية وجعلوا هذا أصلا أصيلا عندهم
~~وأسسوا عليه دينهم  وهو الشائع الآن فيما بينهم  حتى نسبوا ذلك
~~للأنبياء عليهم السلام؛ وجل غرضهم من ذلك إبطال خلافة الخلفاء الراشدين
~~رضي الله تعالى عنهم ويأبى الله تعالى ذلك.

# ففي كتبهم ما يبطل كون أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه وبنيه رضي
~~الله تعالى عنهم ذوي تقية بل ويبطل أيضا فضلها الذي زعموه ففي كتاب «نهج
~~البلاغة» الذي هو أصح الكتب  بعد كتاب الله تعالى  في زعمهم أن الأمير
~~كرم الله تعالى وجهه قال: علامة الإيمان إيثارك الصدق حيث يضرك على الكذب
~~حيث ينفعك، وأين هذا من تفسيرهم قوله تعالى:

# إن أكرمكم عند الله أتقكم

# [الحجرات: 13] بأكثركم تقية؟! وفيه أيضا أنه كرم الله تعالى وجهه قال:
~~إني والله لو لقيتهم واحدا وهم طلاع الأرض كلها ما باليت ولا استوحشت
~~وإني من ضلالتهم التي هم فيها والهدى الذي أنا عليه لعلى بصيرة من نفسي
~~ويقين من ربي وإلى لقاء الله تعالى وحسن ثوابه ms01184 لمنتظر راج. وفي هذا
~~دلالة على أن الأمير لم يخف وهو منفرد من حرب الأعداء وهم جموع، ومثله لا
~~يتصور أن يتأتى فيما فيه هدم الدين.

# وروى العياشي عن زرارة بن أعين عن أبي بكر بن حزم أنه قال: توضأ رجل
~~ومسح على خفيه فدخل المسجد فجاء علي كرم الله تعالى وجهه فوجأ على رقبته
~~فقال: ويلك تصلي وأنت على غير وضوء فقال: أمرني عمر فأخذ بيده فانتهى
~~إليه ثم قال: انظر ما يقول هذا عنك ورفع صوته على عمر رضي الله تعالى عنه
~~فقال عمر: أنا أمرته بذلك فانظر كيف رفع الصوت وأنكر ولم يتأق.

# وروى الراوندي شارح «نهج البلاغة» ومعتقد الشيعة عن سلمان الفارسي أن
~~عليا بلغه عن عمر أنه ذكر شيعته فاستقبله في بعض طرقات بساتين المدينة
~~وفي يد علي قوس فقال: يا عمر بلغني عنك ذكرك لشيعتي فقال: أربع على
~~صلعتك فقال علي إنك ههنا ثم رمى بالقوس على الأرض فإذا هي ثعبان
~~كالبعير فاغرا فاه وقد أقبل نحو عمر ليبتلعه فقال عمر: الله الله
~~يا أبا الحسن لأعدت بعدها في شيء فجعل يتضرع فضرب بيده على الثعبان فعادت
~~القوس كما كانت فمضى عمر إلى بيته قال سلمان: فلما كان الليل دعاني علي
~~فقال: سر إلى عمر فإنه حمل إليه مال من ناحية المشرق وقد عزم أن يخبئه
~~فقل له يقول لك علي: أخرج ما حمل إليك من المشرق ففرقه على من هو لهم ولا
~~تخبه فأفضحك قال سلمان: فمضيت إليه وأديت الرسالة فقال: أخبرني عن أمر
~~صاحبك من أين/ علم به؟ فقلت وهل يخفى عليه مثل هذا؟ فقال: يا سلمان أقبل
~~عني ما أقول لك ما علي إلا ساحر وإني لمستيقن بك والصواب أن تفارقه
~~وتصير من جملتنا قلت: ليس كما قلت لكنه ورث من أسرار النبوة ما قد رأيت
~~منه وعنده أكثر من هذا، قال: ارجع إليه فقل: السمع والطاعة لأمرك فرجعت
~~إلى علي فقال: أحدثك عما جرى بينكما فقلت: أنت أعلم مني فتكلم ms01185 بما جرى
~~بيننا ثم قال: إن رعب الثعبان في قلبه إلى أن يموت، وفي هذه الرواية ضرب
~~عنق التقية أيضا إذ صاحب هذه القوس تغنيه قوسه عنها ولا تحوجه أن يزوج
~~ابنته أم كلثوم من عمر خوفا منه وتقية.

# وروى الكليني عن معاذ بن كثير عن أبي عبد الله أنه قال: إن الله عز وجل
~~أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم كتابا فقال جبريل: يا محمد هذه وصيتك
~~إلى النجباء فقال: ومن النجباء يا جبريل؟ فقال: علي بن أبي طالب وولده
~~وكان على الكتاب خواتم من ذهب فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
~~علي وأمره أن يفك خاتما منه فيعمل بما فيه، ثم دفعه إلى الحسن ففك منه
~~خاتما فعمل بما فيه ثم دفعه إلى الحسين ففك خاتما فوجد فيه أن اخرج
~~بقومك إلى الشهادة فلا شهادة لهم إلا معك واشتر نفسك لله تعالى ففعل، ثم
~~دفعه إلى علي بن الحسين ففك خاتما فوجد فيه أن اطرق واصمت والزم منزلك
~~واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ففعل، ثم دفعه إلى ابنه محمد بن علي ففك
~~خاتما فوجد فيه حدث الناس وأفتهم وانشر علوم أهل بيتك وصدق آباءك
~~الصالحين ولا تخافن أحدا إلا الله تعالى فإنه لا سبيل لأحد عليك، ثم
~~دفعه إلى جعفر الصادق ففك خاتما فوجد فيه حدث الناس وافتهم ولا تخافن
~~إلا الله تعالى وانشر علوم أهل بيتك وصدق آباءك الصالحين فإنك في حرز
~~وأمان ففعل، ثم دفعه إلى موسى  وهكذا إلى المهدي . ورواه من طريق آخر
~~عن معاذ أيضا عن أبي عبد الله، وفي الخاتم الخامس  وقل الحق في الأمن
~~والخوف ولا تخش إلا الله تعالى وهذه الرواية أيضا صريحة بأن أولئك
~~الكرام ليس دينهم التقية كما تزعمه الشيعة.

# وروى سليم بن قيس الهلالي الشيعي من خبر طويل أن أمير المؤمنين قال: لما
~~قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومال الناس إلى أبي بكر رضي الله
~~تعالى عنه فبايعوه حملت فاطمة وأخذت بيد الحسن ms01186 والحسين ولم تدع أحدا من
~~أهل بدر وأهل السابقة من المهاجرين والأنصار إلا ناشدتهم الله تعالى حقي
~~ودعوتهم إلى نصرتي فلم يستجب لي من جميع الناس إلا أربعة: الزبير وسلمان
~~وأبو ذر والمقداد، وهذه تدل على أن التقية لم تكن واجبة على الإمام لأن
~~هذا الفعل عند من بايع أبا بكر رضي الله تعالى عنه فيه ما فيه.

# وفي «كتاب أبان بن عياش» أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه بعث إلى علي
~~قنفذا حين بايعه الناس ولم يبايعه علي وقال: انطلق إلى علي وقل له أجب
~~خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق فبلغه فقال له: ما أسرع ما
~~كذبتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتددتم والله ما استخلف رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم غيري، وفيه أيضا أنه لما يجب على غضب عمر وأضرم
~~النار بباب علي وأحرقه ودخل فاستقبلته فاطمة وصاحت يا أبتاه ويا رسول
~~الله فرفع عمر السيف وهو في غمده فوجأ به جنبها المبارك ورفع السوط فضرب
~~به ضرعها فصاحت يا أبتاه فأخذ علي بتلابيب عمر وهزه ووجأ أنفه ورقبته،
~~وفيه أيضا أن عمر قال لعلي: بايع أبا بكر رضي الله تعالى عنه قال: إن لم
~~أفعل ذلك؟ قال: إذا والله تعالى لأضربن عنقك قال: كذبت والله يا ابن
~~صهاك لا تقدر على ذلك أنت ألأم وأضعف من ذلك، فهذه الروايات تدل صريحا
~~أن التقية بمراحل عن ذلك الإمام إذ لا معنى لهذه المناقشة والمسابة مع
~~وجوب التقية.

# وروى محمد بن سنان أن أمير المؤمنين قال لعمر: يا مغرور إني أراك في
~~الدنيا قتيلا بجراحة من عند أم معمر تحكم عليه جورا فيقتلك ويدخل بذلك
~~الجنان على رغم منك./ وروي أيضا أنه قال لعمر مرة: إن لك ولصاحبك الذي
~~قمت مقامه هتكا وصلبا تخرجان من جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فتصلبان على شجرة يابسة فتورق فيفتتن بذلك من والاكما ثم يؤتى بالنار
~~التي أضرمت لإبراهيم ويأتي جرجيس ودانيال وكل نبي ms01187 وصديق فتصلبان فيها
~~فتحرقان وتصيران رمادا ثم تأتي ريح فتنسفكما في اليم نسفا فانظر بالله
~~تعالى عليك من يروي هذه الأكاذيب عن الإمام كرم الله تعالى وجهه هل ينبغي
~~له أن يقول بنسبة التقية إليه سبحان الله تعالى، هذا العجب العجاب والداء
~~العضال.

# ومما يرد قولهم أيضا: إن التقية لا تكون إلا لخوف، والخوف قسمان:
~~الأول: الخوف على النفس وهو منتف في حق حضرات الأئمة بوجهين: أحدهما: أن
~~موتهم الطبيعي باختيارهم كما أثبت هذه المسألة الكليني في «الكافي»، وعقد
~~لها بابا وأجمع عليها سائر الإمامية، وثانيهما: أن الأئمة يكون لهم علم
~~بما كان وما يكون فهم يعلمون آجالهم وكيفيات موتهم وأوقاته بالتفصيل
~~والتخصيص فقبل وقته لا يخافون على أنفسهم ويتأقون في دينهم ويغرون عوام
~~المؤمنين، القسم الثاني: خوف المشقة والإيذاء البدني والسب والشتم وهتك
~~الحرمة ولا شك أن تحمل هذه الأمور والصبر عليها وظيفة الصلحاء فقد كانوا
~~يتحملون البلاء دائما في امتثال أوامر الله تعالى وربما قابلوا السلاطين
~~الجبابرة وأهل البيت النبوي أولى بتحمل الشدائد في نصرة دين جدهم صلى
~~الله عليه وسلم.

# وأيضا لو كانت التقية واجبة لم يتوقف إمام الأئمة عن بيعة خليفة رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر وماذا منعه من أداء الواجب أول وهلة.

# ومما يرد قولهم في نسبة التقية إلى الأنبياء عليهم السلام بالمعنى الذي
~~أراده قوله تعالى في حقهم:

# الذين يبلغون رسلت الله ويخشونه ولا
~~يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا

# [الأحزاب: 39] وقوله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم:

# يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن
~~لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من
~~الناس

# [المائدة: 67] إلى غير ذلك من الآيات، نعم لو أرادوا بالتقية المداراة
~~التي أشرنا إليها لكان لنسبتها إلى الأنبياء والأئمة وجه، وهذا أحد
~~محملين لما أخرجه عبد بن حميد عن الحسن أنه قال: التقية جائزة إلى يوم
~~القيامة، والثاني: حمل التقية على ظاهرها وكونها جائزة إنما هو على
~~التفصيل الذي ذكرناه.

# ومن الناس من أوجب ms01188 نوعا من التقية خاصا بخواص المؤمنين وهو حفظ
~~الأسرار الإلهية عن الإفشاء للأغيار الموجب لمفاسد كلية فتراهم متى
~~سئلوا عن سر أبهموه وتكلموا بكلام لو عرض على العامة بل وعلى علمائهم ما
~~فهموه، وأفرغوه بقوالب لا يفهم المراد منها إلا من حسى من كأسهم أو تعطرت
~~أرجاء فؤاده من عبير عنبر أنفاسهم، وهذا وإن ترتب عليه ضلال كثير من
~~الناس وانجر إلى الطعن بأولئك السادة الأكياس حتى رمي الكثير منهم
~~بالزندقة وأفتى بقتلهم من سمع كلامهم وما حققه إلا أنهم رأوا هذا دون ما
~~يترتب على الإفشاء من المفاسد التي تعم الأرض:

# وحنانيك بعض الشر أهون من بعض

# وكتم الأسرار عن أهلها فيه فوات خير عظيم وموجب لعذاب أليم وقد يقال:
~~ليس هذا من باب التقية في شيء إلا أن القوم تكلموا بما طفح على ألسنتهم
~~وظهر على علانيتهم وكانت المعاني المرادة لهم بحيث تضيق عنها العبارة ولا
~~يحوم حول حماها سوى الإشارة، ومن حذا حذوهم واقتفى في التجرد إثرهم فهم
~~ما قالوا وتحقق ما إليه مالوا، ويؤيد هذا ما ذكره الشعراني قدس سره في
~~«الدرر المنثورة في بيان زبدة العلوم المشهورة» مما نصه، وأما زبدة علم
~~التصوف الذي وضع القوم فيه رسائلهم فهو نتيجة العمل بالكتاب والسنة فمن
~~عمل بما علم تكلم كما تكلموا وصار جميع ما قالوه بعض ما عنده لأنه كلما
~~ترقى العبد في باب الأدب مع الله تعالى دق كلامه على الأفهام حتى قال
~~بعضهم لشيخه. إن كلام أخي فلان يدق على فهمه فقال: لأن لك قميصين وله
~~قميص واحد فهو أعلى مرتبة منك  وهذا هو الذي دعا/ الفقهاء ونحوهم من أهل
~~الحجاب إلى تسمية علم الصوفية بعلم الباطن، وليس ذلك بباطن إذ الباطن
~~إنما هو علم الله تعالى وأما جميع ما علمه الخلق على اختلاف طبقاتهم فهو
~~من علم الظاهر لأنه ظهر للخلق فاعلم ذلك انتهى.

# فعلى هذا، الإنكار على القوم ليس في محله.

# { ويحذركم الله نفسه } أي عقاب نفسه  قاله ابن عباس رضي
~~الله ms01189 تعالى عنه  وفيه تهديد عظيم مشعر بتناهي المنهي عنه في القبح حيث
~~علق التحذير بنفسه، وإطلاق النفس عليه تعالى بالمعنى الذي أراده جائز من
~~غير مشاكلة على الصحيح، وقيل: النفس بمعنى الذات وجواز إطلاقه حينئذ بلا
~~مشاكلة مما لا كلام فيه عند المتقدمين، وقد صرح بعض المتأخرين بعدم
~~الجواز وإن أريد به الذات إلا مشاكلة.

# { وإلى الله المصير } أي المرجع، والإظهار في مقام الإضمار
~~لتربية المهابة وإدخال الروعة. قيل: والكلام على حذف مضاف أي إلى حكمه أو
~~جزائه وليس باللازم، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله ومحقق لوقوعه
~~حتما.

### || [3.29]

# { قل إن تخفوا ما فى صدوركم } أي تسروا ما في قلوبكم من
~~الضمائر التي من جملتها ولاية الكفار، وإنما ذكر الصدر لأنه محل القلب {
~~أو تبدوه } أي تظهروه فيما بينكم. { يعلمه الله } فيؤاخذكم
~~به عند مصيركم إليه ولا ينفعكم إخفاؤه، وتقديم الإخفاء على الإبداء قد
~~مرت الإشارة إلى سره { ويعلم ما في السموت وما في
~~الأرض } من إيراد العام بعد الخاص تأكيدا له وتقريرا، والجملة
~~مستأنفة غير معطوفة على جواب الشرط. { والله على كل شيء
~~قدير } إثبات لصفة القدرة بعد إثبات صفة العلم وبذلك يكمل وجه
~~التحذير، فكأنه سبحانه قال:  ويحذركم الله نفسه لأنه متصف بعلم ذاتي
~~محيط بالمعلومات كلها وقدرة ذاتية شاملة للمقدورات بأسرها فلا تجسروا على
~~عصيانه وموالاة أعدائه إذ ما من معصية خفية كانت أو ظاهرة إلا وهو مطلع
~~عليها وقادر على العقاب بها  والإظهار في مقام الإضمار لما علمت.

### || [3.30]

# { يوم تجد كل نفس } من النفوس المكلفة. { ما عملت }
~~في الدنيا { من خير } وإن كان مثقال ذرة { محضرا } لديها
~~مشاهدا في الصحف، وقيل: ظاهرا في صور، وقيل: تجد جزاء أعمالها محضرا
~~بأمر الله تعالى، وفيه من التهويل ما ليس في  حاضرا  وهو مفعول ثان
~~لتجد { وما عملت من سوء } عطف على { ما عملت } و {
~~محضرا } محضر فيه معنى إلا أنه خص بالذكر في  الخير  للإشعار بكون
~~الخير مرادا بالذات وكون إحضار الشر من مقتضيات الحكمة التشريعية ms01190  كما
~~قال شيخ الإسلام  وتقدير { محضرا } في النظم وحذفه للاقتصار بقرينة
~~ذكره في الأول مما قاله الأكثرون ويكون من العطف على المفعولين وهو جائز
~~ كما في «الدر المصون»  ولم يجعلوه من قبيل  علمت زيدا فاضلا وعمرا
~~ وهو ليس من باب الاقتصار على المفعول الأول بل من قبيل  زيد قائم
~~وعمرو  وهو مما حذف فيه الخبر كما صرحوا به فيلزم الاقتصار ضرورة،
~~والفرق بين المبتدأ والمفعول في هذا الباب وهم، ولك أن تجعل { تجد }
~~بمعنى تصيب فيتعدى لواحد، و { محضرا } حال { تود } أي تتمنى وهو
~~عامل في الظرف أي تتمنى يوم ذلك. { لو أن بينها وبينه } أي
~~بين ذلك اليوم { أمدا بعيدا } وقيل: الضمير  لما عملت  لقربه
~~ولأن اليوم أحضر فيه الخير والشر والمتمني بعد الشر لا ما فيه مطلقا فلا
~~يحسن إرجاع الضمير  اليوم  وإلى ذلك ذهب في «البحر»،/ ورد بأنه أبلغ
~~لأنه يود البعد بينه وبين اليوم مع ما فيه من الخير لئلا يرى ما فيه من
~~السوء.

# و  الأمد  غاية الشيء ومنتهاه، والفرق بينه وبين الأبد أن الأبد مدة
~~من الزمان غير محدودة، والأمد مدة لها حد مجهول والمراد هنا الغاية
~~الطويلة، وقيل: مقدار العمر، وقيل: قدر ما يذهب به من المشرق إلى المغرب،
~~وذهب بعضهم إلى أن المراد بالأمد البعيد المسافة البعيدة  ولعله الأظهر
~~، فالتمني هنا من قبيل التمني في قوله تعالى:

# يليت بيني وبينك بعد المشرقين

# [الزخرف: 38] وهذا الذي ذكر في نظم الآية هو ما ذهب إليه كثير من أئمة
~~التفسير، وقال أبو حيان: إنه الظاهر في بادىء الرأي مبني على أمر اختلف
~~النحاة في جوازه وهو كون الفاعل ضميرا عائدا على ما اتصل به معمول
~~الفعل المتقدم نحو غلام هند ضربت هي، والآية من هذا القبيل على ذلك
~~التخريج لأن الفاعل بيود عائد على شيء اتصل بمعمول  يود  وهو يوم
~~لأنه مضاف إلى { تجد كل نفس } ، والتقدير: تود كل نفس يوم
~~وجدانها ما عملت من خير وشر محضرا لو أن بينها الخ؛ وجمهور البصريين على ms01191
~~جواز ذلك وهو الصحيح، ومنه قوله:

#  أجل المرء يستحث  ولا يد

# ري  إذا يبتغي حصول الأماني 

# أي المرء في وقت ابتغائه حصول الأماني يستحث أجله ولا يدري، والفراء
~~والأخفش وغيره من البصريين على عدم الجواز لأن هذا المعمول فضلة فيجوز
~~الاستغناء عنه، وعود الضمير على ما اتصل به يخرجه عن ذلك لأنه يلزم ذكر
~~المعمول ليعود الضمير الفاعل على ما اتصل به ولا يخفى وهنه وفي الآية
~~أوجه أخر: منها أن ناصب الظرف

# قدير

# [آل عمران: 29]، ولا يرد عليه تقييد قدرته سبحانه بذلك اليوم لأنه إذ
~~قدر في مثله علم قدرته في غيره بالطريق الأولى، ومنها أنه منصوب بالمصير
~~أو بالذكر أو بيحذركم مقدرا فيكون مفعولا به أو بالعقاب المضاف الذي
~~أشعر به كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وصرحوا بأنه على تقدير تعلقه
~~بنحو  اذكروا  يجوز في { ما عملت } أن يكون مبتدأ خبره جملة {
~~تود } وأن يكون معطوفا على { ما } الأولى، وجملة { تود } إما
~~مستأنفة جوابا لسؤال مقدر كأن سائلا قال حين أمروا بذكر ذلك اليوم:
~~فماذا يكون إذ ذاك؟ فقيل: { تود لو أن بينها } الخ، أو حال
~~من فاعل { تجد } أي  اذكروا يوم تجد كل نفس ما عملت من خير وشر
~~محضرا وادت تباعد ما بينها وبينه  وجوز أن يكون حالا من ضمير {
~~عملت } لقربه، واعترض بأن  الوداد  إنما هو وقت وجدان العمل حاضرا
~~في الآخرة لا وقت العمل في الدنيا، والحالية من ضمير { عملت } تقتضيه
~~فلا وجه لها، وأجيب بأنها حال مقدرة على معنى: يوم تجد كل نفس كذا مقدرا
~~وداده  أي حال كونه ثابتا في قدرنا وداده  فالوداد وإن لم يكن مقارنا
~~للعمل إلا أن كون الوداد ثابتا في قدر الله تعالى وقضائه مقارن له، وهذا
~~مثل ما قيل في قوله تعالى:

# وبشرنه بإسحق نبيا من الصلحين

# [الصافات: 112]، واعترض أيضا بأنه على تقدير الحالية من ضمير {
~~عملت } يلزم تخصيص العمل والمقام لا يناسب، وأجيب بأنه ليس القصد
~~التخصيص بل بيان سوء حالهم وحسرتهم ولا بأس ms01192 به، وجوز أيضا أبو البقاء أن
~~تكون (ما) في { ما عملت من سوء } شرطية  وإلى ذلك مال السفاقسي
~~ ورفع { تود } ليس بمانع لأنه إذا كان الشرط ماضيا والجزاء مضارعا
~~جاز في الجزاء الرفع والجزم من غير تفرقة بين إن الشرطية وأسماء الشرط،
~~واعترض بأن رفع المضارع في الجزاء شاذ كرفعه في الشرط كما نص عليه المبرد
~~وشهد به الاستعمال حيث لم يوجد إلا في قول زهير:

# (وإن) أتاه خليل يوم مسغبة

# يقول لا غائب مالي ولا حرم

# /فلا يستسهل تخريج القراءة المتفق عليها عليه، نعم لا بأس بتخريج الشواذ
~~كقراءة

# أينما تكونوا يدرككم الموت

# [النساء: 78] يرفع يدرك عليه، وأجيب بأنا لا نسلم الشذوذ، وقد ذكر أبو
~~حيان أن الرفع مسموع كثيرا في لسان العرب حتى ادعى بعض المغاربة أنه
~~أحسن من الجزم. وبيت زهير مثله قول أبي صخر:

# ولا بالذي إن بان منه حبيبه

# يقول ويخفى الصبر إني لجازع

# وقول الآخر:

# إن يسألوا الخير يعطوه وإن خبروا

# في الجهد أدرك منهم طيب إخبار

# برفع أدرك وهو مضارع وقع جواب الشرط، وقوله:

# وإن بعدوا لا يأمنون اقترابه

# تشوف أهل الغائب المتنظر

# إلى غير ذلك، وفي «البحر»: إن ضعف تخريج الرفع على ذلك ليس بذلك لما
~~علمت ولكن يمتنع أن يكون ما في الآية جزاءا لما ذكر سيبويه أن النية في
~~المرفوع التقديم ويكون إذ ذاك دليلا على الجواب لا نفس الجواب وحينئذ
~~يؤدي إلى تقديم المضمر على ظاهره في غير الأبواب المستثناة لأن ضمير 
~~وبينه  عائد على اسم الشرط وهو { ما } فيصير التقدير  تود كل نفس لو
~~أن بينها وبينه أمدا بعيدا ما عملت من سوء  وذلك لا يجوز، ورده
~~السفاقسي بأنا لو تنزلنا على مذهب سيبويه لا يلزم محذور أيضا لأن الجملة
~~لاشتمالها على ضمير الشرط يلزم تأخيرها وإن كانت متقدمة في النية ألا ترى
~~أن الفاعل إذا اشتمل على ضمير يعود على المفعول يمتنع تقديمه عليه عند
~~الأكثر، وإن كان متقدما عليه في النية، وقرأ عبد الله  ودت  وعليها ms01193
~~يرتفع مانع الارتفاع بالإجماع وتصح الشرطية إلا أن العلامة الثاني قال:
~~إن في الصحة كلاما لأن الجملة على تقدير الموصولية حال أو عطف على {
~~تجد } والشرطية لا تقع حالا ولا مضافا إليها الظرف فلا يبق إلا
~~عطفها على اذكر  وهو بتقدير صحته يخل بالمعنى  وهو كون هذه الحالة
~~والودادة في ذلك اليوم ولا محيص سوى جعلها حالا بتقدير مبتدأ أي  وهي
~~ما عملت من سوء ودت  ولا يخفى ما فيه فإنهم أعربوا أن الوصلية مع
~~جملتها على الحالية ولم ينص النحاة على منع الإضافة إليها، وقال غير واحد
~~من الأئمة: إن الموصولية أوفق بقراءة العامة وأجرى على سنن الاستقامة
~~لأنه كلام  كحكاية الحال الكائنة في ذلك اليوم  فيجب أن يحمل على ما
~~يفيد الوقوع ولا كذلك الشرطية على أنها تفيد الاستقبال ولا عمل سوء في
~~استقبال ذلك اليوم وهذا لا ينفي الصحة لأنها وإن لم تدل على الوقوع لا
~~تنافيه، وحديث الاستقبال يدفعه تقدير  وما كان عملت كما في نظائر له،
~~فتدبر وافهم فعلك لا يقطعك عن اختيار الموصولية شيء.

# { ويحذركم الله نفسه } قيل: ذكره أولا للمنع عن موالاة
~~الكفار وهنا حثا على عمل الخير والمنع من عمل السوء مطلقا. وجوز أن
~~يكون معطوفا على { تود } أي تهاب من ذلك اليوم ومن العمل السيء
~~ويحذركم الله نفسه بإظهار قهاريته وهو مما لا يكاد ينبغي أن يخرج الكتاب
~~العزيز عليه، وأهون منه عطفه على { تجد } والظرف معمول  لاذكروا  أي
~~اذكروا ذلك اليوم واذكروا يوم يحذركم الله نفسه بإظهار كبريائه وقهاريته،
~~وقد يقال: إنه تكرار لما سبق وإعادة له لكن لا للتأكيد فقط بل لإفادة ما
~~يفيده.

# وقوله تعالى: { والله رءوف بالعباد } من أن تحذيره تعالى
~~نفسه من رحمته الواسعة للعباد لأنهم إذا عرفوه وحذروه جرهم ذلك إلى طلب
~~رضاه واجتناب سخطه وذلك هو الفوز العظيم، أو من أن تحذيره سبحانه ليس
~~مبنيا على تناسي صفة الرحمة بل هو متحقق مع تحققها أيضا./ فالجملة على
~~الأول تذييل وعلى الثاني حال، وإلى الأول ms01194 يشير كلام الحسن رضي الله تعالى
~~عنه، و  أل  في العباد للاستغراق وتكرير الاسم الجليل لتربية المهابة
~~وإذهاب الغفلة بتوجه الذهن إلى هذا الحكم أتم توجه.

### || [3.31]

# / { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى } ذهب عامة
~~المتكلمين إلى أن المحبة نوع من الإرادة وهي لا تتعلق حقيقة إلا بالمعاني
~~والمنافع فيستحيل تعلقها بذاته تعالى وصفاته فهي هنا بمعنى إرادة العبد
~~اختصاصه تعالى بالعبادة وذلك إما من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم أو
~~من باب الاستعارة التبعية بأن شبه إرادة العبد ذلك ورغبته فيه بميل قلب
~~المحب إلى المحبوب ميلا لا يلتفت معه إلا إليه أو من باب مجاز النقص أي
~~ إن كنتم تحبون طاعة الله تعالى أو ثوابه فاتبعوني فيما آمركم به
~~وأنهاكم عنه  كذا قيل، وهو خلاف مذهب العارفين من أهل السنة والجماعة
~~فإنهم قالوا: المحبة تتعلق حقيقة بذات الله تعالى وينبغي للكامل أن يحب
~~الله سبحانه لذاته وأما محبة ثوابه فدرجة نازلة، قال الغزالي عليه الرحمة
~~في «الإحياء»: ((الحب عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء الملذ فإن تأكد ذلك
~~الميل وقوي يسمى عشقا، والبغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب
~~فإذا قوي سمي مقتا، ولا يظن أن الحب مقصور على مدركات الحواس الخمس حتى
~~يقال: إنه سبحانه لا يدرك بالحواس ولا يتمثل بالخيال فلا يحب لأنه صلى
~~الله عليه وسلم سمى الصلاة  قرة عين  وجعلها أبلغ المحبوبات، ومعلوم
~~أنه ليس للحواس الخمس فيها حظ بل حس سادس مظنته القلب والبصيرة الباطنة
~~أقوى من البصر الظاهر والقلب أشد إدراكا من العين وجمال المعاني المدركة
~~بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار فتكون لا محالة لذة القلوب
~~بما تدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي تجل أن تدركها الحواس أتم
~~وأبلغ فيكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى، ولا معنى للحب
~~إلا الميل إلى ما في إدراكه لذة فلا ينكر إذا حب الله تعالى إلا من قعد
~~به القصور في درج البهائم فلم يجز إدراكه الحواس أصلا))، نعم هذا الحب ms01195
~~يستلزم الطاعة كما قال الوراق:

# تعصي الإله وأنت تظهر حبه

# هذا لعمري في القياس بديع

# لو كان حبك صادقا لأطعته

# إن المحب لمن يحب مطيع

# والقول بأن المحبة تقتضي الجنسية بين المحب والمحبوب  فلا يمكن أن
~~تتعلق بالله تعالى  ساقط من القول لأنها قد تتعلق بالأعراض بلا شبهة ولا
~~جنسية بين العرض والجوهر.

# { يحببكم الله } جواب الأمر وهو رأي الخليل. وأكثر المتأخرين
~~على أن مثل ذلك جواب شرط مقدر أي إن تتبعوني يحببكم أي يقربكم  رواه ابن
~~أبي حاتم عن سفيان بن عيينة، وقيل: يرض عنكم وعبر عن ذلك بالمحبة على
~~طريق المجاز المرسل أو الاستعارة أو المشاكلة، وجعل بعضهم نسبة المحبة
~~لله تعالى من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله تعالى.

# { ويغفر لكم ذنوبكم } أي يتجاوز لكم عنها { والله
~~غفور رحيم } أي لمن تحبب إليه بطاعته وتقرب إليه باتباع نبيه صلى
~~الله عليه وسلم، والجملة تذييل مقرر لما سبق مع زيادة وعد الرحمة، ووضع
~~الاسم الجليل مع الإضمار لما مر وللإشعار باستتباع وصف الألوهية للمغفرة
~~والرحمة، وقرىء  تحبوني، ويحبكم، ويحببكم  من حبه يحبه، ومنه قوله:

#  أحب  أبا ثروان من  حب  تمره

# وأعلم أن الرفق بالجار أرفق

# ووالله لولا تمره  ما حببته 

# ولا كان أدنى من عبيد ومشرق

# ومناسة الآية لما قبلها كما قال الطيبي: أنه سبحانه لما عظم ذاته وبين
~~جلالة سلطانه بقوله جل وعلا:

# قل اللهم ملك الملك

# [آل عمران: 26] الخ تعلق قلب العبد المؤمن بمولى عظيم الشأن ذي الملك
~~والملكوت والجلال والجبروت، ثم لما ثنى بنهي المؤمنين عن موالاة أعدائه
~~وحذر عن ذلك غاية التحذير بقوله عز قائلا:

# لا يتخذ المؤمنون الكفرين أولياء

# [آل عمران: 28] الخ؛ ونبه على استئصال تلك الموالاة بقوله عز شأنه:

# إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه

# [آل عمران: 29] الآية وأكد ذلك بالوعيد الشديد زاد ذلك التعلق أقصى
~~غايته فاستأنف قوله جل جلاله: { قل إن كنتم تحبون الله }
~~ليشير إلى طريق الوصول إلى هذا المولى جل وعلا فكأن قائلا يقول: بأي شيء ms01196
~~ينال كمال المحبة وموالاة الرب؟ فقيل: بعد قطع موالاة أعدائنا تنال تلك
~~الدرجة بالتوجه إلى متابعة حبيبنا إذ كل طريق سوى طريقه مسدود وكل عمل
~~سوى ما أذن به مردود.

# واختلف في سبب نزولها فقال الحسن وابن جريج: زعم أقوام على عهد رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله تعالى فقالوا يا محمد: إنا نحب
~~ربنا فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنه قال: «وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قريش في المسجد
~~الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها
~~الشنوف وهم يسجدون لها فقال يا معشر قريش لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم
~~وإسمعيل ولقد كانا على الإسلام فقالت قريش: يا محمد إنما نعبد هذه حبا
~~لله تعالى لتقربنا إلى الله سبحانه زلفى فأنزل الله تعالى: { قل إن
~~كنتم تحبون } الخ، وفي رواية أبي صالح «إن اليهود لما قالوا:
~~نحن أبناء الله وأحباؤه أنزل هذه الآية فلما نزلت عرضها رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم على اليهود فأبوا أن يقبلوها» وروى محمد بن إسحق عن محمد
~~بن جعفر بن الزبير قال: «نزلت في نصارى نجران وذلك أنهم قالوا: إنما نعظم
~~المسيح ونعبده حبا لله تعالى وتعظيما له فأنزل الله هذه الآية ردا
~~عليهم» يروى أنها لما نزلت قال عبد الله بن أبي: إن محمدا يجعل طاعته
~~كطاعة الله تعالى ويأمرنا أن نحبه كما أحب النصارى عيسى فنزل قوله تعالى:
~~{ قل أطيعوا الله والرسول }.

### || [3.32]

# { قل أطيعوا الله والرسول } أي في جميع الأوامر والنواهي
~~ويدخل في ذلك الأمر السابق دخولا أوليا، وإيثار الإظهار على الإضمار
~~بطريق الالتفات لتعيين حيثية الإطاعة والإشعار بعلتها، وفيه إشارة إلى
~~رد شبهة المنافق كأنه يقول: إنما أوجب الله تعالى عليكم متابعتي لا لما
~~يقول النصارى في عيسى بل لكوني رسول الله { فإن تولوا } أي
~~أعرضوا أو تعرضوا على أن تكون إحدى التائين محذوفة فيكون حينئذ داخلا في
~~حيز المقول وفي ترك ذكر ms01197 احتمال الإطاعة تلويح إلى أنها غير محتملة منهم {
~~فإن الله لا يحب الكفرين } أي لا يقربهم أو لا يرضى
~~عنهم بل يبعدهم عن جوار قدسه وحظائر عزه ويسخط عليهم يوم رضاه عن
~~المؤمنين. والمراد من الكافرين من تولى ولم يعبر بضميرهم للإيذان بأن
~~التوالي عن الطاعة كفر وبأن محبته عز وجل مخصوصة بالمؤمنين لأن نفيها 
~~عن هؤلاء الكفار المستلزم لنفيها عن سائرهم لاشتراك العلة  يقتضي الحصر
~~في ضدهم.

### || [3.33]

# روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن اليهود قالوا: نحن أبناء إبراهيم
~~وإسحق ويعقوب عليهم الصلاة والسلام ونحن على دينهم فنزلت، وقيل: إن نصارى
~~نجران لما غلوا في عيسى عليه الصلاة والسلام وجعلوه ابن الله سبحانه
~~واتخذوه إلها نزلت ردا عليهم وإعلاما لهم بأنه من ذرية البشر
~~المنتقلين في الأطوار المستحيلة على الإله وهذا وجه مناسبة الآية لما
~~قبلها. / وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في وجه المناسبة: إنه سبحانه
~~لما بين أن الدين عند الله الإسلام وإن اختلاف أهل الكتابين فيه إنما هو
~~للبغي والحسد وأن الفوز برضوانه ومغفرته ورحمته منوط باتباع الرسول صلى
~~الله عليه وسلم [وطاعته] شرع في تحقيق رسالته وأنه من أهل بيت النبوة
~~القديمة فبدأ ببيان جلالة أقدار الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتبعه ذكر
~~مبدأ عيسى وأمه وكيفية دعوته الناس إلى الإيمان تحقيقا للحق وإبطالا
~~لما عليه أهل الكتابين من الإفراط والتفريط في شأنهما ثم بين [بطلان]
~~محاجتهم في إبراهيم وادعائهم الانتماء إلى ملته ونزه ساحته العلية عما هم
~~عليه من اليهودية والنصرانية ثم نص على أن جميع الرسل دعاة إلى عبادة
~~الله تعالى وتوحيده..... وأن أممهم قاطبة مأمورون بالإيمان بمن جاءهم من
~~رسول مصدق لما معهم تحقيقا لوجوب الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم...
~~وتحتم الطاعة له حسبما يأتي تفصيله انتهى  وهو وجه وجيه .

# وبدأ بآدم عليه الصلاة والسلام لأنه أول النوع، وثنى بنوح عليه الصلاة
~~والسلام لأنه آدم الأصغر والأب الثاني وليس أحد على وجه البسيطة إلا من
~~نسله لقوله سبحانه:

# وجعلنا ms01198 ذريته هم البقين

# [الصافات: 77] وذكر آل إبراهيم لترغيب المعترفين باصطفائهم في الإيمان
~~بنبوة واسطة قلادتهم واستمالتهم نحو الاعتراف باصطفائه بواسطة كونه من
~~زمرتهم وذكر آل عمران مع اندراجهم في الآل الأول لإظهار مزيد الاعتناء
~~بأمر عيسى عليه الصلاة والسلام لكمال رسوخ الاختلاف في شأنه وهذا هو
~~الداعي إلى إضافة الآل في الأخيرين دون الأولين. وقيل: المراد بالآل في
~~الموضعين بمعنى النفس أي  اصطفى آدم ونوحا وإبراهيم وعمران، وذكر الآل
~~فيهما اعتناءا بشأنهما وليس بشيء، والمراد بآل إبراهيم كما قال مقاتل:
~~إسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وروي عن ابن عباس والحسن رضي الله تعالى
~~عنهم أنهم من كان على دينه كآل محمد صلى الله عليه وسلم في أحد
~~الإطلاقات، والمراد بآل عمران عيسى عليه الصلاة والسلام وأمه مريم بنت
~~عمران بن ماثان من ولد سليمان بن داود عليهما السلام قاله الحسن ووهب،
~~وقيل: المراد بهم موسى وهارون عليهما السلام، فعمران حينئذ هو عمران بن
~~يصهر أبو موسى  قاله مقاتل  وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة 
~~والظاهر هو القول الأول  لأن السورة تسمى آل عمران ولم تشرح قصة عيسى
~~ومريم في سورة أبسط من شرحها في هذه السورة، وأما موسى وهارون فلم يذكر
~~من قصتهما فيها طرف فدل ذلك على أن عمران المذكور هو أبو مريم، وأيضا
~~يرجح كون المراد به أبا مريم أن الله تعالى ذكر اصطفاءها بعد ونص عليه
~~وأنه قال سبحانه:

# إذ قالت امرأت عمرن

# [آل عمران: 35] الخ، والظاهر أنه شرح لكيفية الاصطفاء المشار إليه بقوله
~~تعالى: { وآل عمران } فيكون من قبيل تكرار الاسم في جملتين فيسبق
~~الذهن إلى أن الثاني هو الأول نحو أكرم زيدا إن زيدا رجل فاضل، وإذا
~~كان المراد بالثاني غير الأول كان في ذلك إلباس على السامع، وترجيح القول
~~الأخير بأن موسى يقرن بإبراهيم في الذكر ليس في القوة  كمرجح الأول كما
~~لا يخفى.

# والاصطفاء الاختيار، وأصله أخذ صفوة الشيء كالاستصفاء، ولتضمينه معنى
~~التفضيل عدي بعلى، والمراد  بالعالمين  أهل زمان كل واحد منهم أي اصطفى
~~كل ms01199 واحد منهم على عالمي زمانه، ويدخل الملك في ذلك، والتأويل خلاف الأصل.
~~ومن هنا استدل بعضهم بالآية على أفضلية الأنبياء على الملائكة، ووجه
~~الاصطفاء في جميع الرسل أنه سبحانه خصهم بالنفوس القدسية وما يليق بها من
~~الملكات الروحانية والكمالات الجسمانية حتى إنهم امتازوا كما قيل على
~~سائر الخلق خلقا وخلقا وجعلوا خزائن أسرار الله تعالى ومظهر أسمائه
~~وصفاته ومحل تجليه الخاص/ من عباده ومهبط وحيه ومبلغ أمره ونهيه، وهذا
~~ظاهر في المصطفين المذكورين في الآية من الرسل، وأما مريم فلها الحظ
~~الأوفر من بعض ذلك، وقيل: اصطفى آدم بأن خلقه بيديه وعلمه الأسماء وأسجد
~~له الملائكة وأسكنه جواره، واصطفى نوحا بأنه أول رسول بعث بتحريم البنات
~~والأخوات والعمات والخالات وسائر ذوي المحارم وأنه أب الناس بعد آدم
~~وباستجابة دعوته في حق الكفرة والمؤمنين، واصطفى آل إبراهيم بأن جعل فيهم
~~النبوة والكتاب، ويكفيهم فخرا أن سيد الأصفياء منهم، واصطفى عيسى وأمه
~~بأن جعلهما آية للعالمين.

# وإن أريد بآل عمران موسى وهارون فوجه اصطفاء موسى عليه الصلاة والسلام
~~تكليم الله تعالى إياه وكتابة التوراة له بيده، ووجه اصطفاء هارون جعله
~~وزيرا لأخيه، وأما اصطفاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام فمفهوم بطريق
~~الأولى وعدم التصريح به للإيذان بالغنى عنه لكمال شهرة أمره بالخلة وكونه
~~شيخ الأنبياء وقدوة المرسلين، وأما اصطفاء نبينا صلى الله عليه وسلم
~~فيفهم من دخوله في آل إبراهيم كما أشرنا إليه وينضم إليه أن سياق هذا
~~المبحث لأجله كما يدل عليه بيان وجه المناسبة في كلام شيخ الإسلام، وروي
~~عن أئمة أهل البيت أنهم يقرءون  وآل محمد على العالمين  وعلى ذلك لا
~~سؤال، ومن الناس من قال: المراد بآل إبراهيم محمد صلى الله عليه وسلم جعل
~~كأنه كل الآل مبالغة في مدحه، وفيه أن نبينا وإن كان في نفس الأمر بمنزلة
~~الأنبياء كلهم فضلا عن آل إبراهيم فقط إلا أن هذه الإرادة هنا بعيدة،
~~ويشبه ذلك في البعد بل يزيد عليه ما ذكره بعضهم في الآية أنه لما أمرهم
~~بمتابعته صلى ms01200 الله عليه وسلم وإطاعته، وجعل إطاعته ومتابعته سببا لمحبة
~~الله تعالى إياهم وعدم إطاعته سببا لسخط الله تعالى عليهم وسلب محبته
~~عنهم أكد ذلك بتعقيبه بما هو عادة الله تعالى من اصطفاء أنبيائه على
~~مخالفيهم وقمعهم وتذليلهم وإعدامهم لهم تخويفا لهؤلاء المتمردين عن
~~متابعته صلى الله عليه وسلم فذكر اصطفاء آدم على العالم الأعلى فإنه رجحه
~~على سائر الملائكة وجعلهم ساجدين له وجعل الشيطان في لعنة لتمرده،
~~واصطفاء نوح على العالم مع نهاية كثرتهم فأهلكهم بالطوفان وحفظ نوحا
~~وأتباعه، واصطفاء آل إبراهيم على العالم مع أن العالم كانوا كافرين فجعل
~~دينهم شائعا وذلل مخالفيهم، واصطفاء موسى وهارون على العلم فجعل السحرة
~~مع كثرتهم مغلوبين لهما وفرعون مع عظمته وغلبة جنوده مغلوبا وأهلكهم،
~~ولذا خص آدم بالذكر ونوحا والآلين، ولم يذكر إبراهيم ونبينا صلى الله
~~تعالى عليهما وسلم إذ إبراهيم لم يغلب، وهذا الكلام لبيان أن نبينا صلى
~~الله عليه وسلم سيغلب  وليس المراد الاصطفاء بالنبوة حتى يخفى وجه
~~التخصيص  وبهذا ظهر ضعف الاستدلال به على فضلهم على الملائكة انتهى.

# وفيه أن المتبادر من الاصطفاء الاجتباء والاختيار لا النصر على الأعداء
~~على أن المقام بمراحل عن هذا الحمل، وقد أخرج ابن عساكر وغيره عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسر الاصطفاء هنا بالاختيار للرسالة 
~~ومثله فيما أخرجه ابن جرير عن الحسن  وأيضا حمل آل عمران على موسى
~~وهارون مما لا ينساق إليه الذهن كما علمت، وكأن القائل لما لم يتيسر له
~~إجراء الاصطفاء بالمعنى الذي أراده في عيسى عليه الصلاة والسلام وأمه
~~اضطر إلى الحمل على خلاف الظاهر، وأنت تعلم أن الآية غنية عن الولوج في
~~مثل هذه المضايق.

### || [3.34]

# { ذرية بعضها من بعض } نصب على البدلية من الآلين أو
~~الحالية منهما، وقيل: بدل من { نوح } وما بعده، وجوز أن يكون بدلا من
~~{ ءادم } و { ما } عطف عليه ورده أبو البقاء بأن آدم ليس بذرية، وأجيب
~~بأنه مبني على ما صرح به الراغب وغيره من أن الذرية تطلق على ms01201 الآباء
~~والأبناء لأنه من الذرء بمعنى الخلق، والأب/ ذرىء منه الولد، والولد ذريء
~~من الأب إلا أن المتبادر من الذرية النسل  وقد تقدم الكلام عليه .
~~والمعنى أنهم ذرية واحدة متشعبة البعض من البعض في النسب كما ينبىء عنه
~~التعرض لكونهم ذرية، وروي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه  واختاره
~~الجبائي  وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: { بعضها من بعض } في
~~النية والعمل والاخلاص والتوحيد، و { من } على الأول: ابتدائية
~~والاستمالة تقريبية وعلى الثاني: اتصالية والاستمالة برهانية، وقيل: هي
~~اتصالية فيهما { والله سميع } لأقوال العباد { عليم } بأفعالهم
~~وما تكنه صدورهم فيصطفي من يشاء منهم، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما
~~قبلها.

### || [3.35]

# { إذ قالت امرأت عمرن } تقرير للاصطفاء وبيان لكيفيته،
~~والظرف في حيز النصب على المفعولية بفعل محذوف أي اذكر لهم وقت قولها،
~~وقيل: هو منصوب على الظرفية لما قبله، وهو

# سميع عليم

# [آل عمران: 34] على سبيل التنازل أو  السميع  ولا يضر الفصل بينهما
~~بالأجنبي لتوسعهم في الظروف، وقيل: هو ظرف لمعنى الاصطفاء المدلول عليه
~~ باصطفى  المذكور كأنه قيل: واصطفى آل عمران. { إذ قالت } الخ
~~فكان من عطف الجمل على الجمل لا المفردات على المفردات ليلزم كون اصطفاء
~~الكل في ذلك الوقت.

# وامرأة عمران هي حنة بنت فاقوذا  كما رواه إسحق بن بشر عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنه، والحاكم عن أبي هريرة  وهي جدة عيسى عليه الصلاة
~~والسلام وكان لها أخت اسمها إيشاع تزوجها زكريا عليه الصلاة والسلام  هي
~~أم يحيى  فعيسى ابن بنت خالة يحيى  كما ذكر ذلك غير واحد من
~~الإخباريين  ويشكل عليه ماأخرجه الشيخان في حديث المعراج من قوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا "

# وأجاب صاحب «التقريب» بأن الحديث مخرج على المجاز فإنه كثيرا ما يطلق
~~الرجل اسم الخالة على بنت خالته لكرامتها عليه، والغرض أن بينهما عليهما
~~الصلاة والسلام هذه الجهة من القرابة وهي جهة الخؤلة، وقيل: كانت إيشاع
~~أخت حنة من الأم وأخت ms01202 مريم من الأب على أن عمران نكح أولا أم حنة فولدت
~~له إيشاع ثم نكح حنة بناءا على حل نكاح الربائب في شريعتهم فولدت مريم
~~فكانت إيشاع أخت مريم من الأب وخالتها من الأم لأنها أخت حنة من الأم،
~~وفيه أنه مخالف لما ذكره محي السنة من أن إيشاع وحنة بنتا فاقوذا على أنه
~~بعيد لعدم الرواية في الأمرين.

# أخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن حنة امرأة عمران
~~كانت حبست عن الولد والمحيض فبينا هي ذات يوم في ظل شجرة إذ نظرت إلى طير
~~يزق فرخا له فتحركت نفسها للولد فدعت الله تعالى أن يهب لها ذكرا فحاضت
~~من ساعتها فلما طهرت أتاها زوجها فلما أيقنت بالولد قالت: لئن نجاني الله
~~تعالى ووضعت ما في بطني لأجعلنه محررا ولم يكن يحرر في ذلك الزمان إلا
~~الغلمان فقال لها زوجها: أرأيت إن كان ما في بطنك أنثى  والأنثى عورة 
~~فكيف تصنعين؟ فاغتمت لذلك فقالت عند ذلك:

# { رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل
~~مني } وهذا في الحقيقة استدعاء للولد الذكر لعدم قبول الأنثى فيكون
~~المعنى  رب إني نذرت لك ما في بطني فاجعله ذكرا على حد أعتق عبدك عني 
~~وجعله بعض الأئمة تأكيدا لنذرها وإخراجا له عن صورة التعليق إلى هيئة
~~التنجيز واللام من { لك } للتعليل، والمراد لخدمة بيتك  والمحرر  من
~~لا يعمل للدنيا ولا يتزوج ويتفرغ لعمل الآخرة ويعبد الله تعالى ويكون في
~~خدمة الكنيسة  قاله ابن عباس/ رضي الله تعالى عنهما  وقال مجاهد:
~~المحرر الخادم للبيعة، وفي رواية عنه الخالص الذي لا يخالطه شيء من أمر
~~الدنيا، وقال محمد بن جعفر بن الزبير: أرادت عتيقا خالصا لطاعتك لا
~~أصرفه في حوائجي، وعلى كل هو من الحرية  وهي ضربان  أن لا يجري عليه
~~حكم السبي وأن لا تتملكه الأخلاق الرديئة والرذائل الدنيوية.

# وانتصابه على الحالية من { ما } والعامل فيه { نذرت }؛ وقيل: من
~~الضمير الذي في الجار والمجرور، والعامل فيه حينئذ الاستقرار  ولا يخفى ms01203
~~رجحان الوجه الأول  والحال إما مقدرة أو مصاحبة، وجوز أبو حيان أن ينصب
~~على المصدر أي  تحريرا  لأنه بمعنى النذر، وتأكيد الجملة للإيذان
~~بوفور الرغبة في مضمونها وتقديم الجار والمجرور لكمال الاعتناء به
~~والتعبير عن الولد بما لإبهام أمره وقصوره عن درجة العقلاء، و  التقبل 
~~أخذ الشيء على وجه الرضا وأصله المقابلة بالجزاء  وتقبل  هنا بمعنى
~~اقبل.

# { إنك أنت السميع } لسائر المسموعات فتسمع دعائي { العليم
~~} بما كان ويكون فتعلم نيتي وهو تعليل لاستدعاء القبول من حيث إن علمه
~~تعالى بصحة نيتها وإخلاصها مستدع لذلك تفضلا وإحسانا، وتأكيد الجملة
~~لغرض قوة يقينها بمضمونها وقصر صفتي السمع والعلم عليه تعالى لغرض اختصاص
~~دعائها وانقطاع حبل رجائها عما عداه سبحانه بالكلية مبالغة في الضراعة
~~والابتهال  قاله شيخ الإسلام  وتقديم صفة السمع لأن متعلقاتها وإن كانت
~~غير متناهية إلا أنها ليست كمتعلقات صفة العلم في الكثرة.

### || [3.36]

# { فلما وضعتها } الضمير  لما  ولما علم المتكلم أن مدلولها
~~مؤنث جاز له تأنيث الضمير العائد إليه وإن كان اللفظ مذكرا، وأما
~~التأنيث في قوله تعالى: { قالت رب إنى وضعتها أنثى } فليس
~~باعتبار العلم بل باعتبار أن كل ضمير وقع بين مذكر ومؤنث هما عبارتان عن
~~مدلول واحد جاز فيه التذكير والتأنيث نحو الكلام يسمى جملة، و { أنثى
~~} حال بمنزلة الخبر فأنث العائد إلى (ما) نظرا إلى الحال من غير أن
~~يعتبر فيه معنى الأنوثة ليلزم اللغو أو باعتبار التأويل بمؤنث لفظي يصلح
~~للمذكر والمؤنث  كالنفس، والحبلة، والنسمة  فلا يشكل التأنيث ولا يلغو
~~{ أنثى } بل هي حالة مبينة  كذا قيل  ولا يخلو عن نظر، فالحق أن
~~الضمير لما  في بطني  والتأنيث في الأول لما أن المقام يستدعي ظهور
~~أنوثته واعتباره في حيز الشرط إذ عليه يترتب جواب (لما) لا على وضع ولد
~~ما، والتأنيث في الثاني للمسارعة إلى عرض ما دهمها من خيبة الرجاء
~~وانقطاع حبل الأمل، و { أنثى } حال مؤكدة من الضمير أو بدل منه، وليس
~~الغرض من هذا الكلام الإخبار لأنه إما للفائدة أو للازمها، وعلم ms01204 الله
~~تعالى محيط بهما بل لمجرد التجسر والتحزن، وقد قال الإمام المرزوقي: إنه
~~قد يرد الخبر صورة لأغراض سوى الإخبار كما في قوله:

# قومي هم قتلوا أميم أخي

# فإذا رميت (يصيبني سهمي)

# فإن هذا الكلام تحزن وتفجع وليس بإخبار، وحاصل المعنى هنا على ما قرر 
~~فلما وضعت بنتا تحسرت إلى مولاها وتفجعت إذ خاب منها رجاها  وعلى هذا
~~لا إشكال أصلا في التأنيث ولا في الجزاء نفسه، ولا في ترتبه على الشرط،
~~وما قيل: إنه يحتمل أن يكون فائدة هذا الكلام  التحقير للمحرر استجلابا
~~للقبول لأنه من تواضع لله تعالى رفعه الله سبحانه  فمستحقر من القول
~~بالنسبة إلى ما ذكرنا؛ والتأكيد هنا قيل: للرد على اعتقادها الباطل وربما
~~أنه يعود إلى الاعتناء والمبالغة في التحسر الذي قصدته والرمز إلى أنه
~~صادر عن قلب كسير وفؤاد/ بقيود الحرمان أسير.

# { والله أعلم بما وضعت } ليس المراد الرد عليها في
~~إخبارها بما هو سبحانه أعلم به كما يتراءى من السياق بل الجملة اعتراضية
~~سيقت لتعظيم المولود الذي وضعته وتفخيم شأنه والتجهيل لها بقدره  أي
~~والله أعلم بالشيء الذي وضعته وما علق به من عظائم الأمور ودقائق الأسرار
~~وواضح الآيات، وهي غافلة عن ذلك كله، و (ما) على هذه عبارة عن الموضوعة،
~~قيل: والاتيان بها دون  من  يلائم التجهيل فإنها كثيرا ما يؤتى بها
~~لما يجهل به وجعلها عبارة عن الواضعة أي والله تعالى أعلم بشأن أم مريم
~~حين تحسرها وتحزنها من توهم خيبة رجاها وأنها ليست من الولي إلى الله
~~تعالى في شيء إذ لها مرتبة عظمى وتحريرها تحرير لا يوجد منه  مما لا وجه
~~له وجزالة النظم تأباه.

# وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { بما وضعت } على خطاب الله
~~تعالى لها، والمراد به تعظيم شأن الموضوع أيضا أي إنك لا تعلمين قدر ما
~~وضعته وما أودع الله تعالى فيه. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب
~~{ بما وضعت } على أنه من كلامها قالته اعتذارا إلى الله تعالى حيث
~~وضعت مولودا ms01205 لا يصلح للغرض، أو تسلية لنفسها أي ولعل لله تعالى في ذلك
~~سرا وحكمة  ولعل هذه الأنثى خير من الذكر فالجملة حينئذ لنفي العلم لا
~~للتجهيل لأن العبد ينظر إلى ظاهر الحال ولا يقف على ما في خلاله من
~~الأسرار، وحمل قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على هذا المعنى بجعل
~~الخطاب منها لنفسها في غاية البعد، ووضع الظاهر موضع ضمير المخاطب
~~إظهارا لغاية الإجلال.

# { وليس الذكر كالأنثى } اعتراض آخر مبين لما اشتمل عليه
~~الأول من التعظيم وليس بيانا لمنطوقه حتى يلحق بعطف البيان الممتنع فيه
~~العطف. واللام في الذكر والأنثى للعهد، أما التي في الأنثى فلسبق ذكرها
~~صريحا في قوله سبحانه حكاية: { إنى وضعتها أنثى } وأما التي
~~في الذكر فلقولها:

# إني نذرت

# [آل عمران: 35] الخ إذ هو الذي طلبته والتحرير لا يكون إلا للذكر وسمي
~~هذا العهد التقديري  وهو غير الذهني لأن قولها:

# ما في بطني

# [آل عمران: 35] صالح للصنفين، وقولها:

# محررا

# [آل عمران: 35] تمن لأن يكون ذكرا فأشير إلى ما في البطن حسب رجائها،
~~وجوز أن تكون الجملة من قولها فيكون مرادها نفي مماثلة الذكر للأنثى،
~~فاللام للجنس  كما هو الظاهر  لأنه لم يقصد خصوص ذكر وأنثى بل إن
~~المراد أن هذا الجنس ليس كهذا الجنس، وأورد عليه أن قياس كون ذلك من
~~قولها أن يكون وليست الأنثى كالذكر فإن مقصودها تنقيص الأنثى بالنسبة إلى
~~الذكر والعادة في مثله أن ينفى عن الناقص شبهه بالكامل لا العكس، وأجيب
~~بأنه جار على ما هو العادة في مثله أيضا لأن مراد أم مريم ليس تفضيل
~~الذكر على الأنثى بل العكس تعظيما لعطية الله تعالى على مطلوبها أي وليس
~~الذكر الذي هو مطلوبي كالأنثى التي وهبها الله تعالى لي علما منها بأن
~~ما يفعله الرب خير مما يريده العبد  وفيه نظر  أما أولا: فلأن اللام
~~في الذكر والأنثى على هذا يكون للعهد وهو خلاف الظاهر الذي ذهب إليه أكثر
~~المفسرين، وأما ثانيا: فلأنه ينافي التحسر والتحزن المستفاد من قولها: {
~~رب ms01206 إنى وضعتها أنثى } فإن تحزنها ذلك إنما هو لترجيحها الذكر
~~على الأنثى، والمفهوم من هذا الجواب ترجيحها الأنثى على الذكر اللهم إلا
~~أن يحمل قولها ذلك على تسلية نفسها بعد ما تحزنت على هبة الأنثى بدل
~~الذكر الذي كانت طلبته إلا أنه تبقى مخالفة الظاهر على ما هي، فالأولى في
~~الجواب عدم الخروج عما هو الظاهر والبحث فيما اقتضته العادة فقد قال في
~~«الانتصاف» بعد نقل الإيراد وذكر القاعدة: وقد وجدت الأمر في ذلك مختلفا
~~فلم يثبت لي تعين ما قالوه ألا ترى إلى قوله تعالى:

# لستن كأحد من النساء

# [الأحزاب: 32] فنفى عن الكامل شبه الناقص لأن الكمال لأزواج النبي صلى
~~الله عليه وسلم ثابت بالنسبة إلى عموم النساء  وعلى ذلك جاءت عبارة
~~امرأة عمران  ومنه أيضا

# أفمن يخلق كمن لا يخلق

# [النحل: 17] انتهى.

# / وتمام الكلام في هذا المقام ما ذكره بعض المحققين أنه إذا دخل نفي بلا
~~أو غيرها، أو ما في معناه على تشبيه مصرح بأركانه، أو ببعضها احتمل
~~معنيين تفضيل المشبه بأن يكون المعنى أنه لا يشبه بكذا لأن وجه الشبه فيه
~~أولى وأقوى  كقولك ليس زيد كحاتم في الجود  ويحتمل عكسه بأن يكون
~~المعنى أنه لا يشبه به لبعد المسافة بينهما كقول العرب  ماء ولا كصداء،
~~ومرعى ولا كالسعدان، وفتى ولا كمالك  وقوله:

# طرف الخيال ولا كليلة مدلج

# ووقع في «شروح المقامات» وغيرها أن العرب لم تستعمل النفي بلا على هذا
~~الوجه إلا للمعنى الثاني وأن استعماله لتفضيل المشبه من كلام المولدين
~~حتى اعترضوا على قول الحريري في قوله:

# غدوت ولا اغتداء الغراب

# وعيب قول صاحب «التلويح» في خطبته: نال حظا من الاشتهار ولا اشتهار
~~الشمس نصف النهار، ومبنى الاعتراض على هذا، ولعله ليس بلازم كما أشار
~~إليه صاحب «الانتصاف» بما أورد من الآيات، ومما أورده الثعالبي من خلافه
~~أيضا في كتابه «المنتخب»  فلان حسن ولا القمر، وجواد ولا المطر  على
~~أنه لو سلم ما ذكروه فالمعاني لا حجر فيها على أن ما ورد في النفي ms01207 بلا
~~المعترضة بين الطرفين لا في كل نفي انتهى.  وهو كما قال: من نفائس
~~المعاني التي ينبغي حفظها .

# وقوله تعالى: { وإنى سميتها مريم } عطف على { إنى
~~وضعتها أنثى } المنصوبة المحل على المفعولية للقول  وما بينهما
~~كما علمت  اعتراض بجملتين غير محكيتين الثانية من تتمة الأولى معنى على
~~ما بين ولهذا أجراه البعض مجرى الاعتراض في الاعتراض فجعله نظير قوله
~~تعالى:

# إنه لقسم لو تعلمون عظيم

# [الواقعة: 76]. واعترض بأنه كيف يجوز الاعتراض بين كلامي أم مريم وكلام
~~متكلم لا يجوز أن يكون معترضا بين كلامي متكلم آخر، وأجيب بأن كلام أم
~~مريم من كلام الله تعالى نقلا عن أم مريم ولا بعد في أن يكون كلامه
~~تعالى اعتراضا بين كلاميها اللذين هما من كلام الله تعالى نقلا عنها،
~~هذا على تقدير أن لا تكون تانك الجملتان من كلام أم مريم أما إذا كانتا
~~من كلامها بناءا على ما سبق من القراءة والاحتمال فلا اعتراض.

# قيل: والغرض من عرض التسمية على علام الغيوب التقرب إليه تعالى واستدعاء
~~العصمة لها فإن مريم في لغتهم بمعنى العابدة  ولا يخفى بعده  إذ مجرد
~~ذكر تسميتها مريم لا يكاد يكون مقربا لها إليه تعالى لأن التقرب إليه
~~تعالى إنما يكون بسبب العبادة  ومجرد عرض التسمية ليس بعبادة  فكيف
~~يكون مقربا اللهم إلا أن يقال: إن التقرب إلى الله تعالى بحبها للعبادة
~~الذي أشعر به تسميتها بنتها عابدة، أو اعتقاد أن الله تعالى مستعاذ يجير
~~من يستعيذ به عما يخافه. واعترض بأن هذا لا يدفع الشبهة بل هي باقية
~~أيضا لأن المقرب حينئذ ما في القلب من الحب والاعتقاد لا عرض ذلك على
~~من لا تخفى عليه خافية، والأولى أن يقال: إن الغرض من ذلك إظهار أنها غير
~~راجعة عن نيتها وإن كان ما وضعته أنثى وأنها وإن لم تكن خليقة بسدانة بيت
~~المقدس فلتكن من العابدات فيه واستقلالها بالتسمية لكون أبيها قد مات
~~وأمها حامل بها فتقديم المسند إليه للتخصيص يعني التسمية مني لا يشاركني
~~فيها ms01208 أبوها، قيل: وفي ذلك تعريض بيتمها استعطافا له تعالى وجعلا ليتمها
~~شفيعا لها، والقول بأن فائدة عرض تسميتها التحسر والتحزن أيضا أي إني
~~سميتها لا أبوها لعدم احتفاله بها والتفاته إليها لكراهة الرجال في
~~الغالب البنات فمع أنه خلاف ما دل عليه أكثر الآثار ونطق به غالب الأخبار
~~من موت أبيها وهي حمل يجر إلى ما ينبغي أن تنزه عنه ساحة الرجل الصالح
~~عمران كما لا يخفى.

# وقد تقدم الكلام في مريم وزنا ومعنى، وقد اختار بعض المتأخرين أنها
~~معربة مارية بمعنى  جارية  ويقرب أن يكون القول المعول عليه، واستدل
~~بالآية على جواز تسمية الأطفال يوم الولادة لا يوم السابع لأن الظاهر
~~أنها إنما قالت ذلك بإثر الوضع، واستدل بتغاير المفعولين على/ تغاير
~~الاسم والمسمى، وقد تقدم البحث فيه.

# { وإنى أعيذها بك } عطف على { إنى سميتها } وأتى هنا
~~بخبر إن فعلا مضارعا دلالة على طلبها استمرار الاستعاذة دون انقطاعها
~~وهذا بخلاف (وضعتها، وسميتها) حيث أتى بالخبرين ماضيين لانقطاعهما وقدم
~~المعاذ به على المعطوف الآتي اهتماما به، ومعنى { أعيذها بك }
~~أمنعها وأجيرها بحفظك، وأصل العوذ كما قال الراغب: الالتجاء إلى الغير
~~والتعلق به يقال: عاذ فلان بفلان إذا استجار به، ومنه أخذت العوذة وهي
~~التميمة والرقية؛ وقرأ أبو جعفر  ونافع  إني  بفتح ياء المتكلم
~~وكذا في سائر المواضع التي بعد الياء ألف مضمومة إلا في موضعين

# بعهدى أوف

# [البقرة: 40] و

# ءاتونى أفرغ

# [الكهف: 96].

# و { ذريتها } عطف على الضمير المنصوب، وفي التنصيص على إعاذتها
~~وإعاذة ذريتها رمز إلى طلب بقائها حية حتى تكبر، وطلب للتناسل منها هذا
~~إذا أريد بالإعاذة { من الشيطن الرجيم } أي المطرود، وأصل
~~الرجم الرمي بالحجارة - الحفظ من إغوائه الموقع في الخطايا لأنه إنما
~~يكون بعد البلوغ إذ لا تكليف قبله، وأما إذا أريد منها الحفظ منه مطلقا
~~فيفهم طلب الأمرين من الأمر الأخير، ويؤيد هذا ما أخرجه الشيخان من حديث
~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " ما من مولود يولد ms01209 إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل من مسه صارخا
~~إلا مريم وابنها "

# وفي بعض طرقه أنه ضرب بينه وبينها حجاب وأن الشيطان أراد أن يطعن بإصبعه
~~فوقعت الطعنة في الحجاب، وفي رواية إسحاق بن بشر عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " كل ولد آدم ينال منه الشيطان يطعنه حين يقع بالأرض بإصبعه ولهذا يستهل
~~إلا ما كان من مريم وابنها فإنه لم يصل إبليس إليهما "

# وطعن القاضي عبد الجبار بإصبع فكره في هذه الأخبار بأنها خبر واحد على
~~خلاف الدليل، وذلك أن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من له تمييز ولأنه لو
~~تمكن من هذا الفعل لجاز أن يهلك الصالحين، وأيضا لم خص عيسى وأمه دون
~~سائر الأنبياء؟ وأنه لو وجد المس أو النخس لدام أثره وليس فليس،
~~والزمخشري زعم أن المعنى على تقدير الصحة أن كل مولود يطمع الشيطان في
~~إغوائه إلا مريم وابنها فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما
~~كقوله تعالى:

# لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم
~~المخلصين

# [ص: 82-83] واستهلاله صارخا من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه كأنه يمسه
~~ويضرب بيده عليه ونحوه من التخييل قول ابن الرومي:

# لما تؤذن الدنيا به من صروفها

# يكون بكاء الطفل ساعة يولد

# وأما حقيقة النخس والمس كما يتوهم أهل الحشو فكلا ولو سلط إبليس على
~~الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخا وعياطا مما يبلونا به من نخسه
~~انتهى.

# ولا يخفى أن الأخبار في هذا الباب كثيرة وأكثرها مدون في «الصحاح»
~~والأمر لا امتناع فيه، وقد أخبر به الصادق عليه الصلاة والسلام فليتلق
~~بالقبول، والتخييل الذي ركن إليه الزمخشري ليس بشيء لأن المس باليد ربما
~~يصلح لذلك أما الاستهلال صارخا فلا على أن أكثر الروايات لا يجري فيها
~~مثل ذلك، وقوله: لامتلأت الدنيا عياطا قلنا: هي مليئة فما من مولود إلا
~~يصرخ، ولا يلزم من تمكنه من تلك النخسة تمكنه منها في جميع الأوقات كيف
~~وفي «الصحيح»:

# " لولا أن الملائكة يحفظونكم ms01210 لاحتوشتكم الشياطين كما يحتوش الذباب العسل
~~"

# وفي رواية «لاختطفتكم الجن» وفسر قوله تعالى:

# له معقبت من بين يديه

# [الرعد: 11] في أحد الوجوه به، وبهذا يندفع أيضا قول القاضي/ من أنه لو
~~تمكن من هذا الفعل لجاز أن يهلك الصالحين وبقاء الأثر بل وحصوله أيضا
~~ليس أمرا ضروريا للمس ولا للنخس والحصر باعتبار الأغلب والاقتصار على
~~عيسى عليه السلام وأمه إيذانا باستجابة دعاء امرأة عمران على أتم وجه
~~ليتوجه أرباب الحاج إلى الله تعالى بشراشرهم، أو يقدر له ما يخصصه، وعلى
~~التقديرين يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من العموم فلا يلزم تفضيل عيسى
~~عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى، ويؤيده خروج المتكلم من عموم كلامه،
~~وقد قال به جمع ويشهد له ما روى الجلال في «البهجة السنية» عن عكرمة قال:
~~لما ولد النبي صلى الله عليه وسلم أشرقت الأرض نورا فقال إبليس: لقد
~~ولد الليلة ولد يفسد علينا أمرنا فقالت له جنوده: لو ذهبت إليه فجاءه
~~فركضه جبريل عليه السلام فوقع بعدن، وهذا أولى من إبقاء العام على عمومه،
~~والقول بأنه لا يبعد اختصاص عيسى وأمه بهذه الفضيلة دون الأنبياء عليهم
~~السلام ولا يلزم منه تفضيله عليهم عليهم السلام إذ قد يوجد في الفاضل ما
~~لا يوجد في الأفضل، وعلى كلا الأمرين الفاضل والمفضول لا إشكال في
~~الاخبار من تلك الحيثية، نعم قد يشكل على ظاهرها أن إعاذة أم مريم كانت
~~بعد الوضع فلا يصح حملها على الإعاذة من المس الذي يكون حين الولادة،
~~وأجيب بأن المس ليس إلا بالانفصال وهو الوضع ومعه الإعاذة، غايته أنه عبر
~~عنه بالمضارع كما أشرنا إليه لقصد الاستمرار فليتأمل، والعجب من بعض أهل
~~السنة كيف يتبع المعتزلة في تأويل مثل هذه الأحاديث الصحيحة لمجرد الميل
~~إلى ترهات الفلاسفة مع أن إبقاءها على ظاهرها مما لا يرنق لهم شربا ولا
~~يضيق عليهم سربا، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لمراضيه ويجعل مستقبل حالنا
~~خيرا من ماضيه.

### || [3.37]

# { فتقبلها } أي رضي بمريم في النذر مكان الذكر ففيه ms01211 تشبيه النذر
~~بالهدية ورضوان الله تعالى بالقبول { ربها } أي رب مريم المبلغ لها
~~إلى كمالها اللائق بها، وقيل: الضمير لامرأة عمران بدليل أنها التي خاطبت
~~ونادت بقولها:

# رب إنى وضعتها

# [آل عمران: 36] الخ، والأول أولى { بقبول حسن } الباء مثلها في 
~~كتبت بالقلم  و  القبول  ما يقبل به الشيء  كالسعوط واللدود  ما
~~يسعط به ويلد أي تقبلها بوجه حسن تقبل به النذائر وهو اختصاصه سبحانه
~~إياها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم يقبل قبلها أنثى، أو تسلمها من
~~أمها عقب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة والخدمة. فقد روي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لما وضعتها خشيت حنة أن لا تقبل
~~الأنثى محررة فلفتها في الخرقة ووضعتها في بيت المقدس عند القراء فتساهم
~~القراء عليها  لأنها كانت بنت إمامهم  أيهم يأخذها فقال زكريا وهو رأس
~~الأحبار: أنا آخذها وأنا أحقهم بها لأن خالتها عندي، فقالت القراء: ولكنا
~~نتساهم عليها فمن خرج سهمه فهو أحق بها فدعوا بأقلامهم التي يكتبون بها
~~الوحي وجمعوها في موضع ثم غطوها، وقال زكريا لبعض من الغلمان الذين لم
~~يبلغوا الحلم ممن في بيت المقدس: أدخل يدك فأخرج فأدخل يده فأخرج قلم
~~زكريا فقالوا: لا نرضى ولكن نلقي الأقلام في الماء فمن خرج قلمه في جرية
~~الماء ثم ارتفع فهو يكفلها فألقوا أقلامهم في نهر الأردن فارتفع قلم
~~زكريا في جري الماء فقالوا: نقترع الثالثة فمن جرى قلمه مع الماء فهو
~~يكفلها فألقوا أقلامهم فجرى قلم زكريا مع الماء وارتفعت أقلامهم في جرية
~~الماء وقبضها عند ذلك زكريا، ويجوز أن تكون الباء للملابسة.

# و  القبول  مصدر وهو من المصادر الشاذة وهناك مضاف محذوف، والمعنى رضي
~~بها متلبسة بأمر ذي قبول، ووجه ذي رضا وهو ما يقيمها مقام الذكور لما
~~اختصت به من الإكرام، ويجوز أن يكون تفعل بمعنى استفعل  كتعجل بمعنى
~~استعجل  والمعنى فاستقبلها ربها وتلقاها من أول وهلة من ولادتها بقبول/
~~حسن وأظهر الكرامة فيها حينئذ  وفي المثل خذ الأمر بقوابله  وجوز ms01212 أن
~~تكون الباء زائدة، و  القبول  مصدر مؤكد للفعل السابق بحذف الزوائد أي
~~قبلها قبولا حسنا، وعدل عن الظاهر للإيذان بمقارنة التقبل لكمال الرضا
~~وموافقته للعناية الذاتية فإن صيغة التفعل مشعرة بحسب أصل الوضع بالتكلف
~~وكون الفعل على خلاف طبع الفاعل وإن كان المراد بها في حقه تعالى ما
~~يترتب عليه من كمال قوة الفعل وكثرته، ويحتمل على بعد بعيد أن تكون الباء
~~للمصاحبة بمعنى مع  أي تقبل نذرها  مع قبول حسن لدعاء أمها في حقها وحق
~~ذريتها حيث أعاذهما من الشيطان الرجيم من أول الولادة إلى خاتمة الحياة.

# { وأنبتها نباتا حسنا } أي رباها الرب تربية حسنة في عبادة
~~وطاعة لربها قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفي رواية عنه أنه سوى
~~خلقها فكانت تشب في يوم ما يشب غيرها في عام، وقيل: تعهدها بما يصلحها في
~~سائر أحوالها، ففي الكلام استعارة تمثيلية أو مجاز مرسل بعلاقة اللزوم
~~فإن الزارع يتعهد زرعه بسقيه عند الاحتياج وحمايته عن الآفات وقلع ما
~~يخنقه من النبات. و { نباتا } هنا مصدر على غير لفظ الفعل المذكور وهو
~~نائب عن إنبات، وقيل: التقدير فنبتت نباتا، والنبات والنبت بمعنى. وقد
~~يعبر بهما عن النابت.

# { وكفلها زكريا } وهو من ولد سليمان بن داود عليهما الصلاة
~~والسلام  أي ضمها الله تعالى إليه وجعله كافلا لها وضامنا لمصالحها 
~~على ما ذكر في حديث ابن عباس، وكل ذلك من آثار قدرته تعالى، ولم يكن هناك
~~وحي إليه بذلك، وقرأ بتشديد الفاء حمزة والكسائي وعاصم، وقصروا {
~~زكريا } غير عاصم في رواية ابن عياش  وهو مفعول به لكفلها  وقرأ
~~الباقون بتخفيف الفاء ومدوا { زكريا } ورفعوه على الفاعلية  وفيه
~~لغتان أخريان  إحداهما:  زكرى  بياء مشددة من غير ألف، وثانيتهما: 
~~زكر  بغير ياء ومنعه من الصرف للعلمية والعجمة، وقيل: لألف التأنيث،
~~وقرأ أبي (وأكفلها)، وقرأ مجاهد  فتقبلها ربها وأنبتها وكفلها  على
~~صيغة الدعاء في الأفعال الثلاثة ونصب  ربها  على النداء أي فاقبلها يا
~~ربها وربها، واجعل زكريا كافلا لها، وقد استجاب الله تعالى ms01213 دعاءها في
~~جميع ذلك، والذي عليه الأكثرون وشهدت له الأخبار أن كفالة زكريا كانت من
~~أول أمرها، وزعم بعضهم أنه كفلها بعد أن فطمت ونبتت النبات الحسن وليس
~~بالقوي.

# { كلما دخل عليها زكريا المحراب } بيان لقبولها
~~ولهذا لم يعطف، والمحراب على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~غرفة بنيت لها في بيت المقدس وجعلت بابها في وسط الحائط وكانت لا يصعد
~~عليها إلا بسلم مثل باب الكعبة، وقيل: المراد به المسجد إذ قد كانت
~~مساجدهم تسمى المحاريب؛ وقيل: أشرف مواضعه ومقدمها وهو مقام الإمام من
~~المسجد في رأي، وأصله مفعال صيغة مبالغة  كمطعان  فسمي به المكان لأن
~~المحاربين نفوسهم كثيرون فيه، وقيل: إنه يكون اسم مكان وسمي به لأن محل
~~محاربة الشيطان فيه أو لتنافس الناس عليه ولبعض المغاربة في المدح:

# جمع الشجاعة والخشوع لربه

# ما أحسن المحراب في المحراب

# وتقديم الظرف على الفاعل لإظهار كمال العناية بأمرها، ونصب {
~~المحراب } على التوسع إذ حق الفعل أن يتعدى بفي؛ أو بإلى وإظهار
~~الفاعل قيل: لفصل الجملة، و { كلما } ظرف على أن (ما) مصدرية،
~~والزمان محذوف أو نكرة موصوفة معناها الوقت، والعائد محذوف والعامل فيها
~~جوابها بالاتفاق لأن ما في حيز المضاف إليه لا يعمل في المضاف ولا يجري
~~فيها الخلاف المذكور في أسماء الشرط، ومن الناس من وهم فقال: إن ناصبه
~~فعل/ الشرط، وادعى أنه الأنسب معنى فزاد في الشطرنج جملا والمعنى كل
~~زمان دخل عليها أو كل وقت دخل عليها فيه.

# { وجد عندها رزقا } أي أصاب ولقي بحضرتها ذلك أو ذلك كائنا
~~بحضرتها، أخرج ابن جرير عن الربيع قال: إنه كان لا يدخل عليها غيره وإذا
~~خرج أغلق عليها سبعة أبواب فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة
~~الشتاء في الصيف، والتنوين للتعظيم فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن
~~ذلك من ثمار الجنة والذي عليه الجل أن ذلك عوض لها عن الرضاعة، فقد روي
~~أنها لم ترضع ثديا قط، وقيل: إن هذا كان بعد ms01214 أن ترعرعت، ففي رواية ابن
~~بشر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن زكريا عليه الصلاة والسلام
~~استأجر لها ظئرا فلما تم لها حولان فطمت وتركت في المحراب وحدها وأغلقت
~~عليها الباب ولم يتعهد أمرها سواه».

# { قال يا مريم } استئناف بياني { أنى لك هذا } أي من
~~أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا والأبواب مغلقة دونك، ومجىء
~~{ أنى } بمعنى من أين، أو كيف تقدم الكلام عليه، واستشهد للأول بقوله:

# تمنى بوادي الرمث زينب ضلة

# فكيف ومن (أنى) بذي الرمث تطرق

# وللثاني بقوله:

#  أنى ومن أين  أبك الطرب

# من حيث لا صبوة ولا ريب

# وحذف حرف الجر من { أنى } نحو حذف  في  من الظروف اللازمة للظرفية
~~من نحو  مع، وسحر  لأن الشيء إذا علم في موضع جاز حذفه، والتحقيق أن
~~الظروف محل التوسع لكثرة استعمالهم إياها وكل ظرف يستعمل مع حرف صلته
~~التي يكثر معها استعمالها  لأن اتصالها بمظروفها بتلك الحروف  فجاز
~~حذفها كما جاز حذف  في  إلا أنها لما كانت الأصل لوضعها للظرفية اطرد
~~حذفها من المتصرفة وغير المتصرفة، وغيرها من صلات الظروف لا يحذف إلا مع
~~ما يكثر من غير المتصرفة حطا لرتبتها عن رتبة  في  كما في «الكشف».

# واستدل بالآية على جواز الكرامة للأولياء لأن مريم لا نبوة لها على
~~المشهور، وهذا هو الذي ذهب إليه أهل السنة والشيعة وخالف في ذلك
~~المعتزلة، وأجاب البلخي منهم عن الآية بأن ذلك كان إرهاصا وتأسيسا
~~لنبوة عيسى عليه الصلاة والسلام، وأجاب الجبائي بأنه كان معجزة لزكريا
~~عليه الصلاة والسلام، ورد الأخير بأن اشتباه الأمر عليه يأبى ذلك، ولعله
~~مبني على الظاهر، وإلا ففي اقتضاء هذه العبارة في نفس الأمر الاشتباه نظر
~~لأنه يجوز أن يكون لإظهار ما فيها من العجب بتكلمها ونحوه، والقول  بأن
~~اشتباه زكريا في أنها معجزة لا ينافي كونها معجزة لاشتباه أنه من الجنة
~~أو من بساتين الدنيا ليس بشيء كما لا يخفى.

# { قالت } استئناف كالذي قبله { هو من عند الله } قيل: أرادت
~~من ms01215 الجنة، وقيل: مما رزقنيه هو لا بواسطة البشر فلا تعجب ولا تستبعد،
~~وقيل: تكلمت بذلك صغيرة كعيسى عليه الصلاة والسلام وقد جمع من تكلم كذلك
~~فبلغوا أحد عشر نفسا، وقد نظمهم الجلال السيوطي فقال:

# تكلم في المهد النبي (محمد)

# (ويحيى وعيسى والخليل ومريم)

# ومبرى (جريج) ثم (شاهد يوسف)

# (وطفل لذي الأخدود) يرويه مسلم

# (وطفل) عليه مر بالأمة التي

# يقال لها تزني ولا تتكلم

# وماشطة في عهد فرعون (طفلها)

# وفي زمن الهادي (المبارك) يختم

# / { إن الله يرزق من يشاء } من عباده أن يرزقه { بغير
~~حساب } تقدم معناه، والجملة تعليل لكونه من عند الله، والظاهر أنها من
~~كلام مريم فحينئذ تكون في محل النصب داخلة تحت القول، وقال الطبري: إنها
~~ليست من كلامها بل هي مستأنفة من كلامه تعالى إخبارا لنبيه صلى الله
~~عليه وسلم، والأول أولى، وقد أخرج أبو يعلى عن جابر:

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام أياما لم يطعم طعاما حتى شق
~~ذلك عليه فطاف في منازل أزواجه فلم يجد عند واحدة منهن شيئا فأتى فاطمة
~~فقال: يا بنية هل عندك شيء آكله فإني جائع؟ فقالت: لا والله فلما خرج من
~~عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم فأخذته منها فوضعته في جفنة
~~لها وقالت: لأوثرن بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي ومن عندي
~~وكانوا جميعا محتاجين إلى شبعة طعام فبعثت حسنا أو حسينا إلى رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فرجع إليها فقالت له: بي أنت وأمي قد أتى الله
~~تعالى بشيء قد خبأته لك قال: هلمي يا بنية بالجفنة فكشفت عن الجفنة فإذا
~~هي مملوءة خبزا ولحما فلما نظرت إليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله
~~تعالى فحمدت الله تعالى وقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه
~~حمد الله تعالى، وقال: من أين لك هذا يا بنية؟ قالت: يا أبتي هو من عند
~~الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب فحمد الله سبحانه ثم قال: الحمد لله
~~الذي ms01216 جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل فإنها كانت إذا رزقها الله تعالى
~~رزقا فسئلت عنه قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ثم
~~جمع عليا والحسن والحسين وجمع أهل بيته حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو
~~فأوسعت فاطمة رضي الله تعالى عنها على جيرانها». "

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { لا يتخذ المؤمنون
~~الكفرين أولياء من دون المؤمنين } نهى عن موالاة
~~المؤمنين الكافرين لعدم المناسبة بينهم في الحقيقة ولفرق بين الظلمة
~~والنور والظل والحرور، والولاية تقتضي المناسبة ومتى لم تحصل كانت
~~الولاية عن محض رياء أو نفاق والله تعالى لا يحب المرائين ولا المنافقين،
~~ومن هنا نهى أهل الله تعالى المريدين عن موالاة المنكرين لأن ظلمة
~~الإنكار  والعياذ بالله تعالى  تحاكي ظلمة الكفر وربما تراكمت فسدت
~~طريق الإيمان، { ومن يفعل ذلك فليس من } ولاية { الله
~~} تعالى { في شيء } معتد به إذ ليس فيه نورية صافية يناسب بها الحضرة
~~الإلهية { إلا أن تتقوا منهم تقة } فحينئذ تجوز
~~الموالاة ظاهرا، وهذا بالنسبة للضعفاء وأما من قوي يقينه فلا يخشى إلا
~~الله تعالى { ويحذركم الله نفسه } أي يدعوكم إلى التوحيد
~~العياني لئلا يكون خوفكم من غيره

# وإلى الله المصير

# [آل عمران: 28] فلا تحذروا إلا إياه، والأكثرون على أن هذا خطاب للخواص
~~العارفين إذ لا يحذر نفسه من لا يعرفه وقد حذر من دونهم بقوله سبحانه:

# واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله

# [البقرة: 281] قال إبراهيم الخواص: وعلامة الخوف في القلب دوام المراقبة
~~وعلامة المراقبة التفقد للأحوال النازلة { قل إن تخفوا ما فى
~~صدوركم } من الموالاة { أو تبدوه يعلمه الله } لأنه
~~مع كل نفس وخطرة { ويعلم ما فى } سماوات الأرواح وأرض الأجسام

# والله على كل شيء قدير

# [آل عمران: 29] فلا يشغله شأن عن شأن ولا يقيده مظهر عن مظهر { يوم
~~تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما
~~عملت من سوء } لأن كل ما يعمله الإنسان أو يقوله ينتقش منه أثر في
~~نفسه ويسطر في صحائف النفوس السماوية إلا ms01217 أنه لاشتغاله بالشواغل الحسية
~~والإدراكات الوهمية والخيالية لا يرى تلك النقوش ولا يبصر هاتيك السطور
~~فإذا تجرد عن عالم الكثافة بصر ورأى وشاهد ما به قلم الاستعداد جرى فإذا
~~وجد سوءا { تود } نفسه وتتمنى { لو أن بينها وبينه
~~أمدا بعيدا } لتعذبها به { ويحذركم الله نفسه } كرره
~~تأكيدا لئلا يعملوا ما يستحقون به عقابه

# والله رءوف بالعباد

# [آل عمران: 30] أي بسائرهم فلهذا حذرهم،/ أو بمن اتصف بمقام العبودية
~~وانقطع إليه بالكلية { قل إن كنتم تحبون الله
~~فاتبعونى } لأني سيد المحبين { يحببكم الله } وحقيقة
~~المحبة عند العارفين احتراق القلب بنيران الشوق، وروح الروح بلذة العشق،
~~واستغراق الحواس في بحر الأنس، وطهارة النفس بمياه القدس، ورؤية الحبيب
~~بعين الكل، وغمض عين الكل عن الكونين، وطيران السر في غيب الغيب، وتخلق
~~المحب بخلق المحبوب  وهذا أصل المحبة  وأما فرعها فهو موافقة المحبوب
~~في جميع ما يرضاه وتقبل بلائه بنعت الرضا والتسليم في قضائه وقدره بشرط
~~الوفا، ومتابعة سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأما آدابها فالانقطاع
~~عن الشهوات واللذات المباحة والسكون في الخلوات، والمراقبات، واستنشاق
~~نفحات الصفات، والتواضع والذل في الحركات والسكنات:

# مساكين أهل العشق حتى قبورهم

# عليها تراب الذل بين المقابر

# وهذا لا يكون إلا بعد أن ترى الروح بعين السر مشاهدة الحق بنعت الجمال
~~وحسن القدم لا بنعت الآلاء والنعم لأن المحبة متى كانت من تولد رؤية
~~النعماء كانت معلولة وحقيقة المحبة ما لا علة فيها بين المحب والحبيب سوى
~~ذات الحبيب، ولذا قالوا: لا تصح المحبة ممن يميز بين النار والجنة وبين
~~السرور والمحنة وبين الفرض والسنة وبين الاعتواض والاعتراض ولا تصح إلا
~~ممن نسي الكل واستغرق في مشاهدة المحبوب وفني فيه:

# خليلي لو أحببتما لعلمتما

# محل الهوى من مغرم القلب صبه

# تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى

# يتوق ومن يعلق به الحب يصبه

# غرام على يأس الهوى ورجائه

# وشوق على بعد المراد وقربه

# وقد يقال: المحبة ثلاثة أقسام، القسم الأول: محبة العوام وهي مطالعة
~~المنة من رؤية إحسان المحسن جبلت القلوب ms01218 على محبة من أحسن إليها وهو حب
~~يتغير وهو لمتابعي الأعمال الذين يطلبون أجرا على ما يعملون، وفيه يقول
~~أبو الطيب:

# وما أنا بالباغي على الحب رشوة

# ضعيف هوى يرجى عليه ثواب

# القسم الثاني: محبة الخواص المتبعين للأخلاق الذين يحبونه إجلالا
~~وإعظاما ولأنه أهل لذلك، وإلى هذا القسم أشار صلى الله عليه وسلم بقوله:

# " نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه "

# ، وقالت رابعة رحمها الله تعالى:

# أحبك حبين حب الهوى

# وحب لأنك أهل لذاكا

# وهذا الحب لا يتغير إلى الأبد لبقاء الجمال والجلال إلى السرمد القسم
~~الثالث: محبة خواص الخواص المتبعين للأحوال وهي الناشئة من الجذبة
~~الإلهية في مكامن «كنت كنزا مخفيا» وأهل هذه المحبة هم المستعدون
~~لكمال المعرفة، وحقيقتها أن يفنى المحب بسطوتها فيبقى بلا هو وربما بقي
~~صاحبها حيران سكران لا هو حي فيرجى ولا ميت فيبكى، وفي مثل ذلك قيل:

# يقولون إن الحب كالنار في الحشا

# ألا كذبوا فالنار تذكو وتخمد

# وما هو إلا جذوة مس عودها

# ندى فهي لا تذكو ولا تتوقد

# ويكفي في شرح الحب لفظه فإنه  حاء وباء  والحاء من حروف الحلق، والباء
~~شفوية، ففيه إشارة إلى أن الهوى ما لم يستول على قلبه ولسانه وباطنه
~~وظاهره وسره وعلنه لا يقال له: حب، وشرح ذاك يطول، وهذه محبة العبد لربه،
~~وأما محبة ربه سبحانه له فمختلفة أيضا، وإن صدرت من محل واحد فتعلقت
~~بالعوام من حيث/ الرحمة فكأنه قيل لهم: اتبعوني بالأعمال الصالحة يخصكم
~~الله تعالى برحمته، وتعلقت بالخواص من حيث الفضل فكأنه قيل لهم: اتبعوني
~~بمكارم الأخلاق يخصكم بتجلي صفات الجمال، وتعلقت بخواص الخواص من حيث
~~الجذبة فكأنه قيل لهم: اتبعوني ببذل الوجود يخصكم بجذبه لكم إلى نفسه،
~~وهناك يرتفع البون من البين، ويظهر الصبح لذي عينين والقطرة من هذه
~~المحبة تغني عن الغدير:

# وفي سكرة منها ولو عمر ساعة

# ترى الدهر عبدا طائعا وله الحكم

# { ويغفر لكم ذنوبكم } أي معاصيكم التي سلفت منكم على خلاف
~~المتابعة ولا يعاقبكم عليها أو ms01219 يغفر لكم ذنوبكم بستر ظلمة صفاتكم بأنوار
~~صفاته أو يغفر لكم ذنوب وجودكم ويثيبكم مكانه وجودا لا يفنى كما قال:

# " فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به "

# الحديث { والله غفور } يكفر خطاياكم ويمحو ذنوب صفاتكم ووجودكم

# رحيم

# [آل عمران: 31] يهب لكم عوض ذاك حسنات وصفات ووجودا حقانية خيرا من
~~ذلك { قل أطيعوا الله والرسول } فإن المريد يلزمه متابعة
~~المراد { فإن تولوا } أي فإن أعرضوا فهم كفار منكرون محجوبون

# فإن الله لا يحب الكفرين

# [آل عمران: 32] لقصور استعدادهم عن ظهور جماله فيهم

# إن الله اصطفى ءادم ونوحا وءال إبرهيم وءال
~~عمرن على العلمين

# [آل عمران: 33] الاصطفاء أعم من المحبة والخلة فيشمل الأنبياء كلهم
~~وتتفاضل فيه مراتبهم كما يشير إليه قوله تعالى:

# تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض

# [البقرة: 253] فأخص المراتب هو المحبة، وإليه يشير قوله تعالى:

# ورفع بعضهم درجت

# [البقرة: 253] ثم الخلة، وفي لفظها إشارة إلى ذلك من طريق مخارج الحروف
~~وأعمها الاصطفاء، فاصطفى آدم بتعليم الصفات وجمع اليدين وإسجاد الأكوان
~~له، ونوحا الذي هو الأب الثاني بتلك الأبوة وبما كان له مع قومه، واصطفى
~~آل إبراهيم وهم الأنبياء من ذريته بظهور أنوار تجليه الخاص على آفاق
~~وجودهم، وآل عمران بجعلهم آية للعالمين ذرية بعضها من بعض في الدين
~~والحقيقة إذ الولادة قسمان: صورية ومعنوية، وكل نبي تبع نبيا في
~~التوحيد والمعرفة وما يتعلق بالباطن من أصول الدين فهو ولده كأولاد
~~المشايخ والولد سر أبيه، ويمكن أن يقال: آدم هو الروح في أول مقامات
~~ظهورها، ونوح هو هي في مقامها الثاني من مقامات التنزل وإبراهيم هو القلب
~~الذي ألقاه نمرود النفس في نيران الفتن ورماه فيها بمنجنيق الشهوات، وآله
~~القوى الروحانية، وعمران هو العقل الإمام في بيت مقدس البدن، وآله
~~التابعون له في ذلك البيت المقتدون به، وكل ذلك ذرية بعضها من بعض لوحدة
~~المورد واتفاق المشرب

# إذ قالت امرأت عمرن رب إني نذرت لك ما في
~~بطني محررا

# [آل عمران: 35] عن رق النفس مخلصا في عبادتك ms01220 عن الميل إلى السوي {
~~فتقبلها ربها بقبول حسن } قال الواسطي: محفوظ عن إدراك
~~الخلق { وأنبتها نباتا حسنا } حيث سقاها من مياه القدرة
~~وأثمرها شجرة النبوة { وكفلها زكريا } لطهارة سره، وشبيه
~~الشيء منجذب إليه { كلما دخل عليها زكريا المحراب
~~وجد عندها رزقا } هو ما علمت، ويجوز أن يراد الرزق الروحاني من
~~المعارف والحقائق والعلوم والحكم الفائضة عليها من عند الله تعالى إذ
~~الاختصاص بالعندية يدل على كونه أشرف من الأرزاق البدنية.

# وأخرج ابن أبي حاتم من بعض الطرق عن مجاهد أنه قال: رزقا أي علما،
~~وقد يقال على نحو الأول ليتم تطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس { إذ
~~قالت امرأت عمرن } وهي النفس في أول مراتب طاعتها لعمران
~~العقل { إني نذرت لك ما في بطني } وهو غلام القلب {
~~محررا } ليس في رق شيء من المخلوقات { فلما وضعتها قالت
~~رب إنى وضعتها أنثى } وهي نفس أيضا إلا أنها أكمل منها في
~~المرتبة، والجنس يلد الجنس { والله أعلم بما وضعت } لعلمه
~~أنه سيظهر من هذه الأنثى العجب العجاب، وغيره سبحانه تخفى عليه الأسرار {
~~وإنى سميتها مريم } وهي العابدة/

# وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطن الرجيم

# [آل عمران: 36] وهوالشهوات النفسانية الحاجبة للنفس القدسية عن رياض
~~الملكوت { فتقبلها ربها بقبول حسن } وهو اختصاصه إياها
~~بإفاضة أنواره عليها { وأنبتها نباتا حسنا } ورقاها فيما تكمل
~~به نشأتها ترقيا حسنا غير مشوب بالعوائق والعلائق { وكفلها
~~زكريا } الاستعداد { كلما دخل عليها زكريا } وتوجه
~~نحوها في محراب تعبدها المبني لها في بيت مقدس القلب { وجد عندها
~~رزقا } تتغذى به الأرواح في عالم الملكوت { قال أنى لك هذا
~~} الرزق العظيم { قالت هو } مفاض { من عند الله } منزه عن
~~الحمل بيد الأفكار { إن الله } الجامع لصفات الجمال والجلال {
~~يرزق من يشاء } ويفيض عليهم من علمه حسب قابليتهم

# بغير حساب

# [آل عمران: 37] فسبحانه من إله وجواد كريم وهاب.

### || [3.38]

# { هنالك دعا زكريا ربه } قصة مستقلة سيقت في أثناء قصة
~~مريم لكمال الارتباط مع ما في إيرادها من تقرير ما سيقت له، ms01221 و (هنا) ظرف
~~مكان، و  اللام  للبعد، و  الكاف  للخطاب أي في ذلك المكان حيث هو
~~قاعد عند مريم في المحراب، وهي ظرف ملازم للظرفية وقد تجر بمن وإلى؛ وجوز
~~أن يراد بها الزمان مجازا فإن (هنا) و ثم و حيث كثيرا ما تستعار له وهي
~~متعلقة  بدعا  وتقديم الظرف للإيذان بأنه أقبل على الدعاء من غير
~~تأخير، وقال الزجاج: إن (هنا) هنا مستعارة للجهة والحال  أي من تلك
~~الحال دعا زكريا  كما تقول: من ههنا قلت كذا، ومن هنالك قلت كذا  أي
~~من ذلك الوجه وتلك الجهة.

# أخرج ابن بشر وابن عساكر عن الحسن قال: لما وجد زكريا عند مريم ثمر
~~الشتاء في الصيف وثمر الصيف في الشتاء يأتيها به جبريل قال لها: أنى لك
~~هذا في غير حينه. قالت: هو رزق من عند الله يأتيني به الله إن الله يرزق
~~من يشاء بغير حساب فطمع زكريا في الولد فقال: إن الذي أتى مريم بهذه
~~الفاكهة في غير حينها لقادر على أن يصلح لي زوجتي ويهب لي منها ولدا
~~فعند ذلك دعا ربه وذلك لثلاث ليال بقين من المحرم قام زكريا فاغتسل ثم
~~ابتهل في الدعاء إلى الله تعالى، وقيل: أطمعه في الولد فدعا مع أنه كان
~~شيخا فانيا وكانت امرأته عاقرا لما أن الحال نبهته على جواز ولادة
~~العاقر من الشيخ من وجوه. الأول: ما أشار إليه الأثر من حيث أن الولد
~~بمنزلة الثمر والعقر بمنزلة غير أوانه، والثاني: أنه لما رأى تقبل أنثى
~~مكان الذكر تنبه لأنه يجوز أن يقوم الشيخ مقام الشاب والعاقر مقام
~~الناتج، والثالث: أنه لما رأى تقبل الطفل مقام الكبير للتحرير تنبه لذلك.
~~والرابع: أنه لما رأى تكلم مريم في غير أوانه تنبه لجواز أن تلد امرأته
~~في غير أوانه، والخامس: أنه لما سمع من مريم

# إن الله يرزق من يشاء بغير حساب

# [آل عمران: 37] تنبه لجواز أن تلد من غير استعداد؛ ولا يخفى ما في بعض
~~هذه الوجوه من الخدش، وعلى العلات ms01222 ليس ما رأى فقط علة موجبة للإقبال على
~~الدعاء بل كان جزءا من العلة التامة التي من جملتها كبر سنه عليه السلام
~~وضعف قواه وخوف مواليه حسبما فصل في سورة مريم.

# { قال } شرح للدعاء وبيان لكيفيته { رب هب لى من لدنك }
~~الجاران متعلقان بما قبلهما وجاز لاختلاف المعنى، و { من } لابتداء
~~الغاية مجازا أي أعطني من عندك { ذرية طيبة } أي مباركة كما
~~قال السدي، وقيل: صالحة تقية نقية العمل، ويجوز أن يتعلق الجار الأخير
~~بمحذوف وقع حالا من ذرية، وجاء الطلب بلفظ الهبة لأن الهبة إحسان محض
~~ليس في مقابلة شيء وهو يناسب ما لا دخل فيه للوالد لكبر سنه ولا للوالدة
~~لكونها عاقرة لا تلد فكأنه قال: أعطني ذرية من غير وسط معتاد، والذرية في
~~المشهور النسل تقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى.

# والمراد ههنا ولد واحد؛ قال الفراء: وأنث  الطيبة  لتأنيث لفظ الذرية
~~والتأنيث والتذكير تارة يجيئان على اللفظ/ وأخرى على المعنى وهذا في
~~أسماء الأجناس كما في قوله:

# أبوك خليفة ولدته أخرى

# وأنت خليفة ذاك الكمال

# بخلاف الأعلام فإنه لا يجوز أن يقال: جاءت طلحة لأن اسم العلم لا يفيد
~~إلا ذلك الشخص فإذا كان مذكرا لم يجز فيه إلا التذكير.

# { إنك سميع الدعاء } أراد كثير الإجابة لمن يدعوك من خلقك وهو
~~تعليل لما قبله وتحريك لسلسلة الإجابة، وفي ذلك اقتداء بجده الأعلى
~~إبراهيم عليه السلام إذ قال:

# الحمد لله الذى وهب لى على الكبر إسمعيل
~~وإسحق إن ربى لسميع الدعاء

# [إبراهيم: 39] قيل: قد ذكر الله تعالى في كيفية دعائه ثلاث صيغ. إحداها:
~~هذه والثانية:

# إنى وهن العظم منى

# [مريم: 4] الخ، والثالثة:

# رب لا تذرنى فردا

# [الأنبياء: 89] الخ، فدل على أن الدعاء تكرر منه ثلاث مرات كل مرة
~~بصيغة، ويدل على أن بين الدعاء والإجابة زمانا، ويصرح به ما نقل في بعض
~~الآثار أن بينهما أربعين سنة، وفيه منع ظاهر لجواز أن تكون الصيغ الثلاث
~~حكاية لدعاء واحد مرة على سبيل الإيجاز، وتارة على سبيل الإسهاب، وأخرى ms01223
~~على سبيل التوسط، وهذه الحكاية في هذه الصيغ إنما هي بالمعنى إذ لم يكن
~~لسانهم عربيا؛ ولهذا ورد عن الحسن أنه عليه السلام حين دعا قال: يا رازق
~~مريم ثمار الصيف في الشتاء وثمار الشتاء في الصيف هب لي من لدنك ذرية ولم
~~يذكر في الدعاء  يا رب  قيل: ويدل على أنه دعاء واحد متعقب بالتبشير
~~العطف بالفاء في قوله تعالى: { فنادته الملئكة }.

### || [3.39]

# { فنادته الملئكة } وفي قوله سبحانه:

# فاستجبنا له ووهبنا له يحيى

# [الأنبياء: 90] وظاهر قوله جل شأنه في مريم:

# إنا نبشرك

# [مريم: 7] اعتقاب التبشير الدعاء لا تأخره عنه، وأثر  إن بين الدعاء
~~والإجابة أربعين سنة  لم نجد له أثرا في " الصحاح " ، نعم ربما يشعر
~~بعض الأخبار الموقوفة أن بين الولادة والتبشير مدة كما سنشير إلى ذلك
~~قريبا إن شاء الله تعالى، والمراد من الملائكة جبريل عليه السلام فإنه
~~المنادي وحده  كما أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود  وذكر عبد الرحمن بن
~~أبي حماد أنه كان يقرأ (فناداه جبريل)، فالجمع هنا مجاز عن الواحد
~~للتعظيم، أو يكون هذا من إسناد فعل البعض للكل، وقيل: الجمع فيه مثله في
~~قولك: فلان يركب الخيل ويلبس الديباج، واعترض بأن هذا إنما يصح إذا أريد
~~واحد لا بعينه وههنا أريد المعين فلعل ما تقدم أولى بالإرادة، وقيل:
~~الجمع على حاله والمنادي كان جملة من الملائكة، وقرأ حمزة والكسائي
~~(فناديه) بالإمالة والتذكير. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود
~~أنه قال: ذكروا الملائكة ثم تلا

# إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون
~~الملئكة تسمية الأنثى

# [النجم: 27] وكان يقرأها  فناداه الملائكة  ويذكر في جميع القرآن،
~~وأخرج الخطيب عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ كذلك.

# { وهو قائم } جملة حالية من مفعول النداء مقررة لما أشارت إليه
~~الفاء على ما أشرنا إليه، وقوله تعالى: { يصلى } حال من المستكن في {
~~قائم } أو حال أخرى من المفعول على القول بجواز تعددها من غير عطف ولا
~~بدلية، أو خبر ثان للمبتدأ على رأي من يرى مثل ذلك، ms01224 وقيل: الجملة صفة 
~~لقائم  والمراد بالصلاة ذات الأقوال والأفعال كما هو الظاهر  وعليه
~~أكثر المفسرين . وأخرج ابن المنذر عن ثابت قال: الصلاة خدمة الله تعالى
~~في الأرض ولو علم الله تعالى شيئا أفضل من الصلاة ما قال: { فنادته
~~الملئكة وهو قائم يصلى } ، وقيل: المراد بها الدعاء
~~والأول يدل على مشروعية الصلاة في شريعتهم { فى المحراب } أي في
~~المسجد، أو في موقف الإمام منه، أو في غرفة مريم. والظرف متعلق/  بيصلي
~~ أو  بقائم  على تقدير كون { يصلى } حالا من ضمير { قائم } لأن
~~العامل فيه وفي الحال شيء واحد فلا يلزم الفصل بالأجنبي كما يلزم على
~~التقادير الباقية كذا قالوا: والذي يظهر أن المسألة من باب التنازع فإن
~~كلا من { قائم } و { يصلى } يصح أن يتسلط على { فى المحراب
~~} على أي وجه تقدم من وجوه الإعراب فتدبر.

# ثم اعلم أن الصلاة في المحاريب المشهورة الموجودة الآن في مساجد
~~المسلمين قد كرهها جماعة من الأئمة  وإلى ذلك ذهب علي كرم الله وجهه
~~وإبراهيم رحمه الله فيما أخرجه عنهما ابن أبي شيبة  وهي من البدع التي
~~لم تكن في العصر الأول، فعن أبي موسى الجهني قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " لا يزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى "

# وعن عبد الله بن أبي الجعد قال: «كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم
~~يقولون: إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد» وعن ابن عمر رضي
~~الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " اتقوا هذه المذابح "

# يعني المحاريب، والروايات في ذلك كثيرة، وللإمام السيوطي «رسالة» مستقلة
~~فيها.

# { أن الله يبشرك بيحيى } أي بأن الله، وبعد إسقاط حرف
~~الجر المطرد في  أن وإن  يجوز في المنسبك اعتبار النصب واعتبار الجر،
~~والأول: مذهب سيبويه، والثاني: مذهب الخليل، وقرأ نافع وابن عامر بكسر
~~همزة { إن } وخرج على إضمار القول، وهو مذهب البصريين، أو على إجراء
~~النداء مجرى القول لأنه نوع منه  وهو مذهب الكوفيين  وقرأ حمزة
~~والكسائي ms01225 { يبشرك } من الإبشار، وقرأ { يبشرك } من الثلاثي.
~~وأخرج ابن جرير عن معاذ الكوفي قال: من قرأ يبشر مثقلة فإنه من البشارة،
~~ومن قرأ يبشر مخففة بنصب الياء فإنه من السرور.

#  ويحيى  اسم أعجمي على الصحيح، وقيل: عربي منقول من الفعل والمانع
~~له من الصرف على الأول العلمية والعجمة، وعلى الثاني العلمية ووزن الفعل،
~~والقول  بأنه لا قاطع لمنع صرفه لاحتمال أن يكون مبنيا يجعل العلم جملة
~~بأن يكون فيه ضمير كما في قوله:

# نبئت أخوالي بني يزيد

# ليس بشيء لما في ذلك الاحتمال من التكلف المستغنى عنه ما يكاد يكون
~~دليلا قطعيا للقطع، والقائلون بعربيته منهم من وجه تسميته بذلك بأن
~~الله تعالى أحيا به عقر أمه، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما،
~~ومنهم من وجه ذلك بأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان، وروي عن قتادة،
~~وقيل: سمي بيحيى لأنه علم الله سبحانه أن يستشهد والشهداء أحياء عند
~~ربهم يرزقون، وقيل: لأنه يحيا بالعلم والحكمة اللتين يؤتاهما، وقيل: لأن
~~الله يحي به الناس بالهدى، قال القرطبي: ((كان اسمه في الكتاب الأول
~~حيا))، ورأيت في «إنجيل متى» أنه عليه السلام كان يدعى يوحنا المعمداني
~~لما أنه كان يعمد الناس في زمانه على ما يحكيه «كتب النصارى».

# وجمع  يحيى  يحيون رفعا، ويحيين جرا ونصبا، وتثنيته كذلك يحييان
~~ويحيين، ويقال في النسب إليه يحي بحذف الألف، ويحيوي  بقلبها واوا 
~~ويحياوي بزيادة ألف قبل الواو المنقلبة عن الألف الأصلية، وفي تصغيره 
~~يحيى  بوزن فعيعل قال مولانا شيخ الإسلام: وينبغي أن يكون هذا الكلام
~~إلى آخره محكيا بعبارة من الله عز وجل على منهاج

# قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا
~~تقنطوا من رحمة الله

# [الزمر: 53] الآية كما يلوح به مراجعته عليه السلام في الجواب إليه
~~تعالى بالذات لا بواسطة الملك، والعدول عن إسناد التبشير بنون العظمة
~~حسبما وقع في  سورة مريم  للجري على سنن الكبرياء  كما في قول
~~الخلفاء: أمير المؤمنين يرسم لك كذا  وللإيذان بأن ما حكى هناك من
~~النداء والتبشير ms01226 وما يترتب عليه من المحاورة كان كل ذلك بواسطة الملك
~~بطريق الحكاية منه سبحانه لا بالذات  كما هو المتبادر  وبهذا يتضح
~~اتحاد المعنى في السورتين الكريمتين فتأمل انتهى، وكان الداعي إلى/
~~اعتبار ما هنا محكيا بعبارة من الله تعالى ظهور عدم صحة كون ما في سورة
~~مريم من عبارة الملك غير محكي من الله تعالى، وأن الظاهر اتحاد الدعاءين
~~وإلا فما هنا مما لا يجب حمله على ما ذكر لولا ذلك، والملوح غير موجب 
~~كما لا يخفى  ولا بد في الموضعين من تقدير مضاف كالولادة إذ التبشير لا
~~يتعلق بالأعيان، ويؤل في المعنى إلى ما هناك أي  إن الله يبشرك بولادة
~~غلام اسمه يحيى.

# { مصدقا بكلمة من الله } نصب على الحال المقدرة من
~~(يحيى)، والمراد بالكلمة عيسى عليه السلام  وهو المروي عن ابن عباس
~~ومجاهد وقتادة  وعليه أجلة المفسرين وإنما سمي عيسى عليه السلام بذلك
~~لأنه وجد بكلمة  كن  من دون توسط سبب عادي فشابه البديعيات التي هي
~~عالم الأمر، و { من } لابتداء الغاية مجازا متعلقة بمحذوف وقع صفة
~~لكلمة  أي بكلمة كائنة منه تعالى  وأريد بهذا التصديق الإيمان وهو أول
~~من آمن بعيسى عليه السلام وصدق أنه كلمة الله تعالى وروح منه في المشهور.
~~أخرج أحمد عن مجاهد قال: «قالت امرأة زكريا لمريم: إني أجد الذي في بطني
~~يتحرك للذي في بطنك». وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال:
~~«كان يحيى وعيسى ابني خالة وكانت أم يحيى تقول لمريم إني أجد الذي في
~~بطني يسجد للذي في بطنك» فذلك تصديقه له وكان أكبر من عيسى بستة أشهر كما
~~قال الضحاك وغيره، وقيل: بثلاث سنين، قيل: وعلى كل تقدير يكون بين ولادة
~~يحيى وبين البشارة بها زمان مديد لأن مريم ولدت وهي بنت ثلاث عشرة سنة
~~أو بنت عشر سنين، واعترض بأن هذا إنما يتم لو كان دعاء زكريا عليه السلام
~~زمن طفولية مريم قبل العشر أو الثلاث عشرة، وليس في الآية سوى ما يشعر
~~بأن ms01227 زكريا عليه السلام لما تكرر منه الدخول على مريم.

# ومشاهدته الرزق لديها وسؤاله لها وسماعه منها ذلك الجواب اشتاق إلى
~~الولد فدعا بما دعا، وهذا الدعاء كما يمكن أن يكون في مبادىء الأمر يمكن
~~أن يكون في أواخره قبيل حمل مريم وكونه في الأواخر غير بعيد لما أن
~~الرغبة حينئذ أوفر حيث شاهد عليه السلام دوام الأمر وثباته زمن الطفولية
~~وبعدها، وهذا قلما يوجد في الأطفال إذ الكثير منهم قد يلقي الله تعالى
~~على لسانه في صغره ما قد يكون عنه بمراحل في كبره فليس عندنا ما يدل
~~صريحا على أن بين الولادة والتبشير مدة مديدة ولا بين الدعاء والتبشير
~~أيضا، نعم عندنا ما يدل على أن يحيى أكبر من عيسى عليهما السلام وهو
~~مما اتفق عليه المسلمون وغيرهم، ففي »إنجيل متى» ما يصرح بأنه ولد قبله
~~وقتله هيردوس قبل رفعه وأنه عمد المسيح والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
~~وحكي عن أبي عبيدة أن معنى { بكلمة من الله } بكتاب منه،
~~والمراد به الإنجيل وإطلاق الكلمة عليه كإطلاقها على القصيدة في قولهم 
~~كلمة الحويدرة  للعينية المعروفة بالبلاغة.

# { وسيدا } عطف على (مصدقا)، وفسره ابن عباس بالكريم، وقتادة
~~بالحليم، والضحاك بالحسن الخلق، وسالم بالتقي، وابن زيد بالشريف، وابن
~~المسيب بالفقيه العالم، وأحمد بن عاصم بالراضي بقضاء الله تعالى، والخليل
~~بالمطاع الفائق أقرانه، وأبو بكر الوراق بالمتوكل، والترمذي بالعظيم
~~الهمة، والثوري بمن لا يحسد، وأبو إسحق بمن يفوق بالخير قومه، وبعض أهل
~~اللغة بالمالك الذي تجب طاعته، إلى غير ذلك من الأقوال وكل ما فيها من
~~الأوصاف مما يصلح ليحيى عليه السلام لأنها صفات كمال، وأحق الناس بصفات
~~الكمال النبيون إلا أن التحقيق أن أصل معنى السيد من يسود قومه يكون له
~~أتباع ثم أطلق على كل فائق في دين أو دنيا، ويجوز أن يراد به هنا الفائق
~~في الدين حيث إنه عليه السلام لم يهم بمعصية أصلا كما ورد ذلك من طرق
~~عديدة./ وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي هريرة أن ms01228 النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال:

# " كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا
~~يحيى بن زكريا "

# وجوز أن يراد ما هو أصل معناه فإنه عليه السلام كان سيد قومه وله أتباع
~~منهم، غاية الأمر أن تلك رياسة شرعية والاتيان به إثر قوله تعالى: {
~~مصدقا } للإشارة إلى أنه نبي  كعيسى عليه السلام  وليس من أمته
~~كما يفهمه ظاهرا قوله سبحانه: { مصدقا بكلمة من الله }.

# { وحصورا } عطف على ما قبله ومعناه الذي لا يأتي النساء مع القدرة
~~على ذلك  قاله ابن عباس في إحدى الروايات عنه  وفي بعضها إنه العنين
~~الذي لا ذكر له يتأتى به النكاح ولا ينزل، وروى الحفاظ عن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم أن ما معه عليه السلام كان كالأنملة، وفي بعض الروايات
~~كالقذاة، وفي أخرى كالنواة وفي بعض كهدبة الثوب، قيل: والأصح الأول إذ
~~العنة عيب لا يجوز على الأنبياء، وبتسليم أنها ليست بعيب فلا أقل أنها
~~ليست بصفة مدح، والكلام مخرج مخرج المدح، وما أخرجه الحافظ على تقدير
~~صحته يمكن أن يقال: إنه من باب التمثيل والإشارة إلى عدم انتفاعه عليه
~~السلام بما عنده لعدم ميله للنكاح لما أنه في شغل شاغل عن ذلك. ومن هنا
~~قيل: إن التبتل لنوافل العبادات أفضل من الاشتغال بالنكاح استدلالا بحال
~~يحيى عليه السلام ومن ذهب إلى خلافه احتج بما أخرجه الطبراني عن أبي
~~أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " أربعة لعنوا في الدنيا والآخرة وأمنت الملائكة، رجل جعله الله تعالى
~~ذكرا فأنث نفسه وتشبه بالنساء، وامرأة جعلها الله تعالى أنثى فتذكرت
~~وتشبهت بالرجال، والذي يضل الأعمى، ورجل حصور ولم يجعل الله تعالى حصورا
~~إلا يحيى بن زكريا "

# وفي رواية «لعن الله تعالى والملائكة رجلا تحصر بعد يحيى بن زكريا»
~~ويجوز أن يراد بالحصور المبالغ في حصر النفس وحبسها عن الشهوات مع القدرة
~~وقد كان حاله عليه السلام أيضا كذلك. أخرج عبد الرزاق عن قتادة موقوفا
~~وابن عساكر ms01229 عن معاذ بن جبل مرفوعا أنه عليه السلام مر في صباه بصبيان
~~يلعبون فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت.

# { ونبيا } عطف على ما قبله مترتب على ما عدد من الخصال الحميدة {
~~من الصلحين } أي ناشئا منهم أو معدودا في عدادهم  فمن  على
~~الأول للابتداء، وعلى الثاني للتبعيض قيل: ومعناه على الأول ذو نسب، وعلى
~~الثاني معصوم، وعلى التقديرين لا يلغو ذكره بعد  نبيا  وقد يقال:
~~المراد من الصلاح ما فوق الصلاح الذي لا بد منه في منصب النبوة البتة من
~~أقاصي مراتبه وعليه مبنى دعاء سليمن عليه السلام:

# وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصلحين

# [النمل: 19] ولعله أولى مما قبل.

### || [3.40]

# { قال رب أنى يكون لي غلم } استئناف مبني على السؤال
~~كأنه قيل: فماذا قال زكريا عليه السلام حينئذ؟ فقيل: { قال رب } الخ،
~~وخاطب عليه السلام ربه سبحانه ولم يخاطب الملك المنادي طرحا للوسائط
~~مبالغة في التضرع وجدا في التبتل، و { أنى } بمعنى كيف، أو من أين،
~~وكان يجوز أن تكون تامة وفاعلها { غلام } و { أنى } واللام متعلقان
~~بها، ويجوز أن تكون ناقصة، و { لى } متعلق بمحذوف وقع حالا لأنه لو تأخر
~~لكان صفة، وفي الخبر حينئذ وجهان: أحدهما: { أنى } لأنها بمعنى كيف،
~~أو من أين والثاني: أن الخبر الجار، و { أنى } منصوب على الظرفية، وفي
~~التنصيص على ذكر الغلام دلالة على أنه قد أخبر به عند التبشير كما في
~~قوله تعالى:

# إنا نبشرك بغلم اسمه يحيى

# [مريم: 7].

# { وقد بلغني الكبر } حال من ياء المتكلم أي أدركني الكبر
~~وأثر/ في، وأسند البلوغ إلى الكبر توسعا في الكلام كأن الكبر طالب له
~~وهو المطلوب. روي عن ابن عباس أنه كان له عليه السلام  حين بشر بالولد 
~~مائة وعشرون سنة وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة، وقيل: كان له من
~~العمر تسع وتسعون سنة، وقيل: اثنتان وتسعون، وقيل خمس وثمانون، وقيل: خمس
~~وسبعون، وقيل سبعون، وقيل: ستون.

# { وامرأتى عاقر } جملة حالية أيضا إما من ياء { لى } أو ياء {
~~بلغني } و  العاقر  العقيم التي ms01230 لا تلد من العقر  وهو القطع لأنها
~~ذات عقر من الأولاد، وصيغة فاعل فيه للنسب وهو في المعنى مفعول أي
~~معقورة، ولذلك لم تلحق تاء التأنيث  قاله أبو البقاء  وكانت الجملة
~~الأولى فعلية لأن الكبر يتجدد شيئا فشيئا ولم يكن وصفا لازما (وكانت)
~~الثانية اسمية لأن كونها عاقرا وصف لازم لها وليس أمرا طارئا عليها،
~~وإنما قال ذلك عليه السلام مع سبق دعائه بذلك وقوة يقينه بقدرة الله
~~تعالى عليه لاسيما بعد مشاهدته عليه السلام الشواهد السالفة استفسارا عن
~~كيفية حصول الولد أيعطاه على ما هو عليه من الشيب ونكاح امرأة عاقر أم
~~يتغير الحال  قاله الحسن  وقيل: اشتبه عليه الأمر أيعطي الولد من
~~امرأته العجوز أم من امرأة أخرى شابة فقال ما قال، وقيل: قال ذلك على
~~سبيل الاستعظام لقدرة الله تعالى والتعجب الذي يحصل للإنسان عند ظهور آية
~~عظيمة كمن يقول لغيره: كيف سمحت نفسك بإخراج ذلك الملك النفيس من يدك؟!
~~تعجبا من جوده، وقيل: إن الملائكة لما بشرته بيحيى لم يعلم أنه يرزق
~~الولد من جهة التبني؛ أو من صلبه فذكر ذلك الكلام ليزول هذا الاحتمال،
~~وقيل: إن العبد إذا كان في غاية الاشتياق إلى شيء وطلبه من السيد ووعده
~~السيد باعطائه ربما تكلم بما يستدعي إعادة الجواب ليلتذ بالإعادة وتسكن
~~نفسه بسماع تلك الإجابة مرة أخرى فيحتمل أن يكون كلام زكريا عليه السلام
~~هذا من هذا الباب، وقيل: قال ذلك استبعادا من حيث العادة لأنه لما دعا
~~كان شابا ولما أجيب كان شيخا بناءا على ما قيل: إن بين الدعاء
~~والإجابة أربعين سنة أو ستين سنة  كما حكي عن سفيان بن عيينة  وكان قد
~~نسي دعاءه ولا يخفى ما في أكثر هذه الأقوال من البعد، وأبعد منها ما نقل
~~عن السدي  أن زكريا عليه السلام جاءه الشيطان عند سماع البشارة فقال: إن
~~هذا الصوت من الشيطان وقد سخر منك فاشتبه الأمر عليه فقال: رب أنى يكون
~~لي ولد  وكان مقصوده من ذلك أن يريه الله تعالى ms01231 آية تدل على أن ذلك
~~الكلام من الوحي لا من الشيطان، ومثله ما روى ابن جرير عن عكرمة أنه قال:
~~«أتاه الشيطان فأراد أن يكدر عليه نعمة ربه فقال: هل تدري من ناداك؟ قال:
~~نعم ناداني ملائكة ربي قال: بل ذلك الشيطان ولو كان هذا من ربك لأخفاه
~~إليك كما أخفيت نداءك فقال: رب أنى يكون لي  الخ، واعترضه القاضي وغيره
~~بأنه لا يجوز أن يشتبه كلام الملائكة بكلام الشيطان عند الوحي على
~~الأنبياء عليهم السلام إذ لو جوزنا ذلك لارتفع الوثوق عن كل الشرائع،
~~وأجيب بأنه يمكن أن يقال: إنه لما قامت المعجزات على صدق الوحي في كل ما
~~يتعلق بالدين فلا جرم يحصل الوثوق هناك بأن الوحي من الله تعالى بواسطة
~~الملك ولا يدخل الشيطان فيه، وأما فيما يتعلق بمصالح الدنيا  والولد
~~أشبه شيء بها  فربما لم يتأكد ذلك بالمعجز، فلا جرم بقي احتمال كون ذلك
~~الكلام من الشيطان ولهذا رجع إلى الله تعالى في أن يزيل عن خاطره ذلك
~~الاحتمال، وأنت تعلم أن الاعتراض  ذكر  والجواب  أنثى  ولعل هذا
~~المبحث يأتيك إن شاء الله تعالى مستوفى عند تفسير قوله تعالى:

# وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا
~~تمنى ألقى الشيطن فى أمنيته

# [الحج: 52] الآية. وبالجملة القول باشتباه الأمر على زكريا عليه السلام
~~في غاية البعد لا سيما وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر/ عن قتادة أنه قال:
~~إن الملائكة شافهته عليه السلام بذلك مشافهة فبشرته بيحيى.

# { قال } أي الرب، والجملة استئناف على طرز ما مر { كذلك الله
~~يفعل ما يشاء } أي يفعل الله ما يشاء أن يفعله من الأفعال العجيبة
~~الخارقة للعادة فعلا مثل ذلك الفعل العجيب والصنع البديع الذي هو خلق
~~الولد مع الحالة التي يستبعد معها الخلق بحسب العادة، فالكاف في محل نصب
~~على أنها صفة لمصدر محذوف، والإشارة لذلك المصدر، وقدم الجار لإفادة
~~القصر بالنسبة إلى ما هو أدنى من المشار إليه واعتبرت الكاف مقحمة لتأكيد
~~الفخامة المشعر بها اسم الإشارة ms01232 على ما أشير إليه من قبل في نظيره،
~~ويحتمل الكلام أوجها أخر.

# الأول: أن يكون الكاف في موضع الحال من ضمير المصدر المقدر معرفة أي
~~يفعل الفعل كائنا مثل ذلك، الثاني: أن يكون في موضع الرفع على أنه خبر
~~مقدم، و { الله } مبتدأ مؤخر أي كهذا الشأن العجيب شأن الله تعالى،
~~وتكون جملة { يفعل ما يشاء } بيانا لذلك الشأن المبهم، الثالث:
~~أن يكون { كذلك } في موضع الخبر لمبتدأ محذوف أي: الأمر كذلك وتكون
~~جملة { الله يفعل ما يشاء } بيانا أيضا، الرابع: أن يكون ذلك
~~إشارة إلى المذكور من حال زكريا عليه السلام كأنه قال: رب على أي حال
~~يكون لي الغلام؟ فقيل له: كما أنت يكون الغلام لك، وتكون الجملة حينئذ
~~تعليلا لما قبلها كذا قالوا، ولا يخفى ما في بعض الأوجه من البعد، وعلى
~~كل تقدير التعبير بالاسم الجليل روما للتعظيم.

### || [3.41]

# { قال رب اجعل لى ءاية } أي علامة تدلني على العلوق وإنما
~~سألها استعجالا للسرور قاله الحسن، وقيل ليتلقى تلك النعمة بالشكر [من]
~~حين حصولها ولا يؤخر حتى تظهر ظهورا معتادا، ولعل هذا هو الأنسب بحال
~~أمثاله عليه السلام، وقول السدي: إنه سأل الآية  ليتحقق أن تلك البشارة
~~منه تعالى لا من الشيطان  ليس بشيء كما أشرنا إليه آنفا، والجعل إما
~~بمعنى التصيير فيتعدى إلى مفعولين أولهما: { ءاية } ، وثانيهما: { لى
~~} والتقديم لأنه المسوغ لكون { ءاية } مبتدأ عند الانحلال، وإما بمعنى
~~الخلق والإيجاد فيتعدى إلى مفعول واحد وهو { ءاية } و { لى } حينئذ في
~~محل نصب على الحال من { ءاية } لأنه لو تأخر عنها كان صفة لها، وصفة
~~النكرة إذا تقدمت عليها أعربت حالا منها كما تقدمت الإشارة إليه غير مرة
~~ ويجوز أن يكون متعلقا بما عنده وتقديمه للاعتناء به والتشويق لما
~~بعده.

# { قال ءايتك ألا تكلم الناس } أي أن لا تقدر على تكليمهم
~~من غير آفة وهو الأنسب بكونه آية والأوفق لما في سورة مريم، وأخرج ابن
~~جرير وابن أبي حاتم عن جبير بن معتمر قال: ربا لسانه في ms01233 فيه حتى ملأه
~~فمنعه الكلام، والآية فيه عدم منعه من الذكر والتسبيح، وعلى كلا
~~التقديرين عدم التكليم اضطراري، وقال أبو مسلم: إنه اختياري، والمعنى 
~~آيتك أن تصير مأمورا بعدم التكلم إلا بالذكر والتسبيح  ولا يخفى بعده
~~هنا، وعليه وعلى القولين قبله يحتمل أن يراد من عدم التكليم ظاهره فقط
~~وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون كناية عن الصيام لأنهم كانوا إذ ذاك إذا
~~صاموا لم يكلموا أحدا  وإلى ذلك ذهب عطاء  وهو خلاف الظاهر، ومع هذا
~~يتوقف قبوله على توقيف، وإنما خص تكليم الناس للإشارة إلى أنه غير ممنوع
~~من التكلم بذكر الله تعالى.

# { ثلثة أيام } أي متوالية، وقال بعضهم المراد ثلاثة أيام
~~ولياليها، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي ليالي ثلاثة أيام لقوله سبحانه
~~في سورة [مريم: 10]

# ثلث ليال

# والحق أن الآية كانت عدم التكليم ستة أفراد إلا أنه اقتصر تارة على ذكر
~~ثلاثة أيام منها وأخرى على ثلاث ليال وجعل ما لم يذكر في كل تبعا لما
~~ذكر، قيل: وإنما قدم التعبير بالأيام لأن يوم كل ليلة/ قبلها في حساب
~~الناس يومئذ، وكونه بعدها إنما هو عند العرب خاصة كما تقدمت الإشارة
~~إليه، واعترض بأن  آية الليالي  متقدمة نزولا لأن السورة التي هي فيها
~~مكية والسورة التي فيها  آية الأيام  مدنية، وعليه يكون أول ظهور هذه
~~الآية ليلا ويكون اليوم تبعا لليلة التي قبلها على ما يقتضيه حساب
~~العرب فتدبر فالبحث محتاج إلى تحرير بعد، وإنما جعل عقل اللسان آية
~~العلوق لتخلص المدة لذكر الله تعالى وشكره قضاءا لحق النعمة كأنه قيل
~~له: آية حصول النعمة أن تمنع عن الكلام إلا بشكرها، وأحسن الجواب على ما
~~قيل ما أخذ من السؤال كما قيل لأبي تمام لم تقول ما لا نفهم؟ فقال: لم
~~لا نفهم ما يقال؟ وهذا مبني على أن سؤال الآية منه عليه السلام إنما كان
~~لتلقي النعمة بالشكر، ولعل دلالة كلامه على ذلك بواسطة المقام وإلا ففي
~~ذلك خفاء كما لا يخفى.

# وأخرج عبد الرزاق وغيره عن ms01234 قتادة أن حبس لسانه عليه السلام كان من باب
~~العقوبة حيث طلب الآية بعد مشافهة الملائكة له بالبشارة ولعل الجناية
~~حينئذ من باب  حسنات الأبرار سيآت المقربين  ومع هذا حسن الظن يميل إلى
~~الأول، ومذهب قتادة  لا آمن على الأقدام الضعيفة  قتادة.

# { إلا رمزا } أي إيماءا وأصله التحرك يقال: ارتمز أي تحرك، ومنه
~~قيل للبحر: الراموز، وأخرج الطيبي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن
~~الرمز فقال: الإشارة باليد والوحي بالرأس فقال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال:
~~نعم أما سمعت قول الشاعر:

# ما في السماء من الرحمن (مرتمز)

# إلا إليه وما في الأرض من وزر

# وعن مجاهد أن الرمز هنا كان تحريك الشفتين، وقيل: الكتابة على الأرض،
~~وقيل: الإشارة بالمسبحة، وقيل: الصوت الخفي وقيل: كل ما أوجب اضطرابا في
~~الفهم كان رمزا وهو استثناء منقطع بناءا على أن الرمز الإشارة والإفهام
~~من دون كلام  وهو حينئذ ليس من قبيل المستثنى منه  وجوز أن يكون متصلا
~~بناءا على أن المراد بالكلام ما فهم منه المرام ولا ريب في كون الرمز من
~~ذاك القبيل، ولا يخفى أن هذا التأويل خلاف الظاهر ويلزم منه أن لا يكون
~~استثناء منقطع في الدنيا أصلا إذ ما من استثناء إلا ويمكن تأويله بمثل
~~ذلك مما يجعله متصلا ولا قائل به، وتعقب ابن الشجري النصب على الاستثناء
~~هنا مطلقا وادعى أن { رمزا } مفعول به منتصب بتقدير حذف الخافض،
~~والأصل أن لا تكلم الناس إلا برمز، فالعامل الذي قبل { إلا } مفرغ في
~~هذا النحو للعمل فيما بعدها بدليل أنك لو حذفت { إلا } وحرف النفي
~~استقام الكلام تقول في نحو  ما لقيت إلا زيدا  لقيت زيدا، وفي  ما
~~خرج إلا زيد  خرج زيد، وكذا لو قلت  آيتك أن تكلم الناس رمزا  استقام
~~وليس كذلك الاستثناء، فلو قلت: ليس القوم في الدار إلا زيدا أو إلا زيد
~~ ثم حذفت النفي وإلا  فقلت: القوم في الدار زيدا، أو زيد لم يستقم،
~~فكذا المنقطع نحو  ما خرج القوم إلا حمارا ms01235  لو قلت: خرج القوم حمارا
~~لم يستقم قاله السفاقسي.

# وقرأ يحيى بن وثاب { إلا رمزا } بضمتين جمع رموز كرسول ورسل.
~~وقرىء { ورمزا } بفتحتين جمع رامز  كخادم وخدم  وهو من نادر الجمع
~~وعلى القراءتين يكون حالا من الفاعل والمفعول معا أي مترامزين. ومثله
~~قول عنترة:

# متى ما تلقني (فردين) ترجف

# روانف أليتيك وتستطارا

# وجوز أبو البقاء أن يكون { إلا رمزا } على قراءة الضم مصدرا،
~~وجعله مسكن الميم في الأصل والضم عارض للاتباع كاليسر واليسر، وعليه لا
~~يختلف إعرابه فافهم.

# { واذكر ربك } أي في أيام الحبسة شكرا لتلك النعمة/ كما يشعر
~~به التعرض لعنوان الربوبية، وقيل: يحتمل أن يكون الأمر بالذكر شكرا
~~للنعمة مطلقا لا في خصوص تلك الأيام، وأن يكون في جميع أيام الحمل لتعود
~~بركاته إليه، والمنساق إلى الذهن هو الأول، والجملة مؤكدة لما قبلها
~~مبينة للغرض منها، واستشكل العطف من وجهين: الأول عطف الإنشاء على
~~الإخبار، والثاني: عطف المؤكد على المؤكد، وأجيب بأنه معطوف على محذوف أي
~~اشكر واذكر، وقيل: لا يبعد أن يجعل الأمر بمعنى الخبر عطفا على (لا
~~تكلم) فيكون في تقدير: أن لا تكلم وتذكر ربك، ولا يخفى ما فيه { كثيرا
~~} صفة لمصدر محذوف أو زمان كذلك أي ذكرا كثيرا وزمانا كثيرا.

# { وسبح بالعشى } وهو من الزوال إلى الغروب  قاله مجاهد 
~~وقيل: من العصر إلى ذهاب صدر الليل { والإبكر } أي وقته وهو من
~~الفجر إلى الضحى، وإنما قدر المضاف لأن الابكار بكسر الهمزة مصدر لا وقت
~~فلا تحسن المقابلة كذا قيل؛ وهو مبني على أن { العشى }  جمع عشية 
~~الوقت المخصوص، وإليه ذهب أبو البقاء، والذي ذهب إليه المعظم أنه مصدر
~~أيضا على فعيل لا جمع. وإليه يشير كلام الجوهري فافهم؛ وقرىء {
~~والأبكار } بفتح الهمزة فهو حينئذ جمع بكر كسحر لفظا ومعنى  وهو
~~نادر الاستعمال  قيل: والمراد بالتسبيح الصلاة بدليل تقييده بالوقت كما
~~في قوله تعالى:

# فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون

# [الروم: 17] وقيل: الذكر اللساني كما أن المراد بالذكر الذكر القلبي،
~~وعلى كلا التقديرين لا تكرار ms01236 في ذكر التسبيح مع الذكر، و  أل  في
~~الوقتين للعموم. وأبعد من جعلها للعهد أي عشي تلك الأيام الثلاثة
~~وأبكارها والجار والمجرور متعلق بما عنده، وليس من باب التنازع في
~~المشهور، وجوزه بعضهم فيكون الأمر بالذكر مقيدا بهذين الوقتين أيضا،
~~وزعم بعضهم أن تقييده بالكثرة يدل على أنه لا يفيد التكرار. وفيه بعد
~~تسليم أنه مقيد به فقط أن الكثرة أخص من التكرار.

# هذا ومن باب البطون: في الآيات أن زكريا عليه السلام كان شيخا هما وكان
~~مرشدا للناس فلما رأى ما رأى أي تحركت غيرة النبوة فطلب من ربه ولدا
~~حقيقيا يقوم مقامه في تربية الناس وهدايتهم فقال:

# رب هب لى من لدنك ذرية طيبة

# [آل عمران: 38] أي مطهرة من لوث الاشتغال بالسوى منفردة عن إراداتها
~~مقدسة من شهواتها { فنادته الملئكة وهو قائم } على
~~ساق الخدمة { يصلى فى المحراب } وهو محل المراقبة ومحاربة النفس
~~{ أن الله يبشرك بيحيى } وسمي به لأن من شاهد الحق في
~~جمال نبوته يحيا قلبه من موت الفترة، أو لأنه هو يحيا بالنبوة والشهادة {
~~مصدقا بكلمة من الله } وهو ما ينزل به الملك على القلوب
~~المقدسة { وسيدا } وهو الذي غلب عليه نور هيبة عزة الحق، وقال
~~الصادق: هو المباين للخلق وصفا وحالا وخلقا؛ وقال الجنيد: هو الذي جاد
~~بالكونين طلبا لربه، وقال ابن عطاء: هو المتحقق بحقيقة الحق، وقال ابن
~~منصور: هو من خلا عن أوصاف البشرية وحلى بنعوت الربوبية، وقال محمد بن
~~علي: هو من استوت أحواله عند المنع والإعطاء والرد والقبول { وحصورا
~~} وهو الذي حصر ومنع عن جميع الشهوات وعصم بالعصمة الأزلية، وقال
~~الاسكندراني: هو المنزه عن الأكوان وما فيها { ونبيا } أي مرتفع
~~القدر بهبوط الوحي عليه ومعدودا

# من الصلحين

# [آل عمران: 39] وهم أهل الصف الأول من صفوف الأرواح المجندة المشاهدة
~~للحق في مرايا الخلق { قال } استعظاما للنعمة: { رب أنى يكون
~~لي غلم } والحال { قد بلغني الكبر } وهو أحد الموانع
~~العادية { وامرأتى عاقر } وهو مانع آخر

# قال كذلك الله يفعل ما يشاء

# [آل ms01237 عمران: 40] حسبما تقتضيه الحكمة { قال رب اجعل لى ءاية }
~~على العلوق لأشكرك على هذه النعمة إذ شكر المنعم واجب وبه تدوم المواهب
~~الإلهية { قال آيتك / ألا تكلم الناس } بأن يحصر لسانك
~~عن محادثتهم ليتجرد سرك لربك ويكون ظاهرك وباطنك مشغولا به { إلا
~~رمزا } تدفع به ضيق القلب عند الحاجة، وحقيقة الرمز عند العارفين
~~تعريض السر إلى السر وإعلام الخاطر للخاطر بنعت تحريك سلسلة المواصلة بين
~~المخاطب والمخاطب { واذكر ربك كثيرا } بتخليص النية عن
~~الخطرات وجمع الهموم بنعت تصفية السر في المناجاة وتحير الروح في
~~المشاهدات { وسبح } أي نزه ربك عن الشركة في الوجود

# بالعشى والإبكر

# [آل عمران: 41] بالفناء والبقاء.

# وإن أردت تطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس فتقول: { هنالك دعا
~~زكريا } الاستعداد { ربه قال رب هب لى من لدنك
~~ذرية طيبة } وهي النفس الطاهرة المقدسة عن النقائص

# إنك سميع الدعاء

# [آل عمران: 38] ممن صدق في الطلب { فنادته } ملائكة القوى
~~الروحانية { وهو قائم } منتهض لتكميل النشأة { يصلى } ويدعو في
~~محراب التضرع إلى الله تعالى المفيض على القوابل بحسب القابليات { أن
~~الله يبشرك بيحيى } وهو الروح الحي بروح الحق والصفات
~~الإلهية { مصدقا بكلمة من الله } وهي ما تلقيها ملائكة
~~الإلهام من قبل الفياض المطلق { وسيدا } لم تملكه الشهوات النفسانية
~~{ وحصورا } أي مبالغا في الامتناع عن اللذائذ الدنيوية { ونبيا
~~} بما يتلقاه من عالم الملكوت ومعدودا

# من الصلحين

# [آل عمران: 39] لهاتيك الحضرة القائمين بحقوق الحق والخلق لاتصافه
~~بالبقاء بعد الفناء { قال رب أنى } أي كيف { يكون لي غلم
~~وقد بلغني الكبر } وضعف القوى الطبيعية { وامرأتى } وهي
~~النفس الحيوانية { عاقر } عقيم عن ولادة مثل هذا الغلام إذ لا تلد
~~الحية إلا حيية { قال كذلك الله } في غرابة الشأن

# يفعل ما يشاء

# [آل عمران: 40] من العجائب التي يستبعدها من قيده النظر إلى المألوفات،
~~وبقي أسيرا في سجن العادات { قال رب اجعل لى ءاية } على ذلك
~~لأشكرك مستمطرا زيادة نعمك التي لا منتهى لها { قال آيتك ألا
~~تكلم الناس } وهم ما يأنس به من اللذائذ ms01238 المباحة { ثلثة
~~أيام } وهي يوم الفناء بالأفعال ويوم الفناء بالصفات ويوم الفناء
~~بالذات { إلا رمزا } أي قدرا يسيرا تدعو الضرورة إليه { واذكر
~~ربك } الذي رباك حتى أوصلك إلى هذه الغاية { كثيرا } حيث من
~~عليك بخير كثير { وسبح } أي نزه ربك عن نقائص التقيد بالمظاهر {
~~بالعشى والإبكر } أي وقتي الصحو والمحو.

# وبعض الملتزمين لذكر البطون ذكر في تطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس
~~أن القوى البدنية امرأة عمران الروح نذرت ما في قوتها من النفس المطمئنة
~~فوضعت أنثى النفس فكفلها زكريا الفكر فدخل عليها زكريا محراب الدماغ فوجد
~~عندها رزقا من المعاني الحدسية التي انكشفت لها بصفائها فهنالك دعا
~~زكريا الفكر بتركيب تلك المعاني واستوهب ولدا مقدسا من لوث الطبيعة
~~فسمع الله تعالى دعاءه فنادته ملائكة القوى الروحانية وهو قائم في أمره
~~بتركيب المعلومات يناجي ربه باستنزال الأنوار في محراب الدماغ { أن
~~الله يبشرك بيحيى } العقل مصدقا بعيسى القلب الذي هو كلمة
~~من الله لتقدسه عن عالم الأجرام { وسيدا } لجميع أصناف القوى {
~~وحصورا } عن مباشرة الطبيعة { ونبيا } بالإخبار عن المعارف
~~والحقائق وتعليم الأخلاق ومنتظما في سلك الصالحين وهم المجردات ومقربو
~~الحضرة { قال [رب] أنى يكون } ذلك { وقد بلغني } كبر
~~منتهى الطور { وامرأتى } وهي طبيعة الروح النفسانية { عاقر }
~~بالنور المجرد فطلب لذلك علامة فقيل له: علامة ذلك الإمساك عن مكالمة
~~القوى البدنية في تحصيل مآربهم من اللذائذ { ثلثة أيام } كل
~~يوم عقد تام من أطوار العمر وهو عشر سنين { إلا } بالإشارة الخفية، وأمر
~~بالذكر في هذه الأيام التي هي مع العشر الأول التي هي سن التميز أربعون
~~سنة/ انتهى  وهو قريب مما ذكرته  ولعل ما ذكرته على ضعفي أولى منه،
~~وباب التأويل واسع وبطون كلام الله تعالى لا تحصى.

### || [3.42]

# { وإذ قالت الملئكة } تتمة لشرح أحكام اصطفاء آل عمران،
~~ووقعت قصة زكريا، ويحيى عليهما السلام في البين لما فيها مما يؤكد ذلك
~~الاصطفاء، و { إذ } في المشهور منصوب بالذكر، والجملة معطوفة على
~~الجملة السابقة عطف القصة على القصة وبينهما كمال ms01239 المناسبة لأن تلك مسوقة
~~أولا وبالذات لشرح حال الأم وهذه لشرح حال البنت، والمراد من الملائكة
~~رئيسهم جبريل عليه السلام، والكلام هنا كالكلام فيما تقدم، وجوز أبو
~~البقاء كون الظرف معطوفا على الظرف السابق وناصبه ناصبه والأول أولى،
~~والمراد: اذكر أيضا من شواهد اصطفاء أولئك الكرام وقت قول الملائكة
~~عليهم السلام { يمريم إن الله اصطفك } أي اختارك من أول
~~الأمر ولطف بك وميزك على كل محرر وخصك بالكرامات السنية، والتأكيد
~~اعتناءا بشأن الخبر وقول الملائكة لها ذلك كان شفاها على ما دلت عليه
~~الأخبار ونطقت به الظواهر، وفي بعض الآثار ما يقتضي تكرر هذا القول من
~~الملائكة لها، فقد أخرج ابن جرير عن ابن إسحاق أنه قال: كانت مريم حبيسا
~~في الكنيسة ومعها فيها غلام اسمه يوسف وقد كان أمه وأبوه جعلاه نذيرا
~~حبيسا فكانا في الكنيسة جميعا وكانت مريم إذا نفد ماؤها وماء يوسف أخذا
~~قلتيهما فانطلقا إلى المغارة التي فيها الماء فيملآن ثم يرجعان والملائكة
~~في ذلك مقبلة على مريم بالبشارة { يمريم إن الله اصطفاك }
~~الآية فإذا سمع ذلك زكريا عليه السلام قال: إن لابنة عمران لشأنا، وقيل:
~~إن الملائكة عليهم السلام ألهموها ذلك، ولا يخفى أن تفسير القول بالإلهام
~~وإسناده للملائكة خلاف الظاهر وإن كان لا منع من أن يكون بواسطتهم أيضا
~~على أنه قول لا يعضده خبر أصلا، وعلى القول الأول يكون التكليم من باب
~~الكرامة التي يمن بها الله سبحانه على خواص عباده، ومن أنكرها زعم أن
~~ذلك إرهاص وتأسيس لنبوة عيسى عليه السلام أو معجزة لزكريا عليه السلام،
~~وأورد على الأول أن الإرهاص في المشهور أن يتقدم على دعوى النبوة ما يشبه
~~المعجزة كإظلال الغمام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم الحجر معه،
~~وهذا بظاهره يقتضي وقوع الخارق على يد النبي لكن قبل أن ينبأ لا على يد
~~غيره كما فيما نحن فيه، ويمكن أن يدفع بالعناية؛ وأورد على الثاني بأنه
~~بعيد جدا إذ لم يقع الكلام مع زكريا عليه السلام ولم يقترن ms01240 ذلك بالتحدي
~~أيضا فكيف يكون معجزة له.

# واستدل بهذه الآية من ذهب إلى نبوة مريم لأن تكليم الملائكة يقتضيها،
~~ومنعه اللقاني بأن الملائكة قد كلموا من ليس بنبي إجماعا فقد روي أنهم
~~كلموا رجلا خرج لزيارة أخ له في الله تعالى وأخبروه أن الله سبحانه يحبه
~~كحبه لأخبه فيه ولم يقل أحد بنبوته، وادعى أن من توهم أن النبوة مجرد
~~الوحي ومكالمة الملك فقد حاد عن الصواب.

# ومن الناس من استدل على عدم استنباء النساء بالإجماع وبقوله تعالى:

# وما أرسلنا قبلك إلا رجالا

# [الأنبياء: 7] ولا يخفى ما فيه، أما أولا: فلأن حكاية الإجماع في غاية
~~الغرابة فإن الخلاف في نبوة نسوة  كحواء، وآسية، وأم موسى، وسارة،
~~وهاجر، ومريم  موجود خصوصا مريم فإن القول بنبوتها شهير، بل مال الشيخ
~~تقي الدين السبكي في «الحلبيات»، وابن السيد إلى ترجيحه، وذكر أن ذكرها
~~مع الأنبياء في سورتهم قرينة قوية لذلك. وأما ثانيا: فلأن الاستدلال
~~بالآية لا يصح لأن المذكور فيها الإرسال وهو أخص من الاستنباء على الصحيح
~~المشهور، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم فافهم.

# { وطهرك } أي من الأدناس والأقذار التي تعرض للنساء/ مثل الحيض
~~والنفاس حتى صرت صالحة لخدمة المسجد  قاله الزجاج  وروي عن الحسن وابن
~~جبير أن المراد طهرك بالإيمان عن الكفر وبالطاعة عن المعصية، وقيل: نزهك
~~عن الأخلاق الذميمة والطباع الرديئة، والأولى الحمل على العموم أي طهرك
~~من الأقذار الحسية والمعنوية والقلبية والقالبية.

# { واصطفك على نساء العلمين } يحتمل أن يراد بهذا
~~الاصطفاء غير الاصطفاء الأول وهو ما كان آخرا من هبة عيسى عليه السلام
~~لها من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء، وجعلها وإياه آية للعالمين،
~~ويحتمل أن يراد به الأول وكرر للتأكيد وتبيين من اصطفاها عليهن، وعلى
~~الأول يكون تقديم حكاية هذه المقاولة على حكاية بشارتها بعيسى عليه
~~السلام للتنبيه على أن كلا منهما مستحق للاستقلال بالتذكر وله نظائر قد
~~مر بعضها، وعلى الثاني لا إشكال في الترتيب وتكون حكمة تقدم هذه المقاولة
~~ على البشارة  الإشارة ms01241 إلى كونها عليها السلام قبل ذلك مستعدة لفيضان
~~الروح عليها بما هي عليه من التبتل والانقياد حسب الأمر، ولعل الأول أولى
~~ كما قال الإمام  لما أن التأسيس خير من التأكيد.

# والمراد من نساء العالمين قيل: جميع النساء في سائر الأعصار، واستدل به
~~على أفضليتها على فاطمة، وخديجة، وعائشة رضي الله تعالى عنهن، وأيد ذلك
~~بما أخرجه ابن عساكر في أحد الطرق عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران، ثم فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية
~~امرأة فرعون "

# وبما أخرجه ابن أبي شيبة عن مكحول، وقريب منه ما أخرجه الشيخان عن أبي
~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرعاه على بعل
~~في ذات يده ولو علمت أن مريم ابنة عمران ركبت بعيرا ما فضلت عليها أحدا
~~"

# وبما أخرجه ابن جرير عن فاطمة صلى الله تعالى على أبيها وعليها وسلم
~~أنها قالت:

# " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا
~~مريم البتول "

# وقيل: المراد نساء عالمها فلا يلزم منه أفضليتها على فاطمة رضي الله
~~تعالى عنها، ويؤيده ما أخرجه ابن عساكر من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن
~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " أربع نسوة سادات عالمهن، مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت
~~خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وأفضلهن عالما فاطمة "

# وما رواه الحرث بن أسامة في «مسنده» بسند صحيح لكنه مرسل «مريم خير نساء
~~عالمها» وإلى هذا ذهب أبو جعفر رضي الله تعالى عنه وهو المشهور عن أئمة
~~أهل البيت.

#  والذي أميل إليه  أن فاطمة البتول أفضل النساء المتقدمات والمتأخرات
~~من حيث إنها بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل ومن حيثيات أخر أيضا،
~~ولا يعكر على ذلك الأخبار السابقة لجواز أن يراد بها أفضلية غيرها عليها
~~من بعض الجهات ms01242 وبحيثية من الحيثيات  وبه يجمع بين الآثار  وهذا سائغ
~~على القول بنبوة مريم أيضا إذ البضعية من روح الوجود وسيد كل موجود لا
~~أراها تقابل بشيء

# وأين الثريا من يد المتناول

# ومن هنا يعلم أفضليتها على عائشة رضي الله تعالى عنها الذاهب إلى خلافها
~~الكثير محتجين بقوله صلى الله عليه وسلم:

# " خذوا ثلثي دينكم عن الحميراء "

# وقوله عليه الصلاة والسلام:

# " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام "

# وبأن عائشة يوم القيامة في الجنة مع زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وفاطمة يومئذ فيها مع زوجها علي كرم الله تعالى وجهه، وفرق عظيم بين مقام
~~النبي صلى الله عليه وسلم ومقام علي كرم الله تعالى وجهه.

# وأنت تعلم ما في هذا الاستدلال وأنه ليس بنص على أفضلية الحميراء على
~~الزهراء، أما أولا: فلأن/ قصارى ما في الحديث الأول على تقدير ثبوته
~~إثبات أنها عالمة إلى حيث يؤخذ منها ثلثا الدين، وهذا لا يدل على نفي
~~العلم المماثل لعلمها عن بضعته عليه الصلاة والسلام، ولعلمه صلى الله
~~عليه وسلم أنها لا تبقى بعده زمنا معتدا به يمكن أخذ الدين منها فيه لم
~~يقل فيها ذلك، ولو علم لربما قال: خذوا كل دينكم عن الزهراء، وعدم هذا
~~القول في حق من دل العقل والنقل على علمه لا يدل على مفضوليته وإلا لكانت
~~عائشة أفضل من أبيها رضي الله تعالى عنه لأنه لم يرو عنه في الدين إلا
~~قليل لقلة لبثه وكثرة غائلته بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن
~~قوله عليه الصلاة والسلام:

# " إني تركت فيكم الثقلين كتاب الله تعالى وعترتي لا يفترقان حتى يردا
~~على الحوض "

# يقوم مقام ذلك الخبر وزيارة  كما لا يخفى  كيف لا وفاطمة رضي الله
~~تعالى عنها سيدة تلك العترة؟!. وأما ثانيا: فلأن الحديث الثاني معارض
~~بما يدل على أفضلية غيرها رضي الله تعالى عنها عليها، فقد أخرج ابن جرير
~~عن عمار بن سعد أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms01243

# " فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين "

# بل هذا الحديث أظهر في الأفضلية وأكمل في المدح عند من انجاب عن عين
~~بصيرته عين التعصب والتعسف لأن ذلك الخبر وإن كان ظاهرا في الأفضلية
~~لكنه قيل ولو على بعد: إن  أل  في النساء فيه للعهد؛ والمراد بها
~~الأزواج الطاهرات الموجودات حين الإخبار ولم يقل مثل ذلك في هذا الحديث.
~~وأما ثالثا: فلأن الدليل الثالث يستدعي أن يكون سائر زوجات النبي صلى
~~الله عليه وسلم أفضل من سائر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام
~~لأن مقامهم بلا ريب ليس كمقام صاحب المقام المحمود صلى الله عليه وسلم
~~فلو كانت الشركة في المنزل مستدعية للأفضلية لزم ذلك قطعا ولا قائل به.

# وبعد هذا كله الذي يدور في خلدي أن أفضل النساء فاطمة، ثم أمها، ثم
~~عائشة بل لو قال قائل إن سائر بنات النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من
~~عائشة لا أرى عليه بأسا؛ وعندي بين مريم وفاطمة توقف نظرا للأفضلية
~~المطلقة، وأما بالنظر إلى الحيثية فقد علمت ما أميل إليه، وقد سئل الإمام
~~السبكي عن هذه المسألة فقال: الذي نختاره وندين الله تعالى به أن فاطمة
~~بنت محمد صلى الله عليه وسلم أفضل، ثم أمها، ثم عائشة  ووافقه في ذلك
~~البلقيني  وقد صحح ابن العماد أن خديجة أيضا أفضل من عائشة لما ثبت أنه
~~عليه الصلاة والسلام قال

# " لعائشة حين قالت: قد رزقك الله تعالى خيرا منها، فقال لها: لا والله
~~ما رزقني الله تعالى خيرا منها آمنت بي حين كذبني الناس وأعطتني مالها
~~حين حرمني الناس؛ "

# وأيد هذا بأن عائشة أقرأها السلام النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل،
~~وخديجة أقرأها السلام جبريل من ربها، وبعضهم لما رأى تعارض الأدلة في هذه
~~المسألة توقف فيها  وإلى التوقف مال القاضي أبو جعفر الاستروشني منا 
~~وذهب ابن جماعة إلى أنه المذهب الأسلم. وأشكل ما في هذا الباب حديث
~~الثريد ولعل كثرة الأخبار الناطقة بخلافه تهون تأويله، وتأويل واحد لكثير ms01244
~~أهون من تأويل كثير لواحد، والله تعالى هو الهادي إلى سواء السبيل.

### || [3.43]

# { يمريم اقنتى لربك } الظاهر أنه من مقول الملائكة أيضا
~~وصوها بالمحافظة على الصلاة بعد أن أخبروها بعلو درجتها وكمال قربها
~~إلى الله تعالى لئلا تفتر ولا تغفل عن العبادة، وتكرير النداء للإشارة
~~إلى الاعتناء بما يرد بعد كأنه هو المقصود بالذات وما قبله تمهيد له.
~~والقنوت إطالة القيام في الصلاة  قاله مجاهد  أو إدامة الطاعة  قاله
~~قتادة  وإليه ذهب الراغب، أو الإخلاص في العبادة  قاله سعيد بن جبير 
~~أو أصل القيام في الصلاة  قاله بعضهم  والتعرض لعنوان الربوبية للإشعار
~~بعلة/ وجوب امتثال الأوامر.

# { واسجدى واركعى مع الركعين } يحتمل أن يكون المراد من
~~ذلك كله الأمر بالصلاة إلا أنه أمر سبحانه بها بذكر أركانها مبالغة في
~~إيجاب المحافظة عليها لما أن في ذكر الشيء تفصيلا تقريرا ليس في
~~الإجمال، ولعل تقديم السجود على الركوع لأنه كذلك في صلاتهم، وقيل: لأنه
~~أفضل أركان الصلاة وأقصى مراتب الخضوع، وفي الخبر

# " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد "

# أو للتنبيه على أن الواو لا توجب الترتيب أو ليقترن { اركعي } 
~~بالراكعين  للإيذان بأن من ليس في صلاتهم ركوع ليسوا مصلين، وكل من
~~هذه الأوجه لا يخلو عن دغدغة، أما أولا: فلأنه إنما يتم على القول بأن
~~القيام ليس أفضل من السجود كما نقل عن الإمام الشافعي، وأما الثاني: فلأن
~~خطاب القرآن مع من يعلم لغة العرب لا مع من يتعلم منه اللغة، وأما
~~الثالث: فلأن تماميته تتوقف على بيان وجه أنه لم يعبر بالساجدين تنبيها
~~على أن من لا سجدة في صلاته ليس من المصلين؟ وكأن وجه ذلك ما يستفاد من
~~كلام الزمخشري حيث قال: ((ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم ويسجد في
~~صلاته ولا يركع، وفيه من يركع فأمرت بأن تركع مع الراكعين ولا تكون مع من
~~لا يركع))، فالنكتة في التعبير ما جعلت نكتة في ذكر { واركعى مع
~~الركعين } واعترضه أيضا بعضهم بأنه إذا قدم الركوع، وقيل: ms01245 (واركعي
~~مع الراكعين واسجدي) يحصل ذلك المقصود، ولا مدخل للتقديم والتأخير في
~~إفادة ذلك، وقيل: المراد بالسجود وحده الصلاة كما في قوله تعالى:

# وأدبر السجود

# [ق: 40] والتعبير عن الصلاة بذلك من التعبير بالجزء عن الكل ويراد
~~بالركوع الخشوع والتواضع وكأن أمرها بذلك حفظا لها من الوقوع في مهاوي
~~التكبر والاستعلاء بما لها من علو الدرجة، والاحتمال الأول هو الظاهر،
~~ويؤيده ما أخرجه ابن جرير عن الأوزاعي قال: «كانت تقوم حتى يسيل القيح من
~~قدميها» وما أخرجه ابن عساكر في الآية عن أبي سعيد قال: «كانت مريم تصلي
~~حتى تورم قدماها».

# والأكثرون على أن فائدة قوله سبحانه: { مع الراكعين } الإرشاد
~~إلى صلاة الجماعة، وإليه ذهب الجبائي، وذكر بعض المحققين على أن نكتة
~~التعبير بذلك في المقام دون  واسجدي مع الساجدين  الإشارة إلى أن من
~~أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك ركعة من الصلاة، وعورض بأنه لو قيل: 
~~واسجدي مع الساجدين  لربما كان فيه إشارة إلى أن من أدرك السجود مع
~~الإمام فقد أدرك الجماعة، ولعل هذه الإشارة أولى من الأولى في هذا
~~المقام، واستلزام ذلك أن من أدرك ما بعد السجود معه لا يدرك الجماعة في
~~حيز المنع، ولا يخفى أن المعارض والمعارض ليسا بشيء عند المنصفين، وأحسن
~~منهما ما أشار إليه صاحب «الكشاف»، وزعم بعضهم أن { مع } مجاز عن
~~الموافقة في الفعل فقط دون اجتماع  أي افعلي كفعل الراكعين وإن لم توقعي
~~الصلاة معهم  قال: لأنها كانت تصلي في محرابها، وأيضا إنها كانت شابة
~~وصلاة الشواب في الجماعة مكروهة، واعترض بأنه ارتكاب للتجوز الذي هو خلاف
~~الأصل من غير داع، وكونها كانت تصلي في محرابها أحيانا مسلم لكن لا يدل
~~على المدعى، ودائما مما لا دليل عليه وبفرضه لا يدل على المدعي أيضا
~~لجواز اقتدائها وهي في المحراب، وكراهة صلاة الشابة في الجماعة لم يتحقق
~~عندنا ثبوتها في شرع من قبلنا، على أن الماتريدي نفى كراهة صلاة مريم في
~~الجماعة وإن كانت شابة، وقلنا بكراهة صلاة الشواب في شرعهم أيضا، ms01246 وعلله
~~بكون القوم الذين كانت تصلي معهم كانوا ذوي قرابة منها ورحم، ولذلك
~~اختصموا في ضمها وإمساكها، وربما يعلل بعدم خشية الفتنة وإن كانوا أجانب،
~~ويستأنس لهذا بذهابها مع يوسف لملء القلة في المغارة، ولعل أولئك الذين
~~تركع معهم من هذا القبيل، وإن قلنا: إنها تقتدي وهي في محرابها إما وحدها
~~أو مع نسوة زال الإشكال.

# وجاء { مع الراكعين } دون الراكعات/ لأن هذا الجمع أعم إذ يشمل
~~الرجال والنساء على سبيل التغليب، ولمناسبة رؤوس الآي، ولأن الاقتداء
~~بالرجال أفضل إن قلنا: إنها مأمورة بصلاة الجماعة. وادعى بعضهم أن في
~~التعبير بذلك مدحا ضمنيا لمريم عليها السلام ولم يقيد الأمرين الأخيرين
~~بما قيد به الأمر الأول اكتفاءا بالتقييد من أول وهلة، وقال شيخ
~~الإسلام: ((إن تجريد الأمر بالركنين الأخيرين عما قيد به الأول لما أن
~~المراد تقييد الأمر بالصلاة بذلك، وقد فعل حيث قيد به الركن الأول
~~منها))، ولعل ما ذكرناه أولى لأنه مطرد على سائر الأقوال في القنوت،
~~وأهرج ابن أبي داود في «المصاحف» عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه
~~كان يقرأ (واركعي واسجدي في الساجدين).

### || [3.44]

# { ذلك } إشارة إلى ما تقدم ذكره من تلك الأخبار البديعة الشأن
~~المرتقية من الغرابة إلى أعلى مكان، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: { من
~~أنبآء الغيب } أي من أخبار ما غاب عنك وعن قومك مما لا يعرف إلا
~~بالوحي على ما يشير إليه المقام، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب،
~~وقوله تعالى: { نوحيه إليك } جملة مستقلة مبينة للأولى، و 
~~الإيحاء  إلقاء المعنى إلى الغير على وجه خفي، ويكون بمعنى إرسال الملك
~~إلى الأنبياء، وبمعنى الإلهام، والضمير في { نوحيه } عائد إلى ذلك في
~~المشهور، واستحسن عوده إلى الغيب لأنه حينئذ يشمل ما تقدم من القصص وما
~~لم يتقدم منها بخلاف ما إذا عاد إلى ذلك فإنه حينئذ يوهم الاختصاص بما
~~مضى، وجوز أن تكون هذه الجملة خبرا عن المبتدأ قبلها، و { من أنبآء
~~الغيب } إما متعلق  بنوحيه  أو حال من مفعوله أي: ms01247 نوحيه حال كونه
~~بعض أنباء الغيب وجعله حالا من المبتدأ رأي البعض، وجوز أبو البقاء أن
~~يكون التقدير: الأمر ذلك فيكون { ذلك } خبرا لمبتدأ محذوف والجار
~~والمجرور حال منه، وهو وجه مرذول لا ينبغي أن يخرج عليه كلام الملك
~~الجليل. وصيغة الاستقبال عند قوم للإيذان بأن الوحي لم ينقطع بعد.

# { وما كنت لديهم } أي عند المتنازعين فالضمير عائد إلى غير
~~مذكور دل عليه المعنى، والمقصود من هذه الجملة تحقيق كون الأخبار بما ذكر
~~عن وحي على سبيل التهكم بمنكريه كأنه قيل: إن رسولنا أخبركم بما لا سبيل
~~إلى معرفته بالعقل مع اعترافكم بأنه لم يسمعه ولم يقرأه في كتاب، وتنكرون
~~أنه وحي فلم يبق مع هذا ما يحتاج إلى النفي سوى المشاهدة التي هي أظهر
~~الأمور انتفاءا لاستحالتها المعلومة عند جميع العقلاء، ونبه على ثبوت
~~قصة مريم مع أن ما علم بالوحي قصة زكريا عليه السلام أيضا لما أن تلك هي
~~المقصودة بالأخبار أولا، وإنما جاءت القصة الأخرى على سبيل الاستطراد
~~ولاندراج بعض قصة زكريا في ذكر من تكفل فما خلت الجملة عن تنبيه على قصته
~~في الجملة، وروي عن قتادة أن المقصود من هذه الجملة تعجيب الله سبحانه
~~نبيه عليه الصلاة والسلام من شدة حرص القوم على كفالة مريم والقيام
~~بأمرها، وسيق ذلك تأكيدا لاصطفائها عليها السلام ويبعد هذا الفصل بين
~~المؤكد والمؤكد، ومع هذا هو أولى مما قيل: إن المقصود منها التعجيب من
~~تدافعهم لكفالتها لشدة الحال ومزيد الحاجة التي لحقتهم حتى وفق لها خير
~~الكفلاء زكريا عليه السلام، بل يكاد يكون هذا غير صحيح دراية ورواية،
~~وعلى كل تقدير لا يشكل نفي المشاهدة مع ظهور انتفائها عند كل أحد.

# { إذ يلقون أقلمهم } أي يرمونها ويطرحونها للاقتراع، و 
~~الأقلام  جمع قلم وهي التي كانوا يكتبون/ بها التوراة واختاروها تبركا
~~بها، وقيل: هي السهام من النشاب وهي القداح، وحكى الكازروني أنها كانت من
~~نحاس وهي مأخوذة من القلم بمعنى القطع، ومنه قلامة الظفر وقد تقدم بيان
~~كيفية الرمي  وفي ms01248 عدة الأقلام خلاف  وعن الباقر أنها كانت ستة، والظرف
~~معمول للاستقرار العامل في { لديهم } وجعله ظرفا لكان  كما قال
~~أبو البقاء  ليس بشيء { أيهم يكفل مريم } من تتمة الكلام
~~الأول، وجعله ابتداء استفهام مفسد للمعنى، ولما لم يصلح { يلقون }
~~للتعلق بالاستفهام لزم أن يقدر ما يرتبط به النظام فذكر الجل له ثلاثة
~~أوجه: أحدها: أن يقدر: ينظرون أيهم يكفل وحيث كان النظر مما يؤدي إلى
~~الإدراك جاز أن يتعلق باسم الاستفهام كالأفعال القلبية  كما صرح به ابن
~~الحاجب، وابن مالك في «التسهيل»  وثانيها: أن يقدر: ليعلموا أيهم يكفل
~~وعلى الأول الجملة حال مما قبلها وعلى الثاني في موضع المفعول له، ولا
~~يخفى أن الإلقاء سبب لنفس العلم لكنه سبب بعيد، والقريب هو النظر إلى ما
~~ارتفع من الأقلام، وثالثها: أن يقدر يقولون، أو ليقولوا أيهم واعترض بأنه
~~لا فائدة يعتد بها في تقدير يقولون ولا ينساق المعنى إليه بل هو مجرد
~~إصلاح لفظي لموقع { أيهم } وأجيب بأنه مفيد، وينساق المعنى إليه
~~بناءا على أن المراد بالقول القول للبيان والتعيين، واعترض أيضا تقدير
~~القول مقرونا بلام التعليل بأن هذا التعليل هنا مما لا معنى له، وأجيب
~~بتأويله كما أول في سابقه، وقيل: يؤل بالحكم أي: ليقولوا وليحكموا أيهم
~~الخ، والسكاكي يقدر ههنا ينظرون ليعلموا، ولعل ذلك لمراعاة المعنى
~~واللفظ وإلا فتقدير النظر، أو العلم يغني عن الآخر، وبعض المحققين لم
~~يقدر شيئا أصلا وجعل { أيهم } بدلا عن ضمير الجمع  أي يلقي كل من
~~يقصد الكفالة  وتتأتى منه، ولا يخفى أنه من التكلف بمكان.

# { وما كنت لديهم إذ يختصمون } في شأنها تنافسا على
~~كفالتها وكان هذا الاختصام بعد الاقتراع في رأي، وقبله في آخر، وتكرير {
~~ما كنت لديهم } مع تحقق المقصود بعطف { إذ يختصمون } على
~~{ إذ يلقون } للإيذان بأن كل واحد من عدم الحضور عند الإلقاء، وعدم
~~الحضور عند الاختصام مستقل بالشهادة على نبوته صلى الله عليه وسلم لا
~~سيما على الرأي الثاني في وقت الاختصام لأن تغيير الترتيب في الذكر مؤكد ms01249
~~لذلك  قاله شيخ الإسلام . واختلف في وقت هذا الإقتراع والتشاح على
~~قولين: أحدهما: وهو المشهور المعول عليه أنه كان حين ولادتها وحمل أمها
~~لها إلى الكنيسة على ما أشرنا إليه من قبل، وثانيهما: أنه كان وقت كبرها
~~وعجز زكريا عليه السلام عن تربيتها، وهو قول مرجوح، وأوهن منه قول من زعم
~~أن الاقتراع وقع مرتين مرة في الصغر وأخرى في الكبر.

# وفي هذه الآية دلالة على أن القرعة لها دخل في تمييز الحقوق، وروي عن
~~الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال: ما تقارع قوم ففوضوا أمرهم إلى الله
~~عز وجل إلا خرج سهم المحق، وقال أي قضية أعدل من القضية إذا فوض الأمر
~~إلى الله سبحانه، أليس الله تعالى يقول:

# فسهم فكان من المدحضين

# ؟ [الصافات: 141] وقال الباقر رضي الله تعالى عنه: أول من سوهم عليه
~~مريم بنت عمران ثم تلا { وما كنت لديهم إذ يلقون
~~أقلمهم }.

### || [3.45]

# { إذ قالت الملئكة } شروع في قصة عيسى عليه السلام،
~~والمراد بالملائكة جبريل عليه السلام على المشهور، والقول شفاهي كما رواه
~~ابن أبي حاتم عن قتادة، و { إذ } المضافة إلى ما بعدها بدل من نظيرتها
~~السابقة بدل كل من كل، وقيل: بدل اشتمال ولا يضر الفصل إذ الجملة الفاصلة
~~بين البدل والمبدل منه اعتراض جيء به تقريرا/ لما سبق وتنبيها على
~~استقلاله وكونه حقيقيا بأن يعد على حياله من شواهد النبوة قالوا: وترك
~~العطف بناءا على اتحاد المخاطب والمخاطب وإيذانا بتقارن الخطابين أو
~~تقاربهما في الزمان، وجوز أبو البقاء كون الظرف منصوبا باذكر مقدرا،
~~وأن يكون ظرفا  ليختصمون  وقيل: إنه بدل من { إذ } المضافة إليه،
~~واعترض بأن زمن الاختصام قبل زمن البشارة بمدة  فلا تصح هذه البدلية
~~والتزام أنه بدل غلط  غلط إذ لا يقع في فصيح الكلام، وأجيب بأنه يعتبر
~~زمان ممتد يقع الاختصام في بعضه والبشارة في بعض آخر وبهذا الاعتبار يصح
~~أن يقال: إنهما في زمان واحد كما يقال وقع القتال والصلح في سنة واحدة مع
~~أن القتال واقع في ms01250 أولها مثلا والصلح في آخرها، قيل: ولا يحتاج إلى هذا
~~على الاحتمال الثاني مما ذكره أبو البقاء بناءا على ما روي عن الحسن
~~أنها عليها السلام كانت عاقلة في حال الصغر فيحتمل أنها وردت عليها
~~البشرى إذ ذاك، وفيه بعد بل الآثار ناطقة بخلافه.

# { يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه } كلمة  من 
~~لابتداء الغاية مجازا وهي متعلقة بمحذوف وقع صفة  لكلمة  وإطلاق
~~الكلمة على من أطلقت عليه باعتبار أنه خلق من غير واسطة أب بل بواسطة كن
~~فقط على خلاف أفراد بني آدم فكان تأثير الكلمة في حقه أظهر وأكمل فهو
~~كقولك لمن غلب عليه الجود مثلا: محض الجود  وعلى ذلك أكثر المفسرين 
~~وأيدوا ذلك بقوله تعالى:

# إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من
~~تراب ثم قال له كن فيكون

# [آل عمران: 59]، وقيل: أطلق عليه ذلك لأن الله تعالى بشر به في الكتب
~~السالفة، ففي «التوراة»  في الفصل العشرين من السفر الخامس  أقبل الله
~~تعالى من سينا وتجلى من ساعير وظهر من جبال فاران  وسينا  جبل التجلي
~~لموسى  وساعير  جبل بيت المقدس وكان عيسى يتعبد فيه  وفاران  جبل
~~مكة، وكان متحنث سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وهذا كقول من يخبر
~~بالأمر إذا خرج موافقا لما أخبر به: قد جاء كلامي، وقيل: لأن الله تعالى
~~يهدي به كما يهدي بكلمته.

# ومن الناس من زعم أن  الكلمة  بمعنى البشارة كأنه قيل ببشارة منه
~~ويبعده ظاهر قوله تعالى:

# إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله
~~وكلمته ألقها إلى مريم

# [النساء: 171] ولعله يرجح أول الأقوال كما يرجحه عدم اطراد الأقوال
~~الأخر وإن لم يكن لازما في مثل ذلك، وفي { يبشرك } هنا من القراآت
~~مثل ما فيها فيما تقدم.

# { اسمه } الضمير راجع إلى  الكلمة  وذكره رعاية للمعنى لكونها
~~عبارة عن مذكر و { اسم } مبتدأ خبره { المسيح } وقوله تعالى: {
~~عيسى } يحتمل أن يكون بدلا، أو عطف بيان، أو توكيدا بالمرادف كما
~~أشار إليه الدنوشري، أو خبرا آخر، أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوبا ms01251
~~بإضمار أعني مدحا، وحذف المبتدأ والفعل قيل: على سبيل الجواز ومقتضى ما
~~ذكروه في النعت المقطوع أن يكون على سبيل الوجوب، وقوله تعالى: { ابن
~~مريم } صفة لعيسى وعلى تقدير كونه منصوبا يلتزم القول بالقطع على
~~أنه خبر لمبتدأ محذوف، ومن جعل هذه الثلاثة أخبارا عن المبتدأ أورد عليه
~~بأن الاسم في الحقيقة عيسى و المسيح لقب؛ و { ابن } صفة فكيف جعلت
~~الثلاثة خبرا عنه؟! وأجيب بأن المراد بالاسم معناه المصطلح وهو العلم
~~مطلقا وليس هو بمعنى مقابل اللقب بل ما يعمه وغيره وأن إضافته تفيد
~~العموم لأن إضافة اسم الجنس قد يقصد بها الاستغراق، وأن إطلاقه على ابن
~~مريم على طريق التغليب، وقيل: المراد بالاسم معناه اللغوي  وهو السمة
~~والعلامة المميزة  لا العلم. / ولا مانع حينئذ من جعل مجموع الثلاثة
~~خبرا إذ التمييز بذلك أشد من التمييز بكل واحد فيؤول المعنى إلى قولك
~~الذي يعرف به ويميز به عما سواه مجموع الثلاثة وبهذا  كما في «الانتصاف»
~~ ((خلاص من إشكال يوردونه فيقولون: { المسيح } في الآية إن أريد به
~~التسمية  وهو الظاهر  فما موقع { عيسى ابن مريم } والتسمية لا
~~توصف بالنبوة؟! وإن أريد به المسمى بهذه التسمية لم يلتئم مع قوله
~~سبحانه: { اسمه } ووجه الخلاص ظاهر، ولعدم ظهور هذا التوجيه لبعضهم
~~التزم الخلاص من ذلك بأن المسيح خبر عن قوله تعالى: { اسمه } والمراد
~~التسمية، وأما { عيسى ابن مريم } فخبر مبتدأ محذوف تقديره هو،
~~ويكون الضمير عائدا إلى المسمى بالتسمية المذكورة منقطعا عن {
~~المسيح } )).

# والمشهور أن المسيح لقبه عليه السلام وهو له من الألقاب المشرفة
~~كالفاروق، وأصله بالعبرية مشيحا ومعناه المبارك، وعن إبراهيم النخعي
~~الصديق، وعن أبي عمرو بن العلاء الملك، وعيسى معرب أيشوع، ومعناه السيد،
~~وعن كثير من السلف أن المسيح مشتق من المسح، واختلفوا في وجه إطلاقه على
~~عيسى عليه السلام فقيل: لأنه مسح بالبركة واليمن، وروي ذلك عن الحسن وابن
~~جبير، وقيل: لأنه كان يمسح عين الأكمه فيبصر، وروي ذلك عن الكلبي، وقيل:
~~لأنه كان لا يمسح ذا عاهة بيده ms01252 إلا برىء، ورواه عطاء والضحاك عن ابن
~~عباس، وقال الجبائي: لأنه كان يمسح بدهن زيت بورك فيه وكانت الأنبياء
~~تتمسح به، وقيل: لأن جبريل مسحه بجناحيه وقت الولادة ليكون عوذة من
~~الشيطان الرجيم، وقيل: لأنه حين مسح الله تعالى ظهر آدم عليه السلام
~~فاستخرج منه ذرات ذريته لم يرده إلى مقامه كما فعل بباقي الذرات بل حفظه
~~عنده حتى ألقاه إلى مريم فكان قد بقي عليه اسم المسيح أي الممسوح وقيل:
~~وقيل.

# وهذه الأقوال تشعر بأن اللفظ عربي لا عبري، وكثير من المحققين على
~~الثاني، واختاره أبو عبيدة، وعليه لا اشتقاق لأنه لا يجري على الحقيقة في
~~الأسماء الأعجمية، وفي «الكشف» أن الظاهر فيه الاشتقاق لأنه عربي دخل
~~عليه خواص كلامهم جعل لقب تشريف له عليه السلام  كالخليل  لإبراهيم،
~~وجعله معربا ثم إجراؤه مجرى الصفات في إدخال اللام لأنه في كلامهم بمعنى
~~الوصف خلاف الظاهر. ومن الناس من ادعى أن دخول اللام لا ينافي العجمة فإن
~~ التوراة والإنجيل والإسكندر  لم تسمع إلا مقرونة بها مع أنها أعجمية،
~~ولعل ذلك لا ينافي أظهرية كون محل النزاع عربيا، نعم قيل في عيسى: إنه
~~مشتق من العيس وأنه إنما سمي به عليه السلام لأنه كان في لونه عيس أي
~~بياض تعلوه حمرة كما يشير إليه خبر «كأنما خرج من ديماس» إلا أن المعول
~~عليه فيه أنه لا اشتقاق له، وأن القائل به كالراقم على الماء. وهذا
~~الخلاف إنما هو في هذا المسيح وأما المسيح الدجال فعربي إجماعا وسمي به
~~لأنه مسحت إحدى عينيه، أو لأنه يمسح الأرض أي يقطعها في المدة القليلة،
~~وفرق النخعي بين لقب روح الله وعدوه بأن الأول: بفتح الميم والتخفيف،
~~والثاني: بكسر الميم وتشديد السين  كشرير  وأنكره غيره  وهو المعروف.

#  ثم القائلون باللقبية في الآية وكون عيسى بدلا مثلا خص الكثير منهم
~~منع تقديم اللقب على الاسم بما إذا لم يكن أشهر منه حقيقة أو ادعاءا أما
~~إذا كان أشهر كما هنا فإنه يجوز التقديم كما نص عليه ابن ms01253 الأنباري ولا
~~يختص بغير الفصيح كما فيما إذا لم يكن كذلك. والمشهور فيما إذا كان الاسم
~~واللقب مفردين إضافة الأول للثاني، وفي «المفصل» تعينها، وصنيع سيبويه
~~يشير إلى ذلك، ومن جوز التبعية استدل بقولهم: هذا يحيى  عينان  إذ لو
~~أضيف لقيل عينين، وحمله على لغة من يلزم المثنى الألف يرده أن الرواية
~~بضم النون ولو كانت الرواية بالكسر لأمكن ذلك الحمل فلا يتم الاستدلال،
~~وكذا/ لو كانت بالفتح لأنه يمكن حينئذ أن يكون اللقب مجرورا بالإضافة
~~إلا أن الفتحة فيه نائبة عن الكسرة بناءا على القول بأن المسمى به يجوز
~~أن يعرب كما لا ينصرف لكن أنت تعلم أن قصارى ما يثبته هذا الاستدلال
~~الورود في هذا الجزئي.

# وأما أنه يثبت الاطراد فلا، ولعل المانع إنما يمنع ذلك، ويدعي أن المطرد
~~هو الإضافة لكن بشرط أن لا يمنع منها مانع فلا تجوز فيما إذا قارنت  أل
~~ الوضع لمنعها عن ذلك فلا يقال: الحرث  كرز  بالإضافة، وكذا إذا كان
~~اللقب وصفا في الأصل نحو إبراهيم الخليل  على ما نص عليه ابن الحاجب في
~~«شرح المفصل»  لأن الموصوف لا يضاف إلى صفته في المشهور. ومن الناس من
~~جعل ما نحن فيه من هذا القبيل، وهو مبني على مذهب من يقول: إن المسيح صفة
~~في العربية ومع هذا في المسألة خلاف ابن هشام فإنه يجوز الإضافة في هذا
~~القسم أيضا وتمام البحث في «كتبنا النحوية» فليفهم.

# وإنما قيل: { ابن مريم } مع كون الخطاب لها تنبيها على أنه يولد
~~من غير أب ولو كان له أب لنسب إليه، وفي ذلك رمز إلى تفضيل الأم أيضا،
~~وقيل: إن في ذلك ردا للنصارى، وأبعد من ادعى أن هذه الإضافة لمدح عيسى
~~عليه السلام لأن الكلام حينئذ في قوة ابن عابدة، هذا واعلم أن لفظ {
~~ابن } في الآية يكتب بغير همزة بناءا على وقوعه صفة بين علمين إذ
~~القاعدة أنه متى وقع كذلك لم تكتب همزته بل تحذف في الخط تبعا لحذفها في
~~اللفظ لكثرة استعماله كذلك ms01254 ومتى تقدمه علم لكن أضيف إلى غير علم  كزيد
~~ابن السلطان  أو تقدمه غير علم، وأضيف إلى علم  كالسلطان ابن زيد  أو
~~وقع بين ما ليسا علمين  كزيد العاقل ابن الأمير عمرو  كتبت الألف ولم
~~تحذف في الخط في جميع تلك الصور، والكتاب كثيرا ما يخطئون في ذلك
~~فيحذفون الهمزة منه في الكتابة أينما وقع، وقد نص على خطئهم في ذلك ابن
~~قتيبة وغيره. ومن هنا قيل: إن الرسم يرجح التبعية، نعم في كون ذلك مطردا
~~فيما إذا كان المضاف إليه علم الأم خلاف، والذي أختاره الحذف أيضا إذا
~~كان ذلك مشهورا.

# { وجيها في الدنيا والاخرة } الوجيه ذو الجاه والشرف
~~والقدر، وقيل: الكريم على من يسأله فلا يرد لكرم وجهه عنده خلاف من يبذل
~~وجهه للمسألة فيرد، ووجاهته في الدنيا بالنبوة والتقدم على الناس، وفي
~~الآخرة بقبول شفاعته وعلو درجته، وقيل: وجاهته في الدنيا بقبول دعائه
~~بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وقيل: بسبب أنه كان مبرءا من
~~العيوب التي افتراها اليهود عليه، وفي الآخرة ما تقدم وليست الوجاهة
~~بمعنى الهيئة والبزة ليقال: كيف كان  وجيها  في الدنيا مع أن اليهود
~~قاتلهم الله عاملوه بما عاملوه على أنه لو كان المعنى على ذلك لا تقدح
~~تلك المعاملة فيه كما لا تقدح على التقادير الأول كما لا يخفى على
~~المتأمل.

# ونصب { وجيها } على أنه حال مقدرة من { كلمة } وسوغ مجىء الحال
~~منها مع أنها نكرة وصفها بما بعدها والتذكير باعتبار المعنى  كما أشير
~~إليه  وجعلت الحال مقدرة لأن الوجاهة كانت بعد البشارة. ومن الناس من
~~جعل الحال من { عيسى } وقال أبو البقاء: لا يجوز ذلك وكذا لا يجوز جعله
~~حالا من { المسيح } أو من { ابن مريم } لأنها أخبار، والعامل
~~فيها الابتداء، أو المبتدأ أو هما وليس شيء من ذلك يعمل في الحال، وكذا
~~لا يجوز أيضا أن يكون حالا من الهاء في اسمه للفصل الواقع بينهما ولعدم
~~العامل في الحال، والظرف متعلق بما عنده لما فيه من معنى الفعل.

# { ومن المقربين } أي ms01255 عند الله يوم القيامة قاله قتادة، وقيل:
~~هو إشارة إلى رفعه إلى السماء وصحبته الملائكة، وقيل: من المقربين من
~~الناس بالقبول والإجابة وهو معطوف/ على { وجيها } أي ومقربا من جملة
~~المقربين.

### || [3.46]

# { ويكلم الناس فى المهد وكهلا } عطف على الحال الأولى
~~أيضا وعطف الفعل على الاسم لتأويله به سائغ شائع  وهو في القرآن كثير 
~~والظرف حال من الضمير المستكن في الفعل ولم يجعل ظرفا لغوا متعلقا به
~~مع صحته لعطف { وكهلا } عليه، والمراد يكلمهم حال كونه طفلا وكهلا،
~~والمقصود التسوية بين الكلام في حال الطفولية وحال الكهولة، وإلا فالكلام
~~في الثاني ليس مما يختص به عليه السلام وليس فيه غرابة، وعلى هذا
~~فالمجموع حال لا كل على الاستقلال، وقيل: إن كلا منهما حال، والثاني:
~~تبشير ببلوغ سن الكهولة وتحديد لعمره، والمهد مقر الصبي في رضاعه وأصله
~~مصدر سمي به وكان كلامه في المهد ساعة واحدة بما قص الله تعالى لنا، ثم
~~لم يتكلم حتى بلغ أوان الكلام قاله ابن عباس، وقيل: كان يتكلم دائما
~~وكان كلامه فيه تأسيسا لنبوته وإرهاصا لها على ما ذهب إليه ابن الأخشيد
~~وعليه يكون قوله:

# وجعلنى نبيا

# [مريم: 30] إخبارا عما يؤول إليه، وقال الجبائي: إنه سبحانه أكمل عقله
~~عليه السلام إذ ذاك وأوحى إليه بما تكلم به مقرونا بالنبوة، وجوز أيضا
~~أن يكون ذلك كرامة لمريم دالة على طهارتها وبراءة ساحتها مما نسبه أهل
~~الإفك إليها، والقول: بأنه معجزة لها بعيد  وإن قلنا بنبوتها .

# وزعمت النصارى أنه عليه السلام لم يتكلم في المهد ولم ينطق ببراءة أمه
~~صغيرا بل أقام ثلاثين سنة واليهود تقذف أمه بيوسف النجار  وهذا من أكبر
~~فضائحهم الصادحة برد ما هم عليه من دعوى الألوهية له عليه السلام  وكذا
~~تنقله في الأطوار المختلفة المتنافية لأن من هذا شأنه بمعزل عن الألوهية،
~~واعترضوا بأن كلامه في المهد من أعجب الأمور فلو كان لنقل ولو نقل لكان
~~النصارى أولى الناس بمعرفته، وأجيب بأن الحاضرين إذ ذاك لم يبلغوا مبلغ
~~التواتر، ولما نقلوا كذبوا ms01256 فسكتوا، وبقي الأمر مكتوما إلى أن نطق القرآن
~~به، وهذا قريب على قول ابن عباس: إنه لم يتكلم إلا ساعة من نهار  وعلى
~~القول الآخر  وهو أنه بقي يتكلم يقال: إن الناس اشتغلوا بعد بنقل ما هو
~~أعجب من ذلك من أحواله كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار عن
~~الغيوب والخلق من الطين كهيئة الطير حتى لم يذكر التكلم منهم إلا النزر
~~ولا زال الأمر بقلة حتى لم يبق مخبر عن ذلك وبقي مكتوما إلى أن أظهره
~~القرآن. وبعد هذا كله لك أن تقول لا نسلم إجماع النصارى على عدم تكلمه في
~~المهد، وظاهر الأخبار، وقد تقدم بعضها يشير إلى أن بعضهم قائل بذلك،
~~وبفرض إجماعهم نهاية ما يلزم الاستبعاد وهو بعد إخبار الصادق لا يسمن ولا
~~يغني من جوع عند من رسخ إيمانه.

# وقوي إيقانه، وكم أجمع أهل الكتابين على أشياء نطق القرآن الحق بخلافها
~~والحق أحق بالاتباع، ولعل مرامهم من ذلك أن يطفئوا نور الله بأفواههم

# ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره
~~الكفرون

# [التوبة: 32].

# والكهل ما بين الشاب والشيخ، ومنه اكتهل النبت إذا طال وقوي، وقد ذكر
~~غير واحد أن ابن آدم ما دام في الرحم فهو جنين، فإذا ولد فهو وليد؛ ثم ما
~~دام يرضع فهو رضيع، ثم إذا قطع اللبن فهو فطيم، ثم إذا دب ونما فهو دارج،
~~فإذا بلغ خمسة أشبار فهو خماسي، فإذا سقطت رواضعه فهو مثغور، فإذا نبتت
~~أسنانه فهو  مثغر بالتاء والثاء  كما قال أبو عمرو  فإذا قارب عشر
~~سنين أو جاوزها فهو مترعرع وناشىء؛ فإذا كان يبلغ الحلم أو بلغه فهو يافع
~~ومراهق، فإذا احتلم واجتمعت قوته فهو حزور، واسمه في جميع هذه الأحوال
~~غلام فإذا اخضر شاربه وأخذ عذاره يسيل قيل: قد بقل وجهه، فإذا صار ذا
~~فتاء فهو فتى وشارخ، فإذا اجتمعت لحيته وبلغ غاية شبابه فهو مجتمع، ثم ما
~~دام بين الثلاثين والأربعين فهو شاب، ثم كهل إلى أن يستوفي الستين. ويقال
~~لمن لاحت فيه أمارات ms01257 الكبر وخطه الشيب، ثم يقال شاب، ثم شمط، ثم شاخ، ثم
~~كبر، ثم هرم، / ثم دلف، ثم خرف، ثم اهتر، ومحاظله  إذا مات  وهذا
~~الترتيب إنما هو في الذكور  وأما في الإناث فيقال للأنثى ما دامت صغيرة:
~~طفلة، ثم وليدة إذا تحركت، ثم كاعب إذا كعب ثديها ثم ناهد، ثم معصر إذا
~~أدركت، ثم عانس إذا ارتفعت عن حد الإعصار، ثم خود إذا توسطت الشباب، ثم
~~مسلف إذا جاوزت الأربعين، ثم نصف إذا كانت بين الشباب والتعجيز، ثم شهلة
~~كهلة إذا وجدت من الكبر  وفيها بقية وجلد  ثم شهربة إذا عجزت  وفيها
~~تماسك  ثم حيزبون إذا صارت عالية السن ناقصة العقل، ثم قلعم ولطلط إذا
~~انحنى قدها وسقطت أسنانها.

# وعلى ما ذكر في سن الكهولة يراد بتكليمه عليه السلام كهلا تكليمه لهم
~~كذلك بعد نزوله من السماء وبلوغه ذلك السن بناءا على ما ذهب إليه سعيد
~~بن المسيب وزيد بن أسلم وغيرهما «أنه عليه السلام رفع إلى السماء وهو ابن
~~ثلاث وثلاثين سنة وأنه سينزل إلى الأرض ويبقى حيا فيها أربعا وعشرين
~~سنة» كما رواه ابن جرير بسند صحيح عن كعب الأحبار، ويؤيد هذا ما أخرجه
~~ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: قد كلمهم عيسى في المهد وسيكلمهم إذا
~~قتل الدجال وهو يومئذ كهل.

# { ومن الصلحين } أي ومعدودا في عدادهم وهو معطوف على الأحوال
~~السابقة.

### || [3.47]

# { قالت } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا كان منها حين قالت
~~لها الملائكة ذلك؟ فقيل: { قالت رب أنى يكون لى ولد }
~~يحتمل أن يكون الاستفهام مجازيا والمراد التعجب من ذلك والاستبعاد
~~العادي، ويحتمل أن يكون حقيقيا على معنى أنه يكون بتزوج أو غيره، وقيل:
~~يحتمل أن يكون استفهاما عن أنه من أي شخص يكون، وإعراب هذه الجملة على
~~نحو إعراب الجملة السابقة في قصة زكريا عليه السلام { ولم يمسسنى
~~بشر } جملة حالية محققة لما مر ومقوية له، والمسيس هنا كناية عن الوطء
~~وهذا نفي عام للتزوج وغيره، والبشر يطلق على الواحد ms01258 والجمع، والتنكير
~~للعموم، والمراد عموم النفي لا نفي العموم، وسمي بشرا لظهور بشرته أو
~~لأن الله تعالى باشر أباه وخلقه بيديه.

# { قال } استئناف كسابقه، والفاعل ضمير الرب والملك حكى لها المقول وهو
~~قوله سبحانه: { كذلك الله يخلق ما يشآء } إما بلا تغيير
~~فيكون فيه التفات، وإما بتغيير، وقيل: إن الله تعالى قال لها ذلك بلا
~~واسطة ملك، والأول: مبني على أنه تعالى لم يكلم غير الأنبياء بل غير
~~خاصتهم عليهم الصلاة والسلام، وقيل: القائل جبريل عليه السلام وليس على
~~سبيل الحكاية والقرينة عليه ذكر الملائكة عليهم السلام قبله، وحمل {
~~قالت رب } فيما تقدم على ذلك أبعد بعيد، وقد مر عليك الكلام في مثل
~~هذه الجملة خلا أن التعبير هنا  بيخلق  وهناك  بيفعل  لاختلاف
~~القصتين في الغرابة فإن الثانية: أغرب فالخلق المنبىء عن الاختراع أنسب
~~بها ولهذا عقبه ببيان كيفيته فقال سبحانه: { إذا قضى أمرا } أي
~~أراد شيئا  فالأمر  واحد الأمور، والقضاء في الأصل الأحكام، وأطلق على
~~الإرادة الإلهية القطعية المتعلقة بإيجاد المعدوم وإعدام الموجود وسميت
~~بذلك لإيجابها ما تعلقت به البتة ويطلق على الأمر، ومنه

# وقضى ربك

# [الإسراء: 23].

# { فإنما يقول له كن فيكون } أي فهو  يكون  أي يحدث
~~وهذا عند الأكثرين تمثيل لتأثير قدرته في مراده بأمر المطاع للمطيع في
~~حصول المأمور من غير امتناع، وتوقف وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة،
~~فالممثل الشيء المكون بسرعة من غير عمل وآلة، والممثل به أمر الآمر/
~~المطاع لمأمور به مطيع على الفور، وهذا اللفظ مستعار لذلك منه. وأنت تعلم
~~أنه يجوز فيه أن يكون حقيقة بأن يراد تعلق الكلام النفسي بالشيء الحادث
~~على أن كيفية الخلق على هذا الوجه، وعلى كلا التقديرين المراد من هذا
~~الجواب بيان أن الله تعالى لا يعجزه أن يخلق ولدا بلا أب لأنه أمر ممكن
~~في نفسه فيصح أن يكون متعلق الإرادة والقدرة كيف لا وكثيرا ما نشاهد
~~حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد كحدوث الفأر عن المدر والحيات عن
~~الشعر المتعفن والعقارب عن البادورج والذباب ms01259 عن الباقلاء إلى غير ذلك
~~غايته الاستبعاد، وهو لا يوجب ظنا فضلا عن علم، وبعد إخبار الصادق عن
~~وجود ذلك الممكن يجب القطع بصحته، والقول:  بأن المادة فيما عد ونحوه
~~موجودة وبعد وجودها لا ريب في الإمكان دون ما نحن فيه لأن مادة الآدمي
~~منيان وليس هناك إلا مني واحد أو لا مني أصلا فكيف يمكن الخلق  ليس
~~بشيء، أما على مذهبنا فلأن الإيجاد لا يتوقف على سبق المادة وإلا لتسلسل
~~الأمر، وأما على مذهب المنكرين فيجوز أن يكون مني الأنثى بنفسه أو بما
~~ينضم إليه مما لا يعلمه إلا الله تعالى بحالة يصلح أن يكون مادة، وقصارى
~~ما يلزم من ذلك الاستبعاد وهو لا يجدي نفعا في أمثال هذه المقامات،
~~ويجوز أيضا أن يقيم الله تعالى غير المني مقام المني، وأي محال يلزم من
~~ذلك ألا ترى كيف أقيم التراب مقام المني في أصل النوع ودعوى أن الإقامة
~~مشروطة بكون ذلك الغير خارج الرحم، وأما الإقامة في الرحم فمما لا إمكان
~~لها غير بينة ولا مبينة بل العقل لا يفرق بين الأمرين في الإمكان وإنما
~~يفرق بينهما في موافقة العادة وعدمها وهو أمر وراء ما نحن فيه.

# ومن الناس من بين هذا المطلب بأن التخيلات الذهنية كثيرا ما تكون
~~أسبابا لحدوث الحوادث كتصور حضور المنافي للغضب وكتصور السقوط بحصول
~~السقوط للماشي على جذع ممدود فوق فضاء بخلافه لو كان على قرار من الأرض
~~وقد جعلت الفلاسفة هذا كالأصل في بيان جواز المعجزات والكرامات  فما
~~المانع أن يقال: إنها لما تخيلت صورة جبريل كفى ذلك في علوق الولد في
~~رحمها لأن مني الرجل ليس إلا لأجل العقد فإذا حصل الانعقاد لمني المرأة
~~بوجه آخر أمكن علوق الولد انتهى. وليس بشيء لأنه يعود بالنقص لحضرة
~~البتول وأنها لتنزه ساحتها عن مثل هذا التخيل كما لا يخفى، وفي جواب هذه
~~الطاهرة ليوسف النجار ما يؤيد ما قلناه، فقد أخرج إسحق بن بشر وابن عساكر
~~عن وهب أنه قال: لما استقر حمل مريم ms01260 وبشرها جبريل وثقت بكرامة الله تعالى
~~واطمأنت وطابت نفسا، وأول من اطلع على حملها ابن خال لها يقال له يوسف،
~~واهتم لذلك وأحزنه وخشي البلية منه لأنه كان يخدمها فلما رأى تغير لونها
~~وكبر بطنها عظم عليه ذلك فقال معرضا لها: هل يكون زرع من غير بذر؟!
~~قالت: نعم قال: وكيف يكون ذلك قالت: إن الله تعالى خلق البذر الأول من
~~غير نبات وأنبت الزرع الأول من غير بذر، ولعلك تقول: لم يقدر أن يخلق
~~الزرع الأول إلا بالبذر؟ ولعلك تقول: لولا أن استعان الله تعالى عليه
~~بالبذر لغلبه حتى لا يقدر على أن يخلقه ولا ينبته؟ قال يوسف: أعوذ بالله
~~أن أقول ذلك قد صدقت وقلت بالنور والحكم، وكما قدر أن يخلق الزرع الأول
~~وينبته من غير بذر يقدر أن يجعل زرعا من غير بذر فأخبريني هل ينبت الشجر
~~من غير ماء ولا مطر؟ قالت: ألم تعلم أن للبذر والماء والمطر والشجر
~~خالقا واحدا فلعلك تقول: لولا الماء والمطر لم يقدر على أن ينبت الشجر؟
~~قال أعوذ بالله تعالى أن أقول ذلك قد صدقت فأخبريني خبرك قالت: بشرني
~~الله تعالى بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم إلى قوله تعالى:

# ومن الصلحين

# [آل عمران: 46] فعلم يوسف أن ذلك أمر من الله تعالى لسبب خير أراده
~~بمريم فسكت عنها فلم تزل على ذلك حتى ضربها الطلق فنوديت أن اخرجي من/
~~المحراب فخرجت.

### || [3.48]

# { ويعلمه الكتب } عطف على

# يبشرك

# [آل عمران: 45] أي: إن الله يبشرك بكلمة ويعلم ذلك المولود المعبر عنه
~~بالكلمة الكتاب ولا يرد عليه طول الفصل لأنه اعتراض لا يضر مثله، أو على
~~

# يخلق

# [آل عمران: 47]  أي كذلك الله يخلق ما يشاء ويعلمه أو على 

# يكلم

# [آل عمران: 46]  فتكون في محل نصب على الحال والتقدير  يبشرك بكلمة
~~مكلما الناس ومعلما الكتاب  أو على

# وجيها

# [آل عمران: 45] وجوز أن تكون جملة مستأنفة ليست داخلة في حيز قول
~~الملائكة عليهم السلام، و  الواو  تكون للاستئناف وتقع في ابتداء
~~الكلام كما صرح ms01261 به النحاة فلا حاجة  كما قال الشهاب  إلى التأويل بأنها
~~معطوفة على جملة مستأنفة سابقة وهي

# وإذ قالت

# [آل عمران: 42] الخ ولا إلى مقدرة، ولا إشكال في العطف كما قال النحرير،
~~وكذا لا يدعي أن الواو زائدة كما قال أبو حيان، فهذه أوجه من الإعراب
~~مختلفة بالأولوية، وأغرب ما رأيته ما نقله الطبرسي عن بعضهم أن العطف على
~~جملة

# نوحيه إليك

# [آل عمران: 44] بل لا يكاد يستطيبه من سلم له ذوقه.

# و { الكتب } مصدر بمعنى الكتابة أي يعلمه الخط باليد  قاله ابن
~~عباس وإليه ذهب ابن جريج، وروي عنه أنه قال: أعطى الله تعالى عيسى عليه
~~السلام تسعة أجزاء من الخط وأعطى سائر الناس جزءا واحدا، وذهب أبو علي
~~الجبائي إلى أن المراد بعض الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه
~~عليهم السلام سوى التوراة والإنجيل مثل الزبور وغيره، وذهب كثيرون إلى أن
~~ أل  فيه للجنس والمراد جنس الكتب الإلهية إلا أن المأثور هو الأول،
~~والقول  بأن المراد بالكتاب الجنس لكن في ضمن فردين هما التوراة
~~والإنجيل، وتجعل الواو فيما بعد زائدة مقحمة وما بعدها بدلا أو عطف بيان
~~ من الهذيان بمكان. وقرأ أهل المدينة وعاصم ويعقوب وسهل  ويعلمه 
~~بالياء، والباقون بالنون قيل: وعلى ذلك لا يحسن بعض تلك الوجوه إلا
~~بتقدير القول أي إن الله  يبشرك بعيسى  ويقول: نعلمه أو وجيها ومقولا
~~فيه نعلمه الكتاب.

# { والحكمة } أي الفقه وعلم الحلال والحرام  قاله ابن عباس 
~~وقيل: جميع ما علمه من أمور الدين، وقيل: سنن الأنبياء عليهم السلام،
~~وقيل: الصواب في القول والعمل، وقيل: إتقان العلوم العقلية، وقد تقدم
~~الكلام على ذلك.

# { والتوراة والإنجيل } أفردا بالذكر على تقدير أن يراد
~~بالكتاب ما يشملهما لوفور فضلهما وسمو شأوهما على غيرهما، وتعليمه ذلك
~~قيل: بالإلهام، وقيل: بالوحي، وقيل: بالتوفيق والهداية للتعلم، وقد صح
~~أنه عليه السلام لما ترعرع  وفي رواية الضحاك عن ابن عباس  لما بلغ سبع
~~سنين أسلمته أمه إلى المعلم لكن الروايات متضافرة أنه جعل يسأل المعلم
~~كلما ذكر له شيئا ms01262 عما هو بمعزل عن أن ينبض فيه ببنت شفة، وذلك يؤيد أن
~~علمه محض موهبة إلهية وعطية ربانية، وذكر  الإنجيل  لكونه كان معلوما
~~عند الأنبياء والعلماء متحققا لديهم أنه سينزل.

### || [3.49]

# { ورسولا إلى بنى إسرءيل } منصوب بمضمر يجر إليه المعنى
~~معطوفا على

# يعلمه

# [آل عمران: 48] أي ونجعله رسولا  وهو الذي اختاره أبو حيان  وقيل:
~~إنه منصوب بمضمر معمول لقول مضمر معطوف على  يعلمه  أي ويقول عيسى
~~أرسلت رسولا، ولا يخفى أن عطف هذا القول على { يعلمه } إذا كان
~~مستأنفا مما ليس فيه كثير بأس، وأما على تقدير عطفه على

# يبشرك

# [آل عمران: 45] أو

# يخلق

# [آل عمران: 47] فقد طعن فيه العلامة التفتازاني بأنه يكون التقدير  إن
~~الله يبشرك  أو إن الله يخلق ما يشاء  ويقول عيسى كذا، وفيه العطف على
~~الخبر ولا رابط بينهما إلا بتكلف عظيم، وفي «البحر»: إن هذا الوجه مطلقا
~~ضعيف إذ فيه إضمار شيئين القول ومعموله، والاستغناء عنهما باسم منصوب على
~~الحال المؤكدة؛ واختار بعضهم عطفه على الأحوال المتقدمة مضمنا معنى/
~~النطق فلا يضر كونها في حكم الغيبة مع كون هذا في حكم التكلم إذ يكون
~~المعنى حال كونه  وجيها  ورسولا ناطقا بكذا، والرسول على سائر
~~التقادير صفة كشكور وصبور، وفعول هنا بمعنى مفعل، واحتمال  أن يكون
~~مصدرا كما قال أبو البقاء مثله في قول الشاعر:

# أبلغ أبا سلمى (رسولا) تروعه

# ويجعل معطوفا على

# الكتب

# [آل عمران: 48] أي ويعلمه رسالة  بعيد لفظا ومعنى، أما الأول: فلأن
~~المتبادر الوصفية لا المصدرية، وأما ثانيا: فلأن تعليم الرسالة مما لا
~~يكاد يوجد في كلامهم، والظرف إما متعلق  برسولا  أو بمحذوف وقع صفة له
~~أي  رسولا كائنا إلى بني إسرائيل أي كلهم، قيل: وتخصيصهم بالذكر
~~للإيذان بخصوص بعثته، أو للرد على من زعم من اليهود أنه مبعوث إلى غيرهم.
~~ولي في نسبة هذا الزعم لبعض اليهود تردد  وليس ذلك في الكتب المشهورة 
~~والذي رأيناه فيها أنهم في عيسى الذي قص الله تعالى علينا من أمره ما قص
~~فرقتان: فرقة ترميه  وحاشاه ms01263 بأفظع ما رمت به أمة نبيها  وهم أكثر
~~اليهود، وفرقة يقال لهم (العنانية أصحاب عنان بن داود رأس الجالوت
~~يصدقونه في مواعظه وإشاراته ويقولون: إنه لم يخالف التوراة البتة بل
~~قررها ودعا الناس إليها، وإنه من المستجيبين لموسى عليه السلام، ومن بني
~~إسرائيل المتعبدين وليس برسول ولا نبي، ويقولون: إن سائر اليهود ظلموه
~~حيث كذبوه أولا ولم يعرفوا مدعاه وقتلوه آخرا ولم يعرفوا مرامه ومغزاه)
~~نعم من اليهود فرقة يقال لهم العيسوية  أصحاب أبي عيسى إسحق بن يعقوب
~~الأصفهاني الذي يسميه بعضهم (بعرقيد الوهيم)  يزعمون: أن لله تعالى
~~رسولا بعد موسى عليه السلام يسمى المسيح إلا أنه لم يأت بعد ويدعون أن
~~له خمسة من الرسل يأتون قبله واحدا بعد واحد وأن صاحبهم هذا أحد رسله 
~~وكل من هذه الأقوال بعيد  عما ادعاه صاحب القيل بمراحل  ولعله وجد ما
~~يوافق دعواه، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.

# هذا واختلف في زمن رسالته عليه السلام فقيل: في الصبا وهو ابن ثلاث
~~سنين. وفي «البحر»: أن الوحي أتاه بعد البلوغ وهو ابن ثلاثين سنة فكانت
~~نبوته ثلاث سنين قيل: وثلاثة أشهر وثلاثة أيام ثم رفع إلى السماء وهو
~~القول المشهور، وفيه أن أول أنبياء بني إسرائيل يوسف وقيل: موسى وآخرهم
~~عيسى  على سائرهم أفضل الصلاة وأكمل السلام  وقرأ اليزيدي  ورسول 
~~بالجر على أنه معطوف على (كلمة)  أي يبشرك بكلمة وبرسول .

# { أني قد جئتكم } معمول  لرسولا  لما فيه من معنى النطق.
~~وجوز أبو البقاء كونه معمولا لمحذوف وقع صفة  لرسولا  أي رسولا
~~ناطقا أو مخبرا بأني وكونه بدلا من { رسولا } إذا جعلته مصدرا أي
~~ونعلمه أني قد جئتكم، أو خبرا لمبتدأ محذوف على تقدير المصدرية أيضا أي
~~هو أني، فالمنسبك إما في محل جر أو نصب أو رفع، وقوله تعالى: {
~~بئاية } في موضع الحال أي محتجا أو متلبسا بآية أو متعلق  بجئتكم
~~ والباء للملابسة أو للتعدية، والتنوين للتفخيم دون الوحدة لظهور ما
~~ينافيها، وقرىء بآيات. { من ربكم } متعلق بمحذوف وقع صفة  لآية ms01264 
~~وجوز تعلقه بجئت، و { من } في التقديرين لابتداء الغاية مجازا،
~~والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لتأكيد إيجاب
~~الامتثال لما سيأتي من الأوامر، أو لأن وصف الربوبية يناسب حال الإرسال
~~إليهم.

# وقوله تعالى: { أني أخلق لكم من الطين كهيئة
~~الطير } بدل من قوله سبحانه: { أني قد جئتكم } أو من {
~~ءاية } أو منصوب على المفعولية لمحذوف أي أعني، أو مرفوع على/ أنه خبر
~~لمقدر أي: هي أني الخ؛ وقرأ نافع { إنى } بكسر الهمزة على
~~الاستئناف، والمراد بالخلق التصوير والإبراز على مقدار معين لا الإيجاد
~~من العدم كما يشير إليه ذكر المادة، والهيئة مصدر بمعنى المهيأ كالخلق
~~بمعنى المخلوق، وقيل: إنها اسم لحال الشيء وليست مصدرا وإنما المصدر
~~الهىء والتهيؤ فهي على الأول: جوهر وعلى الثاني: عرض، وفسروها بالكيفية
~~الحاصلة  من إحاطة الحد الواحد أو الحدود  بالجسم، والمعنى أني أقدر 
~~لأجل تحصيل إيمانكم ودفع تكذيبكم إياي  من الطين شيئا مثل الطير المهيأ
~~أو هيئة كائنة كهيئته والكاف إما اسم  كما ذهب إليه أبو الحسن  في موضع
~~نصب على المفعولية  لأخلق  أو نعت لمفعول محذوف له، وإما حرف  كما ذهب
~~إليه الجمهور  فتتعلق بمحذوف وقع نعتا أيضا لما وقع هو نعتا له على
~~تقدير الاسمية.

# وقرأ يزيد وحمزة  كهية  بتشديد الياء. وكان ابن المقسم يقول: بلغني أن
~~خلفا يقول: إن حمزة يترك الهمزة ويحرك الياء بحركتها. وقرأ أهل المدينة
~~ويعقوب  الطائر  ومثله في المائدة.

# { فأنفخ فيه } الضمير للهيئة المقدرة في نظم الكلام لكن بمعنى
~~الشيء المهيأ لا بمعنى العرض القائم به إذ لا يصح أن يكون ذلك محلا
~~للنفخ. وذكر الضمير هنا مراعاة للمعنى كما أنث في المائدة مراعاة للفظ
~~قيل: وصح هذا لعدم الإلباس، ووقع في كلام غير واحد كون الضمير للكاف
~~بناءا على أنها اسم ويعود ذلك في الحقيقة إلى عود الضمير إلى الموصوف
~~بها. واعترضه ابن هشام بأنه لو كان كما زعموا لسمع في الكلام مررت 
~~بكالأسد  وبعضهم بأن عود الضمير إليها غير معهود. وقرىء  فيها .

# { فيكون طيرا ms01265 } حيا طيارا كسائر الطيور. وقرأ المفضل  فتكون 
~~بتاء التأنيث، ويعقوب وأبو جعفر ونافع  طائرا  { بإذن الله }
~~متعلق  بيكون  أو  بطيرا  والمراد بأمر الله، وأشار بذلك إلى أن
~~إحياءه من الله تعالى ولكن بسبب النفخ، وليس ذلك لخصوصية في عيسى عليه
~~السلام وهي تكونه من نفخ جبريل عليه السلام، وهو روح محض  كما قيل  بل
~~لو شاء الله تعالى الإحياء بنفخ أي شخص كان لكان من غير تخلف ولا
~~استعصاء، قيل: وفي هذه المعجزة مناسبة لخلقه من غير أب، واختلف هل كان
~~ذلك بطلب واقتراح أم لا؟ فذهب المعظم إلى الأول قالوا: إن بني إسرائيل
~~طلبوا منه على سبيل التعنت جريا على عادتهم مع أنبيائهم أن يخلق لهم
~~خفاشا فلما فعل قالوا: ساحر وإنما طلبوا هذا النوع دون غيره لأنه أكمل
~~الطير خلقا وأبلغ دلالة على القدرة لأن له نابا وأسنانا ويحيض ويلد
~~ويطير بغير ريش، وله آذان وثدي وضرع ويخرج منه اللبن، ويرى ضاحكا كما
~~يضحك الإنسان، ولا يبصر في ضوء النهار، ولا في ظلمة الليل، وإنما يرى في
~~ساعتين بعد غروب الشمس ساعة وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جدا،
~~والمشهور أنه لم يخلق غير الخفاش، وأخرجه أبو الشيخ عن ابن عباس، قال
~~وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا
~~ليتميز عن خلق الله تعالى بلا واسطة، وقيل: خلق أنواعا من الطير. وذهب
~~بعضهم إلى الثاني فقد أخرج ابن جرير عن ابن إسحق أن عيسى عليه السلام جلس
~~يوما مع غلمان من الكتاب فأخذ طينا، ثم قال: أجعل لكم من هذا الطين
~~طائرا؟ قالوا: أو تستطيع ذلك؟ قال: نعم بإذن ربي، ثم هيأه حتى إذا جعله
~~في هيئة الطائر نفخ فيه، ثم قال: كن طائرا بإذن الله تعالى فخرج يطير من
~~بين كفيه، وخرج الغلمان بذلك من أمره فذكروه لمعلمهم وأفشوه في الناس.

# { وأبرىء الأكمه } عطف على { أخلق } فهو/ داخل في حيز {
~~إنى } والأكمه هو الذي ولد أعمى أخرجه ابن جرير ms01266 من طريق الضحاك عن ابن
~~عباس. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء عنه أنه الممسوح العين الذي لم
~~يشق بصره ولم يخلق له حدقة، قيل ولم يكن في صدر هذه الأمة أكمه بهذا
~~المعنى غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب «التفسير»، وعن مجاهد أنه الذي
~~يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، وعن عكرمة أنه الأعمش أي: أخلص الأكمه من
~~الكمه { والأبرص } وهو الذي به الوضح المعروف وتخصيص هذين الأمرين
~~لأنهما أمران معضلان أعجزا الأطباء وكانوا في غاية الحذاقة مع كثرتهم في
~~زمنه، ولهذا أراهم الله تعالى المعجزة من جنس الطب كما أرى قوم موسى عليه
~~السلام المعجزة بالعصا واليد البيضاء حيث كان الغالب عليهم السحر، والعرب
~~المعجزة بالقرآن حيث كان الغالب عليهم عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~البلاغة، والاقتصار على هذين الأمرين لا يدل على نفي ما عداهما فقد روي
~~أنه عليه السلام أبرأ أيضا غيرهما، وروي عن وهب أنه ربما اجتمع على عيسى
~~عليه السلام من المرضى خمسون ألفا من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم
~~يطق ذلك منهم أتاه عيسى عليه السلام فمشى إليه، وكان يداويهم بالدعاء إلى
~~الله تعالى بشرط الإيمان وكان دعاؤه الذي يدعو به للمرضى والزمنى
~~والعميان والمجانين وغيرهم «اللهم أنت إله من في السماء وإله من في الأرض
~~لا إله فيهما غيرك وأنت جبار من في السماء وجبار من في الأرض لا جبار
~~فيهما غيرك وأنت ملك من في السماء وملك من في الأرض لا ملك فيهما غيرك
~~قدرتك في الأرض كقدرتك في السماء وسلطانك في الأرض كسلطانك في السماء
~~أسألك باسمك الكريم ووجهك المنير وملكك القديم إنك على كل شيء قدير» ومن
~~خواص هذا الدعاء  كما قال وهب  أنه إذا قرىء على الفزع والمجنون وكتب
~~له وسقي منه نفع إن شاء الله تعالى.

# { وأحى الموتى بإذن الله } عطف على خبر { إنى } وقيد
~~الإحياء بالاذن كما فعل في الأول لأنه خارق عظيم يكاد يتوهم منه ألوهية
~~فاعله لأنه ليس من جنس ms01267 أفعال البشر وكان إحياؤه بالدعاء وكان دعاؤه  يا
~~حي يا قيوم  وخبر «إنه كان إذا أراد أن يحيى الموتى صلى ركعتين يقرأ في
~~الأولى: تبارك الذين بيده الملك، وفي الثانية: تنزيل السجدة فإذا فرغ مدح
~~الله تعالى وأثنى عليه ثم دعا بسبعة أسماء يا قديم، يا خفي، يا دائم، يا
~~فرد، يا وتر، يا أحد، يا صمد» قال البيهقي: ليس بالقوي، وقيل: إنه كان
~~إذا أراد أن يحيى ميتا ضرب بعصاه الميت، أو القبر، أو الجمجمة فيحيا
~~بإذن الله تعالى ويكلمه ويموت سريعا.

# وأخرج محي السنة عن ابن عباس أنه قال: قد أحيا عليه السلام أربعة أنفس،
~~عازر، وابن العجوز، وابنة العاشر، وسام بن نوح، فأما عازر فكان صديقا له
~~فأرسلت أخته إلى عيسى أن أخاك عازر مات وكان بينه وبين عازر مسيرة ثلاثة
~~أيام فأتاه هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام فقال لأخته: انطلقي
~~بنا إلى قبره فانطلقت معهم إلى قبره فدعا الله تعالى عيسى فقام عازر
~~وودكه يقطر فخرج من قبره، وبقي زمانا وولد له. وأما ابن العجوز فمر به
~~ميتا على عيسى عليه السلام على سرير يحمل فدعا الله تعالى عيسى فجلس على
~~سريره ونزل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى
~~أهله فبقي زمانا وولد له، وأما ابنة العاشر فكان أبوها رجلا يأخذ
~~العشور ماتت له بنت الأمس فدعا الله تعالى وأحياها وبقيت زمانا وولد
~~لها. وأما سام بن نوح فإن عيسى عليه السلام جاء إلى قبره فدعى باسم الله
~~تعالى الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه خوفا من قيام الساعة ولم
~~يكونوا يشيبون في ذلك الزمان فقال: أقد قامت الساعة؟ / قال: لا ولكن
~~دعوتك باسم الله تعالى الأعظم ثم قال له: مت قال: بشرط أن يعيذني الله
~~تعالى من سكرات الموت فدعا الله تعالى له ففعل، وفي بعض الآثار أن إحياءه
~~ساما كان بعد قولهم له عليه السلام إنك تحيى من كان قريب العهد من
~~الموت ولعلهم ms01268 لم يموتوا بل أصابتهم سكتة فأحي لنا سام بن نوح فأحياه وكان
~~بينه وبين موته أكثر من أربعة آلاف سنة فقال للقوم: صدقوه فإنه نبي فآمن
~~به بعضهم وكذبه آخرون فقالوا: هذا سحر فأرنا آية فنبأهم بما يأكلون وما
~~يدخرون، وقد ورد أيضا أنه عليه السلام أحيا ابن ملك ليستخلفه في قصة
~~طويلة، وأحيا خشفا وشاة وبقرة؛ ولفظ { الموتى } يعم كل ذلك.

# { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم
~~} (ما) في الموضعين موصولة، أو نكرة موصوفة والعائد محذوف  أي تأكلونه
~~وتدخرونه  والظرف متعلق بما عنده وليس من باب التنازع، والادخار  الخبء
~~ وأصل تدخرون تذتخرون بذال معجمة فتاء فأبدلت التاء ذالا ثم أبدلت
~~الذال دالا وأدغمت، ومن العرب من يقلب التاء دالا ويدغم، وقد كان هذا
~~الإخبار بعد النبوة وإحيائه الموتى عليه السلام على ما في بعض الإخبار،
~~وقيل: قبل، فقد أخرج ابن عساكر عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال:
~~كان عيسى عليه السلام وهو غلام يلعب مع الصبيان يقول لأحدهم: تريد أن
~~أخبرك ما خبأت لك أمك؟ فيقول: نعم فيقول: خبأت لك كذا وكذا فيذهب الغلام
~~منهم إلى أمه فيقول لها: أطعميني ما خبأت لي فتقول: وأي شيء خبأت لك؟
~~فيقول: كذا وكذا فتقول: من أخبرك؟! فيقول: عيسى ابن مريم فقالوا: والله
~~لأن تركتم هؤلاء الصبيان مع عيسى ليفسدنهم فجمعوهم في بيت وأغلقوه عليهم
~~فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم حتى سمع ضوضاهم في بيت فسأل عنهم فقال: ما
~~هؤلاء أكان هؤلاء الصبيان؟ قالوا: لا إنما هي قردة وخنازير قال: اللهم
~~اجعلهم قردة وخنازير فكانوا كذلك، وذهب بعضهم أن ذلك كان بعد نزول
~~المائدة وأيد بما أخرجه عبد الرزاق وغيره عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى
~~عنه في الآية أنه قال: { وأنبئكم بما تأكلون } من المائدة {
~~وما تدخرون } منها، وكان أخذ عليهم في المائدة حين نزلت أن
~~يأكلوا ولا يدخروا فادخروا وخانوا فجعلوا قردة وخنازير، ويمكن أن يقال:
~~إن كل ذلك قد وقع  وعلى سائر التقادير  فالمراد ms01269 الاخبار بخصوصية هذين
~~الأمرين كما يشعر به الظاهر، وقيل: المراد الإخبار بالمغيبات إلا أنه قد
~~اقتصر على ذكر أمرين منها ولعل وجه تخصيص الإخبار بأحوالهم لتيقنهم بها
~~فلا يبقى لهم شبهة، والسر في ذكر هذين الأمرين بخصوصهما أن غالب سعي
~~الإنسان وصرف ذهنه لتحصيل الأكل الذي به قوامه والادخار الذي يطمئن به
~~أكثر القلوب ويسكن منه غالب النفوس فليفهم.

# وقرىء  تذخرون  بالذال المعجمة والتخفيف.

# { إن فى ذلك } أي المذكور من الخوارق الأربعة العظيمة، وهذا من
~~كلام عيسى عليه السلام حكاه الله تعالى عنه، وقيل: هو من كلام الله تعالى
~~سيق للتوبيخ { لأية } أي جنسها، وقرىء لآيات { لكم } دالة على صحة
~~الرسالة دلالة واضحة حيث لم يكن ذلك بتخلل آلات وتوسط أسباب عادية كما
~~يفعله الأطباء والمنجمون. ومن هنا يعلم أن علم الجفر وعلم الفلك ونحوهما
~~لما كانت مقرونة بأصول وضوابط لا يقال عنها: إنها علم غيب أبدا إذ علم
~~الغيب شرطه أن يكون مجردا عن المواد والوسائط الكونية وهذه العلوم ليست
~~كذلك/ لأنها مرتبة على قواعد معلومة عند أهلها لولاها ما علمت تلك
~~العلوم، وليس ذلك كالعلم بالوحي لأنه غير مكتسب بل الله تعالى يختص به من
~~يشاء وكذا العلم بالإلهام فإنه لا مادة له إلا الموهبة الإلهية والمنحة
~~الأزلية، على أن بعضهم ذهب إلى أن تلك العلوم لا يحصل بها العلم المقابل
~~للظن بل نهاية ما يحصل الظن الغالب وبينه وبين علم الغيب بون بعيد،
~~وسيأتي لهذا تتمة إن شاء الله تعالى.

# { إن كنتم مؤمنين } فيه مجاز المشارفة أي إن كنتم موفقين
~~للإيمان، ويحتمل أن يكون المعنى إن كنتم مصدقين، وجواب الشرط على
~~التقديرين محذوف أي انتفعتم بذلك.

### || [3.50]

# { ومصدقا لما بين يدي من التوراة } عطف إما على
~~المضمر الذي تعلق به قوله تعالى:

# بآية

# [آل عمران: 49] أي قد جئتكم محتجا، أو متلبسا بآية الخ ومصدقا لما
~~الخ، وإما على

# رسولا

# [آل عمران: 49] وفيه معنى النطق مثله، وجوز أن يكون منصوبا بفعل دل
~~عليه

# قد جئتكم

# [آل عمران: 49] أي ms01270 وجئتكم مصدقا الخ. وقوله سبحانه: { من التوراة
~~} في موضع نصب على الحال من الضمير المستتر في الظرف والعامل فيه
~~الاستقرار، أو الظرف نفسه لقيامه مقام الفعل، ويجوز أن يكون حالا من
~~(ما) فيكون العامل فيه { مصدقا } ومعنى تصديقه عليه السلام للتوراة
~~الإيمان بأن جميع ما فيها حكمة وصواب، وقيل: إن تصديقه لها مجيئه رسولا
~~طبق ما بشرت به { ولأحل لكم } معمول لمقدر بعد الواو أي  وجئتكم
~~لأحل  فهو من عطف الجملة على الجملة، أو معطوف على { بآية } من قوله
~~سبحانه:

# جئتكم بآية

# [آل عمران: 49] لأنه في معنى  لأظهر لكم آية ولأحل  فلا يرد أنه لا
~~يصح عطف المفعول له على المفعول به، أو معطوف على { مصدقا } ويلتزم
~~التأويل بما يجعلهما من باب واحد، وإن كان الأول: حالا، والثاني:
~~مفعولا له فكأنه قيل: جئتكم لأصدق ولأحل، وقيل: لا بد من تقدير  جئتكم
~~ فيها كلها إذ لا يعطف نوع من المعمولات على نوع آخر.

# { بعض الذي حرم عليكم } أي في شريعة موسى عليه السلام.
~~أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع أنه قال: كان الذي جاء به عيسى
~~ألين مما جاء به موسى عليهما السلام وكان قد حرم عليهما فيما جاء به موسى
~~عليه السلام لحوم الإبل والثروب فأحلها لهم على لسان عيسى وحرمت عليهم
~~شحوم الإبل فأحلت لهم فيما جاء به عيسى، وفي أشياء من السمك، وفي أشياء
~~من الطير مما لا صيصية له، وفي أشياء أخر حرمها عليهم وشدد عليهم فيها
~~فجاء عيسى بالتخفيف منه في «الإنجيل». وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله،
~~وهذا يدل على أن «الإنجيل» مشتمل على أحكام تغاير ما في «التوراة» وأن
~~شريعة عيسى نسخت بعض شريعة موسى، ولا يخل ذلك بكونه مصدقا للتوراة فإن
~~النسخ بيان لانتهاء زمان الحكم الأول لا رفع وإبطال كما تقرر، وهذا مثل
~~نسخ القرآن بعضه ببعض، وذهب بعضهم إلى أن «الإنجيل» لم يخص أحكاما ولا
~~حوى حلالا وحراما ولكنه رموز وأمثال ومواعظ وزواجر، وما سوى ذلك من
~~الشرائع ms01271 والأحكام فمحالة على «التوراة»، وإلى أن عيسى عليه السلام لم
~~ينسخ شيئا مما في «التوراة»، وكان يسبت ويصلي نحو البيت المقدس، ويحرم
~~لحم الخنزير، ويقول بالختان إلا أن النصارى غيروا ذلك بعد رفعه فاتخذوا
~~يوم الأحد بدل يوم السبت لما أنه أول يوم الأسبوع ومبدأ الفيض، وصلوا نحو
~~المشرق لما تقدم، وحملوا الختان على ختان القلب وقطعه عن العلائق
~~الدنيوية والعوائق عن الحضرة الإلهية وأحلوا لحم الخنزير مع أن مرقس حكى
~~في «إنجيله» أن المسيح أتلف الخنزير وغرق منه في البحر قطيعا كبيرا
~~وقال لتلامذته: لا تعطوا القدس الكلاب ولا تلقوا جواهركم قدام الخنازير
~~فقرنها بالكلاب، وسبب ذلك زعمهم أن بطرس رأى في/ النوم صحيفة نزلت من
~~السماء، وفيها صور الحيوانات وصورة الخنزير وقيل له: يا بطرس كل منها ما
~~أحببت ونسب هذا القول إلى وهب بن منبه، والذاهبون إليه أولوا الآية بأن
~~المراد ما حرمه علماؤهم تشهيا أو خطأ في الاجتهاد، واستدلوا على ذلك بأن
~~المسيح عليه السلام قال في «الإنجيل»: ما جئت لأبطل التوراة بل جئت
~~لأكملها، ولا يخفى أن تأويل الآية بما أولوه به بعيد في نفسه، ويزيده
~~بعدا أنه قرىء  حرم  بالبناء للفاعل وهو ضمير ما { بين يدى } أو
~~الله تعالى، وقرىء أيضا  حرم  بوزن كرم، وأن ما ذكروه من كلام المسيح
~~عليه السلام لا ينافي النسخ لما علمت أنه ليس بإبطال وإنما هو بيان
~~لانتهاء الحكم الأول، ومعنى التكميل ضم السياسة الباطنة التي جاء بها إلى
~~السياسة الظاهرة التي جاء بها موسى عليه السلام  على ما قيل  أو نسخ
~~بعض أحكام التوراة بأحكام هي أوفق بالحكمة وأولى بالمصلحة وأنسب بالزمان،
~~وعلى هذا يكون قول المسيح حجة للأولين لا عليهم، ولعل ما ذهبوا إليه هو
~~المعول عليه كما لا يخفى على ذوي العرفان.

# { وجئتكم بئاية من ربكم } الكلام فيه كالكلام في
~~نظيره، وقرىء  بآيات  { فاتقوا الله } في عدم قبول ما جئتكم به
~~{ وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم [عنه] بأمر الله تعالى.

### || [3.51]

# { إن الله ربى وربكم ms01272 فاعبدوه هذا صرط
~~مستقيم } بيان للآية المأتي بها على معنى: هي قولي: إن الله ربي
~~وربكم. ولما كان هذا القول مما أجمع الرسل على حقيته ودعوا الناس إليه
~~كان آية دالة على رسالته، وليس المراد بالآية على هذا المعجزة ليرد أن
~~مثل هذا القول قد يصدر عن بعض العوام بل المراد أنه بعد ثبوت النبوة
~~بالمعجزة كان هذا القول لكونه طريقة الأنبياء عليهم السلام علامة لنبوته
~~تطمئن به النفوس، وجوز أن يراد من الآية المعجزة على طرز ما مر، ويقال:
~~إن حصول المعرفة والتوحيد والاهتداء للطريق المستقيم في الاعتقادات
~~والعبادات عمن نشأ بين قوم غيروا دينهم وحرفوا كتب الله تعالى المنزلة
~~وقتلوا أنبياءهم ولم يكن ممن تعلم من بقايا أخبارهم من أعظم المعجزات
~~وخوارق العادات. أو يقال من الجائز أن يكون قد ذكر الله تعالى في التوراة
~~إذا جاءكم شخص من نعته كذا وكذا يدعوكم إلى كيت وكيت فاتبعوه فإنه نبي
~~مبعوث إليكم فإذا قال: أنا الذي ذكرت بكذا وكذا من النعوت كان من أعظم
~~الخوارق، وقرىء  أن الله  بفتح همزة  أن  على أن المنسبك بدل من
~~(آية) أو أن المعنى: جئتكم بآية دالة على أن الله الخ، ومثل هذا محتمل
~~على قراءة الكسر أيضا لكن بتقدير القول، وعلى كلا التقديرين يكون قوله
~~تعالى:

# فاتقوا الله وأطيعون

# [آل عمران: 50] اعتراضا.

# وقد ذكر غير واحد أن الظاهر أن هذه الجملة معطوفة عل جملة

# جئتكم

# [آل عمران: 49] الأولى وكررت ليتعلق بها معنى زائد وهو قوله سبحانه: {
~~إن الله ربى } أو للاستيعاب كقوله تعالى:

# ثم ارجع البصر كرتين

# [الملك: 4] أي: جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من خلق الطير وإبراء
~~الأكمه والأبرص والإحياء والإنباء بالمخفيات، ومن ولادتي بغير أب، ومن
~~كلامي في المهد ونحو ذلك والكلام الأول: لتمهيد الحجة عليهم، والثاني:
~~لتقريبها إلى الحكم وهو إيجاب حكم تقوى الله تعالى وطاعته ولذلك جيء
~~بالفاء في

# فاتقوا الله

# [آل عمران: 50] كأنه قيل: لما جئتكم بالمعجزات الباهرات والآيات
~~الظاهرات فاتقوا الله الخ، وعلى هذا ms01273 يكون قوله تعالى: { إن الله }
~~الخ ابتداء كلام وشروعا في الدعوة المشار إليها بقول مجمل، فإن الجملة
~~الاسمية المؤكدة بأن للإشارة إلى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق
~~الذي غايته التوحيد، وقوله تعالى: { فاعبدوه } إشارة إلى استكمال
~~القوة العملية فإنه ملازمة الطاعة التي هي الاتيان بالأوامر والانتهاء عن
~~المناهي، / وتعقيب هذين الأمرين بقوله سبحانه: { هذا صرط
~~مستقيم } تقرير لما سبق ببيان أن الجمع بين الأمرين الاعتقاد الحق،
~~والعمل الصالح هو الطريق المشهود له بالاستقامة، ومعنى قراءة الفتح على
~~ما ذكر  لأن الله  ربي وربكم فاعبدوه  فهو كقوله تعالى:

# لإيلف قريش

# [قريش: 1] الخ، والإشارة إما إلى مجموع الأمرين، أو إلى الأمر الثاني
~~المعلول للأمر الأول، والتنوين إما للتعظيم أو للتبعيض؛ وجملة { هذا
~~} الخ على ما قيل: استئناف لبيان المتقضي للدعوة.

# هذا والإشارة في هذه الآيات ظاهرة كالعبارة: سوى أن تطبيق ما في الآفاق
~~على ما في الأنفس يحتاج إلى بيان فنقول: قال الله سبحانه: { وإذ
~~قالت الملئكة } أي ملائكة القوى الروحانية لمريم النفس
~~الطاهرة الزكية { إن الله اصطفك } لكمال استعدادك ووفور
~~قابليتك { وطهرك } عن الرذائل والأخلاق الردية

# واصطفك على نساء

# [آل عمران: 42] النفوس الشهوانية المتدرعة بجلباب الأفعال الذميمة {
~~يمريم اقنتى لربك } أي داومي على الطاعة له بالائتمار بما
~~أمر والانزجار عما نهى { واسجدى } في مساجد الذل

# واركعى

# [آل عمران: 43] في محاريب الخدوع مع الخاضعين فإن في ذلك إقامة مراسم
~~العبودية وأداء حقوق الربوبية، ولله تعالى در من قال:

# ويحسن إظهار التجلد للعدا

# ويقبح إلا العجز عند الحبائب

# { ذلك من أنباء الغيب } أي من أخبار غيب وجودك { نوحيه
~~إليك } يا نبي الروح { وما كنت لديهم } أي لدى القوى
~~الروحانية والنفسانية، والمراد ما كنت ملتفتا إليهم بل كنت في شغل شاغل
~~عنهم { إذ يلقون } أقلام استعداداتهم التي يكتبون بها صحف أحوالهم
~~وتوراة أطوارهم ويطرحونها في بحر التدبير { أيهم يكفل } ويدبر {
~~مريم } النفس بحسب رأيه ومقتضى طبعه

# وما كنت لديهم إذ يختصمون

# [آل عمران: 44] في مقام الصدر الذي هو محل اختصام القوى في طلب الرياسة ms01274
~~قبل الرياضة وفي حالها { إذ قالت } ملائكة القوى الروحانية حين غلبت
~~{ يمريم إن الله يبشرك } بمقتضى التوجيه إليه {
~~بكلمة منه } جامعة لحروف الأكوان وهو القلب المحيط بالعوالم {
~~اسمه المسيح } لأنه يمسحك بالنور، أو لأنه مسح به { وجيها في
~~الدنيا } لتدبيره أمر المعاش فيطيعه أنس القوى الظاهرة وجن القوى
~~الباطنة، ووجيها في الآخرة لقيامه بتدبير المعاد فيطيعه ملكوت سماء
~~الأرواح، أو شريفا مرفوعا في الدنيا وهي عبارة عن تجلي الأفعال، وفي
~~الآخرة وهي عبارة عن تجلي الأسماء

# ومن المقربين

# [آل عمران: 45] أي المعدودين من جملة مقربي الحضرة القابلين لتجلي
~~الذات، وفي الخبر

# " ما وسعتني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن "

# { ويكلم الناس } بما يرشدهم في مهد البدن وقت تغذيه بلبان
~~السلوك إلى ملك الملوك

# وكهلا

# [آل عمران: 46] بالغا طور شيخ الروح وواصلا وسط الطريق { قالت رب
~~أنى يكون لى ولد } مثل هذا { ولم يمسسنى بشر } وهو
~~تعجب من ولادتها ذلك من غير تربية معلم بشري لما أن العادة جرت بأن
~~الوصول إلى المقامات العلية إنما هو بواسطة شيخ مرشد يعرف الطريق ويدفع
~~الآفات، وقد شاع أن الإنسان متى سلك بنفسه ضل أو لم يفز بكثير، ومن
~~كلامهم الشجرة التي تنبت بنفسها لا تثمر

# قال كذلك الله يخلق ما يشاء

# [آل عمران: 47] فله أن يصطفي من شاء من غير تربية مرب ولا إرشاد مرشد بل
~~بمجرد الجذبة الإلهية، وهذا شأن المرادين وبعض المريدين:

# رب شخص تقوده الأقدار

# للمعالي وما لذاك اختيار

# غافل والسعادة احتضنته

# وهو عنها مستوحش نفار

# ويعلمه

# [آل عمران: 48] بالتعليم الإلهي الغني عما يعهد من الوسائط كتاب العلوم
~~المعقولة وحكم الشرائع ومعارف الكتب الإلهية من توراة الظاهر وإنجيل
~~الباطن؛ { و } يجعله { رسولا إلى } الروحانيين من { بنى
~~إسرءيل } الروح قائلا: / { أنى قد جئتكم } من عالم الغيب {
~~بئاية } عظيمة وهي { أنى أخلق لكم } بالتربية من طين
~~النفوس البشرية { كهيئة } الطائر إلى جناب القدس بجناحي الرجاء
~~والخوف { فأنفخ فيه } بنفث العلم الإلهي ونفس الحياة الحقيقية {
~~فيكون طيرا } أي نفسا حية طائرة ms01275 في فضاء الجمال والجلال إلى رياض
~~جناب الحق سبحانه { بإذن الله وأبرىء الأكمه } أي الأعمى
~~المحجوب برؤية الأغيار عن رؤية نور الأنوار { والأبرص } المبتلى
~~بأمراض الرذائل والعقائد الفاسدة التي أوجبت مخالفة لون بشرته الفطرية {
~~وأحى } موتى الجهل بحياة العلم الحقيقية { بإذن الله
~~وأنبئكم بما تأكلون } أي تتناولون من الشهوات واللذات {
~~وما تدخرون } في بيوت نياتكم من الآمال التي هي كسراب بقيعة {
~~إن فى ذلك } المذكور { لأية لكم } نافعة

# إن كنتم مؤمنين

# [آل عمران: 49]، { ومصدقا لما بين يدي من } توراة
~~الظاهر فإنه أحد المظاهر { ولأحل لكم بعض الذي حرم
~~عليكم } بسبب عنادكم وقصركم الحق على بعض مظاهره، وأشير بذلك إلى
~~علم الباطن، والمراد من البعض إما الكل على حد ما قيل في قوله تعالى:

# يصبكم بعض الذى يعدكم

# [غافر: 28] وإما ظاهر معناه فيكون إشارة إلى أن من الباطن ما يحرم كشفه،
~~فقد قال مولانا زين العابدين:

# ورب جوهر علم لو أبوح به

# لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا

# ولا استحل أناس مسلمون دمي

# يرون أقبح ما يأتونه حسنا

# وقد تقدم في هذا أبو حسن

# إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا

# { وجئتكم بأية } بعد أخرى { من ربكم فاتقوا
~~الله } في مخالفتي

# وأطيعون

# [آل عمران: 50] فيما فيه كمال نشأتكم { إن الله ربى وربكم
~~} فهو الذي يوصلكم إلى ما فيه كمالكم { فاعبدوه } بالذل والانكسار
~~والوقوف على بابه بالعجز والافتقار وامتثلوا أمره ونهيه

# هذا صرط مستقيم

# [آل عمران: 51] يوصلكم إليه ويفد بكم عليه.

### || [3.52]

# { فلما أحس عيسى منهم الكفر } شروع في بيان مآل
~~أحواله عليه السلام، وقيل: يحتمل أن يكون كله من قبل الملائكة شرحا لطرف
~~منها داخلا تحت القول، ويحتمل أن يكون الكلام قد تم عند قوله تعالى:

# ورسولا إلى بنى إسرءيل

# [آل عمران: 49] ولا يكون

# أنى قد جئتكم

# [آل عمران: 49] متعلقا بما قبله، ولا يكون داخلا تحت القول ويكون
~~المحذوف هناك فجاء عيسى كما بشر الله تعالى رسولا إلى بني إسرائيل بأني
~~قد جئتكم بآية من ربكم الآية، والفاء هنا مفصحة بمثل المقدر هناك ms01276 على
~~التقدير الثاني، وأصل الإحساس الإدراك بإحدى الحواس الخمس الظاهرة وقد
~~استعير هنا استعارة تبعية للعلم بلا شبهة، وقيل: إنه مجاز مرسل عن ذلك من
~~باب ذكر الملزوم وإرادة اللازم والداعي لذلك أن الكفر مما لا يحس، والقول
~~ بأن المراد إحساس آثار الكفر  ليس بشيء، والمراد من الكفر إصرارهم
~~عليه وعتوهم فيه مع العزيمة على إيقاع مكروه به عليه السلام، وقد صح أنه
~~عليه السلام لقي من اليهود قاتلهم الله تعالى شدائد كثيرة.

# أخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~قال: «كان اليهود يجتمعون على عيسى عليه السلام ويستهزءون به ويقولون له:
~~يا عيسى ما أكل فلان البارحة وما ادخر في بيته لغد؟! فيخبرهم ويسخرون منه
~~حتى طال ذلك به وبهم وكان عيسى عليه السلام ليس له قرار ولا موضع يعرف
~~إنما هو سائح في الأرض فمر ذات يوم بامرأة قاعدة عند قبر وهي تبكي فسألها
~~فقالت: ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها فصلى عيسى ركعتين ثم نادى يا
~~فلانة قومي بإذن الرحمن فاخرجي فتحرك القبر ثم نادى الثانية فانصدع
~~القبر. ثم نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب فقالت: يا أماه
~~ما حملك على أن أذوق كرب الموت مرتين؟ يا أماه اصبري واحتسبي فلا حاجة
~~لي في الدنيا يا روح الله سل ربي أن يردني إلى الآخرة وأن يهون علي
~~كرب الموت/ فدعا ربه فقبضها إليه فاستوت عليها الأرض فبلغ ذلك اليهود
~~فازدادوا عليه غضبا» وروي عن مجاهد أنهم أرادوا قتله ولذلك استنصر قومه،
~~و  من  لابتداء الغاية متعلق  بأحس  أي ابتدأ الإحساس من جهتهم؛ وجوز
~~أبو البقاء أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الكفر أي لما أحس الكفر حال
~~كونه صادرا منهم.

# { قال من أنصارى إلى الله } المقول لهم الحواريون كما يشير
~~إليه آية  الصف [14] 

# كما قال عيسى ابن مريم للحواريين

# الآية. وكونه  جميع بني إسرائيل لقوله تعالى:

# فآمنت طآئفة من بني إسرائيل وكفرت طآئفة

# [الصف: ms01277 14]  ليس بشيء إذ الآية ليست بنص في المدعى إذ يكفي في تحقق
~~الانقسام بلوغ الدعوة إلى الجميع، و  الأنصار  جمع نصير كالأشراف جمع
~~شريف، وقال قوم: هو جمع نصر، وضعفه أبو البقاء إلا أن يقدر فيه مضاف أي
~~من صاحب نصري، أو تجعله مصدرا وصف به، والجار والمجرور إما أن يتعلق
~~بمحذوف وقع حالا من الياء وهي مفعول به معنى، والمعنى من ينصرني حال
~~كوني ملتجئا إلى الله تعالى أو ذاهبا إلى الله، وإما أن يتعلق 
~~بأنصاري  مضمنا معنى الإضافة أي من الذين يضيفون أنفسهم إلى الله في
~~نصري، وفي «الكشاف» في تفسير سورة الصف ما حاصله مما يخالف ما ذكره هنا
~~أن إضافة  أنصار  للياء إضافة ملابسة أي من حزبي ومشاركي في توجهي
~~لنصرة الله تعالى ليطابق جوابهم الآتي ولا يصح أن يكون معناه من ينصرني
~~مع الله لعدم المطابقة، وفيه أن عدم المطابقة غير مسلم إذ نصرة الله
~~تعالى في الجواب ليست على ظاهرها بل لا بد من تجوز، أو إضمار في نصرهم
~~لله تعالى، ويضمر ما تحصل به المطابقة، نعم كون { إلى } بمعنى  مع 
~~لا يخلو عن شيء فقد ذكر الفراء أنها إنما تكون كذلك إذا ضم شيء إلى آخر
~~نحو الذود إلى الذود إبل أي إذا ضممته إليه صار إبلا، ألا تراك تقول قدم
~~زيد ومعه مال، ولا تقول: وإليه  وكذا نظائره  فالسالم عن هذا الحمل من
~~التفاسير مع اشتماله على قلة الاضمار أولى، و من هنا اختار بعضهم كون إلى
~~بمعنى اللام، وآخرون كونها بمعنى  في . وقال في «الكشف»: لعل الأشبه في
~~معنى الآية  والله تعالى أعلم  أن يحمل على معنى  من ينصرني منهيا
~~نصره إلى الله تعالى  كما يقتضيه حرف الانتهاء دون تضمين كأنه عليه
~~السلام طلب منهم أن ينصروه لله تعالى لا لغرض آخر مدمجا أن نصرة الله
~~تعالى في نصرة رسوله، وجوابهم المحكي عنهم بقوله سبحانه:

# { قال الحواريون نحن أنصار الله } شديد الطباق له
~~كأنهم قالوا: نحن ناصروك لأنه نصر الله تعالى ms01278 للغرض الذي رمز إليه، ولو
~~قالوا مكانه: نحن أنصارك لما وقع هذا الموقع انتهى. وأنت تعلم أن جعل {
~~إلى } بمعنى اللام، أو في التعليليتين يحصل طلبة المسيح التي أشير
~~إليها على وجه لعله أقل تكلفا مما ذكر، وكأن اختيار ذلك لما قاله الزجاج
~~من أنه لا يجوز أن يقال: إن بعض الحروف من حروف المعاني بمعنى الآخر لكن
~~الحرفين قد يتقاربان في الفائدة فيظن الضعيف العلم باللغة أن معناهما
~~واحد وليس بذلك فليفهم.

# و  الحواريون  جمع حواري يقال: فلان حواري فلان أي خاصته من أصحابه
~~وناصره، وليس الحواري جمعا ككراسي على ما وهم بل هو مفرد منصرف كما صرح
~~به المحققون، وذكر العلامة التفتازاني أنه مفرد وألفه من تغييرات النسب؛
~~وفيه أن الألف إذا زيدت في النسبة وغيرت بها تخفف الياء في الأفصح في
~~أمثاله، والحواري بخلافه لأن تخفيف يائه شاذ كما صرحوا به، وبه قرىء في
~~الآية، وأصله من التحوير أي التبييض، ومنه الخبز الحواري الذي نخل مرة
~~بعد أخرى؛ والحواريات للحضريات نساء المدن والقرى لما أنه يغلب فيهن
~~البياض لعدم البروز للشمس، ويطلق الحواري على  القصار  أيضا لأنه/
~~يبيض الثياب وهو بلغة النبط، هواري بضم الهاء وتشديد الواو وفتح الراء
~~قاله الضحاك واختلف في سبب تسمية أولئك القوم بذلك فقيل: سموا بذلك لبياض
~~ثيابهم  وهو المروي عن سعيد بن جبير  وقيل: لأنهم كانوا قصارين يبيضون
~~الثياب للناس  وهو المروي عن مقاتل وجماعة  وقيل: لنقاء قلوبهم وطهارة
~~أخلاقهم  وإليه يشير كلام قتادة  وفي تعيين أنهم من أي الطوائف من
~~الناس خلاف أيضا فقيل: قوم كانوا يصطادون السمك فيهم يعقوب، وشمعون،
~~ويوحنا فمر بهم عيسى عليه السلام فقال لهم: أنتم تصيدون السمك فإن
~~اتبعتموني صرتم بحيث تصيدون الناس بالحياة الأبدية؟ فقالوا له من أنت؟
~~قال: عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله فطلبوا منه المعجزة، وكان شمعون قد
~~رمى شبكته تلك الليلة فما اصطاد شيئا فأمر عيسى عليه السلام بإلقائها في
~~الماء مرة أخرى ففعل فاصطاد ما ملأ سفينتين فعند ذلك ms01279 آمنوا به عليه
~~السلام، وقيل: هم اثنا عشر رجلا، أو تسعة وعشرون من سائر الناس اتبعوا
~~عيسى عليه السلام وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا فيضرب بيده
~~على الأرض فيخرج لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا: عطشنا فيضرب بيده
~~على الأرض فيخرج الماء فيشربون فقالوا: من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا
~~وإذا شئنا أسقيتنا وقد آمنا بك؟ فقال: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من
~~كسبه فصاروا يغسلون الثياب بالكراء ويأكلون.

# وقيل: إن واحدا من الملوك صنع طعاما وجمع الناس عليه وكان عيسى عليه
~~السلام على قصعة فكانت القصعة لا تنقص فذكر ذلك للملك فذهب إليه الملك مع
~~أقاربه فقالوا له: من أنت؟ قال: عيسى ابن مريم فقال الملك: إني تارك ملكي
~~ومتبعك فتبعه مع أقاربه فأولئك هم الحواريون، وقيل: إن أمه دفعته إلى
~~صباغ فكان إذا أراد أن يعلمه شيئا وجده أعلم به منه فغاب الصباغ يوما
~~لمهم وقال له: ههنا ثياب مختلفة وقد جعلت على كل منها علامة فاصبغها
~~بتلك الألوان فطبخ عيسى عليه السلام حبا واحدا وجعل الجميع فيه، وقال:
~~كوني بإذن الله كما أريد فرجع الصباغ فأخبره بما فعل فقال: أفسدت علي
~~الثياب قال: قم فانظر فكان يخرج ثوبا أحمر وثوبا أخضر وثوبا أصفر كما
~~كان يريد فتعجب الحاضرون منه وآمنوا به وكانوا الحواريين.

# ونقل جمع عن القفال أنه يجوز أن يكون بعضهم من الملوك، وبعضهم من
~~الصيادين، وبعضهم من القصارين، وبعضهم من الصباغين، وبعضهم من سائر الناس
~~وسموا جميعا بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى عليه السلام والمخلصين
~~في محبته وطاعته. والاشتقاق كيف كانوا هو الاشتقاق، ومأخذه إما أن يؤخذ
~~حقيقيا وإما أن يؤخذ مجازيا وهو الأوفق بشأن أولئك الأنصار، وقيل: إنه
~~مأخوذ من حار بمعنى رجع ومنه قوله تعالى:

# إنه ظن أن لن يحور

# [الإنشقاق: 14] وكأنهم سموا بذلك لرجوعهم إلى الله تعالى.

# ومن الناس من فسر الحواري بالمجاهد فإن أريد بالجهاد ما هو المتبادر منه
~~أشكل ذلك حيث إنه لم يصح أن عيسى ms01280 عليه السلام أمر به؛ وادعاه بعضهم
~~مستدلا بقوله تعالى:

# فآمنت طآئفة من بني إسرائيل وكفرت طآئفة
~~فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا
~~ظاهرين

# [الصف: 14] ولا يخفى أن الآية ليست نصا في المقصود لجواز أن يراد
~~بالتأييد التأييد بالحجة وإعلاء الكلمة، وإن أريد بالجهاد جهاد النفس
~~بتجريعها مرائر التكاليف لم يشكل ذلك. نعم استشكل أن عيسى عليه السلام
~~إذا لم يكن مأمورا بالقتال فما معنى طلبه الأنصار؟ وأجيب بأنه عليه
~~السلام لما علم أن اليهود يريدون قتله استنصر للحماية منهم  كما قاله
~~الحسن ومجاهد  ولم يستنصر للقتال معهم على الإيمان بما جاء به، وهذا هو
~~الذي لم يؤمر به لا ذلك بل ربما يدعى أن ذلك مأمور به لوجوب المحافظة/
~~على حفظ النفس، وقد روي أن اليهود لما طلبوه ليقتلوه قال للحواريين: أيكم
~~يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى فيه شبهي فيقتل مكاني؟ فأجابه
~~إلى ذلك بعضهم، وفي بعض الأناجيل أن اليهود لما أخذوا عيسى عليه السلام
~~سل شمعون سيفه فضرب به عبدا كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بإذنه
~~فقال له عيسى عليه السلام: حسبك ثم أدنى أذن العبد فردها إلى موضعها
~~فصارت كما كانت، وقيل: يجوز أن يكون طلب النصرة للتمكين من إقامة الحجة
~~ولتمييز الموافق من المخالف وذلك لا يستدعي الأمر بالجهاد كما أمر نبينا
~~روح جسد الوجود صلى الله عليه وسلم وهو الظاهر لمن أنصف، والمراد من
~~أنصار الله أنصار دينه ورسوله وأعوانهما على ما هو المشهور.

# { ءامنا بالله } مستند لتلك الدعوى جارية مجرى العلة لها {
~~واشهد } عطف على { آمنا } ولا يضر اختلافهما إنشائية وإخبارية لما
~~تحقق في محله، وقيل: إن { آمنا } لإنشاء الإيمان أيضا فلا اختلاف {
~~بأنا مسلمون } أي منقادون لما تريده منا ويدخل فيه دخولا
~~أوليا نصرتهم له، أو بأن ديننا الإسلام الذي هو دين الأنبياء من قبلك
~~فهو إقرار معنى بنبوة من قبله عليه السلام وهذا طلب منهم شهادته عليه
~~السلام لهم يوم القيامة حين تشهد الرسل لقومهم وعليهم إيذانا ms01281  كما قال
~~الكرخي  بأن مرمى غرضهم السعادة الأخروية وجاء في المائدة [111]

# بأننا

# لأن ما فيها  كما قيل  أول كلام الحواريين فجاء على الأصل، وما هنا
~~تكرار له بالمعنى فناسب فيه التخفيف لأن كلا من التخفيف والتكرار فرع،
~~والفرع بالفرع أولى.

### || [3.53]

# { ربنا ءامنا بما أنزلت } عرض لحالهم عليه تعالى بعد عرضها
~~على رسوله استمطارا لسحائب إجابة دعائهم الآتي، وقيل: مبالغة في إظهار
~~أمرهم { واتبعنا الرسول } أي امتثلنا ما أتى به منك إلينا {
~~فاكتبنا مع الشهدين } أي محمد صلى الله عليه وسلم وأمته
~~لأنهم يشهدون للرسل بالتبليغ ومحمد صلى الله عليه وسلم يشهد لهم بالصدق 
~~رواه عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  وروى أبو صالح عنه أنهم
~~من آمن من الأمم قبلهم، وقيل: المراد من { الشهدين } الأنبياء لأن
~~كل نبي شاهد لأمته وعليها، وقال مقاتل: هم الصادقون، وقال الزجاج: هم
~~الشاهدون للأنبياء بالتصديق، وقيل: أرادوا مع المستغرقين في شهود جلالك
~~بحيث لا نبالي بما يصل إلينا من المشاق والآلام فيسهل علينا الوفاء بما
~~التزمنا من نصرة رسولك، وقيل: أرادوا اكتب ذكرنا في زمرة من شهد حضرتك من
~~الملائكة المقربين كقوله تعالى:

# إن كتب الأبرار لفى عليين

# [المطففين: 81] ولا يخفى ما في هذا الأخير من التكلف والمعنى على ما
~~عداه أدخلنا في عداد أولئك، أو في عداد أتباعهم، قيل: وعبروا عن فعل الله
~~تعالى ذلك بهم بلفظ { فاكتبنا } إذ كانت الكتابة تقيد وتضبط ما
~~يحتاج إلى تحقيقه وعلمه في ثاني حال، وقيل: المراد اجعل ذلك وقدره في
~~صحائف الأزل. ومن الناس من جعل الكتابة كناية عن تثبيتهم على الإيمان في
~~الخاتمة، والظرف متعلق بمحذوف وقع حالا من مفعول  اكتبنا .

### || [3.54]

# { ومكروا } أي الذين أحس منهم الكفر إذ وكلوا به من يقتله غيلة {
~~ومكر الله } بأن ألقى شبهه عليه السلام على غيره فصلب ورفعه إليه،
~~قال ابن عباس: لما أراد ملك بني إسرائيل قتل عيسى عليه السلام دخل خوخة
~~وفيها كوة فرفعه جبريل عليه السلام من الكوة إلى السماء فقال الملك ms01282 لرجل
~~منهم خبيث: أدخل عليه فاقتله فدخل الخوخة فألقى الله تعالى عليه شبه عيسى
~~عليه السلام فخرج إلى أصحابه يخبرهم/ أنه ليس في البيت فقتلوه وصلبوه
~~وظنوا أنه عيسى، وقال وهب: أسروه ونصبوا خشبة ليصلبوه فأظلمت الأرض فأرسل
~~الله الملائكة فحالوا بينه وبينهم فأخذوا رجلا يقال له يهودا  وهو الذي
~~دلهم على عيسى  وذلك أن عيسى جمع الحواريين تلك الليلة وأوصاهم ثم قال
~~ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك فيبيعني بدراهم يسيرة فخرجوا وتفرقوا
~~وكانت اليهود تطلبه فأتى أحد الحواريين إليهم وقال: ما تجعلون لي إن
~~دللتكم عليه؟ فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه فألقى الله
~~تعالى عليه شبه عيسى عليه السلام فأدخل البيت ورفع وقال: أنا الذي دللتكم
~~عليه فلم يلتفتوا إلى قوله وصلبوه  وهم يظنون أنه عيسى  فلما صلب شبه
~~عيسى وأتى على ذلك سبعة أيام قال الله تعالى لعيسى: اهبط على مريم ثم
~~لتجمع لك الحواريين وبثهم في الأرض دعاة فهبط عليها واشتعل الجبل نورا
~~فجمعت له الحواريين فبثهم في الأرض دعاة ثم رفعه الله سبحانه، وتلك
~~الليلة هي الليلة التي تدخن فيها النصارى فلما أصبح الحواريون قصد كل
~~منهم بلدة من أرسله عيسى إليهم.

# وروي عن غير واحد أن اليهود لما عزموا على قتله عليه السلام اجتمع
~~الحواريون في غرفة فدخل عليهم المسيح من مشكاة الغرفة فأخبر بهم إبليس
~~جمع اليهود فركب منهم أربعة آلاف رجل فأخذوا باب الغرفة فقال المسيح
~~للحواريين: أيكم يخرج ويقتل ويكون معي في الجنة؟ فقال واحد منهم: أنا يا
~~نبي الله فألقى عليه مدرعة من صوف وعمامة من صوف وناوله عكازه وألقى
~~عليه شبه عيسى عليه السلام فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه وأما عيسى عليه
~~السلام فكساه الله النور وقطع عنه شهوة المطعم والمشرب ورفعه إليه، ثم إن
~~أصحابه لما رأوا ذلك تفرقوا ثلاث فرق فقالت فرقة: كان الله تعالى فينا
~~فصعد إلى السماء، وقالت فرقة أخرى: كان فينا ابن الله عز وجل ثم رفعه
~~الله سبحانه إليه، وقالت ms01283 فرقة أخرى منهم: كان فينا عبد الله ورسوله ما
~~شاء الله ثم رفعه إليه وهؤلاء هم المسلمون، فتظاهرت عليهم الفرقتان
~~الكافرتان فقتلوهم فلم يزل الإسلام مندرس الآثار إلى أن بعث الله تعالى
~~محمدا صلى الله عليه وسلم، وروي عن ابن إسحق أن اليهود عذبوا الحواريين
~~بعد رفع عيسى عليه السلام ولقوا منهم الجهد فبلغ ذلك ملك الروم وكان ملك
~~اليهود من رعيته واسمه داود بن نوذا فقيل له: إن رجلا من بني إسرائيل
~~ممن تحت أمرك كان يخبرهم أنه رسول الله تعالى وأراهم إحياء الموتى وإبراء
~~الأكمه والأبرص  فعل وفعل  فقال: لو علمت ذلك ما خليت بينهم وبينه ثم
~~بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى عليه السلام
~~فأخبروه فبايعهم على دينهم وأنزل المصلوب فغيبه وأخذ الخشبة فأكرمها ثم
~~غزا بني إسرائيل فقتل منهم خلقا عظيما، ومنه ظهر أصل النصرانية في
~~الروم ثم جاء بعده ملك آخر يقال له طيطوس وغزا بيت المقدس بعد رفع عيسى
~~عليه السلام بنحو من أربعين سنة فقتل وسبى ولم يترك في بيت المقدس حجرا
~~على حجر فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز.

# هذا وأصل المكر قيل: الشر، ومنه: مكر الليل إذا أظلم، وقيل: الالتفات
~~ومنه  المكور  لضرب من الشجر ذي التفات، واحده مكر، والممكورة من
~~النساء للملتفة الخلق مطويته وفسره البعض بصرف الغير عما يقصده بحيلة،
~~وآخرون باختداع الشخص لإيقاعه في الضرر، وفرقوا بينه وبين الحيلة بأنها
~~قد تكون لإظهار ما يعسر من الفعل من غير قصد إلى الإضرار، والمكر حيلة
~~على الشخص توقعه في مثل الوهق، وقالوا: لا يطلق على الله تعالى إلا بطريق
~~المشاكلة لأنه منزه عن معناه وغير محتاج إلى حيلة فلا يقال ابتداءا مكر
~~الله سبحانه  وإلى ذلك ذهب العضد وجماعة  وخالفهم الأبهري وغيره؛
~~فجوزوا الإطلاق بلا مشاكلة مستدلين بقوله تعالى/:

# أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله

# [الأعراف: 99] فإنه نسب إليه سبحانه ابتداءا. ونقل عن الإمام أن المكر
~~إيصال المكروه إلى الغير على وجه يخفى فيه، ms01284 وأنه يجوز صدوره عنه تعالى
~~حقيقة، وقال غير واحد: إنه عبارة عن التدبير المحكم وهو ليس بممتنع عليه
~~تعالى، وفي الحديث:

# " اللهم امكر لي ولا تمكر بي "

# ومن ذهب إلى عدم الإطلاق  إلا بطريق المشاكلة  أجاب عن الاستدلال
~~بالآية ونحوها بأن ذلك من المشاكلة التقديرية كما في قوله تعالى:

# صبغة الله

# [البقرة: 138] ولا يخفى ما فيه، فالأولى القول بصحة الإطلاق عليه سبحانه
~~ابتداءا بالمعنى اللائق بجلاله جل جلاله، ومما يؤيد ذلك قوله سبحانه: {
~~والله خير المكرين } أي أقواهم مكرا وأشدهم، أو أن مكره
~~أحسن وأوقع في محله لبعده عن الظلم فإنه يبعد المشاكلة.

### || [3.55]

# { إذ قال الله } ظرف  لمكر  أو لمحذوف نحو وقع ذلك ولو قدر
~~أذكر  كما في أمثاله  لم يبعد وتعلقه بالماكرين بعيد إذ لا يظهر وجه
~~حسن لتقييد قوة مكره تعالى بهذا الوقت { يعيسى إني متوفيك
~~ورافعك إلى } أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: هذا من المقدم
~~والمؤخر أي: رافعك إلي ومتوفيك، وهذا أحد تأويلات اقتضاها مخالفة ظاهر
~~الآية للمشهور المصرح به في الآية الأخرى، وفي قوله صلى الله عليه وسلم:

# " إن عيسى لم يمت وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة "

# وثانيها: أن المراد إني مستوفي أجلك ومميتك حتف أنفك لا أسلط عليك من
~~يقتلك فالكلام كناية عن عصمته من الأعداء وما هم بصدده من الفتك به عليه
~~السلام لأنه يلزم من استيفاء الله تعالى أجله وموته حتف أنفه ذلك.
~~وثالثها: أن المراد قابضك ومستوفي شخصك من الأرض  من توفى المال  بمعنى
~~استوفاه وقبضه. ورابعها: أن المراد بالوفاة هنا النوم لأنهما أخوان ويطلق
~~كل منهما على الآخر، وقد روي عن الربيع أن الله تعالى رفع عيسى عليه
~~السلام إلى السماء وهو نائم رفقا به، وحكي هذا القول والذي قبله أيضا
~~عن الحسن. وخامسها: أن المراد أجعلك كالمتوفى لأنه بالرفع يشبهه،
~~وسادسها: أن المراد آخذك وافيا بروحك وبدنك فيكون { ورافعك إلى
~~} كالمفسر لما قبله، وسابعها: أن المراد بالوفاة موت القوى الشهوانية
~~العائقة عن إيصاله بالملكوت، وثامنها: أن ms01285 المراد مستقبل عملك، ولا يخلو
~~أكثر هذه الأوجه عن بعد لا سيما الأخير.

# وقيل: الآية محمولة على ظاهرها، فقد أخرج ابن جرير عن وهب أنه قال: توفى
~~الله تعالى عيسى ابن مريم ثلاث ساعات من النهار حتى رفعه إليه. وأخرج
~~الحاكم عنه أن الله تعالى توفى عيسى سبع ساعات ثم أحياه، وأن مريم حملت
~~به ولها ثلاث عشرة سنة وأنه رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين، وأن أمه بقيت بعد
~~رفعه ست سنين، وورد ذلك في رواية ضعيفة عن ابن عباس  والصحيح كما قاله
~~القرطبي  أن الله تعالى رفعه من غير وفاة ولا نوم  وهو اختيار الطبري
~~ والرواية الصحيحة عن ابن عباس، وحكاية أن الله تعالى توفاه سبع ساعات
~~ذكر ابن إسحق أنها من زعم النصارى. ولهم في هذا المقام كلام تقشعر منه
~~الجلود، ويزعمون أنه في الإنجيل وحاشا الله ما هو إلا افتراء وبهتان
~~عظيم، ولا بأس بنقله ورده فإن في ذلك رد دعواهم فيه عليه السلام
~~الربوبية على أتم وجه، فنقول:

# قالوا: بينما المسيح مع تلاميذه جالس ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت
~~من شهر نيسان إذ جاء يهودا الأسخريوطي أحد الاثني عشر ومعه جماعة معهم
~~السيوف والعصي من عند رؤساء الكهنة ومشايخ الشعب وقد قال لهم يهودا:
~~الرجل الذي أقبل هو هو فأمسكوه فلما رأى يهودا المسيح قال: السلام عليك
~~يا معلم ثم أمسكوه فقال يسوع: مثل ما يفعل باللصوص خرجتم لي بالسيوف
~~والعصي وأنا عندكم في الهيكل كل يوم أعلم فلم تتعرضوا لي لكن/ هذه ساعة
~~سلطان الظلمة فذهبوا به إلى رئيس الكهنة حيث تجتمع الشيوخ وتبعه بطرس من
~~بعيد ودخل معه الدار ليلا وجلس ناحية منها متنكرا ليرى ما يؤول أمره
~~إليه فالتمس المشايخ على يسوع شهادة يقتلونه بها فجاء جماعة من شهود
~~الزور فشهد منهم اثنان أن يسوع قال: أنا أقدر أن أنقض هيكل الله تعالى
~~وأبنيه في ثلاثة أيام فقال له الرئيس: ما تجيب عن نفسك بشيء؟ فسكت يسوع
~~فأقسم عليه رئيس الكهنة بالله ms01286 الحي أنت المسيح؟ فقال أنت قلت ذاك وأنا
~~أقول لكم من الآن لا ترون ابن الإنسان حتى تروه جالسا عن يمين القوة
~~وآتيا في سحاب السماء وأن ناسا من القيام ههنا لا يذوقون الموت حتى
~~يرون ابن الإنسان آتيا في ملكوته فلما سمع رئيس الكهنة ذلك شق ثيابه
~~وقال: ما حاجتنا إلى شهادة يهودا قد سمعتم ماذا ترون في أمره؟ فقالوا:
~~هذا مستوجب الموت فحينئذ بصقوا في وجه البعيد ولطموه وضربوه وهزأوا به
~~وجعلوا يلطمونه ويقولون: بين لنا من لطمك ولما كان من الغد أسلموه
~~لفيلاطس القائد فتصايح الشعب بأسره  يصلب يصلب  فتحرج فيلاطس من قتله،
~~وقال: أي شر فعل هذا فقال الشيوخ: دمه عليهم وعلى أولادهم فحينئذ ساقه
~~جند القائد إلى الأبروطوريون فاجتمع عليه الشعب ونزعوه ثيابه وألبسوه
~~لباسا أحمر وضفروا إكليلا من الشوك وتركوه على رأسه وجعلوا في يده
~~قصبة ثم جثوا على ركبهم يهزأون به ويقولون: السلام عليك يا ملك اليهود
~~وشرعوا يبصقون عليه ويضربونه في رأسه ثم ذهبوا به وهو يحمل صليبه إلى
~~موضع يعرف بالجمجمة فصلبوه وسمروا يديه على الخشبة فسألهم شربة ماء
~~فأعطوه خلا مدافا بمر فذاقه ولم يسغه وجلس الشرط فاقتسموا ثيابه بينهم
~~بالقرعة وجعلوا عند رأسه لوحا مكتوبا هذا يسوغ ملك اليهود استهزاءا
~~به، ثم جاءوا بلصين فجعلوهما عن يمينه وشماله تحقيرا له وكان اليهود
~~يقولون له: يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلص نفسك وإن كنت ابن
~~الله كما تقول انزل عن الصليب، وقال اليهود: هذا يزعم أنه خلص غيره فكيف
~~لم يقدر على خلاص نفسه إن كان متوكلا على الله تعالى فهو ينجيه مما هو
~~فيه؟ ولما كان ست ساعات من يوم الجمعة صرخ يسوع وهو على الصليب بصوت عظيم
~~ آلوي آلوي إيما صاصا أي إلهي إلهي لم تركتني وخذلتني وأخذ اليهود
~~سفنجة فيها خل ورفعها أحدهم على قصبة وسقاه، وقال آخر: دعوه حتى نرى من
~~يخلصه فصرخ يسوع وأمال رأسه وأسلم الروح وانشق حجاب الهيكل وانشقت الصخور
~~وتفتحت ms01287 القبور وقام كثير من القديسين من قبورهم ودخلوا المدينة المقدسة
~~وظهروا للناس ولما كان المساء جاء رجل من ألزامه يسمى يوسف بلفائف نقية
~~وتركه في قبر كان قد نحته في صخرة ثم جعل على باب القبر حجرا عظيما
~~وجاء مشايخ اليهود من الغد الذي بعد الجمعة إلى فيلاطس القائد فقالوا: يا
~~سيدي ذكرنا أن ذاك الضال كان قد ذكر لتلاميذه أنا أقوم بعد ثلاثة أيام
~~فلو أمرت من يحرس القبر حتى تمضي المدة كي لا تأتي تلاميذه ويسرقوه ثم
~~يشيعون في الشعب أنه قام فتكون الضلالة الثانية شرا من الأولى فقال لهم
~~القائد: اذهبوا وسدوا عليه واحرسوه كما تريدون فمضوا وفعلوا ما أرادوا،
~~وفي عشية يوم السبت جاءت مريم المجدلانية ومريم رفيقتها لينظرن إلى
~~القبر.

# وفي «إنجيل مرقص» إنما جاءت مريم يوم الأحد بغلس وإذا ملك قد نزل من
~~السماء برجة عظيمة فألقى الحجر عن القبر وجلس عنده وعليه ثياب بيض كالبرق
~~فكاد الحرس أن يموتوا من هيبته ثم قال للنسوة: لا تخافا قد علمت أنكما
~~جئتما تطلبان يسوع المصلوب ليس هو ههنا إنه قد قام تعالين انظرن إلى
~~المكان الذي كان فيه الرب واذهبا وقولا لتلاميذه إنه سبقكم إلى الخليل
~~فمضتا وأخبرتا التلاميذ ودخل الحراس وأخبروا رؤساء الكهنة الخبر/ فقالوا:
~~لا تنطقوا بهذا ورشوهم بفضة على كتمان القضية فقبلوا ذلك منهم وأشاعوا أن
~~التلاميذ جاءوا وسرقوه ومهدت المشايخ عذرهم عند القائد ومضت الأحد عشر
~~تلميذا إلى الخليل وقد شك بعضهم، وجاء لهم يسوع وكلمهم وقال لهم: اذهبوا
~~فعمدوا كل الأمم وعلموهم ما أوصيكم به، وهو ذا أنا معكم إلى انقضاء الدهر
~~انتهى.

# وههنا أمور: الأول: أنه يقال للنصارى: ما ادعيتموه من قتل المسيح وصلبه
~~أتنقلونه تواترا أو آحادا فإن زعموا أنه آحاد لم تتم بذلك حجة ولم يثبت
~~العلم إذ الآحاد لم يؤمن عليهم السهو والغفلة والتواطؤ على الكذب، وإذا
~~كان الآحاد يعرض لهم ذلك فكيف يحتج بقولهم في القطعيات؟! وإن عزوا ذلك
~~إلى التواتر قلنا لهم: أحد شروط ms01288 التواتر استواء الطرفين فيه والواسطة بأن
~~يكون الإخبار في كل طبقة ممن لا يمكن مواطأته على الكذب فإن زعمتم أن خبر
~~قتل المسيح كذلك أكذبتم نصوص الإنجيل الذي بأيديكم إذ قال نقلته الذين
~~دونوه لكم  وعليه معولكم : إن المأخوذ للقتل كان في شرذمة قليلة من
~~تلامذته فلما قبض عليه هربوا بأسرهم ولم يتبعه سوى بطرس من بعيد فلما دخل
~~الدار حيث اجتمعوا نظرت جارية منهم إليه فعرفته فقالت: هذا كان مع يسوع
~~فحلف أنه لا يعرف يسوع ولا يقول بقوله وخادعهم حتى تركوه وذهب، ولم يكد
~~يذهب وأن شابا آخر تبعه وعليه إزار فتعلقوا به فترك إزاره بأيديهم وذهب
~~عريانا فهؤلاء أصحابه وأتباعه لم يحضر أحد منهم بشهادة الإنجيل، وأما
~~أعداؤه اليهود الذين تزعمون أنهم حضروا الأمر فلا نسلم أنهم بلغوا عدد
~~التواتر بل كانوا آحادا وهم أعداء يمكن تواطؤهم على الكذب على عدوهم
~~إيهاما منهم أنهم ظفروا به وبلغوا منه أمانيهم فانخرم شرط التواتر.

# ويؤيد هذا أن رؤساء الكهنة فيما زعمتم رشوا الحراس فلا يبعد أن تكون هذه
~~العصابة من اليهود صلبوا شخصا من أصحاب يسوع وأوهموا الناس أنه المسيح
~~لتتم لهم أغراضهم على أن الأخباريين ذكروا أن بختنصر قتل علماء اليهود في
~~مشارق الأرض ومغاربها لأنهم حرفوا التوراة وزادوا فيها ونقصوا حتى لم يبق
~~منهم إلا شرذمة، فالمخبرون لم يبلغوا حد التواتر في الطبقة الوسطى أيضا.

# الثاني: أن في هذا الفصل ما تحكم البداهة بكذبه، وما تضحك الثكلى منه،
~~وما يبعده العقل مثل قوله للكهنة: إنكم من الآن ما ترون ابن الإنسان 
~~يريدون بالإنسان الرب سبحانه  فإنه لم يرد إطلاق ذلك عليه جل شأنه في
~~كتاب، وقوله: إن ناسا من القيام ههنا الخ فإنه لم ير أحد من القيام
~~هناك قبل موتة عيسى عليه السلام آتيا في ملكوته، وقول الملك للنسوة:
~~تعالين فانظرن إلى الموضع الذي كان فيه الرب فإنه يقال فيه: أرب يقبر
~~وإله يلحد، أف لتراب يغشى وجه هذا الإله، وتبا لكفن ستر محاسنه، وعجبا
~~للسماء ms01289 كيف لم تبد  وهو سامكها  وللأرض لم تمد  وهو ماسكها  وللبحار
~~كيف لم تغض  وهو مجريها  وللجبال كيف لم تسر  وهو مرسيها  وللحيوان
~~كيف لم يصعق  وهو مشبعه  وللكون كيف لم يمحق  وهو مبدعه  سبحان الله
~~كيف استقام الوجود والرب في اللحود، وكيف ثبت العالم على نظام والإله في
~~الرغام إنا لله وإنا إليه راجعون على المصيبة بهذا الرب والرزية بهذا
~~الإله لقد ثكلته أمه، وعدمه لا أبا لك قومه؟ وقوله: إلهي إلهي لم خذلتني
~~فإنه ينافي الرضا بمر  القضاء، ويناقض التسليم لأحكام الحكيم، وذلك لا
~~يليق بالصالحين فضلا عن المرسلين على أنه يبطل دعوى الربوبية التي
~~تزعمونها والألوهية التي تعتقدونها، وقولهم: إنه قام كثير من القديسين من
~~قبورهم الخ فإنه كذب صريح لأنه لو كان صحيحا لأطبق الناس على نقله ولزال
~~الشك عن تلك الجموع في أمر يسوع، وقولهم: مضت الأحد عشر/ تلميذا إلى
~~الخليل الخ فإنه قد انطفأ فيه سراج التلميذ الثاني عشر على ما يقتضيه قول
~~المسيح: ويل لمن يسلم ابن الإنسان مع أن يسوع بزعمكم قال لتلاميذه الاثني
~~عشر وفيهم يهودا الإسخريوطي الذي أسلمه للقتل: إنكم ستجلسون يوم القيامة
~~على اثني عشر كرسيا تدينون اثني عشر سبط بني إسرائيل، وقولهم: إنهم
~~سألهم شربة ماء فإنه في غاية البعد لأن الإنجيل مصرح بأن المسيح كان يطوي
~~أربعين يوما وأربعين ليلة ومثله لا يجزع من فراق الماء ساعة لا سيما وقد
~~كان يقول لتلاميذه: إن لي طعاما لا تعرفونه إلى غير ذلك.

# الثالث: إن ما ذكروا من قيام المسيح من قبره ليلة السبت مع صلبه يوم
~~الجمعة مخالف لما رواه «متى في إنجيله» فإنه قال فيه: سأل اليهود المسيح
~~أن يريهم آية فقال: الجيل الشرير الفاسق يطلب آية فلا يعطى إلا آية
~~يونيان النبي  يعني يونس عليه السلام  لأنه أقام في بطن الحوت ثلاثة
~~أيام وثلاث ليال وكذلك ابن الإنسان يقيم في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث
~~ليال الرابع: أن في هذه القصة ما يدل دلالة واضحة على ms01290 أن المصلوب هو
~~الشبه وأن الله تعالى حمى المسيح عليه السلام عن الصلب كما سيتضح لك مع
~~زيادة تحقيق عند قوله تعالى:

# وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم

# [النساء: 157].

# هذا وإنما أكد الحكم السابق اعتناءا به أو لأن تسلط الكفار عليه جعل
~~المقام مقام اعتقاد أنهم يقتلونه، وأراد سبحانه بقوله: { ورافعك
~~إلى } رافعك إلى سمائي، وقيل: إلى كرامتي، وعلى كل فالكلام على حذف
~~مضاف إذ من المعلوم أن البارىء سبحانه ليس بمتحيز في جهة، وفي رفعه إلى
~~أي سماء خلاف، والذي اختاره الكثير من العارفين أنه رفع إلى السماء
~~الرابعة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه رفعه إلى السماء الدنيا
~~فهو فيها يسبح مع الملائكة ثم يهبطه الله تعالى عند ظهور الدجال على صخرة
~~بيت المقدس. وفي الخازن أنه سبحانه لما رفعه عليه السلام إليه كساه الريش
~~وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فطار مع الملائكة فهو معهم حول
~~العرش وصار إنسيا ملكيا أرضيا سماويا.

# وأورد بعض الناس ههنا إشكالات وهي أن الله تعالى كان قد أيده بجبريل
~~عليه السلام كما قال سبحانه:

# وأيدنه بروح القدس

# [البقرة: 87] ثم إن طرف جناح من أجنحة جبريل كان يكفي للعالم فكيف لم
~~يكف في منع أولئك اليهود عنه؟ وأيضا أنه عليه السلام لما كان قادرا على
~~إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فكيف لم يقدر على إماتتهم ودفع
~~شوكتهم، أو على إسقامهم وإلقاء الزمانة والفلج عليهم حتى يصيروا عاجزين
~~من التعرض له؟ وأيضا لما خلصه من الأعداء بأن رفعه إلى السماء فما
~~الفائدة في إلقاء شبهه على الغير؟

# وأجيب عن الكل بأن بناء التكليف على الاختيار، ولو أقدر الله تعالى
~~جبريل، أو عيسى عليهما السلام على دفع الأعداء، أو رفعه من غير إلقاء
~~شبهه إلى السماء لبلغت معجزته إلى حد الإلجاء، والقول  بأن فتح باب
~~إلقاء الشبه يوجب ارتفاع الأمان عن المحسوسات وأنه يفضي إلى سقوط الشرائع
~~وإبطال التواتر، وأيضا إن في ذلك الإلقاء تمويها وتخليطا وذلك لا يليق
~~بحكمة ms01291 الله تعالى  ليس بشيء، أما أولا: فلأن إلقاء شبه شخص على آخر وإن
~~كان ممكنا في نفسه إلا أن الأصل عدم الإلقاء واستقلال كل من الحيوان
~~بصورته التي هي له، نعم لو أخبر الصادق بإلقاء صورة شخص على آخر قلنا به
~~واعتقدناه فحينئذ لا يرتفع الأمان عن المحسوسات بل هي باقية على الأصل
~~فيها فيما لم يخبر الصادق بخلافه على أن إبطال التواتر بفتح هذا الباب
~~ممنوع لأنه لم يشترط في الخبر أن يكون عن أمر ثابت في نفس الأمر بل يكفي
~~فيه كونه عن أمر محسوس على ما قاله بعض المحققين، وأما ثانيا: فلأن
~~التمويه والتلبيس إن كان على الأعداء فلا نسلم أنه مما لا يليق بالحكمة
~~وإن كانت النجاة مما تمكن بدون الإلقاء وإن كان ذلك على أوليائه فلا نسلم
~~أن في الإلقاء تمويها لأنهم كانوا عارفين يقينا بأن المطلوب الشبه لا
~~عيسى عليه السلام كما ستعرفه إن شاء/ الله تعالى.

# والقول  بأن المطلوب قد ثبت بالتواتر أنه بقي حيا زمانا طويلا فلولا
~~أنه كان عيسى لأظهر الجزع وعرف نفسه ولو فعل ذلك لاشتهر وتواتر  ليس
~~بشيء أيضا، أما أولا: فلأن دعوى تواتر بقاء المصلوب حيا زمانا طويلا
~~مما لم يثبتها برهان والثابت أن المصلوب إنما صلب في الساعة الثانية من
~~يوم الجمعة ومات في الساعة السادسة من ذلك اليوم وأنزل ودفن، ومقدار أربع
~~ساعات لا يعد زمانا طويلا كما لا يخفى، وأما ثانيا: فلأن عدم تعريف
~~المصلوب نفسه إما لأنه أدركته دهشة منعته من البيان والإيضاح، أو لأن
~~الله تعالى أخذ على لسانه فلم يستطع أن يخبر عن نفسه صونا لنبيه عليه
~~السلام أن يفصح الرجل عن أمره، أو لأنه لصديقيته آثر المسيح بنفسه وفعل
~~ذلك بعهد عهده إليه رغبة في الشهادة، ولهذا ورى في الجواب الذي نقلته
~~النصارى في القصة وقد وعد المسيح عليه السلام التلاميذ  على ما نقلوا
~~قبل  بقولهم لو دفعنا إلى الموت معك لمتنا والشبه من جملتهم فوفى بما
~~وعد من نفسه على ms01292 عادة الصديقين من أصحاب الأنبياء عليهم السلام فهو من
~~رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ومن ذهب إلى أن الشبه كان من الأعداء لا
~~من الأولياء روي أنه جعل يقول لليهود عند الصلب: لست المسيح وإنما أنا
~~صاحبكم لكنه لم يسمع ولم يلتفت إلى قوله وصلبوه، والقول  بأنه لو كان
~~ذلك لتواتر  لا يخفى ما فيه لمن أحاط بما ذكرناه خبرا فتأمل.

# { ومطهرك من الذين كفروا } يحتمل أن يكون تطهيره عليه
~~السلام بتبعيده منهم بالرفع، ويحتمل أن يكون بنجاته مما قصدوا فعله به من
~~القتل، وفي الأول: جعلهم كأنهم نجاسة، وفي الثاني: جعل فعلهم كذلك والأول
~~هو الظاهر  وإلى الثاني ذهب الجبائي . والمراد من الموصول اليهود، وأتى
~~بالظاهر  على ما قيل  دون الضمير: إشارة إلى علة النجاسة وهي الكفر.
~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن أن المراد من الموصول اليهود
~~والنصارى والمجوس وكفار قومه.

# { وجاعل الذين اتبعوك } قال قتادة والحسن وابن جريج وخلق
~~كثير: هم أهل الإسلام اتبعوه على ملته وفطرته من أمة محمد صلى الله عليه
~~وسلم { فوق الذين كفروا } وهم اليهود أو سائر من شمله هذا
~~المفهوم فإن المؤمنين يعلونهم بالحجة، أو السيف في غالب الأمر. وأخرج ابن
~~جرير عن ابن زيد أن المراد من الموصول الأول النصارى، ومن الثاني اليهود
~~وقد جعل سبحانه النصارى فوق اليهود فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم
~~فوق اليهود في شرق الدنيا وغربها، وعلى هذا يكون المراد من الاتباع مجرد
~~الادعاء والمحبة ولا يضر في غلبتهم على اليهود غلبة المسلمين عليهم، وإذا
~~أريد بالاتباع ما يشمل اتباع المسلمين، وهذا الاتباع يصح أن يراد
~~بالمتبعين ما يشمل المسلمين والنصارى مطلقا من آمن به قبل مجىء نبينا
~~صلى الله عليه وسلم ونسخ شريعته، ومن آمن بزعمه بعد ذلك  وقد يراد من
~~الاتباع  الاتباع بالمعنى الأول فيجوز أن يراد من المتبعين المسلمون،
~~والقسم الأول: من النصارى، وتخصيص المتبعين بهذه الأمة  وحمل الاتباع
~~على المجىء بعد  مما لا ينبغي أن يخرج عليه ms01293 الكتاب الكريم كجعل الخطاب
~~للنبي صلى الله عليه وسلم وأن الوقف على { الذين كفروا }  {
~~إلى يوم القيمة } متعلق بالجعل أو بالاستقرار المقدر في
~~الظرف، وليس المراد أن ذلك ينتهي حينئذ ويتخلص الذين كفروا من الذلة بل
~~المراد أن المتبعين يعلونهم إلى تلك الغاية فأما بعدها فيفعل الله تعالى
~~ما يريد. ومن الناس من حمل الفوقية  على العلو الرتبي والفوقية بحسب
~~الشرف وجعل التقييد بيوم القيامة للتأييد/ كما في قولهم ما دامت السماء،
~~وما دار الفلك بناءا على ظن أن عدم انتهاء علو المؤمنين وذلة الكافرين
~~إلى ذلك اليوم موجب لهذا الجعل  وليس بذلك.

# { ثم إلي مرجعكم } أي مصيركم بعد يوم القيامة ورجوعكم،
~~والضمير لعيسى عليه السلام والطائفتين، وفيه تغليب على الأظهر، و { ثم
~~} للتراخي؛ وتقديم الظرف للقصر المفيد لتأكيد الوعد والوعيد، ويحتمل أن
~~يكون الضمير لمن اتبع وكفر فقط، وفيه التفات للدلالة على شدة إرادة إيصال
~~الثواب والعقاب لدلالة الخطاب على الاعتناء. { فأحكم بينكم }
~~أي فأقضي بينكم إثر رجوعكم إلي ومصيركم بين يدي { فيما كنتم فيه
~~تختلفون } من أمور الدين، أو من أمر عيسى عليه السلام، والظرف
~~متعلق بما بعده وقدم رعاية للفواصل.

### || [3.56]

# { فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا }
~~تفسير للحكم المدلول عليه بقوله سبحانه:

# فأحكم

# [آل عمران: 55] وتفصيل له على سبيل التقسيم بعد الجمع، وإلى ذلك ذهب
~~كثير من المحققين، واعترض بأن الحكم مرتب على الرجوع إلى الله تعالى وذلك
~~في القيامة لا محالة، فكيف يصح تفسيره بالعذاب المقيد بقوله تعالى: { فى
~~الدنيا والأخرة }؟ وأجيب بوجوه الأول: أن المقصود التأبيد وعدم
~~الانقطاع من غير نظر إلى الدنيا والآخرة، الثاني: أن المراد بالدنيا
~~والآخرة مفهومهما اللغوي أي الأول والآخر، ويكون ذلك عبارة عن الدوام
~~وهذا أبعد من الأول جدا. الثالث: ما ذكر صاحب «الكشف» من أن المرجع أعم
~~من الدنيوي والأخروي، وقوله سبحانه:

# إلى يوم القيمة

# [آل عمران: 55] غاية الفوقية لا غاية الجعل، والرجوع متراخ عن الجعل وهو
~~غير محدود على وزان قولك: سأعيرك سكنى هذا البيت إلى شهر ms01294 ثم أخلع عليك
~~بثوب من شأنه كذا وكذا فإنه يلزم تأخر الخلع عن الإعارة لا الخلع، وعلى
~~هذا توفية الأجر لغنم الدارين، ولا يخفى أن في لفظ { كنتم } في
~~قوله جل وعلا:

# فيما كنتم فيه تختلفون

# [آل عمران: 55] بعض نبوة عن هذا المعنى، وأن المعنى  أحكم بينكم في
~~الآخرة فيما كنتم فيه تختلفون في الدنيا . الرابع: أن العذاب في الدنيا
~~هو الفوقية عليهم، والمعنى أضم إلى عذاب الفوقية السابقة عذاب الآخرة قال
~~في «الكشف»: وفيه تقابل حسن وإن هذه الفوقية مقدمة عذاب الآخرة ومؤكدته،
~~وإدماج أنها فوقية عدل لا تسلط وجود، ولا يخفى أنه بعيد من اللفظ جدا إذ
~~معنى أعذبه في الدنيا والآخرة ليس إلا أني أفعل عذاب الدارين إلا أن
~~يقال: إن اتخاذ الكل لا يلزم أن يكون باتخاذ كل جزء فيجوز أن يفعل في
~~الآخرة تعذيب الدارين بأن يفعل به عذاب الآخرة وقد فعل في الدنيا عذاب
~~الدنيا فيكون تمام العذابين في الآخرة. الخامس: أن في الدنيا والآخرة
~~متعلق  بشديد  تشديدا لأمر الشدة وليس بشيء كما لا يخفى.

# والأولى من هذا كله ما ذكره بعض المحققين أن يحمل معنى

# ثم

# [آل عمران: 55] على التراخي الرتبي والترقي من كلام إلى آخر لا على
~~التراخي في الزمان فحينئذ لا يلزم أن يكون رجوعهم إلى الله تعالى
~~متأخرا عن الجعل في الزمان سواء كان قوله جل شأنه:

# إلى يوم القيمة

# [آل عمران: 55] غاية للجعل أو الفوقية فلا محذور، ثم إن المراد بالعذاب
~~في الدنيا إذلالهم بالقتل والأسر والسبي وأخذ الجزية ونحو ذلك، ومن لم
~~يفعل معه شيء من وجوه الإذلال فهو على وجل إذ يعلم أن الإسلام يطلبه وكفى
~~بذلك عذابا، وبالعذاب في الآخرة عقاب الأبد في النار.

# { وما لهم من نصرين } أي أعوان يدفعون عنهم عذاب الله،
~~وصيغة الجمع  كما قال مولانا مفتي الروم  لمقابلة ضمير الجمع أي ليس
~~لكل واحد منهم ناصر واحد.

### || [3.57]

# / { وأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } بيان
~~لحال القسم الثاني، وبدأ بقسم

# الذين كفروا

# [آل ms01295 عمران: 56] لأن ذكر ما قبله من حكم الله تعالى بينهم أول ما يتبادر
~~منه في بادىء النظر التهديد فناسب البداءة بهم ولأنهم أقرب في الذكر
~~لقوله تعالى:

# فوق الذين كفروا

# [آل عمران: 55] ولكون الكلام مع اليهود الذين كفروا بعيسى عليه السلام
~~وهموا بقتله { فيوفيهم أجورهم } أي فيوفر عليهم ويتمم جزاء
~~أعمالهم القلبية والقالبية ويعطيهم ثواب ذلك وافيا من غير نقص. وزعم
~~بعضهم أن توفية الأجور هي قسم المنازل في الجنة  والظاهر أنها أعم من
~~ذلك  وعلق التوفية على الإيمان والعمل الصالح ولم يعلق العذاب بسوى
~~الكفر تنبيها على درجة الكمال في الإيمان ودعاءا إليها وإيذانا بعظم
~~قبح الكفر، وقرأ حفص. ورويس عن يعقوب  فيوفيهم  بياء الغيبة، وزاد رويس
~~ضم الهاء، وقرأ الباقون بالنون جريا على سنن العظمة والكبرياء، ولعل وجه
~~الالتفات إلى الغيبة على القراءة الأولى الإيذان بأن توفية الأجر مما لا
~~يقتضي لها نصب نفس لأنها من آثار الرحمة الواسعة ولا كذلك العذاب،
~~والموصول في الآيتين مبتدأ خبره ما بعد الفاء، وجوز أن يكون منصوبا بفعل
~~محذوف يفسره ما ذكر، وموضع المحذوف بعد الصلة  كما قال أبو البقاء  ولا
~~يجوز أن يقدر قبل الموصول لأن  أما  لا يليها الفعل.

# { والله لا يحب الظلمين } أي لا يريد تعظيمهم ولا
~~يرحمهم ولا يثني عليهم، أو المراد يبغضهم على ما هو الشائع في مثل هذه
~~العبارة، والجملة تذييل لما قبل مقرر لمضمونه.

### || [3.58]

# { ذلك } أي المذكور من أمر عيسى عليه السلام والإتيان بما يدل على
~~البعد للإشارة إلى عظم شأن المشار إليه وبعد منزلته في الشرف. {
~~نتلوه عليك } أي نسرده ونذكره شيئا بعد شيء، والمراد تلوناه إلا
~~أنه عبر بالمضارع استحضارا للصورة الحاصلة اعتناءا بها، وقيل: يمكن
~~الحمل على الظاهر لأن قصة عيسى عليه السلام لم يفرغ منها بعد { من
~~الأيت } أي الحجج الدالة على صدق نبوتك إذ أعلمتهم بما لا يعلمه
~~إلا قارىء كتاب، أو معلم ولست بواحد منهما فلم يبق إلا أنك قد عرفته من
~~طريق الوحي { والذكر } أي القرآن، ms01296 وقيل: اللوح المحفوظ وتفسيره به
~~لاشتماله عليه، و { من } تبعيضية على الأول، وابتدائية على الثاني
~~وحملها على البيان وإرادة بعض مخصوص من القرآن بعيد { الحكيم } أي
~~المحكم المتقن نظمه، أو الممنوع من الباطل، أو صاحب الحكمة، وحينئذ يكون
~~استعماله لما صدر عنه مما اشتمل على حكمته؛ إما على وجه الإستعارة
~~التبعية في لفظ حكيم، أو الإسناد المجازي بأن أسند للذكر ما هو لسببه
~~وصاحبه، وجعله من باب الاستعارة المكنية التخييلية بأن شبه القرآن بناطق
~~بالحكمة وأثبت له الوصف  بحكيم  تخييلا محوج إلى تكلف مشهور في دفع
~~شبهة ذكر الطرفين حينئذ فتأمل.

# وجوز في الآية أوجه من الإعراب، الأول: أن ذلك مبتدأ، و { نتلوه }
~~خبره، و { عليك } متعلق بالخبر، و { من الأيت } حال من
~~الضمير المنصوب، أو خبر بعد خبر، أو هو الخبر وما بينهما حال من اسم
~~الإشارة على أن العامل فيه معنى الإشارة لا الجار والمجرور قيل: لأن
~~الحال لا يتقدم العامل المعنوي، الثاني: أن يكون ذلك خبرا لمحذوف أي:
~~الأمر ذلك، و { نتلوه } في موضع الحال من { ذلك } و { من
~~الأيت } حال من الهاء، الثالث: أن يكون ذلك في موضع نصب بفعل دل
~~عليه  نتلو  فيكون { من الأيت } حالا من الهاء أيضا.

### || [3.59]

# { إن مثل عيسى } / ذكر غير واحد أن وفد نجران قالوا لرسول الله
~~صلى الله عليه وسلم: مالك تشتم صاحبنا؟ قال: ما أقول؟ قالوا: تقول: إنه
~~عبد الله قال: أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول
~~فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنسانا قط من غير أب فإن كنت صادقا فأرنا مثله
~~فأنزل الله تعالى هذه الآية». وأخرج البيهقي في «الدلائل» من طريق سلمة
~~بن عبد يسوع عن أبيه عن جده «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى
~~أهل نجران قبل أن ينزل عليه

# طس

# [النمل: 1] سليمان: بسم إله إبراهيم وإسحق ويعقوب من محمد رسول الله إلى
~~أسقف نجران وأهل نجران إن أسلمتم فإني أحمد الله إليكم إله إبراهيم وإسحق
~~ويعقوب أما بعد ms01297 فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد وأدعوكم إلى
~~ولاية الله من ولاية العباد فإن أبيتم فالجزية فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب
~~والسلام " ، فلما قرأ الأسقف الكتاب فظع به وذعر ذعرا شديدا فبعث إلى
~~رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة فدفع إليه كتاب رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فقرأه فقال له الأسقف: ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما
~~وعد الله تعالى إبراهيم في ذرية إسمعيل من النبوة فما يؤمن أن يكون هذا
~~الرجل نبيا وليس لي في النبوة رأي لو كان أمر من أمر الدنيا أشرت عليك
~~فيه وجهدت لك فبعث الأسقف إلى واحد بعد واحد من أهل نجران فكلهم قال مثل
~~قول شرحبيل فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل وعبد الله بن شرحبيل،
~~وحيار بن قنص فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق الوفد
~~حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم وسألوه فلم تزل به وبهم
~~المسألة حتى قالوا: ما تقول في عيسى ابن مريم؟ فقال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم: ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في
~~عيسى صبح الغداة فأنزل الله هذه الآية { إن مثل عيسى } إلى قوله
~~سبحانه:

# فنجعل لعنت الله على الكذبين

# [آل عمران: 61] فأبوا أن يقروا بذلك فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميلة
~~له وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة وله يومئذ عدة نسوة فقال شرحبيل
~~لصاحبيه: إنى أرى أمرا ثقيلا إن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فتلاعناه
~~لا يبقى على ظهر الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك فقالا له: ما رأيك؟ فقال:
~~رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا فقالا له: أنت وذاك
~~فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت خيرا من
~~ملاعنتك قال: وما هو؟ قال: حكمك اليوم إلى الليل وليلك إلى الصباح فما ms01298
~~حكمت فينا فهو جائز فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلاعنهم
~~وصالحهم على الجزية، وروي غير ذلك كما سيأتي قريبا، و  المثل  هنا ليس
~~هو المثل المستعمل في التشبيه والكاف زائدة  كما قيل به  بل بمعنى
~~الحال والصفة العجيبة أي: إن صفة عيسى { عند الله } أي: في تقديره
~~وحكمه، أو فيما غاب عنكم ولم تطلعوا على كنهه، والظرف متعلق فيما تعلق به
~~الجار في قوله سبحانه: { كمثل ءادم } أي كصفته وحاله العجيبة التي
~~لا يرتاب فيها مرتاب

# { خلقه من تراب } جملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب مبينة
~~لوجه الشبه باعتبار أن في كل الخروج عن العادة وعدم استكمال الطرفين،
~~ويحتمل أنه جيء بها لبيان أن المشبه به أغرب وأخرق للعادة فيكون ذلك أقطع
~~للخصم وأحسم لمادة شبهته، و { من } لابتداء الغاية متعلقة بما عندها،
~~والضمير المنصوب  لآدم  والمعنى ابتدأ خلق قالبه من هذا الجنس { ثم
~~قال له كن فيكون } أي صر بشرا فصار، فالتراخي على هذا زماني إذ
~~بين إنشائه مما ذكر وإيجاد الروح فيه وتصييره لحما ودما زمان طويل، فقد
~~روي أنه بعد أن خلق قالبه بقي ملقى/ على باب الجنة أربعين سنة لم تنفخ
~~فيه الروح؛ والتعبير بالمضارع مع أن المقام مقام المضي لتصوير ذلك الأمر
~~الكامل بصورة المشاهد الذي يقع الآن إيذانا بأنه من الأمور المستغربة
~~العجيبة الشأن، وجوز أن يكون التعبير بذلك لما أن الكون مستقبل بالنظر
~~إلى ما قبله، وذهب كثير من المحققين إلى أن { ثم } للتراخي في الإخبار
~~لا في المخبر به، وحملوا الكلام على ظاهره، ولا يضر تقدم القول على الخلق
~~في هذا الترتيب والتراخي  كما لا يخفى، والضمير المجرور عائد على ما عاد
~~عليه الضمير المنصوب، والقول  بأنه عائد على عيسى  ليس بشيء لما فيه من
~~التفكيك الذي لا داعي إليه ولا قرينة تدل عليه.

# قيل: وفي الآية دلالة على صحة النظر والاستدلال لأنه سبحانه احتج على
~~النصارى وأثبت جواز خلق عيسى عليه السلام من غير أب بخلق آدم ms01299 عليه السلام
~~من غير أب ولا أم، ثم إن الظاهر أن عيسى عليه السلام خلقه الله سبحانه من
~~نطفة مريم عليها السلام بجعلها قابلة لذلك ومستعدة له كما أشرنا إليه
~~فيما تقدم. والقول  بأنه خلق من الهواء كما خلق آدم من التراب  مما لا
~~مستند له من عقل ولا نقل و

# فنفخنا فيه من روحنا

# [التحريم: 12] لا يدل عليه بوجه أصلا.

### || [3.60]

# { الحق من ربك } خبر لمحذوف أي هو الحق، وهو راجع إلى البيان،
~~والقصص المذكور سابقا. والجار والمجرور حال من الضمير في الخبر، وجوز أن
~~يكون { الحق } مبتدأ، و { من ربك } خبره، ورجح الأول بأن المقصود
~~الدلالة على كون عيسى مخلوقا كآدم عليهما السلام هو { الحق } لا ما
~~يزعمه النصارى، وتطبيق كونهما مبتدأ وخبرا على هذا المعنى لا يتأتى إلا
~~بتكلف إرادة أن كل حق، أو جنسه من الله تعالى، ومن جملته هذا الشأن، أو
~~حمل اللام على العهد بإرادة { الحق } المذكور، ولا يخفى ما في التعرض
~~لعنوان الربوبية من الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من اللطافة
~~الظاهرة.

# { فلا تكن من الممترين } خطاب له صلى الله عليه وسلم، ولا
~~يضر فيه استحالة وقوع الامتراء منه عليه الصلاة والسلام كما في قوله
~~تعالى:

# ولا تكونن من المشركين

# [يونس: 105] بل قد ذكروا في هذا الأسلوب فائدتين. إحداهما: أنه صلى الله
~~عليه وسلم إذا سمع مثل هذا الخطاب تحركت منه الأريحية فيزداد في الثبات
~~على اليقين نورا على نور وثانيتهما: أن السامع يتنبه بهذا الخطاب على
~~أمر عظيم فينزع وينزجر عما يورث الامتراء لأنه صلى الله عليه وسلم مع
~~جلالته التي لا تصل إليها الأماني إذا خوطب بمثله فما يظن بغيره ففي ذلك
~~زيادة ثبات له صلوات الله تعالى وسلامه عليه ولطف بغيره، وجوز أن يكون
~~خطابا لكل من يقف عليه ويصلح للخطاب.

### || [3.61]

# { فمن حآجك } أي جادلك وخاصمك من وفد نصارى نجران إذ هم المتصدون
~~لذلك { فيه } أي في شأن عيسى عليه السلام لأنه المحدث عنه وصاحب القصة،
~~وقيل: ms01300 الضمير للحق المتقدم لقربه وعدم بعد المعنى { من بعد ما
~~جآءك من العلم } أي الآيات الموجبة للعلم، وإطلاق العلم عليها
~~إما حقيقة لأنها كما قيل: نوع منه، وإما مجاز مرسل، والقرينة عليه ذكر
~~المحاجة المقتضية للأدلة، والجار والمجرور الأخير حال من فاعل { جاءك }
~~الراجع إلى { ما } الموصولة، و { من } من ذلك تبعيضية، وقيل: لبيان
~~الجنس.

# { فقل } أي  لمن حاجك  { تعالوا } أي أقبلوا بالرأي والعزيمة،
~~وأصله طلب الإقبال إلى مكان مرتفع، ثم توسع فيه فاستعمل في مجرد طلب
~~المجيء { ندع أبناءنآ وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم
~~وأنفسنا وأنفسكم } أي يدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه
~~للمباهلة، وفي تقديم من قدم على النفس في المباهلة مع أنها من مظان/
~~التلف والرجل يخاطر لهم بنفسه إيذانا بكمال أمنه صلى الله عليه وسلم
~~وكمال يقينه في إحاطة حفظ الله تعالى بهم، ولذلك  مع رعاية الأصل في
~~الصيغة فإن غير المتكلم تبع له في الإسناد  قدم صلى الله عليه وسلم
~~جانبه على جانب المخاطبين.

# { ثم نبتهل } أي نتباهل، فالافتعال هنا بمعنى المفاعلة، وافتعل
~~وتفاعل أخوان في كثير من المواضع  كاشتور وتشاور، واجتور وتجاور ،
~~والأصل في البهلة  بالضم، والفتح فيه  كما قيل  اللعنة، والدعاء بها،
~~ثم شاعت في مطلق الدعاء كما يقال: فلان يبتهل إلى الله تعالى في حاجته،
~~وقال الراغب: بهل الشيء والبعير إهماله وتخليته ثم استعمل في الاسترسال
~~في الدعاء سواء كان لعنا أو لا إلا أنه هنا يفسر باللعن لأنه المراد
~~الواقع كما يشير إليه قوله تعالى: { فنجعل لعنت الله على
~~الكذبين } أي في أمر عيسى عليه السلام فإنه معطوف على (نبتهل)
~~مفسر للمراد منه أي نقول لعنة الله على الكاذبين، أو اللهم العن
~~الكاذبين.

# أخرج البخاري ومسلم

# " أن العاقب والسيد أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن
~~يلاعنهما فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه فوالله لئن كان نبيا فلاعننا لا
~~نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا فقالوا له: نعطيك ما سألت فابعث معنا رجلا
~~أمينا فقال: قم يا أبا عبيدة فلما قام ms01301 قال هذا أمين هذه الأمة "

# وأخرج أبو نعيم في «الدلائل» من طريق عطاء، والضحاك عن ابن عباس «أن
~~ثمانية من أساقفة أهل نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم
~~العاقب والسيد فأنزل الله تعالى { قل تعالوا } الآية فقالوا:
~~أخرنا ثلاثة أيام فذهبوا إلى بني قريظة والنضير وبني قينقاع فاستشاروهم
~~فأشاروا عليهم أن يصالحوه ولا يلاعنوه، وقالوا: هو النبي الذي نجده في
~~التوراة فصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على ألف حلة في صفر وألف في
~~رجب ودراهم» وروي أنهم صالحوه على أن يعطوه في كل عام ألفي حلة وثلاثا
~~وثلاثين درعا وثلاثة وثلاثين بعيرا وأربعا وثلاثين فرسا.

# وأخرج في «الدلائل» أيضا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس «أن
~~وفد نجران من النصارى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أربعة
~~عشر رجلا من أشرافهم منهم السيد  وهو الكبير  والعاقب  وهو الذي يكون
~~بعده وصاحب رأيهم  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلما قالا:
~~أسلمنا قال: ما أسلمتما قالا: بلى قد أسلمنا قبلك قال: كذبتما يمنعكما من
~~الإسلام ثلاث فيكما، عبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، وزعمكما أن لله
~~ولدا، ونزل

# إن مثل عيسى

# [آل عمران: 59] الآية فلما قرأها عليهم قالوا: ما نعرف ما تقول، ونزل {
~~فمن حآجك } الآية فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله
~~تعالى قد أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم فقالوا: يا أبا القاسم بل
~~نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك فخلا بعضهم ببعض وتصادقوا فيما بينهم قال
~~السيد للعاقب: قد والله علمتم أن الرجل نبي مرسل ولئن لاعنتموه أنه
~~لستئصالكم وما لاعن قوم نبيا قط فبقي كبيرهم ولا نبث صغيرهم فإن أنتم لن
~~تتبعوه وأبيتم إلا إلف دينكم فوادعوه وارجعوا إلى بلادكم وقد كان رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم خرج ومعه علي والحسن والحسين وفاطمة فقال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: إن أنا دعوت فأمنوا أنتم فأبوا أن يلاعنوه
~~وصالحوه على الجزية». وعن ms01302 الشعبي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر لو تموا على
~~الملاعنة "

# وعن جابر

# " والذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر الوادي عليهما نارا "

# وروي أن أسقف نجران «لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا ومعه
~~علي وفاطمة والحسنان رضي الله تعالى عنهم قال: يا معشر/ النصارى: إني
~~لأرى وجوها لو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا
~~تباهلوا وتهلكوا». هذا وإنما ضم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النفس
~~الأبناء والنساء مع أن القصد من المباهلة تبين الصادق من الكاذب وهو يختص
~~به وبمن يباهله لأن ذلك أتم في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه،
~~وأكمل نكاية بالعدو وأوفر إضرارا به لو تمت المباهلة.

# وفي هذه القصة أوضح دليل على نبوته صلى الله عليه وسلم وإلا لما امتنعوا
~~عن مباهلته، ودلالتها على فضل آل الله ورسوله صلى الله عليه وسلم مما لا
~~يمتري فيها مؤمن، والنصب جازم الإيمان، واستدل بها الشيعة على أولوية علي
~~كرم الله تعالى وجهه بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بناءا
~~على رواية مجيء علي كرم الله تعالى وجهه مع رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم، ووجه أن المراد حينئذ بأبنائنا الحسن والحسين وبنسائنا فاطمة،
~~وبأنفسنا الأمير، وإذا صار نفس الرسول  وظاهر أن المعنى الحقيقي مستحيل
~~ تعين أن يكون المراد المساواة، ومن كان مساويا للنبي صلى الله عليه
~~وسلم فهو أفضل وأولى بالتصرف من غيره، ولا معنى للخليفة إلا ذلك.

# وأجيب عن ذلك أما أولا: فبأنا لا نسلم أن المراد بأنفسنا الأمير بل
~~المراد نفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم، ويجعل الأمير داخلا في
~~الأبناء، وفي العرف يعد الختن ابنا من غير ريبة، ويلتزم عموم المجاز إن
~~قلنا: إن إطلاق الإبن على ابن البنت حقيقة، وإن قلنا: إنه مجاز لم يحتج
~~إلى القول بعمومه وكان إطلاقه على الأمير وابنيه رضي الله تعالى عنهم على
~~حد سواء في المجازية. ms01303 وقول الطبرسي وغيره من علمائهم  إن إرادة نفسه
~~الشريفة صلى الله عليه وسلم من { أنفسنا } لا تجوز لوجود { ندع }
~~والشخص لا يدعو نفسه  هذيان من القول، إذ قد شاع وذاع في القديم والحديث
~~ دعته  نفسه إلى كذا، ودعوت نفسي إلى كذا، وطوعت له نفسه، وآمرت نفسي،
~~وشاورتها إلى غير ذلك من الاستعمالات الصحيحة الواقعة في كلام البلغاء
~~فيكون حاصل { ندع أنفسنا } نحضر أنفسنا وأي محذور في ذلك على أنا
~~لو قررنا الأمير من قبل النبي صلى الله عليه وسلم لمصداق أنفسنا فمن
~~نقرره من قبل الكفار مع أنهم مشتركون في صيغة { ندع } إذ لا معنى
~~لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم إياهم وأبناءهم ونساءهم بعد قوله: {
~~تعالوا } كما لا يخفى.

# وأما ثانيا: فبأنا لو سلمنا أن المراد بأنفسنا الأمير لكن لا نسلم أن
~~المراد من النفس ذات الشخص إذ قد جاء لفظ النفس بمعنى القريب والشريك في
~~الدين والملة، ومن ذلك قوله تعالى:

# ولا تخرجون أنفسكم من ديركم

# [البقرة: 84]

# ولا تلمزوا أنفسكم

# [الحجرات: 11]

# لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنت
~~بأنفسهم خيرا

# [النور: 12] فلعله لما كان للأمير اتصال بالنبي صلى الله عليه وسلم في
~~النسب والمصاهرة واتحاد في الدين عبر عنه بالنفس، وحينئذ لا تلزم
~~المساواة التي هي عماد استدلالهم على أنه لو كان المراد مساواته في جميع
~~الصفات يلزم الاشتراك في النبوة والخاتمية والبعثة إلى كافة الخلق ونحو
~~ذلك  وهو باطل بالإجماع  لأن التابع دون المتبوع ولو كان المراد
~~المساواة في البعض لم يحصل الغرض لأن المساواة في بعض صفات الأفضل
~~والأولى بالتصرف لا تجعل من هي له أفضل وأولى بالتصرف بالضرورة، وأما
~~ثالثا: فبأن ذلك لو دل على خلافة الأمير كما زعموا لزم كون الأمير
~~إماما في زمنه صلى الله عليه وسلم  وهو باطل بالاتفاق  وإن قيد بوقت
~~دون وقت فمع أن التقييد مما لا دليل عليه في اللفظ لا يكون مفيدا للمدعى
~~إذ هو غير متنازع فيه لأن أهل السنة يثبتون إمامته في وقت دون وقت فلم
~~يكن ms01304 هذا الدليل قائما في محل النزاع، ولضعف الاستدلال به في هذا المطلب
~~بل عدم صحته كالاستدلال به على أفضلية الأمير علي كرم الله تعالى وجهه
~~على الأنبياء والمرسلين عليهم السلام لزعم ثبوت مساواته للأفضل منهم فيه
~~لم يقمه محققو الشيعة على أكثر/ من دعوى كون الأمير والبتول والحسين أعزة
~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنع عبد الله المشهدي في كتابه 
~~«إظهار الحق » .

# وقد أخرج مسلم والترمذي وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال:

# " لما نزلت هذه الآية { قل تعالوا ندع } الخ دعا رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: اللهم هؤلاء أهلي
~~"

# وهذا الذي ذكرناه من دعائه صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأربعة المتناسبة
~~رضي الله تعالى عنهم هو المشهور المعول عليه لدى المحدثين، وأخرج ابن
~~عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه رضي الله تعالى عنهم «أنه لما نزلت هذه
~~الآية جاء بأبي بكر وولده وبعمر وولده وبعثمان وولده وبعلي وولده» وهذا
~~خلاف ما رواه الجمهور.

# واستدل ابن أبي علان من المعتزلة بهذه القصة أيضا على أن الحسنين كانا
~~مكلفين في تلك الحال لأن المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين، وذهب
~~الإمامية إلى أنها يشترط فيها كمال العقل والتمييز، وحصول ذلك لا يتوقف
~~على البلوغ فقد يحصل كمال قبله ربما يزيد على كمال البالغين فلا يمتنع أن
~~يكون الحسنان إذ ذاك غير بالغين إلا أنهما في سن لا يمتنع معها أن يكونا
~~كاملي العقل على أنه يجوز أن يخرق الله تعالى العادات لأولئك السادات
~~ويخصهم بما لا يشاركهم فيه غيرهم، فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك
~~السن لجاز ذلك فيهم إبانة لهم عمن سواهم ودلالة على مكانهم من الله تعالى
~~واختصاصهم به  وهم القوم الذين لا تحصى خصائصهم .

# وذهب النواصب إلى أن المباهلة جائزة لإظهار الحق إلى اليوم إلا أنه يمنع
~~فيها أن يحضر الأولاد والنساء، وزعموا رفعهم الله تعالى لا قدرا، وحطهم
~~ولا حط عنهم وزرا أن ما ms01305 وقع منه صلى الله عليه وسلم كان لمجرد إلزام
~~الخصم وتبكيته وأنه لا يدل على فضل أولئك الكرام على نبينا وعليهم أفضل
~~الصلاة وأكمل السلام، وأنت تعلم أن هذا الزعم ضرب من الهذيان، وأثر من مس
~~الشيطان.

# وليس يصح في الأذهان شيء

# إذا احتاج النهار إلى دليل

# ومن ذهب إلى جواز المباهلة اليوم على طرز ما صنع رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم استدل بما أخرجه عبد بن حميد عن قيس بن سعد أن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما كان بينه وبين آخر شيء فدعاه إلى المباهلة، وقرأ الآية
~~ورفع يديه فاستقبل الركن وكأنه يشير بذلك رضي الله تعالى عنه إلى كيفية
~~الابتهال وأن الأيدي ترفع فيه، وفيما أخرجه الحاكم تصريح بذلك وأنها ترفع
~~حذو المناكب.

### || [3.62]

# { إن هذا } أي المذكور في شأن عيسى عليه السلام قاله ابن عباس {
~~لهو القصص الحق } جملة اسمية خبر { إن } ويجوز أن يكون 
~~هو  ضمير فصل لا محل له من الإعراب، و (القصص) هو الخبر، وضمير الفصل
~~يفيد القصر الإضافي كما يفيده تعريف الطرفين و (الحق) صفة القصص وهو
~~المقصود بالإفادة أي  إن هذا هو الحق  لا ما يدعيه النصارى من كون
~~المسيح عليه السلام إلها وابن الله سبحانه وتعالى عما يقوله الظالمون
~~علوا كبيرا، وقيل: إن الضمير للقصر والتأكيد لو لم يكن في الكلام ما
~~يفيد ذلك وإن كان كما هنا فهو لمجرد التأكيد، والأول: هو المشهور  وعليه
~~الجمهور ولعله الأوجه، واللام لام الابتداء والأصل فيها أن تدخل على
~~المبدأ إلا أنهم يزحلقونها إلى الخبر لئلا يتوالى حرفا تأكيد وإذا جاز
~~دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجوز لأنه أقرب إلى المبتدأ
~~فافهم. و(القصص) على ما في «البحر» مصدر قولهم: قص فلان الحديث يقصه قصا
~~وقصصا؛ وأصله تتبع الأثر يقال: خرج فلان يقص أثر فلان أي يتتبعه ليعرف
~~أين ذهب، ومنه قوله تعالى:

# وقالت لأخته قصيه

# [القصص: 11] أي تتبعي أثره، وكذلك القاص في الكلام لأنه يتتبع خبرا بعد
~~خبر، أو يتتبع ms01306 المعاني ليوردها، وهو هنا فعل بمعنى مفعول أي المقصوص
~~الحق، وقرىء { لهو } بسكون الهاء.

# { وما من إله إلا الله } رد على النصارى في تثليثهم،
~~وكذا فيه رد على سائر الثنوية، و { من } زائدة للتأكيد كما هو شأن
~~الصلات، وقد فهم أهل اللسان  كما قال الشهاب  أنها لتأكيد الاستغراق
~~المفهوم من النكرة المنفية لاختصاصها بذلك في الأكثر، وقد توقف محب الدين
~~في وجه إفادة الكلمات المزيدة للتأكيد بأي طريق هي فإنها ليست وضعية،
~~وأجاب بأنها ذوقية يعرفها أهل اللسان، واعترض بأن هذا حوالة على مجهول
~~فلا تفيد، فالأولى أن يقال: إنها وضعية لكنه من باب الوضع النوعي فتدبر.

# { وإن الله لهو العزيز } أي الغالب غلبة تامة، أو القادر
~~قدرة كذلك، أو الذي لا نظير له { الحكيم } أي المتقن فيما صنع، أو
~~المحيط بالمعلومات، والجملة تذييل لما قبلها، والمقصود منها أيضا قصر
~~الإلهية عليه تعالى ردا على النصارى أي قصر إفراد فالفصل والتعريف هنا
~~كالفصل والتعريف هناك فما قيل: إنهما ليسا للحصر إذ الغالب على الأغيار
~~لا يكون إلا واحدا فيلغو القصر فيه إلا أن يجعل قصر قلب، والمقام لا
~~يلائمه مما لا عصام له كما لا يخفى.

### || [3.63]

# { فإن تولوا } أي أعرضوا عن اتباعك وتصديقك بعد هذه الآيات
~~البينات، وهذا على تقدير أن يكون الفعل ماضيا، ويحتمل أن يكون مضارعا
~~وحذفت منه إحدى التاءين تخفيفا، وأصله تتولوا { فإن الله عليم
~~بالمفسدين } أي بهم أو بكم، والجملة جواب الشرط في الظاهر لكن
~~المعنى على ما يترتب على علمه بالمفسدين من معاقبته لهم، فالكلام للوعيد
~~ووضع الظاهر موضع الضمير تنبيها على العلة المقتضية للجزاء والعقاب وهي
~~الإفساد، وقيل: المعنى على أن الله عليم بهؤلاء المجادلين بغير حق وبأنهم
~~لا يقدمون على مباهلتك لمعرفتهم نبوتك وثبوت رسالتك، والجملة على هذا
~~أيضا عند التحقيق قائمة مقام الجواب إلى أنه ليس الجزاء والعقاب،
~~والكلام منساق لتسليته صلى الله عليه وسلم ولا يخفى ما فيه.

# ومن باب الإشارة في الآيات: { فلما أحس } أي شاهد { عيسى }
~~بواسطة النور ms01307 الإلهي المشرق عليه { منهم الكفر } أي ظلمته، أو
~~نفسه فإن المعاني تظهر للكمل على صور مختلفة باختلافها فيرونها. وحكي عن
~~الباز قدس سره أنه قال: إن الليل والنهار يأتياني فيخبراني بما يحدث
~~فيهما، وعن بعض العارفين أنه يشاهد أعمال العباد كيف تصعد إلى السماء
~~ويرى البلاء النازل منها { قال من أنصارى } في حال دعوتي { إلى
~~الله } سبحانه بأن يلتفت إلى الاشتغال بتكميل نفسه وتهذيب أخلاقها حتى
~~يصلح لتربية الناقصين فينصرني ويعينني في تكميل الناقص وإرشاد الضال {
~~قال الحواريون } المبيضون ثياب وجودهم بمياه العبادة ومطرقة
~~المجاهدة وشمس المراقبة { نحن أنصار الله } أي أعوان الفانين
~~فيه الباقين به ومنهم عيسى عليه السلام { ءامنا بالله } الإيمان
~~الكامل

# واشهد بأنا مسلمون

# [آل عمران: 52] أي منقادون لأمرك حيث إنه أمر الله سبحانه { ربنا
~~ءامنا بما أنزلت } وهو ما نورت به قلوب أصفيائك من علوم غيبك {
~~واتبعنا الرسول } فيما أظهر من أوامرك ونواهيك رجاء أن يوصلنا
~~ذلك إلى محبتك

# فاكتبنا مع الشهدين

# [آل عمران: 53] أي مع من يشهدك ولا يشهد معك سواك، أو الحاضرين لك
~~المراقبين لأمرك { ومكروا } أي الذين أحس منهم الكفر واحتالوا مع
~~أهل الله بتدبير النفس فكان مكرهم مكر الحق عليهم لأنه المزين ذلك لهم
~~كما قال سبحانه:

# كذلك زينا لكل أمة عملهم

# [الأنعام: 108] فهو الماكر/ في الحقيقة وهذا معنى

# ومكر الله

# [آل عمران: 54] عند بعض، والأولى القول باختلاف المكرين على ما يقتضيه
~~مقام الفرق، وقد سئل بعضهم كيف يمكر الله؟ فصاح وقال: لا علة لصنعه وأنشأ
~~يقول:

# فديتك قد جبلت على هواكا

# ونفسي لا تنازعني سواكا

# أحبك لا ببعضي بل بكلي

# وإن لم يبق حبك لي حراكا

# ويقبح من  سواك الفعل  عندي

#  وتفعله فيحسن منك ذاكا 

# { إذ قال الله يعيسى إني متوفيك } عن رسم الحدوثية {
~~ورافعك إلى } بنعت الربوبية

# ومطهرك من الذين كفروا

# [آل عمران: 55] بشغل سرك عن مطالعة الأغيار، أو متوفيك عنك، وقابضك منك،
~~ورافعك عن نعوت البشرية ومطهرك من إرادتك بالكلية، وقيل: إن عيسى عليه
~~الصلاة والسلام لما أحس منهم ms01308 الكفر وعلم أنهم بعثوا من يقتله قال
~~للحواريين: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم السماوي أي متصل بروح القدس ومتطهر
~~من علاقة عالم الرجس فأمدكم بالفيض كي تستجاب دعوتكم الخلق بعدي، فشبه
~~للقوم صورة جسدانية هي مظهر عيسى روح الله تعالى بصورة حقيقة عيسى فظنوها
~~هو فصلبوها ولم يعلموا أن الله تعالى رفعه إلى السماء الرابعة التي هي
~~فلك الشمس، وحكمة رفعه إلى ذلك أن روحانيته عبارة عن إسرافيل عليه الصلاة
~~والسلام ويشاركه المسيح في سر النفخ. ومن قال: إنه رفع إلى السماء الدنيا
~~بين الحكمة بأن إفاضة روحه كانت بواسطة جبريل عليه السلام وهو عبارة عن
~~روحانية فلك القمر، وبأن القمر في السماء الدنيا وهو آية ليلية تناسب علم
~~الباطن الذي أوتيه المسيح عليه السلام، ولم يعتبر الصوفية قدس الله تعالى
~~أسرارهم القول: بأنه يدور حول العرش لأن ذلك مقام النهاية في الكمال،
~~ولهذا لم يعرج إليه سوى صاحب المقام المحمود صلى الله عليه وسلم الجامع
~~بين الظاهر والباطن { إن مثل عيسى عند الله كمثل
~~ءادم } في أن كلا منهما خارق للعادة خارج عن دائرتها وإن افترقا في أن
~~عيسى عليه الصلاة والسلام بلا ذكر بل من نطفة أنثى فقط كان في بعضها قوة
~~العقد وفي البعض الآخر قوة الانعقاد كسائر النطف المركبة من منيين في
~~أحدهما القوة العاقدة وفي الأخرى المنعقدة، وأن آدم عليه الصلاة والسلام
~~بلا ذكر ولا أنثى { خلقه من تراب

# خلقه من تراب

# [آل عمران: 59] أي صور قالبه من ذلك

# ثم قال له كن فيكون

# [آل عمران: 59] إشارة إلى نفخ الروح فيه وكونه من عالم الأمر نظرا إلى
~~روحه المقدسة التي لم ترتكض في رحم { فمن حآجك فيه } أي الحق،
~~أو في عيسى عليه السلام بالحجج الباطلة

# فقل تعالوا

# [آل عمران: 61] الخ أي فادعه إلى المباهلة بالهيئة المذكورة. قال بعض
~~العارفين: اعلم أن لمباهلة الأنبياء عليهم السلام تأثيرا عظيما سببه
~~اتصال نفوسهم بروح القدس وتأييد الله تعالى إياهم به وهو المؤثر بإذن
~~الله تعالى في العالم ms01309 العنصري فيكون انفعال العالم العنصري منه كانفعال
~~أبداننا من روحنا بالعوارض الواردة عليه  كالغضب والخوف والفكر في أحوال
~~المعشوق وغير ذلك  وانفعال النفوس البشرية منه كانفعال حواسنا وسائر
~~قوانا من عوارض أرواحنا فإذا اتصل نفس قدسي به، أو ببعض أرواح الأجرام
~~السماوية والنفوس الملكوتية كان تأثيرها في العالم عند التوجه الاتصالي
~~تأثير ما يتصل به فينفعل أجرام العناصر والنفوس الناقصة الإنسانية منه
~~بما أراد حسب ذلك الاتصال ولذا انفعلت نفوس النصارى من نفسه عليه الصلاة
~~والسلام بالخوف وأحجمت عن المباهلة وطلبت الموادعة بقبول الجزية انتهى.
~~وادعى بعضهم أن لكل نفس تأثيرا لكنه يختلف حسب اختلاف مراتب النفوس
~~وتفاوت مراتب التوجهات إلى عام التجرد  وفيه كلام طويل  ولعل النوبة
~~تفضي إلى تحقيقه، هذا وتطبيق ما في الآفاق على / ما في الأنفس ظاهر لمن
~~أحاط خبرا بما قدمناه في الآيات الأول، والله تعالى الموفق.

### || [3.64]

# { قل يأهل الكتب } نزلت في وفد نصارى نجران  قاله السدي
~~والحسن وابن زيد ومحمد بن جعفر بن الزبير  وروي عن قتادة والربيع وابن
~~جريج أنها نزلت في يهود المدينة، وذهب أبو علي الجبائي أنها نزلت في
~~الفريقين من أهل الكتاب، واستظهره بعض المحققين لعمومه { تعالوا }
~~أي هلموا { إلى كلمة } أي كلام  كما قال الزجاج  وإطلاقها على
~~ذلك في كلامهم من باب المجاز المرسل وعلاقته تجوز إطلاقها على المركب
~~الناقص إلا أنه لم يوجد بالاستقراء، وقيل: إنه من باب الاستعارة وليس
~~بالبعيد  وقرىء  { كلمة } بكسر الكاف وإسكان اللام على التخفيف
~~والنقل { سوآء } أي عدل  قاله ابن عباس والربيع وقتادة  وقيل: إن
~~سواء مصدر بمعنى مستوية أي لا يختلف فيها التوراة والإنجيل والقرآن، أو
~~لا اختلاف فيها بكل الشرائع، وهو في قراءة الجمهور مجرور على أنه نعت 
~~لكلمة  وقرىء بنصبه على المصدر.

# { بيننا وبينكم } متعلق بسواء { ألا نعبد } أي نحن
~~وأنتم { إلا الله } بأن نوحده بالعبادة ونخلص فيها، وفي موضع (أن)
~~وما بعدها وجهان  كما قال أبو البقاء  الأول: الجر على البدلية من {
~~كلمة } ، والثاني: الرفع على الخبرية لمحذوف ms01310 أي هي أن لا نعبد إلا
~~الله، ولولا عمل (أن) لجاز أن تكون تفسيرية، وقيل: إن الكلام تم على {
~~سوآء } ثم استؤنف فقيل: { بيننا وبينكم ألا نعبد } ،
~~فالظرف خبر مقدم، و (أن) وما بعدها مبتدأ مؤخر { ولا نشرك به
~~شيئا } من الأشياء على معنى لا نجعل غيره شريكا له في استحقاق
~~العبادة ولا نراه أهلا لأن يعبد، وبهذا المعنى يكون الكلام تأسيسا
~~والظاهر أنه تأكيد لما قبله إلا أن التأسيس أكثر فائدة، وقيل: المراد لا
~~نشرك به شيئا من الشرك وهو بعيد جدا.

# { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله } أي
~~لا يطيع بعضنا بعضا في معصية الله تعالى  قاله ابن جريج  ويؤيده ما
~~أخرجه الترمذي وحسنه من حديث عدي بن حاتم

# " أنه لما نزلت هذه الآية قال: ما كنا نعبدهم يا رسول الله فقال صلى
~~الله عليه وسلم: أما كانوا يحللون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم
~~فقال عليه الصلاة والسلام: هو ذاك "

# قيل: وإلى هذا أشار سبحانه بقوله عز من قائل:

# اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أربابا من دون
~~الله

# [التوبة: 31] وعن عكرمة أن هذا الاتخاذ هو سجود بعضهم لبعض، وقيل: هو
~~مثل اعتقاد اليهود في عزير أنه ابن الله، واعتقاد النصارى في المسيح نحو
~~ذلك، وضمير  نا  على كل تقدير للناس لا للممكن  وإن أمكن  حتى يشمل
~~الأصنام لأن أهل الكتاب لم يعبدوها.

# وفي التعبير  بالبعض  نكتة وهي الإشارة إلى أنهم بعض من جنسنا فكيف
~~يكونون أربابا؟! فإن قلت: إن المخاطبين لم يتخذوا البعض أربابا من دون
~~الله بل اتخذوهم آلهة معه سبحانه أجيب: بأنه أريد من دون الله وحده، أو
~~يقال: بأنه أتى بذلك للتنبيه على أن الشرك لا يجامع الاعتراف بربوبيته
~~تعالى عقلا  قاله بعضهم  وللنصارى  سود الله تعالى حظهم  الحظ
~~الأوفر من هذه المنهيات، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان فرقهم وتفصيل
~~كفرهم على أتم وجه.

# { فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون }
~~المراد فإن تولوا عن موافقتكم فيما ذكر مما اتفق عليه الكتب والرسل بعد ms01311
~~عرضه عليهم فاعلموا أنهم لزمتهم الحجة وإنما أبوا عنادا فقولوا/ لهم:
~~أنصفوا واعترفوا بأنا على الدين الحق وهو تعجيز لهم أو هو تعريض بهم
~~لأنهم إذا شهدوا بالإسلام لهم فكأنهم قالوا: إنا لسنا كذلك، وإلى هذا ذهب
~~بعض المحققين، وقيل: المراد فإن تولوا فقولوا: إنا لا نتحاشى عن الإسلام
~~ولا نبالي بأحد في هذا الأمر  فاشهدوا بأنا مسلمون  فإنا لا نخفي
~~إسلامنا كما أنكم تخافون وتخفون كفركم ولا تعترفون به لعدم وثوقكم بنصر
~~الله تعالى، ولا يخفى أن هذا على ما فيه إنما يحسن لو كان الكلام في
~~منافقي أهل الكتاب لأن المنافقين هم الذين يخافون فيخفون، وأما هؤلاء فهم
~~معترفون بما هم عليه كيف كان فلا يحسن هذا الكلام فيهم، و { تولوا
~~} هنا ماض ولا يجوز أن يكون التقدير تتولوا لفساد المعنى لأن {
~~فقولوا } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، (وتتولوا) خطاب
~~للمشركين، وعند ذلك لا يبقى في الكلام جواب.

### || [3.65]

# { يأهل الكتب } خطاب لليهود والنصارى { لم تحآجون فى
~~إبرهيم } أي تنازعون وتجادلون فيه ويدعي كل منكم أنه عليه السلام
~~كان على دينه، أخرج ابن إسحق، وابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما قال: «اجتمعت نصارى نجران، وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فتنازعوا عنده فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا،
~~وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا فأنزل الله تعالى فيهم هذه
~~الآية» والظرف الأول متعلق بما بعده وكذا الثاني، و  ما  استفهامية،
~~والغرض الإنكار والتعجب  عند السمين  وحذفت ألفها لما دخل الجار للفرق
~~بينها وبين الموصولة، والكلام على حذف مضاف أي دين إبراهيم أو شريعته لأن
~~الذوات لا مجادلة فيها { وما أنزلت التوراة } على موسى عليه
~~السلام { والإنجيل } على عيسى عليه السلام { إلا من بعده }
~~حيث كان بينه وبين موسى عليهما السلام خمسمائة وخمس وستون سنة، وقيل:
~~سبعمائة، وقيل: ألف سنة وبين موسى وعيسى عليهما السلام ألف وتسعمائة وخمس
~~وعشرون سنة، وقيل: ألفا سنة، وهناك أقوال أخر.

# { أفلا تعقلون } الهمزة ms01312 داخلة على مقدر هو المعطوف عليه بالعاطف
~~المذكور على رأي  أي ألا تتفكرون فلا تعقلون بطلان قولكم  أو أتقولون
~~ذلك فلا تعقلون بطلانه، وهذا تجهيل لهم في تلك الدعوى وتحميق، وهو ظاهر
~~إن كانوا قد ادعوا  كما قال الشهاب  إنه عليه السلام منهم حقيقة، وإن
~~كان مدعاهم أن دين إبراهيم يوافق دين موسى، أو دين عيسى فهو يهودي، أو
~~نصراني بهذا المعنى فتجهيلهم، ونفي العقل عنهم بنزول التوراة والإنجيل
~~بعده  مشكل إلا أن يدعى بأن المراد أنه لو كان الأمر كذلك لما أوتي موسى
~~عليه السلام التوراة، ولا عيسى عليه السلام الإنجيل بل كانا يؤمران
~~بتبليغ صحف إبراهيم  كذا قيل  وأنت تعلم أن هذا لا يشفي الغليل إذ
~~لقائل أن يقول: أي مانع من اتحاد الشريعة مع إنزال هذين الكتابين لغرض
~~آخر غير بيان شريعة جديدة على أن الصحف لم تكن مشتملة على الأحكام بل
~~كانت أمثالا ومواعظ كما جاء في الحديث، ثم ما قاله الشهاب  وإن كان وجه
~~التجهيل عليه ظاهرا، إلا أن صدور تلك الدعوى من أهل الكتاب في غاية
~~البعد لأن القوم لم يكونوا بهذه المثابة من الجهالة وفيهم أحبار اليهود
~~ووفد نجران، وقد ذكر أن الأخيرين كانت لهم شدة في البحث، فقد أخرج ابن
~~جرير عن عبد الله بن الحرث الزبيدي أنه قال: «سمعت النبي صلى الله عليه
~~وسلم يقول:

# " ليت بيني وبين أهل نجران حجابا فلا أراهم ولا يروني "

# من شدة ما كانوا يمارون النبي صلى الله عليه وسلم اللهم/ إلا أن يقال:
~~إن الله تعالى أعمى بصائرهم في هذه الدعوى ليكونوا ضحكة لأطفال المؤمنين،
~~أو أنهم قالوا ذلك على سبيل التعنت والعناد ليغيظ كل منهم صاحبه؛ أو
~~ليوهموا بعض المؤمنين ظنا منهم أنهم لكونهم أميين غير مطلعين على تواريخ
~~الأنبياء السالفين يزلزلهم مثل ذلك ففضحهم الله تعالى، أو أن القوم في
~~حد ذاتهم جهلة لا يعلمون وإن كانوا أهل كتاب  وما ذكره ابن الحرث  لا
~~يدل على علمهم كما لا يخفى، وقيل: إن مراد ms01313 اليهود بقولهم: إن إبراهيم
~~عليه السلام كان يهوديا أنه كان مؤمنا بموسى عليه السلام قبل بعثته على
~~حد ما يقوله المسلمون في سائر المرسلين عليهم الصلاة والسلام من أنهم
~~كانوا مؤمنين بنبينا صلى الله عليه وسلم قبل بعثته كما يدل عليه تبشيرهم
~~به، وأن مراد النصارى بقولهم: إن إبراهيم كان نصرانيا نحو ذلك فرد الله
~~تعالى عليهم بقوله سبحانه: { وما أنزلت التوراة
~~والإنجيل إلا من بعده } أي ومن شأن المتأخر أن يشتمل على
~~أخبار المتقدم لا سيما مثل هذا الأمر المهم والمفخر العظيم والمنة الكبرى
~~أفلا تعقلون ما فيهما لتعلموا خلوهما عن الإخبار بيهوديته ونصرانيته
~~اللتين زعمتموهما، ثم نبه سبحانه على حماقتهم بقوله جل وعلا: { هأنتم
~~هؤلآء }.

### || [3.66]

# { هأنتم هؤلآء } أي: أنتم هؤلاء الحمقى { حججتم فيما
~~لكم به علم } كأمر موسى، وعيسى عليهما السلام { فلم تحاجون
~~فيما ليس لكم به علم } وهو أمر إبراهيم عليه السلام حيث لا
~~ذكر لدينه في كتابكم، أو لا تعرض لكونه آمن بموسى وعيسى قبل بعثتيهما
~~أصلا، وليس المراد وصفهم بالعلم حقيقة وإنما المراد هب أنكم تحاجون فيما
~~تدعون علمه على ما يلوح لكم من خلال عبارات كتابكم وإشاراته في زعمكم
~~فكيف تحاجون فيما لا علم لكم به ولا ذكر، ولا رمز له في كتابكم البتة؟! و
~~(ها) حرف تنبيه، واطرد دخولها على المبتدأ إذا كان خبره اسم إشارة نحو 
~~ها أناذا  وكررت هنا للتأكيد، وذهب الأخفش أن الأصل أأنتم على الاستفهام
~~فقلبت الهمزة هاءا، ومعنى الاستفهام عنده التعجب من جهالتهم، وتعقبه أبو
~~حيان بأنه لا يحسن ذلك لأنه لم يسمع إبدال همزة الاستفهام هاءا في
~~كلامهم إلا في بيت نادر، ثم الفصل بين الهاء المبدلة وهمزة (أنتم) لا
~~يناسب لأنه إنما يفصل لاستثقال اجتماع الهمزتين، وهنا قد زال الاستثقال
~~بإبدال الأولى هاءا، والإشارة للتحقير والتنقيص، ومنها فهم الوصف الذي
~~يظهر به فائدة الحمل، وجملة { حججتم } مستأنفة مبينة للأولى،
~~وقيل: إنها حالية بدليل أنه يقع الحال موقعها كثيرا نحو  ها أناذا
~~قائما  وهذه الحال لازمة؛ ms01314 وقيل: إن الجملة خبر عن (أنتم) و {
~~هؤلآء } منادى حذف منه حرف النداء، وقيل: { هؤلاء } بمعنى الذين
~~خبر المتبدأ، وجملة { حججتم } صلة؛ وإليه ذهب الكوفيون، وقراؤهم
~~يقرءون { هأنتم } بالمد والهمز، وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو بغير همز
~~ولا مد إلا بقدر خروج الألف الساكن، وقرأ ابن كثير ويعقوب بالهمز والقصر
~~بغير مد، وقرأ ابن عامر بالمد دون الهمز.

# { والله يعلم } حال إبراهيم وما كان عليه { وأنتم لا
~~تعلمون } ذلك، ولك أن تعتبر المفعول عاما ويدخل المذكور فيه دخولا
~~أوليا، والجملة تأكيد لنفي العلم عنهم في شأن إبراهيم عليه السلام ثم
~~صرح بما نطق به البرهان المقرر فقال سبحانه: { ما كان إبرهيم
~~يهوديا... }.

### || [3.67]

# { ما كان إبرهيم يهوديا } كما قالت اليهود { ولا
~~نصرانيا } كما قالت النصارى { ولكن كان حنيفا } أي مائلا
~~عن العقائد الزائغة { مسلما } أي منقادا لطاعة الحق، أو موحدا لأن
~~الإسلام يرد بمعنى التوحيد أيضا؛ قيل: وينصره قوله تعالى: { وما كان
~~من المشركين } أي عبدة الأصنام كالعرب الذي كانوا يدعون/ أنهم
~~على دينه، أو سائر المشركين ليعم أيضا عبدة النار كالمجوس، وعبدة
~~الكواكب كالصابئة، وقيل: أراد بهم اليهود والنصارى لقول اليهود عزير ابن
~~الله وقول النصارى المسيح ابن الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وأصل
~~الكلام وما كان منكم إلا أنه وضع المظهر موضع المضمر للتعريض بأنهم
~~مشركون، والجملة حينئذ تأكيد لما قبلها، وتفسير الإسلام بما ذكر  هو ما
~~اختاره جمع من المحققين وادعوا أنه لا يصح تفسيره هنا بالدين المحمدي
~~لأنه يرد عليه أنه كان بعده بكثير فكيف يكون مسلما؟ فيكون كادعائهم
~~تهوده وتنصره المردود بقوله سبحانه:

# وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده

# [آل عمران: 65] فيرد عليه ما ورد عليهم، ويشترك الإلزام بينهما، وفسره
~~بعضهم بذلك، وأجاب عن اشتراك الإلزام بأن القرآن أخبر بأن إبراهيم كان
~~مسلما وليس في التوراة والإنجيل أنه عليه الصلاة والسلام كان يهوديا أو
~~نصرانيا فظهر الفرق.

# قال العلامة النيسابوري: فإن قيل: قولكم: إن إبراهيم عليه السلام على
~~دين الإسلام إن أردتم ms01315 به الموافقة في الأصول فليس هذا مختصا بدين
~~الإسلام، وإن أردتم في الفروع لزم أن لا يكون نبينا صلى الله عليه وسلم
~~صاحب شريعة بل مقرر لشرع من قبله. قيل: يختار الأول، والاختصاص ثابت لأن
~~اليهود والنصارى مخالفون للأصول في زماننا لقولهم بالتثليث وإشراك عزير
~~عليه السلام إلى غير ذلك، أو الثاني ولا يلزم ما ذكر لجواز أنه تعالى نسخ
~~تلك الفروع بشرع موسى عليه السلام ثم نسخ نبينا صلى الله عليه وسلم شرع
~~موسى بشريعته التي هي موافقة لشريعة إبراهيم صلوات الله تعالى وسلامه
~~عليه فيكون عليه الصلاة والسلام صاحب شريعة مع موافقة شرعه شرع إبراهيم
~~في معظم الفروع انتهى.

# ولا يخفى ما في الجواب على الاختيار الثاني من مزيد البعد، بل عدم الصحة
~~لأن نسخ شريعة إبراهيم بشريعة موسى، ثم نسخ شريعة موسى بشريعة نبينا
~~عليهم الصلاة والسلام الموافقة لشريعة إبراهيم لا يجعل نبينا صاحب شريعة
~~جديدة بل يقال له أيضا: إنه مقرر لشرع من قبله وهو إبراهيم عليه السلام،
~~وأيضا موافقة جميع فروع شريعتنا لجميع فروع شريعة إبراهيم مما لا يمكن
~~بوجه أصلا إذ من جملة فروع شريعتنا فرضية قراءة القرآن في الصلاة ولم
~~ينزل على غير نبينا صلى الله عليه وسلم بالبديهة، ونحو ذلك كثير.

# وموافقة المعظم في حيز المنع ودون إثباتها الشم الراسيات، وقوله تعالى:

# أن اتبع ملة إبرهيم

# [النحل: 123] ليس بالدليل على الموافقة في الفروع إذ الملة فيه عبارة عن
~~التوحيد أو عنه وعن الأخلاق كالهدى في قوله تعالى:

# أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده

# [الانعام: 90].

# واعترض الشهاب على الجواب  على الاختيار الأول  بالبعد كاعتراضه على
~~الجواب على الاختيار الثاني بمجرده أيضا، وذكر أن ذلك سبب عدول بعض
~~المحققين عما يقتضيه كلام هذا العلامة من أن المراد بكون إبراهيم مسلما
~~أنه على ملة الإسلام إلى أن المراد بذلك أنه منقاد بحمل الإسلام على
~~المعنى اللغوي، وادعى أنه سالم من القدح، ونظر فيه  بأن أخذ الإسلام
~~لغويا لا يناسب بحث الأديان والكلام فيه  فلا يخلو ms01316 هذا الوجه عن بعد،
~~ولعله لا يقصر عما ادعاه من بعد الجواب الأول كما لا يخفى على صاحب الذوق
~~السليم.

# هذا وفي الآية وجه آخر  ولعله يخرج من بين فرث ودم  وهو أن أهل الكتاب
~~لما تنازعوا فقالت اليهود إبراهيم منا، وقالت النصارى إنه منا أرادت كل
~~طائفة أنه عليه السلام كان إذ ذاك على ما هو عليه الآن من الحال وهو حال
~~مخالف لما عليه نبيهم في نفس الأمر موافق له زعما على معنى موافقة
~~الأصول للأصول،/ أو الموافقة فيما يعد في العرف موافقة ولو لم تكن في
~~المعظم وليست هذه الدعوى من البطلان بحيث لا تخفى على أحد فرد الله تعالى
~~عليهم بقوله سبحانه:

# وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده

# [آل عمران: 65] أي وليسا مشتملين على ذلك وهو من الحري بالذكر لو كان،
~~ثم أشار سبحانه إلى ما هم عليه من الحماقة على وجه أتم، ثم صرح سبحانه
~~بما أشار أولا فقال: { ما كان إبرهيم يهوديا } أي من
~~الطائفة اليهودية المخالفة لما جاء به موسى عليه السلام في نفس الأمر {
~~ولا نصرانيا } أي من الطائفة النصرانية المخالفة لما جاء به عيسى
~~عليه السلام كذلك { ولكن كان حنيفا مسلما } أي على دين
~~الإسلام الذي ليس عند الله دين مرضي سواه وهو دين جميع الأنبياء صلوات
~~الله تعالى وسلامه عليهم، وفي ذلك إشارة إلى أن أولئك اليهود والنصارى
~~ليسوا من الدين في شيء لمخالفتهم في نفس الأمر لما عليه النبيان بل
~~الأنبياء، ثم أشار إلى سبب ذلك بما عرض به من قوله سبحانه: { وما
~~كان من المشركين } فعلى هذا يكون المسلم  كما قال الجصاص،
~~وأشرنا إليه فيما مر مرارا  المؤمن ولو من غير هذه الأمة خلافا
~~للسيوطي في زعمه أن الإسلام مخصوص بهذه الأمة  هذا ما عندي في هذا
~~المقام  فتدبر فلمسلك الذهن اتساع.

### || [3.68]

# { إن أولى الناس بإبرهيم }  { أولى } أفعل تفضيل من
~~وليه يليه وليا وألفه منقلبة عن ياء لأن فاءه واو فلا تكون لامه واوا
~~إذ ليس ms01317 في الكلام ما فاؤه ولامه واوان إلا واو، وأصل معناه أقرب، ومنه ما
~~في الحديث

# " لأولى رجل ذكر "

# ويكون بمعنى أحق كما تقول: العالم أولى بالتقديم، وهو المراد هنا  أي
~~أقرب الناس وأخصهم بإبراهيم { للذين اتبعوه } أي كانوا على
~~شريعته في زمانه، أو اتبعوه مطلقا فالعطف في قوله سبحانه: { وهذا
~~النبى } من عطف الخاص على العام وهو معطوف على الموصول قبله الذي هو
~~خبر { إن } وقرىء بالنصب عطفا على الضمير المفعول، والتقدير  للذين
~~اتبعوا إبراهيم واتبعوا هذا النبي  وقرىء بالجر عطفا على إبراهيم أي 
~~إن أولى الناس بإبراهيم، وهذا النبي للذين اتبعوه  واعترض بأنه كان
~~ينبغي أن يثني ضمير { اتبعوه } ويقال اتبعوهما، وأجيب بأنه من باب

# والله ورسوله أحق أن يرضوه

# [التوبة: 62] إلا أن فيه على ما قيل الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي.

# وقوله تعالى: { والذين ءامنوا } إن كان عطفا على  الذين
~~اتبعوه  يكون فيه ذلك أيضا، وإن كان عطفا على هذا  النبي  فلا
~~فائدة فيه إلا أن يدعى أنها للتنويه بذكرهم، وأما التزام أنه من عطف
~~الصفات بعضها على بعض حينئذ فهو كما ترى، ثم إن كون المتبعين لإبراهيم
~~عليه السلام في زمانه أولى الناس به ظاهر، وكون نبينا صلى الله عليه وسلم
~~أولاهم به لموافقة شريعته للشريعة الإبراهيمية أكثر من موافقة شرائع سائر
~~المرسلين لها، وكون المؤمنين من هذه الأمة كذلك لتبعيتهم نبيهم فيماجاء
~~به ومنه الموافق.

# { والله ولى المؤمنين } ينصرهم ويجازيهم بالحسنى كما هو
~~شأن الولي، ولم يقل  وليهم  تنبيها على الوصف الذي يكون الله تعالى به
~~وليا لعباده  وهو الإيمان  بناءا على أن التعليق بالمشتق يقتضي عليه
~~مبدأ الاشتقاق. ومن ذلك يعلم ثبوت الحكم للنبي بدلالة النص، قال ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما قال رؤساء اليهود: والله يا محمد لقد علمت أنا
~~أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك وأنه كان يهوديا وما بك إلا الحسد فأنزل
~~الله تعالى/ هذه الآية، وأخرج عبد بن حميد من طريق شهر بن حوشب قال:
~~حدثني ابن غنم أنه لما ms01318 خرج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي
~~أدركهم عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط فأرادوا عنتهم والبغي عليهم
~~فقدموا على النجاشي وأخبروه أن هؤلا الرهط الذين قدموا عليك من أهل مكة
~~يريدون أن يخبلوا عليك ملكك ويفسدوا عليك أرضك ويشتموا ربك فأرسل إليهم
~~النجاشي فلما أن أتوه قال: ألا تسمعون ما يقول صاحباكم هذان  لعمرو بن
~~العاص وعمارة بن أبي معيط  يزعمان أنما جئتم لتخبلوا علي ملكي وتفسدوا
~~علي أرضي فقال عثمان بن مظعون، وحمزة: إن شئتم خلوا بين أحدنا وبين
~~النجاشي فليكلمه أينا أحدثكم سنا فإن كان صوابا فالله يأتي به، وإن كان
~~أمرا غير ذلك قلتم رجل شاب لكم في ذلك عذر، فجمع النجاشي قسيسيه
~~ورهبانيته وتراجمته ثم سألهم أرأيتكم صاحبكم هذا الذي من عنده جئتم ما
~~يقول لكم وما يأمركم به وما ينهاكم عنه هل له كتاب يقرؤه؟ قالوا: نعم هذا
~~الرجل يقرأ ما أنزل الله تعالى عليه وما قد سمع منه ويأمر بالمعروف ويأمر
~~بحسن المجاورة، ويأمر باليتيم، ويأمر بأن يعبد الله تعالى وحده ولا يعبد
~~معه إله آخر فقرأ عليه  سورة الروم والعنكبوت وأصحاب الكهف ومريم فلما
~~أن ذكر عيسى في القرآن أراد عمرو أن يغضبه عليهم قال: والله إنهم يشتمون
~~عيسى ويسبونه قال النجاشي: ما يقول صاحبكم في عيسى: قال يقول: إن عيسى
~~عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم، فأخذ النجاشي نفثة من
~~سواكه قدر ما يقذى العين فحلف ما زاد المسيح على ما يقول صاحبكم بما يزن
~~ذلك القذى في يده من نفثة سواكه فأبشروا ولا تخافوا فلا دهونة  يعني
~~بلسان الحبشة  اللوم على حزب إبراهيم قال عمرو بن العاص: ما حزب
~~إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاءوا من عنده ومن اتبعهم فأنزلت
~~ذلك اليوم في خصومتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة {
~~إن أولى الناس بإبرهيم } الآية.

### || [3.69]

# { ودت طائفة من أهل الكتب لو يضلونكم }
~~المشهور أنها نزلت حين دعا اليهود حذيفة وعمارا ms01319 ومعاذا إلى اليهودية،
~~فالمراد بأهل الكتاب اليهود، وقيل: المراد بهم ما يشمل الفريقين، والآية
~~بيان لكونهم دعاة إلى الضلالة إثر بيان أنهم ضالون، وأخرج ابن المنذر عن
~~سفيان أنه قال: كل شيء في آل عمران من ذكر أهل الكتاب فهو في النصارى،
~~ولعله جار مجرى الغالب، و { من } للتبعيض، والطائفة رؤساؤهم وأحبارهم،
~~وقيل: لبيان الجنس  والطائفة  جميع أهل الكتاب وفيه بعد، و { لو }
~~بمعنى أن المصدرية، والمنسبك مفعول  ود  وجوز إقرارها على وضعها،
~~ومفعول ود محذوف، وكذا جواب { لو } والتقدير: ودت إضلالكم لو يضلونكم
~~لسروا بذلك، ومعنى { يضلونكم } يردونكم إلى كفركم  قاله ابن عباس
~~ أو يهلكونكم  قاله ابن جرير الطبري  أو يوقعونكم في الضلال ويلقون
~~إليكم ما يشككونكم به في دينكم  قاله أبو علي  وهو قريب من الأول.

# { وما يضلون إلا أنفسهم } الواو للحال، والمعنى على تقدير
~~إرادة الإهلاك من الإضلال أنهم ما يهلكون إلا أنفسهم لاستحقاقهم بإيثارهم
~~إهلاك المؤمنين سخط الله تعالى وغضبه، وإن كان المراد من الإهلاك الإيقاع
~~في الضلال فيحتاج إلى تأويل لأن القوم ضالون فيؤدي إلى جعل الضال ضالا
~~فيقال: إن المراد من الإضلال ما يعود من وباله إما على سبيل المجاز
~~المرسل، أو الاستعارة أي ما يتخطاهم الإضلال ولا يعود وباله إلا إليهم
~~لما أنهم يضاعف به عذابهم، أو المراد بأنفسهم أمثالهم المجانسون لهم،
~~وفيه على ما قيل: الإخبار بالغيب فهو استعارة أو تشبيه بتقدير أمثال
~~أنفسهم إذ لم يتهود مسلم  ولله تعالى الحمد  وقيل: إن معنى/ إضلالهم
~~أنفسهم إصرارهم على الضلال بما سولت لهم أنفسهم مع تمكنهم من اتباع الهدى
~~بإيضاح الحجج، ولا يخلو عن شيء.

# { وما يشعرون } أي وما يفطنون بكون الإضلال مختصا بهم لما اعترى
~~قلوبهم من الغشاوة  قاله أبو علي  وقيل: وما يشعرون بأن الله تعالى
~~يعلم المؤمنين بضلالهم وإضلالهم، وفي نفي الشعور عنهم مبالغة في ذمهم.

### || [3.70]

# أي لم تكفرون بما يتلى عليكم من آيات القرآن وأنتم تعلمون ما يدل على
~~صحتها ووجوب الإقرار بها من التوراة والإنجيل، وقيل: المراد: ms01320 لم تكفرون
~~بما في كتبكم من الآيات الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم وأنتم
~~تشهدون الحجج الدالة على ذلك، أو: لم تكفرون بما في كتبكم من أن الدين
~~عند الله الإسلام وأنتم تشاهدون ذلك، أو: لم تكفرون بالحجج الدالة على
~~نبوته صلى الله عليه وسلم وأنتم تشهدون أن ظهور المعجزة يدل على صدق مدعي
~~الرسالة أو  أنتم تشهدون  إذا خلوتم بصحة دين الإسلام، أو: لم تكفرون
~~بآيات الله جميعا وأنتم تعلمون حقيتها بلا شبهة بمنزلة علم المشاهدة.

### || [3.71]

# { يأهل الكتب لم تلبسون الحق بالبطل } أي
~~تسترونه به، أو تخلطونه به، والباء صلة، وفي المراد أقوال: أحدها: أن
~~المراد تحريفهم التوراة والإنجيل  قاله الحسن وابن زيد  وثانيها: أن
~~المراد إظهارهم الإسلام وإبطانهم النفاق  قاله ابن عباس وقتادة 
~~وثالثها: أن المراد الإيمان بموسى وعيسى والكفر بمحمد عليهم الصلاة
~~والسلام، ورابعها أن المراد ما يعلمونه في قلوبهم من حقية رسالته صلى
~~الله عليه وسلم وما يظهرونه من تكذيبه، عن أبي علي وأبي مسلم، وقرىء {
~~تلبسون } بالتشديد وهو بمعنى المخفف، وقرأ يحيى بن وثاب {
~~تلبسون } وهو من لبست الثوب، والباء بمعنى مع، والمراد من اللبس
~~الاتصاف بالشيء، والتلبس به وقد جاء ذلك فيما رواه البخاري في «الصحيح»
~~عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور "

# { وتكتمون الحق } أي نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما
~~وجدتموه في كتبكم من نعته والبشارة به { وأنتم تعلمون } أنه حق،
~~وقيل: تعلمون الأمور التي يصح بها التكليف وليس بشيء.

### || [3.72]

# { وقالت طائفة } أي جماعة وسميت بها لأنه يسوى بها حلقة يطاف
~~حولها { من أهل الكتب } أي اليهود لبعضهم { ءامنوا } أي
~~أظهروا الإيمان { بالذي أنزل على الذين ءامنوا } وهم
~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: النبي عليه الصلاة والسلام
~~وأصحابه { وجه النهار } أي أوله كما في قول الربيع بن زياد:

# من كان مسرورا بمقتل مالك

# فليأت نسوتنا (بوجه نهار)

# وسمي وجها لأنه أول ما يواجهك منه، وقيل: لأنه كالوجه ms01321 في أنه أعلاه
~~وأشرف ما فيه؛ وذكر الثعالبي أنه في ذلك استعارة معروفة { واكفروا
~~ءاخره لعلهم يرجعون } بسبب هذا الفعل عن اعتقادهم حقية ما
~~أنزل عليهم  قال الحسن والسدي  تواطأ اثنا عشر رجلا من أحبار يهود
~~خبير، وقرى عرينة، وقال بعضهم لبعض: أدخلوا في دين محمد  أول النهار 
~~باللسان دون الاعتقاد  واكفروا آخر النهار  وقولوا إنا نظرنا في كتبنا
~~وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدا ليس بذاك وظهر لنا كذبه وبطلان دينه فإذا
~~فعلتم ذلك شك/ أصحابه في دينهم فقالوا: إنهم أهل الكتاب وهم أعلم به
~~فيرجعون عن دينهم إلى دينكم، وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: كان هذا في شأن
~~القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فقال كعب بن الأشرف
~~لأصحابه آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها أول النهار
~~وارجعوا إلى قبلتكم آخره لعلهم يشكون، والتعبير بما أنزل بناءا على ما
~~يقوله المؤمنون وإلا فهم يكذبون ولا يصدقون أن الله تعالى أنزل شيئا على
~~المؤمنين، وظاهر الآية يدل على وقوع أمر بعضهم لبعض أن يقولوا ذلك، وأما
~~امتثال الأمر من المأمور فمسكوت عن بيان وقوعه وعدمه، وعن بعضهم أن في
~~الأخبار ما يدل على وقوعه.

### || [3.73]

# { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن
~~الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو
~~يحآجوكم عند ربكم } في نظم الآية ومعناها أوجه لخصها
~~الشهاب من كلام بعض المحققين، أحدها: أن التقدير: ولا تؤمنوا بأن يؤتى
~~أحد مثل ما أوتيتم وهم المسلمون أوتوا كتابا سماويا كالتوراة ونبيا
~~مرسلا كموسى  وبأن يحاجوكم  ويغلبوكم بالحجة يوم القيامة إلا
~~لاتباعكم، وحاصله أنهم نهوهم عن إظهار هذين الأمرين للمسلمين لئلا
~~يزدادوا تصلبا ولمشركي العرب لئلا يبعثهم على الإسلام وأتى  بأو  على
~~وزان

# ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا

# [الإنسان: 24] وهو أبلغ. والحمل على معنى حتى صحيح مرجوح، وأتى بقوله
~~تعالى: { قل إن الهدى هدى الله } معترضا بين الفعل
~~ومتعلقه، وفائدة الاعتراض الإشارة إلى أن كيدهم غير ضار لمن لطف الله
~~تعالى ms01322 به بالدخول في الإسلام، أو زيادة التصلب فيه. ويفيد أيضا أن الهدى
~~هداه فهو الذي يتولى ظهوره

# يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم والله
~~متم نوره

# [الصف: 8] فالمراد بالإيمان إظهاره كما ذكره الزمخشري، أو الإقرار
~~اللساني كما ذكره الواحدي، والمراد من التابعين المتصلب منهم، وإلا وقع
~~ما فروا منه، وثانيها: أن المراد: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر الذي
~~أتيتم به وجه النهار إلا لمن كان تابعا لدينكم أولا وهم الذين أسلموا
~~منهم أي لأجل رجوعهم لأنه كان عندهم أهم وأوقع، وهم فيه أرغب وأطمع، وعند
~~هذا تم الكلام، ثم قيل: { إن الهدى هدى الله } أي فمن يهدي
~~الله فلا مضل له ويكون قوله تعالى: { أن يؤتى } الخ على هذا معللا
~~لمحذوف أي  لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم  ولما يتصل به من الغلبة بالحجة
~~يوم القيامة دبرتم ما دبرتم. وحاصله أن داعيكم إليه ليس إلا الحسد،
~~وإنما أتى  بأو  تنبيها على استقلال كل من الأمرين في غيظهم وحملهم
~~على الحسد حتى دبروا ما دبروا ولو أتى بالواو لم تقع هذا الموقع للعلم
~~بلزوم الثاني للأول لأنه إذا كان ما أوتوا حقا غلبوا يوم القيامة
~~مخالفهم لا محالة فلم يكن فيه فائدة زائدة، وأما  أو  فتشعر بأن كلا
~~مستقل في الباعثية على الحسد والاحتشاد في التدبير، والحمل على معنى حتى
~~ليس له موقع يروع السامع وإن كان وجها ظاهرا. ويؤيد هذا الوجه قراءة
~~ابن كثير  أأن يؤتى  بزيادة همزة الاستفهام للدلالة على انقطاعه عن
~~الفعل واستقلاله بالإنكار، وفيه تقييد الإيمان بالصادر أول النهار بقرينة
~~إن الكلام فيه، وتخصيص من تبع بمسلميهم بقرينة المضي فإن غيرهم متبع
~~دينهم الآن أيضا، وعن الزمخشري أن { أن يؤتى } الخ من جملة المقول
~~كأنه قيل: قل لهم هذين القولين ومعناه أكد عليهم أن الهدى ما فعل الله
~~تعالى من إيتاء الكتاب غيركم، وأنكر عليهم أن يمتعضوا من أن يؤتى أحد
~~مثله  كأنه قيل  إن الهدى هدى الله، وقل  لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم
~~ قلتم ما قلتم ms01323 وكدتم ما كدتم.

# وثالثها: أن يقرر ولا تؤمنوا على ما قرر عليه الثاني، ويجعل { أن
~~يؤتى } خبر { إن } و { هدى الله } بدل من اسمها  وأو 
~~بمعنى حتى على أنها غاية سببية، وحينئذ لا ينبغي أن يخص عند ربكم بيوم
~~القيامة بل بالمحاجة الحقة كما أشير إليه في البقرة، ولو حملت على العطف
~~لم يلتئم الكلام، ورابعها: أن يكون { ولا تؤمنوا إلا لمن } /
~~الخ باقيا على إطلاقه أي واكفروا آخره واستمروا على ما كنتم فيه من
~~اليهودية ولا تقروا لأحد إلا لمن هو على دينكم وهو من جملة مقول الطائفة
~~ويكون { قل إن الهدى } الخ أمرا للنبي صلى الله عليه وسلم أن
~~يقول ذلك في جوابهم، على معنى: قل إن الهدى هدى الله فلا تنكروا أن يؤتى
~~حتى تحاجوا؛ وقرينة الإضمار إن ولا تؤمنوا الخ تقرير على اليهودية وأنه
~~لا دين يساويها فإذا أمر صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم علم أن ما أنكروه
~~غير منكر وأنه كائن، وحمل  أو  على معناها الأصلي حينئذ أيضا حسن
~~لأنه تأييد للإيتاء وتعريض بأن من أوتي مثل ما أوتوا هم الغالبون، وقرىء
~~ إن يؤتى  بكسر همزة إن على أنها نافية  أي قولوا لهم ما يؤتى  وهو
~~خطاب لمن أسلم منهم رجاء العود، والمعنى لا إيتاء ولا محاجة  فأو 
~~بمعنى حتى، وقدر قولوا توضيحا وبيانا لأنه ليس استئنافا تعليلا،
~~وقوله تعالى: { قل إن الهدى } الخ اعتراض ذكر قبل أن يتم كلامهم
~~للاهتمام ببيان فساد ما ذهبوا إليه؛ وأرجح الأوجه الثاني لتأيده بقراءة
~~ابن كثير وأنه أفيد من الأول وأقل تكلفا من باقي الأوجه، وأقرب إلى
~~المساق انتهى.

# وأقول: ما ذكره في الوجه الرابع من تقرير فلا تنكروا أن يؤتى الخ هو قول
~~قتادة والربيع والجبائي لكنهم لم يجعلوا  أو  بمعنى حتى وهو أحد
~~الاحتمالين اللذين ذكرهما وكذا القول بإبدال أن يؤتى من الهدى قول السدي
~~وابن جريج إلا أنهم قدروا  لا  بين أن ويؤتى، واعترض عليهما أبو العباس
~~المبرد بأن  لا  ليست مما تحذف ههنا، ms01324 والتزم تقدير مضاف شاع تقديره في
~~أمثال ذلك وهو كراهة، والمعنى إن الهدى كراهة  أن يؤتى أحد مثل ما
~~أوتيتم  أي ممن خالف دين الإسلام لأن الله لا يهدي من هو كاذب كفار فهدى
~~الله تعالى بعيد من غير المؤمنين، ولا يخفى أنه معنى متوعر، وليس بشيء،
~~ومثله ما قاله قوم من أن { أن يؤتى } الخ تفسير للهدى، وأن المؤتى
~~هو الشرع وأن { أو يحاجوكم } عطف على { أوتيتم } ، وأن ما
~~يحاج به العقل وأن تقدير الكلام أن هدى الله تعالى ما شرع أو ما عهد به
~~في العقل، ومن الناس من جعل الكلام من أول الآية إلى آخرها من الله تعالى
~~خطابا للمؤمنين قال: والتقدير ولا تؤمنوا أيها المؤمنون إلا لمن تبع
~~دينكم وهو دين الإسلام ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين
~~فلا نبي بعد نبيكم عليه الصلاة والسلام ولا شريعة بعد شريعتكم إلى يوم
~~القيامة ولا تصدقوا بأن يكون لأحد حجة عليكم عند ربكم لأن دينكم خير
~~الأديان، وجعل { قل إن الهدى هدى الله } اعتراضا للتأكيد
~~وتعجيل المسرة  ولا يخفى ما فيه  واختيار البعض له والاستدلال عليه بما
~~قاله الضحاك  إن اليهود قالوا: إنا نحج عند ربنا من خالفنا في ديننا
~~فبين الله تعالى لهم أنهم هم المدحضون المغلوبون وأن المؤمنين هم
~~الغالبون  ليس بشيء لأن هذا البيان لا يتعين فيه هذا الحمل كما لا يخفى
~~على ذي قلب سليم، والضمير المرفوع من { يحاجوكم } على كل تقدير
~~عائد إلى { أحد } لأنه في معنى الجمع إذ المراد به غير أتباعهم.

# واستشكل ابن المنير قطع { أن يؤتى } عن { لا تؤمنوا } على ما
~~في بعض الأوجه السابقة بأنه يلزم وقوع (أحد) في الواجب لأن الاستفهام هنا
~~إنكار، واستفهام الإنكار في مثله إثبات إذ حاصله أنه أنكر عليهم ووبخهم
~~على ما وقع منهم وهو إخفاء الإيمان بأن النبوة لا تخص بني إسرائيل لأجل
~~العلتين المذكورتين فهو إثبات محقق، ثم قال: ويمكن أن يقال: روعيت صيغة
~~الاستفهام وإن لم يكن ms01325 المراد حقيقته فحسن دخول (أحد) في سياقه لذلك 
~~وفيه تأمل  فتأمل وتدبر، فقد قال الواحدي: إن هذه الآية من مشكلات
~~القرآن وأصعبه تفسيرا.

# { قل إن الفضل بيد الله } رد وإبطال لما زعموه بأوضح
~~حجة، والمراد من الفضل الإسلام  قاله ابن جريج  وقال غيره: النبوة، /
~~وقيل: الحجج التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، وقيل: نعم
~~الدين والدنيا ويدخل فيه ما يناسب المقام دخولا أوليا { يؤتيه من
~~يشاء } أي من عباده { والله وسع } رحمة، وقيل: واسع القدرة يفعل
~~ما يشاء { عليم } بمصالح العباد، وقيل: يعلم حيث يجعل رسالته.

### || [3.74]

# { يختص برحمته من يشاء } قال الحسن: هي النبوة، وقال ابن
~~جريج: الإسلام والقرآن، وقال ابن عباس هو وكثرة الذكر لله تعالى، والباء
~~داخلة على المقصور وتدخل على المقصور عليه وقد نظم ذلك بعضهم فقال:

# والباء بعد الاختصاص يكثر

# دخولها على الذي قد قصروا

# وعكسه مستعمل وجيد

# ذكره الحبر الإمام السيد

# { والله ذو الفضل العظيم } قال ابن جبير: يعني الوافر.

### || [3.75]

# { ومن أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار يؤده
~~إليك } شروع في بيان نوع آخر من معايبهم، و { تأمنه } من أمنته
~~بمعنى ائتمنته والباء قيل: بمعنى على، وقيل: بمعنى في أي في حفظ قنطار
~~والقنطار تقدم  قنطار من الكلام فيه  يروى أن عبد الله بن سلام استودعه
~~قرشي ألفا ومائتي أوقية ذهبا فأداه إليه. { ومنهم من إن
~~تأمنه بدينار لا يؤده إليك } كفنحاص بن عازوراء فإنه
~~يروى أنه استودعه قرشي آخر دينارا فجحده، وقيل: المأمون على الكثير
~~النصارى إذ الغالب فيهم الأمانة، والخائنون في القليل اليهود إذ الغالب
~~عليهم الخيانة، وروي هذا عن عكرمة.

# و  الدينار  لفظ أعجمي وياؤه بدل عن نون وأصله دنار فأبدل أول المثلين
~~ياءا لوقوعه بعد كسرة، ويدل على الأصل جمعه على دنانير فإن الجمع يرد
~~الشيء إلى أصله، وهو في المشهور أربعة وعشرون قيراطا والقيراط ثلاث حبات
~~من وسط الشعير فمجموعه اثنتان وسبعون حبة قالوا: ولم يختلف جاهلية ولا
~~إسلاما، ومن الغريب ما أخرجه ابن أبي حاتم ms01326 عن مالك بن دينار أنه قال:
~~إنما سمي الدينار دينارا لأنه  دين ونار  ومعناه أن من أخذه بحقه فهو
~~دينه، ومن أخذه بغير حقه فله النار، ولعله إبداء إشارة من هذا اللفظ لا
~~أنه في نفس الأمر كذلك كما لا يخفى على  مالك درهم من عقل فضلا عن مالك
~~دينار  وقرىء { يؤده } بكسر الهاء مع وصلها بياء في اللفظ وبالكسر
~~من غير ياء، وبالإسكان إجراءا للوصل مجرى الوقف وبضم الهاء ووصلها بواو
~~في اللفظ وبضمها من غير واو.

# { إلا ما دمت عليه قائما } استثناء من أعم الأحوال أو
~~الأوقات أي: لا يؤده إليك في حال من الأحوال، أو في وقت من الأوقات إلا
~~في حال دوام قيامك، أو في وقت دوام قيامك، والقيام مجاز عن المبالغة في
~~المطالبة، وفسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالإلحاح، والسدي
~~بالملازمة والاجتماع معه، والحسن بالملازمة والتقاضي، والجمهور على ضم
~~دال  دمت  فهو عندهم كقلت، وقرىء بكسر الدال فهو حينئذ على وزان خفت
~~وهو لغة، والمضارع على اللغة الأولى: يدوم كيقوم، وعلى الثانية: يدام
~~كيخاف.

# { ذلك } أي ترك الأداء المدلول عليه بقوله سبحانه وتعالى: { لا
~~يؤده }. { بأنهم قالوا } ضمير الجمع عائد على { من } في
~~{ من إن تأمنه بدينار } وجمع حملا على المعنى والباء
~~للسببية أي بسبب قولهم { ليس علينا فى الأميين سبيل }
~~أي ليس علينا فيما أصبناه من أموال العرب عتاب وذم. / أخرج ابن جرير عن
~~ابن جريج قال: بايع اليهود رجال من المسلمين في الجاهلية فلما أسلموا
~~تقاضوهم عن بيوعهم فقالوا: ليس علينا أمانة ولا قضاء لكم عندنا لأنكم
~~تركتم دينكم الذي كنتم عليه وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم فقال الله
~~تعالى: { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } أي
~~أنهم كاذبون، وقال الكلبي: قالت اليهود: الأموال كلها كانت لنا فما في
~~أيدي العرب منها فهو لنا وأنهم ظلمونا وغصبونا فلا إثم علينا في أخذ
~~أموالنا منهم، وأخرج ابن المنذر وغيره عن سعيد بن جبير قال: «لما نزلت {
~~ومن أهل الكتب } إلى قوله ms01327 سبحانه: { ذلك بأنهم
~~قالوا ليس علينا فى الاميين سبيل } قال النبي صلى الله
~~عليه وسلم:

# " كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا
~~الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر "

# والجار والمجرور متعلق بيقولون، والمراد يفترون، ويجوز أن يكون حالا من
~~{ الكذب } مقدما عليه، ولم يجوز أبو البقاء تعلقه به لأن الصلة لا تتقدم
~~على الموصول، وأجازه غيره لأنه كالظرف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره.

### || [3.76]

# { بلى } جواب لقولهم

# ليس علينا فى الأميين سبيل

# [آل عمران: 75]، وإيجاب لما نفوه، والمعنى بلى عليهم في الأميين سبيل. {
~~من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب
~~المتقين } استئناف مقرر للجملة التي دلت عليها { بلى } حيث
~~أفادت بمفهومها المخالف ذم من لم يف بالحقوق مطلقا فيدخلون فيه دخولا
~~أوليا، و { من } إما موصولة أو شرطية، و { أوفى } فيه ثلاث لغات:
~~إثبات الهمزة وحذفها مع تخفيف الفاء وتشديدها، والضمير في  عهده  عائد
~~على { من } وقيل: يعود على { الله } فهو على الأول: مصدر مضاف
~~لفاعله، وعلى الثاني: مصدر مضاف لمفعوله أو لفاعله ولا بد من ضمير يعود
~~على { من } من الجملة الثانية، فإما أن يقام الظاهر مقام المضمر في
~~الربط إن كان { المتقين } من { أوفى } وإما أن يجعل عمومه وشموله
~~رابطا إن كان { المتقين } عاما؛ وإنما وضع الظاهر موضع الضمير
~~على الأول تسجيلا على الموفين بالعهد بالتقوى وإشارة إلى علة الحكم
~~ومراعاة لرؤوس الآي، ورجح الأول بقوة الربط فيه، وقال ابن هشام: الظاهر
~~أنه لا عموم وأن { المتقين } مساو لمن تقدم ذكره والجواب لفظا، أو
~~معنى محذوف تقديره يحبه الله، ويدل عليه { فإن الله } الخ،
~~واعترضه الحلبي بأنه تكلف لا حاجة إليه، وقوله: الظاهر أنه لا عموم في
~~حيز المنع فإن ضمير { بعهده } إذا كان لله فالالتفات عن الضمير إلى
~~الظاهر لإفادة العموم كما هو المعهود في أمثاله قاله بعض المحققين.

### || [3.77]

# { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمنهم
~~ثمنا قليلا } أخرج الستة وغيرهم عن ابن مسعود رضي الله تعالى ms01328 عنه
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو
~~عليه غضبان فقال الأشعث بن قيس: في والله كان ذلك كان بيني وبين رجل من
~~اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: ألك بينة؟ قلت: لا فقال لليهودي: احلف فقلت: يا
~~رسول الله إذا يحلف فيذهب مالي فأنزل الله تعالى { إن الذين } "

# الخ. وأخرج البخاري وغيره عن عبد الله بن أبي أوفى أن رجلا أقام سلعة
~~له في السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من
~~المسلمين فنزلت هذه الآية.وأخرج أحمد وابن جرير  واللفظ له  عن عدي بن
~~عميرة قال:

# " كان بين امرىء القيس ورجل من حضرموت/ خصومة فارتفعا إلى النبي صلى
~~الله عليه وسلم فقال للحضرمي: بينتك وإلا فيمينه قال: يا رسول الله إن
~~حلف ذهب بأرضي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين كاذبة
~~ليقتطع بها حق أخيه لقي الله تعالى وهو عليه غضبان فقال امرؤ القيس: يا
~~رسول الله فما لمن تركها وهو يعلم أنها حق؟ قال: الجنة قال: فإني أشهدك
~~أني قد تركتها "

# فنزلت، وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في أبي رافع
~~ولبابة بن أبي الحقيق وكعب بن الأشرف وحيي بن أخطب حرفوا التوراة وبدلوا
~~نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكم الأمانات وغيرهما وأخذوا على ذلك
~~رشوة، وروي غير ذلك ولا مانع من تعدد سبب النزول كما حققوه. والمراد 
~~بيشترون  يستبدلون، وبالعهد أمر الله تعالى، وما يلزم الوفاء به، وقيل:
~~ما عهده إلى اليهود في التوراة من أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل:
~~ما في عقل الإنسان من الزجر عن الباطل والانقياد إلى الحق، و  بالأيمان
~~ الأيمان الكاذبة، و  بالثمن القليل  الأعواض النزرة أو الرشا، ووصف
~~ذلك بالقلة لقلته في جنب ما يفوتهم من الثواب ms01329 ويحصل لهم من العقاب.

# { أولئك لا خلق لهم فى الأخرة } أي لا نصيب لهم
~~من نعيمها بسبب ذلك الاستبدال { ولا يكلمهم الله } أي بما
~~يسرهم بل بما يسوؤهم وقت الحساب لهم  قاله الجبائي  أو لا يكلمهم بشيء
~~أصلا وتكون المحاسبة بكلام الملائكة لهم بأمر الله تعالى إياهم استهانة
~~بهم، وقيل: المراد إنهم لا ينتفعون بكلمات الله تعالى وآياته ولا يخفى
~~بعده، واستظهر أن يكون هذا كناية عن غضبه سبحانه عليهم.

# { ولا ينظر إليهم يوم القيمة } أي لا يعطف عليهم
~~ولا يرحمهم كما يقول القائل  أنظر إلي  يريد ارحمني، وجعله الزمخشري
~~مجازا عن الاستهانة بهم والسخط عليهم، وفرق بين استعماله فيمن يجوز عليه
~~النظر المفسر بتقليب الحدقة وفيمن لا يجوز عليه ذلك بأن أصله فيمن يجوز
~~عليه الكناية لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه، ثم كثر
~~حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثم نظر، ثم جاء فيمن لا
~~يجوز عليه النظر مجردا لمعنى الإحسان مجازا عما وقع كناية عنه فيمن
~~يجوز عليه النظر، وفي «الكشف» إن في هذا تصريحا بأن الكناية يعتبر فيها
~~صلوح إرادة الحقيقة وإن لم ترد وأن الكنايات قد تشتهر حتى لا تبقى تلك
~~الجهة ملحوظة وحينئذ تلحق بالمجاز ولا تجعل مجازا إلا بعد الشهرة لأن
~~جهة الانتقال إلى المعنى المجازي أولا غير واضحة بخلاف المعنى المكنى
~~عنه، وبهذا يندفع ما ذكره غير واحد من المخالفة بين قولي الزمخشري في جعل
~~بسط اليد في قوله تعالى:

# بل يداه مبسوطتان

# [المائدة: 64] مجازا عن الجود تارة وكناية أخرى إذ حاصله أنه إن قطع
~~النظر عن المانع الخارجي كان كناية ثم ألحق بالمجاز فيطلق عليه أنه كناية
~~باعتبار أصله قبل الإلحاق ومجاز بعده فلا تناقض بينهم كما توهموه فتدبر.
~~والظرف متعلق بالفعلين وفيه تهويل للوعيد.

# { ولا يزكيهم } أي ولا يحكم عليهم بأنهم أزكياء ولا يسميهم بذلك
~~بل يحكم بأنهم كفرة فجرة  قاله القاضي  وقال الجبائي: لا ينزلهم منزلة
~~الأزكياء، وقيل: لا يطهرهم عن دنس الذنوب ms01330 والأوزار بالمغفرة { ولهم
~~عذاب أليم } أي مؤلم موجع، والظاهر أن ذلك في القيامة إلا أنه لم
~~يقيد به اكتفاءا بالأول، وقيل: إنه في الدنيا بالإهانة وضرب الجزية
~~بناءا على أن الآية في اليهود.

### || [3.78]

# { وإن منهم لفريقا } أي إن من أهل الكتاب الخائنين لجماعة {
~~يلوون ألسنتهم بالكتب } أي يحرفونه  قاله مجاهد 
~~وقيل: أصل  اللي  الفتل من قولك: لويت يده إذا فتلتها، ومنه لويت
~~الغريم إذا مطلته/ حقه قال الشاعر:

# تطيلين لياني وأنت (ملية)

# وأحسن يا ذات الوشاح التقاضيا

# وفي الخبر

# " لي الواجد ظلم "

# فالمعنى يفتلون ألسنتهم في القراءة بالتحريف في الحركات ونحوها تغييرا
~~يتغير به المعنى ويرجع هذا في الآخرة إلى ما قاله مجاهد، وقريب منه ما
~~قيل: إن المراد يميلون الألسنة بمشابه الكتاب، و  الألسنة  جمع لسان،
~~وذكر ابن الشحنة أنه يذكر ويؤنث. ونقل عن أبي عمرو بن العلاء أن من أنثه
~~جمعه على ألسن، ومن ذكره جمعه على ألسنة، وعن الفراء أنه قال: اللسان
~~بعينه لم أسمعه من العرب إلا مذكرا ولا يخفى أن المثبت مقدم على النافي؛
~~والباء صلة أو للآلة أو للظرفية أو للملابسة، والجار والمجرور حال من
~~الألسنة أي ملتبسة بالكتاب.

# وقرأ أهل المدينة  يلوون  بالتشديد فهو على حد

# لووا رءوسهم

# [المنافقون: 5] وعن مجاهد وابن كثير  يلون  على قلب الواو المضمومة
~~همزة ثم تخفيفها بحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها كذا قيل، واعترض
~~عليه بأنه لو نقلت ضمة الواو لما قبلها فحذفت لالتقاء الساكنين كفى في
~~التوجيه فأي حاجة إلى قلب الواو همزة، ورد بأنه فعل ذلك ليكون على
~~القاعدة التصريفية بخلاف نقل حركة الواو ثم حذفها على ما عرف في التصريف،
~~ونظر فيه بعض المحققين بأن الواو المضمومة إنما تبدل همزة إذا كانت ضمتها
~~أصلية فهو مخالف للقياس أيضا. نعم قرىء  يلؤون  بالهمز في الشواذ وهو
~~يؤيده، وعلى كل ففيه اجتماع إعلالين ومثله كثير، وأما جعله من  الولي 
~~بمعنى القرب أي يقربون ألسنتهم بميلها إلى المحرف فبعيد من الصحيح قريب
~~إلى المحرف.

# { لتحسبوه من ms01331 الكتب } أي لتظنوا أيها المسلمون أن المحرف
~~المدلول عليه  باللي  أو المشابه من كتاب الله تعالى المنزل على بعض
~~أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وقرىء (ليحسبوه) بالياء والضمير أيضا
~~للمسلمين. { وما هو من الكتب } ولكنه من قبل أنفسهم {
~~ويقولون هو من عند الله } أي ويزعمون صريحا غير مكتفين
~~بالتورية والتعريض أن المحرف أو المشابه نازل من عند الله { وما هو
~~من عند الله } أي وليس هو نازلا من عند الله تعالى، و  الواو 
~~للحال والجملة حال من ضمير المبتدأ في الخبر، وفي جملة { ويقولون }
~~الخ تأكيد للنفي الذي قبلها وليس الغرض التأكيد فقط وإلا لما توجه العطف
~~بل التشنيع أيضا بأنهم لم يكتفوا بذلك التعريض حتى ارتكبوا هذا التصريح
~~وبهذا حصلت المغايرة المقتضية للعطف، والإظهار في موضع الإضمار لتهويل ما
~~قدموا عليه.

# ((واستدل الجبائي والكعبي بالآية على أن فعل العبد ليس بخلق الله تعالى
~~وإلا صدق أولئك المحرفون بقولهم { هو من عند الله } تعالى لكن
~~الله (ورد) بأن القوم ما ادعوا أن التحريف من عند الله وبخلقه وإنما
~~ادعوا أن المحرف منزل من عند الله، أو [هو] حكم من أحكامه فتوجه
~~[التكذيب] تكذيب الله تعالى إياهم إلى هذا الذي زعموا)). والحاصل أن
~~المقصود بالنفي كما أشرنا إليه نزوله من عنده سبحانه وهو أخص من كونه من
~~فعله وخلقه، ونفي الخاص لا يستلزم نفي العام فلا يدل على مذهب المعتزلة
~~القائلين بأن أفعال العباد مخلوقة لهم لا لله تعالى.

# { ويقولون على الله الكذب } أي في نسبتهم ذلك إلى الله
~~تعالى تعريضا وتصريحا { وهم يعلمون } أنهم كاذبون عليه سبحانه
~~وهو تسجيل عليهم بأن ما افتروه عن عمد لا خطأ، وقيل: يعلمون ما عليهم في
~~ذلك من العقاب، روى الضحاك عن ابن عباس أن الآية نزلت في اليهود والنصارى
~~جميعا وذلك أنهم حرفوا التوراة والإنجيل وألحقوا بكتاب الله تعالى ما
~~ليس منه، وروى غير واحد أنها في طائفة من اليهود، وهم كعب بن الأشرف/
~~ومالك وحيي بن أخطب وأبو ياسر وشعبة بن عمرو الشاعر ms01332 غيروا ما هو حجة
~~عليهم من التوراة.

# واختلف الناس في أن المحرف هل كان يكتب في التوراة أم لا؟ فذهب جمع إلى
~~أنه ليس في التوراة سوى كلام الله تعالى وأن تحريف اليهود لم يكن إلا
~~تغييرا وقت القراءة أو تأويلا باطلا للنصوص، وأما أنهم يكتبون ما
~~يرومون في التوراة على تعدد نسخها فلا، واحتجوا لذلك بما أخرجه ابن
~~المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه قال: إن التوراة والإنجيل كما
~~أنزلهما الله تعالى لم يغير منهما حرف ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل
~~وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم ويقولون: إن ذلك من عند الله وما هو
~~من عند الله فأما كتب الله تعالى فإنها محفوظة لا تحول وبأن النبي صلى
~~الله عليه وسلم كان يقول لليهود إلزاما لهم:

# فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين

# [آل عمران: 93] وهم يمتنعون عن ذلك فلو كانت مغيرة إلى ما يوافق مرامهم
~~ما امتنعوا بل وما كان يقول لهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه
~~يعود على مطلبه الشريف بالإبطال.

# وذهب آخرون إلى أنهم بدلوا وكتبوا ذلك في نفس كتابهم واحتجوا على ذلك
~~بكثير من الظواهر ولا يمنع من ذلك تعدد النسخ إما لاحتمال الطواطؤ أو فعل
~~ذلك في البعض دون البعض وكذا لا يمنع منه قول الرسول لهم ذلك لاحتمال
~~علمه صلى الله عليه وسلم ببقاء بعض ما يفي بغرضه سالما عن التغيير إما
~~لجهلهم بوجه دلالته، أو لصرف الله تعالى إياهم عن تغييره، وأما ما روي عن
~~وهب فهو على تقدير ثبوته عنه يحتمل أن يكون قولا عن اجتهاد، أو ناشئا
~~عن عدم استقراء تام، ومما يؤيد وقوع التغيير في كتب الله تعالى وأنها لم
~~تبق كيوم نزلت وقوع التناقض في الأناجيل وتعارضها وتكاذبها وتهافتها
~~ومصادمتها بعضها ببعض، فأنها أربعة أناجيل: الأول: «إنجيل متى» وهو من
~~الاثني عشر الحواريين  وإنجيله باللغة السريانية  كتبه بأرض فلسطين بعد
~~رفع المسيح إلى السماء بثماني سنين وعدة إصحاحاته ثمانية وستون إصحاحا،
~~والثاني: «إنجيل ms01333 مرقس» وهو من السبعين  وكتب إنجيله باللغة الفرنجية
~~بمدينة رومية بعد رفع المسيح باثنتي عشرة سنة  وعدة إصحاحاته ثمانية
~~وأربعون إصحاحا، والثالث: «إنجيل لوقا» وهو من السبعين أيضا  كتب
~~إنجيله باللغة اليونانية بمدينة الإسكندرية بعد ذلك  وعدة إصحاحاته
~~ثلاثة وثمانون إصحاحا، والرابع: «إنجيل يوحنا» وهو حبيب المسيح  كتب
~~إنجيله بمدينة إقسس من بلاد رومية بعد رفع المسيح بثلاثين سنة  وعدة
~~إصحاحاته في النسخ القبطية ثلاثة وثلاثون إصحاحا، وقد تضمن كل إنجيل من
~~الحكايات والقصص ما أغفله الآخر، واشتمل على أمور وأشياء قد اشتمل الآخر
~~على نقيضها أو ما يخالفها، وفيها ما تحكم الضرورة بأنه ليس من كلام الله
~~تعالى أصلا، فمن ذلك أن متى ذكر أن المسيح صلب وصلب معه لصان أحدهما عن
~~يمينه والآخر عن شماله وأنهما جميعا كانا يهزءان بالمسيح مع اليهود
~~ويعيرانه، وذكر لوقا خلاف ذلك فقال: إن أحدهما كان يهزأ به والآخر يقول
~~له: أما تتقي الله تعالى أما نحن فقد جوزينا وأما هذا فلم يعمل قبيحا ثم
~~قال للمسيح: يا سيدي أذكرني في ملكوتك فقال: حقا إنك تكون معي اليوم في
~~الفردوس ولا يخفى أن هذا يؤول إلى التناقض فإن اللصين عند متى كافران
~~وعند لوقا أحدهما مؤمن والآخر كافر، وأغفل هذه القصة مرقس ويوحنا، ومنه
~~أن لوقا ذكر أنه قال يسوع: إن ابن الإنسان لم يأت ليهلك نفوس الناس ولكن
~~ليحيى وخالفه أصحابه وقالوا بل قال: إن ابن الإنسان لم يأت ليلقي على
~~الأرض سلامة لكن سيفا ويضرم فيها نارا، ولا شك أن هذا تناقض، أحدهما:
~~يقول جاء رحمة للعالمين، والآخر يقول: جاء نقمة على الخلائق أجمعين، ومن
~~ذلك أن متى قال: قال يسوع للتلاميذ الإثني عشر: أنتم الذين تكونون في
~~الزمن الآتي جلوسا على إثني عشر/ كرسيا تدينون إثني عشر سبط إسرائيل
~~فشهد للكل بالفوز والبر عامة في القيامة ثم نقض ذلك متى وغيره وقال: مضى
~~واحد من التلاميذ الإثني عشر وهو يهوذا صاحب صندوق الصدقة فارتشى على
~~يسوع بثلاثين درهما وجاء بالشرطي ms01334 فسلم إليهم يسوع فقال يسوع: الويل له
~~خير له أن لا يولد، ومنه أن متى أيضا ذكر أنه لما حمل يسوع إلى فيلاطس
~~القائد قال: أي شر فعل هذا فصرخ اليهود وقالوا: يصلب يصلب فلما رأى عزمهم
~~وأنه لا ينفع فيهم أخذ ماءا وغسل يديه وقال: أنا برىء من دم هذا الصديق
~~وأنتم أبصر، وأكذب يوحنا ذلك فقال: لما حمل يسوع إليه قال لليهود: ما
~~تريدون؟ قالوا: يصلب فضرب يسوع ثم سلمه إليهم إلى غير ذلك مما يطول، فإذا
~~وقع هذا التغيير والتحريف في أصول القوم ومتقدميهم فما ظنك في فروعهم
~~ومتأخريهم.

# وإذا كان في الأنابيب حيف

# وقع الطيش في صدور الصعاد

# ويا ليت شعري هل تنبه ابن منبه لهذا أم لم يتنبه فقال: إن التوراة
~~والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى سبحان الله هذا من العجب العجاب؟!.

### || [3.79]

# { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتب والحكم
~~والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون
~~الله } تنزيه لأنبياء الله تعالى عليهم الصلاة والسلام إثر تنزيه الله
~~تعالى عن نسبة ما افتراه أهل الكتاب إليه، وقيل: تكذيب ورد على عبدة
~~عيسى عليه السلام. وأخرج ابن إسحق وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما قال:

# " قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل
~~نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا
~~محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران
~~نصراني يقال له الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد؟ فقال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم: «معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غيره ما
~~بذلك بعثني ولا بذلك أمرني "

# فأنزل الله تعالى الآية. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: بلغني أن
~~رجلا قال:

# " يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال:
~~«لا ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد من
~~دون ms01335 الله تعالى "

# فنزلت، وأخرج ابن أبي حاتم قال: «كان ناس من يهود يتعبدون الناس من دون
~~ربهم بتحريفهم كتاب الله تعالى عن موضعه فقال: ما كان لبشر» الخ، والمعنى
~~ما يصح، وقيل: ما ينبغي، وقيل لا يجوز لأحد، وعبر بالبشر إيذانا بعلة
~~الحكم فإن البشرية منافية للأمر الذي أسنده الكفرة إلى أولئك الكرام
~~عليهم الصلاة والسلام.

# والجار خبر مقدم  لكان  والمنسبك من { أن } والفعل بعد اسمها ولا
~~بد لاستقامة المعنى من ملاحظة العطف إذ لو سكت عنه لم يصح لأن الله تعالى
~~قد آتى كثيرا من البشر الكتاب وأخويه، وعطف الفعل على منصوب أن  بثم 
~~تعظيما لهذا القول فإنه إذا انتفى بعد مهلة كان انتفاؤه بدونها أولى
~~وأحرى فكأنه قيل: إن هذا الإيتاء العظيم لا يجامع هذا القول أصلا وإن
~~كان بعد مهلة من هذا الإنعام والحكم بمعنى الحكمة، وقد تقدم معناها، و 
~~العباد  جمع عبد قال القاضي: وهو هنا من العبادة ولم يقل عبيدا لأنه من
~~العبودية وهي لا تمتنع أن تكون لغير الله تعالى، ولهذا يقال: هؤلاء عبيد
~~زيد ولا يقال: عباده، والظرف الذي بعده متعلق بمحذوف وقع صفة له أي
~~عبادا كائنين لي و { من دون الله } متعلق بلفظ { عبادا } لما
~~فيه من معنى الفعل، ويجوز أن يكون صفة ثانية وأن يكون حالا لتخصيص
~~النكرة بالوصف أي متجاوزين الله تعالى إشراكا وإفرادا  كما قال
~~الجبائي  فإن التجاوز متحقق/ فيهما حتما، ثم إن هذا الإيتاء في الآية
~~حقيقة على الروايتين الأوليين مجاز على الرواية الأخيرة كما لا يخفى.

# { ولكن كونوا ربنيين } إثبات لما نفى سابقا، وهو القول
~~المنصوب بأن كأنه قيل: ما كان لذلك البشر أن يقول ذلك لكن يقول كونوا
~~ربانيين، فالفعل هنا منصوب أيضا عطفا عليه، وجوز رفعه على المعنى لأنه
~~في معنى لا يقول، وقيل: يصح عدم تقدير القول على معنى لا تكونوا قائلين
~~لذلك ولكن كونوا ربانيين وفسر علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس الرباني
~~بالفقيه العالم، وقتادة والسدي بالعالم الحكيم، وابن جبير ms01336 بالحليم التقي،
~~وابن زيد بالمدبر أمر الناس  وهي أقوال متقاربة  وهو لفظ عربي لا
~~سرياني على الصحيح. وزعم أبو عبيدة أن العرب لا تعرفه [وإنما عرفها
~~الفقهاء وأهل العلم]، وهو منسوب إلى الرب كإلهي والألف والنون يزادان في
~~النسب للمبالغة كثيرا  كلحياني  لعظيم اللحية، والجماني لوافر الجمة،
~~ورقباني بمعنى غليظ الرقبة، وقيل: إنه منسوب إلى ربان صفة كعطشان بمعنى
~~مربي.

# { بما كنتم تعلمون الكتب وبما كنتم تدرسون }
~~الباء السببية متعلقة  بكونوا  أي كونوا كذلك بسبب مثابرتكم على
~~تعليمكم الكتاب ودراستكم له، والمطلوب أن لا ينفك العلم عن العمل إذ لا
~~يعتد بأحدهما بدون الآخر، وقيل: متعلقة  بربانيين  لأن فيه معنى الفعل،
~~وقيل: بمحذوف وقع صفة له  والدراسة  التكرار يقال: درس الكتاب أي كرره،
~~وتطلق على القراءة، وتكرير { بما كنتم } للإشعار باستقلال كل من
~~استمرار التعليم واستمرار القراءة المشعر به جعل خبر (كان) مضارعا
~~-بالفضل، وتحصيل الربانية، وقدم تعليم الكتاب على دراسته لوفور شرفه
~~عليها، أو لأن الخطاب الأول: لرؤسائهم، والثاني: لمن دونهم، وقيل: لأن
~~متعلق التعليم الكتاب بمعنى القرآن، ومتعلق الدراسة الفقه  وفيه بعد
~~بعيد  وإن أشعر به كلام بعض السلف.

# وقرأ نافع وابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ومجاهد { تعلمون } بمعنى
~~عالمين، وقرىء { تدرسون } بالتشديد من التدريس، وتدرسون من الإدراس
~~بمعناه، ومجىء أفعل بمعنى فعل كثير، وجوز كون القراءة المشهورة أيضا
~~بهذا المعنى على أن يكون المراد تدرسونه للناس.

### || [3.80]

# { ولا يأمركم أن تتخذوا الملئكة والنبيين
~~أربابا } قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب  ولا يأمركم  بالنصب
~~عطفا على

# يقول

# [آل عمران: 79]، { ولا } إما مزيدة لتأكيد معنى النفي الشائع في
~~الاستعمال سيما عند طول العهد وتخلل الفصل، والمعنى ما كان لبشر أن يؤتيه
~~الله تعالى ذلك ويرسله للدعوة إلى اختصاصه بالعبادة وترك الأنداد، ثم
~~يأمر الناس بأن يكونوا عبادا له، ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين
~~أربابا فهو كقولك: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بي، وإما
~~غير زائدة بناءا على أنه صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن ms01337 عبادة الملائكة
~~والمسيح وعزير عليهم السلام فلما قيل له: أنتخذك ربا؟ قيل لهم: ما كان
~~لبشر أن يتخذه الله تعالى نبيا ثم يأمر الناس بعبادته وينهاهم عن عبادة
~~الملائكة والأنبياء مع أن من يريد أن يستعبد شخصا يقول له: ينبغي أن
~~تعبد أمثالي وأكفائي وعلى هذا يكون المقصود  من عدم الأمر  النهي وإن
~~كان أعم منه لكونه أمس بالمقصود وأوفق للواقع.

# وقرأ باقي السبعة { ولا يأمركم } بالرفع على الاستئناف، ويحتمل
~~الحالية، وقيل: والرفع على الاستئناف أظهر، وينصره قراءة { ولن
~~يأمركم } ووجهت الأظهرية بالخلو عن تكلف جعل عدم الأمر بمعنى
~~النهي، وبأن العطف يستدعي تقديمه على { لكن } وكذا الحالية أيضا. /
~~وقرىء بإسكان الراء فرارا من توالي الحركات وعلى سائر القراآت ضمير
~~الفاعل عائد على  بشر  وجوز عوده في بعضها على الله تعالى، وجوز
~~الأمران أيضا في قوله تعالى: { أيأمركم بالكفر } والاستفهام
~~فيه للإنكار وكون مرجع الضمير في أحد الاحتمالين نكرة يجعله عاما {
~~بعد إذ أنتم مسلمون } استدل به الخطيب على أن الآية نزلت في
~~المسلمين القائلين «أفلا نسجد لك؟» بناءا على الظاهر، ووجه كون الخطاب
~~للكفار وأن الآية نزلت فيهم بأنه يجوز أن يقال لأهل الكتاب: {
~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } أي منقادون
~~مستعدون للدين الحق إرخاءا للعنان واستدراجا، والقول  بأن كل مصدق
~~بنبيه مسلم ودعواه أنه أمره نبيه بما يوجب كفره دعوى أنه أمره بالكفر بعد
~~إسلامه فدلالة هذا على أن الخطاب للمسلمين ضعيفة  في غاية السقوط كما لا
~~يخفى.

### || [3.81]

# { وإذ أخذ الله ميثق النبيين لما ءاتيتكم من
~~كتب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم
~~لتؤمنن به ولتنصرنه } الظرف منصوب بفعل مقدر مخاطب به
~~النبي صلى الله عليه وسلم  أي اذكر وقت ذلك  واختار السمين كونه
~~معمولا لأقررتم الآتي، وضعفه عبد الباقي بأن خطاب { ءأقررتم } بعد
~~تحقق أخذ الميثاق، وفيه تردد، وعطفه على ما تقدم من قوله تعالى:

# وإذ قالت الملئكة

# [آل عمران: 42] كما نقله الطبرسي بعيد. واختلف في المراد من الآية فقيل:
~~إنها على ظاهرها ويؤيد ms01338 ذلك ما أخرجه ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه
~~قال: لم يبعث الله تعالى نبيا آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد
~~صلى الله عليه وسلم لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأمره فيأخذ
~~العهد على قومه ثم تلا الآية، وعدم ذكر الأمم فيها حينئذ إما لأنهم
~~معلومون بالطريق الأولى أو لأنه استغنى بذكر النبيين عن ذكرهم، ففي الآية
~~اكتفاء وليس فيها الجمع بين المتنافيين.

# وقيل: إن إضافة الميثاق إلى النبيين إضافة إلى الفاعل، والمعنى وإذ أخذ
~~الله الميثاق الذي وثقه النبيون على أممهم  وإلى هذا ذهب ابن عباس  فقد
~~أخرج ابن المنذر وغيره عن سعيد بن جبير أنه قال: قلت لابن عباس: إن أصحاب
~~عبد الله يقرءون { وإذ أخذ الله ميثق الذين أوتوا
~~الكتب لما ءاتيتكم } الخ ونحن نقرأ ميثاق النبيين فقال ابن
~~عباس إنما أخذ الله تعالى ميثاق النبيين على قومهم، وأشار بذلك رضي الله
~~تعالى عنه إلى أنه لا تناقض بين القراءتين كما توهم حتى ظن أن ذلك منشأ
~~قول مجاهد فيما رواه عنه ابن المنذر وغيره أن { وإذ أخذ الله
~~ميثق النبيين } خطأ من الكتاب  وأن الآية كما قرأ عبد الله 
~~وليس كذلك إذ لا يصلح ذلك وحده منشأ وإلا لزم الترجيح بلا مرجح بل المنشأ
~~لذلك إن صح، ولا أظن ما يعلم بعد التأمل فيما أسلفناه في المقدمات وبسطنا
~~الكلام عليه  في «الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية» .

# وقيل: المراد أمم النبيين على حذف المضاف، وإليه ذهب الصادق رضي الله
~~تعالى عنه؛ وقيل: المضاف المحذوف أولاد، والمراد بهم على الصحيح بنو
~~إسرائيل لكثرة أولاد الأنبياء فيهم وأن السياق في شأنهم، وأيد بقراءة عبد
~~الله المشار إليها  وهي قراءة أبي بن كعب  أيضا، وقيل: المراد  وإذ
~~أخذ الله ميثاقا مثل ميثاق النبيين  أي ميثاقا غليظا على الأمم، ثم
~~جعل ميثاقهم نفس ميثاقهم بحذف أداة التشبيه مبالغة، وقيل: المراد من
~~النبيين بنو إسرائيل وسماهم بذلك تهكما لأنهم كانوا يقولون نحن أولى
~~بالنبوة من ms01339 محمد لأنا أهل الكتاب والنبيون كانوا منا، وهذا كما تقول لمن
~~ائتمنته على شيء فخان فيه ثم زعم الأمانة: يا أمين ماذا صنعت بأمانتي؟؟!
~~وتعقبه الحلبي بأنه بعيد جدا إذ لا قرينة تبين ذلك، وأجيب بأن القائل
~~بعد لعله/ اتخذ مقالهم المذكور قرينة حالية، وقيل: إن الإضافة للتعليل
~~لأدنى ملابسة كأنه قيل: وإذ أخذ الله الميثاق على الناس لأجل النبيين، ثم
~~بينه بقوله سبحانه: { لما ءاتيتكم } الخ ولا يخفى أن هذا أيضا من
~~البعد بمكان، وقال الشهاب: لم نر من ذكر أن الإضافة تفيد التعليل في غير
~~كلام هذا القائل.

# واختار كثير من العلماء القول الأول، وأخذ الميثاق من النبيين له صلى
~~الله عليه وسلم  على ما دل عليه كلام الأمير كرم الله تعالى وجهه مع
~~علمه سبحانه أنهم لا يدركون وقته  لا يمنع من ذلك لما فيه مع ما علمه
~~الله تعالى من التعظيم له صلى الله عليه وسلم والتفخيم ورفعة الشأن
~~والتنويه بالذكر ما لا ينبغي إلا لذلك الجناب، وتعظم الفائدة إذا كان ذلك
~~الأخذ عليهم في كتبهم لا في عالم الذر فإنه بعيد كبعد ذلك الزمان  كما
~~عليه البعض  ويؤيد القول  بأخذ الميثاق من الأنبياء الموجب لإيمان من
~~أدركه عليه الصلاة والسلام منهم به  ما أخرجه أبو يعلى عن جابر قال: قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا فإما أن تصدقوا
~~بباطل، وإما أن تكذبوا بحق وإنه والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ماحل
~~له إلا أن يتبعني "

# وفي معناه أخبار كثيرة وهي تؤيد بظاهرها ما قلنا، ومن هنا ذهب العارفون
~~إلى أنه صلى الله عليه وسلم هو النبي المطلق والرسول الحقيقي والمشرع
~~الاستقلالي، وأن من سواه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في حكم
~~التبعية له صلى الله عليه وسلم.

# وهذا وقد عدوا هذه الآية من مشكلات القرآن إعرابا وقد غاص النحويون في
~~تحقيق ذلك وشقوا الشعر فيه ولنذكر بعض الكلام في ذلك فنقول: قال ms01340 غير
~~واحد: اللام في { لما ءاتيتكم } على قراءة الفتح والتخفيف  وهي
~~قراءة الجمهور  موطئة للقسم المدلول عليه بأخذ الميثاق لأنه بمعنى
~~الاستحلاف وسميت بذلك لأنها تسهل تفهم الجواب على السامع، وعرفها النحاة
~~كما قال الشهاب: بأنها اللام التي تدخل على الشرط سواء  إن  وغيرها
~~لكنها غلبت في  إن  بعد تقدم القسم لفظا أو تقديرا لتؤذن أن الجواب
~~له لا للشرط  كقولك: لئن أكرمتني لأكرمنك  ولو قلت: أكرمك، أو فإني
~~أكرمك، أو ما أشبهه مما يجاب به الشرط لم يجز على ما صرح به ابن الحاجب 
~~وخالفه الفراء فيه  فجوز أن يجاب الشرط مع تقدم القسم عليه لكن الأول هو
~~المصحح وكونها يجب دخولها على الشرط هو المشهور  وخالف فيه بعض النحاة،
~~قال: يجوز دخولها على غير الشرط إما مطلقا أو بشرط مشابهته للشرط كما
~~الموصولة دون الزائدة وقال الزمخشري في سورة هود: إنه لا يجب دخولها على
~~كلم المجازاة، ونقله الأزهري عن الأخفش، وذكر أن ثعلبا غلطه فيه
~~فالمسألة خلافية.

# و  ما  شرطية في موضع نصب  بآتيت  والمفعول الثاني ضمير المخاطب، و
~~{ من } بيان  لما  واعترض بأن حمل { من } على البيان شائع بعد
~~الموصولة، وأما بعد الشرطية فيحتاج إلى النقل، ومثل ذلك القول بزيادتها
~~لأن زيادتها بعد الموصولة أيضا كزيادتها بعد الشرطية محتاج لما ذكر،
~~وأجيب بأن السمين نقل ما يدل على الوقوع عند الأئمة، وفي «جني الداني».
~~ومن الناس من قال: إن (من) تزاد بالشروط في غير باب التمييز، وأما فيه
~~فتزاد وإن لم تستوف الشروط نحو لله درك من رجل، ومن هنا قال مولانا عبد
~~الباقي: يجوز أن تكون (من) تبعيضية ذكرت لبيان (ما) الشرطية، أو زائدة
~~داخلة على التمييز، و { لتؤمنن } جواب القسم وحده على الصحيح،
~~ولدلالته على جواب الشرط واتحاد معناهما تسامح بعضهم فجعله سادا مسد
~~الجوابين، ولم يرد أنه جواب القسم وجواب الشرط لتنافيهما من حيث إن
~~الأول: لا محل له، والثاني: له محل، والقول بأن الجملة الواحدة قد يحكم
~~عليها بالأمرين باعتبارين التزام لما ms01341 لا يلزم، وجوزوا كون (ما) موصولة
~~واللام الداخلة عليها حينئذ لام الابتداء، ويشعر كلام البعض أن اللام بعد
~~موطئة وكأنه مبني على مذهب من جوز دخول الموطئة على غير الشرط من النحاة
~~ كما مر  وهي على هذا التقدير مبتدأ، والخبر/ إما مقدر أو جملة {
~~لتؤمنن } مع القسم المقدر، والكلام في مثله شهير.

# وأورد عليه أن الضمير في { به } إن عاد على المبتدأ على ما هو الظاهر
~~كان الميثاق هو إيمانهم بما آتاهم، والمقصود من الآية أخد الميثاق
~~بالإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ونصرته، وإن عاد على الرسول كالضمير
~~الثاني المنصوب العائد عليه مطلقا دفعا للزوم التفكيك خلت الجملة التي
~~هي خبر عن العائد، وأجيب بأن الجملة المعطوفة لما كانت مشتملة على ما هو
~~بمعنى المبتدأ الموصول، ولذلك استغنى عن ضميره فيها مع لزومه في الصلتين
~~المتعاطفتين في المشهور وكان ضمير { به } راجعا للرسول مع ملاحظة {
~~مصدق لما معكم } القائم مقام الضمير العائد على (ما) اكتفى
~~بمجرد ذلك عن ضمير في خبرها لارتباط الكلام بعضه ببعض، وإلى ذلك يشير
~~كلام الإمام السهيلي في «الروض الأنف»، ولا يخفى أنه مع ما فيه من التكلف
~~مبني على اتحاد ما أوتوه، وما هو معهم، وفي ذلك إشكال  لأن آتيناكم،
~~وجاءكم  إن كان كلاهما مستقبلين فالظاهر أن المراد  بما آتيناكم 
~~القرآن لأنه الذي يؤتوه في المستقبل باعتبار إيتائه للرسول الذي كلفوا
~~باتباعه وبما معهم الكتب التي أوتوها، وحمله على القرآن يأباه الذوق لأنه
~~مع كونه ليس معهم بحسب الظاهر لا يظهر حسن لكون القرآن مصدقا للقرآن وهو
~~لازم على ذلك التقدير وإن كانا ماضيين ظهر الفساد من جهة أن هذا الرسول
~~الذي أوجب الله تعالى عليهم الإيمان به ونصرته لم يجيء إذ ذاك، وإن كان
~~الفعل الأول ماضيا.

# والثاني: مستقبلا جاء عدم التناسب بين المعطوفين وهما ماضيان لفظا،
~~وفيه نوع بعد، ولعل المجيب يختار هذا الشق ويتحمل هذا البعد لما أن ثم مع
~~كونه لا يعبأ بمثله لضعفه تهون أمره، وجوز أبو البقاء على ms01342 ذلك التقدير
~~كون الخبر { من كتاب } أي الذي آتيتكموه من الكتاب، وجعل النكرة هنا
~~كالمعرفة وسوغ كون العائد على الموصول من المعطوف محذوفا  أي جاءكم به
~~ مع عدم تحقق شروط حذف مثل هذا الضمير عند الجمهور بل مع خلل في المعنى
~~لأن المؤتى كتاب كل نبي في زمان بعثته وشريعته؛ والجائي به الرسول هو
~~القرآن بحسب الظاهر لا كتاب كل نبي، وعود الضمير المقدر يستدعي ذلك،
~~وعلى تقدير التزام كون المؤتى القرآن أيضا كما يقتضيه حمل الفعلين على
~~الاستقبال يرد أنه لا معنى لمجيء الرسول إليهم بالقرآن بعد إيتائهم
~~القرآن بمهلة، والعطف بثم كالنص بهذا المعنى، وعلى تقدير التزام كون
~~الجائي به الرسول هو كتاب كل نبي بنوع من التكلف يكون وصف الرسول بكونه
~~مصدقا لما معكم كالمستغني عنه فتدبر.

# وقرأ حمزة  لما آتيتكم  بكسر اللام على أن (ما) مصدرية  واللام 
~~جارة أجلية متعلقة  بلتؤمنن  أي لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب ثم مجيء
~~رسول مصدق له أخذ الله الميثاق لتؤمنن به ولتنصرنه، واعترض بأن فيه إعمال
~~(ما) بعد لام القسم فيما قبلها وهو لا يجوز، وأجيب بأنه غير مجمع عليه
~~فإن ظاهر كلام الزمخشري يشعر بجوازه ولعل من يمنعه يخصه بما إذا لم يكن
~~المعمول المتقدم ظرفا لأن ذاك يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره، نعم
~~الأولى حسما للنزاع تعلقه بأقسم المحذوف، وجوز أن تكون (ما) في هذه
~~القراءة موصولة أيضا، والجار متعلق  بأخذ  وروى عبد بن حميد عن سعيد
~~بن جبير أنه قرأ  لما آتيتكم  بالتشديد، وفيها احتمالان: الأول: أن
~~تكون ظرفية بمعنى حين  كما قاله الجمهور  خلافا لسيبويه، وجوابها مقدر
~~من جنس جواب القسم  كما ذهب إليه الزمخشري  أي  لما آتيتكم بعض الكتاب
~~والحكمة ثم جاءكم رسول مصدق وجب عليكم الإيمان به ونصرته  وقدره ابن
~~عطية من جنس ما قبلها  أي لما كنتم بهذه الحال رؤساء الناس وأماثلهم أخذ
~~عليكم الميثاق  وكذا وقع في " تفسير الزجاج " ، و مآل معناها التعليل،
~~الثاني: أن أصلها من (ما) فأبدلت/ النون ms01343 ميما لمشابهتها إياها فتوالت
~~ثلاث ميمات فحذفت الثانية لضعفها بكونها بدلا وحصول التكرير بها، ورجحه
~~أبو حيان في «البحر».

# وزعم ابن جني أنها الأولى، ونظر فيه الحلبي، و { من } إما مزيدة في
~~الإيجاب على رأي الأخفش، وإما تعليلية على ما اختاره ابن جني قيل: وهو
~~الأصح  لاتضاح المعنى عليه وموافقته لقراءة التخفيف  واللام إما زائدة،
~~أو موطئة بناءا على عدم اشتراط دخولها على أداة الشرط، وقرأ نافع 
~~آتيناكم  على لفظ الجمع للتعظيم، والباقون  آتيتكم  على التوحيد، ولكل
~~من القراءتين حسن من جهة  فافهم ذاك  فبعيد أن تظفر بمثله يداك.

# { قال } أي الله تعالى للنبيين وهو بيان لأخذ الميثاق، أو مقول بعده
~~للتأكيد { ءأقررتم } بذلك المذكور { وأخذتم } أي قبلتم على
~~حد

# إن أوتيتم هذا فخذوه

# [المائدة: 41]. وقيل: معناه هل أخذتم { على ذلكم إصرى } على
~~الأمم.  والإصر  بكسر الهمزة العهد كما قال ابن عباس، وأصله من 
~~الإصار  وهو ما يعقد به ويشد وكأنه إنما سمي العهد بذلك لأنه يشد به،
~~وقرىء بالضم وهو إما لغة فيه  كعبر وعبر  في قولهم ناقة عبر أسفار أو
~~هو بالضم جمع  إصار  استعير للعهد، وجمع إما لتعدد المعاهدين وهو
~~الظاهر، أو للمبالغة.

# { قالوا } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا قالوا عند ذلك؟
~~فقيل: قالوا: { أقررنا } ، وكان الظاهر في الجواب أقررنا على ذلك
~~إصرك لكنه لم يذكر الثاني اكتفاءا بالأول { قال } أي الله تعالى لهم {
~~فاشهدوا } أي فليشهد بعضكم على بعض بذلك الإقرار، فاعتبر المقر
~~بعضا، والشاهد بعضا آخر لئلا يتحد المشهود عليه والشاهد، وقيل: الخطاب
~~فيه للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقط أمروا بالشهادة على أممهم ونسب
~~ذلك إلى علي كرم الله تعالى وجهه، وقيل: للملائكة فيكون ذلك كناية عن
~~غير مذكور ونسب إلى سعيد بن المسيب { وأنا معكم من
~~الشهدين } أي على إقراركم وتشاهدكم  على ما يقتضيه المعنى  لأنه
~~لا بد في الشهادة من مشهود عليه. وهنا ما ذكرناه للمقام. وعن ابن عباس أن
~~المراد اعلموا وأنا معكم أعلم. وعلى كل تقدير فيه توكيد وتحذير ms01344 عظيم،
~~والجار والمجرور خبر  أنا  و { معكم } حال، والجملة مستأنفة لا
~~محل لها من الإعراب. وجوز أن تكون في محل نصب على الحال من ضمير {
~~فاشهدوا }.

### || [3.82]

# { فمن تولى } أي أعرض عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم
~~ونصرته  قاله علي كرم الله وجهه  { بعد ذلك } أي الميثاق
~~والإقرار والتوكيد بالشهادة { فأولئك } إشارة إلى (من) مراعى
~~معناه كما روعي من قبل لفظها { هم الفسقون } أي الخارجون في
~~الكفر إلى أفحش مراتبه، والمشهور عدم دخول الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
~~في حكم هذه الشرطية، أو ما هي في حكمها لأنهم أجل قدرا من أن يتصور في
~~حقهم ثبوت المقدم ليتصفوا، وحاشاهم بما تضمنه التالي بل هذا الحكم
~~بالنسبة إلى أتباعهم، وجوز أن يراد العموم والآية من قبيل:

# لئن أشركت ليحبطن عملك

# [الزمر: 56].

### || [3.83]

# { أفغير دين الله يبغون } ذكر الواحدي عن ابن عباس أنه
~~قال

# " اختصم أهل الكتابين إلى رسول الله/ صلى الله عليه وسلم فيما اختلفوا
~~بينهم من دين إبراهيم عليه السلام كل فرقة زعمت أنها أولى بدينه فقال
~~النبي صلى الله عليه وسلم: كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم فغضبوا
~~وقالوا: والله ما نرضى بقضائك ولانأخذ بدينك "

# فأنزل الله تعالى هذه الآية، والجملة في النظم معطوفة على مجموع الشرط
~~والجزاء، وقيل: على الجزاء فقط، وعطف الإنشاء على الإخبار مغتفر هنا عند
~~المانعين، والهمزة على التقديرين متوسطة بين المعطوف والمعطوف عليه
~~للإنكار، وقيل: إنها معطوفة على محذوف تقديره  أيتولون فغير دين الله
~~يبغون  قال ابن هشام: والأول: مذهب سيبويه والجمهور، وجزم به الزمخشري
~~في مواضع، وجوز الثاني في بعض  ويضعفه ما فيه من التكلف  وأنه غير
~~مطرد، أما الأول: فلدعوى حذف الجملة فإن قوبل بتقديم بعض المعطوف فقد
~~يقال إنه أسهل منه لأن المتجوز فيه على قولهم: أقل لفظا مع أن في هذا
~~التجوز تنبيها على أصالة شيء في شيء أي أصالة الهمزة في التصدر، وأما
~~الثاني: فلأنه غير ممكن في نحو

# أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت

# [الرعد: 33] انتهى. ms01345

# وتعقبه الشمس بن الصائغ بأنه أي مانع من تقدير ألا مدبر للموجودات  فمن
~~هو قائم على كل نفس  على الاستفهام التقريري المقصود به تقرير ثبوت
~~الصانع، والمعنى  أينتفى المدبر فلا أحد قائم على كل نفس  لا يمكن ذلك
~~بل المدبر موجود فالقائم على كل نفس هو  وهو أولى من تقدير البدر ابن
~~الدماميني  أهم ضالون فمن هو قائم على كل نفس بما كسبت لم يوحدوه، وجعله
~~الهمزة للإنكار التوبيخي، وعلى العلات يوشك أن يكون التفصيل في هذه
~~المسألة أولى بأن يقال: إن انساق ذلك المقدر للذهن قيل: بالتقدير، وإلا
~~قيل: بما قاله الجماعة، وتقديم المفعول لأنه المقصود بالإنكار لا للحصر
~~كما توهم لأن المنكر اتخاذ غير الله ربا ولو معه، ودعوى أنه إشارة إلى
~~أن دين غير الله لا يجامع دينه في الطلب، فالتقديم للتخصيص، والإنكار
~~متوجه إليه أي أيخصون غير دين الله بالطلب  تكلف، وقول أبي حيان: إن
~~تعليل التقديم بما تقدم لا تحقيق فيه لأن الإنكار الذي هو معنى الهمزة لا
~~يتوجه إلى الذوات، وإنما يتوجه إلى الأفعال التي تتعلق بالذوات، فالذي
~~أنكر إنما هو الابتغاء الذي متعلقه { أفغير دين الله } ، وإنما
~~جاء تقديم المفعول من باب الاتساع، ولشبه { يبغون } بالفاصلة لا
~~تحقيق فيه عند ذوي التحقيق لأنا لم ندع توجه الإنكار إلى الذوات كما لا
~~يخفى.

# وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية لحفص ويعقوب  يبغون  بالياء التحتية،
~~وقرأ الباقون بالتاء الفوقانية على معنى  أتتولون   أو  أتفسقون،
~~وتكفرون فغير دين الله تبغون  وذهب بعضهم إلى أنه التفات فعنده لا
~~تقدير، وعلى تقدير التقدير يجيء قصد الإنكار فيما أشير إليه ولا ينافيه
~~لأنه منسحب عليه.

# { وله أسلم من فى السموت والأرض } جملة حالية
~~مؤكدة للإنكار  أي كيف يبغون ويطلبون غير دينه، والحالة هذه  { طوعا
~~وكرها } مصدران في موضع الحال أي طائعين وكارهين، وجوز أبو البقاء أن
~~يكونا مصدرين على غير المصدر لأنه أسلم بمعنى انقاد وأطاع قيل: وفيه نظر
~~لأنه ظاهر في { طوعا } لموافقة معناه ما قبله لا في ms01346 { كرها }
~~والقول بأن يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل غير نافع، وقد يدفع
~~بأن الكره فيه انقياد أيضا، والطوع مصدر طاع يطوع، كالإطاعة مصدر أطاع
~~يطيع ولم يفرقوا بينهما، وقيل: طاعه يطوعه انقاد له، وأطاعه يطيعه بمعنى
~~مضى لأمره، وطاوعه بمعنى وافقه، وفي معنى الآية أقوال: الأول: أن المراد
~~من الإسلام بالطوع الإسلام الناشيء عن العلم مطلقا سواء كان حاصلا
~~للاستدلال كما في الكثير منا، أو بدون استدلال وإعمال فكر  كما في
~~الملائكة  ومن الإسلام بالكره ما كان حاصلا بالسيف ومعاينة ما يلجىء
~~إلى الإسلام، الثاني: أن المراد انقادوا له تعالى مختارين لأمره 
~~كالملائكة والمؤمنين  ومسخرين لإرادته  كالكفرة  فإنهم مسخرون لإرادة
~~كفرهم/ إذ لا يقع ما لا يريده تعالى، وهذا لا ينافي على ما قيل: الجزء
~~الاختياري حتى لا يكون لهم اختيار في الجملة فيكون قولا بمذهب الجبرية،
~~ولا يستدعي عدم توجه تعذيبهم على الكفر ولا عدم الفرق بين المؤمن والكافر
~~بناءاعلى أن الجميع لا يفعلون إلا ما أراده الله تعالى بهم كما وهم،
~~الثالث: ما أشار إليه بعض ساداتنا الصوفية نفعنا الله تعالى بهم أن
~~الإسلام طوعا هو الانقياد والامتثال لما أمر الله تعالى من غير معارضة
~~ظلمة نفسانية وحيلولة حجب الأنانية، والإسلام كرها هو الانقياد مع توسط
~~المعارضات والوساوس وحيلولة الحجب والتعلق بالوسائط، والأول: مثل إسلام
~~الملائكة وبعض من في الأرض من المصطفين الأخيار، والثاني: مثل إسلام
~~الكثير ممن تقلبه الشكوك جنبا إلى جنب حتى غدا يقول:

# لقد طفت في تلك المعاهد كلها

# وسرحت طرفي بين تلك المعالم

# فلم أر إلا واضعا كف حائر

# على ذقن أو قارعا سن نادم

# والكفار من القسم الثاني عند أهل الله تعالى لأنهم أثبتوا صانعا أيضا
~~إلا أن ظلمة أنفسهم حالت بينهم وبين الوقوف على الحق

# وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون

# [يوسف: 106]

# ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض....
~~ليقولن الله

# [العنكبوت: 61] وإلى هذا يشير كلام مجاهد، وأخرج ابن جرير، وغيره عن
~~أبي العالية أنه قال: كل آدمي أقر ms01347 على نفسه بأن الله تعالى ربي وأنا
~~عبده فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرها، ومن أخلص لله تعالى
~~العبودية فهو الذي أسلم طوعا، وقرأ الأعمش  كرها  بالضم.

# { وإليه يرجعون } أي إلى جزائه تصيرون على المشهور فبادروا
~~إلى دينه، ولا تخالفوا الإسلام، وجوزوا في الجملة أن تكون مستأنفة
~~للأخبار بما تضمنته من التهديد، وأن تكون معطوفة على { وله أسلم }
~~فهي حالية أيضا، وقرأ عاصم بياء الغيبة، والضمير  لمن  أو لمن عاد
~~إليه ضمير { يبغون } فإن قرىء بالخطاب فهو التفات، وقرأ الباقون
~~بالخطاب، والضمير عائد لمن عاد إليه ضمير { يبغون } فعلى الغيبة فيه
~~التفات أيضا.

### || [3.84]

# { قل ءامنا بالله } أمر للرسول صلى الله عليه وسلم أن يخبر عن
~~نفسه والمؤمنين بالإيمان بما ذكر، فضمير (آمنا) للنبي صلى الله عليه
~~وسلم والأمة، وقال المولى عبد الباقي: لما أخذ الله تعالى الميثاق من
~~النبيين أنفسهم أن يؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام وينصروه أمر محمدا
~~أيضا صلى الله عليه وسلم أن يؤمن بالأنبياء المؤمنين به وبكتبهم فيكون {
~~آمنا } في موضع آمنت لتعظيم نبينا عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام، أو
~~لما عهد مع النبيين وأممهم أن يؤمنوا أمر محمدا عليه الصلاة والسلام
~~وأمته أن يؤمنوا بهم وبكتبهم. والحاصل أخذ الميثاق من الجانبين على
~~الإيمان على طريقة واحدة ولم يتعرض هنا لحكمة الأنبياء السالفين إما لأن
~~الإيمان بالكتاب المنزل إيمان بما فيه من الحكمة، أو للإشارة إلى أن
~~شريعتهم منسوخة في زمن هذا النبي صلى الله عليه وسلم وكلاهما على تقدير
~~كون الحكمة بمعنى الشريعة ولم يتعرض لنصرته عليه الصلاة والسلام لهم إذ
~~لا مجال بوجه لنصرة السلف، ويؤيد دعوى أخذ الميثاق من الجانبين ما أخرجه
~~عبد الرزاق وغيره عن طاوس أنه قال: أخذ الله تعالى ميثاق النبيين أن يصدق
~~بعضهم بعضا.

# { وما أنزل علينا } وهو القرآن المنزل عليه صلى الله عليه وسلم
~~أولا وعليهم بواسطة تبليغه إليهم، ومن هنا أتى بضمير الجمع، وقد يعتبر
~~الإنزال عليه عليه الصلاة والسلام وحده، ولكن نسب إلى الجمع ms01348 ما هو منسوب
~~لواحد منه مجازا على ما قيل، ويحتمل أن تكون النون نون العظمة لا ضمير
~~الجماعة،/ وعدى الإنزال هنا  بعلى  وفي البقرة [136]  بإلى  لأنه له
~~جهة علو باعتبار ابتدائه وانتهاء باعتبار آخره، وقد جعل الخطاب هنا
~~للنبي صلى الله عليه وسلم فناسبه الاستعلاء وهناك للعموم، فناسب
~~الانتهاء كذا قيل، ويرد عليه قوله تعالى:

# آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا

# [آل عمران: 72] والتحقيق أنه لا فرق بين المعدى  بإلى  والمعدى  بعلى
~~ إلا بالاعتبار، فإن اعتبرت مبدأه عديته  بعلى  لأنه فوقاني وإن
~~اعتبرت انتهاءه إلى من هو له عديته  بإلى  ويلاحظ أحد الاعتبارين تارة
~~والآخر أخرى تفننا بالعبارة، وفرق الراغب بأن ما كان واصلا من الملأ
~~الأعلى بلا واسطة كان لفظ  على  المختص بالعلو أولى به، وما لم يكن
~~كذلك كان لفظ  إلى  المختص بالإيصال أولى به وقيل: أنزل عليه يحمل على
~~أمر المنزل عليه أن يبلغه غيره، وأنزل إليه يحمل على ما خص به نفسه لأن
~~إليه انتهاء الإنزال  وكلا القولين  لا يخلو عن نظر.

# { وما أنزل على إبرهيم وإسمعيل وإسحق
~~ويعقوب والأسباط } قيل: خص هؤلاء الكرام بالذكر لأن أهل
~~الكتاب يعترفون بنبوتهم وكتبهم، والمراد بالموصول الصحف  كما هو الظاهر
~~ وقدم المنزل عليه عليه الصلاة والسلام على المنزل عليهم إما لتعظيمه
~~والاعتناء به، أو لأنه المعرف له ومعرفة المعرف تتقدم على معرفة المعرف،
~~والأسباط الأحفاد لا أولاد البنات، والمراد بهم على رأي أبناء يعقوب
~~الإثنا عشر وذراريهم، وليس كلهم أبناءا خلافا لزاعمه { وما أوتى
~~موسى وعيسى } من «التوراة» «والإنجيل» وسائر المعجزات  كما يشعر
~~به إيثار الإيتاء على الإنزال الخاص بالكتاب  وقيل: هو خاص بالكتابين،
~~وتغيير الأسلوب للاعتناء بشأن الكتابين، وتخصيص هذين النبيين بالذكر لما
~~أن الكلام مع اليهود والنصارى { والنبيون } عطف على { موسى
~~وعيسى } أي  وبما أوتي النبيون  على تعدد أفرادهم واختلاف أسمائهم
~~{ من ربهم } متعلق بأوتي، وفي التعبير بالرب مضافا إلى ضميرهم ما
~~لا يخفى من اللطف.

# { لا نفرق بين أحد منهم } أي بالتصديق والتكذيب  كما
~~فعل اليهود ms01349 والنصارى  والتفريق بغير ذلك كالتفضيل جائز { ونحن له
~~مسلمون } أي مستسلمون بالطاعة والانقياد في جميع ما أمر به ونهى
~~عنه، أو مخلصون له في العبادة، وعلى التقديرين لا تكون هذه الجملة
~~مستدركة بعد جملة الإيمان كما هو ظاهر، وقيل: إن أهل الملل المخالفة
~~للإسلام كانوا كلهم يقرون بالإيمان ولم يكونوا يقرون بلفظة الإسلام فلهذا
~~أردف تلك الجملة بهذه.

### || [3.85]

# { ومن يبتغ غير الإسلم دينا فلن يقبل منه }
~~نزلت في جماعة ارتدوا وكانوا اثني عشر رجلا وخرجوا من المدينة وأتوا مكة
~~كفارا، منهم الحرث بن سويد الأنصاري، والإسلام قيل: التوحيد والانقياد،
~~وقيل: شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام بين تعالى أن من تحرى بعد مبعثه
~~صلى الله عليه وسلم غير شريعته فهو غير مقبول منه، وقبول الشيء هو الرضا
~~به وإثابة فاعله عليه، وانتصاب { دينا } على التمييز من { غير } وهي
~~مفعول { يبتغ } وجوز أن يكون { دينا } مفعول { يبتغ } و {
~~غير } صفة قدمت فصارت حالا، وقيل: هو بدل من { غير الإسلم }
~~والجمهور على إظهار الغينين، وروي عن أبي عمرو الادغام، وضعفه أبو
~~البقاء بأن كسرة الغين الأولى تدل على الياء المحذوفة.

# { وهو فى الأخرة من الخسرين } إما معطوفة على جواب
~~الشرط فتكون في محل جزم، وإما في محل الحال من الضمير المجرور فتكون في
~~محل نصب، وإما مستأنفة فلا محل لها من الإعراب، و { فى الأخرة }
~~متعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده  أي وهو خاسر في الآخرة  أو متعلق 
~~بالخاسرين  على/ أن الألف واللام ليست موصولة بل هي حرف تعريف، والخسران
~~في الآخرة هو حرمان الثواب وحصول العقاب، وقيل: أصل الخسران ذهاب رأس
~~المال، والمراد به هنا تضييع ما جبل عليه من الفطرة السليمة المشار إليها
~~في حديث

# " كل مولود يولد على الفطرة "

# وعدم الانتفاع بذلك وظهوره بتحقق ضده

# يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله
~~بقلب سليم

# [الشعراء: 88-89] والتعبير  بالخاسرين  أبلغ من التعبير بخاسر كما
~~أشرنا إليه فيما قبل وهو منزل منزلة اللازم ولذا ترك مفعوله، والمعنى 
~~وهو ms01350 من جملة الواقعين في الخسران .

# واستدل بالآية على أن الإيمان هو الإسلام إذ لو كان غيره لم يقبل،
~~واللازم باطل بالضرورة فالملزوم مثله، وأجيب بأن { فلن يقبل منه
~~} ينفي قبول كل دين يباين دين الإسلام والإيمان، وإن كان { غير
~~الإسلم } لكنه لا يغاير دين الإسلام بل هو هو بحسب الذات، وإن كان
~~غيره بحسب المفهوم، وذكر الإمام أن ظاهر هذه الآية يدل على عدم المغايرة،
~~وقوله تعالى:

# قالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن
~~قولوا أسلمنا

# [الحجرات: 14] يدل على المغايرة، ووجه التوفيق بينهما أن تحمل الآية
~~الأولى على العرف الشرعي، والثانية على الوضع اللغوي.

### || [3.86]

# { كيف يهدى الله } إلى الدين الحق { قوما كفروا بعد
~~إيمنهم } أخرج عبد بن حميد وغيره عن الحسن أنهم أهل الكتاب من
~~اليهود والنصارى رأوا نعت محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم وأقروا
~~وشهدوا أنه حق فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك فأنكروه وكفروا بعد
~~إقرارهم حسدا للعرب حين بعث من غيرهم. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق
~~العوفي عن ابن عباس مثله، وقال عكرمة: هم أبو عامر الراهب والحرث بن سويد
~~في اثني عشر رجلا رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش ثم كتبوا إلى أهلهم هل
~~لنا من توبة؟ فنزلت الآية فيهم وأكثر الروايات على هذا والمراد من الآية
~~استبعاد أن يهديهم  أي يدلهم دلالة موصلة  لا مطلق الدلالة قاله بعضهم،
~~وقيل: إن المعنى كيف يسلك بهم سبيل المهديين بالإثابة لهم والثناء عليهم
~~وقد فعلوا ما فعلوا، وقيل: إن الآية على طريق التبعيد كما يقال: كيف
~~أهديك إلى الطريق وقد تركته أي لا طريق يهديهم به إلى الإيمان إلا من
~~الوجه الذي هداهم به وقد تركوه ولا طريق غيره، وقيل: إن المراد كيف
~~يهديهم إلى الجنة ويثيبهم والحال ما ترى؟!

# { وشهدوا أن الرسول } وهو محمد صلى الله عليه وسلم { حق }
~~لا شك في رسالته { وجاءهم البينت } أي البراهين والحجج
~~الناطقة بحقية ما يدعيه، وقيل: القرآن، وقيل: ما في كتبهم من البشارة به
~~عليه ms01351 الصلاة والسلام، { وشهدوا } عطف على ما في إيمانهم من معنى
~~الفعل لأنه بمعنى آمنوا، والظاهر أنه عطف على المعنى كما في قوله تعالى:

# إن المصدقين والمصدقت وأقرضوا الله

# [الحديد: 18] لا على التوهم كما توهم؛ واختار بعضهم تأويل المعطوف ليصح
~~عطفه على الاسم الصريح قبله بأن يقدر معه أن المصدرية أي: وإن شهدوا أي
~~وشهادتهم على حد قوله:

# ولبس عباءة وتقر عيني

# أحب إلي من لبس الشفوف

# وإلى هذا ذهب الراغب وأبو البقاء، وجوز عطفه على { كفروا } وفساد
~~المعنى يدفعه أن العطف لا يقتضي الترتيب فليكن المنكر الشهادة المقارنة
~~بالكفر أو المتقدمة عليه، واعترض بأن الظاهر تقييد المعطوف بما قيد به
~~المعطوف عليه وشهادتهم هذه لم تكن بعد إيمانهم بل معه أو قبله؛ وأجيب
~~بالمنع لأنه لا يلزم تقييد/ المعطوف بما قيد به المعطوف عليه ولو قصد ذلك
~~لأخر، وقيل: يمنع من ذلك العطف أنهم ليسوا جامعين بين الشهادة والكفر،
~~وأجيب بالمنع بل هم جامعون وإن لم يكن ذلك معا، ومن الناس من جعله
~~معطوفا على { كفروا } ولم يتكلف شيئا مما ذكر، وزعم أن ذلك في
~~المنافقين وهو خلاف المنقول والمعقول، والأكثرون من المحققين على اختيار
~~الحالية من الضمير في { كفروا } وقد معه مقدرة، ولا يجوز أن يكون
~~العامل  يهدي  لأنه يهدي من شهد أن الرسول حق وعليه، وعلى تقدير العطف
~~على الإيمان استدل على أن الإقرار باللسان خارج عن حقيقة الإيمان، ووجه
~~ذلك أن العطف يقتضي بظاهره «المغايرة» بين المعطوف والمعطوف عليه وأن
~~الحالية تقتضي التقييد ولو كان الإقرار داخلا في حقيقة الإيمان لخلا
~~ذكره عن الفائدة، ولو كان عينه يلزم تقييد الشيء بنفسه ولا يخفى ما فيه،
~~وادعى بعضهم أن المراد من الإيمان الإيمان بالله، ومن الشهادة المذكورة
~~الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، والأمر حينئذ واضح فتدبر.

# { والله لا يهدى القوم الظلمين } أي الكافرين الذين
~~ظلموا أنفسهم بالإخلال بالنظر، ووضع الكفر موضع الإيمان فكيف من جاءه
~~الحق وعرفه ثم أعرض عنه؛ ويجوز حمل الظلم مطلقه فيدخل فيه الكفر ms01352 دخولا
~~أوليا، والجملة اعتراضية أو حالية.

### || [3.87]

# { أولئك } أي المذكورون المتصفون بأشنع الصفات وهو مبتدأ، وقوله
~~سبحانه: { جزآؤهم } أي جزاء فعلهم مبتدأ ثان، وقوله عز شأنه: {
~~أن عليهم لعنة الله والملئكة والناس
~~أجمعين } خبر المبتدأ الثاني، وهو وخبره خبر المبتدأ الأول قيل:
~~وهذا يدل بمنطوقه على جواز لعنهم، ومفهومه ينفي جواز لعن غيرهم، ولعل
~~الفرق بينهم وبين غيرهم حتى خص اللعن بهم أنهم مطبوع على قلوبهم ممنوعون
~~بسبب خباثة ذواتهم وقبح استعدادهم من الهدى آيسون من رحمة الله تعالى
~~بخلاف غيرهم، والخلاف في لعن أقوام بأعيانهم ممن ورد لعن أنواعهم  كشارب
~~خمر معين مثلا مشهور  والنووي على جوازه استدلالا بما ورد أنه صلى الله
~~عليه وسلم مر بحمار وسم في وجهه فقال:

# " لعن الله تعالى من فعل هذا "

# وبما صح أن الملائكة تلعن من خرجت من بيتها بغير إذن زوجها، وأجيب بأن
~~اللعن هناك للجنس الداخل فيه الشخص أيضا، واعترض بأنه خلاف الظاهر
~~كتأويل إن وراكبها بذلك  والاحتياط لا يخفى  والمراد من  الناس  إما
~~المؤمنون لأنهم هم الذين يلعنون الكفرة، أو المطلق لأن كل واحد يلعن من
~~لم يتبع الحق، وإن لم يكن غير متبع بناءا على زعمه.

### || [3.88]

# { خلدين فيها } حال من الضمير في

# عليهم

# [آل عمران: 87] والعامل فيه الاستقرار، والضمير المجرور  للعنة  أو
~~للعقوبة أو للنار، وإن لم يجر لها ذكر اكتفاءا بدلالة اللعنة عليها {
~~لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون } أي لا يمهلون
~~ولا يؤخر عنهم العذاب من وقت إلى وقت آخر، أو لا ينظر إليهم ولا يعتد
~~بهم، والجملة إما مستأنفة أو في محل نصب على الحال.

### || [3.89]

# { إلا الذين تابوا من بعد ذلك } أي الكفر الذي ارتكبوه
~~بعد الإيمان { وأصلحوا } أي دخلوا في الصلاح بناءا على أن الفعل
~~لازم من قبيل  أصبحوا  أي دخلوا في الصباح، ويجوز أن يكون متعديا
~~والمفعول محذوف  أي أصلحوا ما أفسدوا  ففيه إشارة كما قيل إلى أن مجرد
~~الندم على ما مضى من الارتداد، والعزم على تركه في الاستقبال ms01353 غير كاف لما
~~أخلوا به من الحقوق، واعترض بأن مجرد التوبة يوجب تخفيف العذاب ونظر الحق
~~إليهم، فالظاهر أنه ليس تقييدا بل بيان لأن يصلح ما فسد. وأجيب بأنه ليس
~~بوارد لأن مجرد الندم والعزم/ على ترك الكفر في المستقبل لا يخرجه منه
~~فهو بيان للتوبة المعتد بها، فالمآل واحد عند التحقيق. { فإن الله
~~غفور رحيم } أي فيغفر كفرهم ويثيبهم، وقيل: { غفور } لهم في
~~الدنيا بالستر على قبائحهم { رحيم } بهم في الآخرة بالعفو عنهم  ولا
~~يخفى بعده  والجملة تعليل لما دل عليه الاستثناء.

### || [3.90]

# { إن الذين كفروا بعد إيمنهم ثم ازدادوا
~~كفرا } قال عطاء وقتادة: نزلت في اليهود كفروا بعيسى عليه السلام
~~والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله
~~عليه وسلم والقرآن، وقيل: في أهل الكتاب آمنوا برسول الله صلى الله عليه
~~وسلم قبل مبعثه، ثم كفروا به بعد مبعثه، ثم ازدادوا كفرا بالإصرار
~~والعناد والصد عن السبيل، ونسب ذلك إلى الحسن، وقيل: في أصحاب الحرث بن
~~سويد فإنه لما رجع قالوا: نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا فمتى أردنا
~~الرجعة رجعنا فينزل فينا ما نزل في الحرث، وقيل: في قوم من أصحابه ممن
~~كان يكفر ثم يراجع الإسلام، وروي ذلك عن أبي صالح مولى أم هانىء. و {
~~كفرا } تمييز محول عن فاعل، والدال الأولى في { ازدادوا } بدل من
~~تاء الافتعال لوقوعها بعد الزاي.

# { لن تقبل توبتهم } قال الحسن وقتادة والجبائي: لأنهم لا
~~يتوبون إلا عند حضور الموت والمعاينة وعند ذلك لا تقبل توبة الكافر، وعن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لأنها لم تكن عن قلب، وإنما كانت نفاقا،
~~وقيل: إن هذا من قبيل:

# ولا ترى الضب بها ينجحر

# أي لا توبة لهم حتى تقبل لأنهم لم يوفقوا لها فهو من قبيل الكناية  كما
~~قال العلامة  دون المجاز حيث أريد بالكلام معناه لينتقل منه إلى
~~الملزوم، وعلى كل تقدير لا ينافي هذا ما دل عليه الاستثناء وتقرر في
~~الشرع كما لا يخفى، وقيل: إن ms01354 هذه التوبة لم تكن عن الكفر وإنما هي عن
~~ذنوب كانوا يفعلونها معه فتابوا عنها مع إصرارهم على الكفر فردت عليهم
~~لذلك، ويؤيده ما أخرجه ابن جرير عن أبي العالية قال: هؤلاء اليهود
~~والنصارى كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا بذنوب أذنبوها ثم ذهبوا
~~يتوبون من تلك الذنوب في كفرهم فلم تقبل توبتهم ولو كانوا على الهدى قبلت
~~ولكنهم على ضلالة، وتجيء على هذا مسألة تكليف الكافر بالفروع وقد بسط
~~الكلام عليها في الأصول.

# { وأولئك هم الضالون } عطف إما على خبر { إن } فمحلها
~~الرفع، وإما على { إن } مع اسمها فلا محل لها، و { الضالون }
~~المخطئون طريق الحق والنجاة، وقيل: الهالكون المعذبون والحصر باعتبار
~~أنهم كاملون في الضلال فلا ينافي وجود الضلال في غيرهم أيضا.

### || [3.91]

# { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } أي على كفرهم.
~~{ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض } من مشرقها إلى مغربها
~~{ ذهبا } نصب على التمييز، وقرأ الأعمش  ذهب  بالرفع، وخرج على
~~البدلية من { ملء } أو عطف البيان، أو الخبر لمحذوف، وقيل عليه: إنه لا
~~بد من تقدير وصف ليحسن البدل ولا دلالة عليه ولم يعهد بيان المعرفة
~~بالنكرة، وجعله خبرا إنما يحسن إذا جعلت الجملة صفة، أو حالا ولا يخلو
~~عن ضعف، وملء الشيء بالكسر مقدار ما يملؤه، وأما ملء بالفتح فهو مصدر
~~ملأه ملأ، وأما الملاءة بالضم والمد فهي الملحفة.

# وههنا سؤال مشهور وهو أنه لم دخلت الفاء في خبر { إن } هنا ولم تدخل
~~في الآية السابقة مع أن الآيتين سواء في صحة إدخال الفاء لتصور السببية
~~ظاهرا؟ وأجاب غير واحد بأن الصلة في الآية الأولى الكفر وازدياده وذلك
~~لا يترتب عليه عدم قبول التوبة بل إنما يترتب على/ الموت عليه إذ لو وقعت
~~على ما ينبغي لقبلت بخلاف الموت على الكفرة في هذه الآية فإنه يترتب عليه
~~ذلك ولذلك لو قال: من جاءني له درهم كان إقرارا بخلاف ما لو قرنه بالفاء
~~ كما هو معروف بين الفقهاء  ولا يرد أن ترتب الحكم على الوصف دليل ms01355 على
~~السببية لأنا لا نسلم لزومه لأن التعبير بالموصول قد يكون لأغراض
~~كالإيماء إلى تحقق الخبر كقوله:

# إن التي ضربت بيتا مهاجرة

# بكوفة الجند غالت دونها غول

# وقد فصل ذلك في المعاني؛ وقرىء  فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض  على
~~البناء للفاعل وهو الله تعالى ونصب  ملء وملء الأرض  بتخفيف الهمزتين.

# { ولو افتدى به } قال ابن المنير في «الانتصاف»: إن هذه الواو
~~المصاحبة للشرط تستدعي شرطا آخر تعطف عليه الشرط المقترنة به ضرورة
~~والعادة في مثل ذلك أن يكون المنطوق به منبها على المسكوت عنه بطريق
~~الأولى مثاله قولك: أكرم زيدا ولو أساء فهذه الواو عطفت المذكور على
~~محذوف تقديره  أكرم زيدا لو أحسن ولو أساء  إلا أنك نبهت بإيجاب
~~إكرامه وإن أساء على أن إكرامه إن أحسن بطريق الأولى؛ ومنه

# كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على
~~أنفسكم

# [النساء: 135] فإن معناه  والله تعالى أعلم  لو كان الحق على غيركم
~~ولو كان عليكم ولكنه ذكر ما هو أعسر عليهم فأوجبه تنبيها على أن ما كان
~~أسهل أولى بالوجوب، ولما كانت هذه الآية مخالفة لهذا النمط من الاستعمال
~~لأن قوله سبحانه: { ولو افتدى به } يقتضي شرطا آخر محذوفا
~~يكون هذا المذكور منبها عليه بطريق الأولى، والحالة المذكورة أعني حالة
~~افتدائهم  بملء الأرض ذهبا  هي أجدر الحالات بقبول الفدية، وليس
~~وراءها حالة أخرى تكون أولى بالقبول منها  خاض المفسرون بتأويلها  فذكر
~~الزمخشري ثلاثة أوجه حاصل الأول: أن عدم قبول  ملء الأرض  كناية عن عدم
~~قبول فدية ما لدلالة السياق على أن القبول يراد للخلاص وإنما عدل
~~تصويرا للتكثير لأنه الغاية التي لا مطمح وراءها في العرف، وفي الضمير
~~يراد { ملء الأرض } على الحقيقة فيصير المعنى لا تقبل منه فدية ولو
~~افتدى  بملء الأرض ذهبا  ففي الأول نظر إلى العموم وسده مسد فدية ما،
~~وفي الثاني إلى الحقيقة أو لكثرة المبالغة من غير نظر إلى القيام مقامها،
~~وحاصل الثاني: أن المراد ولو افتدى بمثله معه كما صرح به في آية أخرى
~~ولأنه علم ms01356 أن الأول فدية أيضا كأنه قيل: لا يقبل ملء الأرض فدية ولو
~~ضوعف، ويرجع هذا إلى جعل الباء بمعنى مع، وتقدير مثل بعده أي مع مثله،
~~وحاصل الثالث: أنه يقدر وصف يعينه المساق من نحو كان متصدقا به، وحينئذ
~~لا يكون الشرط المذكور من قبل ما يقصد به تأكيد الحكم السابق بل يكون
~~شرطا محذوف الجواب ويكون المعنى لا يقبل منه  ملء الأرض ذهبا لو تصدق
~~ولو افتدى به أيضا لم يقبل منه  وضمير { به } للمال من غير اعتبار
~~وصف التصدق فالكلام من قبيل

# وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره

# [فاطر: 11]، وعندي درهم ونصفه انتهى.

# ولا يخفى ما في ذلك من الخفاء والتكلف، وقريب من ذلك ما قيل: إن الواو
~~زائدة، ويؤيد ذلك أنه قرىء في الشواذ بدونها وكذا القول: بأن { لو }
~~ليست وصلية بل شرطية، والجواب ما بعد أو هو ساد مسده، وذكر ابن المنير في
~~الجواب مدعيا أن تطبيق الآية عليه أسهل وأقرب بل ادعى أنه من السهل
~~الممتنع أن قبول الفدية التي هي ملء الأرض ذهبا تكون على أحوال تارة
~~تؤخذ قهرا كأخد الدية، وكرة يقول المفتدي: أنا أفدي نفسي بكذا ولا يفعل،
~~وأخرى يقول ذلك والفدية عتيدة ويسلمها لمن يؤمل قبولها منه فالمذكور في
~~الآية أبلغ الأحوال وأجدرها بالقبول، وهي أن يفتدي بملء الأرض ذهبا
~~افتداءا محققا بأن/ يقدر على هذا الأمر العظيم ويسلمه اختيارا، ومع
~~ذلك لا يقبل منه فلأن لا يقبل منه مجرد قوله: أبذل المال وأقدر عليه، أو
~~ما يجري هذا المجرى بطريق الأولى فتكون الواو والحالة هذه على بابها
~~تنبيها على أن ثم أحوالا أخر لا يقع فيها القبول بطريق الأولى
~~بالنسبة إلى الحالة المذكورة، وقوله تعالى: مصرح بذلك، والمراد به أنه لا
~~خلاص لهم من الوعيد وإلا فقد علم أنهم في ذلك اليوم أفلس من ابن
~~المذلق لا يقدرون على شيء، ونظير هذا قولك: لا أبيعك هذا الثوب بألف
~~دينار ولو سلمتها إلي في يدي انتهى، وقريب منه ما ms01357 ذكره أبو حيان
~~قائلا: إن الذي يقتضيه هذا التركيب وينبغي أن يحمل عليه أن الله تعالى
~~أخبر أن من مات كافرا لا يقبل منه ما يملأ الأرض من ذهب على كل حال
~~يقصدها ولو في حال افتدائه من العذاب لأن حالة الافتداء لا يمتن فيها
~~المفتدي على المفتدى منه إذ هي حالة قهر من المفتدى منه، وقد قررنا في
~~نحو هذا التركيب أن (لو) تأتي منبهة على أن ما قبلها جاء على سبيل
~~الاستقصاء وما بعدها جاء تنصيصا على الحالة التي يظن أنها لا تندرج فيما
~~قبلها كقوله عليه الصلاة والسلام:

# " أعطوا السائل ولو جاء على فرس "

# و

# " ردوا السائل ولو بظلف محرق "

# كأن هذه الأشياء مما لا ينبغي أن يؤتى بها لأن كون السائل على فرس يشعر
~~بغناه فلا يناسب أن يعطى، وكذلك الظلف المحرق لا غناء فيه فكان يناسب أن
~~لا يرد السائل به. وكذلك حالة الافتداء يناسب أن يقبل منه ملء الأرض
~~ذهبا لكنه لا يقبل، ونظيره

# وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صدقين

# [يوسف: 17] لأنهم نفوا أن يصدقهم على كل حال حتى في حالة صدقهم وهي
~~الحالة التي ينبغي أن يصدقوا فيها ولو لتعميم النفي والتأكيد له.

# هذا وقد أخرج الشيخان وابن جرير  واللفظ له  عن أنس عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال:

# " يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا
~~أكنت مفتديا به؟ فيقول: نعم فيقال: لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك فلم تفعل
~~فذلك قوله تعالى: { إن الذين كفروا وماتوا وهم
~~كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو
~~افتدى به } "

# { أولئك لهم عذاب أليم } إسم الإشارة مبتدأ والظرف خبر
~~ولاعتماده على المبتدأ رفع الفاعل، ويجوز أن يكون { لهم } خبرا
~~مقدما، و { عذاب } مبتدأ مؤخرا، والجملة خبر عن اسم الإشارة والأول
~~أحسن، وفي تعقيب ما ذكر بهذه الجملة مبالغة في التحذير والإقناط لأن من
~~لا يقبل منه الفداء ربما يعفى عنه تكرما { وما لهم من نصرين ms01358
~~} في دفع العذاب أو تخفيفه، و { من } مزيدة بعد النفي للاستغراق وتزاد
~~بعده سواء دخلت على مفرد أو جمع خلافا لمن زعم أن ذلك مخصوص بالمفرد،
~~وصيغة الجمع لمراعاة الضمير، وفيها توافق الفواصل، والمراد ليس لواحد
~~منهم ناصر واحد.

# وما باب الإشارة:

# قل يأهل الكتب تعالوا إلى كلمة سواء
~~بيننا وبينكم

# [آل عمران: 64] وهي كلمة التوحيد وترك اتباع الهوى والميل إلى السوى فإن
~~ذلك لم يختلف فيه نبي ولا كتاب قط { ما كان إبرهيم } الخليل {
~~يهوديا } متعلقا بالتشبيه { ولا نصرانيا } قائلا بالتثليث {
~~ولكن كان حنيفا } مائلا عن الكون برؤية المكون

# مسلما

# [آل عمران: 67] منقادا عند جريان قضائه وقدره، أو ذاهبا إلى ما ذهب
~~إليه المسلمون المصطفون القائلون

# ليس كمثله شىء وهو السميع البصير

# [الشورى: 11]، { إن أولى الناس بإبرهيم للذين
~~اتبعوه } بشرط التجرد عن الكونين ومنع النفوس عن الالتفات إلى
~~العالمين فإن الخليل لما بلغ حضرة القدس زاغ بصره عن عرائس الملك
~~والملكوت فقال

# إنى برىء مما تشركون */ إنى وجهت وجهى للذى
~~فطر السموات والأرض

# [الأنعام: 78-79] { وهذا النبى } العظيم يعني محمدا عليه من
~~الله تعالى أفضل الصلاة وأكمل التسلم أولى أيضا بمتابعة أبيه الخليل
~~وسلوك منهجه الجليل لأنه زبدة مخيض محبته وخلاصة حقيقة فطرته {
~~والذين ءامنوا } به صلى الله عليه وسلم وأشرقت عليهم أنواره
~~وأينعت في رياض قلوبهم أسراراه

# والله ولى المؤمنين

# [آل عمران: 68] كافة يحفظهم عن آفات القهر ويدخلهم في قباب العصمة ويبيح
~~لهم ديار الكرامة { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم }
~~جعله أهل الله سبحانه خطابا للمؤمنين كما قال بذلك بعض أهل الظاهر أي لا
~~تفشوا أسرار الحق إلا إلى أهله ولا تقروا بمعاني الحقيقة للمحجوبين من
~~الناس فيقعون فيكم ويقصدون سفك دمائكم { قل إن الهدى } أعني {
~~هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } من علم
~~الباطن، { أو } مثل ما { يحآجوكم } به في زعمهم { عند
~~ربكم } وهو علم الظاهر. وحاصل المعنى: إن الهدى الجمع بين الظاهر
~~والباطن وأما الاقتصار على علم الظاهر وإنكار الباطن فليس بهدى { قل ms01359
~~إن الفضل بيد الله } فيتصرف به حسب مشيئته التابعة لعلمه
~~التابع للمعلوم في أزل الآزال

# والله وسع عليم

# [آل عمران: 73] فكيف يتقيد بالقيود بل يتجلى حسبما تقتضيه الحكمة في
~~المظاهر لأهل الشهود { يختص برحمته } الخاصة { من يشاء }
~~من عباده وهي المعرفة به وهي فوق مكاشفة غيب الملكوت ومشاهدة سر الجبروت،

# والله ذو الفضل العظيم

# [آل عمران: 74] الذي لا يكتنه { بلى من أوفى بعهده } وهو
~~عهد الروح بنعت الكشف؛ وعهد القلب بتلقي الخطاب، وعهد العقل بامتثال
~~الأوامر والنواهي { واتقى } من خطرات النفوس وطوارق الشهوات

# فإن الله يحب المتقين

# [آل عمران: 76] أي فهو بالغ مقام حقيقة المحبة

# إن الذين يشترون بعهد الله وأيمنهم ثمنا
~~قليلا

# [آل عمران: 77] الآية إشارة إلى من مال إلى خضرة الدنيا وآثرها على
~~مشاهدة حضرة المولى وزين ظاهره بعبادة المقربين ومزجها بحب الرياسة فذلك
~~الذي سقط عن رؤية اللقاء ومخاطبة الحق في الدنيا والآخرة { ما كان
~~لبشر أن يؤتيه الله الكتب والحكم والنبوة
~~ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله } لأن
~~الاستنباء لا يكون إلا بعد الفناء في التوحيد فمن محا الله تعالى بشريته
~~بإفنائه عن نفسه وأثابه وجودا نورانيا حقيا قابلا للكتاب والحكمة
~~العقلية لا يمكن أن يدعو إلى نفسه إذ الداعي إليها لا يكون إلا محجوبا
~~بها، وبين الأمرين تناقض { ولكن } يقول:

# كونوا ربنيين

# [آل عمران: 79] أي منسوبين إلى الرب، والمراد عابدين مرتاضين بالعلم
~~والعمل والمواظبة على الطاعات لتغلب على أسراركم أنوار الرب، ولهم في
~~الرباني عبارات كثيرة، فقال الشبلي: الرباني الذي لا يأخذ العلوم إلا من
~~الرب ولا يرجع في شيء إلا إليه، وقال سهل: الرباني الذي لا يختار على ربه
~~حالا، وقال القاسم: هو المتخلق بأخلاق الرب علما وحكما، وقيل: هو الذي
~~محق في وجوده ومحق عن شهوده، وقيل: هو الذي لا تؤثر فيه تصاريف الأقدار
~~على اختلافها وقيل وقيل. وكل الأقوال ترد من منهل واحد، { ولا
~~يأمركم أن تتخذوا الملئكة والنبيين
~~أربابا } فإنها بعض مظاهره وهو سبحانه المطلق حتى عن قيد ms01360 الإطلاق

# أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون

# [آل عمران: 80] أي أيأمركم بالاحتجاب برؤية الأشكال والنظر إلى الأمثال
~~بعد أن لاح في أسراركم أنوار التوحيد وطلعت في قلوبكم شموس التفريد

# وإذ أخذ الله ميثق النبيين

# [آل عمران: 81] الآية فيه إشارة إلى أنه سبحانه أخذ العهد من نواب
~~الحقيقة المحمدية في الأزل بالانقياد والطاعة والإيمان بها، وخصهم بالذكر
~~لكونهم أهل الصف الأول ورجال الحضرة، وقيل: إن الله تعالى أخذ عليهم
~~ميثاق التعارف بينهم وإقامة الدين وعدم التفرق وتصديق بعضهم بعضا ودعوة
~~الخلق إلى التوحيد وتخصيص العبادة بالله تعالى وطاعة النبي وتعريف بعضهم
~~بعضا لأممهم، وهذا غير الميثاق العام المشار إليه بقوله تعالى:

# وإذ أخذ ربك/ من بنى ءادم

# [الأعراف: 172] الخ { فمن تولى بعد ذلك } أي بعد ما علم
~~عهد الله تعالى مع النبيين وتبليغ الأنبياء إليه ما عهد إليهم

# فأولئك هم الفسقون

# [آل عمران: 82] أي الخارجون عن دين الله تعالى ولا دين غيره معتدا به
~~في الحقيقة إلا توهما { أفغير دين الله يبغون وله
~~أسلم من فى السموات والأرض } أي من في عالم الأرواح
~~وعالم النفوس، أو من في عالم الملكوت وعالم الملك { طوعا } باختياره
~~وشعوره { وكرها } من حيث لا يدري ولا يدري أنه لا يدري بسبب احتجابه
~~برؤية الأغيار، ولهذا سقط عن درجة القبول

# وإليه يرجعون

# [آل عمران: 83] في العاقبة حين يكشف عن ساق { ومن يبتغ غير
~~الإسلم } وهو التوحيد { دينا } له { فلن يقبل منه } لعدم
~~وصوله إلى الحق لمكان الحجاب { وهو فى الأخرة } ويوم القيامة
~~الكبرى

# من الخسرين

# [آل عمران: 85] الذين خسروا أنفسهم

# كيف يهدى الله قوما

# [آل عمران: 86] الآية استبعاد لهداية من فطره الله على غير استعداد
~~المعرفة، وحكم عليه بالكفر في سابق الأزل فإن من لم يكن له استعداد لم
~~يقع في أنوار التجلي، ومن خاض في بحر القهر ولزم قعر بعد البعد لم يكن له
~~سبيل إلى ساحل قرب القرب والله غالب على أمره ولله در من قال:

# إذا المرء لم يخلق سعيدا تحيرت

# ظنون مربيه وخاب ms01361 المؤمل

# فموسى الذي رباه جبريل كافر

# وموسى الذي رباه فرعون مرسل

# هذا والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

### || [3.92]

# { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } كلام
~~مستأنف لبيان ما ينفع المؤمنين ويقبل منهم  إثر بيان ما لا ينفع الكفار
~~ولا يقبل منهم، و  تنال  من نال نيلا إذا أصاب ووجد، ويقال: نال العلم
~~إذا وصل إليه واتصف به، والبر الاحسان وكمال الخير، وبعضهم يفرق بينه
~~وبين الخير بأن البر هو النفع الواصل إلى الغير مع القصد إلى ذلك، والخير
~~هو النفع مطلقا وإن وقع سهوا، وضد البر العقوق، وضد الخير الشر، و  أل
~~ فيه إما للجنس والحقيقة، والمراد لن تكونوا أبرارا حتى تنفقوا وهو
~~المروي عن الحسن، وإما لتعريف العهد، والمراد لن تصيبوا بر الله تعالى يا
~~أهل طاعته حتى تنفقوا، وإلى ذلك ذهب مقاتل وعطاء. وأخرج ابن جرير عن ابن
~~مسعود رضي الله تعالى عنه تفسير البر بالجنة، وروي مثله عن مسروق والسدي
~~وعمرو بن ميمون، وذهب بعضهم إلى أن الكلام على حذف مضاف أي  لن تنالوا
~~ثواب البر، وحتى بمعنى إلى، و  من  تبعيضية، ويؤيده قراءة عبد الله
~~(بعض ما تحبون)، وقيل: بيانية، وعليه أيضا لا تخالف بين القراءتين معنى،
~~و (ما) موصولة أو موصوفة، وجعلها مصدرية والمصدر بمعنى المفعول جائز على
~~رأي أبي علي.

# وفي المراد من قوله سبحانه: { مما تحبون } أقوال، فقيل المال
~~وكنى بذلك عنه لأن جميع الناس يحبونه، وقيل: نفائس الأموال وكرائمها،
~~وقيل: ما يعم ذلك وغيره من سائر الأشياء التي يحبها الإنسان ويهواها،
~~والإنفاق على هذا مجاز، وعلى الأولين حقيقة. وكان السلف رضي الله تعالى
~~عنهم إذا أحبوا شيئا جعلوه لله تعالى، فقد أخرج الشيخان والترمذي
~~والنسائي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:

# " كان أبو طلحة أكثر الأنصار نخلا بالمدينة وكان أحب أمواله إليه
~~بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها
~~ويشرب من ماء فيها طيب فلما نزلت { لن تنالوا البر حتى
~~تنفقوا مما تحبون } قال أبو ms01362 طلحة: يا رسول الله إن الله
~~تعالى يقول: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما
~~تحبون } وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله تعالى أرجو
~~برها وذخرها عند الله تعالى فضعها يا رسول الله حيث أراك الله تعالى فقال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخ بخ ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت وإني
~~أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله فقسمها أبو
~~طلحة/ في أقاربه وبني عمه "

# وفي رواية لمسلم وأبي داود «فجعلها بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب».
~~وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عن محمد بن المنكدر قال: «لما نزلت هذه الآية

# " جاء زيد بن حارثة بفرس يقال لها سبل لم يكن له مال أحب إليه منها
~~فقال: هي صدقة فقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمل عليها ابنه
~~أسامة فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في وجه زيد فقال: إن الله
~~تعالى قد قبلها منك "

# وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر قال: «حضرتني هذه الآية { لن تنالوا
~~البر } الخ فذكرت ما أعطاني الله تعالى فلم أجد أحب إلي من مرجانة
~~جارية لي رومية فقلت هي حرة لوجه الله تعالى فلو أني أعود في شيء جعلته
~~لله تعالى لنكحتها فأنكحتها نافعا، وأخرج ابن المنذر عن نافع قال: كان
~~ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يشتري السكر يتصدق به فنقول له: لو اشتريت
~~لهم بثمنه طعاما كان أنفع لهم من هذا فيقول: أنا أعرف الذي تقولون ولكن
~~سمعت الله تعالى يقول: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا
~~مما تحبون } وأن ابن عمر يحب السكر.

# وظاهر هذه الأخبار يدل على أن الإنفاق في الآية يعم المستحب، وروي عن
~~ابن عباس أن المراد به إخراج الزكاة الواجبة وما فرضه الله تعالى في
~~الأموال فكأنه قيل:  لن تنالوا البر حتى تخرجوا زكاة أموالكم  وهو مبني
~~على أن المراد من ما تحبون المال لا كرائمه، فقول النيسابوري: إنه يرد
~~عليه أنه لا يجب ms01363 على المزكي أن يخرج أشرف أمواله وأكرمها، ناشيء من قلة
~~التأمل، ولو تأمل ما اعترض على ترجمان القرآن وحبر الأمة، ونقل الواحدي
~~عن مجاهد والكلبي أن الآية منسوخة بآية الزكاة، وضعف بأن إيجاب الزكاة
~~لا ينافي الترغيب في بذل المحبوب في سبيل الله تعالى.

# واستشكلت هذه الآية بأن ظاهرها يستدعي أن الفقير الذي لم ينفق طول عمره
~~مما يحبه لعدم إمكانه لا يكون بارا أو لا يناله بر الله تعالى بأهل
~~طاعته مع أنه ليس كذلك، وأجيب بأن الكلام خارج مخرج الحث على الإنفاق وهو
~~مقيد بالإمكان وإنما أطلق على سبيل المبالغة في الترغيب، وقيل: الأولى أن
~~يكون المراد: لن تنالوا البر الكامل الواقع على أشرف الوجوه حتى تنفقوا
~~مما تحبون والفقير الذي لم ينفق طول عمره لا يبعد القول بأنه لا يكون
~~بارا كاملا ولا يناله بر الله تعالى الكامل بأهل طاعته، وقيل: الأولى
~~من هذا الأولى أن يقال: إن المراد: لن تنالوا البر على الإنفاق حتى
~~تنفقوا مما تحبون وحاصله أن الإنفاق من المحبوب يترتب عليه نيل البر وأن
~~الإنفاق مما عداه لا يترتب عليه نيل البر، وليس في الآية ما يدل على حصر
~~ترتب البر على الإنفاق من المحبوب، ونفي ترتب البر على فعل آخر من
~~الأفعال المأمور بها، وحينئذ لا يبعد أن يكون الفقير الغير المنفق بارا
~~أو نائلا بر الله تعالى بأهل طاعته من جهة أخرى، وربما تستدعي أفعاله
~~الخالية عن إنفاق المال من البر ما هو أكمل وأوفر مما يستدعيه الإنفاق
~~المجرد منه؛ وينجر الكلام إلى مسألة تفضيل الفقير الصابر على الغني
~~الشاكر، وهي مسألة طويلة الذيل قد ألفت فيها الرسائل.

# { وما تنفقوا من شىء } أي أي شيء تنفقونه من الأشياء، أو
~~أي شيء تنفقوا طيب تحبونه، أو خبيث تكرهونه  فمن  على الأول متعلقة
~~بمحذوف وقع صفة لاسم الشرط، وعلى الثاني في محل نصب على التمييز {
~~فإن الله به عليم } تعليل لجواب الشرط واقع موقعه  أي
~~فيجازيكم بحسبه  فإنه تعالى عليم بكل ما تنفقونه، ms01364 وقيل: إنه جواب الشرط،
~~والمراد أن الله تعالى يعلمه موجودا على الحد الذي تفعلونه من حسن
~~النية وقبحها، وتقديم الظرف لرعاية الفواصل، وفي الآية ترغيب وترهيب قيل:
~~وفيها إشارة إلى الحث على إخفاء الصدقة.

### || [3.93]

# { كل الطعام كان حلا لبنى إسرءيل } روى الواحدي عن
~~الكلبي أنه حين قال النبي صلى الله عليه وسلم:

# " أنا على ملة إبراهيم قالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها؟
~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كان ذلك حلالا لإبراهيم عليه السلام
~~فنحن نحله فقالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه فإنه كان محرما على
~~نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا فأنزل الله تعالى هذه الآية تكذيبا لهم "

# والطعام بمعنى المطعوم، ويراد به هنا المطعومات مطلقا أو المأكولات وهو
~~لكونه مصدرا منعوتا به معنى يستوي فيه الواحد المذكور وغيره وهو الأصل
~~المطرد فلا ينافيه قول الرضي: إنه يقال: رجل عدل ورجلان عدلان لأنه
~~رعاية لجانب المعنى، وذكر بعضهم أن هذا التأويل يجعل كلا للتأكيد لأن
~~الاستغراق شأن الجمع المعرف باللام، والحل مصدر أيضا أريد منه حلالا،
~~والمراد الإخبار عن أكل الطعام بكونه حلالا لا نفس الطعام لأن الحل
~~كالحرمة مما لا يتعلق بالذوات ولا يقدر نحو الانفاق وإن صح أن يكون متعلق
~~الحل وربما توهم بقرينة ما قبله لأنه خلاف الغرض المسوق له الكلام. و {
~~إسرءيل } هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام، وعن أبي مجلز
~~أن ملكا سماه بذلك بعد أن صرعه وضرب على فخذه.

# { إلا ما حرم إسرءيل على نفسه } قال مجاهد: حرم لحوم
~~الأنعام، وروى عكرمة عن ابن عباس أنه حرم زائدتي الكبد والكليتين والشحم
~~إلا ما كان على الظهر، وعن عطاء أنه حرم لحوم الإبل وألبانها. وسبب تحريم
~~ذلك كما في الحديث الذي أخرجه الحاكم وغيره بسند صحيح عن ابن عباس

# " أنه عليه الصلاة والسلام كان به عرق النسا فنذر إن شفي لم يأكل أحب
~~الطعام إليه وكان ذلك أحب إليه "

# ، وفي رواية سعيد بن جبير عنه أنه كان به ذلك ms01365 الداء فأكل من لحوم الإبل
~~فبات بليلة يزقو فحلف أن لا يأكله أبدا، وقيل: حرمه على نفسه تعبدا
~~وسأل الله تعالى أن يجيز له فحرم سبحانه على ولده ذلك، ونسب هذا إلى
~~الحسن، وقيل: إنه حرمه وكف نفسه عنه كما يحرم المستظهر في دينه من الزهاد
~~اللذائذ على نفسه. وذهب كثير إلى أن التحريم كان بنص ورد عليه، وقال بعض:
~~كان ذلك عن اجتهاد ويؤيده ظاهر النظم، وبه استدل على جوازه للأنبياء
~~عليهم الصلاة والسلام، والاستثناء متصل لأن المراد على كل تقدير أنه حرمه
~~على نفسه وعلى أولاده، وقيل: منقطع، والتقدير ولكن حرم إسرائيل على نفسه
~~خاصة ولم يحرمه عليهم وصحح الأول.

# { من قبل أن تنزل } الظاهر أنه متعلق بقوله تعالى: { كان
~~حلا } ولا يضر الفصل بالاستثناء إذ هو فصل جائز، وذلك على مذهب
~~الكسائي وأبي الحسن في جواز أن يعمل ما قبل إلا فيما بعدها إذا كان
~~ظرفا أو جارا ومجرورا أو حالا، وقيل: متعلق بحرم، وتعقبه أبو حيان
~~بأنه بعيد إذ هو من الإخبار بالواضح المعلوم ضرورة ولا فائدة فيه، واعتذر
~~عنه بأن فائدة ذلك بيان أن التحريم مقدم عليها وأن التوراة مشتملة على
~~محرمات أخر حدثت عليهم حرجا وتضييقا، واختار بعضهم أنه متعلق بمحذوف،
~~والتقدير: كان حلا/ من قبل أن تنزل التوراة في جواب سؤال نشأ من سابق
~~المستثنى كأنه قيل: متى كان حلا؟ فأجيب به والذي دعاه إلى ذلك عدم ظهور
~~فائدة تقييد التحريم ولزوم قصر الصفة قبل تمامها على تقدير جعله قيدا
~~للحل.

# ولا يخفى ما فيه، والمعنى على الظاهر أن كل الطعام ما عدا المستثنى كان
~~حلالا لبني إسرائيل قبل نزول التوراة مشتملة على تحريم ما حرم عليهم
~~لظلمهم، وفي ذلك رد لليهود في دعواهم البراءة فيما نعى عليهم قوله تعالى:

# فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم

# [النساء: 160] وقوله سبحانه:

# وعلى الذين هادوا حرمنا

# [الأنعام: 146] الآيتين، وتبكيت لهم في منع النسخ ضرورة أن تحريم ما كان
~~حلالا لا يكون إلا به ودفع الطعن في ms01366 دعوى الرسول صلى الله عليه وسلم
~~موافقته لأبيه إبراهيم عليه السلام على ما دل عليه سبب النزول. وذهب
~~السدي إلى أنه لم يحرم عليهم عند نزول التوراة إلا ما كان يحرمونه قبل
~~نزولها اقتداءا بأبيهم يعقوب عليه السلام، وقال الكلبي: لم يحرم سبحانه
~~عليهم ما حرم في التوراة، وإنما حرمه بعدها بظلمهم وكفرهم، فقد كانت بنو
~~إسرائيل إذا أصابت ذنبا عظيما حرم الله تعالى عليهم طعاما طيبا وصب
~~عليهم رجزا، وعن الضحاك أنه لم يحرم الله تعالى عليهم شيئا من ذلك في
~~التوراة ولا بعدها، وإنما هو شيء حرموه على أنفسهم اتباعا لأبيهم وإضافة
~~تحريمه إلى الله تعالى مجاز وهذا في غاية البعد.

# { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها } أمر له صلى الله عليه
~~وسلم بأن يحاجهم بكتابهم الناطق بصحة ما يقول في أمر التحليل والتحريم
~~وإظهار اسم التوراة لكون الجملة كلاما مع اليهود منقطعا عما قبله،
~~وقوله تعالى: { إن كنتم صدقين } أي في دعواكم شرط حذف جوابه
~~لدلالة ما قبله عليه أي إن كنتم صادقين فأتوا بالتوراة فاتلوها، روي أنهم
~~لم يجسروا على الإتيان بها فبهتوا وألقموا حجرا. وفي ذلك دليل ظاهر على
~~صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم إذ علم بأن ما في التوراة يدل على
~~كذبهم وهو لم يقرأها ولا غيرها من زبر الأولين ومثله لا يكون إلا عن وحي.

### || [3.94]

# { فمن افترى على الله الكذب } أي اخترع ذلك بزعمه أن
~~التحريم كان على الأنبياء وأممهم قبل نزول التوراة فمن عبارة عن أولئك
~~اليهود، ويحتمل أن تكون عامة ويدخلون حينئذ دخولا أوليا، وأصل
~~الافتراء قطع الأديم يقال: فرى الأديم يفريه فريا إذا قطعه، واستعمل في
~~الابتداع والاختلاق، والجملة يحتمل أن تكون مستأنفة وأن تكون منصوبة
~~المحل معطوفة على جملة

# فأتوا

# [آل عمران: 93] فتدخل تحت القول، ومن يجوز أن تكون شرطية وأن تكون
~~موصولة وقد روعي لفظها ومعناها.

# { من بعد ذلك } أي أمرهم بما ذكر وما يترتب عليه من قيام الحجة
~~وظهور البينة. { فأولئك } أي المفترون المبعدون عن عز ms01367 القرب {
~~هم الظلمون } لأنفسهم بفعل ما أوجب العقاب عليهم، وقيل: هم
~~الظالمون لأنفسهم بذلك ولأشياعهم بإضلالهم لهم بسبب إصرارهم على الباطل
~~وعدم تصديقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما قيد بالبعدية  مع أنه
~~يستحق الوعيد بالكذب على الله تعالى في كل وقت وفي كل حال  للدلالة على
~~كمال القبح، وقيل: لبيان أنه إنما يؤاخذ به بعد إقامة الحجة عليه ومن كذب
~~فيما ليس بمحجوج فيه فهو بمنزلة الصبي الذي لا يستحق الوعيد بكذبه وفيه
~~تأمل، ثم مناسبة هذه الآية لما قبلها أن الأكل إنفاق مما يحب لكن على
~~نفسه وإلى ذلك أشار علي بن عيسى، وقيل: إنه لما تقدم محاجتهم في ملة
~~إبراهيم عليه السلام وكان مما أنكروا على نبينا صلى الله عليه وسلم أكل
~~لحوم الإبل وادعوا أنه خلاف ملة إبراهيم ناسب أن يذكر رد دعواهم ذلك عقيب
~~تلك المحاجة.

### || [3.95]

# { قل صدق الله } أي ظهر وثبت صدقه في أن / كل الطعام كان حلا
~~لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه وقيل: في أن محمدا صلى الله
~~عليه وسلم على دين إبراهيم عليه السلام وأن دينه الإسلام، وقيل: في كل ما
~~أخبر به ويدخل ما ذكر دخولا أوليا وفيه كما قيل: تعريض بكذبهم الصريح {
~~فاتبعوا ملة إبرهيم } وهي دين الإسلام فإنكم غير متبعين
~~ملته كما تزعمون، وقيل: اتبعوا مثل ملته حتى تخلصوا عن اليهودية التي
~~اضطرتكم إلى الكذب على الله والتشديد على أنفسكم، وقيل: اتبعوا ملته في
~~استباحة أكل لحوم الإبل وشرب ألبانها مما كان حلا له { حنيفا } أي
~~مائلا عن سائر الأديان الباطلة إلى دين الحق، أو مستقيما على ما شرعه
~~الله تعالى من الدين الحق في حجه ونسكه ومأكله وغير ذلك { وما كان
~~من المشركين } أي في أمر من أمور دينهم أصلا [وفرعا] وفيه
~~تعريض بشرك أولئك المخاطبين، والجملة تذييل لما قبلها.

### || [3.96]

# { إن أول بيت وضع للناس }. أخرج ابن المنذر وغيره عن
~~ابن جريج قال: بلغنا أن اليهود قالت: بيت المقدس أعظم من الكعبة ms01368 لأنه
~~مهاجر الأنبياء ولأنه في الأرض المقدسة، فقال المسلمون: بل الكعبة أعظم
~~فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت إلى

# مقام إبرهيم

# [آل عمران: 97] وروي مثل ذلك عن مجاهد ووجه ربطها بما قبلها أن الله
~~تعالى أمر الكفرة باتباع ملة إبراهيم ومن ملته تعظيم بيت الله تعالى
~~الحرام فناسب ذكر البيت وفضله وحرمته لذلك، وقيل: وجه المناسبة أن هذه
~~شبهة ثانية ادعوها فأكذبهم الله تعالى فيها كما أكذبهم في سابقتها،
~~والمعنى: إن أول بيت وضع لعبادة الناس ربهم أي هيىء وجعل متعبدا؛
~~والواضع هو الله تعالى كما يدل عليه قراءة من قرأ { وضع } بالبناء
~~للفاعل لأن الظاهر حينئذ أن يكون الضمير راجعا إلى الله تعالى وإن لم
~~يتقدم ذكره سبحانه صريحا في الآية بناءا على أنها مستأنفة واحتمال عوده
~~إلى إبراهيم عليه السلام لاشتهاره ببناء البيت خلاف الظاهر، وجملة {
~~وضع } في موضع جر على أنها صفة { بيت } و { للناس } متعلق به
~~واللام فيه للعلة.

# وقوله تعالى: { للذى ببكة } خبر { إن } واللام مزحلقة وأخبر
~~بالمعرفة عن النكرة لتخصيصها، وهذا في باب إن، و  بكة  لغة في مكة عند
~~الأكثرين والباء والميم تعقب إحداهما الأخرى كثيرا، ومنه نميط ونبيط
~~ولازم ولازب وراتب وراتم، وقيل: هما متغايران فبكة موضع المسجد ومكة
~~البلد بأسرها، وأصلها من البك بمعنى الزحم يقال بكه يبكه بكا إذا زحمه،
~~وتباك الناس إذا ازدحموا وكأنها إنما سميت بذلك لازدحام الحجيج فيها،
~~وقيل: بمعنى الدق وسميت بذلك لدق أعناق الجبابرة إذا أرادوها بسوء
~~وإذلالهم فيها ولذا تراهم في الطواف كآحاد الناس ولو أمكنهم الله تعالى
~~من تخلية المطاف لفعلوا؛ وقيل: إنها مأخوذة من بكأت الناقة أو الشاة إذا
~~قل لبنها وكأنها إنما سميت بذلك لقلة مائها وخصبها، قيل: ومن هنا سميت
~~البلد مكة أيضا أخذا لها من امتك الفصيل ما في الضرع إذا امتصه ولم
~~يبق فيه من اللبن شيئا، وقيل: هي من مكه الله تعالى إذا استقصاه
~~بالهلاك.

# ثم المراد بالأولية الأولية بحسب الزمان، وقيل: بحسب الشرف، ms01369 ويؤيد
~~الأول: ما أخرجه الشيخان عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال:

# " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول بيت وضع للناس فقال: «المسجد
~~الحرام ثم بيت المقدس فقيل: كم بينهما؟ فقال: أربعون سنة» "

# واستشكل ذلك بأن باني المسجد الحرام إبراهيم عليه السلام وباني الأقصى
~~داود ثم ابنه سليمان عليهما السلام، ورفع قبته ثمانية عشر ميلا وبين
~~بناء إبراهيم وبنائهما مدة تزيد على الأربعين بأمثالها.

# / وأجيب بأن الوضع غير البناء والسؤال عن مدة ما بين وضعيهما لا عن مدة
~~ما بين بناءيهما فيحتمل أن واضع الأقصى بعض الأنبياء قبل داود وابنه
~~عليهما السلام ثم بنياه بعد ذلك، ولا بد من هذا التأويل  قاله الطحاوي 
~~وأجاب بعضهم على تقدير أن يراد من الوضع البناء بأن باني المسجد الحرام
~~والمسجد الأقصى هو إبراهيم عليه السلام وأنه بنى الأقصى بعد أربعين سنة
~~من بنائه المسجد الحرام وادعى فهم ذلك من الحديث فتدبر.

# وورد في بعض الآثار أن أول من بنى البيت الملائكة وقد بنوه قبل آدم عليه
~~السلام بألفي عام، وعن مجاهد وقتادة والسدي ما يؤيد ذلك، وحكي أن بناء
~~الملائكة له كان من ياقوتة حمراء ثم بناه آدم ثم شيث ثم إبراهيم ثم
~~العمالقة ثم جرهم ثم قصي ثم قريش ثم عبد الله بن الزبير ثم الحجاج واستمر
~~بناء الحجاج إلى الآن إلا في الميزاب والباب والعتبة ووقع الترميم في
~~الجدار والسقف غير مرة وجدد فيه الرخام، وقيل: إنه نزل مع آدم من الجنة
~~ثم رفع بعد موته إلى السماء، وقيل: بني قبله ورفع في الطوفان إلى السماء
~~السابعة، وقيل: الرابعة، وذهب أكثر أهل الأخبار أن الأرض دحيت من تحته،
~~وقد أسلفنا لك ما ينفعك هنا فتذكر.

# { مباركا } أي كثير الخير لما أنه يضاعف فيه ثواب العبادة قاله ابن
~~عباس، وقيل: لأنه يغفر فيه الذنوب لمن حجه وطاف به واعتكف عنده. وقال
~~القفال: يجوز أن تكون بركته ما ذكر في قوله تعالى:

# يجبى إليه ثمرات كل شىء

# [القصص: 57]، وقيل: ms01370 بركته دوام العبادة فيه ولزومها، وقد جاءت البركة
~~بمعنيين: النمو وهو الشائع، والثبوت ومنه البركة لثبوت الماء فيها والبرك
~~الصدر لثبوت الحفظ فيه وتبارك الله سبحانه بمعنى ثبت ولم يزل، ووجه
~~الكرماني كونه مباركا بأن الكعبة كالنقطة وصفوف المتوجهين إليها في
~~الصلوات كالدوائر المحيطة بالمركز ولا شك أن فيهم أشخاصا أرواحهم علوية
~~وقلوبهم قدسية وأسرارهم نورانية وضمائرهم ربانية ومن كان في المسجد
~~الحرام يتصل أنوار تلك الأرواح الصافية المقدسة بنور روحه فتزداد الأنوار
~~الإلهية في قلبه وهذا غاية البركة ثم إن الأرض كرية وكل آن يفرض فهو صبح
~~لقوم ظهر لثان عصر لثالث وهلم جرا، فليست الكعبة منفكة قط عن توجه قوم
~~إليها لأداء الفرائض فهو دائما كذلك والمنصوب حال من الضمير المستتر في
~~الظرف الواقع صلة. وجوز أبو البقاء جعله حالا من الضمير في وضع.

# { وهدى للعلمين } أي هاد لهم إلى الجنة التي أرادها سبحانه
~~أو هاد إليه جل شأنه بما فيه من الآيات العجيبة كما قال تعالى: { فيه
~~ءايت بينت }.

### || [3.97]

# { فيه ءايت بينت } كإهلاك من قصده من الجبابرة بسوء كأصحاب
~~الفيل وغيرهم وعدم تعرض ضواري السباع للصيود فيه وعدم نفرة الطير من
~~الناس هناك، وإن أي ركن من البيت وقع الغيث في مقابلته كان الخصب فيما
~~يليه من البلاد فإذا وقع في مقابلة الركن اليماني كان الخصب باليمن، وإذا
~~كان في مقابلة الركن الشامي كان الخصب بالشام؛ وإذا عم البيت كان في جميع
~~البلدان وكقلة الجمرات على كثرة الرماة إلى غير ذلك وعدوا منه انحراف
~~الطير عن موازاته على مدى الأعصار، وفيه كلام للمحدثين لأن منها ما
~~يعلوه، وقيل: لا يعلوه إلا ما به علة للاستشفاء، واعترض بأن العقاب علته
~~لأخذ الحية، وقيل: إن الطير المهدر دمها تعلوه والحمام مع كثرته لا يعلوه
~~وبه جمع بعضهم بين الكلامين  ومع هذا في القلب منه شيء  فقد نقل بعض
~~الناس أنه شاهد أن الطير مطلقا تعلوه في بعض الأحايين / والضمير المجرور
~~عائد على

# البيت

# [آل عمران: 96]، والظرفية مجازية وإلا ms01371 لما صح عد هذه الآيات، والجملة
~~إما مستأنفة جىء بها بيانا وتفسيرا للهدى، وإما حال أخرى ولا بأس في
~~ترك الواو في الجملة الاسمية الحالية على ما أشار إليه عبد القاهر وغيره،
~~وجوز أن تكون حالا من الضمير في العالمين والعامل فيه هدى، أو من الضمير
~~في

# مباركا

# [آل عمران: 96] وهو العامل فيها، أو يكون صفة لهدى كما أن العالمين
~~كذلك.

# وقوله تعالى: { مقام إبرهيم } مبتدأ محذوف الخبر أو خبر محذوف
~~المبتدأ أي منها أو أحدها مقام إبراهيم، واختار الحلبي الأخير، وقيل:
~~بدل البعض من الكل وإليه ذهب أبو مسلم، وجوز بعضهم أن يكون عطف بيان وصح
~~بيان الجمع بالمفرد بناءا على اشتمال المقام على آيات متعددة لأن أثر
~~القدمين في الصخرة الصماء آية وغوصهما فيها إلى الكعبين آية وإلانة بعض
~~هذا النوع دون بعض آية وإبقاؤه على ممر الزمان آية وحفظه من الأعداء آية
~~أو على أن هذه الآية الواحدة لظهور شأنها وقوة دلالتها على قدرة الله
~~تعالى ونبوة إبراهيم عليه السلام منزلة منزلة آيات كثيرة، وأيد ذلك بما
~~أخرجه ابن الأنباري عن مجاهد أنه كان يقرأ  فيه آية بينة  بالتوحيد،
~~وفيه أن هذا وإن ساغ معنى إلا أنه يرد عليه أن { ءايت } نكرة، و {
~~مقام إبرهيم } معرفة، وقد صرح أبو حيان أنه لا يجوز التخالف في
~~عطف البيان بإجماع البصريين والكوفيين، ثم إن سبب هذا الأثر في هذا
~~المقام ما ورد في الأثر عن سعيد بن جبير أنه لما ارتفع بنيان الكعبة قام
~~على هذا الحجر ليتمكن من رفع الحجارة فغاصت فيه قدماه وقد تقدم غير ذلك
~~في ذلك أيضا.

# { ومن دخله كان ءامنا } الضمير المنصوب عائد إلى { مقام
~~إبرهيم } بمعنى الحرم كله على ما قاله ابن عباس لا موضع القدمين
~~فقط، ويمكن أن يكون هناك استخدام، وقال الجصاص: ((أورد الآيات المذكورات
~~في الحرم، ثم قال: { ومن دخله } الخ فيجب أن يكون المراد جميع
~~الحرم))، والجملة إما ابتدائية وليست بشرطية وإما شرطية عطف كما قال غير
~~واحد من ms01372 حيث المعنى على { مقام } لأنه في المعنى أمن من دخله أي
~~ومنها أو ثانيها أمن من دخله أو  فيه آيات مقام إبراهيم  وأمن
~~من دخله وعلى هذا لا حاجة إلى ما تكلف في توجيه الجمعية لأن الآيتين نوع
~~من الجملة كالثلاثة والأربعة، ويجوز أن يذكر هاتان الآيتان ويطوي ذكر
~~غيرهما دلالة على تكاثر الآيات، ومثل هذا الطي واقع في الأحاديث النبوية
~~والأشعار العربية، فالأول: كرواية

# " حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة "

# على ما هو الشائع وإن صححوا عدم ذكر ثلاث، وأما الثاني: فمنه قول جرير:

# كانت حنيفة (أثلاثا) فثلثهم

# من العبيد (وثلث من مواليها)

# و { من } إما للعقلاء أو لهم ولغيرهم على سبيل التغليب لأنه يأمن فيه
~~الوحش والطير بل والنبات فحينئذ يراد بالأمن ما يصح نسبته إلى الجميع
~~بضرب من التأويل، وعلى التقدير الأول يحتمل أن يراد بالأمن الأمن في
~~الدنيا من نحو القتل والقطع وسائر العقوبات، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن
~~الحسن في الآية أنه قال: كان الرجل في الجاهلية يقتل الرجل ثم يدخل الحرم
~~فيلقاه ابن المقتول أو أبوه فلا يحركه. وأخرج ابن المنذر عن عمر بن
~~الخطاب أنه قال: لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. وأخرج
~~ابن جرير عن ابنه أنه قال: لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجته؛ وعن ابن
~~عباس لو وجدت قاتل أبي في الحرم لم أتعرض له، ومذهبه في ذلك أن من قتل
~~أو سرق في الحل ثم دخل الحرم فإنه لا يجالس ولا يكلم/ ولا يؤذى ولكنه
~~يناشد حتى يخرج فيؤخذ فيقام عليه ما جر فإن قتل أو سرق في الحرم أقيم
~~عليه في الحرم والروايات عنه في ذلك كثيرة وقد تقدم تفصيل الأقوال في
~~المسألة، وأما أن يراد به كما ذهب إليه الصادق رضي الله تعالى عنه الأمن
~~في الآخرة من العذاب، فقد أخرج عبد بن حميد وغيره عن يحيى بن جعدة أن من
~~دخله كان آمنا من ms01373 النار، وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج من سيئة مغفورا له "

# ، وروي من غير طريق عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة "

# ، وفي رواية عن ابن عمر قال: من قبر بمكة مسلما بعث آمنا يوم القيامة،
~~ويجوز إرادة العموم بأن يفسر بالأمن في الدنيا والآخرة ولعله الظاهر من
~~إطلاق اللفظ.

# { ولله على الناس حج البيت } جملة ابتدائية المبتدأ
~~فيها { حج } والخبر لله وعلى الناس متعلق بما تعلق به الخبر أو بمحذوف
~~وقع حالا من المستتر في الجار والمجرور والعامل فيه الاستقرار. وجوز أن
~~يكون على الناس خبرا، ولله متعلق بما تعلق به، ولا يجوز أن يكون حالا
~~من المستكن في الناس لأن العامل في الحال حينئذ يكون معنى، والحال لا
~~يتقدم على العامل المعنوي عند الجمهور، وجوزه ابن مالك إذا كان الحال
~~ظرفا أو حرف جر وعامله كذلك بخلاف الظرف وحرف الجر فإنهما لا يتقدمان
~~على عاملهما المعنوي، وجوز أن يرتفع الحج بالجار الأول أو الثاني وهو في
~~اللغة مطلق القصد أو كثرته إلى من يعظم، والمراد به هنا قصد مخصوص غلب
~~فيه حتى صار حقيقة شرعية، وأل في البيت للعهد، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم
~~في رواية حفص { حج } بالكسر كعلم وهو لغة نجد.

# { من استطع إليه سبيلا } بدل من { الناس } بدل البعض
~~من الكل والضمير في البدل مقدر أي منهم، وقيل: بدل الكل من الكل، والمراد
~~من الناس خاص ولا يحتاج إلى ضمير، وقيل: خبر لمحذوف أي هم من استطاع أو
~~الواجب عليه من استطاع وجوز أن يكون منصوبا بإضمار فعل أعني وأن يكون
~~فاعل المصدر وهو مضاف إلى مفعوله أي  ولله على الناس أن يحج من استطاع
~~منهم البيت  وفيه مناقشة مشهورة، و { من } على هذه الأوجه موصولة.
~~وجوز أن تكون شرطية والجزاء محذوف يدل عليه ما تقدم، أو هو نفسه على
~~الخلاف المقرر ms01374 بين البصريين والكوفيين ولا بد من ضمير يعود من جملة الشرط
~~{ على الناس } والتقدير من استطاع منهم إليه سبيلا فلله عليه أن
~~يحج، ويترجح هذا بمقابلته بالشرط بعده، والضمير المجرور للبيت أو للحج
~~لأنه المحدث عنه، وهو متعلق بالسبيل لما فيه من معنى الإفضاء وقدم عليه
~~للاهتمام بشأنه.

# والاستطاعة في الأصل استدعاء طواعية الفعل وتأتيه، والمراد بالاستدعاء
~~الإرادة وهي تقتضي القدرة فأطلقت على القدرة مطلقا أو بسهولة فهي أخص
~~منها وهو المراد هنا، وسيأتي تحقيقه قريبا إن شاء الله تعالى، والقدرة
~~إما بالبدن أو بالمال أو بهما، وإلى الأول: ذهب الإمام مالك فيجب الحج
~~عنده على من قدر على المشي والكسب في الطريق، وإلى الثاني: ذهب الإمام
~~الشافعي ولذا أوجب الاستنابة على الزمن إذا وجد أجرة من ينوب عنه، وإلى
~~الثالث: ذهب إمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه، ويؤيده ما أخرجه البيهقي
~~وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: السبيل أن يصح بدن
~~العبد ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يجحف به.

# واستدل الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بما أخرجه الدارقطني عن جابر
~~بن عبد الله قال:

# " لما نزلت هذه الآية { ولله على الناس حج البيت من
~~استطع إليه سبيلا } قام رجل فقال: يا رسول الله ما السبيل؟
~~قال: «الزاد والراحلة "

# وروي هذا من طرق شتى وهو ظاهر فيما ذهب إليه الشافعي حيث قصر الاستطاعة
~~على المالية دون البدنية، وهو مخالف لما ذهب إليه الإمام مالك مخالفة
~~ظاهرة، وأما إمامنا فيؤول ما وقع فيه بأنه بيان لبعض شروط الاستطاعة
~~بدليل أنه لو فقد أمن الطريق مثلا لم يجب الحج عليه، والظاهر أنه صلى
~~الله عليه وسلم لم يتعرض لصحة البدن لظهور الأمر كيف لا والمفسر في
~~الحقيقة هو السبيل الموصل لنفس المستطيع إلى البيت وذا لا يتصور بدون
~~الصحة، ومما يؤيد أن ما في الحديث بيان لبعض الشروط أنه ورد في بعض
~~الروايات الاقتصار على واحد مما فيه، فقد أخرج الدارقطني أيضا عن علي ms01375
~~كرم الله تعالى وجهه

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن السبيل فقال: أن تجد ظهر بعير "

# ولم يذكر الزاد.

# هذا واستدل بالآية على أن الاستطاعة قبل الفعل وفساد القول بأنها معه،
~~ووجه الاستدلال ظاهر، وأجيب بأن الاستطاعة التي ندعي أنها مع الفعل هي
~~حقيقة القدرة التي يكون بها الفعل وتطلق الاستطاعة على معنى آخر هو سلامة
~~الأسباب والآلات والجوارح أي كون المكلف بحيث سلمت أسبابه وآلاته وجوارحه
~~ولا نزاع لنا في أن هذه الاستطاعة قبل الفعل وهي مناط صحة التكليف وما في
~~الآية بهذا المعنى كذا قالوا. وتحقيق الكلام في هذا المقام على ما قالوا:
~~إن المشهور عن الأشعري أن القدرة مع الفعل بمعنى أنها توجد حال حدوثه
~~وتتعلق به في هذه الحال ولا توجد قبله فضلا عن تعلقها به، ووافقه على
~~ذلك كثير من المعتزلة كالنجار ومحمد بن عيسى وابن الراوندي وأبي عيسى
~~الوراق وغيرهم، وقال أكثر المعتزلة: القدرة قبل الفعل وتتعلق به حينئذ
~~ويستحيل تعلقها به قبل حدوثه، ثم اختلفوا في بقاء القدرة فمنهم من قال:
~~ببقائها حال وجود الفعل وإن لم تكن القدرة الباقية قدرة عليه ومنهم من
~~نفاه، ودليلهم على ذلك وجوه:

# الأول: أن تعلق القدرة بالفعل معناه الإيجاد وإيجاد الموجود محال لأنه
~~تحصيل الحاصل بل يجب أن يكون الإيجاد قبل الوجود ولهذا صح أن يقال: أوجده
~~فوجد، وأجيب بأن هذا مبني على أن القدرة الحادثة مؤثرة وهو ممنوع وعلى
~~تقدير تسليمه يقال: إيجاد الموجود بذلك الوجود الذي هو أثر ذلك الإيجاد
~~جائز بمعنى أن يكون ذلك الوجود الذي هو به موجود في زمان الإيجاد مستندا
~~إلى الموجد ومتفرعا على إيجاده، والمستحيل هو إيجاد الموجود بوجود آخر
~~وتحقيقه أن التأثير مع حصول الأثر بحسب الزمان، وإن كان متقدما عليه
~~بحسب الذات وهذا التقدم هو المصحح لاستعمال الفاء بينهما.

# الثاني: إن جاز تعلق القدرة حال الحدوث يلزم القدرة على الباقي حال
~~بقائه والتالي باطل، بيان الملازمة أن المانع من تعلق القدرة به ليس إلا
~~كونه ms01376 متحقق الوجود والحادث حال حدوثه متحقق الوجود أيضا، وأجيب بأنا
~~نلتزمه لدوام وجوده بدوام تعلق القدرة به أو نفرق بما يبطل به الملازمة
~~من احتياج الموجود عن عدمه إلى المقتضى دون الباقي فلو لم تتعلق القدرة
~~بالأول لبقي على عدمه وقد فرض وجوده هذا خلف، ولو لم تتعلق بالثاني لبقي
~~على الوجود وهو المطابق للواقع، أو ننقض الدليل أولا: بتأثير العلم أو
~~العالمية بالاتفاق فإن ذلك مشروط حال حدوث الفعل دون بقائه، وثانيا:
~~بتأثير الفعل في كون الفاعل فاعلا فإن الفعل مؤثر في ذلك حال الحدوث
~~وبتقدير كون الفعل باقيا لا يؤثر حال البقاء، وثالثا: بمقارنة الإرادة
~~إذ يوجبونها حال الحدوث دون البقاء فكذا الحال في القدرة.

# / الثالث: إن كون القدرة مع الفعل يوجب حدوث قدرة الله تعالى أو قدم
~~مقدوره وكلاهما باطلان بل قدرته أزلية وتعلقها في الأزل بمقدوراته فقد
~~ثبت تعلق القدرة بمقدوراتها قبل الحدوث ولو كان ممتنعا في القدرة
~~الحادثة لكان ممتنعا في القدرة القديمة وليس فليس، وأجيب بأن القدرة
~~القديمة الباقية مخالفة في الماهية للقدرة الحادثة التي لا يجوز بقاؤها
~~عندنا فلا يلزم من جواز تقدمها على الفعل جواز تقدم الحادثة عليه ثم إن
~~القديمة متعلقة في الأزل بالفعل تعلقا معنويا لا يترتب عليه وجود الفعل
~~ولها تعلق آخر به حال حدوثه موجب لوجوده فلا يلزم من قدمها مع تعلقها
~~المعنوي قدم آثارها.

# الرابع: إنه يلزم على ذلك التقدير أن لا يكون الكافر في زمان كفره
~~مكلفا بالإيمان لأنه غير مقدور له في تلك الحالة المتقدمة عليه بل نقول:
~~يلزم أن لا يتصور عصيان من أحد إذ مع الفعل لا عصيان وبدونه لا قدرة فلا
~~تكليف، فلا عصيان، وأيضا أقوى أعذار المكلف التي يجب قبولها لدفع
~~المؤاخذة عنه هو كون ما كلف به غير مقدور له فإذا لم يكن قادرا على
~~الفعل قبله وجب رفع المؤاخذة عنه بعدم الفعل المكلف به وهو باطل بإجماع
~~الأمة، وأيضا لو جاز تكليف الكافر بالإيمان مع كونه غير مقدور له ms01377 فليجز
~~تكليفه بخلق الجواهر والأعراض، وأجيب بأنه يجوز تكليف المحال عندنا
~~فيلتزم جواز التكليف بالخلق المذكور، ولنا أن نفرق بأن ترك الإيمان إنما
~~هو بقدرته بخلاف عدم الجواهر والأعراض فإنه ليس مقدورا له أصلا فلا
~~يلزم من جواز التكليف بالإيمان جواز التكليف بخلقها، وبالجملة فكون الشيء
~~مقدورا الذي هو شرط التكليف عندنا أن يكون الشيء أو ضده متعلقا للقدرة،
~~وهذا حاصل في الإيمان لأن تركه لتلبسه بضده مقدور له حال كفره بخلاف
~~إحداث الجواهر والأعراض فإنه غير مقدور له أصلا لا فعلا ولا تركا فلا
~~يجوز التكليف به، وأما ما ذكر من قضية الأعذار ووجوب قبولها فمبني على
~~قاعدة التحسين والتقبيح العقليين وقد أقيمت الأدلة على بطلانهما في محله
~~كذا في «المواقف» و «شرحه».

# ودليل ما شاع عن الأشعري قيل: هو أن القدرة عرض يخلقه الله تعالى في
~~الحيوان يفعل به الأفعال الاختيارية فيجب أن تكون مقارنة للفعل بالزمان
~~لا سابقة عليه وإلا لزم وقوع الفعل بلا قدرة لما برهن عليه من امتناع
~~بقاء الأعراض؛ واعترض عليه بما في أدلة امتناع بقاء الأعراض من النظر
~~القوي وأنه قد يقال على تقدير تسليم الامتناع المذكور لا نزاع في إمكان
~~تجدد الأمثال عقيب الزوال فمن أين يلزم وقوع الفعل بدون القدرة؟ وأجيب
~~بأنا إنما ندعي لزوم ذلك إذا كانت القدرة التي بها الفعل هي القدرة
~~السابقة، وأما إذا جعلتموها المثل المتجدد المقارن فقد اعترفتم بأن
~~القدرة التي بها الفعل لا تكون إلا مقارنة، ثم إن ادعيتم أنه لا بد لها
~~من أمثال تقع حتى لا يمكن الفعل بأول ما يحدث من القدرة فعليكم البيان.
~~وفيه أن هذا قول بأن نفي وجود المثل السابق ليس داخلا في دعوى الأشعري
~~وهو خلاف ما علم مما تقدم في تقرير مذهبه، وذكر في «المواقف» دليلا آخر
~~للأشعري على ما ادعاه ونظر فيه أيضا.

#  هذا كلامهم  والحق عندي في هذه المسألة أن شرط التكليف هو القوة التي
~~تصير مؤثرة بإذن الله تعالى عند انضمام الإرادة التابعة لإرادة ms01378 الله
~~تعالى لقوله سبحانه:

# لا يكلف الله نفسا إلا وسعها

# [البقرة: 286] وإيضاحه أنه تعالى كما أنه غني بالذات عن العالمين كذلك
~~حكيم جواد وكما أن غناه الذاتي أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد كذلك مقتضى
~~جوده ورحمته مراعاة ما اقتضته حكمته سبحانه كما أشار إليه العضد في «عيون
~~الجواهر»، وأطال الكلام فيه أبو عبد الله الدمشقي في «شفاء العليل»./ ومن
~~المعلوم أن الحكمة لا تقتضي أن يؤمر بالفعل من لا يقدر على الامتثال
~~وينهى عنه من لا يقدر على الاجتناب فلا بد بمقتضى الحكمة التي رعاها
~~سبحانه فيما خلق وأمر فضلا ورحمة أن يكون التكليف بحسب الوسع وإذا كان
~~كذلك كان شرط التكليف هو القوة التي تصير مؤثرة إذا انضم إليها الإرادة
~~وهذه قبل الفعل، والقدرة التي هي مع الفعل هي القدرة المستجمعة لشرائط
~~التأثير التي من جملتها انضمام الإرادة إليها، وبهذا جمع الإمام الرازي 
~~كما في «المواقف»  بين مذهب الأشعري القائل بأن القدرة مع الفعل،
~~والمعتزلة القائلين بأنها قبله، وقال: لعل الأشعري أراد بالقدرة القوة
~~المستجمعة لشرائط التأثير فلذلك حكم بأنها مع الفعل وأنها لا تتعلق
~~بالضدين، والمعتزلة أرادوا بالقدرة مجرد القوة العضلية فلذلك قالوا
~~بوجودها قبل الفعل وتعلقها بالأمور المتضادة وهو جمع صحيح، وقول السيد
~~قدس سره  في توجيه البحث الذي ذكره صاحب «المواقف» فيه بأن القدرة
~~الحادثة ليست مؤثرة عند الشيخ فكيف يصح أن يقال: إنه أراد بالقدرة القوة
~~المستجمعة لشرائط التأثير  مدفوع بما تبين في «الإبانة» التي هي آخر
~~مصنفاته.

# والمعتمد من كتبه كما صرح به ابن عساكر والمجد بن تيمية وغيرهما أن
~~الشيخ قائل بالتأثير للقدرة المستجمعة للشرائط لكن لا استقلالا كما
~~يقوله المعتزلة بل بإذن الله تعالى وهو معنى الكسب عنده، وأما قوله في
~~شرح المواقف»: إن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها
~~ليس لقدرتهم تأثير فيها بل الله تعالى أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة
~~واختيارا فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنا لهما
~~فيكون فعل ms01379 العبد مخلوقا لله تعالى إبداعا وإحداثا ومكسوبا للعبد،
~~والمراد بكسبه إياه مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه
~~تأثير ومدخل في وجوده سوى كونه محلا له، وهو مذهب الشيخ أبي الحسن
~~الأشعري، ففيه بحث من وجوه:

# أما أولا: فلأن هذا ليس مذهب الشيخ المذكور في آخر تصانيفه التي استقر
~~عليها الاعتماد وذكره في غيره إن سلم لا يعول عليه لكونه مرجوحا مرجوعا
~~عنه وأما ثانيا: فلأن التكليف في صرائح الكتاب والسنة إنما تعلق أمرا
~~أو نهيا بالأفعال الاختيارية أنفسها لا بمقارنة القدرة والإرادة لها
~~فمكسوب العبد نفس الفعل الاختياري، والمراد بكسبه إياه تحصيله إياه
~~بتأثير قدرته بإذن الله تعالى لا مستقلا، فالقول بأن المراد بكسب العبد
~~للفعل هو مقارنة الفعل لقدرته وإرادته من غير تأثير لا يوافق ما اقتضاه
~~صرائح الكتاب والسنة ونصوص «الإبانة»، ويزيده وضوحا حديث أبي هريرة
~~«أنه

# " لما نزل { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه
~~يحاسبكم به الله } [البقرة: 284] اشتد ذلك على أصحاب رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جثوا على
~~الركب فقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام
~~والجهاد والصدقة وقد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها "

# الحديث فإنه صريح بأن الذي كلفوا به ما يطيقونه من نفس الأعمال وهو نفس
~~الصلاة وأخواتها لا مقارنتها لقدرتهم وإرادتهم وأقرهم صلى الله عليه وسلم
~~على ذلك وأما ثالثا: فلأن مقارنة الفعل لقدرة العبد وإرادته لو كانت هي
~~الكسب لكانت هي المكلف بها ولو كانت كذلك لكان التكليف بما لا يطاق
~~واقعا لأن المقارنة أمر يترتب على فعل الله تعالى أي على إيجاد الله
~~تعالى الفعل الاختياري مقارنا لهما وما يترتب على فعل الله تعالى ليس
~~مقدورا للعبد أصلا لأن معنى كون الشيء مقدورا له أن يكون ممكن الإيقاع
~~بقدرته عند تعلق مشيئته به الموافقة لمشيئة الله تعالى كما هو واضح من
~~حديث

# " من كظم غيظه وهو قادر على أن ينفذه "

# وما يترتب على ms01380 فعل الله تعالى لا يكون مقدورا للعبد بهذا المعنى إذ لو
~~كان مقدورا له ابتداءا / لزم أن لا يكون مترتبا على فعل الله تعالى أو
~~بواسطة لزم أن يكون فعل الله تعالى المترتب عليه هذا مقدورا للعبد
~~واللازم باطل بشقيه بعد القول بنفي التأثير أصلا فكذا الملزوم وأما
~~رابعا: فلأن المقارنة لكونها مترتبة على فعل الله تعالى لا تختلف
~~بالنسبة إلى العبد صعوبة وسهولة فلو كانت هي المكلف بها لاستوى بالنسبة
~~إلى العبد التكليف بأشق الأعمال والتكليف بأسهلها مع أن نص الكتاب
~~التكليف بحسب الوسع ونص السنة أن المملوك لا يكلف إلا ما يطيق شاهدان على
~~التفاوت كما أن البديهة تشهد بذلك، واعترض هذا من وجوه الأول: أن القول
~~بأن من المعلوم أن الحكمة لا تقتضي أن يؤمر بالفعل من لا يقدر على
~~الامتثال يقتضي أن أفعال الله تعالى وأحكامه لا بد فيها من حكمة ومصلحة
~~وهو مسلم لكن لا نسلم أنه لا بد أن تظهر هذه المصلحة لنا إذ الحكيم لا
~~يلزمه اطلاع من دونه على وجه الحقيقة  كما قاله القفال في «محاسن
~~الشريعة»  وحينئذ فما المانع من أن يقال هناك مصلحة لم نطلع عليها،
~~ويجاب بأنا لم ندع سوى أن الله تعالى قد راعى الحكمة فيما أمر وخلق
~~تفضلا ورحمة لا وجوبا وهذا ثابت بقوله تعالى:

# صنع الله الذى أتقن كل شىء

# [النمل: 88] وقوله سبحانه:

# أحسن كل شىء خلقه

# [السجدة: 7] وبالإجماع المعصوم عن الخطأ بفضل الله تعالى وإن مقتضى
~~الحكمة أن لا يطلب حصول شيء إلا ممن يتمكن منه ويقدر عليه كما تشهد له
~~النصوص ولم ندع وجوب ظهور وجه الحكمة في جميع أفعاله وأحكامه ولا ما
~~يستلزم ذلك وبيان وجه الحكمة لحكم واحد لا يستلزم دعوى الكلية ويؤول هذا
~~إلى أن الله تعالى أطلعنا على الحكمة في هذا مع عدم وجوب الاطلاع عليه.

# والثاني: أن القول بأن التكليف في صرائح الكتاب والسنة إنما تعلق الخ
~~فيه أنه ليس المراد مطلق المقارنة بل المقارنة على جهة التعلق فالكسب ms01381
~~عبارة عن تعلق القدرة الحادثة بالمقدور من غير تأثير كما في عبارة غير
~~واحد، فالأوامر والنواهي متعلقة بالأفعال التي هي اختيارية في الظاهر
~~باعتبار هذا التعلق الذي لا تأثير معه وادعاء أنها صرائح في التعلق مع
~~التأثير ممنوع بل هي محتملة ولو سلم أنها ظاهرة في التأثير، فالظاهر قد
~~يعدل عنه لدليل خلافه، والقول بأنا لا نفهم من تعلق القدرة إلا تأثيرها
~~وإلا فليست بقدرة، فكيف يثبت للقدرة تعلق بلا تأثير سؤال مشهور وجوابه:
~~ما في «شرح المواقف» وغيره من أن التأثير من توابع القدرة، وقد ينفك عنها
~~ويجاب بأن تفسير الكسب  بالتعلق الذي لا تأثير معه مرادا به التحصيل
~~بحسب ظاهر الأمر فقط  مصادم للنصوص الناطقة بأن العبد متمكن من إيجاد
~~أفعاله الاختيارية بإذن الله تعالى، ولا دليل على خلافه يوجب العدول، و

# الله خلق كل شىء

# [الرعد: 16] لا ينافي التأثير بالإذن على أن تعلق القدرة تابع للإرادة
~~وتعلقها على القول بنفي التأثير بالكلية غير صحيح كما يشير إليه كلام
~~الجلال الدواني في بيان مبادىء الأفعال الاختيارية، ويوضحه كلام حجة
~~الإسلام الغزالي في كتاب التوحيد والتوكل من «الإحياء»، وأما ما في «شرح
~~المواقف» وغيره من أن التأثير قد ينفك عن القدرة فنحن نقول به إذ ما شاء
~~الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن وإنما الإنكار على نفي التأثير بالكلية
~~عن القدرة الحادثة والاستدلال بما ذكره حجة الإسلام في «الاقتصاد» من أن
~~القدرة الأزلية متعلقة في الأزل بالحادث ولا حادث فصح التعلق ولا تأثير،
~~ويجوز أن تكون القدرة الحادثة كذلك مجاب عنه بأن القدرة لا تؤثر إلا على
~~وفق الإرادة والإرادة تعلقت أزلا بإيجاد الأشياء بالقدرة في أوقاتها
~~اللائقة بها في الحكمة فعدم تأثيرها قبل الوقت لكونها مؤثرة على وفق
~~الإرادة لا مطلقا فلا يجب تأثيرها قبل الوقت ويجب تأثيرها فيه والقدرة
~~الحادثة على القول بنفي تأثيرها بالكلية لا يصدق عليها أنها تؤثر وفق
~~الإرادة فلا يصح قياسها على القديمة./ والحاصل: إن كل تعلق للقديمة على
~~وفق الإرادة ms01382 لا ينفك عنه التأثير في وقته بخلاف الحادثة فإنه لا تأثير
~~لها أصلا على القول بنفي التأثير عنها كليا فلا تعلق لها بالتأثير على
~~وفق الإرادة.

# والثالث: أن القول في الاعتراض الثالث أنه لو كانت كذلك لكان التكليف
~~بما لا يطاق واقعا الخ يقال عليه: نلتزم وقوعه عند الأشعري ولا محذور
~~فيه، ويجاب بأنه قد حقق في موضعه أن الإمام الأشعري لم ينص على ذلك ولا
~~يصح أخذه من كلامه فالتزام وقوعه عنده التزام ما لم يقل به لا صريحا ولا
~~التزاما. والقول بأنه لا محذور فيه إنما يصح بالنظر إلى الغنى الذاتي
~~وأما بالنظر إلى أنه تعالى جواد حكيم فالتزامه مصادمة للنص وأي محذور
~~أشنع من هذا.

# والرابع: أن القول هناك أيضا أن المقارنة لو كانت هي الكسب لكانت هي
~~المكلف بها غير لازم فإن الكسب يطلق على المعنى المصدري ويطلق على
~~المفعول أي المكسوب وهو نفس الأمر لا الكسب بمعنى المقارنة أو تعلق
~~القدرة الحادثة بالفعل فمعنى كسب تعلقت قدرته بالفعل، وإن شئت قلت: قارنت
~~قدرته الفعل فكان الفعل مكسوبا وهو المكلف به، ويجاب بأن الكسب الحقيقي
~~الوارد في الكتاب والسنة معناه تحصيل العبد ما تعلقت به إرادته التابعة
~~لإرادة الله تعالى بقدرته المؤثرة بإذنه وإن مكسوبه ما حصله بقدرته
~~المذكورة فمعنى كون الفعل المكسوب مكلفا به هو أن العبد المكلف مطلوب
~~منه تحصيله بالكسب بالمعنى المصدري لأن المكسوب هو الحاصل بالمصدر فإذا
~~كان المكسوب مكلفا به كان الكسب بالمعنى المصدري مكلفا به قطعا
~~لامتناع حصول المكسوب من غير قيام المعنى المصدري بالمكلف ضرورة انتفاء
~~الحاصل بالمصدر عند انتفاء قيام المصدر بالمكلف فظهرت الملازمة في
~~الشرطية.

# والخامس: إن القول في الاعتراض أن المقارنة لكونها أمرا مترتبا على
~~فعل الله تعالى لا تختلف الخ، فيه أمران: الأول: أنا لا نسلم التلازم بين
~~كون المقارنة هي المكلف بها وبين عدم الاختلاف وأي مانع من أن تكون
~~مختلفة باعتبار أحوال الشخص عندها فتارة يخلق الله تعالى فيه صبرا
~~وعزما وتارة جزعا ms01383 وفتورا إلى غير ذلك مما يرجع إلى سلامة البنية
~~ومقابله أو غيرهما من الأعراض والأحوال التي يخلقها الله تعالى ويصرف
~~عبده فيها كيف شاء مما يوجب ألما أو لذة. الثاني: إن ما ذكرتموه مشترك
~~الإلزام إذ يقال إذا كانت قدرة العبد مؤثرة بإذن الله تعالى فبأي وجه وقع
~~الاختلاف حتى كان هذا سهلا وهذا صعبا وكلاهما مقدور وهما متساويان في
~~الإمكان.

# ويجاب أما عن الأول: بأن التلازم بين كونها مترتبة على فعل الله تعالى
~~وبين عدم اختلافها متحقق لأنها إذا كانت الكسب بالمعنى المصدري كانت
~~تحصيلا للمكسوب والتحصيل لكونه قائما بالمكلف تتفاوت درجاته صعوبة
~~وسهولة قطعا ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:

# " صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب "

# والمقارنة لكونها أمرا مرتبا على فعل الله تعالى ليست قائمة بالعبد
~~فلا تتفاوت بالنسبة إليه أصلا، والإيراد بتجويز اختلافها بكون بعضها
~~بخلق الله تعالى عنده صبرا في العبد الخ خارج عن المقصود لأن العبارة
~~صريحة في أن المقصود عدم اختلافها بالنسبة إلى العبد صعوبة وسهولة لا
~~مطلق الاختلاف، وأما عن الثاني: فبأنه قد دلت النصوص على تفاوت درجات
~~القوة والبطش كقوله تعالى:

# كانوا أكثر منهم وأشد قوة

# [غافر: 82] وقوله سبحانه:

# كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة
~~وآثارا

# [غافر: 21] وقوله عز شأنه:

# فأهلكنا أشد منهم بطشا

# [الزخرف: 8] وباختلاف درجات ذلك في الأقوياء التابع لاستعداداتهم
~~الذاتية الغير المجعولة وقع الاختلاف في الأعمال صعوبة وسهولة، هذا ما
~~ظفرنا به من تحقيق الحق من كتب ساداتنا قدس الله تعالى أسرارهم وجعل أعلى
~~الفردوس قرارهم، / وإنما استطردت هذا المبحث هنا مع تقدم إشارات جزئية
~~إلى بعض منه لأنه أمر مهم جدا لا تنبغي الغفلة عنه فاحفظه فإنه من بنات
~~الحقاق لا من حوانيت الأسواق، والله تعالى الموفق لا رب غيره.

# { ومن كفر فإن الله غنى عن العلمين } يحتمل أن
~~يراد بمن كفر من لم يحج وعبر عن ترك الحج بالكفر تغليظا وتشديدا على
~~تاركه كما وقع مثل ذلك فيما ms01384 أخرجه سعيد بن منصور وأحمد وغيرهما عن أبي
~~أمامة من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه مرض حابس أو سلطان جائر أو حاجة
~~ظاهرة فليمت على أي حالة شاء يهوديا أو نصرانيا "

# ومثله ما روي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال:
~~لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فلينظروا كل من كان له جدة فلم
~~يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين، ويحتمل إبقاء
~~الكفر على ظاهره بناءا على ما أخرج ابن جرير وعبد بن حميد وغيرهما عن
~~عكرمة «أنه

# " لما نزلت { ومن يبتغ غير الإسلم دينا } [آل عمران:
~~85] الآية قال اليهود: فنحن مسلمون فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:
~~إن الله تعالى فرض على المسلمين حج البيت فقالوا لم يكتب علينا وأبوا أن
~~يحجوا "

# فنزل { ومن كفر } » الآية. ومن طريق الضحاك أنه لما نزلت آية الحج

# " جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الملل مشركي العرب والنصارى
~~واليهود والمجوس والصابئين فقال: إن الله تعالى قد فرض عليكم الحج فحجوا
~~البيت فلم يقبله إلا المسلمون وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به ولا
~~نصلي إليه ولا نستقبله "

# فأنزل الله سبحانه { ومن كفر } الخ وإلى إبقائه على ظاهره ذهب ابن
~~عباس، فقد أخرج البيهقي عنه أنه قال في الآية: { ومن كفر } بالحج
~~فلم ير حجه برا ولا تركه مأثما، وروى ابن جرير أن الآية لما نزلت

# " قام رجل من هذيل فقال: يا رسول الله من تركه كفر؟ قال: «من تركه لا
~~يخاف عقوبته ومن حج لا يرجو ثوابه فهو ذاك "

# ، وعلى كلا الاحتمالين لا تصلح الآية دليلا لمن زعم أن مرتكب الكبيرة
~~كافر، و { من } تحتمل أن تكون شرطية وهو الظاهر وأن تكون موصولة، وعلى
~~الاحتمالين استغنى فيما بعد الفاء عن الرابط بإقامة الظاهر مقام المضمر
~~إذ الأصل فإن الله غني عنهم.

# ويجوز أن يبقى الجمع على عمومه ويكتفى عن الضمير ms01385 الرابط بدخول المذكورين
~~فيه دخولا أوليا والاستغناء في هذا المقام كناية عن السخط على ما قيل،
~~ولهذا صح جعله جزاءا وإن أبيت فهو دليله.

# وفي الآية  كما قالوا  فنون من الاعتبارات المعربة عن كمال الاعتناء
~~بأمر الحج والتشديد على تاركه ما لا مزيد عليه، وعدوا من ذلك إيثار صيغة
~~الخبر وإبرازها في صورة الجملة الاسمية الدالة على الثبات والدوام على
~~وجه يفيد أنه حق واجب لله تعالى في ذمم الناس وتعميم الحكم أولا وتخصيصه
~~ثانيا وتسمية ترك الحج كفرا من حيث إنه فعل الكفرة وذكر الاستغناء
~~والعالمين. وذكر الطيبي أن في تخصيص اسم الذات الجامع وتقديم الخبر
~~الدلالة على أن ذلك عبادة لا ينبغي أن تختص إلا بمعبود جامع للكمالات
~~بأسرها وأن في إقامة المظهر وهو البيت مقام المضمر بعد سبقه منكرا
~~المبالغة في وصفه أقصى الغاية كأنه رتب الحكم على الوصف المناسب؛ وكذا في
~~ذكر الناس بعد ذكره معرفا الإشعار بعلية الوجوب وهو كونهم ناسا، وفي
~~تذييل { ومن كفر فإن الله غنى عن العلمين } لأنها
~~في المعنى تأكيد الإيذان بأن ذلك هو الإيمان على الحقيقة وهو النعمة
~~العظيمة وأن مباشره مستأهل لأن الله تعالى بجلالته وعظمته يرضى عنه رضا
~~كاملا كما كان ساخطا على تاركه سخطا عظيما، وفي تخصيص هذه العبادة
~~وكونها مبينة لملة إبراهيم عليه السلام بعد الرد على أهل الكتاب فيما سبق
~~من الآيات والعود إلى ذكرهم بعد خطب جليل وشأن خطير لتلك العبادة
~~العظيمة، واستأنس بعضهم لكونه عبادة عظيمة بأنه من الشرائع القديمة
~~بناءا على ما روي أن آدم عليه السلام حج أربعين سنة من الهند ماشيا وأن
~~جبريل قال له: إن الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت سبعة آلاف سنة؛
~~وادعى ابن إسحق أنه لم يبعث الله تعالى نبيا بعد إبراهيم إلا حج، والذي
~~صرح به غيره أنه ما من نبي إلا حج خلافا لمن استثنى هودا وصالحا
~~عليهما الصلاة والسلام، وفي وجوبه على من قبلنا وجهان قيل: الصحيح أنه لم
~~يجب إلا علينا واستغرب، ms01386 وادعى جمع أنه أفضل العبادات لاشتماله على المال
~~والبدن، وفي وقت وجوبه خلاف فقيل: قبل الهجرة، وقيل: أول سنيها وهكذا إلى
~~العاشرة وصحح أنه في السادسة، نعم حج صلى الله عليه وسلم قبل النبوة
~~وبعدها وقبل الهجرة حججا لا يدرى عددها والتسمية مجازية باعتبار الصورة
~~بل قيل ذلك في حجة الصديق رضي الله تعالى عنه أيضا في التاسعة لكن الوجه
~~خلافه لأنه صلى الله عليه وسلم لا يؤمر إلا بحج شرعي، وكذا يقال في
~~الثامنة التي أمر فيها عتاب بن أسيد أمير مكة وبعد ذلك حجة الوداع لا
~~غير.

### || [3.98]

# { قل يأهل الكتب لم تكفرون بئايت الله }
~~خاطبهم بعنوان أهلية الكتاب الموجبة للإيمان به وبما يصدقه مبالغة في
~~تقبيح حالهم في تكذيبهم بذلك والاستفهام للتوبيخ والإشارة إلى تعجيزهم عن
~~إقامة العذر في كفرهم كأنه قيل: هاتوا عذركم إن أمكنكم. والمراد من
~~الآيات مطلق الدلائل الدالة على نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم وصدق
~~مدعاه الذي من جملته الحج وأمره به، وبه تظهر مناسبة الآية لما قبلها،
~~وسبب نزولها ما أخرجه ابن إسحق وجماعة عن زيد بن أسلم قال: مر شاس بن
~~قيس وكان شيخا قد عسا في الجاهلية عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين
~~شديد الحسد لهم على نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأوس
~~والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم
~~وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية
~~فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد والله ما لنا معهم إذا اجتمع
~~ملؤهم بها من قرار فأمر فتى شابا معه من يهود فقال: اعمد إليهم فاجلس
~~معهم ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه
~~من الأشعار، وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر
~~فيه للأوس على الخزرج ففعل، فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى
~~تواثب رجلان من الحيين على الركب  أوس بن قيظي أحد ms01387 بني حارثة من الأوس
~~وهبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج  فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن
~~شئتم والله رددناها الآن [جذعة] وغضب الفريقان جميعا وقالوا قد فعلنا
~~السلاح السلاح موعدكم الظاهرة  والظاهرة الحرة  فخرجوا إليها وانضمت
~~الأوس بعضها إلى بعض والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها
~~في الجاهلية فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه
~~من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال:

# " يا معشر المسلمين الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم
~~بعد إذ هداكم الله تعالى إلى الإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر
~~الجاهلية واستنقذكم به من الكفر وألف به بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه
~~كفارا "

# فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد لهم من عدوهم فألقوا السلاح من
~~أيديهم وبكوا وعانق الرجال بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم سامعين مطيعين قد أطفأ الله تعالى عنهم كيد عدو الله تعالى
~~شاس، وأنزل الله تعالى في شأن شاس وما صنع { قل يأهل الكتب
~~لم تكفرون } إلى قوله سبحانه:/ { وما الله بغفل عما
~~تعملون } [آل عمران: 98-99] وأنزل في أوس بن قيظي وهبار ومن كان
~~معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا

# يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا

# [آل عمران: 149] الآية، وعلى هذا يكون المراد من أهل الكتاب ظاهرا
~~اليهود. وقيل: المراد منه ما يشمل اليهود والنصارى.

# { والله شهيد على ما تعملون } جملة حالية العامل فيها {
~~تكفرون } وهي مفيدة لتشديد التوبيخ والإظهار في موضع الإضمار لما
~~مر غير مرة والشهيد العالم المطلع، وصيغة المبالغة للمبالغة في الوعيد
~~وجعل الشهيد بمعنى الشاهد تكلف لا داعي إليه، و { ما } إما عبارة عن
~~كفرهم، وإما على عمومها وهو داخل فيها دخولا أوليا والمعنى لأي سبب
~~تكفرون، والحال أنه لا يخفى عليه بوجه من الوجوه جميع أعمالكم وهو
~~مجازيكم عليها على أتم وجه ولا مرية في أن هذا مما يسد عليكم طرق الكفر
~~والمعاصي ويقطع أسباب ذلك أصلا.

### || [3.99] ms01388

# { قل يأهل الكتب لم تصدون } أي تصرفون { عن سبيل
~~الله } أي طريقه الموصلة إليه وهي ملة الإسلام { من ءامن } أي
~~بالله وبما جاء من عنده أو من صدق بتلك السبيل وآمن بذلك الدين بالفعل أو
~~بالقوة القريبة منه بأن أراد ذلك وصمم عليه وهو مفعول لتصدون قدم عليه
~~الجار للاهتمام به { تبغونها } أي السبيل { عوجا } أي اعوجاجا
~~وميلا عن الاستواء ويستعمل مكسور العين في الدين والقول والأرض، ومنه

# لا ترى فيها عوجا ولا أمتا

# [طه: 107] ويستعمل المفتوح في ميل كل شيء منتضب كالقناة والحائط مثلا
~~وهو أحد مفعولي  تبغون  فإن بغى يتعدى لمفعولين أحدهما: بنفسه والآخر:
~~باللام كما صرح به اللغويون وتعديته للهاء من باب الحذف والإيصال أي
~~تبغون لها كما في قوله:

# فتولى غلامهم ثم نادى

# أظليما أصيدكم أم حمارا

# أراد أصيد لكم، وقال ابن المنير: «الأحسن جعل الهاء مفعولا من غير حاجة
~~إلى تقدير الجار، و { عوجا } حال وقع موقع الاسم مبالغة كأنهم طلبوا
~~أن تكون الطريقة القويمة نفس المعوج»، وادعى الطيبي أن فيه نظرا إذ لا
~~يستقيم المعنى إلا على أن يكون { عوجا } هو المفعول به لأنه مطلوبهم
~~فلا بد من تقدير الجار وفيه تأمل، وقيل: { عوجا } حال من فاعل 
~~تبغون  والكلام فيه كالكلام في سابقه، وجملة  تبغون  على كل حال إما
~~حال من ضمير { تصدون } أو من  السبيل  وإما مستأنفة جيء بها
~~كالبيان لذلك الصد، والأكثرون على أنه كان بالتحريش والإغراء بين
~~المؤمنين لتختلف كلمتهم ويختل أمر دينهم كما دل عليه ما أوردناه في بيان
~~سبب النزول فعلى هذا يكون المراد بأهل الكتاب هم اليهود أيضا، والتعبير
~~عنهم بهذا العنوان لما تقدم وإعادة الخطاب والاستفهام مبالغة في التقريع
~~والتوبيخ لهم على قبائحهم وتفصيلها ولو قيل: لم تكفرون بآيات الله وتصدون
~~عن سبيل الله؟ لربما توهم أن التوبيخ على مجموع الأمرين، وقيل: الخطاب
~~لأهل الكتاب مطلقا وكان صدهم عن السبيل بهتهم وتغييرهم صفة النبي صلى
~~الله عليه وسلم  وإلى هذا ذهب الحسن وقتادة  وعن السدي كانوا إذا ms01389 سألهم
~~أحد هل تجدون محمدا في كتبكم؟ قالوا: لا فيصدونه عن الإيمان به وهذا ذم
~~لهم بالإضلال إثر ذمهم بالضلال. وقرىء { تصدون } من أصد.

# { وأنتم شهداء } حال إما من فاعل { تصدون } أو من فاعل 
~~تبغون  والاستنئاف خلاف الظاهر أي كيف تفعلون هذا وأنتم علماء عارفون
~~بتقدم البشارة به صلى الله عليه وسلم مطلعون/ على صحة نبوته أو وأنتم
~~عدول عند أهل ملتكم يثقون بأقوالكم ويستشهدونكم في القضايا وصفتكم هذه
~~تقتضي خلاف ما أنتم عليه { وما الله بغفل عما تعملون
~~} تهديد لهم على ما صنعوا قيل: لما كان كفرهم ظاهرا ناسب ذكر الشهادة
~~معه في الآية السابقة لأنها تكون لما يظهر ويعلم، أو ما هو بمنزلته 
~~وصدهم عن سبيل الله  وما معه لما كان بالمكر والحيلة الخفية التي تروج
~~على الغافل ناسب ذكر الغفلة معه في هذه الآية فلهذا ختم كلا من الآيتين
~~بما ختم.

### || [3.100]

# خطاب للأوس والخزرج على ما يقتضيه سبب النزول ويدخل غيرهم من المؤمنين
~~في عموم اللفظ، وخاطبهم الله تعالى بنفسه بعد ما أمر رسوله صلى الله عليه
~~وسلم بخطاب أهل الكتاب إظهارا لجلالة قدرهم وإشعارا بأنهم هم الأحقاء
~~بأن يخاطبهم الله تعالى ويكلمهم فلا حاجة إلى أن يقال المخاطب الرسول صلى
~~الله عليه وسلم بتقدير قل لهم. والمراد من الفريق بعض غير معين أو هو شاس
~~بن قيس اليهودي، وفي الاقتصار عليه مبالغة في التحذير ولهذا على ما قيل
~~حذف متعلق الفعل، وقال بعضهم: هو على معنى إن تطيعوهم في قبول قولهم
~~بإحياء الضغائن التي كانت بينكم في الجاهلية و { كفرين } إما مفعول
~~ثان ليردوكم على تضمين الرد معنى التصيير كما في قوله:

# رمى الحدثان نسوة آل سعد

# بمقدار سمدن له سمودا

# فرد شعورهن السود بيضا

# ورد وجوههن البيض سودا

# أو حال من مفعوله، قالوا: والأول: أدخل في تنزيه المؤمنين عن نسبتهم إلى
~~الكفر لما فيه من التصريح بكون الكفر المفروض بطريق القسر، و { بعد }
~~يجوز أن يكون ظرفا  ليردوكم  وأن يكون ظرفا  لكافرين  وإيراده مع ms01390
~~عدم الحاجة إليه لإغناء ما في الخطاب عنه واستحالة الرد إلى الكفر بدون
~~سبق الإيمان وتوسيطه بين المنصوبين لإظهار كمال شناعة الكفر وغاية بعده
~~من الوقوع إما لزيادة قبحه أو لممانعة الإيمان له كأنه قيل: بعد إيمانكم
~~الراسخ، وفي ذلك من تثبيت المؤمنين ما لا يخفى وقدم توبيخ الكفار على هذا
~~الخطاب لأن الكفار كانوا كالعلة الداعية إليه.

### || [3.101]

# { وكيف تكفرون } أي على أي حال يقع منكم الكفر { وأنتم
~~تتلى عليكم ءايت الله } الدالة على توحيده ونبوة نبيه
~~صلى الله عليه وسلم { وفيكم رسوله } يعني: محمدا صلى الله عليه
~~وسلم يعلمكم الكتاب والحكمة ويزكيكم بتحقيق الحق وإزاحة الشبه، والجملة
~~وقعت حالا من ضمير المخاطبين في { تكفرون } والمراد استبعاد أن يقع
~~منهم الكفر وعندهم ما يأباه. وقيل: المراد التعجيب أي لا ينبغي لكم أن
~~تكفروا في سائر الأحوال لا سيما في هذه الحال التي فيها الكفر أفظع منه
~~في غيرها؛ وليس المراد إنكار الواقع كما في

# كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا

# [البقرة: 28] الآية؛ وقيل: المراد بكفرهم فعلهم أفعال الكفرة كدعوى
~~الجاهلية فلا مانع من أن يكون الاستفهام لإنكار الواقع، والأول أولى وفي
~~الآية تأييس لليهود مما راموه، والأكثرون على تخصيص هذا الخطاب بأصحاب
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الأوس والخزرج منهم، ومنهم من جعله
~~عاما لسائر المؤمنين وجميع الأمة، وعليه معنى كونه صلى الله عليه وسلم
~~فيهم إن آثاره وشواهد نبوته فيهم لأنها باقية حتى يأتي أمر الله ولم يسند
~~سبحانه التلاوة إلى رسوله عليه الصلاة والسلام إشارة إلى استقلال كل من
~~الأمرين في الباب، وإيذانا بأن التلاوة كافية في الغرض من أي تال كانت.

# / { ومن يعتصم بالله } إما أن يقدر مضاف أي ومن يعتصم بدين
~~الله؛ والاعتصام بمعنى التمسك استعارة تبعية، وإما أن لا يقدر فيجعل
~~الاعتصام بالله استعارة للالتجاء إليه سبحانه قال الطيبي: وعلى الأول:
~~تكون الجملة معطوفة على { وأنتم تتلى عليكم } أي كيف
~~تكفرون أي والحال أن القرآن يتلى عليكم وأنتم عالمون بحال المعتصم به جل ms01391
~~شأنه، وعلى الثاني: تكون تذييلا لقوله تعالى:

# يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا

# [آل عمران: 100] الخ لأن مضمونه أنكم إنما تطيعونهم لما تخافون من
~~شرورهم ومكايدهم فلا تخافوهم والتجئوا إلى الله تعالى في دفع شرورهم ولا
~~تطيعوهم أما علمتم أن من التجأ إلى الله تعالى كفاه شر ما يخافه، فعلى
~~الأول: جيء بهذه الجملة لإنكار الكفر مع هذا الصارف القوي المفهوم من
~~قوله تعالى: { وأنتم تتلى عليكم } الخ، وعلى الثاني: للحث
~~على الالتجاء، ويحتمل على الأول التذييل، وعلى الثاني الحال أيضا فافهم،
~~و { من } شرطية.

# وقوله تعالى: { فقد هدى إلى صرط مستقيم } جواب الشرط
~~ولكونه ماضيا مع قد أفاد الكلام تحقق الهدى حتى كأنه قد حصل، قيل:
~~والتنوين للتفخيم ووصف الصراط بالاستقامة للتصريح بالرد على الذين يبغون
~~له عوجا، والصراط المستقيم وإن كان هو الدين الحق في الحقيقة والاهتداء
~~إليه هو الاعتصام به بعينه لكن لما اختلف الاعتباران وكان العنوان الأخير
~~مما يتنافس فيه المتنافسون أبرز في معرض الجواب للحث والترغيب على طريقة
~~قوله تعالى:

# فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز

# [آل عمران: 185] انتهى.

# وأنت تعلم أن هذا على ما فيه إنما يحتاج إليه على تقدير أن يكون المراد
~~من الاعتصام بالله الإيمان به سبحانه والتمسك بدينه كما قاله ابن جريج،
~~وأما إذا كان المراد منه الثقة بالله تعالى والتوكل عليه والالتجاء إليه
~~كما روي عن أبي العالية فيبعد الاحتياج، وعلى هذا يكون المراد من
~~الاهتداء إلى الصراط المستقيم النجاة والظفر بالمخرج، فقد أخرج الحكيم
~~الترمذي عن الزهري قال:

# " أوحى الله تعالى [إلى] داود عليه السلام ما من عبد يعتصم بي من دون
~~خلقي وتكيده السماوات والأرض إلا جعلت له من ذلك مخرجا، وما من عبد
~~يعتصم بمخلوق من دوني إلا قطعت أسباب السماء بين يديه وأسخت الأرض من تحت
~~قدميه ".

### || [3.102]

# { يأيها الذين ءامنوا } كرر الخطاب بهذا العنوان تشريفا
~~لهم ولا يخفى ما في تكراره من اللطف بعد تكرار خطاب الذين أوتوا الكتاب {
~~اتقوا الله حق تقاته } أي ms01392 حق تقواه، روى غير واحد عن ابن
~~مسعود موقوفا ومرفوعا هو أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا
~~يكفر، وادعى كثير نسخ هذه الآية وروي ذلك عن ابن مسعود. وأخرج ابن أبي
~~حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت اشتد على القوم العمل فقاموا حتى
~~ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم فأنزل الله تعالى تخفيفا على المسلمين

# فاتقوا الله ما استطعتم

# [التغابن: 16] فنسخت الآية الأولى، ومثله عن أنس وقتادة وإحدى الروايتين
~~عن ابن عباس، روى ابن جرير من بعض الطرق عنه أنه قال: لم تنسخ ولكن {
~~حق تقاته } أن يجاهدوا في الله حق جهاده ولا تأخذهم في الله تعالى
~~لومة لائم ويقوموا لله سبحانه بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم،
~~ومن قال بالنسخ جنح إلى أن المراد من { حق تقاته } ما يحق له
~~ويليق بجلاله وعظمته وذلك غير ممكن وما قدروا الله حق قدره، ومن قال بعدم
~~النسخ جنح إلى أن { حق } من حق الشيء بمعنى وجب وثبت، والإضافة من باب
~~إضافة الصفة إلى موصوفها وأن الأصل اتقوا الله اتقاءا حقا أي / ثابتا
~~وواجبا على حد ضربت زيد شديد الضرب تريد الضرب الشديد فيكون قوله تعالى:

# فاتقوا الله ما استطعتم

# [التغابن: 16] بيانا لقوله تعالى: { اتقوا الله حق تقاته
~~}.

# وادعى أبو علي الجبائي أن القول بالنسخ باطل لما يلزم عليه من إباحة بعض
~~المعاصي، وتعقبه الرماني بأنه إذا وجه قوله تعالى: { اتقوا الله
~~حق تقاته } على أن يقوموا بالحق في الخوف والأمن لم يدخل عليه ما
~~ذكره لأنه لا يمتنع أن يكون أوجب عليهم أن يتقوا الله سبحانه وتعالى على
~~كل حال، ثم أباح ترك الواجب عند الخوف على النفس كما قال سبحانه:

# إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمن

# [النحل: 106] وأنت تعلم أن ما ذكره الجبائي إنما يخطر بالبال حتى يجاب
~~عنه إذا فسر { حق تقاته } على تقدير النسخ بما فسره هو به من ترك
~~جميع المعاصي ونحوه وإن لم يفسر بذلك بل فسر بما جنح إليه القائل بالنسخ
~~فلا ms01393 يكاد يخطر ما ذكره ببال ليحتاج إلى الجواب، نعم يكون القول بإنكار
~~النسخ حينئذ مبنيا على ما ذهب إليه المعتزلة من امتناع التكليف بما لا
~~يطاق ابتداءا كما لا يخفى، وأصل تقاة وقية قلبت واوها المضمومة تاءا
~~كما في تهمة وتخمة وياؤها المفتوحة ألفا، وأجاز فيها الزجاج ثلاثة أوجه:
~~تقاة، ووقاة، وإقاة.

# { ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } أي مخلصون نفوسكم
~~لله عز وجل لا تجعلون فيها شركة لسواه أصلا، وذكر بعض المحققين أن
~~الإسلام في مثل هذا الموضع لا يراد به الأعمال بل الإيمان القلبي لأن
~~الأعمال حال الموت مما لا تكاد تتأتى ولذا ورد في دعاء صلاة الجنازة
~~اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن أمته منا فأمته على الإيمان
~~فأخذ الإسلام أولا والإيمان ثانيا لما أن لكل مقام مقالا، والاستثناء
~~[مفرغ] من أعم الأحوال أي لا تموتن على حال من الأحوال إلا على حال تحقق
~~إسلامكم وثباتكم عليه كما تفيده الجملة الاسمية، ولو قيل: إلا مسلمين لم
~~يقع هذا الموقع والعامل في الحال ما قبل { إلا } بعد النقض والمقصود
~~النهي عن الكون على حال غير حال الإسلام عند الموت، ويؤل إلى إيجاب
~~الثبات على الإسلام إلى الموت إلا أنه وجه النهي إلى الموت للمبالغة في
~~النهي عن قيده المذكور وليس المقصود النهي عنه أصلا لأنه ليس بمقدور لهم
~~حتى ينهوا عنه، وفي " التحبير " للإمام السيوطي: ومن عجيب ما اشتهر في
~~تفسير { مسلمون } قول العوام: أي متزوجون وهو قول لا يعرف له أصل
~~ولا يجوز الإقدام على تفسير كلام الله تعالى بمجرد ما يحدث في النفس أو
~~يسمع ممن لا عهدة عليه انتهى، وقرأ أبو عبد الله رضي الله تعالى عنه {
~~مسلمون } بالتشديد ومعناه مستسلمون لما أتى به النبي صلى الله
~~عليه وسلم منقادون له؛ وفي هذه الآية تأكيد للنهي عن إطاعة أهل الكتاب.

### || [3.103]

# { واعتصموا بحبل الله } أي القرآن وروى ذلك بسند صحيح عن
~~ابن مسعود. وأخرج غير واحد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ms01394 صلى
~~الله عليه وسلم:

# " كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض "

# وأخرج أحمد عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله عز وجل ممدود ما بين السماء والأرض
~~وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض "

# وورد بمعنى ذلك أخبار كثيرة وقيل: المراد بحبل الله الطاعة والجماعة،
~~وروي ذلك عن ابن مسعود أيضا. أخرج ابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن
~~ثابت بن قطنة المزني قال: سمعت ابن مسعود يخطب وهو يقول: أيها الناس
~~عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما حبل الله تعالى الذي أمر به، وفي رواية
~~عنه حبل الله تعالى الجماعة، وروي ذلك أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما وأبي العالية أنه الإخلاص لله تعالى وحده وعن الحسن / أنه طاعه
~~الله عز وجل وعن ابن زيد أنه الإسلام، وعن قتادة أنه عهد الله تعالى
~~وأمره وكلها متقاربة. وفي الكلام استعارة تمثيلية بأن شبهت الحالة
~~الحاصلة للمؤمنين من استظهارهم بأحد ما ذكر ووثوقهم بحمايته بالحالة
~~الحاصلة من تمسك المتدلي من مكان رفيع بحبل وثيق مأمون الانقطاع من غير
~~اعتبار مجاز في المفردات، واستعير ما يستعمل في المشبه به من الألفاظ
~~للمشبه، وقد يكون في الكلام استعارتان مترادفتان بأن يستعار الحبل للعهد
~~مثلا استعارة مصرحة أصلية والقرينة الإضافة، ويستعار الاعتصام للوثوق
~~بالعهد والتمسك به على طريق الاستعارة المصرحة التبعية والقرينة اقترانها
~~بالاستعارة الثانية، وقد يكون في { اعتصموا } مجاز مرسل تبعي بعلاقة
~~الإطلاق والتقييد، وقد يكون مجازا بمرتبتين لأجل إرسال المجاز وقد تكون
~~الاستعارة في الحبل فقط ويكون الاعتصام باقيا على معناه ترشيحا لها على
~~أتم وجه، والقرينة قد تختلف بالتصرف فباعتبار قد تكون مانعة وباعتبار آخر
~~قد لا تكون، فلا يرد أن احتمال المجازية يتوقف على قرينة مانعة عن إرادة
~~الموضع له فمع وجودها كيف يتأتى إرادة الحقيقة ليصح الأمران في { اعتصموا
~~} وقد تكون الاستعارتان غير مستقلتين بأن تكون الاستعارة في الحبل مكنية
~~وفي الاعتصام ms01395 تخييلية لأن المكنية مستلزمة للتخييلية قاله الطيبي، ولا
~~يخفى أنه أبعد من العيوق. وقد ذكرنا في «حواشينا على رسالة ابن عصام» ما
~~يرد على بعض هذه الوجوه مع الجواب عن ذلك فارجع إليه إن أردته.

# { جميعا } حال من فاعل { اعتصموا } كما هو الظاهر المتبادر أي
~~مجتمعين عليه فيكون قوله تعالى: { ولا تفرقوا } تأكيدا بناءا
~~على أن المعنى ولا تتفرقوا عن الحق الذي أمرتم بالاعتصام به، وقيل:
~~المعنى لا يقع بينكم شقاق وحروب كما هو مراد المذكرين لكم بأيام الجاهلية
~~الماكرين بكم، وقيل: المعنى لا تتفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وروي ذلك عن الحسن.

# { واذكروا نعمت الله عليكم } أي جنسها ومن ذلك الهداية
~~والتوفيق للإسلام المؤدي إلى التآلف وزوال الأضغان، ويحتمل أن يكون
~~المراد بها ما بينه سبحانه بقوله: { إذ كنتم أعدآء } أي في
~~الجاهلية { فألف بين قلوبكم } بالإسلام، و نعمة مصدر مضاف
~~إلى الفاعل، و { عليكم } إما متعلق به أو حال منه، و { إذ } إما
~~ظرف للنعمة أو للاستقرار في { عليكم } إذا جعلته حالا، قيل: وأراد
~~سبحانه بما ذكر ما كان بين الأوس والخزرج من الحروب التي تطاولت مائة
~~وعشرين سنة إلى أن ألف سبحانه بينهم بالإسلام فزالت الأحقاد  قاله ابن
~~إسحق  وكان يوم بعاث آخر الحروب التي جرت بينهم وقد فصل ذلك في
~~«الكامل»، وقيل: أراد ما كان بين مشركي العرب من التنازع الطويل والقتال
~~العريض ومنه حرب البسوس، ونقل ذلك عن الحسن رضي الله تعالى عنه {
~~فأصبحتم بنعمته إخوانا } أي فصرتم بسبب نعمته التي هي
~~ذلك التأليف متحابين  فأصبح  ناقصة، و { إخوانا } خبره، وقيل: {
~~أصبحتم } أي دخلتم في الصباح فالباء حينئذ متعلقة بمحذوف وقع حالا من
~~الفاعل وكذا إخوانا أي فأصبحتم متلبسين بنعمته حال كونكم إخوانا،
~~والإخوان جمع أخ وأكثر ما يجمع أخو الصداقة على ذلك على الصحيح، وفي
~~«الاتقان» الأخ في النسب جمعه إخوة وفي الصداقة إخوان، قاله ابن فارس 
~~وخالفه غيره  وأورد في الصداقة

# إنما المؤمنون إخوة

# [الحجرات: 10] وفي النسب

# أو إخوانهن أو ms01396 بنى إخوانهن

# [النور: 31]

# أو بيوت إخونكم

# [النور: 61].

# { وكنتم على شفا حفرة من النار } أي وكنتم على طرف
~~حفرة من جهنم إذ لم يكن بينكم وبينها إلا الموت وتفسير الشفا بالطرف
~~مأثور عن السدي في الآية ووارد عن العرب ويثنىا على شفوان ويجمع على
~~أشفاء ويضاف إلى الأعلى ك

# شفا جرف هار

# [التوبة: 109] وإلى الأسفل قيل: كما هنا وكون المراد من النار ما ذكرنا
~~هو الظاهر وحملها على نار الحرب بعيد { فأنقذكم منها } أي بمحمد
~~صلى الله عليه وسلم  قاله ابن عباس  والضمير المجرور عائد إما على {
~~النار } ، أو على حفرة أو على شفا لأنه بمعنى الشفة، أو لاكتسابه
~~التأنيث من المضاف إليه كما في قوله:

# وتشرق بالقول الذي قد أذعته

# كما شرقت صدر القناة من الدم

# فإن المضاف يكتسب التأنيث من المضاف إليه إذا كان بعضا منه أو فعلا له
~~أو صفة كما صرحوا به وما نحن فيه من الأول، ومن أطلق لزمه جواز قامت غلام
~~هند، واختار الزمخشري الاحتمال الأخير، وقال ابن المنير: «وعود الضمير
~~إلى الحفرة أتم لأنها التي يمتن بالانقاذ منها حقيقة، وأما الامتنان
~~بالانقاذ من الشفا قلما يستلزمه الكون على الشفا غالبا من الهوي إلى
~~الحفرة فيكون الانقاذ من الشفا إنقاذا من الحفرة التي يتوقع الهوي فيها
~~فإضافة المنة إلى الإنقاذ من الحفرة [تكون] أبلغ وأوقع مع أن اكتساب
~~التأنيث من المضاف إليه قد عده أبو علي في «التعاليق» من ضرورة الشعر
~~خلاف رأيه في «الإيضاح»، وما حمل الزمخشري على إعادة الضمير إلى الشفا
~~إلا أنه هو الذي كانوا عليه ولم يكونوا في الحفرة حتى يمتن عليهم
~~بالإنقاذ من الحفرة، وقد علم أنهم كانوا صائرين إليها [غالبا] لولا
~~الانقاذ الرباني (فبولغ في الامتنان بذلك) ألا ترى إلى قوله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه "

# وإلى قوله تعالى:

# أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان
~~خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار
~~فانهار به في نار جهنم

# [التوبة: 109] فانظر ms01397 كيف جعل تعالى كون البنيان على الشفا سبيا مؤديا
~~إلى انهياره في نار جهنم مع تأكيد ذلك بقوله سبحانه: { هار } » انتهى،
~~ومنه يعلم ما في قول أبي حيان [في البحر» 3/91]: من ((أنه لا يحسن عوده
~~إلا إلى الشفا لأن كينونتهم عليه هو أحد جزأي الإسناد فالضمير لا يعود
~~إلا إليه لا على الحفرة لأنها غير محدث عنها ولا على النار لأنه إنما جيء
~~بها لتخصيص الحفرة. وأيضا فالإنقاذ من الشفا أبلغ من الإنقاذ من الحفرة
~~ومن النار [لأن الإنقاد منه يستلزم الإنقاد من الحفرة ومن النار]،
~~والإنقاذ منهما لا يستلزم الانقاذ من الشفا فعوده على الشفا هو الظاهر من
~~حيث اللفظ ومن حيث المعنى)) نعم ما ذكره من أن عوده على الشفا هو الظاهر
~~من حيث اللفظ ظاهر بناءا على أن الأصل أن يعود الضمير على المضاف دون
~~المضاف إليه إذا صلح لكل منهما ولو بتأويل إلا أنه قد يترك ذلك فيعود على
~~المضاف إليه إما مطلقا  كما هو قول ابن المنير  أو بشرط كونه بعضه أو
~~كبعضه كقول جرير:

# أرى مر السنين (أخذن) مني

# فإن مر السنين من جنسها، وإليه ذهب الواحدي والشرط موجود فيما نحن فيه.

# { كذلك } أي مثل ذلك التبيين الواضح { يبين الله لكم
~~ءايته } أي دلائله فيما أمركم به ونهاكم عنه { لعلكم
~~تهتدون } أي لكي تدوموا على الهدى وازديادكم فيه كما يشعر به كون
~~الخطاب للمؤمنين أو صيغة المضارع من الافتعال.

### || [3.104]

# { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير } أمرهم سبحانه
~~بتكميل الغير إثر أمرهم بتكميل النفس ليكونوا هادين مهديين على ضد
~~أعدائهم فإن ما قص الله تعالى من حالهم فيما سبق يدل على أنهم ضالون
~~مضلون، والجمهور على إسكان لام الأمر، وقرىء بكسرها على الأصل، و (تكن)
~~إما من كان التامة فتكون أمة فاعلا وجملة يدعون صفته و منكم متعلق 
~~بتكن  أو بمحذوف على أن يكون صفة  لأمة  قدم / عليها فصار حالا. وإما
~~من كان الناقصة فتكون أمة اسمها ويدعون خبرها و منكم إما حال ms01398 من أمة أو
~~متعلق بكان الناقصة، والأمة الجماعة التي تؤم أي تقصد لأمر ما، وتطلق
~~على أتباع الأنبياء لاجتماعهم على مقصد واحد وعلى القدوة؛ ومنه

# إن إبرهيم كان أمة

# [النحل: 120] وعلى الدين والملة، ومنه

# إنا وجدنا ءاباءنا على أمة

# [الزخرف: 22] وعلى الزمان، ومنه

# وادكر بعد أمة

# [يوسف: 54] إلى غير ذلك من معانيها.

# والمراد من الدعاء إلى الخير الدعاء إلى ما فيه صلاح ديني أو دنيوي فعطف
~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه في قوله سبحانه:

# { ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } من باب
~~عطف الخاص على العام إيذانا بمزيد فضلهما على سائر الخيرات كذا قيل:
~~وقال ابن المنير: ((إن هذا ليس من تلك الباب لأنه ذكر بعد العام جميع ما
~~يتناوله إذ الخير المدعو إليه إما فعل مأمور أو ترك منهي لا يعدو واحدا
~~من هذين حتى يكون تخصيصهما بتميزهما عن بقية المتناولات، فالأولى أن يقال
~~فائدة هذا التخصيص ذكر الدعاء إلى الخير عاما ثم مفصلا، وفي تثنية
~~الذكر على وجهين ما لا يخفى من العناية إلا إن ثبت عرف يخص الأمر
~~بالمعروف والنهي عن المنكر ببعض أنواع الخير وحينئذ يتم ما ذكر، وما أرى
~~هذا العرف ثابتا)) انتهى، وله وجه وجيه لأن الدعاء إلى الخير لو فسر بما
~~يشمل أمور الدنيا وإن لم يتعلق بها أمر أو نهي كان أعم من فرض الكفاية
~~ولا يخفى ما فيه، على أنه قد أخرج ابن مردويه عن الباقر رضي الله تعالى
~~عنه قال:

# " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ولتكن منكم أمة
~~يدعون إلى الخير } ثم قال: الخير اتباع القرآن وسنتي "

# وهذا يدل أن الدعاء إلى الخير لا يشمل الدعاء إلى أمور الدنيا.

# ومن الناس من فسر الخير بمعروف خاص وهو الإيمان بالله تعالى وجعل
~~المعروف في الآية ما عداه من الطاعات فحينئذ لا يتأتى ما قاله ابن المنير
~~أيضا، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل أن الخير الإسلام
~~والمعروف طاعة الله والمنكر معصيته، وحذف المفعول الصريح من الأفعال
~~الثلاثة ms01399 إما للإعلام بظهوره أي يدعون الناس ولو غير مكلفين ويأمرونهم
~~وينهونهم، وإما للقصد إلى إيجاد نفس الفعل على حد فلان يعطي أي يفعلون
~~الدعاء والأمر والنهي ويوقعونها، والخطاب قيل متوجه إلى من توجه الخطاب
~~الأول إليه في رأي وهم الأوس والخزرج، وأخرج ابن المنذر عن الضحاك أنه
~~متوجه إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وهم الرواة،
~~والأكثرون على جعله عاما ويدخل فيه من ذكر دخولا أوليا، و (من) هنا
~~قيل: للتبعيض، وقيل: للتبيين وهي تجريدية كما يقال لفلان من أولاده جند
~~وللأمير من غلمانه عسكر يراد بذلك جميع الأولاد والغلمان.

# ومنشأ الخلاف في ذلك أن العلماء اتفقوا على أن الأمر بالمعروف والنهي عن
~~المنكر من فروض الكفايات ولم يخالف في ذلك إلا النزر، ومنهم الشيخ أبو
~~جعفر من الإمامية قالوا: إنها من فروض الأعيان، واختلفوا في أن الواجب
~~على الكفاية هل هو واجب على جميع المكلفين ويسقط عنهم بفعل بعضهم أو هو
~~واجب على البعض؟ ذهب الإمام الرازي وأتباعه إلى الثاني للاكتفاء بحصوله
~~من البعض ولو وجب على الكل لم يكتف بفعل البعض إذ يستبعد سقوط الواجب على
~~المكلف بفعل غيره، وذهب إلى الأول الجمهور وهو ظاهر نص الإمام الشافعي في
~~«الأم»، واستدلوا على ذلك بإثم الجميع بتركه ولو لم يكن واجبا عليهم
~~كلهم لما أثموا بالترك. وأجاب الأولون عن هذا بأن إثمهم بالترك لتفويتهم
~~ما قصد حصوله من جهتهم في الجملة لا للوجوب عليهم، واعترض عليه من طرف
~~الجمهور بأن هذا هو الحقيق بالاستبعاد أعني إثم طائفة بترك أخرى فعلا
~~كلفت به./ والجواب عنه بأنه ليس الإسقاط عن غيرهم بفعلهم أولى من تأثيم
~~غيرهم بتركهم يقال فيه: بل هو أولى لأنه قد ثبت نظيره شرعا من إسقاط ما
~~على زيد بأداء عمرو ولم يثبت تأثيم إنسان بترك آخر فيتم ما قاله الجمهور.

# واعترض القول بأن هذا هو الحقيق بالاستبعاد بأنه إنما يتأتى لو ارتبط
~~التكليف في الظاهر بتلك الطائفة الأخرى بعينها وحدها لكنه ليس كذلك بل ms01400
~~كلتا الطائفتين متساويتان في احتمال الأمر لهما وتعلقه بهما من غير مزية
~~لإحداهما على الأخرى فليس في التأثيم المذكور تأثيم طائفة بترك أخرى فعلا
~~كلفت به إذ كون الأخرى كلفت به غير معلوم بل كلتا الطائفتين متساويتان في
~~احتمال كل أن تكون مكلفة به فالاستبعاد المذكور ليس في محله على أنه إذا
~~قلنا بما اختاره جماعة من أصحاب المذهب الثاني من أن البعض مبهم آل الحال
~~إلى أن المكلف طائفة لا بعينها فيكون المكلف القدر المشترك بين الطوائف
~~الصادق بكل طائفة فجميع الطوائف مستوية في تعلق الخطاب بها بواسطة تعلقه
~~بالقدر المشترك المستوي فيها فلا إشكال في اسم الجميع ولا يصير النزاع
~~بهذا بين الطائفتين لفظيا حيث إن الخطاب حينئذ عم الجميع على القولين
~~وكذا الإثم عند الترك لما أن في أحدهما دعوى التعليق بكل واحد بعينه، وفي
~~الآخر دعوى تعلقه بكل بطريق السراية من تعلقه بالمشترك، وثمرة ذلك أن من
~~شك أن غيره هل فعل ذلك الواجب لا يلزمه على القول بالسراية ويلزمه على
~~القول بالابتداء ولا يسقط عنه إلا إذا ظن فعل الغير، ومن هنا يستغنى عن
~~الجواب عما اعترض به من طرف الجمهور فلا يضرنا ما قيل فيه على أنه يقال
~~على ما قيل: ليس الدين نظير ما نحن فيه كليا لأن دين زيد واجب عليه وحده
~~بحسب الظاهر ولا تعلق له بغيره فلذا صح أن يسقط عنه بأداء غيره ولم يصح
~~أن يأثم غيره بترك أدائه بخلاف ما نحن فيه فإن نسبة الواجب في الظاهر إلى
~~كلتا الطائفتين على السواء فيه فجاز أن يأثم كل طائفة بترك غيرها لتعلق
~~الوجوب بها بحسب الظاهر واستوائها مع غيرها في التعلق.

# وأما قولهم: ولم يثبت تأثيم إنسان بأداء آخر فهو لا يطابق البحث إذ ليس
~~المدعي تأثيم أحد بأداء غيره بل تأثيمه بترك فالمطابق ولم يثبت تأثيم
~~إنسان بترك أداء آخر ويتخلص منه حينئذ بأن التعلق في الظاهر مشترك في
~~سائر الطوائف فيتم ما ذهب إليه الإمام الرازي وأتباعه ms01401  وهو مختار ابن
~~السبكي  خلافا لأبيه، إذا تحقق هذا فاعلم أن القائلين بأن المكلف البعض
~~قالوا: إن من للتبعيض، وأن القائلين بأن المكلف الكل قالوا: إنها
~~للتبيين، وأيدوا ذلك بأن الله تعالى أثبت الأمر بالمعروف والنهي عن
~~المنكر لكل الأمة في قوله سبحانه:

# كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون
~~بالمعروف وتنهون عن المنكر

# [آل عمران: 110] ولا يقتضي ذلك كون الدعاء فرض عين فإن الجهاد من فروض
~~الكفاية بالاجماع مع ثبوته بالخطابات العامة فتأمل.

# { وأولئك } أي الموصوفون بتلك الصفات الكاملة. { هم
~~المفلحون } أي الكاملون في الفلاح وبهذا صح الحصر المستفاد من
~~الفصل وتعريف الطرفين، أخرج الإمام أحمد وأبو يعلى عن درة بنت أبي لهب
~~قالت:

# " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خير الناس؟ قال: «آمرهم بالمعروف
~~وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله تعالى وأوصلهم للرحم "

# وروى الحسن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله تعالى وخليفة
~~رسوله الله صلى الله عليه وسلم وخليفة كتابه، وروى 

# " لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله تعالى عليكم
~~سلطانا ظالما لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم ويدعو خياركم فلا يستجاب
~~لهم وتستنصرون فلا تنصرون "

#  والأمر بالمعروف يكون واجبا ومندوبا على حسب ما يؤمر به والنهي عن
~~المنكر كذلك أيضا إن قلنا إن المكروه منكر شرعا، وأما إن فسر / بما
~~يستحق العقاب عليه كما أن المعروف ما يستحق الثواب عليه فلا يكون إلا
~~واجبا، وبه قال بعضهم إلا أنه يرد أنهما ليسا على طرفي نقيض والأظهر أن
~~العاصي يجب عليه أن ينهى عما يرتكبه لأنه يجب عليه نهي كل فاعل وترك نهي
~~بعض وهو نفسه لا يسقط عنه وجوب نهي الباقي وكذا يقال في جانب الأمر ولا
~~يعكر على ذلك قوله تعالى:

# لم تقولون ما لا تفعلون

# [الصف: 2] لأنه مؤل بأن المراد نهيه عن عدم الفعل لا عن القول ولا قوله
~~سبحانه:

# أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم

# [البقرة: 44] لأن التوبيخ إنما هو على نسيان أنفسهم لا على أمرهم بالبر،
~~وعن بعض السلف ms01402 مروا بالخير وإن لم تفعلوا، نعم للأمر بالمعروف والنهي عن
~~المنكر شروط معروفة محلها والأصل فيهما افعل كذا ولا تفعل كذا، والقتال
~~ليمتثل المأمور والمنهي أمر وراء ذلك وليس داخلا في حقيقتهما وإن وجب
~~على بعض كالأمراء في بعض الأحيان لأن ذلك حكم آخر كما يشعر به قوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء
~~عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع ".

### || [3.105]

# { ولا تكونوا كالذين تفرقوا } وهم اليهود والنصارى
~~قاله الحسن والربيع. وأخرج ابن ماجه عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار
~~وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النار وواحدة في
~~الجنة والذي نفسي بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة فواحدة في
~~الجنة وثنتان وسبعون في النار قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: الجماعة "

# وفي رواية أحمد عن معاوية مرفوعا

# " إن أهل الكتاب تفرقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة وتفترق هذه الأمة
~~على ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة "

# ، وفي رواية له أخرى عن أنس مرفوعا أيضا

# " إن بني إسرائيل تفرقت إحدى وسبعين فرقة فهلكت سبعون فرقة وخلصت فرقة
~~واحدة وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة تهلك إحدى وسبعون فرقة
~~وتخلص فرقة "

# ولا تعارض بين هذه الروايات لأن الافتراق حصل لمن حصل على طبق ما وقع
~~فيها في بعض الأوقات وهو يكفي للصدق وإن زاد العدد أو نقص في وقت آخر {
~~واختلفوا } في التوحيد والتنزيه وأحوال المعاد، قيل: وهذا معنى
~~تفرقوا وكرره للتأكيد، وقيل: التفرق بالعداوة والاختلاف بالديانة. { من
~~بعد ما جاءهم البينت } أي الآيات والحجج المبينة للحق
~~الموجبة لاتحاد الكلمة، وقال الحسن: التوراة، وقال قتادة. وأبو أمامة:
~~القرآن { وأولئك } إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بما في
~~حيز الصلة { لهم عذاب عظيم } لا يكتنه على تفرقهم واختلافهم
~~المذكور، وفي ذلك وعيد لهم وتهديد للمتشبهين بهم لأن التشبيه ms01403 بالمغضوب
~~عليه يستدعي الغضب.

# ثم إن هذا الاختلاف المذموم محمول كما قيل على الاختلاف في الأصول دون
~~الفروع ويؤخذ هذا التخصيص من التشبيه، وقيل: إنه شامل للأصول والفروع لما
~~نرى من اختلاف أهل السنة فيها  كالماتريدي والأشعري  فالمراد حينئذ
~~بالنهي عن الاختلاف النهي عن الاختلاف فيما ورد فيه نص من الشارع أو أجمع
~~عليه وليس بالبعيد.

# واستدل على عدم المنع من الاختلاف في الفروع بقوله عليه الصلاة والسلام:

# " اختلاف أمتي رحمة "

# وبقوله صلى الله عليه وسلم:

# " مهما أوتيتم من كتاب الله تعالى فالعمل به لا عذر لأحد في تركه فإن لم
~~يكن في كتاب / الله تعالى فسنة مني ماضية فإن لم يكن سنة مني فما قال
~~أصحابي إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيما أخذتم به اهتديتم
~~واختلاف أصحابي لكم رحمة "

# ، وأراد بهم صلى الله عليه وسلم خواصهم البالغين رتبة الاجتهاد والمقصود
~~بالخطاب من دونهم فلا إشكال فيه خلافا لمن وهم، والروايات عن السلف في
~~هذا المعنى كثيرة.

# فقد أخرج البيهقي في «المدخل» عن القاسم بن محمد قال: اختلاف أصحاب محمد
~~رحمة لعباد الله تعالى، وأخرجه ابن سعد في «طبقاته» بلفظ كان اختلاف
~~أصحاب محمد رحمة للناس، وفي «المدخل» عن عمر بن عبد العزيز قال: ما سرني
~~لو أن أصحاب محمد لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة، واعترض
~~الإمام السبكي بأن اختلاف أمتي رحمة ليس معروفا عند المحدثين ولم أقف له
~~على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع ولا أظن له أصلا إلا أن يكون من كلام
~~الناس بأن يكون أحد قال: اختلاف الأمة رحمة فأخذه بعضهم فظنه حديثا
~~فجعله من كلام النبوة وما زلت أعتقد أن هذا الحديث لا أصل له، واستدل على
~~بطلانه بالآيات والأحاديث الصحيحة الناطقة بأن الرحمة تقتضي عدم الاختلاف
~~والآيات أكثر من أن تحصى، ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم:

# " إنما هلكت بنو إسرائيل بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم "

# وقوله عليه الصلاة والسلام:

# " لا تختلفوا فتختلف قلوبكم "

# وهو وإن كان واردا ms01404 في تسوية الصفوف إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص
~~السبب، ثم قال: والذي نقطع به أن الاتفاق خير من الاختلاف وأن الاختلاف
~~على ثلاثة أقسام. أحدها: في الأصول ولا شك أنه ضلال وسبب كل فساد وهو
~~المشار إليه في القرآن، والثاني: في الآراء والحروب ويشير إليه قوله صلى
~~الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى لما بعثهما إلى اليمن:

# " تطاوعا ولا تختلفا "

# ولا شك أيضا أنه حرام لما فيه من تضييع المصالح الدينية والدنيوية،
~~والثالث: في الفروع كالاختلاف في الحلال والحرام ونحوهما والذي نقطع به
~~أن الاتفاق خير منه أيضا لكن هل هو ضلال كالقسمين الأولين أم لا؟ فيه
~~خلاف، فكلام ابن حزم ومن سلك مسلكه ممن يمنع التقليد يقتضي الأول، وأما
~~نحن فإنا نجوز التقليد للجاهل والأخذ عند الحاجة بالرخصة من أقوال بعض
~~العلماء من غير تتبع الرخص وهو يقتضي الثاني، ومن هذا الوجه قد يصح أن
~~يقال: الاختلاف رحمة فإن الرخص منها بلا شبهة وهذا لا ينافي قطعا القطع
~~بأن الاتفاق خير من الاختلاف فلا تنافي بين الكلامين لأن جهة الخيرية
~~تختلف وجهة الرحمة تختلف، فالخيرية في العلم بالدين الحق الذي كلف الله
~~تعالى به عباده وهو الصواب عنده والرحمة في الرخصة له وإباحة الإقدام
~~بالتقليد على ذلك، ورحمة نكرة في سياق الإثبات لا تقتضي العموم فيكتفي في
~~صحته أن يحصل في الاختلاف رحمة ما في وقت ما في حالة ما على وجه ما
~~فإن كان ذلك حديثا فيخرج على هذا وكذا إن لم يكنه، وعلى كل تقدير لا
~~نقول إن الاختلاف مأمور به، والقول بأن الاتفاق مأمور به يلتفت إلى أن
~~المصيب واحد أم لا؟ فإن قلنا: إن المصيب واحد وهو الصحيح فالحق في نفس
~~الأمر واحد والناس كلهم مأمورون بطلبه واتفاقهم عليه مطلوب والاختلاف
~~حينئذ منهي عنه وإن عذر المخطىء وأثيب على اجتهاده وصرف وسعه لطلب الحق.

# فقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن
~~العاص

# " إذا حكم الحاكم فاجتهد وأصاب ms01405 فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر
~~"

# وكذلك إذا قلنا بالشبه كما هو قول بعض الأصوليين، وأما إذا قلنا: كل
~~مجتهد مصيب فكل أحد مأمور بالاجتهاد وباتباع ما غلب على ظنه فلا يلزم أن
~~يكونوا كلهم مأمورين بالاتفاق ولا أن لا يكون اختلافهم منهيا عنه،
~~وإطلاق الرحمة على هذا التقدير / في الاختلاف أقوى من إطلاقها على قولنا:
~~المصيب واحد، هذا كله إذا حملنا الاختلاف في الخبر على الاختلاف في
~~الفروع، وأما إذا قلنا المراد الاختلاف في الصنائع والحرف فلا شك أن ذلك
~~من نعم الله تعالى التي يطلب من العبد شكرها كما قال الحليمي في «شعب
~~الإيمان»، لكن كان المناسب على هذا أن يقال اختلاف الناس رحمة إذ لا
~~خصوصية للأمة بذلك فإن كل الأمم مختلفون في الصنائع والحرف لا هذه الأمة
~~فقط فلا بد لتخصيص الأمة من وجه، ووجهه إمام الحرمين بأن المراتب
~~والمناصب التي أعطيتها أمته صلى الله عليه وسلم لم تعطها أمة من الأمم
~~فهي من رحمة الله تعالى لهم وفضله عليهم لكنه لا يسبق من لفظ الاختلاف
~~إلى ذلك ولا إلى الصنائع والحرف، فالحرفة الإبقاء على الظاهر المتبادر
~~وتأويل الخبر بما تقدم.

# هذه خلاصة كلامه ولا يخفى أنه مما لا بأس به، نعم كون الحديث ليس
~~معروفا عند المحدثين أصلا لا يخلو عن شيء، فقد عزاه الزركشي في
~~«الأحاديث المشتهرة» إلى كتاب «الحجة» لنصر المقدسي ولم يذكر سنده ولا
~~صحته لكن ورد ما يقويه في الجملة مما نقل من كلام السلف، والحديث الذي
~~أوردناه قبل وإن رواه الطبري والبيهقي في «المدخل» بسند ضعيف عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما على أنه يكفي في هذا الباب الحديث الذي أخرجه
~~الشيخان وغيرهما، فالحق الذي لا محيد عنه أن المراد اختلاف الصحابة رضي
~~الله تعالى عنهم ومن شاركهم في الاجتهاد كالمجتهدين المعتد بهم من علماء
~~الدين الذين ليسوا بمبتدعين وكون ذلك رحمة لضعفاء الأمة، ومن ليس في
~~درجتهم مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان ولا يتنازع ms01406 فيه اثنان فليفهم.

### || [3.106]

# { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } نصب بما في { لهم
~~} من معنى الاستقرار أو منصوب بأذكر مقدرا، وقيل: العامل فيه عذاب وضعف
~~بأن المصدر الموصوف لا يعمل، وقيل: عظيم، وأورد عليه أنه يلزم تقييد
~~عظمته بهذا ولا معنى له، ورد بأنه إذا عظم فيه وفيه كل عظيم ففي غيره
~~أولى إلا أن يقال: إن التقييد ليس بمراد، والمراد بالبياض معناه الحقيقي
~~أو لازمه من السرور والفرح وكذا يقال في السواد والجمهور على الأول
~~قالوا: يوسم أهل الحق ببياض الوجه وإشراق البشرة تشريفا لهم وإظهارا
~~لآثار أعمالهم في ذلك الجمع، ويوسم أهل الباطل بضد ذلك، والظاهر أن
~~الابيضاض والاسوداد يكون لجميع الجسد إلا أنهما أسندا للوجوه لأن الوجه
~~أول ما يلقاك من الشخص وتراه وهو أشرف أعضائه. واختلف في وقت ذلك فقيل:
~~وقت البعث من القبور، وقيل: وقت قراءة الصحف، وقيل: وقت رجحان الحسنات
~~والسيئات في الميزان، وقيل: عند قوله تعالى شأنه:

# وامتازوا اليوم أيها المجرمون

# [يس: 59]، وقيل: وقت أن يؤمر كل فريق بأن يتبع معبوده، ولا يبعد أن
~~يقال: إن في كل موقف من هذه المواقف يحصل شيء من ذلك إلى أن يصل إلى حد
~~الله تعالى أعلم به إذ البياض والسواد من المشكك دون المتواطىء كما لا
~~يخفى، وقرأ  تبيض وتسود  بكسر حرف المضارعة وهي لغة  وتبياض وتسواد .

# { فأما الذين اسودت وجوههم } تفصيل لأحوال الفريقين
~~وابتدأ بحال الذين اسودت وجوههم لمجاورته { وتسود وجوه } وليكون
~~الابتداء والاختتام بما يسر الطبع ويشرح الصدر { أكفرتم بعد
~~إيمنكم } على إرادة القول المقرون بالفاء أي فيقال لهم ذلك، وحذف
~~القول واستتباع الفاء له في الحذف أكثر من أن يحصى، وإنما الممنوع حذفها
~~وحدها في جواب أما، والاستفهام للتوبيخ والتعجيب من حالهم، والكلام حكاية
~~لما يقال لهم فلا التفات فيه خلافا للسمين، والظاهر من السياق والسباق
~~أن هؤلاء أهل الكتاب وكفرهم بعد إيمانهم / كفرهم برسول الله صلى الله
~~عليه وسلم بعد الإيمان به قبل مبعثه  وإليه ذهب عكرمة  واختاره الزجاج
~~والجبائي. وقيل: ms01407 هم جميع الكفار لإعراضهم عما وجب عليهم من الإقرار
~~بالتوحيد حين أشهدهم على أنفسهم

# ألست بربكم قالوا بلى

# [الأعراف: 172] وروي ذلك عن أبي بن كعب، ويحتمل أن يراد بالإيمان
~~الإيمان بالقوة والفطرة وكفر جميع الكفار كان بعد هذا الإيمان لتمكنهم
~~بالنظر الصحيح والدلائل الواضحة والآيات البينة من الإيمان بالله تعالى
~~ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعن الحسن أنهم المنافقون أعطوا كلمة الإيمان
~~بألسنتهم وأنكروها بقلوبهم وأعمالهم فالإيمان على هذا مجازي، وقيل: إنهم
~~أهل البدع والأهواء من هذه الأمة، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه
~~وأبي أمامة وابن عباس وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه.

# { فذوقوا العذاب } أي المعهود الموصوف بالعظم والأمر للإهانة
~~لتقرر المأمور به وتحققه، وقيل: يحتمل أن يكون أمر تسخير بأن يذوق العذاب
~~كل شعرة من أعضائهم نعوذ بالله تعالى من غضبه، والفاء للإيذان بأن الأمر
~~بذوق العذاب مترتب على كفرهم المذكور كما يصرح به قوله سبحانه: { بما
~~كنتم تكفرون } فالباء للسببية، وقيل: للمقابلة من غير نظر إلى
~~التسبب وليست بمعنى اللام ولعله سبحانه أراد { بعد إيمنكم }
~~والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرار كفرهم أو على
~~مضيه في الدنيا.

### || [3.107]

# { وأما الذين ابيضت وجوههم ففى رحمة الله }
~~أي الجنة فهو من التعبير بالحال عن المحل والظرفية حقيقية، وقد يراد بها
~~الثواب فالظرفية حينئذ مجازية كما يقال: في نعيم دائم وعيش رغد  وفيه
~~إشارة إلى كثرته وشموله للمذكورين شمول الظرف ولا يجوز أن يراد بالرحمة
~~ما هو صفة له تعالى إذ لا يصح فيها الظرفية ويدل على ما ذكر مقابلتها
~~بالعذاب ومقارنتها للخلود في قوله تعالى: { هم فيها خلدون }
~~وإنما عبر عن ذلك بالرحمة إشعارا بأن المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة
~~الله تعالى فإنه لا ينال ما ينال إلا برحمته تعالى ولهذا ورد في الخبر

# " لن يدخل أحدكم الجنة عمله فقيل له: حتى أنت يا رسول الله؟ فقال: حتى
~~أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمته "

# وجملة هم فيها خالدون استئنافية وقعت جوابا ms01408 عما نشأ من السياق كأنه
~~قيل: كيف يكونون فيها؟ فأجيب بما ترى وفيها تأكيد في المعنى لما تقدم،
~~وقيل: خبر بعد خبر وليس بشيء، وتقديم الظرف للمحافظة على رؤوس الآي،
~~والضمير المجرور للرحمة، ومن أبعد البعيد جعله للدعوة إلى الخير والأمر
~~بالمعروف والنهي عن المنكر خلافا لمن قال به، وجعل الكلام عليه بيانا
~~لسبب كونهم في رحمة الله تعالى وكون مقابلهم في العذاب كأنه قيل: ما
~~بالهم في رحمة الله تعالى؟ فأجيب بأنهم كانوا خالدين في الخيرات، وقرىء 
~~ابياضت واسوادت .

### || [3.108]

# { تلك } أي التي مر ذكرها وعظم قدرها { ءايت الله نتلوها
~~عليك } أي نقرؤها شيئا فشيئا، وإسناد ذلك إليه تعالى مجاز إذ
~~التالي جبريل عليه السلام بأمره سبحانه وتعالى وفي عدوله عن الحقيقة مع
~~الالتفات إلى التكلم بنون العظمة ما لا يخفى من العناية بالتلاوة والمتلو
~~عليه، والجملة الفعلية في موضع الحال من الآيات والعامل فيها معنى
~~الإشارة. وجوز أن تكون في موضع الخبر لتلك، و { ءايت } بدل منه،
~~وقرىء { يتلوها } على صيغة الغيبة. { بالحق } أي متلبسة أو متلبسين
~~بالصدق أو بالعدل في جميع ما دلت عليه تلك الآيات ونطقت به فالظرف في
~~موضع الحال المؤكدة من الفاعل أو المفعول.

# { وما الله يريد ظلما للعلمين } بأن يحلهم من العقاب
~~/ ما لا يستحقونه عدلا أو ينقصهم من الثواب عما استحقوه فضلا، والجملة
~~مقررة لمضمون ما قبلها على أتم وجه حيث نكر { ظلما } ووجه النفي إلى
~~إرادته بصيغة المضارع المفيد بمعونة المقام دوام الانتفاء، وعلق الحكم
~~بآحاد الجمع المعرف والتفت إلى الاسم الجليل؛ والظلم وضع الشيء في غير
~~موضعه اللائق به أو ترك الواجب وهو يستحيل عليه تعالى للأدلة القائمة على
~~ذلك ونفي الشيء لا يقتضي إمكانه فقد ينفى المستحيل كما في قوله تعالى:

# لم يلد ولم يولد

# [الإخلاص: 3]، وقيل: الظاهر أن المراد أن الله لا يريد ما هو ظلم من
~~العباد فيما بينهم لا أن كل ما يفعل ليس ظلما منه لأن المقام مقام بيان
~~أنه لا يضيع أجر المحسنين ولا ms01409 يهمل الكافر ويجازيه بكفره، ولو كان المراد
~~أن كل ما يفعل ليس ظلما لا يستفاد هذا، وفيه ما لا يخفى.

### || [3.109]

# { ولله ما فى السموت وما في الأرض } أي له سبحانه
~~وحده ما فيهما من المخلوقات ملكا وخلقا وتصرفا والتعبير بما للتغليب
~~أو للإيذان بأن غير العقلاء بالنسبة إلى عظمته كغيرهم { وإلى الله
~~ترجع الأمور } أي أمورهم فيجازي كلا بما تقتضيه الحكمة من
~~الثواب والعقاب، وتقديم الجار للحصر أي إلى حكم الله تعالى وقضائه لا إلى
~~غيره شركة أو استقلالا، والجملة مقررة لمضمون ما ورد في جزاء الفريقين،
~~وقيل: معطوفة على ما قبلها مقررة لمضمونه والإظهار في مقام الإضمار
~~لتربية المهابة، وقرأ يحيى بن وثاب (ترجع) بفتح التاء وكسر الجيم في
~~جميع القرآن.

### || [3.110]

# { كنتم خير أمة } كلام مستأنف سيق لتثبيت المؤمنين على ما هم
~~عليه من الاتفاق على الحق والدعوة إلى الخير كذا قيل، وقيل: هو من تتمة
~~الخطاب الأول في قوله سبحانه وتعالى:

# يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته

# [آل عمران: 102] وتوالت بعد هذا خطابات المؤمنين من أوامر ونواهي
~~واستطرد بين ذلك من يبيض وجهه ومن يسود وشيء من أحوالهم في الآخرة، ثم
~~عاد إلى الخطاب الأول تحريضا على الانقياد والطواعية  وكان  ناقصة ولا
~~دلالة لها في الأصل على غير الوجود في الماضي من غير دلالة على انقطاع أو
~~دوام، وقد تستعمل للأزلية كما في صفاته تعالى نحو

# وكان الله بكل شىء عليما

# [الأحزاب: 40] وقد تستعمل للزوم الشيء وعدم انفكاكه نحو

# وكان الإنسن أكثر شىء جدلا

# [الكهف: 54]، وذهب بعض النحاة إلى أنها تدل بحسب الوضع على الانقطاع
~~كغيرها من الأفعال الناقصة والمصحح هو الأول وعليه لا تشعر الآية بكون
~~المخاطبين ليسوا خير أمة الآن، وقيل: المراد كنتم في علم الله تعالى أو
~~في اللوح المحفوظ أو فيما بين الأمم أي في علمهم كذلك، وقال الحسن: معناه
~~أنتم خير أمة، واعترض بأنه يستدعي زيادة كان وهي لا تزاد في أول الجملة.

# { أخرجت } أي أظهرت وحذف الفاعل للعلم به ms01410 { للناس } متعلق بما
~~عنده، وقيل: بخير أمة، وجملة أخرجت صفة  لأمة  وقيل: لخير، والأول
~~أولى، والخطاب قيل: لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وإليه ذهب
~~الضحاك، وقيل: للمهاجرين من بينهم وهو أحد خبرين عن ابن عباس، وفي آخر
~~أنه عام لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤيده ما أخرجه الإمام أحمد بسند
~~حسن عن أبي الحسن كرم الله تعالى وجهه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء نصرت بالرعب وأعطيت مفاتيح الأرض
~~وسميت أحمد وجعل التراب لي طهورا وجعلت أمتي خير الأمم "

# وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه أن الآية في أهل
~~بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنها نزلت في
~~ابن مسعود وعمار بن ياسر / وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن
~~جبل، والظاهر أن الخطاب وإن كان خاصا بمن شاهد الوحي من المؤمنين أو
~~ببعضهم لكن حكمه يصلح أن يكون عاما للكل كما يشير إليه قول عمر رضي الله
~~تعالى عنه فيما حكى قتادة «يا أيها الناس من سره أن يكون من تلكم الأمة
~~فليؤد شرط الله تعالى منها» وأشار بذلك إلى قوله سبحانه:

# { تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } فإنه وإن
~~كان استئنافا مبينا لكونهم خير أمة أو صفة ثانية لأمة على ما قيل إلا
~~أنه يفهم الشرطية والمتبادر من المعروف الطاعات ومن المنكر المعاصي التي
~~أنكرها الشرع.

# وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس في الآية أن المعنى تأمرونهم أن
~~يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقروا بما أنزل الله تعالى وتقاتلونهم عليهم
~~ولا إله إلا الله هو أعظم المعروف وتنهونهم عن المنكر والمنكر هو التكذيب
~~وهو أنكر المنكر وكأنه رضي الله تعالى عنه حمل المطلق على الفرد الكامل
~~وإلا فلا قرينة على هذا التخصيص.

# { وتؤمنون بالله } أريد بالإيمان به سبحانه الإيمان بجميع ما
~~يجب الإيمان به لأن الإيمان إنما يعتد به ويستأهل أن يقال ms01411 له إيمان إذا
~~آمن بالله تعالى على الحقيقة وحقيقة الإيمان بالله تعالى أن يستوعب جميع
~~ما يجب الإيمان به فلو أخل بشيء منه لم يكن من الإيمان بالله تعالى في
~~شيء، والمقام يقتضيه لكونه تعريضا بأهل الكتاب وأنهم لا يؤمنون بجميع ما
~~يجب الإيمان به كما يشعر بذلك التعقيب بنفي الإيمان عنهم مع العلم بأنهم
~~مؤمنون في الجملة وأيضا المقام مقام مدح للمؤمنين بكونهم خير أمة أخرجت
~~للناس وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها المعلل للخيرية فلو لم يرد
~~الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به لم يكن مدحا فلا يصلح للتعليل والعطف
~~يقتضيه وإنما أخر الإيمان عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع تقدمه
~~عليهما وجودا ورتبة كما هو الظاهر لأن الإيمان مشترك بين جميع الأمم دون
~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهما أظهر في الدلالة على الخيرية،
~~ويجوز أن يقال قدمهما عليه للاهتمام وكون سوق الكلام لأجلهما، وأما ذكره
~~فكالتتميم، ويجوز أيضا أن يكون ذلك للتنبيه على أن جدوى الأمر بالمعروف
~~والنهي عن المنكر في الدين أظهر مما اشتمل عليه الإيمان بالله تعالى لأنه
~~من وظيفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولو قيل قدما وأخر للاهتمام
~~وليرتبط بقوله تعالى:

# { ولو ءامن أهل الكتب لكان خيرا لهم } لم يبعد
~~أي لو آمنوا إيمانا كما ينبغي لكان ذلك الإيمان خيرا لهم مما هم عليه
~~من الرياسة في الدنيا لدفع القتل والذل عنهم، والآخرة لدفع العذاب
~~المقيم، وقيل: لو آمن أهل الكتاب بمحمد صلى الله عليه وسلم لكان خيرا
~~لهم من الإيمان بموسى وعيسى فقط عليهما السلام، وقيل: المفضل عليه ما هم
~~فيه من الكفر فالخيرية إنما هي باعتبار زعمهم، وفيه ضرب تهكم بهم وهذه
~~الجملة معطوفة على { كنتم خير أمة } مرتبطة بها على معنى ولو
~~آمن أهل الكتاب كما آمنتم وأمروا بالمعروف كما أمرتم ونهوا عن المنكر كما
~~نهيتم لكان خيرا لهم.

# { منهم المؤمنون } كعبد الله بن سلام وأخيه وثعلبة بن شعبة. {
~~وأكثرهم الفسقون } أي الخارجون عن طاعة الله تعالى وعبر عن ms01412
~~الكفر بالفسق إيذانا بأنهم خرجوا عما أوجبه كتابهم، وقيل: للإشارة إلى
~~أنهم في الكفار بمنزلة الكفار في العصاة لخروجهم إلى الحال الفاحشة التي
~~هي منهم أشنع وأفظع.

### || [3.111]

# { لن يضروكم إلا أذى } استثناء متصل لأن الأذى بمعنى الضرر
~~اليسير كما يشهد به مواقع الاستعمال فكأنه قيل: لن يضروكم ضررا ما إلا
~~ضررا يسيرا، وقيل: إنه منقطع لأن الأذى / ليس بضرر وفيه نظر. والآية
~~كما قال مقاتل: نزلت لما عمد رؤساء اليهود مثل كعب وأبي رافع وأبي ياسر
~~وكنانة وابن صوريا إلى مؤمنيهم كعبد الله بن سلام وأصحابه، وآذوهم
~~لإسلامهم وكان إيذاءا قوليا على ما يفهمه كلام قتادة وغيره، وكان ذلك
~~الافتراء على الله تعالى كما قاله الحسن.

# { وإن يقتلوكم يولوكم الأدبار } أي ينهزموا من غير
~~أن يظفروا منكم بشيء، وتولية الأدبار كناية عن الانهزام معروفة. { ثم
~~لا ينصرون } عطف على جملة الشرط والجزاء، و { ثم } للترتيب
~~والتراخي الإخباري أي لا يكن لهم نصر من أحد ثم عاقبتهم العجز والخذلان
~~إن قاتلوكم أو لم يقاتلوكم. وفيه تثبيت للمؤمنين على أتم وجه. وقرىء (ثم
~~لا ينصروا) والجملة حينئذ معطوفة على جزاء الشرط، وثم للتراخي في الرتبة
~~بين الخبرين لا في الزمان لمقارنته، وجوز بعضهم كونها للتراخي في الزمان
~~على القراءتين بناءا على اعتباره بين المعطوف عليه وآخر أجزاء المعطوف،
~~وقراءة الرفع أبلغ لخلوها عن القيد.

# وفي هذه الآية دلالة واضحة على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ولكونها
~~من الإخبار بالغيب الذي وافقه الواقع لأن يهود بني قينقاع وبني قريظة
~~والنضير ويهود خيبر حاربوا المسلمين ولم يثبتوا ولم ينالوا شيئا منهم
~~ولم تخفق لهم بعد ذلك راية ولم يستقم أمر ولم ينهضوا بجناح.

### || [3.112]

# { ضربت عليهم الذلة } أي ذلة هدر النفس والمال والأهل،
~~وقيل: ذلة التمسك بالباطل وإعطاء الجزية، قال الحسن: أذلهم الله تعالى
~~فلا منعة لهم وجعلهم تحت أقدام المسلمين وهذا من ضرب الخيام والقباب كما
~~قاله أبو مسلم، قيل: ففيه استعارة مكنية تخييلية، وقد يشبه إحاطة الذلة
~~واشتمالها عليهم بذلك ms01413 على وجه الاستعارة التبعية، وقيل: هو من قولهم: ضرب
~~فلان الضريبة على عبده أي ألزمها إياه فالمعنى ألزموا الذلة وثبتت فيهم
~~فلا خلاص لهم منها { أين ما ثقفوا } أي وجدوا، وقيل: أخذوا وظفر
~~بهم، و { أينما } شرط، وما زائدة وثقفوا في موضع جزم وجواب الشرط
~~محذوف يدل عليه ما قبله أو هو بنفسه على رأي { إلا بحبل من
~~الله وحبل من الناس } استثناء مفرغ من أعم الأحوال، والمعنى
~~على النفي أي لا يسلمون من الذلة في حال من الأحوال إلا في حال أن يكونوا
~~معتصمين بذمة الله تعالى أو كتابه الذي أتاهم وذمة المسلمين فإنهم بذلك
~~يسلمون من القتل والأسر وسبي الذراري واستئصال الأموال. وقيل: أي إلا في
~~حال أن يكونوا متلبسين بالإسلام واتباع سبيل المؤمنين فإنهم حينئذ يرتفع
~~عنهم ذل التمسك والإعطاء { وبآءوا بغضب من الله } أي رجعوا به
~~وهو كناية عن استحقاقهم له واستيجابهم إياه من قولهم باء فلان بفلان إذا
~~صار حقيقا أن يقتل به، فالمراد صاروا أحقاء بغضبه سبحانه والتنوين
~~للتفخيم والوصف مؤكد لذلك { وضربت عليهم المسكنة } فهم
~~في الغالب مساكين وقلما يوجد يهودي يظهر الغنى.

# { ذلك } أي المذكور من المذكورات { بأنهم كانوا يكفرون
~~بآيت الله } الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم {
~~ويقتلون الأنبياء بغير حق } أصلا، ونسبة القتل إليهم
~~مع أنه فعل أسلافهم على نحو ما مر غير مرة { ذلك بما عصوا
~~وكانوا يعتدون } إشارة إلى كفرهم وقتلهم الأنبياء عليهم السلام
~~على ما يقتضيه القرب فلا تكرار، وقيل: معناه أن ضرب الذلة وما يليه كما
~~هو معلل بكفرهم وقتلهم فهو معلل / بعصيانهم واعتدائهم، والتعبير بصيغة
~~الماضي والمضارع لما مر.

# ثم إن جملة

# منهم المؤمنون

# [آل عمران: 110] وكذا جملة

# لن يضروكم

# [آل عمران: 111] وما عطف عليها واردتان على سبيل الاستطراد ولذا لم
~~يعطفا على الجملة الشرطية قبلهما وإنما لم يعطف الاستطراد الثاني على
~~الأول لتباعدهما وكون كل منهما نوعا من الكلام، وقال بعض المحققين: إن
~~هاتين الجملتين مع ما بعدهما مرتبط بقوله تعالى:

# ولو ms01414 ءامن

# [آل عمران: 110] مبين له، فقوله سبحانه:

# منهم المؤمنون وأكثرهم الفسقون

# [آل عمران: 110] مبين لذلك باعتبار أن المفروض إيمان الجميع، وإلا
~~فبعضهم مؤمنون رفعا لسوء الظن بالبعض، وقوله عز شأنه:

# لن يضروكم

# [آل عمران: 111] بيان لما هو خير لهم وهو أنهم لعدم إيمانهم مبتلون
~~بمشقة التدبير لإضراركم وبالحزن على الخيبة وتدبير الغلبة عليكم
~~بالمقابلة والغلبة لكم وفي طلب الرياسة بمخالفتكم وضرب الله تعالى عليهم
~~الذلة لتلك المخالفة وفي طلب المال بأخذ الرشوة بتحريف كتابهم وضرب الله
~~عليهم المسكنة، ولو آمنوا لنجوا من جميع ذلك انتهى ولا يخفى أن هذا على
~~تقدير قبوله وتحمل بعده لا يأبى القول بالاستطراد لأنه أن يذكر في أثناء
~~الكلام ما يناسبه وليس السياق له، وإنما يأبى الاعتراض ولا نقول به
~~فتأمل.

# هذا ومن باب الإشارة: { لن تنالوا البر } الذي هو القرب من
~~الله { حتى تنفقوا مما تحبون } أي بعضه، والإشارة به إلى
~~النفس فإنها إذا أنفقت في سبيل الله زال الحجاب الأعظم وهان إنفاق كل
~~بعدها

# وما تنفقوا من شىء فإن الله به عليم

# [آل عمران: 92] فينبغي تحري ما يرضيه، ويحكى عن بعضهم أنه قال:
~~المنفقون على أقسام: فمنهم من ينفق على ملاحظة الجزاء والعوض ومنهم من
~~ينفق على مراقبة رفع البلاء والمحن ومنهم من ينفق اكتفاءا بعلمه ولله
~~تعالى در من قال:

# ويهتز للمعروف في طلب العلا

# لتذكر يوما عند سلمى شمائله

# كل الطعام كان حلا لبنى إسرءيل إلا ما حرم
~~إسرءيل على نفسه

# [آل عمران: 93] قيل: فائدة الإخبار بذلك تعليم أهل المحبة أن يتركوا ما
~~حبب إليهم من الأطعمة الشهية واللذائذ الدنيوية رغبة فيما عند الله تعالى
~~{ إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة } وهو
~~الكعبة التي هي من أعظم المظاهر له تعالى حتى قالوا: إنها للمحمديين
~~كالشجرة لموسى عليه السلام { مباركا } بما كساه من أنوار ذاته {
~~وهدى } بما كساه من أنوار صفاته

# للعلمين

# [آل عمران: 96] على حسب استعدادهم { فيه ءايت بينت
~~مقام إبرهيم } المشتمل على الرضا والتسليم والانبساط واليقين
~~والمكاشفة والمشاهدة والخلة ms01415 والفتوة أو المعرفة والتوحيد والفناء والبقاء
~~والسكر والصحو، أو جميع ذلك { ومن دخله كان ءامنا } من غوائل
~~نفسه لأنه مقام التمكين وتطبيق ذلك على ما في الأنفس أن البيت إشارة إلى
~~القلب الحقيقي، ويحمل ما ورد أن البيت أول ما ظهر على وجه الماء عند خلق
~~السماء والأرض وخلق قبل الأرض بألفي عام وكان زبدة بيضاء على وجه الماء
~~فدحيت الأرض تحته على ذلك وظهوره على الماء حينئذ تعلقه بالنطفة عند خلق
~~سماء الروح الحيوان وأرض البدن، وخلقه قبل الأرض إشارة إلى قدمه وحدوث
~~البدن، وتقييد ذلك بألفي عام إشارة إلى تقدمه على البدن بطورين طور النفس
~~وطور القلب تقدما بالرتبة إذ الألف رتبة تامة، وكونه زبدة بيضاء إشارة
~~إلى صفاء جوهره، ودحو الأرض تحته إشارة إلى تكون البدن من تأثيره وكون
~~أشكاله وصور أعضائه تابعة لهيئاته ولا يخفى أن محل تعلق الروح بالبدن
~~واتصال القلب الحقيقي به أولا هو القلب الصنوبري وهو أول ما يتكون من
~~الأعضاء وأول عضو يتحرك وأخر عضو يسكن فيكون / (أول بيت وضع للناس للذي
~~ببكة) الصدر صورة، أو أول متعبد وضع لهم للقلب الحقيقي الذي هو ببكة
~~الصدر المعنوي الذي هو أشرف مقام في النفس وموضع ازدحام القوى إليه،
~~ومعنى كونه (مباركا) أنه ذو بركة إلهية بسبب فيض الخير عليه، وكونه
~~(هدى) أنه يهتدي به إلى الله تعالى والآيات التي فيه هي العلوم والمعارف
~~والحكم والحقائق، و (مقام إبراهيم) إشارة إلى العقل الذي هو مقام قدم
~~إبراهيم الروح يعني محل اتصال نوره من القلب ولا شك أن من دخل ذلك (كان
~~آمنا) من أعداء سعالى المتخيلة وعفاريت أحاديث النفس واختطاف شياطين
~~الوهم وجن الخيالات واغتيال سباع القوى النفسانية وصفاتها

# ولله على الناس حج البيت من استطع إليه
~~سبيلا

# [آل عمران: 97] وهم أهل معرفته عز شأنه، وأما الجاهلون به فلا قاموا ولا
~~قعدوا، يحكى عن بعضهم أنه قال: قلت للشبلي: إني حججت فقال: كيف فعلت؟
~~فقلت: اغتسلت وأحرمت وصليت ركعتين ولبيت فقال لي: عقدت به ms01416 الحج؟ فقلت:
~~نعم قال: فسخت بعقدك كل عقد عقدت منذ خلقت مما يضاد هذا العقد؟ قلت: لا
~~قال: فما عقدت، ثم قال نزعت ثيابك؟ قلت: نعم قال: تجردت عن كل فعل فعلت؟
~~قلت: لا قال: ما نزعت، فقال. تطهرت؟ قلت: نعم قال: أزلت عنك كل علة؟
~~فقلت: لا قال فما تطهرت، قال لبيت؟ قلت: نعم قال: وجدت جواب التلبية
~~مثلا بمثل؟ قلت: لا قال: ما لبيت، قال دخلت الحرم؟ قلت: نعم قال: اعتقدت
~~بدخولك ترك كل محرم؟ قلت: لا قال: ما دخلت، قال: أشرفت على مكة؟ قلت: نعم
~~قال: أشرف عليك حال من الله تعالى؟ قلت لا قال: ما أشرفت، قال: دخلت
~~المسجد الحرام؟ قلت: نعم قال: دخلت الحضرة؟ قلت: لا قال: ما دخلت المسجد
~~الحرام، قال: رأيت الكعبة؟ قلت: نعم قال: رأيت ما قصدت له؟ قلت: لا قال
~~ما رأيت الكعبة، قال رملت وسعيت؟ قلت: نعم قال: هربت من الدنيا ووجدت
~~أمنا مما هربت؟ قلت: لا قال: ما فعلت شيئا، قال: صافحت الحجر؟ قلت: نعم
~~قال: من صافح الحجر فقد صافح الحق ومن صافح الحق ظهر عليه أثر الأمن
~~أفظهر عليك ذلك؟ قلت: لا قال: ما صافحت؛ قال: أصليت ركعتين بعد؟ قلت: نعم
~~قال: أوجدت نفسك بين يدي الله تعالى؟ قلت: لا قال: ما صليت. قال: خرجت
~~إلى الصفا؟ قلت: نعم قال: أكبرت؟ قلت: نعم فقال: أصفا سرك وصغرت في عينك
~~الأكوان؟ قلت: لا قال: ما خرجت ولا كبرت. قال: هرولت في سعيك؟ قلت: نعم
~~قال: هربت منه إليه؟ قلت: لا قال: ما هرولت، قال: وقفت على المروة؟ قلت:
~~نعم قال: رأيت نزول السكينة عليك وأنت عليها: قلت لا قال: ما وقفت على
~~المروة، قال: خرجت إلى منى؟ قلت: نعم قال: أعطيت ما تمنيت؟ قلت: لا قال:
~~ما خرجت، قال: دخلت مسجد الخيف؟ قلت: نعم قال: تجدد لك خوف؟ قلت: لا قال:
~~ما دخلت، قال: مضيت إلى عرفات؟ قلت: نعم قال: عرفت الحال الذي خلقت له
~~والحال الذي تصير ms01417 إليه؟ وهل عرفت من ربك ما كنت منكرا له؟ وهل تعرف الحق
~~إليك بشيء؟ قلت: لا قال: ما مضيت، قال: نفرت إلى المشعر الحرام؟ قلت: نعم
~~قال: ذكرت الله تعالى فيه ذكرا أنساك ذكر ما سواه؟ قلت لا قال: ما نفرت،
~~قال: ذبحت؟ قلت: نعم قال: أفنيت شهواتك وإراداتك في رضاء الحق؟ قلت: لا
~~قال: ما ذبحت، قال: رميت؟ قلت: نعم قال: رميت جهلك منك بزيادة علم ظهر
~~عليك؟ قلت: لا قال: ما رميت، قال: زرت؟ قلت: نعم قال: كوشفت عن الحقائق؟
~~قلت: لا قال: ما زرت، قال: أحللت؟ قلت: نعم قال: عزمت على الأكل من
~~الحلال قدر ما تحفظ به نفسك؟ قلت: لا قال: ما أحللت، قال: ودعت؟ قلت نعم
~~قال: خرجت من نفسك وروحك بالكلية؟ قلت: لا قال: ما ودعت ولا حججت وعليك
~~العود إن أحببت وإذا حججت فاجتهد أن تكون كما وصفت لك انتهى.

# / فهذا الذي ذكره الشبلي هو الحج الذي يستأهل أن يقال له حج، ولله تعالى
~~عباد أهلهم لذلك وأقدرهم على السلوك في هاتيك المسالك فحجهم في الحقيقة
~~منه إليه وله فيه فمطافهم حظائر القربة على بساط الحشمة وموقفهم عرفة
~~العرفان على ساق الخدمة ليس لهم غرض في الجدران والأحجار وهيهات هيهات ما
~~غرض المجنون من الديار إلا الديار، ومن كفر وأعرض عن المولى بهوى النفس

# فإن الله غني عن العلمين

# [آل عمران: 97] فهو سبحانه غني عنه لا يلتفت إليه { قل يأهل
~~الكتب لم تكفرون بآيت الله } الدالة على توحيده

# والله شهيد على ما تعملون

# [آل عمران: 98] إذ هو أقرب من حبل الوريد { قل يأهل الكتب
~~لم تصدون عن سبيل الله } بالإنكار على المؤمنين { من
~~ءامن تبغونها عوجا } بإيراد الشبه الباطلة { وأنتم
~~شهداء } عالمون بأنها حق لا اعوجاج فيها

# وما الله بغفل عما تعملون

# [آل عمران: 99] فيجازيكم به { يا أيها الذين آمنوا }
~~الإيمان الحقيقي { إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا
~~الكتب } خوفا من إنكارهم ما أنتم عليه من الحقيقة والطريق الموصل
~~إليه سبحانه { يردوكم بعد ms01418 إيمنكم } الراسخ فيكم

# كفرين

# [آل عمران: 100] لأن إنكار الحقيقة كفر كإنكار الشريعة،

# ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صرط مستقيم

# [آل عمران: 101] أي من يعتصم به منه فقد اهتدى إليه به، قال الواسطي:
~~ومن زعم أنه يعتصم به من غيره فقد جهل عظمة الربوبية، وحقيقة الاعتصام
~~عند بعضهم انجذاب القلب عن الأسباب التي هي الأصنام المعنوية والتبري إلى
~~الله تعالى من الحول والقوة، وقيل: الاعتصام للمحبين هو اللجأ بطرح
~~السوى، ولأهل الحقائق رفع الاعتصام لمشاهدتهم أنهم في القبضة {
~~يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته }
~~بصون العهود وحفظ الحدود والخمود تحت جريان القضاء بنعت الرضا، وقيل: حق
~~التقوى عدم رؤية التقوى

# ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون

# [آل عمران: 102] أي لا تموتن إلا على حال إسلام الوجود له أي ليكن موتكم
~~هو الفناء في التوحيد

# واعتصموا بحبل الله جميعا

# [آل عمران: 103] وهو عهده الذي أخذه على العباد يوم

# ألست بربكم

# [الأعراف: 172] { ولا تفرقوا } باختلاف الأهواء { واذكروا
~~نعمة الله عليكم } بالهداية إلى معالم التوحيد المفيد للمحبة
~~في القلوب { إذ كنتم أعداء } لاحتجابكم بالحجب النفسانية
~~والغواشي الطبيعية { فألف بين قلوبكم } بالتحاب في الله
~~تعالى لتنورها بنوره { فأصبحتم بنعمته } عليكم { إخوانا
~~} في الدين { وكنتم على شفا حفرة من النار } وهي مهوى
~~الطبيعة الفاسقة وجهنم الحرمان

# فأنقذكم منها

# [آل عمران: 103] بالتواصل الحقيقي بينكم إلى سدرة مقام الروح وروح جنة
~~الذات { ولتكن منكم أمة } كالعلماء العارفين أرباب الاستقامة
~~في الدين { يدعون إلى الخير } أي يرشدون الناس إلى الكمال
~~المطلق من معرفة الحق تعالى والوصول إليه { ويأمرون بالمعروف
~~} المقرب إلى الله تعالى { وينهون عن المنكر } المبعد عنه
~~تعالى

# وأولئك هم المفلحون

# [آل عمران: 104] الذين لم يبق لهم حجاب وهم خلفاء الله تعالى في أرضه {
~~ولا تكونوا كالذين تفرقوا } واتبعوا الأهواء والبدع {
~~واختلفوا من بعد ما جآءتهم البينت } الحجج
~~العقلية والشرعية الموجبة للاتحاد واتفاق الكلمة

# وأولئك لهم عذاب عظيم

# [آل عمران: 105] وهو عذاب الحرمان من الحضرة { يوم تبيض وجوه
~~وتسود وجوه } قالوا: ابيضاض الوجه عبارة عن تنور وجه ms01419 القلب بنور
~~الحق المتوجه إليه والإعراض عن الجهة السفلية النفسانية المظلمة ولا يكون
~~ذلك إلا بالتوحيد واسوداده ظلمة وجه القلب بالإقبال على النفس الطالبة
~~لحظوظها والإعراض عن الجهة العلوية النورانية { فأما الذين
~~اسودت وجوههم } فيقال لهم { أكفرتم } أي احتجبتم عن الحق
~~بصفات النفس { بعد إيمنكم } أي تنوركم بنور الاستعداد وصفاء
~~الفطرة وهداية العقل { فذوقوا العذاب } وهو عذاب الاحتجاب عن
~~الحق

# بما كنتم تكفرون

# [آل عمران: 106] به { وأما الذين ابيضت وجوههم ففى
~~رحمة الله } الخاصة التي هي شهود الجمال

# هم فيها خلدون

# [آل عمران: 107] باقون بعد الفناء { كنتم خير أمة أخرجت
~~} من مكامن الأزل { للناس } أي لنفعهم { تأمرون بالمعروف
~~} الموصل إلى مقام التوحيد { وتنهون عن المنكر } وهو القول
~~بتحقق الكثرة على الحقيقة { ولو ءامن أهل الكتب } كإيمانكم
~~/ { لكان خيرا لهم } مما هم عليه { منهم المؤمنون }
~~كإيمانكم

# وأكثرهم الفسقون

# [آل عمران: 110] الخارجون عن حرم الحق { لن يضروكم إلا أذى
~~} وهو الإنكار عليكم بالقول { وإن يقتلوكم } ولم يكتفوا بذلك
~~الإيذاء { يولوكم الأدبار } ولا ينالون منكم شيئا لقوة
~~بواطنكم وضعفهم

# ثم لا ينصرون

# [آل عمران: 111] لا ينصرهم أحد أصلا بل يبقون مخذولين لعدم ظهور أنوار
~~الحق عليهم، والله تعالى الموفق.

### || [3.113]

# { ليسوا سواء } أخرج ابن إسحق والطبراني والبيهقي وغيرهم عن ابن
~~عباس قال: لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن شعبة وأسيد بن شعبة وأسيد
~~بن عبيد ومن أسلم من يهود معهم فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام قالت
~~أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد وتبعه إلا أشرارنا ولو كانوا
~~من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره فأنزل الله تعالى في ذلك
~~{ ليسوا سواء } إلى قوله سبحانه وتعالى:

# وأولئك من الصلحين

# [آل عمران: 114] والجملة على ما قاله مولانا شيخ الإسلام تمهيد لتعداد
~~محاسن مؤمني أهل الكتاب، وضمير الجمع لأهل الكتاب جميعا لا للفاسقين
~~[منهم] خاصة وهو اسم ليس وسواء خبره، وإنما أفرد لكونه في الأصل مصدرا
~~والوقف هنا تام على الصحيح والمراد بنفي المساواة نفي المشاركة في أصل
~~الاتصاف بالقبائح ms01420 [المذكورة] لا نفي المساواة في الاتصاف بمراتبها مع
~~تحقق المشاركة في أصل الاتصاف ومثله كثير في الكلام.

# { من أهل الكتب أمة قائمة } استئناف مبين لكيفية عدم
~~التساوي ومزيل لما فيه من الإبهام، وقال أبو عبيدة: إنه مع الأول كلام
~~واحد، وجعل أمة اسم ليس والخبر سواء فهو على حد أكلوني البراغيث، وقيل:
~~أمة مرفوع بسواء وضعف كلا القولين ظاهر، ووضع { أهل الكتب }
~~موضع الضمير زيادة في تشريفهم والاعتناء بهم والقائمة من قام اللازم
~~بمعنى استقام أي: أمة مستقيمة على طاعة الله تعالى ثابتة على أمره لم
~~تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيعوه، وحكي عن ابن عباس وغيره، وزعم
~~الزجاج أن الكلام على حذف مضاف والتقدير ذو أمة قائمة أي ذو طريقة
~~مستقيمة، وفيه أنه عدول عن الظاهر من غير دليل. والمراد من هذه الأمة من
~~تقدم في سبب النزول، وجعل بعضهم أهل الكتاب عاما لليهود والنصارى وعد من
~~الأمة المذكورة نحو النجاشي وأصحابه ممن أسلم من النصارى.

# { يتلون ءايت الله } صفة لأمة بعد وصفها بقائمة، وجوز أن
~~تكون حالا من الضمير في { قائمة } أو من الأمة لأنها قد وصفت، أو من
~~الضمير في الجار الواقع خبرا عنها، والمراد يقرءون القرآن { ءانآء
~~اليل } أي ساعاته وواحده أنى بوزن عصا، وقيل: أنى كمعا، وقيل: أنى
~~بفتح فسكون أو كسر فسكون؛ وحكى الأخفش أنو كجرو؛ فالهمزة منقلبة عن ياء
~~أو واو وهو متعلق بيتلون أو بقائمة ومنع أبو البقاء تعلقه بالثاني بناءا
~~على أنه قد وصف فلا يعمل فيما بعد الصفة { وهم يسجدون } حال من
~~ضمير يتلون على ما هو الظاهر، والمراد وهم يصلون إذ من المعلوم أن لا
~~قراءة في السجود وكذا الركوع بل وقع النهي عنها فيهما كما في الخبر،
~~والمراد بصلاتهم هذه التهجد على ما ذهب إليه البعض وعلل بأنه أدخل في
~~المدح وفيه تتيسر لهم التلاوة لأنها في المكتوبة وظيفة الإمام، واعتبار
~~حالهم عند الصلاة على الانفراد يأباه مقام المدح وهو الأنسب بالعدول عن
~~إيرادها باسم الجنس المتبادر ms01421 منه الصلوات المكتوبة وبالتعبير عن وقتها
~~بالآناء المبهمة، وإنما لم يعبر على هذا بالتهجد دفعا لاحتمال المعنى /
~~اللغوي الذي لا مدح فيه.

# والذي عليه بعض السلف أنها صلاة العتمة. واستدل عليه بما أخرجه الإمام
~~أحمد والنسائي وابن جرير والطبراني بسند حسن واللفظ للأخيرين عن ابن
~~مسعود رضي الله تعالى عنه قال:

# " أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد
~~فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: «أما إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل
~~الكتاب "

# قال: وأنزلت هذه الآية { ليسوا سوآء } حتى بلغ

# والله عليم بالمتقين

# » [آل عمران: 115] وعليه تكون الجملة معطوفة على جملة { يتلون } ،
~~وقيل: مستأنفة ويكون المدح لهم بذلك لتميزهم واختصاصهم بتلك الصلاة
~~الجليلة الشأن التي لم يتشرف بأدائها أهل الكتاب كما نطق به الحديث بل
~~ولا سائر الأمم، فقد روى الطبراني بسند حسن أيضا عن المنكدر أنه قال:

# " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وأنه أخر صلاة العشاء حتى
~~ذهب من الليل هنيهة أو ساعة والناس ينتظرون في المسجد فقال: «أما إنكم لن
~~تزالوا في صلاة ما انتظرتموها» ثم قال: «أما إنها صلاة لم يصلها أحد ممن
~~كان قبلكم من الأمم» "

# ولعل هذا هو السر في تقديم هذا الحكم على الحكم بالإيمان، ولا يرد عليه
~~أن التلاوة لا تتيسر لهم إلا بصلاتهم منفردين ولا تمدح في الإنفراد مع
~~أنه خلاف الواقع من حال القوم على ما يشير إليه الخبران لأنه لم تقيد
~~التلاوة فيه بالصلاة وإنما يلزم التقييد لو كانت الجملة حالا من الضمير
~~كما سبق وليس فليس.

# والتعبير عن الصلاة بالسجود لأنه أدل على كمال الخضوع وهو سر التعبير به
~~عنها في قوله صلى الله عليه وسلم لمن طلب أن يدعو له بأن يكون رفيقه في
~~الجنة لفرط حبه له وخوف حيلولة الفراق يوم القيامة

# " أعني بكثرة السجود "

# ، وكذا في كثير من المواضع، وقيل: المراد بها الصلاة ما بين المغرب
~~والعشاء الآخرة وهي المسماة بصلاة الغفلة، وقيل: المراد ms01422 بالسجود سجود
~~التلاوة. وقيل: الخضوع كما في قوله تعالى:

# ولله يسجد من فى السموات والأرض

# [الرعد: 15] واختيرت الجملة الإسمية للدلالة على الاستمرار وكرر الإسناد
~~تقوية للحكم وتأكيدا له، واختيار صيغة المضارع للدلالة على التجدد.

### || [3.114]

# { يؤمنون بالله واليوم الأخر } صفة أخرى لأمة، وجوز
~~أن تكون حالا على طرز ما قبلها وإن شئت كما قال أبو البقاء استأنفتها،
~~والمراد بهذا الإيمان الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به على الوجه
~~المقبول، وخص الله تعالى اليوم الآخر بالذكر إظهارا لمخالفتهم لسائر
~~اليهود فيما عسى أن يتوهم متوهم مشاركتهم لهم فيه لأنهم يدعون أيضا
~~الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر لكن لما كان ذلك مع قولهم:

# عزير ابن الله

# [التوبة: 30] وكفرهم ببعض الكتب والرسل ووصفهم اليوم الآخر بخلاف ما
~~نطقت به الشريعة المصطفوية جعل هو والعدم سواء.

# { ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } إشارة
~~إلى وفور نصيبهم من فضيلة تكميل الغير إثر الإشارة إلى وفوره من فضيلة
~~تكميل النفس، وفيه تعريض بالمداهنين الصادين عن سبيل الله تعالى {
~~ويسرعون فى الخيرت } أي يبادرون إلى فعل الخيرات والطاعات
~~خوف الفوات بالموت مثلا، أو يعملون الأعمال الصالحة راغبين فيها غير
~~متثاقلين لعلمهم بجلالة موقعها وحسن عاقبتها وهذه صفة جامعة لفنون
~~الفضائل والفواضل وفي ذكرها تعريض بتباطؤ اليهود وتثاقلهم عن ذلك، وأصل
~~المسارعة المبادرة وتستعمل بمعنى الرغبة، واختيار صيغة المفاعلة
~~للمبالغة، وقيل: ولم يعبر بالعجلة للفرق بينها وبين السرعة فإن السرعة
~~التقدم فيما يجوز أن يتقدم فيه وهي محمودة وضدها الإبطاء وهو مذموم،
~~والعجلة التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه / وهي مذمومة وضدها الأناة
~~وهي محمودة، وإيثار (في) على  إلى  وكثيرا ما تتعدى المسارعة بها
~~للإيذان كما قال شيخ الإسلام: بأنهم مستقرون في أصل الخير متقلبون في
~~فنونه لا أنهم خارجون [عنها] منتهون إليها؛ وصيغة جمع القلة هنا تغني عن
~~جمع الكثرة كما لا يخفى.

# { وأولئك } أي الموصوفون بتلك الصفات الجليلة الشأن بسبب اتصافهم
~~بها كما يشعر به العدول عن الضمير { من الصلحين } أي من عداد
~~الذين صلحت عند ms01423 الله تعالى حالهم وهذا رد لقول اليهود: ما آمن به إلا
~~شرارنا. وقد ذهب الجل إلى أن في الآية استغناءا بذكر أحد الفريقين عن
~~الآخر على عادة العرب من الاكتفاء بذكر أحد الضدين عن الآخر، والمراد
~~ومنهم من ليسوا كذلك.

### || [3.115]

# { وما يفعلوا من خير } أي طاعة متعدية أو سارية { فلن
~~يكفروه } أي لن يحرموا ثوابه البتة، وأصل الكفر الستر ولتفسيره بما
~~ذكرنا تعدى إلى مفعولين والخطاب قيل: لهذه الأمة وهو مرتبط بقوله تعالى:

# كنتم خير أمة

# [آل عمران: 110] وجميع ما بينهما استطراد، وقيل: لاولئك الموصوفين
~~بالصفات المذكورة وفيه التفات؛ ونكتته الخاصة هنا الإشارة إلى أنهم
~~لاتصافهم بهذه المزايا أهل لأن يخاطبوا، وقرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر
~~بالياء في الفعلين، والباقون بالتاء فيهما غير أبي عمرو فإنه روي عنه
~~أنه كان يخبر بهما، وعلى قراءة الغيبة يجوز أن يراد من الضمير ما أريد من
~~نظائره فيما قبل ويكون الكلام حينئذ على وتيرة واحدة، ويحتمل أن يعود
~~للأمة ويكون العدول إلى الغيبة مراعاة للأمة كما روعيت أولا في التعبير
~~بأخرجت دون أخرجتم وهذه طريقة مشهورة للعرب في مثل ذلك. { والله
~~عليم بالمتقين } أي بأحوالهم فيجازيهم وهذا تذييل مقرر لمضمون
~~ما قبله. والمراد بالمتقين إما عام ويدخل المخاطبون دخولا أوليا وإما
~~خاص بالمتقدمين وفي وضع الظاهر موضع المضمر إيذان بالعلة وأنه لا يفوز
~~عنده إلا أهل التقوى، وعلى هذا يكون قوله تعالى: { إن الذين
~~كفروا لن تغنى عنهم أمولهم..... }.

### || [3.116]

# { إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أمولهم ولا
~~أولدهم من الله شيئا } مؤكدا لذلك ولهذا فصل. والمراد
~~من الموصول إما سائر الكفار فإنهم فاخروا بالأموال والأولاد حيث قالوا:

# نحن أكثر أمولا وأولدا وما نحن بمعذبين

# [سبأ: 35] فرد الله تعالى عليهم بما ترى عليهم، وإما بنو قريظة وبنو
~~النضير حيث كانت معالجتهم بالأموال والأولاد. وروي هذا عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما، وقيل: مشركو قريش وقيل وقيل ولعل من ادعى العموم وهو
~~الظاهر قال بدخول المذكورين دخولا أوليا، والمراد من الإغناء ms01424 الدفع،
~~ويقال: أغنى عنه إذا دفع عنه ضررا لولاه لنزل به أي لن تدفع عنهم يوم
~~القيامة أموالهم التي عولوا عليها في المهمات ولا من هو أرجى من ذلك
~~وأعظم عندهم وهم أولادهم من عذاب الله تعالى لهم شيئا يسيرا منه، وقال
~~بعضهم: المراد بالاغناء الإجزاء، ويقال: ما يغني عنك هذا أي ما يجزي عنك
~~وما ينفعك، ومن للبدل أو الابتداء، وشيئا مفعول مطلق أي لن يجزي عنهم
~~ذلك من عذاب الله تعالى شيئا من الإجزاء، وعلى التفسير الأول للإغناء
~~وجعل هذا معنى حقيقيا له دونه يقال بالتضمين وأمر المفعولية عليه ظاهر
~~لتعديه حينئذ.

# { وأولئك } أي الموصوفون بالكفر بسبب كفرهم { أصحب
~~النار } أي ملازموها وهو معنى الأصحاب عرفا. { هم فيها
~~خلدون } تأكيد لما يراد من الجملة الأولى واختيار الجملة الاسمية
~~للايذان بالدوام والاستمرار وتقديم الظرف محافظة على رؤوس الآي.

### || [3.117]

# { مثل ما ينفقون فى هذه الحيوة الدنيا } كالدليل
~~لعدم إغناء الأموال، ولعل عدم بيان إغناء الأولاد ظاهر لأنهم إن كانوا
~~كفارا وهو الظاهر كان حكمهم حكمهم وإن كانوا مسلمين كانوا عليهم لا لهم
~~في الدنيا، وبغضهم لهم في الآخرة

# يوم تبلى السرائر

# [الطارق: 9] و

# [يوم] يكشف عن ساق

# [القلم: 42] وتبريهم منهم حين يفر المرء من أمه وأبيه أظهر من أن يخفى،
~~وما موصولة والعائد محذوف أي ينفقونه والإشارة للتحقير، والمراد تمثيل
~~جميع صدقات الكفار ونفقاتهم كيف كانت وهو المروي عن مجاهد وقيل: مثل لما
~~ينفقه الكفار مطلقا في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: لما
~~أنفقه قريش يوم بدر وأحد لما تظاهروا عليه عليه الصلاة والسلام، وقيل:
~~لما أنفقه سفلة اليهود على علمائهم المحرفين أي حال ذلك وقصته العجيبة.

# { كمثل ريح فيها صر } أي برد شديد قاله ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما وجماعة، وقال الزجاج الصر صوت لهيب النار وقد كانت في تلك
~~الريح، وقيل أصل الصر كالصرصر الريح الباردة، وعليه يكون معنى النظم ريح
~~فيها ريح باردة وهو كما ترى محتاج إلى التوجيه، وقد ذكر فيه أنه ms01425 وارد على
~~التجريد كقوله:

# ولولا ذاك قد سومت مهري

# وفي الرحمن للضعفاء كاف

# أي هو كاف ومنع بعضهم كونه في الأصل الريح الباردة وإنما هو مصدر بمعنى
~~البرد كما قال الحبر واستعماله فيما ذكر مجاز وليس بمراد، وقيل: إنه صفة
~~بمعنى بارد إلا أن موصوفه محذوف أي برد بارد فهو من الإسناد المجازي كظل
~~ظليل وفيه بعد لأن المعروف في مثله ذكر الموصوف وأما حذفه وتقديره فلم
~~يعهد، وقيل: هو في الأصل صوت الريح الباردة من صر القلم والباب صريرا
~~إذا صوت، أو من الصرة الضجة والصيحة وقد استعمل هنا على أصله، وفيه أن
~~هذا المعنى مما لم يعهد في الاستعمال، والريح واحدة الرياح، وفي «الصحاح»
~~والأرياح، وقد تجمع على أرواح لأن أصلها الواو، وإنما جاءت بالياء
~~لانكسار ما قبلها فإذا رجعوا إلى الفتح عادت إلى الواو كقولك: أروح الماء
~~وتروحت بالمروحة، ويقال أيضا: ريح وريحة كما قالوا: دار ودارة، وسيأتي
~~إن شاء الله تعالى للعلماء من الكلام في هذا المقام، وأفرد الريح لما في
~~«البحر» أنها مختصة بالعذاب والجمع مختص بالرحمة ولذلك

# " روي اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا "

# { أصابت حرث } أي زرع. { قوم ظلموا أنفسهم } بالكفر
~~والمعاصي فباءوا بغضب من الله تعالى وإنما وصفوا بذلك لما قيل: إن
~~الاهلاك عن سخط أشد وأفظع أو لأن المراد الإشارة إلى عدم الفائدة في
~~الدنيا والآخرة وهو إنما يكون في هلاك مال الكافر وأما غيره فقد يثاب على
~~ما هلك له لصبره، وقيل: المراد ظلموا أنفسهم بأن زرعوا في غير موضع
~~الزراعة وفي غير وقتها { فأهلكته } عن آخره ولم تدع له عينا ولا
~~أثرا عقوبة لهم على معاصيهم، وقيل: تأديبا من الله تعالى لهم في وضع
~~الشيء في غير موضعه الذي هو حقه وهذا من التشبيه المركب الذي توجد فيه
~~الزبدة من الخلاصة والمجموع ولا يلزم فيه أن يكون ما يلي الأداة هو
~~المشبه به كقوله تعالى:

# إنما مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه

# [يونس: 24] وإلا لوجب أن يقال: كمثل حرث لأنه ms01426 المشبه به المنفق، وجوز أن
~~يراد مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح، أو مثل ما ينفقون كمهلك ريح
~~والمهلك اسم مفعول هو الحرث، والوجه عند كونه مركبا قلة الجدوى والضياع،
~~ويجوز أن يكون من التشبيه المفرق فيشبه إهلاك الله تعالى بإهلاك الريح،
~~والمنفق / بالحرث وجعل الله تعالى أعمالهم هباءا منثورا بما في الريح
~~الباردة من جعله حطاما، وقرىء تنفقون بالتاء.

# { وما ظلمهم الله } الضمير إما للمنفقين أي ما ظلمهم بضياع
~~نفقاتهم التي أنفقوها على غير الوجه اللائق المعتد به، وإما للقوم
~~المذكورين أي ما ظلم الله تعالى أصحاب الحرث بإهلاكه لأنهم استحقوا ذلك
~~وحينئذ يكون هذا النفي مع قوله تعالى: { ولكن أنفسهم
~~يظلمون } تأكيدا لما فهم من قبل إشعارا وتصريحا، وقرىء (ولكن)
~~بالتشديد على أن (أنفسهم) اسمها، وجملة يظلمون خبرها والعائد محذوف،
~~والتقدير يظلمونها وليس مفعولا مقدما كما في قراءة التخفيف، واسمها
~~ضمير الشأن لأنه لا يحذف إلا في الشعر كقوله:

# وما كنت ممن يدخل العشق قلبه

# ولكن من يبصر جفونك يعشق

# وتعين حذفه فيه لمكان من الشرطية التي لا تدخل عليها النواسخ وتقديم {
~~أنفسهم } على الفعل للفاصلة لا للحصر وإلا لا يتطابق الكلام لأن
~~مقتضاه وما ظلمهم الله ولكن هم يظلمون أنفسهم لا أنهم يظلمون أنفسهم لا
~~غيرهم وهو في الحصر لازم، وصيغة المضارع للدلالة على التجدد والاستمرار.

### || [3.118]

# { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة من
~~دونكم } أخرج ابن إسحق وغيره عن ابن عباس قال: كان رجال من المسلمين
~~يواصلون رجالا من يهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية
~~فأنزل الله تعالى فيهم ينهاهم عن مباطنتهم تخوف الفتنة عليهم هذه الآية،
~~وأخرج عبد بن حميد أنها نزلت في المنافقين من أهل المدينة نهي المؤمنون
~~أن يتولوهم، وظاهر ما يأتي يؤيده، والبطانة خاصة الرجل الذين يستبطنون
~~أمره مأخوذ من بطانة الثوب للوجه الذي يلي البدن لقربه وهي نقيض الظهارة
~~ويسمى بها الواحد والجمع والمذكر والمؤنث و (من) متعلقة ب { لا
~~تتخذوا } أو بمحذوف وقع صفة لبطانة، وقيل: ms01427 زائدة، و (دون) إما
~~بمعنى غير أو بمعنى الأدون والدنيء، وضمير الجمع المضاف إليه للمؤمنين
~~والمعنى لا تتخذوا الكافرين كاليهود والمنافقين أولياء وخواص من غير
~~المؤمنين أو ممن لم تبلغ منزلته منزلتكم في الشرف والديانة، والحكم عام
~~وإن كان سبب النزول خاصا فإن اتخاذ المخالف وليا مظنة الفتنة والفساد
~~ولهذا ورد تفسير هذه البطانة بالخوارج. وأخرج البيهقي وغيره عن أنس عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " لا تنقشوا في خواتيمكم عربيا ولا تستضيئوا بنار المشركين "

# فذكر ذلك للحسن فقال: نعم لا تنقشوا في خواتيمكم محمد رسول الله ولا
~~تستسروا المشركين في شيء من أموركم، ثم قال الحسن: وتصديق ذلك من كتاب
~~الله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا
~~بطانة من دونكم }.

# { لا يألونكم خبالا } أصل الألو التقصير يقال: ألا كغزا يألو
~~ألوا إذا قصر وفتر وضعف، ومنه قول امرىء القيس:

# وما المرء ما دامت حشاشة نفسه

# بمدرك أطراف الخطوب ولا (آلى)

# أراد ولا مقصر في الطلب وهو لازم يتعدى إلى المفعول بالحرف، وقد يستعمل
~~متعديا إلى مفعولين في قولهم: لا آلوك نصحا ولا آلوك جهدا على تضمين
~~معنى المنع أي لا أمنعك ذلك وقد يجعل بمنع الترك فيتعدى إلى واحد، وفي
~~«القاموس» «ما ألوت الشيء أي ما تركته»، والخبال في الأصل الفساد الذي
~~يلحق الإنسان فيورثه اضطرابا كالمرض والجنون، ويستعمل بمعنى الشر
~~والفساد مطلقا.

# ومعنى الآية على الأول لا يقصرون لكم في الفساد والشر بل يجهدون في
~~مضرتكم؛ وعليه يكون الضمير المنصوب والاسم الظاهر منصوبين بنزع الخافض /
~~وإليه ذهب ابن عطية وجوز أن يكون الثاني منصوبا على الحال أي مخبلين، أو
~~على التمييز. واعترض ذلك بأنه لا إبهام في نسبة التقصير إلى الفاعل ولا
~~يصح جعله فاعلا إلا على اعتبار الاسناد المجازي والنصب بنزع الخافض،
~~ووقوع المصدر حالا ليس بقياس إلا فيما يكون المصدر نوعا من العامل نحو
~~أتاني سرعة وبطئا كما نص عليه الرضي في بحث المفعول به والحال واعتمده
~~السيالكوتي ونقل أبو حيان أن التمييز هنا ms01428 محول عن المفعول نحو

# وفجرنا الأرض عيونا

# [القمر: 12] وهو من الغرابة بمكان لأن المفروض أن الفعل لازم فمن أين
~~يكون له مفعول ليحول عنه؟! وملاحظة تعديه إليه بتقدير الحرف قول بالنصب
~~على نزع الخافض وقد سمعت ما فيه. وأجيب بالتزام أحد الأمرين الحالية أو
~~كونه منصوبا على النزع مع القول بالسماع هنا والمعنى على الثاني لا
~~يمنعونكم خبالا أي أنهم يفعلون معكم ما يقدرون عليه من الفساد ولا يبقون
~~عندهم شيئا منه في حقكم وهو وجه وجيه، والتضمين قياسي على الصحيح
~~والخلاف فيه واه لا يلتفت إليه، والمعنى والاعراب على الثالث ظاهران بعد
~~الإحاطة بما تقدم.

# { ودوا ما عنتم } أي أحبوا عنتكم أي مشقتكم الشديدة وضرركم.
~~وقال السدي: تمنوا ضلالتكم عن دينكم، وروي مثله عن ابن جرير. { قد
~~بدت البغضآء من أفوههم } أي ظهرت أمارات العداوة لكم من
~~فلتات ألسنتهم وفحوى كلماتهم لأنهم لشدة بغضهم لكم لا يملكون أنفسهم ولا
~~يقدرون أن يحفظوا ألسنتهم، وقال قتادة: ظهور ذلك فيما بينهم حيث أبدى كل
~~منهم ما يدل على بغضه للمسلمين لأخيه، وفيه بعد إذ لا يناسبه ما بعده،
~~والأفواه جمع فم وأصله فوه، فلامه هاء والجموع ترد الأشياء إلى أصولها
~~ويدل على ذلك أيضا تصغيره على فويه والنسبة إليه فوهي، وقرأ عبد الله
~~(قد بدا البغضاء) { وما تخفى صدورهم } من البغضاء { أكبر }
~~أي أعظم مما بدا لأنه كان عن فلتة ومثله لا يكون إلا قليلا.

# { قد بينا لكم الأيت } أي أظهرنا لكم الآيات الدالة على
~~النهي عن موالاة أعداء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، أو قد
~~أظهرنا لكم الدلالات الواضحات التي يتميز بها الولي من العدو { إن
~~كنتم تعقلون } أي إن كنتم من أهل العقل، أو إن كنتم تعلمون الفضل
~~بين الولي والعدو، أو إن كنتم تعلمون مواعظ الله تعالى ومنافعها، وجواب
~~(إن) محذوف لدلالة الكلام عليه، ثم إن هذه الجمل ما عدا وما تخفي صدورهم
~~أكبر لأنها حال لا غير جاءت مستأنفات جوابا عن السؤال عن النهي وترك ms01429
~~العطف بينها إيذانا باستقلال كل منها في ذلك، وقيل: إنها في موضع النعت
~~لبطانة إلا قد بينا لظهور أنها لا تصلح لذلك، والأول أحسن لما في
~~الاستئناف من الفوائد وفي الصفات من الدلالة على خلاف المقصود أو إيهامه
~~لا أقل وهو تقييد النهي وليس المعنى عليه، وقيل: إن ودوا ما عنتم بيان
~~وتأكيد لقوله: { لا يألونكم خبالا } فحكمه حكمه وما عدا ذلك
~~مستأنف للتعليل على طريق الترتيب بأن يكون اللاحق علة للسابق إلى أن تكون
~~الأولى علة للنهي ويتم التعليل بالمجموع أي لا تتخذوهم بطانة لأنهم لا
~~يألونكم خبالا لأنهم يودون شدة ضرركم بدليل أنهم قد تبدو البغضاء من
~~أفواههم وإن كانوا يخفون الكثير ولا بد على هذا من استثناء قد بينا إذ لا
~~يصلح تعليلا لبدو البغضاء ويصلح تعليلا للنهي فافهم.

### || [3.119]

# { هاأنتم أولآء تحبونهم ولا يحبونكم } تنبيه على
~~أن المخاطبين مخطئون في اتخاذهم بطانة، وفي إعراب مثل هذا التركيب مذاهب
~~للنحويين فقال الأزهري وابن كيسان وجماعة: إن ها للتنبيه؛ وأنتم مبتدأ /
~~وجملة تحبونهم خبره وأولاء منادى أو منصوب على الاختصاص، وضعف بأنه خلاف
~~الظاهر والاختصاص لا يكون باسم الإشارة، وقيل: أنتم مبتدأ، وأولاء خبره،
~~والجملة بعد مستأنفة، ويؤيد ذلك ما قاله الرضى من أنه ليس المراد من ها
~~أنا ذا أفعل، وها أنت ذا تفعل تعريف نفسك أو المخاطب إذ لا فائدة فيه بل
~~استغراب وقوع مضمون وقوع الفعل المذكور بعد من المتكلم أو المخاطب،
~~فالجملة بعد اسم الإشارة لازمة لبيان الحال المستغربة ولا محل لها إذ هي
~~مستأنفة، وقال البصريون: هي في محل النصب على الحال أي ها أنت ذا قائلا
~~والحال ههنا لازمة لأن الفائدة معقودة بها وبها تتم، والعامل فيها حرف
~~التنبيه أو اسم الإشارة.

# واعترضه الرضي بأنه لا معنى للحال إذ ليس المعنى أنت المشار إليه في حال
~~فعلك ولا يخفى أن ما قاله البصريون هو الظاهر من كلام العرب لأنهم قالوا:
~~ها أنت ذا قائما فصرحوا بالحالية وإن كان المعنى على الإخبار بالحال ms01430
~~لأنه المقصود بالاستبعاد، ومدلول الضمير واسم الإشارة متحد واعتبار معنى
~~الإشارة لمجرد تصحيح العمل لا أن المعنى عليه وبه يندفع بحث الرضي على
~~أنه قد أجيب عنه بغير ذلك، وقال الزجاج: يجوز أن يكون أولاء بمعنى الذين
~~خبرا عن المبتدأ، وتحبونهم في موضع الصلة وليس بشيء، وقيل: أنتم مبتدأ
~~أول وأولاء مبتدأ ثان، وتحبونهم خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ
~~الأول على حد أنت زيد تحبه، وقيل: إن أولاء هو الخبر، والجملة ما بعده
~~خبر ثان، وقيل: أولاء في محل نصب بفعل يفسره ما بعده، والجملة خبر
~~المبتدأ والإشارة للتحقير فاستعملت هنا للتوبيخ كأنه ازدرى بهم لظهور
~~خطئهم في ذلك الاتخاذ.

# والمراد بمحبة المؤمنين لهم المحبة العادية الناشئة من نحو الإحسان
~~والصداقة، ومثلها  وإن كان غريبا يلام عليه إذا وقع من المؤمنين في حق
~~أعداء الدين الذين يتربصون بهم ريب المنون لكن لا يصل إلى الكفر وإنما لم
~~يصل إليه باعتبار آخر لا يكاد يقع من أولئك المخاطبين، وقيل: المراد:
~~تحبونهم لأنكم تريدون الإسلام لهم وتدعونهم إلى الجنة ولا يحبونكم لأنهم
~~يريدون لكم الكفر والضلال وفي ذلك الهلاك، ولا يخفى ما فيه.

# { وتؤمنون بالكتب كله } أي بالجنس كله وجعل ذلك من قبيل
~~أنت الرجل أي الكامل في الرجولية ويكون الكتاب حينئذ إشارة إلى القرآن
~~تعسف، والجملة حال من ضمير المفعول في { لا يحبونكم } واعترضه في
~~«البحر» بأن المضارع المثبت إذا وقع حالا لا تدخل عليه واو الحال ولهذا
~~تأولوا قمت وأصك عينيه على حذف المبتدأ أي قمت وأنا أصك عينيه، ومثل هذا
~~التأويل وإن جاء هنا أي ولا يحبونكم وأنتم تؤمنون بالكتاب كله إلا أن
~~العطف على تحبونهم أولى لسلامته من الحذف، وفيه أن الكلام في معرض
~~التخطئة ولا كذلك الإيمان بالكتاب كله فإنه محض الصواب، والحمل  على
~~أنكم تؤمنون بالكتاب كله وهم لا يؤمنون بشيء منه لأن إيمانهم كلا إيمان
~~فلا يجامع المحبة  سديد كما قال العلامة الثاني في تقرير الحالية دون
~~العطف، وبهذا يندفع ما في «البحر» من ms01431 الاعتذار والمعنى يحبونكم والحال
~~أنكم تؤمنون بكتابهم فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بكتابكم.

# { وإذا لقوكم قالوا ءامنا } نفاقا { وإذا خلوا }
~~أي خلا بعضهم ببعض { عضوا عليكم } أي لأجلكم { الأنامل }
~~أي أطراف الأصابع { من الغيظ } أي لأجل الغضب والحنق لما يرون من
~~ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم ونصرة الله تعالى إياهم بحيث عجز أعداؤهم
~~عن أن يجدوا سبيلا إلى التشفي واضطروا إلى مداراتهم، وعض الأنامل عادة
~~النادم الأسيف العاجز، ولهذا أشير به إلى حال هؤلاء وليس المراد أن هناك
~~عضا بالفعل.

# / { قل } يا محمد بلسانك، وقيل: المراد حدث نفسك بإذلالهم وإعزاز
~~الإسلام من غير أن يكون هناك قول، وقيل: هو خطاب لكل مؤمن وتحريض لهم على
~~عداوتهم وحث لهم على خطابهم خطاب الخصماء فإنه لا أقطع للمحبة من جراحة
~~اللسان فالمقصود على هذا من قوله تعالى: { موتوا بغيظكم } مجرد
~~الخطاب بما يكرهونه، والصحيح الذي اتفقت عليه كلمتهم أنه دعاء عليهم وكون
~~ذلك مما فيه خفاء إذ لا يخاطب المدعو عليه بل الله تعالى ويسأل منه
~~ابتلاؤه لا خفاء في خفائه وأنه غفلة عن قولهم قاتلك الله تعالى، وقولهم:
~~دم بعز، وبت قرير عين، وغيره مما لا يحصى، والمراد كما قيل: الدعاء بدوام
~~الغيظ وزيادته بتضاعف قوة الإسلام وأهله حتى يهلكوا به، وهذا عند العلامة
~~الثاني من كناية الكناية حيث عبر بدعاء موتهم بالغيظ عن ملزومه الذي هو
~~دعاء ازدياد غيظهم إلى حين الهلاك وبه عن ملزومه الذي هو قوة الإسلام وعز
~~اسمه وذلك لأن مجرد الموت بالغيظ أو ازدياده ليس مما يحسن أن يطلب ويدعى
~~به.

# وتعقب بأن المجاز على المجاز مذكور وأما الكناية على الكناية فنادرة وقد
~~صرح بها السبكي في «قواعده الأصولية» ونقل فيها خلافا، ومع هذا الفرق
~~بين الكناية بالوسائط والكناية على الكناية مما يحتاج إلى التأمل الصادق
~~ولعله فرق اعتباري، وأيضا ما ذكره من أن مجرد الموت بالغيظ الخ مدفوع
~~بأنه يمكن أن يكون المحسن لذلك ما فيه من الإشارة إلى ذمهم حيث إنهم قد
~~استحقوا هذا ms01432 الموت الفظيع والحال الشنيع.

# { إن الله عليم بذات الصدور } أي بما خفي فيها، وهذا
~~يحتمل أن يكون من تتمة المقول أي قل لهم إن الله تعالى عليم بما هو أخفى
~~مما تخفونه من عض الأنامل إذا خلوتم فيجازي به، وأن يكون خارجا عنه أي
~~قل لهم ما تقدم ولا تتعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم فإني عليم بالأخفى
~~من ضمائرهم، والنهي عن التعجب حينئذ إما خارج مخرج العادة مجازا بناءا
~~على أن المخاطب عالم بمضمون هذه الجملة، وإما باق على حقيقته إن كان
~~المخاطب غير ذلك ممن يقف على هذا الخطاب فلا إشكال على التقديرين خلافا
~~لمن وهم في ذلك.

### || [3.120]

# { إن تمسسكم } أيها المؤمنون { حسنة } نعمة من ربكم كالألفة
~~واجتماع الكلمة والظفر بالأعداء { تسؤهم } أي تحزنهم وتغظهم { وإن
~~تصبكم سيئة } أي محنة كإصابة العدو منكم واختلاف الكلمة فيما
~~بينكم { يفرحوا } أي يبتهجوا { بها } وفي ذلك إشارة إلى تناهي
~~عداوتهم إلى حد الحسد والشماتة، والمس قيل: مستعار للإصابة فهما هنا
~~بمعنى، وقد سوى بينهما في غير هذا الموضع كقوله تعالى:

# إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة

# [التوبة: 50] وقوله سبحانه:

# إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا

# [المعارج: 20-21] والتعبير هنا بالمس مع الحسنة وبالإصابة مع السيئة
~~لمجرد التفنن في التعبير، وقال بعض المحققين: الأحسن والأنسب بالمقام ما
~~قيل: إنه للدلالة على إفراطهم في السرور والحزن لأن المس أقل من الإصابة
~~كما هو الظاهر فإذا ساءهم أقل خير نالهم فغيره أولى منه، وإذا فرحوا
~~بأعظم المصائب مما يرثي له الشامت ويرق الحاسد فغيره أولى فهم لا ترجى
~~موالاتهم أصلا فكيف تتخذونهم بطانة؟! والقول بأنه لا يبعد أن يقال: إن
~~ذلك إشارة إلى أن ما يصيبهم من الخير بالنسبة إلى لطف الله تعالى معهم
~~خير قليل وما يصيبهم من السيئة بالنسبة لما يقابل به من الأجر الجزيل
~~عظيم بعيد كما لا يخفى.

# { وإن تصبروا } على أذاهم أو على طاعة الله تعالى ومضض الجهاد
~~في سبيله { وتتقوا } ما حرم عليكم { لا ms01433 يضركم كيدهم }
~~/ أي مكرهم وأصل الكيد المشقة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب {
~~لا يضركم } بكسر الضاد وجزم الراء على أنه جواب الشرط من ضاره
~~يضيره بمعنى ضره يضره، وضم الراء في القراءة المشهورة لاتباع ضمة الضاد
~~كما في الأمر المضاعف المضموم العين كمد، والجزم مقدر، وجوزوا في مثله
~~الفتح للخفة والكسر لأجل تحريك الساكن، وقيل: إنه مرفوع بتقدير الفاء وهو
~~تكلف مستغنى عنه { شيئا } نصب على المصدر أي لا يضركم كيدهم شيئا من
~~الضرر لا كثيرا ولا قليلا ببركة الصبر والتقوى لكونهما من محاسن
~~الطاعات ومكارم الأخلاق ومن تحلى بذلك كان في كنف الله تعالى وحمايته من
~~أن يضره كيد عدو، وقيل: لا يضركم كيدهم لأنه أحاط بكم فلكم الأجر الجزيل
~~وإن بطل فهو النعمة الدنيا فأنتم لا تحرمون الحسنى على كلتا الحالتين
~~وفيه بعد.

# { إن الله بما يعملون } من الكيد. وقرأ الحسن وأبو حاتم
~~تعملون بالتاء الفوقانية وهو خطاب للمؤمنين أي ما تعملون من الصبر
~~والتقوى { محيط } علما أو بالمعنى اللائق بجلاله فيعاقبهم به أو
~~فيثيبكم عليه.

### || [3.121]

# { وإذ غدوت } أي واذكر إذ خرجت غدوة { من } عند { أهلك }
~~والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة والكلام مستأنف سيق للاستشهاد
~~بما فيه من استتباع عدم الصبر والتقوى للضرر على أن وجودهما مستتبع لما
~~وعد من النجاة عن مضرة كيد الأعداء وكان الخروج من حجرة عائشة رضي الله
~~تعالى عنها { تبوىء المؤمنين } أي توطنهم قاله ابن جبير وقيل:
~~تنزلهم، وقيل: تسوي وتهيء لهم، ويؤيده قراءة  للمؤمنين  إذ ليس محل
~~التقوية والزيادة غير فصيحة { مقاعد للقتال } أي مواطن ومواقف
~~ومقامات له، وأصل المقعد والمقام محل القعود والقيام ثم توسع فيه فأطلق
~~بطريق المجاز على المكان مطلقا وإن لم يكن فيه قيام وقعود، وقد يطلق على
~~من به كقولهم المجلس السامي والمقام الكريم  وجملة { تبوىء } حال من
~~فاعل { غدوت } ولكون المقصود تذكير الزمان الممتد المتسع لابتداء
~~الخروج والتبوئة وما يترتب عليها إذ هو المذكر للقصة لم يحتج إلى القول
~~بأنها حال ms01434 مقدرة أي ناويا وقاصدا للتبوئة، ومقاعد مفعول ثان لتبوىء
~~والجار والمجرور متعلق بالفعل قبله أو بمحذوف وقع صفة لمقاعد، ولا يجوز
~~كما قال أبو البقاء أن يتعلق به لأن المراد به المكان وهو لا يعمل.

# روى ابن إسحق وجماعة عن ابن شهاب ومحمد بن يحيى والحصين بن عبد الرحمن
~~وغيرهم وكل قد حدث بعض الحديث

# " أنه لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب ورجع فلهم إلى مكة
~~ورجع أبو سفيان بن حرب بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي
~~جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيبت آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم
~~يوم بدر فكلموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة
~~فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل أخياركم فأعينونا بهذا
~~المال على حربه لعلنا ندرك به ثأرنا بمن أصاب منا ففعلوا فاجتمعت قريش
~~لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجت بجدها وجديدها وأحابيشها ومن
~~تابعها من بني كنانة وأهل تهامة وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة وأن
~~لا يفروا وخرج أبو سفيان وهو قائد الناس بهند بنت عتبة وخرج آخرون بنساء
~~أيضا فأقبلوا حتى نزلوا بعينين بجبل ببطن السبخة من قناة على شفير
~~الوادي مقابل المدينة فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني
~~رأيت بقرا تنحر ورأيت في ذباب سيفي ثلما ورأيت أني أدخلت يدي في درع
~~حصينة فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا
~~فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها وكان رأي
~~عبد الله بن أبي بن سلول مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى رأيه
~~في ذلك أن لا يخرج إليهم وكان صلى الله عليه وسلم يكره الخروج فقال رجال
~~من المسلمين ممن أكرمه الله تعالى بالشهادة يوم أحد وغيرهم ممن كان فاته
~~يوم بدر: أخرج بنا يا رسول الله ms01435 إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم
~~وضعفنا فقال عبد الله بن أبي بن سلول: يا رسول الله أقم بالمدينة لا
~~تخرج إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا ولا دخل
~~علينا إلا أصبنا منه فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر محبس وإن
~~دخلوا قاتلهم الرجال من فوقهم وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا فلم يزل
~~الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم
~~حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمة حربه وذلك يوم الجمعة
~~حين فرغ من الصلاة ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا: استكرهنا رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن لنا ذلك فإن شئت فاقعد صلى الله تعالى
~~عليك وسلم فقال: ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل فخرج
~~صلى الله عليه وسلم بألف من أصحابه وقد وعدهم الفتح أن يصبروا، واستعمل
~~ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس حتى إذا كان بالشوط بين المدينة وأحد
~~انخذل عنه عبد الله بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني وما ندري علام نقتل
~~أنفسنا ههنا أيها الناس فرجع بمن تبعه من قومه من أهل النفاق والريب
~~واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حزام أخو بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله
~~تعالى أن تخذلوا قومكم ونبيكم عند ما حضر من عدوهم قال: لو نعلم أنكم
~~تقاتلون لما أسلمناكم ولكنا لا نرى أنه يكون قتال فلما استعصوا عليه وأبو
~~إلا الانصراف قال: أبعدكم الله تعالى أعداء الله فسيغني الله تعالى عنكم
~~نبيه صلى الله عليه وسلم ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك في
~~حرة بني حارثة فذب فرس بذنبه فأصاب كلاب سيف فاستله فقال صلى الله عليه
~~وسلم وكان يحب الفأل ولا يعتاف لصاحب السيف: «شم سيفك فإني أرى السيوف
~~ستسل اليوم» ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد من
~~عدوة الوادي إلى الجبل ms01436 فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال: «لا يقاتل أحد حتى
~~نأمره بالقتال وتعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال ومشى على رجليه
~~وجعل يصف أصحابه فكأنما يقوم بهم القدح إن رأى صدرا خارجا قال: تأخر
~~وهو في سبعمائة رجل وأمر على الرماة عبد الله بن جبير وهو معلم يومئذ
~~بثياب بيض وكانوا خمسين رجلا وقال: انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من
~~خلفنا إن كان علينا أو لنا فاثبت مكانك لا يؤتين من قبلك "

# وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين ودفع اللواء إلى مصعب بن
~~عمير وتعبأت قريش وهم ثلاث آلاف فيهم مائتا فرس قد جنبوها ووقع القتال
~~وكان ذلك يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة وكان ما كان» وأشار
~~الله تعالى إلى هذا اليوم بهذه الآية، والقول بأنها إشارة إلى يوم بدر
~~كقول مقاتل بأنها إشارة إلى يوم الأحزاب خلاف ما عليه الجمهور.

# { والله سميع } لسائر المسموعات ويدخل ما وقع في هذه الغزوة من
~~الأقوال دخولا أوليا { عليم } بسائر المعلومات ومنها ما في ضمائر
~~القوم يومئذ / والجملة اعتراض للإيذان بأنه قد (صدر عنهم هناك) من
~~الأقوال والأفعال ما لا ينبغي صدوره منهم، ومن ذلك قول أصحاب عبد الله بن
~~جبير حين رأوا غلبة المسلمين على كفار قريش: قد غنم أصحابنا ونبقى نحن
~~بلا غنيمة وجعلوا ينسلون رجلا فرجلا حتى أخلوا مراكزهم ولم يبق مع عبد
~~الله سوى اثني عشر رجلا مع إيصاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بثبوتهم
~~مكانهم.

### || [3.122]

# { إذ همت } قيل: بدل من

# وإذ غدوت

# [آل عمران: 121] مبين لما هو المقصود بالتذكير. وجوز أن يكون ظرفا
~~لتبوىء أو لغدوت أو لسميع عليم على سبيل التنازع أو لهما معا في رأي،
~~وليس المراد تقييد كونه سميعا عليما بذلك الوقت { طائفتان
~~منكم } أي فرقتان من المسلمين وهما حيان من الأنصار بنو سلمة من
~~الخزرج وبنو حارثة من الأوس وكانا جناحي عسكر رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم قاله ابن عباس وجابر ms01437 بن عبد الله والحسن وخلق كثير، وقال الجبائي:
~~همت طائفة من المهاجرين وطائفة من الأنصار { أن تفشلا } أي تضعفا
~~وتجبنا حين رأوا انخذال عبد الله بن أبي بن سلول مع من معه عن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم والمنسبك من أن والفعل متعلق  بهمت  والباء
~~محذوفة أي همت بالفشل وكان المراد به هنا لازمه لأن الفعل الاختياري الذي
~~يتعلق الهم به والظاهر أن هذا الهم لم يكن عن عزم وتصميم على مخالفة
~~النبي صلى الله عليه وسلم ومفارقته لأن ذلك لا يصدر مثله عن مؤمن بل كان
~~مجرد حديث نفس ووسوسة كما في قوله:

# أقول لها إذا جشأت وجاشت

# مكانك تحمدي أو تستريحي

# ويؤيد ذلك قوله تعالى: { والله وليهما } أي ناصرهما والجملة
~~اعتراض. وجوز أن تكون حالا من فاعل همت أو من ضميره في تفشلا مفيدة
~~لاستبعاد فشلهما أو همهما مع كونهما في ولاية الله تعالى، وقرأ عبد الله
~~والله وليهم بضمير الجمع على حد

# وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا

# [الحجرات: 9].

# { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أي عليه سبحانه لا
~~على غيره كما يؤذن به تقديم المعمول وإظهار الاسم الجليل للتبرك به
~~والتعليل وأل في { المؤمنون } للجنس ويدخل فيه الطائفتان دخولا
~~أوليا، وفي هذا العنوان إشعار بأن الإيمان بالله تعالى من موجبات التوكل
~~عليه، وحذف متعلق التوكل ليفيد العموم أي ليتوكلوا عليه عز شأنه في جميع
~~أمورهم جليلها وحقيرها سهلها وحزنها.

### || [3.123]

# { ولقد نصركم الله ببدر } بيان لما يترتب على الصبر
~~والتقوى إثر بيان ما ترتب على عدمهما أو مساقة لإيجاب التوكل على الله
~~تعالى بتذكير ما يوجبه. وبدر كما قال الشعبي بئر لرجل من جهينة يقال له
~~بدر فسميت به، وقال الواقدي: اسم للموضع، وقيل: للوادي وكانت كما قال
~~عكرمة متجرا في الجاهلية. وقال قتادة: إن بدرا ماء بين مكة والمدينة
~~التقى عليه النبي صلى الله عليه وسلم والمشركون وكان أول قتال قاتله
~~النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك في السابع عشر من شهر رمضان يوم
~~الجمعة سنة ms01438 اثنتين من الهجرة، والباء بمعنى  في  أي نصركم الله في بدر
~~{ وأنتم أذلة } حال من مفعول نصركم وأذلة جمع قلة لذليل، واختير
~~على ذلائل ليدل على قلتهم مع ذلتهم، والمراد بها عدم العدة لا الذل
~~المعروف فلا يشكل / دخول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخطاب إن
~~قلنا به، وقيل: لا مانع من أن يراد المعنى المعروف ويكون المراد وأنتم
~~أذلة في أعين غيركم وإن كنتم أعزة في أنفسكم، وقد تقدم الكلام على عددهم
~~وعدد المشركين إذ ذاك.

# { فاتقوا الله } باجتناب معاصيه والصبر على طاعته ولم يصرح
~~بالأمر بالصبر اكتفاءا بما سبق وما لحق مع الإشعار على ما قيل بشرف
~~التقوى وأصالتها وكون الصبر من مباديها اللازمة لها وفي ترتيب الأمر بها
~~على الإخبار بالنصر إعلام بأن نصرهم المذكور كان بسبب تقواهم فمعنى قوله
~~تعالى: { لعلكم تشكرون } لعلكم تقومون بشكر ما أنعم به عليكم
~~من النصر القريب بسبب تقواكم إياه، ويحتمل أن يكون كناية أو مجازا عن
~~نيل نعمة أخرى توجب الشكر كأنه قيل: فاتقوا الله لعلكم تنالون نعمة من
~~الله تعالى فتشكرونه عليها فوضع الشكر موضع الإنعام لأنه سبب له ومستعد
~~إياه.

### || [3.124]

# { إذ تقول للمؤمنين } ظرف ل

# نصركم

# [آل عمران: 123]، والمراد به وقت ممتد وقدم عليه الأمر بالتقوى إظهارا
~~لكمال العناية، وقيل: بدل ثان من

# إذ غدوت

# [آل عمران: 121] وعلى الأول: يكون هذا القول ببدر، وعلى ذلك الحسن
~~وغيره. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن الشعبي أن المسلمين
~~بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك
~~عليهم فأنزل الله تعالى { ألن يكفيكم } الخ فبلغت كرزا الهزيمة
~~فلم يمد المشركين. وعلى الثاني: يكون القول بأحد وكان مع اشتراط الصبر
~~والتقوى عن المخالفة ولم يوجدا منهم فلم يمدوا، ونسب ذلك إلى عكرمة
~~وقتادة في إحدى الروايتين عنه.

# { ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ءالف
~~من الملئكة منزلين } الكفاية سد الحاجة وفوقها الغنى
~~بناءا على أنه الزيادة على نفي الحاجة والإمداد في ms01439 الأصل إعطاء الشيء
~~حالا بعد حال، ويقال مد في السير إذا استمر عليه، وامتد بهم السير إذا
~~طال واستمر، وعن بعضهم ما كان بطريق التقوية والإعانة يقال فيه أمده يمده
~~إمدادا وما كان بطريق الزيادة يقال فيه: مده مدا، وقيل: يقال: مده في
~~الشر وأمده في الخير والهمزة لإنكار أن لا يكفيهم ذلك، وأتى بلن لتأكيد
~~النفي بناءا على ما ذهب إليه البعض، وفيه إشعار بأنهم كانوا حينئذ
~~كالآيسين من النصر لقلة عددهم وعددهم، وفي التعبير بعنوان الربوبية مع
~~الإضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من اللطف وتقوية الإنكار، وأن
~~يمدكم في تأويل المصدر فاعل بيكفيكم ومن الملائكة بيان أو صفة لآلاف أو
~~لما أضيف إليه. ومنزلين صفة لثلاثة آلاف، وقيل: حال من (الملائكة) وفي
~~وصفهم بذلك إشارة إلى أنهم من أشرف الملائكة وقد أنزلوا على ما ذكره
~~الشيخ الأكبر قدس سره من السماء الثالثة وذكر سر ذلك في «الفتوحات»،
~~وقرىء منزلين بالتشديد للتكثير أو للتدريج، وقرىء مبنيا للفاعل من
~~الصيغتين على معنى منزلين الرعب في قلوب أعدائكم أو النصر لكم والجمهور
~~على كسر التاء من ثلاثة، وقد أسكنت في الشواذ ووقف عليها بإبدالها هاءا
~~أيضا على أنه أجرى الوصل مجرى الوقف فيهما ويضعف ذلك أن المضاف والمضاف
~~إليه كالشيء الواحد.

### || [3.125]

# { بلى } إيجاب لما بعد لن أي: بلى يكفيكم ذلك ثم وعدهم الزيادة
~~بالشرط فقال سبحانه وتعالى { إن تصبروا } على مضض الجهاد وما أمرتم
~~به { وتتقوا } ربكم بالاجتناب عن معاصيه وعدم المخالفة له {
~~ويأتوكم } أي المشركون أو أصحاب كرز كما قال الشعبي. / { من
~~فورهم هذا } أصل الفور مصدر من فارت القدر إذا اشتد غليانها
~~ومنه «إن شدة الحر من فور جهنم» ويطلق على الغضب لأنه يشبه فور القدر
~~وعلى أول كل شيء، ثم إنه استعير للسرعة، ثم أطلق على الحال التي لا بطء
~~فيها ولا تراخي، والمعنى ويأتوكم في الحال ووصف بهذا لتأكيد السرعة
~~بزيادة التعيين والتقريب ونظم إتيانهم بسرعة في سلك شرطي الإمداد ومداريه
~~مع تحقق الإمداد ms01440 لا محالة [سواء] أسرعوا أو أبطأوا إيذانا بتحقق سرعة
~~الإمداد لا لتحقيق أصله، أو لبيان تحققه على أي حال فرض على أبلغ وجه
~~وآكده حيث علقه بأبعد التقادير ليعلم تحققه على سائرها بالأولى فإن هجوم
~~الأعداء بسرعة من مظان عدم لحوق المدد عادة فمتى علق به تحقق الإمداد مع
~~منافاته له أفاد تحققه لا محالة مع ما هو غير مناف له كذا قيل.

# وربما يفهم منه أن الإمداد المرتب على الشرط في قوله تعالى: {
~~يمددكم ربكم بخمسة ءالف من الملئكة } وقع
~~لهم وفي ذلك ترديد وتردد لأن هذا الكلام إن كان في غزوة أحد فلا شبهة في
~~عدم وقوع ذلك ولا بملك واحد لعدم وقوع الشرط ولذا وقعت الهزيمة وإن كان
~~في غزوة بدر كما هو المعتمد فقد وقع الاختلاف في أنهم أمدوا بهذه الخمسة
~~آلاف أو لا. فذهب الشعبي إلى أنهم أمدوا بغيرها ولم يمدوا بها بناءا
~~على تعليق الامداد بها بمجموع الأمور الثلاثة وهي الصبر والتقوى وإيتاء
~~أصحاب كرز وقد فقد الأمر الثالث كما نقلناه أولا فلم يوجد المجموع
~~لانعدامه بانعدام بعض أجزائه فلم يوجد الإمداد المذكور كما صرح به
~~الشعبي، نعم ذهب جمع إلى خلافه ولعله مبنى صاحب القيل لكن يبقى أن تفسير
~~الفور بما فسر به غير متعين بل لم يوجد صريحا في كلام السلف، والذي ذهب
~~إليه عكرمة ومجاهد وأبو صالح مولى أم هانىء أنه بمعنى الغضب فحينئذ تكون
~~(من) للسببية أي يأتوكم بسبب غضبهم عليكم، والإشارة إما لتعظيم ذلك الغضب
~~من حيث إنه شديد ومتمكن في القلوب، وإما لتحقيره من حيث إنه ليس على
~~الوجه اللائق والطريق المحمود فإنه إنما كان على مخالفة المسلمين لهم في
~~الدين وتسفيه آرائهم وذم آلهتهم أو على ما أوقعوا فيهم وحطموا رؤوس
~~رؤسائهم يوم بدر، وإلى الثاني ذهب عكرمة وهو مبني على أن هذا القول وقع
~~في أحد.

# وذهب ابن عباس فيما أخرجه عنه ابن جرير إلى تفسيره بالسفر أي ويأتوكم من
~~سفرهم هذا، قيل: وهو مبني أيضا ms01441 على ما بني عليه سابقه لأن الكفار في
~~غزوة أحد ندموا بعد انصرافهم حيث لم يعبروا على المدينة وهموا بالرجوع
~~فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر أصحابه بالتهيؤ
~~إليهم، ثم قال: إن صبرتم على الجهاد واتقيتم وعادوا إليكم من سفرهم هذا
~~أمدكم الله تعالى بخمسة آلاف من الملائكة فأخذوا في الجهاد وخرجوا يتبعون
~~الكفار على ما كان بهم من الجراح فأخبر المشركين من مر برسول الله صلى
~~الله عليه وسلم أنه خرج يتبعكم فخاف المشركون إن رجعوا أن تكون الغلبة
~~للمسلمين وأن يكون قد التأم إليهم من كان تأخر عنهم وانضم إليهم غيرهم
~~فدسوا نعيما الأشجعي حتى يصدهم بتعظيم أمر قريش وأسرعوا بالذهاب إلى مكة
~~وكفى الله تعالى المسلمين أمرهم والقصة معروفة.

# ثم إن تفسير الفور بالسفر مما لم نظفر به فيما بين أيدينا من الكتب
~~اللغوية فلعل الفور بمعنى الحال التي لا بطء فيها وهذا التفسير بيان
~~لحاصل المعنى، وذهب الحسن والربيع والسدي وقتادة وغيرهم أن { من
~~فورهم } بمعنى وجههم وليس بنص فيما ذهب إليه متأخرو المفسرين أصحاب
~~القيل لأنه يحتمل أن يكون المراد من الوجه الجهة التي يقصدها المسافر،
~~ويحتمل أن يكون من وجه الدهر / بمعنى أوله اللهم إلا أن يقال: إنه وإن لم
~~يكن نصا لكنه ظاهر قريب من النص لأن كون الوجه بمعنى الجهة المذكورة وإن
~~جاء في اللغة إلا أن كون الفور كذلك في حيز المنع واحتمال كونه من وجه
~~الدهر بمعنى أوله يرجع إلى ما قالوا فتدبر. واعلم أن هذا الإمداد وقع
~~تدريجا فكان أولا بألف ثم صاروا ألفين ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا
~~خمسة آلاف لا غير؛ فمعنى يمددكم بخمسة آلاف يمددكم بتمام خمسة آلاف،
~~وإليه ذهب الحسن، وقال غيره: كانت الملائكة ثمانية آلاف فالمعنى يمددكم
~~بخمسة آلاف أخر.

# { مسومين } من التسويم وهو إظهار علامة الشيء، والمراد معلمين
~~أنفسهم أو خيلهم، وقد اختلفت الروايات في ذلك، فعن عبد الله بن الزبير أن
~~الزبير كانت عليه عمامة صفراء ms01442 معتجرا بها فنزلت الملائكة وعليهم عمائم
~~صفر، وأخرج ابن إسحق والطبراني عن ابن عباس أنه قال: كانت سيماء الملائكة
~~يوم بدر عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمر، وفي رواية
~~أخرى عنه لكن بسند ضعيف أنها كانت يوم بدر بعمائم سود ويوم أحد بعمائم
~~حمر.

# وأخرج ابن أبي شيبة وغيره عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: كانت
~~سيماء الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض في نواصي الخيل وأذنابها وكانوا كما
~~قال الربيع على خيل بلق، وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أنهم كانوا
~~مسومين بالعهن الأحمر، وأخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد أنه قال: كانوا
~~معلمين مجزوزة أذناب خيولهم ونواصيها فيها الصوف والعهن، وأنت تعلم أنه
~~لا مانع من أن يكونوا معلمين أنفسهم وخيولهم أيضا وهذا على قراءة ابن
~~كثير وأبي عمرو وعاصم { مسومين } بكسر الواو، وأما على قراءة
~~الباقين { مسومين } بفتح الواو على أنه اسم مفعول فقيل: المراد به
~~معلمين من جهة الله تعالى، وقيل: مرسلين مطلقين، ومنه قولهم: ناقة سائمة
~~أي مرسلة في المرعى، وإليه ذهب السدي والمتبادر على هذه القراءة أن
~~الإسامة لهم، وأما أنها كانت لخيلهم فغير ظاهر.

### || [3.126]

# { وما جعله الله } أي الامداد المفهوم من الفعل المقدر المدلول
~~عليه بقوة الكلام كأنه قيل: فأمدكم الله تعالى بما ذكر وما جعل الله
~~تعالى ذلك الإمداد { إلا بشرى لكم } وقيل: الضمير للوعد
~~بالإمداد، وقيل: للتسويم أو للتنزيل أو للنصر المفهوم من نصركم السابق
~~ومتعلق البشارة غيره، وقيل: للإمداد المدلول عليه بأحد الفعلين، والكل
~~ليس بشيء كما لا يخفى، والبشرى إما مفعول له، و (جعل) متعدية لواحد أو
~~مفعول لها إن جعلت متعدية لاثنين، وعلى الأول: الاستثناء مفرغ من أعم
~~العلل أي وما جعل إمدادكم بإنزال الملائكة لشيء من الأشياء إلا للبشارة
~~لكم بأنكم تنصرون، وعلى الثاني: مفرغ من أعم المفاعيل أي وما جعله الله
~~تعالى شيئا من الأشياء إلا بشرى لكم. والجملة ابتداء كلام غير داخل في
~~حيز القول بل مسوق من ms01443 جنابه تعالى لبيان أن الأسباب الظاهرة بمعزل عن
~~التأثير بدون إذنه سبحانه وتعالى، فإن حقيقة النصر مختص به عز اسمه ليثق
~~به المؤمنون ولا يقنطوا منه عند فقدان أسبابه وأماراته وهي معطوفة على
~~فعل مقدر كما أشرنا إليه، ووجه الخطاب نحو المؤمنين تشريفا لهم وإيذانا
~~بأنهم هم المحتاجون لما ذكر، وأما رسوله صلى الله عليه وسلم فغني عنه بما
~~من به عليه من التأييد الروحاني والعلم الرباني.

# { ولتطمئن قلوبكم به } أي ولتسكن قلوبكم بالإمداد فلا
~~تخافوا كثرة عدد العدو وقلة عددكم وهذا إما معطوف على { بشرى }
~~باعتبار الموضع وهو كالمعطوف عليه علة غائية للجعل إلا أنه نصب / الأول
~~لاجتماع شرائطه ولم ينصب الثاني لفقدانها، وقيل: للإشارة أيضا إلى
~~أصالته في العلية وأهميته في نفسه كما في قوله تعالى:

# لتركبوها وزينة

# [النحل: 8] وإما متعلق بمحذوف معطوف على الكلام السابق أي ولتطمئن
~~قلوبكم به، فعل ذلك وهو أولى من تقدير بشركم كما فعل أبو البقاء، والثاني
~~متعين على الاحتمال الثاني في الأول.

# { وما النصر } أي على الإطلاق فيندرج فيه النصر المعهود دخولا
~~أوليا { إلا من عند الله } المودع في الأسباب بمقتضى الحكمة
~~قوة لا تأثر إلا به أو وما النصر المعهود إلا من عنده سبحانه وتعالى لا
~~من الملائكة لأن قصارى أمرهم ما ذكر من البشارة وتقوية القلوب ولم
~~يقاتلوا أو لأن قصارى أمرهم أنهم قاتلوا بتمكين الله تعالى لهم ولم يكن
~~لهم فعل استقلالا ولو شاء الله تعالى ما فعلوا على أن مجرد قتالهم لا
~~يستدعي النصر بل لا بد من انضمام ضعف المقابلين المقاتلين ولو شاء الله
~~تعالى لسلطهم عليهم فحيث أضعف وقوى ومكن وما مكن وبه حصل النصر كان ذلك
~~منه سبحانه وتعالى.

# والآية على هذا لا تكون دليلا لمن زعم أن المسببات عند الأسباب لا بها
~~وقد مر تحقيقه فتذكر، وكذا لا دليل فيها على وقوع قتالهم ولا على عدمه
~~لاحتمالها الأمرين، وبكل قال بعض. والمختار ما روي عن مجاهد أن الملائكة
~~لم يقاتلوا في غزواته صلى الله ms01444 عليه وسلم إلا في غزوة بدر وإنما حضروا في
~~بعضها بمقتضى ما علم الله تعالى من المصلحة مثل حضورهم حلق أهل الذكر،
~~وربما أعانوا بغير القتال كما صنعوا في غزوة أحد على قول، فعن ابن إسحق
~~أن سعد بن مالك كان يرمي في غزوة أحد وفتى شاب كان ينبل له كلما فني
~~النبل أتاه به وقال له: ارم أبا إسحق ارم أبا إسحق، فلما انجلت المعركة
~~سأل عن ذلك الرجل فلم يعرف، وأنكر أبو بكر الأصم الإمداد بالملائكة،
~~وقال: إن الملك الواحد يكفي في إهلاك سائر أهل الأرض كما فعل جبريل عليه
~~السلام بمدائن قوم لوط فإذا حضر هو مأمورا بالقتال فأي حاجة إلى مقاتلة
~~الناس مع الكفار، وأيضا أي فائدة في إرسال سائر الملائكة معه وهو القوي
~~الأمين، وأيضا إن أكابر الكفار الموجودين في غزوة القتال قاتل كل منهم
~~من الصحابة معلوم ولم يعلم أن أحدا من الملائكة قتل أحدا منهم، وأيضا
~~لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أو لا، وعلى الأول: يكون
~~المشاهد من عسكر الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر ألوفا عديدة ولم
~~يقل بذلك أحد، وهو أيضا خلاف قوله تعالى:

# ويقللكم فى أعينهم

# [الأنفال: 44] ولو كانوا في غير صورة ابن آدم لزم وقوع الرعب الشديد في
~~قلوب الخلق ولم ينقل ذلك ولو كان لنقل البتة، وعلى الثاني: يلزم حز
~~الرؤوس وتمزيق البطون ونحو ذلك من الكفار من غير مشاهدة فاعل لهذه
~~الأفعال ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات وقد وقع بين جمعين سالم ومكسر
~~فكان يجب أن يتواتر ويشتهر لدى الموافق والمخالف فحيث إنه لم يشتهر دل
~~على أنه لم يكن، وأيضا أنهم لو كانوا أجساما كثيفة وجب أن يراهم الكل
~~وإن كانوا أجساما لطيفة هوائية تعذر ثبوتهم على الخيل انتهى.

# ولا يخفى أن هذه الشبه لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة ولا بمن يعترف
~~بأنه تعالى قادر على ما يشاء فعال لما يريد فما كان يليق بالأصم إلا أن
~~يكون أخرس عن ms01445 ذلك إذ نص القرآن ناطق بالإمداد؛ ووروده في الأخبار قريب من
~~المتواتر فكأن الأصم أصم عن سماعه أو أعمى عن رؤية رباعه، وقد روى عبد بن
~~عمير قال: لما رجعت قريش من أحد جعلوا يتحدثون في أنديتهم بما ظفروا
~~ويقولون لم نر الخيل البلق ولا الرجال البيض الذين كنا نراهم يوم بدر،
~~والتحقيق في هذا المقام كما قال بعض المحققين: إن التكليف ينافي الإلجاء
~~وأنه تعالى شأنه وإن كان قادرا على إهلاك جميع الكفار في لحظة واحدة
~~بملك واحد بل بأدنى من ذلك بل بلا سبب، وكذا هو قادر / على أن يجبرهم على
~~الإسلام ويقسرهم لكنه سبحانه أراد إظهار هذا الدين على مهل وتدريج
~~وبواسطة الدعوة وبطريق الابتلاء والتكليف فلا جرم أجرى الأمور على ما
~~أجرى فله الحمد على ما أولى وله الحكم في الآخرة والأولى، وبهذا يندفع
~~كثير من تلك الشبه، وإهلاك قوم لوط عليه الصلاة والسلام كان بعد انقضاء
~~تكليفهم وهو حين نزول البأس فلا جرم أظهر الله تعالى القدرة وجعل عاليها
~~سافلها، وفي غزوة أحد كان الزمان زمان تكليف فلا جرم أظهر الحكمة ليتميز
~~الموافق عن المنافق والثابت عن المضطرب ولو أجري الأمر فيها كما أجري في
~~بدر أشبه أن يفضي الأمر إلى حد الإلجاء ونافى التكليف ونوط الثواب
~~والعقاب، ثم لا يخفى أن الملائكة إما أجسام لطيفة نورانية وإما أرواح
~~شريفة قدسية.

# وعلى التقديرين لهم الظهور في صور بني آدم مثلا من غير انقلاب العين
~~وتبدل الماهية كما قال ذلك العارفون من المحققين في ظهور جبريل عليه
~~السلام في صورة دحية الكلبي ومثل هذا من وجه ولله تعالى المثل الأعلى ما
~~صح من تجلي الله تعالى لأهل الموقف بصورة فيقول لهم: أنا ربكم فينكرونه
~~فإن الحكم في تلك القضية صادق مع أن الله تعالى وتقدس وراء ذلك وهو
~~سبحانه في ذلك التجلي باق على إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق، ومن سلم هذا 
~~ولا يسلمه إلا ذو قلب سليم  لم يشكل عليه الإمداد بالملائكة وظهورهم على
~~خيول ms01446 غيبية ثابتين عليها حسبما تقتضيه الحكمة الإلهية والمصلحة الربانية
~~ولا يلزم من ذلك رؤية كل ذي بصر لهم لجواز إحداث أمر مانع عنها إما في
~~الرائي أو في المرئي ولا مانع من أنهم يرون أحيانا ويخفون أحيانا ويرى
~~البعض ويخفى البعض، وزمام ذلك بيد الحكيم العليم فما شاء كان وما لم يشأ
~~لم يكن والشيء متى أمكن وورد به النص عن الصادق وجب قبوله ومجرد
~~الاستبعاد لا يجدي نفعا ولو ساغ التأويل لذلك لزم تأويل أكثر هذه
~~الشريعة بل الشرائع بأسرها وربما أفضى ذلك إلى أمر عظيم، فالواجب تسليم
~~كل ممكن جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وتفويض تفصيل ذلك وكيفيته إلى
~~الله تعالى.

# { العزيز } أي الغالب الذي لا يغالب فيما قضى به، وقيل: القادر على
~~انتقامه من الكفار بأيدي المؤمنين وفي إجراء هذا الوصف هنا عليه تعالى
~~إيذان بعلة اختصاص النصر به سبحانه. { الحكيم } أي الذي يضع الأشياء
~~مواضعها ويفعل على ما تقتضيه الحكمة في سائر أفعاله ومن ذلك نصره
~~للمؤمنين بواسطة إنزال الملائكة، وفي الاتيان بهذا الوصف رد على أمثال
~~الأصم في إنكارهم ما نطقت به الظواهر فسبحانه من عليم حكيم وعزيز حليم.

### || [3.127]

# { ليقطع طرفا من الذين كفروا } متعلق بقوله تعالى:

# ولقد نصركم الله ببدر

# [آل عمران: 123] وما بينهما تحقيق لحقيته وبيان لكيفية وقوعه، وإلى ذلك
~~ذهب جمع من المحققين وهو ظاهر على تقدير أن يجعل

# إذ تقول

# [آل عمران: 124] ظرفا  لنصركم  لا بدلا من

# إذ غدوت

# [آل عمران: 121] لئلا يفصل بأجنبي ولأنه كان يوم أحد. والظاهر أن هذا
~~في شأن بدر والمقصور على التعليل بما ذكر من البشرى والاطمئنان إنما هو
~~الإمداد بالملائكة على الوجه المذكور فلا يقدح [ذلك] في تعليل أصل النصر
~~بالقطع وماعطف عليه، وجوز أن يتعلق بما تعلق به الخبر في قوله سبحانه:

# وما النصر إلا من عند الله

# [آل عمران: 126] على تقدير كونه عبارة عن النصر المعهود والمعلل
~~بالبشارة والاطمئنان إنما هو الإمداد الصوري لا ما في ضمنه من النصر
~~المعنوي ms01447 الذي هو ملاك الأمر وعموده، وقيل: هو متعلق بنفس الصبر، واعترض
~~عليه بأنه مع ما فيه من الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي هو الخبر مخل
~~بسداد المعنى كيف لا ومعناه قصر النصر المخصوص المعلل بعلة معينة على
~~الحصول من جهته تعالى، وليس المراد / إلا قصر حقيقة النصر كما في الأول
~~أو النصر المعهود كما في الثاني على ذلك، والقول بأنه متعلق بمحذوف
~~والتقدير فعل ذلك التدبير، أو أمدكم بالملائكة ليقطع منقطع عن القبول،
~~والقطع الإهلاك، والمراد من الطرف طائفة منهم قيل: ولم يعبر عن تلك
~~الطائفة بالوسط بل بالطرف لأن أطراف الشيء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته،
~~وقيل: لأن الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كقوله تعالى:

# قاتلوا الذين يلونكم من الكفار

# [التوبة: 123] وقيل: للإشارة إلى أنهم كانوا أشرافا، ففي «الأساس» هو
~~من أطراف العرب أي [من] أشرافها، ولعل إطلاق الأطراف على الأشراف لتقدمهم
~~في السير، ومن ذلك قالوا: الأطراف منازل الأشراف فلا يرد أن الوسط أيضا
~~يشعر بالشرف، فالمعنى ليهلك صناديد الذين كفروا ورؤساءهم المتقدمين فيهم
~~بقتل وأسر، وقد وقع ذلك في بدر كما قال الحسن والربيع وقتادة، فقد قتل من
~~أولئك سبعون وأسر سبعون، واعتبار ذلك في أحد حيث قتل فيه ثمانية عشر
~~رجلا من رؤسائهم قول لبعضهم وقد استبعدوه كما أشرنا إليه.

# { أو يكبتهم } أي يخزيهم قاله قتادة والربيع ومنه قول ذي الرمة:

# لم أنس من شجن لم أنس موقفنا

# في حيرة بين مسرور (ومكبوت)

# وقال الجبائي والكلبي: أي يردهم منهزمين، وقال السدي: أي يلعنهم وأصل
~~الكبت الغيظ والغم المؤثر، وقيل: صرع الشيء على وجهه، وقيل: إن كبته يكون
~~بمعنى كبده أي أصاب كبده كرآه بمعنى أصاب رئته، ومنه قوله المتنبي:

# لأكبت حاسدا وأرى عدوا

# كأنهما وداعك والرحيل

# والآية محمولة على ذلك، ويؤيد هذا القول أنه قرىء (و يكبدهم) وأو
~~للتنويع دون الترديد لوقوع الأمرين { فينقلبوا خائبين } أي
~~فينهزموا منقطعي الآمال فالخيبة انقطاع الأمل، وفرقوا بينها وبين اليأس
~~بأن الخيبة لا تكون إلا بعد الأمل واليأس يكون بعده ms01448 وقبله، ونقيض الخيبة
~~الظفر، ونقيض اليأس الرجاء.

### || [3.128]

# { ليس لك من الأمر شىء } أخرج غير واحد «أن رباعية رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم السفلى اليمنى أصيبت يوم أحد أصابها عتبة بن
~~أبي وقاص وشجه في وجهه فكان سالم مولى أبي حذيفة أو علي كرم الله تعالى
~~وجهه يغسل الدم والنبي صلى الله عليه وسلم يقول

# " كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم "

# فأنزل الله تعالى هذه الآية. وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي
~~وغيرهم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم يوم أحد:

# " اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحرث بن هشام اللهم العن سهيل بن
~~عمرو اللهم العن صفوان بن أمية "

# فنزلت هذه الآية { ليس لك من الأمر شىء } الخ فتيب عليهم
~~كلهم، وعن الجبائي أنه صلى الله عليه وسلم استأذن يوم أحد أن يدعو على
~~الكفار لما آذوه حتى أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ذلك اليوم قاعدا
~~من الجراح وصلى المسلمون وراءه قعودا فلم يؤذن له ونزلت هذه الآية، وقال
~~محمد بن إسحق والشعبي لما رأى صلى الله عليه وسلم والمسلمون ما فعل
~~الكفار بأصحابه وبعمه حمزة من جدع الأنوف والآذان وقطع المذاكير قالوا
~~لئن أدالنا الله تعالى منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا بنا ولنمثلن بهم
~~مثلة لم يمثلها أحد من العرب قط فنزلت، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه
~~أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو على المنهزمين عنه من أصحابه
~~يوم أحد فنهاه الله تعالى عن ذلك وتاب عليهم ونزلت هذه الآية.

# / وهذه الروايات كلها متضافرة على أن الآية نزلت في أحد والمعول عليه
~~منها أنها بسبب المشركين. وعن مقاتل أنها نزلت في أهل بئر معونة وذلك أن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل أربعين وقيل: سبعين رجلا من قراء
~~أصحابه وأمر عليهم المنذر بن عمرو إلى بئر معونة على رأس أربعة أشهر من
~~أحد ليعلموا الناس القرآن والعلم فاستصرخ عليهم عدو ms01449 الله عامر بن الطفيل
~~قبائل من سليم من عصية ورعل وذكوان فأحاطوا بهم في رحالهم فقاتلوا حتى
~~قتلوا من عند آخرهم إلا كعب بن زيد أخا بني النجار فإنهم تركوه وبه رمق
~~فلما علم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد وجدا شديدا وقنت عليهم
~~شهرا يلعنهم فنزلت هذه الآية فترك ذلك، والمعنى ليس لك من أمر هؤلاء شيء
~~وإن قل.

# { أو يتوب عليهم أو يعذبهم } عطف إما على { الأمر
~~} أو على { شيء } بإضمار أن أي ليس لك من أمرهم شيء أو من التوبة
~~عليهم أو من تعذيبهم شيء، أو ليس لك من أمرهم شيء أو التوبة عليهم أو
~~تعذيبهم، وفرقوا بين الوجهين بأنه على الأول: سلب ما يتبع التوبة
~~والتعذيب منه صلى الله عليه وسلم بالكلية من القبول والرد والخلاص من
~~العذاب والمنع من النجاة.

# وعلى الثاني: سلب نفس التوبة والتعذيب منه عليه الصلاة والسلام يعني لا
~~يقدر أن يجبرهم على التوبة ولا يمنعهم عنها ولا يقدر أن يعذبهم ولا أن
~~يعفو عنهم فإن الأمور كلها بيد الله تعالى، وعلى التقديرين هو من عطف
~~الخاص على العام كما قال العلامة الثاني لكن في مجيء مثل هذا العطف بكلمة
~~{ أو } نظر، وتعقبه بعضهم بأن هذا إذا كان الأمر بمعنى الشأن  ولك أن
~~تجعله بمعنى التكليف والإيجاب أي ليس ما تأمرهم به من عندك وليس الأمر
~~بيدك ولا التوبة ولا التعذيب  فليس هناك عطف الخاص على العام، وفيه أن
~~الحمل على التكليف تكلف، والحمل على الشأن أرفع شأنا.

# ونقل عن الفراء وابن الأنباري أن { أو } بمعنى إلا أن، والمعنى ليس لك
~~من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله تعالى عليهم بالإسلام فتفرح أو يعذبهم
~~فتشتفي بهم وأيا ما كان فالجملة كلام مستأنف سيق لبيان بعض الأمور
~~المتعلقة بغزوة أحد أو ما يشبهها إثر بيان ما يتعلق بغزوة بدر لما بينهما
~~من التناسب من حيث إن كلا منهما مبني على اختصاص الأمر كله بالله تعالى
~~ومبني على سلبه عمن سواه، وقيل: ms01450 إن كل ما في هذه الآيات في غزوة أحد على
~~ما أشرنا إليه، وقيل: إن قوله تعالى: { أو يتوب } الخ عطف على

# فينقلبوا

# [آل عمران: 127] أي يكون ثمرة خزيهم انقلابهم خائبين أو التوب عليهم أو
~~تعذيبهم، أو عطف على

# يكبتهم

# [آل عمران: 127] و { ليس لك من الأمر شىء } اعتراض وسط بين
~~المعطوف عليه المتعلق بالعاجل والمعطوف المتعلق بالآجل لتحقيق أن لا
~~تأثير للمنصورين إثر بيان أن لا تأثير للناصرين وتخصيص النفي برسول الله
~~صلى الله عليه وسلم على طريق تلوين الخطاب للدلالة على الانتفاء من غيره
~~من باب أولى وإنما خص الاعتراض بموقعه لأن ما قبله من القطع والكبت من
~~مظان أن يكون فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولسائر مباشري القتال
~~مدخل في الجملة، والمعنى إن مالك أمرهم على الإطلاق وهو الله تعالى نصركم
~~عليهم ليهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا،
~~وليس لك من أمرهم شيء إن أنت إلا عبد مأمور بإنذارهم وجهادهم.

# والمراد بتعذيبهم التعذيب الشديد الأخروي المخصوص بأشد الكفرة كفرا
~~وإلا فمطلق التعذيب الأخروي متحقق في الفريقين الأولين وحمله على التعذيب
~~الدنيوي بالأسر واستيلاء المؤمنين عليهم خلاف المتبادر من التعذيب عند
~~الإطلاق وكذا لا يلائم ظاهر قوله سبحانه: { فإنهم ظلمون }
~~فإنه في مقام التعليل لهذا التعذيب / وأكثر ما يعلل به التعذيب الأخروي،
~~نعم حمله على التعذيب الدنيوي أوفق بالمعنى الذي ذكره الفراء وابن
~~الأنباري لأن التشفي في الغالب إنما يكون في الدنيا ونظم التوبة والتعذيب
~~الأخروي في سلك العلة الغائية للنصر المترتبة عليه في الوجود من حيث إن
~~قبول توبتهم فرع تحققها الناشىء من علمهم بحقية الإسلام بسبب غلبة أهله
~~المترتبة على النصر الذي هو من الآيات الغر المحجلة وأن تعذيبهم المذكور
~~شيء مسبب على إصرارهم على الكفر بعد تبين الحق على الوجه المذكور كما
~~ينبىء عن ذلك قوله تعالى:

# ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن
~~بينة

# [الأنفال: 42] وإن فسر بالأسر مثلا كان أمر التسبب مكشوفا لا ms01451 مرية
~~فيه، واستشكلت هذه الآية بناءا على أنها تدل على ما في بعض الروايات على
~~أنه صلى الله عليه وسلم كان فعل فعلا ومنع منه بأنه إن كان ذلك الفعل من
~~الله تعالى فكيف منعه منه وإن لم يكن فهو قادح بالعصمة ومناف لقوله
~~تعالى:

# وما ينطق عن الهوى

# [النجم: 3]، وأجيب بأن ما وقع كان من باب خلاف الأولى نظرا إلى منصبه
~~صلى الله عليه وسلم، والنهي المفهوم من الكلام من باب الإرشاد إلى اختيار
~~الأفضل ولا يعد ذلك من الهوى في شيء بناءا على القول بأنه يصح للنبي أن
~~يجتهد ويعمل بما أدى إليه اجتهاده المأذون به. وجوز أن يكون ذلك الفعل
~~نفسه عن وحي وإذن من الله تعالى له صلى الله عليه وسلم به وأن النهي عن
~~ذلك كان نسخا لذلك الإذن وأيا ما كان لا ينافي العصمة الثابتة
~~للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فافهم.

### || [3.129]

# { ولله ما فى السموات وما في الأرض } كلام مستأنف
~~سيق لبيان اختصاص ملكية جميع الكائنات به تعالى إثر بيان اختصاص طرف من
~~ذلك به عز شأنه تقريرا لما سبق وتكملة له؛ وتقديم الخبر للقصر، و { ما
~~} عامة للعقلاء وغيرهم تغليبا أي له سبحانه ما في هذين النوعين، أو ما
~~في هاتين الجهتين ملكا وملكا وخلقا واقتدارا لا مدخل لأحد معه في
~~ذلك فالأمر كله له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد { يغفر لمن يشاء }
~~أن يغفر له من المؤمنين فلا يعاقبه على ذنبه فضلا منه { ويعذب من
~~يشاء } أن يعذبه عدلا منه وإيثار كلمة { من } في الموضعين لاختصاص
~~المغفرة والتعذيب بالعقلاء وتقديم المغفرة على التعذيب للإيذان بسبق
~~رحمته تعالى على غضبه.

# وظاهر الآية يدل على أن مغفرة الله تعالى وتعذيبه غير مقيدين بشيء بل قد
~~يدعى أن التقييد مناف للسوق إذ هو لإثبات أنه سبحانه المالك على الإطلاق
~~فله أن يفعل ما يشاء لا مانع له من مشيئته ولو كانت مغفرته مقيدة بالتوبة
~~وتعذيبه بالظلم لم يكن فاعلا لما يشاء بل لما تستدعيه ms01452 التوبة أو الظلم،
~~فالآية ظاهرة في نفي الوجوب على الله تعالى وأنه يجوز أن يغفر سبحانه
~~للمذنب ويعذب المصلح  وهو مذهب الجماعة  وذهب المعتزلة إلى أن المغفرة
~~مشروطة بالتوبة فمن لم يتب لا يجوز أن يغفر له أصلا، وتمسكوا في ذلك
~~بوجهين: الأول: الآيات والأحاديث الناطقة بوعيد العصاة، الثاني: أن
~~المذنب إذا علم أنه لا يعاقب على ذنبه كان ذلك تقريرا له وإغراءا للغير
~~عليه وهذا ينافي حكمة إرسال الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم، وحملوا
~~هذه الآية على التقييد وخصوا أمثالها من المطلقات بالصغائر أو الكبائر
~~المقرونة بالتوبة، وقالوا: إن المراد يغفر لمن يشاء إذا تاب وجعلوا
~~القرينة على ذلك أنه تعالى عقب قوله سبحانه:

# أو يعذبهم

# [آل عمران: 128] بقوله جل شأنه:

# فإنهم ظلمون

# [آل عمران: 128] وهو دليل على أن الظلم هو السبب الموجب فلا تعذيب بدونه
~~ولا مغفرة مع وجوده فهو مفسر { لمن يشاء } وأيدوا كون المراد ذلك بما
~~روي عن الحسن في الآية { يغفر لمن يشاء } بالتوبة ولا يشاء أن
~~يغفر إلا للتائبين { ويعذب من يشاء } ولا يشاء أن يعذب إلا
~~للمستوجبين، وبما روي عن عطاء { يغفر لمن } يتوب عليه { ويعذب
~~من } لقيه ظالما؛ والجماعة / تمسكوا بإطلاق الآيات، وأجابوا عن متمسك
~~المخالف، أما عن الأول: فبأن تلك الآيات والأحاديث على تقدير عمومها إنما
~~تدل على الوقوع دون الوجوب، والنزاع فيه على أن كثرة النصوص في العفو
~~تخصص المذنب المغفور عن عمومات الوعيد، وأما عن الثاني: فبأن مجرد جواز
~~العفو لا يوجب ظن عدم العقاب فضلا عن الجزم به، وكيف يوجب جواز العفو
~~العلم بعدم العقاب والعمومات الواردة في الوعيد المقرونة بغاية من
~~التهديد ترجح جانب الوقوع بالنسبة إلى كل واحد وكفى به زاجرا فكيف يكون
~~العلم بجواز العفو تقريرا وإغراءا على الذنب مع هذا الزاجر.

# وأيضا إن الكثير من المعتزلة خصوا مثل قوله تعالى:

# إن الله يغفر الذنوب جميعا

# [الزمر: 53] بالصغائر فلو كان جواز العفو مستلزما كما زعموا للعلم بعدم
~~العقاب لزم اشتراك الإلزام بأن يقال: إن ms01453 المرتكب للصغائر إذا علم أنه لا
~~يعاقب على ذنبه كان ذلك تقريرا له وإغراءا للغير عليه وفيه من الفساد
~~ما فيه، وما جعلوه قرينة على التقييد معارض بما يدل على الإطلاق أعني
~~قوله: { ولله ما فى السموات وما في الأرض } فإنه
~~معطوف معنى على قوله جل اسمه:

# ليس لك من الأمر شىء

# [آل عمران: 128] ويدل ذلك على أن له سبحانه التصرف المطلق وهو على خلاف
~~ما يقولون حيث جعلوا تصرفه ومشيئته مقيدا بأن يكون على مقتضى الحكمة
~~والحكمة تقتضي عدم غفران من لم يتب ولا يخفى أنه في حيز المنع لأن
~~المشيئة والحكمة كلاهما من صفاته تعالى لا تتبع إحداهما الأخرى وبتقدير
~~الاستتباع لا نسلم أن الحكمة تقتضي عدم غفران من لم يتب على أن تعقيب أو
~~يعذبهم بقوله عز وجل:

# فإنهم ظلمون

# [آل عمران: 128] لا يدل على أكثر من أن الظلم مفض إلى التعذيب ومن يمنع
~~الإفضاء إنما المنع على أن يكون تفسيرا { لمن يشاء } وأين الدلالة
~~على أن كل ظلم كذلك ولا عموم للفظ ولا هو من قبيل مفهوم الصفة ليصلح
~~متمسكا في الجملة، وما نقل عن الحسن وعطاء لا يعرف له سند أصلا ومن
~~ادعاه فليأت به إن كان من الصادقين، ومما يدل على كذبه أن فيه حجرا على
~~الرحمة الواسعة وتضييق مسالكها من غير دليل قطعي ولا يظن بمثل الحسن هذا
~~القبيح سلمنا الصدق وعدم لزوم ما ذكر لكن قول الحسن ونحوه لا يترك له
~~ظاهر الكتاب والحق أحق بالاتباع. فإن قال الخصم: نحن نتمسك في هذا المطلب
~~بلزوم الخلف قلنا: يكون رجوعا إلى الاستدلال بالمعقول، وقد أذقناكم
~~الموت الأحمر فيه لا بالآيات فتبقى دلالة هذه الآية على عمومها، وهو
~~مطلوبنا هنا  على أن هذه الآية واردة في الكفار على أكثر الروايات،
~~ومعتقد الجماعة أن المغفرة في حقهم مشروطة بالتوبة من الكفر والرجوع إلى
~~الإيمان كما يفصح عنه قوله تعالى:

# إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون
~~ذلك لمن يشاء

# [النساء: 48] وليسوا محل ms01454 خلاف بين الطائفتين فمن استدل بها من المعتزلة
~~على غرضه الفاسد فقد ضل سواء السبيل.

# { والله غفور رحيم } تذييل مقرر لمضمون قوله تعالى: {
~~يغفر لمن يشاء } مع زيادة، وفي تخصيص التذييل به إشارة إلى ترجيح
~~جهة الإحسان والإنعام، وفيه ما يؤيد مذهب الجماعة.

# هذا ومن باب الإشارة: { ليسوا سواء } من حيث الاستعداد وظهور
~~الحق فيهم { من أهل الكتب } الذين ظهرت فيهم نقوش الكتاب
~~الإلهي الأزلي { أمة قائمة } بالله تعالى له { يتلون
~~ءايت الله } أي يظهرون للمستعدين ما فاض عليهم من الأسرار {
~~ءانآء الليل } أوقات ليل الجهالة وظلمة الحيرة

# وهم يسجدون

# [آل عمران: 113] أي يخضعون لله تعالى ولا يحدث فيهم الأنانية إنهم
~~عالمون وأن من سواهم جاهلون { يؤمنون بالله واليوم
~~الأخر } / أي بالمبدأ والمعاد { ويأمرون بالمعروف
~~وينهون عن المنكر } حسبما اقتضاه الشرع ولكون ما تقدم نظرا
~~للخصوص لأن إيداع الأسرار عند الأحرار، وهذا بالنظر إلى العموم لأن
~~الشريعة أوسع دائرة من الحقيقة قدم وأخر { ويسرعون فى
~~الخيرت } من تكميل أنفسهم وغيرهم

# وأولئك من الصلحين

# [آل عمران: 114] القائمين بحقوق الحق والخلق { وما يفعلوا من
~~خير } يقربكم إلى الله تعالى { فلن يكفروه } فقد جاء

# " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت
~~إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة "

# والله عليم بالمتقين

# [آل عمران: 115] أي الذين اتقوا ما يحجبهم عنه فيتجلى لهم بقدر زوال
~~الحجاب { إن الذين كفروا } واحتجبوا عن الحق برؤية الأغيار
~~وأشركوا بالله تعالى ما لا وجود له في عير ولا نفير { لن تغنى } لن
~~تدفع { عنهم أمولهم ولا أولدهم من الله } أي
~~عذابه { شيئا } من الدفع لأنها من جملة أصنامهم التي عبدوها {
~~وأولئك أصحب النار } وهي الحجاب والبعد عن الحضرة

# هم فيها خلدون

# [آل عمران: 116] لاقتضاء صفة الجلال مع استعدادهم ذلك { مثل ما
~~ينفقون فى هذه الحيوة الدنيا } الفانية الدنية
~~ولذاتها السريعة الزوال طلبا للشهوات ومحمدة الناس لا يطلبون به وجه
~~الله تعالى { كمثل ريح فيها صر } أي برد شديد { أصابت
~~حرث قوم ظلموا أنفسهم } بالشرك ms01455 والكفر { فأهلكته }
~~عقوبة لهم من الله تعالى لظلمهم { وما ظلمهم الله } بإهلاك
~~حرثهم

# ولكن أنفسهم يظلمون

# [آل عمران: 117] لسوء استعدادهم الغير المقبول { يأيها الذين
~~ءامنوا لا تتخذوا بطانة } أي خاصة تطلعونه على أسراركم {
~~من دونكم } كالمنكرين المحجوبين إذ المحبة الحقيقية لا تكون إلا بين
~~الموحدين لكونها ظل الوحدة ولا تكون بين المحجوبين لكونهم في عالم التضاد
~~والظلمة ولا يتأتى الصفاء والوفاق الذي هو ثمرة المحبة في ذلك العالم
~~فلذا ترى محبة غير أهل الله تعالى تدور على الأغراض؛ ومن هنا تتغير لأن
~~اللذات النفسانية لا تدوم فإذا كان هذا حال المحجوبين بعضهم مع بعض فكيف
~~تتحقق المحبة بينهم وبين من يخالفهم في الأصل والوصف، وأنى يتجانس النور
~~والظلمة، وكيف يتوافق مشرق ومغرب؟!.

# أيها المنكح الثريا سهيلا

# عمرك الله كيف يلتقيان

# هي شامية إذا ما استقلت

# وسهيل إذا استقل يماني

# ففي الحقيقة بينهما عداوة حقيقية وبعد كلي إلى حيث لا تتراءى ناراهما،
~~وآثار ذلك ظاهرة كما بين الله تعالى بقوله سبحانه: { قد بدت
~~البغضاء من أفوههم } لامتناع إخفاء الوصف الذاتي { وما
~~تخفى صدورهم أكبر } لأنه المنشأ لذلك فهو نار وذاك شرار وهو
~~جبل والظاهر غبار { قد بينا لكم الأيت } وهي العلامات
~~الدالة على المحبة والعداوة وأسبابهما

# إن كنتم تعقلون

# [آل عمران: 118] وتفهمون من فحوى الكلام { هاأنتم أولاء
~~تحبونهم } بمقتضى ما عندكم من التوحيد لأن الموحد يحب الناس كلهم
~~بالحق للحق ويرى الكل مظهرا لحبيبه جل شأنه فيرحم الجميع ويعلم أن البعض
~~منهم قد اشتغل بباطل نظرا إلى بعض الحيثيات وابتلى بالقدر، وهذا لا
~~ينافي ما قدمنا آنفا عند التأمل { ولا يحبونكم } بمقتضى الحجاب
~~والظلمة التي ضربت عليهم { وتؤمنون بالكتب } أي جنسه {
~~كله } لما أنتم عليه من التوحيد المقتضى لذلك وهم لا يؤمنون بذلك
~~للاحتجاب بما هم عليه { وإذا لقوكم قالوا آمنا } لما فيهم
~~من النفاق المستجلب للأغراض العاجلة

# وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ

# [آل عمران: 119] الكامن في صدورهم { إن تمسسكم حسنة } كآثار
~~تجلي الجمال { تسؤهم } ويحزنوا لها { وإن تصبكم ms01456 سيئة }
~~أي ما يظنون أنه سيئة كآثار تجلي الجلال { يفرحوا بها وإن
~~تصبروا } على ما ابتليتم به وتثبتوا على التوحيد { وتتقوا }
~~الاستعانة بالسوى { لا يضركم كيدهم شيئا } لأن الصابر
~~على البلاء المتوكل على الله تعالى المستعين به المعرض / عمن سواه ظافر
~~بطلبته غالب على خصمه محفوف محفوظ بعناية الله تعالى، والمخذول من استعان
~~بغيره وقصده سواه كما قيل:

# من استعان بغير الله في طلب

# فإن (ناصره عجز وخذلان)

# { إن الله بما يعملون } من المكايد

# محيط

# [آل عمران: 120] فيبطلها ويطفىء نارها { ولقد نصركم الله
~~ببدر وأنتم أذلة } لله تعالى تحت ظل الكبرياء والعظمة

# لعلكم تشكرون

# [آل عمران: 123] ذلك وبالشكر تزاد النعم { إذ تقول للمؤمنين
~~} لما رأيت من حالهم

# ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ءالف
~~من الملئكة منزلين

# [آل عمران: 124] على صيغة اسم الفاعل السكينة عليكم، أو { منزلين }
~~على صيغة اسم المفعول من جانب الملكوت إليكم { بلى إن تصبروا }
~~على صدمات تجلية سبحانه { وتتقوا } من سواه { ويأتوكم من
~~فورهم هذا } أي بلا بطء

# يمددكم ربكم بخمسة ءالف من الملئكة
~~مسومين

# [آل عمران: 125] على صيغة الفاعل أي معلمين أرواحكم بعلائم الطمأنينة،
~~أو { مسومين } على صيغة المفعول بعمائم بيض، وهي إشارة إلى الأنوار
~~الإلهية الظاهرة عليهم، وتخصيص  الخمسة آلاف  بالذكر لعله إشارة إلى
~~إمداد كل لطيفة من اللطائف الخمس بألف والألف إشارة إلى الإمداد الكامل
~~حيث أنها نهاية مراتب الأعداد وشرط ذلك بالصبر والتقوى لأن النصر على
~~الأعداء  وأعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك  لا يكون إلا عند تقوى
~~القلب وكذا سائر جنود الروح بل والروح نفسها أيضا بتأييد الحق والتنور
~~بنور اليقين فتحصل المناسبة بين القلب مثلا وبين ملكوت السماء وبذلك
~~التناسب يستنزل قواها وأوصافها في أفعاله وربما يستمد من قوى قهرها على
~~من يغضب عليه وذلك عبارة عن نزول الملائكة وهذا لا يكون إلا بالصبر على
~~تحمل المكروه طلبا لرضا الله تعالى والتقوى من مخالفة أمر الحق والميل
~~إلى نحو النفع الدنيوي واللذات الفانية.

# وأما إذا جزع وهلع ومال إلى الدنيا ms01457 فلا يحصل له ذلك لأن النفس حينئذ
~~تستولي عليه وتحجبه بظلمة صفاتها عن النور فلم تبق تلك المناسبة وانقطع
~~المدد ولم تنزل الملائكة، { وما جعله الله إلا بشرى
~~لكم } أي إلا لتستبشروا به فيزداد نشاطكم في التوجه إلى الحق {
~~ولتطمئن قلوبكم به } فيتحقق الفيض بقدر التصفية { وما
~~النصر إلا من عند الله } لا من عند الملائكة فلا تحتجبوا
~~بالكثرة عن الوحدة وبالخلق عن الحق فالكل منه تعالى وإليه { العزيز }
~~فلا يعجزه الظهور بما شاء وكيف شاء

# الحكيم

# [آل عمران: 126] الذي ستر نصره بصور الملائكة لحكمة { ليقطع } أي
~~يهلك { طرفا من الذين كفروا } وهم أعداء الله تعالى { أو
~~يكبتهم } يخزيهم ويذلهم

# فينقلبوا خائبين

# [آل عمران: 127] فيرجعوا غير ظافرين بما أملوا { ليس لك } من حيث
~~أنت { من الأمر شىء } وكله لك من حيثية أخرى { أو يتوب
~~عليهم } إذا أسلموا فتفرح لأنك المظهر للرحمة الواسعة

# وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين

# [الأنبياء: 107] { أو يعذبهم } لأجلك فتشتفي بهم من حيث أنهم
~~خالفوا الأمر الذي بعثت به إلى الناس كافة

# فإنهم ظلمون

# [آل عمران: 128] بتلك المخالفة { ولله ما فى السموات } من
~~عالم الأرواح { وما فى الأرض } من عالم الطبيعيات يتصرف فيهما
~~كيفما يشاء ويختار { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } لأن
~~له التصرف المطلق في الملك والملكوت { والله غفور رحيم } [آل
~~عمران: 129] كثير المغفرة والرحمة نسأل الله تعالى أن يغفر لنا ويرحمنا.

### || [3.130]

# { يآ أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا } ابتداء
~~كلام مشتمل على أمر ونهي وترغيب وترهيب تتميما لما سلف من الإرشاد إلى
~~ما هو الأصلح في أمر الدين وفي باب الجهاد، ولعل إيراد النهي عن الربا
~~بخصوصه هنا لما أن الترغيب في الإنفاق في السراء والضراء الذي عمدته
~~الإنفاق في سبيل الجهاد متضمن للترغيب في تحصيل المال فكان مظنة مبادرة
~~الناس إلى طرق الاكتساب ومن جملتها بل أسهلها الربا فنهوا عنه، / وقدمه
~~على الأمر اعتناءا به وليجىء ذلك الأمر بعد سد ما يخدشه، وقال القفال:
~~يحتمل أن يكون هذا الكلام متصلا بما قبله من ms01458 جهة أن أكثر أموال المشركين
~~قد اجتمعت من الربا وكانوا ينفقون تلك الأموال على العساكر وكان من
~~الممكن أن يصير ذلك داعيا للمسلمين إلى الإقدام عليه كي يجمعوا الأموال
~~وينفقوها على العساكر أيضا ويتمكنوا من الانتقام من عدوهم، فورد النهي
~~عن ذلك رحمة عليهم ولطفا بهم، وقيل: إنه تعالى شأنه لما ذكر أن له
~~التعذيب لمن يشاء والمغفرة لمن يشاء وصل ذلك بالنهي عما لو فعلوه
~~لاستحقوا عليه العقاب  وهو الربا  وخصه بالنهي لأنه كان شائعا إذ ذاك
~~وللاعتناء بذلك لم يكتف بما دل على تحريمه مما في سورة البقرة بل صرح
~~بالنهي وساق الكلام له أولا وبالذات إيذانا بشدة الحظر. والمراد من
~~الأكل الأخذ، وعبر به عنه لما أنه معظم ما يقصد به ولشيوعه في المأكولات
~~مع ما فيه من زيادة التشنيع، وقد تقدم الكلام في الربا.

# { أضعافا مضاعفة } حال من الربا  والأضعاف  جمع ضعف وضعف
~~الشيء مثله، وضعفاه مثلاه، وأضعافه أمثاله، وقال بعض المحققين: الضعف اسم
~~ما يضعف الشيء كالثنى اسم ما يثنيه من ضعفت الشيء بالتخفيف فهو مضعوف 
~~على ما نقله الراغب  بمعنى ضعفته، وهو اسم يقع على العدد بشرط أن يكون
~~معه عدد آخر فأكثر، والنظر فيه إلى فوق بخلاف الزوج فإن النظر فيه إلى ما
~~دونه فإذا قيل: ضعف العشرة لزم أن تجعلها عشرين بلا خلاف لأنه أول مراتب
~~تضعيفها، ولو قال: له عندي ضعف درهم لزمه درهمان ضرورة الشرط المذكور كما
~~إذا قيل: هو أخو زيد اقتضى أن يكون زيد أخاه وإذا لزم المزاوجة دخل في
~~الإقرار، وعلى هذا له ضعفا درهم منزل على ثلاثة دراهم وليس ذلك بناءا
~~على ما يتوهم أن ضعف الشيء موضوعه مثلاه وضعفيه ثلاثة أمثاله، بل ذلك لأن
~~موضوعه المثل بالشرط المذكور. وهذا مغزى الفقهاء في الأقارير والوصايا،
~~ومن البين أنهم ألزموا في ضعفي الشيء ثلاثة أمثاله ولو كان موضوع الضعف
~~المثلين لكان الضعفان أربعة أمثال  وليس مبناه العرف العامي بل الموضوع
~~اللغوي  كما قال الأزهري.

# ومن هنا ظهر ms01459 أنه لو قال: له علي الضعفان درهم ودرهم أو الضعفان من
~~الدراهم لم يلزم إلا درهمان كما لو قال الأخوان، ثم قال والحاصل أن تضعيف
~~الشيء ضم عدد آخر إليه وقد يزاد وقد ينظر إلى أول مراتبه لأنه المتيقن،
~~ثم إنه قد يكون الشيء المضاعف مأخوذا معه فيكون ضعفاه ثلاثة وقد لا يكون
~~فيكون اثنين وهذا كله موضوع له في اللغة لا العرف، وليس هذه الحال لتقييد
~~المنهي عنه ليكون أصل الربا غير منهي بل لمراعاة الواقع، فقد روى غير
~~واحد أنه كان الرجل يربي إلى أجل فإذا حل قال للمدين: زدني في المال حتى
~~أزيدك بالأجل فيفعل وهكذا عند [محل] كل أجل فيستغرق بالشيء الطفيف ماله
~~بالكلية فنهوا عن ذلك ونزلت الآية، وقرىء  مضعفة  بلا ألف مع تشديد
~~العين.

# { واتقوا الله } أي فيما نهيتم عنه ومن جملته أكل الربا {
~~لعلكم تفلحون } أي لكي تفلحوا أو راجين الفلاح، فالجملة
~~حينئذ في موضع الحال قيل: ولا يخفى أن اقتران الرجاء بالتخويف يفيد أن
~~العبد ينبغي أن يكون بين الرجاء والخوف فهما جناحاه اللذان يطير بهما إلى
~~حضائر القدس.

### || [3.131]

# { واتقوا النار } أي احترزوا عن متابعة المرابين وتعاطي ما
~~يتعاطونه من أكل الربا المفضي إلى دخول النار { التى أعدت } أي
~~هيئت { للكفرين } وهي الطبقة التي اشتد حرها وتضاعف عذابها وهي
~~غير النار التي يدخلها عصاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإنها دون ذلك،
~~وفيه إشارة إلى أن أكلة الربا على شفا حفرة الكفرة، ويحتمل أن يقال: إن
~~النار مطلقا مخلوقة للكافرين معدة لهم أولا وبالذات، وغيرهم يدخلها
~~على وجه التبع فالصفة ليست للتخصيص، وإلى هذا ذهب الجل من العلماء، روي
~~عن الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: إن هذه الآية هي أخوف
~~آية في القرآن حيث أوعد الله تعالى المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن
~~لم يتقوه في اجتناب محارمه وليس بنص في التخصيص.

### || [3.132]

# { وأطيعوا الله } في جميع ما أمركم به ونهاكم عنه فلا يتكرر مع
~~الأمر بالتقوى ms01460 السابق { والرسول } أي الذي شرع لكم الدين وبلغكم
~~الرسالة فإن طاعته طاعة الله تعالى. { لعلكم ترحمون } أي لكي
~~تنالوا رحمة الله تعالى أو راجين رحمته، وعقب الوعيد بالوعد ترهيبا عن
~~المخالفة وترغيبا في الطاعة، قال محمد بن إسحق: هذه الآية معاتبة للذين
~~عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بما أمرهم في أحد ولعلهم
~~الرماة الذين فارقوا المركز.

### || [3.133]

# { وسارعوا } عطف على

# أطيعوا

# [آل عمران: 132] أو

# اتقوا

# [آل عمران: 131]. وقرأ نافع وابن عامر بغير واو على وجه الاستئناف وهي
~~قراءة أهل المدينة والشام، والقراءة المشهورة قراءة أهل مكة والعراق أي
~~بادروا وسابقوا، وقرىء بالأخير { إلى مغفرة من ربكم
~~وجنة } أي أسبابهما من الأعمال الصالحة، وعن علي كرم الله تعالى
~~وجهه سارعوا إلى أداء الفرائض، وعن ابن عباس إلى الإسلام، وعن أبي
~~العالية إلى الهجرة، وعن أنس بن مالك إلى التكبيرة الأولى، وعن سعيد بن
~~جبير إلى أداء الطاعات، وعن يمان إلى الصلوات الخمس؛ وعن الضحاك إلى
~~الجهاد، وعن عكرمة إلى التوبة، والظاهر العموم ويدخل فيه سائر الأنواع،
~~وتقديم المغفرة على الجنة لما أن التخلية مقدمة على التحلية، وقيل: لأنها
~~كالسبب لدخول الجنة، و { من } متعلقة بمحذوف وقع نعتا  لمغفرة 
~~والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار مزيد
~~اللطف بهم ووصف المغفرة بكونها من الرب دون الجنة تعظيما لأمرها
~~وتنويها بشأنها وسبب نزول الآية على ما أخرجه عبد بن حميد وغيره عن عطاء
~~بن أبي رباح

# " أن المسلمين قالوا: يا رسول الله بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله
~~تعالى منا كانوا إذا أذنب أحدهم ذنبا أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة
~~داره اجدع أنفك اجدع أذنك افعل كذا وكذا فسكت صلى الله عليه وسلم فنزلت
~~هذه الآيات إلى قوله تعالى: { والذين إذا فعلوا فحشة
~~أو ظلموا أنفسهم } [آل عمران: 135] الآية فقال النبي صلى
~~الله عليه وسلم: ألا أخبركم بخير من ذلكم ثم تلاها عليهم "

# والتنوين في { مغفرة } للتعظيم ويؤيده الوصف، وكذا في { جنة }
~~ويؤيده أيضا وصفها بقوله ms01461 سبحانه: { عرضها السموات والأرض
~~} والمراد كعرض السماوات والأرض فهو على حد قوله:

# حسبت بغام راحلتي عناقا

# وما هي ويب غيرك بالعناق

# فإنه أراد كصوت عناق، والعرض أقصر الامتدادين، وفي ذكره دون ذكر الطول
~~مبالغة، وزاد في المبالغة بحذف أداة التشبيه وتقدير المضاف فليس المقصود
~~تحديد عرضها حتى يمتنع كونها في السماء بل الكلام كناية عن غاية السعة
~~بما هو في تصور السامعين، والعرب كثيرا ما تصف الشيء بالعرض إذا أرادوا
~~وصفه بالسعة، ومنه قولهم: أعرض في المكارم إذا توسع فيها، والمراد من
~~السماوات والأرض السماوات / السبع والأرضون السبع، فعن ابن عباس من طريق
~~السدي أنه قال: تقرن السماوات السبع والأرضون السبع كما تقرن الثياب
~~بعضها ببعض فذاك عرض الجنة، والأكثرون على أنها فوق السماوات السبع تحت
~~العرش وهو المروي عن أنس بن مالك، وقيل: إنها في السماء الرابعة وإليه
~~ذهب جماعة، وقيل: إنها خارجة عن هذا العالم حيث شاء الله تعالى، ومعنى
~~كونها في السماء أنها في جهة العلو ولا مانع عندنا أن يخلق الله تعالى في
~~العلو أمثال السماوات والأرض بأضعاف مضاعفة ولا ينافي هذا خبر أنها في
~~السماء الرابعة إن صح، ولا ما حكي عن الأكثر لأن ذلك مثل قولك: في الدار
~~بستان إذا كان له باب منها يشرع إليه مثلا فإنه لا ينافي خروج البستان
~~عنها، وعلى هذا التأويل لا ينافي الخبر أيضا كون عرض الجنة كعرض
~~السماوات والأرض من غير حاجة إلى القول بأنه ليس المراد من السماوات
~~السماوات السبع كما قيل به.

# ومن الناس من ذهب إلى أنها في السماء تحت العرش أو الرابعة إلا أن هذا
~~العرض إنما يكون يوم القيامة حيث يزيد الله تعالى فيها ما يزيد. وحكي ذلك
~~عن أبي بكر أحمد بن علي قيل: وبذلك يدفع السؤال بأنه إذا كان عرض الجنة
~~كعرض السماوات والأرض فأين تكون النار؟ ووجه الدفع أن ذلك يوم القيامة،
~~وأما الآن فهي دون ذلك بكثير، ويوم يثبت لها ذلك لا تكون فيه السماوات
~~والأرض كهذه السماوات ms01462 والأرض المشبه بعرضهما عرضها، ولا يخفى أن القول
~~بالزيادة في السعة يوم القيامة وإن سلم إلا أن كونها اليوم دون هذه
~~السماوات والأرض بكثير في حيز المنع ولا يكاد يقبل، والسؤال المذكور أجاب
~~عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير ذلك. فقد أخرج ابن جرير عن
~~التنوخي رسول هرقل قال:

# " قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب هرقل وفيه: إنك كتبت
~~تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم: سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار؟ "

# ولعل المقصود من الجواب إسقاط المسألة وبيان أن القادر على أن يذهب
~~الليل حيث شاء قادر على أن يخلق النار حيث شاء، وإلى ذلك يشير خبر أبي
~~هريرة رضي الله تعالى عنه، وذهب أبو مسلم الأصفهاني إلى أن العرض ههنا
~~ليس مقابل الطول بل هو من قولك عرضت المتاع للبيع، والمعنى أن ثمنها لو
~~بيعت كثمن السماوات والأرض، والمراد بذلك عظم مقدارها وجلالة قدرها وأنه
~~لا يساويها شيء وإن عظم، فالعرض بمعنى ما يعرض من الثمن في مقابلة المبيع
~~وربما يستغنى على هذا عن تقدير ذلك المضاف، ولا يخفى أنه على ما فيه من
~~البعد خلاف المأثور عن السلف الصالح من أن المراد وصفها بأنها واسعة.

# { أعدت للمتقين } أي هيئت للمطيعين لله تعالى ولرسوله صلى
~~الله عليه وسلم وإنما أضيفت إليهم للإيذان بأنهم المقصودون بالذات وإن
~~دخول غيرهم كعصاة المؤمنين والأطفال والمجانين بطريق التبع وإذا حملت
~~التقوى في غير هذا الموضع، وأما فيه فبعيد على التقوى عن الشرك لا ما
~~يعمه وسائر المحرمات لم نستغن عن هذا القول أيضا لأن المجانين مثلا لا
~~يتصفون بالتقوى حقيقة ولو كانت عن الشرك كما لا يخفى.

# وجوز أن يكون هناك جنات متفاوتة وأن هذه الجنة للمتقين الموصوفين بهذه
~~الصفات لا يشاركهم فيها غيرهم لا بالذات ولا بالتبع ولعلها الفردوس
~~المصرح بها في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس "

# وفيه تأمل.

# والآية ظاهرة ms01463 في أن الجنة مخلوقة الآن كما يدل عليه الفعل الماضي، وجعله
~~من باب

# ونفخ فى الصور

# [الكهف: 99] خلاف الظاهر ولا داعي إليه كما بين في محله، ومثل ذلك

# أعدت

# [البقرة: 24] السابق في حق النار، / وأما دلالة الآية على أن الجنة
~~خارجة عن هذا العالم بناءا على أنها تقتضي أن الجنة أعظم منه فلا يمكن
~~أن يكون محيطا بها ففيه نظر كما يرشدك إليه النظر فيما تقدم. والجملة في
~~موضع جر على أنها صفة لجنة، وجوز أن تكون في موضع نصب على الحالية منها
~~لأنها قد وصفت، وجوز أيضا أن تكون مستأنفة قال أبو البقاء: ولا يجوز أن
~~تكون حالا من المضاف إليه لثلاثة أمور: أحدها: أنه لا عمل له وما جاء من
~~ذلك متأول على ضعفه. والثاني: أن العرض هنا لا يراد به المصدر الحقيقي بل
~~المسافة، والثالث: أن ذلك يلزم منه الفصل بين الحال وصاحبها.

### || [3.134]

# { الذين ينفقون } في محل الجر على أنه نعت للمتقين مادح لهم،
~~وقيل: مخصص أو بدل أو بيان أو في محل نصب على إضمار الفعل أو رفع على
~~إضمار هم ومفعول { ينفقون } محذوف ليتناول كل ما يصلح للإنفاق
~~المحمود أو متروك بالكلية كما في قولهم: فلان يعطي [ويمنع]. { فى
~~السراء والضراء } أي في اليسر والعسر قاله ابن عباس؛ وقيل: في
~~حال السرور والاغتمام، وقيل: في الحياة وبعد الموت بأن يوصي، وقيل: فيما
~~يسر كالنفقة على الولد والقريب وفيما يضر كالنفقة على الأعداء، وقيل: في
~~ضيافة الغني والإهداء إليه وفيما ينفقه على أهل الضر ويتصدق به عليهم،
~~وأصل السراء الحالة التي تسر والضراء الحالة التي تضر، والمتبادر ما قاله
~~الحبر، والمراد إما ظاهرهما أو التعميم كما عهد في أمثاله أي أنهم لا
~~يخلون في حال ما بإنفاق ما قدروا عليه من كثير أو قليل وقد روي عن عائشة
~~رضي الله تعالى عنها أنها تصدقت بحبة عنب، وعن بعض السلف أنه تصدق ببصلة،
~~وفي الخبر

# " اتقوا النار ولو بشق تمرة، وردوا السائل ولو بظلف محرق "

# { والكظمين ms01464 الغيظ } أصل الكظم شد رأس القربة عند امتلائها،
~~ويقال: فلان كظيم أي ممتلىء حزنا، والغيظ هيجان الطبع عند رؤية ما ينكر،
~~والفرق بينه وبين الغضب على ما قيل: إن الغضب يتبعه إرادة الانتقام
~~البتة، ولا كذلك الغيظ، وقيل: الغضب ما يظهر على الجوارح والبشرة من غير
~~اختيار والغيظ ليس كذلك، وقيل: هما متلازمان إلا أن الغضب يصح إسناده إلى
~~الله تعالى والغيظ لا يصح فيه ذلك. والمراد والمتجرعين للغيظ الممسكين
~~عليه عند امتلاء نفوسهم منه فلا ينقمون ممن يدخل الضرر عليهم ولا يبدون
~~له ما يكره بل يصبرون على ذلك مع قدرتهم على الانفاذ والانتقام وهذا هو
~~الممدوح، فقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن أبي هريرة مرفوعا

# " من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله تعالى قلبه أمنا وإيمانا
~~"

# وأخرج أحمد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله تعالى على رؤوس الخلائق
~~حتى يخيره الله تعالى من أي الحور شاء "

# وفي الأول: جزاء من جنس العمل، وفي الثاني: ما هو من توابعه، وهذا الوصف
~~معطوف على ما قبله والعدول إلى صيغة الفاعل هنا للدلالة على الاستمرار،
~~وأما الانفاق فحيث كان أمرا متجددا عبر عنه بما يفيد التجدد والحدوث.

# { والعافين عن الناس } أي المتجاوزين عن عقوبة من استحقوا
~~مؤاخذته إذا لم يكن في ذلك إخلال بالدين، وقيل: عن المملوكين إذا أساءوا،
~~والعموم أولى.

# أخرج ابن جريرعن الحسن

# " أن الله تعالى يقول يوم القيامة: ليقم من كان له على الله تعالى أجر
~~فلا يقوم إلا إنسان عفا "

# ، وأخرج الطبراني عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ويعط من
~~حرمه ويصل من قطعه "

# / وأخرج الديلمي في «مسند الفردوس» عن أنس بن مالك في الآية:

# " إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصم الله تعالى وقد كانوا كثيرا في
~~الأمم التي مضت ms01465 "

# والاستثناء منقطع إن كانت القلة على ظاهرها ومتصل إن كانت بمعنى العدم،
~~وكون بعض الخصائص كثيرا في الأمم السابقة لا يقتضي تفضيلهم على هذه
~~الأمة من كل الوجوه ومن ظن ذلك تكلف في توجيه الحديث بأن المراد أن
~~الكاظمين الغيظ في أمتي قليل إلا بعصمة الله تعالى لغلبة الغيظ عليهم،
~~وقد كانوا كثيرا من الأمم السالفة لقلة حميتهم ولذا كان الأمر بالمعروف
~~والنهي عن المنكر فيما بينهم قليلا ولما تمرنت هذه الأمة في الغضب لله
~~تعالى والتزموا الاجتناب عن المداهنة صار إنفاذ الغيظ عادتهم فلا يكظمون
~~إذا ابتلوا إلا بعصمة الله تعالى، فالقليل في الخبر هم الذين يكظمون لقلة
~~الحمية وهم الكثيرون في الأمم السالفة فلا اختصاص لهم بمزية ليتوهم
~~تفضيلهم على هذه الأمة ولو من بعض الوجوه، ولا يخفى أن هذا التوجيه مما
~~تأباه الإشارة والعبارة، وأحسن منه بل لا نسبة أن الكثرة نظرا إلى مجموع
~~الأمم لا بالنسبة إلى كل أمة أمة ولا يضر قلة وجود الموصوفين بتلك الصفة
~~فينا بالنظر إلى مجموع الخلائق من لدن آدم عليه السلام إلى أن بعث نبينا
~~صلى الله عليه وسلم لأن هذه الأمة بأسرها قليلة بالنظر إلى مجموع الأمم
~~فضلا عن خيارها فتدبر، وفي ذكر هذين الوصفين كما قال بعض المحققين:
~~إشعار بكمال حسن موقع عفوه عليه الصلاة والسلام عن الرماة وترك مؤاخذتهم
~~بما فعلوا من مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم وندب له عليه الصلاة
~~والسلام إلى ترك ما عزم عليه من مجازاة المشركين بما فعلوا بحمزة رضي
~~الله تعالى عنه حتى قال حين رآه قد مثل به

# " لأمثلن بسبعين مكانك "

# ولعل التعبير هنا بصيغة الفاعل أيضا دون الفعل لأن العفو أشبه بالكظم
~~منه بالانفاق.

# { والله يحب المحسنين } تذييل لمضمون ما قبله  وأل  إما
~~للجنس والمذكورون داخلون فيه دخولا أوليا وإما للعهد عبر عنهم
~~بالمحسنين على ما قيل: إيذانا بأن النعوت المعدودة من باب الإحسان الذي
~~هو الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المستلزم
~~لحسنها الذاتي وقد ms01466 فسره النبي صلى الله عليه وسلم 

# " بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "

#  ويمكن أن يقال: الإحسان هنا بمعنى الإنعام على الغير على وجه عار عن
~~وجوه القبح، وعبر عنهم بذلك للإشارة إلى أنهم في جميع تلك النعوت محسنون
~~إلى الغير لا في الانفاق فقط. ومما يؤيد كون الإحسان هنا بمعنى الإنعام
~~ما أخرجه البيهقي أن جارية لعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما جعلت
~~تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة فسقط الابريق من يدها فشجه فرفع رأسه
~~إليها فقالت: إن الله تعالى يقول: { والكاظمين الغيظ } فقال
~~لها: قد كظمت غيظي قالت: { والعفين عن الناس } قال: قد عفا
~~الله تعالى عنك قالت: { والله يحب المحسنين } قال: اذهبي
~~فأنت حرة لوجه الله تعالى، ورجح بعضهم العهد على الجنس بأنه أدخل في
~~المدح وأنسب بذكره قبل.

### || [3.135]

# قوله تعالى: { والذين إذا فعلوا فحشة أو ظلموا
~~أنفسهم } من تتمة ما نزل حين قال المسلمون لرسول الله صلى الله
~~عليه وسلم: «بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله تعالى منا» الخ على ما
~~أشرنا إليه فيما تقدم، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه ذكر عند
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حال بني إسرائيل فنزلت هذه الآية ولم يذكر
~~صدر الآية. وفي رواية الكلبي

# " أن رجلين أنصاريا وثقفيا آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما
~~فكانا / لا يفترقان فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه
~~وخرج معه الثقفي وخلف الأنصاري في أهله وحاجته فكان يتعاهد أهل الثقفي
~~فأقبل ذات يوم فأبصر امرأة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها فوقعت في
~~نفسه فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها فذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها
~~فقبل ظاهر كفها ثم ندم واستحيا فأدبر راجعا فقالت: سبحان الله تعالى خنت
~~أمانتك وعصيت ربك ولم تصل إلى حاجتك قال: وندم على صنيعه فخرج يسيح في
~~الجبال ويتوب إلى الله تعالى من ذنبه حتى وافى الثقفي فأخبرته أهله بفعله
~~فخرج يطلبه حتى ms01467 دل عليه فوافقه ساجدا وهو يقول: رب ذنبي ذنبي قد خنت أخي
~~فقال له: قم يا فلان فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله عن
~~ذنبك لعل الله تعالى أن يجعل لك فرجا وتوبة فأقبل معه حتى رجع إلى
~~المدينة وكان ذات يوم عند صلاة العصر نزل جبريل عليه السلام بتوبته فتلا
~~{ والذين إذا فعلوا } إلى قوله سبحانه وتعالى: { ونعم
~~أجر العملين } [آل عمران: 136] فقال عمر رضي الله تعالى عنه:
~~يا رسول الله ألهذا الرجل خاصة أم للناس عامة؟ فقال عليه الصلاة والسلام:
~~بل للناس عامة "

# وفي رواية عطاء عن ابن عباس أن تيهان التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه
~~تمرا فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك فأتى النبي صلى الله عليه
~~وسلم وذكر ذلك له فنزلت هذه الآية. وأنت تعلم أنه لا مانع من تعدد سبب
~~النزول وأيا ما كان فباطلاق اللفظ ينتظم ما فعله الرماة انتظاما
~~أوليا، وأخرج الترمذي عن عطاف بن خالد أنه قال: بلغني أنها لما نزلت صاح
~~إبليس بجنوده وحثا على رأسه التراب ودعا بالويل والثبور حتى جاءته جنوده
~~من كل بر وبحر فقالوا: ما لك يا سيدنا قال: آية نزلت في كتاب الله لا يضر
~~بعدها أحدا من بني آدم ذنب قالوا: وما هي؟ فأخبرهم قالوا: نفتح لهم باب
~~الأهواء فلا يتوبون ولا يستغفرون ولا يرون إلا أنهم على الحق فرضي منهم
~~بذلك، والموصول إما مفصول عما قبله على أنه مبتدأ، وقيل: إنه معطوف على
~~ما قبله من صفات المتقين، وقوله سبحانه:

# والله يحب المحسنين

# [آل عمران: 134] اعتراض بينهما مشير إلى ما بينهما من التفاوت فإن درجة
~~الأولين من التقوى أعلى وحظهم أوفى، أو على [نفس] المتقين فيكون التفاوت
~~أظهر وأكثر،  والفاحشة  الكبائر، وظلم النفس الصغائر قاله القاضي عبد
~~الجبار الهمداني، وقيل: الفاحشة المعصية الفعلية، وظلم النفس المعصية
~~القولية، وقيل: الفاحشة ما يتعدى، ومنه إفشاء الذنب لأنه سبب اجتراء
~~الناس عليه ووقوعهم فيه وظلم النفس ما ليس كذلك، وقيل: الفاحشة ms01468 كل ما
~~يشتد قبحه من المعاصي والذنوب وتقال لكل خصلة قبيحة من الأقوال والأفعال،
~~وكثيرا ما ترد بمعنى الزنا، وأصل الفحش مجاوزة الحد في السوء ومنه قول
~~طرفة:

# عقيلة مال الفاحش المتشدد

# يعني الذي جاوز الحد في البخل فلعل المراد منها هنا المعصية البالغة في
~~القبح، والظلم الذنب مطلقا وذكره بعدها من ذكر العام بعد الخاص، و {
~~أو } على الوجوه للتنويع ولا يرد أنه على بعض الوجوه الترديد بين الخاص
~~والعام وقد توقف في قبوله لأنهم قالوا: إن هذا ترديد بين فرقتين من
~~يستغفر للفاحشة ومن يستغفر لأي ذنب صدر عنه وكم بينهما.

# وجواب { إذا } قوله تعالى شأنه: { ذكروا الله } أي تذكروا حقه
~~العظيم ووعيده، أو ذكروا العرض عليه، أو سؤاله عن الذنب يوم القيامة أو
~~نهيه أو غفرانه وقيل: ذكروا جماله فاستحيوا وجلاله فهابوا، وقيل: ذكروا
~~ذاته المقدسة عن جميع القبائح وأحبوا التقرب إليه بالمناسبة له بالتطهير
~~من الذمائم، وعلى كل تقدير ليس المراد مجرد ذكر اسمه عز اسمه {
~~فاستغفروا } أي طلبوا المغفرة منه تعالى. { لذنوبهم } كيفما
~~كانت ومفعول { فاستغفروا } محذوف لفهم المعنى أي استغفروه، وليس
~~المراد مجرد طلب المغفرة بل مع التوبة وإلا فطلب المغفرة مع الإصرار
~~كالإستهزاء بالرب جل شأنه، ومن هنا قالت رابعة العدوية: استغفارنا هذا
~~يحتاج إلى استغفار.

# { ومن يغفر الذنوب إلا الله } اعتراض بين المعطوفين أو
~~بين الحال وذيها، والتركيب على ما أفاده بعض المحققين يدل على أمور من
~~جهة الله تعالى وأمور من جهة العبد. أما الأول: فعلى وجوه: أحدها دلالة
~~اسم الذات بحسب ما يقتضيه المقام من معنى الغفران الواسع وإيراد التركيب
~~على صيغة الإنشاء دون الإخبار بأن لم يقل وما يغفر الذنوب إلا الله تقرير
~~لذلك المعنى وتأكيد له كأنه قيل: هل تعرفون أحدا يقدر على غفر الذنوب
~~كلها صغيرها وكبيرها سالفها وغابرها غير من وسعت رحمته كل شيء؟ وثانيها:
~~تقديمه عن مكانه وإزالته عن مقره لأنه اعتراض بين المبتدأ وهو الذين
~~والخبر الآتي، ثم بين المعطوف والمعطوف عليه أو الحال ms01469 وصاحبه للدلالة على
~~شدة الاهتمام به والتنبيه على أنه كلما وجد الاستغفار لم يتخلف الغفران،
~~وثالثها: الاتيان بالجمع المحلى باللام إعلاما بأن التائب إذا تقدم
~~بالاستغفار يتلقى بغفران ذنوبه كلها فيصير كمن لا ذنب له، ورابعها: دلالة
~~النفي بالحصر والإثبات على أنه لا مفزع للمذنبين إلا كرمه وفضله، وذلك أن
~~من وسعت رحمته كل شيء لا يشاركه أحد في نشرها كرما وفضلا، وخامسها:
~~إسناد غفران الذنوب إلى نفسه سبحانه وإثباته لذاته المقدس بعد وجود
~~الاستغفار وتنصل عبيده يدل على تحقق ذلك قطعا إما بحسب الوعد كما نقول،
~~أو بحسب العدل كما يزعمه المعتزلة.

# وأما الثاني: ففيه وجوه أيضا: الأول: إن في إبداء سعة الرحمة واستعجال
~~المغفرة بشارة عظيمة وتطييبا للنفوس، والثاني: أن العبد إذا نظر إلى هذه
~~العناية الشديدة والاهتمام العظيم في شأن التوبة يتحرك نشاطه ويهتز عطفه
~~فلا يتقاعد عنها، والثالث: أن في ضمن معنى الاستغراق قلع اليأس والقنوط
~~ولهذا علل سبحانه النهي في قوله تعالى: { لا تقنطوا من رحمة
~~الله } بقوله جل شأنه:

# إن الله يغفر الذنوب جميعا

# [الزمر: 53] والرابع: أنه أطلقت الذنوب وعمت بعد ذكر الفاحشة وظلم النفس
~~وترك مقتضى الظاهر ليدل به على عدم المبالاة في الغفران فإن الذنوب وإن
~~كبرت فعفو الله تعالى أكبر، والخامس: أن الاسم الجامع في التركيب كما دل
~~على سعة الغفران بحسب المقام يدل أيضا مع إرادة الحصر على أنه تعالى
~~وحده معه مصححات المغفرة من كونه عزيزا ليس فوقه أحد فيرد عليه حكمه
~~وكونه حكيما يغفر لمن تقتضي حكمته غفرانه. وقد التزم بعضهم كون  أل 
~~في { الذنوب } للجنس لتفيد الآية امتناع صدور مغفرة فرد منها من غيره
~~تعالى، وهذا على ظنه لا تفيده الآية على تقدير إرادة كل الذنوب وحينئد
~~يزداد أمر المبالغة، وأما جعل الجملة حالية بتقدير قائلين ذلك فتعسف يذهب
~~بكثير من هذه الوجوه اللطيفة كما لا يخفي، و { من } مبتدأ و { يغفر
~~} خبره والاسم الجليل بدل من المستكن في { يغفر } أو فاعل له.

# { ولم يصروا على ما ms01470 فعلوا } عطف على { فاستغفروا }
~~أو حال من فاعله أي لم يقيموا أو غير مقيمين على الذي فعلوه من الذنوب
~~فاحشة كانت أو ظلما أو على فعلهم، وأصل الإصرار الشد من الصر، وقيل:
~~الثبات على الشيء، ومنه قوله الحطيئة يصف الخيل:

# عوابس بالشعث الكماة إذا ابتغوا

# غلالتها بالمحصدات (أصرت)

# ويستعمل شرعا بمعنى الإقامة على القبيح غير استغفار ورجوع بالتوبة،
~~والظاهر أنه لا يصح إرادة هذا / المعنى هنا لئلا يتكرر ما في المفهوم مع
~~ما في المنطوق، فلعله فيه بمعنى الإقامة، وإذا حمل الاستغفار على مجرد
~~طلب المغفرة فقط كان هذا مشيرا للتوبة التي هي ملاك الأمر إلا أنه قدم
~~الاستغفار لأنه دال عليها في الظاهر، وإذا حمل على الحال الذي ينضم إليه
~~التوبة كان هذا تصريحا ببعض ما أريد منه إشارة إلى الاعتناء به كما
~~قالوا في ذكر الخاص بعد العام، أخرج البيهقي عن ابن عباس موقوفا

# " كل ذنب أصر عليه العبد كبير وليس بكبير ما تاب منه العبد "

# وأخرج أحمد والبخاري في «الأدب المفرد» عن ابن عمر مرفوعا

# " ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم ويل لأقماع القول ويل للمصرين "

# { وهم يعلمون } قيل: الجملة حال من ضمير  استغفروا  وفيه بعد
~~لفظي، والمشهور أنها حال من ضمير  أصروا  ومفعول { يعلمون } محذوف
~~أي يعلمون قبح فعلهم، وقد ذكر أن الحال بعد الفعل المنفي وكذا جميع
~~القيود قد يكون راجعا إلى النفي قيدا له دون المنفي مثل ما جئتك
~~مشتغلا بأمورك بمعنى تركت المجيء مشتغلا بذلك، وقد يكون راجعا إلى ما
~~دخله النفي مثل ما جئتك راكبا، ولهذا معنيان: أحدهما: و  هو الأكثر 
~~أن يكون النفي راجعا إلى القيد فقط ويثبت أصل الفعل فيكون المعنى جئت
~~غير راكب، وثانيهما: أن يقصد نفي الفعل والقيد معا بمعنى انتفاء كل من
~~الأمرين فالمعنى في المثال لا مجيء ولا ركوب، وقد يكون النفي متوجها
~~للفعل فقط من غير اعتبار لنفي القيد وإثباته. قيل: وهذه الآية لا يصح
~~فيها أن يكون { وهم يعلمون } قيدا للنفي لعدم الفائدة لأن ترك ms01471
~~الإصرار موجب للأجر والجزاء سواء كان مع العلم بالقبح أو مع الجهل بل مع
~~الجهل أولى ولايصح أيضا فيها أن يتوجه النفي إلى القيد فقط مع إثبات أصل
~~الفعل إذ ليس المعنى على إثبات الإصرار ونفي العلم، وكذا لا يصح توجهه
~~إلى الفعل والقيد معا إذ ليس المعنى على نفي العلم، والظاهر أن المناسب
~~فيها توجهه إلى الفعل فقط من غير اعتبار لنفي القيد وإثباته، والمراد لم
~~يصروا عالمين بمعنى أن عدم الإصرار متحقق البتة. ولك أن تقول: لم لا يجوز
~~أن يكون الحال هنا قيدا للنفي ويكون المعنى تركوا الإصرار على الذنب
~~لعلمهم بأن الذنب قبيح فإن الحال قد يجيء في معرض التعليل. وحديث إن ترك
~~الاصرار موجب للأجر والجزاء سواء كان مع العلم بالقبح أو مع الجهل فلا
~~دخل لمضمون الحال في إيجاب الأجر مجاب عنه بأنه ليس المقصود من ذكر الحال
~~تقييد الإصرار بها لإيجاب الأجر حتى يرد عليه ما ذكر بل المراد مدحهم بأن
~~تركهم الإصرار على الذنب لأجل أن فيهم ما هو زاجر عنه وهو علمهم بقبح
~~الذنب فيكون مدحا لهم بأن من صفاتهم التحرز عن القبائح، وادعى بعض
~~المتأخرين تعين كون الحال قيدا للمنفي وأن النفي راجع إلى القيد،
~~والمعنى لم يكن لهم الإصرار مع العلم بقبح الجزاء لأن المصر مع عدم العلم
~~بالقبح لا يحرم الجزاء وغير المصر لكسالة أو لعدم ميل الطبع لا يبلغه لأن
~~الجزاء على الكف لا على العدم وإلا لكان لكل أحد أجزية لا تتناهى لعدم
~~فعل قبائح لا تتناهى لم تخطر بباله، ولا يخفى ما في قوله: «وغير المصر»
~~الخ، وقوله: «لأن الجزاء» الخ من النظر، وكأن من جعله حالا من ضمير 
~~استغفروا  أراد الفرار من هذه الدغدغة، وأنا أقول: إن الحال قيد للنفي
~~ومتعلق العلم وليس هو القبح بل إنه يغفر لمن استغفر ويتوب على من تاب،
~~وهو المروي عن مجاهد كما أخرجه جماعة عنه، وحكي عن الضحاك أيضا والمعنى
~~أنهم تركوا الإقامة على الذنب عالمين بأن ms01472 الله تعالى يقبل التوبة من
~~عباده ويغفر لهم، وهو إيذان بأنهم لا ييأسون من روح / الله سبحانه ولا
~~يرد على هذا دعوى عدم الفائدة كما أورد أولا إذ من المعلوم الذي لا شبهة
~~فيه أن ترك الإصرار إنما يوجب الأجر إذا لم يكن معه يأس فإنه لا ييأس من
~~روح الله إلا القوم الكافرون، ولعل مدحهم بأنهم يعلمون ذلك أولى من مدحهم
~~بأنهم يعلمون قبح الفعل، وربما يقال: إن الجملة سيقت معترضة لذلك كما
~~سيقت كذلك جملة { ومن يغفر الذنوب إلا الله } لما سيقت
~~له، وأما جعلها معطوفة على جملة  لم يصروا  ورب شيء يصح تبعا ولا يصح
~~استقلالا فليس بالذي تميل النفس إليه.

### || [3.136]

# { أولك } إشارة إلى المذكورين أخيرا باعتبار اتصافهم بما تقدم من
~~الصفات الحميدة، والبعد للإشعار ببعد منزلتهم في الفضل، وإلى هذا ذهب
~~المعظم، وقيل: هو إشارة إلى المذكورين وهم طائفة واحدة، وهو مبتدأ وقوله
~~تعالى: { جزآؤهم } بدل اشتمال منه أو مبتدأ ثان، وقوله تعالى: {
~~مغفرة } خبر { أولئك } أو خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر
~~الأول، وهذه الجملة خبر

# والذين إذا فعلوا

# [آل عمران: 135] الخ على الوجه الأول، وادعى مولانا شيخ الإسلام ((أنه
~~الأظهر الأنسب بنظم المغفرة المنبئة عن سابقة الذنب في سلك الجزاء إذ على
~~الوجهين الأخيرين { أولئك } الخ جملة مستأنفة مبينة لما قبلها
~~كاشفة عن حال كلا الفريقين المحسنين والتائبين ولم يذكر ما هو من أوصاف
~~الأولين ما فيه شائبة الذنب حتى يذكر في مطلع الجزاء الشامل لهما
~~المغفرة، وتخصيص الإشارة بالأخيرين مع اشتراكهما في حكم إعداد الجنة لهما
~~تعسف ظاهر)) انتهى.

# والذي يشعر به ظاهر ما أخرجه ابن جرير عن الحسن أنه قرأ:

# الذين ينفقون فى السراء والضراء

# [آل عمران: 134] الآية ثم قرأ

# والذين إذا فعلوا فحشة

# [آل عمران: 135] الآية فقال: إن هذين النعتين لنعت رجل واحد أحد الوجهين
~~الأخيرين اللذين أشار إليهما بل الأول منهما، وتكون هذه الإشارة كما قال
~~صاحب القيل، وهذه المغفرة هي المغفرة التي أمر جميع المؤمنين من له ذنب
~~ومن ms01473 لا ذنب له منهم بالمسارعة إلى ما يؤدي إليها فلا يضر وقوعها في مطلع
~~الجزاء.

# { من ربهم } متعلق بمحذوف وقع صفة للمغفرة مؤكدة لما أفاده
~~التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي مغفرة عظيمة كائنة من
~~جهته تعالى، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم للاشعار بعلة
~~الحكم مع التشريف { وجنت تجري من تحتها الأنهر }
~~عطف على مغفرة والمراد بها جنات في ضمن تلك الجنة التي أخبر سبحانه أن
~~عرضها السماوات والأرض وليس جنات وراءها على ما يقتضيه كلام صاحب القيل
~~إلا أنه لم يكتف بإعداد ما وصف أولا تنصيصا على وصفها باشتمالها على ما
~~يزيدها بهجة من الأنهار الجارية بعد وصفها بالسعة والإخبار بأنها جزاؤهم
~~وأجرهم الذي لا بد بمقتضى الفضل أن يصل إليهم، وهذا فوق الاخبار بالإعداد
~~أو مؤكد له فالتنوين للتعظيم على طرز ما ذكر في المعطوف عليه، وادعى شيخ
~~الإسلام أن التنكير يشعر بكونها أدنى من الجنة السابقة، وإن ذلك مما يؤيد
~~رجحان الوجه الأول الذي أشار إليه وفيه تردد { خالدين فيها } حال
~~مقدرة من الضمير المجرور في جزاؤهم لأنه مفعول به معنى إذ هو في قوة
~~يجزيهم الله جنات خالدين فيها، ولا مساغ لأن يكون حالا من (جنات) في
~~اللفظ وهي لأصحابها في المعنى إذ لو كان كذلك لأبرز الضمير على ما عليه
~~الجمهور.

# { ونعم أجر العملين } المخصوص بالمدح محذوف أي ونعم
~~أجر العاملين الجنة، وعلى ذلك اقتصر مقاتل، وذهب غير واحد أنه ذلك أي ما
~~ذكر من المغفرة والجنات. / وفي الجملة على ما نص عليه بعض المحققين وجوه
~~من المحسنات: أحدها: أنها كالتذييل للكلام السابق فيفيد مزيد تأكيد
~~للاستلذاذ بذكر الوعد، وثانيها: في إقامة الأجر موضع ضمير الجزاء لأن
~~الأصل ونعم هو أي جزاؤهم إيجاب إنجاز هذا الوعد وتصوير صورة العمل في
~~العمالة تنشيطا للعامل، وثالثها: في تعميم العاملين وإقامته مقام الضمير
~~الدلالة على حصول المطلوب للمذكورين بطريق برهاني.

# والمراد من الكلام السابق الذي جعل هذا كالتذييل له إما الكلام الذي في
~~شأن التائبين، ms01474 أو جميع الكلام السابق على الخلاف الذي ذكرناه آنفا، ومن
~~ذهب إلى الأول قال: وكفاك في الفرق بين القبيلين وهما المتقون الذين أتوا
~~بالواجبات بأسرها واجتنبوا المعاصي برمتها، والمستغفرون لذنوبهم بعدما
~~أذنبوا وارتكبوا الفواحش والظلم أنه تعالى فصل آية الأولين بقوله سبحانه
~~وتعالى:

# والله يحب المحسنين

# [آل عمران: 134] المشعر بأنهم محسنون محبوبون عند الله تعالى، وفصل آية
~~الآخرين بقوله جل وعلا: { ونعم أجر العاملين } المشعر بأن
~~هؤلاء أجراء وأن ما أعطوا من الأجر جزاء لتداركهم بعض ما فوتوه على
~~أنفسهم، وأين هذا من ذاك؟ وبعيد ما بين السمك والسماك، ولا يخفى أنه على
~~تقدير كون النعتين نعت رجل واحد كما حكي عن الحسن يمكن أن يقال: إن ذكر
~~هذه الجملة عقيب تلك لما ذكره بعض المحققين وأي مانع من الإخبار بأنهم
~~محبوبون عند الله تعالى وأن الله تعالى منجز ما وعدهم به ولا بد، وكونهم
~~إذا أذنبوا استغفروا وتابوا لا ينافي كونهم محسنين أما إذا أريد من
~~الإحسان الإنعام على الغير فظاهر، وأما إذا أريد به الإتيان بالأعمال على
~~الوجه اللائق  أو أن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه
~~يراك  كما صرح به في " الصحيح " فلأن ذلك لو نافى لزم أن لا يصدق المحسن
~~إلا على نحو المعصوم ولا يصدق على من عبد الله تعالى وأطاعه مدة مديدة
~~على أليق وجه وأحسنه ثم عصاه لحظة فندم أشد الندم واستغفر سيد الاستغفار؛
~~ولا أظن أحدا يقول بذلك فتدبر.

# ثم إن في هذه الآيات  على ما ذهب إليه المعظم  دلالة على أن المؤمنين
~~ثلاث طبقات، متقين وتائبين ومصرين، وعلى أن غير المصرين تغفر ذنوبهم
~~ويدخلون الجنة، وأما أنها تدل على أن المصرين لا تغفر ذنوبهم ولا يدخلون
~~الجنة كما زعمه البعض فلا؟ لأن السكوت عن الحكم ليس بيانا لحكمهم عند
~~بعض ودال على المخالفة عند آخرين وكفى في تحققها أنهم مترددون بين الخوف
~~والرجاء وأنهم لا يخلون عن تعنيف أقله تعييرهم بما أذنبوه مفصلا  ويا له
~~من فضيحة ms01475  وهذا ما لا بد منه على ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وحينئذ
~~لم يتم لهم المغفرة الكاملة كما للتائبين على أن مقتضى ما في الآيات أن
~~الجنة لا تكون جزاء للمصر؛ وكذلك المغفرة أما نفي التفضل بهما فلا، وهذا
~~على أصل المعتزلة واضح للفرق بين الجزاء والتفضل وجوبا وعدم وجوب، وأما
~~على أصل أهل السنة فكذلك لأن التفضل قسمان: قسم مترتب على العمل ترتب
~~الشبع على الأكل يسمى أجرا وجزاءا وقسم لا يترتب على العمل فمنه ما هو
~~تتميم للأجر كما أو كيفا كما وعده من الاضعاف وغير ذلك، ومنه ما هو محض
~~التفضل حقيقة واسما كالعفو عن أصحاب الكبائر ورؤية الله تعالى في دار
~~القرار وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى قاله بعض المحققين، وذكر
~~العلامة الطيبي أن قوله تعالى:

# واتقوا النار التى أعدت للكفرين

# [آل عمران: 131] وردت خطابا لآكلي الربا من المؤمنين وردعا لهم عن
~~الإصرار على ما يؤديهم إلى دركات الهالكين من الكافرين وتحريضا على
~~التوبة والمسارعة إلى نيل الدرجات مع الفائزين من المتقين والتائبين،
~~فإدراج المصرين في هذا المقام بعيد المرمى لأنه إغراء وتشجيع على الذنب
~~لا زجر ولا ترهيب فبين بالآيات / معنى المتقين للترغيب والترهيب ومزيد
~~تصوير مقامات الأولياء ومراتبهم ليكون حثا لهم على الانخراط في سلكهم
~~ولا بد من ذكر التائبين واستغفارهم وعدم الإصرار ليكون لطفا لهؤلاء
~~وجميع الفوائد التي ذكرت في قوله سبحانه وتعالى:

# ومن يغفر الذنوب إلا الله

# [آل عمران: 135] تدخل في المعنى، فعلم من هذا أن دلالة

# ولم يصروا على ما فعلوا

# [آل عمران: 135] مهجورة لأن مقام التحريض والحث أخرج المصرين، والحاصل
~~أن شرط دلالة المفهوم هنا منتف فلا يصح الاحتجاج بذلك للمعتزلة أصلا.

### || [3.137]

# { قد خلت } أي مضت { من قبلكم سنن } أي وقائع في الأمم
~~المكذبة أجراها الله تعالى حسب عادته، وقال المفضل: إن المراد بها الأمم،
~~وقد جاءت السنة بمعنى الأمة في كلامهم، ومنه قوله:

# ما عاين الناس من فضل كفضلكم

# ولا رأوا مثلكم في سالف ms01476 السنن

# وقال عطاء: المراد بها الشرائع والأديان، فالمعنى قد مضت من قبلكم سنن
~~وأديان نسخت، ولا يخفى أن الأول أنسب بالمقام لأن هذا إما مساق لحمل
~~المكلفين أو آكلي الربا على فعل الطاعة أو على التوبة من المعصية أو على
~~كليهما بنوع غير ما سبق  كما قيل  وإما عود إلى تفصيل بقية القصة بعد
~~تمهيد مبادي الرشد والصلاح وترتيب مقدمات الفوز والفلاح على رأي، وذكر
~~مضي الأديان ليس له كثير ارتباط بذلك، وإن زعم بعضهم أن فيه تثبيتا
~~للمؤمنين على دين النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يهنوا بقول اليهود أن
~~دين موسى عليه السلام لا ينسخ ولا يجوز النسخ على الله تعالى لأنه بداء
~~وتحريضا لليهود وحثا على قبول دين الإسلام وإنذارا لهم من أن يقع
~~عليهم مثل ما وقع على المكذبين وتقوية لقلوب المؤمنين بأنه سينصرهم على
~~المكذبين، نعم إطلاق السنة على الشريعة أقرب من إطلاقها على الوقعة لأنها
~~في الأصل الطريقة والعادة، ومنه قولهم: سنة النبي صلى الله عليه وسلم،
~~والجار والمجرور إما متعلق بخلت أو بمحذوف وقع حالا من { سنن } أي
~~سنن كائنة من قبلكم.

# { فسيروا فى الأرض } أي بأقدامكم أو بأفهامكم { فانظروا }
~~أي تأملوا. { كيف كان عقبة المكذبين } أي آخر أمرهم
~~الذي أدى إليه تكذيبهم لأنبيائهم، والفاء للإيذان بسببية الخلو للسير
~~والنظر أو الأمر بهما، وقيل: المعنى على الشرط أي إن شككتم فسيروا الخ،
~~والخطاب على كل تقدير مساق للمؤمنين، وقال النقاش: للكفار  وفيه بعد  و
~~{ كيف } خبر مقدم  لكان  معلق لفعل النظر، والجملة في محل النصب بعد
~~نزع الخافض لأن الأصل استعماله بالجار وتجريد الفعل عن تاء التأنيث لأن
~~المرفوع مجازي التأنيث.

### || [3.138]

# الإشارة إما إلى القرآن  وهو المروي عن الحسن وقتادة  وخدش بأنه بعيد
~~عن السياق وإما إلى ما لخص من أمر الكفار والمتقين والتائبين، وقوله
~~سبحانه:

# قد خلت

# [آل عمران: 137] الآية اعتراض للبعث على الإيمان والتقوى والتوبة  كما
~~قيل  ووجه الاعتراض لدفع الاعتراض بأن المعترضة مؤكدة للمعترض فيه وهنا
~~ليس كذلك بأن ms01477 تلك الآيات واردة على سبيل الترغيب والترهيب لآكلي الربا
~~وهذه الآية دلت على الترهيب ومعناه راجع إلى الترغيب بحسب التضاد كما أن
~~بعض الآيات الواردة في الرحمن للوعيد تعد من الآلاء بحسب الزجر عن
~~المعاصي فيتأتى التوكيد دون نقص، واعترض عليه بأنه تعسف، وإما إلى ما سلف
~~من قوله سبحانه: { قد خلت } الخ، وهو المروي عن أبي إسحق، واختاره
~~الطبري والبلخي وكثير من المتأخرين.

#  وأل  في الناس للعهد، والمراد بهم المكذبون، والظرف إما متعلق ببيان
~~أو بمحذوف وقع صفة لهم أي هذا إيضاح لسوء عاقبة ما هم عليه من التكذيب
~~فإن الأمر [بالسير والنظر] السابق وإن كان خاصا بالمؤمنين على المختار
~~لكن العمل بموجبه غير مختص بهم ففيه حمل للمكذبين أيضا على أن ينظروا في
~~عاقبة أسلافهم ليعتبروا بذلك، والموعظة ما يلين القلب ويدعو إلى التمسك
~~بما فيه طاعة، والهدى بيان طريق الرشد ليسلك دون طريق الغي، والفرق بينه
~~وبين البيان أن الثاني إظهار المعنى كائنا ما كان ولكون المراد به هنا
~~ما كان عاريا عن الهدى والعظة خصه بالناس مع أن ظاهره شامل للمتقين.
~~والمراد بهم مقابل المكذبين وكأنه وضع موضع الضمير بناءا على أن المعنى
~~وزيادة بصيرة وموعظة لكم للإيذان بعلة الحكم فإن مدار ذلك كونه هدى
~~وموعظة لهم إنما هو تقواهم وعدم تكذيبهم، وقدم بيان كونه بيانا للمكذبين
~~مع أنه غير مسوق له على بيان كونه هدى للمتقين مع أنه المقصود بالسياق
~~لأن أول ما يترتب على مشاهدة آثار هلاك أسلافهم ظهور حال أخلافهم، وأما
~~الهدى فأمر مترتب عليه والاقتصار على الأمرين في جانب المتقين مع ترتبهما
~~على البيان لما أنهما المقصد الأصلي.

# وقيل: أل في الناس للجنس. والمراد بيان لجميع الناس لكن المنتفع به
~~المتقون لأنهم يهتدون به وينتجعون بوعظه  وليس بالبعيد  وجوز بعضهم أن
~~يراد من المتقين الصائرون إلى التقوى فيبقى الهدى والموعظة بلا زيادة،
~~وإن يراد بهم ما يعمهم وغيرهم من المتقين بالفعل فيحتاج الهدى وما عطف
~~عليه إلى اعتبار ما يعم الابتداء والزيادة ms01478 فيه، ولا يخفى ما في الثاني من
~~زيادة البعد لارتكاب خلاف الظاهر في موضعين وأما الأول: ففيه بعد من جهة
~~الارتكاب في موضع واحد وهو وإن شارك ما قلناه من هذه الحيثية إلا أن ما
~~ارتكبناه يهدي إليه في الجملة التنوين الذي في الكلمة ولا كذلك ما
~~ارتكبوه بل اعتبار الكمال المشعر به الإطلاق ربما يأباه ولعله لمجموع
~~الأمرين هان أمر نزع الخف.

### || [3.139]

# { ولا تهنوا ولا تحزنوا } أخرج الواحدي عن ابن عباس أنه قال:

# " انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فبينما هم كذلك إذ
~~أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريدون أن يعلوا عليهم الجبل فقال
~~النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا قوة لنا إلا بك اللهم ليس يعبدك
~~بهذه البلدة غير هؤلاء النفر "

# فأنزل الله تعالى هذه الآية: وثاب نفر من المسلمين فصعدوا الجبل ورموا
~~خيل المشركين حتى هزموهم» وعن الزهري وقتادة أنها نزلت تسلية للمسلمين
~~لما نالهم يوم أحد من القتل والجراح. وعن الكلبي أنها نزلت بعد يوم أحد
~~حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله تعالى عنهم بطلب
~~القوم وقد أصابهم من الجراح ما أصابهم وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يخرج
~~إلا من شهد معنا بالأمس فاشتد ذلك على المسلمين فأنزل الله هذه الآية»،
~~وأيا ما كان فهي معطوفة على قوله تعالى:

# فسيروا فى الأرض

# [آل عمران: 137] بحسب اللفظ ومرتبطة به بحسب المعنى إن قلنا إنه عود إلى
~~التفصيل، وبما تقدم من قصة أحد  إن لم نقل ذلك  وبه قال جمع، وجعلوا
~~توسيط حديث الربا استطرادا أو إشارة إلى نوع آخر من عداوة الدين ومحاربة
~~المسلمين، وبه يظهر الربط وقد مر توجيهه بغير ذلك أيضا.

# ومن الناس من جعل ارتباط هذه الآية لفظا بمحذوف أي كونوا مجدين ولا
~~تهنوا، ومضى على الخلاف وهو تكلف مستغنى عنه، والوهن  الضعف أي لا
~~تضعفوا عن قتال أعدائكم والجهاد في سبيل الله تعالى بما نالكم من الجراح
~~ولا تحزنوا على ms01479 ما أصبتم به من قتل الأعزة وقد قتل في تلك الغزوة خمسة من
~~المهاجرين حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير صاحب راية رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم، وعبد الله بن جحش / ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم
~~وعثمان بن شماس، وسعد مولى عتبة رضي الله تعالى عنهم، وسبعون من الأنصار،
~~وقيل: لا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة ولا يخفى بعده والظاهر أن حقيقة
~~النهي غير مرادة هنا بل المراد التسلية والتشجيع وإن أريدت الحقيقة فلعل
~~ذلك بالنسبة إلى ما يترتب على الوهن والحزن من الآثار الاختيارية أي لا
~~تفعلوا ما يترتب على ذلك.

# { وأنتم الأعلون } جملة حالية من فاعل الفعلين أي والحال أنكم
~~الأعلون الغالبون دون أعدائكم فإن مصيرهم مصير أسلافهم المكذبين فهو
~~تصريح بعد الإشعار بالغلبة والنصر. حكى القرطبي أنهم ((لم يخرجوا بعد
~~ذلك [عسكرا] إلا ظفروا في كل عسكر كان في عهده عليه الصلاة والسلام وكذا
~~في كل عسكر كان بعد، ولو لم يكن فيه إلا واحد من الصحابة رضي الله تعالى
~~عنهم)).

# أو المراد والحال أنكم أعلى منهم شأنا فإنكم على الحق وقتالكم لإعلاء
~~كلمة الله تعالى وقتلاكم في الجنة وأنهم على الباطل وقتالهم لنصرة كلمة
~~الشيطان وقتلاهم في النار، واشتراكهم على هذا في العلو بناءا على الظاهر
~~وزعمهم، وإذا أخذ العلو بمعنى الغلبة لا يحتاج إلى هذا لما أن الحرب سجال
~~وأن العاقبة للمتقين، وقيل: المراد: وأنتم الأعلون حالا منهم حيث أصبتم
~~منهم يوم بدر أكبر مما أصابوا منكم اليوم.

# ومن الناس من جوز كون الجملة لا محل لها من الإعراب وجعلها معترضة بين
~~النهي المذكور وقوله سبحانه { إن كنتم مؤمنين } لأنه متعلق به
~~معنى وإن كان الجواب محذوفا أي  إن كنتم مؤمنين فلا تهنوا ولا تحزنوا 
~~فإن الإيمان يوجب قوة القلب ومزيد الثقة بالله تعالى وعدم المبالاة
~~بأعدائه، ولا يخفى أن دعوى التعلق مما لا بأس بها لكن الحكم  بكون تلك
~~الجملة معترضة  معترض بالبعد، ويحتمل أن يكون هذا الشرط متعلقا ms01480 
~~بالأعلون  والجواب محذوف أيضا أي إن كنتم مؤمنين  فأنتم الأعلون  فإن
~~الإيمان بالله تعالى يقتضي العلو لا محالة، ويحتمل أن يراد بالإيمان
~~التصديق بوعد الله تعالى بالنصرة والظفر على أعداء الله تعالى، ولا
~~اختصاص لهذا الاحتمال بالاحتمال الأخير من احتمالي التعلق كما يوهمه صنيع
~~بعضهم، وعلى كل تقدير المقصود من الشرط هنا تحقيق المعلق به كما في قول
~~الأجير: إن كنت عملت لك فأعطني أجري، أو من قبيل قولك لولدك: إن كنت ابني
~~فلا تعصني، وحمل بعضهم الشرط على التعليل أي لا تهنوا ولا تحزنوا لأجل
~~كونكم مؤمنين، أو وأنتم الأعلون لأجل ذلك والقول بأن المراد إن بقيتم على
~~الإيمان ليس له كمال ملاءمة للمقام.

### || [3.140]

# { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله }
~~قرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم بضم القاف والباقون بالفتح، وهما
~~لغتان  كالدف والدف، والضعف والضعف  وقال الفراء: القرح بالفتح
~~الجراحة، وبالضم ألمها، ويقرأ بضم القاف والراء على الاتباع  كاليسر
~~واليسر، والطنب والطنب  وقرأ أبو السمال بفتحهما وهو مصدر قرح يقرح إذا
~~صار له قرحة والمعنى إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر،
~~ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال وأنتم أحق بأن لا
~~تضعفوا فإنكم ترجون من الله تعالى ما لا يرجون، والمضارع على ما ذهب إليه
~~العلامة التفتازاني لحكاية الحال لأن المساس مضى، وأما استعمال  إن 
~~فبتقدير كان أي إن كان مسكم قرح، و إن لا تتصرف في  كان  لقوة دلالته
~~على المضي، أو على ما قيل: إن { إن } قد تجيء لمجرد التعليق من غير نقل
~~فعله من الماضي إلى المستقبل، وما وقع في موضع جواب الشرط ليس بجواب
~~حقيقة لتحققه قبل هذا الشرط بل دليل الجواب، والمراد إن كان مسكم قرح
~~فذلك لا يصحح عذركم وتقاعدكم عن الجهاد بعد لأنه قد مس أعداءكم / مثله
~~وهم على ما هم عليه، أو يقال: إن مسكم قرح فتسلوا فقد مس القوم قرح
~~مثله، والمثلية باعتبار كثرة القتلى في ms01481 الجملة فلا يرد أن المسلمين قتلوا
~~من المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقتل المشركون من المسلمين يوم
~~أحد خمسة وسبعين وجرحوا سبعين، والتزم بعضهم تفسير القرح بمجرد الانهزام
~~دون تكثير القتلى فرارا من هذا الإيراد، وأبعد بعض في توجيه الآية
~~وحملها على ما لا ينبغي أن يحمل عليه كلام الله تعالى فقال: الأوجه أن
~~يقال: إن المراد إن يمسسكم قرح فلا تهنوا لأنه مس القوم أي الرجال قرح
~~مثله والقرح للرجال لا للنساء فمن هو من زمرة الرجال ينبغي أن لا يعرض
~~عما هو سمته بل ينبغي أن يسعى له، وبهذا يظهر بقاء وجه التعبير بالمضارع
~~وأنه على ظاهره، وكذا يندفع ما قيل: إن قرح القوم لم يكن مثل قرحهم ولا
~~يحتاج إلى ما تقدم من الجواب. وقيل: إن كلا المسين كان في أحد فإن
~~المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فإنهم قتلوا منهم نيفا وعشرين رجلا أحدهم صاحب لوائهم، وجرحوا عددا
~~كثيرا وعقروا عامة خيلهم بالنبل، وقيل: إن ذلك القرح الذي مسهم أنهم
~~رجعوا خائبين مع كثرتهم وغلبتهم بحفظ الله تعالى للمؤمنين.

# { وتلك الأيام } اسم الإشارة مشار به إلى ما بعده كما في
~~الضمائر المبهمة التي يفسرها ما بعدها نحو  ربه رجلا  ومثله يفيد
~~التفخيم والتعظيم، و الأيام بمعنى الأوقات لا الأيام العرفية، وتعريفها
~~للعهد إشارة إلى أوقات الظفر والغلبة الجارية فيما بين الأمم الماضية
~~والآتية، ويوما بدر وأحد داخلان فيها دخولا أوليا.

# { نداولها بين الناس } نصرفها بينهم فنديل لهؤلاء مرة
~~ولهؤلاء أخرى كما وقع ذلك يوم بدر ويوم أحد، والمداولة نقل الشيء من واحد
~~إلى آخر، يقال: تداولته الأيدي إذا انتقل من واحد إلى واحد، و { الناس
~~} عام، وفسره ابن سيرين بالأمراء، واسم الإشارة مبتدأ، و (الأيام) خبره،
~~و { نداولها } في موضع الحال، والعامل فيها معنى الإشارة أو خبر بعد
~~خبر، ويجوز أن تكون الأيام صفة أو بدلا أو عطف بيان، و { نداولها }
~~هو الخبر، و { بين الناس } ظرف لنداولها، ms01482 وجوز أن يكون حالا من
~~الهاء، وصيغة المضارع الدالة على التجدد والاستمرار للإعلام بأن تلك
~~المداولة سنة مسلوكة فيما بين الأمم قاطبة إلى أن يأتي أمر الله تعالى
~~ومن كلامهم: الأيام دول والحرب سجال، وفي هذا ضرب من التسلية للمؤمنين،
~~وقرىء  يداولها .

# { وليعلم الله الذين ءامنوا } تعليل لما هو فرد من
~~أفراد مطلق المداولة المشار إليها فيما قبل، وهي المداولة المعهودة
~~الجارية بين فريقي المؤمنين والكافرين، واللام متعلقة بما دل عليه المطلق
~~من الفعل المقيد بالوقوع بين الفريقين المذكورين؛ أو بنفس الفعل المطلق
~~باعتبار وقوعه بينهما، والجملة معطوفة على علة أخرى لها معتبرة إما على
~~الخصوص والتعيين [محذوفة] للدلالة المذكورة عليها كأنه قيل: نداولها
~~بينكم وبين عدوكم ليظهر أمركم وليعلم، وإما على العموم والإبهام للتنبيه
~~على أن العلل غير منحصرة فيما عد من الأمور، وأن العبد يسوؤه ما يجري
~~عليه ولا يشعر بما لله في طيه من الألطاف، كأنه قيل: نجعلها دولا بينكم
~~لتكون حكما وفوائد جمة وليعلم الخ، وفيه من تأكيد التسلية ما لا يخفى،
~~وتخصيص البيان بعلة هذا الفرد من مطلق المداولة دون سائر أفرادها الجارية
~~بين بقية الأمم تعيينا أو إبهاما لعدم تعلق الغرض العلمي ببيانها، ولك
~~أن تجعل المحذوف المبهم عبارة عن علل سائر أفرادها للإشارة إجمالا إلى
~~أن كل فرد من أفرادها له علة داعية في الظاهر إليه كأنه قيل: / نداولها
~~بين الناس كافة ليكون كيت وكيت من الحكم الداعية إلى تلك الأفراد وليعلم
~~الخ، فاللام الأولى: متعلقة بالفعل المطلق باعتبار تقييده بتلك الأفراد،
~~والثانية: باعتبار تقييده بالفرد المعهود  قاله مولانا شيخ الإسلام .

# وجوزوا أن يكون الفعل معطوفا على ما قبله باعتبار المعنى كأنه قيل:
~~داولت بينكم الأيام لأن هذه عادتنا وليعلم الخ، وقيل: إن الفعل المعلل به
~~محذوف ويقدر مؤخرا، والتقدير: وليعلم الله الذين آمنوا فعل ذلك، ومنهم
~~من زعم زيادة الواو وهو من ضيق المجال والكلام من باب التمثيل أي
~~ليعاملكم معاملة من يريد أن يعلم المخلصين الثابتين على الإيمان من
~~غيرهم، والعلم ms01483 فيه مجاز عن التمييز من باب إطلاق اسم السبب على المسبب أي
~~ليميز الثابتين على الإيمان من غيرهم.

# وحمل العلم على التمييز في حال التمثيل تطويل من غير طائل، واختار غير
~~واحد حمل العلم على التعلق التنجيزي المترتب عليه الجزاء. وقد تقدم بعض
~~الكلام على ذلك في البقرة. وبالجملة لا يرد لزوم حدوث العلم الذي هو صفة
~~قائمة بذاته تعالى وإطلاق الإيمان مع أن المراد هو الرسوخ والإخلاص فيه
~~للإشعار بأن اسم الإيمان لا ينطلق على غيره.

# وزعم بعضهم أن التقدير ليعلم الله المؤمن من المنافق إلا أنه استغنى
~~بذكر أحدهما عن الآخر ولا حاجة إليه، ومثله القول بحذف المضاف أي صبر
~~الذين، والالتفات إلى الغيبة بإسناده إلى الاسم الجليل لتربية المهابة
~~والإشعار بأن صدور كل واحد مما ذكر بصدد التعليل من أفعاله تعالى باعتبار
~~منشأ معين من صفاته التي استجمعها هذا الاسم الأعظم مغاير لمنشأ الآخر.

# { ويتخذ منكم شهدآء } جمع شهيد وهو قتيل المعركة وأراد بهم
~~شهداء أحد  كما قاله الحسن وقتادة وابن إسحق، و (من) ابتدائية أو
~~تبعيضية متعلقة  بيتخذ  أو بمحذوف وقع حالا من { شهدآء } ، وقيل:
~~جمع شاهد أي ويتخذ منكم شهودا معدلين بما ظهر [منهم] من الثبات على الحق
~~والصبر على الشدائد وغير ذلك من شواهد الصدق ليشهدوا على الأمم يوم
~~القيامة، و (من) على هذا بيانية لأن تلك الشهادة وظيفة الكل كما يشير
~~إليه قوله تعالى:

# وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على
~~الناس

# [البقرة: 143] ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما
~~أبطأ على النساء الخبر خرجن يستخبرن فإذا رجلان مقتولان على دابة أو على
~~بعير فقالت امرأة من الأنصار: من هذان؟ قالوا: فلان وفلان أخوها وزوجها
~~أو زوجها وابنها فقالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: حي
~~قالت: فلا أبالي يتخذ الله تعالى من عباده الشهداء ونزل القرآن على ما
~~قالت، { ويتخذ منكم شهدآء } وكنى بالإتخاذ عن الإكرام لأن
~~من اتخذ شيئا لنفسه فقد اختاره وارتضاه فالمعنى ms01484 ليكرم أناسا منكم
~~بالشهادة.

# { والله لا يحب الظلمين } أي يبغضهم، والمراد من
~~الظالمين إما المنافقون كابن أبي وأتباعه الذين فارقوا جيش الإسلام على
~~ما نقلناه فيما قبل فهم في مقابلة المؤمنين فيما تقدم المفسر بالثابتين
~~على الإيمان الراسخين فيه الذين توافق ظواهرهم بواطنهم، وإما بمعنى
~~الكافرين المجاهرين بالكفر، وأيا ما كان فالجملة معترضة لتقرير مضمون ما
~~قبلها، وفيها تنبيه على أنه تعالى لا ينصر الكافر على الحقيقة وإنما يغله
~~أحيانا استدراجا له وابتلاءا للمؤمن، وأيضا لو كانت النصرة دائما
~~للمؤمنين لكان الناس يدخلون في الإيمان على سبيل اليمن والفأل، والمقصود
~~غير ذلك.

### || [3.141]

# { وليمحص الله الذين ءامنوا } أي ليطهرهم من الذنوب
~~ويصفيهم من السيئات. / وأصل التمحيص كما قال الخليل: تخليص الشيء من كل
~~عيب يقال: محصت الذهب إذا أزلت خبثه. والجملة معطوفة على { يتخذ } [آل
~~عمران: 140] وتكرير اللام للاعتناء بهذه العلة ولذلك أظهر الاسم الجليل
~~في موضع الإضمار أو لتذكير التعليل لوقوع الفصل بينهما بالاعتراض. وهذه
~~الأمور الثلاثة  كما قال مولانا شيخ الإسلام  علل للمداولة المعهودة
~~باعتبار كونها على المؤمنين قدمت في الذكر لأنها المحتاجة إلى البيان.
~~ولعل تأخير العلة الأخيرة عن الاعتراض لئلا يتوهم اندراج المذنبين في
~~الظالمين أو لتقترن بقوله عز وجل: { ويمحق الكفرين } لما
~~بينهما من المناسبة حيث إن في كل من التمحيص و  المحق  إزالة إلا أن في
~~الأول: إزالة الآثار وإزاحة الأوضار. وفي الثاني: إزالة العين وإهلاك
~~النفس، وأصل  المحق  تنقيص الشيء قليلا قليلا ومنه المحاق والمعنى
~~ويهلك الكافرين، ولا يبقى منهم أحدا ينفخ النار. وهذا علة للمداولة
~~باعتبار كونها عليهم. والمراد منهم هنا طائفة مخصوصة وهم الذين حاربوا
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأصروا على الكفر فإن الله تعالى
~~محقهم جميعا، وقيل: يجوز أن يكون هذا علة للمداولة باعتبار كونها على
~~المؤمنين أيضا فإن الكفار إذا غلبوا أحيانا اغتروا وأوقعهم الشيطان في
~~أوحال الأمل ووسوس لهم فبقوا مصرين على الكفر فأهلكهم الله تعالى بذنوبهم
~~وخلدهم في النار.

### || [3.142]

# { أم حسبتم أن ms01485 تدخلوا الجنة } خطاب للمنهزمين يوم أحد
~~وهو كلام مستأنف لبيان ما هي الغاية القصوى من المداولة والنتيجة لما ذكر
~~من العلل الثلاث الأول، و { أم } منقطعة مقدرة ببل وهمزة الاستفهام
~~الإنكاري، وكونها متصلة وعديلها مقدر تكلف، والإضراب عن التسلية ببيان
~~العلل فيما لقوا من الشدة إلى تحقيق أنها من مبادىء الفوز بالمطلب الأسنى
~~والمقام الأعلى، والمعنى بل لا ينبغي منكم أن تظنوا أنكم تدخلون الجنة
~~وتفوزون بنعيمها وما أعد الله تعالى لعباده فيها.

# { ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم } حال من
~~ضمير { تدخلوا } مؤكدة للإنكار فإن رجاء الأجر من غير عمل ممن يعلم
~~أنه منوط به مستبعد عن العقول، ولهذا قيل:

# ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها

# إن السفينة لا تجري على اليبس

# وورد عن شهر بن حوشب طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب، وانتظار
~~الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة،
~~ونفي العلم باعتبار تعلقه التنجيزي كما مر في الإثبات على رأي. ويجوز أن
~~يكون الكلام كناية عن نفي تحقق ذلك لأن نفي العلم من لوازم نفي التحقق إذ
~~التحقق ملزوم علم الله تعالى، ونفي اللازم لازم نفي الملزوم وكثيرا ما
~~يقال: ما علم الله تعالى في فلان خيرا ويراد ما فيه خير حتى يعلمه، وهل
~~يجري ذلك في نفي علمنا أم لا؟ فيه تردد والذي قطع به صاحب «الانتصاف»
~~الثاني، وإيثار الكناية على التصريح للمبالغة في تحقيق المعنى المراد 
~~وهو عدم تحقق الجهاد الذي هو سبب للفوز الأعظم منهم  لما أن الكلام
~~عليها كدعوى الشيء ببينة، وفي ذلك رمز أيضا إلى ترك الرياء، وأن المقصود
~~علم الله تعالى لا الناس، وإنما وجه النفي إلى الموصوفين مع أن المنفي هو
~~الوصف الذي هو الجهاد للمبالغة في بيان انتقاء ذلك، وعدم تحققه أصلا
~~وكيف تحقق صفة بدون موصوف، وفي اختيار { لما } على لم إشارة إلى أن
~~الجهاد متوقع منهم فيما يستقبل بناءا على ما يفهم من كلام سيبويه أن
~~(لما) تدل على توقع ms01486 الفعل المنفي بها، وقد ذكر الزجاج أنه إذا قيل: قد
~~فعل فلان فجوابه  لما يفعل، وإذا قيل: فعل؟ فجوابه لم يفعل، فإذا قيل:
~~لقد فعل، فجوابه ما فعل كأنه قال: والله لقد فعل فقال المجيب: والله / ما
~~فعل، وإذا قيل: هو يفعل يريد ما يستقبل، فجوابه لا يفعل، وإذا قيل:
~~سيفعل، فجوابه لن يفعل، فقول أبي حيان: ((إن القول بأن لما تدل على
~~توقع الفعل المنفي بها فيما يستقبل لا أعلم أحدا من النحويين ذكره)) غير
~~متعد به، نعم هذا التوقع هنا غير معتبر في تأكيد الإنكار، وقرىء، {
~~ويعلم } بفتح الميم على أن أصله يعلمن بنون خفيفة فحذفت في الدرج،
~~وقد أجازوا حذفها إما بشرط ملاقاة ساكن بعدها أومطلقا، ومن ذلك قوله:

# إذا قلت قدني قال بالله حلفة

# لتغني عني ذا أنائك أجمعا

# على رواية فتح اللام؛ وقيل: إن فتح الميم لاتباع اللام ليبقى تفخيم اسم
~~الله عز اسمه، و { منكم } حال من { الذين } و من فيه للتبعيض،
~~فيؤذن بأن الجهاد فرض كفاية.

# { ويعلم الصبرين } نصب بإضمار أن، وقيل: بواو الصرف،
~~والكلام على طرز  لا تأكل السمك وتشرب اللبن  أي أم حسبتم أن تدخلوا
~~الجنة والحال أنه لم يتحقق منكم الجهاد والصبر أي الجمع بينهما، وإيثار
~~الصابرين على الذين صبروا للإيذان بأن المعتبر هو الاستمرار على الصبر
~~وللمحافظة على رؤوس الآي، وقيل: الفعل مجزوم بالعطف على المجزوم قبله
~~وحرك لالتقاء الساكنين بالفتحة للخفة والاتباع، ويؤيد ذلك قراءة الحسن {
~~ويعلم الصابرين } بكسر الميم، وقرىء { ويعلم } بالرفع
~~على أن الواو للاستئناف أو للحال بتقدير وهو يعلم، وصاحب الحال الموصول
~~كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون.

### || [3.143]

# { ولقد كنتم تمنون الموت } خطاب لطائفة من المؤمنين لم
~~يشهدوا غزوة بدر لعدم ظنهم الحرب حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~إليها فلما وقع ما وقع ندموا فكانوا يقولون: ليتنا نقتل كما قتل أصحاب
~~بدر ونستشهد كما استشهدوا فلما أشهدهم الله تعالى أحدا لم يلبث إلا من
~~شاء الله تعالى منهم. فالمراد بالموت هنا ms01487 الموت في سبيل الله تعالى وهي
~~الشهادة ولا بأس بتمنيها ولا يرد أن في تمني ذلك تمني غلبة الكفار لأن
~~قصد المتمني الوصول إلى نيل كرامة الشهداء لا غير، ولا يذهب إلى ذلك وهمه
~~كما أن من يشرب دواء النصراني مثلا يقصد الشفاء لا نفعه ولا ترويج
~~صناعته، وقد وقع هذا التمني من عبد الله بن رواحة من كبار الصحابة ولم
~~ينكر عليه، ويجوز أن يراد بالموت الحرب فإنها من أسبابه، وبه يشعر كلام
~~الربيع وقتادة فحينئذ المتمنى الحرب لا الموت.

# { من قبل أن تلقوه } متعلق ب { تمنون } مبين لسبب إقدامهم
~~على التمني أي من قبل أن تشاهدوا وتعرفوا هوله، وقرىء بضم اللام على حذف
~~المضاف إليه ونية معناه وأن تلقوه حينئذ بدل من الموت بدل اشتمال أي كنتم
~~تمنون الموت أن تلقوه من قبل ذلك، وقرىء (تلاقوه) من المفاعلة التي تكون
~~بين اثنين وما لقيك فقد لقيته، ويجوز أن يكون من باب سافرت والضمير عائد
~~إلى (الموت)، وقيل: إلى العدو المفهوم من الكلام وليس بشيء.

# { فقد رأيتموه } أي ما تمنيتموه من الموت بمشاهدة أسبابه أو
~~أسبابه، والفاء فصيحة كأنه قيل: إن كنتم صادقين في تمنيكم ذلك فقد
~~رأيتموه، وإيثار الرؤية على الملاقاة إما للإشارة إلى انهزامهم أو
~~للمبالغة في مشاهدتهم له كتقييد ذلك بقوله سبحانه: { وأنتم
~~تنظرون } لأنه في موضع الحال من ضمير المخاطبين أي رأيتموه معاينين
~~له، وهذا على حد قولك: رأيته وليس في عيني علة أي رأيته رؤية حقيقية لا
~~خفاء فيها ولا شبهة، وقيل: تنظرون بمعنى تتأملون وتتفكرون أي وأنتم
~~تتأملون الحال كيف هي، وقيل: معناه وأنتم تنظرون إلى محمد صلى الله عليه
~~وسلم، وعلى كل حال فالمقصود من هذا الكلام عتاب المنهزمين / على تمنيهم
~~الشهادة وهم لم يثبتوا حتى يستشهدوا، أو على تمنيهم الحرب وتسببهم لها ثم
~~جبنهم وانهزامهم لا على تمني الشهادة نفسها لأن ذلك مما لا عتاب عليه كما
~~وهم.

### || [3.144]

# { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل }
~~روي أنه لما ms01488 التقى الفئتان يوم أحد وحميت الحرب قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " من يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب به العدو حتى ينحني؟ فأخذه أبو دجانة
~~سماك بن خرشة الأنصاري ثم تعمم بعمامة حمراء وجعل يتبختر ويقول:

# * أنا الذي عاهدني خليلي * ونحن بالسفح لدى النحيل *

# * أن لا أقوم الدهر في الكبول * أضرب بسيف الله والرسول *

# فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها لمشية يبغضها الله تعالى
~~ورسوله إلا في هذا الموضع "

# فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله وقاتل علي كرم الله تعالى وجهه قتالا
~~شديدا حتى التوى سيفه وأنزل الله تعالى النصر على المسلمين وأدبر
~~المشركون فلما نظر الرماة إلى القوم قد انكشفوا والمسلمون ينتهبون
~~الغنيمة خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قليلا منهم
~~فانطلقوا إلى العسكر فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال الناس
~~بالغنيمة ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين وحمل على أصحاب رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم من خلفهم في مائتين وخمسين فارسا ففرقوهم
~~وقتلوا نحوا من ثلاثين رجلا ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه الكريم وأقبل يريد قتله
~~فذب عنه مصعب بن عمير صاحب الراية رضي الله تعالى عنه حتى قتله ابن
~~قميئة.

# وقيل: إن الرامي عتبة بن أبي وقاص فرجع وهو يرى أنه قتل رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فقال: إني قتلت محمدا وصرخ صارخ لا يدري من هو حتى قيل:
~~إنه إبليس ألا إن محمدا قد قتل فانكفأ الناس وجعل رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم يدعو: إلي عباد الله فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى
~~كشفوا عنه المشركين ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه ونثل له
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته وكان يقول ارم فداك أبي وأمي
~~وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست وعين قتادة حتى وقعت على وجنته
~~فأعادها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعادت ms01489 كأحسن ما كانت فلما انصرف
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أبي بن خلف الجمحي وهو يقول: لا
~~نجوت إن نجوت فقال القوم: يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا، فقال:
~~دعوه حتى إذا دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من
~~الحرث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه وخدشه خدشة فتدهدى من فرسه وهو
~~يخور كما يخور الثور وهو يقول: قتلني محمد وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فيقول: عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك
~~عليها ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: بل أنا أقتلك إن شاء الله
~~تعالى فاحتمله أصحابه وقالوا: ليس عليك بأس قال: بلى لو كانت هذه الطعنة
~~بربيعة ومضر لقتلتهم أليس قال لي: أقتلك؟ فلو بزق علي بعد تلك المقالة
~~قتلني فلم يلبث إلا يوما حتى مات بموضع يقال له سرف.

# ولما فشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل قال بعض
~~المسلمين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من
~~أبي سفيان، وبعضهم جلسوا وألقوا بأيديهم. وقال أناس من أهل النفاق إن
~~كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول، فقال أنس بن النضر عم أنس بن
~~مالك: إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل وما تصنعون بالحياة بعد
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما
~~مات عليه / ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما قال هؤلاء  يعني المسلمين
~~ وأبرأ إليك عما قال هؤلاء  يعني المنافقين  ثم شد بسيفه فقاتل حتى
~~قتل رضي الله تعالى عنه. وروي أن أول من عرف رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم كعب بن مالك قال: «عرفت عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي
~~يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إلي أن
~~اسكت فانحازت إليه طائفة من أصحابه رضي الله تعالى ms01490 عنهم فلامهم النبي
~~صلى الله عليه وسلم على الفرار فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا
~~وأبنائنا أتانا الخبر بأنك قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين» فأنزل الله
~~تعالى هذه الآية.

# ومحمد علم لنبينا صلى الله عليه وسلم منقول من اسم المفعول من حمد
~~المضاعف لغة سماه به جده عبد المطلب لسابع ولادته لموت أبيه قبلها ولما
~~سئل عن ذلك قال لرؤية رآها: رجوت أن يحمد في السماء والأرض، ومعناه قبل
~~النقل من يحمد كثيرا وضده المذمم، وفي الخبر أنه صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " ألم تروا كيف صرف الله تعالى عني لعن قريش وشتمهم يشتمون مذمما وأنا
~~محمد "

# وقد جمع هذا الاسم الكريم من الأسرار ما لا يحصى حتى قيل: إنه يشير إلى
~~عدة الأنبياء كإشارته إلى المرسلين منهم عليهم الصلاة والسلام وعبر عنه
~~صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم هنا لأنه أول أسمائه وأشهرها وبه صرخ
~~الصارخ، وهو مرفوع على الابتداء وخبره ما بعد إلا ولا عمل  لما 
~~بالاتفاق لانتقاض نفيه بإلا، واختلفوا في القصر هل هو قصر قلب أم قصر
~~إفراد؟ فذهب العلامة الطيبي وجماعة إلى أنه قصر قلب لأنه جعل المخاطبون
~~بسبب ما صدر عنهم من النكوص على أعقابهم عند الإرجاف بقتل النبي صلى
~~الله عليه وسلم كأنهم اعتقدوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس حكمه حكم
~~سائر الرسل المتقدمة في وجوب اتباع دينهم بعد موتهم بل حكمه على خلاف
~~حكمهم فأنكر الله تعالى عليهم ذلك وبين أن حكم النبي صلى الله عليه وسلم
~~حكم من سبق من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين في أنهم
~~ماتوا وبقي أتباعهم متمسكين بدينهم ثابتين عليه فتكون جملة { قد خلت
~~} الخ صفة لرسول منبئة عن كونه صلى الله عليه وسلم في شرف الخلو فإن خلو
~~مشاركيه في منصب الرسالة من شواهد خلوه لا محالة كأنه قيل: قد خلت من
~~قبله أمثاله فسيخلو كما خلوا، والقصر منصب على هذه الصفة فلا يرد أنه
~~يلزم من قصر القلب أن يكون المخاطبون ms01491 منكرين للرسالة لأن ذلك ناشىء من
~~الذهول عن الوصف، وقيل: الجملة في موضع الحال من الضمير في { رسول }
~~والانصباب هو الانصباب.

# وذهب صاحب «المفتاح» إلى أنه قصر إفراد إخراجا للكلام على خلاف مقتضى
~~الظاهر بتنزيل استعظامهم عدم بقائه صلى الله عليه وسلم منزلة استبعادهم
~~إياه وإنكارهم له حتى كأنهم اعتقدوا فيه وصفين الرسالة والبعد عن الهلاك
~~فقصر على الرسالة نفيا للبعد عن الهلاك، واعترض بأنه يتعين على هذا جعل
~~جملة { قد خلت } مستأنفة لبيان أنه صلى الله عليه وسلم ليس بعيدا عن عدم
~~البقاء كسائر الرسل إذ على اعتبار الوصف لا يكون إلا قصر قلب لانصباب
~~القصر عليه، وكون الجملة مستأنفة بعيد لمخالفته القاعدة في الجمل بعد
~~النكرات، وأجيب بأن ذلك ليس بمتعين لجواز أن تكون صفة أيضا مؤكدة لمعنى
~~القصر متأخرة عنه في التقدير، وقرأ ابن عباس  رسل  بالتنكير.

# { أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقبكم }
~~الهمزة للإنكار والفاء استئنافية أو لمجرد التعقيب، والانقلاب على
~~الأعقاب في الأصل الرجوع القهقرى، وأريد به الارتداد والرجوع إلى ما
~~كانوا عليه من الكفر في المشهور، والغرض إنكار ارتدادهم عن الدين بخلوه
~~صلى الله عليه وسلم بموت أو قتل بعد علمهم بخلو الرسل قبله وبقاء دينهم
~~متمسكا به، واستشكل بأن القوم لم يرتدوا فكيف عبر بالانقلاب على الأعقاب
~~المتبادر منه ذلك؟ وأجيب بأنه ليس المراد ارتدادا حقيقة وإنما هو تغليظ
~~عليهم فيما كان منهم من الفرار والانكشاف عن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وإسلامهم إياه للهلك، وقيل: الإنكار هنا بمعنى أنه لم يكن ذلك ولا
~~ينبغي لا إنكار لما وقع، وقيل: هو إخبار عما وقع لأهل الردة بعد موته صلى
~~الله عليه وسلم وتعريض بما وقع من الهزيمة لشبهه به.

# وحمل بعضهم الانقلاب هنا على نقص الإيمان لا الكفر بعده احتجاجا بما
~~أخرجه ابن المنذر عن الزهري قال: «لما نزلت هذه الآية

# ليزدادوا إيمنا مع إيمنهم

# [الفتح: 4] قالوا:

# " يا رسول الله قد علمنا أن الإيمان يزداد فهل ينقص؟ قال: إي والذي
~~بعثني ms01492 بالحق إنه لينقص قالوا: فهل لذلك دلالة في كتاب الله تعالى؟ قال:
~~نعم، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { أفإين مات أو قتل
~~انقلبتم على أعقبكم } "

# والانقلاب نقصان لا كفر ولا يخفى أن هذا الخبر ليس من القوة إلى حيث
~~يحتج به وإني لا أجد عليه طلاوة الأحاديث الصحيحة.

# وذهب بعضهم إلى أن الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة التي قبلها على
~~معنى التسبب، والهمزة لإنكار ذلك أي لا ينبغي أن تجعلوا خلو الرسل قبله
~~سببا لانقلابكم على أعقابكم بعد موته أو قتله بل اجعلوه سببا للتمسك
~~بدينه كما هو حكم سائر الأنبياء عليهم السلام ففي انقلابكم على أعقابكم
~~تعكيس لموجب القضية المحققة التي هي كونه رسولا يخلو كما خلت الرسل،
~~وإيراد الموت بكلمة (إن) مع العلم [به] البتة لتنزيل المخاطبين منزلة
~~المترددين فيه لما ذكر من استعظامهم إياه، قال المولى: وهكذا الحال في
~~سائر الموارد فإن كلمة (إن) في كلام الله تعالى لا تجري على ظاهرها أصلا
~~ضرورة علمه تعالى بالوقوع أو اللاوقوع بل تحمل على اعتبار حال السامع، أو
~~أمر آخر يناسب المقام.

# والمراد من  الموت  الموت على الفراش و  بالقتل  الموت بواسطة نقض
~~البنية وقدم تقدير الموت مع أن تقدير القتل هو الذي كاد يجر الموت
~~الأحمر لما أن الموت في شرف الوقوع فزجر الناس عن الانقلاب عنده وحملهم
~~على الثبات هناك أهم، ولأن الوصف الجامع في نفس الأمر بينه صلى الله عليه
~~وسلم وبين الرسل عليهم الصلاة والسلام هو الموت دون القتل خلافا لمن
~~زعمه مستدلا بما ورد من أكلة خيبر، وإن كان قد وقع فيهم قتل وموت وإنما
~~ذكر القتل مع علمه سبحانه أنه لا يقتل لتجويز المخاطبين له وآية

# والله يعصمك من الناس

# [المائدة: 67] على تقدير نزولها قبل أحد يحتمل أنها لم تصل هؤلاء
~~المنهزمين، وبتقدير وصولها احتمال أن لا تحضرهم قائم في مثل ذلك المقام
~~الهائل.

# وقد غفل عمر رضي الله تعالى عنه عن هذه الآية يوم توفي رسول الله صلى
~~الله ms01493 عليه وسلم. فقد روى أبو هريرة أنه رضي الله تعالى عنه قام يومئذ
~~فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~توفي وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما مات ولكن ذهب إلى ربه
~~كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن
~~قيل: قد مات والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى
~~فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات،
~~فخرج أبو بكر فقال: على رسلك يا عمر أنصت فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم
~~قال: أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله
~~تعالى فإن الله تعالى حي لا يموت، ثم تلى هذه الآية { وما محمد
~~إلا رسول } إلى آخرها فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية
~~نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ فأخذها الناس من أبي بكر، وقال عمر:
~~فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى / وقعت إلى الأرض ما
~~تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، والاعتذار
~~باختصاص فهم آية العصمة بالعلماء من الصحابة وذوي البصيرة منهم مع ظهور
~~معنى اللفظ كما اعتذر به الزمخشري لا يخفى ما فيه، وكون المراد منها
~~العصمة من فتنة الناس وإضلالهم لا يخفى بعده لأن النبي صلى الله عليه
~~وسلم لا يظن به ذلك، وإنما يرد مثله في معرض الإلهاب والتعريض.

# { ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله } بما فعل
~~من الانقلاب لأنه تعالى لا تجوز عليه المضار { شيئا } من الضرر وإن قل
~~وإنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب أو بحرمانها مزيد الثواب، ويشير
~~إلى ذلك توجه النفي إلى المفعول فإنه يفيد أنه يضر غير الله تعالى وليس
~~إلا نفسه { وسيجزى الله الشكرين } أي سيثيب الثابتين على
~~دين الإسلام، ووضع الشاكرين موضع الثابتين لأن الثبات عن ذلك ناشىء عن
~~تيقن حقيته ms01494 وذلك شكر له، وفيه إيماء إلى كفران المنقلبين، وإلى تفسير
~~الشاكرين بالثابتين ذهب علي كرم الله تعالى وجهه وقد رواه عنه ابن جرير،
~~وكان يقول: الثابتون هم أبو بكر وأصحابه وأبو بكر رضي الله تعالى عنه
~~أمير الشاكرين، وعن ابن عباس أن المراد بهم الطائعون من المهاجرين
~~والأنصار، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار للإعلان بمزيد الاعتناء
~~بشأن جزائهم واتصال هذا بما قبله اتصال الوعد بالوعيد.

### || [3.145]

# { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } استئناف
~~سيق للحض على الجهاد واللوم على تركه خشية القتل مع قطع عذر المنهزمين
~~خشية ذلك بالكلية. ويجوز أن يكون تسلية عما لحق الناس بموت النبي صلى
~~الله عليه وسلم وإشارة إلى أنه عليه السلام كغيره لا يموت إلا بإذن الله
~~تعالى فلا عذر لأحد بترك دينه بعد موته. والمراد بالنفس الجنس وتخصيصها
~~بالنبي عليه الصلاة والسلام كما روي عن ابن إسحق ليس بشيء، والموت هنا
~~أعم من الموت حتف الأنف والموت بالقتل، كما سنحققه، وكان ناقصة اسمها أن
~~تموت ولنفس متعلق بمحذوف وقع خبرا لها، والاستثناء مفرغ من أعم الأسباب.
~~وذهب أبو البقاء إلى أن (بإذن الله) خبر كان ولنفس متعلق بها واللام
~~للتبيين، ونقل عن بعضهم أن الجار متعلق بمحذوف تقديره الموت لنفس، و {
~~أن تموت } تبيين للمحذوف، وحكي عن الزجاج وبعض عن الأخفش أن التقدير
~~ وما كان نفس لتموت  ثم قدمت اللام وكل هذه الأقوال أوهن من الوهن لا
~~سيما الأخير، والمعنى ما كان الموت حاصلا لنفس من النفوس مطلقا بسبب من
~~الأسباب إلا بمشيئة الله تعالى وتيسيره.

# و  الإذن  مجاز عن ذلك لكونه من لوازمه، وظاهر التركيب يدل على أن
~~الموت من الأفعال التي قدم عليها اختيارا فقد شاع استعمال ما كان لزيد
~~أن يفعل كذا فيما إذا كان ذلك الفعل اختياريا لكن الظاهر هنا متروك بأن
~~يجعل ذلك من باب التمثيل بأن صور الموت بالنسبة إلى النفوس بصورة الفعل
~~الاختياري الذي لا يقدم عليه إلا بالإذن. والمراد عدم القدرة عليه، ms01495 أو
~~بتنزيل إقدام النفوس على مباديه كالقتال مثلا منزلة الإقدام عليه نفسه
~~للمبالغة أو تحقيق المرام فإن موتها لما استحال وقوعه عند إقدامها عليه
~~أو على مباديه وسعيها في إيقاعه فلأن يستحيل عند عدم ذلك أولى وأظهر،
~~ويجوز على هذا أن يبقى الإذن على حقيقته ومفعوله مقدر للعلم به، والمراد
~~/ بإذنه تعالى إذنه لملك الموت فإنه الذي يقبض روح كل ذي روح بشرا كان
~~أو لا شهيدا كان أو غير شهيد، برا أو بحرا حتى قيل: إنه يقبض روح
~~نفسه، واستثنى بعضهم أرواح شهداء البحر فإن الله تعالى هو الذي يقبضها
~~بلا واسطة واستدل بحديث جويبر  وهو ضعيف جدا  وفيه من طريق الضحاك
~~انقطاع، وذهب المعتزلة إلى أن ملك الموت إنما يقبض أرواح الثقلين دون
~~غيرهم، وقال بعض المبتدعة: إنه يقبض الجميع سوى أرواح البهائم فإن أعوانه
~~هم الذين يقبضونها ولا تعارض بين

# الله يتوفى الأنفس حين موتها

# [الزمر: 42] و

# يتوفكم ملك الموت

# [السجدة: 11] و

# توفته رسلنا

# [الأنعام: 61] لأن إسناد ذلك له تعالى بطريق الخلق والإيجاد الحقيقي،
~~وإلى الملك لأنه المباشر له، وإلى الرسل لأنهم أعوانه المعالجون للنزع من
~~العصب والعظم واللحم والعروق.

# { كتابا } مصدر مؤكد لعامله المستفاد من الجملة السابقة والمعنى كتب
~~ذلك الموت المأذون فيه كتابا { مؤجلا } أي موقتا بوقت معلوم لا
~~يتقدم ولا يتأخر، وقيل: حكما لازما مبرما وهو صفة كتابا ولا يضر
~~التوصيف بكون المصدر مؤكدا بناءا على أنه معلوم مما سبق وليس كل وصف
~~يخرج عن التأكيد، ولك  لما في ذلك من الخفاء  أن تجعل المصدر لوصفه
~~مبينا للنوع وهو أولى من جعله مؤكدا، وجعل { مؤجلا } حالا من
~~الموت لا صفة له لبعد ذلك غاية البعد فتدبر. وقرىء { مؤجلا } بالواو
~~بدل الهمزة على قياس التخفيف.

# وظاهر الآية يؤيد مذهب أهل السنة القائلين أن المقتول ميت بأجله أي
~~بوقته المقدر له وأنه لو لم يقتل لجاز أن يموت في ذلك الوقت وأن لا يموت
~~من غير قطع بامتداد العمر ولا بالموت بدل القتل إذ على تقدير ms01496 عدم القتل
~~لا قطع بوجود الأجل وعدمه فلا قطع بالموت ولا بالحياة، وخالف في ذلك
~~المعتزلة فذهب الكعبي منهم إلى أن المقتول ليس بميت لأن القتل فعل العبد
~~والموت فعل الله سبحانه أي مفعوله وأثر صفته، وأن للمقتول أجلين: أحدهما:
~~القتل والآخر: الموت وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أجله الذي هو الموت، وذهب
~~أبو الهذيل إلى أن المقتول لو لم يقتل لمات البتة في ذلك الوقت. وذهب
~~الجمهور منهم إلى أن القاتل قد قطع على المقتول أجله وأنه لو لم يقتل
~~لعاش إلى أمد هو أجله الذي علم الله تعالى موته فيه لولا القتل، وليس
~~النزاع بين الأصحاب والجمهور لفظيا كما رآه الأستاذ وكثير من المحققين
~~حيث قالوا: إنه إذا كان الأجل زمان بطلان الحياة في علم الله تعالى لكان
~~المقتول ميتا بأجله بلا خلاف من المعتزلة في ذلك إذ هم لا ينكرون كون
~~المقتول ميتا بالأجل الذي علمه الله تعالى وهو الأجل بسبب القتل، وإن
~~قيد بطلان الحياة بأن لا يترتب على فعل من العبد لم يكن كذلك بلا خلاف من
~~الأصحاب فيه إذ هم يقولون بعدم كون المقتول ميتا بالأجل غير المرتب على
~~فعل العبد لأنا نقول حاصل النزاع أن المراد بأجل المقتول المضاف إليه
~~زمان بطلان حياته بحيث لا محيص عنه ولا تقدم ولا تأخر على ما يشير إليه
~~قوله تعالى:

# فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا
~~يستقدمون

# [الأعراف: 34] ويرجع الخلاف إلى أنه هل تحقق ذلك في حق المقتول أم
~~المعلوم في حقه أنه إن قتل مات وإن لم يقتل يعش كذا في «شرح المقاصد»،
~~ولعله جواب باختيار الشق الأول، وهو أن المراد زمان بطلان الحياة في علم
~~الله تعالى لكنه لا مطلقا بل على ما علمه تعالى وقدره بطريق القطع
~~وحينئذ يصلح محلا للخلاف لأنه لا يلزم من عدم تحقق ذلك في المقتول كما
~~يقوله المعتزلة تخلف العلم عن المعلوم لجواز أن يعلم تقدم موته بالقتل مع
~~تأخر الأجل الذي لا يمكن تخلفه عنه، ms01497 وقد يقال: إنه يمكن أن يكون جوابا
~~باختيار شق ثالث وهو المقدر بطريق القطع إذ لا تعرض في تقرير الجواب
~~للعلم والمقدر أخص من الأجل المعلوم مطلقا / والفرق بينه وبين كونه
~~جوابا باختيار الأول لكن لا مطلقا اعتبار قيد العلم في الأجل الذي هو
~~محل النزاع على تقدير اختيار الأول وعدم اعتباره فيه على اختيار الثالث
~~وإن كان معلوما في الواقع أيضا فافهم، ثم إن أبا الحسين ومن تابعه
~~يدعون الضرورة في هذه المسألة وكذا الجمهور في رأي البعض، وعند البعض
~~الآخر هي عندهم استدلالية.

# واحتجوا على مذهبهم بالأحاديث الواردة في أن بعض الطاعات تزيد في العمر
~~وبأنه لو كان المقتول ميتا بأجله لم يستحق القاتل ذما ولا عقابا ولم
~~يتوجه عليه قصاص ولا غرم دية ولا قيمة في ذبح شاة الغير لأنه لم يقطع
~~أجلا ولم يحدث بفعله موتا، وبأنه ربما يقتل في الملحمة والحرب ألوف
~~تقضي العادة بامتناع اتفاق موتهم في ذلك الوقت بآجالهم، وتمسك أبو الهذيل
~~بأنه لو لم يمت المقتول لكان القاتل قاطعا لأجل قدره الله تعالى ومغيرا
~~لأمر علمه وهو محال، والكعبي بقوله تعالى:

# أفإين مات أو قتل

# [آل عمران: 144] حيث جعل القتل قسيما للموت بناءا على أن المراد
~~بالقتل المقتولية وأنها نفس بطلان الحياة وأن الموت خاص بما لا يكون على
~~وجه القتل ومتى كان الموت غير القتل كان للمقتول أجلان: أحدهما: القتل،
~~والآخر: الموت.

# وأجيب عن متمسك الأولين: الأول: بأن تلك الأحاديث أخبار آحاد فلا تعارض
~~الآيات القطعية كقوله تعالى:

# فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا
~~يستقدمون

# [الأعراف: 34] أو بأن المراد من أن الطاعة تزيد في العمر أنها تزيد فيما
~~هو المقصود الأهم منه وهو اكتساب الكمالات والخيرات والبركات التي بها
~~تستكمل النفوس الإنسانية وتفوز بالسعادة الأبدية، أو بأن العمر غير الأجل
~~لأنه لغة الوقت، وأجل الشيء يقال لجميع مدته ولآخرها كما يقال أجل الدين
~~شهران أو آخر شهر كذا، ثم شاع استعماله في آخر مدة الحياة، ومن هنا يفسر
~~بالوقت الذي ms01498 علم الله تعالى بطلان حياة الحيوان عنده على ما قررناه.
~~والعمر لغة مدة الحياة  كعمر زيد  كذا ومدة البقاء  كعمر الدنيا 
~~وكثيرا ما يتجوز به عن مدة بقاء ذكر الناس الشخص للخير بعد موته، ومنه
~~قولهم: ذكر الفتى عمره الثاني؛ ومن هنا يقال لمن مات وأعقب ذكرا حسنا
~~وأثرا جميلا: ما مات، فلعله أراد صلى الله عليه وسلم أن تلك الطاعات
~~تزيد في هذا العمر لما أنها تكون سببا للذكر الجميل، وأكثر ما ورد ذلك
~~في الصدقة وصلة الرحم وكونهما مما يترتب عليهما ثناء الناس مما لا شبهة
~~فيه قيل: ولهذا لم يقل صلى الله عليه وسلم في ذلك إنه يزيد في الأجل، أو
~~بأن الله تعالى كان يعلم أن هذا المطيع لو لم يفعل هذه الطاعة لكان عمره
~~أربعين مثلا لكنه علم أنه يفعلها ويكون عمره سبعين سنة فنسبة هذه
~~الزيادة إلى تلك الطاعة بناءا على علم الله تعالى أنه لولاها لما كانت
~~هذه الزيادة.

# ومحصل هذا أنه سبحانه قدر عمره سبعين بحيث لا يتصور التقدم والتأخر عنه
~~لعلمه بأن طاعته تصير سببا لثلاثين فتصير مع أربعين من غير الطاعة
~~سبعين، وليس محصل ذلك أنه تعالى قدره سبعين على تقدير وأربعين على تقدير
~~حتى يلزم تعدد الأجل والأصحاب لا يقولون به. والثاني: بأن استحقاق الذم
~~والعقاب وتوجه القصاص أو غرم الدية مثلا على القاتل ليس بما يثبت في
~~المحل من الموت بل هو بما اكتسبه وارتكبه من الإقدام على الفعل المنهي
~~عنه الذي يخلق الله تعالى به الموت كما في سائر الأسباب والمسببات لا
~~سيما عند ظهور أمارات البقاء وعدم ما يظن معه حضور الأجل حتى لو علم موت
~~شاة بإخبار صادق معصوم، أو ظهرت الإمارات المفيدة لليقين لم يضمن عند بعض
~~الفقهاء، والثالث: بأن العادة منقوضة أيضا بحصول موت ألوف في وقت واحد
~~من غير قتال ولا محاربة كما في أيام الوباء مثلا على أن / التمسك بمثل
~~هذا الدليل في مثل هذا المطلب في غاية السقوط.

# وأجيب عن ms01499 متمسك أبي الهذيل بأن عدم القتل إنما يتصور على تقدير علم
~~الله تعالى بأنه لا يقتل وحينئذ لا نسلم لزوم المحال وبأنه لا استحالة
~~في قطع الأجل المقدر الثابت لولا القتل لأنه تقرير للمعلوم لا تغيير له،
~~وعن متمسك الكعبي المخالف للمعتزلة والأشاعرة في إثبات الأجلين بأن
~~القتل قائم بالقاتل وحال له لا للمقتول وإنما حاله الموت وانزهاق الروح
~~الذي هو بإيجاد الله تعالى وإذنه ومشيئته وإرادة المقتولية المتولدة عن
~~قتل القاتل بالقتل وهي حال المقتول إذ هي بطلان الحياة والتخصيص بما لا
~~يكون على وجه القتل على ما يشعر به

# أفإين مات أو قتل

# [آل عمران: 144] خلاف مذهبه من إنكار القضاء والقدر في أفعال العباد إذ
~~بطلان الحياة المتولد من قتل القاتل أجل قدره الله تعالى وعينه وحدده،
~~ومعنى الآية  كما أشرنا إليه  أفئن مات حتف أنفه بلا سبب، أو مات بسبب
~~القتل، فتدل على أن مجرد بطلان الحياة موت ومن هنا قيل: إن في المقتول
~~معنيين قتلا هو من فعل الفاعل وموتا هو من الله تعالى وحده.

# وذهبت الفلاسفة إلى مثل ما ذهب إليه الكعبي من تعدد الأجل فقالوا: إن
~~للحيوان أجلا طبيعيا بتحلل رطوبته وانطفاء حرارته الغريزيتين وآجالا
~~اخترامية تتعدد بتعدد أسباب لا تحصى من الأمراض والآفات، وبيانه أن
~~الجواهر التي غلبت عليها الأجزاء الرطبة ركبت مع الحرارة الغريزية فصارت
~~لها بمنزلة الدهن للفتيلة المشعلة وكلما انتقصت تلك الرطوبات تبعتها
~~الحرارة الغريزية في ذلك حتى إذا انتهت في الانتقاص وتزايد الجفاف انطفأت
~~الحرارة كانطفاء السراج عند نفاد دهنه فحصل الموت الطبيعي وهو مختلف بحسب
~~اختلاف الأمزجة وهو في الإنسان في الأغلب تمام مائة وعشرين سنة. وقد يعرض
~~من الآفات مثل البرد المجمد والحر المذوب وأنواع السموم وأنواع تفرق
~~الاتصال وسوء المزاج ما يفسد البدن ويخرجه عن صلاحه لقبول الحياة إذ
~~شرطها اعتدال المزاج فيهلك بسببه وهذا هو الأجل الاخترامي، ويرد ذلك أنه
~~مبني على قواعدهم من تأثير الطبيعة والمزاج وهو باطل عندنا إذ لا تأثير
~~إلا له ms01500 سبحانه وتلك الأمور عندنا أسباب عادية لا عقلية كما زعموا.

# وادعى بعض المحققين أن النزاع بيننا وبين الفلاسفة كالنزاع بيننا وبين
~~المعتزلة  على رأي الأستاذ  لفظي إذ هم لا ينكرون القضاء والقدر فالوقت
~~الذي علم الله تعالى بطلان الحياة فيه بأي سبب كان واحد عندهم أيضا، وما
~~ذكروه من الأجل الطبيعي نحن لا ننكره أيضا لكنهم يجعلون اعتدال المزاج
~~واستقامة الحرارة والرطوبة ونحو ذلك شروطا حقيقة عقلية لبقاء الحياة
~~ونحن نجعلها أسبابا عادية وذلك بحث آخر وسيأتي تتمة الكلام على هذه
~~المسألة إذ الأمور مرهونة لأوقاتها ولكل أجل كتاب.

# { ومن يرد } أي بعمله كالجهاد { ثواب الدنيا } كالغنيمة {
~~نؤته } بنون العظمة على طريق الالتفات { منها } أي شيئا من
~~ثوابها إن شئنا فهو على حد قوله تعالى:

# من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء
~~لمن نريد

# [الإسراء: 18] وهذا تعريض بمن شغلتهم الغنائم يوم أحد عن مصلحة رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم تفصيل ذلك. { ومن يرد } أي بعمله
~~كالجهاد أيضا والذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. { ثواب
~~الأخرة } مما أعد الله تعالى لعباده فيها من النعيم { نؤته
~~منها } أي من ثوابها ما نشاء حسبما جرى به قلم الوعد الكريم، وهذا
~~إشارة إلى مدح الثابتين يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآية
~~/ وإن نزلت في الجهاد خاصة لكنها عامة في جميع الأعمال.

# { وسنجزى الشكرين } يحتمل أنه أريد بهم المريدون للآخرة،
~~ويحتمل أنه أريد بهم جنس الشاكرين وهم داخلون فيه دخولا أوليا.

# والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله ووعد بالمزيد عليه وفي تصديرها
~~بالسين وإبهام الجزاء من التأكيد والدلالة على فخامة شأن الجزاء وكونه
~~بحيث يضيق عنه نطاق البيان ما لا يخفى، وبذلك جبر اتحاد العبادتين في شأن
~~الفريقين واتضح الفرق لذي عينين، وقرئت الأفعال الثلاثة بالياء.

# هذا ومن باب الإشارة: { يأيها الذين ءامنوا لا
~~تأكلوا الربوا أضعفا مضعفة } إما إشارة إلى
~~الأمر بالتوكل على الله تعالى في طلب الرزق والانقطاع إليه، أو رمز إلى
~~الأمر ms01501 بالإحسان إلى عباد الله المحتاجين من غير طلب نفع منهم، فقد ورد في
~~بعض الآثار أن القرض أفضل من الصدقة، أو إيماء إلى عدم طلب الأجر على
~~الأعمال بأن يفعلها محضا لإظهار العبودية { واتقوا الله } من
~~أكل الربا

# لعلكم تفلحون

# [آل عمران: 130] أي تفوزون بالحق

# واتقوا النار التى أعدت للكفرين

# [آل عمران: 131] أي اتقوني في النار لأن إحراقها وعذابها مني، وهذا سر
~~عين الجمع قالوا: ويرجع في الحقيقة إلى تجلي القهر وهو بظاهره تخويف
~~للعوام والتخويف الأول للخواص، وقليل ما هم { وسارعوا إلى
~~مغفرة من ربكم } وهي ستر أفعالكم التي هي حجابكم الأعظم عن
~~رؤية الحق { وجنة عرضها السموات والأرض } وهي جنة
~~توحيد الأفعال وهو توحيد عالم الملك، ولذا ذكر سبحانه السماوات والأرض
~~وذكر العرض دون الطول لأن الأفعال باعتبار السلسلة العرضية وهي توقف كل
~~فعل على فعل آخر تنحصر في عالم الملك الذي تصل إليه أفهام الناس
~~ويقدرونه، وأما باعتبار الطول فلا تنحصر فيه ولا يقدر قدرها إذ الفعل
~~مظهر الوصف، والوصف مظهر الذات، والذات لا نهاية لها ولا حد

# وما قدروا الله حق قدره

# [الأنعام: 91] فالمحجوبون عن الذات والصفات لا يرون إلا هذه الجنة، وأما
~~البارزون لله الواحد القهار فعرض جنتهم عين طولها ولا حد لطولها فلا
~~يقدر قدرها طولا وعرضا

# أعدت للمتقين

# [آل عمران: 133] حجب أفعالهم وترك نسبة الأفعال إلى غير الحق جل جلاله،
~~ويحتمل أنه سبحانه دعا خلقه على اختلاف مراتبهم إلى فعل ما يؤدي إلى
~~المغفرة على اختلاف مراتبها فإن الذنب مختلف وذنب المعصوم قلة معرفته
~~بربه بالنظر إلى عظمة جماله وجلاله في نفس الأمر. وفي الخبر عن سيد
~~العارفين صلى الله عليه وسلم

# " سبحانك ما عرفناك حق معرفتك "

# فما عرفه العارفون من حيث هو وإنما عرفوه من حيث هم وفرق بين المعرفتين،
~~ولهذا قيل: ما عرف الله تعالى إلا الله تعالى ودعاهم أيضا إلى ما يجرهم
~~إلى الجنة، والخطاب بذلك إن كان للعارفين فهو دعاء إلى عين الجمع ليتجلى
~~لهم بالوسائط لبقائهم في المعرفة ms01502 وفي الحقيقة معرفته قربته وجنته
~~مشاهدته، وفي حقيقة الحقيقة هي الذات الجامع التي لا يصل إليها الأغيار،
~~ومن هنا قيل: ليس في الجنة إلا الله تعالى وإن كان الخطاب بالنظر إلى
~~آحاد المؤمنين فالمراد بها أنواع التجليات الجمالية أو ظاهرها الذي أفصح
~~به لسان الشريعة ودعاؤهم إليه من باب التربية وجلب النفوس البشرية التي
~~لم تفطم بعد من رضع ثدي اللذائذ إلى ما يرغبها في كسب الكمالات الإنسانية
~~والترقي إلى ذروة المعارج الإلهية (الذين ينفقون) نفائس نفوسهم لمولاهم
~~(في السراء والضراء) في حالتي الجمال والجلال، ويحتمل أن يراد الذين لا
~~تمنعهم الأحوال المتضادة عن الإنفاق فيما يرضي الله تعالى لصحة توكلهم
~~عليه سبحانه برؤية جميع الأفعال منه { والكاظمين الغيظ } الذي
~~يعرض للإنسان بحسب الطبيعة البشرية وكظمهم له قد يكون بالشد عليه بوكاء
~~التسليم والرضا وذلك بالنظر لمن هو في مقام جنة الصفات، وأما من دونهم
~~فكظمهم دون هذا الكظم، / وسبب الكظم أنهم يرون الجناية عليهم فعل الله
~~تعالى وليس للخلق مدخل فيها { والعافين عن الناس } إما لأنهم
~~في مقام توحيد الأفعال، أو لأنهم في مقام توحيد الصفات

# والله يحب المحسنين

# [آل عمران: 134] حسب مراتبهم في الإحسان { والذين إذا فعلوا
~~فاحشة } أي كبيرة من الكبائر وهي رؤية أفعالهم المحرمة عليهم تحريم
~~رؤية الأجنبيات بشهوة { أو ظلموا أنفسهم } بنقصهم حقوقها
~~والتثبط عن تكميلها { ذكروا الله } أي تذكروا عظمته وعلموا أنه لا
~~فاعل في الحقيقة سواه { فاستغفروا لذنوبهم } أي طلبوا ستر
~~أفعالهم عنهم بالتبري عن الحول والقوة إلا بالله { ومن يغفر
~~الذنوب } وهي رؤية الأفعال أو النظر إلى سائر الأغيار { إلا
~~الله } وهو الملك العظيم الذي لا يتعاظمه شيء { ولم يصروا
~~على ما فعلوا } في غفلتهم ونقصوا حق نفوسهم

# وهم يعلمون

# [آل عمران: 135] حقيقة الأمر وأن لا فعل لغيره { أولئك
~~جزاؤهم مغفرة من ربهم } وهو ستره لوجودهم بوجوده
~~وترقيهم من مقام توحيد الأفعال إلى ما فوقه { وجنت } أي أشياء
~~خفية وهي جنات الغيب وبساتين المشاهدة والمداناة التي هي عيون صفات الذات
~~{ تجرى من ms01503 تحتها الأنهر } أي تجري منها أنهار الأوصاف
~~الأزلية { خالدين فيها } بلا مكث ولا قطع ولا خطر الزمان ولا حجب
~~المكان ولا تغير

# ونعم أجر العاملين

# [آل عمران: 136] ومنهم الواقفون بشرط الوفاء في العشق على الحضرة
~~القديمة بلا نقض للعهود ولا سهو في الشهود { قد خلت من قبلكم
~~سنن } بطشات ووقائع في الذين كذبوا الأنبياء في دعائهم إلى التوحيد {
~~فسيروا } بأفكاركم { فى الأرض فانظروا } وتأملوا في آثارها
~~لتعلموا

# كيف كان عاقبة المكذبين

# [آل عمران: 137] أي آخر أمرهم ونهايته التي استدعاها التكذيب ويحتمل أن
~~يكون هذا أمرا للنفوس بأن تنظر إلى آثار القوى النفسانية التي في أرض
~~الطبيعة لتعلم ماذا عراها وكيف انتهى حالها فلعلها ترقى بسبب ذلك عن حضيض
~~اللحوق بها { هذا } أي كلام الله تعالى { بيان للناس } يبين
~~لهم حقائق أمور الكونين { وهدى وموعظة } يتوصل به إلى الحضرة
~~الإلهية

# للمتقين

# [آل عمران: 138] وهم أهل الله تعالى وخاصته. واختلف الحال لاختلاف
~~استعداد المستمعين للكلام إذ منهم قوم يسمعونه بأسماع العقول، ومنهم قوم
~~يسمعونه بأسماع الأسرار، وحظ الأولين منه الامتثال والاعتبار، وحظ
~~الآخرين مع ذلك الكشف وملاحظة الأنوار وقد تجلى الحق فيه لخواص عباده
~~ومقربي أهل اصطفائه فشاهدوا أنوارا تجلى وصفة قديمة وراء عالم الحروف
~~تتلى { ولا تهنوا } أي لا تضعفوا في الجهاد { ولا تحزنوا }
~~على ما فاتكم من الفتح ونالكم من قتل الأخوان { وأنتم الأعلون
~~} في الرتبة

# إن كنتم مؤمنين

# [آل عمران: 139] أي موحدين حيث أن الموحد يرى الكل من مولاه فأقل درجاته
~~الصبر { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله
~~} ولم يبالوا مع أنهم دونكم { وتلك الأيام } أي الوقائع {
~~نداولها بين الناس } فيوم لطائفة وآخر لأخرى { وليعلم
~~الله الذين ءامنوا } أي ليظهر علمه التفصيلي التابع لوقوع
~~المعلوم { ويتخذ منكم شهداء } وهم الذين يشهدون الحق فيذهلون
~~عن أنفسهم

# والله لا يحب الظلمين

# [آل عمران: 140] أي الذين ظلموا أنفسهم وأضاعوا حقها ولم يكملوا نشأتها
~~{ وليمحص الله الذين ءامنوا } أي ليخلصهم من الذنوب
~~والغواشي التي تبعدهم من الله تعالى بالعقوبة والبلية { ويمحق ms01504 } أي
~~يهلك

# الكفرين

# [آل عمران: 141] بنار أنانيتهم { أم حسبتم أن تدخلوا
~~الجنة } أي تلجوا عالم القدس

# ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ويعلم
~~الصابرين

# [آل عمران: 142] أي ولم يظهر منكم مجاهدات تورث المشاهدات وصبر على
~~تزكية النفوس وتصفية القلوب على وفق الشريعة وقانون الطريقة ليتجلى
~~للأرواح أنوار الحقيقة { ولقد كنتم تمنون الموت } أي
~~موت النفوس عن صفاتها { من قبل أن تلقوه } بالمجاهدات
~~والرياضات { فقد رأيتموه } برؤية أسبابه وهي الحرب مع أعداء
~~الله تعالى

# وأنتم تنظرون

# [آل عمران: 143] أي تعلمون أن / ذلك الجهاد أحد أسباب موت النفس عن
~~صفاتها، ويحتمل أن يقال: إن الموقن إذا لم يكن يقينه ملكة تمنى أمورا
~~وادعى أحوالا حتى إذا امتحن ظهر منه ما يخالف دعواه وينافي تمنيه، ومن
~~هنا قيل:

# وإذا ما خلا الجبان بأرض

# طلب الطعن وحده والنزالا

# ومتى رسخ ذلك اليقين وتمكن وصار ملكة ومقاما ولم يبق حالا لم يختلف
~~الأمر عليه عند الامتحان، والآية تشير إلى توبيخ المنهزمين بأن يقينهم
~~كان حالا ولم يكن مقاما { وما محمد إلا رسول قد خلت
~~من قبله الرسل } أي أنه بشر كسائر إخوانه من المرسلين فكما خلوا
~~من قبله سيخلو هو من بعدهم { أفإين مات أو قتل انقلبتم
~~على أعقبكم } ورجعتم القهقرى، والإشارة في ذلك إلى أنه تعالى
~~عاتب من تزلزل لذهاب الواسطة العظمى عن البين وهو مناف لمشاهدة الحق
~~ومعاينته، ولهذا قال الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه: من كان يعبد
~~محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله تعالى فإن الله تعالى حي لا
~~يموت { ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا
~~} لفنائه الذاتي { وسيجزى الله } بالإيمان الحقيقي

# الشكرين

# [آل عمران: 144] بالإيمان التقليدي بأداء حقوقه من الائتمار بأوامر
~~الشرع والانتهاء عن نواهيه { وما كان لنفس أن تموت } هذا
~~الموت المعلوم، أو الموت عن أوصافها الدنية وأخلاقها الردية { إلا
~~بإذن الله } ومشيئته، أو جذبه باشراق نوره { ومن يرد }
~~بمقتضى استعداده { ثواب الدنيا } جزاءا لعمله { نؤته منها
~~} حسبما تقتضيه الحكمة { ومن يرد ثواب الأخرة ms01505 } جزاءا لعمله
~~{ نؤته منها وسنجزى الشكرين } [آل عمران: 145] ولعلهم
~~الذين لم يريدوا الثوابين ولم يكن لهم غرض سوى العبودية، وأبهم جزاءهم
~~للاشارة إلى أنه أمر وراء العبارة  ولعله تجلى الحق لهم  وهذا غاية
~~متمنى المحبين ونهاية مطلب السالكين، نسأل الله تعالى رضاه وتوفيقه.

### || [3.146]

# { وكأين } كلام مبتدأ سيق توبيخا للمنهزمين أيضا حيث لم يستنوا
~~بسنن الربانيين المجاهدين مع الرسل عليهم الصلاة والسلام مع أنهم أولى
~~بذلك حيث كانوا خير أمة أخرجت للناس. وقد اختلف في هذه الكلمة فقيل: إنها
~~بسيطة وضعت كذلك ابتداءا والنون أصلية، وإليه ذهب ابن حيان وغيره، وعليه
~~فالأمر ظاهر موافق للرسم، وقيل وهو المشهور: إنها مركبة من  أي 
~~المنونة وكاف التشبيه؛ واختلف في  أي  هذه فقيل: هي أي التي في قولهم:
~~أي الرجال، وقال ابن جني: إنها مصدر أوى يأوي إذا انضم واجتمع وأصله أوى
~~فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت وأدغمت مثل  طى وشى 
~~وحدث فيها بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من كم كما حدث في كذا بعد
~~التركيب معنى آخر  فكم وكأين  بمعنى واحد قالوا: وتشاركها في خمسة
~~أمور: الإبهام والافتقار إلى التمييز والبناء ولزوم التصدير وإفادة
~~التكثير وهو الغالب والاستفهام وهو نادر، ولم يثبته إلا ابن قتيبة وابن
~~عصفور وابن مالك، واستدل عليه بقول أبي بن كعب لابن مسعود رضي الله
~~تعالى عنهما: كائن تقرأ سورة الأحزاب آية فقال: ثلاثا وسبعين، وتخالفها
~~في خمسة أمور أيضا، أحدها: أنها مركبة في المشهور وكم بسيطة فيه خلافا
~~لمن زعم أنها مركبة من الكاف وما الاستفهامية ثم حذفت ألفها لدخول الجار
~~وسكنت للتخفيف لثقل الكلمة بالتركيب، والثاني: أن مميزها مجرور بمن
~~غالبا حتى زعم ابن عصفور لزوم ذلك ويرده نص سيبويه على عدم اللزوم، ومن
~~ذلك قوله:

# اطرد اليأس بالرجاء (فكائن)

# ألما حم يسره بعد عسر

# والثالث: أنها لا تقع استفهامية عند الجمهور، والرابع: أنها لا تقع
~~مجرورة خلافا لابن قتيبة وابن عصفور / أجازا بكاين تبيع الثوب، والخامس:
~~أن خبرها لا يقع مفردا، وقالوا: إن ms01506 بينها وبين  كذا  موافقة ومخالفة
~~أيضا فتوافقها  كذا  في أربعة أمور: التركيب والبناء والإبهام
~~والافتقار إلى التمييز، وتخالفها في ثلاثة أمور: الأول: أنها ليس لها
~~الصدر تقول: قبضت كذا وكذا درهما. الثاني: أن تمييزها واجب النصب فلا
~~يجوز جره بمن اتفاقا ولا بالإضافة خلافا للكوفيين أجازوا في غير تكرار
~~ولا عطف أن يقال: كذا ثوب وكذا أثواب قياسا على العدد الصريح، ولهذا قال
~~فقهاؤهم: إنه يلزم بقول القائل له عندي كذا درهم مائة، وبقوله: كذا دراهم
~~ثلاثة، وبقوله: كذا كذا درهما أحد عشر، وبقوله: كذا درهما عشرون،
~~وبقوله: كذا وكذا درهما أحد وعشرون حملا على المحقق من نظائرهن من العدد
~~الصريح؛ ووافقهم على هذا التفصيل  غير مسألتي الإضافة  المبرد والأخفش
~~والسيرافي وابن عصفور، ووهم ابن السيد في نقل الإجماع على إجازة ما أجازه
~~المبرد ومن ذكر معه، الثالث: أنها لا تستعمل غالبا إلا معطوفا عليها
~~كقوله:

# عد النفس نعمي بعد بؤسك ذاكرا

# (كذا وكذا لطفا به نسى الجهد)

# وزعم ابن خروف أنهم لم يقولوا كذا درهما، وذكر ابن مالك أنه مسموع لكنه
~~قليل قاله ابن هشام، ثم إن إثبات تنوين كأين على القول المشهور في الوقف
~~والخط على خلاف القياس لما أنه نسخ أصلها، وفيه لغات وكلها قد قرىء به:
~~أحدها: كأين بالتشديد على الأصل وهي اللغة المشهورة، وبها قرأ الجمهور،
~~والثانية:  كائن  بألف بعدها همزة مكسورة من غير ياء على وزن كاعن كاسم
~~الفاعل، وبها قرأ ابن كثير ومن ذلك قوله:

# (وكائن) لنا فضلا عليكم ومنة

# قديما ولا تدرون ما من منعم

# واختلف في توجيهها فعن المبرد أنها اسم فاعل من كان يكون وهو بعيد الصحة
~~إذ لا وجه لبنائها حينئذ ولا لإفادتها التكثير، وقيل: أصلها المشددة
~~فقدمت الياء المشددة على الهمزة وصار  كيئن  بكاف وياء مفتوحتين وهمزة
~~مكسورة ونون ووزنه كعلف، ونظير هذا التصرف في المفرد تصرفهم في المركب
~~كما ورد في لغة نادرة رعملي بتقديم الراء في لعمرى ثم حذفت الياء الأولى
~~للتخفيف فقلبت الثانية ألفا لتحركها ms01507 وانفتاح ما قبلها أو حذفت الياء
~~الثانية لثقلها بالحركة والتضعيف وقلبت الياء الساكنة ألفا كما في آية،
~~ونظيره في حذف إحدى الياءين وقلب الأخرى ألفا طائي في النسبة إلى طي اسم
~~قبيلة فإن أصله طيىء بياءين مشددتين بينهما همزة فحذفت إحدى الياءين
~~وقلبت الأخرى، والثالثة:  كأي  بياء بعد الهمزة، وبها قرأ ابن محيصن،
~~ووجهها أنها حذفت الياء الثانية وسكنت الهمزة لاختلاط الكلمتين وجعلهما
~~كالكلمة الواحدة كما سكنوا الهاء في لهو وفهو، وحركت الياء لسكون ما
~~قبلها، والرابعة:  كيئن  بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة؛ والخامسة: 
~~كئن  بكاف مفتوحة وهمزة مكسورة ونون، ووزنه كع، وورد ذلك في قوله:

# (كئن) من صديق خلته صادق الإخا

# أبان اختباري إنه لمداهن

# ووجهه أنه حذفت إحدى الياءين ثم حدفت الأخرى للتنوين أو حذفتا دفعة
~~واحدة، واحتمل ذلك لما امتزج الحرفان والكاف لا متعلق لها لخروجها عن
~~معناها، ومن قال به كالحوفي فقد تعسف، وموضعهما رفع بالابتداء.

# وقوله تعالى: { من نبى } تمييز له كتمييزكم، وقد تقدم آنفا
~~الكلام في ذلك، ولعل المراد من النبي / هنا الرسول وبه صرح الطبرسي {
~~قتل معه ربيون كثير } أي جموع كثيرة، وهو التفسير المشهور
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، واستشهد له  كما رواه ابن الأنباري
~~حين سأله نافع بن الأزرق  بقول حسان:

# وإذا معشر تجافوا عن القص

# د (أملنا عليهم ربيا)

# وعليه فهو منسوب إلى ربة بكسر الراء وكون الضم فيها لغة غير متحقق  وهي
~~الجماعة  للمبالغة وخصها الضحاك بألف، وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن
~~أنهم العلماء الفقهاء، وأخرجه ابن جبير عن ابن عباس أيضا  وعليه فهو
~~منسوب إلى الرب  كرباني على خلاف القياس كقراءة الضم، والموافق له الفتح
~~ وبه قرىء  وقال ابن زيد: الربيون هم الأتباع والربانيون الولاة،
~~وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب  قتل  بالبناء للمفعول، وفي خبر
~~المبتدأ أوجه: أحدها: أنه الفعل مع الضمير المستتر فيه الراجع إلى كأين
~~أو إلى نبي وحينئذ  فمعه ربيون  جملة حالية من الضمير، أو من نبي
~~لتخصيصه معنى، أو ms01508 معه حال وربيون فاعله. وثانيها: أنه جملة { معه
~~ربيون } فحينئذ تكون جملة الفعل  مع  مرفوعه صفة لنبي وثالثها:
~~أنه محذوف وتقديره مضى ونحوه، وحينئذ يجوز أن يكون الفعل صفة لنبي، و {
~~معه ربيون } حالا على ما تقدم، ويجوز أن يكون الفعل مسندا
~~لربيون فلا ضمير فيه والجملة صفة لنبي، ورابعها: أن يكون { ربيون }
~~مرفوعا بالفعل فلا ضمير، والجملة هي الخبر.

# وقرىء  قتل  بالتشديد قال ابن جني: وحينئذ فلا ضمير في الفعل لما في
~~التضعيف من الدلالة على التكثير وهو ينافي إسناده إلى الواحد، وأجيب بأنه
~~لا يمتنع أن يكون فيه ضمير الأول لأنه في معنى الجماعة. واعترض بأنه خلاف
~~الظاهر، ومن هنا قيل: إن هذه القراءة تؤيد إسناد  قتل  إلى  الربيين 
~~ويؤيدها أيضا ما أخرجه ابن المنذر عن ابن جبير أنه كان يقول: ما سمعنا
~~قط أن نبيا قتل في القتال، وقول الحسن وجماعة: لم يقتل نبي في الحرب قط
~~ثم إن من ادعى إسناد القتل إلى النبي وأنه في الحرب أيضا على ما يشعر
~~به المقام حمل النصرة الموعود بها في قوله تعالى:

# إنا لننصر رسلنا

# [غافر: 51] على النصرة بإعلاء الكلمة ونحوه لا على الأعداء مطلقا لئلا
~~تتنافى الآيتان، وهذا أحد أجوبة في هذا المقام تقدمت الإشارة إليها
~~فتذكر، والتنوين في { نبى } للتعظيم. وزعم الأجهوري أنه للتكثير.

# { فما وهنوا } عطف على قاتل على أن المراد عدم الوهن المتوقع من
~~القتال والتلبس بالشيء بعد ورود ما يستدعي خلافه وإن كان استمرارا عليه
~~بحسب الظاهر لكنه بحسب الحقيقة كما قال مولانا شيخ الإسلام: صنع جديد،
~~ومن هنا صح دخول الفاء المؤذنة بترتب ما بعدها على ما قبلها، ومن ذلك
~~قولهم: وعظته فلم يتعظ وزجرته فلم ينزجر، وأصل الوهن الضعف، وفسره قتادة
~~وابن أبي مالك هنا بالعجز، والزجاج بالجبن أي فما عجزوا أو فما جبنوا {
~~لما أصابهم فى سبيل الله } في أثناء القتال وهذا علة
~~للمنفي لا للنفي، نعم يفهم المنفي من تقييد المثبت بهذا الظرف و  ما 
~~موصولة أو موصوفة فإن ms01509 جعل الضميران لجميع الربيين فهي عبارة عما عدا
~~القتل من مكاره الحروب التي تعتري الكل، وإن جعلا للبعض الباقين بعد قتل
~~الآخرين  وهو الأنسب  كما قيل: بمقام توبيخ المنخذلين بعد ما استشهد
~~الشهداء  فهي عبارة عن ذلك أيضا مع ما اعتراهم بعد قتل إخوانهم من نحو
~~الخوف والحزن، هذا على القراءة المشهورة، وأما على القراءتين الأخيرتين
~~أعني  قتل وقتل  على صيغة المبني للمفعول مخففة ومشددة فقد قالوا: إن
~~أسند الفعل إلى الظاهر فالضميران للباقين حتما والكلام حينئذ من قبيل 
~~قتل بنو فلان إذا وقع القتل فيهم ولم يستأصلهم  وإن أسند إلى الضمير /
~~كما هو الظاهر الأنسب عند البعض بالتوبيخ على الانخذال بسبب الارجاف
~~بقتله صلى الله عليه وسلم.

# وإليه ذهب قتادة والربيع وابن أبي إسحق والسدي  كما قيل  فهما
~~للباقين أيضا إن اعتبر كون الربيين مع النبي في القتل وللجميع إن اعتبر
~~كونهم معه في القتال.

# { وما ضعفوا } أي ما فتروا عن الجهاد قاله الزجاج، وقيل: ما عراهم
~~ضعف في الدين بأن تغير اعتقادهم لعدم النصر { وما استكانوا } أي
~~ما ارتدوا عن بصيرتهم ولا عن دينهم قاله قتادة، وقيل: ما خضعوا لعدوهم،
~~وإليه يشير كلام ابن عباس، وكثيرا ما يستعمل استكان بهذا المعنى، وكذا
~~بمعنى تضرع، واختلف فيه هل هو من السكون فوزنه افتعل لأن الخاضع يسكن لمن
~~خضع له فألفه للاشباع وهو كثير وليس بخطأ خلافا لأبي البقاء، ولا يختص
~~بالشعر خلافا لأبي حيان، أو من الكون فوزنه استفعل وألفه منقلبة عن واو
~~والسين مزيدة للتأكيد كأنه طلب من نفسه أن يكون لمن قهره، وقيل: لأنه
~~كالعدم فهو يطلب من نفسه الوجود. وجوز أن يكون من قول العرب: بات فلان 
~~بكينة سوء  أي بحالة سوء، أو من  كانه يكينه  إذا أذله، وعزى ذلك إلى
~~الأزهري وأبي علي، وحينئذ فألفه منقلبة عن ياء، والجمهور على فتح الهاء
~~من وهنوا وقرىء بكسرها وهي لغة والفتح أشهر، وقرىء بإسكانها على تخفيف
~~المكسور وفي الكلام تعريض لا يخفى.

# { والله يحب الصبرين } على مقاساة ms01510 الشدائد ومعاناة
~~المكاره في سبيله فينصرهم ويعظم قدرهم. والمراد بالصابرين إما الربيون،
~~والإظهار في موضع الاضمار للتصريح بالثناء عليهم بالصبر الذي هو ملاك
~~الأمر مع الإشعار بعلة الحكم، وإما ما يعمهم وغيرهم وهم داخلون في ذلك
~~دخولا أوليا. والجملة على التقديرين تذييل لما قبلها.

### || [3.147]

# وقوله تعالى: { وما كان قولهم } كالتتميم والمبالغة في صلابتهم
~~في الدين وعدم تطرق الوهن والضعف إليهم بالكلية، وهو معطوف على ما قبله،
~~وقيل: كلام مبين لمحاسنهم القولية إثر بيان محاسنهم الفعلية، وقولهم
~~بالنصب خبر لكان واسمها المصدر المتحصل من { أن } وما بعدها في قوله
~~تعالى: { إلا أن قالوا } والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء أي  ما
~~كان قولهم  في ذلك المقام واشتباك أسنة الشدائد والآلام إلا أن قالوا.

# { ربنا اغفر لنا ذنوبنا } أي صغائرنا { وإسرافنا فى
~~أمرنا } أي تجاوزنا عن الحد، والمراد كبائرنا وروي ذلك عن الضحاك،
~~وقيل: الإسراف تجاوز في فعل ما يجب، والذنب عام فيه وفي التقصير، وقيل:
~~إنه يقابل الإسراف وكلاهما مذموم، وسيأتي في هذه السورة إن شاء الله
~~تعالى إطلاق الذنوب على الكبائر فافهم. والظرف متعلق بما عنده أو حال منه
~~وإنما أضافوا ذلك إلى أنفسهم مع أن الظاهر أنهم برآء من التفريط في جنب
~~الله تعالى هضما لأنفسهم واستقصارا لهمهم وإسنادا لما أصابهم إلى
~~أعمالهم، على أنه لا يبعد أن يراد بتلك الذنوب وذلك الإسراف ما كان ذنبا
~~وإسرافا على الحقيقة لكن بالنسبة إليهم، وحسنات الأبرار سيئات المقربين،
~~وقيل: أرادوا من طلب المغفرة طلب قبول أعمالهم حيث إنه لا يجب على الله
~~تعالى شيء، وفيه ما لا يخفى، وقدموا الدعاء بالمغفرة على ما هو الأهم
~~بحسب الحال من الدعاء بقوله سبحانه: { وثبت أقدامنا } أي عند
~~جهاد أعدائك بتقوية قلوبنا وإمدادنا بالمدد الروحاني من عندك {
~~وانصرنا على القوم الكفرين } / تقريبا له إلى حيز
~~القبول فإن الدعاء المقرون بالخضوع الصادر عن زكاء وطهارة أقرب إلى
~~الاستجابة. ومن الناس من قال: المراد من  ثبت أقدامنا  ثبتنا على دينك
~~الحق فيكون تقديم طلب المغفرة على ms01511 هذا التثبيت من باب تقديم التخلية على
~~التحلية وتقديمهما على طلب النصرة لما تقدم، وقيل: إنهم طلبوا الغفران
~~أولا ليستحقوا طلب النصر على الكافرين بترجحهم بطهارتهم عن الذنوب عليهم
~~وهم محاطون بالذنوب، وفي طلبهم النصر مع كثرتهم المفرطة التي دل عليها ما
~~سبق إيذان بأنهم لا ينظرون إلى كثرتهم ولا يعولون عليها بل يسندون ثبات
~~أقدامهم إلى الله تعالى ويعتقدون أن النصر منه سبحانه وتعالى، وفي
~~الإخبار عنهم بأنه ما كان قولهم إلا هذا دون ما فيه شائبة جزع وخور
~~وتزلزل من التعريض بالمنهزمين ما لا يخفى.

# وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية عنهما برفع { قولهم } على أنه الاسم
~~والخبر { أن } وما في حيزها أي ما كان قولهم شيئا من الأشياء إلا هذا
~~القول المنبىء عن أحاسن المحاسن، قال مولانا شيخ الإسلام: ((وهذا كما ترى
~~أقعد بحسب المعنى وأوفق بمقتضى المقام لما أن الإخبار بكون قولهم المطلق
~~خصوصية قولهم المحكي عنهم مفصلا كما تفيده قراءتهما أكثر إفادة للسامع
~~من الإخبار بكون خصوصية قولهم المذكور قولهم لما أن مصب الفائدة وموقع
~~البيان في الجمل الخبرية هو الخبر، فالأحق بالخبرية ما هو أكثر إفادة
~~وأظهر دلالة على الحدث وأوفر اشتمالا على نسب خاصة بعيدة من الوقوع في
~~الخارج وفي ذهن السامع، ولا يخفى أن ذلك ههنا في أن مع ما في حيزها أتم
~~وأكمل، وأما ما تفيده الإضافة من النسبة المطلقة الإجمالية فحيث كانت
~~سهلة الحصول خارجا وذهنا كان حقها أن تلاحظ ملاحظة إجمالية وتجعل
~~عنوانا للموضوع لا مقصودا بالذات في باب البيان، وإنما اختار الجمهور
~~ما اختار والقاعدة صناعية هي أنه إذا اجتمع معرفتان فالأعرف منهما أحق
~~بالإسمية، ولا ريب في أعرفية أن قالوا لدلالته على جهة النسبة وزمان
~~الحدث ولأنه يشبه المضمر من حيث إنه لا يوصف ولا يوصف به، وقولهم مضاف
~~إلى مضمر وهو بمنزلة العلم فتأمل)) انتهى.

# وقال أبو البقاء: جعل ما بعد { إلا } اسما لكان، والمصدر الصريح خبرا
~~لها أقوى من العكس لوجهين: أحدهما: أن { أن قالوا ms01512 } يشبه المضمر في
~~أنه لا يوصف وهو أعرف، والثاني: أن ما بعد { إلا } مثبت، والمعنى كان
~~قولهم ربنا اغفر لنا ذنوبنا الخ دأبهم في الدعاء، وقال العلامة الطيبي:
~~كأن المعنى ما صح ولا استقام من الربانيين في ذلك المقام إلا هذا القول
~~وكأن غير هذا القول مناف لحالهم، وهذه الخاصية يفيدها إيقاع { أن } مع
~~الفعل اسما لكان، وتحقيقه ما ذكره صاحب «الانتصاف» من أن فائدة دخول {
~~كان } المبالغة في نفي الفعل الداخل عليه بتعديد جهة فعله عموما
~~باعتبار الكون وخصوصا باعتبار خصوصية المقال فهو نفى مرتين، ثم قال:
~~فعلى هذا لو جعلت رب الجملة أن قالوا واعتمدت عليه وجعلت قولهم كالفضلة
~~حصل لك ما قصدته ولو عكست ركبت التعسف، ألا ترى إلى أبي البقاء كيف جعل
~~الخبر نسيا منسيا في الوجه الثاني واعتمد على ما بعد إلا انتهى.

# ومنه يعلم ما في كلام مولانا شيخ الإسلام فإنه متى أمكن اعتبار جزالة
~~المعنى مع مراعاة القاعدة الصناعية لا يعدل عن ذلك إلى غيره لا سيما وقد
~~صرحوا بأن جعل الاسم غير الأعرف ضعيف، قال في «المغني»: واعلم أنهم حكموا
~~لأن وإن  المقدرتين بمصدر معرف بحكم الضمير لأنه لا يوصف كما أن الضمير
~~أيضا كذلك فلهذا قرأت السبعة

# ما كان حجتهم إلا أن قالوا

# [الجاثية: 25]

# فما كان جواب قومه إلا أن قالوا

# [النمل: 56] والرفع ضعيف كضعف الاخبار بالضمير عما دونه في التعريف
~~انتهى، وعلل بعضهم أعرفية المصدر المؤل بأنه لا ينكر.

# / وقد اعترضوا على كل من تعليلي ابن هشام والبعض، أما الاعتراض على
~~الأول فبأن كونه لا يوصف لا يقتضي تنزيله منزلة الضمير فكم اسم لا يوصف
~~بل ولا يوصف به وليس بتلك المنزلة؟ وأجيب بأنه جاز أن يكون في ذلك الاسم
~~مانع من جعله بمنزلة الضمير لأن عدم المانع ليس جزءا من المقتضى ولا
~~شرطا في وجوده، وأما الاعتراض على الثاني فبأنه غير مسلم لأنه قد ينكر
~~كما في

# وما كان هذا القرءان أن يفترى

# [يونس: 37] أي افتراءا قاله الشهاب.

# وأجيب ms01513 بأن مراد من قال: إن المصدر المؤل لا ينكر أنه في مثل هذا الموضع
~~لا ينكر لا أن الحرف المصدري لا يؤل بمصدر منكر أصلا، ويستأنس لذلك
~~بتقييد المصدر بالمعرف في عبارة «المغني» حيث يفهم منها أن  أن وإن 
~~تارة يقدران بمصدر معرف وتارة بمصدر منكر وأنهما إذا قدرا بمصدر معرف كان
~~له حكم الضمير، ومن هنا قال صاحب «المطلع» في معنى ذلك التعليل: إن قول
~~المؤمنين إن اختزل عن الإضافة يبقى منكرا بخلاف { أن قالوا } بقي في
~~كلام «المغني» أمور، الأول: أن التقييد  بأن وإن  هل هو اتفاقي أم
~~احترازي؟ الذي ذهب إليه بعض المحققين الأول: احتجاجا بأنه أطلق في الجهة
~~السادسة من الباب الخامس أن الحرف المصدري وصلته في نحو ذلك معرفة فلا
~~يقع صفة للنكرة ولم يخص  بأن وإن وللذاهب إلى الثاني أن يقول فرق بين
~~مطلق التعريف وكونه في حكم الضمير كما لا يخفى، وابن هشام قد أخذ المطلق
~~في المطلق وقيد المقيد بالمقيد فلا بأس بإبقاء كلا العبارتين على ما
~~يتراءى منهما الثاني: أنه يفهم من ظاهره أن الأداتين لو قدرتا بمصدر منكر
~~لا يكون في حكم الضمير وظاهر هذا أنه يجوز الوصف حينئذ وفيه تردد لأنه قد
~~يقال: لا يلزم من عدم ثبوت مرتبة الضمير لذلك جواز الوصف لأن امتناع
~~الوصف أعم من مرتبة الضمير، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم. الثالث: أنه
~~يفهم من كلامه أن المصدر المقدر المعرف بالإضافة سواء أضيف إلى ضمير أو
~~غيره بمثابة الضمير ولم يصرح أحد من الأئمة بذلك لكن حيث أن ابن هشام
~~ثقة وإمام في الفن ولم ينقل عن أئمته ما يخالفه يقبل منه ما يقول،
~~الرابع: أن ما حكم به من أن الرفع ضعيف كضعف الإخبار بالضمير عما دونه في
~~التعريف بينه وبين ما ذهب إليه ابن مالك من جواز الإخبار بالمعرفة عن
~~النكرة المحضة في باب النواسخ بون عظيم، ويؤيد كلام ابن مالك قوله تعالى:

# فإن حسبك الله

# [الأنفال: 62] وكأنه لتحقيق هذا المقام ولما ms01514 أشرنا إليه أولا في تحقيق
~~معنى الآية قال المولى قدس سره: فتأمل فتأمل.

### || [3.148]

# { فآتهم الله } أي بسبب قولهم ذلك كما تؤذن به الفاء {
~~ثواب الدنيا } أي النصر والغنيمة قاله ابن جريج وقال قتادة: الفتح
~~والظهور والتمكن والنصر على عدوهم، قيل: وتسمية ذلك ثوابا لأنه مترتب
~~على طاعتهم، وفيه إجلال لهم وتعظيم، وقيل: تسمية ذلك ثوابا مجاز لأنه
~~يحاكيه. واستشكل تفسير ابن جريج بأن الغنائم لم تحل لأحد قبل الإسلام بل
~~كانت الأنبياء إذا غنموا مالا جاءت نار من السماء فأخذته فكيف تكون
~~الغنيمة ثوابا دنيويا ولم يصل للغانمين منها شيء؟! وأجيب بأن المال
~~الذي تأخذه النار غير الحيوان، وأما الحيوان فكان يبقى للغانمين دون
~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكان ذلك هو الثواب الدنيوي { وحسن
~~ثواب الأخرة } أي وثواب الآخرة الحسن، وهو عند ابن جريج رضوان
~~الله تعالى ورحمته، وعند قتادة هي الجنة، وتخصيص الحسن بهذا الثواب
~~للإيذان بفضله ومزيته وأنه المعتد به عنده تعالى، ولعل تقديم ثواب الدنيا
~~عليه مراعاة للترتيب الوقوعي، أو لأنه أنسب بما قبله من الدعاء بالنصر
~~على الكافرين.

# { والله يحب المحسنين } تذييل مقرر لما قبله فإن محبة
~~الله سبحانه للعبد مبدأ كل خير وسعادة، واللام إما للعهد ووضع الظاهر
~~موضع المضمر إيذانا بأن ما حكى عنهم من باب الإحسان، وإما للجنس وهم
~~داخلون فيه دخولا أوليا وفيه على كلا التقديرين ترغيب للمؤمنين في
~~تحصيل ما حكى من المناقب الجليلة.

### || [3.149]

# { يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا الذين كفروا
~~} شروع في زجر المؤمنين عن متابعة الكفار ببيان مضارها إثر ترغيبهم في
~~الاقتداء بأنصار الأنبياء عليهم السلام ببيان فضائله، وتصدير الخطاب
~~بالنداء والتنبيه لإظهار الإعتناء بما في حيزه، ووصفهم بالإيمان لتذكيرهم
~~بحال ينافي تلك الطاعة فيكون الزجر على أكمل وجه والمراد من الذين كفروا
~~إما المنافقون لأن الآية نزلت  كما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه 
~~حين قالوا للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم
~~والتعبير عنهم بذلك قصدا إلى مزيد التنفير عنهم والتحذير عن ms01515 طاعتهم،
~~وإما أبو سفيان وأصحابه وحينئذ فالمراد بإطاعتهم الإستكانة لهم وطلب
~~الأمان منهم وإلى ذلك ذهب السدي، وإما اليهود والنصارى فالمراد حينئذ لا
~~تنتصحوا اليهود والنصارى على دينكم ولا تصدقوهم بشيء في ذلك، وإليه ذهب
~~ابن جريج، وحكي أنهم كانوا يلقون إليهم الشبه في الدين ويقولون: لو كان
~~محمد صلى الله عليه وسلم نبيا حقا لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما
~~أصابهم وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوما عليه ويوما له فنهوا
~~عن الإلتفات إليها، وإما سائر الكفار. وذهب إلى جواز ذلك بعض المتأخرين،
~~وأتى بإن للإيذان بأن الإطاعة بعيدة الوقوع من المؤمنين.

# { يردوكم على أعقبكم } أي يرجعوكم إلى أول أمركم وهو
~~الشرك بالله تعالى والفعل جواب الشرط. وصح ذلك بناءا على المأثور عن علي
~~كرم الله تعالى وجهه من أن الكلام معه في قوة { إن تطيعوا الذين
~~كفروا } في قولهم: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم يدخلوكم في
~~دينهم، ويؤول إلى قولك: إن تدخلوا في دينهم تدخلوا في دينهم وفيه اتحاد
~~الشرط والجزاء بناءا على أن الإرتداد على العقب علم في انتكاس الأمر
~~ومثل في الحور بعد الكور، وقيل: إن المراد بالإطاعة الهم بها والتصميم
~~عليها أي إن تصمموا على إطاعتهم في ذلك تردوا وترجعوا إلى ما كنتم عليه
~~من الكفر وهذا أبلغ في الزجر إلا أنه بعيد عن اللفظ، وجوز أن تكون
~~جوابيته باعتبار كونه تمهيدا لقوله تعالى: { فتنقلبوا خسرين
~~} أي فترجعوا خاسرين لخير الدنيا وسعادة الآخرة وذلك أعظم الخسران.

### || [3.150]

# { بل الله مولكم } إضراب وترك للكلام الأول من غير إبطال
~~والمعنى ليس الكفار أولياء فيطاعوا في شيء ولا ينصرونكم بل الله ناصركم
~~لا غيره وهو مبتدأ وخبر، وقرىء بنصب الاسم الجليل على أنه مفعول لفعل
~~محذوف، والمعنى فلا تطيعوهم بل أطيعوا الله مولاكم { وهو خير
~~النصرين } لأنه القوي الذي لا يغلب والناصر في الحقيقة فينبغي أن
~~يخص بالطاعة والاستعانة، والجملة معطوفة على ما قبلها. وجوز على القراءة
~~الشاذة الاستئناف والحالية.

### || [3.151]

# { سنلقى فى قلوب ms01516 الذين كفروا الرعب } كالبيان لما
~~قبل، وعبر بنون العظمة على طريق الالتفات جريا على سنن الكبرياء لتربية
~~المهابة، والسين لتأكيد الإلقاء، و (الرعب) بسكون العين الخوف والفزع أي
~~سنقذف ذلك في قلوبهم، والمراد من الموصول أبو سفيان وأصحابه، فقد أخرج
~~ابن جرير عن السدي قال: «لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين
~~نحو مكة انطلق أبو سفيان حتى بلغ بعض الطريق ثم إنهم ندموا فقالوا: بئس
~~ما صنعتم إنكم قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشريد / تركتموهم ارجعوا
~~فاستأصلوا فقذف الله تعالى في قلوبهم الرعب فانهزموا فلقوا اعرابيا
~~فجعلوا له جعلا فقالوا له إن لقيت محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه
~~فأخبرهم بما قد جمعنا لهم فأخبر الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد فأنزل الله تعالى في ذلك هذه الآية يذكر فيها
~~أمر أبي سفيان وأصحابه، وقيل: إن الآية نزلت في يوم الأحزاب، وفي «صحيح
~~مسلم» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " نصرت بالرعب على العدو "

# ، وأخرج أحمد وغيره من حديث أبي أمامة

# " نصرت بالرعب مسيرة شهر يقذف في قلوب أعدائي "

# ، وقرىء { سيلقى } بالياء، وقرأ أبو جعفر وابن عامر والكسائي {
~~الرعب } بضم العين وهي لغة فيه، وقيل: الضم هو الأصل والسكون
~~للتخفيف، وقيل: الأصل السكون والضم للاتباع.

# { بما أشركوا بالله } أي بسبب إشراكهم بالذات الواجب الوجود
~~المستجمع لجميع صفات الكمال ولإشعار هذا الاسم بالعظمة المنافية للشركة
~~أتى به، والجار الأول متعلق، ب { سنلقى } دون { الرعب } ولا
~~يمنع من ذلك تعلق في به لاختلاف المعنى والثاني متعلق بما عنده وكان
~~الاشراك سببا لالقاء الرعب لأنه من موجبات خذلانهم ونصر المؤمنين عليهم
~~وكلاهما من دواعي الرعب { ما لم ينزل به } أي بإشراكه، وقيل:
~~بعبادته، وما نكرة موصوفة أو موصولة اسمية وليست مصدرية { سلطنا }
~~أي حجة، والإتيان بها للإشارة بأن المتبع في باب التوحيد هو البرهان
~~السماوي دون الآراء والأهواء الباطلة، وسميت بذلك لأنه بها يتقوى على
~~الخصم ويتسلط عليه، ms01517 والنون زائدة، وقيل: أصلية، وذكر عدم إنزال الحجة مع
~~استحالة تحققها من باب انتفاء المقيد لانتفاء قيده اللازم أي لا حجة حتى
~~ينزلها، فهو على حد قوله في وصف مفازة:

# لا يفزع الأرنب أهوالها

# ولا ترى الضب بها ينجحر

# إذ المراد لا ضب بها حتى ينجحر فالمراد نفيهما جميعا وهذا كقولهم:
~~السالبة لا تقتضي وجود الموضوع، وما ذكرنا من استحالة تحقق الحجة على
~~الاشراك يكاد يكون معلوما من الدين بالضرورة أما في الاشراك بالربوبية
~~فظاهر إذ كيف يأمر الله سبحانه باعتقاد أن خالق العالم اثنان مشتركان في
~~وجوب الوجود والاتصاف بكل كمال، وأما الاشراك في الألوهية الذي عليه أكثر
~~المشركين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأنه يفضي إلى الأمر
~~باعتقاد أشياء خلاف الواقع مما كان المشركون يعتقدونه في أصنامهم وقد
~~رده عليهم، فقول عصام الملة: ونحن نقول الحجة على الاشراك تحت قدرته
~~تعالى لو شاء أنزلها إذ لو أمر بإشراك الأصنام به في العبادة لوجبت
~~العبادة لا أراه إلا حلا لعصام الدين لأن لا إله إلا الله المخاطب بها
~~الثنوية والوثنية تأبى إمكان ذلك كما لا يخفى على من اطلع على معنى هذه
~~الكلمة الطيبة رزقنا الله تعالى الموت عليها ولا جعلنا ممن أشركوا بالله
~~تعالى ما لم ينزل به سلطانا.

# { ومأواهم } أي ما يأوون إليه في الآخرة { النار } لا مأوى لهم
~~غيرها. { وبئس مثوى الظلمين } أي مثواهم وإنما وضع الظاهر
~~موضع الضمير للتغليظ والتعليل والإشعار بأنهم في إشراكهم ظالمون واضعون
~~للشيء في غير موضعه، والمثوى مكان الإقامة على وزن مفعل من ثويت ولامه
~~ياء والمخصوص بالذم محذوف أي بئس مثواهم النار، ولم يعبر بالمأوى للإيذان
~~بالخلود إذ الإقامة مأخوذة في المثوى دونه.

### || [3.152]

# { ولقد صدقكم الله وعده } أخرج الواحدي عن محمد بن كعب
~~قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم / إلى المدينة، وقد أصيبوا
~~بما أصيبوا يوم أحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا
~~الله تعالى النصر؟ فأنزل الله تعالى ms01518 الآية، و { وعده } مفعول ثان
~~لصدق صريحا فإنه يتعدى إلى مفعولين في مثل هذا النحو، وقد يتعدى إلى
~~الثاني بحرف الجر، فيقال: صدقت زيدا في الحديث، ومن هنا جوز بعضهم أن
~~يكون نصبا بنزع الخافض؛ والمراد بهذا الوعد ما وعدهم سبحانه من النصر
~~بقوله عز اسمه:

# إن تصبروا وتتقوا

# [آل عمران: 125] الخ وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم حيث قال للرماة:

# " لا تبرحوا مكانكم فلن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم "

# وفي رواية أخرى:

# " لا تبرحوا عن هذا المكان فإنا لا نزال غالبين ما دمتم في هذا المكان "

# وأيد الأول بما أخرجه البيهقي في «الدلائل» عن عروة قال: كان الله تعالى
~~وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وكان
~~قد فعل فلما عصوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركوا مصافهم وتركت
~~الرماة عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم أن لا يبرحوا منازلهم
~~وأرادوا الدنيا رفع الله تعالى مدد الملائكة، واختار مولانا شيخ الإسلام
~~الثاني، وقد تقدم لك ما ينفعك هنا. والقول بأن المراد ما وعده جل شأنه
~~بقوله سبحانه:

# سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب

# [آل عمران: 151] ليس بشيء كما لا يخفى، وأخرج الإمام أحمد وجماعة عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ما نصر الله تعالى نبيه في موطن كما
~~نصره يوم أحد فأنكروا ذلك، فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب
~~الله تعالى إن الله تعالى يقول يوم أحد: { ولقد صدقكم الله
~~وعده إذ تحسونهم } أي تقتلونهم وهو التفسير المأثور،
~~واستشهد عليه الحبر بقوله عتبة الليثي:

# (نحسهم) بالبيض حتى كأننا

# نفلق منهم بالجماجم حنظلا

# وبقوله:

# ومنا الذي لاقى بسيف محمد

# (فحس) به الأعداء عرض العساكر

# وأصل معنى حسه أصاب حاسته بآفة فأبطلها مثل كبده ولذا عبر به عن القتل،
~~ومنه جراد محسوس وهو الذي قتله البرد، وقيل: هو الذي مسته النار، وكثيرا
~~ما يستعمل الحس بالقتل على سبيل الاستئصال، والظرف متعلق ب { صدقكم
~~} وجوز أبو البقاء أن ms01519 يكون ظرفا للوعد { بإذنه } أي بتيسيره
~~وتوفيقه، والتقييد به لتحقيق أن قتلهم بما وعدهم الله تعالى من النصر.

# { حتى إذا فشلتم } أي فزعتم وجبنتم عن عدوكم. {
~~وتنزعتم فى الأمر } أي أمر الحرب أو أمره صلى الله عليه
~~وسلم لكم في سد ذلك الثغر على ما تقدم تفسيره { وعصيتم } إذ لم
~~تثبتوا هناك وملتم إلى الغنيمة { من بعد ما أراكم ما
~~تحبون } من انهزام المشركين وغلبتكم عليهم.

# قال مجاهد: نصر الله تعالى المؤمنين على المشركين حتى ركب نساء المشركين
~~على كل صعب وذلول ثم أديل عليهم المشركون بمعصيتهم للنبي صلى الله عليه
~~وسلم، وروي أن خالد بن الوليد أقبل بخيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي
~~جهل، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الزبير رضي الله تعالى عنه
~~أن احمل عليه فحمل عليه فهزمه ومن معه فلما رأى الرماة ذلك انكفأوا إلا
~~قليلا ودخلوا العسكر وخالفوا الأمر وأخلوا الخلة التي كانوا فيها فدخلت
~~خيول المشركين من ذلك الموضع على الصحابة رضي الله تعالى عنهم فضرب بعضهم
~~بعضا والتبسوا وقتل من المسلمين أناس كثير بسبب ذلك.

# { منكم من يريد الدنيا } وهم الرماة الذين طمعوا في النهب
~~وفارقوا المركز له { ومنكم من يريد الأخرة } كعبد الله بن
~~جبير أمير الرماة ومن ثبت معه ممتثلا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~حتى استشهد { ثم صرفكم عنهم } أي كفكم عنهم حتى تحولت الحال
~~من الغلبة إلى ضدها { ليبتليكم } أي ليعاملكم معاملة من يمتحن
~~ليبين أمركم وثباتكم على الإيمان ففي الكلام استعارة تمثيلية، وإلا
~~فالامتحان محال على الله تعالى، وفي  حتى  هنا قولان، أحدهما: أنها حرف
~~جر بمنزلة إلى ومتعلقها { تحسونهم } أو { صدقكم } أو محذوف
~~تقديره دام لكم ذلك، وثانيهما: أنها حرف ابتداء دخلت على الجملة الشرطية
~~من إذا وما بعدها وجواب { إذا } قيل: { تنازعتم } ، والواو زائدة
~~واختاره الفراء، وقيل: { صرفكم } و { ثم } زائدة وهو ضعيف جدا
~~والصحيح أنه محذوف وعليه البصريون، وقدره أبو البقاء: بأن أمركم، وأبو
~~حيان: انقسمتم إلى قسمين بدليل ما ms01520 بعده، والزمخشري: منعكم نصره، وابن
~~عطية: انهزمتم ولكل وجهة، وبعض المتأخرين امتحنكم، ورد بجعل الابتداء
~~غاية للصرف المترتب على منع النصر، وعلى كل تقدير يكون { صرفكم }
~~معطوفا على ذلك المحذوف، وقيل: إن { إذا } اسم كما في قولهم: إذا يقوم
~~زيد إذا يقوم عمرو؛ و { حتى } حرف جر بمعنى إلى متعلقة ب {
~~صدقكم } باعتبار تضمنه معنى النصر كأنه قيل: لقد نصركم الله تعالى
~~إلى وقت فشلكم وتنازعكم الخ، و { ثم صرفكم } حينئذ عطف على ذلك،
~~وهاتان الجملتان الظرفيتان اعتراض بين المتعاطفين.

# { ولقد عفا عنكم } بمحض التفضل أو لما علم من عظيم ندمكم على
~~المخالفة، وقيل: والمراد بذلك العفو عن الذنب وهو عام لسائر المنصرفين.
~~ويؤيد ذلك ما أخرجه البخاري عن عثمان بن موهب قال:

# " جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال: إني سائلك عن شيء
~~فحدثني به أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد؟
~~قال: نعم قال: فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: فتعلم أنه
~~تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم فكبر فقال ابن عمر: تعال
~~لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله تعالى
~~عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لك أجر رجل
~~ممن شهد بدرا وسهمه. وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن
~~مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث عثمان فكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب
~~عثمان إلى مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى وضرب بها على
~~يده فقال: هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك "

# ، وقال البلخي: إنه عفو عن الاستئصال، وروي ذلك عن ابن جريج، وزعم أبو
~~علي الجبائي أنه خاص بمن لم يعص الله تعالى بانصرافه والكل خلاف الظاهر.
~~وقد يقال: الداعي لقول البلخي: إن العفو عن الذنب سيأتي ما يدل ms01521 عليه
~~بأصرح وجه، والتأسيس خير من التأكيد، وكلام ابن عمر رضي الله تعالى عنه
~~ليس فيه أكثر من أن الله تعالى عفا عن ذنب الفارين وهو صريح الآية
~~الآتية، وأما أنه يفهم منه ولو بالإشعار أن المراد من العفو هنا العفو عن
~~الذنب فلا أظن منصفا يدعيه.

# { والله ذو فضل على المؤمنين } تذييل مقرر لمضمون ما
~~قبله وفيه إيذان بأن ذلك العفو ولو كان بعد التوبة بطريق التفضل لا
~~الوجوب أي شأنه أن يتفضل عليهم بالعفو أو في جميع الأحوال أديل لهم أو
~~أديل عليهم إذ الابتلاء أيضا رحمة، والتنوين للتفخيم، والمراد بالمؤمنين
~~إما المخاطبون، والإظهار في مقام الإضمار للتشريف والإشعار بعلة الحكم،
~~وإما الجنس ويدخلون فيه دخولا أوليا ولعل التعميم هنا وفيما قبله أولى
~~من التخصيص، وتخصيص الفضل بالعفو أولى من تخصيصه بعدم الاستئصال كما زعمه
~~البعض.

### || [3.153]

# { إذ تصعدون } متعلق بصرفكم أو بيبتليكم وتعلقه  بعفا  كما قال
~~الطبرسي: ليس بشيء، ومثله تعلقه كما قال أبو البقاء، بعصيتم؛ / أو
~~تنازعتم أو فشلتم، وقيل: متعلق بمقدر كاذكر، واستشكل بأنه يصير المعنى
~~اذكر يا محمد إذ تصعدون وفيه خطابان بدون عطف، فالصواب اذكروا. وأجيب بأن
~~المراد  باذكر  جنس هذا الفعل فيقدر  اذكروا  لا أذكر، ويحتمل أنه من
~~قبيل

# يأيها النبى إذا طلقتم النساء

# [الطلاق: 1] ولا يخفى أنه خلاف الظاهر، وأجاب الشهاب بأن أذكر متضمن
~~لمعنى القول، والمعنى قل لهم يا محمد حين يصعدون الخ ومثله لا منع فيه
~~كما تقول لزيد: أتقول كذا فإن الخطاب المحكي مقصود لفظه فلا ينافي
~~القاعدة المذكورة وهم غفلوا عنه فتأمل، ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر
~~أيضا، والإصعاد الذهاب والإبعاد في الأرض، وفرق بعضهم بين الإصعاد
~~والصعود بأن الإصعاد في مستوى الأرض والصعود في ارتفاع، وقيل: لا فرق بين
~~أصعد وصعد سوى أن الهمزة في الأول للدخول نحو أصبح إذا دخل في الصباح
~~والأكثرون على الأول، وقرأ الحسن فيما أخرجه ابن جرير عنه { تصعدون
~~} بفتح التاء والعين، وحمله بعضهم على صعود الجبل، وقرأ أبو حيوة ms01522 {
~~تصعدون } بفتح التاء وتشديد العين وهو إما من تصعد في السلم إذا رقى
~~أو من صعد في الوادي تصعيدا إذا انحدر فيه، فقد قال الأخفش: أصعد في
~~الأرض إذا مضى وسار وأصعد في الوادي وصعد فيه إذا انحدر، وأنشد:

# فإما تريني اليوم مزجي ظعينتي

# (أصعد) طورا في البلاد وأفرع

# وقال الشماخ:

# فإن كرهت هجائي فاجتنب سخطي

# لا يدهمنك إفراعي (وتصعيدي)

# وورد عن غير واحد أن القوم لما امتحنوا ذهبوا فرارا في وادي أحد، وقال
~~أبو زيد: يقال: صعد في السلم صعودا وصعد في الجبل أو على الجبل تصعيدا
~~ولم يعرفوا فيه صعد، وقرأ أبي { إذ تصعدون } في الوادي وهي تؤيد
~~قول من قال: إن الإصعاد الذهاب في مستوى الأرض دون الارتفاع، وقرىء 
~~يصعدون  بالياء التحتية وأمر تعلق إذ باذكر عليه ظاهر.

# { ولا تلوون على أحد } أي لا تقيمون على أحد ولا تعرجون وهو
~~من لوى بمعنى عطف وكثيرا ما يستعمل بمعنى وقف وانتظر لأن من شأن المنتظر
~~أن يلوي عنقه، وفسر أيضا بلا ترجعون وهو قريب من ذلك، وذكر الطبرسي أن
~~هذا الفعل لا يذكر إلا في النفي فلا يقال لويت على كذا، وقرأ الحسن
~~(تلون) بواو واحدة بقلب الواو المضمومة همزة وحذفها تخفيفا. وقرىء {
~~تلوون } بضم التاء على أنه من ألوى لغة في لوى، ويلوون بالياء
~~كيصعدون، قال أبو البقاء ويقرأ { على أحد } بضمتين  وهو الجبل 
~~والتوبيخ عليه غير ظاهر، ووجهه بعضهم بأن المراد أصحاب أحد أو مكان
~~الوقعة، وفيه إشارة إلى إبعادهم في استشعار الخوف وجدهم في الهزيمة حتى
~~لا يلتفتون إلى نفس المكان.

# { والرسول يدعوكم فى أخركم } أي يناديكم في ساقتكم أو
~~جماعتكم الأخرى أو يدعوكم من ورائكم فإنه يقال: جاء فلان في آخر الناس
~~وأخرتهم وأخراهم إذا جاء خلفهم، وإيراده عليه الصلاة والسلام بعنوان
~~الرسالة للإيذان بأن دعوته صلى الله عليه وسلم كانت بطريق الرسالة من
~~جهته تعالى مبالغة في توبيخ المنهزمين، روي أنه صلى الله عليه وسلم كان
~~ينادي

# " إلي عباد الله إلي عباد الله ms01523 أنا رسول الله من يكر فله الجنة "

# وكان ذلك حين انهزم القوم وجدوا في الفرار قبل أن يصلوا إلى مدى لا يسمع
~~فيه الصوت فلا ينافي ما تقدم عن كعب بن مالك أنه لما عرف رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم ونادى بأعلى صوته يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم / أشار إليه رسول الله عليه الصلاة والسلام أن أنصت
~~لأن ذلك كان آخر الأمر حيث أبعد المنهزمون، والجملة في موضع الحال.

# { فأثبكم } عطف على

# صرفكم

# [آل عمران: 152] والضمير المستتر عائد على الله تعالى، والتعبير
~~بالإثابة من باب التهكم على حد قوله:

# تحية بينهم ضرب وجيع

# أو أنها مجاز عن المجازاة أي فجازاكم الله تعالى بما عصيتم { غما
~~بغم } أي كربا بكرب والأكثرون على أنه لا فرق بين الغم والحزن،
~~والباء إما للمصاحبة والظرف مستقر أي جازاكم غما متصلا بغم؛ والغم
~~الأول: ما حصل لهم من القتل والجرح وغلبة المشركين عليهم، والغم الثاني:
~~ما حصل لهم من الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وفوت الغنيمة،
~~وإلى هذا ذهب قتادة والربيع. وقيل: الغم الثاني إشراف أبي سفيان وأصحابه
~~عليهم وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصخرة وحكي ذلك عن
~~السدي، وقيل: المراد مجرد التكثير أي جازاكم بغموم كثيرة متصل بعضها
~~ببعض، وإما للسببية والظرف متعلق  بأثابكم  والغم الأول للصحابة رضي
~~الله تعالى عنهم بالقتل نحوه، والغم الثاني للرسول صلى الله عليه وسلم
~~بمخالفة أمره أي أثابكم غما بسبب غم أذقتموه رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم بعصيانكم له ومخالفتكم أمره، وقال الحسن بن علي المغربي: الغم
~~الأول للمشركين بما رأوا من قوة المسلمين على طلبهم وخروجهم إلى حمراء
~~الأسد، والغم الثاني للمؤمنين بما نيل منهم أي فجازاكم بغم أعدائكم
~~المشركين بسبب غم أذاقوه إياكم، وقيل: الباء على هذا للبدل وكلا القولين
~~بعيد، والعطف عليه غير ظاهر وأبعد من ذلك ما روي عن الحسن أن الغم الأول
~~للمؤمنين بما أصابهم يوم أحد، والغم الثاني ms01524 للمشركين بما نالهم يوم بدر،
~~والمعنى فجازاكم غما يوم أحد بالقتل والجرح بسبب غم أذقتموه المشركين
~~يوم بدر كذلك، واعترض عليه بأن ما لحق المشركين يوم بدر من جهة المسلمين
~~إنما يوجب المجازاة بالكرامة دون الغم، وقيل الضمير المستكن في أثابكم
~~للرسول صلى الله عليه وسلم، وأثابكم بمعنى آساكم أي جعلكم أسوة له
~~متساويين في الحزن فاغتم صلى الله عليه وسلم بما نزل عليكم كما اغتممتم
~~بما نزل عليه ولم يثربكم على عصيانكم تسلية لكم وتنفيسا عنكم، واعترض
~~عليه بأنه خلاف الظاهر للزوم التفكيك على تقدير أن يكون العطف على

# صرفكم

# [آل عمران: 152] وعدم ظهور الترتب إلا بتكلف إن كان العطف على {
~~يدعوكم } نعم التعليل عليه بقوله تعالى:

# { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصبكم }
~~ظاهر إذ المعنى آساكم بذلك لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من النصر ولا ما
~~أصابكم من الشدائد، وكذا على ما ذهب إليه المغربي، وأما على الأوجه
~~الأخر فالمعنى لتتمرنوا على الصبر في الشدائد فلا تحزنوا على نفع ما فات
~~أو ضر آت، وإنما احتيج إلى هذا التأويل لأن المجازاة بالغم إنما تكون
~~سببا للحزن لا لعدمه. وقيل: (لا) زائدة والمعنى لكي تأسفوا على ما فاتكم
~~من الظفر والغنيمة وعلى ما أصابكم من الجراح والهزيمة عقوبة لكم،
~~فالتعليل حينئذ ظاهر ولا يخفى أن تأكيد (لا) وتكريرها يبعد القول
~~بزيادتها، وقيل: التعليل على ظاهره و (لا) ليست زائدة والكلام متعلق
~~بقوله تعالى:

# ولقد عفا عنكم

# [آل عمران: 152] أي ولقد عفا الله تعالى عنكم لئلا تحزنوا الخ فإن عفو
~~الله تعالى يذهب كل حزن، ولا يخفى ما فيه، وربما يقال: إن أمر التعليل
~~ظاهر أيضا على ما حكي عن السدي من غير حاجة إلى التأويل ولا القول
~~بزيادة  لا  ويوضح ذلك ما أخرجه ابن جرير عن مجاهد قال: أصاب الناس غم
~~وحزن على ما أصابهم في أصحابهم الذين قتلوا فلما اجتمعوا في الشعب وقف
~~أبو سفيان وأصحابه / بباب الشعب فظن المؤمنون أنهم سوف يميلون عليهم
~~فيقتلونهم أيضا ms01525 فأصابهم حزن أنساهم حزنهم في أصحابهم فذلك قوله تعالى: {
~~فأثبكم غما بغم } الخ، وحديث إن المجازاة بالغم إنما تكون
~~سببا للحزن لا لعدمه غير مسلم على الإطلاق، وأي مانع من أن يكون غم
~~مخصوص سببا لزوال غم آخر مخصوص أيضا بأن يعظم الثاني فينسى الأول
~~فتدبر.

# { والله خبير بما تعملون } عليم بأعمالكم وبما قصدتم بها،
~~وفي «المقصد الأسني»  الخبير  بمعنى العليم لكن العلم إذا أضيف إلى
~~الخفايا الباطنة سمي خبرة وسمي صاحبها خبيرا، وفي ترغيب في الطاعة
~~وترهيب عن المعصية.

### || [3.154]

# { ثم أنزل عليكم } عطف على

# فأثبكم

# [آل عمران: 153] والخطاب للمؤمنين حقا، والمعنى ثم وهب لكم أيها
~~المؤمنون { من بعد الغم } الذي اعتراكم والتصريح بتأخر الإنزال
~~عنه مع دلالة ثم عليه وعلى تراخيه عنه لزيادة البيان، وتذكير عظم المنة {
~~أمنة } مصدر كالمنعة وهو مفعول { أنزل } أي ثم أنزل عليكم أمنا {
~~نعاسا } بدل اشتمال منها، وقيل: عطف بيان، وجوز أن يكون نعاسا
~~منصوبا على المفعولية و أمنة حال منه؛ والمراد ذا أمنة ولا يضر كونها من
~~النكرة لتقدمها أو حال من المخاطبين على تقدير مضاف أي ذوي أمنة، أو على
~~أنه جمع آمن كبار وبررة. وقيل: إن أمنة مفعول له لنعاسا، واعترض بأنه
~~يلزم على ظاهره تقديم معمول المصدر عليه، وإن التزم تقدير فعل أي نعستم
~~أمنة، ورد أنه ليس للفعل موقع حسن، وقيل: إنه مفعول له لأنزل. واعترض
~~بأنه فاسد لاختلال شرطه وهو اتحاد الفاعل إذ فاعل { أنزل } هو الله
~~تعالى وفاعل الأمنة هو المنزل عليهم، ورد بأن الأمنة كما يكون مصدرا لمن
~~وقع به الأمن يكون مصدرا لمن أوقعه، والمراد هنا الثاني كأنه قيل: أنزل
~~عليكم النعاس ليؤمنكم به وحينئذ لا شبهة في اتحاد الفاعل؛ وقرىء بسكون
~~الميم كأنها لوقوعها في زمن يسير مرة من الأمن فلا ينافي كون المقصود
~~مطلق الأمن وتقديم الظرفين على المفعول الصريح للاعتناء بشأن المقدم
~~والتشويق إلى المؤخر، وتخصيص الخوف من بين فنون الغم بالإزالة لأنه المهم
~~عندهم في ذلك المقام، فقد أخرج ابن ms01526 جرير عن السدي أن المشركين انصرفوا
~~يوم أحد بعد الذي كان من أمرهم وأمر المسلمين فواعدوا النبي صلى الله
~~عليه وسلم بدرا من قابل فقال لهم: نعم فتخوف المسلمون أن ينزلوا المدينة
~~فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فقال: انظر فإن رأيتهم قد قعدوا
~~على أثقالهم وجنبوا خيولهم فإن القوم ذاهبون، وإن رأيتهم قد قعدوا على
~~خيولهم وجنبوا أثقالهم فإن القوم ينزلون المدينة فاتقوا الله تعالى
~~واصبروا، ووطنهم على القتال فلما أبصرهم الرسول قعدوا على الأثقال سراعا
~~عجالا نادى بأعلى صوته بذهابهم فلما رأى المؤمنون ذلك صدقوا نبي الله
~~صلى الله عليه وسلم فناموا وبقي أناس من المنافقين يظنون أن القوم
~~يأتونهم فذلك قوله تعالى: { ثم أنزل عليكم } الخ، وعن ابن
~~عباس في الآية قال: آمنهم الله تعالى يومئذ بنعاس غشاهم، وإنما ينعس من
~~يأمن والخائف لا ينام. وأخرج خلق كثير عن أنس أن أبا طلحة قال غشينا
~~النعاس يوم أحد ونحن في مصافنا وكنت ممن غشيه النعاس يومئذ فجعل سيفي
~~يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه، وفي رواية أخرى عنه أنه قال: رفعت رأسي
~~يوم أحد فجعلت أنظر وما منهم من أحد إلا وهو يميد تحت حجفته  أي ترسه 
~~من النعاس، وعن الزبير بن العوام مثله قيل: وهذه عادة الله تعالى مع
~~المؤمنين جعل النعاس في الحرب علامة للظفر وقد وقع كذلك لعلي كرم الله
~~تعالى وجهه في صفين وهو من الواردات الرحمانية والسكينة الآلهية.

# { يغشى طائفة منكم } قال ابن عباس: هم المهاجرون / وعامة
~~الأنصار، وفيه إشعار بأنه لم يغش الكل ولا يقدح ذلك في عموم الإنزال
~~للكل، والجملة في موضع نصب على أنها صفة  لنعاسا  وقرأ حمزة والكسائي
~~ تغشى  بالتاء الفوقانية على أن الضمير  للأمنة . والظاهر أن الجملة
~~حينئذ مستأنفة وقعت جوابا لسؤال تقديره ما حكم هذه الأمنة؟ فأجيب بأنها
~~تغشى طائفة، وقيل: إنها في موضع الصفة لأمنة، واعترض بأن الصفة حقها أن
~~تتقدم على البدل وعطف البيان وأن لا يفصل بينها وبين الموصوف بالمفعول له ms01527
~~وأن المعهود أن يحدث عن البدل دون المبدل منه.

# { وطائفة } وهم المنافقون. { قد أهمتهم أنفسهم } أي
~~جعلتهم ذوي هم وأوقعتهم فيه أو ما يهمهم إلا أنفسهم لا النبي صلى الله
~~عليه وسلم ولا غيره من أهمه بمعنى جعله مهما له ومقصودا والحصر مستفاد
~~من المقام، وذكر بعضهم أن العرب تطلق هذا اللفظ على الخائف الذي شغله هم
~~نفسه عن غيره، و { طائفة } مبتدأ وجملة { قد أهمتهم } الخ
~~خبره، وجاز ذلك مع كونها نكرة لوقوعها بعد واو الحال كما في قوله:

# سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا

# محياك أخفى ضوء كل شارق

# أو لوقوعها موقع التفصيل كما في قوله:

# إذا مت كان الناس صنفان شامت

# وآخر مثن بالذي أنا صانع

# وجوز أن تكون الجملة نعتا لها والخبر حينئذ محذوف أي ومعكم، أو وهناك
~~طائفة وتقدير  ومنكم طائفة  يقتضي أن يكون المنافقون داخلين في الخطاب
~~بإنزال الأمنة وأيا ما كان فالجملة إما حالية مبينة لفظاعة الهول مؤكدة
~~لعظم النعمة في الخلاص عنه، وإما مستأنفة مسوقة لبيان حال المنافقين
~~فالواو إما حالية وإما استئنافية وكونها بمعنى إذ ليس بشيء كما نص عليه
~~أبو البقاء.

# { يظنون بالله غير الحق } في موضع الحال من ضمير {
~~أهمتهم } لا من { طائفة } وإن تخصصت لما في مجيء الحال من
~~المبتدأ من المقال، وجوز أن تكون صفة بعد صفة لطائفة، أو خبرا بعد خبر،
~~أو هي الخبر و { قد أهمتهم } صفة أو مستأنفة مبينة لما قبلها
~~وغير منصوب على المصدرية المؤكدة لأنه مضاف إلى مصدر محذوف وهو بحسب ما
~~يضاف إليه أي غير الظن الحق وهو الذي يحق أن يظن به تعالى، وقال بعضهم:
~~إنه مفعول مطلق نوعي، وقوله تعالى: { ظن الجهلية } بدل مما
~~قبله.

# وقال ابن الحاجب: { غير الحق } و { ظن } مصدران أحدهما للتشبيه
~~والآخر تأكيد لغيره أي يقولون غير الحق ومفعولا { يظنون } محذوفان
~~أي يظنون أن إخلاف وعده سبحانه حاصل، وأبو البقاء يجعل { غير الحق
~~} مفعولا أولا أي أمرا غير الحق، و { بالله } في موضع المفعول
~~الثاني ms01528 وإضافة { ظن } إلى الجاهلية، قيل: إما من إضافة الموصوف إلى
~~مصدر صفته ومعناها الاختصاص بالجاهلية كرجل صدق وحاتم الجود فهي على معنى
~~اللام أي المختص بالصدق والجود فالياء مصدرية والتاء للتأنيث اللازم له،
~~وإما من إضافة المصدر إلى الفاعل على حذف المضاف أي ظن أهل الجاهلية أي
~~الشرك والجهل بالله تعالى وهي اختصاصية حقيقية أيضا.

# { يقولون هل لنا من الأمر من شىء } أي يقول بعضهم
~~لبعض على سبيل الإنكار: هل لنا من النصر والفتح والظفر نصيب أي ليس لنا
~~من ذلك شيء لأن الله سبحانه وتعالى لا ينصر محمدا صلى الله عليه وسلم،
~~أو يقول / الحاضرون منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم على صورة
~~الاسترشاد: هل لنا من أمر الله تعالى ووعده بالنصر شيء، واختاره بعض
~~المحققين. والجملة قيل: إما حال أو خبر إثر خبر أو صفة إثر صفة أو
~~مستأنفة مبينة لما قبلها، أو بدل من { يظنون } وهو بدل الكل بحسب
~~الصدق، وبدل الاشتمال بحسب المفهوم، واستشكل بأن قوله: { يقولون هل
~~لنا } الخ تفسير { ليظنون } وترجمة له والاستفهام لا يكون ترجمة للخبر
~~كما لا يصح أن تقول: أخبرني زيد قال: لا تذهب أو أمرني قال: لا تضرب، أو
~~نهاني قال: اضرب فإن المطابقة بين الحكاية والمحكي واجبة. وحاصل الإشكال
~~أن متعلق الظن النسبة التصديقية فكيف يقع استفهام ترجمة له؟ وأجيب بأن
~~الاستفهام طلب علم فيما يشك ويظن فجاز أن يكون متعلق الظن وتحقيقه أن
~~الظن أو العلم يتعلق بما يقال في جواب ذلك الاستفهام على ما ذكر في باب
~~تعليق أفعال القلوب باستفهام، ولا يخفى أن هذا إنما هو على تقدير كون
~~الاستفهام حقيقيا، وأما على تقدير كونه إنكاريا فلا إشكال، ولا قيل ولا
~~قال لأنه خبر فيتطابق مع ما قبله في الخبرية، وبعض من جعله إنكاريا ذهب
~~إلى أن المعنى إنا منعنا تدبير أنفسنا وتصريفها باختيارنا فلم يبق لنا من
~~الأمر شيء، وقد قال ذلك عبد الله بن أبي حين أخبره المنافقون بقتل بني
~~الخزرج ثم قال: ms01529 والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل
~~قيل: وظنهم السوء على هذا تصويبهم رأي عبد الله ومن تبعه، وقيل:
~~الاستفهام على ظاهره والمعنى هل يزول عنا هذا القهر فيكون لنا من الأمر
~~شيء، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر، و { من } الثانية سيف خطيب، و { شىء
~~} في موضع رفع على الإبتداء، وفي خبره كما قال أبو البقاء: وجهان،
~~أحدهما: { لنا } فمن الأمر حال، والثاني: { من الأمر } فلنا
~~تبيين وبه تتم الفائدة.

# { قل } يا محمد { إن الأمر كله لله } أي إن الشأن
~~والغلبة الحقيقية لحزب الله تعالى، وأوليائه فينصر رسوله صلى الله عليه
~~وسلم وأصحابه ويخذل أعداءه ويقهرهم وكنى بكون الغلبة لله تعالى عن كونها
~~لأوليائه لكونهم من الله سبحانه بمكان، أو أن القضاء أو التدبير له تعالى
~~مخصوص به لا يشاركه فيه غيره فيفعل ما يشاء ويجري الأمور حسبما جرى به
~~القلم في سابق القضاء، وعلى هذا لا كناية في الكلام، وجاء مؤكدا لما أن
~~الكلام الذي وقع هو في مقابلته كذلك.

# واستظهر في «البحر» من هذا الأمر كون الاستفهام فيما تقدمه باقيا على
~~حقيقته إذ لو كان معناه نفي أن يكون لهم شيء من الأمر لم يجابوا بإثبات
~~أن الأمر كله لله اللهم إلا أن يقدر مع جملة النفي جملة ثبوتية ليكون
~~المعنى  ليس لنا من الأمر شيء  بل لغيرنا ممن حملنا على الخروج وأكرهنا
~~عليه فحينئذ يمكن أن يكون ذلك جوابا لهذا المقدر، وفيه أنه لا حاجة إلى
~~هذا التقدير على ذلك التقدير أيضا أما إذا كان مرادهم نفي نصر الله
~~تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ومن معه فواضح لأن في هذا القول إثبات ذلك
~~النصر على أتم وجه، وأما إذا كان مرادهم أنه لم يبق لهم من الأمر شيء حيث
~~منعوا تدبير أنفسهم فلأن في ذلك النفي إشعارا بأن لهم تدبيرا وأنهم لو
~~تركوا وتدبيرهم ما غمزت قناتهم وهذا الإثبات متكفل برد ذلك وإبطاله على
~~وجه سترة عليه كما لا يخفى فلا أرى التقدير على ms01530 ما فيه إلا من ضيق العطن،
~~وقرأ أبو عمرو ويعقوب { كله } بالرفع على الابتداء والجار متعلق
~~بمحذوف وقع خبرا له، والجملة خبر { إن } ، وأما على قراءة النصب فكل
~~توكيد لاسم { إن } و { لله } خبرها. وزعم أبو البقاء أنه يجوز أن
~~يكون { كله } بدلا من { الأمر } وفيه بعد.

# { يخفون فى أنفسهم } أي يضمرون / فيها أو يسرون فيما بينهم {
~~ما لا يبدون لك } أي ما لا يستطيعون إظهاره لك، والجملة إما
~~استئناف أو حال من ضمير { يقولون } وقوله سبحانه: { قل إن
~~الأمر كله لله } اعتراض بين الحال وصاحبها أي يقولون ما يقولون
~~مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر مبطنين الإنكار والتكذيب وهذا ظاهر
~~على الاحتمال الثاني في الآية الأولى، والذاهب إلى حمل الاستفهام فيها
~~على الإنكار يتعين عنده الاستئناف أو يجوز الخبرية ونحوها أيضا على ما
~~مر، والجملة الجوابية اعتراضية في كل حال سوى احتمال الاستئنافية على
~~الصحيح، وأما جعل هذه الجملة حالا من ضمير { قل } والرابط لك فلا يخفى
~~حاله.

# { يقولون } أي في أنفسهم أو خفية لبعضهم إذ لو كان القول جهارا لم
~~يكونوا منافقين، والجملة إما بدل من { يخفون } أو استئناف وقع
~~جوابا عن سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل: ما الذي أخفوه؟ فقيل ذلك، ورجحه
~~بعض المحققين بأنه أكثر فائدة وبأن القول إذا حمل على ظاهره لم يتفاوت
~~القولان لأن قولهم { هل لنا } للمؤمنين ليس في حال قولهم { لو
~~كان لنا } لأصحابهم، وبدل الحال حال، وأنت تعلم أن هذا الأخير مبني
~~على أن القول الأول كان للمؤمنين وقد علمت أنه غير متعين، وقيل: لأنه لا
~~يجتمع قولان من متكلم واحد، وفيه أن زمان الحال المقارن ليس مبنيا على
~~التضييق كما لا يخفى، ومن هنا علل بعض الفضلاء نفي المقارنة بترتب هذا
~~على ما قبله وعدل عن هذا التعليل فان.

# { لو كان لنا من الأمر شىء ما قتلنا ههنا }
~~على معنى لو كان لنا شيء من ذلك كما وعد محمد وادعى أن الأمر لله تعالى
~~ولأوليائه { ما قتلنا } فكأن هذا في ms01531 زعمهم رد لما أجيبوا به
~~أولا، ويحتمل أن يكون المراد لو كان لنا اختيار وتدبير لم نبرح كما كان
~~رأي ابن أبي وأتباعه، ومعنى { ما قتلنا } ما غلبنا لأن القائلين
~~ليسوا ممن قتل لاستحالته، ويحتمل أن يكون الإسناد مجازيا بإسناد ما
~~للبعض للكل، فالمعنى لو كان لنا شيء من ذلك ما قتل من قتل منا في هذه
~~المعركة، ثم لا يخفى أن القول بالترتب يستدعي سبق نزول الآية الجوابية
~~وسماعهم لها حتى يتأتى القول بزعم ردها بهذه الشبهة الفاسدة، والظاهر من
~~الآثار عدم نزولها إذ ذاك، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن
~~هذه الآية فقال: لما قتل من قتل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أتوا
~~عبد الله بن أبي فقالوا له: ما ترى فقال: إنا والله ما نؤامر لو كان
~~لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا. وأخرج ابن إسحق وابن المنذر وابن جرير
~~وخلق كثير عن الزبير رضي الله تعالى عنه قال: لقد رأيتني مع رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علنيا أرسل الله تعالى علينا النوم
~~فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما
~~أسمعه إلا كالحلم: { لو كان لنا من الأمر شىء ما
~~قتلنا ههنا } فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله تعالى { ثم
~~أنزل } إلى { ههنا } وقد يقال: إن هذا القول منهم كالاستدلال على
~~القول الأول وإن كلا القولين وقع منهم ابتداءا وقصه الله تعالى علينا
~~رادا له وهذا ظاهر على تقدير أن يكون الاستفهام إنكاريا وأما على تقدير
~~أن يكون حقيقيا ففيه خفاء فتأمل.

# { قل } يا محمد في جواب ذلك { لو كنتم } أيها المنافقون { فى
~~بيوتكم } ومنازلكم بالمدينة ولم تخرجوا للقتال بجملتكم { لبرز }
~~أي لخرج لسبب من الأسباب الداعية إلى البروز { الذين كتب } في
~~اللوح المحفوظ أو قدر في سابق علم الله تعالى { عليهم القتل }
~~في تلك المعركة { إلى مضاجعهم } أي مصارعهم التي علم الله تعالى
~~وقدر قتلهم فيها ms01532 وقتلوا هناك البتة فإن قضاء الله تعالى لا يرد / وحكمه
~~لا يعقب، وفيه من المبالغة في رد مقالتهم الباطلة ما لا يخفى، وزعم بعض
~~أن الظاهر الأبلغ أن يراد بمن كتب عليهم القتل الكفار القاتلون أي لخرج
~~الذين يقتلون من بين قومهم إلى مضاجع المقتولين ولم ينج أحد منهم مع
~~تحصنهم بالمدينة وتحفظهم في بيوتهم ولا يخفى بعده لما فيه من التفكيك،
~~ولأن الظاهر من { عليهم } أنهم مقتولون لا قاتلون، وقيل: المعنى لو
~~لزمتم منازلكم أيها المنافقون والمرتابون وتخلفتم عن القتال لخرج إلى
~~البراز المؤمنون الذين فرض عليهم القتال صابرين محتسبين فيقتلون ويقتلون،
~~ويؤول إلى قولنا: لو تخلفتم عن القتال لا يتخلف المؤمنون، والمضاجع جمع
~~مضجع فإن كان بمعنى المرقد فهو استعارة للمصرع، وإن كان بمعنى محل امتداد
~~البدن مطلقا للحي والميت فهو حقيقة، وقرىء { كتب } بالبناء للفاعل،
~~ونصب { القتل } و { كتب عليهم القتال } و { لبرز }
~~بالتشديد على البناء للمفعول.

# { وليبتلى الله ما فى صدوركم } أي ليختبر الله تعالى
~~ما في صدوركم بأعمالكم فإنه قد علمه غيبا ويريد أن يعلمه شهادة لتقع
~~المجازاة عليه قاله الزجاج، أو ليعاملكم معاملة المبتلي الممتحن قاله غير
~~واحد، وهو خطاب للمؤمنين واللام للتعليل ومدخولها علة لفعل مقدر قبل
~~معطوف على علل أخرى مطوية للإيذان بكثرتها كأنه قيل فعل ما فعل لمصالح
~~جمة وليبتلي الخ أو لفعل مقدر بعد أي وللابتلاء المذكور فعل ما فعل لا
~~لعدم العناية بشأن أوليائه وأنصار نبيه صلى الله عليه وسلم مثلا. والعطف
~~على هذا عند بعض المحققين على قوله تعالى: { أنزل عليكم } والفصل
~~بينهما مغتفر لأن الفاصل من متعلقات المعطوف عليه لفظا أو معنى، وقيل:
~~إنه لا حذف في الكلام وإنما هو معطوف على قوله تعالى:

# لكيلا تحزنوا

# [آل عمران: 153] أي أثابكم بالغم لأمرين عدم الحزن والابتلاء، واستبعد
~~بأن توسط تلك الأمور محتاج إلى نكتة حينئذ، وهي غير ظاهرة، وأبعد منه بل
~~لا يكاد يقبل العطف على قوله تعالى:

# ليبتليكم

# [آل عمران: 152] أي صرفكم عنهم ليبتليكم وليبتلي ما في ms01533 صدوركم، وجعله
~~بعضهم معطوفا على علة محذوفة وكلتا العلتين { لبرز الذين } كأنه
~~قيل لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم لنفاذ القضاء أو لمصالح جمة
~~وللابتلاء.

# واعترض بأن الذوق السليم يأباه فإن مقتضى المقام بيان حكمة ما وقع
~~يومئذ من الشدة والهول لا بيان حكمة البروز المفروض، وإنما جعل الخطاب
~~للمؤمنين لأنهم المعتد بهم ولأن إظهار حالهم مظهر لغيرهم. وقيل: إنه لهم
~~وللمنافقين أي ليبتلي ما في سرائركم من الإخلاص والنفاق، وقيل: للمنافقين
~~خاصة لأن سوق الآية لهم.

# وظاهر قوله تعالى: { وليمحص ما فى قلوبكم } أي ليخلص ما
~~فيها من الاعتقاد من الوسواس، يرجح الأول: لأن المنافقين لا اعتقاد لهم
~~ليمحص من الوساوس ويخلص منها، ولعل القائلين بكون الخطاب للمنافقين فقط
~~أو مع المؤمنين يفسرون التمحيص بالكشف والتمييز أي ليكشف ما في قلوبكم من
~~مخفيات الأمور أو النفاق ويميزها، إلا أن حمل التمحيص على هذا المعنى
~~يجعل هذه الجملة كالتأكيد لما قبلها وإنما عبر بالقلوب هنا كما قيل: لأن
~~التمحيص متعلق بالاعتقاد على ما أشرنا إليه وقد شاع استعمال القلب مع ذلك
~~فيقال: اعتقد بقلبه ولا تكاد تسمعهم يقولون اعتقد بصدره أو آمن بصدره،
~~وفي القرآن

# أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان

# [المجادلة: 22] وليس فيه كتب في صدورهم الإيمان، نعم يذكر الصدر مع
~~الإسلام كما في قوله تعالى:

# أفمن شرح الله صدره للإسلم

# [الزمر: 22] ومن هنا قال بعض السادات: القلب مقر الإيمان، والصدر محل
~~الإسلام، والفؤاد مشرق المشاهدة، واللب مقام التوحيد الحقيقي، ولعل الآية
~~على هذا تؤول إلى قولنا ليبتلي إسلامكم وليمحص إيمانكم، وربما يقال / عبر
~~بذلك مع التعبير فيما قبل بالصدور للتفنن بناءا على أن المراد بالجمعين
~~واحد.

# { والله عليم بذات الصدور } أي بما في القلوب التي في
~~الصدور من الضمائر الخفية ووصفت بذلك لأنها لتمكنها من الصدور جعلت كأنها
~~مالكة لها فذات بمعنى صاحبة لا بمعنى ذات الشيء ونفسه، وفي الآية وعد
~~ووعيد أو أحدهما فقط على الخلاف في الخطاب وفيها تنبيه على أن الله تعالى
~~غني عن الابتلاء ms01534 وإنما يبرز صورة الابتلاء لحكم يعلمها كتمرين المؤمنين
~~أو إظهار حال المنافقين، واختار الصدور ههنا لأن الابتلاء الغني عنه
~~سبحانه كان متعلقا بما فيها والتمحيص على المعنى الأول تصفية وتطهير
~~وليس ذلك مما تشعر به هذه الجملة بأنه سبحانه غني عنه وإنما فعله لحكمة،
~~نعم إذا أريد به الكشف والتمييز يصح أن يقال: إن هذه الجملة مشعرة بأنه
~~تعالى غني أيضا. ومن هنا جوز بعض المحققين كونها حالا من متعلق
~~الفعلين أي فعل ما فعل للابتلاء والكشف، والحال أنه تعالى غني عنهما محيط
~~بخفيات الأمور إلا أنه لا يظهر حينئذ سر التعبير عن الأسرار والخفيات
~~بذات الصدور دون ذات القلوب مع أن التعبير الثاني أولى بها لأن القلوب
~~محلها بلا واسطة ومحلية الصدور لها بحسب الظاهر بواسطة القلوب اللهم إلا
~~أن يقال: إن ذات الصدور بمعنى الأشياء التي لا تكاد تفارق الصدور لكونها
~~حالة فيها بل تلازمها وتصاحبها أشمل من ذات القلوب لصدق الأولى على
~~الأسرار التي في القلوب وعلى القلوب أنفسها لأن كلا من هذين الأمرين
~~ملازم للصدور باعتبار كونه حالا فيها دون الثانية لأنك لا تصدق إلا على
~~الأسرار لأنها الحالة فيها دون الصدور فحينئذ يمكن أن يراد من ذات
~~الصدور هذا المعنى الشامل ويكون التعبير بها لذلك.

### || [3.155]

# { إن الذين تولوا } الدبر عن المشركين بأحد { منكم }
~~أيها المسلمون، أو إن الذين هربوا منكم إلى المدينة { يوم التقى
~~الجمعان } وهما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع أبي سفيان.
~~{ إنما استزلهم الشيطن } أي طلب منهم الزلل ودعاهم
~~إليه { ببعض ما كسبوا } من ذنوبهم يعني إن الذين تولوا كان
~~السبب في توليتهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان فاقترفوا ذنوبا فمنعوا من
~~التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا، وعلى هذا لا يكون الزلل هو التولي بل
~~الذنوب المفضية إليه، وجوز أن يكون الزلل الذي أوقعهم الشيطان فيه ودعاهم
~~إليه هو التولي نفسه، وحينئذ يراد ببعض ما كسبوا إما الذنوب السابقة 
~~ومعنى السببية  انجرارها إليه لأن الذنب يجر الذنب كما أن الطاعة ms01535 تجر
~~الطاعة، وإما قبول ما زين لهم الشيطان من الهزيمة وهو المروي عن الحسن،
~~وإما مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم بالثبات في المركز فجرهم ذلك إلى
~~الهزيمة، وإما الذنوب السابقة لا بطريق الانجرار بل لكراهة الجهاد معها
~~فقد قال الزجاج: إن الشيطان ذكرهم خطايا لهم كرهوا لقاء الله تعالى معها
~~فأخروا الجهاد وتولوا حتى يصلحوا أمرهم ويجاهدوا على حال مرضية، والتركيب
~~على الوجهين من باب تحقيق الخبر كقوله:

# إن التي ضربت بيتا مهاجرة

# بكوفة الجند غالت ودها غول

# وليس من باب أن الصفة علة للخبر كقوله تعالى:

# إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم
~~جنت النعيم

# [لقمان: 8] لأن { ببعض ما كسبوا } يأباه ويحقق التحقيق، وهو
~~أيضا من باب الترديد للتعليق كقوله:

# صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها

# لو مسها حجر مسته سراء

# لأن { إنما استزلهم } الخ خبر إن وزيد  إن  للتوكيد وطول
~~الكلام، و  ما  لتكفها عن العمل، / وأصل التركيب إن الذين تولوا منكم
~~يوم التقى الجمعان إنما تولوا لأن الشيطان استزلهم ببعض الخ فهو كقولك:
~~إن الذي أكرمك إنما أكرمك لأنك تستحقه، وذكر بعض للإشارة إلى أن في كسبهم
~~ما هو طاعة لا يوجب الاستزلال، أو لأن هذه العقوبة ليست بكل ما كسبوا لأن
~~الكل يستدعي زيادة عليها لكنه تعالى من بالعفو عن كثير

# ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على
~~ظهرها من دابة

# [فاطر: 45].

# { ولقد عفا الله عنهم }. أعاد سبحانه ذكر العفو تأكيدا
~~لطمع المذنبين فيه ومنعا لهم عن اليأس وتحسينا للظنون بأتم وجه، وقد
~~يقال: هذا تأسيس لا تأكيد فتذكر { إن الله غفور } للذنوب
~~صغائرها وكبائرها { حليم } لا يعاجل بعقوبة المذنب، وقد جاءت هذه
~~الجملة كالتعليل للعفو عن هؤلاء المتولين وكانوا أكثر القوم، فقد ذكر أبو
~~القاسم البلخي أنه لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد إلا
~~ثلاثة عشر نفسا خمسة من المهاجرين أبو بكر وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن
~~عوف وسعد بن أبي وقاص، والباقون من الأنصار رضي الله تعالى عنهم أجمعين؛ ms01536
~~ومن مشاهير المنهزمين عثمان ورافع بن المعلى وخارجة بن زيد وأبو حذيفة بن
~~عتبة والوليد بن عقبة وسعد وعقبة ابنا عثمان من الأنصار من بني زريق،
~~وروي عن ابن عباس أن الآية نزلت في الثلاثة الأول، وعن غيره غير ذلك ولم
~~يوجد في الآثار تصريح بأكثر من هؤلاء، ولعل الاقتصار عليهم لأنهم بالغوا
~~في الفرار ولم يرجعوا إلا بعد مضي وقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~حتى أن منهم من لم يرجع إلا بعد ثلاث، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم قال: لقد ذهبتم بها عريضة، وأما سائر المنهزمين فقد اجتمعوا في ذلك
~~اليوم على الجبل، وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان من هذا الصنف
~~كما في خبر ابن جرير خلافا للشيعة وبفرض التسليم لا تعيير بعد عفو الله
~~تعالى عن الجميع، ونحن لا ندعي العصمة في الصحابة رضي الله تعالى عنهم
~~ولا نشترطها في الخلافة.

### || [3.156]

# { يأيها الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين كفروا
~~} وهم المنافقون كعبد الله بن أبي وأصحابه قاله السدي ومجاهد  وإنما
~~ذكر في صدر الجملة كفرهم تصريحا بمباينة حالهم لحال المؤمنين وتنفيرا
~~عن مماثلتهم وهم هم، وفيه دليل على أن الإيمان ليس عبارة عن مجرد الإقرار
~~باللسان  كما يقوله الكرامية  وإلا لما سمي المنافق كافرا، وقيل:
~~المراد بالذين كفروا سائر الكفار على العموم أي لا تكونوا كالكفرة في نفس
~~الأمر { وقالوا لإخونهم } في المذهب أو النسب، واللام تعليلية
~~أي قالوا لأجلهم، وجعلها ابن الحاجب بمعنى عن، ولا يجوز أن يكون المراد
~~مخاطبة الإخوان كما هو المتبادر لدلالة ما بعد على أنهم كانوا غائبين
~~حين هذا القول، وقول بعضهم: يصح أن يكون جعل القول لإخوانهم باعتبار
~~البعض الحاضرين والضرب الآتي لضرب آخر تكلف لا حاجة إليه سوى كثرة
~~الفضول.

# { إذا ضربوا فى الأرض } أي سافروا فيها لتجارة، أو طلب معاش
~~فماتوا  قاله السدي  وأصل الضرب إيقاع شيء على شيء، واستعمل في السير
~~لما فيه من ضرب الأرض بالرجل، ثم صار حقيقة ms01537 فيه، وقيل: أصل الضرب في
~~الأرض الإبعاد في السير وهو ممنوع وخص الأرض بالذكر لأن أكثر أسفارهم كان
~~في البر، وقيل: اكتفى بذكر الأرض مرادا بها البر عن ذكر البحر، وقيل:
~~المراد من الأرض ما يشمل البر والبحر وليس بالبعيد، وجىء  بإذا  وحق
~~الكلام إذ كما قالوا لقالوا الدال بهيئته على الزمان المنافي للزمان
~~الدالة عليه / { إذا } مراعاة لحكاية الحال الماضية، ومعنى ذلك أن تقدر
~~نفسك كأنك موجود في ذلك الزمان الماضي أو تقدر ذلك الزمان كأنه موجود
~~الآن وهذا كقولك: قالوا ذلك حين يضربون والمعنى حين ضربوا إلا أنك جئت
~~بلفظ المضارع استحضارا لصورة ضربهم في الأرض، واعترض بوجهين: الأول: أن
~~حكاية الحال إنما تكون حيث يؤتى بصيغة الحال وهذه صيغة استقبال لأن معنى
~~{ إذا ضربوا } حين يضربون فيما يستقبل، الثاني: أن قولهم: لو كانوا
~~عندنا إنما هو بعد موتهم فكيف يتقيد بالضرب في الأرض. وأجيب عن الأول:
~~بأن { إذا ضربوا } في معنى الاستمرار كما في

# وإذا لقوا الذين ءامنوا

# [البقرة: 14] فيفسد الاستحضار نظرا للحال، وعن الثاني: بأن { قالوا
~~لإخونهم } في موقع جزاء الشرط من جهة المعنى فيكون المعنى لا
~~تكونوا كالذين كفروا، وإذا ضرب إخوانهم فماتوا أو كانوا غزا فقتلوا قالوا
~~لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فالضرب والقتل كلاهما في معنى
~~الاستقبال، وتقييد القول بالضرب إنما هو باعتبار الجزء الأخير وهو الموت،
~~والقتل فإنه وإن لم يذكر لفظا لدلالة ما في القول عليه فهو مراد معنى
~~والمعتبر المقارنة عرفا كما في قوله تعالى:

# فإذا أفضتم من عرفت فاذكروا الله عند
~~المشعر الحرام

# [البقرة: 198] وكقولك إذا طلع هلال المحرم: أتيتك في منتصفه. وقال
~~الزجاج: { إذا } هنا تنوب عما مضى من الزمان وما يستقبل يعني أنها
~~لمجرد الوقت أو لقصد الاستمرار والذي يقتضيه النظر الصائب أن لا يجعل {
~~إذا ضربوا } ظرفا لقالوا بل ظرف لما يحصل للأخوان حين يقال
~~لأجلهم وفي حقهم ذلك كأنه قيل: قالوا لأجل الأحوال العارضة للأخوان إذا
~~ضربوا بمعنى حين كانوا يضربون قاله العلامة ms01538 الثاني، وأنت تعلم أن تجريد {
~~إذا } عن معنى الاستقبال وجعلها بمعنى الوقت مطلقا كاف في توجيه الآية
~~مزيل لإشكالها، وقصد الاستمرار منها لا يدفع الاعتراض عن ذلك التوجيه
~~لأنها إذا كانت للاستمرار تشمل الماضي فلا تكون لحكاية الحال وكذا إذا
~~كان قالوا جوابا إذ يصير مستقبلا فلا تتأتى فيه الحكاية المذكورة أيضا
~~ويرد على ما اقتضاه النظر الصائب أن دون إثبات صحة مثله في العربية خرط
~~القتاد، وأقعد منه  وإن كان بعيدا  ما قاله أبو حيان من أنه ((يمكن
~~إقرار { إذا } على [ما استقر لها من] الاستقبال بأن يقدر العامل فيها
~~مضاف مستقبل [محذوف] على أن ضمير { لو كانوا } عائدا على إخوانهم
~~لفظا (لا) معنى على حد عندي درهم ونصفه، والتقدير وقالوا مخافة هلاك
~~إخوانهم إذا ضربوا أو كانوا غزا لو كانوا أي إخواننا الآخرون الذين تقدم
~~موتهم وقتلهم عندنا ما ماتوا وما قتلوا فتكون هذه المقالة تثبيطا
~~لإخوانهم الباقين عن السفر والغزو لئلا يصيبهم ما أصاب الأولين)) وإنما
~~لم يحملوا { إذا } هنا على الحال كما قيل بحملها عليه بعد القسم نحو

# واليل إذا يغشى

# [الليل: 1] لتصفو لهم دعوى حكاية الحال عن الكدر لأن ذلك غير مسلم عند
~~المحققين هناك فقد صححوا فيه بقاءها على الاستقبال من غير محذور، وجوز في
~~الآية كون قالوا بمعنى يقولون؛ وقد جاء في كلامهم استعمال الماضي بمعنى
~~المستقبل ومنه قوله:

# وإني لآتيكم تشكر ما مضى

# من الأمر واستيجاب ما كان في غد

# وكذا جوز بقاؤه على معناه وحمل { إذا } على الماضي فإنها تجىء له كما
~~جاءت إذ للمستقبل في قول البعض وذلك كقوله تعالى:

# وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها

# [الجمعة: 11]، وقوله:

# وندمان يزيد الكاس طيبا

# سقيت إذا تغورت النجوم

# وحينئذ لا منافاة بين زماني القيد والمقيد فتدبر ذلك كله.

# والجملة المعينة لوجه الشبه والمماثلة التي نهوا عنها هي الجملة
~~المعطوفة على جملة الصلة والمعنى لا تتشبهوا بالكفار في قولهم لإخوانهم
~~إذا سافروا { أو كانوا غزى } / جمع غاز كعاف وعفى وهو من نوادر ms01539
~~الجمع في المعتل، واستشهد عليه بعضهم بقول امرىء القيس:

# ومغبرة الآفاق خاشعة الصوى

# لها قلب (عفى) الحياض أجون

# ويجمع على غزاة كقاض وقضاة، وعلى غزى مثل حاج وحجيج وقاطن وقطين، وعلى
~~غزاء مثل فاسق وفساق، وأنشدوا له قول تأبط شرا:

# فيوما (بغزاء) ويوما بسرية

# ويوما بخشخاش من الرجل هيضل

# وعلى غازون مثل ضارب وضاربون، وهو منصوب بفتحة مقدرة على الألف المنقلبة
~~عن الواو المحذوفة لالتقاء الساكنين إذ أصله غزوا تحركت الواو وانفتح ما
~~قبلها فقلبت ألفا ثم حذفت، وقرىء بتخفيف الزاي قال أبو البقاء: وفيه
~~وجهان، الأول: أن أصله غزاة فحذفت الهاء تخفيفا لأن التاء دليل الجمع،
~~وقد حصل من نفس الصيغة. والثاني: إنه أريد قراءة الجمهور فحذفت إحدى
~~الزاءين كراهية التضعيف وذكر هذا الشق مع دخوله فيما قبله لأنه المقصود
~~في المقام وما قبله توطئة له على أنه قيل: قد يوجد بدون الضرب في الأرض
~~بناءا على أن المراد به السفر البعيد فبين الضرب على هذا وكونهم غزاة
~~عموم من وجه وإنما لم يقل أو غزوا للإيذان باستمرار اتصافهم بعنوان
~~كونهم غزاة أو لانقضاء ذلك أي كانوا غزاة فيما مضى.

# { لو كانوا } مقيمين { عندنا } بأن لم يسافروا أو يغزوا { ما
~~ماتوا وما قتلوا } بل كانوا يبقون زيادة على ما بقوا، والجملة
~~الامتناعية في محل النصب مفعول لقالوا ودليل على أن في الكلام السابق
~~مضمرا قد حذف أي إذا ضربوا في الأرض فماتوا { أو كانوا غزى }
~~فقتلوا، وتقدير فماتوا أو قتلوا في كل من الشقين خلاف الظاهر {
~~ليجعل الله ذلك حسرة فى قلوبهم } متعلق بقالوا داخل
~~في حيز الصلة ومن جملة المشبه به، والإشارة إلى القول لكن باعتبار ما فيه
~~من الاعتقاد واللام لام العاقبة والمعنى لا تكونوا مثلهم في القول الباطل
~~والمعتقد الفاسد المؤديين إلى الحسرة والندامة والدمار في العاقبة، وإلى
~~هذا يشير كلام الزجاج وأبي علي، وقيل: متعلق  بلا تكونوا  على أنه علة
~~للنهي فهو خارج عن جملة المشبه به لكن القول والمعتقد داخلان فيه أي لا
~~تكونوا ms01540 مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعل انتفاء كونكم معهم في
~~ذلك القول والاعتقاد حسرة في قلوبهم خاصة، واعترضه أبو حيان ((بأنه قول
~~لا تحقيق فيه لأن جعل الحسرة لا يكون سببا للنهي إنما يكون سببا لحصول
~~امتثال النهي وهو انتفاء المماثلة فحصول ذلك الانتفاء والمخالفة فيما
~~يقولون ويعتقدون يحصل عنه ما يغيظهم ويغمهم إذ لم يوافقوهم فيما قالوه
~~واعتقدوه (فيترك الضرب في الأرض والغزو)، وكأن القائل التبس عليه استدعاء
~~انتفاء المماثلة بحصول الانتفاء وفهم هذا فيه خفاء ودقة)).

# وتعقبه السفاقسي بأنه يلزم على هذا الاعتراض أن لا يجوز نحو لا تعص
~~لتدخل الجنة لأن النهي ليس سببا لدخول الجنة، وكذا لا يجوز أطع الله
~~تعالى لتدخل الجنة لأن الأمر ليس سببا لدخولها، ثم قال: والحق أن اللام
~~تتعلق بالفعل المنهي عنه والمأمور به على معنى أن الكف عن الفعل أو الفعل
~~المأمور به سبب لدخول الجنة ونحوه وهذا لا إشكال فيه، وقيل: متعلق  بلا
~~تكونوا  والإشارة إلى ما دل عليه النهي والكل خارج عن المشبه به والمعنى
~~لا تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم وعلى هذا
~~يكون وقالوا ابتداء كلام معطوفا على مقدرات شتى كما يقتضيه أقوال
~~المنافقين وأحوالهم وأفعالهم، ووجه اتصاله بما قبله أنه لما وقع التنبيه
~~على عدم الكون مثلهم عم جميع ما يتصل بهم من الرذائل وخص المذكور لكونه
~~أشنع وأبين لنفاقهم أي أنهم أعداء الدين / لم يقصروا في المضارة والمضادة
~~بل فعلوا كيت وكيت وقالوا كذا وكذا، ومن هذا يعلم ما في تلك المقدرات،
~~وعلى كل من الأوجه الثلاثة يكون الضمير المجرور في قلوبهم عائدا إلى
~~الكافرين، وذكر القلوب مع أن الحسرة لا تكون إلا فيها لإرادة التمكن
~~والإيذان بعدم الزوال.

# وجوز ابن تمجيد رجوع الضمير إلى المؤمنين واللام متعلقة  بقالوا 
~~حينئذ لا غير، ووجه الآية بما يقضي منه العجب.

# { والله يحيى ويميت } رد لقولهم الباطل إثر بيان غائلته أي
~~والله هو المؤثر الحقيقي في الحياة والممات وحده لا الإقامة أو ms01541 السفر
~~فإنه تعالى قد يحيي المسافر والغازي مع اقتحامهما موارد الحتوف ويميت
~~المقيم والقاعد وإن كانا تحت ظلال النعيم، وليس المراد أنه تعالى يوجد
~~الحياة والممات وإن كان هو الظاهر لأن الكلام ليس فيه ولا يحصل به الرد
~~وإنما الكلام في إحداث ما يؤثرهما، وقيل: المراد أنه تعالى يحيي ويميت
~~في السفر والحضر عند حضور الأجل ولا مؤخر لما قدم ولا مقدم لما أخر، ولا
~~راد لما قضى ولا محيص عما قدر، وفيه منع المؤمنين عن التخلف في الجهاد
~~لخشية القتل والواو للحال فلا يرد أنه لا يصح عطف الإخبار على الإنشاء.

# { والله بما تعملون بصير } ترغيب في الطاعة وترهيب عن
~~المعصية أو تهديد للمؤمنين على أن يماثلوا الكفار لأن رؤية الله تعالى
~~كعلمه تستعمل في القرآن للمجازاة على المرئي كالمعلوم، والمؤمنون وإن لم
~~يماثلوهم فيما ذكر لكن ندمهم على الخروج من المدينة يقتضيه، وقرأ ابن
~~كثير وأهل الكوفة  غير عاصم  يعملون بالياء، وضمير الجمع حينئذ
~~للكفار، والعمل عام متناول للقول المذكور ولمنشئه الذي هو الاعتقاد
~~الفاسد ولما ترتب على ذلك من الأعمال ولذلك تعرض لعنوان البصر لا لعنوان
~~السمع؛ وإظهار الاسم الجليل لما مر غير مرة وكذا تقديم الظرف.

# هذا ومن باب الإشارة: { وكأين }  وكم { من نبى } مرتفع القدر
~~جليل الشأن وهو في الأنفس الروح القدسية { قاتل معه } عدو الله
~~تعالى أعني النفس الأمارة { ربيون } متخلقون بأخلاق الرب وهم القوى
~~الروحانية { فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله }
~~وطريق الوصول إليه من تعب المجاهدات { وما ضعفوا } في طلب الحق {
~~وما استكانوا } وما خضعوا للسوي

# والله يحب الصابرين

# [آل عمران: 146] على مقاساة الشدائد في جهاد النفس { وما كان
~~قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا } استر
~~لنا وجوداتنا بإفاضة أنوار الوجود الحقيقي علينا { وإسرافنا فى
~~أمرنا } أي تجاوزنا حدود ظاهر الشريعة عند صدمات التجليات { وثبت
~~أقدامنا } في مواطن حروب أنفسنا { وانصرنا } بتأييدك وإمدادك

# على القوم الكفرين

# [آل عمران: 147] الساترين لربوبيتك { فآتهم الله } بسبب
~~دعائهم بألسنة الاستعدادات والانقطاع إليه تعالى ms01542 { ثواب الدنيا }
~~وهو مرتبة توحيد الأفعال وتوحيد الصفات { وحسن ثواب الأخرة }
~~وهو مقام توحيد الذات

# والله يحب المحسنين

# [آل عمران: 148] في الطلب الذين لا يلتفتون إلى الأغيار { يأيها
~~الذين آمنوا } الإيمان الحقيقي { إن تطيعوا الذين
~~كفروا } وهم النفوس الكافرة وصفاتها { يردوكم على
~~أعقبكم } إلى أسفل سافلين وهو سجين البهيمية { فتنقلبوا }
~~ترجعوا القهقرى

# خسرين

# [آل عمران: 149] أنفسكم { بل الله مولكم } ناصركم

# وهو خير الناصرين

# [آل عمران: 150] لمن عول عليه وقطع نظره عمن سواه { سنلقى فى
~~قلوب الذين كفروا الرعب } أي الخوف { بما أشركوا }
~~أي بسبب إشراكهم { بالله ما لم ينزل به } أي بوجوده {
~~سلطنا } أي حجة إذ لا حجة على وجوده حتى ينزلها لتحقق عدمه بحسب
~~ذاته، وجعل سبحانه إلقاء الرعب في قلوبهم مسببا عن شركهم / لأن الشجاعة
~~وسائر الفضائل اعتدالات في قوى النفس عند تنورها بنور القلب المنور بنور
~~التوحيد فلا تكون تامة حقيقية إلا للموحد الموقن، وأما المشرك فمحجوب عن
~~منبع القوة بما أشرك ما لا وجود ولا ذات في الحقيقة له فهو ضعيف عاذ
~~بقرملة { ومأواهم النار } وهي نار الحرمان

# وبئس مثوى الظالمين

# [آل عمران: 151] الذين وضعوا الشيء في غير موضعه وعبدوا أسماء سموها ما
~~أنزل الله تعالى بها من كتاب { ولقد صدقكم الله وعده }
~~المشروط بالصبر والتقوى { إذ تحسونهم } أي تقتلون جنود الصفات
~~البشرية قتلا ذريعا { بإذنه } وأمره لا على وفق الطبع { حتى
~~إذا فشلتم } جبنتم عند تجلي الجلال { وتنزعتم فى
~~الأمر } وخالفتم في أمر الطلب { وعصيتم } المرشد المربي { من
~~بعد ما أركم ما تحبون } من الفوز بأنوار الحضرة { منكم
~~من يريد الدنيا } لقصور همته وضعف رأيه { ومنكم من يريد
~~الأخرة } لطول باعه وقوة عقله { ثم صرفكم عنهم } أي عن
~~أعداء نفوسكم وجنودها { ليبتليكم } أي يمتحنكم بالستر بعد التجلي
~~بأنوار المشاهدات والصحو بعد السكر بأقداح الواردات والفطام بعد إرضاع
~~ألبان الملاطفات كما يقتضي ذلك الجلال { ولقد عفا عنكم } بعد
~~ذلك فانقطعتم إليه كما هو مقتضى الجمال { والله ذو فضل } عظيم

# على المؤمنين

# [آل عمران: 152]، في طوري التقريب ms01543 والإبعاد، وما ألطف قول من قال:

# فقسا ليزدجروا ومن يك حازما

# فليقس أحيانا على من يرحم

# { إذ تصعدون } في جبل التوجه إلى الحق { ولا تلوون } أي لا
~~تلتفتون { على أحد } من الأمرين الدنيا والآخرة { والرسول }
~~أي رسول الواردات { يدعوكم } إلي عباد الله إلي عباد الله {
~~فأثبكم غما بغم } فجازاكم بدل غم الدنيا والآخرة بغم طلب
~~الحق { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } من زخارف الدنيا {
~~ولا ما أصابكم } من صدمات تجلي القهر

# والله خبير بما تعملون

# [آل عمران: 153] لأنه سبحانه أقرب إليكم منكم { ثم أنزل
~~عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا } أي واردا من ألطافه
~~ظهر في صورة النعاس وهو السكينة الرحمانية { يغشى طائفة منكم
~~} وهم الصادقون في الطلب { وطائفة قد أهمتهم أنفسهم
~~} وهم أرباب النفوس فإنهم لا هم لهم سوى حظ نفوسهم واستيفاء لذاتها {
~~يظنون بالله غير الحق } بمقتضى سوء استعدادهم {
~~يقولون هل لنا من الأمر من شىء } أي إن الخلق حالوا
~~بيننا وبين التدبير ولو لم يحولوا لفعلنا ما به صلاحنا { قل إن
~~الأمر كله لله } فهو المتصرف وحده حسبما يقتضيه الاستعداد فلا
~~تدبير مع تدبيره ولا وجود لأحد سواه { يخفون فى أنفسهم }
~~الخبيثة { ما لا يبدون } بزعمهم لك أيها المرشد الكامل {
~~يقولون لو كان لنا من الأمر شىء ما قتلنا } بسيف
~~الشهوات { ههنا } أي في هذه النشأة { قل لو كنتم فى
~~بيوتكم } وهي منازل العدم الأصلي قبل ظهور هذه التعينات { لبرز
~~} على حسب العلم { الذين كتب عليهم القتل } في لوح الأزل

# إلى مضاجعهم

# [آل عمران: 154] وهي بيداء الشهوات، فقد قال سبحانه:

# ما أصاب من مصيبة فى الأرض ولا فى أنفسكم إلا
~~فى كتب من قبل أن نبرأها

# [الحديد: 22] أي نظهرها بهذا التعين، وإنما فعل سبحانه ما فعل لحكم شتى
~~{ وليبتلي الله } تعالى { ما فى صدوركم } أي ليمتحن ما
~~في استعدادكم من الصدق والإخلاص والتوكل ونحو ذلك من الأخلاق ويخرجها من
~~القوة إلى الفعل { وليمحص ما فى قلوبكم } أي يخلص ما برز من
~~مكمن الصدر إلى مخزن القلب من ms01544 غش الوساوس وخواطر النفس فإن البلاء سوط
~~يسوق الله تعالى به عباده إليه، ولهذا ورد

# " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل "

# ولله تعالى در من قال:

# لله در النائبات فإنها

# صدأ اللئام وصيقل الأحرار

# ما كنت إلا زبرة فطبعنني

# سيفا وأطلع صرفهن غراري

# / وذلك لأنهم حينئذ ينقطعون إلى الحق ولا يظهر على كل منهم إلا ما في
~~مكمن استعداده كما قيل: عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، والخطاب في كلا
~~الموضعين للمؤمنين، وقيل: إن الخطاب الأول: للمنافقين، والثاني: للمؤمنين
~~وأنه سبحانه إنما خص الصدور بالأولين لأن الصدر معدن الغل والوسوسة فهو
~~أوفق بحال المنافقين، وخص القلوب بالآخرين لأن القلب مقر الإيمان
~~والاطمئنان وهو أوفق بحال المؤمنين وأن نسبة الإسلام باللسان إلى الإيمان
~~بالجنان كنسبة الصدر إلى القلب قيل: ولهذا قال سبحانه:

# والله عليم بذات الصدور

# [آل عمران: 154] بناءا على أن المراد به الترهيب والتحذير عن الاتصال
~~بما لا يرضى من تلك الصفات التي يكون الصدر مكمنا لها { إن الذين
~~تولوا منكم يوم التقى الجمعان } جمع الروح وقواها
~~وجمع النفس وقواها { إنما استزلهم الشيطن ببعض ما
~~كسبوا } من الذنوب لأنها تورث الظلمة والشيطان لا مجال له على ابن
~~آدم بالتزيين والوسوسة إلا إذا وجد ظلمة في القلب، ولك أن تبقي الجمعين
~~على ظاهرهما وباقي الإشارة بحاله { ولقد عفا الله عنهم }
~~حين استنارت قلوبهم بنور الندم والتوبة

# أن الله غفور حليم

# [آل عمران: 155] وبمقتضى ذلك ظهرت المخالفات وأردفت بالتوبة ليكون ذلك
~~مرآة لظهور صفات الله تعالى. ومن هنا جاء

# " لو لم تذنبوا لأتى الله تعالى بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم "

# وحكي أن إبراهيم بن أدهم رضي الله تعالى عنه أكثر ليلة في الطواف من
~~قوله: اللهم اعصمني من الذنوب فسمع هاتفا من قلبه يقول يا إبراهيم أنت
~~تسأله العصمة وكل عباده يسألونه العصمة فإذا عصمكم على من يتفضل وعلى من
~~يتكرم { يأيها الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين
~~كفروا } برؤية الأغيار واعتقاد تأثير السوي، { وقالوا } لأجل
~~إخوانهم إذا ضربوا في ms01545 الأرض إذا فارقوهم بترك ما هم عليه وسافروا في أرض
~~نفوسهم وسلكوا سبيل الرشاد { أو كانوا غزى } أي مجاهدين مع أعدى
~~أعدائهم وهي نفوسهم التي بين جنوبهم وقواها وجنودها من الهوى والشيطان {
~~لو كانوا } مقيمين { عندنا } موافقين لنا { ما ماتوا }
~~بمقاساة الرياضة { وما قتلوا } بسيف المجاهدة، ولاستراحوا من هذا
~~النصب { ليجعل الله ذلك } أي عدم الكون مثلهم { حسرة }
~~يوم القيامة { فى قلوبهم } حين يرون ما أعد الله تعالى لكم {
~~والله يحيى } من يشاء بالحياة الأبدية { ويميت } من يشاء بموت
~~الجهل والبعد عن الحضرة { والله بما تعملون بصير } [آل
~~عمران: 156] تحذير عن الميل إلى قول المنكرين واعتقادهم.

### || [3.157]

# { ولئن قتلتم } أيها المؤمنون { فى سبيل الله } أي في
~~الجهاد { أو متم } حتف الأنف وأنتم متلبسون به فعلا أو نية. {
~~لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون } أي
~~الكفار من منافع الدنيا ولذاتها مدة أعمارهم وهذا ترغيب للمؤمنين في
~~الجهاد وأنه مما يجب أن يتنافس فيه المتنافسون، وفيه تعزية لهم وتسلية
~~مما أصابهم في سبيل الله تعالى إثر إبطال ما عسى أن يثبطهم عن إعلاء كلمة
~~الله تعالى، واللام الأولى: هي موطئة للقسم، والثانية: واقعة في جواب
~~القسم، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه ووفائه بمعناه  ومغفرة
~~ مبتدأ و { من } متعلقة بمحذوف وقع صفة لها ووصفت بذلك إظهارا
~~للاعتناء بها، ورمزا إلى تحقق وقوعها، وذهب غير واحد إلى تقدير صفة أخرى
~~أي لمغفرة لكم من الله، وحذفت صفة { رحمة } لدلالة المذكور عليها
~~والتنوين فيهما للتقليل ولا ينافي ذلك ما يشير إليه الوصف، وثبوت أصل
~~الخيرية لما يجمعه الكفار كما يقتضيه أفعل التفضيل إما بناءا على أن
~~الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من الحلال الذي يعد خيرا في نفس الأمر.
~~وإما أن ذلك وارد / على حسب قولهم ومعتقدهم أن تلك الأموال خير، وجوز في
~~ ما  أن تكون موصولة، أو نكرة موصوفة والعائد محذوف، أو مصدرية ويكون
~~المفعول حينئذ محذوفا أي من جمعهم المال، وقرأ نافع وأهل الكوفة  غير
~~عاصم  { متم } بالكسر ووافقهم ms01546 حفص في سائر المواضع إلا ههنا، وقرأ
~~الباقون بضم الميم وهو على الأول: من مات يمات مثل خفتم من خاف يخاف،
~~وعلى الثاني: من مات يموت مثل كنتم من كان يكون، وقرأ حفص عن عاصم {
~~يجمعون } بالياء على صيغة الغيبة، وقرأ الباقون  تجمعون  بالتاء
~~على صيغة الخطاب والضمير للمؤمنين، وقدم القتل على الموت لأنه أكثر
~~ثوابا وأعظم عند الله تعالى، فترتب المغفرة والرحمة عليه أقوى وعكس في
~~قوله سبحانه: { ولئن متم أو قتلتم لإلى الله... }.

### || [3.158]

# لأن الموت أكثر من القتل وهما مستويان في الحشر، والمعنى إنكم بأي سبب
~~اتفق هلاككم تحشرون إلى الله تعالى لا إلى غيره فيجزي كلا منكم كما
~~يستحق فيجازي المحسن على إحسانه والمسىء على إساءته وليس غيره يرجى منه
~~ثواب، أو يتوقع منه دفع عقاب فآثروا ما يقربكم إليه ويجر لكم رضاه من
~~العمل بطاعته والجهاد في سبيله ولا تركنوا إلى الدنيا، ومما ينسب للحسين
~~رضي الله تعالى عنه:

# فإن تكن الأبدان للموت أنشئت

# فقتل امرىء بالسيف والله أفضل

# والكلام في اللامين كالكلام في أختيهما بلامين، وإدخال لام القسم على
~~المعمول المقدم مشعر بتأكيد الحصر والاختصاص بأن ألوهيته تعالى هي التي
~~تقتضي ذلك، وادعى بعضهم أن تقديم هذا المعمول لمجرد الاهتمام ويزيده
~~حسنا وقوع ما بعده فاصلة، وما أشرنا إليه أولا أولى، قالوا: ولولا هذا
~~التقديم لوجب توكيد الفعل بالنون لأن المضارع المثبت إذا كان مستقبلا
~~وجب توكيده مع اللام خلافا للكوفيين حيث يجوزون التعاقب بينهما؛ وظاهر
~~صنيع بعض المحققين يشعر بأن في هذه الجملة مقدرا بقرينة ما قبله أي ولئن
~~متم أو قتلتم في سبيل الله، ولعل الحمل على العموم أولى، وزعم بعض أن في
~~الآية تقسيم مقامات العبودية إلى ثلاثه أقسام، فمن عبد الله تعالى خوفا
~~من ناره آمنه مما يخاف وإليه الإشارة بقوله تعالى:

# لمغفرة من الله

# [آل عمران: 157] ومن عبد الله تعالى شوقا إلى جنته أناله ما يرجو،
~~وإليه الإشارة بقوله سبحانه:

# ورحمة

# [آل عمران: 157] لأن الرحمة من أسماء الجنة، ومن ms01547 عبد الله تعالى شوقا
~~إلى وجهه الكريم لا يريد غيره فهو العبد المخلص الذي يتجلى عليه الحق جل
~~جلاله في دار كرامته، وإليه الإشارة بقوله عز اسمه: { لإلى الله
~~تحشرون } ولا يخفى أنه من باب التأويل لا من قبيل التفسير.

### || [3.159]

# { فبما رحمة من الله لنت لهم } خطاب للنبي صلى الله
~~عليه وسلم والفاء لترتيب مضمون الكلام على ما ينبىء عنه السياق من
~~استحقاق الفارين الملامة والتعنيف منه صلى الله عليه وسلم بمقتضى الجبلة
~~البشرية حيث صدروا عنه وحياض الأهوال مترعة وشمروا للهزيمة والحرب قائمة
~~على ساق، أو من سعة فضاء مغفرته ورحمته والباء متعلقة  بلنت  والتقديم
~~للقصر،  وما  مزيدة للتأكيد وعليه أجلة المفسرين وهو المأثور عن قتادة،
~~وحكى الزجاج الإجماع عليه وفيه نظر، فقد قال الأخفش وغيره يجوز أن تكون
~~نكرة بمعنى شيء، ورحمة بدل منها، وجوز أن تكون صفة لها، وقيل: إنها
~~استفهامية للتعجب والتقدير فبأي رحمة لنت لهم، والتنوين في رحمة على كل
~~تقدير للتفخيم، و { من } متعلقة بمحذوف وقع صفة لها أي: فبما رحمة
~~عظيمة كائنة من الله تعالى كنت لين الجانب لهم ولم تعنفهم، ولعل المراد
~~بهذه الرحمة ربطه سبحانه وتعالى على جأشه صلى الله عليه وسلم وتخصيصه له
~~بمكارم الأخلاق، وجعل الرفق ولين الجانب مسببا عن ربط / الجأش لأن من
~~ملك نفسه عند الغضب كان كامل الشجاعة. قيل: وأفاد الكلام في هذا المقام
~~فائدتين: إحداهما: ما يدل على شجاعته صلى الله عليه وسلم، والثانية: ما
~~يدل على رفقه فهو من باب التكميل، وقد اجتمعت فيه صلى الله عليه وسلم
~~هاتان الصفتان يوم أحد حيث ثبت حتى كر عليه أصحابه مع أنه عراه ما عراه
~~ثم ما زجرهم ولا عنفهم على الفرار بل آساهم في الغم.

# { ولو كنت فظا } أي خشن الجانب شرس الأخلاق جافيا في المعاشرة
~~قولا وفعلا { غليظ القلب } أي قاسيه، وقال الكلبي: فظا في
~~الأقوال غليظ القلب في الأفعال. وذكر بعضهم أن الفظ سيء الخلق في الأمور
~~الظاهرة من الأقوال والأفعال، وغليظ ms01548 القلب السيء في الأمور الباطنة،
~~والثاني: سبب للأول وقدم المسبب لظهوره إذ هو الذي يطلع عليه ويمكن أن
~~يقال المراد لو كنت على خلاف تينك الصفتين المعبر عنهما بالرحمة وهو
~~التهور المشار إليه بالفظاظة وسوء الأخلاق المرموز إليه بغلظ القلب فإن
~~قساوة القلب وعدم تأثره يتبعها كل صفة ذميمة، ولهذا ورد أبعد القلوب عن
~~الله تعالى القلوب القاسية وكأنه لبعده صدر بيمكن وعلى كل تقدير في
~~الكلام حذف أي ولو كنت فظا غليظ القلب فلم تلن لهم وأغلظت عليهم {
~~لانفضوا من حولك } أي لتفرقوا عنك ونفروا منك ولم يسكنوا
~~إليك وتردوا في مهاوي الردى ولم ينتظم أمر ما بعثت به من هدايتهم
~~وإرشادهم إلى الصراط.

# { فاعف عنهم } مترتب على ما قبله أي إذا كان الأمر كذلك فاعف
~~عنهم فيما يتعلق بحقوقك { واستغفر لهم } الله تعالى فيما يتعلق
~~بحقوقه سبحانه وتعالى إتماما للشفقة وإكمالا للتربية { وشاورهم
~~فى الأمر } أي في الحرب أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن سيرين عن
~~عبيدة وهو المناسب للمقام، أو فيه وفي أمثاله مما تجري فيه المشاورة
~~عادة، وإليه ذهب جماعة، واختلف في مشاورته صلى الله عليه وسلم لأصحابه
~~رضي الله تعالى عنهم في أمر الدين إذا لم يكن هناك وحي فمن أبى الاجتهاد
~~له صلى الله عليه وسلم ذهب إلى عدم جوازها ومن لا يأباه  وهو الأصح 
~~ذهب إلى جوازها، وفائدتها الاستظهار برأيهم، ويؤيد ذلك ما أخرجه الإمام
~~أحمد عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي
~~بكر وعمر:

# " لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما "

# أو التطييب لأنفسهم، وإليه ذهب قتادة، فقد أخرج ابن جرير عنه أنه قال:
~~أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمور وهو
~~يأتيه وحي السماء لأنه أطيب لأنفس القوم، أو أن تكون سنة بعده لأمته
~~وإليه ذهب الحسن، فقد أخرج البيهقي عنه أنه قال في الآية: قد علم الله
~~تعالى ما به إليهم حاجة ولكن أراد أن يستن به ms01549 من بعده، ويؤيده ما أخرجه
~~ابن عدي والبيهقي في «الشعب» بسند حسن عن ابن عباس قال: لما نزلت {
~~وشاورهم فى الأمر } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتي فمن
~~استشار منهم لم يعدم رشدا ومن تركها لم يعدم غيا "

# ؛ وقيل: فائدة ذلك أن يمتحنهم فيتميز الناصح من الغاش وليس بشيء، وادعى
~~الجصاص ((أن كون الأمر بالمشاورة على جهة تطييب النفوس مثلا غير جائز
~~لأنه لو كان معلوما عندهم أنهم إذا استفرغوا مجهودهم في استنباط الصواب
~~عما سئلوا عنه ثم لم يكن معمولا به لم يكن في ذلك تطييب نفوسهم بل فيه
~~إيحاشهم بأن آراءهم غير مقبولة ولا معول عليها؛ وجزم بأنه لا بد أن يكون
~~لمشاورته صلى الله عليه وسلم إياهم فائدة / هي الاستظهار بما عندهم وأن
~~يكون للنبي صلى الله عليه وسلم معهم ضرب من الاجتهاد فما وافق رأيه عمل
~~به وما خالفه ترك من غير لوم، وفيه إرشاد للاجتهاد وجوازه بحضرته صلى
~~الله عليه وسلم وإشعار بمنزلة الصحابة وأنهم كلهم أهل اجتهاد وأن باطنهم
~~مرضي عند الله تعالى)) انتهى، وفيه نظر إذ لا خفاء على من راجع وجدانه أن
~~في قول الكبير للصغير ماذا ترى في أمر كذا وماذا عندك فيه تطييبا لنفسه
~~وتنشيطا لها لاكتساب الآراء وإعمال الفكر لا سيما إذا صادف رأيه رأي
~~الكبير أحيانا وإن لم يكن العمل برأيه الموافق بل العمل بالرأي الموافق،
~~وما ادعاه من أن الرأي إذا لم يكن معمولا به كان فيه إيحاش غير مسلم لا
~~سيما فيما نحن فيه لعلم الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعلو شأن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم وأن عقولهم بالنسبة إلى عقله الشريف كالسها بالنسبة
~~إلى شمس الضحى، على أن من قال: إن فائدة المشاورة تطييب النفس أشار إلى
~~أن الوحي يأتيه فهو غني عنها، وحينئذ يكون قصد التطييب أتم وأظهر لما في
~~المشاورة إذ ذاك من تعريضهم لما يمكن أن يوافق ms01550 الوحي والإيحاش بعدم العمل
~~هنا أبعد لأن مستنده اتباع الوحي ومعلوم لديهم أنه أولى بالاتباع لأنه من
~~قبل الله تعالى اللطيف الخبير كما لا يخفى، ثم ما ذكر من أن في ذلك
~~إشعارا بأن الصحابة كلهم أهل اجتهاد في حيز المنع لأن أمر السلطان مثلا
~~لعامله أن يشاور أهل بلده في أموره لا يستدعي أن يشاور كل واحد واحد منهم
~~في ذلك بل لا يكاد أن يكون ذلك مرادا أصلا بل المراد أن يشاور أهل
~~الآراء منهم والمتدربين فيهم، وكون الصحابة كلهم كذلك أول المدعى، ودون
~~إثباته وقعة الجمل وحرب صفين.

# ويؤيد كون المراد من الصحابة  المأمور صلى الله عليه وسلم بمشاورتهم
~~أهل الرأي والتدبير لا مطلقا بما أخرجه الحاكم وصححه والبيهقي في «سننه»
~~عن ابن عباس أنه قال في { وشاورهم فى الأمر }: أبو بكر وعمر،
~~ومن طريق الكلبي عن أبي صالح عن الحبر أن الآية نزلت فيهما، نعم لو
~~كانت المشاورة لمجرد تطييب النفوس دون الاستظهار كان لمشاورة أي واحد
~~منهم وإن لم يكن من أرباب الرأي وجه لكن الجصاص لم يبن كلامه على ذلك.
~~بقي أن بين ما أخرجه الإمام أحمد من قوله صلى الله عليه وسلم للعمرين رضي
~~الله تعالى عنهما:

# " لو اجتمعتما على مشورة ما خالفتكما "

# وأما أخرجه ابن عدي والبيهقي من قوله عليه الصلاة والسلام عند نزول
~~الآية

# " أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتي "

# تنافيا إلا أن يحمل خبر عدم مخالفتهما لو اجتمعا على الإشارة إلى رفعة
~~قدرهما وعلو شأنهما وأن اجتماعهما على أمر لا يكون إلا موافقا لما عند
~~الله تعالى وهو الذي عليه المعول وبه العمل، وكأن في قوله صلى الله عليه
~~وسلم: «ما خالفتكما» دون لعملت بقولكما مثلا نوع إشعار بما قلنا فتدبر،
~~وقرأ ابن عباس كما أخرج البخاري في «الأدب المفرد» عنه { وشاورهم
~~فى بعض الأمر }.

# { فإذا عزمت } أي إذا عقدت قلبك على الفعل وإمضائه بعد المشاورة
~~كما تؤذن به الفاء.

# { فتوكل على الله } أي ms01551 فاعتمد عليه وثق به وفوض أمرك إليه
~~فإنه الأعلم بما هو الأصلح، وأصل التوكل إظهار العجز والاعتماد على الغير
~~والاكتفاء به في فعل ما يحتاج إليه، وهو عندنا على الله سبحانه لا ينافي
~~مراعاة الأسباب بل يكون بمراعاتها مع تفويض الأمر إليه تعالى شأنه و
~~«اعقلها وتوكل» يرشد إلى ذلك، وعند ساداتنا الصوفية هو إهمال التدبير
~~بالكلية، وعن جابر بن زيد أنه قرأ { فإذا عزمت } بصيغة المتكلم،
~~والمعنى فإذا قطعت لك بشيء وعينته لك فتوكل علي ولا تشاور به أحدا،
~~والالتفات لتربية المهابة وتعليل التوكل والأمر / به فإن عنوان الألوهية
~~الجامعة لجميع صفات الكلام مستدعي للتوكل عليه سبحانه والأمر به.

# { إن الله يحب المتوكلين } عليه الواثقين به المنقطعين
~~إليه فينصرهم ويرشدهم إلى ما هو خير لهم كما تقتضيه المحبة، والجملة
~~تعليل للتوكل عليه سبحانه، وقد روعي في الآية حسن الترتيب وذلك لأنه صلى
~~الله عليه وسلم أمر أولا بالعفو عنهم فيما يتعلق بخاصة نفسه فإذا انتهوا
~~إلى هذا المقام أمر أن يستغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى لتنزاح عنهم
~~التبعتان فلما صاروا إلى هنا أمر بأن يشاورهم في الأمر إذ صاروا خالصين
~~من التبعتين مصفين منهما، ثم أمر صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بالتوكل على
~~الله تعالى والانقطاع إليه لأنه سبحانه السند الأقوم والملجأ الأعظم الذي
~~لا تؤثر الأسباب إلا به ولا تنقضي الحاج إلا عند بابه.

### || [3.160]

# { إن ينصركم الله فلا غالب لكم } جملة مستأنفة سيقت
~~بطريق تلوين الخطاب تشريفا للمؤمنين لإيجاب التوكل عليه والترغيب في
~~طاعته التي يستحق بها النصرة والتحذير عن معصيته التي يستحق بها الخذلان
~~أي إن يرد نصركم كما أراده يوم بدر فلا أحد يغلبكم على طريق نفي الجنس
~~المنتظم بجميع أفراد الغالب ذاتا وصفة فهو أبلغ من لا يغلبكم أحد
~~لدلالته على نفي الصفة فقط. ثم المفهوم من ظاهر النظم الكريم  كما قال
~~شيخ الإسلام  وإن كان نفي مغلوبيتهم من غير تعرض لنفي المساواة أيضا
~~وهو الذي يقتضيه المقام لكن المفهوم منه ms01552 فهما قطعيا هو نفي المساواة
~~وإثبات الغالبية للمخاطبين، فإذا قلت: لا أكرم من فلان ولا أفضل منه
~~فالمفهوم منه حتما أنه أكرم من كل كريم وأفضل من كل فاضل وهذا أمر مطرد
~~في جميع اللغات ولا اختصاص [له] بالنفي الصريح بل هو مطرد فيما ورد على
~~طريق الاستفهام الإنكاري كما في قوله تعالى:

# فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا

# [الأنعام: 144] في مواقع كثيرة من التنزيل وقد أشرنا إلى هذا المبحث
~~فيما تقدم.

# { وإن يخذلكم } أي وإن يرد خذلانكم ويمنعكم معونته كما فعل يوم
~~أحد. وقرىء { يخذلكم } من أخذله إذا جعله مخذولا { فمن ذا
~~الذى ينصركم } استفهام إنكاري مفيد لانتفاء الناصر على نحو انتفاء
~~الغالب، وقيل: وجاء جواب الشرط في الأول صريح النفي ولم يجىء في الثاني
~~كذلك تلطفا بالمؤمنين حيث صرح لهم بعدم الغلبة ولم يصرح بأنه لا ناصر
~~لهم وإن كان الكلام مفيدا له { من بعده } أي من بعد خذلانه أو من
~~بعد الله تعالى على معنى إذا جاوزتموه فعلى الأول:  بعد  ظرف زمان وهو
~~الأصل فيها، وعلى الثاني: مستعار للمكان.

# { وعلى الله } لا على غيره كما يؤذن بذلك تقديم المعمول. {
~~فليتوكل المؤمنون } المراد بهم إما جنس المؤمنين
~~والمخاطبون داخلون فيه دخولا أوليا، وإما المخاطبون خاصة بطريق
~~الالتفات وعلى التقديرين لا يخفى ما في ذلك من تشريف المخاطبين مع
~~الإيماء إلى تعليل تحتم التوكل عليه تعالى، والفاء كما قالوا: لترتيب ما
~~بعدها أو الأمر به على ما مر من غلبة المؤمنين ومغلوبيتهم على تقدير نصر
~~الله تعالى لهم وخذلانه إياهم فإن العلم بذلك مما يستدعي قصر التوكل عليه
~~سبحانه لا محالة.

### || [3.161]

# { وما كان لنبى أن يغل } أي ما صح ولا استقام لنبي من
~~الأنبياء أن يخون في المغنم لأن الخيانة تنافي النبوة وأصل الغل الأخذ
~~بخفية ولذا استعمل في السرقة ثم خص في اللغة بالسرقة من المغنم قبل
~~القسمة وتسمى غلولا أيضا، قيل: وسميت بذلك لأن الأيدي فيها مغلولة أي
~~ممنوعة مجعول فيها غل وهي الحديدة التي ms01553 تجمع يد الأسير إلى عنقه، ويقال
~~لها: جامعة أيضا، وقال الرماني وغيره أصل الغلول من الغلل وهو دخول
~~الماء في خلل الشجر، وسميت الخيانة غلولا لأنها تجري في الملك على خفاء
~~من غير الوجه الذي يحل، ومن ذلك الغل للحقد والغليل لحرارة العطش
~~والغلالة للشغار، والمراد تنزيه ساحة النبي صلى الله عليه وسلم على أبلغ
~~وجه عما ظن به الرماة يوم أحد فقد حكى الواحدي عن الكلبي ومقاتل

# " أن الرماة حين تركوا المركز يومئذ طلبا للغنيمة قالوا: نخشى أن يقول
~~النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما
~~لم يقسم يوم بدر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ظننتم أنا نغل ولا
~~نقسم لكم» "

# ولهذا نزلت الآية، أو تنزيهه صلى الله عليه وسلم عما اتهمه به بعض
~~المنافقين يوم بدر، فقد أخرج أبو داود والترمذي وابن جرير وحسناه عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: نزلت هذه الآية في قطيفة حمراء فقدت
~~يوم بدر فقال بعض الناس لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها،
~~والرواية الأولى: أوفق بالمقام، وارتباط الآية بما قبلها عليها أتم لأن
~~القصة أحدية إلا أن فيها إشعارا بأن غنائم بدر لم تقسم وهو مخالف لما
~~سيأتي في الأنفال وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه، والرواية الثانية:
~~أولى بالقبول عند أرباب هذا الشأن، ويحتمل أن يكون المراد المبالغة في
~~النهي عن الغلول، فقد أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» وابن جرير مرسلا
~~عن الضحاك قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلائع فغنم النبي صلى
~~الله عليه وسلم غنيمة فقسم بين الناس ولم يقسم للطلائع شيئا فلما قدمت
~~الطلائع قالوا قسم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقسم لنا فأنزل الله
~~تعالى الآية، فالمعنى ما كان لنبي أن يعطي قوما من العسكر ويمنع آخرين
~~بل عليه أن يقسم بين الكل بالسوية، وعبر سبحانه عن حرمان بعض الغزاة
~~بالغلول فطما عن هذا الفعل بالكلية، أو تعظيما لشأنه ms01554 صلى الله عليه
~~وسلم، وجعل بعضهم الكلام على هذا الاحتمال على حد

# لئن أشركت ليحبطن عملك

# [الزمر: 65] خوطب به صلى الله عليه وسلم وأريد غيره ممن يفعل مثل هذا
~~بعد النهي عنه  ولا يخفى بعده  والصيغة على الاحتمال الأول: إخبار
~~لفظا ومعنى لكنها لا تخلو عن رمز إلى نهي عن اعتقاد ذلك في تلك الحضرة
~~المقدسة وعلى الاحتمال الأخير: خبر أجري مجرى الطلب، وقد وردت هذه الصيغة
~~نهيا في مواضع من التنزيل كقوله تعالى:

# ما كان لنبى أن يكون له أسرى

# [الأنفال: 67] و

# ما كان للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا
~~للمشركين

# [التوبة: 113]

# وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله

# [الأحزاب: 53] وكذا للامتناع العقلي كقوله تعالى:

# ما كان لله أن يتخذ من ولد

# [مريم: 35] و

# ما كان لكم أن تنبتوا شجرها

# [النمل: 60] وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب  أن يغل  على
~~صيغة البناء للمفعول، وفي توجيهها ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون ماضيه
~~أغللته أي نسبته إلى الغلول كما تقول أكفرته أي نسبته إلى الكفر قال
~~الكميت:

# وطائفة قد (أكفرتني) بحبكم

# وطائفة قالت مسىء ومذنب

# والمعنى ما صح لنبي أن ينسبه أحد إلى الغلول، وثانيها: أن يكون من
~~أغللته إذا وجدته غالا كقولهم أحمدته وأبخلته وأجبنته بمعنى وجدته كذلك
~~والمعنى ما صح لنبي أن يوجد غالا، وثالثها: أنه من غل إلى أن المعنى ما
~~كان لنبي أن يغله غيره أو يخونه ويسرق من غنيمته، ولعل تخصيص النبي
~~بذلك وإن كان لا يجوز أن يغل غيره من إمام أو أمير إما لعظم خيانته أو
~~لأنه القائم بأمر الغنائم فإذا حرمت الخيانة عليه وهو صاحب الأمر فحرمتها
~~على غيره أولى كذا قيل، وأنت تعلم أنه لا حاجة إلى توجيه التخصيص بما ذكر
~~بعد الالتفات إلى سبب النزول والنظر إلى ما سيأتي بعد. ومن الناس من زعم
~~أن الآية نزلت في أداء الوحي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ
~~القرآن وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم فسألوه أن يطوي ذلك فأنزل الله ms01555 تعالى
~~الآية، ولا يخفى أنه بعيد جدا  ولا أدري كيف سند هذه الرواية  ولا أظن
~~الخبر إلا موضوعا، ويزيده بعدا بل لا يكاد يجوزه قوله تعالى:

# { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة } وهو جملة
~~شرطية مستأنفة لا محل لها من الإعراب، و  ما  موصولة والعائد محذوف أي
~~بالذي غله، وجوز أن تكون حالا ويكون التقدير في حال علم الغال بعقوبة
~~الغلول، وظاهر الآثار يدل على أن الإتيان على ظاهره، فقد أخرج الشيخان،
~~والبيهقي في «الشعب» عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:

# " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فذكر الغلول فعظمه وعظم
~~أمره ثم قال: ألا لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير له
~~رغاء فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله تعالى شيئا
~~قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة
~~فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك لا
~~ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله
~~أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجىء يوم
~~القيامة على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من
~~الله تعالى شيئا قد أبلغتك "

# والأخبار بهذا المعنى كثيرة ولعل السر في ذلك أن يفضح به على رؤوس
~~الأشهاد زيادة في عقوبته، وإلى هذا ذهب الجبائي، ولا مانع من ذلك عقلا.

# والاستبعاد غير مفيد وقد وقع ما يشعر بالاستبعاد قديما فقد أخرج ابن
~~أبي حاتم عن أبي هريرة أن رجلا قال له: أرأيت قول الله تعالى: { ومن
~~يغلل يأت بما غل يوم القيامة } هذا يغل ألف درهم
~~وألفي درهم يأتي بها أرأيت من يغل مائة بعير أو مائتي بعير كيف يصنع
~~بها؟! قال: أريت من كان ضرسه مثل أحد وفخذه مثل ورقان وساقه مثل بيضاء
~~ومجلسه ما بين الربذة إلى المدينة ألا يحمل مثل هذا، ms01556 وورد في بعض الأخبار
~~أن الإتيان بالغلول من النار فحينئذ يكون في الآية حذف أي يأت بما غل من
~~النار، فقد أخرج ابن مردويه والبيهقي عن بريدة قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " إن الحجر ليزن سبع خلفات فيلقى في جهنم فيهوي فيها سبعين خريفا ويؤتى
~~بالغلول فيلقى معه ثم يكلف صاحبه أن يأتي به "

# وهو قول الله عز وجل: { ومن يغلل يأت بما غل يوم
~~القيامة }.

# وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال لو كنت مستحلا
~~من الغلول القليل لاستحللت منه الكثير ما من أحد يغل إلا كلف أن يأتي به
~~من أسفل درك جهنم، وقيل: الإتيان به مجاز عن الإتيان بإثمه تعبيرا بما
~~عمل عما لزمه من الإثم أي يأت بما احتمل من وباله وإثمه  واختاره البلخي
~~ وقال: يجوز أن يكون ما تضمنته الأخبار جاء على وجه المثل كأن الله
~~تعالى إذ فضح الغال وعاقبه العقوبة الشديدة جرى مجرى أن يكون آتيا به
~~وحاملا له وله صوت، ولا يخفى أن جواب أبي هريرة للرجل يأبى هذا
~~التأويل. وقيل: إن المعاني تظهر في صور جسمانية يوم القيامة كما يؤذن
~~بذلك خبر مجىء الموت في صورة كبش وتلقي القرآن صاحبه في صورة الرجل
~~الشاحب حين ينشق عنه القبر إلى غير ذلك.

# وقد ذكر غير واحد أنه لا يبعد ظهور الأعمال من الطاعات والمعاصي بصور
~~تناسبها فحينئذ يمكن أن يقال: إن معصية كل غال تظهر يوم القيامة في صورة
~~غلوله فيأتي بها هناك، وعليه تكون الأخبار على ظاهرها من غير حاجة إلى
~~ارتكاب التمثيل، وجواب أبي هريرة لا يأباه، وإلقاؤه في النار أيضا غير
~~مشكل وأهل الظاهر لعلهم يقولون: إنه يلقى من غير تعذيب، وبتقديره لا
~~محذور أيضا فيه لأن الله تعالى لا يجب عليه شيء، وقد ورد في بعض الأخبار
~~أنه تعالى يخلق خلقا حين قول جهنم:

# هل من مزيد

# [ق: 30] فيضعهم فيها ومع هذا وتسليم صحة الخبر لا بد من القول باستثناء ms01557
~~بعض الغلول عن الإلقاء إذ قد يكون الغلول مصحفا ولا أظن أحدا يتجاسر
~~على القول بإلقائه.

# / { ثم توفى كل نفس ما كسبت } أي تعطى كل نفس مكلفة
~~جزاء ما عملت من خير أو شر تاما وافيا، ففي الكلام مضاف محذوف أو أنه
~~أقيم المكسوب مقام جزائه، وفي تعليق التوفية بكل مكسوب مع أن المقصود
~~بيان حال الغال عند إتيانه بما غل يوم القيامة من الدلالة على فخامة شأن
~~اليوم والمبالغة في بيان فظاعة حال الغال ما لا يخفى فإنه إذا كان كل
~~كاسب مجزيا بعمله لا ينقص منه شيء وإن كان جرمه في غاية القلة والحقارة،
~~فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى وهذا سبب العدول عما يقتضيه الظاهر من نحو
~~ثم يوفى ما كسب لأنه اللائق بما قبله؛ وقيل: يحتمل أن يكون المراد ثم
~~توفى منه كل نفس لها حق في تلك الغنيمة ما كسبت من نقصان حقها من غله
~~فحينئذ يكون النظم على مقتضى الظاهر وكلمة { ثم } للتفاوت بين حمله
~~ما غل وبين جزائه، أو للتراخي الزماني أي بعد حمله ما غله بمدة مديدة
~~وجعله منتظرا فيما بين الناس مفتضحا حاملا ما غله توفى منه كل نفس،
~~ولا يخفى أن مثل هذا الاحتمال مما يصان عنه كلام الملك المتعال، فالحق
~~الذي لا ينبغي العدول عنه هو القول الأول المتضمن لنكتة العدول وأمر {
~~ثم } عليه ظاهر سواء جعلت للتراخي الزماني، أو للتراخي الرتبي.

# أما الأول: فلأن الإتيان بما غل عند قيامه من القبر على ما هو الظاهر
~~والجزاء بعد ذلك بكثير. وأما الثاني: فلأن جزاء الغال وعقوبته أشد فظاعة
~~من حمل ما غله والفضيحة به بل لا يبعد أن يكون ذلك الحمل كالعلاوة على
~~الحمل بل يكاد أن يكون نعيما بالنسبة إلى ما يلقى بعد، والجملة على كل
~~تقدير معطوفة على الجملة الشرطية { وهم }: أي كل الناس المدلول عليهم
~~بكل نفس { لا يظلمون } أي لا ينقص بمقتضى الحكمة والعدل ثواب
~~مطيعهم ولا يزاد عقاب عاصيهم.

### || [3.162]

# { أفمن اتبع رضون الله ms01558 } أي سعى في تحصيله وانتحى نحوه {
~~كمن باء } أي رجع { بسخط } أي غضب عظيم جدا وهو بفتحتين مصدر
~~قياسي، ويقال: بضم فسكون وهو غير مقيس والجار متعلق بالفعل قبله، وجوز أن
~~يكون حالا فيتعلق بمحذوف أي رجع مصاحبا لسخط. { من الله } أي كائن
~~منه تعالى. وفي المراد من الآية أقوال: أحدها: أن المعنى أفمن اتبع رضوان
~~الله تعالى في العمل بالطاعة كمن باء بسخط منه سبحانه في العمل بالمعصية
~~ وهو المروي عن ابن إسحق  ثانيها: أن معناه أفمن اتبع رضوان الله في
~~ترك الغلول كالنبي ومن يسير بسيرته كمن باء بسخط من الله تعالى بفعل
~~الغلول، وروي ذلك عن الحسن والضحاك واختاره الطبري لأنه أوفق بالمقام،
~~ثالثها: أن المراد أفمن اتبع رضوان الله تعالى بالجهاد في سبيله كمن باء
~~بسخط منه جل جلاله في الفرار عنه، ونقل ذلك عن الجبائي والزجاج، قيل: وهو
~~المطابق لما حكي في سبب النزول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر
~~بالخروج إلى أحد قعد عنه جماعة من المنافقين واتبعه المؤمنون فأنزل الله
~~تعالى هذه الآية  وفيه بعد  وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لما
~~مر غير مرة.

# { ومأوه جهنم } أي مصيره ذلك، وفي الجملة احتمالان، الأول:
~~أن تكون مستأنفة مسوقة لبيان حال من باء بسخط ويفهم من مقابله أن من اتبع
~~الرضوان كان مأواه الجنة ولم يذكر ذلك ليكون أبلغ في الزجر، وقيل: لم
~~يذكر مع الرضوان الجنة لأن رضوان الله تعالى أكبر وهو مستلزم لكل نعيم
~~وكون السخط مستلزما لكل عقاب فيقتضي أن تذكر معه جهنم في حيز المنع لسبق
~~الجمال الجلال فافهم، والثاني: أنها داخلة في حيز الموصول / فتكون معطوفة
~~على { باء بسخط } عطف الصلة الاسمية على الصلة الفعلية، وعلى كلا
~~الاحتمالين لا محل لها من الإعراب { وبئس المصير } إما تذييل أو
~~اعتراض، أو معطوف على الصلة بتقدير ويقال في حقهم ذلك، وأيا ما كان
~~فالمخصوص بالذم محذوف أي [وبئس المصير] جهنم، والمصير اسم مكان، ويحتمل
~~المصدرية وفرقوا بينه وبين ms01559 المرجع بأن المصير يقتضي مخالفة ما صار إليه
~~من جهنم لما كان عليه في الدنيا لأن الصيرورة تقتضي الانتقال من حال إلى
~~حال أخرى كصار الطين خزفا، والمرجع انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها
~~كقولك: مرجع ابن آدم إلى التراب، وأما قولهم: مرجع العباد إلى الله تعالى
~~فباعتبار أنهم ينقلبون إلى حال لا يملكون فيها لأنفسهم شيئا كما كان قبل
~~ما ملكوا.

### || [3.163]

# { هم } عائد على الموصولين باعتبار المعنى وهو مبتدأ، وقوله تعالى: {
~~درجت } خبره والمراد هم متفاوتون إطلاقا للملزوم على اللازم، أو
~~شبههم بالدرج في تفاوتهم علوا وسفلا على سبيل الاستعارة أو جعلهم نفس
~~الدرجات مبالغة في التفاوت فيكون تشبيها بليغا بحذف الأداة، وقيل: إن
~~الكلام على حذف مضاف ولا تشبيه أي هم ذوو درجات أي منازل أو أحوال
~~متفاوتة، وهذا معنى قول مجاهد والسدي: لهم درجات، وذهب بعضهم أن في الآية
~~حينئذ تغليب الدرجات على الدركات إذ الأول للأول، والثاني للثاني {
~~عند الله } أي في علمه وحكمه، والظرف متعلق بدرجات على المعنى، أو
~~بمحذوف وقع صفة لها.

# { والله بصير بما يعملون } من الأعمال ودرجاتها فيجازيهم
~~بحسبها  والبصير  كما قال حجة الإسلام هو الذي يشاهد ويرى حتى لا يعزب
~~عنه ما تحت الثرى وإبصاره أيضا منزه عن أن يكون بحدقة وأجفان، ومقدس عن
~~أن يرجع إلى انطباع الصور والألوان في ذاته كما ينطبع في حدقة الإنسان،
~~فإن ذلك من التغيير والتأثر المقتضي للحدثان وإذا نزه عن ذلك كان البصر
~~في حقه تعالى عبارة عن الصفة ينكشف بها كمال نعوت المبصرات وذلك أوضح
~~وأجلى مما نفهمه من إدراك البصر القاصر على ظواهر المرئيات انتهى، ويفهم
~~منه أن البصر صفة زائدة على العلم  وهو الذي ذهب إليه الجمهور منا ومن
~~المعتزلة. والكرامية قالوا: لأنا إذا علمنا شيئا علما جليا ثم أبصرناه
~~نجد فرقا بين الحالتين بالبديهة، وإن في الحالة الثانية حالة زائدة هي
~~الإبصار. وقال الفلاسفة والكعبي وأبو الحسين البصري والغزالي عند بعض
~~وادعى أن كلامه هذا مشير إليه أن ms01560 بصره تعالى عبارة عن علمه تعالى
~~بالمبصرات، ومثل هذا الخلاف في السمع، والحق أنهما زائدان على صفة العلم
~~وأنهما لا يكيفان ولا يحدان والإقرار بهما واجب كما وصف بهما سبحانه
~~نفسه، وإلى ذلك ذهب السلف الصالح وإليه ينشرح الصدر.

### || [3.164]

# { لقد من الله } أي أنعم وتفضل، وأصل المن القطع وسميت النعمة
~~منة لأنه يقطع بها عن البلية وكذا الاعتداد بالصنيعة منا لأنه قطع لها
~~عن وجوب الشكر عليها، والجملة جواب قسم محذوف أي والله لقد من الله {
~~على المؤمنين } أي من قومه أو من العرب مطلقا أو من الإنس 
~~وخير الثلاثة الوسط  وإليه ذهبت عائشة رضي الله تعالى عنها، فقد أخرج
~~البيهقي وغيره عنها أنها قالت هذه للعرب خاصة  والأول خير من الثالث 
~~وأيا ما كان فالمراد بهم على ما قال الأجهوري: المؤمنون من هؤلاء في
~~علم الله تعالى أو الذين آل أمرهم إلى الإيمان.

# { إذ بعث فيهم } أي بينهم { رسولا } عظيم القدر جليل الشأن {
~~من أنفسهم } أي من نسبهم، أو من جنسهم عربيا مثلهم أو من بني آدم
~~لا ملكا ولا جنيا و { إذ } ظرف  لمن  وهو وإن / كان بمعنى الوقت
~~لكن وقع في معرض التعليل كما نص عليه معظم المحققين، والجار إما متعلق
~~ببعث أو بمحذوف وقع صفة  لرسولا  والامتنان بذلك إما لحصول الأنس
~~بكونه من الإنس فيسهل التلقي منه وتزول الوحشة والنفرة الطبيعية التي بين
~~الجنسين المختلفين، وإما ليفهموا كلامه بسهولة ويفتخروا على سائر أصناف
~~نوع بني آدم، وإما ليفهموا ويفتخروا ويكونوا واقفين على أحواله في الصدق
~~والأمانة فيكون ذلك أقرب إلى تصديقه والوثوق به صلى الله عليه وسلم،
~~وتخصيص المؤمنين بالامتنان مع عموم نعمة البعثة كما يدل عليه قوله تعالى:

# وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين

# [الأنبياء: 107] لمزيد انتفاعهم على اختلاف الأقوال فيهم بها، ونظير ذلك
~~قوله تعالى:

# هدى للمتقين

# [البقرة: 2] وقرىء  لمن من الله  بمن الجارة ومن المشددة النون على
~~أنه خبر لمبتدأ محذوف مثل منه أو بعثه وحذف لقيام الدلالة، وجوز الزمخشري
~~أن تكون إذ ms01561 في محل الرفع كإذا في قولك: أخطب ما يكون الأمير إذا كان
~~قائما بمعنى لمن من الله تعالى على المؤمنين وقت بعثه، ولا يخفى عليك
~~أن هذا يقتضي أن تكون إذ مبتدأ والجار والمجرور خبرا وقد اعترض ذلك بأنه
~~لم يعلم أن أحدا من النحويين قال بوقوع إذ كذلك، وما في المثال إذا لا
~~إذ، وهي أيضا فيه ليست مبتدأ أصلا، وإنما جوزوا فيها وجهين: النصب على
~~أن الخبر محذوف وهي سادة مسده، والرفع على أنها هي الخبر، وعلى الأول:
~~يكون الكلام من باب جد جده لأن الأمير أخطب في حال القيام لا كونه، وعلى
~~الثاني: من باب نهاره صائم والوجه الأول هو المشهور، وجوز الثاني عبد
~~القاهر تمسكا بقول بعضهم: أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة بالرفع فكأن
~~الزمخشري قاس إذ على إذا والمبتدأ على الخبر.

# وانتصر بعضهم للزمخشري بأنه قد صرح جماعة من محققي النحاة بخروج إذ عن
~~الظرفية فتكون مفعولا به، وبدلا من المفعول وهذا في قوة تصريحهم
~~بوقوعها مبتدأ وخبرا مثلا إذ هو قول بتصرفها، ومتى قيل به كانت جميع
~~الأحوال مستوية في جواز الإقدام عليها من غير تفرقة بين حال وحال إلا
~~لمانع يمنع من ذلك الحال فيها وفي غيرها من سائر الأسماء وهو أمر آخر
~~وراء ما نحن فيه، نعم حكى الشلوبين في «شرح الجزولية» عن بعضهم أن مأخذ
~~التصرف في الظروف هو السماع فإن كان هذا حكم أصل التصرف فقط دون أنواعه
~~ارتفع الغبار عما قاله الزمخشري بناءا على ما ذكرنا بلا خفاء وإن كان
~~حكم الأنواع أيضا كذلك فلا يقدم على الفاعلية بمجرد ثبوت المفعولية ولا
~~على الابتدائية بمجرد ثبوت الخبرية مثلا إلا بورود سماع في ذلك، ففي صحة
~~كلام الزمخشري تردد بين لأن مجرد تصريحهم حينئذ بوقوع إذ مفعولا وبدلا
~~وبوقوع إذا خبرا مثلا لا يجدي نفعا لجواز ورود السماع بذلك دون غيره
~~كما لا يخفى.

# وفي قراءة رسول الله وفاطمة صلى الله تعالى عليه وعليها وسلم { من
~~أنفسهم } بفتح الفاء ms01562 أي من أشرفهم لأنه صلى الله عليه وسلم من أشرف
~~القبائل وبطونها وهو أمر معلوم غني عن البيان ينبغي اعتقاده لكل مؤمن.
~~وقد سئل الشيخ ولي الدين العراقي هل العلم بكونه صلى الله عليه وسلم
~~بشرا ومن العرب شرط في صحة الإيمان أو من فروض الكفاية؟ فأجاب بأنه شرط
~~في صحة الإيمان، ثم قال: فلو قال شخص: أومن برسالة محمد صلى الله عليه
~~وسلم إلى جميع الخلق لكن لا أدري هل هو من البشر أو من الملائكة أو من
~~الجن، أو لا أدري هل هو من العرب أو العجم؟ فلا شك في كفره لتكذيبه
~~القرآن وجحده ما تلقته قرون الإسلام خلفا عن سلف وصار معلوما بالضرورة
~~عند الخاص والعام  ولا أعلم في ذلك خلافا  فلو كان غبيا لا يعرف ذلك
~~وجب تعليمه إياه فإن جحده بعد ذلك حكمنا بكفره انتهى، وهل يقاس اعتقاد
~~أنه صلى الله عليه وسلم من أشرف القبائل والبطون على ذلك فيجب ذلك في صحة
~~الإسلام أو لا يقاس فحينئذ يصح إيمان من لم يعرف ذلك لكنه / منزه تلك
~~الساحة العلية عن كل وصمة؟ فيه تأمل، والظاهر الثاني وهو الأوفق بعوام
~~المؤمنين.

# { يتلوا عليهم ءايته } إما صفة أو حال أو مستأنفة، وفيه
~~بعد أي يتلو عليهم ما يوحى إليه من القرآن بعدما كانوا أهل جاهلية لم
~~يطرق أسماعهم شيء من الوحي أو بعد ما كان بعضهم كذلك وبعضهم متشوفا
~~متشوقا إليه حيث أخبر كتابه الذي بيده بنزوله وبشر به { ويزكيهم }
~~أي يدعوهم إلى ما يكونون به زاكين طاهرين مما كان فيهم من دنس الجاهلية
~~أو من خبائث الاعتقادات الفاسدة كالاعتقادات التي كان عليها مشركو العرب
~~وأهل الكتابين، أو يشهد بأنهم أزكياء في الدين، أو يأخذ منهم الزكاة التي
~~يطهرهم بها  قاله الفراء  ولا يخفى بعده ومثله القريب إليه.

# { ويعلمهم الكتاب والحكمة } قد تقدم الكلام في ذلك.
~~وهذا التعليم معطوف على ما قبله مترتب على التلاوة وإنما وسط بينهما
~~التزكية التي هي عبارة عن تكميل النفس بحسب القوة ms01563 العملية وتهذيبها
~~المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على
~~التلاوة للإيذان بأن كل واحد من الأمور المترتبة نعمة جليلة على حيالها
~~مستوجبة للشكر ولو روعي ترتيب الوجود كما في قوله تعالى:

# ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم
~~آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم

# [البقرة: 129] لتبادر إلى الفهم عد الجميع نعمة واحدة وهو السر في
~~التعبير عن القرآن  بالآيات  تارة  وبالكتاب والحكمة  أخرى رمزا إلى
~~أنه باعتبار كل عنوان نعمة على حدة قاله مولانا شيخ الإسلام، وقد يقال:
~~المراد من تلاوة الآيات تلاوة ما يوحى إليه صلى الله عليه وسلم من الآيات
~~الدالة على التوحيد والنبوة، ومن التزكية الدعاء إلى الكلمة الطيبة
~~المتضمنة للشهادة لله تعالى بالتوحيد ولنبيه عليه الصلاة والسلام
~~بالرسالة، وبتعليم الكتاب تعليم ألفاظ القرآن وكيفية أدائه ليتهيأ لهم
~~بذلك إقامة عماد الدين، وبتعليم الحكمة الإيقاف على الأسرار المخبوءة في
~~خزائن كلام الله تعالى، وحينئذ أمر ترتيب هذه المتعاطفات ظاهر إذ حاصل
~~ذلك أنه صلى الله عليه وسلم يمهد سبل التوحيد ويدعو إليه ويعلم ما يلزم
~~بعد التلبس به ويزيد على الزبد شهدا فتقديم التلاوة لأنها من باب
~~التمهيد ثم التزكية لأنها بعده وهي أول أمر يحصل منه صفة يتلبس بها
~~المؤمنون وهي من قبيل التخلية المقدمة على التحلية لأن درء المفاسد أولى
~~من جلب المصالح، ثم التعليم لأنه إنما يحتاج إليه بعد الإيمان، بقي أمر
~~تقديم التعليم على التزكية في آية البقرة ولعله كان إيذانا بشرافة
~~التحلية كما أشرنا إليه هناك فتأمل.

# { وإن كانوا من قبل } أي من قبل بعثة الرسول { لفى ضلل
~~مبين } ظاهر { وإن } هي المخففة واللام هي الفارقة، والمعنى إن
~~الشأن كانوا من قبل الخ. وإلى هذا ذهب بعض المحققين، وذكر مثله مكي إلا
~~أنه قال: التقدير وأنهم كانوا من قبل فجعل اسمها ضميرا عائدا على
~~المؤمنين، قال أبو حيان: ((وكلا الوجهين لا نعرف نحويا ذهب إليه وإنما
~~تقرر عندنا في كتب النحو ومن الشيوخ أنك إذا قلت: إن زيدا قائم ثم ms01564 خففت،
~~فمذهب البصريين فيها [إذ ذاك] وجهان: أحدهما: جواز الإعمال ويكون حالها
~~وهي مخففة كحالها وهي مشددة  إلا أنها لا تعمل في مضمر، ومنع ذلك
~~الكوفيون  وهم محجوجون بالسماع الثابت من لسان العرب  والوجه الثاني:
~~وهو الأكثر عندهم أن تهمل فلا تعمل لا في ظاهر ولا مضمر لا ملفوظ [به]
~~ولا مقدر البتة فإن وليها جملة اسمية ارتفعت بالابتداء والخبر ولزمت
~~اللام في ثاني مصحوبيها إن لم ينف، وفي أولهما إن تأخر، فتقول: إن زيد
~~لقائم ومدلوله مدلول إن زيدا قائم، وإن وليها جملة فعلية فلا بد عند
~~البصريين أن تكون من نواسخ الابتداء، وإن جاء الفعل من غيرها فهو شاذ لا
~~يقاس عليه عند جمهورهم)).

# / وأجاب الحلبي عمن قدر الشأن بأنه تفسير معنى لا بيان إعراب، وقال
~~عصام الملة: إن من قال: إن الشأن لم يرد تقدير ضمير الشأن بل جعل الجملة
~~حالا بتأويل القصة ذلك لئلا يختلف زمان الحال والعامل فإن زمان الكون في
~~ضلال مبين قبل زمان التعليم لكن كون القصة ذلك مستمر، ثم قال: وهذا تأويل
~~شائع مشهور في الحال الذي يتقدم زمان تحققه زمان تحقق العامل فاحفظه ولا
~~تلفظه انتهى، وأنت تعلم أن ما ذكره الحلبي خلاف الظاهر، وكلام عصام
~~الملة منظور فيه لأن المناسب لما ذكره على تقدير تعينه تقدير الشأن قبل 
~~أن  لا بعدها كما لا يخفى، وجوز بعضهم كون الجملة مستأنفة لا محل لها من
~~الإعراب، والأكثرون على الحالية، وعلى التقديرين فهي مبينة لكمال النعمة
~~وتمامها.

### || [3.165]

# وقوله تعالى: { أولما أصبتكم مصيبة قد أصبتم
~~مثليها قلتم أنى هذا } كلام مبتدأ مسوق لإبطال بعض ما
~~نشأ من الظنون الفاسدة إثر إبطال بعض آخر، والهمزة للتقريع والتقرير،
~~والواو عاطفة لمدخولها على محذوف قبلها، ولما ظرف بمعنى حين مضافة إلى ما
~~بعدها مستعملة في الشرط  كما ذهب إليه الفارسي  وهو الصحيح عند جمع من
~~المحققين وناصبها قلتم وهو الجزاء وقد أصبتم في محل الرفع على أنه صفة 
~~لمصيبة  وجعله في محل نصب على الحال يحتاج ms01565 إلى تكلف مستغنى عنه، والمراد
~~بالمصيبة ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين منهم  وبمثليها  ما أصاب
~~المشركين يوم بدر من قتل سبعين منهم وأسر سبعين، وجعل ذلك مثلين بجعل
~~الأسر كالقتل أو لأنهم كانوا قادرين على القتل وكان مرضي الله تعالى
~~فعدمه كان من عندهم فتركه مع القدرة لا ينافي الإصابة.

# وقيل: المراد بالمثلين المثلان في الهزيمة لا في عدد القتلى وذلك لأن
~~المسلمين هزموا الكفار يوم بدر وهزموهم أيضا يوم أحد أول الأمر، وعليه
~~يكون المراد بالمصيبة هزيمة الكفار للمسلمين بعد أن فارقوا المركز، و {
~~أنى هذا } جملة اسمية مقدمة الخبر، والمعنى من أين هذا لا كيف
~~هذا لدلالة الجواب مفعول القول، وقيل: أنى منصوبة على الظرفية  لأصابنا
~~ المقدر، وهذا فاعل له، والجملة مقول قلتم، وتوسيط الظرف وما يتعلق به
~~بينه وبين الهمزة مع أنه المقصود إنكاره والمعطوف بالواو حقيقة لتأكيد
~~النكير وتشديد التقريع فإن فعل القبيح في غير وقته أقبح والإنكار على
~~فاعله أدخل، والمعنى أحين نالكم من المشركين نصف ما قد نالهم منكم قبل
~~ذلك جزعتم وقلتم من أين هذا ونحن مسلمون نقاتل غضبا لله تعالى وفينا
~~رسوله، وهؤلاء مشركون أعداء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أو قد
~~وعدنا الله تعالى النصر؟  وإليه ذهب الجبائي  وهذا على تقدير توجيه
~~الإنكار والتقريع إلى صدور ذلك القول عنهم في ذلك الوقت خاصة بناءا على
~~عدم كونه مظنة له داعيا إليه بل على كونه داعيا إلى عدمه فإن كون مصيبة
~~عدوهم مثلي مصيبتهم ما يهون الخطب ويورث السلوة، أو أفعلتم ما فعلتم من
~~الفشل والتنازع أو الخروج من المدينة والإلحاح على النبي صلى الله عليه
~~وسلم، ولما أصابتكم غائلة ذلك قلتم أنى هذا وهذا على تقدير توجيه الإنكار
~~لاستبعادهم الحادثة مع مباشرتهم لسببها، وجوز أن يكون المعطوف عليه القول
~~إشارة إلى أن قولهم كان غير واحد بل قالوا أقوالا لا ينبغي أن يقولوها.

# وذهب جماعة إلى أن المعطوف عليه ما مضى من قوله تعالى:

# لقد صدقكم الله ms01566 وعده

# [آل عمران: 152] إلى هنا وللتعلق بقصة واحدة لم يتخلل بينهما أجنبي
~~ليكون القول بذلك بعيدا كما ادعاه أبو حيان، والهمزة حينئذ متخللة بين
~~المتعاطفين للتقرير بمعنى التثبيت أو الحمل على الإقرار والتقريع على
~~مضمون المعطوف والمعنى أكان من الله تعالى الوعد بالنصر بشرط الصبر
~~والتقوى فحين فشلتم وتنازعتم وعصيتم وأصابكم الله تعالى بما أصابكم قلتم
~~أنى هذا.

# / والجمهور على أن الهمزة مقدمة من تأخير، والواو أصلها التقديم، وهو
~~مذهب سيبويه وغيره، والجملة الاستفهامية معطوفة على ما قبلها واختار هذا
~~في «البحر»، وإسناد الإصابة إلى المصيبة مجاز وإلى المخاطبين حقيقة ولم
~~يؤت بالإسنادين من باب واحد زيادة في التقريع، وتذكير اسم الإشارة في {
~~أنى هذا } مراعاة لمعنى المصيبة المشار إليها وهو المشهور أو لما
~~أن إشارتهم ليست إلا لما شاهدوه في المعركة من حيث هو هو من غير أن يخطر
~~ببالهم تسميته باسم ما فضلا عن تسميته باسم المصيبة، وإنما هي عند
~~الحكاية وفي الآية على ما قيل: جواب ضمني عن استبعادهم تلك الإصابة، يعني
~~أن أحوال الدنيا لا تدوم على حالة واحدة فإذا أصبتم منهم مثل ما أصابوا
~~منكم وزيادة فما وجه الاستبعاد، لكن صرح بجواب آخر يبري العليل ويشفي
~~الغليل وتطأطىء منه الرؤوس فقال سبحانه:

# { قل } يا محمد في جواب سؤالهم الفاسد { هو } أي هذا الذي أصابكم
~~كائن { من عند أنفسكم } أي أنها السبب له حيث خالف الرماة أمر
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بتركهم المركز وحرصوا على الغنيمة فعاقبهم
~~الله تعالى بذلك  قاله عكرمة  أو حيث أنكم قد اخترتم قبل أن يقتل منكم
~~سبعون في مقابلة الفداء الذي أخذتموه من أسارى بدر، وعزي هذا إلى الحسن،
~~ويدل عليه ما أخرجه ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه، والنسائي وآخرون عن
~~علي كرم الله تعالى وجهه قال:

# " جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن الله تعالى
~~قد كره ما فعل قومك في أخذهم الأسارى وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما
~~أن يقدموا فتضرب ms01567 أعناقهم، وإما أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم
~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فذكر لهم ذلك فقالوا: يا رسول
~~الله عشائرنا وإخواننا نأخذ فداءهم نتقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا
~~عدتهم فليس ذلك ما نكره فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا عدة أسارى أهل
~~بدر، أو حيث اخترتم الخروج من المدينة ولم تبقوا حتى تقاتلوا المشركين "

# فيها قاله الربيع وغيره.

# وأخرج ابن جرير عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه
~~وسلم قال لأصحابه يوم أحد حين قدم أبو سفيان والمشركون:

# " إنا في جنة حصينة  يعني بذلك المدينة  فدعوا القوم يدخلوا علينا
~~نقاتلهم فقال له ناس من الأنصار: إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة وقد
~~كنا نمتنع من ذلك في الجاهلية فبالإسلام أحق أن نمتنع فابرز بنا إلى
~~القوم فانطلق فلبس لأمته فتلاوم القوم فقالوا: عرض نبي الله صلى الله
~~عليه وسلم بأمر وعرضتم بغيره اذهب يا حمزة فقل له أمرنا لأمرك تبع فأتى
~~حمزة فقال له إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يناجز وأنه
~~سيكون فيكم مصيبة قالوا: يا نبي الله خاصة أو عامة؟ قال: سترونها "

# واعترض هذا القول بأنه يأباه أن الوعد بالنصر كان بعد اختيار الخروج وأن
~~عمل النبي صلى الله عليه وسلم بموجبه قد رفع الخطر عنه وخفف جنايتهم فيه
~~على أن اختيار الخروج والإصرار عليه كان ممن أكرمهم الله تعالى بالشهادة
~~يومئذ، وأين هم من التفوه بمثل هذه الكلمة؟ وأجيب بأن الإباء المذكور في
~~حيز المنع كيف والنصر الموعود كان مشروطا بما يعلم الله تعالى عدم
~~حصوله، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان قد عمل بموجبه لكن لم تكن
~~نفسه الكريمة صلى الله عليه وسلم منبسطة لذلك ولا قلبه الشريف مائلا
~~إليه وكأن سهام الأقدار نفذت حين خالفوا رأيه السامي وعدلوا عن الورود من
~~عذب بحر عقله الطامي كما يرشدك إلى ذلك قوله عليه الصلاة والسلام بعد أن
~~لبس ms01568 لامته: «وإنه سيكون فيكم مصيبة» وقوله في جواب الاستفهام عنها:
~~«خاصة أو عامة»؟ «سترونها» فإن ذلك كالصريح في عدم الرضا والفصيح في
~~استيجاب ذلك الاختيار نزول القضاء، وبأن الخطاب في قوله تعالى: { قل
~~هو من عند أنفسكم } ليس نصا في أن المتسببين هم المتفوهون
~~بتلك / الكلمة ليضر استشهاد المختارين للخروج في المقصود لجواز أن يكون
~~من قبيل قولك لقبيلة: أنتم قتلتم فلانا والقاتل منهم أناس مخصوصون لم
~~يوجدوا وقت الخطاب، ومثل ذلك كثير في المحاورات على أن كون مصيبة
~~المتفوهين هي قتل أولئك المستشهدين نص في التأسف عليهم فيناسبه التعريض
~~بهم بنسبة القصور إليهم ليهون هذا التأسف وليعلموا أن شؤم الانحراف عن
~~سمت إرادة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعم الكبير والصغير بل ربما
~~يقال: إن استشهاد أولئك المصرين شاهد على أنهم هم الذين كانوا سببا في
~~تلك المصيبة ولهذا استشهدوا ليذهبوا إلى ربهم على أحسن حال. هذا ولا يخفى
~~أن هذا الجواب لا يخلو عن تكلف وكأن الداعي إليه أن الذاهبين إلى تفسير {
~~من عند أنفسكم } بالخروج من المدينة وتبعية أبي سفيان وقومه
~~جماعة أجلاء يبعد نسبة الغلط إليهم، فقد أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم
~~عن الحسن وابن جريج، وأخرجه ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس
~~فتدبر.

# { إن الله على كل شىء قدير } ومن جملته النصر عند
~~الموافقة والخذلان عند المخالفة، وحيث خالفتم أصابكم سبحانه بما أصابكم،
~~والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها داخل تحت الأمر، وقيل: المراد منها
~~تطييب أنفسهم ومزج مرارة التقريع بحلاوة الوعد أي أنه سبحانه قادر على
~~نصرتكم بعد لأنه على كل شيء قدير فلا تيأسوا من روح الله واعتناءا
~~بشأن التطييب وإرشادا لهم إلى حقيقة الحال فيما سألوا عنه وبيانا لبعض
~~ما فيه من الحكم ورفعا لما عسى أن يتوهم من الجواب من استقلالهم في وقوع
~~الحادثة رجع إلى خطابهم برفع الواسطة وجواب سؤالهم بأبسط عبارة فقال
~~سبحانه: { وما أصبكم }.

### || [3.166]

# { وما أصبكم } أيها المؤمنون من النكبة بقتل من ms01569 قتل منكم {
~~يوم التقى الجمعان } أي جمعكم وجمع أعدائكم المشركين، والمراد
~~بذلك اليوم يوم أحد، وقول بعضهم  لا يبعد أن يراد به يوم أحد ويوم بدر 
~~بعيد جدا { فبإذن الله } أي بإرادته، وقيل: بتخليته؛ وما اسم
~~موصول بمعنى الذي في محل رفع بالابتداء، وجملة أصابكم صلته  وبإذن الله
~~ خبره. والمراد بإذن الله يكون ويحصل، ودخول الفاء لتضمن معنى الشرط،
~~ووجه السببية ليس بظاهر إذ الإصابة ليست سببا للإرادة ولا للتخلية بل
~~الأمر بالعكس فهو من قبيل

# وما بكم من نعمة فمن الله

# [النحل: 53] أي ذلك سبب للإخبار بكونه من الله لأن قيد الأوامر قد يكون
~~للمطلوب وقد يكون للطالب وكذا الإخبار، وإلى هذا ذهب كثير من المحققين،
~~وادعى السمين أن في الكلام إضمارا أي فهو بإذن الله، ودخول الفاء لما
~~تقدم ثم قال: وهذا مشكل على ما قرره الجمهور لأنه لا يجوز عندهم دخول هذه
~~الفاء زائدة في الخبر إلا بشروط، منها أن تكون الصلة مستقبلة في المعنى
~~وذلك لأن الفاء إنما دخلت للشبه بالشرط، والشرط إنما يكون في الاستقبال
~~لا في الماضي، فلو قلت: الذي أتاني أمس فله درهم لم يصح، وأصابكم هنا ماض
~~معنى كما أنه ماض لفظا لأن القصة ماضية فكيف جاز دخول هذه الفاء؟
~~وأجابوا عنه بأنه يحمل على التبين أي وما يتبين إصابته إياكم فهو بإذن
~~الله كما تأولوا

# إن كان قميصه قد من دبر

# [يوسف: 27] بذلك، ثم قال: وإذا صح هذا التأويل فليجعل { ما } هنا شرطا
~~صريحا وتكون الفاء داخلة وجوبا لكونها واقعة جوابا للشرط انتهى، ولا
~~يخفى ما فيه { وليعلم المؤمنين } عطف على بإذن الله  من عطف
~~السبب على المسبب، والمراد ليظهر للناس ويثبت لديهم إيمان المؤمن.

### || [3.167]

# { وليعلم الذين نافقوا } كعبد الله بن أبي وأصحابه،
~~وهذا عطف على ما قبله من مثله، وإعادة الفعل إما للاعتناء بهذه العلة، أو
~~لتشريف المؤمنين وتنزيههم عن الانتظام في قرن المنافقين وللإيذان باختلاف
~~حال العلم بحسب التعلق بالفريقين فإنه متعلق بالمؤمنين على نهج تعلقه
~~السابق، وبالمنافقين ms01570 على نهج جديد وهو السر  كما قال شيخ الإسلام  في
~~إيراد الأولين بصيغة اسم الفاعل المنبئة عن الاستمرار والآخرين بموصول
~~صلته فعل دال على الحدوث.

# { وقيل لهم } عطف على { نافقوا } مؤذن بأن ذلك كان نفاقا
~~خاصا أظهروه في ذلك المقام. وقيل: ابتداء كلام معطوف على مجموع ما قبله
~~عطف قصة على قصة، ووجهه أنه جل شأنه لما ذكر أحوال المؤمنين وما جرى لهم
~~وعليهم فيما تقدم من الآيات وبين أن الدائرة إنما كانت للابتلاء وليتميز
~~المؤمنون عن المنافقين وليعلم كل واحد من الفريقين أن ما قدره الله تعالى
~~من إصابة المؤمنين كائن لا محالة أورد قصة من قصصهم مناسبة لهذا المقام
~~مستطردة، وجيء بالواو لأنها ملائمة لأصل الكلام، والنفاق على هذا مطلق
~~متعارف، وجوز أن يكون كلاما مبتدأ على سبيل الاعتراض للتنبيه على كيفية
~~ظهور نفاقهم، أو عدم ثباتهم على الإيمان. وعلى كل تقدير القائل إما رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم  وإليه ذهب الأصم  وإما عبد الله بن عمرو بن
~~حرام من بني سلمة  وإليه ذهب الأكثر  ومقول القول قوله تعالى: {
~~تعالوا قاتلوا فى سبيل الله أو ادفعوا } قال السدي
~~وابن جريج: أو ادفعوا عنا العدو بتكثير السواد، وهو المروي عن ابن عباس،
~~وقيل: إنهم خيروا بين أن يقاتلوا للآخرة أو لدفع الكفار عن أنفسهم
~~وأموالهم أو بين الأول وبين دفع المؤمنين عن ذلك كأنه قيل: قاتلوا لله
~~تعالى أو للنفاق الدافع عن أنفسكم وأموالكم، وترك العاطف الفاء أو الواو
~~بين تعالوا وقاتلوا لما أن المقصود بهما واحد وهو الثاني، وذكر الأول
~~توطئة له وترغيبا فيه لما فيه من الدلالة على التظاهر والتعاون، وقيل:
~~ترك العاطف للإشارة إلى أن كل واحد من الجملتين مقصود بنفسه، وقيل: الأمر
~~الثاني حال ولا يخفى بعده.

# { قالوا } استئناف بياني كأنه قيل فما صنعوا حين قيل لهم ذلك؟ فقيل
~~قالوا: { لو نعلم قتالا لاتبعنكم } أي لو كنا نعلم
~~أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكن لا نرى أن يكون قتال، أخرجه ابن جرير
~~وغيره عن ابن ms01571 شهاب، وقيل: أرادوا إنا لا نحسن القتال ولا نقدر عليه لأن
~~العلم بالفعل الاختياري من لوازم القدرة عليه فعبر بنفيه عن نفيها،
~~ويحتمل أنهم جعلوا نفي علم القتال كناية عن أن ما هم فيه ليس قتالا
~~بناءا على نفي العلم بنفي المعلوم لأن القتال يستدعي التكافؤ من
~~الجانبين مع رجاء مدافعة أو مغالبة ومتى لم يتحقق ذلك كان إلقاء الأنفس
~~إلى التهلكة، ومن الناس من جوز أن يكون المراد لو نعلم قتالا في سبيل
~~الله لاتبعناكم أو لو نعلم قتالا معنا لاتبعناكم لكن ليس للمخالف معنا
~~مضادة ولا قصد له إلا معكم، ولا يخفى أن هذا الكلام على جميع تقاديره
~~يصلح وقوعه جوابا لما قيل لهم على جميع تقاديره ما عدا الأول، وعلى
~~الأول يصلح هذا جوابا له على جميع تقاديره ما عدا الثاني إذ عدم المعرفة
~~بالقتال لا يكون عذرا في عدم تكثير السواد إلا على بعد ومن كلامهم:

# إن لم تقاتل يا جبان فشجع

# والمراد بالاتباع إما الذهاب للقتال ولم يعبروا به لأن ألسنتهم لكمال
~~تثبط قلوبهم عنه لا تساعدهم على الإفصاح به، وإما الذهاب مع المؤمنين
~~مطلقا سواء كان للقتال أو للدفع وتكثير السواد وحمله على امتثال الأمر
~~أي لو كنا نعلم قتالا لامتثلنا أمركم لا يخلو عن بعد.

# / { هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمن } أي هم
~~يوم إذ قالوا لو نعلم الخ أقرب للكفر منهم قبل ذلك لظهور أمارته عليهم
~~بانخذالهم عن نصرة المؤمنين واعتذارهم لهم على وجه الدغل والاستهزاء.
~~والظروف كلها في المشهور عند المعربين متعلقة  بأقرب  ومن قواعدهم أنه
~~لا يتعلق حرفا جر، أو ظرفان بمعنى بمتعلق واحد إلا في ثلاث صور: إحداها:
~~أن يتعلق أحدهما به مطلقا ثم يتعلق به الآخر بعد تقييده بالأول،
~~وثانيتها: أن يكون الثاني تابعا للأول ببدلية ونحوها، وثالثتها: أن يكون
~~المتعلق أفعل تفضيل لتضمنه الفاضل والمفضول الذي يجعله بمنزلة تعدد
~~المتعلق كما في المقيد والمطلق، وما نحن فيه من هذا القبيل كأنه قيل
~~قربهم من الكفر يزيد على ms01572 قربهم من الإيمان، واللام الجارة في الموضعين
~~بمعنى إلى بناءا على ما قيل: إن صلة القرب تكون من وإلى لا غير، تقول:
~~قرب منه وإليه، ولا تقول له، أو على حالها بناءا على ما في «الدر
~~المصون» أن القرب الذي هو ضد البعد يتعدى بثلاثة أحرف اللام وإلى ومن،
~~وقيل: إن أقرب هنا من القرب بفتح الراء وهو طلب الماء ومنه القارب
~~لسفينته، وليلة القرب أي الورود، والمعنى هم أطلب للكفر وحينئذ يتعدى
~~باللام اتفاقا. وزعم بعضهم أن اللام هنا للتعليل والتقدير هم لأجل كفرهم
~~يومئذ أقرب من الكافرين منهم من المؤمنين لأجل إيمانهم، ولا ينبغي أن
~~يخرج كلام الله تعالى عليه لمزيد بعده وركاكة نظمه لو صرح بما حذف فيه.

# وجوز أن يقدر في الكلام مضاف وهو أهل، واللام متعلقة بتمييز محذوف وهو
~~نصرة والمعنى هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان إذ كان انخذالهم
~~ومقالهم تقوية للمشركين وتخذيلا للمؤمنين، وهذا كما تقول: أنا لزيد أشد
~~ضربا مني لعمرو، وأنت تعلم أنه يمكن تعلق اللام بالتمييز عند عدم اعتبار
~~حذف المضاف أيضا، وادعى الواحدي أن في الآية دليلا على أن الآتي بكلمة
~~التوحيد لا يكفر لأنه تعالى لم يظهر القول بتكفيرهم.

# وقال الحسن: إذا قال الله تعالى { أقرب } فهو لليقين بأنهم مشركون
~~ولا يخفى أن الآية كالصريح في كفرهم لكنهم مع هذا لا يستحقون أن يعاملوا
~~بذلك معاملة الكفار ولعله لأمر آخر.

# { يقولون بأفوههم ما ليس فى قلوبهم } جملة مستأنفة
~~مبينة لحالهم مطلقا لا في ذلك اليوم فقط ولذا فصلت، وقيل: حال من ضمير
~~أقرب وتقييد القول بالأفواه إما بيان لأنه كلام لفظي لا نفسي، وإما تأكيد
~~على حد

# ولا طائر يطير بجناحيه

# [الأنعام: 38] والمراد أنهم يظهرون خلاف ما يضمرون؛ وقال شيخ الإسلام:
~~((إن ذكر الأفواه والقلوب تصوير لنفاقهم وتوضيح لمخالفة ظاهرهم لباطنهم
~~وإن ما عبارة عن القول والمراد به إما نفس الكلام الظاهر في اللسان تارة
~~وفي القلب أخرى، فالمثبت والمنفي متحدان ذاتا وصفة وإن اختلفا مظهرا، ms01573
~~وإما القول الملفوظ فقط فالمنفي حينئذ منشؤه الذي لا ينفك عنه القول
~~أصلا، وإنما عبر عنه به إبانة لما بينهما من شدة الاتصال، والمعنى
~~يتفوهون بقول لا وجود له أو لمنشئه في قلوبهم أصلا من الأباطيل التي من
~~جملتها ما حكى عنهم آنفا فإنهم أظهروا فيه أمرين ليس في قلوبهم شيء
~~منهما، أحدهما: عدم العلم بالقتال والآخر: الاتباع على تقدير العلم به
~~وقد كذبوا فيهما كذبا بينا حيث كانوا عالمين به [غير ناوين للاتباع بل
~~كانوا] مصرين مع ذلك على الانخذال عازمين على الارتداد))، واختار بعضهم
~~كون { ما } عبارة عن القول الملفوظ، ومعنى كونه ليس في قلوبهم أنه غير
~~معتقد لهم ولا متصور عندهم إلا كتصور زوجية الثلاثة مثلا والحكم عام؛
~~ويدخل فيه حكم ما تفوهوا به من مجموع القضية الشرطية لا خصوص المقدم فقط
~~ولا خصوص / التالي فقط ولا الأمران معا دون الهيئة الاجتماعية المعتبرة
~~في القضية ولعل ما ذكره الشيخ أولى.

# { والله أعلم بما يكتمون } زيادة تحقيق لكفرهم ونفاقهم
~~ببيان اشتغال قلوبهم بما يخالف أقوالهم من فنون الشر والفساد إثر بيان
~~خلوهم عما يوافقها، والمراد أعلم من المؤمنين لأنه تعالى يعلمه مفصلا
~~بعلم واجب، والمؤمنون يعلمونه مجملا بأمارات، ويجوز أن تكون الجملة
~~حالية للتنبيه على أنهم لا ينفعهم النفاق، وأن المراد أعلم منهم لأن الله
~~تعالى يعلم نتيجة أسرارهم وآمالهم.

### || [3.168]

# { الذين قالوا } مرفوع على أنه بدل من واو

# يكتمون

# [آل عمران: 167] كأنه قيل: والله أعلم بما يكتم الذين قالوا، أو خبر
~~لمبتدأ محذوف أي هم الذين، وقيل: مبتدأ خبره قل فادرءوا بحذف العائد أي
~~قل لهم الخ، أو منصوب على الذم أو على أنه نعت للذين نافقوا، أو بدل منه،
~~أو مجرور على أنه بدل من ضمير أفواههم، أو قلوبهم، وجاء إبدال المظهر من
~~ضمير الغيبة في كلامهم، ومنه قول الفرزدق:

# على حالة لو أن في القوم حاتما

# على جوده لضن بالماء حاتم

# بجر حاتم بدلا من ضمير جوده لأن القوافي مجرورة. والمعنى يقولون بأفواه
~~الذين قالوا، ms01574 أو يقولون بأفواههم ما ليس في قلوب الذين قالوا، والكلام
~~على الوجهين من باب التجريد كقوله:

# يا خير من يركب المطي ولا

# يشرب كأسا من كف من بخلا

# والقائل كما قال السدي وغيره هو عبد الله بن أبي وأصحابه، وقد قالوا
~~ذلك في يوم أحد { لإخونهم } أي لأجل إخوانهم الذين خرجوا مع النبي
~~صلى الله عليه وسلم وقتلوا في ذلك اليوم، والمراد لذوي قرابتهم أو لمن هو
~~من جنسهم { وقعدوا } حال من ضمير قالوا وقد مرادة أي قالوا وقد
~~قعدوا عن القتال بالانخذال، وجوز أن يكون معطوفا على الصلة فيكون
~~معترضا بين قالوا ومعمولها وهو قوله تعالى: { لو أطاعونا } أي في
~~ترك القتال { ما قتلوا } كما لم نقتل وفيه إيذان بأنهم أمروهم
~~بالانخذال حين انخذلوا، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن جرير عن السدي قال: خرج
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف رجل وقد وعدهم الفتح إن صبروا فلما
~~خرجوا رجع عبد الله بن أبي في ثلثمائة فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم
~~فلما غلبوه وقالوا له:

# لو نعلم قتالا لاتبعناكم

# [آل عمران: 167] قالوا له: ولئن أطعتنا لترجعن معنا فذكر الله تعالى نعي
~~قولهم لئن أطعتنا لترجعن معنا بقوله سبحانه: { الذين قالوا } الخ،
~~وبعضهم حمل القعود على ما استصوبه ابن أبي عند المشاورة من المقاومة
~~بالمدينة ابتداءا وجعل الإطاعة عبارة عن قبول رأيه والعمل به  ولا يخلو
~~عن شيء  بل قال مولانا شيخ الإسلام: يرده كون الجملة حالية فإنها لتعيين
~~ما فيه العصيان والمخالفة مع أن ابن أبي ليس من القاعدين فيها بذلك
~~المعنى على أن تخصيص عدم الطاعة بإخوانهم ينادي باختصاص الأمر أيضا بهم
~~فيستحيل أن يحمل على ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم عند المشاورة.

# { قل } يا محمد تبكيتا لهم وإظهارا لكذبهم. { فادرءوا عن
~~أنفسكم الموت } أي فادفعوا عنها ذلك وهو جواب لشرط قد حذف
~~لدلالة قوله تعالى: { إن كنتم صدقين } عليه كما أنه شرط حذف
~~جوابه لدلالة { فادرءوا } عليه، ومن جوز تقدم الجواب لم يحتج ms01575 لما ذكر؛
~~ومتعلق الصدق هو ما تضمنه قولهم من أن سبب نجاتهم القعود عن القتال،
~~والمراد أن ما ادعيتموه سبب النجاة ليس بمستقيم ولو فرض استقامته فليس
~~بمفيد، أما الأول: فلأن أسباب النجاة كثيرة غايته أن القعود / والنجاة
~~وجدا معا وهو لا يدل على السببية، وأما الثاني: فلأن المهروب عنه بالذات
~~هو الموت الذي القتل أحد أسبابه فإن صح ما ذكرتم فادفعوا سائر أسبابه فإن
~~أسباب الموت في إمكان المدافعة بالحيل وامتناعها سواء، وأنفسكم أعز عليكم
~~وأمرها أهم لديكم، وقيل: متعلق الصدق ما صرح به من قولهم: { لو
~~أطاعونا ما قتلوا } والمعنى أنهم لو أطاعوكم وقعدوا لقتلوا
~~قاعدين كما قتلوا مقاتلين، وحينئذ يكون { فادرءوا } الخ استهزاءا بهم
~~أي إن كنتم رجالا دفاعين لأسباب الموت فادرءوا جميع أسبابه حتى لا
~~تموتوا كما درأتم بزعمكم هذا السبب الخاص، وفي «الكشاف» «روي أنه مات يوم
~~قالوا هذه المقالة منهم سبعون منافقا» بعدد من قتل بأحد.

### || [3.169]

# { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أموتا
~~} أخرج الإمام أحمد وجماعة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله تعالى أرواحهم في أجواف طير خضر ترد
~~أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش
~~فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون
~~ما صنع الله تعالى لنا "

# وفي لفظ

# " قالوا من يبلغ إخواننا أننا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في
~~الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله تعالى أنا أبلغهم عنكم "

# فأنزل هؤلاء الآيات.

# وأخرج الترمذي وحسنه. والحاكم وصححه، وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال:
~~لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

# " يا جابر مالي أراك منكسرا فقلت يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالا
~~ودينا فقال: ألا أبشرك بما لقي الله تعالى به أباك؟ قلت: بلى قال: ما
~~كلم الله تعالى أحدا قط إلا من وراء حجاب وأحيا أباك فكلمه كفاحا وقال:
~~يا ms01576 عبدي تمن علي أعطك قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية قال الرب
~~تعالى: قد سبق مني أنهم لا يرجعون قال: أي ربي فأبلغ من ورائي فأنزل
~~الله تعالى هذه الآية "

# ولا تنافي بين الروايتين لجواز أن يكون كلا الأمرين قد وقع، وأنزل الله
~~تعالى الآية لهما والأخبار متضافرة على نزولها في شهداء أحد، وفي رواية
~~ابن المنذر عن إسحق ابن أبي طلحة قال: حدثني أنس في أصحاب رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم الذين أرسلهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى بئر معونة
~~وساق الحديث بطوله  إلى أن قال  وحدثني أن الله تعالى أنزل فيهم قرآنا
~~بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه ثم نسخت فرفعت
~~بعد ما قرأناه زمانا، فأنزل الله تعالى: { ولا تحسبن } الخ. ومن
~~هنا قيل: إن الآية نزلت فيهم، وأنت تعلم أن الخبر ليس نصا في ذلك، وزعم
~~بعضهم أنها نزلت في شهداء بدر، وادعى العلامة السيوطي أن ذلك غلط، وأن
~~آية البقرة هي النازلة فيهم، وهي كلام مستأنف مسوق إثر بيان أن الحذر لا
~~يسمن ولا يغني لبيان أن القتل الذي يحذرونه ويحذرون منه ليس مما يحذر بل
~~هو من أجل المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون، والخطاب لرسول الله صلى
~~الله عليه وسلم أو لكل من يقف على الخطاب مطلقا. وقيل: من المنافقين
~~الذين قالوا:

# لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا

# [آل عمران: 168] وإنما عبر عن اعتقادهم بالظن لعدم الاعتداد به، وقرىء 
~~يحسبن  بالياء التحتانية على الإسناد إلى ضمير النبي صلى الله عليه
~~وسلم، أو ضمير من يحسب على طرز ما ذكر في الخطاب، وقيل: إلى الذين قتلوا
~~والمفعول الأول محذوف لأنه في الأصل مبتدأ جائز الحذف عند القرينة أي 
~~ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتا .

# واعترضه أبو حيان ((بأنه إنما يتمشى على رأي الجمهور فإنهم يجوزون هذا
~~الحذف لكنه عندهم عزيز جدا، ومنعه إبراهيم بن ملكون الأشبيلي البتة، وما
~~كان [بهذه المثابة] ممنوعا عند بعضهم عزيزا [حذفه] عند الجمهور ينبغي
~~أن لا ms01577 يحمل عليه كلام الله تعالى))، وفيه أن هذا من باب التعصب لأن حذف
~~أحد المفعولين في باب الحسبان لا يمنع اختصارا / على الصحيح بل
~~اقتصارا، و { ما } هنا من الأول فيجوز مع أنه جوز الاقتصار بعضهم ويكفي
~~للتخريج مثله.

# وذكر العلامة الطيبي أن حذف أحد المفعولين في هذا الباب مذهب الأخفش،
~~وظاهر صنيع البعض يفهم منه تقديره مضمرا أي ولا يحسبنهم الذين قتلوا،
~~والمراد لا يحسبن أنفسهم، واعترضه أبو حيان بشيء آخر أيضا، وهو ((أن فيه
~~تقديم المضمر على مفسره وهو محصور في أماكن [لا تتعدى] ليس هذا منها))،
~~ورده السفاقسي بأنه وإن لم يكن هذا منها لكن عود الضمير على الفاعل لفظا
~~جائز لأنه مقدم معنى وتعدي أفعال القلوب إلى ضمير الفاعل جائز، وقد ظن
~~السيرافي وغيره على جواز ظنه زيد منطلقا وظنهما الزيدان منطلقين، وهذا
~~نظيره ما ذكره هذا البعض، فالاعتراض عليه في غاية الغرابة، ثم المراد من
~~توجيه النهي إلى المقتولين تنبيه السامعين على أنهم أحقاء بأن يتسلوا
~~بذلك، ويبشروا بالحياة الأبدية والنعيم المقيم لكن لا في جميع أوقاتهم بل
~~عند ابتداء القتل إذ بعد تبين حالهم لهم لا تبقى لاعتبار تسليتهم
~~وتبشيرهم فائدة ولا لتنبيه السامعين وتذكيرهم وجه قاله شيخ الإسلام.
~~وقيل: هو نهي في معنى النفي وقد ورد ذلك وإن قل، أو هو نهي عن حسبانهم
~~أنفسهم أمواتا في وقت ما وإن كانوا وقت الخطاب عالمين بحياتهم، وقرىء {
~~ولا تحسبن } بكسر السين، وقرأ ابن عامر { قتلوا } بالتشديد
~~لكثرة المقتولين.

# { بل أحيآء } أي بل هم أحياء مستمرون على ذلك، وقرىء بالنصب،
~~وخرجه الزجاج على أنه مفعول لمحذوف أي بل أحسبهم أحياء، ورده الفارسي بأن
~~الأمر يقين فلا يؤمر فيه بحسبان وإضمار غير فعل الحسبان كأعتقدهم أو
~~أجعلهم ضعيف إذ لا دلالة عليه على أن تقدير اجعلهم قال فيه أبو حيان: إنه
~~لا يصح البتة سواء جعلته بمعنى أخلقهم أو صيرهم أو سمهم أو ألفهم، نعم
~~قال السفاقسي: يصح إذا كان بمعنى اعتقدهم لكن يبقى حديث عدم ms01578 الدلالة على
~~حاله، وأجاب الجلبي بأن عدم الدلالة اللفظية مسلم لكن إذا أرشد المعنى
~~إلى شيء قدر من غير ضعف وإن كانت دلالة اللفظ أحسن، وقال العلامة الثاني:
~~لا منع من الأمر بالحسبان لأنه ظن لا شك والتكليف بالظن واقع لقوله
~~تعالى:

# فاعتبروا يأولي الأبصار

# [الحشر: 2] أمرا بالقياس وتحصيل الظن، وقال بعضهم: المراد اليقين ويقدر
~~أحسبهم للمشاكلة ولا يخفى أنه تعسف لأن الحذف في المشاكلة لم يعهد.

# { عند ربهم } في محل رفع على أنه خبر ثان للمبتدأ المقدر، أو صفة
~~لأحياء، أو في محل نصب على أنه حال من الضمير في أحياء وجوز أبو البقاء
~~كونه ظرفا له أو للفعل الذي بعده، وعند هنا ليست للقرب المكاني
~~لاستحالته ولا بمعنى في علمه وحكمه كما تقول: هذا عند أبي حنيفة رضي
~~الله تعالى عنه كذا لعدم مناسبته للمقام بل بمعنى القرب والشرف أي ذوو
~~زلفى ورتبة سامية، وزعم بعضهم أن معنى في علم الله تعالى مناسب للمقام
~~لدلالته على التحقق أي إن حياتهم متحققة لا شبهة فيها ولا يخفى أن المقام
~~مقام مدح فتفسير العندية بالقرب أنسب به. وفي الكلام دلالة على التحقق من
~~وجوه أخر وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم مزيد تكرمة
~~لهم.

# { يرزقون } صفة لأحياء، أو حال من الضمير فيه أو في الظرف وفيه
~~تأكيد لكونهم أحياء وقد تقدم الكلام في حياتهم على أتم وجه، والقول بأن
~~أرواحهم تتعلق بالأفلاك والكواكب فتلتذ بذلك وتكتسب زيادة كمال قول هابط
~~إلى الثرى، ولا أظن القائل به قرع سمعه الروايات الصحيحة والأخبار
~~الصريحة بل لم يذق طعم الشريعة الغراء ولا تراءى له منهج المحجة البيضاء
~~وخبر القناديل لا ينور كلامه ولا يزيل ظلامه / فلعمري إن حال الشهداء
~~وحياتهم وراء ذلك.

### || [3.170]

# { فرحين } جوز أن يكون حالا من الضمير في

# يرزقون

# [آل عمران: 169] أو من الضمير في { أحياء } أو من الضمير في الظرف،
~~وأن يكون نصبا على المدح، أو الوصفية لإحياء في قراءة النصب ومعناه
~~مسرورين { بما ءاتهم الله } بعد ms01579 انتقالهم من الدنيا { من
~~فضله } متعلق بآتاهم، ومن إما للسببية أو لابتداء الغاية أو متعلق
~~بمحذوف وقع حالا من الضمير المحذوف العائد على الموصول، ومن للتبعيض
~~والتقدير بما آتاهموه حال كونه كائنا بعض فضله. والمراد بها المؤتى ضروب
~~النعم التي ينالها الشهداء يوم القيامة أو بعد الشهادة أو نفس الفوز
~~بالشهادة في سبيل الله تعالى:

# { ويستبشرون } أي يسرون بالبشارة، وأصل الاستبشار طلب البشارة
~~وهو الخبر السار إلا أن المعنى هنا على السرور استعمالا للفظ في لازم
~~معناه وهو استئناف أو معطوف على { فرحين } لتأويله بيفرحون. وجوز أن
~~يكون التقدير وهم يستبشرون فتكون الجملة حالا من الضمير في { فرحين }
~~أو من ضمير المفعول في { آتاهم } وإنما احتيج إلى تقدير مبتدأ عند
~~جعلها حالا لأن المضارع المثبت إذا كان حالا لا يقترن بالواو.

# { بالذين لم يلحقوا بهم } أي باخوانهم الذين لم يقتلوا
~~بعد في سبيل الله تعالى فيلحقوا بهم { من خلفهم } متعلق بيلحقوا
~~والمعنى أنهم بقوا بعدهم وهم قد تقدموهم. ويجوز أن يكون حالا من فاعل {
~~يلحقوا } أي لم يلحقوهم متخلفين عنهم باقين بعد في الدنيا.

# { ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون } بدل من الذين بدل
~~اشتمال مبين لكون استبشارهم بحال إخوانهم لا بذواتهم أي يستبشرون بما
~~تبين لهم من حسن حال إخوانهم الذين تركوهم أحياء وهو أنهم عند قتلهم في
~~سبيل الله تعالى يفوزون كما فازوا ويحوزون من النعيم كما حازوا، وإلى هذا
~~ذهب ابن جريج وقتادة، وقيل: إنه منصوب بنزع الخافض أي لئلا، أو بأن لا
~~وهو معمول ليستبشرون واقع موقع المفعول من أجله أي يستبشرون بقدوم
~~إخوانهم الباقين بعدهم إليهم لأنهم لا خوف عليهم الخ، فالاستبشار حينئذ
~~ليس بالأحوال.

# ويؤيد هذا ما روي عن السدي أنه يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه
~~من إخوانه يبشر بذلك فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا،
~~فضمير، عليهم وما بعده على هذا راجع إلى الذين الأول، وعلى الأول إلى
~~الثاني، ومن الناس من فسر  الذين لم يلحقوا  بالمتخلفين في ms01580 الفضل عن
~~رتبة الشهداء وهم الغزاة الذين جاهدوا في سبيل الله تعالى ولم يقتلوا بل
~~بقوا حتى ماتوا في مضاجعهم، فإنهم وإن لم ينالوا مراتب الشهداء إلا أن
~~لهم أيضا فضلا عظيما بحيث لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لمزيد فضل
~~الجهاد، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر من الآية وإن كان فضل الغزاة وإن لم
~~يقتلوا مما لا يتناطح فيه كبشان، وأن على كل تقدير هي المخففة واسمها
~~ضمير الشأن وخبرها الجملة المنفية، والمعنى لا خوف عليهم فيمن خلفوه من
~~ذريتهم فإن الله تعالى يتولاهم ولا هم يحزنون على ما خلفوا من أموالهم
~~لأن الله تعالى قد أجزل لهم العوض، أو لا خوف عليهم فيما يقدمون عليه لأن
~~الله تعالى محص ذنوبهم بالشهادة ولا هم يحزنون على مفارقة الدنيا فرحا
~~بالآخرة، أو لا خوف عليهم في الدنيا من القتل فإنه عين الحياة التي يجب
~~أن يرغب فيها فضلا عن أن يخاف ويحذر ولا هم يحزنون على المفارقة، وقيل:
~~إن كلا هذين المنفيين فيما يتعلق بالآخرة، والمعنى أنهم لا يخافون وقوع
~~مكروه من أهوالها، ولا يحزنون / من فوات محبوب من نعيمها، وهو وجه وجيه.

# والمراد بيان دوام انتفاء ذلك لا بيان انتفاء دوامه كما يوهمه كون الخبر
~~في الجملة الثانية مضارعا فإن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد
~~الدوام والاستمرار بحسب المقام؛ وقد تقدمت الإشارة إليه.

### || [3.171]

# { يستبشرون } مكرر للتأكيد وليتعلق به قوله تعالى: { بنعمة
~~من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر
~~المؤمنين } فحينئذ يكون بيانا وتفسيرا لقوله سبحانه:

# ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون

# [آل عمران: 170] لأن الخوف غم يلحق الإنسان مما يتوقعه من السوء، والحزن
~~غم يلحقه من فوات نافع أو حصول ضار فمن كان متقلبا في نعمة من الله
~~تعالى وفضل منه سبحانه فلا يحزن أبدا، ومن جعلت أعماله مشكورة غير مضيعة
~~فلا يخاف العاقبة، ويجوز أن يكون بيان ذلك النفي بمجرد قوله جل وعلا: {
~~بنعمة من الله وفضل } من غير ضم ما بعده إليه، وقيل: ms01581
~~الاستبشار الأول: بدفع المضار ولذا قدم، والثاني: بوجود المسار أو الأول:
~~لإخوانهم، والثاني: لهم أنفسهم، ومن الناس من أعرب يستبشرون بدلا من
~~الأول ولذا لم تدخل واو العطف عليه، ومن الله متعلق بمحذوف وقع صفة 
~~لنعمة  مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية،
~~وجمع  الفضل والنعمة  مع أنهما كثيرا ما يعبر بهما عن معنى واحد إما
~~للتأكيد وإما للإيذان بأن ما خصهم به سبحانه ليس نعمة على قدر الكفاية من
~~غير مضاعفة سرور ولذة، بل زائد عليها مضاعف فيها ذلك، ونظيره قوله تعالى:

# للذين أحسنوا الحسنى وزيادة

# [يونس: 26] وعطف { وأن } على فضل أو على نعمة وعلى التقديرين مضمون
~~ما بعدها داخل في المستبشر به.

# وقرأ الكسائي { وإن } بكسر الهمزة على أنه تذييل لمضمون ما قبله من
~~الآيات السابقة، أو اعتراض بين التابع والمتبوع بناءا على أن الموصول
~~الآتي تابع للذين لم يلحقوا، والمراد من المؤمنين إما الشهداء والتعبير
~~عنهم بذلك للإعلام بسمو مرتبة الإيمان وكونه مناطا لما نالوه من
~~السعادة، وإما كافة المؤمنين، وذكرت توفية أجورهم وعدت من جملة المستبشر
~~به على ما اقتضاه العطف بحكم الأخوة في الدين، واختار هذا الوجه كثير.
~~ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن زيد أن هذه الآية جمعت المؤمنين
~~كلهم سوى الشهداء وقل ما ذكر الله تعالى فضلا ذكر به الأنبياء وثوابا
~~أعطاهم إلا ذكر سبحانه ما أعطى الله تعالى المؤمنين من بعدهم، وفي الآية
~~إشعار بأن من لا إيمان له أعماله محبطة وأجوره مضيعة.

### || [3.172]

# { الذين استجابوا } أي أطاعوا { لله والرسول }
~~بامتثال الأوامر { من بعد مآ أصابهم القرح } أي نالهم
~~الجراح يوم أحد، والموصول في موضع جر صفة للمؤمنين أو في موضع نصب بإضمار
~~أعني، أو في موضع رفع على إضمارهم، ((أو مبتدأ أول وخبره جملة قوله
~~تعالى: { للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم }
~~قال الطبرسي وهو الأشبه)): ومنهم حال من الضمير في أحسنوا ومن للتبعيض 
~~وإليه ذهب بعضهم  وذهب غير واحد إلى أنها للبيان، فالكلام حينئذ فيه
~~تجريد ms01582 جرد من الذين استجابوا لله والرسول المحسن المتقي، والمقصود من
~~الجمع بين الوصفين المدح والتعليل لا التقييد لأن المستجيبين كلهم محسنون
~~ومتقون، قال ابن إسحق وغيره: لما كان يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من
~~شوال وكانت وقعة أحد يوم السبت للنصف منه أذن مؤذن رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم بطلب العدو وأن لا يخرج معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس
~~فكلمه جابر بن عبد الله بن حزام فقال: يا رسول الله إن / أبي كان خلفني
~~على أخوات لي سبع وقال: يا بني لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة
~~لا رجل فيهن ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~على نفسي فتخلف على أخواتك فتخلفت عليهن فأذن له رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إرهابا للعدو حتى انتهى إلى
~~حمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة فأقام بها يوم الاثنين
~~والثلاثاء والأربعاء ثم رجع إلى المدينة وقد مر به معبد بن أبي معبد
~~الخزاعي وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك
~~فقال: يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن
~~الله تعالى عافاك فيهم، ثم ذهب ورسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء
~~الأسد حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا: أصبنا أجل أصحابه وقادتهم
~~وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرن عليهم فلنفرغن منهم فلما رأى أبو
~~سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم
~~في جمع لم أر مثله قط وهم يتحرقون عليكم تحرقا وقد اجتمع معه من كان
~~تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر
~~مثله قال: ويلك ما تقول؟ قال ما أرى ms01583 والله أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل
~~قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم قال: فإني أنهاك عن
~~ذلك ووالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتا من الشعر قال: وما
~~قلت؟ قال قلت:

# كادت تهد من الأصوات راحلتي

# إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل

# ترمى بأسد كرام لا تنابلة

# عند اللقاء ولا ميل معازيل

# فظلت عدوا كأن الأرض مائلة

# لما سموا برئيس غير مخذول

# وقلت: ويل ابن حرب من لقائهم

# إذا تغطمطت البطحاء بالخيل

# إني نذير لأهل النبل ضاحية

# لكل آربة منهم ومعقول

# من خيل أحمد لا وخشا تنابلة

# وليس يوصف ما أنذرت بالقيل

# فثنى عند ذلك أبو سفيان ومن معه ومر به ركب من عبد القيس فقال: أين
~~تريدون؟ قالوا: نريد المدينة قال ولم؟ قالوا: نريد الميرة قال: فهل أنتم
~~مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل هذه لكم غدا زبيبا
~~بعكاظ إذا وافيتموه؟ قالوا: نعم قال: إذا وافيتموه فأخبروه أن قد أجمعنا
~~السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم فمر الركب برسول الله صلى الله
~~عليه وسلم وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه فقال:
~~حسبنا الله ونعم الوكيل، وأخرج ابن هشام أن أبا سفيان لما أراد الرجوع
~~إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم صفوان بن أمية بن خلف: لا
~~تفعلوا فإن القوم قد جربوا وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان
~~فارجعوا إلى محالكم فرجعوا فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
~~بحمراء الأسد أنهم هموا بالرجعة قال: والذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة
~~لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وأصحابه إلى المدينة وأنزل الله تعالى هذه الآيات، وإلى هذا ذهب أكثر
~~المفسرين.

### || [3.173]

# فقوله تعالى: { الذين قال لهم الناس إن الناس قد
~~جمعوا لكم فاخشوهم } بدل من

# الذين استجابوا

# [آل عمران: 172] أو صفة، والمراد من الناس الأول: ركب عبد قيس، ومن
~~الثاني: أبو سفيان ms01584 ومن معه فأل فيهما للعهد والناس الثاني غير الأول. /
~~وروي عن مجاهد. وقتادة. وعكرمة. وغيرهم أنهم قالوا: والخبر متداخل نزلت
~~هذه الآيات في غزوة بدر الصغرى، وذلك

# " أن أبا سفيان قال يوم أحد حين أراد أن ينصرف: يا محمد موعد ما بيننا
~~وبينك موسم بدر القابل إن شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك
~~بيننا وبينك إن شاء الله تعالى فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في
~~أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية مر الظهران، وقيل: بلغ عسفان فألقى الله
~~تعالى عليه الرعب فبدا له الرجوع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم
~~معتمرا فقال له أبو سفيان: إني واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر
~~وأن هذه عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد
~~بدا لي وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأة فالحق المدينة
~~فتثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل أضعها على يدي سهيل بن عمرو فأتى نعيم
~~المدينة فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال لهم: بئس الرأي رأيكم
~~أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلا شريد فتريدون أن تخرجوا إليهم
~~وقد جمعوا لكم عند الموسم فوالله لا يفلت منكم أحد فكره أصحاب رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم الخروج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي
~~نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي» فخرج ومعه سبعون راكبا يقولون: حسبنا الله
~~ونعم الوكيل حتى وافى بدرا فأقام بها ثمانية أيام ينتظر أبا سفيان وقد
~~انصرف أبو سفيان ومن معه من مجنة إلى مكة فسماهم أهل مكة جيش السويق
~~يريدون أنكم لم تفعلوا شيئا سوى شرب السويق ولم يلق رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم أحدا من المشركين فكر راجعا إلى المدينة "

# ، وفي ذلك يقول عبد الله بن رواحة أو كعب بن مالك:

# وعدنا أبا سفيان وعدا فلم نجد

# لميعاده صدقا وما كان وافيا

# فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا

# لأبت ذميما وافتقدت المواليا

# تركنا به أوصال ms01585 عتبة وابنه

# وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا

# عصيتم رسول الله أف لدينكم

# وأمركم الشيء الذي كان غاويا

# وإني وإن عنفتموني لقائل

# فدى لرسول الله أهلي وماليا

# أطعناه لم نعدله فينا بغيره

# شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا

# فعلى هذا المراد من الناس الأول نعيم، وأطلق ذلك عليه كما يطلق الجمع
~~واسم الجمع المحلى بأل الجنسية على الواحد منه مجازا كما صرحوا به، أو
~~باعتبار أن المذيعين له كالقائلين لهم لكن في كون القائل نعيما مقال.

# وقد ذكره ابن سعد في «طبقاته»، وذكر بعضهم أن القائلين أناس من عبد قيس.

# { فزادهم إيمنا } الضمير المستكن للمقول أو لمصدر قال أو
~~لفاعله إن أريد به نعيم وحده، أو لله تعالى، وتعقب أبو حيان ((الأول بأنه
~~ضعيف من حيث إنه لا يزيد إيمانا إلا النطق به لا هو في نفسه، وكذا
~~الثالث بأنه إذا أطلق على المفرد لفظ الجمع مجازا فإن الضمائر تجري على
~~ذلك الجمع لا على المفرد فيقال: مفارقه شابت باعتبار الإخبار عن الجمع،
~~ولا يجوز مفارقه شاب باعتبار مفرقه شاب))، وفي كلا التعقيبين نظر، أما
~~الأول: فقد نظر فيه الحلبي بأن المقول هو الذي في الحقيقة حصل به زيادة
~~الإيمان، وأما الثاني: فقد نظر فيه السفاقسي بأنه لا يبعد جوازه بناءا
~~على ما علم من استقراء كلامهم فيما له لفظ وله معنى من اعتبار اللفظ تارة
~~والمعنى أخرى. والمراد أنهم لم يلتفتوا إلى ذلك بل ثبت به يقينهم بالله
~~تعالى وازدادوا طمأنينة واظهروا حمية الإسلام.

# / واستدل بذلك من قال: إن الإيمان يتفاوت زيادة ونقصانا وهذا ظاهر إن
~~جعلت الطاعة من جملة الإيمان وأما إن جعل الإيمان نفس التصديق والاعتقاد
~~فقد قالوا في ذلك: إن اليقين مما يزداد بالألف وكثرة التأمل وتناصر الحجج
~~بلا ريب، ويعضد ذلك أخبار كثيرة، ومن جعل الإيمان نفس التصديق وأنكر أن
~~يكون قابلا للزيادة والنقصان يؤول ما ورد في ذلك باعتبار المتعلق، ومنهم
~~من يقول: إن زيادته مجاز عن زيادة ثمرته وظهور آثاره وإشراق نوره وضيائه
~~في ms01586 القلب ونقصانه على عكس ذلك، وكأن الزيادة هنا مجاز عن ظهور الحمية
~~وعدم المبالاة بما يثبطهم، وأنت تعلم أن التأويل الأول هنا خفي جدا لأنه
~~لم يتجدد للقوم بحسب الظاهر عند ذلك القول شيء يجب الإيمان به كوجوب صلاة
~~أو صوم مثلا ليقال: إن زيادة إيمانهم باعتبار ذلك المتعلق وكذا التزام
~~التأويل الثاني في الآيات والآثار التي لم تكد تتمنطق بمنطقة الحصر بعيد
~~غاية البعد. فالأولى القول بقبول الإيمان الزيادة والنقصان من غير تأويل،
~~وإن قلنا: إنه نفس التصديق وكونه إذا نقص يكون ظنا أو شكا ويخرج عن
~~كونه إيمانا وتصديقا مما لا ظن ولا شك في أنه على إطلاقه ممنوع. نعم قد
~~يكون التصديق بمرتبة إذا نزل عنها يخرج عن كونه تصديقا وذاك مما لا نزاع
~~لأحد في أنه لا يقبل النقصان مع بقاء كونه تصديقا، وإلى هذا أشار بعض
~~المحققين.

# { وقالوا حسبنا الله } أي محسبنا وكافينا من أحسبه إذا كفاه،
~~والدليل على أن حسب بمعنى محسب اسم فاعل وقوعه صفة للنكرة في هذا رجل
~~حسبك مع إضافته إلى ضمير المخاطب فلولا أنه اسم فاعل وإضافته لفظية لا
~~تفيده تعريفا كإضافة المصدر ما صح كونه صفة لرجل كذا قالوا، ومنه يعلم
~~أن المصدر المؤل باسم الفاعل له حكمه في الإضافة، والجملة الفعلية معطوفة
~~على الجملة التي قبلها.

# { ونعم الوكيل } أي الموكول إليه ففعيل بمعنى مفعول والمخصوص
~~بالمدح محذوف هو ضميره تعالى، والظاهر عطف هذه الجملة الإنشائية على
~~الجملة الخبرية التي قبلها، والواو إما من الحكاية أو من المحكي فإن كان
~~الأول وقلنا بجواز عطف الإنشاء على الإخبار فيما له محل من الإعراب
~~لكونهما حينئذ في حكم المفردين فأمر العطف ظاهر من غير تكلف التأويل لأن
~~الجملة المعطوف عليها في محل نصب مفعول قالوا لكن القول بجواز هذا العطف
~~بدون التأويل عند الجمهور ممنوع لا بد له من شاهد ولم يثبت. وإن كان
~~الثاني وقلنا بجواز عطف الإنشاء على الإخبار مطلقا  كما ذهب إليه
~~الصفار  أو قلنا: بجواز عطف القصة ms01587 على القصة أعني عطف حاصل مضمون إحدى
~~الجملتين على حاصل مضمون الأخرى من غير نظر إلى اللفظ  كما أشار إلى ذلك
~~العلامة الثاني  فالأمر أيضا ظاهر، وإن قلنا: بعدم جواز ذلك  كما ذهب
~~إليه الجمهور  فلا بد من التأويل إما في جانب المعطوف عليه أو في جانب
~~المعطوف، والذاهبون إلى الأول قالوا: إن الجملة الأولى وإن كانت خبرية
~~صورة لكن المقصود منها إنشاء التوكل أو الكفاية لا الإخبار بأنه تعالى
~~كاف في نفس الأمر، والذاهبون إلى الثاني اختلفوا فمنهم من قدر قلنا أي 
~~وقلنا نعم الوكيل .

# واعترض بأنه تقدير لا ينساق الذهن إليه ولا دلالة للقرينة عليه مع أنه
~~لا يوجد بين الإخبار بأن الله تعالى كافيهم والإخبار بأنهم قالوا  نعم
~~الوكيل  مناسبة معتد بها يحسن بسببها العطف بينهما، ومنهم من جعل مدخول
~~الواو معطوفا على ما قبله بتقدير المبتدأ إما مؤخرا لتناسب المعطوف
~~عليه فإن حسبنا خبر، والله مبتدأ بقرينة ذكره في المعطوف عليه ومجىء حذفه
~~في الاستعمال وانتقال الذهن إليه، وإما مقدما رعاية لقرب المرجع مع ما
~~سبق.

# / واعترض بأنه لا يخفى أنه بعد تقدير المبتدأ لو لم يؤل  نعم الوكيل 
~~بمقول في حقه ذلك تكون الجملة أيضا إنشائية إذ الجملة الإسمية التي
~~خبرها إنشاء إنشائية كما أن التي خبرها فعل فعلية بحسب المعنى كيف لا ولا
~~فرق بين  نعم الرجل زيد، وزيد نعم الرجل  في أن مدلول كل منهما نسبة
~~غير محتملة للصدق والكذب، وبعد التأويل لا يكون المعطوف جملة  نعم
~~الوكيل  بل جملة متعلق خبرها  نعم الوكيل  والإشكال إنما هو في عطف 
~~نعم الوكيل  إلا أن يقال يختار هدا، ويقال: الجواب عن شيء قد يكون
~~بتقرير ذلك الشيء وإبداء شيء آخر وقد يكون بتغيير ذلك الشيء، وما ههنا
~~من الثاني فمن حيث الظاهر المعطوف هو جملة  نعم الوكيل  فيعود الإشكال،
~~ومن حيث الحقيقة هو جملة هو مقول فلا إشكال لكن يرد أنه بعد التأويل يفوت
~~إنشاء المدح العام الذي وضع أفعال المدح له بل يصير للإخبار ms01588 بالمدح
~~الخاص، وهو أنه مقول في حقه  نعم الوكيل  وأيضا مقولية المقول المذكور
~~فيه إنما تكون بطريق الحمل والإخبار عنه  بنعم الوكيل  فلا بد من
~~تقدير مقول في حقه مرة أخرى، ويلزم تقديرات غير متناهية وكأنه لهذا لم
~~يؤل الجمهور الإنشاء الواقع خبرا بذلك وإنما هو مختار السعد رحمه الله
~~تعالى، وقد جوز بعضهم على تقدير كون الواو من المحكي عطف  نعم الوكيل 
~~على حسبنا باعتبار كونه في معنى الفعل كما عطف { جعل } على { فالق
~~} في قوله تعالى:

# فالق الإصباح وجعل اليل سكنا

# [الأنعام: 96] على رأي فحينئذ يكون من عطف الجملة التي لها محل من
~~الإعراب على المفرد لأنه إذ ذاك خبر عن المفرد، وبعض المحققين يجوزون ذلك
~~لا من عطف الإنشاء على الإخبار  وهذا وإن كان في الحقيقة لا غبار عليه 
~~إلا أن أمر العطف على الخبر بناءا على ما ذكره الشيخ الرضي من أن نعم
~~الرجل بمعنى المفرد وتقديره أي رجل جيد  أظهر كما لا يخفى، ومن الناس من
~~ادعى أن الآية شاهد على جواز عطف الإنشاء على الإخبار فيما له محل من
~~الإعراب بناءا على أن الواو من الحكاية لا غير.

# ولا يخفى عليك أنه بعد تسليم كون الواو كذلك فيها لا تصلح شاهدا على ما
~~ذكر لجواز أن يكون قالوا مقدرا في المعطوف بقرينة ذكره في المعطوف عليه
~~فيكون من عطف الجملة الفعلية الخبرية، على الجملة الفعلية الخبرية، ثم إن
~~الظاهر كما يقتضي أن يكون في الآية عطف على الإخبار  وفيه الخلاف الذي
~~عرفت  كذلك يقتضي عطف الفعلية على الاسمية  وفيه أيضا خلاف مشهور
~~كعكسه  ومما ذكرنا في أمر الإنشاء والإخبار يستخرج الجواب عن ذلك، وقد
~~أطال العلماء الكلام في هذا المقام وما ذكرناه قليل من كثير ووشل من
~~غدير، ثم إن هذه الكلمة كانت آخر قول إبراهيم عليه السلام حين ألقي في
~~النار كما أخرجه البخاري في «الأسماء والصفات» عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما وعبد الرزاق وغيره عن ابن عمر رضي الله تعالى ms01589 عنهما. وأخرج
~~ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: (حسبنا الله ونعم الوكيل) "

# ، وأخرج ابن أبي الدنيا عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن

# " النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتد غمه مسح بيده على رأسه ولحيته
~~ثم تنفس الصعداء وقال: حسبي الله ونعم الوكيل "

# وأخرج أبو نعيم عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " حسبي الله ونعم الوكيل أمان كل خائف ".

### || [3.174]

# { فانقلبوا } عطف على مقدر دل عليه السياق أي فخرجوا إليهم ورجعوا
~~{ بنعمة } في موضع الحال من الضمير في  انقلبوا  وجوز أن يكون
~~مفعولا به، والباء على الأول للتعدية، وعلى الثاني للمصاحبة، والتنوين
~~على التقديرين للتفخيم أي بنعمة عظيمة لا يقدر قدرها { من الله }
~~صفة لنعمة مؤكدة / لفخامتها، والمراد منها السلامة  كما قاله ابن عباس 
~~أو الثبات على الإيمان وطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم  كما
~~قاله الزجاج  أو إذلالهم أعداء الله تعالى على بعد كما قيل، أو مجموع
~~هذه الأمور على ما نقول { وفضل } وهو الربح في التجارة، فقد روى
~~البيهقي عن ابن عباس أن عيرا مرت وكان في أيام الموسم فاشتراها رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فربح مالا فقسمه بين أصحابه فذلك الفضل. وأخرج
~~ابن جرير عن السدي قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج في
~~غزوة بدر الصغرى ببدر أصحابه دراهم ابتاعوا بها في الموسم فأصابوا تجارة،
~~وعن مجاهد الفضل ما أصابوا من التجارة والأجر { لم يمسسهم سوء
~~} أي لم يصبهم قتل  وهو المروي عن السدي  أو لم يؤذهم أحد  وهو المروي
~~عن الحبر  والجملة في موضع النصب على الحال من فاعل  انقلبوا  أو من
~~المستكن في { بنعمة } إذا كان حالا والمعنى فانقلبوا منعمين مبرئين
~~من السوء، والجملة الحالية إذا كان فعلها مضارعا منفيا بلم وفيها ضمير
~~ذي الحال جاز فيها دخول الواو وعدمه { واتبعوا } عطف على 
~~انقلبوا  وقيل: حال من ms01590 ضميره بتقدير قد أي وقد اتبعوا في كل ما أوتوا،
~~أو في الخروج إلى لقاء العدو { رضوان الله } الذي هو مناط كل خير.

# { والله ذو فضل عظيم } حيث تفضل عليهم بما تفضل، وفيما تقدم
~~مع تذييله بهذه الآية المشتملة على الاسم الكريم الجامع وإسناد { ذو
~~فضل } إليه ووصف الفضل بالعظم إيذان بأن المتخلفين فوتوا على أنفسهم
~~أمرا عظيما لا يكتنه كنهه وهم أحقاء بأن يتحسروا عليه تحسرا ليس بعده.

### || [3.175]

# { إنما ذلكم } الإشارة إلى المثبط بالذات أو بالواسطة، والخطاب
~~للمؤمنين وهو مبتدأ، وقوله: { الشيطن } بمعنى إبليس لأنه علم له
~~بالغلبة خبره على التشبيه البليغ، وقوله تعالى: { يخوف أولياءه
~~} جملة مستأنفة مبينة لشيطنته، أو حال كما في قوله تعالى:

# فتلك بيوتهم خاوية

# [النمل: 52]. ويجوز أن يكون الشيطان صفة لاسم الإشارة على التشبيه
~~أيضا، ويحتمل أن يكون مجازا حيث جعله هو ويخوف هو الخبر، وجوز أن يكون
~~ذا إشارة إلى قول المثبط فلا بد حينئذ من تقدير مضاف أي قول الشيطان،
~~والمراد به إبليس أيضا ولا تجوز فيه على الصحيح، وإنما التجوز في
~~الإضافة إليه لأنه لما كان القول بوسوسته وسببه جعل كأنه قوله، والمستكن
~~في { يخوف } إما للمقدر وإما للشيطان بحذف الراجع إلى المقدر أي يخوف
~~به، والمراد بأوليائه إما أبو سفيان وأصحابه، فالمفعول الأول ليخوف محذوف
~~أي يخوفكم أولياءه بأن يعظمهم في قلوبكم، ونظير ذلك قوله تعالى:

# لينذر بأسا شديدا

# [الكهف: 2] وبذكر هذا المفعول قرأ ابن عباس. وقرأ بعضهم (يخوفكم
~~بأوليائه)، وعلى هذا المعنى أكثر المفسرين، وإليه ذهب الزجاج وأبو علي
~~الفارسي وغيرهما، ويؤيده قوله تعالى:

# { فلا تخافوهم } أي فلا تخافوا أولياءه الذين خوفكم إياهم {
~~وخافون } في مخالفة أمري، وإما المتخلفون عن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فأولياءه هو المفعول الأول والمفعول الثاني إما متروك أو محذوف
~~للعلم به أي يوقعهم في الخوف، أو يخوفهم من أبي سفيان وأصحابه؛ وعلى هذا
~~لا يصح عود ضمير { تخافوهم } إلى الأولياء بل هو راجع إلى

# الناس

# [آل عمران: 173] الثاني كضمير  اخشوهم  فهو ms01591 رد له أي فلا تخافوا
~~الناس وتقعدوا عن القتال وتجبنوا وخافون فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى
~~امتثال ما يأمركم به، وإلى هذا الوجه ذهب الحسن والسدي، وادعى الطيبي أن
~~النظم يساعد عليه، والخطاب حينئذ لفريقي الخارجين / والمختلفين والقصد
~~التعريض بالطائفة الأخيرة، وقيل: الخطاب لها و { أولياءه } إذ ذاك
~~من وضع الظاهر موضع المضمر نعيا عليهم بأنهم أولياء الشيطان؛ واستظهر
~~بعضهم هذا القيل مطلقا معللا له بأن الخارجين لم يخافوا إلا الله تعالى
~~وقالوا حسبنا الله وأنت تعلم أن قيام احتمال التعريض يمرض هذا التعليل،
~~والفاء لترتيب النهي أو الانتهاء على ما قبلها فإن كون المخوف شيطانا أو
~~قولا له مما يوجب عدم الخوف والنهي عنه، وأثبت أبو عمرو ياء {
~~وخافون } وصلا وحذفها وقفا والباقون يحذفونها مطلقا وهي ضمير
~~المفعول.

# وقوله تعالى: { إن كنتم مؤمنين } إن كان الخطاب للمتخلفين
~~فالأمر فيه واضح، وإن كان للخارجين كان مساقا للإلهاب والتهييج لهم
~~لتحقق إيمانهم، وإن كان للجميع ففيه تغليب، وأيا ما كان فالجزاء
~~محذوف، وقيل: إن كان الخطاب فيما تقدم للمؤمنين الخلص لم يفتقر إلى
~~الجزاء لكونه في معنى التعليل، وإن كان للآخرين افتقر إليه وكأن المعنى
~~إن كنتم مؤمنين فخافوني وجاهدوا مع رسولي لأن الإيمان يقتضي أن تؤثروا
~~خوف الله تعالى على خوف الناس.

# هذا ومن باب الإشارة: في الآيات { ولئن قتلتم فى سبيل
~~الله } بسيف المحبة { أو متم } بالموت الاختباري { لمغفرة
~~} أي ستر لوجودكم { من الله ورحمة } منه تعالى بتحليكم بصفاته
~~عز وجل

# خير مما يجمعون

# [آل عمران: 157] أي أهل الكثرة { فبما رحمة من الله } أي
~~باتصافك برحمة رحيمية أي رحمة تابعة لوجودك الموهوب الإلهي لا الوجود
~~البشري { لنت لهم ولو كنت فظا } موصوفا بصفات النفس
~~كالفظاظة والغلط { لانفضوا من حولك } ولم يتحملوا مؤنة ذلك،
~~أو يقال: لو لم تغلب صفات الجمال فيك على نعوت الجلال لتفرقوا عنك
~~ولماصبروا معك، أو يقال: لو سقيتهم صرف شراب التوحيد غير ممزوج بما فيه
~~لهم حظ لتفرقوا هائمين على وجوههم غير مطيقين الوقوف معك ms01592 لحظة؛ أو يقال:
~~لو كنت مدققا عليهم أحكام الحقائق لضاقت صدورهم ولم يتحملوا أثقال حقيقة
~~الآداب في الطريق ولكن سامحتهم بالشريعة والرخص { فاعف عنهم }
~~فيما يتعلق بك من تقصيرهم معك لعلو شأنك وكونك لا ترى في الوجود غير الله
~~{ واستغفر لهم } فيما يتعلق بحق الله تعالى لاعتذارهم أو استغفر
~~لهم ما يجري في صدورهم من الخطرات التي لا تليق بالمعرفة { وشاورهم
~~فى الأمر } إذا كنت في مقام الفعل اختبارا لهم وامتحانا لمقامهم {
~~فإذا عزمت } وذلك إذا كنت في مقام مشاهدة الربوبية والخروج من
~~التفرقة إلى الجمع

# فتوكل على الله

# [آل عمران: 159] فإنه حسبك فيما يريد منك وتريد منه، وذكر بعض المتصوفة
~~أنه يمكن أن يفهم من الآية كون الخطاب مع الروح الإنساني وأنه لان لصفات
~~النفس وقواها الشهوية والغضبية لتستوفي حظها ويرتبط بذلك بقاء النسل
~~وصلاح المعاش ولولا ذلك لاضمحلت تلك القوى وتلاشت واختلت الحكمة وفقدت
~~الكمالات التي خلق الإنسان لأجلها

# إن ينصركم الله فلا غالب لكم

# [آل عمران: 160] تحقيق لمعنى التوكل والتوحيد في الأفعال. وقد ذكر بعض
~~السادة قدس الله تعالى أسرارهم إن نصر الله تعالى لعباده متفاوت المراتب،
~~فنصره المريدين بتوفيقهم لقمع الشهوات، ونصره المحبين بنعت المدانات،
~~ونصره العارفين بكشف المشاهدات، وقد قيل: إنما يدرك نصر الله تعالى من
~~تبرأ من حوله وقوته واعتصم بربه في جميع أسبابه

# وما كان لنبي أن يغل

# [آل عمران: 161] لكمال قدسه وغاية أمانته فلم يخف حق الله تعالى عن
~~عباده وأعطى علم الحق لأهل الحق ولم يضع أسراره إلا عند الأمناء من أمته
~~{ أفمن اتبع رضوان الله } أي النبي في مقام الرضوان التي
~~هي جنة الصفات لاتصافه بصفات / الله تعالى { كمن باء بسخط من
~~الله } وهو الغال المحتجب بصفات نفسه

# ومأواه جهنم

# [آل عمران: 162] وهي أسفل حضيض النفس المظلمة

# هم درجات عند الله

# [آل عمران: 163] أي كل من أهل الرضا والسخط متفاوتون في المراتب حسب
~~الاستعدادات

# لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا
~~من أنفسهم

# [آل عمران: 164] إذ هو صلى ms01593 الله عليه وسلم مرآة الحق يتجلى منه على
~~المؤمنين ولو تجلى لهم صرفا لاحترقوا بأول سطوات عظمته، ومعنى كونه عليه
~~الصلاة والسلام { من أنفسهم } كونه في لباس البشر ظاهرا بالصورة
~~التي هم عليها وحمل المؤمنين على العارفين والرسول على الروح الإنساني
~~المنور بنور الأسماء والصفات المبعوث لإصلاح القوى غير بعيد في مقام
~~الإشارة { أو لما أصابتكم مصيبة } في أثناء السير في
~~الله تعالى وهي مصيبة الفترة بالنسبة إليكم { قد أصبتم } قوى
~~النفس { مثليها } مرة عند وصولكم إلى مقام توحيد الأفعال ومرة عند
~~وصولكم إلى مقام توحيد الصفات { قلتم أنى } أصابنا { هذا }
~~ونحن في بيداء السير في الله تعالى عز وجل

# قل هو من عند أنفسكم

# [آل عمران: 165] لأنه بقي فيها بقية ما من صفاتها ولا ينافي قوله
~~سبحانه:

# قل كل من عند الله

# [النساء: 78] لأن السبب الفاعلي في الجميع هو الحق جل شأنه والسبب
~~القابلي أنفسهم، ولا يفيض من الفاعل إلا ما يليق بالاستعداد ويقتضيه،
~~فباعتبار الفاعل يكون من عند الله، وباعتبار القابل يكون من عند أنفسهم،
~~وربما يقال ما يكون من أنفسهم أيضا يكون من الله تعالى نظرا إلى
~~التوحيد إذ لا غير ثمة { ولا تحسبن الذين قتلوا فى
~~سبيل الله } سواء قتلوا بالجهاد الأصغر وبذل الأنفس طلبا لرضا
~~الله تعالى أو بالجهاد الأكبر وكسر النفس وقمع الهوى بالرياضة {
~~أمواتا بل أحياء عند ربهم } بالحياة الحقيقية مقربين في
~~حضرة القدس

# يرزقون

# [آل عمران: 169] من الأرزاق المعنوية وهي المعارف والحقائق، وقد ورد في
~~بعض الأخبار أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تدور في أنهار الجنة
~~وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، ونقل ذلك
~~بهذا اللفظ بعض الصوفية، وجعل الطير الخضر إشارة إلى الأجرام السماوية،
~~والقناديل من ذهب إشارة إلى الكواكب، وأنهار الجنة منابع العلوم
~~ومشارعها، وثمارها الأحوال والمعارف. والمعنى أن أرواح الشهداء تتعلق
~~بالنيرات من الأجرام السماوية بنزاهتها وترد مشارع العلوم وتكتسب هناك
~~المعارف والأحوال، ولا يخفى أن هذا مما لا ينبغي اعتقاده ms01594 كما أشرنا إليه
~~فيما سبق فإن كان ولا بد من التأويل فليجعل الطير إشارة إلى الصور التي
~~تظهر بها الأرواح بناءا على أنها جواهر مجردة، وأطلق اسم الطير عليها
~~إشارة إلى خفتها ووصولها بسرعة حيث أذن لها.

# ونظير ذلك في الجملة قوله صلى الله عليه وسلم في حديث:

# " الأطفال هم دعاميص الجنة "

# والدعاميص جمع دعموص وهي دويبة تكون في مستنقع الماء كثيرة الحركة لا
~~تكاد تستقر، ومن المعلوم أن الأطفال ليسوا تلك الدويبة في الجنة لكنه
~~أراد صلى الله عليه وسلم الإخبار بأنهم سياحون في الجنة فعبر بذلك على
~~سبيل التشبيه البليغ، ووصف الطير بالخضرة إشارة إلى حسنها وطراوتها، ومنه
~~خبر

# " إن الدنيا حلوة خضرة "

# وقول عمر رضي الله تعالى عنه: إن الغزو حلو خضر، ومن أمثالهم النفس
~~خضراء، وقد يريدون بذلك أنها تميل لكل شيء وتشتهيه، وأمر الظرفية في
~~الخبر سهل، وباقي ما فيه إما على ظاهره، وأما مؤل، وعلى الثاني: يراد من
~~الجنة الجنة المنوية وهي جنة الذات والصفات، ومن أنهارها ما يحصل من
~~التجليات، ومن ثمارها ما يعقب تلك التجليات من الآثار، ومن القناديل
~~المعلقة في ظل العرش مقامات لا تكتنه معلقة في ظل عرش الوجود المطلق
~~المحيط، وكونها من ذهب إشارة إلى عظمتها وأنها لا تنال إلا بشق الأنفس. /
~~وحاصل المعنى على هذا أن أرواح الشهداء الذين جادوا بأنفسهم في مرضاة
~~الله تعالى، أو قتلهم الشوق إليه عز شأنه تتمثل صورا حسنة ناعمة طرية
~~يستحسنها من رآها تطير بجناحي القبول والرضا في أنواع التجليات الإلهية
~~وتكتسب بذلك أنواعا من اللذائذ المعنوية التي لا يقدر قدرها ويتجدد لها
~~في مقدار كل ليلة مقام جليل لا ينال إلا بمثل أعمالهم، وذلك هو النعيم
~~المقيم والفوز العظيم، وكأن من أول هذا الخبر وأمثاله قصد سد باب
~~التناسخ ولعله بالمعنى الذي يقول به أهل الضلال غير لازم كما أشرنا إليه
~~في آية البقرة.

# { فرحين بما ءاتهم الله من فضله } من الكرامة
~~والنعمة والزلفى عنده { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا
~~بهم من ms01595 خلفهم } وهم الغزاة الذين لم يقتلوا بعد، أو السالكون
~~المجاهدون أنفسهم الذين لم يبلغوا درجتهم إلى ذلك الوقت

# ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون

# [آل عمران: 170] لفوزهم بالمأمن الأعظم، والحبيب الأكرم {
~~يستبشرون بنعمة من الله } عظيمة وهي جنة الصفات {
~~وفضل } أي زيادة عليها وهي جنة الذات، { و } مع ذلك { إن الله
~~لا يضيع أجر } إيمان

# المؤمنين

# [آل عمران: 171] الذي هو جنة الأفعال وثواب الأعمال { الذين
~~استجابوا لله والرسول } بالفناء بالوحدة الذاتية والقيام
~~بحق الاستقامة { من بعد ما أصبهم القرح } أي كسر النفس {
~~للذين أحسنوا منهم } وهم الثابتون في مقام المشاهدة {
~~واتقوا } النظر إلى نفوسهم لهم

# أجر عظيم

# [آل عمران: 172] وراء أجر الإيمان { الذين قال لهم الناس }
~~المنكرون قبل الوصول إلى المشاهدة { إن الناس قد جمعوا
~~لكم } وتحشدوا للإنكار عليكم { فاخشوهم } واتركوا ما أنتم عليه
~~{ فزادهم } ذلك القول { إيمانا } أي يقينا وتوحيدا بنفي الغير
~~وعدم المبالاة به وتوصلوا بنفي ما سوى الله تعالى إلى إثباته {
~~وقالوا حسبنا الله } فشاهدوه ثم رجعوا إلى تفاصيل الصفات
~~بالاستقامة { و } قالوا

# نعم الوكيل

# [آل عمران: 173] { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل }
~~أي رجعوا بالوجود الحقاني في جنة الصفات والذات { لم يمسسهم
~~سوء } لم يؤذهم أحد إذ لا أحد إلا الأحد { واتبعوا رضوان
~~الله } في حال سلوكهم حتى فازوا بجنة الذات المشار إليها بقوله تعالى:

# والله ذو فضل عظيم

# [آل عمران: 174] كما أشرنا إليه { إنما ذلكم الشيطان
~~يخوف أولياءه } المحجوبين بأنفسهم  فلا تخافوا  المنكرين {
~~وخافون } إذ ليس في الوجود سواى { إن كنتم مؤمنين } [آل
~~عمران: 175] أي موحدين توحيدا حقيقيا والله تعالى الموفق للصواب، وهو
~~حسبنا ونعم الوكيل.

### || [3.176]

# { ولا يحزنك الذين يسرعون فى الكفر } خطاب للنبي
~~صلى الله عليه وسلم وتوجيهه إليه تشريفا له بالتسلية مع الإيذان بأنه
~~الرئيس المعتنى بشؤونه. والمراد من الموصول إما المنافقون المتخلفون 
~~وإليه ذهب مجاهد وابن إسحق  وإما قوم من العرب ارتدوا عن الإسلام
~~لمقاربة عبدة الأوثان  وإليه ذهب أبو علي الجبائي  وإما سائر الكفار 
~~وإليه ذهب الحسن  وإما المنافقون وطائفة من ms01596 اليهود حسبما عين في قوله
~~تعالى:

# يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى
~~الكفر من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم
~~تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا

# [المائدة: 41]  وإليه ذهب بعضهم  ومعنى: { يسرعون فى
~~الكفر } يقعون فيه سريعا لغاية حرصهم عليه وشدة رغبتهم فيه، ولتضمن
~~المسارعة معنى الوقوع تعدت بفي دون إلى الشائع تعديتها بها كما في

# سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة

# [آل عمران: 133] وغيره، وأوثر ذلك قيل: للإشعار باستقرارهم في الكفر
~~ودوام ملابستهم له في مبدأ المسارعة ومنتهاها كما في قوله سبحانه:

# يسرعون فى الخيرت

# [الأنبياء: 90] في حق المؤمنين، وأما إيثار كلمة إلى في آيتها فلأن
~~المغفرة والجنة منتهى المسارعة وغايتها والموصول فاعل { يحزنك }
~~وليست الصلة علة لعدم الحزن كما هو المعهود في مثله لأن الحزن من الوقوع
~~في الكفر هو الأمر اللائق لأنه قبيح عند الله تعالى يجب أن يحزن من
~~مشاهدته فلا يصح النهي عن الحزن من ذلك، بل العلة هنا / ما يترتب على تلك
~~المسارعة من مراغمة المؤمنين وإيصال المضرة إليهم إلا أنه عبر بذلك
~~مبالغة في النهي. والمراد لا يحزنك خوف أن يضروك ويعينوا عليك، ويدل على
~~ذلك إيلاء قوله تعالى:

# { إنهم لن يضروا الله شيئا } ردا وإنكارا لظن الخوف،
~~والكلام على حذف مضاف، والمراد أولياء الله مثلا للقرينة العقلية عليه،
~~وفي حذف ذلك وتعليق نفي الضرر به تعالى تشريف للمؤمنين وإيذان بأن
~~مضارتهم بمنزلة مضارته سبحانه وتعالى، وفي ذلك مزيد مبالغة في التسلية، و
~~{ شيئا } في موضع المصدر أي لن يضروه ضررا ما، وقيل: مفعول بواسطة
~~حرف الجر أي لن يضروه بشيء ما أصلا، وتأويل يضروا بما يتعدى بنفسه إلى
~~مفعولين مما لا داعي إليه، ولعل المقام يدعو إلى خلافه، وقرأ نافع  يحزن
~~ بضم الياء وكسر الزاي في جميع القرآن إلا قوله تعالى:

# لا يحزنهم الفزع الأكبر

# [الأنبياء: 103] فإنه فتحها وضم الزاي، وقرأ الباقون كما قرأ نافع في
~~المستثنى. وقرأ أبو جعفر عكس ما قرأ نافع، والماضي على قراءة الفتح من
~~حزن، وعلى قراءة الضم ms01597 من أحزن، ومعناهما واحد إلا أن حزن لغة قليلة،
~~وقيل: حزنته بمعنى أحدثت له حزنا، وأحزنته بمعنى عرضته للحزن، وقال
~~الخليل: حزنته بمعنى جعلت فيه حزنا كدهنته بمعنى جعلت فيه دهنا،
~~وأحزنته بمعنى جعلته حزينا.

# وقرىء يسرعون بغير ألف من أسرع ويسارعون بالإمالة والتفخيم.

# { يريد الله ألا يجعل لهم حظا فى الأخرة }
~~استئناف لبيان الموجب لمسارعتهم كأنه قيل: لم يسارعون في الكفر مع أنهم
~~لا ينتفعون به؟ فأجيب بأنه تعالى يريد أن لا يجعل لهم نصيبا ما من
~~الثواب في الآخرة فهو يريد ذلك منهم فكيف لا يسارعون، وفيه دليل على أن
~~الكفر بإرادة الله تعالى وإن عاقب فاعله وذمه لأن ذلك لسوء استعداده
~~المقتضي إفاضة ذلك عليه، وذكر بعض المحققين أن في ذكر الإرادة إيذانا
~~بكمال خلوص الداعي إلى حرمانهم وتعذبيهم حيث تعلقت بهما إرادة أرحم
~~الراحمين، وزعم بعضهم أنه مبني على مذهب الاعتزال وليس كذلك كما لا يخفى
~~لأنه لم يقل لم يرد كفرهم ولا رمز إليه، وصيغة المضارع للدلالة على دوام
~~الإرادة واستمرارها، ويرجع إلى دوام واستمرار منشأ هذا المراد وهو الكفر
~~ففيه إشارة إلى بقائهم على الكفر حتى يهلكوا فيه.

# { ولهم } مع هذا الحرمان من الثواب بالكلية { عذاب عظيم } لا
~~يقدر قدره، نقل عن بعضهم أنه لما دلت المسارعة في الشيء على عظم شأنه
~~وجلالة قدره عند المسارع وصف عذابه بالعظم رعاية للمناسبة وتنبيها على
~~حقارة ما سارعوا فيه وخساسته في نفسه، وقيل: إنه لما دل قوله تعالى: {
~~إنهم لن يضروا الله شيئا } على عظم قدر من قصدوا إضراره
~~وصف العذاب بالعظم إيذانا بأن قصد إضرار العظيم أمر عظيم يترتب عليه
~~العذاب العظيم، والجملة إما حال من الضمير في لهم أي يريد الله تعالى
~~حرمانهم من الثواب معدا لهم عذاب عظيم، وإما مبتدأة مبينة لحظهم من
~~العذاب إثر بيان أن لا شيء لهم من الثواب. وزعم بعضهم أن هاتين الجملتين
~~في موضع التعليل للنهي السابق، وأن المعنى ولا يحزنك أنهم يسارعون في
~~إعلاء الكفر وهدم الإسلام ms01598 لا خوفا على الإسلام ولا ترحما عليهم أما
~~الأول: فلأنهم لن يضروا الله شيئا فلا يقدرون على هدم دينه الذي يريد
~~إعلاءه، وحينئذ لا حاجة إلى إرادة أولياء الله، وأما الثاني: فلأنه يريد
~~الله أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم. واستأنس له بأنه
~~كثيرا ما وقع نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إيقاعه نفسه الكريمة في
~~المشقة لهدايتهم / وعن كونه ضيق الصدر لكفرهم وخوطب بأنه  ما عليك إلا
~~البلاغ  ولست عليهم بمسيطر ولا يخلو عن بعد.

### || [3.177]

# { إن الذين اشتروا الكفر بالإيمن } أي أخذوا الكفر
~~بدلا من الإيمان رغبة فيما أخذوا وإعراضا عما تركوا ولهذا وضع {
~~اشتروا } موضع بدلوا فإن الأول أظهر في الرغبة وأدل على سوء
~~الاختيار، وقوله تعالى: { لن يضروا الله شيئا } تقدم الكلام
~~فيه، وفيه هنا تعريض ظاهر باقتصار الضرر عليهم كأنه قيل: وإنما يضرون
~~أنفسهم، والمراد من الموصول هنا ما أريد منه هناك والتكرير لتقرير الحكم
~~وتأكيده ببيان علته بتغيير عنوان الموضوع فإن ما ذكر في حيز الصلة لكونه
~~علما في الخسران الكلي والحرمان الأبدي صريح في لحوق ضرره بأنفسهم وعدم
~~تعديه إلى غيرهم أصلا، ودال على كمال سخافة عقولهم وركاكة آرائهم فكيف
~~يتأتى منهم ما يتوقف على قوة الحزم ورزانة الرأي ورصانة التدبير من مضارة
~~أولياء الله تعالى الذين تكفل سبحانه لهم بالنصر وهي أعز من جليمة وأمنع
~~من لهاة الليث، وجوز أن يراد بالموصول هنا عام، ويراد به هناك خاص وهو ما
~~عدا ما ذهب إليه الحسن فيه، والجملة مقررة لمضمون ما قبلها تقرير القواعد
~~الكلية لما اندرج تحتها من جزئيات الأحكام، وجوز الزمخشري أن يكون الأول
~~عاما للكفار وهذا خاصا بالمنافقين وأفردوا بالذكر لأنهم أشد منهم في
~~الضرر والكيد، واعترض بأن إرادة العام هناك مما لا يليق بفخامة شأن
~~التنزيل لما أن صدور المسارعة في الكفر بالمعنى المذكور وكونها مظنة
~~لإيراث الحزن لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما يفهم من النهي عنه إنما
~~يتصور ممن علم اتصافه ms01599 بها وأما من لا يعرف حاله من الكفرة الكائنين في
~~الأماكن البعيدة فإسناد المسارعة المذكورة إليهم واعتبار كونها من مبادىء
~~حزنه عليه الصلاة والسلام مما لا وجه له، ويمكن أن يقال: إن القائل
~~بالعموم في الأول لم يرد بالكفار مقابل المؤمنين حيث كانوا وعلى أي حال
~~وجدوا بل ما يشمل المتخلفين والمرتدين مثلا ممن يتوقع إضرارهم له صلى
~~الله عليه وسلم وحينئذ لا يرد هذا الاعتراض. وقيل: المراد من الأول
~~المنافقون أو من ارتدوا مما هنا اليهود، والمراد من الإيمان إما الإيمان
~~الحاصل بالفعل كما هو حال المرتدين أو بالقوة القريبة منه الحاصلة
~~بمشاهدة دلائله في التوراة كما هو شأن اليهود مثلا، وإما الإيمان
~~الاستعدادي الحاصل بمشاهدة الوحي الناطق والدلائل المنصوبة في الآفاق
~~والأنفس كما هو دأب جميع الكفرة ما عدا ذلك وإما القدر المشترك بين
~~الجميع كما هو دأب الجميع فتفطن.

# { ولهم عذاب أليم } أي مؤلم والجملة مبتدأة مبينة لكمال فظاعة
~~عذابهم بذكر غاية إيلامه بعد ذكر نهاية عظمه، أو مقررة للضرر الذي آذنت
~~به الجملة الأولى قيل: لما جرت العادة باغتباط المشتري بما اشتراه وسروره
~~بتحصيله عند كون الصفقة رابحة وبتألمه عند كونها خاسرة وصف عذابهم
~~بالإيلام مراعاة لذلك، نقله مولانا شيخ الإسلام.

### || [3.178]

# { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم
~~خير لأنفسهم } عطف على قوله تعالى:

# ولا يحزنك

# [آل عمران: 176] والفعل مسند إلى الموصول، و (أن) وما عملت فيه ساد
~~مسد مفعوليه عند سيبويه لحصول المقصود وهو تعلق أفعال القلوب بنسبة بين
~~المبتدأ والخبر، وعند الأخفش المفعول الثاني محذوف، و (ما) إما مصدرية أو
~~موصولة وكان حقها في الوجهين أن تكتب مفصولة لكنها كتبت في الإمام
~~موصولة، واتباع الإمام لازم، ولعل وجهه مشاكلة ما بعده، والحمل على
~~الأكثر فيها، و { خير } خبر، وقرىء (خيرا) بالنصب على أن يكون 
~~لأنفسهم  هو الخبر و { لهم } تبيين، أو حال من { خير } والإملاء
~~في الأصل إطالة المدة والملأ الحين الطويل، ومنه الملوان / لليل والنهار
~~لطول تعاقبهما، وأما إملاء الكتاب فسمي بذلك ms01600 لطول المدة بالوقوف عند كل
~~كلمة. وقيل: الإملاء التخلية والشأن يقال: أملى لفرسه إذا أرخى له الطول
~~ليرعى كيف شاء.

# وحاصل التركيب لا يحسبن الكافرون أن إملاءنا لهم، أو أن الذي نمليه خير
~~لأنفسهم أو لا يحسبن الكافرون خيرية إملائنا لهم، أو خيرية الذي نمليه
~~لهم ثابتة أو واقعة، ومآل ذلك نهيهم عن السرور بظاهر إطالة الله تعالى
~~أعمارهم وإمهالهم على ما هم فيه، أو بتخليتهم وشأنهم بناءا على حسبان
~~خيريته لهم، وتحسيرهم ببيان أنه شر بحت وضرر محض، وقرأ حمزة { ولا
~~تحسبن } بالتاء، والخطاب إما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
~~الأنسب بمقام التسلية إلا أن المقصود التعريض بهم إذ حسبوا ما ذكر، وإما
~~لكل من يتأتى منه الحسبان قصدا إلى إشاعة فظاعة حالهم، والموصول مفعول،
~~و { أنما نملى } الخ بدل اشتمال منه، وحيث كان المقصود بالذات هو
~~البدل وكان هنا مما يسد مسد المفعولين جاز الاقتصار على مفعول واحد،
~~وإلا فالاقتصار لولا ذلك غير صحيح على الصحيح، ويجوز أنه يكون { أنما
~~نملى } مفعولا ثانيا إلا أنه لكونه في تأويل المصدر لا يصح حمله على
~~الذوات فلا بد من تقدير، أما في الأول: أي لا تحسبن حال الذين كفروا
~~وشأنهم، وأما في الثاني: أي لا تحسبن الذين كفروا أصحاب أنما نملي لهم
~~الخ، وإنما قيد الخير بقوله تعالى: { لأنفسهم } لأن الإملاء خير
~~للمؤمنين لما فيه من الفوائد الجمة، ومن جعل خيرا فيما نحن فيه أفعل
~~تفضيل، وجعل المفضل عليه القتل في سبيل الله تعالى جعل التفضيل مبنيا
~~على اعتبار الزعم والمماشاة، والآية نزلت في مشركي مكة  وهو المروي عن
~~مقاتل  أو في قريظة والنضير  وهو المروي عن عطاء .

# { أنما نملى لهم ليزدادوا إثما } استئناف بما هو
~~العلة للحكم قبلها، والقائلون بأن الخير والشر بإرادته تعالى يجوزون
~~التعليل بمثل هذا، إما لأنه غرض وإما لأنه مراد مع الفعل فيشبه العلة عند
~~من لم يجوز تعليل أفعاله بالأغراض.

# وأما المعتزلة فإنهم وإن قالوا بتعليلها لكن القبيح ليس مرادا له تعالى ms01601
~~عندهم ومطلوبا وغرضا، ولهذا جعلوا ازدياد الإثم هنا باعثا نحو قعدت عن
~~الحرب جبنا لا غرضا يقصد حصوله، ولما لم يكن الازدياد متقدما على
~~الإملاء هنا، والباعث لا بد أن يكون متقدما جعلوه استعارة بناءا على أن
~~سبقه في علم الله تعالى القديم الذي لا يجوز تخلف المعلوم عنه شبهه بتقدم
~~الباعث في الخارج ولا يخفى تعسفه، ولذا قيل: إن الأسهل القول بأن اللام
~~للعاقبة. واعترض بأنه وإن كان أقل تكلفا إلا أن القول بها غير صحيح لأن
~~هذه الجملة تعليل لما قبلها فلو كان الإملاء لغرض صحيح يترتب عليه هذا
~~الأمر الفاسد القبيح لم يصح ذلك ولم يصلح هذا تعليلا لنهيهم عن حسبان
~~الإملاء لهم خيرا فتأمل قاله بعض المحققين.

# وقرأ يحيى بن وثاب بفتح أنما هذه وكسر الأولى وبياء الغيبة في يحسبن
~~على أن الذين كفروا فاعل يحسبن و أنما نملي لهم ليزدادوا إثما قائم مقام
~~مفعولي الحسبان، والمعنى ولا يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لهم لازدياد
~~الإثم بل للتوبة والدخول في الإيمان وتدارك ما فات، وإنما نملي لهم خير
~~لأنفسهم اعتراض بين الفعل ومعموله ومعناه أن إملاءنا خير لهم إن انتبهوا
~~وتابوا، والفرق بين القراءتين أن الإملاء على هذه القراءة لإرادة التوبة
~~والإملاء للازدياد منفي، وعلى القراءة الأخرى هو مثبت، والآخر منفي ضمنا
~~ولا تعارض بينهما لأنه عند أهل السنة يجوز إرادة كل منهما ولا يلزم تخلف
~~المراد عن الإرادة لأنه مشروط بشروط كما علمت. وزعم بعضهم أن جملة {
~~أنما نملى لهم خير } الخ حالية أي لا يحسبن في هذه الحالة
~~هذا، وهذه الحالة منافية له / وليس بشيء.

# { ولهم عذاب مهين } جملة مبتدأة مبينة لحالهم في الآخرة إثر
~~بيان حالهم في الدنيا أو حال من الواو أي ليزدادوا إثما معدا لهم عذاب
~~مهين وهذا متعين في القراءة الأخيرة  كما ذهب إليه غير واحد من المحققين
~~ ليكون مضمون ذلك داخلا في حيز النهي عن الحسبان بمنزلة أن يقال:
~~ليزدادوا إثما وليكون لهم عذاب، وجعلها بعضهم معطوفة على جملة ms01602 {
~~ليزدادوا } بأن يكون { عذاب مهين } فاعل الظرف بتقدير ويكون
~~لهم عذاب مهين وهو من الضعف بمكان، نعم قيل: بجواز كونها اعتراضية وله
~~وجه في الجملة، هذا وإنما وصف عذابهم بالإهانة لأنه  كما قال شيخ
~~الإسلام  لما تضمن الإملاء التمتع بطيبات الدنيا وزينتها وذلك مما
~~يستدعي التعزز والتجبر وصفه به ليكون جزاؤهم جزاءا وفاقا  قاله شيخ
~~الإسلام  ويمكن أن يقال إن ذلك إشارة إلى رد ما يمكن أن يكون منشأ
~~لحسبانهم وهم أنهم أعزة لديه عز وجل إثر الإشارة إلى رده بنوع آخر.

### || [3.179]

# { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم
~~عليه } كلام مستأنف مسوق لوعد المؤمنين ووعيد المنافقين بالعقوبة
~~الدنيوية وهي الفضيحة والخزي إثر بيان عقوبتهم الأخروية، وقدم بيان ذلك
~~لأنه أمس بالإملاء لازدياد الآثام، وفي هذا الوعد والوعيد أيضا ما لا
~~يخفى من التسلية له صلى الله عليه وسلم كما في الكلام السابق، وقيل:
~~الآية مسوقة لبيان الحكمة في إملائه تعالى للكفرة إثر بيان شريته لهم،
~~ولا يخفى أنه بعيد فضلا عن كونه أقرب، والمراد من المؤمنين المخلصون
~~والخطاب على ما يقتضيه الذوق لعامة المخلصين والمنافقين ففيه التفات في
~~ضمن التلوين، والمراد بما هم عليه اختلاط بعضهم ببعض واستواؤهم في إجراء
~~أحكام الإسلام عليهم، وإلى هذا جنح المحققون من أهل التفسير، وقال
~~أكثرهم: إن الخطاب للمنافقين ليس إلا ففيه تلوين فقط، وذهب أكثر أهل
~~المعاني إلى أنه للمؤمنين خاصة ففيه تلوين والتفات أيضا.

# وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس وابن جرير وغيره عن قتادة
~~أنه للكفار، ولعل المراد بهم المنافقون وإلا فهو بعيد جدا، واللام في {
~~ليذر } متعلقة بمحذوف هو الخبر لكان، والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها 
~~كما ذهب إليه البصريون  أي ما كان الله مريدا لأن يذر المؤمنين الخ؛
~~وقال الكوفيون اللام مزيدة للتأكيد وناصبة للفعل بنفسها والخبر هو الفعل؛
~~ولا يقدح في عملها زيادتها إذ الزائد قد يعمل كما في حروف الجر المزيدة
~~فلا ضعف في مذهبهم من هذه الحيثية كما وهم، ms01603 وأصل يذر يوذر فحذفت الواو
~~منها تشبيها لها بيدع وليس لحذفها علة هناك إذ لم تقع بين ياء وكسرة ولا
~~ما هو في تقدير الكسرة بخلاف يدع فإن الأصل يودع فحذفت الواو لوقوعها بين
~~الياء وما هو في تقدير الكسرة، وإنما فتحت الدال لأن لامه حرف حلقي فيفتح
~~له ما قبله ومثله  يسع ويطأ ويقع  ولم يستعملوا من يذر ماضيا ولا
~~مصدرا ولا اسم فاعل مثلا استغناءا بتصرف مرادفه وهو يترك.

# وقوله تعالى: { حتى يميز الخبيث من الطيب } غاية لما
~~يفهمه النفي السابق كأنه قيل: ما يتركهم على ذلك الإختلاط بل يقدر الأمور
~~ويرتب الأسباب حتى يعزل المنافق من المؤمن وليس غاية للكلام السابق نفسه
~~إذ يصير المعنى أنه تعالى لا يترك المؤمنين على ما أنتم عليه إلى هذه
~~الغاية، ويفهم منه كما قال السمين: إنه إذا وجدت الغاية ترك المؤمنين ما
~~أنتم عليه، وليس المعنى على ذلك وعبر عن المؤمن والمنافق بالطيب والخبيث
~~تسجيلا على كل منهما بما يليق به وإشعارا بعلة الحكم، وأفرد الخبيث
~~والطيب مع تعدد ما أريد بكل إيذانا بأن مدار/ إفراز أحد الفريقين من
~~الآخر هو اتصافهما بوصفهما لا خصوصية ذاتهما وتعدد آحادهما، وتعليق الميز
~~بالخبيث مع أن المتبادر مما سبق من عدم ترك المؤمنين على الاختلاط تعليقه
~~بهم وإفرازهم عن المنافقين لما أن الميز الواقع بين الفريقين إنما هو
~~بالتصرف في المنافقين وتغييرهم من حال إلى حال أخرى مع بقاء المؤمنين على
~~ما كانوا عليه من أصل الإيمان وإن ظهر مزيد إخلاصهم لا بالتصرف فيهم
~~وتغييرهم من حال إلى حال مع بقاء المنافقين على ما هم عليه من الاستتار
~~وإنما لم ينسب عدم الترك إليهم لما أنه مشعر بالاعتناء بشأن من نسب إليه
~~فإن المتبادر منه عدم الترك على حالة غير ملائمة كما يشهد به الذوق
~~السليم قاله بعض المحققين، وقيل: إنما قدم الخبيث على الطيب وعلق به فعل
~~الميز إشعارا بمزيد رداءة ذلك الجنس فإن الملقى من الشيئين هو الأدون.

# وقرأ حمزة والكسائي ms01604 { يميز } بالتشديد وماضيه ميز، وماضي المخفف ماز،
~~وهما  كما قال غير واحد  لغتان بمعنى واحد، وليس التضعيف لتعدي الفعل
~~كما في فرح وفرح، لأن ماز وميز يتعديان إلى مفعول واحد، ونظير ذلك عاض
~~وعوض، وعن ابن كثير أنه قرىء { يميز } بضم أوله مع التخفيف على أنه من
~~أماز بمعنى ميز، واختلف بم يحصل هذا الميز؟ فقيل: بالمحن والمصائب كما
~~وقع يوم أحد، وقيل: بإعلاء كلمة الدين وكسر شوكة المخالفين، وقيل: بالوحي
~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا أردفه سبحانه بقوله:

# { وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن
~~الله يجتبى من رسله من يشاء } ومن هنا جعل مولانا شيخ
~~الإسلام ما قبل الاستدراك تمهيدا لبيان الميز الموعود به على طريق تجريد
~~الخطاب للمخلصين تشريفا لهم، والاستدراك إشارة إلى كيفية وقوعه على سبيل
~~الإجمال وأن المعنى ما كان الله ليترك المخلصين على الاختلاط بالمنافقين
~~بل يرتب المبادي حتى يخرج المنافقين من بينهم، وما يفعل ذلك بإطلاعكم على
~~ما في قلوبهم من الكفر والنفاق ولكنه تعالى يوحي إلى رسوله صلى الله عليه
~~وسلم فيخبره بذلك وبما ظهر منهم من الأقوال والأفعال حسبما حكي عنهم بعضه
~~فيما سلف فيفضحهم على رؤوس الأشهاد ويخلصكم مما تكرهون، وذكر أنه قد جوز
~~أن يكون المعنى لا يترككم مختلطين حتى يميز الخبيث من الطيب بأن يكلفكم
~~التكاليف الصعبة التي لا يصبر عليها إلا الخلص الذين امتحن الله تعالى
~~قلوبهم كبذل الأرواح في الجهاد، وإنفاق الأموال في سبيل الله تعالى،
~~فيجعل ذلك عيارا على عقائدكم وشاهدا بضمائركم حتى يعلم بعضكم بما في
~~قلب بعض بطريق الاستدلال لا من جهة الوقوف على ذات الصدور، فإن ذلك مما
~~استأثر الله تعالى به، وتعقبه بأن الاستدراك باجتباء الرسل المنبىء عن
~~مزيد مزيتهم وفضل معرفتهم على الخلق إثر بيان قصور رتبتهم عن الوقوف على
~~خفايا السرائر صريح في أن المراد إظهار تلك السرائر بطريق الوحي لا بطريق
~~التكليف بما يؤدي إلى خروج أسرارهم عن رتبة الخفاء.

# وأنت تعلم أن دعوى أن الاستدراك ms01605 صريح فيما ادعاه من المراد مما لا يكاد
~~يثبته الدليل، ولهذا قيل: إن حاصل المعنى ليس لكم رتبة الاطلاع على الغيب
~~وإنما لكم رتبة العلم الاستدلالي الحاصل من نصب العلامات والأدلة، والله
~~تعالى سيمنحكم بذلك فلا تطمعوا في غيره فإن رتبة الاطلاع على الغيب لمن
~~شاء من رسله، وأين أنتم من أولئك المصطفين الأخيار؟ نعم ما ذكره هذا
~~المولى أظهر وأولى، وقد سبقه إليه أبو حيان، والمراد من قوله سبحانه: {
~~ليطلعكم } إما ليؤتي أحدكم علم الغيب فيطلع على ما في القلوب أو
~~ليطلع جميعكم أي أنه تعالى لا يطلع جميعكم على ذلك بل يختص به من أراد،
~~وأيد الأول بأن سبب النزول أكثر ملاءمة له. / فقد أخرج ابن جرير عن السدي
~~أن الكفرة قالوا إن كان محمد صادقا فليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر
~~فنزلت. ونقل الواحدي عن السدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عرضت
~~علي أمتي في صورها كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر فبلغ
~~ذلك المنافقين فاستهزءوا قالوا: يزعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر
~~ونحن معه ولا يعرفنا فأنزل الله تعالى هذه الآية» وقال الكلبي: قالت
~~قريش: «تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار والله تعالى عليه غضبان
~~وأن من تبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله تعالى عنه راض فأخبرنا بمن
~~يؤمن بك ومن لا يؤمن فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأيد الثاني بأن ظاهر
~~السوق يقتضيه قيل: والحق اتباع السوق ويكفي أدنى مناسبة بالقصة في كونها
~~سببا للنزول على أن في سند هذه الآثار مقالا حتى قال بعض الحفاظ في
~~بعضها: إني لم أقف عليه، وقد روي عن أبي العالية ما يخالفها وهو أن
~~المؤمنين سئلوا أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق فنزلت،
~~والاجتباء الاستخلاص كما روي عن أبي مالك ويؤول إلى الاصطفاء والاختيار
~~وهو المشهور في تفسيره، ويقال جبوت المال وجبيته بالواو والياء فياء
~~يجتبي هنا إما على أصلها أو ms01606 منقلبة من واو لانكسار ما قبلها، وعبر به
~~للإيذان بأن الوقوف على الأسرار الغيبية لا يتأتى إلا ممن رشحه الله
~~تعالى لمنصب جليل تقاصرت عنه همم الأمم واصطفاه على الجماهير لارشادهم.

# و { من } لابتداء الغاية وتعميم الاجتباء لسائر الرسل عليهم السلام
~~للدلالة على أن شأنه عليه الصلاة والسلام في هذا الباب أمر متين له أصل
~~أصيل جار على سنة الله تعالى المسلوكة فيما بين الرسل صلوات الله تعالى
~~وسلامه عليهم.

# وقيل: إنها للتبعيض فإن الاطلاع على المغيبات مختص ببعض الرسل، وفي بعض
~~الأوقات حسبما تقتضيه مشيئته تعالى ولا يخفى أن كون ذلك في بعض الأوقات
~~مسلم، وأما كونه مختصا ببعض الرسل ففي القلب منه شيء. ولعل الصواب خلافه
~~ولا يشكل على هذا أن الله تعالى قد يطلع على الغيب بعض أهل الكشف ذوي
~~الأنفس القدسية لأن ذلك بطريق الوراثة لا استقلالا وهم يقولون: إن
~~المختص بالرسل عليهم السلام هو الثاني على أنه إذا كان المراد ما أيده
~~السوق بعد هذا الاستشكال وإظهار الاسم الجليل في الموضعين لتربية المهابة
~~ومثله على ما قيل ما في قوله تعالى:

# { فآمنوا بالله ورسله } والمراد آمنوا بصفة الاخلاص فلا
~~يضر كون الخطاب عاما للمنافقين وهم مؤمنون ظاهرا. وتعميم الأمر مع أن
~~سوق النظم الكريم للإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم لإيجاب الإيمان به
~~بالطريق البرهاني والإشعار بأن ذلك مستلزم للإيمان بالكل لأنه صلى الله
~~عليه وسلم مصدق لما بين يديه من الرسل وهم شهداء بصحة نبوته، والمأمور به
~~الإيمان بكل ما جاء به عليه الصلاة والسلام فيدخل فيه تصديقه فيما أخبر
~~به من أحوال المنافقين دخولا أوليا، وقد يقال: إن المراد من الإيمان
~~بالله تعالى أن يعلموه وحده مطلعا على الغيب. ومن الإيمان برسله أن
~~يعلموهم عبادا مجتبين لا يعلمون إلا ما علمهم الله تعالى ولا يقولون إلا
~~ما يوحي إليهم في أمر الشرائع، وكون المراد من الإيمان بالله تعالى
~~الإيمان بأنه سبحانه وتعالى لا يترك المخلصين على الاختلاط حتى يميز
~~الخبيث من الطيب بنصب ms01607 العلامات وتحصيل العلم الاستدلالي بمعرفة المؤمن
~~والمنافق. ومن الإيمان برسله الإيمان بأنهم المترشحون للاطلاع على الغيب
~~لا غيرهم بعيد كما لا يخفى.

# { وإن تؤمنوا } أي بالله تعالى ورسله / حق الإيمان {
~~وتتقوا } المخالفة في الأمر والنهي أو تتقوا النفاق { فلكم }
~~بمقابلة ذلك فضلا من الله تعالى { أجر عظيم } لا يكتنه ولا يحد في
~~الدنيا والآخرة.

### || [3.180]

# { ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ آتاهم الله من
~~فضله هو خيرا لهم } بيان لحال البخل وسوء عاقبته وتخطئة
~~لأهله في دعواهم خيريته حسب بيان حال الإملاء وبهذا ترتبط الآية بما
~~قبلها. وقيل: وجه الارتباط أنه تعالى لما بالغ في التحريض على بذل
~~الأرواح في الجهاد وغيره شرع ههنا في التحريض على بذل المال وبين الوعيد
~~الشديد لمن يبخل وإيراد ما بخلوا به بعنوان إيتاء الله تعالى إياه من
~~فضله للمبالغة في بيان سوء صنيعهم فإن ذلك من موجبات بذله في سبيله
~~سبحانه وفعل الحسبان مسند إلى الموصول والمفعول الأول محذوف لدلالة الصلة
~~عليه. واعترض بأن المفعول في هذا الباب مطلوب من جهتين من جهة العامل فيه
~~ومن جهة كونه أحد جزأي الجملة فلما تكرر طلبه امتنع حذفه ونقض ذلك بخبر
~~كان فإنه مطلوب من جهتين أيضا ولا خلاف في جواز حذفه إذا دل عليه دليل.

# ونقل الطيبي عن صاحب «الكشاف» أن حذف أحد مفعولي حسب إنما يجوز إذا كان
~~فاعل حسب ومفعولاه شيئا واحدا في المعنى كقوله تعالى: { ولا
~~يحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا } [آل
~~عمران: 169] على القراءة بالياء التحتية، ثم قال: وهذه الآية ليست كذلك
~~فلا بد من التأويل بأن يقال: إن (الذين يبخلون) الفاعل لما اشتمل على
~~البخل كان في حكم اتحاد الفاعل والمفعول ولذلك حذف، وقيل: إن الزمخشري
~~كنى عن قوة القرينة بالاتحاد الذي ذكره وكلا القولين ليسا بشيء، والصحيح
~~أن مدار صحة الحذف القرينة فمتى وجدت جاز الحذف ومتى لم توجد لم يجز.

# والقول بأن هو ضمير رفع استعير في مكان المنصوب وهو راجع إلى البخل أو
~~الايتاء على ms01608 أنه مفعول أولا تعسف جدا لا يليق بالنظم الكريم  وإن جوزه
~~المولى عصام الدين تبعا لأبي البقاء  حتى قال في «الدر المصون»: إنه
~~غلط، والصحيح أنه ضمير فصل بين مفعولي حسب لا توكيد للمظهر كما توهم،
~~وقيل: الفعل مسند إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، أو ضمير من يحسب،
~~والمفعول الأول هو الموصول بتقدير مضاف أي بخل الذين، والثاني { خيرا
~~} كما في الوجه الأول وهو خلاف الظاهر، نعم إنه متعين على قراءة الخطاب.
~~وعلى كل تقدير يقدر بين الباء ومجرورها مضاف أي لا يحسبن، أو لا تحسبن
~~الذين يبخلون بإنفاق أو زكاة ما آتاهم الله من فضله هو صفة حسنة أو خيرا
~~لهم من الانفاق.

# { بل هو شر } عظيم { لهم } والتنصيص على ذلك مع علمه مما تقدم
~~للمبالغة { سيطوقون ما بخلوا به يوم القيمة }
~~بيان لكيفية شريته لهم، والسين مزيدة للتأكيد، والكلام عند الأكثرين
~~إما محمول على ظاهره، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " من آتاه الله تعالى مالا فلم يؤد زكاته مثل له شجاع أقرع له
~~زبيبتان يطوقه يوم القيامة فيأخذ بلهزمتيه يقول: أنا مالك أنا كنزك ثم
~~تلا هذه الآية "

# وأخرج غير واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل ما أعطاه الله تعالى إياه
~~فيبخل عليه إلا خرج له يوم القيامة من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوقه "

# ثم قرأ الآية. / وأخرج عبد الرزاق وغيره عن إبراهيم النخعي أنه قال:
~~يجعل ما بخلوا به طوقا من نار في أعناقهم.

# وذهب بعضهم إلى أن الظاهر غير مراد، والمعنى كما قال مجاهد: سيكلفون أن
~~يأتوا بمثل ما بخلوا به من أموالهم يوم القيامة عقوبة لهم فلا يأتون،
~~وقال أبو مسلم: سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق على أنه حذف
~~المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه للإيذان بكمال المناسبة بينهما، ومن
~~أمثالهم تقلدها طوق الحمامة، وكيفما كان ms01609 فالآية نزلت في مانعي الزكاة كما
~~روي ذلك عن الصادق وابن مسعود والشعبي والسدي وخلق آخرين وهو الظاهر،
~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنها نزلت في أهل الكتاب
~~الذين كتموا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبوته التي نطقت بها
~~التوراة، فالمراد بالبخل كتمان العلم وبالفضل التوراة التي أوتوها، ومعنى
~~سيطوقون ما قاله أبو مسلم، أو المراد أنهم يطوقون طوقا من النار جزاء
~~هذا الكتمان. فالآية حينئذ نظير قوله صلى الله عليه وسلم:

# " من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار "

# وعليه يكون هذا عودا إلى ما انجر منه الكلام إلى قصة أحد، وذلك هو شرح
~~أحوال أهل الكتاب قيل: ويعضده أن كثيرا من آيات بقية السورة فيهم.

# { ولله ميراث السموات والأرض } أي لله تعالى وحده لا
~~لأحد غيره استقلالا أو اشتراكا ما في السماوات والأرض مما يتوارث من مال
~~وغيره كالأحوال التي تنتقل من واحد إلى آخر كالرسالات التي يتوارثها أهل
~~السماء مثلا فما لهؤلاء القوم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله
~~وابتغاء مرضاته، فالميراث مصدر كالميعاد وأصله موراث فقلبت الواو ياءا
~~لانكسار ما قبلها، والمراد به ما يتوارث، والكلام جار على حقيقته ولا
~~مجاز فيه، ويجوز أنه تعالى يرث من هؤلاء ما في أيديهم مما بخلوا به
~~وينتقل منهم إليه حين يهلكهم ويفنيهم وتبقى الحسرة والندامة عليهم، ففي
~~الكلام على هذا مجاز قال الزجاج: أي إن الله تعالى يفني أهلهما فيبقيان
~~بما فيهما ليس لأحد فيهما ملك فخوطبوا بما يعلمون لأنهم يجعلون ما يرجع
~~إلى الإنسان ميراثا ملكا له.

# { والله بما تعملون } من المنع والبخل { خبير } فيجازيكم
~~على ذلك، وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة والالتفات إلى الخطاب
~~للمبالغة في الوعيد لأن تهديد العظيم بالمواجهة أشد وهي قراءة نافع وابن
~~عامر وعاصم وحمزة والكسائي، وقرأ الباقون بالياء على الغيبة.

### || [3.181]

# { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله
~~فقير ونحن أغنيآء } أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم
~~من طريق عكرمة ms01610 عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه بيت
~~المدراس فوجد يهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص  وكان من
~~علمائهم وأحبارهم  فقال أبو بكر: ويحك يا فنحاص اتق الله تعالى وأسلم
~~فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة
~~فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله تعالى من فقر وإنه إلينا
~~لفقير وما نتضرع إليه كما تضرع إلينا وإنا عنه لأغنياء ولو كان غنيا عنا
~~ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم وأنه ينهاكم عن الربا ويعطينا ولو كان
~~غنيا عنا ما أعطانا الربا فغضب أبو بكر رضي الله تعالى عنه فضرب وجه
~~فنحاص ضربة شديدة وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك
~~لضربت عنقك يا عدو الله تعالى فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فقال: يا محمد انظر ما صنع صاحبك بي فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول
~~الله قال قولا عظيما يزعم أن الله تعالى شأنه فقير وهم عنه أغنياء فلما
~~قال ذلك غضبت لله تعالى / مما قال فضربت وجهه فجحد فنحاص فقال: ما قلت
~~ذلك فأنزل الله تعالى فيما قال فنحاص تصديقا لأبي بكر رضي الله تعالى
~~عنه هذه الآية، وأنزل في أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب

# ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم
~~ومن الذين أشركوا أذى كثيرا

# [آل عمران: 186] الآية.

# وأخرج ابن المنذر عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أنها نزلت في حيي بن أخطب
~~لما أنزل الله تعالى:

# من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له
~~أضعافا كثيرة

# [البقرة: 245] قال: يستقرضنا ربنا إنما يستقرض الفقير الغني. وأخرج
~~الضياء وغيره من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتت اليهود رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله تعالى: { من ذا الذى
~~يقرض الله قرضا حسنا } فقالوا: ms01611 يا محمد فقير ربك يسأل عباده
~~القرض؟ فأنزل الله تعالى الآية، والجمع على الروايتين الأوليين مع كون
~~القائل واحدا لرضا الباقين بذلك، وتخصيص هذا القول بالسماع مع أنه تعالى
~~سميع لجميع المسموعات كناية تلويحية عن الوعيد لأن السماع لازم العلم
~~بالمسموع وهو لازم الوعيد في هذا المقام فهو سماع ظهور وتهديد لا سماع
~~قبول ورضا  كما في سمع الله لمن حمده  وإنما عبر عن ذلك بالسماع
~~للإيذان بأنه من الشناعة والسماجة بحيث لا يرضى قائله بأن يسمعه سامع
~~ولهذا أنكروه، ولكون إنكارهم القول بمنزلة إنكار السمع أكده تعالى
~~بالتأكيد القسمي، وفيه أيضا من التشديد في التهديد والمبالغة في الوعيد
~~ما لا يخفى، والعامل في موضع إن وما عملت فيه قالوا: فهي المحكية به،
~~وجوز أن يكون ذلك معمولا لقول المضاف لأنه مصدر، قال أبو البقاء: وهذا
~~يخرج على قول الكوفيين في إعمال الأول وهو أصل ضعيف ويزداد هنا ضعفا بأن
~~الثاني فعل، والأول مصدر وإعمال الفعل لكونه أقوى أولى.

# { سنكتب ما قالوا } أي سنكتبه في صحائف الكتبة، فالإسناد مجازي
~~والكتابة حقيقة، أو سنحفظه في علمنا ولا نهمله فالإسناد حقيقة والكتابة
~~مجاز، والسين للتأكيد أي لن يفوتنا أبدا تدوينه وإثباته لكونه في غاية
~~العظم والهول، كيف لا وهو كفر بالله تعالى سواء كان عن اعتقاد أو استهزاء
~~بالقرآن وهو الظاهر، ولذلك عطف عليه قوله تعالى: { وقتلهم
~~الأنبياء بغير حق } إيذانا بأنهما في العظم إخوان وتنبيها
~~على أنه ليس بأول جريمة ارتكبوها ومعصية استباحوها، وأن من اجترأ على قتل
~~الأنبياء بغير حق في اعتقاده أيضا كما هو في نفس الأمر لم يستبعد منه
~~أمثال هذا القول، ونسبة القتل إلى هؤلاء القائلين باعتبار الرضا بفعل
~~القاتلين من أسلافهم، وقيل: المعنى سنجمع ما قالوا وقتلهم الأنبياء في
~~مقام العذاب ونجزيهما جزاءا مماثلا لتشاركهما في أن في كل منهما
~~إبطالا لما جاء به المرسلون، ولا يخفى أنه مما لا ينبغي تخريج كلام الله
~~تعالى عليه.

# { ونقول ذوقوا عذاب الحريق } أي وننتقم منهم بواسطة هذا
~~القول ms01612 الذي لا يقال إلا وقد وجد العذاب. والحريق بمعنى المحرق وإضافة
~~العذاب إليه من الإضافة البيانية أي العذاب الذي هو المحرق لأن المعذب هو
~~الله تعالى لا الحريق، أو الإفاضة للسبب لتنزيله منزلة الفاعل  كما قاله
~~بعض المحققين  ((والذوق  كما قال الراغب  وجود الطعم في الفم؛ وأصله
~~فيما يقل تناوله دون ما يكثر فإنه يقال له: أكل))، ثم اتسع فيه فاستعمل
~~لإدراك سائر المحسوسات والحالات، وذكره هنا  كما قال ناصر الدين  لأن
~~العذاب مرتب على قولهم الناشىء عن البخل والتهالك على المال وغالب حاجة
~~الإنسان إليه لتحصيل المطاعم ومعظم بخله للخوف من فقدانه، ولذلك كثر ذكر
~~الأكل مع المال، ولك أن تقول: إن اليهود لما قالوا ما قالوا وقتلوا من
~~قتلوا فقد أذاقوا المسلمين وأتباع الأنبياء غصصا / وشبوا في أفئدتهم نار
~~الغيرة والأسف وأحرقوا قلوبهم بلهب الإيذاء والكرب فعوضوا هذا العذاب
~~الشديد، وقيل: لهم ذوقوا عذاب الحريق كما أذقتم أولياء الله تعالى في
~~الدنيا ما يكرهون. والقائل لهم ذلك  كما قال الضحاك  خزنة جهنم،
~~فالإسناد حينئذ مجازي، وفي هذه الآية مبالغات في الوعيد حيث ذكر فيها
~~العذاب والحريق والذوق المنبىء عن اليأس فقد قال الزجاج: ذق كلمة تقال
~~لمن أيس عن العفو أي ذق ما أنت فيه فلست بمتخلص منه والمؤذن بأن ما هم
~~فيه من العذاب والهوان يعقبه ما هو أشد منه وأدهى، والقول للتشفي المنبىء
~~عن كمال الغيظ والغضب وفيما قبلها ما لا يخفى أيضا من المبالغات، وقرأ
~~حمزة { سيكتب } بالياء والبناء للمفعول { وقتلهم } بالرفع، ويقول
~~بصيغة الغيبة.

### || [3.182]

# { ذلك } إشارة إلى العذاب المحقق المنزل منزلة المحسوس المشاهد،
~~وللإشارة إلى عظم شأنه وبعد منزلته في الهول والفظاعة أتى باسم الإشارة
~~مقرونا باللام والكاف وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: { بما قدمت
~~أيديكم } أي بسبب أعمالكم التي قدمتموها كقتل الأنبياء وهذا القول
~~الذي تكاد السماوات يتفطرن منه، والمراد من الأيدي الأنفس والتعبير بها
~~عنها من قبيل التعبير عن الكل بالجزء الذي مدار جل العمل عليه، يجوز أن
~~لا يتجوز في ms01613 الأيدي بل يجعل تقديمها الذي هو عملها عبارة عن جميع الأعمال
~~التي أكثرها أو الكثير منها يزاول باليد على طريق التغليب.

# { وأن الله ليس بظلم للعبيد } عطف على ما {
~~قدمت } فهو داخل تحت حكم باء السببية وسببيته للعذاب من حيث إن نفي
~~الظلم يستلزم العدل المقتضي إثابة المحسن ومعاقبة المسيء  وإليه ذهب
~~الفحول من المفسرين  وتعقبه مولانا شيخ الإسلام بقوله: وفساده ظاهر فإن
~~ترك التعذيب من مستحقه ليس بظلم شرعا ولا عقلا حتى ينتهض نفي الظلم
~~سببا للتعذيب. وخلاصته المعارضة بطريق القياس الاستثنائي بأنه لو كان
~~ترك التعذيب ظلما لكان نفي الظلم سببا للتعذيب لكن ترك التعذيب ليس
~~بظلم فنفي الظلم لا يكون سببا له، وأجيب بأن منشأ هذا الاعتراض عدم
~~الفرق بين السبب والعلم الموجبة، والفرق مثل الصبح ظاهر فإن السبب وسيلة
~~محضة لا يوجب حصول المسبب كما أن القلم سبب الكتابة غير موجب إياها،
~~والعدل اللازم من نفي الظلم سبب لعذاب المستحق وإن لم يوجبه. فالاستدلال
~~بعدم الإيجاب على عدم السببية فاسد جدا، وأما قولهم في العدل المقتضي
~~الخ فهو بيان لمقتضاه إذا خلى وطبعه، وتقرير لكونه وسيلة ولا يلزم منه
~~إيجاب الاثابة والمعاقبة على ما ينبىء عنه قوله سبحانه في الحديث القدسي:

# " سبقت رحمتي غضبي "

# ، وخلاصة هذا أن الملازمة بين المقدم والتالي في القياس الاستثنائي
~~ممنوعة بأنه لم لا يجوز أن لا يكون ترك التعذيب ظلما ويكون نفي الظلم
~~سببا بأن يكون السبب سببا غير موجب ولا محذور حينئذ. لا يقال يحتمل أن
~~يكون مبنى ذلك الاعتراض على المفهوم المعتبر عند الشافعي لا على كون
~~السبب موجبا لأنا نقول: إن أريد بالمفهوم مفهوم قوله سبحانه: { وأن
~~الله } الخ فنقول: حاصله أن العدل سبب لعذاب المستحقين، والمفهوم منه
~~أن العدل لا يكون سببا لعذاب غير المستحقين وهو معنى متفق عليه لا نزاع
~~فيه، وإن أريد أن المفهوم من قولنا سبب تعذيبهم كونه تعالى غير ظالم أنه
~~تعالى لو لم يعذبهم لكان ظالما فنقول هو مع بعده عن سياق ms01614 كلام المعترض
~~من قبيل الاستدلال بانتفاء السبب على انتفاء المسبب فيكون مبنيا على كون
~~المراد بالسبب السبب الموجب  كما قلنا  ويرد عليه ما أوردناه ولا يكون
~~من باب المفهوم في شيء وإن أريد غير هذا وذاك فليبين حتى نتكلم عليه، ومن
~~الناس من دفع الاعتراض بأن حاصل معنى الآية وقع العذاب / عليكم ولم يترك
~~بسبب أن الله تعالى ليس بظلام للعبيد وهو بمنطوقه يدل على أن نفي الظلم
~~لا يكون سببا لترك التعذيب من مستحقه ولا يدل على كون الظلم سببا لترك
~~التعذيب بل له سبب آخر وهو لطفه تعالى فلا يرد الاعتراض، وأنت تعلم بأن
~~هذا ذهول عن مقصود المعترض أيضا فإن دلالة الكلام على كون الظلم سببا
~~لترك التعذيب وعدمها خارج عن مطمح نظره على ما عرفت من تقرير كلامه على
~~أنه إذا كان المراد بالسبب السبب الموجب على ما هو مبنى كلام ذلك المولى
~~فدلالته عليه ظاهرة فإن وجود السبب الموجب كما يكون سببا لوجود المسبب
~~يكون عدمه سببا لعدمه  كما في طلوع الشمس ووجود النهار  فالعدل أعني
~~نفي الظلم إذا كان سببا لتعذيب المستحق يكون عدمه أعني الظلم سببا لعدم
~~التعذيب، وقيل: إنه عطف على ما قدمت للدلالة على أن سببية ذنوبهم لعذابهم
~~مقيدة بانتفاء ظلمه تعالى إذ لولاه لأمكن أن يعذبهم بغير ذنوبهم لا أن
~~لا يعذبهم بذنوبهم.

# وتعقبه أيضا مولانا شيخ الإسلام بقوله: وأنت خبير بأن إمكان تعذيبه
~~تعالى لعبيده بغير ذنب بل وقوعه لا ينافي كون تعذيب هؤلاء الكفرة بسبب
~~ذنوبهم حتى يحتاج إلى اعتبار عدمه معه، وإنما يحتاج إلى ذلك إن كان
~~المدعي أن جميع تعذيباته تعالى بسبب ذنوب المعذبين انتهى، ولا يخفى عليك
~~أن أن لا يعذبهم بذنوبهم في كلام القيل معطوف على قوله: أن يعذبهم،
~~والمعنى أن ذكر هذا القيد رفع احتمال أن يعذبهم بغير ذنوبهم لاحتمال أن
~~لا يعذبهم بذنوبهم فإنه أمر حسن شرعا وعقلا. وقوله: للدلالة على أن
~~سببية ذنوبهم لعذابهم مقيدة الخ أراد به أن تعينه للسببية ms01615 إنما يحصل بهذا
~~القيد إذ بإمكان تعذيبه بغير ذنب يحتمل أن يكون سبب التعذيب إرادة العذاب
~~بلا ذنب فيكون حاصل معنى الآية إن عذابكم هذا إنما نشأ من ذنوبكم لا من
~~شيء آخر، فإذا علمت هذا ظهر لك أن تزييف المولى كلام صاحب القيل بأن
~~إمكان تعذيبه تعالى الخ ناشىء عن الغفلة عن مراده، فإن كلامه ليس في
~~منافاة هذين الأمرين بحسب ذاتهما بل في منافاة احتمال التعذيب بلا ذنب
~~لتعين سببية الذنوب له وكذا قوله عقيب ذلك، وإنما يحتاج إلى ذلك إن كان
~~المدعي الخ ناشىء عن الغفلة أيضا لأن الاحتياج إلى ذلك القيد في كل من
~~الصورتين إنما هو لتقريع المخاطبين وتبكيتهم في الاعتراف بتقصيراتهم بأنه
~~لا سبب للعذاب إلا من قبلهم.

# فالقول بالاحتياج في صورة وعدمه في صورة ركيك جدا، ثم إنه لا تدافع بين
~~هذا القيل وبين ما نقل أولا عن فحول المفسرين حيث جعل المعطوف هناك
~~سببا وههنا قيدا للسبب لأن المراد بالسبب الوسيلة المحضة كما أشرنا
~~إليه فيما سبق فهو وسيلة سواء اعتبر سببا مستقلا أو قيدا للسبب، نعم
~~بينهما على ما سيأتي إن شاء الله تعالى تدافع يتراءى من وجه آخر لكنه
~~أيضا غير وارد كما سنحققه بحوله تعالى.

# والحاصل أن العطف هنا مما لا بأس به وهو الظاهر  وإليه ذهب من ذهب 
~~ويجوز أن يجعل  وإليه ذهب شيخ الإسلام  أن وما بعدها في محل الرفع على
~~أنه خبر لمبتدأ محذوف، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبلها أي
~~والأمر أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من قبلهم، والتعبير عن ذلك
~~بنفي الظلم مع أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم على ما تقرر من قاعدة أهل
~~السنة فضلا عن كونه ظالما بالغا لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك
~~بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه تعالى من الظلم كما يعبر عن ترك
~~الإثابة على الأعمال بإضاعتها مع أن الأعمال غير موجبة للثواب حتى يلزم
~~من تخلفه عنها إضاعتها، وصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى ms01616 بإبراز ما ذكر
~~من التعذيب بغير ذنب في صورة المبالغة في الظلم، ومن هنا يعلم الجواب عما
~~قيل: إن نفي نفس الظلم أبلغ من نفي كثرته ونفي الكثرة لا ينفي أصله بل
~~ربما يشعر بوجوده، وأجيب عن ذلك أيضا بأنه نفي لأصل / الظلم وكثرته
~~باعتبار آحاد من ظلم فالمبالغة في ظلام باعتبار الكمية لا الكيفية، وبأنه
~~إذا انتفى الظلم الكثير انتفى القليل لأن من يظلم يظلم للانتفاع بالظلم
~~فإذا ترك كثيره مع زيادته نفعه في حق من يجوز عليه النفع والضر كان
~~لقليله مع قلة نفعه أكثر تركا، وبأن ظلام للنسب كعطار أي لا ينسب إليه
~~الظلم أصلا وبأن كل صفة له تعالى في أكمل المراتب فلو كان تعالى ظالما
~~سبحانه لكان ظلاما فنفى اللازم لنفي الملزوم، واعترض بأنه لا يلزم من
~~كون صفاته تعالى في أقصى مراتب الكمال كون المفروض ثبوته كذلك بل الأصل
~~في صفات النقص على تقدير ثبوتها أن تكون ناقصة، وأجيب بأنه إذا فرض ثبوت
~~صفة له تعالى تفرض بما يلزمها من الكمال، والقول بأن هذا في صفات الكمال
~~دون صفات النقص إنما يوجب عدم ثبوتها لا ثبوتها ناقصة، وسيأتي إن شاء
~~الله تعالى تتمة الكلام في هذا المقام.

### || [3.183]

# { الذين قالوا } نصب أو رفع على الذم، وجوز أن يكون في موضع جر
~~على البدلية من نظيره المتقدم. والمراد من الموصول جماعة من اليهود منهم
~~كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهوذا وزيد بن التابوه وفنحاص بن
~~عازوراء وحيي بن أخطب أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا هذا القول:
~~{ إن الله عهد إلينا } أي أمرنا في التوراة وأوصانا {
~~ألا نؤمن } أي بأن لا نصدق ونعترف { لرسول } يدعي الرسالة
~~إلينا من قبل الله تعالى: { حتى يأتينا بقربان } وهو ما
~~يتقرب به إلى الله تعالى من نعم وغيرها  كما قاله غير واحد  وقرىء {
~~بقربان } بضمتين { تأكله النار } أريد به نار بيضاء تنزل من
~~السماء ولها دوي، والمراد من أكل النار للقربان إحالتها له إلى طبعها ms01617
~~بالإحراق، واستعماله في ذلك إما من باب الاستعارة أو المجاز المرسل، وقد
~~كان أمر إحراق النار للقربان إذا قبل شائعا في زمن الأنبياء السالفين
~~إلا أن دعوى أولئك اليهود هذا العهد من مفترياتهم وأباطيلهم لأن أكل
~~النار القربان لم يوجب الإيمان إلا لكونه معجزة فهو وسائر المعجزات سواء،
~~ولما كان مرامهم من هذا الكلام الباطل عدم الإيمان برسول الله صلى الله
~~عليه وسلم لعدم إتيانه بما قالوا، ولو تحقق الإتيان به لتحقق الإيمان
~~بزعمهم رد الله تعالى عليهم بقوله سبحانه:

# { قل } يا محمد لهؤلاء القائلين تبكيتا لهم وإظهارا لكذبهم { قد
~~جاءكم رسل } كثيرة العدد كبيرة المقدار مثل زكريا ويحيى وغيرهم {
~~من قبلى بالبينات } أي المعجزات الواضحة والحجج الدالة على
~~صدقهم وصحة رسالتهم وحقية قولهم كما كنتم تقترحون عليهم وتطلبون منهم {
~~وبالذى قلتم } بعينه وهو القربان الذي تأكله النار { فلم
~~قتلتموهم } أي فما لكم لم تؤمنوا بهم حتى اجترأتم على قتلهم مع
~~أنهم جاءوا بما قلتم مع معجزات أخر { إن كنتم صدقين } أي فيما
~~يدل عليه كلامكم من أنكم تؤمنون لرسول يأتيكم بما اقترحتموه، والخطاب لمن
~~في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم وإن كان الفعل لأسلافهم لرضاهم به  على
~~ما مر غير مرة  وإنما لم يقطع سبحانه عذرهم بما سألوه من القربان
~~المذكور لعلمه سبحانه بأن في الإتيان به مفسدة لهم، والمعجزات تابعة
~~للمصالح، ونقل عن السدي أن هذا الشرط جاء في التوراة هكذا: من جاء يزعم
~~أنه رسول الله تعالى فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا
~~المسيح ومحمدا عليهما الصلاة والسلام فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما
~~يأتيان بغير قربان، والظاهر عدم ثبوت هذا الشرط أصلا.

### || [3.184]

# { فإن كذبوك } فيما جئتهم به. / { فقد كذب رسل من
~~قبلك } جاءوا بمثل ما جئت به، والجملة جواب للشرط لكن باعتبار لازمها
~~الذي دل عليه المقام فإنه لتسليته صلى الله عليه وسلم من تكذيب قومه
~~واليهود له، واقتصر مجاهد على الثاني كأنه قيل فإن كذبوك فلا تحزن وتسل،
~~وجعل بعضهم الجواب محذوفا ms01618 وهذا تعليلا له ومثله كثير في الكلام. وقال
~~عصام الملة: لا حاجة إلى التأويل، والقول بالحذف إذ المعنى إن يكذبوك
~~فتكذيبك تكذيب رسل من قبلك حيث أخبروا ببعثتك، وفي ذلك كمال توبيخهم
~~وتوضيح صدقه صلى الله عليه وسلم وتسلية له ليس فوقها تسلية، ونظر فيه بأن
~~التسلية  على ما ذهب إليه الجمهور  أتم إذ عليه تكون المشاركة بينه صلى
~~الله عليه وسلم وبين إخوانه المرسلين عليهم الصلاة والسلام في تكذيب
~~المكذبين شفاها وصريحا وعلى الثاني لا شركة إلا في التكذيب لكنه
~~بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم شفاهي وصريح، وبالنسبة إلى المرسلين ليس
~~كذلك، ولا شك لذي ذوق أن الأول أبلغ في التسلية، وعليه يجوز في { من }
~~أن تتعلق  بكذب  وأن تتعلق بمحذوف وقع صفة  لرسل  أي كائنة من قبلك.
~~وعلى الثاني: يتعين الثاني ويشعر بالأول الذي عليه الجمهور وصف الرسل
~~بقوله سبحانه: { جاءوا بالبينت } أي المعجزات الواضحات الباهرات
~~{ والزبر } جمع زبور كالرسول والرسل وهو الكتاب المقصور على الحكم
~~من زبرته بمعنى حسنته قاله الزجاج، وقيل: الزبر المواعظ والزواجر من
~~زبرته إذا زجرته { والكتب المنير } أي الموضح أو الواضح
~~المستنير. أخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه القرآن، ومعنى مجيء الرسل به
~~مجيئهم بما اشتمل عليه من أصول الدين على ما يشير إليه قوله تعالى فيه:

# وإنه لفى زبر الأولين

# [الشعراء: 196] على وجه، وعن قتادة أن المراد به الزبر والشيء يضاعف
~~بالاعتبار وهو واحد، وقيل: المراد به التوراة والإنجيل والزبور وهو في
~~عرف القرآن ما يتضمن الشرائع والأحكام ولذلك جاء هو والحكمة متعاطفين في
~~عامة المواقع، ووجه إفراد الكتاب بناءا على القول الأول ظاهر، ولعل وجه
~~إفراده بناءا على القول الثاني والثالث، وإن أريد منه الجنس الصادق
~~بالواحد والمتعدد الرمز إلى أن الكتب السماوية وإن تعددت فهي من بعض
~~الحيثيات كشيء واحد.

# وقرأ ابن عامر  وبالزبر  بإعادة الجار للدلالة على أنها مغايرة
~~للبينات بالذات بأن يراد بها المعجزات غير الكتب لأن إعادة العامل تقتضي
~~المغايرة ولولاها لجاز أن يكون من ms01619 عطف الخاص على العام. ومن الغريب القول
~~بأن المراد بالبينات الحروف باعتبار أسمائها كألف ولام، وبالزبر الحروف
~~باعتبار مسمياتها ورسمها كأب، وبالكتاب الحروف المجتمعة المتلفظ بها كلمة
~~وكلاما. وادعى أهل هذا القول: أن لكل من ذلك معاني وأسرارا لا يعقلها
~~إلا العالمون فهم يبحثون عن الكلمة باعتبار لفظها وباعتبار كل حرف من
~~حروفها المرسومة وباعتبار اسم كل حرف منها الذي هو عبارة عن ثلاثة حروف،
~~ولا يخفى أن هذا اصطلاح لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى عليه. والظاهر من
~~تتبع الآثار الصحيحة أنه لم يثبت فيه عن الشارع الأعظم صلى الله عليه
~~وسلم شيء ودون إثبات ذلك الموت الأحمر.

### || [3.185]

# { كل نفس ذائقة الموت } أي نازل بها لا محالة فكأنها
~~ذائقته وهو وعد ووعيد للمصدق والمكذب وفيه تأكيد للتسلية له صلى الله
~~عليه وسلم لأن تذكر الموت واستحضاره مما يزيل / الهموم والأشجان
~~الدنيوية. وفي الخبر

# " أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه ما ذكر في كثير إلا وقلله ولا في قليل
~~إلا وكثره "

# وكذا العلم بأن وراء هذه الدار دارا أخرى يتميز فيها المحسن عن المسيء
~~ويرى كل منهما جزاء عمله، وهذه القضية الكلية لا يمكن إجراؤها على عمومها
~~لظاهر قوله تعالى:

# فصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شآء
~~الله

# [الزمر: 68] وإذا أريد بالنفس الذات كثرت المستثنيات جدا، وهل تدخل
~~الملائكة في هذا العموم؟ قولان، والجمهور على دخولهم. فعن ابن عباس أنه
~~قال: لما نزل قوله تعالى:

# كل من عليها فان

# [الرحمن: 26] قالت الملائكة: مات أهل الأرض فلما نزل { كل نفس
~~ذائقة الموت } قالت الملائكة: متنا، ووقوع الموت للأنفس في هذه
~~النشأة الحيوانية الجسمانية مما لا ريب فيه إلا أن الحكماء بنوا ذلك على
~~أن هذه الحياة لا تحصل إلا بالرطوبة والحرارة الغريزيتين. ثم إن الحرارة
~~تؤثر في تحليل الرطوبة، فإذا قلت الرطوبة ضعفت الحرارة ولا تزال هذه
~~الحال مستمرة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفىء الحرارة الغريزية
~~ويحصل الموت، ومن هنا قالوا: إن الأرواح المجردة لا تموت ولا ms01620 يتصور موتها
~~إذ لا حرارة هناك ولا رطوبة، وقد ناقشهم المسلمون في ذلك والمدار عندهم
~~على حرارة الكاف ورطوبة النون، ولعلهم يفرقون بين موت وموت، وقد استدل
~~بالآية على أن المقتول ميت وعلى أن النفس باقية بعد البدن لأن الذائق لا
~~بد أن يكون باقيا حال حصول المذوق فتدبر، وقرأ اليزيدي { ذائقة
~~الموت } بالتنوين ونصب الموت على الأصل؛ وقرأ الأعمش { ذائقة
~~الموت } بطرح التنوين مع النصب كما في قوله:

# فألفيته غير مستعتب

# ولا ذاكرا لله إلا قليلا

# وعلى القراءات الثلاث { كل نفس } مبتدأ وجاز ذلك وإن كان نكرة لما
~~فيه من العموم، و { ذائقة } الخبر، وأنث على معنى { كل } لأن {
~~كل نفس } نفوس ولو ذكر في غير القرآن على لفظ { كل } جاز.

# { وإنما توفون أجوركم } أي تعطون أجزية أعمالكم وافية
~~تامة { يوم القيمة } أي وقت قيامكم من القبور، فالقيامة مصدر
~~والوحدة لقيامهم دفعة واحدة، وفي لفظ التوفية إشارة إلى أن بعض أجورهم من
~~خير أو شر تصل إليهم قبل ذلك اليوم، ويؤيده ما أخرجه الترمذي عن أبي
~~سعيد الخدري والطبراني في «الأوسط» عن أبي هريرة مرفوعا

# " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران "

# ، وقيل: النكتة في ذلك أنه قد يقع الجزاء ببعض الأعمال في الدنيا، ولعل
~~من ينكر عذاب القبر تتعين عنده هذه النكتة.

# { فمن زحزح عن النار } أي بعد يومئذ عن نار جهنم، وأصل
~~الزحزحة تكرير الزح، وهو الجذب بعجلة، وقد أريد هنا المعنى اللازم {
~~وأدخل الجنة فقد فاز } أي سعد ونجا قاله ابن عباس، وأصل
~~الفوز الظفر بالبغية، وبعض الناس قدر له هنا متعلقا أي فاز بالنجاة ونيل
~~المراد، ويحتمل أنه حذف للعموم أي بكل ما يريد، وفي الخبر

# " لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ثم قرأ رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم هذه الآية "

# وأخرج أحمد ومسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته ms01621 وهو يؤمن بالله
~~واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه "

# وذكر دخول الجنة بعد البعد عن النار لأنه لا يلزم من البعد عنها دخول
~~الجنة كما هو ظاهر.

# { وما الحيوة الدنيا } أي لذاتها وشهواتها وزينتها { إلا
~~متع الغرور } المتاع ما يتمتع به وينتفع/ به مما يباع ويشترى
~~وقد شبهها سبحانه بذلك المتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه
~~إشارة إلى غاية رداءتها عند من أمعن النظر فيها:

# إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت

# له عن عدو في ثياب صديق

# وعن قتادة هي متاع متروك أوشكت والله أن تضمحل عن أهلها فخذوا من هذا
~~المتاع طاعة الله تعالى إن استطعتم ولا قوة إلا بالله، وعن علي كرم الله
~~تعالى وجهه هي لين مسها قاتل سمها، وقيل: الدنيا ظاهرها مظنة السرور
~~وباطنها مطية الشرور، وذكر بعضهم أن هذا التشبيه بالنسبة لمن آثرها على
~~الآخرة، وأما من طلب بها الآخرة فهي له متاع بلاغ، وفي الخبر

# " نعم المال الصالح للرجل الصالح "

# ، والغرور مصدر أو جمع غار.

### || [3.186]

# { لتبلون } جواب قسم محذوف أي والله لتختبرن، والمراد لتعاملن
~~معاملة المختبر ليظهر ما عندكم من الثبات على الحق والأفعال الحسنة ولا
~~يصح حمل الابتلاء على حقيقته لأنه محال على علام الغيوب كما مر، والخطاب
~~للمؤمنين أو لهم معه صلى الله عليه وسلم، وإنما أخبرهم سبحانه بما سيقع
~~ليوطنوا أنفسهم على احتماله عند وقوعه ويستعدوا للقائه ويقابلوه بحسن
~~الصبر والثبات فإن هجوم البلاء مما يزيد في اللأواء والاستعداد للكرب مما
~~يهون الخطب ولتحقيق معنى الابتلاء لهذا التهوين أتى بالتأكيد، وقد يقال:
~~أتى به لتحقيق وقوع المبتلى به مبالغة في الحث على ما أريد منهم من
~~التهيؤ والاستعداد، وعلى أي وجه فالجملة مسوقة لتسلية أولياء الله تعالى
~~عما سيلقونه من جهة أعدائه سبحانه إثر تسليتهم عما وقع منهم، وقيل: إنما
~~سيقت لبيان أن الدنيا دار محنة وابتلاء، وأنها إنما زويت عن المؤمنين
~~ليصبروا فيؤجروا إثر بيان أنها متاع الغرور، ولعل الأول أولى كما لا ms01622
~~يخفى، والواو المضمومة ضمير الرفع ولام الكلمة محذوفة لعلة تصريفية،
~~وإنما حركت هذه الواو دفعا للثقل الحاصل من التقاء الساكنين وكان ذلك
~~بالضم ليدل على المحذوف في الجملة ولم تقلب الواو ألفا مع تحركها
~~وانفتاح ما قبلها لعروض ذلك.

# { فى أمولكم } بالفرائض فيها والجوائح، واقتصر بعض على الثاني
~~مدعيا أن الأول الممثل في كلامهم بالإنفاق المأمور به في سبيل الله
~~تعالى، والزكاة لا يليق نظمه في سلك الابتلاء لما أنه من باب الإضعاف لا
~~من قبيل الإتلاف، وفيه نظر تقدم في البقرة الإشارة إليه، وعن الحسن
~~الاقتصار على الأول. والأولى القول بالعموم { و } في { أنفسكم }
~~بالقتل والجراح والأسر والأمراض وفقد الأقارب وسائر ما يرد عليها من
~~أصناف المتاعب والمخاوف والشدائد، وقدم الأموال على الأنفس للترقي إلى
~~الأشرف. أو لأن الرزايا في الأموال أكثر من الرزايا في الأنفس.

# { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتب من قبلكم
~~} أي من قبل إيتائكم القرآن وهم اليهود والنصارى. والتعبير عنهم بذلك إما
~~للإشعار بمدار الشقاق والإيذان بأن [بعض] ما يسمعونه منهم مستند على
~~زعمهم إلى الكتاب. وإما للإشارة إلى عظم صدور ذلك المسموع منهم. وشدة
~~وقعه على الأسماع حيث إنه كلام صدر ممن لا يتوقع صدوره منه لوجود زاجر
~~عنه معه وهو إيتاؤه الكتاب كما قيل: والتصريح بالقبلية إما لتأكيد
~~الإشعار وتقوية المدار وإما للمبالغة في أمر الزاجر عن صدور ذلك المسموع
~~من أولئك المسمعين { ومن الذين أشركوا } وهم كفار العرب {
~~أذى كثيرا } كالطعن في الدين وتخطئة من آمن والافتراء على الله
~~تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والتشبيب بنساء المؤمنين.

# { وإن تصبروا } على تلك الشدائد عند ورودها { وتتقوا } أي
~~تتمسكوا بتقوى الله تعالى وطاعته والتبتل إليه بالكلية والإعراض عما سواه
~~بالمرة بحيث يستوي عندكم وصول المحبوب ولقاء المكروه { فإن ذلك }
~~إشارة إلى المذكور ضمنا من الصبر والتقوى. وما فيه من معنى البعد إما
~~لكونه غير مذكور صريحا على ما قيل، أو للإيذان بعلو درجة هذين الأمرين
~~وبعد منزلتهما. وتوحيد حرف الخطاب إما باعتبار كل واحد ms01623 من المخاطبين
~~اعتناءا بشأن المخاطب به، وإما لأن المراد بالخطاب مجرد التنبيه من غير
~~[ملاحظة] خصوصية أحوال المخاطبين { من عزم الأمور } أي الأمور
~~التي ينبغي أن يعزمها كل أحد لما فيه من كمال المزية والشرف والعز، أو
~~مما عزمه الله تعالى وأوجبه على عباده، وعلى كلا التقديرين فالعزم مصدر
~~بمعنى المعزوم وهو مأخوذ من قولهم عزمت الأمر  كما نقله الراغب 
~~والأشهر عزمت على الأمر، ودعوى أنه لم يسمع سواه غير مسموعة كدعوى عدم
~~صحة نسبة العزم إليه تعالى لأنه توطين النفس وعقد القلب على ما يرى فعله
~~وهو محال عليه تعالى، ومما يؤيد صحة النسبة أنه قرىء

# فإذا عزمت

# [آل عمران: 159] بضم التاء وهو حينئذ بمعنى الإرادة والإيجاب، ومنه قول
~~أم عطية رضي الله تعالى عنها: «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا»
~~وما في حديث آخر يرغبنا في قيام رمضان من غير عزيمة، وقولهم: عزمات الله
~~تعالى  كما نقله الأزهري  ومن هذا الباب قول الفقهاء: ترك الصلاة زمن
~~الحيض عزيمة، والجملة تعليل لجواب [الشرط] واقع موقعه كأنه قيل: وإن
~~تصبروا وتتقوا فهو خير لكم أو فقد أحسنتم أو نحوهما فإن ذلك الخ، وجوز أن
~~يكون { ذلك } إشارة إلى صبر المخاطبين وتقواهم فحينئذ تكون الجملة
~~بنفسها جواب الشرط، وفي إبراز الأمر بالصبر والتقوى في صورة الشرطية من
~~إظهار كمال اللطف بالعباد ما لا يخفى، وزعم بعضهم أن هذا الأمر الذي
~~أشارت إليه الآية كان قبل نزول آية القتال وبنزولها نسخ ذلك، وصحح عدم
~~النسخ وأن الأمر بما ذكر كان من باب المداراة التي لا تنافي الأمر
~~بالقتال، وسبب نزول هذه الآية في قول ما تقدمت الإشارة إليه، وأخرج
~~الواحدي عن عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد أخبره

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار على قطيفة فدكية وأردف
~~أسامة بن زيد وسار يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن الخزرج قبل وقعة
~~بدر حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي  وذلك قبل أن يسلم ms01624 عبد الله
~~فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي
~~المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشي المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن
~~أبي أنفه بردائه ثم قال: لا تغبروا علينا فسلم رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم ثم وقف فنزل ودعاهم إلى الله تعالى، وقرأ عليهم القرآن فقال عبد
~~الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا
~~به في مجالسنا ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، وقال عبد الله بن
~~رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك واستب
~~المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتساورون فلم يزل النبي صلى الله
~~عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دابته
~~فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب
~~ يريد عبد الله بن أبي  قال: كذا وكذا فقال سعد: يا رسول الله اعف
~~عنه واصفح فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله تعالى بالحق الذي نزل
~~عليك، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة فلما
~~رد الله تعالى ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق فغص بذلك فعفا عنه رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم "

# فأنزل الله تعالى الآية.

# / وروى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه أن كعب
~~بن الأشرف اليهودي كان شاعرا وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويحرض
~~عليه كفار قريش في شعره وكان النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة
~~وأهلها أخلاط، منهم المسلمون ومنهم المشركون، ومنهم اليهود فأراد النبي
~~صلى الله عليه وسلم أن يستصلحهم كلهم فكان المشركون واليهود يؤذونه
~~ويؤذون أصحابه أشد الأذى فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم
~~بالصبر على ذلك وفيهم أنزل الله تعالى { ولتسمعن } الآية. وفي
~~رواية أخرى عن الزهري

# " أن كعبا هذا كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويشبب بنساء ms01625
~~المؤمنين فقال صلى الله عليه وسلم: من لي بابن الأشرف؟ فقال محمد بن
~~مسلمة: أنا يا رسول الله فخرج هو ورضيعه أبو نائلة مع جماعة فقتلوه غيلة
~~وأتوا برأسه إلى النبي صلى الله عليه وسلم آخر الليل وهو قائم يصلي "

# ثم إنه سبحانه بين بعض أذيات أهل الكتاب بقوله عز قائلا: { وإذ
~~أخذ الله ميثق الذين }.

### || [3.187]

# { وإذ أخذ الله ميثق الذين أوتوا الكتب }
~~والمراد بهم إما أحبار اليهود خاصة  وإليه ذهب ابن جبير  وهو المروي عن
~~ابن عباس من طريق عكرمة، وإما ما يشملهم وأحبار النصارى  وهو المروي عنه
~~من طريق علقمة  وإنما ذكروا بعنوان إيتاء الكتاب مبالغة في تقبيح حالهم،
~~وقيل: رمزا إلى أن أخذ الميثاق كان في كتابهم الذي أوتوه، وروى سعيد بن
~~جبير أن أصحاب عبد الله يقرءون  وإذ أخذ ربك من الذين أوتوا الكتاب
~~ميثاقهم 

# { لتبيننه للناس } جواب { ميثق } لتضمنه معنى القسم،
~~والضمير للكتاب أي بالله لتظهرن جميع ما فيه من الأحكام والأخبار التي من
~~جملتها أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو المقصود بالحكاية، وظاهر
~~كلام السدي وابن جبير أن الضمير لمحمد صلى الله عليه وسلم وإن لم يصرح
~~باسمه الشريف عليه الصلاة والسلام. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في
~~رواية ابن عياش (ليبيننه) بياء الغيبة، وقد قرر علماء العربية أنك إذا
~~أخبرت عن يمين حلف بها فلك في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون بلفظ
~~الغائب كأنك تخبر عن شيء كأن تقول: استحلفته ليقومن، الثاني: أن تأتي
~~بلفظ الحاضر تريد اللفظ الذي قيل له فتقول: استحلفته لتقومن كأنك قلت:
~~قلت له: لتقومن، الثالث: أن تأتي بلفظ المتكلم فتقول: استحلفته لأقومن،
~~ومنه قوله تعالى:

# تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله

# [النمل: 49] بالنون والياء والتاء، ولو كان تقاسموا أمرا لم يجيء فيه
~~الياء التحتية لأنه ليس بغائب قاله بعض المحققين.

# { ولا تكتمونه } عطف على الجواب وإنما لم يؤكد بالنون لكونه
~~منفيا، وقال أبو البقاء: اكتفاء بالتوكيد في الفعل الأول. وجوز أن يكون
~~حالا من ضمير ms01626 المخاطبين إما على إضمار مبتدأ بعد الواو أي وأنتم لا
~~تكتمونه وإما على رأي من يجوز دخول الواو على المضارع المنفي عند وقوعه
~~حالا أي لتظهرنه غير كاتمين، والنهي عن الكتمان بعد الأمر بالبيان
~~للمبالغة في إيجاب المأمور به  كما ذهب إليه غير واحد  أو لأن المراد
~~بالبيان المأمور به ذكر الآيات الناطقة بنبوته صلى الله عليه وسلم
~~وبالكتمان المنهي عنه إلغاء التأويلات الزائغة والشبهات الباطلة كما قيل.
~~وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه كان يفسر { لتبيننه للناس ولا
~~تكتمونه } بقوله لتتكلمن بالحق ولتصدقنه بالعمل، وأمر النهي بعد
~~الأمر على هذا ظاهر أيضا، ولعل الكلام عليه أفيد. وقرأ ابن كثير ومن معه
~~(ولا يكتمونه) بالياء كما في سابقه.

# { فنبذوه } أي طرحوا ما أخذ منهم من الميثاق { وراء ظهورهم
~~} ولم يراعوه ولم يلتفتوا إليه أصلا فإن النبذ وراء الظهر تمثيل
~~واستعارة لترك الاعتداد وعدم / الالتفات وعكسه جعل الشيء نصب العين
~~ومقابلها { واشتروا به } أي بالكتاب الذي أمروا ببيانه ونهوا عن
~~كتمانه، وقيل: الضمير للعهد والأول أولى، والمعنى أخذوا بدله { ثمنا
~~قليلا } من حطام الدنيا الفانية وأعراضها الفاسدة { فبئس ما
~~يشترون } أي بئس شيئا يشترونه ذلك الثمن فما نكرة منصوبة مفسرة
~~لفاعل  بئس  وجملة يشترونه صفته، والمخصوص بالذم محذوف، وقيل: { ما }
~~مصدرية فاعل  بئس  والمخصوص محذوف أي بئس شراؤهم هذا الشراء لاستحقاقهم
~~به العذاب الأليم.

# واستدل بالآية على وجوب إظهار العلم وحرمة كتمان شيء من أمور الدين لغرض
~~فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم واستجلاب لمسارهم واستجذاب
~~لمبارهم ونحو ذلك، وفي الخبر

# " من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار "

# ، وروى الثعلبي بإسناده عن الحسن بن عمارة قال: أتيت الزهري بعد أن ترك
~~الحديث فألفيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدثني؟ فقال: أما علمت أني
~~تركت الحديث؟ فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أحدثك؟ فقال: حدثني فقلت:
~~حدثني الحكم بن عيينة عن نجم الخراز قال: سمعت علي بن أبي طالب كرم الله
~~تعالى وجهه يقول: ما أخذ الله تعالى ms01627 على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ
~~على أهل العلم أن يعلموا، قال: فحدثني أربعين حديثا، وأخرج عبد بن حميد
~~عن أبي هريرة لولا ما أخذ الله تعالى على أهل الكتاب ما حدثتكم وتلا هذه
~~الآية. وأخرج ابن سعد عن الحسن لولا الميثاق الذي أخذه الله تعالى على
~~أهل العلم ما حدثكم بكثير مما تسألون عنه، ويؤيد الاستدلال بالآية على ما
~~ذكر ما أخرجه ابن جرير عن أبي عبيدة قال: جاء رجل إلى قوم من المسجد
~~وفيهم عبد الله بن مسعود فقال: إن كعبا يقرئكم السلام ويبشركم أن هذه
~~الآية { وإذ أخذ الله ميثق الذين أوتوا الكتاب
~~} الخ ليست فيكم، فقال له عبد الله: وأنت فاقرئه السلام أنها نزلت  وهو
~~يهودي  وأراد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن كعبا لم يعرف ما أشارت
~~إليه وإن نزلت في أهل الكتاب.

### || [3.188]

# { لا تحسبن } خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن
~~يصلح للخطاب أي لا تظنن. { الذين يفرحون بما أتوا } أي
~~بما فعلوا وبه قرأ أبي، وقرىء { بما أتوا } و { بما أوتوا }
~~وروى الثاني عن علي كرم الله تعالى وجهه { ويحبون أن
~~يحمدوا } أي أن يحمدهم الناس؛ وقيل: المسلمون، وقيل: رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم { بما لم يفعلوا } قال ابن عباس فيما أخرجه عنه
~~ابن أبي حاتم من طريق العوفي: هم أهل الكتاب أنزل عليهم الكتاب فحكموا
~~بغير الحق وحرفوا الكلام عن مواضعه وفرحوا بذلك وأحبوا أن يحمدوا بما لم
~~يفعلوا من الصلاة والصيام، وفي رواية البخاري وغيره عنه

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه
~~بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه
~~وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه "

# ، وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير أنهم يفرحون بكتمانهم صفة رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم التي نطق بها كتابهم ويحبون أن يحمدوا بأنهم متبعون
~~دين إبراهيم عليه السلام، فعلى هذا يكون ms01628 الموصول عبارة عن المذكورين
~~سابقا الذين أخذ ميثاقكم، وقد وضع موضع ضميرهم، وسبقت الجملة لبيان ما
~~يستتبع أعمالهم المحكية من العذاب / إثر بيان قباحتها، وفي ذلك من
~~التسلية أيضا ما لا يخفى، وقد أدمج فيها بيان بعض آخر من شنائعهم
~~وفضائحهم وهو إصرارهم على القبيح وفرحهم بذلك ومحبتهم لأن يوصفوا بما ليس
~~فيهم من الأوصاف الجميلة، وأخرج سبحانه ذلك مخرج المعلوم إيذانا بشهرة
~~اتصافهم به.

# وقيل: إن الموصول عبارة عن أناس منافقين وهم طائفة معهودون من المذكورين
~~وغيرهم، وأيد ذلك بما أخرجه الشيخان والبيهقي في «شعب الإيمان» عن أبي
~~سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من
~~الغزو اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت هذه
~~الآية؛ وروي مثل ذلك عن رافع بن خديج وزيد بن ثابت وغيرهما، وقيل: المراد
~~بهؤلاء المنافقون كافة، وقد كان أكثرهم من اليهود. وادعى بعضهم أنه
~~الأنسب بما في حيز الصلة لشهرة أنهم كانوا يفرحون بما فعلوا من إظهار
~~الإيمان وقلوبهم مطمئنة بالكفر ويستحمدون إلى المسلمين بالإيمان وهم عن
~~فعله بألف منزل، وكانوا يظهرون محبة المؤمنين وهم في الغاية القاصية من
~~العداوة، ولا يخفى عليك أنه وإن سلم كونه أنسب إلا أنه لم يوجد فيما نعلم
~~من الآثار الصحيحة ما يؤيده، ومن هنا يعلم بعد القول بأن الأولى إجراء
~~الموصول على عمومه شاملا لكل من يأتي بشيء من الحسنات فيفرح به فرح
~~إعجاب، ويود أن يمدحه الناس بما هو عار منه من الفضائل منتظما للمعهودين
~~انتظاما أوليا على أنه قد اعترض بأن انتظام المعهودين مطلقا فضلا عن
~~كونه أوليا غير مسلم إلا إذا عمم ما في بما أتوا بحيث يشمل الحسنات
~~الحقيقية وغيرها أما إذا خص بالحسنات كما يوهمه ظاهر هذا القول فلا يسلم
~~الانتظام لأن أولئك الفرحين لم ms01629 يأتوا بحسنة في نفس الأمر ليفرحوا بها فرح
~~إعجاب كما لا يخفى، ولعل الأمر في هذا سهل، نعم يزيده بعدا ما أخرجه
~~الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي في «الشعب» من
~~طريق حميد بن عبد الرحمن أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس
~~فقل: لئن كان كل امرىء منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا
~~لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية إنما أنزلت هذه الآية
~~في أهل الكتاب، ثم تلا

# وإذ أخذ الله ميثق الذين أوتوا الكتب

# [آل عمران: 187] إلى آخر الآيتين فإنه لو كان الأولى إجراء الموصول على
~~عمومه لأجراه حبر الأمة وترجمان القرآن، وأزال الإشكال بتقييد الفرح بفرح
~~الإعجاب كما فعل صاحب هذا القول ولا يلزم من كلام الحبر على هذا عدم حرمة
~~الفرح فرح إعجاب وحب الحمد بما لم يفعل بالمرة بل قصارى ما يلزم منه عدم
~~كون ذلك مفاد الآية  كما قيل  وهو لا يستلزم عدم كونه مفاد شيء أصلا
~~ليكون ذلك قولا بعدم الحرمة، كيف وكثير من النصوص ناطق بحرمة ذلك حتى
~~عده البعض من الكبائر فليفهم، وأيا ما كان فالموصول مفعول أول  لتحسبن
~~

# وقوله تعالى: { فلا تحسبنهم } تأكيد له والعرب  كما قال
~~الزجاج  إذا أطالت القصة تعيد حسبت وما أشبهها إعلاما بأن الذي جرى
~~متصل بالأول وتوكيد له فتقول: لا تظنن زيدا إذا جاءك وكلمك بكذا وكذا
~~فلا تظنه صادقا فيفيد لا تظنن توكيدا وتوضيحا، والفاء زائدة كما في
~~قوله:

# فإذا هلكت (فعند) ذلك فاجزعي

# والمفعول الثاني في قوله سبحانه: { بمفازة من العذاب } أي
~~متلبسين بنجاة منه على أن المفازة مصدر ميمي بمعنى الفوز، والتاء ليست
~~للوحدة لبناء المصدر عليه، و { من العذاب } متعلق به، وجوز أن تكون
~~المفازة اسم مكان أي محل فوز ونجاة، / وأن يستعار من المفازة للقفر
~~وحينئذ يكون { من العذاب } صفة له لأن اسم المكان لا يعمل ولا بد
~~من تقدير المتعلق خاصا أي منجية من العذاب وتقديره عاما ms01630  أي بمفازة
~~كائنة من العذاب  غير صحيح لأن المفازة ليست من العذاب، واعترض بأن
~~تقديره خاصا مع كونه خلاف الأصل تعسف مستغنى عنه، وقرىء بضم الباء
~~الموحدة في الفعلين على أن الخطاب شامل للمؤمنين أيضا، وبياء الغيبة
~~وفتح الباء فيهما على أن الفعل له عليه الصلاة والسلام أو لكل من يتأتى
~~منه الحسبان ومفعولاه في القراءتين كما ذكر من قبل.

# وقرأ أبو عمرو وابن كثير بالياء وفتح الباء في الفعل الأول، وبالياء وضم
~~الباء في الفعل الثاني على أن فاعل { لا يحسبن الذين } بعده
~~ومفعولاه محذوفان يدل عليهما مفعولا مؤكده وفاعل مؤكده ضمير الموصول
~~ومفعولاه ضميرهم، و { بمفازة } أي لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا
~~فلا يحسبن أنفسهم بمفازة. ويجوز أن يكون المفعول الأول  للا يحسبن 
~~محذوفا والمفعول الثاني مذكورا أي أعني بمفازة أن لا يحسبن الذين
~~يفرحون أنفسهم فائزين، وقوله تعالى: { فلا يحسبنهم } مؤكد والفاء
~~زائدة كما مر وأن يكون كلا مفعولي { لا يحسبن } مذكورا، الأول:
~~ضميرهم المتصل بالفعل الثاني، والثاني: { بمفازة } وهو مبني على جعل
~~التأكيد هو الفعل والفاعل فقط على ما هو الأنسب إذ ليس المذكور سابقا
~~سواهما، ورد بأن فيه اتصال ضمير المفعول بغير عامله أو فاعله المتصل
~~بعامله ولم يقل به أحد من النحاة وإن كان فيه تحاش عن الحذف في هذا
~~الباب، وفيه نظر إذ قد صرح كثير بجواز ذلك، وقد أفردت هذه المسألة
~~بالتدوين، وجوز أيضا أن يكون الفعل الأول مسندا إلى ضمير النبي صلى
~~الله عليه وسلم أو كل حاسب والمفعول الأول الموصول، والمفعول الثاني
~~محذوفا لدلالة مفعول الفعل الثاني عليه والفعل الثاني مسندا إلى ضمير
~~الموصول والفاء للعطف لظهور تفرع عدم حسبانهم على عدم حسبانه عليه الصلاة
~~والسلام أو عدم حسبان كل حاسب ومفعولاه الضمير المنصوب و { بمفازة }
~~وتصدير الوعيد بنهيهم عن الحسبان المذكور  على ما قال شيخ الإسلام 
~~للتنبيه على بطلان آرائهم الركيكة وقطع أطماعهم الفارغة حيث كانوا يزعمون
~~أنهم ينجون بما صنعوا من عذاب الآخرة كما نجوا به من ms01631 المؤاخذة الدنيوية
~~وعليه كان مبنى فرحهم، وأما نهيه صلى الله عليه وسلم فللتعريض بحسبانهم
~~المذكور لا لاحتمال وقوع الحسبان من جهته صلى الله عليه وسلم. وأنت تعلم
~~أن تعليل التصدير بما ذكر على تقدير إجراء الموصول على عمومه على ما مر
~~غير ظاهر إلا أن يقال بالتغليب.

# { ولهم عذاب أليم } بيان لثبوت فرد من العذاب لا غاية له في
~~المدة والشدة إثر ما أشير إليه من عدم نجاتهم من مطلق العذاب ويلوح بذلك
~~الجملة الاسمية والتنكير التفخيمي والوصف وجوز أن يكون هذا إشارة إلى
~~العذاب الأخروي ويحمل نفي النجاة من العذاب فيما تقدم على نفي العذاب
~~العاجل وهو كونهم مذمومين مردودين فيما بين الناس لأن لباس الزور لا يبقى
~~وينكشف حال صاحبه ويفتضح.

### || [3.189]

# { ولله ملك السموت والأرض } تقرير لما قبله حيث أفاد
~~أن لله وحده السلطان القاهر في جميع العالم يتصرف فيه كيفما يشاء ويختار
~~إيجادا وإعداما إحياءا وإماتة تعذيبا وإثابة، ومن هو كذلك فهو مالك
~~أمرهم لا راد له عما أراد بهم { والله على كل شيء قدير }
~~تقرير إثر تقرير والإظهار في مقام الإضمار لتربية المهابة مع الإشعار
~~بمناط الحكم فإن شمول القدرة لجميع الأشياء من أحكام الألوهية والرمز إلى
~~استقلال كل من الجملتين بالتقرير، وقيل: مجموع الجملتين مسوق لرد قول
~~اليهود السابق

# إن الله فقير ونحن أغنياء

# [آل عمران: 181] وضعف بالبعد  ولو قيل  وفيه رد لهان الأمر.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { ولا يحزنك } لتوقع الضرر، أو
~~لشدة الغيرة { الذين يسرعون فى الكفر } لحجابهم الأصلي
~~وظلمتهم الذاتية { إنهم لن يضروا الله شيئا } فإن ساحة
~~الكبرياء مقدسة عن هجوم ظلال الضلال، أو المراد لن يضروك أيها المظهر
~~الأعظم إلا أنه تعالى أقام نفسه تعالى مقام نفسه صلى الله عليه وسلم، وفي
~~الآية إشارة إلى الفرق والجمع { يريد الله } إظهارا لصفة قهره

# ألا يجعل لهم حظا فى الأخرة ولهم عذاب عظيم

# [آل عمران: 176] لعظم حجابهم ونظرهم إلى الأغيار { إن الذين
~~اشتروا الكفر } وأخذوه { بالإيمان } بدله لقبح استعدادهم
~~وسوء ms01632 اختيارهم الغير المجعول { لن يضروا الله شيئا } ولكن
~~يضرون أنفسهم لحرمانها تجلي الجمال

# ولهم عذاب أليم

# [آل عمران: 177] لكونهم غدوا بذلك مظهر الجلال { ولا يحسبن
~~الذين كفروا أنما نملى لهم } ونزيد في مددهم { خير
~~لأنفسهم } ينتفعون به في القرب إلينا { إنما نملى لهم
~~ليزدادوا إثما } بسبب ذلك لازديادهم حجابا على حجاب وبعدا
~~على بعد

# ولهم عذاب مهين

# [آل عمران: 178] لفرط بعدهم عن منبع العز { ما كان الله ليذر
~~المؤمنين على ما أنتم عليه } من ظاهر الإسلام وتصديق
~~اللسان { حتى يميز الخبيث } من صفات النفس وحظوظ الشيطان
~~ودواعي الهوى { من الطيب } وهو صفات القلب كالإخلاص، واليقين،
~~والمكاشفة، ومشاهدة الروح، ومناغاة السر ومسامراته، وذلك بوقوع الفتن
~~والمصائب بينكم { وما كان الله ليطلعكم على الغيب }
~~أي غيب وجودكم من الحقائق الكامنة فيكم بلا واسطة الرسول للبعد وعدم
~~المناسبة وانتفاء استعداد التلقي منه سبحانه { ولكن الله
~~يجتبى من رسله من يشاء } فيطلعه على ذلك ويهديكم إلى ما غاب
~~عنكم من كنوز وجودكم وأسراره للجنسية التي بينكم وبينه { فآمنوا
~~بالله ورسله } بالتصديق والتمسك بالشريعة ليمكنكم التلقي منهم {
~~وإن تؤمنوا } بعد ذلك الإيمان الحقيقي الحاصل بالسلوك والمتابعة
~~في الطريقة { وتتقوا } الحجب والموانع

# فلكم أجر عظيم

# [آل عمران: 179] من كشف الحقيقة، وقد يقال: إن لله تعالى غيوبا، غيب
~~الظاهر، وغيب الباطن وغيب الغيب، وسر الغيب، وغيب السر، فغيب الظاهر هو
~~ما أخبر به سبحانه عن أمر الآخرة، وغيب الباطن هو غيب المقدورات المكنونة
~~عن قلوب الأغيار، وغيب الغيب هو سر الصفات في الأفعال، وسر الغيب هو نور
~~الذات في الصفة، وغيب السر هو غيب القدم وسر الحقيقة والإطلاع بالواسطة
~~على ما عدا الأخير واقع للسالكين على حسب مراتبهم، وأما الاطلاع على
~~الأخير فغير واقع لأحد أصلا فإن الأزلية منزهة عن الإدراك وخاصة بنبينا
~~صلى الله عليه وسلم من ذلك المعنى رؤيته بنعت الكشف له وابتسام صباح
~~الأزل في وجهه لا بنعت الإحاطة والإدراك { ولا يحسبن الذين
~~يبخلون بما ءاتهم الله من فضله } من المال، أو
~~العلم، أو ms01633 القدرة، أو النفس فلا ينفقونه في سبيل الله على المستحقين، أو
~~المستعدين، أو الأنبياء، والصديقين في الذب عنهم، أو في الفناء في الله
~~تعالى { هو خيرا لهم بل هو شر لهم } لاحتجابهم به {
~~سيطوقون ما بخلوا به يوم القيمة } ويلزمون وباله
~~ويبقى ذلك حسرة في قلوبهم عند هلاكهم على ما يشير قوله تعالى:

# ولله ميراث السموات والأرض

# [آل عمران: 180] وقد ذكر بعض العارفين إن من أعظم أنواع البخل كتم
~~الأسرار عن أهلها وعدم إظهار مواهب الله تعالى على المريدين وإبقائهم في
~~مهامه الطريق مع التمكن من إرشادهم ويقال: إن مبنى الطريق على السخاء وإن
~~السخاء بالمال وصف المريدين، والسخاء بالنفس وصف المحبين، وبالروح وصف
~~العارفين. وقال ابن عطاء: السخاء بذل النفس والسر والروح والكل، ومن بخل
~~في طريق الحق بماله حجب وبقي / معه، ومن نظر إلى الغير حرم فوائد الحق
~~وسواطع أنوار القرب

# لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله
~~فقير ونحن أغنياء

# [آل عمران: 181] وهم اليهود حيث سمعوا الاستقراض ولم يفهموا سره فوقعوا
~~فيما وقعوا وقالوا ما قالوا، وهذا القول إنما يجر إليه الطغيان وغلبة
~~الصفات الذميمة واستيلاء سلطان الهوى على النفس الأمارة فتطلب حينئذ
~~الارتداء برداء الربوبية، ومن هنا تقول: (أنا ربكم الأعلى) أحيانا مع
~~حجابها وبعدها عن الحضرة { الذين قالوا إن الله عهد
~~إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان
~~تأكله النار } قيل: إنه روي أن أنبياء بني إسرائيل كانت معجزتهم
~~أن يأتوا بقربان فيدعوا الله تعالى فتأتي نار من السماء فتأكله، وتأويله
~~أن يأتوا بنفوسهم يتقربون بها إلى الله تعالى ويدعون بالزهد والعبادة
~~فتأتي نار العشق من سماء الروح فتأكله وتفنيه في الوحدة وبعد ذلك تصح
~~نبوتهم وتظهر فلما سمع بذلك عوام بني إسرائيل اعتقدوا ظاهره الممكن في
~~عالم القدرة فاقترحوا على كل نبي تلك الآية إلى أن جاء نبينا صلى الله
~~عليه وسلم فاقترحوا عليه ونقل الله تعالى ذلك لنا ورده عليهم، وأولى من
~~هذا في باب التأويل أن يهود صفات النفس البهيمية والشيطانية ms01634 قالوا لرسول
~~الخاطر الرحماني والإلهام الرباني لا ننقاد لك { حتى يأتينا
~~بقربان } هو الدنيا وما فيها تجعلها نسيكة لله عز وجل فتأكلها نار
~~المحبة { قل } يا وارد الحق { قد جاءكم رسل من قبلى } أي
~~واردات الحق { بالبينت } بالحجج الباهرة { وبالذى قلتم
~~} وهو جعل الدنيا وما فيها قربانا { فلم قتلتموهم } أي
~~غلبتموهم ومحوتموهم حتى لم تبقوا أثرا لتلك الواردات

# إن كنتم صدقين

# [آل عمران: 183] في أنكم تؤمنون لمن يأتيكم بذلك { فإن كذبوك }
~~خطاب للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم { فقد كذب رسل من
~~قبلك جاءوا بالبينت } للعوام { والزبر } للمتوسطين

# والكتب المنير

# [آل عمران: 184] للخواص، ويحتمل أن يكون الأول: إشارة إلى توحيد الأفعال
~~والثاني: إلى توحيد الصفات، والثالث: إلى توحيد الذات المشار إليه بقوله
~~تعالى:

# الله نور السموات والأرض

# [النور: 35] ولهذا أتى بالكتاب مفردا ووصفه بالمنير، وجوز أن يكون
~~الخطاب للوارد الرحماني والرسل إشارة إلى الواردات المختلفة المتنوعة {
~~كل نفس ذائقة الموت } حكم شامل لجميع الأنفس مجردة كانت أو
~~بسيطة بحمل الموت على ما يشمل الموت الطبيعي والفناء في الله سبحانه
~~وتعالى { ثم توفون أجوركم } على اختلافها { يوم القيامة
~~فمن زحزح عن النار } أي نار الحجاب أو ما يعمها والنار
~~المعروفة { وأدخل الجنة } المتنوعة إلى ما قدمناه غير مرة، أو
~~الجنة بالمعنى الأعم { فقد فاز وما الحيوة الدنيا }
~~ولذاتها الفانية

# إلا متع الغرور

# [آل عمران: 185] لأنها الحجاب الأعظم لمن نظر إليها من حيث هي {
~~لتبلون } لتختبرن { في أموالكم } بإيجاب إنفاقها مع ميلكم
~~إليها { وأنفسكم } بتعريضها لما يكاد يجر إلى إتلافها مع حبكم لها. وقال
~~بعض العارفين: إن الله تعالى أظهر النفس وزينها بكسوة الربوبية وملأها
~~باللطف والقهر وكساها زينة الملك من الأموال ابتلاءا وامتحانا فمن نظر
~~إلى نفسه بعين زينة الربوبية فنيت نفسه فيها ونطق لسان الربوبية منه وصار
~~كشجرة موسى عليه السلام حيث نطق الحق منها وذلك مثل الحلاج القائل: أنا
~~الحق، ومن نظر إلى زينة الأموال التي هي زينة الملك صار حاله كحال سليمان
~~عليه السلام حيث كان ينظر إلى ms01635 عظم جلال المولى من خلال تلك الزينة، ومن
~~نظر إلى نفسه من حيث أنها نفسه واغتر بالسراب ولم يحقق بالذوق ما عنده
~~صار حاله كحال فرعون إذ نادى

# أنا ربكم الأعلى

# [النازعات: 24]، ومن نظر إلى خضرة الدنيا وحسا كأس شهواتها وسكر بها صار
~~كبلعام

# فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو
~~تتركه يلهث

# [الأعراف: 176] وهذا وجه الابتلاء بالأموال والأنفس، وأي ابتلاء أعظم من
~~رؤية الملك ورؤية الربوبية في الكون الذي هو محل الالتباس {
~~ولتسمعن من الذين / أوتوا الكتب من قبلكم }
~~وهم أهل مقام الجمع { ومن الذين أشركوا } وهم أهل الكثرة {
~~أذى كثيرا } لنطقهم بما يخالف مشربكم والخطاب للمتوسطين من السالكين
~~فإنهم ينكرون على أهل مقام الجمع وعلى أهل الكثرة جميعا ما داموا غير
~~واصلين إلى توحيد الذات وغير كارعين من بحار الفرق بعد الجمع { وأن
~~تصبروا } على مجاهدة أنفسكم { وتتقوا } النظر إلى الأغيار

# فإن ذلك من عزم الأمور

# [آل عمران: 186] أي من الأمور المطلوبة التي تجر إلى المقصود والفوز
~~بالمطلوب { وإذ أخذ الله ميثق الذين أوتوا
~~الكتب لتبيننه للناس ولا تكتمونه } الظاهر هنا
~~عدم صحة إرادة المعنى الذي أريد

# من الذين أوتوا الكتب

# [آل عمران: 186] آنفا ومن حمله عليه تكلف جدا فلعله باق على ظاهره أو
~~أنه إشارة إلى العلماء مطلقا وضمير

# فنبذوه وراء ظهورهم

# [آل عمران: 187] الخ راجع إليهم باعتبار البعض فتدبر و { لا
~~تحسبن الذين يفرحون بما أتوا } أي يعجبون بما فعلوا
~~من طاعة ويحجبون برؤيته { ويحبون أن يحمدوا } أي يحمدهم
~~الناس فهم محجوبون بغرض الحمد والثناء من الناس، أو أن يكونوا محمودين
~~عند الله { بما لم يفعلوا } بل فعله الله تعالى على أيديهم إذ
~~لا فعل حقيقة إلا لله تعالى

# فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب
~~أليم

# [آل عمران: 188] وهو عذاب الحرمان والحجاب { ولله ملك
~~السموات والأرض } ليس لأحد فيهما شيء وهو المتصرف فيهما وفيما
~~اشتملتا عليه فكيف يعجب من ظهر على يده فعل بما ظهر { والله على
~~كل شيء قدير } [آل عمران: 189] لا يقدر ms01636 سواه على فعل ما حتى يحجب
~~برؤيته.

### || [3.190]

# { إن في خلق السموات والأرض } تأكيد لما قبله وإقامة
~~دليل عليه ولذا لم يعطف، وأتى بكلمة { إن } اعتناءا بتحقق مضمون
~~الجملة أي إن في إيجادهما وإنشائهما على ما هما عليه من العجائب والبدائع
~~{ واختلف الليل والنهار } أي تعاقبهما ومجيء كل منهما
~~خلف الآخر بحسب طلوع الشمس وغروبها التابعين لسباحتها في بحر قدرته
~~سبحانه حسب إرادته، وخبر الخرزتين خارج عن سلك القبول وبفرض نظمه فيه
~~مؤل، وثقب التأويل واسع وكون ذلك تابعا لحركة السماوات وسكون الأرض 
~~كما قاله مولانا شيخ الإسلام  مخالف لما ذهب إليه جمهور أهل السنة من
~~المحدثين وغيرهم من سكون السماوات وتحرك النجوم أنفسها بتقدير الله تعالى
~~العليم، وما ذهب إليه هو مذهب الحكماء المشهور بين الناس، وقد ذكر مولانا
~~الشيخ الأكبر قدس سره ما يخالفه أيضا حيث قال: إن الله سبحانه جعل هذه
~~السماوات ساكنة وخلق فيها نجوما تسبح بها وجعل لها في سباحتها حركات
~~مقدرة لا تزيد ولا تنقص وجعلها تسير في جرم السماء الذي هو مساحتها فتخرق
~~الهواء المماس لها فيحدث بسيرها أصوات ونغمات مطربة لكون سيرها على وزن
~~معلوم فتلك نغمات الأفلاك الحادثة من قطع الكواكب المسافات السماوية،
~~وجعل أصحاب علم الهيئة للأفلاك ترتيبا ممكنا في حكم العقل وجعلوا
~~الكواكب في الأفلاك كالشامات على سطح الجسم وكل ما قالوه يعطيه ميزان
~~حركاتها وإن الله تعالى لو فعل ذلك كما ذكروه لكان السير السير بعينه،
~~ولذلك يصيبون في علم الكسوفات ونحوه، وقالوا: إن السماوات كالأكر وإن
~~الأرض في جوفها وذلك كله ترتيب وضعي يجوز في الإمكان غيره وهم مصيبون في
~~الأوزان مخطئون في أن الأمر كما رتبوه فليس الأمر إلا على ما ذكرناه
~~شهودا انتهى.

# ويؤيد دعوى أنه يجوز في الإمكان غيره ما ذهب إليه أصحاب الزيج الجديد من
~~أن الشمس ساكنة لا تتحرك أصلا وأنها مركز العالم وأن الأرض وكذا سائر
~~السيارات والثوابت تتحرك عليها وأقاموا على ذلك الأدلة والبراهين /
~~بزعمهم وبنوا عليه الكسوف والخسوف ونحوهما ms01637 ولم يتخلف شيء من ذلك فهذا
~~يشعر بأنه لا قطع فيما ذهب إليه أصحاب الهيئة، ويحتمل أن يراد باختلاف
~~الليل والنهار تفاوتهما بازدياد كل منهما بانتقاص الآخر وانتقاصه
~~بازدياده باختلاف حال الشمس بالنسبة إلينا قربا وبعدا بحسب الأزمنة، أو
~~في اختلافهما وتفاوتهما بحسب الأمكنة إما في الطول والقصر فإن البلاد
~~القريبة من قطب الشمال أيامها الصيفية أطول وليالها الصيفية أقصر من أيام
~~البلاد البعيدة منه ولياليها، وإما في أنفسهما فإن كرية الأرض تقتضي أن
~~يكون بعض الأوقات في بعض الأماكن ليلا، وفي مقابله نهارا، وفي بعضها
~~صباحا، وفي بعضها ظهرا أو عصرا أو غير ذلك، وهذا مما لا شبهة فيه عند
~~كثير من الناس، وذكره شيخ الإسلام أيضا  وليس بالبعيد  بل اختلاف
~~الأوقات في الأماكن مشاهد محسوس لا يختلف فيه اثنان إلا أن في كرية الأرض
~~اختلافا، فقد ذكر مولانا الشيخ الأكبر قدس سره أن الله تعالى بعد أن خلق
~~الفلك المكوكب في جوف الفلك الأطلس خلق الأرض سبع طبقات وجعل كل أرض أصغر
~~من الأخرى ليكون على كل أرض قبة سماء فلما تم خلقها وقدر فيها أقواتها
~~واكتسى الهواء صورة البخار الذي هو الدخان فتق ذلك الدخان سبع سماوات
~~طباقا وأجساما شفافة وجعلها على الأرضين كالقباب على كل أرض سماء
~~أطرافها عليها نصف كرة وكرة الأرض لها كالبساط فهي مدحية دحاها من أجل
~~السماء أن تكون عليها وجعل في كل سماء من هذه واحدة من الجواري على
~~الترتيب المعروف انتهى، والقلب يميل إلى الكرية والله لا يستحيى من
~~الحق؛ وما ذهب إليه الشيخ الأكبر قدس سره أمر شهودي وفيه الموافق
~~والمخالف لما ذهب إليه معظم المحدثين وأكثر علماء الدين.

# والذي قطع به بعض المحققين أنه لم يجىء في الأحاديث الصحيحة المرفوعة ما
~~يفصل أمر السماوات والأرض أتم تفصيل إذ ليست المسألة من المهمات في نظر
~~الشارع صلى الله عليه وسلم والمهم في نظره منها واضح لا مرية فيه، وسبحان
~~من لا يتعاصى قدرته شيء، والليل واحد بمعنى جمع وواحده ms01638 ليلة مثل تمرة
~~وتمر وقد جمع على ليال فزادوا فيها الياء على غير قياس، ونظيره أهل
~~وأهال، ويقال: كان الأصل فيها ليلاة فحذفت لأن تصغيرها لييلية كذا في
~~«الصحاح»، وصحح غير واحد أنه مفرد ولا يحفظ له جمع، وأن القول بأنه جمع
~~والليالي جمع جمع غير مرضي فافهم، وقد تقدم الكلام مستوفى في الليل
~~والنهار، ووجه تقديم الأول على الثاني.

# { لأيت } أي دلالات على وحدة الله تعالى وكمال علمه وقدرته، وهو
~~اسم { إن } وقد دخله اللام لتأخره عن خبرها والتنوين فيه للتفخيم كما
~~وكيفا أي آيات كثيرة عظيمة، وجمع القلة هنا قائم مقام جمع الكثرة، قيل:
~~وفي ذلك رمز إلى أن الآيات الظاهرة وإن كانت كثيرة في نفسها إلا أنها
~~قليلة في جنب ما خفي منها في خزائن العلم ومكامن الغيب ولم يظهر بعد {
~~لأولى الألبب } أي لأصحاب العقول الخالصة عن شوائب الحس
~~والوهم، ومنه خبر:

# " إن الله تعالى منع مني بني مدلج لصلتهم الرحم وطعنهم في ألباب الإبل "

# أي خالص إبلهم وكرائمها، ويقال: لب يلب كعض يعض إذا صار لبيبا وهي لغة
~~أهل الحجاز، وأهل نجد يقولون: لب يلب كفر يفر، ويقال: لبب الرجل
~~بالكسر يلب بالفتح إذا صار ذا لب، وحكى لبب بالضم وهو نادر لا نظير له في
~~المضاعف.

# ووجه دلالة المذكورات على وحدته تعالى أنها تدل على وجود الصانع لتغيرها
~~المستلزم لحدوثها واستنادها إلى مؤثر قديم ومتى دلت على ذلك لزم منه
~~الوحدة، ووجه دلالتها على ما بعد أنها في غاية الاتقان ونهاية الإحكام /
~~لمن تأمل فيها وتفكر في ظاهرها وخافيها وذلك يستدعي كمال العلم والقدرة
~~كما لا يخفى، وللمتكلمين في الاستدلال على وجود الصانع بمثل هذه
~~المذكورات طريقان: أحدهما: طريق التغير، والثاني: طريق الإمكان،
~~والأكثرون على ترجيح الثاني، والبحث مفصل في موضعه. وإنما اقتصر سبحانه
~~هنا على هذه الثلاثة بعد ما زاده في البقرة لأن الآيات على كثرتها منحصرة
~~في السماوية والأرضية والمركبة منهما، فأشار إلى الأولين بخلق السماوات
~~والأرض، وإلى الثالثة باختلاف الليل والنهار ms01639 لأنهما من دوران الشمس على
~~الأرض، أو لأنهما بواسطة مفيض بحسب الظاهر وهو الجرم العلوي وقابل
~~للإفاضة وهو الجرم السفلي القابل للظلمة والضياء قاله بعضهم، وقال ناصر
~~الدين: لعل ذلك لأن مناط الاستدلال هو التغير، وهذه الثلاثة متعرضة لجملة
~~أنواعه فإنه إنما يكون في ذات الشيء كتغير الليل والنهار، أو جزئه كتغير
~~العناصر بتبدل صورها، أو الخارج عنه كتغير الأفلاك بتبدل أوضاعها، واعترض
~~بأنه مبني على مذهب الحكماء في إثبات الهيولى والصورة والأوضاع الفلكية
~~فلا يناسب تخريج كتاب الله تعالى عليه، ولعل الأولى من هذا وذاك ما قاله
~~شيخ الإسلام في عدم التعرض لما ذكر في تلك السورة من أن المقصود ههنا
~~بيان استبداده تعالى بما ذكر من الملك والقدرة، والثلاثة المذكورة معظم
~~الشواهد الدالة على ذلك فاكتفى بها؛ وأما هناك فقد قصد في ضمن بيان
~~اختصاصه تعالى بالألوهية بيان اتصافه تعالى بالرحمة الواسعة فنظمت دلائل
~~الفضل والرحمة في سلك دلائل التوحيد فإن ما فصل هناك من آيات رحمته تعالى
~~كما أنه من آيات ألوهيته ووحدته.

# ومما يؤيد كون المذكورات معظم الشواهد الدالة على التوحيد ما أخرجه
~~الطبراني وابن مردويه وغيرهما عن ابن عباس أنه قال: أتت قريش اليهود
~~فقالوا: ما جاءكم به موسى من الآيات؟ قالوا: عصاه ويده بيضاء للناظرين
~~وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: كان يبرىء الأكمة
~~والأبرص ويحي الموتى فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا ادع لنا ربك
~~يجعل لنا الصفا ذهبا فدعا ربه فنزلت: { إن في خلق السموات
~~والأرض واختلف اليل والنهار لأيت لأولى
~~الألبب } وأخرج ابن حبان في «صحيحه»، وابن عساكر وغيرهما عن عطاء
~~قال: قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم قالت: وأي شأنه لم يكن عجبا؟

# " إنه أتاني ليلة فدخل معي في لحافي ثم قال: ذريني أتعبد لربي فقام
~~فتوضأ ثم قام يصلي فبكى حتى سالت دموعه على صدره ثم ركع فبكى ثم سجد فبكى
~~ثم رفع رأسه فبكى ms01640 فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فأذنه بالصلاة فقلت: يا رسول
~~الله ما يبكيك وقد غفر الله تعالى لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال:
~~أفلا أكون عبدا شكورا ولم لا أفعل وقد أنزل الله تعالى علي في هذه
~~الليلة { إن في خلق السموات والأرض } إلى قوله سبحانه:
~~{ فقنا عذاب النار } [آل عمران: 190-191] ثم قال: ويل لمن قرأها
~~ولم يتفكر فيها "

# ، وكان صلى الله عليه وسلم على ما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه إذا
~~قام من الليل تسوك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: { إن في خلق
~~السموات } الآية. وأخرج الشيخان وأبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن
~~عباس قال:

# " بت عند خالتي ميمونة فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتصف
~~الليل أو قبله بقليل، أو بعده بقليل ثم استيقظ فجعل يمسح النوم عن وجهه
~~بيديه ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة آل عمران حتى ختم ".

### || [3.191]

# { الذين يذكرون الله قيما وقعودا وعلى
~~جنوبهم } في موضع جر على أنه نعت

# لأولي

# [آل عمران: 190] ويجوز أن يكون في موضع رفع أو نصب على المدح، وجعله
~~مبتدأ والخبر محذوف تقديره يقولون: ربنا آمنا بعيد لما فيه من تفكيك /
~~النظم، ويزيده بعدا ما أخرجه الأصبهاني في «الترغيب» عن أبي هريرة رضي
~~الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " ينادي مناد يوم القيامة أين أولو الألباب؟ قالوا: أي أولي الألباب
~~تريد؟ قال: { الذين يذكرون الله قيما وقعودا } الخ
~~عقد لهم لواء فاتبع القوم لواءهم وقال لهم ادخلوها خالدين "

# والظاهر أن المراد من الذكر الذكر باللسان لكن مع حضور القلب إذ لا تمدح
~~بالذكر بدونه بل أجمعوا على أنه لا ثواب لذاكر غافل، وإليه ذهب كثير،
~~وعد ابن جريج قراءة القرآن ذكرا فلا تكره للمضطجع القادر، نعم نص بعض
~~الشافعية على كراهتها له إذا غطى رأسه للنوم، وقال بعض المحققين: المراد
~~به ذكره تعالى مطلقا سواء كان ذلك من حيث الذات أو من حيث الصفات ms01641
~~والأفعال، وسواء قارنه ذكر اللسان أو لا، والمعنى عليه الذين لا يغفلون
~~عنه تعالى في عامة أوقاتهم باطمئنان قلوبهم بذكره واستغراق سرائرهم في
~~مراقبته، وعليه فيحمل ما حكي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وعروة بن
~~الزبير، وجماعة رضي الله تعالى عنهم من أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلى
~~فجعلوا يذكرون الله تعالى فقال بعضهم: أما قال الله تعالى: { يذكرون
~~الله قيما وقعودا } فقاموا يذكرون الله تعالى على أقدامهم
~~على أن مرادهم بذلك التبرك بنوع موافقة للآية في ضمن فرد من أفراد
~~مدلولها وليس مرادهم به تفسيرها وتحقيق مصداقها على التعيين وإلا
~~لاضطجعوا وذكروا أيضا ليتم التفسير وتحقيق المصداق.

# وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود في
~~الآية أنه قال: إنما هذا في الصلاة إذا لم تستطع قائما فقاعدا وإن لم
~~تستطع قاعدا فعلى جنب، وكذلك أمر صلى الله عليه وسلم عمران بن حصين،
~~وكانت به بواسير  كما أخرجه البخاري عنه  وبهذا الخبر احتج الإمام
~~الشافعي رضي الله تعالى عنه على أن المريض يصلي مضطجعا على جنبه الأيمن
~~مستقبلا بمقادم بدنه ولا يجوز له أن يستلقي على ظهره على ما ذهب إليه
~~الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، وجعل الآية حجة على ذلك بناءا على
~~أنه لما حصر أمر الذاكر في الهيئات المذكورة دل على أن غيرها ليس من
~~هيئته والصلاة مشتملة على الذكر فلا ينبغي أن تكون على غير هيئته محل
~~تأمل، وتخصيص ابن مسعود الذكر بالصلاة لا ينتهض حجة على أنه بعيد من سياق
~~النظم الجليل وسباقه.

# والقيام والقعود جمع قائم وقاعد  كنيام ورقود  جمع نائم وراقد،
~~وانتصابهما على الحالية من ضمير الفاعل في يذكرون ويحتمل أن يكونا مصدرين
~~مؤلين بقائمين وقاعدين لتتأتى الحالية.

# وقوله تعالى: { وعلى جنوبهم } متعلق بمحذوف معطوف على الحال أي
~~وكائنين على جنوبهم أي مضطجعين، وجوز أن يقدر المتعلق المعطوف خاصا أي
~~ومضطجعين على جنوبهم، والمراد من ذكر هذه الأحوال الإشارة إلى الدوام
~~وانفهامه منها عرفا ms01642 مما لا شبهة فيه وليس المراد الدوام الحقيقي
~~لاستحالته بل في غالب أحوالهم، وبعضهم يأخذ الدوام من المضارع الدال على
~~الاستمرار وكيفما كان فالمراد يذكرون الله تعالى كثيرا.

# { ويتفكرون فى خلق السموات والأرض } عطف على {
~~يذكرون } وعطفه على الأحوال السابقة غير ظاهر وتقديم الذكر في تلك
~~الحالات على التفكر لما أن فيهما الاعتراف بالعبودية، والعبد مركب من
~~النفس الباطنة والبدن الظاهر، وفي الأول: إشارة إلى عبودية الثاني، وفي
~~الثاني: إشارة إلى عبودية الأول لأن التفكر إنما يكون بالقلب والروح، وفي
~~بيان العبودية بعد الفراغ من آيات الربوبية ما لا يخفى من اللطف، وقيل:
~~قدم الأول لأنه إشارة إلى النظر في الأنفس وأخر الثاني لأنه إشارة إلى
~~النظر في الآفاق ولا شبهة في تقدم الأول على الثاني، وصرح مولانا شيخ
~~الإسلام بأن / هذا بيان للتفكر في أفعاله تعالى، وما تقدم بيان للتفكر في
~~ذاته تعالى على الإطلاق، والذي عليه أئمة التفسير أنه سبحانه إنما خصص
~~التفكر بالخلق للنهي عن التفكر في الخالق لعدم الوصول إلى كنه ذاته
~~وصفاته جل شأنه وعز سلطانه، وقد ورد هذا النهي في غير ما حديث، فقد أخرج
~~أبو الشيخ والأصبهاني عن عبد الله بن سلام قال: خرج رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم على أصحابه وهم يتفكرون فقال:

# " لا تفكروا في الله تعالى ولكن تفكروا فيما خلق "

# وعن عمرو بن مرة قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون
~~فقال:

# " تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق "

# وعن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " تفكروا في آلاء الله تعالى ولا تفكروا في الله تعالى "

# ، وعن ابن عباس تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله تعالى  إلى
~~غير ذلك  ففي كون الأول بيانا للتفكر في ذاته سبحانه على الإطلاق نظر
~~على أن بعض الفضلاء ذكر في تفسيره أن التفكر في الله سبحانه محال لما أنه
~~يستدعي الإحاطة بمن هو بكل شيء محيط فتدبر، وقيل: قدم الذكر على الدوام
~~على ms01643 التفكر للتنبيه على أن العقل لا يفي بالهداية ما لم يتنور بنور ذكر
~~الله تعالى وهدايته فلا بد للمتفكر من الرجوع إلى الله تعالى ورعاية ما
~~شرع له، وأن العقل المخالف للشرع لبس الضلال ولا نتيجة لفكره إلا الضلال،
~~و  الخلق  إما بمعنى المخلوق على أن الإضافة بمعنى في أي يتفكرون فيما
~~خلق في السماوات والأرض أعم من أن يكون بطريق الجزئية منهما أو بطريق
~~الحلول فيهما، أو على أنها بيانية أي في المخلوق الذي هو السماوات
~~والأرض، وإما باق على مصدريته أي يتفكرون في إنشائهما وإبداعهما بما
~~فيهما من عجائب المصنوعات ودقائق الأسرار ولطائف الحكم ويستدلون بذلك على
~~الصانع ووحدته الذاتية وأنه الملك القاهر والعالم القادر والحكيم المتقن
~~إلى غير ذلك من صفات الكمال، ويجرهم ذلك إلى معرفة صدق الرسل وحقية
~~الكتب الناطقة بتفاصيل الأحكام الشرعية وتحقيق المعاد وثبوت الجزاء،
~~ولشرافة هذه الثمرة الحاصلة من التفكر مع كونه من الأعمال المخصوصة
~~بالقلب البعيدة عن مظان الرياء كان من أفضل العبادات، وقد أخرج أبو الشيخ
~~في «العظمة» عن ابن عباس قال: تفكر ساعة خير من قيام ليلة، وأخرج ابن سعد
~~عن أبي الدرداء مثله، وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعا مثله، وعن أبي
~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " فكرة ساعة خير من عبادة ستين سنة "

# ، وعنه أيضا مرفوعا

# " بينما رجل مستلق ينظر إلى النجوم وإلى السماء فقال والله إني لأعلم أن
~~لك ربا وخالقا اللهم اغفر لي فنظر الله تعالى له فغفر له "

# ، وأخرج ابن المنذر عن عون قال: سألت أم الدرداء ما كان أفضل عبادة أبي
~~الدرداء؟ قالت: التفكر والاعتبار. وأخرج ابن أبي الدنيا عن عامر بن قيس
~~قال: سمعت غير واحد  لا اثنين ولا ثلاثة  من أصحاب محمد صلى الله عليه
~~وسلم يقولون: إن ضياء الإيمان  أو نور الإيمان  التفكر، واقتصر سبحانه
~~على ذكر التفكر في خلق السماوات والأرض ولم يتعرض جل شأنه لإدراج اختلاف
~~الليل والنهار في ذلك السلك مع ذكره فيما سلف  وشرف ms01644 التفكر فيه أيضا
~~كما يقتضيه التعليل، وظاهر ما أخرجه الديلمي عن أنس مرفوعا

# " تفكر ساعة في اختلاف الليل والنهار خير من عبادة ثمانين سنة "

#  إما للإيذان بظهور اندراج ذلك فيما ذكر لما أن الاختلاف من الأحوال
~~التابعة لأحوال السماوات والأرض على ما أشير إليه، وإما للإشعار بمسارعة
~~المذكورين إلى الحكم بالنتيجة لمجرد تفكرهم في بعض الآيات من غير حاجة
~~إلى بعض آخر منها في إثبات المطلوب.

# { ربنا ما خلقت هذا بطلا } الإشارة إلى السماوات والأرض
~~لما أنهما باعتبار تعلق الخلق بهما في معنى / المخلوق، أو إلى الخلق على
~~تقدير كونه بمعنى المخلوق، وقيل: إليهما باعتبار المتفكر فيه وعلى كل
~~فأمر الإفراد والتذكير واضح والعدول عن الضمير إلى اسم الإشارة للإشارة
~~إلى أنها مخلوقات عجيبة يجب أن يعتنى بكمال تمييزها استعظاما لها، ونظير
~~ذلك قوله تعالى:

# إن هذا القرءان يهدى للتى هى أقوم

# [الإسراء: 9] والباطل العبث وهو ما لا فائدة فيه مطلقا أو ما لا فائدة
~~فيه يعتد بها، أو ما لا يقصد به فائدة، وقيل: الذاهب الزائل الذي لا
~~يكون له قوة وصلابة، ولا يخفى أنه قول لا قوة له ولا صلابة، وهو إما صفة
~~لمصدر محذوف أي خلقا باطلا، أو حال من المفعول. والمعنى ربنا ما خلقت
~~هذا المخلوق أو المتفكر فيه العظيم الشأن عاريا عن الحكمة خاليا عن
~~المصلحة كما ينبىء عنه أوضاع الغافلين عن ذلك المعرضين عن التفكر فيه
~~العادمين من جناح النظر قداماه وخوافيه، بل خلقته مشتملا على حكم جليلة
~~منتظما لمصالح عظيمة تقف الأفكار حسرى دون الإحاطة بها وتكل أقدام
~~الأذهان دون الوقوف عليها بأسرها، ومن جملتها أن يكون مدارا لمعايش
~~العباد ومنارا يرشدهم إلى معرفة أحوال المبدأ والمعاد حسبما نطقت به
~~كتبك وجاءت به رسلك.

# والجملة بتمامها في حيز النصب بقول مقدر أي يقولون ربنا الخ، وجملة
~~القول حال من المستكن في يتفكرون أي يتفكرون في ذلك قائلين ربنا ما خلقت
~~هذا باطلا، وإلى هذا ذهب عامة المفسرين. واعترض بأن النظم الكريم لا
~~يساعده ms01645 لما أن ما في حيز الصلة وما هو قيد له حقه أن يكون من مبادي الحكم
~~الذي أجري على الموصول ودواعي ثبوته له كذكرهم الله تعالى في عامة
~~أوقاتهم وتفكرهم في خلق السماوات والأرض فإنهما مما يؤدي إلى اجتلاء تلك
~~الآيات والاستدلال بها على المطلوب، ولا ريب أن قولهم ذلك ليس من مبادىء
~~الاستدلال المذكور بل من نتائجها المترتبة عليه فاعتباره قيدا لما في
~~حيز الصلة مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل، فاللائق أن تكون جملة القول
~~استئنافا مبينا لنتيجة التفكر ومدلول الآيات ناشئا مما سبق فإن النفس
~~عند سماع تخصيص الآيات المنصوبة في خلق العالم  بأولي الألباب  ثم
~~وصفهم بذكر الله تعالى والتفكر في مجال تلك الآيات تبقى مترقبة لما يظهر
~~منهم من آثارها وأحكامها كأنه قيل: فماذا يكون عند تفكرهم في ذلك وما
~~يترتب عليه من النتيجة؟ فقيل: يقولون كيت وكيت مما ينبىء عن وقوفهم على
~~سر الخلق المؤدي إلى معرفة صدق الرسل وحقية الكتب الناطقة بتفاصيل
~~الأحكام الشرعية وهذا على تقدير كون الموصول موصولا نعتا،

# لأولى

# [آل عمران: 190]، وأما على تقدير كونه مفصولا منصوبا أو مرفوعا على
~~المدح مثلا فتأتي الحالية من ذلك إذ لا اشتباه في أن قولهم هذا من
~~مبادىء مدحهم ومحاسن مناقبهم ويكون في إبراز هذا القول في معرض الحال
~~إشعار بمقارنته لتفكرهم من غير تردد وتلعثم في ذلك انتهى، وهو كلام تلوح
~~عليه أمارات التحقيق ومخايل التدقيق.

# والقول بأن الحالية تجتمع مع كون القول المذكور من النتائج لا يخفى ما
~~فيه، ثم كون هذا القول من نتائج التفكر مما لا يكاد ينكره ذو فكر، وتوضيح
~~ذلك  على رأي  أن القوم لما تفكروا في مخلوقاته سبحانه ولا سيما
~~السماوات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم والأرض وما عليها من البحار
~~والجبال والمعادن عرفوا أن لها ربا وصانعا فقالوا ربنا ثم لما اعترفوا
~~في أن في كل من ذلك حكما ومقاصد وفوائد لا تحيط بتفاصيلها الأفكار
~~قالوا: { ما خلقت هذا بطلا } ثم لما تأملوا ms01646 وقاسوا أحوال هذه
~~المصنوعات إلى صانعها رأوا أنه لا بد وأن يكون الصانع منزها عن مشابهة
~~شيء منها، فإذن هو ليس بجسم ولا عرض ولا في حيز ولا بمفتقر ولا، ولا...
~~فقالوا:

# { سبحنك } أي تنزيها لك مما لا يليق بك، ثم لما استغرقوا في
~~بحار العظمة والجلال وبلغوا هذا المبلغ الأعظم / وتحققوا أن من قدر على
~~ما ذكر من الإنشاء بلا مثال يحتذيه أو قانون ينتحيه واتصف بالقدرة
~~الشاملة والحكمة الكاملة كان على إعادة من نطقت الكتب السماوية بإعادته
~~أقدر، وإن ذلك ليس إلا لحكمة باهرة هي جزاء المكلفين بحسب استحقاقهم
~~المنوط بأعمالهم القلبية والقالبية طلبوا النجاة مما يحيق بالمقصرين
~~ويليق بالمخلين فقالوا:

# { فقنا عذاب النار } أي فوفقنا للعمل بما فهمنا من الدلالة،
~~ومن هنا قيل: إن الفاء لترتب الدعاء بالاستعاذة من النار على ما دل عليه
~~ربنا ما خلقت هذا باطلا من وجوب الطاعة واجتناب المعصية كأنه قيل: فنحن
~~نطيعك فقنا عذاب النار التي هي جزاء من عصاك، وسبحانك مصدر منصوب بفعل
~~محذوف، والجملة معترضة لتقوية الكلام وتأكيده، ولا ينافي ذلك كونها مؤكدة
~~لنفي العبث عن خلقه. وبعضهم قال: بهذا التأكيد ولم يقل بالاعتراض، وجعل
~~ما بعد الفاء مترتبا على التنزيه المدلول عليه بسبحانك وادعى أنه الأظهر
~~لاندراج تنزهه تعالى عن رد سؤال الخاضعين الملتجئين إليه فيه، ولا يخفى
~~تفرع المسألة على التنزيه عن خيبة رجاء الراجين، وقيل: إنه جواب شرط مقدر
~~وأن التقدير إذا نزهناك أو وحدناك فقنا عذاب النار الذي هو جزاء الذين لم
~~ينزهوا أو لم يوحدوا.

# واستدل الطبرسي بالآية ((على أن الكفر والضلال والقبائح ليست خلقا لله
~~تعالى لأن هذه الأشياء كلها باطلة بالإجماع وقد نفى الله سبحانه ذلك
~~حكاية عن أولي الألباب الذين رضي قولهم بأنه لا باطل فيما خلقه سبحانه
~~فيجب بذلك القطع بأن القبائح كلها ليست مضافة إليه عز شأنه ومنفية عنه))
~~خلقا وإيجادا  وفيه نظر  لأن الأشياء كلها سواء من حيث إنها خلق الله
~~تعالى ومشتملة على المصالح والحكم كما ينبىء ms01647 عن ذلك قوله تعالى:

# أعطى كل شىء خلقه ثم هدى

# [طه: 50] وتفاوتها إنما هو باعتبار نسبة بعضها إلى بعض وكون بعضها متعلق
~~الأمر والبعض الآخر متعلق النهي مثلا لا باعتبار كون البعض مشتملا على
~~الحكمة والبعض الآخر عاريا عنها، فالقبائح من حيث إنها خلق الله تعالى
~~ليست باطلة لأن الباطل كما علمت هو ما لا فائدة فيه مطلقا، أو ما لا
~~فائدة فيه يعتد بها أو ما لا يقصد به فائدة وهي ليست كذلك لاشتمالها في
~~أنفسها على الحكم والفوائد الجمة التي لا يبعد قصد الله تعالى لها مع
~~غناه الذاتي عنها ولا يشترط كون تلك الفوائد لمن صدرت على يده وإلا لزم
~~خلو كثير من مخلوقاته تعالى عن الفوائد، وتسميتها قبائح إنما هي باعتبار
~~كونها متعلق النهي لحكمة أيضا وهو لا يستدعي كونها خالية عن الحكمة بل
~~قصارى ذلك أنه يستلزم عدم رضاه سبحانه بها شرعا المستدعي ذلك للعقاب
~~عليها بسبب أن إفاضتها كانت حسب الاستعداد الأزلي فدعوى  أن هذه الأشياء
~~كلها باطلة  باطلة كدعوى الإجماع على ذلك وكأن القائل لم يفهم معنى
~~الباطل فقال ما قال.

# واستدل بها بعضهم أيضا على أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض وهو
~~مبني ظاهرا على أن الباطل العبث بالمعنى الثالث وقد علمت أن معنى العبث
~~ليس محصورا فيه وبفرض الحصر لا بأس بهذا القول على ما ذهب كثير من
~~المحققين لكن مع القول بالغنى الذاتي وعدم الاستكمال بالغير كما أشرنا
~~إليه في البقرة.

# واحتج حكماء الإسلام بها على أنه سبحانه وتعالى خلق الأفلاك والكواكب
~~وأودع فيها قوى مخصوصة وجعلها بحيث يحصل من حركاتها واتصال بعضها ببعض
~~مصالح في هذا العالم لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة ولا يمكن أن تقصر
~~منافعها على الاستدلال بها على الصانع فقط لأن كل ذرة من ذرات الماء
~~والهواء يشاركها في ذلك فلا تبقى لخصوصياتها فائدة وهو خلاف النص،
~~وناقشهم المتكلمون في ذلك بأنه يجوز أن تكون الفلكيات أسبابا عادية
~~للأرضيات لا حقيقية وأن التأثير عندها ms01648 لا بها ويكفي ذلك فائدة لخلقها. /
~~وأنت تعلم أن القول بإيداع القوى في الفلكيات بل وفي جميع الأسباب مع
~~القول بأنها مؤثرة بإذن الله تعالى مما لا بأس به بل هو المذهب المنصور
~~الذي درج عليه سلف الأمة وحققناه فيما قبل وهو لا ينافي استناد الكل إلى
~~مسبب الأسباب ولا يزاحم جريان الأمور كلها بقضائه وقدره تعالى شأنه، نعم
~~القول بأن الفلكيات ونحوها مؤثرة بنفسها ولو لم يأذن الله تعالى ضلال
~~واعتقاده كفر، وعلى ذلك يخرج ما وقع في الخبر

# " من قال: أمطرنا بنوء كذا فهو كافر بالله تعالى مؤمن بالكوكب ومن قال:
~~أمطرنا بفضل الله تعالى فهو مؤمن بالله تعالى كافر بالكوكب "

# فليحفظ.

### || [3.192]

# { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } مبالغة
~~في استدعاء الوقاية من النار وبيان لسببه، وصدرت الجملة بالنداء مبالغة
~~في التضرع إلى معود الاحسان كما يشعر به لفظ الرب، وعن ابن عباس أنه كان
~~يقول: اسم الله تعالى الأكبر رب رب، والتأكيد بأن الإظهار كمال اليقين
~~بمضمون الجملة، والإيذان بشدة الخوف ووضع الظاهر موضع الضمير للتهويل،
~~وذكر الإدخال في موارد العذاب لتعيين كيفيته وتبيين غاية فظاعته والإخزاء
~~ كما قال الواحدي  جاء لمعان متقاربة فعن الزجاج يقال: أخزى الله تعالى
~~العدو أي أبعده، وقيل: أهانه، وقيل: فضحه، وقيل: أهلكه، ونقل هذا عن
~~المفضل، وقيل: أحله محلا وأوقفه موقفا يستحى منه. وقال ابن الأنباري:
~~الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو بانقطاع حجة أو بوقوع في بلاء؛ والمراد
~~فقد أخزيته خزيا لا غاية وراءه، ومن القواعد المقررة أنه إذا جعل الجزاء
~~أمرا ظاهر اللزوم للشرط سواء كان اللزوم بالعموم والخصوص كما في قولهم:
~~من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك، أو بالاستلزام كما في هذه الآية يحمل على
~~أعظم أفراده وأخصها لتربية الفائدة، ولهذا قيد الخزي بما قيد.

# واحتج حكماء الإسلام بهذه الآية على أن العذاب الروحاني أقوى من العذاب
~~الجسماني وذلك لأنه رتب فيها العذاب الروحاني وهو الإخزاء بناءا على أنه
~~الإهانة والتخجيل على الجسماني الذي هو إدخال ms01649 النار، وجعل الثاني شرطا
~~والأول جزاءا، والمراد من الجملة الشرطية الجزاء والشرط قيد له فيشعر
~~بأنه أقوى وأفظع وإلا لعكس  كما قال الإمام الرازي  وأيضا المفهوم من
~~قوله تعالى:

# فقنا عذاب النار

# [آل عمران: 191] طلب الوقاية منه، وقوله سبحانه: { ربنا } الخ دليل
~~عليه فكأنه طلب الوقاية من المذكور لترتب الخزي عليه فيدل على أنه غاية
~~يخاف منه  كما قاله بعض المحققين  واحتج بها المعتزلة على أن صاحب
~~الكبيرة ليس بمؤمن لأنه إذا أدخله الله تعالى النار فقد أخزاه والمؤمن لا
~~يخزى لقوله تعالى:

# يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه

# [التحريم: 8]، وأجيب بأنه لا يلزم من أن لا يكون من آمن مع النبي صلى
~~الله عليه وسلم مخزيا أن لا يكون غيره وهو مؤمن كذلك، وأيضا الآية ليست
~~عامة لقوله تعالى:

# وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما
~~مقضيا * ثم ننجى الذين اتقوا

# [مريم: 71-72] فتحمل على من أدخل النار للخلود وهم الكفار، وهو المروي
~~عن أنس وسعيد بن المسيب وقتادة وابن جريج. وأيضا يمكن أن يقال: إن كل من
~~يدخلها مخزي حال دخوله وإن كانت عاقبة أهل الكبائر منهم الخروج، وقوله
~~تعالى:

# يوم لا يخزى

# [التحريم: 8] الخ نفي الخزي فيه على الإطلاق والمطلق يكفي في صدقه صورة
~~واحدة وهو نفس الخزي المخلد، وأيضا يحتمل أن يقال: الإخزاء مشترك بين
~~التخجيل والإهلاك والمثبت هو الأول والمنفي هو الثاني، وحينئذ لا يلزم
~~التنافي.

# واحتجت المرجئة بها على أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار لأنه مؤمن لقوله
~~تعالى:

# يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في
~~القتلى

# [البقرة: 178] وقوله سبحانه:

# وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا

# [الحجرات: 9] والمؤمن لا يخزى لقوله تعالى:

# يوم لا يخزى الله النبى

# [التحريم: 8] الخ والمدخل في النار مخزي لهذه الآية، وأجيب بمنع
~~المقدمات بأسرها / أما الأولى فباحتمال أن لا يسمى بعد القتل مؤمنا وإن
~~كان قبل مؤمنا، وأما الأخريان فبخصوص المحمول وجزئية الموضوع كما تقرر
~~آنفا.

# { وما للظلمين من أنصار } أي ليس لكل منهم ناصر ينصره
~~ويخلصه ms01650 مما هو فيه، والجملة تذييل لإظهار فظاعة حالهم، وفيه تأكيد
~~للاستدعاء ووضع الظالمين موضع ضمير المدخلين لذمهم والإشعار بتعليل
~~دخولهم النار بظلمهم، وتمسكت المعتزلة بنفي الأنصار على نفي الشفاعة
~~لسائر المدخلين، وأجيب بأن الظالم على الإطلاق هو الكافر لقوله تعالى:

# والكافرون هم الظالمون

# [البقرة: 254]، وقيل: نفي الناصر لا يمنع نفي الشفيع لأن النصر دفع بقوة
~~والشفاعة تخليص بخضوع وتضرع وله وجه، والقول بأن العرف لا يساعده غير
~~متجه.

# وقال في «الكشف»: الظاهر من الآية أن من دخل النار لا ناصر له من دخولها
~~أما إنه لا ناصر له من الخروج بعد الدخول فلا، وذلك لأنه عام في نفي
~~الافراد مهمل بحسب الأوقات، والظاهر التقييد بما يطلب النصر أولا لأجله
~~كمن أخذ يعاقب فقلت: ما له من ناصر لم يفهم منه أن العقاب لا ينتهي بنفسه
~~وأنه بعد العقاب لم يشفع بل فهم منه لم يمنعه أحد مما حل به، ثم إن سلم
~~التساوي لم يدل على النفي، وأجاب غير واحد على تقدير عموم الظالم وعدم
~~الفرق بين النصر والشفاعة بأن الأدلة الدالة على الشفاعة  وهي أكثر من
~~أن تحصى  مخصصة للعموم، وقد تقدم ما ينفعك هنا.

### || [3.193]

# { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمن } على
~~معنى القول أيضا، وهو كما قال شيخ الإسلام: حكاية لدعاء آخر مبني على
~~تأملهم في الدليل السمعي بعد حكاية دعائهم السابق المبني على تفكرهم في
~~الأدلة القطعية، ولا يخفى أن ذلك التفكر مستدع في الجملة لهذا القول، وفي
~~تصدير مقدمة الدعاء بالنداء إشارة إلى كمال توجههم إلى مولاهم وعدم
~~غفلتهم عنه مع إظهار كمال الضراعة والابتهال إلى معود الإحسان والإفضال،
~~وفي التأكيد إيذان بصدور ذلك عنهم بوفور الرغبة ومزيد العناية وكمال
~~النشاط، والمراد بالمنادي رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو المروي عن
~~ابن مسعود وابن عباس وابن جريج  واختاره الجبائي وغيره.

# وقيل: المراد به القرآن، وهو المحكي عن محمد بن كعب القرظي وقتادة،
~~واختاره الطبري معللا ذلك بأنه ليس يسمع كل واحد النبي صلى الله ms01651 عليه
~~وسلم ولا يراه، والقرآن ظاهر باق على ممر الأيام والدهور يسمعه من أدرك
~~عصر نزوله ومن لم يدرك، ولأهل القول الأول أن يقولوا: من بلغه بعثة
~~الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته جاز له أن يقول: { سمعنا
~~مناديا } وإن كان فيه ضرب من التجوز، وأيضا المراد بالنداء الدعاء
~~ونسبته إليه صلى الله عليه وسلم أشهر وأظهر، فقد قال تعالى:

# ادع إلى سبيل ربك

# [النحل: 125]

# أدعو إلى الله

# [يوسف: 108]

# وداعيا إلى الله

# [الأحزاب: 46] وهي إليه عليه الصلاة والسلام حقيقة، وإلى القرآن على حد
~~قوله:

# (تناديك أجداث وهن صموت)

# وسكانها تحت التراب سكوت

# والتنوين في المنادى للتفخيم وإيثاره على الداعي للإشارة إلى كمال
~~اعتنائه بشأن الدعوة وتبليغها إلى القريب والبعيد لما فيه من الإيذان
~~برفع الصوت، وقد كان شأنه الرفيع صلى الله عليه وسلم في الخطب ذلك الرفع
~~حقيقة، ففي الخبر

# " كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه
~~كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم "

# ولما كان النداء مخصوصا بما يؤدي له ومنتهيا إليه تعدى باللام وإلى
~~تارة، وتارة فاللام في { للإيمان } على ظاهرها ولا حاجة إلى جعلها
~~بمعنى إلى أو الباء، ولا إلى جعلها بمعنى العلة  كما ذهب إليه البعض 
~~وجملة { ينادى } في موضع المفعول الثاني  لسمع  على ما ذهب إليه
~~الأخفش وكثير من النحاة من تعدى  سمع  هذه إلى مفعولين ولا حذف في
~~الكلام؛ وذهب الجمهور إلى أنها لا تتعدى إلا إلى واحد، واختاره ابن
~~الحاجب قال / في «أماليه»: وقد يتوهم أن السماع متعد إلى مفعولين من جهة
~~المعنى والاستعمال، أما المعنى فلتوقفه على مسموع، وأما الاستعمال
~~فلقولهم سمعت زيدا يقول ذلك وسمعته قائلا، وقوله تعالى:

# هل يسمعونكم إذ تدعون

# [الشعراء: 72] ولا وجه له لأنه يكفي في تعلقه المسموع دون المسموع منه،
~~وإنما المسموع منه كالمشموم منه فكما أن الشم لا يتعدى إلا إلى واحد
~~فكذلك السماع فهو مما حذف فيه المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه للعلم به
~~ويذكر بعده حال تبينه ويقدر في ms01652 { يسمعونكم إذ تدعون }
~~يسمعون أصواتكم انتهى، والزمخشري جعل المسموع صفة بعد النكرة وحالا بعد
~~المعرفة وهو الظاهر، وادعى بعض المحققين أن الأوفق بالمعنى فيما جعله
~~حالا أو وصفا أن يجعل بدلا بتأويل الفعل بالمصدر على ما يراه بعض
~~النحاة لكنه قليل في الاستعمال فلذا أوثرت الوصفية أو الحالية.

# وزعم بعضهم أن السماع إذا وقع على غير الصوت فلا بد أن يذكر بعده فعل
~~مضارع يدل على الصوت ولا يجوز غيره  وهو غير صحيح  لوقوع الظرف واسم
~~الفاعل كما سمعته، وفي تعليق السماع بالذات مبالغة في تحقيقه، والإيذان
~~بوقوعه بلا واسطة عند صدور المسموع عن المتكلم، وفي إطلاق المنادى أولا
~~حيث قال سبحانه: { مناديا } ولم يذكر ما دعى له، ثم قوله عز شأنه
~~بعد: { ينادى للإيمن } ما لا يخفى من التعظيم لشأن المنادى
~~والمنادى له، ولو قيل من أول الأمر { مناديا للإيمن } لم يكن
~~بهذه المثابة، وحذف المفعول الصريح  لينادي  إيذانا بالعموم أي ينادي
~~كل واحد.

# { أن ءامنوا بربكم } أي أن آمنوا به على أن { أن }
~~تفسيرية، أو بأن آمنوا  على أنها مصدرية، وعلى الأول فآمنوا تفسير
~~لينادي لأن نداءه عين قوله: { ءامنوا } والتقدير ينادي للإيمان أي
~~يقول: آمنوا وليس تفسيرا للإيمان كما توهم، وعلى الثاني يكون  بأن
~~آمنوا  متعلقا ب { ينادى } لأنه المنادى به وليس بدلا من الإيمان
~~ كما زعمه البعض  ومن المحققين من اقتصر على احتمال المصدرية لما أن
~~كثيرا من النحاة يأبى التفسيرية لما فيها من التكلف، ومن اختارها قال:
~~إن المصدرية تستدعي التأويل بالمصدر وهو مفوت لمعنى الطلب المقصود من
~~الكلام. وأجيب بأنه يقدر الطلب في التأويل إذا كانت داخلة على الأمر وكذا
~~يقدر ما يناسب الماضي والمستقبل إذا كانت داخلة عليهما، ولا ينبغي أن
~~يجعل الحاصل من الكل بمجرد معنى المصدر لئلا يفوت المقصود من الأمر
~~وأخويه، وفي التعرض لعنوان الربوبية إشارة إلى بعض الأدلة عليه سبحانه
~~وتعالى ورمز إلى نعمته جل وعلا على المخاطبين ليذكروها فيسارعوا إلى
~~امتثال الأمر، وفي إطلاق الإيمان ثم تقييده تفخيم ms01653 لشأنه.

# { فئامنا } عطف على { سمعنا } والعطف بالفاء مؤذن بتعجيل
~~القبول وتسبب الإيمان عن السماع من غير مهلة، والمعنى فآمنا بربنا لما
~~دعينا إلى ذلك، قال أبو منصور: فيه دليل على بطلان الاستثناء في الأيمان
~~ولا يخفى بعده { ربنا } تكرير  كما قيل  للتضرع وإظهار لكمال
~~الخضوع وعرض للاعتراف بربوبيته تعالى مع الإيمان به { فاغفر لنا }
~~مرتب على الإيمان به تعالى والإقرار بربوبيته كما تدل عليه الفاء أي
~~فاسترلنا { ذنوبنا } أي كبائرنا { وكفر عنا سيئاتنا }
~~أي صغائرنا، وقيل: المراد من الذنوب ما تقدم من المعاصي، ومن السيئآت ما
~~تأخر منها، وقيل: الأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية، والثاني
~~ما أتى به من الجهل بذلك، والأول هو التفسير المؤثور عن ابن عباس.

# وأيد بأنه المناسب للغة لأن الذنب مأخوذ من الذنب بمعنى الذيل، فاستعمل
~~فيما تستوخم عاقبته وهو الكبيرة لما يعقبها من الإثم العظيم، ولذلك تسمى
~~تبعة اعتبارا بما يتبعها من العقاب كما صرح به الراغب، وأما السيئة فمن
~~السوء وهو المستقبح ولذلك تقابل بالحسنة فتكون أخف، وتأييده بأن الغفران
~~مختص بفعل الله تعالى / والتكفير قد يستعمل في فعل العبد  كما يقال:
~~كفر عن يمينه  وهو يقتضي أن يكون الثاني أخف من الأول على تحمل ما فيه
~~إنما يقتضي مجرد الأخفية. وأما كون الأول الكبائر والثاني الصغائر
~~بالمعنى المراد فلا يجوز يراد بالأول والثاني ما ذكر في القول الثالث،
~~فإن الأخفية وعدمها فيه مما لا سترة عليه كما لا يخفى، ثم المفهوم من
~~كثير من عبارات اللغويين عدم الفرق بين الغفران والتكفير بل صرح بعضهم
~~بأن معناهما واحد. وقيل: في التكفير معنى زائد وهو التغطية للأمن من
~~الفضيحة، وقيل: إنه كثيرا ما يعتبر فيه معنى الإذهاب والإزالة ولهذا
~~يعدى بعن والغفران ليس كذلك، وفي ذكر { لنا } و { عنا } في الأية مع
~~أنه لو قيل: فاغفر ذنوبنا وكفر سيئاتنا لأفاد المقصود إيماء إلى وفور
~~الرغبة في هذين الأمرين، وادعى بعضهم أن الدعاء الأول متضمن للدعاء
~~بتوفيق الله تعالى للتوبة لأنه السبب ms01654 لمغفرة الكبائر وأن الدعاء الثاني
~~متضمن لطلب التوفيق منه سبحانه للاجتناب عن الكبائر لأنه السبب لتكفير
~~الصغائر، وأنت تعلم المغفرة غير مشروطة بالتوبة عند الأشاعرة. وأن بعضهم
~~احتج بهذه الآية على ذلك حيث إنهم طلبوا المغفرة بدون ذكر التوبة بل بدون
~~التوبة بدلالة فاء التعقيب كذا قيل، وسيأتي تحقيق ما فيه فتدبر.

# { وتوفنا مع الأبرار } أي مخصوصين بالانخراط في سلكهم
~~والعد من زمرتهم ولا مجال لكون المعية زمانية إذ منهم من مات قبل، ومن
~~يموت بعد، وفي طلبهم التوفي وإسنادهم له إلى الله تعالى إشعار بأنهم
~~يحبون لقاء الله تعالى ومن أحب لقاء الله تعالى أحب الله تعالى لقاءه.
~~والأبرار جمع بر كأرباب جمع رب، وقيل: جمع بار كأصحاب جمع صاحب، وضعف
~~بأن فاعلا لا يجمع على أفعال، وأصحاب جمع صحب بالسكون، أو صحب بالكسر
~~مخفف صاحب بحذف الألف. وبعض أهل العربية أثبته وجعله نادرا، ونكتة قولهم
~~{ مع الأبرار } دون أبرارا التذلل، وأن المراد لسنا بأبرار
~~فاسلكنا معهم واجعلنا من أتباعهم، وفي «الكشف» إن في ذلك هضما للنفس
~~وحسن أدب مع إدماج مبالغة لأنه من باب  هو من العلماء  بدل عالم.

### || [3.194]

# { ربنا وءاتنا } أي بعد التوفي { ما وعدتنا } أي به أو
~~إياه، والمراد بذلك الثواب { على رسلك } إما متعلق بالوعد، أو
~~بمحذوف وقع صفة لمصدر مؤكد محذوف وعلى التقديرين في الكلام مضاف محذوف
~~والتقدير على التقدير الأول، وعدتنا على تصديق أو امتثال رسلك وهو كما
~~يقال  وعد الله تعالى الجنة على الطاعة، وعلى الثاني وعدتنا وعدا
~~كائنا على ألسنة رسلك، ويجوز أن يتعلق الجار على تقدير الألسنة بالوعد
~~أيضا فتخف مؤنة الحذف وتعلقه  بآتنا  كما جوزه أبو البقاء خلاف
~~الظاهر.

# وبعض المحققين جوز التعلق بكون مقيد هو حال من (ما) أي منزلا أو محمولا
~~{ على رسلك }. واعترضه أبو حيان بأن القاعدة أن متعلق الظرف إذا
~~كان كونا مقيدا لا يجوز حذفه وإنما يحذف إذا كان كونا مطلقا، وأيضا
~~الظرف هنا حال وهو إذا وقع حالا أو خبرا أو صفة ms01655 يتعلق بكون مطلق لا
~~مقيد، وأجيب بمنع انحصار التعلق في كون مطلق بل يجوز التعلق به أو بمقيد،
~~ويجوز حذفه إذا كان عليه دليل ولا يخفى متانة الجواب، وأن إنكار أبي
~~حيان ليس بشيء إلا أن تقدير كون مقيد فيما نحن فيه تعسف مستغنى عنه.

# وزعم بعضهم جواز كون { على } بمعنى مع، وأنه متعلق  بآتنا  ولا حذف
~~لشيء أصلا، والمراد  آتنا مع رسلك وشاركهم معنا في أجرنا  فإن الدال
~~على الخير كفاعله، وفائدة طلب تشريكهم معهم أداء حقهم وتكثير فضيلهم
~~ببركة مشاركتهم ولا يخفى أن هذا مما لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى
~~الجليل عليه، بل ولا كلام أحد من/ فصحاء العرب، وتكرير النداء لما مر
~~غير مرة وجمع الرسل مع أن المنادى هو واحد الآحاد صلى الله عليه وسلم
~~وحده لما أن دعوته لا سيما على منبر التوحيد، وما أجمع عليه الكل من
~~الشرائع منطوية على دعوة الكل فتصديقه صلى الله عليه وسلم تصديق لهم
~~عليهم السلام، وكذا الموعود على لسانه عليه الصلاة والسلام من الثواب
~~موعود على لسانهم وإيثار الجمع على الأول لإظهار الرغبة في تيار فضل الله
~~تعالى إذ من المعلوم أن الثواب على تصديق رسل أعظم من الثواب على تصديق
~~رسول واحد، وعلى الثاني لإظهار كمال الثقة بإنجاز الموعود بناءا على
~~كثرة الشهود وتأخير هذا الدعاء بناءا على ما ذكرنا في تفسير الموصول،
~~ويكاد يكون مقطوعا به ظاهر لأن الأمر أخروي. وأما إذا فسر بالنصر على
~~الأعداء  كما قيل  فتأخيره عما قبله إما لأنه من باب التحلية والآخر من
~~باب التخلية والتحلية متأخرة عن التخلية، وإما لأن الأول مما يترتب على
~~تحققه النجاة في العقبى وعلى عدمه الهلاك فيها، والثاني ليس كذلك  كما
~~لا يخفى  فيكون دونه فلهذا أخر عنه، وأيد كون المراد النصر لا الثواب
~~الأخروي تعقيب ذلك بقوله تعالى:

# { ولا تخزنا يوم القيمة } لأن طلب الثواب يغني عن هذا
~~الدعاء لأن الثواب متى حصل كان الخزي عنهم بمراحل، وهذا بخلاف ما إذا كان
~~المراد ms01656 من الأول الدعاء بالنصر في الدنيا فإن عدم الإغناء عليه ظاهر بل
~~في الجمع بين الدعاءين حينئذ لطافة إذ مآل الأول لا تخزنا في الدنيا
~~بغلبة العدو علينا فكأنهم قالوا: لا تخزنا في الدنيا ولا تخزنا في
~~الآخرة، وغايروا في التعبير فعبروا في طلب كل من الأمرين بعبارة للاختلاف
~~بين المطلوبين أنفسهما، وأجيب بأن فائدة التعقيب على ذلك التقدير الإشارة
~~إلى أنهم طلبوا ثوابا كاملا لم يتقدمه خزي ووقوع في بلاء وكأنهم لما
~~طلبوا ما هو المتمنى الأعظم وغاية ما يرجوه الراجون في ذلك اليوم
~~الأيوم، وهو الثواب التفتوا إلى طلب ما يعظم به أمره ويرتفع به في ذلك
~~الموقف قدره وهو ترك العذاب بالمرة، وفي الجمع بين الأمرين على هذا من
~~اللطف ما لا يخفى وأيضا يحتمل أن يقال: إنهم طلبوا الثواب أولا باعتبار
~~أنه يندفع به العذاب الجسماني، ثم طلبوا دفع العذاب الروحاني بناءا على
~~أن الخزي الإهانة والتخجيل، فيكون في الكلام ترق من الأدنى إلى الأعلى
~~كأنهم قالوا: ربنا ادفع عنا العذاب الجسماني وادفع عنا ما هو أشد منه
~~وهو العذاب الروحاني، وإن أنت أبيت هذا وذاك وادعيت التلازم بين الثواب
~~وترك الخزي فلنا أن نقول: إن القوم لمزيد حرصهم وفرط رغبتهم في النجاة في
~~ذلك اليوم الذي تظهر فيه الأهوال وتشيب فيه الأطفال لم يكتفوا بأحد
~~الدعائين وإن استلزم الآخر بل جمعوا بينهما ليكون ذلك من الإلحاح  والله
~~تعالى يحب الملحين في الدعاء  فهو أقرب إلى الإجابة، وقدموا الأول لأنه
~~أوفق بما قبله صيغة ومن الناس من يؤل هذا الدعاء بأنه طلب العصمة عما
~~يقتضي الإخزاء، وجعل ختم الأدعية ليكون ختامها مسكا لأن المطلوب فيه أمر
~~عظيم، والظرف متعلق بما عنده معنى ولفظا ويجب ذلك قطعا إن كان الكلام
~~مؤلا، أو كان الموصول عبارة عن النصر، ويترجح  بل يكاد يجب أيضا  إذا
~~كان الموصول عبارة عن الثواب واحتمال أنه مما تنازع فيه آتنا ولا تخزنا
~~على ذلك التقدير هو كما ترى.

# { إنك لا تخلف الميعاد } تذييل ms01657 لتحقيق ما نظموا في سلك
~~الدعاء، وقيل: متعلق بما قبل الأخير اللازم له، وإليه يشير كلام
~~الأجهوري، و الميعاد مصدر ميمي بمعنى الوعد، وقيده الكثير هنا بالإثابة
~~والإجابة وهو الظاهر، وأما تفسيره بالبعث بعد الموت  كما روي عن ابن
~~عباس  فصحيح لأنه ميعاد الناس للجزاء، وقد يرجع إلى الأول وترك العطف /
~~في هذه الأدعية المفتتحة بالنداء بعنوان الربوبية للإيذان باستقلال
~~المطالب وعلو شأنها، وقد أشرنا إلى سر تكرار النداء بذلك الاسم، وفي بعض
~~الآثار أن موسى عليه السلام قال مرة: يا رب فأجابه الله تعالى لبيك يا
~~موسى فعجب موسى عليه السلام من ذلك فقال: يا رب أهذا لي خاصة؟ فقال: لا
~~ولكن لكل من يدعوني بالربوبية، وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه من
~~أحزنه أمر فقال: ربنا ربنا خمس مرات نجاه الله تعالى مما يخاف وأعطاه ما
~~أراد  وقرأ هذه الآية.

# وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: «ما من عبد يقول يا رب ثلاث مرات إلا
~~نظر الله تعالى إليه فذكر للحسن فقال: أما تقرأ القرآن

# ربنا إننا سمعنا مناديا

# [آل عمران: 193] الخ فإن قلت: إن وعد الله تعالى واجب الوقوع لاستحالة
~~الخلف في وعده سبحانه إجماعا فكيف طلب القوم ما هو واقع لا محالة؟ قلت
~~أجيب بأن وعد الله تعالى لهم ليس بحسب ذواتهم بل بحسب أعمالهم، فالمقصود
~~من الدعاء التوفيق للأعمال التي يصيرون بها أهلا لحصول الموعود، أو
~~المقصود مجرد الاستكانة والتذلل لله تعالى بدليل قولهم: { إنك لا
~~تخلف الميعاد } وبهذا يلتئم التذييل أتم التئام، واختار هذا
~~الجبائي وعلي بن عيسى، أو الدعاء تعبدي لقوله سبحانه:

# ادعونى

# [غافر: 60] فلا يضر كونه متعلقا بواجب الوقوع، وما يستحيل خلافه، ومن
~~ذلك

# رب احكم بالحق

# [الأنبياء: 112]، وقيل: إن الموعود به هو النصر لا غير، والقوم قد علموا
~~ذلك لكنهم لم يوقت لهم في الوعد ليعلموه فرغبوا إلى الله تعالى في تعجيل
~~ذلك لما فيه من السرور بالظفر، فالموعود غير مسؤول والمسؤول غير موعود،
~~فلا إشكال  وإلى هذا ذهب ms01658 الطبري  وقال: إن الآية مختصة بمن هاجر من
~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واستبطأوا النصر على أعدائهم بعد أن
~~وعدوا به وقالوا: لا صبر لنا على أناتك وحلمك، وقوى بما بعد من الآيات
~~وكلام أبي القاسم البلخي يشير إلى هذا أيضا وفيه كلام يعلم مما قدمنا،
~~وقيل: ليس هناك دعاء حقيقة بل الكلام مخرج مخرج المسألة  والمراد منه
~~الخبر  ولا يخفى أنه بمعزل عن التحقيق، ويزيده وهنا على وهن قوله
~~سبحانه: { فاستجاب لهم ربهم... }.

### || [3.195]

# { فاستجاب لهم ربهم } الاستجابة الإجابة، ونقل عن الفراء
~~أن الإجابة تطلق على الجواب ولو بالرد، والاستجابة الجواب بحصول المراد
~~لأن زيادة السين تدل عليه إذ هو لطلب الجواب، والمطلوب ما يوافق المراد
~~لا ما يخالفه وتتعدى باللام وهو الشائع، وقد تتعدى بنفسها كما في قوله:

# وداع دعا يا من يجيب إلى الندا

# فلم يستجبه عند ذاك مجيب

# وهذا كما قال الشهاب وغيره: في التعدية إلى الداعي وأما إلى الدعاء
~~فشائع بدون اللام مثل استجاب الله تعالى دعاءه، ولهذا قيل: إن هذا البيت
~~على حذف مضاف أي لم يستجب دعاءه، والفاء للعطف وما بعده معطوف إما على
~~الاستئناف المقدر في قوله سبحانه:

# ربنا ما خلقت هذا بطلا

# [آل عمران: 191] ولا ضير في اختلافهما صيغة لما أن صيغة المستقبل هناك
~~للدلالة على الاستمرار المناسب لمقام الدعاء، وصيغة الماضي هنا للإيذان
~~بتحقيق الاستجابة وتقررها، ويجوز أن يكون معطوفا على مقدر ينساق إليه
~~الذهن أي دعوا بهذه الأدعية فاستجاب لهم الخ، وإن قدر ذلك القول المقدر
~~حالا فهو عطف على

# يتفكرون

# [آل عمران: 191] باعتبار مقارنته لما وقع حالا من فاعله أعني قوله
~~سبحانه:

# ربنا

# [آل عمران: 194] الخ، فإن الاستجابة مترتبة على دعواتهم لا على مجرد
~~تفكرهم، وحيث كانت من أوصافهم الجميلة المترتبة على أعمالهم بالآخرة
~~استحقت الانتظام في سلك محاسنهم المعدودة في أثناء مدحهم / وأما على كون
~~الموصول نعتا لأولي الألباب فلا مساغ لهذا العطف لما عرفت سابقا. وقد
~~أوضح ذلك مولانا شيخ الإسلام. والمشهور العطف على المنساق ms01659 إلى الذهن وهو
~~المنساق إليه الذهن، وذكر الرب هنا مضافا ما لا يخفى من اللطف. وأخرج
~~الترمذي والحاكم وخلق كثير عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله لا أسمع
~~الله تعالى ذكر النساء في الهجرة بشيء فأنزل الله تعالى: { فاستجاب
~~لهم } إلى آخر الآية، فقالت الأنصار: هي أول ظعينة قدمت علينا. ولعل
~~المراد أنها نزلت تتمة لما قبلها. وأخرج ابن مردويه عنها أنها قالت: آخر
~~آية نزلت هذه الآية: { فاستجاب لهم ربهم }.

# { أنى لا أضيع عمل عامل منكم } أي بأني، وهكذا قرأ
~~أبي، واختلف في تخريجه فخرجه العلامة شيخ الإسلام على أن الباء للسببية
~~كأنه قيل: فاستجاب لهم بسبب أنه لا يضيع عمل عامل منهم أي سنته السنية
~~مستمرة على ذلك وجعل التكلم في { أنى } والخطاب في { منكم } من باب
~~الالتفات، والنكتة الخاصة فيه إظهار كمال الاعتناء بشأن الاستجابة وتشريف
~~الداعين بشرف الخطاب والتعرض لبيان السبب لتأكيد الاستجابة، والإشعار بأن
~~مدارها أعمالهم التي قدموها على الدعاء لا مجرد الدعاء.

# وقال بعض المحققين: إنها صلة لمحذوف وقع حالا إما من فاعل استجاب أو من
~~الضمير المجرور في { لهم } والتقدير مخاطبا لهم بأني، أو مخاطبين
~~بأني الخ، وقيل: إنها متعلقة باستجاب لأن فيها معنى القول  وهو مذهب
~~الكوفيين  ويؤيد القولين أنه قرىء { إنى } بكسر الهمزة وفيها يتعين
~~إرادة القول وموقعه الحال أي قائلا إني أو مقولا لهم إني الخ، وتوافق
~~القراءتين خير من تخالفهما، وهذا التوافق ظاهر على ما ذهب إليه البعض
~~وصاحب القيل وإن اختلف فيهما شدة وضعفا، وأما على ما ذكره العلامة
~~فالظهور لا يكاد يظهر على أنه في نفسه غير ظاهر كما لا يخفى، وقرىء { لا
~~أضيع } بالتشديد، وفي التعرض لوعد العاملين على العموم مع الرمز إلى
~~وعيد المعرضين غاية اللطف بحال هؤلاء الداعين لا سيما وقد عبر هناك عن
~~ترك الإثابة بالإضاعة مع أنه ليس بإضاعة حقيقة إذ الأعمال غير موجبة
~~للثواب حتى يلزم من تخلفه عنها إضاعتها ولكن عبر بذلك تأكيدا لأمر
~~الإثابة حتى كأنها واجبة ms01660 عليه تعالى  كذا قيل  والمشهور أن الإضاعة في
~~الأصل الإهلاك ومثلها التضييع ويقال: ضاع يضيع ضيعة وضياعا بالفتح إذا
~~هلك، واستعملت هنا بمعنى الإبطال أي لا أبطل عمل عامل كائن منكم.

# { من ذكر أو أنثى } بيان لعامل، وتأكيد لعمومه إما على معنى
~~شخص عامل أو على التغليب. وجوز أن يكون بدلا من { منكم } بدل الشيء
~~من الشيء إذ هما لعين واحدة، وأن يكون حالا من الضمير المستكن فيه وقوله
~~تعالى: { بعضكم من بعض } مبتدأ وخبر، و { من } إما ابتدائية
~~بتقدير مضاف أي من أصل بعض، أو بدونه لأن الذكر من الأنثى والأنثى من
~~الذكر، وإما اتصالية والاتصال إما بحسب اتحاد الأصل، أو المراد به
~~الاتصال في الاختلاط، أو التعاون، أو الاتحاد في الدين حتى كأن كل واحد
~~من الآخر لما بينهما من أخوة الإسلام، والجملة مستأنفة معترضة مبينة لسبب
~~انتظام النساء في سلك الدخول مع الرجال في الوعد. وجوز أن تكون حالا، أو
~~صفة.

# وقوله تعالى: { فالذين هجروا } ضرب تفصيل لما أجمل في العمل
~~وتعداد لبعض أحاسن أفراده مع المدح والتعظيم. / وأصل المهاجرة من الهجرة
~~وهو الترك وأكثر ما تستعمل في المهاجرة من أرض إلى أرض أي ترك الأولى
~~للثانية مطلقا أو للدين على ما هو الشائع في استعمال الشرع، والمتبادر
~~في الآية هو هذا المعنى وعليه يكون قوله تعالى: { وأخرجوا من
~~ديرهم } عطف تفسير مع الإشارة إلى أن تلك المهاجرة كانت عن قسر
~~واضطرار لأن المشركين آذوهم وظلموهم حتى اضطروا إلى الخروج، ويحتمل أن
~~يكون المراد هاجروا الشرك وتركوه وحينئذ يكون { وأخرجوا } الخ
~~تأسيسا { وأوذوا فى سبيلى } أي بسبب طاعتي وعبادتي وديني وذلك
~~سبيل الله تعالى، والمراد من الإيذاء ما هو أعم من أن يكون بالإخراج من
~~الديار، أو غير ذلك مما كان يصيب المؤمنين من قبل المشركين {
~~وقتلوا } أي الكفار في سبيل الله تعالى { وقتلوا } استشهدوا
~~في القتال.

# وقرأ حمزة والكسائي بالعكس، ولا إشكال فيها لأن الواو لا توجب ترتيبا،
~~وقدم القتل لفضله بالشهادة هذا إذا كان القتل ms01661 والمقاتلة من شخص واحد، أما
~~إذا كان المراد قتل بعض وقاتل بعض آخر ولم يضعفوا بقتل إخوانهم فاعتبار
~~الترتيب فيها أيضا لا يضر، وصحح هذه الإرادة أن المعنى ليس على اتصاف كل
~~فرد من أفراد الموصول المذكور بكل واحد مما ذكر في حيز الصلة بل على
~~اتصاف الكل بالكل في الجملة سواء كان ذلك باتصاف كل فرد من الموصول بواحد
~~من الأوصاف المذكورة أو باثنين منها، أو بأكثر فحينئذ يتأتى ما ذكر إما
~~بطريق التوزيع أي منهم الذين قتلوا ومنهم الذين قاتلوا، أو بطريق حذف بعض
~~الموصولات من البين  كما هو رأي الكوفيين  أي والذين قتلوا والذين
~~قاتلوا، ويؤيد كون المعنى على اتصاف الكل بالكل في الجملة أنه لو كان
~~المعنى على اتصاف كل فرد بالكل لكان قد أضيع عمل من اتصف بالبعض مع أن
~~الأمر ليس كذلك، والقول  بأن المراد قتلوا وقد قاتلوا فقد مضمرة،
~~والجملة حالية  مما لا ينبغي أن يخرج عليه الكلام الجليل. وقرأ ابن
~~كثير وابن عامر { قتلوا } بالتشديد للتكثير.

# { لأكفرن عنهم سيئتهم } جواب قسم محذوف أي والله
~~لأكفرن، والجملة القسمية خبر للمبتدأ الذي هو الموصول. وزعم ثعلب أن
~~الجملة لا تقع خبرا ووجهه أن الخبر له محل وجواب القسم لا محل له  وهو
~~الثاني  فإما أن يقال: إن له محلا من جهة الخبرية ولا محل له من جهة
~~الجوابية. أو الذي لا محل له الجواب والخبر مجموع القسم وجوابه. ولا يضر
~~كون الجملة إنشائية لتأويلها بالخبر، أو بتقدير قول كما هو معروف في
~~أمثاله والتكفير في الأصل الستر كما أشرنا إليه فيما مر ولاقتضائه بقاء
~~الشيء المستور  وهو ليس بمراد  فسره هنا بعض المحققين بالمحو، والمراد
~~من محو السيئات محو آثارها من القلب، أو من ديوان الحفظة وإثبات الطاعة
~~مكانها كما قال سبحانه:

# إلا من تاب وءامن وعمل عملا صلحا فأولئك
~~يبدل الله سيئاتهم حسنت

# [الفرقان: 70] والمراد من السيئات فيما نحن فيه الصغائر لأنها التي تكفر
~~بالقربات  كما نقله ابن عبد البر عن العلماء  لكن ms01662 بشرط اجتناب الكبائر
~~كما حكاه ابن عطية عن جمهور أهل السنة، واستدلوا على ذلك بما في
~~«الصحيحين» من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينها
~~ما اجتنبت الكبائر "

# وقالت المعتزلة: إن الصغائر تقع مكفرة بمجرد اجتناب الكبائر ولا دخل
~~للقربات في تكفيرها، واستدلوا عليه بقوله تعالى:

# إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم
~~سيئاتكم

# [النساء: 31]، وحمله الجمهور على معنى نكفر عنكم سيئاتكم بحسناتكم
~~وأوردوا على المعتزلة أنه قد ورد صوم يوم عرفة كفارة سنتين وصوم يوم
~~عاشوراء كفارة سنة ونحو ذلك من الأخبار كثير، فإذا كان / مجرد اجتناب
~~الكبائر مكفرا فما الحاجة لمقاسات هذا الصوم مثلا؟ وإنما لم تحمل
~~السيئات على ما يعم الكبائر لأنها لا بد لها من التوبة ولا تكفرها
~~القربات أصلا في المشهور لإجماعهم على أن التوبة فرض على الخاصة والعامة
~~لقوله تعالى:

# وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم
~~تفلحون

# [النور: 31] ويلزم من تكفير الكبائر بغيرها بطلان فرضيتها وهو خلاف
~~النص.

# وقال ابن الصلاح في «فتاويه». قد يكفر بعض القربات  كالصلاة  مثلا
~~بعض الكبائر إذا لم يكن صغيرة، وصرح النووي بأن الطاعات لا تكفر الكبائر
~~لكن قد تخففها، وقال بعضهم: إن القربة تمحو الخطيئة سواء كانت كبيرة أو
~~صغيرة، واستدل عليه بقوله تعالى:

# إن الحسنت يذهبن السيئات

# [هود: 114] وقوله صلى الله عليه وسلم:

# " أتبع السيئة الحسنة تمحها "

# وفيه بحث إذ الحسنة في الآية والحديث بمعنى التوبة إن أخذت السيئة عامة.
~~ولا يمكن على ذلك التقدير حملها على الظاهر لما أن السيئة حينئذ تشمل
~~حقوق العباد، والإجماع على أن الحسنات لا تذهبها وإنما تذهبها التوبة
~~بشروطها المعتبرة المعلومة، وأيضا لو أخذ بعموم الحكم لترتب عليه الفساد
~~من عدم خوف في المعاد على أن في سبب النزول ما يرشد إلى تخصيص كل من
~~الحسنة والسيئة فقد روى الشيخان عن ابن مسعود

# " أن رجلا أصاب من امرأة قبلة ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر
~~له ذلك فسكت ms01663 النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت الآية فدعاه فقرأها عليه
~~فقال رجل: هذه له خاصة يا رسول الله؟ فقال: بل للناس عامة "

# ووجه الإرشاد إما إلى تخصيص الحسنة بالتوبة فهو أنه جاءه تائبا وليس في
~~الحديث ما يدل على أنه صدر منه حسنة أخرى، وإما على تخصيص السيئة
~~بالصغيرة فلأن ما وقع منه كان كذلك لأن تقبيل الأجنبية من الصغائر كما
~~صرحوا به، وقال بعض أهل السنة: إن الحسنة تكفر الصغيرة ما لم يصر عليها
~~سواء فعل الكبيرة أم لا مع القول الأصح بأن التوبة من الصغيرة واجبة
~~أيضا ولو لم يأت بكبيرة لجواز تعذيب الله سبحانه بها خلافا للمعتزلة،
~~وقيل: الواجب الإتيان بالتوبة أو بمكفرها من الحسنة  وفي المسألة كلام
~~طويل  ولعل التوبة إن شاء الله تعالى تفضي إلى إتمامه، هذا وربما يقال:
~~إن حمل السيئات هنا على ما يعم الكبائر سائغ بناءا على أن المهاجرة ترك
~~الشرك وهو إنما يكون بالإسلام والإسلام يجب ما قبله، وحينئذ يعتبر في
~~السيئات شبه التوزيع بأن يؤخذ من أنواع مدلولها مع كل وصف ما يناسبه
~~ويكون هذا تصريحا بوعد ما سأله الداعون من غفران الذنوب وتكفير السيئات
~~بالخصوص بعدما وعد ذلك بالعموم، واعترض بأن هذا على ما فيه مبني على أن
~~الإسلام يجب ما قبله مطلقا وفيه خلاف، فقد قال الزركشي: إن الإسلام
~~المقارن للندم إنما يكفر وزر الكفر لا غير، وأما غيره من المعاصي فلا
~~يكفر إلا بتوبة عنه بخصوصه كما ذكره البيهقي، واستدل عليه بقوله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " إن أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بالأول ولا بالآخر وإن أساء في الإسلام
~~أخذ بالأول والآخر "

# ولو كان الإسلام يكفر سائر المعاصي لم يؤاخذ بها إذا أسلم، وأجيب بأنه
~~مع اعتبار ما ذكر من شبه التوزيع يهون أمر الخلاف كما لا يخفى على أرباب
~~الإنصاف فتدبر.

# { ولأدخلنهم جنت تجري من تحتها الأنهر
~~} إشارة إلى ما عبر عنه الداعون فيما قبل بقولهم

# وءاتنا ما وعدتنا علىرسلك

# [آل عمران: 194] على أحد القولين، ms01664 أو رمز إلى ما سألوه بقولهم

# ولا تخزنا يوم القيمة

# [آل عمران: 194] على القول الآخر { ثوابا } مصدر مؤكد لما قبله لأن
~~معنى الجملة لأثيبنهم بذلك فوضع ثوابا موضع الإثابة وإن كان في الأصل
~~اسما لما يثاب به كالعطاء لما يعطى، وقيل: إنه تمييز أو حال من جنات
~~لوصفها، أو من ضمير المفعول أي مثابا بها أو مثابين، وقيل: إنه بدل من
~~جنات، وقال الكسائي: إنه منصوب / على القطع، وقوله تعالى: { من عند
~~الله } صفة لثوابا وهو وصف مؤكد لأن الثواب لا يكون إلا من عنده
~~تعالى لكنه صرح به تعظيما للثواب وتفخيما لشأنه، ولا يرد أن المصدر إذا
~~وصف كيف يكون مؤكدا، لما تقرر في موضعه أن الوصف المؤكد لا ينافي كون
~~المصدر مؤكدا. وقيل: إنه متعلق  بثوابا  باعتبار تأويله باسم
~~المفعول.

# وقوله سبحانه: { والله عنده حسن الثواب } تذييل مقرر
~~لمضمون ما قبله، والاسم الجليل مبتدأ خبره { عنده } و { حسن
~~الثواب } مرتفع بالظرف على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ، أو هو
~~مبتدأ ثان والظرف خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، والكلام مخرج مخرج
~~قول الرجل: عندي ما تريد يريد اختصاصه به وتملكه له، وإن لم يكن عنده
~~فليس معنى عنده حسن الثواب أن الثواب بحضرته وبالقرب منه على ما هو حقيقة
~~لفظ عنده، بل مثل هناك كونه بقدرته وفضله بحيث لا يقدر عليه غيره بحال
~~الشيء يكون بحضرة أحد لا يدعيه لغيره، والاختصاص مستفاد من هذا التمثيل
~~حتى لو لم يجعل { حسن الثواب } مبتدأ مؤخرا كان الاختصاص بحاله،
~~وقد أفادت الآية مزيد فضل المهاجرين ورفعة شأنهم.

# وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والبيهقي وغيرهم عن ابن عمر قال: سمعت رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " إن أول ثلاثة يدخلون الجنة الفقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره
~~إذا أمروا سمعوا وأطاعوا وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان لم تقض حتى
~~يموت وهي في صدره وإن الله تعالى يدعو يوم القيامة الجنة فتأتى بزخرفتها
~~وزينتها فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا ms01665 في سبيلي وجاهدوا
~~في سبيلي أدخلوا الجنة فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب وتأتي الملائكة
~~فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار ونقدس لك ما هؤلاء
~~الذين آثرتهم علينا؟ فيقول: هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في
~~سبيلي فتدخل الملائكة عليهم من كل باب "

# سلم عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار

# [الرعد: 42].

### || [3.196]

# الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد منه أمته، وكثيرا ما يخاطب
~~سيد القوم بشيء ويراد أتباعه فيقوم خطابه مقام خطابهم، ويحتمل أن يكون
~~عاما للنبي صلى الله عليه وسلم وغيره بطريق التغليب تطييبا لقلوب
~~المخاطبين، وقيل: إنه خطاب له عليه الصلاة والسلام على أن المراد تثبيته
~~صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه كقوله تعالى:

# فلا تطع المكذبين

# [القلم: 8] وضعف بأنه عليه الصلاة والسلام لا يكون منه تزلزل حتى يؤمر
~~بالثبات  وفيه نظر لا يخفى  والنهي في المعنى للمخاطب أي لا تغتر بما
~~عليه الكفرة من التبسط في المكاسب والمتاجر والمزارع ووفور الحظ، وإنما
~~جعل النهي ظاهرا للتقلب تنزيلا للسبب منزلة المسبب فإن تغرير التقلب
~~للمخاطب سبب واغتراره به مسبب فمنع السبب بورود النهي عليه ليمتنع المسبب
~~الذي هو اغترار المخاطب بذلك السبب على طريق برهاني وهو أبلغ من ورود
~~النهي على المسبب من أول الأمر، قالوا: وهذا على عكس قول القائل: لا
~~أرينك هنا فإن فيه النهي عن المسبب وهو الرؤية ليمتنع السبب وهو حضور
~~المخاطب.

# وأورد عليه أن الغارية والمغرورية متضايفان، وقد صرحوا بأن القطع
~~والانقطاع ونحو ذلك مثلا متضايفان، وحقق أن المتضايفين لا يصح أن يكون
~~أحدهما سببا للآخر بل هما معا في درجة واحدة، فالأولى أن يقال: علق
~~النهي بكون التقلب غارا ليفيد نهي المخاطب عن الاغترار لأن نفي أحد
~~المتضايفين يستلزم نفي الآخر، ولا يخفى أن هذا مبني على ما لم يقع
~~الإجماع عليه، ولعل النظر الصائب يقضي بخلافه، وفسر الموصول بالمشركين /
~~من أهل مكة، فقد ذكر الواحدي أنهم كانوا في رخاء ولين من العيش وكانوا
~~يتجرون ويتنعمون فقال ms01666 بعض المؤمنين: إن أعداء الله تعالى فيما نرى من
~~الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت الآية، وبعض فسره باليهود، وحكي
~~أنهم كانوا يضربون في الأرض ويصيبون الأموال والمؤمنون في عناء فنزلت،
~~وإلى ذلك ذهب الفراء، والقول الأول أظهر، وأيا ما كان فالجملة مسوقة
~~لتسلية المؤمنين وتصبيرهم ببيان قبح ما أوتي الكفرة من حظوظ الدنيا إثر
~~بيان حسن ما سينالونه من الثواب الجزيل والنعيم المقيم، وقرأ يعقوب
~~برواية رويس وزيد { ولا يغرنك } بالنون الخفيفة.

### || [3.197]

# { متع قليل } خبر مبتدأ محذوف أي هو يعني تقلبهم متاع قليل،
~~وقلته إما باعتبار قصر مدته أو بالقياس إلى ما فاتهم مما أعد الله تعالى
~~للمؤمنين من الثواب، وفيما رواه مسلم مرفوعا

# " [والله] ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه [هذه 
~~وأشار يحيى بالسبابة ] في اليم فلينظر بم ترجع "

# ، وقيل: إن وصف ذلك المتاع بالقلة بالقياس إلى مؤنة السعي وتحمل المشاق
~~فضلا عما يلحقه من الحساب والعقاب في دار الثواب ولا يخفى بعده { ثم
~~مأوهم } أي مصيرهم الذي يأوون إليه ويستقرون فيه بعد انتقالهم من
~~الأماكن التي يتقلبون فيها. { جهنم } التي لا يوصف عذابها {
~~وبئس المهاد } أي بئس ما مهدوا لأنفسهم وفرشوا جهنم، وفيه إشارة
~~إلى أن مصيرهم إلى تلك الدار مما جنته أنفسهم وكسبته أيديهم.

### || [3.198]

# { لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنت تجري من
~~تحتها الأنهر خلدين فيها }  { لكن } للاستدراك عند
~~النحاة وهو رفع توهم ناشىء من السابق وعند علماء المعاني لقصر القلب ورد
~~اعتقاد المخاطب، وتوجيه الآية على الأول: أنه لما وصف الكفار بقلة نفع
~~تقلبهم في التجارة وتصرفهم في البلاد لأجلها جاز أن يتوهم متوهم أن
~~التجارة من حيث هي مقتضية لذلك فاستدرك أن المتقين وإن أخذوا في التجارة
~~لا يضرهم ذلك وأن لهم ما وعدوا به أو يقال إنه تعالى لما جعل تمتع
~~المتقلبين قليلا مع سعة حالهم أوهم ذلك أن المسلمين الذين لا يزالون في
~~الجهد والجوع في متاع في كمال القلة فدفع بأن تمتعهم للاتقاء وللاجتناب ms01667
~~عن الدنيا ولا تمتع من الدنيا فوقه لأنه وسيلة إلى نعمة عظيمة أبدية هي
~~الخلود في الجنات، وعلى الثاني: رد لاعتقاد الكفرة أنهم متمتعون من
~~الحياة والمؤمنون في خسران عظيم، وعلل بعض المحققين جعل التقوى في حيز
~~الصلة بالإشعار بكون الخصال المذكورة من باب التقوى، والمراد بها الاتقاء
~~عن الشرك والمعاصي؛ والموصول مبتدأ والظرف خبره، وجنات مرتفع به على
~~الفاعلية لاعتماده على المبتدأ، أو مرتفع بالابتداء، والظرف خبره،
~~والجملة خبر المبتدأ، وخالدين حال مقدرة من الضمير المجرور في لهم أو من
~~جنات لتخصيصها بجملة الصفة، والعامل ما في الظرف من معنى الاستقرار، وقرأ
~~أبو جعفر { لكن } بتشديد النون.

# { نزلا من عند الله } النزل بضمتين وكذا النزل بضم فسكون ما
~~يعد للضيف أول نزوله من طعام وشراب وصلة، قال الضبي:

# وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا

# جعلنا القنا والمرهفات له (نزلا)

# ويستعمل بمعنى الزاد مطلقا، ويكون جمعا بمعنى النازلين كما في قول
~~الأعشى:

# أو ينزلون فإنا معشر (نزل)

# وقد جوز ذلك أبو علي في الآية، وكذا يجوز أن يكون مصدرا، قيل: وأصل
~~معنى النزل مفردا الفضل والريع في الطعام، ويستعار للحاصل عن الشيء،
~~ونصبه هنا إما على الحالية من جنات لتخصيصها بالوصف والعامل فيه ما في /
~~الظرف من معنى الاستقرار إن كان بمعنى ما يعد الخ، وجعل الجنة حينئذ
~~نفسها نزلا من باب التجوز، أو بتقدير مضاف أي ذات نزل، وإما على الحالية
~~من الضمير في خالدين إن كان جمعا، وإما على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف
~~إن كان مصدرا وهو حينئذ بمعنى النزول أي نزلوها نزلا، وجوز على تقدير
~~مصدريته أن يكون بمعنى المفعول فيكون حالا من الضمير المجرور في فيها أي
~~منزولة، والظرف صفة نزلا إن لم تجعله جمعا وإن جعلته جمعا ففيه  كما
~~قال أبو البقاء  وجهان: أحدهما: أنه حال من المفعول المحذوف لأن التقدير
~~(نزلا) إياها، والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ذلك من عند الله أي
~~بفضله، وذهب كثير من العلماء على أن النزل بالمعنى الأول ms01668  وعليه تمسك
~~بعضهم بالآية على رؤية الله تعالى لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلا فلا
~~بد من شيء آخر يكون أصلا بالنسبة إليها وليس وراء الله تعالى شيء  وهو
~~كما ترى، نعم فيه حينئذ إشارة إلى أن القوم ضيوف الله تعالى وفي ذلك
~~كمال اللطف بهم.

# { وما عند الله } من الأمور المذكورة الدائمة لكثرته ودوامه {
~~خير للأبرار } مما يتقلب فيه الفجار من المتاع القليل الزائل
~~لقلته وزواله، والتعبير عنهم  بالأبرار  ووضع الظاهر موضع الضمير كما
~~قيل: للإشعار بأن الصفات المعدودة من أعمال البر كما أنها من قبيل التقوى
~~والجملة تذييل، وزعم بعضهم أن هذا مما يحتمل أن يكون إشارة إلى الرؤية
~~لأن فيه إيذانا بمقام العندية والقرب الذي لا يوازيه شيء من نعيم الجنة،
~~والموصول مبتدأ، والظرف صلته، وخير خبره، وللأبرار صفة خير. وجوز أن يكون
~~للأبرار خبرا والنية به التقديم أي والذي عند الله مستقر للأبرار وخير
~~على هذا خبر ثان، وقيل: للأبرار حال من الضمير في الظرف، وخير خبر
~~المبتدأ، وتعقبه أبو البقاء بأنه بعيد لأن فيه الفصل بين المبتدأ والخبر
~~بحال لغيره والفصل بين الحال وصاحب الحال غير المبتدأ وذلك لا يجوز في
~~الاختيار.

### || [3.199]

# { وإن من أهل الكتب لمن يؤمن بالله } أخرج ابن
~~جرير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما مات النجاشي:

# " أخرجوا فصلوا على أخ لكم فخرج فصلى بنا فكبر أربع تكبيرات فقال
~~المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط "

# فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروي ذلك أيضا عن ابن عباس وأنس وقتادة،
~~وعن عطاء أنها نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران من بني الحرث بن كعب
~~اثنين وثلاثين من أرض الحبشة وثمانية من الروم كانوا جميعا على دين عيسى
~~عليه السلام فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ وروي عن ابن جريج وابن
~~زيد. وابن إسحاق أنها نزلت في جماعة من اليهود أسلموا، منهم عبد الله بن
~~سلام ومن معه، وعن مجاهد أنها نزلت في مؤمني ms01669 أهل الكتاب كلهم، وأشهر
~~الروايات أنها نزلت في النجاشي  وهو بفتح النون على المشهور  كما قال
~~الزركشي. ونقل ابن السيد كسرها  وعليه ابن دحية  وفتح الجيم مخففة 
~~وتشديدها غلط  وآخره ياء ساكنة وهو الأكثر رواية لأنها ليست للنسبة،
~~ونقل ابن الأثير تشديدها، ومنهم من جعله غلطا  وهو لقب كل من ملك
~~الحبشة  واسمه أصحمة  بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وحاء مهملة 
~~والحبشة يقولونه بالخاء المعجمة، ومعناه عندهم عطية الصنم، وذكر مقاتل في
~~«نوادر التفسير» أن اسمه مكحول بن صعصعة، والأول: هو المشهور، وقد توفي
~~في رجب سنة تسع، والجملة مستأنفة سيقت لبيان أن أهل الكتاب ليس كلهم كمن
~~حكيت هناتهم من نبذ الميثاق وتحريف الكتاب وغير ذلك بل منهم من له مناقب
~~جليلة، وفيها أيضا تعريض بالمنافقين / الذين هم أقبح أصناف الكفار وبهذا
~~يحصل ربط بين الآية وما قبلها من الآيات، وإذا لاحظت اشتراك هؤلاء مع
~~أولئك المؤمنين فيما عند الله تعالى من الثواب قويت المناسبة وإذا لاحظ
~~أن فيما تقدم مدح المهاجرين وفي هذا مدحا للمهاجر إليهم من حيث إن
~~الهجرة الأولى كانت إليهم كان أمر المناسبة أقوى، وإذا اعتبر تفسير
~~الموصول في قوله تعالى:

# لا يغرنك

# [آل عمران: 196] باليهود زادت قوة بعد ولام الابتداء داخلة على اسم إن
~~وجاز ذلك لتقدم الخبر.

# { وما أنزل إليكم } من القرآن العظيم الشأن { وما أنزل
~~إليهم } من الإنجيل والتوراة أو منهما وتأخير إيمانهم بذلك عن
~~إيمانهم بالقرآن في الذكر مع أن الأمر بالعكس في الوجود لما أن القرآن
~~عيار ومهيمن عليهما فإن إيمانهم بذلك إنما يعتبر بتبعية إيمانهم بالقرآن
~~إذ لا عبرة بما في الكتابين من الأحكام المنسوخة وما لم ينسخ إنما يعتبر
~~من حيث ثبوته بالقرآن ولتعلق ما بعد بذلك، وقيل: قدم الإيمان بما أنزل
~~على المؤمنين تعجيلا لإدخال المسرة عليهم، والمراد من الإيمان بالثاني
~~الإيمان به من غير تحريف ولا كتم كما هو شأن المحرفين والكاتمين واتباع
~~كل من العامة { خشعين لله } أي خاضعين له سبحانه، وقال ابن زيد:
~~خائفين ms01670 متذللين، وقال الحسن: الخشوع الخوف اللازم للقلب من الله تعالى
~~وهو حال من فاعل يؤمن وجمع حملا على المعنى بعد ما حمل على اللفظ أولا،
~~وقيل: حال من ضمير { إليهم } وهو أقرب لفظا فقط، وجيء بالحال
~~تعريضا بالمنافقين الذين يؤمنون خوفا من القتل، و { لله } متعلق 
~~بخاشعين ، وقيل: هو متعلق بالفعل المنفي بعده وهو في نية التأخير كأنه
~~قال سبحانه: { لا يشترون بئايت الله ثمنا قليلا }
~~لأجل الله تعالى، والأول أولى، وفي هذا النفي تصريح بمخالفتهم للمحرفين،
~~والجملة في موضع الحال أيضا والمعنى لا يأخذون عوضا يسيرا على تحريف
~~الكتاب وكتمان الحق من الرشا والمآكل كما فعله غيره ممن وصفه سبحانه فيما
~~تقدم، ووصف الثمن بالقليل إما لأن كل ما يؤخذ على التحريف كذلك ولو كان
~~ملء الخافقين، وإما لمجرد التعريض بالآخذين ومدحهم بما ذكر ليس من حيث
~~عدم الأخذ فقط بل لتضمن ذلك إظهار ما في الآيات من الهدى وشواهد نبوته
~~صلى الله عليه وسلم.

# { أولئك } أي الموصوفون بما ذكر من الصفات الحميدة، واختيار صيغة
~~البعد للإيذان بعلو مرتبتهم وبعد منزلتهم في الشرف والفضيلة { لهم
~~أجرهم عند ربهم } أي ثواب أعمالهم وأجر طاعتهم والإضافة للعهد
~~أي الأجر المختص بهم الموعود لهم بقوله سبحانه:

# أولئك يؤتون أجرهم مرتين

# [القصص: 54] وقوله تعالى:

# يؤتكم كفلين من رحمته

# [الحديد: 28] وفي التعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم ما لا
~~يخفى من اللطف. وفي الكلام أوجه من الإعراب فقد قالوا: إن أولئك مبتدأ
~~والظرف خبره وأجرهم مرتفع بالظرف، أو الظرف خبر مقدم، وأجرهم مبتدأ مؤخر،
~~والجملة خبر المبتدأ، وعند ربهم نصب على الحالية من أجرهم.

# وقيل: متعلق به بناءا على أن التقدير لهم أن يؤجروا عند ربهم، وجوز أن
~~يكون أجرهم مبتدأ؛ وعند ربهم خبره، ولهم متعلق بما دل عليه الكلام من
~~الاستقرار والثبوت لأنه في حكم الظرف، والأوجه من هذه الأوجه هو
~~الشائع على ألسنة المعربين.

# { إن الله سريع الحساب } إما كناية عن كمال علمه تعالى
~~بمقادير الأجور ومراتب الاستحقاق وأنه يوفيها كل ms01671 عامل على ما ينبغي وقدر
~~ما ينبغي وحينئذ تكون الجملة استئنافا واردا على سبيل التعليل لقوله
~~تعالى: { لهم أجرهم عند ربهم } أو تذييلا لبيان علة الحكم
~~المفاد بما ذكر، وإما كناية عن قرب الأجر الموعود فإن سرعة الحساب تستدعي
~~سرعة الجزاء، وحينئذ تكون الجملة تكميلا لما قبلها فإنه في معنى الوعد
~~/ كأنه قيل: لهم أجر عند ربهم عن قريب، وفصلت لأن الحكم بقرب الأجر مما
~~يؤكد ثبوته ثم لما بين سبحانه في تضاعيف هذه السورة الكريمة  ما بين من
~~الحكم والأحكام وشرح أحوال المؤمنين والكافرين وما قاساه المؤمنون الكرام
~~من أولئك اللئام من الآلام  ختم السورة بما يضوع منه مسك التمسك بما
~~مضى، ويضيع بامتثال ما فيه مكايد الأعداء ولو ضاق لها الفضا، فقال عز من
~~قائل: { يأيها الذين ءامنوا اصبروا... }.

### || [3.200]

# { يأيها الذين ءامنوا اصبروا } أي احبسوا نفوسكم عن
~~الجزع مما ينالها، والظاهر أن المراد الأمر بما يعم أقسام الصبر الثلاثة
~~المتفاوتة في الدرجة الواردة في الخبر، وهو الصبر على المصيبة والصبر على
~~الطاعة والصبر عن المعصية { وصابروا } أي اصبروا على شدائد الحرب مع
~~أعداء الله تعالى صبرا أكثر من صبرهم، وذكره بعد الأمر بالصبر العام
~~لأنه أشد فيكون أفضل، فالعطف كعطف جبريل على الملائكة والصلاة الوسطى
~~على الصلوات، وهذا وإن آل إلى الأمر بالجهاد إلا أنه أبلغ منه.

# { ورابطوا } أي أقيموا في الثغور رابطين خيولكم فيها حابسين لها
~~مترصدين للغزو مستعدين له بالغين في ذلك المبلغ الأوفى أكثر من أعدائكم،
~~والمرابطة أيضا نوع من الصبر، فالعطف هنا كالعطف السابق. وقد أخرج
~~الشيخان عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها "

# ، وأخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " من مات مرابطا في سبيل الله تعالى أجرى عليه أجر عمله الصالح الذي
~~كان يعمله وأجرى عليه رزقه وأمن من الفتان وبعثه الله تعالى ms01672 آمنا من
~~الفزع "

# ، وأخرج الطبراني بسند لا بأس به عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم يقول:

# " من رابط يوما في سبيل الله تعالى جعل الله تعالى بينه وبين النار سبع
~~خنادق كل خندق كسبع سماوات وسبع أرضين "

# ، وأخرج أبو الشيخ عن أنس مرفوعا

# " الصلاة بأرض الرباط بألف ألفي صلاة "

# وروي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن الرباط أفضل من الجهاد لأنه
~~حقن دماء المسلمين والجهاد سفك دماء المشركين.

# { واتقوا الله } في مخالفة أمره على الإطلاق فيندرج فيه جميع ما
~~مر اندرجا أوليا. { لعلكم تفلحون } أي لكي تظفروا وتفوزوا
~~بنيل المنية ودرك البغية والوصول إلى النجح في الطلبة وذلك حقيقة الفلاح،
~~وهذه الآية على ما سمعت مشتملة على ما يرشد المؤمن إلى ما فيه مصلحة
~~الدين والدنيا ويرقى به إلى الذروة العليا، وقرر ذلك بعضهم بأن أحوال
~~الإنسان قسمان: الأول: ما يتعلق به وحده، والثاني: ما يتعلق به من حيث
~~المشاركة مع أهل المنزل والمدينة، وقد أمر سبحانه  نظرا إلى الأول 
~~بالصبر ويندرج فيه الصبر على مشقة النظر، والاستدلال في معرفة التوحيد
~~والنبوة والمعاد، والصبر على أداء الواجبات والمندوبات والاحتراز عن
~~المنهيات والصبر على شدائد الدنيا وآفاتها ومخاوفها، وأمر  نظرا إلى
~~الثاني  بالمصابرة ويدخل فيها تحمل الأخلاق الردية من الأقارب والأجانب
~~وترك الانتقام منهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد مع أعداء
~~الدين باللسان والسنان، ثم إنه لما كان تكليف الإنسان بما ذكر لا بد له
~~من إصلاح القوى النفسانية الباعثة على أضداد ذلك أمره سبحانه بالمرابطة
~~أعم من أن تكون مرابطة ثغر أو نفس، ثم لما كانت ملاحظة الحق جل وعلا لا
~~بد منها في جميع الأعمال والأقوال حتى يكون معتدا بها أمر سبحانه
~~بالتقوى، ثم لما تمت وظائف العبودية ختم الكلام بوظيفة الربوبية وهو رجاء
~~الفلاح منه انتهى، ولا يخفى أنه على ما فيه تمحل ظاهر وتعسف لا ينكره إلا
~~مكابر، وأولى منه أن يقال: إنه تعالى أمر بالصبر العام أولا لأنه كما ms01673 في
~~الخبر بمنزلة الرأس من الجسد وهو مفتاح الفرج.

# / وقال بعضهم: لكل شيء جوهر وجوهر الإنسان العقل، وجوهر العقل الصبر،
~~وادعى غير واحد أن جميع المراتب العلية والمراقي السنية الدينية
~~والدنيوية لا تنال إلا بالصبر، ومن هنا قال الشاعر:

# لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى

# فما انقادت الآمال إلا (لصابر)

# ثم إنه تعالى أمر ثانيا بنوع خاص من الصبر وهي المجاهدة التي يحصل بها
~~النفع العام والعز التام، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إذا تركتم الجهاد سلط الله تعالى عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى
~~دينكم "

# ثم ترقى إلى نوع آخر من ذلك هو أعلى وأغلى وهو المرابطة التي هي الإقامة
~~في ثغر لدفع سوء مترقب ممن وراءه، ثم أمر سبحانه آخر الأمر بالتقوى
~~العامة إذ لولاها لأوشك أن يخالط تلك الأشياء شيء من الرياء والعجب،
~~ورؤية غير الله سبحانه فيفسدها، وبهذا تم المعجون الذي يبرىء العلة وروق
~~الشراب الذي يروي الغلة. ومن هنا عقب ذلك بقوله عز شأنه: { لعلكم
~~تفلحون } وهذا مبني على ما هو المشهور في تفسير الآية، وقد روي في
~~بعض الآثار غير ذلك، فقد أخرج ابن مردويه عن سلمة بن عبد الرحمن قال:
~~أقبل علي أبو هريرة يوما فقال: أتدري يا ابن أخي فيم أنزلت هذه الآية
~~{ يأيها الذين ءامنوا اصبروا } الخ؟ قلت: لا قال: أما
~~إنه لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابطون فيه ولكنها
~~نزلت في قوم يعمرون المساجد يصلون الصلاة في مواقيتها ثم يذكرون الله
~~تعالى فيها، ففيهم أنزلت أي اصبروا على الصلوات الخمس وصابروا أنفسكم
~~وهواكم ورابطوا في مساجدكم واتقوا الله فيما علمكم لعلكم تفلحون، وأخرج
~~مالك والشافعي وأحمد ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " ألا أخبركم بما يمحو الله تعالى به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ
~~الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة
~~فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط "

# ولعل هذه الرواية عن أبي ms01674 هريرة أصح من الرواية الأولى مع ما في الحكم
~~فيها بأنه لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابطون فيه من
~~البعد بل لا يكاد يسلم ذلك له؛ ثم إن هذه الرواية وإن كانت صحيحة لا
~~تنافي التفسير المشهور لجواز أن تكون اللام في الرباط فيها للعهد، ويراد
~~به الرباط في سبيل الله تعالى ويكون قوله عليه السلام: «فذلكم الرباط» من
~~قبيل زيد أسد، والمراد تشبيه ذلك بالرباط على وجه المبالغة. وأخرج عبد بن
~~حميد عن زيد بن أسلم أن المراد اصبروا على الجهاد وصابروا عدوكم ورابطوا
~~على دينكم، وعن الحسن أنه قال: اصبروا على المصيبة وصابروا على الصلوات
~~ورابطوا في لجهاد في سبيل الله تعالى، وعن قتادة أنه قال: اصبروا على
~~طاعة الله تعالى وصابروا أهل الضلال ورابطوا في سبيل الله، وهو قريب من
~~الأول، والأول أولى.

# هذا ومن باب الإشارة: { إن في خلق السموات والأرض }
~~أي العالم العلوي والعالم السفلي { واختلف اليل والنهار
~~} الظلمة والنور

# لأيت لأولى الألبب

# [آل عمران: 190] وهم الناظرون إلى الخلق بعين الحق { الذين
~~يذكرون الله قيما } في مقام الروح بالمشاهدة و { قعودا }
~~في محل القلب بالمكاشفة { وعلى جنوبهم } أي تقلباتهم في مكامن
~~النفس بالمجاهدة، وقال بعضهم: (الذين يذكرون الله قياما) أي قائمين
~~باتباع أوامره و (قعودا) أي قاعدين عن زواجره ونواهيه (وعلى جنوبهم) أي
~~ومجتنبين مطالعات المخالفات بحال { ويتفكرون } بألبابهم الخالصة
~~عن شوائب الوهم { فى خلق السموات والأرض } وذلك التفكر
~~على معنيين، الأول: طلب غيبة القلوب في الغيوب التي هي كنوز أنوار الصفات
~~لإدراك أنوار القدرة التي تبلغ الشاهد إلى المشهود، والثاني: جولان
~~القلوب بنعت التفكر / في إبداع الملك طلبا لمشاهدة الملك في الملك فإذا
~~شاهدوا قالوا { ربنا ما خلقت هذا بطلا } بل هو مرايا
~~لأسمائك ومظاهر لصفاتك، ويفصح بالمقصود قول لبيد:

# ألا كل شيء ما خلا الله باطل

# وكل نعيم لا محالة زائل

# { سبحنك } أي تنزيها لك من أن يكون في الوجود سواك

# فقنا عذاب النار

# [آل عمران: 191] وهي نار ms01675 الاحتجاب بالأكوان عن رؤية المكون { ربنا
~~إنك من تدخل النار } وتحجبه عن الرؤية { فقد أخزيته
~~} وأذللته بالبعد عنك { وما للظلمين } الذين أشركوا ما لا وجود
~~له في العير ولا النفير

# من أنصار

# [آل عمران: 192] لاستيلاء التجلي القهرى عليهم { ربنا إننا
~~سمعنا } بأسماع قلوبنا { مناديا } من أسرارنا التي هي شاطىء وادي
~~الروح الأيمن { ينادى للإيمن } العياني { أن آمنوا
~~بربكم فآمنا } أي شاهدوا ربكم فشاهدنا، أو (إننا سمعنا) في
~~المقام الأول (مناديا ينادي للإيمان) والمراد به هو الله تعالى حين خاطب
~~الأرواح في عالم الذر بقوله سبحانه:

# ألست بربكم

# [الأعراف: 172] فإن ذلك دعاء لهم إلى الإيمان (فآمنا) يعنون قولهم: {
~~بلى } حين شاهدوه هناك سبحانه { ربنا فاغفر لنا ذنوبنا
~~} أي ذنوب صفاتنا بصفاتك { وكفر عنا } سيئات أفعالنا برؤية أفعالك
~~{ وتوفنا } عن ذواتنا بالموت الاختياري

# مع الأبرار

# [آل عمران: 193] وهم القائمون على حد التفريد والتوحيد { ربنا
~~وءاتنا ما وعدتنا على } ألسنة { رسلك } بقولك:

# للذين أحسنوا الحسنى وزيادة

# [يونس: 26] { ولا تخزنا يوم القيمة } بأن تحجبنا بنعمتك
~~عنك

# إنك لا تخلف الميعاد

# [آل عمران: 194] { فاستجاب لهم ربهم } لكمال رحمته { أنى
~~لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر } القلب وعمله مثل
~~الإخلاص واليقين { أو أنثى } النفس وعملها إذا تركت المجاهدات
~~والطاعات القالبية { بعضكم من بعض } إذ يجمعكم أصل واحد وهو
~~الروح الإنسانية { فالذين هجروا } من غير الله تعالى إلى الله
~~عز وجل { وأخرجوا من ديرهم } وهي مألوفات أنفسهم {
~~وأوذوا فى سبيلى } بما قاسوا من المنكرين، وعن بعض العارفين أن
~~القوم إذا لم يذوقوا مرارة إيذاء المنكرين لم يفوزوا بحلاوة كأس القرب من
~~الله تعالى، ولهذا قال الجنيد قدس سره: جزى الله تعالى إخواننا عنا خيرا
~~ردونا بجفائهم إلى الله تعالى { وقاتلوا } أنفسهم في وهي أعدى
~~أعدائهم { وقتلوا } بسيف الفناء { لأكفرن عنهم
~~سيئاتهم } الصغائر والكبائر من بقايا صفاتهم وذواتهم {
~~ولأدخلنهم جنت } ثلاث وهي جنة الأفعال، وجنة الصفات،
~~وجنة الذات { تجرى من تحتها الأنهر } أنهار العلوم
~~والتجليات { ثوابا من عند الله } الجامع لجميع الصفات

# والله عنده حسن الثواب

# [آل ms01676 عمران: 195] فلا يكون بيد غيره ثواب أصلا { لا يغرنك
~~تقلب الذين كفروا } أي حجبوا عن التوحيد

# فى البلد

# [آل عمران: 196] في المقامات الدنيوية والأحوال { متع قليل }
~~لسرعة زواله وعدم نفعه { ثم مأوهم جهنم } الحرمان

# وبئس المهاد

# [آل عمران: 197] الذي اختاروه بحسب استعدادهم { لكن الذين
~~اتقوا ربهم } بأن تجردوا كمال التجرد { لهم جنت }
~~ثلاث عوض ذلك { نزلا من عند الله } معدا لهم { وما عند
~~الله } من نعم المشاهدة ولطائف القربة وحلاوة الوصلة

# خير للأبرار

# [آل عمران: 198] { وإن من أهل الكتب لمن يؤمن
~~بالله } ويحقق التوحيد الذاتي { وما أنزل إليكم } من علم
~~التوحيد والاستقامة { وما أنزل إليهم } من علم المبدأ والمعاد
~~ونيل الدرجات { خشعين لله } للتجلي الذاتي وما تجلى الله تعالى
~~لشيء إلا خضع له { لا يشترون بئايت الله } تعالى وهي
~~تجليات صفاته { ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند
~~ربهم } وهي تلك الجنات

# إن الله سريع الحساب

# [آل عمران: 199] فيوصل إليهم أجرهم بلا إبطاء { ياأيها الذين
~~ءامنوا اصبروا } عن المعاصي { وصابروا } على الطاعات {
~~ورابطوا } الأرواح بالمشاهدة { واتقوا الله } من مشاهدة
~~الأغيار { لعلكم تفلحون } [آل عمران: 200] بالتجرد عن همومكم
~~وخطراتكم، أو (اصبروا) في مقام النفس بالمجاهدة (وصابروا) في مقام القلب
~~مع التجليات (ورابطوا) / في مقام الروح ذواتكم حتى لا تعتريكم فترة أو
~~غفلة واتقوا الله عن المخالفة والإعراض والجفاء (لعلكم) تفوزون بالفلاح
~~الحقيقي، نسأل الله تعالى أن يجعل لنا الحظ الأوفى من امتثال هذه الأوامر
~~وما يترتب عليها بمنه وكرمه. وهذه الآيات العشر كان يقرؤها صلى الله عليه
~~وسلم كل ليلة  كما أخرج ذلك ابن السني، وأبو نعيم، وابن عساكر عن أبي
~~هريرة رضي الله تعالى عنه. وأخرج الدارمي عن عثمان قال: من قرأ آخر آل
~~عمران في ليلة كتب الله تعالى له قيام ليلة، وأخرج الطبراني من حديث ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعا

# " من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله تعالى
~~عليه وملائكته حتى تجب الشمس "

# ، وخبر  من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آية ms01677 أمانا على جسر جهنم 
~~موضوع مختلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد عابوا على من أورده
~~من المفسرين، نسأل الله تعالى أن يعصمنا عن الزلل ويحفظنا من الخطأ
~~والخطل إنه جواد كريم رؤوف رحيم، وليكن هذا خاتمة ما أمليته من تفسير
~~الفاتحة والزهراوين، وأنا أرغب إلى الله تعالى بالإخلاص أن يوصلني إلى
~~تفسير المعوذتين، وهو الجلد الأول من «روح المعاني»، ويتلوه إن شاء الله
~~تعالى الجلد الثاني وكان الفراغ منه في غرة محرم الحرام سنة 1254 ألف
~~ومائتين وأربعة وخمسين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
~~أجمعين والحمد لله رب العالمين آمين.

### | [4 - سورة النساء]

### || [4.1]

# { بسم الله الرحمن الرحيم يأيها الناس }
~~خطاب يعم المكلفين من لدن نزل إلى يوم القيامة على ما مر تحقيقه، وفي
~~تناول نحو هذه الصيغة للعبيد شرعا حتى يعمهم الحكم خلاف، فذهب الأكثرون
~~إلى التناول لأن العبد من الناس مثلا فيدخل في الخطاب العام له قطعا
~~وكونه عبدا لا يصلح مانعا لذلك، وذهب البعض إلى عدم التناول قالوا:
~~لأنه قد ثبت بالإجماع صرف منافع العبد إلى سيده فلو كلف بالخطاب لكان
~~صرفا لمنافعه إلى غير سيده وذلك تناقض فيتبع الإجماع ويترك الظاهر،
~~وأيضا خرج العبد عن الخطاب بالجهاد، والجمعة، والعمرة، والحج،
~~والتبرعات، والأقارير، ونحوها، ولو كان الخطاب متناولا له للعموم لزم
~~التخصيص، والأصل عدمه، والجواب عن الأول: أنا لا نسلم صرف منافعه إلى
~~سيده عموما بل قد يستثنى من ذلك وقت تضايق العبادات حتى لو أمره السيد
~~في آخر وقت الظهر ولو أطاعه لفاتته الصلاة وجبت عليه الصلاة، وعدم صرف
~~منفعته في ذلك الوقت إلى السيد، وإذا ثبت هذا فالتعبد بالعبادة ليس
~~مناقضا لقولهم: بصرف المنافع للسيد، وعن الثاني: بأن خروجه بدليل اقتضى
~~خروجه وذلك كخروج المريض، والمسافر، والحائض عن العمومات الدالة على وجوب
~~الصوم، والصلاة، والجهاد، وذلك لا يدل على عدم تناولها اتفاقا، غايته
~~أنه خلاف الأصل ارتكب لدليل وهو جائز ثم الصحيح أن الأمم الدارجة قبل
~~نزول هذا ms01678 الخطاب لا حظ لها فيه لاختصاص الأوامر والنواهي بمن يتصور منه
~~الامتثال، وأنى لهم به وهم تحت أطباق الثرى لا يقومون حتى ينفخ في الصور.

# وجوز بعضهم كون الخطاب عاما بحيث يندرجون فيه، ثم قال: ولا يبعد أن
~~يكون الأمر الآتي عاما لهم أيضا بالنسبة إلى الكلام القديم القائم
~~بذاته تعالى، وإن كان كونه عربيا عارضا بالنسبة إلى هذه الأمة، وفيه
~~نظر لأن المنظور إليه إنما هو أحكام القرآن بعد النزول وإلا لكان النداء
~~وجميع ما فيه من خطاب المشافهة مجازات ولا قائل به فتأمل، وعلى العلات
~~لفظ (الناس) يشمل الذكور والإناث بلا نزاع، وفي شمول نحو قوله تعالى: {
~~اتقوا ربكم } خلاف، والأكثرون على أن الإناث لا يدخلن في مثل
~~هذه الصيغة ظاهرا خلافا للحنابلة، استدل الأولون بأنه قد روي عن أم
~~سلمة أنها قالت: يا رسول الله إن النساء قلن ما نرى الله تعالى ذكر إلا
~~الرجال فأنزل ذكرهن، فنفت ذكرهن مطلقا ولو كن داخلات لما صدق نفيهن ولم
~~يجز تقريره عليه الصلاة والسلام للنفي، وبأنه قد أجمع أرباب العربية على
~~أن نحو هذه الصيغة جمع مذكر وأنه لتضعيف المفرد والمفرد مذكر، وبأن نظير
~~هذه الصيغة المسلمون ولو كان مدلول المسلمات داخلا فيه لما حسن العطف في
~~قوله تعالى:

# إن المسلمين والمسلمت

# [الأحزاب: 35] إلا باعتبار التأكيد، والتأسيس خير من التأكيد، وقال
~~الآخرون: المعروف من أهل اللسان تغليبهم / المذكر على المؤنث عند
~~اجتماعهما باتفاق، وأيضا لو لم تدخل الإناث في ذلك لما شاركن في الأحكام
~~لثبوت أكثرها بمثل هذه الصيغة، واللازم منتف بالاتفاق كما في أحكام
~~الصلاة، والصيام، والزكاة، وأيضا لو أوصى لرجال ونساء بمائة درهم، ثم
~~قال: أوصيت لهم بكذا دخلت النساء بغير قرينة، وهو معنى الحقيقة فيكون
~~حقيقة في الرجال والنساء ظاهرا فيهما وهو المطلوب.

# وأجيب أما عن الأول: فبأنه إنما يدل على أن الإطلاق صحيح إذا قصد
~~الجميع، والجمهور يقولون به، لكنه يكون مجازا ولا يلزم أن يكون ظاهرا
~~وفيه النزاع. وأما عن الثاني: فبمنع الملازمة، نعم ms01679 يلزم أن لا يشاركن في
~~الأحكام بمثل هذه الصيغة، وما المانع أن يشاركن بدليل خارج؟ والأمر كذلك،
~~ولذلك لم يدخلن في الجهاد والجمعة مثلا لعدم الدليل الخارجي هناك، وأما
~~عن الثالث: فبمنع المبادرة ثمة بلا قرينة فإن الوصية المتقدمة قرينة دالة
~~على الإرادة، فالحق عدم دخول الإناث ظاهرا، نعم الأولى هنا القول
~~بدخولهن باعتبار التغليب، وزعم بعضهم أن لا تغليب بل الأمر للرجال فقط
~~كما يقتضيه ظاهر الصيغة، ودخول الإناث في الأمر  بالتقوى  للدليل
~~الخارجي، ولا يخفى أن هذا يستدعي تخصيص لفظ الناس ببعض أفراده لأن إبقاءه
~~حينئذ على عمومه مما يأباه الذوق السليم، والمأمور به إما الاتقاء بحيث
~~يشمل ما كان باجتناب الكفر والمعاصي وسائر القبائح، ويتناول رعاية حقوق
~~الناس كما يتناول رعاية حقوق الله تعالى. وأما الاتقاء في الإخلال بما
~~يجب حفظه من الحقوق فيما بين العباد  وهذا المعنى مطابق لما في السورة
~~من رعاية حال الأيتام، وصلة الأرحام، والعدل في النكاح، والإرث ونحو ذلك
~~بالخصوص  بخلاف الأول فإنه إنما يطابقها من حيث العموم، وفي التعرض
~~لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من تأييد
~~الأمر وتأكيد إيجاد الامتثال، وكذا في وصف الرب بقوله سبحانه:

# { الذى خلقكم من نفس وحدة } لأن الاستعمال جار على أن
~~الوصف الذي علق به الحكم علة موجبة له، أو باعثة عليه داعية إليه، ولا
~~يخفى أن ما هنا كذلك لأن ما ذكر يدل على القدرة العظيمة أو النعمة
~~الجسيمة، ولا شك أن الأول: يوجب التقوى مطلقا حذرا عن العقاب العظيم،
~~وأن الثاني: يدعو إليها وفاءا بالشكر الواجب؛ وإيجاب الخلق من أصل واحد
~~للاتقاء على الاحتمال الثاني ظاهر جدا، وفي الوصف المذكور تنبيه على أن
~~المخاطبين عالمون بما ذكر مما يستدعي التحلي بالتقوى، وفيه كمال توبيخ
~~لمن يفوته ذلك، والمراد من النفس الواحدة آدم عليه السلام، والذي عليه
~~الجماعة من الفقهاء والمحدثين ومن وافقهم أنه ليس سوى آدم واحد  وهو أبو
~~البشر  وذكر صاحب «جامع الأخبار» من الإمامية في الفصل الخامس ms01680 عشر خبرا
~~طويلا نقل فيه أن الله تعالى خلق قبل أبينا آدم ثلاثين آدم، بين كل آدم
~~وآدم ألف سنة، وأن الدنيا بقيت خرابا بعدهم خمسين ألف سنة، ثم عمرت
~~خمسين ألف سنة، ثم خلق أبونا آدم عليه السلام، وروى ابن بابويه في كتاب
~~«التوحيد» عن الصادق في حديث طويل أيضا أنه قال: لعلك ترى أن الله تعالى
~~لم يخلق بشرا غيركم بلى والله لقد خلق ألف ألف آدم أنتم في آخر أولئك
~~الآدميين، وقال الميثم في «شرحه الكبير على النهج»  ونقل عن محمد بن علي
~~الباقر  أنه قال: / قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو
~~أكثر، وذكر الشيخ الأكبر قدس سره في «فتوحاته» ما يقتضي بظاهره أن قبل
~~آدم بأربعين ألف سنة آدم غيره، وفي كتاب «الخصائص» ما يكاد يفهم منه
~~التعدد أيضا الآن حيث روى فيه عن الصادق أنه قال: إن لله تعالى اثني عشر
~~ألف عالم كل عالم منهم أكبر من سبع سماوات وسبع أرضين ما يرى عالم منهم
~~أن لله عز وجل عالما غيرهم، وأنى للحجة عليهم، ولعل هذا وأمثاله من أرض
~~السمسمة وجابر ساوجا بلقا إن صح محمول على عالم المثال لا على هذا
~~العالم الذي نحن فيه، وحمل تعدد آدم في ذلك العالم أيضا غير بعيد، وأما
~~القول بظواهر هذه الأخبار فمما لا يراه أهل السنة والجماعة، بل قد صرح
~~زين العرب بكفر من يعتقد التعدد، نعم إن آدمنا هذا عليه السلام مسبوق
~~بخلق آخرين كالملائكة والجن وكثير من الحيوانات وغير ذلك مما لا يعلمه
~~إلا الله تعالى لا بخلق أمثاله وهو حادث نوعا وشخصا خلافا لبعض
~~الفلاسفة في زعمهم قدم نوع الإنسان، وذهب الكثير منا إلى أنه منذ كان إلى
~~زمن البعثة ستة آلاف سنة وأن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة ورووا أخبارا
~~كثيرة في ذلك، والحق عندي أنه كان بعد أن لم يكن ولا يكون بعد أن كان،
~~وأما أنه متى كان ومتى لا يكون فمما لا يعلمه ms01681 إلا الله تعالى، والأخبار
~~مضطربة في هذا الباب فلا يكاد يعول عليها.

# والقول  بأن النفس الكلي يجلس لفصل القضاء بين الأنفس الجزئية في كل
~~سبعة آلاف سنة مرة وأن قيام الساعة بعد تمام ألف البعثة محمول على ذلك 
~~فمما لا أرتضيه دينا ولا أختاره يقينا.

# والخطاب في ربكم و خلقكم للمأمورين وتعميمه بحيث يشمل الأمم السالفة مع
~~بقاء ما تقدم من الخطاب غير شامل بناءا على أن شمول ربوبيته تعالى وخلقه
~~للكل أتم في تأكيد الأمر السابق مع أن فيه تفكيكا للنظم مستغنى عنه لأن
~~خلقه تعالى للمأمورين من نفس آدم عليه السلام حيث كانوا بواسطة ما بينه
~~وبينهم من الآباء والأمهات كان التعرض لخلقهم متضمنا لحق الوسائط
~~جميعا، وكذا التعرض لربوبيته تعالى لهم متضمن لربوبيته تعالى لأصولهم
~~قاطبة لا سيما وقد أردف الكلام بقوله تعالى شأنه:

# { وخلق منها زوجها } وهو عطف على { خلقكم } داخل معه في
~~حيز الصلة، وأعيد الفعل لإظهار ما بين الخلقين من التفاوت لأن الأول:
~~بطريق التفريع من الأصل، والثاني: بطريق الإنشاء من المادة فإن المراد من
~~الزوج حواء وهي قد خلقت من ضلع آدم عليه السلام الأيسر كما روي ذلك عن
~~ابن عمر وغيره، وروى الشيخان

# " استوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء من الضلع
~~أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج "

# وأنكر أبو مسلم خلقها من الضلع لأنه سبحانه قادر على خلقها من التراب
~~فأي فائدة في خلقها من ذلك، وزعم أن معنى { منها } من جنسها والآية
~~على حد قوله تعالى:

# جعل لكم من أنفسكم أزواجا

# [النحل: 72] ووافقه على ذلك بعضهم مدعيا أن القول بما ذكر يجر إلى
~~القول بأن آدم عليه السلام كان ينكح بعضه بعضا، وفيه من الاستهجان ما لا
~~يخفى، وزعم بعض أن حواء كانت حورية خلقت مما خلق منه الحور بعد أن أسكن
~~آدم الجنة وكلا القولين باطل، أما الثاني: فلأنه ليس في الآيات ولا
~~الأحاديث ما يتوهم منه الإشارة إليه أصلا فضلا عن ms01682 التصريح به، ومع هذا
~~يقال عليه: إن الحور خلقن من زعفران الجنة  كما ورد في بعض الآثار  فإن
~~كانت حواء مخلوقة مما خلقن منه  كما هو نص كلام الزاعم  فبينها وبين
~~آدم عليه السلام المخلوق من تراب الدنيا بعد كلي يكاد يكون افتراقا
~~في الجنسية التي ربما توهمها الآية، ويستدعي / بعد وقوع التناسل بينهما
~~في هذه النشأة وإن كانت مخلوقة مما خلق منه آدم فهو مع كونه خلاف نص
~~كلامه يرد عليه إن هذا قول بما قاله أبو مسلم وإلا يكنه فهو قريب منه،
~~وأما الأول: فلأنه لو كان الأمر كما ذكر فيه لكان الناس مخلوقين من نفسين
~~لا من نفس واحدة وهو خلاف النص، وأيضا هو خلاف ما نطقت به الأخبار
~~الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يرد على الثاني أيضا.

# والقول بأنه أي فائدة في خلقها من ضلع والله تعالى قادر على أن يخلقها
~~من تراب؟ يقال عليه: إن فائدة ذلك سوى الحكمة التي خفيت عنا إظهار أنه
~~سبحانه قادر على أن يخلق حيا من حي لا على سبيل التوالد  كما أنه قادر
~~على أن يخلق حيا من جماد كذلك  ولو كانت القدرة على الخلق من التراب
~~مانعة عن الخلق من غيره لعدم الفائدة لخلق الجميع من التراب بلا واسطة
~~لأنه سبحانه  كما أنه قادر على خلق آدم من التراب  هو قادر على خلق
~~سائر أفراد الإنسان منه أيضا، فما هو جوابكم عن خلق الناس بعضهم من بعض
~~مع القدرة على خلقهم كخلق آدم عليه السلام فهو جوابنا عن خلق حواء من آدم
~~مع القدرة على خلقها من تراب والقول: بأن ذلك يجر إلى ما فيه استهجان لا
~~يخفى ما فيه.

# لأن هذا التشخص الخاص الحاصل لذلك الجزء بحيث لم يبق من تشخصه الأصلي
~~شيء ظاهر يدفع الاستهجان الذي لا مقتضي له إلا الوهم الخالص لا سيما
~~والحكمة تقتضي ذلك التناكح الكذائي. فقد ذكر الشيخ الأكبر قدس سره أن
~~حواء لما انفصلت من آدم عمر ms01683 موضعها منه بالشهوة النكاحية التي بها وقع
~~الغشيان لظهور التوالد والتناسل وكان الهواء الخارج الذي عمر موضعه جسم
~~حواء عند خروجها إذ لا خلاء في العالم فطلب ذلك الجزء الهوائي موضعه الذي
~~أخذته حواء بشخصيتها فحرك آدم لطلب موضعه فوجده معمورا بحواء، فوقع
~~عليها فلما تغشاها حملت منه فجاءت بالذرية فبقي بعد ذلك سنة جارية في
~~الحيوان من بني آدم وغيره بالطبع، لكن الإنسان هو الكلمة الجامعة ونسخة
~~العالم فكل ما في العالم جزء منه، وليس الإنسان بجزء لواحد من العالم
~~وكان سبب الفصل وإيجاد هذا المنفصل الأول طلب الأنس بالمشاكل في الجنس
~~الذي هو النوع الأخص، وليكون في عالم الأجسام بهذا الالتحام الطبيعي
~~للإنسان الكامل بالصورة التي أرادها الله تعالى ما يشبه القلم الأعلى
~~واللوح المحفوظ الذي يعبر عنه بالعقل الأول والنفس الكلية انتهى.

# ويفهم من كلامهم أن هذا الخلق لم يقع هكذا إلا بين هذين الزوجين دون
~~سائر أزواج الحيوانات ولم أظفر في ذلك بما يشفي الغليل، نعم أخرج عبد بن
~~حميد وابن المنذر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن زوج إبليس عليهما
~~اللعنة خلقت من خلفه الأيسر؛ والخلف  كما في «الصحاح»  أقصر أضلاع
~~الجنب، وبذلك فسره الضحاك في هذا المقام، وإنما أخر بيان خلق الزوج عن
~~بيان خلق المخاطبين لما أن تذكير خلقهم أدخل في تحقيق ماهو المقصود من
~~حملهم على امتثال الأمر من تذكير خلقها، وقدم الجار للاعتناء ببيان
~~مبدئية آدم عليه السلام لها مع ما في التقديم من التشويق إلى المؤخر،
~~واختير عنوان الزوجية تمهيدا لما بعده من التناسل. وذهب بعض المحققين
~~إلى جواز عطف هذه الجملة على مقدر ينبىء عنه السوق لأن تفريع الفروع من
~~أصل واحد يستدعي إنشاء ذلك الأصل لا محالة، كأنه قيل: خلقكم من نفس واحدة
~~خلقها أولا وخلق منها زوجها الخ، وهذا المقدر إما استئناف مسوق لتقرير
~~وحدة المبدأ، وبيان كيفية خلقهم منه بتفصيل ما أجمل أولا، وإما صفة لنفس
~~مفيدة لذلك، وأوجب بعضهم هذا التقدير على تقدير ms01684 جعل الخطاب فيما تقدم
~~عاما في الجنس، ولعل ذلك لأنه لولا التقدير حينئذ لكان هذا مع قوله
~~تعالى:

# { وبث منهما } أي نشر وفرق من تلك النفس / وزوجها على وجه
~~التناسل والتوالد { رجالا كثيرا ونساء } تكرارا لقوله سبحانه:
~~{ خلقكم } لأن مؤداهما واحد وليس على سبيل بيان الأول لأنه معطوف
~~عليه على عدم التقدير ولأوهم أن الرجال والنساء غير المخلوقين من نفس
~~واحدة، وأنهم منفردون بالخلق منها ومن زوجها، والناس إنما خلقوا من نفس
~~واحدة من غير مدخل للزوج، ولا يلزم ذلك على العطف؛ وجعل المخاطب  بخلقكم
~~ من بعث إليهم عليه الصلاة والسلام إذ يكون (وبث منهما) الخ واقعا على
~~من عدا المبعوث إليهم من الأمم الفائتة للحصر، والتوهم في غاية البعد
~~وكذا لا يلزم على تقدير حذف المعطوف عليه وجعل الخطاب عاما لأن ذلك
~~المحذوف وما عطف عليه يكونان بيانا لكيفية الخلق من تلك النفس، ومن
~~الناس من ادعى أنه لا مانع من جعل الخطاب عاما من غير حاجة إلى تقدير
~~معطوف عليه معه، وإلى ذلك ذهب صاحب «التقريب»، والمحذور الذي يذكرونه ليس
~~بمتوجه إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس واحدة خلق زوجها منه ولاخلق
~~الرجال والنساء من الأصلين جميعا.

# والمعطوف متكفل ببيان ذلك، وقد ذكر غير واحد أن اللازم في العطف تغاير
~~المعطوفات ولو من وجه وهو هنا محقق بلا ريب كما لا يخفى، والتلوين في {
~~رجالا ونساء } للتكثير، و { كثيرا } نعت لرجالا مؤكد لما
~~أفاده التنكير، والإفراد باعتبار معنى الجمع، أو العدد، أو لرعاية صيغة
~~فعيل، ونقل أبو البقاء أنه نعت لمصدر محذوف أي بثا كثيرا ولهذا أفرد،
~~وجعله صفة حين  كما قيل  تكلف سمج، وليس المراد بالرجال والنساء
~~البالغين والبالغات، بل الذكور والإناث مطلقا تجوزا، ولعل إيثارهما على
~~الذكور والإناث لتأكيد الكثرة والمبالغة فيها بترشيح كل فرد من الأفراد
~~المبثوثة لمبدئية غيره، وقيل: ذكر الكبار منهم لأنه في معرض المكلفين
~~بالتقوى واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها لأن الحكمة تقتضي
~~أن يكن أكثر ms01685 إذ للرجل أن يزيد في عصمته على واحدة بخلاف المرأة قاله
~~الخطيب، واحتج بعضهم بالآية على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة وأن
~~خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال، وأجيب بأنه لا يلزم من
~~إحداث شيء في صورة واحدة من المادة لحكمة أن يتوقف الإحداث على المادة في
~~جميع الصور، على أن الآية لا تدل على أكثر من خلقنا وخلق الزوج مما ذكر
~~سبحانه وهو غير واف بالمدعى، وقرىء  وخالق، وباث  على حذف المبتدأ لأنه
~~صلة لعطفه على الصلة فلا يكون إلا جملة بخلاف نحو  زيد ركب وذاهب  أي
~~وهو  خالق وباث .

# { واتقوا الله الذى تساءلون به } تكرير للأمر الأول
~~وتأكيد له، والمخاطب من بعث إليهم صلى الله عليه وسلم أيضا كما مر،
~~وقيل: المخاطب هنا وهناك هم العرب  كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما  لأن دأبهم هذا التناشد، وقيل: المخاطب هناك من بعث إليهم مطلقا
~~وهنا العرب خاصة، وعموم أول الآية لا يمنع خصوص آخرها كالعكس ولا يخفى ما
~~فيه من التفكيك، ووضع الاسم الجليل موضع الضمير للإشارة إلى جميع صفات
~~الكمال ترقيا بعد صفة الربوبية فكأنه قيل: اتقوه لربوبيته وخلقه إياكم
~~خلقا بديعا ولكونه مستحقا لصفات الكمال كلها. وفي تعليق الحكم بما في
~~حيز الصلة إشارة إلى بعض آخر من موجبات الامتثال، فإن قول القائل لصاحبه:
~~أسألك بالله، وأنشدك الله تعالى على سبيل الاستعطاف يقتضي الاتقاء من
~~مخالفة أوامره ونواهيه، و تساءلون إما بمعنى يسأل بعضكم بعضا فالمفاعلة
~~على ظاهرها، وإما بمعنى تسألون  كما قرىء به  وتفاعل يرد بمعنى فعل إذا
~~تعدد فاعله وأصله على القراءة المشهورة  تتساءلون  بتاءين فحذفت
~~إحداهما للثقل، وقرأ نافع وابن كثير، / وسائر أهل الكوفة { تساءلون }
~~بادغام تاء الفاعل في السين لتقاربهما في الهمس.

# { والأرحام } بالنصب وهو معطوف إما على محل الجار والمجرور إن كان
~~المحل لهما، أو على محل المجرور إن كان المحل له، والكلام على حد مررت
~~بزيد، وعمرا، وينصره قراءة (تسألون به وبالأرحام) وأنهم ms01686 كانوا يقرنونها
~~في السؤال والمناشدة بالله تعالى ويقولون: أسألك بالله تعالى وبالله
~~سبحانه وبالرحم  كما أخرج ذلك غير واحد  عن مجاهد، وهو اختيار الفارسي
~~وعلي بن عيسى؛ وإما معطوف على الاسم الجليل أي اتقوا الله تعالى والأرحام
~~وصلوها ولا تقطعوها فإن قطعها مما يجب أن يتقى، وهو رواية ابن حميد عن
~~مجاهد والضحاك عن ابن عباس، وابن المنذر عن عكرمة، وحكي عن أبي جعفر رضي
~~الله تعالى عنه واختاره الفراء والزجاج، وجوز الواحدي النصب على الإغراء
~~أي والزموا الأرحام وصلوها، وقرأ حمزة بالجر، وخرجت في المشهور على العطف
~~على الضمير المجرور، وضعف ذلك أكثر النحويين بأن الضمير المجرور كبعض
~~الكلمة لشدة اتصاله بها فكما لا يعطف على جزء الكلمة لا يعطف عليه.

# وأول من شنع على حمزة في هذه القراءة أبو العباس المبرد حتى قال: لا تحل
~~القراءة بها، وتبعه في ذلك جماعة  منهم ابن عطية  وزعم أنه يردها
~~وجهان: أحدهما: أن ذكر أن الأرحام مما يتساءل بها لا معنى له في الحض على
~~تقوى الله تعالى، ولا فائدة فيها أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتساءل
~~بها، وهذا مما يغض من الفصاحة، والثاني: أن في ذكرها على ذلك تقرير
~~التساؤل بها والقسم بحرمتها، والحديث الصحيح يرد ذلك، فقد أخرج الشيخان
~~عنه صلى الله عليه وسلم:

# " من كان حالفا فليحلف بالله تعالى أو ليصمت "

# وأنت تعلم أن حمزة لم يقرأ كذلك من نفسه ولكن أخذ ذلك بل جميع القرآن عن
~~سليمان بن مهران الأعمش والإمام بن أعين ومحمد بن أبى ليلى، وجعفر بن
~~محمد الصادق  وكان صالحا ورعا ثقة في الحديث  من الطبقة الثالثة.

# وقد قال الإمام أبو حنيفة والثوري ويحيى بن آدم في حقه غلب حمزة الناس
~~على القراءة والفرائض، وأخذ عنه جماعة وتلمذوا عليه منهم إمام الكوفة 
~~قراءة وعربية  أبو الحسن الكسائي، وهو أحد القراء السبع الذين قال
~~أساطين الدين: إن قراءتهم متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع
~~هذا لم يقرأ بذلك وحده بل قرأ به ms01687 جماعة من غير السبعة كابن مسعود وابن
~~عباس وإبراهيم النخعي والحسن البصري وقتادة ومجاهد وغيرهم  كما نقله ابن
~~يعيش  فالتشنيع على هذا الإمام في غاية الشناعة ونهاية الجسارة والبشاعة
~~وربما يخشى منه الكفر، وما ذكر من امتناع العطف على الضمير المجرور هو
~~مذهب البصريين ولسنا متعبدين باتباعهم، وقد أطال أبو حيان في «البحر»
~~الكلام في الرد عليهم، وادعى أن ما ذهبوا إليه غير صحيح، بل الصحيح ماذهب
~~إليه الكوفيون من الجواز وورد ذلك في لسان العرب نثرا ونظما، وإلى ذلك
~~ذهب ابن مالك، وحديث إن ذكر الأرحام  حينئذ لا معنى له في الحض على تقوى
~~الله تعالى  ساقط من القول لأن التقوى إن أريد بها تقوى خاصة  وهي التي
~~في حقوق العباد التي من جملتها صلة الرحم فالتساؤل بالأرحام مما يقتضيه
~~بلا ريب، وإن أريد الأعم فلدخوله فيها وأما شبهة أن في ذكرها تقرير
~~التساؤل بها، والقسم بحرمتها والحديث يرد ذلك للنهي فيه عن الحلف بغير
~~الله تعالى، فقد قيل في جوابها: لا نسلم أن الحلف بغير الله تعالى مطلقا
~~منهي عنه، بل المنهي عنه ما كان مع اعتقاد وجوب البر، وأما الحلف على
~~سبيل التأكيد مثلا فمما لا بأس به ففي الخبر «أفلح وأبيه إن صدق». وقد
~~ذكر بعضهم أن قول الشخص لآخر: أسألك بالرحم أن تفعل كذا ليس الغرض منه
~~سوى الاستعطاف / وليس هو  كقول القائل  والرحم لأفعلن كذا، ولقد فعلت
~~كذا، فلا يكون متعلق النهي في شيء، والقول بأن المراد ههنا حكاية ما
~~كانوا يفعلون في الجاهلية  لا يخفى ما فيه فافهم  وقد خرج ابن جني هذه
~~القراءة على تخريج آخر، فقال في «الخصائص»: باب في أن المحذوف إذا دلت
~~الدلالة عليه كان في حكم الملفوظ به من ذلك.

# رسم دار وقفت في طلله

# أي رب رسم دار، وكان رؤبة إذا قيل له: كيف أصبحت؟ يقول: خير عافاك الله
~~تعالى  أي بخير  ويحذف الباء لدلالة الحال عليها، وعلى نحو من هذا
~~تتوجه عندنا قراءة حمزة وفي «شرح ms01688 المفصل» أن الباء في هذه القراءة محذوفة
~~لتقدم ذكرها، وقد مشى على ذلك أيضا الزمخشري في «أحاجيه»، وذكر صاحب
~~«الكشف» أنه أقرب من التخريج الأول عند أكثر البصرية لثبوت إضمار الجار
~~في نحو  الله لأفعلن  وفي نحو  ما مثل عبد الله ولا أخيه يقولان ذلك 
~~والحمل على ما ثبت هو الوجه، ونقل عن بعضهم أن الواو للقسم على نحو  اتق
~~الله تعالى فوالله إنه مطلع عليك  وترك الفاء لأن الاستئناف أقوى
~~الأصلين وهو وجه حسن.

# وقرأ ابن زيد { والأرحام } بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي
~~والأرحام كذلك أي مما يتقى لقرينة { اتقوا } أو مما يتساءل به لقرينة
~~{ تساءلون } وقدره ابن عطية  أهل لأن توصل  وابن جني  مما يجب أن
~~توصلوه وتحتاطوا فيه  ولعل الجملة حينئذ معترضة وإلا ففي العطف خفاء،
~~وقد نبه سبحانه إذ قرن الأرحام باسمه سبحانه على أن صلتها بمكان منه
~~تعالى، وقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام
~~العائذ بك من القطيعة؟ قال: نعم أما ترضين أني أصل من وصلك وأقطع من
~~قطعك، قالت: بلى قال: فذلك لك "

# وأخرج البزار بإسناد حسن

# " الرحم حجنة متمسكة بالعرش تكلم بلسان زلق اللهم صل من وصلني واقطع من
~~قطعني فيقول الله تعالى: أنا الرحمن أنا الرحيم فإني شققت الرحم من اسمي
~~فمن وصلها وصلته ومن بتكها بتكته "

# وأخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح:

# " إن من أربى الربا الاستطالة بغير حق وإن هذه الرحم شجنة من الرحمن فمن
~~قطعها حرم الله تعالى عليه الجنة "

# والأخبار في هذا الباب كثيرة، والمراد بالرحم الأقارب ويقع على كل من
~~يجمع بينك وبينه نسب وإن بعد، ويطلق على الأقارب من جهة النساء
~~وتخصيصه في باب الصلة بمن ينتهي إلى رحم الأم منقطع عن القبول إذ قد ورد
~~الأمر بالإحسان إلى الأقارب مطلقا.

# { إن الله كان عليكم رقيبا } أي حفيظا  قاله مجاهد 
~~فهو من رقبه ms01689 بمعنى حفظه  كما قاله الراغب  وقد يفسر بالمطلع، ومنه
~~المرقب للمكان العالي الذي يشرف عليه ليطلع على ما دونه، ومن هنا فسره
~~ابن زيد بالعالم، وعلى كل فهو فعيل بمعنى فاعل، والجملة في موضع التعليل
~~للأمر ووجوب الامتثال، وإظهار الاسم الجليل لتأكيده وتقديم الجار لرعاية
~~الفواصل.

### || [4.2]

# { وءاتوا اليتمى أمولهم } شروع في تفصيل موارد الاتقاء
~~على أتم وجه؛ وبدأ بما يتعلق باليتامى إظهارا لكمال العناية بشأنهم
~~ولملابستهم بالأرحام إذ الخطاب للأوصياء والأولياء وقلما تفوض الوصاية
~~لأجنبي، واليتيم  من الإنسان من مات أبوه، ومن سائر الحيوانات فاقد
~~الأم  من اليتم وهو الانفراد، ومن هنا يطلق على كل شيء عز نظيره، ومنه
~~الدرة / اليتيمة وجمع على يتامى مع أن فعيلا لا يجمع على فعالى بل على
~~فعال  ككريم وكرام، وفعلاء  ككريم وكرماء  وفعل  كنذير ونذر  وفعلى
~~ كمريض ومرضى  إما لأنه أجري مجرى الأسماء، ولذا قلما يجري على موصوف
~~فجمع على يتايم كأفيل وأفايل، ثم قلب فقيل: يتامى بالكسر، ثم خفف بقلب
~~الكسرة فتحة فقلبت الياء ألفا، وقد جاء على الأصل في قوله:

# أأطلال حسن بالبراق (اليتايم)

# سلام على أحجاركن القدايم

# أو لأنه جمع أولا على يتمى، ثم جمع يتمى على يتامى إلحاقا له بباب
~~الآفات والأوجاع، فإن فعيلا فيها يجمع على فعلى، وفعلى يجمع على فعالى
~~كما جمع أسير على أسرى ثم على أسارى، ووجه الشبه ما فيه من الذل
~~والانكسار المؤلم، وقيل: ما فيه من سوء الأدب المشبه بالآفات، والاشتقاق
~~يقتضي صحة إطلاقه على الصغار والكبار لكن الشرع  وكذا العرف  خصصه
~~بالصغار، وحديث

# " لا يتم بعد احتلام "

# تعليم للشريعة لا تعيين لمعنى اللفظ.

# والمراد بإيتاء أموالهم تركها سالمة غير متعرض لها بسوء فهو مجاز مستعمل
~~في لازم معناه لأنها لا تؤتى إلا إذا كانت كذلك، والنكتة في هذا التعبير
~~الإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الغرض من ترك التعرض إيصال الأموال إلى من
~~ذكر لا مجرد ترك التعرض لها، وعلى هذا يصح أن يراد باليتامى الصغار على
~~ما هو المتبادر، والأمر ms01690 خاص بمن يتولى أمرهم من الأولياء والأوصياء،
~~وشمول حكمه لأولياء من كان بالغا عند نزول الآية بطريق الدلالة دون
~~العبارة، ويصح أن يراد من جرى عليه اليتم في الجملة مجازا أعم من أن
~~يكون كذلك عند النزول، أو بالغا فالأمر شامل لأولياء الفريقين صيغة موجب
~~عليهم ما ذكر من كف الكف عنها، وعدم فك الفك لأكلها، وأما وجوب الدفع إلى
~~الكبار فمستفاد مما سيأتي من الأمر به، وقيل: المراد من الإيتاء الإعطاء
~~بالفعل، واليتامى إما بمعناه اللغوي الأصلي فهو حقيقة وارد على أصل
~~اللغة، وإما مجاز باعتبار ما كان أوثر لقرب العهد بالصغر، والإشارة إلى
~~وجوب المسارعة إلى دفع أموالهم إليهم حتى كأن اسم اليتيم باق بعد غير
~~زائل، وهذا المعنى يسمى في الأصول بإشارة النص، وهو أن يساق الكلام لمعنى
~~ويضمن معنى آخر، وهذا في الكون نظير المشارفة في الأول، وقيل: يجوز أن
~~يراد باليتامى الصغار، ولا مجاز بأن يجعل الحكم مقيدا كأنه قيل: وآتوهم
~~إذا بلغوا، ورد بأنه قال في «التلويح»: إن المراد من قوله تعالى: {
~~وءاتوا اليتمى أمولهم } وقت البلوغ باعتبار ما كان، فإن
~~العبرة بحال النسبة لا بحال التكلم، فالورود للبلغ على كل حال.

# وقال بعض المحققين: تقدير القيد لا يغني عن التجوز إذ الحكم على ما عبر
~~عنه بالصفة يوجب اتصافه بالوصف حين تعلق الوصف وحين تعلق الإيتاء به يكون
~~يتيما فلا بد من التأويل بما مر، وأجيب بأن هذه المسألة وإن كانت
~~مذكورة في «التلويح» لكنها ليست مسلمة، وقد تردد فيها الشريف في
~~«حواشيه»، والتحقيق أن في مثل ذلك نسبتين: نسبة بين الشرط والجزاء  وهي
~~التعليقية  وهي واقعة الآن، ولا تتوقف على وجودهما في الخارج، ونسبة
~~إسنادية في كل من الطرفين  وهي غير واقعة في الحال بل مستقبلة 
~~والمقصود الأولى، وفي زمان تلك النسبة كانوا يتامى حقيقة، ألا تراهم
~~قالوا في نحو  عصرت هذا الخل في السنة الماضية  أنه حقيقة؟ مع أنه في
~~حال العصر عصير لا خل لأن المقصود النسبة التي هي تبعية ms01691 فيما بين اسم
~~الإشارة وتابعه لا النسبة الإيقاعية بينه وبين العصر كما حققه بعض
~~الفضلاء  وقد مرت الإشارة إليه في أوائل البقرة فتأمله فإنه دقيق.

# / وقيل: المراد من الإيتاء ما هو أعم من الإيتاء حالا أو مآلا، ومن
~~اليتامى ما يعم الصغار والكبار بطريق التغليب، والخطاب عام لأولياء
~~الفريقين على أن من بلغ منهم فوليه مأمور بالدفع إليه بالفعل وإن من لم
~~يبلغ بعد فوليه مأمور بالدفع إليه عند بلوغه رشيدا، ورجح غير واحد الوجه
~~الأول لقوله تعالى بعد آيات:

# وابتلوا اليتمى

# [النساء: 6] الخ فإنه كالدليل على أن الآية الأولى: في الحض على حفظها
~~لهم ليؤتوها عند بلوغهم ورشدهم، والثانية: في الحض على الإيتاء الحقيقي
~~عند حصول البلوغ والرشد، ويلوح بذلك التعبير بالإيتاء هنا وبالدفع هناك،
~~وأيضا تعقيب هذه الآية بقوله تعالى:

# { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا
~~أمولهم إلى أمولكم } يقوي ذلك، فهذا كله تأديب للوصي ما
~~دام المال بيده واليتيم في حجره، وأما على سائر الوجوه فيكون مؤدى هذه
~~الآية  وما سيأتي بعد  كالشيء الواحد من حيث إن فيهما الأمر بالإيتاء
~~حقيقة، ومن قال بذلك جعل الأولى كالمجملة والثانية كالمبينة لشرط الإيتاء
~~من البلوغ وإيناس الرشد، ويرد على آخر الوجوه أيضا أن فيه تكلفا لا
~~يخفى، ولا يرد على الوجه الراجح أن ابن أبي حاتم أخرج عن سعيد بن جبير
~~أن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ طلب المال
~~فمنعه عمه فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت { وءاتوا
~~اليتمى } الخ، فإن ذلك يدل على أن المراد بالإيتاء الإعطاء بالفعل
~~لا سيما وقد روى الثعلبي، والواحدي عن مقاتل، والكلبي أن العم لما
~~سمعها قال: أطعنا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم نعوذ بالله عز
~~وجل من الحوب الكبير لما أنهم قالوا: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب،
~~ولعل العم لم يفهم الأمر بالإعطاء حقيقة بطريق العبارة بل بشيء آخر فقال
~~ما قال، هذا وتبدل الشيء بالشيء واستبداله به أخذ ms01692 الأول بدل الثاني بعد
~~أن كان حاصلا له أو في شرف الحصول يستعملان أبدا بإفضائهما إلى الحاصل
~~بأنفسهما وإلى الزائل بالباء كما في قوله تعالى:

# ومن يتبدل الكفر بالإيمن

# [البقرة: 108] الخ، وقوله سبحانه:

# أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير

# [البقرة: 61] وأما التبديل فيستعمل تارة كذلك كما في قوله تعالى:

# وبدلنهم بجنتيهم جنتين

# [سبأ: 16] الخ، وأخرى بالعكس كما في قولك: بدلت الحلقة بالخاتم إذا
~~أذبتها وجعلتها خاتما، وبدلت الخاتم بالحلقة إذا أذبته وجعلته حلقة،
~~واقتصر الدميري على الأول، ونقل الأزهري عن ثعلب الثاني، ويشهد له قول
~~الطفيل لما أسلم:

# وبدل طالعي نحسي بسعدي

# وتارة أخرى بإفضائه إلى مفعوليه بنفسه كما في قوله تعالى:

# فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنت

# [الفرقان: 70]

# فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه

# [الكهف: 81] بمعنى يجعل الحسنات بدل السيئات ويعطيهما بدل ما كان لهما
~~خيرا منه، ومرة يتعدى إلى مفعول واحد مثل بدلت الشيء أي غيرته، وقوله
~~تعالى:

# فمن بدله بعد ما سمعه

# [البقرة: 181] وذكر الطيبي أن معنى التبديل التغيير وهو عام في أخذ شيء
~~وإعطاء شيء، وفي طلب ما ليس عنده وترك ما عنده، وهذا معنى قول الجوهري:
~~تبديل الشيء تغييره وإن لم يأت ببدل، ومعنى التبدل الاستبدال، والاستبدال
~~طلب البدل فكل تبدل تبديل وليس كل تبديل تبدلا، وفرق بعضهم بين التبديل
~~والإبدال بأن الأول تغيير الشيء مع بقاء عينه والثاني رفع الشيء ووضع
~~غيره مكانه فيقال: أبدلت الخاتم بالحلقة إذا نحيت هذا وجعلت هذه مكانه
~~وقد أطالوا الكلام في هذا المقام وفيما ذكر كفاية لما نحن بصدده.

# والمراد  بالخبيث والطيب  إما الحرام والحلال، والمعنى لا تستبدلوا
~~أموال اليتامى بأموالكم أو لا تذروا أموالكم الحلال وتأكلوا الحرام من
~~أموالهم فالمنهي عنه استبدال مال اليتيم بمال أنفسهم مطلقا، أو أكل ماله
~~مكان مالهم المحقق أو المقدر، وإلى الأول ذهب الفراء والزجاج، وقيل:
~~المعنى لا تستبدلوا الأمر الخبيث  وهو اختزال مال اليتيم  بالأمر /
~~الطيب  وهو حفظ ذلك المال  وأيا ما كان فالتعبير عن ذلك بالخبيث
~~والطيب للتنفير عما أخذوه ms01693 والترغيب فيما أعطوه وإما الرديء والجيد، ومورد
~~النهي حينئذ ما كان الأوصياء عليه من أخذ الجيد من مال اليتيم وإعطاء
~~الرديء من مال أنفسهم، فقد أخرج ابن جرير عن السدي أنه قال: كان أحدهم
~~يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل في مكانها الشاة المهزولة،
~~ويقول: شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد ويضع مكانه الزائف، ويقول: درهم
~~بدرهم وإلى هذا ذهب النخعي والزهري وابن المسيب؛ وتخصيص هذه المعاملة
~~بالنهي لخروجها مخرج العادة لا لإباحة ما عداها فلا مفهوم لانخرام شرطه
~~عنه القائل به.

# واعترض هذا بأن المناسب حينئذ التبديل أو تبدل الطيب بالخبيث على ما
~~يقتضيه الكلام السابق. وأجيب بأنه إذا أعطى الوصي رديئا وأخذ جيدا من
~~مال اليتيم يصدق عليه أنه تبدل الرديء بالجيد لليتيم وبدل لنفسه، وظاهر
~~الآية أنه أريد التبدل لليتيم لأن الأوصياء هم المتصرفون في أموال
~~اليتامى فنهوا عن بيع بوكس من أنفسهم ومن غيرهم وما ضاهاه، ولا يضر تبدل
~~لنفسه أيضا باعتبار آخر لأن المتبادر إلى الفهم النهي عن تصرف لأجل
~~اليتيم ضار سواء عامل الوصي نفسه أو غيره، ومن غفل عن اختلاف الاعتبار
~~كالزمخشري أول بما لا إشعار للفظ به، وعلى العلات المراد من الآية النهي
~~عن أخذ مال اليتيم على الوجه المخصوص بعد النهي الضمني عن أخذه على
~~الإطلاق، والمراد من الأكل في النهي الأخير مطلق الانتفاع والتصرف، وعبر
~~بذلك عنه لأنه أغلب أحواله، والمعنى لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى
~~أموالكم أي تنفقوهما معا ولا تسووا بينهما، وهذا حلال وذاك حرام، فإلى
~~متعلقة بمقدر يتعدى بها، وقد وقع حالا، وقدره أبو البقاء مضافة، ويجوز
~~تعلقها بالأكل على تضمينه معنى الضم، واختار بعضهم كونها بمعنى مع كما في
~~«الذود إلى الذود إبل»، والمراد بالمعية مجرد التسوية بين المالين في
~~الانتفاع أعم من أن يكون على الانفراد، أو مع أموالهم، ويفهم من «الكشاف»
~~أن المعية تدل على غاية قبح فعلهم حيث أكلوا أموالهم مع الغنى عنها، وفي
~~ذلك تشهير لهم بما كانوا يصنعون فلا يلزم القائل ms01694 بمفهوم المخالفة جواز
~~أكل أموالهم وحدها، ويندفع السؤال بذلك.

# وأنت تعلم أن السؤال لا يرد ليحتاج إلى الجواب إذا فسر تبدل الخبيث
~~بالطيب باستبدال أموال اليتامى بماله وأكلها مكانه لأنه حينئذ يكون ذلك
~~نهيا عن أكلها وحدها وهذا عن ضمها، وليس الأول مطلقا حتى يرد سؤال بأنه
~~أي فائدة في هذا بعد ورود النهي المطلق، وفي «الكشف» لو حمل الانتهاء في
~~إلى على أصله  على أن النهي عن أكلها مع بقاء مالهم لأن أموالهم جعلت
~~غاية  لحصلت المبالغة، والتخلص عن الاعتذار، وظاهر هذا النهي عدم جواز
~~أكل شيء من أموال اليتامى وقد خص من ذلك مقدار أجر المثل عند كون الولي
~~فقيرا، وكون ذلك من مال اليتيم مما لا يكاد يخفى، فالقول  بأنه لا حاجة
~~إلى التخصيص لأن ما يأخذه الأولياء من الأجرة فهو ما لهم وليس أكله أكل
~~مالهم مع مالهم  لا يخلو عن خفاء.

# { إنه } أي الأكل المفهوم من النهي، وقيل: الضمير للتبدل، وقيل:
~~لهما وهو منزل منزلة اسم الإشارة في ذلك { كان حوبا } أي إثما أو
~~ظلما وكلاهما عن ابن عباس وهما متقاربان، وأخرج الطبراني أن رافع بن
~~الأزرق سأله رضي الله تعالى عنه عن الحوب، فقال: هو الإثم بلغة الحبشة،
~~فقال: / فهل تعرف العرب ذلك؟ فقال: نعم أما سمعت قول الأعشى:

# فإني وما كلفتموني من أمركم

# ليعلم من أمسى أعق وأحوبا

# وخصه بعضهم بالذنب العظيم؛ وقرأ الحسن حوبا بفتح الحاء وهو مصدر حاب
~~يحوب حوبا. وقرىء  حابا  وهو أيضا مصدر كالقول والقال، وهو على
~~القراءة المشهورة اسم لا مصدر خلافا لبعضهم، وتنوينه للتعظيم أي حوبا
~~عظيما، ووصف بقوله تعالى: { كبيرا } للمبالغة في تهويل أمر المنهي
~~عنه كأنه قيل: إنه من كبار الذنوب العظيمة لا من أفنائها.

### || [4.3]

# { وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتمى فانكحوا
~~ما طاب لكم من النساء } شروع في النهي عن منكر آخر كانوا
~~يباشرونه متعلق بأنفس اليتامى أصالة وبأموالهم تبعا عقيب النهي عما
~~يتعلق بأموالهم خاصة، وتأخيره عنه لقلة وقوع المنهي عنه بالنسبة ms01695 إلى
~~الأموال ونزوله منه منزلة المركب من المفرد مع كون المراد من اليتامى هنا
~~صنفا مما أريد منه فيما تقدم، وذلك أنهم كانوا يتزوجون من تحل لهم من
~~يتامى النساء اللاتي يلونهن لكن لا رغبة فيهن بل في مالهن ويسيئون
~~صحبتهن ويتربصون بهن أن يمتن فيرثوهن فوعظوا في ذلك وهذا قول الحسن،
~~ورواه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عائشة رضي الله تعالى
~~عنها، وأخرج هؤلاء من طريق آخر والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي في
~~«سننه» عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها عن هذه
~~الآية فقالت يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها يشركها في مالها
~~ويعجبه مالها وجمالها فيريد أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها
~~مثل ما يعطيها غيره فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن
~~أعلى سنتهن في الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن،
~~فالمراد من اليتامى المتزوج بهن والقرينة على ذلك الجواب فإنه صريح فيه 
~~والربط يقتضيه  ومن النساء غير اليتامى كما صرحت به الحميراء رضي الله
~~تعالى عنها لدلالة المعنى وإشارة لفظ النساء إليه، والإقساط العدل
~~والإنصاف، وجعل بعض الهمزة فيه للإزالة فأصل معناه حينئذ إزالة القسوط أي
~~الظلم والحيف، وقرأ النخعى تقسطوا بفتح التاء فقيل: هو من قسط بمعنى جار
~~وظلم، ومنه

# وأما القسطون فكانوا لجهنم حطبا

# [الجن: 15] ولا مزيدة كما في قوله تعالى:

# لئلا يعلم

# [الحديد: 29]، وقيل: هو بمعنى أقسط فإن الزجاج حكى أن قسط بلا همز
~~تستعمل استعمال أقسط.

# واليتامى جمع يتيمة على القلب كما قيل أيامى والأصل أيائم ويتائم وهو
~~كما يقال للذكور يقال للإناث، والمراد من الخوف العلم عبر عنه بذلك
~~إيذانا بكون المعلوم مخوفا محذورا لا معناه الحقيقي لأن الذي علق به
~~الجواب هو العلم بوقوع الجور المخوف لا الخوف منه وإلا لم يكن الأمر
~~شاملا لمن يصبر على الجور ولا يخافه، وإن وما بعدها في تأويل مصدر فإن
~~لم تقدر من كان ms01696 منصوبا وكان الفعل واصلا إليه بنفسه وإن قدرت جاز فيه
~~أمران: النصب عند سيبويه والجر عند الخليل، وما موصولة أو موصوفة وما
~~بعدها صلتها أو صفتها، وأوثرت على من ذهابا إلى الوصف من البكر أو الثيب
~~مثلا، وما تختص  أو تغلب  في غير العقلاء فيما إذا أريد الذات، وأما
~~إذا أريد الوصف فلا كما تقول: ما زيد؟ في الاستفهام، أي أفاضل أم كريم؟
~~وأكرم ما شئت من الرجال تعني الكريم أو اللئيم.

# وحكي عن الفراء أنها هنا مصدرية وأن المصدر المقدر بها وبالفعل مقدر
~~باسم الفاعل أي  انكحوا الطيب / من النساء  وهو تكلف مستغنى عنه، وقيل:
~~إن إيثارها على من بناءا على أن الإناث من العقلاء يجرين مجرى غير
~~العقلاء لما روي في حقهن أنهن ناقصات عقل ودين، وفيه أنه مخل بمقام
~~الترغيب فيهن، ومن بيانية، وقيل: تبعيضية، والمراد مما طاب لكم ما مالت
~~له نفوسكم واستطابته، وقيل: ما حل لكم، وروي ذلك عن عائشة، وبه قال الحسن
~~وابن جبير وأبو مالك، واعترضه الإمام بأنه في قوة أبيح المباح، وأيضا
~~يلزم الإجمال حيث لا يعلم المباح من الآية، وآثر الحمل على الأول ويلزم
~~التخصيص وجعله أولى من الإجمال، وأجاب المدقق في «الكشف» بأن المبين
~~تحريمه في قوله تعالى:

# حرمت عليكم أمهتكم

# [النساء: 23] الخ إن كان مقدم النزول فلا إجمال ولا تخصيص لأن الموصول
~~جار مجرى المعرف باللام، والحمل على العهد في مثله هو الوجه وإلا
~~فالإجمال المؤخر بيانه أولى من التخصيص بغير المقارن لأن تأخير بيان
~~المجمل جائز عند الفريقين، وتأخير بيان التخصيص غير جائز عند أكثر
~~الحنفية.

# وقال بعض المحققين: ما طاب لكم ما لا تحرج منه لأنه في مقابل المتحرج
~~منه من اليتامى ولا يخلو عن حسن، وكيفما كان فالتعبير عن الأجنبيات بهذا
~~العنوان فيه من المبالغة في الاستمالة إليهن والترغيب فيهن ما لا يخفى،
~~والسر في ذلك الاعتناء بصرف المخاطبين عن نكاح اليتامى عند خوف عدم العدل
~~رعاية ليتمهن وجبرا لانكسارهن ولهذا الاعتناء أوثر الأمر بنكاح
~~الأجنبيات ms01697 على النهي عن نكاحهن مع أنه المقصود بالذات وذلك لما فيه من
~~مزيد اللطف في استنزالهم فإن النفس مجبولة على الحرص على ما منعت منه،
~~ووجه النهي الضمني إلى النكاح المترقب مع أن سبب النزول هو النكاح المحقق
~~على ما فهمه البعض من الأخبار، ودل عليه ما أخرجه البخاري عن عائشة «أن
~~رجلا كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عذق فكان يمسكها عليه ولم يكن لها
~~من نفسه شيء فأنزل الله تعالى: { وإن خفتم } » الخ لما فيه من
~~المسارعة إلى دفع الشر قبل وقوعه فرب واقع لا يرفع، والمبالغة في بيان
~~حال النكاح المحقق فإن محظورية المترقب حيث كان للجور المترقب فيه
~~فمحظورية المحقق مع تحقق الجور فيه أولى، وقرأ ابن أبي عبلة  من طاب 
~~وفي بعض المصاحف  كما في «الدر المنثور»  ما طيب لكم بالياء، وفي الآية
~~على هذا التفسير دليل لجواز نكاح اليتيمة وهي الصغيرة إذ يقتضي جوازه إلا
~~عند خوف الجور.

# وقد بسط الكلام في كتب الفقه على ولي النكاح، ومذهب الإمام مالك أن
~~اليتيمة الصغيرة لا تزوج إذ لا إذن لها وعنده خلاف في تزويج الوصي لها
~~إذا جعل له الأب الإجبار أو فهم عنه ذلك، والمشهور أن له ذلك فيحمل
~~اليتامى في الآية على الحديثات العهد بالبلوغ، واسم اليتيم كما أشرنا
~~إليه فيما مر.

# { مثنى وثلث وربع } منصوبة على الحال من فاعل طاب
~~المستتر، أو من مرجعه، وجوز العلامة كونها حالا من النساء على تقدير جعل
~~من بيانية، وذهب أبو البقاء إلى كونها بدلا من ما وإلى الحالية ذهب
~~البصريون وهو المذهب المختار، والكوفيون لم يجوزوا ذلك لأنها معارف
~~عندهم، وأوجبوا في هذا المقام ما ذهب إليه أبو البقاء، وهي ممنوعة من
~~الصرف على الصحيح، وجوز الفراء صرفها والمذاهب المنقولة في علة منع صرفها
~~أربعة: أحدها: قول سيبويه والخليل وأبي عمرو: إنه العدل والوصف، وأورد
~~عليه أن الوصفية في أسماء العدد عارضة وهي لا تمنع الصرف، وأجيب بأنها
~~وإن عرضت في أصلها فهي نقلت عنها ms01698 بعد ملاحظة الوصف العارض فكان أصليا في
~~هذه دون أصلها ولا يخلو عن نظر، والثاني: قول الفراء: إنها منعت للعدل
~~والتعريف بنية الألف واللام ولذا لم تجز إضافتها / ولا دخول أل عليها،
~~والثالث: ما نقل عن الزجاج أنها معدولة عن اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة
~~وأربعة أربعة، فعدلت عن ألفاظ العدد وعن المؤنث إلى المذكر ففيها عدلان
~~وهما سببان، والرابع: ما نقله أبو الحسن عن بعض النحويين أن العلة
~~المانعة من الصرف تكرار العدل فيه لأن مثنى مثلا عدلت عن لفظ اثنين
~~ومعناه لأنها لا تستعمل في موضع تستعمل فيه إذ لا تلي العوامل وإنما تقع
~~بعد جمع إما خبرا، أو حالا، أو وصفا، وشذ أن تلي العوامل وأن تضاف،
~~وزاد السفاقسي في علة المنع خامسا: وهو العدل من غير جهة العدل لأن باب
~~العدل أن يكون في المعارف وهذا عدل في النكرات، وسادسا: وهو العدل
~~والجمع لأنه يقتضي التكرار فصار في معنى الجمع، وقال: زاد هذين ابن
~~الصائغ في «شرح الجمل»، وجاء آحاد وموحد، وثناء ومثنى، وثلاث ومثلث،
~~ورباع ومربع، ولم يسمع فيما زاد على ذلك  كما قال أبو عبيدة  إلا في
~~قول الكميت:

# ولم يستر يثوك حتى رميت

# فوق الرجال خصالا (عشارا)

# ومن هنا أعابوا على المتنبي قوله:

# أحاد أم (سداس) في أحاد

# لييلتنا المنوطة بالتناد

# ومن الناس من جوز خماس ومخمس إلى آخر العقد قياسا وليس بشيء، واختير
~~التكرار والعطف بالواو لتفهم الآية أن لكل واحد من المخاطبين أن يختار من
~~هذه الأعداد المذكورة أي عدد شاء إذ هو المقصود لا أن بعضها لبعض منهم
~~والبعض الآخر لآخر، ولو أفردت الأعداد لفهم من ذلك تجويز الجمع بين تلك
~~الأعداد دون التوزيع ولو ذكرت بكلمة  أو  لفات تجويز الاختلاف في العدد
~~بأن ينكح واحد اثنتين، وآخر ثلاثا أو أربعا وما قيل: إنه لا يلتفت إليه
~~الذهن  لأنه لم يذهب إليه أحد  لا يلتفت إليه لأن الكلام في الظاهر
~~الذي هو نكتة العدول؛ وادعى بعض المحققين أنه لو أتى من ms01699 الأعداد بما لا
~~يدل على التكرار لم يصح جعله حالا معللا ذلك بأن جميع الطيبات ليس
~~حالها أنها اثنان ولا حالها أنها ثلاثة، وكذا لو قيل: اقتسموا هذا المال
~~الذي هو ألف درهم درهما واثنين وثلاثة وأربعة لم يصح جعل العدد حالا من
~~المال الذي هو ألف درهم لأن حال الألف ليس ذلك بخلاف ما إذا كرر فإن
~~المقصود حينئذ التفصيل في حكم الانقسام كأنه قيل: فانكحوا الطيبات لكم
~~مفصلة ومقسمة إلى ثنتين ثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، واقتسموا
~~هذا المال الذي هو ألف درهم مفصلا ومقسما إلى درهم درهم، واثنين اثنين،
~~وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، وبهذا يظهر فساد ما قيل: من أنه لا فرق بين
~~اثنين ومثنى في صحة الحالية لأن انفهام الانقسام ظاهر من الثاني دون
~~الأول كما لا يخفى، وأنه إنما أتى بالواو دون أو ليفيد الكلام أن تكون
~~الأقسام على هذه الأنواع غير متجاوز إياها إلى ما فوقها لا أن تكون على
~~أحد هذه الأنواع غير مجموع بين اثنين منها وذلك بناءا على أن الحال بيان
~~لكيفية الفعل، والقيد في الكلام نفي لما يقابله والواو ليست لأحد الأمرين
~~أو الأمور كأو، وبهذا يندفع ما ذهب إليه البعض من جواز التسع تمسكا بأن
~~الواو للجمع فيجوز الثنتان والثلاث والأربع وهي تسع، وذلك لأن من نكح
~~الخمس أو ما فوقها لم يحافظ على القيد أعني كيفية النكاح وهي كونه على
~~هذا التقدير والتفصيل بل جاوزه إلى ما فوقه، ولعل هذا مراد القطب بقوله:
~~إنه تعالى لما ختم الأعداد على الأربعة لم يكن لهم الزيادة عليها وإلا
~~لكان نكاحهم خمسا خمسا؛ فقول بعضهم: / اللزوم ممنوع لعدم دلالة الكلام
~~على الحصر فإن الإنسان إذا قال لولده: افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى
~~المدرسة وإلى البستان كان هذا تنصيصا في تفويض زمام الاختيار إليه
~~مطلقا ورفع الحجر عنه ولا يكون ذلك تخصيصا للإذن بتلك الأشياء المذكورة
~~بل كان إذنا في المذكور وغيره فكذا هنا؛ وأيضا ذكر جميع الأعداد متعذر
~~ فإذا ms01700 ذكر بعض الأعداد بعد فانكحوا ما طاب لكم من النساء كان ذلك
~~تنبيها على حصول الإذن في جميع الأعداد  كلام ليس في محله، وفرق ظاهر
~~بين ما نحن فيه والمثال الحادث.

# وقد ذكر الإمام الرازي شبه المجوزين التزوج بأي عدد أريد، وأطال الكلام
~~في هذا المقام إلا أنه لم يأت بما يشرح الصدر ويريح الفكر، وذلك أنه قال:
~~((إن قوما شذاذا ذهبوا إلى جواز التزوج بأي عدد واحتجوا بالقرآن
~~والخبر، أما القرآن فقد تمسكوا بهذه الآية بثلاثة أوجه: الأول: إن قوله
~~سبحانه: { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } إطلاق في جميع
~~الأعداد بدليل أنه لا عدد إلا ويصح استثناؤه منه، وحكم الاستثناء إخراج
~~ما لولاه لكان داخلا، والثاني: أن { مثنى وثلث ورباع } لا
~~يصلح مخصصا لذلك العموم لأن التخصيص بالبعض لا ينفي ثبوت الحكم في
~~الباقي، والثالث: أن الواو للجمع المطلق  فمثنى وثلاث ورباع  يفيد حل
~~المجموع وهو تسع بل ثماني عشرة. وأما الخبر فمن وجهين: الأول: أنه ثبت
~~بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم مات عن تسع ثم إن الله تعالى أمرنا
~~باتباعه فقال:

# واتبعوه

# [الأعراف: 158] وأقل مراتب الأمر الإباحة، الثاني: أن سنة الرجل طريقته
~~والتزوج بالأكثر من الأربع طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم فكان ذلك سنة
~~له ثم إنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " من رغب عن سنتي فليس مني "

# وظاهر الحديث يقتضي توجه الذم على من ترك التزوج بالأكثر من الأربع فلا
~~أقل من أن يثبت أصل الجواز، ثم قال: واعلم أن معتمد الفقهاء في إثبات
~~الحصر على أمرين: الأول: الخبر، وهو ما روي أن غيلان أسلم وتحته عشرة
~~نسوة فقال صلى الله عليه وسلم:

# " أمسك أربعا وفارق سائرهن "

# وهذا الطريق ضعيف لوجهين الأول: أن القرآن لما دل على عدم الحصر (فلو
~~أثبتنا الحصر) بهذا الخبر كان ذلك نسخا للقرآن بخبر الواحد، وأنه غير
~~جائز، والثاني: أنه صلى الله عليه وسلم لعله إنما أمر بإمساك أربع
~~ومفارقة البواقي لأن الجمع بين الأربع و [بين] البواقي غير ms01701 جائز إما بسبب
~~النسب أو بسبب الرضاع، وبالجملة فهذا الاحتمال قائم في هذا الخبر فلا
~~يمكن نسخ القرآن بمثله، والأمر الثاني هو إجماع فقهاء الأمصار على أنه لا
~~يجوز الزيادة على الأربع وهذا هو المعتمد لكن فيه سؤالان: الأول: أن
~~الاجماع (لا ينسخ ولا ينسخ) فكيف يقال: إن الإجماع نسخ هذه الآية،
~~الثاني: أن في الأمة أقواما شذاذا لا يقولون بحرمة الزيادة على الأربع
~~والإجماع عند مخالفة الواحد والاثنين لا ينعقد. وأجيب عن السؤال الأول أن
~~الإجماع يكشف عن حصول الناسخ في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن
~~الثاني أن مخالف هذا الإجماع من أهل البدعة فلا اعتبار بمخالفته)) (فلا
~~تضر في انعقاد الاجماع) انتهى.

# ولا يخفى ما في احتجاج الشذاذ بالآية من النظر، ويعلم ذلك من التأمل
~~فيما ذكرنا.

# وأما الاحتجاج بالخبر فليس بشيء أيضا لأن الإجماع قد وقع على أن
~~الزيادة على الأربع من خصوصياته صلى الله عليه وسلم ونحن مأمورون باتباعه
~~والرغبة في سنته عليه الصلاة والسلام في غير ما علم أنه من الخصوصيات أما
~~فيما علم أنه منها فلا، وأما الأمران اللذان اعتمد عليهما الفقهاء في هذا
~~المقام ففي غاية الإحكام. / والوجه الأول في تضعيف الأمر الأول منهما
~~يرد عليه أن قول الإمام فيه: إن القرآن لما دل على عدم الحصر الخ ممنوع،
~~كيف وقد تقدم ما يفهم منه دلالته على الحصر؟! وبتقدير عدم دلالته على
~~الحصر لا يدل على عدم الحصر بل غاية الأمر أنه يحتمل الأمرين الحصر
~~وعدمه، فيكون حينئذ مجملا، وبيان المجمل بخبر الواحد جائز كما بين في
~~الأصول، وما ذكر في الوجه الثاني من وجهي التضعيف  بأنه صلى الله عليه
~~وسلم لعله إنما أمر بإمساك أربع ومفارقة البواقي لأن الجمع غير جائز إما
~~بسبب النسب أو بسبب الرضاع  مما لا يكاد يقبل مع تنكير أربعا وثبوت
~~«اختر منهن أربعا» كما في بعض الروايات الصحيحة في حديث غيلان، وكذا في
~~الحديث الذي أخرجه ابن أبي شيبة والنحاس عن قيس بن الحرث الأسدي ms01702 أنه
~~قال: أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

# " اختر منهن أربعا وخل سائرهن ففعلت "

# فإن ذلك يدل دلالة لا مرية فيها أن المقصود إبقاء أي أربع لا أربع
~~معينات، فالاحتمال الذي ذكره الإمام قاعد لا قائم، ولو اعتبر مثله 
~~قادحا في الدليل  لم يبق دليل على وجه الأرض، نعم الحديث مشكل على ما
~~ذهب إليه الإمام الأعظم على ما نقل ابن هبيرة فيمن أسلم وتحته أكثر من
~~أربع نسوة من أنه إن كان العقد وقع عليهن في حالة واحدة فهو باطل وإن كان
~~في عقود صح النكاح في الأربع الأوائل فإنه حينئذ لا اختيار، وخالفه في
~~ذلك الأئمة الثلاثة وهو بحث آخر لسنا بصدده.

# وأقوى الأمرين المعتمد عليهما في الحصر الإجماع فإنه قد وقع وانقضى عصر
~~المجمعين قبل ظهور المخالف، ولا يشترط في الإجماع اتفاق كل الأمة من لدن
~~بعثته عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة كما يوهمه كلام الإمام
~~الغزالي، وإلا لا يوجد إجماع أصلا، وبهذا يستغنى عما ذكره الإمام الرازي
~~ وهو أحد مذاهب في المسألة  من أن مخالف هذا الإجماع من أهل البدعة فلا
~~اعتبار بمخالفته، فالحق الذي لا محيص عنه أنه يحرم الزيادة على الأربع 
~~وبه قال الإمامية  ورووا عن الصادق رضي الله تعالى عنه لا يحل لماء
~~الرجل أن يجري في أكثر من أربعة أرحام، وشاع عنهم خلاف ذلك، ولعله قول
~~شاذ عندهم.

# ثم إن مشروعية نكاح الأربع خاصة بالأحرار، والعبيد غير داخلين في هذا
~~الخطاب لأنه إنما يتناول إنسانا متى طابت له امرأة قدر على نكاحها
~~والعبد ليس كذلك لأنه لا يجوز نكاحه إلا بإذن مولاه لقوله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر "

# ولأن في تنفيذ نكاحه تعيبا له إذ النكاح عيب فيه فلا يملكه بدون إذن
~~المولى، وأيضا قوله تعالى بعد: { فإن خفتم ألا تعدلوا
~~فوحدة أو ما ملكت أيمنكم } لا يمكن أن يدخل فيه
~~العبيد لعدم الملك فحيث لم يدخلوا في ms01703 هذا الخطاب لم يدخلوا في الخطاب
~~الأول لأن هذه الخطابات وردت متتالية على نسق واحد فبعيد أن يدخل في
~~الخطاب السابق ما لا يدخل في اللاحق وكذا لا يمكن دخولهم في قوله تعالى:

# فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا
~~مريئا

# [النساء: 4] لأن العبد لا يأكل فيكون لسيده، وخالف في ذلك الإمام مالك
~~فأدخل العبيد في الخطاب، وجوز لهم أن ينكحوا أربعا كالأحرار ولا يتوقف
~~نكاحهم على الإذن لأنهم يملكون الطلاق فيملكون النكاح، ومن الفقهاء من
~~ادعى أن ظاهر الآية يتناولهم إلا أنه خصص هذا العموم بالقياس لأن الرق له
~~تأثير في نقصان حقوق النكاح كالطلاق والعدة، ولما كان العدد من حقوق
~~النكاح وجب أن يجعل للعبد نصف ما للحر فيه أيضا.

# واختلفوا في الأمر بالنكاح فقيل للإباحة ولا يلغو طاب إذا كان بمعنى حل
~~لأنه يصير المعنى أبيح لكم ما أبيح هنا لأن مناط الفائدة القيد وهو العدد
~~المذكور، وقيل: للوجوب أي وجوب الاقتصار على هذا العدد لا وجوب أصل /
~~النكاح فقد قال الإمام النووي: «لا يعلم أحد أوجب النكاح إلا داود ومن
~~وافقه من أهل الظاهر، ورواية عن أحمد فإنهم قالوا: يلزمه إذا خاف العنت
~~أن يتزوج أو يتسرى قالوا: وإنما يلزمه في العمر مرة واحدة ولم يشرط بعضهم
~~خوف العنت، وقال أهل الظاهر: إنما يلزمه التزوج فقط ولا يلزمه الوطء...
~~واختلف العلماء في الأفضل من النكاح وتركه. وذكر الإمام النووي أن الناس
~~في ذلك أربعة أقسام: قسم تتوق إليه نفسه ويجد المؤن فيستحب له النكاح،
~~وقسم لا تتوق ولا يجد المؤمن فيكره له، وقسم تتوق ولا يجد المؤن فيكره له
~~أيضا، وهذا مأمور بالصوم لدفع التوقان، وقسم يجد المؤن ولا تتوق نفسه،
~~فمذهب الشافعي وجمهور الشافعية أن ترك النكاح لهذا والتخلي للتحلي
~~بالعبادة أفضل، ولا يقال النكاح مكروه بل تركه أفضل، ومذهب أبي حنيفة
~~وبعض أصحاب مالك والشافعي أن النكاح له أفضل انتهى المراد منه».

# وأنت تعلم أن المذكور في كتب ساداتنا الحنفية متونا وشروحا ms01704 مخالف لما
~~ذكره هذا الإمام في تحقيق مذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، ففي
~~«تنوير الأبصار» وشرحه «الدر المختار» في كتاب النكاح ما نصه: ((ويكون
~~واجبا عند التوقان فإن تيقن الزنا إلا به فرض كما في «النهاية» وهذا إن
~~ملك المهر والنفقة وإلا فلا إثم بتركه كما في البدائع»، ويكون سنة مؤكدة
~~في الأصح فيأثم بتركه ويثاب إن نوى تحصينا وولدا حال الاعتدال أي
~~القدرة على وطء ومهر ونفقة.

# ورجح في «النهر» وجوبه للمواظبة عليه، والإنكار على من رغب عنه،
~~ومكروها لخوف الجور فإن تيقنه حرم)) انتهى؛ لكن في دليل الوجوب على ما
~~ذكره صاحب «النهر» مقالا للمخالفين وتمام الكلام في محله.

# هذا وقد قيل: في تفسير الآية الكريمة أن المراد من النساء اليتامى
~~أيضا، وأن المعنى وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى المرباة في حجوركم
~~فانكحوا ما طاب لكم من يتامى قراباتكم، وإلى هذا ذهب الجبائي وهو كما
~~ترى، وقيل: إنه لما نزلت الآية في اليتامى وما في أكل أموالهم من الحوب
~~الكبير أخذ الأولياء يتحرجون من ولايتهم خوفا من لحوق الحوب بترك
~~الإقساط مع أنهم كانوا لا يتحرجون من ترك العدل في حقوق النساء حيث كان
~~تحت الرجل منهم عشر منهن فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى
~~فتحرجتم منها فخافوا أيضا ترك العدل بين النساء وقللوا عدد المنكوحات
~~لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فهو غير متحرج ولا تائب
~~عنه، وإلى نحو من هذا ذهب ابن جبير والسدي وقتادة والربيع والضحاك وابن
~~عباس في إحدى الروايات عنه، وقيل: كانوا لا يتحرجون من الزنا وهم يتحرجون
~~من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم الحوب في حق اليتامى فخافوا الزنا
~~فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات، ونظيره ما إذا
~~داوم على الصلاة من لا يزكي فتقول له: إن خفت الإثم في ترك الصلاة فخف من
~~ترك الزكاة، وإلى قريب من هذا ذهب مجاهد.

# وتعقب هذين القولين العلامة ms01705 شيخ الإسلام بقوله: ولا يخفى أنه لا
~~يساعدهما جزالة النظم الكريم لابتنائهما على تقدم نزول الآية الأولى
~~وشيوعها بين الناس وظهور توقف حكمها على ما بعدها من قوله تعالى: { ولا
~~تؤتوا السفهاء أمولكم } إلى قوله سبحانه:

# وكفى بالله حسيبا

# [النساء: 5-6] ويفهم من كلام بعض المحققين أيضا أن الأظهر في الآية ما
~~رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها دون هذين القولين لأن
~~الآية على تلك الرواية تتنزل على قوله تعالى:

# ويستفتونك فى النساء قل الله يفتيكم فيهن
~~وما يتلى عليكم فى الكتب فى يتمى النساء /
~~اللتى لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن
~~تنكحوهن

# [النساء: 127] فيتطابق الآيتان ولا يتأتى ذلك على القولين بل لا ارتباط
~~بين الآيتين عليهما لأن مقتضاهما أن الكلام في مطلق اليتامى لا في يتامى
~~النساء، ثم يبعدهما أن الشرط لا يرتبط معهما بالجواب إلا من وجه عام، أما
~~الأول: فمن حيث إن الجور على النساء في الحرمة كالجور على اليتامى في أن
~~كلا منهما جور، وأما الثاني: فلأن الزنا محرم كما أن الجور على اليتامى
~~محرم وكم من محرم يشاركهما في التحريم فليس ثم خصوصية تربط الشرط والجواب
~~كالخصوصية الرابطة بينهما هناك، ثم الظاهر من قوله سبحانه: { مثنى
~~وثلث ورباع } أنه وارد بصيغة التوسعة عليهم بنوع من التقييد
~~كأنه قيل: إن خفتم من نكاح اليتامى ففي غيرهن متسع إلى كذا، وعلى القول
~~الأول من القولين يكون المراد التضييق لأن حاصله إن خفتم الجور على
~~النساء فاحتاطوا بأن تقللوا عدد المنكوحات وهو خلاف ما يشعر به السياق من
~~التوسعة وبعيد عن جزالة التنزيل كما لا يخفى، وقيل: إن الرجل كان يتزوج
~~الأربع والخمس والست والعشر ويقول: ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان
~~فإذا فني ماله مال على مال اليتيم الذي في حجره فأنفقه فنهي أولياء
~~اليتامى على أن يتجاوزوا الأربع لئلا يحتاجوا إلى أخذ مال اليتيم، ونسب
~~هذا إلى ابن عباس وعكرمة، وعليه يكون المراد من اليتامى أعم من الذكور
~~والإناث وكذا على ms01706 القولين قبله.

# وأورد عليه أنه يفهم منه جواز الزيادة على الأربع لمن لا يحتاج إلى أخذ
~~مال اليتيم وهو خلاف الإجماع، وأيضا يكون المراد من هذا الأمر التضييق
~~وهو كما علمت خلاف ما يشعر به السياق المؤكد بقوله تعالى:

# { فإن خفتم ألا تعدلوا فوحدة } كأنه لما وسع عليهم
~~أنبأهم أنه قد يلزم من الاتساع خوف الميل فالواجب حينئذ أن يحترزوا
~~بالتقليل فيقتصروا على الواحدة، والمراد فإن خفتم أن لا تعدلوا فيما بين
~~هذه المعدودات ولو في أقل الأعداد المذكورة كما خفتموه في حق اليتامى، أو
~~كما لم تعدلوا في حقهن فاختاروا، أو الزموا واحدة واتركوا الجميع
~~بالكلية، وقرأ إبراهيم  وثلث وربع  على القصر من  ثلاث ورباع، وقرأ
~~أبو جعفر { فوحدة } بالرفع أي فالمقنع واحدة، أو فكفت واحدة أو
~~فحسبكم واحدة أو فالمنكوحة واحدة.

# { أو ما ملكت أيمنكم } أي من السراري بالغة ما بلغت كما
~~يؤخذ من السياق، ومقابلة الواحدة وهو عطف على واحدة على أن اللزوم
~~والاختيار فيه بطريق التسري لا بطريق النكاح كما فيما عطف عليه لاستلزامه
~~ورود ملك النكاح على ملك اليمين بموجب اتحاد المخاطبين في الموضعين، وقد
~~قالوا: لا يجوز أن يتزوج المولى أمته ولا المرأة عبدها لأن النكاح ما شرع
~~إلا مثمرا بثمرات مشتركة بين المتناكحين والمملوكية تنافي المالكية
~~فيمتنع وقوع الثمرة على الشركة، وهذا بخلاف ما سيأتي بقوله سبحانه:

# ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنت
~~المؤمنت فمن ما ملكت أيمنكم من فتيتكم
~~المؤمنت

# [النساء: 25] فإن المأمور بالنكاح هناك غير المخاطبين بملك اليمين،
~~وبعضهم يقدر في المعطوف عليه فانكحوا لدلالة أول الكلام عليه، ويعطف هذا
~~عليه على معنى اقتصروا على ما ملكت، والكلام على حد قوله:

# علفتها تبنا وماءا باردا

# وأو للتسوية وسوي في السهولة واليسرة بين الحرة الواحدة / والسراري من
~~غير حصر لقلة تبعتهن وخفة مؤنتهن وعدم وجوب القسم فيهن، وزعم بعضهم أن
~~هذا معطوف على النساء أي فانكحوا ما طاب لكم من النساء أو مما ملكت
~~أيمانكم ولا يخفى بعده، وقرأ ابن ms01707 أبي عبلة من ملكت، وعبر بما في القراءة
~~المشهورة ذهابا للوصف ولكون المملوك لبيعه وشرائه والمبيع أكثره ما لا
~~يعقل كان التعبير بما فيه أظهر، وإسناد الملك لليمين لما أن سببه الغالب
~~هو الصفقة الواقعة بها، وقيل: لأنه أول ما يكون بسبب الجهاد والأسر، وذلك
~~محتاج إلى أعمالها وقد اشتهر ذلك في الأرقاء لا سيما في إناثهم كما هو
~~المراد هنا رعاية للمقابلة بينه وبين ملك النكاح الوارد على الحرائر،
~~وقيل: إنما قيل للرقيق ملك اليمين لأنها مخصوصة بالمحاسن وفيها تفاؤل
~~باليمن أيضا، وعن بعضهم أن أعرابيا سئل لم حسنتم أسماء مواليكم دون
~~أسماء أبنائكم؟ فقال: أسماء موالينا لنا وأسماء أبنائنا لأعدائنا فليفهم.

# وادعى ابن الفرس أن في الآية ردا على من جعل النكاح واجبا على العين
~~لأنه تعالى ((خير فيها بينه وبين التسري ولا يجب التسري بالاتفاق ولو كان
~~النكاح واجبا لما (خير) بينه وبين التسري لأنه لا يصح عند الأصوليين
~~التخيير بين واجب وغيره لأنه يؤدي إلى إبطال حقيقة الواجب وأن تاركه لا
~~يكون آثما))، ولا يرد هذا على من يقول: الواجب أحد الأمرين، ويمنع
~~الاتفاق على عدم وجوب التسري في الجملة فتدبر، وزعم بعضهم أن فيها دليلا
~~على منع نكاح الجنيات لأنه تعالى خص النساء بالذكر. وأنت تعلم أن مفهوم
~~المخالفة عند القائل به غير معتبر هنا لظهور نكتة تخصيص النساء بالذكر
~~وفائدته.

# وادعى الإمام السيوطي أن فيها إشارة إلى حل النظر قبل النكاح لأن الطيب
~~إنما يعرف به، ولا يخفى أن الإشارة ربما تسلم إلا أن الحصر ممنوع وهذا
~~الحل ثبت في غير ما حديث، وفي «صحيح مسلم»

# " أنه صلى الله عليه وسلم قال للمتزوج امرأة من الأنصار: «أنظرت إليها؟
~~قال: لا قال: فاذهب وانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا "

# وهو مذهب جماهير العلماء، وحكي عن قوم كراهته وهم محجوجون بالحديث
~~والإجماع على جواز النظر للحاجة عند البيع والشراء والشهادة ونحوها، ثم
~~إنه إنما يباح له النظر إلى الوجه والكفين، وقال الأوزاعي: إلى مواضع
~~اللحم. ms01708

# وقال داود: إلى جميع بدنها وهو خطأ ظاهر منابذ لأصول السنة والإجماع،
~~وهل يشترط رضا المرأة أم لا؟ الجمهور على عدم الاشتراط بل للرجل النظر مع
~~الغفلة وعدم الرضا، وعن مالك كراهة النظر مع الغفلة، وفي رواية ضعيفة عنه
~~لا يجوز النظر إليها إلا برضاها، واستحسن كثير كون هذا النظر قبل الخطبة
~~حتى إن كرهها تركها من غير إيذاء بخلاف ما إذا تركها بعد الخطبة كما لا
~~يخفى.

# وقال بعضهم: إن فيها إشارة أيضا إلى استحباب الزيادة على الواحدة لمن
~~لم يخف عدم العدل لأنه سبحانه قدم الأمر بالزيادة وعلق أمر الواحدة بخوف
~~عدم العدل، ويا ما أحيلى الزيادة إن ائتلفت الزوجات وصح جمع المؤنث بعد
~~التثنية معربا بالضم من بين سائر الحركات، وهذا لعمري أبعد من العيوق
~~وأعز من الكبريت الأحمر وبيض الأنوق:

# ما كل ما يتمنى المرء يدركه

# تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

# { ذلك } أي اختيار الواحدة أو التسري أو الجميع  وهو الأولى  وإليه
~~يشير كلام ابن أبي زيد { أدنى ألا تعولوا } العول في الأصل
~~الميل المحسوس يقال: عال الميزان عولا إذا مال، ثم نقل إلى الميل
~~المعنوي وهو الجور، ومنه عال الحاكم إذا جار، والمراد ههنا الميل
~~المحظور المقابل للعدل أي ما ذكر من اختيار الواحدة والتسري أقرب بالنسبة
~~إلى ما عداهما من أن لا تميلوا ميلا محظورا لانتفائه رأسا بانتفاء
~~محله في / الأول، وانتفاء خطره في الثاني بخلاف اختيار العدد في المهائر،
~~فإن الميل المحظور متوقع فيه لتحقق المحل والخطر. وإلى هذا ذهب بعض
~~المحققين؛ وجوز بعضهم كون الإشارة إلى ثلاثة أمور: التقليل من الأزواج
~~واختيار الواحدة والتسري، أي هذه الأمور الثلاثة أدنى من جميع ما عداها،
~~والأول أظهر.

# وقد حكي عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه فسر { ألا
~~تعولوا } بأن لا تكثر عيالكم. وقد ذكر الشهاب أنه خطأه وحاشاه فيه
~~كثير من المتقدمين لأنه إنما يقال لمن كثرت عياله: أعال يعيل إعالة ولم
~~يقولوا عال يعول. وأجيب بأن الإمام الشافعي سلك في ms01709 هذا التفسير سبيل
~~الكناية فقد جعل رضي الله تعالى عنه الفعل في الآية من عال الرجل عياله
~~يعولهم كقولك: مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم، ومن كثرت عياله لزمه أن
~~يعولهم فاستعمل الإنفاق وأراد لازم معناه وهو كثرة العيال، واعترض بأن
~~عال بمعنى مان وأنفق لا دلالة له على كثرة المؤنة حتى يكنى به عن كثرة
~~العيال، وأجيب بأن الراغب ذكر أن أصل معنى العول الثقل يقال: عاله أي
~~تحمل ثقل مؤنته، والثقل إنما يكون في كثير الإنفاق لا في قليله فيراد من
~~لا تعولوا كثرة الإنفاق بقرينة المقام والسياق لأنه ليس المراد نفي
~~المؤنة والعيال من أصله إذ من تزوج واحدة كان عائلا وعليه مؤنة، فالكلام
~~كالصريح فيه واستعمال أصل الفعل في الزيادة فيه غير عزيز فلا غبار، وذكر
~~في «الكشف» أنه لا حاجة إلى أصل الجواب عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى
~~عنه فإن الكسائي نقل عن فصحاء العرب عال يعول إذا كثر عياله وممن نقله
~~الأصمعي والأزهري وهذا التفسير نقله ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم وهو من
~~أجلة التابعين، وقراءة طاوس  أن لا تعيلوا  مؤيدة له فلا وجه لتشنيع من
~~شنع على الإمام جاهلا باللغات والآثار، وقد نقل الدوري إمام القراء أنها
~~لغة حمير وأنشد:

# وإن الموت يأخذ كل حي

# بل شك وإن أمشى (وعالا)

# أي وإن كثرت ماشيته وعياله، وأما ما قيل: إن عال بمعنى كثرت عياله يائي
~~وبمعنى جار واوي فليست التخطئة في استعمال عال في كثرة العيال بل في عدم
~~الفرق بين المادتين، فرد أيضا بما اقتضاه كلام البعض من أن عال له معان:
~~مال وجار وافتقر وكثرت عياله ومان وأنفق وأعجز، يقال: عالني الأمر أي
~~أعجزني ومضارعه يعيل ويعول فهو من ذوات الواو والياء على اختلاف المعاني،
~~ثم المراد بالعيال على هذا التفسير يحتمل أن يكون الأزواج كما أشرنا إليه
~~وعدم كثرة الأزواج في اختيار الواحدة وكذا في التقليل إن قلنا إنه داخل
~~في المشار إليه ظاهر، وأما عدم كثرتهن في التسري ms01710 فباعتبار أن ذلك صادق
~~على عدمهن بالكلية.

# ويحتمل أن يكون الأولاد وعدم كثرتهم في اختيار الواحدة وكذا في التقليل
~~ظاهر أيضا، وأما عدم كثرتهم في التسري فباعتبار أنه مظنة قلة الأولاد إذ
~~العادة على أن لا يتقيد المرء بمضاجعة السراري ولا يأبى العزل عنهن
~~بخلاف المهائر فإن العادة على تقيد المرء بمضاجعتهن وإباء العزل عنهن،
~~وإن كان العزل عنهن كالعزل عن السراري جائزا شرعا بإذن وبغير إذن في
~~المشهور من مذهب الشافعي، وفي بعض شروح «الكشاف» ما يدل على أن في ذلك
~~خلافا عند الشافعية فمنعه بعضهم كما هو مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى
~~عنه، وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة أنه فسر { ألا تعولوا
~~} بأن لا تفتقروا، وقد قدمنا أن عال يجىء بمعنى افتقر، ومن وروده كذلك
~~قوله:

# فما يدري الفقير متى غناه

# وما يدري الغني متى (يعيل)

# إلا أن الفعل في البيت يائي لا واوي كما في الآية والأمر فيه سهل كما
~~عرفت، وعلى سائر التفاسير الجملة مستأنفة / جارية مما قبلها مجرى
~~التعليل.

### || [4.4]

# { وءاتوا النساء } أي اعطوا النساء اللاتي أمر بنكاحهن {
~~صدقتهن } جمع صدقة بفتح الصاد وضم الدال، وهي كالصداق بمعنى
~~المهر، وقرىء صدقاتهن بفتح الصاد وسكون الدال، وأصلها بضم الدال فخففت
~~بالتسكين، وصدقاتهن بضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة بوزن غرفة، وقرىء
~~صدقتهن بضم الصاد والدال على التوحيد، وأصله صدقة بضم الصاد وسكون الدال
~~فضمت الدال اتباعا لضم الأول كما يقال: ظلمة وظلمة.

# { نحلة } أي فريضة قاله ابن عباس وابن زيد وابن جريج وقتادة
~~فانتصابها على الحالية من الصدقات أي أعطوهن مهورهن حال كونها فريضة من
~~الله تعالى لهن. وقال الزجاج، وابن خالويه: تدينا فانتصابها على أنها
~~مفعول له أي أعطوهن ديانة وشرعة، وقال الكلبي: هبة وعطية من الله
~~وتفضلا منه تعالى عليهن فانتصابها على الحالية من الصدقات أيضا، وقيل
~~عطية من الأزواج لهن فانتصابها على المصدر، أو على الحالية من ضمير آتوا
~~أو من النساء أو من صدقاتهن. واعترض بأن الحال قيد ms01711 للعامل فيلزم هنا كون
~~الإيتاء قيدا للإيتاء والشيء لا يكون قيدا لنفسه، وأجيب بأن النحلة
~~ليست مطلق الإيتاء بل هي نوع منه، وهو الإيتاء عن طيب نفس، فالمعنى
~~أعطوهن صدقاتهن طيبي النفوس بالإعطاء، أو معاطاة عن طيب نفس، وعليه
~~فالمصدر مبين للنوع.

# فإن قلت إن النحلة أخذ في مفهومها أيضا عدم العوض فكيف يكون المهر بلا
~~عوض وهو في مقابلة البضع والتمتع به؟ أجيب بأنه لما كان للزوجة في الجماع
~~مثل ما للزوج أو أزيد وتزيد عليه بوجوب النفقة والكسوة كان المهر مجانا
~~لمقابلة التمتع بتمتع أكثر منه، وقيل: إن الصداق كان في شرع من قبلنا
~~للأولياء بدليل قوله تعالى:

# إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى

# [القصص: 27] الخ، ثم نسخ فصار ذلك عطية اقتطعت لهن فسمي نحلة، وأيد 
~~غير واحد  قول الكلبي: بأن ما وضع له لفظ النحلة هو العطية من غير عوض
~~كما ذهب إليه جماعة منهم الرماني، وجعل من ذلك النحلة للديانة لأنها
~~كالنحلة التي هي عطية من الله تعالى والنحل للدبر لما يعطي من العسل،
~~والناحل للمهزول لأنه يأخذ لحمه حالا بعد حال كأنه المعطيه بلا عوض،
~~والمنحول من الشعر لأنه نحلة الشاعر ما ليس له، وحينئذ فمن فسر النحلة
~~بالفريضة نظر إلى أن هذه العطية فريضة، والخطاب على ما هو المتبادر
~~للأزواج، وإليه ذهب ابن عباس وجماعة، واختاره الطبري والجبائي وغيرهما
~~قيل: كان الرجل يتزوج بلا مهر يقول: أرثك وترثيني؟ فتقول: نعم، فأمروا أن
~~يسرعوا إلى إعطاء المهور، وقيل: الخطاب لأولياء النساء فقد أخرج ابن حميد
~~وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوج أيما أخذ صداقها
~~دونها فنهاهم الله تعالى عن ذلك ونزلت { وءاتوا النساء } الخ، وروى
~~ذلك الجارود من الإمامية عن الباقر رضي الله تعالى عنه، وهذه عادة كثير
~~من العرب اليوم، وهو حرام كأكل الأزواج شيئا من مهور النساء بغير
~~رضاهن.

# { فإن طبن لكم عن شىء منه } الضمير للصدقات وتذكيره
~~لإجرائه مجرى ذلك فإنه كثيرا ما يشار به إلى المتعدد ms01712 كقوله تعالى:

# قل أؤنبئكم بخير من ذلكم

# [آل عمران: 15] بعد ذكر الشهوات المعدودة، وقد روي عن أبي عبيدة أنه
~~قال: قلت لرؤبة في قوله:

# فيها خطوط من سواد وبلق

# كأنه في الجلد توليع البهق

# إن أردت الخطوط: فقل كأنها، وإن أردت السواد والبلق فقل كأنهما، فقال:
~~أردت كأن ذلك ويلك، أو للصداق الواقع موقعه صدقاتهن كأنه قيل:  وآتوا
~~النساء صداقهن  والحمل على المعنى كثير، ومنه قوله تعالى:

# فأصدق وأكن

# [المنافقون: 10] حيث عطف على ما دل عليه المذكور ووقع موقعه، أو للصداق
~~الذي في ضمن الجمع لأن المعنى آتوا كل واحدة من النساء صداقا، وقيل:
~~الضمير عائد إلى الإيتاء، واعترض بأنه إنما يستقيم إذا أريد به المأتى،
~~ورجوع ضمير إلى مصدر مفهوم، ثم تأويل ذلك المصدر بمعنى المفعول لا يخلو
~~عن بعد، واللام متعلقة بالفعل وكذا عن بتضمينه معنى التجافي والتباعد،
~~وإلا فأصله أن يتعدى لمثل ذلك بالباء كقوله:

# وما كاد نفسا بالفراق تطيب

# و  من  متعلقة بمحذوف وقع صفة لشيء أي كائن من الصداق، وفيه بعث لهن
~~على تقليل الموهوب حتى نقل عن الليث أنه لا يجوز تبرعهن إلا باليسير ولا
~~فرق بين المقبوض وما في الذمة إلا أن الأول هبة والثاني إبراء، ولذلك
~~تعامل الناس على التعويض فيه ليرتفع الخلاف.

# { نفسا } تمييز لبيان الجنس ولذا وحد، وتوضيح ذلك على ما ذكره بعض
~~المحققين أن التمييز  كما قاله النحاة  إن اتحد معناه بالمميز وجبت
~~المطابقة نحو كرم الزيدون رجالا كالخبر والصفة والحال، وإلا فإن كان
~~مفردا غير متعدد وجب إفراده نحو  كرم بنو فلان أبا  إذ المراد أن
~~أصلهم واحد متصف بالكرم فإن تعدد وألبس وجب خلفه بظاهر نحو  كرم الزيدون
~~آباءا  إذا أريد أن لكل منهم أبا كريما إذ لو أفرد توهم أنهم من أب
~~واحد، والغرض خلافه وإن لم يلبس جاز الأمران، ومصحح الإفراد عدم الإلباس
~~كما هنا لأنه لا يتوهم أن لهن نفسا واحدة ومرجحه أنه الأصل مع خفته
~~ومطابقته لضمير { منه } ، وهو اسم جنس والغرض هنا ms01713 بيان الجنس، والواحد
~~يدل عليه كقولك: عشرون درهما، والمعنى فإن وهبن لكم شيئا من الصداق
~~متجافيا عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى البذل من شكاسة
~~أخلاقكم وسوء معاملتكم، وإنما أوثر ما في النظم الكريم دون فإن وهبن لكم
~~شيئا منه عن طيب نفس إيذانا بأن العمدة في الأمر طيب النفس وتجافيها عن
~~الموهوب بالمرة حيث جعل ذلك مبتدأ وركنا من الكلام لا فضلة كما في
~~التركيب المفروض.

# { فكلوه } أي فكلوا ذلك الشيء الذي طابت لكم عنه نفوسهن وتصرفوا فيه
~~تملكا، وتخصيص الأكل بالذكر لأنه معظم وجوه التصرفات المالية. {
~~هنيئا مريئا } صفتان من  هنؤ الطعام يهنؤ هناءة ومرؤ يمرؤ مراءة
~~ إذا لم يثقل على المعدة وانحدر عنها طيبا. وفي «الصحاح» نقلا عن
~~الأخفش يقال: هنؤ وهنىء. ومرؤ ومرىء، كما يقال: فقه وفقه  بكسر القاف
~~وضمها  ويقال: هنأني الطعام يهنئني ويهنأني ولا نظير له في المهموز هنأ
~~وهنأ، وتقول: هنئت الطعام أي تهنأت به وكذا يقال: مرأني الطعام يمرأ
~~مرءا، وقال بعضهم: أمرأني، وقال الفراء: يقال: هنأني الطعام ومرأني بغير
~~ألف فإذا أفردوها عن هنأني قالوا: أمرأني، وقيل الهنىء الذي يلذه الآكل،
~~والمرىء ما تحمد عاقبته، وقيل: ما ينساغ في مجراه الذي هو المرىء كأمير 
~~وهو رأس المعدة، والكرش اللاصق بالحلقوم سمي به لمرور الطعام فيه أي
~~انسياغه، وانتصابهما  كما قال الزمخشري  على أنهما صفتان للمصدر أي
~~أكلا هنيئا مريئا ووصف المصدر بهما كما قال السعد: على الإسناد
~~المجازي إذ الهنىء حقيقة هو المأكول أو على أنهما حالان من الضمير
~~المنصوب أي كلوه وهو هنيء مريء، وقد يوقف على كلوه ويبتدأ هنيئا مريئا
~~على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل: هنأ مرأ،
~~وأورد على ذلك مع أن الدعاء لا يكون من الله تعالى حتى أولوه أنه تحريف
~~لكلام النحاة ومخالفة لهم، فإنهم يجعلون انتصاب { هنيئا } على الحال،
~~و { مريئا } إما على الحال، وإما / على الوصف، ويدل على فساد ما
~~خرجه الزمخشري  وصحة قول النحاة  ارتفاع الأسماء الظاهرة ms01714 بعد {
~~هنيئا مريئا } ، ولو كانا منتصبين انتصاب المصادر المراد بها
~~الدعاء لما جاز ذلك فيها كما لا يجوز أن يقال: في سقيا لك ورعيا سقيا
~~الله تعالى لك ورعيا الله لك، وإن كان ذلك جائزا في فعله، والدليل على
~~جواز رفع الأسماء الظاهرة بعدهما قول كثير:

# (هنيئا مريئا) غير داء مخامر

# لعزة من أعراضنا ما استحلت

# فإن (ما) مرفوعة بما تقدم من { هنيئا } أو { مريئا } على طريق
~~الإعمال، وجاز الإعمال في هذه المسألة، وإن لم يكن بينهما رابط عطف لكون
~~مريئا في الغالب لا يستعمل إلا تابعا لهنيئا فصارا كأنهما مرتبطان
~~لذلك ورد بأن سيبويه قال: هنيئا مريئا صفتان نصبهما نصب المصادر المدعو
~~بها بالفعل غير المستعمل إظهاره المختزل لدلالة الكلام عليه، وفيه أنه
~~ليس بنص فيما ذهب إليه الزمخشري لاحتمال أنه أراد أنهما صفتان منصوبان
~~على الحالية، والعامل فيهما فعل محذوف يدل الكلام عليه كالمصادر المدعو
~~بها في أنها معمولة لفعل محذوف يدل الكلام عليه، ويؤيد ذلك أنه قال بعد
~~ذلك كأنهم قالوا: ثبت ذلك هنيئا فإن هذا مما يقال: على تقدير إقامتهما
~~مقام المصدر، ومن هنا قال السفاقسي: إن مذهب سيبويه والجماعة أنهما حال
~~منصوب بفعل مقدر محذوف وجوبا لقيامهما مقامه كقولك: أقائما وقد قعد
~~الناس، واعترض بهذا على ما تقدم من احتمال جعلهما حالا من الضمير
~~المنصوب في (كلوه) إذ عليه يكونان من جملة أخرى لا تعلق لهما  بكلوا 
~~من حيث الإعراب.

# واعترض أيضا على الاستدلال بالبيت على رفع الظاهر بهما بأنه لا يتم
~~لجواز أن تكون (ما) مرفوعة بالابتداء ولعزة خبره، أو مرفوعة بفعل مقدر،
~~وكيفما كان الأمر يكون قوله سبحانه ذلك عبارة عن التحليل والمبالغة في
~~الإباحة وإزالة التبعة، وفي «كتاب العياشي» من الإمامية مرفوعا إلى علي
~~كرم الله تعالى وجهه أنه جاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إن في بطني
~~وجعا فقال: ألك زوجة؟ قال: نعم. قال: استوهب منها شيئا طيبة به نفسها
~~من مالها ثم اشتر به عسلا ثم اسكب عليه من ماء ms01715 السماء ثم اشربه فإني
~~سمعت الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه:

# ونزلنا من السماء ماء مبركا

# [ق: 9] وقال تعالى:

# يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفآء
~~للناس

# [النحل: 69] وقال عز شأنه: { فإن طبن لكم عن شىء منه
~~نفسا فكلوه هنيئا مريئا } فإذا اجتمعت البركة والشفاء
~~والهنىء والمرىء شفيت إن شاء الله تعالى ففعل الرجل ذلك فشفي، وأخرج عبد
~~بن حميد وغيره من أصحابنا عن علي كرم الله تعالى وجهه ما يقرب من هذا
~~بلفظ إذا اشتكى أحدكم فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحوها فليشتر بها
~~عسلا وليأخذ من ماء السماء فيجمع هنيا مريئا وشفاء ومباركا. وأخرج
~~ابن جرير عن حضرمي أن أناسا كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء مما
~~ساقه إلى امرأته فنزلت هذه الآية، وفيها دليل على ضيق المسلك في ذلك
~~ووجوب الاحتياط حيث بني الشرط على طيب النفس وقلما يتحقق ولهذا كتب عمر
~~رضي الله تعالى عنه إلى قضاته أن النساء تعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة
~~أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها. وحكى الشعبي أن رجلا أتى مع امرأته
~~شريحا في عطية أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع فقال شريح: ردها عليها فقال
~~الرجل: أليس قد قال الله تعالى: { فإن طبن لكم } قال: لو طابت
~~نفسها عنه لما رجعت فيه، وعنه أقيلها فيما وهبت ولا أقيله لأنهن يخدعن
~~والذي عليه الحنفيون أن الزوجة إذا وهبت شيئا للزوج ليس لها الرجوع /
~~فيه بل ذكر ابن هبيرة اتفاق الأئمة الأربعة على أنه ليس لأحد من الزوجين
~~الرجوع فيما وهب لصاحبه.

### || [4.5]

# { ولا تؤتوا السفهاء أمولكم } رجوع إلى بيان بقية
~~الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى وتفصيل ما أجمل فيما سبق من شرط إيتائها
~~[ووقته] وكيفيته إثر بيان [بعض] الأحكام المتعلقة بالأنفس أعني النكاح،
~~وبيان بعض الحقوق المتعلقة بالأجنبيات من حيث النفس ومن حيث المال
~~استطرادا إذ الخطاب  كما يدل عليه كلام عكرمة  للأولياء، وصرح هو وابن
~~جبير بأن المراد من السفهاء اليتامى، ومن أموالكم أموالهم وإنما أضيفت
~~إلى ضمير ms01716 الأولياء المخاطبين  تنزيلا لاختصاصها بأصحابها منزلة
~~اختصاصها بهم فكأن أموالهم عين أموالهم لما بينهم وبينهم من الاتحاد
~~الجنسي والنسبي  مبالغة في حملهم على المحافظة عليها، ونظير ذلك قوله
~~تعالى:

# ولا تقتلوا أنفسكم

# [النساء: 29] فإن المراد لا يقتل بعضكم بعضا إلا أنه عبر عن نوعهم
~~بأنفسهم مبالغة في الزجر عن القتل حتى كأن قتلهم قتل أنفسهم، وقد أيد ذلك
~~بما دل عليه قوله سبحانه: { التى جعل الله لكم قيما }
~~حيث عبر عن جعلها مناطا لمعاش أصحابها بجعلها مناطا لمعاش الأولياء،
~~ومفعول { جعل } الأول محذوف وهو ضمير الأموال، والمراد من القيام ما
~~به القيام والتعيش، والتعبير بذلك زيادة في المبالغة وهو المفعول الثاني
~~لجعل، وقد جوز أن يكون المحذوف وحده مفعولا، وهذا حالا منه؛ وقيل: إنما
~~أضيفت الأموال إلى ضمير الأولياء نظرا إلى كونها تحت ولايتهم. واعترض
~~بأنه وإن كان صحيحا في نفسه لأن الإضافة لأدنى ملابسة ثابتة في كلامهم
~~كما في قوله:

# إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة

# سهيل أذاعت غزلها في القرائب

# إلا أنه غير مصحح لاتصاف الأموال بما بعدها من الصفة، وقيل: إنما أضيفت
~~إلى ضميرهم لأن المراد بالمال جنسه مما يتعيش الناس به ونسبته إلى كل أحد
~~كنسبته إلى الآخر لعموم النسبة والمخصوص بواحد دون واحد شخص المال فجاز
~~أن ينسب حقيقة إلى الأولياء كما ينسب إلى الملاك، ويؤيد ذلك وصفه بما لا
~~يختص بمال دون مال، واعترض بأن ذلك بمعزل عن حمل الأولياء على المحافظة
~~المذكورة كيف لا والوحدة الجنسية المالية ليست مختصة بما بين أموال
~~اليتامى وأموال الأولياء بل هي متحققة بين أموالهم وأموال الأجانب فإذا
~~لا وجه لاعتبارها أصلا، وروي أنه سئل الصادق رضي الله تعالى عنه عن هذه
~~الإضافة، وقيل له: كيف كانت أموالهم أموالنا؟ فقال: إذ كنتم وارثين لهم،
~~وفيه احتمالان: أحدهما: أنه إشارة إلى ما ذكرناه أولا في توجيه الإضافة،
~~وثانيهما: أن ذلك من مجاز الأول، ويرد عليه حينئذ بعد القول بكذب نسبته
~~إلى الصادق رضي الله تعالى عنه أن الأول غير متحقق ms01717 بل العادة في الغالب
~~على خلافه، والحمل على التفاؤل مما يتشاءم منه الذوق السليم.

# وذكر العلامة الطيبي أنه إنما أضيف الأموال إلى اليتامى في قوله تعالى:

# وءاتوا اليتمى أمولهم

# [النساء: 2] ولم يضفه إليهم هنا مع أن الأموال في الصورتين لهم ليؤذن
~~بترتب الحكم على الوصف فيهما فإن تسميتهم يتامى هناك يناسب قطع الطمع
~~فيفيد المبالغة في رد الأموال إليهم، فاقتضى ذلك أن يقال: أموالهم، وأما
~~الوصف هنا فهو السفاهة فناسب أن لا يختصوا بشيء من المالكية لئلا يتورطوا
~~في الأموال فلذلك لم يضف أموالهم إليهم وأضافها إلى الأولياء انتهى، ولا
~~يخفى أنه بيان للعلة المرجحة لإضافة الأموال لمن ذكر، وينبغي أن تكون
~~العلة المصححة ما مر آنفا، ثم وصف اليتامى بأنهم سفهاء باعتبار خفة
~~أحلامهم واضطراب آرائهم لما فيهم من الصغر وعدم التدرب، وأصل السفه الخفة
~~والحركة، يقال: تسفهت الريح الشجر أي مالت به، قال ذو الرمة:

# / جرين كما اهتزت رماح (تسفهت)

# أعاليها مر الرياح النواسم

# وقال أيضا:

# على ظهر مقلات (سفيه) جديلها

# يعني خفيف زمامها، ولكون هذا الوصف مما ينشأ منه تبذير المال وتلفه
~~المخل بحال اليتيم ناسب أن يجعل مناطا لهذا الحكم، وقد فسر السفهاء
~~بالمبذرين بالفعل من اليتامى وإلى تفسير الآية بما ذكرنا ذهب الكثير من
~~المتأخرين، وروي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما أن المراد بالسفهاء
~~النساء والصبيان، والخطاب لكل أحد كائنا من كان، والمراد نهيه عن إيتاء
~~ماله من لا رشد له من هؤلاء، وقيل: إن المراد بهم النساء خاصة، وروي عن
~~مجاهد وابن عمر، وروي عن أنس بن مالك أنه قال:

# " جاءت امرأة سوداء جرية المنطق ذات ملح إلى رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله قل فينا خيرا مرة واحدة فإنه
~~بلغني أنك تقول فينا كل شر قال: أي شيء قلت فيكن؟ قالت: سميتنا السفهاء
~~فقال: الله تعالى سماكن السفهاء في كتابه، قالت: وسميتنا النواقص، فقال:
~~كفى نقصانا أن تدعن من كل شهر خمسة أيام لا تصلين ms01718 فيها، ثم قال: أما يكفي
~~إحداكن أنها إذا حملت كان لها كأجر المرابط في سبيل الله تعالى وإذا وضعت
~~كانت كالمتشحط في دمه في سبيل الله تعالى فإذا أرضعت كان لها بكل جرعة
~~كعتق رقبة من ولد إسماعيل فإذا سهرت كان لها بكل سهرة تسهرها كعتق رقبة
~~من ولد إسماعيل وذلك للمؤمنات الخاشعات الصابرات اللاتي لا يكفرن العشير
~~فقالت: السوداء يا له من فضل لولا ما يتبعه من الشرط "

# وقيل: إن السفهاء عام في كل سفيه من صبي أو مجنون أو محجور عليه
~~للتبذير، وقريب منه ما روي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال:
~~إن السفيه شارب الخمر ومن يجري مجراه، وجعل الخطاب عاما أيضا للأولياء
~~وسائر الناس، والإضافة في أموالكم لا تفيد إلا الاختصاص وهو شامل لاختصاص
~~الملكية واختصاص التصرف، وأيد ما ذهب إليه الكثير بأنه الملائم للآيات
~~المتقدمة والمتأخرة، ومن ذهب إلى غيره جعل ذكر هذا الحكم استطرادا وكون
~~ذلك مخلا بجزالة النظم الكريم محل تأمل، وقرأ نافع وابن عامر (قيما)
~~بغير ألف، وفيه  كما قال أبو البقاء  ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مصدر مثل
~~الحول والعوض وكان القياس أن تثبت الواو لتحصنها بتوسطها كما صحت في
~~العوض والحول لكن أبدلوها ياءا حملا على قيام، وعلى اعتلالها في الفعل،
~~والثاني: أنها جمع قيمة  كديمة وديم  والمعنى إن الأموال كالقيم للنفوس
~~إذ كان بقاؤها بها، وقال أبو علي: هذا لا يصح لأنه قد قرىء في قوله
~~تعالى:

# دينا قيما ملة إبراهيم

# [الأنعام: 161] وقوله سبحانه:

# الكعبة البيت الحرام قياما

# [المائدة: 97] ولا يصح معنى القيمة فيهما. والثالث: أن يكون الأصل
~~قياما فحذفت الألف كما حذفت في خيم؛ وإلى هذا ذهب بعض المحققين وجعل ذلك
~~مثل عوذا وعياذا، وقرأ ابن عمر  قواما  بكسر القاف وبواو وألف، وفيه
~~وجهان: الأول: أنه مصدر قاومت قواما مثل لاوذت لواذا فصحت في المصدر
~~كما صحت في الفعل، والثاني: أنه اسم لما يقوم به الأمر وليس بمصدر، وقرىء
~~كذلك إلا أنه بغير ألف وهو ms01719 مصدر صحت عينه وجاءت على الأصل كالعوض، وقرىء
~~بفتح القاف وواو وألف، وفيه وجهان: أحدهما: أنه اسم مصدر مثل السلام
~~والكلام والدوام، وثانيهما: أنه لغة في القوام الذي هو بمعنى القامة
~~يقال: جارية حسنة القوام والقوام، والمعنى التي جعلها الله تعالى سبب
~~بقاء قامتكم، وعلى سائر القراءات في الآية إشارة إلى مدح الأموال وكان
~~السلف يقولون: المال سلاح المؤمن ولأن أترك مالا يحاسبني الله تعالى
~~عليه خير من أن احتاج إلى الناس، وقال عبد الله بن عباس: الدراهم
~~والدنانير خواتيم الله في الأرض لا تؤكل ولا تشرب / حيث قصدت بها قضيت
~~حاجتك، وقال قيس بن سعد: اللهم ارزقني حمدا ومجدا فإنه لا حمد إلا
~~بفعال ولا مجد إلا بمال، وقيل لأبي الزناد: لم تحب الدراهم وهي تدنيك من
~~الدنيا؟ فقال: هي وإن أدنتني منها فقد صانتني عنها، وفي «منثور الحكم» من
~~استغنى كرم على أهله، وفيه أيضا الفقر مخذلة والغنى مجذلة والبؤس مرذلة
~~والسؤال مبذلة وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج
~~أحدكم كان أول ما يأكل دينه، وقال أبو العتاهية:

# أجلك قوم حين صرت إلى الغنى

# وكل غني في العيون جليل

# إذا مالت الدنيا على المرء رغبت

# إليه ومال الناس حيث يميل

# وليس الغنى إلا غنى زين الفتى

# عشية يقري أو غداة ينيل

# وقد أكثر الناس في مدح المال واختلفوا في تفضيل الغنى والفقر، واستدل كل
~~على مدعاه بما لا يتسع له هذا المجال، ولشيخنا علاء الدين أعلى الله
~~تعالى درجته في أعلى عليين:

# قالوا اغتنى ناس وإنا نرى

# عنك وأنت العلم المال مال

# قلت غنى النفس كمال الغنى

# والفقر كل الفقر فقد الكمال

# وله أيضا:

# قالوا حوى المال رجال

# وما على كمال نلت هذا المنال

# فقلت حازوا بعض أجزائه

# وإنني حزت جميع الكمال

# { وارزقوهم فيها واكسوهم } أي اجعلوها مكانا لرزقهم
~~وكسوتهم بأن تتجروا وتربحوا حتى تكون نفقاتهم من الأرباح لا من صلب المال
~~لئلا يأكله الانفاق، وهذا ما يقتضيه جعل الأموال نفسها ظرفا للرزق
~~والكسوة، ولو ms01720 قيل: منها كان الانفاق من نفس المال، وجوز بعضهم أن تكون في
~~بمعنى من التبعيضية.

# { وقولوا لهم قولا معروفا } أي كلاما تطيب به نفوسهم
~~كأن يقول الولي لليتيم: مالك عندي وأنا أمين عليه فإذا بلغت ورشدت أعطيتك
~~مالك، وعن مجاهد وابن جريج أنهما فسرا القول المعروف بعدة جميلة في
~~البر والصلة، وقال ابن عباس: هو مثل أن يقول: إذا ربحت في سفري هذا فعلت
~~بك ما أنت أهله، وإن غنمت في غزاي جعلت لك حظا، وقال الزجاج: علموهم 
~~مع إطعامكم وكسوتكم إياهم  أمر دينهم مما يتعلق بالعلم والعمل، وقال
~~القفال: إن كان صبيا فالوصي يعرفه أن المال ماله وأنه إذا زال صباه يرد
~~المال إليه، وإن كان سفيها وعظه وحثه على الصلاة وعرفه أن عاقبة الاتلاف
~~فقر واحتياج.

# وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية إن كان ليس من ولدك ولا ممن يجب
~~عليك أن تنفق عليه فقل له: عافانا الله تعالى وإياك بارك الله تعالى فيك،
~~ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر لما أنه ظاهر في أن الخطاب في هذه الجملة
~~ليس للأولياء، وبالجملة كل ما سكنت إليه النفس لحسنه شرعا أو عقلا من
~~قول أو عمل معروف، وكل ما أنكرته لقبحه شرعا أو عقلا منكر  قاله غير
~~واحد  وليس إشارة إلى المذهبين في الحسن والقبح هل هو شرعي أو عقلي 
~~كما قيل  إذ لا خلاف بيننا وبين القائلين بالحسن والقبح العقليين في
~~الصفة الملائمة للغرض والمنافرة له، وإن منها ما مأخذه العقل وقد يرد به
~~الشرع، وإنما الخلاف  فيما يتعلق به المدح والذم عاجلا والثواب والعقاب
~~آجلا  هل هو مأخذه الشرع فقط أو العقل على ما حقق في الأصول.

### || [4.6]

# { وابتلوا اليتمى } شروع في تعيين وقت تسليم أموال اليتامى
~~إليهم وبيان شرطه بعد الأمر بإيتائها على الإطلاق، والنهي عنه عند كون /
~~أصحابها سفهاء  قاله شيخ الإسلام  وهو ظاهر على تقدير أن يراد من
~~السفهاء المبذرين بالفعل من اليتامى وأما على تقدير أن يراد بهم اليتامى
~~مطلقا ووصفهم ms01721 بالسفه باعتبار ما أشير إليه فيما مر ففيه نوع خفاء،
~~وقيل: إن هذا رجوع إلى بيان الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى لا شروع وهو
~~مبني على أن ما تقدم كان مذكورا على سبيل الاستطراد والخطاب للأولياء،
~~والابتلاء الاختبار أي  واختبروا من عندكم من اليتامى بتتبع أحوالهم في
~~الاهتداء إلى ضبط الأموال وحسن التصرف فيها وجربوهم بما يليق بحالهم 
~~والاقتصار على هذا الاهتداء رأي أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه والشافعي
~~رحمه الله تعالى يعتبر مع هذا أيضا الصلاح في الدين وإلى ذلك ذهب ابن
~~جبير، ونسب إلى ابن عباس والحسن.

# واتفق الإمامان رضي الله تعالى عنهما على أن هذا الاختبار قبل البلوغ
~~وظاهر الكلام يشهد لهما لما تدل عليه الغاية، وقال الإمام مالك: إنه بعد
~~البلوغ، وفرع الإمام الأعظم على كون الاختبار قبل، أن تصرفات العاقل
~~المميز بإذن الولي صحيحة لأن ذلك الاختبار إنما يحصل إذا أذن له في البيع
~~والشراء مثلا، وقال الشافعي: الاختبار لا يقتضي الإذن في التصرف لأنه
~~يتوقف على دفع المال إلى اليتيم  وهو موقوف على الشرطين  وهما إنما
~~يتحققان بعد، بل يكون بدونه على حسب ما يليق بالحال، فولد التاجر مثلا
~~يختبر في البيع والشراء إلى حيث يتوقف الأمر على العقد وحينئذ يعقد الولي
~~إن أراد وعلى هذا القياس.

# { حتى إذا بلغوا النكاح } أي إذا بلغوا حد البلوغ وهو إما
~~بالاحتلام أو بالسن  وهو خمس عشرة سنة  عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد 
~~وهي رواية عن أبي حنيفة  وعليها الفتوى عند الحنفية لما أن العادة
~~الفاشية أن الغلام والجارية يصلحان للنكاح وثمرته في هذه المدة ولا
~~يتأخران عنها، والاستدلال بما أخرجه البيهقي في «الخلافيات» من حديث أنس
~~إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ما له وما عليه وأقيمت عليه الحدود
~~ ضعيف لأن البيهقي نفسه صرح بأن إسناد الحديث ضعيف، وشاع عن الإمام
~~الأعظم أن السن للغلام تمام ثماني عشرة سنة وللجارية تمام سبع عشرة سنة،
~~وله في ذلك قوله تعالى:

# حتى يبلغ أشده

# [الأنعام: 152] وأشد الصبي ms01722 ثماني عشرة سنة  هكذا قاله ابن عباس 
~~وتابعه القتبي، وهذا أقل ما قيل فيه فيبنى الحكم عليه للتيقن غير أن
~~الإناث نشؤهن وإدراكهن أسرع فنقصنا في حقهن سنة لاشتمالها على الفصول
~~الأربعة التي يوافق واحد منها المزاج لا محالة، وعنه في الغلام تسع عشرة
~~سنة، والمراد أن يطعن في التاسعة عشرة ويتم له ثماني عشرة، وقيل: فيه
~~اختلاف الرواية لذكر حتى يستكمل تسع عشرة سنة.

# وشاع عن الإمام الشافعي أنه قد جعل الإنبات دليلا على البلوغ في
~~المشركين خاصة، وشنع ابن حزم الضال عليه، والذي ذكره الشافعية أنه إذا
~~أسر مراهق ولم يعلم أنه بالغ فيفعل فيه ما يفعل بالبالغين من قتل ومن
~~وفداء بأسرى منا أو مال واسترقاق أو غير بالغ فيفعل فيه ما يفعل
~~بالصبيان من الرق يكشف عن سوأته فإن أنبت فله حكم الرجال وإلا فلا وإنما
~~يفعل به ذلك لأنه لا يخبر المسلمين ببلوغه خوفا من القتل بخلاف المسلم
~~فإنه لا يحتاج إلى معرفة بلوغه بذلك، ولا يخفى أن هذا لا يصلح محلا
~~للتشنيع وغاية ما فيه أنه جعل الإنبات سببا لإجراء أحكام الرجال عليه في
~~هذه المسألة لعدم السبيل إلى معرفة البلوغ فيها وصلاحيته لأن يكون أمارة
~~في الجملة لذلك ظاهرة، وأما أن فيه أن الإنبات أحد أدلة البلوغ مثل
~~الاحتلام والإحبال والحيض والحبل / في الكفار دون المسلمين فلا.

# { فإن ءانستم } أي أحسستم  قاله مجاهد  وأصل معنى الاستئناس 
~~كما قال الشهاب  النظر من بعد وضع اليد على العين إلى قادم ونحوه ما
~~يؤنس به، ثم عم في كلامهم قال الشاعر:

# (آنست) نبأة وأفزعها الق

# ناص عصرا وقد دنا الإمساء

# ثم استعير للتبين أي علم الشيء بينا، وزعم بعضهم أن أصله الإبصار مطلقا
~~وأنه أخذ من إنسان العين وهو حدقتها التي يبصر بها، وهو هنا محتمل لأن
~~يراد منه المعنى المجازي أو المعنى الحقيقي، وقرأ ابن مسعود أحستم بحاء
~~مفتوحة وسين ساكنة، وأصله أحسستم بسينين نقلت حركة الأولى إلى الحاء
~~وحذفت لالتقاء الساكنين إحداهما على غير ms01723 القياس، وقيل: إنها لغة سليم
~~وإنها مطردة في عين كل فعل مضاعف اتصل بها تاء الضمير، أو نونه كما في
~~قول أبي زيد الطائي:

# خلا أن العتاق من المطايا

# أحسن به فهن إليه شوس

# { منهم رشدا } أي اهتداءا إلى ضبط الأموال وحسن التصرف فيها،
~~وقيل: صلاحا في دينهم وحفظا لأموالهم، وتقديم الجار والمجرور لما مر
~~غير مرة، وقرىء (رشدا) بفتحتين، و (رشدا) بضمتين، وهما بمعنى رشدا،
~~وقيل: الرشد بالضم في الأمور الدنيوية والأخروية، وبالفتح في الأخروية لا
~~غير، والراشد والرشيد يقال فيهما { فادفعوا إليهم أمولهم
~~} أي من غير تأخير عن حد البلوغ كما تدل عليه الفاء، وفي إيثار الدفع
~~على الإيتاء في أول الأمر إيذان على ما ذهب إليه البعض بتفاوتهما بحسب
~~المعنى، وقد تقدم الكلام في ذلك، ونظم الآية أن حتى هي التي تقع بعدها
~~الجمل كالتي في قوله:

# سريت بهم حتى تكل مطيهم

# وحتى الجياد ما يقدن بأرسان

# وتسمى ابتدائية في ذلك، ولا يذهب منها معنى الغاية كما نصوا عليه في
~~عامة كتب النحو، وذكره الكثير من الأصوليين خلافا لمن وهم فيه، وما
~~بعدها جملة شرطية جعلت غاية للابتلاء، وفعل الشرط بلغوا وجوابه الشرطية
~~الثانية كما حققه غير واحد من المعربين، وبيان ذلك أنه ذكر في «شرح
~~التسهيل» لابن عقيل أنه إذا توالى شرطان فأكثر كقولك: إن جئتني إن وعدتك
~~أحسنت إليك، فأحسنت إليك جواب إن جئتني واستغنى به عن جواب إن وعدتك،
~~وزعم ابن مالك أن الشرط الثاني مقيد للأول، بمنزلة الحال، وكأنه قيل: إن
~~جئتني في حال وعدي لك، والصحيح في هذه المسألة أن الجواب للأول، وجواب
~~الثاني محذوف لدلالة الشرط الأول وجوابه عليه فإذا قلت: إن دخلت الدار إن
~~كلمت زيدا إن جاء إليك فأنت حر، فأنت حر جواب إن دخلت، وإن دخلت،
~~وجوابه دليل جواب إن كلمت، وإن كلمت وجوابه دليل جواب إن جاء، والدليل
~~على الجواب جواب في المعنى، والجواب متأخر فالشرط الثالث مقدم وكذا
~~الثاني فكأنه قيل: إن جاء فإن كلمت فإن ms01724 دخلت فأنت حر فلا يعتق إلا إذا
~~وقعت هكذا مجيء ثم كلام ثم دخول، وهو مذهب الشافعي، وذكر الجصاص أن فيها
~~خلافا بين محمد وأبي يوسف، وليس مذهب الشافعي فقط والسماع يشهد له قال:

# إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا

# منا معاقد عز زانها كرم

# وعليه فصحاء المولدين، وقال بعض الفقهاء: الجواب للأخير والشرط الأخير
~~وجوابه جواب الثاني، والشرط الثاني وجوابه جواب الأول، فعلى هذا لا يعتق
~~حتى يوجد هكذا دخول ثم كلام ثم مجيء، وقال بعضهم / إذا اجتمعت حصل العتق
~~من غير ترتيب وهذا إذا كان التوالي بلا عاطف فإن عاطف بأو فالجواب
~~لأحدهما دون تعيين نحو  إن جئتني، أو إن أكرمت زيدا أحسنت إليك  وإن
~~كان بالواو فالجواب لهما. وإن كان بالفاء فالجواب للثاني، وهو وجوابه
~~جواب الأول فتخرج الفاء عن العطف وما نحن فيه من المقرون بالفاء وهي
~~رابطة للجواب كالفاء الثانية وما خرجناه عليه هو الذي ارتضاه جماعة منهم
~~الزمخشري، ومذهب الزجاج وبعض النحاة والمؤنة عليه أقل أن حتى الداخلة على
~~هذه الجملة حرف جر، وإذا متمحضة للظرفية وليس فيها معنى الشرط، والعامل
~~فيها على التقدير الأول ما يتلخص من معنى جوابها والمعنى وابتلوا اليتامى
~~إلى وقت بلوغهم فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم،
~~وعبر في البلوغ بإذا وفي الإيناس بإن للفرق بينهما ظهورا وخفاءا.

# وظاهر الآية الكريمة أنه لا يدفع إليهم ولو بلغوا ما لم يؤنس منهم الرشد
~~وهو مذهب الشافعي، وقول الإمامين وبه قال مجاهد، فقد أخرج ابن المنذر
~~وغيره عنه أنه قال: لا يدفع إلى اليتيم ماله وإن شمط ما لم يؤنس منه رشد،
~~ونسب إلى الشعبي، وقال الإمام الأعظم.

# إذا زادت على سن البلوغ سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير الأحوال إذ
~~الطفل يميز بعدها ويؤمر بالعبادة كما في الحديث  يدفع إليه ماله، وإن لم
~~يؤنس الرشد لأن المنع كان لرجاء التأديب فإذا بلغ ذلك السن ولم يتأدب
~~انقطع عنه الرجاء غالبا فلا معنى للحجر بعده وفي «الكافي». وللإمام ms01725
~~الأعظم قوله تعالى:

# وءاتوا اليتمى أمولهم

# [النساء: 2]، والمراد بعد البلوغ فهو تنصيص على وجوب دفع المال بعد
~~البلوغ إلا أنه منع عنه ماله قبل هذه المدة بالإجماع ولا إجماع هنا فيجب
~~دفع المال بالنص والتعليق بالشرط لا يوجب العدم عند العدم عندنا على أن
~~الشرط رشد نكرة فإذا صار الشرط في حكم الوجود بوجه وجب جزاؤه، وأول أحوال
~~البلوغ قد يقارنه السفه باعتبار أثر الصبا وبقاء أثره كبقاء عينه، وإذا
~~امتد الزمان وظهرت الخبرة والتجربة لم يبق أثر الصبا وحدث ضرب من الرشد
~~لا محالة لأنه حال كمال لبه فقد ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال:
~~ينتهي لب الرجل إذا بلغ خمسا وعشرين. وقال أهل الطباع: من بلغ خمسا
~~وعشرين سنة فقد بلغ أشده ألا ترى أنه قد يصير جدا صحيحا في هذا السن
~~لأن أدنى مدة البلوغ اثنا عشر حولا وأدنى مدة الحمل ستة أشهر، ففي هذه
~~المدة يمكن أن يولد له ابن ثم ضعف هذا المبلغ يولد لابنه ابن.

# وأنت تعلم أن الاستدلال بما ذكر من الآية على الوجه الذي ذكر ظاهر
~~بناءا على أن المراد بالإيتاء فيها الدفع، وقد مر الكلام في ذلك، واعترض
~~على قوله: على أن الشرط الخ بأنه إذا كان ضرب من الرشد كافيا كما يشعر
~~به التنكير وكان ذلك حاصلا لا محالة في ذلك السن كما هو صريح كلامه،
~~واستدل عليه بما استدل  كان الدفع حينئذ عند إيناس الرشد  وهو مذهب
~~الشافعي وقول الإمامين  فلم يصح أن يقال: إن مذهب الإمام وجوب دفع مال
~~اليتيم إليه إن أونس منه الرشد أو لم يؤنس، غاية ما في الباب أنه يبقى
~~خلاف بين الإمام وغيره في أن الرشد المعتبر شرطا للدفع في الآية ماذا 
~~وهو أمر آخر وراء ما شاع عن الإمام رضي الله تعالى عنه في هذه المسألة 
~~وأيضا إن أريد بهذا الضرب من الرشد الذي أشار إليه التنوين هو الرشد في
~~مصلحة المال فكونه لا بد وأن يحصل في سن ms01726 خمس وعشرين سنة في حيز المنع،
~~وإن أريد ضرب من الرشد كيفما كان فهو على فرض تسليم حصوله إذ ذاك لا يجدي
~~نفعا إذ الآية كالصريحة في اشتراط الضرب الأول.

# فقد قال الفخر: ((لا شك / أن المراد من ابتلاء اليتامى المأمور به
~~ابتلاؤهم فيما يتعلق بمصالح حفظ المال، وقد قال الله تعالى بعد ذلك الأمر
~~{ فإن آنستم منهم رشدا } فيجب أن يكون المراد فإن آنستم
~~[منهم] رشدا في [حفظ المال و] ضبط مصالحه فإنه إن لم يكن المراد ذلك
~~تفكك النظم ولم يبق للبعض تعلق بالبعض، وإذا ثبت هذا علمنا أن الشرط
~~المعتبر في الآية هو حصول الرشد في رعاية مصالح المال (لا ضرب من الرشد
~~كيف كان)، ثم قال: والقياس الجلي يقوي الاستدلال بالآية لأن الصبي إنما
~~منع منه المال لفقدان العقل الهادي إلى كيفية حفظ المال وكيفية الانتفاع
~~به؛ فإذا كان هذا المعنى حاصلا في الشاب والشيخ كانا في حكم الصبي))
~~فوجب أن يمنع دفع المال إليهما إن لم يؤنس منهما الرشد ومنه يعلم ما في
~~التعليل السابق أعني قولهم لأن المنع كان لرجاء التأديب الخ من النظر
~~ولقوة كلام المخالف في هذه المسألة شنع الضال ابن حزم كعادته مع سائر
~~أئمة الدين على الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، وتابعه في ذلك سفهاء
~~الشيعة  كيوسف الأوالي وغيره  ولا يخفى أن المسألة من الفروع، وكم لابن
~~حزم وأتباعه فيها من المخالفات للكتاب والسنة ومتمسكهم في ذلك بما هو
~~أوهى وأوهن من بيت العنكبوت.

# ومن أمعن النظر فيما ذهب إليه الإمام علم أن نظره رضي الله تعالى عنه في
~~ذلك دقيق لأن اليتيم بعد أن بلغ مبلغ الرجال واعتبر إيمانه وكفره وصار
~~مورد الخطابات الالهية والتكاليف الشرعية وسلم الله تعالى إليه نفسه
~~يتصرف بها حسب اختياره المترتب عليه المدح والذم والثواب والعقاب كان منع
~~ماله عنه وتصرف الغير به أشبه الأشياء بالظلم، ثم هذا وإن اقتضى دفع
~~المال إليه بعد البلوغ مطلقا من غير تأخير إلى بلوغه سن خمس ms01727 وعشرين فيمن
~~بلغ غير رشيد إلا أنا أخرنا الدفع إلى هذه المدة للتأديب ورجاء الرشد
~~والكف عن السفه وما فيه تبذير المال وإفساده، ونظير ذلك من وجه أخذ أموال
~~البغاة وحبسها عنهم ليفيئوا، واعتبرت الزيادة سبع سنين لأنها  كما تقدم
~~ مدة معتبرة في تغير الأحوال، والعشر مثلا وإن كانت كذلك كما يشير إليه
~~قوله صلى الله عليه وسلم:

# " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء
~~عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع "

# إلا أنا اعتبرنا الأقل لأنه كاف في الغرض غالبا، ولا يرد أن المنع يدور
~~مع السفه لأنا لا نسلم أنه يدور مع السفه مطلقا بل مع سفه الصبا ولا
~~نسلم بقاءه بعد تلك المدة على أن التعليق بالشرط لا يوجب العدم عند عدمه
~~عندنا فأصل الدوران حينئذ ممنوع، وعلى هذا لا معنى للتشنيع على الإمام
~~الأعظم رضي الله تعالى عنه فيما ذهب إليه.

# ويؤيد مذهبه أيضا قوله تعالى: { ولا تأكلوها إسرافا
~~وبدارا أن يكبروا } فإنه مشير إلى أنه لا يمنع مال اليتيم عنه
~~إذا كبر، إذ المعنى لا تأكلوا أموالهم مسرفين ومبادرين كبرهم بأن تفرطوا
~~في إنفاقها وتقولوا ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من
~~أيدينا إلا أنه قدر الكبر فيمن بلغ سفيها بما تقدم لما تقدم، فافهم ذاك
~~والله تعالى يتولى هداك. والإسراف في الأصل تجاوز الحد المباح إلى ما لم
~~يبح، وربما كان ذلك في الإفراط، وربما كان في التقصير غير أنه إذا كان في
~~الإفراط منه يقال: أسرف يسرف إسرافا، وإذا كان في التقصير يقال: سرف
~~يسرف سرفا ويستعمل بمعنى السهو والخطأ وهو غير مراد أصلا، والمبادرة
~~المسارعة وهي لأصل الفعل هنا وتصح المفاعلة فيه بأن يبادر الولي أخذ مال
~~اليتيم واليتيم يبادر نزعه منه، وأصلها كما قيل: من البدار وهو الامتلاء
~~ومنه البدر لامتلائه نورا، والبدرة لامتلائها بالمال، والبيدر لامتلائه
~~بالطعام والاسمان المتعاطفان منصوبان على الحال كما أشرنا إليه، وقيل:
~~إنهما مفعول لهما والجملة معطوفة على  ابتلوا  لا على ms01728 جواب الشرط لفساد
~~المعنى لأن الأول بعد البلوغ / وهذا قبله، و (يكبروا) بفتح الباء الموحدة
~~من باب علم يستعمل في السن، وأما بالضم فهو في القدرة والشرف، وإذا تعدى
~~الثاني بعلى كان للمشقة نحو كبر عليه كذا وتخصيص الأكل الذي هو أساس
~~الانتفاع وتكثر الحاجة إليه بالنهي يدل على النهي عن غيره بالطريق
~~الأولى، وفي الجملة تأكيد للأمر بالدفع وتقرير لها وتمهيد لما بعدها من
~~قوله تعالى:

# { ومن كان غنيا فليستعفف } الخ أي ومن كان من الأولياء
~~والأوصياء ذا مال فليكف نفسه عن أكل مال اليتيم ولينتفع بما آتاه الله
~~تعالى من الغنى، فالاستعفاف الكف وهو أبلغ من العف، وفي «المختار» يقال:
~~((عف عن الحرام يعف بالكسر عفة وعفا وعفافة أي كف فهو عف وعفيف؛ والمرأة
~~عفة وعفيفة، وأعفه الله تعالى واستعف عن المسألة أي عف، وتعفف تكلف
~~العفة))، وتفسيره بالتنزه كما يشير إليه كلام البعض بيان لحاصل المعنى.

# { ومن كان } من الأولياء والأوصياء { فقيرا فليأكل
~~بالمعروف } بقدر حاجته الضرورية من سد الجوعة وستر العورة قاله
~~عطاء وقتادة. وأخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن عباس أنه قال: يأكل
~~الفقير إذا ولي مال اليتيم بقدر قيامه على ماله ومنفعته له ما لم يسرف أو
~~يبذر، وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه

# " عن ابن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ليس لي مال وإني ولي
~~يتيم فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف ولا متأثل مالا ومن غير أن تقي
~~مالك بماله "

# ، وهل يعد ذلك أجرة أم لا؟ قولان، ومذهبنا الثاني كما صرح به الجصاص في
~~«الأحكام»، وعن سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية والزهري وعبيدة
~~السلماني والباقر رضي الله تعالى عنهم وآخرين أن للولي الفقير أن يأكل من
~~مال اليتيم بقدر الكفاية على جهة القرض فإذا وجد ميسرة أعطى ما استقرض،
~~وهذا هو الأكل بالمعروف، ويؤيده ما أخرجه عبد بن حميد وابن أبي شيبة
~~وغيرهما من طرق عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: إني ms01729 أنزلت
~~نفسي من مال الله تعالى بمنزلة مال اليتيم إن استغنيت استعففت وإن احتجت
~~أخذت منه بالمعروف فإذا أيسرت قضيت، وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في
~~«الناسخ» وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه
~~قال: { ومن كان فقيرا } الآية نسختها

# إن الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما

# [النساء: 10] الخ، وذهب قوم إلى إباحة الأكل دون الكسوة، ورواه عكرمة عن
~~ابن عباس، وزعم آخرون أن الآية نزلت في حق اليتيم ينفق عليه من ماله بحسب
~~حاله، وحكي ذلك عن يحيى بن سعيد  وهو مردود  لأن قوله سبحانه: {
~~فليستعفف } لا يعطي معنى ذلك، والتفكيك مما لا ينبغي أن يخرج
~~عليه النظم الكريم.

# { فإذا دفعتم } أيها الأولياء والأوصياء { إليهم } أي
~~اليتامى بعد رعاية ما ذكر لكم { أمولهم } التي تحت أيديكم، وتقديم
~~الجار والمجرور على المفعول الصريح للاهتمام به { فأشهدوا
~~عليهم } بأن قبضوها وبرئت عنها ذممكم لما أن ذلك أبعد عن التهمة
~~وأنفى للخصومة وأدخل في الأمانة وهو أمر ندب عندنا، وذهب الشافعية
~~والمالكية إلى أنه أمر وجوب، واستدلوا بذلك على أن القيم لا يصدق بقوله
~~في الدفع بدون بينة.

# { وكفى بالله حسيبا } أي شهيدا قاله السدي، وأخرج ابن أبي
~~حاتم عن سعيد بن جبير أن معنى وكفى بالله حسيبا أنه لا شاهد أفضل من
~~الله تعالى فيما بينكم وبينهم وهذا موافق لمذهبنا في عدم لزوم البينة،
~~وقيل: إن المعنى وكفى به تعالى محاسبا لكم فلا تخالفوا ما أمرتم به ولا
~~تجاوزوا ما حد لكم، ولا يخفى موقع المحاسب هنا لأن الوصي يحاسب على ما
~~في يده، وفي فاعل كفى كما قال أبو البقاء: وجهان، أحدهما: أنه الاسم
~~الجليل، / والباء زائدة دخلت لتدل على معنى الأمر، فالتقدير اكتفوا بالله
~~تعالى، والثاني: أن الفاعل مضمر والتقدير كفى الاكتفاء بالله تعالى
~~فبالله على هذا في موضع نصب على أنه مفعول به، و حسيبا حال، وقيل:
~~تمييز، وكفى متعدية إلى مفعول واحد عند السمين، والتقدير وكفاكم الله
~~حسيبا، وإلى مفعولين عند أبي ms01730 البقاء والتقدير، وكفاكم الله شركم ونحو
~~ذلك.

# هذا ومن باب الإشارة: { يأيها الناس اتقوا ربكم } أي
~~احذروه من المخالفات والنظر إلى الأغيار والزموا عهد الأزل حين أشهدكم
~~على أنفسكم { الذى خلقكم من نفس وحدة } وهي الحقيقة
~~المحمدية ويعبر عنها أيضا بالنفس الناطقة الكلية التي هي قلب العالم
~~وبآدم الحقيقي الذي هو الأب لآدم، وإلى ذلك أشار سلطان العاشقين ابن
~~الفارض قدس سره بقوله على لسان تلك الحقيقة:

# وإني وإن كنت ابن آدم صورة

# فلي فيه معنى شاهد بأبوتي

# { وخلق منها زوجها } وهي الطبيعة أو النفس الحيوانية الناشئة
~~منها، وقد خلقت من الجهة التي تلي عالم الكون وهو الضلع الأيسر المشار
~~إليه في الخبر، وقد خصت بذلك لأنها أضعف من الجهة التي تلي الحق {
~~وبث منهما رجالا كثيرا } أي كاملين يميلون إلى أبيهم {
~~ونساءا } ناقصين يميلون إلى أمهم { واتقوا الله الذى
~~تساءلون به } فلا تثبتوا لأنفسكم وجودا مع وجوده لأنه الذي أظهر
~~تعيناتكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا واتقوا الأرحام أي اجتنبوا
~~مخالفة أوليائي وعدم محبتهم فإن من وصلهم وصلته ومن قطعهم قطعته فالأرحام
~~الحقيقية هي قرابة المبادىء العالية

# إن الله كان عليكم رقيبا

# [النساء: 1] ناظرا إلى قلوبكم مطلعا على ما فيها فإذا رأى فيها الميل
~~إلى السوى وسوء الظن بأهل حضرته ارتحلت مطايا أنواره منها فبقيت بلاقع
~~تتجاوب في أرجائها البوم { وءاتوا اليتمى } وهم يتامى القوى
~~الروحانية المنقطعين عن تربية الروح القدسي الذي هو أبوهم { أمولهم
~~} وهي حقوقهم من الكمالات { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب
~~} بأن تعطوا الطيب من الصفات وتذيلوه وتأخذوا بدله الخبيث منها وتتصفوا
~~به { ولا تأكلوا أمولهم إلى أمولكم } بأن تخلطوا
~~الحق بالباطل

# إنه كان حوبا كبيرا

# [النساء: 2] أي حجابا عظيما { وإن خفتم ألا تقسطوا }
~~أي تعدلوا في تربية يتامى القوى { فانكحوا ما طاب لكم من
~~النساء مثنى وثلث ورباع } لتقل شهواتكم وتحفظوا فروجكم
~~فتستعينوا بذلك على التربية لما يحصل لكم من التزكية عن الفاحشة { فإن
~~خفتم ألا تعدلوا } بين النساء فتقعوا في نحو ما هربتم منه ms01731

# فوحدة

# [النساء: 3] تكفيكم في تحصيل غرضكم { وءاتوا النساء
~~صدقتهن } مهورهن { نحلة } عطية من الله وفضلا، وفيه إشارة
~~إلى التخلية عن البخل والغدر والتحلية بالوفاء والكرم، وذلك من جملة ما
~~يربي به القوى

# فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا
~~مريئا

# [النساء: 4] ولا تأنفوا وتتكبروا عن ذلك وهذا أيضا نوع من التربية لما
~~فيه من التخلية عن الكبر والأنفة والتحلية بالتواضع والشفقة { ولا
~~تؤتوا السفهآء أمولكم } أي لا تودعوا الناقصين عن مراتب
~~الكمال أسراركم وعلومكم { التى جعل الله لكم قيما
~~وارزقوهم فيها } أي غذوهم بشيء منها { واكسوهم } أي حلوهم

# وقولوا لهم قولا معروفا

# [النساء: 5] لينقادوا إليكم ويسلموا أنفسهم بأيديهم { وابتلوا
~~اليتمى } أي اختبروهم، ولعله إشارة إلى اختبار الناقصين من
~~السائرين { حتى إذا بلغوا النكاح } وصلحوا للإرشاد والتربية
~~{ فإن آنستم منهم رشدا } أي استقامة في الطريق وعدم تلون
~~{ فادفعوا إليهم أمولهم } التي يستحقونها من الأسرار
~~التي لا تودع إلا عند الأحرار.

# / والمراد إيصاء الكمل من الشيوخ أن يخلفوا ويأذنوا بالإرشاد من يصلح
~~لذلك من المريدين السالكين على أيديهم { ولا تأكلوها } أي تنتفعوا
~~بتلك الأموال دونهم { إسرافا وبدارا أن يكبروا } بالتصدي
~~للإرشاد فإن ذلك من أعظم أدواء النفس والسموم القاتلة { ومن كان }
~~منكم { غنيا } بالله لا يلتفت إلى ضرورات الحياة أصلا {
~~فليستعفف } عما للمريد { ومن كان فقيرا } لا يتحمل
~~الضرورة { فليأكل } أي فلينتفع بما للمريد { بالمعروف } وهو
~~ما كان بقدر الضرورة { فإذا دفعتم إليهم أمولهم
~~فأشهدوا عليهم } الله تعالى وأرواح أهل الحضرة وخذوا العهد
~~عليهم برعاية الحقوق مع الحق والخلق { وكفى بالله حسيبا }
~~[النساء: 6] لأنه الموجود الحقيقي والمطلع الذي يعلم خائنة الأعين وما
~~تخفى الصدور، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

### || [4.7]

# { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون }
~~شروع في بيان أحكام المواريث بعد بيان [أحكام] أموال اليتامى المنتقلة
~~إليهم بالإرث، والمراد من الرجال الأولاد الذكور، أو الذكور أعم من أن
~~يكون كبارا أو صغارا، ومن الأقربين الموروثون، ومن الوالدين ما لم يكن
~~بواسطة، والجد والجدة داخلان تحت الأقربين، وذكر الولدان مع دخولهما ms01732
~~أيضا اعتناءا بشأنهما، وجوز أن يراد من الوالدين ما هو أعم من أن يكون
~~بواسطة أو بغيرها فيشمل الجد والجدة، واعترض بأنه يلزم توريث أولاد
~~الأولاد مع وجود الأولاد. وأجيب بأن عدم التوريث في هذه الصورة معلوم من
~~أمر آخر لا يخفى، والنصيب الحظ كالنصب بالكسر ويجمع على أنصباء وأنصبة، و
~~ من  في مما متعلقة بمحذوف وقع صفة للنكرة قبله أي نصيب كائن مما ترك
~~وجوز تعلقه بنصيب.

# { وللنسآء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون
~~} المراد من النساء البنات مطلقا أو الإناث كذلك، وإيراد حكمهن على
~~الاستقلال دون الدرج في تضاعيف أحكام السالفين بأن يقال للرجال والنساء
~~نصيب الخ للاعتناء  كما قال شيخ الإسلام  بأمرهن والإيذان بأصالتهن في
~~استحقاق الإرث، والإشارة من أول الأمر إلى تفاوت ما بين نصيبي الفريقين
~~والمبالغة في إبطال حكم الجاهلية فإنهم ما كانوا يورثون النساء والأطفال
~~ويقولون: إنما يرث من يحارب ويذب عن الحوزة، وللرد عليهم نزلت هذه الآية
~~ كما قال ابن جبير وغيره  وروي أن أوس بن ثابت وقيل: أوس بن مالك،
~~وقيل: ثابت بن قيس، وقيل: أوس بن الصامت  وهو خطأ  لأنه توفي في زمن
~~خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه مات وترك ابنتين وابنا صغيرا وزوجته أم
~~كحة، وقيل: بنت كحة، وقيل: أم كحلة، وقيل: أم كلثوم

# " فجاء أبناء عمه خالد أو سويد وعرفطة أو قتادة، وعرفجة فأخذا ميراثه
~~كله فقالت امرأته لهما: تزوجا بالابنتين وكانت بهما دمامة فأبيا فأتت
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر فقال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم: «ما أدري ما أقول؟ فنزلت: { للرجال نصيب } الآية فأرسل
~~صلى الله عليه وسلم إلى ابني العم فقال: لا تحركا من الميراث شيئا فإنه
~~قد أنزل علي فيه شيء أخبرت فيه أن للذكر والأنثى نصيبا "

# ثم نزل بعد ذلك: { ويستفتونك فى النساء } إلى قوله:

# عليما

# [النساء: 127] ثم نزل:

# يوصيكم الله فى أولدكم

# [النساء: 11] إلى قوله:

# والله عليم حليم

# [النساء: 12] فدعى صلى الله عليه وسلم بالميراث فأعطى المرأة الثمن وقسم ms01733
~~ما بقي بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين ولم يعط ابني العم شيئا»، وفي
~~بعض طرقه  أن الميت خلف زوجة وبنتين وابني عم فأعطى صلى الله عليه وسلم
~~الزوجة الثمن والبنتين الثلثين وابني العم الباقي .

# وفي الخبر دليل على جواز تأخير البيان عن الخطاب، ومن عمم الرجال
~~والنساء وقال: إن الأقربين عام لذوي القرابة النسبية والسببية جعل الآية
~~متضمنة لحكم الزوج والزوجة واستحقاق كل منهما الإرث من صاحبه، / ومن لم
~~يذهب إلى ذلك وقال: إن الأقربين خاص بذوي القربة النسبية جعل فهم
~~الاستحقاق كفهم المقدار المستحق مما سيأتي من الآيات، وعلل الاقتصار على
~~ذكر الأولاد والبنات هنا بمزيد الاهتمام بشأن اليتامى واحتج الحنفية
~~والإمامية بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام قالوا: لأن العمات والخالات
~~وأولاد البنات من الأقربين فوجب دخولهم تحت قوله سبحانه: { للرجال }
~~الخ غاية ما في الباب أن قدر ذلك النصيب غير مذكور في هذه الآية إلا
~~أنا نثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بها، وأما المقدار فمستفاد من سائر
~~الدلائل، والإمامية فقط على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يورثون
~~كغيرهم، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبا رده على أتم وجه.

# { مما قل منه أو كثر } بدل من ما الأخيرة بإعادة العامل
~~قبل؛ ولعلهم إنما لم يعتبروا كون الجار والمجرور بدلا من الجار المجرور
~~لاستلزامه إبدال من  من من  واتحاد اللفظ في البدل غير معهود. وجوز
~~أبو البقاء كون الجار والمجرور حالا من الضمير المحذوف في ترك أي مما
~~تركه قليلا أو كثيرا أو مستقرا مما قل، ومثل هذا القيد معتبر في
~~الجملة الأولى إلا أنه لم يصرح به هناك تعويلا على ذكره هنا، وفائدته
~~دفع توهم اختصاص بعض الأموال ببعض الورثة كالخيل وآلات الحرب للرجال،
~~وبهذا يرد على الإمامية لأنهم يخصون أكبر أبناء الميت من تركته بالسيف
~~والمصحف والخاتم واللباس البدني بدون عوض عند أكثرهم، وهذا من الغريب
~~كعدم توريث الزوجة من العقار مع أن الآية مفيدة أن لكل من الفريقين حقا
~~من كل ما جل ودق، وتقديم ms01734 القليل على الكثير من باب

# لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها

# [الكهف: 49].

# { نصيبا مفروضا } نصب إما على أنه مصدر مؤكد بتأويله بعطاء
~~ونحوه من المعاني المصدرية وإلا فهو اسم جامد، ونقل عن بعضهم أنه مصدر،
~~وإما على الحالية من الضمير المستتر في قل وكثر أو في الجار والمجرور
~~الواقع صفة، أو من نصيب لكون وصفه بالظرف سوغ مجيء الحال منه أو من
~~الضمير المستتر في الجار والمجرور الواقع خبرا إذ المعنى ثبت لهم
~~مفروضا نصيب، وهو حينئذ حال موطئة والحال في الحقيقة وصفه، وقيل: هو
~~منصوب على أنه مفعول بفعل محذوف والتقدير أوجب لهم نصيبا، وقيل: منصوب
~~على إضمار أعني ونصبه على الاختصاص بالمعنى المشهور مما أنكره أبو حيان
~~لنصهم على اشتراط عدم التنكير في الاسم المنصوب عليه، والفرض  كالضرب 
~~التوقيت ومنه:

# فمن فرض فيهن الحج

# [البقرة: 197] والحز في الشيء كالتفريض وما أوجبه الله تعالى كالمفروض
~~سمي بذلك لأن له معالم وحدودا، ويستعمل بمعنى القطع، ومنه قوله تعالى:

# لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا

# [النساء: 118] أي مقتطعا محدودا كما في «الصحاح»، فمفروضا هنا إما
~~بمعنى مقتطعا محدودا كما في تلك الآية، وإما بمعنى ما أوجبه الله تعالى
~~أي نصيبا أوجبه الله تعالى لهم.

# وفرق الحنفية بين الفرض والواجب بأن الفعل غير الكف المتعلق به خطاب
~~بطلب فعل بحيث ينتهض تركه في جميع وقته سببا للعقاب إن ثبت بقطعي، ففرض
~~كقراءة القرآن في الصلاة الثابتة بقول تعالى:

# فاقرءوا ما تيسر من القرءان

# [المزمل: 20] وإن ثبت بظني فهو الواجب نحو تعيين الفاتحة الثابت بقوله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب "

# وهو آحاد، ونفي الفضيلة محتمل ظاهر، وذهب الشافعية إلى ترادفهما، واحتج
~~كل لمدعاه بما احتج به، والنزاع على ما حقق في الأصول لفظي قاله غير
~~واحد، وقال بعض المحققين: لا نزاع للشافعي في تفاوت مفهومي الفرض والواجب
~~في اللغة ولا في تفاوت ما ثبت بدليل قطعي  كحكم الكتاب  وما ثبت بدليل
~~ظني  كحكم خبر / الواحد في الشرع  فإن جاحد ms01735 الأول كافر دون الثاني،
~~وتارك العمل بالأول مؤلا فاسق دون الثاني، وإنما يزعم أن الفرض والواجب
~~لفظان مترادفان منقولان عن معناهما اللغوي إلى معنى واحد هو ما يمدح
~~فاعله ويذم تاركه شرعا سواء ثبت بدليل قطعي أو ظني، وهذا مجرد اصطلاح،
~~فلا معنى للاحتجاج بأن التفاوت بين الكتاب وخبر الواحد موجب للتفاوت بين
~~مدلوليهما، أو بأن الفرض في اللغة التقدير والوجوب هو السقوط، فالفرض علم
~~قطعا أنه مقدر علينا، والواجب ما سقط علينا بطريق الظن ولا يكون المظنون
~~مقدرا ولا المعلوم القطعي ساقطا علينا على أن للخصم أن يقول: لو سلم
~~ملاحظة المفهوم اللغوي فلا نسلم امتناع أن يثبت كون الشيء مقدرا علينا
~~بدليل ظني، وكونه ساقطا علينا بدليل قطعي، ألا ترى أن قولهم: الفرض أي
~~المفروض المقدر في المسح هو الربع، وأيضا الحق أن الوجوب في اللغة هو
~~الثبوت، وأما مصدر الواجب بمعنى الساقط والمضطرب إنما هو الوجبة والوجيب،
~~ثم استعمال الفرض  فيما ثبت بظني والواجب فيما ثبت بقطعي  شائع مستفيض
~~كقولهم: الوتر فرض، وتعديل الأركان فرض ونحو ذلك، ويسمى فرضا عمليا،
~~وكقولهم: الصلاة واجبة والزكاة واجبة، ونحو ذلك، ومن هنا يعلم سقوط كلام
~~بعض الشافعية في رد استدلال الحنفية بما تقدم على توريث ذوي الأرحام بأن
~~الواجب عند الحنفية ما علم ثبوته بدليل مظنون، والمفروض ما علم بدليل
~~قاطع، وتوريث ذوي الأرحام ليس من هذا القبيل بالاتفاق، فعرفنا أنه غير
~~مراد من الآية ووجه السقوط ظاهر غني عن البيان. واحتج بعضهم بالآية على
~~أن الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه وهو مذهب الإمام الأعظم رضي الله
~~تعالى عنه.

### || [4.8]

# { وإذا حضر القسمة } أي قسمة التركة بين أربابها وهي مفعول
~~به، وقدمت لأنها المبحوث عنها ولأن في الفاعل تعددا فلو روعي الترتيب
~~يفوت تجاذب أطراف الكلام، وقيل: قدمت لتكون أمام الحاضرين في اللفظ كما
~~أنها أمامهم في الواقع، وهي نكتة للتقديم لم أر من ذكرها من علماء
~~المعاني. { أولوا القربى } ممن لا يرث لكونه عاصبا محجوبا أو ms01736
~~لكونه من ذوي الأرحام، والقرينة على إرادة ذلك ذكر الورثة قبله {
~~واليتمى والمسكين } من الأجانب { فارزقوهم منه
~~} أي اعطوهم شيئا من المال أو المقسوم المدلول عليه بالقسمة، وقيل:
~~الضمير لما وهو أمر ندب كلف به البالغون من الورثة تطييبا لقلوب
~~المذكورين وتصدقا عليهم، وقيل: أمر وجوب واختلف في نسخه ففي بعض
~~الروايات عن ابن عباس أنه لا نسخ والآية محكمة وروي ذلك عن عائشة رضي
~~الله تعالى عنها. وأخرج أبو داود في «ناسخه» وابن أبي حاتم من طريق عطاء
~~عن ابن عباس أنه قال: { وإذا حضر القسمة } الآية نسختها آية
~~الميراث فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك مما قل منه أو كثر. وحكي عن سعيد
~~بن جبير أن المراد من أولى القربى هنا الوارثون، ومن { اليتمى
~~والمسكين } غير الوارثين وأن قوله سبحانه: { فارزقوهم
~~منه } راجع إلى الأولين، وقوله تعالى: { وقولوا لهم قولا
~~معروفا } راجع للآخرين وهو بعيد جدا، والمتبادر ما ذكر أولا وهذا
~~القول للمرزوقين من أولئك المذكورين، والمراد من القول المعروف أن يدعو
~~لهم ويستقلوا ما أعطوهم ويعتذروا من ذلك ولا يمنوا عليهم.

### || [4.9]

# وقوله تعالى: { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم
~~ذرية ضعفا خافوا عليهم } فيه أقوال: أحدها: أنه أمر
~~للأوصياء بأن / يخشوا الله تعالى أو يخافوا على أولادهم فيفعلوا مع
~~اليتامى ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم وإلى ذلك يشير كلام
~~ابن عباس، فقد أخرج ابن جرير عنه أنه قال في الآية: يعني بذلك الرجل يموت
~~وله أولاد صغار ضعاف يخاف عليهم العيلة والضيعة ويخاف بعده أن لا يحسن
~~إليهم من يليهم يقول: فإن ولي مثل ذريته ضعافا يتامى فليحسن إليهم ولا
~~يأكل أموالهم إسرافا وبدارا أن يكبروا والآية على هذا مرتبطة بما قبلها
~~لأن قوله تعالى:

# للرجال

# [النساء: 7] الخ في معنى الأمر للورثة أي اعطوهم حقهم دفعا لأمر
~~الجاهلية وليحفظ الأوصياء ما أعطوه ويخافوا عليهم كما يخافون على
~~أولادهم، وقيل في وجه الارتباط: إن هذا وصية للأوصياء بحفظ الأيتام بعد
~~ما ذكر الوارثين الشاملين ms01737 للصغار والكبار على طريق التتميم، وقيل: إن
~~الآية مرتبطة بقوله تعالى:

# وابتلوا اليتمى

# [النساء: 6].

# وثانيها: أنه أمر لمن حضر المريض من العواد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم
~~أو يخشوا أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم فلا يتركوه أن
~~يضر بهم بصرف المال عنهم، ونسب نحو هذا إلى الحسن وقتادة ومجاهد وسعيد
~~بن جبير. وروى عن ابن عباس أيضا ما يؤيده، فقد: أخرج ابن أبي حاتم
~~والبيهقي عنه أنه قال في الآية: يعني الرجل يحضره الموت فيقال له: تصدق
~~من مالك وأعتق وأعط منه في سبيل الله فنهوا أن يأمروا بذلك يعني أن من
~~حضر منكم مريضا عند الموت فلا يأمره أن ينفق من ماله في العتق أو في
~~الصدقة أو في سبيل الله ولكن يأمره أن يبين ما له وما عليه من دين، ويوصي
~~من ماله لذوي قرابته الذين لا يرثون يوصي لهم بالخمس أو الربع يقول: أليس
~~أحدكم إذا مات وله ولد ضعاف  يعني صغار  لا يرضى أن يتركهم بغير مال
~~فيكونوا عيالا على الناس؟ فلا ينبغي لكم أن تأمروه بما لا ترضون به
~~لأنفسكم ولأولادكم ولكن قولوا الحق من ذلك، وعلى هذا يكون أول الكلام
~~للأوصياء وما بعده للورثة، وهذا للأجانب بأن لا يتركوه يضرهم أو لا
~~يأمروه بما يضر، فالآية مرتبطة بما قبلها أيضا.

# وثالثها: أنه أمر للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب
~~واليتامى والمساكين متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافا
~~مثلهم هل يجوزون حرمانهم، واتصال الكلام على هذا بما قبله ظاهر لأنه حث
~~على الإيتاء لهم وأمرهم بأن يخافوا من حرمانهم كما يخافون من حرمان ضعاف
~~ذريتهم، ورابعها: أمر للمؤمنين أن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية،
~~وقد روي عن السلف أنهم كانوا يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث ويقولون:
~~إن الخمس أفضل من الربع والربع أفضل من الثلث، وورد في الخبر ما يؤيده،
~~وعلى هذا فالمراد من الذين المرضى وأصحاب الوصية أمرهم بعدم الإسراف في
~~الوصية خوفا على ذريتهم ms01738 الضعاف، والقرينة عليه أنهم المشارفون لذلك
~~ويكون التخويف من أكل مال اليتامى بعده تخويفا عن أخذ ما زاد من الوصية
~~فيرتبط به، ويكون متصلا بما قبله تتميما لأمر الأوصياء، والورثة بأمر
~~مرضى المؤمنين، وهذا أبعد الوجوه وأبعد منه ما قيل: إنه أمر لمن حضر
~~المريض بالشفقة على ذوي القربى بأن لا يقول للمريض لا توص لأقاربك ووفر
~~على ذريتك، وأبعد من ذلك القول: بأنه أمر للقاسمين بالعدل بين الورثة في
~~القسمة بأن لا يراعوا الكبير منهم فيعطوه الجيد من التركة ولا يلتفتوا
~~إلى الصغير ولو بما في حيزه صلة الموصول كما قال غير واحد، ولما كانت
~~الصلة يجب أن تكون قصة معلومة للخاطب ثابتة للموصول كالصفة قالوا: إنها
~~هنا كذلك أيضا وأن المعنى: وليخش الذين حالهم وصفتهم أنهم لو شارفوا أن
~~يخلفوا ذرية ضعافا خافوا عليهم الضياع.

# وذهب الأجهوري وغيره إلى أن لو بمعنى إن فتقلب الماضي إلى الاستقبال،
~~وأوجبوا حمل تركوا / على المشارفة ليصح وقوع خافوا جزاءا له ضرورة أنه
~~لا خوف بعد حقيقة الموت وترك الورثة، وفي ترتيب الأمر على الوصف المذكور
~~في حيز الصلة المشعر بالعلية إشارة إلى أن المقصود من الأمر أن لا يضيعوا
~~اليتامى حتى لا تضيع أولادهم، وفيه تهديد لهم بأنهم إن فعلوه أضاع الله
~~أولادهم، ورمز إلى أنهم إن راعوا الأمر حفظ الله تعالى أولادهم، أخرج ابن
~~جرير عن الشيباني قال: كنا في القسطنطينية أيام مسلمة بن عبد الملك وفينا
~~ابن محيريز وابن الديلمي وهانىء بن كلثوم فجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر
~~الزمان فضقت ذرعا مما سمعت فقلت لابن الديلمي: يا أبا بشر يودني أنه لا
~~يولد لي ولد أبدا فضرب بيده على منكبي وقال: يا ابن أخي لا تفعل فإنه
~~ليست من نسمة كتب الله أن تخرج من صلب رجل إلا وهي خارجة إن شاء وإن
~~أبى، ثم قال: ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله تعالى منه وإن
~~تركت ولدا من بعدك حفظهم الله تعالى فيك؟ قلت: بلى ms01739 فتلا { وليخش
~~الذين } الآية.

# وفي وصف الذرية بالضعاف بعث على الترحم والظاهر أن من خلفهم ظرف لتركوا،
~~وفي التصريح به مبالغة في تهويل تلك الحالة، وجوز أن يكون حالا من ذرية
~~وضعافا كما قال أبو البقاء: يقرأ بالتفخيم على الأصل وبالإمالة لأجل
~~الكسرة، وجاز ذلك مع حرف الاستعلاء لأنه مكسور مقدم ففيه انحدار، وكذلك {
~~خافوا } يقرأ بالتفخيم على الأصل وبالإمالة لأن الخاء تنكسر في بعض
~~الأحوال وهو خفت؛ وقرىء  ضعفاء، وضعافى وضعافى، نحو سكارى وسكارى.

# { فليتقوا الله } في ذلك والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها
~~وإنما أمرهم سبحانه بالتقوى التي هي غاية الخشية بعدما أمرهم بها مراعاة
~~للمبدأ والمنتهى لما لم ينفع الأول بدون الثاني لم يقتصر عليه مع
~~استلزامه له عادة { وليقولوا } لليتامى أو للمريض أو لحاضري
~~القسمة، أو ليقولوا في الوصية { قولا سديدا } فيقول الوصي لليتيم
~~ما يقول لولده من القول الجميل الهادي له إلى حسن الآداب ومحاسن الأفعال،
~~ويقول عائد المريض ما يذكره التوبة والنطق بكلمة الشهادة وحسن الظن
~~بالله، وما يصده عن الإشراف بالوصية وتضييع الورثة، ويقول الوارث لحاضر
~~القسمة ما يزيل وحشته، أو يزيد مسرته ويقول الموصي في إيصائه ما لا يؤدي
~~إلى تجاوز الثلث، والسديد  على ما قال الطبرسي  المصيب العدل الموافق
~~للشرع، وقيل: ما لا خلل فيه، ويقال سد قوله يسد بالكسر إذا صار سديدا،
~~وأنه ليسد في القول فهو مسد إذا كان يصيب السداد أي القصد، وأمر سديد
~~وأسد أي قاصد، والسداد بالفتح الاستقامة والصواب، وكذلك السدد مقصور منه،
~~وأما السداد بالكسر فالبلغة وما يسد به، ومنه قولهم: فيه سداد من عوز 
~~قاله غير واحد  وفي «درة الغواص في أوهام الخواص» أنهم يقولون: سداد من
~~عوز فيفتحون السين  وهو لحن  والصواب الكسر، وتعقبه ابن بري بأنه
~~وهم فإن يعقوب بن السكيت سوى بين الفتح والكسر في «إصلاح المنطق» في باب
~~فعال وفعال بمعنى واحد، فقال: يقال سداد من عوز وسداد، وكذا حكاه ابن
~~قتيبة في «أدب الكاتب»؛ وكذا في «الصحاح» إلا ms01740 أنه زاد والكسر أفصح، نعم
~~ذكر فيها أن سداد القارورة وسداد الثغور بالكسر لا غير، وأنشد قول
~~العرجي:

# أضاعوني وأي فتى أضاعوا

# ليوم كريهة (وسداد) ثغر

# فليحفظ.

### || [4.10]

# { إن الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما }
~~استئناف جيء به لتقرير [مضمون] ما فصل من الأوامر والنواهي و { ظلما
~~} إما حال أي ظالمين، أو مفعول لأجله وقيل: منصوب على المصدرية أي أكل
~~ظلم على معنى أكلا على / وجهه، وقيل: على التمييز وإنما علق الوعيد على
~~الأكل بذلك لأنه قد يأكل مال اليتيم على وجه الاستحقاق كالأجرة والقرض
~~مثلا فلا يكون ظلما ولا الآكل ظالما. وقيل: ذكر الظلم للتأكيد والبيان
~~لأن أكل مال اليتيم لا يكون إلا ظلما ومن أخذ مال اليتيم قرضا أو أجرة
~~فقد أكل مال نفسه ولم يأكل مال اليتيم وفيه منع ظاهر.

# { إنما يأكلون فى بطونهم } أي ملء بطونهم، وشاع هذا
~~التعبير في ذلك، وكأنه مبني على أن حقيقة الظرفية المتبادر منها الإحاطة
~~بحيث لا يفضل الظرف عن المظروف فيكون الأكل في البطن ملء البطن، وفي بعض
~~البطن دونه، وهو المراد في قوله:

# كلو في بعض بطنكم تعفوا

# فإن زمانكم زمن خميص

# ولا ينافي هذا قول الأصوليين: إن الظرف إذا جر بفي لا يكون بتمامه ظرفا
~~بخلاف المقدرة فيه، فنحو سرت يوم الخميس لتمامه وفي يوم الخميس لغيره،
~~فقد قال عصام الملة: إن هذا مذهب الكوفين، والبصريون لا يفرقون بينهما
~~كما بين في النحو، وقال شهاب الدين: الظاهر إن ما ذكره أهل الأصول فيما
~~يصح جره بفي ونصبه على الظرفية، وهذا ليس كذلك لأنه لا يقال: أكل بطنه
~~بمعنى في بطنه فليس مما ذكره أهل الأصول في شيء، وهو مثل جعلت المتاع في
~~البيت فهو صادق بملئه وبعدمه لكن الأصل الأول كما ذكروه.

# وجوز أن يكون ذكر البطون للتأكيد والمبالغة كما في قوله تعالى:

# يقولون بأفوههم ما ليس فى قلوبهم

# [آل عمران: 167] والقول لا يكون إلا بالفم، وقوله تعالى:

# ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور

# [الحج: 46] والقلب لا يكون إلا ms01741 في الصدر، وقوله سبحانه:

# ولا طائر يطير بجناحيه

# [الأنعام: 38] والطير لا يطير إلا بجناح، فقد قالوا: إن الغرض من ذلك
~~كله التأكيد والمبالغة، ثم المظروف هنا المفعول أي المأكول لا الفاعل،
~~وتحقيق ذلك على ما نقل عن التمرتاشي في الأيمان أنه إذا ذكر ظرف بعد فعل
~~له فاعل ومفعول كما إذا قلت: إن ضربت زيدا في الدار، أو في المسجد فكذا
~~فإن كانا معا فيه فالأمر ظاهر، وإن كان الفاعل فيه دون المفعول، أو
~~بالعكس فإن كان الفعل مما يظهر أثره في المفعول كالضرب والقتل والجرح
~~فالمعتبر كون المفعول فيه وإن كان مما لا يظهر أثره فيه كالشتم فالمعتبر
~~كون الفاعل فيه، ولذا قال بعض الفقهاء: لو قال: إن شتمته في المسجد أو
~~رميت إليه فشرط حنثه كون الفاعل فيه، ولو قال: إن ضربته أو جرحته أو
~~قتلته أو رميته فشرطه كون المفعول فيه، وإنما كان الرمي في الأول مما لا
~~يظهر له أثر لأنه أريد به إرسال السهم من القوس بنيته؛ وذلك مما لا يظهر
~~له أثر في المحل ولا يتوقف على وصول فعل الفاعل، وفي الثاني مما يظهر له
~~أثر لأنه أريد به إرسال السهم، أو ما يضاهيه على وجه يصل إلى المرمى إليه
~~فيجرحه أو يوجعه ويؤلمه، ولا شك أن ما نحن فيه من قبيل هذا القسم، وسيأتي
~~إن شاء الله تعالى تتمة الكلام على ذلك.

# والجار والمجرور متعلق  بيأكلون  وهو الظاهر، وقيل: إنه حال من قوله
~~تعالى: { نارا } أي ما يجر إليها فالنار مجاز مرسل من ذكر المسبب
~~وإرادة السبب، وجوز في ذلك الاستعارة على تشبيه ما أكل من أموال اليتامى
~~بالنار لمحق ما معه، واستبعده بعض المحققين، وذهب بعضهم إلى جواز حمله
~~على ظاهره، فعن عبيد الله بن جعفر أنه قال: من أكل مال اليتيم فإنه يؤخذ
~~بمشفره يوم القيامة فيملأ فمه جمرا ويقال له كل ما أكلته في الدنيا ثم
~~يدخل السعير الكبرى. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري
~~قال: ms01742 حدثني النبي صلى الله عليه وسلم عن / ليلة أسري به قال:

# " نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ
~~بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار فيقذف في أجوافهم حتى تخرج من
~~أسافلهم ولهم خوار وصراخ فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون
~~أموال اليتامى ظلما "

# { وسيصلون سعيرا } أي سيدخلون نارا هائلة مبهمة الوصف، وقرأ
~~ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم ياء المضارعة، والباقون بفتحها، وقرىء {
~~وسيصلون } بتشديد اللام، وفي «الصحاح» يقال: صليت اللحم وغيره
~~أصليه صليا مثل رميته رميا إذا شويته، وصليت الرجل نارا إذا أدخلته
~~وجعلته يصلاها فإن ألقيته فيها إلقاء  كأنك تريد الإحراق  قلت: أصليته
~~بالألف وصليته تصلية، ويقال: صلى بالأمر إذا قاسى حره وشدته، قال الطهوي:

# ولاتبلي بسالتهم وإن هم

# (صلوا) بالحرب حينا بعد حين

# وقال بعض المحققين: إن أصل الصلى القرب من النار وقد استعمل هنا في
~~الدخول مجازا، وظاهر كلام البعض أنه متعد بنفسه، وقيل: إنه يتعدى بالباء
~~فيقال: صلى بالنار، وذكر الراغب أنه يتعدى بالباء تارة أو بنفسه أخرى
~~ولعله بمعنيين كما يشير إليه ما في «الصحاح»، والسعير فعيل بمعنى مفعول
~~من سعرت النار إذا أوقدتها وألهبتها. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن جبير أن
~~السعير واد من فيح جهنم، وظاهر الآية أن هذا الحكم عام لكل من يأكل مال
~~اليتيم مؤمنا كان أو مشركا، وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أنه قال:
~~هذه الآية لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم أي اليتامى ويأكلون أموالهم،
~~ولا يخفى أنه إذا أراد أن حكم الآية خاص بأهل الشرك فقط فغير مسلم، وإن
~~أراد أنها نزلت فيهم فلا بأس به إذ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب،
~~وفي بعض الأخبار أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس واحترزوا عن
~~مخالطة اليتامى بالكلية فصعب الأمر على اليتامى فنزل قوله تعالى:

# وإن تخالطوهم

# [البقرة: 220] الآية.

### || [4.11]

# { يوصيكم الله } شروع في بيان ما أجمل في قوله عز وجل ms01743

# للرجال نصيب

# [النساء: 7] الخ، ((والوصية كما قال الراغب: التقدم إلى الغير ما يعمل
~~فيه مقترنا بوعظ من قولهم: أرض واصية متصلة النبات)) وهي في الحقيقة أمر
~~له بعمل ما عهد إليه، فالمراد يأمركم الله ويفرض عليكم، وبالثاني: فسره
~~في «القاموس» وعدل عن الأمر إلى الإيصاء لأنه أبلغ وأدل على الاهتمام
~~وطلب الحصول بسرعة.

# { فى أولدكم } أي في توريث أولادكم، أو في شأنهم وقدر ذلك ليصح
~~معنى الظرفية، وقيل: في بمعنى اللام كما في خبر:

# " إن امرأة دخلت النار في هرة "

# أي لها كما صرح به النحاة، والخطاب قيل: للمؤمنين وبين المتضايفين مضاف
~~محذوف أي يوصيكم في أولاد موتاكم لأنه لا يجوز أن يخاطب الحي بقسمة
~~الميراث في أولاده، وقيل: الخطاب لذوي الأولاد على معنى يوصيكم في
~~توريثهم إذا متم وحينئذ لا حاجة إلى تقدير المضاف كما لو فسر يوصيكم
~~بيبين لكم، وبدأ سبحانه بالأولاد لأنهم أقرب الورثة إلى الميت وأكثرهم
~~بقاءا بعد المورث، وسبب نزول الآية ما أشرنا إليه فيما مر. وأخرج عبد بن
~~حميد عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض
~~فقلت كيف أقسم مالي بين ولدي؟ فلم يرد علي شيئا فنزلت:

# { للذكر مثل حظ الأنثيين } في موضع التفصيل والبيان
~~للوصية فلا محل للجملة من الإعراب؛ وجعلها أبو البقاء في موضع نصب على
~~المفعولية ليوصي باعتبار كونه في معنى القول أو الفرض أو الشرع وفيه
~~تكلف، والمراد أنه يعد كل ذكر بأنثيين حيث اجتمع الصنفان من الذكور /
~~والإناث واتحدت جهة إرثهما فيضعف للذكر نصيبه كذا قيل، والظاهر أن المراد
~~بيان حكم اجتماع الابن والبنت على الإطلاق. ولا بد في الجملة من ضمير
~~عائد إلى الأولاد محذوف ثقة بظهوره كما في قولهم: السمن منوان بدرهم،
~~والتقدير هنا للذكر منهم فتدبر، وتخصيص الذكر بالتنصيص على حظه  مع أن
~~مقتضى كون الآية نزلت في المشهور لبيان المواريث  ردا لما كانوا عليه
~~من توريث الذكور دون الإناث الاهتمام بالإناث، وأن يقال: للأنثيين مثل حظ
~~الذكر لأن الذكر ms01744 أفضل، ولأن ذكر المحاسن أليق بالحكيم من غيره، ولذا قال
~~سبحانه:

# إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها

# [الإسراء: 7] فقدم ذكر الإحسان وكرره دون الإساءة، ولأن في ذلك تنبيها
~~على أن التضعيف كاف في التفضيل فكأنه حيث كانوا يورثون الذكور دون الإناث
~~قيل لهم: كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث فلا يحرمن عن الميراث
~~بالكلية مع تساويهما في جهة الإرث. وإيثار اسمي الذكر والأنثى على ما ذكر
~~أولا من الرجال والنساء للتنصيص على استواء الكبار والصغار من الفريقين
~~في الاستحقاق من غير دخل للبلوغ والكبر في ذلك أصلا  كما هو زعم أهل
~~الجاهلية  حيث كانوا لا يورثون الأطفال كالنساء، والحكمة في أنه تعالى
~~جعل نصيب الإناث من المال أقل من نصيب الذكور نقصان عقلهن ودينهن كما جاء
~~في الخبر مع أن احتياجهن إلى المال أقل لأن أزواجهن ينفقون عليهن
~~وشهوتهن أكثر فقد يصير المال سببا لكثرة فجورهن، ومما اشتهر:

# إن الشباب والفراغ والجده

# مفسدة للمرء أي مفسده

# وروي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه  أن حواء عليها السلام أخذت
~~حفنة من الحنطة وأكلت وأخذت أخرى وخبأتها ثم أخرى ودفعتها إلى آدم عليه
~~السلام فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الأمر عليها فجعل نصيب
~~المرأة نصف نصيب الرجل  ذكره بعضهم ولم أقف على صحته.

# ثم محل الإرث إن لم يقم مانع كالرق والقتل واختلاف الدين كما لا يخفى،
~~واستثنى من العموم الميراث من النبي صلى الله عليه وسلم بناءا على
~~القول بدخوله صلى الله عليه وسلم في العمومات الواردة على لسانه عليه
~~الصلاة والسلام المتناولة له لغة، والدليل على الاستثناء قوله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " نحن معاشر الأنبياء لا نورث "

# وأخذ الشيعة بالعموم وعدم الاستثناء وطعنوا بذلك على أبي بكر الصديق
~~رضي الله تعالى عنه حيث لم يورث الزهراء رضي الله تعالى عنها من تركة
~~أبيها صلى الله عليه وسلم حتى قالت له بزعمهم: يا ابن أبي قحافة أنت ترث
~~أباك وأنا لا أرث أبي أي إنصاف ms01745 هذا، وقالوا: إن الخبر لم يروه غيره
~~وبتسليم أنه رواه غيره أيضا فهو غير متواتر بل آحاد، ولا يجوز تخصيص
~~الكتاب بخبر الآحاد بدليل أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رد خبر
~~فاطمة بنت قيس أنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة لما كان مخصصا لقوله
~~تعالى:

# أسكنوهن

# [الطلاق: 6] فقال: كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم
~~بقول امرأة. فلو جاز تخصيص الكتاب بخبر الآحاد لخصص به ولم يرده ولم يجعل
~~كونه خبر امرأة مع مخالفته للكتاب مانعا من قبوله، وأيضا العام  وهو
~~الكتاب  قطعي، والخاص  وهو خبر الآحاد  ظني فيلزم ترك القطعي بالظني.
~~وقالوا أيضا: إن مما يدل على كذب الخبر قوله تعالى:

# وورث سليمن داوود

# [النمل: 16] وقوله سبحانه حكاية عن زكريا عليه السلام:

# فهب لى من لدنك وليا * يرثني ويرث من ءال
~~يعقوب

# [مريم: 56] فإن ذلك صريح في أن الأنبياء يرثون ويورثون.

# والجواب أن هذا الخبر قد رواه أيضا حذيفة بن اليمان والزبير بن العوام
~~وأبو الدرداء وأبو هريرة والعباس وعلي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن
~~أبي وقاص، وقد أخرج البخاري عن مالك بن أوس بن الحدثان أن عمر بن الخطاب
~~رضي الله تعالى عنه قال بمحضر من الصحابة فيهم علي والعباس وعثمان وعبد
~~الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص: أنشدكم بالله الذي
~~بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
~~لا نورث ما تركناه صدقة؟ قالوا: اللهم نعم، ثم أقبل على علي والعباس
~~فقال: أنشدكما بالله تعالى هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد
~~قال ذلك؟ قالا: اللهم نعم، فالقول بأن الخبر لم يروه إلا أبو بكر رضي
~~الله تعالى عنه لا يلتفت إليه، وفي كتب الشيعة ما يؤيده، فقد روى الكليني
~~في «الكافي» عن أبي البختري في «الكافي» عن أبي عبد الله جعفر الصادق
~~رضي الله تعالى عنه أنه قال: «إن العلماء ورثة الأنبياء وذلك أن الأنبياء ms01746
~~لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا أحاديث فمن أخذ بشيء منها فقد
~~أخذ بحظ وافر» وكلمة إنما مفيدة للحصر قطعا باعتراف الشيعة فيعلم أن
~~الأنبياء لا يورثون غير العلم والأحاديث.

# وقد ثبت أيضا بإجماع أهل السير والتواريخ وعلماء الحديث أن جماعة من
~~المعصومين عند الشيعة والمحفوظين عند أهل السنة عملوا بموجبه فإن تركة
~~النبي صلى الله عليه وسلم لما وقعت في أيديهم لم يعطوا منها العباس ولا
~~بنيه ولا الأزواج المطهرات شيئا ولو كان الميراث جاريا في تلك التركة
~~لشاركوهم فيها قطعا، فإذا ثبت من مجموع ما ذكرنا التواتر فحبذا ذلك لأن
~~تخصيص القرآن بالخبر المتواتر جائز اتفاقا وإن لم يثبت وبقي الخبر من
~~الآحاد فنقول: إن تخصيص القرآن بخبر الآحاد جائز على الصحيح وبجوازه قال
~~الأئمة الأربعة، ويدل على جوازه أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم خصصوا به
~~من غير نكير فكان إجماعا، ومنه قوله تعالى:

# وأحل لكم ما وراء ذلكم

# [النساء: 24] ويدخل فيه نكاح المرأة على عمتها وخالتها فخص بقوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " لا تنكحوا المرأة على عمتها ولا على خالتها "

# والشيعة أيضا قد خصصوا عمومات كثيرة من القرآن بخبر الآحاد فإنهم لا
~~يورثون الزوجة من العقار ويخصون أكبر أبناء الميت من تركته بالسيف
~~والمصحف والخاتم واللباس بدون بدل كما أشرنا إليه فيما مر، ويستندون في
~~ذلك إلى آحاد تفردوا بروايتها مع أن عموم الآيات على خلاف ذلك، والاحتجاج
~~على عدم جواز التخصيص بخبر عمر رضي الله تعالى عنه مجاب عنه بأن عمر إنما
~~رد خبر ابنة قيس لتردده في صدقها وكذبها، ولذلك قال بقول امرأة لا ندري
~~أصدقت أم كذبت، فعلل الرد بالتردد في صدقها وكذبها لا بكونه خبر واحد
~~وكون التخصيص يلزم منه ترك القطعي بالظني مردود بأن التخصيص وقع في
~~الدلالة لأنه دفع للدلالة في بعض الموارد فلم يلزم ترك القطعي بالظني بل
~~هو ترك للظني بالظني وما زعموه من دلالة الآيتين اللتين ذكروهما على كذب
~~الخبر في غاية الوهن لأن الوراثة فيهما ms01747 وراثة العلم والنبوة والكمالات
~~النفسانية لا وراثة العروض والأموال، ومما يدل على أن الوراثة في الآية
~~الأولى منهما كذلك ما رواه الكليني عن أبي عبد الله أن سليمان ورث داود
~~وأن محمدا ورث سليمان فإن وراثة المال بين نبينا صلى الله عليه وسلم
~~وسليمان عليه السلام غير متصورة بوجه، وأيضا إن داود عليه السلام  على
~~ما ذكره أهل التاريخ  كان له تسعة عشر ابنا وكلهم كانوا ورثة بالمعنى
~~الذي يزعمه الخصم فلا معنى لتخصيص بعضهم بالذكر دون بعض في وراثة المال
~~لاشتراكهم فيها من غير خصوصية لسليمان عليه السلام بها بخلاف وراثة العلم
~~والنبوة.

# وأيضا توصيف سليمان عليه السلام بتلك الوراثة مما لا يوجب كمالا ولا
~~يستدعي امتيازا لأن البر والفاجر / يرث أباه فأي داع لذكر هذه الوراثة
~~العامة في بيان فضائل هذا النبي ومناقبه عليه السلام، ومما يدل على أن
~~الوراثة في الآية الثانية كذلك أيضا أنه لو كان المراد بالوراثة فيها
~~وراثة المال كان الكلام أشبه شيء بالسفسطة لأن المراد بآل يعقوب حينئذ
~~إن كان نفسه الشريفة يلزم أن مال يعقوب عليه السلام كان باقيا غير مقسوم
~~إلى عهد زكريا وبينهما نحو من ألفي سنة وهو كما ترى، وإن كان المراد جميع
~~أولاده يلزم أن يكون يحيى وارثا جميع بني إسرائيل أحياء وأمواتا،
~~وهذا أفحش من الأول، وإن كان المراد بعض الأولاد، أو أريد من يعقوب غير
~~المتبادر وهو ابن إسحاق عليهما السلام يقال: أي فائدة في وصف هذا الولي
~~عند طلبه من الله تعالى بأنه يرث أباه ويرث بعض ذوي قرابته، والابن وارث
~~الأب ومن يقرب منه في جميع الشرائع مع أن هذه الوراثة تفهم من لفظ الولي
~~بلا تكلف وليس المقام مقام تأكيد، وأيضا ليس في الأنظار العالية وهمم
~~النفوس القدسية التي انقطعت من تعلقات هذا العالم الفاني واتصلت بحضائر
~~القدس الحقاني ميل للمتاع الدنيوي قدر جناح بعوضة حتى يسأل حضرة زكريا
~~عليه السلام ولدا ينتهي إليه ماله ويصل إلى يده متاعه، ويظهر لفوات ذلك
~~الحزن ms01748 والخوف، فإن ذلك يقتضي صريحا كمال المحبة وتعلق القلب بالدنيا وما
~~فيها، وذلك بعيد عن ساحته العلية وهمته القدسية، وأيضا لا معنى لخوف
~~زكريا عليه السلام من صرف بني أعمامه ماله بعد موته أما إن كان الصرف في
~~طاعة فظاهر، وأما إن كان في معصية فلأن الرجل إذا مات وانتقل المال إلى
~~الوارث وصرفه في المعاصي لا مؤاخذة على الميت ولا عتاب على أن دفع هذا
~~الخوف كان متيسرا له بأن يصرفه ويتصدق به في سبيل الله تعالى قبل وفاته
~~ويترك ورثته على أنقى من الراحة واحتمال موت الفجأة.

# وعدم التمكن من ذلك لا ينتهض عند الشيعة لأن الأنبياء عندهم يعلمون وقت
~~موتهم فما مراد ذلك النبي عليه السلام بالوراثة إلا وراثة الكمالات
~~النفسانية والعلم والنبوة المرشحة لمنصب الحبورة فإنه عليه السلام خشي من
~~أشرار بني إسرائيل أن يحرفوا الأحكام الإلهية والشرائع الربانية ولا
~~يحفظوا علمه ولا يعملوا به ويكون ذلك سببا للفساد العظيم، فطلب الولد
~~ليجري أحكام الله تعالى بعده ويروج الشريعة ويكون محط رحال النبوة وذلك
~~موجب لتضاعيف الأجر واتصال الثواب، والرغبة في مثله من شأن ذوي النفوس
~~القدسية والقلوب الطاهرة الزكية، فإن قيل: الوراثة في وراثة العلم مجاز
~~وفي وراثة المال حقيقة، وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لا يجوز بلا
~~ضرورة، فما الضرورة هنا؟ أجيب بأن الضرورة هنا حفظ كلام المعصوم من
~~التكذيب، وأيضا لا نسلم كون الوراثة حقيقة في المال فقط بل صار لغلبة
~~الاستعمال في العرف مختصا بالمال، وفي أصل الوضع إطلاقه على وراثة العلم
~~والمال والمنصب صحيح، وهذا الإطلاق هو حقيقته اللغوية سلمنا أنه مجاز
~~ولكن هذا المجاز متعارف ومشهور بحيث يساوي الحقيقة خصوصا في استعمال
~~القرآن المجيد، ومن ذلك قوله تعالى: { ثم أورثنا الكتب } و

# أورثوا الكتب

# [الشورى: 14] إلى غير ما آية.

# ومن الشيعة من أورد هنا بحثا وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم
~~يورث أحدا فلم أعطيت أزواجه الطاهرات حجراتهن؟ والجواب أن ذلك مغلطة لأن
~~إفراز الحجرات للأزواج ms01749 إنما كان لأجل كونها مملوكة لهن لا من جهة الميراث
~~بل لأن النبي صلى الله عليه وسلم بنى كل حجرة لواحدة منهن فصارت الهبة
~~مع القبض متحققة وهي موجبة للملك وقد بنى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
~~مثل ذلك لفاطمة رضي الله تعالى عنها وأسامة وسلمه إليهما؛ وكان كل من
~~بيده شيء مما بناه له رسول الله صلى الله عليه وسلم يتصرف فيه / تصرف
~~المالك على عهده عليه الصلاة والسلام، ويدل على ما ذكر ما ثبت بإجماع أهل
~~السنة والشيعة أن الإمام الحسن رضي الله تعالى عنه لما حضرته الوفاة
~~استأذن من عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها وسألها أن تعطيه موضعا
~~للدفن جوار جده المصطفى صلى الله عليه وسلم فإنه إن لم تكن الحجرة ملك أم
~~المؤمنين لم يكن للاستئذان والسؤال معنى وفي القرآن نوع إشارة إلى كون
~~الأزواج المطهرات مالكات لتلك الحجر حيث قال سبحانه:

# وقرن فى بيوتكن

# [الأحزاب: 33] فأضاف البيوت إليهن ولم يقل في بيوت الرسول.

# ومن أهل السنة من أجاب عن أصل البحث بأن المال بعد وفاة النبي صلى الله
~~عليه وسلم صار في حكم الوقف على جميع المسلمين فيجوز لخليفة الوقت أن يخص
~~من شاء بما شاء كما خص الصديق جناب الأمير رضي الله تعالى عنهما بسيف
~~ودرع وبغلة شهباء تسمى الدلدل مع أن الأمير كرم الله تعالى وجهه لم يرث
~~النبي صلى الله عليه وسلم بوجه، وقد صح أيضا أن الصديق أعطى الزبير بن
~~العوام ومحمد بن مسلمة بعضا من متروكاته صلى الله عليه وسلم وإنما لم
~~يعط رضي الله تعالى عنه فاطمة صلى الله تعالى على أبيها وعليها وسلم
~~فدكا مع أنها طلبتها إرثا وانحرف مزاج رضاها رضي الله تعالى عنها
~~بالمنع إجماعا وعدلت عن ذلك إلى دعوى الهبة، وأتت بعلي والحسنين وأم
~~أيمن للشهادة فلم تقم على ساق بزعم الشيعة، ولم تمكن لمصلحة دينية
~~ودنيوية رآهما الخليفة إذ ذاك كما ذكره الأسلمي في «الترجمة العبقرية
~~والصولة الحيدرية» وأطال فيه.

# وتحقيق الكلام ms01750 في هذا المقام أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه خص آية
~~المواريث بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وخبره عليه الصلاة
~~والسلام في حق من سمعه منه بلا واسطة مفيد للعلم اليقيني بلا شبهة والعمل
~~بسماعه واجب عليه سواء سمعه غيره أو لم يسمع، وقد أجمع أهل الأصول من أهل
~~السنة والشيعة على أن تقسيم الخبر إلى المتواتر وغيره بالنسبة إلى من لم
~~يشاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا خبره بواسطة الرواة لا في حق
~~من شاهد النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه بلا واسطة، فخبر

# " نحن معاشر الأنبياء لا نورث "

# عند أبي بكر قطعي لأنه في حقه كالمتواتر بل أعلى كعبا منه، والقطعي
~~يخصص القطعي اتفاقا، ولا تعارض بين هذا الخبر والآيات التي فيها نسبة
~~الوراثة إلى الأنبياء عليهم السلام لما علمت، ودعوى الزهراء رضي الله
~~تعالى عنها فدكا بحسب الوراثة لا تدل على كذب الخبر بل على عدم سماعه
~~وهو غير مخل بقدرها ورفعة شأنها ومزيد علمها، وكذا أخذ الأزواج المطهرات
~~حجراتهن لا يدل على ذلك لما مر وحلا، وعدولها إلى دعوى الهبة غير متحقق
~~عندنا بل المتحقق دعوى الإرث، ولئن سلمنا أنه وقع منها دعوى الهبة فلا
~~نسلم أنها أتت بأولئك الأطهار شهودا، وذلك لأن المجمع عليه أن الهبة لا
~~تتم إلا بالقبض ولم تكن فدك في قبضة الزهراء رضي الله تعالى عنها في وقت
~~فلم تكن الحاجة ماسة لطلب الشهود، ولئن سلمنا أن أولئك الأطهار شهدوا فلا
~~نسلم أن الصديق رد شهادتهم بل لم يقض بها، وفرق بين عدم القضاء هنا
~~والرد، فإن الثاني عبارة عن عدم القبول لتهمة كذب مثلا، والأول عبارة عن
~~عدم الإمضاء لفقد بعض الشروط المعتبر بعد العدالة، وانحراف مزاج رضا
~~الزهراء كان من مقتضيات البشرية، وقد غضب موسى عليه السلام على أخيه
~~الأكبر هارون حتى أخذ بلحيته ورأسه ولم ينقص ذلك من قدريهما شيئا على أن
~~أبا بكر استرضاها رضي الله تعالى عنها مستشفعا إليها ms01751 بعلي كرم الله
~~تعالى وجهه فرضيت عنه  كما في «مدارج النبوة» و «كتاب الوفاء» و «شرح
~~المشكاة» للدهلوي  وغيرها، وفي «محاج السالكين».

# وغيره من كتب الإمامية المعتبرة ما يؤيد هذا الفصل حيث رووا أن أبا بكر
~~لما رأى فاطمة رضي الله تعالى عنها انقبضت عنه وهجرته ولم تتكلم بعد ذلك
~~في أمر فدك كبر ذلك عنده فأراد استرضاءها فأتاها فقال: صدقت يا بنت رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فيما / ادعيت ولكن رأيت رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم يقسمها فيعطي الفقراء والمساكين وابن السبيل بعد أن يؤتي منها قوتكم
~~فما أنتم صانعون بها؟ فقالت: أفعل فيها كما كان أبي صلى الله عليه وسلم
~~يفعل فيها فقال لك الله تعالى أن أفعل فيها ما كان يفعل أبوك، فقالت:
~~والله لتفعلن؟ فقال: والله لأفعلن ذلك فقالت: اللهم اشهد ورضيت بذلك،
~~وأخذت العهد عليه فكان أبو بكر يعطيهم منها قوتهم ويقسم الباقي بين
~~الفقراء والمساكين وابن السبيل، وبقي الكلام في سبب عدم تمكينها رضي الله
~~تعالى عنها من التصرف فيها، وقد كان دفع الالتباس وسد باب الطلب المنجر
~~إلى كسر كثير من القلوب، أو تضييق الأمر على المسلمين. وقد ورد «المؤمن
~~إذا ابتلي ببليتين اختار أهونهما» على أن رضا الزهراء رضي الله تعالى
~~عنها بعد على الصديق سد باب الطعن عليه أصاب في المنع أم لم يصب،
~~وسبحان الموفق للصواب والعاصم أنبياءه عن الخطأ في فصل الخطاب.

# { فإن كن نساء } الضمير للأولاد مطلقا والخبر مفيد بلا تأويل،
~~ولزوم تغليب الإناث على الذكور لا يضر لأن ذلك مما صرحوا بجوازه مراعاة
~~للخبر ومشاكلة له، ويجوز أن يعود إلى المولودات أو البنات التي في ضمن
~~مطلق الأولاد، والمعنى فإن كانت المولودات أو البنات نساءا خلصا ليس
~~معهن ذكر، وبهذا يفيد الحمل وإلا لاتحد الاسم والخبر فلا يفيد على أن
~~قوله تعالى: { فوق اثنتين } إذا جعل صفة  لنساء  فهو محل
~~الفائدة، وأوجب ذلك أبو حيان فلم يجز ما أجازه غير واحد من كونه خبرا
~~ثانيا ms01752 ظنا منه عدم إفادة الحمل حينئذ وهو من بعض الظن كما علمت، وجوز
~~الزمخشري أن تكون كان تامة، والضمير مبهم مفسر بالمنصوب على أنه تمييز
~~ولم يرتضه النحاة لأن  كان  ليست من الأفعال التي يكون فاعلها مضمرا
~~يفسره ما بعده لاختصاصه بباب نعم، والتنازع  كما قاله الشهاب  والمراد
~~من الفوقية زيادة العدد لا الفوقية الحقيقية، وفائدة ذكر ذلك التصريح
~~بعدم اختصاص المراد بعدد دون عدد أي فإن كن نساء زائدات على اثنتين
~~بالغات ما بلغن.

# { فلهن ثلثا ما ترك } أي المتوفى منكم وأضمر لدلالة الكلام
~~عليه، ومثله شائع سائغ { وإن كانت } أي المولودة المفهومة من الكلام
~~{ وحدة } أي امرأة واحدة ليس معها أخ ولا أخت. وقرأ نافع وأهل
~~المدينة { وحدة } بالرفع على أن كان تامة والمرفوع فاعل لها، ورجحت
~~قراءة النصب بأنها أوفق بما قبل، وقال ابن تمجيد: القراءة بالرفع أولى
~~وأنسب للنظم لتفكك النظم في قراءة النصب بحسب الظاهر، فإنه إن كان ضمير
~~كان راجعا إلى الأولاد فسد المعنى كما هو ظاهر، وإن كان راجعا إلى
~~المولودة كما قالوه يلزم الإضمار قبل الذكر، وكلا الأمرين مرتفع على
~~قراءة الرفع إذ المعنى وإن وجدت بنت واحدة من تلك الأولاد، والمحققون لا
~~ينكرون مثل هذا الإضمار كما علمت آنفا { فلها النصف } أي مما ترك
~~وترك اكتفاءا بالأول و النصف مثلث كما في «القاموس» أحد شقي الشيء، وقرأ
~~زيد بن ثابت { النصف } بضم النون وهي لغة أهل الحجاز، وذكر أنها أقيس
~~لأنك تقول: الثلث والربع والخمس وهكذا وكلها مضمومة الأوائل.

# وأخذ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بظاهر الآية فجعل الثلثين لما زاد
~~على البنتين كالثلاث فأكثر، وجعل نصيب الاثنتين النصف كنصيب الواحدة،
~~وجمهور الصحابة والأئمة والإمامية على خلافه حيث حكموا بأن للاثنتين وما
~~فوقهما الثلثين، وأن النصف إنما هو للواحدة فقط، ووجه ذلك  على ما قاله
~~القطب  أنه لما تبين أن للذكر مع الأنثى ثلثين إذ للذكر مثل حظ الأنثيين
~~فلا بد أن يكون للبنتين الثلثان في صورة وإلا لم يكن ms01753 / للذكر مثل حظ
~~الأنثيين لأن الثلثين ليس بحظ لهما أصلا لكن تلك الصورة ليست صورة
~~الاجتماع إذ ما من صورة يجتمع فيها الإثنتان مع الذكر ويكون لهما الثلثان
~~فتعين أن تكون صورة الانفراد، وإلى هذا أشار السيد السند في «شرح
~~السراجية»، وأورد أن الاستدلال دوري لأن معرفة أن للذكر الثلثين في
~~الصورة المذكورة موقوفة على معرفة حظ الأنثيين لأنه ما علم من الآية إلا
~~أن للذكر مثل حظ الأنثيين، فلو كانت معرفة حظ الأنثيين مستخرجة من حظ
~~الذكر لزم الدور، وأجيب بأن المستخرج هو الحظ المعين للأنثيين وهو
~~الثلثان، والذي يتوقف عليه معرفة حظ الذكر هو معرفة حظ الأنثيين مطلقا
~~فلا دور، ولما في هذا الوجه من التكلف عدل عنه بعض المحققين، وذكر أن حكم
~~البنتين مفهوم من النص بطريق الدلالة أو الإشارة، وذلك لما رواه أحمد
~~والترمذي وأبو داود وابن ماجه عن جابر رضي الله تعالى عنه قال:

# " جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا
~~رسول الله هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما يوم أحد وأن عمهما أخذ مالهما ولم
~~يدع لهما مالا ولا ينكحان إلا ولهما مال، فقال صلى الله عليه وسلم:
~~«يقضي الله تعالى في ذلك فنزلت آية الميراث فبعث رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم إلى عمهما فقال: أعط لابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن وما بقي
~~فهو لك "

# فدل ذلك على أن انفهام الحكم من النص بأحد الطريقين لأنه حكم به بعد
~~نزول الآية، ووجهه أن البنتين لما استحقتا مع الذكر النصف علم أنهما إذا
~~انفردا عنه استحقتا أكثر من ذلك لأن الواحدة إذا انفردت أخذت النصف بعد
~~ما كانت معه تأخذ الثلث ولا بد أن يكون نصيبهما كما يأخذه الذكر في
~~الجملة وهو الثلثان لأنه يأخذه مع البنت فيكون قوله سبحانه: { فإن
~~كن نساء } الخ بيانا لحظ الواحدة، وما فوق الثنتين بعد ما بين
~~حظهما ولذا فرعه عليه إذ لو لم يكن فيما قبله ما يدل على سهم ms01754 الإناث لم
~~تقع الفاء موقعها، وهذا مما لا غبار عليه، وقيل: إن حكم البنتين ثبت
~~بالقياس على البنت مع أخيها أو على الأختين. أما الأول: فلأنها لما
~~استحقت البنت الثلث مع الأخ فمع البنت بالطريق الأولى، وأما الثاني:
~~فلأنه ذكر حكم الواحدة والثلاث فما فوقها من البنات ولم يذكر حكم
~~البنتين، وذكر في ميراث الأخوات حكم الأخت الواحدة والأختين ولم يذكر حكم
~~الأخوات الكثيرة فيعلم حكم البنتين من ميراث الأخوات وحكم الأخوات من
~~ميراث البنات لأنه لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بهما،
~~ولما كان نصيب البنات الكثيرة لا يزيد على الثلثين فبالأولى أن لا يزداد
~~نصيب الأخوات على ذلك، وقد ذهب إلى هذا غير واحد من المتأخرين، وجعله
~~العلامة ناصر الدين مؤيدا ولم يجعله دليلا للاستغناء عنه بما تقدم،
~~ولأنه قيل: إن القياس لا يجري في الفرائض والمقادير، ونظر بعضهم في الأول
~~بأن البنت الواحدة لم تستحق الثلث مع الأخ بل تستحق نصف حظه وكونه ثلثا
~~على سبيل الاتفاق ولا يخفى ضعفه، وقيل: يمكن أن يقال: ألحق البنتان
~~بالجماعة لأن وصف النساء يفوق اثنتين للتنبيه على عدم التفاوت بين عدد
~~وعدد، والبنتان تشارك الجماعة في التعدد، وقد علم عدم تأثير القلة
~~والكثرة، فالظاهر إلحاقهما بالجماعة بجامع التعدد، وعدم اعتبار القلة
~~والكثرة دون الواحدة لعدم الجامع بينهما.

# وقيل: إن معنى الآية فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما إلا أنه قدم ذكر
~~الفوق على الاثنتين كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " لا تسافر المرأة سفرا فوق ثلاثة أيام إلا ومعها زوجها أو ذو محرم لها
~~"

# فإن معناه لا تسافر سفرا ثلاثة أيام فما فوقها، وإلى ذلك ذهب من قال:
~~إن أقل الجمع اثنان، واعترض على ابن عباس / رضي الله تعالى عنه بأنه لو
~~استفيد من قوله سبحانه { فوق اثنتين } أن حال الإثنتين ليس حال
~~الجماعة بناءا على مفهوم الصفة فهو معارض بأنه يستفاد من واحدة أن
~~حالهما ليس حال الواحدة لمفهوم العدد وقد قيل ms01755 به، وأجيب بالفرق بينهما
~~فإن النساء ظاهر فيما فوقهما فلما أكد به صار محكما في التخصيص بخلاف {
~~وإن كانت وحدة } وأورد عليه بأن هذا إنما يتم على تقدير كون
~~الظرف صفة مؤكدة لا خبرا بعد خبر، وأجيب بأن قوله سبحانه: { نساء }
~~ظاهر في كونها فوق اثنتين فعدم الاكتفاء به والإتيان بخبر بعده يدل دلالة
~~صريحة على أن الحكم مقيد به لا يتجاوزه، وأيضا مما ينصر الحبر أن
~~الدليلين لما تعارضا دار أمر البنتين بين الثلثين والنصف، والمتيقن هو
~~النصف، والزائد مشكوك غير ثابت، فتعين المصير إليه، ولا يخفى أن الحديث
~~الصحيح الذي سلف يهدم أمر التمسك بمثل هذه العرى، ولعله لم يبلغه رضي
~~الله تعالى عنه ذلك  كما قيل  فقال ما قال، وفي «شرح الينبوع» نقلا عن
~~الشريف شمس الدين الأرموني أنه قال في «شرح فرائض الوسيط»: صح رجوع ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنه عن ذلك فصار إجماعا؛ وعليه فيحتمل أنه بلغه
~~الحديث، أو أنه أمعن النظر في الآية ففهم منها ما عليه الجمهور فرجع إلى
~~وفاقهم. وحكاية النظام عنه رضي الله تعالى عنه في كتاب «النكت» أنه قال:
~~للبنتين نصف وقيراط لأن للواحدة النصف ولما فوق الاثنتين الثلثين فينبغي
~~أن يكون للبنتين ما بينهما مما لا تكاد تصح فافهم.

# { ولأبويه } أي الميت ذكرا كان أو أنثى غير النظم الكريم لعدم
~~اختصاص حكمه بما قبله من الصور بل هو في الحقيقة شروع في إرث الأصول بعد
~~ذكر إرث الفروع، والمراد من الأبوين الأب والأم تغليبا للفظ الأب، ولا
~~يجوز أن يقال في ابن وبنت ابنان للإيهام فإن لم يوهم جاز ذلك كما قاله
~~الزجاج { لكل وحد منهما } بدل من { لأبويه } بتكرير العامل،
~~وسط بين المبتدأ وهو قوله تعالى: { السدس } والخبر، وهو لأبويه 
~~وزعم ابن المنير ((أن في إعرابه بدلا نظرا، وذلك أنه يكون على هذا
~~التقدير من بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، ويكون أصل الكلام 
~~والسدس  لأبويه لكل واحد منهما ومقتضى الاقتصار على المبدل منه التشريك
~~بينهما ms01756 في السدس كما قال سبحانه: { فإن كن نساء فوق
~~اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } فاقتضى اشتراكهن فيه، ومقتضى
~~البدل لو قدر إهدار الأول إفراد كل واحد منهما بالسدس وعدم التشريك، وهذا
~~يناقض حقيقة هذا النوع من البدل إذ يلزم فيه أن يكون مؤدى المبدل منه
~~والبدل واحدا، وإنما فائدته التأكيد بمجموع الاسمين لا غير بلا زيادة
~~معنى فإذا تحقق ما بينهما من التباين تعذرت البدلية المذكورة وليس من بدل
~~التقسيم أيضا على هذا الإعراب، وإلا لزم زيادة معنى في البدل، فالوجه
~~[والله أعلم] أن يقدر مبتدأ (محذوف كأنه قيل): ولأبويه الثلث ثم لما ذكر
~~نصيبهما مجملا فصله بقوله: { لكل وحد منهما السدس } وساغ
~~حذف المبتدأ لدلالة التفصيل عليه ضرورة إذ يلزم من استحقاق كل واحد منهما
~~السدس استحقاقهما معا للثلث))، ورده أبو حيان ((بأن هذا بدل بعض من كل
~~ولذلك أتى بالضمير، ولا يتوهم أنه بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة لجواز
~~أبواك يصنعان كذا، وامتناع أبواك كل واحد منهما يصنعان كذا، بل تقول:
~~يصنع كذا)) إلا أنه اعترض على جعل لأبويه خبر المبتدأ بأن البدل هو الذي
~~يكون خبر المبتدأ في أمثال ذلك دون المبدل منه كما في المثال، وتعقبه
~~الحلبي بأن في هذه المناقشة نظرا لأنه إذا قيل لك: ما محل لأبويه من
~~الإعراب؟ تضطر إلى أن تقول: إنه في محل رفع على أنه خبر مقدم، / ولكنه
~~نقل نسبة الخبرية إلى كل واحد منهما دون لأبويه واختير هذا التركيب دون
~~أن يقال: ولكل واحد من أبويه السدس لما في الأول من الإجمال، والتفصيل
~~الذي هو أوقع في الذهن دون الثاني، ودون أن يقال: لأبويه السدسان للتنصيص
~~على تساوي الأبوين في الأول وعدم التنصيص على ذلك في الثاني لاحتماله
~~التفاضل، وكونه خلاف الظاهر لا يضر لأنه يكفي نكتة للعدول.

# وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة { السدس } بالتخفيف وكذلك الثلث والربع
~~والثمن.

# { مما ترك } متعلق بمحذوف وقع حالا من الضمير المستكن في الظرف
~~الراجع إلى المبتدأ، والعامل الاستقرار أي كائنا ms01757 مما ترك المتوفى { إن
~~كان له ولد } ذكرا كان أو أنثى واحدا كان أو أكثر، وولد الابن
~~كذلك، ثم إن كان الولد ذكرا كان الباقي له وإن كانوا ذكورا فالباقي لهم
~~بالسوية، وإن كانوا ذكورا وإناثا فللذكر مثل حظ الأنثيين وإن كانت
~~بنتا فلها النصف ولأحد الأبوين السدس، أو لهما السدسان والباقي يعود
~~للأب إن كان لكن بطريق العصوبة وتعدد الجهات منزل منزلة تعدد الذوات، وإن
~~كان هناك أم وبنت فقط فالباقي بعد فرض الأم والبنت يرد عليهما، وزعمت
~~الإمامية في صورة أبوين أو أب أو أم وبنت أن الباقي بعد أخذ كل فرضه يرد
~~على البنت، وعلى أحد الأبوين أو عليهما بقدر سهامهم.

# { فإن لم يكن له ولد } ولا ولد ابن { وورثه
~~أبواه } فقط وهو مأخوذ من التخصيص الذكري كما تدل عليه الفحوى {
~~فلأمه الثلث } مما ترك والباقي للأب وإنما لم يذكر لعدم الحاجة
~~إليه لأنه لما فرض انحصار الوارث في أبويه، وعين نصيب الأم علم أن الباقي
~~للأب وهو مما أجمع عليه المسلمون، وقيل: إنما لم يذكر لأن المقصود تغيير
~~السهم، وفي هذه الصورة لم يتغير إلا سهم الأم وسهم الأب بحاله، وإنما
~~يأخذ الباقي بعد سهمه وسهم الأم بالعصوبة فليس المقام مقام حصة الأب 
~~وفيه تأمل  لأن الظاهر أن أخذ الأب الباقي بعد فرض الأم بطريق العصوبة
~~وبه صرح الفرضيون، وتخصيص جانب الأم بالذكر وإحالة جانب الأب على دلالة
~~الحال مع حصول البيان بالعكس أيضا لذلك، ولما أن حظها أخصر واستحقاقه
~~أتم وأوفر هذا إذا لم يكن معهما أحد الزوجين أما إذا كان معهما ذلك وتسمى
~~المسألتان بالغراوين وبالغريبتين وبالعمريتين، فللأم ثلث ما بقي بعد فرض
~~أحدهما عند جمهور الصحابة والفقهاء لا ثلث الكل خلافا لابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما مستدلا بأنه تعالى جعل لها أولا سدس التركة مع الولد
~~بقوله سبحانه: { ولأبويه لكل وحد منهما السدس مما
~~ترك إن كان له ولد } ثم ذكر أن لها مع عدمه الثلث بقوله عز
~~وجل: { فإن لم يكن ms01758 له ولد وورثه أبواه فلأمه
~~الثلث } فيفهم منه أن المراد ثلث أصل التركة أيضا.

# ويؤيده أن السهام المقدرة كلها بالنسبة إلى أصلها بعد الوصية والدين،
~~وإلى ذلك ذهبت الإمامية وكان أبو بكر الأصم يقول: بأن لها مع الزوج ثلث
~~ما يبقى من فرضه ومع الزوجة ثلث الأصل، ونسب إلى ابن سيرين لأنه لو جعل
~~لها مع الزوج ثلث جميع المال لزم زيادة نصيبها على نصيب الأب لأن المسألة
~~حينئذ من ستة لاجتماع النصف والثلث فللزوج ثلاثة وللأم اثنان على ذلك
~~التقدير فيبقى للأب واحد، وفي ذلك تفضيل الأنثى على الذكر، وإذا جعل لها
~~ثلث ما بقي من فرض الزوج كان لها واحد وللأب اثنان ولو جعل لها مع الزوجة
~~ثلث الأصل لم يلزم ذلك التفضيل لأن المسألة من اثني عشر لاجتماع الثلث
~~والربع، فإذا أخذت الأم أربعة بقي للأب خمسة فلا تفضيل لها عليه، ورجح
~~مذهب الجمهور على مذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بخلوه عن الإفضاء /
~~إلى تفضيل الأنثى على الذكر المساوي لها في الجهة والقرب بل الأقوى منها
~~في الإرث بدليل إضعافه عليها عند انفرادهما عن أحد الزوجين، وكونه صاحب
~~فرض وعصبة وذلك خلاف وضع الشرع، وهذا الإفضاء ظاهر في المسألة الأولى،
~~وبذلك علل زيد بن ثابت حكمه فيها مخالفا لابن عباس، فقد أخرج عبد الرزاق
~~والبيهقي عن عكرمة قال: أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج
~~وأبوين، فقال زيد: للزوج النصف وللأم ثلث ما بقي وللأب بقية المال فأرسل
~~إليه ابن عباس أفي كتاب الله تعالى تجد هذا؟ قال: لا ولكن أكره أن أفضل
~~أما على أب، ولا يخفى أن هذا لا ينتهض مرجحا لمذهب الجمهور على مذهب
~~الأصم، ومن هنا قال السيد السند وغيره في نصرة مذهبهم عادلين عن المسلك
~~الذي سلكناه: إن معنى قوله تعالى: { فإن لم يكن له ولد
~~وورثه أبواه فلأمه الثلث } هو أن لها ثلث ما ورثاه سواء
~~كان جميع المال أو بعضه، وذلك لأنه لو أريد ثلث ms01759 الأصل لكفى في البيان فإن
~~لم يكن له ولد فلأمه الثلث كما قال تعالى في حق البنات: { وإن كانت
~~وحدة فلها النصف } بعد قوله سبحانه: { فإن كن نساء
~~فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } فيلزم أن يكون قوله
~~تعالى: { وورثه أبواه } خاليا عن الفائدة، فإن قيل: نحمله على
~~أن الوراثة لهما فقط قلنا: ليس في العبارة دلالة على حصر الإرث فيهما وإن
~~سلم فلا دلالة في الآية حينئذ على صورة النزاع لا نفيا ولا إثباتا،
~~فيرجع فيهما إلى أن الأبوين في الأصول كالابن والبنت في الفروع لأن السبب
~~في وراثة الذكر والأنثى واحد وكل منهما يتصل بالميت بلا واسطة فيجعل ما
~~بقي من فرض أحد الزوجين بينهما أثلاثا كما في حق الابن والبنت وكما في
~~حق الأبوين إذا انفردا بالإرث فلا يزيد نصيب الأم على نصف نصيب الأب كما
~~يقتضيه القياس فلا مجال لما ذهب إليه الأصم أيضا على هذا، وليته سمع ذلك
~~فليفهم.

# وقد اختلفوا أيضا في حظ الأم فيما إذا كان مكان الأب جد وباقي المسألة
~~على حالها، فمذهب ابن عباس وإحدى الروايتين عن الصديق، وروى ذلك أهل
~~الكوفة عن ابن مسعود في صورة الزوج وحده إن للأم ثلث جميع المال، وقول
~~أبي يوسف  وهو الرواية الأخرى  عن الصديق رضي الله تعالى عنه: إن لها
~~ثلث الباقي كما مع الأب فعلى هذه الرواية جعل الجد كالأب فيعصب الأم كما
~~يعصبها الأب، والوجه على الرواية الأولى على ما ذكره الفرضيون هو أنه ترك
~~ظاهر قوله تعالى: { فلأمه الثلث } في حق الأب، وأول بما مر لئلا
~~يلزم تفضيلها عليه مع تساويهما في القرب في الرتبة، وأيد التأويل بقول
~~أكثر الصحابة، وأما في حق الجد فأجري على ظاهره لعدم التساوي في القرب
~~وقوة الاختلاف فيما بين الصحابة ولا استحالة في تفضيل الأنثى على الذكر
~~مع التفاوت في الدرجة كما إذا ترك امرأة وأختا لأم وأب وأخا للأب، فإن
~~للمرأة الربع وللأخت النصف وللأخ لأب الباقي، فقد فضلت ههنا الأنثى
~~لزيادة قربها ms01760 على الذكر، وأيضا للأم حقيقة الولاد كما للأب فيعصبها
~~والجد له حكم الولاد لا حقيقته فلا يعصبها إذ لا تعصيب مع الاختلاف في
~~السبب بل مع الاتفاق فيه.

# { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } الجمهور على أن
~~المراد بالاخوة عدد ممن له أخوة من غير اعتبار التثليث سواء كانوا من
~~الأخوة أو الأخوات، وسواء كانوا من جهة الأبوين أو من جهة أحدهما. وخالف
~~ابن عباس في ذلك فإنه جعل الثلاثة من الأخوة والأخوات حاجبة للأم دون
~~الاثنين فلها معهما الثلث عنده بناءا على أن الأخوة صيغة الجمع فلا
~~يتناول المثنى، وبهذا حاج عثمان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرج
~~ابن جرير والحاكم والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس أنه دخل على عثمان
~~فقال: إن الأخوين / لا يردان الأم عن الثلث وتلا الآية، ثم قال: والأخوان
~~ليسا بلسان قومك أخوة فقال عثمان: لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي ومضى في
~~الأمصار وتوارث به الناس، وقال الجمهور: إن حكم الإثنين في باب الميراث
~~حكم الجماعة، ألا يرى أن البنتين كالبنات، والأختين كالأخوات في استحقاق
~~الثلثين فكذا في الحجب؛ وأيضا معنى الجمع المطلق مشترك بين الإثنين وما
~~فوقهما، وهذا المقام يناسب الدلالة على الجمع المطلق فدل بلفظ الأخوة
~~عليه بل قال جمع إن صيغة الجمع حقيقة في الإثنين كما فيما فوقهما في كلام
~~العرب، فقد أخرج الحاكم والبيهقي في «سننه» عن زيد بن ثابت أنه كان يحجب
~~الأم بالأخوين فقالوا له: يا أبا سعيد إن الله تعالى يقول: { فإن كان
~~له إخوة } وأنت تحجبها بأخوين فقال: إن العرب تسمى الأخوين أخوة،
~~وهذا يعارض الخبر السابق عن ابن عباس فإنه صريح في أن صيغة الجمع لا تقال
~~على اثنين في لغة العرب، وعثمان رضي الله تعالى عنه سلم ذلك إلا أنه احتج
~~بأن إطلاق الإخوة على الأعم كان إجماعا. ومن هنا اختلف الناس في مدلول
~~صيغة الجمع حقيقة، وصرح بعض الأصوليين أنها في الإثنين في المواريث
~~والوصايا ملحقة بالحقيقة، والنحاة على ms01761 خلاف ذلك، وخالف ابن عباس أيضا في
~~توريث الأم السدس مع الإناث الخلص لأن الأخوة جمع أخ فلا يشمل الأخت إلا
~~بطريق التغليب، والخلص لا ذكور معهم فيغلبون وهو كلام متين إلا أن العمل
~~على اختلافه اعتبارا لوصف الإخوة في الآية للإجماع على ذلك قبل ظهور
~~خلاف ابن عباس وخرق الإجماع إنما يحرم على من لم يكن موجودا عنده.

# وذهب الزيدية والإمامية إلى أن الأخوة لأم لا يحجبونها بخلاف غيرهم فإن
~~الحجب ههنا بمعنى معقول كما يشير إليه كلام قتادة، وهو أنه إن كان هناك
~~أخوة لأب وأم أو لأب فقد كثر عيال الأب فيحتاج إلى زيادة مال للإنفاق،
~~وهذا المعنى لا يوجد فيما إذا كان الأخوة لأم إذ ليس نفقتهم على الأب،
~~والجمهور ذهبوا إلى عدم الفرق لأن الاسم حقيقة في الأصناف الثلاثة، وهذا
~~حكم غير معقول المعنى ثبت بالنص، ألا يرى أنهم يحجبون الأم بعد موت الأب
~~ولا نفقة عليه بعد موته ويحجبونها كبارا أيضا وليست عليه نفقتهم، ثم
~~الشائع المعلوم من خارج أو من الآية في رأي أن الأخوة يحجبون الأم حجب
~~نقصان، وإن كانوا محجوبين بالأب حجب حرمان، ويعود السدس الذي حجبوها عنه
~~للأب  وهو مذهب جمهور الصحابة أيضا  ويروى عن ابن عباس أنه للأخوة
~~لأنهم إنما حجبوها عنه ليأخذوه فإن غير الوارث لا يحجب كما إذا كانت
~~الاخوة كفارا أو أرقاء، وقد يستدل عليه بما رواه طاوس مرسلا أنه عليه
~~الصلاة والسلام أعطى الأخوة السدس مع الأبوين.

# وللجمهور  كما قال الشريف  إن صدر الكلام يدل على أن لأمه الثلث
~~والباقي للأب فكذا الحال في آخره كأنه قيل: فإن كان له أخوة وورثه أبواه
~~فلأمه السدس ولأبيه الباقي، ثم إن شرط الحاجب أن يكون وارثا في حق من
~~يحجبه، والأخ المسلم وارث في حق الأم بخلاف الرقيق والكافر، فالأخوة
~~يحجبونها وهم يحجبون بالأب، ألا يرى أنهم لا يرثون مع الأب شيئا عند عدم
~~الأم لأنهم كلالة فلا ميراث لهم مع الوالد، وليس حال الأخوة مع الأم ms01762
~~بأقوى من حالهم مع عدمها، وقد روي عن طاوس أنه قال: لقيت ابن رجل من
~~الأخوة الذين أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم السدس مع الأبوين
~~وسألته عن ذلك فقال: كان ذلك وصية وحينئذ صار الحديث دليلا للجمهور إذ
~~لا وصية لوارث، والظاهر أنه لا صحة لهذه الرواية عن ابن عباس لأنه يوافق
~~الصديق رضي الله تعالى عنه في حجب الجد للأخوة فكيف يقول بإرثهم مع الأب
~~كذا في «شرح الإمام السرخسي»، وفي «الدر المنثور» أن ابن جرير. وعبد
~~الرزاق. / والبيهقي عنه، وقرأ حمزة والكسائي { فلإمه } بكسر الهمزة
~~اتباعا لكسرة اللام، وقيل: إنه اتباع لكسرة الميم، وضعف بأن فيه اتباع
~~حركة أصلية لحركة عارضة وهي الإعرابية، وقيل: إنه لغة في الأم، وأنكرها
~~الشهاب، وفي «القاموس» ((الأم  وقد تكسر  الوالدة، ويقال [للأم] أمة
~~وأمهة وتجمع على أمات وأمهات، وهذه لمن يعقل، وأمات لما لا يعقل))، وحكى
~~ذلك في «الصحاح» عن بعضهم.

# { من بعد وصية } متعلق  بيوصيكم  والكلام على حذف مضاف
~~بناءا على أن المراد من الوصية المال الموصى به، والمعنى إن هذه
~~الأنصباء للورثة من بعد إخراج وصية. وجوز أن يكون حالا من السدس،
~~والتقدير مستحقا من بعد ذلك والعامل فيه الجار والمجرور الواقع خبرا
~~لاعتماده، ويقدر لما قبله مثله كالتنازع، وقيل: إنه متعلق بكون عام محذوف
~~أي استقر ذلك لهؤلاء من بعد وصية { يوصي بها } الميت. وقرأ ابن عامر
~~وابن كثير وأبو بكر عن عاصم { يوصى } مبنيا للمفعول مخففا وقرىء {
~~يوصى } مبنيا للفاعل مشددا، والجملة صفة (وصية) وفائدة الوصف الترغيب
~~في الوصية والندب إليها، وقيل: التعميم لأن الوصية لا تكون إلا موصى بها
~~{ أو دين } عطف على { وصية } إلا أنه غير مقيد بما قيدت به من
~~الوصف السابق فلا يتوقف إخراج الدين على الإيصاء به بل هو مطلق يتناول ما
~~ثبت بالبينة والإقرار في الصحة، وإيثار { أو } على الواو للإيذان
~~بتساويهما في الوجوب وتقدمهما على القسمة مجموعين أو مفردين، وتقديم
~~الوصية على الدين ذكرا مع أن الدين مقدم عليها ms01763 حكما كما قضى به رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه علي كرم الله تعالى وجهه، وأخرجه عنه
~~جماعة  لإظهار كمال العناية بتنفيذها لكونها مظنة للتفريط في أدائها حيث
~~إنها تؤخذ كالميراث بلا عوض فكانت تشق عليهم ولأن الجميع مندوب إليها حيث
~~لا عارض بخلاف الدين في المشهور مع ندرته أو ندرة تأخيره إلى الموت وقال
~~ابن المنير: ((إن الآية لم يخالف فيها الترتيب الواقع شرعا لأن أول ما
~~يبدأ به إخراج الدين ثم الوصية، ثم اقتسام ذوي الميراث، فانظر كيف جاء
~~إخراج الميراث آخرا تلو إخراج الوصية (والوصية) تلو الدين فوافق قولنا
~~قسمة المواريث بعد الوصية، والدين صورة الواقع شرعا، ولو سقط ذكر بعد
~~وكان الكلام أخرجوا الميراث والوصية والدين (لأمكن) ورود السؤال
~~المذكور))، وهو من الحسن بمكان.

# { ءاباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم
~~نفعا } الخطاب للورثة، وآباؤكم مبتدأ، وأبناؤكم معطوف عليه، ولا تدرون
~~مع ما في حيزه خبر له، و  أي  إما استفهامية مبتدأ، وأقرب خبره، والفعل
~~معلق عنها فهي سادة مسد المفعولين، وإما موصولة، وأقرب خبر مبتدأ
~~محذوف، والجملة صلة الموصول وهو مفعول أول مبني على الضم لإضافته، وحذف
~~صدر صلته، والمفعول الثاني محذوف، ونفعا نصب على التمييز وهو منقول من
~~الفاعلية، والجملة اعتراضية مؤكدة لوجوب تنفيذ الوصية.

# والآباء والأبناء عبارة عن الورثة الأصول والفروع، فيشمل البنات
~~والأمهات والأجداد والجدات، أي أصولكم وفروعكم الذين يموتون قبلكم لا
~~تعلمون من أنفع لكم منهم أمن أوصى ببعض ماله فعرضكم لثواب الآخرة بإمضاء
~~وصيته، أم من لم يوص فوفر عليكم عرض الدنيا، وليس المراد  كما قال شيخ
~~الإسلام  بنفي الدراية عنهم بيان اشتباه الأمر عليهم، وكون أنفعية كل من
~~الأول والثاني في حيز الاحتمال عندهم من غير رجحان لأحدهما على الآخر فإن
~~ذلك بمعزل من إفادة التأكيد المذكور، والترغيب في تنفيذ الوصية بل تحقيق
~~/ أنفعية الأول في ضمن التعريض بأن لهم اعتقادا بأنفعية الثاني مبنيا
~~على عدم الدراية، وقد أشير إلى ذلك حيث عبر عن الأنفعية بأقربية النفع ms01764
~~تذكيرا لمناط زعمهم وتعيينا لمنشأ خطئهم ومبالغة في الترغيب المذكور
~~بتصوير الصواب الآجل بصورة العاجل لما أن الطباع مجبولة على حب الخير
~~الحاضر كأنه قيل: لا تدرون أيهم أنفع لكم فتحكمون نظرا إلى ظاهر الحال
~~وقرب المنال بأنفعية الثاني مع أن الأمر بخلافه فإن ما يترتب على الأول
~~الثواب الدائم في الآخرة، وما يترتب على الثاني العرض الفاني في الحياة
~~الدنيا، والأول لبقائه هو الأقرب الأدنى، والثاني لفنائه هو الأبعد
~~الأقصى، واختار كثير من المحققين كون الجملة اعتراضا مؤكدا لأمر
~~القسمة، وجعل الخطاب للمورثين، وتوجيه ذلك أنه تعالى بين أنصباء الأولاد
~~والأبوين فيما قبل؛ وكانت الأنصباء مختلفة، والعقول لا تهتدي إلى كمية
~~ذلك.

# فربما يخطر للإنسان أن القسمة لو وقعت على غير هذا الوجه كانت أنفع
~~وأصلح كما تعارفه أهل الجاهلية حيث كانوا يورثون الرجال الأقوياء ولا
~~يورثون الصبيان والنسوان الضعفاء فأنكر الله تعالى عليهم ما عسى أن يخطر
~~ببالهم من هذا القبيل، وأشار إلى قصور أذهانهم فكأنه قال: إن عقولكم لا
~~تحيط بمصالحكم فلا تعلمون من أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في
~~عاجلكم وآجلكم فاتركوا تقدير المواريث بالمقادير التي تستحسنونها بعقولكم
~~ولا تعمدوا إلى تفضيل بعض وحرمانه، وكونوا مطيعين لأمر الله تعالى في هذه
~~التقديرات التي قدرها سبحانه فإنه العالم بمغيبات الأمور وعواقبها، ووجه
~~الحكمة فيما قدره ودبره وهو العليم الحكيم، والنفع على هذا أعم من
~~الدنيوي والأخروي وانتفاع بعضهم ببعض في الدنيا يكون بالإنفاق عليه
~~والتربية له والذب عنه مثلا، وانتفاعهم في الآخرة يكون بالشفاعة، فقد
~~أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه صلى
~~الله عليه وسلم قال:

# " إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده فيقال: إنهم لم يبلغوا
~~درجتك فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم به "

# ، وإلى هذا ذهب الحسن رحمه الله تعالى، وخص مجاهد النفع بالدنيوي وخصه
~~بعضهم بالأخروي.

# وذكر أن المعنى لا تدرون أي الآباء من الوالدين والوالدات وأي الأبناء
~~من البنين والبنات ms01765 أقرب لكم نفعا لترفعوا إليهم في الدرجة في الآخرة،
~~وإذا لم تدروا فادفعوا ما فرض الله تعالى وقسم ولا تقولوا: لماذا أخر
~~الأب عن الإبن ولأي شيء حاز الجميع دون الأم والبنت، واعترض بأن ذلك غير
~~معلل بالنفع حتى يتم ما ذكر وأنه يدل على أن من قدم في الورثة، أو ضوعف
~~نصيبه أنفع ولا كذلك، والجواب بأنه أريد أن المنافع لما كانت محجوبة عن
~~درايتكم فاعتقدوا فيه نفعا لا تصل إليه عقولكم بعيد لعدم فهمه من
~~السياق، ويرد نحو هذا على ما اختار الكثير، وربما يقال: المعنى أنكم لا
~~تدرون أي الأصول والفروع أقرب لكم نفعا فضلا عن النفع فكيف تحكمون
~~بالقسمة حسب المنفعة وهي محجوبة عن درايتكم بالمرة، والكلام مسوق لرد ما
~~كان في الجاهلية فإن أهل الجاهلية كانوا  كما قال السدي  لا يورثون
~~الجواري ولا الضعفاء من الغلمان ولا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق
~~القتال، وعن ابن عباس أنهم كانوا يعطون الميراث الأكبر فالأكبر، وهذا
~~مشعر بأن مدار الإرث عندهم الأنفعية مع العلاقة النسبية فرد الله تعالى
~~عليهم بأن الأنفعية لا تدرونها فكيف تعتبرونها والغرض من ذلك الإلزام لا
~~بيان أن الأنفعية معتبرة في نفس الأمر إلا أنهم لا يدرونها، ولعله على
~~هذا لا يرد ما تقدم من الاعتراض فتدبر، وقيل: إن المراد من الآية إنكم لا
~~تدرون أي الوارثين والمورثين أسرع موتا فيرثه صاحبه فلا تتمنوا موت
~~الموروث ولا تستعجلوه، ونسب إلى أبي مسلم، ولا يخفى مزيد بعده.

# { فريضة من الله } / مصدر مؤكد لنفسه على حد هذا ابني حقا
~~لأنه واقع بعد جملة لا محتمل لها غيره فيكون فعله الناصب له محذوفا
~~وجوبا أي فرض ذلك فريضة من الله، وقيل: إنه ليس بمصدر بل هو اسم مفعول
~~وقع حالا، والتقدير لهؤلاء الورثة هذه السهام حال كونها مفروضة من الله
~~تعالى، وقيل: بل هو مصدر إلا أنه مؤكد لفعله وهو يوصيكم السابق على غير
~~لفظه إذ المعنى يفرض عليكم؛ وأورد عليه عصام الملة أن المصدر ms01766 إذا أضيف
~~لفاعله أو مفعوله أو تعلقا به يجب حذف فعله كما صرح به الرضي إلا أن يفرق
~~بين صريح المصدر وما تضمنه لكن لا بد لهذا من دليل ولم نطلع عليه.

# { إن الله كان عليما } أي بالمصالح والرتب { حكيما } في
~~كل ما قضى وقدر فتدخل فيه أحكام المواريث دخولا أوليا، وموقع هذه
~~الجملة هنا موقع قوله تعالى للملائكة:

# إني أعلم ما لا تعلمون

# [البقرة: 30] والخبر عن الله تعالى بمثل هذه الألفاظ  كما قال الخليل 
~~كالخبر بالحال والاستقبال لأنه تعالى منزه عن الدخول تحت الزمان، وقال
~~سيبويه: القوم لما شاهدوا علما وحكمة وفضلا وإحسانا تعجبوا فقيل لهم:
~~إن الله تعالى كان كذلك أي لم يزل موصوفا بهذه الصفات فلا حاجة إلى
~~القول بزيادة كان كما ذهب إليه البعض.

### || [4.12]

# { ولكم نصف ما ترك أزوجكم } إن دخلتم بهن أولا { إن
~~لم يكن لهن ولد } ذكرا كان أو أنثى واحدا كان أو متعددا
~~منكم كان أو من غيركم، ولذا قال سبحانه: { لهن } ولم يقل لكم، ولا
~~فرق بين أن يكون الولد من بطن الزوجة وأن يكون من صلب بنيها أو بني بنيها
~~إلى حيث شاء الله تعالى: { فإن كان لهن ولد } على ما ذكر من
~~التفصيل، وروي عن ابن عباس أن ولد الولد لا يحجب والفاء لترتيب ما بعدها
~~على ما قبلها فإن ذكر تقدير عدم الولد وبيان حكمه مستتبع لتقدير وجوده
~~وبيان حكمه { فلكم الربع مما تركن } من المال والباقي في
~~الصورتين لبقية الورثة من أصحاب الفروض والعصبات، أو ذوي الأرحام، أو
~~لبيت المال إن لم يكن وارث آخر { من بعد وصية يوصين بها
~~أو دين } متعلق بكلتا الصورتين لا بما يليه وحده، والكلام على فائدة
~~الوصف وكذا على تقديم الوصية ذكرا قد مر آنفا فلا فائدة في ذكره {
~~ولهن } أي الأزواج تعددن أو لا { الربع مما تركتم إن
~~لم يكن لكم ولد } على التفصيل المتقدم. { فإن كان
~~لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد
~~وصية توصون بها } فرض للرجل ms01767 بحق الزواج ضعف ما فرض للمرأة كما
~~في النسب لمزية عليها ولذا اختص بتشريف الخطاب، وتقديم ذكر حكم ميراثه
~~وهكذا قياس كل رجل وامرأة اشتركا في الجهة والقرب، ولا يستثنى من ذلك إلا
~~أولاد الأم والمعتق والمعتقة لاستواء الذكر والأنثى منهم.

# { وإن كان رجل } المراد بالرجل الميت وهو اسم كان { يورث }
~~على البناء للمفعول من ورث الثلاثي خبر كان، والمراد يورث منه فإن ورث
~~تتعدى بمن وكثيرا ما تحذف { كللة } هي في الأصل مصدر بمعنى الكلال
~~وهو الإعياء قال الأعشى:

# فآليت لا أرثي لها من (كلالة)

# ولا من حفي حتى ألاقي محمدا

# ثم استعيرت واستعملت استعمال الحقائق للقرابة من غير جهة الوالد والولد
~~لضعفها بالنسبة إلى قرابتهما، وتطلق على من لم يخلف والدا ولا ولدا،
~~وعلى من ليس بوالد ولا ولد من المخلفين بمعنى ذي كلالة كما تطلق القرابة
~~على ذوي القرابة وجعل ذلك بعضهم من باب التسمية بالمصدر وآخرون جوزوا
~~كونها صفة  كالهجاجة  للأحمق قال الشاعر:

# (هجاجة) منتخب الفؤاد

# كأنه نعامة في واد

# وتستعمل في المال الموروث مما ليس بوالد ولا ولد إلا أنه استعمال غير
~~شائع وهي في جميع ذلك لا تثنى ولا تجمع، واختار كثير كون أصلها من تكلله
~~النسب إذ أحاط به، ومن ذلك الإكليل لإحاطته بالرأس، والكل لإحاطته
~~بالعدد، وقال الحسين بن علي المغربي: أصل الكلالة عندي ما تركه الإنسان
~~وراء ظهره أخذا من الكل وهو الظهر والقفا، ونصبها على أنها مفعول له
~~أي يورث منه لأجل القرابة المذكورة، أو على أنها حال من ضمير { يورث }
~~أي حال كونه ذا كلالة واختاره الزجاج، أو على أنها خبر لكان؛ و { يورث
~~} صفة لرجل أي إن كان رجل موروث ذا كلالة ليس بوالد ولا ولد، وذكر أبو
~~البقاء احتمال كون { كان } تامة، و { رجل } فاعلها، و { يورث }
~~صفة له، و { كللة } حال من الضمير في يورث، واحتمال نصبها على هذا
~~الاحتمال على أنها مفعول له أيضا ظاهر، وجوز فيها الرفع على أنها صفة،
~~أو بدل من الضمير ms01768 إلا أنه لم يعرف أحد قرأ به فلا يجوز القراءة به أصلا،
~~وجعل نصبها على الاستعمال الغير الشائع على أنها مفعول ثان ليورث.

# وقرىء { يورث } و { يورث } بالتخفيف والتشديد على البناء للفاعل،
~~فانتصاب { كللة } إما على أنها حال من ضمير الفعل والمفعول محذوف
~~أي يورث وارثه حال كونه ذا كلالة، وإما على أنها مفعول به أي يورث ذا
~~كلاله، وإما على أنها مفعول له أي يورث لأجل الكلالة كذا قالوا، ثم إن
~~الذي عليه أهل الكوفة وجماعة من الصحابة والتابعين هو أن الكلالة هنا
~~بالمعنى الثالث، وروي عن آخرين  منهم ابن جبير وصح به خبر عن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم  أنها بالمعنى الثاني، ولم نر نسبة القولين الآخرين
~~لأحد من السلف، والأول منهما غير بعيد، والثاني سائغ إلا أن فيه بعدا
~~كما لا يخفى.

# { أو امرأة } عطف على { رجل } مقيد بما قيد به، وكثيرا ما
~~يستغنى بتقييد المعطوف عليه عن تقييد المعطوف، ولعل فصل ذكرها عن ذكره
~~للإيذان بشرفه وأصالته في الأحكام، وقيل: لأن سبب النزول كان بيان حكمه
~~بناءا على ما روي عن جابر أنه قال: أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وأنا مريض فقلت: كيف الميراث وإنما يرثني كلالة؟ فنزلت آية الفرائض لذلك
~~{ وله } أي الرجل، وتوحيد الضمير لوجوبه فيما وقع بعد، أو حتى أن ما
~~ورد على خلاف ذلك مؤل عند الجمهور كقوله تعالى:

# إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما

# [النساء: 135] وأتى به مذكرا للخيار بين أن يراعى المعطوف أو المعطوف
~~عليه في مثل ذلك، وقد روعي هنا المذكر لتقدمه ذكرا وشرافة، ويجوز أن
~~يكون الضمير لواحد منهما، والتذكير للتغليب، وجوز أن يكون راجعا للميت،
~~أو الموروث ولتقدم ما يدل عليه، وأبعد من جوز أن يكون عائدا للرجل،
~~وضمير المرأة محذوف، والمراد وله أو لها: { أخ أو أخت } أي من
~~الأم فقط  وعلى ذلك عامة المفسرين  حتى أن بعضهم حكى الإجماع عليه.
~~وأخرج غير واحد عن سعيد بن أبي وقاص أنه كان ms01769 يقرأ (وله أخ أو أخت من
~~أم)، وعن أبي من الأم، وهذه القراءة وإن كانت شاذة إلا أن كثيرا من
~~العلماء استند إليها بناءا على أن الشاذ من القراءات إذا صح سنده كان
~~كخبر الواحد في وجوب العمل به خلافا لبعضهم، ويرشد إلى هذا القيد أيضا
~~أن أحكام بني الأعيان والعلات هي التي تأتي في آخر السورة الكريمة،
~~وأيضا ما قدر هنا لكل واحد من الأخ والأخت، وللأكثر وهو السدس، والثلث
~~هو فرض الأم، فالمناسب أن يكون ذلك لأولاد الأم، ويقال لهم إخوة أخياف،
~~وبنو الأخياف، والإضافة بيانية، والجملة في محل النصب على أنها حال من
~~ضمير { يورث } أو من { رجل } على تقدير كون { يورث } صفة له
~~ومساقها لتصوير المسألة، وذكر الكلالة لتحقيق جريان الحكم المذكور، وإن
~~كان مع من ذكر ورثة أخرى بطريق الكلالة ولا يضر عند من لم يقل بالمفهوم
~~جريانه في صورة الأم، أو الجدة مع أن قرابتهما ليس بطريق الكلالة، وكذا
~~لا يضر عند القائل به أيضا للإجماع على ذلك { فلكل وحد منهما
~~} أي الأخت والأخ { السدس } مما ترك من غير تفضيل للذكر على الأنثى،
~~ولعله إنما عدل عن  فله السدس  إلى هذا دفعا لتوهم أن المذكور حكم
~~الأخ، وترك حكم الأخت لأنه يعلم منه أن لها نصف الأخ بحكم الأنوثة
~~والحكمة في تسوية الشارع بينهما تساويهما في الإدلاء إلى الميت بمحض
~~الأنوثة.

# { فإن كانوا } أي الأخوة والأخوات من الأم المدلول عليهم بما تقدم
~~والتذكير للتغليب { أكثر من ذلك } أي المذكور بواحد، أو بما فوقه
~~والتعبير باسم الإشارة دون الواحد لأنه لا يقال أكثر من الواحد حتى لو
~~قيل أول بأن المعنى زائدا عليه، وبعض المحققين التزم التأويل هنا أيضا
~~إذ لا مفاضلة بعد انكشاف حال المشار إليه، ولعل التعبير باسم الإشارة
~~حينئذ تأكيد الإشارة إلى أن المسألة فريضة، والفاء لما مر من أن ذكر
~~احتمال الانفراد مستتبع لذكر احتمال العدد. { فهم شركاء في
~~الثلث } يقتسمونه فيما بينهم بالسوية، وهذا مما لا خلاف فيه لأحد من ms01770
~~الأمة، والباقي لباقي الورثة من أصحاب الفروض والعصبات، وفيه خلاف
~~الشيعة، هذا ومن الناس من جوز أن يكون (يورث) في القراءة المشهورة مبنيا
~~للمفعول من أورث على أن المراد به الوارث، والمعنى وإن كان رجل يجعل
~~وارثا لأجل الكلالة؛ أو ذا كلالة أي غير والد ولا ولد، ولذلك الوارث أخ
~~أو أخت فلكل من ذلك الوارث، أو أخيه أو أخته السدس، فإن كانوا أكثر من
~~ذلك أي من الاثنين بأن كانوا ثلاثة، أو أكثر فهم شركاء في الثلث الموزع
~~للاثنين لا يزاد عليه شيء، ولا يخفى أن الكلام عليه قاصر عن بيان حكم
~~صورة انفراد الوارث عن الأخ والأخت ومقتض أن يكون المعتبر في استحقاق
~~الورثة للفرض المذكور إخوة بعضهم لبعض من جهة الأم فقط، وخارج على مخرج
~~لا عهد به، وفيه أيضا ما فيه، وقد أوضح ذلك مولانا شيخ الإسلام قدس سره
~~بما لا مزيد عليه.

# { من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار } أي
~~من غير ضرار لورثته فلا يقر بحق ليس عليه، ولا يوصى بأكثر من الثلث قاله
~~ابن جبير فالدين هنا مقيد كالوصية، وفي { يوصى } قراءتان سبعيتان في
~~البناء للمفعول والبناء للفاعل، و { غير } على القراءة الأولى حال من
~~فاعل فعل مبني للفاعل مضمر يدل عليه المذكور، وما حذف من المعطوف
~~اعتمادا عليه، ونظيره قوله تعالى:

# يسبح له فيها بالغدو والأصال * رجال

# [النور: 3637] على قراءة { يسبح } بالبناء للمفعول، وقول الشاعر:

# (ليبك) يزيد ضارع لخصومة

# ومختبط مما تطيح الطوائح

# وعلى القراءة الثانية حال من فاعل الفعل المذكور والمحذوف اكتفاءا به،
~~ولا يلزم على هذا الفصل بين الحال وذيها بأجنبي كما لا يخفى، أي يوصى
~~بما ذكر من الوصية والدين حال كونه غير مضار، ولا يجوز أن يكون حالا من
~~الفاعل المحذوف في المجهول لأنه ترك بحيث لا يلتفت إليه فلا يصح مجيء
~~الحال منه، وجوز فيه أن يكون صفة مصدر أي إيصاء غير مضار، واختار بعضهم
~~جعله حالا من وصية أو دين أي من بعد أداء ms01771 وصية أو دين غير مضار ذلك
~~الواحد؛ وجعل التذكير للتغليب وليس بشيء، وجوز هذا البعض أن يكون المعنى
~~على ما تقدم غير مضر نفسه بأن يكون مرتكبا خلاف الشرع بالزيادة على
~~الثلث وهو صحيح في نفسه إلا أن المتبادر الأول وعليه مجاهد وغيره. ويحتمل
~~ كما قال جمع  أن يكون المعنى غير قاصد الإضرار بل القربة، وذكر عصام
~~الملة أن المفهوم من الآية أن الإيصاء والإقرار بالدين لقصد الإضرار لا
~~يستحق التنفيذ وهو كذلك إلا أن إثبات القصد مشكل إلا أن يعلم ذلك
~~بإقراره، والظاهر أن قصد الإضرار لا القربة بالوصية بالثلث فما دونه لا
~~يمنع من التنفيذ، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل قال: إن الله
~~تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حياتكم، نعم ذاك محرم بلا شبهة
~~وليس كل محرم غير منفذ فإن نحو العتق والوقف للرياء والسمعة محرم
~~بالإجماع مع أنه نافذ، ومن ادعى تخصيص ذلك بالوصية فعليه البيان وإقامة
~~البرهان. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الإضرار بالوصية من
~~الكبائر، وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى
~~عنه مرفوعا

# " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى حاف في وصيته
~~فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة
~~فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة "

# { وصية من الله } مصدر مؤكد أي يوصيكم الله بذلك وصية،
~~والتنوين للتفخيم، ومن متعلقة بمحذوف وقع صفة للنكرة مؤكدا لفخامتها،
~~ونظير ذلك

# فريضة من الله

# [النساء: 11] ولعل السر في تخصيص كل منهما بمحله ما قاله الإمام من ((أن
~~لفظ الفرض أقوى وآكد من لفظ الوصية، فختم شرح ميراث الأولاد بذكر
~~الفريضة، وختم شرح ميراث الكلالة بالوصية ليدل بذلك على أن الكل وإن كان
~~واجب الرعاية إلا أن القسم الأول وهو رعاية حال الأولاد أولى))، وقيل إن
~~الوصية أقوى من الفرض للدلالة على الرغبة وطلب سرعة الحصول، فختم شرح
~~ميراث الكلالة بها لأنها ms01772 لبعدها ربما لا يعتنى بشأنها فحرض على الاعتناء
~~بها بذكر الوصية ولا كذلك ما تقدم، أو منصوب بمضار على أنه مفعول به له
~~إما بتقدير أي أهل وصية الله تعالى، أو على المبالغة لأن المضارة ليست
~~للوصية بل لأهلها فهو على حد يا سارق الليلة أهل الدار ومضارتها الإخلال
~~بحقوقهم ونقصها بما ذكر من الوصية بما زاد على الثلث، أو به مثلا لقصد
~~الإضرار دون القربة والإقرار بالدين كاذبا.

# والمراد من الأهل الورثة المذكورة ههنا ووقع في بعض العبارات أن المراد
~~وصية الله تعالى بالأولاد، ولعل المراد بهم الورثة مطلقا بطريق التعبير
~~عن الكلي بأشهر أفراده كما عبر عن مطلق الانتفاع بالمال بأكله وإلا فهو
~~غير ملائم وإنما نصب مضار المفعول به لأنه اسم فاعل معتمد على ذي الحال،
~~أو منفى معنى فيعمل في المفعول الصريح، ويشهد لهذا الاحتمال قراءة الحسن
~~{ غير مضار وصية } بالإضافة، وذكر أبو البقاء في هذه القراءة
~~وجهين: الأول: أن التقدير غير مضار أهل وصية فحذف المضاف، والثاني: أن
~~التقدير غير مضار وقت وصية فحذف وهو من إضافة الصفة إلى الزمان، ويقرب من
~~ذلك قولهم: هو فارس حرب أي فارس في الحرب، وتقول: هو فارس زمانه أي في
~~زمانه، والجمهور لا يثبتون الإضافة بمعنى في، ووقع في «الدر المصون»
~~احتمال أنه منصوب على الخروج ولم يبين المراد من ذلك، ووقع في «همع
~~الهوامع» في المفعول به: إن الكوفيين يجعلونه منصوبا على الخروج ولم
~~يبينه أيضا، قال الشهاب: فكأن مرادهم أنه خارج عن طرفي الإسناد، فهو
~~كقولهم: فضلة فلينظر.

# { والله عليم } بالمضار وغيره، وقيل: بما دبره بخلقه من الفرائض
~~{ حليم } لا يعاجل بالعقوبة فلا يغترن المضار بالإمهال أو لا يغترن من
~~خالفه فيما بينه من الفرائض بذلك، والإضمار في مقام الإظهار لإدخال
~~الروعة وتربية المهابة، ثم اعلم أن الله سبحانه أورد أقسام الورثة في هذه
~~الآيات على أحسن الترتيبات، وذلك أن الوارث إما أن يتصل بالميت بنفسه من
~~غير واسطة، أو يتصل به بواسطة فإن اتصل بغير ms01773 واسطة فسبب الاتصال إما أن
~~يكون النسب أو الزوجية، فحصل هنا ثلاثة أقسام: أشرفها وأعلاها الاتصال
~~الحاصل ابتداءا من جهة النسب، وذلك هو قرابة الولادة، ويدخل فيها
~~الأولاد والوالدان، وثانيها الاتصال الحاصل ابتداءا من جهة الزوجية وهذا
~~القسم متأخر في الشرف عن القسم الأول لأن الأول ذاتي والثاني عرضي؛
~~والذاتي أشرف من العرضى، وثالثها الاتصال الحاصل بواسطة الغير وهو المسمى
~~بالكلالة، وهذا القسم متأخر عن القسمين الأولين لوجوه: أحدها: أن الأولاد
~~والوالدين والأزواج والزوجات لا يعرض لهم السقوط بالكلية، وأما الكلالة
~~فقد يعرض لها السقوط بالكلية، وثانيها: أن القسمين الأولين ينتسب كل واحد
~~منهما إلى الميت بغير واسطة، والكلالة ينتسب إلى الميت بواسطة، والثابت
~~ابتداءا أشرف من الثابت بواسطة، وثالثها: أن مخالطة الإنسان بالوالدين
~~والأولاد والأزواج والزوجات أكثر وأتم من مخالطته بالكلالة وكثرة
~~المخالطة مظنة الألفة والشفقة وذلك يوجب شدة الاهتمام بأحوالهم، فلهذه
~~الأسباب وأشباهها أخر الله سبحانه ذكر ميراث الكلالة عن ذكر القسمين
~~الأولين فما أحسن هذا الترتيب وما أشد انطباقه على قوانين المعقولات 
~~كما قاله الإمام.

### || [4.13]

# { تلك } أي الأحكام المذكورة في شؤون اليتامى والمواريث وغيرها،
~~واقتصر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على المواريث { حدود الله }
~~أي شرائعه أو طاعته أو تفصيلاته أو شروطه، وأطلقت عليها الحدود لشبهها
~~بها من حيث إن المكلف لا يجوز له أن يتجاوزها إلى غيرها. { ومن يطع
~~الله ورسوله } فيما أمر به من الأحكام أو فيما فرض من الفرائض،
~~والإظهار في مقام الإضمار لما مرت الإشارة إليه { يدخله جنت }
~~نصب على الظرفية عند الجمهور، وعلى المفعولية عند الأخفش. { تجرى من
~~تحتها } أي من تحت أشجارها وأبنيتها، وقد مر الكلام في ذلك {
~~الأنهر } أي ماؤها { خلدين فيها } حال مقدرة من مفعول {
~~يدخله } لأن الخلود بعد الدخول فهو نظير قولك: مررت برجل معه صقر
~~يصيد به غدا، وصيغة الجمع لمراعاة معنى { من } كما أن إفراد الضمير
~~لمراعاة لفظها { وذلك } أي دخول الجنات على الوجه المذكور {
~~الفوز } أي الفلاح والظفر بالخير { العظيم } في نفسه أو ms01774 بالإضافة
~~إلى حيازة التركة على ما قيل؛ والجملة اعتراض.

### || [4.14]

# { ومن يعص الله ورسوله } فيما أمر به من الأحكام أو فيما
~~فرض من الفرائض، وقال ابن جريج: من لا يؤمن بما فصل سبحانه من المواريث،
~~وحكي مثله عن ابن جبير. { ويتعد حدوده } التي جاء بها رسوله
~~صلى الله عليه وسلم، ومن جملتها ما قص لنا قبل، أو يتعد حدوده في القسمة
~~المذكورة استحلالا كما حكي عن الكلبي { يدخله } قرأ نافع وابن
~~عامر بالنون في الموضعين { نارا } أي عظيمة هائلة { خلدا فيها }
~~حال كما سبق، وأفرد هنا وجمع هناك لأن أهل الطاعة أهل الشفاعة وإذا شفع
~~أحدهم في غيره دخلها معه، وأهل المعاصي لا يشفعون فلا يدخل بهم غيرهم
~~فيبقون فرادى، أو للإيذان بأن الخلود في دار الثواب بصفة الاجتماع الذي
~~هو أجلب للأنس، والخلود في دار العقاب بصفة الانفراد الذي هو أشد في
~~استجلاب الوحشة، وجوز الزجاج والتبريزي كون

# خالدين

# [النساء: 13] هناك و (خالدا) هنا صفتين لجنات / أو نار، واعترض بأنه لو
~~كان كذلك لوجب إبراز الضمير لأنهما جريا على غير من هما له، وتعقبه أبو
~~حيان بأن هذا على مذهب البصريين، ومذهب الكوفيين جواز الوصفية في مثل ذلك
~~ولا يحتاج إلى إبراز الضمير إذ لا لبس { وله عذاب } أي عظيم لا
~~يكتنه { مهين } أي مذل له والجملة حالية، والمراد جمع أمرين للعصاة
~~المعتدين عذاب جسماني وعذاب روحاني، نسأل الله تعالى العافية.

# واستدل بالآية من زعم أن المؤمن العاصي مخلد في النار، والجواب أنها لا
~~تصدق عليه إما لأنها في الكافر على ما سمعت عن الكلبي وابن جبير وابن
~~جريج وإما لأن المراد من حدود الله تعالى جميع حدوده لصحة الاستثناء
~~والمؤمن العاصي واقف عند حد التوحيد، وإما لأن ذلك مشروط بعدم العفو كما
~~أنه مشروط بعدم التوبة عند الزاعم، وفي ختم آيات المواريث بهذه الآية
~~إشارة إلى عظم أمر الميراث ولزوم الاحتياط والتحري وعدم الظلم فيه، وقد
~~أخرج ابن ماجه عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms01775 أنه قال:

# " من قطع ميراثا فرضه الله ورسوله قطع الله ميراثه من الجنة "

# وأخرج منصور عن سليمان بن موسى والبيهقي عن أبي هريرة نحو ذلك، وأخرج
~~الحاكم عن ابن مسعود أن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح
~~بغنيمة عدو، وكأن عدم القسم إما للتهاون في الدين وعدم المبالاة وكثرة
~~الظلم بين الناس، وإما لفشو الجهل وعدم من يعرف الفرائض، فقد ورد عن أبي
~~هريرة مرفوعا

# " إن علم الفرائض أول ما ينزع من الأمة "

# ، وأخرج البيهقي، والحاكم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض وتظهر
~~الفتن حتى يختلف الإثنان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها "

# ولعل الاحتمال الأول أظهر.

# وهذا وقد سددنا باب الإشارة في الآيات لما في فتحه من التكلف، وقد
~~تركناه لأهله.

### || [4.15]

# { واللاتي يأتين الفحشة من نسائكم } شروع في بيان
~~بعض الأحكام المتعلقة بالرجال والنساء إثر بيان أحكام المواريث، و {
~~واللاتي } جمع التي على غير قياس، وقيل: هي صيغة موضوعة للجمع،
~~وموضعها رفع على الابتداء، والفاحشة ما اشتد قبحه، واستعملت كثيرا في
~~الزنا لأنه من أقبح القبائح، وهو المراد هنا على الصحيح، والإتيان في
~~الأصل المجيء، وفي «الصحاح» يقال: أتيته أتيا قال الشاعر:

# فاختر لنفسك قبل أتى العسكر

# وأتوته أتوة لغة فيه، ومنه قول الهذلي:

# كنت إذا أتوته من غيب

# وفي «القاموس» أتوته أتوة وأتيته أتيا وإتيانا وإتيانه بكسرهما،
~~ومأتاة وأتيا كعتى، ويكسر جئته، وقد يعبر به كالمجيء والرهق والغشي عن
~~الفعل، وشاع ذلك حتى صار حقيقة عرفية، وهو المراد هنا فالمعنى يفعلن
~~الزنا أي يزنين، والتعبير بذلك لمزيد التهجين، وقرأ ابن مسعود {
~~يأتين }  فالإتيان على أصله المشهور، و { من } متعلقة بمحذوف وقع
~~حالا من فاعل { يأتين } والمراد من النساء  كما قال السدي وأخرجه
~~عنه ابن جرير  النساء اللاتي قد أنكحن وأحصن، ومثله عن ابن جبير {
~~فاستشهدوا } أي فاطلبوا أن يشهد { عليهن } بإتيانهن الفاحشة
~~{ أربعة منكم ms01776 } أي أربعة من رجال المؤمنين وأحرارهم قال الزهري:
~~مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين بعده أن لا تقبل
~~شهادة النساء في الحدود، واشترط الأربعة في الزنا تغليظا على المدعي
~~وسترا على العباد، وقيل: ليقوم نصاب الشهادة كاملا على كل واحد من
~~الزانيين كسائر الحقوق ولا يخفى ضعفه، والجملة خبر المبتدأ والفاء مزيدة
~~فيه لتضمن معنى الشرط، وجاز الإخبار بذلك لأن / الكلام صار في حكم الشرط
~~حيث وصلت اللاتي بالفعل  قاله أبو البقاء  وذكر أنه إذا كان كذلك لم
~~يحسن النصب على الاشتغال لأن تقدير الفعل قبل أداة الشرط لا يجوز،
~~وتقديره بعد الصلة يحتاج إلى إضمار فعل غير فاستشهدوا لأنه لا يصح أن
~~يعمل النصب في { اللاتى } ، وذلك لا يحتاج إليه مع صحة الابتداء وأجاز
~~قوم النصب بفعل محذوف تقديره اقصدوا اللاتي أو تعمدوا، وقيل: الخبر محذوف
~~والتقدير فيما يتلى عليكم حكم اللاتي، فالجار والمجرور هو الخبر وحكم هو
~~المبتدأ فحذفا لدلالة فاستشهدوا لأنه الحكم المتلو عليهم، والخطاب قيل:
~~للحكام، وقيل: للأزواج.

# { فإن شهدوا } عليهن بالإتيان. { فأمسكوهن } أي فاحبسوهن
~~عقوبة لهن { فى البيوت } واجعلوها سجنا عليهن { حتى
~~يتوفاهن الموت } المراد بالتوفي أصل معناه أي الاستيفاء وهو
~~القبض تقول: توفيت مالي على فلان واستوفيته إذا قبضته. وإسناده إلى الموت
~~باعتبار تشبيهه بشخص يفعل ذلك فهناك استعارة بالكناية والكلام على حذف
~~مضاف، والمعنى حتى يقبض أرواحهن الموت ولا يجوز أن يراد من التوفي معناه
~~المشهور إذ يصير الكلام بمنزلة حتى يميتهن الموت ولا معنى له إلا أن يقدر
~~مضاف يسند إليه الفعل أي ملائكة الموت، أو يجعل الإسناد مجازا من إسناد
~~ما للفاعل الحقيقي إلى أثر فعله.

# { أو يجعل الله لهن سبيلا } أي مخرجا من الحبس بما
~~يشرعه من الحد لهن  قاله ابن جبير  وأخرج الإمامان الشافعي وأحمد
~~وغيرهما عن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
~~نزل عليه الوحي كرب لذلك واربد وجهه، وفي لفظ لابن جرير يأخذه كهيئة
~~الغشي لما يجد ms01777 من ثقل ذلك فأنزل عليه ذات يوم فلما سرى عنه قال:

# " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة والبكر
~~جلد مائة ثم نفي سنة "

# وروى ابن أبي حاتم عن ابن جبير أنه قال: كانت المرأة أول الإسلام إذا
~~شهد عليها أربعة من المسلمين عدول بالزنا حبست في السجن فإن كان لها زوج
~~أخذ المهر منها ولكنه ينفق عليها من غير طلاق وليس عليها حد ولا يجامعها.

# وروى ابن جرير عن السدي كانت المرأة في بدء الإسلام إذا زنت حبست في
~~البيت وأخذ زوجها مهرها حتى جاءت الحدود فنسختها، وحكاية النسخ قد وردت
~~في غير ما طريق عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ورويت عن أبي جعفر، وأبي عبد
~~الله رضي الله تعالى عنهما، والناسخ عند بعض آية الجلد على ما في سورة
~~النور وعند آخرين إن آية الحبس نسخت بالحديث، والحديث منسوخ بآية الجلد،
~~وآية الجلد بدلائل الرجم. وقال الزمخشري: ((من الجائز أن لا تكون الآية
~~منسوخة بأن يترك ذكر الحد لكونه معلوما بالكتاب والسنة، ويوصي بإمساكهن
~~في البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من
~~البيوت والتعرض للرجال، ويكون السبيل على هذا النكاح المغني عن السفاح))،
~~وقال الشيخ أبو سليمان الخطابي في «معالم السنن»: إنه لم يحصل النسخ في
~~الآية ولا في الحديث وذلك أن الآية تدل على أن إمساكهن في البيوت ممدود
~~إلى غاية أن يجعل الله تعالى لهن سبيلا ثم إن ذلك السبيل كان مجملا
~~فلما قال صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني» إلى آخر ما في الحديث صار ذلك
~~بيانا لما في تلك الآية لا ناسخا له، وصار مخصصا لعموم آية الجلد، وقد
~~تقدم لك في سورة البقرة ما ينفعك في تحقيق هذا المقام فتذكره.

### || [4.16]

# { واللذان يأتينها منكم } هما الزاني والزانية بطريق
~~التغليب، قاله السدي وابن زيد وابن جبير، أراد بهما البكران اللذان لم
~~يحصنا، ويؤيد ذلك كون / عقوبتهما أخف من الحبس المخلد، وبذلك يندفع ms01778
~~التكرار لكن يبقى حكم الزاني المحصن غير ظاهر. وقرأ ابن كثير {
~~واللذان } بتشديد النون وهي لغة وليس مخصوصا بالألف كما قيل بل
~~يكون مع الياء أيضا وهو عوض عن ياء الذي المحذوف إذ قياسه اللذيان
~~والتقاء الساكنين هنا على حده كما في دابة وشابة { فئاذوهما } أي
~~بعد استشهاد أربعة شهود عليهما بالإتيان، وترك ذكر ذلك تعويلا على ما
~~ذكر آنفا، واختلف في الإيذاء على قولين: فعن ابن عباس أنه بالتعيير
~~والضرب بالنعال، وعن السدي وقتادة ومجاهد أنه بالتعيير والتوبيخ فقط {
~~فإن تابا } عما فعلا من الفاحشة بسبب الإيذاء كما ينبىء عنه الفاء {
~~وأصلحا } أي العمل. { فأعرضوا عنهما } أي اصفحوا عنهما
~~وكفوا عن أذاهما { إن الله كان توابا } مبالغا في قبول
~~التوبة { رحيما } واسع الرحمة والجملة في معرض التعليل للأمر
~~بالإعراض، والخطاب هنا للحكام، وجوز أن يكون للشهود الواقفين على
~~فعلتهما، ويراد بالإيذاء ذمهما وتعنيفهما وتهديدهما بالرفع إلى القضاة
~~والجر إلى الولاة وفتح باب الشر عليهما، وبالإعراض عنهما ترك التعرض لهما
~~بذلك، والوجه الأول هو المشهور، والحكم عليه منسوخ بالحد المفروض في سورة
~~النور أيضا عند الحسن وقتادة والسدي والضحاك وابن جبير وغيرهم، وإلى ذلك
~~ذهب البلخي والجبائي والطبري وقال الفراء: إن هذه الآية نسخت الآية التي
~~قبلها، وهذا مما لا يتمشى على القول بأن المراد بالموصول البكران كما لا
~~يخفى، وذهب أبو مسلم إلى أنه لا نسخ لحكم الآيتين بل الآية الأولى في
~~السحاقات وهن النساء اللاتي يستمتع بعضهن ببعض وحدهن الحبس، والآية
~~الثانية في اللائطين وحدهما الإيذاء، وأما حكم الزناة فسيأتي في سورة
~~النور، وزيف هذا القول بأن لم يقل به أحد، وبأن الصحابة رضي الله تعالى
~~عنهم اختلفوا في حكم اللوطي ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية، وعدم تمسكهم
~~بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على الحكم دليل على أن الآية ليست في
~~ذلك، وأيضا جعل الحبس في البيت عقوبة السحاق مما لا معنى له لأنه مما لا
~~يتوقف على الخروج كالزنا، فلو كان المراد السحاقات لكانت ms01779 العقوبة لهن
~~اختلاط بعضهن ببعض لا الحبس والمنع من الخروج، فحيث جعل هو عقوبة دل ذلك
~~على أن المراد  باللاتي يأتين الفاحشة  الزانيات، وأجاب أبو مسلم بأنه
~~قول مجاهد  وهو من أكابر المفسرين المتقدمين  وقد قال غير واحد: إذا
~~جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك على أنه تبين في الأصول أن استنباط تأويل
~~جديد في الآية لم يذكره المتقدمون جائز، وبأن مطلوب الصحابة رضي الله
~~تعالى عنهم معرفة حد اللوطي وكمية ذلك، وليس في الآية دلالة عليه بالنفي
~~والإثبات، ومطلق الإيذاء لا يصلح حدا ولا بيانا للكمية فلذا اختلفوا،
~~وبأن المراد من إمساكهن في البيوت حبسهن فيها واتخاذها سجنا عليهن ومن
~~حال المسجون منع من يريد الدخول عليه وعدم تمكينه من الاختلاط، فكان
~~الكلام في قوة فامنعوهن عن اختلاط بعضهن ببعض على أن الحبس المذكور حد،
~~وليس المقصود منه إلا الزجر والتنكيل، وأيد مذهبه بتمحيض التأنيث في
~~الآية الأولى والتذكير في الآية الثانية، والتغليب خلاف الأصل، ويبعده
~~أيضا لفظ منكم فإن المتبادر منه من رجالكم كما في قوله تعالى:

# أربعة منكم

# [النساء: 15] وأيضا لو كان كل واحدة من الآيتين واردا في الزنا يلزم
~~أن يذكر الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين وأنه تكرير لا وجه له،
~~وأيضا على هذا التقدير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيتين بل
~~يكون حكم كل واحد منهما مقررا على حاله، وعلى ما قاله الغير يحتاج إلى
~~التزام القول بالنسخ وهو خلاف الأصل، وأيضا على ما قالوه يكون الكتاب /
~~خاليا عن بيان حكم السحاق واللواطة، وعلى ما قلناه يكون متضمنا لذلك
~~وهو الأنسب بحاله، فقد قال سبحانه:

# ما فرطنا فى الكتب من شىء

# [الأنعام: 38]، و

# تبيانا لكل شىء

# [النحل: 89] وأجيب بأنا لا نسلم أن هذا قول لمجاهد، ففي «مجمع البيان»
~~أنه حمل اللذان يأتيانها على الرجلين الزانيين، وأخرج عبد بن حميد وابن
~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أنهما الفاعلان وهو ليس بنص على
~~أنهما اللائطان على أن حمل { اللاتى } في الآية الأولى ms01780 على السحاقات
~~لم نجد فيه عنه رواية صحيحة بل قد أخرجوا عنه ما هو ظاهر في خلافه، فقد
~~أخرج آدم والبيهقي في «سننه» عنه في تلك الآية أنه كان أمر أن يحبس ثم
~~نسختها

# الزانية والزانى فاجلدوا

# [النور: 2] وما ذكر من العلاوة مسلم لكن يبعد هذا التأويل أنه لا معنى
~~للتثنية في الآية الثانية لأن الوعد والوعيد إنما عهدا بلفظ الجمع ليعم
~~الآحاد أو بلفظ الواحد لدلالته على الجنس ولا نكتة للعدول عن ذلك هنا على
~~تقرير أبي مسلم بل كان المناسب عليه الجمع لتكون آية اللواطة كآية
~~السحاق، ولا يرد هذا على ما قرره الجمهور لأن الآية الأولى عندهم للإناث
~~الثيبات إذا زنين، والآية الثانية للذكر البكر والأنثى البكر إذا زنيا
~~فغوير بين التعبيرين لقوة المغايرة بين الموردين، ويحتمل أيضا أن تكون
~~المغايرة على رأيهم للإيذان بعزة وقوع زنا البكر بالنسبة إلى وقوع زنا
~~الثيب لأن البكر من النساء تخشى الفضيحة أكثر من غيرها من جهة ظهور أثر
~~الزنا، وهو زوال البكارة فيها ولا كذلك الثيب، ولا يمكن اعتبار مثل هذه
~~النكتة في المغايرة على رأي أبي مسلم إذ لا نسلم أن وقوع اللواطة من
~~الرجال أقل من وقوع السحاق من النساء بل لعل الأمر بالعكس، وكون مطلوب
~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم معرفة حد اللوطي وكمية ذلك والإيذاء لا يصلح
~~حدا ولا بيانا للكمية  ليس بشيء  كما يرشد إلى ذلك أن منهم من لم
~~يوجب عليه شيئا، وقال: تؤخر عقوبته إلى الآخرة، وبه أخذ الأئمة رضي الله
~~تعالى عنهم على أنه أي مانع من أن يعتبر الإيذاء حدا بعد أن ذكر في معرض
~~الحد وتفوض كيفيته إلى رأي الإمام فيفعل مع اللوطي ما ينزجر به مما لم
~~يصل إلى حد القتل؛ وكون الكلام في قوة فامنعوهن عن اختلاط بعضهن ببعض في
~~غاية الخفاء كما لا يخفى.

# نعم ما في حيز العلاوة مما لا بأس به، وما ذكر من أن التغليب خلاف الأصل
~~مسلم لكنه في القرآن العظيم أكثر ms01781 من أن يحصى، واعتباره في منكم تبع
~~لاعتباره في اللذان وذكر مثله قبل بلا تغليب فيه ربما يؤيد اعتبار
~~التغليب فيه ليغاير الأول فيكون لذكره بعده أتم فائدة ألا ترى كيف أسقط
~~من الآية الثانية الاستشهاد مع اشتراطه إجماعا اكتفاءا بما ذكر في
~~الآية الأولى لاتحاد الاستشهادين في المسألتين، ودعوى لزوم التكرار في
~~الموضع الواحد على رأي الجمهور ليست في محلها على ما أشرنا إليه في تفسير
~~الآية، ودعوى الاحتياج إلى التزام القول بالنسخ لا تضر لأن النسخ أمر
~~مألوف في كثير من الأحكام، وقد نص عليه هنا جماعة من الصحابة والتابعين
~~على أن في كون فرضية الحد نسخا في الآية الأولى مقالا يعلم مما قدمناه
~~في البقرة، وإذا جعل

# أو يجعل

# [النساء: 15] الخ معتبرا في الآية الثانية إلا أنه حذف منها اكتفاءا
~~بما في الأولى كما يشير إلى ذلك خبر عبادة بن الصامت جرى المقال في
~~الآيتين ولزوم خلو الكتاب عن بيان حكم السحاق واللواطة على رأي الجمهور
~~دون رأيه في حيز المنع أما على تقدير تسمية السحاق واللواطة زنا فظاهر،
~~وأما على تقدير عدم التسمية فلأن ذكر ما يمكن قياسهما عليه في حكم البيان
~~لحكمهما، وكم حكم ترك التصريح به في الكتاب اعتمادا على القياس  كحكم
~~النبيذ، وكحكم الجد وغيرهما  اعتمادا على بيان ما يمكن القياس عليه
~~وذلك لا ينافي كونه تبيانا لكل شىء وأنه ما فرط فيه من شيء، /
~~ومن ادعى أن جميع الأحكام الدينية مذكورة في القرآن صريحا من غير اعتبار
~~قياس، فقد ارتكب شططا وقال غلطا، وبالجملة المعول عليه ما ذهب إليه
~~الجمهور، ويد الله تعالى مع الجماعة، ومذهب أبي مسلم وإن لم يكن من
~~الفساد بمحل إلا أنه لم يعول عليه ولم تحط رحال القبول لديه، وهذا ما
~~عندي في تحقيق المقام وبالله سبحانه الاعتصام.

### || [4.17]

# ولما وصف سبحانه نفسه بالتواب الرحيم عقب ذلك بيان شرط قبول التوبة
~~بقوله جل شأنه.

# { إنما التوبة على الله } أي إن قبول التوبة، و على وإن
~~استعملت للوجوب ms01782 حتى استدل بذلك الواجبة عليه، فالمراد أنه لازم متحقق
~~الثبوت البتة بحكم سبق الوعد حتى كأنه من الواجبات كما يقال: واجب
~~الوجود، وقيل: على بمعنى من، وقيل: هي بمعنى عند، وعليه الطبرسي أي إنما
~~التوبة عند الله { للذين يعملون السوء } أي المعصية صغيرة
~~كانت أو كبيرة، والتوبة مبتدأ، و للذين خبره، و على الله متعلق بما تعلق
~~به الخبر من الاستقرار، أو بمحذوف وقع حالا من ضمير المبتدأ المستكن في
~~متعلق الجار الواقع خبرا على رأي من يجوز تقديم الحال على عاملها
~~المعنوي عند كونها ظرفا وجعله بعضهم على حد هذا بسرا أطيب منه رطبا،
~~وجوز أن يكون على الله متعلقا بمحذوف وقع صفة للتوبة أي إنما التوبة
~~الكائنة على الله و للذين هو الخبر، وهو ظاهر على رأي من جوز حذف الموصول
~~مع بعض صلته، وذكر أبو البقاء احتمال أن يكون على الله هو الخبر، و للذين
~~متعلقا بمحذوف وقع حالا من الضمير المستكن في متعلق الخبر، ويحتمل أن
~~يكون متعلقا بما تعلق به الخبر، ولا يخفى أن سوق الآية يؤيد جعل للذين
~~خبرا كما لا يخفى على من لم يتعسف.

# { بجهلة } حال من فاعل يعملون أي يعملون السوء متلبسين بها، أو
~~متعلق بيعملون والباء للسببية، والمراد من الجهالة الجهل والسفه بارتكاب
~~ما لا يليق بالعاقل لا عدم العلم خلافا للجبائي فإن من لا يعلم لا يحتاج
~~إلى التوبة، والجهل بهذا المعنى حقيقة واردة في كلام العرب كقوله:

# ألا لا يجهلن أحد علينا

# فنجهل فوق جهل الجاهلينا

# ومن هنا قال مجاهد فيما أخرجه عنه البيهقي في «الشعب»، وغيره: كل من عصى
~~ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته، وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة
~~قال: اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصى به فهو
~~جهالة عمدا كان أو غيره، وروي مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما، وقال أبو عبد الله رضي الله تعالى عنه: كل ذنب عمله العبد وإن كان ms01783
~~عالما فهو جاهل فيه حين خاطر بنفسه في معصية ربه، فقد حكى الله تعالى
~~قول يوسف عليه السلام لأخوته:

# هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم
~~جهلون

# [يوسف: 89] فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله تعالى،
~~وقال الفراء: معنى قوله سبحانه: { بجهالة } أنهم لا يعلمون كنه ما
~~في المعصية من العقوبة. وقال الزجاج: معنى ذلك اختيارهم اللذة الفانية
~~على اللذة الباقية.

# { ثم يتوبون من قريب } أي من زمان قريب وهو ما قبل حضور
~~الموت كما ينبىء عنه ما سيأتي من قوله تعالى:

# حتى إذا حضر

# [النساء: 18] الخ يروى

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في آخر خطبة خطبها: «من تاب قبل
~~موته بسنة تاب الله تعالى عليه» ثم قال: «وإن السنة لكثيرة من تاب قبل
~~موته بشهر تاب الله تعالى عليه» ثم قال: «وإن الشهر لكثير من تاب قبل
~~موته بيوم / تاب الله تعالى عليه» ثم قال: «وإن اليوم لكثير من تاب قبل
~~موته بساعة تاب الله تعالى عليه» ثم قال: «وإن الساعة لكثيرة من تاب قبل
~~موته وقد بلغت نفسه هذه  وأهوى بيده الشريفة إلى حلقه  تاب الله تعالى
~~عليه "

# وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم

# " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر "

# وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة قال: كنا عند أنس بن مالك وثم أبو
~~قلابة فحدث أبو قلابة قال: إن الله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة
~~فأنظره إلى يوم الدين فقال وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه
~~الروح قال: وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح، وأخرج ابن جرير
~~عن ابن عباس قال  القريب  ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت، وروي
~~مثله عن الضحاك، وعن عكرمة الدنيا كلها قريب وعن الإمام القشيري  القريب
~~ على لسان أهل العلم قبل الموت، وعلى لسان أهل المعاملة قبل أن تعتاد
~~النفس السوء ويصير لها كالطبيعة، ولعل مرادهم أنه إذا كان ms01784 كذلك يبعد عن
~~القبول، وإن لم يمتنع قبول توبته، و { من } تبعيضية كأنه جعل ما بين
~~وجود المعصية وحضور الموت زمانا قريبا، ففي أي جزء من أجزاء هذا الزمان
~~تاب فهو تائب في بعض أجزاء زمان قريب، وجعلها بعضهم لابتداء الغاية. ورجح
~~الأول بأن من إذا كانت لابتداء الغاية لا تدخل على الزمان على القول
~~المشهور، والذي لابتدائيته مذ ومنذ، وفي الإتيان بثم إيذان بسعة عفوه
~~تعالى.

# { فأولئك } أي المتصفون بما ذكر وما فيه من معنى البعد باعتبار
~~كونهم بانقضاء ذكرهم في حكم البعيد، وجوز أن يكون ذلك إيذانا ببعد
~~مرتبتهم ورفعة شأنهم من حيث إنهم تائبون، والخطاب للنبي صلى الله عليه
~~وسلم أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب، والفاء للدلالة على السببية، واسم
~~الإشارة مبتدأ خبره قوله تعالى: { يتوب الله عليهم } وما فيه
~~من تكرير الإسناد لتقوية الحكم، وهذا وعد بالوفاء بما وعد به سبحانه
~~أولا فلا تكرار، وضمن { يتوب } معنى يعطف فلذا عدي بعلى. وجوز أن
~~يكون ذلك من المذهب الكلامي كأنه قيل: التوبة كالواجب على الله تعالى،
~~وكل ما هو كالواجب عليه تعالى كائن لا محالة فالتوبة أمر كائن لا محالة
~~فالآية الأولى واقعة موقع الصغرى والكبرى مطوية، والآية الثانية واقعة
~~موقع النتيجة.

# { وكان الله عليما } فيعلم باخلاص من يتوب { حكيما } فلا
~~يعاقب التائب، والجملة اعتراض مقرر لمضمون ما قبلها، والإظهار في مقام
~~الإضمار للإشعار بعلة الحكم.

### || [4.18]

# { وليست التوبة } على الله { للذين يعملون
~~السيئات } أي المعاصي وجمعت باعتبار تكرر وقوعها في الزمان المديد
~~لا لأن المراد بها جميع أنواعها وبما مر من السوء نوع منها { حتى
~~إذا حضر أحدهم الموت } بأن شاهد الأحوال التي لا يمكن معها
~~الرجوع إلى الدنيا بحال وعاين ملك الموت وانقطع حبل الرجاء { قال إنى
~~تبت الئن } أي هذا الوقت الحاضر، وذكر لمزيد تعيين الوقت، وإيثار
~~قال على تاب لإسقاط ذلك عن درجة الاعتبار والتحاشي عن تسميته توبة، ولو
~~أكده ورغب فيه، ولعل سبب ذلك كون تلك الحالة أشبه شيء بالآخرة بل ms01785 هي أول
~~منزل من منازلها، والدنيا دار عمل ولا جزاء، والآخرة دار جزاء ولا عمل، و
~~حتى حرف ابتداء، والجمل الشرطية بعدها غاية لما قبلها أي ليست التوبة
~~لقوم يعملون السيئات إلى حضور موتهم، وقولهم: كيت وكيت.

# { ولا الذين يموتون وهم كفار } عطف على الموصول قبله
~~أي ليس قبول التوبة / لهؤلاء ولا لهؤلاء، والمراد من ذكر هؤلاء مع أنه لا
~~توبة لهم رأسا المبالغة في عدم قبول توبة المسوفين والإيذان بأن وجودها
~~كالعدم بل في تكرير حرف النفي في المعطوف كما قيل إشعار خفي بكون حال
~~المسوفين في عدم استتباع الجدوى أقوى من حال الذين يموتون على الكفر
~~والكثير من أهل العلم على أن المراد بالذين يعملون السيئات ما يشمل
~~الفسقة والكفرة، ومن الذين يموتون الخ الكفار فقط، وجوز أن يراد
~~بالموصولين الكفار خاصة، وأن يراد بهما الفسقة وحدهم، وتسميتهم في الجملة
~~الحالية كفارا للتغليظ، وأن يراد بهما ما يعم الفريقين جميعا فالتسمية
~~حينئذ للتغليب، وأخرج ابن جرير عن الربيع وابن المنذر عن أبي العالية أن
~~الآية الأولى: نزلت في المؤمنين والثانية: في المنافقين، والثالثة: في
~~المشركين، وفي جعل الوسطى في المنافقين مزيد ذم لهم حيث جعل عمل السيئات
~~من غيرهم في جنب عملهم بمنزلة العدم، فكأنهم عملوها دون غيرهم، وعلى هذا
~~لا يخفى لطف التعبير بالجمع في أعمالهم، وبالمفرد في المؤمنين لكن ضعف
~~هذا القول بأن المراد بالمنافقين إن كان المصرين على النفاق فلا توبة لهم
~~يحتاج إلى نفيها، وإلا فهم وغيرهم سواء.

# هذا واستدل بالآية على أن توبة اليائس كإيمانه غير مقبول، وفي المسألة
~~خلاف فقد قيل: إن توبة اليائس مقبولة دون إيمانه لأن الرجاء باق ويصح معه
~~الندم، والعزم على الترك، وأيضا التوبة تجديد عهد مع الرب سبحانه،
~~والإيمان إنشاء عهد لم يكن وفرق بين الأمرين، وفي «البزازية» أن الصحيح
~~أنها تقبل بخلاف إيمان اليائس، وإذا قبلت الشفاعة في القيامة وهي حالة
~~يائس فهذا أولى، وصرح القاضي عبد الصمد الحنفي في «تفسيره» إن مذهب
~~الصوفية أن الإيمان ms01786 أيضا ينتفع به عند معاينة العذاب، ويؤيده أن مولانا
~~الشيخ الأكبر قدس سره صرح في «فتوحاته» بصحة الإيمان عند الاضطرار، وعن
~~ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لو غرغر المشرك بالإسلام لرجوت له خيرا
~~كثيرا.

# وأيد بعضهم القول بقبول توبة الكافر عند المعاينة بما أخرجه أحمد
~~والبخاري في «التاريخ» والحاكم وابن مردويه عن أبي ذر أن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم قال:

# " إن الله يقبل توبة عبده  أو يغفر لعبده  ما لم يقع الحجاب قيل: وما
~~وقوع الحجاب؟ قال: تخرج النفس وهي مشركة "

# ولا يخفى أن الآية ظاهرة فيما ذهب إليه أهل القول الأول، وأجاب بعض
~~المحققين عنها بأن مفادها أن قبول توبة المسوف والمصر غير متحقق، ونفي
~~التحقق غير تحقق النفي فيبقى الأمر بالنسبة إليهما بين بين، وأنه تعالى
~~إن شاء عفا عنهما وإن شاء لم يعف وآية

# إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون
~~ذلك لمن يشاء

# [النساء: 48] تبين أنه سبحانه لا يشاء المغفرة للكافر المصر ويبقى
~~التائب عند الموت من أي ذنب كان تحت المشيئة، وزعم بعضهم أنه ليس في
~~الآية الوسطى توبة حقيقية لتقبل بل غايه ما فيها قول، إني تبت الآن وهو
~~إشارة إلى عدم وجود توبة صادقة، ولذا لم يقل وليست التوبة للذين يعملون
~~السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت تاب  وعلى تسليم أن التعبير بالقول
~~لنكتة غير ذلك يلتزم القول بأن التقييد بالآن مشعر بعدم استيفاء التوبة
~~للشروط لأن فيه رمزا إلى عدم العزم على عدم العود إلى ما كان عليه من
~~الذنب فيما يأتي من الأزمنة إن أمكن البقاء، ومن شروط التوبة الصحيحة ذلك
~~فتدبر.

# { أولئك } أي المذكورون من الفريقين المترامي حالهم إلى الغاية
~~القصوى في الفظاعة { أعتدنا لهم } أي هيأنا لهم، وقيل: أعددنا
~~فأبدلت الدال تاءا { عذابا أليما } أي مؤلما موجعا، وتقديم
~~الجار على المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بكون العذاب مهيئا لهم،
~~والتنكير للتفخيم، وتكرير الإسناد لما مر، واستدل المعتزلة بالآية على
~~وجوب العقاب لمن مات من ms01787 مرتكبي الكبائر من المؤمنين قبل التوبة، وأجيب
~~بأن تهيئة العذاب هو / خلق النار التي يعذب بها، وليس في الآية أن الله
~~تعالى يدخلهم فيها البتة، وكونه تعالى يدخل من مات كافرا فيها معلوم من
~~غير هذه الآية، ويحتمل أيضا أن يكون المراد أعتدنا لهم عذابا أليما إن
~~لم تعف كما تدل على ذلك النصوص، ويروى عن الربيع أن الآية منسوخة بقوله
~~تعالى:

# ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء

# [النساء: 48]. واعترض بأن أعتدنا خبر ولا نسخ في الأخبار، وقيل: إن {
~~أولئك } إشارة إلى الذين يموتون وهم كفار فلا إشكال كما لو جعل
~~إشارة إلى الفريقين وأريد بالأول المنافقون، وبالثاني المشركون.

### || [4.19]

# { يأيها الذين ءامنوا لا يحل لكم أن ترثوا
~~النساء كرها } لما نهى الله سبحانه فيما تقدم عن عادات أهل الجاهلية
~~في أمر اليتامى والأموال عقبه بالنهي عن الاستنان بنوع من سننهم في
~~النساء أنفسهن أو أموالهن؛ فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي
~~عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية ألقى عليها حميمه ثوبه
~~فمنعها من الناس فإن كانت جميلة تزوجها وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت
~~فيرثها، وفي رواية البخاري وأبي داود كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه
~~أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها وإن شاءوا لم يزوجوها
~~فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك، وأخرج ابن المنذر عن عكرمة
~~قال: نزلت هذه الآية في كبيشة ابنة معن بن عاصم من الأوس كانت عند أبي
~~قيس بن الأسلت فتوفي عنها فجنح عليها ابنه فجاءت النبي صلى الله عليه
~~وسلم فقالت: لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح فنزلت، وروي مثله عن
~~أبي جعفر وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: كان أهل يثرب إذا مات
~~الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله فكان يعضلها حتى يتزوجها
~~أو يزوجها من أراد فنهى الله تعالى المؤمنين عن ذلك.

# وروي عن الزهري أنها نزلت في ms01788 الرجل يحبس المرأة عنده لا حاجة له بها
~~وينتظر موتها حتى يرثها  فالنساء  إما مفعول ثان  لترثوا  على أن
~~يكن هن الموروثات، وكرها مصدر منصوب على أنه حال من النساء، وقيل: من
~~ضمير { ترثوا } والمعنى لا يحل لكم أن تأخذوا نساء موتاكم بطريق
~~الإرث على زعمكم كما حل لكم أخذ الأموال وهن كارهات لذلك أو مكرهات
~~عليه، أو أنتم مكروهون لهن، وإما مفعول أول له، والمعنى: لا يحل لكم أن
~~تأخذوا من النساء المال بطريق الإرث كرها والمراد من ذلك أمر الزوج أن
~~يطلق من كره صحبتها ولا يمسكها كرها حتى تموت فيرث منها مالها، وقرأ
~~حمزة والكسائي { كرها } بالضم في مواضعه، ووافقهما عاصم وابن عامر
~~ويعقوب في الأحقاف، وقرأ الباقون بالفتح في جميع ذلك وهما بمعنى كالضعف
~~والضعف، وقيل: الكره بالضم الإكراه وبالفتح الكراهية، وقرىء  لا تحل 
~~بالتاء الفوقانية لأن أن ترثوا بمعنى الوراثة كما قرىء

# لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا

# [الأنعام: 23] لأنه بمعنى المقالة، وهذا عكس تذكير المصدر المؤنث
~~لتأويله بأن والفعل، فكل منهما جار في اللسان الفصيح.

# { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ءاتيتموهن }
~~أصل العضل التضييق والحبس، ومنه عضلت المرأة بولدها عسر عليها كأعضلت فهي
~~معضل ومعضل، ويقال: عضل المرأة يعضلها مثلثة عضلا وعضلا وعضلانا
~~بكسرهما، وعضلها منعها الزوج ظلما، وعضلت الأرض بأهلها غصت قال أوس:

# ترى الأرض منا بالفضاء مريضة

# (معضلة) منا بجيش عرمرم

# / و { لا } إما ناهية على ما قيل والفعل مجزوم بها، والجملة مستأنفة 
~~كما قال أبو البقاء  أو معطوفة على الجملة التي قبلها بناءا على جواز
~~عطف جملة النهي على جملة خبرية كما نسب إلى سيبويه، أو بناءا على أن
~~الجملة الأولى في معنى النهي إذ معناها لا ترثوا النساء كرها فإنه غير
~~حلال لكم، وإما نافية مزيدة لتأكيد النفي، والفعل منصوب بالعطف على ترثوا
~~كأنه قيل: لا يحل ميراث النساء كرها ولا عضلهن، ويؤيد ذلك قراءة ابن
~~مسعود، (ولا أن تعضلوهن)،  وأما جعل لا نافية غير مزيدة والفعل معطوف
~~على المنصوب ms01789 قبله  فقد رده بعضهم بأنه إذا عطف فعل منفي  بلا  على
~~مثبت وكانا منصوبين فالقاعدة أن الناصب يقدر بعد حرف العطف لا بعد لا ولو
~~قدرته هنا بعد العاطف على ذلك التقدير فسد المعنى كما لا يخفى، والخطاب
~~في المتعاطفين إما للورثة غير الأزواج فقد كانوا يمنعون المرأة المتوفى
~~عنها زوجها من التزوج لتفتدي بما ورثت من زوجها، أو تعطيهم صداقا أخذته
~~كما كانوا يرثونهن كرها، والمراد  بما آتيتموهن  على هذا ما أتاه
~~جنسكم وإلا لم يلتئم الكلام لأن الورثة ما آتوهن شيئا، وإما للأزواج
~~فإنهم كما كانوا يفعلون ما تقدم كانوا يمسكون النساء من غير حاجة لهم
~~إليهن فيضاروهن ويضيقوا عليهن ليذهبوا ببعض ما آتوهن بأن يختلعن بمهورهن،
~~وإلى هذا ذهب الكثير من المفسرين  وهو المروي عن أبي جعفر رضي الله
~~تعالى عنه  والالتئام عليه ظاهر، وجوز أن يكون الخطاب الأول للورثة،
~~وهذا الخطاب للأزواج، والكلام قد تم بقوله سبحانه: { كرها } فلا يرد
~~عليه بعد تسليم القاعدة أنه لا يخاطب في كلام واحد اثنان من غير نداء،
~~فلا يقال: قم واقعد خطابا لزيد. وعمرو، بل يقال: قم يا زيد، واقعد يا
~~عمرو، وقيل: هذا خطاب للأزواج ولكن بعد مفارقتهم منكوحاتهم، فقد أخرج ابن
~~جرير عن ابن زيد قال: كانت قريش بمكة ينكح الرجل منهم المرأة الشريفة
~~فلعلها ما توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه فيأتي بالشهود
~~فيكتب ذلك عليها فإذا خطبها خاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها.
~~والمراد من قوله سبحانه: { لتذهبوا } الخ أن يدفعن إليكم بعض ما
~~آتيتموهن وتأخذوه منهن، وإنما لم يتعرض لفعلهن لكونه لصدوره عن اضطرار
~~منهن بمنزلة العدم، وعبر عن ذلك بالذهاب به لا بالأخذ، والإذهاب للمبالغة
~~في تقبيحه ببيان تضمنه لأمرين كل منهما محظور شنيع الأخذ والإذهاب لأنه
~~عبارة عن الذهاب مصطحبا به؛ وذكر  البعض  ليعلم منه أن الذهاب بالكل
~~أشنع شنيع.

# { إلا أن يأتين بفحشة مبينة } على صيغة الفاعل من
~~بين اللازم بمعنى تبين أو المتعدي، والمفعول محذوف أي ms01790 مبينة حال صاحبها.
~~وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم { مبينة } على صيغة المفعول، وعن
~~ابن عباس أنه قرأ { مبينة } على صيغة الفاعل من أبان اللازم بمعنى
~~تبين أو المتعدي، والمراد بالفاحشة هنا النشوز وسوء الخلق  قاله قتادة
~~والضحاك وابن عباس وآخرون  ويؤيده قراءة أبي إلا أن يفحشن عليكم، وفي
~~«الدر المنثور» نسبة هذه القراءة  لكن بدون عليكم  إلى أبي وابن
~~مسعود، وأخرج ابن جرير عن الحسن أن المراد بها الزنا. وحكي ذلك عن أبي
~~قلابة وابن سيرين، والاستثناء قيل: منقطع، وقيل: متصل وهو من ظرف زمان
~~عام أي لا تعضلوهن في وقت من الأوقات إلا وقت إيتائهن الخ، أو من حال
~~عامة أي في حال من الأحوال إلا في هذه الحال، أو من علة عامة أي لا
~~تعضلوهن لعلة من العلل إلا لإيتائهن ولا يأبى هذا ذكر العلة المخصوصة
~~لجواز أن يكون المراد العموم أي للذهاب وغيره، وذكر فرد منه لنكتة أو لأن
~~العلة المذكورة غائية والعامة المقدرة باعثة على الفعل متقدمة عليه في
~~الوجود.

# وفي الآية إباحة الخلع عند النشوز لقيام العذر بوجود السبب من جهتهن. /
~~وحكي عن الأصم أن إباحة أخذ المال منهن كان قبل الحدود عقوبة لهن. وروي
~~مثل ذلك عن عطاء، فقد أخرج عبد الرزاق وغيره عنه كان الرجل إذا أصابت
~~امرأته فاحشة أخذ ما ساق إليها وأخرجها فنسخ ذلك الحدود، وذهب أبو علي
~~الجبائي وأبو مسلم أن هذا متعلق بالعضل بمعنى الحبس والإمساك، ولا تعرض
~~له بأخذ المال ففيه إباحة الحبس لهن إذا أتين بفاحشة  وهي الزنا عند
~~الأول  والسحاق عند الثاني، فالآية على نحو ما تقدم من قوله تعالى:

# فأمسكوهن فى البيوت

# [النساء: 15].

# { وعاشروهن } أي خالقوهن { بالمعروف } وهو ما لا ينكره
~~الشرع والمروءة، والمراد هاهنا النصفة في القسم والنفقة، والإجمال في
~~القول والفعل. وقيل: المعروف أن لا يضربها ولا يسىء الكلام معها ويكون
~~منبسط الوجه لها، وقيل: هو أن يتصنع لها كما تتصنع له، واستدل بعمومه من
~~أوجب لهن الخدمة إذا كن ممن ms01791 لا يخدمن أنفسهن، والخطاب للذين يسيئون
~~العشرة مع أزواجهم، وجعله بعضهم مرتبطا بما سبق أول السورة من قوله
~~سبحانه:

# وءاتوا النساء صدقتهن نحلة

# [النساء: 4] وفيه بعد.

# { فإن كرهتموهن } أي كرهتم صحبتهن وإمساكهن بمقتضى الطبيعة من
~~غير أن يكون من قبلهن ما يوجب ذلك { فعسى أن تكرهوا شيئا }
~~كالصحبة والإمساك. { ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } كالولد
~~أو الألفة التي تقع بعد الكراهة، وبذلك قال ابن عباس ومجاهد، وهذه الجملة
~~علة للجزاء؛ وقد أقيمت مقامه إيذانا بقوة استلزامها إياه فإن  عسى 
~~لكونها لإنشاء الترجي لا تصلح للجوابية وهي تامة رافعة لما بعدها مستغنية
~~عن الخبر، والمعنى فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن، ولا تفارقوهن لكراهة
~~الأنفس وحدها، فلعل لكم فيما تكرهونه خيرا كثيرا فإن النفس ربما تكره
~~ما يحمد وتحب ما هو بخلافه، فليكن مطمح النظر ما فيه خير وصلاح، دون ما
~~تهوى الأنفس، ونكر شيئا وخيرا ووصفه بما وصفه مبالغة في الحمل على ترك
~~المفارقة وتعميما للإرشاد، ولذا استدل بالآية على أن الطلاق مكروه،
~~وقرىء { ويجعل } بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والجملة حال أي 
~~وهو  أي ذلك الشيء يجعل الله فيه خيرا كثيرا، وقيل: تقديره والله يجعل
~~الله بوضع المظهر موضع المضمر، فالواو حينئذ حالية.

# وفي دخولها على المضارع ثلاثة مذاهب: الأول: منع دخولها عليه إلا بتقدير
~~مبتدأ، والثاني: جوازه مطلقا. والثالث: التفصيل بأنه إن تضمن نكتة كدفع
~~إيهام الوصفية حسن وإلا فلا، ولا يخفى أن تقدير المبتدأ هنا خلاف الظاهر.

### || [4.20]

# { وإن أردتم } أيها الأزواج { استبدال زوج } إقامة
~~امرأة ترغبون بها { مكان زوج } أي امرأة ترغبون عنها بأن تطلقوها
~~{ وءاتيتم } أي أعطى أحدكم { إحداهن } أي إحدى الزوجات، فإن
~~المراد من الزوج هو الجنس الصادق مع المتعدد المناسب لخطاب الجمع،
~~والمراد من الإيتاء كما قال الكرخي: الالتزام والضمان كما في قوله تعالى:

# إذا سلمتم مآ آتيتم

# [البقرة: 233] أي ما التزمتم وضمنتم، ومفهوم الشرط غير مراد على ما نص
~~عليه بعض المحققين، وإنما ذكر لأن تلك الحالة قد يتوهم فيها الأخذ فنبهوا
~~على ms01792 حكم ذلك، والجملة حالية بتقدير قد لا معطوفة على الشرط أي وقد آتيتم
~~التي تريدون أن تطلقوها وتجعلوا مكانها غيرها { قنطارا } أي مالا
~~كثيرا، وقد تقدمت الأقوال فيه { فلا تأخذوا منه } أي من
~~القنطار المؤتى { شيئا } / يسيرا أي فضلا عن الكثير.

# { أتأخذونه } أي الشيء { بهتنا وإثما مبينا }
~~استئناف مسوق لتقرير النهي والاستفهام للإنكار والتوبيخ، والمصدران
~~منصوبان على الحالية بتأويل الوصف أي أتأخذونه باهتين وآثمين، ويحتمل أن
~~يكونا منصوبين على العلة ولا فرق في هذا الباب بين أن تكون علة غائية وأن
~~تكون علة باعثة  وما نحن فيه من الثاني  نحو قعدت عن الحرب جبنا لأن
~~الأخذ بسبب بهتانهم واقترافهم المآثم فقد قيل: كان الرجل منهم إذا أراد
~~جديدة بهت التي تحته بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها
~~ليصرفه إلى تزوج الجديدة فنهوا عن ذلك، والبهتان الكذب الذي يبهت المكذوب
~~عليه، وقال الزجاج: الباطل الذي يتحير من بطلانه، وفسر هنا بالظلم، وعن
~~مجاهد أنه الإثم فعطف الإثم عليه للتفسير كما في قوله:

# وألفى قولها كذبا ومينا

# وقيل: المراد به هنا إنكار التمليك والمبين البين الظاهر.

### || [4.21]

# { وكيف تأخذونه } إنكار بعد إنكار، وقد بولغ فيه على ما تقدم
~~في

# كيف تكفرون

# [البقرة: 28]، وقيل: تعجيب منه سبحانه وتعالى أي إن أخذكم له لعجيب {
~~وقد أفضى بعضكم إلى بعض } كناية عن الجماع على ما روي
~~عن ابن عباس ومجاهد والسدي. وقيل: المراد به الخلوة الصحيحة وإن لم يجامع
~~واختاره الفراء  وبه قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه  وهو أحد قولين
~~للإمامية، وفي «تفسير الكلبي» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما 
~~الإفضاء  الحصول معها في لحاف واحد جامعها أو لم يجامعها، ورجح القول
~~الأول بأن الكلام كناية بلا شبهة، والعرب إنما تستعملها فيما يستحي من
~~ذكره كالجماع، والخلوة لا يستحى من ذكرها فلا تحتاج إلى الكناية، وأيضا
~~في تعدية الإفضاء بإلى ما يدل على معنى الوصول والاتصال، وذلك أنسب
~~بالجماع، ومن ذهب إلى الثاني قال: إنما سميت الخلوة إفضاءا لوصول الرجل ms01793
~~بها إلى مكان الوطء ولا يسلم أن الخلوة لا يستحى من ذكرها، والجملة حال
~~من فاعل { تأخذونه } مفيدة لتأكيد النكير وتقرير الاستبعاد أي على
~~أي حال أو في أي [حال]تأخذونه، والحال أنه قد وقع منكم ما وقع { و } قد {
~~أخذن منكم ميثقا } أي عهدا { غليظا } أي شديدا قال
~~قتادة: هو ما أخذ الله تعالى للنساء على الرجال

# فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن

# [البقرة: 229] ثم قال: وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح فيقال: الله
~~عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرحن بإحسان، وروي ذلك عن الضحاك ويحيى بن أبي
~~كثير وكثير، وعن مجاهد  الميثاق الغليظ  كلمة النكاح التي استحل بها
~~فروجهن.

# واستدل بالآية من منع الخلع مطلقا وقال: إنها ناسخة لآية البقرة، وقال
~~آخر: إنها منسوخة بها، وروي ذلك عن أبي زيد وقال جماعة: لا ناسخة ولا
~~منسوخة، والحكم الذي فيها هو الأخذ بغير طيب نفس، واستدل بها  كما قال
~~ابن الفرس  قوم على جواز المغالاة في المهور. وأخرج أبو يعلى عن مسروق
~~أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه نهى أن يزاد في الصداق على أربعمائة
~~درهم فاعترضته امرأة من قريش فقالت: أما سمعت ما أنزل الله تعالى

# وآتيتم إحداهن قنطارا

# [النساء: 20] فقال: اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر ثم رجع فركب
~~المنبر، فقال: إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة
~~درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب، وطعن الشيعة بهذا الخبر على عمر
~~رضي الله تعالى عنه لجهله بهذه المسألة وإلزام امرأة له وقالوا: إن الجهل
~~مناف للإمامة، وأجيب بأن الآية ليست نصا في جواز إيتاء القنطار فإنها
~~على حد قولك: إن جاءك زيد وقد قتل أخاك فاعف عنه، وهو لا يدل على جواز
~~قتل الأخ سلمنا أنها تدل على جواز إيتائه إلا أنا لا نسلم جواز إيتائه
~~مهرا بل يحتمل أن يكون المراد بذلك إعطاء الحلي وغيره لا بطريق المهر /
~~بل بطريق الهبة، والزوج لا يصح له الرجوع عن هبته لزوجته خصوصا ms01794 إذا
~~أوحشها بالفراق، وقوله تعالى: { وقد أفضى } لا يعين كون المؤتى
~~مهرا سلمنا كونه مهرا لكن لا نسلم كون عدم المغالاة أفضل منه.

# فقد روى ابن حبان في «صحيحه» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إن من خير النساء أيسرهن صداقا "

# وعن عائشة رضي الله تعالى عنها عنه صلى الله عليه وسلم

# " يمن المرأة تسهيل أمرها في صداقها "

# وأخرج أحمد والبيهقي مرفوعا

# " أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا "

# ، فنهى أمير المؤمنين عن التغالي يحتمل أنه كان للتيسير وميلا لما هو
~~الأفضل ورغبة فيما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا،
~~وعدوله عن ذلك وعدم رده على القرشية كان من باب الترغيب في تتبع معاني
~~القرآن واستنباط الدقائق منه، وفي إظهار الكبير العالم المغلوبية للصغير
~~الجاهل تنشيط للصغير وإدخال للسرور عليه وحث له ولأمثاله على الاشتغال
~~بالعلم وتحصيل ما يغلب به، فقوله رضي الله تعالى عنه: اللهم غفرا كل
~~الناس أفقه من عمر كان من باب هضم النفس والتواضع وحسن الخلق وقد دعاه
~~إليه ما دعاه، ومع هذا لم يأمرهم بالمغالاة بل قصارى أمره أنه رفع النهي
~~عنهم وتركهم واختيارهم بين فاضل ومفضول ولا إثم عليهم في ارتكاب أي
~~الأمرين شاءوا، سلمنا أن هذه المسألة قد غابت عن أفق ذهنه الشريف لكن لا
~~نسلم أن ذلك جهل يضر بمنصب الإمامة فقد وقع لأمير المؤمنين علي كرم الله
~~تعالى وجهه مثل ذلك وهو إمام الفريقين، فقد أخرج ابن جرير. وابن عبد البر
~~عن محمد بن كعب قال: سأل رجل عليا كرم الله تعالى وجهه عن مسألة فقال
~~فيها، فقال الرجل: ليس هكذا ولكن كذا وكذا، فقال الأمير: أصبت وأخطأنا

# وفوق كل ذي علم عليم

# [يوسف: 76]، وقد وقع لداود عليه السلام ما قص الله تعالى لنا في كتابه
~~من قوله سبحانه: { وداوود وسليمن إذ يحكمان فى
~~الحرث } إلى أن قال عز من قائل:

# ففهمنها سليمن

# [الأنبياء: 78-79] فحيث لم ينقص ذلك من ms01795 منصب النبوة والخلافة المشار
~~إليها بقوله تعالى:

# يداوود إنا جعلنك خليفة فى الأرض

# [ص: 26] لا ينقص من منصب الإمامة كما لا يخفى، فمن أنصف جعل هذه
~~الواقعة من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه لا من مطاعنه، ولكن لا علاج
~~لداء البغض والعناد

# ومن يضلل الله فما له من هاد

# [الرعد: 33].

### || [4.22]

# { ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم } شروع في بيان من يحرم
~~نكاحها من النساء ومن لا يحرم بعد بيان كيفية معاشرة الأزواج، وهو عند
~~بعض مرتبط بقوله سبحانه:

# لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها

# [النساء: 19] وإنما خص هذا النكاح بالنهي ولم ينظم في سلك نكاح المحرمات
~~الآتية مبالغة في الزجر عنه حيث كان ذلك ديدنا لهم في الجاهلية. وأخرج
~~ابن سعد عن محمد بن كعب قال: كان الرجل إذا توفي عن امرأته كان ابنه أحق
~~بها أن ينكحها إن شاء إن لم تكن أمه، أو ينكحها من شاء فلما مات أبو قيس
~~بن الأسلت قام ابنه حصن فورث نكاح امرأته ولم ينفق عليها ولم يورثها من
~~المال شيئا فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: «ارجعي
~~لعل الله تعالى ينزل فيك شيئا فنزلت { ولا تنكحوا } الآية، ونزلت
~~أيضا

# لا يحل لكم

# [النساء: 19] الخ» وذكر الواحدي وغيره أنها نزلت في حصن المذكور، وفي
~~الأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه، وفي صفوان بن أمية بن خلف تزوج امرأة
~~أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب، وفي منظور بن ريان تزوج امرأة أبيه
~~مليكة بنت خارجة، واسم الآباء ينتظم الأجداد كيف كانوا باعتبار معنى
~~يعمهما لغة لا باعتبار الجمع بين الحقيقة والمجاز، وفي «النهاية» إن
~~دلالة الأب على الجد بأحد طريقين: إما أن يكون المراد بالأب الأصل وإما
~~بالإجماع، ولا يخفى أن كون / الدلالة بالإجماع مما لا معنى له، نعم لثبوت
~~حرمة من نكحها الجد بالإجماع معنى لا خفاء فيه فتثبت حرمة ما نكحوها نصا
~~وإجماعا، ويستقل في إثبات هذه الحرمة نفس النكاح أعني العقد إن كان
~~صحيحا ولا ms01796 يشترط الدخول، وإلى ذلك ذهب ابن عباس، فقد أخرج عنه ابن جرير
~~والبيهقي أنه قال: كل امرأة تزوجها أبوك دخل بها أو لم يدخل بها فهي عليك
~~حرام، وروي ذلك عن الحسن وابن أبي رباح، وإن كان النكاح فاسدا فلا بد
~~في إثبات الحرمة من الوطء أو ما يجري مجراه من التقبيل والمس بشهوة مثلا
~~بل هو المحرم في الحقيقة حتى لو وقع شيء من ذلك بملك اليمين، وبالوجه
~~المحرم ثبتت به الحرمة عندنا، وإليه ذهبت الإمامية، وخالفت الشافعية في
~~المحرم، وتحقيق ذلك أن الناس اختلفوا في مفهوم النكاح لغة فقيل: هو مشترك
~~لفظي بين الوطء والعقد وهو ظاهر كلام كثير من اللغويين، وقيل: حقيقة في
~~العقد مجاز في الوطء وعليه الشافعية، وقيل: بالعكس وعليه أصحابنا، ولا
~~ينافيه تصريحهم بأنه حقيقة في الضم لأن الوطء من أفراده والموضوع للأعم
~~حقيقة في كل من أفراده على ما أطلقه الأقدمون، وقد تحقق استعمال النكاح
~~في كل من هذه المعاني، ففي الوطء قوله صلى الله عليه وسلم:

# " ولدت من نكاح لا من سفاح "

# أي من وطء حلال لا من وطء حرام، وقوله عليه الصلاة والسلام:

# " يحل للرجل من امرأته الحائض كل شيء إلا النكاح "

# ، وقول الشاعر:

# ومن أيم قد (أنكحتها) رماحنا

# وأخرى على خال وعم تلهف

# وقول الآخر:

# (ومنكوحة) غير ممهورة

# وقول الفرزدق:

# إذ سقى الله قوما صوب عادية

# فلا سقى الله أرض الكوفة المطرا

# التاركين على طهر نساءهم

# (والناكحين) بشطي دجلة البقرا

# وفي «العقد» قول الأعشى:

# فلا تقربن جارة إن سرها

# عليك حرام (فانكحن) أو تأبدا

# وفي المعنى الأعم قول القائل:

# ضممت إلى صدري معطر صدرها

# كما (نكحت) أم الغلام صبيها

# وقول أبي الطيب:

# (أنكحت) صم حصاها خف يعملة

# تغشمرت بي إليك السهل والجبلا

# فمدعي الاشتراك اللفظي يقول تحقق الاستعمال والأصل الحقيقة، والثاني
~~يقول: كونه مجازا في أحدهما حقيقة في الآخر حيث أمكن أولى من الاشتراك،
~~ثم يدعي تبادر العقد عند إطلاق لفظ النكاح دون الوطء ويحيل فهم الوطء منه
~~حيث فهم ms01797 على القرينة، ففي الحديث الأول هي عطف السفاح بل يصح حمل النكاح
~~فيه على العقد وإن كانت الولادة بالذات من الوطء، وفي الثاني إضافة
~~المرأة إلى ضمير الرجل فإن امرأته هي المعقود عليها فيلزم إرادة الوطء من
~~النكاح المستثنى وإلا فسد المعنى إذ يصير يحل من المعقود عليها كل شيء
~~إلا العقد، وفي الأبيات الإضافة إلى البقر ونفي المهور، والإسناد إلى
~~الرماح إذ يستفاد أن المراد وطء البقر والمسبيات، والجواب منع تبادر
~~العقد عند الإطلاق لغة بل ذلك في المفهوم الشرعي الفقهي، ولا نسلم أن فهم
~~الوطء فيما ذكر مسند إلى القرينة وإن كانت موجودة إذ وجود قرينة تؤيد
~~إرادة المعنى الحقيقي مما يثبت مع إرادة الحقيقي فلا يستلزم ذلك كون
~~المعنى مجازيا بل المعتبر مجرد النظر إلى القرينة إن عرف أنه لولاها لم
~~يدل اللفظ على ما عنيته فهو مجاز وإلا فلا، ونحن في هذه المواد المذكورة
~~نفهم الوطء قبل طلب القرينة، والنظر في / وجه دلالتها فيكون اللفظ حقيقة
~~وإن كان مقرونا بما إذا نظر فيه استدعى إرادة ذلك المعنى، ألا يرى أن ما
~~ادعوا فيه الشهادة على أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء من بيت الأعشى
~~فيه قرينة تفيد العقد أيضا فإن قوله:

# فلا تقربن جارة

# نهى عن الزنا بدليل أن سرها عليك حرام فيلزم أن قوله: فانكحن أمر بالعقد
~~أي فتزوج إن كان الزنا عليك حراما أو تأبد أي توحش أي كن كالوحش بالنسبة
~~إلى الآدميات فلا يكن منك قربان لهن كما لا يقربهن وحش، ولم يمنع ذلك أن
~~يكون اللفظ حقيقة في العقد عندهم في البيت إذ هم لا يقولون بأنه مجاز
~~فيه، وأما ادعاء أنه في الحديث للعقد فيستلزم التجوز في نسبة الولادة
~~إليه لأن العقد إنما هو سبب السبب، ففيه دعوى حقيقة بالخروج عن حقيقة وهو
~~ترجيح بلا مرجح لو كانا سواء، فكيف والأنسب كونه في الوطء ليتحقق التقابل
~~بينه وبين السفاح إذ يصير المعنى عن وطء حلال لا وطء حرام فيكون على ms01798 خاص
~~من الوطء، والدال على الخصوصية لفظ السفاح أيضا فثبت إلى هنا أنا لم
~~نزده على ثبوت مجرد الاستعمال شيئا يجب اعتباره، وقد علم أيضا ثبوت
~~الاستعمال في الضم فباعتباره حقيقة فيه يكون مشتركا معنويا من أفراده
~~الوطء والعقد إن اعتبرنا الضم أعم من ضم الجسم إلى الجسم والقول إلى
~~القول، أو الوطء فقط فيكون مجازا في العقد لأنه إذا دار بين المجاز
~~والاشتراك اللفظي كان المجاز أولى ما لم يثبت صريحا خلافه ولم يثبت نقل
~~ذلك بل قالوا: نقل المبرد عن البصريين، وغلام ثعلب عن الكوفيين أنه الجمع
~~والضم، ثم المتبادر من لفظ الضم تعلقه بالأجسام لا الأقوال لأنها أعراض
~~يتلاشى الأول منها قبل وجود الثاني فلا يصادف الثاني ما ينضم إليه فوجب
~~كونه مجازا في العقد  كذا في «فتح القدير» .

# إذا علمت ذلك فنقول: حمل الشافعية النكاح في الآية التي نحن فيها على
~~العقد دون الوطء، واستدلوا بها على حرمة المعقود عليها وإن لم توطأ،
~~وذهبوا إلى عدم ثبوت الحرمة بالزنا وحمله بعض أصحابنا على العقد فيها،
~~واستدلوا بها على حرمة نكاح نساء الآباء والأجداد، وثبوت حرمة المصاهرة
~~بالزنا وجعلوا حرمة العقد ثابتة بالإجماع، ثم قالوا: ولو حمل على العقد
~~تكون حرمة الوطء ثابتة بطريق الأولى.

# واعترض بأنه لا ينبغي أن يقال: ثبت حرمة الموطوأة بالآية، والمعقود
~~عليها بلا وطء بالإجماع لأنه إذا كان الحكم الحرمة بمجرد العقد  ولفظ
~~الدليل الصالح له  كان مرادا منه بلا شبهة؛ فإن الإجماع تابع للنص إذ
~~القياس عن أحدهما يكون، ولو كان عن علم ضروري يخلق لهم ثبت بذلك أن ذلك
~~الحكم مراد من كلام الشارع إذا احتمله، وحمله آخرون على الوطء والعقد
~~معا فقد قال الزيلعي: الآية تتناول منكوحة الأب وطءا وعقدا صحيحا،
~~ولا يضر الجمع بين الحقيقة والمجاز لأن الكلام نفي، وفي النفي يجوز الجمع
~~بينهما كما يجوز فيه أن يعم المشترك جميع معانيه، وقد نقل أيضا سعدي
~~أفندي عن وصايا «الهداية» جواز الجمع بين معاني المشترك في النفي وحينئذ ms01799
~~لا إشكال في كون الآية دليلا على حرمة الموطوأة والمعقود عليها كما لا
~~يخفى.

# واعترض ما قاله الزيلعي بأنه ضعيف في الأصول، والصحيح أنه لا يجوز الجمع
~~بين الحقيقة والمجاز لا في النفي ولا في الإثبات، ولا عموم للمشترك
~~مطلقا، وفي «الأكمل»، والحق أن النفي كما اقتضاه الإثبات فإن اقتضى
~~الإثبات الجمع بين المعنيين فالنفي كذلك وإلا فلا.

# ومسألة اليمين المذكورة في «المبسوط» حلف لا يكلم مواليه  وله أعلون
~~وأسفلون فأيهم كلم حنث  ليست باعتبار عموم المشترك في النفي كما توهم
~~البعض، وإنما هو لأن حقيقة الكلام متروكة بدلالة اليمين إلى مجاز يعمها،
~~وفي «البحر» إن الأولى أن النكاح في الآية للعقد كما هو المجمع عليه،
~~ويستدل / لثبوت حرمة المصاهرة بالوطء الحرام بدليل آخر فليفهم، وما موصول
~~اسمي واقعة على من يعقل ولا كلام في ذلك على رأي من جوزه مطلقا، وكذا
~~على رأي من جوزه إذا أريد معنى صفة مقصودة منه، وقيل: مصدرية على إرادة
~~المفعول من المصدر أي منكوحات آبائكم، واختار الطبري إبقاء المصدر على
~~مصدريته ويكون المراد النهي عن كل نكاح كان لهم فاسد أي لا تنكحوا مثل
~~نكاح آبائكم وليس بالوجيه.

# { من النساء } في موضع الحال من ما أو من العائد عليها، وعند الطبري
~~متعلقة بنكح، وذكر غير واحد أنها بيان لما على الوجهين السابقين، وظاهره
~~أنها بيانية، ويحتمل أن تكون تبعيضية والبيان معنوي، ونكتته مع عدم
~~الاحتياج إليه إذ المنكوحات لا يكن إلا نساءا التعميم كأنه قيل: أي
~~امرأة كانت، واحتمال كونه رفع توهم التغليب في آبائكم وجعله أعم من
~~الأمهات حتى يفيد أنه نهي للبنت عن نكاح منكوح أمها لا يخلو عن خفاء.

# { إلا ما قد سلف } أي مات كما روي ذلك عن أبي بن كعب وهو
~~استثناء متصل على المختار مما نكح للمبالغة في التحريم والتعميم، والكلام
~~حينئذ من باب تأكيد الشيء بما يشبه نقيضه كما في قول النابغة:

# ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

# (بهن فلول من قراع الكتائب)

# والمعنى لا تنكحوا ms01800 حلائل آبائكم إلا من ماتت منهن. والمقصود سد باب
~~الإباحة بالكلية لما فيه من تعليق الشيء بالمحال كقوله تعالى:

# حتى يلج الجمل فى سم الخياط

# [الأعراف: 40] والمعلق على المحال محال، وقيل: إنه استثناء متصل مما
~~يستلزمه النهي وتستلزمه مباشرة المنهي عنه من العقاب كأنه قيل: تستحقون
~~العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف ومضى فإنه معفو عنه، وبهذا
~~التأويل يندفع الاستشكال بأن النهي للمستقبل، وما قد سلف ماض فكيف يستثنى
~~منه، وجعل بعض محققي النحاة الاستثناء مما دخل في حكم دلالة المفهوم
~~منقطعا فحكم على ما هنا بالانقطاع أي لكن ما سلف لا مؤاخذة عليه فلا
~~تلامون به لأن الإسلام يهدم ما قبله فتثبت به أحكام النسب وغيره، ولا يعد
~~ذلك زنا، وقد ذكر البلخي أنه ليس كل نكاح حرمه الله تعالى يكون زنا لأن
~~الزنا فعل مخصوص لا يجري على طريقة لازمة وسنة جارية، ولذلك لا يقال
~~للمشركين في الجاهلية أولاد زنا، ولا لأولاد أهل الذمة مثلا إذا كان ذلك
~~عن عقد بينهم يتعارفونه، وزعم بعضهم على تقدير الانقطاع أن المعنى لكن ما
~~سلف أنتم مقرون عليه، وحكي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرهم على
~~منكوحات آبائهم مدة ثم أمر بمفارقتهن، وفعل ذلك ليكون إخراجهم عن هذه
~~العادة الرديئة على سبيل التدريج، قال البلخي: وهذا خلاف الإجماع، وما
~~علم من دين الرسول صلى الله عليه وسلم فالقول به خطأ والمعول عليه من بين
~~الأقوال الأول لقوله سبحانه:

# { أنه } أي نكاح ما نكح الآباء { كان فحشة ومقتا } فإنه
~~تعليل للنهي وبيان لكون المنهي عنه في غاية القبح كما يدل عليه الإخبار
~~بأنه فاحشة مبغوضا باستحقار جدا حتى كأنه نفس البغض كما يدل عليه
~~الإخبار بأنه مقت، وإنه لم يزل في حكم الله تعالى وعلمه موصوفا بذلك ما
~~رخص فيه لأمة من الأمم كما يقتضيه كان على ما ذكره علي بن عيسى وغيره،
~~وهذا لا يلائم أن يوسط بينهما ما يهون أمره من ترك المؤاخذة على ما ms01801 سلف
~~منه كما أشار إليه الزمخشري وارتضاه جمع من المحققين، ومن الناس من
~~استظهر كون هذه الجملة خبرا على تقدير الانقطاع وليس بالظاهر، ومنهم من
~~فسر الفاحشة هنا بالزنا وليس بشيء، وقد كان هذا النكاح يسمى في الجاهلية
~~نكاح المقت، ويسمى الولد منه مقتي، ويقال له أيضا: مقيت أي مبغوض
~~مستحقر، وكان من هذا النكاح /  على ما ذكره الطبرسي  الأشعث بن قيس
~~ومعيط جد الوليد بن عقبة { وساء سبيلا } أي بئس طريقا طريق ذلك
~~النكاح، ففي ساء ضمير مبهم يفسره ما بعده، والمخصوص بالذم محذوف، وذم
~~الطريق مبالغة في ذم سالكها وكناية عنه، ويجوز  واختاره الليث  أن
~~تكون ساء كسائر الأفعال ففيها ضمير يعود إلى ما عاد إليه ضمير به.

# وسبيلا تمييز محول عن الفاعل، والجملة إما مستأنفة لا محل لها من
~~الإعراب، وإما معطوفة على خبر كان محكية بقول مضمر هو المعطوف في الحقيقة
~~أي ومقولا في حقه ذلك في سائر الأعصار.

# قال الإمام الرازي: ((مراتب القبح ثلاث: القبح العقلي والقبح الشرعي
~~والقبح العادي، وقد وصف الله سبحانه هذا النكاح بكل ذلك، فقوله سبحانه: {
~~فحشة } إشارة إلى مرتبة قبحه العقلي، وقوله تعالى: { ومقتا }
~~إشارة إلى مرتبة قبحه الشرعي، وقوله عز وجل: { وساء سبيلا } إشارة
~~إلى مرتبة قبحه العادي، وما اجتمع فيه هذه المراتب فقد بلغ أقصى مراتب
~~القبح))، وأنت تعلم أن كون قوله عز شأنه: { ومقتا } إشارة إلى مرتبة
~~قبحه الشرعي ظاهر على تقدير أن يكون المراد ومقتا عند الله تعالى، وأما
~~على تقدير أن يكون المراد ومقتا عند ذوي المروءات فليس بظاهر، ومن هنا
~~قيل: إن قوله جل شأنه: { فحشة } إشارة إلى القبح الشرعي {
~~ومقتا } إشارة إلى العقلي بمعنى المنافرة { وساء سبيلا } إلى
~~العرفي، وعندي أن لكل وجها، ولعل ترتيب الإمام أولى من بعض الحيثيات كما
~~لا يخفى، ومما يدل على فظاعة أمره ما أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة
~~وأحمد والحاكم والبيهقي عن البراء قال: لقيت خالي ومعه الراية قلت: أين
~~تريد؟ قال: بعثني رسول الله صلى ms01802 الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه
~~من بعده فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله.

### || [4.23]

# { حرمت عليكم أمهتكم وبنتكم وأخوتكم
~~وعمتكم وخلتكم وبنات الأخ وبنات الأخت }
~~ليس المراد تحريم ذاتهن لأن الحرمة وأخواتها إنما تتعلق بأفعال المكلفين،
~~فالكلام على حذف مضاف بدلالة العقل، والمراد تحريم نكاحهن لأنه معظم ما
~~يقصد منهن ولأنه المتبادر إلى الفهم ولأن ما قبله وما بعده في النكاح،
~~ولو لم يكن المراد هذا كأن تخلل أجنبي بينهما من غير نكتة فلا إجمال في
~~الآية خلافا للكرخي، والجملة إنشائية وليس المقصود منها الإخبار عن
~~التحريم في الزمان الماضي؛ وقال بعض المحققين: لا مانع من كونها إخبارية
~~والفعل الماضي فيها مثله في التعاريف نحو الاسم ما دل على معنى في نفسه
~~ولم يقترن بأحد الأزمنة، والفعل ما دل واقترن، فإنهم صرحوا أن الجملة
~~الماضوية هناك خبرية وإلا لما صح كونها صلة الموصول مع أنه لم يقصد من
~~الفعل فيها الدلالة على الزمان الماضي فقط، وإلا للزم أن يكون حال المعرف
~~في الزمان الحال والمستقبل ليس ذلك الحال، وبنى الفعل لما لم يسم فاعله
~~لأنه لا يشتبه أن المحرم هو الله تعالى.

# و { أمهتكم } تعم الجدات كيف كن إذ الأم هي الأصل في الأصل 
~~كأم الكتاب وأم القرى  فتثبت حرمة الجدات بموضوع اللفظ وحقيقته لأن الأم
~~على هذا من قبيل المشكك، وذهب بعضهم إلى أن إطلاق الأم على الجدة مجاز،
~~وأن إثبات حرمة الجدات بالإجماع، والتحقيق أن الأم مراد به الأصل على كل
~~حال لأنه إن استعمل فيه حقيقة فظاهر، وإلا فيجب أن يحكم بإرادته مجازا
~~فتدخل الجدات في عموم المجاز والمعرف لإرادة ذلك في النص الإجماع على
~~حرمتهن.

# / والمراد بالبنات من ولدتها أو ولدت من ولدها؛ وتسمية الثانية بنتا
~~حقيقة باعتبار أن البنت يراد به الفرع  كما قيل به  فيتناولها النص
~~حقيقة أو مجازا عند البعض، أو عند الكل، ومن منع إطلاق البنت على الفرع
~~مطلقا قال: إن ثبوت حرمة بنات الأولاد بالإجماع، وقد يستدل على ms01803 تحريم
~~الجدات وبنات الأولاد بدلالة النص المحرم للعمات والخالات وبنات الأخ
~~والأخت، ففي الأول: لأن الأشقاء منهن أولاد الجدات فتحريم الجدات وهن
~~أقرب أولى، وفي الثاني: لأن بنات الأولاد أقرب من بنات الأخوة، ثم ظاهر
~~النص يدل على أنه يحرم للرجل بنته من الزنا لأنها بنته، والخطاب إنما هو
~~باللغة العربية ما لم يثبت نقل  كلفظ الصلاة ونحوه  فيصير منقولا
~~شرعيا، وفي ذلك خلاف الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فقد قال: إن
~~المخلوقة من ماء الزنا تحل للزاني لأنها أجنبية عنه إذ لا يثبت لها توارث
~~ولا غيره من أحكام النسب، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش» وهو
~~يقتضي حصر النسب في الفراش.

# وقال بعض الشافعية: تحرم إن أخبره نبي  كعيسى عليه السلام  وقت نزوله
~~بأنها من مائه، ورد عليه بأن الشارع قطع نسبها عنه كما تقرر فلا نظر
~~لكونها من ماء سفاحه، واعترضوا على القائلين بالحرمة بأنهم إما أن يثبتوا
~~كونها بنتا له بناءا على الحقيقة لكونها مخلوقة من مائه، أو بناءا على
~~حكم الشرع، والأول: باطل على مذهبهم طردا وعكسا، أما الأول: فلأنه لو
~~اشترى بكرا وافتضها وحبسها إلى أن تلد فهذا الولد مخلوق من مائه بلا
~~شبهة مع أنه لا يثبت نسبه إلا عند الاستلحاق، وأما الثاني: فلأن المشرقي
~~لو تزوج مغربية وحصل هناك ولد منها مع عدم اجتماعها مع زوجها وحيلولة ما
~~بين المشرق والمغرب بينهما فإنه يثبت النسب مع القطع بأنه غير مخلوق من
~~مائه، والثاني: باطل بإجماع المسلمين على أنه لا نسب لولد الزنا من
~~الزاني ولو انتسب إليه وجب على القاضي منعه، وأجيب باختيار الشق الأول إذ
~~لا خلاف بين أهل اللسان في أن المخلوقة من ماء إنسان بنته سواء كان ذلك
~~الماء ماء حلال أو سفاح والجزئية ثابتة في الصورتين، والظاهر أنها هي
~~مبدأ حرمة النكاح، ألا ترى كيف حرم على المرأة ولدها من الزنا إجماعا،
~~والتفرقة بين المسألتين بأن الولد في المسألة الثانية بعضها، وانفصل منها
~~إنسانا، ولا كذلك ms01804 البنت في المسألة الأولى لأنها انفصلت منه منيا لا
~~تفيد سوى أن البعضية في المسألة الثانية أظهر، وأما إنها تنفي البعضية في
~~المسألة الأولى فلا لأنهم يطلقون البضعة  وهي تقتضي البعضية  على الولد
~~المنفصل منيا من أبيه، فيقولون: فلان بضعة وفلانة بضعة من فلان، وإنكار
~~وجود الجزئية في المسألتين مكابرة، وعدم ثبوت التوارث مثلا بين المخلوقة
~~من ماء الزنا وصاحب الماء ليس لعدم الجزئية وكونها ليست بنته حقيقة بل
~~للإجماع على ذلك، ولولاه لورثت كما يرث ولد الزنا أمه. وما ذكر في بيان
~~إبطال الطرد من أنه لو اشترى بكرا فافتضها وحبسها فولدت فالولد مخلوق من
~~مائه قطعا مع أنه لا يثبت نسبه إلا بالاستلحاق أخذه من قول الفقهاء في
~~الأمة إذا ولدت عند المولى أنه لا يثبت نسب ولدها منه إلا أن يعترف به،
~~ولا يكفي أنه وطئها فولدت، لكن في «الهداية» وغيرها إن هذا حكم، فأما
~~الديانة بينه وبين الله تعالى  فالمروى عن أبي حنيفة رضي الله تعالى
~~عنه  أنه إن كان حين وطئها لم يعزل عنها وحصنها عن مظان ريبة الزنا
~~يلزمه من قبل الله تعالى أن يدعيه بالإجماع لأن الظاهر  والحال هذه 
~~كونه منه، والعمل بالظاهر واجب، وإن كان عزل عنها حصنها أولا أو لم
~~يعزل.

# ولكن لم يحصنها فتركها تدخل وتخرج بلا رقيب مأمون جاز له أن ينفيه لأن
~~هذا الظاهر  وهو كونه منه بسبب أن الظاهر عدم زنا المسلمة  يعارضه ظاهر
~~آخر وهو كونه من غيره لوجود / أحد الدليلين على ذلك، وهما العزل أو عدم
~~التحصين، وفيه روايتان أخريان عن أبي يوسف ومحمد ذكرهما في «المبسوط»
~~فقال: وعن أبي يوسف إذا وطئها ولم يستبرئها بعد ذلك حتى جاءت بولد فعليه
~~أن يدعيه سواء عزل عنها أو لم يعزل حصنها أو لم يحصنها تحسينا للظن بها
~~وحملا لأمرها على الصلاح ما لم يتبين خلافه، وهذا كمذهب الجمهور لأن ما
~~ظهر بسببه يكون حالا به عليه حتى يتبين خلافه وعن محمد لا ينبغي أن يدعي
~~ولدها ms01805 إذا لم يعلم أنه منه ولكن ينبغي أن يعتق الولد، وفي «الإيضاح»
~~ذكرهما بلفظ الاستحباب، فقال: قال أبو يوسف: أحب أن يدعيه، وقال محمد:
~~أحب أن يعتق الولد، وقال في «الفتح» بعد كلام: وعلى هذا ينبغي أن لو
~~اعترف فقال: كنت أطأ لقصد الولد عند مجيئها بالولد أن يثبت نسب ما أتت به
~~وإن لم يقل هو ولدي لأن ثبوته بقوله: هو ولدي بناءا على أن وطأه حينئذ
~~لقصد الولد، وعلى هذا قال بعض فضلاء الدرس: ينبغي أنه لو أقر أنه كان لا
~~يعزل عنها وحصنها أن يثبت نسبه من غير توقف دعواه، وإن كنا نوجب عليه في
~~هذه الحالة الاعتراف به فلا حاجة إلى أن نوجب عليه الاعتراف ليعترف فيثبت
~~نسبه بل يثبت نسبه ابتداءا، وأظن أن لا بعد في أن يحكم على المذهب بذلك
~~انتهى، وفي «المبسوط» أنه إذا تطاول الزمان ألحق به لأن التطاول دليل
~~إقراره لأنه يوجد منه حينئذ ما يدل على الإقرار من قبول التهنئة ونحوه
~~فيكون كالتصريح بإقراره.

# ومن مجموع ما ذكر يعلم ما في كلام المعترض، وأن للخصم عدم تسليمه لكن
~~ذكر في «البحر» متعقبا: ظن بعض الفضلاء أنه لا يصح أن يحكم على المذهب
~~به لتصريح أهله بخلافه، ونقل نص «البدائع» في ذلك، ثم قال فإن أراد
~~الثبوت عند القاضي ظاهرا فقد صرحوا أنه لا بد من الدعوة مطلقا، وإن
~~أراد فيما بينه وبين الله تعالى فقد صرح في «الهداية» وغيرها بأن ما
~~ذكرناه من اشتراط الدعوة إنما هو في القضاء إلى آخر ما ذكرناه لكن في
~~«المجتبى» لا يصح إعتاق المجنون وتدبيره ويصح استيلاده، فهذا إن صح
~~يستثنى من الحكم وهو مشكل انتهى، وعلى هذا يقال في المسألة التي ذكرها
~~المعترض: المولود ولد للمولى في نفس الأمر لأنه مخلوق من مائة وولد الزنا
~~كذلك وزيادة حيث انضم إلى ذلك الإقرار، والله سبحانه جعل مناط الحرمة
~~البنوة وهي متحققة في مسألتنا فكيف يحل النكاح في نفس الأمر، وعدم ثبوت
~~التوارث ونحوه كما ms01806 قلنا كان إجماعا، وعدم الاستلحاق قضاءا إلا بالدعوى
~~أمر آخر وراء تحقق البنوة في نفس الأمر فكم متحقق في نفس الأمر لا يقضى
~~به وكم مقضى به غير متحقق في نفس الأمر  كما في خبر الفرس التي اشتراها
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأعرابي وشهد له خزيمة لما أنكر
~~الأعرابي البيع  وقد حقق الكلام في بحث الاستيلاد في «فتح القدير»
~~وغيره من مبسوطات كتب القوم، وما ذكر في إبطال العكس من مسألة تزوج
~~المشرقي بمغربية فلا نسلم القطع فيها بأن الولد ليس مخلوقا من مائه
~~لثبوت كرامات الأولياء والاستخدامات فيتصور أن يكون الزوج صاحب خطوة أو
~~جني، وأنه ذهب إلى المغرب فجامعها، ولولا قيام هذا الاحتمال مع قيام
~~النكاح لم يلحق الولد به، ألا ترى كيف قال الأصحاب: لو جاءت امرأة الصبي
~~بولد لم يثبت نسبه منه لعدم تصور ذلك هناك والتصور شرط، وقيام الفراش
~~وحده غير كاف على الصحيح، ولعل اعتبار هذه البنوة قضاءا وإلا فحيث لم
~~يكن الولد مخلوقا من مائه لا يقال له ولد الزوج في نفس الأمر وإنما
~~اعتبروا ذلك مع ضعف الاحتمال سترا للحرائر وصيانة للولد عن الضياع،
~~وقريب من هذا ما ذهب إليه الشافعي ومالك وأحمد رحمهم الله تعالى في باب
~~الاستيلاد أن الجارية إذا ولدت يثبت نسب الولد من المولى إذا أقر بوطئها
~~مع العزل كما يثبت مع عدم العزل بل لو وطئها في دبرها يلزمه الولد عند
~~مالك ومثله عن أحمد، وهو وجه مضعف للشافعية، / وقيل: إن بين هذه المسألة
~~ومسألة تزويج المشرقي بمغربية بعدا كبعد ما بين المشرق والمغرب لأن
~~الوطء هنا متحقق في الجملة من غير حاجة إلى قطع براري وقفار ولا كذلك
~~هناك والله تعالى أعلم.

# والبنات جمع بنت في المشهور وصحح أن لامها واو كأخت وإنما رد المحذوف في
~~أخوات ولم يرد في بنات حملا لكل واحد من الجمعين على مذكره، فمذكر بنات
~~لم يرد إليه المحذوف بل قالوا فيه بنون، ومذكر أخوات رد فيه محذوفه ms01807
~~فقالوا في جمع أخ: إخوة وأخوات، وقد نظم الدنوشري السؤال فقال:

# أيها الفاضل اللبيب تفضل

# بجواب به يكون رشادي

# لفظ أخت ولفظ بنت إذا ما

# جمعا جمع صحة لا فساد

# فلأخت ترد لأم وأما

# لفظ بنت فلا فأوضح مرادي

# مع تعويضهم من اللام تاءا

# فيهما لا برحت أهل اعتمادي

# وقد أجاب هو رحمه الله تعالى عن ذلك بقوله:

# لفظ أخت له انضمام بصدر

# ناسب الواو فاكتسى بالمعاد

# وقال أبو البقاء: التاء فيها ليست للتأنيث لأن تاء التأنيث لا يسكن ما
~~قبلها، وتقلب هاءا في الوقف فبنات ليس بجمع بنت بل بنه، وكسرت الباء
~~تنبيها على المحذوف قاله الفراء، وقال غيره: أصلها الفتح وعلى ذلك جاء
~~جمعها، ومذكرها وهو بنون، وإلى ذلك ذهب البصريون، وأما أخت فالتاء فيها
~~بدل من الواو لأنها من الأخوة، والأخوات ينتظمن الأخوات من الجهات
~~الثلاث، وكذا الباقيات لأن الاسم يشمل الكل ويدخل في العمات والخالات
~~أولاد الأجداد والجدات وإن علوا، وكذا عمة جده وخالته وعمة جدته وخالاتها
~~لأب وأم أو لأب أو لأم وذلك كله بالإجماع، وفي «الخانية» وعمة العمة لأب
~~وأم أو لأب كذلك، وأما عمة العمة لأم فلا تحرم، وفي «المحيط»: وأما عمة
~~العمة فإن كانت العمة القربى عمة لأب وأم أو لأب فعمة العمة حرام لأن
~~القربى إذا كانت أخت أبيه لأب وأم أو لأب فإن عمتها تكون أخت جدة أب الأب
~~وأخت أب الأب حرام لأنها عمته وإن كانت القربى عمة لأم فعمة العمة لا
~~تحرم عليه لأن أب العمة يكون زوج أم أبيه فعمتها تكون أخت زوج الجدة أم
~~الأب، وأخت زوج الأم لا تحرم، فأخت زوج الجدة أولى أن لا تحرم، وأما خالة
~~الخالة فإن كانت الخالة القربى خالة لأب وأم أو لأم فخالتها تحرم عليه،
~~وإن كانت القربى خالة لأب فخالتها لا تحرم عليه لأن أم الخالة القربى
~~تكون امرأة الجد أب الأم لا أم أمه فأختها تكون أخت امرأة الأب وأخت
~~امرأة الجد لا تحرم عليه انتهى، ولا ms01808 يخفى أنه كما يحرم على الرجل أن
~~يتزوج بمن ذكر يحرم على المرأة التزوج بنظير من ذكر.

# والظاهر أن هذا التحريم الذي دلت عليه الآية لم يثبت في جميع المذكورات
~~في سائر الأديان، نعم ذكروا أن حرمة الأمهات، والبنات كانت ثابتة حتى في
~~زمان آدم عليه السلام ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأديان، وقيل: إن
~~زرادشت نبي المجوس بزعمهم قال بحله، وأكثر المسلمين اتفقوا على أنه كان
~~كذابا، وعدم إيذاء الصفر المذاب له لأدوية كان يلطخ بها جسده  وقد
~~شاهدنا من يحمل النار بيده بعد لطخها بأدوية مخصوصة ولا تؤذيه  وحينئذ
~~لا يصلح أن يكون معجزة.

# وأما حل نكاح الأخوات فقد قيل: إنه كان مباحا في زمان آدم عليه السلام
~~للضرورة وكانت حواء عليها السلام تلد في كل بطن ذكرا وأنثى فيأخذ ذكر
~~البطن الثانية أنثى البطن الأولى، وبعض المسلمين ينكر ذلك ويقول: / إنه
~~بعث الحور من الجنة حتى تزوج بهن أبناء آدم عليه السلام، ويرد عليه أن
~~هذا النسل حينئذ لا يكون محض أولاد آدم وذلك باطل بالإجماع.

# { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من
~~الرضاعة } عطف على سابقه والرضاعة بفتح الراء مصدر رضع كسمع وضرب،
~~ومثله الرضاعة بالكسر، والرضع بسكون الضاء وفتحها، والرضاع كالسحاب،
~~والرضع كالكتف، وحكوا رضع ككرم، ورضاعا كقتال، وقد تبدل ضاده تاءا،
~~ورضاعا كسؤال لكن المضموم كالمراضعة تقتضي الشركة، ويقال: أرضعت المرأة
~~فهي مرضع إذا كان لها ولد ترضعه فإن وصفتها بإرضاع الولد قلت: مرضعة،
~~ومعناها لغة مص الثدي، وشرعا مص الرضيع من ثدي الآدمية في وقت مخصوص،
~~وأرادوا بذلك وصول اللبن من ثدي المرأة إلى جوف الصغير من فمه أو أنفه في
~~المدة الآتية سواء وجد مص أو لم يوجد، وإنما ذكروا المص لأنه سبب للوصول
~~فأطلقوا السبب وأرادوا المسبب، وقد صرح في «الخانية» أنه لا فرق بين المص
~~والسعوط ونحوه، وقيدوا بالآدمية ليخرج الرجل والبهيمة، وتفرد الإمام
~~البخاري  وهو سبب فتنته في قول  فذهب فيما إذا ارتضع صبي وصبية من ثدي
~~شاة إلى ms01809 وقوع الحرمة بينهما، وأطلقت لتشمل البكر والثيب الحية والميتة،
~~وقيدنا بالفم والأنف ليخرج ما إذا وصل بالإقطار في الأذن والإحليل
~~والجائفة والآمة بالحقنة في ظاهر الرواية، وخرج بالوصول ما لو أدخلت
~~المرأة حلمة ثديها في فم رضيع ولا تدري أدخل اللبن في حلقه أم لا، لا
~~يحرم النكاح لأن في المانع شكا.

# وقد نزل الله سبحانه الرضاعة منزلة النسب حتى سمى المرضعة أما للرضيع،
~~والمراضعة أختا، وكذلك زوج المرضعة أبوه وأبواه جداه وأخته عمته، وكل
~~ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم إخوته وأخواته لأبيه،
~~وأم المرضعة جدته، وأختها خالته، وكل ولدها من هذا الزوج فهم إخوته
~~وأخواته لأبيه وأمه، ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأمه، ومن
~~هنا قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة وابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهم:

# " يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب "

# وذهب كثير من المحققين كمولانا شيخ الإسلام وغيره إلى أن الحديث جار على
~~عمومه وأما أم أخيه لأب وأخت ابنه لأم وأم أم ابنه وأم عمه وأم خاله لأب
~~فليست حرمتهن من جهة النسب حتى يحل بعمومه ضرورة حلهن في صورة الرضاع بل
~~من جهة المصاهرة، ألا يرى أن الأولى: موطوأة أبيه. والثانية: بنت
~~موطوأته. والثالثة: أم موطوأته. والرابعة: موطوأة جده الصحيح. والخامسة:
~~موطوأة جده الفاسد، ووقع في عبارة بعضهم استثناء صور بعد سوق الحديث،
~~وأنهى في «البحر» المسائل المستثنيات إلى إحدى وثمانين مسألة، وأطال
~~الكلام في هذا المقام، وأتى بالعجب العجاب.

# وظاهر الآية أنه لا فرق بين قليل الرضاع وهو ما يعلم وصوله إلى الجوف
~~وكثيره في التحريم، وأما خبر مسلم

# " لا تحرم المصة والمصتان "

# وما دل على التقدير فمنسوخ صرح بنسخه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حين
~~قيل له: إن الناس يقولون: إن الرضعة لا تحرم فقال: كان ذلك ثم نسخ.

# وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: آل أمر الرضاع إلى أن قليله
~~وكثيره يحرم، وروي ms01810 عن ابن عمر أن القليل يحرم، وعنه أنه قيل له: إن
~~الزبير يقول: لا بأس بالرضعة والرضعتين فقال: قضاء الله تعالى خير من /
~~قضاء ابن الزبير، وتلا الآية، وقال الشافعي عليه الرحمة على ما نقله
~~أصحابنا عنه لا يثبت التحريم إلا بخمس رضعات مشبعات في خمسة أوقات
~~متفاصلة عرفا، وعن أحمد روايتان كقولنا وكقوله، واستدل على ذلك بما
~~أخرجه ابن حبان في «صحيحه» من حديث الزبير أنه قال: قال صلى الله عليه
~~وسلم:

# " لا تحرم المصة والمصتان ولا الإملاجة والإملاجتان "

# ، ووجه الاستدلال بذلك أن المصة داخلة في المصتين والإملاجة في
~~الإملاجتين، فحاصله لا تحرم المصتان ولا الإملاجتان فنفي التحريم على
~~أربع فلزم أن يثبت بخمس.

# واعترضه ابن الهمام ((بأنه ليس بشيء، أما أولا: فلأن مذهب الشافعي ليس
~~التحريم بخمس مصات بل بخمس مشبعات في أوقات، وأما ثانيا: فلأن المصة
~~[غير الإملاجة فإن المصة] فعل الرضيع والإملاجة الإرضاعة فعل المرضعة،
~~فحاصل المعنى أنه صلى الله عليه وسلم نفى كون الفعلين محرمين منه ومنها
~~ثم حقق أن ما في هذه الرواية لا ينبغي أن يكون حديثا واحدا بأن الإملاج
~~ليس حقيقة المحرم بل لازمه من الارتضاع فنفي تحريم الإملاج نفي تحريم
~~لازمه فليس الحاصل من لا تحرم الإملاجتان إلا لا يحرم لازمهما أعني
~~المصتين فلو جمعا في حديث [واحد] كان الحاصل لا تحرم المصتان (ولا
~~المصتان) فلزم أن لا يصح أن يراد إلا المصتان لا الأربع، وعلى هذا يجب
~~كون الراوي وهو الزبير رضي الله تعالى عنه  أراد أن يجمع بين ألفاظه صلى
~~الله عليه وسلم التي سمعها منه في وقتين كأنه قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " لا تحرم المصة والمصتان "

# وقال أيضا:

# " لا تحرم الإملاجة والإملاجتان "

# وقيل في وجه الاستدلال طريق آخر، وهو أن الحديث ناف لما ذهب إليه الإمام
~~الأعظم رضي الله تعالى عنه فيثبت به مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى
~~لعدم القائل بالفصل، واعترض بأن القائل بالفصل أبو ثور وابن المنذر وداود
~~وأبو عبيد، وهؤلاء ms01811 أئمة الحديث قالوا: المحرم ثلاث رضعات، والقول بعدم
~~اعتبار قولهم في حيز المنع لقوة وجهه بالنسبة إلى وجه قول الشافعي.
~~واستدل بعض أصحابه على هذا المطلب بما رواه مسلم عن عائشة رضي الله تعالى
~~عنها قالت: كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس
~~رضعات معلومات يحرمن فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من
~~القرآن.

# .. وفي رواية أنه كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم تشاغلنا بموته فدخلت دواجن فأكلتها... وبما روي عن عائشة أيضا
~~قالت: جاءت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة إلى النبي صلى الله عليه
~~وسلم فقالت: يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو
~~حليفه فقال صلى الله عليه وسلم:

# " أرضعي سالما خمسا تحرمي بها عليه "

# والجواب أن جميع ذلك منسوخ كما صرح بذلك ابن عباس فيما مر. ويدل على نسخ
~~ما في خبر عائشة الأول أنه لو لم يكن منسوخا لزم ضياع بعض القرآن الذي
~~لم ينسخ والله تعالى قد تكفل بحفظه، وما في الرواية لا ينافي النسخ لجواز
~~أن يقال: إنها رضي الله تعالى عنها أرادت أنه كان مكتوبا ولم يغسل بعد
~~للقرب حتى دخلت الدواجن فأكلته، والقول بأن ما ذكر إنما يلزم منه نسخ
~~التلاوة فيجوز أن تكون التلاوة منسوخة مع بقاء الحكم  كالشيخ والشيخة
~~إذا زنيا فارجموهما  ليس بشيء لأن ادعاء بقاء حكم الدال بعد نسخه يحتاج
~~إلى دليل وإلا فالأصل أن نسخ الدال يرفع حكمه، وما نظر به لولا ما علم
~~بالسنة، والإجماع لم يثبت به، ثم الذي نجزم به في حديث سهلة أنه صلى الله
~~عليه وسلم لم يرد أن يشبع سالما خمس شبعات في خمسة أوقات متفاصلات
~~جائعا لأن الرجل لا يشبعه من اللبن رطل ولا رطلان فأين تجد الآدمية في
~~ثديها / قدر ما يشبعه هذا محال عادة، فالظاهر أن معدود (خمس فيه إن صح
~~أنها من الخبر) المصات ثم كيف ms01812 جاز أن يباشر عورتها بشفتيه فلعل المراد أن
~~تحلب له شيئا مقداره مقدار خمس مصات فيشربه  كما قال القاضي  وإلا فهو
~~مشكل، (وقد يقال): هو منسوخ من وجه آخر)) لأنه يدل على أن الرضاع في
~~الكبر يوجب التحريم لأن سالما كان إذ ذاك رجلا وهذا مما لم يقل به أحد
~~من الأئمة الأربعة فإن مدة الرضاع التي يتعلق به التحريم ثلاثون شهرا
~~عند الإمام الأعظم، وسنتان عند صاحبيه ومستندهما قوي جدا، وإلى ذلك ذهب
~~الأئمة الثلاثة، وعن مالك: سنتان وشهر، وفي رواية أخرى شهران، وفي أخرى
~~سنتان وأيام، وفي أخرى ما دام محتاجا إلى اللبن غير مستغن عنه، وقال:
~~زفر ثلاث سنين، نعم قال بعضهم: خمس عشرة سنة، وقال آخرون: أربعون سنة،
~~وقال داود: الإرضاع في الكبر محرم أيضا، ولا حد للمدة  وهو مروى عن
~~عائشة رضي الله تعالى عنها  وكانت إذا أرادت أن يدخل عليها أحد من
~~الرجال أمرت أختها أم كلثوم أو بعض بنات أختها أن ترضعه، وروى مسلم عن أم
~~سلمة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنهن خالفن عائشة في هذا،
~~وعمدة من رأى رأيها في هذا الباب خبر سهلة مع أن الآثار الصحيحة على
~~خلافه، فقد صح مرفوعا وموقوفا

# " لا رضاع إلا ما كان في حولين "

# وفي «الموطأ». و «سنن أبي داود» عن يحيى بن سعيد «أن رجلا سأل أبا
~~موسى الأشعري فقال: إني مصصت من امرأتي ثديها لبنا فذهب في بطني فقال:
~~أبو موسى لا أراها إلا قد حرمت عليك فقال ابن مسعود انظر ما تفتي به
~~الرجل فقال أبو موسى: فما تقول أنت؟ فقال ابن مسعود: لا رضاع إلا في
~~حولين، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم،
~~وفيه عن ابن عمر جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال:
~~كانت لي وليدة فكنت أصيبها فعمدت امرأتي إليها فأرضعتها فدخلت عليها
~~فقالت: دونك قد والله أرضعتها قال عمر: أرجعها وأت جاريتك فإنما الرضاعة ms01813
~~رضاعة الصغر، وروى الترمذي  وقال حديث صحيح  من حديث أم سلمة أنه قال
~~صلى الله عليه وسلم:

# " لا يحرم من الرضاع إلا فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام "

# وفي «سنن أبي داود» من حديث ابن مسعود يرفعه

# " لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم "

# حتى إن عائشة نفسها رضي الله تعالى عنها روت ما يخالف عملها، ففي
~~«الصحيحين» عنها أنها قالت:

# " دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي رجل فقال: يا عائشة من
~~هذا؟ فقلت: أخي من الرضاعة فقال: يا عائشة أنظرن من إخوانكم إنما الرضاعة
~~من المجاعة "

# واعتبر مرويها دون رأيها لظهور غفلتها فيه وعدم وقوع اجتهادها على
~~المحز، ولهذا قيل: يشبه أنها رجعت كما رجع أبو موسى لما تحقق عندها
~~النسخ؛ وحمل كثير من العلماء حديث سهلة على أنه مختص بها وبسالم، وجعلوا
~~أيضا العفو عن مباشرة العورة من الخواص.

# هذا ومن غرائب ما وقفت عليه مما يتعلق بهذه الآية عبارة من مقامة
~~للعلامة السيوطي رحمه الله تعالى سماها  «الدوران الفلكي على ابن
~~الكركي»  وفيها يخاطب الفاضل المذكور بما نصه: ماذا صنعت بالسؤال المهم
~~الذي دار في البلد ولم يجب عنه أحد، وهو الفرق بين قوله تعالى: {
~~وأمهتكم اللاتي أرضعنكم } وبين ما لو قيل: واللاتي
~~أرضعنكم أمهاتكم حيث رتب على الأول خمس رضعات واردة، ولو قيل: الثاني
~~لاكتفى برضعة واحدة، ولقد ورد علي وسيق إلي فلم أكتب عليه مع أن جوابه
~~نصب عيني، وعتيد لدي لا يحول شيء بينه وبيني لأنظر هل من رجل رشيد أو أحد
~~له في العلم قصر مشيد هلا أبدعت فيه جوابا مسددا، ونوعت فيه طرائق
~~قددا، / واتخذت بذلك على دعوى العلم ساعدا وعضدا، وها له نحو عامين ما
~~حلاه أحد بحرف، ولا رمقه ناظر بطرف ولا أودعه ذو ظرف بظرف، ولو شئت أنا
~~لكتبت عليه عدة مؤلفات ولسطرت فيه خمس مصنفات، بسيط حريز، ووسيط غريز،
~~ومختصر وجيز، ومنظومة ذات تطريز، ومقامة إنشاء كأنها ذهب إبريز انتهى
~~كلامه. ms01814

# وأقول: لعل الفرق أنه سبحانه لما ذكر { أمهتكم } في هذه الآية
~~معطوفا على ما تقدم في الآية السابقة وفيها تحريم الأمهات بقي الذهن
~~مشرئبا إلى بيان الفارق بين هذه الأمهات وتلك الأمهات فأتى سبحانه
~~بقوله: { اللاتي أرضعنكم } بيانا لذلك دافعا لتوهم التكرار
~~فكان قيد الإرضاع الواقع صلة معتنا به أتم اعتناء، ومما يترتب على هذا
~~الاعتناء اعتباره أينما لوحظ، وقد لوحظ في الآية خمس مرات الأولى: حين
~~أتى به فعلا، والثانية: حين أسند إلى الفاعل أعني ضمير النسوة،
~~والثالثة: حين تعلق بالمفعول أعني ضمير المخاطبين، والرابعة: حين جعل جزء
~~الجملة الواقعة صلة الموصول، والخامسة: حين جعل اللاتي صفة أمهاتكم لأن
~~وصفيته لها باعتبار الصلة بلا شبهة فهذه خمس ملاحظات للإرضاع في هذا
~~التركيب تشير إلى أن ما به تحصل الأمومة خمس رضعات، وهذا أحد الأسرار
~~لاختيار هذا التركيب مع إمكان تراكيب غيره لعل بعضها أخصر منه، وكثيرا
~~ما وقع في القرآن تراكيب وتعبيرات يشار بها إلى أمور واقعية بينها وبين
~~ما في تلك التعبيرات مناسبة مثل ما وقع في قوله تعالى:

# ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف

# [البقرة: 228] من الاحتباك المشير إلى ما بين الزوجين من الائتلاف، وما
~~وقع في قوله تعالى:

# أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه

# [البقرة: 282] من الإدغام في يمل المشير إلى حال الفاعل وهو الأخرس
~~المعقود اللسان في كثير من الأقوال، وما وقع في قوله تعالى:

# كل في فلك

# [الأنبياء: 33] من عدم الاستحالة بالانعكاس المشير إلى كرية الأفلاك في
~~رأي إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة. وليس هذا من باب الاستدلال بل من باب
~~الإشارة المقوية له، ألا ترى أنه لم يستدل أحد ممن ذهب إلى اشتراط الخمس
~~بهذه الآية ولكن استدلوا عليه بورود الخمس في الأخبار، وإلى ذلك تشير
~~عبارة الجلال السيوطي رحمه الله تعالى، وهذه الإشارة مفقودة في القول
~~المفروض أعني واللاتي أرضعنكم أمهاتكم، لأن العطف فيه لا يوهم التكرار
~~لعدم تقدم نظيره فلا يشرأب الذهن إلى ما يذكر بعد كما اشرأب ms01815 فيما ذكر
~~قبل، فلا داعي لاعتباره أينما لوحظ كما كان كذلك هناك بل يكفي اعتباره
~~مرة واحدة وهي أدنى ما تتحقق به الماهية لا سيما وقد ذكر بعد أمهاتكم على
~~أنه بدل والبدل كما قالوا: هو المقصود بالنسبة على نية تكرار العامل
~~المفيد لتقرير معنى الكلام وتوكيده، وهذا التوكيد أيضا مشعر بوحدة
~~الإرضاع لأن التحريم بالرضعة الواحدة مما يكاد يستبعد فيحتاج إلى توكيده
~~بخلاف الرضعات العديدة.

# وقد رأيت في بعض نسخ «شرح صحيح مسلم» للإمام النووي بعد ذكر استدلال
~~الإمام مالك رضي الله تعالى عنه على دعوى ثبوت الحرمة برضعة واحدة بقوله
~~تعالى: { وأمهتكم اللاتي أرضعنكم } حيث لم يذكر
~~عددا ما نصه: ((واعترض أصحاب الشافعي على المالكية فقالوا: إنما كانت
~~تحصل الدلالة لكم لو كانت الآية واللاتي أرضعنكم أمهاتكم)) انتهى، ولم
~~يصرح رحمه الله تعالى بأن الآية التي استدل بها المالكية مشعرة بالخمس بل
~~اقتصر على أن الدلالة على الواحدة لا تحصل بها وأراد أن ما أشرنا إليه من
~~الإشعار القوي إلى التعدد يأبى حمل الماهية على أقل ما تتحقق فيه، وفي
~~بعض نسخ ذلك الشرح  واعترض أصحاب الشافعي على المالكية  فقالوا: إنما
~~كانت تحصل لكم الدلالة لو كانت الآية واللاتي أرضعنكم وأمهاتكم بواو بين
~~أرضعنكم وبين أمهاتكم والظاهر أنها غلط من الناسخ، والتزام توجيهها تعسف
~~رأينا تركه ربحا.

# / هذا ما ظهر لنظري القاصر وفكري الفاتر، ولقد سألت بالرفق عن هذا الفرق
~~جمعا من علماء عصري، وراجعت لشرح ذلك المتن جميع الفضلاء الذين تضمنتهم
~~حواشي مصري فلم أر من نطق ببنت شفة ولا من ادعى في حل ذلك الإشكال معرفة
~~مع أن منهم من خضعت له الأعناق، وطبقت فضائله الآفاق، وما رأيت من المروة
~~أن أمهلهم حتى ينقر في الناقور أو أنتظر بنات أفكارهم إلى أن يلد البغل
~~العاقور الباقور؛ فكتبت ما ترى ولست على يقين أنه الأولى والأحرى فتأمل،
~~فلمسلك الذهن اتساع والحق أحق بالاتباع.

# { وأمهت نسائكم } شروع في بيان المحرمات من جهة المصاهرة
~~إثر بيان المحرمات من جهة ms01816 الرضاعة التي لها لحمة كلحمة النسب. والمراد
~~بالنساء المنكوحات على الإطلاق سواء كن مدخولا بهن أو لا وهو مجمع عليه
~~عند الأئمة الأربعة لكن يشترط أن يكون النكاح صحيحا أما إذا كان فاسدا
~~فلا تحرم الأم إلا إذا وطىء بنتها، أخرج البيهقي في «سننه». وغيره من
~~طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالابنة أو لم
~~يدخل وإذا تزوج الأم ولم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الابنة "

# وإلى ذلك ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، وعن ابن عباس روايتان، فقد
~~أخرج ابن المنذر عنه أنه قال: «النساء مبهمة إذا طلق الرجل امرأته قبل أن
~~يدخل بها أو ماتت لم تحل له أمها». وأخرج هو أيضا عن مسلم بن عويمر أنه
~~قال: نكحت امرأة فلم أدخل بها حتى توفي عمي عن أمها فسألت ابن عباس فقال:
~~انكح أمها، وعن زيد بن ثابت أيضا روايتان، فقد أخرج مالك عنه أنه سئل عن
~~رجل تزوج امرأة ففارقها قبل أن يمسها هل تحل له أمها؟ فقال: لا الأم
~~مبهمة ليس فيها شرط إنما الشرط في الربائب.

# وأخرج ابن جرير وجماعة عنه أنه كان يقول: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها
~~كره أن يخلف على أمها، وإذا طلقها قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوج
~~أمها، وحكي عن ابن مسعود كان يفتي بحل أم الإمرأة إذا لم يكن دخل ببنتها
~~ثم رجع عن ذلك، فقد أخرج مالك عنه أنه استفتي بالكوفة عن نكاح الأم بعد
~~البنت إذا لم تكن البنت مست فأرخص في ذلك، ثم إنه قدم المدينة فسئل عن
~~ذلك فأخبر أنه ليس كما قال، وإن الشرط في الربائب فرجع إلى الكوفة فلم
~~يصل إلى بيته حتى أتى الرجل الذي أفتاه بذلك فأمره أن يفارقها. وأخرج ابن
~~أبي حاتم عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه سئل في الرجل يتزوج المرأة ثم
~~يطلقها أو ms01817 تموت قبل أن يدخل بها هل تحل له أمها؟ فقال: هي بمنزلة
~~الربيبة، وإلى ذلك ذهب ابن الزبير ومجاهد، ويدخل في لفظ الأمهات الجدات
~~من قبل الأب والأم وإن علون وإن كانت امرأة الرجل أمة فلا تحرم أمها إلا
~~بالوطء أو دواعيه لأن لفظ النساء إذا أضيف إلى الأزواج كان المراد منه
~~الحرائر كما في الظهار والإيلاء، وقرىء (وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم
~~بهن).

# { وربائبكم اللاتي في حجوركم } الربائب جمع ربيبة ورب
~~وربى بمعنى، والربيب فعيل بمعنى مفعول، ولما ألحق بالأسماء الجامدة جاز
~~لحوق التاء له وإلا ففعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وهذا
~~معنى قولهم: إن التاء للنقل إلى الاسمية، والربيب ولد المرأة من آخر سمي
~~به لأنه يربه غالبا كما يرب ولده، والحجور جمع حجر بالفتح والكسر، وهو
~~في اللغة حضن الإنسان أعني ما دون إبطه إلى الكشح، وقالوا: فلان في حجر
~~فلان أي في كنفه ومنعته وهو المراد في الآية، ووصف الربائب بكونهن في
~~الحجور مخرج مخرج الغالب والعادة إذ الغالب كون البنت مع الأم عند الزوج،
~~وفائدته تقوية علة الحرمة [وتكميلها] كما أنها النكتة في إيرادهن باسم
~~الربائب دون بنات النساء، وقيل: ذكر ذلك للتشنيع عليهم نحو { أضعفا
~~مضعفة } / في قوله تعالى:

# لا تأكلوا الربا أضعفا مضعفة

# [آل عمران: 130] ولولا ما ذكر لثبتت الإباحة عند انتفائه بدلالة اللفظ
~~في غير محل النطق عند من يعتبر مفهوم المخالفة وبالرجوع إلى الأصل وهو
~~الإباحة عند من لا يعتبر المفهوم لأن الخروج عنه إلى التحريم مقيد بقيد
~~فإذا انتفى القيد رجع إلى الأصل لا بدلالة اللفظ، وروي عن علي كرم الله
~~تعالى وجهه أنه يقول بحل الربيبة إذا لم تكن في الحجر؛ فقد أخرج عبد
~~الرزاق وابن أبي حاتم بسند صحيح عن مالك بن أوس قال: «كانت عندي امرأة
~~فتوفيت وقد ولدت لي فوجدت عليها فلقيني علي بن أبي طالب كرم الله تعالى
~~وجهه فقال: مالك؟ فقلت: توفيت المرأة فقال: لها بنت؟ قلت: نعم وهي
~~بالطائف قال: كانت في ms01818 حجرك؟ قلت: لا قال: انكحها قلت: فأين قوله تعالى: {
~~وربائبكم اللاتي في حجوركم }؟ قال: إنها لم تكن في حجرك
~~إنما ذلك إذا كانت في حجرك» وإلى هذا ذهب داود، والأول مذهب الجمهور،
~~وإليه رجع ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، ويدخل في الحرمة بنات الربيبة
~~والربيب وإن سفلن لأن الاسم يشملهن بخلاف الأبناء والآباء لأنه اسم خاص
~~بهن فلذا جاز التزوج بأم زوجة الإبن وبنتها، وجاز للابن التزوج بأم زوجة
~~الأب وبنتها.

# وقال بعض المحققين: إن ثبوت حرمة المذكورات بالإجماع.

# { من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } الجار والمجرور
~~متعلق بمحذوف وقع حالا من { ربائبكم } أو من ضميرها المستكن في الظرف أي
~~اللاتي استقررن في حجوركم كائنات من نسائكم الخ، و اللاتي صفة للنساء
~~المذكور قبله، وهي للتقييد إذ ربيبة الزوجة الغير المدخول بها ليست بحرام
~~ولا يجوز كون الجار حالا من أمهات أيضا، أو مما أضيفت هي إليه ضرورة أن
~~الحالية من ربائبكم أو من ضميره يقتضي كون من ابتدائية وحاليته من أمهات،
~~أو من نسائكم يستدعي كونها بيانية، وادعاء كونها اتصالية كما في قوله صلى
~~الله عليه وسلم

# " أنت مني بمنزلة هارون من موسى "

# وقوله:

# إذا حاولت في أسد فجورا

# فإني لست منك ولست مني

# وهو معنى ينتظم الابتداء والبيان فيتناول اتصال الأمهات بالنساء لأنهن
~~والدات، وبالربائب لأنهن مولودات، أو جعل الموصول صفة للنساءين مع اختلاف
~~عامليهما لأن النساء المضاف إليه أمهات مخفوض بالإضافة، والمجرور بمن بها
~~بعيد جدا بل ينبغي أن ينزه ساحة التنزيل عنه، وأما القراءة فضعيفة
~~الرواية، وعلى تقدير الصحة محمولة على النسخ كما قاله شيخ الإسلام،
~~والباء من { بهن } للتعدية، وفيها معنى المصاحبة أو بمعنى مع أي
~~دخلتم معهن الستر، وهو كناية عن الجماع  كبنى عليها، وضرب عليها الحجاب
~~ وكثير من الناس يقول: بنى بها، ووهمهم الحريري  وهو وهم 

# واللمس ونظائره في حكم الجماع عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه،
~~قال بعض الفضلاء: واعترض بأن ما ذهب إليه لا مجال له لأن صريح الآية غير ms01819
~~مراد قطعا بل ما اشتهر من معناها الكنائي فما قاله إن أثبت بالقياس فهو
~~مخالف لصريح معنى الشرط، وإذا جاء نهر الله تعالى بطل نهر معقل، وإن أثبت
~~بالحديث وهو غير مشهور لم يوافق أصوله، ويدفع بأنه من صريح النص لأن باء
~~الإلصاق صريحة فيه لأنه يقال: دخل بها إذا أمسكها وأدخلها البيت فإن قلت:
~~هب أن الكناية لا يشترط فيها القرينة المانعة عن إرادة الحقيقة لكن تلزم
~~إرادته كما حقق في المعاني فلا دلالة للآية عليه أجيب: بأنه وإن لم يلزم
~~إرادته لكن لا مانع منه عند قيام قرينة على إرادته، وكفى بالآثار قرينة،
~~ومنها ما روي من طريق ابن وهب عن أبي أيوب عن ابن جريج

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي / يتزوج المرأة فيغمز لا
~~يزيد على ذلك لا يتزوج ابنتها "

# وهو مرسل ومنقطع إلا أن هذا لا يقدح عندنا إذا كانت الرجال ثقات فلذا
~~أدرجوه في مدلول النظم، وروي عن ابن عمر أنه قال: «إذا جامع الرجل المرأة
~~أو قبلها أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة حرمت على أبيه وابنه
~~وحرمت عليه أمها وبنتها». فإن قلت هب أنه يدخل اللمس في صريحه فكيف يدخل
~~نظيره فيه؟ أجيب بأنه داخل بدلالة النص، وما ذكر من مخالفة صريح الشرط
~~مبني على اعتبار مفهوم الشرط، ونحن لا نقول به مع أنه غير عام، وبتقدير
~~عمومه لا يبعد القول بالتخصيص فتدبر.

# والزنا في الفرج محرم عندنا فمن زنى بامرأة حرمت عليه بنتها خلافا
~~للشافعي حيث ذهب إلى أن الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأنها نعمة فلا تنال
~~بمحظور، ولقوله صلى الله عليه وسلم:

# " لا يحرم الحرام الحلال "

# ولنا أن الوطء سبب للولد فيتعلق به التحريم قياسا على الوطء الحلال،
~~ووصف الحل لا دخل له في المناط فإن وطء الأمة المشتركة وجارية الابن
~~والمكاتبة والمظاهر منها وأمته المجوسية والحائض والنفساء ووطء المحرم
~~والصائم كله حرام، وتثبت به الحرمة المذكورة، ويدل ذلك على أن المعتبر في
~~الأصل ms01820 هو ذات الوطء من غير نظر لكونه حلالا أو حراما. وروي

# " أن رجلا قال: يا رسول الله إني زنيت بامرأة في الجاهلية أفأنكح
~~ابنتها فقال صلى الله عليه وسلم: «لا أرى ذلك ولا يصلح أن تنكح امرأة
~~تطلع من ابنتها على ما تطلع عليه منها "

# ، وهذا إن كان فيه إرسال وانقطاع لكن جئنا به في مقابلة خبرهم وقد طعن
~~فيه المحدثون، وذكره عبد الحق عن ابن عمر ثم قال: في إسناده إسحاق بن
~~أبي فروة وهو متروك على أنه غير مجرى على ظاهره، أرأيت لو بال أو صب
~~خمرا في ماء قليل ألم يكن حراما مع أنه يحرم استعماله فيجب كون المراد
~~منه أن الحرام لا يحرم باعتبار كونه حراما وحينئذ نقول بموجبه إذ لم نقل
~~بإثبات الزنا حرمة المصاهرة باعتبار كونه زنا بل باعتبار كونه وطءا،
~~وأجاب صاحب «الهداية» عن قولهم في تعليل كون الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة
~~بأنه نعمة فلا تنال بمحظور ((بأن الوطء محرم من حيث إنه سبب الولد لا من
~~حيث (ذاته ولا من حيث) إنه زنا))، وفي «فتح القدير» أن هذا القول ((مغلطة
~~فإن النعمة ليست التحريم من حيث هو تحريم لأنه تضييق ولذا اتسع الحل
~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم (نعمة) من الله سبحانه وتعالى بل من حيث
~~هو يترتب على المصاهرة فحقيقة النعمة هي المصاهرة لأنها [هي] التي تصير
~~الأجنبي قريبا [و] عضدا وساعدا يهمه ما أهمك ولا مصاهرة بالزنا،
~~فالصهر زوج البنت مثلا لا من زنا ببنت الإنسان فانتفت الصهرية وفائدتها
~~أيضا إذ الإنسان ينفر من الزاني ببنته فلا يتعرف به بل يعاديه فأنى
~~ينتفع به، (والمنقولات متكافئة) فالمرجع القياس، وقد بينا فيه إلغاء وصف
~~زائد على كونه وطأ))، وتمام الكلام في المبسوطات من كتب أئمتنا.

# { فإن لم تكونوا } أي فيما قبل { دخلتم بهن } أي
~~بأولئك النساء أمهات الربائب { فلا جناح } أي فلا إثم { عليكم }
~~أصلا في نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن، وهذا تصريح بما أشعر به ما
~~قبله، ms01821 وفيه دفع توهم أن قيد الدخول كقيد الكون في الحجور، والفاء الأولى
~~لترتيب ما بعدها على ما قبلها على طرز ما مر، وفي الاقتصار في بيان نفي
~~الحرمة على نفي الدخول إشارة إلى أن المعتبر في الحرمة إنما هو الدخول
~~دون كون الربائب في الحجور، وإلا لقيل: فإن لم تكونوا دخلتم بهن ولسن في
~~حجوركم أو فإن لم تكونوا دخلتم بهن أو لسن في حجوركم جريا على العادة في
~~إضافة نفي الحكم إلى نفي تمام العلة المركبة أو أحد جزأيها الدائر، وإن
~~صح إضافته إلى نفي جزئها المعين لكنه خلاف المستمر من الاستعمال.

# { وحلئل أبنائكم } أي زوجاتهم جمع حليلة سميت الزوجة بذلك
~~لأنها تحل / مع زوجها في فراش واحد، أو لأنها تحل معه حيث كان فهي فعلية
~~بمعنى فاعلة، وكذا يقال للزوج حليل. وقيل: اشتقاقهما من الحل لحل كل
~~منهما إزار صاحبه، وقيل: من الحل إذ كل منهما حلال لصاحبه ففعيل بمعنى
~~مفعول، والتاء في حليلة لإجرائها مجرى الجوامد ولو جعل فعيل في جانب
~~الزوج بمعنى فاعل، وفي جانب الزوجة بمعنى مفعول كان فيه نوع لطافة لا
~~تخفى، والآية ظاهرة في تحريم الزوجة فقط، وأما حرمة من وطئها الابن ممن
~~ليس بزوجة فبدليل آخر، وقال ابن الهمام: «إن اعتبر الحليلة من حلول
~~الفراش أو حل الإزار تناولت الموطوأة بملك اليمين أو شبهة أو زنا فيحرم
~~الكل على الآباء وهو الحكم الثابت عندنا.

# .. ولا يتناول المعقود عليها للابن أو بنيه وإن سفلوا قبل الوطء والفرض
~~أنها بمجرد العقد تحرم على الآباء وذلك باعتباره من الحل بالكسر، وقد قام
~~الدليل على حرمة المزني بها للابن على الأب فيجب اعتباره في أعم من الحل
~~والحل، ثم يراد بالأبناء الفروع فتحرم حليلة الابن السافل على الجد
~~الأعلى [من النسب])) وكذا ابن البنت وإن سفل، والظاهر من كلام اللغويين
~~أن الحليلة الزوجة كما أشرنا إليه، واختار بعضهم إرادة المعنى الأعم
~~الشامل لملك اليمين ليكون السر في التعبير بها هنا دون الأزواج أو النساء
~~أن الرجل ms01822 ربما يظن أن مملوكة ابنه مملوكة له بناءا على أن الولد وماله
~~لأبيه فلا يبالي بوطئها وإن وطئها الابن فنبهوا على تحريمها بعنوان صادق
~~عليها وعلى الزوجة صدق العام على أفراده للإشارة إلى أنه لا فرق بينهما
~~فتدبر، وحكم الممسوسات ونحوهن حكم اللاتي وطئهن الأبناء.

# { الذين من أصلبكم } صفة للأبناء، وذكر لإسقاط حليلة
~~المتبنى، وعن عطاء أنها نزلت حين تزوج النبي صلى الله عليه وسلم امرأة
~~زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه فقال المشركون في ذلك، وليس المقصود من
~~ذلك إسقاط حليلة الابن من الرضاع فإنها حرام أيضا كحليلة الإبن من
~~النسب. وذكر بعضهم فيه خلافا للشافعي رضي الله تعالى عنه والمشهور عنه
~~الوفاق في ذلك.

# { وأن تجمعوا بين الأختين } في حيز الرفع عطف على ما
~~قبله من المحرمات، والمراد جمعهما في النكاح لا في ملك اليمين، ولا فرق
~~بين كونهما أختين من النسب أو الرضاعة حتى قالوا: لو كان له زوجتان
~~رضيعتان أرضعتهما أجنبية فسد نكاحهما. وحكي عن الشافعي أنه يفسد نكاح
~~الثانية فقط ولا يحرم الجمع بين الأختين في ملك اليمين، نعم جمعهما في
~~الوطء بملك اليمين ملحق به بطريق الدلالة لاتحادهما في المدار فيحرم عند
~~الجمهور، وعليه ابن مسعود. وابن عمر، وعمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهم.
~~واختلفت الرواية عن علي كرم الله تعالى وجهه، فأخرج البيهقي وابن أبي
~~شيبة عنه أنه سئل عن رجل له أمتان أختان وطىء إحداهما ثم أراد أن يطأ
~~الأخرى قال: لا حتى يخرجها من ملكه، وأخرجا من طريق أبي صالح عنه أنه
~~قال في الأختين المملوكتين أحلتهما آية وحرمتهما آية ولا آمر ولا أنهى
~~ولا أحلل ولا أحرم ولا أفعله أنا ولا أهل بيتي، وروى عبد بن حميد عن ابن
~~عباس أن الجمع مما لا بأس به، وحكي مثله عن عثمان رضي الله تعالى عنه،
~~وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: ما أحب أن أجيز الجمع ونهى السائل
~~عنه، وزعم بعضهم أن الظاهر أن القائل بالحل من ms01823 الصحابة رضي الله تعالى
~~عنهم رجع إلى قول الجمهور، وإن قلنا بعدم الرجوع فالإجماع اللاحق يرفع
~~الخلاف السابق، وإنما يتم إذا لم يعتد بخلاف أهل الظاهر وبتقدير عدمه
~~فالمرجح التحريم عند المعارضة، وإذا تزوج أخت أمته الموطوأة صح النكاح
~~وحرم وطء واحدة منهما حتى يحرم الموطوأة على نفسه بسبب من الأسباب فحينئذ
~~يطأ المنكوحة لعدم الجمع  كالبيع كلا أو بعضا  والمتزوج / الصحيح
~~والهبة مع التسليم والإعتاق كلا أو بعضا والكتابة  ولو تزوج الأخت
~~نكاحا فاسدا لم تحرم عليه أمته الموطوأة إلا إذا دخل بالمنكوحة فحينئذ
~~تحرم الموطوأة لوجود الجمع بينهما حقيقة، ولا يؤثر الإحرام والحيض
~~والنفاس والصوم وكذا الرهن والإجارة والتدبير لأن فرجها لا يحرم بهذه
~~الأسباب، وإذا عادت الموطوأة إلى ملكه بعد الإخراج سواء كان بفسخ أو شراء
~~جديد لم يحل وطء واحدة منهما حتى يحرم الأمة على نفسه بسبب كما كان أولا،
~~وظاهر قولهم: لا يحل الوطء حتى يحرم أن النكاح صحيح، وقد نصوا على ذلك
~~وعللوه بصدوره عن أهله مضافا إلى محله، وأورد عليه أن المنكوحة موطوأة
~~حكما باعترافهم فيصير بالنكاح جامعا وطءا حكما وهو باطل، ومن هنا ذهب
~~بعض المالكية إلى عدم الصحة، وأجيب بأن لزوم الجمع بينهما وطءا حكما ليس
~~بلازم لأن بيده إزالته فلا يضر بالصحة ويمنع من الوطء بعدها لقيامه إذ
~~ذاك وإسناد الحرمة إلى الجمع لا إلى الثانية بأن يقال: وأخوات نسائكم
~~للاحتراز عن إفادة الحرمة المؤبدة كما في المحرمات السابقة، ولكونه بمعزل
~~عن إفادة حرمة الجمع على سبيل المعية، ويشترك في هذا الجمع بين المرأة
~~وعمتها أو خالتها ونظائر ذلك فإن مدار حرمة الجمع بين الأختين إفضاؤه
~~خلافا لما في «المبسوط» إلى قطع ما أمر الله تعالى بوصله كما يدل عليه
~~ما أخرجه الطبراني من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم "

# وما رواه أبو داود في «مراسيله» عن عيسى بن طلحة قال:

# " نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة
~~القطيعة "

# وذلك ms01824 متحقق في الجمع بين من ذكرنا بل أولى فإن العمة والخالة بمنزلة
~~الأم فقوله صلى الله عليه وسلم مبالغا في بيان التحريم:

# " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أختها ولا على
~~ابنة أخيها "

# من قبيل بيان التفسير لا بيان التعبير عند بعض المحققين. وقال آخرون: إن
~~الحديث مشهور فقد ثبت في «صحيحي مسلم وابن حبان»، ورواه أبو داود
~~والترمذي والنسائي، وتلقاه الصدر الأول بالقبول من الصحابة. والتابعين،
~~ورواه الجم الغفير منهم أبو هريرة وجابر وابن عباس وابن عمر وابن مسعود
~~وأبو سعيد الخدري، فيجوز تخصيص عموم قوله تعالى:

# وأحل لكم ما وراء ذلكم

# [النساء: 24] بل لو كان من أخبار الآحاد جاز التخصيص به غير متوقف على
~~كونه مشهورا، وقال ابن الهمام: الظاهر أنه لا بد من ادعاء الشهرة لأن
~~الحديث موقعه النسخ لا التخصيص، وبينه في «فتح القدير» فارجع إليه.

# { إلا ما قد سلف } استثناء منقطع. وقصد المبالغة والتأكيد هنا
~~غير مناسب للتذييل بقوله تعالى: { إن الله كان غفورا
~~رحيما } لأن الغفران والرحمة لا يناسب تأكيد التحريم. والمراد مما
~~سلف ما مضى قبل النهي فإنهم كانوا يجمعون به الأختين، أخرج أحمد وأبو
~~داود والترمذي وحسنه وابن ماجه

# " عن فيرز الديلمي أنه أدركه الإسلام وتحته أختان فقال له النبي صلى
~~الله عليه وسلم: «طلق أيتهما شئت "

# ، وقال عطاء والسدي: معناه إلا ما كان من يعقوب عليه السلام إذ جمع بين
~~الأختين، ليا أم يهودا وراحيل أم يوسف عليه السلام، ولا يساعده التذييل
~~لما أن ما فعله يعقوب عليه السلام إن صح كان حلالا في شريعته. وعن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله تعالى
~~إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، وروي مثله عن محمد بن الحسن وأنه
~~قال: ألا يرى أنه قد عقب النهي عن كل منهما بقوله سبحانه: { إلا ما
~~قد سلف } وهذا  كما قال شيخ الإسلام  يشير إلى كون الاستثناء
~~فيهما على سنن واحد ويأباه اختلاف ما بعدهما. ms01825

### || [4.24]

# { والمحصنت من النساء إلا ما ملكت أيمنكم
~~} عطف على ما قبله من المحرمات. والمراد بهن على المشهور ذوات الأزواج،
~~أحصنهن التزوج أو الأزواج أو الأولياء أي منعهن عن الوقوع في الإثم،
~~وأجمع القراء كما قال أبو عبيدة على فتح الصاد هنا؛ ورواية الفتح عن
~~الكسائي لا تصح، والمشهور رواية ذلك عن طلحة بن مصرف ويحيى بن وثاب،
~~وعليه يكون اسم فاعل لأنهن أحصن فروجهن عن غير أزواجهن، أو أحصن
~~أزواجهن، وقيل: الصيغة للفاعل على القراءة الأولى أيضا، فقد قال ابن
~~الأعرابي: كل أفعل اسم فاعله بالكسر إلا ثلاثة أحرف أحصن، وألفج إذا ذهب
~~ماله، وأسهب إذا كثر كلامه.

# وحكي عن الأزهري مثله، وقال ثعلب: كل امرأة عفيفة محصنة ومحصنة، وكل
~~امرأة متزوجة محصنة بالفتح لا غير، ويقال: حصنت المرأة بالضم حصنا أي
~~عفت فهي حاصن وحصنان بالفتح وحصناء أيضا بينة الحصانة، وفرس حصان بالكسر
~~بين التحصين والتحصن، ويقال: إنه سمي حصانا لأنه ضن بمائه فلم ينز إلا
~~على كريمة، ثم كثر ذلك حتى سموا كل ذكر من الخيل حصانا، والإحصان في
~~المرأة ورد في اللغة واستعمل في القرآن بأربعة معان: الإسلام والحرية
~~والتزوج والعفة، وزاد الرافعي العقل لمنعه من الفواحش. والجار والمجرور
~~متعلق بمحذوف وقع حالا من المحصنات أي حرمت عليكم المحصنات كائنات من
~~النساء، وفائدته تأكيد عمومها، وقيل: دفع توهم شمولها للرجال بناءا على
~~كونها صفة للأنفس وهي شاملة للذكور والإناث  وليس بشيء  كما لا يخفى،
~~وفي المراد بالآية غموض حتى قال مجاهد: لو كنت أعلم من يفسرها لي لضربت
~~إليه أكباد الإبل أخرجه عنه ابن جرير، وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي
~~السوداء قال: سألت عكرمة عن هذه الآية { والمحصنت } الخ فقال:
~~لا أدري، وللعلماء المتقدمين فيها أقوال: أحدها: أن المراد بها المزوجات
~~كما قدمنا.

# والمراد بالملك الملك بالسبي خاصة فإنه المقتضي لفسخ النكاح وحلها
~~للسابي دون غيره، وهو قول عمر وعثمان وجمهور الصحابة والتابعين والأئمة
~~الأربعة، لكن وقع الخلاف هل مجرد السبي محل لذلك أو سبيها ms01826 وحدها؟ فعند
~~الشافعي رحمه الله تعالى مجرد السبي موجب للفرقة ومحل للنكاح، وعند أبي
~~حنيفة رضي الله تعالى عنه سبيها وحدها حتى لو سبيت معه لم تحل للسابي،
~~واحتج أهل هذا القول بما أخرجه مسلم عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أنه
~~قال: أصبنا سبيا يوم أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا
~~النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية فاستحللناهن، وهذه الرواية عنه
~~أصح من الرواية الأخرى أنها نزلت في المهاجرات، واعترض بأن هذا من قصر
~~العام على سببه وهو مخالف لما تقرر في الأصول من أنه لا يعتبر خصوص
~~السبب، وأجيب بأنه ليس من ذاك القصر في شيء وإنما خص لمعارضة دليل آخر
~~وهو الحديث المشهور عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها لما اشترت بريرة
~~وكانت مزوجة أعتقتها وخيرها صلى الله عليه وسلم فلو كان بيع الأمة طلاقا
~~ما خيرها فاقتصر بالعام حينئذ على سببه الوارد عليه لما كان غير البيع
~~من أنواع الانتقالات كالبيع في أنه ملك اختياري مترتب على ملك متقدم
~~بخلاف السباء فإنه ملك جديد قهري فلا يلحق به غيره كذا قيل، واعترض أصحاب
~~الشافعي بإطلاق الآية والخبر على الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه
~~وجعلوا ذلك حجة عليه فيما ذهب إليه، وأجاب الشهاب بأن الإطلاق غير مسلم
~~ففي الأحكام المروي أنه لما كان يوم أوطاس لحقت الرجال بالجبال وأخذت
~~النساء فقال المسلمون: كيف نصنع ولهن أزواج؟ فأنزل الله تعالى الآية،
~~وكذا في حنين كما ذكره أهل المغازي فثبت أنه لم يكن معهن أزواج.

# فإن احتجوا بعموم اللفظ قيل لهم: قد اتفقنا على أنه ليس بعام وأنه لا
~~تجب الفرقة بتجدد الملك فإذا لم يكن كذلك علمنا أن الفرقة لمعنى آخر وهو
~~اختلاف الدارين فلزم تخصيصها بالمسبيات وحدهن، وليس السبي سبب الفرقة
~~بدليل أنها لو خرجت مسلمة أو ذمية ولم يلحق بها زوجها وقعت الفرقة بلا
~~خلاف.

# وقد حكم الله تعالى به في المهاجرات في قوله سبحانه:

# ولا تمسكوا بعصم الكوافر

# [الممتحنة: ms01827 10] فلا يرد ما أورد، وثانيها: أن المراد بالمحصنات ما
~~قدمنا، وبالملك مطلق ملك اليمين فكل من انتقل إليه ملك أمة ببيع أو هبة
~~أو سباء أو غير ذلك وكانت مزوجة كان ذلك الانتقال مقتضيا لطلاقها وحلها
~~لمن انتقلت إليه  وهو قول ابن مسعود وجماعة من الصحابة  وإليه ذهب
~~جمهور الإمامية. وثالثها: أن المحصنات أعم من العفائف والحرائر وذوات
~~الأزواج، والملك أعم من ملك اليمين وملك الاستمتاع بالنكاح فيرجع معنى
~~الآية إلى تحريم الزنا وحرمة كل أجنبية إلا بعقد أو ملك يمين، وإلى ذلك
~~ذهب ابن جبير وعطاء والسدي، وحكي عن بعض الصحابة، واختاره مالك في
~~«الموطأ» ورابعها: كون المراد من المحصنات الحرائر، ومن الملك المطلق
~~والمقصود تحريم الحرائر بعد الأربع. أخرج عبد الرزاق وغيره عن عبيدة أنه
~~قال في هذه الآية: «أحل الله تعالى لك أربعا في أول السورة وحرم نكاح كل
~~محصنة بعد الأربع إلا ما ملكت يمينك» وروي مثله عن كثير.

# وقال شيخ الإسلام: المراد من المحصنات ذوات الأزواج والموصول إما عام
~~حسب عموم صلته، والاستثناء ليس لإخراج جميع الأفراد من حكم التحريم بطريق
~~شمول النفي بل بطريق نفي الشمول المستلزم لإخراج البعض أي حرمت عليكم
~~المحصنات على الإطلاق إلا المحصنات اللاتي ملكتموهن فإنهن لسن من
~~المحرمات على الإطلاق بل فيهن من لا يحرم نكاحهن في الجملة وهن المسبيات
~~بغير أزواجهن أو مطلقا على اختلاف المذهبين، وإما خاص بالمسبيات فالمعنى
~~حرمت عليكم المحصنات إلا اللاتي سبين فإن نكاحهن مشروع في الجملة أي لغير
~~ملاكهن، وأما حلهن لهم بحكم ملك اليمين فمفهوم بدلالة النص لاتحاد المناط
~~لا بعبارته لأن مساق النظم الكريم لبيان حرمة التمتع بالمحرمات المعدودة
~~بحكم ملك النكاح، وإنما ثبوت حرمة التمتع بهن بحكم ملك اليمين بطريق
~~دلالة النص وذلك مما لا يجري فيه الاستثناء قطعا، وأما عدهن من ذوات
~~الأزواج مع تحقق الفرقة بينهن وبين أزواجهن قطعا بتباين الدارين أو
~~بالسباء فمبني على اعتقاد الناس حيث كانوا غافلين عن الفرقة كما ينبي عن
~~/ ذلك خبر أبي ms01828 سعيد، وليس في ترتب ما فيه من الحكم على نزول الآية
~~الكريمة ما يدل على كونها مسوقة له فإن ذلك إنما يتوقف على إفادتها له
~~بوجه من وجوه الدلالات لا على إفادتها بطريق العبارة أو نحوها.

# واعترض بأن فيه ارتكاب خلاف الظاهر من غير ما وجه ولا مانع على تقدير
~~تسليم أن يكون مساق النظم الكريم لبيان حرمة التمتع بالمحرمات المعدودة
~~بحكم ملك النكاح فقط من أن يكون الاستثناء باعتبار لازم تحريم النكاح وهو
~~تحريم الوطء فكأنه قيل: يحرم عليكم نكاح المحصنات فلا يجوز لكم وطؤهن إلا
~~ما ملكت أيمانكم فإنه يجوز لكم وطؤهن فتدبر.

# { كتب الله } مصدر مؤكد أي كتب الله تعالى { عليكم } تحريم
~~هؤلاء كتابا، ولا ينافيه الإضافة كما توهم، والجملة مؤكدة لما قبلها و {
~~عليكم } متعلق بالفعل المقدر، وقيل: { كتاب } منصوب على الإغراء
~~أي الزموا كتاب الله، و { عليكم } متعلق إما بالمصدر أو بمحذوف وقع
~~حالا منه، وقيل: هو إغراء آخر مؤكد لما قبله وقد حذف مفعوله لدلالة ما
~~قبله عليه؛ وقيل: منصوب بعليكم، واستدلوا به على جواز تقديم المفعول في
~~باب الإغراء وليس بشيء. وقرأ أبو السميقع (كتب الله) بالجمع والرفع أي:
~~هذه فرائض الله تعالى عليكم، و  كتب الله  بلفظ الفعل.

# { وأحل لكم } قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم على البناء
~~للمفعول، والباقون على البناء للفاعل، وجعله الزمخشري على القراءة الأولى
~~معطوفا على { حرمت } ، وعلى الثانية معطوفا على (كتب) المقدر،
~~وتعقبه أبو حيان بأن ما اختاره من التفرقة غير مختار لأن جملة (كتب)
~~لتأكيد ما قبلها، وهذه غير مؤكدة فلا ينبغي عطفها على المؤكدة بل على
~~الجملة المؤسسة خصوصا مع تناسبهما بالتحليل والتحريم، ونظر فيه الحلبي،
~~ولعل وجه النظر أن تحليل ما سوى ذلك مؤكد لتحريمه معنى، وما ذكر أمر
~~استحساني رعاية لمناسبة ظاهرة { ما وراء ذلكم } إشارة إلى ما
~~تقدم من المحرمات أي أحل لكم نكاح ما سواهن انفرادا وجمعا، وفي إيثار
~~اسم الإشارة على الضمير إشارة إلى مشاركة من في معنى المذكورات للمذكورات ms01829
~~في حكم الحرمة فلا يرد حرمة الجمع بين المرأة وعمتها وكذا الجمع بين كل
~~امرأتين أيتهما فرضت ذكرا لم تحل لها الأخرى كما بين في الفروع لأن
~~تحريم من ذكر داخل فيما تقدم بطريق الدلالة كما مرت إليه الإشارة عن بعض
~~المحققين، وحديث تخصيص هذا العموم بالكتاب والسنة مشهور.

# { أن تبتغوا } مفعول له لما دل عليه الكلام أي بين لكم تحريم
~~المحرمات المذكورات وإحلال ما سواهن إرادة، وطلب أن تبتغوا والمفعول
~~محذوف أي تبتغوا النساء، أو متروك أي تفعلوا الابتغاء { بأمولكم }
~~بأن تصرفوها إلى مهورهن، أو بدل اشتمال من { ما وراء ذلكم }
~~بتقدير المفعول ضميرا. وجوز بعضهم كون { ما } عبارة عن الفعل كالتزوج
~~والنكاح، وجعل هذا بدل كل من كل، والمروي عن ابن عباس تعميم الكلام بحيث
~~يشمل صرف الأموال إلى المهور والأثمان { محصنين } حال من فاعل {
~~تبتغوا } ، والمراد بالإحصان هنا العفة وتحصين النفس عن الوقوع فيما
~~لا يرضي الله تعالى { غير مسفحين } حال من الضمير البارز، أو
~~من الضمير المستكن وهي في الحقيقة حال مؤكدة، والسفاح الزنا من السفح وهو
~~صب الماء وسمي الزنا به لأن الزاني لا غرض له إلا صب النطفة فقط لا
~~النسل، وعن الزجاج المسافحة والمسافح: الزانيان اللذان لا يمتنعان من
~~أحد، ويقال للمرأة إذا كانت تزني بواحد: ذات خدن، ومفعول الوصفين محذوف
~~أي محصنين فروجكم أو نفوسكم غير مسافحين الزواني، وظاهر الآية حجة لمن
~~ذهب إلى أن المهر لا بد وأن / يكون مالا كالإمام الأعظم رضي الله تعالى
~~عنه، وقال بعض الشافعية: لا حجة في ذلك لأن تخصيص المال لكونه الأغلب
~~المتعارف فيجوز النكاح على ما ليس بمال، ويؤيد ذلك ما رواه البخاري ومسلم
~~وغيرهما عن سهل بن سعد

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل رجلا خطب الواهبة نفسها للنبي
~~صلى الله عليه وسلم ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا وكذا وعددهن
~~قال: تقرأهن على ظهر قلبك؟ قال: نعم قال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من
~~القرآن "

# ووجه التأييد أنه ms01830 لو كان في الآية حجة لما خالفها رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم. وأجيب بأن كون القرآن معه لا يوجب كونه بدلا والتعليم ليس له
~~ذكر في الخبر فيجوز أن يكون مراده صلى الله عليه وسلم زوجتك تعظيما
~~للقرآن ولأجل ما معك منه  قاله بعض المحققين  ولعل في الخبر إشارة
~~إليه.

# { فما استمتعتم به منهن } (ما) إما عبارة عن النساء أو
~~عما يتعلق بهن من الأفعال وعليهما فهي إما شرطية أو موصولة وأيا ما كان
~~فهي مبتدأ وخبرها على تقدير الشرطية فعل الشرط أو جوابه أو كلاهما وعلى
~~تقدير الموصولية قوله تعالى: { فآتوهن أجورهن } والفاء لتضمن
~~الموصول معنى الشرط ثم على تقدير كونها بمعنى النساء بتقديرية العائد إلى
~~المبتدأ الضمير المنصوب في { فآتوهن } و (من) بيانية أو تبعيضية في
~~موضع النصب على الحال من ضمير { به } واستعمال (ما) للعقلاء لأنه أريد
~~بها الوصف كما مر غير مرة، وقد روعي في الضمير أولا جانب اللفظ وأخيرا
~~جانب المعنى، والسين للتأكيد لا للطلب، والمعنى فأي فرد أو فالفرد الذي
~~تمتعتم به حال كونه من جنس النساء أو بعضهن فأعطوهن أجورهن، وعلى تقدير
~~كونها عبارة عما يتعلق بهن  فمن  ابتدائية متعلقة بالاستمتاع بمعنى
~~التمتع أيضا و (ما) لما لا يعقل، والعائد إلى المبتدأ محذوف أي فأي فعل
~~تمتعتم به من قبلهن من الأفعال المذكورة فآتوهن أجورهن لأجله أو
~~بمقابلته، والمراد من الأجور المهور، وسمي المهر أجرا لأنه بدل عن
~~المنفعة لا عن العين { فريضة } حال من الأجور بمعنى مفروضة أو صفة
~~مصدر محذوف أي إيتاءا مفروضا، أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة فهي
~~كالقطيعة بمعنى القطع { ولا جناح } أي لا إثم { عليكم فيما
~~تراضيتم به } من الحط عن المهر أو الإبراء منه أو الزيادة على
~~المسمى، ولا جناح في زيادة الزيادة لعدم مساعدة { لا جناح } إذا جعل
~~الخطاب للأزواج تغليبا فإن أخذ الزيادة مظنة ثبوت المنفى للزوجة { من
~~بعد الفريضة } أي الشيء المقدر، وقيل: فيما تراضيتم به من نفقة
~~ونحوها، وقيل: من ms01831 مقام أو فراق، وتعقبه شيخ الإسلام بأنه لا يساعده ذكر
~~الفريضة إذ لا تعلق لهما بها إلا أن يكون الفراق بطريق المخالعة، وقيل:
~~الآية في المتعة وهي النكاح إلى أجل معلوم من يوم أو أكثر، والمراد: ولا
~~جناح عليكم فيما تراضيتم به من استئناف عقد آخر بعد انقضاء الأجل المضروب
~~في عقد المتعة بأن يزيد الرجل في الأجر وتزيده المرأة في المدة، وإلى ذلك
~~ذهبت الإمامية، والآية أحد أدلتهم على جواز المتعة، وأيدوا استدلالهم بها
~~بأنها في حرف أبي (فما استمعتم به منهن إلى أجل مسمى)، وكذلك قرأ ابن
~~عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم  والكلام في ذلك شهير  ولا نزاع
~~عندنا في أنها أحلت ثم حرمت، وذكر القاضي عياض في ذلك كلاما طويلا،
~~والصواب المختار أن التحريم والإباحة كانا مرتين، وكانت حلالا قبل يوم
~~خيبر، ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم فتح مكة وهو يوم أوطاس لاتصالهما،
~~ثم حرمت يومئذ بعد ثلاث / تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة، واستمر
~~التحريم، ولا يجوز أن يقال: إن الإباحة مختصة بما قبل خيبر، والتحريم يوم
~~خيبر للتأبيد وإن الذي كان يوم الفتح مجرد توكيد التحريم من غير تقدم
~~إباحة يوم الفتح إذ الأحاديث الصحيحة تأبى ذلك، وفي «صحيح مسلم» ما فيه
~~مقنع.

# وحكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقول بحلها ثم رجع عن
~~ذلك حين قال له علي كرم الله تعالى وجهه: إنك رجل تائه إن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم نهى عن المتعة كذا قيل، وفي «صحيح مسلم» ما يدل على أنه
~~لم يرجع حين قال له علي ذلك، فقد أخرج عن عروة بن الزبير أن عبد الله بن
~~الزبير رضي الله تعالى عنه قام بمكة فقال: إن ناسا أعمى الله تعالى
~~قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل  يعني ابن عباس  كما
~~قال النووي، فناداه فقال إنك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل في
~~عهد إمام المتقين  يريد رسول الله صلى الله ms01832 عليه وسلم  فقال له ابن
~~الزبير: فجرب نفسك فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك فإن هذا إنما كان
~~في خلافة عبد الله بن الزبير، وذلك بعد وفاة علي كرم الله تعالى وجهه،
~~فقد ثبت أنه مستمر القول على جوازها لم يرجع إلى قول الأمير كرم الله
~~تعالى وجهه، وبهذا قال العلامة ابن حجر في «شرح المنهاج»، فالأولى أن
~~يحكم بأنه رجع بعد ذلك بناءا على ما رواه الترمذي والبيهقي والطبراني
~~عنه أنه قال: «إنما كانت المتعة في أول الإسلام كان الرجل يقدم البلدة
~~ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه مقيم فتحفظ له متاعه
~~وتصلح له شأنه» حتى نزلت الآية

# إلا على أزوجهم أو ما ملكت أيمنهم

# [المؤمنون: 6] فكل فرج سواهما فهو حرام، ويحمل هذا على أنه اطلع على أن
~~الأمر إنما كان على هذا الوجه فرجع إليه وحكاه، وحكي عنه أيضا أنه إنما
~~أباحها حالة الاضطرار والعنت في الأسفار، فقد روي عن ابن جبير أنه قال:
~~قلت لابن عباس: لقد سارت بفتياك الركبان، وقال فيها الشعراء قال: وما
~~قالوا؟ قلت: قالوا:

# قد قلت للشيخ لما طال مجلسه

# يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس

# هل لك في رخصة الأطراف آنسة

# تكون مثواك حتى مصدر الناس

# فقال: سبحان الله! ما بهذا أفتيت وما هي إلا كالميتة والدم ولحم
~~الخنزير، ولا تحل إلا للمضطر، ومن هنا قال الحازمي: إنه صلى الله عليه
~~وسلم لم يكن أباحها لهم وهم في بيوتهم وأوطانهم، وإنما أباحها لهم في
~~أوقات بحسب الضرورات حتى حرمها عليهم في آخر الأمر تحريم تأبيد، وأما ما
~~روي أنهم كانوا يستمتعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر
~~وعمر حتى نهى عنها عمر فمحمول على أن الذي استمتع لم يكن بلغه النسخ،
~~ونهي عمر كان لإظهار ذلك حيث شاعت المتعة ممن لم يبلغه النهي عنها؛ ومعنى
~~ أنا محرمها  في كلامه إن صح مظهر تحريمها لا منشئه كما يزعمه الشيعة،
~~وهذه الآية لا تدل على ms01833 الحل، والقول بأنها نزلت في المتعة غلط، وتفسير
~~البعض لها بذلك غير مقبول لأن نظم القرآن الكريم يأباه حيث بين سبحانه
~~أولا المحرمات ثم قال عز شأنه: { وأحل لكم ما وراء ذلكم
~~أن تبتغوا بأمولكم } وفيه شرط بحسب المعنى فيبطل تحليل
~~الفرج وإعارته، وقد قال بهما الشيعة، ثم قال جل وعلا: { محصنين
~~غير مسفحين } وفيه إشارة إلى النهي عن كون القصد مجرد قضاء
~~الشهوة وصب الماء واستفراغ أوعية المني فبطلت المتعة بهذا القيد لأن
~~مقصود المتمتع ليس إلا ذاك دون التأهل والاستيلاد وحماية الذمار والعرض،
~~ولذا تجد المتمتع بها في كل شهر تحت صاحب، وفي كل سنة بحجر ملاعب،
~~فالإحصان غير حاصل في امرأة المتعة أصلا ولهذا قالت الشيعة: إن المتمتع
~~الغير الناكح / إذا زنى لا رجم عليه، ثم فرع سبحانه على حال النكاح قوله
~~عز من قائل: { فما استمتعتم } وهو يدل على أن المراد بالاستمتاع
~~هو الوطء والدخول لا الاستمتاع بمعنى المتعة التي يقول بها الشيعة،
~~والقراءة التي ينقلونها عمن تقدم من الصحابة شاذة.

# وما دل على التحريم كآية

# إلا على أزوجهم أو ما ملكت أيمنهم

# [المؤمنون: 6] قطعي فلا تعارضه، على أن الدليلين إذا تساويا في القوة
~~وتعارضا في الحل والحرمة قدم دليل الحرمة منهما، وليس للشيعة أن يقولوا:
~~إن المرأة المتمتع بها مملوكة لبداهة بطلانه، أو زوجة لانتفاء جميع لوازم
~~الزوجية  كالميراث والعدة والطلاق والنفقة  فيها، وقد صرح بذلك
~~علماؤهم. وروى أبو نصير منهم في «صحيحه» عن الصادق رضي الله تعالى عنه
~~أنه سئل عن امرأة المتعة أهي من الأربع؟ قال: لا ولا من السبعين، وهو
~~صريح في أنها ليست زوجة وإلا لكانت محسوبة في الأربع، وبالجملة الاستدلال
~~بهذه الآية على حل المتعة ليس بشيء كما لا يخفى.

# ولا خلاف الآن بين الأئمة وعلماء الأمصار إلا الشيعة في عدم جوازها،
~~ونقل الحل عن مالك رحمه الله تعالى غلط لا أصل له بل في حد المتمتع
~~روايتان عنه، ومذهب الأكثرين (أنه لا يحد لشبهة العقد وشبهة الخلاف،
~~ومأخذ الخلاف ms01834 على ما قال النووي  اختلاف الأصوليين في أن الإجماع بعد
~~الخلاف هل يرفع الخلاف وتصير المسألة مجمعا عليها؟ فبعض قال: لا يرفعه
~~بل يدوم الخلاف ولا تصير المسألة بعد ذلك مجمعا عليها أبدا، وبه قال
~~القاضي أبو بكر الباقلاني)، وقال آخرون: بأن الإجماع اللاحق يرفع الخلاف
~~السابق وتمامه في الأصول؛ وحكى بعضهم عن زفر أنه قال: من نكح نكاح متعة
~~تأبد نكاحه ويكون ذكر التأجيل من باب الشروط الفاسدة في النكاح وهي ملغية
~~فيها، والمشهور في «كتب أصحابنا» أنه قال ذلك في النكاح المؤقت  وفي
~~كونه عين نكاح المتعة  بحث، فقد قال بعضهم باشتراط الشهود في المؤقت
~~وعدمه في المتعة، ولفظ التزويج أو النكاح في الأول، وأستمتع أو أتمتع في
~~الثاني، وقال آخرون: النكاح المؤقت من أفراد المتعة، وذكر ابن الهمام أن
~~النكاح لا ينعقد بلفظ المتعة، وإن قصد به النكاح الصحيح المؤبد وحضر
~~الشهود لأنه لا يصلح مجازا عن معنى النكاح كما بينه في «المبسوط».

# بقي ما لو نكح مطلقا ونيته أن لا يمكث معها إلا مدة نواها فهل يكون ذلك
~~نكاحا صحيحا حلاليا أم لا؟ الجمهور على الأول (بل حكى القاضي الإجماع
~~عليه، وشذ الأوزاعي فقال: هو نكاح متعة ولا خير فيه) فينبغي عدم نية ذلك
~~{ إن الله كان عليما } بما يصلح أمر الخلق { حكيما } فيما
~~شرع لهم، ومن ذلك عقد النكاح الذي يحفظ الأموال والأنساب.

### || [4.25]

# { ومن لم يستطع منكم }  { من } إما شرطية وما بعدها شرطها،
~~وإما موصولة وما بعدها صلتها، و { منكم } حال من الضمير في {
~~يستطع } وقوله سبحانه: { طولا } مفعول به  ليستطع  وجعله
~~مفعولا لأجله على حذف مضاف أي لعدم طول تطويل بلا طول. والمراد به الغنى
~~والسعة وبذلك فسره ابن عباس ومجاهد، وأصله الفضل والزيادة، ومنه الطائل،
~~وفسره بعضهم بالاعتلاء والنيل فهو من قولهم: طلته أي نلته، ومنه قول
~~الفرزدق:

# إن الفرزدق صخرة ملمومة

# (طالت) فليس تنالها الأوعالا

# قوله عز وجل: { أن ينكح المحصنت المؤمنت } أي
~~الحرائر بدليل مقابلتهن بالمملوكات، وعبر عنهن بذلك لأن ms01835 حريتهن أحصنتهن
~~عن نقص الإماء  إما أن يكون متعلقا ب { طولا } على معنى  ومن لم
~~يستطع أن ينال نكاح المحصنات  وإما أن يكون بتقدير إلى أو اللام والجار
~~في موضع الصفة ل { طولا } أي  ومن / لم يستطع غنى موصلا إلى نكاحهن
~~ أو لنكاحهن  أو  على  على أن الطول بمعنى القدرة  كما قال الزجاج،
~~ومحل { أن } بعد الحذف جر، أو نصب على الخلاف المعروف، وهذا التقدير قول
~~الخليل، وإليه ذهب الكسائي، وجوز أبو البقاء أن يكون بدلا من { طولا }
~~بدل الشيء من الشيء، وهما لشيء واحد بناءا على أن الطول هو القدرة أو
~~الفضل والنكاح قوة وفضل، وقيل: يجوز أن يكون مفعولا  ليستطع  و {
~~طولا } مصدر مؤكد له إذ الاستطاعة هي الطول أو تمييز  أي ومن لم يستطع
~~منكم استطاعة  أو من جهة الطول والغنى أي لا من جهة الطبيعة والمزاج إذ
~~لا تعلق لذلك بالمقام.

# وقوله تعالى وتقدس: { فمن ما ملكت أيمنكم } جواب الشرط
~~أو خبر الموصول وجاءت الفاء لما مر غير مرة، و { ما } موصولة في محل جر
~~بمن التبعيضية، والجار والمجرور متعلق بفعل مقدر حذف مفعوله، وفي الحقيقة
~~متعلق بمحذوف وقع صفة لذلك المفعول أي فلينكح امرأة كائنة بعض النوع الذي
~~ملكته أيمانكم، وأجاز أبو البقاء كون (من) زائدة أي فلينكح ما ملكته
~~أيمانكم، وقوله تعالى: { من فتيتكم } أي إمائكم {
~~المؤمنت } في موضع الحال من الضمير المحذوف العائد إلى { ما } ،
~~وقيل: (من) زائدة، و { فتيتكم } هو المفعول للفعل المقدر قبل، و
~~ مما ملكت  متعلق بنفس الفعل، و (من) لابتداء الغاية، أو متعلق بمحذوف
~~وقع حالا من هذا المفعول، و (من) للتبعيض، و (المؤمنات) على جميع الأوجه
~~صفة (فتياتكم)، وقيل: هو مفعول ذلك الفعل المقدر، وفيه بعد.

# وظاهر الآية يفيد عدم جواز نكاح الأمة للمستطيع لمفهوم الشرط  كما ذهب
~~إليه الشافعي  وعدم جواز نكاح الأمة الكتابية مطلقا لمفهوم الصفة كما
~~هو رأي أهل الحجاز  وجوزهما الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه لإطلاق
~~المقتضى من قوله تعالى:

# فانكحوا ما طاب ms01836 لكم من النساء

# [النساء: 3] و

# وأحل لكم ما وراء ذلكم

# [النساء: 24] فلا يخرج منه شيء إلا بما يوجب التخصيص؛ ولم ينتهض ما ذكر
~~حجة مخرجة؛ أما أولا: فالمفهومان  أعني مفهوم الشرط ومفهوم الصفة 
~~ليسا بحجة عنده رضي الله تعالى عنه كما تقرر في الأصول، وأما ثانيا:
~~فبتقدير الحجة مقتضى المفهومين عدم الإباحة الثابتة عند وجود القيد
~~المبيح، وعدم الإباحة أعم من ثبوت الحرمة أو الكراهة، ولا دلالة للأعم
~~على أخص بخصوصه فيجوز ثبوت الكراهة عند وجود  طول  الحرة كما يجوز ثبوت
~~الحرمة على السواء، والكراهة أقل فتعينت فقلنا بها، وبالكراهة صرح في
~~«البدائع»، وعلل بعضهم عدم حل تزوج الأمة حيث لم يتحقق الشرط بتعريض
~~الولد للرق لتثبت الحرمة بالقياس على أصول شتى، أو ليتعين أحد فردي الأعم
~~الذي هو عدم الإباحة وهو التحريم مرادا بالأعم.

# واعترض بأنهم إن عنوا أن فيه تعريضا موصوفا بالحرية للرق سلمنا
~~استلزامه للحرمة لكن وجود الوصف ممنوع إذ ليس هنا متصف بحرية عرض للرق بل
~~الوصفان من الحرية والرق يقارنان وجود الولد باعتبار أمه إن كانت حرة
~~فحر، أو رقيقة فرقيق، وإن أرادوا به تعريض الولد الذي سيوجد لأن يقارنه
~~الرق في الوجود لا إرقاقه سلمنا وجوده ومنعنا تأثيره في الحرمة بل في
~~الكراهة، وهذا لأنه كان له أن لا يحصل الولد أصلا بنكاح الآيسة ونحوها
~~فلأن يكون له أن يحصل رقيقا بعد كونه مسلما أولى إذ المقصود بالذات من
~~التناسل تكثير المقرين لله تعالى بالوحدانية والألوهية وما يجب أن يعترف
~~له به وهذا ثابت بالولد المسلم، والحرية مع ذلك كمال يرجع أكثره إلى أمر
~~دنيوي وقد جاز للعبد أن يتزوج أمتين بالاتفاق مع أن فيه تعريض الولد /
~~للرق في موضع الاستغناء عن ذلك وعدم الضرورة، وكون العبد أبا لا أثر له
~~في ثبوت رق الولد فإنه لو تزوج حرة كان ولده حرا والمانع إنما يعقل كونه
~~ذات الرق لأنه الموجب للنقص الذي جعلوه محرما لا مع قيد حرية الأب فوجب
~~استواء العبد والحر في ms01837 هذا الحكم لو صح ذلك التعليل  قاله ابن الهمام 
~~وفيه مناقشة ما فتأمل.

# وفي هذه الآية ما يشير إلى وهن استدلال الشيعة بالآية السابقة على حل
~~المتعة لأن الله تعالى أمر فيها بالاكتفاء بنكاح الإماء عند عدم الطول
~~إلى نكاح الحرائر فلو كان أحل المتعة في الكلام السابق لما قال سبحانه
~~بعده: { ومن لم يستطع } الخ لأن المتعة في صورة عدم الطول
~~المذكور ليست قاصرة في قضاء حاجة الجماع بل كانت بحكم  لكل جديد لذة 
~~أطيب وأحسن على أن المتعة أخف مؤنة وأقل كلفة فإنها مادة يكفي فيها
~~الدرهم والدرهمان فأية ضرورة كانت داعية إلى نكاح الإماء؟ ولعمري إن
~~القول بذلك أبعد بعيد كما لا يخفى على من أطلق من ربقة قيد التقليد.

# { والله أعلم بإيمنكم } جملة معترضة جيء بها تأنيسا
~~لقلوبهم وإزالة للنفرة عن نكاح الإماء ببيان أن مناط التفاخر الإيمان دون
~~الأحساب والأنساب، ورب أمة يفوق إيمانها إيمان كثير من الحرائر. والمعنى
~~أنه تعالى أعلم منكم بمراتب إيمانكم الذي هو المدار في الدارين فليكن هو
~~مطمح نظركم، وقيل: جيء بها للإشارة إلى أن الإيمان الظاهر كاف في صحة
~~نكاح الأمة ولا يشترط في ذلك العلم بالإيمان علما يقينيا إذ لا سبيل
~~إلى الوقوف على الحقائق إلا لعلام الغيوب { بعضكم من بعض } أي
~~أنتم وفتياتكم متناسبون إما من حيث الدين وإما من حيث النسب، وعلى الثاني
~~يكون اعتراضا آخر مؤكدا للتأنيس من جهة أخرى؛ وعلى الأول يكون بيانا
~~لتناسبهم من تلك الحيثية إثر بيان تفاوتهم في ذلك، وأيا ما كان  فبعضكم
~~ مبتدأ والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبرا له، وزعم بعضهم أن
~~(بعضكم) فاعل للفعل المحذوف، قيل: وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير
~~فلينكح بعضكم من بعض الفتيات، ولا ينبغي أن يخرج كتاب الله تعالى الجليل
~~على ذلك.

# { فانكحوهن بإذن أهلهن } مترتب على ما قبله ولذا صدر
~~بالفاء أي فإذا وقعتم على جلية الأمر فانكحوهن الخ وأعيد الأمر مع فهمه
~~مما قبله لزيادة الترغيب في نكاحهن، أو لأن المفهوم منه ms01838 الإباحة وهذا
~~للوجوب. والمراد من الأهل الموالي، وحمل الفقهاء ذلك على من له ولاية
~~التزويج ولو غير مالك فقد قالوا: للأب والجد والقاضي والوصي تزويج أمة
~~اليتيم لكن في «الظهيرية» الوصي لو زوج أمة اليتيم من عبده لا يجوز، وفي
~~«جامع الفصولين» القاضي لا يملك تزويج أمة الغائب، وفي «فتح القدير»
~~للشريك المفاوض تزويج الأمة، وليس لشريك العنان والمضارب والعبد المأذون
~~تزويجها عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ومحمد، وقال أبو يوسف: يملكون
~~ذلك، وهذا الإذن شرط عندنا لجواز نكاح الأمة فلا يجوز نكاحها بلا إذن،
~~والمراد بعدم الجواز عدم النفاذ لا عدم الصحة بل هو موقوف كعقد الفضولي،
~~وإلى هذا ذهب مالك  وهو رواية عند أحمد  ومثل ذلك نكاح العبد واستدلوا
~~على عدم الجواز فيهما بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث جابر، وقال:
~~حديث حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر "

# والعهر الزنا وهو محمول على ما إذا وطىء لا بمجرد العقد وهو زنا شرعي لا
~~فقهي فلم يلزم منه وجوب الحد لأنه مرتب على الزنا الفقهي كما بين في
~~الفروع، وبأن في تنفيذ نكاحهما تعييبهما إذ النكاح عيب فيهما فلا يملكانه
~~إلا بإذن مولاهما، ونسب إلى الإمام مالك ولم يصح أنه يجوز نكاح العبد بلا
~~إذن السيد لأنه يملك الطلاق فيملك النكاح، وأجيب بالفرق فإن الطلاق إزالة
~~/ عيب عن نفسه بخلاف النكاح، قال ابن الهمام: لا يقال: يصح إقرار العبد
~~على نفسه بالحد والقصاص مع أن فيه هلاكه فضلا عن تعييبه لأنا نقول: هو
~~لا يدخل تحت ملك السيد فيما يتعلق به خطاب الشرع أمرا ونهيا كالصلاة
~~والغسل والصوم والزنا والشرب وغيره إلا فيما علم إسقاط الشارع إياه عنه
~~كالجمعة.

# والحج، ثم هذه الأحكام تجب جزاءا على ارتكاب المحظور شرعا، فقد أخرجه
~~عن ملكه في ذلك الذي أدخله فيه باعتبار غير ذلك  وهو الشارع  زجرا عن
~~الفساد وأعاظم العيوب انتهى. ادعى بعض الحنفية أن الآية تدل على ms01839 أن
~~للإماء أن يباشرن العقد بأنفسهن لأنه اعتبر إذن الموالي لا عقدهم. واعترض
~~بأن عدم الاعتبار لا يوجب اعتبار العدم فلعل العاقد يكون هو المولى أو
~~الوكيل فلا يلزم جواز عقدهن كما لا يخفى، ولو كانت الأمة مشتركة بين
~~اثنين مثلا لا يجوز نكاحها إلا بإذن الكل، وفي «الظهيرية» لو زوج أحد
~~الموليين أمته ودخل بها الزوج فللآخر النقض فإن نقض فله نصف مهر المثل
~~وللزوج الأقل من نصف مهر المثل، ومن نصف المسمى وحكم معتق البعض حكم كامل
~~الرق عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، وعندهما يجوز نكاحه بلا إذن
~~لأنه حر مديون

# { وءاتوهن أجورهن } أي أدوا إليهن مهورهن بإذن أهلن وحذف هذا
~~القيد لتقدم ذكره لا لأن العطف يوجب مشاركة المعطوف المعطوف عليه في
~~القيد، ويحتمل أنه يكون في الكلام مضاف محذوف أي آتوا أهلهن، ولعل ما
~~تقدم قرينة عليه، قيل: ونكتة اختيار (آتوهن) على آتوهم مع تقدم الأهل على
~~ما ذكره بعض المحققين إن في ذلك تأكيدا لإيجاب المهر وإشعارا بأنه حقهن
~~من هذه الجهة، وإنما تأخذه الموالي بجهة ملك اليمين، والداعي لهذا كله أن
~~المهر للسيد عند أكثر الأئمة لأنه عوض حقه. وقال الإمام مالك: الآية على
~~ظاهرها والمهر للأمة، وهذا يوجب كون الأمة مالكة مع أنه لا ملك للعبد فلا
~~بد أن تكون مالكة له يدا كالعبد المأذون له بالتجارة لأن جعلها منكوحة
~~إذن لها فيجب التسليم إليهن كما هو ظاهر الآية، وإن حملت الأجور على
~~النفقات استغنى عن اعتبار التقدير أولا وآخرا، وكذا إن فسر قوله تعالى.
~~{ بالمعروف } بما عرف شرعا من إذن الموالي، والمعروف فيه أنه
~~متعلق  بآتوهن  والمراد أدوا إليهن من غير مماطلة وإضرار، ويجوز أن
~~يكون حالا أي متلبسات بالمعروف غير ممطولات أو متعلقا  بأنكحوهن  أي
~~فانكحوهن بالوجه المعروف يعني بإذن أهلهن ومهر مثلهن

# { محصنت } حال إما من مفعول { آتوهن } فهو بمعنى متزوجات، أو من
~~مفعول { فانكحوهن } فهو بمعنى عفائف، وحمله على مسلمات وإن جاز
~~خصوصا على مذهب الجمهور الذين ms01840 لا يجيزون نكاح الأمة الكتابية لكن هذا
~~الشرط تقدم في قوله سبحانه: { فتيتكم المؤمنت } فليس في
~~إعادته كثير جدوى، والمشهور هنا تفسير المحصنات بالعفائف فقوله تعالى: {
~~غير مسفحت } تأكيد له، والمراد غير مجاهرات بالزنا  كما
~~قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  { ولا متخذات أخدان }
~~عطف على (مسافحات) و(لا) لتأكيد ما في { غير } من معنى النفي 
~~والأخدان  جمع خدن وهو الصاحب، والمراد به هنا من تتخذه المرأة صديقا
~~يزني بها والجمع للمقابلة، والمعنى ولا مسرات الزنا.

# وكان الزنا في الجاهلية منقسما إلى سر وعلانية، وروي عن ابن عباس أن
~~أهل الجاهلية كانوا يحرمون ما ظهر منه ويقولون: إنه لؤم ويستحلون ما خفي
~~ويقولون: لا بأس به، ولتحريم القسمين نزل قوله تعالى:

# ولا تقربوا الفوحش ما ظهر منها وما بطن

# [الأنعام: 151].

# { فإذا أحصن } أي بالأزواج  كما قال ابن عباس وجماعة  وقرأ
~~إبراهيم { أحصن } بالبناء للفاعل أي أحصن فروجهن وأزواجهن، وأخرج عبد بن
~~حميد أنه قرىء كذلك ثم قال: إحصانها إسلامها، وذهب كثير من العلماء إلى
~~أن المراد من الاحصان على القراءة الأولى الإسلام أيضا لا التزوج، وبعض
~~من أراده من الآية قال: لا تحد الأمة إذا زنت ما لم تتزوج بحر، وروي ذلك
~~مذهبا لابن عباس، وحكي عدم الحد قبل التزوج عن مجاهد وطاوس، وقال
~~الزهري: هو فيها بمعنى التزوج. والحد واجب على الأمة المسلمة إذا لم
~~تتزوج لما في «الصحيحين» عن زيد بن خالد الجهني

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن قال:
~~«اجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير "

# فالمزوجة محدودة بالقرآن وغيرها بالسنة، ورجح هذا الحمل بأنه سبحانه شرط
~~الإسلام بقوله جل وعلا: { من فتيتكم المؤمنت } فحمل ما
~~هنا على غيره أتم فائدة وإن جاز أنه تأكيد لطول الكلام. وذكر بعض
~~المحققين أن تفسير الإحصان بالإسلام ظاهر على قول أبي حنيفة رضي الله
~~تعالى عنه من جهة أنه لا يشترط في التزوج بالأمة أن تكون مسلمة ms01841 وإن
~~الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع، وهو مشكل على قول من يقول بمفهوم الشرط من
~~الشافعية فإنه يقتضي أن الأمة الكافرة إذا زنت لا تجلد، وليس مذهبه كذلك
~~فإنه يقيم الحد على الكفار.

# { فإن أتين بفحشة } أي فإن فعلن فاحشة وهي الزنا وثبت
~~ذلك.

# { فعليهن } أي فثابت عليهن شرعا { نصف ما على
~~المحصنت } أي الحرائر الأبكار { من العذاب } أي الحد الذي
~~هو جلد مائة، فنصفه خمسون ولا رجم عليهن لأنه لا يتنصف؛ وهذا دفع لتوهم
~~أن الحد لهن يزيد بالإحصان، فيسقط الاستدلال به على أنهن قبل الإحصان لا
~~حد عليهن كما روي ذلك عمن تقدم. قال الشهاب: وعلم من بيان حالهن حال
~~العبيد بدلالة النص فلا وجه لما قيل: إنه خلاف المعهود لأن المعهود أن
~~يدخل النساء تحت حكم الرجال بالتبعية وكأن وجهه أن دواعي الزنا فيهن أقوى
~~وليس هذا تغليبا وذكرا بطريق التبعية حتى يتجه ما ذكر، ويرد على وجه
~~التخصيص أنه لو كان كذلك لم يدل على حكم العبيد بل الوجه فيه أن الكلام
~~في تزوج الإماء فهو مقتضى الحال انتهى. والظاهر أن المراد بالحال المعلوم
~~بدلالة النص حال العبيد إذا أتوا بفاحشة لا مطلقا، فإن حال العبيد ليس
~~حال الإماء في مسألة النكاح من كل وجه كما بين في «كتب الفروع»، وأخرج
~~عبد بن حميد عن مجاهد أنه قرىء (فإن أتوا)، و(أتين بفاحشة)، هذا والفاء
~~في { فإن أتين } جواب (إذا)، والثانية: جواب (إن)، والشرط الثاني
~~مع جوابه مترتب على وجود الأول، و { من العذاب } في موضع الحال من
~~الضمير في الجار والمجرور والعامل فيها هو العامل في صاحبها، قال أبو
~~البقاء: ولا يجوز أن تكون حالا من { ما } لأنها مجرورة بالإضافة فلا
~~يكون لها عامل.

# { ذلك } أي نكاح الإماء { لمن خشى العنت منكم } أي لمن
~~خاف الزنا بسبب غلبة الشهوة عليه، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن
~~نافع بن الأزرق سأله عن العنت فقال: الإثم، فقال نافع: وهل تعرف العرب
~~ذلك؟ فقال: نعم أما سمعت قول ms01842 الشاعر:

# رأيتك تبتغي (عنتي) وتسعى

# مع الساعي علي بغير دخل

# وقيل: أصل العنت انكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة وضرر يعتري
~~الإنسان بعد صلاح حاله، ولا ضرر أعظم من مواقعة المآثم بارتكاب أفحش
~~القبائح، ويفهم من كلام كثير من اللغويين أنه حقيقة في الإثم وكذا في
~~الجهد والمشقة، ومنه  أكمة عنوت  أي صعبة المرتقى، وفسره الزجاج هنا
~~بالهلاك، والذي عليه الأكثرون ما تقدم وهو مأثور أيضا عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما، وقيل: المراد به الحد لأنه إذا هويها يخشى أن يواقعها
~~فيحد، ورجح القول الأول بكثرة الذاهبين إليه مع ما فيه من الإشارة إلى أن
~~اللائق بحال المؤمن الخوف من الزنا المفضي إلى العذاب، وفي هذا إيهام بأن
~~المحذور عنده الحد لا ما يوجبه وأيا ما كان فهو شرط آخر لجواز تزوج
~~الإماء عند الشافعي عليه الرحمة، ومذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه
~~أنه ليس بشرط وإنما هو إرشاد للأصلح.

# { وأن تصبروا } أي وصبركم عن نكاح الإماء متعففين. { خير
~~لكم } من نكاحهن وإن رخص لكم فيه لأن حق الموالي فيهن أقوى فلا يخلصن
~~للأزواج خلوص الحرائر إذ هم يقدرون على استخدامهن سفرا وحضرا، وعلى
~~بيعهن للحاضر والبادي، وفي ذلك مشقة عظيمة على الأزواج لا سميا إذا ولد
~~لهم منهن أولاد، ولأنهن ممتهنات مبتذلات خراجات ولاجات وذلك ذل ومهانة
~~سارية للناكح، ولا يكاد يتحمل ذلك غيور، ولأن في نكاحهن تعريض الولد
~~للرق. وقد أخرج عبد الرزاق وغيره عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال:
~~«إذا نكح العبد الحرة فقد أعتق نصفه وإذا نكح الحر الأمة فقد أرقه نصفه»
~~وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: «ما تزحف
~~ناكح الأمة عن الزنا إلا قليلا» وعن أبي هريرة وابن جبير مثله. وأخرج
~~ابن أبي شيبة عن عامر قال: «نكاح الأمة كالميتة والدم ولحم الخنزير لا
~~يحل إلا للمضطر» وفي «مسند الديلمي والفردوس» عن أبي هريرة رضي الله
~~تعالى عنه قال: «قال رسول ms01843 الله صلى الله عليه وسلم:

# " الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت "

# وقال الشاعر:

# ومن لم تكن في بيته قهرمانة

# فذلك بيت لا أبا لك ضائع

# وقال الآخر:

# إذا لم يكن في منزل المرء حرة

# تدبره ضاعت مصالح داره

# { والله غفور } أي مبالغ في المغفرة فيغفر لمن لم يصبر عن
~~نكاحهن، وإنما عبر بذلك تنفيرا عنه حتى كأنه ذنب { رحيم } أي مبالغ
~~في الرحمة فلذلك رخص لكم ما رخص.

# هذا ومن باب الإشارة الاجمالية في بعض الآيات السابقة: أنه سبحانه أشار
~~بقوله عز من قائل: { ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم } إلى
~~النهي عن التصرف في السفليات التي هي الأمهات التي قد تصرف فيها الآباء
~~العلوية

# إلا ما قد سلف

# [النساء: 22] من التدبير الإلهي في ازدواج الأرواح لضرورة الكمالات، فإن
~~الركون إلى العالم السفلي يوجب مقت الحق سبحانه، وأشار سبحانه بتحريم
~~المحصنات من النساء أي الأمور التي تميل إليها النفوس إلى تحريم طلب
~~السالك مقاما ناله غيره، وليس له قابلية لنيله، ومن هنا قوبل الكليم
~~بالصعق لما سأل الرؤية، وقال شاعر الحقيقة المحمدية:

# ولست مريدا أرجعن بلن ترى

# ولست بطور كي يحركني الصدع

# / وقال سيدي ابن الفارض على لسانها:

# وإذا سألتك أن أراك حقيقة

# فاسمح ولا تجعل جوابي لن ترى

# ولقد أحسن بعض المحجوبين حيث يقول:

# إذا لم تستطع شيئا فدعه

# وجاوزه إلى ما تستطيع

# وقال النيسابوري: المحصنات من النساء الدنيا حرمها الله تعالى على خلص
~~عباده وأباح لهم بقوله: { إلا ما ملكت أيمنكم } تناول
~~الأمور الضرورية من المأكل والمشرب { محصنين } أي حرائر من الدنيا
~~وما فيها { غير مسفحين } في الطلب مياه الوجوه، ثم أمرهم إذا
~~استمتعوا بشيء من ذلك بأن يؤدوا حقوقه من الشكر والطاعة والذكر مثلا،
~~وعلى هذا النمط ما في سائر الآيات، ولم يظهر لي في البنات والأخوات
~~والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت والمرضعات والأخوات من الرضاع
~~والربائب والجمع بين الأختين ما ينشرح له الخاطر وتبتهج به الضمائر ولا
~~شبهة لي في أن لله تعالى عبادا يعرفونه على ms01844 التحقيق ولكنهم في الزوايا،
~~وكم في الزوايا من خبايا، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل..

### || [4.26]

# { يريد الله ليبين لكم } استئناف مقرر لما سبق من
~~الأحكام، ومثل هذا التركيب وقع في كلام العرب قديما وخرجه النحاة  كما
~~قال الشهاب  على مذاهب فقيل: مفعول (يريد) محذوف أي تحليل ما أحل وتحريم
~~ما حرم ونحوه، واللام للتعليل أو العاقبة أي ذلك لأجل التبيين، ونسب هذا
~~إلى سيبويه وجمهور البصريين، فتعلق الإرادة غير التبيين وإنما فعلوه لئلا
~~يتعدى الفعل إلى مفعوله المتأخر عنه باللام وهو ممتنع أو ضعيف. وقيل: إنه
~~إذا قصد التأكيد جاز من غير ضعف، وقد قصد هنا تأكيد الاستقبال اللازم
~~للإرادة ولكن باعتبار التعلق وإلا فإرادة الله تعالى قديمة، وسمى صاحب
~~«اللباب» هذه اللام لام التكملة وجعلها مقابلة للام التعدية. وذهب بعض
~~البصريين إلى أن الفعل مؤل بالمصدر من غير سابك كما قيل به في  تسمع
~~بالمعيدي خير من أن تراه  على أنه مبتدأ والجار والمجرور خبره أي إرادتي
~~كائنة للتبيين وفيه تكلف، وذهب الكوفيون إلى أن اللام هي الناصبة للفعل
~~من غير إضمار وإن وهي وما بعدها مفعول للفعل المقدم لأن اللام قد تقام
~~مقام إن في فعل الإرادة والأمر، والبصريون يمنعون ذلك ويقولون: إن وظيفة
~~اللام الجر والنصب بأن مضمرة بعدها، ومفعول  يبين  على بعض الأوجه
~~محذوف أي: ليبين لكم ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم، أو ما
~~تعبدكم به أو نحو ذلك، وجوز أن يكون قوله تعالى: { ليبين } وقوله
~~تعالى: { ويهديكم } تنازعا في قوله سبحانه: { سنن الذين
~~من قبلكم } أي مناهج من تقدمكم من الأنبياء والصالحين لتقتفوا
~~أثرهم وتتبعوا سيرهم، وليس المراد أن الحكم كان كذلك في الأمم السالفة
~~كما قيل به، بل المراد كون ما ذكر من نوع طرائق المتقدمين الراشدين
~~وجنسها في بيان المصالح.

# { ويتوب عليكم } عطف على ما قبله وحيث كانت التوبة ترك الذنب
~~مع الندم والعزم على عدم العود وهو مما يستحيل إسناده إلى الله تعالى
~~ارتكبوا تأويل ذلك في هذا ms01845 المقام بأحد أمور: فقيل إن التوبة هنا بمعنى
~~المغفرة مجازا لتسببها عنها، أو بمعنى الإرشاد إلى ما يمنع عن المعاصي
~~على سبيل الاستعارة التبعية لأن التوبة تمنع عنها كما أن إرشاده تعالى
~~كذلك، أو مجاز عن حثه تعالى عليها لأنه سبب لها عكس الأول، أو بمعنى
~~الإرشاد إلى ما يكفرها على التشبيه أيضا، وإلى جميع ذلك أشار ناصر الدين
~~البيضاوي. وقرر العلامة الطيبي أن هذا من وضع المسبب موضع السبب وذلك
~~لعطف { ويتوب } على { ويهديكم } / الخ على سبيل البيان كأنه
~~قيل: ليبين لكم ويهديكم ويرشدكم إلى الطاعات، فوضع موضعه { ويتوب
~~عليكم } وما يرد على بعض الوجوه من لزوم تخلف المراد عن الإرادة وهي
~~علة تامة يدفعه كون الخطاب ليس عاما لجميع المكلفين بل لطائفة معينة
~~حصلت لهم هذه التوبة { والله عليم } مبالغ في العلم بالأشياء
~~فيعلم ما شرع لكم من الأحكام وما سلكه المهتدون من الأمم قبلكم وما ينفع
~~عباده المؤمنين وما يضرهم { حكيم } مراع في جميع أفعاله الحكمة
~~والمصلحة فيبين لمن يشاء ويهدي من يشاء ويتوب على من يشاء، ولا يسأل عما
~~يفعل وهم يسألون.

### || [4.27]

# { والله يريد أن يتوب عليكم } جعله بعضهم تكرارا لما
~~تقدم للتأكيد والمبالغة وهو ظاهر إذا كان المراد من التوبة هناك وهنا
~~شيئا واحدا، وأما إذا فسر { يتوب } أولا: بقبول التوبة والإرشاد
~~مثلا، وثانيا: بأن يفعلوا ما يستوجبون به القبول فلا يكون تكرارا،
~~وأيضا إنما يتمشى ذلك على كون

# ليبين لكم

# [النساء: 26] مفعولا وإلا فلا تكرار أيضا لأن تعلق الإرادة بالتوبة في
~~الأول: على جهة العلية، وفي الثاني: على جهة المفعولية وبذلك يحصل
~~الاختلاف لا محالة { ويريد الذين يتبعون الشهوت }
~~يعني الفسقة لأنهم يدورون مع شهوات أنفسهم من غير تحاش عنها فكأنهم
~~بانهماكهم فيها أمرتهم الشهوات باتباعها فامتثلوا أمرها واتبعوها فهو
~~استعارة تمثيلية، وأما المتعاطي لما سوغه الشرع منها دون غيره فهو متبع
~~له لا لها. وروي هذا عن ابن زيد، وأخرج مجاهد عن ابن عباس أنهم الزناة،
~~وأخرج ابن جرير عن السدي أنهم ms01846 اليهود والنصارى، وقيل: إنهم اليهود خاصة
~~حيث زعموا أن الأخت من الأب حلال في التوراة، وقيل: إنهم المجوس حيث
~~كانوا يحلون الأخوات لأب لأنهم لم يجمعهم رحم، وبنات الأخ والأخت قياسا
~~على بنات العمة والخالة بجامع أن أمهما لا تحل، فكانوا يريدون أن يضلوا
~~المؤمنين بما ذكر، ويقولون: لم جوزتم تلك ولم تجوزوا هذه؟! فنزلت، وغوير
~~بين الجملتين ليفرق بين إرادة الله تعالى وإرادة الزائغين { أن
~~تميلوا } عن الحق بموافقتهم فتكونوا مثلهم، وعن مجاهد أن تزنوا كما
~~يزنون. وقرىء بالياء التحتانية فالضمير حينئذ  للذين يتبعون الشهوات  {
~~ميلا عظيما } بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئة على ندرة، واعترف
~~بأنها خطيئة ولم يستحل.

### || [4.28]

# { يريد الله أن يخفف عنكم } أي في التكليف في أمر النساء
~~والنكاح بإباحة نكاح الإماء  قاله طاوس ومجاهد  وقيل: يخفف في التكليف
~~على العموم فإنه تعالى خفف عن هذه الأمة ما لم يخفف عن غيرها من الأمم
~~الماضية، وقيل: يخفف بقبول التوبة والتوفيق لها، والجملة مستأنفة لا محل
~~لها من الإعراب. { وخلق الإنسن ضعيفا } أي في أمر النساء لا
~~يصبر عنهن  قاله طاوس  وفي الخبر: «لا خير في النساء ولا صبر عنهن
~~يغلبن كريما ويغلبهن لئيم فأحب أن أكون كريما مغلوبا ولا أحب أن أكون
~~لئيما غالبا» وقيل: يستميله هواه وشهوته ويستشيطه خوفه وحزنه، وقيل:
~~عاجز عن مخالفة الهوى وتحمل مشاق الطاعة، وقيل: ضعيف الرأي لا يدرك
~~الأسرار والحكم إلا بنور إلهي. وعن الحسن رضي الله تعالى عنه أن المراد
~~ضعيف الخلقة يؤلمه أدنى حادث نزل به، ولا يخفى ضعف مساعدة المقام لهما
~~فإن الجملة اعتراض تذييلي مسوق لتقرير ما قبله من التخفيف بالرخصة في
~~نكاح الإماء، وليس لضعف الرأي ولا لضعف البنية مدخل في ذلك، وكونه إشارة
~~إلى تجهيل المجوس في قياسهم على أول القولين ليس بشيء، / ونصب (ضعيفا)
~~على الحال وقيل: على التمييز، وقيل: على نزع الخافض أي من ضعيف وأريد به
~~الطين أو النطفة، وكلاهما كما ترى، وقرأ ابن عباس { وخلق الإنسن
~~} على البناء للفاعل ms01847 والضمير لله عز وجل. وأخرج البيهقي في «الشعب» عنه
~~أنه قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت
~~عليه الشمس وغربت، الأولى:

# يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من
~~قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم

# [النساء: 26] والثانية:

# والله يريد أن يتوب عليكم

# [النساء: 27] إلى آخرها، والثالثة: { يريد الله أن يخفف
~~عنكم } إلى آخرها، والرابعة:

# إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم
~~سيئتكم وندخلكم مدخلا كريما

# [النساء: 31] والخامسة:

# إن الله لا يظلم مثقال ذرة

# [النساء: 40] والسادسة:

# ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر
~~الله يجد الله غفورا رحيما

# [النساء: 110] والسابعة:

# إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون
~~ذلك

# [النساء: 48-116] إلى آخرها، والثامنة:

# والذين ءامنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين
~~أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم

# [النساء: 152] الآية..

### || [4.29]

# { يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أمولكم
~~بينكم بالبطل } بيان لبعض المحرمات المتعلقة بالأموال
~~والأنفس إثر بيان تحريم النساء على غير الوجوه المشروعة، وفيه إشارة إلى
~~كمال العناية بالحكم المذكور، والمراد من الأكل سائر التصرفات، وعبر به
~~لأنه معظم المنافع، والمعنى لا يأكل بعضكم أموال بعض، والمراد بالباطل ما
~~يخالف الشرع كالربا والقمار والبخس والظلم  قاله السدي  وهو المروي عن
~~الباقر رضي الله تعالى عنه، وعن الحسن هو ما كان بغير استحقاق من طريق
~~الأعواض. وأخرج عنه وعن عكرمة ابن جرير أنهما قالا: كان الرجل يتحرج أن
~~يأكل عند أحد من الناس بهذه الآية فنسخ ذلك بالآية التي في سورة النور
~~[61]

# ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم

# الآية، والقول الأول أقوى لأن ما أكل على وجه مكارم الأخلاق لا يكون
~~أكلا بالباطل، وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود
~~أنه قال في الآية: إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة، و {
~~بينكم } نصب على الظرفية، أو الحالية من (أموالكم) { إلا أن
~~تكون تجرة عن تراض منكم } استثناء منقطع، ونقل أبو
~~البقاء القول بالاتصال وضعفه، و ms01848 { عن } متعلقة بمحذوف وقع صفة لتجارة،
~~و { منكم } صفة { تراض } أي إلا أن تكون التجارة تجارة صادرة { عن
~~تراض } كائن { منكم } أو إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، والنصب
~~قراءة أهل الكوفة، وقرأ الباقون بالرفع على أن  كان  تامة.

# وحاصل المعنى لا تقصدوا أكل الأموال بالباطل لكن اقصدوا كون أي وقوع
~~تجارة عن تراض أو لا تأكلوا ذلك كذلك فإنه منهي عنه لكن وجود تجارة عن
~~تراض غير منهي عنه، وتخصيصها بالذكر من بين سائر أسباب الملك لكونها أغلب
~~وقوعا وأوفق لذوي المروءات، وقد أخرج الأصبهاني عن معاذ بن جبل قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا
~~حدثوا لم يكذبوا وإذا وعدوا لم يخلفوا وإذا ائتمنوا لم يخونوا وإذا
~~اشتروا لم يذموا وإذا باعوا لم يمدحوا وإذا كان عليهم لم يمطلوا وإذا كان
~~لهم لم يعسروا "

# وأخرج سعيد بن منصور عن نعيم بن عبد الرحمن الأزدي قال: قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " تسعة أعشار الرزق في التجارة والعشر في المواشي "

# وجوز أن يراد بها انتقال المال من الغير بطريق شرعي سواء كان تجارة أو
~~إرثا أو هبة أو غير ذلك من / استعمال الخاص وإرادة العام، وقيل: المقصود
~~بالنهي المنع عن صرف المال فيما لا يرضاه الله تعالى، وبالتجارة صرفه
~~فيما يرضاه وهذا أبعد مما قبله، والمراد بالتراضي مراضاة المتبايعين بما
~~تعاقدا عليه في حال المبايعة وقت الإيجاب والقبول عندنا وعند الإمام
~~مالك، وعند الشافعي حالة الافتراق عن مجلس العقد، وقيل: التراضي التخيير
~~بعد البيع، أخرج عبد بن حميد عن أبي زرعة أنه باع فرسا له فقال لصاحبه:
~~اختر فخيره ثلاثا، ثم قال له: خيرني فخيره ثلاثا، ثم قال: سمعت أبا
~~هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: هذا البيع عن تراض.

# { ولا تقتلوا أنفسكم } أي لا يقتل بعضكم بعضا، وعبر عن
~~البعض المنهي عن قتلهم بالأنفس للمبالغة في الزجر، وقد ورد في الحديث

# " المؤمنون كالنفس الواحدة "

# وإلى هذا ذهب الحسن وعطاء والسدي ms01849 والجبائي؛ وقيل: المعنى لا تهلكوا
~~أنفسكم بارتكاب الآثام كأكل الأموال بالباطل وغيره من المعاصي التي
~~تستحقون بها العقاب، وقيل: المراد به النهي عن قتل الإنسان نفسه في حال
~~غضب أو ضجر، وحكي ذلك عن البلخي. وقيل: المعنى لا تخاطروا بنفوسكم في
~~القتال فتقاتلوا من لا تطيقونه، وروي ذلك عن أبي عبد الله رضي الله
~~تعالى عنه، وقيل: المراد لا تتجروا في بلاد العدو فتفردوا بأنفسكم، وبه
~~استدل مالك على كراهة التجارة إلى بلاد الحرب، وقيل: المعنى لا تلقوا
~~بأنفسكم إلى التهلكة، وأيد بما أخرجه أحمد وأبو داود

# " عن عمرو بن العاص قال: «لما بعثني النبي صلى الله عليه وسلم عام ذات
~~السلاسل احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك
~~فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح فلما قدمت على رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم ذكر ذلك له فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت: نعم يا
~~رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن
~~أهلك وذكرت قوله تعالى: { ولا تقتلوا أنفسكم } الآية فتيممت
~~ثم صليت فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا "

# ، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه: { ولا تقتلوا } بالتشديد
~~والتكثير، ولا يخفى ما في الجمع بين التوصية بحفظ المال والوصية بحفظ
~~النفس من الملائمة لما أن المال شقيق النفس من حيث إنه سبب لقوامها
~~وتحصيل كمالاتها واستيفاء فضائلها، والملائمة بين النهيين على قول مالك
~~أتم، وقدم النهي الأول لكثرة التعرض لما نهى عنه فيه.

# { إن الله كان بكم رحيما } تعليل للنهي، والمعنى أنه
~~تعالى لم يزل مبالغا في الرحمة، ومن رحمته بكم نهيكم عن أكل الحرام
~~وإهلاك الأنفس، وقيل: معناه إنه كان بكم يا أمة محمد رحيما إذ لم يكلفكم
~~قتل الأنفس في التوبة كما كلف بني إسرائيل بذلك..

### || [4.30]

# { ومن يفعل ذلك } أي قتل النفس فقط، أو هو وما قبله من أكل
~~الأموال بالباطل، أو مجموع ما تقدم من المحرمات من قوله تعالى:

# يأيها ms01850 الذين ءامنوا لا يحل لكم أن ترثوا
~~النساء كرها

# [النساء: 19]، أو من أول السورة إلى هنا أقوال: روي الأول: منها عن عطاء
~~ ولعله الأظهر  وما في ذلك من البعد إيذان بفظاعة قتل النفس وبعد
~~منزلته في الفساد، وإفراد اسم الإشارة على تقدير تعدد المشار إليه
~~باعتبار تأويله بما سبق.

# { عدونا } أي إفراطا في التجاوز عن الحد، وقرىء { عدونا } بكسر
~~العين { وظلما } أي إيتاءا بما لا يستحقه، وقيل: هما بمعنى فالعطف
~~للتفسير، وقيل: أريد بالعدوان التعدي على الغير، وبالظلم الظلم على النفس
~~بتعريضها للعقاب، وأيا ما كان فهما منصوبان على الحالية، أو على
~~العلية، وقيل: وخرج بهما السهو والغلط والخطأ وما كان طريقه الاجتهاد في
~~الأحكام { فسوف نصليه نارا } أي ندخله إياها ونحرقه بها،
~~والجملة جواب الشرط.

# / وقرىء (نصليه) بالتشديد، و (نصليه) بفتح النون من صلاه لغة كأصلاه،
~~ويصليه بالياء التحتانية والضمير لله عز وجل، أو لذلك، والاسناد مجازى من
~~باب الاسناد إلى السبب.

# { وكان ذلك } أي إصلاؤه النار يوم القيامة { على الله
~~يسيرا } هينا لا يمنعه منه مانع ولا يدفعه عنه دافع ولا يشفع فيه إلا
~~بإذنه شافع، وإظهار الاسم الجليل بطريق الالتفات لتربية المهابة وتأكيد
~~استقلال الاعتراض التذييلي.

### || [4.31]

# { إن تجتنبوا } أي تتركوا جانبا { كبائر ما تنهون } أي
~~ينهاكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم { عنه } أي عن ارتكابه
~~مما ذكر ومما لم يذكر، وقرىء (كبير) على إرادة الجنس فيطابق القراءة
~~المشهورة، وقيل: يحتمل أن يراد به الشرك { نكفر } أي نغفر ونمحو
~~واختيار ما يدل على العظمة بطريق الالتفات تفخيم لشأن ذلك الغفران، وقرىء
~~(يكفر)  بالياء التحتانية { عنكم } أيها المجتنبون { سيئاتكم
~~} أي صغائركم كما قال السدي، واختلفوا في حد الكبيرة على أقوال: الأول:
~~أنها ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة، وإليه ذهب
~~بعض الشافعية، والثاني: أنها كل معصية أوجبت الحد، وبه قال البغوي وغيره،
~~والثالث: أنها كل ما نصب الكتاب على تحريمه أو وجب في جنسه حد، والرابع:
~~أنها كل جريرة تؤذن بقلة ms01851 اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة وبه قال
~~الإمام، والخامس: أنها ما أوجب الحد أو توجه إليه الوعيد، وبه قال
~~الماوردي في «فتاويه»، والسادس: أنها كل محرم لعينه منهي عنه لمعنى في
~~نفسه، وحكي ذلك بتفصيل مذكور في محله عن الحليمي، والسابع: أنها كل فعل
~~نص الكتاب على تحريمه بلفظ التحريم، وقال الواحدي: الصحيح أن الكبيرة ليس
~~لها حد يعرفها العباد به، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها، ولكن
~~الله تعالى أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه رجاء أن
~~تجتنب الكبائر، ونظير ذلك إخفاء الصلاة الوسطى وليلة القدر وساعة الإجابة
~~انتهى.

# وقال شيخ الإسلام البارزي: التحقيق أن الكبيرة كل ذنب قرن به وعيد أو حد
~~أو لعن بنص كتاب أو سنة، أو علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به وعيد أو حد
~~أو لعن أو أكثر من مفسدته، أو أشعر بتهاون مرتكبه في دينه إشعار أصغر
~~الكبائر المنصوص عليها بذلك كما لو قتل معصوما فظهر أنه مستحق لدمه، أو
~~وطىء امرأة ظانا أنه زان بها فإذا هي زوجته أو أمته، وقال بعضهم: كل ما
~~ذكر من الحدود إنما قصدوا به التقريب فقط وإلا فهي ليست بحدود جامعة،
~~وكيف يمكن ضبط ما لا مطمع في ضبطه؟ وذهب جماعة إلى ضبطها بالعد من غير
~~ضبطها بحد، فعن ابن عباس وغيره أنها ما ذكره الله تعالى من أول هذه
~~السورة إلى هنا؛ وقيل: هي سبع، ويستدل له بخبر «الصحيحين»

# " اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله تعالى والسحر وقتل النفس التي حرم
~~الله تعالى إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف
~~المحصنات المؤمنات الغافلات "

# ، وفي رواية لهما

# " الكبائر الإشراك بالله تعالى والسحر وعقوق الوالدين وقتل النفس "

# زاد البخاري «واليمين الغموس» ومسلم بدلها «وقول الزور» والجواب أن ذلك
~~محمول على أنه صلى الله عليه وسلم ذكره قصدا لبيان المحتاج منها وقت
~~الذكر لا لحصره الكبائر فيه  وممن صرح بأن الكبائر سبع  علي كرم الله
~~تعالى وجهه وعطاء وعبيد بن عمير، وقيل: ms01852 تسع لما أخرجه علي بن الجعد

# " عن ابن عمر أنه قال حين سئل عن الكبائر: سمعت رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم يقول: هن تسع الإشراك بالله تعالى وقذف المحصنة وقتل النفس المؤمنة
~~والفرار من الزحف والسحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين
~~والإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياءا وأمواتا "

# ونقل عن ابن مسعود أنها ثلاث؛ وعنه أيضا أنها عشرة، وقيل: أربع عشرة،
~~وقيل: خمس عشرة، وقيل: أربع، وروى عبد الرزاق عن ابن عباس أنه قيل له: هل
~~الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب، وروى ابن جبير أنه قال له: هي
~~إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا
~~صغيرة مع الإصرار، وأنكر جماعة من الأئمة أن في الذنوب صغيرة وقالوا: بل
~~سائر المعاصي كبائر منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني والقاضي أبو بكر
~~الباقلاني وإمام الحرمين في «الإرشاد». وابن القشيري في «المرشد» بل حكاه
~~ابن فورك عن الأشاعرة، واختاره في «تفسيره» فقال: معاصي الله تعالى كلها
~~عندنا كبائر، وإنما يقال لبعضها: صغيرة وكبيرة بالإضافة، وأول الآية
~~بما ينبو عنه ظاهرها، وقالت المعتزلة: الذنوب على ضربين: صغائر وكبائر؛
~~وهذا ليس بصحيح انتهى، وربما ادعى في بعض المواضع اتفاق الأصحاب على ما
~~ذكره واعتمد ذلك التقى السبكي، وقال القاضي عبد الوهاب: لا يمكن أن يقال
~~في معصية إنها صغيرة إلا على معنى أنها تصغر عند اجتناب الكبائر، ويوافق
~~هذا القول ما رواه الطبراني عن ابن عباس لكنه منقطع أنه ذكر عنده الكبائر
~~فقال: «كل ما نهى الله تعالى عنه فهو كبيرة»، وفي رواية «كل ما عصي الله
~~تعالى فيه فهو كبيرة»  قاله العلامة ابن حجر  وذكر أن جمهور العلماء
~~على الانقسام، وأنه لا خلاف بين الفريقين في المعنى، وإنما الخلاف في
~~التسمية، والإطلاق لإجماع الكل على أن من المعاصي ما يقدح في العدالة،
~~ومنها ما لا يقدح فيها وإنما الأولون فروا من التسمية فكرهوا تسمية معصية
~~الله تعالى صغيرة نظرا إلى عظمة الله تعالى وشدة عقابه ms01853 وإجلالا له عز
~~وجل عن تسمية معصيته صغيرة لأنها إلى باهر عظمته تعالى كبيرة وأي كبيرة.
~~ولم ينظر الجمهور إلى ذلك لأنه معلوم بل قسموها إلى قسمين  كما يقتضيه
~~صرائح الآيات والأخبار  لا سيما هذه الآية وكون المعنى:  إن تجتنبوا
~~كبائر ما نهيتم عنه في هذه السورة من المناكح الحرام وأكل الأموال وغير
~~ذلك مما تقدم نكفر عنكم ما كان من ارتكابها فيما سلف، ونظير ذلك من
~~التنزيل

# قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد
~~سلف

# [الأنفال: 38]  بعيد غاية البعد، ولذلك قال حجة الإسلام الغزالي: لا
~~يليق إنكار الفرق بين الصغائر والكبائر وقد عرفتا من مدارك الشرع، نعم قد
~~يقال لذنب واحد: كبير وصغير باعتبارين لأن الذنوب تتفاوت في ذلك باعتبار
~~الأشخاص والأحوال، ومن هنا قال الشاعر:

# لا يحقر الرجل الرفيع دقيقة

# في السهو فيها للوضيع معاذر

# (فكبائر) الرجل الصغير (صغائر)

# وصغائر الرجل الكبير كبائر

# قال سيدي ابن الفارض قدس سره:

# ولو خطرت لي في سواك إرادة

# على خاطري سهوا حكمت بردتي

# وأشار إلى التفاوت من قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، هذا وقد
~~استشكلت هذه الآية مع ما في / حديث مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " الصلوات الخمس مكفرة لما بينها ما اجتنبت الكبائر "

# ووجهه أن الصلوات إذا كفرت لم يبق ما يكفره غيرها فلم يتحقق مضمون
~~الآية، وأجيب عنه بأجوبة أصحها  على ما قاله الشهاب  إن الآية والحديث
~~بمعنى واحد لأن قوله صلى الله عليه وسلم فيه: «ما اجتنبت» الخ دال على
~~بيان الآية لأنه إذا لم يصل ارتكب كبيرة وأي كبيرة فتدبر {
~~وندخلكم مدخلا } الجمهور على ضم الميم، وقرأ أبو جعفر ونافع
~~بفتحها، وهو على الضم إما مصدر ومفعول { ندخلكم } محذوف أي ندخلكم الجنة
~~إدخالا، أو مكان منصوب على الظرف عند سيبويه، وعلى أنه مفعول به عند
~~الأخفش، وهكذا كل مكان مختص بعد دخل فيه الخلاف، وعلى الفتح قيل: منصوب
~~بمقدر أي ندخلكم فتدخلون مدخلا ونصبه كما مر، وجوز كونه كقوله تعالى:

# والله أنبتكم من ms01854 الأرض نباتا

# [نوح: 17] ورجح حمله على المكان لوصفه بقوله سبحانه: { كريما } أي
~~حسنا، وقد جاء في القرآن العظيم وصف المكان به فقد قال سبحانه،

# ومقام كريم

# [الشعراء: 58].

### || [4.32]

# { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على
~~بعض } قال القفال: لما نهى الله تعالى المؤمنين عن أكل أموال الناس
~~بالباطل وقتل الأنفس عقبه بالنهي عما يؤدي إليه من الطمع في أموالهم،
~~وقيل: نهاهم أولا عن التعرض لأموالهم بالجوارح، ثم عن التعرض لها بالقلب
~~على سبيل الحسد لتطهر أعمالهم الظاهرة والباطنة، فالمعنى؛ ولا تتمنوا ما
~~أعطاه الله تعالى بعضكم وميزه به عليكم من المال والجاه وكل ما يجري فيه
~~التنافس، فإن ذلك قسمة صادرة من حكيم خبير وعلى كل من المفضل عليهم أن
~~يرضى بما قسم له ولا يتمنى حظ المفضل ولا يحسده لأن ذلك أشبه الأشياء
~~بالاعتراض على من أتقن كل شيء وأحكمه ودبر العالم بحكمته البالغة ونظمه.

# وأظلم خلق الله من بات (حاسدا)

# لمن بات في نعمائه يتقلب

# وإلى هذا الوجه ذهب ابن عباس وأبو عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقد
~~روي عنهما في الآية لا يقل أحدكم ليت ما أعطي فلان من المال والنعمة
~~والمرأة الحسناء كان عندي فإن ذلك يكون حسدا ولكن ليقل: اللهم أعطني
~~مثله، ويفهم من هذا أن التمني المذكور كناية عن الحسد، وجعل بعضهم
~~المقتضي للمنع عنه كونه ذريعة للحسد ولكل وجهة، وزعم البلخي أن المعنى لا
~~يجوز للرجل أن يتمنى أن لو كان امرأة ولا للمرأة أن لو كانت رجلا لأن
~~الله تعالى لا يفعل إلا ما هو الأصلح فيكون قد تمنى ما ليس بأصلح، ونقل
~~شيخ الإسلام أنه لما جعل الله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين قالت النساء:
~~نحن أحوج لأن يكون لنا سهمان وللرجال سهم واحد لأنا ضعفاء وهم أقوياء
~~وأقدر على طلب المعاش منا فنزلت، ثم قال: وهذا هو الأنسب بتعليل النهي
~~بقوله:

# { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما
~~اكتسبن } فإنه صريح في جريان التمني بين فريقي الرجال والنساء، ms01855 ولعل
~~صيغة المذكر في النهي لما عبر عنهن بالبعض، والمعنى لكل من الفريقين في
~~الميراث نصيب معين المقدار مما أصابه بحسب استعداده، وقد عبر عنه
~~بالاكتساب على طريقة الاستعارة التبعية المبنية على تشبيه اقتضاه حاله
~~لنصيبه باكتسابه إياه تأكيدا لاستحقاق كل منهما لنصيبه وتقوية لاختصاصه
~~بحيث لا يتخطاه إلى غيره فإن ذلك مما يوجب الانتهاء عن التمني المذكور
~~انتهى، وهذا المعنى الذي ذكره للآية مروي عن ابن / عباس رضي الله تعالى
~~عنهما لكن القيل الذي نقله تبعا للزمخشري في سبب النزول لم نقف له على
~~سند، والذي ذكره الواحدي في ذلك ثلاثة أخبار: الأول: ما أخرجه عن مجاهد
~~قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو وإنما لنا نصف
~~الميراث فأنزل الله تعالى الآية، والثاني: ما أخرجه عن عكرمة أن النساء
~~سألنا الجهاد فقلن: وددن أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب
~~الرجال فنزلت، والثالث: ما أخرجه عن قتادة والسدي قالا: لما نزل قوله
~~تعالى:

# للذكر مثل حظ الأنثيين

# [النساء: 11] قال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا كما
~~فضلنا عليهن في الميراث فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء، وقالت
~~النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما
~~لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا فأنزل الله تعالى: { ولا
~~تتمنوا } إلى آخرها، وذكر الجلال السيوطي في «الدر المنثور» نحو
~~ذلك، ولا يخفى أن القيل الذي نقله ظاهر في حمل التمني المنهي عنه على
~~الحسد، والخبر الأول. والثاني: مما أخرجه الواحدي ليسا كذلك إذ عليهما
~~يجوز حمله على الحسد أو على ما هو ذريعة له، وربما يتراءى أن حمله على
~~الثاني نظرا إليهما أظهر، وأما الخبر الثالث: فيأباه معنى الآية سواء
~~كان التمني كناية عن الحسد أو ذريعة إلا بتكلف بعيد جدا، ومعنى الآية
~~على الأولين أن لكل من الرجال والنساء حظا من الثواب على حسب ما كلفه
~~الله تعالى من الطاعات بحسن تدبيره فلا تتمنوا ms01856 خلاف هذا التدبير، وروي
~~ذلك عن قتادة، وفيه استعمال الاكتساب في الخير وقد استعمل في الشر،
~~واستعمل الكسب في الخير في قوله تعالى:

# لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت

# [البقرة: 286] وعن مقاتل وأبي جرير أنهما قالا المراد مما اكتسبوا من
~~الإثم، وفيه استعمال اللام مع الشر دون على، وهو خلاف ما في الآية، وقيل:
~~المراد لكل، وعلى كل من الفريقين مقدار من الثواب والعقاب حسبما رتبه
~~الحكيم على أفعاله إلا أنه استغنى باللام عن على وبالاكتساب عن الكسب 
~~وهو كما ترى  ويرد على هذه المعاني أنه لا يساعدها النظم الكريم المتعلق
~~بالمواريث وفضائل الرجال. ولعل من يذهب إليها يجعل الآية معترضة في
~~البين. وذكر بعضهم أن معنى الآية على الوجه الأول المروي عن أبي عبد
~~الله وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أن لكل فريق من الرجال والنساء
~~نصيبا مقدرا في أزل الآزال من نعيم الدنيا بالتجارات والزراعات وغير
~~ذلك من المكاسب فلا يتمن خلاف ما قسم له.

# { واسئلوا الله من فضله } عطف على النهي بعد تقرير
~~الانتهاء بالتعليل كأنه قيل: لا تتمنوا نصيب غيركم ولا تحسدوا من فضل
~~عليكم واسألوا الله تعالى من إحسانه الزائد وإنعامه المتكاثر فإن خزائنه
~~مملوءة لا تنفد أبدا، والمفعول محذوف إفادة للعموم أي واسألوا ما شئتم
~~فإنه سبحانه يعطيكموه إن شاء، أو لكونه معلوما من السياق، أي واسألوا
~~مثله، ويقال لذلك: غبطة.

# وقيل: (من) زائدة أي واسألوا الله تعالى فضله، وقد ورد في الخبر

# " لا يتمنين أحدكم مال أخيه ولكن ليقل اللهم ارزقني اللهم أعطني مثله "

# وذهب بعض العلماء  كما في «البحر»  إلى المنع عن تمني مثل نعمة الغير
~~ولو بدون تمني زوالها لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة له في دينه ومضرة
~~عليه في دنياه، فلا يجوز عنده أن يقول: اللهم أعطني دارا مثل دار فلان
~~ولا زوجا مثل زوجه بل ينبغي أن يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحا لي في
~~ديني ودنياي ومعادي ومعاشي، ولا يتعرض لمن فضل عليه، ونسب ذلك للمحققين ms01857
~~وهم محجوجون بالخبر اللهم إلا إذا لم يسلموا صحته، وقيل: المعنى لا
~~تتمنوا الدنيا بل اسألوا الله تعالى العبادة التي تقربكم إليه، وإلى هذا
~~ذهب ابن جبير وابن سيرين، وأخرج ابن المنذر عن الثاني أنه إذا سمع الرجل
~~يتمنى الدنيا يقول: قد نهاكم الله تعالى عن هذا / ويتلو الآية، والظاهر
~~العموم، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " سلوا الله تعالى من فضله فإن الله تعالى يحب أن يسأل وإن من أفضل
~~العبادة انتظار الفرج "

# وقال ابن عيينة: لما يأمر سبحانه بالمسألة إلا ليعطي { إن الله
~~كان بكل شيء عليما } ولذلك فضل بعض الناس على بعض حسب مراتب
~~استعداداتهم وتفاوت قابلياتهم. ويحتمل أن يكون المعنى أنه تعالى لم يزل
~~ولا يزال عليما بكل شيء فيعلم ما تضمرونه من الحسد ويجازيكم عليه..

### || [4.33]

# { ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان
~~والأقربون } لا بد فيه من تقدير مضاف إليه أي لكل إنسان أو لكل
~~قوم، أو لكل مال أو تركة وفيه على هذا وجوه ذكرها الشهاب نور الله تعالى
~~مرقده: الأول: أنه على التقدير الأول معناه لكل إنسان موروث جعلنا موالي
~~أي وراثا مما ترك وهنا تم الكلام، فيكون { مما ترك } متعلقا
~~بموالي أو بفعل مقدر، و { موالى } مفعولا أولا  لجعل  بمعنى صير،
~~و { لكل } هو المفعول الثاني له قدم عليه لتأكيد الشمول ودفع توهم
~~تعلق الجعل ببعض دون بعض، وفاعل { ترك } ضمير (كل)، ويكون {
~~الوالدان } مرفوعا على أنه خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل: ومن الوارث؟
~~فقيل: هم الوالدان والأقربون، والثاني: أن التقدير لكل إنسان موروث جعلنا
~~وراثا مما تركه ذلك الإنسان، ثم بين ذلك الإنسان بقوله سبحانه: {
~~الوالدان } كأنه قيل: ومن هذا الإنسان الموروث؟ فقيل: الوالدان
~~والأقربون وإعرابه كما قبله غير أن الفرق بينهما أن { الوالدان
~~والأقربون } في الأول: وارثون، وفي الثاني: موروثون، وعليهما
~~فالكلام جملتان، والثالث: أن التقدير ولكل إنسان وارث  مما تركه
~~الوالدان والأقربون جعلنا موالي  أي موروثين،  فالمولى  الموروث و
~~(الوالدان) مرفوع ب { ترك } و (ما) بمعنى من، ms01858 والجار والمجرور صفة
~~(ما) أضيفت إليه كل، والكلام جملة واحدة، والرابع: أنه على التقدير
~~الثاني معناه، ولكل قوم جعلناهم موالي نصيب  مما تركه والداهم وأقربوهم
~~، فلكل خبر نصيب المقدر مؤخرا وجعلناهم صفة قوم؛ والعائد الضمير
~~المحذوف الذي هو مفعول جعل، وموالي: إما مفعول ثان أو حال و { مما
~~ترك } صفة المبتدأ المحذوف الباقي صفته كصفة المضاف إليه وحذف العائد
~~منها. ونظيره قولك: لكل من خلقه الله تعالى إنسانا من رزق الله تعالى،
~~أي لكل واحد خلقه الله تعالى إنسانا نصيب من رزق الله تعالى، والخامس:
~~أنه على التقدير الثالث معناه: لكل مال أو تركة مما ترك الوالدان
~~والأقربون جعلنا موالي أي وراثا يلونه ويحوزونه، ويكون { لكل }
~~متعلقا  بجعل  و { مما ترك } صفة كل، واعترض على الأول والثاني
~~بأن فيهما تفكيك النظم الكريم مع أن المولى يشبه أن يكون في الأصل اسم
~~مكان لا صفة فكيف تكون (من) صلة له؟ وأجيب عن هذا بأن ذلك لتضمنه معنى
~~الفعل كما أشير إليه على أن كون المولى ليس صفة مخالف لكلام الراغب فإنه
~~قال: إنه بمعنى الفاعل والمفعول أي الموالي والموالى لكن وزن مفعل في
~~الصفة أنكره قوم، وقال ابن الحاجب في «شرح المفصل»: إنه نادر، فإما أن
~~يجعل من النادر أو مما عبر عن الصفة فيه باسم المكان مجازا لتمكنها
~~وقرارها في موصوفها، ويمكن أن يجعل من باب المجلس السامي، واعترض على
~~الثالث بالبعد وعلى الرابع بأن فيه حذف المبتدأ الموصوف بالجار والمجرور
~~وإقامته مقامه وهو قليل، وبأن لكل قوم من الموالي جميع ما ترك الوالدان
~~والأقربون لا نصيب وإنما النصيب لكل فرد، وأجيب عن الأول بأنه ثابت مع
~~قلته كقوله تعالى:

# وما منا إلا له مقام معلوم

# [الصافات: 164]

# ومنا دون ذلك

# [الجن: 11]؛ / وعن الثاني بأن ما يستحقه القوم بعض التركة لتقدم التجهيز
~~والدين والوصية إن كانا، وأما حمل (من) على البيان للمحذوف فبعيد جدا،
~~وتعقب الشهاب الجواب عن الأول بأن فيه خللا من وجهين: أما أولا: فلأن
~~ما ذكر لا شاهد ms01859 له فيه لما قرره النحاة أن الصفة إذا كانت جملة أو ظرفا
~~تقام مقام موصوفها بشرط كون المنعوت بعض ما قبله من مجرور بمن، أو في،
~~وإلا لم تقم مقامه إلا في شعر، وما ذكر داخل فيه دون الآية، وأما ثانيا:
~~فلأنه ليس المراد بقيامها مقامه أن تكون مبتدأ حقيقة بل المبتدأ محذوف
~~وهذا بيانه كما أشير إليه في التقرير فلا وجه لاستبعاده، نعم ما ذكروه
~~وإن كان مشهورا غير مسلم، فإن ابن مالك صرح بخلافه في «التوضيح»، وجوز
~~حذف الموصوف في السعة بدون ذلك الشرط، فالحق أنه أغلبي لا كلي، واعترض
~~على الخامس بأن فيه الفصل بين الصفة والموصوف بجملة عاملة في الموصوف نحو
~~ بكل رجل مررت تميمي  وفي جوازه نظر، ورد بأنه جائز كما في قوله تعالى:

# قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السموات
~~والأض

# [الأنعام: 14] ففاطر صفة الاسم الجليل وقد فصل بينهما  باتخذ  العامل
~~في غير، فهذا أولى، والجواب بأن العامل لم يتخلل بل المعمول تقدم فجاء
~~التخلل من ذلك فلم يضعف إذ حق المعمول التأخر عن عامله وحينئذ يكون
~~الموصوف مقرونا بصفته تكلف مستغنى عنه، واختار جمع من المحققين هذا
~~الخامس والذي قبله، وجعلوا الجملة مبتدأة مقررة لمضمون ما قبلها،
~~واعترضوا على الوجه الأول بأن فيه خروج الأولاد لأنهم لا يدخلون في
~~الأقربين عرفا كما لا يدخل الوالدان فيهم، وإذا أريد المعنى اللغوي شمل
~~الوالدين، ورد بأن هذا مشترك الورود على أنه قد أجيب عنه بأن ترك الأولاد
~~لظهور حالهم من آية المواريث كما ترك ذكر الأزواج لذلك، أو بأن ذكر
~~الوالدين لشرفهم والاهتمام بشأنهم فلا محذور من هذه الحيثية تدبر.

# { والذين عقدت أيمنكم } هم موالي الموالاة. أخرج ابن
~~جرير وغيره عن قتادة قال: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول دمي
~~دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك فجعل له السدس من جميع
~~المال في الإسلام، ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم، فنسخ ذلك بعد في سورة
~~الأنفال [75] بقوله سبحانه:

# وأولوا الأرحام بعضهم أولى ms01860 ببعض

# وروي ذلك من غير ما طريق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وكذلك عن
~~غيره، ومذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه إذا أسلم رجل على يد رجل
~~وتعاقدا على أن يرثه ويعقل عنه صح وعليه عقله وله إرثه إن لم يكن له وراث
~~أصلا، وخبر النسخ المذكور لا يقوم حجة عليه إذ لا دلالة فيما ادعى
~~ناسخا على عدم إرث الحليف لا سيما وهو إنما يرثه عند عدم العصبات وأولي
~~الأرحام. والأيمان هنا جمع يمين بمعنى اليد اليمنى، وإضافة العقد إليها
~~لوضعهم الأيدي في العقود أو بمعنى القسم وكون العقد هنا عقد النكاح خلاف
~~الظاهر إذ لم يعهد فيه إضافته إلى اليمين؛ وقرأ الكوفيون { عقدت }
~~بغير ألف، والباقون { عاقدت } بالألف، وقرىء بالتشديد أيضا، والمفعول في
~~جميع القراءات محذوف أي عهودهم، والحذف تدريجي ليكون العائد المحذوف
~~منصوبا كما هو الكثير المطرد، وفي الموصول أوجه من الإعراب: الأول: أن
~~يكون مبتدأ وجملة قوله تعالى: { فئاتوهم نصيبهم } خبره وزيدت
~~الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، والثاني: أنه منصوب على الاشتغال؛ قيل:
~~وينبغي أن يكون مختارا لئلا يقع الطلب خبرا لكنهم لم يختاروه لأن مثله
~~قلما يقع في غير الاختصاص وهو غير مناسب هنا، ورد بأن زيدا ضربته إن قدر
~~العامل فيه / مؤخرا أفاد الاختصاص، وإن قدر مقدما فلا يفيده، ولا خفاء
~~أن الظاهر تقديره مقدما فلا يلزم الاختصاص والثالث: أنه معطوف على {
~~الوالدان } فإن أريد أنهم موروثون عاد الضمير من  فآتوهم  على 
~~موالى  وإن أريد أنهم وارثون جاز عوده على { موالى } وعلى
~~(الوالدين) وما عطف عليهم، قيل: ويضعفه شهرة الوقف على (الأقربون) دون
~~(أيمانكم)، والرابع: أنه منصوب بالعطف على موالي وهو تكلف. وفي رواية عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أخرجها البخاري وأبو داود والنسائي وجماعة
~~أنه قال في الآية: كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري
~~دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم فلما نزلت
~~{ ولكل جعلنا موالى } نسخت، ثم قال: { والذين ms01861 عقدت
~~أيمانكم فآتوهم نصيبهم } من النصر والرفادة والنصيحة 
~~وقد ذهب الميراث ويوصي له  وروي عن مجاهد مثله، وظاهر ذلك عدم جواز
~~العطف إذ من عطف أراد { فآتوهم نصيبهم } من الإرث { إن
~~الله كان على كل شىء شهيدا } أي لم يزل سبحانه عالما
~~بجميع الأشياء مطلعا عليها جليها وخفيها فيطلع على الإيتاء والمنع،
~~ويجازي كلا من المانع والمؤتي حسب فعله، ففي الجملة وعد ووعيد.

### || [4.34]

# { الرجال قوامون على النساء } أي شأنهم القيام عليهن قيام
~~الولاة على الرعية بالأمر والنهي ونحو ذلك. واختيار الجملة الإسمية مع
~~صيغة المبالغة للإيذان بعراقتهم ورسوخهم في الاتصاف بما أسند إليهم، وفي
~~الكلام إشارة إلى سبب استحقاق الرجال الزيادة في الميراث كما أن فيما
~~تقدم رمزا إلى تفاوت مراتب الاستحقاق، وعلل سبحانه الحكم بأمرين: وهبي
~~وكسبي فقال عز شأنه: { بما فضل الله بعضهم على بعض }
~~فالباء للسببية وهي متعلقة ب { قوامون } كعلى ولا محذور أصلا،
~~وجوز أن تتعلق بمحذوف وقع حالا من ضميره والباء للسببية أو للملابسة و
~~(ما) مصدرية وضمير الجمع لكلا الفريقين تغليبا أي قوامون عليهن بسبب
~~تفضيل الله تعالى إياهم عليهن، أو مستحقين ذلك بسبب التفضيل، أو متلبسين
~~بالتفضيل، وعدل عن الضمير فلم يقل سبحانه بما فضلهم الله عليهن للإشعار
~~بغاية ظهور الأمر وعدم الحاجة إلى التصريح بالمفضل والمفضل عليه بالكلية،
~~وقيل: للإبهام للإشارة إلى أن بعض النساء أفضل من كثير من الرجال وليس
~~بشيء، وكذا لم يصرح سبحانه بما به التفضيل رمزا إلى أنه غني عن التفصيل،
~~وقد ورد أنهن ناقصات عقل ودين، والرجال بعكسهن كما لا يخفى، ولذا خصوا
~~بالرسالة والنبوة على الأشهر، وبالإمامة الكبرى والصغرى، وإقامة الشعائر
~~كالأذان والإقامة والخطبة والجمعة وتكبيرات التشريق عند إمامنا الأعظم 
~~والاستبداد بالفراق وبالنكاح عند الشافعية  وبالشهادة في أمهات القضايا
~~وزيادة السهم في الميراث والتعصيب إلى غير ذلك { وبما أنفقوا من
~~أمولهم } عطف على ما قبله فالباء متعلقة بما تعلقت به الباء
~~الأولى، و (ما) مصدرية أو موصولة وعائدها محذوف، و { من } تبعيضية أو
~~ابتدائية متعلقة ms01862  بأنفقوا  أو بمحذوف وقع حالا من العائد المحذوف
~~وأريد بالمنفق  كما قال مجاهد  المهر، ويجوز أن يراد بما أنفقوه ما
~~يعمه، والنفقة عليهن، والآية  كما روي عن مقاتل 

# " نزلت في سعد بن الربيع بن عمرو وكان من النقباء، وفي امرأته حبيبة بنت
~~زيد بن أبي زهير وذلك أنها نشزت عليه فلطمها فانطلق أبوها معها إلى
~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفرشته كريمتي فلطمها فقال النبي صلى
~~الله عليه وسلم: لتقتص من زوجها، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال النبي
~~صلى الله عليه وسلم: «ارجعوا هذا جبرائيل عليه السلام أتاني وأنزل الله
~~هذه الآية فتلاها صلى الله عليه وسلم ثم قال: أردنا أمرا وأراد الله
~~تعالى أمرا والذي أراده الله تعالى خير "

# / وقال الكلبي: نزلت في سعد بن الربيع وامرأته خولة بنت محمد بن سلمة
~~وذكر القصة، وقال بعضهم: نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي وزوجها
~~ثابت بن قيس بن شماس، وذكر قريبا منه، واستدل بالآية على أن للزوج تأديب
~~زوجته ومنعها من الخروج وأن عليها طاعته إلا في معصية الله تعالى، وفي
~~الخبر

# " لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لبعلها "

# واستدل بها أيضا من أجاز فسخ النكاح عند الإعسار عن النفقة والكسوة وهو
~~مذهب مالك والشافعي لأنه إذا خرج عن كونه قواما عليها، فقد خرج عن الغرض
~~المقصود بالنكاح، وعندنا لا فسخ لقوله تعالى:

# وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة

# [البقرة: 280] واستدل بها أيضا من جعل للزوج الحجر على زوجته في نفسها
~~ومالها فلا تتصرف فيه إلا بإذنه لأنه سبحانه جعل الرجل قواما بصيغة
~~المبالغة وهو الناظر على الشيء الحافظ له.

# { فالصلحت } أي منهن { قنتت } شروع في تفصيل أحوالهن
~~وكيفية القيام عليهن بحسب اختلاف أحوالهن، والمراد فالصالحات منهن مطيعات
~~لله تعالى ولأزواجهن { ح { فظت للغيب } أي يحفظن أنفسهن
~~وفروجهن في حال غيبة أزواجهن، قال الثوري وقتادة: أو يحفظن في غيبة
~~الأزواج ما يجب حفظه في النفس والمال، فاللام بمعنى في، والغيب بمعنى ms01863
~~الغيبة، وأل عوض عن المضاف إليه على رأي، ويجوز أن يكون المراد حافظات
~~لواجب الغيب أي لما يجب عليهن حفظه حال الغيبة، فاللام على ظاهرها، وقيل:
~~المراد حافظات لأسرار أزواجهن أي ما يقع بينهم وبينهن في الخلوة، ومنه
~~المنافسة والمنافرة واللطمة المذكورة في الخبر، وحينئذ لا حاجة إلى ما
~~قيل في اللام، ولا إلى تفسير الغيب بالغيبة إلا أن ما أخرجه ابن جرير
~~والبيهقي وغيرهم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت
~~عنها حفظتك في مالك ونفسها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {
~~الرجال قوامون } إلى الغيب "

# يبعد هذا القول؛ ومن الناس من زعم أنه أنسب بسبب النزول { بما حفظ
~~الله } أي بما حفظهن الله تعالى في مهورهن، وإلزام أزواجهن النفقة
~~عليهن قاله الزجاج، وقيل: بحفظ الله تعالى لهن وعصمته إياهن ولولا أن
~~الله تعالى حفظهن وعصمهن لما حفظن  فما  إما موصولة أو مصدرية، وقرأ
~~أبو جعفر { بما حفظ الله } بالنصب، ولا بد من تقدير مضاف على هذه
~~القراءة  كدين الله، وحقه  لأن ذاته تعالى لا يحفظها أحد، و (ما)
~~موصولة أو موصوفة، ومنع غير واحد المصدرية لخلو حفظ حينئذ عن الفاعل
~~لأنه كان يجب أن يقال بما حفظن الله، وأجيب عنه بأنه يجوز أن يكون فاعله
~~ضميرا مفردا عائدا على جمع الإناث لأنه في معنى الجنس كأنه قيل. فمن
~~حفظ الله، وجعله ابن جني كقوله:

# فإن الحوادث أودى بها

# ولا يخفى ما فيه من التكلف، وشذوذ ترك التأنيث ومثله لا يليق بالنظم
~~الكريم كما لا يخفى، ثم إن صيغة جمع السلامة هنا للكثرة أما المعرف
~~فظاهر، وأما المنكر فلأنه حمل عليه فلا بد من مطابقته له في الكثرة، وإلا
~~لم يصدق على جميع أفراده، وقد نص على ذلك في «الدر المصون». وقرأ ابن
~~مسعود (فالصوالح قوانت حوافظ للغيب بما حفظ الله فأصلحوا إليهن)، وأخرج
~~ابن جرير عنه زيادة (فأصلحوا إليهن) ms01864 فقط.

# { واللاتي تخافون نشوزهن } أي ترفعهن عن مطاوعتكم
~~وعصيانهن لكم، من النشز  بسكون الشين وفتحها  وهو المكان المرتفع ويكون
~~بمعنى الارتفاع { فعظوهن } أي فانصحوهن/ وقولوا لهن اتقين الله
~~وارجعن عما أنتن عليه، وظاهر الآية ترتب هذا على خوف النشوز وإن لم يقع
~~وإلا لقيل نشزن، ولعله غير مراد ولذا فسر في «التيسير» { تخافون }
~~بتعلمون، وبه قال الفراء  كما نقله عنه الطبرسي  وجاء الخوف بهذا كما
~~في «القاموس»، وقيل: المراد: تخافون دوام نشوزهن أو أقصى مراتبه كالفرار
~~منهم في المراقد. واختار في «البحر» أن في الكلام مقدرا وأصله: واللاتي
~~تخافون نشوزهن ونشزن فعظوهن، وهو خطاب للأزواج وإرشاد لهم إلى طريق
~~القيام عليهن.

# { واهجروهن في المضاجع } أي مواضع الاضطجاع، والمراد:
~~أتركوهن منفردات في مضاجعهن فلا تدخلونهن تحت اللحف ولا تباشروهن فيكون
~~الكلام كناية عن ترك جماعهن، وإلى ذلك ذهب ابن جبير، وقيل: المراد
~~أهجروهن في الفراش بأن تولوهن ظهوركم فيه ولا تلتفتوا إليهن، وروي ذلك عن
~~أبي جعفر رضي الله تعالى عنه ولعله كناية أيضا عن ترك الجماع، وقيل:
~~المضاجع المبايت أي أهجروا حجرهن ومحل مبيتهن، وقيل: { فى } للسببية أي
~~أهجروهن بسبب المضاجع أي بسبب تخلفهن عن المضاجعة، وإليه يشير كلام ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما فيما أخرجه عنه ابن أبي شيبة من طريق أبي
~~الضحى، فالهجران على هذا بالمنطق، قال عكرمة: بأن يغلظ لها القول، وزعم
~~بعضهم أن المعنى أكرهوهن على الجماع واربطوهن من هجر البعير إذا شده
~~بالهجار، وتعقبه الزمخشري بأنه من تفسير الثقلاء، وقال ابن المنير: «لعل
~~هذا المفسر يتأيد بقوله تعالى: { فإن أطعنكم } فإنه يدل على
~~تقدم إكراه في أمر ما، وقرينة (المضاجع) ترشد إلى أنه الجماع، فإطلاق
~~الزمخشري لما أطلقه في حق هذا المفسر من الإفراط» انتهى، وأظن أن هذا لو
~~عرض على الزمخشري لنظم قائله في سلك ذلك المفسر، ولعد تركه من التفريط؛
~~وقرىء (في المضطجع) و (المضجع).

# { واضربوهن } يعني ضربا غير مبرح  كما أخرجه ابن جرير عن حجاج
~~عن رسول الله صلى الله عليه ms01865 وسلم  وفسر غير المبرح بأن لا يقطع لحما
~~ولا يكسر عظما. وعن ابن عباس أنه الضرب بالسواك ونحوه، والذي يدل عليه
~~السياق والقرينة العقلية أن هذه الأمور الثلاثة مترتبة فإذا خيف نشوز
~~المرأة تنصح ثم تهجر ثم تضرب إذ لو عكس استغنى بالأشد عن الأضعف، وإلا
~~فالواو لا تدل على الترتيب وكذا الفاء في { فعظوهن } لا دلالة لها
~~على أكثر من ترتيب المجموع، فالقول بأنها أظهر الأدلة على الترتيب ليس
~~بظاهر، وفي «الكشف» الترتيب مستفاد من دخول الواو على أجزئه مختلفة في
~~الشدة والضعف مترتبة على أمر مدرج، فإنما النص هو الدال على الترتيب.

# هذا وقد نص بعض أصحابنا أن للزوج أن يضرب المرأة على أربع خصال وما هو
~~في معنى الأربع ترك الزينة والزوج يريدها وترك الإجابة إذا دعاها إلى
~~فراشه وترك الصلاة في رواية والغسل، والخروج من البيت إلا لعذر شرعي،
~~وقيل: له أن يضربها متى أغضبته، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى
~~عنه كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه فإذا
~~غضب على واحدة منا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها، ولا يخفى أن تحمل
~~أذى النساء والصبر عليهن أفضل من ضربهن إلا لداع قوي، فقد أخرج ابن سعد
~~والبيهقي عن أم كلثوم بنت الصديق رضي الله تعالى عنه قالت:

# " كان الرجال نهوا عن ضرب النساء ثم شكوهن إلى رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فخلى بينهم وبين ضربهن، ثم قال: «ولن يضرب خياركم» "

# وذكر الشعراني قدس سره «أن الرجل إذا ضرب زوجته ينبغي أن لا يسرع في
~~جماعها بعد الضرب» وكأنه أخذ ذلك مما أخرجه الشيخان وجماعة عن عبد الله
~~بن زمعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " / أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد ثم يجامعها في آخر اليوم "

# وأخرج عبد الرزاق عن عائشة رضي الله تعالى عنها بلفظ: «أما يستحي أحدكم
~~أن يضرب امرأته كما يضرب العبد يضربها أول النهار ثم يجامعها آخره»
~~وللخبر محمل آخر ms01866 لا يخفى.

# { فإن أطعنكم } أي وافقنكم وانقدن لما أوجب الله تعالى عليهن
~~من طاعتكم بذلك كما هو الظاهر { فلا تبغوا عليهن سبيلا }
~~أي فلا تطلبوا سبيلا وطريقا إلى التعدي عليهن، أو لا تظلموهن بطريق من
~~الطرق بالتوبيخ اللساني والأذى الفعلي وغيره واجعلوا ما كان منهن كأن لم
~~يكن، فالبغي إما بمعنى الطلب، و { سبيلا } مفعوله والجار متعلق به، أو
~~صفة النكرة قدم عليها، وإما بمعنى الظلم، و { سبيلا } منصوب بنزع
~~الخافض، وعن سفيان بن عيينة أن المراد فلا تكلفوهن المحبة، وحاصل المعنى
~~إذا استقام لكم ظاهرهن فلا تعتلوا عليهن بما في باطنهن { إن الله
~~كان عليا كبيرا } فاحذروه فإن قدرته سبحانه عليكم أعظم من
~~قدرتكم على من تحت أيديكم منهن، أو أنه تعالى على علو شأنه وكمال ذاته
~~يتجاوز عن سيئاتكم ويتوب عليكم إذا تبتم فتجاوزوا أنتم عن سيئات أزواجكم
~~واعفوا عنهن إذا تبن، أو أنه تعالى قادر على الانتقام منكم غير راض بظلم
~~أحد، أو أنه سبحانه مع علوه المطلق وكبريائه لم يكلفكم إلا ما تطيقون
~~فكذلك لا تكلفوهن إلا ما يطقن..

### || [4.35]

# { وإن خفتم } الخطاب  كما قال ابن جبير والضحاك وغيرهما 
~~للحكام، وهو وارد على بناء الأمر على التقدير المسكوت عنه للإيذان أن ذلك
~~مما ليس ينبغي أن يفرض تحققه أعني عدم الإطاعة؛ وقيل: لأهل الزوجين أو
~~للزوجين أنفسهما، وروى ذلك عن السدي، والمراد فإن علمتم  كما قال ابن
~~عباس  أو فإن ظننتم  كما قيل  { شقاق بينهما } أي الزوجين،
~~وهما وإن لم يجر ذكرهما صريحا فقد جرى ضمنا لدلالة النشوز الذي هو
~~عصيان المرأة زوجها، والرجال والنساء عليهما، والشقاق الخلاف والعداوة
~~واشتقاقه من الشق وهو الجانب لأن كلا من المتخالفين في شق غير شق الآخر،
~~و  بين  من الظروف المكانية التي يقل تصرفها، وإضافة الشقاق إليها إما
~~لإجراء الظرف مجرى المفعول كما في قوله:

# يا سارق الليلة أهل الدار

# أو الفاعل كقولهم صام نهاره، والأصل  شقاقا بينهما  أي أن يخالف
~~أحدهما الآخر، فللملابسة بين الظرف والمظروف نزل منزلة ms01867 الفاعل أو المفعول
~~وشبه بأحدهما ثم عومل معاملته في الإضافة إليه، وقيل: الإضافة بمعنى في
~~وقيل: إن  بين  هنا بمعنى الوصل الكائن بين الزوجين أعني المعاشرة وهو
~~ليس بظرف، وإلى ذلك يشير كلام أبي البقاء، ولم يرتض ذلك المحققون.

# { فابعثوا } أي وجهوا وأرسلوا إلى الزوجين لإصلاح ذات البين {
~~حكما } أي رجلا عدلا عارفا حسن السياسة والنظر في حصول المصلحة {
~~من أهله } أي الزوج، و { من } إما متعلق  بابعثوا  فهو لابتداء
~~الغاية، وإما بمحذوف وقع صفة للنكرة فهي للتبعيض { وحكما } آخر على
~~صفة الأول { من أهلها } أي الزوجة، وخص الأهل لأنهم أطلب للصلاح
~~وأعرف بباطن الحال وتسكن إليهم النفس فيطلعون على ما في ضمير كل من حب
~~وبغض وإرادة صحبة أو فرقة وهذا على وجه الاستحباب، وإن نصبا من الأجانب
~~جاز، واختلف في أنهما هل يليان الجمع والتفريق إن رأيا ذلك؟ فقيل لهما 
~~وهو المروي عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~وإحدى الروايتين عن ابن جبير، وبه قال الشعبي  فقد أخرج الشافعي في
~~«الأم» والبيهقي / في «السنن». وغيرهما عن عبيدة السلماني قال: «جاء رجل
~~وامرأة إلى علي كرم الله تعالى وجهه ومع كل واحد منهم فئام من الناس
~~فأمرهم علي كرم الله تعالى وجهه أن يبعثوا رجلا حكما من أهله ورجلا
~~حكما من أهلها، ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن
~~تجمعا أن تجمعا وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا، قالت المرأة: رضيت بكتاب
~~الله تعالى بما علي فيه ولي، وقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي كرم
~~الله تعالى وجهه: كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به، وأخرج ابن جرير
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في هذه الآية: { وإن
~~خفتم } الخ هذا في الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما أمر الله
~~تعالى أن يبعثوا رجلا صالحا من أهل الرجل ورجلا مثله من أهل المرأة
~~فينظران أيهما المسيء فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقسروه ms01868
~~على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قسروها على زوجها ومنعوها النفقة
~~فإن اجتمع أمرهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا
~~فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الآخر ثم مات أحدهما فإن الذي رضي يرث الذي
~~كره ولا يرث الكاره الراضي، وقيل: ليس لهما ذلك، وروي ذلك عن الحسن.

# فقد أخرج عبد الرزاق وغيره عنه أنه قال: إنما يبعث الحكمان ليصلحا
~~ويشهدا على الظالم بظلمه، وأما الفرقة فليست بأيديهما، وإلى ذلك ذهب
~~الزجاج، ونسب إلى الإمام الأعظم، وأجيب عن فعل علي كرم الله تعالى وجهه
~~بأنه إمام وللإمام أن يفعل ما رأى فيه المصلحة فلعله رأى المصلحة فيما
~~ذكر فوكل الحكمين على ما رأى على أن في كلامه ما يدل على أن تنفيذ الأمر
~~موقوف على الرضا حيث قال: للرجل كذبت حتى تقر بمثل الذي أقرت به. وأنت
~~تعلم أن هذا على ما فيه لا يصلح جوابا عما روي عن ابن عباس، ولعل
~~المسألة اجتهادية وكلام أحد المجتهدين لا يقوم حجة على الآخر. وذهب
~~الإمامية إلى ما ذهب إليه الحسن وكأن الخبر عن علي كرم الله تعالى وجهه
~~لم يثبت عندهم، وعن الشافعي روايتان في المسألة، وعن مالك أن لهما أن
~~يتخالعا إن وجدا الصلاح فيه، (ونقل عن بعض علمائنا أن الإساءة إن كانت من
~~الزوج فرقا بينهما وإن كانت منها فرقا على بعض ما أصدقها)، والظاهر أن من
~~ذهب إلى القول بنفاذ حكمهما جعلهما وكيلين حكما على ذلك. وقال ابن
~~العربي في «الأحكام»: إنهما قاضيان لا وكيلان فإن الحكم اسم في الشرع
~~له.

# { إن يريدا } أي الحكمان { إصلحا } أي بين الزوجين وتأليفا {
~~يوفق الله بينهما } فتتفق كلمتهما ويحصل مقصودهما؛ فالضمير
~~أيضا للحكمين، وإلى ذلك ذهب ابن عباس ومجاهد والضحاك وابن جبير والسدي.
~~وجوز أن يكون الضميران للزوجين أي إن أرادا إصلاح ما بينهما من الشقاق
~~أوقع الله تعالى بينهما الألفة والوفاق، وأن يكون الأول: للحكمين،
~~والثاني: للزوجين أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما ms01869 صحيحة
~~وقلوبهما ناصحة لوجه الله تعالى أوقع الله سبحانه بين الزوجين الألفة
~~والمحبة وألقى في نفوسهما الموافقة والصحبة، وأن يكون الأول: للزوجين،
~~والثاني: للحكمين أي إن يرد الزوجان إصلاحا واتفاقا يوفق الله تعالى
~~شأنه بين الحكمين حتى يعملا بالصلاح ويتحرياه { إن الله كان
~~عليما خبيرا } بالظواهر والبواطن فيعلم إرادة العباد ومصالحهم
~~وسائر أحوالهم، وقد استدل الحبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بهذه
~~الآية على الخوارج في إنكارهم التحكيم في قصة علي كرم الله تعالى وجهه،
~~وهو أحد أمور ثلاثة علقت في أذهانهم فأبطلها كلها رضي الله تعالى عنه
~~فرجع إلى موالاة الأمير كرم الله تعالى وجهه منهم عشرون ألفا، وفيها 
~~كما قال ابن الفرس  / رد على من أنكر من المالكية بعث الحكمين في
~~الزوجين، وقال: تخرج المرأة إلى دار أمين أو يسكن معها أمين.

### || [4.36]

# { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا } كلام مبتدأ
~~مسوق للإرشاد إلى خلال مشتملة على معالي الأمور إثر إرشاد كل من الزوجين
~~إلى المعاملة الحسنة، وإزالة الخصومة والخشونة إذا وقعت في البين وفيه
~~تأكيد لرعاية حق الزوجية وتعليم المعاملة مع أصناف من الناس، وقدم الأمر
~~بما يتعلق بحقوق الله تعالى لأنها المدار الأعظم، وفي ذلك إيماء أيضا
~~إلى ارتفاع شأن ما نظم في ذلك السلك، والعبادة أقصى غاية الخضوع، و {
~~شيئا } إما مفعول به أي لا تشركوا به شيئا من الأشياء صنما كان أو
~~غيره، فالتنوين للتعميم. واختار عصام الدين كونه للتحقير ليكون فيه توبيخ
~~عظيم  أي لا تشركوا به شيئا حقيرا مع عدم تناهي كبريائه إذ كل شيء في
~~جنب عظمته سبحانه أحقر حقير  ونسبة الممكن إلى الواجب أبعد من نسبة
~~المعدوم إلى الموجود إذ المعدوم إمكان الموجود، وأين الإمكان من الوجوب؟
~~ضدان مفترقان أي تفرق، وإما مصدر أي لا تشركوا به عز شأنه شيئا من
~~الإشراك جليا أو خفيا، وعطف النهي عن الإشراك على الأمر بالعبادة مع أن
~~الكف عن الإشراك لازم للعبادة بذلك التفسير إذ لا يتصور غاية الخضوع لمن
~~له شريك ms01870 ضرورة أن الخضوع لمن لا شريك له فوق الخضوع لمن له شريك للنهي عن
~~الإشراك فيما جعله الشرع علامة نهاية الخضوع، أو للتوبيخ بغاية الجهل حيث
~~لا يدركون هذا اللزوم كذا قيل: ولعل الأوضح أن يقال: إن هذا النهي إشارة
~~إلى الأمر بالإخلاص فكأنه قيل: واعبدوا الله مخلصين له ويؤل ذلك كما أومأ
~~إليه الإمام إلى أنه سبحانه أمر أولا بما يشمل التوحيد وغيره من أعمال
~~القلب والجوارح ثم أردفه بما يفهم منه التوحيد الذي لا يقبل الله تعالى
~~عملا بدونه فالعطف من قبيل عطف الخاص على العام.

# { وبالولدين إحسنا } أي وأحسنوا بهما إحسانا فالجار
~~متعلق بالفعل المقدر، وجوز تعلقه بالمصدر وقدم للاهتمام  وأحسن  يتعدى
~~بالباء وإلى واللام، وقيل: إنما يتعدى بالباء إذا تضمن معنى العطف.
~~والإحسان المأمور به أن يقوم بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما، ولا يخشن في
~~الكلام معهما، ويسعى في تحصيل مطالبهما والانفاق عليهما بقدر القدرة،
~~وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام فيما يتعلق بهما. { وبذى
~~القربى } أي بصاحب القرابة من أخ وعم وخال وأولاد كل ونحو ذلك،
~~وأعيد الباء هنا ولم يعد في البقرة قال في «البحر»: لأن هذا توصية لهذه
~~الأمة فاعتنى به وأكد، وذلك في بني إسرائيل. { واليتمى
~~والمساكين } من الأجانب { والجار ذى القربى } أي الذي
~~قرب جواره { والجار الجنب } أي البعيد من الجنابة ضد القرابة،
~~وهي على هذا مكانية، ويحتمل أن يراد  بالجار ذي القربى  من له مع
~~الجوار قرب واتصال بنسب أو دين  وبالجار الجنب  الذي لا قرابة له ولو
~~مشركا، أخرج أبو نعيم.

# والبزار من حديث جابر بن عبد الله  وفيه ضعف  قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " الجيران ثلاثة: فجار له ثلاثة حقوق: حق الجوار وحق القرابة وحق
~~الإسلام، وجار له حقان: حق الجوار وحق الإسلام، وجار له حق واحد: حق
~~الجوار، وهو المشرك من أهل الكتاب "

# ، وأخرج البخاري في الأدب عن عبد الله بن عمر أنه ذبحت له شاة فجعل يقول
~~لغلامه: أهديت لجارنا اليهودي أهديت ms01871 لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم يقول:

# " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه "

# / والظاهر أن مبنى الجوار على العرف، وعن الحسن كما في «الأدب» أنه سئل
~~عن الجار فقال: أربعين دارا أمامه وأربعين خلفه وأربعين عن يمينه
~~وأربعين عن يساره، وروي مثله عن الزهري. وقيل: أربعين ذراعا، ويبدأ
~~بالأقرب فالأقرب،

# " فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت يا رسول الله إن لي جارين
~~فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك بابا "

# وقرىء  والجار ذا القربى  بالنصب أي وأخص الجار، وفي ذلك تنبيه على
~~عظم حق الجار. وقد أخرج الشيخان عن أبي شريح الخزاعي

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر
~~فليحسن إلى جاره "

# وفيما سمعه عبد الله كفاية، وأخرجه الشيخان وأحمد من حديث عائشة رضي
~~الله تعالى عنها.

# { والصحب بالجنب } هو الرفيق في السفر أو المنقطع إليك يرجو
~~نفعك ورفدك، وكلا القولين عن ابن عباس، وقيل: الرفق في أمر حسن  كتعلم
~~وتصرف وصناعة وسفر  وعدوا من ذلك من قعد بجنبك في مسجد أو مجلس وغير ذلك
~~من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه، واستحسن جماعة هذا القيل لما فيه من
~~العموم. وأخرج عبد بن حميد عن علي كرم الله تعالى وجهه  الصاحب  بالجنب
~~ المرأة، والجار متعلق بمحذوف وقع حالا من الصاحب، والعامل فيه الفعل
~~المقدر { وابن السبيل } وهو المسافر أو الضيف. { وما ملكت
~~أيمنكم } قال مقاتل: من عبيدكم وإمائكم، وكان كثيرا ما يوصي بهم
~~صلى الله عليه وسلم فقد أخرج أحمد والبيهقي عن أنس قال:

# " كان عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت الصلاة
~~وما ملكت أيمانكم حتى جعل يغرغرها في صدره وما يفيض بها لسانه "

# ثم الإحسان إلى هؤلاء الأصناف متفاوت المراتب حسبما يليق بكل وينبغي {
~~إن الله لا يحب من كان مختالا } أي ذا خيلاء وكبر يأنف
~~من أقاربه وجيرانه مثلا ولا يلتفت إليهم { فخورا } يعد مناقبه عليهم
~~تطاولا وتعاظما، والجملة تعليل ms01872 للأمر السابق.

# أخرج الطبراني وابن مردويه

# " عن ثابت بن قيس بن شماس قال: «كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فقرأ هذه الآية { إن الله } الخ فذكر الكبر وعظمه فبكى ثابت فقال
~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك؟ فقال: يا رسول الله إني لأحب
~~الجمال حتى إنه ليعجبني أن يحسن شراك نعلي قال: فأنت من أهل الجنة إنه
~~ليس بالكبر أن تحسن راحلتك ورحلك ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس "

# والأخبار في هذا الباب كثيرة.

### || [4.37]

# { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } فيه أوجه
~~من الإعراب: الأول: أن يكون بدلا من من بدل كل من كل، الثاني: أن يكون
~~صفة لها بناءا على رأي من يجوز وقوع الموصول موصوفا، والزجاج يقول به،
~~الثالث: أن يكون نصبا على الذم، الرابع: أن يكون رفعا عليه، الخامس: أن
~~يكون خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين، السادس: أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي
~~مبغوضون، أو أحقاء بكل ملامة ونحو ذلك  مما يؤخذ من السياق  وإنما حذف
~~لتذهب نفس السامع كل مذهب، وتقديره بعد تمام الصلة أولى، السابع: أن يكون
~~كما قال أبو البقاء: مبتدأ

# والذين

# [النساء: 38] الآتي معطوفا عليه، والخبر

# إن الله لا يظلم

# [النساء: 40] على معنى لا يظلمهم وهو بعيد جدا. وفرق الطيبي بين كونه
~~خبرا ومبتدأ بأنه على الأول: متصل بما قبله لأن هذا من جنس أوصافهم التي
~~عرفوا بها، وعلى الثاني: منقطع جيء به لبيان أحوالهم، وذكر أن الوجه
~~الاتصال وأطال الكلام عليه، وفي البخل أربع لغات: فتح الخاء والباء 
~~وبها قرأ حمزة والكسائي  وضمهما  وبها قرأ الحسن وعيسى بن عمر / وفتح
~~الباء وسكون الخاء  وبها قرأ قتادة  وضم الباء وسكون الخاء  وبها قرأ
~~الجمهور .

# { ويكتمون ما ءاتهم الله من فضله } أي من المال
~~والغنى أو من نعوته صلى الله عليه وسلم. { وأعتدنا للكفرين
~~عذابا مهينا } أي أعددنا لهم ذلك ووضع المظهر موضع المضمر إشعارا
~~بأن من هذا شأنه فهو كافر لنعم الله تعالى، ومن كان كافرا ms01873 لنعمه فله
~~عذاب يهينه كما أهان النعم بالبخل والإخفاء، ويجوز حمل الكفر على ظاهره،
~~وذكر ضمير التعظيم للتهويل لأن عذاب العظيم عظيم، وغضب الحليم وخيم،
~~والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبلها، وسبب نزول الآية ما أخرجه ابن
~~إسحق وابن جرير وابن المنذر بسند صحيح عن ابن عباس قال: كان كردم بن زيد
~~حليف كعب بن الأشرف وأسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع وبحرى بن عمرو
~~وحيي بن أخطب ورفاعة بن زيد بن التابوت يأتون رجالا من الأنصار يتنصحون
~~لهم فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها ولا
~~تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون فأنزل الله تعالى:

# الذين يبخلون

# إلى قوله سبحانه:

# وكان الله بهم عليما

# [النساء: 37-39]، وقيل: نزلت في الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه
~~وسلم، وروي ذلك عن سعيد بن جبير وغيره، أخرج عبد بن حميد وآخرون عن قتادة
~~أنه قال في الآية: هم أعداء الله تعالى أهل الكتاب بخلوا بحق الله تعالى
~~عليهم وكتموا الإسلام ومحمدا صلى الله عليه وسلم وهم يجدونه مكتوبا
~~عندهم في «التوراة» «والإنجيل»، والبخل على هذه الرواية ظاهر في البخل
~~بالمال، وبه صرح ابن جبير في إحدى الروايتين عنه، وفي الرواية الأخرى أنه
~~البخل بالعلم، وأمرهم الناس أي أتباعهم به يحتمل أن يكون حقيقة، ويحتمل
~~أن يكون مجازا تنزيلا لهم منزلة الآمرين بذلك لعلمهم باتباعهم لهم.

### || [4.38]

# { والذين ينفقون أمولهم رئاء الناس } أي للفخار
~~ولما يقال لا لوجه الله العظيم المتعال، والموصول عطف على نظيره أو على
~~الكافرين، وإنما شاركوهم في الذم والوعيد لأن البخل والسرف الذي هو
~~الانفاق لا على ما ينبغي من حيث إنهما طرفا إفراط وتفريط سواء في الشناعة
~~واستجلاب الذم، وجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي قرينهم الشيطان كما يدل
~~عليه الكلام الآتي. { ورئاء } مصدر منصوب على الحال من ضمير {
~~ينفقون } وإضافته إلى الناس من إضافة المصدر لمفعوله أي مرائين الناس
~~{ ولا يؤمنون بالله } القادر على الثواب والعقاب { ولا
~~باليوم ms01874 الآخر } الذي يثاب فيه المطيع ويعاقب العاصي ليقصدوا
~~بالإنفاق ما تورق به أغصانه ويجتنى منه ثمره وهم اليهود، وروي ذلك عن
~~مجاهد، أو مشركو مكة أو المنافقون  كما قيل. { ومن يكن
~~الشيطن } والمراد به إبليس وأعوانه الداخلة والخارجة من قبيلته،
~~والناس التابعين له أو من القوى النفسانية والهوى وصحبة الأشرار، أو من
~~النفس والقوى الحيوانية وشياطين الإنس والجن { له قرينا } أي صاحبا
~~وخليلا في الدنيا { فساء } فبئس الشيطان أو القرين. { قرينا } لأنه
~~يدعوه إلى المعصية المؤدية إلى النار  وساء  منقولة إلى باب  نعم،
~~وبئس  فهي ملحقة بالجامدة؛ فلذا قرنت بالفاء، ويحتمل أن تكون على بابها
~~بتقدير قد كقوله سبحانه:

# ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم فى النار

# [النمل: 90] والغرض من هذه الجملة التنبيه على أن الشيطان قرينهم فحملهم
~~على ذلك وزينه لهم، وجوز أن يكون وعيدا لهم بأن يقرن بهم الشيطان يوم
~~القيامة في النار فيتلاعنان ويتباغضان وتقوم / لهم الحسرة على ساق..

### || [4.39]

# { وماذا عليهم } أي ما الذي عليهم، أو أي وبال وضرر يحيق بهم. {
~~لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا } على من ذكر
~~من الطوائف ابتغاء وجه الله تعالى  كما يشعر به السياق  ويفهمه الكلام
~~{ مما رزقهم الله } من الأموال، وليس المراد السؤال عن الضرر
~~المترتب على الإيمان والإنفاق في سبيل الله تعالى كما هو الظاهر إذ لا
~~ضرر في ذلك ليسأل عنه بل المراد توبيخهم على الجهل بمكان المنفعة
~~والاعتقاد في الشيء على خلاف ما هو عليه، وتحريضهم على صرف الفكر لتحصيل
~~الجواب لعله يؤدي بهم إلى العلم بما في ذلك مما هو أجدى من تفاريق العصا،
~~وتنبيههم على أن المدعو إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يجيب احتياطا، فكيف
~~إذا تدفقت منه المنافع! وهذا أسلوب بديع كثيرا ما استعملته العرب في
~~كلامها، ومن ذلك قول من قال:

# ما كان ضرك لو مننت وربما

# من الفتى وهو المغيظ المحنق

# وفي الكلام رد على الجبرية إذ لا يقال مثل ذلك لمن لا اختيار له ولا
~~تأثير أصلا في الفعل، ms01875 ألا ترى أن من قال للأعمى: ماذا عليك لو كنت
~~بصيرا؟ وللقصير ماذا عليك لو كنت طويلا؟ نسب إلى ما يكره. واستدل به
~~القائلون بجواز إيمان المقلد أيضا لأنه مشعر بأن الإيمان في غاية
~~السهولة، ولو كان الاستدلال واجبا لكان في غاية الصعوبة، وأجيب بعد
~~تسليم الإشعار بأن الصعوبة في التفاصيل  وليست واجبة  وأما الدلائل على
~~سبيل الإجمال فسهلة وهي الواجبة، و { لو } إما على بابها والكلام محمول
~~على المعنى أي  لو آمنوا لم يضرهم  وإما بمعنى أن المصدرية  كما قال
~~أبو البقاء  وعلى الوجهين لا استئناف. وجوز أن تكون الجملة مستأنفة
~~وجوابها مقدر أي حصلت لهم السعادة ونحوه، وإنما قدم الإيمان ههنا وأخر في
~~الآية المتقدمة لأنه ثمة ذكر لتعليل ما قبله من وقوع مصارفهم في دنياهم
~~في غير محلها، وهنا للتحريض فينبغي أن يبدأ فيه بالأهم فالأهم، ولو قيل:
~~أخر الإيمان هناك وقدم الإنفاق لأن ذلك الإنفاق كان بمعنى الإسراف الذي
~~هو عديل البخل فأخر الإيمان لئلا يكون فاصلا بين العديلين لكان له وجه
~~لا سيما إذا قلنا بالعطف. { وكان الله بهم عليما } خبر يتضمن
~~وعيدا وتنبيها على سوء بواطنهم، وأنه تعالى مطلع على ما أخفوه في
~~أنفسهم فيجازيهم به، وقيل: فيه إشارة إلى إثابته تعالى إياهم لو كانوا
~~آمنوا وأنفقوا، ولا بأس بأن يراد  كان عليما بهم  وبأحوالهم المحققة
~~والمفروضة فيعاقب على الأولى ويثيب على الثانية  كما ينبىء عن ذلك قوله
~~تعالى: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة }.

### || [4.40]

# { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } المثقال مفعال من
~~الثقل، ويطلق على المقدار المعلوم الذي لم يختلف كما قيل: جاهلية
~~وإسلاما وهو كما أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه
~~أربعة وعشرون قيراطا، وعلى مطلق المقدار  وهو المراد هنا  ولذا قال
~~السدي: أي وزن ذرة  وهي النملة الحمراء الصغيرة التي لا تكاد ترى. وروي
~~ذلك عن ابن عباس وابن زيد، وعن الأول: أنها رأس النملة، وعنه أيضا أنه
~~أدخل يده في التراب ثم نفخ ms01876 فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة، وقريب منه
~~ما قيل: إنها جزء من أجزاء الهباء في الكوة، وقيل هي الخردلة، ويؤيد
~~الأول ما أخرجه ابن أبي داود في «المصاحف» من طريق عطاء عن ابن مسعود
~~رضي الله تعالى عنه أنه قرأ  مثقال نملة  ولم يذكر سبحانه الذرة لقصر
~~الحكم عليها بل لأنها أقل شيء مما يدخل في وهم البشر، أو أكثر ما يستعمل
~~عند الوصف بالقلة، ولم يعبر سبحانه بالمقدار ونحوه بل عبر بالمثقال
~~للإشارة بما يفهم منه من الثقل الذي يعبر به عن الكثرة والعظم كقوله
~~تعالى:

# فأما من ثقلت موزينه

# [القارعة: 6] إلى أنه وإن كان حقيرا / فهو باعتبار جزئه عظيم، وانتصابه
~~على أنه صفة مصدر محذوف كالمفعول، أي ظلما قدر مثقال ذرة فحذف المصدر
~~وصفته، وأقيم المضاف إليه مقامهما، أو مفعول ثان ليظلم أي لا يظلم أحدا
~~أو لا يظلمهم مثقال ذرة. قال السمين: وكأنهم ضمنوا (يظلم) معنى يغصب أو
~~ينقص فعدوه لاثنين. وذكر الراغب أن الظلم عند أهل اللغة وضع الشيء في غير
~~موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة أو بعدول عن وقته أو مكانه، وعليه
~~ففي الكلام إشارة إلى أن نقص الثواب وزيادة العقاب لا يقعان منه تعالى
~~أصلا، وفي ذلك حث على الإيمان والإنفاق بل إرشاد إلى أن كل ما أمر به
~~مما ينبغي أن يفعل وكل ما نهى عنه مما ينبغي أن يجتنب.

# واستدل المعتزلة بالآية على أن الظلم ممكن في حد ذاته إلا أنه تعالى لا
~~يفعله لاستحالته في الحكمة لا لاستحالته في القدرة لأنه سبحانه مدح نفسه
~~بتركه ولا مدح بترك القبيح ما لم يكن عن قدرة، ألا ترى أن العنين لا يمدح
~~بترك الزنا، واعترض على ذلك بقوله تعالى:

# لا تأخذه سنة ولا نوم

# [البقرة: 255] فإنه ذكر في معرض المدح مع أن النوم غير ممكن عليه
~~سبحانه، قال في «الكشف» وهو غير وارد لأنه مدح بانتفاء النقص عن ذاته
~~المقدسة وهو كما نقول: الباري عز وعلا ليس بجسم ولا ms01877 عرض، وأما ما نحن فيه
~~فمدح بترك الفعل والترك الممدوح إنما يكون إذا كان بالاختيار، نعم للمانع
~~أن لا يسلم أنه تعالى مدح بالترك بل من حيث الدلالة على النقص لأن وجوب
~~الوجود ينافي جواز الاتصاف بالظلم، وتحقيقه على مذهبهم أن وضع الشيء في
~~غير موضعه الحقيق به ممكن في نفسه وقدرة الحق جل شأنه تسع جميع الممكنات،
~~لكن الحكمة  وهي الإتيان بالممكن على وجه الإحكام وعلى ما ينبغي 
~~مانعة، وعن هذا قالوا: الحكيم لا يفعل إلا الحسن من بين الممكنات إلا إذا
~~دعته حاجة؛ والمنزه عن الحاجات جمع يتعالى عن فعل القبيح، ونحن نقول: إنه
~~عز اسمه لا ينقص من الأجر ولا يزيد في العقاب أيضا بناءا على وعده
~~المحتوم، فإن الخلف فيه ممتنع لكونه نقصا منافيا للألوهية وكمال الغنى،
~~وبهذا الاعتبار يصح أن يسمى ظلما، وإن كان لا يتصور حقيقة الظلم منه
~~تعالى لكونه المالك على الإطلاق، فالزيادة والنقص ممكنان لذاتهما، والخلف
~~ممتنع لذاته، ولا يلزم من كون الخلف ممتنعا لذاته بالنسبة إلى الواجب
~~تعالى وتقدس أن يكون متعلقه كذلك، وهذا على نحو ما تقرر في مسألة التكليف
~~بالممتنع أن إخبار الله تعالى عن عدم إيمان المصر ووجوب الصدق اللازم له
~~لا يخرج الفعل عن كونه مقدور المكلف بل يحقق قدرته عليه فليحفظ فإنه مهم.

# { وإن تك حسنة } الضمير المستتر في الفعل الناقص عائد إلى
~~المثقال، وإنما أنث حملا على المعنى لأنه بمعنى وإن تكن زنة ذرة حسنة،
~~وقيل: لأن المضاف قد يكتسب التأنيث من المضاف إليه إذا كان جزأه نحو.

# كما شرقت صدر القناة من الدم

# أو صفة له نحو

# لا ينفع نفسا إيمانها

# [الأنعام: 158] في قراءة من قرأ بالتاء الفوقانية ومقدار الشيء صفة له
~~كما أن الإيمان صفة للنفس، وقيل: أنث الضمير لتأنيث الخبر، واعترض بأن
~~تأنيث الخبر إنما يكون لمطابقة تأنيث المبتدأ، فلو كان تأنيث المبتدأ له
~~لزم الدور، وأجيب بأن ذلك إذا كان مقصودا وصفيته، والحسنة غلبت عليها
~~الإسمية فألحقت بالجوامد التي لا تراعى ms01878 فيها المطابقة نحو  الكلام هو
~~الجملة  وقيل: الضمير عائد إلى المضاف إليه وهو مؤنث بلا خفاء، وحذفت
~~النون من آخر الفعل من غير قياس تشبيها لها بحروف العلة من حيث الغنة
~~والسكون وكونها من حروف الزوائد، وكان القياس عود الواو المحذوفة لالتقاء
~~الساكنين بعد حذف النون إلا أنهم خالفوا القياس في ذلك أيضا حرصا على
~~التخفيف فيما / كثر دوره، وقد أجاز يونس حذف النون من هذا الفعل أيضا في
~~مثل قوله:

# فإن لم (تك) المرآة أبدت وسامة

# فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم

# وسيبويه يدعي أن ذلك ضرورة، وقرأ ابن كثير { حسنة } بالرفع على أن {
~~تك } تامة أي وإن توجد أو تقع { حسنة }.

# { يضعفها } أضعافا كثيرة حتى يوصلها  كما مر عن أبي هريرة 
~~إلى ألفي ألف حسنة، وعنى التكثير لا التحديد، والمراد يضاعف ثوابها لأن
~~مضاعفة نفس الحسنة بأن تجعل الصلاة الواحدة صلاتين مثلا مما لا يعقل،
~~وإن ذهب إليه بعض المحققين، وما في الحديث  من أن تمرة الصدقة يربيها
~~الرحمن حتى تصير مثل الجبل  محمول على هذا للقطع بأنها أكلت، واحتمال
~~إعادة المعدوم بعيد، وكذا كتابة ثوابها مضاعفا، وهذه المضاعفة ليست هي
~~المضاعفة في المدة عند الإمام لأنها غير متناهية، وتضعيف غير المتناهي
~~محال بل المراد أنه تعالى يضعفه بحسب المقدار، مثلا يستحق على طاعته
~~عشرة أجزاء من الثواب فيجعله عشرين جزءا أو ثلاثين أو أزيد، وقيل: هي
~~المضاعفة بحسب المدة على معنى أنه سبحانه لا يقطع ثواب الحسنة في المدد
~~الغير المتناهية لا أنه يضاعف جل شأنه مدتها ليجيء حديث محالية تضعيف ما
~~لا نهاية، وجعل قوله تعالى: { ويؤت من لدنه أجرا عظيما }
~~على هذا  عطفا لبيان الأجر المتفضل به، وهو الزيادة في المقدار إثر
~~بيان الأجر المستحق وهو إعطاء مثله واحدا بعد واحد إلى أبد الدهر،
~~وتسمية ذلك أجرا من مجاز المجاورة لأنه تابع للأجر مزيد عليه، وعلى
~~الأول جعله البعض واردا على طريقة عطف التفسير على معنى يضاعف ثواب تلك
~~الحسنة بإعطاء الزائد عليه من فضله، وزعموا ms01879 أن القول بالأجر المستحق مذهب
~~المعتزلة ولا يتأتى على مذهب الجماعة  وليس بشيء  لأن الجماعة يقولون
~~بالاستحقاق أيضا لكن بمقتضى الوعد الذي لا يخلف، وبه يكون الأجر الموعود
~~به كأنه حق للعبد كما أنه يكون كذلك أيضا بمقتضى الكرم كما قيل: وعد
~~الكريم دين، نعم حمل الأجر على ما ذكر لا يخلو عن بعد، والداعي إليه عدم
~~التكرار، وقال الإمام أيضا: «إن ذلك التضعيف يكون من جنس اللذات الموعود
~~بها في الجنة، وأما هذا الأجر العظيم الذي يؤتيه من لدنه فهو اللذة
~~الحاصلة عند الرؤية والاستغراق في المحبة والمعرفة... وبالجملة فذلك
~~التضعيف إشارة إلى السعادات الجسمانية، وهذا الأجر إشارة إلى السعادات
~~الروحانية»، ولا يخلو عن حسن، و  لدن  بمعنى عند، وفرق بينهما بعضهم
~~بأن لدن أقوى في الدلالة على القرب، ولذا لا يقال: لدي مال إلا وهو حاضر
~~بخلاف عند، وتقول: هذا القول عندي صواب، ولا تقول: لدي ولدني  كما قاله
~~الزجاج  ونظر فيه بأنه شاع استعمال لدن في غير المكان كقوله تعالى:

# من لدنا علما

# [الكهف: 65] اللهم إلا أن يخرج ما قاله الزجاج مخرج الغالب، وقرأ ابن
~~كثير وابن عامر ويعقوب وابن جبير  يضعفها  بتضعيف العين وتشديدها،
~~والمختار عند أهل اللغة والفارسي أنهما بمعنى، وقال أبو عبيدة: ضاعف
~~يقتضي مرارا كثيرة، وضعف يقتضي مرتين، ورد بأنه عكس اللغة لأن المضاعفة
~~تقتضي زيادة الثواب فإذا شددت دلت البنية على التكثير فيقتضي ذلك تكرير
~~المضاعفة، وقد تقدم من الكلام ما ينفعك فتذكر.

### || [4.41]

# { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد } الفاء فصيحة، و
~~(كيف) محلها إما الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف، وإما النصب بفعل محذوف
~~على التشبيه بالحال  كما هو رأي سيبويه  أو على التشبيه بالظرف /  كما
~~هو رأي الأخفش  والعامل بالظرف مضمون الجملة من التهويل والتفخيم
~~المستفاد من الاستفهام، أو الفعل المصدر كما قرره صاحب «الدر المصون»،
~~والجار متعلق بما عنده أي إذا كان كل قليل وكثير يجازى عليه، فكيف حال
~~هؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى وغيرهم، أو كيف ms01880 يصنعون، أو كيف يكون
~~حالهم إذا جئنا يوم القيامة من كل أمة من الأمم وطائفة من الطوائف بشهيد
~~يشهد عليهم بما كانوا عليه من فساد العقائد وقبائح الأعمال  وهو نبيهم
~~؟ { وجئنا بك } يا خاتم الأنبياء { على هؤلاء } إشارة إلى
~~الشهداء المدلول عليهم بما ذكر { شهيدا } تشهد على صدقهم لعلمك بما
~~أرسلوا واستجماع شرعك مجامع ما فرعوا وأصلوا، وقيل: إلى المكذبين
~~المستفهم عن حالهم يشهد عليهم بالكفر والعصيان تقوية لشهادة أنبيائهم
~~عليهم السلام، أو كما يشهدون على أممهم، وقيل: إلى المؤمنين لقوله تعالى:

# لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم
~~شهيدا

# [البقرة: 143] ومتى أقحم المشهود عليه في الكلام وأدخلت { على } عليه
~~لا يحتاج لتضمين الشهادة معنى التسجيل، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد
~~والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم من طرق عن ابن مسعود قال: قال لي رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم:

# " اقرأ علي قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: نعم إني أحب
~~أن أسمعه من غيري فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية { فكيف
~~إذا جئنا من كل أمة بشهيد } الخ فقال: حسبك الآن فإذا
~~عيناه تذرفان "

# فإذا كان هذا الشاهد تفيض عيناه لهول هذه المقالة وعظم تلك الحالة،
~~فماذا لعمري يصنع المشهود عليه؟! وكأنه بالقيامة وقد أناخت لديه.

### || [4.42]

# { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول }
~~استئناف لبيان حالهم التي أشير إلى شدتها وفظاعتها، وتنوين (إذ) عوض 
~~على الصحيح  عن الجملتين السابقتين، وقيل: عن الأولى، وقيل: عن الأخيرة،
~~والظرف متعلق  بيود  وجعله متعلقا بشهيد، وجملة { يود } صفة،
~~والعائد محذوف أي فيه بعيد، والمراد بالموصول إما المكذبون لرسول الله
~~صلى الله عليه وسلم، والتعبير عنهم بذلك لذمهم بما في حيز الصلة والإشعار
~~بعلة ما اعتراهم من الحال الفظيعة والأمر الهائل، وإيراده صلى الله عليه
~~وسلم بعنوان الرسالة لتشريفه وزيادة تقبيح حال مكذبيه، وإما جنس الكفرة
~~ويدخل أولئك في زمرتهم دخولا أوليا، والمراد من { الرسول } الجنس
~~أيضا ويزيد شرفه انتظامه للنبي صلى الله عليه وسلم انتظاما أوليا، و
~~{ عصوا } معطوف ms01881 على { كفروا } داخل معه في حيز الصلة؛ والمراد
~~عصيانهم بما سوى الكفر، فيدل على أن الكفار مخاطبون بالفروع في حق
~~المؤاخذة، وقال أبو البقاء: إنه في موضع الحال من ضمير { كفروا } وقد
~~مرادة، وقيل: صلة لموصول آخر أي والذين عصوا، فالإخبار عن نوعين: الكفرة
~~والعصاة، وهو ظاهر على رأي من يجوز إضمار الموصول كالفراء، وفي المسألة
~~خلاف أي يود في ذلك اليوم لمزيد شدته ومضاعف هوله الموصوفون بما ذكر في
~~الدنيا.

# { لو تسوى بهم الأرض } إما مفعول { يود } على أن {
~~لو } مصدرية أي يودون أن يدفنوا وتسوى الأرض ملتبسة بهم، أو تسوى عليهم
~~كالموتى، وقيل: يودون أنهم بقوا ترابا على أصلهم من غير خلق، وتمنوا
~~أنهم كانوا هم والأرض سواء، وقيل: تصير البهائم ترابا فيودون حالها. وعن
~~ابن عباس أن المعنى يودون أن يمشي عليهم أهل الجمع يطأونهم بأقدامهم كما
~~يطأون الأرض، وقيل: يودون لو يعدل بهم الأرض أي يؤخذ منهم ما عليها فدية،
~~وإما مستأنفة على أن { لو } على بابها ومفعول { يود } محذوف /
~~لدلالة الجملة، وكذا جواب { لو } إيذانا بغاية ظهوره أي يودون تسوية
~~الأرض بهم لو تسوى لسروا. وقرأ نافع وابن عامر ويزيد { تسوى } على أن
~~أصله تتسوى، فأدغم التاء في السين لقربها منها، وحمزة والكسائي { تسوى }
~~بحذف التاء الثانية مع الإمالة يقال: سويته فتسوى.

# { ولا يكتمون الله حديثا } عطف على { يود } أي أنهم
~~يومئذ لا يكتمون من الله تعالى حديثا لعدم قدرتهم على الكتمان حيث إن
~~جوارحهم تشهد عليهم بما صنعوا، أو أنهم لا يكتمون شيئا من أعمالهم بل
~~يعترفون بها فيدخلون النار باعترافهم، وإنما لا يكتمون لعلمهم بأنهم لا
~~ينفعهم الكتمان، وإنما يقولون:

# والله ربنا ما كنا مشركين

# [الأنعام: 23] في بعض المواطن قاله الحسن، وقيل: الواو للحال أي يودون
~~أن يدفنوا في الأرض وهم لا يكتمون منه تعالى حديثا ولا يكذبونه بقولهم:
~~{ والله ربنا ما كنا مشركين } إذ روى الحاكم وصححه عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم إذا قالوا ذلك ختم الله على أفواههم ms01882
~~فتشهد عليهم جوارحهم فيتمنون أن تسوى بهم الأرض وجعلها للعطف وما بعدها
~~معطوف على { تسوى } على معنى  يودون لو تسوى بهم الأرض وأنهم لا
~~يكونون كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وبعثه في الدنيا  كما روي عن
~~عطاء بعيد جدا.

# وأقرب منه العطف على مفعول { يود } على معنى يودون تسوية الأرض بهم
~~وانتفاء كتمانهم إذ قالوا { والله ربنا ما كنا مشركين }.

# هذا ومن باب الإشارة: { يريد الله ليبين لكم } بأن
~~يكاشفكم بأسراره المودعة فيكم أثناء السير إليه { ويهديكم سنن
~~الذين من قبلكم } أي مقاماتهم وحالاتهم ورياضاتهم، وأشار بهم
~~إلى الواصلين إليه قبل المخاطبين، ويجوز أن تكون الإشارة بالسنن إلى
~~التفويض والتسليم والرضا بالمقدور فإن ذلك شنشنة الصديقين ونشنشة
~~الواصلين { ويتوب عليكم } من ذنب وجودكم حين يفنيكم فيه، ويحتمل
~~أن يكون التبيين إشارة إلى الإيصال إلى توحيد الأفعال والهداية إلى توحيد
~~الصفات والتوبة إلى توحيد الذات { والله عليم } بمراتب استعدادكم

# حكيم

# [النساء: 26] ومن حكمته أن يفيض عليكم حسب قابلياتكم والله { يريد
~~الله أن يتوب عليكم } تكرار لما تقدم إيذانا بمزيد الاعتناء
~~به لأنه غاية المراتب { ويريد الذين يتبعون الشهوت }
~~أي اللذائذ الفانية الحاجبة عن الوصول إلى الحضرة { أن تميلوا } إلى
~~السوى

# ميلا عظيما

# [النساء: 27] لتكونوا مثلهم { يريد الله أن يخفف عنكم }
~~أثقال العبودية في مقام المشاهدة، أو أثقال النفس بفتح باب الاستلذاذ
~~بالعبادة بعد الصبر عليها

# وخلق الإنسن ضعيفا

# [النساء: 28] عن حمل واردات الغيب وسطوات المشاهدة فلا يستطيع حمل ذلك
~~إلا بتأييد إلهي، أو ضعيفا لا يطيق الحجاب عن محبوبه لحظة؛ ولا يصبر عن
~~مطلوبه ساعة لكمال شوقه ومزيد غرامه:

# والصبر يحمد في المواطن كلها

# إلا عليك فإنه مذموم

# وكان الشبلي قدس سره يقول: إلهي لا معك قرار ولا منك فرار المستغاث بك
~~إليك { يأيها الذين آمنوا } الإيمان الحقيقي { لا
~~تأكلوا } أي تذهبوا { أمولكم } وهو ما حصل لكم من عالم الغيب
~~بالكسب الاستعدادي { بينكم بالبطل } بأن تنفقوا على غير وجهه
~~وتودعوه غير أهله { إلا أن تكون تجرة } أي إلا أن ms01883 يكون التصرف
~~تصرفا صادرا { عن تراض منكم } واستحسان ألقي من عالم الإلهام
~~إليكم فإن ذلك مباح لكم { ولا تقتلوا أنفسكم } بالغفلة عنها
~~فإن من غفل عنها فقد غفل عن ربه ومن غفل عن ربه فقد هلك، أو لا تقتلوا
~~أنفسكم أي أرواحكم القدسية بمباشرتكم ما لا يليق فإن مباشرة ما لا يليق
~~يمنع الروح من طيرانها في عالم المشاهدات ويحجب عنها أنوار المكاشفات {
~~إن الله كان } في أزل الآزال

# بكم رحيما

# [النساء: 29] فلذا أرشدكم إلى ما أرشدكم { إن تجتنبوا كبائر
~~ما تنهون عنه } وهي عند العارفين رؤية / العبودية في مشهد
~~الربوبية وطلب الأعواض في الخدمة وميل النفس إلى السوى من العرش إلى
~~الثرى، والسكون في مقام الكرامات، ودعوى المقامات السامية قبل الوصول
~~إليها. وأكبر الكبائر إثبات وجود غير وجود الله تعالى { نكفر
~~عنكم سيئاتكم } أي نمح عنكم تلوناتكم بظهور نور التوحيد

# وندخلكم مدخلا كريما

# [النساء: 31] وهي حضرة عين الجمع { ولا تتمنوا ما فضل
~~الله به بعضكم على بعض } من الكمالات التابعة
~~للاستعدادات فإن حصول كمال شخص لآخر محال إذا لم يكن مستعدا له، ولهذا
~~عبر بالتمني. { للرجال } وهم الأفراد الواصلون { نصيب مما
~~اكتسبوا } بنور استعدادهم { وللنساء } وهم الناقصون القاصرون {
~~نصيب مما اكتسبن } حسب استعدادهم { واسألوا الله من
~~فضله } بأن يفيض عليكم ما تقتضيه قابلياتكم

# إن الله كان بكل شيء عليما

# [النساء: 32] ومن جملة ذلك ما أنتم عليه من الاستعداد فيعطيكم ما يليق
~~بكم { ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان
~~والأقربون } أي ولكل قوم جعلناهم موالي نصيب من الاستعداد يرثون به
~~مما تركه والداهم  وهما الروح والقلب  والأقربون  وهم القوى الروحانية
~~ { والذين عقدت أيمنكم } وهم المريدون { فآتوهم
~~نصيبهم } من الفيض على قدر نصيبهم من الاستعداد

# إن الله كان على كل شيء شهيدا

# [النساء: 33] إذ كل شيء مظهر لاسم من أسمائه { الرجال قوامون
~~على النساء } أي الكاملون شأنهم القيام بتدبير الناقصين والإنفاق
~~عليهم من فيوضاتهم { بما فضل الله بعضهم على بعض }
~~بالاستعداد { وبما أنفقوا في سبيل الله } تعالى وطريق
~~الوصول إليه من ms01884 أموالهم أي قواهم أو معارفهم { فالصلحت }
~~للسلوك من النساء بالمعنى السابق { قنتت } مطيعات لله تعالى
~~بالعبادات القالبية { حفظت للغيب } أي القلب عن دنس الأخلاق
~~الذميمة، ولعله إشارة إلى العبادات القلبية { بما حفظ الله } لهم
~~من الاستعداد { واللتي تخافون نشوزهن } ترفعهن عن
~~الانقياد إلى ما ينفعهن { فعظوهن } بذكر أحوال الصالحين ومقاماتهم
~~فإن النفس تميل إلى ما يمدح لها غالبا { واهجروهن فى
~~المضاجع } أي امنعوا دخول أنوار فيوضاتكم إلى حجرات قلوبهن ليستوحشن
~~فربما يرجعن عن ذلك الترفع { واضربوهن } بعصي القهر إن لم ينجع ما
~~تقدم فيهن { فإن أطعنكم } بعد ذلك ورجعن عن الترفع والأنانية {
~~فلا تبغوا عليهن سبيلا } بتكليفهن فوق طاقتهن وخلاف مقتضى
~~استعدادهن

# إن الله كان عليا كبيرا

# [النساء: 34] ومع هذا لم يكلف أحدا فوق طاقته وخلاف مقتضى استعداده {
~~وإن خفتم } أيها المرشدون الكمل { شقاق بينهما } أي بين
~~الشيخ والمريد { فابعثوا حكما من أهله وحكما من
~~أهلها } فابعثوا متوسطين من المشايخ والسالكين { إن يريدا
~~إصلحا } ويقصداه { يوفق الله } تعالى

# بينهما

# [النساء: 35] وهمة الرجال تقلع الجبال. ويمكن أن يكون الرجال إشارة إلى
~~العقول الكاملة والنساء إشارة إلى النفوس الناقصة، ولا شك أن العقل هو
~~القائم بتدبير النفس وإرشادها إلى ما يصلحها، ويراد من الحكمين حينئذ ما
~~يتوسط بين العقل والنفس من القوى الروحانية { واعبدوا الله }
~~بالتوجه إليه والفناء فيه { ولا تشركوا به شيئا } مما
~~تحسبونه شيئا وليس بشيء إذ لا وجود حقيقة لغيره سبحانه {
~~وبالولدين } الروح والنفس اللذين تولد بينهما القلب أحسنوا {
~~إحسنا } فاستفيضوا من الأول وتوجهوا بالتسليم إليه وزكوا الثاني
~~وطهروا برديه { وبذى القربى } وهم من يناسبكم بالاستعداد الأصلي
~~والمشاكلة الروحانية { واليتمى } المستعدين المنقطعين عن نور
~~الأب وهو الروح بالاحتجاب { والمسكين } العاملين الذين لا حظ لهم
~~من المعارف ولذا سكنوا عن السير وهم الناسكون { والجار ذى
~~القربى } القريب من مقامك في السلوك { والجار الجنب }
~~البعيد مقامه عن مقامك { والصحب بالجنب } / الذي هو في عين
~~مقامك { وابن السبيل } أي السالك المتغرب عن مأوى النفس الذي لم
~~يصل إلى مقام بعد { وما ملكت ms01885 أيمنكم } من المنتمين إليكم
~~بالمحبة والإرادة، وقيل: الوالدين إشارة إلى المشايخ وإحسان المريد إليهم
~~إطاعتهم والانقياد إليهم وامتثال أوامرهم فإنهم أطباء القلوب وهم أعرف
~~بالداء والدواء ولا يداوون إلا بما يرضي الله تعالى وإن خفي على المريد
~~وجهه.

# ومن هنا قال الجنيد قدس سره: أمرني ربي أمرا وأمرني السري أمرا
~~فقدمت أمر السري على أمر ربي وكل ما وجدت فهو من بركاته، وأول { وبذى
~~القربى } بالروح الناطقة العارفة العاشقة الملكوتية التي خرجت من
~~العدم بتجلي القدم وانقدحت من نور الأزل وهي أقرب كل شيء وهي جار الله
~~تعالى المصبوغة بنوره والإحسان إليها أن تطلقها من فتنة الطبيعة وتقدس
~~مسكنها من حظوظ البشرية لتطير بجناح المعرفة والشوق إلى عالم المشاهدة {
~~والجار الجنب } بالصورة الحاملة للروح والإحسان إليها أن تفطم
~~جوارحها من رضع ضرع الشهوات { والصحب بالجنب } وهو القلب الذي
~~يصحبك في سفر الغيب والإحسان إليه أن تفرده من الحدثان وتشوقه إلى جمال
~~الرحمن، وقيل: هو النفس الأمارة، وفي الخبر «أعدى عدوك نفسك التي بين
~~جنبيك» والإحسان إليها أن تحبسها في سجن العبودية وتحرقها بنيران المحبة،
~~وأول { ابن السبيل } بالولي الكامل فإنه لم يزل ينتقل من نور
~~الأفعال إلى نور الصفات ومن نور الصفات إلى نور الذات والإحسان إليه كتم
~~سره وعدم الخروج عن دائرة أمره، وقال بعض العارفين: وإن شئت أولت (ذا
~~القربى) بما يتصل بالشخص من المجردات (واليتامى) بالقوى الروحانية،
~~(والمساكين) بالقوى النفسانية من الحواس الظاهرة وغيرها { والجار ذى
~~القربى } بالعقل { والجار الجنب } بالوهم { والصحب
~~بالجنب } بالشوق والإرادة { وابن السبيل } بالفكر والمماليك
~~بالملكات المكتسبة التي هي مصادر الأفعال الجميلة، وباب التأويل واسع
~~جدا { إن الله لا يحب من كان مختالا } يسعى بالسلوك
~~في نفسه

# فخورا

# [النساء: 36] بأحواله ومقاماته محتجبا برؤيتها { الذين يبخلون
~~} على أنفسهم وعلى المستحقين فلا يعملون بعلومهم ولا يعلمونها {
~~ويأمرون الناس بالبخل } قالا أو حالا { ويكتمون ما
~~ءاتهم الله من فضله } فلا يشكرون نعمة الله، أو يكتمون ما
~~أوتوا من المعارف في كتم الاستعداد وظلمة القوة حتى كأنها ms01886 معدومة {
~~وأعتدنا للكفرين } للحق الساترين أنوار الوحدة بظلمة
~~الكثرة

# عذابا مهينا

# [النساء: 37] يهينهم في ذل وجودهم وشين صفاتهم { والذين
~~ينفقون أمولهم } أي يبرزون كمالاتهم { رئاء الناس }
~~مرائين الناس بأنها لهم { ولا يؤمنون بالله } الإيمان الحقيقي
~~ليعلموا أن لا كمال إلا له { ولا باليوم الأخر } أي الفناء فيه
~~سبحانه ليبرزوا لله الواحد القهار { ومن يكن الشيطن } النفس
~~وقواها

# له قرينا فساء قرينا

# [النساء:38] لأنه يضله عن الحق كهؤلاء { وماذا عليهم } ما كان
~~يضرهم { لو ءامنوا بالله واليوم الأخر } فصدقوا
~~بالتوحيد والفناء فيه { وأنفقوا مما رزقهم الله } ولم
~~يروا كمالا لأنفسهم

# وكان الله بهم عليما

# [النساء: 39] فيجازيهم بالبقاء بعد الفناء { إن الله لا يظلم
~~مثقال ذرة } مقدار ما يظهر من الهباء { وإن تك حسنة }
~~ولا تكون كذلك إلا إذا كانت له فإن كانت له يضاعفها بالتأييد الحقاني

# ويؤت من لدنه أجرا عظيما

# [النساء: 40] وهو الشهود الذاتي، أو العلم اللداني { فكيف إذا
~~جئنا من كل أمة بشهيد } وهو ما يحضر كل أحد ويظهر له بصورة
~~معتقده فيكشف عن حاله { وجئنا بك على هؤلاء } وهم
~~المحمديون

# شهيدا

# [النساء: 41] ومن لوازم الإتيان بالحقيقة المحمدية شهيدا للمحمديين
~~معرفتهم لله تعالى عند التحول في جميع الصور فليس شهيدهم في الحقيقة إلا
~~الحق سبحانه { يومئذ يود الذين كفروا } بالاحتجاب {
~~وعصوا الرسول } بعدم المتابعة { لو تسوى بهم الأرض
~~} / لتنطمس نفوسهم أو تصير ساذجة لا نقش فيها من العقائد الفاسدة
~~والرذائل الموبقة { ولا يكتمون الله حديثا } [النساء: 42]
~~أي لا يقدرون على كتم حديث من تلك النقوش وهيهات أنى يخفون شيئا منها،
~~وقد صارت الجبال كالعهن المنفوش:

# سهم أصاب وراميه بذي سلم

# من بالعراق لقد أبعدت مرماك

# والله تعالى يتولى الحق وهو يهدي السبيل.

### || [4.43]

# { يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلوة
~~وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون } إرشاد لإخلاص
~~الصلاة التي هي رأس العبادة من شوائب الكدر ليجمعوا بين إخلاص عبادة الحق
~~ومكارم الأخلاق التي بينهم وبين الخلق المبينة فيما تقدم وبهذا يحصل
~~الربط، ويجوز أن يقال: لما نهوا فيما سلف ms01887 عن الإشراك به تعالى نهوا ههنا
~~عما يؤدي إليه من حيث لا يحتسبون، فقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه
~~والنسائي والحاكم وصححه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: «صنع لنا عبد
~~الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه طعاما فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت
~~الخمر منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت قل يا أيها الكافرون أعبد ما
~~تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون فنزلت». وفي رواية ابن جرير وابن المنذر عن
~~علي كرم الله تعالى وجهه: «إن إمام القوم يومئذ هو عبد الرحمن وكانت
~~الصلاة صلاة المغرب وكان ذلك لما كانت الخمر مباحة، والخطاب للصحابة
~~وتصدير الكلام بحرفي النداء والتنبيه اعتناءا بشأن الحكم، والمراد
~~بالصلاة عند الكثير الهيئة المخصوصة، وبقربها القيام إليها والتلبس بها
~~إلا أنه نهى عن القرب مبالغة، وبالسكر الحالة المقررة التي تحصل لشارب
~~الخمر، ومادته تدل على الانسداد ومنه سكرت أعينهم أي انسدت، والمعنى لا
~~تصلوا في حالة السكر حتى تعلموا قبل الشروع ما تقولونه قبلها إذ بذلك
~~يظهر أنكم ستعلمون ما ستقرءونه فيها، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير
~~أن المعنى  لا تقربوا الصلاة وأنتم نشاوى من الشراب حتى تعلموا ما
~~تقرءونه في صلاتكم  ولعل مراده حتى تكونوا بحيث تعلمون ما تقرءونه
~~وإلا فهو يستدعي تقدم الشروع في الصلاة على غاية النهي، وإذا أريد ذلك
~~رجع إلى ما تقدم ولكن فيه تطويل بلا طائل على أن إيثار { ما تقولون
~~} على ما تقرؤون حينئذ يكون عاريا عن الداعي، وروي عن ابن المسيب
~~والضحاك وعكرمة والحسن أن المراد من الصلاة مواضعها فهو مجاز من ذكر
~~الحال وإرادة المحل بقرينة قوله تعالى فيما يأتي: { إلا عابرى
~~سبيل } فإنه يدل عليه بحسب الظاهر، فالآية مسوقة عن نهي قربان السكران
~~المسجد تعظيما له، وفي الخبر «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم» ويأباه
~~ظاهر قوله تعالى: { حتى تعلموا ما تقولون } وروي عن
~~الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه حمل الصلاة على الهيئة المخصوصة وعلى
~~مواضعها مراعاة للقولين، وفي الكلام حينئذ الجمع بين الحقيقة والمجاز ms01888
~~ونحن لا نقول به، وروي عن جعفر رضي الله تعالى عنه والضحاك  وهو إحدى
~~الروايتين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  أن المراد من السكر سكر
~~النعاس وغلبة النوم، وأيد بما أخرجه البخاري عن أنس قال: «قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف فلينم حتى يعلم ما يقول "

# وروي مثله عن عائشة رضي الله تعالى عنها  وفيه بعد  وأبعد منه حمله
~~على سكر الخمر وسكر النوم لما فيه من الجمع بين الحقيقة والمجاز، أو عموم
~~المجاز مع عدم القرينة الواضحة على ذلك، وأيا ما كان فليس مرجع النهي
~~هو المقيد مع بقاء القيد مرخصا بحاله بل إنما هو القيد مع بقاء المقيد
~~على حاله لأن القيد مصب النفي والنهي في كلامهم ولأنه مكلف بالصلاة مأمور
~~بها والنهي ينافيه، نعم لا مانع عن النهي عنها للسكران مع الأمر المطلق
~~إلا أن مرجعه إلى هذا. / والحاصل كما قال الشهاب: أنه مكلف بها في كل
~~حال، وزوال عقله بفعله لا يمنع تكليفه ولذا وقع طلاقه ونحوه، ولو لم يكن
~~مأمورا بها لم تلزمه الإعادة إذا استغرق السكر وقتها  وقد نص عليه
~~الجصاص في «الأحكام»  وفصله انتهى، وزعم بعضهم أن النهي عن الصلاة نفسها
~~لكن المراد بها الصلاة جماعة مع النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما له
~~عليه الصلاة والسلام وتوقيرا، ولا يخفى أنه مما لا يدل عليه نقل ولا عقل
~~ويأباه الظاهر وسبب النزول، وقد روي أنهم كانوا بعدما أنزلت الآية لا
~~يشربون الخمر في أوقات الصلاة فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا
~~وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون، وقرىء { سكرى } بفتح السين
~~جمع سكران كندمان وندامى. وقرأ الأعمش  سكرى  بضم السين على أنه صفة 
~~كحبلى  وقع صفة لجماعة أي وأنتم جماعة سكرى، والنخعي  سكرى  بالفتح،
~~وهو إما صفة مفردة صفة جماعة كما في الضم، وإما جمع تكسير كجرحى، وإنما
~~جمع سكران عليه لما فيه من الآفة اللاحقة للعقل، والصيغة على قراءة
~~الجمهور جمع ms01889 تكسير عند سيبويه، واسم جمع عند غيره لأنه ليس من أبنية
~~الجمع، ورجح الأول.

# { ولا جنبا } عطف على قوله تعالى: { وأنتم سكرى } فإنه
~~في حيز النصب كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبا  قاله غير
~~واحد  وقال الشهاب نقلا عن «البحر»: إن هذا حكم الإعراب، وأما المعنى
~~ففرق بين قولنا جاء القوم سكارى وجاءوا وهم سكارى إذ معنى الأول: جاؤوا
~~كذلك، والثاني: جاءوا وهم كذلك باستئناف الإثبات  ذكره عبد القاهر 
~~ويعني بالاستئناف أنه مقرر في نفسه مع قطع النظر عن ذي الحال وهو مع
~~مقارنته له يشعر بتقرره في نفسه، ويجوز تقدمه واستمراره، ولذا قال السبكي
~~في «الأشباه»: لو قال: لله تعالى علي أن أعتكف صائما لا بد له من صوم
~~يكون لأجل ذلك النذر من غير سبب آخر فلا يجزئه الاعتكاف بصوم رمضان، ولو
~~قال: وأنا صائم أجزأه، ولعل وجه الفرق أن الحال إذا كانت جملة دلت على
~~المقارنة، وأما اتصافه بمضمونها فقد يكون وقد لا يكون نحو  جاء زيد وقد
~~طلعت الشمس  والحال المفردة صفة معنى فإذا قال: لله تعالى علي أن أعتكف
~~وأنا صائم نذر مقارنته للصوم ولم ينذر صوما فيصح في رمضان، ولو قال:
~~صائما نذر صومه فلا يصح فيه؛ وهذه المسألة نقلها الإسنوي في «التمهيد»
~~ولم يبين وجهها، ولم نر لأئمتنا فيها كلاما انتهى كلامه.

# ولم يبين رحمه الله تعالى السر في مخالفة هذين الحالين على وجه يتضح به
~~ما ذكره في المسألة، وبين العلامة الطيبي فائدتها غير أنه لم يتعرض لهذا
~~الفرق فقال: فائدتها  والعلم عند الله تعالى  الإشعار بأن قربان الصلاة
~~مع السكر مناف لحال المسلمين، ومن يناجي الحضرة الصمدانية دل عليه الخطاب
~~بأنتم ولهذا قرنه بقوله سبحانه: { حتى تعلموا } الخ، والمجنبون
~~لا يعدمون إحضار القلب، ومن ثم رخص لهم بالأعذار فتأمل جدا،  والجنب
~~ من أصابته الجنابة يستوي فيه على اللغة الفصيحة المذكر والمؤنث والواحد
~~والتثنية والجمع لجريانه مجرى المصدر وإن لم يكنه  كما قاله بعض
~~المحققين  ومن العرب من يثنيه ويجمعه ms01890 فيقول جنبان وأجناب وجنوب،
~~واشتقاقه كما قال أبو البقاء: من المجانبة وهي المباعدة.

# { إلا عابرى } أي مجتازي { سبيل } أي طريق، والمراد إلا
~~مسافرين وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال محله النصب على أنه حال من ضمير
~~{ لا تقربوا } باعتبار تقييده بالحال الثانية دون الأولى، والعامل
~~فيه معنى النهي أي لا تقربوا الصلاة جنبا في حال من الأحوال إلا حال
~~كونكم مسافرين على معنى أنه في حالة السفر ينتهي حكم النهي لكن لا بطريق
~~شمول النفي لجميع صورها بل بطريق نفي الشمول في الجملة من غير دلالة /
~~على انتفاء خصوصية البعض المنتفي ولا على بقاء خصوصية البعض الباقي ولا
~~ثبوت نقيضه لا كليا ولا جزئيا فإن الاستثناء لا يدل على ذلك عبارة، نعم
~~يشير إلى مخالفة حكم ما بعده لما قبله إشارة إجمالية يكتفى بها في
~~المقامات الخطابية لا في إثبات الأحكام الشرعية، فإن ملاك الأمر في ذلك
~~إنما هو الدليل، وقد ورد عقيبه على طريق البيان، قاله المولى شيخ
~~الإسلام، وقيل: هو صفة لجنبا على أن { إلا } بمعنى غير، واعترض بأن مثل
~~هذا إنما يصح عند تعذر الاستثناء ولا تعذر هنا لعموم النكرة بالنفي،
~~وأجيب بأن هذا الشرط في التوصيف ذكره ابن الحاجب وقد خالفه فيه النحاة،
~~ورجح بعضهم الوصفية هنا بناءا على أن الكلام على تقدير الاستثناء يفيد
~~الحصر ولا حصر لورود المريض إشكالا عليه بخلافه على تقدير الوصفية،
~~وادعى البعض إفادة الكلام له مطلقا وأن المريض يرد إشكالا إلا أن يؤل 
~~كما ستعرفه  ومن حمل الصلاة على مواضعها فسر العبور بالاجتياز بها وجوز
~~للجنب عبور المسجد،  وبه قال الشافعي رحمه الله تعالى  والمشهور عندنا
~~منع الجنب المسجد مطلقا، ورخص علي كرم الله تعالى وجهه كما في خبر
~~الترمذي عن أبي سعيد بناءا على ما فسره ضرار بن صرد حين سأله عن معناه
~~علي بن المنذر، وكونه كرم الله تعالى وجهه رخص ثم منع لم يثبت عندي وإن
~~نقله البعض، ونقل الجصاص في «الأحكام» أنه لا يجوز الدخول إلا ms01891 أن يكون
~~الماء أو الطريق فيه، وعن الليث أن الجنب لا يمر فيه إلا أن يكون بابه
~~في المسجد، فقد روي أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد وكان
~~يصيبهم الجنابة ولا يجدون ممرا إلا فيه فرخص لهم في ذلك.

# { حتى تغتسلوا } غاية للنهي عن قربان الصلاة حال الجنابة،
~~ولعل تقديم الاستثناء عليه  كما قال شيخ الإسلام  للإيذان من أول الأمر
~~بأن حكم النهي في هذه السورة ليس على الإطلاق كما في صورة السكر تشويقا
~~إلى البيان وروما لزيادة تقربه في الأذهان، وقيل: لما لم يكن لقوله
~~سبحانه: { حتى تغتسلوا } مدخل في المقصود إذ المقصود إنما هو
~~صحة الصلاة جنبا أخره وقدم الاستثناء عليه، وكان الظاهر عدم ذكره لذلك
~~إلا أنه ذكره تنبيها على أن الجنابة إنما ترتفع بالاغتسال، وفي الآية
~~الكريمة رمز إلى أنه ينبغي للمصلي أن يتحرز عما يلهيه ويشغل قلبه، وأن
~~يزكي نفسه عما يدنسها لأنه إذا وجب تطهير البدن فتطهير القلب أولى أو
~~لأنه إذا صين موضع الصلاة عمن به حدث فلأن يصان القلب الذي هو عرش الرحمن
~~عن خاطر غير طاهر ظاهر الأولوية.

# { وإن كنتم مرضى } تفصيل لما أجمل في الاستثناء وبيان ما هو
~~في حكم المستثنى من الأعذار، والاقتصار فيما قبل على استثناء السفر مع
~~مشاركة الباقي له في حكم الترخيص للإشعار بأنه العذر الغالب المبني على
~~الضرورة الذي يدور عليها أمر الرخصة، ولهذا قيل: المراد بغير عابري سبيل
~~غير معذورين بعذر شرعي إما بطريق الكناية أو بإيماء النص ودلالته. وبهذا
~~يندفع الإيراد السابق على الحصر  وإنما لم يقل: إلا عابري سبيل أو مرضى
~~فاقدي الماء حسا أو حكما  لما أن ما في النظم الكريم أبلغ وأوكد منه
~~لما فيه من الإجمال والتفصيل، ومعرفة تفاضل العقول والأفهام، والمراد
~~بالمرض ما يمنع من استعمال الماء مطلقا سواء كان بتعذر الوصول إليه أو
~~بتعذر استعماله، وأخرج ابن جريج عن ابن مسعود أنه قال: المريض الذي قد
~~أرخص له في التيمم الكسير والجريح فإذا أصابته الجنابة ms01892 لا يحل جراحته إلا
~~جراحة لا يخشى عليها، وأخرج البيهقي في «المعرفة» عن ابن عباس يرفعه «إذا
~~كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله تعالى أو القروح أو الجدري فيجنب فيخاف
~~إن اغتسل أن يموت فليتيمم» والذي تقرر في الفروع: / أن المريض الذي يخاف
~~إذا استعمل الماء أن يشتد مرضه يتيمم، ولا فرق بين أن يشتد مرضه بالتحرك
~~ كالمبطون  أو بالاستعمال  كمن به حصبة أو جدري  ولم يشترط أصحابنا
~~خوف التلف لظاهر النص وهو بإطلاقه يبيح التيمم لكل مريض إلا أن في بعض
~~الآيات ما أخرج من لا يشتد مرضه، وتفصيل ذلك في كتب الفقه.

# { أو على سفر } عطف على (مرضى) أي أو كنتم على سفر ما طال أو
~~قصر، ولعل اختيار هذا على نحو مسافرين لأنه أوضح في المقصود منه، وفي
~~«الهداية»: «ومن لم يجد الماء وهو مسافر أو خارج المصر بينه وبين المصر
~~[نحو] ميل أو أكثر يتيمم»، والظاهر أن حكم من هو خارج المصر غير مسافر
~~كما يقتضيه العطف معلوم بالقياس لا بالنص وإيراد المسافر صريحا مع سبق
~~ذكره بطريق الاستثناء لبناء الحكم الشرعي عليه وبيان كيفيته. فإن
~~الاستثناء  كما أشار إليه شيخ الإسلام  بمعزل من الدلالة على ثبوته
~~فضلا عن الدلالة على كيفيته، وقيل: ذكر السفر هنا لإلحاق المرض به
~~والتسوية بينه وبينه بإلحاق الواجد بالفاقد بجامع العجز عن الاستعمال،
~~وهذه الشرطية ظاهرة على رأي من حمل الصلاة على مواضعها، وفسر العبور
~~بالاجتياز بها إذ ليس فيها حينئذ ما يتوهم منه شائبة التكرار بل هي عنده
~~بيان حكم آخر لم يذكر قبل، وأيد بأن القراء كلهم استحبوا الوقف عند قوله
~~سبحانه: { حتى تغتسلوا } ويبتدءون بقوله تعالى: { وإن
~~كنتم } الخ بل التعبير بالقرب يومىء إلى حمل الصلاة على ذلك لأن حقيقة
~~القرب والبعد في المكان وكذا التعبير ب { عابرى سبيل } هناك وب {
~~على سفر } هنا فيه إيماء إلى الفرق بين ما هنا وما هناك إلا أن
~~الكثير على خلافه، وإنما قدم المرض على السفر للإيذان بأصالته واستقلاله
~~بأحكام ms01893 لا توجد في غيره، وقيل: لأنه سبب النزول، فقد أخرج ابن جريج عن
~~إبراهيم النخعي قال: «نال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جراحة ففشت
~~فيهم ثم ابتلوا بالجنابة فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت:
~~{ وإن كنتم مرضى } الآية كلها» وهذا خلاف ما عليه الجمهور حيث
~~رووا أن نزولها في غزوة المريسيع حين عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~ليلة فسقطت عن عائشة رضي الله تعالى عنها قلادة لأسماء فلما ارتحلوا ذكرت
~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث رجلين في طلبها فنزلوا
~~ينتظرونهما فأصبحوا وليس معهم ماء فأغلظ أبو بكر على عائشة رضي الله
~~تعالى عنها، وقال حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين على غير
~~ماء فنزلت فلما صلوا بالتيمم جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب عائشة فجعل
~~يقول ما أكثر بركتكم يا آل أبي بكر  وفي رواية  يرحمك الله تعالى يا
~~عائشة ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله تعالى فيه للمسلمين فرجا»
~~وهذا يدل على أن سبب النزول كان فقد الماء في السفر وهو ظاهر

# { أو جاء أحد منكم من الغائط } هو المكان المنخفض، وجاء
~~الغيط بفتح الغين وسكون الياء، وبه قرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه 
~~وهو في رأي  مصدر يغوط، وكان القياس غوطا فقلبت الواو ياءا وسكنت
~~وانفتح ما قبلها لخفتها، ولعل الأولى ما قيل: إنه تخفيف غيط كهين وهين،
~~والغيط الغائط، والمجيء منه كناية عن الحدث لأن العادة أن من يريده يذهب
~~إليه ليواري شخصه عن أعين الناس.

# وفي ذكر { أحد } فيه دون غيره إيماء إلى أن الإنسان ينفرد عند قضاء
~~الحاجة كما هو دأبه وأدبه، وقيل: إنما ذكر وأسند المجيء إليه دون
~~المخاطبين تفاديا عن التصريح بنسبتهم إلى ما يستحي منه أو يستهجن
~~التصريح به والفعل عطف على { كنتم } ، والجار الأول: متعلق بمحذوف وقع
~~صفة للنكرة قبله، والثاني: متعلق بالفعل أي وإن جاء أحد كائن منكم من
~~الغائط

# { أو لمستم النساء } يريد سبحانه أو ms01894 جامعتم النساء إلا أنه /
~~كنى بالملامسة عن الجماع لأنه مما يستهجن التصريح به أو يستحي منه، وإلى
~~ذلك ذهب علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن
~~فيكون إشارة إلى الحدث الأكبر كما أن الأول إشارة إلى الحدث الأصغر. وعن
~~ابن مسعود والنخعي والشعبي أن المراد بالملامسة ما دون الجماع أي ماسستم
~~بشرتهن ببشرتكم، وبه استدل الشافعي رضي الله تعالى عنه على أن اللمس ينقض
~~الوضوء، وبه قال الزهري والأوزاعي وقال مالك والليث بن سعد وأحمد في إحدى
~~الروايات عنه: إن كان اللمس بشهوة نقض وإلا فلا، وذهب أبو حنيفة رضي الله
~~تعالى عنه إلى أنه لا ينتقض الوضوء بالمس ولو بشهوة، قيل: ما لم يحدث
~~الانتشار، واختلف قول الشافعي رضي الله تعالى عنه في لمس المحارم كالأم
~~والبنت والأخت، وفي لمس الأجنبية الصغيرة وأصح القولين: أنه لا ينقض كلمس
~~نحو السن والظفر والشعر وينتقض عنده وضوء الملموسة كاللامس في الأظهر
~~لاشتراكهما في مظنة اللذة كالمشتركين في الجماع، وإنما لم ينتقض وضوء
~~الملموس فرجه على مذهبه لأنه لم يوجد منه مس لمظنة لذة أصلا بخلافه هنا،
~~ودليل القول بعدم نقض وضوء الملموس حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها
~~وضعت يدها على قدميه صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، ووجه استدلاله بما في
~~الآية على ما استدل عليه أن الحمل على الحقيقة هو الراجح لا سيما في
~~قراءة حمزة والكسائي  أو لمستم  إذ لم يشتهر اللمس في الجماع
~~كالملامسة، ورجح بعضهم الحمل على الجماع في القراءتين ترجيحا للمجاز
~~المشهور وعملا بهما إذ لا منافاة وهو الأفق بمذهبنا، وقال بعض المحققين:
~~إن المتجه أن الملامسة حقيقة في تماس البدنين بشيء من أجزائهما من غير
~~تقييد باليد، وعلى هذا فالجماع من أفراد مسمى الحقيقة فيتناوله اللفظ
~~حقيقة، وإنما يكون مجازا لو اقتصر على إرادته باللفظ، وادعى الجلال
~~المحلي أن الملامسة حقيقة في الجس باليد مجاز في الوطء، وأن الشافعي رحمه
~~الله تعالى حملها على المعنيين جمعا بين الحقيقة ms01895 والمجاز؛ وظاهر عبارة
~~«الأم» أن الشافعي لم يحمل الملامسة على الوطء بل على ما عداه من أنواع
~~التقاء البشرتين، وأنه إنما ذكر الجس باليد تمثيلا للملامسة بنوع من
~~أنواعها لا تفسيرا لها بذكر كمال معناها الحقيقي كما بينه الكمال ابن
~~أبي شريف فليفهم

# ثم إن نظم هذين الأمرين في سلك سببي سقوط الطهارة والمصير إلى التيمم
~~مع كونهما سببي وجوبهما ليس باعتبار أنفسهما بل باعتبار قيدهما المستفاد
~~من قوله سبحانه: { فلم تجدوا ماء } بل هو السبب في الحقيقة وإنما
~~ذكرا تمهيدا له وتنبيها على أنه سبب للرخصة بعد انعقاد سبب الطهارة
~~بقسميها كأنه قيل: أو لم تكونوا مرضى أو مسافرين بل كنتم فاقدين للماء
~~بسبب من الأسباب مع تحقق ما يوجب استعماله من الحدث الأصغر أو الأكبر.

# قيل: وتخصيص ذكره بهذه الصورة مع أنه معتبر أيضا في صورة المرض والسفر
~~لندرة وقوعه فيها واستغنائهما عن ذكره لأن الجنابة معتبرة فيهما قطعا
~~فيعلم من حكمها حكم الحدث الأصغر بدلالة النص لأن تقدير النظم  لا
~~تقربوا الصلاة في حال الجنابة إلا حال كونكم مسافرين فإن كنتم كذلك، أو
~~كنتم مرضى  الخ، وقيل: إن هذا القيد راجع للكل، وقيد وجوب التطهر المكنى
~~عنه بالمجيء من الغائط والملامسة معتبر فيه أيضا، واعترض بأن النظم
~~الكريم لا يساعده، وفي «الكشف» عن بعضهم أن في الآية تقديما وتأخيرا،
~~والتقدير لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، ولا جنبا ولا جائيا أحد منكم
~~من الغائط، أو لامسا يعني ولا محدثين، ثم قيل: وإن كنتم مرضى أو على سفر
~~فتيمموا، وفيه الفصل بين الشرط والجزاء والمعطوف والمعطوف عليه من غير
~~نكتة، ثم قال بعد أن نقل ما اعترضه: ولعل الأوجه في تقرير الآية  والله
~~تعالى أعلم  أن يجعل عدم الوجدان عبارة عن عدم القدرة على استعمال /
~~الماء لفقد الماء، أو المانع ليصح أن يكون قيدا للكل، أو يحمل على ظاهره
~~ويجعل قيدا للأخيرين لأن عموم الإعواز في حق المسافر غالبا، والمنع من
~~القدرة على استعمال الماء القائم مقامه في حق ms01896 المريض مغن عن التقييد
~~لفظا، وأن يبقى قوله سبحانه: { مرضى أو على سفر } على
~~إطلاقه من غير تقييد بكونهم محدثين أو مجنبين لأن المقصود بيان سبب
~~العدول عن الطهارة بالماء إلى التيمم، أما المشترك بين الطهارتين فلا
~~يحتاج إلى ذكره قصدا وأن يجعل ذكر المحدثين من غير القبيلين بيانا لسبب
~~العدول وهو فقد القدرة من غير سفر ولا مرض لا لأن الحدث سبب وإن أفاد ذلك
~~ضمنا ولم يقل أو لم تجدوا دون ذكر السببين تنبيها على أن عدم الوجدان
~~مرخص بعد انعقاد سبب الطهارة، وأفيد ضمنا أنهما معتبران أيضا في المريض
~~والمسافر إذ لا فرق بين المرض والسفر وبين سائر الأعذار في ذلك انتهى،
~~ولا يخفى أن الحمل على الظاهر أظهر وما ذكره على تقدير الحمل عليه ليس
~~بالبعيد عما قدمناه، نعم الآية من معضلات القرآن، ولعلها تحتاج بعد إلى
~~نظر دقيق، والفاء في { فلم } عاطفة.

# وأما الفاء في قوله سبحانه: { فتيمموا صعيدا طيبا } فواقعة
~~في جواب الشرط، والظاهر أن الضمير راجع إلى جميع ما اشتمل عليه، وفيه
~~تغليب الخطاب على الغيبة، ومثله في ذلك { تجدوا } فلا حاجة إلى تقدير
~~فليتيمم جزاءا لقوله سبحانه: { جاء أحد منكم } والتيمم لغة
~~القصد قال الأعشى:

# (تيممت قيسا) وكم دونه

# من الأرض من مهمه ذي شزن

# والصعيد وجه الأرض كما روي عن الخليل وثعلب، وقال الزجاج: لا أعلم
~~خلافا بين أهل اللغة في أن الصعيد وجه الأرض وسمي بذلك لأنه نهاية ما
~~يصعد إليه من باطن الأرض، أو لصعوده وارتفاعه فوق الأرض، والطيب الطاهر،
~~وعن سفيان الحلال، وقيل: المنبت دون السبخة كما في قوله تعالى:

# والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه

# [الأعراف: 58] والحمل على الأول هو الأنسب بمقام الطهارة، والمعنى
~~فتعمدوا واقصدوا شيئا من وجه الأرض طاهرا، وهذا دليل واضح لجواز التيمم
~~بالكحل والآجر والمرداسنج والياقوت والفيروزج والمرجان والزمرذ ونحو ذلك،
~~وإن لم يكن عليه غبار وإلى ذلك ذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه
~~ومحمد في إحدى الروايتين عنه، وفي رواية أخرى ms01897 عنه  وهو قول أبي يوسف
~~والشافعي وأحمد رضي الله تعالى عنهم  أنه لا يجوز التيمم إلا أن يعلق
~~باليد شيء من التراب لتقييد المسح  ب { منه }  في المائدة [6]،
~~وكلمة (من) للتبعيض وهو يقتضي التراب، والحنفية يحملونها على الإبتداء أو
~~الخروج مخرج الأغلب، وقيل: الضمير للحدث المفهوم من السياق، و (من)
~~للتعليل، وأغرب الإمام مالك فأجاز التيمم بالثلج، وقد شنع الشيعة عليه
~~بذلك، وقد اعتذرنا عنه في كتابنا  «الأجوبة العراقية عن الأسئلة
~~الإيرانية»  ونصب { صعيدا } على أنه مفعول به، وقيل: إنه منصوب بنزع
~~الخافض أي فتيمموا بصعيد

# { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } أي وجوهكم وأيديكم على أن
~~الباء صلة، والمراد استيعاب هذين العضوين بالمسح حتى إذا ترك شيئا منهما
~~لم يجز كما في الوضوء وهو ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن عن الإمام رضي
~~الله تعالى عنه أن الأكثر يقوم مقام الكل لأن الاستيعاب في الممسوحات ليس
~~بشرط كما في مسح الخف والرأس، ووجه الظاهر أن التيمم قائم مقام الوضوء،
~~ولهذا قالوا: يخلل الأصابع وينزع الخاتم ليتم المسح، والاستيعاب في
~~الوضوء شرط فكذا فيما قام مقامه، والأيدي جمع يد، وهي مشتركة بين معان من
~~أطراف الأصابع إلى الرسغ وإلى المرفق وإلى الإبط، / وهل هي حقيقة في واحد
~~منها مجاز في غيره، أو حقيقة فيها جميعا؟ رجح بعضهم الثاني، ولذا ذهب
~~إلى كل منها بعض السلف، فأخرج ابن جرير عن الزهري أن التيمم إلى الآباط،
~~وأخرج عن مكحول أنه قال: التيمم ضربة للوجه والكفين إلى الكوع، وأخرج
~~الحاكم عن ابن عمر في كيفية تيممهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم
~~مسحوا من المرافق إلى الأكف على منابت الشعر من ظاهر وباطن، ومن حديث
~~أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تيمم ومسح يديه إلى مرفقيه 
~~وهذا مذهبنا  ومذهب الشافعي والجمهور  ويشهد لهم القياس  على الوضوء
~~الذي هو أصله؛ وإن كان الحدث والجنابة فيه كيفية سواء، وكذا جوازا على
~~الصحيح المروي عن المعظم.

# ومن الناس من قال: لا يتيمم الجنب والحائض والنفساء ms01898  وهو المروي عن
~~عمر. وابنه وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم  قيل: ومنشأ الخلاف فيما
~~بينهم حمل الملامسة فيما سبق على الوقاع أو المس باليد. فذهب الأولون إلى
~~الأول والآخرون إلى الأخير، وقالوا: القياس أن لا يكون التيمم طهورا
~~وإنما أباحه الله تعالى للمحدث فلا يباح للجنب لأنه ليس معقول المعنى حتى
~~يصح القياس، وليست الجنابة في معنى الحدث لتلحق به بل هي فوقه. وأنت تعلم
~~أن الآية كالصريح في جواز تيمم الجنب وإن لم تحمل الملامسة على الوقاع 
~~كما يشير إليه تفسيرها السابق  على أن الأحاديث ناطقة بذلك، فقد أخرج
~~البخاري عن عمران بن حصين

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم
~~فقال: يا فلان ما منعك أن تصلي؟ فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا
~~ماء قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك "

# وروي

# " أن قوما جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنا قوم
~~نسكن هذه الرمال ولم نجد الماء شهرا أو شهرين وفينا الجنب والحائض
~~والنفساء فقال صلى الله عليه وسلم: عليكم بأرضكم "

# إلى غير ذلك، وهل يرفع التيمم الحدث أم لا؟ خلاف، ولا دلالة في الآية
~~على أحد الأمرين عند من أمعن النظر

# { إن الله كان عفوا غفورا } تعليل لما يفهمه الكلام من
~~الترخيص والتيسير وتقرير لهما فإن من عادته المستمرة أن يعفو عن
~~الخاطئين ويغفر للمذنبين لا بد أن يكون ميسرا لا معسرا، وجوز أن يكون
~~كناية عن ذلك فإنه من روادف العفو وتوابع الغفران، وأدمج فيه أن الأصل
~~الطهارة الكاملة وأن غيرها من الرخص من العفو والغفران، وقيل: العفو هنا
~~بمعنى «التيسير»  كما في التيسير  واستدل على وروده بهذا المعنى بقوله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " عفوت لكم صدقة الخيل والرقيق "

# وذكر المغفرة للدلالة على أنه غفر ذنب المصلين سكارى، وما صدر عنهم في
~~القراءة، وأنت تعلم أن حمل العفو على التيسير في الحديث غير متعين وكون
~~ذكر المغفرة لما ذكر بعيد.

### || [4.44]

# { ألم تر إلى الذين ms01899 أوتوا نصيبا من الكتب }
~~استئناف لتعجيب المؤمنين من سوء حالهم والتحذير عن موالاتهم إثر ذكر
~~أنواع التكاليف والأحكام الشرعية، والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية من
~~المؤمنين؛ وفيه إيذان بكمال شهرة شناعة حالهم، وقيل: لسيد المخاطبين صلى
~~الله عليه وسلم، وخطاب سيد القوم في مقام خطابهم والرؤية بصرية، وتعديها
~~بإلى حملا لها على النظر  أي ألم تنظر إليهم  وجعلها علمية وتعديها
~~بإلى لتضمينها معنى الانتهاء  أي ألم ينته علمك إليهم  منحط في مقام
~~التعجيب وتشهير شنائعهم، ونظمها في سلك الأمور المشاهدة، والمراد من
~~الموصول يهود المدينة. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت
~~في رفاعة بن زيد ومالك بن دخشم كانا إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم لويا لسانهما وعاباه، وعنه أنها / نزلت في حبرين كانا يأتيان رأس
~~المنافقين عبد الله بن أبي ورهطه يثبطانهم عن الإسلام. والمراد من
~~الكتاب التوراة، وقيل: الجنس وتدخل فيه دخولا أوليا وفيه تطويل
~~للمسافة، وقيل: القرآن لأن اليهود علموا أنه كتاب حق أتى به نبي صادق لا
~~شبهة في نبوته، وفيه أنه خلاف الظاهر، وبالذي أوتوه ما بين لهم فيه من
~~الأحكام والعلوم التي من جملتها ما علموه من نعت النبي صلى الله عليه
~~وسلم، والتعبير عن بالنصيب المشعر بأنه حق من حقوقهم التي تجب مراعاتها
~~والمحافظة عليها للإيذان بركاكة آرائهم في الإهمال، والتنوين للتفخيم،
~~وهو مؤيد للتشنيع، ومثله ما لو حمل على التكثير، و { من } متعلقة
~~بمحذوف وقع صفة لنصيبا مبينة لفخامته الإضافية إثر فخامته الذاتية،
~~وقيل: متعلقة  بأوتوا 

# وقوله تعالى: { يشترون الضللة } استئناف مبين لمناط التشنيع
~~ومدار التعجيب المفهومين من صدر الكلام مبني على سؤال نشأ منه كأنه قيل:
~~ماذا يصنعون حتى ينظر إليهم؟ فقيل: يختارون الضلالة على الهدى أو
~~يستبدلونها به بعد تمكنهم منه المنزل منزلة الحصول، أو حصوله لهم بالفعل
~~بإنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال الزجاج: المعنى يأخذون
~~الرشا ويحرفون التوراة، فالضلالة هو هذا التحريف أي اشتروها بمال الرشا،
~~وذهب أبو البقاء ms01900 إلى أن جملة { يشترون } حال مقدرة من ضمير {
~~أوتوا } أو حال من { الذين } ، وتعقب الوجه الأول: بأنه لا ريب في
~~أن اعتبار تقدير اشترائهم المذكور في الإيتاء مما لا يليق بالمقام،
~~والثاني: بأنه خال عن إفادة أن مادة التشنيع والتعجيب هو الاشتراء
~~المذكور، وما عطف عليه من قوله تعالى: { ويريدون أن تضلوا
~~السبيل } فالأوجه الاستئناف والمعطوف شريك للمعطوف عليه فيما سبق له،
~~والمعنى أنهم لا يكتفون بضلال أنفسهم بل يريدون بما فعلوا من تكذيب
~~النبي صلى الله عليه وسلم وكتم نعوته الناطقة بها التوراة أن تكونوا
~~أنتم أيضا ضالين الطريق المستقيم الموصل إلى الحق، والتعبير بصيغة
~~المضارع في الموضعين للإيذان بالاستمرار التجددي فإن تجدد حكم اشترائهم
~~المذكور وتكرر العمل بموجبه في قوة تجدد نفسه وتكرره، وفي ذلك أيضا من
~~التشنيع ما لا يخفى، وقرىء { أن يضلوا } بالياء بفتح الضاد وكسرها.

### || [4.45]

# { والله أعلم } منكم أيها المؤمنون { بأعدائكم } الذين
~~من جملتهم هؤلاء، وقد أخبركم بعداوتهم لكم وما يريدون فاحذروهم، فالجملة
~~معترضة للتأكيد وبيان التحذير وإلا فأعلمية الله تعالى معلومة، وقيل:
~~المعنى أنه تعالى أعلم بحالهم ومآل أمرهم فلا تلتفتوا إليهم ولا تكونوا
~~في فكر منهم { وكفى بالله وليا } يلي أمركم وينفعكم بما شاء
~~{ وكفى بالله نصيرا } يدفع عنكم مكرهم وشرهم فاكتفوا بولايته
~~ونصرته ولا تبالوا بهم ولا تكونوا في ضيق مما يمكرون؛ وفي ذلك وعد
~~للمؤمنين ووعيد لأعدائهم، والجملة معترضة أيضا، والباء مزيدة في فاعل {
~~كفى } تأكيدا للنسبة بما يفيد الاتصال وهو الباء الإلصاقية، وقال
~~الزجاج: إنما دخلت هذه الباء لأن الكلام على معنى اكتفوا بالله، و {
~~وليا } و { نصيرا } منصوبان على التمييز، وقيل: على الحال، وتكرير
~~الفعل في الجملتين مع إظهار الاسم الجليل لتأكيد كفايته عز وجل مع
~~الإشعار بالعلية.

### || [4.46]

# { من الذين هادوا } قيل: هو بيان  للذين أوتوا  المتناول
~~بحسب المفهوم لأهل الكتابين، وقد وسط بينهما ما وسط لمزيد الاعتناء ببيان
~~محل التشنيع والتعجيب والمسارعة إلى تنفير المؤمنين عنهم والاهتمام بحثهم
~~على / الثقة بالله تعالى والاكتفاء بولايته ونصرته، واعترضه ms01901 أبو حيان بأن
~~الفارسي قد منع الاعتراض بجملتين فما ظنك بالثلاث؟! وأجاب الحلبي بأن
~~الخلاف إذا لم يكن عطف  والجمل هنا متعاطفة  وبه يصير الشيئان شيئا
~~واحدا، وقيل: إنه بيان لأعدائكم، وفيه أنه لا وجه لتخصيص علمه سبحانه
~~بطائفة من أعدائهم لا سيما في معرض الاعتراض، وقيل: إنه صلة  لنصير  أي
~~ينصركم من الذين هادوا وفيه تحجير لواسع نصرة الله تعالى مع أنه لا داعي
~~لوضع الموصول موضع ضمير الأعداء وكون ما في حيز الصلة وصفا ملائما
~~للنصر غير ظاهر، وقيل: إنه خبر مبتدأ محذوف.

# وقوله تعالى: { يحرفون الكلم عن موضعه } صفة له أي: من
~~الذين هادوا قوم يحرفون ويتعين هذا في قراءة عبد الله و { من الذين
~~} وقد تقرر أن المبتدأ إذا وصف بجملة أو ظرف، وكان بعض اسم مجرور بمن أو
~~في مقدم عليه يطرد حذفه، ومنه قوله:

# وما الدهر إلا تارتان فمنهما

# أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح

# والفراء يجعل المبتدأ المحذوف اسما موصولا، و { يحرفون } صلته
~~أي: من الذين هادوا من يحرفون والبصريون يمنعون حذف الموصول مع بقاء صلته
~~إلا أنه يؤيده ما في مصحف حفصة رضي الله تعالى عنها  من يحرفون 
~~واعترض هذا أيضا بأنه يقتضي بظاهره كون الفريق السابق بمعزل من التحريف
~~الذي هو المصداق لاشترائهم في الحقيقة، والكلم اسم جنس واحده كلمة 
~~كلبنة ولبن، ونبقة ونبق  وقيل: جمع  وليس بشيء على المختار  ولعل من
~~أطلقه عليه أراد المعنى اللغوي أعني ما يدل على ما فوق الإثنين مطلقا،
~~وتذكير ضميره باعتبار أفراده لفظا، وجمعيته باعتبار تعدده معنى، وقرىء
~~بكسر الكاف وسكون اللام جمع  كلمة  تخفيف كلمة بنقل كسرة اللام إلى
~~الكاف، وقرىء { يحرفون الكلام } ، والمراد به ههنا إما ما في
~~التوراة وإما ما هو أعم منه، ومما سيحكي عنهم من الكلمات الواقعة منهم في
~~أثناء محاورتهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم، والأول: هو المأثور عن
~~السلف كابن عباس ومجاهد وغيرهما، وتحريف ذلك إما إزالته عن مواضعه التي
~~وضعه الله تعالى فيها من التوراة كتحريفهم ms01902  ربعة  في نعت النبي صلى
~~الله عليه وسلم، ووضعهم مكانه طوال، وكتحريفهم  الرجم  ووضع الحد
~~موضعه، وإما صرفه عن المعنى الذي أنزله الله تعالى فيه إلى ما لا صحة له
~~بالتأويلات الفاسدة والتمحلات الزائغة كما تفعله المبتدعة في الآيات
~~القرآنية المخالفة لمذهبهم، ويؤيد الأول ما رواه البخاري عن ابن عباس
~~قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسوله أحدث
~~تقرءونه محضا لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله تعالى
~~وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنا
~~قليلا، واستشكل بأنه كيف يمكن ذلك في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه
~~وكلماته مبلغ التواتر وانتشرت نسخه شرقا وغربا؟!.

# وأجيب بأن ذلك كان قبل اشتهار الكتاب في الآفاق وبلوغه مبلغ التواتر
~~وفيه بعد، وإن أيد بوقوع الاختلاف في نسخ التوراة التي عند طوائف اليهود،
~~وقيل: إن اليهود فعلوا ذلك في نسخ من التوراة ليضلوا بها ولما لم ترج
~~عدلوا إلى التأويل، والمراد من { مواضعه } على تقدير إرادة الأعم ما
~~يليق به مطلقا سواء كان ذلك بتعيينه تعالى صريحا كمواضع ما في التوراة
~~أو بتعيين العقل والدين كمواضع غيره، وأصل التحريف إمالة الشيء إلى حرف
~~أي طرف فإذا كان { يحرفون } بمعنى يزيلون كان كناية لأنهم إذا بدلوا
~~الكلم ووضعوا مكانه غيره لزم أنهم أمالوه عن مواضعه وحرفوه، والفرق بين
~~ما هنا وما يأتي في سورة المائدة [41] من قوله سبحانه:

# من بعد مواضعه

# أن الثاني أدل على ثبوت مقار الكلم واشتهارها مما هنا، وذلك لأن الظرف
~~يدل على أنه بعد ما ثبت الموضع / وتقرر حرفوه عنه، واختار ذلك هنالك لأن
~~فيه ما يقتضي الاتيان بالأدل الأبلغ.

# { ويقولون } عطف على { يحرفون } وأكثر العلماء على أن المراد
~~به القول اللساني بمحضر النبي صلى الله عليه وسلم، واختار البعض حمله
~~على ما يعم ذلك وما يترجم عنه عنادهم ومكابرتهم ليندرج فيه ما نطقت به
~~ألسنة حالهم عند تحريف التوراة ولا يقيد حينئذ بزمان أو مكان ولا يخصص ms01903
~~بمادة دون مادة ويحتاج إلى ارتكاب عموم المجاز لئلا يلزم الجمع بين
~~الحقيقة والمجاز والمعنى عليه أنهم مع ذلك التحريف يقولون ويفهمون في كل
~~أمر مخالف لأهوائهم الفاسدة سواء كان بمحضر النبي صلى الله عليه وسلم أو
~~بلسان الحال أو المقال عنادا وتحقيقا للمخالفة { سمعنا } أي فهمنا
~~{ وعصينا } أي لم نأتمر وبذلك فسره الراغب { واسمع غير
~~مسمع } عطف على { سمعنا } داخل معه تحت القول لكن باعتبار أنه
~~لساني، وفي أثناء مخاطبته صلى الله عليه وسلم  وهو كلام ذو وجهين 
~~محتمل للشر والخير، ويسمى في البديع بالتوجيه كما قاله غير واحد، ومثلوا
~~له بقوله:

# خاط لي عمرو قباء

# ليت عينيه سواء

# واحتماله للشر بأن يحمل على معنى اسمع مدعوا عليك بلا سمعت، أو اسمع غير
~~مجاب إلى ما تدعو إليه، أو اسمع نابي السمع عما تسمعه لكراهيته عليك، أو
~~اسمع كلاما غير مسمع إياك لأن أذنيك تنبو عنه  فغير  إما حال لا غير،
~~وإما مفعول به وصحت الحالية على الاحتمال الأول باعتبار أن الدعاء هو
~~المقصود لهم وأنهم لما قدروا  لعنهم الله تعالى  إجابته صار كأنه واقع
~~مقرر، واحتماله للخير بأن يحمل على معنى: اسمع منا غير مسمع مكروها من
~~قولهم: أسمعه فلان إذا سبه، وكان أصله أسمعه ما يكره فحذف مفعوله نسيا
~~منسيا وتعورف في ذلك، وقد كانوا لعنهم الله تعالى يخاطبون بذلك رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم استهزاءا مظهرين له صلى الله عليه وسلم المعنى
~~الأخير وهم يضمرون سواه.

# { ورعنا } عطف على ما قبله أي ويقولون أيضا في أثناء خطابهم له صلى
~~الله عليه وسلم هذا وهو ذو وجهين كسابقه، فاحتماله للخير على معنى أمهلنا
~~وانظر إلينا، أو انتظرنا نكلمك، واحتماله للشر بحمله على السب، ففي
~~«التيسير»: إن راعنا بعينه مما يتسابون به وهو للوصف بالرعونة، وقيل: إنه
~~يشبه كلمة سب عندهم عبرانية أو سريانية وهي راعينا، وقيل: بل كانوا
~~يشبعون كسر العين ويعنون  لعنهم الله تعالى  أنه  وحاشاه صلى الله
~~عليه وسلم  بمنزلة خدمهم ورعاة غنمهم، وقد ms01904 كانوا يقولون ذلك مظهرين
~~الاحترام والتوقير مضمرين ما يستحقون به جهنم وبئس المصير. وهذا نوع من
~~النفاق ولا ينافيه تصريحهم بالعصيان لما قيل: إن جميع الكفار يخاطبون
~~النبي صلى الله عليه وسلم بالكفر ولا يخاطبونه بالسب والذم والدعاء عليه
~~عليه الصلاة والسلام، واعترض بأنه حينئذ لا وجه لإيراد السماع والعصيان
~~مع التحريف وإلقاء الكلام المحتمل احتيالا، وأجيب بأنه يمكن أن يقال:
~~المقصود على هذا عد صفاتهم الذميمة لا مجرد التحريف والاحتيال فكأنه قيل:
~~يحرفون كتابهم ويجاهرون بإنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قالا
~~وحالا وعصيانهم بعد سماع ما بلغهم وتحققه لديهم ويحتالون في سبه صلى
~~الله عليه وسلم، وقيل: إن قولهم { سمعنا وعصينا } لم يكن بمحضره
~~عليه الصلاة والسلام بل كان فيما بينهم فلا ينافي نفاقهم في الجملتين بين
~~يديه صلى الله عليه وسلم، وقيل: القول نظرا إلى الجملة الأولى حالي وإلى
~~الجملتين الأخيرتين لساني، وقيل: إن الأولى أيضا ذات وجهين كالأخيرتين
~~إذ يحتمل أن يكون مرادهم أطعنا أمرك وعصينا أمر قومنا، / ويحتمل أن يكون
~~مرادهم ما تقدم. ومن الناس من جوز أن يراد بتحريف الكلم إمالتها عن
~~مواضعها سواء كانت مواضع وضعها الله تعالى فيها أو جعلها المقام والعرف
~~مواضع لذلك فيكون المعنى هم قوم عادتهم التحريف، ويكون قوله سبحانه: {
~~ويقولون } الخ تعدادا لبعض تحريفاتهم، والمراد إنهم يقولون لك:
~~سمعنا وعند قومهم عصينا ويقولون كذا وكذا فيظهرون لك شيئا ويبطنون
~~خلافه.

# { ليا بألسنتهم } اللي يكون بمعنى الانحراف والالتفات
~~والانعطاف عن جهة إلى أخرى، ويكون بمعنى ضم إحدى نحو طاقات الحبل على
~~الأخرى. والمراد به هنا إما صرف الكلام من جانب الخير إلى جانب الشر،
~~وإما ضم أحد الأمرين إلى الآخر، وأصله لوى فقلبت الواو ياءا وأدغمت،
~~ونصبه على أنه مفعول له  ليقولون  باعتبار تعلقه بالقولين الأخيرين،
~~وقيل: بالأقوال جميعها، أو على أنه حال أي  لاوين  ومثله في ذلك قوله
~~تعالى: { وطعنا فى الدين } أي قدحا فيه بالاستهزاء والسخرية، وكل
~~من الظرفين متعلق بما عنده { ولو أنهم } عندما سمعوا ms01905 شيئا من
~~أوامر الله تعالى ونواهيه { قالوا } بلسان المقال كما هو الظاهر أو به
~~وبلسان الحال كما قيل: { سمعنا } سماع قبول مكان قولهم: { سمعنا
~~} المراد به سماع الرد { وأطعنا } مكان قولهم: { وعصينا }  {
~~واسمع } بدل قولهم: { أسمع غير مسمع }. { وانظرنا }
~~بدل قولهم: { رعنا }  { لكان } قولهم هذا { خيرا لهم }
~~وأنفع من قولهم ذلك { وأقوم } أي أعدل في نفسه، وصيغة التفضيل إما
~~على بابها واعتبار أصل الفعل في المفضل عليه بناءا على اعتقادهم أو
~~بطريق التهكم، وإما بمعنى اسم الفاعل فلا حاجة إلى تقدير من، وفي تقديم
~~حال القول بالنسبة إليهم على حاله في نفسه إيماء إلى أن همم اليهود لعنهم
~~الله تعالى طماحة إلى ما ينفعهم، والمنسبك من (أن) وما بعدها فاعل ثبت
~~المقدر لدلالة أن عليه أي: لو ثبت قولهم سمعنا الخ وهو مذهب المبرد،
~~وقيل: مبتدأ لا خبر له، وقيل: خبره مقدر.

# { ولكن لعنهم الله بكفرهم } أي ولكن لم يقولوا الأنفع
~~والأقوم، واستمروا على ذلك فخذلهم الله تعالى وأبعدهم عن الهدى بسبب
~~كفرهم { فلا يؤمنون } بعد { إلا قليلا } اختار العلامة
~~الثاني كونه استثناء من ضمير المفعول في { لعنهم } أي ولكن لعنهم
~~الله تعالى إلا فريقا قليلا منهم فإنه سبحانه لم يلعنهم فلهذا آمن من
~~آمن منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه، وقيل: هو مستثنى من فاعل {
~~يؤمنون } ويتجه عليه أن الوجه حينئذ الرفع على البدل لأنه من كلام
~~غير موجب مع أن القراء قد اتفقوا على النصب، ويبعد منهم الاتفاق على غير
~~المختار مع أنه يقتضي وقوع إيمان من لعنه الله تعالى وخذله إلا أن يحمل {
~~لعنهم الله بكفرهم } على لعن أكثرهم وهو كما ترى، وقيل:
~~إنه صفة مصدر محذوف أي إلا إيمانا قليلا لأنهم وحدوا وكفروا بمحمد صلى
~~الله عليه وسلم وشريعته، والإيمان بمعنى التصديق لا الإيمان الشرعي، وجوز
~~على هذا الوجه أن يراد بالقلة العدم كما في قوله:

# قليل التشكي للمهم يصيبه

# كثير الهوى شتى النوى والمسالك

# والمراد أنهم لا يؤمنون إلا إيمانا معدوما إما على حد

# لا ms01906 يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى

# [الدخان: 56] أي إن كان المعدوم إيمانا فهم يحدثون شيئا من الإيمان
~~فهو من التعليق بالمحال، أو أن ما أحدثوه منه لما لم يشتمل / على ما لا
~~بد منه كان معدوما انعدام الكل بجزئه، والوجه هو الأول.

### || [4.47]

# { يأيها الذين أوتوا الكتب } نزلت كما قال السدي في
~~زيد بن التابوت ومالك بن الصيف.

# وأخرج البيهقي في «الدلائل» وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~قال:

# " كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود منهم عبد الله
~~بن صوريا وكعب بن أسد فقال لهم: يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فوالله
~~إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد فأنزل
~~الله تعالى فيهم الآية "

# ولا يخفى أن العبرة لعموم اللفظ وهو شامل لمن حكيت أحوالهم وأقوالهم
~~ولغيرهم، وجعل الخطاب للأولين خاصة  بطريق الالتفات، وأن وصفهم بإيتاء
~~الكتاب تارة وبإيتاء نصيب منه أخرى لتوفية كل من المقامين حظه  بعيد
~~جدا، ولما كان تفصيل هاتيك الأحوال والأقوال من مظان إقلاع من توجه
~~الخطاب إليهم عما هم عليه من الضلالة عقب ذلك بالأمر بالمبادرة إلى سلوك
~~محجة الهدى مشفوعا بالتحذير والتخويف والوعيد الشديد على المخالفة فقال
~~سبحانه:

# { ءامنوا } إيمانا شرعيا { بما نزلنا } أي بالذي أنزلناه
~~من عندنا على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن { مصدقا
~~لما معكم } من التوراة الغير المبدلة، وقد تقدم كيفية تصديق القرآن
~~لذلك وعبر عن التوراة بما ذكر للإيذان بكمال وقوفهم على حقيقة الحال
~~المؤدي إلى العلم بكون القرآن مصدقا لها { من قبل أن نطمس
~~وجوها } متعلق بالأمر مفيد للمسارعة إلى الامتثال لما فيه من الوعيد
~~الوارد على أبلغ وجه وآكده حيث لم يعلق وقوع المتوعد به بالمخالفة ولم
~~يصرح بوقوعه عندها تنبيها على أن ذلك أمر محقق غني عن الإخبار به؛ وأنه
~~على شرف الوقوع متوجه نحو المخاطبين، وفي تنكير وجوه تهويل للخطب (مع)
~~لطف وحسن استدعاء، وأصل الطمس استئصال أثر الشيء، والمراد ms01907 آمنوا من قبل
~~أن نمحو ما خطه الباري بقلم قدرته في صحائف الوجوه من نون الحاجب، وصاد
~~العين، وألف الأنف، وميم الفم فنجعلها كخف البعير أو كحافر الدابة، وروي
~~هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقال الفراء والبلخي وحسين
~~المغربي: إن المعنى آمنوا من قبل أن نجعل الوجوه منابت الشعر كوجوه
~~القردة.

# { فنردها على أدبارها } أي فنجعلها على هيئة أدبارها
~~وإقفائها مطموسة مثلها فإن ما خلف الوجه لا تصوير فيه وهو منبت الشعر
~~أيضا؛ والعطف بالفاء إما على إرادة نريد الطمس، أو على جعل العطف من عطف
~~المفصل على المجمل، وعن عطية العوفي: أن المراد ننكسها بعد الطمس بجعل
~~العيون التي فيها وما معها في القفا، فالعطف بالفاء ظاهر، وقيل: المراد
~~بالوجوه الوجهاء على أن الطمس بمعنى مطلق التغيير أي من قبل أن نغير
~~أحوال وجهائهم فنسلب وجاهتهم وإقبالهم ونكسوهم صغارا وإدبارا، أو نردهم
~~من حيث جاءوا منه وهي أذرعات الشام، فالمراد بذلك إجلاء بني النضير، وإلى
~~هذا المراد ذهب ابن زيد، وضعف بأنه لا يساعده مقام تشديد الوعيد وتعميم
~~التهديد للجميع.

# وقد اختلف في أن الوعيد هل كان بوقوعه في الدنيا أو في الآخرة، فقال
~~جماعة: كان بوقوعه في الدنيا وأيد بما أخرجه ابن جرير عن عيسى بن المغيرة
~~قال: تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب فقال: أسلم كعب في زمان عمر رضي الله
~~تعالى عنه أقبل وهو يريد بيت المقدس فمر على المدينة فخرج إليه عمر فقال:
~~يا كعب أسلم قال: ألستم تقرءون في كتابكم:

# مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها
~~كمثل الحمار يحمل أسفارا

# [الجمعة: 5]؟ وأنا قد حملت التوراة / فتركه، ثم خرج حتى انتهى إلى حمص
~~فسمع رجلا من أهلها يقرأ هذه الآية فقال: رب آمنت رب أسلمت مخافة أن
~~يصيبه وعيدها، ثم رجع فأتى أهله باليمن ثم جاء بهم مسلمين، وروي أن عبد
~~الله بن سلام لما قدم من الشام وقد سمع هذه الآية أتى رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم قبل أن يأتي ms01908 أهله فأسلم، وقال: يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل
~~إليك حتى يتحول وجهي إلى قفاي، ثم اختلفوا فقال المبرد: إنه منتظر بعد
~~ولا بد من طمس في اليهود ومسخ قبل قيام الساعة، وأيد بتنكير وجوه،
~~والتعبير بضمير الغيبة فيما يأتي، واعترضه شيخ الإسلام بأن انصراف العذاب
~~الموعود عن أوائلهم وهم الذين باشروا أسباب نزوله وموجبات حلوله حيث
~~شاهدوا شواهد النبوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذبوها وفي
~~التوراة فحرفوها وأصروا على الكفر والضلالة، وتعلق بهم خطاب المشافهة
~~بالوعيد ثم نزوله على من (وجه بعد ما فات) من السنين من أعقابهم الضالين
~~بإضلالهم (العاملين) بما مهدوا من قوانين الغواية بعيد من حكمة العزيز
~~الحكيم، والجواب بأن عادة الله سبحانه قد جرت مع اليهود بأن ينتقم من
~~أخلافهم بما صنعت أسلافهم وإن لم يعلم وجه الحكمة فيه على تقدير تسليمه
~~لا يزيل البعد في هذه الصورة، وقال الطبرسي: «إن هذا الوعيد كان متوجها
~~إليهم لو لم يؤمن أحد منهم، وقد آمن جماعة من أحبارهم فلم يقع ورفع عن
~~الباقين»، واعترض أيضا بأن إسلام البعض إن لم يكن سببا لتأكد نزول
~~العذاب على الباقين لتشديدهم النكير والعناد بعد ازدياد الحق وضوحا
~~وقيام الحجة عليهم بشهادة أماثلهم العدول فلا أقل من أن لا يكون سببا
~~لرفعه عنهم، وقيل: في الجواب إنه إذا جاز أن ينزل سبحانه البلاء على قوم
~~بسبب عصيان بعض منهم كما يشير إليه قوله تعالى:

# واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم
~~خاصة

# [الأنفال: 25] فلأن يجوز أن يرفع ذلك عن الكل بسبب طاعة البعض من باب
~~أولى لأنه سبحانه الرحمن الرحيم الذي سبقت رحمته غضبه. وقد ورد في
~~الأخبار ما يدل على وقوع ذلك، ودعوى الفرق مما لا تكاد تسلم.

# وقيل: كان الوعيد بوقوع أحد الأمرين كما ينطق به قوله تعالى: { أو
~~نلعنهم كما لعنا أصحب السبت } فإن لم يقع الأمر
~~الأول فلا نزاع في وقوع الأمر الثاني فإن اليهود ملعونون بكل لسان وفي كل
~~زمان، فاللعن ms01909 بمعناه الظاهر؛ والمراد من التشبيه بلعن أصحاب السبت
~~الإغراق في وصفه، واعترض بأن اللعن الواقع عليهم ما تداولته الألسنة وهو
~~بمعزل من صلاحيته أن يكون حكما لهذا الوعيد أو مزجرة عن مخالفة للعنيد،
~~فاللعن هنا الخزي بالمسخ وجعلهم قردة وخنازير كما أخرجه ابن المنذر عن
~~الضحاك وابن جرير عن الحسن، ويؤيده ظاهر التشبيه، وليس في عطفه على الطمس
~~والرد على الأدبار شائبة دلالة [عدم] على إرادة ذلك ضرورة أنه (تعبير)
~~مغاير لما عطف عليه، والاستدلال على مغايرة اللعن للمسخ بقوله تعالى:

# قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من
~~لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة
~~والخنازير

# [المائدة: 60] لا يفيد أكثر من مغايرته للمسخ في تلك الآية، وذهب البلخي
~~والجبائي إلى أن الوعيد إنما كان بوقوع ما ذكر في الآخرة عند الحشر وسيقع
~~فيها أحد الأمرين أو كلاهما على سبيل التوزيع. وأجيب عما روي عن الحبرين
~~الظاهر في أن ذلك في الدنيا بأنه مبني على الاحتياط وغلبة الخوف اللائق
~~(بشأنها)، وقد ورد

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر الدخول والخروج في الحجرات ولا
~~يكاد يقر له قرار إذا اشتد الهواء، ويقول: أخشى أن تقوم الساعة "

# مع علمه صلى الله عليه وسلم بأن قبل قيامها القائم وعيسى عليه السلام
~~والدجال عليه اللعنة والدابة وطلوع الشمس من مغربها إلى غير ذلك مما قصه
~~صلى الله عليه وسلم علينا، وجوز بعضهم على تقدير كون الوعيد بالوقوع في
~~الآخرة أن يراد بالطمس والرد على الأدبار الختم / على العين والفم والطبع
~~عليهما، فقد قال الله تعالى:

# لطمسنا على أعينهم

# [يس: 66] و

# اليوم نختم على أفوههم

# [يس: 65] وجوز نحو هذا بعض من ادعى أن ذلك في الدنيا فقال: إن المعنى
~~آمنوا من قبل أن نطمس وجوها بأن نعمي الأبصار عن الاعتبار، ونصم الأسماع
~~عن الإصغاء إلى الحق بالطبع، ونردها عن الهداية إلى الضلالة. وروي ذلك عن
~~الضحاك وأخرجه أبو الجارود عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه، والحق أن
~~الآية ليست بنص ms01910 في كون ذلك في الدنيا أو في الآخرة بل المتبادر منها بحسب
~~المقام كونه في الدنيا لأنه أدخل في الزجر، وعليه مبنى ما روي عن الحبرين
~~لكن لما كان في وقوع ذلك خفاء واحتمال أنه وقع ولم يبلغنا  على ما في
~~«التيسير»  مما لا يلتفت إليه، ورجح احتمال كونه في الآخرة، وأيا ما
~~كان فلعل السر في تخصيصهم بهذه العقوبة من بين العقوبات  كما قال شيخ
~~الإسلام  مراعاة المشاكلة (بينها) وبين ما أوجبها من جنايتهم التي هي
~~التحريف والتغيير والفاعل والراضي سواء، والضمير المنصوب في  نلعنهم 
~~لأصحاب الوجوه، أو  للذين  على طريق الالتفات لأنه بعد تمام النداء
~~يقتضي الظاهر الخطاب، وأما قبله فالظاهر الغيبة، ويجوز الخطاب لكنه غير
~~فصيح كقوله:

# يا من يعز علينا أن نفارقهم

# وجداننا (كل شيء) بعدكم عدم

# أو للوجوه إن أريد به الوجهاء { وكان أمر الله } بإيقاع شيء ما
~~من الأشياء، فالمراد بالأمر معناه المعروف، ويحتمل أن يراد به واحد
~~الأمور ولعله الأظهر أي كان وعيده أو ما حكم به وقضاه { مفعولا }
~~نافذا واقعا في الحال أو كائنا في المستقبل لا محالة، ويدخل في ذلك ما
~~أوعدتم به دخولا أوليا، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما سبق، ووضع
~~الاسم الجليل موضع الضمير بطريق الالتفات لما مر غير مرة.

### || [4.48]

# { إن الله لا يغفر أن يشرك به } كلام مستأنف مقرر لما
~~قبله من الوعيد ومؤكد وجوب امتثال الأمر بالإيمان حيث إنه لا مغفرة بدونه
~~كما زعم اليهود، وأشار إليه قوله تعالى:

# فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتب يأخذون
~~عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا

# [الأعراف: 169] وفيه أيضا إزالة خوفهم من سوء الكبائر السابقة إذا
~~آمنوا. والشرك يكون بمعنى اعتقاد أن لله تعالى شأنه شريكا إما في
~~الألوهية أو في الربوبية، وبمعنى الكفر مطلقا  وهو المراد هنا  كما
~~أشار إليه ابن عباس فيدخل فيه كفر اليهود دخولا أوليا فإن الشرع قد نص
~~على إشراك أهل الكتاب قاطبة وقضى بخلود أصناف الكفرة كيف كانوا، ونزول
~~الآية في حق اليهود على ms01911 ما روي عن مقاتل لا يقتضي الاختصاص بكفرهم بل
~~يكفي الاندراج فيما يقتضيه عموم اللفظ، والمشهور أنها نزلت مطلقة، فقد
~~أخرج ابن المنذر عن أبي مجلز قال: «لما نزل قوله تعالى:

# قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم

# [الزمر: 53] الآية قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فتلاها على
~~الناس فقام إليه رجل فقال: والشرك بالله؟ فسكت، ثم قام إليه فقال: يا
~~رسول الله والشرك بالله تعالى؟ فسكت مرتين أو ثلاثا فنزلت هذه الآية: {
~~إن الله لا يغفر أن يشرك به } » الخ والمعنى أن الله
~~تعالى لا يغفر الكفر لمن اتصف به بلا توبة وإيمان لأنه سبحانه بت الحكم
~~على خلود عذابه، وحكمه لا يتغير، ولأن الحكمة التشريعية مقتضية لسد باب
~~الكفر ولذا لم يبعث نبي إلا لسده وجواز مغفرته بلا إيمان مما يؤدي إلى
~~فتحه، وقيل: لأن ذنبه لا ينمحي عنه أثره فلا يستعد للعفو بخلاف غيره، ولا
~~يخفى أن هذا مبني على أن فعل الله تعالى تابع لاستعداد المحل، وإليه ذهب
~~أكثر الصوفية وجميع الفلاسفة، فإن { يشرك } في موضع / النصب على
~~المفعولية؛ وقيل: المفعول محذوف والمعنى لا يغفر من أجل أن يشرك به شيئا
~~من الذنوب فيفيد عدم غفران الشرك من باب أولى، والذي عليه المحققون هو
~~الأول.

# { ويغفر ما دون ذلك } عطف على خبر (إن) لا مستأنف، وذلك
~~إشارة إلى الشرك، وفيه إيذان ببعد درجته في القبح أي يغفر ما دونه من
~~المعاصي وإن عظمت وكانت كرمل عالج، ولم يتب عنها تفضلا من لدنه وإحسانا
~~{ لمن يشاء } أن يغفر له ممن اتصف بما ذكر فقط، فالجار متعلق  بيغفر
~~ المثبت، والآية ظاهرة في التفرقة بين الشرك وما دونه بأن الله تعالى لا
~~يغفر الأول البتة ويغفر الثاني لمن يشاء، والجماعة يقولون بذلك عند عدم
~~التوبة فحملوا الآية عليه بقرينة الآيات والأحاديث الدالة على قبول
~~التوبة فيهما جميعا، ومغفرتهما عندها بلا خلاف من أحد، وذهب المعتزلة
~~إلى أنه لا فرق بين الشرك وما دونه من الكبائر في أنهما يغفران ms01912 بالتوبة
~~ولا يغفران بدونها فحملوا الآية كما قيل: على معنى  إن الله لا يغفر
~~الإشراك لمن يشاء أن لا يغفر له وهو غير التائب ويغفر ما دونه لمن يشاء
~~أن يغفر له وهو التائب  وجعلوا { لمن يشاء } متعلقا بالفعلين
~~وقيدوا المنفي بما قيد به المثبت على قاعدة التنازع لكن { من يشآء }
~~في الأول: المصرون بالاتفاق، وفي الثاني: التائبون قضاءا لحق التقابل
~~وليس هذا من استعمال اللفظ الواحد في معنيين متضادين لأن المذكور إنما
~~تعلق بالثاني وقدر في الأول مثله والمعنى واحد لكن يقدر مفعول المشيئة في
~~الأول: عدم الغفران، وفي الثاني: الغفران بقرينة سبق الذكر، ولايخفى أن
~~كون هذا من التنازع مع اختلاف متعلق المشيئة مما لا يكاد يتفوه به فاضل
~~ولا يرتضيه كامل على أنه لا جهة لتخصيص كل من القيدين بما خصص لأن الشرك
~~أيضا يغفر للتائب وما دونه لا يغفر للمصر عندهم من غير فرق بينهما، وسوق
~~الآية ينادي بالتفرقة وتقييد مغفرة { ما دون ذلك } بالتوبة مما لا
~~دليل عليه إذ ليس عموم آيات الوعيد بالمحافظة أولى من آيات الوعد.

# وقد ذكر الآمدي في «أبكار الأفكار» أنها راجحة على آيات الوعيد
~~بالاعتبار من ثمانية أوجه سردها هناك وزعم أنها لو لم تقيد، وقيل: بجواز
~~المغفرة لمن لم يتب لزم إغراء الله تعالى للعبد بالمعصية لسهولتها عليه
~~حينئذ والإغراء بذلك قبيح يستحيل على الله سبحانه ليس بشيء، أما أولا:
~~فلأنه مبني على القول بالحسن والقبح العقليين وقد أبطل في محلة، وأما
~~ثانيا: فلأن لو سلم يلزم منه تقبيح العفو شاهدا وهو خلاف إجماع
~~العقلاء، وأما ثالثا: فلأنه منقوض بالتوبة فإنهم قالوا: بوجوب قبولها
~~ولا يخفى أن ذلك مما يسهل على العاصي الإقدام على المعصية أيضا ثقة منه
~~بالتوبة حسب وثوقه بالمغفرة بل أبلغ من حيث إن التوبة مقدورة له بخلاف
~~المغفرة فكان يجب أن لا تقبل توبته لما فيه من الإغراء وهو خلاف الإجماع
~~فلئن قالوا: هو غير واثق بالإمهال إلى التوبة قلنا: هو غير واثق بالمغفرة
~~لإبهام ms01913 الموصول، والقول: بأنه لو لم تشترط التوبة لزم المحاباة من الله
~~تعالى في الغفران للبعض دون البعض والمحاباة غير جائزة عليه تعالى ساقط
~~من القول لأن الله تعالى متفضل بالغفران وللمتفضل أن يتفضل على قوم دون
~~قوم وإنسان دون إنسان وهو عادل في تعذيب من يعذبه، وليس يمنع العقل
~~والشرع من الفضل والعدل كما لا يخفى، ومن المعتزلة من قال: إن المغفرة قد
~~جاءت بمعنى تأخير العقوبة دون إسقاطها كما في قوله تعالى:

# ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت
~~من قبلهم المثلت وإن ربك لذو مغفرة
~~للناس على ظلمهم

# [الرعد: 6] فإنه لا يصح هنا حملها على إسقاط العقوبة لأن الآية في
~~الكفار والعقوبة غير ساقطة عنهم إجماعا، وقوله تعالى:

# وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما
~~كسبوا لعجل لهم العذاب

# [الكهف: 58] فإنه صريح في أن المغفرة بمعنى تأخير العقوبة / فلتحمل فيما
~~نحن فيه على ذلك بقرينة إن الله تعالى خاطب الكفار وحذرهم تعجيل العقوبة
~~عن ترك الإيمان، ثم قال سبحانه: { إن الله لا يغفر أن
~~يشرك به } الخ فيكون المعنى إن الله تعالى لا يؤخر عقوبة الشرك بل
~~يعجلها ويؤخر عقوبة ما دونه لمن يشاء فلا تنهض الآية دليلا على ما هو
~~محل النزاع على أنه لو سلم أن المغفرة فيها بمعنى إسقاط العقوبة لا يحصل
~~الغرض أيضا لأنه إما أن يراد إسقاط كل واحد واحد من أنواع العقوبة، أو
~~يراد إسقاط جملة العقوبات، أو يراد إسقاط بعض أنواعها لا سبيل إلى الأول
~~لعدم دلالة اللفظ عليه بقي الاحتمالان الآخران، وعلى الأول: منهما لا
~~يلزم من كونه لا يعاقب بكل أنواع العقوبات أن لا يعاقب ببعضها، وعلى
~~الثاني: لا يلزم من إسقاط بعض الأنواع إسقاط البعض الآخر.

# وأجيب بأن حمل المغفرة على إسقاط العقوبة أولى من حملها على التأخير
~~لثلاثة أوجه: الأول: أنه المعنى المتبادر من إطلاق اللفظ، الثاني: أنه لو
~~حمل لفظ المغفرة في الآية على التأخير لزم منه التخصيص في أن الله لا
~~يغفر أن يشرك به لأن ms01914 عقوبة الشرك مؤخرة في حق كثير من المشركين بل ربما
~~كانوا في أرغد عيش وأطيبه بالنسبة إلى عيش بعض المؤمنين وأن لا يفرق في
~~مثل هذه الصورة بين الشرك وما دونه بخلاف حملها على الإسقاط، الثالث: أن
~~الأمة من السلف قبل ظهور المخالفين لم يزالوا مجمعين على حمل لفظ المغفرة
~~في الآية على سقوط العقوبة وما وقع عليه الإجماع هو الصواب وضده لا يكون
~~صوابا. وقولهم: لا يحصل الغرض أيضا لو حملت على ذلك لأنه إما أن يراد
~~الخ قلنا بل المراد إسقاط كل واحد واحد وبيانه أن قوله سبحانه: { إن
~~الله لا يغفر أن يشرك به } سلب للغفران فإذا كان المفهوم
~~من الغفران إسقاط العقوبة فسلب الغفران سلب السلب فيكون إثباتا، ومعناه
~~إقامة العقوبة، وعند ذلك فإما أن يكون المفهوم إقامة كل أنواع العقوبات،
~~أو بعضها لا سبيل إلى الأول لاستحالة الجمع بين العقوبات المتضادة ولأن
~~ذلك غير مشترط في حق الكفار إجماعا فلم يبق إلا الثاني، ويلزم من ذلك أن
~~يكون الغفران فيما دون الشرك بإسقاط كل عقوبة وإلا لما تحقق الفرق بين
~~الشرك وما دونه، ومنهم من وقع في حيص بيص في هذه الآية حتى زعم أن {
~~ويغفر } عطف على المنفي والنفي منسحب عليهما، والآية للتسوية بين
~~الشرك وما دونه لا للتفرقة، ولا يخفى أنه من تحريف كلام الله تعالى ووضعه
~~في غير مواضعه.

# ومن الجماعة من قال في الرد على المعتزلة: إن التقييد بالمشيئة ينافي
~~وجوب التعذيب قبل التوبة ووجوب الصفح بعدها، وتعقبه صاحب «الكشف» بأنه لم
~~يصدر عن ثبت لأن الوجوب بالحكمة يؤكد المشيئة عندهم، وأيضا قد أشار
~~الزمخشري في هذا المقام إلى أن المشيئة بمعنى الاستحقاق وهي تقتضي الوجوب
~~وتؤكده فلا يرد ما ذكر رأسا. ثم إن هذه الآية كما يرد بها على المعتزلة
~~يرد بها على الخوارج الذين زعموا أن كل ذنب شرك وأن صاحبه خالد في النار،
~~وذكر الجلال السيوطي أن فيها ردا أيضا على المرجئة القائلين: إن أصحاب
~~الكبائر من المسلمين ms01915 لا يعذبون. وأخرج ابن الضريس وابن عدي بسند صحيح عن
~~ابن عمر قال: «كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا
~~صلى الله عليه وسلم: { إن الله لا يغفر أن يشرك به } »
~~الآية، وقال: إني ادخرت دعوتي وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي فأمسكنا عن
~~كثير مما كان في أنفسنا ثم نطقنا ورجونا، وقد استبشر الصحابة رضي الله
~~تعالى عنهم بهذه الآية جدا حتى قال علي كرم الله تعالى وجهه فيما أخرجه
~~عنه الترمذي وحسنه: أحب آية إلي في القرآن { إن الله لا يغفر
~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء }.

# { ومن يشرك بالله } استئناف مشعر بتعليل عدم غفران الشرك،
~~وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار / لإدخال الروعة وزيادة تقبيح
~~الإشراك، وتفظيع حال من يتصف به أي ومن يشرك بالله تعالى الجامع لجميع
~~صفات الكمال من الجمال والجلال أي شرك كان { فقد افترى إثما
~~عظيما } أي ارتكب ما يستحقر دونه الآثام فلا تتعلق به المغفرة قطعا،
~~وأصل الافتراء من الفري، وهو القطع ولكون قطع الشيء مفسدة له غالبا غلب
~~على الإفساد، واستعمل في القرآن بمعنى الكذب والشرك والظلم كما قاله
~~الراغب، فهو ارتكاب ما لا يصلح أن يكون قولا أو فعلا، فيقع على اختلاف
~~الكذب وارتكاب الإثم، وهو المراد هنا، وهل هو مشترك بين اختلاق الكذب
~~وافتعال ما لا يصلح أم حقيقة في الأول مجاز مرسل أو استعارة في الثاني؟
~~قولان: أظهرهما عند البعض الثاني، ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز
~~لأن الشرك أعم من القولي والفعلي لأن المراد معنى عام وهو ارتكاب ما لا
~~يصلح، وفي «مجمع البيان» التفرقة بين فريت وأفريت في أصل المعنى بأنه
~~يقال: «فريت الأديم إذا قطعته على وجه الإصلاح، وأفريته إذا قطعته على
~~وجه الإفساد».

### || [4.49]

# { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم } قال الكلبي:
~~نزلت في رجال من اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطفالهم
~~فقالوا: يا محمد هل على أولادنا هؤلاء من ذنب؟ فقال: لا فقالوا: والذي
~~يحلف ms01916 به ما نحن فيه إلا كهيئتهم ما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا
~~بالليل وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار فهذا الذي زكوا به
~~أنفسهم؛ وأخرج ابن جرير عن الحسن أنها نزلت في اليهود والنصارى حيث
~~قالوا:

# نحن أبنآء الله وأحبآؤه

# [المائدة: 18] وقالوا:

# لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصرى

# [البقرة: 111] والمعنى: انظر إليهم فتعجب من ادعائهم أنهم أزكياء عند
~~الله تعالى مع ما هم عليه من الكفر والإثم العظيم، أو من ادعائهم أن الله
~~تعالى يكفر ذنوبهم الليلية والنهارية مع استحالة أن يغفر لكافر شيء من
~~كفره أو معاصيه، وفي معناهم من زكى نفسه وأثنى عليها لغير غرض صحيح
~~كالتحدث بالنعمة ونحوه { بل الله يزكى من يشاء } إبطال لتزكية
~~أنفسهم وإثبات لتزكية الله تعالى وكون ذلك للإضراب عن ذمهم بتلك التزكية
~~إلى ذمهم بالبخل والحسد بعيد لفظا ومعنى، والجملة عطف على مقدر ينساق
~~إليه الكلام كأنه قيل: هم لا يزكونها في الحقيقة بل الله يزكي من يشاء
~~تزكيته ممن يستأهل من عباده المؤمنين إذ هو العليم الخبير وأصل التزكية
~~التطهير والتنزيه من القبيح قولا  كما هو ظاهر  أو فعلا كقوله تعالى:

# قد أفلح من زكها

# [الشمس: 9]، و

# خذ من أمولهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها

# [التوبة: 103].

# { ولا يظلمون فتيلا } عطف على جملة حذفت تعويلا على دلالة
~~الحال عليها، وإيذانا بأنها غنية عن الذكر أي يعاقبون بتلك الفعلة
~~الشنيعة ولا يظلمون في ذلك العقاب أدنى ظلم وأصغره وهو المراد بالفتيل،
~~وهو الخيط الذي في شق النواة وكثيرا ما يضرب به المثل في القلة والحقارة
~~ كالنقير للنقرة التي في ظهرها  والقطمير  وهو قشرتها الرقيقة، وقيل:
~~الفتيل ما خرج بين إصبعيك وكفيك من الوسخ، وروي ذلك عن ابن عباس وأبي
~~مالك والسدي رضي الله تعالى عنهم، وجوز أن تكون جملة { ولا يظلمون
~~} في موضع الحال والضمير راجع إلى من حملا له على المعنى أي والحال أنهم
~~لا ينقصون من ثوابهم أصلا بل يعطونه يوم القيامة كملا مع ms01917 ما زكاهم الله
~~تعالى ومدحهم في الدنيا. وقيل: هو استئناف، والضمير عائد على الموصولين
~~من زكى نفسه، ومن زكاه الله تعالى أي لا ينقص هذا من ثوابه ولا ذاك من
~~عقابه، والأول أمس بمقام الوعيد، وانتصاب { فتيلا } على أنه مفعول ثان
~~كقولك: ظلمته حقه، قال علي بن عيسى: ويحتمل أن يكون تمييزا كقولك: تصببت
~~عرقا.

### || [4.50]

# / { انظر كيف يفترون على الله الكذب } في زعمهم أنهم
~~أزكياء عند الله تعالى المتضمن لزعمهم قبول الله تعالى وارتضاءه إياهم
~~ولشناعة هذا لما فيه من نسبته تعالى إلى ما يستحيل عليه بالكلية وجه
~~النظر إلى كيفيته تشديدا للتشنيع وتأكيدا للتعجيب الدال عليه الكلام
~~وإلا فهم أيضا مفترون على أنفسهم بادعائهم الاتصاف بما هم متصفون
~~بنقيضه، و { كيف } في موضع نصب إما على التشبيه بالظرف أو بالحال على
~~الخلاف المشهور بين سيبويه والأخفش، والعامل { يفترون } و { به }
~~متعلق به. وجوز أبو البقاء أن يكون حالا من الكذب، وقيل: هو متعلق به،
~~والجملة في موضع النصب بعد نزع الخافض وفعل النظر معلق بذلك والتصريح
~~بالكذب مع أن الافتراء لا يكون إلا كذبا للمبالغة في تقبيح حالهم {
~~وكفى به } أي بافترائهم، وقيل: بهذا الكذب الخاص { إثما
~~مبينا } لا يخفى كونه مأثما من بين آثامهم وهذا عبارة عن كونه
~~عظيما منكرا، والجملة كما قال عصام الملة: في موضع الحال بتقدير قد أي
~~ كيف يفترون الكذب والحال أن ذلك ينافي مضمونه لأنه إثم مبين  والآثم
~~بالإثم المبين غير المتحاشي عنه مع ظهوره لا يكون ابن الله سبحانه
~~وتعالى وحبيبه ولا يكون زكيا عند الله تعالى، وانتصاب { إثما } على
~~التمييز.

### || [4.51]

# { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب
~~يؤمنون بالجبت والطغوت } تعجيب من حال أخرى لهم ووصفهم
~~بما في حيز الصلة تشديدا للتشنيع وتأكيدا للتعجيب، وقد تقدم نظيره،
~~والآية نزلت  كما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في حيي بن أخطب
~~وكعب بن الأشرف  في جمع من يهود، وذلك أنهم خرجوا إلى مكة بعد وقعة أحد
~~ليحالفوا ms01918 قريشا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي
~~كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل كعب على أبي سفيان
~~فأحسن مثواه ونزلت اليهود في دور قريش فقال أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد
~~صلى الله عليه وسلم صاحب كتاب فلا يؤمن هذا أن يكون مكرا منكم فإن أردت
~~أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ففعل، ثم قال كعب: يا أهل مكة
~~ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت
~~لنجهدن على قتال محمد صلى الله عليه وسلم ففعلوا ذلك فلما فرغوا قال أبو
~~سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم فأينا أهدى
~~طريقا وأقرب إلى الحق نحن أم محمد؟ قال كعب: أعرضوا علي دينكم، فقال
~~أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقيهم اللبن ونقري الضيف ونفك
~~العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم ومحمد صلى
~~الله عليه وسلم فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم وديننا القديم
~~ودين محمد الحديث، فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد صلى
~~الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى في ذلك الآية، و  الجبت  في الأصل اسم
~~صنم فاستعمل في كل معبود غير الله تعالى، وقيل: أصله الجبس وهو كما قال
~~الراغب: الرذيل الذي لا خير فيه فقلبت سينه تاءا كما في قول عمرو بن
~~يربوع: شرار  النات  أي الناس، وإلى ذلك ذهب قطرب  والطاغوت  يطلق
~~على كل باطل من معبود أو غيره. وأخرج الفريابي وغيره عن عمر بن الخطاب
~~رضي الله تعالى عنه قال: «الجبت الساحر والطاغوت الشيطان». وأخرج ابن
~~جرير من طرق عن مجاهد مثله، ومن طريق أبي الليث عنه قال: الجبت كعب بن
~~الأشرف، والطاغوت الشيطان كان في صورة إنسان، وعن سعيد بن جبير الجبت
~~الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت الكاهن وأخرج ابن حميد عن عكرمة أن الجبت
~~الشيطان بلغة الحبشة، والطاغوت الكاهن  وهي رواية / عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما ms01919  وفي رواية أخرى الجبت حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن
~~الأشرف، وفي أخرى الجبت الأصنام، والطاغوت الذين يكونون بين يديها يعبرون
~~عنها الكذب ليضلوا الناس، ومعنى الإيمان بهما إما التصديق بأنهما آلهة
~~وإشراكهما بالعبادة مع الله تعالى، وإما طاعتهما وموافقتهما على ما هما
~~عليه من الباطل، وإما القدر المشترك بين المعنيين كالتعظيم مثلا،
~~والمتبادر المعنى الأول أي أنهم يصدقون بألوهية هذين الباطلين ويشركونهما
~~في العبادة مع الإله الحق ويسجدون لهما.

# { ويقولون للذين كفروا } أي لأجلهم وفي حقهم فاللام ليست
~~صلة القول وإلا لقيل أنتم بدل قوله سبحانه { هؤلآء } أي الكفار من
~~أهل مكة. { أهدى من الذين ءامنوا سبيلا } أي أقوم دينا
~~وأرشد طريقة، قيل: والظاهر أنهم أطلقوا أفعل التفضيل ولم يلحظوا معنى
~~التشريك فيه؛ أو قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء لكفرهم، وإيراد النبي صلى
~~الله عليه وسلم وأتباعه بعنوان الإيمان ليس من قبل القائلين بل من جهة
~~الله تعالى تعريفا لهم بالوصف الجميل وتخطئة لمن رجح عليهم المتصفين
~~بأشنع القبائح.

### || [4.52]

# { أولئك } القائلون المبعدون في الضلالة { الذين لعنهم
~~الله } أي أبعدهم عن رحمته وطردهم، واسم الإشارة مبتدأ والموصول خبره،
~~والجملة مستأنفة لبيان حالهم وإظهار مآلهم { ومن يلعن } أي يبعده {
~~الله } من رحمته { فلن تجد له نصيرا } أي ناصرا يمنع عنه
~~العذاب دنيويا كان أو أخرويا بشفاعة أو بغيرها، وفيه بيان لحرمانهم
~~ثمرة استنصارهم بمشركي قريش وإيماء إلى وعد المؤمنين بأنهم المنصورون حيث
~~كانوا بضد هؤلاء فهم الذين قربهم الله تعالى ومن يقربه الله تعالى فلن
~~تجد له خاذلا. وفي الإتيان بكلمة  لن  وتوجيه الخطاب إلى كل واحد يصلح
~~له وتوحيد النصير منكرا والتعبير عن عدمه بعدم الوجدان المؤذن بسبق
~~الطلب مسندا إلى المخاطب العام من الدلالة على حرمانهم الأبدي عن الظفر
~~بما أملوا بالكلية ما لا يخفى، وإن اعتبرت المبالغة في  نصير  متوجهة
~~للنفي كما قيل ذلك في قوله سبحانه:

# وما ربك بظلم

# [فصلت: 46] قوى أمر هذه الدلالة.

### || [4.53]

# { أم لهم نصيب من الملك } شروع في تفصيل بعض آخر من ms01920
~~قبائحهم، و { أم } منقطعة فتقدر ببل، والهمزة أي بل آلهم، والمراد
~~إنكار أن يكون لهم نصيب من الملك، وجحد لما تدعيه اليهود من أن الملك
~~يعود إليهم في آخر الزمان. وعن الجبائي أن المراد بالملك ههنا النبوة أي
~~ليس لهم نصيب من النبوة حتى يلزم الناس اتباعهم وإطاعتهم والأول أظهر
~~لقوله تعالى شأنه { فإذا لا يؤتون الناس } أي أحدا أو
~~الفقراء أو محمدا صلى الله عليه وسلم وأتباعه  كما روي عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما { نقيرا } أي شيئا قليلا، وأصله ما أشرنا إليه
~~آنفا. وأخرج ابن جرير من طريق أبي العالية عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أنه قال: هذا النقير فوضع طرف الإبهام على باطن السبابة ثم نقرها.
~~وحاصل المعنى على ما قيل: إنهم لا نصيب لهم من الملك لعدم استحقاقهم له
~~بل لاستحقاقهم حرمانه بسبب أنهم لو أوتوا نصيبا منه لما أعطوا الناس أقل
~~قليل منه، ومن حق من أوتي الملك الإيتاء وهم ليسوا كذلك، فالفاء في {
~~فإذا } للسببية والجزائية لشرط محذوف هو أن حصل لهم نصيب لا لو كان
~~لهم نصيب كما قدره الزمخشري لأن الفاء لا تقع في جواب لو سيما مع إذا
~~والمضارع، ويجوز أن تكون الفاء عاطفة والهمزة لإنكار المجموع من المعطوف
~~والمعطوف عليه بمعنى أنه لا ينبغي أن يكون هذا الذي / وقع وهو أنهم قد
~~أوتوا نصيبا من الملك حيث كانت لهم أموال وبساتين وقصور مشيدة كالملوك
~~ويعقبه منهم البخل بأقل قليل، وفائدة { إذا } زيادة الإنكار والتوبيخ
~~حيث يجعلون ثبوت النصيب الذي هو سبب الإعطاء سببا للمنع، والفرق بين
~~الوجهين أن الإنكار في الأول: متوجه إلى الجملة الأولى وهو بمعنى إنكار
~~الوقوع. وفي الثاني: متوجه لمجموع الأمرين وهو بمعنى إنكار الواقع،
~~و(إذا) في الوجهين ملغاة، ويجوز إعمالها لأنه قد شرط في إعمالها الصدارة
~~فإذا نظر إلى كونها في صدر جملتها أعملت، وإن نظر إلى العطف وكونها تابعة
~~لغيرها أهملت، ولذا قرأ ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم  فإذا ms01921
~~لا يؤتوا الناس  بالنصب على الإعمال.

### || [4.54]

# { أم يحسدون الناس } انتقال من توبيخهم بالبخل إلى توبيخهم
~~بالحسد الذي هو من أقبح الرذائل المهلكة من اتصف بها دنيا وأخرى، وذكره
~~بعده من باب الترقي، و { أم } منقطعة والهمزة المقدرة بعدها لإنكار
~~الواقع، والمراد من الناس سيدهم بل سيد الخليقة على الإطلاق محمد صلى
~~الله عليه وسلم وإلى هذا ذهب عكرمة ومجاهد والضحاك وأبو مالك وعطية، وقد
~~أخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~قال: «قال أهل الكتاب: زعم محمد أنه أوتي ما أوتي في تواضع وله تسع نسوة
~~وليس همه إلا النكاح فأي ملك أفضل من هذا فأنزل الله تعالى هذه الآية».
~~وذهب قتادة والحسن وابن جريج إلى أن المراد بهم العرب، وعن أبي جعفر
~~وأبي عبد الله أنهم النبي وآله عليه وعليهم أفضل الصلاة وأكمل السلام،
~~وقيل: المراد بهم جميع الناس الذين بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم
~~من الأسود والأحمر أي بل أيحسدونهم { على ما ءاتهم الله من
~~فضله } يعني النبوة وإباحة تسع نسوة أو بعثة النبي صلى الله عليه
~~وسلم منهم ونزول القرآن بلسانهم أو جمعهم كمالات تقصر عنها الأماني، أو
~~تهيئة سبب رشادهم ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، والحسد على هذا
~~مجاز لأن اليهود لما نازعوه في نبوته صلى الله عليه وسلم التي هي إرشاد
~~لجميع الناس فكأنما حسدوهم جمع { فقد ءاتينا } تعليل للإنكار
~~والاستقباح وإجراء الكلام على سنن الكبرياء بطريق الالتفات لإظهار كمال
~~العناية بالأمر، والفاء كما قيل: فصيحة أي أن يحسدوا الناس على ما أوتوا
~~فقد أخطأوا إذ ليس الإيتاء ببدع منا لأنا قد آتينا من قبل هذا { ءال
~~إبرهيم الكتب } أي جنسه والمراد به التوراة والإنجيل أو هما
~~والزبور { والحكمة } أي النبوة، أو إتقان العلم والعمل، أو
~~الأسرار المودعة في الكتاب أقوال { وءاتينهم } مع ذلك { ملكا
~~عظيما } لا يقادر قدره، وجوز أن يكون المعنى أنهم لا ينتفعون بهذا
~~الحسد فإنا قد آتينا هؤلاء ما ms01922 آتينا مع كثرة الحساد الجبابرة من نمروذ.
~~وفرعون. وغيرهما فلم ينتفع الحاسد ولم يتضرر المحسود، وأن يراد أن حسدهم
~~هذا في غاية القبح والبطلان فإنا قد آتينا من قبل أسلاف هذا النبي
~~المحسود صلى الله عليه وسلم وأبناء عمه ما آتيناهم فكيف يستبعدون نبوته
~~عليه الصلاة والسلام ويحسدونه على إيتائها وتكرير الإيتاء لما يقتضيه
~~مقام التفصيل مع الإشعار بما بين الملك وما قبله من المغايرة، والمراد من
~~الإيتاء إما الإيتاء بالذات وإما ما هو أعم منه ومن الإيتاء بالواسطة،
~~وعلى الأول: فالمراد من آل إبراهيم أنبياء ذريته، ومن الضمير الراجع
~~إليهم من { ءاتينهم } بعضهم، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان عليهم السلام، وخصه السدي
~~بما أحل لداود.

# وسليمان من النساء فقد كان للأول تسع وتسعون امرأة / ولولده ثلثمائة
~~امرأة ومثلها سرية» وعن محمد بن كعب قال: «بلغني أنه كان لسليمان عليه
~~السلام ثلثمائة امرأة وسبعمائة سرية»، وعلى الثاني: فالمراد بهم ذريته
~~كلها فإن تشريف البعض بما ذكر تشريف للكل (لاغتنامهم بآثار ذلك واقتباسهم
~~من أنوار). ومن الناس من فسر الحكمة بالعلم والملك العظيم بالنبوة، ونسب
~~ذلك إلى الحسن ومجاهد، ولا يخفى أن إطلاق الملك العظيم على النبوة في
~~غاية البعد والحمل على المتبادر أولى.

### || [4.55]

# { فمنهم } أي من جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم { من ءامن به }
~~أي بما أوتي آل إبراهيم { ومنهم من صد } أي أعرض { عنه }
~~ولم يؤمن به وهذا في رأي حكاية لما صدر عن أسلافهم عقيب وقوع المحكي من
~~غير أن يكون له دخل في الإلزام، وقيل: له دخل في ذلك ببيان أن الحسد لو
~~لم يكن قبيحا لأجمع عليه أسلافهم فلم يؤمن منهم أحد كما أجمعوهم عليه
~~فلم يؤمن أحد منهم، وليس بشيء، وقيل: معناه فمن آل إبراهيم من آمن به
~~ومنهم من كفر، ولم يكن في ذلك توهين أمره فكذلك لا يوهن كفر هؤلاء أمرك
~~فضمير { به } و { عنه } على هذا لإبراهيم، وفيه تسلية له عليه
~~الصلاة ms01923 والسلام ورجوع الضميرين لمحمد صلى الله عليه وسلم وجعل الكلام
~~متفرعا على قوله تعالى:

# يأيها الذين أوتوا الكتب

# [النساء: 47] أو على قوله سبحانه: { ألم تر إلى الذين } الخ
~~في غاية البعد، وكذا جعل الضميرين لما ذكر من حديث آل إبراهيم { وكفى
~~بجهنم سعيرا } أي نارا مسعرة موقدة إيقادا شديدا أي إن انصرف
~~عنهم بعض العذاب في الدنيا فقد كفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم في
~~العقبى.

### || [4.56]

# { إن الذين كفروا بئايتنا سوف نصليهم نارا
~~} استئناف وقع كالبيان والتقرير لما قبله، والمراد بالموصول إما الذين
~~كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وإما ما يعمهم وغيرهم ممن كفر بسائر
~~الأنبياء عليهم السلام، ويدخل أولئك دخولا أوليا، وعلى الأول: فالمراد
~~بالآيات إما القرآن أو ما يعم كله وبعضه، أو ما يعم سائر معجزاته عليه
~~الصلاة والسلام، وعلى الثاني: فالمراد بها ما يعم المذكورات وسائر
~~الشواهد التي أتى بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على مدعاهم، و {
~~سوف } كما قال سيبويه: كلمة تذكر للتهديد والوعيد، وتنوب عنها السين
~~كما في قوله تعالى:

# سأصليه سقر

# [المدثر: 26] وقد تذكر للوعد كما في قوله سبحانه:

# ولسوف يعطيك ربك فترضى

# [الضحى: 5] و

# سوف أستغفر لكم ربى

# [يوسف: 98]؛ وكثيرا ما تفيد هي والسين توكيد الوعيد، وتنكير { نارا }
~~للتفخيم أي: يدخلون ولا بد نارا هائلة.

# { كلما نضجت جلودهم } أي احترقت وتهرت وتلاشت، من نضج
~~الثمر واللحم نضجا ونضجا إذا أدرك، و { كلما } ظرف زمان والعامل
~~فيه { بدلنهم جلودا غيرها } أي أعطيناهم مكان كل جلد
~~محترق عند احتراقه جلدا جديدا مغايرا للمحترق صورة وإن كانت مادته
~~الأصلية موجودة بأن يزال عنه الإحراق فلا يرد أن الجلد الثاني لم يعص
~~فكيف يعذب؟ وذلك لأنه هو العاصي باعتبار أصله فإنه لم يبدل إلا صفته،
~~وعندي أن هذا السؤال مما لا يكاد يسأله عاقل فضلا عن فاضل، وذلك لأن
~~عصيان الجلد وطاعته وتألمه وتلذذه غير معقول لأنه من حيث ذاته لا فرق
~~بينه وبين سائر الجمادات من جهة عدم الإدراك والشعور وهو أشبه ms01924 الأشياء
~~بالآلة فيد قاتل النفس ظلما مثلا آلة له كالسيف الذي قتل به ولا فرق
~~بينهما إلا بأن اليد حاملة للروح، والسيف ليس كذلك، وهذا لا يصلح وحده
~~سببا لإعادة اليد بذاتها وإحراقها دون إعادة السيف وإحراقه لأن ذلك /
~~الحمل غير اختياري، فالحق أن العذاب على النفس الحساسة بأي بدن حلت وفي
~~أي جلد كانت وكذا يقال في النعيم، ويؤيد هذا أن من أهل النار من يملأ
~~زاوية من زوايا جهنم وأن سن الجهنمي كجبل أحد، وأن أهل الجنة يدخلونها
~~على طول آدم عليه السلام ستين ذراعا في عرض سبعة أذرع، ولا شك أن
~~الفريقين لم يباشروا الشر والخير بتلك الأجسام بل من أنصف رأى أن أجزاء
~~الأبدان في الدنيا لا تبقى على كميتها كهولة وشيوخة وكون الماهية واحدة
~~لا يفيد لأنا لم ندع فيما نحن فيه أن الجلد الثاني يغاير الأول كمغايرة
~~العرض للجوهر أو الإنسان للحجر بل كمغايرة زيد المطيع لعمرو العاصي مثلا
~~على أنه لو قيل: إن الكافر يعذب أولا: ببدن من حديد تحله الروح،
~~وثانيا: ببدن من غيره كذلك لم يسغ لأحد أن يقول: إن الحديد لم يعص فكيف
~~أحرق بالنار ولولا ما علم من الدين بالضرورة من المعاد الجسماني بحيث صار
~~إنكاره كفرا لم يبعد عقلا القول بالنعيم والعذاب الروحانيين فقط.

# ولما توقف الأمر عقلا على إثبات الأجسام أصلا، ولا يتوهم من هذا أني
~~أقول باستحالة إعادة المعدوم معاذ الله تعالى، ولكني أقول بعدم الحاجة
~~إلى إعادته وإن أمكنت، والنصوص في هذا الباب متعارضة، فمنها ما يدل على
~~إعادة الأجسام بعينها بعد إعدامها، ومنها ما يدل على خلق مثلها وفناء
~~الأولى، ولا أرى بأسا بعد القول بالمعاد الجسماني في اعتقاد أي الأمرين
~~كان، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في الآيات التي يدل ظاهرها على
~~إعادة العين مثل قوله سبحانه:

# يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم
~~وأرجلهم بما كانوا يعملون

# [النور: 24] وما في «شرح البخاري» للسفيري  من أنه لا تزال الخصومة بين
~~الناس حتى تختصم الروح ms01925 والجسد يوم القيامة، فتقول الروح للجسد: أنت فعلت
~~وأني كنت ريحا ولولاك لم أستطع أن أعمل شيئا، ويقول الجسد للروح: أنت
~~أمرت وأنت سولت ولولاك لكنت بمنزلة الجذع الملقى لا أحرك يدا ولا رجلا،
~~فيبعث الله تعالى ملكا يقضي بينهما فيقول لهما: إن مثلكما كمثل رجل مقعد
~~بصير وآخر ضرير دخلا بستانا فقال المقعد للضرير: إني أرى ههنا ثمارا
~~لكن لا أصل إليها فقال له الضرير: اركبني فتناولها فأيهما المتعدي؟
~~فيقولان كلاهما فيقول لهما الملك: فإنكما قد حكمتما على أنفسكما  لا
~~أراه صحيحا لظهور الفرق بين المثال والممثل له فإن الحامل فيما نحن فيه
~~لا اختيار له ولا شعور بوجه من الوجوه اللهم إلا أن يكون هناك شعور لكن
~~لا شعور لنا به» ولعل لنا عودة إن شاء الله تعالى لتحقيق هذا المقام، ثم
~~إن هذا التبديل كيفما كان يكون في الساعة الواحدة مرات كثيرة. فقد أخرج
~~ابن مردويه وأبو نعيم في «الحلية» عن ابن عمر قال: «قرىء عند عمر هذه
~~الآية فقال كعب: عندي تفسيرها قرأتها قبل الإسلام فقال هاتها يا كعب فإن
~~جئت بها سمعت كما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقناك قال: إني
~~قرأتها قبل (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها في الساعة الواحدة
~~عشرين ومائة مرة) فقال عمر: هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم،
~~وأخرج ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن قال: «بلغني أنه يحرق أحدهم في اليوم
~~سبعين ألف مرة كلما نضجتهم النار وأكلت لحومهم قيل لهم: عودوا فعادوا».

# { ليذوقوا العذاب } أي ليدوم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز:
~~أعزك الله والتعبير عن إدراك العذاب بالذوق من حيث إنه لا يدخله نقصان
~~بدوام الملابسة، أو للإشعار بمرارة العذاب مع إيلامه أو للتنبيه على شدة
~~تأثيره من حيث إن القوة الذائقة أشد الحواس تأثيرا أو على سرايته
~~للباطن، ولعل السر في تبديل الجلود مع قدرته تعالى على إبقاء إدراك
~~العذاب وذوقه بحال مع الاحتراق أو مع بقاء أبدانهم على حالها مصونة ms01926 عنه
~~أن / النفس ربما تتوهم زوال الإدراك بالاحتراق ولا تستبعد كل الاستبعاد
~~أن تكون مصونة عن التألم والعذاب صيانة بدنها عن الاحتراق قاله مولانا
~~شيخ الإسلام، وقيل: السر في ذلك أن في النضج والتبديل نوع إياس لهم
~~وتجديد حزن على حزن، وأنكر بعضهم نضج الجلود بالمعنى المتبادر وتبديلها
~~زاعما أن التبديل إنما هو للسرابيل التي ذكرها الله سبحانه بقوله:

# سرابيلهم من قطران

# [إبراهيم: 50] وسميت السرابيل جلودا للمجاورة، وفيه أنه ترك للظاهر،
~~ويوشك أن يكون خلاف المعلوم ضرورة، وأن السرابيل لا توصف بالنضج وكأنه ما
~~دعاه إلى هذا الزعم سوى استبعاد القول بالظاهر، وليس هو بالبعيد عن قدرة
~~الله سبحانه وتعالى { إن الله كان عزيزا } أي لم يزل منيعا
~~لا يدافع ولا يمانع، وقيل: إنه قادر لا يمتنع عليه ما يريده مما تواعد أو
~~وعد به { حكيما } في تدبيره وتقديره وتعذيب من يعذبه؛ والجملة تعليل
~~لما قبلها من الإصلاء والتبديل وإظهار الاسم الجليل لتعليل الحكم مع ما
~~مر مرارا.

### || [4.57]

# { والذين ءامنوا وعملوا الصلحت } عقب بيان سوء
~~حال الكفرة ببيان حسن حال المؤمنين تكميلا للمساءة والمسرة، وقدم بيان
~~حال الأولين لأن الكلام فيهم، والمراد بالموصول إما المؤمنون بنبينا صلى
~~الله عليه وسلم، وإما ما يعمهم وسائر من آمن من أمم الأنبياء عليهم
~~السلام أي إن الذين آمنوا بما يجب الإيمان به وعملوا الأعمال الحسنة {
~~سندخلهم جنت تجري من تحتها الأنهر } قرأ عبد
~~الله  سيدخلهم  بالياء والضمير للاسم الجليل، وفي السين تأكيد للوعد،
~~وفي اختيارها هنا واختيار { سوف } في آية الكفر ما لا يخفى.

# { خلدين فيها أبدا } إعظاما للمنة وهو حال مقدرة من الضمير
~~المنصوب في { سندخلهم } وقوله تعالى: { لهم فيها أزوج
~~مطهرة } أي من الحيض والنفاس وسائر المعايب والأدناس والأخلاق
~~الدنيئة والطباع الرديئة لا يفعلن ما يوحش أزواجهن ولا يوجد فيهن ما ينفر
~~عنهن، في محل النصب على أنه حال من (جنات)، أو حال ثانية من الضمير
~~المنصوب أو أنه صفة لجنات بعد صفة، أو في محل الرفع على أنه خبر ms01927 للموصول
~~بعد خبر. والمراد أزواج كثيرة كما تدل عليه الأخبار.

# { وندخلهم ظلا ظليلا } أي فينانا لا جوب فيه، ودائما لا
~~تنسخه الشمس وسجسجا لا حر فيه ولا قر، رزقنا الله تعالى التفيؤ فيه
~~برحمته إنه أرحم الراحمين، والمراد بذلك إما حقيقته ولا يمنع منه عدم
~~الشمس وإما أنه إشارة إلى النعمة التامة الدائمة، والظليل صفة مشتقة من
~~لفظ الظل للتأكيد كما هو عادتهم في نحو  يوم أيوم، وليل أليل  وقال
~~الإمام المرزوقي: إنه مجرد لفظ تابع لما اشتق منه وليس له معنى وضعي بل
~~هو  كبسن  في قولك: حسن بسن، وقرىء { يدخلهم } بالياء عطف على {
~~سيدخلهم } لا على أنه غير الإدخال الأول بالذات بل بالعنوان كما
~~في قوله تعالى:

# ولما جآء أمرنا نجينا هودا والذين ءامنوا
~~معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ

# [هود: 58].

# هذا ومن باب الإشارة: في الآيات { يأيها الذين ءامنوا لا
~~تقربوا الصلوة وأنتم سكرى حتى تعلموا ما
~~تقولون } خطاب لأهل الإيمان العلمي، ونهي لهم أن يناجوا ربهم أو
~~يقربوا مقام الحضور والمناجاة مع الله سبحانه وتعالى في حال كونهم سكارى
~~خمر الهوى ومحبة الدنيا، أو نوم الغفلة حتى يصحوا ولا يشتغلوا بغير
~~مولاهم، والمقصود النهي عن إشغال القلب بسوى الرب، وقيل: إنه خطاب لأهل
~~المحبة والعشق الذين أسكرهم / شراب ليلى ومدام مي، فبقوا حيارى مبهوتين
~~لا يميزون الحي من اللي ولا يعرفون الأوقات ولا يقدرون على أداء شرائط
~~الصلوات فكأنهم قيل لهم: يا أيها العارفون بي وبصفاتي وأسمائي السكارى
~~من شراب محبتي وسلسبيل أنسي وتسنيم قدمي وزنجبيل قربي ومدام عشقي وعقار
~~مشاهدتي إذا كشفت لكم جمالي وآنستكم في مقام ربوبيتي فلا تكلفوا نفوسكم
~~أداء الرسوم الظاهرة لأنكم في جنان مشاهدتي، وليس في الجنان تقييد، وإذا
~~سكنتم من سكركم وصرتم صاحين بنعت التمكين فأدوا ما افترضته عليكم وقوموا
~~لله قانتين وحاصله رفع التكليف عن المجذوبين الغارقين في بحار المشاهدة
~~إلى أن يعقلوا ويصحوا، فالإيمان على هذا محمول على الإيمان العيني
~~والمعنى الأول أولى بالإشارة { ولا جنبا } أي ms01928 ولا تقربوا الصلاة في
~~حال كونكم بعداء عن الحق لشدة الميل إلى النفس ولذاتها { إلا عابرى
~~سبيل } أي سالكي طريق من طرق تمتعاتها بقدر الضرورة كعبور طريق
~~الاغتذاء بالمأكل والمشرب لسد الرمق أو الاكتساء لدفع ضرورة الحر والقر
~~وستر العورة، أو المباشرة لحفظ النسل { حتى تغتسلوا } وتتطهروا
~~بمياه التوبة والاستغفار وحسن التنصل والاعتذار { وإن كنتم
~~مرضى } بأدواء الرذائل { أو على سفر } في بيداء الجهالة
~~والحيرة لطلب الشهوات { أو جاء أحد منكم من الغائط } أي
~~الاشتغال بلوث المال ملوثا بمحبته { أو لمستم النساء } أي
~~لازمتم النفوس وباشرتموها في قضاء وطرها { فلم تجدوا ماء } علما
~~يهديكم إلى التخلص عن ذلك { فتيمموا صعيدا طيبا } أي
~~فاقصدوا صعيد استعدادكم أو ارجعوا إلى المرشدين أرباب الاستعداد {
~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } أي امسحوا ذواتكم وصفاتكم
~~بما يتصاعد من أنوار استعدادهم وتخلقوا بأخلاقهم واسلكوا مسالكهم حتى
~~تمحى عنكم تلك الهيئات المهلكة وتبقى أنفسكم صافية { إن الله كان
~~عفوا } يعفو عما صدر منكم بمقتضى تلك الهيئات

# غفورا

# [النساء: 43] يستر الشين بالزين { ألم تر إلى الذين أوتوا
~~نصيبا } أي بعضا { من الكتب } وهو اعترافهم بالحق مع
~~احتجابهم برؤية الخلق { يشترون الضللة } ويتركون التوحيد
~~الحقيقي { ويريدون } مع ذلك

# أن تضلوا السبيل

# [النساء: 44] الحق وهو التوحيد الصرف وعدم رؤية الأغيار فتكونوا مثلهم {
~~والله أعلم بأعدائكم } وعنى بهم أولئك الموصوفين بما ذكر،
~~وسبب عداوتهم لهم اختلاف الأسماء الظاهرة فيهم ولهذا ودوا تكفيرهم {
~~وكفى بالله وليا } يلي أموركم بالتوفيق لطريق التوحيد

# وكفى بالله نصيرا

# [النساء: 45] ينصركم على أعدائكم فلا يستطيعون إيذاءكم وردكم عما أنتم
~~عليه من الحق { من الذين هادوا } رجعوا عن مقتضى الاستعداد من
~~نفي السوى إلى ما سولت لهم أنفسهم واستنتجته أفكارهم وأيدته أنظارهم ودعت
~~إليه علومهم الرسمية { يحرفون الكلم عن موضعه } يحتمل أن
~~يراد بالكلم معناها الظاهر أي أنهم يؤولون جميع ما يشعر ظاهره بالوحدة
~~على حسب إرادتهم زاعمين أنه لا يمكن أن يكون غير ذلك مرادا لله تعالى لا
~~قصدا ولا تبعا لا عبارة ولا إشارة، ويحتمل أن يراد بها ms01929 هذه الممكنات
~~فإنها كلم الله تعالى بمعنى الدوال عليه، أو كلمه بمعنى آثار كلمه أعني
~~كن المتعددة حسب تعدد تعلقات الإرادة. ومعنى تحريفها عن مواضعها إمالتها
~~عما وضعها الله تعالى فيه من كونها مظاهر أسمائه فيثبتون لها وجودا غير
~~وجود الله تعالى: { ويقولون سمعنا } ما يشعر بالوحدة أو سمعنا
~~ما يقال في هذه الممكنات { وعصينا } فلا نقول بما تقولون ولا نعتقد
~~ما تعتقدون { و } يقولون أيضا في أثناء مخاطبتهم للعارف مستخفين
~~مستهزئين به { أسمع } ما يعارض ما تدعيه { غير مسمع } أي لا
~~أسمعك الله { ورعنا } يعنون رميه بالرعونة وهي الحماقة

# ليا بألسنتهم وطعنا فى الدين

# [النساء: 46] الذي عليه العارف بربه { يأيها الذين أوتوا
~~الكتب } أي فهموا عليه الظاهر ولم يفهموا ما أشار إليه / من علم
~~الباطن { ءامنوا بما نزلنا } على قلوب أوليائي من العلم اللدني
~~{ مصدقا لما معكم } من علم الظاهر إذ كل باطن يخالف الظاهر فهو
~~باطل { من قبل أن نطمس وجوها } وهي وجوه القلوب بالعمى {
~~فنردها على أدبرها } ناظرة إلى الدنيا وزخارفها بعد أن
~~كانت في أصل الفطرة متوجهة إلى ما في الميثاق الأول

# أو نلعنهم كما لعنا أصحب السبت

# [النساء: 47] فنمسخ صورهم المعنوية كما مسخنا صور اليهود الحسية، ويحتمل
~~أن يكون هذا خطابا لمن أوتي كتاب الاستعداد أمرهم بالإيمان الحقيقي
~~وهددهم بإزالة استعدادهم وردهم إلى أسفل سافلين، وإبعادهم بالمسخ { إن
~~الله لا يغفر أن يشرك به } إلا بالتوبة عنه لشدة غيرته
~~«لا أحد أغير من الله» { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } أن
~~يغفر له تاب أو لم يتب، وقد ذكروا أن الشرك ثلاث مراتب ولكل مرتبة توبة:
~~فشرك جلي بالأعيان وهو للعوام كعبدة الأصنام والكواكب مثلا، وتوبته
~~إظهار العبودية في إثبات الربوبية مصدقا بالسر والعلانية، وشرك خفي
~~بالأوصاف  وهو للخواص وفسر بشوب العبودية بالالتفات إلى غير الربوبية 
~~وتوبته الالتفات عن ذلك الالتفات  وشرك أخفى لخواص الخواص وهو الأنانية
~~ وتوبته بالوحدة  وهي فناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية { ومن
~~يشرك بالله } أي شرك كان من هذه المراتب { فقد ms01930 افترى }
~~وارتكب حسب مرتبته

# إثما عظيما

# [النساء: 48] لا يقدر قدره { ألم تر إلى الذين يزكون
~~أنفسهم } كعلماء السوء من أهل الظاهر الذين لم يحصلوا من علومهم سوى
~~العجب والكبر والحسد والحقد وسائر الصفات الرذيلة

# بل الله يزكى من يشاء

# [النساء: 49] كالعارفين به الذين لا يرون لأنفسهم فعلا، ويحتمل أن يكون
~~هذا تعجيبا ممن يزكي نفسه بنفسه ويسلك في مسالك القوم على رأيه غير
~~معتمد على مرب مرشد له من ولي كامل أو أثارة من علم إلهي كبعض المتفلسفين
~~من أهل الرياضات { انظر كيف يفترون على الله الكذب }
~~بادعاء تزكية نفوسهم من صفاتها وما تزكت أو بانتحال صفات الله تعالى إلى
~~أنفسهم مع وجودها

# وكفى به إثما مبينا

# [النساء: 50] ظاهرا لا خفاء فيه { ألم تر إلى الذين
~~أوتوا نصيبا } بعضا { من الكتب } الجامع، وأشير به إلى
~~علم الظاهر { يؤمنون بالجبت } أي بجبت النفس { والطغوت
~~} أي طاغوت الهوى فيميلون مع أنفسهم وهواهم { ويقولون للذين
~~كفروا } أي لأجل الذين ستروا الحق { هؤلاء أهدى من
~~الذين ءامنوا } الإيمان الحقيقي

# سبيلا

# [النساء: 51] { أولئك الذين لعنهم الله } أي أبعدهم
~~عن معرفته وقربه { ومن يلعن } أي يبعده { الله } عن ذلك

# فلن تجد له نصيرا

# [النساء: 52] يهديه إلى الحق

# أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس
~~نقيرا

# [النساء: 53] ذم لهم بالبخل الذي هو الوصمة الكبرى عند أهل الله تعالى {
~~أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله }
~~من المعرفة وإعزازهم بين خلقه وإرشادهم لمن استرشدهم { فقد ءاتينا
~~ءال إبرهيم } وهم المتبعون له على ملته من أهل المحبة والخلة {
~~الكتب } أي علم الظاهر أو الجامع له ولعلم الباطن { والحكمة
~~} علم الباطن أو باطن الباطن

# وآتيناهم ملكا عظيما

# [النساء: 54] وهو الوصول إلى العين وعدم الوقوف عند الأثر { إن
~~الذين كفروا بئايتنا } أي حجبوا عن تجليات صفاتنا
~~وأفعالنا أو أنكروا على أوليائنا الذين هم مظاهر الآيات { سوف
~~نصليهم نارا } عظيمة وهي نار القهر والحجاب، أو نار الحسد {
~~كلما نضجت جلودهم } وتقطعت أماني نفوسهم الأمارة ومقتضيات
~~هواها { بدلنهم جلودا ms01931 غيرها } بتجدد نوع آخر من أنواع
~~تجليات القهر أو بتجدد نعم أخرى تظهر على أوليائنا الذين حسدوهم وأنكروا
~~عليهم

# ليذوقوا العذاب

# [النساء: 56] ما داموا منغمسين في أوحال الرذائل { والذين
~~ءامنوا وعملوا الصلحت } أي الأعمال التي يصلحون بها
~~لقبول التجليات { سندخلهم جنت تجرى من تحتها
~~الأنهر } من ماء الحكمة ولبن الفطرة وخمر الشهود وعسل الكشف {
~~خلدين فيها أبدا } لبقاء أرواحهم / المفاضة عليها ما يروحها {
~~لهم فيها أزوج } من التجليات التي يلتذون بها { مطهرة }
~~من لوث النقص { وندخلهم ظلا ظليلا } [النساء: 57] وهو ظل
~~الوجود والصفات الإلهية وذلك بمحو البشرية عنهم، نسأل الله تعالى من
~~فضله فلا فضل إلا فضله، ثم إنه سبحانه وتعالى أرشد المؤمنين بأبلغ وجه
~~إلى بعض أمهات الأعمال الصالحة فقال عز من قائل: { إن الله
~~يأمركم أن تؤدوا }.

### || [4.58]

# { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمنت إلى
~~أهلها } أخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما قال:

# " لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن أبي طلحة
~~فلما أتاه قال: أرني المفتاح فأتاه به فلما بسط يده إليه قام العباس
~~فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي اجعله لي مع السقاية فكف عثمان يده
~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرني المفتاح يا عثمان فبسط يده
~~يعطيه، فقال العباس مثل كلمته الأولى فكف عثمان يده، ثم قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم: يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فهاتني
~~المفتاح، فقال: هاك بأمانة الله تعالى فقام ففتح الكعبة فوجد فيها تمثال
~~إبراهيم عليه السلام معه قداح يستقسم بها فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: ما للمشركين قاتلهم الله تعالى وما شأن إبراهيم عليه السلام وشأن
~~القداح وأزال ذلك، وأخرج مقام إبراهيم عليه السلام وكان في الكعبة؛ ثم
~~قال: أيها الناس هذه القبلة، ثم خرج فطاف بالبيت، ثم نزل عليه جبريل عليه
~~السلام  فيما ذكر لنا  برد المفتاح فدعا عثمان بن أبي طلحة فأعطاه ms01932
~~المفتاح ثم قال: { إن الله يأمركم } » الآية. "

# وفي رواية الطبراني

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أعطى المفتاح: خذوها يا بني
~~طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم "

# يعني سدانة الكعبة، وفي «تفسير ابن كثير» «أن عثمان دفع المفتاح بعد ذلك
~~إلى أخيه شيبة بن أبي طلحة فهو في يد ولده إلى اليوم»، وذكر الثعلبي
~~والبغوي والواحدي «أن عثمان امتنع عن إعطاء المفتاح للنبي صلى الله عليه
~~وسلم وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه فلوى علي كرم الله تعالى وجهه
~~يده وأخذه منه فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة وصلى ركعتين
~~فلما خرج سأله العباس أن يجمع له السدانة والسقاية فنزلت فأمر عليا كرم
~~الله تعالى وجهه أن يرد ويعتذر إليه وصار ذلك سببا لإسلامه ونزول الوحي
~~بأن السدانة في أولاده أبدا» وما ذكرناه أولى بالاعتبار. أما أولا:
~~فلما قال الأشموني: إن المعروف عند أهل السير أن عثمان بن طلحة أسلم قبل
~~ذلك في هدنة الحديبية مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص  كما ذكره ابن
~~إسحق وغيره وجزم به ابن عبد البر في «الاستيعاب». والنووي في «تهذيبه».
~~والذهبي وغيرهم، وأما ثانيا: فلما فيه من المخالفة لما ذكره ابن كثير،
~~وقد نصوا على أنه هو الصحيح، وأما ثالثا: فلأن المفتاح على هذا لا يعد
~~أمانة لأن عليا كرم الله تعالى وجهه أخذه منه قهرا وما هذا شأنه هو
~~الغصب لا الأمانة، والقول  بأن تسمية ذلك أمانة لأن الله تعالى لم يرد
~~نزعه منه، أو للإشارة إلى أن الغاصب يجب أن يكون كالمؤتمن في قصد الرد،
~~أو إلى أن عليا كرم الله تعالى وجهه لما قصد بأخذه الخير وكان أيضا
~~بأمر النبي صلى الله عليه وسلم جعل كالمؤتمن في أنه لا ذنب عليه لا يخلو
~~عن بعد، وأيا ما كان فالخطاب يعم كل أحد  كما أن الأمانات، وهي جمع
~~أمانة مصدر سمي به المفعول  تعم الحقوق المتعلقة بذممهم من حقوق الله
~~تعالى وحقوق ms01933 العباد سواء كانت فعلية أو قولية أو اعتقادية، وعموم الحكم
~~لا ينافي خصوص السبب، وقد روي ما يدل على العموم عن ابن عباس.

# وأبي. وابن مسعود. والبراء بن عازب وأبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله
~~تعالى عنهم أجمعين، وإليه ذهب الأكثرون، وعن زيد بن أسلم  واختاره
~~الجبائي وغيره / أن هذا خطاب لولاة الأمر أن يقوموا برعاية الرعية وحملهم
~~على موجب الدين والشريعة، وعدوا من ذلك تولية المناصب مستحقيها، وجعلوا
~~الخطاب الآتي لهم أيضا، وفي تصدير الكلام  بإن  الدالة على التحقيق
~~وإظهار الاسم الجليل وإيراد الأمر على صورة الإخبار من الفخامة وتأكيد
~~وجوب الامتثال والدلالة على الاعتناء بشأنه ما لا مزيد عليه، ولهذا ورد
~~من حديث ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " لا إيمان لمن لا أمانة له "

# وأخرج البيهقي في «الشعب» عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " أربع إذا كن فيك فلا عليك فيما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة وصدق حديث
~~وحسن خليقة وعفة طعمة "

# وأخرج عن ميمون بن مهران «ثلاث تؤدين إلى البر والفاجر: الرحم توصل برة
~~كانت أو فاجرة والأمانة تؤدى إلى البر والفاجر والعهد يوفى به للبر
~~والفاجر»، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن
~~صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان "

# والأخبار في ذلك كثيرة، وقرىء  الأمانة  بالإفراد والمراد الجنس لا
~~المعهود أي يأمركم بأداء أي أمانة كانت.

# { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل }
~~أمر بإيصال الحقوق المتعلقة بذمم الغير إلى أصحابها إثر الأمر بإيصال
~~الحقوق المتعلقة بذممهم، فالواو للعطف، والظرف متعلق بما بعد أن وهو
~~معطوف على { أن تؤدوا } والجار متعلق به أو بمقدر وقع حالا من
~~فاعله أي: ويأمركم أن تحكموا بالإنصاف والسوية، أو متلبسين بذلك إذا
~~قضيتم بين الناس ممن ينفذ عليه أمركم أو يرضى بحكمكم، وهذا مبني على ms01934 مذهب
~~من يرى جواز تقدم الظرف المعمول لما في حيز الموصول الحرفي عليه، والفصل
~~بين حرف العطف والمعطوف بالظرف، وفي «التسهيل» الفصل بين العاطف والمعطوف
~~إذا لم يكن فعلا بالظرف والجار والمجرور جائز وليس ضرورة خلافا لأبي
~~علي، ولقيام الخلاف في المسألة ذهب أبو حيان إلى أن الظرف متعلق بمقدر
~~يفسره المذكور أي  وأن تحكموا إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا  ليسلم
~~مما تقدم، ولا يجوز تعلقه بما قبله لعدم استقامة المعنى لأن تأدية
~~الأمانة ليست وقت الحكومة، والمراد بالحكم ما كان عن ولاية عامة أو خاصة،
~~وأدخلوا في ذلك ما كان عن تحكيم.

# وفي بعض الآثار أن صبيين ارتفعا إلى الحسن رضي الله تعالى عنه ابن علي
~~كرم الله تعالى وجهه في خط كتباه وحكماه في ذلك ليحكم أي الخطين أجود
~~فبصر به علي كرم الله تعالى وجهه فقال: يا بني أنظر كيف تحكم فإن هذا حكم
~~والله تعالى سائلك عنه يقوم القيامة.

# { إن الله نعما يعظكم به } جملة مستأنفة مقررة لمضمون
~~ما قبلها متضمنة لمزيد اللطف بالمخاطبين وحسن استدعائهم إلى الامتثال
~~وإظهار الاسم الأعظم لتربية المهابة وهو اسم { أن } وجملة { نعما
~~يعظكم } خبرها، و (ما) إما بمعنى الشيء معرفة تامة، و { يعظكم
~~} صفة موصوف محذوف وهو المخصوص بالمدح، أي نعم الشيء شيء يعظكم به، ويجوز
~~ نعم هو أي الشيء شيئا يعظكم به  والمخصوص بالمدح محذوف، وإما بمعنى
~~الذي وما بعدها صلتها وهو فاعل  نعم  والمخصوص محذوف أيضا، أي نعم
~~الذي يعظكم به تأدية الأمانة والحكم بالعدل  قاله أبو البقاء  ونظر فيه
~~بأنه قد تقرر أن فاعل  نعم  إذا كان مظهرا لزم أن / يكون محلى بلام
~~الجنس أو مضافا إليه كما في «المفصل»، وأجيب بأن سيبويه جوز قيام (ما)
~~إذا كانت معرفة تامة مقامه، وابن السراج أيضا جوز قيام الموصولة لأنها
~~في معنى المعرف باللام، واعترض القول بوقوع (ما) تمييزا بأنها مساوية
~~للمضمر في الإبهام فلا تميزه لأن التمييز لبيان جنس المميز، وأجيب بمنع
~~كونها مساوية له لأن المراد ms01935 بها شيء عظيم، والضمير لا يدل على ذلك، ومن
~~الغريب ما قيل: إن (ما) كافة فتدبر، وقد تقدم الكلام فيما في { نعما
~~} من القراءات { إن الله كان سميعا } بجميع المسموعات ومنها
~~أقوالكم { بصيرا } بكل شيء ومن ذلك أفعالكم، ففي الجملة وعد ووعيد،
~~وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي كرم الله تعالى وجهه:

# " سو بين الخصمين في لحظك ولفظك. "

### || [4.59]

# { يأيها الذين ءامنوا } بعدما أمر سبحانه ولاة الأمور
~~بالعموم أو الخصوص بأداء الأمانة والعدل في الحكومة أمر الناس بإطاعتهم
~~في ضمن إطاعته عز وجل وإطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم حيث قال عز من
~~قائل: { أطيعوا الله } أي الزموا طاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه
~~{ وأطيعوا الرسول } المبعوث لتبليغ أحكامه إليكم في كل ما
~~يأمركم به وينهاكم عنه أيضا، وعن الكلبي أن المعنى: أطيعوا الله في
~~الفرائض وأطيعوا الرسول في السنن، والأول أولى وأعاد الفعل وإن كانت طاعة
~~الرسول مقترنة بطاعة الله تعالى اعتناءا بشأنه عليه الصلاة والسلام
~~وقطعا لتوهم أنه لا يجب امتثال ما ليس في القرآن وإيذانا بأن له صلى
~~الله عليه وسلم استقلالا بالطاعة لم يثبت لغيره، ومن ثم لم يعد في قوله
~~سبحانه: { وأولى الأمر منكم } إيذانا بأنهم لا استقلال لهم
~~فيها استقلال الرسول صلى الله عليه وسلم، واختلف في المراد بهم فقيل:
~~أمراء المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده ويندرج فيهم
~~الخلفاء والسلاطين والقضاة وغيرهم، وقيل: المراد بهم أمراء السرايا، وروي
~~ذلك عن أبي هريرة وميمون بن مهران، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن
~~السدي، وأخرجه ابن عساكر عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~قال:

# " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في سرية، وفيها عمار
~~بن ياسر فساروا قبل القوم الذين يريدون فلما بلغوا قريبا منهم عرسوا
~~وأتاهم ذو العيينتين فأخبرهم فأصبحوا قد هربوا غير رجل أمر أهله فجمعوا
~~متاعهم ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد ms01936 يسأل عن عمار بن
~~ياسر فأتاه فقال: يا أبا اليقظان إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله
~~وأن محمدا عبده ورسوله، وأن قومي لما سمعوا بكم هربوا وإني بقيت فهل
~~إسلامي نافعي غدا وإلا هربت؟ فقال عمار: بل هو ينفعك فأقم فأقام فلما
~~أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحدا غير الرجل فأخذه وأخذ ماله فبلغ عمارا
~~الخبر فأتى خالدا فقال: خل عن الرجال فإنه قد أسلم وهو في أمان مني، قال
~~خالد: وفيم أنت تجير؟ فاستبا وارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم
~~فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير فاستبا عند النبي صلى
~~الله عليه وسلم فقال خالد: يا رسول الله أتترك هذا العبد الأجدع يشتمني
~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خالد لا تسب عمارا فإن من سب
~~عمارا سبه الله تعالى ومن أبغض عمارا أبغضه الله تعالى ومن لعن عمارا
~~لعنه الله تعالى فغضب عمار فقام فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه
~~فرضي، فأنزل الله تعالى هذه الآية "

# ووجه التخصيص على هذا أن في عدم إطاعتهم ولا سلطان ولا حاضرة مفسدة
~~عظيمة، وقيل: المراد بهم أهل العلم، وروى ذلك غير واحد عن ابن عباس وجابر
~~بن عبد الله ومجاهد والحسن وعطاء وجماعة، واستدل عليه أبو العالية بقوله
~~تعالى:

# ولو ردوه / إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم
~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم

# [النساء: 83] فإن العلماء هم المستنبطون المستخرجون للأحكام، وحمله كثير
~~ وليس ببعيد  على ما يعم الجميع لتناول الاسم لهم لأن للأمراء تدبير
~~أمر الجيش والقتال، وللعلماء حفظ الشريعة وما يجوز مما لا يجوز.

# واستشكل إرادة العلماء لقوله تعالى: { فإن تنازعتم في شيء }
~~فإن الخطاب فيه عام للمؤمنين مطلقا والشيء خاص بأمر الدين بدليل ما
~~بعده، والمعنى فإن تنازعتم أيها المؤمنون أنتم وأولو الأمر منكم في أمر
~~من أمور الدين { فردوه } فراجعوا فيه { إلى الله } أي إلى
~~كتابه { والرسول } أي إلى سنته، ولا شك أن هذا إنما يلائم حمل أولي
~~الأمر على ms01937 الأمراء دون العلماء لأن للناس والعامة منازعة الأمراء في بعض
~~الأمور وليس لهم منازعة العلماء إذ المراد بهم المجتهدون والناس ممن
~~سواهم لا ينازعونهم في أحكامهم. وجعل بعضهم: الخطاب فيه لأولي الأمر على
~~الالتفات ليصح إرادة العلماء لأن للمجتهدين أن ينازع بعضهم بعضا مجادلة
~~ومحاجة فيكون المراد أمرهم بالتمسك بما يقتضيه الدليل، وقيل: على إرادة
~~الأعم يجوز أن يكون الخطاب للمؤمنين وتكون المنازعة بينهم وبين أولي
~~الأمر باعتبار بعض الأفراد وهم الأمراء، ثم إن وجوب الطاعة لهم ما داموا
~~على الحق فلا يجب طاعتهم فيما خالف الشرع، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن علي
~~كرم الله تعالى وجهه قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا طاعة لبشر في معصية الله تعالى
~~"

# ، وأخرج هو وأحمد والشيخان وأبو داود والنسائي عنه أيضا كرم الله تعالى
~~وجهه قال:

# " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلا من
~~الأنصار فأمرهم عليه الصلاة والسلام أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه في شيء
~~فقال: اجمعوا لي حطبا فجمعوا له حطبا قال: أوقدوا نارا فأوقدوا نارا
~~قال: ألم يأمركم صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى
~~قال: فادخلوها فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم من النار فسكن غضبه وطفئت النار فلما قدموا على رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم ذكروا له ذلك فقال عليه الصلاة والسلام لو دخلوها ما
~~خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف "

# وهل يشمل المباح أم لا؟ فيه خلاف، فقيل: إنه لا يجب طاعتهم فيه لأنه لا
~~يجوز لأحد أن يحرم ما حلله الله تعالى ولا أن يحلل ما حرمه الله تعالى،
~~وقيل: تجب أيضا كما نص عليه الحصكفي وغيره، وقال بعض محققي الشافعية:
~~يجب طاعة الإمام في أمره ونهيه ما لم يأمر بمحرم، وقال بعضهم: الذي يظهر
~~أن ما أمر به مما ليس فيه مصلحة عامة لا يجب امتثاله إلا ظاهرا فقط
~~بخلاف ما فيه ذلك فإنه يجب ms01938 باطنا أيضا، وكذا يقال في المباح الذي فيه
~~ضرر للمأمور به، ثم هل العبرة بالمباح والمندوب المأمور به باعتقاد الآمر
~~فإذا أمر بمباح عنده سنة عند المأمور يجب امتثاله ظاهرا فقط أو المأمور
~~فيجب باطنا أيضا وبالعكس فينعكس ذلك كل محتمل وظاهر إطلاقهم في مسألة
~~أمر الإمام الناس بالصوم للاستسقاء الثاني لأنهم لم يفصلوا بين كون الصوم
~~المأمور به هناك مندوبا عند الآمر أو لا، وأيد بما قرروه في باب
~~الاقتداء من أن العبرة باعتقاد المأموم لا الإمام، ولم أقف على ما قاله
~~أصحابنا في هذه المسألة فليراجع هذا، واستدل بالآية من أنكر القياس وذلك
~~لأن الله تعالى أوجب الرد إلى الكتاب والسنة دون القياس، والحق أن الآية
~~دليل على إثبات القياس بل هي متضمنة لجميع الأدلة الشرعية، فإن المراد
~~بإطاعة الله العمل بالكتاب، وبإطاعة الرسول العمل بالسنة، وبالرد إليهما
~~القياس / لأن رد المختلف فيه الغير المعلوم من النص إلى المنصوص عليه
~~إنما يكون بالتمثيل والبناء عليه، وليس القياس شيئا وراء ذلك، وقد علم
~~من قوله سبحانه: { فإن تنازعتم } أنه عند عدم النزاع يعمل بما
~~اتفق عليه وهو الإجماع.

# { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر } متعلق
~~بالأمر الأخير الوارد في محل النزاع إذ هو المحتاج إلى التحذير عن
~~المخالفة، وجواب الشرط محذوف عند جمهور البصريين ثقة بدلالة المذكور
~~عليه، والكلام على حد  إن كنت ابني فأطعني  فإن الإيمان بالله تعالى
~~يوجب امتثال أمره، وكذا الإيمان باليوم الآخر لما فيه من العقاب على
~~المخالفة { ذلك } أي الرد المأمور به العظيم الشأن ولو حمل  كما قيل
~~ على جميع ما سبق على التفريع لحسن. وقال الطبرسي: «إنه إشارة إلى ما
~~تقدم من الأوامر أي طاعة الله تعالى وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وأولي الأمر ورد المتنازع فيه إلى الله والرسول عليه الصلاة والسلام {
~~خير } لكم وأصلح { وأحسن } أي أحمد في نفسه { تأويلا } أي
~~عاقبة، قاله قتادة والسدي وابن زيد»، وأفعل التفضيل في الموضعين للإيذان
~~بالكمال على خلاف الموضوع له، ووجه تقديم ms01939 الأول على الثاني أن الأغلب
~~تعلق أنظار الناس بما ينفعهم، «وقيل: المراد: خير لكم في الدنيا وأحسن
~~عاقبة في الآخرة»، ووجه التقديم عليه أظهر. «وعن الزجاج أن المراد: أحسن
~~تأويلا من تأويلكم أنتم إياه من غير رد إلى أصل من كتاب الله تعالى وسنة
~~نبيه صلى الله عليه وسلم». فالتأويل إما بمعنى الرجوع إلى المآل
~~والعاقبة، وإما بمعنى بيان المراد من اللفظ الغير الظاهر منه، وكلاهما
~~حقيقة، وإن غلب الثاني في العرف ولذا يقابل التفسير.

### || [4.60]

# { ألم تر } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وتعجيب له عليه الصلاة
~~والسلام أي ألم تنظر أو ألم ينته علمك. { إلى الذين يزعمون }
~~من الزعم وهو كما في «القاموس» «مثلث القول: الحق والباطل والكذب ضد،
~~وأكثر ما يقال فيما يشك فيه» ومن هنا قيل: إنه قول بلا دليل، وقد كثر
~~استعماله بمعنى القول الحق، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~«زعم جبريل» وفي حديث ضمام بن ثعلبة رضي الله تعالى عنه «زعم رسولك» وقد
~~أكثر سيبويه في الكتاب من قوله: زعم الخليل كذا  في أشياء يرتضيها  وفي
~~«شرح مسلم للنووي» أن زعم في كل هذا بمعنى القول، والمراد به هنا مجرد
~~الادعاء أي يدعون. { أنهم ءامنوا بما أنزل إليك } أي
~~القرآن. { وما أنزل } إلى موسى عليه السلام { من قبلك } وهو
~~التوراة، ووصفوا بهذا الادعاء لتأكيد التعجيب وتشديد التوبيخ والاستقباح،
~~وقرىء { أنزل } و { أنزل } بالبناء للفاعل.

# { يريدون أن يتحاكموا إلى الطغوت } بيان لمحل
~~التعجيب على قياس نظائره؛ أخرج الثعلبي وابن أبي حاتم من طرق عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما «أن رجلا من المنافقين يقال له بشر: خاصم
~~يهوديا فدعاه اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى
~~كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى
~~لليهودي فلم يرض المنافق وقال: تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب، فقال
~~اليهودي لعمر رضي الله تعالى عنه: قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فلم يرض بقضائه، ms01940 فقال للمنافق أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى
~~أخرج إليكما فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد
~~ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه
~~وسلم فنزلت»، وفي بعض الروايات «وقال جبريل عليه السلام إن عمر فرق بين
~~الحق والباطل وسماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاروق رضي الله تعالى
~~عنه»، والطاغوت على هذا كعب / بن الأشرف، وإطلاقه عليه حقيقة بناءا على
~~أنه بمعنى كثير الطغيان، أو أنه علم لقب له  كالفاروق  لعمر رضي الله
~~تعالى عنه، ولعله في مقابلة الطاغوت، وفي معناه كل من يحكم بالباطل ويؤثر
~~لأجله، ويحتمل أن يكون الطاغوت بمعنى الشيطان، وإطلاقه على الأخس بن
~~الأشرف إما استعارة أو حقيقة، والتجوز في إسناد التحاكم إليه بالنسبة
~~الإيقاعية بين الفعل ومفعوله بالواسطة، وقيل: إن التحاكم إليه تحاكم إلى
~~الشيطان من حيث إنه الحامل عليه فنقله عن الشيطان إليه على سبيل المجاز
~~المرسل، وأخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس أيضا قال: كان أبو برزة
~~الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه فتنافر إليه ناس من
~~المسلمين فأنزل الله تعالى فيهم الآية.

# وأخرج ابن جرير عن السدي كان أناس من يهود قريظة والنضير قد أسلموا
~~ونافق بعضهم، وكانت بينهم خصومة في قتيل فأبى المنافقون منهم إلا
~~التحاكم إلى أبي برزة فانطلقوا إليه فسألوه فقال: أعظموا اللقمة،
~~فقالوا: لك عشرة أوساق فقال: لا بل مائة وسق، فأبوا أن يعطوه فوق العشرة،
~~فأنزل الله تعالى فيهم ما تسمعون وعلى هذا ففي الآية من الإشارة إلى
~~تفظيع التحاكم نفسه ما لا يخفى، وهو أيضا أنسب بوصف المنافقين بادعاء
~~الإيمان بالتوراة، ويمكن حمل خبر الطبراني عليه بحمل المسلمين فيه على
~~المنافقين ممن أسلم من قريظة والنضير.

# { وقد أمروا أن يكفروا به } في موضع الحال من ضمير {
~~يريدون } وفيه تأكيد للتعجيب كالوصف السابق، والضمير المجرور راجع
~~إلى الطاغوت وهو ظاهر على تقدير أن يراد منه الشيطان وإلا فهو عائد إليه ms01941
~~باعتبار الوصف لا الذات، أي أمروا أن يكفروا بمن هو كثير الطغيان أو شبيه
~~بالشيطان، وقيل الضمير للتحاكم المفهوم من { يتحاكموا } وفيه بعد،
~~وقرأ عباس بن المفضل بها، وقرىء بهن، والضمير أيضا للطاغوت لأنه يكون
~~للواحد والجمع، وإذا أريد الثاني أنث باعتبار معنى الجماعة وقد تقدم {
~~ويريد الشيطن أن يضلهم ضللا بعيدا } عطف على
~~الجملة الحالية داخلة في حكم التعجيب، وفيها على بعض الاحتمالات وضع
~~المظهر موضع المضمر على معنى: يريدون أن يتحاكموا إلى الشيطان وهو بصدد
~~إرادة إضلالهم ولا يريدون أن يتحاكموا إليك وأنت بصدد إرادة هدايتهم، و {
~~ضلالا } إما مصدر مؤكد للفعل المذكور بحذف الزوائد على حد ما قيل في

# أنبتكم من الأرض نباتا

# [نوح: 17] وإما مؤكد لفعله المدلول عليه بالمذكور أي (فيضلون ضلالا)،
~~ووصفه بالبعد الذي هو نعت موصوفه للمبالغة.

### || [4.61]

# { وإذا قيل لهم } أي لأولئك الزاعمين { تعالوا إلى ما
~~أنزل الله } في القرآن من الأحكام { وإلى الرسول } المبعوث
~~للحكم بذلك { رأيت } أي أبصرت أو علمت { المنفقين } وهم
~~الزاعمون، والإظهار في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بالنفاق وذمهم به
~~والإشعار بعلة الحكم أي رأيتهم لنفاقهم { يصدون } أي يعرضون { عنك
~~صدودا } أي إعراضا أي إعراض فهو مصدر مؤكد لفعله وتنوينه للتفخيم،
~~وقيل: هو اسم للمصدر الذي هو الصد وعزي إلى الخليل، والأظهر أنه مصدر لصد
~~اللازم، والصد مصدر للمتعدي، ودعوى  أن يصدون هنا متعد حذف مفعوله أي
~~يصدون المتحاكمين أي يمنعونهم  مما لا حاجة إليه، وهذه الجملة تكملة
~~لمادة التعجيب ببيان إعراضهم صريحا عن التحاكم إلى كتاب الله تعالى
~~ورسوله صلى الله عليه وسلم إثر بيان إعراضهم عن ذلك في ضمن التحاكم إلى
~~الطاغوت، وقرأ الحسن { تعالوا } بضم اللام على أنه حذف لام الفعل
~~اعتباطا كما قالوا: ما باليت به بالة وأصلها بالية كعافية، وكما قال
~~الكسائي في آية: إن أصلها أيية كفاعلة فصارت اللام كاللام فضمت للواو،
~~ومن ذلك قول أهل مكة: تعالى بكسر اللام للمرأة، وهي لغة مسموعة أثبتها
~~ابن جني فلا عبرة بمن لحن (كابن هشام) ms01942 الحمداني / فيها حيث يقول:

# أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا

# (تعالى اقاسمك الهموم تعالى)

# ولا حاجة إلى القول بأن  تعالى  الأولى: مفتوحة اللام، والثانية:
~~مكسورتها للقافية كما لا يخفى، وأصل معنى هذا الفعل طلب الإقبال إلى مكان
~~عال ثم عمم.

### || [4.62]

# { فكيف } يكون حالهم { إذا أصبتهم } نالتهم { مصيبة
~~} نكبة تظهر نفاقهم { بما قدمت أيديهم } أي بسبب ما عملوا من
~~الجنايات كالتحاكم إلى الطاغوت والإعراض عن حكمك { ثم جاءوك }
~~للاعتذار وهو عطف على { أصبتهم } والمراد تهويل ما (دهاهم)،
~~وقيل: على

# يصدون

# [النساء: 61] وما بينهما اعتراض { يحلفون } حال من فاعل { جاءوك
~~} أي حالفين لك { بالله إن أردنا } أي ما أردنا بتحاكمنا إلى
~~غيرك { إلا إحسنا } إلى الخصوم { وتوفيقا } بينهم ولم نرد
~~بالمرافعة إلى غيرك عدم الرضا بحكمك فلا تؤاخذنا بما فعلنا، وهذا وعيد
~~لهم على ما فعلوا وأنهم سيندمون حين لا ينفعهم الندم، ويعتذرون ولا يغني
~~عنهم الاعتذار، وقيل: جاء أصحاب القتيل طالبين بدمه وقالوا: إن أردنا
~~بالتحاكم إلى عمر رضي الله تعالى عنه إلا أن يحسن إلى صاحبنا ويوفق بينه
~~وبين خصمه  فإذا  على هذا لمجرد الظرفية دون الاستقبال. وقيل: المعني
~~بالآية عبد الله بن أبي والمصيبة ما أصابه وأصحابه من الذل برجوعهم من
~~غزوة بني المصطلق  وهي غزوة مريسيع  حين نزلت سورة المنافقين فاضطروا
~~إلى الخشوع والاعتذار على ما سيذكر في محله إن شاء الله تعالى. وقالوا:
~~ما أردنا بالكلام بين الفريقين المتنازعين في تلك الغزوة إلا الخير، أو
~~مصيبة الموت لما تضرع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإقالة
~~والاستغفار واستوهبه ثوبه ليتقي به النار.

### || [4.63]

# { أولئك } أي المنافقون المذكورون { الذين يعلم الله
~~ما فى قلوبهم } من فنون الشرور المنافية لما أظهروا لك من (بنات
~~غير وجاءوا به من أذنى عناق) { فأعرض } حيث كانت حالهم كذلك {
~~عنهم } أي قبول عذرهم، ويلزم ذلك الإعراض عن طلبهم دم القتيل لأنه
~~هدر، وقيل: عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم، ولا تظهر لهم علمك بما في
~~بواطنهم الخبيثة حتى يبقوا على نيران ms01943 الوجل { وعظهم } بلسانك وكفهم
~~عن النفاق { وقل لهم فى أنفسهم } أي قل لهم خاليا لا يكون
~~معهم أحد لأنه أدعى إلى قبول النصيحة، ولذا قيل: النصح بين الملأ تقريع،
~~أو قل لهم في شأن أنفسهم ومعناها { قولا بليغا } مؤثرا واصلا إلى
~~كنه المراد مطابقا لما سيق له من المقصود فالظرف على التقديرين متعلق
~~بالأمر. وقيل: متعلق ب { بليغا } وهو ظاهر على مذهب الكوفيين،
~~والبصريون لا يجيزون ذلك لأن معمول الصفة عندهم لا يتقدم على الموصوف لأن
~~المعمول إنما يتقدم حيث يصح تقدم عامله، وقيل: إنه إنما يصح إذا كان
~~ظرفا وقواه البعض، وقيل: إنه متعلق بمحذوف يفسره المذكور  وفيه بعد 
~~والمعنى على تقدير التعلق: قل لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا فيها
~~يغتمون به اغتماما، ويستشعرون منه الخوف استشعارا، وهو التوعد بالقتل
~~والاستئصال، والإيذان بأن ما انطوت عليه قلوبهم الخبيثة من الشر والنفاق
~~بمرأى من الله تعالى ومسمع  غير خاف عليه سبحانه  وإن ذلك مستوجب (لما
~~تشيب منه النواصي، وإنما هذه المكافة) والتأخير لإظهارهم الإيمان
~~وإضمارهم الكفر، ولئن أظهروا الشقاق وبرزوا بأشخاصهم من نفق النفاق
~~(لتسامرنهم السمر والبيض، وليضيقن عليهم رحب الفلا بالبلاء العريض)،
~~واستدل بالآية الأولى على أنه قد تصيب المصيبة بما يكتسبه العبد /من
~~الذنوب، ثم اختلف في ذلك فقال الجبائي: لا يكون ذلك إلا عقوبة في التائب،
~~وقال أبو هاشم: يكون ذلك لطفا. وقال القاضي عبد الجبار: قد يكون لطفا
~~وقد يكون جزاءا وهو موقوف على الدليل.

### || [4.64]

# { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله }
~~تمهيد لبيان خطئهم باشتغالهم بستر نار جنايتهم بهشيم اعتذارهم الباطل
~~وعدم إطفائها بماء التوبة أي وما أرسلنا رسولا من الرسل لشيء من الأشياء
~~إلا ليطاع بسبب إذنه تعالى وأمره المرسل إليهم أن يطيعوه لأنه مؤد عنه عز
~~شأنه فطاعته طاعته ومعصيته معصيته أو بتيسيره وتوفيقه سبحانه في طاعته،
~~ولا يخفى ما في العدول عن الضمير إلى الإسم الجليل، واحتج المعتزلة
~~بالآية على أن الله تعالى لا يريد إلا الخير والشر على ms01944 خلاف إرادته،
~~وأجاب عن ذلك صاحب «التيسير» بأن المعنى إلا ليطيعه من أذن له في الطاعة
~~وأرادها منه، وأما من لم يأذن له فيريد عدم طاعته فلذا لا يطيعه ويكون
~~كافرا، أو بأن المراد إلزام الطاعة أي وما أرسلنا رسولا إلا لإلزام
~~طاعته الناس ليثاب من انقاد ويعاقب من سلك طريق العناد فلا تنتهض دعواهم
~~الاحتجاج بها على مدعاهم، واحتج بها أيضا من أثبت الغرض في أفعاله تعالى
~~وهو ظاهر، ولا يمكن تأويل ذلك بكونه غاية لا غرضا لأن طاعة الجميع لا
~~تترتب على الإرسال إلا أن يقال إن الغاية كونه مطاعا بالإذن لا للكل إذ
~~من لا إذن له لا يطيع، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة.

# { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم } وعرضوها للبوار
~~بالنفاق والتحاكم إلى الطاغوت { جاءوك } على إثر ظلمهم بلا ريث متوسلين
~~بك تائبين عن جنايتهم غير جامعين  حشفا وسوء كيلة  باعتذارهم الباطل
~~وأيمانهم الفاجرة { فاستغفروا الله } لذنوبهم ونزعوا عما هم
~~عليه وندموا على ما فعلوا. { واستغفر لهم الرسول } وسأل
~~الله تعالى أن يقبل توبتهم ويغفر ذنوبهم، وفي التعبير  باستغفر  الخ
~~دون استغفرت تفخيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث عدل عن خطابه
~~إلى ما هو من عظيم صفاته على طريق حكم الأمير بكذا مكان حكمت، وتعظيم
~~لاستغفاره عليه الصلاة والسلام حيث أسنده إلى لفظ منبىء عن علو مرتبته {
~~لوجدوا الله توابا رحيما } أي لعلموه قابلا لتوبتهم
~~متفضلا عليهم بالتجاوز عما سلف من ذنوبهم، ومن فسر  الوجدان 
~~بالمصادفة كان الوصف الأول: حال والثاني: بدلا منه أو حالا من الضمير
~~فيه أو مثله، وفي وضع الاسم الجامع موضع الضمير إيذان بفخامة القبول
~~والرحمة.

### || [4.65]

# { فلا وربك } أي  فوربك  و (لا) مزيدة لتأكيد معنى القسم لا
~~لتأكيد النفي في جوابه أعني قوله تعالى: { لا يؤمنون } لأنها تزاد
~~في الإثبات أيضا كقوله تعالى:

# فلا أقسم بموقع النجوم

# [الواقعة: 75] وهذا ما اختاره الزمخشري ومتابعوه في (لا) التي تذكر قبل
~~القسم، وقيل: إنها رد لمقدر أي لا يكون الأمر ms01945 كما زعمتم واختاره الطبرسي،
~~وقيل: مزيدة لتأكيد النفي في الجواب ولتأكيد القسم إن لم يكن نفي، وقال
~~ابن المنير: ((الظاهر عندي أنها ههنا لتوطئة النفي المقسم عليه،
~~والزمخشري لم يذكر مانعا من ذلك سوى مجيئها لغير هذا المعنى في الإثبات
~~وهو لا يأبى مجيئها في النفي على الوجه الآخر من التوطئة على أنها لم
~~ترد في القرآن إلا مع صريح فعل القسم ومع القسم بغير الله تعالى مثل

# لا أقسم بهذا البلد

# [البلد: 1]

# لا أقسم بيوم القيمة

# [القيامة: 1]

# فلا أقسم بالشفق

# [الانشقاق: 16] قصدا إلى تأكيد القسم / وتعظيم المقسم به إذ لا يقسم
~~بالشيء إلا إعظاما له فكأنه بدخولها يقول إن إعظامي لهذه الأشياء بالقسم
~~بها  كلا إعظام  يعني أنها تستوجب من التعظيم فوق ذلك، وهو لا يحسن في
~~القسم بالله تعالى إذ لا توهم ليزاح، ولم تسمع زيادتها مع القسم بالله
~~إلا إذا كان الجواب منفيا فدل ذلك على أنها معه زائدة موطئة للنفي
~~الواقع في الجواب، ولا تكاد تجدها في غير الكتاب العزيز داخلة على قسم
~~مثبت وإنما كثر دخولها على القسم وجوابه نفي كقوله:

# (فلا وأبيك) ابنة العامري

# (لا يدعي) القوم أني أفر

# وقوله:

# ألا نادت أمامة بارتحال

# لتحزنني (فلا بك) ما أبالي

# وقوله:

# رأى برقا فأوضع فوق بكر

# (فلا بك ما أسال ولا أغاما)

# إلى ما لا يحصى كثرة، ومن هذا يعلم الفرق بين المقامين؛ والجواب عن
~~قولهم: إنه لا فرق بينهما فتأمل ذلك فهو حقيق بالتأمل)).

# { حتى يحكموك } أي يجعلوك حكما أو حاكما، وقال شيخ الإسلام:
~~«يتحاكموا إليك ويترافعوا، وإنما جيء بصيغة التحكيم مع أنه صلى الله عليه
~~وسلم حاكم بأمر الله إيذانا بأن اللائق بهم أن يجعلوه عليه الصلاة
~~والسلام حكما فيما بينهم ويرضوا بحكمه وإن قطع النظر عن كونه حاكما على
~~الإطلاق» { فيما شجر بينهم } أي فيما اختلف بينهم من الأمور
~~واختلط، ومنه الشجر لتداخل أغصانه، وقيل: للمنازعة تشاجر لأن المتنازعين
~~تختلف أقوالهم وتتعارض دعاويهم ويختلط بعضهم ببعض { ثم لا يجدوا
~~} عطف على مقدر ms01946 ينساق إليه الكلام أي فتحكم بينهم ثم لا يجدوا { فى
~~أنفسهم } وقلوبهم { حرجا } أي شكا  كما قاله مجاهد  أو ضيقا
~~ كما قاله الجبائي  أو إثما  كما روي عن الضحاك  واختار بعض
~~المحققين تفسيره بضيق الصدر لشائبة الكراهة والإباء لما أن بعض الكفرة
~~كانوا يستيقنون الآيات بلا شك ولكن يجحدون ظلما وعتوا فلا يكونوا
~~مؤمنين، وما روي عن الضحاك يمكن إرجاعه إلى أي الأمرين شئت ونفي وجدان
~~الحرج أبلغ من نفي الحرج كما لا يخفى، وهو مفعول به  ليجدوا  والظرف
~~قيل: حال منه أو متعلق بما عنده، وقوله تعالى: { مما قضيت } متعلق
~~بمحذوف وقع صفة لحرجا، وجوز أبو البقاء تعلقه به، و (ما) يحتمل أن تكون
~~موصولة ونكرة موصوفة ومصدرية أي من الذي قضيته أي قضيت به أو من شيء قضيت
~~أو من قضائك.

# { ويسلموا تسليما } أي ينقادوا لأمرك ويذعنوا له بظاهرهم
~~وباطنهم كما يشعر به التأكيد، ولعل حكم هذه الآية باق إلى يوم القيامة
~~وليس مخصوصا بالذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم فإن قضاء
~~شريعته عليه الصلاة والسلام قضاؤه، فقد روي عن الصادق رضي الله تعالى عنه
~~أنه قال: لو أن قوما عبدوا الله تعالى وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة
~~وصاموا رمضان وحجوا البيت ثم قالوا لشيء صنعه رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم ألا صنع خلاف ما صنع، أو وجدوا في أنفسهم حرجا لكانوا مشركين ثم
~~تلا هذه الآية، وسبب نزولها  كما قال الشعبي ومجاهد: ما مر من قصة بشر
~~ / واليهودي اللذين قضى بينهما عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بما
~~قضى. وأخرج الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي من
~~طريق الزهري

# " أن عروة بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام أنه خاصم رجلا من
~~الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرة كانا يسقيان
~~به كلاهما النخل فقال الأنصاري: سرح الماء يمر فأبى عليه فقال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك ms01947 فغضب الأنصاري
~~وقال: يا رسول الله إن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ثم أرسل
~~الماء إلى جارك، واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه وكان
~~رسول الله عليه الصلاة والسلام قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه
~~السعة له وللأنصاري فلما أحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصاري
~~استوعى للزبير حقه في صريح الحكم فقال الزبير: ما أحسب هذه الآية نزلت
~~إلا في ذلك { فلا وربك } » "

# الخ..

### || [4.66]

# { ولو أنا كتبنا عليهم } أي فرضنا وأوجبنا { أن
~~اقتلوا أنفسكم } أي كما أمرنا بني إسرائيل وتفسير ذلك بالتعرض
~~له بالجهاد بعيد { أو اخرجوا من ديركم } كما أمرنا بني
~~إسرائيل أيضا بالخروج من مصر. والمراد إنما كتبنا عليهم إطاعة الرسول
~~والانقياد لحكمه والرضا به ولو كتبنا عليهم القتل والخروج من الديار كما
~~كتبنا ذلك على غيرهم { ما فعلوه إلا قليل منهم } وهم
~~المخلصون من المؤمنين كأبي بكر رضي الله تعالى عنه. فقد أخرج ابن أبي
~~حاتم عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال:

# " لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر يا رسول الله لو أمرتني أن أقتل نفسي
~~لفعلت فقال: صدقت يا أبا بكر "

# وكعبد الله بن رواحة، فقد أخرج عن شريح بن عبيد

# " أنها لما نزلت أشار صلى الله عليه وسلم إليه بيده فقال: لو أن الله
~~تعالى كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل "

# وكابن أم عبد، فقد أخرج عن سفيان

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه لو نزلت كان منهم "

# وأخرج عن الحسن قال: «لما نزلت هذه الآية قال أناس من الصحابة: لو فعل
~~ربنا لفعلنا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

# " للإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي "

# وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: «والله لو أمرنا لفعلنا فالحمد لله
~~الذي عافانا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ms01948 فقال:

# " إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي "

# وفي بعض الآثار أن الزبير وصاحبه لما خرجا بعد الحكم من رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم مرا على المقداد فقال: لمن القضاء؟ فقال الأنصاري: لابن
~~عمته ولوى شدقه ففطن يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل الله تعالى هؤلاء
~~يشهدون أنه رسول الله ويتهمونه في قضاء يقضى بينهم وأيم الله تعالى لقد
~~أذنبنا ذنبا مرة في حياة موسى عليه السلام فدعانا إلى التوبة منه، وقال:
~~اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفا في طاعة ربنا حتى رضي عنا؛
~~فقال ثابت بن قيس: أما والله إن الله تعالى ليعلم مني الصدق لو أمرني
~~محمد صلى الله عليه وسلم أن أقتل نفسي لقتلتها، وروي أن قائل ذلك هو وابن
~~مسعود وعمار بن ياسر، وأنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فقال:

# " والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالا الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال
~~الرواسي وإن الآية نزلت فيهم "

# ، وفي رواية البغوي / الاقتصار على ثابت بن قيس، وعلى هذا الأثر وجه
~~مناسبة ذكر هذه الآية مما لا يخفى، وكأنه لذلك قال صاحب «الكشاف» في
~~معناها: «لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم
~~أنفسهم، أو خروجهم من ديارهم حين استتيبوا من عبادة العجل ما فعلوه إلا
~~قليل»، وقال بعضهم: إن المراد أننا قد حففنا عليهم حيث اكتفينا منهم في
~~توبتهم بتحكيمك والتسليم له ولو جعلنا توبتهم كتوبة بني إسرائيل لم
~~يتوبوا، والذي يفهم من فحوى الأخبار المعول عليها أن هذه الكتابة لا تعلق
~~لها بالاستتابة، ولعل المراد من ذكر ذلك مجرد التنبيه على قصور كثير من
~~الناس ووهن إسلامهم إثر بيان أنه لا يتم إيمانهم إلا بأن يسلموا حق
~~التسليم، وظاهر ما ذكره الزمخشري من أن بني إسرائيل أمروا بالخروج حين
~~استتيبوا مما لا يكاد يصح إذا أريد بالديار الديار المصرية لأن الاستتابة
~~من عبادة العجل إنما كانت بعد الخروج منها وبعد انفلاق البحر  وهذا ms01949 مما
~~لا امتراء فيه  على أنا لا نسلم أنهم أمروا بالخروج استتابة في وقت من
~~الأوقات، وحمل الذلة على الخروج من الديار لأن ذل الغربة مثل مضروب في
~~قوله تعالى:

# إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من
~~ربهم وذلة

# [الأعراف: 152] لا يفيد إذ الآية لا تدل على الأمر به والنزاع فيه على
~~أن في كون هذه الآية في التائبين من عبادة العجل نزاعا، وقد حقق بعض
~~المحققين أنها في المصرين المستمرين على عبادته كما ستعلمه إن شاء الله
~~تعالى؛ والعجب من صاحب «الكشف» كيف لم يتعقب كلام صاحب «الكشاف» بأكثر من
~~أنه ليس منصوصا في القرآن، ثم نقل كلامه في الآية.

# هذا والكلام في { لو } هنا أشهر من نار على علم، وحقها كما قالوا: أن
~~يليها فعل، ومن هنا قال الطبرسي: «التقدير لو وقع كتبنا عليهم»، وقال
~~الزجاج: إنها وإن كان حقها ذلك إلا أن إن الشديدة تقع بعدها لأنها تنوب
~~عن الاسم والخبر فنقول ظننت أنك عالم كما تقول: ظننتك عالما أي ظننت
~~علمك ثابتا فهي هنا نائبة عن الفعل والاسم كما أنها هناك نائبة عن الاسم
~~والخبر، وضمير الجمع في { عليهم } وما بعده قيل: للمنافقين ونسب إلى
~~ابن عباس ومجاهد، واعترض بأن فعل القليل منهم غير متصور إذ هم المنافقون
~~الذين لا تطيب أنفسهم بما دون القتل بمراتب، وكل شيء دون المنية سهل،
~~فكيف تطيب بالقتل ويمتثلون الأمر به؟ وأجيب بأن المراد لو كتبنا على
~~المنافقين ذلك ما فعله إلا قليل منهم رياءا وسمعة وحينئذ يصعب الأمر
~~عليهم وينكشف كفرهم، فإذ لم نفعل بهم ذلك بل كلفناهم الأشياء السهلة
~~فليتركوا النفاق وليلزموا الإخلاص، ونسب ذلك للبلخي.

# ولا يخفى أن قوله صلى الله عليه وسلم في عبد الله بن رواحة:

# " لو أن الله تعالى كتب ذلك لكان منهم "

# وكذا غيره من الأخبار السالفة تأبى هذا التوجيه غاية الإباء لأنها
~~مسوقة للمدح، ولا مدح في كون أولئك المذكورين من القليل الذين يمتثلون
~~الأمر رياءا وسمعة بل ذلك غاية في الذم ms01950 لهم وحاشاهم، وقيل: للناس
~~مطلقا، والقلة إضافية لأن المراد بالقليل المؤمنون وهم وإن كثروا قليلون
~~بالنسبة إلى من عداهم من المنافقين، والكفرة المتمردين

# وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين

# [يوسف: 103] وحينئذ لا يرد أنه يلزم من الآية كون بني إسرائيل أقوى
~~إيمانا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث امتثلوا أمر الله
~~تعالى لهم بقتل أنفسهم حتى بلغ قتلاهم سبعين ألفا، ولا يمتثله لو كان من
~~الصدر الأول إلا قليل ومن الناس من جعل الآية بيانا لكمال اللطف بهذه
~~الأمة حيث إنه لا يقبل القتل منهم إلا القليل لأن الله تعالى يعفو عنهم
~~بقتل قليل ولا يدعهم أن يقتل الكثير كبني إسرائيل لا أنهم لا يفعلون كما
~~فعل بنو إسرائيل لقلة المخلصين فيهم وكثرة المخلصين في بني إسرائيل ليلزم
~~التفضيل. وقيل: يحتمل أن يكون قتل كثير من بني إسرائيل لأنهم لو لم
~~ينقادوا لأهلكهم عذاب الله تعالى، وهذه / الأمة مأمونون إلى يوم القيامة
~~فلا يقدمون كما أقدموا لعدم خوف الاستئصال لا لأنهم دون، وأن بني إسرائيل
~~أقوى منهم إيمانا، وأنت تعلم أن الآية بمراحل عن إفادتها كمال اللطف،
~~والسباق والسياق لا يشعران به أصلا، وأن خوف الاستئصال وعدمه مما لا
~~يكاد يخطر ببال كما لا يخفى على من عرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال،
~~والضمير المنصوب في { فعلوه } للمكتوب الشامل للقتل والخروج لدلالة
~~الفعل عليه، أو هو عائد على القتل والخروج وللعطف  بأو  لزم توحيد
~~الضمير لأنه عائد لأحد الأمرين، وقول الإمام الرازي: إن الضمير عائد
~~إليهما معا بالتأويل تنبو عنه الصناعة، و { قليل } لكون الكلام غير
~~موجب بدل من الضمير المرفوع في { فعلوه } ، وقرأ ابن عامر { إلا
~~قليلا } بالنصب وجعله غير واحد على أنه صفة لمصدر محذوف، والاستثناء
~~مفرغ أي ما فعلوه إلا فعلا قليلا، و  من  في { منهم } حينئذ
~~للابتداء على نحو ما ضربته إلا ضربا منك مبرحا، وقال الطيبي: إنها
~~بيان للضمير في  فعلوا  كقوله تعالى:

# ليمسن الذين كفروا منهم

# [المائدة: 73] على التجريد وليس بشيء، ms01951 وكأن الذي دعاهم إلى هذا والعدول
~~عن القول بنصبه على الاستثناء أن النصب عليه في غير الموجب غير مختار،
~~فلا يحمل القرآن عليه  كما يشير إليه كلام الزجاج  حيث قال: النصب جائز
~~في غير القرآن لكن قال ابن الحاجب: لا بعد في أن يكون أقل القراء على
~~الوجه الأقوى، وأكثرهم على الوجه الذي هو دونه بل التزم بعض الناس أنه
~~يجوز أن يجمع القراء غير الأقوى وحققه الحمصي، وقيل: بل يكون إجماعهم
~~دليلا على أن ذلك هو القوي لأنهم هم المتفننون الآخذون عن مشكاة النبوة،
~~وأن تعليل النحاة غير ملتفت إليه.

# ورجح بعضهم أيضا النصب على الاستثناء هنا بأن فيه توافق القراءتين معنى
~~وهو مما يهتم به، وبأن توجيه الكلام على غيره لا يخلو عن تكلف ودغدغة،
~~وقرأ أبو عمرو ويعقوب  أن اقتلوا  بكسر النون على الأصل في التخلص من
~~الساكنين، و { أو اخرجوا } بضم الواو للاتباع، والتشبيه بواو الجمع
~~في نحو

# ولا تنسوا الفضل بينكم

# [البقرة: 237]، وقرأ حمزة وعاصم بكسرهما على الأصل، والباقون بضمهما وهو
~~ظاهر، و { أن } كيفما كانت نونها إما مفسرة  لأنا كتبنا  في معنى أمرنا
~~ولا يضر تعديه بعلى لأنه لم يخرج عن معناه، ولو خرج فتعديه باعتبار معناه
~~الأصلي جائز كما في  نطقت الحال بكذا  حيث تعدى الفعل بالباء مع أنهم
~~قد يريدون به دل وهو يتعدى بعلى. وإن أبيت هذا ولا أظن قلنا: إنه بمعنى
~~أو حينا وإما مصدرية وهو الظاهر ولا يضر زوال الأمر بالسبك لأنه أمر
~~تقديري.

# { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به } أي ما يؤمرون به
~~مقرونا بالوعد والوعيد من متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم والانقياد
~~إلى حكمه ظاهرا وباطنا { لكان } فعلهم ذلك { خيرا لهم }
~~عاجلا وآجلا { وأشد تثبيتا } لهم على الحق والصواب وأمنع لهم
~~من الضلال وأبعد من الشبهات كما قال سبحانه:

# والذين اهتدوا زادهم هدى

# [محمد: 17]، وقيل: معناه أكثر انتفاعا لأن الانتفاع بالحق يدوم ولا
~~يبطل لاتصاله بثواب الآخرة، والانتفاع بالباطل يبطل ويضمحل ويتصل بعقاب
~~الآخرة.

### || [4.67]

# { وإذا ms01952 لأتينهم } لأعطيناهم { من لدنا } من عندنا {
~~أجرا } ثوابا { عظيما } لا يعرف أحد مبداه ولا يبلغ منتهاه، وإنما
~~ذكر (من لدنا) تأكيدا ومبالغة وهو متعلق بآتيناهم، وجوز أن يكون حالا
~~من { أجرا } والواو للعطف و  لآتيناهم  معطوف على لكان خيرا لهم
~~لفظا و { إذا } مقحمة للدلالة على أن هذا الجزاء الأخير بعد ترتب
~~التالي السابق على المقدم ولإظهار ذلك وتحقيقه قال المحققون: إنه جواب
~~لسؤال مقدر كأنه قيل: وماذا يكون / لهم بعد التثبيت؟ فقيل: وإذا لو
~~ثبتوا لآتيناهم وليس مرادهم أنه جواب لسؤال مقدر لفظا ومعنى، وإلا لم
~~يكن لاقترانه بالواو وجه، أو إظهار (لو) ليس لأنها مقدرة بل لتحقيق أن
~~ذلك جواب للشرط لكن بعد اعتبار جوابه الأول، والمراد بالجواب في قولهم
~~جميعا: إن إذا حرف جواب دائما أنها لا تكون في كلام مبتدأ بل هو في
~~كلام مبني على شيء تقدمه ملفوظ، أو مقدر سواء كان شرطا، أو كلام سائل،
~~أو نحوه كما أنه ليس المراد بالجزاء اللازم لها، أو الغالب إلا ما يكون
~~مجازاة لفعل فاعل سواء السائل وغيره، وبهذا تندفع الشبه الموردة في هذا
~~المقام، وزعم الطيبي أن ما أشرنا إليه من التقدير تكلف من ثلاثة أوجه 
~~وهو توهم منشأه الغفلة عن المراد  كالذي زعمه العلامة الثاني فتدبر.

### || [4.68]

# { ولهدينهم صرطا مستقيما } وهو المراتب  بعد
~~الإيمان  التي تفتح أبوابها للعاملين، فقد أخرج أبو نعيم في «الحلية» عن
~~أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " من عمل بما علم أورثه الله تعالى علم ما لم يعلم "

# ، وقال الجبائي: المعنى ولهديناهم في الآخرة إلى طريق الجنة.

### || [4.69]

# { ومن يطع الله } بالانقياد لأمره ونهيه { والرسول }
~~المبلغ ما أوحي إليه منه باتباع شريعته والرضا بحكمه، والكلام مستأنف فيه
~~فضل ترغيب في الطاعة ومزيد تشويق إليها ببيان أن نتيجتها أقصى ما تنتهي
~~إليه همم الأمم، وأرفع ما تمتد إليه أعناق أمانيهم، وتشرأب إليه أعين
~~عزائمهم من مجاورة أعظم الخلائق مقدارا وأرفعهم منارا، ومتضمن لتفسير
~~ما أبهم وتفصيل ما أجمل في ms01953 جواب الشرطية السابقة و { من } شرطية وإفراد
~~ضمير { يطع } مراعاة للفظ، والجمع في قوله سبحانه: { فأولئك }
~~مراعاة للمعنى أي فالمطيعون الذين علت درجتهم وبعدت منزلتهم شرفا
~~وفضلا.

# { مع الذين أنعم الله عليهم } بما تقصر العبارة عن
~~تفصيله وبيانه { من النبيين } بيان للمنعم عليهم فهو حال إما من
~~{ الذين } أي مقارنيهم حال كونهم من النبيين وإما من ضميره والتعرض
~~لمعية الأنبياء دون نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة مع أن الكلام في بيان
~~حكم طاعته عليه الصلاة والسلام لجريان ذكرهم في سبب النزول مع الإشارة
~~إلى أن طاعته متضمنة لطاعتهم، أخرج الطبراني وأبو نعيم والضياء المقدسي
~~وحسنه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله
~~إنك لأحب إلي من نفسي وإنك لأحب إلي من ولدي وإني لأكون في البيت
~~فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا
~~دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك فلم يرد
~~عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئا حتى نزل جبريل بهذه الآية { ومن
~~يطع الله } » الخ، وروي مثله عن ابن عباس. وقال الكلبي: إن ثوبان
~~مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب له عليه الصلاة والسلام
~~قليل الصبر عنه، وقد نحل جسمه وتغير لونه خوف عدم رؤيته صلى الله عليه
~~وسلم بعد الموت فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى
~~هذه الآية، وعن مسروق «إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: ما
~~ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا فنزلت» وبدأ
~~بذكر النبيين لعلو درجتهم وارتفاعهم على من عداهم، وقد نقل الشعراني عن
~~مولانا الشيخ الأكبر قدس سره أنه قال: «فتح لي قدر خرم إبرة من مقام
~~النبوة تجليا لا دخولا فكدت أحترق» ثم عطف (عليهم) على سبيل التدلي
~~قوله سبحانه:

# { والصديقين والشهداء والصلحين } فالمنازل
~~أربعة بعضها دون بعض: الأول: منازل الأنبياء وهم الذين تمدهم ms01954 قوة / إلهية
~~وتصحبهم نفس في أعلى مراتب القدسية ومثلهم كمن يرى الشيء عيانا من قريب،
~~ولذلك قال تعالى في صفة نبينا صلى الله عليه وسلم:

# أفتمرونه على ما يرى

# [النجم: 12]، والثاني: منازل الصديقين وهم الذين يتأخرون على الأنبياء
~~عليهم السلام في المعرفة، ومثلهم كمن يرى الشيء عيانا من بعيد، وإياه
~~عنى علي كرم الله تعالى وجهه حيث قيل له: هل رأيت الله تعالى؟ فقال: ما
~~كنت لأعبد ربا لم أره، ثم قال: لم تره العيون بشواهد العيان ولكن رأته
~~القلوب بحقائق الإيمان، والثالث: منازل الشهداء وهم الذين يعرفون الشيء
~~بالبراهين، ومثلهم كمن يرى الشيء في المرآة من مكان قريب كحال من قال:
~~كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وإياه قصد النبي صلى الله عليه وسلم
~~بقوله:

# " أعبد الله تعالى كأنك تراه "

# ، والرابع: منازل الصالحين وهم الذين يعلمون الشيء بالتقليد الجازم،
~~ومثلهم كمن يرى الشيء من بعيد في مرآة وإياه قصد النبي صلى الله عليه
~~وسلم بقوله:

# " فإن لم تكن تراه فإنه يراك "

# قاله الراغب ونقله الطيبي وغيره، ونقل بعض تلامذة مولانا الشيخ خالد
~~النقشبندي قدس سره عنه «أنه قرر يوما أن مراتب الكمل أربعة: نبوة وقطب
~~مدارها نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم صديقية وقطب مدارها أبو بكر الصديق
~~رضي الله تعالى عنه، ثم شهادة وقطب مدارها عمر الفاروق رضي الله تعالى
~~عنه، ثم ولاية وقطب مدارها علي كرم الله تعالى وجهه، وأن الصلاح في الآية
~~إشارة إلى الولاية فسأله بعض الحاضرين عن عثمان رضي الله تعالى عنه في أي
~~مرتبة هو من مراتب الثلاثة بعد النبوة فقال: إنه رضي الله تعالى عنه قد
~~نال حظا من رتبة الشهادة وحظا من رتبة الولاية، وأن معنى كونه ذا
~~النورين هو ذلك عند العارفين انتهى.

# وأنا مستعينا بالله تعالى ومستمدا من القوم قدس الله تعالى أسرارهم
~~أقول: إن الولاية هي المحيطة العامة والفلك الدائر والدائرة الكبرى، وأن
~~الولي من كان على بينة من ربه في حاله فعرف ما له بإخبار الحق إياه ms01955 على
~~الوجه الذي يقع به التصديق عنده ويصدق على أصناف كثيرة إلا أن المذكور
~~منها في هذه الآية أربعة: الصنف الأول: الأنبياء، والمراد بهم هنا الرسل
~~أهل الشرع سواء بعثوا أو لم يبعثوا أعني بطريق الوجوب عليهم ولا بحث لأهل
~~الله تعالى عن مقاماتهم وأحوالهم إذ لا ذوق لهم فيها وكلهم معترفون بذلك
~~غير أنهم يقولون: إن النبوة عامة وخاصة والتي لا ذوق لهم فيها هي الخاصة
~~أعني نبوة التشريع وهي مقام خاص في الولاية. وأما النبوة العامة فهي
~~مستمرة سارية في أكابر الرجال غير منقطعة دنيا وأخرى لكن باب الإطلاق قد
~~انسد، وعلى هذا يخرج ما رواه البدر التماسكي البغدادي عن الشيخ بشير عن
~~القطب عبد القادر الجيلي قدس سره أنه قال:  معاشر الأنبياء أوتيتم اللقب
~~وأوتينا ما لم تؤتوا  فإن معنى قوله:  أوتيتم اللقب  أنه حجر علينا
~~إطلاق لفظ النبي، وإن كانت النبوة العامة أبدية، وقوله: وأوتينا ما لم
~~تؤتوا  على حد قول الخضر لموسى عليه السلام  وهو أفضل منه  يا موسى
~~أنا على علم علمنيه الله تعالى لا تعلمه أنت، وهذا وجه آخر غير ما أسلفنا
~~من قبل في توجيه هذا الكلام.

# والصنف الثاني: الصديقون وهم المؤمنون بالله تعالى ورسله عن قول المخبر
~~لا عن دليل سوى النور الإيماني الذي أعد في قلوبهم قبل وجود المصدق به
~~المانع لها من تردد أو شك يدخلها في قول المخبر الرسول ومتعلقه في
~~الحقيقة الإيمان بالرسول ويكون الإيمان بالله تعالى على جهة القربة لا
~~على إثباته إذ كان بعض الصديقين قد ثبت عندهم وجود الحق جل وعلا ضرورة أو
~~نظرا لكن ما ثبت كونه قربة وليس بين النبوة والصديقية  كما قال حجة
~~الإسلام وغيره  مقام، ومن تخطى رقاب الصديقين وقع في النبوة وهي باب
~~مغلق، وأثبت الشيخ الأكبر قدس سره مقاما بينهما سماه مقام القربة، وهو
~~السر الذي وقر في قلب أبي بكر رضي الله تعالى عنه المشار إليه في الحديث
~~«فليس بين النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ms01956 رضي الله تعالى عنه رجل
~~أصلا» لا أنه ليس بين الصديقية والنبوة / مقام ولها أجزاء على عدد شعب
~~الإيمان، وفسرها بعضهم بأنها نور أخضر بين نورين يحصل به شهود عين ما جاء
~~به المخبر من خلف حجاب الغيب بنور الكرم وبين ذلك بما يطول.

# والصنف الثالث: الشهداء تولاهم الله تعالى بالشهادة وجعلهم من المقربين،
~~وهم أهل الحضور مع الله تعالى على بساط العلم به فقد قال سبحانه:

# شهد الله أنه لا إله إلا هو والملئكة
~~وأولوا العلم

# [آل عمران: 18] فجمعهم مع الملائكة في بساط الشهادة فهم موحدون عن حضور
~~إلهي وعناية أزلية فإن بعث الله تعالى رسولا وآمنوا به فهم المؤمنون
~~العلماء ولهم الأجر التام يوم القيامة وإلا فليس هم الشهداء المنعم عليهم
~~وإيمانهم بعد العلم بما قاله الله سبحانه: إن ذلك قربة إليه من حيث 
~~قاله الله سبحانه، أو قاله الرسول الذي جاء من عنده  فقدم الصديق على
~~الشهيد وجعل بإزاء النبي فإنه لا واسطة بينهما لاتصال نور الإيمان بنور
~~الرسالة، والشهداء لهم نور العلم مساوق لنور الرسول من حيث هو شاهد لله
~~تعالى بتوحيده لا من حيث هو رسول فلا يصح أن يكون بعده مع المساوقة لئلا
~~تبطل ولا أن يكون معه لكونه رسولا، والشاهد ليس به فلا بد أن يتأخر فلم
~~يبق إلا أن يكون في الرتبة التي تلي الصديقية فإن الصديق أتم نورا منه
~~في الصديقية لأنه صديق من وجهين: وجه التوحيد ووجه القربة، والشهيد من
~~وجه القربة خاصة لأن توحيده عن علم لا عن إيمان فنزل عن الصديق في مرتبة
~~الإيمان وهو فوقه في مرتبة العلم فهو المتقدم في مرتبة العلم المتأخر
~~برتبة الإيمان والتصديق فإنه لا يصح من العالم أن يكون صديقا، وقد تقدم
~~العلم مرتبة الخبر فهو يعلم أنه صادق في توحيد الله تعالى إذا بلغ رسالة
~~الله تعالى والصديق لم يعلم ذلك إلا بنور الإيمان المعد في قلبه فعندما
~~جاء الرسول اتبعه من غير دليل ظاهر.

# والصنف الرابع: الصالحون تولاهم الله تعالى ms01957 بالصلاح وهم الذين لا يدخل
~~في علمهم بالله تعالى ولا إيمانهم به وبما جاء من عنده سبحانه خلل فإذا
~~دخله بطل كونه صالحا وكل من لم يدخله خلل في صديقيته فهو صالح، ولا في
~~شهادته فهو صالح، ولا في توبته فهو صالح، ولكل أحد أن يدعو بتحصيل الصلاح
~~له في المقام الذي يكون فيه لجواز دخول الخلل عليه في مقامه لأن الأمر
~~اختصاص إلهي وليس بذاتي فيجوز دخول الخلل فيه، ويجوز رفعه، فصح أن يدعو
~~الصالح بأن يجعل من الصالحين أي الذين لا يدخل صلاحهم خلل في زمان ما،
~~وقد ذكر أنه ما من نبي إلا وذكر أنه صالح أو أنه دعا أن يكون من
~~الصالحين مع كونه نبيا، ومن هنا قيل: إن مرتبة الصلاح خصوص في النبوة
~~وقد تحصل لمن ليس بنبي ولا صديق ولا شهيد.

# هذا ما وقفت عليه من كلام القوم قدس الله تعالى أسرارهم، ولم أظفر
~~بالتفصيل الذي ذكره مولانا الشيخ قدس سره فتدبر، وقد ذكر أصحابنا
~~الرسميون أن الصديق صيغة مبالغة  كالسكير  بمعنى المتقدم في التصديق
~~المبالغ في الصدق والإخلاص في الأقوال والأفعال، ويطلق على كل من أفاضل
~~أصحاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأماثل خواصهم كأبي بكر رضي الله
~~تعالى عنه، وأن الشهداء جمع شهيد، والمراد بهم الذين بذلوا أرواحهم في
~~طاعة الله تعالى وإعلاء كلمته وهم المقتولون بسيف الكفار من المسلمين،
~~وقيل: المراد بهم ههنا ما هو أعم من ذلك، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى
~~عنه قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا
~~رسول الله من قتل في سبيل الله تعالى فقال صلى الله عليه وسلم: إن شهداء
~~أمتي إذا لقليل من قتل في سبيل الله تعالى فهو شهيد، ومن مات في الطاعون
~~فهو شهيد، ومن مات مبطونا فهو شهيد "

# وعد بعضهم الشهداء أكثر من ذلك بكثير، وقيل: الشهيد هو الذي يشهد لدين
~~الله تعالى تارة بالحجة والبيان، وأخرى / بالسيف والسنان، وزعم
~~النيسابوري أنه لا يبعد ms01958 أن يدخل كل هذه الأمة في الشهداء لقوله تعالى:

# وكذلك جعلنكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على
~~الناس

# [البقرة: 143] وليس بشيء كما لا يخفى، وأن المراد بالصالحين الصارفين
~~أعمارهم في طاعة الله تعالى وأموالهم في مرضاته سبحانه، ويقال: الصالح هو
~~الذي صلحت حاله واستقامت طريقته. «والمصلح هو الفاعل لما فيه (الصلاح)
~~قال الطبرسي: ولذا يجوز أن يقال: مصلح في حق الله تعالى دون صالح»، وليس
~~المراد بالمعية اتحاد الدرجة ولا مطلق الاشتراك في دخول الجنة بل كونهم
~~فيها بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وزيارته متى أراد وإن بعدت
~~المسافة بينهما، وذكر غير واحد أنه لا مانع من أن يرفع الأدنى إلى منزلة
~~الأعلى متى شاء تكرمة له ثم يعود ولا يرى أنه أرغد منه عيشا ولا أكمل
~~لذة لئلا يكون ذلك حسرة في قلبه، وكذا لا مانع من أن ينحدر الأعلى إلى
~~منزلة الأدنى ثم يعود من غير أن يرى ذلك نقصا في ملكه أو حطا من قدره.
~~وقد ثبت في غير ما حديث أن أهل الجنة يتزاورون، وادعى بعضهم أن لا تزاور
~~مع رؤية كل واحد الآخر، وذلك لأن عالم الأنوار لا تمانع فيها ولا تدافع
~~فينعكس بعضها على بعض كالمرايا المجلوة المتقابلة، وإلى ذلك الإشارة
~~بقوله تعالى:

# إخوانا على سرر متقبلين

# [الحجر: 47] وزعم أنه التحقيق وهو بعيد عنه، وأبعد من ذلك بمراحل ما
~~قيل: يحتمل أن يكون المراد أن معنى كون المطيع مع هؤلاء أنه معهم في سلوك
~~طريق الآخرة فيكون مأمونا من قطاع الطريق محفوظ الطاعة عن النهب.

# { وحسن أولئك رفيقا } أي صاحبا، وهو مشتق من الرفق، وهو
~~لين الجانب واللطافة في المعاشرة قولا وفعلا، والإشارة يحتمل أن تكون
~~إلى النبيين ومن بعدهم وما فيها من معنى البعد لما مر مرارا و {
~~رفيقا } حينئذ إما تمييز أو حال على معنى أنهم وصفوا بالحسن من جهة
~~كونهم رفقاء للمطيعين، أو حال كونهم رفقاء لهم ولم يجمع لأن فعيلا يستوي
~~فيه الواحد وغيره أو اكتفاءا بالواحد عن ms01959 الجمع في باب التمييز لفهم
~~المعنى، وحسنه وقوعه في الفاصلة؛ أو لأنه بتأويل حسن كل واحد منهم أو
~~لأنه قصد بيان الجنس مع قطع النظر عن الأنواع، ويحتمل أن تكون إلى  من
~~يطع  والجمع على المعنى ف { رفيقا } حينئذ تمييز على معنى أنهم
~~وصفوا بحسن الرفيق من الفرق الأربع لا بنفس الحسن، فلا يجوز دخول  من 
~~عليه كما يجوز في الوجه الأول. والجملة على الاحتمالين تذييل مقرر لما
~~قبله مؤكد للترغيب والتشويق، وفي «الكشاف» «فيه معنى التعجب كأنه قيل:
~~وما أحسن أولئك رفيقا ولاستقلاله بمعنى التعجيب قرىء { وحسن } بسكون
~~السين يقول المتعجب: حسن الوجه وجهك، وحسن الوجه وجهك بالفتح والضم مع
~~التسكين» انتهى.

# وفي «الصحاح» يقال: حسن الشيء وإن شئت خففت الضمة فقلت: حسن الشيء، ولا
~~يجوز أن تنقل الضمة إلى الحاء لأنه خبر، وإنما يجوز النقل إذا كان بمعنى
~~المدح أو الذم لأنه يشبه في جواز النقل بنعم وبئس، وذلك أن الأصل فيهما
~~نعم وبئس فسكن ثانيهما، ونقلت حركته إلى ما قبله وكذلك كل ما كان في
~~معناهما قال الشاعر:

# لم يمنع الناس مني ما أردت وما

# أعطيهم ما أرادوا (حسن ذا أدبا)

# أراد حسن هذا أدبا فخفف ونقل، وأراد أنه لما نقل إلى الإنشاء حسن أن
~~يغير تنبيها على مكان النقل، وفي «الإرتشاف»: إن فعل المحول ذهب
~~الفارسي. وأكثر النحويين إلى إلحاقه بباب نعم وبئس فقط، وإجراء / أحكامه
~~عليه، وذهب الأخفش والمبرد إلى إلحاقه بباب التعجب، وحكى الأخفش
~~الاستعمالين عن العرب، ويجوز فيه ضم العين وتسكينها ونقل حركتها إلى
~~الفاء، وظاهره تغاير المذهبين، وفي «التسهيل» إنه من باب نعم وبئس وفيه
~~معنى التعجب، وهو يقتضي أن لا تغاير بينهما وإليه يميل كلام الشيخين
~~فافهم، والحسن عبارة عن كل مبهج مرغوب إما عقلا أو هوى أو حسا، وأكثر
~~ما يقال في متعارف العامة في المستحسن بالبصر، وقد جاء في القرآن له
~~وللمستحسن من جهة البصيرة.

### || [4.70]

# { ذلك } إشارة إلى ما ثبت للمطيعين من جميع ما تقدم، أو إلى فضل ms01960
~~هؤلاء المنعم عليهم ومزيتهم وهو مبتدأ، وقوله سبحانه: { الفضل } صفة،
~~وقوله تعالى: { من الله } خبره أي ذلك الفضل العظيم كائن من الله
~~تعالى لا من غيره، وجوز أبو البقاء أن يكون { الفضل } هو الخبر، و {
~~من الله } متعلق بمحذوف وقع حالا منه؛ والعامل فيه معنى الإشارة،
~~ويجوز أن يكون خبرا ثانيا أي ذلك الذي ذكر الفضل كائنا، أو كائن من
~~الله تعالى لا أن أعمال العباد توجبه { وكفى بالله عليما }
~~بثواب من أطاعه وبمقادير الفضل واستحقاق أهله بمقتضى الوعد فثقوا بما
~~أخبركم به

# ولا ينبئك مثل خبير

# [فاطر: 14]. وقيل: وكفى به سبحانه عليما بالعصاة والمطيعين والمنافقين
~~والمخلصين ومن يصلح لمرافقة هؤلاء ومن لا يصلح.

### || [4.71]

# { يأيها الذين ءامنوا خذوا حذركم } أي عدتكم من
~~السلاح  قاله مقاتل  وهو المروي عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه،
~~وقيل: الحذر مصدر كالحذر، وهو الاحتراز عما يخاف فهناك الكناية والتخييل
~~بتشبيه الحذر بالسلاح وآلة الوقاية، وليس الأخذ مجازا ليلزم الجمع بين
~~الحقيقة والمجاز في قوله سبحانه:

# وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم

# [النساء: 102] إذ التجوز في الإيقاع، وقد صرح المحققون بجواز الجمع فيه،
~~والمعنى استعدوا لأعدائكم أو تيقظوا واحترزوا منهم ولا تمكنوهم من أنفسكم
~~{ فانفروا } بكسر الفاء، وقرىء بضمها أي: أخرجوا إلى قتال عدوكم
~~والجهاد معه عند خروجكم، وأصل معنى النفر الفزع كالنفرة، ثم استعمل فيما
~~ذكر { ثبات } جمع  ثبة  وهي الجماعة من الرجال فوق العشرة، وقيل:
~~فوق الاثنين، وقد تطلق على غير الرجال ومنه قول عمرو بن كلثوم:

# فأما يوم خشيتنا عليهم

# فتصبح خيلنا عصبا (ثباتا)

# ووزنها في الأصل فعلة  كحطمة  حذفت لامها وعوض عنها هاء التأنيث وهل
~~هي واو من  ثبا يثبو، كعدى يعدو  أي اجتمع، أو ياء من  ثبيت  على
~~فلان بمعنى أثنيت عليه بذكر محاسنه وجمعها؟ قولان، وثبة الحوض وسطه
~~واوية، وهي من ثاب يثوب إذا رجع، وقد جمع جمع المؤنث، وأعرب إعرابه على
~~اللغة الفصيحة، وفي لغة ينصب بالفتح، وقد جمع أيضا جمع المذكر السالم
~~فيقال: ثبون، وقد اطرد ذلك فيما حذف ms01961 آخره وإن لم يستوف الشروط جبرا له،
~~وفي ثائه حينئذ لغتان: الضم والكسر، والجمع هنا في موضع الحال أي انفروا
~~جماعات متفرقة جماعة بعد جماعة { أو انفروا جميعا } أي مجتمعين
~~جماعة واحدة، ويسمى الجيش إذا اجتمع ولم ينتشر كتيبة، وللقطعة المنتخبة
~~المقتطعة منه سرية، وعن بعضهم أنها التي تخرج ليلا وتعود إليه وهي من
~~مائة إلى خمسمائة، أو من خمسة أنفس إلى ثلثمائة وأربعمائة، وما زاد على
~~السرية  منسر  كمجلس ومنبر إلى الثمانمائة فإن زاد يقال له: جيش إلى
~~أربعة آلاف، فإن زاد يسمى  جحفلا  ويسمى الجيش العظيم  خميسا  وما
~~افترق من السرية  بعثا  وقد تطلق السرية على مطلق الجماعة، والآية وإن
~~نزلت في الحرب لكن فيها إشارة إلى الحث / على المبادرة إلى الخيرات كلها
~~كيفما أمكن قبل الفوات.

### || [4.72]

# { وإن منكم لمن ليبطئن } أي ليتثاقلن وليتأخرن عن
~~الجهاد من بطأ بمعنى أبطأ كعتم بمعنى أعتم إذا أبطأ، والخطاب لعسكر رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم مؤمنيهم ومنافقيهم والمبطئون هم المنافقون منهم،
~~وجوز أن يكون منقولا لفظا ومعنى من بطؤ نحو ثقل من ثقل، فيراد ليبطئن
~~غيره وليثبطنه عن الجهاد كما ثبط ابن أبي ناسا يوم أحد، (والأول أنسب
~~بما بعده)، واللام الأولى: لام التأكيد التي تدخل على خبر إن أو اسمها
~~إذا تأخر، والثانية: جواب قسم، وقيل: زائدة، وجملة القسم وجوابه صلة
~~الموصول وهما كشيء واحد فلا يرد أنه لا رابطة في جملة القسم كما لا يرد
~~أنها إنشائية فلا تقع صلة لأن المقصود الجواب، وهو خبري فيه عائد، ولا
~~يحتاج إلى تقدير أقسم على صيغة الماضي ليعود ضميره إلى المبطىء بل هو
~~خلاف الظاهر. وجوز في  من  أن تكون موصوفة، والكلام في الصفة كالكلام
~~في الصلة، وهذه الجملة قيل: عطف على

# خذوا حذركم

# [النساء:71] عطف القصة على القصة؛ وقيل: إنها معترضة إلى قوله سبحانه:

# فليقاتل

# [النساء: 74] وهو عطف على { خذوا } ، وقرىء { ليبطئن }
~~بالتخفيف.

# { فإن أصبتكم مصيبة } من العدو كقتل وهزيمة { قال }
~~أي  المبطىء  فرحا بما فعل وحامدا لرأيه ms01962 { قد أنعم الله
~~على } بالقعود { إذ لم أكن معهم شهيدا } حاضرا معهم
~~في المعركة فيصيبني مثل الذي أصابهم من البلاء والشدة، وقيل: يحتمل أن
~~يكون المعنى إذ لم أكن مع شهدائهم شهيدا، أو لم أكن معهم في معرض
~~الشهادة، فالإنعام هو النجاة عن القتل وخوفه عبر عنه بالشهادة تهكما ولا
~~يخفى بعده، والفاء في الشرطية لترتيب مضمونها على ما قبلها فإن ذكر
~~التبطئة مستتبع لذكر ما يترتب عليها كما أن نفس التبطئة مستدعية لشيء
~~ينتظر المبطىء وقوعه.

### || [4.73]

# { ولئن أصبكم فضل } كفتح وغنيمة { من الله } متعلق
~~بأصابكم أو بمحذوف وقع صفة لفضل، وفي نسبة إصابة الفضل إلى (جانب) الله
~~تعالى دون إصابة المصيبة تعليم لحسن الأدب مع الله تعالى وإن كانت
~~المصيبة فضلا في الحقيقة، وتقديم الشرطية الأولى لما أن مضمونها لمقصدهم
~~أوفق، وأثر نفاقهم فيها أظهر { ليقولن } ندامة على تثبطه وتهالكا
~~على حطام الدنيا وحسرة على فواته، وفي تأكيد القول دلالة على فرط التحسر
~~المفهوم من الكلام ولم يؤكد القول الأول، وأتى به ماضيا إما لأنه لتحققه
~~غير محتاج إلى التأكيد أو لأن العدول عن المضارع للماضي تأكيد، وقرأ
~~الحسن (ليقولن) بضم اللام مراعاة لمعنى (من) وذلك شائع سائغ.

# وقوله تعالى: { كأن لم تكن بينكم وبينه مودة }
~~من كلامه تعالى اعتراض بين القول ومقوله الذي هو. { يليتنى كنت
~~معهم فأفوز فوزا عظيما } لئلا يتوهم من مطلع كلامه أن
~~تمنيه المعية للنصرة والمظاهرة حسبما يقتضيه ما في البين من المودة بل هو
~~للحرص على حطام الدنيا كما ينطق به آخره فإن الفوز العظيم الذي عناه هو
~~ذلك، وليس إثبات المودة في البين بطريق التحقيق بل بطريق التهكم، وقيل:
~~الجملة التشبيهية حال من ضمير يقولن، أي ليقولن مشبها بمن لا مودة بينكم
~~وبينه حيث لم يتمن نصرتكم ومظاهرتكم، وقيل: هي من كلام المبطىء داخلة
~~كجملة التمني في المقول أي ليقولن المبطىء لمن يثبطه من المنافقين وضعفة
~~المؤمنين كأن لم تكن بينكم وبين محمد صلى الله عليه وسلم مودة حيث لم
~~يستصحبكم ms01963 معه في الغزو حتى تفوزوا بما فاز به المستصحبون يا ليتني كنت
~~معهم الخ، وغرضه إلقاء العداوة / بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وتأكيدها، وإلى ذلك ذهب الجبائي، وذهب أبو علي الفارسي والزجاج
~~وتبعه الماتريدي إلى أنها متصلة بالجملة الأولى أعني قال: قد أنعم الخ أي
~~قال: ذلك كأن لم يكن الخ ورده الراغب والأصفهاني بأنها إذا كانت متصلة
~~بالجملة الأولى فكيف يفصل بها بين أبعاض الجملة الثانية ومثله مستقبح،
~~واعتذر بأن مرادهم أنها معترضة بين أجزاء هذه الجملة ومعناها صريحا
~~متعلق بالأولى وضمنا بهذه، و { كأن } مخففة من الثقيلة واسمها ضمير
~~الشأن وهو محذوف، وقيل: إنها لا تعمل إذا خففت.

# وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب { تكن } بالتاء لتأنيث
~~لفظ المودة، والباقون  يكن  بالياء للفصل ولأنها بمعنى الود، والمنادى
~~في { يليتني } عند الجمهور محذوف أي يا قومي، وأبو علي يقول في نحو
~~هذا: ليس في الكلام منادي محدوف بل تدخل  يا  خاصة على الفعل والحرف
~~لمجرد التنبيه، ونصب  أفوز  على جواب التمني، وعن يزيد النحوي والحسن {
~~فأفوز } بالرفع على تقدير فأنا أفوز في ذلك الوقت، أو العطف على (خبر
~~ليت فيكون داخلا في) التمني.

### || [4.74]

# { فليقتل فى سبيل الله الذين يشرون الحيوة
~~الدنيا بالأخرة } الموصول فاعل الفعل وقدم المفعول الغير الصريح
~~عليه للاهتمام به، و { يشرون } مضارع شرى، ويكون بمعنى باع واشترى من
~~الأضداد، فإن كان بمعنى  يشترون  فالمراد من الموصول المنافقون أمروا
~~بترك النفاق والمجاهدة مع المؤمنين، والفاء للتعقيب أي ينبغي بعد ما صدر
~~منهم من التثبيط والنفاق تركه وتدارك ما فات من الجهاد بعد، وإن كان
~~بمعنى  يبيعون  فالمراد منه المؤمنون الذين تركوا الدنيا واختاروا
~~الآخرة أمروا بالثبات على القتال وعدم الالتفات إلى تثبيط المبطئين،
~~والفاء جواب شرط مقدر أي إن صدهم المنافقون فليقاتلوا ولا يبالوا. {
~~ومن يقتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف
~~نؤتيه } ولا بد، وفي الالتفات مزيد التفات { أجرا عظيما } لا
~~يكاد يعلم كمية وكيفية؛ وفي تعقيب القتال ms01964 بما ذكر تنبيه على أن المجاهد
~~ينبغي أن يكون همه أحد الأمرين إما إكرام نفسه بالقتل والشهادة، أو إعزاز
~~الدين وإعلاء كلمة الله تعالى بالنصر ولا يحدث نفسه بالهرب بوجه، ولذا لم
~~يقل: فيغلب، { أو يغلب } وتقديم القتل للإيذان بتقدمه في استتباع
~~الأجر، وفي الآية تكذيب للمبطىء بقوله:

# قد أنعم الله

# [النساء: 72] الخ.

### || [4.75]

# { وما لكم } خطاب للمأمورين بالقتال على طريقة الالتفات مبالغة في
~~التحريض والحث عليه وهو المقصود من الاستفهام، و { ما } مبتدأ و {
~~لكم } خبره، وقوله تعالى: { لا تقتلون فى سبيل الله }
~~في موضع الحال والعامل فيها الاستقرار، أو الظرف لتضمنه معنى الفعل
~~[والاستفهام للإنكار والنفي] أي أي شيء لكم غير مقاتلين والمراد لا عذر
~~لكم في ترك المقاتلة { والمستضعفين } إما عطف على الاسم الجليل
~~أي في سبيل المستضعفين وهو تخليصهم عن الأسر وصونهم عن العدو  وهو
~~المروي عن ابن شهاب  واستبعد بأن تخليصهم سبيل الله تعالى لا سبيلهم،
~~وفيه أنه وإن كان سبيل الله عز اسمه له نوع اختصاص بهم فلا مانع من
~~إضافته إليهم؛ واحتمال أن يراد بالمقاتلة في سبيلهم  المقاتلة في فتح
~~طريق مكة إلى المدينة ودفع سد المشركين إياه ليتهيأ خروج المستضعفين 
~~مستضعف جدا، وإما عطف على (سبيل) بحذف مضاف، وإليه ذهب المبرد أي وفي
~~خلاص المستضعفين، ويجوز نصبه بتقدير أعني أو أخص فإن سبيل الله تعالى يعم
~~أبواب الخير وتخليص المستضعفين من أيدي المشركين من أعظمها وأخصها، ومعنى
~~المستضعفين الذين طلب المشركون ضعفهم وذلهم أو الضعفاء منهم والسين
~~للمبالغة.

# { من الرجال والنساء والولدن } بيان للمستضعفين وهم
~~المسلمون الذين / بقوا بمكة لمنع المشركين لهم من الخروج، أو ضعفهم عن
~~الهجرة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كنت أنا وأمي من المستضعفين،
~~وقد ذكر أن منهم سلمة بن هشام، والوليد بن الوليد وأبا جندل بن سهيل،
~~وإنما ذكر الولدان تكميلا للاستعطاف والتنبيه على تناهي ظلم المشركين،
~~والإيذان بإجابة الدعاء الآتي واقتراب زمان الخلاص وفي ذلك مبالغة في
~~الحث على القتال. ومن هنا يعلم أن ms01965 الآية لا تصلح دليلا على صحة إسلام
~~الصبي بناءا على أنه لولا ذلك لما وجب تخليصهم على أن في انحصار وجوب
~~التخليص في المسلم نظرا لأن صبي المسلم يتوقع إسلامه فلا يبعد وجوب
~~تخليصه لينال مرتبة السعداء، وقيل: المراد  بالولدان العبيد والإماء وهو
~~على الأول: جمع وليد ووليدة بمعنى صبي وصبية وقيل: إنه جمع ولد كورل
~~وورلال، وعلى الثاني: كذلك أيضا إلا أن الوليد والوليدة بمعنى العبد
~~والجارية. وفي «الصحاح»: الوليد الصبي والعبد والجمع ولدان، والوليدة
~~الصبية والأمة والجمع ولائد، فالتعبير  بالولدان  على طريق التغليب
~~ليشمل الذكور والإناث.

# { الذين } في محل جر على أنه صفة للمستضعفين، أو لما في حيز البيان،
~~وجوز أن يكون نصبا بإضمار فعل أي أعني أو أخص الذين. { يقولون
~~ربنا أخرجنا من هذه القرية الظلم أهلها }
~~بالشرك الذي هو ظلم عظيم، وبأذية المؤمنين ومنعهم عن الهجرة والوصف صفة
~~قرية وتذكيره لتذكير ما أسند إليه فإن اسم الفاعل والمفعول إذا أجري على
~~غير من هو له فتذكيره وتأنيثه على حسب الاسم الظاهر الذي عمل فيه، ولم
~~ينسب الظلم إليها مجازا كما في قوله تعالى:

# وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها

# [القصص: 58] وقوله سبحانه: { وضرب الله مثلا قرية كانت
~~آمنة مطمئنة } إلى قوله عز وجل:

# فكفرت بأنعم الله

# [النحل: 112] لأن المراد بها مكة كما قال ابن عباس والحسن والسدي
~~وغيرهم، فوقرت عن نسبة الظلم إليها تشريفا لها شرفها الله تعالى.

# { واجعل لنا من لدنك وليا } يلي أمرنا حتى يخلصنا من
~~أيدي الظلمة، وكلا الجارين متعلق  باجعل  لاختلاف معنييهما. وتقديمهما
~~على المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بهما وإبراز الرغبة في المؤخر بتقديم
~~أحواله، وتقديم اللام على { من } للمسارعة إلى إبراز كون المسؤول
~~نافعا لهم مرغوبا فيه لديهم، وجوز أن يكون { من لدنك } متعلقا
~~بمحذوف وقع حالا من { وليا } وكذا الكلام في قوله تعالى: {
~~واجعل لنا من لدنك نصيرا } أي حجة ثابتة قاله عكرمة
~~ومجاهد، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: المراد ول علينا واليا
~~من المؤمنين يوالينا ويقوم بمصالحنا ms01966 ويحفظ علينا ديننا وشرعنا وينصرنا
~~على أعدائنا، ولقد استجاب الله تعالى شأنه دعاءهم حيث يسر لبعضهم الخروج
~~إلى المدينة وجعل لمن بقي منهم خير ولي وأعز ناصر، ففتح مكة على يدي
~~نبيه صلى الله عليه وسلم فتولاهم أي تول، ونصرهم أي نصرة، ثم استعمل
~~عليهم عتاب ابن أسيد وكان ابن ثماني عشرة سنة فحماهم ونصرهم حتى صاروا
~~أعز أهلها، وقيل: المراد اجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة أي كن أنت ولينا
~~وناصرنا. وتكرير الفعل ومتعلقيه للمبالغة في التضرع والابتهال.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { إن الله يأمركم أن
~~تؤدوا الأمنت إلى أهلها } أمر للعارفين أن يظهروا ما
~~كوشفوا به من الأسرار الإلهية لأمثالهم ويكتموا ذلك عن الجاهلين، أو أن
~~يؤدوا حق كل ذي حق إليه فيعطوا الاستعداد حقه وألقوا حقها وآخر الآمانات
~~أداء أمانة الوجود فليؤده العبد إلى سيده سبحانه وليفن فيه عز وجل: {
~~وإذا حكمتم بين الناس } بالإرشاد ولا يكون إلا بعد الفناء
~~والرجوع إلى البقاء

# أن تحكموا بالعدل

# [النساء: 58] وهو الإفاضة حسب الاستعداد { يأيها الذين
~~ءامنوا أطيعوا الله } بتطهير كعبة تجليه  وهو القلب  عن /
~~أصنام السوى { وأطيعوا الرسول } بالمجاهدة وإتعاب البدن بأداء
~~رسوم العبادة التي شرعها لكم { وأولى الأمر منكم } وهم
~~المشايخ المرشدون بامتثال أمرهم فيما يرونه صلاحا لكم وتهذيبا
~~لأخلاقكم. وربما يقال: إنه سبحانه جعل الطاعة على ثلاث مراتب، وهي في
~~الأصل ترجع إلى واحدة: فمن كان أهلا لبساط القربة وفهم خطاب الحق بلا
~~واسطة كالقائل أخذتم علمكم ميتا عن ميت، ونحن أخدناه من الحي الذي لا
~~يموت، فليطلع الله تعالى بمراده وليتمثل ما فهمه منه، ومن لم يبلغ هذه
~~الدرجة فليرجع إلى بيان الواسطة العظمى وهو الرسول صلى الله عليه وسلم إن
~~فهم بيانه، أو استطاع الأخذ منه كبعض أهل الله تعالى، وليطعه فيما أمر
~~ونهى، ومن لم يبلغ إلى هذه الدرجة فليرجع إلى بيان أكابر علماء الأمة
~~وليتقيد بمذهب من المذاهب وليقف عنده في الأوامر والنواهي { فإن
~~تنازعتم فى شىء } أنتم والمشايخ، وذلك في ms01967 مبادي السلوك حيث
~~النفس قوية { فردوه إلى الله } تعالى

# والرسول

# [النساء: 59] فارجعوا إلى الكتاب والسنة فإن فيهما ما يزيل النزاع عبارة
~~أو إشارة، أو إذا وقع عليكم حكم من أحكام الغيب المتشابهة، وظهر في
~~أسراركم معارضات الامتحان فارجعوا إلى خطاب الله تعالى ورسوله صلى الله
~~عليه وسلم فإن فيه بحار علوم الحقائق، فكل خاطر لا يوافق خطاب الله تعالى
~~ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو مردود { ألم تر إلى الذين
~~يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك } من علم
~~التوحيد { وما أنزل من قبلك } من علم المبدأ والمعاد {
~~يريدون أن يتحاكموا إلى الطغوت } وهو النفس الأمارة
~~الحاكمة بما تؤدي إليه أفكارها الغير المستندة إلى الكتاب والسنة {
~~وقد أمروا أن يكفروا به } ويخالفوه إن النفس لأمارة
~~بالسوء إلا من رحم ربي { ويريد الشيطن } وهو الطاغوت

# أن يضلهم ضللا بعيدا

# [النساء: 60] وهو الانحراف عن الحق { فكيف إذا أصبتهم
~~مصيبة } وهي مصيبة التحير وفقد الطريق الموصل { بما قدمت
~~أيديهم } من تقديم أفكارهم الفاسدة وعدم رجوعهم إليك { ثم
~~جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا }
~~بأنفسنا لتمرنها على التفكر حتى يكون لها ملكة استنباط الأسرار والدقائق
~~من عباراتك وإشاراتك

# وتوفيقا

# [النساء: 62] أي جمعا بين العقل والنقل أو بين الخصمين بما يقرب من
~~عقولهم ولم نرد مخالفتك { أولئك الذين يعلم الله ما فى
~~قلوبهم } من رين الشكوك فيجازيهم على ذلك يوم القيامة { فأعرض
~~عنهم } ولا تقبل عذرهم

# وعظهم وقل لهم فى أنفسهم قولا بليغا

# [النساء: 63] مؤثرا ليرتدعوا أو كلمهم على مقادير عقولهم ومتحمل طاقتهم
~~{ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم } باشتغالهم بحظوظها {
~~جاءوك فاستغفروا الله } طلبوا منه ستر صفات نفوسهم التي هي
~~مصادر تلك الأفعال { واستغفر لهم الرسول } بإمداده إياهم
~~بأنوار صفاته

# لوجدوا الله توابا رحيما

# [النساء: 64] مطهرا لنفوسهم مفيضا عليها الكمال اللائق بها. وقال ابن
~~عطاء في هذه الآية: أي لو جعلوك الوسيلة لدي لوصلوا إلي

# فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر
~~بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت
~~ويسلموا تسليما

# [النساء: ms01968 65] قال بعضهم: أظهر الله تعالى في هذه الآية على حبيبه خلعة
~~من خلع الربوبية فجعل الرضا بحكمه ساء أم ستر سببا لإيمان المؤمنين كما
~~جعل الرضا بقضائه سببا لإيقان الموقنين فأسقط عنهم اسم الواسطة لأنه صلى
~~الله عليه وسلم متصف بأوصاف الحق متخلق بأخلاقه، ألا ترى كيف قال حسان:

# وشق له من اسمه ليجله

# فذو العرش محمود وهذا محمد

# وقال آخرون: سد سبحانه الطريق إلى نفسه على الكافة إلا بعد الإيمان
~~بحبيبه صلى الله عليه وسلم فمن لم يمش تحت قبابه فليس من الله تعالى في
~~شيء، ثم جعل جل شأنه من شرط الإيمان زوال المعارضة / بالكلية فلا بد
~~للمؤمن من تلقي المهالك بقلب راض ووجه ضاحك { ولو أنا كتبنا
~~عليهم أن اقتلوا أنفسكم } بسيف المجاهدة لتحيى حياة
~~طيبة { أو اخرجوا من ديركم } وهي الملاذ التي ركنتم إليها
~~وخيمتم فيها وعكفتم عليها، أو لو فرضنا عليهم أن اقمعوا الهوى أو اخرجوا
~~من مقاماتكم التي حجبتم بها عن التوحيد الصرف كالصبر والتوكل مثلا {
~~ما فعلوه إلا قليل منهم } وهم أهل التوفيق والهمم
~~العالية، وأيد الاحتمال الثاني بما حكي عن بعض العارفين أنه سئل إبراهيم
~~بن أدهم عن حاله فقال إبراهيم: أدور في الصحاري وأطوف في البراري حيث لا
~~ماء ولا شجر ولا روض ولا مطر فهل يصح حالي في التوكل فقال له: إذا أفنيت
~~عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد» { ولو أنهم
~~فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم } لما فيه من
~~الحياة الطيبة

# وأشد تثبيتا

# [النساء: 66] بالاستقامة بالدين

# وإذا لأتينهم من لدنا أجرا عظيما

# [النساء: 67] وهو كشف الجمال

# ولهدينهم صرطا مستقيما

# [النساء: 68] وهو التوحيد { ومن يطع الله والرسول
~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم } بما لا يدخل
~~في حيطة الفكر { من النبيين } أرباب التشريع الذين ارتفعوا قدرا
~~فلا يدرك شأواهم { والصديقين } الذين قادهم نورهم إلى الانخلاع عن
~~أنواع الربوب والشكوك فصدقوا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من
~~غير دليل ولا توقف { والشهداء } أهل الحضور

# والصلحين ms01969

# [النساء: 69] أهل الاستقامة في الدين { يأيها الذين
~~ءامنوا خذوا حذركم } من أنفسكم فإنها أعدى أعدائكم {
~~فانفروا ثبات } أسلكوا في سبيل الله تعالى جماعات كل فرقة على
~~طريقة شيخ كامل

# أو انفروا جميعا

# [النساء: 71] في طريق التوحيد والإسلام واتبعوا أفعال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم وتخلقوا بأخلاقه { وإن منكم لمن
~~ليبطئن } أي ليثبطن المجاهدين المرتاضين { فإن
~~أصبتكم مصيبة } شدة في السير

# قال قد أنعم الله علي

# [النساء: 72] حيث لم أفعل كما فعلوا { ولئن أصبكم فضل
~~من الله } مواهب غيبية وعلوم لدنية ومراتب سنية وقبول عند الخواص
~~والعوام { ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه
~~مودة } أي حسدا لكم { يليتنى كنت معهم فأفوز } دونهم

# فوزا عظيما

# [النساء: 73] وأنال ذلك وحدي { ومن يقتل } نفسه { فى سبيل
~~الله فيقتل } بسيف الصدق { أو يغلب } عليها بالظفر لتسلم
~~على يده

# فسوف نؤتيه أجرا عظيما

# [النساء: 74] وهو الوصول إلينا { وما لكم لا تقتلون فى
~~سبيل الله } وخلاص { المستضعفين من الرجال } العقول {
~~والنساء } الأرواح { والولدن } القوى الروحانية { الذين
~~يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية } وهي قرية
~~البدن { الظلم أهلها } وهي النفس الأمارة { واجعل لنا
~~من لدنك وليا } يلي أمورنا ويرشدنا { واجعل لنا من
~~لدنك نصيرا } [النساء: 75] ينصرنا على من ظلمنا وهو الفيض
~~الأقدس، نسأل الله تعالى ذلك بمنه وكرمه.

### || [4.76]

# { الذين ءامنوا يقتلون فى سبيل الله } كلام مستأنف
~~سيق لتشجيع المؤمنين وترغيبهم في الجهاد أي المؤمنون إنما يقاتلون في دين
~~الله تعالى الموصل لهم إليه عز وجل وفي إعلاء كلمته فهو وليهم وناصرهم لا
~~محالة. { والذين كفروا يقتلون فى سبيل الطغوت
~~} فيما يبلغ بهم إلى الشيطان وهو الكفر فلا ناصر لهم سواه {
~~فقتلوا } يا أولياء الله تعالى إذا كان الأمر كذلك. { أولياء
~~الشيطن } جميع الكفار فإنكم تغلبونهم. { إن كيد
~~الشيطن كان ضعيفا } في حد ذاته فكيف بالقياس إلى قدرة الله
~~تعالى الذي يقاتلون في سبيله وهو سبحانه وليكم، ولم يتعرض لبيان قوة
~~جنابه تعالى إيذانا بظهورها، وفائدة { كان } التأكيد ببيان أن كيده مذ
~~كان ضعيف، وقيل: هي بمعنى ms01970 صار أي صار ضعيفا بالإسلام، وقيل: إنها زائدة
~~وليس بشيء.

### || [4.77]

# / { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم }
~~نزلت كما قال الكلبي في عبد الرحمن بن عوف الزهري والمقداد بن الأسود
~~الكندي وقدامة بن مظعون الجمحي وسعد بن أبي وقاص كان يلقون من المشركين
~~أذى شديدا وهم بمكة قبل الهجرة فيشكون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~ويقولون: ائذن لنا يا رسول الله في قتال هؤلاء فإنهم قد آذونا والنبي
~~صلى الله عليه وسلم يقول: كفوا أيديكم وامسكوا عن القتال فإني لم أومر
~~بذلك، وفي رواية: إني أمرت بالعفو. { وأقيموا الصلوة وءاتوا
~~الزكوة } واشتغلوا بما أمرتم به، ولعل أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء
~~الزكاة تنبيها على أن الجهاد مع النفس مقدم وما لم يتمكن المسلم في
~~الانقياد لأمر الله تعالى بالجود بالمال لا يكاد يتأتى منه الجود بالنفس،
~~والجود بالنفس أقصى غاية الجود، وبناء القول للمفعول مع أن القائل هو
~~النبي صلى الله عليه وسلم لأن المقصود والمعتبر في التعجيب المشار إليه
~~في صدر الكلام إنما هو كمال رغبتهم في القتال وكونهم بحيث احتاجوا إلى
~~النهي عنه، وإنما ذكر في حيز الصلة الأمر بكف الأيدي لتحقيقه وتصويره
~~بطريق الكناية فلا يتعلق ببيان خصوصية الآمر غرض، وقيل: للإيذان بكون ذلك
~~بأمر الله تعالى:

# { فلما كتب عليهم القتال } وأمروا به بعد أن هاجروا مع
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة { إذا فريق منهم
~~يخشون الناس } أي الكفار أن يقتلوهم، وذلك لما ركز في طباع البشر
~~من خوف الهلاك { كخشية الله } أي كما يخشون الله تعالى أن ينزل
~~عليهم بأسه، والفاء عاطفة وما بعدها عطف على { قيل لهم كفوا
~~أيديكم } باعتبار معناه الكنائي إذ حينئذ يتحقق التباين بين مدلولي
~~المعطوفين، وعليه يدور أمر التعجيب كأنه قيل: ألم تر إلى الذين كانوا
~~حراصا على القتال فلما كتب عليهم كرهه  بمقتضى البشرية  جماعة منهم،
~~وتوجيه التعجيب إلى الكل مع أن تلك الكراهة إنما كانت من البعض للإيذان
~~بأنه ما كان ينبغي أن ms01971 يصدر من أحدهم ما ينافي حالته الأولى، و { إذا }
~~للمفاجأة وهي ظرف مكان، وقيل: زمان وليس بشيء، وفيها تأكيد لأمر التعجيب،
~~و { فريق } مبتدأ، و { منهم } صفته، و { يخشون } خبره، وجوز
~~أن يكون صفة أيضا أو حالا، والخبر { إذا } و { كخشية الله }
~~في موضع المصدر أي خشية كخشية الله، وجوز أن يكون حالا من فاعل {
~~يخشون } ويقدر مضاف أي حال كونهم مثل أهل خشية الله تعالى أي مشبهين
~~بأهل خشيته سبحانه، وقيل  وفيه بعد  إنه حال من ضمير مصدر محذوف أي
~~يخشونها الناس كخشية الله { أو أشد خشية }  عطف عليه إن جعلته
~~حالا أي أنهم: أشد خشية من أهل خشية الله، بمعنى أن خشيتهم أشد من
~~خشيتهم، ولا يعطف عليه على تقدير المصدرية  على ما قيل  بناءا على أن
~~{ خشية } منصوب على التمييز وعلى أن التمييز متعلق الفاعلية، وأن
~~المجرور بمن التفضيلية يكون مقابلا للموصوف بأفعل التفضيل فيصير المعنى
~~إن خشيتهم أشد من خشية غيرهم، ويؤل إلى أن خشية خشيتهم أشد، وهو غير
~~مستقيم اللهم إلا على طريقة جد جده  على ما ذهب إليه أبو علي وابن جني
~~ ويكون كقولك: زيد جد جدا بنصب جدا على التمييز لكنه بعيد، بل يعطف
~~على الاسم الجليل فهو مجرور بالفتحة لمنع صرفه، والمعنى  يخشون الناس
~~خشية كخشية الله، أو خشية كخشية أشد خشية منه تعالى  ولكن على سبيل
~~الفرض إذ لا أشد خشية عند المؤمنين من الله تعالى، ويؤل هذا إلى تفضيل
~~خشيتهم على سائر الخشيات إذا فصلت واحدة واحدة، وذكر ابن الحاجب أنه يجوز
~~أن يكون هذا العطف من عطف الجمل  أي يخشون الناس كخشية / الناس، أو
~~يخشون أشد خشية  على أن الأول: مصدر والثاني: حال، وقيل عليه: إن حذف
~~المضاف أهون من حذف الجملة وأوفى بمقتضى المقابلة وحسن المطابقة؛ وجوز أن
~~يكون { خشية } منصوبا على المصدرية و { أشد } صفة له قدمت عليه،
~~فانتصب على الحالية، وذكر بعضهم أن التمييز بعد اسم التفضيل قد يكون نفس
~~ما انتصب عنه نحو:

# فالله خير ms01972 حافظا

# [يوسف: 64] فإن الحافظ هو الله تعالى كما لو قلت: الله خير حافظ بالجر،
~~وحينئذ لا مانع من أن تكون الخشية نفس الموصوف ولا يلزم أن يكون للخشية
~~خشية بمنزلة أن يقال: أشد خشية بالجر، والقول  بأن جواز هذا فيما إذا
~~كان التمييز نفس الموصوف بحسب المفهوم واللفظ محل نظر، إذ اتحاد اللفظ مع
~~حذف الأول ليس فيه كبير محذور. وهذا إيراد قوي على ما قيل، وقد نقل ابن
~~المنير عن «الكتاب» ما يعضده فتأمل، و { أو } قيل: للتنويع، وقيل:
~~للإبهام على السامع، وقيل: للتخيير، وقيل: بمعنى الواو، وقيل: بمعنى بل

# { وقالوا } عطف على جواب  لما  أي: فلما كتب عليهم القتال فاجأ
~~بعضهم بألسنتهم أو بقلوبهم، وحكاه الله تعالى عنهم على سبيل تمني التخفيف
~~لا الاعتراض على حكمه تعالى، والإنكار لإيجابه ولذا لم يوبخوا عليه {
~~ربنا لم كتبت علينا القتال } في هذا الوقت. { لولا
~~أخرتنا إلى أجل قريب } وهو الأجل المقدر؛ ووصف بالقريب
~~للاستعطاف أي أنه قليل لا يمنع من مثله، والجملة كالبيان لما قبلها ولذا
~~لم تعطف عليه، وقيل: إنما لم تعطف عليه للإيذان بأنهما مقولان مستقلان
~~لهم، فتارة قالوا الجملة الأولى، وتارة الجملة الثانية، ولو عطفت لتبادر
~~أنهم قالوا مجموع الكلامين بعطف الثانية على الأولى { قل } أي تزهيدا
~~لهم فيما يؤملونه بالقعود عن القتال والتأخير إلى الأجل المقدر من المتاع
~~الفاني وترغيبا فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقي { متع
~~الدنيا } أي جميع ما يستمتع به وينتفع في الدنيا { قليل } في نفسه
~~سريع الزوال وهو أقل قليل بالنسبة إلى ما في الآخرة { والأخرة } أي
~~ثوابها المنوط بالأعمال التي من جملتها القتال { خير } لكم من ذلك
~~المتاع القليل لكثرته وعدم انقطاعه وصفائه عن الكدورات، وفي اختلاف
~~الأسلوب ما لا يخفى، وإنما قال سبحانه: { لمن اتقى } حثا لهم
~~وترغيبا على الاتقاء والإخلال بموجب التكليف.

# وقيل: المراد أن نفس الآخرة خير ولكن للمتقين، لأن للكافر والعاصي هنالك
~~نيرانا وأهوالا، ولذا قيل: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، ولا يخفى أن
~~الأول أنسب بالسياق ms01973 { ولا تظلمون فتيلا } عطف على مقدر أي
~~تجزون فيها ولا تبخسون هذا المقدار اليسير فضلا عما زاد من ثواب أعمالكم
~~فلا ترغبوا عن القتال الذي هو من غرورها، وقرأ ابن كثير وكثير { ولا
~~يظلمون } بالياء إعادة للضمير إلى ظاهر من.

### || [4.78]

# { أينما تكونوا يدرككم الموت } يحتمل أن يكون ابتداء
~~كلام مسوق من قبله تعالى بطريق تلوين الخطاب وصرفه عن سيد المخاطبين صلى
~~الله عليه وسلم إلى ما ذكر أولا اعتناءا بإلزامهم إثر بيان حقارة
~~الدنيا وفخامة الآخرة بواسطته صلى الله عليه وسلم فلا محل للجملة من
~~الإعراب، ويحتمل أن يكون داخلا في حيز القول المأمور به، فمحل الجملة
~~النصب، وجعل غير واحد ما تقدم جوابا للجملة الأولى من قولهم، وهذا
~~جوابا للثانية منه، فكأنه لما قالوا: { لم كتبت علينا
~~القتال }؟ أجيبوا ببيان الحكمة بأنه كتب عليكم ليكثر تمتعكم ويعظم
~~نفعكم لأنه يوجب تمتع الآخرة، ولما قالوا:

# لولا أخرتنا

# [النساء: 77]؟! الخ أجيبوا بأنه: أينما تكونوا في السفر أو في الحضر
~~يدرككم الموت لأن الأجل مقدر / فلا يمنع عنه عدم الخروج إلى القتال، وفي
~~التعبير بالإدراك إشعار بأن القوم لشدة تباعدهم عن أسباب الموت وقرب وقت
~~حلوله إليهم بممر الأنفاس والآنات كأنهم في الهرب منه وهو مجد في طلبهم
~~لا يفتر نفسا واحدا في التوجه إليهم، وقرأ طلحة بن سليمان {
~~يدرككم } بالرفع، واختلف في تخريجه فقيل: إنه على حذف الفاء كما في
~~قوله  على ما أنشده سيبويه :

# من يفعل الحسنات الله يشكرها

# والشر بالشر عند الله (مثلان)

# وظاهر كلام «الكشاف» الاكتفاء بتقدير الفاء، وقدر بعضهم مبتدأ معها أي
~~فأنتم يدرككم، وقيل: هو مؤخر من تقديم، وجواب الشرط محذوف أي  يدرككم
~~الموت أينما تكونوا يدرككم  واعترض بأن هذا إنما يحسن فيما إذا كان ما
~~قبله طالبا له كما في قوله:

# يا أقرع بن حابس يا أقرع

# إنك إن (يصرع أخوك تصرع)

# أو فيما إذا لم تكن الأداة اسم شرط، وأجيب بأن الشرط الأول: وإن نقل عن
~~سيبويه إلا أنه نقل عنه أيضا الإطلاق، ms01974 والشرط الثاني: لم يعول عليه
~~المحققون، وقيل: إن الرفع على توهم كون الشرط ماضيا فإنه حينئذ لا يجب
~~ظهور الجزم في الجواب لأن الأداة لما لم يظهر أثرها في القريب لم يجب
~~ظهوره في البعيد وما قيل عليه من أن كون الشرط ماضيا والجزاء مضارعا
~~إنما يحسن في كلمة  أن  لقلبها الماضي إلى معنى الاستقبال فلا يحسن 
~~أينما كنتم يدرككم الموت  إلاعلى حكاية الماضي وقصد الاستحضار فيه نظر،
~~نعم يرد عليه أن فيه تعسفا إذ التوهم  كما قال ابن المنير  أن يكون ما
~~يتوهم هو الأصل، أو مما كثر في الاستعمال حتى صار كالأصل، وما توهم هنا
~~ليس كذلك، وقيل: إن { يدرككم } كلام مبتدأ و { أينما
~~تكونوا } متصل ب

# لا تظلمون

# [النساء: 77]، واعترض كما قال الشهاب: بأنه ليس بمستقيم معنى وصناعة،
~~أما الأول: فلأنه لا يناسب اتصاله بما قبله لأن { لا تظلمون
~~فتيلا } المراد منه في الآخرة فلا يناسبه التعميم، وأما الثاني: فلأنه
~~يلزم عليه عمل ما قبل اسم الشرط فيه وهو غير صحيح لصدارته، وأجيب عن
~~الأول: بأنه لا مانع من تعميم: ولا تظلمون للدنيا والآخرة أو يكون المعنى
~~لا ينقصون شيئا من مدة الأجل المعلوم لا من الأجود وبه ينتظم الكلام،
~~وعن الثاني: بأن المراد من الاتصال بما قبله  كما قال الحلبي 
~~والسفاقسي اتصاله به معنى لا عملا على أن { أينما تكونوا } شرط
~~جوابه محذوف تقديره: لا تظلمون وما قبله دليل الجواب، وأنت تعلم أن هذا
~~التخريج وإن التزم الذب عنه بما ترى خلاف الظاهر المنساق إلى الذهن،
~~وأولى التخريجات أنه على حذف الفاء وهو الذي اختاره المبرد، والقول بأن
~~الحذف ضرورة في حيز المنع

# { ولو كنتم فى بروج } أي قصور، قاله مجاهد وقتادة وابن جريج،
~~وعن السدي والربيع رضي الله تعالى عنهم أنها قصور في السماء الدنيا،
~~وقيل: المراد بها بروج السماء المعلومة، وعن أبي علي الجبائي أنها
~~البيوت التي فوق القصور، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنها الحصون
~~والقلاع وهي جمع برج وأصله من ms01975 التبرج وهو الإظهار، ومنه تبرجت المرأة إذا
~~أظهرت حسنها { مشيدة } أي مطلية بالشيد وهو الجص قال عكرمة أو
~~مطولة بارتفاع  قاله الزجاج  فهو من شيد البناء إذا رفعه؛ وقرأ مجاهد {
~~مشيدة } بفتح الميم وتخفيف الياء كما في قوله تعالى:

# وقصر مشيد

# [الحج: 45] وقرأ أبو نعيم بن ميسرة { مشيدة } بكسر الياء على
~~التجوز ك { عيشة راضية } وقصيدة شاعرة، والجملة معطوفة / على
~~أخرى مثلها أي لو لم تكونوا في بروج ولو كنتم الخ، وقد اطرد الحذف في مثل
~~ذلك لوضوح الدلالة

# { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله
~~وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك } نزلت على
~~ما روي عن الحسن. وابن زيد في اليهود وذلك أنهم كانوا قد بسط عليهم الرزق
~~فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فدعاهم إلى الإيمان فكفروا
~~أمسك عنهم بعض الإمساك فقالوا: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا مذ
~~قدم علينا هذا الرجل، فالمعنى إن تصبهم نعمة أو رخاء نسبوها إلى الله
~~تعالى وإن تصبهم بلية من جدب وغلاء أضافوها إليك متشائمين كما حكى عن
~~أسلافهم بقوله تعالى:

# وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه

# [الأعراف: 131] وإلى هذا ذهب الزجاج والفراء والبلخي والجبائي، وقيل:
~~نزلت في المنافقين ابن أبي وأصحابه الذين تخلفوا عن القتال يوم أحد،
~~وقالوا للذين قتلوا

# لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا

# [آل عمران: 156] فالمعنى إن تصبهم غنيمة قالوا: هي من عند الله تعالى،
~~وأن تصبهم هزيمة قالوا: هي من سوء تدبيرك، وهو المروي عن ابن عباس
~~وقتادة، وقيل: نزلت فيمن تقدم وليس بالصحيح، وصحح غير واحد أنها نزلت في
~~اليهود والمنافقين جميعا لما تشاءموا من رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~حين قدم المدينة وقحطوا، وعلى هذا فالمتبادر من الحسنة والسيئة هنا
~~النعمة والبلية، وقد شاع استعمالها في ذلك كما شاع استعمالها في الطاعة
~~والمعصية، وإلى هذا ذهب كثير من المحققين، وأيد بإسناد الإصابة إليهما بل
~~جعله صاحب «الكشف» دليلا بينا عليه وبأنه أنسب بالمقام لذكر الموت
~~والسلامة ms01976 قبل.

# وقوله تعالى: { قل كل من عند الله } أمر له صلى الله عليه
~~وسلم بأن يرد زعمهم الباطل واعتقادهم الفاسد ويرشدهم إلى الحق ببيان
~~إسناد الكل إليه تعالى على الإجمال أي كل واحدة من النعمة والبلية من جهة
~~الله تعالى خلقا وإيجادا من غير أن يكون لي مدخل في وقوع شيء منها بوجه
~~من الوجوه كما تزعمون، بل وقوع الأولى منه تعالى بالذات تفضلا، ووقوع
~~الثانية بواسطة ذنوب من ابتلي بها عقوبة كما سيأتي بيانه. وهذا الجواب
~~المجمل في معنى ما قيل ردا على أسلاف اليهود من قوله تعالى:

# إنما طائرهم عند الله

# [الأعراف: 131] أي إنما سبب خيرهم وشرهم عند الله تعالى لا عند غيره حتى
~~يستند ذلك إليه ويطيروا به  قاله شيخ الإسلام  ومنه يعلم اندفاع ما
~~قيل: إن القوم لم يعتقدوا أن النبي صلى الله عليه وسلم فاعل السيئة كما
~~اعتقدوا أن الله تعالى فاعل الحسنة بل تشاءموا به وحاشاه عليه الصلاة
~~والسلام فكيف يكون هذا ردا عليهم، ولا حاجة إلى ما أجاب به العلامة
~~الثاني من أن الجواب ليس مجرد قوله تعالى: { قل كل من عند
~~الله } بل هو إلى قوله سبحانه:

# وما أصبك من سيئة

# [النساء: 79] الخ

# وقوله تعالى: { فمال هؤلاء القوم } أي اليهود والمنافقين
~~المحتقرين { لا يكادون يفقهون } أي يفهمون { حديثا } أي
~~كلاما يوعظون به وهو القرآن، أو كلاما ما أو كل شيء حدث وقرب عهده
~~كلام من قبله تعالى معترض بين المبين وبيانه مسوق لتعييرهم بالجهل وتقبيح
~~حالهم والتعجيب من كمال غباوتهم، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها،
~~والجملة المنفية حالية والعامل فيها ما في الظرف من الاستقرار أو الظرف
~~نفسه، والمعنى حيث كان الأمر كذلك فأي شيء حصل لهؤلاء حال كونهم بمعزل من
~~أن يفقهوا نصوص القرآن الناطقة بأن الكل فائض من عند الله تعالى، أو
~~بمعزل من أن يفهموا  حديثا  مطلقا حتى عدوا كالبهائم التي لا افهام
~~لها، أو بمعزل من أن يعقلوا صروف الدهر وتغيره حتى يعلموا أنه لها فاعلا ms01977
~~حقيقيا بيده جميع الأمور ولا مدخل / لأحد معه، ويجوز أن تكون الجملة
~~استئنافا مبنيا على سؤال نشأ من الاستفهام وهو ظاهر، وعلى التقديرين
~~فالكلام مخرج مخرج المبالغة في عدم فهمهم فلا ينافي اعتقادهم أن الحسنة
~~من عند الله تعالى، ويفهم من كلام بعضهم أن المراد من الحديث هو ما
~~تفوهوا به آنفا حيث أنه يلزم منه تعدد الخالق المستلزم للشرك المؤدي إلى
~~فساد العالم، وإن (ما) في حيز الأمر رد لهذا اللازم، وقدم لكونه أهم ثم
~~استأنف بما هو حقيقة الجواب أعني قوله سبحانه: { مآ أصابك من
~~حسنة فمن الله... }.

### || [4.79]

# { مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من
~~سيئة فمن نفسك } وعلى ما ذكرنا  ولعله الأولى  يكون هذا
~~بيانا للجواب المجمل المأمور به، والخطاب فيه كما قال الجبائي وروي عن
~~قتادة: عام لكل من يقف عليه لا للنبي صلى الله عليه وسلم كقوله:

# إذا أنت أكرمت (الكريم) ملكته

# وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

# ويدخل فيه المذكورون دخولا أوليا، وفي إجراء الجواب أولا: على لسان
~~النبي صلى الله عليه وسلم وسوق البيان من جهته تعالى ثانيا: بطريق
~~تلوين الخطاب، والالتفات إيذان بمزيد الاعتناء به والاهتمام برد اعتقادهم
~~الباطل وزعمهم الفاسد، والإشعار بأن مضمونه مبني على حكمة دقيقة حرية بأن
~~يتولى بيانها علام الغيوب عز وجل، والعدول عن خطاب الجميع كما في قوله
~~تعالى:

# وما أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم

# [الشورى: 30] للمبالغة في التحقيق بقطع احتمال سببية (معصية) بعضهم
~~لعقوبة الآخرين، و { ما } كما قال أبو البقاء: شرطية وأصاب بمعنى يصيب
~~والمراد  بالحسنة والسيئة  هنا ما أريد بهما من قبل، أي ما أصابك أيها
~~الإنسان من نعمة من النعم فهي من الله تعالى بالذات تفضلا وإحسانا من
~~غير استيجاب لها من قبلك كيف لا وكل ما يفعله العبد من الطاعات التي يرجى
~~كونها ذريعة إلى إصابة نعمة ما فهي بحيث لا تكاد تكافىء نعمة الوجود، أو
~~نعمة الإقدار على أدائها مثلا فضلا عن أن تستوجب نعمة أخرى، ولذا قال ms01978
~~صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة:

# " لن يدخل أحدا عمله الجنة قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا
~~إلا أن يتغمدني الله تعالى بفضل رحمته "

# { ومآ أصابك من [سيئة] } [أي] بلية ما من البلايا فهي بسبب
~~اقتراف نفسك المعاصي والهفوات المقتضية لها، وإن كانت من حيث الإيجاد
~~منتسبة إليه تعالى نازلة من عنده عقوبة وهذا كقوله تعالى:

# وما أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم
~~ويعفوا عن كثير

# [الشورى: 30]، وأخرج الترمذي عن أبي موسى قال: «قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " لا يصيب عبدا نكبة فما فوقها  أو ما دونها إلا بذنب وما يعفو الله
~~تعالى عنه أكثر "

# وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في الآية: «ما كان من نكبة
~~فبذنبك وأنا قدرت ذلك عليك»، وعن أبي صالح مثله، وقال الزجاج: الخطاب
~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمقصود منه الأمة، وقيل: له عليه الصلاة
~~والسلام لكن لا لبيان حاله بل لبيان حال الكفرة بطريق التصوير، ولعل
~~العدول عن خطابهم لإظهار كمال السخط والغضب عليهم؛ والإشعار بأنهم لفرط
~~جهلهم وبلادتهم بمعزل من استحقاق الخطاب لاسيما بمثل هذه الحكمة الأنيقة،
~~ثم اعلم أنه لا حجة لنا ولا للمعتزلة في مسألة الخير والشر بهاتين
~~الآيتين لأن إحداهما بظاهرها لنا، والأخرى لهم فلا بد من التأويل وهو
~~مشترك الإلزام ولأن المراد بالحسنة والسيئة النعمة والبلية لا الطاعة
~~والمعصية، والخلاف في الثاني، ولا تعارض بينهما أيضا لظهور اختلاف جهتي
~~النفي والإثبات، وقد أطنب الإمام الرازي في هذا المقام كل الإطناب بتعديد
~~الأقوال والتراجيح، واختار تفسير الحسنة والسيئة بما يعم النعم والطاعات
~~والمعاصي والبليات، وقال بعضهم: يمكن أن يقال: لما جاء قوله تعالى: / {
~~وإن تصبهم حسنة } بعد قوله سبحانه:

# أينما تكونوا يدرككم الموت

# [النساء: 78] ناسب أن تحمل الحسنة الأولى على النعمة، والسيئة على
~~البلية، ولما أردف قوله عز وجل: { مآ أصابك من حسنة } بما
~~سيأتي ناسب أن يحملا على ما يتعلق بالتكليف من المعصية والطاعة ms01979  كما روي
~~ذلك عن أبي العالية  ولهذا غير الأسلوب فعبر بالماضي بعد أن عبر
~~بالمضارع، ثم نقل عن الراغب أنه فرق بين قولك: هذا من عند الله تعالى،
~~وقولك: هذا من الله تعالى بأن من عند الله أعم من حيث إنه يقال فيما كان
~~برضاه سبحانه وبسخطه، وفيما يحصل وقد أمر به ونهى عنه؛ ولا يقال: من الله
~~إلا فيم كان برضاه وبأمره، وبهذا النظر قال عمر رضي الله تعالى عنه «إن
~~أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن الشيطان» فتدبر.

# ونقل أبو حيان عن طائفة من العلماء أن { ما أصابك } الخ على تقرير
~~القول أي: فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا يقولون ما أصابك من
~~حسنة الخ، والداعي لهم على هذا التمحل توهم التعارض، وقد دعا آخرين إلى
~~جعل الجملة بدلا من { حديثا } على معنى أنهم لا يفقهون هذا الحديث
~~أعني { ما أصابك } الخ فيقولونه غير متحاشين عما يلزمه من تعدد
~~الخالق وآخرين إلى تقدير استفهام إنكاري أي { فمن نفسك } ، وزعموا
~~أنه قرىء به، وقد علمت أن لا تعارض أصلا من غير احتياج إلى ارتكاب ما لا
~~يكاد يسوغه الذوق السليم، وكذا لا حجة للمعتزلة في قوله سبحانه: {
~~حديثا } على كون القرآن محدثا لما علمت من أنه ليس نصا في القرآن،
~~وعلى فرض تسليم أنه نص لا يدل على حدوث الكلام النفسي والنزاع فيه، ثم
~~وجه ارتباط هذه الآيات بما قبلها على ما قيل: إنه سبحانه بعد أن حكى عن
~~المسلمين ما حكى ورد عليهم بما رد نقل عن الكفار ما رده عليهم أيضا وبين
~~المحكيين مناسبة من حيث اشتمالها على إسناد ما يكره إلى بعض الأمور وكون
~~الكراهة له بسبب ذلك وهو كما ترى.

# وفي «الكشف» أن جملة

# وإن تصبهم

# [النساء: 78] الخ معطوفة على جملة قوله تعالى:

# فإن أصبتكم مصيبة

# [النساء: 72]،

# ولئن أصبكم فضل

# [النساء: 73] دلالة على تحقق التبطئة والتثبيط، أما دلالة الأولتين فلا
~~خفاء بهما، وأما الثانية: فلأنهم إذا اعتقدوا في الداعي إلى الجهاد صلى
~~الله عليه ms01980 وسلم ذلك الاعتقاد الفاسد قطعوا أن في اتباعه  لا سيما فيما
~~يجر إلى ما عدوه سيئة  الخبال والفساد، ولهذا قلب الله عليهم في قوله
~~سبحانه: { فمن نفسك } ليصير ذلك كافا لهم عن التثبيط إلى
~~التنشيط، وأردفه ذكر ما هم فيه من التعكيس في شأن من هو رحمة مرسلة للناس
~~كافة، وأكد أمر اتباعه بأن جعل طاعته صلى الله عليه وسلم طاعة الله تعالى
~~مع ما أمده به من التهديد البالغ المضمن في قوله سبحانه:

# ومن تولى

# [النساء: 80] ثم قال  ولا يخفى أن ما وقع بين المعطوفين ليس بأجنبي 
~~وأن

# فليقاتل

# [النساء: 74] شديد التعلق بسابقه، ولما لزم من هذا النسق تقسيم المرسل
~~إليهم إلى كافر مبطىء ومؤمن قوي وضعيف استأنف تقسيمهم مرة أخرى في قوله
~~سبحانه الآتي:

# ويقولون

# [النساء: 81] أي الناس المرسل إليهم إلى مبيت هو الأول ومذيع هو الثالث،
~~ومن يرجع إليه هو الثاني فهذا وجه النظم والارتباط بين الآيات السابقة
~~واللاحقة انتهى، ولا يخلو عن حسن وليس بمتعين كما لا يخفى.

# هذا ووقف أبو عمرو والكسائي بخلاف عنه على (ما) من قوله تعالى:

# فمال هؤلاء

# [النساء: 78] وجماعة على  لام الجر  وتعقب ذلك السمين بأنه ينبغي أن
~~لا يجوز كلا الوقفين إذ الأول: وقف على المبتدأ دون خبره، والثاني: على
~~الجار دون مجروره، وقرأ أبي وابن مسعود وابن عباس (وما أصابك من سيئة
~~فمن نفسك وأنا كتبتها عليك) .

# { وأرسلنك للناس رسولا } بيان لجلالة منصبه صلى الله
~~عليه وسلم ومكانته عند ربه سبحانه بعد الذب عنه بأتم وجه، وفيه رد أيضا
~~لمن زعم اختصاص رسالته عليه الصلاة والسلام بالعرب فتعريف  الناس  /
~~للاستغراق، والجار متعلق ب { رسولا } قدم عليه للاختصاص الناظر إلى
~~قيد العموم أي مرسلا لكل الناس لا لبعضهم فقط كما زعموا، و { رسولا }
~~حال مؤكدة لعاملها، وجوز أن يتعلق الجار بما عنده، وأن يتعلق بمحذوف وقع
~~حالا من { رسولا } وجوز أيضا أن يكون { رسولا } مفعولا مطلقا
~~إما على أنه مصدر كما في قوله:

# لقد كذب الواشون ما فهت عندهم

# (بشيء) ms01981 ولا أرسلتهم برسول

# وإما على أن الصفة قد تستعمل بمعنى المصدر مفعولا مطلقا كما استعمل
~~الشاعر خارجا بمعنى خروجا في قوله:

# علي حلفة لا أشتم الدهر مسلما

# ولا (خارجا) من زور كلام

# حيث أراد كما قال سيبويه: ولا يخرج خروجا { وكفى بالله
~~شهيدا } على رسالتك أو على صدقك في جميع ما تدعيه حيث نصب المعجزات
~~وأنزل الآيات البينات، وقيل: المعنى كفى الله تعالى شهيدا على عباده بما
~~يعملون من خير أو شر، والالتفات لتربية المهابة.

### || [4.80]

# { من يطع الرسول فقد أطاع الله } بيان لأحكام رسالته
~~صلى الله عليه وسلم إثر بيان تحققها، وإنما كان كذلك لأن الآمر والناهي
~~في الحقيقة هو الحق سبحانه، والرسول إنما هو مبلغ للأمر والنهي فليس
~~الطاعة له بالذات إنما هي لمن بلغ عنه. وفي بعض الآثار عن مقاتل

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: من أحبني فقد أحب الله تعالى
~~ومن أطاعني فقد أطاع الله تعالى فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول
~~هذا الرجل لقد قارف الشرك، وهو نهى أن يعبد غير الله تعالى ما يريد إلا
~~أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى عليه السلام؟ فنزلت "

# فالمراد بالرسول نبينا صلى الله عليه وسلم، والتعبير عنه بذلك ووضعه
~~موضع المضمر للإشعار بالعلية، وقيل: المراد به الجنس ويدخل فيه نبينا صلى
~~الله عليه وسلم دخولا أوليا، ويأباه تخصيص الخطاب في قوله تعالى: {
~~ومن تولى فما أرسلنك عليهم حفيظا } وجعله من
~~باب الخطاب لغير معين خلاف الظاهر، و { من } شرطية وجواب الشرط محذوف،
~~والمذكور تعليل له قائم مقامه أي ومن أعرض عن الطاعة فأعرض عنه لأنا إنما
~~أرسلناك رسولا مبلغا لا حفيظا مهيمنا تحفظ أعمالهم عليهم وتحاسبهم
~~عليها، ونفي  كما قيل  كونه حفيظا أي مبالغا في الحفظ دون كونه
~~حافظا لأن الرسالة لا تنفك عن الحفظ لأن تبليغ الأحكام نوع حفظ عن
~~المعاصي والآثام، وانتصاب الوصف على الحالية من الكاف، وجعله مفعولا
~~ثانيا لأرسلنا لتضمينه معنى جعلنا مما لا حاجة إليه، و { عليهم }
~~متعلق ms01982 به وقدم رعاية للفاصلة، وفي إفراد ضمير الرفع وجمع ضمير الجر
~~مراعاة للفظ  من  ومعناها، وفي العدول عن  ومن تولى فقد عصاه  الظاهر
~~في المقابلة إلى ما ذكر ما لا يخفى من المبالغة.

### || [4.81]

# { ويقولون } الضمير للمنافقين كما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما والحسن والسدي، وقيل: للمسلمين الذين حكى عنهم أنهم يخشون الناس
~~كخشية الله أي ويقولون إذا أمرتهم بشيء { طاعة } أي أمرنا وشأننا طاعة
~~على أنه خبر مبتدأ محذوف وجوبا، وتقدير طاعتك طاعة خلاف الظاهر أو عندنا
~~أو منا طاعة على أنه مبتدأ وخبره محذوف وكان أصله النصب كما يقول المحب:
~~سمعنا وطاعة لكنه يجوز في مثله الرفع  كما صرح به سيبويه  للدلالة على
~~أنه ثابت لهم قبل الجواب { فإذا برزوا من عندك } أي خرجوا من
~~مجلسك وفارقوك { بيت طائفة } أي جماعة { منهم } وهم رؤساؤهم،
~~والتبييت إما من البيتوتة لأنه تدبير الفعل / ليلا والعزم عليه، ومنه
~~تبييت نية الصيام ويقال: هذا أمر تبيت بليل، وإما من بيت الشعر لأن
~~الشاعر يدبره ويسويه، وإما من البيت المبني لأنه يسوى ويدبر، وفي هذا بعد
~~ وإن أثبته الراغب لغة  والمراد زورت وسوت { غير الذى تقول }
~~أي خلاف ما قلت لها أو ما قالت لك من القبول وضمان الطاعة، والعدول عن
~~الماضي لقصد الاستمرار، وإسناد الفعل إلى طائفة منهم لبيان أنهم المتصدون
~~له بالذات؛ والباقون أتباع لهم في ذلك لا لأنهم ثابتون على الطاعة،
~~وتذكيره أولا لأن تأنيث الفاعل غير حقيقي، وقرأ أبو عمرو وحمزة (بيت
~~طائفة) بالادغام لقربهما في المخرج، وذكر بعض المحققين أن الإدغام هنا
~~على خلاف الأصل والقياس، ولم تدغم تاء متحركة غير هذه { والله
~~يكتب ما يبيتون } أي يثبته في صحائفهم ليجازيهم عليه، أو فيما
~~يوحيه إليك فيطلعك على أسرارهم ويفضحهم  كما قال الزجاج  والقصد على
~~الأول: لتهديدهم، وعلى الثاني: لتحذيرهم { فأعرض عنهم } أي تجاف
~~عنهم ولا تتصد للانتقام منهم، أو قلل المبالاة بهم والفاء لسببية ما
~~قبلها لما بعدها { وتوكل على الله } أي فوض أمرك ms01983 إليه وثق به
~~في جميع أمورك لا سيما في شأنهم، وإظهار الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم
~~{ وكفى بالله وكيلا } قائما بما فوض إليه من التدبير فيكفيك
~~(مضرتهم) وينتقم لك منهم، والإظهار لما سبق للإيذان باستقلال الجملة
~~واستغنائها عما عداها من كل وجه.

### || [4.82]

# { أفلا يتدبرون القرءان } لعله جواب سؤال نشأ من جعل الله
~~تعالى شهيدا كأنه قيل: شهادة الله تعالى لا شبهة فيها ولكن من أين يعلم
~~أن ما ذكرته شهادة الله تعالى محكية عنه؟ فأجاب سبحانه بقوله: { أفلا
~~يتدبرون } وأصل التدبر التأمل في أدبار الأمور وعواقبها ثم استعمل
~~في كل تأمل سواء كان نظرا في حقيقة الشيء وأجزائه أو سوابقه وأسبابه أو
~~لواحقه وأعقابه، والفاء للعطف على مقدر أي  أيشكون في أن ما ذكر شهادة
~~الله تعالى فلا يتدبرون القرآن الذي جاء به هذا النبي صلى الله عليه
~~وسلم المشهود له ليعلموا كونه من عند الله فيكون حجة وأي حجة على المقصود
~~ وقيل: المعنى أيعرضون عن القرآن فلا يتأملون فيه ليعلموا كونه من عند
~~الله تعالى بمشاهدة ما فيه من الشواهد التي من جملتها هذا الوحي الصادق
~~والنص الناطق بنفاقهم المحكي على ما هو عليه.

# { ولو كان } أي القرآن. { من عند غير الله } كما يزعمون
~~{ لوجدوا فيه اختلفا كثيرا } بأن يكون بعض إخباراته
~~الغيبية كالإخبار عما يسره المنافقون غير مطابق للواقع لأن الغيب لا
~~يعلمه إلا الله تعالى فحيث اطرد الصدق فيه ولم يقع ذلك قط علم أنه
~~بإعلامه تعالى ومن عنده، وإلى هذا يشير كلام الأصم والزجاج، وفي رواية عن
~~ابن عباس أن المراد لوجدوا فيه تناقضا كثيرا، وذلك لأن كلام البشر إذا
~~طال لم يخل  بحكم العادة  من التناقض، وما يظن من الاختلاف كما في كثير
~~من الآيات، ومنه ما سبق آنفا ليس من الاختلاف عند المتدبرين، وقيل  وهو
~~مما لا بأس به خلافا لزاعمه  «المراد لكان الكثير منه مختلفا متناقضا
~~قد تفاوت نظمه وبلاغته فكان بعضه بالغا حد الإعجاز وبعضه قاصرا عنه
~~يمكن معارضته، وبعضه إخبارا ms01984 بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخبارا
~~مخالفا للمخبر عنه، وبعضه دالا على معنى صحيح عند علماء المعاني، وبعضه
~~دالا على معنى فاسد غير ملتئم فلما تجاوب كله بلاغة معجزة (فائقة) لقوى
~~البلغاء وتناصر صحة معان وصدق إخبار علم أنه ليس إلا من عند قادر على ما
~~لا يقدر عليه غيره عالم بما لا يعلمه سواه انتهى«.

# / وهو مبني على كون وجه الإعجاز عند علماء العربية كون القرآن في مرتبة
~~الأعلى من البلاغة، وكون المقصود من الآية إثبات القرآن كله وبعضه من
~~الله تعالى، وحينئذ لا يمكن وصف الاختلاف بالكثرة لأنه لا يكون الاختلاف
~~حينئذ إلا بأن يكون البعض منه معجزا والبعض غير معجز، وهو اختلاف واحد
~~فلذا جعل (وجدوا) متعديا إلى مفعولين أولهما: { كثيرا } ، وثانيهما:
~~{ اختلفا }  بمعنى مخلفا، وإليه يشير قوله: لكان الكثير منه
~~مختلفا وإنما جعل اللازم على تقدير كونه من عند غير الله تعالى كون
~~الكثير مختلفا مع أنه يلزم أن يكون الكل مختلفا اقتصارا على الأقل كما
~~في قوله تعالى:

# يصبكم بعض الذى يعدكم

# [غافر: 28] وهو من الكلام المنصف، وبهذا يندفع ما أورد من أن الكثرة صفة
~~الاختلاف والاختلاف صفة للكل في النظم، وقد جعل صفة الكثرة والكثرة صفة
~~الكثير، لأنا لا نسلم أن الكثرة صفة الاختلاف بل هما مفعولا { وجدوا
~~} وكذا ما أورد من أنه يفهم من قوله: لكان بعضه بالغا حد الإعجاز ثبوت
~~قدرة غيره تعالى على الكلام المعجز وهو باطل لأنا لا نسلم ذلك فإن
~~المقصود أن القرآن كلا وبعضا من الله تعالى أي البعض الذي وقع به
~~التحدي  وهو مقدار أقصر سورة منه ولو كان بعض من أبعاضه من غيره تعالى 
~~لوجدوا فيه الاختلاف المذكور، وهو أن لا يكون بعضه بالغا حد الإعجاز 
~~قاله بعض المحققين  وقال بعضهم: لا محيص عن الإيراد الأخير سوى أن يحمل
~~الكلام على الفرض والتقدير أي لو كان فيه مرتبة الإعجاز ففي البعض خاصة
~~على أن يكون ذلك القدر مأخوذا من كلام الله تعالى كما في الاقتباس ms01985 ونحوه
~~ إلا أنه لا يخفى بعده، وإلى تفسير الاختلاف بالتفاوت بلاغة وعدم بلاغة
~~ذهب أبو علي الجبائي إلى هذا ونقل عن الزمخشري أن في الآية فوائد: وجوب
~~النظر في الحجج والدلالات، وبطلان التقليد وبطلان قول من يقول: إن
~~المعارف الدينية ضرورية، والدلالة على صحة القياس، والدلالة على أن أفعال
~~العباد ليست بخلق الله تعالى لوجود التناقض فيها انتهى.

# ولا يخفى أن دلالتها على وجوب النظر في الجملة وبطلان التقليد للكل وقول
~~من يقول: إن المعارف الدينية كلها ضرورية، أما على صحة القياس على
~~المصطلح الأصولي فلا، وأما تقرير الأخير  على ما في «الكشف»  فلأن
~~اللازم كل مختلف من عند غير الله تعالى على قولهم: إن لو عكس لولا ولو
~~كان أفعال العباد من خلقه لكانت من عنده بالضرورة، وكذبت القضية أو بعض
~~المختلف من عند غير الله تعالى على ما حققه الشيخ ابن الحاجب، والمشهور
~~عند أهل الاستدلال فيكون بعض أفعال العباد غير مخلوقة له تعالى ويكفي ذلك
~~في الاستدلال إذ لا قائل بالفرق بين بعض وبعض إذا كان اختياريا، وأجاب
~~فيه بأن اللازم كل مختلف هو قرآن من عند غير الله تعالى على الأول،
~~وحينئذ لا يتم الاستدلال، وذكر أن معنى { ولو كان من عند غير
~~الله } تعالى عند الجماعة ولو كان قائما بغيره تعالى ولا مدخل للخلق
~~في هذه الملازمة، وأنت تعلم أنه غير ظاهر الإرادة هنا وكذا استدل بالآية
~~على فساد قول من زعم: إن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول صلى
~~الله عليه وسلم أو الإمام المعصوم  كما قال بعض الشيعة .

### || [4.83]

# { وإذا جآءهم } أي المنافقين  كما روي عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما والضحاك وأبي معاذ  أو ضعفاء المسلمين  كما روي عن الحسن
~~وذهب إليه غالب المفسرين  أو الطائفتين كما نقله ابن عطية  { أمر
~~من الأمن أو الخوف } أي مما يوجب الأمن والخوف { أذاعوا
~~به } أي أفشوه، والباء مزيدة، وفي «الكشاف» «يقال: أذاع السر وأذاع به،
~~ويجوز أن يكون المعنى فعلوا به الإذاعة ms01986 وهو / أبلغ من أذاعوه» لدلالته
~~على أنه يفعل نفس الحقيقة كما في نحو  فلان يعطي ويمنع  ولما فيه من
~~الإبهام والتفسير وقيل: الباء لتضمن الإذاعة معنى التحديث وجعلها بمعنى
~~مع والضمير للمجيء مما لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى الجليل عليه.
~~والكلام مسوق لبيان جناية أخرى من جنايات المنافقين، أو لبيان جناية
~~الضعفاء إثر بيان جناية المنافقين وذلك أنه إذا غزت سرية من المسلمين خبر
~~الناس عنها فقالوا: أصاب المسلمون من عدوهم كذا وكذا، وأصاب العدو من
~~المسلمين كذا وكذا فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبي صلى الله عليه
~~وسلم هو الذي يخبرهم به، ولا يكاد يخلو ذلك عن مفسدة، وقيل: كانوا يقفون
~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على
~~بعض الأعداء، أو على خوف فيذيعونه فينشر فيبلغ الأعداء فتعود الإذاعة
~~مفسدة، وقيل: الضعفاء يسمعون من أفواه المنافقين شيئا من الخبر عن
~~السرايا مظنون غير معلوم الصحة فيذيعونه قبل أن يحققوه فيعود ذلك وبالا
~~على المؤمنين، وفيه إنكار على من يحدث بالشيء قبل تحقيقه، وقد أخرج مسلم
~~عن أبي هريرة مرفوعا

# " كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع "

# والجملة عند صاحب «الكشف» معطوفة على قوله تعالى:

# ويقولون طاعة

# [النساء: 81]، وقوله سبحانه:

# أفلا يتدبرون

# [النساء: 82] اعتراض تحذيرا لهم عن الإضمار لما يخالف الظاهر، فإن في
~~تدبر القرآن جارا إلى طاعة المنزل عليه أي جار، وقيل: الكلام مسوق لدفع
~~ما عسى أن يتوهم في بعض المواد من شائبة الاختلاف بناءا على عدم فهم
~~المراد ببيان أن ذلك لعدم وقوفهم على معنى الكلام لا لتخلف مدلوله عنه،
~~وذلك أن ناسا من ضعفة المسلمين الذين لا خبرة لهم بالأحوال كانوا إذا
~~أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بما أوحي إليه من وعد بالظفر أو تخويف
~~من الكفرة يذيعونه من غير فهم لمعناه ولا ضبط لفحواه على حسب ما كانوا
~~يفهمونه ويحملونه عليه من المحامل، وعلى تقدير الفهم قد يكون ذلك مشروطا
~~بأمور تفوت بالإذاعة فلا ms01987 يظهر أثره المتوقع فيكون ذلك منشأ لتوهم
~~الاختلاف  ولا يخلو عن حسن  غير أن روايات السلف على خلافه، وأيا ما
~~كان فقد نعى الله تعالى ذلك عليهم.

# وقال سبحانه: { ولو ردوه } أي ذلك الأمر الذي جاءهم { إلى
~~الرسول } صلى الله عليه وسلم { وإلى أولى الأمر منهم }
~~وهم كبائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم البصراء في الأمور، وهو الذي ذهب
~~إليه الحسن وقتادة وخلق كثير. وقال السدي وابن زيد وأبو علي الجبائي:
~~المراد بهم أمراء السرايا والولاة، وعلى الأول: المعول { لعلمه } أي
~~لعلم تدبير ذلك الأمر الذي أخبروا به { الذين يستنبطونه
~~منهم } أي يستخرجون تدبيره بفطنتهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب
~~ومكايده، أو لو ردوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن ذكر، وفوضوه
~~إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا لعلم الذي يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما
~~يأتون وما يذرون، أو: لو ردوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى كبار
~~أصحابه رضي الله تعالى عنهم وقالوا نسكت حتى نسمعه منهم ونعلمه هل مما
~~يذاع أو لا يذاع لعلم صحته، وهل هو مما يذاع أو لا هؤلاء المذيعون وهم
~~الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر أي يتلقونه منهم ويستخرجون علمه
~~من جهتهم، أو لو عرضوه على رأيه عليه الصلاة والسلام مستكشفين لمعناه وما
~~ينبغي له من التدبير، وإلى أجلة صحبه رضي الله تعالى عنهم لعلم الرادون
~~معناه وتدبيره وهم الذين يستنبطونه ويستخرجون علمه وتدبيره من جهة الرسول
~~عليه الصلاة والسلام، ومن تشرف بالعطف عليه، والتعبير بالرسالة لما أنها
~~من موجبات الرد. وكلمة  من  إما ابتدائية والظرف لغو متعلق بيستنبطونه،
~~وإما تبعيضية أو بيانية تجريدية والظرف حال، ووضع / الموصول موضع الضمير
~~في الاحتمالين الأخيرين للإيذان بأنه ينبغي أن يكون القصد بالرد استكشاف
~~المعنى واستيضاح الفحوى، والاستنباط في الأصل استخراج الشيء من مأخذه 
~~كالماء من البئر والجوهر من المعدن  ويقال للمستخرج: نبط بالتحريك ثم
~~تجوز به فأطلق على كل أخذ وتلق.

# { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } خطاب للطائفة
~~المذكورة آنفا بناءا على أنهم ضعفة المؤمنين ms01988 على طريقة الالتفات،
~~والمراد من الفضل والرحمة شيء واحد أي لولا فضله سبحانه عليكم ورحمته
~~بإرشادكم إلى سبيل الرشاد الذي هو الرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم
~~وإلى أولي الأمر { لاتبعتم الشيطن } وعملتم بآرائكم
~~الضعيفة، أو أخذتم بآراء المنافقين فيما تأتون وتذرون ولم تهتدوا إلى
~~(صوب) الصواب { إلا قليلا } وهم أولو الأمر المستنيرة عقولهم
~~بأنوار الإيمان الراسخ، الواقفون على الأسرار الراسخون في معرفة الأحكام
~~بواسطة الاقتباس من مشكاة النبوة، فالاستثناء منقطع أو الخطاب للناس أي:
~~ولولا فضل الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم ورحمته بإنزال القرآن 
~~كما فسرهما بذلك السدي والضحاك  وهو اختيار الجبائي، ولا يبعد العكس
~~لاتبعتم كلكم الشيطان وبقيتم على الكفر والضلالة إلا قليلا منكم قد تفضل
~~عليه بعقل راجح فاهتدى به إلى طريق الحق، وسلم من مهاوي الضلالة وعصم من
~~متابعة الشيطان من غير إرسال الرسول عليه الصلاة والسلام وإنزال الكتاب 
~~كقس بن ساعدة الأيادي وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وأضرابهم 
~~فالاستثناء متصل، وإلى ذلك ذهب الأنباري.

# وقال أبو مسلم: المراد بفضل الله تعالى ورحمته النصرة والمعونة مرة بعد
~~أخرى، والمعنى لولا حصول النصر والظفر لكم على سبيل التتابع لاتبعتم
~~الشيطان فيما يلقي إليكم من الوساوس والخواطر الفاسدة المؤدية إلى الجبن
~~والفشل والركون إلى الضلال وترك الدين إلا قليلا وهم أهل البصائر
~~النافذة، والعزائم المتمكنة والنيات الخالصة من أفاضل المؤمنين الذين
~~يعلمون أنه ليس من شرط كون الدين حقا حصول الدولة في الدنيا، أو باطلا
~~حصول الانكسار والانهزام، بل مدار الأمر في كونه حقا وباطلا على
~~الدليل، ولا يرد أنه يلزم من جعل الاستثناء من الجملة التي وليها جواز أن
~~ينتقل الإنسان من الكفر إلى الايمان، ومن اتباع الشيطان إلى عصيانه
~~وخزيه، وليس لله تعالى عليه في ذلك فضل ومعاذ الله تعالى أن يعتقد هذا
~~مسلم موحد سنيا كان أو معتزليا، وذلك لأن لولا حرف امتناع لوجود، وقد
~~أنبأت أن امتناع اتباع المؤمنين للشيطان في الكفر وغيره إنما كان بوجود
~~فضل الله ms01989 تعالى عليهم، فالفضل هو السبب المانع من اتباع الشيطان فإذا جعل
~~الاستثناء مما ذكر فقد سلبت تأثير فضل الله تعالى في امتناع الاتباع عن
~~البعض المستثنى ضرورة، وجعلهم مستبدين بالإيمان وعصيان الشيطان الداعي
~~إلى الكفر بأنفسهم لا بفضل الله تعالى، ألا تراك إذا قلت لمن تذكره بحقك
~~عليه: لولا مساعدتي لك لسلبت أموالك إلا قليلا كيف لم تجعل لمساعدتك
~~أثرا في بقاء القليل للمخاطب، وإنما مننت عليه في تأثير مساعدتك في بقاء
~~أكثر ماله لا في كله، لأنا نقول هذا إذا عم الفضل لا إذا خص كما أشرنا
~~إليه لأن عدم الاتباع إذا لم يكن بهذا الفضل المخصوص لا ينافي أن يكون
~~بفضل آخر، نعم ظاهر عبارة «الكشاف» في هذا المقام مشكل حيث جعل الاستثناء
~~من الجملة الأخيرة، وزاد التوفيق في البيان، ويمكن أن يقال أيضا: أراد
~~به توفيقا خاصا نشأ مما قبله، وهذا أولى من الإطلاق ودفع الإشكال بأن
~~عدم الفضل والرحمة على الجميع لا يلزم منه العدم على / البعض لما فيه من
~~التكلف، وذهب بعضهم للتخلص من الإيراد إلى أن الاستثناء من قوله تعالى: {
~~أذاعوا به } ، وروي ذلك عن ابن عباس  وهو اختيار المبرد والكسائي
~~والفراء والبلخي والطبري  واتخذ القاضي أبو بكر الآية دليلا في الرد
~~على من جزم بعود الاستثناء عند تعدد الجمل إلى الأخيرة.

# وعن بعض أهل اللغة أن الاستثناء من قوله سبحانه:

# لوجدوا فيه اختلفا كثيرا

# [النساء: 82] وعن أكثرهم أنه من قوله تعالى: { لعلمه الذين
~~يستنبطونه } واعترضه الفراء والمبرد بأن ما يعلم بالاستنباط
~~فالأقل يعلمه والأكثر يجهله، وصرف الاستثناء إلى ما ذكروه يقتضي ضد ذلك،
~~وتعقب ذلك الزجاج بأنه غلط لأنه لا يراد بهذا الاستنباط ما يستخرج بنظر
~~دقيق وفكر غامض إنما هو استنباط خبر؛ وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه
~~ولا يجهله إلا البالغ في البلادة  وفيه نظر  وبعضهم إلى جعل الاستثناء
~~مفرغا من المصدر فما بعد { إلا } منصوب على أنه مفعول مطلق أي
~~لاتبعتموه كل اتباع إلا اتباعا قليلا بأن تبقوا على إجراء الكفر ms01990 وآثاره
~~إلا البقاء القليل النادر بالنسبة إلى البعض، وذلك قد يكون بمجرد الطبع
~~والعادة، وأحسن الوجوه وأقربها إلى التحقيق عند الإمام ما ذكره أبو مسلم،
~~وأيد التخصيص فيما ذهب إليه الأنباري بأن قوله تعالى:

# ومن يطع الرسول

# [النساء: 80] الخ، وقوله سبحانه:

# أفلا يتدبرون القرءان

# [النساء: 82] يشهدان له، وفي الذي بعده بأن قوله عز وجل: { وإذا
~~جاءهم أمر من الأمن أو الخوف } الخ وقوله جل وعلا: {
~~فقتل في سبيل الله... }.

### || [4.84]

# { فقتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك } يشهد
~~له وأنت تعلم أن قرينة التخصيص بهما غير ظاهرة، والفاء في هذه الآية
~~واقعة في جواب شرط محذوف ينساق إليه النظم الكريم أي إذا كان الأمر كما
~~حكى من عدم طاعة المنافقين وتقصير الآخرين في مراعاة أحكام الإسلام فقاتل
~~أنت وحدك غير مكترث بما فعلوا. ونقل الطبرسي في اتصال الآية قولين:
~~أحدهما: أنها متصلة بقوله تعالى:

# ومن يقتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف
~~نؤتيه أجرا عظيما

# [النساء: 74] والمعنى فإن أردت الأجر العظيم فقاتل، ونقل عن الزجاج،
~~وثانيهما: أنها متصلة بقوله عز وجل:

# وما لكم لا تقتلون فى سبيل الله

# [النساء: 75] والمعنى إن لم يقاتلوا في سبيل الله فقاتل أنت وحدك، وقيل:
~~هي متصلة بقوله تعالى:

# فقتلوا أولياء الشيطن

# [النساء: 76] ومعنى { لا تكلف إلا نفسك } لا تكلف إلا
~~فعلها إذ لا تكليف بالذوات، وهو استثناء مقرر لما قبله فإن اختصاص تكليفه
~~عليه الصلاة والسلام بفعل نفسه من موجبات مباشرته صلى الله عليه وسلم
~~للقتال وحده، وفيه دلالة على أن ما فعلوه من التثبيط والتقاعد لا يضره
~~صلى الله عليه وسلم ولا يؤاخذ به، وذهب بعض المحققين إلى أن الكلام مجاز
~~أو كناية عن ذلك فلا يرد أنه مأمور بتكليف الناس، فكيف هذا ولا حاجة إلى
~~ما قيل، بل في ثبوته فقال: إنه عليه الصلاة والسلام كان مأمورا بأن
~~يقاتل وحده أولا، ولهذا قال الصديق رضي الله تعالى عنه في أهل الردة:
~~أقاتلهم وحدي ولو خالفتني يميني لقاتلتها بشمالي، وجعل أبو ms01991 البقاء هذه
~~الجملة في موضع الحال من فاعل  قاتل  أي فقاتل غير مكلف إلا نفسك،
~~وقرىء { لا تكلف } بالجزم على أن لا ناهية والفعل مجزوم بها أي لا
~~تكلف أحدا الخروج إلا نفسك، وقيل: هو مجزوم في جواب الأمر وهو بعيد، و
~~(لا نكلف) بالنون على بناء الفاعل فنفسك مفعول ثان بتقدير مضاف، وليس في
~~موقع المفعول الأول أي لا نكلفك إلا فعل نفسك لا أنا لا نكلف أحدا إلا
~~نفسك، وقيل: لا مانع من ذلك على معنى لا نكلف أحدا هذا التكليف إلا
~~نفسك. والمراد من هذا التكليف مقاتلته وحده.

# { وحرض المؤمنين } أي حثهم على القتال ورغبهم فيه وعظهم / لما
~~أنهم آثمون بالتخلف لفرضه عليهم قبل هذا بسنين، وأصل التحريض إزالة الحرض
~~وهو ما لا خير فيه ولا يعتد به، فالتفعيل للسلب والإزالة  كقذيته،
~~وجلدته  ولم يذكر المحرض عليه لغاية ظهوره.

# { عسى الله أن يكف بأس } نكاية { الذين كفروا }
~~ومنهم قريش وعسى من الله تعالى  كما قال الحسن وغيره  تحقيق، وقد فعل
~~سبحانه ما وعد به، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما واعد صلى الله عليه
~~وسلم أبا سفيان بعد حرب أحد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ
~~الميعاد دعا الناس إلى الخروج فكرهه بعضهم فنزلت فخرج رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم مع جماعة من أصحابه رضي الله تعالى عنهم حتى أتى موسم بدر
~~فكفاهم الله سبحانه بأس العدو ولم يوافقهم أبو سفيان، وألقى الله تعالى
~~الرعب في قلبه، ولم يكن قتال يومئذ وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~بمن معه سالمين { والله أشد بأسا } من الذين كفروا {
~~وأشد تنكيلا } أي تعذيبا، وأصله التعذيب بالنكل وهو القيد فعمم،
~~والمقصود من الجملة التهديد والتشجيع، وإظهار الاسم الجليل لتربية
~~المهابة، وتعليل الحكم وتقوية استقلال الجملة، (وتكرير) الخبر لتأكيد
~~التشديد.

# وقوله تعالى: { من يشفع شفاعة حسنة.... }

### || [4.85]

# { من يشفع شفعة حسنة يكن له نصيب } أي حظ وافر
~~{ منها } أي من ثوابها، جملة مستأنفة سيقت لبيان أن له ms01992 عليه الصلاة
~~والسلام فيما أمر به من تحريض المؤمنين حظا موفورا من الثواب، وبه
~~ترتبط الآية بما قبلها كما قال القاضي. وقال علي بن عيسى: إنه سبحانه لما
~~قال:

# لا تكلف إلا نفسك

# [النساء: 84] مشيرا به إلى أنه عليه الصلاة والسلام غير مؤاخذ بفعل
~~غيره كان مظنة لتوهم أنه كما لا يؤاخذ بفعل غيره لا يزيد عمله بعمل غيره
~~أيضا فدفع ما عسى أن يتوهم بذلك، وليس بشيء كما لا يخفى، و  الشفاعة 
~~هي التوسط بالقول في وصول الشخص ولو كان أعلى قدرا من الشفيع إلى منفعة
~~من المنافع الدنيوية أو الأخروية، أو خلاصه عن مضرة ما كذلك من الشفع ضد
~~الوتر كأن المشفوع له كان وترا فجعله الشفيع شفعا، ومنه الشفيع في
~~الملك لأنه يضم ملك غيره إلى نفسه أو يضم نفسه إلى من يشتريه ويطلبه منه،
~~و  الحسنة  منها ما كانت في أمر مشروع روعي بها حق مسلم ابتغاءا لوجه
~~الله تعالى، ومنها الدعاء للمسلمين فإنه شفاعة معنى عند الله تعالى، روى
~~مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم:

# " من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال الملك: ولك مثل ذلك "

# ، وفيه بيان لمقدار النصيب الموعود ولا أرى حسنا إطلاق الشفاعة على
~~الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم بل لا أكاد أسوغه، وإن كانت فيه منفعة
~~له صلى الله عليه وسلم كما أن فيه منفعة لنا على الصحيح.

# وتفسيرها بالدعاء  كما نقل عن الجبائي  أو بالصلح بين إثنين  كما روى
~~الكلبي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  لعله من باب التمثيل لا
~~التخصيص، وكون التحريض الذي فعله صلى الله عليه وسلم من باب الشفاعة ظاهر
~~فإن المؤمنين تخلصوا بذلك من مضرة التثبط وتعيير العدو، واحتمال الذل
~~وفازوا بالأجر الجزيل المخبوء لهم يوم القيامة؛ وربحوا أموالا جسيمة
~~بسبب ذلك، فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام لما وافى بجيشه بدرا ولم ير
~~بها أحدا من العدو أقام ثماني ليال وكان معهم تجارات فباعوها وأصابوا
~~خيرا كثيرا، ومن ms01993 الناس من فسر الشفاعة هنا بأن يصير الإنسان شفع صاحبه
~~في طاعة أو معصية، والحسنة منها ما كان في طاعة، فالجملة مسوقة للترغيب
~~في الجهاد والترهيب عن التخلف والتقاعد، وأمر الارتباط عليه ظاهر ولا بأس
~~به غير أن الجمهور على خلافه.

# / { ومن يشفع شفعة سيئة } وهي ما كانت بخلاف الحسنة،
~~ومنها الشفاعة في حد من حدود الله تعالى ففي الخبر: «من حالت شفاعته دون
~~حد من حدود الله تعالى فقد ضاد الله تعالى في ملكه ومن أعان على خصومة
~~بغير علم كان في سخط الله تعالى حتى ينزع» واستثني من الحدود القصاص،
~~فالشفاعة في إسقاطه إلى الدية غير محرمة { يكن له كفل منها
~~} أي نصيب من وزرها، وبذلك فسره السدي والربيع وابن زيد وكثير من أهل
~~اللغة، فالتعبير بالنصيب في الشفاعة الحسنة، وبالكفل في الشفاعة السيئة
~~للتفنن، وفرق بينهما بعض المحققين بأن النصيب يشمل الزيادة، والكفل هو
~~المثل المساوي، فاختيار النصيب أولا لأن جزاء الحسنة يضاعف؛ والكفل
~~ثانيا لأن من جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها، ففي الآية إشارة إلى لطف
~~الله تعالى بعباده، وقال بعضهم: إن الكفل وإن كان بمعنى النصيب إلا أنه
~~غلب في الشر وندر في غيره كقوله تعالى:

# يؤتكم كفلين من رحمته

# [الحديد: 28] فلذا خص بالسيئة تطرية وهربا من التكرار { وكان
~~الله على كل شىء مقيتا } أي مقتدرا  كما قاله ابن عباس
~~ حين سأله عنه نافع بن الأزرق واستشهد عليه بقول أحيحة الأنصاري:

# وذي ضغن كففت النفس عنه

# وكنت على مساءته (مقيتا)

# وروي ذلك عن جماعة من التابعين، وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أنه الحفيظ واشتقاقه من القوت، فإنه يقوي البدن ويحفظه، وعن
~~الجبائي أنه المجازي أي يجازي على كل شيء من الحسنات والسيئات، وأصله
~~مقوت فأعل كمقيم؛ والجملة تذييل مقرر لما قبلها على سائر التفاسير.

### || [4.86]

# { وإذا حييتم بتحية } ترغيب كما قال شيخ الإسلام: في فرد
~~شائع من [أفراد] الشفاعة الحسنة إثر ما رغب فيها على الإطلاق وحذر عما
~~يقابلها ms01994 من الشفاعة السيئة، فإن تحية الإسلام من المسلم شفاعة منه لأخيه
~~عند الله عز وجل، وهذا أولى في الارتباط مما قاله الطبرسي: «إنه لما كان
~~المراد بالسلام المسالمة التي هي ضد الحرب  وقد تقدم ذكر القتال  عقبه
~~به للإشارة إلى الكف عمن ألقى إلى المؤمنين السلم وحياهم بتحية الإسلام»،
~~والتحية مصدر حيي أصلها تحيية  [كتتمية]، وتزكية  وأصل الأصل تحيي
~~بثلاث ياءات فحذفت الأخيرة وعوض عنها هاء التأنيث ونقلت حركة الياء
~~الأولى إلى ما قبلها، ثم أدغمت وهي في الأصل كما قال الراغب: الدعاء
~~بالحياة وطولها، ثم استعملت في كل دعاء، وكانت العرب إذا لقي بعضهم بعضا
~~تقول: حياك الله تعالى، ثم استعملها الشرع في السلام، وهو تحية الإسلام
~~قال الله تعالى:

# تحيتهم يوم يلقونه سلم

# [الأحزاب: 44] وقال سبحانه:

# فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله

# [النور: 61]، وفيه على ما قالوا: مزية على قولهم: حياك الله تعالى لما
~~أنه دعاء بالسلامة عن الآفات، وربما تستلزم طول الحياة، وليس في ذلك سوى
~~الدعاء بطول الحياة أو به وبالملك، ورب حياة الموت خير منها.

# ألا موت يباع فأشتريه

# فهذا العيش ما لا خير فيه

# ألا رحم المهيمن نفس حر

# تصدق بالممات على أخيه

# وقال آخر:

# ليس من مات فاستراح بميت

# إنما الميت ميت الأحياء

# إنما الميت من يعيش كئيبا

# كاسفا باله قليل الرجاء

# ولأن السلام من أسمائه تعالى والبداءة بذكره مما لا ريب في فضله ومزيته
~~أي إذا سلم عليكم من جهة المؤمنين / كما قال الحسن وعطاء، أو مطلقا كما
~~أخرج ابن أبي شيبة والبخاري في «الأدب» وغيرهما عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما.

# { فحيوا بأحسن منها } أي بتحية أحسن من التحية التي حييتم
~~بها بأن تقولوا وعليكم السلام ورحمة الله تعالى إن اقتصر المسلم على
~~الأول، وبأن تزيدوا وبركاته إن جمعهما المسلم وهي النهاية، فقد أخرج
~~البيهقي عن عروة بن الزبير  أن رجلا سلم عليه فقال: السلام عليكم ورحمة
~~الله تعالى وبركاته فقال عروة: ما ترك لنا فضلا إن السلام قد ms01995 انتهى إلى
~~وبركاته  وفي معناه ما أخرجه الإمام أحمد والطبراني عن سلمان الفارسي
~~مرفوعا وذلك لانتظام تلك التحية لجميع فنون المطالب التي هي السلامة عن
~~المضار، ونيل المنافع ودوامها ونمائها، وقيل: يزيد المحيي إذا جمع
~~المحيي الثلاثة له، فقد أخرج البخاري في «الأدب المفرد» عن سالم مولى
~~عبد الله بن عمر قال: كان ابن عمر إذا سلم عليه فرد زاد فأتيته فقلت:
~~السلام عليكم فقال: السلام عليكم ورحمة الله تعالى، ثم أتيته مرة أخرى
~~فقلت: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، فقال: السلام عليكم ورحمة
~~الله تعالى وبركاته وطيب صلواته، ولا يتعين ما ذكر للزيادة، فقد ورد خبر
~~رواه أبو داود والبيهقي عن معاذ زيادة ومغفرته، فما في «الدر» من أن
~~المراد لا يزيد على  وبركاته  غير مجمع عليه.

# { أو ردوها } أي حيوا بمثلها؛ و { أو } للتخيير بين الزيادة
~~وتركها، والظاهر أن الأول هو الأفضل في الجواب، بل لو زاد المسلم على
~~السلام عليكم كان أفضل، فقد أخرج البيهقي عن سهل بن حنيف قال: «قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم:

# " من قال: السلام عليكم كتب الله تعالى له عشر حسنات فإن قال السلام
~~عليكم ورحمة الله تعالى كتب الله تعالى له عشرين حسنة، فإن قال: السلام
~~عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته كتب الله تعالى له ثلاثين حسنة "

# وورد في معناه غير ما خبر. «وقد نصوا على أن جواب  السلام  المسنون
~~واجب، ووجوبه على الكفاية، ولا يؤثر فيه إسقاط المسلم [لحقه] لأن الحق
~~لله تعالى، ودليل الوجوب الكفائي خبر أبي داود، وفي معناه ما أخرجه
~~البيهقي عن زيد بن أسلم ولم يضعفه  «يجزىء عن الجماعة إذا مروا أن يسلم
~~أحدهم، ويجزي عن الجلوس أن يرد أحدهم» فبه يسقط الوجوب عن الباقين
~~(ويختص بالثواب) فلو ردوا كلهم ولو مرتبا أثيبوا ثواب الواجب» وفي
~~«المبتغى» يسقط عن الباقين برد صبي يعقل لأنه من أهل إقامة الفرض في
~~الجملة بدليل حل ذبيحته، وقيل: لا، وظاهر «النهاية» ترجيحه  وعليه
~~الشافعية  قالوا: «ولو رد صبي ms01996 أو [من] لم يسمع منهم لم يسقط بخلاف
~~نظيره في الجنازة لأن القصد ثم الدعاء، وهو منه أقرب للإجابة، وهنا
~~الأمن، وهو ليس من أهله وقضيته أنه يجزىء تشميت الصبي عن جمع لأن القصد
~~التبرك والدعاء  كصلاة الجنازة»  ويسقط برد العجوز. وفي رد الشابة
~~قولان عندنا، وعند الشافعية لو ردت امرأة عن رجل أجزأ إن شرع السلام
~~عليها وعليه فلا يختص بالعجوز بل المحرم وأمة الرجل وزوجته كذلك، وفي
~~«تحفتهم» ويدخل في المسنون سلام امرأة على امرأة أو نحو محرم أو سيد أو
~~زوج، وكذا على أجنبي وهي عجوز لا تشتهى، ويلزمها في هذه الصورة رد سلام
~~الرجل، أما مشتهاة ليس معها امرأة أخرى فيحرم عليها رد سلام أجنبي،
~~ومثله ابتداءه، ويكره له رد سلامها ومثله ابتداءه أيضا، والفرق أن
~~ردها وابتداءها يطمعه فيها أكثر بخلاف ابتدائه ورده؛ والخنثى مع رجل
~~كامرأة ومع امرأة كرجل في النظر فكذا هنا، ولو سلم على جمع نسوة وجب رد
~~إحداهن إذ لا يخشى فتنة حينئذ، ومن ثم حلت الخلوة بامرأتين، والظاهر
~~أن الأمرد هنا كالرجل ابتداءا وردا، وفي «الدر المختار» لو قال: /
~~السلام عليك يا زيد لم يسقط برد غيره، ولو قال: يا فلان أو أشار لمعين
~~سقط، ولو سلم جمع مترتبون على واحد فرد مرة قاصدا جميعهم، وكذا لو أطلق
~~على الأوجه أجزأه ما لم يحصل فصل ضار، ولا بد في الابتداء والرد من رفع
~~الصوت بقدر ما يحصل به السماع بالفعل ولو في ثقيل السمع، نعم إن مر عليه
~~سريعا بحيث لم يبلغه صوته فالذي يظهر أنه يلزمه الرفع وسعه، ولا يجهر
~~بالرد الجهر الكثير، والمروي عن الإمام رضي الله تعالى عنه لعله مقيد
~~بغير هذه الصورة دون العدو خلفه، واستظهر أنه لا بد من سماع جميع الصيغة
~~ابتداءا وردا، والفرق بينه وبين إجابة أذان سمع بعضه ظاهر، ولو سلم
~~يهودي أو نصراني أو مجوسي فلا بأس بالرد، ولكن لا يزيد في الجواب على
~~قوله: وعليك كما في «الخانية»، وروي ذلك ms01997 مرفوعا في «الصحيح»، ولا يسلم
~~ابتداءا على كافر لقوله عليه الصلاة والسلام:

# " لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه
~~إلى أضيقه "

# رواه البخاري؛ وأوجب بعض الشافعية رد سلام الذمي بعليك فقط، وهو الذي
~~يقتضيه كلام «الروضة» لكن قال البلقيني والأذرعي والزركشي: إنه يسن ولا
~~يجب، وعن الحسن يجوز أن يقال للكافر: وعليك السلام، ولا يقل رحمة الله
~~تعالى فإنها استغفار، وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه ذلك  فقيل
~~له فيه فقال: أليس في رحمة الله تعالى يعيش. وأخرج ابن المنذر من طريق
~~يونس بن عبيد عن الحسن أنه قال في الآية: إن  حيوا بأحسن منها 
~~للمسلمين أو ردوها لأهل الكتاب، وورد مثله عن قتادة، ورخص بعض العلماء
~~ابتداءهم به إذا دعت إليه داعية ويؤدي حينئذ بالسلام، فعن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أنه كان يقول للذمي  والظاهر عند الحاجة  السلام عليك
~~ويريد  كما قال الله تعالى عليك  أي هو عدوك، ولا مانع عندي إن لم يقصد
~~ذلك من أن يقصد الدعاء له بالسلامة بمعنى البقاء حيا ليسلم أو يعطي
~~الجزية ذليلا، وفي «الأشباه» النص على ذلك في الدعاء له بطول البقاء،
~~بقي الخلاف في الاتيان بالواو عند الرد له، وعامة المحدثين  كما قال
~~الخطابي  بإثباتها في الخبر غير سفيان بن عيينة فإنه يرويه بغير واو،
~~واستصوب لأن الواو تقتضي الاشتراك معه، والدخول فيما قال، وهو قد يقول
~~السام عليكم كما يدل عليه خبر عمر رضي الله تعالى عنه، ووجه العلامة
~~الطيبي إثباتها بأن مدخولها قد يقطع عما عطف عليه لإفادة العموم بحسب
~~اقتضاء المقام فيقدر هنا عليكم اللعنة، أو الغضب، وعليكم ما قلتم، ولا
~~يخفى خفاء ذلك، وإن أيده بما ظنه شيئا فالأولى ما في «الكشف» من أن
~~رواية الجمهور هو الصواب وهما مشتركان في أنهما على سبيل الدعاء.

# ولكن يستجاب دعاء المسلم على الكافر ولا يستجاب دعاؤه عليه، فقد جاء في
~~«الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم

# " لما قالت عائشة في رهط ms01998 اليهود القائلين له عليه الصلاة والسلام:
~~«السام عليك، بل عليكم السام واللعنة، أنه صلى الله عليه وسلم قال: لا
~~تكوني فاحشة، قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟! قال: رددت عليهم فيستجاب لي
~~فيهم ولا يستجاب لهم في "

# ويجب في الرد على الأصم الجمع بين اللفظ والإشارة ليعلم، بل العلم هو
~~المدار، ولا يلزمه الرد إلا إن جمع له المسلم عليه بينهما، وتكفي إشارة
~~الأخرس ابتداءا وردا ويجب رد جواب كتاب التحية كرد السلام. وعند
~~الشافعية يكفي جوابه كتابة ويجب فيها  إن لم يرد لفظا  الفور فيما
~~يظهر، ويحتمل خلافه، ولو قال لآخر: أقرىء فلانا السلام يجب عليه أن
~~يبلغه وعللوه بأن ذلك أمانة ويجب أداؤهما، ويؤخذ منه أن محله ما إذا رضي
~~بتحمل تلك الأمانة أما لو ردها فلا، وكذا إن سكت أخذا من قولهم: لا ينسب
~~لساكت قول، / ويحتمل التفصيل بين أن تظهر منه قرينة تدل على الرضا وعدمه،
~~وإذا قلنا بالوجوب، فالظاهر عند بعض أنه لا يلزمه قصد الموصي له بل إذا
~~اجتمع به وذكر بلغه، وقال بعض المحققين الذي يتجه أنه يلزمه قصد محله حيث
~~لا مشقة شديدة عرفا عليه لأن أداء الأمانة ما أمكن واجب، وفرق بعضهم بين
~~أن يقول المرسل: قل له فلان يقول: السلام عليك وبين ما لو قال له سلم لي،
~~والظاهر عدم الفرق وفاقا لما نقل عن النووي فيجب فيهما الرد ويسن الرد
~~على المبلغ والبداءة فيقول: وعليك وعليه السلام للخبر المشهور فيه.

# وأوجبوا رد سلام صبي أو مجنون مميز، وكذا سكران مميز لم يعص بسكره،
~~وقول «المجموع»: لا يجب رد سلام مجنون وسكران يحمل على غير المميز وزعم
~~أن الجنون والسكر ينافيان التمييز غفلة عما صرحوا به من عدم التنافي، ولا
~~يجب رد سلام فاسق أو مبتدع زجرا له أو لغيره، وإن شرع سلامه، وكذا لا
~~يجب رد سلام السائل لأنه ليس للتحية بل لأجل أن يعطى، ولا رد سلام
~~المتحلل من الصلاة إذا نوى الحاضر عنده على الأوجه لأن المهم ms01999 له التحلل
~~وقصد الحاضر به لتعود عليه بركته وذلك حاصل وإن لم يرد، وإنما حنث به
~~الحالف على ترك الكلام والسلام لأن المدار فيهما على صدق الاسم لا غير،
~~وقد نص على ذلك علماء الشافعية ولم أر لأصحابنا سوى التصريح بالحنث فيمن
~~حلف لا يكلم زيدا فسلم على جماعة هو فيهم، وأما التصريح بهذه المسألة
~~فلم أره، وصرح في «الضياء» بعدم وجوب الرد لو قال المسلم: السلام عليكم
~~بجزم الميم، وكأنه على ما في «تحفتنا» لمخالفة السنة، وعليه لو رفع الميم
~~بلا تنوين ولا تعريف كان كجزم الميم في عدم وجوب الرد لمخالفته السنة
~~أيضا.

# وجزم غير واحد من الشافعية أن صيغة السلام ابتداءا وجوابا عليك السلام
~~وعكسه، وأنه يجوز تنكير لفظه وإن حذف التنوين، وأنه يجزىء سلاما عليكم،
~~وكذا سلام الله تعالى، بل وسلامي عليك وعكسه، واستظهر إجزاء سلمت عليك،
~~وأنا مسلم عليك، ونحو ذلك أخذا مما ذكروه أنه يجزىء في التشهد صلى الله
~~تعالى على محمد والصلاة على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ونحوهما، ولا
~~بأس فيما قالوه عندي، ولعل تفسير تحية في الآية لتشمل كل هذه الصيغ، وقال
~~بعض الجماعة: السلام معرفة تحية الأحياء ونكرة تحية الموتى، ورووا في ذلك
~~خبرا والشيعة ينكرون مطلقا وينكرون.

# وقد جاء عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وأنس «أن السلام في السلام
~~اسم من أسماء الله تعالى» وهذا يقتضي أولوية التعريف أيضا فافهم،
~~والأفضل في الرد واو قبله، ويجزىء بدونه على الصحيح، ويضر في الابتداء
~~كالاقتصار في أحدهما على أحد جزئي الجملة، وإن نوى إضمار الآخر، وفي
~~«الكشف» ما يؤيده، والخبر الذي فيه الاكتفاء  بو عليك  في الجواب لا
~~يراد منه الاكتفاء على هذه اللفظة، بل المراد منه أنه صلى الله عليه وسلم
~~أجاب بمثل ما سلم به عليه، ولم يزد كما يشعر به آخره، وذكر الطحاوي أن
~~المستحب الرد على طهارة أو تيمم، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي الجهم
~~قال:

# " أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ms02000 من الغائط فلقيه رجل فسلم عليه فلم
~~يرد عليه صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الحائط فوضع يده عليه ثم مسح
~~وجهه ويديه، ثم رد على الرجل السلام "

# والظاهر عدم الفرق بين الرد والابتداء في ذلك، ويسن السلام عينا للواحد
~~وكفاية للجماعة كما أشرنا إليه ابتداءا عند إقباله وانصرافه للخبر
~~الصحيح الحسن «إن أولى الناس بالله تعالى من بدأهم السلام»، وفارق الرد
~~بأن الإيحاش والإخافة في ترك الرد أعظم منهما في ترك الابتداء، وأفتى غير
~~واحد بأن الابتداء أفضل  كإبراء المعسر أفضل من إنظاره  ويؤخذ من
~~قولهم: ابتداءا أنه لو أتى به بعد تكلم لم / يعتد به، نعم يحتمل في تكلم
~~سهوا أو جهلا، وعذر به أنه لا يفوت الابتداء فيجب جوابه، ومثل ذلك بل
~~أولى لمشروعيته الكلام للاستئذان، فقد صرحوا بأنه إذا أتى دار إنسان يجب
~~أن يستأذن قبل السلام، ويسن إظهار البشر عنده، فقد أخرج البيهقي عن الحسن
~~قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إن من الصدقة أن تسلم على الناس وأنت منطلق الوجه "

# وعن عمر «إذا التقى المؤمنان فسلم كل واحد منهما على الآخر وتصافحا كان
~~أحبهما إلى الله تعالى أحسنهما بشرا لصاحبه» ويسن عليكم في الواحد، وإن
~~جاء في بعض الآثار بالإفراد نظرا لمن معه من الملائكة، ويقصدهم ليردوا
~~عليه فينال بركة دعائهم، ولو دخل بيتا ولم ير أحدا يقول: السلام علينا
~~وعلى عباد الله تعالى الصالحين، فإن السكنة ترد عليه، وفي «الآكام» إن
~~في كل بيت سكنة من الجن، ويسن عند التلاقي سلام صغير على كبير، وماش على
~~واقف أو مضطجع، وراكب عليهم، وراكب فرس على راكب حمار، وقليلين على
~~كثيرين لأن نحو الماشي يخاف من نحو الراكب، ولزيادة نحو مرتبة الكبير على
~~نحو الصغير، وخرج بالتلاقي الجالس والواقف والمضطجع، فكل من ورد على
~~أحدهم يسلم عليه مطلقا ولو سلم كل على الآخر فإن ترتبا كان الثاني
~~جوابا أي ما لم يقصد به الابتداء وحده  كما قيل  وإلا لزم كلا الرد،
~~وكره ms02001 أصحابنا السلام في مواضع، وفي «النهر» عن صدر الدين الغزي:

# سلامك مكروه على من ستسمع

# ومن بعد ما أبدى يسن ويشرع

# مصل وتال ذاكر ومحدث

# خطيب ومن يصغى إليهم ويسمع

# مكرر فقه جالس لقضائه

# ومن بحثوا في الفقه دعهم لينفعوا

# مؤذن أيضا مع مقيم مدرس

# كذا الأجنبيات الفتيات أمنع

# ولعاب شطرنج وشبه بخلقهم

# ومن هو مع أهل له يتمتع

# ودع كافرا أيضا ومكشوف عورة

# ومن هو في حال التغوط أشنع

# ودع آكلا إلا إذا كنت جائعا

# وتعلم منه أنه ليس يمنع

# كذلك أستاذ مغن مطير

# فهذا ختام والزيادة تنفع

# فلو سلم على هؤلاء لا يستحق الرد عند بعضهم، وأوجب بعض الرد في بعضها
~~وذكر الشافعية أن مستمع الخطيب يجب عليه الرد، وعندنا يحرم الرد كسائر
~~الكلام بلا فرق بين قريب وبعيد على الأصح، وكرهوه لقاضي الحاجة ونحوه
~~كالمجامع، وسنوه للآكل كسن السلام عليه بعد البلع وقبل وضع اللقمة بالفم
~~ويلزمه الرد حينئذ ولمن بالحمام ونحوهما باللفظ. ورجحوا أنه يسلم على من
~~بمسلخه ولا يمنع كونه مأوى الشياطين فالسوق كذلك والسلام على من فيه
~~مشروع، وإن اشتغل بمساومة ومعاملة ومصل ومؤذن بالإشارة، وإلا فبعد الفراغ
~~إن قرب الفصل، وحرموا الرد على من سلم عليه نحو مرتد وحربي، وندبه بعضهم
~~على القارىء وإن اشتغل بالتدبر، وأوجب الرد عليه، ومحله في متدبر لم
~~يستغرق التدبر قلبه وإلا لم يسن ابتداءا، ولا جواب كالداعي المستغرق
~~لأنه الآن بمنزلة غير المميز، بل ينبغي فيمن استغرقه الهم كذلك أن يكون
~~حكمه ذلك، وصرحوا أيضا بعدم السلام على فاسق بل يسن تركه على مجاهر
~~بفسقه، ومرتكب ذنب عظيم لم يتب عنه، ومبتدع إلا لعذر أو خوف مفسدة، وعلى
~~ملب وساجد وناعس ومتخاصمين بين يدي قاض، وأفتى بعضهم بكراهة حني الظهر، /
~~وقال كثيرون: حرام للحديث الحسن أنه صلى الله عليه وسلم نهى عنه، وعن
~~التزام الغير وتقبيله، وأمر بمصافحته ما لم يكن ذميا، وإلا فيكره للمسلم
~~مصافحته بل يكفر إن قصد التبجيل كما يكفر بالسلام عليه كذلك.

# وأفتى ms02002 البعض أيضا بكراهة الانحناء بالرأس وتقبيل نحو الرأس أو يد أو
~~رجل لا سيما لنحو غني لحديث:

# " من تواضع لغني ذهب ثلثا دينه "

# وندب ذلك لنحو صلاح أو علم أو شرف لأن أبا عبيدة قبل يد عمر رضي الله
~~تعالى عنهما، ولا يعد  نحو صبحك الله تعالى بالخير، أو قواك الله تعالى
~~ تحية ولا يستحق مبتدأ به جوابا، والدعاء له بنظيره حسن إلا أن يقصد
~~بإهماله له تأديبه لتركه سنة السلام ونحو مرحبا مثل ذلك في ذلك، وذكر
~~أنه لو قال المسلم السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، فقال الراد:
~~عليك السلام فقط أجزأه لكنه خلاف الأولى، وظاهر الآية خلافه إذ الأمر
~~فيها دائر بين الجواب بالأحسن والجواب بالمثل، وليس ما ذكر شيئا منهما،
~~وحمل التحية على السلام هو ما ذهب إليه الأكثرون من المحققين وأئمة
~~الدين، وقيل: المراد بها الهدية والعطية، وأوجب القائل العوض أو الرد على
~~المتهب  وهو قول قديم للشافعي  ونسب أيضا لإمامنا الأعظم رضي الله
~~تعالى عنه، وعلل ذلك بعضهم بأن السلام قد وقع فلا يرد بعينه فلذا حمل على
~~الهدية وقد جاء إطلاقها عليها، وأجيب بأنه مجاز كقول المتنبي:

# قفى تغرم الأولى من اللحظ مقلتي

# بثانية والمتلف الشيء غارمه

# وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عيينة أنه قال في الآية: أترون هذا في
~~السلام وحده هذا في كل شيء من أحسن إليك فأحسن إليه وكافه، فإن لم تجد
~~فادع له واثن عليه عند إخوانه، ولعل مراده رحمه الله تعالى قياس غير
~~السلام من أنواع الإحسان عليه لأن المراد من التحية ما يعم السلام وغيره
~~لخفاء ذلك، ولعل من أراد الأعم فسرها بما يسدى إلى الشخص مما تطيب به
~~حياته { إن الله كان على كل شىء حسيبا } فيحاسبكم على
~~كل شيء من أعمالكم؛ ويدخل في ذلك ما أمروا به من التحية دخولا أوليا.

# هذا ومن باب الإشارة في هذه الآيات: { الذين ءامنوا
~~يقتلون } أنفسهم { فى سبيل الله } فيهلكونها بسيوف
~~المجاهدة ليصلوا إليه تعالى شأنه: { والذين كفروا ms02003 يقتلون
~~} عقولهم وينازعونها { فى سبيل } طاغوت أنفسهم ليحصلوا اللذات
~~ويغنموا في هذه الدار الفانية أمتعة الشهوات { فقتلوا أولياء
~~الشيطن } وهي القوى النفسانية أو النفس وقواها

# إن كيد الشيطن كان ضعيفا

# [النساء: 76] فوليه ضعيف عاذ بقرملة { ألم تر إلى الذين
~~قيل لهم } أي قال لهم المرصدون { كفوا أيديكم } عن خاربة
~~الأنفس الآن قبل أداء رسوم العبادات { وأقيموا الصلاة } والمراد
~~بها إتعاب البدن بأداء العبادة البدنية { وآتوا الزكاة } والمراد
~~بها إتعاب القلب بأداء العبادة المالية فإذا تم لكم ذلك فتوجهوا إلى
~~محاربة النفس فإن محاربتها قبل ذلك بغير سلاح، فإن هذه العبادات الرسمية
~~سلاح السالكين فلا يتم لأحد تهذيب الباطن قبل إصلاح الظاهر { فلما
~~كتب عليهم القتال } حين أداء ما أمروا بأدائه { إذا
~~فريق منهم } لضعف استعدادهم { يخشون الناس كخشية
~~الله أو أشد خشية } فلا يستطيعون هجرهم، ولا ارتكاب ما فيه
~~ذل نفوسهم خشية اعتراضهم عليهم، أو إعراضهم عنهم، { وقالوا } بلسان
~~الحال: { ربنا لم كتبت علينا القتال } الآن { لولا
~~أخرتنا إلى أجل قريب } وهو الموت الاضطراري، فالمنية ولا
~~الدنية، وهذا حال كثير من الناسكين يرغبون عن السلوك وتحمل مشاقه مما فيه
~~إذلال نفوسهم وامتهانها خوفا من الملامة، واعتراض الناس عليهم فيبقون في
~~حجاب أعمالهم  ويحسبون أنهم يحسنون صنعا ولبئس ما كانوا يصنعون  {
~~قل متع الدنيا قليل } / فلا ينبغي أن يلاحظوا الناس في
~~تركه وعدم الالتفات إليه { والأخرة خير لمن اتقى } فينبغي
~~أن يتحملوا الملامة في تحصيلها

# ولا تظلمون فتيلا

# [النساء: 77] مما كتب لكم فينبغي عدم خشية سوى الله تعالى { أينما
~~تكونوا يدرككم الموت } وتفارقون ولا بد من تخشون فراقه إن
~~سلكتم ففارقوهم بالسلوك وهو الموت الاختياري قبل أن تفارقوهم بالهلاك وهو
~~الموت الاضطراري { ولو كنتم فى بروج مشيدة } أي أجساد
~~قوية:

# فمن يك ذا عظم صليب رجابه

# ليكسر عود الدهر فالدهر كاسره

# { وإن تصبهم } أي المحجوبين { حسنة } أي شيء يلائم طباعهم {
~~يقولوا هذه من عند الله } فيضيفونها إلى الله تعالى من
~~فرح النفس ولذة الشهوة لاتبعت المعرفة والمحبة { وإن تصبهم
~~سيئة } أي ms02004 شيء تنفر عنه طباعهم وإن كان على خلاف ذلك في نفس الأمر {
~~يقولوا } لضيق أنفسهم { هذه من عندك } فيضيفونها إلى غيره
~~تعالى ويرجعون إلى الأسباب لعدم رسوخ الإيمان الحقيقي في قلوبهم { قل
~~كل من عند الله } وهذا دعاء لهم إلى توحيد الأفعال، ونفي
~~التأثير عن الأغيار، والإقرار بكونه سبحانه خالق الخير والشر { فمال
~~هؤلآء القوم } المحجوبين

# لا يكادون يفقهون حديثا

# [النساء: 78] لاحتجابهم بصفات النفوس وارتياج آذان قلوبهم التي هي أوعية
~~السماع والوعي، ثم زاد سبحانه في البيان بقوله عز وجل: { ما أصابك
~~من حسنة } صغرت أو عظمت { فمن الله }  تعالى أفاضها حسب
~~الاستعداد الأصلي { وما أصابك من سيئة } حقرت أو جلت { فمن
~~نفسك } أي من قبلها بسبب الاستعداد الحادث بسبب ظهور النفس بالصفات
~~والأفعال الحاجبة للقلب المكدرة لجوهره حتى احتاج إلى الصقل بالرزايا
~~والمصائب والبلايا والنوائب، لا من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم أو
~~غيره { وأرسلنك للناس رسولا } فأنت الرحمة لهم فلا يكون
~~من عندك شر عليهم

# وكفى بالله شهيدا

# [النساء: 79] على ذلك

# من يطع الرسول فقد أطاع الله

# [النساء: 80] لأنه صلى الله عليه وسلم مرآة الحق يتجلى منه للخلق، وقال
~~بعض العارفين: إن باطن الآية إشارة إلى عين الجمع { أفلا
~~يتدبرون القرءان } ليرشدهم إلى أنك رسول الله تعالى، وأن
~~إطاعتك إطاعته سبحانه حيث إنه مشتمل على الفرق والجمع، وقيل: ألا
~~يتدبرونه فيتعظون بكريم مواعظه ويتبعون محاسن أوامره، أو أفلا يتدبرونه
~~ليعلموا أن الله جل شأنه تجلى لهم فيه

# ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلفا
~~كثيرا

# [النساء: 82] أي لوجدوا الكثير منه مختلفا بلاغة وعدمها فيكون مثل كلام
~~المخلوقين فيكون لهم مساغ إلى تكذيبه وعدم قبول شهادته، أو القول بأنه لا
~~يصلح أن يكون مجلى لله تعالى، { وإذا جآءهم أمر من الأمن
~~أو الخوف أذاعوا به } إخبار عمن في مبادي السلوك أي إذا ورد
~~عليهم شيء من آثار الجمال أو الجلال أفشوه وأشاعوه { ولو ردوه }
~~أي عرضوه { إلى الرسول } إلى ما علم من أحواله، وما كان عليه ms02005 {
~~وإلى أولى الأمر منهم } وهم الراشدون الكاملون الذين نالوا
~~مقام الوراثة المحمدية { لعلمه } أي لعلم مآله وأنه مما يذاع أو أنه
~~لا يذاع { الذين يستنبطونه } ويتلقونه منهم أي من جهتهم
~~وواسطة فيوضاتهم، والمراد بالموصول الرادون أنفسهم، وحاصل ذلك أنه لا
~~ينبغي للمريد إذا عرض له في أثناء سيره وسلوكه شيء من آثار الجمال أو
~~الجلال أن يفشيه لأحد قبل أن يعرضه على شيخه فيوقفه على حقيقة الحال فإن
~~في إفشائه قبل ذلك ضررا كثيرا { ولولا فضل الله عليكم }
~~أيها الناس بالواسطة العظمى رسول الله صلى الله عليه وسلم { ورحمته
~~} بالمرشدين الوارثين { لاتبعتم الشيطن } والنفس أعظم
~~جنوده إن لم تكنه

# إلا قليلا

# [النساء: 83] وهم السالكون بواسطة نور إلهي أفيض عليهم فاستغنوا به كبعض
~~أهل الفترة، قيل: وهم على قدم الخليل عليه الصلاة والسلام { فقاتل
~~فى سبيل الله لا تكلف إلا نفسك } أي قاتل من يخالفك
~~/ وحدك { وحرض المؤمنين } على أن يقاتلوا من يحول بينهم وبين
~~ربهم { عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا } أي ستروا
~~أوصاف الربوبية { والله أشد } منهم { بأسا } أي نكاية {
~~وأشد } منهم

# تنكيلا

# [النساء: 84] أي تعذيبا { من يشفع شفعة حسنة } أي من
~~يرافق نفسه على الطاعات { يكن له نصيب منها } أي حظ وافر من
~~ثوابها { ومن يشفع شفعة سيئة } أي من يرافق نفسه على
~~معصية { يكن له كفل منها } أي مثل مساو من عقابها

# وكان الله على كل شىء مقيتا

# [النساء: 85] فيوصل الثواب والعقاب إلى مستحقيهما { وإذا حييتم
~~بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } [النساء:
~~86] تعليم لنوع من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وقيل: المعنى إذا من
~~الله تعالى عليكم بعطية فابذلوا الأحسن من عطاياه أو تصدقوا بما أعطاكم
~~وردوه إلى الله تعالى على يد المستحقين، والله تعالى خير الموفقين.

### || [4.87]

# { الله لا إله إلا هو } مبتدأ وخبر، وقوله سبحانه: {
~~ليجمعنكم إلى يوم القيمة } جواب قسم محذوف أي
~~والله ليجمعنكم، والجملة إما مستأنفة لا محل لها من الإعراب، أو خبر ثان،
~~أو هي الخبر، و { لا إله إلا هو ms02006 } اعتراض واحتمال  أن تكون
~~خبرا بعد خبر لكان، وجملة { الله لا إله إلا هو } معترضة
~~مؤكدة لتهديد قصد بما قبلها وما بعدها  بعيد، ثم الخبر وإن كان هو القسم
~~وجوابه لكنه في الحقيقة الجواب فلا يرد وقوع الإنشاء خبرا، ولا أن جواب
~~القسم من الجمل التي لا محل لها من الإعراب فكيف يكون خبرا مع أنه لا
~~امتناع من اعتبار المحل وعدمه باعتبارين، والجمع بمعنى الحشر، ولهذا عدي
~~بإلى كما عدي الحشر بها في قوله تعالى:

# لإلى الله تحشرون

# [آل عمران: 158]، وقد يقال: إنما عدي بها لتضمينه معنى الإفضاء المتعدي
~~بها أي ليحشرنكم من قبوركم إلى حساب يوم القيامة، أو مفضين إليه، وقيل:
~~إلى بمعنى في كما أثبته أهل العربية أي ليجمعنكم في ذلك اليوم { لا
~~ريب فيه } أي في يوم القيامة، أو في الجمع، فالجملة إما حال من
~~اليوم، أو صفة مصدر محذوف أي: جمعا لا ريب فيه والقيامة بمعنى القيام،
~~ودخلت التاء فيه للمبالغة  كعلامة ونسابة  وسمي ذلك اليوم بذلك لقيام
~~الناس فيه للحساب مع شدة ما يقع فيه من الهول، ومناسبة الآية لما قبلها
~~ظاهرة، وهي أنه تعالى لما ذكر { إن الله } تعالى

# كان على كل شىء حسيبا

# [النساء: 86] تلاه بالإعلام بوحدانيته سبحانه والحشر والبعث من القبور
~~للحساب بين يديه، وقال الطبرسي: وجه النظم أنه سبحانه لما أمر ونهى فيما
~~قبل بين بعد أنه لا يستحق العبادة سواه (ليعملوا على حسب ما أوجبه
~~عليهم، وأشار إلى أن لهذا العمل جزاءا ببيان وقته)، وهو يوم القيامة
~~ليجدوا فيه ويرغبوا ويرهبوا

# { ومن أصدق من الله حديثا } الإستفهام إنكاري، والتفضيل
~~باعتبار الكمية في الأخبار الصادقة لا الكيفية إذ لا يتصور فيها تفاوت
~~لما أن الصدق المطابقة للواقع وهي لا تزيد، فلا يقال لحديث معين: إنه
~~أصدق من آخر إلا بتأويل وتجوز، والمعنى لا أحد أكثر صدقا منه تعالى في
~~وعده وسائر أخباره ويفيد نفي المساواة أيضا كما في قولهم: ليس في البلد
~~أعلم من زيد، وإنما كان كذلك لاستحالة نسبة ms02007 الكذب إليه سبحانه بوجه من
~~الوجوه، ولا يعرف خلاف بين المعترفين بأن الله تعالى متكلم بكلام في تلك
~~الاستحالة، وإن اختلف مأخذهم في الاستدلال.

# وقد استدل المعتزلة على استحالة الكذب في كلام الرب تعالى بأن الكلام من
~~فعله تعالى، والكذب قبيح لذاته  والله تعالى لا يفعل القبيح  وهو مبني
~~على قولهم: بالحسن والقبح الذاتيين وإيجابهم رعاية الصلاح والأصلح، وأما
~~الأشاعرة فلهم  كما قال الآمدي  في بيان استحالة الكذب في كلامه تعالى
~~القديم النفساني مسلكان: / عقلي وسمعي، أما المسلك الأول: فهو أن الصدق
~~والكذب في الخبر من الكلام النفساني القديم ليس لذاته ونفسه بل بالنظر
~~إلى ما يتعلق به من المخبر عنه فإن كان قد تعلق به على ما هو عليه كان
~~الخبر صدقا، وإن كان على خلافه كان كذبا، وعند ذلك فلو تعلق من الرب
~~سبحانه كلامه القائم على خلاف ما هو عليه لم يخل إما أن يكون ذلك مع
~~العلم به أولا لا جائز أن يكون الثاني، وإلا لزم الجهل الممتنع عليه
~~سبحانه من أوجه عديدة، وإن كان الأول فمن كان عالما بالشيء يستحيل أن لا
~~يقوم به الإخبار عنه على ما هو به وهو معلوم بالضرورة، وعند ذلك فلو قام
~~بنفسه الإخبار عنه على خلاف ما هو عليه حال كونه عالما به مخبرا عنه
~~على ما هو عليه لقام بالنفس الخبر الصادق والكاذب بالنظر إلى شيء واحد من
~~جهة واحدة، وبطلانه معلوم بالضرورة.

# واعترض بأنا نعلم ضرورة من أنفسنا أنا حال ما نكون عالمين بالشيء يمكننا
~~أن نخبر بالخبر الكاذب، ونعلم كوننا كاذبين، ولولا أنا عالمون بالشيء
~~المخبر عنه لما تصور علمنا بكوننا كاذبين، وأجيب بأن الخبر الذي نعلم من
~~أنفسنا كوننا كاذبين فيه إنما هو الخبر اللساني، وأما النفساني فلا نسلم
~~صحة علمنا بكذبه حال الحكم به، وأما الملسك الثاني: فهو أنه قد ثبت صدق
~~الرسول صلى الله عليه وسلم بدلالة المعجزة القاطعة فيما هو رسول فيه على
~~ما بين في محله. وقد نقل عنه بالخبر المتواتر ms02008 أن كلام الله تعالى صدق،
~~وأن الكذب عليه سبحانه محال، ونظر فيه الآمدي بأن لقائل أن يقول: صحة
~~السمع متوقفة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه متوقف على استحالة
~~الكذب على الله تعالى من حيث إن ظهور المعجزة على وفق تحديه بالرسالة
~~نازل منزلة التصديق من الله سبحانه له في دعواه، فلو جاز الكذب عليه جل
~~شأنه لأمكن أن يكون كاذبا في تصديقه له ولا يكون الرسول صادقا، وإذا
~~توقف كل منهما على صاحبه كان دورا. لا يقال إثبات الرسالة لا يتوقف على
~~استحالة الكذب على الله تعالى ليكون دورا فإنه لا يتوقف إثبات الرسالة
~~على الإخبار بكونه رسولا حتى يدخله الصدق والكذب، بل على إظهار المعجزة
~~على وفق تحديه، وهو منزل منزلة الإنشاء، وإثبات الرسالة وجعله رسولا في
~~الحال كقول القائل: وكلتك في أشغالي، واستنبتك في أموري، وذلك لا يستدعي
~~تصديقا ولا تكذيبا إذ يقال حينئذ: فلو ظهرت المعجزة على يد شخص لم يسبق
~~منه التحدي بناءا على جوازه على أصول الجماعة لم تكن المعجزة دالة على
~~ثبوت رسالته إجماعا ولو كان ظهور المعجزة على يده منزل منزلة الإنشاء
~~لرسالته لوجب أن يكون رسولا متبعا بعد ظهورها، وليس كذلك، وكون الإنشاء
~~مشروطا بالتحدي بعيد بالنظر إلى حكم الإنشاءات، وبتقدير أن يكون كذلك
~~غايته ثبوت الرسالة بطريق الإنشاء، ولا يلزم منه أن يكون الرسول صادقا
~~في كل ما يخبر به دون دليل عقلي يدل على صدقه فيما يخبر به، أو تصديق
~~الله تعالى له في ذلك، ولا دليل عقلي يدل على ذلك، وتصديق الله تعالى له
~~لو توقف على صدق خبره عاد ما سبق، فينبغي أن يكون هذا المسلك السمعي في
~~بيان استحالة الكلام اللساني وهو صحيح فيه، والسؤال الوارد ثم منقطع هنا
~~فإن صدق الكلام اللساني وإن توقف على صدق الرسول لكن صدق الرسول غير
~~متوقف على صدق الكلام اللساني بل على الكلام اللساني نفسه فامتنع الدور
~~الممتنع، وفي «المواقف»: الاستدلال على امتناع الكذب عليه تعالى عند ms02009 أهل
~~السنة بثلاثة أوجه: الأول: أنه نقص والنقص ممنوع إجماعا، وأيضا فيلزم
~~أن يكون نحن أكمل منه سبحانه في بعض الأوقات أعني وقت صدقنا في كلامنا،
~~والثاني: أنه لو اتصف بالكذب سبحانه لكان كذبه قديما إذ لا يقوم الحادث
~~/ بذاته تعالى فيلزم أن يمتنع عليه الصدق، فإن ما ثبت قدمه استحال عدمه
~~واللازم باطل، فإنا نعلم بالضرورة أن من علم شيئا أمكن له أن يخبر عنه
~~على ما هو عليه، وهذان الوجهان إنما يدلان على أن الكلام النفسي الذي هو
~~صفة قائمة بذاته تعالى يكون صادقا، ثم أتى بالوجه الثالث: دليلا على
~~استحالة الكذب في الكلام اللفظي والنفسي على طرز ما في المسلك الثاني،
~~وقد علمت ما للآمدي فيه فتدبر جميع ذلك ليظهر لك الحق.

### || [4.88]

# { فما لكم } مبتدأ وخبر، والاستفهام للإنكار، والنفي والخطاب لجميع
~~المؤمنين، (وما فيه من معنى التوبيخ لبعضهم)، وقوله سبحانه: { في
~~المنفقين } يحتمل  كما قال السمين  أن يكون متعلقا بما يدل
~~عليه قوله تعالى: { فئتين } [من معنى الافتراق] أي فما لكم تفترقون
~~في المنافقين، وأن يكون حالا من { فئتين } أي فئتين مفترقتين في
~~المنافقين، فلما قدم نصب على الحال، وأن يكون متعلقا بما تعلق به الخبر
~~أي أي شيء كائن لكم في أمرهم وشأنهم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه
~~مقامه، وفي انتصاب { فئتين } وجهان  كما في «الدر المصون» .
~~وأحدهما: أنه حال من ضمير { لكم } المجرور والعامل فيه الاستقرار، أو
~~الظرف لنيابته عنه، وهذه الحال لازمة لا يتم الكلام بدونها، وهذا مذهب
~~البصريين في هذا التركيب وما شابهه، وثانيهما:  وهو مذهب الكوفيين  أنه
~~خبر كان مقدرة أي مالكم في شأنهم كنتم فئتين، ورد بالتزام تنكيره في
~~كلامهم نحو

# فما لهم عن التذكرة معرضين

# [المدثر: 49] وأما ما قيل على الأول: من أن كون ذي الحال بعضا من عامله
~~غريب لا يكاد يصح عند الأكثرين فلا يكون معمولا له، ولا يجوز اختلاف
~~العامل في الحال وصاحبها فمن فلسفة النحو كما قال الشهاب، والمراد إنكار
~~أن يكون للمخاطبين شيء مصحح ms02010 لاختلافهم في أمر المنافقين، وبيان وجوب قطع
~~القوم بكفرهم وإجرائهم مجرى المجاهرين في جميع الأحكام وذكرهم بعنوان
~~النفاق باعتبار وصفهم السابق.

# أخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: هم قوم خرجوا من مكة حتى جاءوا المدينة
~~يزعمون أنهم مهاجرون ثم ارتدوا بعد ذلك فاستأذنوا النبي صلى الله عليه
~~وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها، فاختلف فيهم المسلمون فقائل
~~يقول: هم منافقون وقائل يقول: هم مؤمنون، فبين الله تعالى نفاقهم وأنزل
~~هذه الآية وأمر بقتلهم. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: «هم ناس تخلفوا عن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقاموا بمكة وأعلنوا الإيمان ولم يهاجروا
~~فاختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتولاهم ناس وتبرأ من
~~ولايتهم آخرون وقالوا: تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم
~~يهاجروا فسماهم الله تعالى منافقين وبرأ المؤمنين من ولايتهم وأمرهم أن
~~لا يتولوهم حتى يهاجروا»، وأخرج الشيخان والترمذي والنسائي وأحمد وغيرهم
~~عن زيد بن ثابت «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد فرجع ناس
~~خرجوا معه فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فئتين فرقة
~~تقول: نقتلهم وفرقة تقول: لا فأنزل الله تعالى: { فما لكم فى
~~المنفقين } الآية كلها» ويشكل على هذا ما سيأتي قريبا إن شاء
~~الله تعالى من جعل هجرتهم غاية للنهي عن توليتهم إلا أن يصرف عن الظاهر
~~كما ستعلمه، وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وأخذوا يسارا
~~راعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثلوا به فقطعوا يديه ورجليه وغرزوا
~~الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، ويرده كما قال شيخ الإسلام ما سيأتي إن
~~شاء الله تعالى من الآيات الناطقة بكيفية المعاملة معهم من السلم والحرب
~~وهؤلاء قد أخذوا، وفعل بهم ما فعل من المثلة والقتل ولم ينقل في أمرهم
~~اختلاف المسلمين، وقيل غير ذلك.

# / { والله أركسهم بما كسبوا } حال من المنافقين مفيد
~~لتأكيد الإنكار السابق، وقيل: من ضمير المخاطبين والرابط الواو، وقيل:
~~مستأنفة والباء للسببية، وما ms02011 إما مصدرية وإما موصولة، وأركس وركس بمعنى،
~~واختلف في معنى الركس لغة، فقيل: الرد  كما قيل  في قول أمية بن أبي
~~الصلت:

# فأركسوا في جحيم النار أنهم

# كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا

# وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والمعنى حينئذ
~~والله تعالى ردهم إلى الكفر بعد الإيمان بسبب ما كسبوه من الارتداد
~~واللحوق بالمشركين أو نحو ذلك أو بسبب كسبهم، وقيل: هو قريب من النكس،
~~وحاصله أنه تعالى رماهم منكسين فهو أبلغ من التنكيس لأن من يرمى منكسا
~~في هوة قلما يخلص منها، والمعنى أنه سبحانه بكسبهم الكفر، أو بما كسبوه
~~منه قلب حالهم ورماهم في حفر النيران. وأخرج ابن جرير عن السدي أنه فسر {
~~أركسهم } بأضلهم وقد جاء الإركاس بمعنى الإضلال، ومنه:

# (وأركستني) عن طريق الهدى

# وصيرتني مثلا للعدا

# وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: المعنى حبسهم
~~في جهنم، والبخاري عنه أن المعنى بددهم أي فرقهم وفرق شملهم، وابن المنذر
~~عن قتادة أهلكهم، ولعلها معان ترجع إلى أصل واحد، وروي عن عبد الله وأبي
~~أنهما قرآ  ركسوا  بغير ألف، وقد قرأ  ركسهم  مشددا.

# { أتريدون أن تهدوا من أضل الله } توبيخ للفئة
~~القائلة بإيمان أولئك المنافقين على زعمهم ذلك، وإشعار بأن يؤدي إلى
~~محاولة المحال الذي هو هداية من أضله الله تعالى، وذلك لأن الحكم
~~بإيمانهم وادعاء اهتدائهم مع أنهم بمعزل من ذلك سعي في هدايتهم وإرادة
~~لها، فالمراد بالموصول المنافقون إلا أن وضع موضع ضميرهم لتشديد الإنكار
~~وتأكيد استحالة الهداية بما ذكر في حيز الصلة، وحمله على العموم،
~~والمذكورون داخلون فيه دخولا أوليا  كما زعمه أبو حيان  ليس بشيء،
~~وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها للمبالغة في إنكاره ببيان أن
~~إرادته مما لا يمكن فضلا عن إمكان نفسه، والآية ظاهرة في مذهب الجماعة،
~~وحمل الهداية والإضلال على الحكم بها خلاف الظاهر، ويبعده قوله تعالى: {
~~ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } فإن المتبادر منه
~~الخلق أي من يخلق فيه الضلال ms02012 كائنا من كان ويدخل هنا من تقدم دخولا
~~أوليا  فلن تجد له سبيلا من السبل فضلا عن أن تهديه إليه، والخطاب في
~~{ تجد } لغير معين، أو لكل أحد من المخاطبين للإشعار (بعدم) الوجدان
~~للكل على سبيل التفصيل، ونفي وجدان السبيل أبلغ من نفي الهادي، وحمل
~~إضلاله تعالى على حكمه وقضائه بالضلال مخل بحسن المقابلة بين الشرط
~~والجزاء، وجعل السبيل بمعنى الحجة، وأن المعنى من يجعله الله تعالى في
~~حكمه ضالا فلن تجد له في ضلالته حجة  كما قال جعفر بن حرب  ليس بشيء
~~كما لا يخفى، والجملة إما اعتراض تذييلي مقرر للإنكار السابق مؤكد
~~لاستحالة الهداية، أو حال من فاعل { تريدون } أو { تهدوا } ،
~~والرابط الواو.

### || [4.89]

# { ودوا لو تكفرون } بيان لغلوهم وتماديهم في الكفر وتصديهم
~~لإضلال غيرهم إثر بيان كفرهم وضلالتهم في أنفسهم، و { لو } مصدرية لا
~~جواب لها أي تمنوا أن تكفروا؛ وقوله تعالى: { كما كفروا } نعت
~~لمصدر محذوف، و (ما) مصدرية أي كفرا مثل كفرهم، أو حال من ضمير ذلك
~~المصدر كما هو رأي سيبويه، ولا دلالة / في نسبة الكفر إليهم على أنه
~~مخلوق لهم استقلالا لا دخل لله تعالى فيه لتكون هذه الآية دليلا على
~~صرف ما تقدم عن ظاهره كما زعمه ابن حرب لأن أفعال العباد لها نسبة إلى
~~الله تعالى باعتبار الخلق، ونسبة إلى العباد باعتبار الكسب بالمعنى الذي
~~حققناه فيما تقدم، وقوله تعالى: { فتكونون سواء } عطف على { لو
~~تكفرون } داخل معه في حكم التمني أي: ودوا لو تكفرون فتكونون مستوين
~~في الكفر والضلال، وجوز أن تكون كلمة { لو } على بابها، وجوابها محذوف
~~كمفعول (ود) أي ودوا كفركم لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء لسروا بذلك.

# { فلا تتخذوا منهم أولياء } الفاء فصيحة، وجمع {
~~أولياء } مراعاة لجمع المخاطبين فإن المراد نهي كل من المخاطبين عن
~~اتخاذ كل من المنافقين وليا أي إذا كان حالهم ما ذكر من الودادة فلا
~~توالوهم. { حتى يهاجروا فى سبيل الله } أي حتى يؤمنوا
~~وتحققوا إيمانهم بهجرة هي لله تعالى ورسوله صلى ms02013 الله عليه وسلم لا لغرض
~~من أغراض الدنيا، وأصل السبيل الطريق، واستعمل كثيرا في الطريق الموصلة
~~إليه تعالى وهي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، والآية ظاهرة في وجوب
~~الهجرة. وقد نص في «التيسير» على أنها كانت فرضا في صدر الإسلام،
~~وللهجرة ثلاث استعمالات: أحدها: الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام وهو
~~الاستعمال المشهور، وثانيها: ترك المنهيات، وثالثها: الخروج للقتال وعليه
~~حمل الهجرة من قال: إن الآية نزلت فيمن رجع يوم أحد على ما حكاه خبر
~~الشيخين وجزم به في الخازن { فإن تولوا } أي أعرضوا عن الهجرة في
~~سبيل الله تعالى  كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  {
~~فخذوهم } إذا قدرتم عليهم { واقتلوهم حيث وجدتموهم
~~} من الحل والحرم فإن حكمهم حكم سائر المشركين أسرا وقتلا، وقيل:
~~المراد القتل لا غير إلا أن الأمر بالأخذ لتقدمه على القتل عادة. { ولا
~~تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا } أي جانبوهم مجانبة كلية
~~ولا تقبلوا منهم ولاية ولا نصرة أبدا كما يشعر بذلك المضارع الدال على
~~الاستمرار أو التكرير المفيد للتأكيد.

### || [4.90]

# { إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم
~~ميثق } استثناء من الضمير في قوله سبحانه:

# فخذوهم واقتلوهم

# [النساء: 89] أي إلا الذين يصلون وينتهون إلى قوم عاهدوكم ولم يحاربوكم
~~وهم بنو مدلج. أخرج ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن أن سراقة بن مالك
~~المدلجي حدثهم قال:

# " لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل بدر وأحد وأسلم من
~~حولهم قال سراقة: بلغني أنه عليه الصلاة والسلام يريد أن يبعث خالد بن
~~الوليد إلى قومي من بني مدلج فأتيته فقلت: أنشدك النعمة، فقالوا: مه؛
~~فقال: دعوه ما تريد؟ قلت: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن
~~توادعهم، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا لم تخش
~~بقلوب قومك عليهم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد فقال:
~~اذهب معه فافعل ما يريد فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم، وإن ms02014 أسلمت قريش أسلموا معهم ومن وصل إليهم من الناس
~~كانوا على مثل عهدهم "

# فأنزل الله تعالى:

# ودوا

# [النساء: 89] حتى بلغ { إلا الذين يصلون } فكان من وصل إليهم
~~كانوا معهم على عهدهم، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الآية نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي
~~وسراقة بن مالك المدلجي وفي بني جذيمة بن عامر، / ولا يجوز أن يكون
~~استثناء من الضمير في

# فلا تتخذوا

# [النساء: 89] وإن كان أقرب لأن اتخاذ الولي منهم حرام مطلقا.

# { أو جآءوكم } عطف على الصلة أي (و) الذين جاءوكم كافين من قتالكم
~~وقتال قومهم، فقد استثنى من المأمور بأخذهم وقتلهم فريقان: من ترك
~~المحاربين ولحق بالمعاهدين؛ ومن أتى المؤمنين وكف عن قتال الفريقين، أو
~~عطف على صفة قوم كأنه قيل: إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين، أو إلى قوم
~~كافين عن القتال لكم وعليكم، والأول: أرجح رواية ودراية إذ عليه يكون
~~لمنع القتال سببان: الاتصال بالمعاهدين، والاتصال بالكافين وعلى الثاني:
~~يكون السببان الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالكافين لكن قوله تعالى
~~الآتي: { فإن اعتزلوكم } الخ يقرر أن أحد السببين هو الكف عن
~~القتال لأن الجزاء مسبب عن الشرط فيكون مقتضيا للعطف على الصلة إذ لو
~~عطف على الصفة كان أحد السببين الاتصال بالكافين لا الكف عن القتال، فإن
~~قيل: لو عطف على الصفة تحققت المناسبة أيضا لأن سبب منع التعرض حينئذ
~~الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالكافين، والاتصال بهؤلاء وهؤلاء سبب
~~للدخول في حكمهم.

# وقوله سبحانه: { فإن اعتزلوكم } يبين حكم الكافين لسبق حكم
~~المتصلين بهم، أجيب: بأن ذلك جائز إلا أن الأول أظهر وأجرى على أسلوب
~~كلام العرب لأنهم إذا استثنوا بينوا حكم المستثنى تقريرا وتوكيدا، وقال
~~الإمام: «جعل الكف عن القتال سببا لترك التعرض أولى من جعل الاتصال بمن
~~يكف عن القتال سببا [قريبا] لترك التعرض لأنه سبب بعيد» على أن
~~المتصلين بالمعاهدين ليسوا معاهدين لكن لهم حكمهم بخلاف المتصلين
~~بالكافين فإنهم إن كفوا فهم هم وإلا فلا أثر ms02015 له، وقرأ أبي { جاءوكم }
~~بغير أو على أنه استئناف وقع جوابا لسؤال كأنه قيل: كيف كان الميثاق
~~بينكم وبينهم؟ فقيل: جاءوكم الخ، وقيل: يقدر السؤال كيف وصلوا إلى
~~المعاهدين ومن أين علم ذلك وليس بشيء، أو على أنه صفة بعد صفة لقوم، أو
~~بيان ليصلون، أو بدل منه، وضعف أبو حيان البيان بأنه لا يكون في الأفعال،
~~والبدل أنه ليس إياه ولا بعضه ولا مشتملا عليه، وأجيب بأن الإنتهاء إلى
~~المعاهدين والاتصال بهم حاصله الكف عن القتال فصح جعل مجيئهم إلى
~~المسلمين بهذه الصفة، وعلى هذه العزيمة بيانا لاتصالهم بالمعاهدين، أو
~~بدلا منه كلا أو بعضا أو اشتمالا وكون ذلك لا يجري في الأفعال لا
~~يقول به أهل المعاني، وقيل: هو معطوف على حذف العاطف.

# وقوله تعالى: { حصرت صدورهم } حال بإضمار قد، ويؤيده قراءة
~~الحسن  حصرة صدورهم  وكذا قراءة  حصرات وحاصرات  واحتمال الوصفية
~~السببية لقوم لاستواء النصب والجر بعيد. وقيل: هو صفة لموصوف محذوف هو
~~حال من فاعل جاءوا أي جاءكم قوما حصرت صدورهم ولا حاجة حينئذ إلى تقدير
~~قد، وما قيل: إن المقصود بالحالية هو الوصف لأنها حال موطئة فلا بد من قد
~~سيما عند حذف الموصوف فما ذكر التزام لزيادة الإضمار من غير ضرورة غير
~~مسلم، وقيل: بيان لجاءوكم وذلك كما قال الطيبي لأن مجيئهم غير مقاتلين و
~~{ حصرت صدورهم } أن يقاتلوكم بمعنى واحد، وقال العلامة الثاني:
~~من جهة أن المراد بالمجيء الاتصال وترك المعاندة والمقاتلة لا حقيقة
~~المجيء، أو من جهة أنه بيان لكيفية المجيء، وقيل: بدل اشتمال من {
~~جاءوكم } لأن المجيء مشتمل على الحصر وغيره، وقيل: إنها جملة دعائية،
~~ورد بأنه لا معنى للدعاء على الكفار بأن لا يقاتلوا قومهم، بل بأن يقع
~~بينهم اختلاف وقتل، والحصر بفتحتين الضيق والانقباض.

# { أن يقتلوكم * أو يقتلوا قومهم } أي عن أن
~~يقاتلوكم، أو لأن، أو كراهة أن { ولو شاء الله لسلطهم
~~عليكم } / بأن قوى قلوبهم وبسط صدورهم وأزال الرعب عنهم {
~~فلقتلوكم } عقيب ذلك ولم يكفوا عنكم، واللام جوابية لعطفه ms02016 على
~~الجواب، ولا حاجة لتقدير لو، وسماها مكي وأبو البقاء لام المجازاة
~~والازدواج، وهي تسمية غريبة، وفي الإعادة إشارة إلى أنه جواب مستقل
~~والمقصود من ذلك الامتنان على المؤمنين، وقرىء [فلقتلوكم] بالتخفيف
~~والتشديد { فإن اعتزلوكم } ولم يتعرضوا لكم { فلم
~~يقتلوكم } مع ما علمتم من تمكنهم من ذلك بمشيئة الله تعالى {
~~وألقوا إليكم السلم } أي الصلح فانقادوا واستسلموا، وكان
~~إلقاء السلم استعارة لأن من سلم شيئا ألقاه وطرحه عند المسلم له، وقرىء
~~بسكون اللام مع فتح السين وكسرها { فما جعل الله لكم
~~عليهم سبيلا } فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم، وفي  نفي جعل
~~السبيل  مبالغة في عدم التعرض لهم لأن من لا يمر بشيء كيف يتعرض له.

# وهذه الآيات منسوخة الحكم بآية براءة

# فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين
~~حيث وجدتموهم

# [التوبة: 5] وقد روي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره.

### || [4.91]

# { ستجدون ءاخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا
~~قومهم } هم أناس كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون
~~رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا نبي
~~الله تعالى صلى الله عليه وسلم ويأمنوا قومهم فأبى الله تعالى ذلك عليهم
~~ قاله ابن عباس ومجاهد  وقيل: الآية في حق المنافقين { كل ما
~~ردوا إلى الفتنة } أي دعوا إلى الشرك  كما روي عن السدي 
~~وقيل: إلى قتال المسلمين { أركسوا فيها } أي قلبوا فيها أقبح قلب
~~وأشنعه، يروى عن ابن عباس أنه كان الرجل يقول له قومه: بماذا آمنت؟
~~فيقول: آمنت بهذا القرد والعقرب والخنفساء { فإن لم يعتزلوكم
~~} بالكف عن التعرض لكم بوجه ما { ويلقوا إليكم السلم } أي
~~ولم يلقوا إليكم الصلح والمهادنة { ويكفوا أيديهم } أي ولم
~~يكفوا أنفسهم عن قتالكم.

# { فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم } أي وجدتموهم
~~وأصبتموهم حيث تمكنتم منهم، وعن بعض المحققين إن هذه الآية مقابلة للآية
~~الأولى، وبينهما تقابل إما بالإيجاب والسلب، وإما بالعدم والملكة لأن
~~إحداهما عدمية والأخرى وجودية وليس بينهما تقابل التضاد ولا تقابل
~~التضايف لأنهما على ما قرروا لا يوجدان إلا ms02017 بين أمرين وجوديين فقوله
~~سبحانه: { فإن لم يعتزلوكم } مقابل لقوله تعالى:

# فإن اعتزلوكم

# [النساء: 90] وقوله جل وعلا: { ويلقوا } مقابل لقوله عز شأنه:

# وألقوا

# [النساء: 90] وقوله جل جلاله: { ويكفوا } مقابل لقوله عز من قائل:

# فلم يقتلوكم

# [النساء: 90] والواو لا تقتضي الترتيب، فالمقدم مركب من ثلاثة أجزاء في
~~الآيتين، وهي في الآية الأولى الاعتزال وعدم القتال وإلقاء السلم فبهذه
~~الأجزاء الثلاثة تم الشرط، وجزاؤه عدم التعرض لهم بالأخذ والقتل كما يشير
~~إليه قوله تعالى:

# فما جعل الله لكم عليهم سبيلا

# [النساء: 90] وفي الآية الثانية عدم الاعتزال وعدم إلقاء السلم وعدم
~~الكف عن القتال، فبهذه الأجزاء الثلاثة تم الشرط، وجزاؤه الأخذ والقتل
~~المصرح به بقوله سبحانه: { فخذوهم واقتلوهم }. ومن هذا يعلم
~~أن { ويكفوا } بمعنى لم يكفوا عطف على المنفي لا على النفي بقرينة
~~سقوط النون الذي هو علامة الجزم، وعطفه على النفي والجزم بأن الشرطية لا
~~يصح لأنه يستلزم التناقض لأن معنى { فإن لم يعتزلوكم } إن لم
~~/ يكفوا، وإذا عطف { ويكفوا } على النفي يلزم اجتماع عدم الكف
~~والكف، وكلام الله تعالى منزه عنه، وكذا لا يصح كون قوله سبحانه: {
~~ويكفوا } جملة حالية أو استئنافية بيانية أو نحوية لاستلزام كل
~~منهما التناقض مع أنه يقتضي ثبوت النون في { يكفوا } على ما هو المعهود
~~في مثله، وأبو حيان جعل الجزاء في الأول: مرتبا على شيئين وفي الثانية:
~~على ثلاثة، والسر في ذلك الإشارة إلى مزيد خباثة هؤلاء الآخرين، وكلام
~~العلامة البيضاوي  بيض الله تعالى غرة أحواله  في هذا المقام لا يخلو
~~عن تعقيد، وربما لا يوجد له محمل صحيح إلا بعد عناية وتكلف فتأمل جدا {
~~وأولئكم } الموصوفون بما ذكر من الصفات الشنيعة. { جعلنا
~~لكم عليهم سلطنا مبينا } أي حجة واضحة فيما أمرناكم به
~~في حقهم لظهور عداوتهم ووضوح كفرهم وخباثتهم، أو تسلطا لا خفاء فيه من
~~حيث أذنا لكم في أخذهم وقتلهم.

### || [4.92]

# { وما كان لمؤمن } شروع في بيان حال المؤمنين بعد بيان حال
~~الكافرين والمنافقين، وقيل: لما رغب سبحانه في قتال الكفار ذكر إثره ms02018 ما
~~يتعلق بالمحاربة في الجملة أي ما صح له وليس من شأنه { أن يقتل }
~~بغير حق { مؤمنا } فإن الإيمان زاجر عن ذلك { إلا خطئا } فإنه
~~مما لا يكاد يحترز عنه بالكلية وقلما يخلو المقاتل عنه، وانتصابه إما على
~~أنه حال أي ما كان له أن يقتل مؤمنا في حال من الأحوال إلا في حال
~~الخطأ، أو على أنه مفعول له أي ما كان له أن يقتله لعلة من العلل إلا
~~للخطأ، أو على أنه صفة للمصدر أي إلا قتلا خطأ فالاستثناء في جميع ذلك
~~مفرغ وهو استثناء متصل على ما يفهمه كلام بعض المحققين، ولا يلزم جواز
~~القتل خطأ شرعا حيث كان المعنى أن من شأن المؤمن أن لا يقتل إلا خطأ.
~~وقال بعضهم: الإستثناء في الآية منقطع أي لكن إن قتله خطأ فجزاؤه ما
~~يذكر، وقيل: إلا بمعنى ولا، والتقدير وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا عمدا
~~ولا خطأ، وقيل: الإستثناء من مؤمن أي إلا خاطئا، والمختار مع الفصل
~~الكثير في مثل ذلك النصب، والخطأ ما لا يقارنه القصد إلى الفعل أو الشخص،
~~أو لا يقصد به زهوق الروح غالبا، أو لا يقصد به محظور كرمي مسلم في صف
~~الكفار مع الجهل بإسلامه، وقرىء  خطاء  بالمد  وخطا  بوزن عمى بتخفيف
~~الهمزة، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي أن عياش بن أبي ربيعة
~~المخزومي  وكان أخا أبي جهل والحرث بن هشام لأمهما  أسلم وهاجر إلى
~~النبي صلى الله عليه وسلم وكان أحب ولد أمه إليها فشق ذلك عليها فحلفت
~~أن لا يظلها سقف بيت حتى تراه، فأقبل أبو جهل والحرث حتى قدما المدينة
~~فأخبرا عياشا بما لقيت أمه، وسألاه أن يرجع معهما فتنظر إليه ولا يمنعاه
~~أن يرجع وأعطياه  موثقا أن يخليا سبيله بعد أن تراه أمه فانطلق معهما
~~حتى إذا خرجا من المدينة عمدا إليه فشداه وثاقا وجلداه نحوا من مائة
~~جلدة، وأعانهما على ذلك رجل من بني كنانة فحلف عياش ليقتلن الكناني إن
~~قدر عليه فقدما به ms02019 مكة فلم يزل محبوسا حتى فتح رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم مكة فخرج عياش فلقي الكناني وقد أسلم، وعياش لا يعلم بإسلامه فضربه
~~حتى قتله فأخبر بعد بذلك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر
~~فنزلت، وروي مثل ذلك عن مجاهد وعكرمة. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد

# " أنها نزلت في رجل قتله أبو الدرداء كان في سرية فعدل أبو الدرداء إلى
~~شعب يريد حاجة له فوجد رجلا من القوم في غنم له فحمل عليه بالسيف، فقال:
~~لا إله إلا الله فبدر فضربه، / ثم جاء بغنمه إلى القوم ثم وجد في نفسه
~~شيئا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم: ألا شققت عن قلبه وقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه؟! فقال:
~~كيف بي يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: فكيف بلا إله إلا
~~الله؟! وتكرر ذلك  قال أبو الدرداء  فتمنيت أن ذلك اليوم مبتدأ إسلامي
~~ثم نزل القرآن "

# { ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة } أي فعليه 
~~(أي فواجبه) تحرير رقبة  والتحرير الإعتاق؛ وأصل معناه جعله حرا أي
~~كريما لأنه يقال لكل مكرم حر، ومنه حر الوجه  للخد  وأحرار الطير،
~~وكذا تحرير الكتاب من هذا أيضا، والمراد بالرقبة النسمة تعبيرا عن الكل
~~بالجزء، قال الراغب: إنها في المتعارف للمماليك كما يعبر بالرأس والظهر
~~عن المركوب، فيقال: فلان يربط كذا رأسا وكذا ظهرا { مؤمنة } محكوم
~~بإيمانها وإن كانت صغيرة، وإلى ذلك ذهب عطاء، وعن ابن عباس والشعبي
~~وإبراهيم والحسن لا يجزىء في كفارة القتل الطفل ولا الكافر، وأخرج عبد
~~الرزاق عن قتادة قال في حرف أبي: (فتحرير رقبة مؤمنة لا يجزىء فيها
~~صبي)، وفي الآية رد على من زعم جواز عتق كتابي صغير أو مجوسي كبير أو
~~صغير، واستدل بها على عدم إجزاء نصف رقبة ونصف أخرى { ودية
~~مسلمة إلى أهله } أي مؤداة إلى ورثة القتيل يقتسمونها
~~بينهم على حسب الميراث، فقد أخرج أصحاب «السنن الأربعة» عن الضحاك بن
~~سفيان ms02020 الكلابي قال: كتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن
~~أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها، ويقضي منها الدين وتنفذ الوصية
~~ولا فرق بينها وبين سائر التركة، وعن شريك لا يقضى من الدية دين ولا تنفذ
~~وصية. وعن ربيعة الغرة لأم الجنين وحدها؛ وذلك خلاف قول الجماعة، وتجب
~~الرقبة في مال القاتل، والدية تتحملها عنه العاقلة، فإن لم تكن فهي في
~~بيت المال، فإن لم يكن ففي ماله.

# { إلا أن يصدقوا } أي يتصدق أهله عليه، وسمي العفو عنها صدقة
~~حثا عليه، وقد أخرج الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم:

# " كل معروف صدقة "

# وهو متعلق بعليه المقدر قبل، أو  بمسلمة  أي فعليه الدية أو يسلمها
~~في جميع الأحيان إلا حين أن يتصدق أهله بها فحينئذ تسقط ولا يلزم
~~تسليمها، وليس فيه  كما قيل  دلالة على سقوط التحرير حتى يلزم تقدير
~~عليه آخر قبل قوله: { ودية مسلمة } فالمنسبك في محل نصب على
~~الإستثناء، وقال الزمخشري: إن المنسبك في محل النصب على الحال من القاتل
~~أو الأهل أو الظرف، وتعقبه أبو حيان بأن كلا التخريجين خطأ لأن { أن }
~~والفعل لا يجوز وقوعهما حالا، ولا منصوبا على الظرفية  كما نص عليه
~~النحاة  وذكر أن بعضهم استشهد على وقوع { أن } وصلتها موقع ظرف الزمان
~~بقوله:

# فقلت لها لا تنكحيه فإنه

# لأول سهم (أن) يلاقي مجمعا

# أي لأول سهم زمان ملاقاته، وابن مالك  كما قال السفاقسي  يقدر في
~~الآية والبيت حرف الجر أي بأن يصدقوا وبأن يلاقي، وقرأ أبي  إلا أن
~~يتصدقوا.

# { فإن كان } أي المقتول خطأ { من قوم عدو لكم } أي كفار
~~يناصبونكم الحرب { وهو مؤمن } ولم يعلم به القاتل لكونه بين أظهر
~~قومه بأن أتاهم بعد (أن أسلم) لمهم، أو بأن أسلم فيما بينهم ولم يفارقهم،
~~والآية نزلت  كما قال ابن جبير  في مرداس بن عمرو لما قتله خطأ أسامة
~~بن زيد { فتحرير رقبة مؤمنة } أي فعلى قاتله الكفارة دون
~~الدية إذ لا وراثة بينه وبين أهله { وإن كان } / أي ms02021 المقتول المؤمن 
~~ما روي عن جابر بن زيد  { من قوم } كفار { بينكم وبينهم
~~ميثق } أي عهد مؤقت أو مؤبد { فدية } أي فعلى قاتله دية {
~~مسلمة إلى أهله } من أهل الإسلام إن وجدوا، ولا تدفع إلى
~~ذوي قرابته من الكفار وإن كانوا معاهدين إذ لا يرث الكافر المسلم، ولعل
~~تقديم هذا الحكم  كما قيل  مع تأخير نظيره فيما سلف للإشعار بالمسارعة
~~إلى تسليم الدية تحاشيا عن توهم نقض الميثاق { وتحرير رقبة
~~مؤمنة } كما هو حكم سائر المسلمين، ولعل إفراده بالذكر  كما قيل 
~~أيضا مع اندراجه في حكم ما سبق في قوله سبحانه: { ومن قتل
~~مؤمنا خطئا } الخ لبيان أن كونه فيما بين المعاهدين لا يمنع وجوب
~~الدية كما منعه كونه بين المحاربين. وقيل: المراد بالمقتول هنا أحد أولئك
~~القوم المعاهدين فيلزم قاتله تحرير الرقبة، وأداء الدية إلى أهله
~~المشركين للعهد الذي بيننا وبينهم، وروي ذلك عن ابن عباس والشعبي وأبي
~~مالك، واستدل بها على أن دية المسلم والذمي سواء لأنه تعالى ذكر في كل
~~الكفارة والدية فيجب أن تكون ديتهما سواءا كما أن الكفارة عنهما سواء.
~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال: بلغنا أن دية المعاهد كانت كدية
~~المسلم ثم نقصت بعد في آخر الزمان فجعلت مثل نصف دية المسلم؛ وأخرج أبو
~~داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن دية أهل الكتاب كانت على عهد
~~النبي صلى الله عليه وسلم النصف من دية المسلمين وبذلك أخذ مالك.

# وعن الشافعي رضي الله تعالى عنه دية اليهودي والنصراني نصف دية المسلم
~~ودية المجوسي ثلثا عشرها، وزعم بعضهم وجوب الدية أيضا فيما إذا كان
~~المقتول من قوم عدو لنا وهو مؤمن لعموم الآية الأولى، وأن السكوت عن
~~الدية في آيته لا ينفيها، وإنما سكت عنها لأنه لا يجب فيه دية تسلم إلى
~~أهله لأنهم كفار بل تكون لبيت المال، فأراد أن يبين بالسكوت أن أهله لا
~~يستحقون شيئا، وقال آخرون إن الدية تجب في المؤمن إذا كان من قوم ms02022
~~معاهدين، وتدفع إلى أهله الكفار وهم أحق بديته لعهدهم، ولعل هؤلاء لا
~~يعدون ذلك إرثا إذ لا يرث الكافر  ولو معاهدا  المسلم كما برهن عليه.

# { فمن لم يجد } رقبة يحررها بأن لم يملكها ولا ما يتوصل به
~~إليها من الثمن { فصيام } أي فعليه صيام { شهرين
~~متتابعين } قال مجاهد: لا يفطر فيهما ولا يقطع صيامهما، فإن فعل
~~من غير مرض ولا عذر استقبل صيامهما جميعا، فإن عرض له مرض أو عذر صام ما
~~بقي منهما، فإن مات ولم يصم أطعم عنه ستين مسكينا لكل مسكين مد، رواه
~~ابن أبي حاتم. وأخرج عنه أيضا أنه قال: فمن لم يجد دية أو عتاقة فعليه
~~الصوم، وبه أخذ من قال: إن الصوم لفاقد الدية والرقبة يجزيه عنهما،
~~والاقتصار على تقدير الرقبة مفعولا  هو المروي عن الجمهور  وأخرج ابن
~~جرير عن الضحاك أنه قال: الصيام لمن لم يجد رقبة، وأما الدية فواجبة لا
~~يبطلها شيء، ثم قال  وهو الصواب  لأن الدية في الخطأ على العاقلة
~~والكفارة على القاتل، فلا يجزىء صوم صائم عما لزم غيره في ماله، واستدل
~~بالآية من قال: إنه لا إطعام في هذه الكفارة، ومن قال: ينتقل إليه عند
~~العجز عن الصوم قاسه على الظهار وهو أحد قولين للشافعي رحمه الله تعالى،
~~وبذكر الكفارة في الخطأ دون العمد، من قال: أن لا كفارة في العمد،
~~والشافعي يقول: هو أولى بها من الخطأ { توبة } نصب على أنه مفعول له
~~أي شرع لكم ذلك توبة أي قبولا لها من تاب الله تعالى عليه إذا قبل
~~توبته، وفيه إشارة إلى التقصير بترك الاحتياط. / وقيل: التوبة هنا بمعنى
~~التخفيف أي شرع لكم هذا تخفيفا عليكم، وقيل: إنه منصوب على الحالية من
~~الضمير المجرور في  عليه  بحذف المضاف أي فعليه صيام شهرين حال كونه ذا
~~توبة، وقيل: على المصدرية أي تاب عليكم توبة، وقوله سبحانه: { من
~~الله } متعلق بمحذوف وقع صفة للنكرة أي توبة كائنة من الله تعالى. {
~~وكان الله عليما } بجميع الأشياء التي من جملتها حال ms02023 هذا القاتل
~~{ حكيما } في كل ما شرع وقضى من الأحكام التي من جملتها ما شرع وقضى
~~في شأنه.

### || [4.93]

# { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } بأن يقصد قتله بما يفرق
~~الأجزاء، أو بما لا يطيقه ألبتة عالما بإيمانه، وهو نصب على الحال من
~~فاعل { يقتل }. وروي عن الكسائي أنه سكن التاء وكأنه فر من توالي
~~الحركات { فجزاؤه } الذي يستحقه بجنايته { جهنم خالدا
~~فيها } أي ماكثا إلى الأبد، أو مكثا طويلا إلى حيث شاء الله تعالى،
~~وهو حال مقدرة من فاعل فعل مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل: فجزاؤه أن يدخل
~~جهنم خالدا. وقال أبو البقاء: هو حال من الضمير المرفوع أو المنصوب في
~~يجزاها المقدر، وقيل: هو المنصوب لا غير ويقدر جازاه، وأيد بأنه أنسب
~~بعطف ما بعده عليه لموافقته له صيغة، ومنع جعله حالا من الضمير المجرور
~~في { فجزاؤه } لوجهين، أحدهما: أنه حال من المضاف إليه، وثانيهما:
~~أنه فصل بين الحال وذيها بخبر المبتدأ، وقوله سبحانه: { وغضب الله
~~عليه } عطف على مقدر تدل عليه الشرطية دلالة واضحة كأنه قيل: بطريق
~~الاستئناف تقريرا لمضمونها حكم الله تعالى بأن جزاءه ذلك  وغضب عليه 
~~أي انتقم منه على ما عليه الأشاعرة { ولعنه } أي أبعده عن رحمته
~~بجعل جزائه ما ذكر، وقيل: هو وما بعده معطوف على الخبر بتقدير أن وحمل
~~الماضي على معنى المستقبل أي فجزاؤه جهنم وأن يغضب الله تعالى عليه الخ {
~~وأعد له عذابا عظيما } لا يقادر قدره.

# والآية  كما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير  نزلت في مقيس بن ضبابة
~~الكناني أنه أسلم هو وأخوه هشام وكانا بالمدينة فوجد مقيس أخاه هشاما
~~ذات يوم قتيلا في الأنصار في بني النجار فانطلق إلى النبي صلى الله
~~عليه وسلم فأخبره بذلك فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من قريش
~~من بني فهر  ومعه مقيس إلى بني النجار ومنازلهم يومئذ بقباء  أن ادفعوا
~~إلى مقيس قاتل أخيه إن علمتم ذلك وإلا فادفعوا إليه الدية فلما جاءهم
~~الرسول قالوا: السمع والطاعة لله تعالى ms02024 وللرسول صلى الله عليه وسلم والله
~~تعالى ما نعلم له قاتلا ولكن نؤدي الدية فدفعوا إلى مقيس مائة من الإبل
~~دية أخيه، فلما انصرف مقيس والفهري راجعين من قباء إلى المدينة، وبينهما
~~ساعة عمد مقيس إلى الفهري رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله وارتد
~~عن الإسلام، وفي رواية أنه ضرب به الأرض وفضخ رأسه بين حجرين وركب جملا
~~من الدية وساق معه البقية ولحق بمكة، وهو يقول في شعر له:

# قتلت به فهرا وحملت عقله

# سراة بني النجار أرباب (قارع)

# وأدركت ثأري واضجعت موسدا

# وكنت إلى الأوثان أول راجع

# فنزلت هذه الآية مشتملة على إبراق وإرعاد وتهديد وإبعاد، وقد تأيدت بغير
~~ما خبر ورد عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج أحمد والنسائي عن
~~معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " كل ذنب عسى الله تعالى أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل
~~مؤمنا متعمدا "

# وأخرج ابن المنذر / عن أبي الدرداء مثله، وأخرج ابن عدي والبيهقي عن
~~ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " من أعان على دم امرىء مسلم بشطر كلمة كتب بين عينيه يوم القيامة آيس
~~من رحمة الله تعالى "

# ، وأخرجا عن البراء بن عازب

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لزوال الدنيا وما فيها أهون عند
~~الله تعالى من قتل مؤمن ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن
~~لأدخلهم الله تعالى النار "

# ، وفي رواية الأصبهاني عن ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال:

# " لو أن الثقلين اجتمعوا على قتل مؤمن لأكبهم الله تعالى على مناخرهم في
~~النار، وإن الله تعالى حرم الجنة على القاتل والآمر "

# ، واستدل بذلك ونحوه من القوارع المعتزلة على خلود من قتل مؤمنا
~~متعمدا في النار، وأجاب بعض المحققين بأن ذلك خارج مخرج التغليظ في
~~الزجر لا سيما الآية لاقتضاء النظم له فيها كقوله تعالى:

# ومن كفر

# [آل عمران: 97] في آية الحج،

# " وقول صلى الله عليه وسلم للمقداد بن ms02025 الأسود  كما في «الصحيحين» حين
~~سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب  «لا تقتله فإن
~~قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول الكلمة التي
~~قال "

# ، وعلى ذلك يحمل ما أخرجه عبد بن حميد عن الحسن قال: «قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " نازلت ربي في قاتل المؤمن أن يجعل له توبة فأبى علي "

# وما أخرجه عن سعيد بن عينا أنه قال: «كنت جالسا بجنب أبي هريرة رضي
~~الله تعالى عنه إذ أتاه رجل فسأله عن قاتل المؤمن هل له من توبة؟ فقال:
~~لا والذي لا إله إلا هو لا يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط».

# وشاع القول بنفي التوبة عن ابن عباس، وأخرجه غير واحد عنه وهو محمول على
~~ما ذكرنا، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن حميد والنحاس عن سعيد بن عبيدة أن ابن
~~عباس كان يقول: لمن قتل مؤمنا توبة فجاءه رجل فسأله ألمن قتل مؤمنا
~~توبة؟ قال: لا إلا النار فلما قام الرجل قال له جلساؤه: ما كنت هكذا
~~تفتينا كنت تفتينا أن لمن قتل مؤمنا توبة مقبولة فما شأن هذا اليوم؟!
~~قال: إني أظنه رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا فبعثوا في أثره فوجدوه
~~كذلك، وكان هذا أيضا شأن غيره من الأكابر فقد قال سفيان: كان أهل العلم
~~إذا سئلوا قالوا: لا توبة له فإذا ابتلى رجل قالوا له: تب، وأجاب آخرون
~~بأن المراد من الخلود في الآية المكث الطويل لا الدوام لتظاهر النصوص
~~الناطقة بأن عصاة المؤمنين لا يدوم عذابهم، وأخرج ابن المنذر عن عون بن
~~عبد الله أنه قال: (فجزاؤه جهنم إن هو جازاه)، وروي مثله بسند ضعيف عن
~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم،
~~قيل: وهذا كما يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر: إن فعلته فجزاؤك القتل
~~والضرب، ثم إن لم يجازه لم يكن ذلك منه كذبا، والأصل في هذا على ما قال
~~الواحدي: ms02026 إن الله عز وجل يجوز أن يخلف الوعيد وإن امتنع أن يخلف الوعد،
~~وبهذا وردت السنة ففي حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال:

# " من وعده الله تعالى على عمله ثوابا فهو منجزه له، ومن أوعده على عمله
~~عقابا فهو بالخيار "

# «ومن أدعية الأئمة الصادقين رضي الله تعالى عنهم: يا من إذا وعد وفا،
~~وإذا توعد عفا»، وقد افتخرت العرب بخلف الوعيد، ولم تعده نقصا كما يدل
~~عليه قوله:

# وإني إذا أوعدته أو وعدته

# لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

# واعترض بأن الوعيد قسم من أقسام الخبر، وإذا جاز الخلف فيه وهو كذب
~~لإظهار الكرم، فلم لا يجوز في القصص والأخبار لغرض من الأغراض، وفتح ذلك
~~الباب يفضي إلى الطعن في الشرائع كلها.

# / والقائلون بالعفو عن بعض المتوعدين منهم من زعم أن آيات الوعيد إنشاء،
~~ومنهم من قال: إنها أخبار إلا أن هناك شرطا محذوفا للترهيب فلا خلف
~~بالعفو فيها، وقال شيخ الإسلام: «والتحقيق أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن
~~فيه على الأصل لأنه إخبار منه تعالى بأن جزاءه ذلك لا بأنه يجزيه [بذلك]
~~كيف لا وقد قال عز وجل:

# وجزآء سيئة سيئة مثلها

# [الشورى:40] ولو كان هذا إخبارا بأنه سبحانه يجزي كل سيئة بمثلها
~~لعارضه قوله جل شأنه:

# ويعفوا عن كثير

# [الشورى: 30] وهذا مأخوذ من كلام أبي صالح وبكر بن عبد الله، واعترضه
~~أبو علي الجبائي بأن ما لا يفعل لا يسمى جزاءا ألا ترى أن الأجير إذا
~~استحق الأجرة فالدراهم التي عند مستأجره لا تسمى جزاءا ما لم تعط له
~~وتصل إليه؟ وتعقبه الطبرسي «بأن هذا لا يصح لأن الجزاء عبارة عن المستحق
~~سواء فعل أم لم يفعل، ولهذا يقال: جزاء المحسن الإحسان وجزاء المسيء
~~الإساءة، وإن لم يتعين المحسن والمسيء حتى يقال: فعل ذلك معهما أو لم
~~يفعل، ويقال لمن قتل غيره: جزاء هذا أن يقتل، (وهو كلام صادق وإن لم يفعل
~~القتل) وإنما لا يقال للدراهم: إنها جزاء الأجير لأن الأجير ms02027 إنما يستحق
~~الأجرة في الذمة لا في الدراهم المعينة، فللمستأجر أن يعطيه منها ومن
~~غيرها».

# واعترض بأنا سلمنا أنه لا يلزم في الجزاء أن يفعل إلا أن كثيرا من
~~الآيات كقوله تعالى:

# من يعمل سوءا يجز به

# [النساء: 123]

# ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره

# [الزلزلة: 8] يدل على أنه تعالى يوصل الجزاء إلى المستحقين البتة، وفي
~~الآية ما يشير إليه؛ ولا يخفى ما فيه لأن الآيات التي فيها أنه تعالى
~~يوصل الجزاء إلى مستحقه كلها في حكم آيات الوعيد والعفو فيه جائز، فلا
~~معنى للقول بالبت، ومن هنا قيل: إن الآية لا تصلح دليلا للمعتزلة مع
~~قوله تعالى:

# ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء

# [النساء: 48].

# وقد أخرج البيهقي عن قريش بن أنس قال: «كنت عند عمرو بن عبيد في بيته
~~فأنشأ يقول: يؤتى بي يوم القيامة فأقام بين يدي الله تعالى فيقول لي: لم
~~قلت: إن القاتل في النار؟ فأقول أنت قلته ثم تلا هذه الآية { ومن
~~يقتل مؤمنا } الخ فقلت له: وما في البيت أصغر مني أرأيت إن قال
~~لك فإني قد قلت:

# إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون
~~ذلك لمن يشاء

# [النساء: 48] فمن أين علمت أني لا أشاء أن أغفر لهذا؟ قال: فما استطاع
~~أن يرد علي شيئا»، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن المنذر عن إسماعيل بن ثوبان
~~قال: «جالست الناس قبل الداء الأعظم في المسجد الأكبر فسمعتهم يقولون لما
~~نزلت { ومن يقتل مؤمنا } الآية: قال المهاجرون والأنصار وجبت
~~لمن فعل هذا النار حتى نزلت { إن الله لا يغفر أن يشرك
~~به } الخ، فقال المهاجرون والأنصار يصنع الله تعالى ما شاء» وبآية
~~المغفرة رد ابن سيرين على من تمسك بآية الخلود وغضب عليه وأخرجه من عنده
~~وكون آية الخلود بعد تلك الآية نزولا بستة أشهر، أو بأربعة أشهر  كما
~~روي عن زيد بن ثابت  لا يفيد شيئا، ودعوى النسخ في مثل ذلك مما لا يكاد
~~يصح كما لا يخفى، وأجاب بعض الناس بأن حكم الآية ms02028 إنما هو للقاتل المستحل
~~وكفره مما لا شك فيه فليس ذلك محلا للنزاع، ويدل عليه أنها نزلت في
~~الكناني حسبما مرت حكايته، وقد روى عن عكرمة وابن جريج وجماعة أنهم فسروا
~~{ متعمدا } بمستحلا؛ واعترض بأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص
~~السبب، وبأن تفسير المتعمد بالمستحل مما لا يكاد يقبل إذ ليس هو معناه
~~لغة ولا شرعا فإن التزم المجاز فلا دليل عليه وسبب النزول لا يصلح أن
~~يكون دليلا لما علمت الآن على أنه يفوت التقابل بين هذا القتل المذكور
~~في هذه الآية والقتل المذكور في الآية السابقة وهو الخطأ الصرف، وقيل: إن
~~الاستحلال يفهم من تعليق القتل بالمؤمن لأنه مشتق؛ وتعليق الحكم بالمشتق
~~/ يفيد علية مبدأ الاشتقاق، فكأنه قيل: ومن يقتل مؤمنا لأجل إيمانه ولا
~~شك أن من يقتله لذلك لا يكون إلا مستحلا فلا يكون إلا كافرا فيخرج هذا
~~القاتل عن محل النزاع وإن لم يعتبر سبب النزول، واعترض بأن المؤمن وإن
~~كان مشتقا في الأصل إلا أنه عومل معاملة الجوامد، ألا ترى أن قولك كلمت
~~مؤمنا مثلا لا يفهم منه أنك كلمته لأجل إيمانه؟ ولو أفاد تعليق الحكم
~~بالمؤمن العلية لكان ضرب المؤمن وترك السلام عليه والقيام له كقتله كفرا
~~ولا قائل به، واعتبار الاشتقاق تارة وعدم اعتباره أخرى خارج عن حيز
~~الاعتبار فليفهم، ثم إنه سبحانه ذكر هنا حكم القتل العمد الأخروي، ولم
~~يذكر حكمه الدنيوي اكتفاءا بما تقدم في آية البقرة.

# [178].

### || [4.94]

# { يأيها الذين ءامنوا } شروع في التحذير عما يوجب الندم
~~من قتل من لا ينبغي قتله. { إذا ضربتم فى سبيل الله } أي
~~سافرتم للغزو على ما يدل عليه السباق والسياق { فتبينوا } أي
~~فاطلبوا بيان الأمر في كل ما تأتون وتذرون ولا (تعملوا) فيه من غير تدبر
~~وروية، وقرأ حمزة وعلي وخلف  فتثبتوا  أي فاطلبوا ثبات الأمر ولا
~~تعجلوا فيه، والمعنيان متقاربان، وصيغة التفعيل بمعنى الاستقبال، ودخلت
~~الفاء لما في { إذا } من معنى الشرط كأنه قيل: إن غزوتم فتبينوا {
~~ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم ms02029 } أي حياكم
~~بتحية الإسلام ومقابلها تحية الجاهلية  كأنعم صباحا وحياك الله تعالى 
~~وقرأ حمزة وخلف وأهل الشام  السلم  بغير ألف، وفي بعض الروايات عن عاصم
~~أنه قرأ  السلم  بكسر السين وفتح اللام، ومعناه في القرائتين الاستسلام
~~والانقياد، وبه فسر بعضم { السلم } أيضا في القراءة المشهورة،
~~واللام على ما قال السمين: للتبليغ، والماضي بمعنى المضارع، و(من) موصولة
~~أو موصوفة، والمراد النهي عما هو نتيجة لترك المأمور به، وتعيين مادة
~~مهمة من المواد التي يجب فيها التبيين والتثبيت، وتقييد ذلك بالسفر لأن
~~عدم التبيين كان فيه لا لأنه لا يجب إلا فيه، والمعنى لا تقولوا لمن أظهر
~~لكم ما يدل على إسلامه: { لست مؤمنا } وإنما فعلت ذلك خوف القتل
~~بل اقبلوا منه ما أظهر وعاملوه بموجبه.

# وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه ومحمد بن علي الباقر رضي الله تعالى
~~عنهما وأبي جعفر القاري أنهم قرؤوا { مؤمنا } بفتح الميم الثانية أي
~~مبذولا لك الأمان.

# { تبتغون عرض الحيوة الدنيا } أي تطلبون ماله الذي هو
~~حطام سريع الزوال وشيك الانتقال، والجملة في موضع الحال من فاعل {
~~تقولوا } مشعرا بما هو الحامل لهم على العجلة، والنهي راجع إلى
~~القيد والمقيد، وقوله تعالى: { فعند الله مغانم كثيرة }
~~تعليل للنهي عن القيد بما فيه من الوعد الضمني كأنه قيل: لا تبتغوا ذلك
~~العرض القليل الزائل فإن عنده سبحانه وفي مقدوره مغانم كثيرة يغنمكموها
~~فيغنيكم عن ذلك، وقوله سبحانه: { كذلك كنتم من قبل فمن
~~الله عليكم } تعليل للنهي عن المقيد باعتبار أن المراد منه رد
~~إيمان الملقي لظنهم أن الإيمان العاصم ما ظهرت على صاحبه دلائل تواطىء
~~الباطن والظاهر ولم تظهر فيه، واسم الإشارة إشارة إلى الموصول باعتبار
~~اتصافه بما فيه حيز الصلة، والفاء في { فمن } للعطف على { كنتم }
~~وقدم خبرها للقصر المفيد لتأكيد المشابهة كأنه قيل: لا تردوا إيمان من
~~حياكم بتحية الإسلام وتقولوا إنه ليس بإيمان عاصم ولا يعد المتصف به
~~مؤمنا معصوما لظنكم اشتراط التواطؤ في العصمة ومجرد التحية لا يدل
~~عليه، فإنكم كنتم أنتم ms02030 في مبادىء إسلامكم مثل هذا الملقي في عدم ظهور شيء
~~للناس منكم غير ما ظهر منه لكم من التحية ونحوها، ولم يظهر منكم ما
~~تظنونه شرطا مما يدل على التواطؤ، / ومجرد أن الدخول في الإسلام لم يكن
~~تحت ظلال السيوف لا يدل على ذلك فمن الله تعالى عليكم بأن قبل ذلك منكم
~~ولم يأمر بالفحص عن تواطؤ ألسنتكم وقلوبكم، وعصم بذلك دماءكم وأموالكم،
~~فإذا كان الأمر كذلك { فتبينوا } هذا الأمر ولا تعجلوا وتدبروا
~~ليظهر لكم أن ظاهر الحال كاف في الإيمان العاصم حيث كفى فيكم من قبل،
~~وأخر هذا التعليل على ما قيل لما فيه من نوع تفصيل ربما يخل تقديمه
~~بتجاوب أطراف النظم الكريم مع ما فيه من مراعاة المقارنة بين التعليل
~~السابق وبين ما علل به، أو لأن في تقديم الأول إشارة ما إلى ميل القوم
~~نحو ذلك العرض، وأن سرورهم به أقوى، ففي تقديمه تعجيل لمسرتهم، وفيه نوع
~~حط عليهم  رفع الله تعالى قدرهم ورضي المولى عز شأنه عنهم  أو لأنه
~~أوضح في التعليل من التعليل الأخير وأسبق للذهن منه، ولعله لم يعطف أحد
~~التعليلين على الآخر لئلا يتوهم أنهما تعليلا شيء واحد أو أن مجموعهما
~~علة، وقيل: موافقة لما علل بهما من القيد والمقيد حيث لم يتمايزا بالعطف،
~~وقيل: إنما لم يعطف لأن الأول تعليل للنهي الثاني بالوعد بأمر أخروي لأن
~~المعنى لا تبتغوا عرض الحياة الدنيا لأن عنده سبحانه ثوابا كثيرا في
~~الآخرة أعده لمن لم يبتغ ذلك، وعبر عن الثواب  بالمغانم  مناسبة
~~للمقام، والتعليل الثاني للنهي الأول ليس كذلك، وذكر الزمخشري وغيره في
~~الآية ما رده شيخ الإسلام بما يلوح عليه مخايل التحقيق، وقال بعض الناس
~~فيها: إن المعنى كما كان هذا الذي قتلتموه مستخفيا بدينه في قومه خوفا
~~على نفسه منهم كنتم أنتم مستخفين بدينكم حذرا من قومكم على أنفسكم، فمن
~~الله تعالى عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله حتى أظهرتم الإسلام بعدما كنتم
~~تكتمونه من أهل الشرك فتبينوا نعمة الله تعالى عليكم، أو ms02031 تبينوا أمر من
~~تقتلونه، ولا يخفى أن هذا  وإن كان بعضه مرويا عن ابن جبير  غير واف
~~بالمقصود على أن القول بأن المخاطبين كانوا مستخفين بدينهم حذرا من
~~قومهم في حيز المنع اللهم إلا أن يقال: إن كون البعض كان مستخفيا كاف في
~~الخطاب، وقيل: إن قوله سبحانه: { فمن الله عليكم } منقطع عما
~~قبله، وذلك أنه تعالى لما نهى القوم عن قتل من ذكر أخبرهم بعد بأنه من
~~عليهم بأن قبل توبتهم عن ذلك الفعل المنكر، ثم أعاد الأمر بالتبيين
~~مبالغة في التحذير، أو أمر بتبيين نعمته سبحانه شكرا لما من عليهم به 
~~وهو كما ترى .

# واختلف في سبب الآية، فأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن حميد وصححه عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنما له فسلم عليهم فقالوا: ما سلم
~~علينا إلا ليتعوذ منا فعمدوا له فقتلوه وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه
~~وسلم فنزلت». وأخرج ابن جرير عن السدي قال:

# " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني
~~ضمرة فلقوا رجلا منهم يدعى مرداس بن نهيك معه غنيمة له وجمل أحمر فآوى
~~إلى كهف جبل واتبعه أسامة فلما بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه ثم أقبل
~~عليهم فقال: السلام عليكم أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله
~~فشد عليه أسامة فقتله من أجل جمله وغنيمته، وكان النبي صلى الله عليه
~~وسلم إذا بعث أسامة أحب أن يثني عليه خيرا ويسأل عنه أصحابه، فلما رجعوا
~~لم يسألهم عنه فجعل القوم يحدثون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: يا
~~رسول الله لو رأيت أسامة وقد لقيه رجل فقال الرجل: لا إله إلا الله محمد
~~رسول الله فشد عليه فقتله وهو معرض عنهم فلما أكثروا عليه رفع رأسه إلى
~~أسامة فقال: كيف أنت ولا إله إلا الله؟! فقال يا رسول الله إنما قالها
~~متعوذا يتعوذ ms02032 بها فقال عليه الصلاة والسلام: هلا شققت عن قلبه فنظرت
~~إليه؟! "

# ثم نزلت الآية. / وأخرج عن ابن زيد أنها نزلت في رجل قتله أبو الدرداء،
~~وذكر من قصته مثل ما ذكر من قصة أسامة، والاقتصار على ذكر تحية الإسلام
~~على هذا  مع أنها كانت مقرونة بكلمة الشهادة  للمبالغة في النهي
~~والزجر، والتنبيه على كمال ظهور خطئهم ببيان أن التحية كانت كافية في
~~المكافة والانجزار عن التعرض لصاحبها فكيف وهي مقرونة بتلك الكلمة
~~الطيبة، واستدل بالآية وسياقها على صحة إيمان المكره وأن المجتهد قد
~~يخطىء وإن خطأه مغتفر، وجه الدلالة على الأول أنه مع ظن القاتلين أن
~~إسلام من ذكر لخوف القتل وهو إكراه معنى أنكر عليهم قتله فلولا صحة
~~إسلامه لم ينكر، ووجه الدلالة على الثاني أنه أمر فيها بالتبيين المشعر
~~بأن العجلة خطأ. ووجه الدلالة على الثالث مأخوذ من السياق وعدم الوعيد
~~على ترك التبيين، وذهب بعضهم إلى أنه لا عذر في ترك التثبت في مثل هذه
~~الأمور، وأن المخطىء آثم، واحتج على ذلك بما أخرجه ابن أبي حاتم
~~والبيهقي عن الحسن

# " أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهبوا يتطرقون فلقوا
~~ناسا من العدو فحملوا عليهم فهزموهم فشد رجل منهم فتبعه رجل يريد متاعه
~~فلما غشيه بالسنان قال: إني مسلم إني مسلم فأوجره السنان فقتله وأخذ
~~متيعه، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة
~~والسلام للقاتل: أقتلته بعد ما قال: إني مسلم؟! قال: يا رسول الله إنما
~~قالها متعوذا قال: أفلا شققت عن قلبه؟! قال: لم يا رسول الله؟ قال:
~~لتعلم أصادق هو أو كاذب؟ قال: كنت عالم ذلك يا رسول الله قال عليه الصلاة
~~والسلام: إنما كان يبين عنه لسانه إنما كان يعبر عنه لسانه، قال: فما لبث
~~القاتل أن مات فحفر له أصحابه فأصبح وقد وضعته الأرض، ثم عادوا فحفروا
~~له، فأصبح وقد وضعته الأرض إلى جنب قبره، قال الحسن فلا أدري كم قال
~~أصحاب رسول الله صلى ms02033 الله عليه وسلم: دفناه مرتين أو ثلاثا كل ذلك لا
~~تقبله الأرض فلما رأينا الأرض لا تقبله أخذنا برجله فألقيناه في بعض تلك
~~الشعاب "

# فأنزل الله تعالى قوله سبحانه: { يأيها الذين آمنوا }
~~الآية، وفي رواية عبد الرزاق عن قتادة

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الأرض أبت أن تقبله فألقوه في
~~غار من الغيران "

# ووجه الدلالة في هذا على الإثم ظاهر، وأجيب بأن هذا القاتل لعله لم يفعل
~~ذلك لكون المقتول غير مقبول الإسلام عنده بل لأمر آخر، واعتذر بما اعتذر
~~كاذبا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد
~~وابن المنذر والطبراني وجماعة عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال:
~~«بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم فخرجت في نفر من المسلمين
~~فيهم أبو قتادة الحرث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي فخرجنا حتى
~~إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود معه متيع له
~~ووطب من لبن فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام فأمسكنا عنه وحمل عليه
~~محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه فقتله وأخذ متيعة فلما قدمنا رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن { يأيها
~~الذين آمنوا } الخ، والظاهر أن الرجل المبهم في خبر الحسن هو هذا
~~الرجل المصرح به في هذا الخبر، وهو يدل على أن القتل كان لشيء كان في
~~القلب من ضغائن قديمة، وإنما قلنا: إن هذا هو الظاهر لما في خبر ابن عمر

# " أن محلما بن جثامة لما رجع جاء النبي صلى الله عليه وسلم في بردين
~~فجلس بين يديه عليه الصلاة والسلام ليستغفر له فقال: لا غفر الله تعالى
~~لك، فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه فما مضت ساعة حتى مات ودفنوه فلفظته
~~الأرض فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فقال: إن الأرض
~~تقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله تعالى أراد أن يعظكم، ثم طرحوه بين ms02034
~~صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة "

# فإن الذي يميل القلب إليه اتحاد القصة، واعترض على القول بعدم الوعيد
~~بأن قوله تعالى: { إن الله كان بما تعملون خبيرا } /
~~يستفاد منه الوعيد أي أنه سبحانه لم يزل ولا يزال بكل ما تعملونه من
~~الأعمال الظاهرة والخفية وبكيفياتها، ويدخل في ذلك التثبيت وتركه دخولا
~~أوليا مطلع أتم اطلاع فيجازيكم بحسب ذلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر،
~~والجملة تعليل بطريق الاستئناف، وقرىء بفتح { أن } على أنه معمول 
~~لتبينوا  أو على حذف لام التعليل.

### || [4.95]

# { لا يستوى القعدون } شروع في الحث على الجهاد ليأنفوا عن
~~تركه وليرغبوا عما يوجب خللا فيه، والمراد بالقاعدين الذين أذن لهم في
~~القعود عن الجهاد اكتفاءا بغيرهم، وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما  هم القاعدون  عن بدر؛ وهو الظاهر الموافق للتاريخ على ما
~~قيل، وقال أبو حمزة: إنهم المتخلفون عن تبوك، وروي أن الآية نزلت في كعب
~~بن مالك من بني سلمة ومرارة بن الربيع من بني عمرو بن عوف والربيع وهلال
~~بن أمية من بني واقف حين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك
~~الغزوة. { من المؤمنين } حال من القاعدين، وجوز أن يكون من
~~الضمير المستتر فيه، وفائدة ذلك الإيذان من أول الأمر بأن القعود عن
~~الجهاد لا يقعد بهم عن الإيمان، والإشعار بعلة استحقاقهم لما سيأتي من
~~الحسنى أي لا يعتدل المتخلفون عن الجهاد حال كونهم كائنين من المؤمنين {
~~غير أولى الضرر } بالرفع على أنه صفة  للقاعدون  وهو إن كان
~~معرفة، و { غير } لا تتعرف في مثل هذا الموضع لكنه غير مقصود منه 
~~قاعدون  بعينهم بل الجنس، فأشبه الجنس فصح وصفه بها، وزعم عصام الدين إن
~~{ غير } هنا معرفة، و { غير أولى الضرر } بمعنى لا ضرر له.
~~ونقل عن الرضي  وبه ضعف ما تقدم  أن المعرف باللام المبهم وإن كان في
~~حكم النكرة لكنه لا يوصف بما توصف به النكرة، بل يتعين أن تكون صفته جملة
~~فعلية فعلها مضارع كما في قوله: ms02035

# ولقد أمر على اللئيم يسبني

# فأصد ثم أقول ما يعنيني

# واستحسن بعضهم جعله بدلا من { القعدون } لأن أل فيه موصولة،
~~والمعروف إرادة الجنس في المعرف بالألف واللام، وبينهما فرق، وجوز الزجاج
~~الرفع على الاستثناء، وتبعه الواحدي فيه، وقرأ نافع وابن عامر والكسائي
~~بالنصب على أنه حال، وهو نكرة لا معرفة، أو على الاستثناء ظهر إعراب ما
~~بعده عليه، وقرىء بالجر على أنه صفة للمؤمنين، أو بدل منه وكون النكرة لا
~~تبدل من المعرفة إلا موصوفة أكثري لا كلي، والضرر المرض والعلل التي لا
~~سبيل معها إلى الجهاد، وفي معناها  أو هو داخل فيها  العجز عن الأهبة،
~~وقد نزلت الآية وليس فيها { غير أولى الضرر } ثم نزل بعد، فقد
~~روى مالك عن الزهري عن خارجة بن زيد قال: قال زيد بن ثابت:

# " كنت أكتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في كتف  لا يستوي
~~القاعدون من المؤمنين والمجاهدون  وابن أم مكتوم عند النبي صلى الله
~~عليه وسلم فقال: يا رسول الله قد أنزل الله تعالى في فضل الجهاد ما أنزل
~~وأنا رجل ضرير فهل لي من رخصة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا أدري
~~قال زيد: وقلمي رطب ما جف حتى غشي النبي صلى الله عليه وسلم الوحي ووقع
~~فخذه على فخذي حتى كادت تدق من ثقل الوحي، ثم جلى عنه، فقال لي: أكتب يا
~~زيد { غير أولى الضرر } "

# { والمجهدون فى سبيل الله } في منهاج دينه {
~~بأمولهم } إنفاقا فيما يوهن كيد الأعداء { وأنفسهم } حملا
~~لها على الكفاح عند اللقاء، وكلا الجارين متعلق  بالمجاهدون  وأوردوا
~~بهذا العنوان دون عنوان الخروج المقابل لوصف المعطوف عليه، وقيده بما
~~قيده مدحا لهم وإشعارا بعلة استحقاقهم لعلو المرتبة مع ما فيه من حسن
~~موقع السبيل في مقابلة القعود كما قيل، وقيل: إنما أوردوا بعنوان الجهاد
~~/ إشعارا بأن القعود كان عنه ولكن ترك التصريح به هناك رعاية لهم في
~~الجملة، وقدم (القاعدون) على  المجاهدين  ولم يؤخر عنهم ليتصل التصريح
~~بتفضيلهم بهم، وقيل: للإيذان من أول ms02036 الأمر بأن القصور الذي ينبىء عنه عدم
~~الاستواء من جهة القاعدين لا من جهة مقابليهم، فإن مفهوم عدم الاستواء
~~بين الشيئين المتفاوتين زيادة ونقصانا وإن جاز اعتباره بحسب زيادة
~~الزائد، لكن المتبادر اعتباره بحسب قصور القاصر، وعليه قوله تعالى:

# هل يستوى الأعمى والبصير أم هل تستوى
~~الظلمت والنور

# [الرعد: 16] إلى غير ذلك، وأما قوله تعالى:

# هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون

# [الزمر: 9] فلعل تقديم الفاضل فيه لأن صلته ملكة لصلة المفضول. وأنت
~~تعلم أنه لا تزاحم في النكات وأنه قد يكون في شيء واحد جهة تقديم وجهة
~~تأخير، فتعتبر هذه تارة وتلك أخرى، وإنما قدم سبحانه وتعالى هنا ذكر
~~الأموال على الأنفس وعكس في قوله عز شأنه:

# إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم
~~وأمولهم

# [التوبة: 111] لأن النفس أشرف من المال فقدم المشتري النفس تنبيها على
~~أن الرغبة فيها أشد وأخر البائع تنبيها على أن المماكسة فيها أشد فلا
~~يرضى ببذلها إلا في فائدة.

# وعلى ذلك النمط جاء أيضا قوله تعالى: { فضل الله
~~المجهدين } في سبيله { بأمولهم وأنفسهم على
~~القعدين } من المؤمنين غير أولي الضرر { درجة } لا يقادر
~~قدرها ولا يبلغ كنهها، وهذا تصريح بما أفهمه نفي المساواة فإنه يستلزم
~~التفضيل إلى أنه لم يكتف بما فهم اعتناءا به وليتمكن أشد تمكن، ولكون
~~الجملة مبينة وموضحة لما تقدم لم تعطف عليه، وجوز أن تكون جواب سؤال
~~ينساق إليه المقال كأنه قيل: كيف وقع ذلك التفضيل؟ فقيل: فضل الله الخ،
~~واللام كما أشرنا إليه في الجمعين للعهد ولا يأباه كون مدخولها وصفا 
~~كما قيل  إذ كثيرا ما ترد أل فيه للتعريف كما صرح به النحاة، و (درجة)
~~منصوب على المصدر لتضمنها التفضيل لأنها المنزلة والمرتبة وهي تكون في
~~الترقي والفضل، فوقعت موقع المصدر كأنه قيل: فضلهم تفضيلة، وذلك مثل
~~قولهم: ضربته سوطا أي ضربة، وقيل: على الحال أي ذوي درجة، وقيل: على
~~التمييز، وقيل: على تقدير حذف الجار أي بدرجة، وقيل: هو واقع موقع الظرف
~~أي في درجة ومنزلة، وقوله تعالى: ms02037 { وكلا } مفعول أول لما يعقبه قدم
~~عليه لإفادة القصر تأكيدا للوعد، وتنوينه عوض عن المضاف إليه أي كل واحد
~~من الفريقين المجاهدين والقاعدين { وعد الله } المثوبة {
~~الحسنى } وهي الجنة  كما قال قتادة وغيره  لا أحدهما فقط، وقرأ
~~الحسن  وكل  بالرفع على الابتداء، فالمفعول الأول  وهو العائد في جملة
~~الخبر  محذوف أي وعده، وكأن التزام النصب في المتواترة لأن قبله جملة
~~فعلية وبذلك خالف ما في  الحديد  و (الحسنى) على القراءتين هو المفعول
~~الثاني، والجملة اعتراض جيء به تداركا لما عسى يوهمه تفضيل أحد الفريقين
~~على الآخر من حرمان المفضول.

# وقوله سبحانه: { وفضل الله المجهدين على
~~القعدين } عطف على ما قبله، وأغنت أل عن ذكر ما ترك على سبيل
~~التدريج من القيود، وإنما لم يعتبر التدريج في ترك ما ذكر مع القاعدين
~~أولا بأن يترك من المؤمنين فقط، ويذكر { غير أولى الضرر } في
~~الآية الأولى ويتركهما معا في الآية الثانية، بل تركهما دفعة واحدة عند
~~أول قصد التدريج قيل: لأن قيد { غير أولى الضرر } كان بعد
~~السؤال كما يشير إليه سبب النزول. وفي بعض أخباره أن ابن أم مكتوم لما
~~نزلت الآية جعل يقول: أي رب أين عذري أي رب أين عذري؟؟ فنزل ذلك فانسدت
~~باب الحاجة إليه، وقنع السائل بذكره مرة فأسقط مع ما معه الساقط لذلك
~~القصد دفعة، ولا كذلك / ما ذكر مع المجاهدين، فإن الإتيان به كان عن محض
~~الفضل والامتنان من غير سابقة سؤال فلما فتحت باب الإسقاط اعتبر فيه
~~التدريج فرقا بين المقامين، وقوله تعالى: { أجرا عظيما } مصدر
~~مؤكد  لفضل  وهو وإن كان بمعنى أعطى الفضل وهو أعم من الأجر لأنه ما
~~يكون في مقابلة أمر لكن أريد به هنا الأخص لأنه في مقابلة الجهاد، ويجوز
~~أن يبقى على معناه، و { أجرا } مفعول به ولتضمنه معنى الإعطاء نصب
~~المفعول أي أعطاهم زيادة على القاعدين أجرا عظيما، وقيل: هو منصوب بنزع
~~الخافض أي فضلهم بأجر. وجعله  صفة لقوله تعالى: { درجت }.

### || [4.96]

# { درجت } قدم عليها فانتصب على الحال، ms02038 ولكونه مصدرا في الأصل
~~يستوي فيه الواحد وغيره جاز نعت الجمع به  بعيد، وجوز في { درجت }
~~أن يكون بدلا من

# أجرا

# [النساء: 95] بدل الكل مبينا لكمية التفضيل، وأن يكون حالا أي ذوي
~~درجات، وأن يكون واقعا موقع الظرف أي في درجات، وقوله سبحانه: { منه
~~} متعلق بمحذوف وقع صفة  لدرجات  دالة على فخامتها وعلو شأنها، أخرج
~~عبد بن حميد عن ابن محيرز أنه قال: هي سبعون درجة ما بين الدرجتين عدو
~~الفرس الجواد المضمر سبعين سنة، وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي
~~سعيد

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من رضي بالله تعالى ربا
~~وبالإسلام دينا وبمحمد عليه الصلاة والسلام رسولا وجبت له الجنة فعجب
~~لها أبو سعيد فقال: أعدها علي يا رسول الله فأعادها عليه، ثم قال صلى
~~الله عليه وسلم: وأخرى يرفع الله تعالى بها العبد مائة درجة في الجنة ما
~~بين كل درجتين كما بين السماء والأرض قال: وما هي يا رسول الله؟ قال:
~~الجهاد في سبيل الله تعالى "

# ، وعن السدي أنها سبعمائة، وجوز أن يكون انتصاب درجات على المصدرية كما
~~في قولك: ضربته أسواطا أي ضربات، كأنه قيل: فضلهم تفضيلات، وجمع القلة
~~هنا قائم مقام جمع الكثرة، وقيل: إنه على بابه. والمراد بالدرجات ما ذكر
~~في آية براءة

# ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب
~~أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا
~~بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ
~~ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون
~~موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا
~~إلا كتب لهم به عمل صالح

# إلى قوله سبحانه:

# ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون

# [التوبة: 120121] ونسب إلى عبد الله بن زيد.

# وقوله عز شأنه: { ومغفرة } عطف على { درجت } الواقع بدلا
~~من

# أجرا

# [النساء: 95] بدل الكل إلا أن هذا بدل البعض منه لأن بعض الأجر ليس من
~~باب المغفرة، أي ومغفرة عظيمة لما يفرط منهم من الذنوب التي لا يكفرها
~~سائر الحسنات التي يأتي بها القاعدون، ms02039 (فحينئذ) تعد من خصائصهم، وقوله
~~تعالى: { ورحمة } عطف عليه أيضا وهو بدل الكل من { أجرا } ،
~~وجوز أن يكون انتصابهما بفعل مقدر أي غفر لهم مغفرة ورحمهم رحمة. هذا
~~ولعل تكرير التفضيل بطريق العطف المنبىء عن المغايرة، وتقييده  تارة
~~بدرجة وأخرى بدرجات مع اتحاد المفضل والمفضل عليه حسبما يستدعيه الظاهر
~~إما لتنزيل الاختلاف العنواني بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات منزلة
~~الاختلاف الذاتي تمهيدا لسلوك طريق الإبهام ثم التفسير روما لمزيد
~~التحقيق والتقرير المؤذن بأن فضل المجاهدين بمحل لا تستطيع طير الأفكار
~~الخضر أن تصل إليه، ولما كان هذا مما يكاد أن يتوهم منه حرمان القاعدين
~~اعتنى سبحانه بدفع ذلك بقوله عز قائلا:

# وكلا وعد الله الحسنى

# [النساء: 95] ثم أراد جل شأنه تفسير ما أفاده التنكير بطريق الإبهام
~~بحيث يقطع احتمال كونه للوحدة، فقال ما قال وسد باب الاحتمال.

# / ولا يخفى ما في الإبهام والتفسير من اللطف، وأما ما قيل من إفراد
~~الدرجة أولا لأن المراد هناك تفضيل كل مجاهد، والجمع ثانيا لأن المراد
~~فيه تفضيل الجمع ففي الدرجات مقابلة الجمع بالجمع، فلكل مجاهد درجة ومآل
~~العبارتين واحد والاختلاف تفنن، فمن الكلام الملفوظ لا من اللوح المحفوظ،
~~وإما للاختلاف بالذات بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات، وفي هذا  رغب
~~الراغب، واستطيبه الطيبي  على أن المراد بالتفضيل الأول ما خولهم الله
~~تعالى عاجلا في الدنيا من الغنيمة والظفر والذكر الجميل الحقيقي بكونه
~~درجة واحدة، وبالتفضيل الثاني ما ادخره سبحانه لهم من الدرجات العالية
~~والمنازل الرفيعة المتعالية عن الحصر كما ينبىء عنه تقديم الأول وتأخير
~~الثاني وتوسيط الوعد بالجنة بينهما، كأنه قيل: فضلهم عليهم في الدنيا
~~درجة واحدة، وفي الأخرى درجات لا تحصى، وقد وسط بينهما في الذكر ما هو
~~متوسط بينهما في الوجود أعني الوعد بالجنة توضيحا لحالهما ومسارعة إلى
~~تسلية المفضول كذا قرره الفاضل مولانا شيخ الإسلام، وقيل: المراد من
~~التفضيل الأول رضوان الله تعالى ونعيمه الروحاني، ومن التفضيل الثاني
~~نعيم الجنة المحسوس، وفيه أن عطف المغفرة والرحمة يبعد هذا التخصيص،
~~وقيل: المراد ms02040 من المجاهدين الأولين من جاهد الكفار، ومن المجاهدين
~~الآخرين من جاهد نفسه، وزيد لهم في الأجر لمزيد فضلهم كما يدل عليه قوله
~~عليه الصلاة والسلام:

# " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر "

# وفيه أن السياق وسبب النزول يأبيان ذلك، والحديث الذي ذكره لا أصل له
~~كما قال المحدثون. وقيل المراد من القاعدين في الأول الأضراء، وفي الثاني
~~غيرهم كما قال ابن جريج، وأخرجه عنه ابن جرير، وفيه من تفكيك النظم ما لا
~~يخفى.

# بقي أن الآية لا تدل نصا على حكم أولي الضرر بناءا على التفسير
~~المقبول عندنا، نعم في بعض الأحاديث ما يؤذن بمساواتهم للمجاهدين، فقد صح
~~من حديث أنس رضي الله تعالى عنه

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك فدنا من
~~المدينة قال: «إن في المدينة لأقواما ما سرتم من سير ولا قطعتم من واد
~~إلا كانوا معكم فيه قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: نعم وهم
~~بالمدينة حبسهم العذر "

# وعليه دلالة مفهوم الصفة والاستثناء في

# غير أولى الضرر

# [النساء: 95]، وعن الزجاج أنه قال: إلا أولوا الضرر فإنهم يساوون
~~المجاهدين، وعن بعضهم إن هذه المساواة مشروطة بشريطة أخرى غير الضرر قد
~~ذكرت في قوله تعالى: { ليس على الضعفاء ولا على
~~المرضى } إلى قوله سبحانه:

# إذا نصحوا لله ورسوله

# [التوبة: 91] والذي يشهد له النقل والعقل أن الأضراء أفضل من غيرهم درجة
~~كما أنهم دون المجاهدين في الدرجة الدنيوية، وأما إنهم مساوون لهم في
~~الدرجة الأخروية فلا قطع به، والآية  على ما قاله ابن جريج  تدل على
~~أنهم دونهم في ذلك أيضا.

# وقد أخرج ابن المنذر من طريق ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن ابن أم
~~مكتوم كان بعد نزول الآية يغزو، ويقول: ادفعوا إلي اللواء وأقيموني بين
~~الصفين فإني لن أفر، وأخرج ابن منصور عن أنس بن مالك أنه قال: لقد رأيت
~~ابن أم مكتوم بعد ذلك في بعض مشاهد المسلمين ومعه اللواء، ويعلم من نفي
~~المساواة في صدر الآية ms02041 المستلزم للتفضيل المصرح به بعد بين المجاهد
~~بالمال والنفس والقاعد نفيها بين المجاهد بأحدهما والقاعد؛ واحتمال أن
~~يراد من الآية نفي المساواة بين القاعد عن الجهاد بالمال والمجاهد به
~~وبين القاعد عن الجهاد بالنفس والمجاهد بها بأن يكون المراد بالمجاهدين
~~في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم المجاهدين فيه بأموالهم، والمجاهدين / فيه
~~بأنفسهم وبالقاعدين أيضا قسمي القاعد، ويكون المراد نفي المساواة بين كل
~~قسم من القاعد ومقابله بعيد جدا، واحتج بها كما قال ابن الفرس: من فضل
~~الغنى على الفقر بناءا على أنه سبحانه فضل المجاهد بماله على المجاهد
~~بغير ماله، ولا شك أن الدرجة الزائدة من الفضل للمجاهد بماله إنما هي من
~~جهة المال، واستدلوا بها أيضا على تفضيل المجاهد بمال نفسه على المجاهد
~~بمال يعطاه من الديوان ونحوه { وكان الله غفورا رحيما }
~~تذييل مقرر لما وعد سبحانه من قبل.

### || [4.97]

# { إن الذين توفهم الملئكة } بيان لحال القاعدين
~~عن الهجرة إثر بيان القاعدين عن الجهاد، أو بيان لحال القاعدين عن نصرة
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد معه من المنافقين عقب بيان حال
~~القاعدين من المؤمنين، و { توفهم } يحتمل أن يكون ماضيا، وتركت
~~علامة التأنيث للفصل ولأن الفاعل غير مؤنث حقيقي، ويحتمل أن يكون
~~مضارعا، وأصله  تتوفاهم  فحذفت إحدى التاءين تخفيفا، وهو لحكاية
~~الحال الماضية، ويؤيد الأول قراءة من قرأ (توفتهم)، والثاني قراءة
~~إبراهيم { توفهم } بضم التاء على أنه مضارع وفيت بمعنى أن الله
~~تعالى يوفي الملائكة أنفسهم، فيتوفونها أي يمكنهم من استيفائها
~~فيستوفونها، وإلى ذلك أشار ابن جني، والمراد من التوفي قبض الروح، وهو
~~الظاهر الذي ذهب إليه ابن عباس رضي الله تعالى عنه. وعن الحسن أن المراد
~~به الحشر إلى النار، والمراد من الملائكة ملك الموت وأعوانه، وهم  كما
~~في «البحر»  ستة: ثلاثة لأرواح المؤمنين، وثلاثة لأرواح الكافرين، وعن
~~الجمهور أن المراد بهم ملك الموت فقط وهو من إطلاق الجمع مرادا به
~~الواحد تفخيما له وتعظيما لشأنه، ولا يخفى أن إطلاق الجمع على الواحد
~~لا يخلو عن بعد، ms02042 والتحقيق أنه لا مانع من نسبة التوفي إلى الله تعالى
~~وإلى ملك الموت وإلى أعوانه، والوجه في ذلك أن الله تعالى هو الآمر بل هو
~~الفاعل الحقيقي، والأعوان هم المزاولون لإخراج الروح من نحو العروق
~~والشرايين والعصب، والقاطعون لتعلقها بذلك، والملك هو القابض المباشر
~~لأخذها بعد تهيئتها، وفي القرآن

# الله يتوفى الأنفس

# [الزمر: 42] و

# يتوفكم ملك الموت الذي وكل بكم

# [السجدة: 11] و

# توفته رسلنا

# [الأنعام: 61] ومثله { توفهم الملئكة }.

# { ظالمي } بترك الهجرة واختيار مجاورة الكفار الموجبة للإخلال بأمور
~~الدين، أو بنفاقهم وتقاعدهم عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وإعانتهم الكفرة، فقد أخرج الطبراني عن ابن عباس «أنه كان قوم بمكة قد
~~أسلموا فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهوا أن يهاجروا وخافوا
~~فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية». وأخرج ابن جرير عن الضحاك «إن هؤلاء
~~أناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فلم
~~يخرجوا معه إلى المدينة وخرجوا مع مشركي قريش إلى بدر فأصيبوا فيمن أصيب
~~فأنزل الله فيهم هذه الآية» وروي عن عكرمة أن الآية نزلت في قيس بن
~~الفاكه بن المغيرة والحرث بن زمعة بن الأسود وقيس بن الوليد بن المغيرة
~~وأبي العاص بن منبه بن الحجاج، وعلي بن أمية بن خلف كانوا قد أسلموا
~~واجتمعوا ببدر مع المشركين من قريش فقتلوا هناك كفارا، ورواه أبو
~~الجارود عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه، و { ظالمي } منصوب على
~~الحالية من ضمير المفعول في { توفهم } وإضافته لفظية فلا تفيده
~~تعريفا، والأصل ظالمين أنفسهم.

# { قالوا } أي الملائكة عليهم السلام للمتوفين توبيخا لهم بتقصيرهم
~~في إظهار إسلامهم وإقامة أحكامه وشعائره أو قالوا تقريعا لهم وتوبيخا
~~بما كانوا فيه من مساعدة الكفرة وتكثير سوادهم وانتظامهم في عسكرهم
~~وتقاعدهم عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم { فيم كنتم } أي في
~~أي شيء كنتم من أمور دينكم وحذفت ألف  ما  الاستفهامية المجرورة وفاءا
~~بالقاعدة، وتكتب متصلة تنزيلا لها مع ما قبلها منزلة الكلمة الواحدة،
~~ولهذا ms02043 تكتب  إلى وعلى وحتى  / في إلام وعلام وحتى م بالألف ما لم يوقف
~~على  م  بالهاء، ولكن السؤال كما علمت طابقه الجواب بقوله تعالى: {
~~قالوا كنا مستضعفين فى الأرض } وإلا فالظاهر في الجواب
~~كنا في كذا، أو لم نكن في شيء، والجملة استئناف مبني على سؤال نشأ من
~~حكاية سؤال الملائكة كأنه قيل: فماذا قال أولئك المتوفون في الجواب؟
~~فقيل: قالوا في جوابهم: كنا مستضعفين في أرض مكة بين ظهراني المشركين
~~الأقرباء. والمراد أنهم اعتذروا عن تقصيرهم في إظهار الإسلام وإدخالهم
~~الخلل فيه بالاستضعاف والعجز عن القيام بمواجب الدين بين أهل مكة فلذا
~~قعدوا وناموا، أو تعللوا عن الخروج معهم؛ والانتظام في ذلك الجمع المكسر
~~بأنهم كانوا مقهورين تحت أيديهم، وأنهم فعلوا ذلك كارهين، وعلى التقديرين
~~لم تقبل الملائكة ذلك منهم كما يشير إليه قوله سبحانه: { قالوا } أي
~~الملائكة { ألم تكن أرض الله وسعة فتهجروا
~~فيها } أي إن عذركم عن ذلك التقصير بحلولكم بين أهل تلك الأرض أبرد من
~~الزمهرير إذ يمكنكم حل عقدة هذا الأمر الذي أخل بدينكم بالرحيل إلى قطر
~~آخر من الأرض تقدرون فيه على إقامة أمور الدين كما فعل من هاجر إلى
~~الحبشة وإلى المدينة، أو إن تعللكم عن الخروج مع أعداء الله تعالى لما
~~يغيظ رسوله صلى الله عليه وسلم بأنكم مقهورون بين أولئك الأقوام غير
~~مقبول لأنكم بسبيل من الخلاص عن قهرهم متمكنون من المهاجرة عن مجاورتهم
~~والخروج من تحت أيديهم.

# { فأولئك } الذي شرحت حالهم الفظيعة { مأواهم } أي مسكنهم
~~في الآخرة { جهنم } لتركهم الفريضة المحتومة، فقد كانت الهجرة واجبة
~~في صدر الإسلام، وعن السدي كان يقول: من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى
~~يهاجر، والأصح الأول أو لنفاقهم وكفرهم ونصرتهم أعداء الله تعالى على سيد
~~أحبائه عليه الصلاة والسلام، وعدم التقييد بالتأييد ليس نصا في العصيان
~~بما دون الكفر، وإنما النص التقييد بعدمه، واسم الإشارة مبتدأ أول، و {
~~مأواهم } مبتدأ ثان، و { جهنم } خبر الثاني وهما خبر الأول،
~~والرابط الضمير المجرور، والمجموع خبر إن، ms02044 والفاء لتضمن اسمها معنى
~~الشرط، وقوله سبحانه: { قالوا فيم كنتم } في موضع الحال من
~~الملائكة، وقد معه مقدرة في المشهور، وجعله حالا  من الضمير المفعول
~~بتقدير قد أولا، ولهم آخرا  بعيد، أو هو الخبر والعائد فيه محذوف أي
~~لهم، والجملة المصدرة بالفاء معطوفة عليه مستنتجة منه ومما في (خبره)،
~~ولا يصح جعل شيء من { قالوا } الثاني، والثالث خبرا لأنه جواب،
~~ومراجعة  فمن قال: لو جعل { قالوا }: الثاني خبرا لم يحتج إلى تقدير
~~عائد فقد  وهم، وقيل: الخبر محذوف تقديره هلكوا ونحوه، و { تهاجروا }
~~منصوب في جواب الاستفهام وقوله تعالى: { وسآءت } من باب بئس أي بئست {
~~مصيرا } والمخصوص بالذم مقدر أي مصيرهم أو جهنم.

# واستدل بعضهم بالآية على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من
~~إقامة دينه، وهو مذهب الإمام مالك، ونقل ابن العربي وجوب الهجرة من
~~البلاد الوبيئة أيضا، وفي كتاب «الناسخ والمنسوخ» أنها كانت فرضا في
~~صدر الإسلام فنسخت وبقي ندبها، وأخرج الثعلبي من حديث الحسن مرسلا

# " من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجبت له الجنة،
~~وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم "

# وقد قدمنا لك ما ينفعك هنا فتذكر.

### || [4.98]

# { إلا المستضعفين } استثناء منقطع (لأن الموصول وضمائره)،
~~والإشارة / إليه بأولئك لمن توفته الملائكة ظالما لنفسه، فلم يندرج فيهم
~~المستضعفون المذكورون، وقيل: إنه متصل والمستثنى منه

# فأولئك مأواهم جهنم

# [النساء: 97] وليس بشيء أي إلا الذين عجزوا عن الهجرة وضعفوا { من
~~الرجال } كعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام والوليد بن الوليد {
~~والنساء } كأم الفضل لبابة بنت الحرث أم عبد الله بن عباس وغيرها {
~~والولدن } كعبد الله المذكور وغيره رضي الله تعالى عنهم، والجار
~~حال من المستضعفين، أو من الضمير المستتر فيه أي كائنين من هؤلاء، وذكر
~~الولدان للقصد إلى المبالغة في وجوب الهجرة والأمر بها حتى كأنها مما كلف
~~بها الصغار، أو يقال: إن تكليفهم عبارة عن تكليف أوليائهم بإخراجهم من
~~ديار الكفر، وأن المراد بهم المراهقون، أو ms02045 من قرب عهده بالصغر مجازا كما
~~مر في اليتامى أو أن المراد التسوية بين هؤلاء في عدم الإثم والتكليف، أو
~~أن العجز ينبغي أن يكون كعجز الولدان، أو المراد بهم العبيد والإماء.

# { لا يستطيعون حيلة } أي لا يجدون أسباب الهجرة ومباديها {
~~ولا يهتدون سبيلا } أي ولا يعرفون طريق الموضع المهاجر إليه
~~بأنفسهم أو بدليل، والجملة صفة لما بعد (من)، أو للمستضعفين لأن المراد
~~به الجنس سواء كانت أل موصولة أو حرف تعريف وهو في المعنى كالنكرة، أو
~~حال منه، أو من الضمير المستتر فيه، وجوز أن تكون مستأنفة مبينة لمعنى
~~الاستضعاف المراد هنا.

### || [4.99]

# { فأولئك } أي المستضعفون { عسى الله أن يعفو
~~عنهم } فيه إيذان بأن ترك الهجرة أمر خطير حتى أن المضطر الذي تحقق
~~عدم وجوبها عليه ينبغي أن يعد تركها ذنبا، ولا يأمن، ويترصد الفرصة
~~ويعلق قلبه بها. { وكان الله عفوا غفورا } تذييل مقرر لما
~~قبله بأتم وجه.

### || [4.100]

# { ومن يهاجر فى سبيل الله يجد فى الأرض مراغما
~~كثيرا } ترغيب في المهاجرة وتأنيس لها، والمراد من المراغم المتحول
~~والمهاجر  كما روي ذلك عن ابن عباس والضحاك وقتادة وغيرهم فهو اسم مكان،
~~وعبر عنه بذلك تأكيدا للترغيب لما فيه من الإشعار بكون ذلك المتحول
~~الذي يجده يصل فيه المهاجر إلى ما يكون سببا لرغم أنف قومه الذين
~~هاجرهم، وعن مجاهد: أن المعنى يجد فيها متزحزحا عما يكره، وقيل: متسعا
~~مما كان فيه من ضيق المشركين، وقيل: طريقا يراغم بسلوكه قومه  أي
~~يفارقهم على رغم أنوفهم والرغم الذل والهوان، وأصله لصوق الأنف بالرغام
~~وهو التراب، وقرىء مرغما { وسعة } أي من الرزق وعليه الجمهور، وعن
~~مالك سعة من البلاد.

# { ومن يخرج من بيته مهجرا إلى الله ورسوله
~~ثم يدركه الموت } أي يحل به قبل أن يصل إلى المقصد ويحط رحال
~~التسيار، بل وإن كان ذلك خارج بابه كما يشعر به إيثار الخروج من بيته على
~~المهاجرة، وثم لا تأبى ذلك كما ستعرفه قريبا إن شاء الله تعالى، وهو
~~معطوف على فعل الشرط، ms02046 وقرىء { يدركه } بالرفع، وخرجه ابن جني كما
~~قال السمين على أنه فعل مضارع مرفوع للتجرد من الناصب والجازم، والموت
~~فاعله، والجملة خبر لمبتدأ محذوف أي  ثم هو يدركه الموت  وتكون الجملة
~~الإسمية معطوفة على الفعلية الشرطية وعلى ذلك حمل يونس قول الأعشى:

# إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا

# (أو تنزلون فإنا معشر نزل)

# أي أو أنتم تنزلون وتكون الاسمية حينئذ كما قال بعض المحققين: في محل
~~جزم وإن لم يصح وقوعها شرطا لأنهم يتسامحون في التابع، وإنما قدروا
~~المبتدأ ليصح رفعه مع العطف على الشرط المضارع، وقال عصام الملة: ينبغي
~~أن يعلم أنه على تقدير المبتدأ يجب جعل { من } موصولة لأن الشرط لا
~~يكون جملة اسمية ويكون { يخرج } أيضا مرفوعا، ويرد عليه حينئذ أنه
~~لا حاجة إلى تقدير المبتدأ، فالأولى أن الرفع بناءا على توهم رفع {
~~يخرج } لأن المقام من مظان الموصول، ولا يخفى أنه خبط وغفلة عما
~~ذكروا، وقيل: إن ضم الكاف منقول من الهاء كأنه أراد أن يقف عليها، ثم نقل
~~حركتها إلى الكاف كقوله:

# عجبت والدهر كثير عجبه

# من عنزي يسبني لم أضربه

# وهو كما في «الكشف» ضعيف جدا لإجراء الوصل مجرى الوقف والنقل أيضا، ثم
~~تحريك الهاء بعد النقل بالضم وإجراء الضمير المتصل مجرى الجزء من الكلمة؛
~~والبيت ليس فيه إلا النقل وإجراء الضمير مجرى الجزء، وقرأ الحسن {
~~يدركه } بالنصب، وخرجه غير واحد على أنه بإضمار إن نظير ما أنشده
~~سيبويه من قوله:

# سأترك منزلي لبني تميم

# وألحق بالحجاز فأستريحا

# ووجهه فيه أن سأترك مستقبل مطلوب فجرى مجرى الأمر ونحوه، والآية  لكون
~~المقصود منها الحث على الخروج وتقدم الشرط الذي هو شديد الشبه بغير
~~الموجب  كانت أقوى من البيت، وذكر بعض المحققين أن النصب في الآية جوزه
~~الكوفيون لما أن الفعل الواقع بين الشرط والجزاء يجوز فيه الرفع والنصب
~~والجزم عندهم إذا وقع بعد الواو والفاء كقوله:

# ومن لا يقدم رجله مطمئنة

# فيثبتها في مستوى القاع يزلق

# وقاسوا عليهما ثم، فليس ما ذكر في البيت نظير الآية، ms02047 وقيل: من عطف
~~المصدر المتوهم على المصدر المتوهم مثل  أكرمني وأكرمك  أي ليكن منك
~~إكرام ومني، والمعنى من يكن منه خروج من بيته وإدراك الموت له.

# { فقد وقع أجره على الله } أي وجب بمقتضى وعده وفضله وهو
~~جواب الشرط، وفي مقارنة هذا الشرط مع الشرط السابق الدلالة على أن
~~المهاجر له إحدى الحسنيين إما أن يرغم أنف أعداء الله ويذلهم بسبب
~~مفارقته لهم واتصالهم بالخير والسعة، وإما أن يدركه الموت ويصل إلى
~~السعادة الحقيقية والنعيم الدائم، وفي الآية ما لا يخفى من المبالغة في
~~الترغيب فقد قيل: كان مقتضى الظاهر  ومن يهاجر إلى الله ورسوله ويمت
~~يثبه  إلا أنه اختير { ومن يخرج من بيته مهجرا } على 
~~ومن يهاجر  لما أشرنا إليه آنفا، ووضع { يدركه الموت } موضع 
~~يمت  إشعارا بمزيد الرضا من الله تعالى، وأن الموت كالهدية منه سبحانه
~~له لأنه سبب للوصول إلى النعيم المقيم الذي لا ينال إلا بالموت، وجيء 
~~بثم  بدل الواو تتميما لهذه الدقيقة، وأن مرتبة الخروج دون هذه
~~المرتبة، وأقيم { فقد وقع أجره على الله } مقام  يثبه 
~~لما أنه مؤذن باللزوم والثبوت، وأن الأجر عظيم لا يقادر قدره ولا يكتنه
~~كنهه لأنه على الذات الأقدس المسمى بذلك الاسم الجامع؛ وعن الزمخشري: إن
~~فائدة { ثم يدركه } بيان أن الأجر إنما يستقر إذا لم يحبط العمل
~~الموت، واختلف فيمن نزلت؛ فأخرج ابن جرير عن ابن جبير أنها نزلت في جندب
~~بن ضمرة، وكان بلغه قوله تعالى:

# إن الذين توفهم الملئكة ظلمى أنفسهم

# [النساء: 97] الآية وهو بمكة حين بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~إلى مسلميها فقال لبنيه: احملوني فإني لست / من المستضعفين، وإني لأهتدي
~~الطريق، وإني لا أبيت الليلة بمكة فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة
~~وكان شيخا كبيرا فمات بالتنعيم ولما أدركه الموت أخذ يصفق يمينه على
~~شماله؛ ويقول: اللهم هذه لك وهذه لرسولك صلى الله عليه وسلم أبايعك على
~~ما بايع عليه رسولك، ولما بلغ خبر موته الصحابة رضي الله تعالى عنهم
~~قالوا: ليته ms02048 مات بالمدينة فنزلت، وروى الشعبي عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أنها نزلت في أكتم بن صيفي لما أسلم ومات وهو مهاجر، وأخرج
~~ابن أبي حاتم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير أنها نزلت في خالد
~~بن حزام وقد كان هاجر إلى الحبشة فنهشته حية في الطريق فمات، وروي غير
~~ذلك، وعلى العلات فالمراد عموم اللفظ لا خصوص السبب، وقد ذكر أيضا غير
~~واحد أن من سار لأمر فيه ثواب كطلب علم وحج وكسب حلال وزيارة صديق وصالح
~~ومات قبل الوصول إلى المقصد فحكمه كذلك، وقد أخرج أبو يعلى والبيهقي عن
~~أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " من خرج حاجا فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرا
~~فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيا في سبيل الله
~~تعالى فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة "

# ، واحتج أهل المدينة بالآية على أن الغازي إذا مات في الطريق وجب سهمه
~~في الغنيمة، والصحيح ثبوت الأجر الأخروي فقط { وكان الله غفورا
~~} مبالغا في المغفرة فيغفر له ما فرط منه من الذنوب التي من جملتها
~~القعود عن الهجرة إلى وقت الخروج { رحيما } مبالغا في الرحمة فيرحمه
~~سبحانه بإكمال ثواب هجرته ونيته.

# ومن باب الإشارة في بعض ما تقدم من الآيات: { وما كان لمؤمن }
~~أي وما ينبغي لمؤمن الروح { أن يقتل مؤمنا } وهو مؤمن القلب {
~~إلا } أن يكون قتلا { خطأ } ، وذلك إنما يكون إذا خلصت الروح من حجب
~~الصفات البشرية فإذا أرادت أن تتوجه إلى النفس أنوارها لتميتها وقع
~~تجليها على القلب فخر صعقا من ذلك التجلي ودك جبل النفس دكا فكان قتله
~~خطأ لأنه لم يكن مقصودا { ومن قتل } قلبا { مؤمنا } خطأ {
~~فتحرير رقبة مؤمنة } وهي رقبة السر الروحاني وتحريرها
~~إخراجها عن رق المخلوقات { ودية مسلمة إلى أهله }
~~تسلمها العاقلة وهي الألطاف الإلهية إلى القوى الروحانية فيكون لكل منهما
~~من حظ الأخلاق الربانية { إلا أن يصدقوا } وذلك ms02049 وقت غنائهم
~~بالفناء بالله تعالى { فإن كان } المقتول بالتجلي { من قوم عدو
~~لكم } بأن كان من قوى النفس الأمارة { وهو مؤمن فتحرير
~~رقبة مؤمنة } وهي رقبة القلب فيطلقه من وثاق رق حب الدنيا
~~والميل إليها، ولا دية في هذه الصورة لأهل القتيل { وإن كان من
~~قوم بينكم وبينهم ميثاق } بأن كان من قوى النفس القابلة
~~للأحكام الشرعية ظاهرا والمهادنة للقلب { فدية مسلمة } واجبة
~~على عاقلة الرحمة { إلى أهله } أي أهل تلك النفس من الصفات الأخر
~~{ وتحرير رقبة مؤمنة } وهي رقبة الروح وتحريرها إفناؤها
~~وإطلاقها عن سائر القيود { فمن لم يجد } رقبة كذلك بأن كانت روحه
~~محررة قبل

# فصيام شهرين متتابعين

# [النساء: 92] أي فعليه الإمساك عن العاديات وترك المألوفات ستين يوما،
~~وهي مقدار مدة الميقات الموسوي ونصفها رجاء أن يحصل له البقاء بعد الفناء

# ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم

# [النساء: 93] إشارة إلى أن النفس إذا قتلت القلب واستولت عليه بقيت
~~معذبة في نيران الطبيعة مبعدة عن الرحمة مظهرا لغضب الله تعالى. { يا
~~أيها الذين ءامنوا إذا ضربتم فى سبيل الله }
~~لإرشاد عباده { فتبينوا } حال المريد في الرد والقبول { ولا
~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا
~~تبتغون عرض الحيوة الدنيا } أي لا تنفروا من استسلم لكم
~~وأسلم نفسه بأيديكم لترشدوه فتقولوا له لست مؤمنا صادقا لتعلق قلبك
~~بالدنيا فسلم ما عندك من حطامها ليخلو قلبك لربك وتصلح لسلوك الطريق {
~~فعند الله مغانم كثيرة } للسالكين إليه فإذا حظي بها
~~السالك ترك لها ما في يده من الدنيا وأعرض قلبه عن ذلك

# كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا

# [النساء: 94] أي مثل هذا المريد كنتم أنتم في مبادي طلبكم وتسليم أنفسكم
~~للمشايخ حيث كان لكم تعلق بالدنيا فمن الله عليكم بعد السلوك بتلك
~~المغانم الكثيرة التي عنده فأنساكم جميع ما في أيديكم وفطم قلوبكم عن
~~الدنيا بأسرها فقيسوا حال من يسلم نفسه إليكم بحالكم لتعلموا أن الله
~~سبحانه بمقتضى ما عود المتوجهين إليه الطالبين له سيمن على هؤلاء بما
~~من به ms02050 عليكم، ويخرج حب الدنيا من قلوبهم بأحسن وجه كما أخرجه من قلوبكم.
~~والحاصل أنه لا ينبغي أن يقال لمن أراد التوجه إلى الحق جل وعلا من أرباب
~~الدنيا في مبادي الأمر: أترك دنياك واسلك لأن ذلك مما ينفره ويسد باب
~~التوجه عليه لشدة ترك المحبوب دفعة واحدة، ولكن يؤمر بالسلوك ويكلف من
~~الأعمال ما يخرج ذلك عن قلبه لكن على سبيل التدريج { إن الذين
~~توفهم الملئكة ظلمى أنفسهم } بمنعها عن حقوقها
~~التي اقتضتها استعداداتهم من الكمالات المودعة فيها { قالوا فيم
~~كنتم } حيث قعدتم عن السعي وفرطتم في جنب الله تعالى وقصرتم عن بلوغ
~~الكمال الذي ندبتم إليه { قالوا كنا مستضعفين فى الأرض
~~} أي أرض الاستعداد باستيلاء قوى النفس الأمارة وغلبة سلطان الهوى وشيطان
~~الوهم { قالوا ألم تكن أرض الله وسعة فتهجروا
~~فيها } أي ألم تكن سعة استعدادكم بحيث تهاجروا فيها من مبدأ فطرتكم إلى
~~نهاية كمالكم، وذلك مجال واسع فلو تحركتم وسرتم بنور فطرتكم خطوات يسيرة
~~بحيث ارتفعت عنكم بعض الحجب انطلقتم عن أسر القوى وتخلصتم عن قيود الهوى
~~وخرجتم عن القرية الظالم أهلها التي هي مكة النفس الأمارة إلى البلدة
~~الطيبة التي هي مدينة القلب، وإنما نسب سبحانه وتعالى هنا التوفي إلى
~~الملائكة لأن التوفي وهو استيفاء الروح من البدن بقبضها عنه على ثلاثة
~~أوجه: توفي الملائكة وتوفي ملك الموت وتوفي الله تعالى، فأما توفي
~~الملائكة فهو لأرباب النفوس، وهم إما سعداء وإما أشقياء، وأما توفي ملك
~~الموت فهو لأرباب القلوب الذين برزوا عن حجاب النفس إلى مقام القلب، وأما
~~توفي الله تعالى فهو للموحدين الذين عرج بهم عن مقام القلب إلى محل
~~الشهود فلم يبق بينهم وبين ربهم حجاب فهو سبحانه يتولى قبض أرواحهم بنفسه
~~ويحشرهم إلى نفسه عز وجل، ولما لم يكن هؤلاء الظالمين من أحد الصنفين
~~الأخيرين نسب سبحانه توفيهم إلى الملائكة، وقيد ذلك بحال ظلمهم أنفسهم {
~~فأولئك مأواهم جهنم } الطبيعة

# وساءت مصيرا

# [النساء: 97] لما أن نار البعد والحجاب بها موقدة { إلا
~~المستضعفين من الرجال } وهم ms02051 كما قال بعض العارفين: أقوياء
~~الاستعداد الذين قويت قواهم الشهوية والغضبية مع قوة استعدادهم فلم
~~يقدروا على قمعها في سلوك طريق الحق ولم يذعنوا لقواهم الوهبية والخيالية
~~فيبطل استعدادهم بالعقائد الفاسدة فبقوا في أسر قواهم البدنية مع تنور
~~استعدادهم بنور العلم وعجزهم عن السلوك برفع القيود { والنسآء } أي
~~القاصرين الاستعداد عن درك الكمال العلمي وسلوك طريق التحقيق الضعفاء
~~القوى، قيل: وهم البله المذكورون في خبر

# " أكثر أهل الجنة البله "

# { والولدن } أي القاصرين عن بلوغ درجة الكمال لفترة تلحقهم من قبل
~~صفات النفس { لا يستطيعون حيلة } لعدم قدرتهم وعجزهم عن كسر
~~النفس وقمع الهوى

# ولا يهتدون سبيلا

# [النساء: 98] لعدم علمهم بكيفية السلوك { فأولئك عسى الله
~~أن يعفو عنهم } بمحو تلك الهيئات المظلمة لعدم رسوخها وسلامة
~~عقائدهم { وكان الله عفوا } عن / الذنوب ما لم تتغير الفطرة

# غفورا

# [النساء: 99] يستر بنور صفاته صفات النفوس القابلة لذلك { ومن
~~يهاجر فى سبيل الله } عن مقار النفس المألوفة { يجد فى
~~الأرض } أي أرض استعداده { مراغما كثيرا } أي منازلا كثيرة
~~يرغم فيها أنوف قوى نفسه { وسعة } أي انشراحا في الصدر لسبب الخلاص
~~من مضايق صفات النفس وأسر الهوى { ومن يخرج من بيته } أي
~~مقامه الذي هو فيه { مهاجرا إلى الله } بالتوجه إلى توحيد الذات {
~~ورسوله } بالتوجه إلى طلب الاستقامة في توحيد الصفات { ثم
~~يدركه الموت } أي الانقطاع { فقد وقع أجره على
~~الله } حسبما توجه إليه { وكان الله غفورا رحيما }
~~[النساء: 100] فيستر بصفاته صفات من توجه إليه ويرحم من انقطع دون الوصول
~~بما هو أهله، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، ثم إنه سبحانه بعد أن
~~أمر بالجهاد ورغب في الهجرة أردف ذلك ببيان كيفية الصلاة عند الضرورات من
~~تخفيف المؤنة ما يؤكد العزيمة على ذلك، فقال سبحانه وتعالى: { وإذا
~~ضربتم فى الأرض }.

### || [4.101]

# { وإذا ضربتم فى الأرض } أي سافرتم أي سفر كان، ولذا لم
~~يقيد بما قيد به المهاجرة، والشافعي رضي الله تعالى عنه يخص السفر
~~بالمباح  كسفر التجارة  والطاعة  كسفر الحج  ويخرج سفر المعصية 
~~كقطع الطريق ms02052 والإباق  فلا يثبت فيه الحكم الآتي لأنه رخصة، وهي إنما
~~تثبت تخفيفا وما كان كذلك لا يتعلق بما يوجب التغليظ لأن إضافة الحكم
~~إلى وصف يقتضي خلافه فساد في الوضع، ولنا إطلاق النصوص مع وجود قرينة في
~~بعضها تشعر بإرادة المطلق وزيادة قيد عدم المعصية نسخ على ما عرف في
~~موضعه، ولأن نفس السفر ليس بمعصية إذ هو عبارة عن خروج مديد وليس في هذا
~~شيء من المعصية، وإنما المعصية ما يكون بعده كما في السرقة، أو مجاوره
~~كما في الإباق فيصلح من حيث ذاته متعلق الرخصة لإمكان الانفكاك عما
~~يجاوره كما إذا غصب خفا ولبسه فإنه يجوز له أن يمسح عليه لأن الموجب ستر
~~قدمه ولا محظور فيه، وإنما هو في مجاوره وهو صفة كونه مغصوبا وتمامه في
~~الأصول والمراد من الأرض ما يشمل البر والبحر، والمقصود التعميم أي إذا
~~سافرتم في أي مكان يسافر فيه من بر أو بحر.

# { فليس عليكم جناح } أي حرج وإثم { أن تقصروا } أي في
~~أن تقصروا، والقصر خلاف المد يقال: قصرت الشيء إذا جعلته قصيرا بحذف بعض
~~أجزائه أو أوصافه، فمتعلق القصر إنما هو ذلك الشيء لا بعضه فإنه متعلق
~~الحذف دون القصر، فقوله تعالى: { من الصلوة } ينبغي على هذا أن
~~يكون مفعولا لتقصروا و { من } زائدة حسبما نقله أبو البقاء عن الأخفش
~~القائل بزيادتها في الإثبات، وأما على تقدير أن تكون تبعيضية ويكون
~~المفعول محذوفا والجار والمجرور في موضع الصفة  على ما نقله الفاضل
~~المذكور عن سيبويه  أي شيئا من الصلاة فينبغي أن يصار إلى وصف الجزء
~~بوصف الكل، أو يراد بالقصر الحبس كما في قوله تعالى:

# حور مقصورت فى الخيام

# [الرحمن: 72] أو يراد بالصلاة الجنس ليكون (المقصور) بعضا منها وهي
~~الرباعية أي فليس عليكم جناح في أن تقصروا بعض الصلاة بتنصيفها، وقرىء {
~~تقصروا } من أقصر ومصدره الإقصار وقرأ الزهري { تقصروا } بالتشديد
~~ومصدره التقصير والكل بمعنى.

# وأدنى مدة السفر الذي يتعلق به القصر في المشهور  عن الإمام أبي حنيفة
~~رضي الله تعالى ms02053 عنه  مسيرة ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل، ومشي
~~الأقدام بالاقتصاد في البر، وجري السفينة والريح معتدلة في البحر، ويعتبر
~~في الجبل كون هذه المسافة من طريق الجبل بالسير الوسط أيضا، وفي رواية
~~عنه رضي الله تعالى عنه التقدير بالمراحل وهو قريب من المشهور.

# / وقدر أبو يوسف بيومين وأكثر الثالث، والشافعي رحمه الله تعالى في قول:
~~بيوم وليلة، وقدر عامة المشايخ ذلك بالفراسخ، ثم اختلفوا فقال بعضهم: أحد
~~وعشرون فرسخا وقال آخرون ثمانية عشر، وآخرون خمسة عشر، والصحيح عدم
~~التقدير بذلك، ولعل كل من قدر بقدر مما ذكر اعتقد أنه مسيرة ثلاثة أيام
~~ولياليها، والدليل على هذه المدة ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " يمسح المقيم كمال يوم وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها "

# لأنه صلى الله عليه وسلم عمم الرخصة الجنس، ومن ضرورته عموم التقدير،
~~والقول بكون «ثلاثة أيام» ظرفا للمسافر لا ليمسح يأباه أن السوق ليس إلا
~~لبيان كمية مسح المسافر لا لإطلاقه، وعلى تقدير كونه ظرفا للمسافر يكون
~~يمسح مطلقا وليس بمقصود، وأيضا يبطل كونه ظرفا لذلك أن المقيم يمسح
~~يوما وليلة إذ يلزم عليه اتحاد حكم السفر والإقامة في بعض الصور وهي
~~صورة مسافر يوم وليلة لأنه إنما يمسح يوما وليلة وهو معلوم البطلان
~~للعلم بفرق الشرع بين المسافر والمقيم على أن ظرفية «ثلاثة» للمسافر
~~تستدعي ظرفية اليوم للمقيم ليتفق طرفا الحديث، وحينئذ  يكون لا يكاد
~~ينسب إلى أفصح من نطق بالضاد صلى الله عليه وسلم، وربما يستدل للقصر في
~~أقل من ثلاثة بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: «يا أهل
~~مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان» فإنه يفيد القصر
~~في الأربعة برد وهي تقطع في أقل من ثلاثة، وأجيب بأن راوي الحديث عبد
~~الوهاب بن مجاهد، وهو ضعيف عند النقلة جدا حتى كان سفيان يزريه بالكذب
~~فليفهم.

# واحتج الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بظاهر الآية الكريمة على عدم
~~وجوب القصر وأفضلية الإتمام، وأيد ms02054 ذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة والبزار
~~والدارقطني عن عائشة رضي الله تعالى عنها: «أن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم كان يقصر في السفر ويتم» وما أخرجه النسائي والدارقطني وحسنه
~~البيهقي وصححه

# " أن عائشة رضي الله تعالى عنها لما اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وقالت: يا رسول الله قصرت وأتممت وصمت وأفطرت؟ فقال: أحسنت يا عائشة
~~"

# وبما روي عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه كان يتم ويقصر، وعندنا يجب
~~القصر لا محالة خلا أن بعض مشايخنا سماه عزيمة، وبعضهم رخصة إسقاط بحيث
~~لا مساغ للإتمام لا رخصة (توفية) إذ لا معنى للتخيير بين الأخف والأثقل،
~~وهو قول عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وجابر وجميع أهل البيت رضوان الله
~~تعالى عليهم أجمعين، وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة، وهو قول
~~مالك، وأخرج النسائي.

# وابن ماجه عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «صلاة السفر ركعتان تمام
~~غير قصر على لسان نبيكم عليه الصلاة والسلام» وروى الشيخان عن عائشة رضي
~~الله تعالى عنها أنها قالت: «أول ما فرض الله تعالى الصلاة ركعتين ركعتين
~~فأقرت في السفر وزيدت في الحضر» وأما ما روي عنها من الإتمام فقد اعتذرت
~~عنه؛ وقالت: أنا أم المؤمنين فحيث حللت فهي داري كما اعتذر عثمان رضي
~~الله تعالى عنه عن إتمامه بأنه تأهل بمكة وأزمع الإقامة بها كما روي عن
~~الزهري فلا يرد أنها رضي الله تعالى عنها خالف رأيها روايتها، وإذا خالف
~~الراوي روايته في أمر لا يعمل بروايته فيه، والقول: بأن حديثها غير مرفوع
~~لأنها لم تشهد فرض الصلاة غير مسلم لجواز أنها سمعته من النبي صلى الله
~~عليه وسلم، نعم ذكر بعض الشافعية أن الخبر مؤل بأن الفرض في قولها: «فرضت
~~ركعتين» بمعنى البيان، وقد ورد بهذا المعنى ك

# فرض الله لكم تحلة أيمنكم

# [التحريم: 2].

# وقال الطبري: معناه فرضت لمن اختار ذلك من المسافرين، وهذا كما قيل في
~~الحاج: إنه مخير في النفر / في اليوم الثاني ms02055 والثالث، وأيا فعل فقد قام
~~بالفرض وكان صوابا، وقال النووي: «المعنى فرضت ركعتين لمن أراد الاقتصار
~~عليهما فزيد في [صلاة] الحضر ركعتان على سبيل التحتم، وأقرت صلاة السفر
~~على جواز (الإتمام) وحيث ثبتت دلائل [جواز] (الإتمام) وجب المصير إلى ذلك
~~جمعا بين الأدلة»، وقال ابن حجر عليه الرحمة: «والذي يظهر لي في جمع
~~الأدلة أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم زيدت
~~عقب الهجرة إلا الصبح كما رواه ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن عائشة،
~~وفيه: وتركت الفجر لطول القراءة والمغرب لأنها وتر النهار، ثم بعد ما
~~استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول الآية، ويؤيده قول ابن
~~الأثير [في " شرح المسند " ]: إن القصر كان في السنة الرابعة من الهجرة،
~~وهو مأخوذ من قول غيره: إن نزول آية الخوف [كان] فيها، وقيل: القصر كان
~~في ربيع الآخر من السنة الثانية كما ذكره الدولابي، وقال السهيلي: إنه
~~بعد الهجرة بعام أو نحوه، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يوما فعلى هذا قول
~~عائشة رضي الله تعالى عنها «فأقرت صلاة السفر» أي باعتبار ما آل إليه
~~الأمر من التخفيف لا أنها استمرت منذ فرضت فلا يلزم من ذلك أن القصر
~~عزيمة» انتهى. واستبعد هذا الجمع بأنها لو كانت قبل الهجرة ركعتين لاشتهر
~~ذلك، وقال آخرون منهم: إن الآية صريحة في عدم وجوب الإتمام، وما ذكر خبر
~~واحد فلا يعارض النص الصريح على أنه مخصوص بغير الصبح والمغرب، وحجية
~~العام المخصوص مختلف فيها، وذكر أصحابنا أن كثرة الأخبار، وعمل الجم
~~الغفير من الصحابة والتابعين وجميع العترة رضي الله تعالى عنهم أجمعين
~~بما يقوي القول بالوجوب ووروده بنفي الجناح لأنهم ألفوا الإتمام فكانوا
~~مظنة أن يخطر ببالهم أن عليهم نقصانا في القصر فصرح بنفي الجناح عليهم
~~لتطيب به نفوسهم وتطمئن إليه كما في قوله تعالى:

# فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن
~~يطوف بهما

# [البقرة: 158] مع أن ذلك الطواف واجب عندنا، ركن عند الشافعي رحمه الله
~~تعالى، وعن أبي ms02056 جعفر رضي الله تعالى عنه أنه تلا هذه الآية لمن استبعد
~~الوجوب بنفي الجناح.

# { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } جوابه محذوف
~~لدلالة ما قبل عليه أي إن خفتم أن يتعرضوا لكم بما تكرهونه من القتال أو
~~غيره فليس عليكم جناح الخ، وقد أخذ بعضهم بظاهر هذا الشرط فقصر القصر على
~~الخوف، وأخرج ابن جرير عن عائشة رضي الله تعالى عنها، والذي عليه الأئمة
~~أن القصر مشروع في الأمن أيضا؛ وقد تظاهرت الأخبار على ذلك فقد أخرج
~~النسائي والترمذي وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «صلينا مع
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئا
~~ركعتين» وأخرج الشيخان وغيرهما من أصحاب السنن عن حارثة بن وهب الخزاعي
~~أنه قال: «صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر بمنى أكثر ما
~~كان الناس وآمنه ركعتين» إلى غير ذلك، ولا يتوهمن أنه مخالف للكتاب لأن
~~التقييد بالشرط عندنا إنما يدل على ثبوت الحكم عند وجود الشرط، وأما عدمه
~~عند عدمه فساكت عنه فإن وجد له دليل ثبت عنده أيضا، وإلا يبقى على حاله
~~لعدم تحقق دليله لا لتحقق دليل عدمه. وناهيك ما سمعت من الأدلة الواضحة،
~~وأما عند القائلين بالمفهوم فلأنه إنما يدل على نفي الحكم عند عدم الشرط
~~إذا لم يكن فيه فائدة أخرى، وقد خرج الشرط ههنا مخرج الأغلب كما قيل في
~~قوله تعالى:

# فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح
~~عليهما فيما افتدت به

# [البقرة: 229] بل قد يقال إن الآية الكريمة مجملة / في حق مقدار القصر
~~وكيفيته وفي حق ما يتعلق به من الصلوات وفي مقدار مدة الضرب الذي نيط به
~~القصر فكلما ورد منه صلى الله عليه وسلم من القصر في حال الأمن وتخصيصه
~~بالرباعيات على وجه التنصيف وبالضرب في المدة المعينة بيان لإجمال الكتاب
~~كما قاله شيخ الإسلام، وقال بعضهم: إن القصر في الآية محمول على قصر
~~الأحوال من الإيماء وتخفيف التسبيح والتوجه إلى أي وجه ms02057 وحينئذ يبقى
~~الشرط على ظاهر مقتضاه المتبادر إلى الأذهان، ونسب ذلك إلى طاوس والضحاك.

# وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية: قصر
~~الصلاة إن لقيت العدو وقد حانت الصلاة أن تكبر الله تعالى وتخفض رأسك
~~إيماءا راكبا كنت أو ماشيا، وقيل: إن قوله تعالى: { إن خفتم }
~~الخ متعلق بما بعده من صلاة الخوف منفصل عما قبله.

# فقد أخرج ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: «سأل قوم من التجار
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا نضرب في الأرض
~~فكيف نصلي؟ فأنزل الله تعالى: { وإذا ضربتم فى الأرض
~~فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة } ثم انقطع
~~الوحي فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر
~~فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم؟ فقال
~~قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في إثرها فأنزل الله تعالى بين الصلاتين {
~~إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } إلى قوله سبحانه
~~وتعالى:

# إن الله أعد للكفرين عذابا مهينا

# [النساء: 102] فنزلت صلاة الخوف» ولعل جواب الشرط على هذا محذوف أيضا
~~على طرز ما تقدم، ونقل الطبرسي عن بعضهم أن القصر في الآية بمعنى الجمع
~~بين الصلاتين وليس بشيء أصلا. وقرأ أبي كما قال ابن المنذر: فأقصروا
~~من الصلاة أن يفتنكم، والمشهور أنه كعبد الله أسقط { إن خفتم }
~~فقط، وأيا ما كان فإن { أن يفتنكم } في موضع المفعول له لما دل
~~عليه الكلام بتقدير مضاف كأنه قيل: شرع لكم ذلك كراهة ان يفتنكم الخ فإن
~~استمرار الاشتغال بالصلاة مظنة لاقتدار الكافرين على إيقاع الفتنة، وقوله
~~تعالى: { إن الكفرين كانوا لكم عدوا مبينا } إما
~~تعليل لذلك باعتبار تعلله بما ذكر، أو تعليل لما يفهم من الكلام من كون
~~فتنتهم متوقعة فإن كمال العداوة من موجبات التعرض بالسوء، و { عدوا }
~~كما قال أبو البقاء: في موضع أعداء، وقيل: هو مصدر على فعول مثل الولوع
~~والقبول، و { لكم ms02058 } حال منه، أو متعلق ب (كان).

### || [4.102]

# { وإذا كنت فيهم } بيان لما قبله من النص المجمل في مشروعية
~~القصر بطريق التفريع وتصوير لكيفيته عند الضرورة التامة، والخطاب للنبي
~~صلى الله عليه وسلم بطريق التجريد، وتعلق بظاهره من خص صلاة الخوف بحضرته
~~عليه الصلاة والسلام كالحسن بن زياد، ونسب ذلك أيضا لأبي يوسف، ونقله
~~عنه الجصاص في كتاب «الأحكام»، والنووي في «المهذب»، وعامة الفقهاء على
~~خلافه فإن الأئمة بعده صلى الله عليه وسلم نوابه وقوام بما كان يقوم به
~~فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له عليه الصلاة والسلام كما في قوله تعالى:

# خذ من أمولهم صدقة

# [التوبة: 103] وقد أخرج أبو داود والنسائي وابن حبان وغيرهم عن ثعلبة بن
~~زهدم قال: «كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال: أيكم صلى مع رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، ثم وصف له ذلك فصلوا
~~كما وصف ولم يقضوا، وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولم
~~ينكره أحد منهم وهم الذين لا تأخذهم في الله تعالى لومة لائم» وهذا يحل
~~محل الإجماع، ويرد ما زعمه المزني من دعوى النسخ أيضا { فأقمت
~~لهم الصلوة } أي أردت أن تقيم بهم الصلاة { فلتقم طائفة
~~منهم معك } بعد أن جعلتهم طائفتين ولتقف الطائفة الأخرى تجاه
~~العدو للحراسة / ولظهور ذلك ترك { وليأخذوا } أي الطائفة المذكورة
~~القائمة معك { أسلحتهم } مما لا يشغل عن الصلاة كالسيف والخنجر.
~~وعن ابن عباس أن الآخذة هي الطائفة الحارسة فلا يحتاج حينئذ إلى التقييد
~~إلا أنه خلاف الظاهر، والمراد من الأخذ عدم الوضع وإنما عبر بذلك عنه
~~للإيذان بالاعتناء باستصحاب الأسلحة حتى كأنهم يأخذونها ابتداءا.

# { فإذا سجدوا } أي القائمون معك أي إذا فرغوا من السجود وأتموا
~~الركعة  كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  { فليكونوا
~~من ورائكم } أي فلينصرفوا (للحراسة من العدو) { ولتأت
~~طائفة أخرى لم يصلوا } بعد وهي التي كانت تحرس، ونكرها
~~لأنها لم تذكر قبل { فليصلوا معك } الركعة الباقية من صلاتك،
~~والتأنيث والتذكير مراعاة للفظ، ms02059 والمعنى  ولم يبين في الآية الكريمة 
~~حال الركعة الباقية لكل من الطائفتين، وقد بين ذلك بالسنة، فقد أخرج
~~الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن سالم عن أبيه
~~في قوله سبحانه: { فأقمت لهم الصلاة } هي صلاة الخوف صلى
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى
~~مقبلة على العدو، ثم انصرفت التي صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم
~~فقاموا مقام أولئك مقبلين على العدو، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت
~~مقبلة على العدو فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى، ثم
~~سلم بهم، ثم قامت كل طائفة فصلوا ركعة ركعة فتم لرسول الله صلى الله عليه
~~وسلم ركعتان ولكل من الطائفتين ركعتان ركعة مع رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وركعة بعد سلامه وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم حين
~~صلى صلاة الخوف صلى بالطائفة الأولى ركعة وبالطائفة الأخرى ركعة كما في
~~الآية فجاءت الطائفة الأولى وذهبت هذه إلى مقابلة العدو حتى قضت الأولى
~~الركعة الأخرى بلا قراءة وسلموا، ثم جاءت الطائفة الأخرى وقضوا الركعة
~~الأولى بقراءة حتى صار لكل طائفة ركعتان، وهذا ما ذهب إليه الإمام أبو
~~حنيفة رضي الله تعالى عنه، وإنما سقطت القراءة عن الطائفة الأولى في
~~صلاتهم الركعة الثانية بعد سلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم وإن
~~كانوا في ثانيته عليه الصلاة والسلام في مقابلة العدو إلا أنهم في الصلاة
~~وفي حكم المتابعة فكانت قراءة الإمام قائمة مقام قراءتهم كما هو حكم
~~الاقتداء ولا كذلك الطائفة الأخرى لأنهم اقتدوا بالإمام في الركعة
~~الثانية وأتم الإمام صلاته فلا بد لهم من القراءة في ركعتهم الثانية إذ
~~لم يكونوا مقتدين بالإمام حينئذ، وذهب بعضهم إلى أن صلاة الخوف هي ما في
~~هذه الآية ركعة واحدة، ونسب ذلك إلى ابن عباس وغيره، فقد أخرج ابن جرير
~~وابن أبي شيبة والنحاس عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: «فرض الله تعالى
~~على لسان نبيكم صلى الله عليه ms02060 وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي
~~الخوف ركعة» وأخرج الأولان وابن أبي حاتم عن يزيد الفقير «قال سألت جابر
~~بن عبد الله عن الركعتين في السفر أقصرهما فقال: الركعتان في السفر تمام
~~إنما القصر واحدة عند القتال بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~في قتال إذ أقيمت الصلاة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصفت طائفة
~~وطائفة وجوهها قبل العدو فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين ثم انطلقوا إلى
~~أولئك فقاموا مقامهم وجاء أولئك فقاموا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس
~~فسلم وسلم الذين خلفه وسلم الأولون فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم
~~ركعتان وللقوم ركعة ركعة ثم قرأ الآية»، وذهب الإمام مالك رضي الله تعالى
~~عنه إلى أن كيفية صلاة الخوف أن يصلي الإمام بطائفة ركعة فإذا قام
~~للثانية فارقته وأتمت وذهبت إلى وجه العدو وجاء الواقفون في وجهه والإمام
~~ينتظرهم فاقتدوا به وصلى بهم الركعة الثانية فإذا جلس للتشهد قاموا
~~فأتموا ثانيتهم ولحقوه وسلم بهم، / وهذه  كما رواه الشيخان  صلاة
~~النبي صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع، وهي أحد الأنواع التي اختارها
~~الشافعي رضي الله تعالى عنه، واستشكل من ستة عشر نوعا، ويمكن حمل الآية
~~عليها، ويكون المراد من السجود الصلاة؛ والمعنى فإذا فرغوا من الصلاة
~~فليكونوا الخ، وأيد ذلك بأنه لا قصور في البيان عليه، وبأن ظاهر قوله
~~سبحانه: { فليصلوا معك } أن الطائفة الأخيرة تتم الصلاة مع
~~الإمام، وليس فيه إشعار بحراستها مرة ثانية وهي في الصلاة ألبتة، وتحتمل
~~الآية بل قيل: إنها ظاهرة في ذلك أن الإمام يصلي مرتين كل مرة بفرقة وهي
~~صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم  كما رواه الشيخان أيضا  ببطن نخل،
~~واحتمالها للكيفية التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان بعيد
~~جدا، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام  كما قال ابن عباس ورواه عنه أحمد
~~وأبو داود ms02061 وغيرهما  صف الناس خلفه صفين، ثم ركع فركعوا جميعا، ثم سجد
~~بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون
~~فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وهؤلاء إلى مصاف هؤلاء،
~~ثم ركع عليه الصلاة والسلام فركعوا جميعا، ثم رفع فرفعوا ثم سجد هو
~~والصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا
~~ثم سلم عليهم، ثم انصرف صلى الله عليه وسلم وتمام الكلام يطلب من محله.

# { وليأخذوا } أي الطائفة الأخرى { حذرهم } أي احترازهم
~~وشبهه بما يتحصن به من الآلات ولذا أثبت له الأخذ تخييلا وإلا فهو أمر
~~معنوي لا يتصف بالأخذ، ولا يضر عطف قوله سبحانه: { وأسلحتهم }
~~عليه للجمع بين الحقيقة والمجاز لأن التجوز في التخييل في الإثبات
~~والنسبة لا في الطرف على الصحيح، ومثله لا بأس فيه بالجمع كما في قوله
~~تعالى:

# تبوءو الدار والإيمن

# [الحشر: 9]، وقال بعض المحققين: إن هذا وأمثاله من المشاكلة لما يلزم
~~على الكناية التصريح بطرفيها وإن دفع بأن المشبه به أعم من المذكور، وإن
~~فسر الحذر بما يدفع به فلا كلام، ولعل زيادة الأمر بالحذر  كما قال شيخ
~~الإسلام  في هذه المرة لكونها مظنة لوقوف الكفرة على كون الطائفة
~~القائمة مع النبي صلى الله عليه وسلم في شغل شاغل، وأما قبلها فربما
~~يظنونهم قائمين للحراب.

# { ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم
~~وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة وحدة } بيان لما
~~لأجله أمروا بأخذ السلاح، والخطاب للفريقين بطريق الالتفات أي تمنوا أن
~~ينالوا منكم غرة في صلاتكم فيحملون عليكم جملة واحدة، والمراد بالأمتعة
~~ما يمتع به في الحرب لا مطلقا وقرىء  أمتعاتكم  والأمر للوجوب لقوله
~~تعالى: { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر
~~أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم } حيث رخص لهم في
~~وضعها إذا ثقل عليهم حملها واستصحابها بسبب مطر أو مرض، وأمروا بعد ذلك
~~بالتيقظ والاحتياط فقال سبحانه: { وخذوا حذركم } أي بعد إلقاء
~~السلاح للعذر لئلا يهجم عليكم العدو غيلة، واختار بعض أئمة الشافعية أن ms02062
~~الأمر للندب، وقيدوه بما إذا لم يخف ضررا يبيح التيمم بترك الحمل، أما
~~لو خاف وجب الحمل على الأوجه ولو كان السلاح نجسا ومانعا للسجود وفي
~~«شرح المنهاج» للعلامة ابن حجر ولو انتفى خوف الضرر وتأذى غيره بحمله كره
~~إن خف الضرر بأن احتمل عادة وإلا حرم، وبه يجمع بين إطلاق كراهته وإطلاق
~~حرمته، والآية كما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~نزلت في عبد الرحمن بن عوف وكان جريحا، وذكر أبو ضمرة ورواه الكلبي عن
~~أبي صالح أن رسول الله/ صلى الله عليه وسلم غزا محاربا وبني أنمار
~~فهزمهم الله تعالى وأحرزهم الذراري والمال، فنزل رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم والمسلمون ولا يرون من العدو واحدا فوضعوا أسلحتهم وخرج رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم لحاجة له وقد وضع سلاحه حتى قطع الوادي والسماء ترش
~~فحال الوادي بينه صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه فجلس في ظل سمرة فبصر
~~به غورث بن الحرث المحاربي فقال: قتلني الله تعالى إن لم أقتله وانحدر
~~من الجبل؛ ومعه السيف ولم يشعر به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو
~~قائم على رأسه ومعه السيف قد سله من غمده، فقال: يا محمد من يعصمك مني
~~الآن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله عز وجل، ثم قال: اللهم
~~اكفني غورث بن الحرث بما شئت فانكب عدو الله تعالى لوجهه وقام رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فأخذ سيفه فقال: يا غورث من يمنعك مني الآن؟ فقال: لا
~~أحد قال صلى الله عليه وسلم: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني عبد الله
~~ورسوله؟ قال: لا، ولكني أعهد إليك أن لا أقاتلك أبدا ولا أعين عليك
~~عدوا فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه فقال له غورث: لأنت خير
~~مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أحق بذلك فرجع غورث إلى
~~أصحابه فقالوا: يا غورث لقد رأيناك قائما على رأسه بالسيف فما منعك منه؟ ms02063
~~قال: الله عز وجل أهويت له بالسيف لأضربه فما أدري من لزجني بين كتفي
~~فخررت لوجهي وخر سيفي وسبقني إليه محمد عليه الصلاة والسلام فأخذه وأتم
~~لهم القصة فآمن بعضهم ولم يلبث الوادي أن سكن، فقطع رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم إلى أصحابه فأخبرهم الخبر وقرأ عليهم الآية.

# { إن الله أعد للكفرين عذابا مهينا } تعليل
~~للأمر بأخذ الحذر أي أعد لهم عذابا مذلا وهو عذاب المغلوبية لكم
~~ونصرتكم عليهم فاهتموا بأموركم ولا تهملوا مباشرة الأسباب كي يعذبهم
~~بأيديكم، وقيل: لما كان الأمر بالحذر من العدو موهما لغلبته واعتزازه
~~نفى ذلك الإيهام بالوعد بالنصر وخذلان العدو لتقوى قلوب المأمورين
~~ويعلموا أن التحرز في نفسه عبادة كما أن النهي عن إلقاء النفس في التهلكة
~~لذلك لا للمنع عن الإقدام على الحرب، وقيل: لا يبعد أن يراد بالعذاب
~~المهين شرع صلاة الخوف فيكون لختم الآية به مناسبة تامة، ولا يخفى بعده.

### || [4.103]

# { فإذا قضيتم الصلوة } أي فإذا أديتم صلاة الخوف على الوجه
~~المبين وفرغتم منها. { فاذكروا الله قيما وقعودا
~~وعلى جنوبكم } أي فداوموا على ذكره سبحانه في جميع الأحوال حتى
~~في حال (المسايفة) والمقارعة والمراماة، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أنه قال عقب تفسيرها: لم يعذر الله تعالى أحدا في ترك ذكره إلا
~~المغلوب على عقله، وقيل: المعنى وإذا أردتم أداء الصلاة واشتد الخوف أو
~~التحم القتال فصلوا كيفما كان، وهو الموافق لمذهب الشافعي من وجوب الصلاة
~~حال المحاربة وعدم جواز تأخيرها عن الوقت، ويعذر المصلي حينئذ في ترك
~~القبلة لحاجة القتال لا لنحو جماح دابة وطال الفصل، وكذا الأعمال الكثيرة
~~لحاجة في الأصح لا الصياح أو النطق بدونه ولو دعت الحاجة إليه كتنبيه من
~~خشي وقوع مهلك به أو زجر الخيل أو الإعلام بأنه فلان المشهور بالشجاعة
~~لندرة الحاجة ولا قضاء بعد الأمن فيه، نعم لو صلوا كذلك لسواد ظنوه ولو
~~بإخبار عدل عدوا فبان أن لا عدو وأن بينهم وبينه ما يمنع وصوله إليهم
~~كخندق، أو أن ms02064 بقربهم عرفا حصنا يمكنهم التحصن به من غير أن يحاصرهم فيه
~~قضوا في الأظهر، ولا يخفى أن حمل الآية على ذلك في غاية البعد

# { فإذا اطمأننتم } أي أقمتم  كما قال قتادة ومجاهد  وهو راجع
~~إلى قوله تعالى:

# وإذا ضربتم فى الأرض

# [النساء: 101] ولما كان الضرب اضطرابا وكنى به عن السفر ناسب أن يكنى
~~بالاطمئنان عن الإقامة، وأصله السكون والاستقرار أي إذا استقررتم وسكنتم
~~من السير والسفر في أمصاركم { فأقيموا الصلوة } أي أدوا الصلاة
~~التي دخل وقتها وأتموها وعدلوا أركانها وراعوا شروطها وحافظوا على
~~حدودها، وقيل: المعنى فإذا أمنتم فأتموا الصلاة أي جنسها معدلة الأركان
~~ولا تصلوها ماشين أو راكبين أو قاعدين، وهو المروي عن ابن زيد، وقيل:
~~المعنى: فإذا اطمأننتم في الجملة فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي
~~حال القلق والانزعاج، ونسب إلى الشافعي رضي الله عنه وليس بالصحيح لما
~~علمت من مذهبه

# ولا ينبئك مثل خبير

# [فاطر: 14].

# { إن الصلوة كانت على المؤمنين كتبا } أي
~~مكتوبا مفروضا { موقوتا } محدود الأوقات لا يجوز إخراجها عن
~~أوقاتها في شيء من الأحوال فلا بد من إقامتها سفرا أيضا، وقيل: المعنى
~~كانت عليهم أمرا مفروضا مقدرا في الحضر بأربع ركعات وفي السفر بركعتين
~~فلا بد أن تؤدى في كل وقت حسبما قدر فيه، واستدل بالآية من حمل الذكر
~~فيما تقدم على الصلاة وأوجبها في حال القتال على خلاف ما ذهب إليه الإمام
~~أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه.

### || [4.104]

# { ولا تهنوا فى ابتغاء القوم } أي لا تضعفوا ولا تتوانوا
~~في طلب الكفار بالقتال. { إن تكونوا تألمون فإنهم
~~يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا
~~يرجون } تعليل للنهي وتشجيع لهم أي ليس ما ينالكم من الآلام مختصا
~~بكم بل الأمر مشترك بينكم وبينهم ثم إنهم يصبرون على ذلك فما لكم أنتم لا
~~تصبرون مع أنكم أولى بالصبر منهم حيث أنكم ترجون وتطمعون من الله تعالى
~~ما لا يخطر لهم ببال من ظهور دينكم الحق على سائر الأديان الباطلة، ومن
~~الثواب الجزيل والنعيم ms02065 المقيم في الآخرة. وجوز أن يحمل الرجال على الخوف
~~فالمعنى  إن الألم لا ينبغي أن يمنعكم لأن لكم خوفا من الله تعالى
~~ينبغي أن يحترز عنه فوق الاحتراز عن الألم وليس لهم خوف يلجئهم إلى الألم
~~وهم يختارونه لإعلاء دينهم الباطل فما لكم والوهن  ولا يخلو عن بعد،
~~وأبعد منه ما قيل: إن المعنى أن الألم قدر مشترك وأنكم تعبدون الإله
~~العالم القادر السميع البصير الذي يصح أن يرجى منه، وأنهم يعبدون الأصنام
~~التي لا خيرهن يرجى ولا شرهن يخشى. وقرأ أبو عبدالرحمن الأعرج { إن
~~تكونوا } بفتح الهمزة أي لا تهنوا لأن تكونوا تألمون.

# وقوله تعالى: { فإنهم } تعليل للنهي عن الوهن لأجله، وقرىء 
~~تئلمون كما يئلمون  بكسر حرف المضارعة، والآية قيل: نزلت في الذهاب إلى
~~بدر الصغرى لموعد أبي سفيان يوم أحد، وقيل: نزلت يوم أحد في الذهاب خلف
~~أبي سفيان وعسكره إلى حمراء الأسد، وروي ذلك عن عكرمة { وكان الله
~~عليما } مبالغا في العلم فيعلم مصالحكم وأعمالكم ما تظهرون منها وما
~~تسرون { حكيما } فيما يأمر وينهى فجدوا في الامتثال لذلك فإن فيه
~~عواقب حميدة وفوزا بالمطلوب.

### || [4.105]

# { إنا أنزلنا إليك الكتب بالحق } أخرج غير واحد عن
~~قتادة بن النعمان رضي الله تعالى عنه أنه قال: كان أهل بيت منا يقال لهم:
~~بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر، وكان بشر رجلا منافقا يقول الشعر يهجو به
~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينحله بعض العرب، ويقول: قال فلان
~~كذا، وقال فلان كذا فإذا سمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر
~~قالوا: والله ما يقول هذا / الشعر إلا هذا الخبيث فقال:

# أو كلما قال الرجال قصيدة

# أضموا فقالوا: ابن الأبيرق قالها

# وكانوا أهل حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام وكان طعام الناس بالمدينة
~~التمر والشعير وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة من الشام من
~~الدرمك ابتاع منها فخص بها نفسه فقدمت ضافطة فابتاع عمي رفاعة بن زيد
~~حملا من الدرمك فجعله في مشربة له وفي المشربة سلاح ms02066 له درعان وسيفاهما
~~وما يصلحهما فعدا عدي من تحت الليل فنقب المشربة وأخذ الطعام والسلاح
~~فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي تعلم أنه قد عدى علينا في
~~ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا فذهب بطعامنا وسلاحنا فتجسسنا في الدار وسألنا
~~فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق قد استوقدوا في هذه الليلة ولا نرى فيما
~~نرى إلا على بعض طعامكم فقال بنو أبيرق: ونحن نسأل في الدار والله ما نرى
~~صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجلا منا له صلاح وإسلام فلما سمع ذلك لبيد
~~اخترط سيفه ثم أتى بني أبيرق، وقال: أنا أسرق فوالله ليخالطنكم هذا السيف
~~أو لتبينن هذه السرقة قالوا: إليك عنا أيها الرجل فوالله ما أنت بصاحبها
~~فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي لو
~~أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فأتيت رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى
~~عمي رفاعة فنقبوا مشربة له وأخذوا سلاحه وطعامه فليردوا علينا سلاحنا
~~وأما الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سأنظر
~~في ذلك فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة فكلموه
~~في ذلك واجتمع إليه ناس من أهل الدار فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فقالوا: يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل
~~إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت قال قتادة: فأتيت رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فكلمته فقال: عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام
~~وصلاح ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثبت فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض
~~مالي ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فأتاني عمي رفاعة
~~فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم، فقال: الله تعالى المستعان فلم ms02067 نلبث أن نزل القرآن { إنا
~~أنزلنا إليك الكتب } الخ فلما نزل أتى رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة فلما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخا قد
~~عسى في الجاهلية وكنت أرى إسلامه مدخولا قال: يا ابن أخي هو في سبيل
~~الله فعرفت أن إسلامه كان صحيحا ثم لحق بشير بالمشركين فنزل على سلافة
~~بنت سعد فأنزل الله تعالى:

# ومن يشاقق الرسول

# [النساء: 115] الآية، ثم إن حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه هجا سلافة
~~فقال:

# فقد أنزلته بنت سعد وأصبحت

# ينازعها جلد أستها وتنازعه

# ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم

# وفينا نبي عنده الوحي واضعه

# فلما سمعت ذلك حملت رحله على رأسها فألقته بالأبطح فقالت: أهديت إلي
~~شعر حسان ما كنت تأتيني بخير، وأخرج ابن جرير عن السدي  واختاره الطبري
~~ أن يهوديا استودع طعمة بن أبيرق درعا فانطلق بها إلى داره فحفر لها
~~اليهودي ودفنها فخالف إليها طعمة فاحتفر عنها فأخذها فلما جاء اليهودي
~~يطلب درعه كافره عنها فانطلق إلى أناس من اليهود من عشيرته فقال: انطلقوا
~~معى فإني أعرف موضع الدرع فلما علم به طعمة أخذ الدرع فألقاها في دار
~~أبي مليك الأنصاري فلما جاءت اليهود تطلب الدرع فلم تقدر عليها وقع به
~~طعمة وأناس / من قومه فسبوه، وقال طعمة: أتخونوني فانطلقوا يطلبونها في
~~داره فأشرفوا على دار أبي مليك فإذا هم بالدرع فقال طعمة: أخذها أبو
~~مليك وجادلت الأنصار دون طعمة، وقال لهم: انطلقوا معي إلى رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فقولوا له: ينضح عني ويكذب حجة اليهود، فأتوا رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فهم أن يفعل فأنزل الله تعالى الآية فلما فضح الله
~~تعالى طعمة بالقرآن هرب حتى أتى مكة فكفر بعد إسلامه ونزل على الحجاج بن
~~علاط السلمي فنقب بيته وأراد أن يسرقه فسمع الحجاج خشخشة في بيته وقعقعة
~~جلود كانت عنده فنظر فإذا هو بطعمة فقال: ضيفي وابن عمي أردت أن تسرقني؟!
~~فأخرجه فمات بحرة بني سليم كافرا وأنزل الله ms02068 تعالى فيه

# ومن يشاقق

# [النساء:115] الخ، وعن عكرمة أن طعمة لما نزل فيه القرآن ولحق بقريش
~~ورجع عن دينه وعدا على مشربة للحجاج سقط عليه حجر فلحج فلما أصبح أخرجوه
~~من مكة فخرج فلقي ركبا من قضاعة فعرض لهم فقالوا: ابن سبيل منقطع به
~~فحملوه حتى إذا جن عليه الليل عدا عليهم فسرقهم ثم انطلق فرجعوا في طلبه
~~فأدركوه فقذفوه بالحجارة حتى مات، وعن ابن زيد أنه بعد أن لحق بمكة نقب
~~بيتا يسرقه فهدمه الله تعالى عليه فقتله، وقيل: إنه أخرج فركب سفينة إلى
~~جدة فسرق فيها كيسا فيه دنانير فأخذ وألقى في البحر.

# هذا وفي تأكيد الحكم إيذان بالاعتناء بشأنه كما أن في إسناد الإنزال إلى
~~ضمير العظمة تعظيما لأمر المسند، وتقديم المفعول الغير الصريح للاهتمام
~~والتشويق، وقوله سبحانه: { بالحق } في موضع الحال أي إنا أنزلنا إليك
~~القرآن متلبسا بالحق { لتحكم بين الناس } برهم وفاجرهم {
~~بما أراك الله } أي بما عرفك وأوحى به إليك، و (ما) موصولة
~~والعائد محذوف وهو المفعول الأول  لأرى  وهي من رأى بمعنى عرف المتعدية
~~لواحد وقد تعدت لاثنين بالهمزة، وقيل: إنها من الرأي من قولهم: رأى
~~الشافعي كذا وجعلها علمية يقتضي التعدي إلى ثلاثة مفاعيل وحذف اثنين منها
~~أي بما أراكه الله تعالى حقا وهو بعيد، وإما جعلها  من رأى البصرية
~~مجازا  فلا حاجة إليه { ولا تكن للخائنين } وهم بنو أبيرق
~~أو طعمة ومن يعينه، أو هو ومن يسير بسيرته، واللام للتعليل، وقيل: بمعنى
~~عن أي لا تكن لأجلهم أو عنهم { خصيما } أي مخاصما للبرآء، والنهي
~~معطوف على مقدر ينسحب عليه النظم الكريم كأنه قيل: إنا أنزلنا إليك
~~الكتاب فاحكم به ولا تكن الخ، وقيل: عطف على { أنزلنا } بتقدير قلنا،
~~وجوز عطفه على الكتاب لكونه منزلا ولا يخفى أنه خلاف الظاهر جدا.

### || [4.106]

# { واستغفر الله } مما قلت لقتادة أو مما هممت به في أمر طعمة
~~وبراءته لظاهر الحال، وما قاله صلى الله عليه وسلم لقتادة، وكذا الهم
~~بالشيء خصوصا إذ يظن أنه الحق ms02069 ليس بذنب حتى يستغفر منه لكن لعظم النبي
~~صلى الله عليه وسلم  وعصمة الله تعالى له وتنزيهه عما يوهم النقص وحاشاه
~~ أمره بالاستغفار لزيادة الثواب وإرشاده إلى التثبت وأن ما ليس بذنب مما
~~يكاد يعد حسنة من غيره إذا صدر منه عليه الصلاة والسلام بالنسبة لعظمته
~~ومقامه المحمود يوشك أن يكون كالذنب فلا متمسك بالأمر بالاستغفار في عدم
~~العصمة كما زعمه البعض، وقيل: يحتمل أن يكون المراد: واستغفر لأولئك
~~الذين برءوا ذلك الخائن { إن الله كان غفورا رحيما }
~~مبالغا في المغفرة والرحمة لمن استغفره، وقيل: لمن استغفر له.

### || [4.107]

# { ولا تجدل عن الذين يختانون أنفسهم } أي
~~يخونونها وجعلت خيانة الغير خيانة لأنفسهم لأن وبالها وضررها عائد عليهم،
~~ويحتمل أنه جعلت المعصية خيانة فمعنى { يختانون أنفسهم }
~~يظلمونها باكتساب المعاصي وارتكاب الآثام، وقيل: الخيانة مجاز عن المضرة
~~ولا بعد فيه، والمراد بالموصول إما السارق أو المودع المكافر وأمثاله،
~~وإما هو ومن عاونه فإنه شريك له في الإثم والخيانة، والخطاب للنبي صلى
~~الله عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام المقصود بالنهي، والنهي عن الشيء
~~لا يقتضي كون المنهي مرتكبا للمنهي عنه، وقد يقال: إن ذلك من قبيل

# لئن أشركت ليحبطن عملك

# [الزمر: 65] ومن هنا قيل: المعنى لا تجادل أيها الإنسان.

# { إن الله لا يحب من كان خوانا } كثير الخيانة مفرطا
~~فيها { أثيما } منهمكا في الإثم، وتعليق عدم المحبة المراد منه البغض
~~والسخط بصيغة المبالغة ليس لتخصيصه بل لبيان إفراط بني أبيرق وقومهم في
~~الخيانة والإثم. وقال أبو حيان: أتى بصيغة المبالغة فيهما ليخرج منه من
~~وقع منه الإثم والخيانة مرة ومن صدر منه ذلك على سبيل الغفلة وعدم القصد،
~~وليس بشيء، وإرداف الخوان بالإثم قيل: للمبالغة، وقيل: إن الأول: باعتبار
~~السرقة أو إنكار الوديعة، والثاني: باعتبار تهمة البريء، وروي ذلك عن ابن
~~عباس رضي الله عنهما وقدمت صفة الخيانة على صفة الإثم لأنها سبب له، أو
~~لأن وقوعهما كان كذلك، أو لتواخي الفواصل على ما قيل.

### || [4.108]

# { يستخفون من الناس } أي يستترون منهم ms02070 حياءا وخوفا من
~~ضررهم، وأصل ذلك طلب الخفاء وضمير الجمع عائد على

# الذين يختانون

# [النساء: 107] على الأظهر، والجملة مستأنفة لا موضع لها من الإعراب.
~~وقيل: هي في موضع الحال من { من }  { ولا يستخفون من الله
~~} أي ولا يستحيون منه سبحانه وهو أحق بأن يستحى منه ويخاف من عقابه،
~~وإنما فسر الاستخفاء منه تعالى بالاستحياء لأن الاستتار منه عز شأنه محال
~~فلا فائدة في نفيه ولا معنى للذم في عدمه، وذكر بعض المحققين أن التعبير
~~بذلك من باب المشكالة { وهو معهم } على الوجه اللائق بذاته
~~سبحانه، وقيل: المراد أنه تعالى عالم بهم وبأحوالهم فلا طريق إلى
~~الاستخفاء منه تعالى سوى ترك ما يؤاخذ عليه؛ والجملة في موضع الحال من
~~ضمير يستخفون.

# { إذ يبيتون } أي يدبرون ولما كان أكثر التدبير مما يبيت عبر به
~~عنه والظرف متعلق بما تعلق به قبله، وقيل: متعلق ب { يستخفون }. {
~~ما لا يرضى من القول } من رمي البريء وشهادة الزور. قال
~~النيسابوري: وتسمية التدبير وهو معنى في النفس قولا لا إشكال فيها عند
~~القائلين بالكلام النفسي؛ وأما عند غيرهم فمجاز، أو لعلهم اجتمعوا في
~~الليل ورتبوا كيفية المكر فسمى الله تعالى كلامهم ذلك بالقول المبيت الذي
~~لا يرضاه سبحانه، وقد تقدم لك في المقدمات ما ينفعك ههنا فتذكر {
~~وكان الله بما يعملون } أي بعملهم أو بالذي يعملونه من
~~الأعمال الظاهرة والخافية { محيطا } أي حفيظا  كما قال الحسن  أو
~~عالما لا يعزب عنه شيء ولا يفوت  كما قال غيره  وعلى القولين الإحاطة
~~هنا مجاز ونظمها البعض في سلك المتشابه.

### || [4.109]

# { هأنتم هؤلآء } خطاب للذابين مؤذن بأن تعديد جناياتهم يوجب
~~مشافهتهم بالتوبيخ والتقريع، والجملة مبتدأ وخبر، وقوله سبحانه: {
~~جدلتم عنهم في الحيوة الدنيا } جملة مبينة لوقوع
~~أولاء خبرا فهو بمعنى المجادلين وبه تتم الفائدة، ويجوز أن يكون أولاء
~~إسما موصولا كما هو مذهب بعض النحاة في كل اسم إشارة، و { جدلتم
~~} صلته، فالحمل حينئذ ظاهر، والمجادلة أشد المخاصمة وأصلها من الجدل وهو
~~شدة الفتل، ومنه قيل للصقر: أجدل والمعنى ms02071 هبوا أنكم بذلتم الجهد في
~~المخاصمة عمن أشارت إليه الأخبار في الدنيا.

# / { فمن يجدل الله عنهم يوم القيمة } أي فمن
~~يخاصمه سبحانه عنهم يوم لا يكتمون حديثا ولا يغني عنهم من عذاب الله
~~تعالى شيء { أم من يكون عليهم } يومئذ { وكيلا } أي
~~حافظا ومحاميا من بأس الله تعالى وعقابه، وأصل معنى الوكيل الشخص الذي
~~توكل الأمور له وتسند إليه، وتفسيره بالحافظ المحامي مجاز من باب استعمال
~~الشيء في لازم معناه، و { أم } هذه منقطعة كما قال السمين، وقيل: عاطفة
~~كما نقله في «الدر المصون»، والاستفهام كما قال الكرخي: في الموضعين
~~للنفي أي لا أحد يجادل عنهم ولا أحد يكون عليهم وكيلا.

### || [4.110]

# { ومن يعمل سوءا } أي شيئا يسوء به غيره كما فعل بشير برفاعة
~~أو طعمة باليهودي { أو يظلم نفسه } بما يختص به كالإنكار،
~~وقيل: السوء ما دون الشرك، والظلم الشرك، وقيل: السوء الصغيرة والظلم
~~الكبيرة. { ثم يستغفر الله } بالتوبة الصادقة ولو قبل الموت
~~بيسير { يجد الله غفورا } لما استغفره منه كائنا ما كان {
~~رحيما } متفضلا عليه، وفيه حث لمن فيهم نزلت الآية من المذنبين على
~~التوبة والاستغفار، قيل: وتخويف لمن لم يستغفر ولم يتب بحسب المفهوم فإنه
~~يفيد أن من لم يستغفر حرم من رحمته تعالى وابتلي بغضبه.

### || [4.111]

# { ومن يكسب } أي يفعل { إثما } ذنبا من الذنوب { فإنما
~~يكسبه على نفسه } بحيث لا يتعدى ضرره إلى غيرها فليحترز عن
~~تعريضها للعقاب والوبال { وكان الله عليما } بكل شيء ومنه الكسب
~~{ حكيما } في كل ما قدر وقضى، ومن ذلك لا تحمل وازرة وزر أخرى، وقيل:
~~{ عليما } بالسارق { حكيما } في إيجاب القطع عليه، والأولى أولى.

### || [4.112]

# { ومن يكسب خطيئة } أي صغيرة أو ما لا عمد فيه من الذنوب.
~~وقرأ معاذ بن جبل { يكسب } بكسر الكاف والسين المشددة وأصله يكتسب {
~~أو إثما } أي كبيرة أو ما كان عن عمد، وقيل: الخطيئة الشرك والإثم
~~ما دونه، وفي «الكشاف» الإثم الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب، والهمزة فيه
~~بدل من الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها ms02072 بإحباطه، وفي «الكشف» كأن هذا
~~أصله، ثم استعمل في مطلق الذنب في نحو قوله تعالى:

# كبئر الإثم

# [الشورى: 37]، ومن هذا يعلم ضعف ما ذكره صاحب القيل { ثم يرم به
~~} أي يقذف به ويسنده، وتوحيد الضمير لأنه عائد على أحد الأمرين لا على
~~التعيين كأنه قيل: ثم يرم بأحد الأمرين، وقيل: إنه عائد على { إثما }
~~فإن المتعاطفين  بأو  يجوز عود الضمير فيما بعدهما على المعطوف عليه
~~نحو

# إذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا إليها

# [الجمعة: 11] وعلى المعطوف نحو

# والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها

# [التوبة: 34]، وقيل: إنه عائد على الكسب على حد

# اعدلوا هو أقرب للتقوى

# [المائدة: 8]، وقيل: في الكلام حذف أي  يرم بها وبه  و { ثم }
~~للتراخي في الرتبة، وقرىء [يرم] بهما { بريئا } مما رماه به ليحمله
~~عقوبة العاجلة كما فعل من عنده الدرع بلبيد بن سهل أو بأبي مليك

# { فقد احتمل } بمافعل من رمى البريء، وقصده تحميل جريرته عليه
~~وهو أبلغ من حمل، وقيل: افتعل بمعنى فعل فاقتدر وقدر { بهتنا } وهو
~~الكذب على الغير بما يبهت منه ويتحير عند سماعه لفظاعته، وقيل: هو الكذب
~~الذي يتحير في عظمه، والماضي  بهت  كمنع، ويقال في المصدر: بهتا
~~وبهتا وبهتا { وإثما مبينا } أي بينا لا مرية فيه ولا خفاء
~~وهو صفة  لإثما  وقد اكتفى في بيان عظم البهتان بالتنكير التفخيمي على
~~أن وصف الإثم بما ذكر بمنزلة وصف البهتان به لأنهما عبارة عن أمر واحد /
~~هو رمي البريء بجناية نفسه. وعبر عنه بهما تهويلا لأمره وتفظيعا لحاله
~~فمدار العظم والفخامة كون المرمي به للرامي فإن رمي البريء بجناية ما
~~خطيئة كانت أو إثما بهتان وإثم في نفسه، أما كونه بهتانا فظاهر، وأما
~~كونه إثما فلأن كون الذنب بالنسبة إلى من فعله خطيئة لا يلزم منه كونه
~~بالنسبة إلى من نسبه إلى البريء منه أيضا كذلك، بل لا يجوز ذلك قطعا
~~كيف لا وهو كذب محرم في سائر الأديان، فهو في نفسه بهتان وإثم لا محالة،
~~وبكون تلك الجناية للرامي يتضاعف ذلك شدة ms02073 ويزداد قبحا لكن لا لانضمام
~~جنايته المكسوبة إلى رمي البريء وإلا لكان الرمي بغير جنايته مثله في
~~العظم، ولا لمجرد اشتماله على تبرئة نفسه الخاطئة وإلا لكان الرمي بغير
~~جنايته مع تبرئة نفسه مثله في العظم بل لاشتماله على قصد تحميل جنايته
~~على البريء وإجراء عقوبتها عليه كما ينبىء عنه إيثار الاحتمال على
~~الاكتساب ونحوه لما فيه من الإيذان بانعكاس تقديره مع ما فيه من الإشعار
~~بثقل الوزر وصعوبة الأمر على ما يقتضيه ظاهر صيغة الافتعال، نعم بما ذكر
~~من انضمام كسبه وتبرئة نفسه إلى رمي البريء تزداد الجناية قبحا لكن تلك
~~الزيادة وصف للمجموع لا للإثم فقط  كذا قاله شيخ الإسلام  ولا يخفى أنه
~~أولى مما يفهم من ظاهر كلام «الكشاف» من أن في التنزيل لفا ونشرا غير
~~مرتب حيث قال إثر قوله تعالى: { فقد احتمل } الخ لأنه بكسبه الإثم
~~آثم، وبرميه البريء باهت فهو جامع بين الأمرين لخلوه عما يلزمه، وإن أجيب
~~عنه فافهم.

### || [4.113]

# { ولولا فضل الله عليك ورحمته } بإعلامك بما هم
~~عليه بالوحي وتنبيهك على الحق، وقيل: لولا فضله بالنبوة ورحمته بالعصمة،
~~وقيل: لولا فضله بالنبوة ورحمته بالوحي؛ وقيل: المراد لولا حفظه لك
~~وحراسته إياك. { لهمت طائفة منهم } أي من الذين يختانون،
~~والمراد بهم أسير بن عروة وأصحابه، أو الذابون عن طعمة المطلعون على كنه
~~القصة العالمون بحقيقتها، ويجوز أن يكون الضمير راجعا إلى الناس،
~~والمراد بالطائفة الذين انتصروا للسارق أو المودع الخائن، وقيل: المراد
~~بهم وفد ثقيف، فقد روي عن جرير عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما «أنهم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد
~~جئناك نبايعك على أن لا نكسر أصنامنا بأيدينا وعلى أن نتمتع بالعزى سنة،
~~فلم يجبهم صلى الله عليه وسلم وعصمه الله تعالى من ذلك فنزلت». وعن أبي
~~مسلم أنهم المنافقون هموا بما لم ينالوا من إهلاك النبي صلى الله عليه
~~وسلم فحفظه الله تعالى منهم وحرسه بعين عنايته.

# { أن يضلوك } أي بأن يضلوك ms02074 عن القضاء بالحق، أو عن اتباع ما جاءك
~~في أمر الأصنام، أو بأن يهلكوك، وقد جاء الإضلال بهذا المعنى، ومنه على
~~ما قيل: قوله تعالى:

# وقالوا أءذا ضللنا فى الأرض

# [السجدة: 10] والجملة جواب { لولا } وإنما نفى همهم مع أن المنفي
~~إنما هو تأثيره فقط إيذانا بانتفاء تأثيره بالكلية، وقيل: المراد هو
~~الهم المؤثر ولا ريب في انتفائه حقيقة. وقال الراغب: إن القوم كانوا
~~مسلمين ولم يهموا بإضلاله صلى الله عليه وسلم أصلا وإنما كان ذلك صوابا
~~عندهم وفي ظنهم؛ وجوز أبو البقاء أن يكون الجواب محذوفا والتقدير 
~~ولولا فضل الله عليك ورحمته لأضلوك  ثم استأنف بقوله سبحانه: {
~~لهمت } أي لقد همت بذلك { وما يضلون إلا أنفسهم } أي
~~ما يزيلون عن الحق إلا أنفسهم، أو ما يهلكون إلا إياها لعود وبال ذلك
~~وضرره عليهم، والجملة اعتراضية، وقوله تعالى: { وما يضرونك من
~~شيء } عطف عليه وعطف على { أن يضلوك } وهم محض؛ و { من } صلة،
~~والمجرور / في محل النصب على المصدرية أي وما يضرونك شيئا من الضرر لما
~~أنه تعالى عاصمك عن الزيغ في الحكم، وأما ما خطر ببالك فكان عملا منك
~~بظاهر الحال ثقة بأقوال القائلين من غير أن يخطر لك أن الحقيقة على خلاف
~~ذلك، أو لما أنه سبحانه عاصمك عن المداهنة والميل إلى آراء الملحدين
~~والأمر بخلاف ما أنزل الله تعالى عليك، أو لما أنه جل شأنه وعدك العصمة
~~من الناس وحجبهم عن التمكن منك.

# { وأنزل الله عليك الكتب والحكمة } أي القرآن
~~الجامع بين العنوانين، وقيل: المراد بالحكمة السنة، وقد تقدم الكلام في
~~تحقيق ذلك، والجملة على ما قال الأجهوري: في موضع التعليل لما قبلها،
~~وإلى ذلك أشار الطبرسي وهو غير مسلم على ما ذهب إليه أبو مسلم.

# { وعلمك } بأنواع الوحي { ما لم تكن تعلم } أي الذي لم
~~تكن تعلمه من خفيات الأمور وضمائر الصدور، ومن جملتها وجوه إبطال كيد
~~الكائدين، أو من أمور الدين وأحكام الشرع  كما روي عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أو من الخير والشر ms02075  كما قال الضحاك  أو من أخبار الأولين
~~والآخرين  كما قيل  أو من جميع ما ذكر  كما يقال . ومن الناس من فسر
~~الموصول بأسرار الكتاب والحكمة أي أنه سبحانه أنزل عليك ذلك وأطلعك على
~~أسراره وأوقفك على حقائقه فتكون الجملة الثانية كالتتمة للجملة الأولى،
~~واستظهر في «البحر» العموم. { وكان فضل الله عليك عظيما
~~} لا تحويه عبارة ولا تحيط به إشارة، ومن ذلك النبوة العامة والرياسة
~~التامة والشفاعة العظمى يوم القيامة.

### || [4.114]

# { لا خير فى كثير من نجواهم } أي الذين يختانون، واختار
~~جمع أن الضمير للناس، وإليه يشير كلام مجاهد، و  النجوى  في الكلام كما
~~قال الزجاج: ما يتفرد به الجماعة أو الاثنان، وهل يشترط فيه أن يكون سرا
~~أم لا؟ قولان: وتكون بمعنى التناجي، وتطلق على القوم المتناجين  ك

# إذ هم نجوى

# [الإسراء: 47] وهو إما من باب رجل عدل، أو على أنه جمع نجي  كما نقله
~~الكرماني  والظرف الأول خبر { لا } والثاني في موضع الصفة للنكرة أي:
~~كائن من نجواهم.

# { إلا من أمر } أي إلا في نجوى من أمر { بصدقة } فالكلام
~~على حذف مضاف، وبه يتصل الاستثناء، وكذا إن أريد بالنجوى المتناجون على
~~أحد الاعتبارين، ولا يحتاج إلى ذلك التقدير حينئذ، ويكفي في صحة الاتصال
~~صحة الدخول وإن لم يجزم به فلا يرد ما توهمه عصام الدين من أن مثل جاءني
~~كثير من الرجال إلا زيدا لا يصح فيه الاتصال لعدم الجزم بدخول زيد في
~~الكثير، ولا الانقطاع لعدم الجزم بخروجه، ولا حاجة إلى ما تكلف في دفعه 
~~بأن المراد لا خير في كثير من نجوى واحد منهم إلا نجوى من أمر الخ، فإنه
~~في كثير من نجواه خير  فإنه على ما فيه لا يتأتى مثله على احتمال الجمع،
~~وجوز رحمه الله تعالى، بل زعم أنه الأولى أن يجعل { إلا من أمر }
~~متعلقا بما أضيف إليه النجوى بالاستثناء أو البدل، ولا يخفى أنه إن سلم
~~أن له معنى خلاف الظاهر، وجوز غير واحد أن يكون الاستثناء منقطعا على
~~معنى لكن من ms02076 أمر بصدقة وإن قلت ففي نجواه الخير.

# { أو معروف } وهو كل ما عرفه الشرع واستحسنه، فيشمل جميع أصناف
~~البر كقرض وإغاثة ملهوف، وإرشاد ضال إلى غير ذلك، ويراد به هنا ما عدا
~~الصدقة وما عدا ما أشير إليه بقوله تعالى: { أو إصلح بين
~~الناس } وتخصيصه بالقرض وإغاثة الملهوف وصدقة التطوع، وتخصيص الصدقة
~~فيما تقدم بالصدقة الواجبة مما لا داعي إليه وليس له سند يعول عليه، وخص
~~الصدقة والإصلاح بين الناس/ بالذكر من بين ما شمله هذا العام إيذانا
~~بالاعتناء بهما لما في الأول: من بذل المال الذي هو شقيق الروح وما في
~~الثاني: من إزالة فساد ذات البين  وهي الحالقة للدين  كما في الخبر،
~~وقدم الصدقة على الإصلاح لما أن الأمر بها أشق لما فيه من تكليف بذل
~~المحبوب، والنفس تنفر عمن يكلفها ذلك، ولا كذلك الأمر بالإصلاح، وذكر
~~الإمام الرازي أن السر في إفراد هذه الأقسام الثلاثة بالذكر «أن عمل
~~الخير المتعدي إلى الناس، إما لإيصال المنفعة أو لدفع المضرة، والمنفعة
~~إما جسمانية كإعطاء المال، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { إلا من
~~أمر بصدقة } وإما روحانية وإليه الإشارة بالأمر بالمعروف، وأما
~~رفع الضرر فقد أشير إليه بقوله تعالى: { أو إصلح بين الناس
~~} » ولا يخفى ما فيه، والمراد من الإصلاح بين الناس التأليف بينهم
~~بالمودة إذا تفاسدوا من غير أن يجاوز في ذلك حدود الشرع الشريف، نعم أبيح
~~الكذب لذلك، فقد أخرج الشيخان وأبو داود عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا، وقالت:
~~لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب والإصلاح
~~بين الناس وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها "

# وعد غير واحد الإصلاح من الصدقة، وأيد بما أخرجه البيهقي عن أبي أيوب

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا أبا أيوب ألا أدلك على صدقة
~~يرضى الله تعالى ورسوله موضعها؟ قال: بلى قال: تصلح بين ms02077 الناس إذا
~~تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا "

# ، وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " أفضل الصدقة إصلاح ذات البين "

# وهذا الخبر ظاهر في أن الإصلاح أفضل من الصدقة بالمال. ومثله ما أخرجه
~~أحمد وأبو داود والترمذي وصححه عن أبي الدرداء قال: «قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى قال:
~~إصلاح ذات البين "

# ولا يخفى أن هذا ونحوه مخرج مخرج الترغيب، وليس المراد ظاهره إذ لا شك
~~أن الصيام المفروض والصلاة المفروضة والصدقة كذلك أفضل من الإصلاح اللهم
~~إلا أن يكون إصلاح يترتب على عدمه شر عظيم وفساد بين الناس كبير.

# { ومن يفعل ذلك } أي المذكور من الصدقة وأخويها، والكلام تذييل
~~للاستثناء، وكان الظاهر ومن يأمر بذلك ليكون مطابقا للمذيل إلا أنه رتب
~~الوعد على الفعل إثر بيان خيرية الآمر لما أن المقصود الترغيب في الفعل
~~وبيان خيرية الآمر به للدلالة على خيريته بالطريق الأولى، وجوز أن يكون
~~عبر عن الأمر بالفعل إذ هو يكنى به عن جميع الأشياء كما إذا قيل: حلفت
~~على زيد وأكرمته وكذا وكذا فتقول: نعم ما فعلت، ولعل نكتة العدول عن يأمر
~~إلى { يفعل } حينئذ الإشارة إلى أن التسبب لفعل الغير الصدقة
~~والإصلاح والمعروف بأي وجه كان كاف في ترتب الثواب، ولا يتوقف ذلك على
~~اللفظ، ويجوز جعل ذلك إشارة إلى الأمر فيكون معنى من أمر { ومن
~~يفعل } الأمر واحدا، وقيل: لا حاجة إلى جعله تذييلا ليحتاج إلى
~~التأويل تحصيلا للمطابقة، بل لما ذكر الآمر استطراد ذكر ممتثل أمره كأنه
~~قيل: ومن يمتثل.

# { ابتغآء مرضات الله } أي لأجل طلب رضاء الله تعالى {
~~فسوف نؤتيه } بنون العظمة على الالتفات، وقرأ أبو عمرو وحمزة
~~وقتيبة عن الكسائي وسهل وخلف بالياء { أجرا عظيما } لا يحيط به
~~نطاق الوصف، قيل: وإنما قيد الفعل بالابتغاء المذكور لأن الأعمال
~~بالنيات، وإن من فعل خيرا لغير ذلك لم يستحق به غير الحرمان، ولا يخفى
~~أن هذا ظاهر ms02078 في أن الرياء محبط لثواب / الأعمال بالكلية وهو ما صرح به
~~ابن عبد السلام والنووي، وقال الغزالي: إذا غلب الإخلاص فهو مثاب وإلا
~~فلا، وقيل: هو مثاب غلب الإخلاص أم لا لكن على قدر الإخلاص، وفي دلالة
~~الآية  على أن غير المخلص لا يستحق غير الحرمان  نظر لأنه سبحانه أثبت
~~فيها للمخلص أجرا عظيما وهو لا ينافي أن يكون لغيره ما دونه، وكون
~~العظمة بالنسبة إلى أمور الدنيا خلاف الظاهر.

### || [4.115]

# { ومن يشاقق الرسول } أي يخالفه  من الشق فإن كلا من
~~المتخالفين في شق غير شق الآخر، ولظهور الانفكاك بين الرسول  ومخالفه فك
~~الإدغام هنا، وفي قوله سبحانه في الأنفال [13]

# ومن يشاقق الله ورسوله

#  رعاية لجانب المعطوف، ولم يفك في قوله تعالى في الحشر [4]

# ومن يشآق الله

# وقال الخطيب: في حكمة الفك والإدغام أن أل في الاسم الكريم لازمة
~~بخلافها في الرسول، واللزوم يقتضي الثقل فخفف بالإدغام فيما صحبته
~~الجلالة بخلاف ما صحبه لفظ الرسول، وفي آية الأنفال صار المعطوف والمعطوف
~~عليه كالشيء الواحد، وما ذكرناه أولى، والتعرض لعنوان الرسالة لإظهار
~~كمال شناعة ما اجترءوا إليه من المشاقة والمخالفة، وتعليل الحكم الآتي
~~بذلك، والآية نزلت كما قدمناه في سارق الدرع أو مودعها، وقيل: في قوم
~~طعمة لما ارتدوا بعد أن أسلموا، وأيا ما كان فالعبرة بعموم اللفظ لا
~~بخصوص السبب فيندرج فيه ذلك وغيره من المشاقين.

# { من بعد ما تبين له الهدى } أي ظهر له الحق فيما حكم
~~به النبي صلى الله عليه وسلم أو فيما يدعيه عليه الصلاة والسلام بالوقوف
~~على المعجزات الدالة على نبوته { ويتبع غير سبيل
~~المؤمنين } أي غير ما هم مستمرون عليه من عقد وعمل فيعم الأصول
~~والفروع والكل والبعض { نوله ما تولى } أي نجعله واليا لما
~~تولاه من الضلال ويؤول إلى أنا نضله، وقيل: معناه (نخذله بأن) نخل بينه
~~وبين ما اختاره لنفسه، وقيل: نكله في الآخرة إلى ما اتكل عليه وانتصر به
~~في الدنيا من الأوثان { ونصله جهنم } أي ندخله إياها، وقد
~~تقدم. وقرىء ms02079 بفتح النون من صلاه { وساءت مصيرا } أي جهنم أو
~~التولية.

# واستدل الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه على حجية الإجماع بهذه الآية،
~~فعن المزني أنه قال: كنت عند الشافعي يوما فجاءه شيخ عليه لباس صوف
~~وبيده عصا فلما رآه ذا مهابة استوى جالسا وكان مستندا لأسطوانة وسوى
~~ثيابه فقال له: ما الحجة في دين الله تعالى؟ قال: كتابه، قال: وماذا؟
~~قال: سنة نبيه صلى الله عليه وسلم قال: وماذا؟ قال: اتفاق الأمة، قال: من
~~أين هذا الأخير أهو في كتاب الله تعالى؟ فتدبر ساعة ساكتا، فقال له
~~الشيخ: أجلتك ثلاثة أيام بلياليهن فإن جئت بآية وإلا فاعتزل الناس فمكث
~~ثلاثة أيام لا يخرج وخرج في اليوم الثالث بين الظهر والعصر وقد تغير لونه
~~فجاءه الشيخ وسلم عليه وجلس، وقال: حاجتي، فقال: نعم أعوذ بالله تعالى من
~~الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم قال الله عز وجل: { ومن
~~يشاقق الرسول من بعد ما تبين له } الخ لم يصله جهنم
~~على خلاف المؤمنين إلا واتباعهم فرض، قال: صدقت وقام وذهب، وروي عنه أنه
~~قال: قرأت القرآن في كل يوم وفي كل ليلة ثلاث مرات حتى ظفرت بها.

# ونقل الإمام عنه أنه سئل عن آية من كتاب الله تعالى تدل على أن الإجماع
~~حجة فقرأ القرآن ثلثمائة مرة حتى وجد هذه الآية.

# واعترض ذلك الراغب بأن سبيل المؤمنين الإيمان كما إذا قيل: اسلك سبيل
~~الصائمين والمصلين أي في الصوم والصلاة، فلا دلالة في الآية على حجية
~~الإجماع، ووجوب اتباع المؤمنين في غير الإيمان، / ورده في «الكشف» بأنه
~~تخصيص بما يأباه الشرط الأول، ثم إنه إذا كان مألوف الصائمين الاعتكاف
~~مثلا تناول الأمر باتباعهم ذلك أيضا فكذلك يتناول ما هو مقتضى الإيمان
~~فيما نحن فيه، فسبيل المؤمنين هنا عام على ما أشرنا إليه. واعترض بأن
~~المعطوف عليه مقيد بتبين الهدى فيلزم في المعطوف ذلك فإذا لم يكن في
~~الإجماع فائدة لأن الهدى عام لجميع الهداية، ومنها دليلا الإجماع وإذا
~~حصل الدليل لم يكن للمدلول ms02080 فائدة، وأجيب بمنع لزوم القيد في المعطوف،
~~وعلى تقدير التسليم فالمراد بالهداية الدليل على التوحيد والنبوة، فتفيد
~~الآية أن مخالفة المؤمنين بعد دليل التوحيد والنبوة حرام، فيكون الإجماع
~~مفيدا في الفروع بعد تبين الأصول، وأوضح القاضي وجه الاستدلال بها على
~~حجية الإجماع وحرمة مخالفته بأنه تعالى رتب فيها الوعيد الشديد على
~~المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين، وذلك إما لحرمة كل واحد منهما أو
~~أحدهما أو الجمع بينهما، والثاني باطل إذ يقبح أن يقال: من شرب الخمر
~~وأكل الخبز استوجب الحد، وكذا الثالث لأن المشاقة محرمة ضم إليها غيرها
~~أو لم يضم، وإذا كان اتباع غير سبيلهم محرما كان اتباع سبيلهم واجبا
~~لأن ترك اتباع سبيلهم ممن عرف سبيلهم اتباع غير سبيلهم.

# فإن قيل: لا نسلم أن ترك اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير
~~سبيل المؤمنين لأنه لا يمتنع أن لا يتبع سبيل المؤمنين ولا غير سبيل
~~المؤمنين. أجيب بأن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير فإذا كان
~~من شأن غير المؤمنين أن لا يقتدوا في أفعالهم بالمؤمنين فكل من لم يتبع
~~من المؤمنين سبيل المؤمنين فقد أتى بفعل غير المؤمنين واقتفى أثرهم فوجب
~~أن يكون متبعا لهم، وبعبارة أخرى إن ترك اتباع سبيل المؤمنين اتباع لغير
~~سبيل المؤمنين لأن المكلف لا يخلو من اتباع سبيل البتة، واعترض أيضا بأن
~~هذا الدليل غير قاطع لأن { غير سبيل المؤمنين } يحتمل وجوها
~~من التخصيص لجواز أن يراد سبيلهم في متابعة الرسول أو في مناصرته أو في
~~الاقتداء به عليه الصلاة والسلام أو فيما صاروا به مؤمنين، وإذا قام
~~الاحتمال كان غايته الظهور، والتمسك بالظاهر إنما يثبت بالإجماع ولولاه
~~لوجب العمل بالدلائل المانعة من اتباع الظن فيكون إثباتا للإجماع بما لا
~~يثبت حجيته إلا به فيصير دورا، واستصعب التقصي عنه، وقد ذكره ابن الحاجب
~~في «المختصر»، وقريب منه قول الاصفهاني في اتباع سبيلهم لما احتمل ما ذكر
~~وغيره صار عاما، ودلالته على فرد من أفراده غير قطعية لاحتمال تخصيصه
~~بما يخرجه ms02081 مع ما فيه من الدور، وأجاب عن الدور بأنه إنما يلزم لو لم يقم
~~عليه دليل آخر، وعليه دليل آخر، وهو أنه مظنون يلزم العمل به لأنا إن لم
~~نعمل به وحده فإما أن نعمل به وبمقابله أو لا نعمل بهما، أو نعمل
~~بمقابله، وعلى الأول يلزم الجمع بين النقيضين، وعلى الثاني ارتفاعهما،
~~وعلى الثالث العمل بالمرجوح مع وجود الراجح والكل باطل، فيلزم العمل به
~~قطعا، واعترض أيضا بمنع حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين مطلقا بل بشرط
~~المشاقة، وأجاب عنه القوم بما لا يخلو عن ضعف وبأن الاستدلال يتوقف على
~~تخصيص المؤمنين بأهل الحل والعقد في كل عصر، والقرينة عليه غير ظاهرة،
~~وبأمور أخر ذكرها الآمدي والتلمساني وغيرهما، وأجابوا عما أجابوا عنه
~~منها، وبالجملة لا يكاد يسلم هذا الاستدلال من قيل وقال، وليست حجية
~~الإجماع موقوفة على ذلك كما لا يخفى.

### || [4.116]

# { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون
~~ذلك لمن يشاء } قد مر تفسيره فيما سبق وكرر للتأكيد، وخص هذا
~~الموضع به ليكون كالتكميل لقصة من سبق بذكر الوعد بعد ذكر الوعيد في ضمن
~~الآيات السابقة فلا يضر بعد العهد، أو لأن للآية سببا آخر في النزول،
~~فقد أخرج الثعلبي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن شيخا من العرب
~~جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني شيخ منهمك / في الذنوب
~~إلا أني لم أشرك بالله تعالى منذ عرفته وآمنت به ولم أتخذ من دونه وليا
~~ولم (أوقع) المعاصي جراءة وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله تعالى هربا
~~وإني لنادم تائب، فما ترى حالي عند الله تعالى؟» فنزلت.

# { ومن يشرك بالله } شيئا من الشرك، أو أحدا من الخلق، وفي
~~معنى الشرك به تعالى نفي الصانع، ولا يبعد أن يكون من أفراده { فقد
~~ضل ضللا بعيدا } عن الحق، أو عن الوقوع ممن له أدنى عقل،
~~وإنما جعل الجزاء على ما قيل هنا { فقد ضل } الخ، وفيما تقدم

# فقد افترى إثما عظيما

# [النساء: ms02082 48] لما أن تلك كانت في أهل الكتاب وهم مطلعون من كتبهم على ما
~~لا يشكون في صحته من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباع شريعته
~~وما يدعو إليه من الإيمان بالله تعالى ومع ذلك أشركوا وكفروا فصار ذلك
~~افتراءا واختلافا وجراءة عظيمة على الله تعالى، وهذه الآية كانت في
~~أناس لم يعلموا كتابا ولا عرفوا من قبل وحيا ولم يأتهم سوى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق فأشركوا بالله عز وجل وكفروا وضلوا
~~مع وضوح الحجة وسطوع البرهان فكان ضلالهم بعيدا، ولذلك جاء بعد تلك

# ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم

# [النساء: 49] وقوله سبحانه:

# انظر كيف يفترون على الله الكذب

# [النساء: 50] وجاء بعد هذه قوله تعالى: { إن يدعون من دونه
~~إلا إنثا }.

### || [4.117]

# { إن يدعون من دونه إلا إنثا } أي ما يعبدون أو ما
~~ينادون لحوائجهم من دون الله تعالى إلا أصناما، والجملة مبينة لوجه ما
~~قبلها ولذا لم تعطف عليه، وعبر عن الأصنام بالإناث لما روي عن الحسن أنه
~~كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان لأنهم
~~يجعلون عليه الحلي وأنواع الزينة كما يفعلون بالنسوان، أو لما أن أسماءها
~~مؤنثة  كما قيل  وهم يسمون ما اسمه مؤنث أنثى كما في قوله:

# وما (ذكر فإن يكبر فأنثى)

# شديد اللزم ليس له ضروس

# فإنه عنى القراد، وهو ما دام صغيرا يسمى قرادا فإذا كبر سمي حلمة
~~كثمرة، واعترض بأن من الأصنام ما اسمه مذكر  كهبل وود وسواع وذي الخلصة
~~ وكون ذلك باعتبار الغالب غير مسلم، وقيل: إنها جمادات وهي كثيرا ما
~~تؤنث لمضاهاتها الإناث لانفعالها، ففي التعبير عنها بهذا الاسم تنبيه على
~~تناهي جهلهم وفرط حماقتهم حيث يدعون ما ينفعل ويدعون الفعال لما يريد،
~~وقيل: المراد بالإناث الأموات، فقد أخرج ابن جرير وغيره عن الحسن أن
~~الأنثى كل ميت ليس فيه روح مثل الخشبة اليابسة والحجر اليابس، ففي
~~التعبير بذلك دون أصناما التنبيه السابق أيضا إلا أن الظاهر أن وصف
~~الأصنام ms02083 بكونهم أمواتا مجاز، وقيل: سماها الله تعالى إناثا لضعفها وقلة
~~خيرها وعدم نصرها، وقيل: لاتضاع منزلتها وانحطاط قدرها بناءا على أن
~~العرب تطلق الأنثى على كل ما اتضعت منزلته من أي جنس كان، وقيل: كان في
~~كل صنم شيطانة تتراءى للسدنة وتكلمهم أحيانا فلذلك أخبر سبحانه أنهم ما
~~يعبدون من دونه إلا أناثا؛ وروي ذلك عن أبي بن كعب، وقيل: المراد
~~الملائكة لقولهم: الملائكة بنات الله عز اسمه، وروي ذلك عن الضحاك، وهو
~~جمع أنثى  كرباب وربى  في لغة من كسر الراء. وقرىء  إلا أنثى  على
~~التوحيد  وإلا أنثى  بضمتين كرسل، وهو إما صفة مفردة مثل امرأة جنب،
~~وإما جمع أنيث كقليب وقلب، وقد جاء حديد أنيث، وإما جمع إناث كثمار وثمر،
~~وقرىء  وثنا وأثنا  بالتخفيف والتثقيل، وتقديم الثاء على النون  جمع
~~وثن  كقولك: أسد وأسد وأسد ووسد، وقلبت الواو ألفا كأجوه في وجوه.
~~وأخرج ابن جرير أنه كان في مصحف عائشة رضي الله تعالى عنها إلا أوثانا
~~.

# { وإن يدعون } أي / وما يعبدون بعبادة تلك الأوثان { إلا
~~شيطنا مريدا } إذ هو الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم فكانت طاعتهم
~~له عبادة فالكلام محمول على المجاز فلا ينافي الحصر السابق، وقيل: المراد
~~من يدعون يطيعون فلا منافاة أيضا. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان أنه قال:
~~«ليس من صنم إلا فيه شيطان» والظاهر أن المراد من الشيطان هنا إبليس، وهو
~~المروي عن مقاتل وغيره، والمريد والمارد والمتمرد: العاتي الخارج عن
~~الطاعة، وأصل مادة  م رد  للملامسة والتجرد، ومنه

# صرح ممرد

# [النمل: 44] وشجرة مرداء للتي تناثر ورقها، ووصف الشيطان بذلك إما
~~لتجرده للشر أو لتشبيهه بالأملس الذي لا يعلق به شيء، وقيل: لظهور شره
~~كظهور ذقن الأمرد وظهور عيدان الشجرة المرداء.

### || [4.118]

# { لعنه الله } أي طرده وأبعده عن رحمته، وقيل: المراد باللعنة
~~فعل ما يستحقها به من الاستكبار عن السجود كقولهم: أبيت اللعن أي ما فعلت
~~ما تستحقه به، والجملة في موضع نصب صفة ثانية لشيطان. وجوز أبو البقاء أن
~~تكون مستأنفة على الدعاء ms02084 فلا موضع لها من الاعراب. { وقال
~~لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } عطف على الجملة
~~المتقدمة، والمراد شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله تعالى وهذا القول
~~الشنيع الصادر منه عند اللعن، وجوز أن تكون في موضع الحال بتقدير قد أي
~~وقد قال، وأن تكون مستأنفة مستطردة كما أن ما قبلها اعتراضية في رأي،
~~والجار والمجرور إما متعلق بالفعل، وإما حال مما بعده، واختاره البعض،
~~والاتخاذ أخذ الشيء على وجه الاختصاص، وأصل معنى الفرض القطع وأطلق هنا
~~على المقدار المعين لاقتطاعه عما سواه، وهو كما أخرج ابن أبي حاتم عن
~~الضحاك، وابن المنذر عن الربيع من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، والظاهر
~~أن هذا القول وقع نطقا من اللعين، وكأنه عليه اللعنة لما نال من آدم
~~عليه السلام ما نال طمع في ولده، وقال ذلك ظنا، وأيد بقوله تعالى:

# ولقد صدق عليهم إبليس ظنه

# [سبأ: 20]، وقيل: إنه فهم طاعة الكثير له مما فهمت منه الملائكة حين
~~قالوا:

# أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء

# [البقرة: 30] وادعى بعضهم أن هذا القول حالي كما في قوله:

# امتلأ الحوض وقال: (قطني

# مهلا رويدا قد ملأت بطني)

# وفي هذه الجمل ما ينادي على جهل المشركين وغاية انحطاط درجتهم عن
~~الانخراط في سلك العقلاء على أتم وجه وأكمله، وفيها توبيخ لهم كما لا
~~يخفى.

### || [4.119]

# { ولأضلنهم } عن الحق { ولأمنينهم } الأماني الباطلة
~~وأقول لهم: ليس وراءكم بعث ولا نشر ولا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب
~~فافعلوا ما شئتم، وقيل: أمنيهم بطول البقاء في الدنيا فيسوفون العمل
~~وقيل: أمنيهم بالأهواء الباطلة الداعية إلى المعصية وأزين لهم شهوات
~~الدنيا وزهراتها وأدعو كلا منهم إلى ما يميل طبعه إليه فأصده بذلك عن
~~الطاعة، وروي الأول عن الكلبي { ولأمرنهم } بالتبتيك  كما قال
~~أبو حيان  أو بالضلال كما قال غيره { فليبتكن ءاذان
~~الأنعم } أي فليقطعنها من أصلها كما روي عن أبي عبد الله رضي الله
~~تعالى عنه، أو ليشقنها  كما قال الزجاج  بموجب أمري من غير تلعثم في
~~ذلك ولا تأخير ms02085 كما يؤذن بذلك الفاء، وهذا إشارة إلى ما كانت الجاهلية
~~تفعله من شق أو قطع أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا
~~وتحريم ركوبها والحمل عليها وسائر وجوه الانتفاع بها.

# { ولأمرنهم فليغيرن } ممتثلين به بلا ريث { خلق
~~الله } عن نهجه صورة أو صفة، ويندرج فيه ما (فعل) من فقء عين فحل
~~الإبل / إذا طال مكثه حتى بلغ نتاج نتاجه، ويقال له الحامي وخصاء العبيد
~~والوشم والوشر واللواطة والسحاق ونحو ذلك وعبادة الشمس والقمر والنار
~~والحجارة مثلا وتغيير فطرة الله تعالى التي هي الإسلام واستعمال الجوارح
~~والقوى فيما لا يعود على النفس كمالا ولا يوجب لها من الله سبحانه زلفى.
~~وورد عن السلف الاقتصار على بعض المذكورات وعموم اللفظ بمنع الخصاء
~~مطلقا، وروي النهي عنه عن جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأخرج
~~البيهقي عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خصاء
~~الخيل والبهائم». وادعى عكرمة أن الآية نزلت في ذلك، وأجاز بعضهم ذلك في
~~الحيوان، وأخرج ابن المنذر عن عروة أنه خصى بغلا له، وعن طاوس أنه خصى
~~جملا، وعن محمد بن سيرين أن سئل عن خصاء الفحول، فقال: لا بأس به، وعن
~~الحسن مثله، وعن عطاء أنه سئل عن خصاء الفحل فلم ير به عند عضاضة وسوء
~~خلقه بأسا. وقال النووي: «لا يجوز خصاء حيوان لا يؤكل في صغره ولا في
~~كبره ويجوز إخصاء المأكول في صغره لأن فيه غرضا وهو طيب لحمه، ولا يجوز
~~في كبره»، والخصاء في بني آدم محظور عند عامة السلف والخلف، وعند أبي
~~حنيفة رضي الله تعالى عنه يكره شراء الخصيان واستخدامهم وإمساكهم لأن
~~الرغبة فيهم تدعو إلى إخصائهم، وخص من تغيير خلق الله تعالى الختان
~~والوشم لحاجة وخضب اللحية وقص ما زاد منها على السنة ونحو ذلك، وعن قتادة
~~أنه قرأ الآية ثم قال: ما بال أقوام جهلة يغيرون صبغة الله تعالى ولونه
~~سبحانه، ولا يكاد يسلم له إن أراد ما يعم الخضاب المسنون كالخضاب ms02086 بالحناء
~~بل وبالكتم أيضا لإرهاب العدو، وقد صح عن جمع من الصحابة رضي الله تعالى
~~عنهم أنهم فعلوا ذلك منهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وحديث
~~النهي محمول على غير ذلك.

# { ومن يتخذ الشيطن وليا من دون الله } بإيثار
~~ما يدعو إليه على ما أمر الله تعالى به ومجاوزته عن طاعة الله تعالى إلى
~~طاعته، وقيد { من دون الله } لبيان أن اتباعه ينافي متابعة أمر
~~الله تعالى وليس احترازيا كما يتوهم، وأما ما قيل: من أنه ما من مخلوق
~~لله تعالى إلا ولك فيه ولاية لو عرفتها، ولك في وجوده منفعة لو طلبتها،
~~فلهذا قيدت الولاية بكونها من دون الله تعالى فناشىء من الغفلة عن تحقيق
~~معنى الولاية فافهم { فقد خسر خسرانا مبينا } أي ظاهرا
~~وأي خسران أعظم من استبدال الجنة بالنار؟ وأي صفقة أخسر من فوات رضا
~~الرحمن برضا الشيطان؟.

### || [4.120]

# { يعدهم } ما لا يكاد ينجزه، وقيل: النصر والسلامة، وقيل: الفقر
~~والحاجة إن أنفقوا وقرأ الأعمش { يعدهم } بسكون الدال وهو تخفيف
~~لكثرة الحركات. { ويمنيهم } الأماني الفارغة، وقيل: طول البقاء في
~~الدنيا ودوام النعيم فيها، وجوز أن يكون المعنى في الجملتين يفعل لهم
~~الوعد ويفعل التمنية على طريقة: فلان يعطي ويمنع، وضمير الجمع المنصوب في
~~{ يعدهم ويمنيهم } راجع إلى  من  باعتبار معناها كما أن
~~ضمير الرفع المفرد في

# يتخذ

# [النساء: 119] و

# خسر

# [النساء: 119] راجع إليها باعتبار لفظها، وأخبر سبحانه عن وقوع الوعد
~~والتمنية مع وقوع غير ذلك مما أقسم عليه اللعين أيضا لأنهما من الأمور
~~الباطنة وأقوى أسباب الضلال وحبائل الاحتيال.

# { وما يعدهم الشيطن إلا غرورا } وهو (إيهام) النفع
~~فيما فيه الضرر، وهذا الوعد والأمر عندي مثله إما بالخواطر الفاسدة، وإما
~~بلسان أوليائه، واحتمال أن يتصور بصورة إنسان فيفعل ما يفعل بعيد، و {
~~غرورا } إما مفعول ثان للوعد، أو مفعول لأجله، أو نعت لمصدر محذوف أي
~~وعدا ذا غرور، أو غارا، أو مصدرا على غير لفظ المصدر لأن { يعدهم
~~} في قوة يغرهم بوعده / كما قال السمين، والجملة اعتراض ms02087 وعدم التعرض
~~للتمنية لأنها من باب الوعد، وفي «البحر» إنهما متقاربان فاكتفى بأولهما.

### || [4.121]

# { أولئك } إشارة إلى من اتخذ الشيطان وليا باعتبار معناه، وما
~~فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الخسران { مأوهم }
~~ومستقرهم جميعا { جهنم ولا يجدون عنها محيصا } أي
~~معدلا ومهربا، وهو اسم مكان، أو مصدر ميمي من حاص يحيص إذا عدل وولى،
~~ويقال: محيص ومحاص، وأصل معناه كما قيل: الروغان، ومنه وقعوا في حيص بيص،
~~وحاص باص أي في أمر يعسر التخلص منه، ويقال: حاص يحوص أيضا وحوصا
~~وحياصا، و { عنها } متعلق بمحذوف وقع حالا من { محيصا }. ولم
~~يجوزوا تعلقه ب { يجدون } لأنه لا يتعدى بعن، ولا بمحيصا لأنه إن
~~كان اسم مكان فهو لا يعمل لأنه ملحق بالجوامد، وإن كان مصدرا فمعمول
~~المصدر لا يتقدم عليه، ومن جوز تقدمه إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا
~~جوزه هنا..

### || [4.122]

# { والذين ءامنوا وعملوا الصلحت } مبتدأ خبره قوله
~~تعالى: { سندخلهم جنت تجري من تحتها الأنهر
~~خلدين فيها أبدا } وجوز أبو البقاء أن يكون الموصول في موضع
~~نصب بفعل محذوف يفسره ما بعده ولا يخفى مرجوحيته، وهذا وعد للمؤمنين إثر
~~وعيد الكافرين، وإنما قرنهما سبحانه وتعالى زيادة لمسرة أحبائه ومساءة
~~أعدائه { وعد الله حقا } أي وعدهم وعدا وأحقه حقا، فالأول:
~~مؤكد لنفسه كله على ألف عرفا فإن مضمون الجملة السابقة لا تحتمل غيره إذ
~~ليس الوعد إلا الإخبار عن إيصال المنافع قبل وقوعه، والثاني: مؤكد لغيره
~~كزيد قائم حقا فإن الجملة الخبرية بالنظر إلى نفسها وقطع النظر عن
~~قائلها تحتمل الصدق والكذب والحق والباطل، وجوز أن ينتصب وعد على أنه
~~مصدر ل { سندخلهم } على ما قال أبو البقاء من غير لفظه لأنه في
~~معنى نعدهم إدخال جنات، ويكون { حقا } حالا منه.

# { ومن أصدق من الله قيلا } تذييل للكلام السابق مؤكد له،
~~فالواو اعتراضية و  القيل  مصدر قال ومثله القال. وعن ابن السكيت:
~~إنهما اسمان لا مصدران، ونصبه على التمييز، ولا يخفى ما في الاستفهام
~~وتخصيص اسم الذات الجليل الجامع، ms02088 وبناء أفعل، وإيقاع القول تمييزا من
~~المبالغة، والمقصود معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة لقرنائه التي غرتهم
~~حتى استحقوا الوعيد بوعد الله تعالى الصادق لأوليائه الذي أوصلهم إلى
~~السعادة العظمى، ولذا بالغ سبحانه فيه وأكده حثا على تحصيله وترغيبا
~~فيه، وزعم بعضهم أن الواو عاطفة والجملة معطوفة على محذوف أي صدق الله
~~ومن أصدق من الله قيلا أي صدق ولا أصدق منه، ولا يخفى أنه تكلف مستغنى
~~عنه، وكأن الداعي إليه الغفلة عن حكم الواو الداخلة على الجملة التذييلة،
~~وتجويز أن تكون الجملة مقولا لقول محذوف أي وقائلين: من أصدق من الله
~~قيلا، فيكون عطفا على { خلدين } أدهى وأمر.

# وقرأ الكوفي غير عاصم. وورش باشمام الصاد الزاي.

### || [4.123]

# { ليس بأمنيكم ولا أماني أهل الكتب } الخطاب
~~المؤمنين، والأماني بالتشديد والتخفيف  وبهما قرىء  جمع أمنية على وزن
~~أفعولة، وهي كما قال الراغب: الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء أي
~~تقديره في النفس وتصويره فيها، ويقال: منى له الماني أي قدر له المقدر،
~~ومنه قيل: منية أي مقدرة؛ وكثيرا ما يطلق التمني على تصور ما لا حقيقة
~~له، ومن هنا يعبر به عن الكذب لأنه تصور ما ذكر، وإيراده باللفظ فكأن
~~التمني مبدأ له فلهذا صح التعبير به عنه، ومنه قول عثمان رضي الله تعالى
~~عنه: ما تعنيت ولا تمنيت منذ أسلمت؛ والباء في { بأمنيكم }
~~مثلها في  زيد بالباب  وليست زائدة والزيادة محتملة، ونفاها البعض،
~~واسم { ليس } مستتر فيها عائد على الوعد بالمعنى المصدري، أو بمعنى
~~الموعود فهو استخدام كما قال السعد وقيل: عائد على الموعود الذي تضمنه
~~عامل وعد الله، أو على إدخال الجنة أو العمل الصالح، وقيل: عائد على
~~الإيمان المفهوم من الذين آمنوا؛ وقيل: على الأمر المتحاور فيه بقرينة
~~سبب النزول.

# أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدى قال: التقى ناس من المسلمين
~~واليهود والنصارى، فقال اليهود للمسلمين: نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم،
~~وكتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن على دين إبراهيم ولن يدخل
~~الجنة إلا من كان ms02089 هودا، وقالت النصارى مثل ذلك، فقال المسلمون: كتابنا
~~بعد كتابكم؛ ونبينا صلى الله عليه وسلم بعد نبيكم، وديننا بعد دينكم وقد
~~أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم فنحن خير منكم نحن على دين إبراهيم
~~وإسمعيل وإسحق، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا، فأنزل الله تعالى:
~~{ ليس بأمنيكم } ، وقوله سبحانه:

# ومن أحسن

# [النساء: 125] الخ أي ليس وعد الله تعالى، أو ما وعده سبحانه من الثواب
~~أو إدخال الجنة، أو العمل الصالح، أو الإيمان، أو ما تحاورتم فيه حاصلا
~~بمجرد أمانيكم أيها المسلمون ولا أماني اليهود والنصارى، وإنما يحصل
~~بالسعي والتشمير عن ساق الجد لامتثال الأمر، ويؤيد عود الضمير على
~~الإيمان المفهوم مما قبله، أنه أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن موقوفا

# " ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل إن قوما
~~ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن
~~الظن بالله تعالى وكذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل "

# وأخرج البخاري في «تاريخه» عن أنس مرفوعا

# " ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن هو ما وقر في القلب فأما علم
~~القلب فالعلم النافع وعلم اللسان حجة على بني آدم "

# وروي عن مجاهد وابن زيد أن الخطاب لأهل الشرك فإنهم قالوا: لا نبعث ولا
~~نعذب كما قال أهل الكتاب:

# لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصرى

# [البقرة: 111] وأيد بأنه لم يجر للمسلمين ذكر في الأماني وجرى للمشركين
~~ذكر في ذلك أي ليس الأمر بأماني المشركين وقولهم: لا بعث ولا عذاب، ولا
~~بأماني أهل الكتاب وقولهم ما قالوا.

# وقرر سبحانه ذلك بقوله عز من قائل: { من يعمل سوءا يجز به }
~~عاجلا أو آجلا، فقد أخرج الترمذي وغيره عن أبي بكر الصديق رضي الله
~~تعالى عنه قال:

# " كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية فقال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ألا أقرئك آية نزلت علي؟ فقلت: بلى يا
~~رسول الله فأقرأنيها فلا أعلم إلا أني وجدت انقصاما في ظهري حتى ms02090 تمطأت
~~لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالك يا أبا بكر؟ قلت: بأبي أنت
~~وأمي يا رسول الله وأينا لم يعمل السوء وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه فقال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت وأصحابك يا أبا بكر المؤمنون
~~فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله تعالى ليس عليكم ذنوب، وأما
~~الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزون يوم القيامة "

# وأخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة قال:

# " لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين وبلغت منهم ما شاء الله تعالى
~~فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سددوا وقاربوا فإن في
~~كل ما أصاب المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها "

# والأحاديث بهذا المعنى أكثر من أن تحصى، ولهذا أجمع عامة العلماء على أن
~~الأمراض والاسقام ومصائب الدنيا وهمومها وإن قلت مشقتها يكفر الله تعالى
~~بها الخطيئات، / والأكثرون على أنها أيضا يرفع بها الدرجات وتكتب
~~الحسنات وهو الصحيح المعول عليه، فقد صح في غير ما طريق

# " ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها
~~خطيئة "

# وحكى القاضي عن بعضهم أنها تكفر الخطايا فقط ولا ترفع درجة، وروي عن ابن
~~مسعود  الوجع لا يكتب به أجر لكن يكفر به الخطايا  واعتمد على الأحاديث
~~التي فيها التكفير فقط ولم تبلغه الأحاديث الصحيحة المصرحة برفع الدرجات
~~وكتب الحسنات، بقي الكلام في أنها هل تكفر الكبائر أم لا؟، وظاهر
~~الأحاديث  ومنها خبر أبي بكر رضي الله تعالى عنه  أنها تكفرها، وقد
~~جاء في خبر حسن عن عائشة «أن العبد ليخرج بذلك من ذنوبه كما يخرج التبر
~~الأحمر من الكير»، وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن يزيد بن أبي حبيب
~~قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال الصداع والمليلة بالمرء
~~المسلم حتى يدعه مثل الفضة البيضاء "

# إلى غير ذلك. ولا يخفى أن إبقاء ذلك على ظاهره مما يأباه كلامهم، وخص
~~بعضهم الجزاء بالآجل، ومن بالمشركين وأهل الكتاب، وروي ms02091 ذلك عن الحسن
~~والضحاك وابن زيد قالوا: وهذا كقوله تعالى:

# وهل نجزي إلا الكفور

# [سبأ: 17]، وقيل: المراد من السوء هنا الشرك، وأخرجه ابن جريج عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنه وابن جبير، وكلا القولين خلاف الظاهر، وفي الآية
~~رد على المرجئة القائلين: لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر
~~طاعة.

# { ولا يجد له من دون الله } أي مجاوزا لولاية الله تعالى
~~ونصرته { وليا } يلي أمره ويحامي عنه ويدفع ما ينزل به من عقوبة الله
~~تعالى { ولا نصيرا } ينصره وينجيه من عذاب الله تعالى إذا حل به،
~~ولا مستند في الآية لمن منع العفو عن العاصي إذ العموم فيها مخصص بالتائب
~~إجماعا، وبعد فتح باب التخصيص لا مانع من أن نخصصه أيضا بمن يتفضل الله
~~تعالى بالعفو عنه على ما دلت عليه الأدلة الأخر.

### || [4.124]

# { ومن يعمل من } الأعمال { الصلحت } أي بعضها أو شيئا
~~منها لأن أحدا لا يمكنه عمل كل الصالحات وكم من مكلف لا حج عليه ولا
~~زكاة ولا جهاد، فمن تبعيضية، وقيل: هي زائدة. واختاره الطبرسي وهو ضعيف،
~~وتخصيص الصالحات بالفرائض كما روي عن ابن عباس خلاف الظاهر، وقوله
~~سبحانه: { من ذكر أو أنثى } في موضع الحال من ضمير { يعمل }
~~و { من } بيانية. وجوز أن يكون حالا من { الصلحت } و { من }
~~ابتدائية أي: كائنة من ذكر الخ، واعترض بأنه ليس بسديد من جهة المعنى،
~~ومع هذا الأظهر تقدير كائنا لا كائنة لأنه حال من شيئا منها وكون
~~المعنى  الصالحات الصادرة من الذكر والأنثى  لا يجدي نفعا لما في ذلك
~~من الركاكة ولعل تبيين العامل بالذكر والأنثى لتوبيخ المشركين في إهلاكهم
~~إناثهم، وجعلهن محرومات من الميراث، وقوله تعالى: { وهو مؤمن }
~~حال أيضا، وفي اشتراط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب الذي تضمنه ما
~~يأتي تنبيه على أنه لا اعتداد به دونه، وفيه دفع توهم أن العمل الصالح
~~ينفع الكافر حيث قرن بذكر العمل السوء المضر للمؤمن والكافر، والتذكير
~~لتغليب الذكر على الأنثى كما قيل، وقد ms02092 مر لك قريبا ما ينفعك فتذكر.

# { فأولئك } إشارة إلى من بعنوان اتصافه بالعمل الصالح والإيمان،
~~والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد السابق باعتبار لفظها، وما فيه من
~~معنى البعد لما مر غير مرة. { يدخلون الجنة } جزاء عملهم، وقرأ
~~ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر { يدخلون } مبنيا للمفعول من الإدخال
~~/ { ولا يظلمون نقيرا } أي لا ينقصون شيئا حقيرا من ثواب
~~أعمالهم، فإن النقير علم في القلة والحقارة، وأصله نقرة في ظهر النواة
~~منها تنبت النخلة، ويعلم من نفي تنقيص ثواب المطيع نفي زيادة عقاب العاصي
~~من باب الأولى لأن الأذى في زيادة العقاب أشد منه في تنقيص الثواب، فإذا
~~لم يرض بالأول  وهو أرحم الراحمين  فكيف يرضى بالثاني  وهو السر في
~~تخصيص عدم تنقيص الثواب بالذكر دون ذكر عدم زيادة العقاب  مع أن المقام
~~مقام ترغيب في العمل الصالح فلا يناسبه إلا هذا، والجملة تذييل لما قبلها
~~أو عطف عليه.

### || [4.125]

# { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله } أي أخلص نفسه
~~له تعالى لا يعرف لها ربا سواه، وقيل: أخلص توجهه له سبحانه، وقيل: بذل
~~وجهه له عز وجل في السجود، والاستفهام إنكاري وهو في معنى النفي،
~~والمقصود مدح من فعل ذلك على أتم وجه، و { دينا } نصب على التمييز من {
~~أحسن } منقول من المبتدأ، والتقدير: ومن دينه أحسن من دين من أسلم
~~الخ، فيؤول الكلام إلى تفضيل دين على دين، وفيه تنبيه على أن صرف العبد
~~نفسه بكليتها لله تعالى أعلى المراتب التي تبلغها القوة البشرية، و {
~~ممن } متعلق بأحسن وكذا الإسم الجليل، وجوز فيه أن يكون حالا من {
~~وجهه }.

# { وهو محسن } أي آت بالحسنات تارك للسيئات، أو آت بالأعمال
~~الصالحة على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي،
~~وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الإحسان فقال عليه الصلاة والسلام:

# " أن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "

# ، وقيل: الأظهر أن يقال: المراد وهو محسن في عقيدته، وهو مراد من قال: ms02093
~~أي وهو موحد، وعلى هذا فالأولى أن يفسر إسلام الوجه لله تعالى بالانقياد
~~إليه سبحانه بالأعمال، والجملة في موضع الحال من فاعل { أسلم }.

# { واتبع ملة إبرهيم } الموافقة لدين الإسلام المتفق على
~~صحتها، وهذا عطف على { أسلم } وقوله سبحانه: { حنيفا } أي مائلا
~~عن الأديان الزائغة حال من { إبراهيم }. وجوز أن يكون حالا من فاعل
~~{ اتبع }  { واتخذ الله إبرهيم خليلا } تذييل جيء به
~~للترغيب في اتباع ملته عليه السلام، والإيذان بأنه نهاية في الحسن،
~~وإظهار اسمه عليه السلام تفخيما له وتنصيصا على أنه الممدوح، ولا يجوز
~~العطف خلافا لمن زعمه على { ومن أحسن } الخ سواء كان استطرادا
~~أو اعتراضا، وتوكيدا لمعنى قوله تعالى:

# ومن يعمل من الصلحت

# [النساء: 124] وبيانا لأن الصالحات ما هي؟ وأن المؤمن من هو لفقد
~~المناسبة، والجامع بين المعطوف والمعطوف عليه وأدائه ما يؤديه من التوكيد
~~والبيان، ولا على صلة { من } لعدم صلوحه لها وعدم صحة عطفه على {
~~وهو محسن } أظهر من أن يخفى، وجعل الجملة حالية بتقدير قد خلاف
~~الظاهر، والعطف على { حنيفا } لا يصح إلا بتكلف، والخليل مشتق من
~~الخلة بضم الخاء، وهي إما من الخلال بكسر الخاء فإنها مودة تتخلل النفس
~~وتخالطها مخالطة معنوية، فالخليل من بلغت مودته هذه المرتبة كما قال:

# قد (تخللت) مسلك الروح مني

# ولذا سمي الخليل خليلا

# فإذا ما نطقت كنت حديثي

# وإذا ما سكت كنت الغليلا

# وإما من الخلل كما قيل على معنى أن كلا من الخليلين يصلح خلل الآخر،
~~وإما من الخل بالفتح، وهو الطريق / في الرمل لأنهما يتوافقان على طريقة،
~~وإما من الخلة بفتح الخاء إما بمعنى الخصلة والخلق لأنهما يتوافقان في
~~الخصال والأخلاق، وقد جاء

# " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل "

# أو بمعنى الفقر والحاجة لأن كلا منهما محتاج إلى وصال الآخر غير مستغن
~~عنه، وإطلاقه على إبراهيم عليه السلام قيل: لأن محبة الله تعالى قد تخللت
~~نفسه وخالطتها مخالطة تامة، أو لتخلقه بأخلاق الله تعالى، ومن هنا كان
~~يكرم الضيف ويحسن إليه ولو كان كافرا، ms02094 فإن من صفات الله تعالى الإحسان
~~إلى البر والفاجر، وفي بعض الآثار  ولست على يقين في صحته  أنه عليه
~~السلام نزل به ضيف من غير أهل ملته فقال له: وحد الله تعالى حتى أضيفك
~~وأحسن إليك، فقال: يا إبراهيم من أجل لقمة أترك ديني ودين آبائي فانصرف
~~عنه، فأوحى الله تعالى إليه يا إبراهيم صدقك لي سبعون سنة أرزقه وهو يشرك
~~بي، وتريد أنت منه أن يترك دينه ودين آبائه لأجل لقمة فلحقه إبراهيم
~~عليه السلام وسأله الرجوع إليه ليقريه واعتذر إليه فقال له المشرك: يا
~~إبراهيم ما بدا لك؟ فقال: إن ربي عتبني فيك، وقال: أنا أرزقه منذ سبعين
~~سنة على كفره بي وأنت تريد أن يترك دينه ودين آبائه لأجل لقمة فقال
~~المشرك: أو قد وقع هذا؟! مثل هذا ينبغي أن يعبد فأسلم ورجع مع إبراهيم
~~عليه السلام إلى منزله ثم عمت بعد كرامته خلق الله تعالى من كل وارد ورد
~~عليه، فقيل له في ذلك فقال: تعلمت الكرم من ربي رأيته لا يضيع أعداءه
~~فلا أضيعهم أنا فأوحى الله تعالى إليه أنت خليلي حقا، وأخرج البيهقي في
~~«الشعب» عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " يا جبريل لم اتخذ الله تعالى إبراهيم خليلا؟ قال: لإطعامه الطعام يا
~~محمد "

# ، وقيل  واختاره البلخي والفراء  لإظهاره الفقر والحاجة إلى الله
~~تعالى وانقطاعه إليه وعدم الالتفات إلى من سواه كما يدل على ذلك قوله
~~لجبريل عليه السلام حين قال له يوم ألقي في النار: ألك حاجة؟ أما إليك
~~فلا، ثم قال: حسبي الله تعالى ونعم الوكيل، وقيل: في وجه تسميته عليه
~~السلام خليل الله غير ذلك، والمشهور أن الخليل دون الحبيب. وأيد بما
~~أخرجه الترمذي وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:

# " جلس ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرونه فخرج حتى إذا
~~دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم وإذا بعضهم يقول: إن الله تعالى
~~اتخذ من خلقه خليلا فإبراهيم خليله» وقال ms02095 آخر: ماذا بأعجب من أن كلم
~~الله تعالى موسى تكليما وقال آخر: فعيسى روح الله تعالى وكلمته؛ وقال
~~آخر: آدم اصطفاه الله تعالى فخرج عليهم فسلم فقال: قد سمعت كلامكم
~~وعجبكم، إن إبراهيم خليل الله تعالى وهو كذلك وموسى كليمه وعيسى روحه
~~وكلمته وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك ألا وإني حبيب الله تعالى ولا
~~فخر، وأنا أول شافع ومشفع ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتحها
~~الله تعالى فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين
~~والآخرين يوم القيامة ولا فخر "

# وأخرج الترمذي في «نوادر الأصول» والبيهقي في «الشعب» وضعفه وابن عساكر
~~والديلمي قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " اتخذ الله تعالى إبراهيم خليلا وموسى نجيا واتخذني حبيبا، ثم وقال
~~وعزتي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي "

# ، والظاهر من كلام المحققين أن الخلة مرتبة من مراتب المحبة، وأن المحبة
~~أوسع دائرة، وأن من مراتبها ما لا تبلغه أمنية الخليل عليه السلام، وهي
~~المرتبة الثابتة له صلى الله عليه وسلم، وأنه قد حصل لنبينا عليه الصلاة
~~والسلام من مقام الخلة ما لم يحصل لأبيه إبراهيم عليه السلام، وفي الفرع
~~ما في الأصل وزيادة، ويرشدك إلى ذلك أن التخلق بأخلاق الله تعالى الذي هو
~~من آثار الخلة عند أهل الاختصاص أظهر وأتم في نبينا صلى الله عليه وسلم
~~منه في إبراهيم عليه السلام، فقد صح أن خلقه القرآن، وجاء عنه / صلى الله
~~عليه وسلم أنه قال:

# " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق "

# وشهد الله تعالى له بقوله:

# وإنك لعلى خلق عظيم

# [القلم: 4] ومنشأ إكرام الضيف الرحمة وعرشها المحيط رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم كما يؤذن بذلك قوله تعالى:

# وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين

# [الأنبياء: 107] ولهذا كان الخاتم عليه الصلاة والسلام. وقد روى الحاكم
~~وصححه عن جندب «أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يتوفى:

# " إن الله تعالى اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا "

# والتشبيه على حد

# كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من
~~قبلكم ms02096

# [البقرة: 183] في رأي، وقيل: إن يتوفى لا دلالة فيه على أن مقام الخلة
~~بعد مقام المحبة كما لا يخفى. وفي لفظ الحب والخلة ما يكفي العارف في
~~ظهور الفرق بينهما، ويرشده إلى معرفة أن أي الدائرتين أوسع، وذهب غير
~~واحد من الفضلاء إلى أن الآية من باب الاستعارة التمثيلية لتنزهه تعالى
~~عن صاحب وخليل، والمراد اصطفاه وخصصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند
~~خليله، وأما في الخليل وحده فاستعارة تصريحية على ما نص عليه الشهاب إلا
~~أنه صار بعد علما على إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وادعى بعضهم أنه لا
~~مانع من وصف إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالخليل حقيقة على معنى الصادق،
~~أو من أصفى المودة وأصحها أو نحو ذلك، وعدم إطلاق الخليل على غيره عليه
~~الصلاة والسلام مع أن مقام الخلة بالمعنى المشهور عند العارفين غير مختص
~~به بل كل نبي خليل الله تعالى، إما لأن ثبوت ذلك المقام له عليه الصلاة
~~والسلام على وجه لم يثبت لغيره  كما قيل  وإما لزيادة التشريف والتعظيم
~~كما نقول، واعترض بعض النصارى بأنه إذا جاز إطلاق الخليل على إنسان
~~تشريفا فلم لم يجز إطلاق الابن على آخر لذلك؟ وأجيب بأن الخلة لا تقتضي
~~الجنسية بخلاف البنوة فإنها تقتضيها قطعا، والله تعالى هو المنزه عن
~~مجانسة المحدثات.

### || [4.126]

# { ولله ما فى السموت وما في الأرض } يحتمل أن يكون
~~متصلا بقوله تعالى:

# ومن يعمل من الصلحت

# [النساء: 124] على أنه كالتعليل لوجوب العمل، وما بينهما من قوله
~~سبحانه:

# ومن أحسن دينا

# [النساء: 125] اعتراض أي إن جميع ما في العلو والسفل من الموجودات له
~~تعالى خلقا وملكا لا يخرج من ملكوته شيء منها فيجازي كلا بموجب أعماله
~~إن خيرا فخير وإن شرا فشر وأن يكون متصلا بقوله جل شأنه:

# واتخذ الله

# [النساء: 125] الخ بناءا على أن معناه اختاره واصطفاه أي هو مالك لجميع
~~خلقه فيختار من يريده منهم كإبراهيم عليه الصلاة والسلام، فهو لبيان أن
~~اصطفاءه عليه الصلاة والسلام بمحض مشيئته تعالى. وقيل: لبيان أن اتخاذه
~~تعالى لإبراهيم ms02097 عليه الصلاة والسلام خليلا ليس لاحتياجه سبحانه إلى ذلك
~~لشأن من شؤونه كما هو دأب المخلوقين، فإن مدار خلتهم افتقار بعضهم إلى
~~بعض في مصالحهم، بل لمجرد تكرمته وتشريفه، وفيه أيضا إشارة إلى أن خلته
~~عليه السلام لا تخرجه عن العبودية لله تعالى.

# { وكان الله بكل شىء محيطا } إحاطة علم وقدرة بناءا
~~على أن حقيقة الإحاطة في الأجسام، فلا يوصف الله تعالى بذلك فلا بد من
~~التأويل وارتكاب المجاز على ما ذهب إليه الخلف، والجملة تذييل مقرر
~~لمضمونه ما قبله على سائر وجوهه.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { وإذا ضربتم فى الأرض } أي
~~سافرتم في أرض الاستعداد لمحاربة عدو النفس أو لتحصيل أحوال الكمالات {
~~فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة } أي
~~تنقصوا من / الأعمال البدنية

# إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا

# [النساء: 101] أي حجبوا عن الحق من قوى الوهم والتخيل، وحاصله الترخيص
~~لأرباب السلوك عند خوف فتنة القوى أن ينقصوا من الأعمال البدنية ويزيدوا
~~في الأعمال القلبية كالفكر والذكر ليصفوا القلب ويشرق نوره على القوى
~~فتقل غائلتها فتزكو عند ذلك الأعمال البدنية، ولا يجوز عند أهل الاختصاص
~~ترك الفرائض لذلك كما زعمه بعض الجهلة { وإذا كنت فيهم } ولم تكن
~~غائبا عنهم بسيرك في غيب الغيب وجلال المشاهدة وعائما في بحار «لي مع
~~الله تعالى وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل» { فأقمت
~~لهم الصلاة } أي الأعمال البدنية { فلتقم طائفة منهم
~~معك } وليفعلوا كما تفعل { وليأخذوا أسلحتهم } من قوى
~~الروح ويجمعوا حواسهم ليتأتى لهم المشابهة، أو ليقفوا على ما في فعلك من
~~الأسرار فلا تضلهم الوسائس { فإذا سجدوا } وبلغوا الغاية في معرفة
~~ما أقمته لهم وأتوا به على وجهه { فليكونوا من ورائكم }
~~ذابين عنكم اعتراض الجاهلين، أو قائمين بحوائجكم الضرورية { ولتأت
~~طائفة أخرى } منهم { لم يصلوا } بعد { فليصلوا
~~معك } وليفعلوا فعلك { وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم }
~~كما أخذ الأولون أسلحتهم، وإنما أمر هؤلاء بأخذ الحذر أيضا حثا لهم على
~~مزيد الاحتياط لئلا يقصروا فيما يراد منهم اتكالا على الأخذ ms02098 بعد ممن أخذ
~~أولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

# وحاصل هذا الإشارة إلى أن تعليم الشرائع والآداب للمريدين ينبغي أن يكون
~~لطائفة طائفة منهم ليتمكن ذلك لديهم أتم تمكن، وقيل: الطائفة الأولى
~~إشارة إلى الخواص، والثانية إلى العوام ولهذا اكتفى في الأول بالأمر بأخذ
~~الأسلحة، وفي الثاني أمر الحذر أيضا { ود الذين كفروا } وهم
~~قوى النفس الأمارة { لو تغفلون عن أسلحتكم } وهي قوى
~~الروح { وأمتعتكم } وهي المعارف الإلهية { فيميلون
~~عليكم ميلة وحدة } ويرمونكم بنبال الآفات والشكوك
~~ويهلكونكم { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى } بأن
~~أصابكم شؤبوب { من مطر } يعني مطر سحائب التجليات { أو كنتم
~~مرضى } بحمى الوجد والغرام وعجزتم عن أعمال القوى الروحانية { أن
~~تضعوا أسلحتكم } وتتركوا أعمال تلك القوى حتى يتجلى ذلك
~~السحاب وينقطع المطر وتهتز أرض قلوبكم بأزهار رحمة الله تعالى وتطفأ حمى
~~الوجد بمياه القرب { وخذوا حذركم } عند وضع أسلحتكم واحفظوا
~~قلوبكم من الالتفات إلى غير الله تعالى { إن الله أعد
~~للكفرين } من القوى النفسانية

# عذابا مهينا

# [النساء: 102] أي مذلا لهم وذلك عند حفظ القلب وتنور الروح { فإذا
~~قضيتم الصلوة } أي أديتموها { فاذكروا الله } في جميع
~~الأحوال { قياما } في مقام الروح بالمشاهدة { وقعودا } في محل
~~القلب بالمكاشفة { وعلى جنوبكم } أي تقلباتكم في مكان النفس
~~بالمجاهدة { فإذا اطمأننتم } ووصلتم إلى محل البقاء { فإذا
~~قضيتم } فأدوها على الوجه الأتم لسلامة القلب حينئذ عن الوساوس
~~النفسانية التي هي بمنزلة الحدث عند أهل الاختصاص

# إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا

# [النساء: 103] فلا تسقط عنهم ما دام العقل والحياة { ولا تهنوا
~~فى ابتغاء القوم } الذين يحاربونكم وهم النفس وقواها {
~~فإنهم يألمون } منكم لمنعكم لهم عن شهواتهم { كما
~~تألمون } منهم لمعارضتهم لكم عن السير إلى الله تعالى { وترجون
~~من الله } أي تأملون منه سبحانه { ما لا يرجون } لأنكم ترجون
~~التنعم بجنة القرب والمشاهدة، ولا يخطر ذلك لهم ببال، أو تخافون القطيعة
~~وهم لا يخافونها { وكان الله عليما } فيعلم أحوالكم وأحوالهم

# حكيما

# [النساء: 104] فيفيض على القوابل حسب القابليات { إنا أنزلنا ms02099
~~إليك الكتب } أي علم تفاصيل الصفات وأحكام تجلياتها {
~~بالحق } متلبسا ذلك الكتاب بالصدق أو قائما أنت بالحق لا بنفسك {
~~لتحكم بين الناس } خواصهم وعوامهم { بما أراك الله }
~~أي بما علمك الله سبحانه / من الحكمة { ولا تكن للخائنين }
~~الذين لم يؤدوا أمانة الله تعالى التي أودعت عندهم في الأزل مما ذكر في
~~استعدادهم من إمكان طاعته وامتثال أمره

# خصيما

# [النساء: 105] تدفع عنهم العقاب وتسلط الخلق عليهم بالذل والهوان، أو
~~تقول لله تعالى: يا رب لم خذلتهم وقهرتهم فإنهم ظالمون، ولله تعالى الحجة
~~البالغة عليهم.

# { واستغفر الله } من الميل الطبيعي الذي اقتضته الرحمة التي
~~أحاطت بك

# إن الله كان غفورا رحيما

# [النساء: 106] فيفعل ما تطلبه منه وزيادة { ولا تجدل } أحدا {
~~عن الذين يختانون أنفسهم } بتضييع حقوقها { إن
~~الله لا يحب من كان خوانا } لنفسه

# أثيما

# [النساء: 107] مرتكبا الإثم ميالا مع الشهوات { يستخفون من
~~الناس } بكتمان رذائلهم وصفات نفوسهم { ولا يستخفون من
~~الله } بإزالتها وقلعها { وهو معهم } محيط بظواهرهم وبواطنهم {
~~إذ يبيتون } أي يدبرون في ظلمة عالم النفس والطبيعة { ما لا
~~يرضى من القول } من الوهميات والتخيلات الفاسدة

# وكان الله بما يعملون محيطا

# [النساء: 108] فيجازيهم حسب أعمالهم { ومن يعمل سوءا } بظهور
~~صفة من صفات نفسه { أو يظلم نفسه } بنقص شيء من كمالاتها {
~~ثم يستغفر الله } ويطلب منه ستر ذلك بالتوجه إليه والتذلل
~~بين يديه

# يجد الله غفورا رحيما

# [النساء: 110] فيستر ويعطي ما يقتضيه الاستعداد { ومن يكسب
~~خطيئة } بإظهار بعض الرذائل { أو إثما } بمحو ما في الاستعداد {
~~ثم يرم به بريئا } بأن يقول: حملني الله تعالى على ذلك، أو
~~حملني فلان عليه

# فقد احتمل بهتنا وإثما مبينا

# [النساء: 112] حيث فعل ونسب فعله إلى الغير ولو لم تكن مستعدة لذلك
~~طالبة له بلسان الاستعداد في الأزل لم يفض عليه ولم يبرز إلى ساحة
~~الوجود، ولذا أفحم إبليس اللعين أتباعه بما قص الله تعالى لنا من قوله: {
~~إن الله وعدكم وعد الحق } إلى أن قال:

# فلا تلومونى ولوموا أنفسكم

# [إبراهيم: 22]، { ولولا فضل الله عليك } أي توفيقه ms02100
~~وإمداده لسلوك طريقه { ورحمته } حيث وهب لك الكمال المطلق {
~~لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا
~~أنفسهم } لعود ضرره عليهم، وحفظك في قلاع استعدادك عن أن ينالك شيء
~~من ذلك { وأنزل الله عليك الكتب } الجامع لتفاصيل العلم
~~{ والحكمة } التي هي أحكام تلك التفاصيل مع العمل { وعلمك
~~ما لم تكن تعلم } من علم عواقب الخلق وعلم ما كان وما سيكون

# وكان فضل الله عليك عظيما

# [النساء: 113] حيث جعلك أهلا لمقام قاب قوسين أو أدنى ومن عليك بما لا
~~يحيط به سوى نطاق الوجود { لا خير فى كثير من نجواهم }
~~وهو ما كان من جنس الفضول، والأمر الذي لا يعني { إلا } نجوى { من
~~أمر بصدقة } وأرشد إلى فضيلة السخاء الناشىء من العفة، { أو
~~معروف } قولي كتعلم علم، أو فعلي كإغاثة ملهوف { أو إصلح
~~بين الناس } الذي هو من باب العدل { ومن يفعل ذلك } ويجمع
~~بين تلك الكمالات { ابتغاء مرضات الله } لا للرياء والسمعة من
~~كل ما يعود به الفضيلة رذيلة فسوف يؤتيه الله تعالى

# أجرا عظيما

# [النساء: 114] ويدخله جنات الصفات { ومن يشاقق الرسول } أي
~~يخالف ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، أو العقل المسمى عندهم
~~بالرسول النفسي { ويتبع غير سبيل المؤمنين } أي غير ما
~~عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن اقتفى أثرهم من الأخيار أو
~~القوى الروحانية { نوله ما تولى ونصله جهنم }
~~الحرمان

# وساءت مصيرا

# [النساء: 115] لمن يصلاها { إن يدعون من دونه إلا إنثا
~~} وهي الأصنام المسماة بالنفوس إذ كل من يعبد غير الله تعالى فهو عابد
~~لنفسه مطيع لهواها، أو المراد بالإناث الممكنات لأن كل ممكن محتاج ناقص
~~من جهة إمكانه منفعل متأثر عند تعينه فهو أشبه كل شيء بالأنثى

# وإن يدعون إلا شيطنا مريدا

# [النساء: 117] وهو شيطان الوهم حيث قبلوا إغواءه وأطاعوه { لعنه
~~الله } أي أبعده عن رياض قربه

# وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا

# [النساء: 118] وهم غير المخلصين الذين استثنوا / في آية أخرى {
~~ولأضلنهم } عن الطريق الحق { ولأمنينهم } الأماني
~~الفاسدة من كسب اللذات الفانية ms02101 { ولأمرنهم فليبتكن
~~ءاذان الأنعم } أي فليقطعن آذان نفوسهم عن سماع ما ينفعهم

# ولأمرنهم فليغيرن خلق الله

# [النساء: 119] وهي الفطرة التي فطر الناس عليها من التوحيد {
~~والذين ءامنوا } ووحدوا { وعملوا الصلحت }
~~واستقاموا

# سندخلهم جنت

# [النساء: 122] جنة الأفعال وجنة الصفات وجنة الذات { ليس } أي حصول
~~الموعود

# بأمنيكم ولا أماني أهل الكتب

# [النساء:123] بل لا بد من السعي فيما يقتضيه، وفي المثل إن التمني رأس
~~مال المفلس، { ومن أحسن دينا } أي حالا { ممن أسلم
~~وجهه لله } وسلم نفسه إليه وفنى فيه { وهو محسن } مشاهد للجمع
~~في عين التفصيل سالك طريق الإحسان بالاستقامة في الأعمال { واتبع
~~ملة إبرهيم } في التوحيد { حنيفا } مائلا عن السوي

# واتخذ الله إبرهيم خليلا

# [النساء: 125] حيث تخللت المعرفة جميع أجزائه من حيث ما هو مركب فلم يبق
~~جوهر فرد إلا وقد حلت فيه معرفة ربه عز وجل فهو عارف به بكل جزء منه، ومن
~~هنا قيل: إن دم الحلاج لما وقع على الأرض انكتب بكل قطرة منه الله؛
~~وأنشد:

# ما قد لي عضو ولا مفصل

# إلا وفيه لكم ذكر

# { ولله ما فى السموات وما في الأرض } لأن كل ما برز
~~في الوجود فهو شأن من شؤونه سبحانه { وكان الله بكل شيء
~~محيطا } [النساء: 126] من حيث إنه الذي أفاض عليه الجود، وهو رب
~~الكرم والجود، لا رب غيره؛ ولا يرجى إلا خيره.

### || [4.127]

# { ويستفتونك فى النساء } أي يطلبون منك تبيين المشكل من
~~الأحكام في النساء مما يجب لهن وعليهن مطلقا فإنه عليه الصلاة والسلام
~~قد سئل عن (أحكام) كثيرة مما يتعلق بهن فما بين [حكمه] فيما سلف أحيل
~~بيانه على ما ورد في ذلك من الكتاب وما لم يبين [حكمه] بعد بين هنا، وقال
~~غير واحد: إن المراد: يستفتونك في ميراثهن، والقرينة الدالة على ذلك سبب
~~النزول، فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جبير قال: كان لا يرث إلا
~~الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه ولا يرث الصغير ولا المرأة
~~شيئا، فلما نزلت المواريث في ms02102 سورة النساء شق ذلك على الناس، وقالوا:
~~أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال والمرأة التي هي كذلك فيرثان كما يرث
~~الرجل؟! فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء فانتظروا فلما رأوا أنه لا
~~يأتي حدث قالوا لئن تم هذا إنه لواجب ما عنه بد، ثم قالوا: سلوا فسألوا
~~النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية. وأخرج عبد بن
~~حميد عن مجاهد قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان
~~شيئا كانوا يقولون لا يغزون ولا يغنمون خيرا فنزلت، وأخرج الحاكم وصححه
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نحوه، وإلى الأول مال شيخ الإسلام.

# { قل الله يفتيكم فيهن } أي يبين لكم حكمه فيهن، والإفتاء
~~إظهار المشكل على السائل، وفي «البحر» «يقال: أفتاه إفتاءا وفتيا وفتوى،
~~وأفتيت فلانا رؤياه عبرتها له». { وما يتلى عليكم فى
~~الكتب } في { ما } ثلاثة احتمالات: الرفع والنصب والجر، وعلى
~~الأول: إما أن تكون مبتدأ والخبر محذوف أي  وما يتلى عليكم في القرآن
~~يفتيكم ويبين لكم  وإيثار صيغة المضارع للإيذان بدوام التلاوة
~~واستمرارها، وفي الكتاب متعلق  بيتلى  أو بمحذوف وقع حالا من المستكن
~~فيه أي يتلى كائنا في الكتاب، وإما أن تكون مبتدأ، و { فى الكتب
~~} خبره، والمراد بالكتاب حينئذ اللوح المحفوظ إذ لو أريد به معناه
~~المتبادر لم يكن فيه فائدة إلا أن يتكلف له، والجملة معترضة مسوقة لبيان
~~عظم شأن المتلو، وما يتلى / متناول لما تلى وما سيتلى، وإما أن تكون
~~معطوفة على الضمير المستتر في { يفتيكم } وصح ذلك للفصل، والجمع بين
~~الحقيقة والمجاز في المجاز العقلي سائغ شائع، فلا يرد أن الله تعالى فاعل
~~حقيقي للفعل، والمتلو فاعل مجازي له، والإسناد إليه من قبيل الإسناد إلى
~~السبب فلا يصح العطف، ونظير ذلك أغناني زيد وعطاؤه، وإما أن تكون معطوفة
~~على الاسم الجليل، والإيراد أيضا غير وارد، نعم المتبادر أن هذا العطف
~~من عطف المفرد على المفرد، ويبعده إفراد الضمير كما لا يخفى، وعلى
~~الثاني: تكون مفعولا لفعل محذوف ms02103 أي ويبين لكم ما يتلى، والجملة إما
~~معطوفة على جملة { يفتيكم } وإما معترضة، وعلى الثالث: إما أن تكون
~~في محل الجر على القسم المنبىء عن تعظيم المقسم به وتفخيمه كأنه قيل: قل
~~الله يفتيكم فيهن وأقسم  بما يتلى عليكم في الكتاب  وإما أن تكون
~~معطوفة على الضمير المجرور كما نقل عن محمد بن أبي موسى، وما عند
~~البصريين ليس بوحي فيجب اتباعه، نعم فيه اختلال معنوي لا يكاد يندفع،
~~وإما أن تكون معطوفة على النساء كما نقله الطبرسي عن بعضهم، ولا يخفى ما
~~فيه.

# وقوله سبحانه: { فى يتمى النساء } متعلق  بيتلى  في غالب
~~الاحتمالات أي ما يتلى عليكم في شأنهن ومنعوا ذلك على تقدير كون { ما }
~~مبتدأ، و { فى الكتب } خبره لما يلزم عليه من الفصل بالخبر بين
~~أجزاء الصلة، وكذا على تقدير القسم إذ لا معنى لتقييده بالمتلو بذلك
~~ظاهرا، وجوزوا أن يكون بدلا من { فيهن } وأن يكون صلة أخرى 
~~ليفتيكم  ومتى لزم تعلق حرفي جر بشيء واحد بدون اتباع يدفع بالتزام
~~كونهما ليسا بمعنى، والممنوع تعلقهما كذلك إذا كانا بمعنى واحد، وفي
~~الثاني هنا سببية كما في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " إن امرأة دخلت النار في هرة "

# فالكلام إذا مثل جئتك في يوم الجمعة في أمر زيد أي بسببه، وإضافة
~~اليتامى إلى النساء بمعنى من لأنها إضافة الشيء إلى جنسه، وجعلها أبو
~~حيان بمعنى اللام ومعناها الاختصاص، وادعى أنه الأظهر وليس بشيء  كما
~~قال الحلبي وغيره  وقرىء  ييامى  بياءين على أنه جمع أيم والعرب تبدل
~~الهمزة ياءا كثيرا { اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن
~~} أي ما فرض لهن من الميراث وغيره على ما اختاره شيخ الإسلام، أو ما فرض
~~لهن من الميراث فقط على ما روي عن ابن عباس وابن جبير ومجاهد رضي الله
~~تعالى عنه، واختاره الطبري، أو ما وجب لهن من الصداق على ما روي عن عائشة
~~رضي الله تعالى عنها، واختاره الجبائي، وقيل: ما كتب لهن من النكاح فإن
~~الأولياء كانوا يمنعوهن من التزوج. ms02104 وروي ذلك عن الحسن، وقتادة، والسدي،
~~وإبراهيم.

# { وترغبون } عطف على صلة { اللاتى } أو على المنفي وحده، وجوز
~~أن يكون حالا من فاعل { تؤتونهن } فإن قلنا بجواز اقتران الجملة
~~المضارعية الحالية بالواو: فظاهر، وإذا قلنا بعدم الجواز: التزم تقدير
~~مبتدأ أي وأنتم ترغبون { أن تنكحوهن } أي؛ في أن تنكحوهن أو عن أن
~~تنكحوهن فإن أولياء اليتامى  كما ورد في غير ما خبر  كانوا يرغبون فيهن
~~إن كن جميلات ويأكلون مالهن، وإلا كانوا يعضلوهن طمعا في ميراثهن، وحذف
~~الجار هنا لا يعد لبسا بل إجمال، فكل من الحرفين مراد على سبيل البدل،
~~واستدل بعض أصحابنا بالآية على جواز تزويج اليتيمة لأنه ذكر الرغبة في
~~نكاحها فاقتضى جوازه، والشافعية يقولون: إنه إنما ذكر ما كانت تفعله
~~الجاهلية على طريق الذم فلا دلالة فيها على ذلك مع أنه لا يلزم من الرغبة
~~في نكاحها فعله في حال الصغر، وهذا الخلاف في غير الأب والجد، وأما هما
~~فيجوز لهما تزويج الصغير بلا خلاف.

# { والمستضعفين من الولدن } / عطف على { يتمى
~~النساء } ، وكانوا لا يورثونهم كما لا يورثون النساء كما تقدم آنفا.

# { وأن تقوموا لليتمى بالقسط } عطف على ما قبله، وإن
~~جعل في يتامى بدلا، فالوجه النصب في هذا، و { المستضعفين }
~~عطفا على محل { فيهن } ومنعوا العطف على البدل بناءا على أن المراد
~~بالمستضعفين الصغار مطلقا الذين منعوهم عن الميراث ولو ذكورا، ولو عطف
~~على البدل لكان بدلا، ولا يصح فيه غير بدل الغلط وهو لا يقع في فصيح
~~الكلام، وجوز في { أن تقوموا } الرفع على أنه مبتدأ، والخبر محذوف
~~أي خير ونحوه، والنصب بإضمار فعل أي ويأمركم  أن تقوموا ، وهو خطاب
~~للأئمة أن ينظروا لهم ويستوفوا حقوقهم، أو للأولياء والأوصياء بالنصفة في
~~حقهم { وما تفعلوا } في حقوق المذكورين { من خير } حسبما
~~أمرتم به أو ما تفعلوه من خير على الإطلاق ويندرج فيه ما يتعلق بهؤلاء
~~اندراجا أوليا. { فإن الله كان به عليما } فيجازيكم
~~عليه، واقتصر على ذكر الخير لأنه الذي رغب فيه، وفي ذلك إشارة إلى ms02105 أن
~~الشر مما لا ينبغي أن يقع منهم أو يخطر ببال.

### || [4.128]

# { وإن امرأة خافت } شروع في بيان أحكام لم تبين قبل، وأخرج
~~الترمذي وحسنه عن ابن عباس قال: «خشيت سودة رضي الله تعالى عنها أن
~~يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله لا تطلقني
~~واجعل يومي لعائشة ففعل» ونزلت هذه الآية، وأخرج الشافعي رضي الله تعالى
~~عنه عن ابن المسيب أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج فكره
~~منها أمرا إما كبرا أو غيره، فأراد طلاقها فقالت: لا تطلقني واقسم لي
~~ما بدا لك فاصطلحا على صلح فجرت السنة بذلك ونزل القرآن، وأخرج ابن جرير
~~عن مجاهد أنها نزلت في أبي السائب أي وإن خافت امرأة خافت، فهو من باب
~~الاشتغال، وزعم الكوفيون أن { امرأة } مبتدأ وما بعده الخبر وليس
~~بالمرضي، وقدر بعضهم هنا  كانت  لاطراد حذف كان بعد إن، ولم يجعله من
~~الإشتغال وهو مخالف للمشهور بين الجمهور، والخوف إما على حقيقته، أو
~~بمعنى التوقع أي وإن امرأة توقعت لما ظهر لها من المخايل { من بعلها
~~} أي زوجها، وهو متعلق  بخافت  أو بمحذوف وقع حالا من قوله تعالى: {
~~نشوزا } أي استعلاءا وارتفاعا بنفسه عنها إلى غيرها لسبب من
~~الأسباب، ويطلق على كل من صفة أحد الزوجين { أو إعراضا } أي
~~انصرافا بوجهه أو ببعض منافعه التي كانت لها منه، وفي «البحر» «النشوز
~~أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه ونفقته والمودة التي بينهما، وأن يؤذيها
~~بسب أو ضرب مثلا، والإعراض أن يقلل محادثتها ومؤانستها لطعن في سن أو
~~دمامة، أو شين في خلق أو خلق، أو ملال أو طموح عين إلى أخرى، أو غير ذلك
~~وهو أخف من النشوز»

# { فلا جناح } أي فلا حرج ولا إثم { عليهما } أي الامرأة
~~وبعلها حينئذ. { أن يصلحا بينهما صلحا } أي في أن يصلحا
~~بينهما بأن تترك المرأة له يومها كما فعلت سودة رضي الله تعالى عنها مع
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تضع عنه بعض ms02106 ما يجب لها من نفقة، أو
~~كسوة، أو تهبه المهر، أو شيئا منه، أو تعطيه مالا لتستعطفه بذلك
~~وتستديم المقام في حباله، وصدر ذلك بنفي الجناح لنفي ما يتوهم من أن ما
~~يؤخذ كالرشوة فلا يحل، وقرأ غير أهل الكوفة  يصالحا  بفتح الياء وتشديد
~~الصاد وألف بعدها، وأصله يتصالحا فأبدلت التاء صادا وأدغمت، وقرأ
~~الجحدري  يصلحا  بالفتح والتشديد من غير ألف وأصله يصطلحا فخفف بإبدال
~~الطاء المبدلة من تاء الافتعال صادا وأدغمت الأولى فيها لا أنه أبدلت
~~التاء ابتداءا صادا وأدغم  كما قال أبو البقاء  لأن تاء الافتعال يجب
~~قلبها طاءا بعد الأحرف الأربعة.

# وقرىء يصطلحا  وهو ظاهر، و { صلحا } على قراءة أهل الكوفة إما مفعول
~~به على معنى يوقعا الصلح، أو بواسطة حرف أي يصلح، والمراد به ما يصلح به،
~~و { بينهما } ظرف ذكر تنبيها على أنه ينبغي أن لا يطلع الناس على
~~ما بينهما بل يسترانه عنهم أو حال من { صلحا } أي كائنا بينهما، وإما
~~مصدر محذوف الزوائد، أو من قبيل (أنبتها الله نباتا) و { بينهما }
~~هو المفعول على أنه اسم بمعنى التباين والتخالف، أو على التوسع في الظرف
~~لا على تقدير ما بينهما كما قيل، ويجوز أن يكون { بينهما } ظرفا،
~~والمفعول محذوف أي حالهما ونحوه، وعلى قراءة غيرهم يجوز أن يكون واقعا
~~موقع تصالحا واصطلاحا، وأن يكون منصوبا بفعل مترتب على المذكور أي
~~فيصلح حالهما صلحا واحتمال هذا في القراءة الأولى بعيد؛ وجوز أن يكون
~~منصوبا على إسقاط حرف الجر أي يصالحا أو يصلحا بصلح أي بشيء تقع بسببه
~~المصالحة

# { والصلح خير } أي من الفرقة وسوء العشرة أو من الخصومة، فاللام
~~للعهد، وإثبات الخيرية للمفضل عليه على سبيل الفرض والتقدير أي إن يكن
~~فيه خير فهذا أخير منه وإلا فلا خيرية فيما ذكر، ويجوز أن لا يراد بخير
~~التفضيل بل يراد به المصدر أو الصفة أي أنه خير من الخيور فاللام للجنس،
~~وقيل: إن اللام على التقديرين تحتمل العهدية والجنسية، والجملة اعتراضية،
~~وكذا قوله تعالى: { وأحضرت الأنفس ms02107 الشح } ولذلك اغتفر عدم
~~تجانسهما إذ الأولى: إسمية والثاني: فعلية ولا مناسبة معنى بينهما،
~~وفائدة الأولى: الترغيب في المصالحة، والثانية: تمهيد العذر في المماكسة
~~والمشاقة كما قيل، وحضر متعد لواحد وأحضر لإثنين، والأول: هو { الأنفس
~~} القائم مقام الفاعل؛ والثاني: { الشح } ، والمراد أحضر الله تعالى
~~الأنفس الشح وهو البخل مع الحرص، ويجوز أن يكون القائم مقام الفاعل هو
~~الثاني أي إن الشح جعل حاضرا لها لا يغيب عنها أبدا، أو إنها جعلت
~~حاضرة له مطبوعة عليه فلا تكاد المرأة تسمح بحقوقها من الرجل ولا الرجل
~~يكاد يجود بالإنفاق وحسن المعاشرة مثلا على التي لا يريدها، وذكر شيخ
~~الإسلام «أن في ذلك تحقيقا للصلح وتقريرا له بحث كل من الزوجين عليه
~~لكن لا بالنظر إلى حال نفسه فإن ذلك يستدعي التمادي في [المماكسة و]
~~الشقاق بل بالنظر إلى حال صاحبه، فإن شح نفس الرجل وعدم ميلها عن حالتها
~~الجبلية بغير استمالة مما يحمل المرأة على بذل بعض حقوقها إليه
~~لاستمالته، وكذا شح نفسها بحقوقها مما يحمل الرجل على أن يقنع من قبلها
~~بشيء يسير ولا يكلفها بذل الكثير فيتحقق بذلك الصلح» الذي هو خير.

# { وإن تحسنوا } في العشرة مع النساء { وتتقوا } النشوز
~~والإعراض وإن تظافرت الأسباب الداعية إليهما وتصبروا على ذلك ولم تضطروهن
~~على فوت شيء من حقوقهن، أو بذل ما يعز عليهن.

# { فإن الله كان بما تعملون } من الإحسان والتقوى أو
~~بجميع ما تعملون، ويدخل فيه ما ذكر دخولا أوليا { خبيرا } فيجازيكم
~~ويثيبكم على ذلك، وقد أقام سبحانه كونه عالما مطلعا أكمل اطلاع على
~~أعمالهم مقام مجازاتهم وإثابتهم عليها الذي هو في الحقيقة جواب الشرط
~~إقامة السبب مقام المسبب، ولا يخفى ما في خطاب الأزواج بطريق الإلتفات،
~~والتعبير عن رعاية حقوقهن بالإحسان، ولفظ التقوى المنبىء عن كون النشوز
~~والإعراض مما يتوقى منه، وترتيب الوعد الكريم على ذلك من لطف الاستمالة
~~والترغيب في حسن المعاملة.

### || [4.129]

# { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } أي لا تقدروا
~~ألبتة على العدل بينهن بحيث لا يقع ms02108 ميل ما إلى جانب / [إحداهن] في شأن من
~~الشؤون كالقسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والممالحة والمفاكهة
~~والمؤانسة وغيرها مما لا يكاد الحصر يأتي من ورائه. وأخرج البيهقي عن
~~عبيدة أنه قال: لن تستطيعوا ذلك في الحب والجماع، وأخرج ابن المنذر عن
~~ابن مسعود أنه قال: في الجماع، وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن وابن جرير
~~عن مجاهد أنهما قالا: في المحبة، وأخرجا عن أبي مليكة أن الآية نزلت في
~~عائشة رضي الله تعالى عنها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبها أكثر
~~من غيرها، وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم عنها أنها قالت:

# " كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول: اللهم
~~هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك "

# وعنى صلى الله عليه وسلم: «بما تملك» المحبة وميل القلب الغير الاختياري
~~{ ولو حرصتم } على إقامة ذلك وبالغتم فيه { فلا تميلوا
~~كل الميل } أي فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها
~~حقها من غير رضا منها واعدلوا ما استطعتم فإن عجزكم عن حقيقة العدل لا
~~يمنع عن تكليفكم بما دونها من المراتب التي تستطيعونها، وانتصاب { كل
~~} على المصدرية فقد تقرر أنها بحسب ما تضاف إليه من مصدر أو ظرف أو غيره
~~{ فتذروها } أي فتدعوا التي ملتم عنها { كالمعلقة } وهي كما
~~قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: التي ليست مطلقة ولا ذات بعل، وقرأ
~~أبي  كالمسجونة  وبذلك فسر قتادة المعلقة، والجار والمجرور متعلق
~~بمحذوف وقع حالا من الضمير المنصوب في { تذروها } وجوز السمين كونه في
~~موضع المفعول الثاني لتذر على أنه بمعنى تصير، وحذف نون { تذروها } إما
~~للناصب وهو أن المضمرة في جواب النهي، إما للجازم بناءا على أنه معطوف
~~على الفعل قبله، وفي الآية ضرب من التوبيخ، وأخرج أحمد وأبو داود
~~والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط ms02109
~~"

# ، وأخرج غير واحد عن جابر بن زيد أنه قال:  كانت لي امرأتان فلقد كنت
~~أعدل بينهما حتى أعد القبل ، وعن مجاهد قال: كانوا يستحبون أن يسووا
~~بين الضرائر حتى في الطيب يتطيب لهذه كما يتطيب لهذه، وعن ابن سيرين في
~~الذي له امرأتان يكره أن يتوضأ في بيت إحداهما دون الأخرى. { وإن
~~تصلحوا } ما كنتم تفسدون من أمورهن { وتتقوا } الميل الذي
~~نهاكم الله تعالى عنه فيما يستقبل { فإن الله كان غفورا }
~~فيغفر لكم ما مضى من الحيف { رحيما } فيتفضل عليكم برحمته.

### || [4.130]

# { وإن يتفرقا } أي المرأة وبعلها، وقرىء  يتفارقا  أي وإن لم
~~يصطلحا ولم يقع بينهما وفاق بوجه ما من الصلح وغيره ووقعت بينهما الفرقة
~~بطلاق { يغن الله كلا } منهما أي يجعله مستغنيا عن آخر ويكفه
~~ما أهمه، وقيل: يغني الزوج بامرأة أخرى والمرأة بزوج آخر { من سعته
~~} أي من غناه وقدرته، وفي ذلك تسلية لكل من الزوجين بعد الطلاق، وقيل:
~~زجر لهما عن المفارقة، وكيفما كان فهو مقيد بمشيئة الله تعالى { وكان
~~الله وسعا } أي غنيا وكافيا للخلق، أو مقتدرا أو عالما {
~~حكيما } متقنا في أفعاله وأحكامه.

### || [4.131]

# { ولله ما فى السموت وما في الأرض } فلا يتعذر عليه
~~الإغناء بعد الفرقة، ولا الإيناس بعد الوحشة  ولا ولا  وفيه من التنبيه
~~على كمال سعته وعظم قدرته ما لا يخفى، والجملة مستأنفة جيء بها  على ما
~~قيل  لذلك { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتب من
~~قبلكم } أي أمرناهم بأبلغ وجه، والمراد بهم اليهود والنصارى ومن /
~~قبلهم من الأمم، والكتاب عام للكتب الإلهية، ولا ضرورة تدعو إلى تخصيص
~~الموصول باليهود والكتاب بالتوراة، بل قد يدعى أن التعميم أولى بالغرض
~~المسوق له الكلام وهو تأكيد الأمر بالإخلاص، و { من } متعلقة  بوصينا
~~ أو  بأوتوا  { وإياكم } عطف على الموصول وحكم الضمير المعطوف
~~أن يكون منفصلا ولم يقدم ليتصل لمراعاة الترتيب الوجودي { أن
~~اتقوا الله } أي وصينا كلا منهم ومنكم بأن اتقوا الله تعالى على
~~أن { أن } مصدرية بتقدير الجار ومحلها نصب أو جر على المذهبين، ووصلها ms02110
~~بالأمر  كالنهي وشبهه  جائز كما نص عليه سيبويه، ويجوز أن تكون مفسرة
~~للوصية لأن فيها معنى القول.

# وقوله تعالى: { وإن تكفروا فإن لله ما فى السموت
~~وما في الأرض } عطف على { وصينا } بتقدير قلنا  أي وصينا
~~وقلنا لكم ولهم إن تكفروا فاعلموا أنه سبحانه مالك الملك والملكوت لا
~~يضره كفركم ومعاصيكم، كما أنه لا ينفعه شكركم وتقواكم وإنما وصاكم وإياهم
~~لرحمته لا لحاجته  وفي الكلام تغليب للمخاطبين على الغائبين، ويشعر ظاهر
~~كلام البعض أن العطف على { اتقوا الله } وتعقب بأن الشرطية لا تقع
~~بعد أن المصدرية، أو المفسرة فلا يصح عطفها على الواقع بعدها سواء كان
~~إنشاءا أم إخبارا، والفعل { وصينا } أو أمرنا أو غيره، وقيل: إن
~~العطف المذكور من باب:

# علفتها تبنا وماءا باردا

# وجوز أبو حيان أن تكون جملة مستأنفة خوطب بها هذه الأمة وحدها، أو مع
~~الذين أوتوا الكتاب { وكان الله غنيا } بالغنى الذاتي عن الخلق
~~وعبادتهم { حميدا } أي محمودا في ذاته حمدوه أم لم يحمدوه، والجملة
~~تذييل مقرر لما قبله، وقيل: إن قوله سبحانه: { ولله ما فى
~~السموات } الخ تهديد على الكفر أي أنه تعالى قادر على عقوبتكم بما
~~يشاء، ولا منجى عن عقوبته فإن جميع ما في السموات والأرض له، وقوله عز
~~وجل: { وكان الله غنيا حميدا } للإشارة إلى أنه جل وعلا لا
~~يتضرر بكفرهم.

### || [4.132]

# وقوله سبحانه: { ولله ما فى السموت وما في الأرض }
~~يحتمل أن يكون كلاما مبتدأ مسوقا للمخاطبين توطئة لما بعده من الشرطية
~~أي له سبحانه ما فيهما من الخلائق خلقا وملكا يتصرف في ذلك كيفما يشاء
~~إيجادا وإعداما وإحياءا وإماتة، ويحتمل أن يكون كالتكميل للتذييل
~~ببيان الدليل فإن جميع المخلوقات تدل لحاجتها وفقرها الذاتي على غناه
~~وبما أفاض سبحانه عليها من الوجود والخصائص والكمالات على كونه حميدا {
~~وكفى بالله وكيلا } تذييل لما قبله، والوكيل هو القيم والكفيل
~~بالأمر الذي يوكل إليه، وهذا على الإطلاق هو الله تعالى، وفي «النهاية»
~~يقال: «وكل فلان فلانا إذا استكفاه أمره ثقة [بكفايته] أو عجزا ms02111 عن
~~القيام بأمر نفسه، والوكيل في أسماء الله تعالى هو القيم [الكفيل] بأرزاق
~~العباد، وحقيقته أنه يستقل (بالأمر) الموكول إليه»، ولا يخفى أن الاقتصار
~~على الأرزاق قصور فعمم، وتوكل على الله تعالى، وادعى البيضاوي  بيض الله
~~تعالى غرة أحواله  أن هذه الجملة راجعة إلى قوله سبحانه:

# يغن الله كلا من سعته

# [النساء: 130] فإنه إذا توكلت وفوضت فهو الغني لأن من توكل على الله عز
~~وجل كفاه، ولما كان ما بينهما تقريرا له لم يعد فاصلا، ولا يخفى أنه
~~على بعده لا حاجة إليه.

### || [4.133]

# { إن يشأ } إن يرد إذهابكم وإيجاد آخرين { يذهبكم } يفنكم
~~ويهلككم. { أيها الناس ويأت بآخرين } أي يوجد مكانكم دفعة
~~قوما آخرين من البشر، فالخطاب لنوع من الناس، وقد أخرج سعيد بن منصور
~~وابن جرير من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه

# " أنه لما نزل قوله تعالى: / { وإن تتولوا يستبدل
~~قوما غيركم } [محمد: 38] ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده على
~~ظهر سلمان الفارسي رضي الله عنه، وقال: إنهم قوم هذا "

# وفيه نوع تأييد لما ذكر في هذه الآية، وما نقل عن العراقي أن الضرب كان
~~عند نزولها وحينئذ يتعين ما ذكر سهو على ما نص عليه الجلال السيوطي، وجوز
~~الزمخشري وابن عطية ومقلدوهما أن يكون المراد خلقا آخرين أي جنسا غير
~~جنس الناس، وتعقبه أبو حيان بأنه خطأ وكونه من قبيل المجاز  كما قيل 
~~لا يتم به المراد لمخالفته لاستعمال العرب فإن  غيرا  تقع على المغاير
~~في جنس أو وصف،  وآخر  لا يقع إلا على المغايرة بين أبعاض جنس واحد.

# وفي «درة الغواص في أوهام الخواص» أنهم يقولون: ابتعت عبدا وجارية
~~أخرى فيوهمون فيه لأن العرب لم تصف بلفظي آخر وأخرى وجمعهما إلا ما يجانس
~~المذكور قبله كما قال تعالى:

# أفرءيتم اللت والعزى * ومنوة الثالثة
~~الأخرى

# [النجم: 19- 20] وقوله سبحانه:

# فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو
~~على سفر فعدة من أيام أخر

# [البقرة: 185] فوصف جل اسمه  مناة  بالأخرى لما جانست  العزى اللات 
~~ووصف الأيام ms02112 بالأخر لكونها من جنس الشهر، والأمة ليست من جنس العبد
~~لكونها مؤنثة وهو مذكر فلم يجز لذلك أن يتصف بلفظ أخرى كما لا يقال: جاءت
~~هند ورجل آخر، والأصل في ذلك أن آخر من قبيل أفعل الذي يصحبه من، ويجانس
~~المذكور بعده كما يدل على ذلك أنك إذا قلت: قال: الفند الزماني، وقال
~~آخر: كان تقدير الكلام، وقال آخر: من الشعراء وإنما حذفت لفظة من لدلالة
~~الكلام عليها، وكثرة استعمال آخر في النطق، وفي «الدر المصون» إن هذا غير
~~متفق عليه، وإنما ذهب إليه كثير من النحاة وأهل اللغة؛ وارتضاه نجم
~~الأئمة الرضي إلا أنه يرد على الزمخشري ومن معه أن آخرين صفة موصوف
~~محذوف، والصفة لا تقوم مقام موصوفها إلا إذا كانت خاصة نحو مررت بكاتب،
~~أو إذا دل الدليل على تعيين الموصوف  وهنا ليست بخاصة  فلا بد أن يكون
~~من جنس الأول لتدل على المحذوف؛ وقال ابن يسعون والصقلي وجماعة: إن العرب
~~لا تقول: مررت برجلين وآخر لأنه إنما يقابل آخر ما كان من جنسه تثنية
~~وجمعا وإفرادا، وقال ابن هشام هذا غير صحيح لقول ربيعة بن يكدم:

# ولقد (شفعتهما بآخر ثالث)

# وأبى الفرار إلى الغداة تكرمى

# وقال أبو حية النميري:

# وكنت أمشي على ثنتين معتدلا

# فصرت أمشيء على (أخرى) من الشجر

# وإنما يعنون بكونه من جنس ما قبله أن يكون اسم الموصوف بآخر في اللفظ،
~~أو التقدير يصح وقوعه على المتقدم الذي قوبل بآخر على جهة التواطؤ ولذلك
~~لو قلت: جاءني زيد وآخر كان سائغا لأن التقدير ورجل آخر، وكذا جاءني زيد
~~وأخرى تريد نسمة أخرى؛ وكذا اشتريت فرسا ومركوبا آخر سائغ، وإن كان
~~المركوب الآخر جملا لوقوع المركوب عليهما بالتواطؤ فإن كان وقوع الاسم
~~عليهما على جهة الإشتراك المحض فإن كانت حقيقتهما واحدة جازت المسألة نحو
~~قام أحد الزيدين وقعد الآخر، وإن لم تكن حقيقتهما واحدة لم تجز لأنه لم
~~يقابل به ما هو من جنسه نحو رأيت المشتري والمشتري الآخر تريد بأحدهما
~~الكوكب، وبالآخر مقابل ms02113 البائع، وهل يشترط مع التواطؤ اتفاقهما في
~~التذكير؟ فيه خلاف، فذهب المبرد إلى عدم اشتراطه فيجوز جاءتني جاريتك
~~وإنسان آخر، واشترطه ابن جني، والصحيح ما ذهب إليه المبرد بدليل قول
~~عنترة:

# والخيل تقتحم الغبار عوابسا

# من بين منظمة (وآخر ينظم)

# / وما ذكر من أن آخر يقابل به ما تقدمه من جنسه هو المختار، وإلا فقد
~~يستعملونه من غير أن يتقدمه شيء من جنسه، وزعم أبو الحسن أن ذلك لا يجوز
~~إلا في الشعر، فلو قلت: جاءني آخر من غير أن تتكلم قبله بشيء من صنفه لم
~~يجز، ولو قلت: أكلت رغيفا، وهذا قميص آخر لم يحسن، وأما قول الشاعر:

# صلى على عزة الرحمن وابنتها

# ليلى وصلى على جاراتها (الأخر)

# فمحمول على أنه جعل ابنتها جارة لها لتكون الأخرى من جنسها، ولولا هذا
~~التقدير لما جاز أن يعقب ذكر البنت بالجارات، بل كان يقول: وصلى على
~~بناتها الأخر، وقد قوبل في البيت أيضا  أخر  وهو جمع بابنتها وهو
~~مفرد، وزعم السهيلي أن  أخرى  في قوله تعالى:

# ومنوة الثالثة الأخرى

# [النجم: 20] استعملت من غير أن يتقدمها شيء من صنفها لأنه غير مناة
~~الطاغية التي كانوا يهلون إليها بقديد؛ فجعلها ثالثة اللاة والعزى، وأخرى
~~لمناة التي كان يعبدها عمرو بن الجموح وغيره من قومه مع أنه لم يتقدم لها
~~ذكر، والصواب أنه جعلها أخرى بالنظر إلى اللات والعزى، وساغ ذلك لأن
~~الموصوف بالأخرى، وهو الثالثة يصح وقوعه على اللات والعزى، ألا ترى أن كل
~~واحدة منهن ثالثة بالنظر إلى صاحبتها؟ وإنما اتجه ذلك لما ذكره أبو
~~الحسن من أن استعمال آخر وأخرى من غير أن يتقدمهما صنفهما لا يجوز إلا في
~~الشعر انتهى.

# وهو تحقيق نفيس إلا أنه سيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق الكلام في الآية
~~الآتي ذكرها، وفي «المسائل الصغرى» للأخفش في باب عقده لتحقيق هذه
~~المسألة أن العرب لا تستعمل آخر إلا فيما هو من صنف ما قبله، فلو قلت:
~~أتاني صديق لك وعدو لك آخر لم يحسن لأنه لغو ms02114 من الكلام، وهو يشبه  سائر
~~وبقية وبعض  في أنه لا يستعمل إلا في جنسه، فلو قلت: ضربت رجلا وتركت
~~سائر النساء لم يكن كلاما، وقد يجوز ما امتنع بتأويل كرأيت فرسا
~~وحمارا آخر نظرا إلى أنه دابة قال امرؤ القيس:

# إذا قلت: هذا صاحبي ورضيته

# وقرت به العينان بدلت (آخرا)

# وفي الحديث:

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد خفة في مرضه فقال: انظروا من
~~أتكيء عليه فجاءت بريرة ورجل آخر فاتكأ عليهما "

# وحاصل هذا أنه لا يوصف بآخر إلا ما كان من جنس ما قبله لتتبين مغايرته
~~في محل يتوهم فيه اتحاده ولو تأويلا، وحينئذ لا يكون ما ذكره الزمخشري
~~نصا في الخطأ ومخالفة استعمال العرب المعول عليه عند الجمهور { وكان
~~الله على ذلك } أي إفنائكم بالمرة وإيجاد آخرين { قديرا }
~~بليغ القدرة لكنه سبحانه لم يفعل وأبقاكم على ما أنتم عليه من العصيان
~~لعدم تعلق مشيئته لحكمة اقتضت ذلك لا لعجزه سبحانه وتعالى عن ذلك علوا
~~كبيرا.

### || [4.134]

# { من كان يريد ثواب الدنيا } كالمجاهد يريد بجهاده
~~الغنيمة والمنافع الدنيوية. { فعند الله ثواب الدنيا
~~والآخرة } جزاء الشرط بتقدير الإعلام والإخبار أي: من كان يريد ثواب
~~الدنيا فأعلمه وأخبره أن عند الله تعالى ثواب الدارين فما له لا يطلب ذلك
~~كمن يقول:

# ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة

# [البقرة: 201]، أو يطلب الأشرف وهو ثواب الآخرة فإن من جاهد مثلا
~~خالصا لوجه الله تعالى لم (تخطه) المنافع الدنيوية وله في الآخرة ما هي
~~في جنبه كلا شيء، وفي «مسند أحمد» عن زيد بن ثابت «سمعت رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم يقول:

# " من كان همه الآخرة جمع الله تعالى شمله وجعل غناه في قلبه وأتته /
~~الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا فرق الله تعالى عليه ضيعته وجعل
~~فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له "

# وجوز أن يقدر الجزاء من جنس الخسران فيقال: من كان يريد ثواب الدنيا فقط
~~فقد خسر وهلك، فعند الله تعالى ms02115 ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده، وفي
~~«صحيح مسلم» عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «سمعت النبي صلى
~~الله عليه وسلم يقول:

# " أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه
~~فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال: كذبت ولكنك
~~قاتلت لأن يقال: جرىء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في
~~النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها
~~قال: فما فعلت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال: كذبت
~~ولكنك تعلمت ليقال: عالم وقرأت ليقال: هو قارىء فقد قيل، ثم أمر به فسحب
~~على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله تعالى عليه وأعطاه من أصناف
~~المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت
~~من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال:
~~هو جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار "

# ، وقيل: إنه الجزاء إلا أنه مؤل بما يجعله مرتبا على الشرط لأن مآله
~~أنه ملوم موبخ لتركه الأهم الأعلى الجامع لما أراده مع زيادة لكن من
~~يشترط العائد في الجزاء يقدره كما أشرنا إليه، وقيل: المراد أنه تعالى
~~عنده ثواب الدارين فيعطي كلا ما يريده كقوله تعالى:

# من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه

# [الشورى: 20] الآية.

# { وكان الله سميعا بصيرا } تذييل لمعنى التوبيخ أي كيف
~~يرائي المرائي وأن الله تعالى سميع بما يهجس في خاطره وما تأمر به دواعيه
~~بصير بأحواله كلها ظاهرها وباطنها فيجازيه على ذلك، وقد يقال: ذيل بذلك
~~لأن إرادة الثواب إما بالدعاء وإما بالسعي، والأول: مسموع، والثاني:
~~مبصر، وقيل: السمع والبصر عبارتان عن اطلاعه تعالى على غرض المريد للدنيا
~~أو الآخرة وهو عبارة عن الجزاء، ولا يخفى أنه وإن كان لا يخلو عن حسن إلا
~~أنه يوهم إرجاع صفة السمع والبصر إلى العلم وهو خلاف ms02116 المقرر في الكلام.

### || [4.135]

# { يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط }
~~أي مواظبين على العدل في جميع الأمور مجتهدين في ذلك كل الاجتهاد لا
~~يصرفكم عنه صارف. وعن الراغب أنه سبحانه نبه بلفظ القوامين على أن
~~مراعاة العدالة مرة أو مرتين لا تكفي بل يجب أن تكون على الدوام، فالأمور
~~الدينية لا اعتبار بها ما لم تكن مستمرة دائمة، ومن عدل مرة أو مرتين لا
~~يكون في الحقيقة عادلا أي لا ينبغي أن يطلق فيه ذلك { شهداء } بالحق
~~{ لله } بأن تقيموا شهاداتكم لوجه الله تعالى لا لغرض دنيوي، وانتصاب
~~{ شهداء } على أنه خبر ثان لكونوا ولا يخفى ما في تقديم الخبر الأول
~~من الحسن. وجوز أن يكون على أنه حال من الضمير المستكن فيه، وأيد بما روي
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في معنى الآية: أي كونوا
~~قوالين بالحق في الشهادة على من كانت ولمن كانت من قريب وبعيد، وقيل:
~~إنه صفة { قوامين } ، وقيل: إنه خبر { كونوا } وقوامين حال {
~~ولو على أنفسكم } أي ولو كانت الشهادة على أنفسكم، وفسرت
~~الشهادة ببيان الحق مجازا فتشمل الإقرار المراد ههنا والشهادة بالمعنى
~~الحقيقي المراد فيما بعد فلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وقيل:
~~الكلام خارج مخرج المبالغة وليس المقصود حقيقته فلا حاجة إلى القول بعموم
~~المجاز ليشمل الإقرار حيث إن شهادة المرء على نفسه لم تعهد، والجار  على
~~ما أشير إليه  / ظرف مستقر وقع خبرا لكان المحذوفة وإن كان في الأصل
~~صلة الشهادة لأن متعلق المصدر قد يجعل خبرا عنه فيصير مستقرا مثل الحمد
~~لله ولا يجوز ذلك في اسم الفاعل ونحوه، ويجوز أن يكون ظرفا لغوا
~~متعلقا بخبر محذوف أي ولو كانت الشهادة وبالا على أنفسكم، وعلقه أبو
~~البقاء بفعل دل عليه { شهداء } أي لو شهدتم على أنفسكم وجوز تعلقه 
~~بقوامين  وفيه بعد، { ولو } إما على أصلها أو بمعنى إن وهي وصلية،
~~وقيل: جوابها مقدر أي لوجب أن تشهدوا عليها { أو الولدين
~~والأقربين } أي ولو كانت على والديكم وأقرب ms02117 الناس إليكم أو ذوي
~~قرابتكم، وعطف الأول  بأو  لأنه مقابل للأنفس وعطف الثاني عليه بالواو
~~لعدم المقابلة.

# { إن يكن } أي المشهود عليه { غنيا } يرجى في العادة ويخشى {
~~أو فقيرا } يترحم عليه في الغالب ويحنى، وقرأ عبد الله  إن يكن غني
~~أو فقير  بالرفع على إن كان تامة، وجواب الشرط محذوف دل عليه قوله
~~تعالى: { فالله أولى بهما } أي فلا تمتنعوا عن الشهادة على
~~الغني طلبا لرضاه أو على الفقير شفقة عليه لأن الله تعالى أولى بالجنسين
~~وأنظر لهما من سائر الناس، ولولا أن حق الشهادة مصلحة لهما لما شرعها
~~فراعوا أمر الله تعالى فإنه أعلم بمصالح العباد منكم، وقرأ أبي  فالله
~~أولى بهم  بضمير الجمع وهو شاهد على أن المراد جنسا الغني والفقير وأن
~~ضمير التثنية ليس عائدا على الغني والفقير المذكورين لأن الحكم في
~~الضمير العائد على المعطوف  بأو  الإفراد كما قيل: لأنها لأحد الشيئين
~~أو الأشياء، وقيل: إن { أو } بمعنى الواو، والضمير عائد إلى المذكورين،
~~وحكي ذلك عن الأخفش، وقيل: إنها على بابها وهي هنا لتفصيل ما أبهم في
~~الكلام، وذلك مبني على أن المراد بالشهادة ما يعم الشهادة للرجل والشهادة
~~عليه، فكل من المشهود له والمشهود عليه يجوز أن يكون غنيا وأن يكون
~~فقيرا فقد يكونان غنيين، وقد يكونان فقيرين، وقد يكون أحدهما فقيرا
~~والآخر غنيا، فحيث لم تذكر الأقسام أتى  بأو  لتدل على ذلك، فضمير
~~التثنية على المشهود له والمشهود عليه على أي وصف كانا عليه، وقيل: غير
~~ذلك، وقال الرضي: الضمير الراجع إلى المذكور المتعدد الذي عطف بعضه على
~~بعض  بأو  يجوز أن يوحد وأن يطابق المتعدد، وذلك يدور على القصد،
~~فيجوز: جاءني زيد أو عمرو وذهب، أو وهما ذاهبان إلى المسجد، وعلى هذا لا
~~حاجة إلى التوجيه لعدم صحة التثنية ووجوب الإفراد في مثل هذا الضمير، نعم
~~قيل: إن الظاهر الإفراد دون التثنية، وإن جاز كل منهما فيحتاج العدول عن
~~الظاهر إلى نكتة.

# وادعى بعضهم أنها تعميم الأولوية ودفع توهم اختصاصها بواحد فتأمل.

# { فلا ms02118 تتبعوا الهوى } أي هوى أنفسكم { أن تعدلوا } من
~~العدول والميل عن الحق، أو من العدل مقابل الجور وهو في موضع المفعول له،
~~إما للاتباع المنهي عنه أو للنهي، فالاحتمالات أربعة: الأول: أن يكون
~~بمعنى العدول وهو علة للمنهي عنه، فلا حاجة إلى تقدير، والثاني: أن يكون
~~بمعنى العدل وهو علة للمنهي عنه فيقدر مضاف أي كراهة أن تعدلوا، والثالث:
~~أن يكون بمعنى العدول وهو علة للنهي فيحتاج إلى التقدير كما في الاحتمال
~~الثاني أي أنهاكم عن اتباع الهوى كراهة العدول عن الحق، والرابع: أن يكون
~~بمعنى العدل وهو علة للنهي فلا يحتاج إلى التقدير كما في الاحتمال الأول،
~~أي أنهاكم عن اتباع الهوى للعدل وعدم الجور.

# { وإن تلووا } ألسنتكم عن الشهادة بأن تأتوا بها على غير وجهها
~~الذي تستحقه كما روي ذلك عن ابن زيد والضحاك، وحكي عن أبي جعفر / رضي
~~الله تعالى عنه وهو الظاهر، وقيل: اللي المطل في أدائها، ونسب إلى ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما. { أو تعرضوا } أي تتركوا إقامتها
~~رأسا وهو خطاب للشهود، وقيل: إن الخطاب للحكام، واللي الحكم بالباطل،
~~والإعراض عدم الإلتفات إلى أحد الخصمين، ونسب هذا إلى السدي، وروي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أيضا، وقرأ حمزة { وإن تلوا } بضم
~~اللام وواو ساكنة وهو من الولاية بمعنى مباشرة الشهادة، وقيل: إن أصله
~~تلووا بواوين أيضا نقلت ضمة الواو بعد قلبها همزة، أو ابتداءا إلى ما
~~قبلها ثم حذفت لالتقاء الساكنين، وعلى هذا فالقراءتان بمعنى { فإن
~~الله كان بما تعملون } من اللي والإعراض، أو من جميع الأعمال
~~التي من جملتها ما ذكر { خبيرا } عالما مطلعا فيجازيكم على ذلك، وهو
~~وعيد محض على القراءة الأولى، وعلى القراءة الأخيرة يحتمل أن يكون كذلك
~~وأن يكون متضمنا «للوعد».

# والآية كما أخرج ابن جرير عن السدي نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم
~~اختصم إليه رجلان غني وفقير فكان خلقه مع الفقير يرى أن الفقير لا يظلم
~~الغني فأبى الله تعالى إلا أن يقول بالقسط في ms02119 الغني والفقير، وهي متضمنة
~~للشهادة على من ذكره الله تعالى، ولا تعرض فيها للشهادة لهم على ما هو
~~الظاهر، وحملها بعضهم على ما يشمل القسمين، وروي ذلك عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما كما أشرنا إليه فيجوز عنده شهادة الولد لوالده والوالد
~~لولده. وحكي عن ابن شهاب الزهري أنه قال: كان سلف المسلمين على ذلك حتى
~~ظهر من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم فتركت شهادة من يتهم، ولا
~~يخفى أن حمل الآية على ذلك بعيد جدا، وأبعد منه بمراحل  بل ينبغي أن
~~يكون من باب الإشارة  كون المراد منها كونوا شهداء لله تعالى بوحدانيته
~~وكمال صفاته وحقية أحكامه ولو كان ذلك مضرا لأنفسكم أو لوالديكم
~~وأقربيكم بأن توجب الشهادة ذهاب حياة هؤلاء أو أموالهم أو غير ذلك { إن
~~يكن } أي الشاهد { غنيا } تضر شهادته بغناه { أو فقيرا } تسد
~~شهادته باب دفع الحاجة عليه { فالله } تعالى { أولى بهما } من
~~أنفسهما، فينبغي أن يرجحا الله تعالى على أنفسهما، واستدل بالآية على أن
~~العبد لا مدخل له في الشهادة إذ ليس قواما بذلك لكونه ممنوعا من
~~الخروج إلى القاضي؛ وعلى وجوب التسوية بين الخصمين على الحاكم، وهو ظاهر
~~على رأي، ووجه مناسبتها لما تقدم على ما في «البحر» «أنه تعالى لما ذكر
~~النساء والنشوز والمصالحة عقبه بالقيام لأداء الحقوق، وفي الشهادة حقوق،
~~أو لأنه سبحانه لما بين أن طالب الدنيا ملوم وأشار إلى أن طالب الأمرين
~~أو أشرفهما هو الممدوح بين أن كمال ذلك أن يكون قول الإنسان وفعله لله
~~تعالى، أو لأنه تعالى شأنه لما ذكر في هذه السورة

# وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتمى

# [النساء: 3] والإشهاد عند دفع أموالهم إليهم وأمر ببذل النفس والمال في
~~سبيل الله تعالى وذكر قصة الخائن واجتماع قومه على الكذب والشهادة
~~بالباطل وندب للمصالحة عقب ذلك بأن أمر عباده المؤمنين بالقيام بالعدل
~~والشهادة لوجه الله تعالى».

### || [4.136]

# { يأيها الذين ءامنوا } خطاب للمسلمين كافة فمعنى قوله
~~تعالى: { ءامنوا بالله ورسوله والكتب الذى نزل
~~على رسوله ms02120 والكتب الذى أنزل من قبل } أثبتوا على
~~الإيمان بذلك وداوموا عليه، وروي هذا عن الحسن واختاره الجبائي، وقيل:
~~الخطاب لهم، والمراد ازدادوا في الإيمان طمأنينة ويقينا، أو: آمنوا بما
~~ذكر مفصلا بناءا على أن إيمان بعضهم إجمالي، وأيا ما كان فلا يلزم
~~تحصيل الحاصل، وقيل: الخطاب للمنافقين المؤمنين ظاهرا فمعنى { ءامنوا
~~} أخلصوا الإيمان، واختاره الزجاج وغيره. وقيل: لمؤمني اليهود خاصة،
~~ويؤيده ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما

# " أن عبد الله بن سلام وأسد / وأسيد ابني كعب وثعلبة بن قيس وابن أخت
~~عبد الله بن سلام ويامين بن يامين أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وقالوا: نؤمن بك وبكتابك وبموسى وبالتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من
~~الكتب والرسل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل آمنوا بالله تعالى
~~ومحمد صلى الله عليه وسلم وبكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله فقالوا: لا
~~نفعل "

# فنزلت فآمنوا كلهم، وقيل: لمؤمني أهل الكتابين، وروي ذلك عن الضحاك،
~~وقيل: للمشركين المؤمنين باللات والعزى، وقيل: لجميع الخلق لإيمانهم يوم
~~أخذ الميثاق حين قال لهم سبحانه:

# ألست بربكم قالوا بلى

# [الأعراف: 172] والكتاب الأول القرآن، والمراد من الكتاب الثاني الجنس
~~المنتظم لجميع الكتب السماوية، ويدل عليه قوله تعالى فيما بعد: {
~~وكتبه } والمراد بالإيمان بها الإيمان بها في ضمن الإيمان بالكتاب
~~المنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم على معنى أن الإيمان بكل واحد منها
~~مندرج تحت الإيمان بذلك الكتاب، وأن أحكام كل منها كانت حقة ثابتة يجب
~~الأخذ بها إلى ورود ما نسخها، وأن ما لم ينسخ منها إلى الآن من الشرائع
~~والأحكام ثابتة من حيث إنها من أحكام ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه ولا
~~تغيير يعتريه. ومن هنا يعلم أن أمر مؤمني أهل الكتاب بالإيمان بكتابهم
~~بناءا على أن الخطاب لهم ليس على معنى الثبات لأن هذا النحو من الإيمان
~~غير حاصل لهم وهو المقصود، ولا حاجة إلى القول بأن متعلق الأمر حقيقة هو
~~الإيمان بما عداه كأنه قيل: آمنوا بالكل ms02121 ولا تخصوه بالبعض، وقرأ ابن كثير
~~وابن عامر وأبو عمرو  نزل وأنزل  على البناء للمفعول، واستعمال  نزل 
~~أولا وأنزل ثانيا لأن القرآن نزل مفرقا بالإجماع، وكان تمامه في ثلاث
~~وعشرين سنة على الصحيح ولا كذلك غيره من الكتب فتذكر.

# { ومن يكفر بالله وملئكته وكتبه ورسله
~~واليوم الآخر } أي بشيء من ذلك فإن الحكم المتعلق بالأمور
~~المتعاطفة بالواو  كما قال العلامة الثاني  قد يرجع إلى كل واحد، وقد
~~يرجع إلى المجموع، والتعويل على القرائن، وههنا قد دلت القرينة على
~~الأول لأن الإيمان بالكل واجب والكل ينتفي بانتفاء البعض ومثل هذا ليس من
~~جعل الواو بمعنى أو في شيء، وجوز بعضهم رجوعه إلى المجموع لوصف الضلال
~~بغاية البعد في قوله تعالى: { فقد ضل ضللا بعيدا } ويستفاد
~~منه أن الكفر بأي بعض كان ضلال متصف  ببعد  والمشهور أن المراد 
~~بالضلال البعيد  الضلال البعيد عن المقصد بحيث لا يكاد يعود المتصف به
~~إلى طريقه، ويجوز أن يراد ضلالا بعيدا عن الوقوع، والجملة الشرطية
~~تذييل للكلام السابق وتأكيد له، وزيادة  الملائكة واليوم الآخر  في
~~جانب الكفر على ما ذكره شيخ الإسلام لما أن بالكفر بأحدهما لا يتحقق
~~الإيمان أصلا، وجمع الكتب والرسل لما أن الكفر بكتاب أو رسول كفر بالكل،
~~وتقديم الرسول فيما سبق لذكر الكتاب بعنوان كونه منزلا عليه، وتقديم
~~الملائكة والكتب على الرسل لأنهم وسائط بين الله عز وجل وبين الرسل في
~~إنزال الكتب، وقيل: اختلاف الترتيب في الموضعين من باب التفنن في
~~الأساليب والزيادة في الثاني لمجرد المبالغة، وقرىء بكتابه على إرادة
~~الجنس.

### || [4.137]

# { إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم
~~كفروا ثم ازدادوا كفرا } هم قوم تكرر منهم الارتداد وأصروا
~~على الكفر وازدادوا تماديا في الغي، وعن مجاهد وابن زيد أنهم أناس
~~منافقون أظهروا الإيمان ثم ارتدوا ثم أظهروا ثم ارتدوا ثم ماتوا على
~~كفرهم، وجعلها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عامة لكل منافق في عهده صلى
~~الله عليه وسلم في البر والبحر، وعن الحسن أنهم طائفة من / أهل ms02122 الكتاب
~~أرادوا تشكيك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يظهرون الإيمان
~~بحضرتهم، ثم يقولون قد عرضت لنا شبهة فيكفرون ثم يظهرون ثم يقولون: قد
~~عرضت لنا شبهة أخرى فيكفرون، ويستمرون على الكفر إلى الموت، وذلك معنى
~~قوله تعالى:

# وقالت طائفة من أهل الكتب ءامنوا بالذي
~~أنزل على الذين ءامنوا وجه النهار واكفروا
~~ءاخره لعلهم يرجعون

# [آل عمران: 72]، وقيل: هم اليهود آمنوا بموسى عليه السلام، ثم كفروا
~~بعبادتهم العجل حين غاب عنهم، ثم آمنوا عند عوده إليهم، ثم كفروا بعيسى
~~عليه السلام، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وروي ذلك عن
~~قتادة، وقال الزجاج والفراء: إنهم آمنوا بموسى عليه السلام، ثم كفروا
~~بعده، ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعيسى عليه السلام، ثم ازدادوا كفرا
~~بنبينا عليه الصلاة والسلام، وأورد على ذلك بأن الذين ازدادوا كفرا
~~بمحمد صلى الله عليه وسلم ليسوا بمؤمنين بموسى عليه السلام، ثم كافرين
~~بعبادة العجل أو بشيء آخر، ثم مؤمنين بعوده إليهم أو بعزير، ثم كافرين
~~بعيسى عليه السلام بل هم إما مؤمنون بموسى عليه السلام وغيره، أو كفار
~~لكفرهم بعيسى عليه السلام والإنجيل. وأجيب بأنه لم يرد على هذا قوم
~~بأعيانهم بل الجنس، ويحصل التبكيت على اليهود الموجودين باعتبار عد ما
~~صدر من بعضهم كأنه صدر من كلهم، والذي يميل القلب إليه أن المراد قوم
~~تكرر منهم الارتداد أعم من أن يكونوا منافقين أو غيرهم، ويؤيده ما أخرجه
~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في المرتد:
~~إن كنت لمستتيبه ثلاثا، ثم قرأ هذه الآية وإلى رأي الإمام كرم الله
~~تعالى وجهه ذهب بعض الأئمة فقال: يقتل المرتد في الرابعة ولا يستتاب،
~~وكأنه أراد أنه لا فائدة في الإستتابة إذ لا منفعة.

# وعليه فالمراد من قوله سبحانه: { لم يكن الله ليغفر
~~لهم ولا ليهديهم سبيلا } أنه سبحانه لا يفعل ذلك أصلا
~~وإن تابوا، وعلى القول المشهور الذي عليه الجمهور: المراد من نفي المغفرة
~~والهداية نفي ما ms02123 يقتضيهما وهو الإيمان الخالص الثابت ومعنى نفيه استبعاد
~~وقوعه فإن من تكرر منهم الإرتداد وازدياد الكفر والإصرار عليه صاروا بحيث
~~قد ضربت قلوبهم بالكفر وتمرنت على الردة وكان الإيمان عندهم أدون شيء
~~وأهونه فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل
~~الجنة لا أنهم لو أخلصوا الإيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم.

# وخص بعضهم عدم الاستتابة بالمتلاعب المستخف إذا قامت قرينة على ذلك،
~~وخبر كان في أمثال هذا الموضع محذوف وبه تتعلق اللام كما ذهب إليه
~~البصريون أي ما كان الله تعالى مريدا للغفران لهم، ونفي إرادة الفعل
~~أبلغ من نفيه. وذهب الكوفيون إلى أن اللام زائدة والخير هو الفعل. وضعف
~~بأن ما بعدها قد انتصب فإن كان النصب باللام نفسها فليست بزائدة، وإن كان
~~ بأن  ففاسد لما فيه من الإخبار بالمصدر عن الذات. وأجيب باختيار الشق
~~الأول وأنه لا مانع من العمل مع الزيادة كما في حروف الجر الزائدة،
~~وباختيار الشق الثاني وامتناع الإخبار بالمصدر عن الذات لعدم كونه دالا
~~بصيغته على فاعل وعلى زمان دون زمان، والفعل المصدر  بأن  يدل عليهما
~~فيجوز الإخبار به  وإن لم يجز بالمصدر  ولا يخفى ما فيه، فإن الإخبار
~~على هذا بالفعل لا بالمصدر وإن أول المصدر باسم الفاعل كان الإخبار باسم
~~الفاعل لا به أيضا فافهم. واختار قوم في القوم ما ذهب إليه مجاهد وأيد
~~ذلك بقوله تعالى: { بشر المنافقين بأن لهم عذابا
~~أليما }.

### || [4.138]

# ووضع فيه { بشر } موضع أنذر تهكما بهم، ففي الكلام استعارة تهكمية.
~~وقيل: موضع أخبر فهناك مجاز مرسل تهكمي.

### || [4.139]

# / { الذين يتخذون الكفرين أولياء } في موضع النصب
~~أو الرفع على الذم على معنى أريد بهم الذين أو هم الذين، ويجوز أن يكون
~~منصوبا على اتباع المنافقين ولا يمنع منه وجود الفاصل فقد جوزه العرب،
~~والمراد بالكافرين قيل: اليهود، وقيل: مشركو العرب، وقيل: ما يعم ذلك
~~والنصارى، وأيد الأول بما روي أنه كان يقول بعضهم لبعض: إن أمر محمد صلى
~~الله عليه وسلم لا يتم فتولوا ms02124 اليهود. { من دون المؤمنين } أي
~~متجاوزين ولاية المؤمنين، وهو حال من فاعل { يتخذون }.

# { أيبتغون } أي المنافقون { عندهم } أي الكافرين { العزة
~~} أي القوة والمنعة وأصلها الشدة، ومنه قيل للأرض الصلبة: عزاز،
~~والاستفهام للإنكار، والجملة معترضة مقررة لما قبلها، وقيل: للتهكم،
~~وقيل: للتعجب. { فإن العزة لله جميعا } أي أنها مختصة به
~~تعالى يعطيها من يشاء وقد كتبها سبحانه لأوليائه فقال عز شأنه:

# ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين

# [المنافقون: 8] والجملة تعليل لما يفيده الاستفهام الإنكاري من بطلان
~~رأيهم وخيبة رجائهم. وقيل: بيان لوجه التهكم أو التعجب، وقيل: إنها جواب
~~شرط محذوف أي إن يبتغوا العزة من هؤلاء فإن العزة الخ، وهي على هذا
~~التقدير قائمة مقام الجواب لا أنها الجواب حقيقة، و { جميعا } قيل:
~~حال من الضمير في الجار والمجرور لاعتماده على المبتدأ، وليس في الكلام
~~مضاف أي لأولياء كما زعمه البعض.

### || [4.140]

# وقوله سبحانه: { وقد نزل عليكم } خطاب للمنافقين بطريق
~~الالتفات مفيد لتشديد التوبيخ الذي يستدعيه تعديد جناياتهم. وقرأ  ما
~~عدا عاصما  ويعقوب { نزل } بالبناء لما لم يسم فاعله، والجملة حال
~~من ضمير

# يتخذون

# [النساء: 139] مفيدة أيضا لكمال قباحة حالهم ببيان أنهم فعلوا ما فعلوا
~~من موالاة أعداء الله تعالى مع تحقق ما يمنعهم عن ذلك، وهو ورود النهي عن
~~المجالسة المستلزم للنهي عن الموالاة على آكد وجه وأبلغه إثر بيان انتفاء
~~ما يدعوهم إليه بالجملة المعترضة كأنه قيل: تتخذونهم أولياء؛ والحال أنه
~~تعالى نزل عليكم قبل هذا بمكة { فى الكتب } أي القرآن العظيم
~~الشأن.

# { أن إذا سمعتم ءايت الله يكفر بها
~~ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى
~~حديث غيره } وذلك قوله تعالى:

# وإذا رأيت الذين يخوضون فى ءايتنا فأعرض
~~عنهم

# [الأنعام: 68] الآية، وهذا يقتضي الإنزجار عن مجالستهم في تلك الحالة
~~القبيحة، فكيف بموالاتهم والاعتزاز بهم؟! و { أن } هي المخففة من
~~الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر أي أنه إذا سمعتم، وقدره بعضهم ضمير
~~المخاطبين أي أنكم، وكون المخففة لا تعمل في غير ضمير الشأن إلا لضرورة 
~~كما قال أبو حيان  في ms02125 حيز المنع، وقد صحح غير واحد جواز ذلك من غير
~~ضرورة، والجملة الشرطية خبر وهي تقع خبرا في كلام العرب، و { أن } وما
~~بعدها في موضع النصب على أنه مفعول به  لنزل  وهو القائم مقام الفاعل
~~على القراءة الثانية، واحتمال أنه قد يجعل القائم مقامه عليكم، وتكون {
~~أن } مفسرة لأن التنزيل في معنى القول لا يلتفت إليه، و { يكفر
~~بها ويستهزأ } في موضع الحال من الآيات جىء بهما لتقييد النهي
~~عن المجالسة، فإن قيد القيد قيد، والمعنى لا تقعدوا معهم وقت كفرهم
~~واستهزائهم بالآيات، وإضافة الآيات إلى الاسم الجليل لتشريفها وإبانة
~~خطرها وتهويل أمر الكفر بها، والضمير في { معهم } للكفرة المدلول
~~عليهم ب { يكفر }  { ويستهزأ } والضمير في غيره راجع إلى
~~تحديثهم بالكفر والاستهزاء، وقيل: الكفر والاستهزاء / لأنهما في حكم شيء
~~واحد.

# وقوله تعالى: { إنكم إذا مثلهم } تعليل للنهي غير داخل تحت
~~التنزيل و { إذا } ملغاة لأن شرط عملها النصب في الفعل أن تكون في صدر
~~الكلام فلذا لم يجىء بعدها فعل، و  مثل  خبر عن ضمير الجمع وصح مع
~~إفراده لأنه في الأصل مصدر، فيستوي فيه الواحد المذكر وغيره، وقيل: لأنه
~~كالمصدر في الوقوع على القليل والكثير؛ أو لأنه مضاف لجمع فيعم، وقد
~~يطابق ما قبله كقوله تعالى:

# ثم لا يكونوا أمثلكم

# [محمد: 38]، والجمهور على رفعه، وقرىء شاذا بالنصب، فقيل: إنه منصوب
~~على الظرفية لأن معنى قولك: زيد مثل عمرو في أنه حال مثله، وقيل: إنه إذا
~~أضيف إلى مبنى اكتسب البناء ولا يختص ذلك بما المصدرية كما توهم بل يكون
~~فيها مثل

# مثل ما أنكم تنطقون

# [الذاريات: 23]، وفي غيرها كقوله:

# فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم

# إذ هم قريش وإذ (ما) مثلهم بشر

# وابن مالك يشترط لاكتساب البناء أن لا يقبل المضاف التثنية والجمع 
~~كدون وغير وبين  ولم يصحح ذلك في  مثل  وأعربه حالا من الضمير
~~المستتر في  حق  في قوله تعالى:

# إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون

# [الذاريات: 23].

# وقوله تعالى: { إن الله جامع المنفقين
~~والكفرين فى جهنم جميعا } تعليل ms02126 لكونهم مثلهم في الكفر
~~ببيان ما يستلزمه من شركتهم لهم في العذاب، والمراد من المنافقين إما
~~المخاطبون، وأقيم المظهر مقام المضمر تسجيلا لنفاقهم وتعليلا للحكم
~~بمأخذ الإشتقاق، وإما للجنس وهم داخلون دخولا أوليا وتقديمهم لتشديد
~~الوعيد على المخاطبين وانتصابه على الحال طرز ما مر، واستشكل كون الخطاب
~~للمنافقين بأنهم مثل الكافرين في الكفر من غير سببية القعود معهم فلا وجه
~~لترتب الجزاء على الشرط، والعدول عن كون المماثلة في الكفر إلى المماثلة
~~في المجاهرة به لا يحسن معه كون جملة { إن الله } الخ تعليلا
~~لكونهم مثلهم بتلك المماثلة بالطريق الذي ذكر، وأيضا الذين نهوا عن
~~مجالسة الكافرين والمستهزئين بمكة هم المؤمنون المخلصون لا المنافقون لأن
~~نجم النفاق إنما ظهر بالمدينة، فكيف يذكر المنافقون فيها بنهي نزل في مكة
~~قبل أن يكونوا؟. وأجيب عن هذا بأنه إن سلم أن المنزل على النبي صلى الله
~~عليه وسلم وإن خوطب به خاصة منزل على الأمة مخلصهم ومنافقهم إلى قيام
~~الساعة، صح دخول المنافقين وإن لم يكونوا وقت النزول وإن لم يسلم ذلك فإن
~~ادعى الاقتصار على النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل المؤمنون المخلصون
~~أيضا. وإن ادعى دخولهم فقط دون المنافقين الذين هم مؤمنون ظاهرا فلا
~~دليل عليه، كيف وجميع الأحكام متعلقة بالمؤمنين كيف كانوا ولسنا مكلفين
~~بأن نشق على قلوب العباد، بل لنا الظاهر والله تعالى يتولى السرائر، على
~~أنه قد قام الدليل على أن الأحكام الشرعية التي كانت صدر الإسلام ولم
~~تنسخ مخاطب بها من نطق بالكلمة الطيبة وبلغته قبل يوم الساعة، فقد قال
~~الله تعالى:

# لأنذركم به ومن بلغ

# [الأنعام: 19] ولهذه الدغدغة قال بعض المحققين: إن المقصود من الخطاب
~~هنا المؤمنون الصادقون، والمراد بمن يكفر ويستهزىء أعم من المنافقين
~~والكافرين، وضمير { معهم } للمفهوم من الفعلين، ويؤيد ذلك ما نقل عن
~~الواحدي أنه قال: كان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من
~~القرآن فنهى الله تعالى المسلمين عن مجالستهم، والمراد من المماثلة في
~~الجزاء المماثلة في الإثم لأنهم قادرون على ms02127 الإعراض والإنكار لا عاجزون
~~كما في مكة، أو في الكفر على معنى إن رضيتم بذلك وهو مبني على أن الرضا
~~بكفر الغير كفر من غير تفصيل، وهي رواية عن أبي حنيفة رضي الله تعالى
~~عنه عثر عليها صاحب «الذخيرة».

# / وقال شيخ الإسلام خواهر زاده: الرضا بكفر الغير إنما يكون كفرا إذا
~~كان يستجيز الكفر أو يستحسنه أما إذا لم يكن كذلك ولكن أحب الموت أو
~~القتل على الكفر لمن كان مؤذيا حتى ينتقم الله تعالى منه فهذا لا يكون
~~كفرا، ومن تأمل قوله تعالى:

# ربنا اطمس

# [يونس: 88] الآية يظهر له صحة هذه الدعوى وهو المنقول عن الماتريدي،
~~وقول بعضهم: إن من جاءه كافر ليسلم فقال: اصبر حتى أتوضأ أو أخره يكفر
~~لرضاه بكفره في زمان موافق لما روي عن الإمام لكن يدل على خلافه ما روي
~~في الحديث الصحيح في فتح مكة أن ابن أبي سرح أتى به عثمان رضي الله
~~تعالى عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله بايعه فكف
~~صلى الله عليه وسلم يده ونظر إليه ثلاث مرات وهو معروف في السير، وهو يدل
~~بظاهره على أن التوقف مطلقا ليس كما قالوه كفرا. واستدل بعضهم بالآية
~~على تحريم مجالسة الفساق والمبتدعين من أي جنس كانوا، وإليه ذهب ابن
~~مسعود وإبراهيم وأبو وائل، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وروى عنه هشام بن
~~عروة أنه ضرب رجلا صائما كان قاعدا مع قوم يشربون الخمر، فقيل له في
~~ذلك: فتلا الآية، وهي أصل لما يفعله المصنفون من الإحالة على ما ذكر في
~~مكان آخر، والتنبيه عليه والاعتماد على المعنى، ومن هنا قيل: إن مدار
~~الإعراض عن الخائضين فيما يرضي الله تعالى هو العلم بخوضهم، ولذلك عبر عن
~~ذلك تارة بالرؤية وأخرى بالسماع، وأن المراد بالإعراض إظهار المخالفة
~~بالقيام عن مجالستهم لا الإعراض بالقلب أو بالوجه فقط، وعن الجبائي إن
~~المحذور مجالستهم من غير إظهار كراهة لما يسمعه أو يراه، وعلى هذا  الذي
~~ذهب إليه بعض المحققين ms02128  يحتمل أن يراد بالمنافقين والكافرين في جملة
~~التعليل ما أريد بضمير { معهم } ، وصرح بهذا العنوان لما أشرنا إليه
~~قبل، ويحتمل أن يراد الجنس ويدخل أولئك فيه دخولا أوليا.

### || [4.141]

# والخطاب في قوله تعالى: { الذين يتربصون بكم } للمؤمنين
~~الصادقين بلا خلاف، والموصول إما بدل من 

# الذين يتخذون

#  [النساء: 139] أو صفة للمنافقين فقط إذ هم المتربصون دون الكافرين.
~~وجوز أبو البقاء وغيره كونه صفة لهما أو مرفوع أو منصوب على الذم، وجعله
~~مبتدأ خبره الجملة شرطية لا يخلو من تكلف، والتربص الانتظار، والظاهر من
~~كلام البعض أن مفعوله مقدر والجار والمجرور متعلق به أي ينتظرون وقوع أمر
~~بكم وكلام الراغب يقتضي أنه يتعدى بالباء لأنه من انتظر بالسلعة غلاء
~~السعر، والفاء في قوله تعالى: { فإن كان لكم فتح من الله
~~} لترتيب مضمونه على ما قبلها فإن حكاية تربصهم مستتبعة لحكاية ما يقع
~~بعد ذلك أي فإن اتفق لكم فتح وظفر على الأعداء { قالوا } أي لكم {
~~ألم نكن معكم } نجاهد عدوكم فأعطونا نصيبا من الغنيمة { وإن
~~كان للكفرين نصيب } أي حظ من الحرب، فإنها سجال { قالوا
~~} أي المنافقون للكفار { ألم نستحوذ عليكم } أي ألم نغلبكم
~~ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم، أو ألم نغلبكم بالتفضل ونطلعكم
~~على أسرار محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونكتب إليكم بأخبارهم حتى
~~غلبتم عليهم { ونمنعكم من المؤمنين } أي ندفع عنكم صولة
~~المؤمنين بتخذيلنا إياهم وتثبيطنا لهم وتوانينا في مظاهرتهم وإلقائنا
~~عليهم ما ضعفت به قلوبهم عن قتالكم فاعرفوا لنا هذا الحق عليكم وهاتوا
~~نصيبنا مما أصبتم. وقيل: المعنى ألم نغلبكم على رأيكم بالموالاة لكم
~~ونمنعكم من الدخول في جملة المؤمنين وهو خلاف الظاهر، وأصل الاستحواذ
~~الاستيلاء، وكان القياس فيه استحاذ يستحيذ استحاذة بالقلب لكن صحت فيه
~~الواو وكثر ذلك فيه، وفي نظائر له حتى ألحق بالمقيس / وعد فصيحا، وقال
~~أبو زيد: إنه قياسي، وعلى كل حال لا يرد على فصاحة القرآن كما حقق في
~~موضعه. وقرىء { ونمنعكم } بالنصب بإضمار أن، والتقدير لم يكن منا
~~الاستحواذ والمنع كقولك: ms02129 لا تأكل السمك وتشرب اللبن، سمي ظفر المسلمين
~~فتحا وما للكافرين نصيبا لتعظيم شأن المسلمين وتخسيس حظ الكافرين،
~~وقيل: سمي الأول فتحا إشارة إلى أنه من مداخل فتح دار الإسلام بخلاف ما
~~للكافرين فإنه لا فتح لهم في استيلائهم بل سينطفىء ضياء ما نالوا.

# { فالله يحكم بينكم يوم القيمة } فيثيب أحباءه
~~ويعاقب أعداءه، وأما في الدنيا فأنتم وهم سواء في العصمة بدليل قوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم "

# وفي الكلام قيل: تغليب، وقيل: حذف أي بينكم وبينهم { ولن يجعل
~~الله للكفرين على المؤمنين سبيلا } أي يوم القيامة
~~وحين الحكم كما قد يجعل ذلك في الدنيا ابتلاءا واستدراجا، وروي ذلك عن
~~علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أو في الدنيا
~~أي لم يجعل لهم على المؤمنين سلطانا تاما بالاستئصال، أو حجة قائمة
~~عليهم مفحمة لهم، وحكي ذلك عن السدي، ويجوز إبقاء الكلام على إطلاقه
~~ليشمل الدنيا والآخرة ولعله الأولى، واحتج الشافعية بالآية على فساد شراء
~~الكافر العبد المسلم لأنه لو صح لكان له عليه يد وسبيل بتملكه، ونحن
~~نقول: يصح ولكن يمنع من استخدامه والتصرف فيه إلا بالبيع والإخراج عن
~~ملكه فلم يحصل له سبيل عليه، واحتج بظاهرها بعض الأصحاب على وقوع الفرقة
~~بين الزوجين بردة الزوج لأن عقد النكاح يثبت للزوج سبيلا في إمساكها في
~~بيته وتأديبها ومنعها من الخروج وعليها طاعته فيما يقتضيه عقد النكاح،
~~والمؤمنين والكافرين شامل للإناث وكذا الكافر إذا أسلمت زوجته، وضعف بأن
~~الارتداد لا ينفي أن يكون النكاح إذا عاد إلى الإيمان قبل مضي العدة،
~~واعترض بأنه حين الكفر لا سبيل له ونفي السبيل بوقوع الفرقة وبعد وقوع
~~الفرقة لا بد لحدوث العلقة من موجب  وهو ظاهر  فإن كان العود يكون
~~الارتداد كالطلاق الرجعي، والعود كالرجعة فلا ضعف فيه.

# وأنت تعلم أنه إذا كان نفي السبيل في الآخرة أو في الدنيا بالاستئصال،
~~أو السبيل بمعنى الحجة لا متمسك في الآية لأصحابنا ولا الشافعية فلا ms02130
~~تغفل.

### || [4.142]

# { إن المنفقين يخدعون الله } أي يفعلون ما يفعل
~~المخادع فيظهرون الإيمان ويضمرون نقيضه، وعن الحسن  واختاره الزجاج  أن
~~المراد يخادعون النبي صلى الله عليه وسلم على حد

# إنما يبايعون الله

# [الفتح: 10] { وهو خدعهم } أي فاعل بهم ما يفعل الغالب في
~~الخداع حيث تركهم في الدنيا معصومي الدماء والأموال وأعد لهم في الآخرة
~~الدرك الأسفل من النار، وقيل: خداعه تعالى لهم أن يعطيهم سبحانه نورا
~~يوم القيامة يمشون به مع المسلمين ثم يسلبهم ذلك النور ويضرب بينهم بسور،
~~وروي ذلك عن الحسن، أيضا  والسدي  واختاره جماعة من المفسرين  وقد مر
~~تحقيق ذلك ولله تعالى الحمد. والجملة في محل نصب على الحال أو معطوفة على
~~خبر { إن } أو مستأنفة كالأولى.

# { وإذا قاموا إلى الصلوة قاموا كسالى } أي متثاقلين
~~متباطئين لا نشاط لهم ولا رغبة كالمكره على الفعل لأنهم لا يعتقدون
~~ثوابا في فعلها ولا عقابا على تركها، وقرىء بفتح الكاف وهما جمعا
~~كسلان. { يراءون الناس } ليحسبوهم مؤمنين، والمراآة مفاعلة من
~~الرؤية إما بمعنى التفعيل لأن فاعل بمعنى فعل / وارد في كلامهم  كنعم
~~وناعم  وقراءة عبد الله وإسحق  يروون  تدل على ذلك، أو للمقابلة لأنهم
~~لفعلهم في مشاهد الناس يرون الناس والناس يرونهم وهم يقصدون أن ترى
~~أعمالهم والناس يستحسنونها، فالمفاعلة في الرؤية متحدة وإنما الاختلاف في
~~متعلق الإراءة، فلا يرد على هذا الشق أن المفاعلة لا بد في حقيقتها من
~~اتحاد الفعل ومتعلقه، والجملة إما استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام
~~كأنه قيل: فماذا يريدون بقيامهم هذا؟ فقيل: يراءون الخ، أو حال من ضمير {
~~قاموا } أو من الضمير في { كسالى }.

# { ولا يذكرون الله إلا قليلا } عطف على { يراءون } ،
~~وقيل: حال من فاعله أي ولا يذكرونه سبحانه مطلقا إلا زمانا قليلا، أو
~~إلا ذكرا قليلا إذ المرائي لا يفعل إلا بحضرة من يرائيه وهو أقل
~~أحواله، أو لأن ذكرهم باللسان قليل بالنسبة إلى الذكر بالقلب، وقيل: إنما
~~وصف بالقلة لأنه لم يقبل وكل ما لم يقبله الله تعالى قليل وإن ms02131 كان
~~كثيرا، وروي ذلك عن قتادة، وأخرج البيهقي وغيره عن الحسن ما بمعناه.
~~وأخرج ابن المنذر عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال:  لا يقل عمل مع
~~تقوى وكيف يقل ما يتقبل  وقيل: المراد بالذكر الذكر الواقع في الصلاة
~~نحو التكبير والتسبيح، وإليه ذهب الجبائي، وأيد بما أخرجه مسلم وأبو داود
~~عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام
~~فنقر أربعا لا يذكر الله تعالى فيها إلا قليلا "

# ، وقيل: الذكر بمعنى الصلاة لأن الكلام فيها لا بمعناه المتبادر منه،
~~وجوز أن يراد بالقلة العدم، واستشكل توجيه الاستثناء حينئذ. وأجيب بأن
~~المعنى: لا يذكرون الله تعالى إلا ذكرا ملحقا بالعدم لأنه لا ينفعهم
~~فلا إشكال، ولا يخفى ما فيه فإن القلة بمعنى العدم مجاز، وجعل العدم
~~بمعنى ما لا نفع فيه مجاز آخر، ومع ذلك ليس في الكلام ما يدل عليه، وقال
~~بعض المحققين: في توجيه الكلام على ذلك التقدير أن المعنى حينئذ لو صح
~~أن يعد عدم الذكر ذكرا فذلك ذكرهم على طريقة قوله:

# ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

# بهن فلول من قراع الكتائب

# وفيه  وإن كان أهون من الأول  ما فيه، واستدل بالآية على استحباب دخول
~~الصلاة بنشاط، وعلى كراهة قول الإنسان كسلت، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أنه يكره أن يقول الرجل إني كسلان ويتأول هذه
~~الآية.

### || [4.143]

# { مذبذبين بين ذلك } حال من فاعل

# يراءون

# [النساء: 142] أو من فاعل

# يذكرون

# [النساء: 142] وجوز أن يكون حالا من فاعل

# قاموا

# [النساء: 142] أو منصوب على الذم بفعل مقدر، وذلك إشارة إلى الإيمان
~~والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين، ولذا أضيف { بين }
~~إليه، وروي هذا عن ابن زيد ويصح أن يكون إشارة إلى المؤمنين والكافرين
~~فيكون ما بعده تفسيرا له على حد قوله:

# الألمعي الذي يظن بك الظن

# كأن قد رأى وقد سمعا

# والمعنى مرددين بينهما متحيرين قد ذبذبهم ms02132 الشيطان، وأصل الذبذبة كما قال
~~الراغب: صوت الحركة للشيء المعلق، ثم استعير لكل اضطراب وحركة، أو تردد
~~بين شيئين، والذال الثانية أصلية عند البصريين، ومبدلة من باء عند
~~الكوفيين، وهو خلاف معروف بينهم، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما {
~~مذبذبين } بكسر الذال الثانية ومفعوله على هذا محذوف أي  مذبذبين
~~قلوبهم أو دينهم أو رأيهم  ويحتمل أن يجعل لازما / على أن فعلل بمعنى
~~تفعلل كما جاء صلصل بمعنى تصلصل أي متذبذبين، ويؤيده ما في مصحف ابن
~~مسعود (متذبذبين). وقرىء بالدال غير المعجمة وهو مأخوذ من  الدبة  بضم
~~الدال وتشديد الباء بمعنى الطريقة والمذهب كما في «النهاية»، ويقال: هو
~~على دبتي أي طريقتي وسمتي، وفي حديث ابن عباس

# " اتبعوا دبة قريش ولا تفارقوا الجماعة "

# والمعنى حينئذ أنهم أخذ بهم تارة طريقا وأخرى أخرى.

# { لآ إلى هؤلآء ولا إلى هؤلآء } أي لا منسوبين إلى
~~المؤمنين حقيقة لإضمارهم الكفر، ولا إلى الكافرين لإظهارهم الإيمان، أو
~~لا صائرين إلى الأولين ولا إلى الآخرين، ومحله النصب على أنه حال من ضمير
~~{ مذبذبين } أو على أنه بدل منه، ويحتمل أن يكون بيانا وتفسيرا
~~له { ومن يضلل الله } لعدم استعداده للهداية والتوفيق { فلن
~~تجد له سبيلا } موصلا إلى الحق والصواب فضلا عن أن تهديه إليه،
~~والخطاب لكل من يصلح له وهو أبلغ في التفظيع.

### || [4.144]

# { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الكفرين
~~أولياء من دون المؤمنين } نهى المؤمنين الصادقين عن موالاة
~~الكفار اليهود فقط  كما قيل  أو ما يعمهم وغيرهم كما هو الظاهر بعد
~~بيان حال المنافقين، أي لا تتخذوهم أولياء فإن ذلك ديدن المنافقين ودينهم
~~فلا تتشبهوا بهم، وقيل: المراد بالذين آمنوا المنافقون وبالمؤمنين
~~المخلصون، فالآية نهي للمنافقين عن موالاة الكافرين دون الملخصين؛ وقيل:
~~المراد بالموصول المخلصون، وبالكافرين المنافقون فكأنه قيل: قد بينت لكم
~~أخلاق هؤلاء المنافقين فلا تتخذوا منهم أولياء، وإلى ذلك ذهب القفال، وفي
~~كلا القولين بعد.

# { أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطنا
~~مبينا } أي حجة ظاهرة في العذاب، وفيه دلالة على أن الله تعالى ms02133 لا
~~يعذب أحدا بمقتضى حكمته إلا بعد قيام الحجة عليه، ويشعر بذلك كثير من
~~الآيات، وقيل: أتريدون بذلك أن تجعلوا له تعالى حجة بينة على أنكم
~~موافقون فإن موالاة الكافرين أوضح أدلة النفاق. ومن الناس من أبقى
~~السلطان على معناه المعروف، لكن أخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أنه قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة، وهو مما يجوز فيه
~~التذكير والتأنيث إجماعا، فتذكيره باعتبار البرهان أو باعتبار معناه
~~المعروف، والتأنيث باعتبار الحجة والتأنيث أكثر عند الفصحاء على ما قاله
~~الفراء إلا أنه لم يعتبر هنا، واعتبر التذكير لتحسن الفاصلة، وادعى ابن
~~عطية أن التذكير أشهر وهي لغة القرآن حيث وقع، و { عليكم } يجوز
~~تعلقه بالجعل وبمحذوف وقع حالا من { سلطنا } ، وتوجيه الإنكار إلى
~~الإرادة دون متعلقها بأن يقال: أتجعلون الخ للمبالغة في إنكاره وتهويل
~~أمره ببيان أنه مما لا يصدر عن العاقل إرادته فضلا عن صدور نفسه.

### || [4.145]

# { إن المنفقين فى الدرك الأسفل من النار } أي
~~في الطبقة السفلى منها وهو قعرها، ولها طبقات سبع تسمى الأولى كما قيل:
~~جهنم، والثانية: لظى، والثالثة: الحطمة، والرابعة: السعير، والخامسة:
~~سقر، والسادسة: الجحيم، والسابعة: الهاوية، وقد تسمى النار جميعا باسم
~~الطبقة الأولى، وبعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار يجمعها؛ وتسمية تلك
~~الطبقات دركات لكونها متداركة متتابعة بعضها تحت بعض، والدرك كالدرج إلا
~~أنه يقال باعتبار الهبوط، والدرج باعتبار الصعود، وفي كون المنافق في
~~الدرك الأسفل إشارة إلى شدة عذابه.

# وقد أخرج ابن أبي الدنيا عن الأحوص عن ابن مسعود  أن المنافق يجعل في
~~تابوت من حديد يصمد عليه ثم يجعل في الدرك الأسفل  وإنما كان أشد عذابا
~~من غيره من الكفار لكونه ضم إلى الكفر المشترك استهزاءا بالإسلام
~~وخداعا لأهله، وأما ما روى في «الصحيحين» من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه
~~خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، ms02134 وإذا وعد غدر،
~~وإذا خاصم فجر "

# فقد قال المحدثون فيه: إنه مخصوص بزمانه صلى الله عليه وسلم لاطلاعه
~~بنور الوحي على بواطن المتصفين بهذه الخصال فأعلم عليه الصلاة والسلام
~~أصحابه رضي الله تعالى عنهم بأماراتهم ليحترزوا عنهم، ولم يعينهم حذرا
~~عن الفتنة وارتدادهم ولحوقهم بالمحاربين، وقيل: ليس بمخصوص ولكنه مؤل بمن
~~استحل ذلك، أو المراد من اتصف بهذه فهو شبيه بالمنافقين الخلص، وأطلق صلى
~~الله عليه وسلم ذلك عليه تغليظا وتهديدا له، وهذا في حق من اعتاد ذلك
~~لا من ندر منه، أو هو منافق في أمور الدين عرفا والمنافق في العرف يطلق
~~على كل من أبطن خلاف ما يظهر مما يتضرر به وإن لم يكن إيمانا وكفرا،
~~وكأنه مأخوذ من النافقاء، وليس المراد الحصر وهذا صدر منه صلى الله عليه
~~وسلم باقتضاء المقام، ولذا ورد في بعض الروايات «ثلاث» وفي بعضها «أربع».

# وقرأ الكوفيون { الدرك } بسكون الراء وهو لغة كالسطر والسطر، والفتح
~~أكثر وأفصح لأنه ورد جمعه على أفعال، وأفعال في فعل المحرك كثير مقيس،
~~ووروده في الساكن نادر كفرخ وأفراخ، وزند وأزناد  وكونه استغنى بجمع
~~أحدهما عن الآخر جائز لكنه خلاف الظاهر، فلا يندفع به الترجيح والكلام
~~مخرج مخرج الحقيقة، وزعم أبو القاسم البلخي أن لا طبقات في النار، وأن
~~هذا إخبار عن بلوغ الغاية في العقاب كما يقال: إن السلطان بلغ فلانا
~~الحضيض وفلانا العرش، يريدون بذل انحطاط المنزلة وعلوها لا المسافة،
~~ولايخفى أنه خلاف ما جاءت به الآثار، و { من النار } في محل النصب
~~على الحال؛ وفي صاحبها وجهان: أحدهما: أنه { الدرك } والعامل
~~الاستقرار، والثاني: أنه الضمير المستتر في { الأسفل } لأنه صفة،
~~فيتحمل الضمير أي حال كون ذلك من النار.

# { ولن تجد لهم نصيرا } يخرجهم منه أو يخفف عنهم ما هم فيه
~~يوم القيامة حين يكونون في الدرك الأسفل وكون المراد ولن تجد لهم نصيرا
~~في الدنيا لتكون الآية وصفا لهم بأنهم خسروا الدنيا والآخرة ليس بشيء
~~كما لا يخفى، والخطاب لكل من يصلح له.

### || [4.146] ms02135

# { إلا الذين تابوا } عن النفاق وهو استثناء من المنافقين، أو
~~من ضميرهم في الخبر، (أو) من الضمير المجرور في لهم؛ وقيل: هو في موضع
~~رفع بالابتداء والخبر ما بعد الفاء؛ ودخلت  لما  في الكلام من معنى
~~الشرط { وأصلحوا } ما أفسدوا من نياتهم وأحوالهم في حال النفاق،
~~وقيل: ثبتوا على التوبة في المستقبل، والأول أولى { واعتصموا
~~بالله } أي تمسكوا بكتابه، أو وثقوا به { وأخلصوا دينهم
~~لله } لا يريدون بطاعتهم إلا وجهه ورضاه سبحانه لا رياء الناس، ودفع
~~الضرر كما في النفاق، وأخرج أحمد والترمذي وغيرهما عن أبي ثمامة قال:
~~قال الحواريون لعيسى عليه السلام: يا روح الله من المخلص لله؟ قال: الذي
~~يعمل لله تعالى لا يحب أن يحمده الناس عليه { فأولئك } إشارة إلى
~~الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز (الصفة) وما فيه من معنى البعد لما مر
~~غير مرة { مع المؤمنين } أي المعهودين من الذين لم يصدر منهم
~~نفاق أصلا منذ آمنوا، والمراد أنهم معهم في الدرجات العالية من الجنة،
~~أو معدودون من جملتهم في الدنيا والآخرة.

# { وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما } لا يقادر
~~قدره فيساهمونهم فيه ويقاسمونهم / وفسر أبو حيان الأجر العظيم بالخلود،
~~والتعميم أولى، والمراد بالمؤمنين ههنا ما أريد به فيما قبله، واعتبار
~~المساهمة جرى عليه غير واحد، ولولا تفسير الآية بذلك لم يكن لها في ذكر
~~أحوال من تاب من النفاق معنى ظاهر. وذهب بعضهم إلى عدم اعتبارها، والمراد
~~الإخبار بزيادة ثواب من لم يسبق منه نفاق أصلا، وعمم بعض المؤمنين ليشمل
~~من لم يتقدم منه نفاق ومن تقدم منه وتاب عنه، والظاهر ما ذكرناه، ورسم {
~~يؤت } بغير ياء، وهو مضارع مرفوع فحق يائه أن تثبت لفظا وخطا إلا
~~أنها حذفت في اللفظ لالتقاء الساكنين، وجاء الرسم تبعا للفظ، والقراء
~~يقفون عليه دونها اتباعا للرسم إلا يعقوب فإنه يقف بالياء نظرا إلى
~~الأصل. وروي ذلك أيضا عن الكسائي وحمزة ونافع، وادعى السمين أن الأولى
~~اتباع الرسم لأن الأطراف قد كثر حذفها.

### || [4.147]

# { ما يفعل الله بعذابكم ms02136 إن شكرتم وءامنتم }
~~خطاب للمنافقين  وقيل: للمؤمنين، وضعف  مسوق لبيان أن مدار تعذيبهم
~~وجودا وعدما إنما هو كفرهم لا شيء آخر، فتكون الجملة مقررة لما قبلها
~~من (ثباتهم عند توبتهم)، و { ما } استفهامية مفيدة للنفي على أبلغ وجه
~~وآكده، وقيل: نافية والباء سببية، وقيل: زائدة أي أي شيء يفعل الله
~~سبحانه بسبب تعذيبكم أيتشفى به من الغيظ أم يدرك به الثأر أم يستجلب [به]
~~نفعا أو يستدفع به ضررا كما هو شأن الملوك، وهو الغني المطلق المتعالي
~~عن أمثال ذلك؟ وإنما هو أمر يقتضيه مرض كفركم ونفاقكم فإذا احتميتم عن
~~النفاق ونقيتم نفوسكم بشربة الإيمان والشكر في الدنيا برئتم وسلمتم وإلا
~~هلكتم هلاكا لا محيص عنه بالخلود في النار، وإنما قدم الشكر مع أن
~~الظاهر تأخيره لأنه لا يعتد به إلا بعد الإيمان لما أنه طريق موصل إليه
~~في أول درجاته، فقد ذكر العارف أبو إسماعيل الأنصاري أن الشكر في الأصل
~~اسم لمعرفة النعمة لأنها السبيل إلى معرفة المنعم وله ثلاث درجات لأنه
~~إذا نظر إلى النعمة كالرزق والخلق ينبعث منه شوق إلى معرفة المنعم وهذه
~~الحركة تسمى باليقظة والشكر القلبي والشكر المبهم لأن منعمه لم يتضح له
~~تعيينه، وإنما عرف منعما ما فهو منعم عليه فإذا تيقظ لهذا وفق لنعمة
~~أكبر منها، وهي المعرفة بأن المنعم عليه هو الصمد الواسع الرحمة المثيب
~~المعاقب فتتحرك جوارحه لتعظيمه؛ ويضيف إلى شكر الجنان شكر الأركان، ثم
~~ينادي على ذلك الجميل باللسان، ويقول:

# أفادتكم النعماء مني ثلاثة

# يدي ولساني والضمير المحجبا

# فالمذكور في الآية هو الشكر المبهم وهو مقدم على الإيمان، فلا حاجة إلى
~~ما زعمه الإمام من أن الكلام على التقديم والتأخير أي آمنتم وشكرتم، وأما
~~القول: بأن هذا السؤال إنما هو على تقدير أن تكون الواو للترتيب، وأما
~~إذا لم تكن للترتيب فلا سؤال فمما لا ينبغي أن يتفوه به من له أدنى ذوق
~~في علم الفصاحة والبلاغة لأن الواو وإن لم تفد الترتيب لكن تقديم ما ليس
~~مقدما لا يليق ms02137 بالكلام الفصيح فضلا عن المعجز، ولذا تراهم يذكرون لما
~~يخالفه وجها ونكتة، وذكر النيسابوري وجها آخر في التقديم لكنه بناه على
~~إفادة الواو للترتيب فقال: لعل الوجه في ذلك أن الآي مسوقة في شأن
~~المنافقين ولا نزاع في إيمانهم ظاهرا وإنما النزاع في بواطنهم وأفعالهم
~~التي تصدر عنهم غير مطابقة للقول اللساني، فكان تقديم الشكر ههنا أهم
~~لأنه عبارة عن صرف جميع ما أعطاه الله تعالى فيما خلق لأجله حتى تكون
~~أفعاله وأقواله على نهج السداد وسنن الاستقامة انتهى، ولايخفى أنه لم
~~يحمل الشكر في الآية على الشكر المبهم، ولا يخلو عن حسن.

# / وأوضح منه وأطيب ما حاك في صدري، ثم رأيت العلامة الطيبي عليه الرحمة
~~صرح به أن الذي يقتضيه النظم الفائق أن هذا الخطاب مع المنافقين، وأن
~~قوله سبحانه: { ما يفعل الله بعذابكم } متصل بقوله تعالى:

# إن المنفقين فى الدرك الأسفل من النار ولن
~~تجد لهم نصيرا

# [النساء: 145] الخ، وتنبيه لهم على أن الذي ورطهم في تلك الورطة كفرانهم
~~نعم الله تعالى وتهاونهم في شكر ما أوتوا وتفويتهم على أنفسهم بنفاقهم
~~البغية العظمى، وهو الإسعاد بصحبة أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم
~~والانخراط في زمرة الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل فإذا تابوا
~~وأصلحوا واعتصموا بالله تعالى وأخلصوا دينهم له فأولئك حكمهم أن ينتظموا
~~في سلك أولئك السعداء من المؤمنين بعد ما كانوا مستأهلين الدرجات السفلى
~~من النيران، ثم التفت تعريضا لهم أن ذلك العذاب كان منهم وبسبب تقاعدهم
~~وكفرانهم تلك النعمة الرفيعة وتفويتهم على أنفسهم تلك الفرصة السنية وإلا
~~فإن الله تعالى غني مطلق عن عذابهم فضلا على أن يوقعهم في تلك الورطات،
~~فقوله عز وجل: { إن شكرتم } فذلكة لمعنى الرجوع عن الفساد في الأرض
~~إلى الإصلاح فيها، ومن اللجأ إلى الخلق إلى الاعتصام بالله تعالى، ومن
~~الرياء في الدين إلى الإخلاص فيه، فقوله عز من قائل: { وءامنتم }
~~تفسير له وتقرير لمعناه أي: وآمنتم الإيمان الذي هو حائز لتلك الخلال
~~الفواضل جامع لتلك الخصال الكوامل، فتقديم ms02138 الشكر على الايمان وحقه
~~التأخير في الأصل إعلام بأن الكلام فيه، وأن الآية السابقة مسوقة لبيان
~~كفران نعمة الله تعالى العظمى والكفر تابع فإذا أخر الشكر أخل بهذه
~~الأسرار واللطائف، ومن ثم ذيل سبحانه الآية على سبيل التعليل بقوله جل
~~وعلا:

# { وكان الله شكرا } أي مثيبا على الشكر { عليما } بجميع
~~الجزئيات والكليات فلا يعزب عن علمه شيء فيوصل الثواب كاملا إلى الشاكر،
~~وإلى هذا ذهب الإمام، وقال غير واحد: الشاكر وكذا الشكور من أسمائه تعالى
~~هو الذي يجزي بيسير الطاعات كثير الدرجات، ويعطي بالعمل في أيام معدودة
~~نعما في الآخرة غير محدودة، وعلى التقديرين يرجع إلى صفة فعلية، وقيل:
~~معناه المثني على من تمسك بطاعته فيرجع إلى صفة كلامية.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: أما في قوله سبحانه: {
~~ويستفتونك فى النساء } إلى قوله عز وجل:

# وكان الله وسعا حكيما

# [النساء: 127130] فقد قال النيسابوري فيه: إن النفس للروح كالمرأة
~~للزوج، و { يتامى النسآء } صفات النفوس، و { ما كتب لهن }
~~ما أوجب الله تعالى من الحقوق. وحاصل المعنى إن نفسك مطيتك فارفق بها،
~~وإليه الإشارة بقوله تعالى:

# والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح

# [النساء: 128] فالروح تشح بترك حقوق الله تعالى، والنفس تشح بترك حظوظها
~~{ فلا تميلوا كل الميل } في رفض حظوظ النفس، فقد جاء في
~~الخبر

# " إن لنفسك عليك حقا "

# فتذروها كالمعلقة

# [النساء: 129] بين العالم العلوي والعالم السفلي { وإن يتفرقا }
~~أي الروح والنفس { يغن الله كلا من سعته } فالروح يجتذب
~~بجذبة  خل نفسك وائتني إلى سعة غنى الله تعالى في عالم هويته  فيستغني
~~عن مركب النفس بالوصول إلى المقصود، والنفس تجتذب بجذبة

# ارجعي إلى ربك

# إلى سعة غنى الله تعالى في عالم

# فادخلى فى عبادى * وادخلى جنتى

# [الفجر: 2830] انتهى، ولايخفى أن باب التأويل واسع، وما ذكره ليس
~~بمتعين فيمكن أن تجعل الآية في شأن الشيخ والمريد؛ وأما في قوله تعالى: {
~~يأيها الذين ءامنوا كونوا } الخ فنقول: إنه سبحانه أمر
~~المؤمنين بالتوحيد العلمي المريدين لثواب الدارين أن يكونوا ثابتين في
~~مقام العدالة التي ms02139 / هي أشرف الفضائل

# قوامين

# [النساء: 135] بحقوقها بحيث تكون ملكة راسخة فيهم لا يمكن معها جور في
~~شيء ولا ظهور صفة نفس لاتباع هوى في جلب نفع دنيوي أو رفع مضرة كذلك، ثم
~~قال جل وعلا: { يأيها الذين آمنوا } من حيث البرهان

# ءامنوا

# [النساء: 136] من حيث البيان إلى أن تؤمنوا من حيث العيان أو: { ذلك
~~بأن الذين كفروا } بالإيمان التقليدي { ءامنوا } بالإيمان
~~العيني، أو المراد يا أيها المدعون تجريد الإيمان لي من غير وساطة لا
~~سبيل لكم إلى الوصول إلى عين التجريد إلا بقبول الوسائط، فالآية إشارة
~~إلى الفرق بعد الجمع { إن الذين ءامنوا } بالتقليد { ثم
~~كفروا } إذ لم يكن للتقليد أصل { ثم ءامنوا } بالاستدلال
~~العقلي { ثم كفروا } إذ لم تكن عقولهم مشرفة بالنور الإلهي {
~~ثم ازدادوا كفرا } بالشبهات والاعتراضات، وقد يكون ذلك إشارة
~~إلى وصف أهل التردد في سلوك سبيل أولياء الله تعالى، والإيمان بأحوالهم
~~حين هاجت رغبتهم إلى رياسة القوم. فلما جن عليهم ليل المجاهدات لم
~~يتحملوا وأنكروا ورجعوا إلى حظوظ أنفسهم، ولما رأوا نهاية الأكابر وظنوا
~~اللحوق بهم لو استقاموا وآمنوا فلما لم يصلوا إلى شيء من مقامات القوم
~~وكراماتهم لعدم إخلاصهم وسوء استعدادهم ارتدوا وصاروا منكرين عليهم وعلى
~~مقاماتهم وازدادوا إنكارا على إنكار حين رجعوا إلى اللذات والشهوات
~~واختاروا الدنيا على الآخرة وجعلوا يقولون للخلق: إن هؤلاء ليسوا على
~~الحق فقد سلكنا ما سلكوا وخضنا ما خاضوا فلم نر إلا سرابا بقيعة، وهذا
~~حال كثير من علماء السوء المنكرين على القوم قدس الله تعالى أسرارهم {
~~لم يكن الله ليغفر لهم } لمكان الريب الحاجب وفساد جوهر
~~القلب وزوال الاستعداد

# ولا ليهديهم سبيلا

# [النساء: 137] إلى الحق ولا إلى الكمال لعدم قبولهم ذلك { الذين
~~يتخذون الكفرين أولياء } لمناسبتهم إياهم وشبيه الشيء
~~منجذب إليه { من دون المؤمنين } لعدم الجنسية { أيبتغون
~~عندهم العزة } أي أيطلبون التعزز بهم في الدنيا والتقوي بمالهم
~~وجاههم

# فإن العزة لله جميعا

# [النساء: 139] فلا سبيل لهم إليها إلا منه سبحانه عز وجل، ثم ذكر سبحانه
~~من وصف المنافقين ms02140 أنهم  إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى  لعدم شوقهم
~~إلى الحضور ونفورهم عنه لعدم استعدادهم واستيلاء الهوى عليهم { يراءون
~~الناس } لاحتجابهم بهم عن رؤية الله تعالى

# ولا يذكرون الله إلا قليلا

# [النساء: 142] لأنهم لا يذكرونه إلا باللسان وعند حضورهم بين الناس
~~بخلاف المؤمنين الصادقين فإنهم إذا قاموا إلى الصلاة يطيرون إليها بجناحي
~~الرغبة والرهبة بل يحنون إلى أوقاتها:

# حنين أعرابية حنت إلى

# أطلال نجد فارقته ومرخه

# ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم يقول لبلال:

# " أرحنا يا بلال "

# يريد عليه الصلاة والسلام أقم لنا الصلاة لنصلي فنستريح بها لا منها،
~~وظن الأخير برسول الله صلى الله عليه وسلم كفر والعياذ بالله تعالى؛ وإذا
~~عبدوا لا يرون إلا الله تعالى، وما قدر السوى عندهم ليراءوه؟ وإن كل جزء
~~منهم يذكر الله تعالى، نعم إنهم قد يشتغلون به عنه فهناك لا يتأتى لهم
~~الذكر، وقد عد العارفون الذكر لأهل الشهود ذنبا، ولهذا قال قائلهم:

# بذكر الله تزداد الذنوب

# وتنكشف الرذائل والعيوب

# وترك الذكر أفضل كل شيء

# وشمس الذات ليس لها مغيب

# لكن ذكر بعضهم أنه لا يصل العبد إلى ذلك المقام إلا بكثرة الذكر، وأشار
~~إلى مقام عال من قال:

# لا يترك الذكر إلا من يشاهده

# وليس يشهده من ليس يذكره

# والذكر ستر على مذكوره ستر

# فحين أذكره في الحال يستره

# فلا أزال على الأحوال أشهده

# ولا أزال على الأنفاس أذكره

# / { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الكفرين
~~أولياء من دون المؤمنين } لئلا تتعدى إليكم ظلمة كفرهم

# أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا

# [النساء: 144] حجة ظاهرة في عقابكم برسوخ الهيئة التي بها تميلون إلى
~~ولايتهم

# إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار

# لتحيرهم بضعف استعدادهم

# ولن تجد لهم نصيرا

# [النساء: 145] ينصرهم من عذاب الله تعالى لانقطاع وصلتهم وارتفاع محبتهم
~~مع أهل الله تعالى { إلا الذين تابوا } رجعوا إلى الله تعالى
~~ببقية نور الاستعداد وقبول مدد التوفيق { وأصلحوا } ما أفسدوا من
~~استعدادهم بقمع الهوى وكسر صفات النفس ورفع حجاب القوى { واعتصموا
~~بالله } بالتمسك ms02141 بأوامره والتوجه إليه سبحانه { وأخلصوا
~~دينهم لله } بإزالة خفايا الشرك وقطع النظر عن السوى {
~~فأولئك مع المؤمنين } الصادقين

# وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما

# [النساء: 146] من مشاهدة تجليات الصفات وجنات الأفعال { ما يفعل
~~الله بعذابكم إن شكرتم } بالتوبة وإصلاح ما فسد والاعتصام
~~بحبل الأوامر والتوجه إلى الله عز وجل وإخلاص الدين له سبحانه {
~~وءامنتم } الإيمان الحائز لذلك { وكان الله شكرا عليما
~~} [النساء: 147] فيثيب ويوصل الثواب كاملا، والله تعالى يقول الحق وهو
~~يهدي السبيل.

### || [4.148]

# { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول } عدم محبته
~~سبحانه لشيء كناية عن غضبه، والباء متعلقة بالجهر، وموضع الجار والمجرور
~~نصب أو رفع، و { من } متعلقة بمحذوف وقع حالا من السوء، والجهر بالشيء
~~الإعلان به والإظهار كما يفهم من «القاموس»، وفي «الصحاح» جهر بالقول رفع
~~صوته به، ولعل المراد هنا الإظهار وإن لم يكن برفع صوت أي لا يحب الله
~~سبحانه أن يعلن أحد بالسوء كائنا من القول { إلا من ظلم } أي إلا
~~جهر من ظلم فإنه غير مسخوط عنده تعالى، وذلك بأن يدعو على ظالمه أو يتظلم
~~منه ويذكره بما فيه من السوء؛ وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~وقتادة: هو أن يدعو على من ظلمه، وعن مجاهد أن المراد لا يحب الله سبحانه
~~أن يذم أحد أحدا أو يشكوه إلا من ظلم فيجوز له أن يشكو ظالمه ويظهر أمره
~~ويذكره بسوء ما قد صنعه، وعن الحسن. والسدي  وهو المروي عن أبي جعفر
~~رضي الله تعالى عنه  المراد: لا يحب الله تعالى الشتم في الانتصار إلا
~~من ظلم فلا بأس له أن ينتصر ممن ظلمه بما يجوز الانتصار به في الدين،
~~وجوز الحسن للرجل إذا قيل له: يا زاني أن يقابل القائل له بمثل ذلك،
~~وأخرج ابن جرير عن مجاهد أن رجلا ضاف قوما فلم يطعموه فاشتكاهم فعوتب
~~عليه فنزلت، وأنت تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وروي عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبي وابن جبير والضحاك وعطاء أنهم ms02142 قرءوا
~~{ إلا من ظلم } على البناء للفاعل، فالاستثناء منقطع، والمعنى لكن
~~الظالم يحبه أو لكنه يفعل ما لا يحبه الله تعالى فيجهر بالسوء، والموصول
~~في محل نصب، وجوز الزمخشري أن يكون مرفوعا بالإبدال من فاعل { يحب }
~~كأنه قيل: لا يحب الجهر بالسوء إلا الظالم على لغة من يقول: ما جاءني زيد
~~إلا عمرو بمعنى ما جاءني إلا عمرو، ومنه

# لا يعلم من فى السموات والأرض الغيب إلا
~~الله

# [النمل: 65] وهي لغة تميمية، وعليها قول الشاعر:

# عشية ما تغنى الرماح مكانها

# ولا النبل (إلا) المشرفي المصمم

# وقد نقل هذه اللغة سيبويه وأنكرها البعض، وكفى بنقل شيخ الصناعة سندا
~~للمثبت، ونقل عن أبي حيان أنه ليس البيت كالمثال لأنه قد يتخيل فيه عموم
~~على معنى السلاح، وأما زيد فلا يتوهم فيه عموم ولا يمكن تصحيحه إلا على
~~أن أصله ما جاءني زيد ولا غيره، فحذف المعطوف لدلالة الاستثناء وكذا
~~الآية التي ذكرت، ورد  كما قال الشهاب  بأنه لو كان التقدير ما ذكره في
~~المثال لكان الاستثناء متصلا والمفروض خلافه، وأن المراد  كما يفهمه
~~كلام الطيبي  جعل المبدل منه بمنزلة غير المذكور حتى كأن الاستثناء
~~مفرغ والنفي عام إلا أنه صرح بنفي بعض أفراد العام لزيادة اهتمام بالنفي
~~عنه، أو لكونه مظنة توهم الإثبات، فيقولون: ما جاءني زيد إلا عمرو،
~~والمعنى ما جاءني إلا عمرو فكذا ههنا المعنى  لا يحب الجهر بالسوء إلا
~~الظالم  فأدخل لفظ { الله } تأكيدا لنفي / محبته تعالى يعني لله
~~سبحانه اختصاص في عدم محبته ليس لأحد غيره ذلك.

# فإن قيل: ما بعد { إلا } حينئذ لا يكون فاعلا وهو ظاهر فتعين البدل
~~وهو غلط، أجيب بأنه إنما يكون غلطا لو لم يكن هذا الخاص في موقع العام،
~~ولم يكن المعنى ما جاءني أحد إلا عمرو فإن قيل: فكيون لفظ { الله }
~~مجازا عن أحد ولا سبيل إليه، أجيب بأن لا يحب الله مؤل بلا يحب أحد،
~~وواقع موقعه من غير تجوز في لفظ { الله } كذا قيل، وتعقبه الشهاب بأن
~~المستثنى منه ms02143 إذا كان عاما، فإما بتقدير لفظ  كما ذكره أبو حيان  وإما
~~بالتجوز في لفظ العلم، وكلاهما مر ما فيه، ولا طريق آخر للعموم، فما
~~ذكره المجيب لا بد من بيان طريقه اللهم إلا أن يقال: إن الاستثناء من
~~العلم يشترط فيه أن يكون صاحبه أحق بالحكم بحيث إذا نفى عنه يعلم نفيه عن
~~غيره بالطريق الأولى من غير تقدير ولا تجوز فيقال هنا مثلا: إذا لم يحب
~~الله سبحانه الجهر بالسوء وهو الغني عن جميع الأشياء فغيره لا يحبه بطريق
~~من الطرق، وأنت تعلم أن هذا لا يشفي الغليل لأن الاشتراط المذكور مما لم
~~يقم عليه دليل، على أن دعوى كون نفي حب الجهر بالسوء عنه تعالى يعلم منه
~~نفيه عن غيره بالطريق الأولى في غاية الخفاء، فالأولى ماذكره بعد بأن
~~يقال يقدر في الكلام ما ذكر لكنه عد الاستثناء منقطعا بحسب المتبادر،
~~والنظر إلى الظاهر. وجوز على قراءة المعلوم أن يكون متعلقا بالسوء أي
~~إلا سوء من ظلم فيجب الجهر به ويقبله، وقيل: إنه متعلق بقوله تعالى:

# ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم

# [النساء: 147] فقد روي عن الضحاك بن مزاحم أنه كان يقول هذا على التقديم
~~والتأخير، أي  ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم، إلا من ظلم  وكان
~~يقرأها كذلك، ولا يكاد يقبل هذا في تخريج كلام الله تعالى العزيز.

# { وكان الله سميعا } بجميع المسموعات فيندرج فيها كلام المظلوم
~~والظالم { عليما } بجميع المعلومات التي من جملتها حال المظلوم
~~والظالم، والجملة تذييل مقرر لما يفيده الاستثناء ولا يأبى ذلك التعميم
~~كما توهم. ووجه ربط هذه الآية بما قبلها  على ما قاله العلامة الطيبي 
~~أنه سبحانه لما فرغ من بيان إيراد رحمته وتقرير إظهار رأفته جاء بقوله جل
~~وعلا: { لا يحب الله الجهر بالسوء } تتميما لذلك
~~وتعليما للعباد التخلق بأخلاقه جل جلاله، وفيه أن هذا مما لا محصل له
~~ولا تتم به المناسبة، وزعم أن الآية الأولى فيها أيضا إشارة إلى تعليم
~~التخلق بالأخلاق العلية  كما قرره عصام الملة ms02144  ورجا أن يكون من
~~الملهمات، وحينئذ يشتركان في أن كلا منهما متضمنا التعليم المذكور ليس
~~بشيء كما لا يخفى، ومثل ذلك ما ذكره علي بن عيسى في وجه الاتصال وهو أنه
~~تعالى شأنه لما ذكر أهل النفاق، وهو إظهار خلاف ما يبطن بين جل وعلا أن
~~ما في النفس منه ما يجوز إبطانه ومنه ما يجوز إظهاره، وقال شهاب الدين:
~~الظاهر أنه لما ذكر الشكر على وجه علم منه رضاه سبحانه ومحبة إظهاره تممه
~~عز وجل بذكر ضده، فكأنه قيل: إنه يحب الشكر وإعلانه ويكره السوء وإعلانه،
~~وفيه احتباك بديع.

### || [4.149]

# { إن تبدوا } أي تظهروا { خيرا } أي خير كان من الأقوال
~~والأفعال، وقيل: المراد إن تبدوا جميلا حسنا من القول فيمن أحسن إليكم
~~شكرا له على إنعامه عليكم، وقيل: المراد بالخير المال والمعنى: إن
~~تظهروا التصدق { أو تخفوه } أي تفعلوه سرا، وقيل: تعزموا على فعله.
~~{ أو تعفوا عن سوء } أي تصفحوا عمن أساء إليكم مع ما سوغ لكم من
~~مؤاخذته وأذن فيها، والتنصيص على هذا مع اندراجه / في إبداء الخير
~~وإخفائه على أحد الأقوال للاعتداد به، والتنبيه على منزلته وكونه من
~~الخير بمكان، وذكر إبداء الخير وإخفائه توطئة وتمهيدا له كما ينبىء عن
~~ذلك قوله تعالى: { فإن الله كان عفوا قديرا } فإن إيراد
~~العفو في معرض جواب الشرط يدل على أن العمدة العفو مع القدرة ولو كان
~~إبداء الخير وإخفاؤه أيضا مقصودا بالشرط لم يحسن الاقتصار في الجزاء
~~على كون الله تعالى عفوا قديرا أي يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته
~~على المؤاخذة، وقال الحسن: يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام فعليكم
~~أن تقتدوا بسنة الله تعالى، وقال الكلبي: هو أقدر على عفو ذنوبكم منكم
~~على عفو ذنوب من ظلمكم، وقيل: عفوا عمن عفا قديرا على إيصال الثواب
~~إليه، نقله النيسابوري وغيره.

### || [4.150]

# { إن الذين يكفرون بالله ورسله } أي على ما يؤدي
~~إليه مذهبهم وتقتضيه آراؤهم لا أنهم يصرحون بذلك كما ينبىء عنه قوله
~~تعالى: { ويريدون أن يفرقوا ms02145 بين الله ورسله } في
~~الإيمان بأن يؤمنوا به عز وجل ويكفروا برسله عليهم الصلاة والسلام، لكن
~~لا يصرحون بالإيمان به تعالى وبالكفر بهم قاطبة، بل بطريق الالتزام كما
~~يحكيه قوله تعالى: { ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض
~~} أي نؤمن ببعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونكفر ببعضهم كما فعل أهل
~~الكتاب، وما ذلك إلا كفر بالله تعالى وتفريق بين الله تعالى ورسله، لأنه
~~عز وجل قد أمرهم بالإيمان بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما من
~~نبي إلا وقد أخبر قومه بحقية دين نبينا صلى الله عليه وسلم فمن كفر
~~بواحد منهم فقد كفر بالكل وبالله تعالى أيضا من حيث لا يشعر {
~~ويريدون } بهذا القول { أن يتخذوا بين ذلك } أي
~~الإيمان والكفر { سبيلا } أي طريقا يسلكونه مع أنه لا واسطة بينهما
~~قطعا، إذ الحق لا يختلف،

# فماذا بعد الحق إلا الضلال

# [يونس: 32]! هذا ما ذهب إليه البعض في تفسير الآية وهو الذي تؤيده
~~الآثار، فقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أنه قال فيها: أولئك
~~أعداء الله تعالى اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة وموسى وكفروا
~~بالإنجيل وعيسى عليه السلام، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى عليه السلام
~~وكفروا بالقرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم، فاتخذوا اليهودية والنصرانية
~~وهما بدعتان ليستا من الله عز وجل وتركوا الإسلام وهو دين الله تعالى
~~الذي بعث به رسله، وأخرج ابن جرير عن السدي وابن جريج مثله، وقال بعضهم:
~~الذين يكفرون بالله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام هم الذين خلص كفرهم
~~الصرف بالجميع فنفوا الصانع مثلا وأنكروا النبوات، والذين يفرقون بينه
~~تعالى وبين رسله عليهم الصلاة والسلام هم الذين آمنوا بالله تعالى وكفروا
~~برسله عليهم الصلاة والسلام لا عكسه، وإن قيل: إنه يتصور في النصارى
~~لإيمانهم بعيسى عليه السلام وكفرهم بالله تعالى حيث قالوا: إنه ثالث
~~ثلاثة، والكفر بالله سبحانه شامل للشرك والإنكار إذ لا يخفى ما فيه،
~~والذي يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض هم الذين آمنوا ببعض الأنبياء عليهم
~~السلام وكفروا ببعضهم كاليهود، فهذه أقسام متقابلة كان الظاهر ms02146 عطفها 
~~بأو  لكن أتى بالواو بدلها فهي بمعناها، وقيل: إن الموصول مقدر بناءا
~~على جواز حذفه مع بقاء صلته، وقيل: إن قوله تعالى: { ويريدون أن
~~يفرقوا } الخ عطف تفسيري على قوله سبحانه: { يكفرون } لأن هذه
~~الإرادة عين الكفر بالله تعالى لأن من كفر برسل الله سبحانه فقد كفر
~~بالله تعالى كالبراهمة، وأما قوله جل وعلا: { ويقولون نؤمن
~~ببعض } الخ فعطف على صلة الموصول والواو بمعنى أو التنويعية،
~~فالأولون فرقوا بين الإيمان بالله تعالى ورسوله؛ والآخرون فرقوا بين رسل
~~الله تعالى عليهم السلام فآمنوا ببعض وكفروا ببعض كاليهود، وعلى كل تقدير
~~فخبر { إن } قوله تعالى: { أولئك هم الكفرون }.

### || [4.151]

# { أولئك } أي الموصوفون بالصفات القبيحة { هم الكفرون }
~~الكاملون في الكفر لا عبرة بما يدعونه ويسمونه إيمانا أصلا { حقا }
~~مصدر مؤكد لغيره وعامله محذوف أي حق ذلك أي كونهم كاملين في الكفر حقا،
~~وجوز أن يكون صفة لمصدر الكافرين، أي هم الذين كفروا كفرا حقا أي لا
~~شك فيه ولا ريب، فالعامل مذكور؛ وحقا بمعنى اسم المفعول، وليس بمعنى
~~مقابل الباطل، ولهذا صح وقوعه صفة صناعة ومعنى، واحتمال الحالية  ما زعم
~~أبو البقاء  بعيد، والآية على ما زعمه البعض متعلقة بقوله تعالى:

# يأيها الذين ءامنوا ءامنوا

# [النساء: 136] الخ على أنها كالتعليل له وما توسط بين العلة والمعلول من
~~الجمل والآيات إما معترض أو مستطرد عند إمعان النظر { وأعتدنا
~~للكفرين } أي لهم، ووضع المظهر موضع المضمر تذكيرا بوصف الكفر
~~الشنيع المؤذن بالعلية، وقد يراد جميع الكفار وهم داخلون دخولا أوليا.
~~{ عذابا مهينا } يهينهم ويذلهم جزاء كفرهم الذي ظنوا به العزة.

### || [4.152]

# { والذين ءامنوا بالله ورسله ولم يفرقوا
~~بين أحد منهم } بأن يؤمنوا ببعض ويكفروا بآخرين كما فعل
~~الكفرة، ودخول { بين } على { أحد } قد مر الكلام فيه. والموصول
~~مبتدأ خبره جملة قوله: { أولئك } أي المنعوتون بهذه النعوت
~~الجليلة { سوف يؤتيهم } أي الله تعالى { أجورهم } الموعودة
~~لهم، فالإضافة للعهد. وزعم بعضهم أن الخبر محذوف أي أضدادهم ومقابلوهم،
~~والاتيان بسوف لتأكيد الموعود الذي هو الإيتاء والدلالة على ms02147 أنه كائن لا
~~محالة وإن تأخر لا الإخبار بأنه متأخر إلى حين، فعن الزمخشري أن يفعل
~~الذي للاستقبال موضوع لمعنى الاستقبال بصيغته؛ فإذا دخل عليه سوف أكد ما
~~هو موضوع له من إثبات الفعل في المستقبل لا أن يعطي ماليس فيه من أصله
~~فهو في مقابلة لن ومنزلته من يفعل منزلة لن من لا يفعل لأن لا لنفي
~~المستقبل فإذا وضع لن موضعه أكد المعنى الثابت وهو نفي المستقبل فإذا كل
~~واحد من  لن وسوف  حقيقته التوكيد، ولهذا قال سيبويه: لن يفعل نفي سوف
~~يفعل وكأنه اكتفى سبحانه ببيان ما لهؤلاء المؤمنين عن أن يقال: أولئك هم
~~المؤمنون  حقا  مع استفادته مما دل على الضدية، وفي الآية التفات من
~~التكلم إلى الغيبة. وقرأ نافع وابن كثير وكثير  نؤتيهم  بالنون فلا
~~التفات.

# { وكان الله غفورا } لمن هذه صفتهم ما سلف لهم من المعاصي
~~والآثام { رحيما } بهم فيضاعف حسناتهم ويزيدهم على ما وعدوا..

### || [4.153]

# { يسئلك } يا محمد { أهل الكتب } الذين فرقوا بين الرسل
~~{ أن تنزل عليهم كتبا من السماء } فقالوا: إن موسى
~~عليه السلام جاء بالألواح من عند الله تعالى فأتنا بألواح من عنده تعالى
~~فطلبوا أن يكون المنزل جملة، وأن يكون بخط سماوي، وروي ذلك عن محمد بن
~~كعب القرظي والسدي. وعن قتادة أنهم سألوا أن ينزل عليهم كتابا خاصا
~~لهم، وقريب منه ما أخرجه ابن جرير عن ابن جريج قال: إن اليهود قالوا
~~لمحمد صلى الله عليه وسلم: لن نبايعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا
~~بكتاب من عند الله تعالى من الله تعالى إلى فلان إنك رسول الله وإلى فلان
~~إنك رسول الله، وما كان مقصدهم بذلك إلا التحكم والتعنت، قال الحسن: ولو
~~/ سألوه ذلك استرشادا لا عنادا لأعطاهم ما سألوا.

# { فقد سألوا موسى } عليه السلام شيئا أو سؤالا. { أكبر
~~من ذلك } المذكور وأعظم، والفاء في جواب شرط مقدر والجواب مؤل ليصح
~~الترتيب أي إن استكبرت هذا وعرفت ما كانوا عليه تبين لك رسوخ عرقهم في
~~الكفر، وقيل: إنها ms02148 سببية والتقدير لا تبال ولا تستكبر فإنهم قد سألوا
~~موسى عليه السلام ما هو أكبر، وهذه المسألة وإن صدرت عن أسلافهم لكنهم
~~لما كانوا على سيرتهم في كل ما يأتون ويذرون أسند إليهم، وجعله بعض
~~المحققين من قبيل إسناد ما للسبب للمسبب، وجوز أن يكون من إسناد فعل
~~البعض إلى الكل بناءا على كمال الاتحاد نحو:

# قومي هم قتلوا أميم أخي

# فإذا رميت يصيبني سهمي

# فيكون المراد بضمير سألوا جميع أهل الكتاب لصدور السؤال عن بعضهم، وأن
~~يكون المراد بأهل الكتاب أيضا الجميع فيكون إسناده يسألك إلى أهل الكتاب
~~من ذلك الإسناد، وأن يكون المراد بهم هذا النوع، ويكون المراد بيان قبائح
~~النوع فلا تكلف ولا تجوز لا في جانب الضمير ولا في المرجع. وأنت تعلم أن
~~إسناد فعل البعض إلى الكل مما ألف في الكتاب العزيز، ووقع في نحو ألف
~~موضع. وقرأ الحسن (أكثر) بالمثلثة.

# { فقالوا أرنا الله } الذي أرسلك { جهرة } أي مجاهرين
~~معاينين فهو في موضع الحال من المفعول الأول  كما قال أبو البقاء 
~~ويحتمل الحالية من المفعول الثاني أي معاينا على صيغة المفعول ولا لبس
~~فيه لاستلزام كل منهما للآخر، فلا يقال: إنه يتعين كونه حالا من الثاني
~~لقربه منه. وجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف هو الرؤية لا الإراءة لأن
~~الجهرة في كتب اللغة صفة للأول لا الثاني؛ فيقال: التقدير: أرنا نره رؤية
~~جهرة، وقيل: يقدر المصدر الموصوف سؤالا أي سؤالا جهرة، وقيل: قولا أي
~~قولا جهرة، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أنه قال في الآية: إنهم إذا رأوه فقد رأوه إنما قالوا
~~جهرة أرنا الله تعالى فهو مقدم ومؤخر  وفيه بعد  والفاء تفسيرية.

# { فأخذتهم } أي أهلكتهم لما سألوا وقالوا ما قالوا {
~~الصعقة } وهي نار جاءت من السماء. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج
~~قال: الصاعقة: الموت أماتهم الله تعالى قبل آجالهم عقوبة بقولهم ما شاء
~~الله تعالى أن يميتهم، ثم بعثهم، وفي ثبوت ذلك تردد. ms02149 وقرأ عمر بن الخطاب
~~رضي الله تعالى عنه  الصعقة  { بظلمهم } أي بسبب ظلمهم وهو
~~تعنتهم وسؤالهم لما يستحيل في تلك الحالة التي كانوا عليها، وإنكار طلب
~~الكفار للرؤية تعنتا لا يقتضي امتناعها مطلقا، واستدل الزمخشري بالآية
~~على الامتناع مطلقا، وبنى ذلك على كون الظلم المضاف إليهم لم يكن إلا
~~لمجرد أنهم طلبوا الرؤية ثم قال: ولو طلبوا أمرا جائزا لما سموا به
~~ظالمين ولما أخذتهم الصاعقة، كما سأل إبراهيم عليه الصلاة والسلام إحياء
~~الموتى فلم يسمه ظالما ولا رماه بالصواعق، ثم أرعد وأبرق ودعا على مدعي
~~جواز الرؤية بما هو به أحق. وأنت تعلم أن الرجل قد استولى عليه الهوى
~~فغفل عن كون اليهود إنما سألوا تعنتا ولم يعتبروا المعجز من حيث هو مع
~~أن المعجزات سواسية الأقدام في الدلالة ويكفيهم ذلك ظلما، والتنظير
~~بسؤال إبراهيم عليه الصلاة والسلام من العجب العجاب كما لا يخفى على ذوي
~~الألباب.

# { ثم اتخذوا العجل } وعبدوه. / { من بعد ما جاءتهم
~~البينت } أي المعجزات التي أظهرها لفرعون من العصا واليد البيضاء
~~وفلق البحر. وغيرها، أو الحجج الواضحة الدالة على ألوهيته تعالى ووحدته
~~لا التوراة لأنها إنما نزلت عليهم بعد الاتخاذ { فعفونا عن ذلك
~~} الاتخاذ حين تابوا، وفي هذا على ما قيل: استدعاء لهم إلى التوبة كأنه
~~قيل: إن أولئك الذين أجرموا تابوا فعفونا عنهم فتوبوا أنتم أيضا حتى
~~نعفو عنكم. { وءاتينا موسى سلطنا مبينا } أي تسلطا
~~ظاهرا عليهم حين أمرهم أن يقتلوا أنفسهم توبة عن اتخاذهم، وهذا على ما
~~قيل: وإن كان قبل العفو فإن الأمر بالقتل كان قبل التوبة لأن قبول القتل
~~كان توبة لهم، لكن الواو لا تقتضي الترتيب، واستظهر أن لا يجعل التسلط
~~ذلك التسلط بل تسلطا بعد العفو حيث انقادوا له ولم يتمكنوا بعد ذلك من
~~مخالفته.

### || [4.154]

# { ورفعنا فوقهم الطور } وهو ما روي عن قتادة جبل كانوا في
~~أصله فرفعه الله تعالى فجعله فوقهم كأنه ظلة، وكان كمعسكرهم قدر فرسخ في
~~فرسخ وليس هو  على ما هو في «البحر»  الجبل ms02150 المعروف بطور سيناء، والظرف
~~متعلق  برفعنا  وجوز أن يكون حالا من الطور أي رفعنا الطور كائنا
~~فوقهم { بميثقهم } أي بسبب ميثاقهم ليعطوه  على ما روي  أنهم
~~امتنعوا عن قبول شريعة التوراة فرفع عليهم فقبلوها، أو ليخافوا فلا
~~ينقضوا الميثاق  على ما روي  أنهم هموا بنقضه فرفع عليهم الجبل فخافوا
~~وأقلعوا عن النقض، قيل: وهو الأنسب بقوله تعالى بعد: { وأخذنا
~~منهم ميثقا غليظا } ، وزعم الجبائي أن المراد بنقض ميثاقهم
~~الذي أخذ عليهم بأن يعملوا بما في التوراة فنقضوه بعبادة العجل، وفيه أن
~~التوراة إنما نزلت بعد عبادتهم العجل كما مر آنفا فلا يتأتى هذا، وقال
~~أبو مسلم: إنما رفع الله تعالى الجبل فوقهم إظلالا لهم من الشمس جزاءا
~~لعهدهم وكرامة لهم، ولا يخفى أن هذا خرق لإجماع المفسرين، وليس له مستند
~~أصلا.

# { وقلنا لهم } على لسان يوشع عليه السلام بعد مضي زمان التيه {
~~ادخلوا الباب } قال قتادة فيما رواه ابن المنذر وغيره عنه: كنا
~~نتحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس، وقيل: هو إيلياء، وقيل: أريحاء،
~~وقيل: هو اسم قرية أو: قلنا لهم على لسان موسى عليه السلام والطور مظل
~~عليهم ادخلوا الباب المذكور إذا خرجتم من التيه، أو باب القبة التي كانوا
~~يصلون إليها لأنهم لم يخرجوا من التيه في حياته عليه السلام والظاهر عدم
~~القيد { سجدا } متطامنين خاضعين، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~ركعا، وقيل: ساجدين على جباهكم شكرا لله تعالى.

# { وقلنا لهم } على لسان داود عليه السلام { لا تعدوا } أي
~~لا تتجاوزوا ما أبيح لكم، أو لا تظلموا باصطياد الحيتان { فى السبت
~~} ويحتمل  كما قال القاضي [البيضاوي] بيض الله تعالى غرة أحواله  أن
~~يراد على لسان موسى عليه السلام حين ظلل الجبل عليهم فإنه شرع السبت لكن
~~كان الاعتداء فيه، والمسخ في زمن داود عليه السلام، وقرأ ورش عن نافع {
~~لا تعدوا } بفتح العين وتشديد الدال، وروي عن قالون تارة سكون العين
~~سكونا محضا، وتارة إخفاء فتحة العين، فأما الأول فأصلها  تعتدوا 
~~لقوله تعالى:

# اعتدوا منكم ms02151 فى السبت

# [البقرة: 65] فإنه يدل على أنه من الاعتداء وهو افتعال من العدوان.
~~فأريد إدغام تائه في الدال فنقلت حركتها إلى العين وقلبت دالا وأدغمت،
~~وأما السكون المحض فشيء لا يراه النحويون لأنه جمع بين ساكنين على غير
~~حدهما، وأما الإخفاء والاختلاس فهو أخف من ذلك لما أنه قريب من الإتيان
~~بحركة ما، وقرأ الأعمش  تعتدوا  / على الأصل، وأصل تعدوا في القراءة
~~المشهورة  تعدووا  بواوين الأولى واو الكلمة والثانية ضمير الفاعل
~~فاستثقلت الضمة على لام الكلمة فحذفت فالتقى ساكنان فحذف الأول  وهو
~~الواو الأولى  وبقي ضمير الفاعل.

# { وأخذنا منهم ميثقا غليظا } أي عهدا وثيقا مؤكدا
~~بأن يأتمروا بأوامر الله تعالى وينتهوا عن مناهيه، قيل: هو قولهم: سمعنا
~~وأطعنا وكونه { ميثقا } ظاهر، وكونه { غليظا } يؤخذ من التعبير
~~بالماضي، أو من عطف الإطاعة على السمع بناءا على تفسيره بها، وفي أخذ
~~ذلك مما ذكر خفاء لا يخفى، وحكي أنهم بعد أن قبلوا ما كلفوا به من الدين
~~أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عنه فالله تعالى يعذبهم بأي
~~أنواع العذاب أراد، فإن صح هذا كانت وكادة الميثاق في غاية الظهور، وزعم
~~بعضهم أن هذا الميثاق هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على الأنبياء
~~عليهم الصلاة والسلام بالتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به،
~~وهو المذكور في قوله تعالى:

# وإذ أخذ الله ميثق النبيين لما ءاتيتكم

# [آل عمران: 81] الآية، وكونه { غليظا } باعتبار أخذه من كل نبي نبي
~~من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأخذ كل واحد واحد له من أمته فهو
~~ميثاق مؤكد متكرر، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر الذي يقتضيه السياق.

### || [4.155]

# { فبما نقضهم ميثقهم } في الكلام مقدر والجار والمجرور
~~متعلق بمقدر أيضا، والباء للسببية و (ما) مزيد لتوكيدها، والإشارة إلى
~~أنها سببية قوية، وقد يفيد ذلك الحصر بمعونة المقام كما يفيده التقديم
~~على العامل إن التزم هنا، وجوز أن تكون  ما  نكرة تامة، ويكون نقضهم
~~بدلا منهما أي فخالفوا ونقضوا ففعلنا بهم ما فعلنا بنقضهم، وإن شئت أخرت
~~العامل. واختار ms02152 أبو حيان عليه الرحمة تقدير لعناهم مؤخرا لوروده مصرحا
~~به كذلك في قوله تعالى:

# فبما نقضهم ميثقهم لعنهم

# [المائدة: 13] وجوز غير واحد تعلق الجار  بحرمنا  الآتي على أن قوله
~~تعالى:

# فبظلم

# [النساء: 160] بدل من قوله سبحانه: { فبما نقضهم } ، وإليه ذهب
~~الزجاج، وتعقبه في «البحر» بأن فيه بعدا لكثرة الفواصل بين البدل
~~والمبدل منه، ولأن المعطوف على السبب سبب فيلزم تأخر بعض أجزاء السبب
~~الذي للتحريم عن التحريم، فلا يمكن أن يكون جزء سبب أو سببا إلا بتأويل
~~بعيد، وبيان ذلك أن قولهم  على مريم بهتانا عظيما  وقولهم

# إنا قتلنا المسيح

# [النساء: 157] متأخر في الزمان عن تحريم الطيبات عليهم، واستحسنه
~~السفاقسي، ثم قال: وقد يتكلف لحله بأن دوام التحريم في كل زمن كابتدائه،
~~وفيه بحث، وجعل العلامة الثاني الفاء في { فبظلم } على هذا التقدير
~~تكرارا للفاء في { فبما نقضهم } عطفا على

# أخذنا منهم

# [النساء: 154]، أو جزاء شرط مقدر، واستبعده أيضا من وجهين: لفظي
~~ومعنوي، وبين الأول بطول الفصل وبكونه من إبدال الجار والمجرور مع حرف
~~العطف، أو الجزاء مع القطع بأن المعمول هو الجار والمجرور فقط، والثاني:
~~بدلالته على أن تحريم بعض الطيبات مسبب عن مثل هذه الجرائم العظيمة
~~ومترتب عليه، ثم قال: ولو جعلت الفاء للعطف على { فبما نقضهم }
~~كما في قولك: بزيد وبحسنه، أو فبحسنه أو ثم حسنه افتتنت لم يحتج إلى جعله
~~بدلا، وجوز أبو البقاء وغيره التعلق بمحذوف دل عليه قوله تعالى: { بل
~~طبع الله عليها بكفرهم } ورد بأن ذلك لا يصلح مفسرا ولا
~~قرينة للمحذوف، أما الأول: فلتعلقه بكلام آخر لأنه رد وإنكار لقولهم {
~~قلوبنا غلف } ، وأما الثاني: فلأنه استطراد يتم الكلام دونه؛
~~وكونه قرينة لما هو عمدة في الكلام يوجب أن لا يتم دونه. والحاصل أنه لا
~~بد للقرينة من التعلق المعنوي بسابقتها حتى تصلح لذلك، ومنه يعلم أنه لا
~~مورد للنظر بأن الطبعين / متوافقان في العروض، أحدهما بالكفر، والآخر
~~بالنقض، وقيل: هو متعلق بلا يؤمنون، والفاء زائدة، وقيل: بما دل عليه ولا
~~يخفى رد ms02153 ذلك.

# { وكفرهم بئايت الله } أي حججه الدالة على صدق أنبيائه
~~عليهم الصلاة والسلام والقرآن، أو ما في كتابهم لتحريفه وإنكاره وعدم
~~العمل به.

# { وقتلهم الأنبياء بغير حق } كزكريا ويحيى عليهما
~~السلام { وقولهم قلوبنا غلف } جمع غلاف بمعنى الظرف، وأصله
~~غلف بضمتين فخفف، أي أوعية للعلم فنحن مستغنون بما فيها عن غيره، قاله
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعطاء، وقال الكلبي: يعنون إن قلوبنا
~~بحيث لا يصل إليها شيء إلا وعته ولو كان في حديثك شيء لوعته أيضا، ويجوز
~~أن يكون جمع أغلف أي هي مغشاة بأغشية خلقية لا يكاد يصل إليها ما جاء
~~به محمد صلى الله عليه وسلم فيكون كقوله تعالى:

# وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه

# [فصلت: 5].

# { بل طبع الله عليها بكفرهم } كلام معترض بين
~~المعطوفين جىء به على وجه الاستطراد مسارعة إلى رد زعمهم الفاسد، أي ليس
~~الأمر كما زعمتم من أنها أوعية العلم فإنها مطبوع عليها محجوبة من العلم
~~لم يصل إليها شيء منه كالبيت المقفل المختوم عليه، والباء للسببية، وجوز
~~أن تكون للآلة، ويجوز أن يكون المعنى ليس عدم وصول الحق إلى قلوبكم
~~لكونها في أكنة وحجب خلقية كما زعمتم بل لأن الله تعالى ختم عليها بسبب
~~كفركم الكسبي، وهذا الطبع بمعنى الخذلان والمنع من التوفيق للتدبر في
~~الآيات والتذكر بالمواعظ عند الكثير وطبع حقيقي عند البعض، وأيد بما
~~أخرجه البزار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال:

# " الطابع معلق بقائمة العرش فإذا انتهكت الحرمة وعمل بالمعاصي واجترىء
~~على الله تعالى بعث الله تعالى الطابع فطبع على قلبه فلا يعقل بعد ذلك
~~شيئا "

# وأخرجه البيهقي أيضا في «الشعب» إلا أنه ضعفه.

# { فلا يؤمنون إلا قليلا } نصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي
~~إلا إيمانا قليلا فهو كالتصديق بنبوة موسى عليه السلام وهو غير مفيد
~~لأن الكفر بالبعض كفر بالكل كما مر، أو صفة لزمان محذوف أي زمانا
~~قليلا، أو نصب على الاستثناء من ضمير (لا يؤمنون) ms02154 أي إلا قليلا منهم
~~كعبد الله بن سلام وأضرابه، ورده السمين بأن الضمير عائد على المطبوع على
~~قلوبهم، ومن طبع على قلبه بالكفر لا يقع منه إيمان، وأجيب بأن المراد بما
~~مر الإسناد إلى الكل ما هو للبعض باعتبار الأكثر. وقال عصام الملة: كما
~~يجب استثناء القليل من عدم الإيمان المتفرع على الطبع على قلوبهم يجب
~~استثناء قليل من القلوب من قلوبهم، فكأن المراد بل طبع الله تعالى على
~~أكثرها فليفهم.

### || [4.156]

# { وبكفرهم } عطف على 

# بكفرهم

# - { النساء: 155 } الذي قبله، ولا يتوهم أنه من عطف الشيء على نفسه ولا
~~فائدة فيه لأن المراد بالكفر المعطوف الكفر بعيسى عليه السلام؛ والمراد
~~بالكفر المعطوف عليه، إما الكفر المطلق أو الكفر بمحمد صلى الله عليه
~~وسلم لاقترانه بقوله تعالى:

# قلوبنا غلف

# [النساء: 155]، وقد حكى الله تعالى عنهم هذه المقالة في مواجهتهم له
~~عليه الصلاة والسلام في مواضع، ففي العطف إيذان بصلاحية كل من الكفرين
~~للسببية. وقد يعتبر في جانب المعطوف المجموع، ومغايرته للمفرد المعطوف
~~عليه ظاهرة، أو عطف على

# فبما نقضهم

# [النساء: 155] ويجوز اعتبار عطف مجموع هذا وما عطف عليه على مجموع ما
~~قبله، ولا يتوهم المحذور، وإن قلنا باتحاد الكفر أيضا لمغايرة المجموع
~~للمجموع وإن لم يغاير بعض أجزائه بعضا، وقد يقال بمغايرة الكفر في
~~المواضع الثلاثة / بحمله في الأخيرين على ما أشرنا إليه، وفي الأول على
~~الكفر بموسى عليه السلام لاقترانه بنقض الميثاق، وتقدم حديث العدو في
~~السبت.

# { وقولهم على مريم بهتنا عظيما } لا يقادر قدره
~~حيث نسبوها  وحاشاها  إلى ما هي عنه في نفسها بألف ألف منزل، وتمادوا
~~على ذلك غير مكترثين بقيام المعجزة بالبراءة، والبهتان الكذب الذي يتحير
~~من شدته وعظمه، ونصبه على أنه مفعول به  لقولهم  وجوز أن يكون صفة
~~لمصدر محذوف أي قولا بهتانا، وقيل: هو مصدر في موضع الحال أي مباهتين.

### || [4.157]

# { وقولهم } على سبيل التبجح. { إنا قتلنا المسيح
~~عيسى ابن مريم رسول الله } ذكروه بعنوان الرسالة تهكما
~~واستهزاءا كما في قوله تعالى حكاية عن الكفار: ms02155

# يأيها الذي نزل عليه الذكر

# [الحجر: 6] الخ، ويحتمل أن يكون ذلك منهم بناءا على قوله عليه الصلاة
~~والسلام وإن لم يعتقدوه، وقيل: إنهم وصفوه بغير ذلك من صفات الذم فغير في
~~الحكاية، فيكون من الحكاية لا من المحكي، وقيل: هو استئناف منه مدحا له
~~عليه الصلاة والسلام ورفعا لمحله وإظهارا لغاية جراءتهم في تصديهم
~~لقتله ونهاية وقاحتهم في تبجحهم.

# { وما قتلوه وما صلبوه } حال أو اعتراض { ولكن شبه
~~لهم } روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  أن رهطا من اليهود
~~سبوه عليه السلام وأمه فدعا عليهم فمسخوا قردة وخنازير فبلغ ذلك يهوذا
~~رأس اليهود فخاف فجمع اليهود فاتفقوا على قتله فساروا إليه ليقتلوه
~~فأدخله جبريل عليه السلام بيتا ورفعه منه إلى السماء ولم يشعروا بذلك
~~فدخل عليه طيطانوس ليقتله فلم يجده وأبطأ عليهم وألقى الله تعالى عليه
~~شبه عيسى عليه السلام فلما خرج قتلوه وصلبوه. وقال وهب بن منبه في خبر
~~طويل رواه عنه ابن المنذر: «أتى عيسى عليه السلام ومعه سبعة وعشرون من
~~الحواريين في بيت فأحاطوا بهم فلما دخلوا عليهم صيرهم الله تعالى كلهم
~~على صورة عيسى عليه السلام فقالوا لهم: سحرتمونا ليبرزن لنا عيسى عليه
~~السلام أو لنقتلنكم جميعا فقال عيسى لأصحابه: من يشتري نفسه منكم اليوم
~~بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا، فخرج إليهم فقال: أنا عيسى فقتلوه وصلبوه
~~ورفع الله تعالى عيسى عليه السلام»، وبه قال قتادة والسدي ومجاهد وابن
~~إسحاق، وإن اختلفوا في عدد الحواريين ولم يذكر أحد غير وهب أن شبهه عليه
~~السلام ألقي على جميعهم بل قالوا: ألقي شبهه على واحد ورفع عيسى عليه
~~السلام من بينهم. ورجح الطبري قول وهب وقال: إنه الأشبه، وقال أبو علي
~~الجبائي: إن رؤساء اليهود أخذوا إنسانا فقتلوه وصلبوه على موضع عال ولم
~~يمكنوا أحدا من الدنو منه فتغيرت حليته، وقالوا: إنا قتلنا عيسى ليوهموا
~~بذلك على عوامهم لأنهم كانوا أحاطوا بالبيت الذي به عيسى عليه السلام
~~فلما دخلوه ولم يجدوه فخافوا أن يكون ذلك سببا ms02156 لإيمان اليهود ففعلوا ما
~~فعلوا، وقيل: كان رجل من الحواريين ينافق عيسى عليه السلام فلما أرادوا
~~قتله قال: أنا أدلكم عليه وأخذ على ذلك ثلاثين درهما فدخل بيت عيسى عليه
~~السلام فرفع عليه السلام وألقى شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم
~~يظنون أنه عيسى عليه السلام، وقيل غير ذلك، و { شبه } مسند إلى الجار
~~والمجرور، والمراد وقع لهم تشبيه بين عيسى عليه السلام ومن صلب، أو في
~~الأمر  على قول الجبائي  أو هو مسند إلى ضمير المقتول الذي دل عليه {
~~إنا قتلنا } أي شبه لهم من قتلوه بعيسى عليه السلام، أو الضمير
~~للأمر و { شبه } من الشبهة أي التبس عليهم الأمر بناءا على ذلك
~~القول، وليس المسند إليه ضمير المسيح عليه الصلاة والسلام لأنه مشبه به
~~لا مشبه.

# { وإن الذين اختلفوا فيه } أي في شأن عيسى عليه السلام
~~فإنه لما وقعت تلك / الواقعة اختلف الناس فقال بعضهم: إنه كان كاذبا
~~فقتلناه (حقا)، وتردد آخرون فقال بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟
~~وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟! وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن
~~صاحبنا، وقال من سمع منه  إن الله تعالى يرفعني إلى السماء  إنه رفع
~~إلى السماء، وقالت النصارى الذين يدعون ربوبيته عليه السلام: صلب الناسوت
~~وصعد اللاهوت، ولهذا لا يعدون القتل نقيصة حيث لم يضيفوه إلى اللاهوت
~~ويرد هؤلاء إن ذلك يمتنع عند اليعقوبية القائلين: إن المسيح قد صار
~~بالاتحاد طبيعة واحدة إذ الطبيعة الواحدة لم يبق فيها ناسوت متميز عن
~~لاهوت والشيء الواحد لا يقال: مات ولم يمت، وأهين ولم يهن. وأما الروم
~~القائلون: بأن المسيح بعد الاتحاد باق على طبيعتين، فيقال لهم: فهل فارق
~~اللاهوت ناسوته عند القتل؟ فإن قالوا: فارقه فقد أبطلوا دينهم، فلم يستحق
~~المسيح الربوبية عندهم إلا بالاتحاد، وإن قالوا: لم يفارقه فقد التزموا
~~ما ورد على اليعقوبية وهو قتل اللاهوت مع الناسوت، وإن فسروا الاتحاد
~~بالتدرع وهو أن الإله جعله مسكنا وبيتا ثم فارقه عند ورود ما ورد على
~~الناسوت ms02157 أبطلوا إلهيته في تلك الحالة، وقلنا لهم: أليس قد أهين؟ وهذا
~~القدر يكفي في إثبات النقيصة إذ لم يأنف اللاهوت لمسكنه أن تناله هذه
~~النقائص، فإن كان قادرا على نفيها فقد أساء مجاورته ورضي بنقيصته وذلك
~~عائد بالنقص عليه في نفسه، وإن لم يكن قادرا فذلك أبعد له عن عز
~~الربوبية، وهؤلاء ينكرون إلقاء الشبه، ويقولون: لا يجوز ذلك لأنه إضلال،
~~ورده أظهر من أن يخفى، ويكفي في إثباته أنه لو لم يكن ثابتا لزم تكذيب
~~المسيح، وإبطال نبوته بل وسائر النبوات على أن قولهم في الفصل: إن
~~المصلوب قال: إلهي إلهي لم تركتني وخذلتني، وهو ينافي الرضا بمر القضاء؛
~~ويناقض التسليم لأحكام الحكيم، وأنه شكى العطش وطلب الماء والإنجيل مصرح
~~بأن المسيح كان يطوي أربعين يوما وليلة إلى غير ذلك مما لهم فيه إن صح
~~مما ينادي على أن المصلوب هو الشبه كما لا يخفى. فالمراد من الموصول ما
~~يعم اليهود والنصارى جميعا.

# { لفى شك منه } أي لفي تردد، وأصل  الشك  أن يستعمل في تساوي
~~الطرفين وقد يستعمل في لازم معناه، وهو التردد مطلقا وإن لم يترجح أحد
~~طرفيه وهو المراد هنا ولذا أكده بنفي العلم الشامل لذلك أيضا بقوله
~~سبحانه: { ما لهم به من علم إلا اتباع الظن }
~~والاستثناء منقطع، أي لكنهم يتبعون الظن.

# وجوز أن يفسر الشك بالجهل، والعلم بالاعتقاد الذي تسكن إليه النفس جزما
~~كان أو غيره؛ فالاستثناء حينئذ متصل، وإليه ذهب ابن عطية إلا أنه خلاف
~~المشهور، وما قيل: إن اتباع الظن ليس من العلم قطعا فلا يتصور اتصاله
~~فمدفوع بأن من قال به جعله بمعنى الظن المتبع.

# { وما قتلوه يقينا } الضمير لعيسى عليه السلام كما هو الظاهر
~~أي ما قتلوه قتلا يقينا، أو متيقنين، ولا يرد أن نفي القتل المتيقن
~~يقتضي ثبوت القتل المشكوك لأنه لنفي القيد ولا مانع من أنه قتل في ظنهم
~~فإنه يقتضي أنه ليس في نفس الأمر كذلك فلا حاجة إلى التزام جعل {
~~يقينا } مفعولا مطلقا لفعل محذوف، والتقدير تيقنوا ms02158 ذلك يقينا،
~~وقيل: هو راجع إلى العلم؛ وإليه ذهب الفراء وابن قتيبة أي وما قتلوا
~~العلم يقينا من قولهم: قتلت العلم والرأي، وقتلت كذا علما إذا تبالغ
~~علمك فيه، وهو مجاز كما في «الأساس»، والمعنى ما علموه يقينا، وقيل:
~~الضمير للظن أي ما قطعوا الظن يقينا ونقل ذلك عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما والسدي، وحكى ابن الأنباري أن في الكلام تقديما وتأخيرا،
~~وأن { يقينا } / متعلق بقوله تعالى: { بل رفعه الله إليه
~~}.

### || [4.158]

# { بل رفعه الله إليه } أي بل رفعه سبحانه إليه يقينا،
~~ورده في «البحر» بأنه قد نص الخليل على أنه لا يعمل ما بعد بل فيما
~~قبلها، والكلام رد وإنكار لقتله وإثبات لرفعه عليه الصلاة والسلام، وفيه
~~تقدير مضاف عند أبي حيان أي إلى سمائه، قال: «وهو حي في السماء الثانية
~~على ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج، وهو هنالك مقيم
~~حتى ينزل إلى الأرض يقتل الدجال ويملؤها عدلا كما ملئت جورا ثم يحيا
~~فيها أربعين سنة» أو تمامها من سن رفعه، وكان إذ ذاك ابن ثلاث وثلاثين
~~سنة ويموت كما تموت البشر ويدفن في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم، أو
~~في بيت المقدس، وقال قتادة: رفع الله تعالى عيسى عليه السلام إليه فكساه
~~الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فطار مع الملائكة فهو
~~معهم حول العرش فصار إنسيا ملكيا سماويا أرضيا، وهذا الرفع على
~~المختار كان قبل صلب الشبه، وفي إنجيل لوقا ما يؤيده؛ وأما رؤية بعض
~~الحواريين له عليه السلام بعد الصلب فهو من باب تطور الروح، فإن للقدسيين
~~قوة التطور في هذا العالم وإن رفعت أرواحهم إلى المحل الأسنى، وقد وقع
~~التطور لكثير من أولياء هذه الأمة، وحكاياتهم في ذلك يضيق عنها نطاق
~~الحصر.

# { وكان الله عزيزا } لا يغالب فيما يريده { حكيما } في جميع
~~أفعاله فيدخل فيه تدبيراته سبحانه في أمر عيسى عليه السلام وإلقاء الشبه
~~على من ألقاه دخولا أوليا.

### || [4.159]

# { وإن من أهل الكتب ms02159 } أي اليهود خاصة كما أخرج ابن جرير
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أو هم والنصارى كما ذهب إليه كثير من
~~المفسرين و { إن } نافية بمعنى ما، وفي الجار والمجرور وجهان: أحدهما:
~~أنه صفة لمبتدأ محذوف، وقوله تعالى: { إلا ليؤمنن به قبل
~~موته } جملة قسمية، والقسم مع جوابه خبر المبتدأ ولا يرد عليه أن
~~القسم إنشاء لأن المقصود بالخبر جوابه وهو خبر مؤكد بالقسم، ولا ينافيه
~~كون جواب القسم لا محل له لأن ذلك من حيث كونه جوابا فلا يمتنع كونه له
~~محل باعتبار آخر لو سلم أن الخبر ليس هو المجموع، والتقدير: وما أحد من
~~أهل الكتاب إلا والله ليؤمنن به، والثاني: أنه متعلق بمحذوف وقع خبرا
~~لذلك المبتدأ، وجملة القسم صفة له لا خبر، والتقدير: وإن أحد إلا ليؤمنن
~~به كائن من أهل الكتاب ومعناه كل رجل يؤمن به قبل موته من أهل الكتاب،
~~وهو كلام مفيد، فالاعتراض على هذا الوجه  بأنه لا ينتظم من أحد، والجار
~~والمجرور إسناد لأنه لا يفيد  لا يفيد لحصول الفائدة بلا ريب، نعم
~~المعنى على الوجه الأول كل رجل من أهل الكتاب يؤمن به قبل موته، والظاهر
~~أنه المقصود، وأنه أتم فائدة، والاستثناء مفرغ من أعم الأوصاف، وأهل
~~الكوفة يقدرون موصولا بعد إلا، وأهل البصرة يمنعون حذف الموصول وإبقاء
~~صلته، والضمير الثاني راجع للمبتدأ المحذوف أعني أحد، والأول لعيسى عليه
~~السلام فمفاد الآية أن كل يهودي ونصراني يؤمن بعيسى عليه السلام قبل أن
~~تزهق روحه بأنه عبد الله تعالى ورسوله، ولا ينفعه إيمانه حينئذ لأن ذلك
~~الوقت لكونه ملحقا بالبرزخ لما أنه ينكشف عنده لكل الحق ينقطع فيه
~~التكليف، ويؤيد ذلك أنه قرأ أبي  ليؤمنن به قبل موتهم  بضم النون وعود
~~ضمير الجمع لأحد ظاهر لكونه في معنى الجمع، وعوده لعيسى عليه السلام غير
~~ظاهر.

# وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسر الآية
~~كذلك؛ فقيل له: أرأيت إن خر من فوق بيت؟ قال: يتكلم به ms02160 في الهواء، فقيل:
~~أرأيت إن ضرب عنقه؟ قال: يتلجلج بها لسانه. وأخرج ابن المنذر أيضا عن
~~شهر بن حوشب قال: قال لي الحجاج: يا شهر آية من كتاب الله تعالى / ما
~~قرأتها إلا اعترض في نفسي منها شيء قال الله تعالى: { وإن من أهل
~~الكتب إلا ليؤمنن به قبل موته } ، وإني أوتى
~~بالأسارى فأضرب أعناقهم ولا أسمعهم يقولون شيئا فقلت: رفعت إليك على غير
~~وجهها إن النصراني إذا خرجت روحه  أي إذا قرب خروجها كما تدل عليه رواية
~~أخرى عنه  ضربته الملائكة من قبله ومن دبره، وقالوا: أي خبيث إن المسيح
~~الذي زعمت أنه الله تعالى، وأنه ابن الله سبحانه، وأنه ثالث ثلاثة عبد
~~الله وروحه وكلمته، فيؤمن به حين لا ينفعه إيمانه، وأن اليهودي إذا خرجت
~~نفسه ضربته الملائكة من قبله ودبره، وقالوا: أي خبيث إن المسيح الذي زعمت
~~أنك قتلته عبد الله وروحه فيؤمن به حين لا ينفعه الإيمان، فإذا كان عند
~~نزول عيسى آمنت به أحياؤهم كما آمنت به موتاهم، فقال: من أين أخذتها؟
~~فقلت: من محمد بن علي [بن الحنفية]، قال: لقد أخذتها من معدنها، قال شهر:
~~وأيم الله تعالى ما حدثنيه إلا أم سلمة، ولكني أحببت أن أغيظه، والإخبار
~~بحالهم هذه وعيد لهم وتحريض إلى المسارعة إلى الإيمان به قبل أن يضطروا
~~إليه مع انتفاء جدواه، وقيل: الضميران لعيسى عليه السلام، وروي ذلك عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضا وأبي مالك والحسن وقتادة وابن زيد،
~~واختاره الطبراني، والمعنى أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب الموجودين عند
~~نزول عيسى عليه السلام إلا ليؤمنن به قبل أن يموت وتكون الأديان كلها
~~دينا واحدا، وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير ويمحو الصليب وتجمع له الصلاة ويعطي
~~المال حتى لا يقبل ويضع الخراج وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو
~~يجمعهما "

# قال: وتلا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه ms02161 { وإن من أهل
~~الكتب إلا ليؤمنن به قبل موته } ، وقيل: الضمير
~~الأول لله تعالى ولا يخفى بعده، وأبعد من ذلك أنه لمحمد صلى الله عليه
~~وسلم، وروي هذا عن عكرمة، ويضعفه أنه لم يجر له عليه الصلاة والسلام ذكر
~~هنا، ولا ضرورة توجب رد الكناية إليه، لا أنه  كما زعم الطبري  لو كان
~~صحيحا لما جاز إجراء أحكام الكفار على أهل الكتاب بعد موتهم لأن ذلك
~~الإيمان إنما هو في حال زوال التكليف فلا يعتد به.

# { ويوم القيمة يكون } أي عيسى عليه السلام { عليهم }
~~أي أهل الكتاب { شهيدا } فيشهد على اليهود بتكذيبهم إياه وعلى النصارى
~~بقولهم فيه: إنه ابن الله تعالى، والظرف متعلق  بشهيدا  وتقديمه يدل
~~على جواز تقديم خبر كان مطلقا، أو إذا كان ظرفا أو مجرورا لأن المعمول
~~إنما يتقدم حيث يصح تقديم عامله، وجوز أبو البقاء كون العامل فيه يكون.

### || [4.160]

# { فبظلم من الذين هادوا } أي تابوا من عبادة العجل،
~~والتعبير عنهم بهذا العنوان إيذان بكمال عظم ظلمهم بتذكير وقوعه بعد تلك
~~التوبة الهائلة إثر بيان عظمه بالتنوين التفخيمي أي بسبب ظلم عظيم خارج
~~عن حدود (الأشباه والأشكال) صادر عنهم { حرمنا عليهم
~~طيبت أحلت لهم } ولمن قبلهم لا لشيء غيره كما زعموا، فإنهم
~~كانوا كلما ارتكبوا معصية من المعاصي التي اقترفوها يحرم عليهم نوع من
~~الطيبات التي كانت محللة لهم ولمن تقدمهم من أسلافهم عقوبة لهم، ومع ذلك
~~كانوا يفترون على الله تعالى الكذب ويقولون: لسنا بأول من حرمت عليه
~~وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعدهما عليهم الصلاة والسلام حتى
~~انتهى الأمر إلينا فكذبهم الله تعالى في مواقع كثيرة وبكتهم بقوله
~~سبحانه:

# كل الطعام كان حلا لبنى إسرءيل

# [آل عمران: 93] الآية، وقد تقدم الكلام فيها، وذهب بعض المفسرين أن
~~المحرم عليهم ما سيأتي إن شاء الله تعالى في الأنعام [146] مفصلا.

# / واستشكل بأن التحريم كان في التوراة ولم يكن حينئذ كفر بمحمد صلى
~~الله عليه وسلم وبعيسى عليه السلام ولا ما أشار إليه قوله تعالى: {
~~وبصدهم ms02162 عن سبيل الله كثيرا } أي ناسا كثيرا، أو صدا
~~أو زمانا كثيرا، وقيل في جوابه: إن المراد استمرار التحريم فتدبر ولا
~~تغفل، وهذا معطوف على الظلم وجعله، وكذا ما عطف عليه في «الكشاف» بيانا
~~له، وهو  كما قال بعض المحققين  لدفع ما يقال: إن العطف على المعمول
~~المتقدم ينافي الحصر، ومن جعل الظلم بمعناه وجعل { بصدهم } متعلقا
~~بمحذوف فلا إشكال عليه، ومن هذا يعلم تخصيص ما ذكره أهل المعاني من أنه
~~مناف للحصر بما إذا لم يكن الثاني بيانا للأول كما إذا قلت: بذنب ضربت
~~زيدا وبسوء أدبه، فإن المراد فيه لا بغير ذنب، وكذا خصصوا ذلك بما إذا
~~لم يكن الحصر مستفادا من غير التقديم.

### || [4.161]

# وأعيدت الباء هنا ولم تعد في قوله تعالى: { وأخذهم الربوا
~~وقد نهوا عنه } لأنه فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما ليس
~~معمولا للمعطوف عليه، وحيث فصل بمعموله لم تعد، وجملة (وقد نهوا) حالية،
~~وفي الآية دلالة على أن الربا كان محرما عليهم كما هو محرم علينا، وأن
~~النهي يدل على حرمة المنهى عنه، وإلا لما توعد سبحانه على مخالفته {
~~وأكلهم أمول الناس بالبطل } بالرشوة وسائر الوجوه
~~المحرمة { وأعتدنا للكفرين منهم } أي للمصرين على
~~الكفر لا لمن تاب وآمن من بينهم  كعبدالله بن سلام وأضرابه  { عذابا
~~أليما } سيذوقونه في الآخرة كما ذاقوا في الدنيا عقوبة التحريم، وذكر
~~في «البحر» أن التحريم كان عاما للظالم وغيره، وأنه من باب

# واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم
~~خآصة

# [الأنفال: 25] دون العذاب، ولذا قال سبحانه: (للكافرين) دون  لهم 
~~وإلى ذلك ذهب الجبائي أيضا فتدبر.

### || [4.162]

# { لكن الراسخون فى العلم منهم } استدراك من قوله
~~سبحانه:

# وأعتدنا

# [النساء: 161] الخ، وبيان لكون بعضهم على خلاف حالهم عاجلا وآجلا، و {
~~منهم } في موضع الحال، أي لكن الثابتون المتقنون منهم في العلم
~~المستبصرون فيه غير التابعين للظن كأولئك الجهلة، والمراد بهم عبد الله
~~بن سلام وأسيد وثعلبة وأضرابهم، وفي المذكورين نزلت الآية كما أخرجه
~~البيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس رضي الله ms02163 تعالى عنهما: {
~~والمؤمنون } أي منهم، وإليه يشير كلام قتادة، وقد وصفوا بالإيمان
~~بعدما وصفوا بما يوجبه من الرسوخ في العلم بطريق العطف المبني على
~~المغايرة بين المتعاطفين تنزيلا للاختلاف العنواني منزلة الاختلاف
~~الذاتي كما مر، وقوله سبحانه: { يؤمنون بما أنزل إليك } من
~~القرآن { وما أنزل من قبلك } من الكتب على الأنبياء والرسل حال
~~من  المؤمنون  مبينة لكيفية إيمانهم، وقيل: اعتراض مؤكد لما قبله.

# وقوله تعالى: { والمقيمين الصلوة } قال سيبويه وسائر
~~البصريين: نصب على المدح، وطعن فيه الكسائي بأن النصب على المدح إنما
~~يكون بعد تمام الكلام، وهنا ليس كذلك لأن الخبر سيأتي، وأجيب بأنه لا
~~دليل على أنه لا يجوز الاعتراض بين المبتدأ وخبره، وحكى ابن عطية عن قوم
~~منع نصبه على القطع من أجل حرف العطف لأن القطع لا يكون في العطف وإنما
~~يكون في النعوت، ومن ادعى أن هذا من باب القطع في العطف تمسك بما أنشده
~~سيبويه للقطع مع حرف العطف من قوله:

# ويأوي إلى نسوة عطل

# وشعثا مراضيع مثل السعالى

# وقال الكسائي: هو مجرور بالعطف على (ما أنزل إليك) على أن المراد بهم
~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، / قيل: وليس المراد بإقامة الصلاة على
~~هذا أداؤها بل إظهارها بين الناس وتشريعها ليكون وصفا خاصا، وقيل:
~~المراد بالمقيمين الملائكة لقوله تعالى:

# يسبحون اليل والنهار لا يفترون

# [الأنبياء: 20]، وقيل: المسلمون بتقدير مضاف أي وبدين المقيمين، وقال
~~قوم: إنه معطوف على ضمير { منهم } ، وقيل ضمير { إليك } ، وقيل:
~~ضمير { قبلك } والبصريون لا يجيزون هذه الأوجه الثلاثة لما فيها من
~~العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وقد تقدم الكلام في ذلك،
~~وزعم بعض المتأخرين أن الأشبه نصبه على التوهم لكون السابق مقام  لكن 
~~المثقلة وضع موضعها { لكن } المخففة، ولا يخفى ما فيه، وبالجملة لا
~~يلتفت إلى من زعم أن هذا من لحن القرآن، وأن الصواب والمقيمون بالواو كما
~~في مصحف عبد الله، وهي قراءة مالك بن دينار والجحدري وعيسى الثقفي إذ لا
~~كلام في نقل النظم تواترا فلا يجوز اللحن ms02164 فيه أصلا، وأما ما روي أنه
~~لما فرغ من المصحف أتى به إلى عثمان رضي الله تعالى عنه فقال: قد أحسنتم
~~وأجملتم أرى شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها، ولو كان المملي من هذيل
~~والكاتب من قريش لم يوجد فيه هذا، فقد قال السخاوي: إنه ضعيف، والإسناد
~~فيه اضطراب وانقطاع فإن عثمان رضي الله تعالى عنه جعل للناس إماما
~~يقتدون به، فكيف يرى فيه لحنا ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها، وقد كتب
~~عدة مصاحف وليس فيها اختلاف أصلا إلا فيما هو من وجوه القراءات، وإذا لم
~~يقمه هو ومن باشر الجمع وهم هم كيف يقيمه غيرهم؟! وتأول قوم اللحن في
~~كلامه على تقدير صحته عنه بأن المراد الرمز والإيماء كما في قوله:

# منطق رائع وتلحن أحيا

# نا وخير الكلام ما كان لحنا

# أي المراد به الرمز بحذف بعض الحروف خطا كألف الصابرين مما يعرفه
~~القراء إذا رأوه، وكذا زيادة بعض الحروف وقد قدمنا لك ما ينفعك هنا
~~فتذكر. ثم الظاهر أن المقيمين على قراءة الرفع معطوف على سابقه وينزل
~~أيضا التغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي، والعطف على ضمير {
~~يؤمنون } ليس بشيء وكذا الحال في قوله تعالى:

# { والمؤتون الزكوة والمؤمنون بالله واليوم
~~الأخر } فإن المراد بالكل مؤمنو أهل الكتاب وصفوا أولا بكونهم راسخين
~~في علم الكتاب لا يعترضهم شك ولا تزلزلهم شبهة إيذانا بأن ذلك موجب
~~للإيمان وأن من عداهم إنما بقوا مصرين [على الكفر] لعدم رسوخهم فيه، بل
~~هم كريشة في بيداء الضلال تقلبهم زعازع الشكوك والأوهام، ثم بكونهم
~~مؤمنين بجميع ما أنزل من الكتب على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم
~~بكونهم عاملين بما فيها من الأحكام، واكتفى من بينها بذكر إقامة الصلاة
~~وإيتاء الزكاة المستتبعين لسائر العبادات البدنية والمالية، ولما أن في
~~إقامة الصلاة على وجهها انتصابا بين يدي الحق جل جلاله، وانقطاعا عن
~~السوى، وتوجها إلى المولى كسى المقيمين حلة النصب ليهون عليهم النصب
~~وقطعهم عن التبعية، فيا ما أحيلى قطع يشير إلى الاتصال بأعلى الرتب، ثم
~~وصفهم بكونهم ms02165 [مؤمنين] بالمبدأ والمعاد تحقيقا لحيازتهم الإيمان بقطريه،
~~وإحاطتهم به من طرفيه، وتعريضا بأن من عداهم من أهل الكتاب ليسوا مؤمنين
~~بواحد منهما حقيقة لأنهم قد مزجوا الشهد سما وغدوا عن اتباع الحق الصرف
~~عميا وصما.

# { أولئك } إشارة إلى الموصوفين بما تقدم من الصفات الجليلة الشأن
~~المحكمة البنيان، وهو مبتدأ وقوله تعالى: { سنؤتيهم أجرا
~~عظيما } خبره، والجملة خبر المبتدأ الذي هو / الراسخون، والسين لتوكيد
~~الوعد كما قدمنا، وتنكير الأجر للتفخيم كما مر غير مرة، ولا يخفى ما في
~~هذا من المناسبة التامة بين طرفي الاستدراك حيث أوعد الأولون بالعذاب
~~الأليم، ووعد الآخرون بالأجر العظيم، وجوز غير واحد من المفسرين كون خبر
~~المبتدأ الأول جملة { يؤمنون } وحمل المؤمنين على أصحاب النبي صلى
~~الله عليه وسلم ممن عدا أهل الكتاب والمناسبة عليه غير تامة، وذهب بعضهم
~~إلى أن الاستدراك إنما هو من قوله تعالى:

# يسئلك أهل الكتب

# [النساء: 153] الآية كأنه قيل: لكن هؤلاء لا يسألونك ما يسألك هؤلاء
~~الجهال من إنزال كتاب من السماء لأنهم قد علموا صدق قولك فيما قرأوا من
~~الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ووجوب اتباعك عليهم فلا
~~حاجة بهم أن يسألوك معجزة أخرى إذ قد علموا من أمرك بالعلم الراسخ في
~~قلوبهم ما يكفيهم عن ذلك، وروي هذا عن قتادة. وتجاوب طرفي الاستدراك عليه
~~أتم منه على قول الجمهور. وقرأ حمزة { سيؤتيهم } بالياء مراعاة لظاهر
~~قوله تعالى: { المؤمنون بالله }.

### || [4.163]

# { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح
~~والنبيين من بعده } جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم [أن ينزل عليهم] كتابا من السماء، واحتجاج عليهم بأن
~~شأنه في الوحي كشأن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين لا ريب في
~~نبوتهم، وقيل: هو تعليل لقوله تعالى:

# الراسخون فى العلم

# [النساء: 162]. وأخرج ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~قال: «قال سكين وعدي بن زيد: يا محمد ما نعلم الله تعالى أنزل على بشر من
~~شيء بعد موسى عليه السلام فأنزل الله ms02166 تعالى هذه الآية» والكاف في محل
~~النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي إيحاءا مثل إيحائنا إلى نوح عليه
~~السلام، أو حال من ذلك المصدر المقدر معرفا كما هو رأي سيبويه أي إنا
~~أوحينا الإيحاء [حال كونه] مشبها بإيحائنا الخ، و (ما) في الوجهين
~~مصدرية. وجوز أبو البقاء أن تكون موصولة فيكون الكاف مفعولا به أي
~~أوحينا إليك مثل الذي أوحيناه إلى نوح من التوحيد وغيره وليس بالمرضي، و
~~(من بعده) متعلق  بأوحينا  ولم يجوزوا أن يكون حالا من النبيين لأن
~~ظروف الزمان لا تكون أحوالا للجثث، وبدأ سبحانه بنوح عليه السلام
~~تهديدا لهم لأنه أول نبي عوقب قومه، وقيل: لأنه أول من شرع الله تعالى
~~على لسانه الشرائع والأحكام، وتعقب بالمنع، وقيل: لمشابهته بنبينا صلى
~~الله عليه وسلم في عموم الدعوة لجميع أهل الأرض، ولا يخلو عن نظر لأن
~~عموم دعوته عليه السلام اتفاقي لا قصدي، وعموم الفرق على القول به 
~~وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه  ليس قطعي الدلالة على ذلك كما لا
~~يخفى.

# { وأوحينا إلى إبرهيم } عطف على { أوحينا إلى
~~نوح } داخل معه في حكم التشبيه أي كما أوحينا إلى إبراهيم {
~~وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط } وهم أولاد
~~يعقوب عليه السلام في المشهور، وقال غير واحد: إن الأسباط في ولد إسحاق
~~كالقبائل في أولاد إسماعيل، وقد بعث منهم عدة رسل، فيجوز أن يكون أراد
~~سبحانه بالوحي إليهم الوحي إلى الأنبياء منهم كما تقول: أرسلت إلى بني
~~تميم، وتريد أرسلت إلى وجوههم، ولم يصح أن الأسباط الذين هم أخوة يوسف
~~عليه السلام كانوا أنبياء بل الذي صح عندي  وألف فيه الجلال السيوطي
~~«رسالة»  خلافه { وعيسى وأيوب ويونس وهرون
~~وسليمن } ذكروا مع ظهور انتظامهم في سلك النبيين تشريفا لهم
~~وإظهارا لفضلهم على ما هو المعروف في ذكر الخاص بعد العام في مثل هذا
~~المقام، وتكرير الفعل لمزيد تقرير الإيحاء والتنبيه على أنهم طائفة خاصة
~~مستقلة بنوع مخصوص من الوحي، وبدأ بذكر إبراهيم بعد التكرير / لمزيد شرفه
~~ولأنه الأب الثالث للأنبياء ms02167 عليهم الصلاة والسلام كما نص عليه الأجهوري
~~وغيره.

# وقدم عيسى عليه السلام على من بعده تحقيقا لنبوته وقطعا لما رآه
~~اليهود فيه، وقيل: ليكون الابتداء بواحد من أولي العزم بعد تغير صفة
~~المتعاطفات إفرادا وجمعا وكل هذه الأسماء  على ما ذكره أبو البقاء 
~~أعجمية إلا الأسباط، وفي ذلك خلاف معروف، وفي يونس لغات أفصحها ضم النون
~~من غير همز، ويجوز فتحها وكسرها مع الهمز وتركه.

# { وءاتينا داوود زبورا } عطف على { أوحينا } داخل في
~~حكمه لأن إيتاء الزبور من باب الإيحاء، وكما آتينا داود زبورا  وإيثاره
~~على أوحينا إلى داود  لتحقق المماثلة في أمر خاص، وهو إيتاء الكتاب بعد
~~تحققها في مطلق الإيحاء؛ والزبور بفتح الزاي عند الجمهور وهو فعول بمعنى
~~مفعول  كالحلوب والركوب  كما نص عليه أبو البقاء. وقرأ حمزة وخلف {
~~زبورا } بضم الزاي حيث وقع، وهو جمع زبر بكسر فسكون بمعنى مزبور أي
~~مكتوب، أو زبر بالفتح والسكون كفلس وفلوس، وقيل: إنه مصدر كالقعود
~~والجلوس، وقيل: إنه جمع زبور على حذف الزوائد، وعلى العلات جعل اسما
~~للكتاب المنزل على داود عليه السلام، وكان إنزاله عليه عليه السلام
~~منجما وبذلك يحصل الإلزام، «وكان فيه  كما قال القرطبي  مائة وخمسون
~~سورة ليس فيها حكم من الأحكام، وإنما هي حكم ومواعظ» والتحميد والتمجيد
~~والثناء على الله تعالى شأنه.

### || [4.164]

# { ورسلا } نصب بمضمر أي أرسلنا رسلا؛ والقرينة عليه قوله سبحانه:

# أوحينا

# [النساء: 163] السابق لاستلزامه الإرسال، وهو معطوف عليه داخل معه في
~~حكم التشبيه، وقيل: القرينة قوله تعالى: { قد قصصنهم عليك
~~} لا أنه منصوب  بقصصنا  بحذف مضاف أي قصصنا أخبار رسل، ولا أنه منصوب
~~بنزع الخافض أي كما أوحينا إلى نوح وإلى رسل  كما قيل  لخلوه عما في
~~الوجه الأول من تحقيق المماثلة بين شأنه صلى الله عليه وسلم وبين شؤون من
~~يعترفون بنبوته من الأنبياء عليهم السلام في مطلق الإيحاء، ثم في إيتاء
~~الكتاب، ثم في الإرسال، فإن قوله سبحانه:

# إنا أوحينا إليك

# [النساء: 163] منتظم لمعنى

# ءاتينك

# [طه: 99] و

# أرسلنك

# [البقرة: 119] حتما فكأنه ms02168 قيل: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى فلان
~~وفلان، وآتيناك مثل ما آتينا فلانا، وأرسلناك مثل ما أرسلنا الرسل الذي
~~قصصناهم وغيرهم ولا تفاوت بينك وبينهم في حقيقة الإيحاء والإرسال فما
~~للكفرة يسألونك شيئا لم يعطه أحد من هؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام؟
~~ومعنى قصهم عليه عليه الصلاة والسلام حكاية أخبارهم له وتعريف شأنهم
~~وأمورهم { من قبل } أي من قبل هذه السورة أو اليوم، قيل: قصهم عليه
~~صلى الله عليه وسلم بمكة في سورة الأنعام [8386] وغيرها، وقال بعضهم:
~~قصهم سبحانه عليه عليه الصلاة والسلام بالوحي في غير القرآن ثم قصهم
~~عليهم بعد في القرآن.

# { ورسلا لم نقصصهم عليك } أي من قبل فلا تنافي الآية
~~ما ورد في الخبر من أن الرسل ثلثمائة وثلاثة عشر، والأنبياء مائة ألف
~~وأربعة وعشرون ألفا، وعن كعب أنهم ألف ألف وأربعمائة ألف وأربعة وعشرون
~~ألفا لأن نفي قصهم من قبل لا يستلزم نفي قصهم مطلقا، فإن نفي الخاص لا
~~يستلزم نفي العام، فيمكن أن يكون قصهم عليه صلى الله عليه وسلم بعد
~~فعلمهم، فأخبر بما أخبر على أن القبلية تفهم من الكلام ولو لم تكن في
~~القابل لأن { لم } في المشهور إذا دخلت على المضارع تقلب معناه للمضي
~~على أن القص ذكر الأخبار، ولا يلزم من نفي ذكر أخبارهم له صلى الله عليه
~~وسلم نفي ذكر عددهم مجردا من ذكر الأخبار والقصص، فيمكن أن يقال: لم
~~يذكر سبحانه له صلى الله عليه وسلم أخبارهم أصلا لكن ذكر جل شأنه له
~~عليه الصلاة والسلام أنهم كذا رجلا فاندفع ما توهمه بعض المعاصرين من أن
~~الآية نص في عدم علمه وحاشاه عليه الصلاة والسلام / عدة المرسلين عليهم
~~الصلاة والسلام فيأخذ بها ويرد الحديث وكأن الذي أوقعه في الوهم كلام بعض
~~المحققين والأولى أن لا يقتصر على عدد الآية، فأخطأ في الفهم ومات في
~~ربقة التقليد نسأل الله تعالى العافية.

# { وكلم الله موسى } برفع الجلالة ونصب موسى، وعن إبراهيم
~~ويحيى بن وثاب أنهما قرآ على القلب. { تكليما } مصدر ms02169 مؤكد رافع
~~لاحتمال المجاز على ما ذكره غير واحد، ونظر فيه الشهاب بأنه مؤكد للفعل
~~فيرفع المجاز عنه، وأما رفعه المجاز عن الإسناد بأن يكون المكلم رسله من
~~الملائكة، كما يقال: قال الخليفة كذا إذا قاله وزيره فلا، مع أنه أكد
~~الفعل، والمراد به معنى مجازي كقول هند بنت النعمان في زوجها روح بن
~~زنباع وزير عبد الملك بن مروان:

# بكى الخز من روح وأنكر جلده

# وعجت عجيجا من جذام المطارف

# فأكدت «عجت» مع أنه مجاز لأن الثياب لا تعج، وما نقل عن الفراء من أن
~~العرب تسمي ما وصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر
~~فإذا أكد به لم يكن إلا حقيقة الكلام لا يفي بالمقصود إذ نهاية ما فيه
~~رفع المجاز عن الفعل في هذه المادة، ولا تعرض له لرفع المجاز عن الإسناد
~~فللخصم أن يقول: التكليم حقيقة إلا أن إسناده إلى الله تعالى مجاز ولا
~~تقوم الآية حجة عليه إلا بنفي ذلك الاحتمال، نعم إنها ظاهرة فيما ذهب
~~إليه أهل السنة والجملة إما معطوفة على قوله تعالى:

# إنا أوحينا إليك

# [النساء: 163] عطف القصة على القصة لا على 

# ءاتينا

#  [النساء: 163] وما عطف عليه، وإما حال بتقدير قد كما ينبىء عنه تغيير
~~الأسلوب بالالتفات، والمعنى أن التكليم بغير واسطة منتهى مراتب الوحي
~~وأعلاها، وقد خص به من بين الأنبياء الذين اعترفتم بنبوتهم موسى عليه
~~السلام ولم يقدح ذلك فيهم أصلا فكيف يتوهم أن نزول التوراة عليه جملة
~~قادح في نبوة من أنزل عليه الكتاب مفصلا مع ظهور حكمة ذلك.

# هذا وقد تقدم لك كيفية سماع موسى عليه السلام لكلام الله عز وجل، وقد
~~وقع التكليم أيضا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الإسراء مع زيادة
~~رفعة، بل ما من معجزة لنبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا لنبينا
~~صلى الله عليه وسلم مثلها مع زيادة شرف له شرفه الله تعالى، بل ما من ذرة
~~نور شعت في العالمين إلا تصدقت بها شمس ذاته صلى ms02170 الله عليه وسلم، ولله
~~سبحانه در البوصيري حيث يقول:

# وكل آي أتى الرسل الكرام بها

# فإنما اتصلت من نوره بهم

# فصلى الله تعالى عليه وسلم تسليما كثيرا.

### || [4.165]

# { رسلا مبشرين ومنذرين } نصب على المدح، أو بإضمار
~~أرسلنا أو على الحال من

# رسلا

# [النساء: 164] الذي قبله، أو ضميره وهي حال موطئة، والمقصود وصفها. وضعف
~~هذا بأنه حينئذ لا وجه للفصل بين الحال وذيها، وجوز أن يكون نصبا على
~~البدلية من { رسلا } الأول، وضعف بأن اتحاد البدل والمبدل منه لفظا
~~بعيد، وإن كان المعتمد بالبدلية الوصف أي مبشرين من آمن وأطاع بالجنة
~~والثواب ومنذرين من كفر وعصى بالنار والعقاب.

# { لئلا يكون للناس على الله حجة } أي معذرة يعتذرون
~~بها قائلين

# لولا أرسلت إلينا رسولا

# [طه: 134] فيبين لنا شرائعك ويعلمنا ما لم نكن نعلم من أحكامك لقصور
~~القوى البشرية عن إدراك جزئيات المصالح، وعجز أكثر الناس عن إدراك
~~كلياتها. فالآية ظاهرة في أنه لا بد من الشرع وإرسال الرسل؛ وأن العقل لا
~~يغني عن ذلك، وزعم المعتزلة أن العقل كاف وأن إرسال الرسل إنما هو
~~للتنبيه عن سنة الغفلة التي تعتري الإنسان من دون اختيار، فمعنى الآية
~~عندهم لئلا يبقى للناس على الله حجة، وسيأتي / رد ذلك إن شاء الله تعالى
~~مع تحقيق هذا المبحث. وتسمية ما يقال عند ترك الإرسال حجة مع استحالة أن
~~يكون لأحد عليه سبحانه حجة مجاز بتنزيل المعذرة في القبول عنده تعالى
~~بمقتضى كرمه ولطفه منزلة الحجة القاطعة التي لا مرد لها، فلا يبطل قول
~~أهل السنة أنه لا اعتراض لأحد على الله تعالى في فعل من أفعاله بل له
~~سبحانه أن يفعل بمن شاء ما شاء، واللام متعلقة  بأرسلنا  المقدر، أو 
~~بمبشرين ومنذرين  على التنازع، وجوز أن تتعلق بما يدلان عليه، و {
~~حجة } اسم كان وخبرها { للناس } و { على الله } حال من {
~~حجة } ويجوز أن يكون الخبر { على الله } و { للناس } حال،
~~ولا يجوز أن يتعلق على  بحجة  لأنها مصدر ومعموله لا يتقدم عليه، ومن
~~جوزه في ms02171 الظرف جوزه هنا.

# وقوله تعالى: { بعد الرسل }  أي بعد إرسالهم وتبليغ الشريعة على
~~ألسنتهم  ظرف لحجة، وجوز أن يكون صفة لها لأن ظرف الزمان يوصف به
~~المصادر كما يخبر به عنها { وكان الله عزيزا } لا يغالب في أمر
~~يريده. { حكيما } في جميع أفعاله، ومن قضية ذلك الامتناع عن إجابة
~~مسألة المتعنتين، وقطع الحجة بإرسال الرسل وتنوع الوحي إليهم والإعجاز،
~~وقيل: عزيزا في عقاب الكفار حكيما في الإعذار بعد تقدم الإنذار كأنه
~~بعد أن سألوا إنزال كتاب الله تعالى.

### || [4.166]

# { لكن الله يشهد } بتخفيف النون ورفع الجلالة. وقرأ
~~السليمي بتشديد النون ونصب الجلالة، وهو استدراك عن مفهوم ما قبله كأنهم
~~لما سألوه صلى الله عليه وسلم إنزال كتاب من السماء وتعنتوا ورد عليهم
~~بقوله تعالى:

# إنا أوحينا إليك

# [النساء: 163] الخ قيل: إنهم لا يشهدون لكن الله يشهد. وحاصل ذلك إن لم
~~تلزمهم الحجة ويشهدوا لك فالله تعالى يشهد، وقيل: إنه سبحانه لما شبه
~~الإيحاء إليه صلى الله عليه وسلم بالإيحاء إلى الأنبياء عليهم الصلاة
~~والسلام أوهم ذلك التشبيه مزية الإيحاء إليهم، فاستدرك عنه بأن للإيحاء
~~إليك مزية شهادة الله تعالى { بما أنزل إليك } أي بحقية الذي
~~أنزله إليك وهو القرآن، فالجار والمجرور متعلق  بيشهد  والباء صلة
~~والمشهود به هو الحقية، ويجوز أن يكون المشهود به هو النبوة وتعلق بما
~~أنزل تعلق الآلية أي يشهد بنبوتك بسبب ما أنزل إليك لدلالته بإعجازه على
~~صدقك ونبوتك، ولعل مآل المعنى ومؤداه واحد فإن شهادته سبحانه بحقية ما
~~أنزله من القرآن بإظهار المعجز المقصود منه إثبات نبوته صلى الله عليه
~~وسلم، وأخرج البيهقي في «الدلائل» وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما قال:

# " دخل جماعة من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه
~~الصلاة والسلام لهم: إني والله أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله فقالوا:
~~ما نعلم ذلك فنزلت: { لكن الله يشهد } "

# وفي رواية ابن جرير عنه «أنه لما نزل

# إنا أوحينا إليك

# [النساء: 163] قالوا: ما نشهد لك فنزل { لكن الله ms02172 يشهد
~~بما أنزل إليك } ، وقرىء { أنزل } على البناء للمفعول.

# { أنزله بعلمه } ذكر فيه أربعة أوجه: الأول: أن يكون المعنى
~~أنزله بعلمه الخاص به الذي لا يعلمه غيره سبحانه، وهو تأليفه على نظم
~~وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان، واختاره جماعة من المفسرين،
~~والثاني: أن يكون المعنى أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك لقيامك
~~فيه بالحق ودعائك الناس إليه، واختاره الطبرسي والثالث: أن يكون المعنى
~~أنزله بما علم من مصالح العباد مشتملا عليه، والرابع: أن يكون المعنى
~~أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشياطين برصد من الملائكة،
~~والعلم على الوجه الأول قيل: بمعنى المعلوم، والمراد به التأليف والنظم
~~المخصوص وليس من جعل العلم / مجازا عن ذلك ولو جعل عليه العلم بمعناه
~~المصدري، والباء للملابسة ويكون تأليفه بيانا لتلبسه لا للعلم نفسه صح
~~لكن فيه تجوز من جهة أن التأليف ليس نفس التلبس بل أثره، ويحتمل على هذا
~~أن تكون الباء للآلية كما يقال: فعله بعلمه إذا كان متقنا وعلى ما
~~ينبغي، فيكون وصفا للقرآن بكمال الحسن والبلاغة، وأما على الوجه الثاني
~~والثالث فالعلم بمعناه، أو هو في الثالث بمعنى المعلوم، والظرف حال من
~~الفاعل أو المفعول، ومتعلق العلم مختلف وهو أنك أهل لإنزاله أو مصالح
~~العباد، وظاهر كلام البعض أنه على الثاني حال من الفاعل، وعلى الثالث من
~~المفعول، وجوز أن يكون مفعولا مطلقا مطلقا أي إنزالا متلبسا بعلمه،
~~وموقع الجملة على الأول موقع الجملة المفسرة لأنه بيان للشهادة على ما نص
~~عليه الزمخشري، وعلى الوجهين موقع التقرير والبيان للصلة، وقيل: إنها في
~~الأوجه الثلاثة كالتفسير  لأنزل إليك  لأنها بيان لإنزاله على وجه
~~مخصوص، وأما على الوجه الرابع فقد ضمن العلم بمعنى الرقيب والحافظ،
~~والظرف حال من الفاعل، ويكون { أنزله } تكريرا ليعلق به ما علق أو
~~كما قيل، ولم يعتبر بعضهم هذا الوجه لأنه لا مساس له بهذا المقام، وقيل:
~~إن فيه تعظيما لأمر القرآن بحفظه من شياطين الجن المشعر بحفظه أيضا من
~~شياطين الإنس فتكون ms02173 الجملة حينئذ كالتفسير للشهادة أيضا، وقرىء نزله.

# { والملئكة يشهدون } أيضا بما شهد الله تعالى به لأنهم
~~تبع له سبحانه في الشهادة، والجملة عطف على ما قبلها، وقيل: حال من مفعول
~~{ أنزله } أي أنزله والملائكة يشهدون بصدقه وحقيته، وجعل بعضهم شهادة
~~الملائكة على صدقه صلى الله عليه وسلم في دعواه بإتيانهم لإعانته عليه
~~الصلاة والسلام في القتال ظاهرين كما كان في غزوة بدر، وأيا ما كان 
~~فيشهدون  من الشهادة، وذكر أنه على الوجه الرابع من الشهود للحفظ {
~~وكفى بالله شهيدا } على ما شهد به لك حيث نصب الدليل وأوضح
~~السبيل وأزال الشبه وبالغ في ذلك على وجه لا يحتاج معه إلى شهادة غيره عز
~~وجل.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { لا يحب الله الجهر
~~بالسوء من القول } أي لا يحب أن يهتك العبد ستره إذا صدرت منه
~~هفوة أو اتفقت منه كبوة

# إلا من ظلم

# [النساء: 148] أي إلا جهر من ظلمته نفسه برسوخ الملكات الخبيثة فيه فإنه
~~مأذون له بإظهار ما فيه من تلك الملكات وعرضها على أطباء القلوب ليصفوا
~~له دواءها، وقيل: لا يحب الله تعالى إفشاء سر الربوبية وأظهار مواهب
~~الألوهية، أو كشف القناع من مكنونات الغيب ومصونات غيب الغيب إلا من ظلم
~~بغلبات الأحوال وتعاقب كؤوس الجلال والجمال فاضطر إلى المقال فقال
~~باللسان الباقي لا باللسان الفاني أنا الحق وسبحاني ما أعظم شأني، وفي
~~تسمية تلك الغلبة ظلما خفاء لا يخفى. وفي ظاهر الآية بشارة عظيمة
~~للمذنبين حيث بين سبحانه أنه لا يرضى بهتك الستر إلا من المظلوم فكيف
~~يرضى سبحانه من نفسه أن يهتك ستر العاصين وليسوا بظالميه جل جلاله،
~~وإنما ظلموا أنفهسم كما نطق بذلك الكتاب { إن الذين يكفرون
~~بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله
~~ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض } هؤلاء
~~قوم احتجبوا بالجمع عن التفصيل، فأنكروا الرسل لتوهمهم وحدة منافية
~~للكثرة وجمعا مباينا للتفصيل، ومن هنا عطلوا الشرائع وأباحوا المحرمات
~~وتركوا الصلوات { ويريدون أن يتخذوا بين ذلك } أي
~~الإيمان بالكل جمعا وتفصيلا ms02174 والكفر بالكل

# سبيلا

# [النساء: 150] أي طريقا { أولئك هم الكفرون }
~~المحجوبون

# حقا

# [النساء: 151] بذواتهم وصفاتهم لأن معرفتهم وهم وغلط، وتوحيدهم زندقة
~~وضلال، ولقتل واحد منهم أنفع من قتل / ألف كافر حربي على ما أشار إليه
~~حجة الإسلام الغزالي قدس سره { والذين ءامنوا بالله
~~ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم } وهم المؤمنون
~~جمعا وتفصيلا لا يحجبهم جمع عن تفصيل ولا تفصيل عن جمع كالسادة
~~الصادقين من أهل الوحدة { أولئك سوف يؤتيهم أجورهم }
~~من الجنات الثلاث { وكان الله غفورا } يستر ذواتهم وصفاتهم

# رحيما

# [النساء: 152] يرحمهم بالوجود الموهوب الحقاني والبقاء السرمدي {
~~يسألك أهل الكتب أن تنزل عليهم كتبا من
~~السماء } أي علما يقينيا بالمكاشفة من سماء الروح { فقد
~~سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله
~~جهرة } أي طلبوا المشاهدة ولا شك أنها أكبر وأعلى من المكاشفة {
~~فأخذتهم الصعقة } أي استولت عليهم نار الأنانية وأهلكت
~~استعدادهم { بظلمهم } وهو طلبهم المشاهدة مع بقاء ذواتهم { ثم
~~اتخذوا العجل } أي عجل الشهوات الذي صاغه لهم سامري النفس
~~الأمارة { من بعد ما جاءتهم البينت } الرادعة لهم عن
~~ذلك

# وآتينا موسى سلطانا مبينا

# [النساء: 153] وهو سطوع نور التجلي من وجهه حتى احتاج إلى أن يستر وجهه
~~بالبرقع رحمة بخفافيش أمته { ورفعنا فوقهم الطور } أي
~~جعلناه مستوليا عليهم { بميثقهم } أي بسبب أن يعطوا الميثاق،
~~وأشير بالطور إلى موسى عليه السلام، أو إلى العقل ورفعه فوقهم تأييده
~~بالأنوار الإلهية { وقلنا لهم ادخلوا الباب } أي باب السير
~~والسلوك الموصل إلى حضيرة القدس وملك الملوك

# سجدا

# [النساء: 154] خضعا متذللين، وقوله تعالى:

# بل رفعه الله إليه

# [النساء: 158] أشير به  على ما ذكره بعض القوم والعهدة عليه  إلى
~~اتصال روحه عليه السلام بالعالم العلوي عند مفارقته للعالم السفلي، وذلك
~~الرفع عندهم إلى السماء الرابعة لأن مصدر فيضان روحه عليه السلام روحانية
~~فلك الشمس الذي هو بمثابة قلب العالم، ولما لم يصل إلى الكمال الحقيقي
~~الذي هو درجة المحبة لم يكن له بد من النزول مرة أخرى في صورة جسدانية،
~~يتبع الملة المحمدية لنيل تلك الدرجة ms02175 العلية، وحينئذ يعرفه كل أحد فيؤمن
~~به أهل الكتاب أي أهل العلم العارفين بالمبدأ والمعاد كلهم عن آخرهم قبل
~~موته عليه السلام بالفناء بالله عز وجل، فإذا آمنوا به يكون يوم القيامة
~~أي يوم بروزهم عن الحجب الجسمانية وانتباههم عن نوم الغفلة شهيدا، وذلك
~~بأن يتجلى الحق عليهم في صورته { فبظلم من الذين هادوا }
~~وهو عبادتهم عجل الشهوات واتخاذه إلها وامتناعهم عن دخول باب حضيرة
~~القدس واعتدائهم في السبت بمخالفة الشرع الذي هو المظهر الأعظم والاحتجاب
~~عن كشف توحيد الأفعال ونقضهم ميثاق الله تعالى واحتجابهم عن توحيد الصفات
~~الذي هو كفر بآيات الله تعالى إلى غير ذلك من المساوي:

# مساو لو قسمن على الغواني

# لما أمهرن إلا بالطلاق

# { حرمنا عليهم طيبت } عظيمة جليلة وهي ما في الجنات
~~الثلاث { أحلت لهم } بحسب استعدادهم لولا هذه الموانع {
~~وبصدهم عن سبيل الله } أي طريقه الموصلة إليه سبحانه

# كثيرا

# [النساء: 160] أي خلقا كثيرا وهي القوى الروحانية { وأخذهم
~~الربوا } وهو فضول العلم الرسمي الجدلي الذي هو كشجرة الخلاف لا
~~ثمرة له، وكاللذات البدنية والحظوظ النفسانية { وقد نهوا عنه }
~~لما أنه الحجاب العظيم

# وأكلهم أمول الناس بالبطل

# [النساء: 161] أي استعمال علوم القوى الروحانية في تحصيل الخسائس
~~الدنيوية، أو أخذ ما في أيدي العباد برذيلة الحرص والطمع { لكن
~~الراسخون فى العلم } المستقيمون في السماع الخاص من الله
~~سبحانه من غير معارضة النفوس واضطراب الأسرار { والمؤمنون }
~~بالإيمان العياني حال كونهم { يؤمنون بما أنزل إليك وما
~~أنزل من قبلك } من الأحكام الشرعية والأسرار الإلهية / {
~~والمقيمين الصلوة } على أكمل وجه { والمؤتون
~~الزكوة } ببذل قوامهم في أصناف الطاعة { والمؤمنون بالله
~~واليوم الأخر } أي بالمبدأ والمعاد، والمراد من المتعاطفات طائفة
~~واحدة كما قدمنا

# أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما

# [النساء: 162] لا يقادر قدره فيما أعد لهم من الجنات

# إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح

# [النساء: 163] الآية التشبيه على حد التشبيه في قوله تعالى:

# كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من
~~قبلكم

# [البقرة: 183] على قول: { رسلا مبشرين } بتجليات اللطف {
~~ومنذرين } بتجليات القهر { لئلا ms02176 يكون للناس على
~~الله حجة بعد الرسل } أي لئلا يكون لهم ظهور وسلطنة بعد ما
~~محى ذلك بأمداد الرسل { وكان الله عزيزا } فيمحو صفاتهم ويفني
~~ذواتهم

# حكيما

# [النساء: 165] فيفيض عليهم من صفاته ويبقيهم في ذاته حسبما تقتضيه
~~الحكمة { لكن الله يشهد بما أنزل إليك } لتجليه
~~فيه سبحانه { أنزله بعلمه } أي متلبسا بعلمه المحيط الذي لا
~~يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض. ومن هنا علم صلى الله عليه
~~وسلم ما كان وما هو كائن { والملئكة } هم أصحاب النفوس القدسية
~~{ يشهدون } أيضا لعدم احتجابهم { وكفى بالله شهيدا }
~~[النساء: 166] لأنه الجامع ولا موجود غيره، والله تعالى الموفق للصواب.

### || [4.167]

# { إن الذين كفروا } بما أنزل إليك، أو بكل ما يجب الإيمان به
~~ويدخل ذلك فيه دخولا أوليا، والمراد بهم اليهود، وكأن الجملة لبيان حكم
~~الله سبحانه فيهم بعد بيان حالهم وتعنتهم { وصدوا عن سبيل
~~الله } أي دين الإسلام من أراد سلوكه بإنكارهم نعت النبي صلى الله
~~عليه وسلم وقولهم: لا نعرفه في كتابنا، وأن شريعة موسى عليه السلام لا
~~تنسخ، وأن الأنبياء لا يكونون إلا من أولاد هارون وداود عليهما السلام.
~~وقرىء { صدوا } بالبناء للمفعول { قد ضلوا } بالكفر والصد {
~~ضللا بعيدا } لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال ولأن المضل يكون
~~أقوى وأدخل في الضلال وأبعد عن الانقلاع عنه.

### || [4.168]

# { إن الذين كفروا } بما ذكر آنفا { وظلموا } محمدا
~~صلى الله عليه وسلم بإنكار نبوته وكتمان نعوته الجليلة، أو الناس بصدهم
~~لهم عن الصراط المستقيم، والمراد إن الذين جمعوا بين الكفر وهذا النوع من
~~الظلم. { لم يكن الله ليغفر لهم } لاستحالة تعلق
~~المغفرة بالكافر، والآية في اليهود على الصحيح، وقيل: إنها في المشركين
~~وما قبلها في اليهود، وزعم بعضهم أن المراد من الظلم ما ليس بكفر من سائر
~~أنواع الكبائر، وحمل الآية على معنى إن الذين كان بعضهم كافرين، وبعضهم
~~ظالمين أصحاب كبائر لم يكن الخ، ولا يخفى أن ذلك عدول عن الظاهر لم يدع
~~إليه إلا اعتقاد أن العصاة مخلدون في النار تخليد ms02177 الكفار، والآية تنبو عن
~~هذا المعتقد، فإنه قد جعل فيها الفعلان كلاهما صلة للموصول فيلزم وقوع
~~الفعلين جميعا من كل واحد من آحاده، ألا تراك إذا قلت: الزيدون قاموا
~~فقد أسندت القيام إلى كل واحد من آحاد الجمع، فكذلك لو عطفت عليه فعلا
~~آخر لزم فيه ذلك ضرورة، وسياق الآية أيضا يأبى ذلك المعنى لكن لم يزل
~~ديدن المعتزلة اتباع الهوى فلا يبالون بأي واد وقعوا { ولا
~~ليهديهم طريقا }.

### || [4.169]

# { إلا طريق جهنم } لعدم استعدادهم للهداية إلى الحق والأعمال
~~الصالحة التي هي طريق الجنة، والمراد من الهداية المفهومة من الاستثناء
~~بطريق الإشارة كما قال غير واحد: خلقه سبحانه لأعمالهم السيئة المؤدية
~~لهم إلى جهنم حسب استعدادهم، أو سوقهم إلى جهنم يوم القيامة بواسطة
~~الملائكة، وذكر بعضهم أن التعبير بالهداية تهكم إن لم يرد بها مطلق
~~الدلالة، والطريق على عمومه، والاستثناء متصل / كما اختاره أبو البقاء
~~وغيره، وجوز السمين أن يراد بالطريق شيء مخصوص وهو العمل الصالح
~~والاستثناء منقطع { خلدين فيها } حال مقدرة من الضمير المنصوب
~~لأن الخلود يكون بعد إيصالهم إلى جهنم، ولو قدر يقيمون خالدين لم يلتئم،
~~وقيل: يمكن أن يستغني عن جعله حالا مقدرة بأن هذا من الدلالة الموصلة
~~إلى جهنم، أو الدلالة إلى طريق يوصل إليها فهو حال عن المفعول باعتبار
~~الإيصال لا الدلالة فتدبر، وقوله تعالى: { أبدا } نصب على الظرفية
~~رافع احتمال أن يراد بالخلود المكث الطويل { وكان ذلك } أي انتفاء
~~غفرانه وهدايته سبحانه إياهم وطرحهم في النار إلى الأبد { على الله
~~يسيرا } سهلا لا صارف له عنه، وهذا تحقير لأمرهم وبيان لأنه تعالى لا
~~يعبأ بهم ولا يبالي.

### || [4.170]

# { يأيها الناس } خطاب لجميع المكلفين بعد أن حكى سبحانه لرسوله
~~صلى الله عليه وسلم تعلل اليهود بالأباطيل واقتراحهم الباطل تعنتا، ورد
~~جل شأنه عليهم بما رد وأكد ذلك بما أكد، وفي توجيه الخطاب إليهم وأمرهم
~~بالإيمان مشفوعا بالوعد والوعيد بعد تنبيه على أن المحجة قد وضحت والحجة
~~قد لزمت فلم يبق لأحد عذر في القبول، وقيل: ms02178 الخطاب لأهل مكة لأن الخطاب 
~~بيا أيها الناس  أينما وقع لهم، ولا يخفى أن التعميم أولى، وما ذكر في
~~حيز الاستدلال وإن روى عن بعض السلف أغلبي، وقيل: هو للكفار مطلقا
~~إبقاءا للأمر على ظاهره، ولم يحتج إلى حمله على ما يعم الأحداث والثبات.

# { قد جاءكم الرسول } يعني به محمدا صلى الله عليه وسلم،
~~وإيراده عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة لتأكيد وجوب طاعته {
~~بالحق } أي متلبسا به، وفسر بالقرآن. وبدين الإسلام. وبشهادة
~~التوحيد، وجوز أن تكون الباء للتعدية أو للسببية متعلقة  بجاء  أي
~~جاءكم بسبب إقامة الحق، وقوله سبحانه: { من ربكم } متعلق إما
~~بالفعل أيضا، أو بمحذوف وقع حالا من (الحق)؛ أي جاءكم به من عند الله
~~تعالى، أو كائنا منه سبحانه، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى
~~ضمير المخاطبين للإيذان بأن ذلك لتربيتهم وتبليغهم إلى كمالهم اللائق بهم
~~ترغيبا لهم في الامتثال لما بعد من الأمر كما أن في ذكر الجملة تمهيدا
~~لما يعقبها من ذلك؛ وقيل: إنها تكرير للشهادة وتقرير للمشهود به وتمهيد
~~لما ذكر.

# { فئامنوا } أي بالرسول صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من الحق،
~~والفاء للدلالة على إيجاب ما قبلها لما بعدها، وقوله سبحانه: { خيرا
~~لكم } منصوب بفعل محذوف وجوبا تقديره وافعلوا أو ائتوا خيرا لكم،
~~وإلى هذا ذهب الخليل وسيبويه، وذهب الفراء إلى أنه نعت لمصدر محذوف أي
~~إيمانا خيرا لكم، وأورد عليه أنه يقتضي أن الإيمان ينقسم إلى خير وغيره
~~ودفع بأنه صفة مؤكدة، وأن مفهوم الصفة قد لا يعتبر، وعلى القول باعتباره
~~قد يقال: إن ذكره تعريض بأهل الكتاب فإن لهم إيمانا ببعض ما يجب الإيمان
~~به كاليوم الآخر مثلا إلا أنه ليس خيرا حيث لم يكن على الوجه المرضي.
~~وذهب الكسائي وأبو عبيدة إلى أنه خبر كان مضمرة، والتقدير يكن الإيمان
~~خيرا لكم، ورد بأن كان لا تحذف مع اسمها دون خبرها إلا في مواضع اقتضته،
~~وأن المقدر جواب شرط محذوف فيلزم حذف الشرط وجوابه إذ التقدير إن تؤمنوا
~~يكن الإيمان ms02179 خيرا، وأجيب بأن تخصيص حذف كان واسمها في مواضع لا يسلمه
~~هذا القائل؛ وبأن لزوم حذف الشرط وجوابه مبني على أن الجزم بشرط مقدر،
~~وإن قلنا: بأنه بنفس الأمر وأخواته كما هو مذهب لبعض النحاة لم يرد ذلك،
~~ونقل مكي عن بعض الكوفيين أنه منصوب على / الحال وهو بعيد.

# { وإن تكفروا فإن لله ما فى السموات والأرض
~~} من الموجودات سواء كانت داخلة في حقيقتهما وبذلك يعلم حال أنفسهما على
~~أبلغ وجه وآكده، أو خارجة عنهما مستقرة فيهما من العقلاء وغيرهم ويدخل في
~~ذلك المخاطبون دخولا أوليا أي كل ذلك له تعالى خلقا وملكا وتصرفا،
~~ولا يخرج من ملكوته وقهره ذرة فما دونها، والجملة دليل الجواب أقيم مقامه
~~لأن مضمونها مقرر قبل كفرهم فلا يصلح للجواب، والتقدير وإن تكفروا فهو
~~سبحانه قادر على تعذيبكم بكفرهم لأن له جل شأنه ما في السماوات والأرض،
~~أو فهو غني عنكم لا يتضرر بكفركم كما لا ينتفع بإيمانكم، وقال بعضهم:
~~التقدير وإن تكفروا فقد كابرتم عقولكم فإن لله سبحانه ما له مما يدل على
~~ما ينافي حالكم واعتقادكم فكيف يتأتى الكفر به مع ذلك، وقيل: التقدير وإن
~~تكفروا فإن عبيدا غيركم لا يكفرون بل يعبدونه وينقادون لأمره ولا يخلو
~~عن بعد. { وكان الله عليما } بأحوال كل ويدخل في ذلك كفرهم
~~دخولا أوليا { حكيما } في جميع أفعاله وتدبيراته، ويدخل في ذلك كذلك
~~تعذيب من كفر.

### || [4.171]

# { يأهل الكتب } تجريد للخطاب وتخصيص له بالنصارى زجرا لهم
~~عما هم عليه من الضلال البعيد، وإلى ذلك ذهب أبو علي الجبائي وأبو مسلم
~~وجماعة من المفسرين، وعن الحسن أنه خطاب لهم ولليهود لأن الغلو أي مجاوزة
~~الحد والإفراط المنهي عنه في قوله تعالى: { لا تغلوا فى دينكم
~~} وقع منهم جميعا، أما النصارى فقال بعضهم: عيسى عليه السلام ابن الله
~~عز وجل، وبعضهم أنه الله سبحانه، وآخرون ثالث ثلاثة وأما اليهود فقالوا:
~~إنه عليه السلام ولد لغير رشده، ورجح ما عليه الجماعة بأن قول اليهود قد
~~نعى فيما سبق وبأنه أوفق ms02180 بما بعد { ولا تقولوا على الله
~~إلا الحق } أي لا تذكروا ولا تعتقدوا إلا القول الحق دون القول
~~المتضمن لدعوى الاتحاد والحلول واتخاذ الصاحبة والولد والاستثناء مفرغ،
~~وهو متصل عند الأكثرين. وادعى بعض أن المراد من الحق هنا تنزيهه تعالى عن
~~الصاحبة والولد، والأشبه بالإستثناء الانقطاع لأن التنزيه لا يكون مقولا
~~عليه بل له وفيه لأن معنى قال عليه افترى وهو مخالف لما عليه الأكثر في
~~الاستثناء المفرغ فافهم.

# { إنما المسيح } بالتخفيف، وقد مر معناه، وقرىء المسيح بكسر
~~الميم وتشديد السين كالسكيت وهو مبتدأ، وقوله تعالى: { عيسى } بدل منه
~~أو عطف بيان له  كما قال أبو البقاء وغيره  وقوله تعالى: { ابن
~~مريم } صفة له مفيدة بطلان ما زعموه فيه من بنوته عليه السلام له عز
~~وجل، وقوله سبحانه: { رسول الله } خبر المبتدأ والجملة مستأنفة
~~مسوقة لتعليل النهي عن القول الباطل المستلزم للأمر بضده أي أنه عليه
~~السلام مقصور على رتبة الرسالة لا يتخطاها إلى ما تقولون { وكلمته
~~} عطف على { رسول الله } ومعنى كونه (كلمة) أنه حصل بكلمة كن من
~~غير مادة معتادة، وإلى ذلك ذهب الحسن وقتادة.

# وقال الغزالي قدس سره: لكل مولود سبب قريب وبعيد، فالأول: المني
~~والثاني: قول كن، ولما دل الدليل على عدم القريب في حق عيسى عليه السلام
~~أضافه إلى البعيد، وهو قول كن إشارة إلى انتفاء القريب، وأوضحه بقوله
~~سبحانه: { ألقها إلى مريم } أي أوصلها إليها وحصلها فيها،
~~فجعله كالمني الذي يلقى في الرحم فهو استعارة، وقيل: معناه أنه يهتدي به
~~كما يهتدي بكلام الله تعالى، وروي ذلك عن أبي علي الجبائي، وقيل: معناه
~~بشارة الله تعالى / التي بشر بها مريم عليها السلام على لسان الملائكة
~~كما قال سبحانه:

# إذ قالت الملئكة يمريم إن الله يبشرك
~~بكلمة

# [آل عمران: 45] وجملة { ألقها } حال على ما قيل: من الضمير
~~المجرور في { كلمته } بتقدير قد والعامل فيها معنى الإضافة، والتقدير 
~~وكلمته ملقيا إياها  وقيل: حال من ضميره عليه السلام المستكن فيما دل
~~عليه { وكلمته } من معنى المشتق الذي ms02181 هو العامل فيها، وقيل: حال من
~~فاعل كان مقدرة مع إذ المتعلقة بالكلمة باعتبار أن المراد بها المكون،
~~والتقدير إذ كان ألقاها إلى مريم.

# { وروح منه } عطف على ما قبله وسمي عليه السلام روحا لأنه حدث عن
~~نفخة جبرائيل عليه السلام في درع مريم عليها السلام بأمره سبحانه، وجاء
~~تسمية النفخ روحا في كلامهم، ومنه قول ذي الرمة في نار [اقتدحها وأمر
~~صاحبه بالنفخ فيها فقال]:

# وأحيها بروحك

# و  من  متعلقة بمحذوف وقع صفة لروح، وهي لابتداء الغاية مجازا لا
~~تبعيضية كما زعمت النصارى.

# يحكى أن طبيبا نصرانيا حاذقا للرشيد ناظر علي بن الحسين الواقدي
~~المروزي ذات يوم فقال له: إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى عليه السلام
~~جزء منه تعالى، وتلى هذه الآية، فقرأ الواقدي قوله تعالى:

# وسخر لكم ما فى السموات وما في الأرض جميعا
~~منه

# [الجاثية: 13] فقال: إذن يلزم أن يكون جميع الأشياء جزءا منه سبحانه
~~وتعالى علوا كبيرا فانقطع النصراني فأسلم، وفرح الرشيد فرحا شديدا،
~~ووصل الواقدي بصلة فاخرة، وقيل: سمي روحا لأن الناس يحيون به كما يحيون
~~بالأرواح، وإلى ذلك ذهب الجبائي، وقيل: الروح هنا بمعنى الرحمة كما في
~~قوله تعالى:

# وأيدهم بروح منه

# [المجادلة: 22] على وجه، وقيل: أريد بالروح الوحي الذي أوحى إلى مريم
~~عليها السلام بالبشارة، وقيل: جرت العادة بأنهم إذا أرادوا وصف شيء بغاية
~~الطهارة والنظافة قالوا: إنه روح فلما كان عيسى عليه السلام متكونا من
~~النفخ لا من النطفة وصف بالروح، وقيل: أريد بالروح السر كما يقال: روح
~~هذه المسألة كذا أي أنه عليه السلام سر من أسرار الله تعالى وآية من
~~آياته سبحانه، وقيل: المراد ذو روح على حذف المضاف، أو استعمال الروح في
~~معنى ذي الروح، والإضافة إلى الله تعالى للتشريف، ونظير ذلك ما في
~~«التوراة» أن موسى عليه السلام رجل الله. وعصاه قضيب الله وأورشليم بيت
~~الله، وقيل: المراد من الروح جبريل عليه السلام، والعطف على الضمير
~~المستكن في { ألقها } والمعنى ألقاها الله تعالى وجبريل إلى ms02182 مريم،
~~ولا يخفى بعده. وعلى العلات لا حجة للنصارى على شيء مما زعموا في تشريف
~~عيسى عليه السلام بنسبة الروح إليه إذ لغيره عليه السلام مشاركة له في
~~ذلك، ففي «إنجيل لوقا» قال يسوع لتلاميذه: إن أباكم السماوي يعطي روح
~~القدس الذين يسألونه، وفي «إنجيل متى»: إن يوحنا المعمداني امتلأ من روح
~~القدس وهو في بطن أمه، وفي «التوراة»: قال الله تعالى لموسى عليه السلام
~~اختر سبعين من قومك حتى أفيض عليهم من الروح التي عليك فيحملوا عنك ثقل
~~هذا النعت، ففعل فأفاض عليهم من روحه فتبنوا لساعتهم، وفيها في حق يوسف
~~عليه السلام: يقول الملك: هل رأيتم مثل هذا الفتى الذي روح الله تعالى عز
~~وجل حال فيه، وفيها أيضا: إن روح الله تعالى حلت على دانيال إلى غير
~~ذلك.

# ولعل الروح في جميع ذلك أمر قدسي وسر إلهي يفيضه الله تعالى على من يشاء
~~من عباده حسبما يشاء وفي أي وقت يشاء، وإطلاق ذلك على عيسى عليه السلام
~~من باب المبالغة على حد ما قيل في زيد: عدل، وليس المراد به الروح الذي
~~به الحياة أصلا، وقد يظهر ذلك بصورة كما يظهر القرآن بصورة الرجل
~~الشاحب، والموت بصورة الكبش، ويؤيد ذلك في الجملة ما في «إنجيل متى» في
~~تمام الكلام على تعميد عيسى عليه السلام: إن يسوع لما تعمد وخرج من الماء
~~انفتحت له أبواب السماء ونظر روح الله تعالى جاءت له في صفة حمامة وإذا
~~بصوت من السماء هذا / ابن الحبيب الذي سرت به نفسي فإنه على تقدير صحته
~~يهدم ما يزعمه النصارى من أنه عليه السلام تجسد بروح القدس في بطن أمه.
~~وما فيه من وصفه عليه السلام بالبنوة سيأتي إن شاء الله تعالى الجواب
~~عنه.

# { فآمنوا بالله } وخصوه بالألوهية { ورسله } أجمعين ولا
~~تخرجوا أحدا منهم إلى ما يستحيل وصفه به من الألوهية { ولا تقولوا
~~ثلثة } أي الآلهة ثلاثة: الله سبحانه والمسيح ومريم كما ينبىء عنه
~~قوله تعالى:

# أأنت قلت للناس اتخذونى وأمي إلهين من دون ms02183
~~الله

# [المائدة: 116] إذ معناه إلهين غير الله تعالى فيكونون معه ثلاثة. وحكي
~~هذا التقدير عن الزجاج، أو الله سبحانه ثلاثة إن صح عنهم أنهم يقولون:
~~الله تعالى جوهر واحد ثلاثة أقانيم، أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم
~~روح القدس، وأنهم يريدون بالأول الذات أو الوجود، وبالثاني العلم أي
~~الكلمة، وبالثالث الحياة كذا قيل.

# وتحقيق الكلام في هذا المقام على ما ذكره بعض المحققين أن النصارى
~~اتفقوا على أن الله تعالى جوهر بمعنى قائم بنفسه غير متحيز ولا مختص بجهة
~~ولا مقدر بقدر ولا يقبل الحوادث بذاته ولا يتصور عليه الحدوث والعدم،
~~وأنه واحد بالجوهرية، ثلاثة بالأقنومية، والأقانيم صفات للجوهر القديم،
~~وهي الوجود والعلم والحياة، وعبروا عن الوجود بالأب والحياة بروح القدس
~~والعلم بالكلمة. ثم اختلفوا فذهب الملكانية أصحاب ملكا الذي ظهر بالروم
~~واستولى عليها إلى أن الأقانيم غير الجوهر القديم، وأن كل واحد منها إله،
~~وصرحوا بإثبات التثليث، وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة سبحانه وتعالى عما
~~يشركون، وأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح وتدرعت بناسوته وامتزجت به امتزاج
~~الماء بالخمر وانقلبت الكثرة وحدة وأن المسيح ناسوت كلي لا جزئي وهو قديم
~~أزلي، وأن مريم ولدت إلها أزليا مع اختلافهم في مريم أنها إنسان كلي أو
~~جزئي، واتفقوا على أن اتحاد اللاهوت بالمسيح دون مريم، وأن القتل والصلب
~~وقع على الناسوت واللاهوت معا، وأطلقوا لفظ الأب على الله تعالى، والابن
~~على عيسى عليه السلام.

# وذهب نسطور الحكيم  في زمان المأمون  إلى أن الله تعالى واحد
~~والأقانيم الثلاثة ليست غير ذاته ولا نفس ذاته، وأن الكلمة اتحدت بجسد
~~المسيح لا بمعنى الامتزاج بل بمعنى الإشراق أي أشرقت عليه كإشراق الشمس
~~من كوة على بلور. ومن النسطورية من قال: إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة
~~حي ناطق موجود، وصرحوا بالتثليث كالملكانية، ومنهم من منع ذلك، ومنهم من
~~أثبت صفات أخر كالقدرة والإرادة ونحوها لكن لم يجعلوها أقانيم، وزعموا أن
~~الابن لم يزل متولدا من الأب وإنما تجسده وتوحده بجسد المسيح حين ولد،
~~والحدوث راجع إلى ms02184 الناسوت، فالمسيح إله تام وإنسان تام، وهما قديم وحادث،
~~والاتحاد غير مبطل لقدم القديم ولا لحدوث الحادث، وقالوا: إن الصلب ورد
~~على الناسوت دون اللاهوت.

# وذهب بعض اليعقوبية إلى أن الكلمة انقلبت لحما ودما فصار الإله هو
~~المسيح، وقالوا: إن الله هو المسيح عيسى ابن مريم، ورووا عن يوحنا
~~الإنجيلي أنه قال في صدر «إنجيله»: إن الكلمة صارت جسدا وحلت فينا،
~~وقال: في البدء كانت الكلمة والكلمة عند الله والله تعالى هو الكلمة،
~~ومنهم من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت بحيث صار هو هو وذلك كظهور الملك في
~~الصورة المشار إليه بقوله تعالى:

# فتمثل لها بشرا سويا

# [مريم: 17] ومنهم من قال: جوهر الإله القديم وجوهر الإنسان المحدث تركبا
~~تركب النفس الناطقة مع البدن وصارا جوهرا واحدا وهو المسيح وهو الإله،
~~ويقولون صار الإله إنسانا وإن لم يصر الإنسان إلها كما يقال في الفحمة
~~الملقاة في النار: صارت نارا ولا يقال: صارت النار فحمة، ويقولون: إن
~~اتحاد اللاهوت بالإنسان الجزئي دون الكلي، وأن مريم ولدت إلها وأن القتل
~~والصلب واقع على اللاهوت والناسوت جميعا إذ لو كان على / أحدهما بطل
~~الاتحاد، ومنهم من قال: المسيح مع اتحاد جوهره قديم من وجه. محدث من وجه.

# ومن اليعقوبية من قال: إن الكلمة لم تأخذ من مريم شيئا وإنما مرت بها
~~كمرور الماء بالميزاب، ومنهم من زعم أن الكلمة كانت تداخل جسد المسيح
~~فتصدر عنه الآيات التي كانت تظهر عنه وتفارقه تارة فتحله الآفات والآلام،
~~ومن النصارى من زعم أن معنى اتحاد اللاهوت بالناسوت ظهور اللاهوت على
~~الناسوت وإن لم ينتقل من اللاهوت إلى الناسوت شيء ولا حل فيه، وذلك كظهور
~~نقش الطابع على الشمع والصورة المرئية في المرآة، ومنهم من قال: إن
~~الوجود والكلمة قديمان والحياة مخلوقة. ومنهم من قال إن الله تعالى واحد
~~وسماه أبا وأن المسيح كلمة الله تعالى وابنه على طريق الاصطفاء وهو
~~مخلوق قبل العالم وهو خالق للأشياء كلها.

# وحكى المؤرخون وأصحاب النقل أن أريوس أحد كبار النصارى كان يعتقد ms02185 هو
~~وطائفته توحيد الباري ولا يشرك معه غيره ولا يرى في المسيح ما يراه
~~النصارى بل يعتقد رسالته وأنه مخلوق بجسمه وروحه ففشت مقالته في
~~النصرانية فتكاتبوا أو اجتمعوا بمدينة نيقية عند الملك قسطنطين وتناظروا
~~فشرح أريوس مقالته، فرد عليه الاكصيدروس بطريق الإسكندرية وشنع على
~~مقالته عند الملك، ثم تناظروا فطال تنازعهم فتعجب الملك من انتشار
~~مقالتهم وكثرة اختلافهم وقام لهم البترك وأمرهم أن يبحثوا عن القول
~~المرضي فاتفق رأيهم على شيء فحرروه وسموه بالأمانة وأكثرهم اليوم عليها،
~~وهي نؤمن بالله تعالى الواحد الأب (صانع كل شيء) مالك كل شيء صانع ما يرى
~~وما لا يرى، (وبالرب) الواحد [يسوع] المسيح ابن الله تعالى الواحد بكر
~~الخلائق كلها الذي ولد من أبيه قبل العوالم كلها وليس بمصنوع، إله حق من
~~إله حق من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم؛ وخلق كل شيء الذي من أجلنا
~~معاشر الناس، ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس (ومريم)
~~وصار إنسانا وحبل به وولد من مريم البتول (وقتل)، وصلب أيام فيلاطس ودفن
~~وقام في اليوم الثالث  كما هو مكتوب  وصعد إلى السماء وجلس على يمين
~~أبيه وهو مستعد للمجىء تارة أخرى (للقضاء) بين الأموات والأحياء، ونؤمن
~~بروح القدس الواحد روح الحق الذي يخرج من أبيه (وبعمودية) واحدة لغفران
~~الخطايا، (وبجماعة) واحدة قدسية [مسيحية] (كاطولكية) [وبقيام أبداننا]
~~وبالحياة الدائمة إلى أبد الآبدين انتهى.

# وهذه جملة الأقاويل وما لهؤلاء الكفرة من الأباطيل وهي مع مخالفتها
~~للعقول ومزاحمتها للأصول مما لا مستند لها ولا معول لهم فيها غير التقليد
~~لأسلافهم والأخذ بظواهر ألفاظ لا يحيطون بها علما على أن ما سموه أمانة
~~لا أصل له في شرع الإنجيل ولا مأخوذة من قول المسيح ولا من أقوال
~~تلاميذه، وهو مع ذلك مضطرب متناقض متهافت يكذب بعضه بعضا ويعارضه
~~ويناقضه، وإذ قد علمت ذلك فاستمع لما يتلى عليك في ردهم تتميما للفائدة
~~وتأكيدا لإبطال تلك العقائد الفاسدة.

# أما قولهم: بأن الله تعالى جوهر بالمعنى المذكور فلا نزاع ms02186 لنا معهم فيه
~~من جهة المعنى بل من جهة الإطلاق اللفظي سمعا، والأمر فيه هين، وأما
~~حصرهم الأقانيم في ثلاثة؛ صفة الوجود، وصفة الحياة، وصفة العلم فباطل
~~لأنه بعد تسليم أن صفة الوجود زائدة لو طولبوا بدليل الحصر لم يجدوا إليه
~~سبيلا سوى قولهم: بحثنا فلم نجد غير ما ذكرناه وهو غير يقيني كما لا
~~يخفى، ثم هو باطل بما تحقق في موضعه من وجوب صفة القدرة والإرادة والسمع
~~والبصر والكلام، فإن قالوا: الأقانيم هي خواص الجوهر وصفات نفسه، ومن
~~حكمها أن تلزم الجوهر ولا تتعداه إلى غيره وذلك متحقق في الوجود والحياة
~~إذ لا تعلق لوجود الذات القديمة / وحياتها بغيرها، وكذلك العلم إذ العلم
~~مختص بالجوهر من حيث هو معلوم به، وهذا بخلاف القدرة والإرادة فإنهما لا
~~اختصاص لهما بالذات القديمة بل يتعلقان بالغير مما هو مقدور ومراد،
~~والذات القديمة غير مقدورة ولا مرادة، وأيضا فإن الحياة تجزىء عن القدرة
~~والإرادة من حيث إن الحي لا يخلو عنهما بخلاف العلم فإنه قد يخلو عنه،
~~ولأنه يمتنع إجزاء الحياة عن العلم لاختصاص الحياة بامتناع جريان
~~المبالغة والتفضيل بخلاف العلم، قلنا: أما قولهم: إن الوجود والحياة
~~مختصة بذات القديم  ولا تعلق لهما بغيره  فمسلم، ولكن يلزم عليه أن لا
~~يكون العلم أقنوما لتعلقه بغير ذات القديم إذ هو معلوم به فلئن قالوا:
~~العلم إنما كان أقنوما من حيث كان متعلقا بذات القديم لا من حيث كان
~~متعلقا بغيره فيلزمهم أن يكون البصر أقنوما لتعلقه بذات القديم من حيث
~~إنه يرى نفسه ولم يقولوا به، ويلزمهم من ذلك أن يكون بقاء ذات الله تعالى
~~أقنوما لاختصاص البقاء بنفسه وعدم تعلقه بغيره كما في الوجود والحياة،
~~فلئن قالوا: البقاء هو نفس الوجود فيلزم أن يكون الموجود في زمان حدوثه
~~باقيا وهو محال.

# وقولهم: بأن الإرادة تجزىء عن القدرة والإرادة إما أن يريدوا به أن
~~القدرة والإرادة نفس الحياة، أو أنهما خارجتان عنها لازمتان لها لا
~~تفارقانها، فإن كان الأول فقد نقضوا مذهبهم حيث ms02187 قالوا: إن الحياة أقنوم
~~لاختصاصها بجوهر القديم والقدرة والإرادة غير مختصتين بذات القديم تعالى،
~~وذلك مشعر بالمغايرة ولا اتحاد معها، وإن قالوا: إنها لازمة لها مع
~~المغايرة فهو ممنوع فإنه كما يجوز خلو الحي عن العلم، فكذلك قد يجوز خلوه
~~عن القدرة والإرادة كما في حالة النوم والإغماء مثلا، وقولهم: إنه يمتنع
~~إجزاء الحياة عن العلم لاختصاص العلم بالمبالغة والتفضيل، فيلزم منه أن
~~لا تكون مجزئة عن القدرة أيضا لاختصاصها بهذا النوع من المبالغة
~~والتفضيل، وأما قولهم: بأن الكلمة حلت في المسيح وتدرعت به فهو باطل من
~~وجهين. الأول: أنه قد تحقق امتناع حلول صفة القديم في غيره، الثاني: أنه
~~ليس القول بحلول الكلمة أولى من القول بحلول الروح وهي الحياة، ولئن
~~قالوا: إنما استدللنا على حلول العلم فيه لاختصاصه بعلوم لا يشاركه فيها
~~غيره قلنا: أولا: لا نسلم ذلك فقد روى النصارى أنه عليه السلام سئل عن
~~القيامة فلم يجب، وقال لا يعرفها إلا الله تعالى وحده، وثانيا: سلمنا
~~لكنه قد اختص عندكم بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وبأمور لا يقدر
~~عليها غيره من المخلوقين بزعمكم، والقدرة عندكم في حكم الحياة إما بمعنى
~~أنها عينها أو ملازمة لها فوجب أن يقال بحلول الحياة فيه ولم تقولوا به.

# وأما قول الملكانية بالتثليث في الآلهة، وأن كل أقنوم إله فلا يخلو إما
~~أن يقولوا: إن كل واحد متصف بصفات الإله تعالى من الوجود والحياة والعلم
~~والقدرة وغير ذلك من الصفات أو لا يقولوا به، فإن قالوا به فهو خلاف
~~أصلهم، وهو مع ذلك ممتنع لقيام الأدلة على امتناع إلهين، وأيضا فإنهم
~~إما أن يقولوا: بأن جوهر القديم أيضا إله أو ألا يقولوا، فإن كان الأول
~~فقد أبطلوا مذهبهم فإنهم مجمعون على الثالوث، وبقولهم هذا يلزم التربيع،
~~وإن كان الثاني لم يجدوا إلى الفرق سبيلا مع أن جوهر القديم أصل
~~والأقانيم صفات تابعة، فكان أولى أن يكون إلها، وإن قالوا بالثاني
~~فحاصله يرجع إلى منازعة لفظية، والمرجع فيها إلى ورود الشرع بجواز ms02188 إطلاق
~~ذلك، وأما قولهم: بأن الكلمة امتزجت بجسد المسيح فيبطله امتناع حلول صفات
~~القديم بغير ذات الله تعالى، ودعواهم الاتحاد ممتنعة من جهة الدلالة
~~والإلزام، أما الأول فإنهما عند الاتحاد إما أن يقال: ببقائهما / أو
~~بعدهما أو ببقاء أحدهما وعدم الآخر، أما على التقدير الأول فهما إثنان
~~كما كانا، وإن كان الثاني فالواحد الموجود غيرهما. وإن كان الثالث فلا
~~اتحاد للإثنينية وعدم أحدهما، وأما على التقدير الثاني فمن أربعة أوجه:
~~الأول: أنه إذا جاز اتحاد أقنوم الجوهر القديم بالحادث، فما المانع من
~~اتحاد صفة الحادث بالجوهر القديم؟ فلئن قالوا: المانع أن اتحاد صفة
~~الحادث بالجوهر القديم يوجب نقصه وهو ممتنع، واتحاد صفة القديم بالحادث
~~يوجب شرفه، وشرف الحادث بالقديم غير ممتنع، قلنا: فكما أن ذات القديم
~~تنقص باتحاد صفة الحادث بها فالأقنوم القديم ينقص باتحاده بالناسوت
~~الحادث فليكن ذلك ممتنعا، الثاني: أنه قد وقع الاتفاق على امتناع اتحاد
~~أقنوم الجوهر القديم بغير ناسوت المسيح فما الفرق بين ناسوت وناسوت؟ فلئن
~~قالوا إنما اتحد بالناسوت الكلي دون الجزئي رددناه بما ستعلمه قريبا إن
~~شاء الله تعالى، الثالث: أن مذهبهم أن الأقانيم زائدة على ذات الجوهر
~~القديم مع اختصاصها به ولم يوجب قيامها به الاتحاد فأن لا يوجب اتحاد
~~الأقنوم بالناسوت أولى. الرابع: أن الإجماع منعقد على أن أقنوم الجوهر
~~القديم مخالف للناسوت كما أن صفة نفس الجوهر تخالف نفس العرض، وصفة نفس
~~العرض تخالف الجوهر، فإن قالوا بجواز اتحاد صفة الجوهر بالعرض أو صفة
~~العرض بالجوهر حتى أنه يصير الجوهر في حكم العرض والعرض في حكم الجوهر،
~~فقد التزموا محالا مخالفا لأصولهم، وإن قالوا: بامتناع اتحاد صفة نفس
~~الجوهر بالعرض ونفس العرض بالجوهر مع أن العرض والجوهر أقبل للتبدل
~~والتغير فلأن يمتنع في القديم والحادث أولى.

# وقولهم إن المسيح إنسان كلي باطل من أربعة أوجه: الأول: أن الإنسان
~~الكلي لا اختصاص له بجزئي دون جزئي من الناس، وقد اتفقت النصارى أن
~~المسيح مولود من مريم عليهما السلام، وعند ذلك فإما أن ms02189 يقال: إن إنسان
~~مريم أيضا كلي  كما حكي عن بعضهم  أو جزئي، فإن كان كليا فإما أن
~~يكون هو عين إنسان المسيح أو غيره، فإن كان عينه لزم أن يولد الشيء من
~~نفسه وهو محال، ثم يلزم أن يكون المسيح مريم ومريم المسيح ولم يقل به
~~أحد، وإن كان غيره فالإنسان الكلي ما يكون عاما مشتركا بين جميع،
~~وطبيعته جزء من معنى كل إنسان، ويلزم من ذلك أن يكون إنسان المسيح
~~بطبيعته جزء من مفهوم إنسان مريم وبالعكس وذلك محال، وإن كان إنسان مريم
~~جزئيا فمن ضرورة كون المسيح مولودا عنها أن يكون الكلي الصالح لاشتراك
~~الكثرة منحصرا في الجزئي الذي لا يصلح لذاته وهو ممتنع، الثاني: أن
~~النصارى مجمعون على أن المسيح كان مرئيا ومشارا إليه، والكلي ليس كذلك.

# الثالث أنهم قائلون: إن الكلمة حلت في المسيح إما بجهة الاتحاد أو لا
~~بجهة الاتحاد، فلو كان المسيح إنسانا كليا لما اختص به بعض أشخاص الناس
~~دون البعض ولما كان المولود من مريم مختصا بحلول الكلمة دون غيره ولم
~~يقولوا به، الرابع: أن الملكانية متفقون على أن القتل وقع على اللاهوت
~~والناسوت، ولو كان ناسوت المسيح كليا لما تصور وقوع الجزئي عليه.

# وأما ما ذهب إليه نسطور من أن الأقانيم ثلاثة، فالكلام معه في الحصر على
~~طرز ما تقدم، وقوله: ليست عين ذاته ولا غير ذاته فإن أراد بذلك ما أراد
~~به الأشعري في قوله: إن الصفات لا عين ولا غير فهو حق، وإن أراد غيره
~~فغير مفهوم؛ وأما تفسيره العلم بالكلمة، فالنزاع معه  في هذا الإطلاق 
~~لفظي، ثم لا يخلو إما أن يريد بالكلمة الكلام النفسي أو الكلام اللساني،
~~والكلام في ذلك معروف؛ وقوله: إن الكلمة اتحدت بالمسيح بمعنى أنها أشرقت
~~عليه لا حاصل له لأنه إما أن يريد بإشراق الكلمة عليه عليه السلام ما هو
~~مفهوم من مثاله، / وهو أن يكون مطرحا لشعاعها عليه، أو يريد أنها متعلقة
~~به كتعلق العلم القديم بالمعلومات، أو يريد غير ذلك فإن ms02190 كان الأول يلزم
~~أن تكون الكلمة ذات شعاع، وفي جهة من مطرح شعاعها، ويلزم من ذلك أن تكون
~~جسما، وأن لا تكون صفة للجوهر القديم وهو محال، وإن كان الثاني فهو حق
~~غير أن تعلق الأقنوم بالمسيح بهذا التفسير لا يكون خاصة، وإن كان الثالث
~~فلا بد من تصويره ليتكلم عليه.

# وأما قول بعض النسطورية: إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة إله حي ناطق
~~فهو باطل بأدلة إبطال التثليث، وأما من أثبت منهم لله تعالى صفات أخر
~~كالقدرة والإرادة ونحوهما فقد أصاب خلا أن القول بإخراجها عن كونها من
~~الأقانيم مع أنها مشاركة لها في كونها من الصفات تحكم بحت، والفرق الذي
~~يستند إليه باطل كما علمت؛ وأما قولهم: إن المسيح إنسان تام وإله تام
~~وهما جوهران: قديم وحادث، فطريق رده من وجهين: الأول: التعرض لإبطال كون
~~الأقنوم المتحد بجسد المسيح إلها وذلك بأن يقال: إما أن يقولوا: بأن ما
~~اتحد بجسد المسيح هو إله فقط أو أن كل أقنوم إله كما ذهبت إليه
~~الملكانية، فإن كان الأول: فهو ممتنع لعدم الأولوية، وإن كان الثاني فهو
~~ممتنع أيضا لما تقدم، الثاني: أنه إذا كان المسيح مشتملا على الأقنوم
~~والناسوت الحادث، فإما أن يقولوا بالإتحاد أو بحلول الأقنوم في الناسوت،
~~أو حلول الناسوت في الأقنوم، أو أنه لا حلول لأحدهما في الآخر، فإن كان
~~الأول فهو باطل بما سبق في إبطال الاتحاد، وإن كان الثاني فهو باطل بما
~~يبطل حلول الصفة القديمة في غير ذات الله تعالى وحلول الحادث في القديم،
~~وإن كان الثالث فإما أن يقال بتجاورهما واتصالهما أو لا، فإن قيل: بالأول
~~فإما أن يقال بانفصال الأقنوم القديم عن الجوهر الحادث أو لا يقال به،
~~فإن قيل: بالانفصال فهو ممتنع لوجهين: الأول: ما يدل على إبطال انتقال
~~الصفة عن الموصوف، الثاني: أنه يلزم منه قيام صفة حال مجاورتها للناسوت
~~بنفسها وهو محال، وإن لم يقل بانفصال الأقنوم عن الجوهر القديم يلزم منه
~~أن يكون ذات الجوهر القديم متصلة بجسد ms02191 المسيح ضرورة اتصال أقنومها به،
~~وعند ذلك فليس اتحاد الأقنوم بالناسوت أولى من اتحاد الجوهر القديم به
~~ولم يقولوا بذلك، وإن لم يقل بتجاورهما واتصالهما فلا معنى للاتحاد بجسد
~~المسيح، وليس القول بالاتحاد مع عدم الاتصال بجسد المسيح أولى من العكس،
~~وأما قول من قال منهم: إن الإله واحد وإن المسيح ولد من مريم وإنه عبد
~~صالح مخلوق إلا أن الله تعالى شرفه بتسميته ابنا فهو كما يقول الموحدون،
~~ولا خلاف معهم في غير إطلاق اسم الابن، وأما قول بعض اليعقوبية: إن
~~الكلمة انقلبت لحما ودما وصار الإله هو المسيح فهو أظهر بطلانا مما
~~تقدم، وبيانه من وجهين: الأول: أنه لو جاز انقلاب الأقنوم لحما ودما مع
~~اختلاف حقيقتيهما لجاز انقلاب المستحيل ممكنا والممكن مستحيلا والواجب
~~ممكنا أو ممتنعا والممكن  أو الممتنع  واجبا، ولم يبق لأحد وثوق
~~بشيء من القضايا البديهية، ولجاز انقلاب الجوهر عرضا والعرض جوهرا،
~~واللحم والدم أقنوما، والأقنوم ذاتا والذات أقنوما، والقديم حادثا
~~والحادث قديما، ولم يقل به أحد من العقلاء، الثاني: أنه لو انقلب
~~الأقنوم لحما ودما، فإما أن يكون هو عين الدم واللحم اللذين كانا
~~للمسيح، أو زائدا عليه منضما إليه، والأول: ظاهر الفساد، والثاني: لم
~~يقولوا به؛ وأما ما نقل عن يوحنا من قوله: في البدء كانت الكلمة والكلمة
~~عند الله والله هو الكلمة، فهو مما انفرد به ولم يوجد في شيء من
~~الأناجيل، والظاهر أنه كذب، فإنه بمنزلة قول القائل: الدينار عند الصيرفي
~~والصيرفي هو الدينار، ولا يكاد يتفوه به عاقل، وكذا قوله: إن الكلمة صارت
~~جسدا وحلت فينا غير مسلم الثبوت، وعلى تقدير تسليمه يحتمل التقديم
~~والتأخير / أي إن الجسد الذي صار بالتسمية كلمة حل فينا، وعنى بذلك الجسد
~~عيسى عليه السلام، ويحتمل أنه أشار بذلك إلى بطرس كبير التلاميذ ووصي
~~المسيح، فإنه أقام بعده عليه السلام بتدبير دينه وكانت النصارى تفزع إليه
~~على ما تشهد به كتبهم، فكأنه يقول: إن ذهبت الكلمة أي عيسى الذي سماه
~~الله تعالى بذلك من بيننا ms02192 فإنها لم تذهب حتى صارت جسدا وحل فينا، يريد
~~أن تدبيرها حاضر في جسد بيننا وهو بطرس.

# ومن الناس من خرج كلامه على إسقاط همزة الإنكار عند إخراجه من العبراني
~~إلى اللسان العربي، والمراد أصارت وفيه بعد، ومن العجب العجيب أن يوحنا
~~ذكر أن المسيح قال لتلاميذه: إن لم تأكلوا جسدي وتشربوا دمي فلا حياة لكم
~~بعدي لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق، ومن يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في
~~وأثبت فيه، فلما سمع تلاميذه هذه الكلامة قالوا: ما أصعبها من يطيق
~~سماعها فرجع كثير منهم عن صحبته، فإن هذا مع قوله: إن الله سبحانه هو
~~الكلمة والكلمة صارت جسدا في غاية الإشكال إذ فيه أمر الحادث بأكل الله
~~تعالى القديم الأزلي وشربه، والحق أن شيئا من الكلامين لم يثبت، فلا
~~نتحمل مؤنة التأويل.

# وأما قولهم: إن اللاهوت ظهر بالناسوت فصار هو هو، فإما أن يريدوا به أن
~~اللاهوت صار عين الناسوت كما يصرح به قولهم: صار هو هو، فيرجع إلى تجويز
~~انقلاب الحقائق وهو محال كما علمت وإما أن يريدوا به أن اللاهوت اتصف
~~بالناسوت فهو أيضا محال لما ثبت من امتناع حلول الحادث بالقديم، أو أن
~~الناسوت اتصف باللاهوت وهو أيضا محال لامتناع حلول القديم بالحادث، وأما
~~من قال منهم: بأن جوهر الإله القديم وجوهر الإنسان المحدث تركبا وصارا
~~جوهرا واحدا هو المسيح فباطل من وجهين: الأول: ما ذكر من إبطال
~~الاتحاد، الثاني: أنه ليس جعل الناسوت لاهوتا بتركبه مع اللاهوت أولى من
~~جعل اللاهوت ناسوتا من جهة تركبه مع الناسوت ولم يقولوا به، وأما جوهر
~~الفحمة إذا ألقيت في النار فلا نسلم أنه صار بعينه جوهر النار بل صار
~~مجاورا لجوهر النار، وغايته أن بعض صفات جوهر الفحمة وأعراضها بطلت
~~بمجاورة جوهر النار، أما إن جوهر أحدهما صار جوهر الآخر فلا.

# وأما قولهم: إن الاتحاد بالناسوت الجزئي دون الكلي فمحال لأدلة إبطال
~~الاتحاد وحلول القديم بالحادث، وبذلك يبطل قولهم: إن مريم ولدت إلها،
~~وقولهم: القتل وقع ms02193 على اللاهوت والناسوت معا على أنه يوجب موت الإله وهو
~~بديهي البطلان، وأما قول من قال: إن المسيح مع اتحاد جوهره قديم من وجه
~~محدث من وجه فباطل لأنه إذا كان جوهر المسيح متحدا لا كثرة فيه، فالحدوث
~~إما أن يكون لعين ما قيل بقدمه، أو لغيره فإن كان الأول فهو محال وإلا
~~لكان الشيء الواحد قديما لا أول له حادثا له أول وهو متناقض، وإن كان
~~الثاني فهو خلاف المفروض، وأما قول من قال: إن الكلمة مرت بمريم كمرور
~~الماء في الميزاب فيلزم منه انتقال الكلمة وهو ممتنع كما لا يخفى، وبه
~~يبطل قول من قال: إن الكلمة كانت تدخل جسد المسيح تارة وتفارقه أخرى،
~~وقولهم: إن ما ظهر من صورة المسيح في الناسوت لم يكن جسما بل خيالا
~~كالصورة المرئية في المرآة باطل لأن من أصلهم أن المسيح إنما أحيا الميت
~~وأبرأ الأكمه والأبرص بما فيه من اللاهوت، فإذا كان ما ظهر فيه من
~~اللاهوت لا حقيقة له بل هو خيال محض لا يصلح لحدوث ما حدث عن الإله عنه،
~~والقول: بأن أقنوم الحياة مخلوق حادث ليس كذلك لقيام الأدلة على قدم
~~الصفات فهو قديم أزلي كيف وأنه لو كان حادثا لكان الإله قبله غير حي،
~~ومن ليس بحي لا يكون عالما ولا ناطقا، وقول من قال: إن المسيح مخلوق
~~قبل العالم وهو خالق لكل / شيء باطل لقيام الأدلة على أنه كان الله تعالى
~~ولا شيء غيره.

# وأما الأمانة التي هم بها متقربون وبما حوته متعبدون فبيان اضطرابها
~~وتناقضها وتهافتها من وجوه: الأول أن قولهم: نؤمن بالواحد الأب صانع كل
~~شيء، يناقض قولهم: وبالرب الواحد المسيح الخ مناقضة لا تكاد تخفى، الثاني
~~أن قولهم: إن يسوع المسيح ابن الله تعالى بكر الخلائق مشعر بحدوث المسيح
~~إذ لا معنى لكونه ابنه إلا تأخره عنه إذ الوالد والولد لا يكونان معا في
~~الوجود وكونهما معا مستحيل ببداهة العقول لأن الأب لا يخلو إما أن يكون
~~ولد ولدا لم يزل أو ms02194 لم يكن، فإن قالوا: ولد ولدا لم يزل، قلنا: فما ولد
~~شيئا إذ الابن لم يزل وإن ولد شيئا لم يكن، فالولد حادث مخلوق وذلك
~~مكذب لقولهم: إله حق من إله حق من جوهر أبيه وأنه أتقن العوالم بيده وخلق
~~كل شيء، الثالث أن قولهم: إله حق من إله حق من جوهر أبيه يناقضه قول
~~المسيح في «الإنجيل»: وقد سئل عن يوم القيامة فقال: لا أعرفه ولا يعرفه
~~إلا الأب وحده، فلو كان من جوهر الأب لعلم ما يعلمه الأب على أنه لو جاز
~~أن يكون إله ثان من إله أول لجاز أن يكون إله ثالث من إله ثان ولما وقف
~~الأمر على غاية وهو محال، الرابع أن قولهم: إن يسوع أتقن العوالم بيده
~~وخلق كل شيء باطل مكذب لما في «الإنجيل» إذ يقول متى: هذا مولد يسوع
~~المسيح بن داود، وأيضا خالق العالم لا بد وأن يكون سابقا عليه وأنى
~~بسبق المسيح وقد ولدته مريم؟! وأيضا في «الإنجيل» إن إبليس قال للمسيح:
~~أسجد لي وأعطيك جميع العالم وأملكك كل شيء ولا زال يسحبه من مكان إلى
~~مكان ويحول بينه وبين مراده ويطمع في تعبده له فكيف يكون خالق العالم
~~محصورا في يد بعض العالم؟! نعوذ بالله تعالى من الضلالة.

# الخامس أن قولهم: المسيح الإله الحق الذي نزل من السماء لخلاص الناس
~~وتجسد من روح القدس وصار إنسانا وحبل به وولد، فيه عدة مفاسد: منها أن
~~المسيح لا يخص مجرد الكلمة ولا مجرد الجسد بل هو اسم يخص هذا الجسد الذي
~~ولدته مريم عليها السلام ولم تكن الكلمة في الأزل مسيحا فبطل أن يكون هو
~~الذي نزل من السماء، ومنها أن الذي نزل من السماء لا يخلو إما أن يكون
~~الكلمة أو الناسوت، فإن زعموا أن الذي نزل هو الناسوت فكذب صراح لأن
~~ناسوته من مريم، وإن زعموا أنه اللاهوت فيقال: لا يخلو إما أن يكون الذات
~~أو العلم المعبر عنه بالكلمة فإن كان الأول لزم لحوق النقائص للباري عز ms02195
~~اسمه، وإن كان الثاني لزم انتقال الصفة وبقاء الباري بلا علم وذلك باطل.

# ومنها أن قولهم: إنما نزل لخلاص معشر الناس يريدون به أن آدم عليه
~~السلام لما عصى أوثق سائر ذريته في حبالة الشيطان وأوجب عليهم الخلود في
~~النار فكان خلاصهم بقتل المسيح وصلبه والتنكيل به وذلك دعوى لا دلالة
~~عليها، هب أنا سلمناها لهم لكن يقال: أخبرونا مم هذا الخلاص الذي تعنى
~~الإله الأزلي له وفعل ما فعل بنفسه لأجله؟ ولم خلصكم؟ وممن خلصكم؟ وكيف
~~استقل بخلاصكم دون الأب والروح والربوبية بينهم؟ وكيف ابتذل وامتهن في
~~خلاصكم دون الأب والروح؟ فإن زعموا أن الخلاص من تكاليف الدنيا وهمومها
~~أكذبهم الحس، وإن كان من تكاليف الشرع وأنهم قد حط عنهم الصلاة والصوم
~~مثلا أكذبهم المسيح. والحواريون بما وضعوه عليهم من التكاليف، وإن زعموا
~~أنهم قد خلصوا من أحكام الدار الآخرة فمن ارتكب محرما منهم لم يؤاخذ
~~أكذبهم الإنجيل والنبوات إذ يقول المسيح في «الإنجيل» إني أقيم الناس يوم
~~القيامة عن يميني وشمالي فأقول لأهل اليمين: فعلتم كذا وكذا فاذهبوا إلى
~~النعيم المعد لكم قبل تأسيس الدنيا، وأقول لأهل الشمال: / فعلتم كذا وكذا
~~فاذهبوا إلى العذاب المعد لكم قبل تأسيس العالم، السادس: أن قولهم:
~~وتجسد من روح القدس باطل بنص «الإنجيل» إذ يقول متى في الفصل الثاني
~~منه: إن يوحنا المعمداني حين عمد المسيح جاءت روح القدس إليه من السماء
~~في صفة حمامة وذلك بعد ثلاثين من عمره.

# السابع أن قولهم: إن المسيح نزل من السماء وحملت به مريم وسكن في رحمها
~~مكذب بقول لوقا الإنجيلي: إذ يقول في «قصص الحواريين» في الفصل الرابع
~~عشر منه: إن الله تعالى هو خالق العالم بما فيه وهو رب السماء والأرض لا
~~يسكن الهياكل ولا تناله أيدي الرجال ولا يحتاج إلى شيء من الأشياء لأنه
~~الذي أعطى الناس الحياة، فوجودنا به وحياتنا وحركاتنا منه، فقد شهد لوقا
~~بأن الباري وصفاته لا تسكن الهياكل ولا تناله الرجال بأيديها، وهذا ينافي
~~كون الكلمة سكنت في ms02196 هيكل مريم وتحولت إلى هيكل المسيح، الثامن أن قولهم:
~~إنه بعد أن قتل وصلب قام من بين الأموات وصعد إلى السماء وجلس عن يمين
~~أبيه من الكذب الفاحش المستلزم للحدوث، التاسع أن قولهم: إن يسوع هذا
~~الرب الذي صلب وقتل مستعد للمجيء تارة أخرى لفصل القضاء بين الأموات
~~والأحياء بمنزلة قول القائل:

# لألفينك بعد الموت تندبني

# وفي حياتي ما زودتني زادا

# إذ زعموا أنه في المرة الأولى عجز عن خلاص نفسه حتى تم عليه من أعدائه
~~ما تم فكيف يقدر على خلاصهم بجملتهم في المرة الثانية، العاشر أن قولهم:
~~ونؤمن بمعمودية واحدة لغفران الذنوب فيه مناقضة لأصولهم، وذلك أن اعتقاد
~~النصارى أنه لم تغفر خطاياهم بدون قتل المسيح، ولذلك سموه جمل الله تعالى
~~الذي يحمل عليه الخطايا، ودعوه مخلص العالم من الخطيئة فإذا آمنوا بأن
~~المعمودية الواحدة هي التي تغفر خطاياهم وتخلص من ذنوبهم فقد صرحوا بأنه
~~لا حاجة إلى قتل المسيح لاستقلال المعمودية بالخلاص والمغفرة فإن كان
~~التعميد كافيا للمغفرة فقد اعترفوا أن وقوع القتل عبث وإن كانت لا تحصل
~~إلا بقتله فما فائدة التعميد وما هذا الإيمان؟ فهذه عشرة وجوه كاملة في
~~رد تلك الأمانة وإظهار ما لهم فيها من الخيانة، ومن أمعن نظره ردها
~~بأضعاف ذلك، وقال أبو الفضل المالكي بعد كلام:

# بطلت أمانتهم فمن مضمونها

# ظهرت خيانتها خلال سطورها

# بدأوا بتوحيد الإله وأشركوا

# عيسى به، فالخلف في تعبيرها

# قالوا: بأن إلههم عيسى الذي

# ذر الوجود على الخليقة كلها

# خلق أمه قبل الحلول ببطنها

# ما كان أغنى ذاته عن مثلها

# هل كان محتاجا لشرب لبانها

# أو أن يربى في مواطن حجرها

# جعلوه ربا جوهرا من جوهر

# ذهبوا لما لا يرتضيه أولو النهى

# قالوا: وجاء من السماء عناية

# لخلاص آدم من لظاه وحرها

# قد تاب آدم توبة مقبولة

# فضلالهم جعل الفداء بغيرها

# لو جاء في ظلل الغمام وحوله

# شرفا ملائكة السماء بأسرها

# وفدى الذي بيديه أحكم طينه

# بالعفو عن كل الأمور وسترها

# ثم اجتباه محببا ومفضلا

# ووقاه من ms02197 غي النفوس وشرها

# كنتم تحلون الإله مقامه

# فيما تراه نفوسكم من شركها

# من غير أن يحتاج في تخليصه

# كل الخلائق أن تبوء بضرها

# ويشينه الأعدا بما لا يرتضي

# من كيدها وبما دهى من مكرها

# هذي أمانتهم وهذا شرحها

# الله أكبر من معاني كفرها

# ثم اعلم أنه لا حجة للنصارى القائلين بالتثليث بما روي عن متى التلميذ
~~أنه قال: إن المسيح عندما ودعهم قال: اذهبوا وعمدوا الأمم باسم الأب
~~والابن وروح القدس، ومن هنا جعلوا مفتتح الإنجيل ذلك كما أن مفتتح القرآن
~~بسم الله الرحمن الرحيم، ويوهم كلام بعض منا أن هذه التسمية نزلت من
~~السماء كالبسملة عندنا لأنا نقول  على تقدير صحة الرواية، ودونها خرط
~~القتاد : يحتمل أن يراد بالأب المبدأ، فإن القدماء كانوا يسمون المباديء
~~بالآباء، ومن الابن الرسول، وسمي بذلك تشريفا وإكراما كما سمي إبراهيم
~~عليه السلام خليلا، أو باعتبار أنهم يسمون الآثار أبناء، وقد رووا عن
~~المسيح عليه السلام أنه قال: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، وقال: لا تعطوا
~~صدقاتكم قدام الناس لتراءوهم فإنه لا يكون لكم أجر عند أبيكم الذي في
~~السماء. وربما يقال: إن الابن بمعنى الحبيب أو نحوه، ويشير إلى ذلك ما
~~رووه أنه عليه السلام قال عقيب وصية وصى بها الحواريين: لكي تكونوا أبناء
~~أبيكم الذي في السماء وتكونوا تامين كما أن أباكم الذي في السماء تام،
~~ويراد بروح القدس جبريل عليه السلام، والمعنى عمدوا ببركة الله تعالى
~~ورسوله صلى الله عليه وسلم والملك المؤيد للأنبياء عليهم الصلاة والسلام
~~على تبليغ أوامر ربهم، وفي «كشف الغين عن الفرق بين البسملتين» للشيخ عبد
~~الغني النابلسي قدس سره أن بسملة النصارى مشيرة إلى ثلاث حضرات للأمر
~~الإلهي الواحد الأحد: الغيب المطلق، فالأب إشارة إلى الروح الذي هو أول
~~مخلوق لله تعالى كما في الخبر وهو المسمى بالعقل والقلم والحقيقة
~~المحمدية، ويضاف إلى الله تعالى فيقال: روح الله تعالى للتشريف والتعظيم
~~ك

# ناقة الله

# [الشمس: 13] تعالى، و

# روح القدس

# [النحل: 102] إشارة إليه أيضا باعتبار ظهوره بصورة ms02198 البشر السوي النافخ
~~في درع مريم عليها السلام، والابن إشارة إلى عيسى عليه السلام وهو ابن
~~لذلك الروح باعتبار أن تكونه بسبب نفخه، والأب هو الابن، والابن هو روح
~~القدس في الحقيقة، والغيب المطلق منزه مقدس عن هذه الثلاثة، فإنه سبحانه
~~من حيث هو لا شيء معه ولا يمكن أن يكون معه شيء، فبسملة الإنجيل من مقام
~~الصفات الإلهية والأسماء الربانية لا من مقام الذات الأقدسية.

# ثم لا يتوهمن متوهم أن كلمات ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم
~~تدندن حول كلمات النصارى كما يزعمه من لا اطلاع له على تحقيق كلامهم ولا
~~ذوق له في مشربهم، وذلك لأن القوم نفعنا الله تعالى بهم مبرؤون عما نسبه
~~المحجوبون إليهم من اعتقاد التجسيم والعينية والاتحاد والحلول، أما إنهم
~~لم يقولوا بالتجسيم فلما تقرر عندهم من أن الحق سبحانه هو الوجود المحض
~~الموجود بذاته القائم بذاته المتعين بذاته، وكل جسم فهو صورة في الوجود
~~المنبسط على الحقائق المعبر عنه بالعماء متعينة بمقتضى استعداد ماهية
~~المعدومة ولا شيء من الوجود المجرد من الماهية المتعين بذاته بالصورة
~~المتعينة في الوجود المنبسط بمقتضى الماهية المعدومة فلا شيء من الجسم
~~بالوجود المجرد عن الماهية المتعين بذاته، وتنعكس إلى لا شيء من الوجود
~~المجرد عن الماهية المتعين بذاته بجسم وهو المطلوب، وأما أنهم لم يقولوا
~~بالعينية، فلأن الحق تعالى هو ما علمت من الوجود المحض، الخ، والمخلوق هو
~~الصورة الظاهرة في الوجود المنبسط على الحقائق المتعين بحسب ماهيته
~~المعدومة ولا شيء من المجرد عن الماهية المتعين بذاته بالمقترن بالماهية
~~المتعين / بحسبها، ومما يشهد لذلك قول الشيخ الأكبر قدس سره في الباب
~~الثامن والخمسين وخمسمائة من «الفتوحات» في حضرة البديع بعد بسط: وهذا
~~يدلك على أن العالم ما هو عين الحق وإنما ظهر في الوجود الحق إذ لو كان
~~عين الحق ما صح كونه بديعا، وقوله في هذا الباب أيضا في قوله تعالى:

# وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو

# [الأنعام: 59] انفرد سبحانه بعلمها ونفى العلم عن كل ما ms02199 سواه، فأثبتك في
~~هذه الآية وأعلمك أنك لست هو إذ لو كنت هو لعلمت مفاتح الغيب بذاتك، وما
~~لا تعلمه إلا بموقف فلست عين الموقف، وكذا قال غير واحد، وقال الشيخ شرف
~~الدين إسماعيل بن سودكين في «شرح التجليات» نقلا عن الشيخ قدس سره
~~أيضا: لما ظهرت الممكنات بإظهار الله تعالى لها وتحقق ذلك تحققا لا
~~يمكن للممكن أن يزيل هذه الحقيقة أبدا فبقي متواضعا لكبرياء الله تعالى
~~خاشعا له وهذه سجدة الأبد وهي عبارة عن معرفة العبد بحقيقته. ومن هنا
~~يعلم حقيقة قوله سبحانه: «كنت سمعه وبصره» الحديث، ولما لاح من هذا
~~المشهد لبعض الضعفاء لائح قال: أنا الحق فسكر وصاح ولم يتحقق لغيبته عن
~~حقيقته انتهى، وأما أنهم لم يقولوا بالاتحاد فلأن الاتحاد إما بصيرورة
~~الوجود المحض المجرد المتعين بذاته وجودا مقترنا بالماهية المعدومة
~~متعينا بحسبها أو بالعكس، وذلك محال بوجهيه لأن التجرد عن الماهية ذاتي
~~للحق تعالى والاقتران بها ذاتي للممكن وما بالذات لا يزول.

# وفي كتاب «المعرفة» للشيخ الأكبر قدس سره: إذا كان الاتحاد مصير
~~الذاتين واحدة فهو محال لأنه إن كان عين كل منهما موجودا في حال الاتحاد
~~فهما ذاتان وإن عدمت العين الواحدة وثبتت الأخرى فليست إلا واحدة، وقال
~~في كتاب الياء وهو كتاب الهو الاتحاد محال، وساق الكلام إلى أن قال: فلا
~~اتحاد البتة لا من طريق المعنى ولا من طريق الصورة، وقال في الباب الخامس
~~من «الفتوحات» خطابا من الحق تعالى للروح الكلي: وقد حجبتك عن معرفة
~~كيفية إمدادي لك بالأسرار الإلهية إذ لا طاقة لك بحمل مشاهدتها، إذ لو
~~عرفتها لاتحدت الأنية واتحاد الإنية محال، فمشاهدتك لذلك محال، هل ترجع
~~إنية المركب إنية البسيط؟ لا سبيل إلى قلب الحقائق، وأما إنهم لم يقولوا
~~بالحلول فلأنهم فسروا الحلول تارة بأنه الحصول على سبيل التبعية، وتارة
~~بأنه كون الموجود في محل قائما به، ومن المعلوم أن الواجب تعالى  وهو
~~الوجود المحض القائم بذاته المتعين كذلك  يستحيل عليه القيام بغيره.

# قال الشيخ الأكبر قدس ms02200 سره في الباب الثاني والتسعين ومائتين من
~~«الفتوحات»: نور الشمس إذا تجلى في البدر يعطي من الحكم ما لا يعطيه من
~~الحكم بغير البدر لا شك في ذلك، كذلك الاقتدار الإلهي إذا تجلى في العبد
~~يظهر الأفعال عن الخلق فهو وإن كان بالاقتدار الإلهي، لكن يختلف الحكم
~~لأنه بواسطة هذا المجلى الذي كان مثل المرآة لتجليه، وكما يعلم عقلا أن
~~القمر في نفسه ليس فيه من نور الشمس شيء وأن الشمس ما انتقلت إليها
~~بذاتها وإنما كان لها مجلي، كذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء ولا حل فيه
~~وإنما هو مجلي له وخاصة ومظهر له انتهى.

# وهذا نص في نفي الحلول ومنشأ غلط المحجوبين المنكرين عدم الفهم لكلام
~~هؤلاء السادة نفعنا الله تعالى بهم على وجهه، وعدم التمييز بين الحلول
~~والتجلي ولم يعلموا أن كون الشيء مجلي لشيء ليس كونه محلا له، فإن
~~الظاهر في المرآة خارج عن المرآة بذاته قطعا بخلاف الحال في محل فإنه
~~حاصل فيه فالظهور غير الحلول، / فإن الظهور في المظاهر للواسع القدوس
~~يجامع التنزيه بخلاف الحلول، نعم وقع في كلامهم التعبير بالحلول ومرادهم
~~به الظهور، ومن ذلك قوله:

# يا قبلتي قابليني بالسجود فقد

# رأيت شخصا لشخص في قد سجدا

# لاهوته حل ناسوتي فقدسني

# إني عجبت لمثلي كيف ما عبدا

# وكان الأولى بحسب الظاهر عدم التعبير بمثل ذلك ولكن للقوم أحوال ومقامات
~~لا تصل إليها أفهامنا، ولعل عذرهم واضح عند المنصفين، إذا علمت ذلك
~~وتحققت اختلاف النصارى في عقائدهم، فاعلم أنه سبحانه إنما حكى في بعض
~~الآيات قول بعض منهم، وفي بعض آخر قول آخرين، وحكاية دعواهم ألوهية مريم
~~عليها السلام كدعواهم ألوهية عيسى عليه السلام مما نطق بها القرآن ولم
~~يشع ذلك عنهم صريحا لكن يلزمهم ذلك بناءا على ما حققه الإمام الرازي
~~رحمه الله تعالى، والنصارى اليوم ينكرونه والله تعالى أصدق القائلين،
~~ويمكن أن يقال: إن مدعي ألوهيتها عليها السلام صريحا طائفة منهم هلكت
~~قديما كالطائفة اليهودية التي تقول عزير ابن الله تعالى ms02201 على ما قيل.

# ثم إنه سبحانه بالغ في زجر القائلين فأردف سبحانه النهي بقوله عز من
~~قائل: { انتهوا } عن القول بالتثليث { خيرا لكم } قد مر الكلام
~~في أوجه انتصابه { إنما الله إله وحد } أي بالذات منزه عن
~~التعدد بوجه من الوجوه { سبحنه أن يكون له ولد } أي
~~أسبحه تسبيحا عن، أو من أن يكون له ولد، أو سبحوه عن، أو من ذلك لأن
~~الولد يشابه الأب ويكون مثله والله تعالى منزه عن التشبيه والمثل، وأيضا
~~الولد إنما يطلب ليكون قائما مقام أبيه إذا عدم ولذا كان التناسل والله
~~تعالى باق لا يتطرق ساحته العلية فناء فلا يحتاج إلى ولد ولا حكمة
~~تقتضيه، وقد علمت ما أوقع النصارى في اعتقادهم أن عيسى عليه السلام ابن
~~الله تعالى. ومن الاتفاقات الغريبة ما نقله مولانا راغب باشا رحمه الله
~~تعالى ملخصا من «تعريفات أبي البقاء» قال: قال الإمام العلامة محمد بن
~~سعيد الشهير بالبوصيري نور الله تعالى ضريحه: إن بعض النصارى انتصر لدينه
~~وانتزع من البسملة الشريفة دليلا على تقوية اعتقاده في المسيح عليه
~~السلام وصحة يقينه به فقلب حروفها ونكر معروفها وفرق مألوفها وقدم فيها
~~وأخر وفكر وقدر فقتل كيف قدر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر، فقال: قد
~~انتظم من البسملة المسيح ابن الله المحرر، فقلت له: حيث رضيت البسملة
~~بيننا وبينك حكما وحزت منها أحكاما وحكما فلتنصرن البسملة منا الأخيار
~~على الأشرار، ولتفضلن أصحاب الجنة على أصحاب النار إذ قد قالت لك البسملة
~~بلسان حالها: إنما الله رب المسيح راحم النحر لأمم لها المسيح رب، ما برح
~~الله راحم المسلمين، سل ابن مريم أحل له الحرام، لا المسيح ابن الله
~~المحرر، لا مرحم للئام أبناء السحرة رحم حر مسلم أناب إلى الله، لله
~~نبي مسلم حرم الراح، ربح رأس مال كلمة الإيمان، فإن قلت: إنه عليه
~~السلام رسول صدقتك، وقالت: إيل أرسل الرحمة بلحم، وإيل من أسماء الله
~~تعالى بلسان كتبهم وترجمة بلحم ببيت لحم، وهو المكان الذي ولد فيه ms02202 عيسى
~~عليه السلام إلى غير ذلك مما يدل على إبطال مذهب النصارى، ثم انظر إلى
~~البسملة قد تخبر أن من وراء خلها خيولا وليوثا، ومن دون طلها سيولا
~~وغيوثا، ولا تحسبني استحسنت كلمتك الباردة فنسجت على منوالها وقابلت
~~الواحدة بعشر أمثالها بل أتيتك بما يغنيك فيبهتك ويسمعك ما يصمك عن
~~الإجابة فيصمتك، فتعلم أن هذه البسملة مستقر لسائر العلوم والفنون
~~ومستودع لجوهر سرها المكنون، ألا ترى أن البسملة / إذا حصلت جملتها كان
~~عددها سبعمائة وستة وثمانين فوافق جملها إن مثل عيسى كآدم ليس لله من
~~شريك بحساب الألف التي بعد لامي الجلالة ولا أشرك بربي أحدا، يهدي الله
~~لنوره من يشاء، بإسقاط ألف الجلالة، فقد أجابتك البسملة بما لم تحط به
~~خبرا، وجاءك ما لم تستطع عليه صبرا انتهى.

# وقد تقدم نظير ذلك في الباقي بعد إسقاط المكرر من حروف المعجم في أوائل
~~السور حيث رتب الشيعي منه ما ظنه مقويا لما هو عليه أعني صراط علي حقا
~~نمسكه وقابلناه بما يبهته مرتبا من هذا الحروف أيضا فتذكر، وقرأ الحسن
~~{ أن يكون } بكسر الهمزة ورفع النون أي سبحانه ما يكون له ولد على أن
~~الكلام جملتان.

# { له ما في السموات وما في الأرض } جملة مستأنفة
~~مسوقة لتعليل التنزيه، وبيان ذلك أنه سبحانه مالك لجميع الموجودات علويها
~~وسفليها لا يخرج من ملكوته شيء منها، ولو كان له ولد لكان مثله في
~~المالكية فلا يكون مالكها لجميعها، وقوله تعالى: { وكفى بالله
~~وكيلا } إشارة إلى دليل آخر لأن الوكيل بمعنى الحافظ فإذا استقل
~~سبحانه وتعالى في الحفظ لم يحتج إلى الولد فإن الولد يعين أباه في حياته
~~ويقوم مقامه بعد وفاته والله تعالى منزه عن كل هذا فلا يتصور له ولد
~~عقلا ويكون افتراؤه حمقا وجهلا.

### || [4.172]

# { لن يستنكف المسيح } استئناف مقرر لما سبق من التنزيه، وروي
~~أن وفد نجران قالوا لنبينا صلى الله عليه وسلم: «يا محمد لم تعيب صاحبنا؟
~~قال: ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى عليه السلام، قال: وأي شيء أقول فيه؟ ms02203
~~قالوا: تقول: إنه عبد الله ورسوله فنزلت» والاستنكاف استفعال من النكف،
~~«وأصله  كما قال الراغب  من نكفت الشيء نحيته وأصله تنحية الدمع عن
~~الخد بالأصبع، وقالوا: بحر لا ينكف أي لا ينزح»، ومنه قوله:

# فبانوا (ولولا) ما تذكر منهم

# من (الخلف) لم ينكف لعينيك مدمع

# وقيل: النكف قول السوء، ويقال: ما عليه في هذا الأمر نكف ولا وكف،
~~واستفعل فيه للسلب قاله المبرد، وفي «الأساس» «استنكف [منه] ونكف امتنع
~~وانقبض أنفا وحمية». وقال الزجاج: الاستنكاف تكبر في تركه أنفة وليس في
~~الاستكبار ذلك، والمعنى لن يأنف ولن يمتنع، وعن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما لن يستكبر المسيح.

# { أن يكون عبدا لله } أي عن، أو من أن يكون عبدا لله تعالى
~~مستمرا على عبادته تعالى وطاعته حسبما هو وظيفة العبودية كيف وأن ذلك
~~أقصى مراتب الشرف، وقد أشار القاضي عياض إلى شرف العبودية بقوله:

# ومما زادني عجبا وتيها

# وكدت بأخمصي أطأ الثريا

# دخولي تحت قولك: يا عبادي

# وجعلك خير خلقك لي نبيا

# والاقتصار على ذكر عدم استنكافه عليه السلام عن ذلك مع أن شأنه عليه
~~السلام المباهاة به كما تدل عليه أحواله وتفصح عنه أقواله لوقوعه في موضع
~~الجواب عما قاله الكفرة كما علمت آنفا. وهو السر في جعل المستنكف منه
~~كونه عليه السلام عبدا له تعالى دون أن يقال: عن عبادة الله تعالى ونحو
~~ذلك مع إفادته  كما قيل  فائدة جليلة هي كمال نزاهته عليه السلام عن
~~الاستنكاف بالكلية لاستمرار هذا الوصف واستتباعه وصف العبادة فعدم
~~الاستنكاف عنه مستلزم لعدم استنكاف ذلك بخلاف وصف العبادة فإنها حالة
~~متجددة غير مستلزمة للدوام يكفي في اتصاف موصوفها بها تحققها مرة، فعدم
~~الاستنكاف عنها لا يستلزم عنها عدم الاستنكاف عن دوامها.

# / ومما يدل على عبوديته عليه السلام من كتب النصارى أن قولس قال في
~~«رسالته الثانية»: أنظروا إلى هذا الرسول رئيس أحبارنا يسوع المؤتمن من
~~عند من خلقه مثل موسى عليه السلام في جميع أحواله غير أنه أفضل من موسى
~~عليه السلام، ms02204 وقال مرقس في «إنجيله»: قال يسوع: إن نفسي حزينة حتى الموت،
~~ثم خر على وجهه يصلي لله تعالى، وقال: أيها الأب كل شيء بقدرتك أخر عني
~~هذا الكاس لكن كما تريد لا كما أريد، ثم خر على وجهه يصلي لله تعالى،
~~ووجه الدلالة في ذلك ظاهر إذ هو سائل والله تعالى مسؤول، وهو مصل والله
~~تعالى مصلى له، وأي عبودية تزيد على ذلك، ونصوص «الأناجيل» ناطقة
~~بعبوديته عليه السلام في غير ما موضع، ولله تعالى در أبي الفضل حيث يقول
~~فيه:

# هو عبد مقرب ونبي

# ورسول قد خصه مولاه

# طهر الله ذاته وحباه

# ثم أتاه وحيه وهداه

# وبكن خلقه بدا كلمة الل

# ه إلى مريم البتول براه

# هكذا شأن ربه خالق الخل

# ق بكن خلقهم فنعم الإله

# والأناجيل شاهدات وعنه

# إنما الله ربه لا سواه

# كان لله خاشعا مستكينا

# راغبا راهبا يرجى رضاه

# ليس يحيا وليس يخلق إلا

# أن دعاه وقد أجاب دعاه

# إنما فاعل الجميع هو الل

# ه ولكن على يديه قضاه

# ويكفي في إثبات عبوديته عليه السلام ما أشار الله تعالى إليه بقوله:

# ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من
~~قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام

# [المائدة: 75] وفي التعبير بالمسيح ما يشعر بالعبودية أيضا.

# { ولا الملئكة المقربون } عطف على { المسيح } كما
~~هو الظاهر أي لا يستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيدا لله تعالى،
~~وقيل: إنه عطف على الضمير المستتر في { يكون } أو { عبدا } لأنه
~~صفة وليس بشيء، وتقدير متعلق الفعل لازم على ما ذهب إليه الأكثرون، وقيل:
~~أريد  بالملائكة  كل واحد منهم فلا حاجة إلى التقدير، وزعم بعضهم أنه
~~من عطف الجمل والتزم تقدير الفعل وهو كما ترى.

# واحتج بالآية القاضي أبو بكر والحليمي والمعتزلة على أن الملائكة أفضل
~~من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأن الذي يقتضيه السياق وقواعد المعاني
~~وكلام العرب الترقي من الفاضل إلى الأفضل فيكون المعنى لا يستنكف المسيح
~~ولا من هو فوقه، كما يقال: لن يستنكف من هذا الأمر الوزير ولا ms02205 السلطان
~~دون العكس، وأجيب بأن سوق الآية وإن كان ردا على النصارى لكنه أدمج فيه
~~الرد على عبدة الملائكة المشاركين لهم في رفع بعض المخلوقين عن مرتبة
~~العبودية إلى درجة المعبودية، وادعاء انتسابهم إلى الله تعالى بما هو من
~~شوائب الألوهية، وخص { المقربون } لأنهم كانوا يعبدونهم دون
~~غيرهم، ورد هذا الجواب بأن هذا لا ينفي فوقية الثاني كما هو مقتضى علم
~~المعاني؛ قيل: ولا ورود له لأنه يعلم من التقرير دفعه لأن المقصود بالذات
~~أمر المسيح فلذا قدم، ولو سلم أنه لا ينفي الفوقية فهو لا يثبتها كما إذا
~~قلت: ما فعل هذا زيد ولا عمرو، وهو يكفي لدفع حجة الخصم، وأما كون السباق
~~والسياق يخالفه فليس بشيء لأن المجيب قال: إنه إدماج واستطراد، وأجيب
~~أيضا على تقدير تسليم اختصاص الرد بالنصارى بأن الملائكة المقربون صيغة
~~جمع تتناول مجموع الملائكة، فهذا العطف يقتضي كون مجموع الملائكة أفضل من
~~المسيح، ولا يلزم أن يكون / كل واحد منهم أفضل من المسيح، قال في
~~«الانتصاف» «وفيه نظر لأن مورده إذا بني على أن المسيح أفضل من كل واحد
~~من آحاد الملائكة فقد يقال: يلزمه القول بأنه أفضل من الكل كما أن النبي
~~صلى الله عليه وسلم لما كان أفضل من كل واحد من [آحاد] الأنبياء عليهم
~~الصلاة والسلام كان أفضل من كلهم، ولم يفرق بين التفضيل على التفضيل،
~~والتفضيل على الجملة أحد ممن صنف في هذا المعنى.

# وقد كان (طار عن) بعض (الأئمة) المعاصرين تفضيله بين التفضيلين، ودعوى
~~أنه لا يلزم منه على التفضيل تفضيل على الجملة، ولم يثبت عنه هذا القول،
~~ولو قاله فهو مردود بوجه لطيف، وهو أن التفضيل المراد جل أمارته رفع درجة
~~الأفضل في الجنة، والأحاديث (متظافرة) بذلك، وحينئذ لا يخلو إما أن ترتفع
~~درجة واحدة من المفضولين على من اتفق أنه أفضل من كل واحد منهم، أو لا
~~ترتفع درجة أحد منهم عليه، لا سبيل إلى الأول لأنه يلزم منه رفع المفضول
~~على (الفاضل) فيتعين الثاني وهو ارتفاع ms02206 درجة الأفضل على درجات المجموع
~~ضرورة فيلزم ثبوت أفضليته على المجموع من ثبوت أفضليته على كل واحد منهم
~~قطعا» انتهى.

# قلت: فما شاع من الخلاف بين الحنفية والشافعية في أن النبي صلى الله
~~عليه وسلم هل هو أفضل من المجموع كما أنه أفضل من الجميع أم أنه أفضل من
~~الجميع فقط دون المجموع؟ ليس في محله على هذا فتدبر، وقيل في الجواب: إن
~~غاية ما تدل عليه الآية تفضيل المقربين من الملائكة وهم الكروبيون الذين
~~حول العرش، أو من هم أعلى رتبة منهم من الملائكة على المسيح من الأنبياء
~~عليهم الصلاة والسلام، وذلك لا يستلزم فضل أحد الجنسين على الآخر مطلقا
~~وفيه النزاع؛ ورد بأن المدعي أن في مثل هذا الكلام مقتضى قواعد المعاني
~~الترقي من الأدنى إلى الأعلى دون العكس أو التسوية، وقد علم أن الحكم في
~~الجمع المحلى بأل على الآحاد وأن المدعي ليس إلا دلالة الكلام على أن
~~الملك المقرب أفضل من عيسى عليه السلام، وهذا كاف في إبطال القول بأن
~~خواص البشر أفضل من خواص الملك؛ وزعم بعضهم أن عطف الملائكة على المسيح
~~بالواو لا يقتضي ترتيبا، وما يورد من الأمثلة لكون الثاني أعلى مرتبة من
~~الأول معارض بأمثلة لا تقتضي ذلك كقول القائل: ما (أعانني) على هذا الأمر
~~زيد ولا عمرو، وكقولك: لا تؤذ مسلما ولا ذميا بل لو عكست في هذا المثال
~~وجعلت الأعلى ثانيا لخرجت عن حد الكلام وقانون البلاغة  كما قال في
~~«الانتصاف»  ثم قال فيه: «ولكن الحق أولى من المراء وليس بين المثالين
~~تعارض، ونحن نمهد تمهيدا يرفع اللبس ويكشف الغطاء، فنقول: النكتة في
~~الترتيب في المثالين الموهوم تعارضهما واحدة وهي توجب في مواضع تقديم
~~الأعلى وفي مواضع تأخيره، وتلك النكتة أن مقتضى البلاغة التنائي عن
~~التكرار والسلامة عن النزول فإذا اعتمدت ذلك فهما أدى إلى أن يكون آخر
~~كلامك نزولا بالنسبة إلى أوله، أو يكون الآخر مندرجا في الأول قد
~~أفاده، وأنت مستغن عن الآخر فاعدل عن ذلك إلى ما ms02207 يكون ترقيا من الأدنى
~~إلى الأعلى، واستئنافا لفائدة لم يشتمل عليها الأول، مثاله الآية
~~المذكورة فإنك لو ذهبت فيها إلى أن يكون المسيح أفضل من الملائكة وأعلى
~~رتبة لكان ذكر الملائكة بعده كالمستغنى عنه لأنه إذا كان الأفضل وهو
~~المسيح على هذا التقدير عبدا [لله] غير مستنكف من العبودية لزم من ذلك
~~أن ما دونه في الفضيلة أولى أن لا يستنكف عن كونه عبدا لله تعالى وهم
~~الملائكة على هذا التقدير، فلم يتجدد إذن بقوله تعالى: { ولا
~~الملئكة المقربون } إلا ما سلف أول الكلام، وإذا قدرت
~~المسيح مفضولا بالنسبة إلى الملائكة فكأنك ترقيت من تعظيم الله تعالى
~~بأن المفضول لا يستنكف عن كونه عبدا له تعالى إلى أن الأفضل لا يستنكف
~~عن ذلك، وليس / يلزم من عدم استنكاف المفضول عدم استنكاف الأفضل، فالحاجة
~~داعية إلى ذكر الملائكة إذ لم يستلزم الأول الآخر، فصار الكلام على هذا
~~التقدير متجدد الفائدة متزائدها، ومتى كان كذلك تعين أن يحمل عليه الكتاب
~~العزيز لأنه الغاية في البلاغة.

# وبهذه النكتة يجب أن تقول: لا تؤذ مسلما ولا ذميا، فتؤخر الأدنى على
~~عكس الترتيب في الآية لأنك إذا نهيته عن أذى المسلم فقد يقال ذاك من
~~خواصه احتراما لدين الإسلام، فلا يلزم من ذلك نهيه عن أذى الكافر
~~المسلوبة عنه هذه الخصوصية، فإذا قلت: ولا ذميا فقد جددت فائدة لم تكن
~~في الأول وترقيت من النهي عن بعض أنواع الأذى إلى النهي عن أكثر منه، ولو
~~رتبت هذا المثال كترتيب الآية فقلت: لا تؤذ ذميا فهم المنهي أن أذى
~~المسلم أدخل في النهي إذ يساوي الذمي في سبب الاحترام وهو الإنسانية
~~مثلا، ويمتاز عنه بسبب هو أجل وأعظم وهو الإسلام، فيقنعه هذا النهي عن
~~تجديد نهي آخر عن أذى المسلم، فإن قلت: ولا مسلما لم تجدد له فائدة ولم
~~تعلمه غير ما أعلمته أولا، فقد علمت أنها نكتة واحدة توجب أحيانا تقديم
~~الأعلى وأحيانا تأخيره، ولا يميز لك ذلك إلا السياق، وما أشك أن سياق
~~الآية ms02208 يقتضي تقديم الأدنى وتأخير الأعلى، ومن البلاغة المرتبة على هذه
~~النكتة قوله تعالى:

# فلا تقل لهما أف

# [الإسراء: 23] استغناءا عن نهيه عن ضربهما فما فوقه (بتقديم) الأدنى،
~~ولم يلق ببلاغة الكتاب العزيز أن يريد نهيا عن أعلى من التأفيف
~~والانتهار لأنه مستغنى عنه، وما يحتاج المتدبر لآيات القرآن مع التأييد
~~شاهدا سواها، ولما اقتضى الإنصاف تسليم اقتضاء الآية لتفضيل الملائكة،
~~(وكان القول بتفضيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اعتقادا لأكثر أهل
~~السنة والشيعة التزم) حمل التفضيل في الآية على غير محل الخلاف، وذلك
~~تفضيل الملائكة في القوة وشدة البطش وسعة التمكن والاقتدار.

# وهذا النوع من الفضيلة هو المناسب لسياق الآية لأن المقصود الرد على
~~النصارى في اعتقادهم ألوهية عيسى عليه السلام مستندين إلى كونه أحيا
~~الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص، وصدرت على يديه آثار عظيمة خارقة، فناسب
~~ذلك أن يقال: هذا الذي صدرت على يديه هذه الخوارق لا يستنكف عن عبادة
~~الله تعالى بل من هو أكثر خوارقا وأظهر آثارا كالملائكة المقربين الذين
~~من جملتهم جبريل عليه السلام، وقد بلغ من قوته وإقدار الله تعالى له أن
~~اقتلع المدائن واحتملها على ريشة من جناحه فقلبها عاليها سافلها فيكون
~~تفضيل الملائكة إذن بهذا الاعتبار، ولا خلاف في أنهم أقوى وأبطش وأن
~~خوارقهم أكثر، وإنما الخلاف في التفضيل باعتبار مزيد الثواب والكرامات
~~ورفع الدرجات في دار الجزاء، وليس في الآية عليه دليل، وقد يقال: لما كان
~~أكثر ما لبس على النصارى في ألوهية عيسى عليه السلام كونه موجودا من غير
~~أب أنبأ الله تعالى أن هذا الموجود من غير أب لا يستنكف من عبادة الله
~~تعالى ولا الملائكة الموجودون من غير أب ولا أم، فيكون تأخير ذكرهم لأن
~~خلقهم أغرب من خلق عيسى عليه السلام، ويشهد لذلك أن الله تعالى نظر عيسى
~~بآدم عليهما السلام، فنظر الغريب بالأغرب وشبه العجيب من آثار قدرته
~~بالأعجب إذ عيسى مخلوق من (آدم عليهما الصلاة والسلام) وآدم عليه السلام
~~من غير أب ولا أم، ولذلك قال سبحانه:

# خلقه ms02209 من تراب ثم قال له كن فيكون

# [آل عمران: 59] ومدار هذا البحث على النكتة التي أشير إليها، فمتى
~~استقام اشتمال المذكور ثانيا على فائدة لم يشتمل عليها الأول بأي طريق
~~كان من تفضيل أو غيره من الفوائد فقد طابق صيغة الآية انتهى./ وبالجملة
~~المسألة سمعية  وتفصيل الأدلة والمذاهب فيها حشو الكتب الكلامية 
~~والقطع فيها منوط بالنص الذي لا يحتمل تأويلا ووجوده عسر».

# وقد ذكر الآمدي في «أبكار الأفكار» بعد بسط كلام ونقض وإبرام أن هذه
~~المسألة ظنية لا حظ للقطع فيها نفيا وإثباتا، ومدارها على الأدلة
~~السمعية دون الأدلة العقلية، وقال أفضل المعاصرين صالح أفندي الموصلي
~~تغمده الله تعالى برحمته في «تعليقاته على البيضاوي»: الأولى عندي التوقف
~~في هذه المسألة بالنسبة إلى غير نبينا صلى الله عليه وسلم إذ لا قاطع يدل
~~على الحكم فيها وليس معرفة ذلك ما كلفنا به، والباب ذو خطر لا ينبغي
~~المجاذفة فيه، فالوقف أسلم والله تعالى أعلم.

# { ومن يستنكف عن عبادته } أي طاعته فيشمل جميع الكفرة
~~لعدم طاعتهم له تعالى وإنما جعل المستنكف عنه ههنا عبادته تعالى لا ما
~~سبق  كما قال شيخ الإسلام  لتعليق الوعيد بالوصف الظاهر الثبوت للكفرة
~~فإن عدم طاعتهم له تعالى مما لا سبيل لهم إلى إنكار اتصافهم به، وعبر
~~سبحانه عن عدم طاعتهم له بالاستنكاف مع أن ذلك كان منهم بطريق إنكار كون
~~الأمر من جهته تعالى لا بطريق الاستنكاف لأنهم كانوا يستنكفون عن طاعة
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الاستنكاف عن طاعة الله تعالى إذ
~~لا أمر له صلى الله عليه وسلم سوى أمره عز وجل

# من يطع الرسول فقد أطاع الله

# [النساء: 80]. وقيل: التعبير بالاستنكاف من باب المشاكلة.

# { ويستكبر } أي عن ذلك، وأصل الاستكبار طلب الكبر من غير استحقاق
~~لا بمعنى طلب تحصيله مع اعتقاد عدم حصوله بل بمعنى عد نفسه كبيرا
~~واعتقاده كذلك وإنما عبر عنه بما يدل على الطلب للإيذان بأن مآله محض
~~الطلب بدون حصول المطلوب، ونظير ذلك على ما قيل: ms02210 قوله تعالى:

# يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا

# [الأعراف: 45]، والاستكبار على ما أشار إليه الزجاج  وتقدم  دون
~~الاستنكاف؛ وجاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:

# " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل: يا رسول
~~الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال: إن الله جميل يحب
~~الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس "

# وللناس في تأويل الحديث أقوال ذكرها الإمام النووي في «شرح مسلم»، منها
~~أن المراد بالكبر المانع من دخول الجنة «هو التكبر على الإيمان»، واختاره
~~مولانا أفضل المعاصرين، ثم قال: وعليه فالمنفي أصل الدخول كما هو الظاهر
~~المتبادر، وتنكير الكبر للنوعية، والمعرف في آخر الحديث هو جنس الكبر لا
~~هذا النوع بخصوصه وإن كان الغالب في إعادة النكرة معرفة إرادة عين الأول،
~~إنما خص صلى الله عليه وسلم حكم ذلك النوع بالبيان ليكون أبلغ في الزجر
~~عن الكبر فإن جنسا يبلغ بعض أنواعه بصاحبه من وخامة العاقبة وسوء
~~المغبة، هذا المبلغ  أعني الشقاء المؤبد  جدير بأن يحترز عنه غاية
~~الاحتراز، ثم عرف صلى الله عليه وسلم الكبر بما عرفه لئلا يتوهم انحصار
~~الكبر المذموم في النوع المذكور. وبهذا التقرير اندفع استبعاد النووي
~~رحمه الله تعالى لهذا التأويل بأن «الحديث ورد في سياق الزجر عن الكبر
~~المعروف وهو إنكار الحق واحتقار الناس فحمل الكبر على ذلك خاصة خروج» عن
~~مذاق الكلام ووجه اندفاعه غير خفي على ذوي الأفهام انتهى.

# والظاهر أن ما في الحديث تعريف باللازم للمعنى اللغوي.

# { فسيحشرهم إليه جميعا } أي المستنكفين ومقابليهم المدلول
~~عليهم بذكر عدم استنكاف المسيح والملائكة / المقربين عليهم السلام، وقد
~~ترك ذكر أحد الفريقين في المفصل تعويلا على إنباء التفصيل عنه وثقة
~~بظهور اقتضاء حشر أحدهما لحشر الآخر ضرورة عموم الحشر للخلائق أجمعين كما
~~ترك ذكر أحد الفريقين في التفصيل عند قوله تعالى:

# فأما الذين ءامنوا بالله واعتصموا به

# [النساء: 175] مع عموم الخطاب لهما ثقة بمثل ذلك فلا يقال: التفصيل غير
~~مطابق للمفصل لأنه اشتمل ms02211 على الفريقين والمفصل على فريق واحد، وقيل في
~~توجيه المطابقة: إن المقصود من الحشر المجازاة ويكون قوله تعالى: {
~~فأما الذين ءامنوا وعملوا }.

### || [4.173]

# { فأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت
~~فيوفيهم أجورهم } الخ تفصيلا للجزاء كأنه قيل: ومن يستنكف عن
~~عبادته فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب الله
~~تعالى، فالضمير راجع إلى المستنكفين المستكبرين لا غير وقد روعي لفظ من
~~ومعناها. وتعقب العلامة التفتازاني ذلك بأنه غير مستقيم لأن دخول (أما)
~~على الفريقين لا على قسمي الجزاء، وأورد هذا الفريق بعنوان الإيمان
~~والعمل الصالح لا بوصف عدم الاستنكاف المناسب لما قبله وما بعده للتنبيه
~~على أنه المستتبع لما يعقبه من الثمرات، ومعنى توفيتهم أجورهم إيتاؤهم
~~إياها من غير أن ينقص منها شيئا أصلا، وقرىء { فسيحشرهم } بكسر
~~الشين وهي لغة، وقرىء  فسنحشرهم  بنون العظمة، وفيه التفات.

# { ويزيدهم من فضله } بتضعيف أجورهم أضعافا مضاعفة وبإعطائهم
~~ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وأخرج ابن المنذر وابن
~~أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في «الحلية». والإسماعيلي في
~~«معجمه» بسند ضعيف عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يوفيهم أجورهم يدخلهم الجنة
~~ويزيدهم من فضله الشفاعة فيمن وجبت لهم النار ممن صنع إليهم المعروف في
~~الدنيا "

# { وأما الذين استنكفوا } عن عبادة الله تعالى {
~~واستكبروا } عنها { فيعذبهم } بسبب ذلك { عذابا
~~أليما } لا يحيط به الوصف { ولا يجدون لهم من دون الله
~~وليا } يلي أمورهم ويدبر مصالحهم { ولا نصيرا } ينصرهم من بأسه
~~تعالى وينجيهم من عذابه سبحانه.

### || [4.174]

# { يأيها الناس } خطاب لكافة المكلفين إثر بيان بطلان ما عليه
~~الكفرة من فنون الكفر والضلال وإلزامهم [بالبراهين القاطعة] بما تخر له
~~صم الجبال، وفيه تنبيه لهم على أن الحجة قد تمت فلم يبق بعد ذلك علة
~~لمتعلل ولا عذر لمعتذر { قد جاءكم } أتاكم ووصل إليكم { برهان
~~من ربكم } أي حجة قاطعة، والمراد بها المعجزات على ما قيل. وأخرج
~~ابن عساكر عن سفيان ms02212 الثوري عن أبيه عن رجل لا يحفظ اسمه أن المراد
~~بالبرهان هو النبي صلى الله عليه وسلم، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما، وعبر عنه عليه الصلاة والسلام بذلك لما معه من المعجزات
~~التي تشهد بصدقه صلى الله عليه وسلم، وقيل: المراد بذلك دين الحق الذي
~~جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، والتنوين للتفخيم، و  من  لابتداء
~~الغاية مجازا وهي متعلقة  بجاء  أو بمحذوف وقع صفة مشرفة  لبرهان 
~~مؤكدة لما أفاده التنوين، وجوز أن تكون تبعيضية بحذف المضاف أي كائن من
~~براهين ربكم، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإفاضة إلى ضمير المخاطبين
~~لإظهار اللطف بهم والإيذان بأن مجىء ذلك لتربيتهم وتكميلهم. {
~~وأنزلنا إليكم } بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عدم
~~ذكر الواسطة إظهار لكمال اللطف بهم ومبالغة في الإعذار { نورا
~~مبينا } وهو القرآن  كما قاله قتادة ومجاهد والسدي  واحتمال إرادة
~~الكتب السابقة الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم بعيد غاية البعد،
~~وإذا كان المراد من البرهان القرآن أيضا فقد سلك / به مسلك العطف المبني
~~على تغاير الطرفين تنزيلا للمغايرة العنوانية منزلة المغايرة الذاتية،
~~وإطلاق البرهان عليه لأنه أقوى دليل على صدق من جاء به، وإطلاق النور
~~المبين لأنه بين بنفسه مستغن في ثبوت حقيته وكونه من الله تعالى
~~بإعجازه غير محتاج إلى غيره، مبين لغيره من حقية الحق وبطلان الباطل،
~~مهدي للخلق بإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وعبر عن ملابسته
~~للمخاطبين تارة بالمجىء المسند إليه المنبىء عن كمال قوته في البرهانية
~~كأنه يجىء بنفسه فيثبت ما ثبت من غير أن يجىء به أحد، ويجىء على شبه
~~الكفرة بالإبطال والأخرى بالإنزال الموقع عليه الملائم لحيثية كونه نورا
~~توقيرا له باعتبار كل واحد من عنوانيه حظه اللائق به، وإسناد إنزاله
~~إليه تعالى بطريق الالتفات لكمال تشريفه  قاله مولانا شيخ الإسلام 
~~والأمر على غير ذلك التقدير هين.

### || [4.175]

# { فأما الذين ءامنوا بالله } حسبما يوجبه البرهان الذي
~~جاءهم { واعتصموا به } أي عصموا به سبحانه أنفسهم مما يرديها ms02213 من
~~زيغ الشيطان وغيره. وأخرج ابن جرير. وغيره عن ابن جريج أن الضمير راجع
~~إلى القرآن أعني النور المبين، وهو خلاف الظاهر { فسيدخلهم فى
~~رحمة منه } أي ثواب عظيم قدره بإزاء إيمانهم وعملهم رحمة منه
~~سبحانه لا قضاءا لحق واجب، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد
~~بالرحمة الجنة، فعلى الأول: التجوز في كلمة { في } لتشبيه عموم الثواب
~~وشموله بعموم الظرف، وعلى الثاني: التجوز في المجرور دون الجار  قاله
~~الشهاب  والبحث في ذلك شهير و { منه } متعلق بمحذوف وقع صفة مشرفة
~~لرحمة { وفضل } أي إحسان لا يقادر قدره زائد على ذلك.

# { ويهديهم إليه } أي إلى الله عز وجل، والمراد في المشهور إلى
~~عبادته سبحانه، وقيل: الضمير عائد على جميع ما قبله باعتبار أنه موعود،
~~وقيل: على الفضل { صرطا مستقيما } هو الإسلام والطاعة في
~~الدنيا، وطريق الجنة في الأخرى، وتقديم ذكر الوعد بالإدخال في الرحمة
~~الثواب أو الجنة على الوعد بهذه الهداية للمسارعة إلى التبشير بما هو
~~المقصد الأصلي. وفي وجه انتصاب { صراطا } أقوال، فقيل: إنه مفعول ثان
~~لفعل مقدر أي يعرفهم صراطا، وقيل: إنه مفعول ثان ليهديهم باعتبار تضمينه
~~معنى يعرفهم، وقيل: مفعول ثان له بناءا على أن الهداية تتعدى إلى
~~مفعولين حقيقة. ومن الناس من جعل { إليه } متعلقا بمقدر أي مقربين
~~إليه، أو مقربا إياهم إليه على أنه حال من الفاعل أو المفعول، ومنهم من
~~جعله حالا من صراطا ثم قال: ليس لقولنا: يهديهم طريق الإسلام إلى
~~عبادته كبير معنى، فالأوجه أن يجعل { صراطا } بدلا من { إليه }
~~وتعقبه عصام الملة والدين بأن قولنا: يهديهم طريق الإسلام موصلا إلى
~~عبادته معناه واضح، ولا وجه لكون { صراطا } بدلا من الجار والمجرور
~~فافهم.

### || [4.176]

# { يستفتونك } أي  في الكلالة  استغنى عن ذكره لوروده في قوله
~~تعالى: { قل الله يفتيكم فى الكللة } والجار متعلق ب
~~{ يفتيكم } ، وقال الكوفيون: ب { يستفتونك } وضعفه أبو
~~البقاء بأنه لو كان كذلك لقال يفتيكم فيها في الكلالة، وقد مر تفسير
~~الكلالة في مطلع السورة، والآية نزلت في ms02214 جابر بن عبد الله كما أخرجه عنه
~~ابن أبي حاتم وغيره./ وأخرج الشيخان وخلق كثير عنه قال:

# " دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل فتوضأ ثم صب
~~علي فعقلت، فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث؟ فنزلت آية
~~الفرائض "

# وهي آخر آية نزلت، فقد أخرج الشيخان. وغيرهما عن البراء قال: آخر سورة
~~نزلت كاملة براءة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء، والمراد من الآيات
~~المتعلقة بالأحكام  كما نص على ذلك المحققون، وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء
~~الله تعالى  وتسمى آية الصيف، أخرج مالك ومسلم

# " عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: «ما سألت النبي صلى الله عليه وسلم
~~عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بأصبعه في صدري، وقال: يكفيك
~~آية الصيف التي في آخر سورة النساء "

# { إن امرؤا هلك } استئناف مبين للفتيا، وارتفع (امرؤ) بفعل
~~يفسره المذكور على المشهور، وقوله تعالى: { ليس له ولد } صفة له
~~ولا يضر الفصل بالمفسر لأنه تأكيد، وقيل: حال منه، واعترض بأنه نكرة،
~~ومجىء الحال منها خلاف الظاهر إذ المتبادر في الجمل الواقعة بعد النكرات
~~أنها صفات، وقال الحلبي: يصح كونه حالا منه؛ و { هلك } صفة له،
~~وجعله أبو البقاء حالا من الضمير المستكن في { هلك } ، وقيل عليه: إن
~~المفسر غير مقصود حتى ادعى بعضهم أنه لا ضمير فيه لأنه تفسير لمجرد الفعل
~~بلا ضمير، وإن رد بقوله تعالى:

# قل لو أنتم تملكون

# [الإسراء: 100]، وقال أبو حيان: «الذي يقتضيه النظر أن ذلك ممتنع، وذلك
~~لأن المسند إليه في الحقيقة إنما هو الاسم الظاهر المعمول للفعل المحذوف
~~فهو الذي ينبغي أن يكون التقييد له، أما الضمير فإنه في جملة مفسرة لا
~~موضع لها من الإعراب فصارت كالمؤكدة لما سبق، وإذا دار الاتباع والتقييد
~~بين مؤكد ومؤكد فالوجه أن يكون للمؤكد بالفتح إذ هو معتمد الإسناد
~~الأصلي» ووافقه الحلبي، وقال السفاقسي: الأظهر أن هذا مرجح لا موجب،
~~والمراد من  الولد  على ما اختاره البعض الذكر لأنه المتبادر ولأن ms02215
~~الأخت وإن ورثت مع البنت  عند غير ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~والإمامية  لكنها لا ترث النصف بطريق الفرضية، وتعقبه بعض المحققين
~~مختارا العموم بأنه تخصيص من غير مخصص، والتعليل بأن الابن يسقط الأخت
~~دون البنت ليس بسديد لأن الحكم تعيين النصف، وهذا ثابت عند عدم الابن
~~والبنت غير ثابت عند وجود أحدهما، أما الابن فلأنه يسقط الأخت، وأما
~~البنت فلأنها تصيرها عصبة فلا يتعين لها فرض، نعم يكون نصيبها مع بنت
~~واحدة النصف بحكم العصوبة لا الفرضية فلا حاجة إلى تفسير الولد بالابن لا
~~منطوقا ولا مفهوما، وأيضا الكلام في الكلالة  وهو من لا يكون له ولد
~~أصلا  وكذا ما لا يكون له والد إلا أنه اقتصر على عدم ذكر الولد ثقة
~~بظهور الأمر والولد مشترك معنوي في سياق النفي فيعم، فلا بد للتخصيص من
~~مخصص وأنى به؟ فليفهم.

# وقوله تعالى: { وله أخت } عطف على { ليس له ولد } ويحتمل
~~الحالية، والمراد بالأخت الأخت من الأبوين والأب لأن الأخت من الأم فرضها
~~السدس، وقد مر بيانه في صدر السورة الكريمة [النساء: 12]. { فلها
~~نصف ما ترك } أي بالفرض والباقي للعصبة، أو لها بالرد إن لم يكن
~~له عصبة، والفاء واقعة في جواب الشرط { وهو } أي المرء المفروض {
~~يرثها } أي أخته المفروضة إن فرض هلاكها مع بقائه، والجملة مستأنفة
~~لا موضع لها من الإعراب؛ وقد سدت  كما قال أبو البقاء  مسد جواب الشرط
~~في قوله تعالى: { إن لم يكن لها ولد } ذكرا كان أو أنثى،
~~فالمراد بإرثه لها إحراز جميع مالها إذ هو المشروط بانتفاء الولد بالكلية
~~/ لا إرثه لها في الجملة فإنه يتحقق مع وجود بنتها، والآية كما لم تدل
~~على سقوط الأخوة بغير الولد لم تدل على عدم سقوطهم به، وقد دلت السنة على
~~أنهم لا يرثون مع الأب إذ صح عنه صلى الله عليه وسلم:

# " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر "

# ولا ريب في أن الأب أولى من الأخ وليس ما ذكر بأول حكمين بين أحدهما ms02216
~~بالكتاب والآخر بالسنة.

# { فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك }
~~عطف على الشرطية الأولى، والضمير لمن يرث بالأخوة، وتثنيته محمولة على
~~المعنى وحكم ما فوق الاثنتين كحكمهما، واستشكل الإخبار عن ضمير التثنية
~~بالاثنتين لأن الخبر لا بد أن يفيد غير ما يفيده المبتدأ، ولهذا لا يصح
~~سيد الجارية مالكها، وضمير التثنية دال على الاثنينية فلا يفيد الإخبار
~~عنه بما ذكر شيئا، وأجيب عن ذلك أن الاثنينية تدل على مجرد التعدد من
~~غير تقييد بكبر أو صغر أو غير ذلك من الأوصاف فكأنه قيل: إنهما يستحقان
~~ما ذكر بمجرد التعدد من غير اعتبار أمر آخر وهذا مفيد، وإليه ذهب الأخفش،
~~ورد بأن ضمير التثنية يدل على ذلك أيضا فعاد الإشكال، وروى مكي عنه أنه
~~أجاب بأن ذلك حمل على معنى من يرث، وأن الأصل والتقدير إن كان من يرث
~~بالإخوة اثنين، وإن كان من يرث ذكورا وإناثا فيما يأتي؛ وإنما قيل: {
~~كانتا } و { كانوا } لمطابقة الخبر كما قيل: من كانت أمك، ورد بأنه
~~غير صحيح وليس نظير المثال، لأنه صرح فيه بمن وله لفظ ومعنى، فمن أنث
~~راعى المعنى وهو الأم ولم يؤنث لمراعاة الخبر، ومدلول الخبر فيه مخالف
~~لمدلول الاسم بخلاف ما نحن فيه فإن مدلولهما واحد.

# وذكر أبو حيان لتخريج الآية وجهين: «الأول أن ضمير كانتا لا يعود على
~~الأختين بل على الوارثتين، وثم صفة محذوفة لاثنتين، والصفة مع الموصوف هو
~~الخبر، والتقدير: فإن كانتا أي الوارثتان اثنتين من الأخوات [فلهما
~~الثلثان مما ترك] فيفيد إذ ذاك الخبر ما لا يفيده الاسم، وحذف الصفة لفهم
~~المعنى جائز، والثاني أن يكون الضمير عائدا على الأختين  كما ذكروا 
~~ويكون خبر (كان) محذوفا لدلالة المعنى عليه وإن كان حذفه قليلا، ويكون
~~{ اثنتين } حالا مؤكدة، والتقدير فإن كانتا أي الأختان له أي للمرء
~~الهالك، ويدل على حذف [الخبر الذي هو] له { وله أخت } ». { وإن
~~كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ
~~الأنثيين } أصله وإن كانوا إخوة وأخوات فغلب المذكر بقرينة رجالا
~~ونساء الواقع ms02217 بدلا، وقيل: فيه اكتفاء.

# { يبين الله لكم } حكم الكلالة أو أحكامه وشرائعه التي من
~~جملتها حكمها، وإلى هذا ذهب أبو مسلم { أن تضلوا } أي كراهة أن
~~تضلوا في ذلك وهو رأي البصريين وبه صرح المبرد. وذهب الكسائي والفراء
~~وغيرهما من الكوفيين إلى تقدير اللام ولا في طرفي { إن } أي لئلا تضلوا،
~~وقيل: ليس: هناك حذف ولا تقدير وإنما المنسبك مفعول { يبين } أي يبين
~~لكم ضلالكم، ورجح هذا بأنه من حسن الختام والالتفات إلى أول السورة وهو

# يأيها الناس اتقوا ربكم

# [النساء: 1] فإنه سبحانه أمرهم بالتقوى وبين لهم ما كانوا عليه في
~~الجاهلية، ولما تم تفصيله قال عز وجل لهم: إني بينت لكم ضلالكم فاتقوني
~~كما أمرتكم فإن الشر إذا عرف اجتنب، والخير إذا عرف ارتكب، واعترض بأن
~~المبين صريحا هو الحق والضلال يعلم بالمقايسة، فكان الظاهر يبين لكم
~~الحق إلا أن يقال: بيان الحق واضح وبيان الضلال خفي فاحتيج إلى التنبيه
~~عليه، وفيه تأمل، وذكر الجلال السيوطي أن حسن الختام في هذه السورة أنها
~~ختمت بآية الفرائض، وفيها أحكام / الموت الذي هو آخر أمر كل حي وهي أيضا
~~آخر ما نزل من الأحكام { والله بكل شيء } من الأشياء التي من
~~جملتها أحوالكم المتعلقة بمحياكم ومماتكم { عليم } مبالغ في العلم
~~فيبين لكم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { إن الذين كفروا } ستروا ما
~~اقتضاه استعدادهم { وصدوا } ومنعوا غيرهم { عن }  سلوك { سبيل
~~الله } أي الطريق الموصلة إليه

# قد ضلوا ضللا بعيدا

# [النساء: 167] لحرمانهم أنفسهم وغيرهم عما فيه النجاة { إن الذين
~~كفروا وظلموا } منعوا استعدادهم عن حقوقها من الكمال بارتكاب
~~الرذائل { لم يكن الله ليغفر لهم } لبطلان استعدادهم

# ولا ليهديهم طريقا

# [النساء: 168] لجهلهم المركب واعتقادهم الفاسد { إلا طريق
~~جهنم } وهي نيران أشواق نفوسهم الخبيثة

# وكان ذلك على الله يسيرا

# [النساء: 169] لانجذابهم إليها بالطبيعة { يأهل الكتب لا
~~تغلوا فى دينكم } نهي لليهود والنصارى عند الكثيرين من ساداتنا،
~~وقد غلا الفريقان في دينهم، أما اليهود فتعمقوا في الظواهر ونفي البواطن
~~فحطوا ms02218 عيسى عليه السلام عن درجة النبوة والتخلق بأخلاق الله تعالى، وأما
~~النصارى فتعمقوا في البواطن ونفي الظواهر فرفعوا عيسى عليه السلام إلى
~~درجة الألوهية { ولا تقولوا على الله إلا الحق }
~~بالجمع بين الظواهر والبواطن والجمع والتفصيل كما هو التوحيد المحمدي {
~~إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله } الداعي
~~إليه { وكلمته ألقها إلى مريم } أي حقيقة من حقائقه
~~الدالة عليه { وروح منه } أي أمر قدسي منزه عن سائر النقائص، وذكر
~~الشيخ الأكبر قدس سره أن سبب تخصيص عيسى عليه السلام بهذا الوصف أن
~~النافخ له من حيث الصورة الجبريلية هو الحق تعالى لا غيره فكان بذلك
~~روحا كاملا مظهرا لاسم الله تعالى صادرا من اسم ذاتي ولم يكن صادرا
~~من الأسماء الفرعية كغيره وما كان بينه وبين الله تعالى وسائط كما في
~~أرواح الأنبياء غيره عليهم الصلاة والسلام فإن أرواحهم  وإن كانت من
~~حضرة اسم الله تعالى  لكنها بتوسط تجليات كثيرة من سائر الحضرات
~~الأسمائية فما سمي عيسى عليه السلام روح الله تعالى وكلمته إلا لكونه وجد
~~من باطن أحدية جمع الحضرة الإلهية ولذلك صدرت منه الأفعال الخاصة بالله
~~تعالى من إحياء الموتى وخلق الطير وتأثيره في الجنس العالي والجنس الدون،
~~وكانت دعوته عليه السلام إلى الباطن والعالم القدسي فإن الكلمة إنما هي
~~من باطن اسم الله تعالى وهويته الغيبية، ولذلك طهر الله تعالى جسمه من
~~الأقذار الطبيعية لأنه روح متجسدة في بدن مثالي روحاني إلى آخر ما ذكره
~~الإمام الشعراني في «الجواهر والدرر» { فآمنوا بالله ورسوله
~~} بالجمع والتفصيل { ولا تقولوا ثلثة } لأن ذلك ينافي
~~التوحيد الحقيقي، وعيسى عليه السلام في الحقيقة فان وجوده بوجود الله
~~تعالى وحياته عليه السلام بحياته جل شأنه وعلمه عليه السلام بعلمه سبحانه
~~{ إنما الله إله وحد } وهو الوجود المطلق حتى عن قيد
~~الإطلاق { سبحنه أن يكون له ولد } أي أنزهه عن أن يكون
~~موجود غيره متولد منه مجالس له في الوجود

# له ما في السموات وما في الأرض

# [النساء: 171] أي ما في سموات الأرواح وأرض ms02219 الأجساد لأنها مظاهر أسمائه
~~وصفاته عز شأنه { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا
~~لله }  في مقام التفصيل إذ كل ما ظهر فهو ممكن والممكن لا وجود له
~~بنفسه فيكون عبدا محتاجا ذليلا مفتقرا غير مستنكف عن ذلة العبودية {
~~ولا الملئكة المقربون } الذين هم أرواح مجردة وأنوار
~~قدسية محضة، وأما في مقام الجمع فلا عيسى ولا ملك ولا قرب ولا بعد ولا
~~ولا.

# .. { ومن يستنكف عن عبادته } بظهور أنانيته {
~~ويستكبر } بطغيانه في الظهور بصفاته

# فسيحشرهم إليه جميعا

# [النساء: 172] / بظهور نور وجهه وتجليه بصفة القهر حتى يفنوا بالكلية في
~~عين الجمع { فأما الذين ءامنوا } الإيمان الحقيقي بمحو الصفات
~~وطمس الذات { وعملوا الصلحت } وراعوا تفاصيل الصفات
~~وتجلياتها { فيوفيهم أجورهم } من جنات صفاته { ويزيدهم
~~من فضله } بالوجود الموهب لهم بعد الفناء { وأما الذين
~~استنكفوا } وأظهروا الأنانية { واستكبروا } وطغوا فقال
~~قائلهم: أنا ربكم الأعلى مع رؤيته نفسه

# فيعذبهم عذابا أليما

# [النساء: 173] باحتجابهم وحرمانهم { يأيها الناس قد جاءكم
~~برهان من ربكم } وهو التوحيد الذاتي

# وأنزلنا إليكم نورا مبينا

# [النساء: 174] وهو التفصيل في عين الجمع؛ فالأول: إشارة إلى القرآن،
~~والثاني: إلى الفرقان { فأما الذين ءامنوا بالله
~~واعتصموا به } ولم يلتفتوا إلى الأغيار من حيث أنها أغيار {
~~فسيدخلهم فى رحمة منه } وهي جنات الأفعال { وفضل }
~~وهو جنات الصفات

# ويهديهم إليه صرطا مستقيما

# [النساء: 175] وهو الفناء في الذات، أو  الرحمة  جنات الصفات، و 
~~الفضل  جنات الذات؛ و  الهداية إليه صراطا مستقيما  الاستقامة على
~~الوحدة في تفاصيل الكثرة، ولا حجر على أرباب الذوق، فكتاب الله تعالى بحر
~~لا تنزفه الدلاء، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، ونسأله التوفيق
~~لفهم كلامه، وشرح صدورنا بعوائد إحسانه وموائد إنعامه لا رب غيره ولا
~~يرجى إلا خيره.

### | [5 - سورة المائدة]

### || [5.1]

# بسم الله الرحمن الرحيم. { يأيها الذين ءامنوا
~~أوفوا بالعقود } الوفاء حفظ ما يقتضيه العقد والقيام بموجبه،
~~ويقال: وفى ووفى وأوفى بمعنى، لكن في المزيد مبالغة ليست في المجرد، وأصل
~~العقد الربط محكما، ثم تجوز به عن العهد الموثق، وفرق الطبرسي بين العقد
~~والعهد ms02220 «بأن العقد فيه معنى الاستيثاق والشد ولا يكون إلا بين اثنين،
~~والعهد قد يتفرد به واحد» واختلفوا في المراد بهذه العقود على أقوال:
~~أحدها: أن المراد به العهود التي أخذ الله تعالى على عباده بالإيمان به
~~وطاعته فيما أحل لهم أو حرم عليهم وهو مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما، وثانيها: العقود التي يتعاقدها الناس بينهم كعقد الأيمان وعقد
~~النكاح وعقد البيع ونحو ذلك، وإليه ذهب ابن زيد وزيد بن أسلم، وثالثها:
~~العهود التي كانت تؤخذ في الجاهلية على النصرة والمؤازرة على من ظلم،
~~وروي ذلك عن مجاهد والربيع وقتادة. وغيرهم؛ ورابعها: العهود التي أخذها
~~الله تعالى على أهل الكتاب بالعمل بما في التوراة والإنجيل مما يقتضي
~~التصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وروي ذلك عن ابن جريج
~~وأبي صالح، وعليه فالمراد من { الذين ءامنوا } مؤمنو أهل الكتاب؛
~~وهو خلاف الظاهر، واختار بعض المفسرين أن المراد بها ما يعم جميع ما
~~ألزمه الله تعالى عباده وعقد عليهم من التكاليف والأحكام الدينية، وما
~~يعقدونه فيما بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوهما مما يجب الوفاء
~~به، أو يحسن دينا، ويحمل الأمر على مطلق الطلب ندبا أو وجوبا، ويدخل
~~في ذلك اجتناب المحرمات والمكروهات لأنه أوفق بعموم اللفظ إذ هو جمع محلى
~~باللام وأوفى بعموم الفائدة.

# واستظهر الزمخشري «كون المراد بها عقود الله تعالى عليهم في دينه من
~~تحليل حلاله وتحريم حرامه» لما فيه  كما في «الكشف»  من براعة
~~الاستهلال والتفصيل بعد الإجمال، لكن ذكر فيه أن مختار البعض أولى لحصول
~~الغرضين وزيادة التعميم، وأن السور الكريمة مشتملة على أمهات التكاليف
~~الدينية في الأصول والفروع، ولو لم يكن / إلا

# وتعاونوا على البر والتقوى

# [المائدة: 2] و

# اعدلوا هو أقرب للتقوى

# [المائدة: 8] لكفى، وتعقب بما لا يخلو عن نظر. وزعم بعضهم أن فيه نزع
~~الخف قبل الوصول إلى الماء، وما استظهره الزمخشري خال عن ذلك، والأمر فيه
~~هين، وفي القول بالعموم رغب الراغب  كما هو الظاهر  فقد قال: العقود
~~باعتبار ms02221 المعقود، والعاقد ثلاثة أضرب، عقد بين الله تعالى وبين العبد،
~~وعقد بين العبد ونفسه، وعقد بينه وبين غيره من البشر، وكل واحد باعتبار
~~الموجب له ضربان: ضرب أوجبه العقل وهو ما ركز الله تعالى معرفته في
~~الإنسان فيتوصل إليه إما ببديهة العقل، وإما بأدنى نظر دل عليه قوله
~~تعالى:

# وإذ أخذ ربك من بني ءادم

# [الأعراف: 172] الآية، وضرب أوجبه الشرع وهو ما دلنا عليه كتاب الله
~~تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فذلك ستة أضرب، وكل واحد من ذلك إما
~~أن يلزم ابتداء أو يلزم بالتزام الإنسان إياه، والثاني أربعة أضرب:
~~فالأول: واجب الوفاء كالنذور المتعلقة بالقرب نحو أن يقول: علي أن أصوم
~~إن عافاني الله تعالى، والثاني: مستحب الوفاء به ويجوز تركه كمن حلف على
~~ترك فعل مباح فإن له أن يكفر عن يمينه ويفعل ذلك، والثالث: يستحب ترك
~~الوفاء به، وهو ما قال صلى الله عليه وسلم:

# " إذا حلف أحدكم على شيء فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير منه
~~وليكفر عن يمينه "

# ، والرابع: واجب ترك الوفاء به نحو أن يقول: علي أن أقتل فلانا المسلم،
~~فيحصل من ضرب ستة في أربعة أربعة وعشرون ضربا، وظاهر الآية يقتضي كل عقد
~~سوى ما كان تركه قربة أو واجبا فافهم ولا تغفل.

# { أحلت لكم بهيمة الأنعام } شروع في تفصيل الأحكام التي
~~أمر بإيفائها، وبدأ سبحانه بذلك لأنه مما يتعلق بضروريات المعاش، و 
~~البهيمة  من ذوات الأرواح ما لا عقل له مطلقا، وإلى ذلك ذهب الزجاج،
~~وسمي بهيمة لعدم تمييزه وإبهام الأمر عليه. ونقل الإمام الشعراني عن شيخه
~~علي الخواص قدس سره أن سبب تسمية البهائم بهائم ليس إلا لكون أمر كلامها
~~وأحوالها أبهم على غالب الخلق لا أن الأمر أبهم عليها، وذكر ما يدل على
~~عقلها وعلمها، وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى. وقال غير واحد:
~~البهيمة اسم لكل ذي أربع من دواب البر والبحر، وإضافتها إلى الأنعام
~~للبيان كثوب خز أي أحل لكم أكل البهيمة من ms02222 الأنعام، وهي الأزواج الثمانية
~~المذكورة في سورتها، واعترض بأن البهيمة اسم جنس، والأنعام نوع منه،
~~فإضافتها إليه كإضافة حيوان إنسان وهي مستقبحة، وأجيب بأن إضافة العام
~~إلى الخاص إذا صدرت من بليغ وقصد بذكره فائدة فحسنة  كمدينة بغداد  فإن
~~لفظ بغداد لما كان غير عربي لم يعهد معناه أضيف إليه مدينة لبيان مسماه
~~وتوضيحه  وكشجر الأراك  فإنه لما كان الأراك يطلق على قضبانه أضيف
~~لبيان المراد وهكذا وإلا فلغو زائد مستهجن، وهنا لما كان الأنعام قد يختص
~~بالإبل إذ هو أصل معناه على ما قيل، ولذا لا يقال: النعم إلا لها أضيف
~~إليه بهيمة إشارة إلى ما قصد به، وذكر البهيمة وإفرادها لإرادة الجنس،
~~وجمع الأنعام ليشمل أنواعها وألحق بهما الظباء وبقر الوحش، وقيل: هما
~~المراد بالبهيمة ونحوهما مما يماثل الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب،
~~وروي ذلك عن الكلبي.

# والفراء، وإضافتها إلى الأنعام حينئذ لملابسة المشابهة بينهما، وجوز بعض
~~المحققين في إضافة المشبه للمشبه به كونها بمعنى اللام على جعل ملابسة
~~المشبه اختصاصا بينهما، أو بمعنى من البيانية على جعل المشبه نفسه
~~المشبه به، وفائدة هذه الإضافة هنا الإشعار بعلة الحكم المشتركة بين
~~المتضايفين كأنه قيل: أحلت لكم البهيمة المشبهة بالأنعام التي بين
~~إحلالها فيما سبق لكم المماثلة لها في مناط الحكم، وقيل: المراد ببهيمة
~~الأنعام ما يخرج من بطونها من الأجنة بعد ذكاتها / وهي ميتة، وروي ذلك عن
~~ابن عباس وابن عمر  وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله
~~تعالى عنهم  فيكون مفاد الآية صريحا حل أكلها، وبه قال الشافعي، واستدل
~~عليه بغير ما خبر، ويفهم منها حل الأنعام، وتقديم الجار والمجرور على
~~القائم مقام الفاعل لإظهار العناية بالمقدم لما فيه من تعجيل المسرة
~~والتشويق إلى ذكر المؤخر.

# وفي الآية رد على المجوس فإنهم حرموا ذبح الحيوانات وأكلها قالوا: لأن
~~ذبحها إيلام والإيلام قبيح خصوصا إيلام من بلغ في العجز إلى حيث لا يقدر
~~أن يدفع عن نفسه والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم. وزعموا ms02223 لعنهم
~~الله تعالى أن إيلام الحيوانات إنما يصدر من الظلمة دون النور،
~~والتناسخية لم يجوزوا صدور الآلام منه تعالى ابتداءا بوجه من الوجوه إلا
~~بطريق المجازاة على ما سبق من اقتراف الجرائم، والتزموا أن البهائم مكلفة
~~عالمة بما يجري عليها من الآلام وأنها مجازاة على فعلها ولولا ذلك لما
~~تصور انزجارها بالآلام عن العود إلى الجريمة بتقدير انتقالها إلى بدن
~~أشرف. وزعم البعض منهم أنه ما من جنس من البهائم إلا وفيهم نبي مبعوث
~~إليهم من جنسهم، بل زعم آخرون أن جميع الجمادات أحياء مكلفة وأنها مجازاة
~~على ما تقترفه من الخير والشر، ونسب نحوا من ذلك الإمام الشعراني إلى
~~السادة الصوفية، وأبى أهل الظاهر ذلك كل الإباء، ولما أشكل على البكرية
~~من المسلمين الجواب عن هذه الشبهة على أصولهم واعتقدوا ورود الأمر بذبح
~~الحيوانات من الله تعالى زعموا أن البهائم لا تتألم وكذلك الأطفال الذين
~~لا يعقلون، ولا يخفى أن ذلك مصادم للبديهة ولا يقصر عن إنكار حياة
~~المذكورين وحركاتهم وحسهم وإدراكهم، وأجاب المعتزلة بما رده أهل السنة،
~~وأجابوا بأن الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله تعالى في خالص ملكه فلا
~~اعتراض عليه، والتحسين والتقبيح العقليان قد طوي بساط الكلام فيهما في
~~علم الكلام، وكذا القول بالنور والظلمة، وقال بعض المحققين: لما كان
~~الإنسان أشرف أنواع الحيوانات وبه تمت نسخة العالم لم يقبح عقلا جعل شيء
~~مما دونه غداءا له مأذونا بذبحه وإيلامه اعتناءا بمصلحته حسبما تقتضيه
~~الحكمة التي لا يحلق إلى سرها طائر الأفكار، وقال بعض الناس: الآية مجملة
~~لاحتمال أن يكون المراد إحلال الانتفاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو
~~الكل، وفيه نظر لأن ظهور تقدير الأكل مما لا يكاد ينتطح فيه كبشان.

# نعم ذكر ابن السبكي وغيره أن قوله تعالى: { إلا ما يتلى
~~عليكم } مجمل للجهل بمعناه قبل نزول مبينه، ويسري الإجمال إلى ما
~~تقدم، ولكن ذاك ليس محل النزاع، والاستثناء متصل من { بهيمة } بتقدير
~~مضاف محذوف مما يتلي أي إلا محرم ما يتلى عليكم، ms02224 وعنى بالمحرم الميتة وما
~~أهل لغير الله به إلى آخر ما ذكر في الآية الثالثة من السورة، أو من فاعل
~~{ يتلى } أي إلا ما يتلى عليكم آية تحريمة لتكون { ما } عبارة عن
~~البهيمة المحرمة لا اللفظ المتلو، وجوز اعتبار التجوز في الإسناد من غير
~~تقدير وليس بالبعيد؛ وأما جعله مفرغا من الموجب في موقع الحال أي إلا
~~كائنة على الحالات المتلوة فبعيد  كما قال الشهاب  جدا؛ وذهب بعضم إلى
~~أنه منقطع بناءا على الظاهر لأن المتلو لفظ، والمستثنى منه ليس من جنسه؛
~~والأكثرون على الأول، ومحل المستثنى النصب، وجوز الرفع على ما حقق في
~~النحو.

# { غير محلى الصيد } حال من الضمير في { لكم } على ما عليه
~~أكثر المفسرين، والصيد يحتمل المصدر والمفعول، وقوله تعالى: { وأنتم
~~حرم } حال عما استكن في محل / والحرم جمع حرام وهو المحرم، ومحصل
~~المعنى أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الاصطياد، أو أكل الصيد في
~~الإحرام، وفسر الزمخشري عدم إحلال الصيد في حالة الإحرام بالامتناع عنه
~~وهم محرمون حيث قال: كأنه قيل: أحللنا لكم بعض الأنعام في حالة امتناعكم
~~عن الصيد وأنتم حرم لئلا يكون عليكم حرج، ولم يحمل الإحلال على اعتقاد
~~الحل ظنا منه أن تقييد الإحلال بعدم اعتقاد الحل غير موجه، وقد يقال: إن
~~الأمر كذلك لو كان المراد مطلق اعتقاد الحل أما لو كان المراد عدم اعتقاد
~~ناشيء من الشرع ومترتب منه فلا لأن حاله إن لم يكن عين حال الامتناع فليس
~~بالأجنبي عنه كما لا يخفى على المتدبر، وأشار إليه شيخ مشايخنا جرجيس
~~أفندي الإربلي رحمة الله تعالى عليه.

# واعترض في «البحر» على ما ذهب إليه الأكثرون بأنه يلزم منه تقييد إحلال
~~بهيمة الأنعام بحال انتفاء حل الصيد وهم حرم، وهي قد أحلت لهم مطلقا فلا
~~يظهر له فائدة إلا إذا أريد ببهيمة الأنعام الصيود المشبهة بها كالظباء
~~وبقر الوحش وحمره، ودفع بأنه مع عدم اطراد اعتبار المفهوم يعلم منه غيره
~~بالطريق الأولى لأنها إذا أحلت في عدم الإحلال لغيرها وهم محرمون ms02225 لدفع
~~الحرج عنهم، فكيف في غير هذه الحال؟ فيكون بيانا لإنعام الله تعالى
~~عليهم بما رخص لهم من ذلك وبيانا لأنهم في غنية عن الصيد وانتهاك حرمة
~~الحرم.

# وعبارة الزمخشري كالصريحة في ذلك، ودفعه العلامة الثاني بأن المراد من
~~الأنعام ما هو أعم من الإنسي والوحشي مجازا أو تغليبا أو دلالة أو
~~كيفما شئت، وإحلالها على عمومها مختص بحال كونكم غير محلين الصيد في
~~الإحرام إذ معه يحرم البعض وهو الوحش، ولا يخفى أنه توجيه وحشي لا ينبغي
~~لحمزة  غابة التنزيل  أن يقصده من مراصد عباراته، وذهب الأخفش إلى أن
~~انتصاب { غير } على الحالية من ضمير { أوفوا } وضعف بأن فيه الفصل
~~من الحال وصاحبها بجملة ليست اعتراضية إذ هي مبينة، وتخلل بعض أجزاء
~~المبين بين أجزاء المبين مع ما يجب فيه من تخصيص العقود بما هو واجب أو
~~مندوب في الحج، وإلا فلا يبقى للتقييد بتلك الحال  مع أنهم مأمورون
~~بمطلق العقود مطلقا  وجه.

# وزعم العلامة أنه أقرب من الأول معنى وإن كان أبعد لفظا، واستدل عليه
~~بما هو على طرف الثمام، ثم قال: ومنهم من جعله حالا من فاعل أحللنا
~~المدلول عليه بقوله تعالى: { أحلت لكم } ويستلزم جعل { وأنتم
~~حرم } أيضا حالا من مقدر أي حال كوننا غير محلين الصيد في حال
~~إحرامكم وليس ببعيد إلا من جهة انتصاب حالين متداخلين من غير ظهور ذي
~~الحال في اللفظ. وتعقبه أبوحيان «بأنه فاسد لأنهم نصوا على أن الفاعل
~~المحذوف في مثل هذا يصير نسيا منسيا فلا يجوز وقوع الحال منه، قد قالوا
~~لو قلت: أنزل الغيث مجيبا لدعائهم على أن مجيبا حال من فاعل الفعل
~~المبني للمفعول لم يجز لا سيما على مذهب القائلين: بأن المبني للمفعول
~~صيغة أصلية ليست محولة عن المعلوم على أن في التقييد أيضا مقالا، وجعله
~~بعضهم حالا من الضمير المجرور في { عليكم } ويريده أن الذي يتلى لا
~~يتقيد بحال انتفاء إحلالهم الصيد وهم حرم، بل هو يتلي عليهم في هذه الحال
~~وفي غيرها»، ونقل العلامة ms02226 البيضاوي عن بعض أن النصب على الاستثناء، وذكر
~~أن فيه تعسفا، وبينه مولانا شيخ الكل في الكل صبغة الله أفندي الحيدري
~~عليه الرحمة بأنه لو كان استثناءا لكان إما من الضمير في { لكم } أو
~~في { أوفوا } إذ لا جواز لاستثنائه من بهيمة الأنعام وعلى الأول: يجب
~~أن يخص البهيمة بما عدا الأنعام مما يماثلها، أو تبقى على العموم لكن /
~~بشرط إدارة المماثل فقط في حيز الاستثناء، وأن يجعل قوله تعالى: {
~~وأنتم حرم } من تتمة المستثنى بأن يكون حالا عما استكن في {
~~محلي } ليصح الاستثناء إذ لا صحة له بدون هذين الاعتبارين، فسوق
~~العبارة يقتضي أن يقال: وهم حرم لأن الاستثناء أخرج المحلين من زمرة
~~المخاطبين، واعتبار الالتفات هنا بعيد لكونه رافعا فيما هو بمنزلة كلمة
~~واحدة، وعلى الثاني: يجب تخصيص العقود بالتكاليف الواردة في الحج، وتأويل
~~الكلام الطلبي بما يلزمه من الخبر مع ما يلزمه من الفصل بين المستثنى
~~والمستثنى منه بالأجنبي، وكل ذلك تعسف أي تعسف انتهى، وكأنه رحمه الله
~~تعالى لم يذكر احتمال كون الاستثناء من الاستثناء، مع أن القرطبي نقله
~~عن البصريين لأن ذلك فاسد  كما قاله القرطبي وأبو حيان  لا متعسف إذ
~~يلزم عليه إباحة الصيد في الحرم لأن المستثنى من المحرم حلال، نعم ذكر
~~أبو حيان أنه استثناء من بهيمة الأنعام على وجه عينه؛ وأنفه التكلف
~~والتعسف فقد قال رحمه الله تعالى «إنما عرض الإشكال في الآية حتى اضطرب
~~الناس في تخريجها من كون رسم { محلى } بالياء فظنوا أنه اسم فاعل من
~~أحل، وأنه مضاف إلى الصيد إضافة اسم الفاعل المتعدي إلى المفعول، وأنه
~~جمع حذف منه النون للإضافة، وأصل غير محلين الصيد.

# والذي يزول به الإشكال ويتضح المعنى أن يجعل قوله تعالى: { غير
~~محلى الصيد } من باب قولهم: حسان النساء، والمعنى النساء الحسان،
~~وكذا هذا أصله غير الصيد المحل، والمحل صفة للصيد لا للناس [ولا للفاعل
~~المحذوف]، ووصف الصيد بأنه محل، إما بمعنى داخل في الحل كما تقول أحل
~~الرجل أي دخل في الحل، ms02227 وأحرم أي دخل في الحرم، أو بمعنى صار ذا حل أي
~~حلالا بتحليل الله تعالى، ومجيء أفعل على الوجهين المذكورين كثير في
~~لسان العرب، فمن الأول: أعرق وأشأم وأيمن وأنجد وأتهم، ومن الثاني: أعشبت
~~الأرض وأبقلت، وأغد البعير، وإذا تقرر أن الصيد يوصف بكونه محلا باعتبار
~~[أحد] الوجهين اتضح كونه استثناءا ثانيا، ثم إن كان المراد ببهيمة
~~الأنعام أنفسها فهو استثناء منقطع، أو الظباء ونحوها فمتصل على تفسير
~~المحل بالذي يبلغ الحل في حال كونهم محرمين، فإن قلت: ما فائدة هذا
~~الاستثناء بقيد بلوغ الحل والصيد الذي في الحرم لا يحل أيضا؟ قلت: الصيد
~~الذي في الحرم لا يحل للمحرم ولا لغير المحرم، والقصد بيان تحريم ما يختص
~~تحريمه بالمحرم. فإن قلت: ما ذكرته من هذا التوجيه الغريب يعكر عليه رسمه
~~في المصحف بالياء والوقف عليه بها. قلت: قد كتبوا في المصحف أشياء تخالف
~~النطق نحو

# لأ اذبحنه

# [النمل: 21] بالألف، والوقف اتبعوا فيه الرسم» انتهى.

# وتعقبه السفاقسي بمثل ما قدمناه من حيث زيادة الياء، وفيها التباس
~~المفرد بالجمع وهم يفرون من زيادة أو نقصان في الرسم، فكيف يزيدون زيادة
~~ينشأ عنها لبس؟ ومن حيث إضافة الصفة للموصوف وهو غير مقيس، وقال الحلبي:
~~إن فيه خرقا للإجماع فإنهم لم يعربوا { غير } إلا حالا، وإنما
~~اختلفوا في صاحبها، ثم قال السفاقسي: ويمكن فيه تخريجان: أحدهما أن يكون
~~{ غير } استثناءا منقطعا، { محلى } جمع على بابه، والمراد به
~~الناس الداخلون حل الصيد، أي لكن إن دخلتم حل الصيد فلا يجوز لكم
~~الاصطياد، والثاني: أن يكون متصلا من بهيمة الأنعام وفي الكلام حذف
~~مضاف، أي أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا صيد الداخلين حل الاصطياد وأنتم حرم
~~فلا يحل، ويحتمل أن يكون على بابه من التحليل، ويكون الاستثناء متصلا
~~والمضاف محذوف، أي إلا صيد محلي الاصطياد وأنتم حرم، والمراد بالمحلين
~~الفاعلون فعل من يعتقد التحليل فلا يحل، ويكون معناه أن صيد الحرم
~~كالميتة لا يحل أكله مطلقا، ويحتمل أن يكون حالا من ضمير { لكم }
~~وحذف المعطوف ms02228 / للدلالة عليه وهو كثير، وتقديره غير محلي الصيد محليه كما
~~قال تعالى:

# تقيكم الحر

# [النحل: 81] أي والبرد، وهو تخريج حسن. هذا ولا يخفى أن يد الله تعالى
~~مع الجماعة، وأن ما ذكره غيرهم لا يكاد يسلم من الاعتراض.

# { إن الله يحكم ما يريد } من الأحكام حسبما تقتضيه مشيئته
~~المبنية على الحكم البالغة التي تقف دونها الأفكار، فيدخل فيها ما ذكره
~~من التحليل والتحريم دخولا أوليا، وضمن { يحكم } معنى يفعل، فعداه
~~بنفسه وإلا فهو متعد بالباء.

### || [5.2]

# { يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعئر الله }
~~لما بين سبحانه حرمة إحلال الحرم الذي هو من شعائر الحج عقب جل شأنه
~~ببيان [حرمة] إحلال سائر الشعائر، وهو جمع شعيرة، وهي اسم لما أشعر، أي
~~جعل شعارا وعلامة للنسك من (مواقف) الحج ومرامي الجمار والطواف والمسعى،
~~والأفعال التي هي علامات الحاج يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي
~~والحلق والنحر، وإضافتها إلى الله تعالى لتشريفها وتهويل الخطب في
~~إحلالها، والمراد منه التهاون بحرمتها، وأن يحال بينها وبين المتنسكين
~~بها، وروي عن عطاء أنه فسر الشعائر بمعالم حدود الله تعالى وأمره ونهيه
~~وفرضه، وعن أبي علي الجبائي أن المراد بها العلامات المنصوبة للفرق بين
~~الحل والحرم، ومعنى إحلالها عنده مجاوزتها إلى مكة بغير إحرام، وقيل: هي
~~الصفا والمروة، والهدي من البدن وغيرها، وروي ذلك عن مجاهد.

# { ولا الشهر الحرام } أي لا تحلوه بأن تقاتلوا فيه أعداءكم من
~~المشركين  كما روي عن ابن عباس وقتادة  أو بالنسيء كما نقل عن
~~القتيبي، والأول هو الأولى بحال المؤمنين. واختلف في المراد منه فقيل:
~~رجب، وقيل: ذو القعدة، وروي ذلك عن عكرمة، وقيل: الأشهر الأربعة الحرم،
~~واختاره الجبائي والبلخي، وإفراده لإرادة الجنس { ولا الهدى } بأن
~~يتعرض له بالغصب أو بالمنع من أن يبلغ محله، والمراد به ما يهدى إلى
~~الكعبة من إبل أو بقر أو شاء، وهو جمع هدية  كجدي وجدية  وهي ما يحشى
~~تحت السرج والرحل، وخص ذلك بالذكر بناءا على دخوله في الشعائر لأن فيه
~~نفعا للناس، ولأنه مال ms02229 قد يتساهل فيه، وتعظيما له لأنه من أعظمها {
~~ولا القلئد } جمع قلادة وهي ما يقلد به الهدي من نعل أو لحاء
~~شجر أو غيرهما ليعلم أنه هدي فلا يتعرض له، والمراد النهي عن التعرض
~~لذوات القلائد من الهدي وهي البدن، وخصت بالذكر تشريفا لها واعتناءا
~~بها، أو التعرض لنفس القلائد مبالغة في النهي عن التعرض لذواتها كما في
~~قوله تعالى:

# ولا يبدين زينتهن

# [النور: 31] فإنهن إذا نهين عن إظهار الزينة كالخلخال والسوار علم النهي
~~عن إبداء محلها بالطريق الأولى، ونقل عن أبي علي الجبائي أن المراد
~~النهي عن إحلال نفس القلائد، وإيجاب التصدق بها إن كانت لها قيمة، وروي
~~ذلك عن الحسن، وروى عن السدي أن المراد من القلائد: أصحاب الهدي فإن
~~العرب كانوا يقلدون من لحاء شجر مكة يقيم الرجل بمكة حتى إذا انقضت
~~الأشهر الحرم، وأراد أن يرجع إلى أهله قلد نفسه وناقته من لحاء الشجر
~~فيأمن حتى يأتي أهله، وقال الفراء: أهل الحرم كانوا يتقلدون بلحاء الشجر،
~~وغير أهل الحرم كانوا يتقلدون بالصوف والشعر وغيرهما، وعن الربيع.

# وعطاء أن المراد نهي المؤمنين أن ينزعوا شيئا من شجر الحرم يقلدون به
~~كما كان المشركون يفعلونه في جاهليتهم.

# { ولا آمين البيت الحرام } أي ولا تحلوا أقواما قاصدين
~~البيت الحرام بأن تصدوهم عنه بأي وجه كان، وجوز أن يكون على حذف مضاف أي
~~قتال قوم أو أذى قوم آمين. / وقرىء  ولا آمي البيت الحرام  بالإضافة، و
~~(البيت) مفعول به لا ظرف، ووجه عمل اسم الفاعل فيه ظاهر، وقوله تعالى: {
~~يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } حال من المستكن في {
~~آمين } ، وجوز أن يكون صفة، وضعف بأن اسم الفاعل الموصوف لا يعمل لضعف
~~شبهه بالفعل الذي عمل بالحمل عليه لأن الموصوفية تبعد الشبه بأنها من
~~خواص الأسماء، وأجيب بأن الوصف إنما يمنع من العمل إذا تقدم المعمول، فلو
~~تأخر لم يمنع لمجيئه بعد الفراغ من مقتضاه كما صرح به صاحب «اللب» وغيره،
~~وتنكير (فضلا) و (رضوانا) للتفخيم، و { من ربهم } متعلق بنفس ms02230
~~الفعل، أو بمحذوف وقع صفة  لفضلا  مغنية عن وصف ما عطف عليه بها، أي
~~فضلا كائنا من ربهم ورضوانا كذلك، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة
~~إلى ضميرهم لتشريفهم والإشعار بحصول مبتغاهم، والمراد بهم المسلمون خاصة،
~~والآية محكمة. وفي الجملة إشارة إلى تعليل النهي واستنكار النهي عنه كذا
~~قيل، واعترض بأن التعرض للمسلمين حرام مطلقا سواء كانوا آمين أم لا، فلا
~~وجه لتخصيصهم بالنهي عن الإحلال، ولذا قال الحسن وغيره: المراد بالآمين
~~هم المشركون خاصة، والمراد من الفضل حينئذ الربح في تجاراتهم، ومن
~~الرضوان ما في زعمهم، ويجوز إبقاء الفضل على ظاهره إذا أريد ما في الزعم
~~أيضا لكنه لما أمكن حمله على ما هو في نفس الأمر كان حمله عليه أولى،
~~ويؤيد هذا القول أن الآية نزلت  كما قال السدي وغيره 

# " في رجل من بني ربيعة يقال له الحطيم بن هند، وذلك أنه أتى إلى النبي
~~صلى الله عليه وسلم وحده وخلف خيله خارج المدينة فقال: «إلى مه تدعو
~~الناس؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام
~~الصلاة، وإيتاء الزكاة» فقال: حسن إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم،
~~ولعلي أسلم وآتي بهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه:
~~«يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان» ثم خرج من عنده، فلما خرج قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: «لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر وما الرجل
~~بمسلم»، فمر بسرح المدينة فاستاقه وانطلق به وهو يرتجز ويقول:

# قد لفها الليل بسواق حطم * ليس براعي إبل ولا غنم

# ولا بخوار على ظهر قطم * باتوا نياما وابن هند لم ينم

# بات يقاسيها غلام كالزلم * مدملج الساقين ممسوح القدم

# فطلبه المسلمون فعجزوا، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام قضاء
~~العمرة التي أحصر عنها سمع تلبية حجاج اليمامة فقال صلى الله عليه وسلم:
~~«هذا الحطيم وأصحابه فدونكموه "

# وكان قد قلد ما نهب من السرح وجعله هديا فلما توجهوا لذلك نزلت الآية ms02231
~~فكفوا وروي عن ابن زيد أنها نزلت يوم فتح مكة في فوارس يؤمون البيت من
~~المشركين يهلون بعمرة فقال المسلمون: يا رسول الله هؤلاء المشركون مثل
~~هؤلاء، دعنا نغير عليهم، فأنزل الله سبحانه الآية.

# واختلف القائلون بأن المراد من الآمين: المشركون في النسخ وعدمه، فعن
~~ابن جريج أنه لا نسخ لأنه يجوز أن يبتدىء المشركون في الأشهر الحرم
~~بالقتال، وأنت تعلم أن الآية ليست نصا في القتال على تقدير تسليم ما في
~~حيز التعليم، وقال أبو مسلم: إن الآية منسوخة بقوله تعالى:

# فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا

# [التوبة: 28]، وقيل: بآية السيف، وقيل: بهما، وقيل: لم ينسخ من هذه
~~الآية إلا القلائد، وروي ذلك عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وادعى بعضهم أن
~~المراد بالآمين: ما يعم المسلمين والمشركين، وخصوص السبب لا يمنع عموم
~~اللفظ، والنسخ حينئذ في حق المشركين خاصة. / وبعض الأئمة يسمي مثل ذلك
~~تخصيصا كما حقق في الأصول، ولا بد على هذا من تفسير الفضل والرضوان بما
~~يناسب الفريقين، وقرأ حميد بن قيس الأعرج { تبتغون } بالتاء على
~~خطاب المؤمنين، والجملة على ذلك حال من ضمير المخاطبين في { لا
~~تحلوا } على أن المراد بيان منافاة حالهم هذه للمنهي عنه لا تقييد
~~النهي بها، واعترض بأنه لو أريد خطاب المؤمنين لكان المناسب من ربكم
~~وربهم، وأجيب بأن ترك التعبير بما ذكر للتخويف بأن ربهم يحميهم ولا يرضى
~~بما فعلوه وفيه بلاغة لا تخفى وإشارة إلى ما مر من أن الله تعالى رب
~~العالمين لا المسلمين فقط، وقال شيخ الإسلام: إن إضافة الرب إلى ضمير {
~~آمين } على قراءة الخطاب للإيماء إلى اقتصار التشريف عليهم وحرمان
~~المخاطبين عنه وعن نيل المبتغى، وفي ذلك من تعليل النهي وتأكيده
~~والمبالغة في استنكار المنهي عنه ما لا يخفى.

# { وإذا حللتم } من الإحرام المشار إليه بقوله سبحانه: {
~~وأنتم حرم }  { فاصطادوا } أي فلا جناح عليكم بالاصطياد
~~لزوال المانع، فالأمر للإباحة بعد الحظر ومثله لا تدخلن هذه الدار حتى
~~تؤدي ثمنها فإذا أديت فادخلها أي إذا ms02232 أديت أبيح لك دخولها، وإلى كون
~~الأمر للإباحة بعد الحظر ذهب كثير. وقال صاحب «القواطع»: إنه ظاهر كلام
~~الشافعي في «أحكام القرآن»، ونقله ابن برهان [في «الوجيز»] عن أكثر
~~الفقهاء والمتكلمين لأن سبق الحظر قرينة صارفة، وهو أحد ثلاثة مذاهب في
~~المسألة، ثانيها: أنه للوجوب لأن الصيغة تقتضيه، ووروده بعد الحظر لا
~~تأثير له، وهو اختيار القاضي أبي الطيب [الطبري في «شرح الكفاية»]
~~والشيخ أبي إسحاق و [ابن] السمعاني والإمام في «المحصول»، ونقله الشيخ
~~أبو حامد الإسفرايني في «كتابه» عن أكثر الشافعية، ثم قال: وهو قول كافة
~~الفقهاء، وأكثر المتكلمين، وثالثها: الوقف بينهما، وهو قول إمام الحرمين
~~مع كونه أبطل الوقف في لفظه ابتداءا من غير تقدم حظر، ولا يبعد  على ما
~~قاله الزركشي  أن يقال هنا برجوع الحال إلى ما كان قبل، كما قيل في
~~مسألة النهي الوارد بعد الوجوب.

# ومن قال: إن حقيقة الأمر المذكور للإيجاب قال: إنه مبالغة في صحة المباح
~~حتى كأنه واجب، وقيل: إن الأمر في مثله لوجوب اعتقاد الحل فيكون التجوز
~~في المادة كأنه قيل: اعتقدوا حل الصيد وليس بشيء، وقرىء  أحللتم  وهو
~~لغة في حل، وعن الحسن أنه قرىء { فاصطادوا } بكسر الفاء بنقل حركة
~~همزة الوصل عليها، وضعفت من جهة العربية بأن النقل إلى المتحرك مخالف
~~للقياس، وقيل: إنه لم يقرأ بكسرة محضة بل أمال لإمالة الطاء، وإن كانت من
~~المستعلية.

# { ولا يجرمنكم } أي لا يحملنكم كما فسره به قتادة، ونقل عن
~~ثعلب والكسائي وغيرهما، وأنشدوا له بقوله:

# ولقد طعنت أبا عيينة طعنة

# (جرمت) فزارة بعدها أن تغضبا

# فجرم على هذا يتعدى لواحد بنفسه، وإلى الآخر بعلى، وقال الفراء وأبو
~~عبيدة: المعنى لا يكسبنكم، وجرم جار مجرى كسب في المعنى، والتعدي إلى
~~مفعول واحد وإلى اثنين يقال: جرم ذنبا نحو كسبه، وجرمته ذنبا نحو كسبته
~~إياه خلا أن جرم يستعمل غالبا في كسب ما لا خير فيه، وهو السبب في
~~إيثاره ههنا على الثاني، ومنه الجريمة، وأصل مادته موضوعة لمعنى القطع
~~لأن الكاسب ms02233 ينقطع لكسبه، وقد يقال: أجرمته ذنبا على نقل المتعدي إلى
~~مفعول بالهمزة إلى مفعولين كما يقال: أكسبته ذنبا، وعليه قراءة عبد الله
~~(لا يجرمنكم) بضم الياء { شنئآن قوم } بفتح النون؛ وقرأ ابن عامر
~~وأبو بكر عن عاصم، وإسماعيل عن نافع بسكونها، / وفيهما احتمالان: الأول:
~~أن يكونا مصدرين بمعنى البغض أو شدته شذوذا لأن فعلان بالفتح مصدر ما
~~يدل على الحركة  كجولان  ولا يكون لفعل متعد كما قال: س، وهذا متعد إذ
~~يقال: شنئته، ولا دلالة له على الحركة إلا على بعد، وفعلان بالسكون في
~~المصادر قليل نحو  لويته ليانا  بمعنى مطلته، والثاني: أن يكون صفتين
~~لأن فعلان في الصفات كثير كسكران، وبالفتح ورد فيها قليلا  كحمار قطوان
~~عسر السير، وتيس عدوان كثير العدو  فإن كان مصدرا فالظاهر أن إضافته
~~إلى المفعول أي إن تبغضوا قوما، وجوز أن تكون إلى الفاعل أي إن يبغضكم
~~قوم، والأول أظهر كما في «البحر» وإن كان وصفا فهو بمعنى بغيض، وإضافته
~~بيانية وليس مضافا إلى مفعوله أو فاعله كالمصدر أي البغيض من بينهم.

# { أن صدوكم } بفتح الهمزة بتقدير اللام على أنه علة  للشنآن  أي
~~لأن صدوكم عام الحديبية، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الهمزة على أن
~~(أن) شرطية، وما قبلها دليل الجواب، أو الجواب على القول المرجوح بجواز
~~تقدمه، وأورد على ذلك أنه لا صد بعد فتح مكة. وأجيب بأنه للتوبيخ على أن
~~الصد السابق على فتح مكة مما لا يصح أن يكون وقوعه إلا على سبيل الفرض،
~~وذلك كقوله تعالى:

# أن كنتم قوما مسرفين

# [الزخرف: 5] وجوز أن يكون بتقدير إن كانوا قد صدوكم، وأن يكون على ظاهره
~~إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم بعد ظهور الإسلام
~~وقوته، ويعلم منه النهي عن ذلك باعتبار الصد السابق بالطريق الأولى {
~~عن المسجد الحرام } أي عن زيارته والطواف به للعمرة، وهذه 
~~كما قال شيخ الإسلام  آية بينة في عموم { آمين } للمشركين قطعا،
~~وجعلها البعض دليلا على تخصيصه بهم { أن تعتدوا } أي عليهم، ms02234 وحذف
~~تعويلا على الظهور، وإيماءا إلى أن المقصد الأصلي منع صدور الاعتداء من
~~المخاطبين محافظة على تعظيم الشعائر لا منع وقوعه على القوم مراعاة
~~لجانبهم، وأن على حذف الجار أي على أن تعتدوا، والمحل بعده إما جر، أو
~~نصب على المذهبين أي لا يحملنكم بغض قوم لصدهم إياكم عن المسجد الحرام
~~على اعتدائكم عليهم وانتقامكم منهم للتشفي، أو لا حذف، والمنسبك ثاني
~~مفعولي { يجرمنكم } أي لا يكسبنكم ذلك اعتداؤكم، وهذا على
~~التقديرين وإن كان بحسب الظاهر نهيا للشنآن عما نسب إليه لكنه في
~~الحقيقة نهي لهم عن الاعتداء على أبلغ وجه وآكده، فإن النهي عن أسباب
~~الشيء ومباديه المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني وإبطال للسببية،
~~ويقال: لا أرينك ههنا والمقصود نهى المخاطب على الحضور.

# ووجه العلامة الطيبي الاعتراض بقوله تعالى: { وإذا حللتم
~~فاصطادوا } بين ما تقدم وبين هذا النهي المتعلق به ليكون إشارة
~~وإدماجا إلى أن القاصدين ما داموا محرمين مبتغين فضلا من ربهم كانوا
~~كالصيد عند المحرم فلا تتعرضوهم، وإذا حللتم أنتم وهم فشأنكم وإياهم
~~لأنهم صاروا كالصيد المباح أبيح لكم تعرضهم حينئذ. وقال شيخ الإسلام: لعل
~~تأخير هذا النهي عن ذلك مع ظهور تعلقه بما قبله للإيذان بأن حرمة
~~الاعتداء لا تنتهي بالخروج عن الإحرام كانتهاء حرمة الاصطياد به بل هي
~~باقية ما لم تنقطع علاقتهم عن الشعائر بالكلية، وبذلك يعلم بقاء حرمة
~~التعرض لسائر الآمين بالطريق الأولى، ولعله الأولى.

# { وتعاونوا على البر والتقوى } عطف على { ولا
~~يجرمنكم } من حيث المعنى كأنه قيل: لا تعتدوا على قاصدي المسجد
~~الحرام لأجل أن صددتم عنه وتعاونوا على العفو والإغضاء.

# وقال بعضهم: هو استئناف والوقف على { أن تعتدوا } لازم، واختار
~~غير واحد أن المراد بالبر متابعة الأمر مطلقا، وبالتقوى اجتناب الهوى
~~لتصير الآية من جوامع الكلم وتكون / تذييلا للكلام، فيدخل في البر
~~والتقوى جميع مناسك الحج، فقد قال تعالى:

# فإنها من تقوى القلوب

# [الحج: 32] ويدخل العفو والإغضاء أيضا دخولا أوليا، وعلى العموم
~~أيضا حمل قوله تعالى: { ولا تعاونوا على الإثم ms02235
~~والعدوان } فيعم النهي كل ماهو من مقولة الظلم والمعاصي، ويندرج
~~فيه النهي عن التعاون على الاعتداء والانتقام. وعن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما. وأبي العالية أنهما فسرا الإثم بترك ما أمرهم به وارتكاب
~~ما نهاهم عنه، والعدوان بمجاوزة ما حده سبحانه لعباده في دينهم وفرضه
~~عليهم في أنفسهم، وقدمت التحلية على التخلية مسارعة إلى إيجاب ما هو
~~المقصود بالذات.

# وقوله تعالى: { واتقوا الله } أمر بالاتقاء في جميع الأمور التي
~~من جملتها مخالفة ما ذكر من الأوامر والنواهي، ويثبت وجوب الاتقاء فيها
~~بالطريق البرهاني. { إن الله شديد العقاب } لمن لا يتقيه،
~~وهذا في موضع التعليل لما قبله، وإظهار الاسم الجليل لما مر غير مرة.

### || [5.3]

# { حرمت عليكم الميتة } شروع في بيان المحرمات التي أشير
~~إليها بقوله سبحانه:

# إلا ما يتلى عليكم

# [المائدة: 1] والمراد تحريم أكل الميتة، هي ما فارقه الروح حتف أنفه من
~~غير سبب خارج عنه { والدم } أي المسفوح منه وكان أهل الجاهلية
~~يجعلونه في المباعر ويشوونه ويأكلونه، وأما الدم غير المسفوح كالكبد
~~فمباح، وأما الطحال فالأكثرون على إباحته، وأجمعت الإمامية على حرمته،
~~ورويت الكراهة فيه عن علي كرم الله تعالى وجهه. وابن مسعود رضي الله
~~تعالى عنه { ولحم الخنزير } إقحام اللحم لما مر، وأخذ داود.
~~وأصحابه بظاهره فحرموا اللحم وأباحوا غيره، وظاهر العطف أنه حرام حرمة
~~غيره، وأخرج عبد الرزاق في «المصنف» عن قتادة أنه قال: «من أكل لحم
~~الخنزير عرضت عليه التوبة فإن تاب وإلا قتل» وهو غريب، ولعل ذلك لأن أكله
~~صار اليوم من علامات الكفر كلبس الزنار، وفيه تأمل { وما أهل
~~لغير الله به } أي رفع الصوت لغير الله تعالى عند ذبحه، والمراد
~~بالاهلال هنا ذكر ما يذبح له  كاللات. والعزى { والمنخنقة } قال
~~السدى: هي التي يدخل رأسها بين شعبتين من شجرة فتختنق فتموت، وقال
~~الضحاك. وقتادة: هي التي تختنق بحبل الصائد فتموت. وقال ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما: كان أهل الجاهلية يخنقون البهيمة ويأكلونها فحرم ذلك
~~على المؤمنين، والأولى أن تحمل على التي ms02236 ماتت بالخنق مطلقا {
~~والموقوذة } أي التي تضرب حتى تموت، قاله ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما. وقتادة. والسدى، وهو من وقذته بمعنى ضربته، وأصله أن تضربه حتى
~~يسترخي، ومنه وقذه النعاس أي غلب عليه { والمتردية } أي التي تقع
~~من مكان عال أو في بئر فتموت { والنطيحة } أي التي ينطحها غيرها
~~فتموت، وتاؤها للنقل فلا يرد أن فعيل بمعنى مفعول لا يدخله التاء، وقال
~~بعض الكوفيين: إن ذلك حيث ذكر الموصوف مثل  كف خضيب. وعين كحيل  وأما
~~إذا حذف فيجوز دخول التاء فيه، ولا حاجة إلى القول بأنها للنقل، وقرىء
~~والمنطوحة { وما أكل السبع } أي ما أكل منه السبع فمات؛ وفسر
~~بذلك لأن ما أكله كله لا يتعلق به حكم ولا يصح أن يستثنى منه قوله تعالى:
~~{ إلا ما ذكيتم } أي إلا ما أدركتموه وفيه بقية حياة يضطرب
~~اضطراب المذبوح وذكيتموه، وعن السيدين السندين الباقر. والصادق رضي الله
~~تعالى عنهما أن أدنى ما يدرك به الذكاة أن يدركه وهو يحرك الأذن. أو
~~الذنب. أو الجفن، وبه قال الحسن. وقتادة. / وإبراهيم. وطاوس. والضحاك.
~~وابن زيد، وقال بعضهم: يشترط الحياة المستقرة وهي التي لا تكون على شرف
~~الزوال وعلامتها على ما قيل: أن يضطرب بعد الذبح لا وقته، وعن علي كرم
~~الله تعالى وجهه.

# وابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الاستثناء راجع إلى جميع ما تقدم
~~ذكره من المحرمات سوى ما لا يقبل الذكاة من الميتة. والدم. والخنزير. وما
~~أكل السبع على تقدير إبقائه على ظاهره، وقيل: هو استثناء من التحريم لا
~~من المحرمات، والمعنى حرم عليكم سائر ما ذكر لكن ما ذكيتم مما أحله الله
~~تعالى بالتذكية فإنه حلال لكم. وروي ذلك عن مالك. وجماعة من أهل المدينة،
~~واختاره الجبائي، والتذكية في الشرع قطع الحلقوم والمريء بمحدد، والتفصيل
~~في الفقه، واستدل بالآية على أن جوارح الصيد إذا أكلت مما صادته لم يحل.
~~وقرأ الحسن: { السبع } بسكون الباء، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~ وأكيل السبع . { وما ذبح على النصب } جمع نصاب ms02237 كحمر.
~~وحمار، وقيل: واحد الأنصاب كطنب وأطناب، واختلف فيها فقيل هي حجارة كانت
~~حول الكعبة وكانت ثلثمائة وستين حجرا، وكان أهل الجاهلية يذبحون عليها 
~~فعلى  على أصلها، ولعل ذبحهم عليها كان علامة لكونه لغير الله تعالى؛
~~وقيل: هي الأصنام لأنها تنصب فتعبد من دون الله تعالى، و { على } إما
~~بمعنى اللام، أو على أصلها بتقدير وما ذبح مسمى على الأصنام. واعترض بأنه
~~حينئذ يكون كالتكرار لقوله سبحانه: { وما أهل لغير الله
~~به } والأمر في ذلك هين، والموصول معطوف على المحرمات، وقرىء {
~~النصب } بضم النون وتسكين الصاد تخفيفا، وقرىء بفتحتين، وبفتح
~~فسكون.

# { وأن تستقسموا بالأزلام } جمع زلم  كجمل  أو زلم 
~~كصرد  وهو القدح، أي وحرم عليكم الاستقسام بالاقداح وذلك أنهم  كما روي
~~عن الحسن. وغيره  إذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة أقداح، مكتوب على أحدها
~~أمرني ربي، وعلى الثاني نهاني ربي. وأبقوا الثالث غفلا لم يكتب عليه شيء
~~فإن خرج الآمر مضوا لحاجتهم، وإن خرج الناهي تجنبوا، وإن خرج الغفل
~~أجالوها ثانيا، فمعنى الاستقسام طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم
~~بالأزلام، واستشكل تحريم ما ذكر بأنه من جملة التفاؤل، وقد كان النبي
~~صلى الله عليه وسلم يحب الفأل. وأجيب بأنه كان استشارة مع الأصنام
~~واستعانة منهم كما يشير إلى ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~من أنهم إذا أرادوا ذلك أتوا بيت أصنامهم وفعلوا ما فعلوا فلهذا صار
~~حراما، وقيل: لأن فيه افتراء على الله تعالى إن أريد  بربي  الله
~~تعالى، وجهالة وشركا إن أريد به الصنم، وقيل: لأنه دخول في علم الغيب
~~الذي استأثر الله تعالى به، واعترض بأنا لا نسلم أن الدخول في علم الغيب
~~حرام، ومعنى استئثار الله تعالى بعلم الغيب أنه لا يعلم إلا منه، ولهذا
~~صار استعلام الخير والشر من المنجمين والكهنة ممنوعا حراما بخلاف
~~الاستخارة من القرآن فإنه استعلام من الله تعالى، ولهذا أطبقوا على
~~جوازها.

# ومن ينظر في ترتيب المقدمات أو يرتاض فهو لا يطلب إلا علم الغيب ms02238 منه
~~سبحانه فلو كان طلب علم الغيب حراما لانسد طريق الفكر والرياضة، ولا
~~قائل به.

# وقال الإمام رحمه الله تعالى: لو لم يجز طلب علم الغيب لزم أن يكون علم
~~التعبير كفرا لأنه طلب للغيب، وأن يكون أصحاب الكرامات المدعون
~~للالهامات كفارا، ومعلوم أن كل ذلك باطل، وتعقب القول  بجواز الاستخارة
~~بالقرآن  بأنه لم ينقل فعلها عن السلف، وقد قيل: إن الإمام مالكا
~~كرهها. وأما ما في «فتاوى الصوفية» نقلا عن الزندوستي من أنه لا بأس بها
~~وأنه قد فعلها علي كرم الله تعالى وجهه. ومعاذ رضي الله تعالى عنه. /
~~وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال:  من أراد أن يتفاءل بكتاب
~~الله تعالى فليقرأ

# قل هو الله أحد

# [الإخلاص:1] سبع مرات، وليقل ثلاث مرات: اللهم بكتابك تفاءلت، وعليك
~~توكلت، اللهم أرني في كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك، ثم
~~يتفاءل بأول الصحيفة  ففي النفس منه شيء.

# وفي كتاب «الأحكام» للجصاص «أن الآية تدل على بطلان القرعة في عتق
~~العبيد لأنها في معنى ذلك بعينه إذا كان فيها إثبات ما أخرجته القرعة من
~~غير استحقاق كما إذا أعتق أحد عبيده عند موته على ما بين في الفقه، ولا
~~يرد أن القرعة قد جازت في قسمة الغنائم مثلا، وفي إخراج النساء لأنا
~~نقول: إنها فيما ذكر لتطييب النفوس والبراءة من التهمة في إيثار البعض
~~ولو اصطلحوا على ذلك جاز من غير قرعة، وأما الحرية الواقعة على واحد من
~~العبيد فيما نحن فيه فغير جائز نقلها عنه إلى غيره، وفي استعمال القرعة
~~النقل».

# وخالف الشافعي في ذلك، فجوز القرعة في العتق كما جوزها في غيره، وظواهر
~~الأدلة معه وتحقيق ذلك في موضعه. والحق عندي أن الاستقسام الذي كان يفعله
~~أهل الجاهلية حرام بلا شبهة كما هو نص الكتاب، وأن حرمته ناشئة من سوء
~~الاعتقاد، وأنه لا يخلو عن تشاؤم، وليس بتفاؤل محض، وإن مثل ذلك ليس من
~~الدخول في علم الغيب أصلا بل هو من باب الدخول ms02239 في الظن، وأن الاستخارة
~~بالقرآن مما لم يرد فيها شيء يعول عليه عن الصدر الأول، وتركها أحب إلي
~~لا سيما وقد أغنى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عنها بما سن من
~~الاستخارة الثابتة في غير ما خبر صحيح، وأن تصديق المنجمين فيما ليس من
~~جنس الخسوف والكسوف مما يخبرون به من الحوادث المستقبلة محظور وليس من
~~علم الغيب ولا دخولا فيه، وإن زعمه الزجاج لبنائه على الأسباب، ونقل
~~الشيخ محيي الدين النووي في «شرح مسلم» عن القاضي «كانت الكهانة في العرب
~~ثلاثة أضرب.

# أحدها: أن يكون للإنسان رئي من الجن يخبره (به) بما يسترقه من السمع من
~~السماء، وهذا القسم بطل من حين بعث الله تعالى نبينا صلى الله عليه وسلم
~~الثاني: أن يخبره بما يطرأ (و) يكون في أقطار الأرض وما خفي عنه مما قرب
~~أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده، ونفت المعتزلة. وبعض المتكلمين هذين الضربين
~~وأحالوهما، ولا استحالة في ذلك ولا بعد في وجوده لكنهم يصدقون ويكذبون،
~~والنهي عن تصديقهم والسماع منهم عام، الثالث: المنجمون وهذا الضرب (بخلق
~~الله تعالى في بعض) الناس قوة ما لكن الكذب فيه أغلب، ومن هذا الفن
~~العرافة فصاحبها عراف وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي
~~معرفتها بها ( كالزجر والطرق بالحصى ) وهذه الأضرب كلها تسمى كهانة،
~~وقد أكذبهم [كلهم] الشرع ونهى عن تصديقهم وإتيانهم» انتهى. ولعل النهي عن
~~ذلك لغلبة الكذب في كلامهم ولأن في تصديقهم فتح باب يوصل إلى لظى إذ قد
~~يجر إلى تعطيل الشريعة والطعن فيها لا سيما من العوام، واستثناء ما هو من
~~جنس الكسوف والخسوف لندرة خطئهم فيه بل لعدمه إذا أمكنوا الحساب، ولا
~~كذلك ما يخبرون به من الحوادث إذ قد بنوا ذلك على أوضاع السيارات بعضها
~~مع بعض، أو مع بعض الثوابت ولا شك أن ذلك لا يكفي في الغرض والوقوف على
~~جميع الأوضاع، وما تقتضيه مما يتعذر الوقوف عليه لغير علام الغيوب
~~فليفهم، وقيل: المراد بالاستقسام استقسام الجزور بالأقداح على ms02240 الأنصباء
~~المعلومة أي طلب قسم من الجزور أو ما قسمه الله تعالى له منه، وهذا هو
~~الميسر وقد تقدم بيانه، وروى ذلك علي بن إبراهيم عن الأئمة الصادقين رضي
~~الله تعالى عنهم، ورجح بأنه يناسب ذكره مع محرمات الطعام، وروي عن مجاهد
~~أنه فسر الأزلام بسهام العرب وكعاب فارس التي يتقامرون بها. / وعن وكيع
~~أنها أحجار الشطرنج { ذلكم } أي الاستقسام بالأزلام، ومعنى البعد فيه
~~الإشارة إلى بعد منزلته في الشر { فسق } أي ذنب عظيم وخروج عن طاعة
~~الله تعالى إلى معصيته لما أشرنا إليه، وعن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أن { ذلكم } إشارة إلى تناول جميع ما تقدم من المحرمات المعلوم
~~من السياق.

# { اليوم } أي الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنة الآتية، وقيل:
~~يوم نزول الآية، وروي ذلك عن ابن جريج. ومجاهد. وابن زيد، وكان  كما
~~رواه الشيخان عن عمر رضي الله تعالى عنه  عصر يوم الجمعة [يوم] عرفة
~~[في] حجة الوداع، وقيل: يوم دخوله صلى الله عليه وسلم مكة لثمان بقين من
~~رمضان سنة تسع، وقيل: سنة ثمان، وهو منصوب على الظرفية بقوله تعالى: {
~~يئس الذين كفروا من دينكم } واليأس انقطاع الرجاء وهو ضد
~~الطمع.

# والمراد انقطع رجاؤهم من إبطال دينكم ورجوعكم عنه بتحليل هذه الخبائث
~~وغيرها، أو من أن يغلبوكم عليه لما شاهدوا أن الله تعالى وفي بوعده حيث
~~أظهره على الدين كله. وروي أنه لما نزلت الآية نظر صلى الله عليه وسلم في
~~الموقف فلم ير إلا مسلما، ورجح هذا الاحتمال بأنه الأنسب بقوله سبحانه:
~~{ فلا تخشوهم } أن يظهروا عليكم وهو متفرع عن اليأس {
~~واخشون } أن أحل بكم عقابي إن خالفتم أمري وارتكبتم معصيتي.

# { اليوم أكملت لكم دينكم } بالنصر والإظهار لأنهم بذلك
~~يجرون أحكام الدين من غير مانع وبه تمامه، وهذا كما تقول: تم لي الملك
~~إذا كفيت ما تخافه، وإلى ذلك ذهب الزجاج، وعن ابن عباس. والسدى أن المعنى
~~اليوم أكملت لكم حدودي. وفرائضي. وحلالي. وحرامي بتنزيل ما أنزلت. وبيان
~~ما بينت لكم فلا ms02241 زيادة في ذلك ولا نقصان منه بالنسخ بعد هذا اليوم، وكان
~~يوم عرفة عام حجة الوداع، واختاره الجبائي. والبلخي. وغيرهما، وادعوا أنه
~~لم ينزل بعد ذلك شيء من الفرائض على رسول الله صلى الله عليه وسلم في
~~تحليل ولا تحريم، وأنه عليه الصلاة والسلام لم يلبث بعد سوى أحد وثمانين
~~يوما، ومضى  روحي فداه  إلى الرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم. وفهم
~~عمر رضي الله تعالى عنه لما سمع الآية نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
~~فقد أخرج ابن أبي شيبة عن عنترة

# " أن عمر رضي الله تعالى عنه لما نزلت الآية بكى فقال له النبي صلى
~~الله عليه وسلم: ما يبكيك؟ قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما
~~إذا كمل فإنه لم يكمل شيء قط إلا نقص فقال عليه الصلاة والسلام: صدقت "

# ولا يحتج بها على هذا القول على إبطال القياس  كما زعم بعضهم  لأن
~~المراد إكمال الدين نفسه بيان ما يلزم بيانه، ويستنبط منه غيره والتنصيص
~~على قواعد العقائد، والتوقيف على أصول الشرع وقوانين الاجتهاد، وروي عن
~~سعيد بن جبير. وقتادة أن المعنى اليوم أكملت لكم حجكم وأقررتكم بالبلد
~~الحرام تحجونه دون المشركين  واختاره الطبري  وقال: يرد على ما روي عن
~~ابن عباس. والسدي رضي الله تعالى عنهم أن الله تعالى أنزل بعد ذلك آية
~~الكلالة وهي آخر آية نزلت، واعترض بالمنع، وتقديم الجار للإيذان من أول
~~الأمر بأن الإكمال لمنفعتهم ومصلحتهم، وفيه أيضا تشويق إلى ذكر المؤخر
~~كما في قوله تعالى: { وأتممت عليكم نعمتي } وليس الجار
~~فيه متعلقا  بنعمتي  لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله، وقيل: متعلق به
~~ولا بأس بتقدم معمول المصدر إذا كان ظرفا، وإتمام النعمة على المخاطبين
~~بفتح مكة، ودخولها / آمنين ظاهرين، وهدم منار الجاهلية ومناسكها، والنهي
~~عن حج المشركين وطواف العريان، وقيل: بإتمام الهداية والتوفيق باتمام
~~سببهما، وقيل: بإكمال الدين، وقيل: بإعطائهم من العلم والحكمة ما لم يعطه
~~أحدا قبلهم، وقيل: معنى أتممت عليكم نعمتي أنجزت لكم وعدي بقوله سبحانه: ms02242
~~{ وأتممت عليكم نعمتي }.

# { ورضيت لكم الإسلم دينا } أي اخترته لكم من بين الأديان،
~~وهو الدين عند الله تعالى لا غير وهو المقبول وعليه المدار. وأخرج ابن
~~جبير عن قتادة قال: «ذكر لنا أنه يمثل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة،
~~فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله ويعدهم في الخير حتى يجيء الإسلام
~~فيقول: رب أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول: إياك اليوم أقبل وبك اليوم
~~أجزي» وقد نظر في الرضا معنى الاختيار ولذا عدي باللام، ومنهم من جعل
~~الجار  صفة لدين  قدم عليه فانتصب حالا، والإسلام و { دينا } مفعولا
~~{ رضيت } إن ضمن معنى صير، أو دينا منصوب على الحالية من (الإسلام)، أو
~~تمييز من { لكم } والجملة  على ما ذهب إليه الكرخي  مستأنفة لا
~~معطوفة على { أكملت } وإلا كان مفهوم ذلك أنه لم يرضى لهم الإسلام
~~قبل ذلك اليوم دينا، وليس كذلك إذ الإسلام لم يزل دينا مرضيا لله
~~تعالى. وللنبي صلى الله عليه وسلم. وأصحابه رضي الله تعالى عنهم منذ شرع.
~~والجمهور على العطف، وأجيب عن التقييد بأن المراد برضاه سبحانه حكمه جل
~~وعلا باختياره حكما أبديا لا ينسخ وهو كان في ذلك اليوم، وأخرج الشيعة
~~عن أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت بعد أن قال النبي صلى الله عليه
~~وسلم لعلي كرم الله تعالى وجهه في غدير خم: " من كنت مولاه فعلي مولاه "
~~فلما نزلت قال عليه الصلاة والسلام: الله أكبر على إكمال الدين وإتمام
~~النعمة ورضاء الرب برسالتي وولاية علي كرم الله تعالى وجهه بعدي، ولا
~~يخفى أن هذا من مفترياتهم، وركاكة الخبر شاهدة على ذلك في مبتدأ الأمر،
~~نعم ثبت عندنا أنه صلى الله عليه وسلم قال في حق الأمير كرم الله تعالى
~~وجهه هناك: من كنت مولاه فعلي مولاه وزاد على ذلك  كما في بعض الروايات
~~ لكن لا دلالة في الجميع على ما يدعونه من الإمامة الكبرى والزعامة
~~العظمى كما سيأتي إن شاء الله تعالى غير بعيد. وقد بسطنا الكلام عليه في
~~كتابنا «النفحات القدسية في رد ms02243 الإمامية» ولم يتم إلى الآن ونسأل الله
~~تعالى إتمامه، ورواياتهم في هذا الفصل ينادي لفظها على وضعها، وقد أكثر
~~منها يوسف الأوالي عليه ما عليه.

# { فمن اضطر } متصل بذكر المحرمات وما بينهما، وهو سبع جمل  على
~~ما قال الطيبي  اعتراض بما يوجب التجنب عنها، وهو أن تناولها فسق عظيم،
~~وحرمتها في جملة الدين الكامل.

# والنعمة التامة. والإسلام المرضي، والاضطرار الوقوع في الضرورة، أي فمن
~~وقع في ضرورة تناول شيء من هذه المحرمات { في مخمصة } أي مجاعة
~~تخمص لها البطون أن تضمر يخاف معها الموت أو مباديه { غير متجانف
~~لإثم } أي غير مائل ومنحرف إليه ومختار له بأن يأكل منها زائدا على
~~ما يمسك رمقه، فإن ذلك حرام كما روي عن ابن عباس. ومجاهد. وقتادة رضي
~~الله تعالى عنهم  وبه قال أهل العراق، وقال أهل المدينة: يجوز أن يشبع
~~عند الضرورة، وقيل: المراد غير عاص بأن يكون باغيا، أو عاديا بأن
~~ينتزعها من مضطر آخر أو خارجا في معصيته، وروي هذا أيضا عن قتادة {
~~فإن الله غفور رحيم } لا يؤاخذه بأكله وهو الجواب في
~~الحقيقة، وقد أقيم سببه مقامه، وقيل: إنه مقدر في الكلام.

### || [5.4]

# { يسئلونك ماذا أحل لهم } شروع في تفصيل المحللات التي
~~ذكر بعضها على وجه الإجمال إثر بيان المحرمات، أخرج ابن جرير. والبيهقي
~~في «سننه». وغيرهما عن أبي رافع قال:

# " جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن عليه
~~فأذن له فأبطأ فأخذ رداءه فخرج إليه وهو قائم بالباب فقال عليه الصلاة
~~والسلام: قد أذنا لك قال: أجل ولكنا لا ندخل بيتا فيه صورة ولا كلب
~~فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو، قال أبو رافع: فأمرني صلى الله عليه وسلم
~~أن أقتل كل كلب بالمدينة ففعلت، وجاء الناس فقالوا: يا رسول الله ماذا
~~يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها فسكت النبي صلى الله عليه وسلم
~~فأنزل الله تعالى { يسئلونك } الآية "

# وأخرج ابن جرير عن عكرمة أن السائل عاصم بن عدي. وسعد بن خيثمة. ms02244 وعويم
~~بن ساعدة، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير أن السائل عدي بن حاتم. وزيد
~~بن المهلهل الطائيان، وقد ضمن السؤال معنى القول، ولذا حكيت به الجملة
~~كما تحكى بالقول، وليس معلقا لأنه وإن لم يكن من أفعال القلوب لكنه سبب
~~للعلم وطريق له، فيعلق كما يعلق خلافا لأبي حيان، فاندفع ما قيل: إن
~~السؤال ليس مما يعمل في الجمل ويتعدى بحرف الجر، فيقال: سئل عن كذا،
~~وادعى بعضهم لذلك أنه بتقدير مضاف أي جواب { ماذا } ، والأول مختار
~~الأكثرين، وضمير الغيبة دون ضمير المتكلم الواقع في كلامهم لما أن يسألون
~~بلفظ الغيبة كما تقول: أقسم زيد ليضربن، ولو قلت: لأضربن جاز، والمسؤول
~~نظرا للكلام السابق ما أحل من المطاعم والمآكل، وقيل: إن المسؤول ما أحل
~~من الصيد والذبائح.

# { قل أحل لكم الطيبت } أي ما لم تستخبثه الطباع السليمة
~~ولم تنفر عنه، وإلى ذلك ذهب البلخي، وعن أبي علي الجبائي. وأبي مسلم هي
~~ما أذن سبحانه في أكله من المأكولات والذبائح والصيد، وقيل: ما لم يرد
~~بتحريمه نص أو قياس، ويدخل في ذلك الإجماع إذ لا بد من استناده لنص وإن
~~لم نقف عليه، والطيب  على هذين القولين  بمعنى الحلال، وعلى الأول
~~بمعنى المستلذ، وقد جاء بالمعنيين { وما علمتم من الجوارح
~~} عطف على { الطيبات } بتقدير مضاف على أن { ما } موصولة، والعائد
~~محذوف أي وصيد ما علمتموه، قيل: والمراد مصدره لأنه الذي أحل بعطفه على {
~~الطيبات } من عطف الخاص على العام، وقيل: الظاهر أنه لا حاجة إلى
~~جعل الصيد بمعنى المصيد لأن الحل والحرمة مما يتعلق بالفعل، ويحتمل أن
~~تكون { ما } شرطية مبتدأ، والجواب { فكلوا } ، والخبر الجواب،
~~والشرط على المختار، والجملة عطف على جملة { أحل لكم } ولا يحتاج
~~إلى تقدير مضاف.

# ونقل عن الزمخشري أنه قال بالتقدير فيه، وقال تقديره لا يبطل كون { ما
~~} شرطية لأن المضاف إلى اسم الشرط في حكم المضاف إليه  كما تقول  غلام
~~من يضرب أضرب  كما تقول  من يضرب أضرب، وتعقب بأنه على ذلك التقدير
~~يصير ms02245 الخبر خاليا عن ضمير المبتدأ إلا أن يتكلف بجعل (ما أمسكن) من وضع
~~الظاهر موضع ضمير { ما علمتم } فافهم، وجوز كونها مبتدأ على تقدير
~~كونها موصولة أيضا، والخبر كلوا، والفاء إنما دخلت تشبيها للموصول باسم
~~الشرط لكنه خلاف الظاهر، و { من الجوارح } حال من الموصول، أو من
~~ضميره المحذوف، و { الجوارح } جمع جارحة، والهاء فيها  كما قال أبو
~~البقاء  للمبالغة، وهي صفة غالبة إذ لا يكاد يذكر / معها الموصوف، وفسرت
~~بالكواسب من سباع البهائم والطير، وهو من قولهم: جرح فلان أهله خيرا إذا
~~أكسبهم، وفلان جارحة أهله أي كاسبهم، وقيل: سميت جوارح لأنها تجرح الصيد
~~غالبا. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. والسدى. والضحاك  وهو المروي
~~عن أئمة أهل البيت بزعم الشيعة  أنها الكلاب فقط.

# { مكلبين } أي معلمين لها الصيد، والمكلب مؤدب الجوارح؛ ومضربها
~~بالصيد، وهو مشتق من الكلب لهذا الحيوان المعروف لأن التأديب كثيرا ما
~~يقع فيه؛ أو لأن كل سبع يسمى كلبا على ما قيل، فقد أحرج الحاكم في
~~«المستدرك»  وقال: صحيح الإسناد  من حديث أبي نوفل قال:

# " كان لهب بن أبي لهب يسب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله
~~عليه وسلم: اللهم سلط عليه كلبا من كلابك  أو كلبك  فخرج في قافلة
~~يريد الشام فنزلوا منزلا فيه سباع فقال: إني أخاف دعوة محمد صلى الله
~~عليه وسلم فجعلوا متاعه حوله وقعدوا يحرسونه فجاء أسد فانتزعه وذهب به "

# ، ولا يخفى أن في شمول ذلك لسباع الطير نظرا، ولا دلالة في تسمية الأسد
~~كلبا عليه. وجوز أن يكون مشتقا من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة، يقال:
~~هو كلب بكذا إذا كان ضاريا به، وانتصابه على الحالية من فاعل {
~~علمتم } ، وفائدتها المبالغة في التعليم لما أن المكلب لا يقع إلا
~~على النحرير في علمه، وعن ابن عباس. وابن مسعود. والحسن رضي الله تعالى
~~عنهم أنهم قرأوا { مكلبين } بالتخفيف من أكلب، وفعل وأفعل قد
~~يستعملان بمعنى واحد { تعلمونهن } حال من ضمير { مكلبين }
~~أو استئنافية إن لم تكن { ما ms02246 } شرطية وإلا فهي معترضة، وجوز أن تكون
~~حالا ثانية من ضمير { علمتم } ومنع ذلك أبو البقاء بأن العامل
~~الواحد لا يعمل في حالين وفيه نظر، ولم يستحسن جعلها حالا من {
~~الجوارح } للفصل بينهما. { مما علمكم الله } من الحيل
~~وطرق التعليم والتأديب، وذلك إما بالإلهام منه سبحانه، أو[مكتسب] بالعقل
~~الذي خلقه فيهم جل وعلا، وقيل: المراد مما عرفكم سبحانه أن تعلموه من
~~اتباع الصيد بأن يسترسل بإرسال صاحبه.

# وينزجر بزجره. وينصرف بدعائه. ويمسك عليه الصيد ولا يأكل منه. ورجح
~~بدلالته على أن المعلم ينبغي أن يكون مكلبا فقيها أيضا، و  من 
~~أجلية، وقيل: تبعيضية أي بعض ما علمكم الله.

# { فكلوا مما أمسكن عليكم } جملة متفرعة على بيان حل
~~صيد الجوارح المعلمة مبينة للمضاف المقدر ومشيرة إلى نتيجة التعليم
~~وأثره، أو جواب للشرط، أو خبر للمبتدأ، و  من  تبعيضية إذ من الممسك ما
~~لا يؤكل كالجلد والعظم وغير ذلك، وقيل: زائدة على رأي الأخفش؛ وخروج ما
~~ذكر بديهي؛ و { ما } موصولة أو موصوفة، والعائد محذوف أي أمسكنه، وضمير
~~المؤنث للجوارح، و { عليكم } متعلق بأمسكن، والاستعلاء مجازي؛
~~والتقييد بذلك لإخراج ما أمسكنه على أنفسهن، وعلامته أن يأكلن منه فلا
~~يؤكل منه؛ وقد أشار إلى ذلك صلى الله عليه وسلم، روى أصحاب السنن

# " عن عدي بن حاتم قال: «سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن صيد الكلب
~~المعلم فقال عليه الصلاة والسلام: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله
~~تعالى فكل مما أمسك عليك، فإن أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه "

# وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه. والشعبي.
~~وعكرمة، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه. وأصحابه: إذا أكل الكلب من
~~الصيد فهو غير معلم لا يؤكل صيده، ويؤكل صيد البازي ونحوه وإن أكل، لأن
~~تأديب سباع الطير إلى حيث لا تؤكل متعذر، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما، فقد أخرج عبد بن حميد / عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال:
~~إذا أكل ms02247 الكلب فلا تأكل وإذا أكل الصقر فكل، لأن الكلب تستطيع أن تضربه،
~~والصقر لا تستطيع أن تضربه، وعليه إمام الحرمين من الشافعية؛ وقال مالك.
~~والليث: يؤكل وإن أكل الكلب منه، وقد روي عن سلمان. وسعد بن أبي وقاص.
~~وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أنه إذا أكل الكلب ثلثيه وبقي ثلثه وقد
~~ذكرت اسم الله تعالى عليه فكل.

# { واذكروا اسم الله عليه } الضمير  لما علمتم  كما يدل
~~عليه الخبر السابق، والمعنى سموا عليه عند إرساله؛ وروي ذلك عن ابن عباس.
~~والحسن. والسدي، وقيل:  لما أمسكن  أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاته،
~~وقيل: للمصدر المفهوم من  كلوا  أي سموا الله تعالى على الأكل  وهو
~~بعيد  وإن استظهره أبو حيان، والأمر للوجوب عند أبي حنيفة رضي الله
~~تعالى عنه، وللندب عند الشافعي، وهو على القول الأخير للندب بالاتفاق {
~~واتقوا الله } في شأن محرماته، ومنها أكل صيد الجوارح الغير
~~المعلمة.

# { إن الله سريع الحساب } أي سريع إتيان حسابه، أو سريع
~~إتمامه إذا شرع فيه، فقد جاء  أنه سبحانه يحاسب الخلق كلهم في نصف يوم 
~~والمراد على التقديرين أنه جل شأنه يوأخذكم على جميع الأفعال حقيرها
~~وجليلها، وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة وتعليل الحكم، ولعل ذكر هذا
~~إثر بيان حكم الصيد لحث متعاطية على التقوى لما أنه مظنة التهاون والغفلة
~~عن طاعة الله تعالى فقد رأينا أكثر من يتعاطى ذلك يترك الصلاة ولا يبالي
~~بالنجاسة، والمحتاجون للصيد  الحافظون لدينهم  أعز من الغراب الأبيض
~~وهم مثابون فيه. فقد أخرج الطبراني عن صفوان بن أمية

# " أن عرطفة بن نهيك التميمي قال: يا رسول الله إني وأهل بيتي مرزوقون من
~~هذا الصيد ولنا فيه قسم وبركة وهو مشغلة عن ذكر الله تعالى، وعن الصلاة
~~في جماعة، وبنا إليه حاجة أفتحله أم تحرمه؟ قال صلى الله عليه وسلم: أحله
~~لأن الله تعالى قد أحله، نعم العمل والله تعالى أولى بالعذر قد كانت قبلي
~~رسل كلهم يصطاد أو يطلب الصيد ويكفيك من الصلاة في جماعة إذا غبت عنها في ms02248
~~طلب الرزق حبك الجماعة وأهلها وحبك ذكر الله تعالى وأهله وابتغ على نفسك
~~وعيالك حلالها فإن ذلك جهاد في سبيل الله تعالى "

# واعلم أن عون الله تعالى في صالح التجار.

# واستدل بالآية على جواز تعليم الحيوان وضربه للمصلحة لأن التعليم قد
~~يحتاج لذلك، وعلى إباحة اتخاذ الكلب للصيد وقيس به الحراسة، وعلى أنه لا
~~يحل صيد الكلب المجوس، وإلى هذا ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقد
~~روي عنه في المسلم يأخذ كلب المجوسي. أو بازه. أو صقره. أو عقابه فيرسله
~~أنه قال: لا تأكله وإن سميت لأنه من تعليم المجوسي، وإنما قال الله
~~تعالى: { تعلمونهن مما علمكم الله }.

### || [5.5]

# { اليوم أحل لكم الطيبت } إعادة هذا الحكم للتأكيد
~~والتوطئة لما بعده، وسبب ذكر اليوم يعلم مما ذكر أمس. وقال النيسابوري:
~~فائدة الإعادة أن يعلم بقاء هذا الحكم عند إكمال الدين واستقراره، والأول
~~أولى. { وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم } أي
~~حلال، والمراد بالموصول اليهود والنصارى حتى نصارى العرب عندنا، وروي عن
~~علي كرم الله تعالى وجهه أنه استثنى نصارى بني تغلب، وقال: ليسوا على
~~النصرانية ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر، وإلى ذلك ذهب ابن جبير، وحكاه
~~الربيع عن الشافعي رضي الله تعالى عنه؛ والمراد بطعامهم ما يتناول
~~ذبائحهم وغيرها من الأطعمة  كما روي عن ابن عباس. وأبي الدرداء.
~~وإبراهيم. وقتادة. والسدى. والضحاك. ومجاهد رضوان الله عليهم أجمعين 
~~وبه قال الجبائي. والبلخي. وغيرهم. / وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أن المراد به الذبائح لأن غيرها لم يختلف في حله، وعليه أكثر
~~المفسرين، وقيل: إنه مختص بالحبوب وما لا يحتاج فيه إلى التذكية وهو
~~المروي عند الإمامية عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه، وبه قال جماعة
~~من الزيدية، فلا تحل ذبائحهم عند هؤلاء، وحكم الصابئين حكم أهل الكتاب
~~عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، وقال صاحباه: الصابئة صنفان: صنف
~~يقرأون الزبور ويعبدون الملائكة، وصنف لا يقرأون كتابا ويعبدون النجوم،
~~فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب، ms02249 وأما المجوس فقد سن بهم سنة أهل الكتاب في
~~أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم لما روى عبد الرزاق وابن
~~أبي شيبة والبيهقي من طريق الحسن بن محمد بن علي قال: «كتب رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فمن أسلم قبل ومن
~~أصر ضربت عليه الجزية غير ناكحي نسائهم» وهو وإن كان مرسلا وفي إسناده
~~قيس بن الربيع  وهو ضيعف  إلا أن إجماع أكثر المسلمين  كما قال
~~البيهقي  عليه يؤكده، واختلف العلماء في حل ذبيحة اليهودي والنصراني إذا
~~ذكر عليها اسم غير الله تعالى  كعزير وعيسى عليهما السلام  فقال ابن
~~عمر رضي الله تعالى عنهما: لا تحل وهو قول ربيعة، وذهب أكثر أهل العلم
~~إلى أنها تحل  وهو قول الشعبي. وعطاء  قالا: فإن الله تعالى قد أحل
~~ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. وقال الحسن: إذا ذبح اليهودي والنصراني فذكر
~~اسم غير الله تعالى وأنت تسمع فلا تأكل، فإذا غاب عنك فكل فقد أحل الله
~~تعالى لك.

# { وطعامكم حل لهم } قال الزجاج وكثير من المتأخرين: إن هذا
~~خطاب للمؤمنين، والمعنى لا جناح عليكم أيها المؤمنون أن تطعموا أهل
~~الكتاب من طعامكم، فلا تصلح الآية دليلا لمن يرى أن الكفار مخاطبون
~~بفروع الشريعة لأن التحليل حكم، وقد علقه سبحانه بهم فيها كما علق الحكم
~~بالمؤمنين، واعترض على ظاهره بأنه إنما يتأتى لو كان الإطعام بدل الطعام،
~~فإن زعموا أن الطعام يقوم مقام الإطعام توسعا ورد الفصل بين المصدر
~~وصلته بخبر المبتدأ، وهو ممتنع فقد صرحوا بأنه لا يجوز إطعام زيد حسن
~~للمساكين وضربك شديد زيدا فكيف جاز { وطعامكم حل لهم }؟
~~وعن بعضهم فإن قيل: ما الحكمة في هذه الجملة وهم كفار لا يحتاجون إلى
~~بياننا؟ أجيب بأن المعنى انظروا إلى ما أحل لكم في شريعتكم فإن أطعموكموه
~~فكلوه ولا تنظروا إلى ما كان محرما عليهم، فإن لحوم الإبل ونحوها كانت
~~محرمة عليهم، ثم نسخ ذلك في شريعتنا، فالآية بيان لنا لا لهم أي اعلموا ms02250
~~أن ما كان محرما عليهم مما هو حلال لكم قد أحل لكم أيضا ولذلك لو
~~أطعمونا خنزيرا أو نحوه وقالوا: هو حلال في شريعتنا، وقد أباح الله
~~تعالى لكم طعامنا كذبناهم وقلنا: إن الطعام الذي يحل لكم هو الذي يحل لنا
~~لا غيره، فحاصل المعنى طعامهم حل لكم إذا كان الطعام الذي أحللته لكم،
~~وهذا التفسير معنى قول السدي وغيره فافهمه فقد أشكل على بعض المعاصرين.

# { والمحصنت من المؤمنت } عطف على { الطيبات }.
~~أو مبتدأ والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه أي حل لكم أيضا، والجار
~~والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالا من المحصنات، أو من الضمير فيها على ما
~~قاله أبو البقاء، والمراد بهن عند الحسن والشعبي وإبراهيم: العفائف،
~~وعند مجاهد: الحرائر، واختاره أبو علي، وعند جماعة العفائف والحرائر،
~~وتخصيصهن بالذكر للبعث على ما هو أولى لا لنفي ما عداهن، فإن نكاح الإماء
~~المسلمات بشرطه صحيح بالاتفاق، وكذا نكاح غير العفائف منهن، وأما الإماء
~~الكتابيات فهن كالمسلمات عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه.

# { والمحصنت من الذين أوتوا الكتب من
~~قبلكم } / وإن كن حربيات كما هو الظاهر، وقال ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما: لا يجوز نكاح الحربيات، وخص الآية بالذميات، واحتج له بقوله
~~تعالى:

# لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الأخر
~~يوادون من حاد الله ورسوله

# [المجادلة: 22] والنكاح مقتض للمودة لقوله تعالى:

# خلق لكم من أنفسكم أزوجا...وجعل بينكم
~~مودة ورحمة

# [الروم: 21] قال الجصاص: وهذا عندنا إنما يدل على الكراهة، وأصحابنا
~~يكرهون مناكحة أهل الحرب، وذهبت الإمامية إلى أنه لا يجوز عقد نكاح
~~الدوام على الكتابيات لقوله تعالى:

# ولا تنكحوا المشركت حتى يؤمن

# [البقرة: 221] ولقوله سبحانه:

# ولا تمسكوا بعصم الكوافر

# [الممتحنة: 10] وأولوا هذه الآية بأن المراد من المحصنات من الذين أوتوا
~~الكتاب اللاتي أسلمن منهن، والمراد من المحصنات من المؤمنات اللاتي كن في
~~الأصل مؤمنات، وذلك أن قوما كانوا يتحرجون من العقد على من أسلمت عن كفر
~~فبين الله تعالى أنه لا حرج في ذلك، وإلى تفسير المحصنات بمن أسلمن ذهب ms02251
~~ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أيضا، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر ويأباه
~~النظم، ولذلك زعم بعضهم أن المراد هو الظاهر إلا أن الحل مخصوص بنكاح
~~المتعة وملك اليمين، ووطؤهن حلال بكلا الوجهين عند الشيعة، وأنت تعلم أن
~~هذا أدهى وأمر، ولذلك هرب بعضهم إلى دعوى أن الآية منسوخة بالآيتين
~~المتقدمتين آنفا احتجاجا بما رواه الجارود عن أبي جعفر رضي الله تعالى
~~عنه في ذلك، ولا يصح ذلك من طريق أهل السنة، نعم أخرج ابن جرير عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
~~أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات وحرم كل ذات دين غير
~~الإسلام».

# أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن جابر بن عبد الله «أنه سئل عن نكاح
~~المسلم اليهودية والنصرانية فقال: تزوجناهن زمن الفتح ونحن لا نكاد نجد
~~المسلمات كثيرا فلما رجعنا طلقناهن. وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه سئل
~~أيتزوج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟ فقال: ما له ولأهل الكتاب وقد أكثر
~~الله تعالى المسلمات فإن كان لا بد فاعلا فليعمد إليها حصانا غير
~~مسافحة، قال الرجل: وما المسافحة؟ قال: هي التي إذا لمح الرجل إليها
~~بعينه اتبعته».

# { إذا ءاتيتموهن أجورهن } أي مهورهن وهي عوض الاستمتاع
~~بهن  كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره  وتقييد الحل
~~بإيتائها لتأكيد وجوبها لا للاحتراز، ويجوز أن يراد بالإيتاء التعهد
~~والالتزام مجازا، ولعله أقرب من الأول، وإن كان المآل واحدا، و { إذا
~~} ظرف لحل المحذوف، ويحتمل أن تكون شرطية حذف جوابها أي إذا آتيتموهن
~~أجورهن حللن لكم. { محصنين } أي أعفاء بالنكاح وهو منصوب على الحال
~~من فاعل { ءاتيتموهن } وكذا قوله تعالى: { غير مسفحين }
~~، وقيل: هو حال من ضمير { محصنين } ، وقيل: صفة  لمحصنين  أي غير
~~مجاهرين بالزنا، { ولا متخذي أخدان } أي ولا مسرين به،
~~والخدن الصديق يقع على الذكر والأنثى، وقيل: الأول: نهى عن الزنا،
~~والثاني: نهى عن مخالطتهن، و { متخذي } يحتمل أن يكون مجرورا
~~عطفا على { مسفحين } وزيدت ms02252 لا لتأكيد النفي المستفاد من { غير
~~} ، ويحتمل أن يكون منصوبا عطفا على { غير مسفحين } باعتبار
~~أوجهه الثلاثة.

# { ومن يكفر بالإيمن } أي من ينكر المؤمن به، وهو شرائع
~~الإسلام التي من جملتها ما بين هنا من الأحكام المتعلقة بالحل والحرمة،
~~ويمتنع عن قبولها { فقد حبط عمله } أي الذي عمله واعتقد أنه
~~قربة له إلى الله تعالى. / { وهو فى الأخرة من الخسرين
~~} أي الهالكين، والآية تذييل لقوله تعالى: { اليوم أحل لكم
~~الطيبت } الخ تعظيما لشأن ما أحله الله تعالى وما حرمه، وتغليظا
~~على من خالف ذلك، فحمل الإيمان على المعنى المصدري وتقدير مضاف  كما قيل
~~أي بموجب الإيمان وهو الله تعالى  ليس بشيء، وإن أشعر به كلام مجاهد،
~~وضمير الرافع مبتدأ، و { من الخسرين } خبره، و { فى } متعلقة
~~بما تعلق به الخبر من الكون المطلق، وقيل: بمحذوف دل عليه المذكور أي
~~خاسرين في الآخرة، وقيل: بالخاسرين على أن أل معرفة لا موصولة لأن ما
~~بعدها لا يعمل فيما قبلها، وقيل: يغتفر في الظرف ما لا يغتفر في غيره كما
~~في قوله:

# ربيته حتى إذا ما تمعددا

# كان جزائي بالعصا أن أجلدا

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { يأيها الذين آمنوا }
~~بالإيمان العلمي { أوفوا بالعقود } أي بعزائم التكليف، وقال أبو
~~الحسن الفارسي: أمر الله تعالى عباده بحفظ النيات في المعاملات،
~~والرياضات في المحاسبات، والحراسة في الخطرات، والرعاية في المشاهدات،
~~وقال بعضهم: { أوفوا بالعقود } عقد القلب بالمعرفة، وعقد اللسان
~~بالثناء، وعقد الجوارح بالخضوع، وقيل: أول عقد عقد على المرء عقد الإجابة
~~له سبحانه بالربوبية وعدم المخالفة بالرجوع إلى ما سواه، والعقد الثاني
~~عقد تحمل الأمانة وترك الخيانة { أحلت لكم بهيمة الأنعام
~~} أي أحل لكم جميع أنواع التمتعات والحظوظ بالنفوس السليمة التي لا يغلب
~~عليها السبعية والشره { إلا ما يتلى عليكم } من التمتعات
~~المنافية للفضيلة والعدالة { غير محلى الصيد وأنتم حرم
~~} أي لا متمتعين بالحظوظ في حال تجردكم للسلوك وقصدكم كعبة الوصال
~~وتوجهكم إلى حرم صفات الجمال والجلال

# إن الله يحكم ما يريد

# [المائدة: 1] فليرض ms02253 السالك بحكمه ليستريح، ويهدي إلى سبيل رشده {
~~يريد يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعئر
~~الله } من المقامات والأحوال التي يعلم بها السالك إلى حرم ربه سبحانه
~~من الصبر والتوكل والشكر ونحوها أي لا تخرجوا عن حكمها { ولا الشهر
~~الحرام } وهو وقت الحج الحقيقي وهو وقت السلوك إلى ملك الملوك،
~~وإحلاله بالخروج عن حكمه والاشتغال بما ينافيه { ولا الهدى } وهو
~~النفس المستعدة المعدة للقربان عند الوصول إلى الحضرة، وإحلالها
~~باستعمالها بما يصرفها، أو تكليفها بما يكون سبب مللها { ولا
~~القلئد } وهي ما قلدته النفس من الأعمال الشرعية التي لا يتم
~~الوصول إلا بها، وإحلالها بالتطفيف بها وعدم إيقاعها على الوجه الكامل {
~~ولا آمين البيت الحرام } وهم السالكون، وإحلالهم بتنفيرهم
~~وشغلهم بما يصدهم أو يكسلهم { يبتغون فضلا من ربهم }
~~بتجليات الأفعال { ورضوانا } بتجليات الصفات، { وإذا حللتم
~~فاصطادوا } أي إذا رجعتم إلى البقاء بعد الفناء فلا جناح عليكم في
~~التمتع { ولا يجرمنكم شنئآن قوم أن صدوكم عن
~~المسجد الحرام أن تعتدوا } أي لا يكسبنكم بغض القوى
~~النفسانية بسبب صدها إياكم عن السلوك أن تعتدوا عليها، وتقهروها بالكلية
~~فتتعطل أو تضعف عن منافعها، أو لا يكسبنكم بغض قوم من أهاليكم أو
~~أصدقائكم بسبب صدهم إياكم أن تعتدوا عليهم بمقتهم وإضرارهم وإرادة الشر
~~لهم { وتعاونوا على البر والتقوى } بتدبير تلك القوى
~~وسياستها، أو بمراعاة الأهل والأصدقاء والإحسان إليهم { ولا
~~تعاونوا على الإثم والعدوان } فإن ذلك يقطعكم عن الوصول،
~~وعن سهل أن البر الإيمان والتقوى السنة والإثم الكفر والعدوان البدعة،
~~وعن الصادق رضي الله تعالى عنه البر / الإيمان والتقوى الإخلاص والإثم
~~الكفر والعدوان المعاصي، وقيل: البر ما توافق عليه العلماء من غير خلاف
~~والتقوى مخالفة الهوى والإثم طلب الرخص والعدوان التخطي إلى الشبهات {
~~واتقوا الله } في هذه الأمور

# إن الله شديد العقاب

# [المائدة: 2] فيعاقبكم بما هو أعلم { حرمت عليكم الميتة }
~~وهي خمود الشهوة بالكلية فإنه رذيلة التفريط المنافية للعفة { والدم
~~} وهو التمتع بهوى النفس { ولحم الخنزير } أي وسائر وجوه
~~التمتعات بالحرص والشره وقلة الغيرة { وما أهل ms02254 لغير الله
~~به } من الأعمال التي فعلت رياءا وسمعة { والمنخنقة } وهي
~~الأفعال الحسنة صورة مع كمون الهوى فيها، { والموقوذة } وهي
~~الأفعال التي أجبر عليها الهوى { والمتردية } وهي الأفعال
~~المائلة إلى التفريط والنقصان { والنطيحة } وهي الأفعال التي تصدر
~~خوف الفضيحة وزجر المحتسب مثلا { وما أكل السبع } وهي الأفعال
~~التي هي من ملائمات القوة الغضبية من الأنفة والحمية النفسانية { إلا
~~ما ذكيتم } من الأفعال الحسنة التي تصدر بإرادة قلبية لم يمازجها
~~ما يشينها { وما ذبح على النصب } وهو ما يفعله أبناء العادات
~~لا لغرض عقلي أو شرعي { وأن تستقسموا بالازلم } بأن
~~تطلبوا السعادة والكمال بالحظوظ والطوالع وتتركوا العمل وتقولوا: لو كان
~~مقدرا لنا لعملنا فإنه ربما كان القدر معلقا بالسعي { ذلكم فسق
~~} خروج عن الدين الحق لأن فيه الأمر والنهي، والإتكال على المقدر بجعلهما
~~عبثا { اليوم } وهو وقت حصول الكمال { يئس الذين كفروا
~~من دينكم } بأن يصدوكم عن طريق الحق { فلا تخشوهم } فإنهم
~~لا يستولون عليكم بعد { واخشون } لتنالوا ما لا عين رأت ولا أذن
~~سمعت ولا خطر على قلب بشر { اليوم أكملت لكم دينكم }
~~ببيان ما بينت { وأتممت عليكم نعمتى } بذلك أو بالهداية
~~إلي { ورضيت لكم الأسلم } أي الانقياد للانمحاء { دينا
~~فمن اضطر } إلى تناول لذة في { مخمصة } ، وهي الهيجان الشديد
~~للنفس { غير متجانف لإثم } غير منحرف لرذيلة

# فإن الله غفور رحيم

# [المائدة: 3] فيستر ذلك ويرحم بمدد التوفيق. { يسألونك ماذا
~~أحل لهم قل أحل لكم الطيبت } من الحقائق التي
~~تحصل لكم بعقولكم وقلوبكم وأرواحكم { وما علمتم من
~~الجوارح } وهي الحواس الظاهرة والباطنة وسائر القوى والآلات البدنية
~~{ مكلبين } معلمين لها على اكتساب الفضائل { تعلمونهن
~~مما علمكم الله } من علوم الأخلاق والشرائع { فكلوا
~~مما أمسكن عليكم } مما يؤدي إلى الكمال

# واذكروا اسم الله عليه

# [المائدة: 4] بأن تقصدوا أنه أحد أسباب الوصول إليه عز شأنه لا أنه لذة
~~نفسانية { وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم } وهو
~~مقام الفرق والجمع { وطعامكم حل لهم } فلا عليكم أن تطعموهم
~~منه بأن تضموا لأهل الفرق جمعا، ولأهل الجمع ms02255 فرقا { والمحصنت
~~من المؤمنت } وهي النفوس المهذبة الكاملة { والمحصنات
~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذآ
~~آتيتموهن أجورهن } أي حقوقهن من الكمال اللائق بهن
~~وألحقتموهن بالمحصنات من المؤمنات { محصنين غير مسافحين
~~ولا متخذى أخدان } بل قاصدين تكميلهن واستيلاء الآثار النافعة
~~منهن لا مجرد الصحبة وإفاضة ماء المعارف من غير ثمرة { ومن يكفر
~~بالإيمن } بأن ينكر الشرائع والحقائق ويمتنع من قبولها { فقد
~~حبط عمله } بإنكاره الشرائع { وهو فى الأخرة من
~~الخسرين } [المائدة: 5] بإنكاره الحقائق، والظاهر عدم التوزيع،
~~والله تعالى أعلم بمراده، وهو الموفق للصواب.

### || [5.6]

# { يأيها الذين ءامنوا } شروع في بيان الشرائع المتعلقة
~~بدينهم بعد بيان ما يتعلق بدنياهم، ووجه التقديم والتأخير ظاهر { إذا
~~قمتم إلى الصلوة } أي إذا أردتم القيام إليها والاشتغال بها،
~~فعبر عن إرادة الفعل بالفعل المسبب عنها مجازا، وفائدته الإيجاز
~~والتنبيه / على أن من أراد العبادة ينبغي أن يبادر إليها بحيث لا ينفك
~~الفعل عن الإرادة، وقيل: يجوز أن يكون المراد إذا قصدتم الصلاة، فعبر عن
~~أحد لازمي الشيء بلازمه الآخر. وظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى
~~الصلاة وإن لم يكن محدثا نظرا إلى عموم { الذين ءامنوا } من غير
~~اختصاص بالمحدثين، وإن لم يكن في الكلام دلالة على تكرار الفعل، وإنما
~~ذلك من خارج على الصحيح، لكن الإجماع على خلاف ذلك، وقد أخرج مسلم وغيره

# " أنه صلى الله عليه وسلم صلى الخمس بوضوء واحد يوم الفتح فقال عمر رضي
~~الله تعالى عنه: صنعت شيئا لم تكن تصنعه، فقال عليه الصلاة والسلام:
~~عمدا فعلته يا عمر "

# يعني بيانا للجواز، فاستحسن الجمهور كون الآية مقيدة، والمعنى: إذا
~~قمتم إلى الصلاة محدثين بقرينة دلالة الحال، ولأنه اشترط الحدث في البدل
~~وهو التيمم فلو لم يكن له مدخل في الوضوء مع المدخلية في التيمم لم يكن
~~البدل بدلا، وقوله تعالى: { فلم تجدوا مآء } صريح في البدلية،
~~وبعض المتأخرين أن في الكلام شرطا مقدرا أي: إذا قمتم إلى الصلاة
~~فاغسلوا الخ إن كنتم محدثين لأنه يلائمه كل الملاءمة عطف { وإن ms02256 كنتم
~~جنبا فاطهروا } عليه، وقيل: الأمر للندب، ويعلم الوجوب للمحدث
~~من السنة؛ واستبعد لإجماعهم على أن وجوب الوضوء مستفاد من هذه الآية مع
~~الاحتياج إلى التخصيص بغير المحدثين من غير دليل، وأبعد منه أنه ندب
~~بالنسبة إلى البعض، ووجوب بالنسبة إلى آخرين، وقيل: هو للوجوب، وكان
~~الوضوء واجبا على كل قائم أول الأمر ثم نسخ، فقد أخرج أحمد وأبو داود
~~وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي والحاكم عن عبد الله بن
~~حنظلة الغسيل

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو
~~غير طاهر فلما شق ذلك عليه صلى الله عليه وسلم أمر بالسواك عند كل صلاة
~~ووضع عنه الوضوء إلا من حدث "

# ولا يعارض ذلك خبر أن المائدة آخر القرآن نزولا الخ لأنه ليس في القوة
~~مثله حتى قال العراقي: لم أجده مرفوعا، نعم الاستدلال على الوجوب على كل
~~الأمة أولا، ثم نسخ الوجوب عنهم آخرا بما يدل على الوجوب عليه عليه
~~الصلاة والسلام أولا؛ ونسخه عنه آخرا لا يخلو عن شيء كما لا يخفى.

# وأخرج مالك والشافعي وغيرهما عن زيد بن أسلم أن تفسير الآية إذا قمتم من
~~المضاجع يعني النوم إلى الصلاة والأمر عليه ظاهر، ويحكى عن داود أنه أوجب
~~الوضوء لكل صلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده كانوا
~~يتوضؤون كذلك، وكان علي كرم الله تعالى وجهه يتوضأ كذلك ويقرأ هذه الآية،
~~وفيه أن حديث عمر رضي الله تعالى عنه يأبى استمرار النبي عليه الصلاة
~~والسلام على ما ذكر، والخبر عن علي كرم الله تعالى وجهه لم يثبت، وفعل
~~الخلفاء لا يدل على أكثر من الندب والاستحباب، وقد ورد

# " من توضأ على طهر كتب الله تعالى له عشر حسنات "

# { فاغسلوا وجوهكم } أي أسيلوا عليها الماء، وحد الإسالة أن
~~يتقاطر الماء ولو قطرة عندهما، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى لا يشترط
~~التقاطر، وأما الدلك فليس من حقيقة الغسل خلافا لمالك فلا يتوقف حقيقته
~~عليه، قيل: ومرجعهم ms02257 فيه قول العرب: غسل المطر الأرض، وليس في ذلك إلا
~~الإسالة، ومنع بأن وقعه من علو خصوصا مع الشدة والتكرر دلك أي دلك، وهم
~~لا يقولونه إلا إذا نظفت الأرض، وهو إنما يكون بدلك، وبأنه غير مناسب
~~للمعنى المعقول من شرعية الغسل، وهو تحسين هيئة الأعضاء الظاهرة للقيام
~~بين يدي الرب سبحانه وتعالى الذي لا يتم بالنسبة إلى سائر / المتوضئين
~~إلا بالدلك. وحكي عنه أن الدلك ليس واجبا لذاته، وإنما هو واجب لتحقق
~~وصول الماء فلو تحقق لم يجب  كما قاله ابن [أمير] الحاج في «شرح المنية»
~~ ومن الغريب أنه قال باشتراط الدلك في الغسل ولم يشترط السيلان فيما لو
~~أمر المتوضىء الثلج على العضو فإنه قال: يكفي ذلك وإن لم يذب الثلج
~~ويسيل، ووافقه عليه الأوزاعي مع أن ذلك لا يسمى غسلا أصلا ويبعد قيامه
~~مقامه.

# وحد الوجه عندنا طولا من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل اللحيين، وعرضا ما
~~بين شحمتي الأذن لأن المواجهة تقع بهذه الجملة وهو مشتق منها، واشتقاق
~~الثلاثي من المزيد  إذا كان المزيد أشهر في المعنى الذي يشتركان فيه 
~~شائع، وقال العلامة أكمل الدين: إن ما ذكروا من منع اشتقاق الثلاثي من
~~المزيد إنما هو في الاشتقاق الصغير، وأما في الاشتقاق الكبير وهو أن يكون
~~بين كلمتين تناسب في اللفظ والمعنى فهو جائز، ويعطى ظاهر التحديد وجوب
~~إدخال البياض المعترض بين العذار والأذن بعد نباته، وهو قولهما خلافا
~~لأبي يوسف، ويعطى أيضا وجوب الإسالة على شعر اللحية، وقد اختلفت
~~الروايات فيه عن الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه وغيره، فعنه يجب مسح
~~ربعها، وعنه مسح ما يلاقي البشرة وعنه لا يتعلق به شيء، وهو رواية عن
~~أبي يوسف، وعن أبي يوسف يجب استيعابها، وعن محمد أنه يجب غسل الكل،
~~قيل:  وهو الأصح  وفي «الفتاوى الظهيرية»، وعليه الفتوى لأنه قام مقام
~~البشرة فتحول الفرض إليه كالحاجب.

# وقال في «البدائع» عن ابن شجاع: إنهم رجعوا عما سوى هذا. وكل هذا في
~~الكثة، أما الخفيفة التي ترى بشرتها ms02258 فيجب إيصال الماء إلى ما تحتها ولو
~~أمر الماء على شعر الذقن ثم حلقه لا يجب غسل الذقن، وفي البقال: لو قص
~~الشارب لا يجب تخليله، وإن طال وجب تخليله، وإيصال الماء إلى الشفتين
~~وكأن وجهه أن قطعه مسنون فلا يعتبر قيامه في سقوط ما تحته بخلاف اللحية
~~فإن إعفاءها هو المسنون، وعد شيخ الإسلام المرغيناني في «التجنيس» إيصال
~~الماء إلى منابت شعر الحاجبين والشارب من الآداب من غير تفصيل، وأما
~~الشفة فقيل: تبع للفم، وقال أبو جعفر: ما انكتم عند انضمامه تبع له وما
~~ظهر فللوجه، وروي هذا التحديد عن ابن عباس، وابن عمر والحسن وقتادة
~~والزهري رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وغيرهم، وقيل: الوجه كل ما دون
~~منابت الشعر من الرأس إلى منقطع الذقن طولا، ومن الأذن إلى الأذن عرضا
~~ما ظهر من ذلك لعين الناظر، وما بطن كداخل الأنف والفم، وكذا ما أقبل من
~~الأذنين، وروي عن أنس بن مالك وأم سلمة وعمار ومجاهد وابن جبير وجماعة
~~فأوجبوا غسل ذلك كله ولم أر لهم نصا في باطن العين، والظاهر عدم وجوب
~~غسله عندهم لمزيد الحرج وتوقع الضرر، ولهذا صرح البعض بعدم سنية الغسل
~~أيضا، بل قال بعضهم: يكره، نعم يخطر في الذهن رواية عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أنه كان يوجب غسل باطن العين في الغسل ويفعله، وأنه كان
~~سببا في كف بصره رضي الله تعالى عنه.

# { وأيديكم إلى المرافق } جمع مرفق بكسر ففتح أفصح من
~~عكسه، وهو موصل الذراع في العضد، ولعل وجه تسميته بذلك أنه يرتفق به أي
~~يتكأ عليه من اليد، وجمهور الفقهاء على دخولها. وحكي عن الشافعي رضي الله
~~تعالى عنه أنه قال: لا أعلم خلافا في أن المرافق يجب غسلها، ولذلك قيل {
~~إلى } بمعنى مع كما في قوله تعالى:

# ويزدكم قوة إلى قوتكم

# [هود: 52] و

# من أنصارى إلى الله

# [آل عمران: 52]، وقيل: هي إنما تفيد معنى الغاية، / ومن الأصول المقررة
~~أن ما بعد الغاية إن دخل في المسمى لولا ذكرها ms02259 دخل وإلا فلا، ولا شك أن
~~المرافق داخلة في المسمى فتدخل، وما أورد على هذا الأصل من أنه لو حلف لا
~~يكلم فلانا إلى غد لا يدخل مع أنه يدخل لو تركت الغاية غير قادح فيه لأن
~~الكلام هنا في مقتضى اللغة، والأيمان تبنى على العرف، وجاز أن يخالف
~~العرف اللغة.

# وذكر بعض المحققين أن { إلى } جاءت وما بعدها داخل في الحكم فيما
~~قبلها، وجاءت وما بعدها غير داخل، فمنهم من حكم بالاشتراك، ومنهم من حكم
~~بظهور الدخول، ومنهم من حكم بظهور انتفاء الدخول وعليه النحويون، ودخول
~~المرافق ثابت بالسنة، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أدار الماء
~~عليها. ونقل أصحابنا حكاية عدم دخولها عن زفر، واستدل بتعارض الأشباه
~~وبأن في الدخول في المسمى اشتباها أيضا فلا تدخل بالشك، وحديث الإدارة
~~لا يستلزم الافتراض لجواز كونه على وجه السنة كالزيادة في مسح الرأس إلى
~~أن يستوعبه، وأجيب بأنه لا تعارض مع غلبة الاستعمال في الأصل المقرر،
~~وأيضا على ما قال يثبت الإجمال في دخولها فيكون اقتصاره صلى الله عليه
~~وسلم على المرفق وقع بيانا للمراد من اليد، فيتعين دخول ما أدخله 
~~واغسل يدك للأكل  من إطلاق اسم الكل على البعض اعتمادا على القرينة.

# وقال العلامة ابن حجر: دل على دخولها الإتباع والإجماع، بل والآية أيضا
~~بجعل { إلى } غاية للترك المقدر بناءا على أن اليد حقيقة إلى المنكب
~~كما هو الأشهر لغة، وكأنه عنى بالإجماع إجماع أهل الصدر الأول وإلا فلا
~~شك في وجود المخالف بعد، وعدوا داود  وكذا الإمام مالك رضي الله تعالى
~~عنه من ذلك  ولي في عد الأخير تردد، فقد نقل ابن هبيرة إجماع الأئمة
~~الأربعة على فرضية غسل اليدين مع المرفقين، قيل: ويترتب على هذا الخلاف
~~أن فاقد اليد من المرفق يجب عليه إمرار الماء على طرف العظم عند القائل
~~بالدخول، ولا يجب عند المخالف لأن محل التكليف لم يبق أصلا كما لو فقد
~~اليد مما فوق المرفق، نعم يندب له غسل ما بقي من ms02260 العضد محافظة على
~~التحجيل.

# هذا واستيعاب غسل المأمور به من الأيدي فرض كما هو الظاهر من الآية، فلو
~~لزق بأصل ظفره طين يابس أو نحوه، أو بقي قدر رأس إبرة من موضع الغسل لم
~~يجز ولا يجب نزع الخاتم وتحريكه إذا كان واسعا، والمختار في الضيق
~~الوجوب، وفي «الجامع الأصغر» إن كان وافر الأظفار وفيها درن أو طين أو
~~عجين جاز في القروي والمدني على الصحيح المفتى به  كما قال الدبوسي 
~~وقيل: يجب إيصال الماء إلى ما تحتها إلا الدرن لتولده منه. وقال الصفار:
~~يجب الإيصال مطلقا إن طال الظفر، واستحسنه ابن الهمام لأن الغسل وإن كان
~~مقصورا على الظواهر لكن إذا طال الظفر يصير بمنزلة عروض الحائل كقطرة
~~شمعة، وفي «النوازل» يجب في المصري لا القروي لأن دسومة أظفار المصري
~~مانعة من وصول الماء بخلاف القروي، ولو طالت أظفاره حتى خرجت عن رؤوس
~~الأصابع وجب غسلها قولا واحدا، ولو خلق له يدان على المنكب فالتامة هي
~~الأصلية يجب غسلها، والأخرى زائدة فما حاذى منها محل الفرض وجب غسله وما
~~لا فلا، ومن الغريب أن بعضا من الناس أوجب البداية في غسل الأيدي من
~~المرافق، فلو غسل من رؤوس الأصابع لم يصح وضوؤه.

# وقد حكى ذلك الطبرسي في «مجمع البيان»، والظاهر أن هذا البعض من الشيعة،
~~ولا أجد لهم في ذلك متمسكا.

# { وامسحوا برؤوسكم } ، قيل: الباء زائدة لتعدي الفعل بنفسه؛
~~وقيل: للتبعيض، وقد نقل ابن مالك عن أبي علي في «التذكرة» أنها تجىء
~~لذلك، وأنشد:

# / شربن بماء البحر ثم ترفعت

# متى لجج خضر لهن نئيج

# وقيل: إن العرف نقلها إلى التبعيض في المتعدي، والمفروض في المسح عندنا
~~مقدار الناصية، وهو ربع الرأس من أي جانب كان فوق الأذنين لما روى مسلم
~~عن المغيرة

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته "

# والكتاب مجمل في حق الكمية فالتحق بيانا له، والشافعي رضي الله تعالى
~~عنه يمنع ذلك، ويقول: هو مطلق لا مجمل فإنه لم يقصد إلى كمية مخصوصة أجمل
~~فيها، ms02261 بل إلى الإطلاق فيسقط عنده بأدنى ما يطلق عليه مسح الرأس، على أن
~~في حديث المغيرة روايتان: على ناصيته. وبناصيته، والأولى لا تقتضي
~~استيعاب الناصية لجواز كون ذكرها لدفع توهم أنه مسح على الفود، أو
~~القذال، فلا يدل على مطلوبكم ولو دل مثل هذا على الاستيعاب لدل  مسح
~~على الخفين  عليه أيضا، ولا قائل به هناك عندنا وعندكم، وإذا رجعنا إلى
~~الثانية كان محل النزاع في الباء كالآية، ويعود التبعيض، ومن هنا قال
~~بعضهم: الأولى أن يستدل برواية أبي داود

# " عن أنس رضي الله تعالى عنه: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ
~~وعليه عمامة قطرية فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه "

# وسكت عليه أبو داود فهو حجة، وظاهره استيعاب تمام المقدم، وتمام مقدم
~~الرأس هو الربع المسمى بالناصية، ومثله ما رواه البيهقي عن عطاء

# " أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فحسر العمامة ومسح مقدم رأسه، أو قال:
~~ناصيته "

# فإنه حجة وإن كان مرسلا عندنا، وكيف وقد اعتضد بالمتصل؟ بقي شيء وهو أن
~~ثبوت الفعل كذلك لا يستلزم نفي جواز الأقل فلا بد من ضم الملازمة
~~القائلة لو جاز الأقل لفعله مرة تعليما للجواز، وقد يمنع بأن الجواز إذا
~~كان مستفادا من غير الفعل لم يحتج إليه فيه، وهنا كذلك نظرا إلى الآية
~~فإن الباء فيها للتبعيض وهو يفيد جواز الأقل فيرجع البحث إلى دلالة
~~الآية، فيقال حينئذ: إن الباء للإلصاق وهو المعنى المجمع عليه لها بخلاف
~~التبعيض، فإن الكثير من محققي أئمة العربية ينفون كونه معنى مستقلا
~~للباء بخلاف ما إذا كان في ضمن الإلصاق كما فيما نحن فيه، فإن إلصاق
~~الآلة بالرأس الذي هو المطلوب لا يستوعب الرأس، فإذا ألصق فلم يستوعب خرج
~~عن العهدة بذلك البعض، وحينئذ فتعين الربع لأن اليد إنما تستوعب قدره
~~غالبا فلزم.

# وفي بعض الروايات إن المفروض مقدار ثلاث أصابع، وصححها بعض المشايخ
~~نظرا إلى أن الواجب إلصاق اليد والأصابع أصلها، ولذا يلزم كمال دية اليد
~~بقطعها والثلاث أكثرها، وللأكثر ms02262 حكم الكل، ولا يخفى ما فيه، وإن قيل: إنه
~~ظاهر الرواية.

# وذهب الإمام مالك رضي الله تعالى عنه والإمام أحمد في أظهر الروايات عنه
~~إلى أنه يجب استيعاب الرأس بالمسح، والإمامية إلى ما ذهب إليه الشافعي
~~رضي الله تعالى عنه، ولو أصاب المطر قدر الفرض سقط عندنا، ولا يشترط
~~إصابته باليد لأن الآلة لم تقصد إلا للإيصال إلى المحل فحيث وصل استغنى
~~عن استعمالها، ولو مسح ببل في يده لم يأخذه من عضو آخر جاز، وإن أخذه لا
~~يجوز، ولو مسح بإصبع واحدة مدها قدر الفرض، وكذا بإصبعين  على ما قيل 
~~لا يجوز خلافا لزفر، وعللوه بأن البلة صارت مستعملة وهو على إشكاله بأن
~~الماء لا يصير مستعملا قبل الانفصال ليستلزم عدم جواز مد الثلاث على
~~القول بأنه لا يجزىء أقل من الربع، والمشهور في ذلك الجواز، واختار شمس
~~الأئمة أن المنع في مد الأصبع والاثنتين غير معلل باستعمال البلة بدليل
~~أنه لو مسح بإصبعين في التيمم لا يجوز مع عدم شيء يصير مستعملا خصوصا
~~إذا تيمم على الحجر الصلد، بل الوجه عنده أنا مأمورون بالمسح باليد
~~والإصبعان منها لا تسميان يدا بخلاف الثلاث لأنها أكثر ما هو الأصل
~~فيها، وهو حسن  كما قال ابن الهمام  / لكنه يقتضي تعين الإصابة باليد
~~وهو منتف بمسألة المطر، وقد يدفع بأن المراد تعينها أو ما يقوم مقامها من
~~الآلات عند قصد الإسقاط بالفعل اختيارا غير أن لازمه كون تلك الآلة التي
~~هي غير اليد مثلا قدر ثلاث أصابع من اليد حتى لو كان عودا مثلا لا
~~يبلغ ذلك القدر قلنا: بعدم جواز مده، وقد يقال: عدم الجواز بالإصبع
~~بناءا على أن البلة تتلاشى وتفرغ قبل بلوغ قدر الفرض بخلاف الإصبعين،
~~فإن الماء يتحمل بين الإصبعين المضمومتين فضل زيادة تحتمل الامتداد إلى
~~قدر الفرض وهذا مشاهد أو مظنون، فوجب إثبات الحكم باعتباره، فعلى اعتبار
~~صحة الاكتفاء بقدر ثلاث أصابع يجوز مد الإصبعين لأن ما بينهما من الماء
~~يمتد قدر إصبع ثالثة، وعلى اعتبار توقف ms02263 الإجزاء على الربع لا يجوز لأن
~~ما بينهما لا يغلب على الظن إيعابه الربع إلا أن هذا يعكر عليه عدم جواز
~~التيمم بإصبعين فلو أدخل رأسه إناء ماء ناويا للمسح جاز، والماء طهور
~~عند أبي يوسف لأنه لا يعطى له حكم الاستعمال إلا بعد الانفصال والذي
~~لاقى الرأس من أجزائه لصق به فطهره، وغيره لم يلاقه فلا يستعمل.

# واتفقت الأئمة على أن المسح على العمامة غير مجزىء إلا أحمد فإنه أجاز
~~ذلك بشرط أن يكون من العمامة شيء تحت الحنك رواية واحدة، وهل يشترط أن
~~يكون قد لبسها على طهارة؟ فيه روايتان، واختلفت الرواية عنه أيضا في مسح
~~المرأة على قناعها المستدير تحت حلقها، فروي عنه جواز المسح كعمامة الرجل
~~ذات الحنك وروي عنه المنع، ونقل عن الأوزاعي والثوري جواز المسح على
~~العمامة، ولم أر حكاية الاشتراط ولا عدمه عنهما، وقد ذكرنا دليل الجواز
~~في كتاب «الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية».

# { وأرجلكم إلى الكعبين } وهما العظمان الناتئان من
~~الجانبين عند مفصل الساق والقدم، ومنه الكاعب  وهي الجارية التي تبدو
~~ثديها للنهود  وروى هشام عن محمد أن الكعب هو المفصل الذي في وسط القدم
~~عند معترك الشراك لأن الكعب اسم للمفصل، ومنه كعوب الرمح والذي في وسط
~~القدم مفصل دون ما على الساق، وهذا صحيح في المحرم إذا لم يجد نعلين فإنه
~~يقطع خفيه أسفل من الكعبين، ولعل ذلك مراد محمد، فأما في الطهارة فلا شك
~~أنه ما ذكرنا، وفي الأرجل ثلاث قراآت: واحدة شاذة واثنتان متواترتان؛ أما
~~الشاذة فالرفع  وهي قراءة الحسن  وأما المتواترتان فالنصب، وهي قراءة
~~نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب والجر وهي قراءة ابن كثير وحمزة
~~وأبي عمرو وعاصم، وفي رواية أبي بكر عنه، ومن هنا اختلف الناس في غسل
~~الرجلين ومسحهما، قال الإمام الرازي: «فنقل القفال في «تفسيره» عن ابن
~~عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر رضي
~~الله تعالى عنهم أن الواجب فيها المسح وهو مذهب الإمامية [من الشيعة]،
~~وقال ms02264 جمهور الفقهاء والمفسرين: فرضهما الغسل، وقال داود: يجب الجمع
~~بينهما، وهو قول الناصر للحق من الزيدية، وقال الحسن البصري ومحمد بن
~~جرير الطبري: المكلف مخير بين المسح والغسل. وحجة القائلين بالمسح قراءة
~~الجر فإنها تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس فكما وجب المسح فيها وجب
~~فيها والقول إنه جر بالجوار كما في قولهم: هذا جحر ضب خرب، وقوله:

# (كان ثبيرا في عرانين وبله)

# كبير أناس في بجاد مزمل

# باطل من وجوه: أولها: أن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمل
~~لأجل الضرورة في الشعر، وكلام الله تعالى يجب تنزيهه عنه، وثانيها: أن
~~الكسر إنما يصار إليه حيث حصل الأمن من الالتباس كما فيما استشهدوا به، /
~~وفي الآية الأمن من الالتباس غير حاصل، وثالثها: أن (الجر) بالجوار إنما
~~يكون بدون حرف العطف، وأما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب، وردوا قراءة
~~النصب إلى قراءة الجر فقالوا: إنها تقتضي المسح أيضا لأن العطف حينئذ
~~على محل الرؤوس لقربه فيتشاركان في الحكم؛ وهذا مذهب مشهور للنحاة، ثم
~~قالوا (ولا يجوز دفع) ذلك بالأخبار لأنها بأسرها من باب الآحاد، ونسخ
~~القرآن بخبر الواحد لا يجوز، ثم قال الإمام: واعلم أنه لا يمكن الجواب عن
~~هذا إلا من وجهين: الأول: أن الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل، والغسل
~~مشتمل على المسح ولا ينعكس، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط، فوجب المصير
~~إليه، وعلى هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الأرجل يقوم مقام مسحها،
~~والثاني: أن فرض الأرجل محدود إلى الكعبين، والتحديد إنما جاء في الغسل
~~لا في المسح، والقوم أجابوا عنه من وجهين: الأول: أن الكعب عبارة عن
~~العظم الذي تحت مفصل القدم، وعلى هذا التقدير يجب المسح على ظهر القدمين،
~~والثاني: أنهم سلموا أن الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين من جانبي
~~الساق، إلا أنهم التزموا أنه يجب أن يمسح ظهور القدمين إلى هذين الموضعين
~~وحينئذ لا يبقى هذا السؤال» انتهى.

# ولا يخفى أن بحث الغسل والمسح مما كثر فيه الخصام، وطالما زلت فيه ms02265
~~أقدام، وما ذكره الإمام رحمه الله تعالى يدل على أنه راجل في هذا
~~الميدان، وضالع لا يطيق العروج إلى شاوي ضليع تحقيق تبتهج به الخواطر
~~والأذهان، فلنبسط الكلام في تحقيق ذلك رغما لأنوف الشيعة السالكين من
~~السبل كل سبيل حالك، فنقول وبالله تعالى التوفيق، وبيده أزمة التحقيق: إن
~~القراءتين متواترتان بإجماع الفريقين بل بإطباق أهل الإسلام كلهم، ومن
~~القواعد الأصولية عند الطائفتين أن القراءتين المتواترتين إذا تعارضتا في
~~آية واحدة فلهما حكم آيتين، فلا بد لنا أن نسعى ونجتهد في تطبيقهما
~~أولا مهما أمكن لأن الأصل في الدلائل الإعمال دون الإهمال كما تقرر عند
~~أهل الأصول؛ ثم نطلب بعد ذلك الترجيح بينهما، ثم إذا لم يتيسر لنا
~~الترجيح بينهما نتركهما ونتوجه إلى الدلائل الأخر من السنة، وقد ذكر
~~الأصوليون أن الآيات إذا تعارضت بحيث لا يمكن التوفيق، ثم الترجيح بينهما
~~يرجع إلى السنة فإنها لما لم يمكن لنا العمل بها صارت معدومة في حقنا من
~~حيث العمل وإن تعارضت السنة كذلك نرجع إلى أقوال الصحابة وأهل البيت، أو
~~نرجع إلى القياس عند القائلين بأن قياس المجتهد يعمل به عند التعارض،
~~فلما تأملنا في هاتين القراءتين في الآية وجدنا التطبيق بينهما بقواعدنا
~~من وجهين: الأول: أن يحمل المسح على الغسل كما صرح به أبو زيد الأنصاري
~~وغيره من أهل اللغة، فيقال للرجل إذا توضأ: تمسح ويقال: مسح الله تعالى
~~ما بك أي أزال عنك المرض، ومسح الأرض المطر إذا غسلها فإذا عطفت الأرجل
~~على الرؤوس في قراءة الجر لا يتعين كونها ممسوحة بالمعنى الذي يدعيه
~~الشيعة.

# واعترض ذلك من وجوه: أولها: أن فائدة اللفظين في اللغة والشرع مختلفة،
~~وقد فرق الله تعالى بين الأعضاء المغسولة والممسوحة، فكيف يكون معنى
~~الغسل والمسح واحدا؟! وثانيها: أن الأرجل إذا كانت معطوفة على الرؤوس 
~~وكان الفرض في الرؤوس المسح الذي ليس بغسل بلا خلاف  وجب أن يكون حكم
~~الأرجل كذلك، وإلا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وثالثها: أنه لو كان
~~المسح بمعنى الغسل يسقط الاستدلال ms02266 على الغسل بخبر «أنه صلى الله عليه
~~وسلم غسل رجليه» لأنه على هذا يمكن أن يكون مسحها فسمي المسح غسلا.
~~ورابعها: أن استشهاد أبي زيد بقولهم: تمسحت للصلاة لا يجدي نفعا
~~لاحتمال أنهم لما أرادوا أن يخبروا / عن الطهور بلفظ موجز، ولم يجز أن
~~يقولوا: تغسلت للصلاة لأن ذلك يوهم الغسل، قالوا بدله: تمسحت لأن المغسول
~~من الأعضاء ممسوح أيضا، فتجوزوا بذلك تعويلا على فهم المراد، وذلك لا
~~يقتضي أن يكونوا جعلوا المسح من أسماء الغسل، وأجيب عن الأول: بأنا لا
~~ننكر اختلاف فائدة اللفظين لغة وشرعا ولا تفرقة الله تعالى بين المغسول
~~والممسوح من الأعضاء، لكنا ندعي أن حمل المسح على الغسل في بعض المواضع
~~جائز وليس في اللغة والشرع ما يأباه، على أنه قد ورد ذلك في كلامهم، وعن
~~الثاني: بأنا نقدر لفظ امسحوا قبل أرجلكم أيضا وإذا تعدد اللفظ فلا بأس
~~بأن يتعدى المعنى ولا محذور فيه، فقد نقل شارح «زبدة الأصول» من الإمامية
~~أن هذا القسم من الجمع بين الحقيقة والمجاز جائز بحيث يكون ذلك اللفظ في
~~المعطوف عليه بالمعنى الحقيقي وفي المعطوف بالمعنى المجازي، وقالوا في
~~آية

# لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى حتى تعلموا
~~ما تقولون ولا جنبا إلا عابرى سبيل

# [النساء: 43]: إن الصلاة في المعطوف عليه بالمعنى الحقيقي الشرعي  وهو
~~الأركان المخصوصة  وفي المعطوف بالمعنى المجازي  وهو المسجد  فإنه محل
~~الصلاة، وادعى ذلك الشارح أن هذا نوع من الاستخدام، وبذلك فسر الآية جمع
~~من مفسري الإمامية وفقهائهم، وعليه فيكون هذا العطف من عطف الجمل في
~~التحقيق، ويكون المسح المتعلق بالرؤوس بالمعنى الحقيقي، والمسح المتعلق
~~بالأرجل بالمعنى المجازي، على أن من أصول الإمامية  كالشافعية  جواز
~~الجمع بين الحقيقة والمجاز، وكذا استعمال المشترك في معنييه، ويحتمل هنا
~~إضمار الجار تبعا للفعل فتدبر؛ ولا يشكل أن في الآية حينئذ إبهاما؛
~~ويبعد وقوع ذلك في التنزيل لأنا نقول: إن الآية نزلت بعد ما فرض الوضوء
~~وعلمه عليه الصلاة والسلام روح القدس إياه في ابتداء البعثة بسنين فلا
~~بأس ms02267 أن يستعمل فيها هذا القسم من الإبهام، فإن المخاطبين كانوا عارفين
~~بكيفية الوضوء ولم تتوقف معرفتهم بها على الاستنباط من الآية، ولم تنزل
~~الآية لتعليمهم بل سوقها لإبدال التيمم من الوضوء والغسل في الظاهر، وذكر
~~الوضوء فوق التيمم للتمهيد؛ والغالب فيما يذكر لذلك عدم البيان المشبع،
~~وعن الثالث: بأن حمل المسح على الغسل لداع لا يستلزم حمل الغسل على المسح
~~بغير داع، فكيف يسقط الاستدلال؟! سبحان الله تعالى هذا هو العجب العجاب.

# وعن الرابع: بأنا لا نسلم أن العدول عن تغسلت لإيهامه الغسل فإن تمسحت
~~يوهم ذلك أيضا بناءا على ما قاله من أن المغسول من الأعضاء ممسوح أيضا
~~سلمنا ذلك لكنا لم نقتصر في الاستشهاد على ذلك، ويكفي  مسح الأرض المطر
~~ في الفرض.

# والوجه الثاني: أن يبقى المسح على الظاهر، وتجعل الأرجل على تلك القراءة
~~معطوفة على المغسولات كما في قراءة النصب، والجر للمجاورة، واعترض أيضا
~~من وجوه، الأول والثاني والثالث: ما ذكره الإمام من عد الجر بالجوار
~~لحنا وأنه إنما يصار إليه عند أمن الالتباس ولا أمن فيما نحن فيه، وكونه
~~إنما يكون بدون حرف العطف، والرابع: أن في العطف على المغسولات سواء كان
~~المعطوف منصوب اللفظ أو مجروره الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة
~~أجنبية ليست اعتراضية وهو غير جائز عند النحاة، على أن الكلام حينئذ من
~~قبيل ضربت زيدا، وأكرمت خالدا وبكرا بجعل بكر عطفا على زيد، أو إرادة
~~أنه مضروب لا مكرم، وهو مستهجن جدا تنفر عنه الطباع ولا تقبله الأسماع،
~~فكيف يجنح إليه أو يحمل كلام الله تعالى عليه؟! وأجيب عن الأول: بأن إمام
~~النحاة الأخفش وأبا البقاء وسائر مهرة العربية وأئمتها جوزوا جر الجوار،
~~وقالوا بوقوعه في الفصيح كما ستسمعه إن شاء الله تعالى، ولم ينكره إلا
~~الزجاج  وإنكاره مع / ثبوته في كلامهم  يدل على قصور تتبعه، ومن هنا
~~قالوا: المثبت مقدم على النافي، وعن الثاني: بأنا لا نسلم أنه إنما يصار
~~إليه عند أمن الالتباس ولا نقل في ذلك عن النحاة في ms02268 الكتب المعتمدة، نعم
~~قال بعضهم: شرط حسنه عدم الالتباس مع تضمن نكتة وهو هنا كذلك لأن الغاية
~~دلت على أن هذا المجرور ليس بممسوح إذ المسح لم يوجد مغيا في كلامهم،
~~ولذا لم يغي في آية التيمم، وإنما يغيا الغسل، ولذا غيي في الآية حين
~~احتيج إليه فلا يرد أنه لم يغي غسل الوجه لظهور الأمر فيه، ولا قول
~~المرتضى: إنه لا مانع من تغييه، والنكتة فيه الإشارة إلى تخفيف الغسل حتى
~~كأنه مسح، وعن الثالث: بأنهم صرحوا بوقوعه في النعت كما سبق من الأمثلة،
~~وقوله تعالى:

# عذاب يوم محيط

# [هود: 84] بجر { محيط } مع أنه نعت للعذاب، وفي التوكيد كقوله:

# ألا بلغ ذوي الزوجات (كلهم)

# أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب

# بجر  كلهم  على ما حكاه الفراء، وفي العطف كقوله تعالى:

# وحور عين * كأمثل اللؤلؤ المكنون

# [الواقعة: 22-23] على قراءة حمزة والكسائي. وفي رواية المفضل عن عاصم
~~فإنه مجرور بجوار أكواب وأباريق ومعطوف على

# ولدن مخلدون

# [الواقعة: 17]، وقول النابغة:

# لم يبق إلا أسير غير منفلت

# (وموثق) في حبال القد مجنوب

# بجر  موثق  مع أن العطف على أسير، وقد عقد النحاة لذلك بابا على حدة
~~لكثرته ولما فيه من المشاكلة؛ وقد كثر في الفصيح حتى تعدوا عن اعتباره في
~~الإعراب إلى التثنية والتأنيث وغير ذلك، وكلام ابن الحاجب في هذا المقام
~~لا يعبأ به، وعن الرابع: بأن لزوم الفصل بالجملة إنما يخل إذا لم تكن
~~جملة { وامسحوا برؤوسكم } متعلقة بجملة المغسولات فإن كان
~~معناها. وامسحوا الأيدي بعد الغسل برؤوسكم فلا إخلال  كما هو مذهب كثير
~~من أهل السنة  من جواز المسح ببقية ماء الغسل، واليد المبلولة من
~~المغسولات، ومع ذلك لم يذهب أحد من أئمة العربية إلى امتناع الفصل بين
~~الجملتين المتعاطفتين، أو معطوف ومعطوف عليه، بل صرح الأئمة بالجواز، بل
~~نقل أبو البقاء إجماع النحويين على ذلك، نعم توسط الأجنبي في كلام
~~البلغاء يكون لنكتة وهي هنا ما أشرنا إليه، أو الإيماء إلى الترتيب، وكون
~~الآية من قبيل ما ms02269 ذكر من المثال في حيز المنع، وربما تكون كذلك لو كان
~~النظم  وامسحوا رؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين  والواقع ليس كذلك.

# وقد ذكر بعض أهل السنة أيضا وجها آخر في التطبيق، وهو أن قراءة الجر
~~محمولة على حالة التخفف، وقراءة النصب على حال دونه، واعترض بأن الماسح
~~على الخف ليس ماسحا على الرجل حقيقة ولا حكما، لأن الخف اعتبر مانعا
~~سراية الحدث إلى القدم فهي طاهرة، وما حل بالخف أزيل بالمسح فهو على الخف
~~حقيقة وحكما، وأيضا المسح على الخف لا يجب إلى الكعبين اتفاقا، وأجيب
~~بأنه يجوز أن يكون لبيان المحل الذي يجزىء عليه المسح لأنه لا يجزىء على
~~ساقه، نعم هذا الوجه لا يخلو عن بعد، والقلب لا يميل إليه، وإن ادعى
~~الجلال السيوطي أنه أحسن ما قيل في الآية، وللإمامية في تطبيق القراءتين
~~وجهان أيضا  لكن الفرق بينهما وبين ما سبق من الوجهين اللذين عند أهل
~~السنة  أن قراءة النصب التي هي ظاهرة في الغسل عند أهل السنة، وقراءة
~~الجر تعاد إليها، وعند الإمامية بالعكس، الوجه الأول: أن تعطف الأرجل في
~~قراءة النصب على محل { برؤوسكم } فيكون حكم الرؤوس والأرجل كليهما
~~مسحا، الوجه الثاني: أن الواو فيه بمعنى مع من قبيل استوى الماء
~~والخشبة، وفي كلا الوجهين بحث لأهل السنة من وجوه: الأول: أن العطف على
~~المحل خلاف الظاهر بإجماع الفريقين، والظاهر العطف على المغسولات /
~~والعدول عن الظاهر إلى خلافه بلا دليل لا يجوز وإن استدلوا بقراءة الجر،
~~قلنا: إنها لا تصلح دليلا لما علمت، والثاني إنه لو عطف {
~~وأرجلكم } على محل { برؤوسكم } جاز أن نفهم منه معنى الغسل،
~~إذ من القواعد المقررة في العلوم العربية أنه إذا اجتمع فعلان متغايران
~~في المعنى  ويكون لكل منهما متعلق  جاز حذف أحدهما وعطف متعلق المحذوف
~~على متعلق المذكور كأنه متعلقه، ومن ذلك قوله:

# يا ليت بعلك قد غدا

# متقلدا سيفا ورمحا

# فإن المراد وحاملا رمحا، ومنه قوله:

# إذا ما الغانيات برزن يوما

# وزججن الحواجب والعيونا

# فإنه أراد وكحلن العيونا، وقوله: ms02270

# تراه كان مولاه يجدع أنفه

# وعينيه إن مولاه كان له وفر

# أي يفقىء عينيه إلى ما لا يحصى كثرة، والثالث: أن جعل الواو بمعنى مع
~~بدون قرينة مما لا يكاد يجوز، ولا قرينة ههنا على أنه يلزم كما قيل: فعل
~~المسحين معا بالزمان، ولا قائل به بالاتفاق، بقي لو قال قائل: لا أقنع
~~بهذا المقدار في الاستدلال على غسل الأرجل بهذه الآية ما لم ينضم إليها
~~من خارج ما يقوي تطبيق أهل السنة فإن كلامهم وكلام الإمامية في ذلك عسى
~~أن يكون فرسا رهان، قيل له: إن سنة خير الورى صلى الله عليه وسلم وآثار
~~الأئمة رضي الله تعالى عنهم شاهدة على ما يدعيه أهل السنة وهي من طريقهم
~~أكثر من أن تحصى، وأما من طريق القوم، فقد روى العياشي عن علي عن أبي
~~حمزة قال: «سألت أبا هريرة عن القدمين فقال: تغسلان غسلا» وروى محمد بن
~~النعمان عن أبي بصير عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: «إذا
~~نسيت مسح رأسك حتى غسلت رجليك فامسح رأسك ثم اغسل رجليك» وهذا الحديث
~~رواه أيضا الكلبي وأبو جعفر الطوسي بأسانيد صحيحة بحيث لا يمكن تضعيفها
~~ولا الحمل على التقية لأن المخاطب بذلك شيعي خاص، وروى محمد بن الحسن
~~الصفار

# " عن زيد بن علي عن أبيه عن جده أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه أنه
~~قال: «جلست أتوضأ فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما غسلت قدمي
~~قال: «يا علي خلل بين الأصابع "

# ونقل الشريف الرضي عن أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه في «نهج
~~البلاغة» حكاية وضوئه صلى الله عليه وسلم وذكر فيه غسل الرجلين، وهذا يدل
~~على أن مفهوم الآية كما قال أهل السنة، ولم يدع أحد منهم النسخ ليتكلف
~~لإثباته كما ظنه من لا وقوف له، وما يزعمه الإمامية من نسبة المسح إلى
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأنس بن مالك وغيرهما كذب مفترى عليهم،
~~فإن أحدا منهم ما روي عنه بطريق صحيح أنه جوز ms02271 المسح، إلا أن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما فإنه قال بطريق التعجب: «لا نجد في كتاب الله تعالى
~~إلا المسح ولكنهم أبوا إلا الغسل» ومراده أن ظاهر الكتاب يوجب المسح على
~~قراءة الجر التي كانت قراءته، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم
~~يفعلوا إلا الغسل، ففي كلامه هذا إشارة إلى قراءة الجر مؤولة متروكة
~~الظاهر بعمل الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله تعالى عنهم،
~~ونسبة جواز المسح  إلى أبي العالية وعكرمة والشعبي  زور وبهتان
~~أيضا، وكذلك نسبة الجمع بين الغسل والمسح، أو التخيير بينهما إلى الحسن
~~البصري عليه الرحمة، ومثله نسبة التخيير إلى محمد بن جرير الطبري صاحب
~~«التاريخ» الكبير / «والتفسير» الشهير، وقد نشر رواة الشيعة هذه الأكاذيب
~~المختلفة، ورواها بعض أهل السنة ممن لم يميز الصحيح والسقيم من الأخبار
~~بلا تحقق ولا سند، واتسع الخرق على الراقع، ولعل محمد بن جرير القائل
~~بالتخيير هو محمد بن جرير بن رستم الشيعي صاحب «الإيضاح للمترشد في
~~الإمامة» لا أبو جعفر محمد بن جرير بن [يزيد بن كثير] بن غالب الطبري
~~الشافعي الذي هو من أعلام أهل السنة، والمذكور في تفسير هذا هو الغسل فقط
~~لا المسح ولا الجمع ولا التخيير الذي نسبه الشيعة إليه، ولا حجة لهم في
~~دعوى المسح بما روي عن أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه «أنه مسح
~~وجهه ويديه، ومسح رأسه ورجليه، وشرب فضل طهوره قائما، وقال: إن الناس
~~يزعمون أن الشرب قائما لا يجوز، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~صنع مثل ما صنعت» وهذا وضوء من لم يحدث لأن الكلام في وضوء المحدث لا في
~~مجرد التنظيف بمسح الأطراف كما يدل عليه ما في الخبر من مسح المغسول
~~اتفاقا، وأما ما روي عن عباد بن تميم عن عمه بروايات ضعيفة أنه صلى الله
~~عليه وسلم توضأ ومسح على قدميه فهو كما قال الحفاظ: شاذ منكر لا يصلح
~~للاحتجاج مع احتمال حمل القدمين على الخفين ولو مجازا؛ واحتمال ms02272 اشتباه
~~القدمين المتخففين بدون المتخففين من بعيد، ومثل ذلك عند من اطلع على
~~أحوال الرواة ما رواه الحسين بن سعيد الأهوازي عن فضالة عن حماد بن عثمان
~~عن غالب بن هذيل قال: «سألت أبا جعفر رضي الله تعالى عنه عن المسح على
~~الرجلين فقال: هو الذي نزل به جبريل عليه السلام» وما روي عن أحمد بن
~~محمد قال: «سألت أبا الحسن موسى بن جعفر رضي الله تعالى عنه عن المسح على
~~القدمين كيف هو؟ فوضع بكفيه على الأصابع ثم مسحهما إلى الكعبين فقلت له:
~~لو أن رجلا قال بإصبعين من أصابعه هكذا إلى الكعبين أيجزىء؟ قال: لا إلا
~~بكفه كلها» إلى غير ذلك مما روته الإمامية في هذا الباب، ومن وقف على
~~أحوال رواتهم لم يعول على خبر من أخبارهم.

# وقد ذكرنا نبذة من ذلك في كتابنا  «النفحات القدسية في رد الإمامية» 
~~على أن لنا أن نقول: لو فرض أن حكم الله تعالى المسح على ما يزعمه
~~الإمامية من الآية فالغسل يكفي عنه ولو كان هو الغسل لا يكفي عنه فبالغسل
~~يلزم الخروج عن العهدة بيقين دون المسح، وذلك لأن الغسل محصل لمقصود
~~المسح من وصول البلل وزيادة، وهذا مراد من عبر بأنه مسح وزيادة، فلا يرد
~~ما قيل: من أن الغسل والمسح متضادان لا يجتمعان في محل واحد كالسواد
~~والبياض، وأيضا كان يلزم الشيعة الغسل لأنه الأنسب بالوجه المعقول من
~~الوضوء وهو التنظيف للوقوف بين يدي رب الأرباب سبحانه وتعالى لأنه الأحوط
~~أيضا لكون سنده متفقا عليه للفريقين كما سمعت دون المسح للاختلاف في
~~سنده، وقال بعض المحققين: قد يلزمهم  بناءا على قواعدهم  أن يجوزوا
~~الغسل والمسح ولا يقتصروا على المسح فقط، وزعم الجلال السيوطي أنه لا
~~إشكال في الآية بحسب القراءتين عند المخيرين إلا أنه يمكن أن يدعى لغيرهم
~~أن ذلك كان مشروعا أولا ثم نسخ بتعيين الغسل، وبقيت القراءتان ثابتتين
~~في الرسم كما نسخ التخيير بين الصوم والفدية بتعيين الصوم وبقي رسم ذلك
~~ثابتا، ولا يخفى أنه ms02273 أوهن من بيت العنكبوت وإنه لأوهن البيوت. هذا وأما
~~قراءة الرفع فلا تصلح في الاستدلال للفريقين إذ لكل أن يقدر ما شاء، ومن
~~هنا قال الزمخشري فيها: ((إنها على معنى وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة))، لكن
~~ذكر الطيبي أنه لا شك أن تغيير الجملة من الفعلية إلى الإسمية وحذف
~~خبرها يدل على إرادة ثبوتها وظهورها، وأن مضمونها مسلم الحكم ثابت لا
~~يلتبس، وإنما يكون / كذلك إذا جعلت القرينة ما علم من منطوق القراءتين
~~ومفهومهما، وشوهد وتعورف من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي
~~الله تعالى عنهم، وسمع منهم واشتهر فيما بينهم. وقد قال عطاء: والله ما
~~علمت أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على القدمين،
~~وكل ذلك دافع لتفسيره هذه القراءة بقوله: { وأرجلكم } مغسولة أو
~~ممسوحة على الترديد لا سيما العدول من الإنشائية إلى الإخبارية المشعر
~~بأن القوم كأنهم سارعوا فيه وهو يخبر عنه انتهى، فالأولى أن يقدر ما هو
~~من جنس الغسل على وجه يبقى معه الإنشاء. وبمجموع ما ذكرنا يعلم ما في
~~كلام الإمام الرازي قدس الله تعالى سره، ونقله مما قدمناه، فاعرف الرجال
~~بالحق لا الحق بالرجال، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

# ثم اعلم أنهم اختلفوا في أن الآية هل تقتضي وجوب النية أم لا؟ فقال
~~الحنفية: إن ظاهره لا يقتضي ذلك والقول بوجوبها يقتضي زيادة في النص،
~~والزيادة فيه تقتضي النسخ، ونسخ القرآن بخبر الواحد غير واقع بل غير جائز
~~عند الأكثرين، وكذا بالقياس على المذهب المنصور للشافعي رضي الله تعالى
~~عنه  كما قاله المروزي  فإذن لا يصح إثبات النية، وقال بعض الشافعية:
~~إن الآية تقتضي الإيجاب لأن معنى قوله تعالى: { إذا قمتم } إذا
~~أردتم القيام وأنتم محدثون، والغسل وقع جزاءا لذلك، والجزاء مسبب عن
~~الشرط فيفيد وجوب الغسل لأجل إرادة الصلاة، وبذلك يثبت المطلوب، وقال
~~آخرون  وعليه المعول عندهم  وجه الاقتضاء أن الوضوء مأمور به فيها وهو
~~ظاهر، وكل مأمور به يجب أن يكون عبادة وإلا لما أمر ms02274 به، وكل عبادة لا تصح
~~بدون النية لقوله تعالى:

# وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين

# [البينة: 5] والإخلاص لا يحصل إلا بالنية، وقد جعل حالا للعابدين،
~~والأحوال شروط فتكون كل عبادة مشروطة بالنية، وقاسوا أيضا الوضوء على
~~التيمم في كونهما طهارتين للصلاة، وقد وجبت النية في المقيس عليه فكذا في
~~المقيس.

# ولنا القول بموجب العلة يعني سلمنا أن كل عبادة بنية، والوضوء لا يقع
~~عبادة بدونها لكن ليس كلامنا في ذلك بل في أنه إذا لم ينو حتى لم يقع
~~عبادة سببا للثواب فهل يقع الشرط المعتبر للصلاة حتى تصح به أو لا؟ ليس
~~في الآية ولا في الحديث المشهور الذي يوردونه في هذا المقام دلالة على
~~نفيه ولا إثباته، فقلنا: نعم لأن الشرط مقصود التحصيل لغيره لا لذاته،
~~فكيف حصل المقصود وصار كستر العورة؟! وباقي شروط الصلاة التي لا يفتقر
~~اعتبارها إلى أن ينوى، ومن ادعى  أن الشرط وضوء هو عبادة  فعليه
~~البيان، والقياس المذكور على التيمم فاسد، فإن من المتفق عليه أن شرط
~~القياس أن لا يكون شرعية حكم الأصل متأخرة عن حكم الفرع، وإلا لثبت حكم
~~الفرع بلا دليل وشرعية التيمم متأخرة عن الوضوء فلا يقاس الوضوء على
~~التيمم في حكمه، نعم إن قصد الاستدلال بآية التيمم بمعنى أنه لما شرع
~~التيمم بشرط النية ظهر وجوبها في الوضوء وكان معنى القياس أنه لا فارق لم
~~يرد ذلك.

# وذكر بعض المحققين في الفرق بين الوضوء والتيمم وجهين،الأول: أن التيمم
~~ينبىء لغة عن القصد فلا يتحقق بدونه بخلاف الوضوء، والثاني: أن التراب
~~جعل طهورا في حالة مخصوصة والماء طهور بنفسه كما يستفاد من قوله تعالى:

# مآء طهورا

# [الفرقان: 48] وقوله سبحانه:

# ليطهركم به

# [الأنفال: 11] فحينئذ يكون القياس فاسدا أيضا. واعترض الوجه الأول:
~~بأن النية المعتبرة ليست نية نفس الفعل بل أن ينوي المقصود به الطهارة
~~والصلاة ولو صلاة الجنازة وسجدة التلاوة على ما بين في محله، وإذا كان
~~كذلك فإنما ينبىء عن قصد هو غير المعتبر نية / فلا يكون النص بذلك ms02275 موجبا
~~للنية المعتبرة، ومن هنا يعلم ما في استدلال  بعض الشافعية بآية الوضوء
~~على وجوب النية فيه  السابق آنفا، وذلك لأن المفاد بالتركيب المقدر
~~إنما هو وجوب الغسل لأجل إرادة الصلاة مع الحدث لا إيجاب أن يغسل لأجل
~~الصلاة إذ عقد الجزاء الواقع طلبا بالشرط يفيد طلب مضمون الجزاء إذا
~~تحقق مضمون الشرط، وأن وجوبه اعتبر مسببا عن ذلك، فأين طلبه على وجه
~~مخصوص هو فعله على قصد كونه لمضمون الشرط فتأمل، فقد خفي هذا على بعض
~~الأجلة حتى لم يكافئه بالجواب، والوجه الثاني: بأنه إن أريد بالحالة
~~المخصوصة حالة الصلاة فهو مبني على أن الإرادة مرادة في الجملة المعطوفة
~~عليها جملة التيمم.

# وأنت قد علمت الآن أن لا دلالة فيها على اشتراط النية، وإن أريد حالة
~~عدم القدرة على استعمال الماء فظاهر أن ذلك لا يقتضي إيجاب النية ولا
~~نفيها، واستفاد كون الماء طهورا بنفسه مما ذكر بأن كون المقصود من
~~إنزاله التطهير به، وتسميته طهورا لا يفيد اعتباره مطهرا بنفسه أي
~~رافعا للأمر الشرعي بلا نية، وهو المطلوب بخلاف إزالته الخبث لأن ذلك
~~محسوس أنه مقتضى طبعه ولا تلازم بين إزالته حسا صفة محسوسة وبين كونه
~~يرتفع عند استعماله اعتبار شرعي، والمفاد من { ليطهركم } كون
~~المقصود من إنزاله التطهير به، وهذا يصدق مع اشتراط النية  كما قال
~~الشافعي رضي الله تعالى عنه  وعدمه كما قلنا ولا دلالة للأعم على أخص
~~بخصوصه كما هو المقرر فتدبر.

# واختلفوا أيضا في أنها هل تقتضي وجوب الترتيب أم لا؟ فذهب الحنفية إلى
~~الثاني لأن المذكور فيها الواو وهي لمطلق الجمع على الصحيح المعول عليه
~~عندهم، والشافعية إلى الأول لأن الفاء في  اغسلوا  للتعقيب فتفيد تعقيب
~~القيام إلى الصلاة بغسل الوجه، فيلزم الترتيب بين الوجه وغيره، فيلزم في
~~الكل لعدم القائل بالفصل. وأجيب بأنا لا نسلم إفادتها تعقيب القيام به بل
~~جملة الأعضاء وتحقيقه أن المعقب طلب الغسل وله متعلقات وصل إلى أولها
~~ذكرا بنفسه وإلى الباقي بواسطة الحرف المشترك فاشتركت كلها فيه ms02276 من غير
~~إفادة طلب تقديم تعليقه ببعضها على بعض في الوجود؛ فصار مؤدى التركيب طلب
~~إعقاب غسل جملة الأعضاء، وهذا نظير قولك: ادخل السوق فاشتر لنا خبزا
~~ولحما حيث كان المفاد أعقاب الدخول بشراء ما ذكر كيفما وقع. وزعم بعضهم
~~أن إفادة النظم للترتيب لأنه لو لم يرد ذلك لأوجب تقديم الممسوح أو
~~تأخيره عن المغسول، ولأنهم يقدمون الأهم فالأهم، وفيه نظر لأن قصارى ما
~~يدل عليه النظم أولوية الترتيب ونحن لا ننكر ذلك، وقال آخرون: الدليل على
~~الترتيب فعله صلى الله عليه وسلم فقد

# " توضأ عليه الصلاة والسلام مرتبا، ثم قال: «هذا وضوء لا يقبل الله
~~تعالى الصلاة إلا به "

# وفيه أن الإشارة كانت لوضوء مرتب موالى فيه. فلو دل على فرضية الترتيب
~~لدل على فرضية الموالاة ولا قائل بها عند الفريقين، نعم أقوى دليل لهم
~~قوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع:

# " ابدأوا بما بدأ الله تعالى به "

# بناءا على أن الأمر للوجوب، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأجيب
~~عن ذلك بما أجيب إلا أن الاحتياط لا يخفى، وهذا المقدار يكفي في الكلام
~~على هذه الآية، والزيادة  على ذلك ببيان سنن الوضوء ونواقضه وما يتعلق
~~به  مما لا تفهمه الآية كما فعل بعض المفسرين  فضول لا فضل، وإظهار علم
~~يلوح من خلاله الجهل.

# { وإن كنتم جنبا } أي عند القيام إلى الصلاة { فاطهروا }
~~أي فاغتسلوا على أتم وجه، وقرىء { فاطهروا } أي فطهروا أبدانكم،
~~والمضمضة والاستنشاق هنا فرض كغسل سائر البدن لأنه سبحانه أضاف التطهير
~~إلى مسمى الواو، وهو جملة بدن كل مكلف، فيدخل كل ما يمكن الإيصال إليه /
~~إلا ما فيه حرج كداخل العينين فيسقط للحرج ولا حرج في داخل الفم والأنف
~~فيشملهما نص الكتاب من غير معارض كما شملها قوله صلى الله عليه وسلم فيما
~~رواه أبو داود:

# " تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشرة "

# وكونهما من الفطرة كما جاء في الخبر لا ينفي الوجوب لأنها الدين، وهو
~~أعم منه، وتشعر الآية بأنه لا يجب ms02277 الغسل على الجنب فورا ما لم يرد فعل
~~ما لا يجوز بدونه؛ ويؤيد ذلك ما صح أنه صلى الله عليه وسلم خرج لصلاة
~~الفجر ناسيا أنه جنب حتى إذا وقف تذكر فانصرف راجعا فاغتسل وخرج ورأسه
~~الشريف يقطر ماءا.

# { وإن كنتم مرضى } مرضا تخافون به الهلاك، أو ازدياده
~~باستعمال الماء. { أو على سفر } أي مستقرين عليه. { أو جاء
~~أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم
~~تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا
~~بوجوهكم وأيديكم منه }  من  لابتداء الغاية، وقيل:
~~للتبعيض وهو متعلق  بامسحوا  وقرأ عبد الله  فأموا صعيدا  وقد تقدم
~~تفسير الآية في سورة النساء [43] فليراجع، ولعل التكرير ليتصل الكلام في
~~بيان أنواع الطهارة، ولئلا يتوهم النسخ  على ما قيل  بناءا على أن هذه
~~السورة من آخر ما نزل.

# { ما يريد الله } بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة
~~والغسل من الجنابة، أو بالأمر بالتيمم { ليجعل عليكم من
~~حرج } أي ضيق في الامتثال، و  الجعل  يحتمل أن يكون بمعنى الخلق
~~والإيجاد فيتعدى لواحد وهو { من حرج } و { من } زائدة، و {
~~عليكم } حينئذ متعلق  بالجعل  وجوز أن يتعلق  بحرج  وإن كان
~~مصدرا متأخرا، ويحتمل أن يكون بمعنى التصيير، فيكون { عليكم } هو
~~المفعول الثاني { ولكن يريد } أي بذلك { ليطهركم } أي
~~لينظفكم، فالطهارة لغوية، أو ليذهب عنكم دنس الذنوب، فإن الوضوء يكفر
~~الله تعالى به الخطايا، فقد أخرج مالك ومسلم وابن جرير عن أبي هريرة رضي
~~الله تعالى عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها
~~بعينيه مع الماء  أو مع آخر قطر الماء  فإذا غسل يديه خرج من يديه كل
~~خطيئة بطشتها يداه مع الماء  أو مع آخر قطر الماء  فإذا غسل رجليه خرجت
~~كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء  أو مع آخر قطر الماء  حتى يخرج نقيا
~~من الذنوب "

# فالطهارة معنوية بمعنى تكفير الذنوب لا بمعنى إزالة النجاسة، لأن الحدث
~~ليس نجاسة بلا خلاف، وإطلاق ذلك ms02278 عليه باعتبار أنه نجاسة حكمية بمعنى كونه
~~مانعا من الصلاة لا بمعنى كونه بحيث يتنجس الطعام أو الشراب الرطب
~~بملاقاة المحدث أو تفسد الصلاة بحمله، وأما تنجس الماء فيما شاع عن
~~الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه  وروي رجوعه عنه  فلانتقال المانعية
~~والآثام إليه حكما، وقيل: المراد تطهير القلب عن دنس التمرد عن طاعة
~~الله تعالى. وجوز أن يكون المراد ليطهركم بالتراب إذا أعوزكم التطهر
~~بالماء، والمراد بالتطهر رفع الحدث والمانع الحكمي، وأما ما نقل عن بعض
~~الشافعية  كإمام الحرمين  من أن القول بأن التراب مطهر قول ركيك،
~~فمراده به: منع الطهارة الحسية فلا يرد عليه أنه مخالف للحديث الصحيح

# " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا "

# والإرادة صفة ذات، وقد شاع تفسيرها، ومفعولها في الموضعين محذوف كما
~~أشير إليه، واللام للعلة، وإلى ذلك ذهب بعض المحققين، وقيل: هي مزيدة
~~والمعنى ما يريد الله أن يجعل عليكم من حرج حتى لا يرخص لكم في التيمم
~~ولكن يريد أن يطهركم وضعف بأن ألا تقدر بعد المزيدة، وتعقب بأن هذا مخالف
~~لكلام النحاة، فقد قال الرضي: / الظاهر أن تقدر أن بعد اللام الزائدة
~~التي بعد فعل الأمر والإرادة، وكذا في «المغني» [لابن هشام] وغيره، ووقوع
~~هذه اللام بعد الأمر والإرادة في القرآن. وكلام العرب شائع مقيس، وهو من
~~مسائل «الكتاب» [لسيبويه] قال فيه: سألته  أي الخليل  عن معنى أريد لأن
~~يفعل فقال: إنما تريد أن تقول: أريد لهذا كما قال تعالى:

# وأمرت لأن أكون أول المسلمين

# [الزمر: 12] انتهى، واختلف فيه النحاة فقال السيرافي: فيه وجهان:
~~أحدهما:  ما اختاره البصريون  أن مفعوله مقدر أي أريد ما أريد لأن
~~تفعل، فاللام تعليلية غير زائدة، الثاني: أنها زائدة لتأكيد المفعول،
~~وقال أبو علي في «التعليق» عن المبرد: إن الفعل دال على المصدر فهو مقدر
~~أي أردت وإرادتي لكذا فحذف إرادتي واللام زائدة وهو تكلف بعيد، والمذاهب
~~ثلاثة: أقربها الأول، وأسهلها الثاني  وهو من بليغ الكلام القديم 
~~كقوله:

# أريد (لأنسي) ذكرها فكأنما

# تمثل لي ليلى بكل سبيل

# البلاغة ms02279 فيه مما يعرفه الذوق السليم قاله الشهاب { وليتم } بشرعه
~~ما هو مطهرة لأبدانكم { نعمته عليكم } في الدين، أو ليتم برخصة
~~إنعامه عليكم بالعزائم { لعلكم تشكرون } نعمته بطاعتكم إياه
~~فيما أمركم به ونهاكم عنه.

# ومن لطائف الآية الكريمة  كما قال بعض المحققين  أنها مشتملة على سبعة
~~أمور كلها مثنى: طهارتان أصل وبدل، والأصل إثنان: مستوعب وغير مستوعب،
~~وغير المستوعب  باعتبار الفعل  غسل ومسح، وباعتبار المحل محدود وغير
~~محدود، وأن آلتهما مائع وجامد، وموجبهما حدث أصغر وأكبر، وأن المبيح
~~للعدول إلى البدل مرض أو سفر، وأن الموعود عليهما التطهير وإتمام النعمة،
~~وزاد البعض مثنيات أخر، فإن غير المحدود وجه ورأس، والمحدود يد ورجل،
~~والنهاية كعب ومرفق، والشكر قولي وفعلي.

### || [5.7]

# { واذكروا نعمة الله عليكم } وهي نعمة الإسلام، أو
~~الأعم على إرادة الجنس، وأمروا بذلك ليذكرهم المنعم ويرغبهم في شكره {
~~وميثقه الذى واثقكم به } أي عهده الذي أخذه عليكم وقوله
~~تعالى: { إذ قلتم سمعنا وأطعنا } ظرف  لواثقكم به  أو
~~لمحذوف وقع حالا من الضمير المجرور في { به } أو من ميثاقه أي كائنا
~~وقت قولكم: سمعنا وأطعنا وفائدة التقييد به تأكيد وجوب مراعاته (بتذكير
~~قبولهم) والتزامهم بالمحافظة عليه، والمراد به الميثاق الذي أخذه على
~~المسلمين حين بايعهم النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة الثانية سنة
~~ثلاث عشرة من النبوة على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر والمنشط
~~والمكره كما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت، وقيل: هو
~~الميثاق الواقع في العقبة الأولى سنة إحدى عشرة، أو بيعة الرضوان
~~بالحديبية، فإضافة الميثاق إليه تعالى مع صدوره عنه صلى الله عليه وسلم
~~لكون المرجع إليه سبحانه كما نطق به قوله تعالى:

# إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله

# [الفتح: 10]. وأخرج ابن جرير وابن حميد عن مجاهد قال: هو الميثاق الذي
~~واثق به بني آدم حين أخرجهم من صلب أبيهم عليه السلام وفيه بعد.

# { واتقوا الله } في نسيان نعمته ونقض ميثاقه، أو في كل ما تأتون
~~وتذرون فيدخل فيه ما ذكر دخولا أوليا { إن الله ms02280 عليم بذات
~~الصدور } أي مخفياتها الملابسة لها ملابسة تامة مصححة لإطلاق الصاحب
~~عليها فيجازيكم عليها، فما ظنكم بجليات الأعمال؟ والجملة اعتراض وتعليل
~~للأمر وإظهار الاسم / الجليل لما مر غير مرة.

### || [5.8]

# { يأيها الذين ءامنوا } شروع في بيان الشرائع المتعلقة لما
~~يجري بينهم وبين غيرهم إثر [بيان] ما يتعلق بأنفسهم { كونوا
~~قومين لله } أي كثيري القيام له بحقوقه اللازمة، وقيل: أي
~~ليكن من عادتكم القيام بالحق في أنفسكم بالعمل الصالح، وفي غيركم بالأمر
~~بالمعروف والنهي عن المنكر ابتغاء مرضاة الله تعالى { شهدآء
~~بالقسط } أي بالعدل، وقيل: دعاة لله تعالى مبينين عن دينه بالحجج
~~الحقة { ولا يجرمنكم } أي لا يحملنكم { شنئان قوم } أي
~~شدة بغضكم لهم { على ألا تعدلوا } فلا تشهدوا في حقوقهم
~~بالعدل، أو فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل { اعدلوا } أيها
~~المؤمنون في أوليائكم وأعدائكم، واقتصر بعضهم على الأعداء بناءا على ما
~~روي أنه لما فتحت مكة كلف الله تعالى المسلمين بهذه الآية أن لا يكافئوا
~~كفار مكة بما سلف منهم، وأن يعدلوا في القول والفعل { هو } راجع إلى
~~العدل الذي تضمنه الفعل، وهو إما مطلق العدل فيندرج فيه العدل الذي أشار
~~إليه سبب النزول، وإما العدل مع الكفار { أقرب للتقوى } أي
~~أدخل في مناسبتها لأن التقوى نهاية الطاعة وهو أنسب الطاعات بها، فالقرب
~~بينهما على هذا مناسبة الطاعة للطاعة، ويحتمل أن يكون أقربيته على التقوى
~~باعتبار أنه لطف فيها فهي مناسبة إفضاء السبب إلى المسبب وهو بمنزلة
~~الجزء الأخير من العلة، واللام مثلها في قولك: هو قريب لزيد للاختصاص لا
~~مكملة فإنه بمن أو إلى. وتكلف الراغب في توجيه الآية فقال: فإن قيل: كيف
~~ذكر سبحانه { أقرب للتقوى } ، وأفعل إنما يقال في شيئين اشتركا
~~في أمر واحد لأحدهما مزية وقد علمنا أن لا شيء من التقوى ومن فعل الخير
~~إلا وهو من العدالة؟ قيل: إن أفعل وإن كان كما ذكرت فقد يستعمل على تقدير
~~بناء الكلام على اعتقاد المخاطب في الشيء في نفسه قطعا لكلامه وإظهارا
~~لتبكيته فيقال لمن ms02281 اعتقد مثلا في زيد فضلا  وإن لم يكن فيه فضل ولكن
~~لا يمكنه أن ينكر أن عمرا أفضل منه : اخدم عمرا فهو أفضل من زيد، وعلى
~~ذلك جاء قوله تعالى:

# ءآلله خير أما يشركون

# [النمل: 59] وقد علم أن لا خير فيما يشركون.

# والجملة في موضع التعليل للأمر بالعدل، وصرح لهم به تأكيدا وتشديدا،
~~وأمر سبحانه بالتقوى بقوله جل وعلا: { واتقوا الله } إثر ما بين
~~أن العدل أقرب لها اعتناءا بشأنها وتنبيها على أنها ملاك الأمر كله {
~~إن الله خبير بما تعملون } من الأعمال فيجازيكم بذلك،
~~وقد تقدم نظير هذه الآية في النساء [135]، ولم يكتف بذلك لمزيد الاهتمام
~~بالعدل والمبالغة في إطفاء نائرة الغيظ، وقيل: لاختلاف السبب، فإن الأولى
~~نزلت في المشركين وهذه في اليهود، وذكر بعض المحققين وجها لتقديم القسط
~~هناك وتأخيره هنا، وهو أن آية النساء جيء بها في معرض الإقرار على نفسه
~~ووالديه وأقاربه فبدأ فيها بالقسط الذي هو العدل من غير محاباة نفس ولا
~~والد ولا قرابة، والتي هنا جيء بها في معرض ترك العداوة فبدأ فيها
~~بالقيام لله تعالى لأنه أردع للمؤمنين، ثم ثنى بالشهادة بالعدل فجىء في
~~كل معرض بما يناسبه.

### || [5.9]

# { وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } من
~~الواجبات والمندوبات ومن جملتها العدل والتقوى { لهم مغفرة
~~وأجر عظيم } جملة مستأنفة مبينة لثاني مفعولي { وعد } المحذوف
~~كأنه قيل: أي شيء وعده؟ / فقيل: لهم مغفرة الخ. ويحتمل أن يكون المفعول
~~متروكا والمعنى قدم لهم وعدا وهو ما بين بالجملة المذكورة، وجوز أن
~~تكون مفعول { وعد } باعتبار كونه بمعنى قال، أو المراد حكايته لأنه
~~يحكي بما هو في معنى القول عند الكوفيين، ويحتمل أن يكون القول مقدرا أي
~~وعدهم قائلا ذلك لهم أي في حقهم فيكون إخبارا بثبوته لهم وهو أبلغ،
~~وقيل: إن هذا القول يقال لهم عند الموت تيسيرا لهم وتهوينا لسكرات
~~الموت عليهم..

### || [5.10]

# { والذين كفروا وكذبوا بئايتنا } القرآنية التي
~~من جملتها ما تليت من النصوص الناطقة بالأمر بالعدل والتقوى، وحمل بعضهم
~~الآيات على المعجزات ms02282 التي أيد الله تعالى بها نبيه صلى الله عليه وسلم {
~~أولئك } الموصوفون بما ذكر { أصحب الجحيم } أي ملابسوا
~~النار الشديدة التأجج ملابسة مؤبدة، والموصول مبتدأ أول، واسم الإشارة
~~مبتدأ ثان وما بعده خبره، والجملة خبر الأول، ولم يؤت بالجملة في سياق
~~الوعيد كما أتى بالجملة قبلها في سياق الوعد قطعا لرجائهم، وفي ذكر حال
~~الكفرة بعد حال المؤمنين كما هو السنة السنية القرآنية وفاءا بحق
~~الدعوة، وتطييبا لقلوب المؤمنين بجعل أصحاب النار أعداءهم دونهم.

### || [5.11]

# { يأيهآ الذين آمنوا اذكروا نعمت الله
~~عليكم } تذكير لنعمة الإنجاء من الشر إثر تذكير نعمة إيصال الخير
~~الذي هو نعمة الإسلام وما يتبعها من الميثاق، أو تذكير نعمة خاصة بعد
~~تذكير النعمة العامة اعتناءا بشأنها، و { عليكم } متعلق  بنعمة
~~الله  أو بمحذوف وقع حالا منها، وقوله تعالى: { إذ هم قوم }
~~على الأول: ظرف لنفس النعمة، وعلى الثاني: لما تعلق به الظرف، ولا يجوز
~~أن يكون ظرفا  لاذكروا  لتنافي زمنيهما فإن { إذ } للمضي، و {
~~اذكروا } للمستقبل، أي اذكروا إنعامه تعالى عليكم، أو اذكروا نعمته
~~تعالى كائنة عليكم وقت قصد قوم { أن يبسطوا إليكم
~~أيديهم } أي بأن يبطشوا بكم بالقتل والإهلاك، يقال: بسط إليه يده
~~إذا بطش به، وبسط إليه لسانه إذا شتمه، والبسط في الأصل مطلق المد، وإذا
~~استعمل في اليد واللسان كان كناية عما ذكر، وتقديم الجار والمجرور على
~~المفعول الصريح للمسارعة إلى بيان رجوع ضرر البسط وغائلته إليهم حملا
~~لهم من أول الأمر على الاعتداد بنعمة دفعه.

# { فكف أيديهم عنكم } عطف على { هم } وهو النعمة التي
~~أريد تذكيرها، وذكر  الهم  للإيذان بوقوعها عند مزيد الحاجة إليها،
~~والفاء للتعقيب المفيد لتمام النعمة وكمالها، وإظهار الأيدي لزيادة
~~التقرير وتقديم المفعول الصريح على الأصل أي منع أيديهم أن تمد إليكم
~~عقيب همهم بذلك وعصمكم منهم، وليس المراد أنه سبحانه كفها عنكم بعد أن
~~مدوها إليكم، وفي ذلك ما لا يخفى من إكمال النعمة ومزيد اللطف.

# والآية إشارة إلى ما أخرجه مسلم وغيره من حديث جابر أن المشركين ms02283 رأوا أن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم بعسفان قاموا
~~إلى الظهر معا فلما صلوا ندموا ألا كانوا أكبوا عليهم، وهموا أن يوقعوا
~~بهم إذا قاموا إلى صلاة العصر، فرد الله تعالى كيدهم بأن أنزل صلاة
~~الخوف، وقيل: إشارة إلى ما أخرجه أبو نعيم في «الدلائل» من طريق عطاء
~~والضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما

# " أن عمرو بن أمية الضمري حيث انصرف من بئر معونة لقي رجلين كلابيين
~~معهما أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلهما ولم يعلم أن معهما
~~أمانا فوداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضى إلى بني النضير ومعه
~~أبو بكر رضي الله تعالى عنه وعمر وعلي فتلقوه / فقالوا: مرحبا يا أبا
~~القاسم لماذا جئت؟ قال: رجل من أصحابي قتل رجلين من كلاب معهما أمان مني
~~طلب مني ديتهما فأريد أن تعينوني قالوا: نعم اقعد حتى نجمع لك فقعد تحت
~~الحصن وأبو بكر وعمر وعلي، وقد تآمر بنو النضير أن يطرحوا عليه عليه
~~الصلاة والسلام حجرا فجاء جبريل عليه السلام فأخبره فقام ومن معه ".

# وقيل: إشارة إلى ما أخرجه غير واحد من حديث جابر

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلا فتفرق الناس في العضاه
~~يستظلون تحتها فعلق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة فجاء أعرابي
~~إلى سيفه فأخذه فسله، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من
~~يمنعك مني؟ قال: الله تعالى  قالها الأعرابي مرتين، أو ثلاثا 
~~والنبي صلى الله عليه وسلم في كل ذلك يقول: الله تعالى، فشام الأعرابي
~~السيف فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم بصنيع الأعرابي
~~وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه "

# ، ولا يخفى أن سبب النزول يجوز تعدده، وأن القوم قد يطلق على الواحد
~~كالناس في قوله تعالى:

# الذين قال لهم الناس

# [آل عمران: 173] وأن ضرر الرئيس ونفعه يعودان إلى المرؤوس.

# { واتقوا الله } عطف على { اذكروا } أي اتقوه في رعاية حقوق
~~نعمته ولا تخلوا بشكرها، أي ms02284 في الأعم من ذلك ويدخل هو دخولا أوليا. {
~~وعلى الله } خاصة دون غيره استقلالا أو اشتراكا {
~~فليتوكل المؤمنون } فإنه سبحانه كاف في درء المفاسد وجلب
~~المصالح، والجملة تذييل مقرر لما قبله، وإيثار صيغة أمر الغائب وإسنادها
~~للمؤمنين لإيجاب التوكل على المخاطبين بطريق برهاني ولإظهار ما يدعو إلى
~~الامتثال، ويزع عن الإخلال مع رعاية الفاصلة، وإظهار الاسم الجليل لتعليل
~~الحكم وتقوية استقلال الجملة التذييلية  وقد مرت نظائره  وهذه الآية
~~كما نقل عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه  تقرأ سبعا صباحا 
~~وسبعا مساءا لدفع الطاعون.

### || [5.12]

# { ولقد أخذ الله ميثق بني إسرءيل } كلام مستأنف
~~مشتمل على بيان بعض ما صدر من بني إسرائيل مسوق لتقرير المؤمنين على ذكر
~~نعمة الله تعالى ومراعاة حق الميثاق، وتحذيرهم من نقضه، أو لتقرير ما ذكر
~~من الهم بالبطش، وتحقيقه بناءا على أنه كان صادرا من أسلافهم ببيان أن
~~الغدر والخيانة فيهم شنشنة أخزمية، وإظهار الاسم الجليل هنا لتربية
~~المهابة وتفخيم الميثاق وتهويل الخطب في نقضه مع ما فيه من رعاية حق
~~الاستئناف المستدعي للانقطاع عما قبله، والالتفات في قوله تعالى: {
~~وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا } للجري على سنن الكبرياء،
~~وتقديم المفعول الغير الصريح على الصريح لما مر غير مرة من الاهتمام
~~والتشويق، و  النقيب  قيل: فعيل بمعنى فاعل مشتقا من النقب بمعنى
~~التفتيش، ومنه

# فنقبوا فى البلد

# [ق: 36] وسمي بذلك لتفتيشه عن أحوال القوم وأسرارهم، وقيل: بمعنى مفعول
~~كأن القوم اختاروه على علم منهم، وتفتيش على أحوالهم. قال الزجاج: وأصله
~~من النقب وهو الثقب الواسع والطريق في الجبل، ويقال: فلان حسن النقيبة أي
~~جميل الخليقة، ونقاب: للعالم بالأشياء الذكي القلب الكثير البحث عن
~~الأمور، وهذا الباب كله معناه التأثير في الشيء الذي له عمق، ومن ذلك
~~نقبت الحائط أي بلغت في النقب آخره.

# روي أن بني إسرائيل لما فرغوا من أمر فرعون أمرهم الله تعالى بالمسير
~~إلى أريحاء أرض الشام وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون، وقال سبحانه لهم:
~~إني كتبتها لكم دارا وقرارا فاخرجوا إليها وجاهدوا ms02285 من فيها فإني
~~ناصركم، وأمر جل شأنه موسى عليه السلام أن يأخذ من كل سبط كفيلا عليهم
~~بالوفاء فيما أمروا به فأخذ عليهم الميثاق، / واختار منهم النقباء وسار
~~بهم فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون الأخبار ونهاهم أن يحدثوا
~~قومهم فرأوا أجراما عظاما وبأسا شديدا فهابوا، فرجعوا وحدثوا قومهم
~~إلا كالب بن يوقنا من سبط يهوذا ويوشع بن نون من سبط إفرائيم بن يوسف
~~عليه السلام، وعند ذلك قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام:

# فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قعدون

# [المائدة: 24].

# وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد أن النقباء لما دخلوا على
~~الجبارين وجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان منهم، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا
~~خمس أنفس بينهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمس أنفس أو
~~أربع، وذكر البغوي أنه لقيهم رجل من أولئك يقال له عوج بن عنق، وكان طوله
~~ثلاثة آلاف وثلثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلث ذراع وكان يحتجز بالسحاب
~~ويشرب منه ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم
~~يأكله، ويروى أن الماء طبق ما على الأرض من جبل وما جاوز ركبتي عوج، وعاش
~~ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله تعالى على يد موسى عليه السلام، وذلك أنه
~~جاء وقور صخرة من الجبل على قدر عسكر موسى عليه السلام وكان فرسخا في
~~فرسخ وحملها ليطبقها عليهم فبعث الله تعالى الهدهد فقور الصخرة بمنقاره
~~فوقعت في عنقه فصرعته فأقبل موسى عليه السلام وهو مصروع فقتله.

# وكانت أمه عنق إحدى بنات آدم عليه السلام، وكان مجلسها جريبا من الأرض،
~~فلما لقوا عوجا وعلى رأسه حزمة حطب أخذهم جميعا وجعلهم في حزمته،
~~وانطلق بهم إلى امرأته وقال: انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون
~~قتالنا وطرحهم بين يديها، وقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: لا بل
~~خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ففعل انتهى.

# وأقول: قد شاع أمر عوج عند العامة ونقلوا فيه حكايات شنيعة، وفي «فتاوى ms02286
~~العلامة ابن حجر» قال الحافظ العماد بن كثير: قصة عوج وجميع ما يحكون عنه
~~هذيان لا أصل له، وهو من مختلقات أهل الكتاب، ولم يكن قط على عهد نوح
~~عليه السلام ولم يسلم من الكفار أحد، وقال ابن القيم: من الأمور التي
~~يعرف بها كون الحديث موضوعا أن يكون مما تقوم الشواهد الصحيحة على
~~بطلانه  كحديث عوج الطويل  وليس العجب من جرأة من وضع هذا الحديث وكذب
~~على الله تعالى إنما العجب ممن يدخل هذا الحديث في كتب العلم من التفسير
~~وغيره ولا يبين أمره، ثم قال: ولا ريب في أن هذا وأمثاله من وضع زنادقة
~~أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء والسخرية بالرسل الكرام عليهم الصلاة
~~والسلام وأتباعهم انتهى. وأورد ابن المنذر عن ابن عمر من قصته شيئا
~~عجيبا، وتعقبه بعض المصنفين بأن هذا مما يستحي الشخص من نسبته إلى ابن
~~عمر رضي الله تعالى عنهما، ومشى صاحب «القاموس» على أن أخباره موضوعة،
~~وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن حبان في كتاب «العظمة» فيه آثارا قال
~~الحفاظ في أطولها المشتمل على غرائب من أحواله: إنه باطل كذب، وقال
~~الحافظ السيوطي: والأقرب في خبر عوج أنه من بقية عاد، وأنه كان له طول في
~~الجملة مائة ذراع أو شبه ذلك، وأن موسى عليه الصلاة والسلام قتله بعصاه،
~~وهذا هو القدر الذي يحتمل قبوله انتهى، ونعم ما قال، فإن بقاءه في
~~الطوفان مع كفره الظاهر إذ لم ينقل إيمانه، ودعوة نوح عليه السلام التي
~~عمت الأرض مما لا يكاد يقبله المنصف، وكذا بقاؤه بعد الطوفان مع قوله
~~تعالى:

# وجعلنا ذريته هم البقين

# [الصافات: 77] مما لا يسوغه العارف، وشيه الحوت بعين الشمس، مما لا يكاد
~~يعقل  على ما ذكره الحكماء  فقد ذكر الخلخالي أنهم ذهبوا إلى أن الشمس
~~ليست حارة وإلا لكان قلل الجبال أحر من الوهاد لقرب القلل / إلى الشمس 
~~وبعد الوهاد عنها  بل الحرارة تحدث من وصول شعاع الشمس إلى وجه الأرض
~~وانعكاسه عنه ولذلك يرى الوهاد أحر لتراكم الأشعة المنعكسة فيها ms02287 فما وصل
~~إليه الشعاع من وجه الأرض يصير حارا وإلا فلا، وذكر نحو ذلك شارح «حكمة
~~العين»، ولا يرد على هذا أن بعض الناس روى أن كذا ملائكة ترمي الشمس
~~بالثلج إذا طلعت، ولولا ذلك لأحرقت أهل الأرض لأن ذلك مما لم يثبت عند
~~الحفاظ، وهو إلى الوضع أقرب منه إلى الصحة، ثم كان القائل بوجود عوج هذا
~~من الناس لا يقول بالطبقة الزمهرية التي هي الطبقة الثالثة من طبقات
~~العناصر السبع، ولا بما فوقها وإلا فكيف يكون الاحتجاز بالسحاب وهو
~~كالرعد والبرق، والصاعقة إنما ينشأ من تلك الطبقة الباردة التي لا يصل
~~إليها أثر شعاع الشمس بالانعكاس من وجه الأرض، وقد ذكروا أيضا أن فوقها
~~طبقتين: الأولى: ما يمتزج مع النار وهي التي يتلاشى فيها الأدخنة
~~المرتفعة عن السفل، ويتكون فيها الكواكب ذوات الأذناب والنيازك،
~~والثانية: ما يقرب من الخلوص إذ لا يصل إليه حرارة ما فوقه ولا برودة ما
~~تحته من الأرض والماء، وهي التي يحدث فيها الشهب، فإذا احتجز هذا الرجل
~~بالسحاب وصل رأسه على زعمهم إلى إحدى تينك الطبقتين، فكيف يكون حاله مع
~~ذلك البرد والحر؟! ولا أظن بشرا  كيف كان  يقوى على ذلك، على أن أصل
~~الاحتجاز مما لا يمكن بناءا على كلام الحكماء إذ قد علمت أن منشأ السحب
~~الطبقة الزمهريرية.

# وفي كتاب «نزهة القلوب»  نقلا عن الحكيم أبي نصر  أن غاية ارتفاعها
~~اثني عشر فرسخا وستمائة ذراع، وعن المتقدمين أنها ثمانية عشر فرسخا،
~~والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع انتهى. واختلفوا
~~أيضا في غاية انحطاطها، ولم يذكر أحد منهم أنها تنحط إلى ما يتصور معه
~~احتجاز الرجل الذي ذكروا من طوله ما ذكروا بالسحاب، اللهم إلا أن يراد به
~~سحاب لم يبلغ هذا الارتفاع ومع هذا كله قد أخطأوا في قولهم: ابن عنق،
~~وإنما هو ابن عوق  كنوح  كما نص على ذلك في «القاموس»، وهو أيضا اسم
~~والده لا والدته كما ذكر هناك أيضا فليحفظ. وأخرج ابن حميد وابن جرير عن ms02288
~~أبي العالية أنه قال في الآية: أخذ الله تعالى ميثاق بني إسرائيل أن
~~يخلصوا له ولا يعبدوا غيره؛ وبعث منهم اثني عشر كفيلا كفلوا عليهم
~~بالوفاء لله تعالى بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به ونهاهم عنه،
~~واختاره الجبائي،  والنقباء  حينئذ يجوز أن يكونوا رسلا، وأن يكونوا
~~قادة  كما قال البلخي  واختار أبو مسلم أنهم بعثوا أنبياء ليقيموا
~~الدين ويعلموا الأسباط التوراة ويأمروهم بما فرضه الله تعالى عليهم،
~~وأخرج الطيبي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا وزراء وصاروا
~~أنبياء بعد ذلك.

# { وقال الله } أي  للنقباء  عند الربيع، ورجحه السمين للقرب،
~~وعند أكثر المفسرين  لبني إسرائيل  ورجحه أبو حيان إذ هم المحتاجون إلى
~~ما ذكر من الترغيب والترهيب كما ينبىء عنه الإلتفات مع ما فيه من تربية
~~المهابة وتأكيد ما يتضمنه الكلام من الوعد { إني معكم } أسمع
~~كلامكم وأرى أعمالكم وأعلم ضمائركم فأجازيكم بذلك، وقيل: معكم بالنصرة،
~~وقيل: بالعلم، والتعميم أولى.

# { لئن أقمتم الصلوة وءاتيتم الزكوة وءامنتم
~~برسلى } أي بجميعهم، واللام موطئة للقسم المحذوف، وتأخير الإيمان عن
~~إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع كونهما من الفروع المترتبة عليه لما أنهم
~~ كما قال غير واحد  كانوا معترفين / بوجوبهما حسبما يراد منهم مع
~~ارتكابهم تكذيب بعض الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولمراعاة المقارنة بينه
~~وبين قوله تعالى: { وعزرتموهم } ، وقال بعضهم: إن جملة {
~~وآمنتم برسلي } إلى آخره كناية إيمائية عن المجاهدة، ونصرة دين
~~الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام والإنفاق في سبيله كأنه قيل: لئن
~~أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وجاهدتم في سبيل الله يدل عليه قوله تعالى:

# ولا ترتدوا على أدبركم فتنقلبوا خسرين

# [المائدة: 21] فإن المعنى لا ترتدوا على أدباركم في دينكم لمخالفتكم أمر
~~ربكم وعصيانكم نبيكم عليه الصلاة والسلام، وإنما وقع الاهتمام بشأن هذه
~~القرينة دون الأولين، وأبرزت في معرض الكناية لأن القوم كانوا يتقاعدون
~~عن القتال ويقولون لموسى عليه السلام إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا
~~قاعدون انتهى، ولا يخلو عن نظر. وقيل: إنما قدم إقامة الصلاة وإيتاء
~~الزكاة لأنها ms02289 الظاهر من أحوالهم الدالة على إيمانهم، و  التعزير  أصل
~~معناه المنع والذب، وقيل: التقوية من العزر، وهو والأزر من واد واحد، ولا
~~يخفى أن في التقوية منعا لمن قويته عن غيره فهما متقاربان، ثم تجوز فيه
~~عن النصرة لما فيها من ذلك وعن التأديب، وهو في الشرع ما كان دون الحد
~~لأنه رادع ومانع عن ارتكاب القبيح، ولذا سمي في الحديث نصرة، فقد صح عنه
~~صلى الله عليه وسلم:

# " انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان
~~مظلوما أفرأيت إن كان ظالما كيف أنصره؟! فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: تحجزه  أو تمنعه  عن الظلم فإن ذلك نصره "

# ، وقال الراغب: «التعزير النصرة مع التعظيم»، وبالنصرة فقط  فسره
~~الحسن. ومجاهد، وبالتعظيم فقط فسره ابن زيد. وأبو عبيدة، وقرىء 
~~عزرتموهم  بالتخفيف.

# { وأقرضتم الله } أي بالإنفاق في سبيل الخير، وقيل: بالتصدق
~~بالصدقات المندوبة وأيا ما كان فهو استعارة لأنه سبحانه لما وعد بجزائه
~~والثواب عليه شبه بالقرض الذي يقضى بمثله، وفي كلام العرب قديما
~~الصالحات قروض { قرضا حسنا } وهو ما كان عن طيب نفس على ما قال
~~الأخفش، وقيل: ما لا يتبعه من ولا أذى، وقيل: ما كان من حلال.

# وذكر غير واحد أن قرضا يحتمل المصدر والمفعول به.

# { لأكفرن عنكم سيئاتكم } دال على جواب الشرط المحذوف
~~وساد مسده معنى، وليس هو الجواب له خلافا لأبي البقاء بل هو جواب
~~للقسم، فقد تقرر أنه إذا اجتمع شرط وقسم أجيب السابق منهما إلا أن يتقدمه
~~ذو خبر، وجوز أن يكون هذا جوابا لما تضمنه قوله تعالى: { ولقد
~~أخذ الله ميثق بنى إسرءيل } من القسم، وقيل: إن جوابه {
~~لئن أقمتم } فلا تكون اللام موطئة، أو تكون ذات وجهين  وهو غريب
~~ وجملة القسم المشروط وجوابه مفسرة لذلك الميثاق المتقدم. {
~~ولأدخلنكم جنت تجري من تحتها الأنهر } عطف
~~على ما قبله داخل معه في حكمه متأخر عنه في الحصول ضرورة تقدم التخلية
~~على التحلية.

# { فمن كفر } أي برسلي أو بشيء مما عدد ms02290 في حيز الشرط، والفاء لترتيب
~~بيان حكم من كفر على بيان حكم من آمن تقوية للترغيب بالترهيب { بعد
~~ذلك } الشرط المؤكد المعلق به الوعد العظيم أعني { لأكفرن } ،
~~وقيل: بعد الشرط المؤكد المعلق بالوعد العظيم أعني { أني معكم }
~~بناءا على حمل المعية على المعية بالنصرة والإعانة، أو التوفيق للخير
~~فإن الشرط معلق به من حيث المعنى نحو أنا معتن بشأنك إن خدمتني رفعت
~~محلك، وقيل: المراد بعد ما شرطت هذا الشرط ووعدت هذا الوعد وأنعمت هذا
~~الإنعام، / وقوله تعالى: { منكم } متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل {
~~كفر } ، ولعل تغيير السبك حيث لم يقل وإن كفرتم عطفا على الشرطية
~~السابقة  كما قال شيخ الإسلام  لإخراج كفر الكل عن حيز الاحتمال وإسقاط
~~من كفر عن رتبة الخطاب، ثم ليس المراد بالكفر إحداثه بعد الإيمان، بل ما
~~يعم الاستمرار عليه أيضا كأنه قيل: فمن اتصف بالكفر بعد ذلك إلا أنه قصد
~~بإيراد ما يدل على الحدوث بيان ترقيهم في مراتب الكفر فإن الاتصاف بشيء
~~بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه، وإن كان استمرارا عليه لكن بحسب العنوان
~~فعل جديد وصنع حادث. { فقد ضل سوآء السبيل } أي وسط الطريق
~~وحاقه ضلالا لا شبهة فيه ولا عذر معه بخلاف من كفر قبل ذلك إذ ربما يمكن
~~أن يكون له شبهة ويتوهم عذر.

### || [5.13]

# { فبما نقضهم ميثقهم } أي بسبب نقضهم ميثاقهم المؤكد لا
~~بشيء آخر استقلالا وانضماما، فالباء سببية، و (ما) مزيدة لتوكيد الكلام
~~وتمكينه في النفس، أو بمعنى شيء كما قال أبو البقاء، والجار متعلق بقوله
~~تعالى: { لعنهم } أي طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا عقوبة لهم 
~~قاله عطاء وجماعة  وعن الحسن ومقاتل أن المعنى مسخناهم قردة وخنازير،
~~وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عذبناهم بضرب الجزية عليهم، ولا يخفى
~~أن ما قاله عطاء أقرب إلى المعنى الحقيقي لأن حقيقة اللعن في اللغة الطرد
~~والابعاد فاستعماله في المعنيين الأخيرين مجاز باستعماله في لازم معناه،
~~وهو الحقارة بما ذكر لكنه لا قرينة في الكلام عليه، وتخصيص البيان بما ms02291
~~ذكر مع أن حقه أن يبين بعد بيان تحقق [نفس] اللعن والنقض بأن يقال مثلا:
~~فنقضوا ميثاقهم فلعناهم ضرورة تقدم هيئة الشيء البسيطة على هيئته المركبة
~~ كما قال شيخ الإسلام  للإيذان بأن تحققهما أمر جلي غني عن البيان،
~~وإنما المحتاج إلى ذلك ما بينهما من السببية والمسببية.

# { وجعلنا قلوبهم قسية } يابسة غليظة تنبو عن قبول الحق
~~ولا تلين  قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وقيل: المراد سلبناهم
~~التوفيق واللطف الذي تنشرح به صدورهم حتى  ران على قلوبهم ما كانوا
~~يكسبون  وهذا كما تقول لغيرك: أفسدت سيفك إذا ترك تعاهده حتى صدىء،
~~وجعلت أظافيرك سلاحك إذا لم يقصها، وقال الجبائي المعنى: بينا عن حال
~~قلوبهم وما هي عليه من القساوة وحكمنا بأنهم لا يؤمنون ولا تنفع فيهم
~~موعظة، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر وما دعا إليه إلا الاعتزال، وقرأ حمزة
~~والكسائي (قسية)، وهي إما مبالغة قاسية لكونه على وزن فعيل، أو بمعنى
~~ردية من قولهم: درهم قسى إذا كان مغشوشا، وهو أيضا من القسوة، فإن
~~المغشوش فيه يبس وصلابة، وقيل: إن قسى غير عربي بل معرب، وقرىء،  قسية 
~~بكسر القاف للاتباع.

# { يحرفون الكلم عن مواضعه } استئناف لبيان مرتبة قساوة
~~قلوبهم فإنه لا مرتبة أعظم مما ينشأ عنه الاجتراء على تحريف كلام رب
~~العالمين والافتراء عليه عز وجل، والتعبير بالمضارع للحكاية واستحضار
~~الصورة، وللدلالة على التجدد والاستمرار، وجوز أن يكون حالا من مفعول {
~~لعنهم } ، أو من المضاف إليه في قلوبهم وضعف بما ضعف، وجعله حالا
~~من القلوب، أو من ضميره في { قاسية } كما قيل، لا يصح لعدم العائد
~~منه إلى ذي الحال، وجعل القلوب بمعنى أصحابها مما لا يلتفت إليه أصحابها
~~{ ونسوا حظا } أي وتركوا نصيبا وافيا، واستعمال النسيان بهذا
~~المعنى كثير { مما ذكروا به } من التوراة أو مما أمروا به فيها
~~من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، / وقيل: حرفوا التوراة فسقطت بشؤم ذلك
~~أشياء منها عن حفظهم، وأخرج ابن المبارك وأحمد في «الزهد» عن ابن مسعود
~~قال: إني لأحسب ms02292 الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها، وفي معنى
~~ذلك قول الشافعي رضي الله تعالى عنه:

# شكوت إلى وكيع سوء حفظي

# فأرشدني إلى ترك المعاصي

# وأخبرني بأن العلم نور

# ونور الله لا يهدى لعاصي

# { ولا تزال تطلع على خائنة منهم } أي خيانة كما
~~قرىء به على أنها مصدر على وزن فاعلة  كالكاذبة، واللاغية  أو فعلة
~~خائنة أي ذات خيانة، وإلى ذلك يشير كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما،
~~أو فرقة خائنة، أو نفس خائنة، أو شخص خائنة على أنه وصف، والتاء للمبالغة
~~لكنها في فاعل قليلة، و { منهم } متعلق بمحذوف وقع صفة لها، خلا أن 
~~من  على الوجهين الأولين ابتدائية أي على خيانة، أو فعلة ذات خيانة
~~كائنة منهم صادرة عنهم، وعلى الأوجه الأخر تبعيضية، والمعنى إن الغدر
~~والخيانة عادة مستمرة لهم ولأسلافهم كما يعلم من وصفهم بالتحريف وما معه
~~بحيث لا يكادون يتركونها أو يكتمونها فلا تزال ترى ذلك منهم { إلا
~~قليلا منهم } استثناء من الضمير المجرور في { منهم }؛ والمراد
~~بالقليل عبد الله بن سلام وأضرابه الذين نصحوا لله تعالى ورسوله صلى الله
~~عليه وسلم، وجعله بعضهم استثناء من { خائنة } على الوجه الثاني،
~~فالمراد بالقليل الفعل القليل و { من } ابتدائية كما مر أي إلا فعلا
~~قليلا كائنا منهم، وقيل: الاستثناء من قوله تعالى: { وجعلنا
~~قلوبهم قاسية }.

# { فاعف عنهم واصفح } أي إذا تابوا أو بذلوا الجزية  كما روي
~~عن الحسن وجعفر بن مبشر  واختاره الطبري، فضمير { عنهم } راجع إلى
~~ما رجع إليه نظائره، وعن أبي مسلم أنه عائد على القليل المستثنى أي فاعف
~~عنهم ما داموا على عهدك ولم يخونوك، وعلى القولين فالآية محكمة، وقيل:
~~الضمير عائد على ما اختاره الطبري، وهي مطلقة إلا أنها نسخت بقوله تعالى:

# قتلوا الذين لا يؤمنون بالله

# [التوبة: 29] الآية. وروي ذلك عن قتادة، وعن الجبائي أنها منسوخة بقوله
~~تعالى:

# وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على
~~سواء

# [الأنفال: 58] { إن الله يحب المحسنين } تعليل للأمر
~~وحث على الامتثال وتنبيه على أن العفو على ms02293 الإطلاق من باب الإحسان.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات { يأيها الذين ءامنوا إذا
~~قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم } أمر بالتطهير لمن
~~أراد الوقوف بين يدي الملك الكبير جل شأنه وعظم سلطانه، وبدأ بالوجه 
~~لأنه سبحانه وتعالى نقشه بنقش خاتم صفاته، وفي «الفتوحات» ((لا خلاف في
~~أن غسل الوجه فرض وحكمه في الباطن المراقبة والحياء من الله تعالى
~~مطلقا، ثم اختلف الحكم في الظاهر في أن تحديد غسل الوجه في الوضوء في
~~ثلاثة مواضع: منها البياض الذي بين العذار والأذن، والثاني: ما سدل من
~~اللحية، والثالث: تخليل اللحية، فأما البياض المذكور فمن قائل: إنه من
~~الوجه، ومن قائل: إنه ليس من الوجه، وأما ما انسدل من اللحية فمن قائل:
~~بوجوب إمرار الماء عليه، ومن قائل: بأنه لا يجب، وكذلك تخليل اللحية، فمن
~~قائل: بوجوبه، ومن قائل: بأنه لا يجب، وحكم ذلك في الباطن أما غسل الوجه
~~مطلقا من غير نظر إلى تحديد الأمر في ذلك فإن فيه ما هو فرض، وفيه ما هو
~~ليس بفرض، فأما الفرض فالحياء من الله تعالى أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك
~~حيث أمرك، وأما السنة / منه فالحياء من الله تعالى أن تنظر إلى عورتك أو
~~عورة امرأتك، وإن كان ذلك قد أبيح لك، ولكن استعمال الحياء فيها أفضل
~~وأولى فما يتعين منه فهو فرض عليك، وما لا يتعين ففعلته فهو سنة
~~واستحباب، فيراقب الإنسان أفعاله ظاهرا وباطنا، ويراقب ربه في باطنه،
~~فإن وجه قلبه هو المعتبر، ووجه الإنسان على الحقيقة ذاته يقال: وجه الشيء
~~أي حقيقته وعينه وذاته، فالحياء خير كله، و  الحياء من الإيمان  ولا
~~يأتي إلا بخير، وأما البياض الذي بين العذار والأذن، وهو الحد الفاصل بين
~~الوجه والأذن فهو الحد بين ما كلف الإنسان من العمل في وجهه والعمل في
~~سماعه، فالعمل في ذلك إدخال الحد في المحدود، فالأولى بالإنسان أن يصرف
~~حياءه في سمعه كما صرفه في بصره، فكما أن الحياء غض البصر كما قال تعالى:

# قل للمؤمنين يغضوا من ms02294 أبصرهم

# [النور: 30] كذلك يلزم الحياء من الله تعالى أن لا يسمع ما لا يحل له من
~~غيبة؛ وسوء قول من متكلم بما لا ينبغي فإن ذلك البياض هو بين العذار
~~والأذن  وهو محل الشبهة  وهو أن يقول: أصغيت إليه لأرد عليه، وهذا معنى
~~العذار فإنه من العذر أي الإنسان يعتذر إذا قيل له: لم أصغيت إلى هذا
~~القول بأذنك؟ فيقول: إني أردت أن أحقق سماع ما قال حتى أنهاه عنه، فكنى
~~عنه بالعذار فمن رأى وجوب ذلك عليه غسله، ومن لم ير وجوب ذلك إن شاء غسل
~~وإن شاء ترك، وأما غسل ما استرسل من اللحية وتخليلها فهي الأمور العوارض،
~~فإن اللحية شيء يعرض في الوجه وليست من أصله، فكل ما يعرض لك في وجه ذلك
~~من المسائل فأنت فيها بحكم ذلك العارض، فإن تعين عليك طهارة ذلك العارض
~~فهو قول من يقول بوجوب غسله، وإن لم يتعين عليك طهارته فطهرته استحبابا
~~أو تركته لكونه ما تعين عليك فهو قول من لم يقل بوجوب الطهارة فيه، وقد
~~بين أن حكم الباطن يخالف الظاهر بأن فيه وجها إلى الفريضة، ووجها إلى
~~السنة والاستحباب، فالفرض من ذلك لا بد من إتيانه، وغير الفرض عمله أولى
~~من تركه، وذلك سار في جميع العبادات)) انتهى.

# وقال بعض العارفين: هذا خطاب للمؤمنين بالإيمان العلمي إذا قاموا عن نوم
~~الغفلة وقصدوا صلاة الحضور والمناجاة الحقيقية والتوجه إلى الحق أن
~~يطهروا وجوه قواهم بماء العلم النافع الطاهر المطهر من علم الشرائع
~~والأخلاق والمعاملات الذي يتعلق بإزالة الموانع عن لوث صفات النفس، وأول
~~هذا الأيدي في قوله تعالى: { وأيديكم } بالقوى والقدر أي طهروا
~~أيضا قواكم وقدركم عن دنس تناول الشهوات والتصرفات في مواد الرجس {
~~إلى المرافق } أي قدر الحقوق والمنافع، وقال الشيخ الأكبر قدس
~~سره: ((أجمع الناس على غسل اليدين والذراعين، واختلفوا في إدخال المرافق
~~في هذا الغسل، فمن قائل: بوجوب إدخالهما، ومن قائل: بعدم الوجوب، لكن لم
~~ينازع بالاستحباب، وحكم الباطن في ذلك أن غسل اليدين والذراعين ms02295 إشارة إلى
~~غسلهما بالكرم والجود والسخاء والهبات والاعتصام والتوكل، فإن هذا وشبهه
~~من نعوت اليدين والمعاصم للمناسبة، بقي غسل المرافق وهي رؤية الأسباب
~~التي يرتفق العبد ويأنس بها لنفسه، فمن رأى إدخال المرافق في نفسه رأى أن
~~الأسباب إنما وضعها الله تعالى حكمة منه في خلقه فلا يرد أن تعطل حكمة
~~الله تعالى لا على طريق الاعتماد عليها فإن ذلك يقدح في اعتماده على الله
~~تعالى، ومن رأى عدم إيجابها في الغسل رأى سكون النفس إلى الأسباب، وأنه
~~لا يخلص له مقام الاعتماد على الله تعالى مع وجود رؤية الأسباب، وكل من
~~يقول: بأنه لا يجب غسلها يقول: يستحب كذلك رؤية الأسباب مستحبة عند
~~الجميع وإن اختلفت أحكامهم فيها، فإن الله تعالى ربط الحكمة في وجودها)).
~~{ وامسحوا برءوسكم } قال بعض العارفين: أي بجهات أرواحكم عن
~~قتام كدورة القلب وغبار تغيره بالتوجه / إلى العالم السفلي ومحبة الدنيا
~~بنور الهدى، فإن الروح لا يتكدر بالتعلق بل يحتجب نوره عن القلب فيسود
~~القلب ويظلم ويكفي في انتشار نوره صقل الوجه العالي الذي يتوجه إليه، فإن
~~القلب ذو وجهين: أحدهما: إلى الروح  والرأس  هنا إشارة إليه، والثاني:
~~إلى النفس وقواها، وأحرى  بالرجل  أن تكون إشارة إليه. وقال الشيخ
~~الأكبر قدس الله سره بعد أن بين اختلاف العلماء في القدر الذي يجب مسحه:
~~((وأما حكم مسح الرأس في الباطن فأصله من الرياسة وهي العلو والارتفاع،
~~ولما كان أعلا ما في البدن في ظاهر العين وجميع البدن تحته سمي رأسا،
~~فإن الرئيس فوق المرؤوس وله جهة فوق، وقد وصف الله تعالى نفسه بالفوقية
~~على عباده بصفة القهر، فقال سبحانه:

# وهو القاهر فوق عباده

# [الأنعام: 18] فكان الرأس أقرب عضو في الجسد إلى الحق تعالى لمناسبة
~~الفوقية، ثم له الشرف الآخر في المعنى الذي به رأس على البدن كله، وهو
~~أنه محل جميع القوى كلها الحسية والمعنوية، فلما كانت له هذه الرياسة من
~~هذه الجهة سمي رأسا، ثم إن العقل الذي جعله الله تعالى أشرف ما في
~~الإنسان ms02296 جعل محله اليافوخ وهو أعلى موضع في الرأس فجعله سبحانه مما يلي
~~جانب الفوقية، ولما كان محلا لجميع القوى الظاهرة والباطنة ولكل قوة حكم
~~وسلطان وفخر يورثها ذلك عزة على غيرها، وكان محل هذه القوى من الرأس
~~مختلفة فعمت الرأس كله وجب مسح كله في هذه العبارة لهذه الرياسة السارية
~~فيه كله من جهة هذه القوى بالتواضع والاقناع، فيكون لكل قوة مسح مخصوص من
~~مناسبة دعواها، وهذا ملحظ من يرى وجوب مسح جميع الرأس؛ ومن رأى تفاوت
~~القوى بالرياسة فإن القوة المصورة مثلا لها سلطان على القوة الخيالية
~~فهي الرئيسة عليها، وإن كانت للقوة الخيالية رياسة قال: الواجب عليه مسح
~~بعض الرأس وهو المقسم بالأعلى، ثم اختلفوا في هذا البعض، فكل عارف قال
~~بحسب ما أعطاه الله تعالى من الإدراك في مراتب هذه القوة فيمسح بحسب ما
~~يرى، ومعنى المسح هو التذلل وإزالة الكبرياء والشموخ بالتواضع والعبودية
~~لأن المتوضىء بصدد مناجاة ربه وطلب وصلته، والعزيز الرئيس إذا دخل على من
~~ولاه تلك العزة ينعزل عن عزته ورياسته بعز من دخل عليه فيقف بين يديه
~~وقوف العبيد في محل الإذلال لا بصفة الإدلال فمن غلب على خاطره رياسة بعض
~~القوى على غيرها وجب عليه مسح ذلك البعض من أجل الوصلة التي تطلب بهذه
~~العبادة ولهذا لم يشرع مسح الرأس في التيمم لأن وضع التراب على الرأس من
~~علامات الفراق، فترى الفاقد حبيبه بالموت يضع التراب على رأسه، وتفصيل
~~رياسات القوى معلوم عند أهل هذا الشأن، وأما التبعيض في اليد الممسوح
~~بها، واختلافهم في ذلك فاعمل فيه كما تعمل في الممسوح سواء، فإن المزيل
~~لهذه الرياسة أسباب مختلفة في القدرة على ذلك، ومحل ذلك اليد، فمن مزيل
~~بصفة القهر ومن مزيل بسياسة وترغيب إلى آخر ما قال)): { وأرجلكم }
~~أشير بها إلى القوى الطبيعية البدنية المنهمكة في الشهوات والإفراط
~~باللذات، وغسلها بماء علم الأخلاق وعلم الرياضيات حتى ترجع إلى الصفاء
~~الذي يستعد به القلب للحضور والمناجاة.

# وفي «الفتوحات» ((اختلفوا في صفة طهارتها بعد ms02297 الاتفاق على أنها من أعضاء
~~الوضوء هل ذلك بالغسل أو بالمسح أو بالتخيير بينهما؟ ومذهبنا التخيير،
~~والجمع أولى، وما من قول إلا وبه قائل، والمسح بظاهر الكتاب، والغسل
~~بالسنة، ومحتمل الآية بالعدول عن الظاهر منها، وأما حكم ذلك في الباطن
~~فاعلم أن السعي إلى الجماعات وكثرة الخطا إلى المساجد والثبات يوم الزحف
~~مما تطهر به الأقدام فلتكن طهارة / رجليك بما ذكرناه وأمثاله، ولا تتمثل
~~بالنميمة بين الناس ولا تمش مرحا واقصد في مشيك واغضض من صوتك، ومن هذا
~~ما هو فرض بمنزلة المرة الواحدة في غسل عضو الوضوء الرجل وغيره، ومنه ما
~~هو سنة وهو ما زاد على الفرض، وهو مشيك فيما ندبك الشرع إليه وما أوجبه
~~عليك، فالواجب عليك نقل الأقدام إلى مصلاك، والمندوب والمستحب والسنة وما
~~شئت فقل من ذلك نقل الأقدام إلى المساجد من قرب وبعد، فإن ذلك ليس بواجب
~~فإن كان الواجب من ذلك عند بعض الناس مسجدا لا بعينه وجماعة لا بعينها
~~فعلى هذا يكون غسل رجليك في الباطن من طريق المعنى، واعلم أن الغسل يتضمن
~~المسح فمن غسل فقد أدرج المسح فيه كاندراج نور الكواكب في نور الشمس، ومن
~~مسح لم يغسل إلا في مذهب من يرى، وينقل عن العرب أن المسح لغة في الغسل
~~فيكون من الألفاظ المترادفة، والصحيح في المعنى في حكم الباطن أن يستعمل
~~المسح فيما يقتضي الخصوص من الأعمال، والغسل فيما يقتضي العموم، ولهذا
~~كان مذهبنا التخيير بحسب الوقت، فإن الشخص قد يسعى لفضيلة خاصة في حاجة
~~شخص بعينه فذلك بمنزلة المسح، وقد يسعى للملك في حاجة تعم الرعية فيدخل
~~ذلك الشخص في هذا العموم فذلك بمنزلة الغسل الذي اندرج فيه المسح))
~~انتهى.

# { وإن كنتم جنبا فاطهروا } الجنابة غربة العبد عن موطنه
~~الذي يستحقه، وليس إلا العبودية وتغريب صفة ربانية عن موطنها وكل ذلك
~~يوجب التطهير، وقوله تعالى: { وإن كنتم مرضى } الخ قد تقدم
~~نظيره. وفي «الفتوحات» ((اختلف في حد الأيدي المذكورة في هذه الطهارة،
~~فمن قائل: حدها مثل حدها ms02298 في الوضوء ومن قائل: هو الكف فقط  وبه أقول 
~~ومن قائل: إن الاستحباب إلى المرفقين والفرض الكفان، ومن قائل: إن الفرض
~~إلى المناكب، والاعتبار في ذلك أنه لما كان التراب في الأرض أصل نشأة
~~الإنسان وهو تحقيق عبوديته وذلته أمر بطهارة نفسه من التكبر بالتراب، وهو
~~حقيقة عبوديته ويكون ذلك بنظره في أصل خلقه، ولما كان من جملة ما يدعيه
~~الاقتدار والعطاء مع أنه مجبول على العجز والبخل، وهذه الصفات من صفات
~~الأيدي قيل له عند هذه الدعوة ورؤية نفسه في الاقتدار الظاهر منه، والكرم
~~والعطاء: طهر نفسك من هذه الصفة بنظرك فيما جبلت عليه من ضعفك ومن بخلك
~~فقد قال تعالى:

# خلقكم من ضعف

# [الروم: 54]

# ومن يوق شح نفسه

# [الحشر: 9]

# وإذا مسه الخير منوعا

# [المعارج: 21] فإذا نظر إلى هذا الأصل زكت نفسه وتطهرت من الدعوى،
~~واختلفوا في عدد الضربات على الصعيد للتيمم، فمن قائل: واحدة، ومن قائل:
~~اثنتان، والقائلون بذلك، منهم من قال: ضربة للوجه وضربة لليدين، ومنهم من
~~قال: ضربتان لليد وضربتان للوجه، ومذهبنا أنه من ضرب واحدة أجزأه، ومن
~~ضرب اثنتين اجزأه وحديث الضربة الواحدة أثبت، والاعتبار في ذلك التوجه
~~إلى ما يكون به هذه الطهارة، فمن غلب التوحيد في الأفعال قال: بالضربة
~~الواحدة، ومن غلب حكم السبب الذي وضعه الله تعالى ونسب الفعل إلى الله
~~تعالى مع تعريته عنه مثل قوله تعالى:

# والله خلقكم وما تعملون

# [الصافات: 96] فأثبت ونفى قال: بالضربتين ومن قال: إن ذلك في كل فعل
~~قال: بالضربتين لكل عضو)) انتهى. وقد أطال الشيخ قدس سره الكلام في أنواع
~~الطهارة وأتى فيه بالعجب العجاب. { ما يريد الله ليجعل
~~عليكم من حرج } أي من ضيق ومشقة بكثرة المجاهدات { ولكن
~~يريد ليطهركم } من الصفات الخبيثة، وعن سهل: الطهارة على سبعة
~~أوجه: طهارة العلم من الجهل وطهارة الذكر من النسيان وطهارة اليقين من
~~الشك وطهارة العقل من الحمق وطهارة الظن من التهمة وطهارة الإيمان مما
~~دونه وطهارة القلب من / الإرادات، وقال: إسباغ طهارة الظاهر تورث طهارة
~~الباطن، ms02299 وإتمام الصلاة يورث الفهم عن الله تعالى، والطهارة تكون في
~~أشياء: في صفاء المطعم ومباينة الأنام وصدق اللسان وخشوع السر، وكل واحد
~~من هذه الأربع مقابل لما أمر الله تعالى بتطهيره وغسله من الأعضاء
~~الظاهرة.

# وقال ابن عطاء: البواطن مواضع نظر الحق سبحانه فقد روي عنه صلى الله
~~عليه وسلم:

# " إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى
~~قلوبكم "

# ، فموضع نظر الحق جل وعلا أحق بالطهارة، وذلك إنما يكون بإزالة أنواع
~~الخيانات والمخالفات وفنون الوساوس والغش والحقد والرياء والسمعة وغير
~~ذلك من المناهي، وليس شيء على العارفين أشد من جمع الهم وطهارة السر، وفي
~~إضافة التطهير إليه تعالى ما لا يخفى من اللطف { وليتم نعمته
~~عليكم } بالتكميل، وقال بعض العارفين: إتمام النعمة لقوم نجاتهم
~~بتقواهم، وعلى آخرين نجاتهم عن تقواهم فشتان بين قوم وقوم و

# لعلكم تشكرون

# [المائدة: 6] نعمة الكمال بالاستقامة والقيام بحق العدالة عند البقاء
~~بعد الفناء { واذكروا نعمة الله عليكم } بالهداية إلى
~~طريق الوصول إليه، { وميثقه الذى واثقكم به } وهو عقود
~~عزائمه المذكورة

# إذ قلتم سمعنا وأطعنا

# [المائدة: 7] أي إذا قبلتموها من معدن النبوة بصفاء الفطرة، وقال بعضهم:
~~المراد بنعمة الله تعالى هدايته سبحانه السابقة في الأزل لأهل السعادة،
~~وبالميثاق الميثاق الذي واثق الله تعالى به عباده أن لا يشتغلوا بغيره
~~عنه سبحانه، وقال أبو عثمان: النعم كثيرة وأجلها المعرفة به سبحانه،
~~والمواثيق كثيرة وأجلها الإيمان { يأيها الذين ءامنوا
~~اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم } أي من قوى
~~نفوسكم المحجوبة وصفاتها { أن يبسطوا إليكم أيديهم }
~~بالاستيلاء والقهر لتحصيل مآربها وملاذها { فكف أيديهم عنكم
~~} أي فمنعها عنكم بما أراكم من طريق التطهير والتنزيه { واتقوا
~~الله } واجعلوه سبحانه وقاية في قهرها ومنعها

# وعلى الله فليتوكل المؤمنون

# [المائدة: 11] برؤية الأفعال كلها منه عز وجل. { ولقد أخذ
~~الله ميثق بنى إسرءيل وبعثنا منهم اثني عشر
~~نقيبا } وهم في الأنفس الحواس الخمس الظاهرة، والخمس الباطنة والقوة
~~العاقلة النظرية والقوة العملية، وذكر غير واحد من ساداتنا الصوفية أن ms02300
~~النقباء أحد أنواع: الأولياء: نفعنا الله تعالى ببركاتهم، ففي
~~«الفتوحات»: ومنهم النقباء وهم إثنا عشر نقيبا في كل زمان لا يزيدون ولا
~~ينقصون على عدد بروج الفلك الإثنى عشر برجا، كل نقيب عالم بخاصية كل
~~برج، وبما أودع الله تعالى في مقامه من الأسرار والتأثيرات، وما يعطى
~~للنزلاء فيه من الكواكب السيارة والثوابت، فإن للثوابت حركات وقطعا في
~~البروج لا يشعر به في الحس لأنه لا يظهر ذلك إلا في آلاف من السنين،
~~وأعمار الرصد تقصر عن مشاهدة ذلك؛ واعلم أن الله تعالى قد جعل بأيدي
~~هؤلاء النقباء علوم الشرائع المنزلة، ولهم استخراج خبايا النفوس وغوائلها
~~ومعرفة مكرها وخداعها، وإبليس مكشوف عندهم يعرفون منه ما لا يعرفه من
~~نفسه وهم من العلم بحيث إذا رأى أحدهم أثر وطأة شخص في الأرض علم أنها
~~وطأة سعيد أو شقي مثل العلماء بالآثار والقيافة، وبالديار المصرية منهم
~~كثير يخرجون الأثر في الصخور، وإذا رأوا شخصا يقولون: هذا الشخص هو صاحب
~~ذلك الأثر وليسوا بأولياء، فما ظنك بما يعطيه الله تعالى لهؤلاء النقباء
~~من علوم الآثار؟ انتهى.

# وقد عد الشيخ قدس سره فيها أنواعا كثيرة، والسلفيون ينكرون أكثر تلك
~~الأسماء، ففي بعض «فتاوي ابن تيمية»، وأما الأسماء الدائرة على ألسنة
~~كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذي بمكة والأوتاد الأربعة / والأقطاب
~~السبعة، والأبدال الأربعين والنجباء الثلثمائة، فهي ليست موجودة في كتاب
~~الله تعالى ولا هي مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بإسناد صحيح
~~ولا ضعيف محتمل إلا لفظ الأبدال، فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد
~~عن علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه
~~قال: «إن فيهم  يعني أهل الشام  الأبدال أربعين رجلا كلما مات رجل
~~أبدل الله تعالى مكانه رجلا» ولا توجد أيضا في كلام السلف انتهى، وأنا
~~أقول:

# وما أنا إلا من غزية إن غوت

# غويت وإن ترشد غزية أرشد

# { وقال الله } تعالى { إنى معكم } بالتوفيق والإعانة {
~~لئن أقمتم الصلوة } وتحليتم بالعبادات البدنية { وآتيتم ms02301
~~الزكوة } وتخليتم عن الصفات الذميمة من البخل والشح فزهدتم وآثرتم {
~~وآمنتم برسلي } جميعهم من العقل والإلهامات والأفكار الصائبة
~~والخواطر الصادقة من الروح والقلب وإمداد الملكوت { وعزرتموهم }
~~أي وعظمتموهم بأن سلطتموهم على شياطين الوهم وقويتموهم ومنعتموهم من
~~الوساوس وإلقاء الوهميات والخيالات والخواطر النفسانية { وأقرضتم
~~الله قرضا حسنا } بأن تبرأتم من الحول والقوة والعلم والقدرة،
~~وأسندتم كل ذلك إليه عز شأنه، بل ومن الأفعال والصفات جميعها، بل ومن
~~الذات بالمحو والفناء وإسلامها إلى باريها جل وعلا { لأكفرن
~~عنكم سيئاتكم } التي هي الحجب والموانع لكم {
~~ولأدخلنكم جنت } مما عندي { تجرى من تحتها
~~الأنهار } وهي أنهار علوم التوكل والرضاء والتسليم والتوحيد، وتجليات
~~الأفعال والصفات والذات { فمن كفر بعد ذلك } العهد وبعث
~~النقباء منكم

# فقد ضل سواء السبيل

# [المائدة: 12] وهلك مع الهالكين { فبما نقضهم ميثقهم }
~~الذي وثقوه { لعنهم } وطردناهم عن الحضرة { وجعلنا
~~قلوبهم قاسية } باستيلاء صفات النفس عليها وميلها إلى الأمور
~~الأرضية { يحرفون الكلم عن مواضعه } حيث حجبوا عن أنوار
~~الملكوت والجبروت التي هي كلمات الله تعالى واستبدلوا قوى أنفسهم بها
~~واستعملوا وهمياتهم وخيالاتهم بدل حقائقها { ونسوا حظا } نصيبا
~~وافرا { مما ذكروا به } في العهد اللاحق وهو ما أوتوه في
~~العهد السابق من الكمالات الكامنة في استعداداتهم الموجودة فيها بالقوة {
~~ولا تزال تطلع على خائنة منهم } من نقض عهد ومنع
~~أمانة لاستيلاء شيطان النفس عليهم وقساوة قلوبهم { إلا قليلا
~~منهم } وهو من جره استعداده إلى ما فيه صلاحه { فاعف عنهم
~~واصفح إن الله يحب المحسنين } [المائدة: 13] إلى
~~عباده باللطف والمعاملة الحسنة جعلنا الله تعالى وإياكم من المحسنين.

### || [5.14]

# { ومن الذين قالوا إنا نصرى أخذنا ميثقهم
~~} شروع في بيان قبائح النصارى وجناياتهم إثر بيان قبائح وجنايات إخوانهم
~~اليهود، و { من } متعلقة  بأخذنا ، وتقديم الجار للاهتمام، ولأن ذكر
~~[حال] إحدى الطائفتين مما يوقع في ذهن السامع أن حال الأخرى ماذا؟ كأنه
~~قيل: ومن الطائفة الأخرى أيضا أخذنا ميثاقهم والضمير المجرور راجع إلى
~~الموصول، أو عائد على بني إسرائيل الذين عادت إليهم الضمائر السابقة، وهو
~~نظير قولك: أخذت ms02302 من زيد ميثاق عمرو أي مثل ميثاقه. وجوز أن يكون الجار
~~متعلقا بمحذوف وقع خبرا لمبتدأ محذوف أيضا، وجملة { أخذنا } صفة
~~أي  ومن الذين قالوا إنا نصارى قوم أخذنا منهم ميثاقهم  وقيل: المبتدأ
~~المحذوف { من } الموصولة، أو الموصوفة، ولا يخفى أن جواز حذف الموصول
~~وإبقاء صلته لم يذهب إليه سوى الكوفيين.

# وإنما قال سبحانه: { قالوا إنا نصرى } ولم يقل جل وعلا 
~~ومن النصارى  كما هو الظاهر بدون إطناب للإيماء كما قال بعضهم: إلى أنهم
~~على دين النصرانية بزعمهم / وليسوا عليها في الحقيقة لعدم عملهم بموجبها
~~ومخالفتهم لما في الإنجيل من التبشير بنبينا صلى الله عليه وسلم، وقيل:
~~للإشارة إلى أنهم لقبوا بذلك أنفسهم على معنى أنهم أنصار الله تعالى،
~~وأفعالهم تقتضي نصرة الشيطان، فيكون العدول عن الظاهر ليتصور تلك الحال
~~في ذهن السامع ويتقرر أنهم ادعوا نصرة الله تعالى وهم منها بمعزل، ونكتة
~~تخصيص هذا الموضع بإسناد النصرانية إلى دعواهم أنه لما كان المقصود في
~~هذه الآية ذمهم بنقض الميثاق المأخوذ عليهم في نصرة الله تعالى ناسب ذلك
~~أن يصدر الكلام بما يدل على أنهم لم ينصروا الله تعالى ولم يفوا بما
~~واثقوا عليه من النصرة وما كان حاصل أمرهم إلا التفوه بالدعوى وقولها دون
~~فعلها، ولا يخفى أن هذا مبني على أن وجه تسميتهم نصارى كونهم أنصار الله
~~تعالى وهو وجه مشهور، ولهذا يقال لهم أيضا: أنصار، وفي غير ما موضع أن
~~عيسى عليه السلام ولد في سنة أربع وثلثمائة لغلبة الإسكندر في بيت لحم من
~~المقدس، ثم سارت به أمه عليها السلام إلى مصر، ولما بلغ اثنتي عشرة سنة
~~عادت به إلى الشام فأقام ببلدة تسمى الناصرة، أو «نصورية وبها سميت
~~النصارى ونسبوا إليها، وقيل: إنهم جمع نصران كندامى. وندمان  أو جمع
~~نصري  كمهري. ومهاري  والنصرانية والنصرانة واحدة النصارى، والنصرانية
~~أيضا دينهم، ويقال لهم: نصارى وأنصار، وتنصر دخل في دينهم».

# { فنسوا } على إثر أخذ الميثاق { حظا } نصيبا وافرا { مما
~~ذكروا به } في تضاعيف الميثاق من الإيمان بالله تعالى ms02303 وغير ذلك من
~~الفرائض، وقيل: هو ما كتب عليهم في الإنجيل من الإيمان بالنبي صلى الله
~~عليه وسلم فنبذوه وراء ظهورهم واتبعوا أهواءهم وتفرقوا إلى اثنتين وسبعين
~~فرقة { فأغرينا } أي ألزمنا وألصقنا، وأصله اللصوق يقال: غريت
~~بالرجل غرى إذا لصقت به قاله الأصمعي، وقال غيره: غريت به غراءا بالمد،
~~وأغريت زيدا بكذا حتى غرى به، ومنه الغراء الذي يلصق به الأشياء، وقوله
~~تعالى: { بينهم } ظرف  لأغرينا  أو متعلق بمحذوف وقع حالا من
~~مفعوله أي أغرينا { العداوة والبغضاء } كائنة بينهم.

# قال أبو البقاء: ولا سبيل إلى جعله ظرفا لهما لأن المصدر لا يعمل فيما
~~قبله، وأنت تعلم أن منهم من أجاز ذلك إذا كان المعمول ظرفا، وقوله
~~تعالى: { إلى يوم القيمة } إما غاية للإغراء، أو للعداوة
~~والبغضاء أي يتعادون ويتباغضون إلى يوم القيامة حسبما تقتضيه أهواؤهم
~~المختلفة وآراؤهم الزائغة المؤدية إلى التفرق إلى الفرق الكثيرة، ومنها
~~النسطورية واليعقوبية والملكانية، وقد تقدم الكلام فيهم، فضمير {
~~بينهم } إلى النصارى كما روي عن الربيع، واختاره الزجاج. والطبري،
~~وعن الحسن. وجماعة من المفسرين أنه عائد على اليهود والنصارى.

# { وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } في
~~الدنيا من نقض الميثاق ونسيان الحظ الوافر مما ذكروا به، والكلام مساق
~~للوعيد الشديد بالجزاء والعقاب؛ فالإنباء مجاز عن وقوع ذلك وانكشافه لهم،
~~لا أن ثمت أخبارا حقيقة، والنكتة في التعبير بالإنباء الإنباء بأنهم لا
~~يعلمون حقيقة ما يعملونه من الأعمال السيئة واستتباعها للعذاب، فيكون
~~ترتيب العذاب عليها في إفادة العلم بحقيقة حالها بمنزلة الإخبار بها،
~~والالتفات إلى ذكر الاسم الجليل لما مر مرارا، والتعبير عن العمل
~~بالصنع للإيذان برسوخهم فيه و { سوف } لتأكيد الوعيد.

### || [5.15]

# { يأهل الكتاب } التفات إلى خطاب الفريقين من اليهود والنصارى
~~على أن الكتاب جنس صادق بالواحد / والاثنين وما فوقهما، والتعبير عنهم
~~بعنوان أهلية الكتاب للتشنيع، فإن أهلية الكتاب من موجبات مراعاته والعمل
~~بمقتضاه وبيان ما فيه من الأحكام، وقد فعلوا ما فعلوا وهم يعلمون { قد
~~جاءكم رسولنا } محمد صلى الله عليه وسلم، والتعبير عنه بذلك ms02304 مع
~~الإضافة إلى ضمير العظمة للتشريف والإيذان بوجوب اتباعه عليه الصلاة
~~والسلام { يبين لكم } حال من { رسولنا } وإيثار الفعلية
~~للدلالة على تجدد البيان أي حال كونه مبينا لكم على سبيل التدريج حسبما
~~تقتضيه المصلحة { كثيرا مما كنتم تخفون من الكتب }
~~أي التوراة والإنجيل، وذلك كنعت النبي صلى الله عليه وسلم وآية الرجم
~~وبشارة عيسى بأحمد عليهما الصلاة والسلام، وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنه
~~قال:

# " إن نبي الله تعالى صلى الله عليه وسلم أتاه اليهود يسألونه عن الرجم
~~فقال عليه الصلاة والسلام: «أيكم أعلم؟ فأشاروا إلى ابن صوريا فناشده
~~بالذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام والذي رفع الطور وبالمواثيق
~~التي أخذت عليهم حتى أخذه أفكل فقال: إنه لما كثر فينا جلدنا مائة وحلقنا
~~الرؤوس فحكم عليهم بالرجم فأنزل الله تعالى هذه الآية "

# وتأخير { كثيرا } عن الجار والمجرور لما مر غير مرة، والجمع بين
~~صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرارهم على الكتم والإخفاء، و {
~~مما } متعلق بمحذوف وقع صفة  لكثيرا  وما موصولة اسمية وما بعدها
~~صلتها، والعائد محذوف، و { من الكتب } حال من ذلك المحذوف أي
~~يبين لكم كثيرا من الذي تخفونه على الاستمرار حال كونه من الكتاب الذي
~~أنتم أهله والعاكفون عليه { ويعفوا عن كثير } أي ولا يظهر
~~كثيرا مما تخفونه إذا لم تدع إليه داعية دينية صيانة لكم عن زيادة
~~الافتضاح، وقال الحسن: أي يصفح عن كثير منكم ولا يؤاخذه إذا تاب واتبعه،
~~وأخرج ابن حميد عن قتادة مثله، واعترض أنه مخالف للظاهر لأن الظاهر أن
~~يكون هذا الكثير كالكثير السابق، وفيه نظر  كما قال الشهاب  لأن النكرة
~~إذا أعيدت نكرة فهي متغايرة، نعم اختار الأول الجبائي وجماعة من
~~المفسرين، والجملة معطوفة على الجملة الحالية داخلة في حكمها.

# { قد جاءكم من الله نور } عظيم وهو نور الأنوار والنبي
~~المختار صلى الله عليه وسلم، وإلى هذا ذهب قتادة واختاره الزجاج، وقال
~~أبو علي الجبائي: عنى بالنور القرآن لكشفه وإظهاره طرق الهدى واليقين
~~واقتصر على ذلك الزمخشري، وعليه فالعطف في ms02305 قوله تعالى: { وكتب
~~مبين } لتنزيل المغايرة بالعنوان منزلة المغايرة بالذات، وأما على
~~الأول: فهو ظاهر، وقال الطيبي: إنه أوفق لتكرير قوله سبحانه: { قد
~~جاءكم } بغير عاطف فعلق به أولا وصف الرسول والثاني: وصف الكتاب،
~~وأحسن منه ما سلكه الراغب حيث قال: بين في الآية الأولى والثانية النعم
~~الثلاث التي خص بها العباد النبوة والعقل والكتاب، وذكر في الآية الثالثة
~~ثلاثة أحكام يرجع كل واحد إلى نعمة مما تقدم ف

# يهدى به

# [المائدة: 16] إلى آخره يرجع إلى قوله سبحانه: { قد جاءكم
~~رسولنا } و

# يخرجهم

# [المائدة:16] الخ يرجع إلى قوله تعالى: { قد جآءكم من الله
~~نور } و

# ويهديهم

# [المائدة:16] يرجع إلى قوله عز شأنه: { وكتب مبين } كقوله:

# هدى للمتقين

# [البقرة: 2] انتهى.

# وأنت تعلم أنه لا دليل لهذا الإرجاع سوى اعتبار الترتيب اللفظي، ولو
~~أرجعت الأحكام الثلاثة إلى الأول لم يمتنع، ولا يبعد عندي أن يراد بالنور
~~والكتاب المبين النبي صلى الله عليه وسلم، والعطف عليه كالعطف على ما
~~قاله الجبائي، ولا شك في صحة إطلاق كل عليه عليه الصلاة والسلام، ولعلك
~~تتوقف في قبوله من باب / العبارة فليكن ذلك من باب الإشارة، والجار
~~والمجرور متعلق بجاء، و { من } لابتداء الغاية مجازا، أو متعلق بمحذوف
~~وقع حالا من نور، وتقديم ذلك على الفاعل للمسارعة إلى بيان كون المجىء
~~من جهته تعالى العالية والتشويق إلى الجائي، ولأن فيه نوع طول يخل تقديمه
~~بتجاوب النظم الكريم، والمبين من بان اللازم بمعنى ظهر فمعناه الظاهر
~~الإعجاز، ويجوز أن يكون من المتعدي فمعناه المظهر للناس ما كان خافيا
~~عليهم.

### || [5.16]

# { يهدى به الله } توحيد الضمير لاتحاد المرجع بالذات، أو
~~لكونهما في حكم الواحد، أو لكون المراد يهدي بما ذكر، وتقديم المجرور
~~للاهتمام نظرا إلى المقام وإظهار الاسم الجليل لإظهار كمال الاعتناء
~~بأمر الهداية، ومحل الجملة الرفع على أنها صفة ثانية لكتاب، أو النصب على
~~الحالية منه لتخصيصه بالصفة. وجوز أبو البقاء أن تكون حالا من {
~~رسولنا } بدلا من

# يبين

# [المائدة: 15] وأن تكون حالا من الضمير في { يبين ms02306 } ، وأن تكون
~~حالا من الضمير في { مبين } ، وأن تكون صفة لنور { من اتبع
~~رضوانه } أي من علم الله تعالى أنه يريد اتباع رضا الله تعالى
~~بالإيمان به، و { من } موصولة أو موصوفة { سبل السلم } أي طرق
~~السلامة من كل مخافة  قاله الزجاج  فالسلام مصدر بمعنى السلامة. وعن
~~الحسن والسدي أنه اسمه تعالى، ووضع المظهر موضع المضمر ردا على اليهود
~~والنصارى الواصفين له سبحانه بالنقائص تعالى عما يقولون علوا كبيرا،
~~والمراد حينئذ بسبله تعالى شرائعه سبحانه التي شرعها لعباده عز وجل،
~~ونصبها قيل: على أنها مفعول ثان ليهدي على إسقاط حرف الجر نحو

# واختار موسى قومه

# [الأعراف: 155]. وقيل: إنها بدل من  رضوان  بدل كل من كل، أو بعض من
~~كل أو اشتمال، والرضوان بكسر الراء وضمها لغتان، وقد قرىء بهما، و 
~~السبل  بضم الباء والتسكين لغة، وقد قرىء به.

# { ويخرجهم } الضمير المنصوب عائد إلى { من } والجمع باعتبار
~~المعنى كما أن إفراد الضمير المرفوع في { اتبع } باعتبار اللفظ. {
~~من الظلمت إلى النور } أي من فنون الكفر والضلال إلى
~~الإيمان { بإذنه } أي بإرادته أو بتوفيقه. { ويهديهم إلى
~~صرط مستقيم } وهو دين الإسلام الموصل إلى الله تعالى  كما قال
~~الحسن  وفي «إرشاد العقل السليم»، «وهذه الهداية عين الهداية إلى {
~~سبل السلم } وإنما عطفت عليها تنزيلا للتغاير الوصفي منزلة
~~التغاير الذاتي كما في قوله تعالى:

# ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين ءامنوا
~~معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ

# » [هود: 58].

# وقال الجبائي: المراد بالصراط المستقيم طريق الجنة.

### || [5.17]

# { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح
~~ابن مريم } لا غير المسيح كما يقال: الكرم هو التقوى، وأن الله
~~تعالى هو الدهر أي الجالب للحوادث لا غير الجالب، فالقصر هنا للمسند إليه
~~على المسند بخلاف قولك: زيد هو المنطلق فإن معناه لا غير زيد، والقائلون
~~لذلك  على ما هو المشهور  هم اليعقوبية المدعون بأن الله سبحانه قد يحل
~~في بدن إنسان معين أو في روحه. وقيل: لم يصرح بهذا القول أحد من النصارى،
~~ولكن لما زعموا ms02307 أن فيه لاهوتا مع تصريحهم بالوحدة، وقولهم: لا إله إلا
~~واحد لزمهم أن الله سبحانه هو المسيح، فنسب إليهم لازم قولهم توضيحا
~~لجهلهم وتفضيحا لمعتقدهم، وقال الراغب: فإن قيل: إن أحدا لم يقل الله
~~تعالى هو المسيح وإن قالوا المسيح هو الله تعالى وذلك أن عندهم أن المسيح
~~من لاهوت وناسوت فيصح أن يقال المسيح هو اللاهوت وهو ناسوت كما صح أن
~~يقال: الإنسان / هو حيوان مع تركبه من العناصر، ولا يصح أن يقال: اللاهوت
~~هو المسيح كما لا يصح أن يقال: الحيوان هو الإنسان، قيل: إنهم قالوا: هو
~~المسيح على وجه آخر غير ما ذكرت، وهو ما روي عن محمد بن كعب القرظي أنه
~~لما رفع عيسى عليه الصلاة والسلام اجتمع طائفة من علماء بني إسرائيل
~~فقالوا: ما تقولون في عيسى عليه الصلاة والسلام؟ فقال أحدهم: أو تعلمون
~~أحدا يحيي الموتى إلا الله تعالى؟ فقالوا: لا، فقال: أو تعلمون أحدا
~~يبرىء الأكمه والأبرص إلا الله تعالى؟ قالوا: لا، قالوا: فما الله تعالى
~~إلا من هذا وصفه أي حقيقة الآلهية فيه، وهذا كقولك: الكريم زيد أي حقيقة
~~الكرم في زيد، وعلى هذا قولهم: إن الله تعالى هو المسيح انتهى، وأنت تعلم
~~أنه مع دعوى أن القائلين بالاتحاد يقولون بانحصار المعبود في المسيح كما
~~هو ظاهر النظم لا يرد شيء.

# { قل } يا محمد تبكيتا لهم وإظهارا لبطلان قولهم الفاسد وإلقاما
~~لهم الحجر، وقد يقال: الخطاب لكل من له أهلية ذلك، والفاء في قوله تعالى:
~~{ فمن يملك من الله شيئا } عاطفة على مقدر، أو جواب شرط
~~محذوف، و { من } استفهامية للإنكار والتوبيخ، والملك الضبط والحفظ
~~التام عن حزم، والمراد هنا  فمن يمنع أو يستطيع  كما في قوله:

# أصبحت لا أحمل السلاح ولا

# أملك رأس البعير إن نفرا

# و { من الله } متعلق به على حذف مضاف أي ليس الأمر كذلك، أو إن كان
~~كما تزعمون فمن يمنع من قدرته تعالى وإرادته شيئا { إن أراد أن
~~يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض ms02308
~~جميعا } ومن حق من يكون إلها أن لا يتعلق به ولا بشأن من شؤونه، بل
~~بشيء من الموجودات قدرة غيره فضلا عن أن يعجز عن دفع شيء منها عند
~~تعلقها بهلاكه، فلما كان عجزه بينا لا ريب فيه ظهر كونه بمعزل عما
~~تقولون فيه.

# والمراد بالإهلاك الإماتة والإعدام مطلقا لا عن سخط وغضب، وإظهار
~~المسيح على الوجه الذي نسبوا إليه الألوهية حيث ذكرت معه الصفة في مقام
~~الإضمار لزيادة التقرير والتنصيص على أنه من تلك الحيثية بعينها داخل تحت
~~قهره تعالى وملكوته سبحانه، وقيل: وصفه بذلك للتنبيه على أنه حادث تعلقت
~~به القدرة بلا شبهة لأنه تولد من أم، وتخصيص الأم بالذكر مع اندراجها في
~~عموم المعطوف لزيادة تأكيد عجز المسيح، ولعل نظمها في سلك من فرض [إرادة]
~~إهلاكهم مع تحقق هلاكها قبل لتأكيد التبكيت وزيادة تقرير مضمون الكلام
~~بجعل حالها أنموذجا لحال بقية من فرض إهلاكه، وتعميم إرادة الإهلاك مع
~~حصول الغرض بقصرها على عيسى عليه الصلاة والسلام لتهويل الخطب وإظهار
~~كمال العجز ببيان أن الكل تحت قهره وملكوته تعالى لا يقدر [أحد] على دفع
~~ما أريد به فضلا عما أريد بغيره، وللإيذان بأن المسيح أسوة لسائر
~~المخلوقات في كونه عرضة للهلاك كما أنه أسوة لهم في العجز وعدم استحقاق
~~الألوهية. قاله المولى أبو السعود، و { جميعا } حال من المتعاطفات،
~~وجوز أن يكون حالا من { من } فقط لعمومها.

# وقوله تعالى: { ولله ملك السموت والأرض وما
~~بينهما } أي ما بين طرفي العالم الجسماني فيتناول ما في السماوات من
~~الملائكة وغيرها، وما في أعماق الأرض والبحار من المخلوقات، قيل: تنصيص
~~على كون الكل تحت قهره تعالى وملكوته إثر الإشارة إلى كون البعض كذلك أي
~~له تعالى وحده ملك جميع الموجودات والتصرف المطلق فيها إيجادا وإعداما،
~~وإحياءا وإماتة لا لأحد سواه استقلالا ولا اشتراكا، فهو تحقيق لاختصاص
~~الألوهية به تعالى إثر بيان انتفائها عما سواه، وقيل: دليل آخر على نفي
~~ألوهية عيسى عليه الصلاة والسلام لأنه لو كان إلها كان / له ملك ms02309
~~السماوات والأرض وما بينهما، وقيل: دليل على نفي كونه عليه الصلاة
~~والسلام ابنا ببيان أنه مملوك لدخوله تحت العموم، ومن المعلوم أن
~~المملوكية تنافي البنوة.

# وقوله تعالى: { يخلق ما يشاء } جملة مستأنفة مسوقة لبيان بعض
~~أحكام الملك والألوهية على وجه يزيح ما اعتراهم من الشبه في أمر المسيح
~~عليه السلام لولادته من غير أب وخلق الطير وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء
~~الموتى، و { ما } نكرة موصوفة محلها النصب على المصدرية أي يخلق أي خلق
~~يشاؤه، فتارة يخلق من غير أصل  كخلق السماوات والأرض  مثلا، وأخرى من
~~أصل  كخلق بعض ما بينهما  وذلك متنوع أيضا، فطورا ينشىء من أصل ليس
~~من جنسه كخلق آدم، وكثير من الحيوانات  وتارة من أصل يجانسه إما من ذكر
~~وحده  كخلق حواء  أو من أنثى وحدها  كخلق عيسى عليه الصلاة والسلام 
~~أو منهما  كخلق سائر الناس، ويخلق بلا توسط شيء من المخلوقات  ككثير من
~~المخلوقات  وقد يخلق بتوسط مخلوق آخر  كخلق الطير  على يد عيسى عليه
~~السلام معجزة له.

# وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فينبغي أن ينسب كل ذلك إليه تعالى
~~لا من أجرى على يده قاله غير واحد. وقيل: إن الجملة جيء بها ههنا مبينة
~~لما هو المراد من قوله تعالى: { ولله ملك السموات
~~والأرض } الخ بحسب اقتضاء المقام، و { ما } نصب على المصدرية أيضا،
~~وقيل: يجوز أن تكون موصولة ومحلها النصب على المفعولية أي يخلق الذي يشاء
~~أن يخلقه، والجملة مسوقة لبيان أن قدرته تعالى أوسع من عالم الوجود، وعلى
~~كل تقدير فقوله سبحانه: { والله على كل شيء قدير } تذييل
~~مقرر لمضمون ما قبله وإظهار الاسم الجليل لما مر من التعليل وتقوية
~~استقلال الجملة.

### || [5.18]

# { وقالت اليهود والنصارى نحن أبنؤا الله
~~وأحبؤه } حكاية لما صدر من الفريقين من الدعوى الباطلة لأنفسهم،
~~وبيان لبطلانها إثر ذكر ما صدر عن أحدهما من الدعوى الباطلة لغيره وبيان
~~بطلانها أي قال كل من الطائفتين هذا القول الباطل، ومرادهم  بالأبناء
~~المقربون  أي نحن مقربون عند الله تعالى قرب الأولاد من ms02310 والدهم، و 
~~بالأحباء  جمع حبيب بمعنى محب أو محبوب، ويجوز أن يكون أرادوا من
~~الأبناء الخاصة كما يقال: أبناء الدنيا، وأبناء الآخرة، وأن يكون أرادوا
~~أشياع من وصف بالبنوة أي قالت اليهود نحن أشياع ابنه عزير، وقالت
~~النصارى: نحن أشياع ابنه المسيح عليهما السلام، وأطلق الأبناء على
~~الأشياع مجازا إما تغليبا أو تشبيها لهم بالأبناء في قرب المنزلة،
~~وهذا كما يقول أتباع الملك: نحن الملوك، وكما أطلق على أشياع أبي خبيب
~~عبد الله بن الزبير الخبيبون في قوله:

# قدني من نصر الخبيبين قدي

# على رواية من رواه بالجمع، فقد قال ابن السكيت: يريد أبا خبيب ومن كان
~~معه، فحيث جاز جمع خبيب وأشياع أبيه فأولى أن يجوز جمع ابن الله  عز
~~اسمه  وأشياع الابن بزعم الفريقين، فاندفع ما قيل: إنهم لا يقولون ببنوة
~~أنفسهم ولم يحمل على التوزيع بمعنى أنفسنا الأحباء وأبناؤنا الأبناء بجمع
~~الإبنين لمشاكلة الأحباء لأن خطاب { بل أنتم بشر } يأباه ظاهرا
~~ويدل على ادعائهم البنوة بأي معنى كان. وقيل: الكلام على حذف المضاف أي
~~نحن أبناء أنبياء الله تعالى وهو خلاف الظاهر، وقائل ذلك من اليهود
~~بعضهم، ونسب إلى الجميع لما مر غير مرة، فقد أخرج ابن جرير. والبيهقي في
~~«الدلائل» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «أتى رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم نعمان بن آصى وبحرى بن عمرو وشاش / بن عدي فكلموه وكلمهم
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله تعالى وحذرهم نقمته
~~فقالوا: ما تخوفنا يا محمد نحن والله أبناء الله وأحباؤه، وقالت النصارى
~~ذلك قبلهم، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية» وعن الحسن أن النصارى
~~تأولوا ما في الإنجيل من قول المسيح: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم فقالوا ما
~~قالوا.

# وعندي أن إطلاق ابن الله تعالى على المطيع قد كان في الزمن القديم، ففي
~~التوراة قال الله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام: اذهب إلى فرعون وقل
~~له يقول لك الرب إسرائيل ابني بكري أرسله يعبدني فإن أبيت أن ترسل ms02311 ابني
~~بكري قتلت ابنك بكرك، وفيها أيضا في قصة الطوفان أنه لما نظر بنو الله
~~تعالى إلى بنات الناس وهم حسان جدا شغفوا بهن فنكحوا منهن ما أحبوا
~~واختاروا فولدوا جبابرة فأفسدوا فقال الله تعالى: لا تحل عنايتي على
~~هؤلاء القوم، وأريد بأبناء الله تعالى أولاد هابيل، وبأبناء الناس أبناء
~~قابيل، وكن حسانا جدا فصرفن قلوبهن عن عبادة الله تعالى إلى عبادة
~~الأوثان، وفي «المزامير» أنت ابني سلني أعطك، وفيها أيضا أنت ابني
~~وحبيبي، وقال شعيا في نبوته عن الله تعالى: تواصوا بي في أبنائي وبناتي
~~يريد ذكور عباد الله تعالى الصالحين وإناثهم، وقال يوحنا الإنجيلي في
~~الفصل الثاني من «الرسالة الأولى»  انظروا إلى محبة الأب لنا أن أعطانا
~~أن ندعى أبناء  وفي الفصل الثالث  أيها الأحباء الآن صرنا أبناء الله
~~تعالى فينبغي لنا أن ننزله في الإجلال على ما هو عليه فمن صح له هذا
~~الرجاء فليزك نفسه بترك الخطيئة والإثم، واعلموا أن من لابس الخطيئة فإنه
~~لم يعرفه  وقال متى: قال المسيح: أحبوا أعداءكم، وباركوا على لاعنيكم،
~~وأحسنوا إلى من يبغضكم، وصلوا على من طردكم، كيما تكونوا بني أبيكم
~~المشرق شمسه على الأخيار والأشرار، والممطر على الصديقين والظالمين، وقال
~~يوحنا التلميذ في «قصص الحواريين»: يا أحبائي إنا أبناء الله تعالى سمانا
~~بذلك، وقال بولس الرسول في «رسالته إلى ملك الروم»: إن الروح تشهد
~~لأرواحنا أننا أبناء الله تعالى وأحباؤه، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة،
~~وقد جاء أيضا إطلاق الابن على العاصي ولكن بمعنى الأثر ونحوه، ففي
~~«الرسالة الخامسة لبولس» إياكم والسفه والسب واللعب فإن الزاني والنجس
~~كعابد الوثن لا نصيب له في ملكوت الله تعالى واحذروا هذه الشرور فمن
~~أجلها يأتي رجز الله على الأبناء الذين لا يطيعونه، وإياكم أن تكونوا
~~شركاء لهم فقد كنتم قبل في ظلمة فاسعوا الآن سعي أبناء النور.

# ومقصود الفريقين ب { نحن أبناء الله وأحباؤه } هو
~~المعنى المتضمن مدحا، وحاصل دعواهم أن لهم فضلا ومزية عند الله تعالى
~~على سائر الخلق، ms02312 فرد سبحانه عليهم ذلك، وقال لرسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: { قل } إلزاما لهم وتبكيتا { فلم يعذبكم بذنوبكم
~~} أي إن صح ما زعمتم فلأي شيء يعذبكم يوم القيامة بالنار أياما بعدد
~~أيام عبادتكم العجل، وقد اعترفتم بذلك في غير ما موطن، وهذا ينافي دعواكم
~~القرب ومحبة الله تعالى لكم أو محبتكم له المستلزمة لمحبته لكم كما قيل:
~~ما جزاء من يحب إلا يحب، أو فلأي شيء أذنبتم بدليل أنكم ستعذبون، وأبناء
~~الله تعالى إنما يطلق إن أطلق في مقام الافتخار على المطيعين كما نطقت به
~~كتبكم، أو إن صح ما زعمتم فلم عذبكم بالمسخ الذي لا يسعكم إنكاره، وعد
~~بعضهم من العذاب البلايا والمحن كالقتل والأسر، واعترض ذلك بأنه لا يصلح
~~للإلزام فإن البلايا والمحن قد كثرت في الصلحاء، وقد ورد

# " أشد الناس بلاءا الأنبياء  عليهم السلام  ثم الأمثل فالأمثل "

# وقال الشاعر:

# ولكنهم أهل الحفائظ والعلا

# فهم لملمات الزمان خصوم

# / وقوله تعالى: { بل أنتم بشر } عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام
~~أي ليس الأمر كذلك بل أنتم بشر وإن شئت قدرت مثل هذا في أول الكلام وجعلت
~~الفاء عاطفة، وقوله سبحانه: { ممن خلق } متعلق بمحذوف وقع صفة {
~~بشر } أي بشر كائن من جنس من خلقه الله تعالى من غير مزية لكم عليهم.

# { يغفر لمن يشآء } أن يغفر له من أولئك المخلوقين وهم المؤمنون
~~به تعالى وبرسله عليهم الصلاة والسلام { ويعذب من يشاء } أن
~~يعذبه وهم الذين كفروا به سبحانه وبرسله عليهم السلام مثلكم، والذي دل
~~على التخصيص قوله تعالى:

# إن الله لا يغفر أن يشرك به

# [النساء: 48] إن قلنا بعمومه كما هو المعروف المشهور، ومن الغريب ما في
~~«شرح مسلم» للنووي أنه يحتمل أن يكون مخصوصا بهذه الأمة وفيه نظر. هذا
~~وأورد بعض المحققين هنا إشكالا ذكر أنه قوي وهو أنه إذا كان معنى {
~~نحن أبناء الله } تعالى أشياع بنيه فغاية الأمر أن يكونوا على
~~طريقة الابن تحقيقا للتبعية لكن من أين يلزم أن يكونوا من جنس الأب كما
~~صرح ms02313 به الزمخشري في انتفاء فعل القبائح، وانتفاء البشرية والمخلوقية
~~ليحسن الرد عليهم بأنهم بشر ممن خلق، نعم ما ذكروه في هذا المقام من
~~استلزام المحبة عدم العصيان والمعاقبة ربما يتمشى لأن من شأن المحب أن لا
~~يعصي الحبيب ولا يستحق منه المعاقبة، ومن هنا قيل:

# تعصي الإله وأنت تظهر حبه

# هذا لعمري في الفعال بديع

# لو كان حبك صادقا لأطعته

# إن المحب لمن يحب مطيع

# وفيه مناقشة لأن هذا شأن المحبين والأحباء هم المحبون، وأجاب عن إشكال
~~إثبات البشرية بأنه ليس إثباتا لمطلق البشرية ليجب أن يكون رد الدعوى
~~بانتفائه بل هو إثبات أنهم بشر مثل سائر البشر، ومن جنس سائر المخلوقين
~~منهم العاصي والمطيع والمستحق للمغفرة والعذاب لا كما ادعوا من أنهم
~~الأشياع المخصوصون بمزيد قرب واختصاص لا يوجد في سائر البشر ولذا وصف
~~بشرا بقوله سبحانه: { ممن خلق } حتى لا يبعد أن يكون { يغفر
~~لمن يشآء } أيضا في موقع الصفة على حذف العائد أي لمن يشاء منهم،
~~وأما إشكال الجنسية فقيل في جوابه: المراد أنكم لو كنتم أشياع بني الله
~~تعالى لكنتم على صفتهم في ترك القبائح وعدم استحقاق العذاب لأن من شأن
~~الأشياع والأتباع أن يكونوا على صفة المتبوعين، والمتبوعون هنا هم
~~الأبناء بالزعم، ومن شأن الأبناء أن يكونوا على صفة الأب فمن شأن الأتباع
~~أن يكونوا على صفة الأب بالواسطة، وقيل: كلام من قال: يلزم أن يكونوا من
~~جنس الأب على حذف مضاف، أي لو كنتم أشياع بني الله تعالى لكنتم من جنس
~~أشياع الأب يعني أهل الله تعالى الذين لا يفعلون القبائح ولا يستوجبون
~~العقاب.

# وفي «الكشف» أن قولهم: { نحن أبناء الله } تعالى فيه إثبات الإبن، وأنهم
~~من أشياعه مستوجبون محبة الأب لذلك فينبغي أن يكون الرد مشتملا على هدم
~~القولين فقيل: من أسندتم إليه البنوة لا يصلح لها لإمكان القبيح عليه
~~وصدوره هفوة ومؤاخذته بالزلة ودعواكم المحبة كاذبة وإلا لما عذبتم،
~~وأيضا إذا بطل أن يكون له تعالى ابن بطل أن يكونوا أشياعه، وكذلك ms02314 المحبة
~~المبنية على ذلك، ثم قال: وجاز أن يقال: إنه لإبطال أن يكونوا أبناءا
~~حقيقة كما يفهم من ظاهر اللفظ أو مجازا كما فسره الزمخشري اه.

# وأنت تعلم أن كل ما ذكره ليس بشيء كما لا يخفى على من له أدنى تأمل، وما
~~ذكرناه كاف في الغرض. / نعم ذكر الشهاب عليه الرحمة توجيها لا بأس به،
~~وهو أن اللائق أن يكون مرادهم بكونهم أبناء الله تعالى أنه لما أرسل
~~إليهم الابن على زعمهم وأرسل لغيرهم رسل عباده دل ذلك على امتيازهم عن
~~سائر الخلق، وأن لهم مع الله تعالى مناسبة تامة وزلفى تقتضي كرامة لا
~~كرامة فوقها، كما أن الملك إذا أرسل لدعوة قوم أحد جنده ولآخرين ابنه
~~علموا أنه مريد لتقريبهم وأنهم آمنون من كل سوء يطرق غيرهم، ووجه الرد
~~أنكم لا فرق بينكم وبين غيركم عند الله تعالى، فإنه لو كان كما زعمتم لما
~~عذبكم وجعل المسخ فيكم، وكذا على كونه بمعنى المقربين المراد قرب خاص
~~فيطابقه الرد ويتعانق الجوابان فافهمه انتهى، والجواب عن المناقشة التي
~~فعلها البعض يعلم مما أشرنا إليه سابقا فلا تغفل.

# { ولله ملك السموت والأرض وما بينهما } من تتمة
~~الرد أي كل ذلك له تعالى لا ينتمي إليه سبحانه شيء منه إلا بالمملوكية
~~والعبودية والمقهورية تحت ملكوته يتصرف فيه كيف يشاء إيجادا وإعداما،
~~إحياءا وإماتة، إثابة وتعذيبا فأنى لهؤلاء ادعاء ما زعموا؟! وربما
~~يقال: إن هذا مع ما تقدم رد لكونهم أبناء الله تعالى بمعنى أشياع بنيه،
~~فنفى أولا كونهم أشياعا وثانيا وجود بنين له عز شأنه { وإليه
~~المصير } أي الرجوع في الآخرة لا إلى غيره استقلالا أو اشتراكا
~~فيجازي كلا من المحسن والمسيء بما يستدعيه عمله من غير صارف يثنيه ولا
~~عاطف يلويه.

### || [5.19]

# { يأهل الكتب } تكرير للخطاب بطريق الإلتفات ولطف في الدعوة،
~~وقيل: الخطاب هنا لليهود خاصة { قد جاءكم رسولنا يبين
~~لكم } على التدريج حسبما تقتضيه المصلحة  الشرائع والأحكام النافعة
~~معادا ومعاشا  المقرونة بالوعد والوعيد، وحذف هذا المفعول اعتمادا
~~على الظهور إذ ms02315 من المعلوم أن ما يبينه الرسول هو الشرائع والأحكام، ويجوز
~~أن ينزل الفعل منزلة اللازم أي يفعل البيان ويبذله لكم في كل ما تحتاجون
~~فيه من أمور الدين، وأما إبقاؤه متعديا مع تقدير المفعول { كثيرا
~~مما كنتم تخفون من الكتاب } كما قيل، فقد قيل فيه: مع
~~كونه تكريرا من غير فائدة يرده قوله سبحانه: { على فترة من
~~الرسل } فإن فتور الإرسال وانقطاع الوحي إنما يحوج إلى بيان الشرائع
~~والأحكام لا إلى بيان ما كتموه، و { على فترة } متعلق  بجاءكم  على
~~الظرفية كما في قوله تعالى:

# واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان

# [البقرة: 102] أي جاءكم على حين فتور من الإرسال وانقطاع الوحي ومزيد
~~الاحتياج إلى البيان. وجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من ضمير { يبين }
~~أو من ضمير { لكم } أي يبين لكم حال كونه على فترة، أو حال كونكم على
~~فترة. و { من الرسل } صفة { فترة } و { من } ابتدائية، أي فترة كائنة من
~~الرسل مبتدأة من جهتهم، والفترة فعلة من فتر عن عمله يفتر فتورا إذا
~~سكن، والأصل فيها الإنقطاع عما كان عليه من الجد في العمل، وهي عند جميع
~~المفسرين انقطاع ما بين الرسولين.

# واختلفوا في مدتها بين نبينا صلى الله عليه وسلم وعيسى عليه السلام،
~~فقال قتادة: كان بينهما عليهما الصلاة والسلام خمسمائة سنة وستون سنة،
~~وقال الكلبي: خمسمائة وأربعون سنة، وقال ابن جريج: خمسمائة سنة، وقال
~~الضحاك: أربعمائة سنة وبضع وثلاثون سنة، وأخرج ابن عساكر عن سلمان رضي
~~الله تعالى عنه أنها ستمائة سنة، وقيل: كان بين نبينا صلى الله عليه وسلم
~~وأخيه عيسى عليه السلام ثلاثة أنبياء هم المشار إليهم بقوله تعالى:

# أرسلنآ إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا
~~بثالث

# [ يس: 14]، وقيل: بينهما عليهما الصلاة والسلام أربعة: الثلاثة المشار
~~إليهم، وواحد من / العرب من بني عبس  وهو خالد بن سنان عليه السلام 
~~الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم:

# " ذلك نبي ضيعه قومه "

# ولا يخفى أن الثلاثة الذين أشارت إليهم الآية رسل عيسى عليه السلام
~~ونسبة إرسالهم ms02316 إليه تعالى بناءا على أنه كان بأمره عز وجل، وسيأتي إن
~~شاء الله تعالى تحقيق ذلك؛ وأما خالد بن سنان العبسي فقد تردد فيه الراغب
~~في «محاضراته»، وبعضهم لم يثبته، وبعضهم قال: إنه كان قبل عيسى عليهما
~~الصلاة والسلام لأنه ورد في حديث

# " لا نبي بيني وبين عيسى "

# صلى الله تعالى عليهما وسلم، لكن في التواريخ إثباته، وله قصة في «كتب
~~الآثار» مفصلة، وذكر أن بنته أتت النبي صلى الله عليه وسلم وآمنت به،
~~ونقش الشيخ الأكبر قدس سره له فصا في كتابه «فصوص الحكم»، وصحح الشهاب
~~أنه عليه السلام من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأنه قبل عيسى عليهما
~~الصلاة والسلام، وعلى هذا فالمراد ببنته الجائية إلى رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم  إن صح الخبر  بنته بالواسطة لا البنت الصلبية إذ بقاؤهما
~~إلى ذلك الوقت مع عدم ذكر أحد أنها من المعمرين بعيد جدا، وكان بين موسى
~~وعيسى عليهما الصلاة والسلام ألف وسبعمائة سنة في المشهور، لكن لم يفتر
~~فيها الوحي، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الله تعالى بعث فيها
~~ألف نبي من بني إسرائيل سوى من بعث من غيرهم.

# { أن تقولوا } تعليل لمجىء الرسول بالبيان أي كراهة أن تقولوا 
~~كما قدره البصريون  أو لئلا تقولوا  كما يقدر الكوفيون  معتذرين من
~~تفريطكم في أحكام الدين يوم القيامة { ما جاءنا من بشير ولا نذير
~~} وقد انطمست آثار الشريعة السابقة وانقطعت أخبارها، وزيادة { من } في
~~الفاعل للمبالغة في نفي المجىء، وتنكير بشير  و  نذير على ما قال شيخ
~~الإسلام: للتقليل؛ وتعقيب { قد جاءكم } الخ بهذا يقتضي أن المقدر، أو
~~المنوي فيما سبق هو الشرائع والأحكام لا كيفما كانت بل مشفوعة بذكر الوعد
~~والوعيد، والفاء في قوله تعالى: { فقد جاءكم بشير ونذير }
~~تفصح عن محذوف ما بعدها علة له، والتقدير هنا لا تعتذروا فقد جاءكم وتسمى
~~الفاء الفصيحة، وتختلف عبارة المقدر قبلها، فتارة يكون أمرا أو نهيا،
~~وتارة يكون شرطا كما في قوله تعالى:

# فهذا يوم البعث

# [الروم:56]، وقول ms02317 الشاعر:

# فقد جئنا خراسانا

# وتارة معطوفا عليه كما في قوله تعالى:

# فانفجرت

# [البقرة:60] وقد يصار إلى تقدير القول  كما في الفرقان [19]  في قوله
~~تعالى:

# فقد كذبوكم

# ، وإن شئت قدرت هنا أيضا فقلنا: لا تعتذروا فقد الخ، وقد صرح بعض علماء
~~العربية أن حقيقة هذه الفاء أنها تتعلق بشرط محذوف، ولا ينافي ذلك إضمار
~~القول لأنه إذا ظهر المحذوف لم يكن بد من إضمار ليرتبط بالسابق فيقال:
~~في البيت مثلا، وقلنا، أو فقلنا: إن صح ما ذكرتم فقد جئنا خراسانا،
~~وكذلك ما نحن فيه فقلنا: لا تعتذروا فقد جاءكم، ثم إنه في المعنى جواب
~~شرط مقدر سواء صرح بتقديره أم لا لأن الكلام إذا اشتمل على مترتبين
~~أحدهما على الآخر ترتب العلية كان في معنى الشرط والجزاء، فلا تنافي بين
~~التقادير. والتقادير المختلفة، ولو سلم التنافي فهما وجهان ذكروا أحدهما
~~في موضع والآخر في آخر  كما حققه في «الكشف»  وقد مرت الإشارة من بعيد
~~إلى أمر هذه الفاء فتذكر، وتنوين بشير و ونذير للتفخيم { والله
~~على كل شيء قدير } فيقدر على إرسال الرسل تترى، وعلى الإرسال
~~بعد الفترة.

### || [5.20]

# { وإذ قال موسى لقومه } جملة مستأنفة مسوقة لبيان ما فعلت بنو
~~إسرائيل بعد أخذ الميثاق منهم، وتفصيل كيفية نقضهم له مع الإشارة إلى
~~انتفاء فترة الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما بينهم؛ و { إذ } نصب على
~~أنه / مفعول لفعل محذوف خوطب به سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم بطريق
~~تلوين الخطاب وصرفه عن أهل الكتاب ليعدد عليهم ما سلف من بعضهم من
~~الجنايات، أي واذكر لهم يا محمد وقت قول موسى عليه السلام [لقومه] ناصحا
~~ومستميلا لهم بإضافتهم إليه { يقوم اذكروا نعمة الله
~~عليكم } وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت أبلغ من توجيهه إلى ما وقع
~~فيه، وإن كان هو المقصود بالذات كما مرت الإشارة إليه، و { عليكم } متعلق
~~إما بالنعمة إن جعلت مصدرا، وإما بمحذوف وقع حالا منها إذا جعلت اسما
~~أي اذكروا إنعامه عليكم بالشكر، واذكروا نعمته كائنة عليكم، وكذا { إذ }
~~في ms02318 قوله تعالى: { إذ جعل فيكم أنبياء } متعلقة بما تعلق به الجار
~~والمجرور أي اذكروا إنعامه عليكم في وقت جعله، أو اذكروا نعمته تعالى
~~كائنة عليكم في وقت جعله فيما بينكم من أقربائكم أنبياء، وصيغة الكثرة
~~على حقيقتها كما هو الظاهر، والمراد بهم موسى وهارون ويوسف وسائر أولاد
~~يعقوب على القول بأنهم كانوا أنبياء، أو الأولون، والسبعون الذين اختارهم
~~موسى لميقات ربه، فقد قال ابن السائب ومقاتل: إنهم كانوا أنبياء. وقال
~~الماوردي وغيره: المراد بهم الأنبياء الذين أرسلوا من بعد في بني
~~إسرائيل؛ والفعل الماضي مصروف عن حقيقته، وقيل: المراد بهم من تقدم ومن
~~تأخر ولم يبعث من أمة من الأمم ما بعث من بني إسرائيل من الأنبياء عليهم
~~الصلاة والسلام.

# { وجعلكم ملوكا } عطف على { جعل فيكم } وغير الأسلوب فيه لأنه
~~لكثرة الملوك فيهم أو منهم صاروا كلهم كأنهم ملوك لسلوكهم مسلكهم في
~~السعة والترفه، فلذا تجوز في إسناد الملك إلى الجميع بخلاف النبوة فإنها
~~وإن كثرت لا يسلك أحد مسلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنها أمر
~~إلهي يخص الله تعالى به من يشاء، فلذا لم يتجوز في إسنادها، وقيل: لا
~~مجاز في الإسناد، وإنما هو في لفظ الملوك فإن القول كانوا مملوكين في
~~أيدي القبط فأنقذهم الله تعالى، فسمى ذلك الإنقاذ ملكا، وقيل: لا مجاز
~~أصلا بل جعلوا كلهم ملوكا على الحقيقة، والملك من كان له بيت وخادم كما
~~جاء عن زيد بن أسلم مرفوعا. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري
~~قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكا "

# وأخرج ابن جرير عن الحسن هل الملك إلا مركب وخادم ودار، وأخرج البخاري
~~عن عبد الله بن عمرو أنه سأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال
~~عبد الله: ألك زوجة تأوي إليها؟ قال؛ نعم، قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال:
~~نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإن لي خادما، قال: فأنت من الملوك،
~~وقيل: الملك من له مسكن ms02319 واسع فيه ماء جار، وقيل: من له مال لا يحتاج معه
~~إلى تكلف الأعمال وتحمل المشاق، وإليه ذهب أبو علي الجبائي، وأنت تعلم أن
~~الظاهر هنا القول بالمجاز وما ذكر في معرض الاستدلال محتمل له أيضا.

# { وءاتكم ما لم يؤت أحدا من العلمين } من فلق
~~البحر وإغراق العدو وتظليل الغمام وانفجار الحجر وإنزال المن والسلوى
~~وغير ذلك مما آتاهم الله تعالى من الأمور المخصوصة، والخطاب لقوم موسى
~~عليه السلام كما هو الظاهر، وأل في { العالمين } للعهد، والمراد عالمي
~~زمانهم، أو للاستغراق، والتفضيل من وجه لا يستلزم التفضيل من جميع
~~الوجوه، فإنه قد يكون للمفضول ما ليس للفاضل، وعلى التقديرين لا يلزم
~~تفضيلهم على هذه الأمة المحمدية على نبيها أفضل الصلاة وأكمل التحية،
~~وإيتاء ما لم يؤت أحد وإن لم يلزم منه التفضيل لكن المتبادر من استعماله
~~ذلك، ولذا أول بما أول، وعن سعيد بن جبير وأبي مالك أن الخطاب / هنا
~~لهذه الأمة وهو خلاف الظاهر جدا ولا يكاد يرتكب مثله في الكتاب المجيد
~~لأن الخطابات السابقة واللاحقة لبني إسرائيل فوجود خطاب في الأثناء
~~لغيرهم مما يخل بالنظم الكريم، وكأن الداعي للقول به ظن لزوم التفضيل مع
~~عدم دافع له سوى ذلك، وقد علمت أنه من بعض الظن.

### || [5.21]

# { يقوم ادخلوا الأرض المقدسة } كرر النداء مع
~~الإضافة التشريفية اهتماما بشأن الأمر، ومبالغة في حثهم على الامتثال
~~به، والأرض المقدسة هي  ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~والسدي. وابن زيد  بيت المقدس، وقال الزجاج: دمشق وفلسطين والأردن، وقال
~~مجاهد هي أرض الطور وما حوله، وعن معاذ بن جبل هي ما بين الفرات وعريش
~~مصر، والتقديس: التطهير، ووصفت تلك الأرض بذلك إما لأنها مطهرة من الشرك
~~حيث جعلت مسكن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو لأنها مطهرة من الآفات،
~~وغلبة الجبارين عليها لا يخرجها عن أن تكون مقدسة، أو لأنها طهرت من
~~القحط والجوع، وقيل: سميت مقدسة لأن فيها المكان الذي يتقدس فيه من
~~الذنوب.

# { التي كتب الله لكم } أي قدرها ms02320 وقسمها لكم، أو كتب في اللوح
~~المحفوظ أنها تكون مسكنا لكم. روي أن الله تعالى أمر الخليل عليه الصلاة
~~والسلام أن يصعد جبل لبنان فما انتهى بصره إليه فهو له ولأولاده فكانت
~~تلك الأرض مدى بصره، وعن قتادة والسدي أن المعنى التي أمركم الله تعالى
~~بدخولها وفرضه عليكم، فالكتب هنا مثله في قوله تعالى:

# كتب عليكم الصيام

# [البقرة: 183] وذهب إلى الاحتمالين الأولين كثير من المفسرين، والكتب
~~على أولهما مجاز، وعلى ثانيهما حقيقة، وقيدوه بإن آمنتم وأطعتم لقوله
~~تعالى لهم بعدما عصوا:

# فإنها محرمة عليهم

# [المائدة: 26].

# وقوله سبحانه: { ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا
~~خسرين } فإن ترتيب الخيبة والخسران على الارتداد يدل على اشتراط
~~الكتب بالمجاهدة المترتبة على الإيمان قطعا، والأدبار جمع دبر وهو ما
~~خلفهم من الأماكن من مصر وغيرها، والجار والمجرور حال من فاعل { ترتدوا }
~~أي لا ترجعوا عن مقصدكم منقلبين خوفا من الجبابرة، وجوز أن يتعلق بنفس
~~الفعل، ويحتمل أن يراد بالارتداد صرف قلوبهم عما كانوا عليه من الاعتقاد
~~صرفا غير محسوس أي لا ترجعوا عن دينكم بالعصيان وعدم الوثوق بالله تعالى
~~وإليه ذهب أبو علي الجبائي، وقوله تعالى: { فتنقلبوا } إما مجزوم بالعطف
~~وهو الأظهر، وإما منصوب في جواب النهي، قال الشهاب: على أنه من قبيل لا
~~تكفر تدخل النار وهو ممتنع خلافا للكسائي، وفيه نظر لا يخفى، والمراد
~~بالخسران خسران الدارين.

### || [5.22]

# { قالوا يموسى إن فيها قوما جبارين } شديدي البطش
~~متغلبين لا تتأتى مقاومتهم ولا تجز لهم ناصية، والجبار صيغة مبالغة من
~~جبر الثلاثي على القياس لا من أجبره على خلافه  كالحساس  من الإحساس
~~وهو الذي يقهر الناس ويكرههم كائنا من كان على ما يريده كائنا ما كان،
~~ومعناه في البخل ما فات اليد طولا، وكان هؤلاء القوم من العمالقة بقايا
~~قوم عاد وكانت لهم أجسام ليست لغيرهم، أخرج ابن عبد الحكم في «فتوح مصر»
~~عن ابن حجيرة قال: استظل سبعون رجلا من قوم موسى عليه السلام في قحف رجل
~~من العمالقة، وأخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن ms02321 زيد بن أسلم قال: بلغني
~~أنه رؤيت ضبع وأولادها رابضة في فجاج عين رجل منهم إلى غير ذلك من
~~الأخبار، وهي عندي كأخبار عوج بن عنق وهي حديث خرافة.

# { وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها } بقتال غيرنا،
~~أو بسبب يخرجهم الله تعالى به فإنه لا طاقة لنا بإخراجهم منها، وهذا
~~امتناع عن القتال على أتم وجه / { فإن يخرجوا منها } بسبب من
~~الأسباب التي لا تعلق لنا بها { فإنا داخلون } فيها حينئذ، وأتوا
~~بهذه الشرطية  مع كون مضمونها مفهوما مما تقدم  تصريحا بالمقصود
~~وتنصيصا على أن امتناعهم من دخولها ليس إلا لمكانهم فيها، وأتوا في
~~الجزاء بالجملة الإسمية المصدرة  بإن  دلالة على تقرر الدخول وثباته
~~عند تحقق الشرط لا محالة وإظهارا لكمال الرغبة فيه وفي الامتثال بالأمر.

### || [5.23]

# { قال رجلان من الذين يخافون } أي يخافون الله تعالى وبه
~~قرىء، والمراد رجلان من المتقين وهما  كما روي عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما ومجاهد والسدي والربيع  يوشع بن نون وكالب بن يوقنا، وفي
~~وصفهم بذلك تعريض بأن من عداهما من القوم لا يخافونه تعالى بل يخافون
~~العدو، وقيل: المراد بالرجلين ما ذكر، و { من الذين يخافون } بنو
~~إسرائيل؛ والمراد يخافون العدو، ومعنى كون الرجلين منهم أنهما منهم في
~~النسب لا في الخوف، وقيل: في الخوف أيضا، والمراد: أنهما لم يمنعهما
~~الخوف عن قول الحق، وأخرج ابن المنذر عن ابن جبير أن الرجلين كانا من
~~الجبابرة أسلما وصارا إلى موسى عليه السلام، فعلى هذا يكون { الذين }
~~عبارة عن الجبابرة، والواو ضمير بني إسرائيل، وعائد الموصول محذوف أي
~~يخافونهم، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير {
~~يخافون } بضم الياء، وجعلها الزمخشري شاهدة على أن الرجلين من
~~الجبارين كأنه قيل: من المخوفين أي يخافهم بنو إسرائيل، وفيها احتمالان
~~آخران: الأول: أن يكون من الإخافة، ومعناه من الذين يخوفون من الله
~~تعالى بالتذكير والموعظة؛ أو يخوفهم وعيد الله تعالى بالعقاب، والثاني:
~~أن معنى { يخافون } يهابون ويوقرون، ويرجع إليهم لفضلهم وخيرهم؛ ومع ms02322
~~هذين الاحتمالين لا ترجيح في هذه القراءة لكونهما من الجبارين، وترجيح
~~ذلك بقوله تعالى: { أنعم الله عليهما } أي بالإيمان والتثبيت
~~غير ظاهر أيضا لأنه صفة مشتركة بين يوشع وكالب وغيرهما، وكونه إنما يليق
~~أن يقال لمن أسلم من الكفار لا لمن هو مؤمن في حيز المنع، والجملة صفة
~~ثانية  لرجلين  أو اعتراض، وقيل: حال بتقدير قد من ضمير { يخافون }
~~أو من { رجلان } لتخصيصه بالصفة، أو من الضمير المستتر في الجار
~~والمجرور أي قالا مخاطبين لهم ومشجعين.

# { ادخلوا عليهم الباب } أي باب مدينتهم وتقديم { عليهم }
~~عليه للاهتمام به لأن المقصود إنما هو دخول الباب وهم في بلدهم أي
~~فاجئوهم وضاغطوهم في المضيق ولا تمهلوهم ليصحروا ويجدوا للحرب مجالا {
~~فإذا دخلتموه } عليهم الباب { فإنكم غلبون } من غير
~~حاجة [إلى] القتال فإنا قد رأيناهم وشاهدناهم أن قلوبهم ضعيفة وإن كانت
~~أجسامهم عظيمة فلا تخشوهم واهجموا عليهم في المضايق فإنهم لا يقدرون على
~~الكر والفر، وقيل: إنما حكما بالغلبة لما علماها من جهة موسى عليه
~~السلام، و [من] قوله:

# التي كتب الله لكم

# [المائدة: 21]، وقيل: من جهة غلبة الظن، وما تبينا من عادة الله تعالى
~~في نصرة رسله، وما عهدا من صنع الله تعالى لموسى عليه السلام في قهر
~~أعدائه، قيل: والأول: أنسب بتعليق الغلبة بالدخول.

# { وعلى الله } تعالى خاصة { فتوكلوا } بعد ترتيب الأسباب ولا
~~تعتمدوا عليها فإنها لا تؤثر من دون إذنه { إن كنتم مؤمنين }
~~بالله تعالى، والمراد بهذا الإلهاب والتهييج وإلا فإيمانهم محقق، وقد
~~يراد بالإيمان التصديق بالله تعالى وما يتبعه من التصديق بما وعده أي: إن
~~كنتم مؤمنين به تعالى مصدقين لوعده فإن ذلك مما يوجب التوكل عليه حتما..

### || [5.24]

# { قالوا } غير مبالين بهما وبمقالتهما مخاطبين لموسى عليه السلام
~~إظهارا لإصرارهم / على القول الأول وتصريحا بمخالفتهم له عليه السلام {
~~يموسى إنا لن ندخلها } أي أرض الجبابرة فضلا عن الدخول
~~عليهم وهم في بلدهم { أبدا } أي دهرا طويلا، أو فيما يستقبل من
~~الزمان كله { ما داموا فيها } أي في تلك الأرض، وهو ms02323 بدل من {
~~أبدا } بدل البعض؛ وقيل: بدل الكل من الكل، أو عطف بيان لوقوعه بين
~~النكرتين؛ ومثله في الابدال قوله:

# وأكرم أخاك الدهر (ما دمتما) معا

# كفى بالممات فرقة وتنائيا

# فإن قوله: «ما دمتما» بدل من الدهر.

# { فاذهب } أي إذا كان الأمر كذلك فاذهب { أنت وربك فقاتلا
~~} أي فقاتلاهم وأخرجاهم حتى ندخل الأرض؛ وقالوا ذلك استهانة واستهزاءا
~~به سبحانه وبرسوله عليه الصلاة والسلام وعدم مبالاة، وقصدوا ذهابهما
~~حقيقة كما ينبىء عنه غاية جهلهم وقسوة قلوبهم، والمقابلة بقوله تعالى: {
~~إنا ههنا قعدون } ، وقيل: أرادوا إرادتهما وقصدهما كما
~~تقول: كلمته فذهب يجيبني كأنهم قالوا: فأريدا قتالهم واقصداهم، وقال
~~البلخي: المراد: فاذهب أنت وربك يعينك، فالواو للحال، و { أنت } مبتدأ
~~حذف خبره وهو خلاف الظاهر، ولا يساعده { فقاتلا } ولم يذكروا أخاه
~~هارون عليهما السلام ولا الرجلين اللذين قالا كأنهم لم يجزموا بذهابهم أو
~~لم يعبأوا بقتالهم، وأرادوا بالقعود عدم التقدم لا عدم التأخر أيضا.

### || [5.25]

# { قال } موسى عليه السلام لما رأى منهم ما رأى من العناد على طريق
~~البث والحزن والشكوى إلى الله تعالى مع رقة القلب التي بمثلها تستجلب
~~الرحمة وتستنزل النصرة. فليس القصد إلى الإخبار وكذا كل خبر يخاطب به
~~علام الغيوب يقصد به معنى سوى إفادة الحكم أو لازمه، فليس قوله ردا لما
~~أمر الله تعالى به ولا اعتذارا عن عدم الدخول { رب إنى لا أملك
~~إلا نفسى وأخى } هارون عليه السلام وهو عطف على { نفسى } أي
~~لا يجيبني إلى طاعتك ويوافقني على تنفيذ أمرك سوى نفسي وأخي ولم يذكر
~~الرجلين اللذين أنعم الله تعالى عليهما وإن كانا يوافقانه إذا دعا لما
~~رأى من تلون القوم وتقلب آرائهم فكأنه لم يثق بهما ولم يعتمد عليهما.
~~وقيل: ليس القصد إلى القصر بل إلى بيان قلة من يوافقه تشبيها لحاله بحال
~~من لا يملك إلا نفسه وأخاه، وجوز أن يراد  بأخي  من يؤاخيني في الدين
~~فيدخلان فيه ولا يتم إلا بالتأويل بكل مؤاخ له في الدين، أو بجنس الأخ
~~وفيه بعد، ويجوز ms02324 في { أخى } وجوها أخر من الإعراب: الأول: أنه منصوب
~~بالعطف على اسم  إن ، الثاني: أنه مرفوع بالعطف على فاعل { أملك }
~~للفصل، الثالث: أنه مبتدأ خبره محذوف، الرابع: أنه معطوف على محل اسم 
~~إن  البعيد لأنه بعد استكمال الخبر، والجمهور على جوازه حينئذ، الخامس:
~~أنه مجرور بالعطف على الضمير المجرور على رأي الكوفيين، ثم لا يلزم على
~~بعض الوجوه الاتحاد في المفعول بل يقدر للمعطوف مفعول آخر أي وأخي إلا
~~نفسه، فلا يرد ما قيل: إنه يلزم من عطفه على اسم  إن  أو فاعل {
~~أملك } أن موسى وهارون عليهما السلام لا يملكان إلا نفس موسى عليه
~~السلام فقط، وليس المعنى على ذلك كما لا يخفى، وليس من عطف الجمل بتقدير
~~ولا يملك أخي إلا نفسه كما توهم، وتحقيقه أن العطف على معمول الفعل لا
~~يقتضي إلا المشاركة في مدلول ذلك. ومفهومه الكلي لا الشخص المعين
~~بمتعلقاته المخصوصة فإن ذلك إلى القرائن.

# { فافرق بيننا } يريد نفسه وأخاه عليهما الصلاة والسلام، والفاء
~~لترتيب الفرق / والدعاء به على ما قبله، وقرىء { فافرق } بكسر الراء
~~{ وبين القوم الفسقين } أي الخارجين عن طاعتك بأن تحكم
~~لنا بما نستحقه، وعليهم بما يستحقونه كما هو المروي عن ابن عباس والضحاك
~~رضي الله تعالى عنهم، وقال الجبائي: سأل عليه السلام ربه أن يفرق
~~بالتبعيد في الآخرة بأن يجعله وأخاه في الجنة ويجعلهم في النار، وإلى
~~الأول ذهب أكثر المفسرين، ويرجحه تعقيب الدعاء بقوله تعالى: { قال
~~فإنها محرمة عليهم أربعين... }.

### || [5.26]

# { قال فإنها } فإن الفاء فيه لترتيب ما بعدها على ما قبلها من
~~الدعاء فكان ذلك إثر الدعاء ونوع من المدعو به، وقد أخرج ابن جرير عن
~~السدي قال: إن موسى عليه السلام غضب حين قال له القوم ما قالوا فدعا 
~~وكان ذلك عجلة منه عليه السلام عجلها  فلما ضرب عليهم التيه ندم فأوحى
~~الله تعالى عليه { فلا تأس على القوم الفسقين }
~~والضمير المنصوب عائد إلى الأرض المقدسة أي فإنها لدعائك { محرمة
~~عليهم } لا يدخلونها ولا يملكونها، والتحريم تحريم منع ms02325 لا تحريم
~~تعبد، ومثله قول امرىء القيس يصف فرسه:

# جالت لتصرعني فقلت لها اقصري

# إني امرؤ صرعي عليك (حرام)

# يريد إني فارس لا يمكنك أن تصرعيني، وجوز أبو علي الجبائي  وإليه يشير
~~كلام البلخي  أن يكون تحريم تعبد والأول أظهر { أربعين سنة }
~~متعلق  بمحرمة  فيكون التحريم مؤقتا لا مؤبدا فلا يكون مخالفا لظاهر
~~قوله تعالى:

# كتب الله لكم

# [المائدة: 21] والمراد بتحريمها عليهم أنه لا يدخلها أحد منهم هذه المدة
~~لكن  لا  بمعنى أن كلهم يدخلونها بعدها، بل بعضهم ممن بقي حسبما روي أن
~~موسى عليه السلام سار بمن بقي من بني إسرائيل إلى الأرض المقدسة، وكان
~~يوشع بن نون على مقدمته ففتحها وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قبض عليه
~~السلام، وروى ذلك عن الحسن ومجاهد، وقيل: لم يدخلها أحد ممن قال:

# لن ندخلها أبدا

# [المائدة: 24] وإنما دخلها مع موسى عليه السلام النواشي من ذرياتهم،
~~وعليه فالمؤقت بالأربعين في الحقيقة تحريمها على ذرياتهم وإنما جعل
~~تحريمها عليهم لما بينهما من العلاقة التامة.

# وقوله تعالى: { يتيهون فى الأرض } استئناف لبيان كيفية حرمانهم،
~~وقيل: حال من ضمير { عليهم } ، والتيه: الحيرة، ويقال: تاه يتيه
~~ويتوه، وهو أتوه وأتيه، فهو مما تداخل فيه الواو والياء، والمعنى يسيرون
~~متحيرين وحيرتهم عدم اهتدائهم للطريق. وقيل: الظرف متعلق { يتيهون }
~~، وروى ذلك عن قتادة فكيون التيه مؤقتا والتحريم مطلقا يحتمل التأبيد
~~وعدمه، وكان مسافة الأرض التي تاهوا فيها ثلاثين فرسخا في عرض تسعة
~~فراسخ كما قال مقاتل، وقيل: اثني عشر فرسخا في عرض ستة فراسخ، وقيل: ستة
~~في عرض تسعة، وقيل: كان طولها ثلاثين ميلا في عرض ستة فراسخ وهي ما بين
~~مصر والشام، وذكر أنهم كانوا ستمائة ألف مقاتل وكانوا يسيرون فيصبحون حيث
~~يمسون ويمسون حيث يصبحون  كما قاله الحسن. ومجاهد  قيل: وحكمة ابتلائهم
~~بالتيه أنهم لما قالوا:

# إنا ههنا قعدون

# [المائدة: 24] عوقبوا بما يشبه القعود، وكان أربعين سنة لأنها غاية زمن
~~يرعوي فيه الجاهل. وقيل: لأنهم عبدوا العجل أربعين يوما فجعل عقاب كل
~~يوم سنة ms02326 في التيه وليس بشيء، وكان ذلك من خوارق العادات إذ التحير في مثل
~~تلك المسافة على عقلاء كثيرين هذه المدة الطويلة مما تحيله العادة، ولعل
~~ذلك كان بمحو العلامات التي يستدل بها، أو بأن ألقي شبه بعضها على بعض.

# وقال أبو علي الجبائي: إنه كان بتحول الأرض التي هم عليها وقت نومهم
~~ويغني الله تعالى عن قبوله. / وروي أنه كان الغمام يظلهم من حر الشمس
~~وينزل عليهم المن والسلوى، وجعل معهم حجر موسى عليه السلام يتفجر منه
~~الماء دفعا لعطشهم، قيل: ويطلع بالليل عمود من نور يضيء لهم ولا يطول
~~شعرهم ولا تبلى ثيابهم كما روي عن الربيع بن أنس، وكانت تشب معهم إذا
~~شبوا كما روى عن طاوس.

# وذكر غير واحد من القصاص أنهم كانوا إذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب
~~كالظفر يطول بطوله ولا يبلى إلى غير ذلك مما ذكروه. والعادة تبعد كثيرا
~~منه فلا يقبل إلا ما صح عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولقد
~~سألت بعض أحبار اليهود عن لباس بني إسرائيل في التيه فقال: إنهم خرجوا من
~~مصر ومعهم الكثير من ثياب القبط وأمتعتهم، وحفظها الله تعالى لكبارهم
~~وصغارهم فذكرت له حديث الظفر، فقال لم نظفر به وأنكره فقلت له: هي فضيلة
~~فهلا أثبتها لقومك؟ فقال: لا أرضى بالكذب ثوبا، واستشكل معاملتهم بهذه
~~النعم مع معاقبتهم بالحيرة، وأجيب بأن تلك المعاقبة من كرمه تعالى،
~~وتعذيبهم إنما كان للتأديب كما يضرب الرجل ولده مع محبته له ولا يقطع عنه
~~معروفه، ولعلهم استغفروا من الكفر إذا كان قد وقع منهم، وأكثر المفسرين
~~على أن موسى وهارون عليهما السلام كانا معهم في التيه لكن لم ينلهما من
~~المشقة ما نالهم، وكان ذلك لهما روحا وسلامة كالنار لإبراهيم عليه
~~السلام، ولعل الرجلين أيضا كانا كذلك.

# وروي أن هارون مات في التيه واتهم به موسى عليهما السلام فقالوا: قتله
~~لحبنا له فأحياه الله تعالى بتضرعه، فبرأه مما يقولون، وعاد إلى مضجعه،
~~ومات موسى عليه السلام بعده بسنة، ms02327 وقيل: بستة أشهر ونصف، وقيل: بثمانية
~~أعوام، ودخل يوشع أريحاء بعده بثلاثة أشهر، وقال قتادة: بشهرين، وكان قد
~~نبىء قبل بمن بقي من بني إسرائيل ولم يبق المكلفون وقت الأمر منهم، قيل 
~~ولا يساعده النظم الكريم  فإنه بعدما قبل دعوته عليه السلام على بني
~~إسرائيل وعذبهم بالتيه بعيد أن ينجو من نجا، ويقدر وفاة النبيين عليهما
~~السلام في محل العقوبة ظاهرا، وإن كان ذلك لهما منزل روح وراحة، وأنت
~~تعلم أن الأخبار بموتهما عليهما السلام بالتيه كثيرة لا سيما الأخبار
~~بموت هارون عليه السلام، ولا أرى للاستبعاد محلا، ولعل ذلك أنكى لبني
~~إسرائيل.

# وقيل: إنهما عليهما السلام لم يكونا مع بني إسرائيل في التيه، وأن
~~الدعاء  وقد أجيب  كان بالفرق بمعنى المباعدة في المكان بالدنيا، وأرى
~~هذا القول مما لا يكاد يصح، فإن كثيرا من الآيات كالنص في وجود موسى
~~عليه السلام معهم فيه كما لا يخفى.

# { فلا تأس } أي فلا تحزن لموتهم، أو لما أصابهم فيه من الأسى  وهو
~~الحزن  { على القوم الفسقين } الذين استجيب لك في الدعاء
~~عليهم لفسقهم؛ فالخطاب لموسى عليه السلام كما هو الظاهر، وإليه ذهب أجلة
~~المفسرين. وقال الزجاج: إنه للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد  بالقوم
~~الفاسقين  معاصروه عليه الصلاة والسلام من بني إسرائيل كأنه قيل: هذه
~~أفعال أسلافهم فلا تحزن أنت بسبب أفعالهم الخبيثة معك وردهم عليك فإنهم
~~ورثوا ذلك عنهم.

### || [5.27]

# { واتل عليهم } عطف على مقدر تعلق به قوله تعالى:

# وإذ قال موسى

# [المائدة: 20] الخ، وتعلقه به قيل: من حيث إنه تمهيد لما سيأتي إن شاء
~~الله تعالى من جنايات بني إسرائيل بعدما كتب عليهم ما كتب وجاءتهم الرسل
~~بما جاءتهم به من البينات. وقيل: من حيث إن في الأول الجبن عن القتل، وفي
~~هذا الإقدام عليه مع كون كل منهما / معصية، وضمير { عليهم } يعود
~~على بني إسرائيل كما هو الظاهر إذ هم المحدث عنهم أولا، وأمر صلى الله
~~عليه وسلم بتلاوة ذلك عليهم إعلاما لهم بما هو في غامض كتبهم الأول ms02328 الذي
~~لا تعلق للرسول عليه الصلاة والسلام بها إلا من جهة الوحي لتقوم الحجة
~~بذلك عليهم، وقيل: الضمير عائد على هذه الأمة أي: أتل يا محمد على قومك {
~~نبأ ابنى ءادم } هابيل عليه الرحمة وقابيل عليه ما يستحقه، وكانا
~~بإجماع غالب المفسرين ابني آدم عليه السلام لصلبه. وقال الحسن: كانا
~~رجلين من بني إسرائيل  ويد الله تعالى مع الجماعة  وكان من قصتهما ما
~~أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين
~~أنه كان لا يولد لآدم عليه السلام مولود إلا ولد معه جارية فكان يزوج
~~غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا
~~البطن الآخر، جعل افتراق البطون بمنزلة افتراق النسب للضرورة إذ ذاك حتى
~~ولد له ابنان يقال لهما هابيل وقابيل، وكان قابيل صاحب زرع، وهابيل صاحب
~~ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكانت له أخت واسمها إقليما أحسن من أخت هابيل،
~~وأن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه، وقال: هي أختي ولدت معي وهي
~~أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوج بها فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى،
~~فقال لهما: قربا قربانا فمن أيكما قبل تزوجها، وإنما أمر بذلك لعلمه أنه
~~لا يقبل من قابيل لا أنه لو قبل جاز، ثم غاب عليه السلام عنهما آتيا مكة
~~ينظر إليها فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للأرض:
~~فأبت، وقال للجبال: فأبت، فقال لقابيل: فقال نعم تذهب وترجع وتجد أهلك
~~كما يسرك فلما انطلق آدم عليه السلام قربا قربانا؛ فقرب هابيل جذعة،
~~وقيل: كبشا، وقرب قابيل حزمة سنبل فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها وأكلها
~~فنزلت النار فأكلت قربان هابيل، وكان ذلك علامة القبول، وكان أكل القربان
~~غير جائز في الشرع القديم وتركت قربان قابيل فغضب، وقال: لأقتلنك فأجابه
~~بما قص الله تعالى { بالحق } متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر { اتل }
~~أي أتل تلاوة متلبسة بالحق والصحة، أو حال من فاعل { اتل } أو من
~~مفعوله أي متلبسا أنت أو ms02329 نبأهما بالحق والصدق موافقا لما في زبر
~~الأولين.

# وقوله تعالى: { إذ قربا قربنا } ظرف لنبأ، وعمل فيه لأنه
~~مصدر في الأصل، والظرف يكفي فيه رائحة الفعل، وجوز أن يكون متعلقا
~~بمحذوف وقع حالا منه، ورد بأنه حينئذ يكون قيدا في عامله وهو { اتل }
~~المستقبل، و { إذ } لما مضى فلا يتلاقيان، ولذا لم يتعلق به مع ظهوره،
~~وقد يجاب بالفرق بين الوجهين فتأمل. وقيل: إنه بدل من { نبأ } على حذف
~~المضاف ليصح كونه متلوا أي اتل عليهم نبأهما نبأ ذلك الوقت، ورده في
~~«البحر» بأن { إذ } لا يضاف إليها إلا الزمان نحو يومئذ وحينئذ و {
~~نبأ } ليس بزمان، وأجيب بالمنع، ولا فرق بين { نبأ } ذلك الوقت
~~ونبأ { إذ } وكل منهما صحيح معنى وإعرابا، ودعوى  جواز الأول سماعا
~~دون الثاني  دون إثباتها خرط القتاد، والقربان اسم لما يتقرب به إلى
~~الله تعالى من ذبيحة أو غيرها  كالحلوان  اسم لما يحلى أي يعطى،
~~وتوحيده لما أنه في الأصل مصدر، وقيل: تقديره إذ قرب كل منهما قربانا {
~~فتقبل من أحدهما } وهو هابيل { ولم يتقبل من
~~الأخر } لأنه سخط حكم الله تعالى، وهو عدم جواز نكاح التوأمة { قال
~~} استئناف سؤال نشأ من الكلام السابق كأنه قيل: فماذا قال من لم يتقبل
~~قربانه؟ فقيل: قال لأخيه لفرط الحسد على قبول قربانه ورفعة شأنه عند ربه
~~عز وجل كما يدل عليه الكلام الآتي، وقيل: على ما سيقع من أخذ أخته
~~الحسناء / { لأقتلنك } أي والله تعالى لأقتلنك بالنون المشددة،
~~وقرىء بالمخففة.

# { قال } استئناف كالذي قبله أي قال الذي تقبل قربانه لما رأى حسد أخيه
~~{ إنما يتقبل الله } أي القربان والطاعة { من
~~المتقين } في ذلك بإخلاص النية فيه لله تعالى لا من غيرهم، وليس
~~المراد من التقوى التقوى من الشرك التي هي أول المراتب كما قيل، ومراده
~~من هذا الجواب إنك إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها عن لباس التقوى لا من
~~قبلي، فلم تقتلني ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله تعالى
~~التي هي السبب في ms02330 القبول؟! وهو جواب حكيم مختصر جامع لمعان.

# وفيه إشارة إلى أن الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره ويجتهد في
~~تحصيل ما به صار المحسود محظوظا لا في إزالة حظه ونعمته، فإن اجتهاده
~~فيما ذكر يضره ولا ينفعه، وقيل: مراده الكناية عن أن لا يمتنع عن حكم
~~الله تعالى بوعيده لأنه متق والمتقي يؤثر الامتثال على الحياة، أو
~~الكناية عن أنه لا يقتله دفعا لقتله لأنه متق فيكون ذلك كالتوطئة لما
~~بعده، ولا يخفى بعده؛ وما أنعى هذه الآية على العاملين أعمالهم، وعن عامر
~~بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة، فقيل له: ما يبكيك، فقد كنت وكنت؟
~~قال: إني أسمع الله تعالى يقول: { إنما يتقبل الله من
~~المتقين }.

### || [5.28]

# { لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى ما أنا بباسط
~~يدى إليك لأقتلك } قيل: كان هابيل أقوى منه ولكن تحرج عن
~~قتله واستسلم له خوفا من الله تعالى لأن المدافعة لم تكن جائزة في ذلك
~~الوقت، وفي تلك الشريعة  كما روي عن مجاهد  وأخرج ابن المنذر عن ابن
~~جريج  قال: كانت بنو إسرائيل قد كتب عليهم إذا الرجل بسط يده إلى الرجل
~~لا يمتنع منه حتى يقتله أو يدعه، أو تحريا لما هو الأفضل الأكثر ثوابا
~~وهو كونه مقتولا لا قاتلا بالدفع عن نفسه بناءا على جوازه إذ ذاك، قال
~~بعض المحققين: واختلف في هذا الآن على ما بسطه الإمام الجصاص فالصحيح من
~~المذهب أنه يلزم الرجل دفع الفساد عن نفسه وغيره وإن أدى إلى القتل، ولذا
~~قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره: إن المعنى في الآية لئن بسطت
~~إلي يدك على سبيل الظلم والابتداء لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك على
~~وجه الظلم والإبتداء، وتكون الآية على ما قاله مجاهد وابن جريج: منسوخة،
~~وهل نسخت قبل شريعتنا أم لا؟ فيه كلام، والدليل عليه قوله تعالى:

# فقتلوا التى تبغى حتى تفىء

# [الحجرات: 9] وغيره من الآيات والأحاديث، وقيل: إنه لا يلزم ذلك بل
~~يجوز، واستدل بما أخرجه ابن سعد في ms02331 «الطبقات» عن خباب بن الأرت عنه صلى
~~الله عليه وسلم أنه ذكر

# " فتنة القاعدة فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي،
~~والماشي فيها خير من الساعي فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول ولا تكن
~~عبد الله القاتل "

# وأولوه بترك القتال في الفتنة واجتنابها وأول الحديث يدل عليه، وأما من
~~منع ذلك الآن مستدلا بحديث

# " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار "

# فقد رد بأن المراد به أن يكون كل منهما عزم على قتل أخيه وإن لم يقاتله
~~وتقابلا بهذا القصد انتهى بزيادة.

# وعن السيد المرتضى أن الآية ليست من محل النزاع لأن اللام الداخلة على
~~فعل القتل لام كي وهي منبئة عن الإرادة والغرض، ولا شبهة في قبح ذلك
~~أولا وآخرا لأن المدافع إنما يحسن منه المدافعة للظالم طلبا للتخلص من
~~غير أن يقصد إلى قتله، فكأنه قال له: لئن ظلمتني لم أظلمك وإنما قال
~~سبحانه: { ما أنا بباسط يدى } في جواب { لئن بسطت }
~~للمبالغة في أنه ليس من شأنه ذلك ولا ممن يتصف به، ولذلك أكد النفي /
~~بالباء ولم يقل وما أنا بقاتل بل قال: { بباسط } للتبري عن مقدمات
~~القتل فضلا عنه، وقدم الجار والمجرور المتعلق  ببسطت  إيذانا على ما
~~قيل من أول الأمر برجوع ضرر البسط وغائلته إليه، ويخطر لي أنه قدم لتعجيل
~~تذكيره بنفسه المنجر إلى تذكيره بالأخوة المانعة عن القتل.

# وقوله تعالى: { إنى أخاف الله رب العلمين } تعليل
~~للامتناع عن بسط يده ليقتله، وفيه إرشاد قابيل إلى خشية الله تعالى على
~~أتم وجه، وتعريض بأن القاتل لا يخاف الله تعالى.

### || [5.29]

# { إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك } تعليل آخر لامتناعه
~~عن البسط، ولما كان كل منهما علة مستقلة لم يعطف أحدهما على الآخر
~~إيذانا بالاستقلال ودفعا لتوهم أن يكون جزء علة لاعلة تامة، ((وأصل
~~البوء اللزوم، وفي «النهاية»: أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي أي ألتزم
~~وأرجع وأقر))، والمعنى إني أريد باستسلامي وامتناعي عن التعرض لك أن ترجع
~~بإثمي أي تتحمله لو بسطت ms02332 يدي إليك حيث كنت السبب له، وأنت الذي علمتني
~~الضرب والقتل، وإثمك حيث بسطت إلي يدك، وهذا نظير ما أخرجه مسلم عن أبي
~~هريرة مرفوعا ((

# " المستبان ما قالا فعلى البادىء ما لم يعتد المظلوم "

# أي على البادىء إثم سبه، ومثل إثم سب صاحبه لأنه كان سببا فيه إلا أن
~~الإثم محطوط عن صاحبه معفو عنه لأنه مكافىء مدافع عن عرضه، ألا ترى إلى
~~قوله: «ما لم يعتد المظلوم» لأنه إذا خرج من حد المكافأة واعتدا لم
~~يسلم)) كذا في «الكشاف»، قيل: وفيه نظر لأن حاصل ما قرره أن على البادىء
~~إثمه ومثل إثم صاحبه إلا أن يتعدى الصاحب فلا يكون هذا المجموع على
~~البادىء، ولا دلالة فيه على أن المظلوم إذ لم يتعد كان إثمه المخصوص
~~بسببه ساقطا عنه اللهم إلا بضميمة تنضم إليه، وليس في اللفظ ما يشعر
~~بها، ورده في «الكشف» بأنه كيف لا يدل على سقوطه عنه، وقوله عليه الصلاة
~~والسلام: «فعلى البادىء» مخصص ظاهر، وقول «الكشاف»: «إلا أن الإثم محطوط»
~~تفسير لقوله: «فعلى البادىء» وقوله: فعليه إثم سبه، ومثل إثم سب صاحبه
~~تفسير لقوله: ما قالا، فكما يدل على أن عليه إثما مضاعفا يدل على أن
~~إثم صاحبه ساقط. هذا ثم قال: ولعل الأظهر في الحديث أن لا يضمر المثل،
~~والمعنى إثم سبابهما على البادىء، وكان ذلك لئلا يلتزم الجمع بين الحقيقة
~~والمجاز، والقول: بأنه إذا لم يكن لما قاله غير البادىء إثم، فيكف يقال:
~~إثم سبابهما، وكيف يضاف إليه الإثم مشترك الإلزام؟ وتحقيقه أن لما قاله
~~غير البادىء إثما وليس على البادىء، وليس بمناف لقوله تعالى:

# ولا تزر وازرة وزر أخرى

# [الأنعام: 164] لأنه بحمله عليه عد جانيا، وهذا كما ورد فيمن سن سنة
~~حسنة أو سنة سيئة، نعم فيما نحن فيه العامل لا إثم له إنما هو للحامل،
~~والحاصل أن سب غير البادىء يترتب عليه شيئان، أحدهما بالنسبة إلى فاعله
~~وهو ساقط إذا كان على وجه الدفع دون اعتداء، والثاني: بالنسبة إلى حامله
~~عليه وهو ms02333 غير ساقط أعني أنه يثبت ابتداءا لا أنه لا يعفى، وأورد في
~~«التحقيق» أن ما ذكره من حط الإثم من المظلوم لأنه مكافىء غير صحيح لأنه
~~إذا سب شخص لم يستوف الجزاء إلا بالحاكم، والجواب أن صريح الحديث يدل على
~~ما ذكر في «الكشاف»، والجمع بينه وبين الحكم الفقهي أن السب إما أن يكون
~~بلفظ يترتب عليه الحد شرعا فذلك سبيله الرفع إلى الحاكم، أو بغير ذلك
~~وحينئذ لا يخلو إما أن يكون كلمة إيحاش أو امتنان أو تفاخر بنسب ونحوه
~~مما يتضمن إزراء بنسب صاحبه من دون شتم  كنحو الرمي بالكفر والفسق  فله
~~أن يعارضه بالمثل، ويدل عليه حديث زينب وعائشة رضي الله تعالى عنهما،
~~وقوله عليه الصلاة والسلام لعائشة: / «دونك فانتصري» أو يتضمن شتما فذلك
~~أيضا يرفع إلى الحاكم ليعزره، والحديث محمول على القسم الذي يجري فيه
~~الانتصار، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما لم يعتد المظلوم» يدل عليه لأنه
~~إذا كان حقه الرفع إلى الحاكم فاشتغل بالمعارضة عد متعديا انتهى، وهو
~~تفصيل حسن.

# وقيل: معنى { بإثمى } بإثم قتلي، ومعنى { بإثمك } إثمك الذي كان قبل
~~قتلي، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما وقتادة
~~ومجاهد والضحاك، وأطلق هؤلاء الإثم الذي كان قبل، وعن الجبائي والزجاج
~~أنه الإثم الذي من أجله لم يتقبل القربان وهو عدم الرضا بحكم الله تعالى
~~كما مر، وقيل: معناه بإثم قتلي وإثمك الذي هو قتل الناس جميعا حيث سننت
~~القتل، وإضافة الإثم على جميع هذه الأقوال إلى ضمير المتكلم لأنه نشأ من
~~قلبه، أو هو على تقدير مضاف ولا حاجة إلى تقدير مضاف إليه كما قد قيل به
~~أولا إلا أنه لا خفاء في عدم حسن المقابلة بين التكلم والخطاب على هذا
~~لأن كلا الإثمين إثم المخاطب، والأمر فيه سهل، والجار والمجرور مع
~~المعطوف عليه حال من فاعل { تبوء } أي ترجع متلبسا بالإثمين حاملا
~~لهما، ولعل مراده بالذات: إنما هو عدم ملابسته للإثم لا ملابسة أخيه إذ
~~إرادة الإثم من ms02334 آخر غير جائزة، وقيل: المراد بالإثم: ما يلزمه ويترتب
~~عليه من العقوبة، ولا يخفى أنه لا يتضح حينئذ تفريع قوله تعالى: {
~~فتكون من أصحب النار } على تلك الإرادة، فإن كون المخاطب
~~من أصحاب النار إنما يترتب على رجوعه بالإثمين لا على ابتلاء بعقوبتهما
~~وهو ظاهر، وحمل العقوبة على نوع آخر يترتب عليه العقوبة النارية يرده 
~~كما قال شيخ الإسلام  قوله سبحانه: { وذلك جزؤا
~~الظلمين } فإنه صريح في أن كونه من أصحاب النار تمام العقوبة
~~وكمالها، والجملة تذييل مقرر لما قبله، وهي من كلام هابيل على ما هو
~~الظاهر، وقيل: بل هي إخبار منه تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم.

### || [5.30]

# { فطوعت له نفسه قتل أخيه } فسهلته له ووسعته من طاع
~~له المرتع إذا اتسع، وترتيب التطويع على ما قبله من مقالات هابيل مع
~~تحققه قبل كما يفصح عنه قوله:

# لأقتلنك

# [المائدة: 27] لما أن بقاء الفعل بعد تقرر ما يزيله  وإن كان استمرارا
~~عليه بحسب الظاهر  لكنه في الحقيقة أمر حادث وصنع جديد، أو لأن هذه
~~المرتبة من التطويع لم تكن حاصلة قبل ذلك بناءا على تردده في قدرته على
~~القتل لما أن أخاه كان أقوى منه، وأنها حصلت بعد وقوفه على استسلامه وعدم
~~معارضته له، والتصريح بأخوته لكمال تقبيح ما سولته نفسه، وقرأ الحسن 
~~فطاوعت  وفيها وجهان: الأول: أن فاعل بمعنى فعل كما ذكره سيبويه وغيره،
~~وهو أوفق بالقراءة المتواترة، والثاني: أن المفاعلة مجازية يجعل القتل
~~يدعو النفس إلى الإقدام عليه وجعلت النفس تأباه، فكل من القتل والنفس
~~كأنه يريد من صاحبه أن يطيعه إلى أن غلب القتل النفس فطاوعته، و { له }
~~للتأكيد والتبيين كما في قوله تعالى:

# ألم نشرح لك صدرك

# [الشرح: 1]. والقول بأنه للاحتراز عن أن يكون طوعت لغيره أن يقتله ليس
~~بشيء.

# { فقتله } أخرج ابن جرير عن ابن مجاهد وابن جريج أن قابيل لم يدر
~~كيف يقتل هابيل فتمثل له إبليس اللعين في هيئة طير فأخذ طيرا فوضع رأسه
~~بين حجرين فشدخه فعلمه القتل فقتله كذلك وهو ms02335 مستسلم، وأخرج عن ابن مسعود
~~وناس من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن قابيل طلب أخاه ليقتله فراغ منه
~~في رؤوس الجبال فأتاه يوما من الأيام وهو يرعى غنما له وهو نائم فرفع
~~صخرة فشدخ بها رأسه فمات فتركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفن إلى أن بعث
~~الله تعالى الغراب، وكان لهابيل لما قتل عشرون سنة، واختلف في موضع قتله،
~~فعن عمرو الشعباني عن كعب الأحبار أنه قتل / على جبل دير المران، وفي
~~رواية عنه أنه قتل على جبل قاسيون، وقيل: عند عقبة حراء، وقيل: بالبصرة
~~في موضع المسجد الأعظم، وأخرج نعيم بن حماد عن عبد الرحمن بن فضالة أنه
~~لما قتل قابيل هابيل مسخ الله تعالى عقله وخلع فؤاده فلم يزل تائها حتى
~~مات، وروي أنه لما قتله أسود جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه، فقال: ما
~~كنت عليه وكيلا، قال: بل قتلته ولذلك اسود جسدك.

# وأخرج ابن عساكر وابن جرير عن سالم بن أبي الجعد قال: إن آدم عليه
~~السلام لما قتل أحد ابنيه الآخر مكث مائة عام لا يضحك حزنا عليه فأتى
~~على رأس المائة، فقيل له: حياك الله تعالى وبياك وبشر بغلام، فعند ذلك
~~ضحك، وذكر محيي السنة أنه عليه السلام ولد له بعد قتل ولده بخمسين سنة
~~شيث عليه السلام، وتفسيره  هبة الله  يعني أنه خلف من هابيل، وعلمه
~~الله تعالى ساعات الليل والنهار وعبادة الخلق من كل ساعة منها وأنزل عليه
~~خمسين صحيفة وصار وصي آدم وولي عهده، وأخرج ابن جرير عن علي كرم الله
~~تعالى وجهه قال: لما قتل ابن آدم عليه السلام أخاه بكى آدم عليه السلام
~~ورثاه بشعر، وأخرج نحو ذلك الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما وهو مشهور.

# وروي عن ميمون بن مهران عن الحبر رضي الله تعالى عنه أنه قال: من قال:
~~إن آدم عليه السلام قال شعرا فقد كذب إن محمدا صلى الله عليه وسلم
~~والأنبياء كلهم عليهم الصلاة والسلام في النهي عن ms02336 الشعر سواء، ولكن لما
~~قتل قابيل هابيل رثاه آدم بالسرياني فلم يزل ينقل حتى وصل إلى يعرب بن
~~قحطان، وكان يتكلم بالعربية والسريانية، فنظر فيه فقدم وأخر وجعله شعرا
~~عربيا، وذكر بعض علماء العربية أن في ذلك الشعر لحنا أو إقواءا أو
~~ارتكاب ضرورة، والأولى عدم نسبته إلى يعرب أيضا لما فيه من الركاكة
~~الظاهرة.

# { فأصبح من الخسرين } دنيا وآخرة، أخرج الشيخان وغيرهما
~~عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من
~~سن القتل "

# ، وأخرج ابن جرير والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن عمر رضي الله تعالى
~~عنهما قال: «إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب
~~عليه شطر عذابهم» وورد أنه أحد الأشقياء الثلاثة، وهذا ونحوه صريح في أن
~~الرجل مات كافرا. وأصرح من ذلك ما روي أنه لما قتل أخاه هرب إلى عدن من
~~أرض اليمن فأتاه إبليس عليهما اللعنة فقال: إنما أكلت النار قربان هابيل
~~لأنه كان يخدمها ويعبدها فإن عبدتها أيضا حصل مقصودك فبنى بيت نار
~~فعبدها فهو أول من عبد النار، والظاهر أن عليه أيضا وزر من يعبد النار
~~بل لا يبعد أن يكون عليه وزر من يعبد غير الله تعالى إلى يوم القيامة،
~~واستدل بعضهم بقوله سبحانه: { فأصبح } على أن القتل وقع ليلا 
~~وليس بشيء  فإن من عادة العرب أن يقولوا: أصبح فلان خاسر الصفقة إذا فعل
~~أمرا ثمرته الخسران، ويعنون بذلك الحصول مع قطع النظر عن وقت دون وقت،
~~وإنما لم يقل سبحانه  فأصبح خاسرا  للمبالغة وإن لم يكن حينئذ خاسر
~~سواه.

### || [5.31]

# { فبعث الله غرابا يبحث فى الأرض ليريه كيف
~~يوارى سوءة أخيه } أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطية قال: لما
~~قتله ندم فضمه إليه حتى أروح وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمي به
~~فتأكله، وكره أن يأتي به آدم عليه الصلاة والسلام فيحزنه؛ ms02337 وتحير في أمره
~~إذ كان أول ميت من بني آدم عليه السلام، فبعث الله تعالى غرابين قتل
~~أحدهما الآخر وهو ينظر إليه ثم حفر له بمنقاره وبرجله حتى مكن له ثم دفعه
~~/ برأسه حتى ألقاه في الحفرة ثم بحث عليه برجله حتى واراه، وقيل: إن أحد
~~الغرابين كان ميتا. والغراب: طائر معروف، قيل: والحكمة في كونه المبعوث
~~دون غيره من الحيوان كونه يتشاءم به في الفراق والاغتراب وذلك مناسب لهذه
~~القصة، وقال بعضهم: إنه كان ملكا ظهر في صورة الغراب والمستكن في  يريه
~~ لله تعالى أو للغراب، واللام على الأول متعلقة  ببعث حتما، وعلى
~~الثاني  بيبحث  ويجوز تعلقها ببعث أيضا، و { كيف } حال من الضمير
~~في { يورى } قدم عليه لأن له الصدر، وجملة { كيف يوارى } في محل
~~نصب مفعول ثان  ليرى  البصرية المتعدية بالهمزة لاثنين وهي معلقة عن
~~الثاني، وقيل: إن  يريه  بمعنى يعلمه إذ لو جعل بمعنى الإبصار لم يكن
~~لجملة { كيف يوارى } موقع حسن، وتكون الجملة في موقع مفعولين له
~~وفيه نظر، و  البحث  في الأصل التفتيش عن الشيء مطلقا أو في التراب،
~~والمراد به هنا الحفر، والمراد  بالسوأة  جسد الميت وقيده الجبائي
~~بالمتغير، وقيل: العورة لأنها تسوء ناظرها، وخصت بالذكر مع أن المراد
~~مواراة جميع الجسد للاهتمام بها لأن سترها آكد، والأول أولى، ووجه
~~التسمية مشترك، وضمير { أخيه } عائد على المبحوث عنه لا على الباحث
~~كما توهم، وبعثة الغراب كانت من باب الإلهام إن كان المراد منه المتبادر،
~~وبعثة حقيقة إن كان المراد منه ملكا ظهر على صورته، وعلى التقديرين ذهب
~~أكثر العلماء إلى أن الباحث وارى جثته وتعلم قابيل، ففعل مثل ذلك بأخيه،
~~وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وابن مسعود وغيرهما، وذهب الأصم
~~إلى أن الله تعالى بعث من بعثه فبحث في الأرض ووارى هابيل، فلما رأى
~~قابيل ما أكرم الله تعالى به أخاه:

# { قال يويلتى } كلمة جزع وتحسر، والويلة  كالويل  الهلكة كأن
~~المتحسر ينادي هلاكه وموته ويطلب حضوره بعد تنزيله منزلة ms02338 من ينادي، ولا
~~يكون طلب الموت إلا ممن كان في حال أشد منه، والألف بدل من ياء المتكلم
~~أي  يا ويلتى ، وبذلك قرأ الحسن احضري فهذا أوانك { أعجزت أن
~~أكون مثل هذا الغراب } تعجب من عجزه عن كونه مثله لأنه لم
~~يهتد إلى ما اهتدى إليه مع كونه أشرف منه { فأواري سوءة أخى }
~~عطف على { أكون } وجعله في «الكشاف» منصوبا في جواب الاستفهام،
~~واعترضه كثير من المعربين، وقال أبو حيان: ((إنه خطأ فاحش لأن شرط هذا
~~النصب أن ينعقد من الجملة الاستفهامية، والجواب جملة شرطية نحو أتزورني
~~فأكرمك، فإن تقديره إن تزرني أكرمك، ولو قيل ههنا: إن  أعجز أن أكون مثل
~~هذا الغراب أواري سوأة أخي  لم يصح المعنى، لأن المواراة تترتب على عدم
~~العجز لا عليه))، وأجاب في «الكشف» بأن الاستفهام للإنكار التوبيخي، ومن
~~باب أتعصي ربك فيعفو عنك، بالنصب لينسحب الإنكار على الأمرين، وفيه تنبيه
~~على أنه في العصيان وتوقع العفو مرتكب خلاف المعقول، فإذا رفع كان كلاما
~~ظاهريا في انسحاب الإنكار، وإذا نصب جاءت المبالغة للتعكيس حيث جعل سبب
~~العقوبة سبب العفو، وفيما نحن فيه نعى على نفسه عجزها فنزلها منزلة من
~~جعل العجز سبب المواراة دلالة على التعكيس المؤكد للعجز والقصور عما
~~يهتدي إليه غراب، ثم قال: فإن قلت: الإنكار التوبيخي إنما يكون على واقع
~~أو متوقع، فالتوبيخ على العصيان والعجز له وجه، أما على العفو والمواراة
~~فلا قلت: التوبيخ على جعل كل واحد سببا، أو تنزيله منزلة من جعله سببا
~~لا على العفو والمواراة فافهم انتهى، ولعل الأمر بالفهم إشارة إلى ما فيه
~~من البعد، وقيل: في توجيه ذلك أن الاستفهام للإنكار  وهو بمعنى النفي 
~~وهو سبب، والمعنى إن لم أعجز واريت، واعترض بأنه غير صحيح لأنه / لا يكفي
~~في النصب سببية النفي بل لا بد من سببية المنفي قبل دخول النفي، ألا ترى
~~أن ما تأتينا فتحدثنا مفسر عندهم بأنه لا يكون منك إتيان فتحديث، قال
~~الشهاب: والجواب عنه أنه فرق بين ما نصب ms02339 في جواب النفي وما نصب في جواب
~~الاستفهام، والكلام في الثاني، فكيف يرد الأول نقضا، ولو جعل في جواب
~~النفي لم يرد ما ذكره أيضا لأنه لا حاجة إلى أخذ النفي من الاستفهام
~~الإنكاري مع وضوح تأويل  عجزت  بلم اهتد، وقد قال في «التسهيل»: إنه
~~ينتصب في جواب النفي الصريح والمؤول، وما نحن فيه من الثاني حكمه فتأمل
~~انتهى.

# ولعل الأمر بالتأمل الإشارة إن ما في دعوى الفرق بين الاستفهام الإنكاري
~~الذي هو بمعنى النفي، والنفي من الخفاء، وكذا في تأويل  عجزت  بلم أهتد
~~هنا فليفهم، وقرىء { أعجزت } بكسر الجيم وهو لغة شاذة في عجز، وقرىء
~~ فأواري  بالسكون على أنه مستأنف وهم يقدرون المبتدأ لإيضاح القطع عن
~~العطف، أو معطوف إلا أنه سكن للتخفيف كما قاله غير واحد، واعترضه في
~~«البحر» ((بأن الفتحة لا تستثقل حتى تحذف تخفيفا، وتسكين المنصوب عند
~~النحويين ليس بلغة كما زعم ابن عطية، وليس بجائز إلا في الضرورة فلا تحمل
~~القراءة عليها مع وجود محمل صحيح، وهو الاستئناف لها)) انتهى، وعلى دعوى
~~الضرورة منع ظاهر، فإن تسكين المنصوب في كلامهم كثير، وادعى المبرد أن
~~ذلك من الضرورات الحسنة التي يجوز مثلها في النثر.

# { فأصبح من الندمين } أي صار معدودا من عدادهم، وكان
~~ندمه على قتله لما كابد فيه من التحير في أمره. وحمله على رقبته أربعين
~~يوما أو سنة أو أكثر على ما قيل وتلمذة الغراب فإنها إهانة ولذا لم يلهم
~~من أول الأمر ما ألهم واسوداد وجهه وتبرىء أبويه منه لا على الذنب إذ هو
~~توبة.

### || [5.32]

# { من أجل ذلك } أي ما ذكر في تضاعيف القصة، و { من } ابتدائية
~~متعلقة بقوله تعالى: { كتبنا } أي قضينا، وقيل: بالنادمين وهو ظاهر
~~ما روي عن نافع، و { كتبنا } استئناف، واستبعده أبو البقاء وغيره. و
~~ الأجل بفتح الهمزة وقد تكسر، وقرىء به  لكن بنقل الكسرة إلى النون كما
~~قرىء بنقل الفتحة إليها في الأصل  الجناية يقال: أجل عليهم شرا إذا جنى
~~عليهم جناية، وفي معناه جر عليهم جريرة، ms02340 ثم استعمل في تعليل الجنايات،
~~ثم اتسع فيه فاستعمل لكل سبب أي من ذلك ابتداء الكتب ومنه نشأ لا من
~~غيره. { على بنى إسرءيل } وتخصيصهم بالذكر لما أن الحسد كان
~~منشأ لذلك الفساد وهو غالب عليهم. وقيل: إنما ذكروا دون الناس لأن
~~التوراة أول كتاب نزل فيه تعظيم القتل، ومع ذلك كانوا أشد طغيانا فيه
~~وتماديا حتى قتلوا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكأنه قيل: بسبب هذه
~~العظيمة كتبنا في التوراة تعظيم القتل، وشددنا عليهم وهم بعد ذلك لا
~~يبالون. ومن هنا تعلم أن هذه الآية لا تصلح  كما قال الحسن والجبائي
~~وأبو مسلم  على أن ابني آدم عليه السلام كانا من بني إسرائيل، على أن
~~بعثة الغراب الظاهر في التعليم المستغني عنه في وقتهم لعدم جهلهم فيه
~~بالدفن  تأبى ذلك { أنه } أي الشأن { من قتل نفسا } واحدة من
~~النفوس الإنسانية { بغير نفس } أي بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص،
~~والباء للمقابلة متعلقة بقتل، وجوز أن تتعلق بمحذوف وقع حالا أي متعديا
~~ظالما { أو فساد فى الأرض } أي فساد فيها يوجب هدر الدم كالشرك
~~مثلا، وهو عطف على ما أضيف إليه /  غير  والنفي هنا وارد على الترديد
~~لأن إباحة القتل مشروطة بأحد ما ذكر من القتل والفساد، ومن ضرورته اشتراط
~~حرمته بانتفائهما معا فكأنه قيل: من قتل بغير أحدهما:

# { فكأنما قتل الناس جميعا } لاشتراك الفعلين في هتك حرمة
~~الدماء والاستعصاء على الله تعالى والتجبر على القتل في استتباع القود
~~واستجلاب غضب الله تعالى العظيم. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود أن هذا
~~التشبيه عند المقتول كما أن التشبيه الآتي عند المستنقذ، والأول أولى
~~وأنسب للغرض المسوق له التشبيه، وقرىء  أو فسادا  بالنصب بتقدير أو
~~عمل فسادا  أو فسد فسادا { ومن أحياها } أي تسبب لبقاء نفس
~~واحدة موصوفة بعدم ما ذكر من القتل والفساد إما بنهي قاتلها عن قتلها. أو
~~استنقاذها من سائر أسباب الهلكة بوجه من الوجوه { فكأنما أحيا
~~الناس جميعا } ، وقيل: المراد ومن أعان على استيفاء القصاص فكأنما
~~الخ، و { ما ms02341 } في الموضعين كافة مهيئة لوقوع الفعل بعدها، و { جميعا
~~} حال من { الناس } أو تأكيد، وفائدة التشبيه الترهيب والردع عن قتل
~~نفس واحدة بتصويره بصورة قتل جميع الناس، والترغيب والتحضيض على إحيائها
~~بتصويره بصورة إحياء جميع الناس.

# { ولقد جاءتهم رسلنا بالبينت } أي الآيات الواضحة
~~الناطقة بتقرير ما كتبنا عليهم تأكيدا لوجوب مراعاته وتأييدا لتحتم
~~المحافظة عليه. والجملة مستقلة غير معطوفة على { كتبنا } وأكدت
~~بالقسم لكمال العناية بمضمونها، وإنما لم يقل ولقد أرسلنا إليهم الخ
~~للتصريح بوصول الرسالة إليهم فإنه أدل على تناهيهم في العتو والمكابرة. {
~~ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك } المذكور من الكتب وتأكيد
~~الأمر بالإرسال، ووضع اسم الإشارة موضع الضمير للإيذان بكمال تميزه
~~وانتظامه بسبب ذلك في سلك الأمور المشاهدة، وما فيه من معنى البعد
~~للإيماء إلى علو درجته وبعد منزلته في عظم الشأن، و { ثم } للتراخي في
~~الرتبة والاستبعاد { فى الأرض } متعلق بقوله تعالى: { لمسرفون
~~} وكذا بعد فيما قبل، ولا تمنع اللام المزحلقة من ذلك، والإسراف في كل
~~أمر التباعد عن حد الاعتدال مع عدم مبالاة به، والمراد مسرفون في القتل
~~غير مبالين به ولما كان إسرافهم في أمر القتل مستلزما لتفريطهم في شأن
~~الإحياء وجودا وعدما وكان هو أقبح الأمرين وأفظعهما اكتفى في ذكره في
~~مقام التشنيع المسوق له الآي، وعن الكلبي أن المراد مجاوزون حد الحق
~~بالشرك، وقيل: إن المراد ما هو أعم من الإسراف بالقتل والشرك وغيرهما،
~~وإنما قال سبحانه: { وإن كثيرا منهم } لأنه عز شأنه على ما في
~~الخازن علم أن منهم من يؤمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وهم
~~قليل من كثير، وذكر الأرض مع أن الإسراف لا يكون إلا فيها للإيذان بأن
~~إسراف ذلك الكثير ليس أمرا مخصوصا بهم بل انتشر شره في الأرض وسرى إلى
~~غيرهم، ولما بين سبحانه عظم شأن القتل بغير حق استأنف بيان حكم نوع من
~~أنواع القتل وما يتعلق به من الفساد بأخذ المال ونظائره وتعيين موجبه،
~~وأدرج فيه بيان ما أشير إليه إجمالا من ms02342 الفساد المبيح للقتل، فقال جل
~~شأنه: { إنما جزؤا الذين يحاربون... }.

### || [5.33]

# { إنما جزؤا الذين يحاربون الله ورسوله } ذهب
~~أكثر المفسرين  كما قال الطبرسي، وعليه جملة الفقهاء  إلى أنها نزلت في
~~قطاع الطريق، والكلام  كما قال الجصاص  على حذف مضاف أي يحاربون أولياء
~~الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام فهو كقوله تعالى:

# إن الذين يؤذون الله ورسوله

# [الأحزاب: 57] / ويدل على ذلك أنهم لو حاربوا رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم لكانوا مرتدين بإظهار محاربته ومخالفته عليه الصلاة والسلام، وقيل:
~~المراد يحاربون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الله تعالى للتمهيد
~~والتنبيه على رفعة محله عليه الصلاة والسلام عنده عز وجل، ومحاربة أهل
~~شريعته وسالكي طريقته من المسلمين محاربة له صلى الله عليه وسلم فيعم
~~الحكم من يحاربهم بعد الرسول عليه الصلاة والسلام ولو بأعصار كثيرة بطريق
~~العبارة لا بطريق الدلالة أو القياس كما يتوهم، لأن ورود النص ليس بطريق
~~خطاب المشافهة حتى يختص بالمكلفين حين النزول ويحتاج في تعميمه إلى دليل
~~آخر على ما تحقق في الأصول، وقيل: ليس هناك مضاف محذوف وإنما المراد
~~محاربة المسلمين إلا أنه جعل محاربتهم محاربة الله عز وجل ورسوله صلى
~~الله عليه وسلم تعظيما له وترفيعا لشأنهم، وجعل ذكر الرسول على هذا
~~تمهيدا على تمهيد، وفيه ما لا يخفى، والحرب في الأصل السلب والأخذ،
~~يقال: حربه إذا سلبه، والمراد به ههنا قطع الطريق؛ وقيل: الهجوم جهرة
~~باللصوصية وإن كان في مصر { ويسعون } عطف على { يحاربون } ،
~~وبه يتعلق قوله تعالى: { فى الأرض } ، وقيل: بقوله سبحانه: {
~~فسادا } وهو إما حال من فاعل { يسعون } بتأويله بمفسدين. أو ذوي
~~فساد. أو لا تأويل قصدا للمبالغة كما قيل، وإما مفعول له أي لأجل
~~الفساد، وإما مصدر مؤكد  ليسعون  لأنه في معنى يفسدون، و { فسادا }
~~إما مصدر حذف منه الزوائد أو اسم مصدر.

# وقوله تعالى: { إنما جزؤا } مبتدأ خبره المنسبك من قوله تعالى:
~~{ أن يقتلوا } أي حدا من غير صلب إن أفردوا القتل، ولا فرق بين
~~أن يكون بآلة جارحة ms02343 أو لا، والاتيان بصيغة التفعيل لما فيه من الزيادة
~~على القصاص من أنه لكونه حق الشرع لا يسقط بعفو الولي، وكذا التصليب في
~~قوله سبحانه: { أو يصلبوا } لما فيه من القتل أي يصلبوا مع القتل
~~إن جمعوا بين القتل والأخذ وقيل: صيغة التفعيل في الفعلين للتكثير،
~~والصلب قبل القتل بأن يصلبوا أحياءا وتبعج بطونهم برمح حتى يموتوا، وأصح
~~قولي الشافعي عليه الرحمة أن الصلب ثلاثا بعد القتل، قيل: إنه يوم واحد.
~~وقيل: حتى يسييل صديده، والأولى أن يكون على الطريق في ممر الناس ليكون
~~ذلك زجرا للغير عن الاقدام على مثل هذه المعصية.

# وفي ظاهر الرواية أن الإمام مخير إن شاء اكتفى بذلك وإن شاء قطع أيديهم
~~وأرجلهم من خلاف وقتلهم وصلبهم.

# { أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلف } أي تقطع
~~مختلفة بأن تقطع أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى إن اقتصروا على أخذ المال
~~من مسلم أو ذمي إذ له ما لنا وعليه ما علينا وكان في المقدار بحيث لو قسم
~~عليهم أصاب كلا منهم عشرة دراهم أو ما يساويها قيمة، وهذا في أول مرة فإن
~~عادوا قطع منهم الباقي، وقطع الأيدي لأخذ المال، وقطع الأرجل لإخافة
~~الطريق وتفويت أمنه { أو ينفوا من الأرض } إن لم يفعلوا غير
~~الاخافة والسعي للفساد، والمراد بالنفي عندنا هو الحبس والسجن؛ والعرب
~~تستعمل النفي بذلك المعنى لأن الشخص به يفارق بيته وأهله، وقد قال بعض
~~المسجونين:

# خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها

# فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا

# إذا جاءنا السجان يوما لحاجة

# عجبنا، وقلنا: جاء هذا من الدنيا

# ويعزرون أيضا لمباشرتهم إخافة الطريق وإزالة أمنه، وعند الشافعي عليه
~~الرحمة المراد به النفي من بلد / إلى بلد ولا يزال يطلب وهو هارب فرقا
~~إلى أن يتوب ويرجع. وبه قال ابن عباس. والحسن. والسدي رضي الله تعالى
~~عنهم. وابن جبير، وغيرهم، وإليه ذهب الإمامية، وعن عمر بن عبد العزيز.
~~وابن جبير في رواية أخرى أنه ينفي عن بلده فقط، وقيل: إلى بلد أبعد،
~~وكانوا ينفونهم إلى  دهلك ms02344  وهو بلد في أقصى تهامة  وناصع  وهو بلد من
~~بلاد الحبشة، واستدل للأول بأن المراد بنفي قاطع الطريق زجره ودفن شره
~~فإذا نفي إلى بلد آخر لم يؤمن ذلك منه، وإخراجه من الدنيا غير ممكن، ومن
~~دار الإسلام غير جائز فإن حبس في بلد آخر فلا فائدة فيه إذ بحبسه في بلده
~~يحصل المقصود وهو أشد عليه.

# هذا ولما كانت المحاربة والفساد على مراتب متفاوتة ووجوه شتى شرعت لكل
~~مرتبة من تلك المراتب عقوبة معينة بطريق كما أشرنا إليه  فأو  للتقسيم
~~واللف والنشر المقدر على الصحيح، وقيل: إنها تخييرية والإمام مخير بين
~~هذه العقوبات في كل قاطع طريق، والأول علم بالوحي وإلا فليس في اللفظ ما
~~يدل عليه دون التخيير، ولأن في الآية أجزية مختلفة غلظا وخفة فيجب أن
~~تقع في مقابلة جنايات مختلفة ليكون جزاء كل سيئة سيئة مثلها، ولأنه ليس
~~للتخيير في الأغلظ والأهون في جناية واحدة كبير معنى، والظاهر أنه أوحى
~~إليه صلى الله عليه وسلم هذا التنويع والتفصيل، ويشهد له ما أخرجه
~~الخرائطي في «مكارم الأخلاق» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وزعم
~~بعضهم أن التخيير أقرب وكونه بين الأغلظ والأهون بالنظر إلى الأشخاص
~~والأزمنة فإن العقوبات للانزجار وإصلاح الخلق، وربما يتفاوت الناس في
~~الانزجار فوكل ذلك إلى رأي الإمام، وفيه تأمل فتأمل.

# { ذلك } أي ما فصل من الأحكام والأجزية، وهو مبتدأ، وقوله تعالى: {
~~لهم خزى } جملة من خبر مقدم ومبتدأ في محل رفع خبر للمبتدأ، وقوله
~~سبحانه: { فى الدنيا } متعلق بمحذوف وقع صفة لخزي، أو متعلق به على
~~الظرفية، وقيل: { خزى } خبر  لذلك  و { لهم } متعلق بمحذوف وقع
~~حالا من { خزى } لأنه في الأصل صفة له فلما قدم انتصب حالا، و { فى
~~الدنيا } إما صفة  لخزي  أو متعلق به كما مر آنفا، والخزي الذل
~~والفضيحة { ولهم فى الأخرة عذاب عظيم } لا يقادر قدره
~~وذلك لغاية عظم جنايتهم، واقتصر في الدنيا على الخزي مع أن لهم فيها
~~عذابا أيضا، وفي الآخرة على العذاب مع أن ms02345 لهم فيها خزيا أيضا لأن
~~الخزي في الدنيا أعظم من عذابها، والعذاب في الآخرة أشد من خزيها،
~~والآية أقوى دليل لمن يقول إن الحدود لا تسقط العقوبة في الآخرة،
~~والقائلون بالإسقاط يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:

# " من ارتكب شيئا فعوقب به كان كفارة له "

# فإنه يقتضي سقوط الإثم عنه وأن لا يعاقب في الآخرة، وهو مشكل مع هذه
~~الآية، وأجاب النووي بأن الحد يكفر به عنه حق الله تعالى، وأما حقوق
~~العباد فلا، وههنا حقان لله تعالى والعباد، ونظر فيه.

### || [5.34]

# { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم }
~~استثناء مخصوص بما هو من حقوق الله تعالى كما ينبىء عنه قوله تعالى: {
~~فاعلموا أن الله غفور رحيم } وأما ما هو من حقوق
~~العباد  كحقوق الأولياء من القصاص ونحوه  فيسقط بالتوبة وجوبه على
~~الإمام من حيث كونه حدا، ولا يسقط جوازه بالنظر إلى الأولياء من حيث
~~كونه قصاصا، فانهم إن شاءوا عفوا، وإن أحبوا استوفوا.

# وقال ناصر الدين البيضاوي: إن القتل قصاصا يسقط بالتوبة وجوبه لا
~~جوازه، وشنع عليه لضيق عبارة العلامة ابن حجر في كتابه «التحفة»، وأفرد
~~له تنبيها فقال  بعد نقله  وهو عجيب، أعجب منه سكوت شيخنا عليه في
~~«حاشيته» / مع ظهور فساده لأن التوبة لا دخل لها في القصاص أصلا إذ لا
~~يتصور بقيد كونه قصاصا حالتا وجوب وجواز لأنا إن نظرنا إلى الولي فطلبه
~~جائز له ولا واجب مطلقا، أو للإمام فإن طلبه منه الولي وجب وإلا لم يجب
~~من حيث كونه قصاصا، وإن جاز أو وجب من حيث كونه حدا فتأمله انتهى.

# وتعقبه ابن قاسم فقال: ادعاؤه الفساد ظاهر الفساد فإنه لم يدع ما ذكر
~~وإنما ادعى أن لها دخلا في صفة القتل قصاصا وهي وجوبه، وقوله: إذ لا
~~يتصور الخ قلنا: لم يدع أن له حالتي وجوب وجواز بهذا القيد بل ادعى أن له
~~حالتين في نفسه  وهو صحيح  على أنه يمكن أن يكون له حالتان بذلك القيد
~~لكن باعتبارين، اعتبار ms02346 الولي واعتبار الإمام إذا طلب منه، وقوله: لأنا
~~إذا نظرنا الخ كلام ساقط، ولا شك أن النظر إليهما يقتضي ثبوت الحالتين
~~قصاصا، وقوله: فتأمله تأملنا فوجدنا كلامه ناشئا من قلة التأمل انتهى.

# وجعل مولانا شيخ الكل في الكل صبغة الله تعالى الحيدري منشأ تشنيع
~~العلامة ما يتبادر من العبارة من كونها بيانا لتفويض القصاص إلى
~~الأولياء أما لو جعلت بيانا لسقوط الحد في قتل قاطع الطريق بالتوبة قبل
~~القدرة دون القتل قصاصا فلا يرد التشنيع فتدبر، وتقييد التوبة بالتقدم
~~على القدرة يدل على أنها بعد القدرة لا تسقط الحد وإن أسقطت العذاب، وذهب
~~أناس إلى أن الآية في المرتدين لا غير لأن محاربة الله تعالى ورسوله إنما
~~تستعمل في الكفار، وقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أنس «أن نفرا من عكل
~~قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا واجتووا المدينة، فأمرهم
~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها
~~وألبانها فقتلوا راعيها واستاقوها فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في
~~طلبهم قافة فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ولم يحسمهم وتركهم
~~حتى ماتوا، فأنزل الله تعالى: { إنما جزؤا الذين
~~يحاربون الله ورسوله } الآية، وأنت تعلم أن القول بالتخصيص
~~قول ساقط مخالف لإجماع من يعتد به من السلف والخلف، ويدل على أن المراد
~~قطاع الطريق من أهل الملة قوله تعالى: { إلا الذين تابوا }
~~الخ، ومعلوم أن المرتدين لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة
~~بعد القدرة كما تسقطها عنهم قبل القدرة، وقد فرق الله تعالى بين توبتهم
~~قبل القدرة وبعدها، وأيضا إن الإسلام لا يسقط الحد عمن وجب عليه.

# وأيضا ليست عقوبة المرتدين كذلك، ودعوى أن المحاربة إنما تستعمل في
~~الكفار يردها أنه ورد في الأحاديث إطلاقها على أهل المعاصي أيضا، وسبب
~~النزول لا يصلح مخصصا فإن العبرة  كما تقرر  بعموم اللفظ لا بخصوص
~~السبب، وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وغيرهما عن الشعبي قال:
~~كان حارثة بن بدر التيمي من أهل ms02347 البصرة قد أفسد في الأرض وحارب، فكلم
~~رجالا من قريش أن يستأمنوا له عليا فأبوا فأتى سعيد بن قيس الهمداني
~~فأتى عليا فقال: يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله تعالى
~~ورسوله صلى الله عليه وسلم ويسعون في الأرض الفساد؟ قال: أن يقتلوا أو
~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ثم قال: {
~~إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } فقال
~~سعيد: وإن كان حارثة بن بدر؟ قال: وإن كان حارثة بن بدر، فقال: هذا حارثة
~~بن بدر قد جاء تائبا فهو آمن؟ قال: نعم، فجاء به إليه فبايعه، وقبل ذلك
~~منه وكتب له أمانا، وروي عن أبي موسى الأشعري ما هو بمعناه، ثم إن
~~السمل الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله في غير أولئك،
~~وأخرج مسلم والبيهقي عن أنس أنه قال: إنما سمل رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء، وأخرج ابن جرير / عن الوليد بن
~~مسلم قال: ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم أعينهم وتركه حسمهم حتى ماتوا، فقال: سمعت محمد بن عجلان يقول:
~~أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم معاتبة في ذلك وعلمه
~~صلى الله عليه وسلم عقوبة مثلهم من القتل والصلب والقطع والنفي، ولم يسمل
~~بعدهم غيرهم، قال: وكان هذا القول ذكره لأبي عمر فأنكر أن تكون نزلت
~~معاتبة، وقال: بل كانت تلك عقوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه
~~الآية عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم فرفع عنهم السمل.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { ومن الذين قالوا إنا
~~نصرى أخذنا ميثقهم فنسوا حظا مما ذكروا
~~به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء } أي ألزمناهم
~~ذلك لتخالف دواعي قواهم باحتجابهم عن نور التوحيد وبعدهم عن العالم
~~القدسي { إلى يوم القيمة } أي إلى وقت قيامهم بظهور نور
~~الروح، أو القيامة الكبرى بظهور نور التوحيد

# وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون

# [المائدة: 14] وذلك ms02348 عند الموت وظهور الخسران بظهور الهيئات القبيحة
~~المؤذية الراسخة فيهم { يأهل الكتب قد جاءكم رسولنا
~~يبين لكم } بحسب الدواعي والمقتضيات { كثيرا مما كنتم
~~تخفون } عن الناس في أنفسكم { من الكتب ويعفوا عن
~~كثير } إذا لم تدع إليه داعية { قد جاءكم من الله نور }
~~أبرزته العناية الإلهية من مكامن العماء

# وكتب

# [المائدة: 15] خطه قلم الباري في صحائف الإمكان جامعا لكل كمال، وهما
~~إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك وحد الضمير في قوله سبحانه:
~~{ يهدى به الله } أي بواسطته { من اتبع رضوانه } أي
~~من أراد ذلك { سبل السلم } وهي الطرق الموصلة إليه عز وجل. وقد
~~قال بعض العارفين: الطرق إلى الله تعالى مسدودة إلا على من اتبع النبي
~~صلى الله عليه وسلم { ويخرجهم من الظلمت } وهي ظلمات
~~الشك والاعتراضات النفسانية والخطرات الشيطانية { إلى النور } وهو
~~نور الرضا والتسليم

# ويهديهم إلى صرط مستقيم

# [المائدة: 16] وهو طريق الترقي في المقامات العلية، وقد يقال: الجملة
~~الأولى: إشارة إلى توحيد الأفعال، والثانية: إلى توحيد الصفات، والثالثة:
~~إلى توحيد الذات { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو
~~المسيح ابن مريم } فحصروا الألوهية فيه وقيدوا الإله بتعينه 
~~وهو الوجود المطلق  حتى عن قيد الإطلاق { قل فمن يملك من
~~الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم
~~وأمه ومن فى الأرض جميعا } فإن كل ذلك من التعينات والشؤون
~~والله من ورائهم محيط { ولله ملك السموات والأرض وما
~~بينهما } أي عالم الأرواح وعالم الأجساد وعالم الصور

# يخلق ما يشاء

# [المائدة: 17] ويظهر ما أراد من الشؤون { وقالت اليهود
~~والنصرى نحن أبناء الله وأحباؤه } فادعوا بنوة
~~الإسرار والقرب من حضرة نور الأنوار، وقد قال ذلك قوم من المتقدمين كما
~~مرت الإشارة إليه، وقال ما يقرب من ذلك بعض المتأخرين، فقال الواسطي: ابن
~~الأزل والأبد لكن هؤلاء القوم لم يعرفوا الحقائق ولم يذوقوا طعم الدقائق
~~فرد الله تعالى دعواهم بقوله سبحانه: { قل فلم يعذبكم
~~بذنوبكم } والأبناء والأحباب لا يذنبون فيعذبون، أو لا يمتحنون إذ
~~قد خرجوا من محل الامتحان من ms02349 حيث الأشباح { بل أنتم بشر ممن
~~خلق } كسائر عباد الله تعالى لا امتياز لكم عليهم بشيء كما تزعمون {
~~يغفر لمن يشاء } منهم فضلا

# ويعذب من يشاء

# [المائدة: 18] منهم عدلا { وإذ قال موسى لقومه يقوم
~~اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء
~~وجعلكم ملوكا } بالولاية ومعرفة الصفات، أو بسلطنة الوجد وقوة
~~الحال وعزة علم المعرفة، أو مالكين أنفسكم بمنعها عن غير طاعتي، والملوك
~~عندنا الأحرار من رق الكونين وما فيه

# وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين

# [المائدة: 20] أي عالمي زمانكم، ومنه اجتلاء نور التجلي من وجه موسى
~~عليه السلام { ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة } وهي حضرة
~~القلب / { التى كتب الله لكم } في القضاء السابق حسب
~~الاستعداد { ولا ترتدوا على أدبركم } في الميل إلى
~~مدينة البدن، والإقبال عليه بتحصيل لذاته

# فتنقلبوا خسرين

# [المائدة: 21] لتفويتكم أنوار القلب وطيباته { قالوا يموسى أن
~~فيها قوما جبارين } وهي صفات النفس { وإنا لن
~~ندخلها حتى يخرجوا منها } بأن يصرفهم الله تعالى بلا
~~رياضة منا ولا مجاهدة، أو يضعفوا عن الاستيلاء بالطبع

# فإن يخرجوا منها فإنا دخلون

# [المائدة: 22] حينئذ { قال رجلان من الذين يخافون }
~~سوء عاقبة ملازمة الجسم { أنعم الله عليهما } بالهداية إلى
~~الصراط السوي  وهما العقل النظري والعقل العملي  { ادخلوا
~~عليهم الباب } أي باب قرية القلب  وهو التوكل بتجلي الأفعال 
~~كما أن باب قرية الروح هو الرضا { فإذا دخلتموه فإنكم
~~غلبون } بخروجكم عن أفعالكم وحولكم، ويدل على أن الباب هو التوكل
~~قوله تعالى:

# وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين

# [المائدة: 23] بالحقيقة وهو الإيمان عن حضور، وأقل درجاته تجلي الأفعال
~~{ قالوا يموسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا
~~فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا } أولئك الجبارين عنا
~~وأزيلاهم لتخلو لنا الأرض

# إنا ههنا قعدون

# [المائدة: 24] أي ملازمون مكاننا في مقام النفس معتكفون على الهوى
~~واللذات

# قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون
~~فى الأرض

# [المائدة: 26] أي أرض الطبيعة، وذلك مدة بقائهم في مقام النفس، وكان
~~ينزل عليهم من سماء الروح نور عقد المعاش فينتفعون بضوئه { واتل
~~عليهم نبأ ms02350 ابني ءادم } القلب اللذين هما هابيل العقل؛
~~وقابيل الوهم { إذ قربا قربنا } وذلك كما قال بعض العارفين:
~~إن توأمة العقل البوذا العاقلة العملية المدبرة لأمر المعاش والمعاد
~~بالآراء الصالحة المقتضية للأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة المستنبطة
~~لأنواع الصناعات والسياسات، وتوأمة الوهم إقليميا القوة المتخيلة
~~المتصرفة في المحسوسات والمعاني الجزئية لتحصيل الآراء الشيطانية، فأمر
~~آدم القلب بتزوج الوهم توأمة العقل لتدبره بالرياضات الإذعانية والسياسات
~~الروحانية وتصاحبه بالقياسات العقلية البرهانية فتسخره للعقل، وتزويج
~~لعقل توأمة الوهم ليجعلها صالحة ويمنعها عن شهوات التخيلات الفاسدة
~~وأحاديث النفس الكاذبة ويستعمل فيما ينفع فيستريح أبوها وينتفع، فحسد
~~قابيل الوهم هابيل العقل لكون توأمته أجمل عنده وأحب إليه لمناسبتها إياه
~~فأمرا عند ذلك بالقربان، فقربا قربانا { فتقبل من أحدهما }
~~وهو هابيل العقل بأن نزلت نار من السماء فأكلته، والمراد بها العقل
~~الفعال النازل من سماء عالم الأرواح، وأكله إفاضته النتيجة على الصورة
~~القياسية التي هي قربان العقل وعمله الذي يتقرب به إلى الله تعالى {
~~ولم يتقبل من الآخر } وهو قابيل الوهم إذ يمتنع قبول الصورة
~~الوهمية لأنها لا تطابق ما في نفس الأمر { قال لأقتلنك } لمزيد
~~حسده بزيادة قرب العقل من الله تعالى وبعده عن رتبة الوهم في مدركاته
~~وتصرفاته، وقتله إياه إشارة إلى منعه عن فعله وقطع مدد الروح ونور
~~الهداية الإلهية  الذي به الحياة  عنه بإيراد التشكيكات الوهمية
~~والمعارضات في تحصيل المطالب النظرية

# قال إنما يتقبل الله من المتقين

# [المائدة: 27] الذين يتخذون الله تعالى وقاية، أو يحذرون الهيئات
~~المظلمة البدنية والأهواء المردية والتسويلات المهلكة { لئن بسطت
~~إلى يدك لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك
~~لأقتلك } أي إني لا أبطل أعمالك التي هي سديدة في مواضعها

# إنى أخاف الله رب العلمين

# [المائدة: 28] أي لأني أعرف الله سبحانه فأعلم أنه خلقك لشأن وأوجدك
~~لحكمة، ومن جملة ذلك أن أسباب المعاش لا تحصل إلا بالوهم ولولا الأمل بطل
~~العمل { إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك } أي بإثم قتلي
~~وإثم عملك من الآراء الباطلة { فتكون من أصحب النار } وهي
~~نار ms02351 الحجاب والحرمان

# وذلك جزاء الظلمين

# [المائدة: 29] الواضعين للأشياء في غير موضعها كما وضع الأحكام الحسية
~~موضع المعقولات { فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله }
~~بمنعه عن أفعاله الخاصة / وحجبه عن نور الهداية

# فأصبح من الخسرين

# [المائدة: 30] لتضرره باستيلائه على العقل فإن الوهم إذا انقطع عن
~~معاضده العقل حمل النفس على أمور تتضرر منها { فبعث الله غرابا
~~} وهو غراب الحرص { يبحث فى الأرض } أي أرض النفس { ليريه
~~كيف يوارى سوءة أخيه } وهو العقل المنقطع عن حياة الروح
~~المشوب بالوهم والهوى المحجوب عن عالمه في ظلمات أرض النفس { قال
~~يويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب
~~فأواري سوءة أخي } بإخفائها في ظلمة النفس فأنتفع بها

# فأصبح من الندمين

# [المائدة: 31] عند ظهور الخسران وحصول الحرمان

# من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من
~~قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما
~~قتل الناس جميعا

# [المائدة: 32] لأن الواحد مشتمل على ما يشتمل عليه جميع أفراد النوع،
~~وقيام النوع بالواحد كقيامه بالجميع في الخارج، ولا اعتبار بالعدد فإن
~~حقيقة النوع لا تزيد بزيادة الأفراد ولا تنقص بنقصها، ويقال في جانب
~~الأحياء مثل ذلك { إنما جزاء الذين يحاربون الله
~~ورسوله } أي أولياءهما { ويسعون فى الأرض فسادا }
~~بتثبيط السالكين { أن يقتلوا } بسيف الخذلان { أو يصلبوا
~~} بحبل الهجران على جذع الحرمان { أو تقطع أيديهم } عن أذيال
~~الوصال { وأرجلهم من خلف } عن الاختلاف والتردد إلى
~~السالكين { أو ينفوا من الأرض } أي أرض القربة والائتلاف فلا
~~يلتفت إليهم السالك ولا يتوجه لهم { ذلك لهم خزى } وهوان

# فى الدنيا ولهم فى الأخرة عذاب عظيم

# [المائدة: 33] لعظم جنايتهم، وقد جاء  أن الله تعالى يغضب لأوليائه كما
~~يغضب الليث الحرب، ومن آذى وليا فقد آذنته بالمحاربة  نسأل الله تعالى
~~العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

### || [5.35]

# { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله } لما ذكر سبحانه
~~جزاء المحارب وعظم جنايته  وأشار في تضاعيف ذلك إلى مغفرته تعالى لمن
~~تاب  أمر المؤمنين بتقواه عز وجل في كل ما يأتون ويذرون بترك ما يجب
~~اتقاؤه من ms02352 المعاصي التي من جملتها المحاربة والفساد، وبفعل الطاعة التي
~~من عدادها التوبة والاستغفار ودفع الفساد { وابتغوا إليه } أي
~~اطلبوا لأنفسكم إلى ثوابه والزلفى منه { الوسيلة } هي فعيلة بمعنى
~~ما يتوسل به ويتقرب إلى الله عز وجل من فعل الطاعات وترك المعاصي من وسل
~~إلى كذا أي تقرب إليه بشيء، والظرف متعلق بها وقدم عليها للاهتمام وهي
~~صفة لا مصدر حتى يمتنع تقدم معموله عليه، وقيل: متعلق بالفعل قبله، وقيل:
~~بمحذوف وقع حالا منها أي كائنة إليه، ولعل المراد بها الاتقاء المأمور
~~به كما يشير إليه كلام قتادة، فإنه ملاك الأمر كله. والذريعة لكل خير
~~والمنجاة من كل ضير، والجملة حينئذ جارية مما قبلها مجرى البيان
~~والتأكيد، وقيل: الجملة الأولى أمر بترك المعاصي، والثانية أمر بفعل
~~الطاعات، وأخرج ابن الأنباري وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن
~~الوسيلة الحاجة، وأنشد له قول عنترة:

# إن الرجال لهم إليك (وسيلة)

# إن يأخذوك تكحلي وتخضبي

# وكأن المعنى حينئذ اطلبوا متوجهين إليه حاجتكم فإن بيده عز شأنه مقاليد
~~السموات والأرض ولا تطلبوها متوجهين إلى غيره فتكونوا كضعيف عاذ بقرملة،
~~وفسر بعضهم  الوسيلة  بمنزلة في الجنة، وكونها بهذا المعنى غير ظاهر
~~لاختصاصها بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام بناءا على ما رواه مسلم وغيره

# " إنها منزلة في الجنة جعلها الله تعالى لعبد من عباده وأرجو أن أكون
~~أنا فاسألوا لي الوسيلة "

# وكون الطلب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم مما لا يكاد يذهب إليه ذهن
~~سليم، وعليه يمتنع تعلق الظرف بها كما لا يخفى.

# واستدل بعض الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين وجعلهم
~~وسيلة بين الله تعالى وبين العباد والقسم على الله تعالى / بهم بأن يقال:
~~اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا، ومنهم من يقول للغائب أو الميت
~~من عباد الله تعالى الصالحين: يا فلان ادع الله تعالى ليرزقني كذا وكذا،
~~ويزعمون أن ذلك من باب ابتغاء الوسيلة، ويروون عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم أنه قال  إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور، ms02353 أو فاستغيثوا بأهل
~~القبور  وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل.

# وتحقيق الكلام في هذا المقام أن الاستغاثة بمخلوق وجعله وسيلة بمعنى طلب
~~الدعاء منه لا شك في جوازه إن كان المطلوب منه حيا ولا يتوقف على
~~أفضليته من الطالب بل قد يطلب الفاضل من المفضول، فقد صح

# " أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله تعالى عنه لما استأذنه في
~~العمرة: «لا تنسنا يا أخي من دعائك "

# وأمره أيضا أن يطلب من أويس القرني رحمة الله تعالى عليه أن يستغفر
~~له، وأمر أمته صلى الله عليه وسلم بطلب الوسيلة له كما مر آنفا وبأن
~~يصلوا عليه، وأما إذا كان المطلوب منه ميتا أو غائبا فلا يستريب عالم
~~أنه غير جائز وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من السلف، نعم السلام على
~~أهل القبور مشروع ومخاطبتهم جائزة؛ فقد صح

# " أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا:
~~«السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون
~~يرحم الله تعالى المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله تعالى لنا
~~ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم "

# ولم يرد عن أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم  وهم أحرص الخلق على كل
~~خير  أنه طلب من ميت شيئا، بل قد صح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما
~~أنه كان يقول إذا دخل الحجرة النبوية زائرا: السلام عليك يا رسول الله؛
~~السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف ولا يزيد على ذلك
~~ولا يطلب من سيد العالمين صلى الله عليه وسلم أو من ضجيعيه المكرمين رضي
~~الله تعالى عنهما شيئا  وهم أكرم من ضمته البسيطة وأرفع قدرا من سائر
~~من أحاطت به الأفلاك المحيطة  نعم الدعاء في هاتيك الحضرة المكرمة
~~والروضة المعظمة أمر مشروع فقد كانت الصحابة تدعوا الله تعالى هناك
~~مستقبلين القبلة ولم يرد عنهم استقبال القبر الشريف عند الدعاء مع أنه
~~أفضل ms02354 من العرش، واختلف الأئمة في استقباله عند السلام، فعن أبي حنيفة
~~رحمه الله تعالى أنه لا يستقبل بل يستدبر ويستقبل القبلة، وقال بعضهم:
~~يستقبل وقت السلام، وتستقبل القبلة ويستدبر وقت الدعاء، والصحيح المعول
~~عليه أنه يستقبل وقت السلام وعند الدعاء تستقبل القبلة، ويجعل القبر
~~المكرم عن اليمين أو اليسار، فإذا كان هذا المشروع في زيارة سيد الخليقة
~~وعلة الإيجاد على الحقيقة صلى الله عليه وسلم، فماذا تبلغ زيارة غيره
~~بالنسبة إلى زيارته عليه الصلاة والسلام ليزاد فيها ما يزاد، أو يطلب من
~~المزور بها ما ليس من وظيفة العباد؟؟!

# وأما القسم على الله تعالى بأحد من خلقه مثل أن يقال: اللهم إني أقسم
~~عليك أو أسألك بفلان إلا ما قضيت لي حاجتي، فعن ابن عبد السلام جواز ذلك
~~في النبي صلى الله عليه وسلم لأنه سيد ولد آدم، ولا يجوز أن يقسم على
~~الله تعالى بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته،
~~وقد نقل ذلك عنه المناوي في «شرحه الكبير للجامع الصغير»، ودليله في ذلك
~~ما رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح عن عثمان بن حنيف رضي الله تعالى عنه

# " أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله
~~تعالى أن يعافيني فقال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه
~~فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء «اللهم إني أسألك وأتوجه
~~بنبيك صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا رسول الله / إني توجهت بك إلى
~~ربي في حاجتي هذه لتقضي لي اللهم فشفعه في "

# ، ونقل عن أحمد مثل ذلك. ومن الناس من منع التوسل بالذات والقسم على
~~الله تعالى بأحد من خلقه مطلقا وهو الذي يرشح به كلام المجد ابن تيمية؛
~~ونقله عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وأبي يوسف وغيرهما من
~~العلماء الأعلام، وأجاب عن الحديث بأنه على حذف مضاف أي بدعاء أو شفاعة
~~نبيك صلى الله عليه وسلم، ففيه جعل الدعاء وسيلة  وهو جائز  بل ms02355 مندوب،
~~والدليل على هذا التقدير قوله في آخر الحديث: «اللهم فشفعه في» بل في
~~أوله أيضا ما يدل على ذلك، وقد شنع التاج السبكي  كما هو عادته  على
~~المجد، فقال: ويحسن التوسل والاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى
~~ربه ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك وعدل
~~عن الصراط المستقيم وابتدع ما لم يقله عالم وصار بين الأنام مثلة انتهى.

# وأنت تعلم أن الأدعية المأثورة عن أهل البيت الطاهرين وغيرهم من الأئمة
~~ليس فيها التوسل بالذات المكرمة صلى الله عليه وسلم، ولو فرضنا وجود ما
~~ظاهره ذلك فمؤل بتقدير مضاف كما سمعت؛ أو نحو ذلك  كما تسمع إن شاء الله
~~تعالى  ومن ادعى النص فعليه البيان، وما رواه أبو داود في «سننه» وغيره
~~من

# " أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا نستشفع بك إلى الله
~~تعالى ونستشفع بالله تعالى عليك، فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى
~~رؤي ذلك في وجوه أصحابه، فقال: ويحك أتدري ما الله تعالى؟ إن الله تعالى
~~لا يشفع به على أحد من خلقه شأن الله تعالى أعظم من ذلك "

# لا يصلح دليلا على ما نحن فيه حيث أنكر عليه قوله: «إنا نستشفع بالله
~~تعالى عليك» ولم ينكر عليه الصلاة والسلام قوله: «نستشفع بك إلى الله
~~تعالى» لأن معنى الاستشفاع به صلى الله عليه وسلم طلب الدعاء منه، وليس
~~معناه الإقسام به على الله تعالى، ولو كان الإقسام معنى للاستشفاع فلم
~~أنكر النبي صلى الله عليه وسلم مضمون الجملة الثانية دون الأولى؟ وعلى
~~هذا لا يصلح الخبر ولا ما قبله دليلا لمن ادعى جواز الإقسام بذاته صلى
~~الله عليه وسلم حيا وميتا، وكذا بذات غيره من الأرواح المقدسة مطلقا
~~قياسا عليه عليه الصلاة والسلام بجامع الكرامة وإن تفاوت قوة وضعفا،
~~وذلك لأن ما في الخبر الثاني استشفاع لا إقسام، وما في الخبر الأول ليس
~~نصا في محل النزاع، وعلى تقدير التسليم ليس فيه إلا الإقسام ms02356 بالحي
~~والتوسل به، وتساوي حالتي حياته ووفاته صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن
~~يحتاج إلى نص، ولعل النص على خلافه، ففي «صحيح البخاري» عن أنس أن عمر بن
~~الخطاب رضي الله تعالى عنه  كان إذا قحطوا استسقى بالعباس رضي الله
~~تعالى عنه، فقال: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك صلى الله عليه وسلم
~~فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون»  فإنه لو كان التوسل
~~به عليه الصلاة والسلام بعد انتقاله من هذه الدار لما عدلوا إلى غيره، بل
~~كانوا يقولون: اللهم إنا نتوسل إليك بنبينا فاسقنا، وحاشاهم أن يعدلوا عن
~~التوسل بسيد الناس إلى التوسل بعمه العباس، وهم يجدون أدنى مساغ لذلك،
~~فعدولهم هذا  مع أنهم السابقون الأولون، وهم أعلم منا بالله تعالى
~~ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبحقوق الله تعالى ورسوله عليه الصلاة
~~والسلام، وما يشرع من الدعاء وما لا يشرع، وهم في وقت ضرورة ومخمصة
~~يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير، وإنزال الغيث بكل طريق  دليل واضح
~~على أن المشروع ما سلكوه دون غيره.

# وما ذكر من قياس غيره من الأرواح المقدسة عليه صلى الله عليه وسلم مع
~~التفاوت في الكرامة /  الذي لا ينكره إلا منافق  مما لا يكاد يسلم، على
~~أنك قد علمت أن الإقسام به عليه الصلاة والسلام على ربه عز شأنه حيا
~~وميتا مما لم يقم النص عليه لا يقال: إن في خبر البخاري دلالة على صحة
~~الإقسام به صلى الله عليه وسلم حيا وكذا بغيره كذلك، أما الأول فلقول
~~عمر رضي الله تعالى عنه فيه: كنا نتوسل بنبيك صلى الله عليه وسلم، وأما
~~الثاني فلقوله: إنا نتوسل بعم نبيك لما قيل: إن هذا التوسل ليس من باب
~~الإقسام بل هو من جنس الاستشفاع، وهو أن يطلب من الشخص الدعاء والشفاعة،
~~ويطلب من الله تعالى أن يقبل دعاءه وشفاعته، ويؤيد ذلك أن العباس كان
~~يدعو وهم يؤمنون لدعائه حتى سقوا، وقد ذكر المجد أن لفظ التوسل بالشخص
~~والتوجه إليه وبه فيه إجمال واشتراك بحسب ms02357 الاصطلاح، فمعناه في لغة
~~الصحابة أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكون التوسل والتوجه في الحقيقة
~~بدعائه وشفاعته، وذلك مما لا محذور فيه، وأما في لغة كثير من الناس
~~فمعناه أن يسأل الله تعالى بذلك ويقسم به عليه  وهذا هو محل النزاع 
~~وقد علمت الكلام فيه.

# وجعل من الإقسام الغير المشروع قول القائل  اللهم أسألك بجاه فلان 
~~فإنه لم يرد عن أحد من السلف أنه دعا كذلك، وقال: إنما يقسم به تعالى
~~وبأسمائه وصفاته فيقال: أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت يا الله،
~~المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم،
~~وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا
~~أحد، وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك الحديث، ونحو ذلك من الأدعية
~~المأثورة، وما ذكره بعض العامة من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " إذا كانت لكم إلى الله تعالى حاجة فاسألو الله تعالى بجاهي فإن جاهي
~~عند الله تعالى عظيم "

# لم يروه أحد من أهل العلم، ولا هو شيء في كتب الحديث، وما رواه القشيري
~~عن معروف الكرخي قدس سره  أنه قال لتلامذته: إن كانت لكم إلى الله تعالى
~~حاجة فأقسموا عليه بي فإني الواسطة بينكم وبينه جل جلاله  الآن لا يوجد
~~له سند يعول عليه عند المحدثين، وأما ما رواه ابن ماجه عن أبي سعيد
~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الخارج إلى الصلاة

# " اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرا
~~ولا بطرا ولا رياءا ولا سمعة ولكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أن
~~تنقذني من النار وأن تدخلني الجنة "

# ، ففي سنده العوفي  وفيه ضعف  وعلى تقدير أن يكون من كلام النبي صلى
~~الله عليه وسلم يقال فيه: إن حق السائلين عليه تعالى أن يجيبهم، وحق
~~الماشين في طاعته أن يثيبهم، والحق بمعنى الوعد الثابت المتحقق الوقوع
~~فضلا لا وجوبا كما في قوله تعالى:

# وكان حقا علينا ms02358 نصر المؤمنين

# [الروم: 47]، وفي «الصحيح» من حديث معاذ

# " حق الله تعالى على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحقهم عليه
~~إن فعلوا ذلك أن لا يعذبهم "

# فالسؤال حينئذ بالإثابة والإجابة وهما من صفات الله تعالى الفعلية،
~~والسؤال بها مما لا نزاع فيه فيكون هذا السؤال كالاستعاذة في قوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك "

# فمتى صحت الاستعاذة بمعافاته صح السؤال بإثابته وإجابته.

# وعلى نحو ذلك يخرج سؤال الثلاثة لله عز وجل بأعمالهم، على أن التوسل
~~بالأعمال معناه التسبب بها لحصول المقصود، ولا شك أن الأعمال الصالحة سبب
~~لثواب الله تعالى لنا، ولا كذلك ذوات الأشخاص أنفسها، والناس قد أفرطوا
~~اليوم في الإقسام على الله تعالى، فأقسموا عليه عز شأنه بمن ليس في العير
~~ولا النفير وليس عنده من الجاه قدر قطمير، وأعظم من ذلك أنهم يطلبون من
~~أصحاب القبور نحو إشفاء المريض وإغناء الفقير ورد الضالة وتيسير كل عسير،
~~وتوحي إليهم شياطينهم خبر  «إذا أعيتكم الأمور»  الخ، وهو حديث مفترى /
~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجماع العارفين بحديثه، لم يروه أحد
~~من العلماء، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة، وقد نهى النبي صلى
~~الله عليه وسلم: عن  اتخاذ القبور مساجد ولعن على ذلك  فكيف يتصور منه
~~عليه الصلاة والسلام الأمر بالاستغاثة والطلب من أصحابها؟! سبحانك هذا
~~بهتان عظيم.

# وعن أبي يزيد البسطامي قدس سره أنه قال: استغاثة المخلوق بالمخلوق
~~كاستغاثة المسجون بالمسجون، ومن كلام السجاد رضي الله تعالى عنه أن طلب
~~المحتاج من المحتاج سفه في رأيه وضلة في عقله، ومن دعاء موسى عليه السلام
~~ وبك المستغاث  وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما:

# " إذا استعنت فاستعن بالله تعالى "

# الخبر، وقال تعالى:

# إياك نعبد وإياك نستعين

# [الفاتحة: 5].

# وبعد هذا كله أنا لا أرى بأسا في التوسل إلى الله تعالى بجاه النبي
~~صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى حيا وميتا، ويراد من الجاه ms02359 معنى
~~يرجع إلى صفة من صفاته تعالى، مثل أن يراد به المحبة التامة المستدعية
~~عدم رده وقبول شفاعته، فيكون معنى قول القائل: إلهي أتوسل بجاه نبيك صلى
~~الله عليه وسلم أن تقضي لي حاجتي، إلهي اجعل محبتك له وسيلة في قضاء
~~حاجتي، ولا فرق بين هذا وقولك: إلهي أتوسل برحمتك أن تفعل كذا إذ معناه
~~أيضا إلهي اجعل رحمتك وسيلة في فعل كذا، بل لا أرى بأسا أيضا
~~بالإقسام على الله تعالى بجاهه صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى، والكلام
~~في الحرمة كالكلام في الجاه، ولا يجري ذلك  في التوسل والإقسام بالذات 
~~البحت، نعم لم يعهد التوسل بالجاه والحرمة عن أحد من الصحابة رضي الله
~~تعالى عنهم. ولعل ذلك كان تحاشيا منهم عما يخشى أن يعلق منه في أذهان
~~الناس إذ ذاك  وهم قريبو عهد بالتوسل بالأصنام  شيء، ثم اقتدى بهم من
~~خلفهم من الأئمة الطاهرين، وقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم هدم
~~الكعبة وتأسيسها على قواعد إبراهيم لكون القوم حديثي عهد بكفر كما ثبت
~~ذلك في «الصحيح»، وهذا الذي ذكرته إنما هو لدفع الحرج عن الناس والفرار
~~من دعوى تضليلهم  كما يزعمه البعض  في التوسل بجاه عريض الجاه صلى الله
~~عليه وسلم لا للميل إلى أن الدعاء كذلك أفضل من استعمال الأدعية المأثورة
~~التي جاء بها الكتاب وصدحت بها ألسنة السنة، فإنه لا يستريب منصف في أن
~~ما علمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

# ودرج عليه الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وتلقاه من بعدهم بالقبول
~~أفضل وأجمع وأنفع وأسلم، فقد قيل ما قيل إن حقا وإن كذبا.

# بقي ههنا أمران: الأول: إن التوسل بجاه غير النبي صلى الله عليه وسلم
~~لا بأس به أيضا إن كان المتوسل بجاهه مما علم أن له جاها عند الله
~~تعالى كالمقطوع بصلاحه وولايته، وأما من لا قطع في حقه بذلك فلا يتوسل
~~بجاهه لما فيه من الحكم الضمني على الله تعالى بما لم يعلم تحققه منه عز
~~شأنه، ms02360 وفي ذلك جرأة عظيمة على الله تعالى، الثاني: إن الناس قد أكثروا من
~~دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم، مثل يا
~~سيدي فلان أغثني، وليس ذلك من التوسل المباح في شيء، واللائق بحال المؤمن
~~عدم التفوه بذلك وأن لا يحوم حول حماه، وقد عده أناس من العلماء شركا
~~وأن لا يكنه، فهو قريب منه ولا أرى أحدا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن
~~المدعو الحي الغائب أو الميت المغيب يعلم الغيب أو يسمع النداء ويقدر
~~بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى وإلا لما دعاه ولا فتح فاه،
~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم، فالحزم التجنب عن ذلك وعدم الطلب إلا من
~~الله تعالى القوي الغني الفعال لما يريد ومن وقف على سر ما رواه الطبراني
~~في «معجمه» من أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي
~~المؤمنين فقال الصديق رضي / الله تعالى عنه: قوموا بنا نستغيث برسول الله
~~صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق فجاءوا إليه، فقال:

# " إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله تعالى "

# لم يشك في أن الاستغاثة بأصحاب القبور  الذين هم بين سعيد شغله نعيمه
~~وتقلبه في الجنان عن الالتفات إلى ما في هذا العالم، وبين شقي ألهاه
~~عذابه وحبسه في النيران عن إجابة مناديه والإصاخة إلى أهل ناديه  أمر
~~يجب اجتنابه ولا يليق بأرباب العقول ارتكابه، ولا يغرنك أن المستغيث
~~بمخلوق قد تقضى حاجته وتنجح طلبته فإن ذلك ابتلاء وفتنة منه عز وجل، وقد
~~يتمثل الشيطان للمستغيث في صورة الذي استغاث به فيظن أن ذلك كرامة لمن
~~استغاث به، هيهات هيهات إنما هو شيطان أضله وأغواه وزين له هواه، وذلك
~~كما يتكلم الشيطان في الأصنام ليضل عبدتها الطغام، وبعض الجهلة يقول: إن
~~ذلك من تطور روح المستغاث به، أو من ظهور ملك بصورته كرامة له ولقد ساء
~~ما يحكمون، لأن التطور والظهور وإن كانا ممكنين لكن لا في مثل هذه الصورة
~~وعند ارتكاب هذه الجريرة، ms02361 نسأل الله تعالى بأسمائه أن يعصمنا من ذلك،
~~ونتوسل بلطفه أن يسلك بنا وبكم أحسن المسالك.

# { وجهدوا فى سبيله } مع أعدائكم بما أمكنكم. { لعلكم
~~تفلحون } بنيل نعيم الأبد والخلاص من كل نكد.

### || [5.36]

# { إن الذين كفروا } كلام مبتدأ مسوق لتأكيد وجوب الامتثال
~~بالأوامر السابقة، وترغيب المؤمنين في المسارعة إلى تحصيل الوسيلة إليه
~~عز شأنه قبل انقضاء أوانه، ببيان استحالة توسل الكفار يوم القيامة بما هو
~~من أقوى الوسائل إلى النجاة من العذاب فضلا عن نيل الثواب { لو أن
~~لهم } أي لكل واحد منهم كقوله سبحانه:

# ولو أن لكل نفس ظلمت

# [يونس: 54] الخ، وفيه من تهويل الأمر وتفظيع الحال ما ليس في قولنا
~~لجميعهم { ما فى الأرض } أي من أصناف أموالها وذخائرها وسائر
~~منافعها قاطبة، وهو اسم { أن } و { لهم } خبرها ومحلها الرفع
~~(عندهم) خلا أنه عند سيبويه رفع على الابتداء [و] لا حاجة فيه إلى الخبر
~~لاشتمال صلتها على المسند والمسند إليه، وقد اختصت من بين سائر ما يؤول
~~بالاسم بالوقوع بعد { لو } ، وقيل: الخبر محذوف ويقدر مقدما أو مؤخرا
~~قولان، وعند الزجاج والمبرد والكوفيين رفع على الفاعلية أي لو ثبت [أن]
~~لهم ما في الأرض، وقوله تعالى: { جميعا } توكيد للموصول أو حال منه،
~~وقوله سبحانه: { ومثله } بالنصب عطف عليه، وقوله عز وجل: { معه }
~~ظرف وقع حالا من المعطوف، والضمير راجع إلى الموصول، وفائدته التصريح
~~بفرض كينونتهما لهم بطريق المعية لا بطريق التعاقب تحقيقا لكمال فظاعة
~~الأمر.

# واللام في قوله تعالى: { ليفتدوا به } متعلقة بما تعلق به خبر {
~~أن } وهو الاستقرار المقدر في { لهم } وبالخبر المقدر عند من يراه،
~~وبالفعل المقدر بعد { لو } عند الزجاج ومن نحا نحوه، قيل: ولا ريب في
~~أن مدار الإفتداء بما ذكر هو كونه لهم لا ثبوت كونه لهم وإن كان مستلزما
~~له، والباء في { به } متعلقة بالافتداء، والضمير راجع إلى الموصول {
~~ومثله معه } وتوحيده لكونهما بالمعية شيئا واحدا، أو لإجراء
~~الضمير مجرى اسم الإشارة كما مرت الإشارة إلى ذلك، وقيل: هو راجع إلى
~~الموصول، ms02362 والعائد إلى المعطوف  أعني مثله  مثله، وهو محذوف كما حذف
~~الخبر من قيار في قوله:

# ومن يك أمسى بالمدينة رحله

# فإني وقيار بها لغريب

# وقد جوز أن يكون نصب، ومثله على أنه مفعول { معه } ناصبه الفعل
~~المقدر بعد { لو } تفريعا على رأي الزجاج / ومن رأى رأيه، وأمر توحيد
~~الضمير حينئذ ظاهر إذ حكم الضمير بعد المفعول معه الإفراد، وأجاز الأخفش
~~أن يعطى حكم المتعاطفين فيثني الضمير، وقال بعض النحاة: الصحيح جوازه على
~~قلة. واعترض هذا الوجه أبو حيان بأنه يصير التقدير: مع مثله معه وإذا كان
~~ما في الأرض مع مثله كان مثله معه ضرورة، فلا فائدة في ذكر { معه }
~~معه لملازمة معية كل منهما للآخر، وأجاب الطيبي بأن { معه } على هذا
~~تأكيد، وقال السفاقسي: جوابه أن التقدير ليس كالتصريح، و  الواو 
~~متضمنة معنى مع، وإنما يقبح لو صرح  بمع  وكثيرا ما يكون التقدير
~~بخلاف التصريح، كقولهم: رب شاة وسخلتها، ولو صرحت  برب  فقلت: ورب
~~سخلتها لم يجز، وأجاب الحلبي بأن الضمير في { معه } عائد على {
~~مثله } ويصير المعنى مع مثلين وهو أبلغ من أن يكون مع مثل واحد، نعم
~~إن كون العامل ثبت ليس بصحيح لأن العامل في المفعول معه هو العامل في
~~المصاحب له كما صرحوا به، وهو هنا { ما } أو ضميرها، وشيء منهما ليس
~~عاملا فيه ثبت المقدر، وأما صحته على تقدير جعله لهم، أو متعلقه على ما
~~قيل، فممتنع أيضا على ما نقل عن سيبويه أنه قال: وأما هذا لك وأباك
~~فقبيح، لأنه لم يذكر فعل ولا حرف فيه معنى فعل حتى يصير كأنه قد تكلم
~~بالفعل، فإن فيه تصريحا بأن اسم الإشارة وحرف الجرف والظرف لا تعمل في
~~المفعول معه، وقوله تعالى: { من عذاب يوم القيمة } متعلق
~~بالافتداء أيضا أي لو أن ما في الأرض ومثله ثابت لهم ليجعلوه فدية
~~لأنفسهم من العذاب الواقع ذلك اليوم.

# { ما تقبل منهم } ذلك، وهو جواب { لو } وترتيبه  كما قال
~~شيخ الإسلام  على [كون] ذلك لهم لأجل افتدائهم به ms02363 من غير ذكر الافتداء
~~بأن يقال: وافتدوا به، مع أن الرد والقبول إنما يترتب عليه لا على مباديه
~~للإيذان بأنه أمر محقق الوقوع غني عن الذكر، وإنما المحتاج إلى الفرض
~~قدرتهم على ما ذكر، أو للمبالغة في تحقق الرد، وتخييل أنه وقع قبل
~~الإفتداء على منهاج ما في قوله تعالى:

# أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما
~~رآه مستقرا عنده

# [النمل: 40] حيث لم يقل فأتى به [فرآه] فلما رآه الخ، وما في قوله
~~سبحانه:

# وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه

# [يوسف: 31] من غير ذكر خروجه عليه السلام عليهن ورؤيتهن له، وقال بعض
~~الأفاضل: إنما لم يكتف بقوله: إن الذين كفروا لو يفتدون بما في الأرض
~~جميعا من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم، لأن ما في النظم الكريم يفيد
~~أنهم لو حصلوا ما في الأرض ومثله معه لهذه الفائدة وكانوا خائفين من الله
~~تعالى وحفظوا الفدية وتفكروا في الافتداء ورعاية أسبابه  كما هو شأن من
~~هو بصدد أمر  ما تقبل منهم فضلا عن أن يكونوا غافلين عن تحصيل الفدية
~~وقصدوا الفدية فجأة، ولهذا لم يقل لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله
~~معه ويفتدون به ما تقبل الخ، والجملة الامتناعية بحالها خبر { إن
~~الذين كفروا } وهي كناية عن لزوم العذاب لهم وأنه لا سبيل لهم
~~إلى الخلاص منه، فإن لزوم العذاب من لوازمه أن ما في الأرض جميعا ومثله
~~معه لو افتدوا به لم يتقبل منهم، فلما كانت هذه الجملة، بل هذه الملازمة
~~لازمة للزوم العذاب عبر عنها بها، وأطلق بعضهم على هذه الجملة تمثيلا،
~~ولعل مراده  على ما ذكره القطب  ما ذكره، وقال بعض المحققين: لا يريد
~~به الاستعارة التمثيلية بل إيراد مثال وحكم يفهم منه لزوم العذاب لهم، أي
~~لم يقصد بهذا الكلام إثبات هذه الشرطية بل انتقال الذهن منه إلى هذا
~~المعنى، وبهذا الاعتبار يقال له: كناية، ويمكن تنزيله على التمثيل
~~الإصطلاحي بأن يقال: إن حالهم في حال التفصي عن العذاب بمنزلة حال من ms02364
~~يكون له ذلك الأمر الجسيم ويحاول به التخلص من العذاب فلا يتقبل منه ولا
~~يتخلص.

# / { ولهم عذاب أليم } قيل: محله النصب على الحالية، وقيل:
~~الرفع عطفا على خبر { أن } وقيل: إنه معطوف على { إن الذين }
~~فلا محل له من الإعراب مثله، وفائدة الجملة التصريح بالمقصود من الجملة
~~الأولى لزيادة تقريره وبيان هوله وشدته، وقيل: إن المقصود بها الإيذان
~~بأنه كما لا يندفع بذلك عذابهم لا يخفف بل لهم بعد عذاب في كمال الإيلام،
~~وكذلك قوله تعالى: { يريدون أن يخرجوا من النار }.

### || [5.37]

# { يريدون أن يخرجوا من النار } فإنه لإفادة أنه كما لا
~~يندفع بذلك الافتداء عذابهم لا يندفع دوامه ولا ينفصل، وهو على ما تقدم
~~استئناف مسوق لبيان حالهم في أثناء مكابدة العذاب مبني على سؤال نشأ مما
~~قبله، كأنه قيل: فكيف يكون حالهم، أو ماذا يصنعون؟ فقيل: { يريدون }
~~الخ، وقد بين في تضاعيفه أن عذابهم عذاب النار، والإرادة قيل: على معناها
~~الحقيقي المشهور، وذلك أنهم يرفعم لهب النار فيريدون الخروج وأنى به،
~~وروي ذلك عن الحسن، وقال الجبائي: الإرادة بمعنى التمني أي يتمنون ذلك.
~~وقيل: المعنى يكادون يخرجون منها لقوتها وزيادة رفعها إياهم، وهذا كقوله
~~تعالى:

# فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض

# [الكهف: 77] أي يكاد ويقارب، لا يقال: كيف يجوز أن يريدوا الخروج من
~~النار مع علمهم بالخلود؟ لأنا نقول: الهول يومئذ ينسيهم ذلك، وعلى تقدير
~~عدم النسيان يقال: العلم بعدم حصول الشيء لا يصرف عن إرادته كما أن العلم
~~بالحصول كذلك، فإن الداعي إلى الإرادة حسن الشيء والحاجة إليه.

# { وما هم بخرجين منها } إما حال من فاعل { يريدون } أو
~~اعتراض، وأيا ما كان فإيثار الجملة الاسمية على الفعلية مصدرة  بما 
~~الحجازية الدالة بما في حيزها من الباء على تأكيد النفي لبيان كمال سوء
~~حالهم باستمرار عدم خروجهم منها، فإن الجملة الاسمية الإيجابية  كما مرت
~~الإشارة إليه  كما تفيد بمعونة المقام دوام الثبوت، تفيد السلبية أيضا
~~بمعونة دوام النفي لا نفي الدوام، وقرأ أبو واقد { أن يخرجوا }
~~بالبناء لما ms02365 لم يسم فاعله من الإخراج، ويشهد لقراءة الجمهور قوله تعالى:
~~{ بخرجين } دون بمخرجين، وهذه الآية كما ترى في حق الكفار، فلا
~~تنافي القول بالشفاعة لعصاة المؤمنين في الخروج منها كما لا يخفى على من
~~له أدنى إيمان. وقد أخرج مسلم وابن المنذر وابن مردويه عن جابر بن عبد
~~الله

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يخرج من النار قوم فيدخلون
~~الجنة "

# ، قال يزيد الفقير: فقلت لجابر: يقول الله تعالى: { يريدون أن
~~يخرجوا من النار وما هم بخرجين منها } قال: أتل
~~أول الآية

# إن الذين كفروا لو أن لهم ما فى الأرض
~~جميعا ومثله معه ليفتدوا به

# [المائدة: 36] ألا إنهم الذين كفروا، وأخرج ابن جرير عن عكرمة أن نافع
~~بن الأزرق قال لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: تزعم أن قوما يخرجون من
~~النار وقد قال الله تعالى: { وما هم بخرجين منها } فقال ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما: ويحك اقرأ ما فوقها هذه للكفار، ورواية أنه
~~قال له: يا أعمى البصر أعمى القلب تزعم الخ حكاها الزمخشري وشنع إثرها
~~على أهل السنة ورماهم بالكذب والافتراء، فحقق ما قيل: رمتني بدائها
~~وانسلت، ولسنا مضطرين لتصحيح هذه الرواية ولا وقف الله تعالى صحة العقيدة
~~على صحتها، فكم لنا من حديث صحيح شاهد على حقيقة ما نقول وبطلان ما يقول
~~المعتزلة تبا لهم.

# { ولهم عذاب مقيم } تصريح بما أشير إليه من عدم تناهي مدة
~~العذاب بعد بيان شدته أي عذاب دائم ثابت لا يزول ولا ينتقل أبدا.

### || [5.38]

# { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } شروع في
~~بيان حكم السرقة الصغرى بعد بيان أحكام الكبرى، وقد تقدم بيان اقتضاء
~~الحال لإيراد ما توسط بينهما من المقال، والكلام جملتان  عند سيبويه 
~~إذ التقدير / فيما يتلى عليكم  السارق والسارقة  أي حكمهما، وجملة عند
~~المبرد، وقرأ عيسى بن عمر بالنصب، وفضلها سيبويه على قراءة العامة لأجل
~~الأمر  لأن زيدا فأضربه أحسن من زيد فأضربه  قاله الزمخشري، واتبعه من
~~تبعه ومنهم ابن الحاجب.

# وتعقبه العلامة أحمد في «الانتصاف» ms02366 بكلام كله محاسن فلا بأس في نقله
~~برمته، فنقول. قال فيه: «المستقرأ من وجوه القراآت أن العامة لا تتفق
~~فيها أبدا على العدول عن الأفصح، وجدير بالقرآن أن (يحرز) أفصح الوجوه
~~وأن لا يخلو من الأفصح و [ما] يشتمل عليه كلام العرب الذي لم يصل أحد
~~منهم إلى ذروة فصاحته ولم يتعلق بأهدابها، وسيبويه يحاشى من اعتقاد عراء
~~القرآن عن الأفصح واشتمال الشاذ الذي لا يعد من القرآن عليه، ونحن نورد
~~الفصل من كلام سيبويه على هذه الآية ليتضح لسامعه براءة سيبويه من عهدة
~~هذا النقل، قال سيبويه في ترجمة باب الأمر والنهي بعد أن ذكر المواضع
~~التي يختار فيها النصب وملخصها: أنه متى بني الاسم على فعل الأمر فذاك
~~موضع اختيار النصب، ثم قال كالموضح لامتياز هذه الآية عما اختار (فيه)
~~النصب: وأما قوله عز وجل: { والسارق والسارقة فاقطعوا
~~أيديهما } وقوله تعالى:

# الزانية والزانى فاجلدوا

# [النور: 2] فإن هذا لم يبن على الفعل ولكنه جاء على مثال قوله عز وجل:

# مثل الجنة التى وعد المتقون

# ثم قال سبحانه بعد:

# فيها أنهار

# [محمد: 15] منها كذا، يريد سيبويه تمييز هذه الآي عن المواضع التي بين
~~اختيار النصب فيها، ووجه التمييز أن الكلام حيث يختار النصب يكون الاسم
~~فيه مبنيا على الفعل، وأما في هذه الآي فليس بمبني عليه فلا يلزم فيه
~~اختيار النصب، ثم قال: وإنما وضع المثل للحديث الذي ذكره بعده فذكر
~~أخبارا وقصصا، فكأنه قال: ومن القصص  مثل الجنة  فهو محمول على هذا
~~الإضمار والله تعالى أعلم، وكذلك الزانية والزاني لما قال جل ثناؤه:

# سورة أنزلنها وفرضنها

# [النور: 1] قال جل وعلا في جملة الفرائض: { الزانية والزانى }
~~ثم جاء

# فاجلدوا

# [النور: 2] بعد أن مضى فيهما الرفع  يريد سيبويه  لم يكن الاسم مبنيا
~~على الفعل المذكور بعد، بل بني على محذوف متقدم، وجاء الفعل طارئا، ثم
~~قال: كما جاء  وقائلة خولان فانكح فتاتهم، فجاء بالفعل بعد أن عمل فيه
~~المضمر، وكذلك { والسارق والسارقة } [كأنه قال] فيما فرض
~~عليكم السارق والسارقة وإنما (دخلت ms02367 هذه الأسماء) بعد قصص وأحاديث، وقد
~~قرأ أناس { والسارق والسارقة } بالنصب وهو في العربية على ما
~~ذكرت لك من القوة، ولكن أبت العامة إلا الرفع، يريد إن قراءة النصب جاء
~~الاسم فيها مبنيا على الفعل غير معتمد على متقدم، فكان النصب قويا
~~بالنسبة إلى الرفع، حيث يبنى الاسم على الفعل لا على متقدم، وليس يعني
~~أنه قوي بالنسبة إلى الرفع، حيث يعتمد الاسم على المحذوف المتقدم، فإنه
~~قد بين أن ذلك يخرجه عن الباب الذي يختار فيه النصب، فكيف يفهم عنه
~~ترجيحه عليه، والباب مع (القرائن) مختلف، وإنما يقع الترجيح بعد التساوي
~~في الباب، فالنصب أرجح من الرفع حيث يبنى الاسم على الفعل، والرفع متعين
~~ لا أقول أرجح  حيث يبنى الاسم على كلام متقدم، وإنما التبس على
~~الزمخشري كلام سيبويه من حيث اعتقد أنه باب واحد عنده، ألا ترى إلى قوله:
~~لأن زيدا فأضربه أحسن من زيد فأضربه، كيف رجح النصب على الرفع، حيث يبنى
~~الكلام في الوجهين على الفعل، وقد صرح سيبويه بأن الكلام في الآية مع
~~الرفع مبني على كلام متقدم، ثم حقق [سيبويه] هذا المقدار بأن الكلام واقع
~~بعد قصص وأخبار، ولو كان كما ظنه الزمخشري لم يحتج سيبويه إلى تقدير، بل
~~كان يرفعه على الابتداء، ويجعل الأمر خبره  كما أعربه الزمخشري 
~~فالملخص  على / هذا  أن النصب على وجه واحد، وهو بناء الاسم على فعل
~~الأمر، والرفع على وجهين، أحدهما: ضعيف وهو الابتداء، وبناء الكلام على
~~الفعل، والآخر: قوي بالغ كوجه النصب، وهو رفعه على خبر ابتداء محذوف دل
~~عليه السياق، وإذا تعارض لنا وجهان في الرفع، أحدهما قوي والآخر ضعيف
~~تعين حمل القراءة على القوي كما أعربه سيبويه رحمه الله تعالى ورضي عنه»
~~انتهى.

# والفاء إذا بني الكلام على جملتين سببية لا عاطفة، وقيل: زائدة وكذا على
~~الوجه الضعيف، فإن المبتدأ متضمن معنى الشرط إذ المعنى والذي سرق والتي
~~سرقت، وزعم بعض المحققين أن مثل هذا التركيب لا يتوجه إلا بأحد أمرين:
~~زيادة الفاء كما نقل ms02368 عن الأخفش، أو تقدير إما لأن دخول الفاء في خبر
~~المبتدأ إما لتضمنه معنى الشرط، وإما لوقوع المبتدأ بعد أما، ولما لم يكن
~~الأول وجب الثاني ولا يخفى ما فيه، وعلى قراءة عيسى بن عمر يكون النصب
~~على إضمار فعل يفسره الظاهر، والفاء أيضا  كما قال ابن جني  لما في
~~الكلام من معنى الشرط، ولذا حسنت مع الأمر لأنه بمعناه، ألا تراه جزم
~~جوابه لذلك إذ معنى أسلم تدخل الجنة إن تسلم تدخل الجنة، والمراد كما
~~يشير إليه بعض شروح «الكشاف» إذ أردتم حكم السارق والسارقة فاقطعوا الخ،
~~ولذا لم يجز زيدا فضربته لأن الفاء لا تدخل في جواب الشرط إذا كان
~~ماضيا، وتقديره إن أردتم معرفة الخ أحسن من تقديره إن قطعتم لأنه لا يدل
~~على الوجوب المراد، وقال أبو حيان: إن الفاء في جواب أمر مقدر أي تنبه
~~لحكمهما فاقطعوا، وقيل: إنما دخلت الفاء لأن حق المفسر أن يذكر عقب
~~المفسر كالتفصيل بعد الإجمال في قوله تعالى:

# فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم

# [البقرة: 54] وليس بشيء، وبما ذكر صاحب «الانتصاف» يعلم فساد ما قيل: إن
~~سبب الخلاف السابق في مثل هذا التركيب أن سيبويه والخليل يشترطان في دخول
~~الفاء الخبر كون المبتدأ موصولا بما يقبل مباشرة أداة الشرط، وغيرهما لا
~~يشترط ذلك، والظاهر أن سبب هذا عدم الوقوف على المقصود فليحفظ.

# والسرقة أخذ مال الغير خفية، وإنما توجب القطع إذا كان الأخذ من حرز،
~~والمأخوذ يساوي عشرة دراهم فما فوقها، مع شروط تكفلت ببيانها الفروع،
~~ومذهب الشافعي والأوزاعي وأبي ثور والإمامية رضي الله تعالى عنهم أن
~~القطع فيما يساوي ربع دينار فصاعدا، وقال بعضهم: لا تقطع الخمس إلا
~~بخمسة دراهم، واختاره أبو علي الجبائي، قيل: يجب القطع في القليل والكثير
~~ وإليه ذهب الخوارج  والمراد بالأيدي الأيمان  كما روي عن ابن عباس
~~والحسن والسدي وعامة التابعين رضوان الله عليهم أجمعين  ويؤيده قراءة
~~ابن مسعود رضي الله تعالى عنه  أيمانهما  ولذلك ساغ وضع الجمع موضع
~~المثنى كما في قوله:

# فقد صغت ms02369 قلوبكما

# [التحريم: 4] اكتفاءا بتثنية المضاف إليه كذا قالوا قال الزجاج: وحقيقة
~~هذا الباب أن ما كان في الشيء منه واحد لم يثن، ولفظ به على الجمع لأن
~~الإضافة تبينه، فإذا قلت: أشبعت بطونهما علم أن للإثنين بطنين فقط. وفرع
~~الطيبي عليه عدم استقامة تشبيه ما في الآية هنا بما في الآية الأخرى لأن
~~لكل من السارق يدين فيجوز الجمع، وأن تقطع الأيدي كلها من حيث ظاهر اللغة
~~وكذا قال أبو حيان، وفيه نظر لأن الدليل قد دل على أن المراد من اليد يد
~~مخصوصة وهي اليمين فجرت مجرى القلب والظهر؛ واليد اسم لتمام العضو، ولذلك
~~ذهب الخوارج إلى أن المقطع هو المنكب، والإمامية على أنه يقطع من أصول
~~الأصابع ويترك له الإبهام والكف، ورووه عن علي كرم الله تعالى وجهه،
~~واستدلوا عليه أيضا بقوله تعالى:

# فويل للذين يكتبون الكتب بأيديهم

# [البقرة: 79] إذ لا شك في أنهم إنما يكتبونه بالأصابع، وأنت تعلم أن هذا
~~لا يتم به الاستدلال على ذلك المدعي، وحال روايتهم / أظهر من أن تخفى،
~~والجمهور على أن المقطع هو الرسغ، فقد أخرج البغوي وأبو نعيم في «معرفة
~~الصحابة» من حديث الحرث بن أبي عبد الله بن أبي ربيعة

# " أنه عليه الصلاة والسلام أتي بسارق فأمر بقطع يمينه منه "

# والمخاطب بقوله سبحانه: { فاقطعوا } على ما في «البحر» الرسول صلى
~~الله عليه وسلم أو ولاة الأمور كالسلطان ومن أذن له في إقامة الحدود، أو
~~القضاة والحكام، أو المؤمنون أقوال أربعة، ولم تدرج السارقة في السارق
~~تغليبا كما هو المعروف في أمثاله لمزيد الاعتناء بالبيان والمبالغة في
~~الزجر.

# { جزآء } نصب على أنه مفعول له أي فاقطعوا للجزاء، أو على أنه مصدر 
~~لاقطعوا  من معناه، أو لفعل مقدر من لفظه، وجوز أن يكون حالا من فاعل 
~~اقطعوا  مجازين لهما { بما كسبا } بسبب كسبهما، أو ما كسباه من
~~السرقة التي تباشر بالأيدي وقوله تعالى: { نكلا } مفعول له أيضا 
~~كما قال أكثر المعربين  وقال السمين: منصوب كما نصب { جزآء } ،
~~واعترض الوجه الأول بأنه ليس ms02370 بجيد لأن المفعول له لا يتعدد بدون عطف
~~واتباع لأنه على معنى اللام، فيكون كتعلق حرفي جر بمعنى بعامل واحد وهو
~~ممنوع، ودفع بأن النكال نوع من الجزاء فهو بدل منه، وقال الحلبي وبعض
~~المحققين: إنه إنما ترك العطف إشعارا بأن القطع للجزاء والجزاء للنكال
~~والمنع عن المعاودة، وعليه يكون مفعولا له متداخلا كالحال المتداخلة،
~~وبه أيضا يندفع الاعتراض وهو حسن، وقال عصام الملة: إنما لم يعطف لأن
~~العلة مجموعهما  كما في هذا حلو حامض  والجزاء إشارة إلى أن فيه حق
~~العبد، والنكال إشارة إلى أن فيه حق الله تعالى، ولا يخفى ما فيه فتأمل،
~~ونقل عن بعض النحاة أنه أجاز تعدد المفعول له بلا اتباع وحينئذ لا يرد
~~السؤال رأسا، وقوله تعالى: { من الله } متعلق بمحذوف وقع صفة
~~لنكالا أي نكالا كائنا منه تعالى { والله عزيز } في شرع الردع
~~{ حكيم } في إيجاب القطع، أو عزيز في انتقامه من السارق وغيره من أهل
~~المعاصي حكيم في فرائضه وحدوده، والإظهار في مقام الإضمار لما مر غير
~~مرة.

# ومن الغريب أنه نقل عن أبي رضي الله تعالى عنه أنه قرأ  والسرق
~~والسرقة  بترك الألف وتشديد الراء، فقال ابن عطية: إن هذه القراءة تصحيف
~~لأن السارق والسارقة قد كتبا في المصحف بدون الألف، وقيل: في توجيهها
~~أنهما جمع سارق وسارقة، لكن قيل: إنه لم ينقل هذا الجمع في جمع المؤنث؛
~~فلو قيل: إنهما صيغة مبالغة لكان أقرب، واعترض  الملحد  المعري على
~~وجوب قطع اليد بسرقة القليل فقال:

# يد بخمس مئين عسجد وديت

# ما بالها قطعت في ربع دينار

# تحكم ما لنا إلا السكوت له

# وأن نعوذ بمولانا من النار

# فأجابه  ولله دره  علم الدين السخاوي بقوله:

# عز الأمانة: أغلاها وأرخصها

# ذل الخيانة فافهم حكمة الباري

# وفي «الأحكام» لابن عربي [2/ 618] «أنه كان جزاء السارق في شرع من
~~قبلنا استرقاقه، وقيل: كان ذلك إلى زمن موسى عليه الصلاة والسلام ونسخ،
~~فعلى الأول: شرعنا ناسخ لما قبله، وعلى الثاني: مؤكد للنسخ».

### || [5.39]

# { فمن تاب } من السراق ms02371 إلى الله تعالى { من بعد ظلمه }
~~الذي هو سرقته، والتصريح بذلك لبيان عظم نعمته تعالى بتذكير عظم جنايته {
~~وأصلح } أمره بالتفصي عن التبعات بأن يرد مال السرقة إن أمكن. أو
~~يستحل لنفسه من مالكه / أو ينفقه في سبيل الله تعالى إن جهله، وقيل:
~~المعنى وفعل الفعل الصالح الجميل بأن استقام على التوبة كما هو المطلوب
~~منه { فإن الله يتوب عليه } يقبل توبته فلا يعذبه في
~~الآخرة، وأما القطع فلا يسقطه التوبة عندنا لأن فيه حق المسروق منه،
~~ويسقطه عند الشافعي رضي الله تعالى عنه في أحد قوليه، ولا يخفى ما في هذه
~~الجملة من ترغيب العاصي بالتوبة، وأكد ذلك بقوله سبحانه: { إن الله
~~غفور رحيم } وهو في موضع التعليل لما قبله، وفيه إشارة إلى أن
~~قبول التوبة تفضل منه تعالى.

### || [5.40]

# { ألم تعلم أن الله له ملك * السموات
~~والأرض } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد يصلح له،
~~واتصاله بما قبله على ما قاله الطبرسي: «اتصال الحجاج والبيان عن صحة ما
~~تقدم من الوعد والوعيد». وقال شيخ الإسلام: المراد به الاستشهاد بذلك على
~~قدرته تعالى  على ما سيأتي  من التعذيب والمغفرة على أبلغ وجه وأتمه أي
~~ألم تعلم أن الله تعالى له السلطان القاهر والاستيلاء الباهر المستلزمان
~~للقدرة التامة على التصرف الكلي فيهما وفيما اشتملا عليه إيجادا
~~وإعداما إحياءا وإماتة إلى غير ذلك حسبما تقتضيه مشيئته، والجار
~~والمجرور خبر مقدم، و { ملك السموات } مبتدأ، والجملة خبر {
~~إن } وهي مع ما في حيزها ساد مسد مفعولي { تعلم } عند الجمهور؛
~~وتكرير الإسناد لتقوية الحكم.

# وقوله تعالى: { يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء } إما
~~تقرير لكون ملكوت السماوات والأرض له سبحانه، وإما خبر آخر  لأن  وكان
~~الظاهر لحديث

# " سبقت رحمتي غضبي "

# تقديم المغفرة على التعذيب، وإنما عكس هنا لأن التعذيب للمصر على
~~السرقة، والمغفرة للتائب منها، وقد قدمت السرقة في الآية أولا ثم ذكرت
~~التوبة بعدها فجاء هذا اللاحق على ترتيب السابق، أو لأن المراد بالتعذيب
~~القطع، وبالمغفرة التجاوز عن حق ms02372 الله تعالى، والأول: في الدنيا، والثاني:
~~في الآخرة، فجيء به على ترتيب الوجود، أو لأن المقام مقام الوعيد، أو لأن
~~المقصود وصفه تعالى بالقدرة، والقدرة في تعذيب من يشاء أظهر من القدرة في
~~مغفرته لأنه لا إباء في المغفرة من المغفور، وفي التعذيب إباء بين {
~~والله على كل شيء قدير } فيقدر على ما ذكر من التعذيب
~~والمغفرة، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها، ووجه الإظهار كالنهار.

### || [5.41]

# { يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في
~~الكفر } خوطب صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة للتشريف والإشعار
~~بما يوجب عدم الحزن، والمراد بالمسارعة في الشيء الوقوع فيه بسرعة ورغبة،
~~وإيثار كلمة { فى } على  إلى  للإيذان بأنهم مستقرون في الكفر لا
~~يبرحون، وإنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه وأحكامه إلى بعض آخر منها،
~~كإظهار موالاة المشركين وإبراز آثار الكيد للإسلام ونحو ذلك. والتعبير
~~عنهم بالموصول للإشارة بما في حيز صلته إلى مدار الحزن، وهذا وإن كان
~~بحسب الظاهر نهيا للكفرة عن أن يحزنوه صلى الله عليه وسلم بمسارعتهم في
~~الكفر  لكنه في الحقيقة نهي له عليه الصلاة والسلام عن التأثر من ذلك
~~والمبالاة، والغرض منه مجرد التسلية على أبلغ وجه وآكده، فإن النهي عن
~~أسباب الشيء ومباديه المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني وقطع له من
~~أصله. وقرىء { يحزنك } بضم الياء وكسر الزاي من أحزن وهي لغة، وقرىء
~~ يسرعون  يقال أسرع فيه الشيب أي وقع فيه سريعا أي لا تحزن ولا تبال
~~بتهافتهم في الكفر بسرعة حذرا  كما قيل  من شرهم وموالاتهم للمشركين /
~~فإن الله تعالى ناصرك عليهم، أو شفقة عليهم حيث لم يوفقوا للهداية فإن
~~الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء.

# { من الذين قالوا ءامنا بأفوههم } بيان للمسارعين في
~~الكفر، وقال أبو البقاء: إنه متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل {
~~يسرعون } أو من الموصول أي كائنين من الذين الخ، والباء متعلقة 
~~بقالوا  لا  بآمنا  لظهور فساده وتعلقها به على معنى  بذي أفواههم 
~~أي يؤمنون بما يتفوهون به من غير أن تلتف ms02373 به قلوبهم مما لا ينبغي أن
~~يلتفت إليه من له أدنى تمييز { ولم تؤمن قلوبهم } جملة حالية
~~من ضمير { قالوا } ، وقيل: عطف على { قالوا }.

# وقوله سبحانه وتعالى: { ومن الذين هادوا } عطف على { من
~~الذين قالوا } وبه تم تقسيم المسارعين إلى قسمين: منافقين ويهود،
~~فقوله سبحانه وتعالى: { سمعون للكذب } خبر مبتدأ محذوف أي هم
~~سماعون والضمير للفريقين أو للذين يسارعون، وجوز أن يكون  للذين هادوا 
~~واعترض بأنه مخل بعموم الوعيد الآتي ومباديه للكل  كما ستقف عليه إن شاء
~~الله تعالى  وكذا جعل غير واحد { ومن الذين } الخ خبرا على أن {
~~سمعون } صفة لمبتدأ محذوف، أي ومنهم قوم سماعون لأدائه إلى اختصاص
~~ما عدد من القبائح وما يترتب عليها من الغوائل الدنيوية والأخروية بهم،
~~على أنه قد قرىء  سماعين  بالنصب على الذم وهو ظاهر في أرجحية العطف،
~~فالوجه ذلك، واللام للتقوية كما في قوله تعالى:

# فعال لما يريد

# [البروج: 16]، وقيل: لتضمين السماع معنى القبول أي قابلون لما يفتريه
~~الأحبار من الكذب على الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام وتحريف
~~كتابه، واعترضه الشهاب بأن هذا يقتضي أنه إنما فسر بالقبول ليعديه اللام.
~~وقد قال الزجاج: يقال: لا تسمع من فلان أي لا تقبل، ومنه سمع الله لمن
~~حمده أي تقبل منه حمده، وكلام الجوهري يخالفه أيضا، ويقتضي أنه ليس
~~مبنيا على التضمين، وقال عصام الملة: إن القبول أيضا متعد بنفسه ففي
~~«القاموس» قبله  كعمله  وتقبله بمعنى أخذه، نعم يتعدى السماع بمعنى
~~القبول باللام بمعنى من، كما في  «سمع الله لمن حمده»  أي قبل الله
~~تعالى ممن حمده، لكن هذه اللام تدخل على المسموع منه لا المسموع. وجوز أن
~~تكون اللام للعلة، والمفعول محذوف أي سماعون كلامك ليكذبوا عليك فيه بأن
~~يمسخوه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير، أو كلام الناس الدائر فيما
~~بينهم ليكذبوا بأن يرجفوا بقتل المؤمنين وانكسار سراياهم، أو نحو ذلك مما
~~فيه ضرر بهم، وأيا ما كان فالجملة مستأنفة جارية  على ما قيل  مجرى
~~التعليل للنهي، أو مسوقة لمجرد الذم كما يقتضيه ms02374 قراءة النصب.

# وقوله تعالى شأنه: { سمعون لقوم ءاخرين لم يأتوك }
~~خبر ثان للمبتدأ المقدر [مقرر] للأول، ومبين لما هو المراد بالكذب على
~~تقدير التقوية والتضمين، واللام هنا مثلها في  سمع الله لمن حمده 
~~والمعنى مبالغون في قبول كلام قوم آخرين، واختاره شيخ الإسلام. وجوز
~~كونها لام التعليل أي سماعون كلامه صلى الله عليه وسلم الصادر منه
~~ليكذبوا عليه لأجل قوم آخرين، والمراد أنهم عيون عليه عليه الصلاة
~~والسلام لأولئك القوم، روي ذلك عن الحسن. والزجاج، واختاره أبو علي
~~الجبائي، وليس في النظم ما يأباه ولا بعد فيه، نعم ما قيل: من أنه يجوز
~~أن تتعلق اللام بالكذب على أن { سمعون } الثاني مكرر للتأكيد
~~بمعنى سماعون ليكذبوا لقوم آخرين بعيد، و { ءاخرين } صفة { لقوم }
~~وجملة { لم يأتوك } صفة أخرى، والمعنى لم يحضروا عندك، وقيل: هو
~~كناية عن أنهم لم يقدروا أن ينظروا إليك، وفيه دلالة على شدة بغضهم له
~~صلى الله عليه وسلم وفرط عداوتهم، واحتمال كونها صفة / { سمعون }
~~أي سماعون لم يقصدوك بالإتيان بل قصدوا السماع للإنهاء إلى قوم آخرين مما
~~لا ينبغي أن يلتفت إليه.

# وقوله سبحانه وتعالى: { يحرفون الكلم من بعد موضعه }
~~صفة أخرى لقوم وصفوا أولا بمغايرتهم للسماعين تنبيها على استقلالهم
~~وأصالتهم في الرأي، ثم بعدم حضورهم مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~إيذانا بكمال طغيانهم في الضلال، أو بعدم قدرتهم على النظر إليه عليه
~~الصلاة والسلام إيذانا بما تقدم ثم باستمرارهم على التحريف بيانا
~~لإفراطهم في العتو والمكابرة والاجتراء على الله تعالى، وتعيينا للكذب
~~الذي سمعه السماعون على بعض الوجوه كما هو الظاهر، وقيل: الجملة مستأنفة
~~لا محل لها من الإعراب ناعية عليهم شنائعهم، وقيل: خبر مبتدأ محذوف راجع
~~إلى القوم، وقيل: إلى الفريقين، والمعنى يميلون ويزيلون التوراة، أو كلام
~~الرسول صلى الله عليه وسلم أو كليهما أو مطلق الكلم في قول عن المواضع
~~التي وضع ذلك فيها إما لفظا بإهماله، أو تغيير وضعه، وإما معنى بحمله
~~على غير المراد وإجرائه في غير مورده.

# ومن ms02375 هنا يعلم توجيه قوله تعالى: { من بعد موضعه } دون عن
~~مواضعه، وقال عصام الملة: إن إدراج لفظ { بعد } للتنبيه على تنزيل
~~الكلم منزلة هي أدنى مما وضعت فيه لأنه إبطال النافع بالضار لا بالنافع
~~أو الأنفع، فكأن المحرف واقف في موضع هو أدنى من موضع الكلمة يحرفها إلى
~~موضعه، ولا يخفى بعده، وقال بعضهم: إن { من } للابتداء، ولفظ { بعد
~~} للإشارة إلى أن التحريف مما بعد إلى موضع أبعد، وفيه من المبالغة في
~~التشنيع ما لا يخفى، وقرأ إبراهيم  يحرفون الكلام عن مواضعه .

# وقوله سبحانه وتعالى: { يقولون } كالجملة السابقة في الوجوه
~~[المذكورة]، ويجوز أن تكون حالا من ضمير { يحرفون } وجوز كونها
~~كالتي قبلها صفة  لسماعون  أو حالا من الضمير فيه، وتعقبه شيخ الإسلام
~~بأنه مما لا سبيل إليه أصلا كيف لا وأن مقول القول ناطق بأن قائله ممن
~~لا يحضر مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم والمخاطب به ممن يحضره، فكيف
~~يمكن أن يقوله السماعون المترددون إليه عليه الصلاة والسلام لمن لا يحوم
~~حول حضرته قطعا، وادعاء قول السماعين لأعقابهم المخالطين للمسلمين تعسف
~~ظاهر مخل بجزالة النظم الكريم، فالحق الذي لا محيد عنه  وعليه درج غالب
~~المفسرين  أن المحرفين والقائلين هم القوم الآخرون أي يقولون لأتباعهم
~~السماعين لهم { إن أوتيتم } من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم كما
~~هو الظاهر { هذا فخذوه } واعملوا بموجبه فإنه موافق للحق { وإن
~~لم تؤتوه } من جهته بل أوتيتم غيره { فاحذروا } قبوله
~~وإياكم وإياه، أو فاحذروا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

# وفي ترتيب الأمر بالحذر على مجرد عدم إيتاء المحرف من المبالغة والتحذير
~~ما لا يخفى، أخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وغيرهم عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أنه قال: إن طائفتين من اليهود قهرت إحداهما الأخرى في
~~الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة
~~فديته خمسون وسقا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق،
~~فكانوا على ذلك حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ms02376 المدينة فذلت
~~الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى
~~الله عليه وسلم يومئذ لم يظهر عليهم، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا،
~~وأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا إلينا بمائة وسق، فقالت الذليلة:
~~وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد.

# ونسبهما واحد. وبلدهما واحد، ودية بعضهم نصف دية بعض إنما أعطيناكم هذا
~~ضيما منكم / لنا وقوة منكم، فأما إذا قدم محمد صلى الله عليه وسلم فلا
~~نعطيكم ذلك، فكادت الحرب تهيج بينهما ثم ارتضوا على أن جعلوا رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم بينهما ففكرت العزيزة فقالت: والله ما محمد بمعطيكم
~~منهم ضعف ما يعطيهم منكم ولقد صدقوا ما أعطونا هذا إلا ضيما وقهرا لهم،
~~فدسوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم من يخبر لكم رأيه فإن أعطاكم ما
~~تريدون حكمتموه وإن لم يعطكموه حذرتموه فلم تحكموه، فدسوا إلى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم ناسا من المنافقين ليختبروا لهم رأي رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فلما جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الله تعالى
~~رسوله عليه الصلاة والسلام بأمرهم كله وماذا أرادوا فأنزل { يأيها
~~الرسول } الآية، وعلى هذا يكون أمر التحريف غير ظاهر الدخول في
~~القصة.

# وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في «سننه» عن أبي
~~هريرة رضي الله تعالى عنه

# " أن أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدراس حين قدم النبي صلى الله عليه
~~وسلم المدينة  وقد زنى رجل بعد إحصانه بامرأة من يهود وقد أحصنت 
~~فقالوا: ابعثوا بهذا الرجل وبهذه المرأة إلى محمد صلى الله عليه وسلم
~~فاسألوه كيف الحكم فيهما وولوه الحكم فيهما، فإن عمل فيهما عملكم من
~~التجبية  وهي الجلد بحبل من ليف مطلي بقار  ثم تسود وجوههما، ثم يحملان
~~على حمارين وجوههما من قبل دبر الحمار فاتبعوه، فإنما هو ملك سيد قوم وإن
~~حكم فيهما بغيره فإنه نبي فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكم إياه،
~~فأتوه فقالوا: يا محمد هذا رجل قد زنى بعد ms02377 إحصانه بامرأة قد أحصنت فاحكم
~~فيهما فقد وليناك الحكم فيهما؛ فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى
~~أتى أحبارهم في بيت المدراس فقال: «يا معشر يهود أخرجوا إلي علماءكم»؛
~~فأخرجوا إليه عبد الله بن صوريا وأبا ياسر بن أخطب ووهب بن يهوذا،
~~فقالوا: هؤلاء علماؤنا، فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حصل
~~أمرهم إلى أن قالوا لعبد الله بن صوريا: هذا أعلم من بقي بالتوراة، فخلا
~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم  وكان غلاما شابا من أحدثهم سنا 
~~فألظ به رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة يقول: «يا ابن صوريا أنشدك
~~الله تعالى وأذكرك أيامه عند بني إسرائيل هل تعلم أن الله تعالى حكم فيمن
~~زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة»؟ فقال: اللهم نعم، أما والله يا أبا
~~القاسم إنهم ليعرفون أنك نبي مرسل ولكنهم يحسدونك، فخرج رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فأمر بهما فرجما عند باب مسجده، ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا
~~وجحد نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: { يأيها
~~الرسول } الخ "

# وأخرج الحميدي في «مسنده». وأبو داود وابن ماجه عن جابر بن عبد الله أنه
~~قال:

# " زنى رجل من أهل فدك فكتبوا إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سلوا محمدا
~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه وإن أمركم بالرجم
~~فلا تأخذوه عنه، فسألوه عن ذلك فقال: ارسلوا إلي أعلم رجلين منكم،
~~فجاؤوا برجل أعور يقال له ابن صوريا وآخر، فقال النبي صلى الله عليه
~~وسلم لهما: أليس عندكما التوراة فيها حكم الله تعالى؟ قالا: بلى، قال:
~~فأنشدكم بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وظلل عليكم الغمام ونجاكم من آل
~~فرعون وأنزل التوراة على موسى عليه السلام وأنزل المن والسلوى على بني
~~إسرائيل ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقال أحدهما للآخر: ما أنشدت
~~بمثله قط قالا: نجد ترداد النظر ريبة والاعتناق ريبة والقبل ريبة، فإذا
~~شهد أربعة أنهم رأوه يبدي ويعيد كما ms02378 يدخل الميل في المكحلة فقد وجب
~~الرجم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم فهو كذلك فأمر به فرجم ".

# وفي جريان الإحصان الشرعي الموجب للرجم في الكافر ما هو مذكور في
~~الفروع، ولعل هذا عند من يشترط الإسلام  كالإمام أبي حنيفة رضي الله
~~تعالى عنه  كان على اعتبار شريعة موسى عليه الصلاة والسلام، أو كان قبل
~~نزول الجزية فليتدبر.

# { ومن يرد الله فتنته } أي عذابه كما روي عن الحسن وقتادة
~~واختاره الجبائي وأبو مسلم، أو إهلاكه كما روي عن السدي والضحاك، أو خزيه
~~وفضيحته بإظهار ما ينطوي عليه كما نقل عن الزجاج، أو اختياره بما يبتليه
~~به من القيام بحدوده فيدفع ذلك ويحرفه  كما قيل  وليس بشيء، والمراد
~~العموم ويندرج فيه المذكورون اندراجا أوليا، وعدم التصريح بكونهم كذلك
~~للإشعار بظهوره واستغنائه عن الذكر { فلن تملك له } فلن تستطيع
~~له { من الله شيئا } في دفع تلك الفتنة، والفاء جوابية، و { من
~~الله } متعلق  بتملك  أو بمحذوف وقع حالا من { شيئا } لأنه صفته
~~في الأصل أي شيئا كائنا من لطف الله تعالى؛ أو بدل الله عز اسمه، و {
~~شيئا } مفعول به  لتملك  وجوز بعض المعربين أن يكون مفعولا مطلقا،
~~والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها، أو مبينة لعدم انفكاك أولئك عن القبائح
~~المذكورة أبدا.

# { أولئك } أي المذكورون من المنافقين واليهود، و { ما } في اسم
~~الإشارة من معنى البعد لما مرت الإشارة إليه مرارا، وهو مبتدأ خبره قوله
~~سبحانه: { الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } من
~~رجس الكفر وخبث الضلالة، والجملة استئنافية مبينة لكون إرادته تعالى
~~لفتنتهم منوطة بسوء اختيارهم المقتضي لها لا واقعة منه سبحانه ابتداءا،
~~وفيها  كالتي قبلها على أحد التفاسير  دليل على فساد قول المعتزلة: إن
~~الشرور ليست بإرادة الله تعالى وإنما هي من العباد، وقول بعضهم: إن
~~المراد لم يرد تطهير قلوبهم من الغموم بالذم والاستخفاف والعقاب، أو لم
~~يرد أن يطهرها من الكفر بالحكم عليها بأنها بريئة منه ممدوحة بالإيمان 
~~كما قال البلخي  لا يقدم عليه من له أدنى ms02379 ذوق بأساليب الكلام.

# ومن العجيب أن الزمخشري لما رأى ما ذكر خلاف مذهبه قال:« معنى { ومن
~~يرد الله فتنته } من يرد تركه مفتونا وخذلانه { فلن
~~تملك له من الله شيئا } فلن تستطيع له من لطف الله تعالى
~~وتوفيقه شيئا، ومعنى { لم يرد الله أن يطهر قلوبهم }
~~لم يرد أن يمنحهم من ألطافه ما يطهر به قلوبهم لأنهم ليسوا من أهلها
~~لعلمه أن ذلك لا ينجع فيهم ولا ينفع» انتهى.

# وقد تعقبه ابن المنير بقوله: «كم يتلجلج والحق أبلج، هذه الآية كما
~~تراها منطبقة على عقيدة أهل السنة في أن الله تعالى أراد الفتنة من
~~المفتونين ولم يرد أن يطهر قلوبهم من دنس الفتنة ووضر الكفر، لا كما تزعم
~~المعتزلة من أن الله تعالى ما أراد الفتنة من أحد، وأراد من كل أحد
~~الإيمان وطهارة القلب، وأن الواقع من الفتن على خلاف إرادته سبحانه وأن
~~غير الواقع من طهارة قلوب الكفار مراد ولكن لم يقع، فحسبهم هذه الآية
~~وأمثالها لو أراد الله تعالى أن يطهر قلوبهم من وضر البدع

# أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها

# [محمد: 24]، وما أبشع صرف الزمخشري هذه الآية عن ظاهرها بقوله: لم يرد
~~الله تعالى أن يمنحهم ألطافه لعلمه أن ألطافه لا تنجع، تعالى الله سبحانه
~~عما يقول الظالمون، وإذا لم تنجع ألطاف الله تعالى ولم تنفع، فلطف من
~~ينفع وإرادة من تنجع؟!.

# وليس وراء الله للعبد مطمع

# » انتهى، وتفصيهم عن ذلك عسير.

# { لهم فى الدنيا خزى } أما المنافقون فخزيهم فضيحتهم وهتك
~~سترهم بظهور نفاقهم بين المسلمين، وازدياد غمهم بمزيد انتشار الإسلام
~~وقوة شوكته وعلو كلمته، وأما خزي اليهود فالذل والجزية والافتضاح بظهور
~~كذبهم في كتمان نص التوراة وإجلاء بني النضير من ديارهم، وتنكير { خزى
~~} للتفخيم وهو مبتدأ و { لهم } خبره، و { فى الدنيا } متعلق بما
~~تعلق / به الخبر من الاستقرار، والجملة استئناف مبني على سؤال نشأ من
~~أحوالهم الموجبة للعقاب، كأنه قيل: فما لهم على ذلك من العقوبة؟ فقيل:
~~لهم في الدنيا خزي وكذا الحال ms02380 في قوله تعالى: { ولهم فى الأخرة
~~} أي مع الخزي الدنيوي { عذاب عظيم } لا يقادر قدره وهو الخلود في
~~النار مع ما أعد لهم فيها، وضمير { لهم } في الجملتين  لأولئك  من
~~المنافقين واليهود جميعا، وقيل: لليهود خاصة، وقيل: { لهم } إن
~~استأنفت بقوله سبحانه: { ومن الذين هادوا } وإلا فللفريقين،
~~والتكرير مع اتحاد المرجع لزيادة التقرير والتأكيد ولذلك كرر قوله
~~سبحانه: { سمعون للكذب }.

### || [5.42]

# { سمعون للكذب } ، وقيل: إن الظاهر أنه تعليل لقوله تعالى:

# لهم فى الدنيا خزى

# [المائدة: 41] الخ أو توطئة لما بعده، أو المراد بالكذب هنا الدعوى
~~الباطلة، وفيما مر ما يفتريه الأحبار، ويؤيده الفصل بينهما. {
~~أكلون للسحت } أي الحرام من سحته إذا استأصلته، وسمي الحرام
~~سحتا  عند الزجاج  لأنه يعقب عذاب الاستئصال والبوار، وقال الجبائي:
~~لأنه لا بركة فيه لأهله فيهلك هلاك الاستئصال غالبا، وقال الخليل: لأن
~~في طريق كسبه عارا فهو يسحت مروءة الإنسان، والمراد به هنا  على
~~المشهور : الرشوة في الحكم، وروي ذلك عن ابن عباس والحسن.

# وأخرج عبد بن حميد وغيره عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به، قيل: يا رسول الله وما السحت؟ قال:
~~الرشوة في الحكم "

# وأخرج عبد الرزاق عن جابر بن عبد الله قال: «قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " هدايا الأمراء سحت "

# وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه:
~~أرأيت الرشوة في الحكم أمن السحت هي؟ قال: لا ولكن كفر، إنما السحت أن
~~يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة، ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا
~~يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية، وأخرج عبد بن حميد عن علي كرم الله تعالى
~~وجهه أنه سئل عن السحت فقال: الرشا، فقيل له في الحكم قال: ذاك الكفر،
~~وأخرج البيهقي في «سننه» عن ابن مسعود نحو ذلك، وأخرج ابن مردويه
~~والديلمي عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " ست خصال من السحت: رشوة الإمام ms02381  وهي أخبث ذلك كله  وثمن الكلب وعسب
~~الفحل ومهر البغي وكسب الحجام وحلوان الكاهن "

# ، وعد ابن عباس رضي الله تعالى عنه في رواية ابن منصور والبيهقي عنه
~~أشياء أخر.

# قيل: ولعظم أمر الرشوة اقتصر عليها من اقتصر، وجاء من طرق

# " عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه لعن الراشي والمرتشي والرائش الذي
~~يمشي بينهما "

# ولتفاقم الأمر في هذه الأزمان بالارتشاء صدر الأمر من حضرة مولانا  ظل
~~الله تعالى على الخليقة ومجدد نظام رسوم الشريعة والحقيقة  السلطان
~~العدلي محمود خان لا زال محاطا بأمان الله تعالى  حيثما كان في السنة
~~الرابعة والخمسين بعد الألف والمائتين  بمؤاخذة المرتشي وأخويه على أتم
~~وجه، وحد للهدية حدا لئلا يتوصل بها إلى الإرتشاء كما يفعله اليوم كثير
~~من الأمراء، فقد أخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " ستكون من بعدي ولاة يستحلون الخمر بالنبيذ والنجش بالصدقة، والسحت
~~بالهدية، والقتل بالموعظة يقتلون البرىء ليوطئوا العامة يملى لهم
~~فيزدادوا إثما "

# هذا وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب { السحت } بضمتين،
~~وهما لغتان  كالعنق والعنق ./ وقرىء { السحت } بفتح السين على لفظ
~~المصدر أريد به المسحوت كالصيد بمعنى المصيد، و { السحت } بفتحتين و
~~{ السحت } بكسر السين.

# { فإن جاءوك } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والفاء فصيحة أي إذا
~~كان حالهم كما شرح فإن جاءوك متحاكمين إليك فيما شجر بينهم من الخصومات {
~~فاحكم بينهم } بما أراك الله تعالى { أو أعرض عنهم }
~~غير مبال بهم ولا مكترث، وهذا كما ترى تخيير له صلى الله عليه وسلم بين
~~الأمرين، وهو معارض لقوله تعالى:

# وأن احكم بينهم بما أنزل الله

# [المائدة: 49] وتحقيق المقام على ما ذكر الجصاص  في كتاب «الأحكام» 
~~أن العلماء اختلفوا، فذهب قوم إلى أن التخيير منسوخ بالآية الأخرى وروي
~~ذلك عن ابن عباس وإليه ذهب أكثر السلف، قالوا: إنه صلى الله عليه وسلم
~~كان أولا مخيرا، ثم أمر عليه الصلاة والسلام بإجراء الأحكام عليهم،
~~ومثله لا يقال من قبل الرأي، ms02382 وقيل: إن هذه الآية فيمن لم يعقد له ذمة،
~~والأخرى في أهل الذمة فلا نسخ، وأثبته بعضهم بمعنى التخصيص لأن من أخذت
~~منه الجزية تجري عليه أحكام الإسلام، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنه أيضا. وقال أصحابنا: أهل الذمة محمولون على أحكام الإسلام في
~~البيوع والمواريث وسائر العقود إلا في بيع الخمر والخنزير فإنهم يقرون
~~عليه، ويمنعون من الزنا كالمسلمين فإنهم نهوا عنه، ولا يرجمون لأنهم غير
~~محصنين، وخبر الرجم السابق سبق توجيهه، واختلف في مناكحتهم، فقال أبو
~~حنيفة رضي الله تعالى عنه: يقرون عليها، وخالفه  في بعض ذلك  محمد
~~وزفر، وليس له عليهم اعتراض قبل التراضي بأحكامنا، فمتى تراضوا بها
~~وترافعوا إلينا وجب إجراء الأحكام عليهم، وتمام التفصيل في الفروع.

# { وإن تعرض عنهم } بيان لحال الأمرين بعد تخييره صلى الله
~~عليه وسلم بينهما، وتقديم حال الإعراض للمسارعة إلى بيان أنه لا ضرر فيه
~~حيث كان مظنة لترتب العداوة المقتضية للتصدي للضرر، فمآل المعنى إن تعرض
~~عنهم ولم تحكم بينهم فعادوك وقصدوا ضررك { فلن يضروك } بسبب ذلك {
~~شيئا } من الضرر فإن الله تعالى يحفظك من ضررهم { وإن حكمت
~~فاحكم بينهم بالقسط } أي بالعدل الذي أمرت به، وهو ما تضمنه
~~القرآن واشتملت عليه شريعة الإسلام، وما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه
~~من أنه قال:  لو ثنيت لي الوسادة لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم وأهل
~~الإنجيل بإنجيلهم  إن صح يراد منه لازم المعنى { إن الله يحب
~~المقسطين } أي العادلين فيحفظهم عن كل مكروه ويعظم شأنهم.

### || [5.43]

# { وكيف يحكمونك وعندهم التورة فيها حكم
~~الله } تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به، والحال أن الحكم منصوص عليه
~~في كتابهم الذي يدعون الإيمان به، وتنبيه على أن ذلك التحكيم لم يكن
~~لمعرفة الحق وإنما هو لطلب الأهون، وإن لم يكن ذلك حكم الله تعالى بزعمهم
~~فقوله سبحانه: { وعندهم التورة } حال من فاعل { يحكمونك
~~} ، وقوله تعالى: { فيها حكم الله } حال من التوراة إن جعلت
~~مرتفعة بالظرف وكون ذلك ضعيفا لعدم اعتماد الظرف ms02383 سهو لأنه معتمد  كما
~~قال السمين  على ذي الحال لكن قال: جعل التوراة  مرفوعا بالظرف
~~المصدر بالواو  محل نظر،، ولعل وجهه أنها تجعله جملة مستقلة غير
~~معتمدة، أو أنه لا يقرن بالواو، وإن جعلت مبتدأ فهو حال من ضميرها
~~المستكن في الخبر لأنه لا يصح مجىء الحال من المبتدأ عن سيبويه./ وقيل:
~~استئناف مسوق لبيان أن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم، وأنثت التوراة معاملة
~~لها  بعد التعريب  معاملة الأسماء العربية الموازنة لها  كموماة
~~ودوداة .

# { ثم يتولون } عطف على { يحكمونك } داخل في حكم التعجيب
~~لأن التحكيم مع وجود ما فيه الحق المغني عن التحكيم، وإن كان محلا
~~للتعجب والاستبعاد لكن مع الإعراض عن ذلك أعجب، و { ثم } للتراخي في
~~الرتبة، وجوز الأجهوري كون الجملة مستأنفة غير داخلة في حكم التعجيب أي
~~ثم هم يتولون أي عادتهم فيما إذا وضح لهم الحق أن يعرضوا ويتولوا، والأول
~~أولى. وقوله سبحانه: { من بعد ذلك } أي من بعد أن يحكموك تصريح
~~بما علم لتأكيد الاستبعاد والتعجب، وقوله عز وجل: { وما أولئك
~~بالمؤمنين } تذييل مقرر لفحوى ما قبله، ووضع اسم الإشارة موضع
~~ضميرهم قصدا إلى إحضارهم في الذهن بما وصفوا به من القبائح إيماءا إلى
~~علة الحكم مع الإشارة إلى أنهم قد تميزوا بذلك عن غيرهم أكمل تميز حتى
~~انتظموا في سلك الأمور المشاهدة، أي: وما أولئك الموصوفون بما ذكر
~~بالمؤمنين بكتابهم لإعراضهم عنه المنبىء عن عدم الرضا القلبي به أولا
~~وعن حكمك الموافق له ثانيا، أو بك وبه، وقيل: هذا إخبار منه تعالى عن
~~أولئك اليهود أنهم لا يؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم وبحكمه أصلا.
~~وقيل: المعنى  وما أولئك بالكاملين في الإيمان  تهكما بهم.

### || [5.44]

# { إنا أنزلنا التورة } كلام مستأنف سيق لتقرير مزيد فظاعة
~~حال أولئك اليهود ببيان علو شأن التوراة على أتم وجه { فيها هدى } أي
~~إرشاد للناس إلى الحق { ونور } أي ضياء يكشف به ما تشابه عليهم وأظلم
~~ قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه . وقال الزجاج: { فيها هدى } أي
~~بيان للحكم ms02384 الذي جاؤوا يستفتون فيه النبي صلى الله عليه وسلم { ونور
~~} أي بيان أن أمر النبي عليه الصلاة والسلام حق، ولعل تعميم المهدي
~~إليه كما في كلام ابن عباس أولى، ويندرج فيه اندراجا أوليا ما ذكره
~~الزجاج من الحكم، وإطلاق النور على ما في التوراة مجاز، ولعل إطلاقه على
~~ذلك دون إطلاقه على القرآن بناءا على أن النور مقول بالتشكيك، وقد يقال:
~~إن إطلاقه على ما به بيان أمر النبي صلى الله عليه وسلم  بناءا على ما
~~قال الزجاج  باعتبار كون الأمر المبين متعلقا بأول الأنوار الذي لولاه
~~ما خلق الفلك الدوار صلى الله عليه وسلم، وحينئذ يكون الفرق بين
~~الإطلاقين مثل الصبح ظاهرا، والظرف خبر مقدم، و { هدى } مبتدأ،
~~والجملة حال من { التورة } أي كائنا فيها ذلك، وكذلك جملة {
~~يحكم بها النبيون } في قول إلا أنها حال مقدرة، والأكثرون
~~على أنها مستأنفة مبينة لرفعة رتبة التوراة وسمو طبقتها، والمراد من
~~النبيين من كان منهم من لدن موسى إلى عيسى عليهما الصلاة والسلام على ما
~~رواه ابن أبي حاتم عن مقاتل، وكان بين النبيين عليهما السلام ألف نبي.
~~وأخرج ابن جرير عن عكرمة أن المراد بهم نبينا صلى الله عليه وسلم ومن
~~قبله من أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام، وعلى هذا بنى الإستدلال بالآية
~~من قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ، وتقديم الجار والمجرور على
~~الفاعل لما مر غير مرة، والمراد: يحكم بأحكامها النبيون.

# { الذين أسلموا } صفة أجريت على النبيين  كما قيل  على سبيل
~~المدح، والظاهر لهم، ونظر فيه ابن المنير «بأن المدح إنما يكون غالبا
~~بالصفات الخاصة التي يتميز بها الممدوح عمن دونه، والإسلام أمر عام
~~يتناول أمم الأنبياء ومتبعيهم كما يتناولهم، ألا ترى أنه لا يحسن في مدح
~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتصر على كونه رجلا مسلما؛ فإن أقل
~~متبعيه كذلك، ثم قال: فالوجه  والله تعالى أعلم  / أن الصفة قد تذكر
~~لتعظم في نفسها، ولينوه بها إذا وصف بها عظيم القدر، كما تذكر ms02385 تنويها
~~بقدر موصوفها،... وعلى هذا الأسلوب جرى وصف الأنبياء عليهم السلام
~~بالصلاح في غير ما آية تنويها بمقدار الصلاح إذ جعل صفة للأنبياء عليهم
~~السلام، وبعثا لآحاد الناس على الدأب في تحصيل صفته، وكذلك قيل في قوله
~~تعالى:

# الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد
~~ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا

# [غافر: 7]، فأخبر سبحانه عن الملائكة المقربين بالإيمان تعظيما لقدره،
~~وبعثا للبشر على الدخول فيه ليساووا الملائكة المقربين في هذه الصفة،
~~وإلا فمن المعلوم أن الملائكة مؤمنون ليس إلا، كيف لا! وهم  عند ربهم 
~~كما في الخبر، ثم قال جل وعلا: { ويستغفرون للذين ءامنوا
~~} يعني من البشر لثبوت حق الأخوة في الإيمان بين القبيلتين، فلذلك 
~~والله تعالى أعلم  جرى وصف الأنبياء في هذه الآية بالإسلام تنويها به،
~~ولقد أحسن القائل: أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف، وحسان الناظم في مدحه
~~عليه الصلاة والسلام بقوله:

# ما إن مدحت محمدا بمقالتي

# لكن مدحت مقالتي بمحمد

# والإسلام  وإن كان من أشرف الأوصاف، إذ حاصله معرفة الله تعالى بما يجب
~~له ويستحيل عليه ويجوز في حقه  إلا أن النبوة أشرف وأجل لاشتمالها على
~~عموم الإسلام مع خواص المواهب التي لا تسعها العبارة؛ فلو لم نذهب إلى
~~الفائدة المذكورة في ذكر الإسلام بعد النبوة [في سياق المدح] لخرجنا عن
~~قانون البلاغة المألوف في الكتاب العزيز وفي كلام العرب الفصيح، وهو
~~الترقي من الأدنى إلى الأعلى لا النزول على العكس، ألا ترى أن أبا الطيب
~~كيف تزحزح عن هذا المهيع في قوله:

# شمس ضحاها هلال ليلتها

# در مقاصيرها زبرجدها

# فنزل عن الشمس إلى الهلال، وعن الدر إلى الزبرجد [في سياق المدح] فمضغت
~~الألسن عرض بلاغته ومزقت أديم صنعته فعلينا أن نتدبر الآيات المعجزات حتى
~~يتعلق فهمنا بأهداب علوها في البلاغة المعهودة لها، والله تعالى الموفق
~~للصواب» انتهى. وفي «المفتاح» و «التخليص» إشارة إلى ما ذكره، وإيراد
~~الطيبي عليه ما أورده غير طيب، نعم قد يقال: إن القائل بكونها مادحة لمن
~~جرت عليه نفسه قد يدعي أن ذلك مما ms02386 لا بأس به إذا قصد مع المدح فوائد أخر
~~كالتنويه بعلو مرتبة المسلمين هنا والتعريض باليهود بأنهم بمعزل عن
~~الإسلام، على أنه قد ورد في الفصيح  بل في الأفصح  ذكر غير الأبلغ بعد
~~الأبلغ من الصفات، ومن ذلك

# الرحمن الرحيم

# [الفاتحة: 3] حيث كان متضمنا نكتة، وقال عصام الملة: إن الإسلام للنبي
~~كمال المدح لأن الانقياد من المقتدي للخلائق التي لا تحصى وصف لا وصف
~~فوقه، ويمكن أن يكون الوصف به هنا إشعارا بمنشأ الحكم ليحافظ عليه الأمة
~~ولا يخرم، ولا يتوهم أن الحكم للنبوة، فغير النبي صلى الله عليه وسلم
~~خارج عن هذا المسلك انتهى، وفيه تأمل، إذ الترقي من الأدنى إلى الأعلى لم
~~يظهر بعد، ونهاية الأمر الرجوع إلى نحو ما تقدم فافهم.

# { للذين هادوا }  أي تابوا من الكفر  كما قاله ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنه  والمراد بهم: اليهود  كما قال الحسن  والجار إما
~~متعلق  بيحكم  أي يحكمون فيما بينهم، واللام إما لبيان اختصاص الحكم
~~بهم أعم من أن يكون لهم أو عليهم، كأنه قيل: لأجل الذين هادوا، وإما
~~للإيذان بنفعه للمحكوم عليه أيضا بإسقاط التبعة عنه، وإما للإشعار بكمال
~~رضاهم به وانقيادهم له كأنه أمر نافع لكلا الفريقين ففيه تعريض
~~بالمحرفين، وقيل: من باب

# سرابيل / تقيكم الحر

# [النحل: 81] وإما متعلق  بأنزلنا  ولعل الفاصل ليس بالأجنبي ليضر،
~~وقيل: بأنزل على صيغة المبني للمفعول، وحذف لدلالة الكلام عليه، وتكون
~~الجملة حينئذ معترضة، وعلى هذا تكون الآية نصا في تخصيص النبيين
~~بأنبياء بني إسرائيل لأنه لا يلزم من إنزالها لهم اختصاصها بهم، وقيل:
~~الجار متعلق  بهدى ونور  وفيه فصل بين المصدر ومعموله، وقيل: متعلق
~~بمحذوف وقع صفة لهما أي هدى ونور كائنان لهما، وكلام الزجاج يحتمل هذا
~~وما قبله.

# { والربنيون والأحبار } أي العباد والعلماء قاله قتادة،
~~وقال مجاهد: الربانيون العلماء الفقهاء وهم فوق الأحبار، وعن ابن زيد
~~الربانيون الولاة، والأحبار العلماء، والواحد: حبر بالفتح والكسر، قال
~~الفراء: وأكثر ما سمعت فيه الكسر، وهو مأخوذ من التحبير والتحسين، فإن
~~العلماء يحبرون ms02387 العلم ويزينونه ويبينونه، ومن ذلك الحبر  بكسر الحاء لا
~~غير  لما يكتب به، وهذا عطف على { النبيون } أي هم أيضا يحكمون
~~بأحكامها، وتوسيط المحكوم لهم  كما قال شيخ الإسلام  بين المتعاطفين
~~للإيذان بأن الأصل في الحكم بها، وحمل الناس على ما فيها هم النبيون،
~~وإنما الربانيون والأحبار خلفاء ونواب لهم في ذلك كما ينبىء عنه قوله
~~تعالى: { بما استحفظوا } أي بالذي استحفظوه من جهة النبيين وهو
~~التوراة حيث سألوهم أن يحفظوها من التغيير والتبديل على الإطلاق، ولا ريب
~~في أن ذلك منهم عليهم السلام مشعر باستخلافهم في إجراء أحكامها من غير
~~إخلال بشيء منها، والجار متعلق بيحكم، و (ما) موصولة، وضمير الجمع عائد
~~إلى الربانيين والأحبار.

# وقوله تعالى: { من كتب الله } بيان  لما  وفي الإبهام
~~والبيان بذلك ما لا يخفى من تفخيم أمر التوراة ذاتا وإضافة، وفيه أيضا
~~تأكيد إيجاب حفظها والعمل بما فيها، والباء الداخلة على الموصول سببية
~~فلا يلزم تعلق حرفي جر متحدي المعنى بفعل واحد أي ويحكم الربانيون
~~والأحبار أيضا بالتوراة بسبب ما حفظوه من كتاب الله حسبما وصاهم به
~~أنبياؤهم وسألوهم أن يحفظوه، وليس المراد بسببيته لحكمهم ذلك سببيته من
~~حيث الذات بل من حيث كونه محفوظا، فإن تعليق حكمهم بالموصول مشعر بسببية
~~الحفظ المترتب لا محالة على ما في حيز الصلة من الاستحفاظ له، وتوهم
~~بعضهم أن ما بمعنى أمر، و { من } لتبيين مفعول محذوف  لاستحفظوا 
~~والتقدير بسبب أمر استحفظوا به شيئا من كتاب الله وهو مما لا ينبغي أن
~~يخرج عليه كتاب الله تعالى، وقيل: الأولى أن تجعل (ما) مصدرية ليستغنى عن
~~تقدير العائد، وحينئذ لا يتأتى القول بأن { من } بيان لها، ومن الناس
~~من جوز كون { بما } بدلا من بها، وأعيد الجار لطول الفصل وهو جائز
~~أيضا وإن لم يطل، ومنهم من أرجع الضمير المرفوع للنبيين ومن عطف عليهم،
~~فالمستحفظ حينئذ هو الله تعالى، وحديث الإنباء لا يتأتى إذ ذاك، وقيل:
~~إن { الربنيون } فاعل بفعل محذوف والباء صلة له، والجملة
~~معطوفة على ما ms02388 قبلها، أي ويحكم الربانيون والأحبار بحكم كتاب الله تعالى
~~الذي سألهم أنبياؤهم أن يحفظوه من التغيير.

# { وكانوا عليه شهداء } عطف على { استحفظوا } ومعنى
~~شهداء رقباء يحمونه من أن يحوم حول حماه التغيير والتبديل بوجه من
~~الوجوه، أو شهداء عليه أنه حق. ورجح على الأول بأنه يلزم عليه أن يكون {
~~الربنيون والأحبار } رقباء على أنفسهم لا يتركونها أن
~~تغير وتحرف التوراة لأن المحرف لا يكون إلا منهم لا من العامة، وهو كما
~~ترى ليس فيه مزيد معنى، وإرجاع ضمير { كانوا } للنبيين مما لا يكاد
~~يجوز، وقيل: عطف على { يحكم } المحذوف المراد منه حكاية الحال
~~الماضية أي حكم الربانيون والأحبار بكتاب الله تعالى. / وكانوا شهداء
~~عليه، ويجوز على هذا  بلا خفاء  أن تكون الشهادة مستعارة للبيان أي
~~مبينين ما يخفي منه، وأمر التعدي بعلى سهل، ولعل المراد به شيء وراء
~~الحكم، وقيل: الضمير المرفوع هنا كسابقه عائد على النبيين وما عطف عليه،
~~والعطف إما على { استحفظوا } أو على { يحكم } وتوهم عبارة
~~البعض  حيث قال وبسبب كونهم شهداء  أن العطف على  ما  الموصولة
~~فيؤول { كانوا } بالمصدر، وكأن المقصود منه تلخيص المعنى لكون ما ذكر
~~ضعيفا فيما لا يكون المعطوف عليه حدثا، وأما العطف على كتاب الله بتقدير
~~حرف مصدري ليكون المعطوف داخلا تحت الطلب فكما ترى، وإرجاع ضمير {
~~عليه } إلى حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالرجم كما روي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنه مما تأباه العربية في بعض الاحتمالات، وهو وإن
~~جاز عربية في البعض الآخر لكنه خلاف الظاهر ولا قرينة عليه، ولعل مراد
~~الحبر بيان بعض ما تضمنه الكتاب الذي هم شهداء عليه، وبالجملة احتمالات
~~هذه الآية كثيرة.

# { فلا تخشوا الناس } خطاب لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق
~~الالتفات كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه والسدى والكلبي،
~~ويتناول النهي غير أولئك المخاطبين بطريق الدلالة، والفاء لجواب شرط
~~محذوف أي إذا كان الشأن كما ذكر يا أيها الأحبار فلا تخشوا الناس كائنا
~~من كان، واقتدوا في مراعاة أحكام التوراة ms02389 وحفظها بمن قبلكم من النبيين
~~والربانيين والأحبار، ولا تعدلوا عن ذلك ولا تحرفوا خشية من أحد {
~~واخشون } في ترك أمري فإن النفع والضر بيدي، أو في الإخلال بحقوق
~~مراعاتها فضلا عن التعرض لها بسوء { ولا تشتروا } أي لا تستبدلوا
~~بآياتي التي فيها بأن تخرجوها منها أو تتركوا العمل بها وتأخذوا لأنفسكم
~~{ ثمنا قليلا } من الرشوة والجاه وسائر الحظوظ الدنيوية، فإنها وإن
~~جلت قليلة مسترذلة في نفسها لا سيما بالنسبة إلى ما يفوتهم بمخالفة
~~الأمر، وذهب الحسن البصري إلى أن الخطاب للمسلمين وهو الذي ينبىء عنه
~~كلام الشعبي.

# وعن ابن مسعود  وهو الوجه كما في «الكشف»  أنه عام، والفاء على
~~الوجهين فصيحة أي وحين عرفتم ما كان عليه النبيون والأحبار، وما تواطأ
~~عليه الخلوف من أمر التحريف والتبديل للرشوة والخشية، فلا تخشوا الناس
~~ولا تكونوا أمثال هؤلاء الخالفين، والذي يقتضيه كلام بعض أئمة العربية
~~أنها على الوجه فصيحة أيضا، وقد تقدم الكلام على مثل هذا التركيب فتذكر.

# { ومن لم يحكم بما أنزل الله } من الأحكام {
~~فأولئك } إشارة إلى { من } والجمع باعتبار معناها كما أن
~~الإفراد في سابقه باعتبار لفظها، وهو مبتدأ خبره جملة قوله سبحانه: {
~~هم الكفرون } ويجوز أن يكون { هم } ضمير فصل، و {
~~الكفرون } هو الخبر، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها أبلغ
~~تقرير وتحذير عن الإخلال به أشد تحذير.

# واحتجت الخوارج بهذه الآية على أن الفاسق كافر غير مؤمن، ووجه الاستدلال
~~بها أن كلمة { من } فيها عامة شاملة لكل من لم يحكم بما أنزل الله
~~تعالى، فيدخل (الفاسق) المصدق أيضا لأنه غير حاكم وعامل بما أنزل الله
~~تعالى، وأجيب بأن الآية متروكة الظاهر، فإن الحكم وإن كان شاملا لفعل
~~القلب والجوارح لكن المراد به هنا عمل القلب وهو التصديق، ولا نزاع في
~~كفر من لم يصدق بما أنزل الله تعالى، وأيضا إن المراد عموم النفي بحمل
~~(ما) على الجنس، ولا شك أن من لم يحكم بشيء مما أنزل الله تعالى لا يكون
~~إلا غير مصدق ولا نزاع في كفره، ms02390 وأيضا أخرج ابن منصور وأبو الشيخ / وابن
~~مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إنما أنزل الله تعالى  {
~~ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
~~الكفرون }. و { الظلمون } و { الفسقون }  في
~~اليهود خاصة، وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال: الثلاث الآيات التي في
~~المائدة { ومن لم يحكم بما أنزل } الخ ليس في أهل الإسلام
~~منها شيء هي في الكفار، وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة وابن جرير عن الضحاك
~~نحو ذلك، ولعل وصفهم بالأوصاف الثلاث باعتبارات مختلفة، فلانكارهم ذلك
~~وصفوا  بالكافرين  ولوضعهم الحكم في غير موضعه وصفوا  بالظالمين 
~~ولخروجهم عن الحق وصفوا  بالفاسقين  أو أنهم وصفوا بها باعتبار أطوارهم
~~وأحوالهم المنضمة إلى الامتناع عن الحكم، فتارة كانوا على حال تقتضي
~~الكفر، وتارة على أخرى تقتضي الظلم أو الفسق، وأخرج أبو حميد وغيره عن
~~الشعبي أنه قال: الثلاث الآيات التي في المائدة أولها: لهذه الأمة.

# والثانية: في اليهود. والثالثة: في النصارى، ويلزم على هذا أن يكون
~~المؤمنون أسوأ حالا من اليهود والنصارى إلا أنه قيل: إن الكفر إذا نسب
~~إلى المؤمنين حمل على التشديد والتغليظ، والكافر إذا وصف بالفسق والظلم
~~أشعر بعتوه وتمرده فيه. ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن المنذر والحاكم وصححه
~~والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الكفر
~~الواقع في أولى الثلاث: إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه إنه ليس كفرا
~~ينقل عن الملة كفر دون كفر، والوجه أن هذا كالخطاب عام لليهود وغيرهم،
~~وهو مخرج مخرج التغليظ، أو يلتزم أحد الجوابين، واختلاف الأوصاف لاختلاف
~~الاعتبارات، والمراد من الأخيرين منها الكفر أيضا عند بعض المحققين،
~~وذلك بحملهما على الفسق والظلم الكاملين، وما أخرجه الحاكم وصححه. وعبد
~~الرزاق وابن جرير عن حذيفة رضي الله تعالى عنه  أن الآيات الثلاثة ذكرت
~~عنده فقال رجل: إن هذا في بني إسرائيل فقال حذيفة: نعم الأخوة لكم بنو
~~إسرائيل إن كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة، كلا والله لتسلكن طريقهم قد
~~الشراك  يحتمل ms02391 أن يكون ذلك ميلا منه إلى القول بالعموم، ويحتمل أن يكون
~~كما قيل: ميلا إلى القول بأن ذلك في المسلمين، وروي الأول عن علي بن
~~الحسين رضي الله تعالى عنهما إلا أنه قال: كفر ليس ككفر الشرك وفسق ليس
~~كفسق الشرك وظلم ليس كظلم الشرك.

# هذا وقد تكلم بعض العارفين على ما في بعض هذه الآيات من الإشارة فقال: {
~~يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله } أي اتقوه سبحانه
~~بتزكية نفوسكم من الأخلاق الذميمة { وابتغوا إليه الوسيلة }
~~أي واطلبوا إليه تعالى الزلفى بتحليتها بالأخلاق المرضية { وجهدوا
~~فى سبيله } بمحو الصفات والفناء في الذات

# لعلكم تفلحون

# [المائدة: 35] أي لكي تفوزوا بالمطلوب، وقيل: ابتغاء الوسيلة التقرب
~~إليه بما سبق من إحسانه وعظيم رحمته وهو على حد قوله:

# أيا جود معن ناج معنا بحاجتي

# فليس إلى معن سواه شفيع

# { إن الذين كفروا لو أن لهم ما فى الأرض } أي
~~ما في الجهة السفلية { جميعا ومثله معه ليفتدوا به
~~من عذاب يوم القيمة } الكبرى

# ما تقبل منهم

# [المائدة: 36] لأنه سبب زيادة الحجاب والبعد ولا ينجع ثمة إلا ما في
~~الجهة العلوية من المعارف والحقائق النورية { والسارق
~~والسارقة } أي المتناول من الأنفس والمتناولة من القوى النفسانية
~~للشهوات التي حرمت عليها { فاقطعوا أيديهما } أي امنعوهما
~~بحسم قدرتهما بسيف المجاهدة وسكين الرياضة { جزاء بما كسبا } من
~~تناول ما لا يحل تناوله لها

# نكلا

# [المائدة: 38] أي عقوبة من الله عز وجل { سمعون للكذب }
~~ووساوس شيطان النفس { سماعون لقوم آخرين } وهم القوى
~~النفسانية { لم يأتوك } أي ينقادوا لكم، / أو { سمعون
~~لقوم } يسنون السنن السيئة { يحرفون الكلم } وهي التعينات
~~الالهية { من بعد موضعه } فيزيلونها عما هي من الدلالة على
~~الوجود الحقاني، أو يغيرون قوانين الشريعة بتمويهات الطبيعة  كمن يؤول
~~القرآن والأحاديث على وفق هواه  وليس ما نحن فيه من هذا القبيل كما
~~يزعمه المحجوبون لأن ذلك إنما يكون بإنكار أن يكون الظاهر مرادا لله
~~تعالى، وقصر مراده سبحانه على هذه التأويلات، ونحن نبرأ إلى الله عز وجل
~~من ذلك فإنه كفر صريح، ms02392 وإنما نقول: المراد هو الظاهر وبه تعبد الله تعالى
~~خلقه لكن فيه إشارة إلى أشياء أخر لا يكاد يحيط بها نطاق الحصر يوشك أن
~~يكون ما ذكر بعضا منها { ومن يرد الله فتنته فلن
~~تملك له من الله شيئا } قال ابن عطاء: من يحجبه الله تعالى
~~عن فوائد أوقاته لم يقدر أحد إيصاله إليه

# أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم

# [المائدة: 41] أي بالمراقبة والمراعاة، وقال أبو بكر الوراق: طهارة
~~القلب في شيئين: إخراج الحسد والغش، وحسن الظن بجماعة المسلمين {
~~أكلون للسحت } وهو ما يأكلونه بدينهم { فإن جاءوك
~~فاحكم بينهم } مداويا لدائهم إن رأيت التداوي سببا لشفائهم {
~~أو أعرض عنهم } إن تيقنت إعواز الشفاء لشقائهم

# وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط

# [المائدة: 42] أي داوهم على ما يستحقون ويقتضيه داؤهم، والكلام في باقي
~~الآيات ظاهر والله تعالى الموفق.

### || [5.45]

# { وكتبنا } عطف على

# أنزلنا التورة

# [المائدة: 44] والمعنى قدرنا وفرضنا { عليهم } أي على الذين هادوا،
~~وفي مصحف أبي (وأنزلنا على بني إسرائيل) { فيها } أي في التوراة،
~~والجار متعلق بكتبنا، وقيل: بمحذوف وقع حالا أي فرضنا هذه الأمور مبينة
~~فيها، وقيل: صفة لمصدر محذوف أي كتبنا كتابة مبينة فيها. { أن
~~النفس بالنفس } أي مأخوذة أو مقتولة أو مقتصة بها إذا قتلتها
~~بغير حق، ويقدر في كل مما في قوله تعالى: { والعين بالعين
~~والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن } ما
~~يناسبه كالفقء. والجدع والصلم والقلع، ومنهم من قدر الكون المطلق وقال:
~~إنه مرادهم أي يستقر أخذها بالعين ونحو ذلك. وقرأ الكسائي: { العين }
~~وما عطف عليه بالرفع، ووجهه أبو علي الفارسي بأن الكلام حينئذ جمل معطوفة
~~على جملة { أن النفس بالنفس } لكن من حيث المعنى لا من حيث
~~اللفظ، فإن معنى  كتبنا عليهم أن النفس بالنفس  قلنا لهم: النفس
~~بالنفس، فالجملة مندرجة تحت ما كتب على بني إسرائيل، وجعله ابن عطية على
~~هذا القول من العطف على التوهم وهو غير مقيس، وقيل: إنه محمول على
~~الاستئناف بمعنى أن الجمل إسمية معطوفة على الجملة الفعلية، ويكون هذا ms02393
~~ابتداء تشريع وبيان حكم جديد غير مندرج فيما كتب في التوراة، وقيل: إنه
~~مندرج فيه أيضا على هذا، والتقدير وكذلك  العين بالعين  الخ لتتوافق
~~القراءتان. وقال الخطيب: لا عطف، والاستئناف بمعناه المتبادر منه،
~~والكلام جواب سؤال كأنه قيل: ما حال غير النفس؟ فقال سبحانه: { العين
~~بالعين } الخ، وقيل: إن العين وكذا سائر المرفوعات معطوفة على
~~الضمير المرفوع المستتر في الجار والمجرور الواقع خبرا، والجار والمجرور
~~بعدها حال مبينة للمعنى، وضعف هذا بأنه يلزمه العطف على الضمير المرفوع
~~المتصل من غير فصل ولا تأكيد، وهو لا يجوز عند البصريين إلا ضرورة. وأجيب
~~بأنه مفصول تقديرا إذ أصله النفس مأخوذة أو مقتصة هي بالنفس إذ الضمير
~~مستتر في المتعلق المقدم على الجار والمجرور بحسب الأصل وإنما تأخر بعد
~~الحذف وانتقاله إلى الظرف كذا قيل، وهو يقتضي / أن الفصل المقدر يكفي
~~للعطف وفيه نظر، ويقدر المتعلق على هذا عاما ليصح العطف إذ لو قدر النفس
~~مقتولة بالنفس والعين لم يستقم المعنى كما لا يخفى فليفهم.

# واعلم أن النفس في كلامهم إذا أريد منها الإنسان بعينه مذكر، ويقال:
~~ثلاثة أنفس على معنى ثلاثة أشخاص، وإذا أريد بها الروح فهي مؤنثة لا غير،
~~وتصغيرها نفيسة لا غير، والعين بمعنى الجارحة المخصوصة مؤنثة، وإطلاق
~~القول بالتأنيث لا يظهر له وجه إذ لا يصح أن يقال: هذه عين هؤلاء الرجال،
~~وأنت تريد الخيار، والأذن مثلها، والأنف مذكر لا غير، والسن تؤنث ولا
~~تذكر وإن كانت السن من الكبر لكن ذكر ابن الشحنة أن السن تطلق على الضرس
~~والناب، وقد نصوا على أنهما مذكران وكذا الناجذ والضاحك والعارض، ونص ابن
~~عصفور على أن الضرس يجوز فيه الأمران، ونظم ما يجوز فيه ذلك بقوله:

# وهاك من الأعضاء ما قد عددته

# تؤنث أحيانا وحينا تذكر

# لسان الفتى والإبط والعنق والقفا

# وعاتقه والمتن والضرس يذكر

# وعندي الذراع. والكراع مع المعى

# وعجز الفتى ثم القريض المحبر

# كذا كل نحوي حكى في كتابه

# سوى سيبويه وهو فيهم مكبر

# يرى أن تأنيث الذراع هو ms02394 الذي

# أتى وهو للتذكير في ذلك منكر

# وقد شاع أن ما منه اثنان في البدن كاليد والضلع والرجل مؤنث، وما منه
~~واحد كالرأس والفم والبطن مذكر، وليس ذاك بمطرد، فإن الحاجب والصدغ والخد
~~والمرفق والزند كل منها مذكر مع أن في البدن منه اثنين، والكبد والكرش
~~فإنهما مؤنثان وليس منهما في البدن إلا واحد، وتفصيل ما يذكر ولا يؤنث
~~وما يؤنث ولا يذكر من الأعضاء يفضي إلى بسط يد المقال، والكف أولى بمقتضى
~~الحال هذا.

# { والجروح قصاص } بالنصب عطف على اسم { أن } ، و { قصاص }
~~هو الخبر، ولكونه مصدرا كالقتال، وليس عين المخبر عنه يؤول بأحد
~~التأويلات المعروفة في أمثاله، والكسائي كما قرأ بالرفع فيما قبل قرأ به
~~هنا أيضا، وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وإن نصبوا فيما تقدم رفعوا هنا
~~على أنه إجمال لحكم الجراح بعد ما فصل حكم غيرها من الأعضاء، وهذا الحكم
~~فيما إذا كانت بحيث تعرف المساواة كما فصل في الكتب الفقهية.

# واستدل بعموم { أن النفس بالنفس } من قال: يقتل المسلم
~~بالكافر والحر بالعبد والرجل بالمرأة، ومن خالف استدل بقوله تعالى:

# الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى

# [البقرة: 178] وبقوله صلى الله عليه وسلم:

# " لا يقتل مؤمن بكافر "

# وأجاب بعض أصحابنا بأن النص تخصيص بالذكر فلا يدل على نفي ما عداه،
~~والمراد بما روى الحربي لسياقه «ولا ذوعهد في عهده»، والعطف يقتضي
~~المغايرة، وقد روي

# " أنه عليه الصلاة والسلام قتل مسلما بذمي "

# وذكر ابن الفرس أن الآية في الأحرار المسلمين لأن اليهود المكتوب عليهم
~~ذلك في التوراة كانوا ملة واحدة ليسوا منقسمين إلى مسلم وكافر، وكانوا
~~كلهم أحرارا لا عبيد فيهم، لأن عقد الذمة والاستعباد إنما أبيح للنبي
~~صلى الله عليه وسلم من بين سائر الأنبياء لأن الاستعباد من الغنائم، ولم
~~تحل لغيره عليه الصلاة والسلام، وعقد الذمة لبقاء الكفار ولم يقع ذلك في
~~عهد نبي بل كان المكذبون يهلكون جميعا بالعذاب، وأخر ذلك في هذه الأمة
~~رحمة انتهى.

# / وأنت تعلم أن اللفظ ظاهر في العموم لكن ms02395 لم يبقوه على ذلك، فقد قال
~~الأصحاب: لا يقتل المسلم بالمستأمن ولا الذمي به لأنه غير محقون الدم على
~~التأبيد، وكذا كفره باعث على الحراب لأنه على قصد الرجوع، ولا المستأمن
~~بالمستأمن استحسانا لقيام المبيح، ويقتل قياسا للمساواة، ولا الرجل
~~بابنه لقوله صلى الله عليه وسلم:

# " لا يقاد الوالد بولده "

# وهو باطلاقه حجة على مالك في قوله: يقاد إذا ذبحه ذبحا، ولأنه سبب
~~لإحيائه، فمن المحال أن يستحق له إفناؤه، ولهذا لا يجوز له قتله وإن وجده
~~في صف الأعداء مقاتلا أو زانيا وهو محصن، والقصاص يستحقه المقتول أولا
~~ثم يخلفه وارثه، والجد من قبل الرجال والنساء وإن علا في هذا بمنزلة
~~الأب، وكذا الوالدة والجدة من قبل الأم أو الأب قربت أو بعدت لما بينا،
~~ولا الرجل بعبده ولا مدبره، ولا مكاتبه ولا بعبد ولده لأنه لا يستوجب
~~لنفسه على نفسه القصاص ولا ولده عليه، وكذا لا يقتل بعبد ملك بعضه لأن
~~القصاص لا يتجزأ فليفهم، واستدل بها على ما روي عن الإمام أحمد رضي الله
~~تعالى عنه من أنه لا يقتل الجماعة بالواحد لقوله تعالى فيها: { أن
~~النفس بالنفس } بالإفراد، وأجيب بأن حكمة القصاص  وهو صون
~~الدماء والأحياء  اقتضت القتل، وصرف الآية عما ذكر فإنه لو كان كذلك
~~قتلوا مجتمعين حتى يسقط عنهم القصاص، وحينئذ تهدر الدماء ويكثر الفساد
~~كذا قيل.

# { فمن تصدق } أي من المستحقين للقصاص { به } أي بالقصاص أي فمن
~~عفا عنه، والتعبير عن ذلك بالتصدق للمبالغة في الترغيب { فهو } أي
~~التصدق المذكور { كفارة له } للمتصدق كما أخرجه ابن أبي شيبة عن
~~الشعبي وعليه أكثر المفسرين، وأخرج الديلمي عن ابن عمر رضي الله تعالى
~~عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ الآية فقال:

# " هو الرجل يكسر سنه أو يجرح من جسده فيعفو فيحط عنه من خطاياه بقدر ما
~~عفا عنه من جسده، إن كان نصف الدية فنصف خطاياه، وإن كان ربع الدية فربع
~~خطاياه، وإن كان ثلث الدية فثلث خطاياه، وإن كان الدية كلها ms02396 فخطاياه كلها
~~"

# وأخرج سعيد بن منصور وغيره عن عدي بن ثابت «أن رجلا هتم فم رجل على عهد
~~معاوية رضي الله تعالى عنه فأعطي دية فأبى إلا أن يقتص فأعطي ديتين فأبى
~~فأعطي ثلاثا فحدث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن رسول الله
~~عليه الصلاة والسلام قال:

# " من تصدق بدم فما دونه فهو كفارة له من يوم ولد إلى يوم يموت "

# وقيل: الضمير عائد إلى الجاني، وإلى ذلك ذهب ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما فيما أخرجه عنه ابن جرير ومجاهد وجابر فيما أخرجه عنهما ابن أبي
~~شيبة، ومعنى كون ذلك كفارة له على هذا التقدير أنه يسقط به ما لزمه
~~ويتعين عليه أن يكون خبر المبتدأ مجموع الشرط والجزاء حيث لم يكن العائد
~~إلا في الشرط، وإليه ذهب العلامة الثاني، وقيل: إن في الجزاء عائدا
~~أيضا باعتبار أن هو بمعنى تصدقه فيشتمل بحسب المعنى على ضمير المبتدأ،
~~فالتعين ليس بمسلم، وقال بعضهم: إنه يحتمل أن يكون معنى الآية أن كل من
~~تصدق واعترف بما يجب عليه من القصاص، وانقاد له فهو كفارة لما جناه من
~~الذنب، ويلائمه كل الملاءمة قوله تعالى:

# { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
~~الظلمون } فضمير { له } حينئذ عائد إلى المتصدق مرادا به
~~الجاني نفسه، وفيه بعد ظاهر، وقرأ أبي (فهو كفارته له)، فالضمير المرفوع
~~حينئذ للمتصدق لا للتصدق، وكذا الضميران المجروران والإضافة للاختصاص
~~واللام مؤكدة لذلك، أي فالمتصدق كفارته التي يستحقها بالتصدق له لا ينقص
~~منها شيء لأن بعض الشيء لا يكون ذلك الشيء، وهو تعظيم لما فعل حيث جعل
~~مقتضيا للاستحقاق اللائق من غير نقصان، وفيه ترغيب في العفو، والآية
~~نزلت  كما قال غير واحد  لما اصطلح اليهود على أن / لا يقتلوا الشريف
~~بالوضيع والرجل بالمرأة، فلم ينصفوا المظلوم من الظالم، وعن السيد السند
~~أن القصاص كان في شريعتهم متعينا عليهم فيكون التصدق مما زيد في
~~شريعتنا، وقال الضحاك: لم يجعل في التوراة دية في نفس ولا جرح، وإنما ms02397 كان
~~العفو أو القصاص وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية.

### || [5.46]

# { وقفينا على ءاثرهم } شروع في بيان أحكام الإنجيل  كما
~~قيل  إثر بيان أحكام التوراة، وهو عطف على

# أنزلنا التورة

# [المائدة: 44] وضمير الجمع المجرور  للنبيين الذين أسلموا  كما قاله
~~أكثر المفسرين، واختاره علي بن عيسى والبلخي، وقيل: للذين فرض عليهم
~~الحكم الذي مضى ذكره، وحكي ذلك عن الجبائي  وليس بالمختار  والتقفية
~~الاتباع، ويقال: قفا فلان إثر فلان إذا تبعه، وقفيته بفلان إذا أتبعته
~~إياه، والتقدير هنا أتبعناهم على آثارهم { بعيسى ابن مريم }
~~فالفعل كما قيل: متعد لمفعولين أحدهما بنفسه والآخر بالباء، والمفعول
~~الأول محذوف، و { على ءاثرهم } كالساد مسده لأنه إذا قفا به على
~~آثارهم فقد قفاهم به، واعترض بأن الفعل قبل التضعيف كان متعديا إلى
~~واحد، وتعدية المتعدي إلى واحد لثان بالباء لا تجوز سواء كان بالهمزة أو
~~التضعيف، ورد بأن الصواب أنه جائز لكنه قليل، وقد جاء منه ألفاظ قالوا:
~~صك الحجر الحجر، وصككت الحجر بالحجر، ودفع زيد عمرا ودفعت زيدا بعمرو
~~أي جعلته دافعا له. وذهب بعض المحققين إلى أن التضعيف فيما نحن فيه ليس
~~للتعدية، وأن تعلق الجار بالفعل لتضمينه معنى المجيء أي جئنا بعيسى ابن
~~مريم على آثارهم قافيا لهم فهو متعد لواحد لا غير بالباء، وحاصل المعنى
~~أرسلنا عيسى عليه السلام عقيبهم { مصدقا لما بين يديه من
~~التورة } حال من عيسى مؤكدة فإن ذلك من لازم الرسول عليه الصلاة
~~والسلام.

# { وءاتينه الإنجيل } عطف على { قفينا } ، وقرأ الحسن
~~بفتح الهمزة، ووجه صحة ذلك أنه اسم أعجمي فلا بأس بأن يكون على ما ليس في
~~أوزان العرب، وهو بأفعيل أو فعليل بالفتح، وإما إفعيل بالكسر فله نظائر 
~~كإبزيم وإحليل  وغير ذلك { فيه هدى ونور } كما في التوراة،
~~والجملة في موضع النصب على أنها حال من الإنجيل، وقوله تعالى: {
~~ومصدقا لما بين يديه من التورة } عطف على الحال
~~وهو حال أيضا، وعطف الحال المفردة على الجملة الحالية وعكسه جائز
~~لتأويلها بمفرد وتكرير هذا لزيادة التقرير، وقوله عز وجل: ms02398 { وهدى
~~وموعظة للمتقين } عطف على ما تقدم منتظم معه في سلك
~~الحالية، وجعل كله هدى  بعد ما جعل مشتملا عليه  مبالغة في التنويه
~~بشأنه لما أن فيه البشارة بنبينا صلى الله عليه وسلم أظهر، وتخصيص
~~المتقين بالذكر لأنهم المهتدون بهداه والمنتفعون بجدواه، وجوز نصب {
~~هدى وموعظة } على المفعول لها عطفا على مفعول له آخر مقدر أي
~~إثباتا لنبوته وهدى الخ، ويجوز أن يكونا معللين لفعل محذوف عامل فيه أي:
~~وهدى وموعظة للمتقين آتيناه ذلك.

### || [5.47]

# { وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه } أمر
~~مبتدأ لهم بأن يحكموا ويعملوا بما فيه من الأمور التي من جملتها دلائل
~~رسالته صلى الله عليه وسلم وما قررته شريعته الشريفة من أحكامه، وأما
~~الأحكام المنسوخة فليس الحكم بها حكما بما أنزل الله تعالى بل هو إبطال
~~وتعطيل له إذ هو شاهد بنسخها وانتهاء وقت العمل بها لأن شهادته بصحة ما
~~ينسخها من الشريعة الأحمدية شاهدة بنسخها، وأن أحكامه ما قررته تلك
~~الشريعة التي تشهد بصحتها  كما قرره شيخ الإسلام قدس سره  واختار كونه
~~أمرا / مبتدأ الجبائي، وقيل: هو حكاية للأمر الوارد عليهم بتقدير فعل
~~معطوف على 

# ءاتينه

#  [المائدة: 46] أي وقلنا ليحكم أهل الإنجيل؛ وحذف القول  لدلالة ما
~~قبله عليه  كثير في الكلام، ومنه قوله تعالى:

# والملئكة يدخلون عليهم من كل باب * سلم
~~عليكم

# [الرعد: 23، 24] واختار ذلك علي بن عيسى.

# وقرأ حمزة { وليحكم } بلام الجر ونصب الفعل بأن مضمرة، والمصدر
~~معطوف على

# هدى وموعظة

# [المائدة: 46] على تقدير كونهما معللين، وأظهرت اللام فيه لاختلاف
~~الفاعل، فإن فاعل الفعل المقدر ضمير الله تعالى، وفاعل هذا أهل الكتاب،
~~وهو متعلق بمحذوف على الوجه الأول في { هدى وموعظة } أي وآتيناه
~~ليحكم الخ، وإنما لم يعطف لعدم صحة عطف العلة على الحال، ومنهم من جوز
~~العطف بناءا على أن الحال هنا في معنى العلة وهو ضعيف، وقدر بعضهم في
~~الكلام على تقدير التعليل عليه متعلقا  بأنزل  ليصح كونه علة لايتاء
~~عيسى عليه الصلاة والسلام ما ذكر. وعن أبي علي أنه قرأ ms02399  وأن ليحكم  على
~~أن  أن  موصولة بالأمر كما في قولك: أمرته بأن قم، ومعنى الوصل أن  أن
~~ تتم بما بعدها جزء كلام كالذي وأخواته، ووصل  أن  المصدرية بفعل
~~الأمر مما تكرر القول به في «الكشاف»، وذكر فيه نقلا عن سيبويه وقدر هنا
~~أمرنا، كأنه قيل: وآتيناه الإنجيل وأمرنا بأن يحكم، وأورد على سيبويه ما
~~دقق صاحب «الكشف» في الجواب عنه، وأتى بما يندفع به كثير من الأسئلة على
~~أن المصدرية والتفسيرية.

# { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
~~الفسقون } أي المتمردون الخارجون عن حكمه أو عن الإيمان، وقد مر
~~تحقيقه، والجملة تذييل مقرر لمضمون الجملة السابقة ومؤكدة لوجوب الامتثال
~~بالأمر، والآية تدل على أن الإنجيل مشتمل على الأحكام، وأن عيسى عليه
~~السلام كان مستقلا بالشرع مأمورا بالعمل بما فيه من الأحكام قلت أو
~~كثرت لا بما في التوراة خاصة، ويشهد لذلك أيضا حديث البخاري «أعطي أهل
~~التوراة التوراة فعملوا بها وأهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به» وخالف في
~~ذلك بعض الفضلاء، ففي «الملل والنحل» للشهرستاني: «جميع بني إسرائيل
~~كانوا متعبدين بشريعة موسى عليه السلام مكلفين التزام أحكام التوراة
~~والإنجيل النازل على المسيح عليه السلام لا يحتضن أحكاما ولا يستبطن
~~حلالا وحراما، ولكنه رموز وأمثال ومواعظ وما سواها من الشرائع والأحكام
~~محال على التوراة ولهذا لم تكن اليهود لتنقاد لعيسى عليه الصلاة
~~والسلام»، وحمل المخالف هذه الآية على: وليحكموا بما أنزل الله تعالى فيه
~~من إيجاب العمل بأحكام التوراة، وهو خلاف الظاهر كتخصيص ما أنزل فيه نبوة
~~نبينا صلى الله عليه وسلم.

### || [5.48]

# { وأنزلنا إليك الكتب } أي الفرد الكامل الحقيق بأن يسمى
~~كتابا على الإطلاق لتفوقه على سائر الكتب السماوية  وهو القرآن العظيم
~~ فاللام للعهد، والجملة عطف على

# أنزلنا

# [المائدة: 44] وما عطف عليه، وقوله تعالى: { بالحق } حال مؤكدة من
~~الكتاب أي متلبسا بالحق والصدق، وجوز أن يكون حالا من فاعل {
~~أنزلنا } ، وقيل: حال من الكاف في { إليك } وقوله تعالى: {
~~مصدقا لما بين يديه } حال من { الكتب } أي حال كونه
~~مصدقا لما ms02400 تقدمه، وقد تقدم الكلام في كيفية تصديقه لذلك، وزعم أبو
~~البقاء عدم جواز كونه حالا مما ذكر إذ لا يكون حالان لعامل واحد، وأوجب
~~كونه حالا من الضمير المستكن في الجار والمجرور قبله، وقوله سبحانه: {
~~من الكتب } بيان { لما } واللام فيه للجنس بناءا على ادعاء
~~أن ما عدا الكتب / السماوية ليست كتابا بالنسبة إليها. ويجوز  كما قال
~~غير واحد  أن تكون للعهد نظرا إلى أنه لم يقصد إلى جنس مدلول لفظ
~~الكتاب بل إلى نوع مخصوص منه هو بالنظر إلى مطلق الكتاب معهود بالنظر إلى
~~وصف كونه سماويا غايته أن عهديته ليست إلى حد الخصوصية الفردية بل إلى
~~خصوصية نوعية أخص من مطلق الكتاب وهو ظاهر، ومن الكتاب السماوي أيضا حيث
~~خص بما عدا القرآن.

# { ومهيمنا عليه } قال الخليل وأبو عبيدة: أي رقيبا على سائر
~~الكتب السماوية المحفوظة عن التغيير حيث يشهد لها بالصحة والثبات ويقرر
~~أصول شرائعها وما يتأبد من فروعها ويعين أحكامها المنسوخة. وقال ابن عباس
~~والحسن ومجاهد وقتادة رضي الله تعالى عنهم: أي شاهدا عليه بأنه الحق،
~~والعطف حينئذ للتأكيد؛ وهاؤه أصلية، وفعله هيمن، وله نظائر  بيطر وخيمر
~~وسيطر  وزاد الزجاج: بيقر، ولا سادس لها، وقيل: إنها مبدلة من الهمزة
~~ومادته من الأمن  كهراق  وقال المبرد وابن قتيبة: إن المهيمن أصله مؤمن
~~وهو من أسمائه تعالى، فصغر وأبدلت همزته هاءا، وتعقبه السمين وغيره بأن
~~ذلك خطأ بل كفر أو شبيه به لأن أسماء الله تعالى لا تصغر، وكذا كل اسم
~~معظم شرعا، وعن ابن محيصن ومجاهد أنهما قرآ { مهيمنا } بفتح الميم على
~~بنية المفعول فضمير { عليه } على هذا يعود على الكتاب الأول، والمعنى
~~أنه حوفظ من التحريف والتبديل، والحافظ له هو الله تعالى كما قال سبحانه:

# إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون

# [الحجر: 9].

# { فاحكم بينهم } أي بين أهل الكتاب  كما قال ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما  والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن كون القرآن
~~العظيم بذلك الشأن من موجبات الحكم المأمور به أي ms02401 إذا كان شأن القرآن كما
~~ذكر فاحكم بينهم { بما أنزل الله } أي بما أنزله إليك فإنه الحق
~~الذي لا محيص عنه، والمشتمل على جميع الأحكام الشرعية الباقية في الكتب
~~الإلهية، وتقديم { بينهم } للاعتناء بتعميم الحكم لهم، ووضع
~~الموصول موضع الضمير تنبيها على علية ما في حيز الصلة للحكم، وترهيبا
~~عن المخالفة، والالتفات بإظهار الاسم الجليل لما مر مرارا.

# { ولا تتبع أهواءهم } الزائغة. وعن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما يريد ما حرفوا وبدلوا من أمر الرجم { عما جاءك من الحق }
~~الذي لا محيد عنه، و (عن) متعلقة بلا تتبع على تضمين معنى العدول ونحوه
~~كأنه قيل: لا تعدل عما جاءك من الحق متبعا لأهوائهم، وقيل: بمحذوف وقع
~~حالا من فاعله أي لا تتبع أهواءهم عادلا عما جاءك، أو من مفعوله أي لا
~~تتبع أهواءهم عادلة عما جاءك، واعتراض ذلك بأن ما وقع حالا لا بد أن
~~يكون فعلا عاما، ولعل القائل لا يسلم ذلك، و { من } كما قال أبو
~~البقاء: متعلقة بمحذوف وقع حالا من مرفوع { جاءك } أو من (ما)، ووضع
~~الموصول موضع ضمير الموصول الأول للإيماء بما في حيز الصلة [من مجيء
~~الحق] إلى ما يوجب كمال الاجتناب عن اتباع الاهواء، والنهي يجوز أن يكون
~~لمن لا يتصور منه وقوع المنهي عنه، فلا يقال: كيف نهى صلى الله عليه وسلم
~~عن اتباع أهوائهم وهو عليه الصلاة والسلام معصوم عن ارتكاب ما دون ذلك،
~~وقيل: الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد سائر الأحكام.

# { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهجا } استئناف جيء به
~~لحمل أهل الكتاب من معاصريه صلى الله عليه وسلم على الانقياد لحكمه عليه
~~الصلاة والسلام بما أنزل الله تعالى إليه من الحق ببيان أنه هو الذي
~~كلفوا العمل به دون غيره / مما في كتابهم، وإنما الذين كلفوا العمل به من
~~مضى قبل النسخ، والخطاب  كما قال جماعة من المفسرين  للناس كافة
~~الموجودين والماضين بطريق التغليب، و  الشرعة  بكسر الشين، وقرأ يحيى
~~بن وثاب بفتحها الشريعة، وهي في الأصل ms02402 الطريق الظاهر الذي يوصل منه إلى
~~الماء، والمراد بها الدين، واستعمالها فيه لكونه سبيلا موصلا إلى ما هو
~~سبب للحياة الأبدية كما أن الماء سبب للحياة الفانية، أو لأنه طريق إلى
~~العمل الذي يطهر العامل عن الأوساخ المعنوية كما أن الشريعة طريق إلى
~~الماء الذي يطهر مستعمله عن الأوساخ الحسية.

# وقال الراغب «سمي الدين شريعة تشبيها بشريعة الماء من حيث إن من شرع
~~في ذلك على الحقيقة [المصدوقة] روي وتطهر، [قال:] وأعني بالري ما قال بعض
~~الحكماء: كنت أشرب فلا أروى فلما عرفت الله تعالى رويت بلا شرب، وبالتطهر
~~ما قال تعالى:

# ويطهركم تطهيرا

# [الأحزاب: 33] » والمنهاج الطريق الواضح في الدين من نهج الأمر إذا وضح،
~~والعطف باعتبار جمع الأوصاف، وقال المبرد: الشرعة ابتداء الطريق،
~~والمنهاج الطريق المستقيم، وقيل: هما بمعنى واحد وهو الطريق، والتكرير
~~للتأكيد، والعطف مثله في قول الحطيئة:

# وهند أتى من دونها النأي والبعد

# وقول عنترة:

# حييت من طلل تقادم عهده

# أقوى وأقفر بعد أم الهيثم

# وقيل: الشرعة الطريق مطلقا سواء كان واضحا أم لا، وقيل: المنهاج
~~الدليل، وقيل: الشرعة النبي صلى الله عليه وسلم والمنهاج الكتاب، وقيل:
~~الشرعة الأحكام الفرعية، والمنهاج الأحكام الاعتقادية وليس بشيء، واللام
~~متعلقة  بجعلنا  المتعدية لواحد، وهوإخبار بجعل ماض لا إنشاء، وتقديمها
~~عليه للتخصيص، و { منكم } متعلق بمحذوف وقع صفة لما عوض عنه تنوين 
~~كل  أي: ولكل أمة كائنة منكم أيها الأمم الباقية، والخالية عينا
~~ووضعنا شرعة ومنهاجا خاصين بتلك الأمة لا تكاد أمة تتخطى شرعتها، والأمة
~~التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما الصلاة والسلام شرعتهم ما
~~في التوراة، والتي كانت من مبعث عيسى عليه السلام إلى مبعث أحمد عليه
~~الصلاة والسلام شرعتهم ما في الإنجيل، وأما أنتم أيها الموجودون فشرعتكم
~~ما في الفرقان ليس إلا فآمنوا به واعملوا بما فيه، وأوجب أبو البقاء تعلق
~~{ منكم } بمحذوف تقديره أعني، ولم يجوز الوصفية لما أن ذلك يوجب الفصل
~~بين الصفة والموصوف بالأجنبي الذي لا تسديد فيه للكلام، ويوجب أيضا أن
~~يفصل ms02403 بين { جعلنا } ومعموله وهو شرعة، وقال شيخ الإسلام: لا ضير في
~~توسط { جعلنا } بين الصفة والموصوف كما في قوله تعالى:

# أغير الله أتخذ وليا فاطر السموات والأرض

# [الأنعام: 14] الخ، والفصل بين الفعل ومفعوله لازم على كل حال، وما ذكر
~~من كون الخطاب للأمم هو الظاهر، وقيل: إنه للأنبياء الذين أشير إليهم في
~~الآيات قبل ولا يخفى بعده، وأبعد منه جعل الخطاب لهذه الأمة المحمدية ولا
~~يساعده السباق ولا اللحاق.

# واستدل بالآية من ذهب إلى أنا غير متعبدين بشرائع من قبلنا لأن الخطاب
~~كما علمت يعم الأمم، واللام للاختصاص، فيكون لكل أمة دين يخصها، ولو كان
~~متعبدا بشريعة أخرى لم يكن ذلك الاختصاص. وأجاب العلامة التفتازاني بعد
~~تسليم دلالة اللام على الاختصاص الحصري بمنع الملازمة لجواز أن نكون
~~متعبدين بشريعة من قبلنا مع زيادة خصوصيات في ديننا بها يكون الاختصاص،
~~وفيه أنه لا حاجة في إفادة الحصر لما ذكر مع تقدم المتعلق، وأيضا إن
~~الخصوصيات المذكورة لا تنافي تعبدنا بشرع من قبلنا لأن القائلين به
~~يدعون أنه فيما لم يعلم نسخه ومخالفة ديننا له لا مطلقا إذ لم يقل به
~~أحد على الإطلاق، ولذا جمع المحققون بين أضراب هذه الآية الدالة على
~~اختلاف الشرائع، وبين ما يخالفها نحو قوله تعالى:

# شرع لكم من الدين ما وصى به / نوحا

# [الشورى: 13] الخ، وقوله تعالى:

# أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده

# [الأنعام: 90] بأن كل آية دلت على عدم الاختلاف محمولة على أصول الدين
~~ونحوها، والتحقيق في هذا المقام أنا متعبدون بأحكام الشرائع الباقية من
~~حيث إنها أحكام شرعتنا لا من حيث إنها شرعة للأولين.

# { ولو شاء الله لجعلكم أمة وحدة } أي جماعة متفقة
~~على دين واحد في جميع الأعصار، أو ذي ملة واحدة من غير اختلاف بينكم في
~~وقت من الأوقات في شيء من الأحكام الدينية ولا نسخ ولا تحويل  قاله ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما  ومفعول { شاء } محذوف تعويلا على دلالة
~~الجزاء عليه، أي لو شاء الله تعالى أن يجعلكم أمة واحدة ms02404 لجعلكم الخ،
~~وقيل: المعنى ولو شاء الله تعالى اجتماعكم على الإسلام لأجبركم عليه،
~~وروي عن الحسن نحو ذلك، وقال الحسين بن علي المغربي: المعنى لو شاء الله
~~تعالى لم يبعث إليكم نبيا فتكونون متعبدين بما في العقل وتكونون أمة
~~واحدة { ولكن ليبلوكم } متعلق بمحذوف يستدعيه النظام أي ولكن
~~لم يشأ ذلك الجعل بل شاء غيره ليعاملكم سبحانه معاملة من يبتليكم. { في
~~مآ آتاكم } من الشرائع المختلفة لحكم إلهية يقتضيها كل عصر هل تعملون
~~بها مذعنين لها معتقدين أن في اختلافها مايعود نفعه لكم في معاشكم
~~ومعادكم، أو تزيغون عنها. وتبتغون الهوى. وتشترون الضلالة بالهدى، وبهذا
~~ كما قال شيخ الإسلام  اتضح أن مدار عدم المشيئة المذكورة ليس مجرد
~~الابتلاء، بل العمدة في ذلك ما أشير إليه من انطواء الاختلاف على ما فيه
~~مصلحتهم معاشا ومعادا كما ينبىء عنه قوله عز وجل: { فاستبقوا
~~الخيرات } أي إذا كان الأمر كما ذكر فسارعوا إلى ما هو خير لكم في
~~الدارين من العقائد الحقة والأعمال الصالحة المندرجة في القرآن الكريم
~~وابتدروها انتهازا للفرصة وإحرازا لفضل السبق والتقدم، فالسابقون
~~السابقون أولئك المقربون.

# وقوله تعالى: { إلى الله مرجعكم جميعا } استئناف مسوق مساق
~~التعليل لاستباق الخيرات بما فيه من الوعد والوعيد، و { جميعا } حال
~~من الضمير المجرور، والعامل فيه إما المصدر المضاف المنحل إلى فعل مبني
~~للفاعل، أو لما لم يسم فاعله، وإما الاستقرار المقدر في الجار، وقيل 
~~وفيه بعد  إن الجملة واقعة جواب سؤال مقدر كأنه قيل: كيف ما في ذلك من
~~الحكم؟ فأجيب بأنكم سترجعون إلى الله تعالى وتحشرون إلى دار الجزاء التي
~~تنكشف فيها الحقائق وتتضح الحكم { فينبئكم بما كنتم فيه
~~تختلفون } أي فيفعل بكم من الجزاء الفاصل بين الحق والباطل ما لا
~~يبقى لكم معه شائبة شك فيما كنتم فيه تختلفون في الدنيا من أمر الدين،
~~فالإنباء هنا مجاز عن المجازاة لما فيها من تحقق الأمر.

### || [5.49]

# { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع
~~أهواءهم } عطف على

# الكتب

# [المائدة: 48]، كأنه قيل: وأنزلنا إليك ms02405 الكتاب وقولنا احكم أي الأمر
~~بالحكم لا الحكم لأن المنزل الأمر بالحكم لا الحكم، ولئلا يلزم إبطال
~~الطلب بالكلية، ولك أن تقدر الأمر بالحكم من أول الأمر من دون إضمار
~~القول كما حققه في «الكشف»، وجوز أن يكون عطفا على

# الحق

# [المائدة: 48]، وفي المحل وجهان: الجر والنصب على الخلاف المشهور، وقيل:
~~يجوز أن يكون الكلام جملة اسمية بتقدير مبتدأ أي وأمرنا أن احكم، وزعم
~~بعضهم أن { أن } هذه تفسيرية، ووجه أبو البقاء بأن يكون التقدير وأمرناك،
~~ثم فسر هذا الأمر باحكم، ومنع أبو حيان من تصحيحه بذلك بأنه لم يحفظ من
~~لسانهم حذف المفسر بأن والأمر كما ذكر، وقال الطيبي: ولو جعل هذا الكلام
~~عطفا على

# فاحكم

# [المائدة: 42] / من حيث المعنى ليكون التكرير لإناطة قوله سبحانه: {
~~واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك
~~} كان أحسن، ورد بأن { أن } هي المانعة من ذلك العطف، وأمر الإناطة ملتزم
~~على كل حال، وقال بعضهم: إنما كرر الأمر بالحكم لأن الإحتكام إليه صلى
~~الله عليه وسلم كان مرتين: مرة في زنا المحصن ومرة في قتيل كان بينهم،
~~فجاء كل أمر في أمر، وحكي ذلك عن الجبائي والقاضي أبي يعلى، ونون { أن }
~~فيها الضم والكسر، والمنسبك من { أن يفتنوك } بدل من ضمير المفعول
~~بدل اشتمال، أي: واحذر فتنتهم لك وأن يصرفوك عن بعض ما أنزل الله  تعالى
~~ إليك ولو كان أقل قليل بتصوير الباطل بصورة الحق؛ وقال ابن زيد: بالكذب
~~على التوراة في أن ذلك الحكم ليس فيها، وجوز أن يكون مفعولا من أجله، أي
~~احذرهم مخافة أن يفتنوك وإعادة { ما أنزل الله }  تعالى  {
~~إليك } لتأكيد التحذير بتهويل الخطب، ولعل هذا لقطع أطماعهم قاتلهم
~~الله تعالى، أخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أن أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد صلى الله
~~عليه وسلم لعلنا نفتنه عن دينه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود
~~وأنا إن اتبعناك اتبعتنا اليهود كلهم. وأن بيننا وبين ms02406 قومنا خصومة
~~فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فنزلت.

# { فإن تولوا } أي أعرضوا عن قبول الحكم بما أنزل الله تعالى
~~إليك وأرادوا غيره { فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم
~~ببعض ذنوبهم } وهو ذنب التولي والإعراض، فهو بعض مخصوص والتعبير
~~عنه بذلك للإيذان بأن لهم ذنوبا كثيرة، وهذا مع كمال عظمه واحد من
~~جملتها، وفي هذا الإبهام تعظيم للتولي كما في قوله:

# تراك أمكنة إذا لم أرضها

# أو يرتبط بعض النفوس حمامها

# يريد بالبعض نفسه أي نفسا كبيرة ونفسا أي نفس، وقال الجبائي: ذكر
~~البعض وأريد الكل كما يذكر العموم ويراد به الخصوص، وقيل: المراد بعض
~~مبهم تغليظا للعقاب كأنه أشير إلى أنه يكفي أن يؤخذوا ببعض ذنوبهم أي
~~بعض كان، ويهلكوا ويدمر عليهم بذلك، وزعم بعضهم أنه لا يصح إرادة الكل
~~لأن المراد بهذه الإصابة عقوبة الدنيا وهي تختص ببعض الذنوب دون بعض،
~~والذي يعم إنما هو عذاب الآخرة وهذه الإصابة  على ما روي عن الحسن 
~~إجلاء بني النضير، وقيل: قتل بني قريظة، وقيل: هي أعم من ذلك، وما عرى
~~بني قينقاع وأهل خيبر وفدك، ولعله الأولى.

# { وإن كثيرا من الناس لفسقون } أي متمردون في الكفر
~~مصرون عليه خارجون من الحدود المعهودة، وهو اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما
~~قبله، وفيه من التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى، وقيل: إنه
~~عطف على قوله تعالى:

# وكتبنا عليهم فيها

# [المائدة: 45] يعني كتبنا حكم القصاص في التوراة وقررناه في الإنجيل،
~~وأنزلنا عليك الكتاب مصدقا لما فيهما وإن كثيرا من الناس لفاسقون من
~~الأحكام الإلهية المقررة في الأديان ولا يخفى بعده، والمراد من الناس:
~~العموم، وقيل: اليهود.

### || [5.50]

# وقوله سبحانه: { أفحكم الجهلية يبغون } إنكار وتعجيب
~~من حالهم وتوبيخ لهم، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي أيتولون
~~عن قبول حكمك بما أنزل الله تعالى إليك فيبغون حكم الجاهلية؟ وقيل: محل
~~الهمزة بعد الفاء، وقدمت أن لها الصدارة، وتقديم المفعول للتخصيص المفيد ms02407
~~لتأكيد الإنكار والتعجب لأن التولي عن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وطلب حكم آخر منكر عجيب، وطلب حكم الجاهلية أقبح وأعجب، / والمراد
~~بالجاهلية الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى الموجبة للميل والمداهنة
~~في الأحكام، أو الأمة الجاهلية، وحكمهم: ما كانوا عليه من التفاضل فيما
~~بين القتلى، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي أهل الجاهلية، وحكمهم: ما ذكر،
~~فقد روي

# " أن بني النضير لما تحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خصومة
~~قتيل وقعت بينهم وبين بني قريظة طلب بعضهم من رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم أن يحكم بينهم بما كان عليه أهل الجاهلية من التفاضل، فقال عليه
~~الصلاة والسلام: «القتلى بواء فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك "

# فنزلت، وقرأ ابن عامر  تبغون  بالتاء، وهي إما على الالتفات لتشديد
~~التوبيخ، وإما بتقدير القول أي قل لهم أفحكم الخ، وقرأ ابن وثاب والأعرج
~~وأبو عبد الرحمن وغيرهم { أفحكم } بالرفع على أنه مبتدأ، و {
~~يبغون } خبره، والعائد محذوف، وقيل: الخبر محذوف، والمذكور صفته أي
~~حكم يبغون، واستضعف حذف العائد من الخبر، وذكر ابن جني أنه جاء الحذف منه
~~كما جاء الحذف من الصلة والصفة كقوله:

# قد أصبحت أم الخيار تدعي

# علي ذنبا كله لم أصنع

# وقال أبو حيان وحسن الحذف في الآية شبه { يبغون } برأس الفاصلة فصار
~~كالمشاكلة، وزعم  أن القراءة المذكورة خطأ  خطأ كما لا يخفى، وقرأ
~~قتادة { أفحكم } بفتح الفاء والحاء والكاف، أي أفحاكما كحكام
~~الجاهلية يبغون وكانت الجاهلية تسمى من قبل  كما أخرج ابن أبي حاتم عن
~~عروة  عالمية حتى جاءت امرأة فقالت يا رسول الله كان في الجاهلية كذا
~~وكذا فأنزل الله تعالى ذكر الجاهلية وحكم عليهم بهذا العنوان.

# { ومن أحسن من الله حكما } إنكار لأن يكون أحد حكمه أحسن
~~من حكم الله تعالى، أو مساو له كما يدل عليه الاستعمال وإن كان ظاهر
~~السبك غير متعرض لنفي المساواة وإنكارها { لقوم يوقنون } أي عند
~~قوم، فاللام بمعنى عند، وإليه ذهب الجبائي، وضعفه في ms02408 «الدر المصون»، وصحح
~~أنها للبيان متعلقة بمحذوف كما في

# هيت لك

# [يوسف: 23] وسقيا لك، أي تبين وظهر مضمون هذا الاستفهام الإنكاري لقوم
~~يتدبرون الأمور ويتحققون الأشياء بأنظارهم وأما غيرهم فلا يعلمون أنه لا
~~أحسن حكما من الله تعالى، ولعل من فسر بعند أراد بيان محصل المعنى،
~~وقيل: إن اللام على أصلها، وأنها صلة أي حكم الله تعالى للمؤمنين على
~~الكافرين أحسن الأحكام وأعدلها، وهذه الجملة حالية مقررة لمعنى الإنكار
~~السابق.

### || [5.51]

# { يأيها الذين ءامنوا } خطاب يعم حكمه كافة المؤمنين من
~~المخلصين وغيرهم، وإن كان سبب وروده بعضا  كما ستعرفه إن شاء الله
~~تعالى  ووصفهم بعنوان الإيمان لحملهم من أول الأمر على الانزجار عما
~~نهوا عنه بقوله سبحانه: { لا تتخذوا اليهود والنصرى
~~أولياء } فإن تذكير اتصافهم بضد صفات الفريقين من أقوى الزواجر عن
~~موالاتهما أي لا يتخذ أحد منكم أحدا منهم وليا بمعنى لا تصافوهم مصافاة
~~الأحباب ولا تستنصروهم.

# أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: لما كانت وقعة أحد اشتد على
~~طائفة من الناس وتخوفوا أن تدال عليهم الكفار، فقال رجل لصاحبه: أما أنا
~~فألحق بذلك اليهودي فآخذ منه أمانا وأتهود معه فإني أخاف أن تدال علينا
~~اليهود، وقال الآخر: أما أنا فألحق بفلان النصراني ببعض أرض الشام فآخذ
~~منه أمانا وأتنصر معه، فأنزل الله تعالى فيهما ينهاهما { يأيها
~~الذين ءامنوا } الخ. / وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة عن عطية بن
~~سعد قال: «جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثير عددهم
~~وإني أبرأ إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من ولاية يهود
~~وأتولى الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، فقال عبد الله بن أبي:
~~إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي» فنزلت.

# { بعضهم أولياء بعض } أي بعض اليهود أولياء لبعض منهم، وبعض
~~النصارى أولياء لبعض منهم، وأوثر الإجمال لوضوح المراد بظهور أن اليهود
~~لا يوالون ms02409 النصارى كالعكس، والجملة مستأنفة تعليلا للنهي قبلها وتأكيدا
~~لإيجاب اجتناب المنهي عنه أي بعضهم أولياء بعض متفقون على كلمة واحدة في
~~كل ما يأتون وما يذرون، ومن ضرورة ذلك إجماع الكل على مضادتكم ومضارتكم
~~بحيث يسومونكم السوء ويبغونكم الغوائل، فكيف يتصور بينكم وبينهم موالاة،
~~وزعم الحوفي أن الجملة في موضع الصفة لأولياء، والظاهر هو الأول.

# وقوله تعالى: { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } أي من
~~جملتهم، وحكمه حكمهم كالمستنتج مما قبله، وهو مخرج مخرج التشديد
~~والمبالغة في الزجر لأنه لو كان المتولي منهم حقيقة لكان كافرا وليس
~~بمقصود، وقيل: المراد ومن يتولهم منكم فإنه كافر مثلهم حقيقة، وحكي عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ولعل ذلك إذا كان توليهم من حيث كونهم
~~يهودا أو نصارى، وقيل: لا بل لأن الآية نزلت في المنافقين، والمراد أنهم
~~بالموالاة يكونون كفارا مجاهرين.

# وقوله سبحانه: { إن الله لا يهدي القوم الظلمين }
~~أنفسهم بموالاة الكفار أو المؤمنين بموالاة أعدائهم، تعليل آخر على ما
~~قيل: يتضمن عدم نفع موالاة الكفرة بل ترتب الضرر عليها، وقيل: هو تعليل
~~لكون من يتولاهم منهم أي لا يهديهم إلى الإيمان بل يخليهم وشأنهم فيقعون
~~في الكفر والضلالة، وإنما وضع المظهر موضع ضميرهم تنبيها على أن توليهم
~~ظلم لما أنه تعريض للنفس للعذاب الخالد ووضع للشيء في غير موضعه.

### || [5.52]

# وقوله تعالى: { فترى الذين فى قلوبهم مرض } أي نفاق 
~~كعبد الله بن أبي وأضرابه  كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~بيان لكيفية توليتهم وإشعار بسببه؛ وبما يؤول إليه أمرهم، والفاء للإيذان
~~بترتبه على عدم الهداية وهي للسببية المحضة. وجوز الكرخي كونها للعطف على

# إن الله

# [المائدة: 51] الخ من حيث المعنى، والخطاب إما للرسول صلى الله عليه
~~وسلم بطريق التلوين، وإما لكل من له أهلية، والإتيان بالموصول دون ضمير
~~القوم ليشار بما في حيز الصلة إلى أن ما ارتكبوه من التولي بسبب ما (كمن
~~من المرض). والرؤية إما بصرية.

# وقوله تعالى: { يسرعون فيهم } حال من (المفعول) وهو الأنسب
~~بظهور نفاقهم، ms02410 وإما قلبية والجملة في موضع المفعول الثاني، والمراد على
~~التقديرين مسارعين في موالاتهم إلا أنه قيل فيهم مبالغة في بيان رغبتهم
~~فيها وتهالكهم عليها، وإيثار كلمة { فى } على كلمة  إلى  للدلالة على
~~أنهم مستقرون في الموالاة، وإنما مسارعتهم من بعض مراتبها إلى بعض آخر
~~منها. وفسر الزمخشري المسارعة بالانكماش لكثرة استعماله بفي، وعدل عنه
~~بعض المحققين لكونه تفسيرا بالأخفى. واختير أن تعدى المسارعة هنا بإلى
~~لتضمنها معنى الدخول، وقرىء  فيرى  بياء الغيبة على أن الضمير  كما
~~قال أبو البقاء  لله تعالى، وقيل: لمن يصح منه الرؤية، وقيل: الفاعل هو
~~الموصول، والمفعول هو الجملة على حذف أن المصدرية، والرؤية قلبية أي فيرى
~~القوم الذين في قلوبهم مرض أن يسارعوا فيهم فلما حذفت / أن انقلب الفعل
~~مرفوعا كما في قوله:

# ألا أي هذا الزاجري احضر الوغى

# وقوله عز وجل: { يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة } حال من
~~فاعل { يسرعون } ، و  الدائرة  من الصفات الغالبة التي لا يذكر
~~معها موصوفها، وأصلها داورة لأنها من دار يدور، ومعناها لغة  على ما في
~~«القاموس»  ما أحاط بالشيء، وفي «شرح الملخص» إن الدائرة سطح مستو يحيط
~~به خط مستدير يمكن أن يفرض في داخله نقطة يكون البعد بينها وبينه واحدا
~~في جميع الجهات، وقد تطلق الدائرة على ذلك الخط المحيط أيضا انتهى،
~~واختلف في أن أي المعنيين حقيقة؟ فقيل: إنها حقيقة في الأول مجاز في
~~الثاني، وقيل: بالعكس، قال البرجندي: وتحقيق ذلك أنه إذا ثبت أحد طرفي خط
~~مستقيم وأدير دورة تامة يحصل سطح دائرة يسمى بها لأن هيئة هذا السطح ذات
~~دور، على أن صيغة الفاعل للنسبة، وإذا توهم حركة نقطة حول نقطة ثابتة
~~دورة تامة بحيث لا يختلف بعد النقطة المتحركة عن النقطة الثابتة يحصل
~~محيط دائرة يسمى بها لأن النقطة كانت دائرة؛ فسمى ما حصل من دورانها
~~دائرة فإن اعتبر الأول ناسب أن يكون إطلاق الدائرة على السطح حقيقة وعلى
~~المحيط مجازا، وإذا اعتبر الثاني ناسب أن يكون الأمر بالعكس انتهى.

# وتعقبه بعض الفضلاء ms02411 بأنه لا يخفى ما فيه، لأن إطلاقها بالاعتبار الثاني
~~على المحيط أيضا مجاز لأنه من باب تسمية المسبب باسم السبب اللهم إلا أن
~~يقال: إنه أراد بكون إطلاقها على المحيط حقيقة أن إطلاقها عليه ليس
~~مجازا بالوجه الذي كان به مجازا في الاعتبار الأول، فإن وجه المجاز فيه
~~التسمية للمحيط باسم المحاط، وههنا ليس كذلك كما سمعت لكن هذا تكلف بعيد،
~~ولو قال في وجه التسمية في اللاحق لأن هيئة الخط ذات دور على وفق قوله في
~~وجه التسمية السابق لم يرد عليه هذا فتدبر، وكيفما كان فقد استعيرت
~~لنوائب الزمان بملاحظة إحاطتها، وقولهم هذا كان اعتذارا عن الموالاة أي
~~نخشى أن تدور علينا دائرة من دوائر الدهر ودولة من دوله بأن ينقلب الأمر
~~للكفار وتكون الدولة لهم على المسلمين فنحتاج إليهم قاله مجاهد وقتادة
~~والسدي. وعن الكلبي أن المعنى نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه  كالجدب
~~والقحط  فلا يميروننا ولا يقرضوننا، ولا يبعد من المنافقين أنهم يظهرون
~~للمؤمنين أنهم يريدون بالدائرة ما قاله الكلبي، ويضمرون في دوائر قلوبهم
~~ما قاله الجماعة المنبىء عن الشك في أمر النبي صلى الله عليه وسلم.

# وقد رد الله تعالى عليهم عللهم الباطلة وقطع أطماعهم الفارغة وبشر
~~المؤمنين بحصول أمنيتهم بقوله سبحانه: { فعسى الله أن يأتى
~~بالفتح } فإن  عسى  منه عز وجل وعد محتوم لما أن الكريم إذا أطمع
~~أطعم فما ظنك بأكرم الأكرمين، والمراد بالفتح فتح مكة  كما روي عن السدي
~~ وقيل: فتح بلاد الكفار واختاره الجبائي، وقال قتادة ومقاتل: هو القضاء
~~الفصل بنصره عليه الصلاة والسلام على من خالفه وإعزاز الدين، وأن يأتي في
~~تأويل المصدر، وهو خبر  لعسى  على رأي الأخفش، ومفعول به على رأي
~~سيبويه لئلا يلزم الإخبار بالحدث عن الذات، والأمر في ذلك عند الأخفش سهل
~~{ أو أمر من عنده } وهو القتل وسبي الذراري لبني قريظة،
~~والجلاء لبني النضير عند مقاتل، وقيل: إظهار نفاق المنافقين مع الأمر
~~بقتلهم، وروي عن الحسن والزجاج، وقيل: موت رأس النفاق، وحكى ذلك عن ms02412
~~الجبائي.

# { فيصبحوا } أي أولئك المنافقون، وهو عطف على { يأتى } داخل
~~معه في حيز / خبر عسى، وفاء السببية لجعلها الجملتين كجملة واحدة مغنية
~~عن الضمير العائد على الاسم، والمراد فيصيروا { على ما أسروا
~~فى أنفسهم } من الكفر والشك في أمر النبي صلى الله عليه وسلم {
~~ندمين } خبر  يصبح  وبه يتعلق { على ما أسروا } وتخصيص
~~الندامة به لا بما كانوا يظهرونه من موالاة الكفرة لما أنه الذي كان
~~يحملهم على تلك الموالاة ويغريهم عليها، فدل ذلك على أن ندامتهم على
~~التولي بأصله وسببه. وأخرج ابن منصور وابن أبي حاتم عن عمرو أنه سمع ابن
~~الزبير يقرأ  عسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبح الفساق على
~~ما أسروا في أنفسهم نادمين  قال عمرو: لا أدري أكان ذلك منه قراءة أم
~~تفسيرا.

### || [5.53]

# { ويقول الذين ءامنوا } كلام مستأنف مسوق لبيان كمال سوء حال
~~الطائفة المذكورة. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر بغير واو على أنه
~~استئناف بياني كأنه قيل: فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟ وقرأ أبو عمرو
~~ويعقوب { ويقول } بالنصب عطفا على

# فيصبحوا

# [المائدة: 52]، وقيل: على

# أن يأتى

# [المائدة: 52] بحسب المعنى كأنه قيل: عسى أن يأتي الله بالفتح ويقول
~~الذين آمنوا بإسناد يأتي إلى الاسم الجليل دون ضميره، واعتبر ذلك لأن
~~العطف على خبر  عسى  أو مفعولها يقتضي أن يكون فيه ضمير الله تعالى
~~ليصح الإخبار به أو ليجري على استعماله، ولا ضمير فيه هنا ولا ما يغني
~~عنه، وفي صورة العطف باعتبار المعنى تكون  عسى  تامة لإسنادها إلى

# أن

# [المائدة: 52] وما في حيزها فلا حاجة حينئذ إلى ضمير، وهذا كما قيل:
~~قريب من عطف التوهم، وكأنهم عبروا عنه بذلك دونه تأدبا، وجوز بعضهم أن
~~يكون { أن يأتى } بدلا من الاسم الجليل، والعطف على البدل، و  عسى
~~ تامة أيضا كما صرح به الفارسي، وبعضهم يجعل العطف على خبر  عسى 
~~ويقدر ضميرا أي: ويقول الذين آمنوا به وذهب ابن النحاس إلى أن العطف على
~~الفتح وهو نظير:

# ولبس عباءة وتقر عيني

# واعترض بأن ms02413 فيه الفصل بين أجزاء الصلة وهو لا يجوز وبأن المعنى حينئذ:
~~عسى الله تعالى أن يأتي بقول المؤمنين وهو ركيك، وأجيب عن الأول: بالفرق
~~بين الإجزاء بالفعل والإجزاء بالتقدير، وعن الثاني: بأن المراد عسى الله
~~سبحانه أن يأتي بما يوجب قول المؤمنين من النصرة المظهرة لحالهم. واختار
~~شيخ الإسلام قدس سره ما قدمناه، ولا يحتاج إلى تكلف مؤونة تقدير الضمير
~~لأن

# فيصبحوا

# [المائدة: 52] كما علمت معطوف على يأتي والفاء كافية فيه عن الضمير،
~~فتكفي عن الضمير في المعطوف عليه أيضا لأن المتعاطفين كالشيء الواحد،
~~ولا حاجة مع هذا إلى القول بأن العطف عليه بناءا على أنه منصوب في جواب
~~الترجي إجراءا له مجرى التمني  كما قال ابن الحاجب  لأن هذا إنما
~~يجيزه الكوفيون فقط بخلاف الوجه الذي ذكرناه، والمعنى ويقول الذين آمنوا
~~مخاطبين لليهود مشيرين إلى المنافقين الذين كانوا يوالونهم ويرجون دولتهم
~~ويظهرون لهم غاية المحبة وعدم المفارقة عنهم في السراء والضراء عند
~~مشاهدتهم تخيبة رجائهم وانعكاس تقديرهم لوقوع ضد ما كانوا يترقبونه،
~~ويتعالون به تعجيبا للمخاطبين من حالهم وتعريضا بهم.

# { أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمنهم
~~إنهم لمعكم } أي بالنصرة والمعونة  كما قالوه  فيما حكي عنهم

# وإن قوتلتم لننصرنكم

# [الحشر: 11]، فاسم الإشارة مبتدأ وما بعده خبره، والمعنى إنكار ما فعلوه
~~واستبعاده وتخطئتهم في ذلك  قاله شيخ الإسلام وغيره، واختار غير واحد 
~~أن المعنى يقول المؤمنون الصادقون بعضهم لبعض أهؤلاء الذين أقسموا بالله
~~تعالى لليهود إنهم لمعكم والخطاب على التقديرين لليهود إلا أنه على
~~الأول: من / جهة المؤمنين، وعلى الثاني: من جهة المقسمين، وفي «البحر»
~~[3/ 509] أن الخطاب على التقدير الثاني للمؤمنين أي «يقول الذين آمنوا
~~بعضهم لبعض تعجبا من حال المنافقين إذ أغلظوا بالأيمان لهم وأقسموا أنهم
~~معكم وأنهم معاضدوكم على أعدائكم اليهود فلما حل باليهود ما حل أظهروا ما
~~كانوا يسرونه من موالاتهم والتمالؤ على المؤمنين»، وإليه يشير كلام عطاء
~~وليس بشيء كما لا يخفى، وجملة { إنهم لمعكم } لا محل لها من
~~الإعراب لأنها تفسير وحكاية لمعنى أقسموا لكن ms02414 لا بألفاظهم وإلا لقيل: إنا
~~معكم، وذكر السمين وغيره أنه يجوز أن يقال: حلف زيد لأفعلن وليفعلن، و {
~~جهد أيمنهم } منصوب على أنه مصدر  لأقسموا  من معناه،
~~والمعنى أقسموا إقساما مجتهدا فيه، أو هو حال بتأويل مجتهدين، وأصله
~~يجتهدون جهد أيمانهم، فالحال في الحقيقة الجملة، ولذا ساغ كونه حالا
~~كقولهم: افعل ذلك جهدك مع أن الحال حقها التنكير لأنه ليس حالا بحسب
~~الأصل.

# وقال غير واحد: لا يبالى بتعريف الحال هنا لأنها في التأويل نكرة وهو
~~مستعار من جهد نفسه إذا بلغ وسعها، فحاصل المعنى أهؤلاء الذين أكدوا
~~الأيمان وشددوها.

# { حبطت أعملهم فأصبحوا خسرين } يحتمل أن يكون
~~هذا جملة مستأنفة مسوقة من جهته تعالى لبيان مآل ما صنعوه من ادعاء
~~الولاية والقسم على المعية في كل حال إثر الإشارة إلى بطلانه بالاستفهام،
~~وأن يكون من جملة مقول المؤمنين بأن يجعل خبرا ثانيا لاسم الإشارة، وقد
~~قال بجواز نحو ذلك بعض النحاة، ومنه قوله سبحانه:

# فإذا هى حية تسعى

# [طه: 20]، أو يجعل هو الخبر والموصول مع ما في حيز صلته صفة للمبتدأ،
~~فالاستفهام حينئذ للتقرير، وفيه معنى التعجيب كأنه قيل: ما أحبط أعمالهم
~~فما أخسرهم، والمعنى بطلت أعمالهم التي عملوها في شأن موالاتكم وسعوا في
~~ذلك سعيا بليغا حيث لم تكن لكم دولة كما ظنوا فينتفعوا بما صنعوا من
~~المساعي وتحملوا من مكابدة المشاق، وفيه من الاستهزاء بالمنافقين
~~والتقريع للمخاطبين ما لا يخفى  قاله شيخ الإسلام  وذهب بعضهم إلى أنه
~~إذا كانت من جملة المقول فهي في محل نصب بالقول بتقدير أن قائلا يقول:
~~ماذا قال المؤمنون بعد كلامهم ذلك؟ فقيل: قالوا: حبطت أعمالهم الخ،
~~والجملة إما إخبارية، وشهادة المؤمنين بمضمونها على تقدير أن يكون المراد
~~به خسران دنيوي وذهاب الأعمال بلا نفع يترتب عليها هو ما أملوه من دولة
~~اليهود مما لا إشكال فيه، وعلى تقدير أن يكون المراد أمرا أخرويا
~~فيحتمل أن يكون باعتبار ما يظهر من حال المنافقين في ارتكاب ما ارتكبوا،
~~وأن تكون باعتبار إخبار النبي صلى ms02415 الله عليه وسلم بذلك، وإما جملة
~~دعائية ولا ضير في الدعاء بمثل ذلك على ما مرت الإشارة إليه، وأشعر كلام
~~البعض أن في الجملة معنى التعجب مطلقا سواء كانت من جملة المقول أو من
~~قول الله تعالى، ولعله غير بعيد عند من يتدبر.

### || [5.54]

# { يأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه }
~~شروع في بيان حال المرتدين على الإطلاق بعد أن نهى سبحانه فيما سلف عن
~~موالاة اليهود والنصارى، وبين أن موالاتهم مستدعية للارتداد عن الدين،
~~وفصل مصير [أمر] من يواليهم من المنافقين قيل: وهذا من الكائنات التي
~~أخبر عنها القرآن قبل وقوعها، فقد روى أنه ارتد عن الإسلام إحدى عشرة
~~فرقة، ثلاث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنو مدلج. ورئيسهم ذو
~~الخمار  وهو الأسود العنسي  كان كاهنا تنبأ باليمن واستولى على بلاده
~~فأخرج منها عمال النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب عليه الصلاة والسلام
~~إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن، فأهلكه الله تعالى على يدي فيروز
~~الديلمي / بيته فقتله، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ليلة
~~قتل فسر به المسلمون وقبض عليه الصلاة والسلام من الغد، وأتى خبره في شهر
~~ربيع الأول، وبنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب بن حبيب تنبأ وكتب إلى رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم سلام عليك، أما بعد: فإني قد أشركت في الأمر معك وإن لنا
~~نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم يعتدون، فقدم عليه عليه
~~الصلاة والسلام رسولان له بذلك فحين قرأ صلى الله عليه وسلم كتابه، قال
~~لهما:

# " فما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال، فقال صلى الله عليه وسلم: أما
~~والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما "

# ، ثم كتب إليه:

# " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب السلام
~~على من اتبع الهدى، أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده
~~والعاقبة للمتقين "

# ، وكان ذلك في ms02416 سنة عشر فحاربه أبو بكر رضي الله تعالى عنه بجنود
~~المسلمين وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة رضي الله تعالى عنهما وكان يقول:
~~قتلت في جاهليتي خير الناس وفي إسلامي شر الناس، وقيل: اشترك في قتله هو
~~وعبد الله بن زيد الأنصاري طعنه وحشي وضربه عبد الله بسيفه، وهو القائل:

# يسائلني الناس عن قتله

# فقلت: ضربت وهذا طعن

# في أبيات، وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه أبو بكر رضي الله
~~تعالى عنه خالد بن الوليد فانهزم بعد القتال إلى الشام، فأسلم وحسن
~~إسلامه، وارتدت سبع في عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه فزارة قوم عيينة
~~بن حصين وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد
~~ياليل وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة وبعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر
~~الكاهنة تنبأت وزوجت نفسها من مسيلمة في قصة شهيرة، وصح أنها أسلمت بعد
~~وحسن إسلامها.

# وكندة قوم الأشعث بن قيس وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد،
~~وكفى الله تعالى أمرهم على يدي أبي بكر رضي الله تعالى عنه. وفرقة واحدة
~~في عهد عمر رضي الله تعالى عنه  وهم غسان  قوم جبلة بن الأيهم تنصر
~~ولحق بالشام ومات على ردته، وقيل: إنه أسلم، ويروى أن عمر رضي الله تعالى
~~عنه كتب إلى أحبار الشام لما لحق بهم كتابا فيه: إن جبلة ورد إلي في
~~سراة قومه فأسلم فأكرمته ثم سار إلى مكة فطاف فوطىء إزاره رجل من بني
~~فزارة فلطمه جبلة فهشم أنفه وكسر ثناياه، وفي رواية قلع عينه فاستعدى
~~الفزاري على جبلة إلي، فحكمت إما بالعفو وإما بالقصاص، فقال: أتقتص مني
~~وأنا ملك وهو سوقة؟! فقلت: شملك وإياه الإسلام فما تفضله إلا بالعافية،
~~فسأل جبلة التأخير إلى الغد فلما كان من الليل ركب مع بني عمه ولحق
~~بالشام مرتدا، وروي أنه ندم على ما فعله وأنشد:

# تنصرت بعد الحق عارا للطمة

# ولم يك فيها لو صبرت لها ضرر

# فأدركني منها ms02417 لجاج حمية

# فبعت لها العين الصحيحة بالعور

# فيا ليت أمي لم تلدني وليتني

# صبرت على القول الذي قاله عمر

# هذا واعترض القول بأن هذا من الكائنات التي أخبر الله تعالى عنها قبل
~~وقوعها بأن { من } شرطية، والشرط لا يقتضي الوقوع إذ أصله أن يستعمل في
~~الأمور المفروضة، وأجيب بأن الشرط قد يستعمل في الأمور المحققة تنبيها
~~على أنها لا يليق وقوعها بل كان ينبغي أن تدرج في الفرضيات وهو كثير، وقد
~~علم من وقوع ذلك بعد هذه الآية أن المراد هذا، وقرأ نافع وابن عامر  ومن
~~يرتدد  بفك الإدغام وهو الأصل لسكون / ثاني المثلين وهو كذلك في بعض
~~مصاحف الإمام.

# وقوله تعالى: { فسوف يأتى الله } جواب { من } الشرطية
~~الواقعة مبتدأ، واختلف في خبرها فقيل: مجموع الشرط والجزاء، وقيل: الجزاء
~~فقط فعلى الأول: لا يحتاج الجزاء وحده إلى ضمير يربطه، وعلى الثاني:
~~يحتاج إليه وهو هنا مقدر أي فسوف يأتي الله تعالى مكانهم بعد إهلاكهم {
~~بقوم يحبهم } محبة تليق بشأنه تعالى على المعنى الذي أراده {
~~ويحبونه } أي يميلون إليه جل شأنه ميلا صادقا فيطيعونه في
~~امتثال أوامره واجتناب مناهيه، وهو معطوف على { يحبونه } ، وجوز أن يكون
~~حالا من الضمير المنصوب فيه أي وهم يحبونه، وفي «الكشاف» محبة العباد
~~لربهم طاعته وابتغاء مرضاته وأن لا يفعلوا ما يوجب سخطه وعقابه، ومحبة
~~الله تعالى لعباده أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم ويعظمهم ويثني عليهم
~~ويرضى عنهم، وأما ما يعتقده أجهل الناس  وأعداهم للعلم وأهله وأمقتهم
~~للشرع وأسوأهم طريقة  وإن كانت طريقتهم عند أمثالهم من الجهلة والسفهاء
~~ شيئا، وهم (الفرقة المفتعلة المتفعلة) من الصوف وما يدينون به من
~~المحبة والعشق والتغني على كراسيهم خربها الله تعالى وفي مراقصهم عطلها
~~الله تعالى بأبيات الغزل المقولة في المردان الذين يسمونهم شهداء
~~وصعقاتهم التي أين منها صعقة موسى عليه السلام، (ثم) دك الطور فتعالى
~~الله عنه علوا كبيرا، ومن كلماتهم كما أنه بذاته يحبهم كذلك يحبون ذاته
~~فإن الهاء راجعة إلى الذات دون النعوت والصفات، ومنها الحب ms02418 شرطه أن تلحقه
~~سكرات المحبة فإذا لم يكن ذلك لم يكن فيه حقيقة» انتهى كلامه.

# «وقد خلط فيه الغث بالسمين فأطلق القول بالقدح الفاحش في المتصوفة ونسب
~~إليهم ما لا يعبأ بمرتكبه ولا يعد في البهائم فضلا عن خواص البشر، ولا
~~يلزم من تسمى طائفة بهذا الاسم غاصبين له من أهله ثم ارتكابهم ما نقل
~~عنهم  بل وزيادة أضعاف أضعافه مما نعلمه من هذه الطائفة في زماننا  مما
~~ينافي حال المسمين به حقيقة أن نؤاخذ الصالح بالطالح ونضرب رأس البعض
~~بالبعض فلا تزر وازرة وزر أخرى».

# وتحقيق هذا المقام على ما ذكره ابن المنير في «الانتصاف» «أنه لا شك أن
~~تفسير محبة العبد لله تعالى بطاعته له سبحانه على خلاف الظاهر وهو من
~~المجاز الذي يسمى فيه المسبب باسم السبب، والمجاز لا يعدل إليه عن
~~الحقيقة إلا بعد تعذرها فليمتحن حقيقة المحبة لغة بالقواعد لننظر أهي
~~ثابتة للعبد متعلقة بالله تعالى أم لا؟ فالمحبة لغة ميل المتصف بها إلى
~~أمر ملذ واللذات الباعثة على المحبة منقسمة إلى مدرك (بالحس) كلذة الذوق
~~في المطعوم ولذة النظر في الصور المستحسنة إلى غير ذلك، وإلى لذة مدركة
~~بالعقل كلذة الجاه والرياسة والعلوم وما يجري مجراها، فقد ثبت أن في
~~اللذات الباعثة على المحبة ما لا يدركه إلا العقل دون الحس، ثم تتفاوت
~~المحبة ضرورة بحسب تفاوت البواعث عليها فليس اللذة برياسة الإنسان على
~~أهل قرية كلذته بالرياسة على أقاليم معتبرة، وإذا تفاوتت المحبة بحسب
~~تفاوت البواعث فلذات العلوم أيضا متفاوتة بحسب تفاوت المعلومات، وليس
~~معلوم أكمل ولا أجل من المعبود الحق، فاللذة الحاصلة من معرفته ومعرفة
~~جلاله وكماله تكون أعظم، والمحبة المنبعثة عنها تكون أمكن، وإذا حصلت هذه
~~المحبة بعثت على الطاعات والموافقات، فقد تحصل من ذلك أن محبة العبد لربه
~~سبحانه ممكنة بل واقعة من كل مؤمن فهي من لوازم الإيمان وشروطه، والناس
~~فيها متفاوتون بحسب تفاوت إيمانهم، وإذا كان كذلك وجب تفسير محبة العبد
~~لله عز وجل بمعناها الحقيقي لغة وكانت ms02419 الطاعات والموافقات كالمسبب عنها
~~والمغاير لها، ألا ترى إلى

# " الأعرابي الذي سأل عن الساعة فقال النبي / صلى الله عليه وسلم: «ما
~~أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كبير عمل ولكن حب الله تعالى ورسوله صلى
~~الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: المرء مع من أحب "

# فهذا ناطق بأن المفهوم من المحبة لله تعالى غير الأعمال والتزام الطاعات
~~لأن الأعرابي نفاها وأثبت الحب وأقره صلى الله عليه وسلم على ذلك، ثم
~~إذا ثبت إجراء محبة العبد لله تعالى على حقيقتها لغة والمحبة إذا تأكدت
~~سميت عشقا، فهو المحبة البالغة المتأكدة، (والقول بأنه عبارة عن المحبة
~~فوق قدر المحبوب فيكفر من قال: أنا عاشق لله تعالى أو لرسوله صلى الله
~~عليه وسلم  كما قاله بعض ساداتنا الحنفية  في حيز المنع عندي)،
~~والمعترفون بتصور محبة العبد لله عز شأنه بالمعنى الحقيقي ينسبون
~~المنكرين إلى أنهم جهلوا فأنكروا كما أن الصبي ينكر على من يعتقد أن
~~وراء اللعب لذة من جماع أو غيره، والمنهمك في الشهوات والغرام بالنساء
~~يظن أن ليس وراء ذلك لذة من رياسة أو جاه أو نحو ذلك، وكل طائفة تسخر مما
~~فوقها وتعتقد أنهم مشغولون في غير شيء. قال حجة الإسلام الغزالي روح
~~الله تعالى روحه: والمحبون لله تعالى يقولون لمن أنكر عليهم ذلك:

# إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون

# [هود: 38] انتهى» مع أدنى زيادة.

# ولم يتكلم على معنى محبة الله تعالى للعبد، وأنت تعلم أن ذلك من
~~المتشابه والمذاهب فيه مشهورة، وقد قدمنا طرفا من الكلام في هذا المقام
~~فتذكر. والمراد بهؤلاء القوم في المشهور أهل اليمن، فقد أخرج ابن أبي
~~شيبة في «مسنده». والطبراني والحاكم وصححه من حديث عياض بن عمر الأشعري

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت أشار إلى أبي موسى الأشعري 
~~وهو من صميم اليمن  وقال: هم قوم هذا "

# وعن الحسن وقتادة والضحاك أنهم أبو بكر وأصحابه رضي الله تعالى عنهم
~~الذين قاتلوا أهل الردة، وعن السدي أنهم الأنصار، وقيل: هم ms02420 الذين جاهدوا
~~يوم القادسية ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة وثلاثة آلاف من
~~أفناء الناس، وقد حارب هناك سعد بن أبي وقاص رستم الشقي صاحب جيش يزدجر،
~~وقال الإمامية: هم علي كرم الله تعالى وجهه وشيعته يوم وقعة الجمل وصفين،
~~وعنهم أنهم المهدي ومن يتبعه، ولا سند لهم في ذلك إلا مروياتهم الكاذبة،
~~وقيل: هم الفرس لأنه صلى الله عليه وسلم سئل عنهم فضرب يده على عاتق
~~سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، وقال: هذا وذووه، وتعقبه العراقي
~~قائلا: لم أقف على خبر فيه، وهو هنا وهم، وإنما ورد ذلك في قوله تعالى:

# وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم

# [محمد: 38] كما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فمن
~~ذكره هنا فقد وهم.

# { أذلة على المؤمنين } عاطفين عليهم متذللين لهم، جمع ذليل
~~لا ذلول فإن جمعه ذلل، وكان الظاهر أن يقال: أذلة للمؤمنين كما يقال تذلل
~~له، ولا يقال: تذلل عليه للمنافاة بين التذلل والعلو لكنه عدى بعلى
~~لتضمينه معنى العطف والحنو المتعدي بها، وقيل: للتنبيه على أنهم مع علو
~~طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم. ولعل المراد بذلك أنه
~~استعيرت { على } لمعنى اللام ليؤذن بأنهم غلبوا غيرهم من المؤمنين في
~~التواضع حتى علوهم بهذه الصفة، لكن في استفادة هذا من ذاك خفاء، وكون
~~المراد به أنه ضمن الوصف معنى الفضل والعلو  يعني أن كونهم أذلة ليس
~~لأجل كونهم أذلاء في أنفسهم بل لإرادة أن يضموا إلى علو منصبهم وشرفهم
~~فضيلة التواضع  لا يخفى ما فيه، لأن قائل ذلك قابله بالتضمين فيقتضي أن
~~يكون وجها آخر لا تضمين فيه، وكون الجار على ذلك متعلقا بمحذوف وقع صفة
~~أخرى  لقوم  ومع علو طبقتهم الخ تفسير لقوله سبحانه: { على
~~المؤمنين } وخافضون الخ تفسير  لأذلة  مما لا ينبغي أن يلتفت
~~إليه، وقيل: عديت الذلة بعلى لأن / العزة في قوله تعالى: { أعزة
~~على الكفرين } عديت بها كما يقتضيه استعمالها، وقد قارنتها
~~فاعتبرت المشاكلة، وقد صرحوا أنه يجوز فيها التقديم والتأخير، ms02421 وقيل: لأن
~~العزة تتعدى بعلى والذلة ضدها، فعوملت معاملتها لأن النظير كما يحمل على
~~النظير يحمل الضد على الضد كما صرح به ابن جني وغيره، وجر أذلة  و 
~~أعزة على أنهما صفتان  لقوم  كالجملة السابقة، وترك العطف بينهما
~~للدلالة على استقلالهم بالاتصاف بكل منهما، وفيه دليل على صحة تأخير
~~الصفة الصريحة عن غير الصريحة، وقد جاء ذلك في غير ما آية، ومن لم يجوزه
~~جعل الجملة هنا معترضة ولا يخفى أنه تكلف، ومعنى كونهم أعزة على الكافرين
~~أنهم أشداء متغلبون عليهم من عزه إذا غلبه، ونص العلامة الطيبي أن هذا
~~الوصف جىء به للتكميل لأن الوصف قبله يوهم أنهم أذلاء محقرون في أنفسهم،
~~فدفع ذلك الوهم بالإتيان به على حد قوله:

# جلوس في مجالسهم رزان

# وإن ضيف ألم فهم خفوف

# وقرىء أذلة  و  أعزة بالنصب على الحالية من  قوم  لتخصيصه بالصفة.

# { يجهدون في سبيل الله } بالقتال لإعلاء كلمته سبحانه
~~وإعزاز دينه جل شأنه، وهو صفة أخرى  لقوم  مترتبة على ما قبلها مبينة
~~مع ما بعدها لكيفية عزتهم، وجوز أبو البقاء أن يكون حالا من الضمير في {
~~أعزة } أي يعزون مجاهدين، وأن يكون مستأنفا.

# { ولا يخفون لومة لائم } فيما يأتون من الجهاد أو في كل
~~ما يأتون ويذرون، وهو عطف على { يجهدون } بمعنى أنهم جامعون بين
~~المجاهدة والتصلب في الدين، وفيه تعريض بالمنافقين، وجوز أن يكون حالا
~~من فاعل { يجهدون } أي يجاهدون وحالهم غير حال المنافقين،
~~والتعريض فيه حينئذ أظهر، وقيل: إنه على الأول لا تعريض فيه بل هو تتميم
~~لمعنى { يجهدون } مفيد للمبالغة والاستيعاب وليس بشيء، واعترض
~~القول بالحالية بأنهم نصوا على أن المضارع المنفي  بلا أو  ما 
~~كالمثبت في عدم جواز دخول الواو عليه، وأجيب بأن ذلك مبني على مذهب
~~الزمخشري القائل بجواز اقتران المضارع المنفي  بلا، وما  بالواو، فإن
~~النحاة جوزوه في المنفي  بلم، ولما  ولا فرق بينهما، و  اللومة 
~~المرة من اللوم أي الاعتراض وهو مضاف لفاعله، وأصل لائم لاوم فاعل كقائم،
~~وفي اللومة مع تنكير لائم ms02422 مبالغتان على ما قيل، ووجه ذلك العلامة الطيبي
~~بأنه ينتفي بانتفاء الخوف من اللومة الواحدة خوف جميع اللومات لأن النكرة
~~في سياق النفي تعم، ثم إذا انضم إليها تنكير فاعلها يستوعب انتفاء خوف
~~جميع اللوام، فيكون هذا تتميما في تتميم أي لا يخافون شيئا من اللوم
~~من أحد من اللوام.

# وقيل عليه: بأنه كيف يكون لومة أبلغ من لوم مع ما فيها من معنى الوحدة،
~~فلو قيل: لوم لائم كان أبلغ وأجيب بأنها في الأصل للمرة لكن المراد بها
~~هنا الجنس، وأتى بالتاء للإشارة إلى أن جنس اللوم عندهم بمنزلة لومة
~~واحدة، وتعقب بأنه لا يدفع السؤال لأنه لا قرينة على هذا التجوز مع بقاء
~~الإبهام فيه، وقد يقال: إن مقام المدح قرينة قوية على ذلك.

# { ذلك } إشارة إلى ما تقدم من الأوصاف لا بعضها كما قيل، والإفراد
~~لما تقدم، وكذاك ما فيه من معنى البعد { فضل الله } أي لطفه
~~وإحسانه { يؤتيه من يشاء } إيتاءه إياه لا أنهم مستقلون في
~~الاتصاف به { والله وسع } كثير الفضل، أو جواد لا يخاف نفاد ما
~~عنده سبحانه { عليم } / مبالغ في تعلق العلم في جميع الأشياء التي من
~~جملتها من هو أهل الفضل ومحله، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما
~~قبله، وإظهار الاسم الجليل للإشعار بالعلة وتأكيد استقلال الجملة
~~الاعتراضية كما مر غير مرة.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات على ما قاله بعض العارفين: {
~~وأنزلنا إليك الكتب بالحق مصدقا لما بين
~~يديه من الكتب } يحتمل أن يكون الكتاب الأول إشارة إلى علم
~~الفرقان، والثاني إشارة إلى علم القرآن، والأول هو ظهور تفاصيل الكمال،
~~والثاني هو العلم الإجمالي الثابت في الاستعداد، ومعنى كونه مهيمنا عليه
~~حافظا عليه بالإظهار، ويحتمل أن يكون الأول إشارة إلى ما بين أيدينا من
~~المصحف، والثاني إشارة إلى الجنس الشامل للتوراة التي دعوتها للظاهر
~~والإنجيل الذي دعوته للباطن، وكتابنا مشتمل على الأمرين حافظ لكل من
~~الكتابين { فاحكم بينهم بما أنزل الله } من العدل الذي هو
~~ظل المحبة التي هي ظل ms02423 الوحدة التي انكشفت عليك { ولا تتبع
~~أهواءهم } في تغليب أحد الجانبين إما الظاهر وإما الباطن { لكل
~~جعلنا منكم شرعة } موردا كمورد النفس ومورد القلب ومورد
~~الروح

# ومنهجا

# [المائدة: 48] طريقا كعلم الأحكام والمعارف التي تتعلق بالنفس وسلوك
~~طريق الباطن الموصل إلى جنة الصفات وعلم التوحيد والمشاهدة الذي يتعلق
~~بالروح وسلوك طريق الفناء الموصل إلى جنة الذات، وقال بعضهم: إن لله
~~سبحانه بحارا للأرواح وأنهارا للقلوب وسواقي للعقول، ولكل واحد منها
~~شرعة في ذلك ترد منها كشرعة العلم وشرعة القدرة وشرعة الصمدية وشرعة
~~المحبة إلى غير ذلك، وله عز وجل طرق بعدد أنفاس الخلائق كما قال أبو يزيد
~~قدس سره، والمراد بها الطرق الشخصية لا مطلقا وكلها توصل إليه سبحانه،
~~وهذا إشارة إلى اختلاف مشارب القوم وعدم اتحاد مسالكهم، وقد قال جل وعلا:

# قد علم كل أناس مشربهم

# [البقرة: 60] وفرق سبحانه بين الأبرار والمقربين في ذلك، وقلما يتفق
~~اثنان في مشرب ومنهج، ومن هنا ينحل الإشكال فيما حكي عن حضرة الباز
~~الأشهب مولانا الشيخ محيي الدين عبد القادر الكيلاني قدس سره أنه قال: 
~~لا زلت أسير في مهامه القدس حتى قطعت الآثار فلاح لي أثر قدم من بعيد
~~فكادت روحي تزهق فإذا النداء هذا أثر قدم نبيك محمد صلى الله عليه وسلم 
~~فإن ظاهره يقتضي سبقه للأنبياء والرسل أرباب التشريع عليهم الصلاة
~~والسلام ونحوهم من الكاملين وهو كما ترى، ووجهه أنه قدس سره قطع الآثار
~~في الطريق الذي هو فيه، وذلك يقتضي السبق على سالكي ذلك الطريق لا غير،
~~فيجوز أن يكون مسبوقا بمن ذكرنا من السالكين طريقا آخر غير ذلك الطريق،
~~وهذا أحسن ما يخطر لي في الجواب عن ذلك الإشكال نظرا إلى مشربي، ومشارب
~~القوم شتى { ولو شاء الله لجعلكم أمة وحدة } متفقين
~~في المشرب والطريق { ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم } أي
~~ليظهر عليكم ما آتاكم بحسب استعداداتكم على قدر قبول كل واحد منكم {
~~فاستبقوا الخيرات } أي الأمور الموصلة لكم إلى كمالكم الذي قدر
~~لكم بحسب الاستعدادات المقربة إياكم إليه ms02424 بإخراجه إلى الفعل { إلى
~~الله مرجعكم } في عين جمع الوجود على حسب المراتب

# فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون

# [المائدة: 48] وذلك بإظهار آثار ما يقتضيه ذلك الاختلاف { وأن احكم
~~بينهم } حسب ما تقتضيه الحكمة ويقبله الاستعداد { بما أنزل
~~الله } إليك من القرآن الجامع للظاهر والباطن { ولا تتبع
~~أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل
~~الله } فتقصر على الظاهر البحت أو الباطن المحض وتنفي الآخر { فإن
~~تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض
~~ذنوبهم } كذنب حجب الأفعال لليهود.

# وذنب حجب الصفات للنصارى

# وإن كثيرا من الناس لفسقون

# [المائدة: 49] وأنواع الفسق مختلفة، ففسق اليهود خروجهم عن حكم تجليات
~~الأفعال الإلهية برؤية / النفس أفعالها، وفسق النصارى خروجهم عن حكم
~~تجليات الصفات الحقانية برؤية النفس صفاتها، والفسق الذي يعتري بعض هذه
~~الأمة الالتفات إلى ذواتهم والخروج عن حكم الوحدة الذاتية

# أفحكم الجهلية يبغون

# [المائدة: 50] وهو الحكم الصادر عن مقام النفس بالجهل لا عن علم إلهي {
~~يأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه }
~~الحق فيحتجب ببعض الحجب { فسوف يأتى الله بقوم يحبهم
~~} في الأزل لا لعلة { ويحبونه } كذلك ومرجع المحبة التي لا تتغير
~~عند الصوفية الذات دون الصفات كما قاله الواسطي، وطعن فيه  كما قدمنا 
~~الزمخشري، وحيث أحبهم  ولم يكونوا إلا في العلم  كان المحب والمحبوب
~~واحدا في عين الجمع. وقال السلمي: إنهم بفضل حبه لهم أحبوه وإلا فمن أين
~~لهم المحبة لله تعالى وما للتراب ورب الأرباب؟! وشرط الحب  كما قال  أن
~~يلحقه سكرات المحبة، وإلا فليس بحب حقيقة، وقالت أعرابية في صفة الحب:
~~خفي أن يرى وجل أن يخفى فهو كامن ككمون النار في الحجر إن قدحته أورى وإن
~~تركته توارى وإن لم يكن شعبة من الجنون فهو عصارة السحر، وهذا شأن حب
~~الحادث فكيف شأن حب القديم جل شأنه، والكلام في ذلك طويل { أذلة
~~على المؤمنين } لمكان الجنسية الذاتية ورابطة المحبة الأزلية
~~والمناسبة الفطرية بينهم { أعزة على الكفرين } المحجوبين
~~لضد ما ذكر { يجهدون فى سبيل الله } بمحو صفاتهم وإفناء
~~ذواتهم ms02425 التي هي حجب المشاهدة { ولا يخفون لومة لائم } لفرط
~~حبهم الذي هو الرشاد الأعظم للمتصف به:

# وإذا الفتى عرف الرشاد لنفسه

# هانت عليه ملامة العذال

# بل إذا صدقت المحبة التذ المحب بالملامة كما قيل:

# أجد الملامة في هواك لذيذة

# حبا لذكرك فليلمني اللوم

# { ذلك فضل الله } الذي لا يدرك شأواه { يؤتيه من يشاء }
~~من عباده الذين سبقت لهم العناية الإلهية { والله وسع } الفضل {
~~عليم } [المائدة: 54] حيث يجعل فضله، نسأل الله تعالى أن يمن علينا
~~بفضله الواسع وجوده الذي ليس له مانع.

### || [5.55]

# ثم إنه سبحانه لما قال:

# لا تتخذوا اليهود والنصرى أولياء

# [المائدة: 51] وعلله بما علله، ذكر عقب ذلك من هو حقيق بالموالاة بطريق
~~القصر، فقال عز وجل:

# { إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا }
~~فكأنه قيل: لا تتخذوا أولئك أولياء لأن بعضهم أولياء بعض وليسوا
~~بأوليائكم إنما أولياؤكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون
~~فاختصوهم بالموالاة ولا تتخطوهم إلى الغير، وأفرد الولي مع تعدده ليفيد
~~كما قيل: أن الولاية لله تعالى بالأصالة وللرسول عليه الصلاة والسلام
~~والمؤمنين بالتبع، فيكون التقدير إنما وليكم الله سبحانه وكذلك رسوله صلى
~~الله عليه وسلم والذين آمنوا، فيكون في الكلام أصل وتبع لا أن وليكم مفرد
~~استعمل استعمال الجمع كما ظن صاحب «الفرائد»؛ فاعترض بأن ما ذكر بعيد عن
~~قاعدة الكلام لما فيه من جعل ما لا يستوي الواحد والجمع جمعا، ثم قال:
~~ويمكن أن يقال: التقدير إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا أولياؤكم
~~فحذف الخبر لدلالة السابق عليه، وفائدة الفصل في الخبر هي التنبيه على أن
~~كونهم أولياء بعد كونه سبحانه وليا، ثم بجعله إياهم أولياء، ففي الحقيقة
~~هو الولي انتهى. ولا يخفى على المتأمل أن المآل متحد والمورد واحد، ومما
~~تقرر يعلم أن قول الحلبي ويحتمل وجها آخر وهو أن وليا زنة فعيل، وقد
~~نص أهل اللسان أنه يقع للواحد والاثنين والجمع تذكيرا وتأنيثا بلفظ
~~واحد  كصديق  غير واقع موقعه لأن الكلام في سر بياني وهو نكتة العدول
~~من لفظ إلى ms02426 لفظ، ولا يرد على ما قدمنا أنه لو كان التقدير كذلك لنا في
~~حصر الولاية في الله تعالى ثم إثباتها للرسول صلى الله عليه وسلم /
~~وللمؤمنين، لأن الحصر باعتبار أنه سبحانه الولي أصالة وحقيقة، وولاية
~~غيره إنما هي بالإسناد إليه عز شأنه.

# { الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة } بدل من
~~الموصول الأول، أو صفة له باعتبار إجرائه مجرى الأسماء لأن الموصول وصلة
~~إلى وصف المعارف بالجمل والوصف لا يوصف إلا بالتأويل، ويجوز أن يعتبر
~~منصوبا على المدح، ومرفوعا عليه أيضا، وفي قراءة عبد الله { - و -
~~الذين يقيمون الصلوة } بالواو { وهم راكعون } حال من
~~فاعل الفعلين أي يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون
~~ومتواضعون لله تعالى. وقيل: هو حال مخصوصة بإيتاء الزكاة، والركوع ركوع
~~الصلاة، والمراد بيان كمال رغبتهم في الإحسان ومسارعتهم إليه.

# وغالب الأخباريين على أنها نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه، فقد أخرج
~~الحاكم وابن مردويه وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بإسناد
~~متصل قال:

# " أقبل ابن سلام ونفر من قومه آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فقالوا:
~~يا رسول الله إن منازلنا بعيدة وليس لنا مجلس ولا متحدث دون هذا المجلس
~~وأن قومنا لما رأونا آمنا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وصدقناه
~~رفضونا وآلوا على نفوسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يكلمونا فشق
~~ذلك علينا، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: إنما وليكم الله ورسوله،
~~ثم إنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع فبصر
~~بسائل فقال: هل أعطاك أحد شيئا؟ فقال: نعم خاتم من فضة، فقال: من
~~أعطاكه؟ فقال: ذلك القائم، وأومأ إلى علي كرم الله تعالى وجهه، فقال
~~النبي صلى الله عليه وسلم: على أي حال أعطاك؟ فقال: وهو راكع، فكبر
~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم تلا هذه الآية "

# فأنشأ حسان رضي الله تعالى عنه يقول:

# أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي

# وكل بطيء في الهدى ومسارع

# أيذهب مدحيك المحبر ضائعا

# وما ms02427 المدح في جنب الإله بضائع

# فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا

# زكاة فدتك النفس يا خير راكع

# فأنزل فيك الله خير ولاية

# وأثبتها أثنا كتاب الشرائع

# واستدل الشيعة بها على إمامته كرم الله تعالى وجهه، ووجه الاستدلال بها
~~عندهم أنها بالإجماع أنها نزلت فيه كرم الله تعالى وجهه، وكلمة {
~~إنما } تفيد الحصر، ولفظ الولي بمعنى المتولي للأمور والمستحق للتصرف
~~فيها، وظاهر أن المراد هنا التصرف العام المساوي للإمامة بقرينة ضم
~~ولايته كرم الله تعالى وجهه بولاية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه
~~وسلم، فثبتت إمامته وانتفت إمامة غيره وإلا لبطل الحصر، ولا إشكال في
~~التعبير عن الواحد بالجمع، فقد جاء في غير ما موضع؛ وذكر علماء العربية
~~أنه يكون لفائدتين: تعظيم الفاعل وأن من أتى بذلك الفعل عظيم الشأن
~~بمنزلة جماعة كقوله تعالى:

# إن إبرهيم كان أمة

# [النحل: 120] ليرغب الناس في الإتيان بمثل فعله، وتعظيم الفعل أيضا حتى
~~أن فعله سجية لكل مؤمن، وهذه نكتة سرية تعتبر في كل مكان بما يليق به.

# وقد أجاب أهل السنة عن ذلك بوجوه: الأول: النقض بأن هذا الدليل كما يدل
~~بزعمهم على نفي إمامة الأئمة المتقدمين كذلك يدل على سلب الإمامة عن
~~الأئمة المتأخرين كالسبطين رضي الله تعالى عنهما وباقي الاثني عشر رضي
~~الله تعالى عنهم أجمعين بعين ذلك التقرير، فالدليل يضر الشيعة أكثر مما
~~يضر أهل السنة كما لا يخفى، ولا يمكن أن يقال: الحصر إضافي بالنسبة إلى
~~من تقدمه لأنا نقول: إن حصر ولاية من استجمع / تلك الصفات لا يفيد إلا
~~إذا كان حقيقيا، بل لا يصح لعدم استجماعها فيمن تأخر عنه كرم الله تعالى
~~وجهه، وإن أجابوا عن النقض بأن المراد حصر الولاية في الأمير كرم الله
~~تعالى وجهه في بعض الأوقات أعني وقت إمامته لا وقت إمامة السبطين ومن
~~بعدهم رضي الله تعالى عنهم قلنا: فمرحبا بالوفاق إذ مذهبنا أيضا أن
~~الولاية العامة كانت له وقت كونه إماما لا قبله وهو زمان خلافة الثلاثة،
~~ولا بعده وهو زمان خلافة ms02428 من ذكر.

# فإن قالوا: إن الأمير كرم الله تعالى وجهه لو لم يكن صاحب ولاية عامة في
~~عهد الخلفاء يلزمه نقص بخلاف وقت خلافة أشباله الكرام رضي الله تعالى
~~عنهم فإنه لما لم يكن حيا لم تصر إمامة غيره موجبة لنقص شرفه الكامل لأن
~~الموت رافع لجميع الأحكام الدنيوية يقال: هذا فرار وانتقال إلى استدلال
~~آخر ليس مفهوما من الآية إذ مبناه على مقدمتين: الأولى: أن كون صاحب
~~الولاية العامة في ولاية الآخر  ولو في وقت من الأوقات  غير مستقل
~~بالولاية نقص له، والثانية: أن صاحب الولاية العامة لا يلحقه نقص ما بأي
~~وجه وأي وقت كان، وكلتاهما لا يفهمان من الآية أصلا كما لا يخفى على ذي
~~فهم، على أن هذا الاستدلال منقوض بالسبطين زمن ولاية الأمير كرم الله
~~تعالى وجهه، بل وبالأمير أيضا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم،
~~والثاني: أنا لا نسلم الإجماع على نزولها في الأمير كرم الله تعالى وجهه،
~~فقد اختلف علماء التفسير في ذلك، فروى أبو بكر النقاش صاحب «التفسير
~~المشهور» عن محمد الباقر رضي الله تعالى عنه أنها نزلت في المهاجرين
~~والأنصار، وقال قائل: نحن سمعنا أنها نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه،
~~فقال: هو منهم يعني أنه كرم الله تعالى وجهه داخل أيضا في المهاجرين
~~والأنصار ومن جملتهم. وأخرج أبو نعيم في «الحلية» عن عبد الملك بن أبي
~~سليمان وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الباقر رضي
~~الله تعالى عنه أيضا نحو ذلك، وهذه الرواية أوفق بصيغ الجمع في الآية،
~~وروى جمع من المفسرين عن عكرمة أنها نزلت في شأن أبي بكر رضي الله تعالى
~~عنه، والثالث: أنا لا نسلم أن المراد بالولي المتولي للأمور والمستحق
~~للتصرف فيها تصرفا عاما، بل المراد به الناصر لأن الكلام في تقوية قلوب
~~المؤمنين وتسليها وإزالة الخوف عنها من المرتدين وهو أقوى قرينة على ما
~~ذكره، ولا يأباه الضم كما لا يخفى على من فتح الله تعالى عين بصيرته، ms02429 ومن
~~أنصف نفسه علم أن قوله تعالى فيما بعد:

# يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين
~~اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا
~~الكتب من قبلكم والكفار أولياء

# [المائدة: 57] آب عن حمل الولي على ما يساوي الإمام الأعظم لأن أحدا لم
~~يتخذ اليهود والنصارى والكفار أئمة لنفسه وهم أيضا لم يتخذ بعضهم بعضا
~~إماما، وإنما اتخذوا أنصارا وأحبابا، وكلمة { إنما } المفيدة
~~للحصر تقتضي ذلك المعنى أيضا لأن الحصر يكون فيما يحتمل اعتقاد الشركة
~~والتردد والنزاع، ولم يكن بالإجماع وقت نزول هذه الآية تردد ونزاع في
~~الإمامة وولاية التصرف؛ بل كان في النصرة والمحبة، والرابع: أنه لو سلم
~~أن المراد ما ذكروه فلفظ الجمع عام، أو مساو له  كما ذكره المرتضى في
~~«الذريعة».

# وابن المطهر في «النهاية»  والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب كما
~~اتفق عليه الفريقان، فمفاد الآية حينئذ حصر الولاية العامة لرجال
~~متعددين يدخل فيهم الأمير كرم الله تعالى وجهه، وحمل العام على الخاص
~~خلاف الأصل لا يصح ارتكابه بغير ضرورة ولا ضرورة.

# فإن قالوا: الضرورة متحققة ههنا إذ التصدق على السائل في حال الركوع لم
~~يقع من أحد غير الأمير كرم الله تعالى وجهه قلنا: ليست الآية نصا في كون
~~التصدق واقعا في حال ركوع الصلاة لجواز أن يكون / الركوع بمعنى التخشع
~~والتذلل لا بالمعنى المعروف في عرف أهل الشرع كما في قوله:

# لا تهين الفقير علك أن

# (تركع) يوما والدهر قد رفعه

# وقد استعمل بهذا المعنى في القرآن أيضا كما قيل في قوله سبحانه:

# واركعى مع الركعين

# [آل عمران: 43] إذ ليس في صلاة من قبلنا من أهل الشرائع ركوع هو أحد
~~الأركان بالإجماع، وكذا في قوله تعالى:

# وخر راكعا

# [ص: 24] وقوله عز وجل:

# وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون

# [المرسلات: 48] على ما بينه بعض الفضلاء، وليس حمل الركوع في الآية على
~~غير معناه الشرعي بأبعد من حمل الزكاة المقرونة بالصلاة على مثل ذلك
~~التصدق، وهو لازم على مدعي الإمامية قطعا. وقال بعض منا أهل السنة: إن
~~حمل الركوع ms02430 على معناه الشرعي وجعل الجملة حالا من فاعل { يؤتون }
~~يوجب قصورا بينا في مفهوم { يقيمون الصلوة } إذ المدح
~~والفضيلة في الصلاة كونها خالية عما لا يتعلق بها من الحركات سواء كانت
~~كثيرة أو قليلة، غاية الأمر أن الكثيرة مفسدة للصلاة دون القليلة ولكن
~~تؤثر قصورا في معنى إقامة الصلاة ألبتة، فلا ينبغي حمل كلام الله تعالى
~~الجليل على ذلك انتهى.

# وبلغني أنه قيل لابن الجوزي رحمه الله تعالى: كيف تصدق علي كرم
~~الله تعالى وجهه بالخاتم وهو في الصلاة والظن فيه  بل العلم الجازم  أن
~~له كرم الله تعالى وجهه شغلا شاغلا فيها عن الالتفات إلى ما لا يتعلق
~~بها، وقد حكى مما يؤيد ذلك كثير؟ فأنشأ يقول:

# يسقي ويشرب لا تلهيه سكرته

# عن النديم ولا يلهو عن الناس

# أطاعه سكره حتى تمكن من

# فعل الصحاة فهذا واحد الناس

# وأجاب الشيخ إبراهيم الكردي قدس سره عن أصل الاستدلال بأن الدليل قائم
~~في غير محل النزاع، وهو كون علي كرم الله تعالى وجه إماما بعد رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم من غير فصل لأن ولاية { الذين ءامنوا } على
~~زعم الإمامية غير مرادة في زمان الخطاب، لأن ذلك عهد النبوة، والإمامة
~~نيابة فلا تتصور إلا بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يكن
~~زمان الخطاب مرادا تعين أن يكون المراد الزمان المتأخر عن زمن الانتقال
~~ولا حد للتأخير فليكن ذلك بالنسبة إلى الأمير كرم الله تعالى وجهه بعد
~~مضي زمان الأئمة الثلاثة فلم يحصل مدعى الإمامية، ومن العجائب أن صاحب
~~«إظهار الحق» قد بلغ سعيه الغاية القصوى في تصحيح الاستدلال بزعمه، ولم
~~يأت بأكثر مما يضحك الثكلى وتفزع من سماعه الموتى، فقال: إن الأمر بمحبة
~~الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم يكون بطريق الوجوب لا محالة،
~~فالأمر بمحبة المؤمنين المتصفين بما ذكر من الصفات وولايتهم أيضا كذلك
~~إذ الحكم في كلام واحد يكون موضعه متحدا أو متعددا أو متعاطفا لا يمكن
~~أن يكون بعضه واجبا وبعضه مندوبا وإلا ms02431 لزم استعمال اللفظ بمعنيين، فإذا
~~كانت محبة أولئك المؤمنين وولايتهم واجبة وجوب محبة الله تعالى ورسوله
~~صلى الله عليه وسلم امتنع أن يراد منهم كافة المسلمين وكل الأمة باعتبار
~~أن من شأنهم الاتصاف بتلك الصفات لأن معرفة كل منهم ليحب ويوالي مما لا
~~يمكن لأحد من المكلفين بوجه من الوجوه، وأيضا قد تكون معاداة المؤمنين
~~لسبب من الأسباب مباحة بل واجبة فتعين أن يراد منهم البعض، وهو علي
~~المرتضى كرم الله تعالى وجهه انتهى.

# ويرد عليه أنه مع تسليم المقدمات أين اللزوم بين الدليل والمدعى؟ وكيف
~~استنتاج المتعين من المطلق، وأيضا لا يخفى على من له أدنى تأمل أن
~~موالاة المؤمنين من جهة الإيمان أمر عام بلا قيد ولا جهة، وترجع إلى
~~موالاة / إيمانهم في الحقيقة، والبغض لسبب غير ضار فيها، وأيضا ماذا
~~يقول في قوله سبحانه:

# والمؤمنون والمؤمنت بعضهم أولياء بعض

# [التوبة: 71] الآية، وأيضا ماذا يجاب عن معاداة الكفار وكيف الأمر فيها
~~وهم أضعاف المؤمنين؟ ومتى كفت الملاحظة الإجمالية هناك فلتكف هنا، وأنت
~~تعلم أن ملاحظة الكثرة بعنوان الوحدة مما لا شك في وقوعها فضلا عن
~~إمكانها، والرجوع إلى علم الوضع يهدي لذلك، والمحذور كون الموالاة
~~الثلاثة في مرتبة واحدة وليس فليس إذ الأولى: أصل. والثانية: تبع.
~~والثالثة: تبع التبع، فالمحمول مختلف، ومثله الموضوع إذ الموالاة من
~~الأمور العامة وكالعوارض المشككة، والعطف موجب للتشريك في الحكم لا في
~~جهته، فالموجود في الخارج الواجب والجوهر والعرض مع أن نسبة الوجود إلى
~~كل غير نسبته إلى الآخر، والجهة مختلفة بلا ريب، وهذا قوله سبحانه:

# قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا
~~ومن اتبعنى

# [يوسف: 108] مع أن الدعوة واجبة على الرسول صلى الله عليه وسلم مندوبة
~~في غيره، ولهذا قال الأصوليون: القران في النظم لا يوجب القران في الحكم،
~~وعدوا هذا النوع من الاستدلال من المسالك المردودة، ثم إنه أجاب عن حديث
~~عدم وقوع التردد مع اقتضاء { إنما } له بأنه يظهر من بعض أحاديث أهل
~~السنة أن بعض الصحابة رضي ms02432 الله تعالى عنهم التمسوا من حضرة النبي صلى
~~الله عليه وسلم الاستخلاف، فقد روى الترمذي عن حذيفة

# " أنهم قالوا: يا رسول الله لو استخلفت؟ قال: لو استخلفت عليكم فعصيتموه
~~عذبتم ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه وما أقرأكم عبد الله فاقرأوه "

# وأيضا استفسروا منه عليه الصلاة والسلام عمن يكون إماما بعده صلى الله
~~عليه وسلم، فقد أخرج أحمد عن علي كرم الله تعالى وجهه قال:

# " قيل: يا رسول الله من نؤمر بعدك؟ قال: إن تؤمروا أبا بكر رضي الله
~~تعالى عنه تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، وإن تؤمروا
~~عمر رضي الله تعالى عنه تجدوه قويا أمينا لا يخاف في الله لومة لائم،
~~وإن تؤمروا عليا  ولا أراكم فاعلين  تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم
~~الصراط المستقيم "

# وهذا الالتماس والاستفسار يقتضي كل منهما وقوع التردد في حضوره صلى الله
~~عليه وسلم عند نزول الآية، فلم يبطل مدلول { إنما } انتهى، وفيه أن
~~محض السؤال والاستفسار لا يقتضي وقوع التردد، نعم لو كانوا شاوروا في هذا
~~الأمر ونازع بعضهم بعضا بعدما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم جواب
~~ما سألوه لتحقق المدلول، وليس فليس، ومجرد السؤال والاستفسار غير مقتض 
~~لإنما  ولا من مقاماته بل هو من مقامات  إن  والفرق مثل الصبح ظاهر،
~~وأيضا لو سلمنا التردد، ولكن كيف العلم بأنه بعد الآية أو قبلها منفصلا
~~أو متصلا سببا للنزول أو اتفاقيا، ولا بد من إثبات القبلية والاتصال
~~والسببية، وأين ذلك؟ والاحتمال غير مسموع ولا كاف في الاستدلال. وبعد هذا
~~كله الحديث الثاني ينافي الحصر صريحا لأنه صلى الله عليه وسلم في مقام
~~السؤال عن المستحق للخلافة ذكر الشيخين، فإن كانت الآية متقدمة لزم
~~مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن أو بالعكس لزم التكذيب، والنسخ
~~لا يعقل في الأخبار على ما قرر، ومع ذا تقدم كل على الآخر مجهول فسقط
~~العمل.

# فإن قالوا: الحديث خبر الواحد وهو غير مقبول في باب الإمامة قلنا: وكذلك
~~لا يقبل في إثبات التردد والنزاع الموقوف ms02433 عليه التمسك بالآية، والحديث
~~الأول يفيد أن ترك الاستخلاف أصلح فتركه  كما تفهمه الآية بزعمهم 
~~تركه، وهم لا يجوزونه فتأمل، وذكر الطبرسي في «مجمع البيان» وجها آخر
~~غير ما ذكره صاحب «إظهار الحق» في «أن الولاية مختصة، وهو أنه سبحانه
~~قال: { إنما وليكم الله } فخاطب جميع المؤمنين، ودخل في
~~الخطاب / النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، ثم قال تعالى: { ورسوله
~~} فأخرج نبيه عليه الصلاة والسلام من جملتهم لكونهم مضافين إلى ولايته،
~~ثم قال جل وعلا: { والذين ءامنوا } فوجب أن يكون الذي خوطب
~~بالآية غير الذي جعلت له الولاية، وإلا لزم أن يكون المضاف هو المضاف
~~إليه بعينه، وأن يكون كل واحد من المؤمنين ولي نفسه وذلك محال» انتهى.

# وأنت تعلم أن المراد ولاية بعض المؤمنين بعضا لا أن يكون كل واحد منهم
~~ولي نفسه، وكيف يتوهم من قولك مثلا: أيها الناس لا تغتابوا الناس إنه
~~نهي لكل واحد من الناس أن يغتاب نفسه، وفي الخبر أيضا

# " صوموا يوم يصوم الناس "

# ولا يختلج في القلب أنه أمر لكل أحد أن يصوم يوم يصوم الناس، ومثل ذلك
~~كثير في كلامهم، وما قدمناه في سبب النزول ظاهر في أن المخاطب بذلك ابن
~~سلام وأصحابه، وعليه لا إشكال إلا أن ذلك لا يعتبر مخصصا كما لا يخفى،
~~فالآية على كل حال لا تدل على خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه على
~~الوجه الذي تزعمه الإمامية، وهو ظاهر لمن تولى الله تعالى حفظ ذهنه عن
~~غبار العصبية.

### || [5.56]

# { ومن يتول الله ورسوله والذين ءامنوا } أي ومن
~~يتخذهم أولياء، وأوثر الإظهار على الإضمار رعاية لما مر [في الآية
~~السابقة] من نكتة بيان أصالته تعالى في الولاية كما ينبىء عنه قوله
~~تعالى: { فإن حزب الله هم الغلبون } حيث أضيف الحزب 
~~أي الطائفة والجماعة مطلقا أو الجماعة التي فيها شدة  إليه تعالى خاصة؛
~~وفي هذا  على رأي وضع الظاهر موضع الضمير أيضا العائد إلى { من } أي
~~فإنهم الغالبون لكنهم جعلوا حزب الله تعالى  تعظيما لهم وإثباتا
~~لغلبتهم بالطريق ms02434 البرهاني كأنه قيل: ومن يتول هؤلاء فإنهم حزب الله تعالى
~~وحزب الله تعالى هم الغالبون. والجملة دليل الجواب عند كثير من المعربين.

### || [5.57]

# { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين
~~اتخذوا دينكم هزوا ولعبا } أخرج ابن إسحاق وجماعة عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن
~~الحرث قد أظهرا الإسلام ونافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما فأنزل
~~الله تعالى هذه الآية، ورتب سبحانه النهي على وصف يعمهما وغيرهما تعميما
~~للحكم وتنبيها على العلة وإيذانا بأن من هذا شأنه جدير بالمعاداة فكيف
~~بالموالاة، والهزؤ  كما في «الصحاح»  السخرية، تقول: هزئت منه، وهزئت
~~به  عن الأخفش  واستهزأت به وتهزأت وهزأت به أيضا هزؤا ومهزأة  عن
~~أبي زيد  ورجل هزأة بالتسكين أي يهزأ به، وهزأة بالتحريك يهزأ
~~بالناس، وذكر الزجاج أنه يجوز في { هزوا } أربعة أوجه: الأول:  هزؤ 
~~بضم الزاي مع الهمزة وهو الأصل والأجود، والثاني:  هزو  بضم الزاي مع
~~إبدال الهمزة واوا لانضمام ما قبلها، والثالث:  هزأ  بإسكان الزاي مع
~~الهمزة، والرابع:  هزى  كهدى، ويجوز القراءة بما عدا الأخير، و  اللعب
~~ بفتح أوله وكسر ثانيه كاللعب، واللعب بفتح اللام وكسرها مع سكون العين،
~~والتلعاب مصدر لعب كسمع، وهو ضد الجد كما في «القاموس» وفي «مجمع البيان»
~~«هو الأخذ على غير طريق (الجد)، ومثله العبث، وأصله من لعاب الصبي يقال:
~~لعب (كسمع ومنع) إذا سال لعابه وخرج إلى غير جهة»، والمصدران: إما بمعنى
~~اسم المفعول، أو الكلام على حذف مضاف أو قصد المبالغة.

# وقوله تعالى: { من الذين أوتوا الكتب من قبلكم }
~~في موضع الحال من { الذين } قبله، أو من فاعل  اتخذوا  والتعرض
~~لعنوان إيتاء الكتاب لبيان كمال شناعتهم وغاية ضلالتهم لما أن إيتاء
~~الكتاب وازع لهم عن اتخاذ دين المؤمنين المصدقين بكتابهم هزوا ولعبا {
~~والكفار } / أي المشركين، وقد ورد بهذا المعنى في مواضع من القرآن
~~وخصوا به لتضاعف كفرهم، وهو عطف على الموصول الأول، وعليه لا تصريح
~~باستهزائهم هنا، وإن أثبت لهم في آية

# إنا كفينك ms02435 المستهزءين

# [الحجر: 95] إذ المراد بهم مشركو العرب، ولا يكون النهي حينئذ بالنظر
~~إليهم معللا بالاستهزاء بل نهوا عن موالاتهم ابتداءا، وقرأ الكسائي
~~وأهل البصرة { والكفار } بالجر عطفا على الموصول الأخير، ويعضد
~~ذلك قراءة أبي  ومن الكفار  وقراءة عبد الله  ومن الذين أشركوا 
~~فهم أيضا من جملة المستهزئين صريحا، وقوله تعالى: { أولياء } مفعول
~~ثان  للاتتخذوا  والمراد جانبوهم كل المجانبة { واتقوا الله }
~~في ذلك بترك موالاتهم، أو بترك المناهي على الإطلاق فيدخل فيه ترك
~~موالاتهم دخولا أوليا { إن كنتم مؤمنين } حقا فإن قضية
~~الإيمان توجب الاتقاء لا محالة.

### || [5.58]

# { وإذا نديتم } أي دعا بعضكم بعضا { إلى الصلوة
~~اتخذوها } أي الصلاة، أو المناداة إليها { هزوا ولعبا }.
~~أخرج البيهقي في «الدلائل» من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما قال: كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى
~~بالصلاة فقام المسلمون إليها قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا، فإذا رأوهم
~~ركعا وسجدا استهزأوا بهم وضحكوا منهم، وأخرج ابن جرير وغيره عن السدي
~~قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي  أشهد أن
~~محمدا رسول الله  قال: (حرق) الكاذب، فدخلت خادمه ذات ليلة بنار وهو
~~نائم وأهله نيام فسقطت شرارة فأحرقت البيت وأحرق هو وأهله، والكلام مسوق
~~لبيان استهزائهم بحكم خاص من أحكام الدين بعد بيان استهزائهم بالدين على
~~الإطلاق إظهارا لكمال شقاوتهم { ذلك } أي الاتخاذ المذكور {
~~بأنهم } أي بسبب أنهم { قوم لا يعقلون } فإن السفه يؤدي
~~إلى الجهل بمحاسن الحق والهزء به، ولو كان لهم عقل في الجملة لما اجترأوا
~~على تلك العظيمة.

# قيل: وفي الآية دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده،
~~واعترض بأن قوله سبحانه: { وإذا نديتم } لا يدل على الأذان
~~اللهم إلا أن يقال: حيث ورد بعد ثبوته كان إشارة إليه فيكون تقريرا له،
~~قال في «الكشف» أقول فيه: إن اتخاذ المناداة هزؤا منكر من المناكير
~~لأنها من معروفات الشرع، فمن هذه الحيثية دل على أن المناداة التي كانوا
~~عليها ms02436 حق مشروع منه تعالى، وهو المراد بثبوته بالنص بعد أن ثبت ابتداءا
~~بالسنة ومنام عبد الله بن زيد الأنصاري الحديث بطوله، ولا ينافيه أن ذلك
~~كان أول ما قدموا المدينة، والمائدة من آخر القرآن نزولا، وقوله: لا
~~بالمنام وحده ليس فيه ما يدل على أن السنة غير مستقلة في الدلالة لأن
~~الأدلة الشرعية معرفات وأمارات لا مؤثرات وموجبات؛ وترادف المعرفات لا
~~ينكر انتهى، ولأبي حيان في هذا المقام كلام لا ينبغي أن يلتفت إليه لما
~~فيه من المكابرة الظاهرة، وسمي الأذان مناداة لقول المؤذن فيه: حي على
~~الصلاة حي على الفلاح.

### || [5.59]

# { قل يأهل الكتب } أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم
~~بطريق تلوين الخطاب بعد نهي المؤمنين عن تولي المستهزئين بأن يخاطبهم
~~ويبين أن الدين منزه عما يصحح صدور ما صدر منهم من الاستهزاء ويظهر لهم
~~سبب ما ارتكبوه ويلقمهم الحجر، ووصفوا بأهلية الكتاب تمهيدا لما سيذكر
~~سبحانه من تبكيتهم وإلزامهم بكفرهم بكتابهم أي قل يا محمد لأولئك الفجرة
~~{ هل تنقمون منا } أي هل تنكرون وتعيبون منا، وهو من نقم منه
~~كذا إذا أنكره وكرهه من حد ضرب، وقرأ الحسن { تنقمون } / بفتح القاف
~~من حد علم، وهي لغة قليلة، وقال الزجاج: يقال: نقم بالفتح والكسر،
~~ومعناه بالغ في كراهة الشيء، وأنشد لعبد الله بن قيس:

# (ما نقموا) من بني أمية

# إلا أنهم يحلمون إن غضبوا

# وفي «النهاية» «يقال: نقم ينقم إذا بلغت به الكراهة حد السخط، ويقال:
~~نقم من فلان الإحسان إذا جعله مما يؤديه إلى كفر النعمة، ومنه حديث
~~الزكاة

# " ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله تعالى "

# أي ما ينقم شيئا من منع الزكاة إلا أن يكفر النعمة، فكأن غناه أداه إلى
~~كفر نعمة الله تعالى»، وعن الراغب إن تفسير نقم بأنكر وأعاب لأن «النقمة
~~معناها الإنكار باللسان أو بالعقوبة» لأنه لا يعاقب إلا على ما ينكر
~~فيكون على حد قوله:

# ونشتم بالأفعال لا بالتكلم

# وهو كما قال الشهاب: مما يعدى  بمن، وعلى  وقال ms02437 أبو حيان [3/517]:
~~«أصله أن يتعدى بعلى، ثم افتعل المبني منه يعدى بمن لتضمنه معنى الإصابة
~~بالمكروه، وهنا فعل بمعنى افتعل» ولم يذكر له مستندا في ذلك.

# { إلا أن ءامنا بالله وما أنزل إلينا } من القرآن
~~المجيد. { وما أنزل من قبل } أي من قبل إنزاله من التوراة
~~والإنجيل وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

# { وأن أكثرهم فسقون } أي متمردون خارجون عن دائرة
~~الإيمان بما ذكر، فإن الكفر بالقرآن العظيم مستلزم للكفر بسائر الكتب كما
~~لا يخفى، والواو للعطف وما بعدها عطف على { أن ءامنا }. واختار بعض
~~أجلة المحققين أنه مفعول له  لتنقمون  والمفعول به الدين، وحذف ثقة
~~بدلالة ما قبل وما بعد عليه دلالة واضحة، فإن اتخاذ الدين هزوا ولعبا
~~عين نقمه وإنكاره، والإيمان بما فصل عين الدين الذي نقموه، خلا أنه
~~[أبرز] في معرض علة نقمهم له تسجيلا عليهم بكمال المكابرة والتعكيس حيث
~~جعلوه موجبا لنقمه مع كونه في نفسه موجبا لقبوله وارتضائه، فالاستثناء
~~على هذا من أعم العلل أي ما تنقمون منا ديننا لعلة من العلل إلا لإيماننا
~~بالله تعالى وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل من كتبكم ولأن أكثركم
~~متمردون غير مؤمنين بشيء مما ذكر حتى لو كنتم مؤمنين بكتابكم الناطق بصحة
~~كتابنا لآمنتم به، وقدر بعضهم المفعول المحذوف شيئا ولا أرى فيه بأسا،
~~وقيل: العطف على { أن ءامنا } باعتبار كونه المفعول به لكن لا على
~~أن المستثنى مجموع المعطوفين إذ لا يعترفون أن أكثرهم فاسقون حتى ينكروه
~~بل هو ما يلزمهما من المخالفة، فكأنه قيل: هل تنكرون منا إلا أنا على حال
~~يخالف حالكم حيث دخلنا في الإسلام وخرجتم منه بما خرجتم، وقيل: الكلام
~~على حذف مضاف أي واعتقاد أن أكثركم فاسقون، وقيل: العطف على المؤمن به أي
~~هل تنقمون منا إلا إيماننا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وبأن
~~أكثركم كافرون، وهذا في المعنى كالوجه الذي قبله.

# وقيل: العطف على علة محذوفة، وقد حذف الجار في جانب المعطوف، ومحله إما ms02438
~~جر أو نصب على الخلاف المشهور أي هل تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم
~~ولأن أكثركم فاسقون، وقيل: هو منصوب بفعل مقدر منفي دل عليه المذكور أي
~~ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، وقيل: هو مبتدأ خبره محذوف، ويقدر مقدما
~~عند بعض لأن { ءان } المفتوحة لا يقع ما معها مبتدأ إلا إذا تقدم الخبر.

# وقال أبو حيان [3/517]: «إن { أن } لا يبتدأ بها متقدمة إلا بعد أما
~~فقط»، وخالف الكثير من النحاة في هذا الشرط على أنه يغتفر في الأمور
~~التقديرية ما لا يغتفر في غيرها، والجملة على التقديرين حالية، أو معترضة
~~أي وفسقكم / ثابت أو معلوم، وقيل: الواو بمعنى مع أي هل تنقمون منا إلا
~~الإيمان مع أن أكثركم الخ؟ وتعقبه العلامة التفتازاني بأن هذا لا يتم على
~~ظاهر كلام النحاة من أنه لا بد في المفعول معه من المصاحبة في معمولية
~~الفعل، وحينئذ يعود المحذور وهو أنهم نقموا كون أكثرهم فاسقين، نعم يصح
~~على مذهب الأخفش حيث اكتفى في المفعول معه بالمقارنة في الوجود مستدلا
~~بقولهم: سرت والنيل وجئتك وطلوع الشمس، وبحث فيه بأن ذلك الاشتراط في
~~المفعول معه لا يوجب الاشتراط في كل واو بمعنى مع، فليكن الواو بمعنى مع
~~من غير أن يكون مفعولا معه لانتفاء شرطه وهو مصاحبته معمول الفعل بل
~~يكون للعطف. وقيل: الواو زائدة { وأن أكثركم } الخ في موضع
~~التعليل أي هل تنقمون منا إلا الإيمان لأن أكثركم فاسقون. وقرأ نعيم بن
~~ميسرة (وإن أكثركم) بكسر الهمزة، والجملة حينئذ مستأنفة مبينة لكون
~~أكثرهم متمردين، والمراد بالأكثر من لم يؤمن وما ءامن منهم
~~إلا قليل.

### || [5.60]

# { قل هل أنبئكم بشر من ذلك } تبكيت لأولئك الفجرة
~~أيضا ببيان أن الحقيق بالنقم والعيب حقيقة ما هم عليه من الدين المحرف،
~~وفيه نعي عليهم على سبيل التعريض بجناياتهم وما حاق بهم من تبعاتها
~~وعقوباتها، ولم يصرح سبحانه لئلا يحملهم التصريح بذلك على ركوب متن
~~المكابرة والعناد، وخاطبهم قبل البيان بما ينبىء عن عظم شأن المبين،
~~ويستدعي إقبالهم على ms02439 تلقيه من الجملة الاستفهامية المشوقة إلى المخبر به،
~~والتنبئة المشعرة بكونه أمرا خطرا لما أن النبأ هو الخبر الذي له شأن
~~وخطر، والإشارة إلى الدين المتقوم لهم، واعتبرت الشرية بالنسبة إليه 
~~مع أنه خير محض منزه عن شائبة الشرية بالكلية  مجاراة معهم على زعمهم
~~الباطل المنعقد على كمال شريته، وحاشاه ليثبت أن دينهم شر من كل شر، ولم
~~يقل سبحانه بأنقم تنصيصا على مناط الشرية لأن مجرد النقم لا يفيدها
~~ألبتة لجواز كون العيب من جهة العائب:

# فكم من عائب قولا صحيحا

# وآفته من الفهم السقيم

# وفي ذلك تحقيق لشرية ما سيذكر وزيادة تقرير لها، وقيل: إنما قال: {
~~بشر } لوقوعه في عبارة المخاطبين، فقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير
~~وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أتى النبي صلى الله عليه
~~وسلم نفر من يهود فيهم أبو ياسر بن أخطب ونافع بن أبي نافع وغازي بن
~~عمرو وزيد وخالد وإزار بن أبي إزار فسألوه عليه الصلاة والسلام عمن يؤمن
~~به من الرسل قال: أومن بالله تعالى وما أنزل إلى إبراهيم وإسمعيل وإسحق
~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى. وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق
~~بين أحد منهم ونحن له مسلمون، فلما ذكر عيسى عليه الصلاة والسلام جحدوا
~~نبوته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ولا نؤمن بمن آمن به، ثم قالوا  كما في
~~رواية الطبراني  لا نعلم دينا شرا من دينكم، فأنزل الله تعالى الآية،
~~وبهذا الخبر انتصر من ذهب إلى أن المخاطبين  بأنبئكم  هم أهل الكتاب.
~~وقال بعضهم: المخاطب هم الكفار مطلقا، وقيل: هم المؤمنون، وكما اختلف في
~~الخطاب اختلف في المشار إليه بذلك، فالجمهور على ما قدمناه، وقيل الإشارة
~~إلى الأكثر الفاسقين، ووحد الاسم إما لأنه يشار به إلى الواحد وغيره،
~~وليس كالضمير، أو لتأويله بالمذكور ونحوه. وقيل: الإشارة إلى الأشخاص
~~المتقدمين الذين هم أهل الكتاب، والمراد أن السلف شر من الخلف.

# { مثوبة عند الله } أي جزاءا ثابتا عنده تعالى، وهو مصدر
~~ميمي بمعنى الثواب، ويقال في ms02440 الخير والشر لأنه / ما رجع إلى الإنسان من
~~جزاء أعماله سمي به بتصور أن ما عمله يرجع إليه كما يشير إليه قوله
~~تعالى:

# فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل
~~مثقال ذرة شرا يره

# [الزلزلة: 7  8] حيث لم يقل سبحانه  ير جزاءه  إلا أن الأكثر
~~المتعارف استعماله في الخير، ومثله في ذلك المثوبة واستعمالها هنا في
~~الشر على طريقة التهكم كقوله:

# تحية بينهم ضرب وجيع

# ونصبها على التمييز من { بشر } ، وقيل: يجوز أن تجعل مفعولا له 
~~لأنبئكم  أي هل أنبئكم لطلب مثوبة عند الله تعالى في هذا الإنباء،
~~ويحتمل أن يصير سبب مخافتكم ويفضي إلى هدايتكم، وعليه فالمثوبة في
~~المتعارف من استعمالها، وهو وإن كان له وجه لكنه خلاف الظاهر، وقرىء {
~~مثوبة } بسكون الثاء وفتح الواو، ومثلها مشورة ومشورة خلافا للحريري
~~في إيجابه مشورة كمعونة.

# وقوله سبحانه: { من لعنه الله وغضب عليه } خبر لمبتدأ
~~محذوف بتقدير مضاف قبله مناسب لما أشير إليه بذلك أي دين من لعنه الله
~~الخ، أو بتقدير مضاف قبل اسم الإشارة مناسب لمن أي بشر من أهل ذلك،
~~والجملة على التقديرين استئناف وقع جوابا لسؤال نشأ من الجملة
~~الاستفهامية  كما قال الزجاج  إما على حالها  أو باعتبار التقدير فيها
~~فكأنه قيل: ما الذي هو شر من ذلك؟ فقيل: هو دين من لعنه الخ، أو من الذي
~~هو شر من أهل ذلك؟ فقيل: هو من لعنه الله الخ. وجوز  ولا ينبغي أن يجوز
~~عند التأمل  أن يكون بدلا من شر، ولا بد من تقدير مضاف أيضا على نحو
~~ما سبق آنفا، والاحتياج إليه ههنا  ليخرج من كونه بدل  غلط، وهو لا
~~يقع في فصيح الكلام، وأما في الوجه الأول فأظهر من أن يخفى، وإذا جعل ذلك
~~إشارة إلى الأشخاص لم يحتج الكلام إلى ذلك التقدير كما هو ظاهر، ووضع
~~الاسم الجليل موضع الضمير لتربية المهابة وإدخال الروعة وتهويل أمر اللعن
~~وما تبعه والموصول عبارة عن أهل الكتاب حيث أبعدهم الله تعالى عن رحمته
~~وسخط عليهم بكفرهم ms02441 وانهماكهم في المعاصي بعد وضوح الآيات وسطوع البينات.

# { وجعل منهم القردة والخنازير } أي مسخ بعضهم قردة 
~~وهم أصحاب السبت  وبعضهم خنازير  وهم كفار مائدة عيسى عليه الصلاة
~~والسلام  وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المسخين كانا في أصحاب
~~السبت، مسخت شبانهم قردة وشيوخهم خنازير، وضمير { منهم } راجع إلى 
~~من  باعتبار معناه كما أن الضميرين الأولين له باعتبار لفظه، وكذا
~~الضمير في قوله سبحانه: { وعبد الطغوت } فإنه عطف على صلة  من
~~ كما قال الزجاج، وزعم الفراء أن في الكلام موصولا محذوفا أي ومن عبد،
~~وهو معطوف على منصوب { جعل } أي وجعل منهم من عبد الخ، ولا يخفى أنه
~~لا يصلح إلا عند الكوفيين، والمراد بالطاغوت  عند الجبائي  العجل الذي
~~عبده اليهود، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن أنه الشيطان،
~~وقيل: الكهنة وكل من أطاعوه في معصية الله تعالى.

# والعبادة فيما عدا القول الأول مجاز عن الإطاعة، قال شيخ الإسلام
~~[3/55]: «وتقديم أوصافهم المذكورة بصدد إثبات شرية دينهم على وصفهم هذا
~~مع أنه الأصل المستتبع لها في الوجود وأن دلالته على شريته بالذات لأن
~~عبادة الطاغوت عين دينهم البين البطلان، ودلالتها عليها بطريق الاستدلال
~~بشرية الآثار على شرية ما يوجبها من الاعتقاد، والعمل إما للقصد إلى
~~تبكيتهم من أول الأمر بوصفهم بما لا سبيل لهم إلى الجحود لا بشريته
~~وفظاعته ولا باتصافهم به، وإما للإيذان باستقلال كل من المقدم والمؤخر
~~بالدلالة على ما ذكر من الشرية ولو روعي ترتيب الوجود، وقيل: من عبد
~~الطاغوت ولعن الله وغضب عليه الخ لربما فهم أن عليه الشرية هو المجموع»
~~انتهى.

# / وأنت تعلم أن كون هذا الوصف أصلا غير ظاهر على ما ذهب إليه الجبائي،
~~وأن كون الاتصاف  باللعن والغضب مما لا سبيل لهم إلى الجحود به  في حيز
~~المنع، كيف وهم يقولون:

# نحن أبناء الله وأحباؤه

# [المائدة: 18] إلا أن يقال: إن الآثار المترتبة على ذلك الدالة عليه في
~~غاية الظهور بحيث يكون إنكار مدلولها مكابرة، وقيل: قدم وصفي اللعن
~~والغضب لأنهما ms02442 صريحان في أن القوم منقومون، ومشيران إلى أن ذلك الأمر
~~عظيم؛ وعقبهما بالجعل المذكور ليكون كالاستدلال على ذلك، وأردفه بعبادة
~~الطاغوت الدالة على شرية دينهم أتم دلالة ليتمكن في الذهن أتم تمكن لتقدم
~~ما يشير إليها إجمالا، وهذا أيضا غير ظاهر على مذهب الجبائي، ولعل
~~رعايته غير لازمة لانحطاط درجته في هذا المقام، والظاهر من عبارة شيخ
~~الإسلام أنه بنى كلامه على هذا المذهب حيث قال بعدما قال: والمراد من
~~الطاغوت العجل، وقيل: الكهنة وكل من أطاعوه في معصية الله تعالى، فيعم
~~الحكم دين النصارى أيضا، ويتضح وجه تأخير عبادته عن العقوبات المذكورة
~~إذ لو قدمت عليها لزم اشتراك الفريقين في تلك العقوبات انتهى، فتدبر حقه.

# وفي الآية كما قال جمع: عدة قراآت اثنتان من السبعة وما عداهما شاذ،
~~فقرأ الجمهور غير حمزة { عبد } على صيغة الماضي المعلوم، والطاغوت
~~بالنصب وهي القراءة التي بني التفسير عليها، وقرأ حمزة { وعبد
~~الطغوت } بفتح العين وضم الباء وفتح الدال وخفض الطاغوت على أن عبد
~~واحد مراد به الجنس وليس بجمع لأنه لم يسمع مثله في أبنيته بل هو صيغة
~~مبالغة، ولذا قال الزمخشري: «معناه الغلو في العبودية، وأنشد عليه قول
~~طرفة:

# أبني لبيني إن أمكم

# أمة وإن أباكم عبد»

# أراد عبدا، وقد ذكر مثله ابن الأنباري والزجاج فقالا: ضمت الباء
~~للمبالغة كقولهم للفطن والحذر: فطن وحذر، بضم العين، فطعن أبي عبيدة
~~والفراء في هذه القراءة، ونسبة قارئها إلى الوهم وهم، والنصب بالعطف على
~~القردة والخنازير وقرىء { وعبد } بفتح العين وضم الباء وكسر الدال
~~وجر الطاغوت بالإضافة، والعطف على  من  بناءا على أنه مجرور بتقدير
~~المضاف، أو البدلية على ما قيل، ولم يرتض.

# وقرأ أبي (عبدوا) بضمير الجمع العائد على من باعتبار معناها، والعطف
~~مثله في قراءة الجمهور، وقرأ الحسن  عباد  جمع عبد وعبد بالإفراد بجر {
~~الطغوت } ونصبه، والجر بالإضافة، والنصب إما على أن الأصل { عبد
~~} بفتح الباء، أو { عبد } بالتنوين فحذف كقوله:

# @ولا ذاكرا الله إلا قليلا

# بنصب الاسم الجليل والعطف ظاهر، وقرأ الأعمش ms02443 والنخعي وأبان { عبد }
~~على صيغة الماضي المجهول مع رفع { الطغوت } على أنه نائب الفاعل،
~~والعطف على صلة  من  وعائد الموصول محذوف أي: عبد فيهم أو بينهم وقرأ
~~بعض كذلك إلا أنه أنث، فقرأ  عبدت  بتاء التأنيث الساكنة، والطاغوت:
~~يذكر ويؤنث كما مر؛ وأمر العطف والعائد على طرز القراءة قبل.

# وقرأ ابن مسعود { عبد } بفتح العين وضم الباء وفتح الدال مع رفع
~~الطاغوت على الفاعلية  لعبد  وهو كشرف كأن العبادة صارت سجية له، أو
~~أنه بمعنى صار معبودا كأمر أي صار أميرا، والعائد على الموصول على هذا
~~أيضا محذوف، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { عبد } بضم العين
~~والباء وفتح الدال، وجر { الطغوت } فعن الأخفش أنه جمع عبيد جمع
~~عبد فهو جمع الجمع أو جمع عابد  كشارف وشرف  أوجمع عبد كسقف وسقف أو
~~جمع عباد  ككتاب وكتب  فهو جمع الجمع أيضا مثل ثمار وثمر.

# / وقرأ الأعمش أيضا { عبد } بضم العين وتشديد الباء المفتوحة وفتح
~~الدال وجر { الطغوت } جمع عابد وعبد  كحطم وزفر  منصوبا مضافا
~~للطاغوت مفردا وقرأ ابن مسعود أيضا { عبد } بضم العين وفتح الباء
~~المشددة وفتح الدال، ونصب { الطغوت } على حد:

# ولا ذاكر الله إلا قليلا

# بنصب الاسم الجليل، وقرىء  وعابد الشيطان  بنصب عابد، وجر الشيطان بدل
~~الطاغوت، وهو تفسير عند بعض لا قراءة. وقرىء  عباد  كجهال  وعباد 
~~كرجال جمع عابد أو عبد، وفيه إضافة العباد لغير الله تعالى وقد منعه
~~بعضهم، وقرىء  عابد  بالرفع على أنه خبر مبتدأ مقدر، وجر {
~~الطغوت } ، وقرىء  عابدوا  بالجمع والإضافة، وقرىء (عابد)
~~منصوبا، وقرىء { عبد الطغوت } بفتحات مضافا على أن أصله عبدة
~~ككفرة فحذفت تاؤه للإضافة كقوله:

# وأخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا

# أي عدته كإقام الصلاة، أو هو جمع أو اسم جمع لعابد  كخادم وخدم  وقرىء
~~ أعبد  كأكلب، وعبيد جمع أو اسم جمع، وعابدي جمع بالياء، وقرأ ابن
~~مسعود أيضا  ومن عبدوا 

# { أولئك } أي الموصوفون بتلك القبائح والفضائح وهو مبتدأ، وقوله
~~سبحانه: { شر } خبره، وقوله تعالى: { مكانا } تمييز محول عن
~~الفاعل، وإثبات الشرارة ms02444 لمكانهم ليكون أبلغ في الدلالة على شرارتهم، فقد
~~صرحوا أن إثبات الشرارة لمكان الشيء كناية عن إثباتها له كقولهم: سلام
~~على المجلس العالي والمجد بين برديه، فكأن شرهم أثر في مكانهم، أو عظم
~~حتى صار مجسما.

# وجوز أن يكون الإسناد مجازيا كجري النهر، وقيل: يجوز أن يكون المكان
~~بمعنى محل الكون والقرار الذي يكون أمرهم إلى التمكن فيه أي شر منصرفا،
~~والمراد به جهنم وبئس المصير، والجملة مستأنفة مسوقة منه تعالى شهادة
~~عليهم بكمال الشرارة والضلال، وداخلة تحت الأمر تأكيدا للإلزام وتشديدا
~~للتبكيت، وجعلها  جوابا للسؤال الناشىء من الجملة الاستفهامية ليستقيم
~~احتمال البدلية السابق  مما لا يكاد يستقيم.

# { وأضل عن سواء السبيل } أي أكثر ضلالا عن طريق الحق
~~المعتدل، وهو دين الإسلام والحنيفية، وهو عطف على { شر } مقرر له،
~~وفيه دلالة على كون دينهم شرا محضا بعيدا عن الحق لأن ما يسلكونه من
~~الطريق دينهم، فإذا كانوا أضل كان دينهم ضلالا مبينا لا غاية وراءه،
~~والمقصود من صيغتي التفضيل الزيادة مطلقا من غير نظر إلى مشاركة غير في
~~ذلك، وقيل: للتفضيل على زعمهم، وقيل: إنه بالنسبة إلى غيرهم من الكفار.
~~وقال بعضهم: لا مانع أن يقال: إن مكانهم في الآخرة شر من مكان المؤمنين
~~في الدنيا لما لحقهم فيه من مكاره الدهر وسماع الأذى والهضم من جانب
~~أعدائهم.

### || [5.61]

# { وإذا جاءوكم قالوا ءامنا } نزلت  كما قال قتادة والسدي
~~ في ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فيظهرون له الإيمان والرضا بما جاء به نفاقا، فالخطاب للرسول صلى الله
~~عليه وسلم، والجمع للتعظيم، أو له عليه الصلاة وللسلام مع من عنده من
~~أصحابه رضي الله تعالى عنهم أي إذا جاءوكم أظهروا لكم الإسلام. { وقد
~~دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به } أي يخرجون من عندك
~~كما دخلوا لم ينتفعوا بحضورهم بين يديك ولم يؤثر فيهم ما سمعوا منك،
~~والجملتان في موضع الحال من ضمير { قالوا } على الأظهر. وجوز أبو
~~البقاء أن يكونا حالين من الضمير في { ءامنا ms02445 } ، وباء بالكفر، و {
~~به } للملابسة، والجار والمجرور / حالان من فاعل دخلوا  و  خرجوا
~~والواو الداخلة على الجملة الاسمية الحالية للحال، ومن منع تعدد الجملة
~~الحالية من غير عطف يقول: إنها عاطفة والمعطوف على الحال حال أيضا،
~~ودخول { قد } في الجملة الحالية الماضوية  كما قال العلامة الثاني 
~~لتقرب الماضي إلى الحال فتكسر سورة استبعاد ما بين الماضي والحال في
~~الجملة، وإلا  فقد  إنما تقرب إلى حال التكلم، وهذا إشارة إلى ما أوضحه
~~السيد السند في «حاشية المتوسط» من أنه قيل: إن الماضي إنما يدل على
~~انقضاء زمان قبل زمان التكلم، والحال الذي يبين هيئة الفاعل أو المفعول
~~قيد لعامله، فإن كان العامل ماضيا كان الحال أيضا ماضيا بحسب المعنى،
~~وإن كان حالا كان حالا، وإن كان مستقبلا كان مستقبلا، فما ذكروه غلط
~~نشأ من اشتراك لفظ الحال بين الزمان الحاضر  وهو الذي يقابل الماضي 
~~وبين ما يبين الحالة المذكورة، ثم قال: ويمكن أن يقال: إن الفعل إذا وقع
~~قيدا لشيء يعتبر كونه ماضيا أو حالا أو مستقبلا بالنظر إلى ذلك
~~المقيد، فإذا قيل: جاءني زيد ركب يفهم منه أن الركوب كان متقدما على
~~المجيء فلا بد من قد حتى يقربه إلى زمان المجيء فيقارنه، وذكر نحو ذلك
~~العلامة الكافيجي في «شرح القواعد»، ثم قال: وأما الاعتذار بأن تصدير
~~الماضي المثبت بلفظة قد لمجرد استحسان لفظي فإنما هو تسليم لذلك الاعتراض
~~فليس بمقبول ولا مرضي انتهى. ولذلك زيادة تفصيل في محله، وقد ذكر لها
~~معنى آخر في الآية غير التقريب وهو التوقع فتفيد أن رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم كان يتوقع دخول أولئك الفجرة وخروجهم من خضيلة حضرته  أفرغ من
~~يد تفت البر  مع لم يعلق بهم شيء مما سمعوا من تذكيره عليه الصلاة
~~والسلام بآيات الله عز وجل لظنه بما يرى من الأمارات اللائحة عليهم
~~نفاقهم الراسخ، ولذلك قال سبحانه:

# { والله أعلم بما كانوا يكتمون } وفيه من الوعيد ما
~~لا يخفى، وفي «الكشاف» «إن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم، وكان ms02446 رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم متوقعا لإظهار الله تعالى ما كتموه، فدخل حرف
~~التوقع لذلك»، واعترضه الطيبي بأن قد موضوعة لتوقع مدخولها وهو ههنا عين
~~النفاق، فكيف يقال: لإظهار الله تعالى ما كتموه؟ وأجاب بأنه لا شك أن
~~المتوقع ينبغي أن لا يكون حاصلا، وكونهم منافقين كان معلوما عنده صلوات
~~الله تعالى وسلامه عليه بدليل قوله: «إن أمارات النفاق» الخ فيجب المصير
~~إلى المجاز والقول بإظهار الله تعالى ما كتموه، وقال في «الكشف» معرضا
~~به: إن الدخول في الكفر والخروج به إظهار له، فلذلك أدخل عليه حرف التوقع
~~لا أنه عين النفاق ليحتاج إلى تجوز في رجوع التوقع إلى إظهاره، وإن ظهور
~~أماراته غير إظهار الله تعالى إياه بإخباره سبحانه عنهم وأنهم متلبسون
~~بالكفر متقلبون فيه خروجا ودخولا انتهى فليتأمل، وإنما لم يقل سبحانه:
~~وقد خرجوا على طرز الجملة الأولى إفادة لتأكيد الكفر حال الخروج لأنه
~~خلاف الظاهر إذ كان الظاهر بعد تنور أبصارهم برؤية مطلع شمس الرسالة
~~وتشنف أسماعهم بلآلىء كلمات بحر البسالة عليه الصلاة والسلام أن يرجعوا
~~عما هم عليه من الغواية ويحلوا جياد قلوبهم العاطلة عن حلي الهداية،
~~وأيضا إنهم إذا سمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم وأنكروه ازداد
~~كفرهم وتضاعف ضلالهم.

### || [5.62]

# { وترى كثيرا منهم } أي من أولئك اليهود  كما روي عن ابن
~~زيد  والخطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح للخطاب،
~~والرؤية بصرية، وقيل: قلبية، وقوله تعالى: { يسرعون في الإثم
~~والعدوان } في موضع الحال من / { كثيرا } الموصوف بالجار
~~والمجرور، وقيل: مفعول ثان  لترى  والمسارعة مبادرة الشيء بسرعة،
~~وإيثار { في } على إلى للإشارة إلى تمكنهم فيما يسارعون إليه تمكن
~~المظروف في ظرفه وإحاطته بأعمالهم، وقد مرت الإشارة إلى ذلك. والمراد
~~بالإثم الحرام، وقيل: الكذب مطلقا، وقيل: الكذب بقولهم:

# ءامنا

# [المائدة: 61] لأنه إما إخبار أو إنشاء متضمن الإخبار بحصول صفة الإيمان
~~لهم، واستدل على التخصيص بقوله تعالى الآتي:

# عن قولهم الإثم

# [المائدة: 63]، وأنت تعلم أنه لا يقتضيه، وقيل: المراد به الكفر، ms02447 وروي
~~ذلك عن السدي، ولعل الداعي لتخصيصه به كونه الفرد الكامل، والمراد من
~~العدوان: الظلم أو مجاوزة الحد في المعاصي، وقيل: الإثم ما يختص بهم،
~~والعدوان ما يتعدى إلى غيرهم، والكلام مسوق لوصفهم بسوء الأعمال بعد
~~وصفهم لسوء الاعتقاد { وأكلهم السحت } أي الحرام مطلقا، وقال
~~الحسن: الرشوة في الحكم والتنصيص على ذلك بالذكر مع اندراجه في المتقدم
~~للمبالغة في التقبيح.

# { لبئس ما كانوا يعملون } أي لبئس شيئا يعملونه هذه
~~الأمور  فما  نكرة موصوفة وقعت تمييزا لضمير الفاعل المستتر في  بئس
~~ والمخصوص بالذم محذوف كما أشرنا إليه، وجوز جعل { ما } موصولة فاعل 
~~بئس  والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار.

### || [5.63]

# { لولا ينههم الربنيون والأحبار } قال الحسن:
~~الربانيون علماء الإنجيل والأحبار علماء التوراة، وقال غيره: كلهم في
~~اليهود لأنه يتصل بذكرهم، و { لولا } الداخلة على المضارع  كما قرره
~~ابن الحاجب وغيره  للتحضيض، والداخلة على الماضي للتوبيخ، والمراد هنا
~~تحضيض الذين يقتدي بهم أفناؤهم، ويعلمون قباحة ما هم فيه وسوء مغبته على
~~نهي أسافلهم. { عن قولهم الإثم وأكلهم السحت } مع
~~علمهم بقبحهما واطلاعهم على مباشرتهم لهما، وفي «البحر» إن هذا التحضيض
~~يتضمن توبيخهم على السكوت وترك النهي.

# { لبئس ما كانوا يصنعون } الكلام فيه كالكلام السابق في
~~نظيره خلا أن هذا أبلغ مما تقدم في حق العامة لما تقرر في اللغة
~~والاستعمال أن الفعل ما صدر عن الحيوان مطلقا، فإن كان عن قصد سمي عملا
~~ثم إن حصل بمزاولة وتكرر حتى رسخ وصار ملكة له سمي صنعا وصنعة وصناعة،
~~فلذا كان الصنع أبلغ لاقتضائه الرسوخ، ولذا يقال للحاذق: صانع، وللثوب
~~الجيد النسج: صنيع  كما قاله الراغب  ففي الآية إشارة إلى أن ترك النهي
~~أقبح من الارتكاب، ووجهه بأن المرتكب له في المعصية لذة وقضاء وطر بخلاف
~~المقر له، ولذا ورد إن جرم الديوث أعظم من الزانيين.

# واستشكل ذلك بأنه يلزم عليه أن ترك النهي عن الزنا والقتل أشد إثما
~~منهما وهو بعيد، وأجيب بأنه لا يبعد أن يكون إثم ترك النهي ممن ms02448 يؤثر نهيه
~~كف المنهي عن فعل المنهي عنه أشد من إثم المرتكب كيفما كان مرتكبه قتلا
~~أو زنا أو غيرهما، وقال الشهاب: إن قيد الأشدية يختلف بالاعتبار، فكونه
~~أشد باعتبار ارتكاب ما لا فائدة له فيه لا ينافي كون المباشرة أكثر إثما
~~منه فتأمل، وفي الآية  مما ينعى على العلماء توانيهم في النهي عن
~~المنكرات  ما لا يخفى، ومن هنا قال الضحاك: ما أخوفني من هذه الآية، وعن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ما في القرآن آية أشد توبيخا من
~~هذه الآية، وقرىء (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم العدوان
~~وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون).

### || [5.64]

# { وقالت اليهود } عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعكرمة
~~والضحاك قالوا: إن الله تعالى قد بسط لليهود الرزق فلما عصوا أمر رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم / كف عنهم ما كان بسط لهم، فعند ذلك قال فنحاص
~~بن عازوراء رأس يهود قينقاع، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~النباش بن قيس { يد الله } عز وجل { مغلولة } وحيث لم ينكر على
~~القائل الآخرون ورضوا به نسبت تلك العظيمة إلى الكل، ولذلك نظائر تقدم
~~كثير منها، وأرادوا بذلك  لعنهم الله تعالى  أنه سبحانه ممسك ما عنده
~~بخيل به تعالى عما يقولون علوا كبيرا فإن كلا من غل اليد وبسطها مجاز
~~عن البخل والجود، أو كناية عن ذلك، وقد استعمل حيث لا تصح يد كقوله:

# جاد الحمى بسط (اليدين) بوابل

# شكرت نداه تلاعه ووهاده

# ولقد جعلوا للشمال يدا كما في قوله:

# أضل صواره وتضيفته

# نطوف أمرها بيد (الشمال)

# وقول لبيد:

# وغداة ريح قد كشفت وقرة

# إذ أصبحت بيد الشمال زمامها

# ويقال: بسط اليأس كفيه في صدر فلان، فيجعل لليأس الذي هو من المعاني لا
~~من الأعيان كفان، قال الشاعر:

# وقد رابني وهن المنى وانقباضها

# وبسط جديد اليأس كفيه في صدري

# وقيل: معناه إنه سبحانه فقير، كقوله تعالى:

# لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله
~~فقير ونحن أغنياء

# [آل ms02449 عمران: 181]، وقيل: اليد هنا بمعنى النعمة أي إن نعمته مقبوضة عنا،
~~وعن الحسن أن المعنى أن يد الله تعالى مكفوفة عن عذابنا فليس يعذبنا إلا
~~بما يبر به قسمه قدر ما عبد آباؤنا العجل، وكأنه حمل اليد على القدرة،
~~والغل على عدم التعلق. وقيل: لا يبعد أن يقصدوا اليد الجارحة فإنهم
~~مجسمة، وقد حكي عنهم أنهم زعموا أن ربهم أبيض الرأس واللحية قاعد على
~~كرسي، وأنه فرغ من خلق السموات والأرض يوم الجمعة واستلقى على ظهره
~~واضعا إحدى رجليه على الأخرى وإحدى يديه على صدره للاستراحة مما عراه من
~~النصب في خلق ذلك تعالى الله سبحانه عما يقولون علوا كبيرا.

# والأقوال كلها كما ترى، وكل العجب من الحسن رضي الله تعالى عنه من قول
~~ذلك وليته لم يقل غير الحسن، ولعل نسبته إليه غير صحيحة، والذي تقتضيه
~~البلاغة ويشهد له مساق الكلام القول الأول، ولا يبعد من قوم قالوا لموسى
~~عليه الصلاة والسلام 

# اجعل لنا إلها كما لهم ءالهة

# [الأعراف: 138] وعبدوا العجل  أن يعتقدوا اتصاف الله عز وجل بالبخل
~~ويقولوا ما قالوا، وقال أبو القاسم البلخي: يجوز أن يكون اليهود قالوا
~~قولا واعتقدوا مذهبا يؤدي معناه إلى أن الله تعالى عز شأنه يبخل في حال
~~ويجود في حال آخر، فحكى عنهم على وجه التعجب منهم والتكذيب لهم.

# وقال آخر: إنهم قالوا ذلك على وجه الهزء حيث لم يوسع سبحانه على النبي
~~صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى أصحابه؛ ولا يخفى أن ما روي في سبب النزول
~~لا يساعد ذلك، وقيل: إنهم قالوا ذلك على سبيل الاستفهام والاستغراب،
~~والمراد يد الله سبحانه مغلولة عنا حيث قتر المعيشة علينا، ولا يخفي
~~بعده.

# { غلت أيديهم } دعاء عليهم بالبخل المذموم  كما قال الزجاج 
~~ودعاؤه بذلك عبارة عن خلقه الشح في قلوبهم والقبض في أيديهم، ولا استحالة
~~في ذلك على مذهب أهل الحق، ويجوز أن يكون دعاء عليهم بالفقر والمسكنة،
~~وقيل: تغل الأيدي حقيقة، يغلون في الدنيا أسارى، وفي الآخرة معذبين في
~~أغلال جهنم، ومناسبة ms02450 هذا لما قبله حينئذ من حيث / اللفظ فقط فيكون
~~تجنيسا، وقيل: هي من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز كما تقول: سبني سب
~~الله تعالى دابره، أي قطعه لأن السب أصله القطع، وإلى هذا ذهب الزمخشري،
~~واستطيبه الطيبي، وقال: إن هذه مشاكلة لطيفة بخلاف قوله:

# قالوا: اقترح شيئا نجد لك طبخه

# قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا

# واختار أبو علي الجبائي أن ذلك إخبار عن حالهم يوم القيامة أي شدت
~~أيديهم إلى أعناقهم في جهنم جزاء هذه الكلمة العظيمة، وحكاه الطبرسي عن
~~الحسن، ثم قال: «فعلى هذا يكون الكلام بتقدير الفاء أو الواو، فقد تم
~~كلامهم واستؤنف بعده كلام آخر، ومن عادتهم أن يحذفوا فيما يجري هذا
~~المجرى، ومن ذلك قوله:

# وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن
~~تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا

# [البقرة: 67]»، وأنت تعلم أن مثل هذا على الاستئناف البياني، ولا حاجة
~~فيه إلى تجشم مؤونة التقدير، على أن كلام الحسن  فيما نرى  ليس نصا في
~~كون الجملة إخبارية إذ قصارى ما قال: { غلت أيديهم } في جهنم
~~وهو محتمل لأن يكون دعاء عليهم بذلك.

# { ولعنوا } أي أبعدوا عن رحمة الله تعالى وثوابه { بما قالوا
~~} أي بسبب قولهم، أو بالذي قالوه من ذلك القول الشنيع، وهذا دعاء ثان
~~معطوف على الدعاء الأول، والقائل بخبريته قائل بخيريته، وقرىء {
~~ولعنوا } بسكون العين.

# { بل يداه مبسوطتان } عطف على مقدر يقتضيه المقام أي كلا ليس
~~الشأن كما زعموا بل في غاية ما يكون من الجود، وإليه  كما قيل  أشير
~~بتثنية اليد، فإن أقصى ما تنتهي إليه همم الأسخياء أن يعطوا بكلتا يديهم،
~~وقيل: اليد هنا أيضا بمعنى النعمة، وأريد بالتثنية نعم الدنيا ونعم
~~الآخرة، أو النعم الظاهرة والنعم الباطنة أو ما يعطى للاستدراج وما يعطى
~~للإكرام، وقيل: وروي عن الحسن أنها بمعنى القدرة كاليد الأولى، وتثنيتها
~~باعتبار تعلقها بالثواب وتعلقها بالعقاب، وقيل: المراد من التثنية:
~~التكثير كما في

# ثم ارجع البصر كرتين

# [الملك: 4] والمراد من التكثير: مجرد المبالغة في كمال القدرة وسعتها لا
~~أنها ms02451 متعددة، ونظير ذلك قول الشاعر:

# فسرت أسرة طرتيه فغورت

# في الخصر منه وأنجدت في نجده

# فإنه لم يرد أن لذلك الرشا طرتين إذ ليس للإنسان إلا طرة واحدة وإنما
~~أراد المبالغة. وقال سلف الأمة رضي الله تعالى عنهم: إن هذا من المتشابه،
~~وتفويض تأويله إلى الله تعالى هو الأسلم، وقد صح عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم أنه أثبت لله عز وجل يدين، وقال:

# " وكلتا يديه يمين "

# ولم يرو عن أحد من أصحابه صلى الله عليه وسلم أنه أول ذلك بالنعمة، أو
~~بالقدرة بل أبقوها كما وردت وسكتوا، ولئن كان الكلام من فضة فالسكوت من
~~ذهب لا سيما في مثل هذه المواطن، وفي مصحف عبد الله  بل يداه بسطان 
~~يقال: يد بسط بالمعروف، ونحوه مشية سجح وناقة سرح.

# { ينفق كيف يشاء } جملة مستأنفة واردة لتأكيد كمال جوده سبحانه
~~لما فيها من الدلالة على تعميم الأحوال المستفاد من (كيف) وفيها تنبيه
~~على سر ما ابتلوا به من الضيق الذي اتخذوه من غاية جهلهم وضلالهم ذريعة
~~إلى الاجتراء على كلمة ملأ الفضاء قبحها، والمعنى أن ذلك ليس لقصور في
~~فيضه بل لأن إنفاقه تابع لمشيئته المبنية على الحكم الدقيقة التي عليها
~~تدور أفلاك المعاش والمعاد، وقد اقتضت الحكمة  إذ كفروا بآيات الله
~~تعالى وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم  أن يضيق عليهم، و { كيف }
~~ظرف  ليشاء  والجملة في موضع نصب على الحالية من ضمير { ينفق } أي
~~ينفق كائنا / على أي حال يشاء أي على مشيئته أي مريدا، وقيل: إن جملة {
~~ينفق } في موضع الحال من الضمير المجرور في { يداه } واعترض بأن
~~فيه الفصل بالخبر وبأنه مضاف إليه، والحال لا يجيء منه، ورد بأن الفصل
~~بين الحال وذيها ليس بممتنع كما في قوله تعالى حكاية:

# وهذا بعلى شيخا

# [هود: 72] إذ قيل: إن شيخا حال من اسم الإشارة، والعامل فيه التنبيه،
~~وأن الممنوع مجيء الحال من المضاف إليه إذا لم يكن جزءا أو كجزء أو
~~عاملا، وههنا المضاف جزء من المضاف إليه، أو كجزء ms02452 فليس بممتنع، وجوز أن
~~تكون في موضع الحال من اليدين أو من ضميرهما، ورد بأنه لاضمير لهما فيها،
~~وأجيب بأنه لا مانع من تقدير ضمير لهما أن ينفق بهما، ومن هنا قيل: بجواز
~~كونها خبرا ثانيا للمبتدأ، نعم التقدير خلاف الأصل والظاهر، وهو إنما
~~يقتضي المرجوحية لا الامتناع، وترك سبحانه ذكر ما ينفقه لقصد التعميم.

# { وليزيدن كثيرا منهم }  وهم علماؤهم ورؤساؤهم، أو
~~المقيمون على الكفر منهم مطلقا { ما أنزل إليك } من القرآن
~~المشتمل على هذه الآيات، وتقديم المفعول للاعتناء به { من ربك }
~~متعلق  بأنزل  كما أن إليك كذلك، وتأخيره عنه مع أن حق المبتدأ أن يقدم
~~على المنتهي لاقتضاء المقام  كما قال شيخ الإسلام  الاهتمام ببيان
~~المنتهى لأن مدار الزيادة هو النزول إليه صلى الله عليه وسلم، وفي
~~التعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما لا
~~يخفى من التشريف، والموصول فاعل  ليزيدن  والاسناد مجازي، و {
~~كثيرا } مفعوله الأول، و { منهم } صفته.

# وقوله تعالى: { طغينا وكفرا } مفعوله الثاني أي ليزيدنهم
~~طغيانا على طغيانهم وكفرا على كفرهم القديمين، لأن الزيادة تقتضي وجود
~~المزيد عليه قبلها، وهذه الزيادة إما من حيث الشدة والغلو، وإما من حيث
~~الكم والكثرة إذ كلما نزلت آية كفروا بها فيزداد طغيانهم وكفرهم بحسب
~~المقدار، وهذا كما أن الطعام الصالح للأصحاء يزيد المرض مرضا، ويحتمل أن
~~يراد  بما أنزل  النعم التي منحها الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام
~~أي أنهم كفروا وتمادوا على الكفر وقالوا ما قالوا حيث ضيق الله تعالى
~~عليهم وكف عنهم ما بسط لهم، فمتى رأوا مع ذلك بسط نعمائه وتواتر آلائه
~~على نبيه صلى الله عليه وسلم الذي هو أعدى أعدائهم ازدادوا غيظا وحنقا
~~على ربهم سبحانه، فضموا إلى طغيانهم الأول طغيانا وإلى كفرهم كفرا
~~وحينئذ تلائم الآية ما قبلها أشد ملائمة إلا أن ذلك لا يخلو عن بعد، ولم
~~أر من ذكره.

# { وألقينا بينهم } أي اليهود. وقال في «البحر»: «الضمير
~~لليهود والنصارى لأنه قد جرى ذكرهم في قوله سبحانه:

# لا ms02453 تتخذوا اليهود والنصرى

# [المائدة: 51] ولشمول قوله عز وجل:

# يا أهل الكتب

# [المائدة: 59] للفريقين، وروي ذلك عن الحسن ومجاهد». { العداوة
~~والبغضاء } فلا تكاد تتوافق قلوبهم ولا تتحد كلمتهم، فمن اليهود
~~جبرية ومنهم قدرية ومنهم مرجئة ومنهم مشبهة، و العداوة والبغضاء بين فرقة
~~وفرقة قائمتان على ساق، وكذا من النصارى الملكانية واليعقوبية
~~والنسطورية، وحالهم حالهم في ذلك، وحال اليهود مع النصارى أظهر من أن
~~تخفى، ورجح عود الضمير إلى اليهود بأن الكلام فيهم، وفائدة هذا الإخبار
~~هنا إزاحة ما عسى أن يتوهم من ذكر طغيانهن وكفرهم من الاجتماع على أمر
~~يؤدي إلى الإضرار بالمسلمين، وقال أبو حيان [في «البحر» 3/ 525] بعد أن
~~أرجع الضمير للطائفتين: «إن المعنى لا يزال اليهود والنصارى متباغضين
~~متعادين قلما توافق إحدى الطائفتين الأخرى، ولا تجتمعان على قتالك وحربك،
~~وفي ذلك إخبار بالغيب فإنه لم يجتمع لحرب المسلمين جيش يهود ونصارى منذ
~~سل سيف الإسلام». / وفرق السمين بين العداوة والبعضاء بأن العداوة أخص من
~~البغضاء لأن كل عدو مبغض وقد يبغض من ليس بعدو { إلى يوم
~~القيمة } متعلق  بألقينا  وجوز أن يتعلق بالبغضاء أي إن التباغض
~~بينهم مستمر ما داموا، وليست حقيقة الغاية مرادة، ولم يجوز أن يتعلق 
~~بالعداوة  لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي.

# { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله } تصريح
~~بما أشير إليه من عدم وصول غائلة ما هم فيه إلى المسلمين، والمراد كلما
~~أرادوا محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم ورتبوا مباديها ردهم الله
~~تعالى وقهرهم بتفرق آرائهم وحل عزائمهم وإلقاء الرعب في قلوبهم، فإيقاد
~~النار كناية عن إرادة الحرب، وقد كانت العرب إذا تواعدت للقتال جعلوا
~~علامتهم إيقاد نار على جبل أو ربوة ويسمونها نار الحرب، وهي إحدى نيران
~~مشهورة عندهم، وإطفاؤها عبارة عن دفع شرهم، وحكى في «البحر» قولين في
~~الآية: «فعن قوم أن الإيقاد حقيقة، وكذا الإطفاء أي أنهم كلما أوقدوا
~~نارا للمحاربة ألقى عليهم الرعب فتقاعدوا وأطفأوها، وإضافة الإطفاء إليه
~~تعالى إضافة المسبب إلى السبب الأصلي. وعن الجمهور إن الكلام مخرج ms02454 مخرج
~~الاستعارة، والمراد من إيقاد النار: إظهار الكيد بالمؤمنين الشبيه بالنار
~~في الإضرار، ومن إطفائها صرف ذلك عن المؤمنين، ولعل القول بالكناية ألطف
~~منهما، وكون المراد من الحرب محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم هو المروي
~~عن الحسن ومجاهد، وقيل: هو أعم من ذلك أي كلما أرادوا حرب أحد غلبوا، فإن
~~اليهود لما خالفوا حكم التوراة سلط الله تعالى عليهم بختنصر، ثم أفسدوا
~~فسلط سبحانه عليهم فطرس الرومي، ثم أفسدوا فسلط جل شأنه عليهم المجوس، ثم
~~أفسدوا فسلط عليهم عز وجل رسوله عليه الصلاة والسلام»، فأباد خضراءهم.
~~واستأصل شأفتهم وفرق جمعهم وأذلهم فأجلى بني النضير وبني قينقاع، وقتل
~~بني قريظة وأسر أهل خيبر، وغلب على فدك، ودان له أهل وادي القرى، وضرب
~~على أهل الذمة الجزية وأبقاهم الله تعالى في ذل لا يعزون بعده أبدا،
~~وإطفاء النار  على هذا  عبارة عن الغلبة عليهم قاتلهم الله تعالى، و {
~~للحرب } متعلق  بأوقدوا  واللام للتعليل، أو متعلق بمحذوف وقع صفة
~~لنار، وهو الأوفق بالتسمية.

# { ويسعون فى الأرض فسادا } أي يجتهدون في الكيد للإسلام
~~وأهله وإثارة الشر والفتنة فيما بينهم مما يغاير ما عبر عنه بإيقاد نار
~~الحرب؛ كتغيير صفة النبي صلى الله عليه وسلم وإدخال الشبه على ضعفاء
~~المسلمين والمشي بالنميمة مع الافتراء ونحو ذلك، و { فسادا } إما
~~مفعول له، وعليه اقتصر أبو البقاء، أو في موضع المصدر، أو حال من ضمير {
~~يسعون } أي يسعون للفساد، أو سعي فساد أو مفسدين. { والله لا
~~يحب المفسدين } بل يبغضهم، ولذلك أطفأ (نائرة فسادهم)، واللام
~~إما للجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا، وإما للعهد، ووضع المظهر موضع
~~ضميرهم للتعليل وبيان كونهم راسخين في الإفساد. والجملة ابتدائية مسوقة
~~لإزاحة ما عسى أن يتوهم من تأثير اجتهادهم شيئا من الضرر، وجعلها بعضهم
~~في موضع الحال، وفائدتها مزيد تقبيح حالهم وتفظيع شأنهم.

### || [5.65]

# ولو أن أهل الكتب } أي اليهود والنصارى على أن المراد
~~بالكتاب الجنس الشامل للتوراة والإنجيل ويمكن أن يراد بهم اليهود فقط،
~~وذكر الإنجيل ليس نصا في ms02455 اقتضاء العموم إلا أن الذي عليه عامة المفسرين
~~العموم، وذكروا بذلك العنوان تأكيدا للتشنيع عليهم، والمراد بهم معاصرو
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ولو أنهم مع صدور ما صدر منهم من فنون
~~الجنايات / قولا وفعلا { ءامنوا } بما نفى عنهم الإيمان، فيندرج فيه
~~فرض إيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وحذف المتعلق ثقة بظهوره مما
~~سبق من قوله تعالى:

# هل تنقمون منا إلا أن ءامنا بالله

# [المائدة: 59] الخ، وما لحق من قوله سبحانه:

# ولو أنهم أقاموا التورة

# [المائدة: 66] الخ. وتخصيص المفعول بالإيمان به عليه الصلاة والسلام
~~يأباه  كما قال شيخ الإسلام  المقام لأن ما ذكر فيما سبق وما لحق من
~~كفرهم به عليه الصلاة والسلام إنما ذكر مشفوعا بكفرهم بكتابهم أيضا
~~قصدا إلى الإلزام والتبكيت ببيان أن الكفر به صلى الله عليه وسلم مستلزم
~~للكفر بكتابهم، فحمل الإيمان ههنا على الإيمان به عليه الصلاة والسلام
~~مخل بتجاوب النظم الكريم، وقدر قتادة فيما أخرجه عن ابن حميد وغيره
~~المتعلق ب

# مآ أنزل الله

# [المائدة: 49]، وهو ميل إلى التعميم، وكذا عمم في قوله تعالى: {
~~واتقوا } فقال: أي ما حرم الله تعالى. وقال شيخ الإسلام: ما عددنا
~~من معاصيهم التي من جملتها مخالفة كتابهم { لكفرنا عنهم
~~سيئاتهم } التي اقترفوها وسارعوا فيها وإن كانت في غاية العظمة ولم
~~نؤاخذهم بها، وجمعها جمع قلة إما باعتبار الأنواع وإما باعتبار أنها وإن
~~كثرت قليلة بالنسبة إلى كرم الله تعالى، وقد أشرنا فيما تقدم أن جمع
~~القلة قد يقوم مقام جمع الكثرة إذا اقتضاه المقام { ولأدخلنهم }
~~مع ذلك { جنت النعيم } ، وجعل أبو حيان تكفير السيئآت في
~~مقابلة الإيمان، وإدخال جنات النعيم في مقابلة التقوى، وفسرها بامتثال
~~الأوامر واجتناب النواهي، فالآية من باب التوزيع والظاهر عدمه، وتكرير
~~اللام لتأكيد الوعد، وفيه تنبيه على كمال عظم ذنوبهم وكثرة معاصيهم، وأن
~~الإسلام يجب ما قبله وإن جل وجاوز الحد، وفي إضافة الجنات إلى النعيم
~~تنبيه على ما يستحقونه من العذاب لو لم يؤمنوا ويتقوا. وأخرج ابن أبي
~~حاتم ms02456 وأبو الشيخ عن مالك بن دينار أنه قال: { جنت النعيم } بين
~~جنات الفردوس وجنات عدن، وفيها جوار خلقن من ورد الجنة، قيل: فمن يسكنها؟
~~قال: الذين هموا بالمعاصي فلما ذكروا عظمة الله تعالى شأنه راقبوه، ولا
~~يخفى أن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي، والذي يقتضيه الظاهر أن يقال
~~لسائر الجنات: جنات النعيم وإن اختلفت مراتب النعيم فيها.

### || [5.66]

# { ولو أنهم أقاموا التورة والإنجيل } أي وفوا
~~حقهما بمراعاة ما فيهما من الأحكام التي من جملتها شواهد نبوته صلى الله
~~عليه وسلم ومبشرات بعثته، وليس المراد مراعاة جميع ما فيهما من الأحكام
~~منسوخة كانت أو غيرها، فإن ذلك ليس من الإقامة في شيء { وما أنزل
~~إليهم من ربهم } من القرآن المجيد المصدق لما بين يديه  كما
~~روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  واختاره الجبائي وغيره، وقيل:
~~المراد بالموصول كتب أنبياء بني إسرائيل  ككتاب شعيا وكتاب حزقيل وكتاب
~~حبقوق وكتاب دانيال  فإنها مملوءة بالبشائر بمبعثه صلى الله عليه وسلم،
~~واختاره أبو حيان، ويجوز أن يراد به ما يعم ذلك والقرآن العظيم، وإنزال
~~الكتاب إلى أحد مجرد وصوله إليه، وإيجاب العمل به وإن لم يكن الوحي
~~نازلا عليه، والتعبير عن القرآن بذلك العنوان للإيذان بوجوب إقامته
~~عليهم لنزوله اليهم وللتصريح ببطلان ما كانوا يدعونه من عدم نزوله إلى
~~بني إسرائيل، وتقديم { إليهم } لما مر آنفا، وفي إضافة الرب إلى
~~ضميرهم مزيد لطف بهم في الدعوة إلى الإقامة.

# / { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } أي لأعطتهم
~~السماء مطرها وبركتها والأرض نباتها وخيرها، كما قال سبحانه:

# لفتحنا عليهم بركات من السمآء والأرض

# [الأعراف: 96] قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد، وقيل: المراد لانتفعوا
~~بكثرة ثمار الأشجار وغلال الزروع، وقيل: بما يهدل من الثمار من رءوس
~~الأشجار وما يتساقط منها على الأرض، وقيل: بما يأتيهم من كبرائهم وملوكهم
~~وما يعطيه لهم سفلتهم وعوامهم، وقيل: المراد المبالغة في شرح السعة
~~والخصب لا تعيين الجهتين كأنه قيل: لأكلوا من كل جهة، وجعله الطبرسي نظير
~~قولك: فلان في ms02457 الخير من قرنه إلى قدمه أي يأتيه الخير من كل جهة يلتمسه
~~منها، والمراد بالأكل الانتفاع مطلقا، وعبر عن ذلك به لكونه أعظم
~~الانتفاعات ويستتبع سائرها، ومفعول  أكلوا  محذوف لقصد التعميم أو
~~للقصد إلى نفس الفعل كما في قولك: فلان يعطي ويمنع، و (من) في الموضعين
~~لابتداء الغاية.

# وسنشير إن شاء الله تعالى في باب الإشارة إلى سر ذكر الأرجل، وفي
~~الشرطية الأولى ترغيب بأمر أخروي، وفي الثانية ترغيب بأمر دنيوي وتنبيه
~~على أن ما أصاب أولئك الفجرة من الضنك والضيق إنما هو من شؤم جناياتهم لا
~~لقصور في فيض الفياض، وتقديم الترغيب بالأمر الأخروي لأنه أهم إذ به
~~النجاة السرمدية والنعيم المقيم، وخولف بين العبارتين، فقيل: أولا:

# ءىمنوا واتقوا

# [المائدة: 65] وثانيا: { أقاموا } ذا وذا سلوكا لطريق البلاغة
~~قيل: ويشبه أن يكون { ما } في الشرطية الثانية إشارة إلى ما جرى على بني
~~قريظة. وبني النضير من قطع نخيلهم وإفساد زروعهم وإجلائهم عن أوطانهم،
~~فكأنه قيل في حقهم: لو أنهم أقاموا لأقاموا في ديارهم وانتفعوا بنخيلهم
~~وزروعهم لكنهم تعدوا عن الإقامة فحرموا وتاهوا في مهامه الضنك إذ ظلموا،
~~وفرق بعضهم بين الشرطيتين بأن الأولى متحققة اللزوم في أهل الكتاب إلى
~~يوم القيامة إذ لا شبهة في أنه إذا آمن كتابي واتقى كفر الله تعالى
~~عنه سيئاته وأدخله جل شأنه في رحمته سواء في ذلك معاصر النبي صلى الله
~~عليه وسلم وغيره، ولا كذلك الشرطية الثانية فإن الظاهر اختصاص تحقق
~~اللزوم في المعاصر إذ نرى كثيرا من أهل الكتاب اليوم بمعزل عن الإقامة
~~المذكورة قد وسع عليه أكثر مما وسع على كثير ممن أقام، ونرى الكثير أيضا
~~منهم يقيم التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ويؤمن بالله تعالى
~~ورسوله صلى الله عليه وسلم على الوجه اللائق وهو في ضنك من العيش قبل ولا
~~يتغير حاله، وربما كان في رفاهية حتى إذا أقام وقفت به سفينة العيش فوقع
~~في حيص بيص، وجعلها كالشرطية الأولى، وحمل التوسعة على ما هو أعم من
~~التوسعة ms02458 الصورية الظاهرة والتوسعة المعنوية الباطنية  كأن يرزقهم سبحانه
~~القناعة والرضا بما في أيديهم فيكون عندهم كالكثير وإن كان قليلا  لا
~~أظنه يأخذ محلا من فؤادك ولا أحسبه حاسما لما يقال، والقول  بأنها
~~كالأولى إلا أن الملازمة بين إقامتهم بأسرهم ما تقدم وانتفاعهم كذلك أي
~~لو أنهم كلهم أقاموا التوراة الخ لأكلوا كلهم من فوقهم الخ لا لو أقام
~~بعضهم  لا أراه إلا منكرا من القول وزورا.

# وذكر بعض المحققين أن بعضا فسر قوله سبحانه: { لأكلوا } الخ بقوله:
~~لوسع عليهم الرزق، وفسر التوسعة بأوجه ذكرها، ولم يجعله شاملا لرزق
~~الدارين، ولو حمل على الترقي، وتفصيل ما أجمل في الأول شرطا وجزاءا
~~لكان وجها انتهى، وبهذا الوجه أقول وإليه أتوجه، وإني أراه كالمتعين إلا
~~أن الشرطيتين عليه ليستا سواء، والإشكال فيه باق من وجه ولا مخلص عنه على
~~ما أرى إلا بالذهاب إلى اختلاف الشرطيتين، ولعل النوبة تفضي إن شاء الله
~~تعالى إلى تحقيق ما يتعلق بهذا المقام فتدبر

# { منهم أمة مقتصدة } أي طائفة عادلة غير غالية ولا مقصرة
~~/  كما روي عن الربيع  وهم الذين أسلموا منهم وتابعوا النبي صلى الله
~~عليه وسلم  كما قال مجاهد والسدي وابن زيد  واختاره الجبائي، وأولئك 
~~كعبد الله بن سلام وأضرابه من اليهود  وثمانية وأربعون من النصارى،
~~وقيل: المراد بهم النجاشي وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، والجملة مستأنفة
~~مبنية على سؤال نشأ من مضمون الشرطيتين المصدرتين بحرف الامتناع الدالتين
~~على انتفاء الإيمان والإتقاء والإقامة المذكورات كأنه قيل: هل كلهم
~~مصرون على عدم الإيمان وأخويه؟ فقيل: { منهم } الخ، وتفسير
~~الاقتصاد بالتوسط في العداوة بعيد، { وكثير منهم } وهم الأجلاف
~~المتعصبون  ككعب بن الأشرف وأشباهه والروم .

# { ساء ما يعملون } من العناد والمكابرة وتحريف الحق والإعراض
~~عنه. وقيل: من الإفراط في العداوة { وكثير } مبتدأ، و { منهم }
~~صفته، و { ساء } كبئس للذم.

# وعن بعض النحاة أن فيها معنى التعجب  كقضو زيد  أي ما أقضاه، فالمعنى
~~هنا ما أسوأ عملهم، وبعضهم يقول: هي لمجرد الذم والتعجب مأخوذ من المقام،
~~وتمييزها محذوف، و ms02459 { ما } موصولة فاعل لها أي ساء عملا الذي يعملونه،
~~ويجوز أن تكون { ما } نكرة في موضع التمييز، والجملة الإنشائية خبر
~~للمبتدأ، والكلام في ذلك شهير.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { إنما وليكم الله
~~ورسوله والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلوة } أي
~~صلاة الشهود والحضور الذاتي { ويؤتون الزكوة } أي زكاة وجودهم

# وهم راكعون

# [المائدة: 55] أي خاضعون في البقاء بالله. والآية عند معظم المحدثين
~~نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه، والإمامية  كما علمت  يستدلون بها
~~على خلافته بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا فصل، وقد علمت منا
~~ردهم  والحمد لله سبحانه  رد كلام، وكثير من الصوفية قدس الله تعالى
~~أسرارهم يشير إلى القول بخلافته كرم الله تعالى وجهه بعد الرسول عليه
~~الصلاة والسلام بلا فصل أيضا إلا أن تلك الخلافة عندهم هي الخلافة
~~الباطنة التي هي خلافة الإرشاد والتربية والإمداد والتصرف الروحاني لا
~~الخلافة الصورية التي هي عبارة عن إقامة الحدود الظاهرة وتجهيز الجيوش
~~والذب عن بيضة الإسلام ومحاربة أعدائه بالسيف والسنان، فإن تلك عندهم على
~~الترتيب الذي وقع كما هو مذهب أهل السنة، والفرق عندهم بين الخلافتين
~~كالفرق بين القشر واللب، فالخلافة الباطنة لب الخلافة الظاهرة، وبها يذب
~~عن حقيقة الإسلام، وبالظاهرة يذب عن صورته، وهي مرتبة القطب في كل عصر،
~~وقد تجتمع مع الخلافة الظاهرة كما اجتمعت في علي كرم الله تعالى وجهه
~~أيام أمارته، وكما تجتمع في المهدي أيام ظهوره، وهي والنبوة رضيعا ثدي،
~~وإلى ذلك الإشارة بما يروونه عنه عليه الصلاة والسلام من قوله:

# " خلقت أنا وعلي من نور واحد "

# وكانت هذه الخلافة فيه كرم الله تعالى وجهه على الوجه الأتم. ومن هنا
~~كانت سلاسل أهل الله عز وجل منتهية إليه إلا ما هو أعز من بيض الأنوق،
~~فإنه ينتهي إلى الصديق رضي الله تعالى عنه كسلسلة ساداتنا النقشبندية
~~نفعنا الله تعالى بعلومهم، ومع هذا ترد عليه كرم الله تعالى وجهه أيضا،
~~وبتقسيم الخلافة إلى هذين القسمين جمع بعض العارفين بين الأحاديث المشعرة
~~أو المصرحة ms02460 بخلافة الأئمة الثلاثة رضي الله تعالى عنهم بعد رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم على الترتيب المعلوم، وبين الأحاديث المشعرة أو المصرحة
~~بخلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه بعده عليه الصلاة والسلام بلا فصل،
~~فحمل الأحاديث الواردة في خلافة الخلفاء / الثلاثة على الخلافة الظاهرة،
~~والأحاديث الواردة في خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه على الخلافة
~~الباطنة ولم يعطل شيئا من الأخبار، وقال بحقيقة خلافة الأربع رضي الله
~~تعالى عنهم أجمعين.

# وأنت تعلم أن هذا مشعر بأفضلية الأمير كرم الله تعالى وجهه على الخلفاء
~~الثلاثة، وبعضهم يصرح بذلك، ويقول: بجواز خلافة المفضول خلافة صورية مع
~~وجود الفاضل لكن قد قدمنا عن الشيخ الأكبر قدس الله تعالى سره أنه قال:
~~ليس بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر الصديق رضي الله
~~تعالى عنه رجل، وليس مقصوده سوى بيان المرتبة في الفضل فافهم { ومن
~~يتول الله ورسوله والذين ءامنوا } فإنه من حزب الله
~~تعالى أي أهل خاصته القائمين معه على شرائط الاستقامة

# فإن حزب الله هم الغلبون

# [المائدة: 56] على أعدائهم الأنفسية والأفاقية، وقد صح

# " لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله سبحانه لا يضرهم من خذلهم حتى
~~يأتي أمر الله تعالى وهم على ذلك "

# { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين
~~اتخذوا دينكم } أي حالكم الذي أنتم عليه في السير والسلوك {
~~هزوا ولعبا } فطعنوا فيه { من الذين أوتوا الكتب
~~من قبلكم } وهم المقتصرون على الظاهر فقط  كاليهود  أو على
~~الباطن فقط  كالنصارى  { والكفار } الذين حجبوا بأنفسهم عن الحق
~~{ أولياء } للمباينة في الأحوال

# واتقوا الله إن كنتم مؤمنين

# [المائدة: 57] به عز شأنه { وإذا نديتم إلى الصلوة }
~~أي الحضور في حضرة الرب

# اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا
~~يعقلون

# [المائدة: 58] الأسرار ولم يفهموا ما في الصلاة من بلوغ الأوطار، فقد صح

# " حبب لي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة "

# { قل يأهل الكتب هل تنقمون } وتنكرون

# منا إلا أن ءامنا بالله وما أنزل إلينا وما
~~أنزل من قبل

# [المائدة: ms02461 59] فجمعنا بين الظاهر والباطن وطرنا بهذين الجناحين إلى
~~الحضرة القدسية { وجعل منهم القردة والخنازير } أي
~~بدلنا صفاتهم بصفات هاتيك الحيوانات من الحيل والحرص والشهوة وقلة الغيرة
~~{ وعبد الطغوت } وهو كل ما يطغى مما سوى الله تعالى أي أنهم
~~انقادوا إليه وخضعوا له، ومن أولئك من هو عابد الدرهم والدينار

# أولئك شر مكانا

# [المائدة: 60] لأنهم أبطلوا استعدادهم الفطري وضلوا ضلالا بعيدا

# وترى كثيرا منهم يسرعون فى الإثم والعدوان
~~وأكلهم السحت

# [المائدة: 62] أي يقدمون بسرعة على جميع الرذائل لاعتيادهم لها وتدربهم
~~فيها وكونها ملكات لنفوسهم، فالإثم رذيلة القوة النطقية والعدوان رذيلة
~~القوى الغضبية، وأكل السحت رذيلة القوى الشهوية { وقالت اليهود }
~~لحرمانهم من الأسرار التي لا يطلع عليها أهل الظاهر { يد الله }
~~تعالى عما يقولون { مغلولة } فلا يفيض غير ما نحن فيه من العلوم
~~الظاهرة { غلت أيديهم } وحرموا إلى يوم القيامة عن تناول ثمار
~~أشجار الأسرار { ولعنوا } أي أبعدوا عن الحضرة الإلهية { بما
~~قالوا } من تلك الكلمة العظيمة { بل يداه مبسوطتان ينفق
~~} بهما

# كيف يشاء

# [المائدة: 64] فيفيض حسب الحكمة من أنواع العلوم الظاهرة والباطنة على
~~من وجده أهلا لذلك، وإلى الظاهر والباطن أشار صلى الله عليه وسلم
~~«بالليل والنهار» فيما أخرجه البخاري وغيره

# " يد الله تعالى ملآى لا يغيضها سخاء الليل والنهار "

# { ولو أن أهل الكتب ءامنوا } الإيمان الحقيقي {
~~واتقوا } شرك أفعالهم وصفاتهم وذواتهم، ولو أنهم آمنوا بالعلوم
~~الظاهرة { واتقوا } الإنكار والاعتراض على من روي من العلوم
~~الباطنة وسلموا لهم أحوالهم كما قيل:

# وإذا لم تر الهلال فسلم

# لأناس رأوه بالأبصار

# { لكفرنا عنهم سيئاتهم } التي ارتكبوها

# ولأدخلنهم جنت النعيم

# [المائدة: 65] في مقابلة إيمانهم واتقائهم { ولو أنهم /
~~أقاموا التوراة } بتحقق علوم الظاهر والقيام بحقوق تجليات
~~الأفعال والمحافظة على أحكامها في المعاملات { والإنجيل } بتحقق علوم
~~الباطن والقيام بحقوق تجليات الصفات والمحافظة على أحكامها في المكاشفات
~~{ وما أنزل إليهم من ربهم } من علم المبدأ والمعاد وتوحيد
~~الملك والملكوت من عالم الربوبية الذي هو عالم الأسماء { لأكلوا من
~~فوقهم } أي لرزقوا من العالم الروحاني العلوم الإلهية والحقائق ms02462
~~العقلية والمعارف الحقانية { ومن تحت أرجلهم } أي من العالم
~~السفلي الجسماني العلوم الطبيعية والإدراكات الحسية، وبالأول: يهتدون إلى
~~معرفة الله تعالى ومعرفة الملك والجبروت، وبالثاني: يهتدون إلى معرفة
~~عالم الملك، فيعرفون الله تعالى إذا تم لهم الأمران باسمه الباطن والظاهر
~~بل بجميع الأسماء والصفات، وللطيبي هنا كلام طيب يصلح لهذا الباب، فإنه
~~قال بعد أن حكى عن البعض أنه قال في { لأكلوا } الخ: أي لوسع عليهم
~~خير الدارين، وقلت: هذا في حق من عدد سيآتهم من أهل الكتاب إذا أقاموا
~~مجرد حدود التوراة والإنجيل، فما ظنك بالعارف السالك إذا قمع هوى النفس
~~وانكمش من هذا العالم إلى معالم القدس معتصما بحبل الله تعالى وسنة
~~حبيبه صلى الله عليه وسلم فإنه تعالى يفيض على قلبه سجال فضائله وسحائب
~~بركاته، فكمن فيه كمون الأمطار في الأرض، فتظهر ينابيع الحكمة من قلبه
~~على لسانه. وفي تعليق الأكل من فوق ومن تحت الأرجل على الإقامة بما ذكر،
~~واختصاص { من } الابتدائية ما يلوح إلى معنى قوله عليه الصلاة والسلام:

# " من عمل بما علم ورثه الله تعالى علم ما لم يعلم "

# لأنهم إذا أقاموا العمل بكتاب الله سبحانه استنزل ذلك من فوقهم البركات،
~~فإذا استجدوا العمل لتلك البركات المنزلة وقاموا عليها بثبات أقدامهم
~~الراسخة استنزل ذلك لهم من الله عز وجل بركات هي أزكى من الأولى، فلا
~~يزال العلم والعمل يتناوبان إلى أن ينتهي السالك إلى مقام القرب ومنازل
~~العارفين، وفي ذكر الأرجل إشارة إلى حصول ثبات القدم ورسوخ العلم، وفي
~~اقترانها مع تحت دلالة على مزيد الثبات وأنهم من الراسخين المقتبسين
~~علومهم من مشكاة النبوة دون المتزلزلين الذين أخذوا علومهم من الأوهام،
~~ولذا كتب بعض العارفين بهذه الآية إلى الإمام إرشادا له إلى معرفة طريق
~~أهل الله عز شأنه انتهى.

# وقد وجه بعض أهل العبارة ممن هو مني في موضع التاج من الرأس لا زال
~~باقيا ذكر الأرجل هنا بأنه للإشارة إلى أن المراد بقوله سبحانه: { من
~~تحت أرجلهم } الأمور السفلية الحاصلة بالسعي والاكتساب كما ms02463 أن
~~المراد بقوله تعالى: { من فوقهم } الأمور الحاصلة بمجرد الفيض،
~~وحينئذ يقوى الطباق بين المتعاطفين. ولعلك تستنبط مما ذكره الطيبي غير
~~هذا الوجه مما يوافق أيضا مشرب أهل الظاهر، فتدبر { منهم أمة
~~مقتصدة } ، قيل: عادلة واصلة إلى توحيد الأسماء والصفات {
~~وكثير منهم ساء ما يعملون } [المائدة: 66] وهم المحجوبون
~~بالكلية الذين لن يصلوا إلى توحيد الأفعال بعد فضلا عن توحيد الصفات،
~~والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

### || [5.67]

# { يأيها الرسول } إلى الثقلين كافة وهو نداء تشريف لأن
~~الرسالة منة الله تعالى العظمى وكرامته الكبرى، وفي هذا العنوان إيذان
~~أيضا بما يوجب الإتيان بما أمر به صلى الله عليه وسلم من تبليغ ما أوحي
~~إليه. { بلغ } أي أوصل الخلق { ما أنزل إليك } أي «جميع ما
~~أنزل كائنا ما كان { من ربك } أي مالك أمرك ومبلغك إلى كمالك اللائق
~~بك، وفيه عدة ضمنية بحفظه عليه الصلاة والسلام وكلاءته أي بلغه غير مراقب
~~في ذلك أحدا ولا خائف أن ينالك مكروه أبدا { وإن لم تفعل } أي
~~ما أمرت به من تبليغ الجميع. / { فما بلغت رسالته } أي فما
~~أديت شيئا من رسالته لما أن بعضها ليس أولى بالأداء من بعض، فإذا لم تؤد
~~بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم
~~يؤمن بكلها لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها وكونها كذلك في حكم شيء واحد،
~~والشيء الواحد لا يكون مبلغا غير مبلغ، مؤمنا به غير مؤمن به»، ولأن
~~كتمان بعضها يضيع ما أدى منها كترك بعض أركان الصلاة فإن غرض الدعوة
~~ينتقض به، واعترض القول بنفي أولوية بعضها من بعض بالأداء بأن الأولوية
~~ثابتة باعتبار الوجوب قطعا وظنا وجلاءا وخفاءا أصلا وفرعا، وأجاب
~~في «الكشف» بأنه نفي الأولوية نظرا إلى أصل الوجوب، وأيضا إن ذلك راجع
~~إلى المبلغ، والكلام في التبليغ وهو غير مختلف الوجوب لأنه شيء واحد
~~نظرا إلى ذاته، ثم كتمان البعض يدل على أنه لم ينظر إلى أنه مأمور
~~بالتبليغ بل إلى ما في المبلغ من ms02464 المصلحة، فكأنه لم يمتثل هذا الأمر
~~أصلا فلم يبلغ، وإن أعلم الناس لم ينفعه لأنه مخبر إذ ذاك لا مبلغ،
~~ونوقش في التعليل الثاني بأن الصلاة اعتبرها الشارع أمرا واحدا بخلاف
~~التبليغ، وهي مناقشة غير واردة لأنه تعالى ألزمه عليه الصلاة والسلام
~~تبليغ الجميع، فقد جعلها كالصلاة بلا ريب.

# ومما ذكرنا في تفسير الشرطية يعلم أن لا اتحاد بين الشرط والجزاء، ومن
~~ادعاه بناءا على أن المآل «إن لم تبلغ الرسالة لم تبلغ الرسالة  جعله
~~نظير:

# أنا أبو النجم وشعري شعري

# حيث جعل فيه الخبر عين المبتدأ بلا مزيد في اللفظ، وأراد  وشعري شعري 
~~المشهور بلاغته والمستفيض فصاحته، ولكنه أخبر بالسكوت عن هذه الصفات التي
~~بها تحصل الفائدة أنها من لوازم شعره في أفهام الناس السامعين لاشتهاره
~~بها، وأنه غني عن ذكرها لشهرتها وذياعها، وكذلك  كما قال ابن المنير 
~~أريد في الآية لأن عدم تبليغ الرسالة أمر معلوم عند الناس مستقر في
~~الأفهام أنه عظيم شنيع ينقم على مرتكبه، ألا ترى أن عدم نشر العلم من
~~العالم أمر فظيع فكيف كتمان الرسالة من الرسول؟! فاستغنى عن ذكر الزيادات
~~التي يتفاوت بها الشرط والجزاء للصوقها بالجزاء في الأفهام، وأن كل من
~~سمع عدم تبليغ الرسالة فهم ما وراءه من الوعيد والتهديد، وحسن هذا
~~الأسلوب في الكتاب العزيز بذكر الشرط عاما حيث قال سبحانه: { وإن
~~لم تفعل } ولم يقل: وإن لم تبلغ الرسالة فما بلغت الرسالة
~~ليتغايرا لفظا وإن اتحدا معنى، وهذا أحسن رونقا وأظهر طلاوة من تكرار
~~اللفظ الواحد في الشرط والجزاء، وهذه الذروة انحط عنها أبو النجم بذكر
~~المبتدأ بلفظ الخبر، وحق له أن تتضاءل فصاحته عند فصاحة المعجز، فلا معاب
~~عليه في ذلك، وقيل: إن المراد فإن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله،
~~فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده ما أخرجه إسحاق بن راهويه في «مسنده» من
~~حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وأخرجه أبو الشيخ وابن حبان في
~~تفسيره من مرسل الحسن أن النبي صلى الله ms02465 عليه وسلم قال:

# " بعثني الله تعالى بالرسالة فضقت بها ذرعا، فأوحى الله تعالى إن لم
~~تبلغ رسالاتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت "

# وقيل: إن المراد إن تركت تبليغ ما أنزل إليك حكم عليك بأنك لم تبلغ
~~أصلا، وقيل  وليته ما قيل  المراد بما أنزل القرآن، وبما في الجواب
~~بقية المعجزات، وقيل: غير ذلك.

# واستدل بالآية على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكتم شيئا من الوحي، ونسب
~~إلى الشيعة أنهم يزعمون أنه عليه الصلاة والسلام كتم البعض تقية. وعن بعض
~~الصوفية أن المراد تبليغ ما يتعلق به مصالح العباد من الأحكام، وقصد
~~بإنزاله اطلاعهم عليه، وأما ما خص به من الغيب ولم يتعلق به مصالح أمته
~~فله بل عليه كتمانه، وروى السلمي عن جعفر رضي الله تعالى عنه في قوله
~~تعالى:

# فأوحى إلى عبده ما أوحى

# [النجم: 10] قال: أوحى بلا واسطة فيما بينه وبينه سرا إلى قلبه، ولا
~~يعلم به أحد سواه إلا في العقبى حين يعطيه الشفاعة لأمته، وقال الواسطي
~~ ألقى إلى عبده ما ألقى  ولم يظهر ما الذي أوحى لأنه خصه سبحانه به صلى
~~الله عليه وسلم، وما كان مخصوصا به عليه الصلاة والسلام كان مستورا،
~~وما بعثه الله تعالى به إلى الخلق كان ظاهرا، قال الطيبي: وإلى هذا
~~ينظر معنى ما روينا في «صحيح البخاري» عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي
~~الله تعالى عنه قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين: فأما
~~أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع مني هذا البلعوم  أراد عنقه 
~~وأصل معناه مجرى الطعام، وبذلك فسره البخاري، ويسمون ذلك علم الأسرار
~~الإلهية وعلم الحقيقة، وإلى ذلك أشار رئيس العارفين علي زين العابدين
~~حيث قال:

# إني لأكتم من علمي جواهره

# كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

# وقد تقدم في هذا أبو حسن

# إلى الحسين، وأوصى قبله الحسنا

# فرب جوهر علم لو أبوح به

# لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا

# ولاستحل رجال مسلمون دمي

# يرون أقبح ما يأتونه حسنا

# ومن ذلك ms02466 علم وحدة الوجود، وقد نصوا على أنه طور ما وراء طور العقل،
~~وقالوا: إنه مما تعلمه الروح بدون واسطة العقل، ومن هنا قالوا بالعلم
~~الباطن على معنى أنه باطن بالنسبة إلى أرباب الأفكار، وذوي العقول
~~المنغمسين في أوحال العوائق والعلائق لا المتجردين العارجين إلى حضائر
~~القدس ورياض الأنوار.

# وقد ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني روح الله تعالى روحه في كتابه «الدرر
~~المنثورة في بيان زبد العلوم المشهورة» ما نصه: وأما زبدة علم التصوف
~~الذي وضع القوم فيه رسائلهم فهو نتيجة العمل بالكتاب والسنة، فمن عمل بما
~~علم تكلم كما تكلموا وصار جميع ما قالوه بعض ما عنده، لأنه كلما ترقى
~~العبد في باب الأدب مع الله تعالى دق كلامه على الأفهام حتى قال بعضهم
~~لشيخه: إن كلام أخي فلان يدق على فهمي، فقال: لأن لك قميصين وله قميص
~~واحد فهو أعلى مرتبة منك، وهذا هو الذي دعا الفقهاء ونحوهم من أهل الحجاب
~~إلى تسمية علم الصوفية بعلم الباطن، وليس ذلك بباطن إذ الباطن إنما هو
~~علم الله تعالى، وأما جميع ما علمه الخلق على اختلاف طبقاتهم فهو من علم
~~الظاهر لأنه ظهر للخلق، فاعلم ذلك انتهى.

# وقد فهم بعضهم كون المراد تبليغ الأحكام وما يتعلق بها من المصالح دون
~~ما يشمل علم الأسرار من قوله سبحانه: { ما أنزل إليك } دون ما
~~تعرفنا به إليك، وذكر أن علم الأسرار لم يكن منزلا بالوحي بل بطريق
~~الإلهام والمكاشفة، وقيل: يفهم ذلك من لفظ الرسالة، فإن الرسالة ما يرسل
~~إلى الغير، وقد أطال بعض الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم الكلام في هذا
~~المقام، والتحقيق عندي أن جميع ما عند النبي صلى الله عليه وسلم من
~~الأسرار الإلهية وغيرها من الأحكام الشرعية قد اشتمل عليه القرآن المنزل
~~فقد قال سبحانه:

# ونزلنا عليك الكتب تبيانا لكل شىء

# [النحل: 89] وقال تعالى:

# ما فرطنا فى الكتب من شىء

# [الأنعام: 38]، وقال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الترمذي وغيره:

# " ستكون فتن، قيل: وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله ms02467 تعالى فيه نبأ ما
~~قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما فيكم "

# ، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: أنزل في هذا القرآن
~~كل علم وبين لنا فيه كل شيء ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن، وقال
~~الشافعي رضي الله تعالى عنه: جميع ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم
~~فهو مما فهمه من القرآن، ويؤيد ذلك ما رواه الطبراني في «الأوسط» من حديث
~~/ عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إني لا أحل إلا ما أحل الله تعالى في كتابه ولا أحرم إلا ما حرم الله
~~تعالى في كتابه "

# ، وقال المرسي: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علما
~~حقيقة إلا المتكلم به، ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا ما استأثر به
~~سبحانه، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأعلامهم
~~مثل الخلفاء الأربعة ومثل ابن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، حتى
~~قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى، ثم ورث عنهم
~~التابعون بإحسان، ثم تقاصرت الهمم وفترت العزائم وتضاءل أهل العلم وضعفوا
~~عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه، فنوعوا علومه،
~~وقامت كل طائفة بفن من فنونه.

# وقال بعضهم: ما من شيء إلا يمكن استخراجه من القرآن لمن فهمه الله تعالى
~~حتى أن البعض استنبط عمر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين سنة من
~~قوله سبحانه في سورة المنافقين [11]

# ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها

# فإنها رأس ثلاث وستين سورة، وعقبها  بالتغابن  ليظهر التغابن في فقده
~~بنفس ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مما لا يكاد ينتطح فيه كبشان،
~~فإذا ثبت أن جميع ذلك في القرآن كان تبليغ القرآن تبليغا له، غاية ما في
~~الباب أن التوقيف على تفصيل ذلك سرا سرا وحكما حكما لم يثبت بصريح
~~العبارة لكل أحد، وكم من سر وحكم نبهت عليهما الإشارة ms02468 ولم تبينهما
~~العبارة، ومن زعم أن هناك أسرارا خارجة عن كتاب الله تعالى تلقاها
~~الصوفية من ربهم بأي وجه كان، فقد أعظم الفرية وجاء بالضلال ابن السبهلل
~~بلا مرية.

# وقول بعضهم: أخذتم علمكم ميتا عن ميت ونحن أخذناه عن الحي الذي لا
~~يموت، لا يدل على ذلك الزعم لجواز أن يكون ذلك الأخذ من القرآن بواسطة
~~فهم قدسي أعطاه الله تعالى لذلك الآخذ، ويؤيد هذا ما صح عن أبي جحيفة،
~~قال: قلت لعلي كرم الله تعالى وجهه: هل عندكم كتاب خصكم به رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم؟ قال: لا إلا كتاب الله تعالى أو فهم أعطيه رجل مسلم أو
~~ما في هذه الصحيفة  وكانت متعلقة بقبضة سيفه  قال: قلت: وما في هذه
~~الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر.

# «ويفهم منه  كما قال القسطلاني  جواز استخراج العالم من القرآن بفهمه
~~ما لم يكن منقولا عن المفسرين إذا وافق أصول الشريعة»، وما عند الصوفية
~~ على ما أقول  كله من هذا القبيل إلا أن بعض كلماتهم مخالف ظاهرها لما
~~جاءت به الشريعة الغراء، لكنها مبنية على اصطلاحات فيما بينهم إذا علم
~~المراد منها يرتفع الغبار، وكونهم ملامين على تلك الاصطلاحات لقول علي
~~كرم الله تعالى وجهه كما في «صحيح البخاري» 

# " حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله تعالى ورسوله صلى الله
~~عليه وسلم "

#  أو غير ملامين لوجود داع لهم إلى ذلك على ما يقتضيه حسن الظن بهم بحث
~~آخر لسنا بصدده.

# وقريب من خبر أبي جحيفة ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عنترة قال كنت عند
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فجاءه رجل فقال: إن ناسا يأتونا فيخبرونا
~~أن عندكم شيئا لم يبده رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس فقال: ألم
~~تعلم أن الله تعالى قال: { يأيها الرسول بلغ ما أنزل
~~إليك من ربك }؟ والله ما ورثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~سوداء في بيضاء، وحمل  وعاء أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي لم ms02469 يبثه
~~على علم الأسرار  غير متعين لجواز أن يكون المراد منه إخبار الفتن
~~وأشراط الساعة وما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من فساد الدين على
~~أيدي أغيلمة من سفهاء قريش، وقد كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقول:
~~لو شئت أن أسميهم بأسمائهم لفعلت، / أو المراد الأحاديث التي فيها تعيين
~~أسماء أمراء الجور وأحوالهم وذمهم، وقد كان رضي الله تعالى عنه يكني عن
~~بعض ذلك ولا يصرح خوفا على نفسه منهم بقوله: «أعوذ بالله سبحانه من رأس
~~الستين وإمارة الصبيان»، يشير إلى خلافة يزيد الطريد لعنه الله تعالى على
~~رغم أنف أوليائه لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله تعالى دعاء
~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فمات قبلها بسنة، وأيضا قال القسطلاني:
~~لو كان كذلك لما وسع أبي هريرة كتمانه مع ما أخرج عنه البخاري أنه قال:
~~إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة الحديث، ولولا آيتان في كتاب الله تعالى
~~ما حدثت حديثا ثم يتلو

# إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينت
~~والهدى

# إلى قوله تعالى:

# الرحيم

# [البقرة: 159، 160] إلى آخر ما قال، فإن ما تلاه دال على ذم كتمان العلم
~~لا سيما العلم الذي يسمونه علم الأسرار؛ فإن الكثير منهم يدعي أنه لب
~~ثمرة العلم، وأيضا إن أبا هريرة نفى بث ذلك الوعاء على العموم من غير
~~تخصيص، فكيف يستدل به لذلك، وأبو هريرة لم يكشف مستوره فيما أعلم؟ فمن
~~أين علم أن الذي علمه هو هذا؟! ومن ادعى فعليه البيان، ودونه قطع
~~الأعناق.

# فالاستدلال بالخبر لطريق القوم فيه ما فيه، ومثله ما روي عن زين
~~العابدين رضي الله تعالى عنه، نعم للقوم متمسك غير هذا مبين في موضعه لكن
~~لا يسلم لأحد كائنا من كان أن ما هم عليه مما خلا عنه كتاب الله تعالى
~~الجليل، أو أنه أمر وراء الشريعة، ومن برهن على ذلك بزعمه فقد ضل ضلالا
~~بعيدا، فقد قال الشعراني قدس سره في «الأجوبة المرضية عن الفقهاء
~~والصوفية»: سمعت سيدي عليا ms02470 المرصفي يقول: لا يكمل الرجل في مقام المعرفة
~~والعلم حتى يرى الحقيقة مؤيدة للشريعة، وأن التصوف ليس بأمر زائد على
~~السنة المحمدية، وإنما هو عينها. وسمعت سيدي عليا الخواص يقول مرارا:
~~من ظن أن الحقيقة تخالف الشريعة أو عكسه فقد جهل لأنه ليس عند المحققين
~~شريعة تخالف حقيقة أبدا حتى قالوا: شريعة بلا حقيقة عاطلة وحقيقة بلا
~~شريعة باطلة، خلاف ما عليه القاصرون من الفقهاء والفقراء، وقد يستند من
~~زعم المخالفة بين الحقيقة والشريعة إلى قصة الخضر مع موسى عليهما السلام،
~~وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك على وجه لا يستطيع المخالف معه على
~~فتح شفة.

# ومما نقلنا عن القسطلاني في خبر أبي جحيفة يعلم الجواب عما قيل في
~~الاعتراض على الصوفية: من أن ما عندهم إن كان موافقا للكتاب والسنة فهما
~~بين أيدينا، وإن كان مخالفا لهما فهو رد عليهم، وما بعد الحق إلا
~~الضلال، والجواب باختيار الشق الأول وكون الكتاب والسنة بين أيدينا لا
~~يستدعي عدم إمكان استنباط شيء منهما بعد، ولا يقتضي انحصار ما فيهما فيما
~~علمه العلماء قبل، فيجوز أن يعطي الله تعالى لبعض خواص عباده فهما يدرك
~~به منهما ما لم يقف عليه أحد من المفسرين والفقهاء المجتهدين في الدين،
~~وكم ترك الأول للآخر، وحيث سلم للأئمة الأربعة مثلا اجتهادهم واستنباطهم
~~من الآيات والأحاديث مع مخالفة بعضهم بعضا، فما المانع من أن يسلم للقوم
~~ما فتح لهم من معاني كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإن
~~خالف ما عليه بعض الأئمة، لكن لم يخالف ما انعقد عليه الإجماع الصريح من
~~الأمة المعصومة، وأرى التفرقة بين الفريقين مع ثبوت علم كل في القبول
~~والرد تحكما بحتا كما لا يخفى على المنصف.

# وزعمت الشيعة أن المراد: ب { ما أنزل إليك } خلافة علي كرم
~~الله تعالى وجهه، فقد رووا بأسانيدهم عن أبي جعفر وأبي عبد الله رضي
~~الله تعالى عنهما أن الله تعالى أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن
~~يستخلف عليا كرم ms02471 الله تعالى وجهه، فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من
~~أصحابه فأنزل الله تعالى هذه الآية تشجيعا له عليه الصلاة والسلام بما
~~أمره بأدائه.

# / وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: نزلت هذه الآية في علي كرم
~~الله تعالى وجهه حيث أمر سبحانه أن يخبر الناس بولايته فتخوف رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم أن يقولوا حابى ابن عمه وأن يطعنوا في ذلك عليه،
~~فأوحى الله تعالى إليه هذه الآية فقام بولايته يوم غدير خم، وأخذ بيده
~~فقال عليه الصلاة والسلام: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه
~~وعاد من عاداه، وأخرج الجلال السيوطي في «الدر المنثور» عن أبي حاتم
~~وابن مردويه وابن عساكر راوين عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية
~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم في علي بن أبي طالب كرم
~~الله تعالى وجهه، وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم { يأيها الرسول بلغ ما
~~أنزل إليك من ربك } إن عليا ولي المؤمنين { وإن لم
~~تفعل فما بلغت رسالته } وخبر الغدير عمدة أدلتهم على
~~خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه، وقد زادوا فيه إتماما لغرضهم زيادات
~~منكرة، ووضعوا في خلاله كلمات مزورة ونظموا في ذلك الأشعار وطعنوا على
~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم بزعمهم أنهم خالفوا نص النبي المختار صلى
~~الله عليه وسلم، فقال إسماعيل بن محمد الحميري  عامله الله تعالى بعدله
~~ من قصيدة طويلة:

# عجبت من قوم أتوا أحمدا

# بخطة ليس لها موضع

# قالوا له: لو شئت أعلمتنا

# إلى من الغاية والمفزع

# إذا توفيت وفارقتنا

# وفيهم في الملك من يطمع؟

# فقال: لو أعلمتكم مفزعا

# كنتم عسيتم فيه أن تصنعوا

# كصنع أهل العجل إذ فارقوا

# هرون فالترك له أورع

# ثم أتته بعده عزمة

# من ربه ليس لها مدفع

# أبلغ وإلا لم تكن مبلغا

# والله منهم عاصم يمنع

# فعندها قام النبي الذي

# كان بما يأمره يصدع

# يخطب مأمورا وفي ms02472 كفه

# كف علي نورها يلمع

# رافعها، أكرم بكف الذي

# يرفع، والكف التي ترفع

# من كنت مولاه فهذا له

# مولى فلم يرضوا ولم يقنعوا

# وظل قوم غاظهم قوله

# كأنما آنافهم تجدع

# حتى إذا واروه في لحده

# وانصرفوا عن دفنه ضيعوا

# ما قال بالأمس وأوصى به

# واشتروا الضر بما ينفع

# وقطعوا أرحامهم بعده

# فسوف يجزون بما قطعوا

# وأزمعوا مكرا بمولاهم

# تبا لما كانوا به أزمعوا

# لا هم عليه يردوا حوضه

# غدا، ولا هو لهم يشفع

# إلى آخر ما قال لا غفر الله تعالى له عثرته ولا أقال، وأنت تعلم أن
~~أخبار الغدير التي فيها الأمر بالاستخلاف غير صحيحة عند أهل السنة ولا
~~مسلمة لديهم أصلا، ولنبين ما وقع هناك أتم تبيين ولنوضح الغث منه
~~والسمين، ثم نعود على استدلال الشيعة بالإبطال ومن الله سبحانه الاستمداد
~~وعليه الاتكال، / فنقول:

# «إن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في مكان بين مكة والمدينة عند مرجعه
~~من حجة الوداع قريب من الجحفة يقال له: غدير خم، فبين فيها فضل علي كرم
~~الله تعالى وجهه وبراءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن
~~بسبب ما كان صدر منه [إليهم] من المعدلة التي ظنها بعضهم جورا وتضييقا
~~وبخلا، والحق مع علي كرم الله تعالى وجهه في ذلك، وكانت يوم الأحد ثامن
~~عشر ذي الحجة تحت شجرة هناك.

# .. فروى محمد بن إسحق عن يحيى بن عبد الله عن يزيد بن طلحة قال: لما
~~أقبل علي كرم الله تعالى وجهه من اليمن ليلقى رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم بمكة تعجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف على جنده الذين
~~معه رجلا من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل حلة من البز الذي كان
~~مع علي كرم الله تعالى وجهه، فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم فإذا عليهم
~~الحلل، قال: ويلك ما هذا؟ قال: كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في
~~الناس، قال: ويلك انتزع قبل أن ننتهي إلى رسول الله صلى الله عليه ms02473 وسلم،
~~قال: فانتزع الحلل من الناس فردها في البز [قال] وأظهر الجيش شكواه لما
~~صنع لهم.

# وأخرج عن زينب بنت كعب  وكانت عند أبي سعيد الخدري  عن أبي سعيد
~~قال: اشتكى الناس عليا كرم الله تعالى وجهه، فقام رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فينا خطيبا فسمعته يقول:

# " أيها الناس لا تشكوا عليا فوالله إنه لأخشن في ذات الله تعالى  أو
~~في سبيل الله تعالى "

# ورواه الإمام أحمد، وروى أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن
~~بريدة الأسلمي قال:

# " غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم ذكرت عليا كرم الله تعالى وجهه [فتنقصته]، فرأيت وجه رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم قد تغير، فقال [يا] بريدة: ألست أولى بالمؤمنين
~~من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: من كنت مولاه فعلي مولاه "

# وكذا رواه النسائي بإسناد جيد قوي رجاله كلهم ثقات، وروي بإسناد آخر
~~تفرد به، وقال الذهبي: إنه صحيح عن زيد بن أرقم قال: لما رجع رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فغممن، ثم
~~قال:

# " كأني قد دعيت فأجبت إني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله تعالى وعترتي
~~أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي
~~الحوض، الله تعالى مولاي وأنا ولي كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي كرم الله
~~تعالى وجهه فقال: من كنت مولاه فهذا وليه اللهم وال من والاه وعاد من
~~عاداه "

# ، فما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه وسمعه بأذنيه.

# وروى ابن جرير عن علي بن زيد وأبي هارون العبيدي وموسى بن عثمان عن
~~البراء قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فلما
~~أتينا على غدير خم كشح لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرتين ونودي
~~في الناس الصلاة جامعة، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا كرم
~~الله تعالى وجهه وأخذ بيده وأقامه ms02474 عن يمينه، فقال: ألست أولى بكل امرىء
~~من نفسه؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا مولى من أنا مولاه اللهم وال من والاه
~~وعاد من عاداه، فلقيه عمر بن الخطاب فقال رضي الله تعالى عنه: هنيئا لك
~~أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة  وهذا ضعيف  فقد نصوا أن علي بن زيد
~~وأبا هارون وموسى ضعفاء لا يعتمد على روايتهم»، وفي السند أيضا  أبو
~~إسحق  وهو شيعي مردود الرواية.

# وروى ضمرة بإسناده عن أبي هريرة قال: لما أخذ رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم يد علي كرم الله تعالى وجهه قال: من كنت مولاه، فأنزل الله تعالى

# اليوم أكملت لكم دينكم

# [المائدة: 3] ثم قال أبو هريرة: / وهو يوم غدير خم، ومن صام يوم ثماني
~~عشرة من ذي الحجة كتب الله تعالى له صيام ستين شهرا، وهو حديث منكر
~~جدا، ونص في «البداية والنهاية» على أنه موضوع «وقد اعتنى بحديث الغدير
~~أبو جعفر بن جرير الطبري فجمع فيه مجلدين أورد فيهما سائر طرقه وألفاظه،
~~وساق الغث والسمين والصحيح والسقيم على ما جرت به عادة كثير من المحدثين،
~~فإنهم يوردون ما وقع لهم في الباب من غير تمييز بين صحيح وضعيف، وكذلك
~~الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة»،
~~والمعول عليه فيها ما أشرنا إليه، ونحوه مما ليس فيه خبر الاستخلاف كما
~~يزعمه الشيعة، وعن الذهبي أن «من كنت مولاه فعلي مولاه» متواتر يتيقن أن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله، وأما اللهم وال من والاه، فزيادة
~~قوية الإسناد، وأما صيام ثماني عشرة ذي الحجة فليس بصحيح  ولا والله
~~نزلت تلك الآية إلا يوم عرفة قبل غدير خم بأيام.

# والشيخان لم يرويا خبر الغدير في «صحيحيهما» لعدم وجدانهما له على
~~شرطهما، وزعمت الشيعة أن ذلك لقصور وعصبية فيهما وحاشاهما من ذلك، ووجه
~~استدلال الشيعة بخبر  من كنت مولاه فعلي مولاه  أن المولى بمعنى الأولى
~~بالتصرف، وأولوية التصرف عين الإمامة، ولا يخفى أن أول الغلط في هذا
~~الاستدلال جعلهم ms02475 المولى بمعنى الأولى، وقد أنكر ذلك أهل العربية قاطبة بل
~~قالوا: لم يجىء مفعل بمعنى أفعل أصلا، ولم يجوز ذلك إلا أبو زيد اللغوي
~~متمسكا بقول أبي عبيدة في تفسير قوله تعالى:

# هى مولكم

# [الحديد: 15] أي أولى بكم. ورد بأنه يلزم عليه صحة فلان مولى من فلان
~~كما يصح فلان أولى من فلان، واللازم باطل إجماعا فالملزوم مثله، وتفسير
~~أبي عبيدة بيان لحاصل المعنى، يعني النار مقركم ومصيركم والموضع اللائق
~~بكم، وليس نصا في أن لفظ المولى ثمة بمعنى الأولى، والثاني أنا لو سلمنا
~~أن المولى بمعنى الأولى لا يلزم أن يكون صلته بالتصرف، بل يحتمل أن يكون
~~المراد أولى بالمحبة وأولى بالتعظيم ونحو ذلك، وكم قد جاء الأولى في كلام
~~لا يصح معه تقدير التصرف كقوله تعالى:

# إن أولى الناس بإبرهيم للذين اتبعوه وهذا
~~النبى والذين ءامنوا

# [آل عمران: 68] على أن لنا قرينتين على أن المراد من الولاية من لفظ
~~المولى أو الأولى: المحبة، إحداهما ما رويناه عن محمد بن إسحق في شكوى
~~الذين كانوا مع الأمير كرم الله تعالى وجهه في اليمن  كبريدة الأسلمي
~~وخالد بن الوليد وغيرهما  ولم يمنع صلى الله عليه وسلم الشاكين بخصوصهم
~~مبالغة في طلب موالاته وتلطفا في الدعوة إليها كما هو الغالب في شأنه
~~صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك، وللتلطف المذكور افتتح الخطبة صلى الله
~~عليه وسلم بقوله:

# " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم "

# ، وثانيهما قوله عليه الصلاة والسلام على ما في بعض الروايات:

# " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه "

# ، فإنه لو كان المراد من المولى المتصرف في الأمور أو الأولى بالتصرف
~~لقال عليه الصلاة والسلام: اللهم وال من كان في تصرفه وعاد من لم يكن
~~كذلك، فحيث ذكر صلى الله عليه وسلم المحبة والعداوة فقد نبه على أن
~~المقصود إيجاب محبته كرم الله تعالى وجهه والتحذير عن عداوته وبغضه لا
~~التصرف وعدمه، ولو كان المراد الخلافة لصرح صلى الله عليه وسلم بها. ويدل
~~لذلك ما رواه أبو نعيم عن الحسن ms02476 المثنى بن الحسن السبط رضي الله تعالى
~~عنهما أنهم سألوه عن هذا الخبر، هل هو نص على خلافة الأمير كرم الله
~~تعالى وجهه؟ فقال: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم أراد خلافته لقال:
~~أيها الناس هذا ولي أمري والقائم عليكم بعدي فاسمعوا وأطيعوا، ثم قال
~~الحسن: أقسم بالله سبحانه أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم (لو
~~آثرا) عليا لأجل هذا الأمر  ولم يقدم / علي كرم الله تعالى وجهه عليه 
~~لكان أعظم الناس خطأ، وأيضا ربما يستدل على أن المراد بالولاية المحبة
~~بأنه لم يقع التقييد بلفظ بعدي، والظاهر حينئذ اجتماع الولايتين في زمان
~~واحد، ولا يتصور الاجتماع على تقدير أن يكون المراد أولوية التصرف بخلاف
~~ما إذا كان المراد المحبة.

# وتمسك الشيعة في إثبات أن المراد بالمولى الأولى بالتصرف باللفظ الواقع
~~في صدر الخبر على إحدى الروايات، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:

# " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم "

# ونحن نقول: المراد من هذا أيضا الأولى بالمحبة يعني ألست أولى:
~~بالمؤمنين من أنفسهم بالمحبة، بل قد يقال: الأولى ههنا مشتق من الولاية
~~بمعنى المحبة، والمعنى ألست أحب إلى المؤمنين من أنفسهم؟ ليحصل تلاؤم
~~أجزاء الكلام ويحسن الانتظام، ويكون حاصل المعنى هكذا: يا معشر المؤمنين
~~إنكم تحبوني أكثر من أنفسكم، فمن يحبني يحب عليا اللهم أحب من أحبه وعاد
~~من عاداه، ويرشد إلى أنه ليس المراد بالأولى  في تلك الجملة  الأولى
~~بالتصرف أنها مأخوذة من قوله تعالى:

# النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزوجه
~~أمهتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض
~~في كتب الله

# [الأحزاب: 6] وهو مسوق لنفي نسب الأدعياء ممن يتبنونهم، وبيانه أن زيد
~~بن حارثة لا ينبغي أن يقال: إنه ابن محمد صلى الله عليه وسلم لأن نسبة
~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى جميع المؤمنين كالأب الشفيق بل أزيد،
~~وأزواجه عليه والسلام أمهاتهم، والأقرباء في النسب أحق وأولى من غيرهم،
~~وإن كانت الشفقة والتعظيم للأجانب أزيد لكن مدار النسب على القرابة وهي
~~مفقودة في الأدعياء لا على الشفقة ms02477 والتعظيم، وهذا ما في كتاب الله تعالى
~~أي في حكمه، ولا دخل لمعنى الأولى بالتصرف في المقصود أصلا، فالمراد
~~فيما نحن فيه هو المعنى الذي أريد في المأخوذ منه، ولو فرضنا كون الأولى
~~في صدر الخبر بمعنى الأولى بالتصرف فيحتمل أن يكون ذلك لتنبيه المخاطبين
~~بذلك الخطاب ليتوجهوا إلى سماع كلامه صلى الله عليه وسلم كمال التوجه
~~ويلتفتوا إليه غاية الإلتفات، فيقرر ما فيه من الإرشاد أتم تقرر، وذلك
~~كما يقول الرجل لأبنائه في مقام الوعظ والنصيحة: ألست أباكم؟ وإذا
~~اعترفوا بذلك يأمرهم بما قصده منهم ليقبلوا بحكم الأبوة والبنوة ويعملوا
~~على طبقهما، فقوله عليه الصلاة والسلام في هذا المقام: «ألست أولى
~~بالمؤمنين من أنفسهم؟» مثل «ألست رسول الله تعالى إليكم؟» أو «ألست
~~نبيكم»، ولا يمكن إجراء مثل ذلك فيما بعده تحصيلا للمناسبة، ومن الشيعة
~~من أورد دليلا على نفي معنى المحبة، وهو أن محبة الأمير كرم الله تعالى
~~وجهه أمر ثابت في ضمن آية

# والمؤمنون والمؤمنت بعضهم أولياء بعض

# [التوبة: 71] فلو أفاد هذا الحديث ذلك المعنى أيضا كان لغوا ولا يخفى
~~فساده، ومنشؤه أن المستدل لم يفهم أن إيجاب محبة أحد في ضمن العموم شيء،
~~وإيجاب محبته بالخصوص شيء آخر، والفرق بينهما مثل الشمس ظاهر، ومما يزيد
~~ذلك ظهورا أنه لو آمن شخص بجميع أنبياء الله تعالى، ورسله عليهم الصلاة
~~والسلام، ولم يتعرض لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بخصوصه بالذكر لم يكن
~~إيمانه معتبرا، وأيضا لو فرضنا اتحاد مضمون الآية والخبر لا يلزم
~~اللغو، بل غاية ما يلزم التقرير والتأكيد، وذلك وظيفة النبي صلى الله
~~عليه وسلم، فقد كان عليه الصلاة والسلام كثيرا ما يؤكد مضامين القرآن
~~ويقررها، بل القرآن نفسه قد تكررت فيه المضامين لذلك، ولم يقل أحد إن ذلك
~~من اللغو  والعياذ بالله تعالى  وأيضا التنصيص على إمامة الأمير كرم
~~الله تعالى وجهه تكرر مرارا عند الشيعة، فيلزم على تقدير صحة ذلك القول
~~اللغوي، ويجل كلام الشارع عنه، ثم إن ما أشار إليه الحميري في قصيدته ms02478
~~التي أسرف فيها من أن الصحابة / رضي الله تعالى عنهم بهذه الهيئة
~~الاجتماعية جاءوا النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه تعيين الإمام
~~بعده مما لم يذكره المؤرخون وأهل السير من الفريقين فيما أعلم، بل هو محض
~~زور وبهتان نعوذ بالله تعالى منه.

# ومن وقف على تلك القصيدة الشنيعة بأسرها وما يرويه الشيعة فيها، وكان له
~~أدنى خبرة رأى العجب العجاب وتحقق أن قعاقع القوم كصرير باب أو كطنين
~~ذباب، ثم إن الأخبار الواردة من طريق أهل السنة الدالة على أن هذه الآية
~~نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه  على تقدير صحتها وكونها بمرتبة يستدل
~~بها  ليس فيها أكثر من الدلالة على فضله كرم الله تعالى وجهه وأنه ولي
~~المؤمنين بالمعنى الذي قررناه، ونحن لا ننكر ذلك وملعون من ينكره، وكذا
~~ما أخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ليس فيه أكثر من
~~ذلك، والتنصيص عليه كرم الله تعالى وجهه بالذكر لما قدمنا، وقال بعض
~~أصحابنا على سبيل التنزيل: إن الآية على خبر ابن مسعود وكذا خبر الغدير 
~~على الرواية المشهورة  على تقدير دلالتهما على أن المراد الأولى بالتصرف
~~لا بد أن يقيدا بما يدل على ذلك في المآل، وحينئذ فمرحبا بالوفاق لأن
~~أهل السنة قائلون بذلك حين إمامته، ووجهه تخصيص الأمير كرم الله تعالى
~~وجهه حينئذ بالذكر ما علمه عليه الصلاة والسلام بالوحي من وقوع الفساد
~~والبغي في زمن خلافته، وإنكار بعض الناس لإمامته الحقة، وكون ذلك بعد
~~الوفاة من غير فصل مما لا دليل عليه، والخبر المصدر  بكأني قد دعيت
~~فأجبت  ليس نصا في المقصود كما لا يخفى، ومما يبعد دعوى الشيعة من أن
~~الآية نزلت في خصوص خلافة علي كرم الله تعالى وجهه، وأن الموصول فيها
~~خاص.

# قوله تعالى: { والله يعصمك من الناس } فإن الناس فيه وإن
~~كان عاما إلا أن المراد بهم الكفار، ويهديك إليه { إن الله لا
~~يهدى القوم الكفرين } فإنه في موضع التعليل لعصمته عليه
~~الصلاة والسلام، وفيه إقامة الظاهر ms02479 مقام المضمر أي لأن الله تعالى لا
~~يهديهم إلى أمنيتهم فيك، ومتى كان المراد بهم الكفار بعد إرادة الخلافة،
~~بل لو قيل: لم تصح لم يبعد لأن التخوف الذي تزعمه الشيعة منه صلى الله
~~عليه وسلم  وحاشاه في تبليغ أمر الخلافة  إنما هو من الصحابة رضي الله
~~تعالى عنهم، حيث إن فيهم  معاذ الله تعالى  من يطمع فيها لنفسه، ومتى
~~رأى حرمانه منها لم يبعد منه قصد الإضرار برسول الله صلى الله عليه وسلم،
~~والتزام القول  والعياذ بالله عز وجل  بكفر من عرضوا بنسبة الطمع في
~~الخلافة إليه مما يلزمه محاذير كلية أهونها تفسيق الأمير كرم الله تعالى
~~وجهه وهو هو، أو نسبة الجبن إليه  وهو أسد الله تعالى الغالب  أو الحكم
~~عليه بالتقية  وهو الذي لا تأخذه في الله تعالى لومة لائم ولا يخشى إلا
~~الله سبحانه  أو نسبة فعل الرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل الأمر
~~الإلهي إلى العبث والكل كما ترى، لا يقال: إن عندنا أمرين يدلان على أن
~~المراد بالموصول الخلافة، أحدهما: أنه صلى الله عليه وسلم كان مأمورا
~~بأبلغ عبارة بتبليغ الأحكام الشرعية التي يؤمر بها حيث قال سبحانه
~~مخاطبا له عليه الصلاة والسلام:

# فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين

# [الحجر: 94] فلو لم يكن المراد هنا فرد هو أهم الأفراد وأعظمها شأنا 
~~وليس ذلك إلا الخلافة إذ بها ينتظم أمر الدين والدنيا  لخلا الكلام عن
~~الفائدة، وثانيهما: أن ابن إسحق ذكر في «سيرته» أن رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع خطبته التي بين فيها ما بين، فحمد
~~الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال:

# " أيها الناس اسمعوا قولي فإن لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا
~~الموقف أبدا، أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا
~~ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألنكم عن
~~أعمالكم، وقد بلغت، ثم أوصى / صلى الله عليه وسلم بالنساء، ثم قال عليه
~~الصلاة والسلام: فاعقلوا قولي فإني ms02480 قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم
~~به فلن تضلوا أبدا كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم  إلى
~~أن قال: بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم  اللهم هل بلغت؟ قال ابن
~~إسحق: فذكر لي أن الناس قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: اللهم اشهد "

# انتهى. فإن هذه الرواية ظاهرة في أن الخطبة كانت يوم عرفة يوم الحج
~~الأكبر  كما في رواية يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير  ويوم
~~الغدير كان اليوم الثامن عشر من ذي الحجة بعد أن فرغ صلى الله عليه وسلم
~~من شأن المناسك وتوجه إلى المدينة المنورة، وحينئذ يكون المأمور بتبليغه
~~أمرا آخر غير ما بلغه صلى الله عليه وسلم قبل، وشهد الناس على تبليغه،
~~وأشهد الله تعالى على ذلك، وليس هذا إلا الخلافة الكبرى والإمامة العظمى،
~~فكأنه سبحانه يقول: يا أيها الرسول بلغ كون علي كرم الله تعالى وجهه
~~خليفتك وقائما مقامك بعدك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته وإن قال لك الناس
~~حين قلت: اللهم هل بلغت؟ اللهم نعم، لأنا نقول: إن الشرطية في الأمر
~~الأول  بعد غمض العين عما فيه  ممنوعة لجواز أن يراد بالموصول في
~~الآيتين الأحكام الشرعية المتعلقة بمصالح العباد في معاشهم ومعادهم، ولا
~~يلزم الخلو عن الفائدة إذ كم آية تكررت في القرآن، وأمر ونهى ذكر مرارا
~~للتأكيد والتقرير، على أن بعضهم ذكر أن فائدة الأمر هنا إزالة توهم أن
~~النبي صلى الله عليه وسلم ترك أو يترك تبليغ شيء من الوحي تقية، ويرد
~~على الأمر الثاني أمران: الأول: أن كون يوم الغدير بعد يوم عرفة مسلم،
~~لكن لا نسلم أن الآية نزلت فيه ليكون المأمور بتبليغه أمرا آخر، بل الذي
~~يقتضيه ظاهر الخطبة وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيها  اللهم هل بلغت
~~ أن الآية نزلت قبل يومي الغدير وعرفة، وما ورد في غير ما أثر  من أن
~~سورة المائدة نزلت بين مكة. والمدينة في حجة الوداع لا يصلح ms02481 دليلا
~~للبعدية ولا للقبلية إذ ليس فيه ذكر الإياب ولا الذهاب، وظاهر حاله صلى
~~الله عليه وسلم في تلك الحجة  من إراءة المناسك ووضع الربا ودماء
~~الجاهلية وغير ذلك مما يطول ذكره، وقد ذكره أهل السير  يرشد إلى أن
~~النزول كان في الذهاب، والثاني: أنا لو سلمنا كون النزول يوم الغدير، فلا
~~نسلم أن المأمور بتبليغه أمر آخر، وغاية ما يلزم حينئذ لزوم التكرار، وقد
~~علمت فائدته وكثرة وقوعه، سلمنا أن المأمور بتبليغه أمر آخر لكنا لا نسلم
~~أنه ليس إلا الخلافة، وكم قد بلغ صلى الله عليه وسلم بعد ذلك غير ذلك من
~~الآيات المنزلة عليه عليه الصلاة والسلام، والذي يفهم من بعض الروايات أن
~~هذه الآية قبل حجة الوداع، فقد أخرج ابن مردويه والضياء في «مختاره» عن
~~ابن عباس قال:

# " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي آية أنزلت من السماء أشد عليك؟
~~فقال: «كنت بمنى أيام موسم واجتمع مشركو العرب وأفناء الناس في الموسم
~~فأنزل علي جبريل عليه السلام فقال: { يأيها الرسول بلغ ما
~~أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت
~~رسالته } الآية، قال: فقمت عند العقبة فناديت: يا أيها الناس من
~~ينصرني على أن أبلغ رسالات ربي ولكم الجنة، أيها الناس قولوا: لا إله
~~إلا الله وأنا رسول الله إليكم تفلحوا وتنجحوا ولكم الجنة، قال عليه
~~الصلاة والسلام: فما بقي رجل ولا امرأة ولا أمة ولا صبي إلا يرمون علي
~~بالتراب والحجارة، ويقولون: كذاب صابىء، فعرض على عارض فقال: يا محمد إن
~~كنت رسول الله فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك،
~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون وانصرني
~~عليهم أن يجيبوني إلى طاعتك، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه "

# / قال الأعمش: فبذلك تفتخر بنو العباس، ويقولون فيهم نزلت

# إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من
~~يشاء

# [القصص: 56] هوى النبي صلى الله عليه وسلم أبا طالب، وشاء الله تعالى ms02482
~~عباس بن عبد المطلب، وأصرح من هذا ما أخرجه أبو الشيخ وأبو نعيم في
~~«الدلائل» وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:

# " كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس وكان يرسل معه عمه أبو طالب كل
~~يوم رجالا من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت { والله يعصمك من
~~الناس } فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه، فقال: يا عم إن الله عز وجل
~~قد عصمني "

# فإن أبا طالب مات قبل الهجرة، وحجة الوداع بعدها بكثير، والظاهر اتصال
~~الآية، وعن بعضهم أن الآية نزلت ليلا بناءا على ما أخرج عبد بن حميد
~~والترمذي والبيهقي وغيرهم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النبي
~~صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت { والله يعصمك من الناس
~~} فأخرج رأسه من القبة فقال:

# " أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله تعالى "

# ولا يخفى أنه ليس بنص في المقصود، والذي أميل إليه جمعا بين الأخبار أن
~~هذه الآية مما تكرر نزوله، والله تعالى أعلم، والمراد بالعصمة من الناس
~~حفظ روحه عليه الصلاة والسلام من القتل والإهلاك، فلا يرد أنه صلى الله
~~عليه وسلم شج وجهه الشريف وكسرت رباعيته يوم أحد، ومنهم من ذهب إلى
~~العموم وادعى أن الآية إنما نزلت بعد أحد، واستشكل الأمران بأن اليهود
~~سموه عليه الصلاة والسلام حتى قال:

# " لا زالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوان قطعت أبهري "

# وأجيب بأنه سبحانه وتعالى ضمن له العصمة من القتل ونحوه بسبب تبليغ
~~الوحي، وأما ما فعل به صلى الله عليه وسلم وبالأنبياء عليهم الصلاة
~~والسلام فللذب عن الأموال والبلاد والأنفس، ولا يخفى بعده.

# وقال الراغب: عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حفظهم بما خصوا به من
~~صفاء الجوهر، ثم بما أولاهم من الأخلاق والفضائل، ثم بالنصرة وتثبيت
~~أقدامهم، ثم بإنزال السكينة عليهم وبحفظ قلوبهم وبالتوفيق، وقيل: المراد
~~بالعصمة الحفظ من صدور الذنب، والمعنى: بلغ والله تعالى يمنحك الحفظ من
~~صدور الذنب من بين الناس أي يعصمك بسبب ذلك دونهم، ولا يخفى أن ms02483 هذا توجيه
~~لم يصدر إلا ممن لم يعصمه الله تعالى من الخطأ، ومثله ما نقل عن علي بن
~~عيسى في قوله سبحانه: { إن الله لا يهدى القوم
~~الكفرين } حيث قال لا يهديهم بالمعونة والتوفيق والألطاف إلى
~~الكفر بل إنما يهديهم إلى الإيمان، وزعم أن الذي دعاه إلى هذا التفسير أن
~~الله تعالى هدى الكفار إلى الإيمان بأن دلهم عليه ورغبهم فيه وحذرهم من
~~خلافه، وأنت قد علمت المراد بالآية على أن في كلامه ما لا يخفى من النظر،
~~وقال الجبائي: المراد لا يهديهم إلى الجنة والثواب، وفيه غفلة عن كون
~~الجملة في موضع التعليل، وزعم بعضهم أن المراد إن عليك البلاغ لا
~~الهداية، فمن قضيت عليه بالكفر والوفاة عليه لا يهتدي أبدا  وهو كما
~~ترى  فليفهم جميع ما ذكرناه في هذه الآية وليحفظ فإني لا أظن أنك تجده
~~في كتاب. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم  رسالاته  على الجمع.

### || [5.68]

# وإيراد الآية في تضاعيف الآية الواردة في أهل الكتاب لما أن الكل قوارع
~~يسوء الكفار سماعها ويشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم مشافهتهم بها،
~~وخصوصا ما يتلوها من النص الناعي عليهم كمال ضلالهم، ولذلك أعيد الأمر
~~فقال سبحانه:

# { قل يأهل الكتب } ، والمراد بهم: اليهود والنصارى  كما
~~قال بعض المفسرين  وقال آخرون: المراد بهم اليهود، فقد أخرج ابن إسحق
~~وابن جرير وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال:

# " جاء رافع بن حارثة وسلام بن مشكم ومالك بن الصيف ورافع بن حريملة
~~فقالوا: يا محمد ألست تزعم أنك على / ملة إبراهيم ودينه وتؤمن بما عندنا
~~من التوراة وتشهد أنها من الله تعالى حق؟ فقال النبي صلى الله عليه
~~وسلم: بلى ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق وكتمتم
~~منها ما أمرتم أن تبينوه للناس فبرئت من إحداثكم. قالوا: فإنا نأخذ بما
~~في أيدينا فإنا على الهدى والحق ولا نؤمن بك ولا نتبعك "

# فأنزل الله تعالى فيهم { قل يأهل الكتب }.

# { لستم على شيء } أي ms02484 دين يعتد به ويليق بأن يسمى شيئا لظهور
~~بطلانه ووضوح فساده، وفي هذا التعبير ما لا يخفى من التحقير، ومن أمثالهم
~~أقل من لا شيء { حتى تقيموا التورة والإنجيل } أي
~~تراعوهما وتحافظوا على ما فيهما، من الأمور التي من جملتها دلائل رسالة
~~النبي صلى الله عليه وسلم وشواهد نبوته، فإن إقامتهما وتوفية حقوقهما
~~إنما تكون بذلك لا بالعمل بجميع ما فيهما منسوخا كان أو غيره، فإن
~~مراعاة المنسوخ تعطيل لهما ورد لشهادتهما { وما أنزل إليكم
~~من ربكم } أي القرآن المجيد، وإقامته بالإيمان به، وقدمت إقامة
~~الكتابين على إقامته  مع أنها المقصودة بالذات  رعاية لحق الشهادة
~~واستنزالا لهم عن رتبة الشقاق. وقيل: المراد بالموصول كتب أنبياء بني
~~إسرائيل عليهم الصلاة والسلام، وقيل: الكتب الإلهية، فإنها كلها ناطقة
~~بوجوب الإيمان بمن ادعى النبوة وأظهر المعجزة ووجوب طاعة من بعث إليهم
~~له، وقد مر تمام الكلام على مثل هذا النظم الكريم وكذا على قوله تعالى: {
~~وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك
~~طغينا وكفرا } والجملة مستأنفة  كما قال شيخ الإسلام  مبينة
~~لشدة شكيمتهم وغلوهم في المكابرة والعناد وعدم إفادة التبليغ نفعا،
~~وتصديرها بالقسم لتأكيد مضمونها وتحقيقه، ونسبة الإنزال إلى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم  مع نسبته فيما مر إليهم  للإنباء عن انسلاخهم عن
~~تلك النسبة، وإذا أريد بالموصول النعم التي أعطيها صلى الله عليه وسلم
~~فأمر النسبة ظاهر جدا.

# { فلا تأس على القوم الكفرين } أي لا تأسف ولا تحزن
~~عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم، فإن غائلة ذلك موصولة بهم وتبعته عائدة
~~إليهم، وفي المؤمنين غنى لك عنهم، ووضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم
~~بالرسوخ في الكفر، وقيل: المراد لا تحزن على هلاكهم وعذابهم، ووضع الظاهر
~~موضع الضمير للتنبيه على العلة الموجبة لعدم الأسى، ولا يخلو عن بعد.

### || [5.69]

# { إن الذين ءامنوا } كلام مستأنف مسوق للترغيب في الإيمان
~~والعمل الصالح. وقد تقدم في آية البقرة [62] الاختلاف في المراد  من
~~الذين آمنوا  والمروي عن الثوري أنهم الذين آمنوا بألسنتهم  وهم
~~المنافقون  وهو الذي اختاره ms02485 الزجاج، واختار القاضي أن المراد بهم
~~المتدينون بدين محمد صلى الله عليه وسلم مخلصين كانوا أو منافقين، وقيل:
~~غير ذلك { والذين هادوا } أي دخلوا في اليهودية { والصائبون
~~} ، «وهم كما قال حسن جلبي وغيره: قوم خرجوا عن دين اليهود والنصارى
~~وعبدوا الملائكة، وقد تقدم الكلام على ذلك، وفي «حسن المحاضرة في أخبار
~~مصر والقاهرة» للجلال السيوطي ما لفظه: ذكر أئمة التاريخ أن آدم عليه
~~الصلاة والسلام أوصى لابنه شيث  وكان فيه وفي بنيه النبوة والدين 
~~وأنزل عليه تسع وعشرون صحيفة وأنه جاء إلى أرض مصر، وكانت تدعى باب لون
~~فنزلها هو وأولاد أخيه، فسكن شيث فوق الجبل، وسكن أولاد قابيل أسفل
~~الوادي، واستخلف شيث ابنه أنوش واستخلف أنوش ابنه قينان. واستخلف
~~قينان ابنه مهليائيل، / واستخلف مهليائيل ابنه يرد، ودفع الوصية إليه
~~وعلمه جميع العلوم وأخبره بما يحدث في العالم، ونظر في النجوم وفي الكتاب
~~الذي أنزل على آدم عليه الصلاة والسلام، وولد ليرد أخنوخ  وهو إدريس
~~عليه الصلاة والسلام  ويقال له: هرمس، وكان الملك في ذلك الوقت محويل بن
~~أخنوخ بن قابيل، وتنبأ إدريس عليه الصلاة والسلام وهو ابن أربعين سنة،
~~وأراد به الملك سوءا فعصمه الله تعالى وأنزل عليه ثلاثين صحيفة، ودفع
~~إليه أبوه وصية جده والعلوم التي عنده وكان قد ولد بمصر وخرج منها، وطاف
~~الأرض كلها (ورجع فدعا الخلق إلى الله تعالى فأجابوه حتى عمت ملته
~~الأرض)، وكانت ملته الصابئة، وهي توحيد الله تعالى والطهارة [والصلاة]
~~والصوم وغير ذلك من رسوم التعبدات، وكان في رحلته إلى المشرق قد أطاعه
~~جميع ملوكها، وابتنى مائة وأربعين مدينة أصغرها الرها، ثم عاد إلى مصر
~~وأطاعه ملكها وآمن به»  إلى آخر ما قاله  ونقله عن التيفاشي، ويفهم منه
~~قول في الصابئة غير الأقوال المتقدمة. وفي «شذرات الذهب» لعبد الحي بن
~~أحمد بن العماد الحنبلي في ترجمة أبي إسحق الصابىء ما نصه: «والصابىء
~~بهمز آخره، قيل: نسبة إلى صابىء بن متوشلخ بن إدريس عليه الصلاة والسلام،
~~وكان على الحنيفية الأولى، وقيل: الصابىء بن ms02486 ماوى، وكان في عصره الخليل
~~عليه الصلاة والسلام، وقيل: الصابىء عند العرب من خرج عن دين قومه»
~~انتهى.

# { والنصرى } جمع نصران، وقد مر تفصيله، ورفع { الصابئون } على
~~الابتداء وخبره محذوف لدلالة خبر  إن  عليه، والنية فيه التأخير عما في
~~خبر { إن } ، والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كيت
~~وكيت والصابئون كذلك بناءا على أن المحذوف في إن زيدا، وعمرو قائم خبر
~~الثاني لا الأول كما هو مذهب بعض النحاة واستدل عليه بقول صابىء بن الحرث
~~البرجمي:

# فمن يك أمسى بالمدينة رحله

# فإني، وقيار بها (لغريب)

# فإن قوله: «لغريب» خبر إن، ولذا دخلت عليه اللام لأنها تدخل على خبر
~~(إن) لا على خبر المبتدأ إلا شذوذا، وقيل: إن «غريب» فيه خبر عن الإسمين
~~جميعا لأن فعيلا يستوي فيه الواحد وغيره نحو

# والملئكة بعد ذلك ظهير

# [التحريم: 4]، ورده الخلخالي بأنه لم يرد للإثنين، وإن ورد للجمع، وأجاب
~~عنه ابن هشام بأنهم قالوا في قوله تعالى:

# عن اليمين وعن الشمال قعيد

# [ق: 17]: إن المراد قعيدان، وهذا يدل على إطلاقه على الإثنين أيضا،
~~فالصواب منع هذا الوجه بأنه يلزم عليه توارد عاملين على معمول واحد،
~~ومثله لا يصح على الأصح خلافا للكوفيين، وبقول بشر بن أبي حازم:

# إذا جزت نواصي آل بدر

# فأدوها وأسرى في الوثاق

# وإلا فاعلموا أنا وأنتم

# بغاة ما بقينا في شقاق

# فإن قوله: «بغاة ما بقينا» خبر إن ولو كان خبر  أنتم  لقال: ما بقيتم،
~~و  بغاة  جمع باغ بمعنى طالب، وقيل: إنه جمع باغي من البغي والتعدي 
~~وأنتم بغاة  جملة معترضة لأنه لا يقول في قومه إنهم بغاة و  ما بقينا
~~في شقاق  خبر إن، وحينئذ لا يصلح البيت شاهدا لما ذكر لأن ضمير المتكلم
~~مع الغير في محله، وإنما وسطت الجملة هنا بين إن وخبرها مع اعتبار نية
~~التأخير ليسلم الكلام عن الفصل بين الاسم والخبر، وليعلم أن الخبر ماذا
~~دلالة  كما قيل  على أن الصابئين  مع ظهور ضلالهم وزيغهم عن الأديان
~~كلها حيث قبلت توبتهم ms02487  إن صح منهم / الإيمان والعمل الصالح فغيرهم أولى
~~بذلك، ومن هنا قيل: إن الجملة كاعتراض دل به على ما ذكر، وإنما لم تجعل
~~اعتراضا حقيقة لأنها معطوفة على جملة { إن الذين } وخبرها، وأورد
~~عليه ما قاله ابن هشام من أن فيه تقديم الجملة المعطوفة على بعض الجملة
~~المعطوف عليها، وإنما يتقدم المعطوف على المعطوف عليه في الشعر، فكذا
~~ينبغي أن يكون تقديمه على بعض المعطوف عليه بل هو أولى منه بالمنع، وأما
~~ما أجاب به عنه بأن الواو واو الاستئناف التي تدخل على الجمل المعترضة،
~~كقوله تعالى:

# فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار

# [البقرة: 24] الخ، وهذه الجملة معترضة لا معطوفة، فلا يتمشى فيما نحن
~~فيه لأنه يفوت نكتة التقديم من تأخير التي أشير إليها لأنها إذا كانت
~~معترضة لا تكون مقدمة من تأخير، وبعض المحققين صرف الخبر المذكور إلى
~~قوله تعالى: { والصبئون } وجعل خبر { إن } محذوفا، وهو القول
~~الآخر للنحاة في مثل هذا التركيب، وهو موافق للاستعمال أيضا كما في
~~قوله:

# نحن بما عندنا وأنت بما

# عندك (راض) والرأي مختلف

# فإن قوله:  راض  خبر  أنت  وخبر  نحن  محذوف، ورجح بأن الإلحاق
~~بالأقرب أقرب، وبأنه خال عما يلزم على التوجيه الأول، نعم غاية ما يرد
~~عليه أن الأكثر الحذف من الثاني لدلالة الأول، وعكسه قليل لكنه جائز،
~~وعورض بأن الكلام فيما نحن فيه مسوق لبيان حال أهل الكتاب، فصرف الخبر
~~إليهم أولى، وفي توسيط بيان حال الصابئين ما علمت من التأكيد، وأيضا في
~~صرف الخبر إلى الثاني فصل للنصارى عن اليهود وتفرقة بين أهل الكتاب لأنه
~~حينئذ عطف على قوله سبحانه: { والصبئون } قطعا، نعم لو صح أن
~~المنافقين واليهود أوغل المعدودين في الضلال، والصابئين والنصارى أسهل
~~حسن تعاطفهما وجعل المذكور خبرا عنهما، وترك كلمة التحقيق المذكورة في
~~الأولين دليلا على هذا المعنى، وقيل: إن { الصابئون } عطف على محل { إن
~~} واسمها، وقد أجازه بعضهم مطلقا، وبعضهم منعه مطلقا، وفصل آخرون
~~فقالوا: يمتنع قبل مضي الخبر ويجوز بعده. وذهب الفراء إلى أنه ms02488 إن خفى
~~إعراب الاسم جاز لزوال الكراهة اللفظية نحو: إنك وزيد ذاهبان وإلا امتنع،
~~والمانع عند الجمهور لزوم توارد عاملين، وهما (إن) والإبتداء أو المبتدأ
~~على معمول واحد وهو الخبر، ولهذا ضعفوا هذا القول في الآية، وبنوا على
~~مذهب الكوفيين، وكون خبر المعطوف فيها محذوفا  وحينئذ لا يلزم التوارد
~~ ليس بشيء لأن الجملة حينئذ تكون معطوفة على الجملة، ولم يكن ذلك من
~~العطف على المحل في شيء، ومن قال: إن خبر { إن } مرفوع بما كان مرفوعا
~~به قبل دخولها لم يلزم عليه حديث التوارد. ونقل عن الكسائي إن العطف على
~~الضمير في { هادوا } وخطأه الزجاج بأنه لا يعطف على الضمير المرفوع
~~المتصل من غير فصل، وبأنه لو عطف على الفاعل لكان التقدير  وهاد
~~الصابئون  فيقتضي أنهم هود  وليس كذلك  ولعل الكسائي يرى صحة العطف من
~~غير فاصل فلا يرد عليه الاعتراض الأول، وقيل: { إن } بمعنى نعم
~~الجوابية ولا عمل لها حينئذ، فما بعدها مرفوع المحل على الابتداء
~~والمرفوع معطوف عليه، وضعفه أبو حيان بأن ثبوت { إن } بمعنى نعم فيه
~~خلاف بين النحويين. وعلى تقدير ثبوته فيحتاج إلى شيء يتقدمها تكون
~~تصديقا له ولا يجيىء أول الكلام، والجواب بأن ثمة سؤالا مقدرا بعيد
~~ركيك، وقيل: إن  الصابئين  عطف على الصلة بحذف الصدر أي الذين هم
~~الصابئون، ولا يخفى / بعده، وإن عد أحسن الوجوه، وقيل: إنه منصوب بفتحة
~~مقدرة على الواو والعطف حينئذ مما لا خفاء فيه، واعترض بأن لغة  بلحارث
~~وغيرهم  الذين جعلوا المثنى دائما بالألف نحو  رأيت الزيدان ومررت
~~بالزيدان  وأعربوه بحركات مقدرة، إنما هي في المثنى خاصة، ولم ينقل نحو
~~ذلك عنهم في الجمع خلافا لما تقتضيه عبارة أبي البقاء، والمسألة مما لا
~~يجري فيها القياس فلا ينبغي تخريج القرآن العظيم على ذلك، وقرأ أبي وكذا
~~ابن كثير  والصابئين  وهو الظاهر  والصابيون  بقلب الهمزة ياءا على
~~خلاف القياس  والصابون  بحذفها من صبا بإبدال الهمزة ألفا فهو كرامون
~~من رمى.

# وقرأ عبد الله  يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ms02489 .

# وقوله سبحانه وتعالى: { من ءامن بالله واليوم الأخر
~~وعمل صلحا } إما في محل رفع على أنه مبتدأ خبره قوله تعالى: {
~~فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } والفاء لتضمن المبتدأ
~~معنى الشرط، وجمع الضمائر الأخيرة باعتبار معنى الموصول كما أن إفراد ما
~~في صلته باعتبار لفظه، والجملة خبر { إن } أو خبر المبتدأ، وعلى كل لا
~~بد من تقدير العائد أي من آمن منهم، وإما في محل النصب على أنه بدل من
~~اسم { إن } وما عطف عليه، أو ما عطف عليه فقط، وهو بدل بعض، ولا بد
~~فيه من الضمير كما تقرر في العربية فيقدر أيضا، وقوله تعالى: { فلا
~~خوف } الخ خبر، والفاء كما في قوله عز وجل:

# إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنت ثم لم
~~يتوبوا فلهم عذاب جهنم

# [البروج: 10] الآية، والمعنى  كما قال غير واحد  على تقدير كون المراد
~~ بالذين آمنوا  المؤمنين بألسنتهم وهم المنافقون من أحدث من هؤلاء
~~الطوائف إيمانا خالصا بالمبدأ والمعاد على الوجه اللائق لا كما يزعمه
~~أهل الكتاب فإنه بمعزل عن ذلك، وعمل عملا صالحا حسبما يقتضيه الإيمان
~~فلا خوف عليهم حين يخاف الكفار العقاب ولا هم يحزنون حين يحزن المقصرون
~~على تضييع العمر وتفويت الثواب، والمراد بيان [دوام] انتفاء الأمرين لا
~~[بيان] انتفاء دوامهما على ما مرت الإشارة إليه غير مرة، وأما على تقدير
~~كون المراد  بالذين آمنوا  المتدينين بدين النبي صلى الله عليه وسلم
~~مخلصين كانوا أو منافقين، فالمراد بمن آمن من اتصف منهم بالإيمان الخالص
~~بما ذكر على الإطلاق سواء كان ذلك بطريق الثبات والدوام  كما في
~~المخلصين  أو بطريق الإحداث والإنشاء  كما هو حال من عداهم من
~~المنافقين، وسائر الطوائف  وليس هناك الجمع بين الحقيقة والمجاز كما لا
~~يخفى لأن الثبات على الإيمان والإحداث فردان من مطلق الإيمان إلا أن في
~~هذا الوجه ضم المخلصين إلى الكفرة، وفيه إخلال بتكريمهم، وربما يقال: إن
~~فائدة ذلك المبالغة في ترغيب الباقين في الإيمان ببيان أن تأخرهم في
~~الاتصاف به غير مخل بكونهم أسوة لأولئك الأقدمين ms02490 الأعلام؛ وتمام الكلام
~~قد مر في آية البقرة [62] فليراجع.

### || [5.70]

# { لقد أخذنا ميثق بنى إسرءيل } كلام مبتدأ مسوق لبيان
~~بعض آخر من جناياتهم المنادية باستبعاد الإيمان منهم، وجعله بعضهم
~~متعلقا بما افتتح الله تعالى به السورة، وهو قوله سبحانه:

# أوفوا بالعقود

# [المائدة: 1] ولا يخفى بعده. والمراد بالميثاق المأخوذ العهد المؤكد
~~الذي أخذه أنبياؤهم عليهم في الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واتباعه
~~فيما يأتي ويذر، أو في التوحيد وسائر الشرائع والأحكام المكتوبة عليهم في
~~التوراة. { وأرسلنا إليهم رسلا } ذوي عدد كثير وأولي شأن
~~خطير، يعرفونهم ذلك ويتعهدونهم بالعظة والتذكير ويطلعونهم على ما يأتون
~~ويذرون في دينهم.

# { كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم } أي بما
~~لا تميل إليه من / الشرائع ومشاق التكاليف، والتعبير بذلك دون بما تكرهه
~~أنفسهم للمبالغة في ذمهم، وكلمة { كلما } كما قال أبو حيان: منصوبة
~~على الظرفية لإضافتها إلى (ما) المصدرية الظرفية وليست كلمة شرط، وقد
~~أطلق ذلك عليها الفقهاء وأهل المعقول، ووجه ذلك السفاقسي بأن تسميتها
~~شرطا لاقتضائها جوابا كالشرط الغير الجازم فهي مثل  إذا  ولا بعد
~~فيه، وجوابها  كما قيل  قوله تعالى: { فريقا كذبوا وفريقا
~~يقتلون }. وقيل: الجواب محذوف دل عليه المذكور، وقدره ابن المنير
~~استكبروا لظهور ذلك في قوله تعالى:

# أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم
~~استكبرتم ففريقا

# [البقرة: 87] الخ، والبعض ناصبوه لأنه أدخل في التوبيخ على ما قابلوا به
~~مجيء الرسول الهادي لهم، وأنسب بما وقع في التفصيل مستقبحا غاية
~~الاستقباح، وهو القتل على ما سنشير إليه إن شاء الله تعالى، فإن
~~الاستكبار إنما يفضى إليه بواسطة المناصبة، وأما في الآية الأخرى فقد قصد
~~إلى استقباح الاستكبار نظرا إليه في نفسه لاقتضاء المقام، وادعى بعضهم
~~أن في الإتيان بالفاء في آية الاستكبار إشارة إلى اعتبار الواسطة كأنه
~~قيل: استكبرتم فناصبتم (ففريقا) الخ، وفيه نظر، والجملة حينئذ استئناف
~~لبيان الجواب، وجعل الزمخشري هذا القول متعينا لأن الكلام تفصيل لحكم
~~أفراد جمع الرسل الواقع قبل، أي  كلما جاءهم رسول من الرسل  والمذكور
~~بقوله سبحانه: ms02491 { فريقا كذبوا } الخ يقتضي أن الجائي في كل مرة
~~فريقان فبينهما تدافع، وعلى تقدير قطع النظر عن هذا لا يحسن في مثل هذا
~~المقام تقديم المفعول مثل  إن أكرمت أخي، أخاك أكرمت  لأنه يشعر
~~بالاختصاص المستلزم للجزم بوقوع أصل الفعل مع النزاع في المفعول، وتعليقه
~~بالشرط يشعر بالشك في أصل الفعل، ولأن تقديم المفعول على ما قيل: يوجب
~~الفاء إما لجعله الفعل بعيدا عن المؤثر فيحوجه إلى رابط، وإما لأنه
~~بتقديم المفعول أشبه الجملة الاسمية المفتقرة إلى الفاء، وقيل: فيه مانع
~~آخر لأن المعنى على أنهم كلما جاءهم رسول وقع أحد الأمرين لا كلاهما، فلو
~~كان جوابا لكان الظاهر أو بدل الواو، ومن جعل الجملة جوابا لم ينظر إلى
~~هذه الموانع، قال بعض المحققين: أما الأول: فلأنه لقصد التغليظ جعل قتل
~~واحد كقتل فريق، وقيل: المراد بالرسول جنسه الصادق بالكثير؛ ويؤيده {
~~كلما } الدالة على الكثرة، وأما الثاني: فلأنه لا يقتضي قواعد
~~العربية مثله، وما ذكر من الوجوه أوهام لا يلتفت إليها، ولا يوجد مثله في
~~كتب النحو، ومنه يعلم دفع الأخير، وتعقب ذلك مولانا شهاب الدين بأنه عجيب
~~من المتبحر الغفلة عن مثل هذا، وقد قال في «شرح التسهيل» ويجوز أن ينطلق
~~خيرا يصب  خلافا للفراء  فقال شراحه: أجاز سيبويه والكسائي تقديم
~~المنصوب بالجواب مع بقاء جزمه، وأنشد الكسائي:

# وللخير أيام فمن يصطبر لها

# ويعرف لها أيامها (الخير يعقب)

# تقديره يعقب الخير، ومنع ذلك الفراء مع بقاء الجزم، وقال: بل يجب الرفع
~~على التقديم والتأخير أو على إضمار الفاء، وتأول البيت بأن الخير صفة
~~للأيام، كأنه قال: أيامها الصالحة. واختار ابن مالك هذا المذهب في بعض
~~كتبه، ولما رأى الزمخشري اشتراك المانع بين الشرط الجازم وما في معناه
~~مال إليه خصوصا، وقول المعنى تقتضيه فهو الحق انتهى.

# والجملة الشرطية صفة { رسلا } والرابط محذوف أي رسول منهم، وإلى هذا
~~ذهب جمهور المعربين. واختار مولانا شيخ الإسلام أن الجملة الشرطية
~~مستأنفة وقعت جوابا عن سؤال نشأ من الإخبار بأخذ الميثاق إرسال الرسل ms02492
~~كأنه قيل: فماذا فعلوا بالرسل؟ فقيل: كلما جاءهم رسول من أولئك الرسل بما
~~لا تحبه أنفسهم / المنهمكة في الغي والفساد من الأحكام الحقة والشرائع
~~عصوه وعادوه، واعترض رحمه الله تعالى على ما ذهب إليه الجمهور من القول
~~بالوصفية بأنه لا يساعده المقام لأن الجملة الخبرية إذا جعلت صفة أو صلة
~~ينسخ ما فيها من الحكم، ويجعل عنوانا للموصوف وتتمة له، ولذا وجب أن
~~تكون معلومة الانتساب له، ومن هنا قالوا: إن الصفات قبل العلم بها إخبار
~~والإخبار بعد العلم بها أوصاف، ولا ريب في أن ما سيق له النظم إنما هو
~~بيان أنهم جعلوا كل من جاءهم من الرسول عرضة للقتل والتكذيب حسبما يفيده
~~جعلها استئنافا على أبلغ وجه وآكده لا بيان أنه أرسل إليهم رسلا
~~موصوفين بكون كل منهم كذلك كما هو مقتضى جعلها صفة انتهى.

# وتعقبه الشهاب بأنه تخيل لا طائل تحته، فإن قوله سبحانه: { لقد
~~أخذنا ميثاق بنى إسرءيل } الخ مسوق لبيان جناياتهم والنعي
~~عليهم بذلك كما اعترف به المعترض وهو لا يفيده إلا بالنظر إلى الصفة التي
~~هي مرمى النظر كما في سائر القيود، وأما كونها معلومة فلا ضير فيه فإنك
~~إذا وبخت شخصا، وقلت له: فعلت كيت وكيت وهو أعلم بما فعل لا يضر ذلك في
~~تقريعه وتعييره بل هو أقوى  كما لا يخفى  على الخبير بأساليب الكلام،
~~فلا تلتفت إلى مثل هذه الأوهام انتهى، ولا يخفى ما في قوله، وهو لا يفيده
~~إلا بالنظر إلى الصفة الخ من المنع الظاهر، وكذا جعل ما نحن فيه نظير
~~قولك لشخص تريد توبيخه فعلت كيت وكيت  وهو أعلم بما فعل  فيه خفاء،
~~والذي يحكم به الانصاف بعد التأمل جواز الأمرين، وأن ما ذهب إليه شيخ
~~الإسلام أولى فتأمل وانصف.

# والتعبير  بيقتلون  مع أن الظاهر قتلوا ككذبوا لاستحضار الحال الماضية
~~من أسلافهم للتعجيب منها ولم يقصد ذلك في التكذيب لمزيد الاهتمام بالقتل،
~~وفي ذلك أيضا رعاية الفواصل، وعلل بعضهم التعبير بصيغة المضارع فيه،
~~بالتنبيه على أن ذلك ديدنهم ms02493 المستمر فهم بعد يحومون حول قتل رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم، واقتصر البعض على قصد حكاية الحال لقرينة ضمائر
~~الغيبة، وتقدم { فريقا } في الموضعين للاهتمام وتشويق السامع إلى ما
~~فعلوا به لا للقصر.

### || [5.71]

# { وحسبوا ألا تكون فتنة } أي ظن بنو إسرائيل أن لا
~~يصيبهم من الله تعالى بما فعلوا بلاء وعذاب لزعمهم  كما قال الزجاج 
~~أنهم أبناء الله تعالى وأحباؤه أو لإمهال الله تعالى لهم أو لنحو ذلك،
~~وعن مقاتل تفسير الفتنة بالشدة والقحط، والأولى حملها على العموم، وعلى
~~التقديرين ليس المراد منها معناها المعروف. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي
~~ويعقوب { أن لا تكون } بالرفع على { أن } هي المخففة من الثقيلة،
~~وأصله أنه لا تكون فخفف { أن } وحذف ضمير الشأن  وهو اسمها  وتعليق فعل
~~الحسبان بها، وهي للتحقيق لتنزيله منزلة العلم لكمال قوته. و { أن } بما
~~في حيزها ساد مسد مفعوليه، وقيل: إن حسب هنا بمعنى علم، و { أن } لا
~~تخفف إلا بعدما يفيد اليقين، وقيل: إن المفعول الثاني محذوف أي وحسبوا
~~عدم الفتنة كائنا، ونقل ذلك عن الأخفش، و { تكون } على كل تقدير
~~تامة.

# وقوله تعالى: { فعموا } عطف على { حسبوا } والفاء للدلالة على
~~ترتيب ما بعدها على ما قبلها أي أمنوا بأس الله تعالى فتمادوا في فنون
~~الغي والفساد وعموا عن الدين بعدما هداهم الرسل إلى معالمه وبينوا لهم
~~مناهجه { وصموا } عن استماع الحق الذي ألقوه إليهم، وهذا إشارة إلى
~~المرة الأولى من مرتي إفساد بني إسرائيل حين خالفوا أحكام التوراة وركبوا
~~المحارم وقتلوا شعيا، وقيل: حبسوا أرميا عليهما السلام.

# { ثم تاب الله عليهم } حين تابوا ورجعوا عما كانوا عليه /
~~من الفساد بعدما كانوا ببابل دهرا طويلا تحت قهر بختنصر أسارى في غاية
~~الذل والمهانة، فوجه الله عز وجل ملكا عظيما من ملوك فارس إلى بيت
~~المقدس فعمره ورد من بقي من بني إسرائيل في أسر بختنصر إلى وطنهم وتراجع
~~من تفرق منهم في الأكناف فاستقروا وكثروا وكانوا كأحسن ما كانوا عليه،
~~وقيل: لما ورث بهمن بن ms02494 أسفنديار الملك من جده كستاسف ألقى الله تعالى في
~~قلبه شفقة عليهم فردهم إلى الشام، وملك عليهم دانيال عليه السلام
~~فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختنصر فقامت فيه الأنبياء عليهم
~~الصلاة والسلام فرجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه من الحال، وذلك قوله
~~تعالى:

# ثم رددنا لكم الكرة عليهم

# [الإسراء: 6] ولم يسند سبحانه التوبة إليهم كسائر أحوالهم من الحسبان
~~والعمى والصمم تجافيا عن التصريح بنسبة الخير إليهم، وإنما أشير إليها
~~في ضمن بيان توبة الله تعالى عليهم تمهيدا لبيان نقضهم إياها بقوله
~~سبحانه: { ثم عموا وصموا } وهو إشارة إلى المرة الآخرة من
~~مرتي إفسادهم وهو اجتراؤهم على قتل زكريا ويحيى وقصدهم قتل عيسى عليهم
~~السلام، وجعل الزمخشري العمى والصمم أولا: إشارة إلى ما صدر منهم من
~~عبادة العجل، وثانيا: إشارة إلى ما وقع منهم من طلبهم الرؤية، وفيه أن
~~عبادة العجل وإن كانت معصية عظيمة ناشئة عن كمال العمى والصمم لكنها في
~~عصر موسى عليه السلام، ولا تعلق لها بما حكي عنهم بما فعلوا بالرسل الذين
~~جاءوهم بعده عليه السلام بأعصار، وكذا القول  على زعمه  في طلب الرؤية
~~على أن طلب الرؤية كان من القوم الذين مع موسى عليه السلام حين توجه
~~للمناجاة، وعبادة العجل كانت من القوم المتخلفين فلا يتحقق تأخره عنها،
~~وحمل { ثم } للتراخي الرتبي دون الزماني مما لا ضرورة إليه، وقيل: إن
~~العمى والصمم أولا: إشارة إلى ما كان في زمن زكريا ويحيى عليهما
~~السلام، وثانيا: إشارة إلى ما كان في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم من
~~الكفر والعصيان، وبدأ بالعمى لأنه أول ما يعرض للمعرض عن الشرائع فلا
~~يبصر من أتى بها من عند الله تعالى ولا يلتفت إلى معجزاته، ثم لو أبصره
~~لم يسمع كلامه فيكون عروض الصمم بعد عروض العمى، وقرىء { عموا
~~وصموا } بالضم على تقدير عماهم الله تعالى وصمهم أي رماهم وضربهم
~~بالعمى والصمم، كما يقال: نزكته إذا ضربته بالنيزك، وركبته إذا ضربته
~~بركبتك.

# وقوله تعالى: { كثير منهم } بدل من الضمير ms02495 في الفعلين، وقيل: هو
~~فاعل والواو علامة الجمع لا ضمير، وهذه لغة لبعض العرب يعبر عنها النحاة
~~ بأكلوني البراغيث  أو هو خبر مبتدأ محذوف أي العمى والصمم كثير منهم.
~~وقيل: أي العمى والصمم كثير منهم أي صادر ذلك منهم كثيرا وهو خلاف
~~الظاهر، وجوز أن يكون مبتدأ والجملة قبله خبره، وضعف بأن الخبر للفعلي لا
~~يتقدم على المبتدأ لالتباسه بالفاعل، ورد بأن منع التقديم مشروط بكون
~~الفاعل ضميرا مستترا إذ لا التباس فيما إذا كان بارزا، والتباسه
~~بالفاعل في لغة  أكلوني البراغيث  لم يعتبروه مانعا لأن تلك اللغة
~~ضعيفة لا يلتفت إليها، ومن هنا صرح النحاة بجواز التقديم في مثل الزيدان
~~قاما لكن صرحوا بعدم جواز تقديم الخبر فيما يصلح المبتدأ أن يكون تأكيدا
~~للفاعل، نحو  أنا قمت  فإن أنا لو أخر لالتبس بتأكيد الفاعل، وما نحن
~~فيه مثله إلا أن الالتباس فيه بتابع آخر أعني البدل فتدبر، وإنما قال
~~سبحانه: { كثير منهم } لأن بعضا منهم لم يكونوا كذلك.

# { والله بصير بما يعملون } أي بما عملوا وصيغة المضارع
~~لحكاية الحال الماضية استحضارا لصورتها الفظيعة مع ما في ذلك من رعاية
~~الفواصل، والجملة تذييل أشير به إلى بطلان حسبانهم المذكور؛ ووقوع العذاب
~~من حيث لم يحتسبوا إشارة إجمالية اكتفى بها تعويلا / على ما فصل نوع
~~تفصيل في سورة بني إسرائيل، ولا يخفى موقع { بصير } هنا مع قوله
~~سبحانه: { عموا }.

### || [5.72]

# { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح
~~ابن مريم } شروع في تفصيل قبائح النصارى، وإبطال أقوالهم الفاسدة
~~بعد تفصيل قبائح اليهود، وقائل ذلك: طائفة منهم كما روي عن مجاهد، وقد
~~أشبعنا الكلام على تفصيل أقوالهم وطوائفهم فيما تقدم فتذكر { وقال
~~المسيح } حال من فاعل { قالوا } بتقدير قد مفيدة لمزيد تقبيح
~~حالهم ببيان تكذيبهم للمسيح وعدم انزجارهم عما أصروا عليهم بما أوعدهم
~~به، أي قالوا ذلك، وقد قال المسيح عليه السلام مخاطبا لهم { يبنى
~~إسرءيل اعبدوا الله ربى وربكم } فإني [عبد] مربوب
~~مثلكم فاعبدوا خالقي وخالقكم.

# { إنه } أي الشأن { من يشرك ms02496 بالله } أي شيئا في عبادته
~~سبحانه أو فيما يختص به من الصفات والأفعال  كنسبة علم الغيب. وإحياء
~~الموتى بالذات  إلى عيسى عليه السلام { فقد حرم الله عليه
~~الجنة } لأنها دار الموحدين، والمراد يمنع من دخولها كما يمنع
~~المحرم عليه من المحرم، فالتحريم مجاز مرسل أو استعارة تبعية للمنع إذ لا
~~تكليف ثمة، وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار لتهويل الآمر وتربية
~~المهابة { ومأواه النار } فإنها المعدة للمشركين وهذا بيان
~~لابتلائهم بالعقاب إثر بيان حرمانهم الثواب، ولا يخفى ما في هذه الجملة
~~من الإشارة إلى قوة المقتضى لإدخاله النار { وما للظلمين من
~~أنصار } أي ما لهم من أحد ينصرهم بإنقاذهم من النار وإدخالهم الجنة،
~~إما بطريق المغالبة أو بطريق الشفاعة، والجمع لمراعاة المقابلة
~~بالظالمين. وقيل: ليعلم نفي الناصر من باب أولى لأنه إذا لم ينصرهم الجم
~~الغفير، فكيف ينصرهم الواحد منهم؟! وقيل: إن ذلك جار على زعمهم أن لهم
~~أنصارا كثيرة، فنفى ذلك تهكما بهم، واللام إما للعهد والجمع باعتبار
~~معنى (من) كما أن إفراد الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها، وإما للجنس وهم
~~يدخلون فيه دخولا أوليا، ووضعه على الأول: موضع ضميرهم للتسجيل عليهم
~~بأنهم ظلموا بالإشراك وعدلوا عن طريق الحق، والجملة تذييل مقرر لما قبله،
~~وهو إما من تمام كلام عيسى عليه السلام، وإما وارد من جهته تعالى تأكيدا
~~لمقالته عليه السلام وتقريرا لمضمونها.

### || [5.73]

# { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثلث ثلثة
~~} شروع في بيان كفر طائفة أخرى منهم، وقد تقدم لك من هم، و { ثلث
~~ثلثة } لا يكون إلا مضافا كما قال الفراء، وكذا  رابع أربعة 
~~ونحوه، ومعنى ذلك أحد تلك الأعداد لا الثالث والرابع خاصة، ولو قلت: ثالث
~~اثنين ورابع ثلاثة مثلا جاز الأمران: الإضافة والنصب. وقد نص على ذلك
~~الزجاج أيضا، وعنوا بالثلاثة  على ما روي عن السدي  الباري عز اسمه
~~وعيسى وأمه عليهما السلام فكل من الثلاثة إله بزعمهم، والإلهية مشتركة
~~بينهم، ويؤكده قوله تعالى للمسيح عليه السلام:

# أأنت قلت للناس اتخذونى وأمي إلهين من دون ms02497
~~الله

# [المائدة: 116]، وهو المتبادر من ظاهر قوله تعالى: { وما من
~~إله إلا إله واحد } أي والحال أنه ليس من الموجودات ذات
~~واجب مستحق للعبادة  لأنه مبدأ جميع الموجودات  إلا إله موصوف بالوحدة
~~متعال عن قبول الشركة بوجه، إذ التعدد يستلزم انتفاء الألوهية  كما يدل
~~عليه برهان التمانع  فإذا نافت الألوهية مطلق التعدد، فما ظنك
~~بالتثليث؟! و { من } مزيدة للاستغراق كما نص على ذلك النحاة، وقالوا في
~~وجهه: لأنها في الأصل (من) الإبتدائية حذف مقابلها إشارة إلى عدم
~~التناهي، فأصل لا رجل: لا من رجل إلى ما لا نهاية له. وهذا حاصل ما ذكره
~~صاحب " الإقليد " في ذلك، وقيل إنهم يقولون الله سبحانه جوهر واحد، ثلاثة
~~أقانيم، أقنوم الأب وأقنوم الإبن وأقنوم روح القدس، ويعنون بالأول:
~~الذات، وقيل: الوجود. وبالثاني: العلم. وبالثالث: الحياة، وإن منهم من
~~قال بتجسمها، فمعنى قوله تعالى: { وما من إله إلا إله
~~وحد } لا إله بالذات منزه عن شائبة التعدد بوجه من الوجوه التي
~~يزعمونها، وقد مر تحقيق هذا المقام بما لا مزيد عليه، فارجع إن أردت ذلك
~~إليه.

# { وإن لم ينتهوا عما يقولون } أي إن لم يرجعوا عما هم
~~عليه إلى خلافه وهو التوحيد والإيمان { ليمسن الذين كفروا
~~منهم عذاب أليم } جواب قسم محذوف ساد مسد جواب الشرط  على ما
~~قاله أبو البقاء  والمراد من الذين كفروا إما الثابتون على الكفر  كما
~~اختاره الجبائي والزجاج  وإما النصارى كما قيل، ووضع الموصول موضع
~~ضميرهم لتكرير الشهادة عليهم بالكفر، و { من } على هذا بيانية، وعلى
~~الأول: تبعيضية، وإنما جيء بالفعل المنبىء عن الحدوث تنبيها على أن
~~الاستمرار عليه  بعد ورود ما ورد مما يقتضي القلع عنه  كفر جديد وغلو
~~زائد على ما كانوا عليه من أصل الكفر.

### || [5.74]

# والاستفهام في قوله تعالى: { أفلا يتوبون إلى الله
~~ويستغفرونه } للإنكار، وفيه تعجيب من إصرارهم أو عدم مبادرتهم
~~إلى التوبة، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي ألا ينتهون عن تلك
~~العقائد الزائغة والأقوال الباطلة فلا يتوبون إلى الله تعالى الحق ms02498
~~ويستغفرونه بتنزيهه تعالى عما نسبوه إليه عز وجل، أو يسمعون هذه الشهادات
~~المكررة والتشديدات المقررة فلا يتوبون عقيب ذلك { والله غفور
~~رحيم } فيغفر لهم ويمنحهم من فضله إن تابوا، والجملة في موضع الحال،
~~وهي مؤكدة للإنكار والتعجيب، والإظهار في موضع الإضمار لما مر غير مرة..

### || [5.75]

# { ما المسيح ابن مريم إلا رسول } استئناف مسوق لتحقيق
~~الحق الذي لا محيد عنه، وبيان حقيقة حاله عليه السلام وحال أمه بالإشارة
~~أولا: إلى ما امتازا به من نعوت الكمال حتى صارا من أكمل أفراد الجنس،
~~وآخرا إلى الوصف المشترك بينهما وبين أفراد البشر، بل أفراد الحيوانات،
~~وفي ذلك استنزال لهم بطريق التدريج عن رتبة الإصرار، وإرشاد إلى التوبة
~~والاستغفار أي هو عليه السلام مقصور على الرسالة لا يكاد يتخطاها إلى ما
~~يزعم النصارى فيه عليه الصلاة والسلام، وهو قوله سبحانه: { قد خلت
~~من قبله الرسل } صفة رسول منبئة عن اتصافه بما ينافي الألوهية،
~~فإن خلو الرسل قبله منذر بخلوه، وذلك مقتض لاستحالة الألوهية أي ما هو
~~إلا رسول كالرسل الخالية قبله خصه الله تعالى ببعض الآيات كما خص كلا
~~منهم ببعض آخر منها، ولعل ما خص به غيره أعجب وأغرب مما خصه به، فإنه
~~عليه الصلاة والسلام إن أحيا من مات من الأجسام التي من شأنها الحياة،
~~فقد أحيا موسى عليه الصلاة والسلام الجماد، وإن كان قد خلق من غير أب،
~~فآدم عليه الصلاة والسلام قد خلق من غير أب وأم، فمن أين لكم وصفه
~~بالألوهية؟!

# { وأمه صديقة } أي وما أمه أيضا إلا كسائر النساء اللواتي
~~يلازمن الصدق أو التصديق ويبالغن في الاتصاف به، فمن أين لكم وصفها بما
~~عري عنه أمثالها؟! والمراد بالصدق هنا صدق حالها مع الله تعالى، وقيل:
~~صدقها في براءتها مما رمتها به اليهود، والمراد بالتصديق تصديقها بما حكى
~~الله تعالى عنها بقوله سبحانه:

# وصدقت بكلمت ربها وكتبه

# [التحريم: 12]. وروي هذا عن الحسن واختاره الجبائي، وقيل: تصديقها
~~بالأنبياء، والصيغة كيفما كانت للمبالغة  كشريب  / ورجح كونها من الصدق
~~بأن القياس ms02499 في صيغة المبالغة الأخذ من الثلاثي لكن ما حكي ربما يؤيد أنها
~~من المضاعف، والحصر الذي أشير إليه مستفاد من المقام والعطف  كما قال
~~العلامة الثاني  وتوقف في ذلك بعضهم، وليس في محله، واستدل بالآية من
~~ذهب إلى عدم نبوة مريم عليها السلام، وذلك أنه تعالى شأنه إنما ذكر في
~~معرض الإشارة إلى بيان أشرف ما لها الصديقية، كما ذكر الرسالة لعيسى عليه
~~الصلاة والسلام في مثل ذلك المعرض، فلو كان لها عليها السلام مرتبة
~~النبوة لذكرها سبحانه دون الصديقية لأنها أعلى منها بلا شك، نعم الأكثرون
~~على أنه ليس بين النبوة والصديقية مقام، وهذا أمر آخر لا ضرر له فيما نحن
~~بصدده.

# { كانا يأكلان الطعام } استئناف لا موضع له من الإعراب مبين
~~لما أشير إليه من كونهما كسائر أفراد البشر، بل أفراد الحيوان في
~~الاحتياج إلى ما يقوم به البدن من الغذاء، فالمراد من  أكل الطعام 
~~حقيقته، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

# وقيل: هو كناية عن قضاء الحاجة لأن من أكل الطعام احتاج إلى النفض، وهذا
~~أمر ذوقا في أفواه مدعي ألوهيتهما لما في ذلك مع الدلالة على
~~الاحتياج المنافي للألوهية بشاعة عرفية، وليس المقصود سوى الرد على
~~النصارى في زعمهم المنتن واعتقادهم الكريه، قيل: والآية في تقديم ما لهما
~~من صفات الكمال، وتأخير ما لأفراد جنسهما من نقائص البشرية على منوال
~~قوله تعالى:

# عفا الله عنك لم أذنت لهم

# [التوبة: 43] حيث قدم سبحانه العفو على المعاتبة له صلى الله عليه وسلم
~~لئلا توحشه مفاجأته بذلك.

# وقوله تعالى: { انظر كيف نبين لهم الأيت } تعجيب من
~~حال الذين يدعون لهما الربوبية ولا يرعوون عن ذلك بعدما بين لهم حقيقة
~~الحال بيانا لا يحوم حوله شائبة ريب، والخطاب إما لسيد المخاطبين عليه
~~الصلاة والسلام، أو لكل من له أهلية ذلك، و { كيف } معمول  لنبين 
~~والجملة في موضع النصب معلقة للفعل قبلها، والمراد من الآيات الدلائل أي
~~ انظر كيف نبين لهم الدلائل  القطعية الصادعة ببطلان ما يقولون.

# { ثم ms02500 انظر أنى يؤفكون } أي كيف يصرفون عن الإصاخة إليها
~~والتأمل فيها لسوء استعدادهم وخباثة نفوسهم، والكلام فيه كما مر فيما
~~قبله، وتكرير الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب، و { ثم } لاظهار ما
~~بين العجبين من التفاوت، أي إن بياننا للآيات أمر بديع في بابه بالغ
~~لأقصى الغايات من التحقيق والإيضاح، وإعراضهم عنها  مع انتفاء ما يصححه
~~بالمرة وتعاضد ما يوجب قبولها  أعجب وأبدع، ويجوز أن تكون على حقيقتها،
~~والمراد منها بيان استمرار زمان بيان الآيات وامتداده، أي أنهم مع طول
~~زمان ذلك لا يتأثرون، ويؤفكون.

### || [5.76]

# { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا
~~ولا نفعا } أمر بتبكيتهم إثر التعجيب من أحوالهم، والمراد بما لا
~~يملك عيسى، أو هو وأمه عليهما الصلاة والسلام، والمعنى أتعبدون شيئا لا
~~يستطيع مثل ما يستطيعه الله تعالى من البلايا والمصائب، والصحة والسعة،
~~أو أتعبدون شيئا لا استطاعة له أصلا، فإن كل ما يستطيعه البشر بإيجاد
~~الله تعالى وإقداره عليه لا بالذات، وإنما قال سبحانه: { ما } نظرا إلى
~~ما عليه المحدث عنه في ذاته، وأول أمره وأطواره توطئة لنفي القدرة عنه
~~رأسا، وتنبيها على أنه من هذا الجنس، ومن كان بينه وبين غيره مشاركة
~~وجنسية كيف يكون إلها، وقيل: إن المراد بما كل ما عبد من دون الله تعالى
~~ كالأصنام وغيرها  فغلب / ما لا يعقل على من يعقل تحقيرا، وقيل: أريد
~~بها النوع كما في قوله تعالى:

# فانكحوا ما طاب لكم من النساء

# [النساء: 3]. وقيل: يمكن أن يكون المراد الترقي من توبيخ النصارى على
~~عبادة عيسى عليه الصلاة والسلام إلى توبيخهم على عبادة الصليب  فما 
~~على بابها، ولا يخفى بعده وتقديم الضر على النفع لأن التحرز عنه أهم من
~~تحري النفع ولأن أدنى درجات التأثير دفع الشر ثم جلب الخير، وتقديم
~~المفعول الغير الصريح على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاهتمام
~~بالمقدم والتشويق إلى المؤخر.

# وقوله سبحانه وتعالى: { والله هو السميع العليم } في موضع
~~الحال من فاعل { أتعبدون } مقرر للتوبيخ متضمن للوعيد، والواو ms02501 هو
~~الواو، أي أتعبدون غير الله تعالى وتشركون به سبحانه ما لا يقدر على شيء
~~ولا تخشونه، والحال أنه سبحانه وتعالى المختص بالإحاطة التامة بجميع
~~المسموعات والمعلومات التي من جملتها ما أنتم عليه من الأقوال الباطلة
~~والعقائد الزائغة، وقد يقال: المعنى أتعبدون العاجز والله هو الذي يصح أن
~~يسمع كل مسموع ويعلم كل معلوم، ولن يكون كذلك إلا وهو حي قادر على كل
~~شيء، ومنه الضر والنفع والمجازاة على الأقوال والعقائد إن خيرا فخير وإن
~~شرا فشر، وفرق بين الوجهين بأن { ما } على هذا الوجه للتحقير، والوصفية
~~على هذا الوجه على معنى أن العدول إلى المبهم استحقار إلا أن { ما }
~~للوصف والحال مقررة لذلك، وعلى الأول للتحقير المجرد، والحال كما علمت
~~فافهم.

### || [5.77]

# { قل يأهل الكتب } تلوين للخطاب وتوجيه له لفريقي أهل
~~الكتاب بإرادة الجنس من المحلى بأل على لسان النبي صلى الله عليه وسلم.
~~واختار الطبرسي كونه خطابا للنصارى خاصة لأن الكلام معهم { لا
~~تغلوا فى دينكم } أي لا تجاوزوا الحد، وهو نهي للنصارى عن رفع
~~عيسى عليه الصلاة والسلام عن رتبة الرسالة إلى ما تقولوا في حقه من
~~العظيمة، وكذا عن رفع أمه عن رتبة الصديقية إلى ما انتحلوه لها عليها
~~السلام، ونهي لليهود على تقدير دخولهم في الخطاب عن وضعهم له عليه
~~السلام، وكذا لأمه عن الرتبة العلية إلى ما افتروه من الباطل والكلام
~~الشنيع، وذكرهم بعنوان أهل الكتاب للإيماء إلى أن في كتابهم ما ينهاهم عن
~~الغلو في دينهم { غير الحق } نصب على أنه صفة مصدر محذوف أي غلو
~~غير الحق  أي باطلا  وتوصيفه به للتوكيد فإن الغلو لا يكون إلا غير
~~الحق على ما قاله الراغب، وقال بعض المحققين: إنه للتقييد، وما ذكره
~~الراغب غير مسلم، فإن الغلو قد يكون غير حق، وقد يكون حقا كالتعمق في
~~المباحث الكلامية. وفي «الكشاف» «الغلو في الدين غلوان: [غلو] حق  وهو
~~أن يفحص عن حقائقه ويفتش عن أباعد معانيه ويجتهد في تحصيل حججه كما يفعله
~~المتكلمون من أهل ms02502 العدل والتوحيد  وغلو باطل  وهو أن يجاوز الحق
~~ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة واتباع الشبه كما يفعله أهل الاهواء والبدع»
~~ انتهى، وقد يناقش فيه على ما فيه من الغلو في التمثيل بأن الغلو
~~المجاوزة عن الحد، ولا مجاوزة عنه ما لم يخرج عن الدين، وما ذكر ليس
~~خروجا عنه حتى يكون غلوا، وجوز أن يكون { غير } حالا من ضمير
~~الفاعل أي: لا تغلوا مجاوزين الحق، أو من دينكم أي: لا تغلوا في دينكم
~~حال كونه باطلا منسوخا ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو نصب
~~على الاستثناء المتصل أو المنقطع.

# { ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل } وهم
~~أسلافهم وأئمتهم الذين قد ضلوا من الفريقين أو من النصارى قبل مبعث
~~النبي صلى الله عليه وسلم في شريعتهم، /  والأهواء  جمع هوى وهو
~~الباطل الموافق للنفس، والمراد لا توافقوهم في مذاهبهم الباطلة التي لم
~~يدع إليها سوى الشهوة ولم تقم عليها حجة { وأضلوا كثيرا } أي
~~أناسا كثيرا ممن تابعهم ووافقهم فيما دعوا إليه من البدعة والضلالة، أو
~~إضلالا كثيرا، والمفعول به حينئذ محذوف { وضلوا } عند بعثة
~~النبي صلى الله عليه وسلم ووضوح محجة الحق وتبين مناهج الإسلام { عن
~~سواء السبيل } أي قصد السبيل الذي هو الإسلام، وذلك حين حسدوا
~~النبي صلى الله عليه وسلم، وكذبوه وبغوا عليه، فلا تكرار بين { ضلوا
~~} هنا و { ضلوا من قبل } ، والظاهر أن { عن } متعلقة بالأخير،
~~وجوز أن تكون متعلقة بالأفعال الثلاثة، ويراد  بسواء السبيل  الطريق
~~الحق، وهو بالنظر إلى الأخير دين الإسلام، وقيل: في الإخراج عن التكرار
~~أن الأول: إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل، والثاني: إلى ضلالهم عما جاء
~~به الشرع، وقيل: إن ضمير { ضلوا } الأخير عائد على  الكثير  لا على
~~{ قوم } والفعل مطاوع للإضلال، أي  إن أولئك القوم أضلوا كثيرا من
~~الناس، وأن أولئك الكثير قد ضلوا بإضلال أولئك هم  فلا تكرار، وقيل:
~~أيضا قد يراد  بالضلال  الأول الضلال بالغلو في الرفع والوضع مثلا
~~وكذا بالإضلال، ويراد  بالضلال عن سواء السبيل  الضلال عن ms02503 واضحات دينهم
~~وخروجهم عنه بالكلية، وقال الزجاج: المراد بالضلال الأخير ضلالهم في
~~الإضلال أي  إن هؤلاء ضلوا في أنفسهم وضلوا بإضلالهم لغيرهم  كقوله
~~تعالى:

# ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيمة ومن
~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم

# [النحل: 25]، ونقل هذا  كالقيل الأول  عن الراغب، وجوز أيضا أن يكون
~~قوله سبحانه وتعالى: { عن سواء } متعلقا ب { قد ضلوا من
~~قبل } إلا أنه لما فصل بينه وبين ما يتعلق به أعيد ذكره، كقوله تعالى:

# لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون
~~أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم
~~بمفازة من العذاب

# [آل عمران: 188] ولعل ذم القوم على ما ذهب إليه الجمهور أشنع من ذمهم
~~على ما ذهب إليه غيرهم، والله تعالى أعلم بمراده.

### || [5.78]

# { لعن الذين كفروا من بنى إسرءيل } أي لعنهم الله
~~تعالى، وبناء الفعل لما لم يسم فاعله للجري على سنن الكبرياء، والجار
~~متعلق بمحذوف وقع حالا من الموصول أو من فاعل { كفروا } وقوله
~~سبحانه وتعالى، { على لسان داوود وعيسى ابن مريم }
~~متعلق  بلعن  أي لعنهم جل وعلا في الإنجيل والزبور على لسان هذين
~~النبيين عليهما السلام بأن أنزل سبحانه وتعالى فيهما  ملعون من يكفر من
~~بني إسرائيل بالله تعالى أو أحد من رسله عليهم السلام، وعن الزجاج إن
~~المراد: أن داود وعيسى عليهما الصلاة والسلام أعلما بنبوة محمد صلى الله
~~عليه وسلم وبشرا به وأمرا باتباعه، ولعنا من كفر به من بني إسرائيل،
~~والأول أولى، وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: إن أهل
~~أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود عليه الصلاة والسلام: اللهم ألبسهم
~~اللعن مثل الرداء ومثل المنطقة على الحقوين، فمسخهم الله تعالى قردة،
~~وأصحاب المائدة لما كفروا قال عيسى عليه الصلاة والسلام: اللهم عذب من
~~كفر بعد ما أكل من المائدة عذابا لم تعذبه أحدا من العالمين والعنهم
~~كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم
~~امرأة ولا صبي وروي هذا القول عن الحسن ومجاهد وقتادة، وروي مثله عن
~~الباقر ms02504 رضي الله تعالى عنه، واختاره غير واحد، والمراد باللسان الجارحة،
~~وإفراده أحد الاستعمالات الثلاث المشهورة في مثل ذلك، / وقيل: المراد به
~~اللغة.

# { ذلك } أي اللعن المذكور، وإيثار الإشارة على الضمير للإشارة إلى
~~كمال ظهوره وامتيازه عن نظائره وانتظامه بسببه في سلك الأمور المشاهدة،
~~وما في ذلك من البعد للإيذان بكمال فظاعته وبعد درجته في الشناعة والهول
~~{ بما عصوا } أي بسبب عصيانهم، والجار متعلق بمحذوف وقع خبرا عن
~~المبتدأ قبله، والجملة استئناف واقع موقع الجواب عما نشأ من الكلام، كأنه
~~قيل: بأي سبب وقع ذلك؟ فقيل: ذلك اللعن الهائل الفظيع بسبب عصيانهم،
~~وقوله تعالى: { وكانوا يعتدون } يحتمل أن يكون معطوفا على {
~~عصوا } فيكون داخلا في حيز السبب، أي وبسبب اعتدائهم المستمر، وينبىء
~~عن إرادة الاستمرار الجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل.

# وادعى الزمخشري إفادة الكلام حصر السبب فيما ذكر، أي بسبب ذلك لا غير،
~~ولعله  كما قيل  استفيد من العدول عن الظاهر، وهو تعلق { بما عصوا
~~} بلعن دون ذكر اسم الإشارة، فما جيء به استحقارا لذلك اللعن وجوابا عن
~~سؤال الموجب دل على أن مجموعه بهذا السبب لا بسبب آخر، وقيل: استفيد من
~~السببية لأن المتبادر منها ما في ضمن السبب التام وهو يفيد ذلك، ولا يرد
~~على الحصر أن كفرهم سبب أيضا  كما يشعر به أخذه في حيز الصلة  لأن ما
~~ذكر في حيز السببية هنا مشتمل على كفرهم أيضا، ويحتمل أن يكون استئناف
~~إخبار من الله تعالى بأنه كان شأنهم وأمرهم الاعتداء، وتجاوز الحد في
~~العصيان.

### || [5.79]

# وقوله تعالى { كانوا لا يتنهون عن منكر فعلوه }
~~مؤذن باستمرار الاعتداء فإنه استئناف مفيد لاستمرار عدم التناهي عن
~~المنكر، ولا يمكن استمراره إلا باستمرار تعاطي المنكرات، وليس المراد
~~بالتناهي أن ينهى كل منهم الآخر عما يفعله من المنكر  كما هو المعنى
~~المشهور لصيغة التفاعل  بل مجرد صدور النهي عن أشخاص متعددة من غير أن
~~يكون كل واحد منهم ناهيا ومنهيا معا، كما في تراؤا الهلال، وقيل:
~~التناهي بمعنى الانتهاء من قولهم: تناهى عن ms02505 الأمر وانتهى عنه إذا امتنع،
~~فالجملة حينئذ مفسرة لما قبلها من المعصية والاعتداء، ومفيدة
~~لاستمرارهما صريحا، وعلى الأول: إنما تفيد استمرار انتفاء النهي عن
~~المنكر ومن ضرورته استمرار فعله، وعلى التقديرين لا تقوى هذه الجملة
~~احتمال الاستئناف فيما سبق خلافا لأبي حيان.

# والمراد بالمنكر قيل: صيد السمك يوم السبت، وقيل: أخذ الرشوة في الحكم،
~~وقيل: أكل الربا وأثمان الشحوم، والأولى أن يراد به نوع المنكر مطلقا،
~~وما يفيده التنوين وحدة نوعية لا شخصية، وحينئذ لا يقدح وصفه بالفعل
~~الماضي في تعلق النهي به لما أن متعلق الفعل إنما هو فرد من أفراد ما
~~يتعلق به النهي، أو الانتهاء عن مطلق المنكر باعتبار تحققه في ضمن أي فرد
~~كان من أفراده على أنه لو جعل المضي في { فعلوه } بالنسبة إلى زمن
~~الخطاب لا زمان النهي لم يبق في الآية إشكال، ولما غفل بعضهم عن ذلك قال:
~~إن الآية مشكلة لما فيها من ذم القوم بعدم النهي عما وقع مع أن النهي لا
~~يتصور فيه أصلا، وإنما يكون عن الشيء قبل وقوعه، فلا بد من تأويلها بأن
~~المراد النهي عن العود إليه، وهذا إما بتقدير مضاف قبل { منكر } أي
~~معاودة منكر، أو بفهم من السياق، أو بأن المراد فعلوا مثله، أو بحمل {
~~فعلوه } على أرادوا فعله، كما في قوله سبحانه:

# فإذا قرأت القرءان فاستعذ

# [النحل: 98]. واعترض الأول بأن المعاودة كالنهي لا تتعلق بالمنكر
~~المفعول، فلا بد من المصير إلى أحد الأمرين الأخيرين، وفيهما من التعسف
~~ما لا يخفى، وقيل: إن الإشكال إنما يتوجه لو لم يكن الكلام على حد قولنا:
~~كانوا لا ينهون يوم الخميس عن منكر فعلوه يوم الجمعة مثلا، فإنه لا خفاء
~~في صحته، وليس في الكلام ما يأباه، / فليحمل على نحو ذلك.

# وقوله سبحانه: { لبئس ما كانوا يفعلون } تقبيح لسوء فعلهم
~~وتعجيب منه، والقسم لتأكيد التعجيب، أو للفعل المتعجب منه، وفي هذه الآية
~~زجر شديد لمن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد أخرج أحمد
~~والترمذي وحسنه عن حذيفة ms02506 بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله
~~تعالى أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم "

# ، وأخرج أحمد عن عدي بن عميرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~يقول:

# " إن الله تعالى لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين
~~ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله
~~تعالى الخاصة والعامة "

# ، وأخرج الخطيب من طريق أبي سلمة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~أنه قال:

# " والذي نفس محمد صلى الله عليه وسلم بيده ليخرجن من أمتي أناس من
~~قبورهم في صورة القردة والخنازير بما داهنوا أهل المعاصي وكفوا عن نهيهم
~~وهم يستطيعون "

# والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وفيها ترهيب عظيم، فيا حسرة على المسلمين
~~في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير وقلة عبئهم به.

### || [5.80]

# { ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا } خطاب
~~للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل من تصح منه الرؤية، وهي هنا بصرية،
~~والجملة الفعلية بعدها في موضع الحال من مفعولها لكونه موصوفا، وضمير {
~~منهم } لأهل الكتاب أو لبني إسرائيل، واستظهره في «البحر» والمراد من
~~الكثير  كعب بن الأشرف وأصحابه  ومن { الذين كفروا } مشركو
~~مكة؛ وقد روي أن جماعة من اليهود خرجوا إلى مكة ليتفقوا مع مشركيها على
~~محاربة النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فلم يتم لهم ذلك. وروي عن
~~الباقر رضي الله تعالى عنه أن المراد من { الذين كفروا } الملوك
~~الجبارون؛ أي ترى كثيرا منهم  وهم علماؤهم  يوالون الجبارين ويزينون
~~لهم أهواءهم ليصيبوا من دنياهم، وهذا في غاية البعد، ولعل نسبته إلى
~~الباقر رضي الله تعالى عنه غير صحيحة؛ وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنه والحسن ومجاهد أن المراد من  الكثير  منافقو اليهود، ومن {
~~الذين كفروا } مجاهروهم، وقيل: المشركون.

# { لبئس ما قدمت لهم أنفسهم } أي لبئس شيئا فعلوه في
~~الدنيا ليردوا على جزائه في العقبى { أن سخط ms02507 الله عليهم }
~~هو المخصوص بالذم على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه تنبيها على
~~كمال التعلق والارتباط بينهما كأنهما شيء واحد، ومبالغة في الذم أي بئس
~~ما قدموا لمعادهم موجب سخط الله تعالى عليهم، وإنما اعتبروا المضاف لأن
~~نفس سخط الله تعالى شأنه باعتبار إضافته إليه سبحانه ليس مذموما بل
~~المذموم ما أوجبه من الأسباب على أن نفس السخط مما لم يعمل في الدنيا
~~ليرى جزاؤه في العقبى كما لا يخفى، وفي إعراب المخصوص بالذم أو المدح
~~أقوال شهيرة للمعربين، واختار أبو البقاء كون المخصوص هنا خبر مبتدأ
~~محذوف تنبىء عنه الجملة المتقدمة، كأنه قيل: ما هو؟ أو أي شيء هو؟ فقيل:
~~هو أن سخط الله عليهم ونقل عن سيبويه أن { أن سخط الله } مرفوع
~~على البدل من المخصوص بالذم وهو محذوف، وجملة { قدمت } صفته، و {
~~ما } اسم تام معرفة في محل رفع بالفاعلية لفعل الذم، والتقدير لبئس
~~الشيء شيء قدمته لهم أنفسهم سخط الله تعالى، وقيل: إنه في محل رفع بدل من
~~{ ما } إن قلنا: إنها معرفة فاعل لفعل الذم، أو في محل نصب منها إن كانت
~~تمييزا، واعترض بأن فيه إبدال المعرفة من النكرة، وقيل: إنه على تقدير
~~الجار، والمخصوص محذوف أي لبئس شيئا ذلك لأن سخط الله تعالى عليهم.

# { وفى العذاب } أي عذاب جهنم { هم خلدون } أبد الآبدين،
~~والجملة في موضع الحال وهي متسببة عما قبلها، وليست / داخلة في حيز الحرف
~~المصدري إعرابا كما توهمه عبارة البعض، وتعسف لها عصام الملة بجعل  أن
~~ مخففة عاملة في ضمير الشأن بتقدير أنه سخط الله تعالى عليهم { وفى
~~العذاب هم خلدون } ، وجوز أيضا أن تكون هذه الجملة معطوفة
~~على ثاني مفعولي { ترى } بجعلها علمية أي تعلم كثيرا منهم {
~~يتولون الذين كفروا } ويخلدون في النار، وكل ذلك مما لا
~~حاجة إليه.

### || [5.81]

# { ولو كانوا } أي الذين يتولون المشركين { يؤمنون بالله
~~والنبى } أي نبيهم موسى عليه السلام { وما أنزل إليه } من
~~التوراة، وقيل: المراد  بالنبي  نبينا محمد وبما أنزل القرآن، أي لو ms02508
~~كان المنافقون يؤمنون بالله تعالى ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم
~~إيمانا صحيحا { ما اتخذوهم } أي المشركين أو اليهود المجاهرين {
~~أولياء } ، فإن الإيمان المذكور وازع عن توليهم قطعا { ولكن
~~كثيرا منهم فسقون } أي خارجون عن الدين، أو متمردون في
~~النفاق مفرطون فيه.

### || [5.82]

# { لتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا
~~اليهود والذين أشركوا } جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما
~~قبلها من قبائح اليهود، وأكدت بالقسم اعتناء ببيان تحقق مضمونها، والخطاب
~~إما لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم وإما لكل أحد يصلح له إيذانا بأن
~~حالهم مما لا تخفى على أحد من الناس. والوجدان متعد لاثنين أولهما: {
~~أشد } وثانيهما: { اليهود } وما عطف عليه كما قال أبو البقاء،
~~واختار السمين العكس لأنهما في الأصل مبتدأ وخبر ومحط الفائدة هو الخبر
~~ولا ضير في التقديم والتأخير إذا دل على الترتيب دليل وهو هنا واضح إذ
~~المقصود بيان كون الطائفتين أشد الناس عداوة للمؤمنين لا كون أشدهم عداوة
~~لهم الطائفتين المذكورتين فليفهم. و { عداوة } تمييز، واللام الداخلة
~~على الموصول متعلقة بها مقوية لعملها ولا يضر كونها مؤنثة بالتاء لأنها
~~مبنية عليه كرهبة عقابك، وجوز أبو البقاء والسمين تعلقها بمحذوف وقع صفة
~~لها أي عداوة كائنة للذين آمنوا، والظاهر أن المراد من اليهود العموم لمن
~~كان بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم من يهود المدينة وغيرهم، ويؤيده ما
~~أخرجه أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله "

# وفي لفظ

# " إلا حدث نفسه بقتله "

# وقيل: المراد بهم يهود المدينة وفيه بعد. وكما اختلف في عموم اليهود
~~اختلف في عموم { الذين أشركوا } ، والمراد من الناس كما قال أبو
~~حيان الكفار أي لتجدن أشد الكفار عداوة هؤلاء؛ ووصفهم سبحانه بذلك لشدة
~~شكيمتهم وتضاعف كفرهم وانهماكهم في اتباع الهوى وقربهم إلى التقليد
~~وبعدهم عن التحقيق وتمرنهم على التمرد والاستعصاء على الأنبياء عليهم
~~السلام والاجتراء على تكذيبهم ومناصبتهم. وقد قيل: إن من مذهب اليهود ms02509 أنه
~~يجب عليهم إيصال الشر إلى من يخالفهم في الدين بأي طريق كان، وفي تقديم
~~اليهود على المشركين إشعار بتقدمهم عليهم في العداوة كما أن في تقديمهم
~~عليهم في قوله تعالى:

# ولتجدنهم أحرص الناس على حيوة ومن الذين
~~أشركوا

# [البقرة: 96] إيذانا بتقدمهم عليهم في الحرص. وقيل: التقديم لكون
~~الكلام في تعديد قبائحهم، ولعل التعبير بالذين أشركوا دون المشركين مع
~~أنه أخصر للمبالغة في الذم وقيل: ليكون على نمط (الذين آمنوا) والتعبير
~~به دون المؤمنين لأنه أظهر في علية ما في حيز الصلة.

# وأعيد الموصول مع صلته في قوله تعالى: { ولتجدن أقربهم
~~مودة للذين ءامنوا } روما لزيادة التوضيح والبيان،
~~والتعبير بقوله سبحانه وتعالى: { الذين قالوا إنا نصرى }
~~دون النصارى إشعارا بقرب مودتهم حيث يدعون أنهم أنصار الله تعالى وأوداء
~~أهل الحق وإن لم يظهروا اعتقاد حقية الإسلام.

# وقال ابن المنير: «لم يقل سبحانه النصارى كما قال جل شأنه اليهود
~~تعريضا بصلابة الأولين في الكفر والامتناع عن الانقياد لأن اليهود لما
~~قيل لهم:

# ادخلوا الأرض المقدسة

# [المائدة: 21]

# قالوا... فاذهب أنت وربك فقاتلا

# [المائدة: 24] والنصارى لما قيل: / لهم { من أنصارى إلى الله
~~}؟ قالوا:

# نحن أنصار الله

# [آل عمران: 52] وكذلك أيضا ورد في أول السورة في قوله عز وجل:

# ومن الذين قالوا إنا نصرى أخذنا ميثقهم
~~فنسوا حظا مما ذكروا به

# [المائدة: 14] لكن ذكر ههنا تنبيها على انقيادهم وأنهم لم يكافحوا
~~الأمر بالرد مكافحة اليهود. وذكر هناك تنبيها على أنهم لم يثبتوا على
~~الميثاق والله تعالى أعلم بأسرار كلامه» «والعدول كما قال شيخ الإسلام عن
~~جعل ما فيه التفاوت بين الفريقين شيئا واحدا قد تفاوتا فيه بالشدة
~~والضعف أو بالقرب والبعد بأن يقال آخرا: ولتجدن أضعفهم (مودة) الخ، أو
~~بأن يقال أولا: لتجدن أبعد الناس مودة للإيذان بكمال تباين ما بين
~~الفريقين من التفاوت ببيان أن أحدهما: في أقصى مراتب أحد النقيضين
~~والآخر: في أقرب مراتب النقيض الآخر. والكلام في مفعولي { لتجدن }
~~وتعلق اللام كالذي سبق» والمراد من النصارى على ما روى عن ابن ms02510 عباس رضي
~~الله تعالى عنه وابن جبير وعطاء والسدي: النجاشي وأصحابه وعن مجاهد أنهم
~~الذين جاءوا مع جعفر رضي الله تعالى عنه مسلمين وهم سبعون رجلا اثنان
~~وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم بحيرى الراهب وأبرهة وإدريس
~~وأشرف وتمام وقثم ودريد وأيمن، والظاهر العموم على طرز ما تقدم.

# { ذلك } أي كونهم أقرب مودة للذين آمنوا { بأن منهم } أي
~~بسبب أن منهم { قسيسين } وهم علماء النصارى وعبادهم ورؤساؤهم.
~~والقسيس صيغة مبالغة من تقسس الشيء إذا تتبعه [وطلبه] بالليل سموا به
~~لمبالغتهم في تتبع العلم قاله الراغب، وقيل: القس مثلث الفاء تتبع الشيء
~~وطلبه ومنه سمي عالم النصارى قسا بالفتح وقسيسا لتتبعه العلم. وقيل: قص
~~الأثر وقسه بمعنى. وقال قطرب: القس والقسيس العالم بلغة الروم وقد تكلمت
~~به العرب وأجروه مجرى سائر كلماتهم وقالوا في المصدر قسوسة وقسيسة وفي
~~الجمع قسوس وقسيسون وقساوسة كمهالبة، وكان الأصل قساسسة إلا أنه كثرت
~~السينات فأبدلوا إحداهن واوا. وفي «مجمع البيان» نقلا عن بعضهم «أن
~~النصارى ضيعت الإنجيل وأدخلوا فيه ما ليس منه وبقي من علمائهم واحد على
~~الحق والإستقامة يقال له قسيسا فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس» {
~~ورهبانا } جمع راهب كراكب وركبان وفارس وفرسان ومصدره الرهبة
~~والرهبانية، وقيل: إنه يطلق على الواحد والجمع، وأنشد فيه قول من قال:

# لو عاينت رهبان دير في قلل

# لأقبل الرهبان يعدو ونزل

# وجمع الرهبان واحدا كما في «القاموس» رهابين ورهابنة ورهبانون، والترهب
~~التعبد في صومعة، وأصله من الرهبة المخافة، وأطلق الفيروزابادي والجوهري
~~التعبد ولم يقيداه بالصومعة، وفي الحديث:

# " لا رهبانية في الإسلام "

# والمراد بها كما قال الراغب الغلو في تحمل التعبد في فرط الخوف. وفي
~~«النهاية» «هي من رهبنة النصارى وأصلها من الرهبة الخوف كانوا يترهبون
~~بالتخلي من أشغال الدنيا وترك ملاذها والزهد فيها والعزلة عن أهلها وتعمد
~~مشاقها حتى أن منهم من كان يخصي نفسه ويضع السلسلة في عنقه وغير ذلك من
~~أنواع التعذيب فنفاها النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام ونهى
~~المسلمين ms02511 عنها، وهي منسوبة إلى الرهبنة بزيادة الألف والرهبنة فعلنة أو
~~فعللة على تقدير أصالة النون وزيادتها». والتنكير في { رهبانا } لإفادة
~~الكثرة ولا بد من اعتبارها / في القسيسين أيضا إذ هي التي تدل على مودة
~~جنس النصارى للمؤمنين فإن اتصاف أفراد كثيرة لجنس بخصلة مظنة لاتصاف
~~الجنس بها وإلا فمن اليهود أيضا قوم مهتدون لكنهم لما لم يكونوا في
~~الكثرة كالذين من النصارى لم يتعد حكمهم إلى جنس اليهود.

# { وأنهم لا يستكبرون } عطف على (أن منهم) أي وبأنهم لا
~~يستكبرون عن اتباع الحق والانقياد له إذا فهموه أو أنهم يتواضعون ولا
~~يتكبرون كاليهود، وهذه الخصلة على ما قيل شاملة لجميع أفراد الجنس
~~فسببيتها لأقربيتهم مودة للمؤمنين واضحة. وفي الآية دليل على أن التواضع
~~والإقبال على العلم والعمل والإعراض عن الشهوات محمودة أينما كانت.

### || [5.83]

# { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم
~~تفيض من الدمع } عطف على

# لا يستكبرون

# [المائدة: 82] و { إذا } في موضع نصب بترى، وجملة { تفيض } في موضع
~~الحال والرؤية بصرية أي ذلك بسبب أنهم لا يستكبرون وأنهم إذا سمعوا
~~القرآن رأيت أعينهم فائضة من الدمع، وجوز السمين وغيره الاستئناف، وأيا
~~ما كان فهو بيان لرقة قلوبهم وشدة خشيتهم ومسارعتهم إلى قبول الحق وعدم
~~إبائهم إياه. والظاهر عود ضمير { سمعوا } ل

# الذين قالوا إنا نصرى

# [المائدة: 82].

# وقد تقدم أن الظاهر فيه العموم، وقيل: يتعين هنا إرادة البعض، وهو من
~~جاء من الحبشة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن كل النصارى ليسوا كذلك،
~~والفيض انصباب عن امتلاء، ووضع هنا موضع الامتلاء بإقامة المسبب مقام
~~السبب أي تمتلىء من الدمع أو قصد المبالغة فجعلت أعينهم بأنفسها تفيض من
~~أجل الدمع قاله في «الكشاف». وأراد على مافي «الكشف» أن الدمع على الأول:
~~هو الماء المخصوص وعلى الثاني: الحدث، وهو على الأول: مبدأ مادي وعلى
~~الثاني: سببي. وفي «الانتصاف» «أن هذه العبارة أبلغ العبارات وهي ثلاث
~~مراتب فالأولى: فاض دمع عينه وهذا هو الأصل والثانية: محولة من هذه وهي
~~فاضت عينه دمعا ms02512 فإنه قد حول فيها الفعل إلى العين مجازا ومبالغة ثم نبه
~~على الأصل والحقيقة بنصب ما كان فاعلا على التمييز، والثالثة: ما في
~~النظم الكريم وفيها التحويل المذكور إلا أنها أبلغ من الثانية باطراح
~~التنبيه على الأصل وعدم نصب التمييز وإبرازه في صورة التعليل»، وجوز
~~الزمخشري أن تكون  من  هذه هي الداخلة على التمييز وهو مردود وإن كان
~~الكوفيون ذهبوا إلى جواز تعريف التمييز وأنه لا يشترط تنكيره كما هو مذهب
~~الجمهور لأن التمييز المنقول عن الفاعل يمتنع دخول من عليه وإن كانت
~~مقدرة معه فلا يجوز تفقأ زيد من شحم فليفهم.

# { مما عرفوا من الحق }  { من } الأولى: لابتداء الغاية
~~متعلقة بمحذوف وقع حالا من { الدمع } أي حال كونه ناشئا من معرفة
~~الحق. وجوز أن تكون تعليلية متعلقة بتفيض أي أن فيض دمعهم بسبب عرفانهم.
~~وجوز على تقدير كونها للابتداء أن تتعلق بذلك أيضا لكن لا يجوز على
~~تقدير اتحاد متعلق { من } هذه ومن في { من الدمع } القول باتحاد
~~معناهما فإنه لا يتعلق حرفا جر بمعنى بعامل واحد، و { من } الثانية:
~~للتبعيض متعلقة بعرفوا على معنى أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف لو
~~عرفوه كله وقرأوا القرآن وأحاطوا بالسنة، أو لبيان (ما) بناء على أنها
~~موصولة، ونص أبو البقاء على أنها متعلقة بمحذوف وقع حالا من العائد
~~المحذوف ولم يذكر الاحتمال الأول. وقرىء { ترى أعينهم } على صيغة
~~المبني للمفعول.

# { يقولون } استئناف مبني على / سؤال نشأ من حكاية حالهم عند سماع
~~القرآن كأنه قيل: ماذا يقولون؟ فأجيب يقولون: { ربنا ءامنا } بما
~~أنزل أو بمن أنزل عليه أو بهما.

# وقال أبو البقاء: إنه حال من الضمير في { عرفوا } ، وقال السمين:
~~يجوز الأمران وكونه حالا من الضمير المجرور في { أعينهم } لما أن
~~المضاف جزؤه كما في قوله تعالى:

# ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا

# [الحجر: 47]. { فاكتبنا مع الشهدين } أي اجعلنا عندك مع
~~محمد صلى الله عليه وسلم وأمته الذين يشهدون يوم القيامة على ما روي عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنه ms02513 أو مع الذين يشهدون بحقية نبيك صلى الله
~~عليه وسلم وكتابك كما نقل الجبائي وروي ما بمعناه عن الحسن.

### || [5.84]

# { وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق }
~~جعله جماعة ومنهم شيخ الإسلام كلاما مستأنفا تحقيقا لإيمانهم وتقريرا
~~له بإنكار سبب انتفائه ونفيه بالكلية على أن { لا نؤمن } حال من
~~الضمير في { لنا } والعامل على ما فيه من معنى الاستقرار أي أي شيء حصل
~~لنا غير مؤمنين والإنكار متوجه إلى السبب والمسبب جميعا كما في قوله
~~تعالى:

# وما لي لا أعبد الذي فطرني

# [يس: 22] ونظائره لا إلى السبب فقط مع تحقق المسبب كما في قوله تعالى:

# فما لهم لا يؤمنون

# [الانشقاق: 20] وأمثاله، وقيل: هو معطوف على الجملة الأولى مندرج معها
~~في حيز القول أي يقولون ربنا آمنا الخ ويقولون ما لنا لا نؤمن الخ، وقيل:
~~هو عطف على جملة محذوفة والتقدير ما لكم لا تؤمنون بالله وما لنا لا نؤمن
~~نحن بالله الخ. وقال بعضهم: إنه جواب سائل قال: لم آمنتم؟ واختاره
~~الزجاج.

# واعترض بأن علماء العربية صرحوا بأن الجملة المستأنفة الواقعة جواب سؤال
~~مقدر لا تقترن بالواو وذكر علماء المعاني أنه لا بد فيها من الفصل إذ
~~الجواب لا يعطف على السؤال، وأجيب بأن الواو زائدة وقد نقل الأخفش أنها
~~تزاد في الجمل المستأنفة، ولا يخفى أنه لا بد لذلك من ثبت، والحال
~~المذكورة على ما نص عليه الشهاب لازمة لا يتم المعنى بدونها قال: ولذا لا
~~يصح اقترانها بالواو في مالنا وما بالنا لا نفعل كذا لأنها خبر في المعنى
~~وهي المستفهم عنها. وأنت تعلم أن الاستفهام في نحو هذا التركيب في الغالب
~~غير حقيقي وإنما هو للإنكار ويختلف المراد منه على ما أشرنا إليه، ومعنى
~~الإيمان بالله تعالى الإيمان بوحدانيته سبحانه على الوجه الذي جاءت به
~~الشريعة المحمدية فإن القوم لم يكونوا موحدين كذلك، وقيل: بكتابه ورسوله
~~صلى الله عليه وسلم فإن الإيمان بهما إيمان به سبحانه والظاهر هو الأول،
~~والإيمان بالكتاب والرسول صلى الله عليه ms02514 وسلم يفهمه العطف فإن الموصول
~~المعطوف على الاسم الجليل يشمل ذلك قطعا. و { من الحق } على ما
~~ذكره أبو البقاء حال من ضمير الفاعل، وجوز أن تكون (من) لابتغاء الغاية
~~أي وبما جاءنا من عند الله وأن يكون الموصول مبتدأ و { من الحق }
~~خبره والجملة في موضع الحال أيضا، ولا يخفى ما في الوجهين من البعد.

# وقوله تعالى: { ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم
~~الصلحين } حال أخرى عند الجماعة من الضمير المتقدم بتقدير مبتدأ
~~لأن المضارع المثبت لا يقترن بالواو والعامل فيها هو العامل في الأولى
~~مقيد بها فيتعدد معنى كما قيل نحو ذلك في قوله تعالى:

# كلما رزقوا منها من ثمرة

# [البقرة: 25] أي أي شيء حصل لنا غير مؤمنين ونحن نطمع في صحبة الصالحين
~~وهي حال مترادفة ولزوم الأولى لا يخرجها عن الترادف أو حال من الضمير في
~~{ لا نؤمن } على معنى أنهم أنكروا على أنفسهم عدم إيمانهم مع أنهم
~~يطمعون في صحبة المؤمنين، وجوز فيه أن يكون معطوفا على { نؤمن } أو
~~على { لا نؤمن } على معنى وما لنا نجمع بين / ترك الإيمان والطمع في
~~صحبة الصالحين أو على معنى ما لنا لا نجمع بين الإيمان والطمع المذكور
~~بالدخول في الإسلام لأن الكافر ما ينبغي له أن يطمع في تلك الصحبة، وموضع
~~المنسبك من أن ما بعدها إما نصب أو جر على الخلاف بين الخليل وسيبويه،
~~والمراد في أن يدخلنا، واختار غير واحد من المعربين أن  نا  مفعول أول
~~ليدخل والمفعول الثاني محذوف أي الجنة، قيل: ولولا إرادة ذلك لقال سبحانه
~~في القوم بدل (مع القوم).

### || [5.85]

# { فأثابهم الله بما قالوا } أي بسبب قولهم أو بالذي قالوه
~~عن اعتقاد فإن القول إذا لم يقيد بالخلو عن الاعتقاد يكون المراد به
~~المقارن له كما إذا قيل هذا قول فلان لأن القول إنما يصدر عن صاحبه
~~لإفادة الاعتقاد. وقيل: إن القول هنا مجاز عن الرأي والاعتقاد والمذهب
~~كما يقال: هذا قول الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه مثلا أي هذا مذهبه ms02515
~~واعتقاده. وذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بهذا القول قولهم:

# وما لنا لا نؤمن

# [المائدة: 84] الخ. واستظهر أبو حيان أنه عنى به قولهم:

# ربنا ءامنا

# [المائدة: 83] وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وعطاء أن المراد به

# فاكتبنا مع الشهدين

# [المائدة: 83] وقولهم

# ونطمع أن يدخلنا ربنا

# [المائدة: 84] الخ، قال الطبرسي: «فالقول على هذا بمعنى المسألة» وفيه
~~نظر، والإثابة المجازاة، وفي «البحر» «أنها أبلغ من الإعطاء لأنها ما
~~تكون عن عمل بخلاف الإعطاء فإنه لا يلزم فيه ذلك». وقرأ الحسن {
~~فاتهم الله }.

# { جنت تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها }
~~أبد الآبدين وهو حال مقدرة { وذلك } المذكور من الأمر الجليل الشأن {
~~جزاء المحسنين } أي جزاؤهم، وأقيم الظاهر مقام ضميرهم مدحا لهم
~~وتشريفا بهذا الوصف الكريم، ويحتمل أن يراد الجنس ويندرجون فيه اندراجا
~~أوليا أي جزاء الذين اعتادوا الإحسان في الأمور.

### || [5.86]

# عطف التكذيب بآيات الله تعالى على الكفر مع أنه ضرب منه لما أن القصد
~~إلى بيان حال المكذبين وذكرهم بمقابلة المصدقين بها ليقترن الوعيد بالوعد
~~وبضدها تتبين الأشياء.

# هذا ومن باب الإشارة في بعض ما تقدم من الآيات: { يأيها
~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم
~~تفعل فما بلغت رسالته } ذهب كثير من ساداتنا الصوفية إلى
~~أن هذا أمر منه عز شأنه أن يبلغ رسوله صلى الله عليه وسلم ما أنزله إليه
~~ما يتعلق بأحكام العبودية ولم يأمره جل جلاله بأن يعرف الناس أسرار ما
~~بينه وبينه فإن ذرة من أسراره سبحانه لا تتحملها السماوات والأرض، وهذه
~~الأسرار هي المشار إليها بقوله تعالى:

# فأوحى إلى عبده ما أوحى

# [النجم: 10]. ولهذا قال سبحانه { ما أنزل إليك } ولم يقل ما
~~خصصناك به أو ما تعرفنا به إليك. وقال بعضهم وهو المنصور: إن الموصول عام
~~ويندرج فيه الوحي والالهامات والمنامات والمشاهدات وسائر المواهب،
~~والرسول صلى الله عليه وسلم مأمور بتبليغ كل ذلك إلا أن مراتب التبليغ
~~مختلفة حسب اختلاف الاستعدادات فتبليغ بالعبارة وتبليغ بالإشارة وتبليغ
~~بالهمة وتبليغ بالجذبة إلى غير ذلك ms02516 فسبحان من أنزل من السماء ماء فسالت
~~أودية بقدرها

# والله يعصمك من الناس

# [المائدة: 67] بما أودع فيك من أسرار الألوهية فلا يقدرون أن يوصلوا
~~إليك ما يقطعك عن الله تعالى، وقريب من ذلك ماقيل: يعصمك منهم أن يكون لك
~~بهم اشتغال، وقيل: يعصمك من أن ترى لنفسك فيهم شيئا بل ترى الكل منه
~~سبحانه وبه { قل يأهل الكتب لستم على شىء } يعتد
~~به { حتى تقيموا التوراة } فتعطوا الظاهر حقه وتعملوا
~~بالشريعة على الوجه الأكمل مع / توحيد الأفعال { والإنجيل } فتعطوا
~~الباطن حقه وتعملوا بالطريقة على الوجه الأتم مع توحيد الصفات { وما
~~أنزل إليكم } فتعطوا الحقيقة حقها وتشاهدوا الكثرة في عين الوحدة
~~والوحدة في عين الكثرة ولا تحجبكم الكثرة عن الوحدة ولا الوحدة عن الكثرة

# وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك
~~طغينا وكفرا

# [المائدة:68] لجهلهم به وقلة استعدادهم لمعرفة أسراره. وعن بعض السادة
~~قدس الله تعالى أسرارهم أن القرآن المنزل على النبي المرسل صلى الله
~~عليه وسلم ذو صفتين: صفة قهر وصفة لطف فمن تجلى له القرآن بصفة اللطف
~~يزيد نور بصيرته بلطائف حكمته وحقائق أسراره ودقائق بيانه ويزيد بذلك نور
~~إيمانه وتوحيده ويعرف بذلك ظاهر الخطاب وباطنه، ومن يتجلى له بصفة القهر
~~تزيد ظلمة طغيانه وينسد عليه باب عرفانه بحيث لا يدرك سر الخطاب فتكثر
~~عليه الشكوك والأوهام، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى:

# هدى للمتقين

# [البقرة: 2] وقوله سبحانه:

# يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به
~~إلا الفسقين

# [البقرة: 26] وشبه بعضهم ذلك بنور الشمس فإنه ينتفع به من ينتفع ويتضرر
~~به الخفاش ونحوه.

# ومن ذلك كتب كثير من الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم فإنه قد هدى بها
~~أرباب القلوب الصافية وضل بها الكثير حتى تركوا الصلاة واتبعوا الشهوات
~~وعطلوا الشرائع واستحلوا المحرمات وزعموا والعياذ بالله تعالى أن ذلك هو
~~الذي يقتضيه القول بوحدة الوجود التي هي معتقد القوم نفعنا الله تعالى
~~بفتوحاتهم، وقد نقل لي عن بعض من أضله الله تعالى بالاشتغال بكتب القوم
~~ممن لم يقف على ms02517 حقيقة الحال أنه لا فرق بين أن يدخل الرجل أصبعه في فمه
~~وبين أن يدخل ذكره في فرج محرم لأن الكل واحد، وكذا لا فرق بين أن يتزوج
~~أجنبية وبين أن يتزوج أمه أو بنته أو أخته وهذا كفر صريح عافانا الله
~~تعالى والمسلمين منه، ومنشأ ذلك النظر في كتب القوم من دون فهم لمرادهم
~~وما درى هذا المسكين أن مراعاة المراتب أمر واجب عندهم وأن ترك ذلك زندقة
~~وأنهم قد صرحوا بأن الشريعة مظهر أعظم لأنها مظهر اسم الله تعالى الظاهر
~~وأنه لا يمكن لأحد أن يصل إلى الله تعالى بإهمالها، فقد جاء عن غير واحد
~~من العارفين الطرق إلى الله تعالى مسدودة إلا على ما اقتفى أثر الرسول
~~صلى الله عليه وسلم وإذا رأيتم الرجل يطير في الهواء وقد أخل بحكم واحد
~~من الشريعة فقولوا: إنه زنديق ولله در من قال خطابا للحضرة المحمدية:

# وأنت باب الله أي امرء

# أتاه من غيرك لا يدخل

# { ولتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا }
~~الايمان الحقيقي { اليهود } وذلك لقوة المباينة لأنهم محجوبون عن
~~توحيد الصفات وتوحيد الذات ولم يكن لهم إلا توحيد الأفعال { والذين
~~أشركوا } كذلك بل هم أشد مباينة منهم للمؤمنين وأقوى لأنهم محجوبون
~~مطلقا، وإنما قدم اليهود عليهم لأن البحث فيهم، وهذا خلاف ما عليه أهل
~~العبارة { ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا
~~الذين قالوا إنا نصارى } لأنهم برزوا من حجاب الصفات ولم
~~يبق لهم إلا حجاب الذات، وإلى هذا الإشارة بقوله سبحانه وتعالى:

# ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا
~~يستكبرون

# [المائدة: 82] حيث مدحوا بالعلم والعمل وعدم الاستكبار، وذلك يقتضي أنهم
~~وصلوا إلى توحيد الأفعال والصفات وأنهم ما رأوا نفوسهم موصوفة بصفة العلم
~~والعمل ولا نسبوا عملهم وعلمهم إليها بل إلى الله تعالى وإلا لاستكبروا
~~وأظهروا العجب { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول } من
~~أنواع التوحيد التي / من جملتها توحيد الذات { ترى أعينهم
~~تفيض من الدمع مما عرفوا } بالدليل وبواسطة الرياضة {
~~من الحق } الذي أنزل إلى الرسول صلى الله عليه ms02518 وسلم { يقولون
~~ربنا ءامنا } بذلك

# فاكتبنا مع الشهدين

# [المائدة: 83] المعاينين لذلك { وما لنا لا نؤمن بالله }
~~جمعا { وما جاءنا من الحق } تفصيلا

# ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصلحين

# [المائدة: 84] الذين استقاموا بالبقاء بعد الفناء { فأثابهم
~~الله بما قالوا جنت تجرى من تحتها الأنهر }
~~من التجليات الثلاث مع علومها

# وذلك جزاء المحسنين

# [المائدة: 85] المشاهدين للوحدة في عين الكثرة بالاستقامة في الله عز
~~وجل: { والذين كفروا } أي حجبوا عن الذات { وكذبوا
~~بئايتنا } الدالة على التوحيد { أولئك أصحب
~~الجحيم } [المائدة: 68] لحرمانهم الكلي واحتجابهم بنفوسهم وصفاتها
~~والله تعالى الموفق.

### || [5.87]

# { يأيها الذين ءامنوا لا تحرموا طيبت ما
~~أحل الله لكم } أي لذائذ ذلك وما تميل إليه القلوب منه كأنه
~~لما تضمن ما سلف من مدح النصارى على الرهبانية ترغيب المؤمنين في كسر
~~النفس ورفض الشهوات عقب سبحانه ذلك بالنهي عن الإفراط في هذا الباب أي لا
~~تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم، وقيل: لا تلتزموا تحريمها بنحو يمين، وقيل:
~~لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدا
~~منكم، وكون المعنى لا تحرموها على غيركم بالفتوى والحكم مما لا يلتفت
~~إليه. فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوما فذكر الناس
~~ووصف القيامة فرق الناس وبكوا واجتمع عشرة من الصحابة رضي الله تعالى
~~عنهم في بيت عثمان بن مظعون الجمحي وهم علي كرم الله تعالى وجهه، وأبو
~~بكر رضي الله تعالى عنه وعبد الله بن مسعود، وأبو ذر الغفاري، وسالم مولى
~~أبي حذيفة، وعبد الله بن عمر والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل
~~بن مقرن، وصاحب البيت واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا
~~يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب
~~ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض وهم بعضهم أن يجب
~~مذاكيره فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى دار عثمان فلم
~~يصادفه فقال لامرأته أم حكيم:

# " أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟ فكرهت أن تنكر إذ سألها رسول الله ms02519 صلى
~~الله عليه وسلم وكرهت أن تبدي على زوجها فقالت: يا رسول الله إن كان
~~أخبرك عثمان فقد صدقك وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دخل
~~عثمان فأخبرته بذلك أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه فقال
~~عليه الصلاة والسلام لهم: انبئت أنكم اتفقتم على كذا وكذا قال: نعم يا
~~رسول الله وما أردنا إلا الخير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني
~~لم أومر بذلك ثم قال عليه الصلاة والسلام: " إن لأنفسكم عليكم حقا
~~فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم
~~والدسم وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني "

# ثم جمع الناس وخطبهم فقال:

# " ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا أما
~~إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا فإنه ليس في ديني ترك اللحم
~~والنساء ولا اتخاذ الصوامع وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد
~~اعبدوا الله تعالى ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة
~~وآتوا الزكاة وصوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم فإنما هلك من قبلكم
~~بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدد الله تعالى عليهم فأولئك بقاياهم في
~~الديار والصوامع "

# فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروي عن أبي عبد الله رضي الله عنه أن
~~الآية نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه وبلال وعثمان بن مظعون فأما علي
~~كرم الله تعالى وجهه فإنه حلف أن لا ينام بالليل أبدا إلا ما شاء الله
~~تعالى، وأما بلال / فحلف أن لا يفطر بالنهار أبدا وأما عثمان فإنه حلف
~~أن لا ينكح أبدا. وروي أيضا غير ذلك ولم نقف على رواية فيها ما يدل على
~~أن هذا التحريم كان على الغير بالفتوى والحكم كما ذهب إليه هذا القائل.
~~ومع هذا يبعده ما يأتي بعد من الأمر بالأكل. ولا ينافي هذا النهي أن الله
~~تعالى مدح النصارى بالرهبانية فرب ممدوح بالنسبة إلى قوم مذموم بالنسبة
~~إلى آخرين.

# وقوله تعالى: { ولا تعتدوا } تأكيد للنهي السابق أي لا تتعدوا
~~حدود ما أحل ms02520 سبحانه لكم إلى ما حرم جل شأنه عليكم أو نهى عن تحليل الحرام
~~بعد النهي عن تحريم الحلال فيكون تأسيسا. ويحتمل أن يكون نهيا عن
~~الإسراف في الحلال، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ومجاهد وقتادة أن
~~المراد لا تجبوا أنفسكم ولا يخفى أن الجب فرد من أفراد الاعتداء وتجاوز
~~الحدود والحمل على الأعم أعم فائدة. وقوله سبحانه وتعالى: { إن
~~الله لا يحب المعتدين } في موضع التعليل لما قبله. وقد
~~تقدمت الإشارة إلى أن نفي محبة الله سبحانه لشيء مستلزم لبغضه له لعدم
~~الواسطة في حقه تعالى.

### || [5.88]

# { وكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا } أي كلوا ما
~~حل لكم وطاب مما رزقكم الله تعالى فحلالا مفعول به لكلوا و { مما
~~رزقكم } إما حال منه وقد كان في الأصل صفة له إلا أن صفة النكرة إذا
~~قدمت صارت حالا أو متعلق بكلوا و(من) ابتدائية. ويحتمل أن يكون في موضع
~~المفعول لكلوا على معنى أنه صفة مفعول له قائمة مقامه أي شيئا مما رزقكم
~~أو بجعله نفسه مفعولا بتأويل بعض إلا أن في هذا تكلفا. و { حللا }
~~حال من الموصول أو من عائده المحذوف أو صفة لمصدر محذوف أي أكلا حلالا.
~~وعلى الوجوه كلها الآية دليل لنا في شمول الرزق للحلال والحرام إذ لو لم
~~يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة سوى التأكيد وهو خلاف
~~الظاهر في مثل ذلك.

# { واتقوا الله الذى أنتم به مؤمنون } استدعاء إلى
~~التقوى وامتثال الوصية بوجه حسن. والآية ظاهرة في أن أكل اللذائذ لا
~~ينافي التقوى، وقد أكل صلى الله عليه وسلم ثريد اللحم ومدحه وكان يحب
~~الحلوى. وقد فصلت الأخبار ما كان يأكله عليه الصلاة والسلام وأواني الكتب
~~ملأى من ذلك. وروي أن الحسن كان يأكل الفالوذج فدخل عليه فرقد السبخي
~~فقال: يا فرقد ما تقول في هذا؟ فقال: لا آكله ولا أحب أكله فأقبل الحسن
~~على غيره كالمتعجب وقال: لعاب النحل بلباب البر مع سمن البقر هل يعيبه
~~مسلم، وذكر الطبرسي ms02521 أن فيها دلالة على النهي عن الترهب وترك النكاح وقد
~~جاء في غير ما خبر أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " إن الله تعالى لم يبعثني بالرهبانية "

# وقال عليه الصلاة والسلام في خبر طويل:

# " شراركم عزابكم وأراذل موتاكم عزابكم "

# وعن أنس قال:

# " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالباءة وينهانا عن التبتل
~~نهيا شديدا ".

# وعن أبي نجيح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " من كان موسرا لأن ينكح فلم ينكح فليس مني "

# إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.

### || [5.89]

# { لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمنكم } اللغو
~~في اليمين الساقط الذي لا يتعلق به حكم وهو عندنا أن يحلف على أمر مضى
~~يظنه كذلك فإن علمه على خلافه فاليمين غموس، وروي ذلك عن مجاهد. وعند
~~الشافعي رحمه الله تعالى ما يسبق إليه اللسان من غير نية اليمين وهو
~~المروى عن أبي جعفر وأبي عبد الله / وعائشة رضي الله تعالى عنهم،
~~والأدلة على المذهبين مبسوطة في الفروع والأصول وقد تقدم شطر من الكلام
~~على ذلك، و { فى أيمنكم } إما متعلق باللغو فإنه يقال لغا في
~~يمينه لغوا وإما بمحذوف وقع حالا منه أي كائنا أو واقعا في أيمانكم؛
~~وجوز أن يكون متعلقا بيؤاخذكم، وقيل عليه: إنه لا يظهر ربطه بالمؤاخذة
~~إلا أن يجعل (في) للعلة كما في

# " إن امرأة دخلت النار في هرة "

# { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } أي بتعقيدكم
~~الأيمان وتوثيقها بالقصد والنية فما مصدرية، وقيل: إنها موصولة والعائد
~~محذوف أي بما عقدتم الأيمان عليه. ورجح الأول بأن الكلام في مقابلة اللغو
~~وبأنه خال عن مؤنة التقدير، وقال بعضهم: إن ذلك التقدير في غير محله لأن
~~شرط حذف العائد المجرور أن يكون مجرورا بمثل ما جر به الموصول لفظا
~~ومعنى ومتعلقا وما هنا ليس كذلك فليتدبر؛ والمعنى: ولكن يؤاخذكم بنكث ما
~~عقدتم أو لكن يؤاخذكم بما عقدتموها إذا حنثتم وحذف ذلك للعلم به، والمراد
~~بالمؤاخذة المؤاخذة في الدنيا وهي الإثم والكفارة فلا إشكال في تقدير
~~الظرف، ms02522 وتعقيد الأيمان شامل للغموس عند الشافعية وفيه كفارة عندهم وأما
~~عندنا فلا كفارة ولا حنث.

# وقرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم { عقدتم } بالتخفيف، وابن عامر
~~برواية ابن ذكوان { عاقدتم } والمفاعلة فيها لأصل الفعل وكذا قراءة
~~التشديد لأن القراءات يفسر بعضها بعضا، وقيل: إن ذلك فيها للمبالغة
~~باعتبار أن العقد باللسان والقلب لا أن ذلك للتكرار اللساني كما توهم.
~~والآية كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نزلت حين نهى
~~القوم عما صنعوا فقالوا يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا
~~عليها؟، وروي عن ابن زيد أنها نزلت في عبد الله بن رواحة كان عنده ضيف
~~فأخرت زوجته عشاءه فحلف لا يأكل من الطعام وحلفت المرأة لا تأكل إن لم
~~يأكل وحلف الضيف لا يأكل إن لم يأكلا فأكل عبد الله بن رواحة وأكلا معه
~~فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال عليه الصلاة والسلام له:
~~أحسنت ونزلت.

# { فكفارته } الضمير عائد إما على الحنث المفهوم من السياق أو على
~~العقد الذي في ضمن الفعل بتقدير مضاف أي فكفارة نكثه أو على ما الموصولة
~~بذلك التقدير، وأما عوده على الأيمان لأنه مفرد كالأنعام عند سيبويه أو
~~مؤول بمفرد فكما ترى، والمراد بالكفارة المعنى المصدري وهي الفعلة التي
~~من شأنها أن تكفر الخطيئة وتسترها، والمراد بالستر المحو لأن الممحو لا
~~يرى كالمستور وبهذا وجه تأنيثها، وذكر عصام الدين أن فعالا يستوي فيه
~~المذكر والمؤنث إلا أن ما يستوي فيه ذلك كفعيل إذا حذف موصوفه يؤنث
~~للمؤنث كمررت بقتيلة بني فلان ولا يقال بقتيل للالتباس، وذكر أن التاء
~~يحتمل أن تكون للنقل وأن تكون للمبالغة انتهى.

# ويدل على أنها بالمعنى المصدري الإخبار عنها بقوله تعالى: { إطعام
~~عشرة مسكين } واستدل الشافعية بظاهر الآية على جواز التكفير
~~بالمال قبل الحنث سواء كان الحنث معصية أم لا، وتقييد ذلك كما فعل
~~الرافعي بما إذا لم يكن معصية غير معول عليه عندهم، ووجه الاستدلال بذلك
~~على ما ذكر أنه سبحانه جعل ms02523 الكفارة عقب اليمين من غير ذكر الحنث وقال عز
~~شأنه: { ذلك كفارة أيمنكم إذا حلفتم } وقيدوا ذلك
~~بالمال ليخرج التكفير بالصوم فإنه لا يكون إلا بعد الحنث عندهم لأنه عند
~~العجز عن غيره والعجز لا يتحقق بدون حنث، وقد قاسوا ذلك أيضا على تقديم
~~الزكاة على الحول، واستدلوا أيضا بما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي /
~~الله تعالى عنه قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا
~~منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير "

# ونحن نقول: إن الآية تضمنت إيجاب الكفارة عند الحنث وهي غير واجبة قبله
~~فثبت أن المراد بما عقدتم الأيمان وحنثتم فيها، وقد اتفقوا على أن معنى
~~قوله سبحانه:

# فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من
~~أيام أخر

# [البقرة: 184] فأفطر فعدة من أيام أخر فكذا هذا. والحديث الذي استدلوا
~~به لا يصلح للاستدلال لأنه بعد تسليم دلالة الفاء الجزائية على التعقيب
~~من غير تراخ يقال: إن الواقع في حيزها مجموع التكفير والإيتاء ولا دلالة
~~على الترتيب بينهما ألا ترى أن قوله تعالى:

# إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة ف اسعوا إلى
~~ذكر

# [الجمعة: 9] لا يقتضي تقديم السعي على ترك البيع بالاتفاق، وأيضا جاء
~~في رواية

# " فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه ".

# ونقل بعضهم عن الشافعية أنهم يجمعون بين الروايتين بأن إحداهما لبيان
~~الجواز والأخرى لبيان الوجوب، وقال عصام الدين: إن تقديم الكفارة تارة
~~وتأخيرها أخرى يدل على أن التقديم والتأخير سيان اه.

# وأنت تعلم أن الشافعية كالحنفية في أنهم يقدرون في الآية ما أشرنا إليه
~~قبل في تفسيرها إلا أن ذلك عندهم قيد للوجوب وإلا فالاستدلال بالآية في
~~غاية الخفاء كما لا يخفى فتدبر.

# و { إطعام } مصدر مضاف لمفعوله وهو مقدر بحرف وفعل مبني للفاعل
~~وفاعل المصدر يحذف كثيرا، ولا ضرورة تدعو إلى تقدير الفعل مبنيا
~~للمفعول لأنه مع كونه خلاف الأصل في تقديره خلاف ذكره السمين فالتقدير
~~هنا فكفارته أن يطعم الحانث أو الحالف ms02524 عشرة مساكين { من أوسط ما
~~تطعمون أهليكم } أي من أقصده في النوع أو المقدار، وهو عند
~~الشافعية مد لكل مسكين وعندنا نصف صاع من بر أو صاع من شعير.

# وأخرج ابن حميد وغيره عن ابن عمر أن الأوسط الخبز والتمر والخبز والزيت
~~والخبز والسمن، والأفضل نحو الخبز واللحم. وعن ابن سيرين قال: كانوا
~~يقولون الأفضل الخبز واللحم والأوسط الخبز والسمن والأخس الخبز والتمر.
~~ومحل الجار والمجرور النصب لأنه صفة مفعول ثان للإطعام لأنه ينصب مفعولين
~~وأولهما هنا ما أضيف إليه، والتقدير طعاما أو قوتا كائنا من أوسط،
~~وقيل: إنه صفة مصدر محذوف أي إطعاما كائنا من ذلك؛ وجوز أن يكون محله
~~الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي طعامهم من أوسط أو على أنه صفة لإطعام
~~أو على أنه بدل من { إطعام }.

# واعترض هذا بأن أقسام البدل لا تتصور هنا. وأجيب بأنه بدل اشتمال بتقدير
~~موصوف وذلك على مذهب ابن الحاجب وصاحب «اللباب». ومتابعيهما ظاهر لأنهم
~~يكتفون بملابسة بين البدل والمبدل منه بغير الجزئية والكلية، وأما على
~~مذهب الجمهور فلأنهم يشترطون اشتمال التابع على المتبوع لا كاشتمال الظرف
~~على المظروف بل من حيث كونه دالا عليه إجمالا ومتقاضيا له بوجه ما
~~بحيث تبقى النفس عند ذكر الأول متشوقة إلى ذكر الثاني فيجاء بالثاني
~~ملخصا لما أجمله الأول ومبينا له، ويعدون من هذا القبيل قولهم: نظرت
~~إلى القمر فلكه كما صرح به ركن الدين في «شرح اللباب». ولا يخفى أن إطعام
~~عشرة مساكين دال على الطعام إجمالا ومتقاض له بوجه. واختار بعض المحققين
~~أنه بدل كل من كل بتقدير إطعام من أوسط نحو / أعجبني قرى الأضياف قراهم
~~من أحسن ما وجد، و(ما) إما مصدرية وإما موصولة اسمية والعائد محذوف أي من
~~أوسط الذي تطعمونه.

# وجوز أبو البقاء تقديره مجرورا بمن أي تطعمون منه، ونظر فيه السمين بأن
~~من شرط العائد المحذوف المجرور بالحرف أن يكون مجرورا بمثل ما جر به
~~الموصول لفظا ومعنى ومتعلقا والحرفان هنا وإن اتفقا من وجه إلا ms02525 أن
~~المتعلق مختلف لأن من الثانية متعلقة بتطعمون والأولى ليست متعلقة بذلك.
~~ثم قال: فإن قلت الموصول غير مجرور بمن وإنما هو مجرور بالإضافة. فالجواب
~~أن المضاف إلى الموصول كالموصول في ذلك اه. وقد قدمنا آنفا نحو هذا
~~النظر، وأجاب بعضهم عن ذلك بأن الحذف تدريجي ولا يخفى أن فيه تطويلا
~~للمسافة.

# والأهلون جمع أهل على خلاف القياس كأرض وأرضون إذ شرط هذا الجمع أن يكون
~~علما أو صفة وأهل اسم جامد، قيل: والذي سوغه أنه استعمل كثيرا بمعنى
~~مستحق فأشبه الصفة. وروي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قرأ {
~~أهاليكم } بسكون الياء على لغة من يسكنها في الحالات الثلاث كالألف وهو
~~أيضا جمع أهل على خلاف القياس كليال في جمع ليلة. وقال ابن جني: واحدهما
~~ليلاة وأهلاة وهو محتمل كما قيل لأن يكون مراده أن لهما مفردا مقدرا هو
~~ما ذكر ولأن يكون مراده أن لهما مفردا محققا مسموعا من العرب هو ذاك،
~~وقيل: إن أهالي جمع أهلون وليس بشيء.

# { أو كسوتهم } عطف كما قال أبو البقاء على { إطعام }
~~واستظهره غير واحد، واختار الزمخشري أنه عطف على محل { من أوسط }
~~ووجهه فيما نسب إليه بأن { من أوسط } بدل من الإطعام والبدل هو
~~المقصود ولذلك كان المبدل منه في حكم المنحى فكأنه قيل: فكفارته من أوسط
~~ما تطعمون. ووجه صاحب «التقريب» عدوله عن الظاهر بأن الكسوة اسم لنحو
~~الثوب لا مصدرا، فقد قال الراغب: الكساء والكسوة اللباس فلا يليق عطفه
~~على المصدر السابق مع أن كليهما فيما يتعلق بالمساكين، وبأنه يؤدي إلى
~~ترك ذكر كيفية الكسوة وهو كونها أوسط، ثم قال: ويمكن أن يجاب عن الأول
~~بأن الكسوة إما مصدر كما يشعر به كلام الزجاج أو يضمر مصدر كالإلباس، وعن
~~الثاني بأن يقدر أو كسوتهم من أوسط ما تكسون وحذف ذلك لقرينة ذكره في
~~المعطوف عليه أو بأن تترك على إطلاقها إما بإرادة إطلاقها أو بإحالة
~~بيانها على الغير، وأيضا العطف على محل { من أوسط } لا يفيد هذا ms02526
~~المقصود وهو تقدير الأوسط في الكسوة فالإلزام مشترك ويؤدي إلى صحة إقامته
~~مقام المعطوف عليه وهو غير سديد اه.

# واعترض بعض المحققين على ما نسب إلى الزمخشري أيضا بأن العطف على البدل
~~يستدعي كون المعطوف بدلا أيضا وإبدال الكسوة من { إطعام } لا يكون
~~إلا غلطا لعدم المناسبة بينهما أصلا وبدل الغلط لا يقع في الفصيح فضلا
~~عن أفصح الأفصح. ومنع عدم الوقوع مما لا يلتفت إليه، وجعل غير واحد هذا
~~العطف من باب:

# علفتها تبنا وماء باردا

# كأنه قيل إطعام هو أوسط ما تطعمون أو إلباس هو كسوتهم على معنى إطعام هو
~~إطعام الأوسط وإلباس هو إلباس الكسوة وفيه إبهام وتفسير في الموضعين.
~~واعترض بأن العطف على هذا يكون على المبدل منه لا البدل، وأجيب بأن
~~المراد أنه بالنظر إلى ظاهر اللفظ عطف على البدل وهو كما ترى، واعترض
~~الشهاب على دعوى أن الداعي للزمخشري عن العدول إلى / الظاهر إلى اختيار
~~العطف على محل { من أوسط } تحصيل التناسب بين نوعي الكفارة
~~المتعلقة بالمساكين بأنه كيف يتأتى ذلك وقد جعل العطف على { من
~~أوسط } على تقدير بدليته وهو على ذلك التقدير صفة إطعام مقدر انتهى.

# وقد علمت أن هذا رأي لبعضهم. وبالجملة فيما ذهب إليه الزمخشري دغدغة حتى
~~قال العلم العراقي: إنه غلط والصواب العطف على { إطعام } ، وقال
~~الحلبي: ما ذكره الزمخشري إنما يتمشى على وجه وهو أن يكون { من
~~أوسط } خبرا لمبتدأ محذوف يدل عليه ما قبله تقديره طعامهم من أوسط
~~فالكلام تام على هذا عند قوله سبحانه: { عشرة مسكين } ثم ابتدأ
~~إخبارا آخر بأن الطعام يكون أوسط كذا. وأما إذا قلنا إن { من أوسط
~~} هو المفعول الثاني فيستحيل عطف { كسوتهم } عليه لتخالفهما
~~إعرابا انتهى.

# ثم المراد بالكسوة ما يستر عامة البدن على ما روي عن الإمام الأعظم رضي
~~الله تعالى عنه وأبي يوسف فلا يجزي عندهما السراويل لأن لابسه يسمى
~~عريانا في العرف لكن ما لا يجزئه عن الكسوة يجزئه عن الإطعام باعتبار
~~القيمة، وفي اشتراط النية حينئذ روايتان. ms02527 وظاهر الرواية الإجزاء نوى أو
~~لم ينو. وروي أيضا أنه إن أعطى السراويل المرأة لا يجوز وإن أعطى الرجل
~~يجوز لأن المعتبر رد العري بقدر ما تجوز به الصلاة وذلك ما به يحصل ستر
~~العورة والزائد تفضل للتجمل أو نحوه فلا يجب في الكسوة كالإدام في الطعام
~~والمروي عن محمد أن ما تجوز فيه الصلاة يجزىء مطلقا. والصحيح المعول
~~عليه عندنا هو الأول، ويشترط أن يكون ذلك مما يصلح للأوساط وينتفع به فوق
~~ثلاثة أشهر، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كانت العباءة تجزىء
~~يومئذ، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه يجزىء قميص أو رداء أو
~~كساء، وعن الحسن أنها ثوبان أبيضان. وروى الإمامية عن الصادق رضي الله
~~تعالى عنه أنها ثوبان لكل مسكين ويجزىء ثوب واحد عند الضرورة واشترط
~~أصحابنا في المسكين أن يكون مراهقا فما فوقه فلا يجزىء غير المراهق على
~~ما ذكره الحصكفي نقلا عن «البدائع» في كفارة الظهار، وسيأتي إن شاء الله
~~تعالى في آية كفارة الظهار أن المراد من الإطعام التمكين من الطعم وتحقيق
~~الكلام في ذلك على أتم وجه. وقرىء { أو كسوتهم } بضم الكاف وهو
~~كقدوة في قدوة وأسوة في إسوة. وقرأ سعيد بن المسيب واليماني { أو
~~كإسوتهم } بكاف الجر الداخلة على إسوة وهي كما قال الراغب الحال التي
~~يكون الإنسان عليها في اتباع غيره إن حسنا وإن قبيحا. والهمزة كما قال
~~غير واحد: بدل من واو لأنه من المواساة. والجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف
~~والتقدير أو طعامهم كأسوة أهليكم، وقال السعد: الكاف زائدة أي أو طعامهم
~~أسوة أهليكم، وقيل: الأولى أن يكون التقدير طعام كأسوتهم على الوصف فهو
~~عطف أيضا على { من أوسط } وعلى هذه القراءة يكون التخيير بين الإطعام
~~والتحرير في قوله تعالى: { أو تحرير رقبة } فقط وتكون الكسوة
~~ثابتة بالسنة.

# وزعم أبو حيان أن الآية تنفي الكسوة وليس بشيء، وقال أبو البقاء: المعنى
~~مثل أسوة أهليكم في الكسوة فلا تكون الآية عارية عن الكسوة وفيه نظر إذ
~~ليس ms02528 في الكلام ما يدل على ذلك التقدير.

# والمراد بتحرير رقبة إعتاق إنسان كيف ما كان. وشرط الشافعي عليه الرحمة
~~فيه الإيمان حملا للمطلق هنا على المقيد في كفارة القتل. وعندنا لا يحمل
~~لاختلاف السبب. واستدل بعض الشافعية على ذلك بأن «الكفارة حق الله تعالى
~~وحق الله سبحانه لا يجوز صرفه إلى عدو الله عز اسمه كالزكاة. ونحن نقول:
~~المنصوص / عليه تحرير رقبة وقد تحقق. والقصد بالإعتاق أن يتمكن المعتق من
~~الطاعة بخلوصه عن خدمة المولى ثم مقارفته المعصية وبقاؤه على الكفر يحال
~~به إلى سوء اختياره». واعترض بأن لقائل أن يقول: نعم مقارفته المعصية
~~يحال به إلى ما ذكر لكن لم لا يكون تصور ذلك منه مانعا عن الصرف إليه
~~كما في الزكاة؟ وأجيب بأن القياس جواز صرف الزكاة إليه أيضا لأن فيه
~~مواساة عبيد الله تعالى أيضا لكن قوله صلى الله عليه وسلم:

# " خذها من أغنيائهم وردها إلى فقرائهم "

# أخرجهم عن المصرف.

# وقد ذكر بعض أصحابنا ضابطا لما يجوز إعتاقه في الكفارة وما لا يجوز
~~فقال: متى أعتق رقبة كاملة الرق في ملكه مقرونا بنية الكفارة وجنس ما
~~يبتغي من المنافع فيها قائم بلا بدل جاز وإن لم يكن كذلك فإنه لا يجوز
~~وهل يجوز عتق الأصم أم لا؟ قولان، وفي «الهداية»، «ويجوز الأصم والقياس
~~أن لا يجوز وهو رواية «النوادر» لأن الفائت جنس المنفعة إلا (أنا)
~~استحسنا الجواز لأن أصل المنفعة باق فإنه إذا صيح عليه يسمع حتى لو كان
~~بحال لا يسمع أصلا بأن ولد أصم وهو الأخرس لا يجزئه» انتهى.

# ومعنى «أو» إيجاب إحدى الخصال الثلاث مطلقا وتخيير المكلف في التعيين
~~ونسب إلى بعض المعتزلة أن الواجب الجمع ويسقط واحد. وقيل: الواجب متعين
~~عند الله تعالى وهو ما يفعله المكلف فيختلف بالنسبة إلى المكلفين. وقيل:
~~إن الواجب واحد معين لا يختلف لكن يسقط به وبالآخر. وتفاوتها قدرا
~~وثوابا لا ينافي التخيير المفوض تفاوته إلى الهمم وقصد زيادة الثواب فإن
~~الكسوة أعظم من الإطعام والتحرير أعظم منهما. ms02529 وبدأ سبحانه بالإطعام
~~تسهيلا على العباد. وذكر غير واحد من أصحابنا أن المكلف لو أدى الكل
~~جملة أو مرتبا ولم ينو إلا بعد تمامها وقع عنها واحد هو أعلاها قيمة ولو
~~ترك الكل عوقب بواحد هو أدناها قيمة لسقوط الفرض بالأدنى.

# وتحقيق ذلك في الأصول.

# { فمن لم يجد } أي شيئا من الأمور المذكورة { فصيام
~~ثلثة أيام } أي فكفارته ذلك. ويشترط الولاء عندنا ويبطل
~~بالحيض بخلاف كفارة الفطر. وإلى اشتراط الولاء ذهب ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما ومجاهد وقتادة والنخعي. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما قال:

# " لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة: يا رسول الله نحن بالخيار فقال صلى
~~الله عليه وسلم: أنت بالخيار إن شئت أعتقت وإن شئت كسوت وإن شئت أطعمت
~~فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات ".

# وأخرج ابن أبي شيبة وابن حميد وابن جرير وابن أبي داود في «المصاحف».
~~وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ (فصيام
~~ثلاثة أيام متتابعات). وأخرج غالب هؤلاء عن ابن مسعود أنه كان يقرأ أيضا
~~كذلك، وقال سفيان: نظرت في مصحف الربيع فرأيت فيه (فمن لم يجد من ذلك
~~شيئا فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وبمجموع ذلك يثبت اشتراط التتابع على
~~أتم وجه، وجوز الشافعي رحمه الله تعالى التفريق ولا يرى الشواذ حجة، ولعل
~~غير ذلك لم يثبت عنده واعتبر عدم الوجدان والعجز عما ذكر عندنا وقت
~~الأداء حتى لو وهب ماله وسلمه ثم صام ثم رجع بهبته أجزأه الصوم كما في
~~«المجتبى»، ونسب إلى الشافعي رضي الله تعالى عنه اعتبار العجز عند
~~الحنث. ويشترط استمرار العجز إلى الفراغ من الصوم فلو صام المعسر يومين
~~ثم قبل فراغه ولو بساعة أيسر ولو بموت مورثه موسرا لا يجوز له الصوم
~~ويستأنف بالمال. ولو صام ناسيا له لم يجز على الصحيح، واختلف في الواجد
~~فأخرج / أبو الشيخ عن قتادة قال: إذا كان عنده خمسون درهما فهو ممن يجد
~~ويجب عليه الإطعام وإن كان عنده ms02530 أقل فهو ممن لا يجد ويصوم. وأخرج عن
~~النخعي قال: إذا كان عنده عشرون درهما فعليه أن يطعم في الكفارة، ونقل
~~أبو حيان عن الشافعي وأحمد ومالك أن من كان عنده فضل عن قوته وقوت من
~~تلزمه نفقته يومه وليلته وعن كسوته بقدر ما يطعم أو يكسو فهو واجد، وعن
~~الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه إذا لم يكن عنده نصاب فهو غير
~~واجد.

# { ذلك } أي الذي مضى ذكره { كفارة أيمنكم إذا
~~حلفتم } أي وحنثتم وقد مر تفصيل ذلك. و { إذا } على ما قال السمين
~~لمجرد الظرفية وليس فيها معنى الشرط، وجوز أن تكون شرطية ويكون جوابها
~~محذوفا عند البصريين، والتقدير إذا حلفتم وحنثتم فذلك كفارة أيمانكم.
~~ويدل على ذلك ما تقدم أو هو ما تقدم عند الكوفيين والخلاف بين الفريقين
~~مشهور { واحفظوا أيمنكم } أي راعوها لكي تؤدوا الكفارة عنها
~~إذا حنثتم أو احفظوا أنفسكم من الحنث فيها وإن لم يكن الحنث معصية أو لا
~~تبذلوها وأقلوا منها كما يشعر به قوله تعالى:

# ولا تجعلوا الله عرضة لأيمنكم

# [البقرة: 224] وعليه قول الشاعر:

# قليل الألايا حافظ ليمينه

# إذا بدرت منه الألية برت

# أو احفظوها ولا تنسوا كيف حلفتم تهاونا بها وصحح الشهاب الأول. واعترض
~~الثاني بأنه لا معنى له لأنه غير منهي عن الحنث إذا لم يكن الفعل معصية،
~~وقد قال صلى الله عليه وسلم:

# " فليأت الذي هو خير وليكفر "

# وقال سبحانه:

# فرض الله لكم تحلة أيمنكم

# [التحريم: 2] فثبت أن الحنث غير منهي عنه إذا لم يكن معصية فلا يجوز أن
~~يكون { احفظوا أيمانكم } نهيا عن الحنث، والثالث بأنه ساقط
~~واه لأنه كيف يكون الأمر بحفظ اليمين نهيا عن اليمين وهل هو إلا كقولك:
~~احفظ المال بمعنى لا تكسبه، وأما البيت فلا شاهد فيه لأن معنى حافظ
~~ليمينه أنه مراع لها بأداء الكفارة ولو كان معناه ما ذكر لكان مكررا مع
~~ما قبله أعني  قليل الألايا . واعترض الرابع بأنه بعيد فتدبر {
~~كذلك } أي ذلك البيان البديع { يبين الله لكم آيته ms02531 }
~~أعلام شريعته وأحكامه لا بيانا أدنى منه، وتقديم { لكم } على المفعول
~~الصريح لما مر مرارا. { لعلكم تشكرون } نعمة التعليم أو نعمه
~~الواجب شكرها.

### || [5.90]

# { يأيها الذين آمنوا إنما الخمر } وهو المسكر
~~المتخذ من عصير العنب أو كل ما يخامر العقل ويغطيه من الأشربة. وروي هذا
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { والميسر } وهو القمار وعدوا
~~منه اللعب بالجوز والكعاب { والأنصاب } وهي الأصنام المنصوبة
~~للعبادة، وفرق بعضهم بين الأنصاب والأصنام بأن الأنصاب حجارة لم تصور
~~كانوا ينصبونها للعبادة ويذبحون عندها، والأصنام ما صور وعبد من دون الله
~~عز وجل { والأزلام } وهي القداح وقد تقدم الكلام في ذلك على أتم وجه
~~{ رجس } أي قذر تعاف عنه العقول، وعن الزجاج الرجس كل ما استقذر من
~~عمل قبيح. وأصل معناه الصوت الشديد ولذا يقال للغمام رجاس لرعده والرجز
~~بمعناه عند بعضهم /. وفرق ابن دريد بين الرجس والرجز والركس فجعل الرجس
~~الشر والرجز العذاب والركس العذرة والنتن، وإفراد الرجس مع أنه خبر عن
~~متعدد لأنه مصدر يستوي فيه القليل والكثير، ومثل ذلك قوله تعالى:

# إنما المشركون نجس

# [التوبة: 28] وقيل: لأنه خبر عن الخمر وخبر المعطوفات محذوف ثقة
~~بالمذكور. وقيل: لأن في الكلام مضافا إلى تلك الأشياء وهو خبر عنه أي
~~إنما شأن هذه الأشياء أو تعاطيها رجس.

# وقوله سبحانه: { من عمل الشيطن } في موضع الرفع على أنه صفة
~~{ رجس } أي كائن من عمله لأنه مسبب من تزيينه وتسويله، وقيل: إن من
~~للابتداء أي ناشىء من عمله. وعلى التقديرين لا ضير في جعل ذلك من العمل
~~وإن كان ما ذكر من الأعيان. ودعوى أنه إذا قدر المضاف لم يحتج إلى ملاحظة
~~علاقة السببية ولا إلى القول بأن من ابتدائية لا يخلو عن نظر {
~~فاجتنبوه } أي الرجس أو جميع ما مر بتأويل ما مر أو التعاطي المقدر
~~أو الشيطان { لعلكم تفلحون } أي راجين فلاحكم أو لكي تفلحوا
~~بالاجتناب عنه وقد مر الكلام في ذلك، ولقد أكد سبحانه تحريم الخمر
~~والميسر في هذه الآية بفنون التأكيد حيث ms02532 صدرت الجملة بإنما وقرنا
~~بالأصنام والأزلام وسميا رجسا من عمل الشيطان تنبيها على غاية قبحهما
~~وأمر بالاجتناب عن عينهما بناء على بعض الوجوه وجعله سببا يرجى منه
~~الفلاح فيكون ارتكابهما خيبة. ثم قرر ذلك ببيان ما فيهما من المفاسد
~~الدنيوية والدينية فقال سبحانه: { إنما يريد الشيطن أن
~~يوقع بينكم.. }.

### || [5.91]

# { إنما يريد الشيطن أن يوقع بينكم العداوة
~~والبغضاء فى الخمر والميسر } أي بسبب تعاطيهما لأن
~~السكران يقدم على كثير من القبائح التي توجب ذلك ولا يبالي وإذا صحا ندم
~~على ما فعل، «والرجل قد يقامر حتى لا يبقى له شيء وتنتهي به المقامرة إلى
~~أن يقامر بولده وأهله فيؤدي به ذلك إلى أن يصير أعدى الأعداء لمن قمره
~~وغلبه وهذه إشارة إلى مفاسدهما الدنيوية. وقوله تعالى: { ويصدكم
~~عن ذكر الله وعن الصلوة } إشارة إلى مفاسدهما الدينية.
~~ووجه صد الشيطان لهم بذلك عما ذكر أن الخمر لغلبة السرور بها والطرب على
~~النفوس والاستغراق في الملاذ الجسمانية تلهي عن ذكر الله تعالى وعن
~~الصلاة وإن الميسر إن كان اللاعب به غالبا انشرحت نفسه ومنعه حب الغلب
~~والقهر والكسب عما ذكر وإن كان مغلوبا حصل له من الانقباض والقهر ما
~~يحثه على الاحتيال لأن يصير غالبا فلا يكاد يخطر بقلبه غير ذلك. وقد
~~شاهدنا كثيرا ممن يلعب بالشطرنج يجري بينهم من اللجاج والحلف الكاذب»
~~والغفلة عن الله تعالى ما ينفر منه الفيل وتكبو له الفرس ويصوح من سمومه
~~الرخ بل يتساقط ريشه ويحار لشناعته بيذق الفهم ويضطرب فرزين العقل ويموت
~~شاه القلب وتسود رقعة الأعمال، وتخصيص الخمر والميسر بإعادة الذكر وشرح
~~ما فيهما من الوبال للتنبيه على أن المقصود بيان حالهما وذكر الأنصاب
~~والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة والشرارة كما يشعر بذلك ما
~~جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح من الأخبار الصادحة
~~بمزيد ذمهما والحط على مرتكبهما.

# وخص الصلاة من الذكر بالإفراد بالذكر مع أن الذي يصد عنه يصد عنها لأنه
~~من أركانها تعظيما لها كما في ذكر ms02533 الخاص بعد العام وإشعارا بأن الصاد
~~عنها كالصاد عن الإيمان لما أنها عماده والفارق بينه وبين الكفر إذ
~~التصديق القلبي لا يطلع عليه وهي أعظم شعائره المشاهدة في كل وقت ولذا
~~طلبت فيها الجماعة / ليشاهدوا الإيمان ويشهدوا به، ففي الكلام إشارة إلى
~~أن مراد اللعين ومنتهى آماله من تزيين تعاطي شرب الخمر واللعب بالميسر
~~الايقاع في الكفر الموجب للخلود معه في النار وبئس القرار.

# ثم إنه سبحانه أعاد الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام الانكاري مع
~~الجملة الاسمية مرتبا على ما تقدم من أصناف الصوارف فقال جل شأنه: {
~~فهل أنتم منتهون } إيذانا بأن الأمر في الردع والمنع قد بلغ
~~الغاية وأن الأعذار قد انقطعت بالكلية حتى إن العاقل إذا خلي ونفسه بعد
~~ذلك لا ينبغي أن يتوقف في الانتهاء. ووجه تلك التأكيدات أن القوم رضي
~~الله تعالى عنهم كما قيل كانوا مترددين في التحريم بعد نزول آية البقرة
~~[219] ولذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: «اللهم بين لنا في ذلك بيانا
~~شافيا» فنزلت هذه الآية، ولما سمع عمر رضي الله تعالى عنه { فهل
~~أنتم منتهون } قال: «انتهينا يا رب»، وأخرج عبد بن حميد عن عطاء
~~قال: أول ما نزل في تحريم الخمر

# يسئلونك عن الخمر والميسر

# [البقرة: 219] الآية، فقال بعض الناس: نشربها لمنافعها التي فيها، وقال
~~آخرون: لا خير في شيء فيه إثم ثم نزل

# يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم
~~سكارى

# [النساء: 43] الآية فقال بعض الناس: نشربها ونجلس في بيوتنا، وقال آخرون
~~لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة مع المسلمين فنزلت: { يا أيها
~~الذين آمنوا إنما الخمر والميسر } الآية فانتهوا.
~~وأخرج عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " إن الله سبحانه قد حرم الخمر فمن كان عنده شيء فلا يطعمه ولا تبيعوها
~~"

# فلبث المسلمون زمانا يجدون ريحها من طرق المدينة مما أهراقوا منها.
~~وأخرج عن الربيع أنه قال لما نزلت آية البقرة قال رسول الله صلى ms02534 الله
~~عليه وسلم:

# " إن ربكم يقدم في تحريم الخمر "

# ثم نزلت آية النساء فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

# " إن ربكم يقدم في تحريم الخمر "

# ثم نزلت آية بالمائدة فحرمت الخمر عند ذلك. وقد تقدم في آية البقرة شيء
~~من الكلام في هذا المقام فتذكر.

### || [5.92]

# { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } عطف على «اجتنبوه» أي
~~أطيعوهما في جميع ما أمرا به ونهيا عنه ويدخل فيه أمرهما ونهيهما في
~~الخمر والميسر دخولا أوليا { واحذروا } أي مخالفتهما في ذلك وهذا
~~مؤكد للأمر الأول، وجوز أن يكون المراد أطيعوا فيما أمرا واحذروا عما
~~نهيا فلا تأكيد. وجوز أيضا أن لا يقدر متعلق للحذر أي وكونوا حاذرين
~~خاشين وأمروا بذلك لأنهم إذا حذروا دعاهم الحذر إلى اتقاء كل سيئة وعمل
~~كل حسنة { فإن توليتم } أي أعرضتهم ولم تعملوا بما أمرتم به {
~~فاعلموا أنما على رسولنا البلغ المبين } أي
~~ولم يأل جهدا في ذلك فقامت عليكم الحجة وانتهت الأعذار وانقطعت العلل
~~ولم يبق بعد ذلك إلا العقاب. وفي هذا كما قال الطبرسي وغيره من التهديد
~~وشدة الوعيد ما لا يخفى، وقيل: إن المعنى فاعلموا أنكم لن تضروا بتوليتكم
~~الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه ما كلف إلا البلاغ المبين بالآيات وقد
~~فعل وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتموه وليس بشيء إذ لا يتوهم
~~منهم ادعاء الضرر بتوليتهم حتى يرد عليهم. ومثل ذلك ما قيل: إن المعنى
~~فإن توليتم فلا تطمعوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يهملكم لأن ما
~~على الرسول إلا البلاغ المبين فلا يجوز له ترك البلاغ.

### || [5.93]

# { ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصلحت
~~جناح } أي إثم وحرج / { فيما طعموا إذا ما اتقوا
~~وءامنوا وعملوا الصلحت ثم اتقوا وءامنوا
~~ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين } قيل:
~~لما نزل تحريم الخمر والميسر قالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم: كيف بمن
~~شربها من إخواننا الذين ماتوا وهم قد شربوا الخمر وأكلوا الميسر؟ فأنزل
~~الله تعالى هذه الآية، وقيل: إنها نزلت في القوم الذين حرموا على ms02535 نفوسهم
~~اللحوم وسلكوا طريق الترهب كعثمان بن مظعون وغيره والأول هو المختار،
~~وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأنس بن مالك والبراء بن عازب
~~ومجاهد وقتادة والضحاك وخلق آخرين. وللمفسرين في معنى الآية كلام طويل
~~الذيل فنقل الطبرسي والعهدة عليه عن تفسير أهل البيت أن (ما) عبارة عن
~~المباحات، واختاره غير واحد من المتأخرين. وتعقب بأنه يلزم عليه تقييد
~~إباحتها باتقاء ما عداها من المحرمات لقوله سبحانه: { إذا ما
~~اتقوا } واللازم منتف بالضرورة فهي سواء كانت موصولة أو موصوفة على
~~عمومها وإنما تخصصت بذلك القيد الطارىء عليها، والطعم كالطعام يستعمل في
~~الأكل والشرب كما تقدمت إليه الإشارة.

# والمعنى ليس عليهم جناح فيما تناولوه من المأكول والمشروب كائنا ما كان
~~إذا اتقوا أن يكون في ذلك شيء من المحرم واستمروا على الإيمان والأعمال
~~الصالحة وإلا لم يكن نفي الجناح في كل ما طعموه بل في بعضه، ولا محذور في
~~هذا إذ اللازم منه تقييد إباحة الكل بأن لا يكون فيه محرم لا تقييد إباحة
~~بعضه باتقاء بعض آخر منه كما هو اللازم مما عليه الجماعة. و { اتقوا
~~} الثاني عطف على نظيره المتقدم داخل معه في حيز الشرط. والمراد اتقوا ما
~~حرم عليهم بعد ذلك مع كونه مباحا فيما سبق، والمراد بالإيمان المعطوف
~~عليه إما الإيمان بتحريمه وتقديم الاتقاء عليه إما للاعتناء به أو لأنه
~~الذي يدل على التحريم الحادث الذي هو المؤمن به، وإما الاستمرار على
~~الإيمان بما يجب الإيمان به ومتعلق الاتقاء ثالثا ما حرم عليهم أيضا
~~بعد ذلك مما كان مباحا من قبل على أن المشروط بالاتقاء في كل مرة إباحة
~~ما طعموه في ذلك الوقت لا إباحة ما طعموه قبله لانتساخ إباحة بعضه حينئذ
~~وأريد بالإحسان فعل الأعمال الحسنة الجميلة المنتظمة بجميع ما ذكر من
~~الأعمال القلبية والقالبية.

# وليس تخصيص هذه المراتب بالذكر لتخصيص الحكم بها بل لبيان التعدد
~~والتكرار بالغا ما بلغ، والمعنى أنهم إذا اتقوا المحرمات واستمروا على
~~ما هم عليه من الإيمان ms02536 والأعمال الصالحة وكانوا في طاعة الله تعالى
~~ومراعاة أوامره ونواهيه بحيث كلما حرم عليهم شيء من المباحات اتقوه ثم
~~وثم فلا جناح عليهم فيما طعموه في كل مرة من المآكل والمشارب إذ ليس فيها
~~شيء محرم عند طعمه قاله مولانا شيخ الإسلام، ثم قال: وأنت خبير بأن ما
~~عدا اتقاء المحرمات من الصفات الجميلة المذكورة لا دخل لها في انتفاء
~~الجناح وإنما ذكرت في حيز (إذا) شهادة باتصاف الذين سئل عن حالهم بها
~~ومدحا لهم بذلك وحمدا لأحوالهم، وقد أشير إلى ذلك حيث جعلت تلك الصفات
~~تبعا للاتقاء في كل مرة تميزا بينها وبين ما له دخل في الحكم فإن مساق
~~النظم الكريم بطريق العبارة وإن كان لبيان حال المتصفين بما ذكر من
~~النعوت فيما سيأتي من الزمان بقضية { إذا ما } لكنه قد أخرج مخرج
~~الجواب عن حال الماضين لإثبات الحكم في حقهم ضمن التشريع الكلي على الوجه
~~البرهاني بطريق دلالة النص بناء على كمال اشتهارهم بالاتصاف بها فكأنه
~~قيل: ليس عليهم جناح فيما طعموه إذا كانوا في طاعته تعالى مع ما لهم من
~~الصفات الحميدة بحيث كلما أمروا بشيء تلقوه بالامتثال، وإنما كانوا
~~يتعاطون الخمر والميسر في حياتهم لعدم تحريمهما إذ ذاك ولو حرما في عصرهم
~~لاتقوهما بالمرة انتهى.

# / ومما يدل على أن الآية للتشريع الكلي ما أخرجه مسلم والترمذي والنسائي
~~وغيرهم عن ابن مسعود قال: لما نزلت { ليس على الذين ءامنوا }
~~الآية قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " قيل لي أنت منهم "

# وقيل: إن ما في حيز الشرط من الاتقاء وغيره إنما ذكر على سبيل المدح
~~والثناء للدلالة على أن القوم بتلك الصفة لأن المراد بما المباحات، ونفي
~~الجناح في تناول المباح الذي لم يحرم لا يتقيد بشرط، وقال علي بن الحسين
~~النقيب المرتضى: إن المفسرين تشاغلوا بإيضاح الوجه في التكرار الذي
~~تضمنته هذه الآية وظنوا أنه المشكل فيها وتركوا ما هو أشد إشكالا من ذلك
~~وهو أنه تعالى نفى الجناح عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ms02537 فيما يطعمونه
~~بشرط الاتقاء والإيمان والعمل الصالح مع أن المباح لو وقع من الكافر لا
~~إثم عليه ولا وزر. ولنا في حل هذه الشبهة طريقان، أحدهما: أن يضم إلى
~~المشروط المصرح بذكره غيره حتى يظهر تأثير ما شرط فيكون تقدير الآية ليس
~~على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا وغيره إذا ما اتقوا الخ
~~لأن الشرط في نفي الجناح لا بد من أن يكون له تأثير حتى يكون متى انتفى
~~ثبت الجناح، وقد علمنا أن باتقاء المحارم ينتفي الجناح فيما يطعم فهو
~~الشرط الذي لا زيادة عليه، ولما ولي ذكر الاتقاء الإيمان والعمل الصالح
~~ولا تأثير لهما في نفي الجناح علمنا أنه أضمر ما تقدم ذكره ليصح الشرط
~~ويطابق المشروط لأن من اتقى الحرام فيما يطعم لا جناح عليه فيما يطعم
~~ولكنه قد يصح أن يثبت عليه الجناح فيما أخل به من واجب وضيعه من فرض فإذا
~~شرطنا الإيمان والعمل الصالح ارتفع عنه الجناح من كل وجه، وليس بمنكر حذف
~~ما ذكرناه لدلالة الكلام عليه فمن عادة العرب أن يحذفوا ما يجري هذا
~~المجرى ويكون قوة الدلالة عليه مغنية عن النطق به، ومنه قول الشاعر:

# تراه كأن الله يجدع أنفه

# وعينيه إن مولاه بات له وفر

# فإنه لما كان الجدع لا يليق بالعين وكانت معطوفة على الأنف الذي يليق
~~الجدع به أضمر ما يليق بالعين من البخص وما يجري مجراه. الطريق الثاني أن
~~يجعل الإيمان والعمل الصالح ليس شرطا حقيقيا وإن كان معطوفا على الشرط
~~فكأنه تعالى لما أراد أن يبين وجوب الإيمان وما عطف عليه عطفه على ما هو
~~واجب من اتقاء المحارم لاشتراكهما في الوجوب وإن لم يشتركا في كونهما
~~شرطا في نفي الجناح فيما يطعم وهذا توسع في البلاغة يحار فيه العقل
~~استحسانا واستغرابا انتهى. ولا يخفى ما في الطريق الثاني من البعد وإن
~~الطريق الأول حزن فإن مثل هذا الحذف مع ما زعمه من القرينة لا يكاد يوجد
~~في الفصيح في أمثال هذه المقامات، وليس ms02538 ذلك كالبيت الذي ذكره فإنه من
~~باب:

# علفتها تبنا وماء باردا

# وهو مما لا كلام لنا فيه وأين البيض من الباذنجان. وقيل في الجواب أيضا
~~عن ذلك: إن المؤمن يصح أن يطلق عليه بأنه لا جناح عليه والكافر مستحق
~~للعقاب مغمور به يوم الحساب فلا يطلق عليه ذلك، وأيضا إن الكافر قد سد
~~على نفسه طريق معرفة التحليل والتحريم فلذلك يخص المؤمن بالذكر ولا يخفى
~~ما فيه.

# وقال عصام الملة: الأظهر أن المراد أنه لا جناح فيما طعموا مما سوى هذه
~~المحرمات إذا ما اتقوا ولم يأكلوا فوق الشبع ولم يأكلوا من مال الغير،
~~وذكر الإيمان والعمل الصالح للإيذان بأن الاتقاء لا بد له منهما فإن من
~~لا إيمان له لا يتقي وكذا من لا عمل صالح له فضمهما إلى الإيمان لأنهما
~~ملاك الاتقاء، وتكرير التقوى والثبات على الإيمان للإشارة إلى أن ثبات
~~نفي الجناح فيما يطعم على ثبات التقوى، وترك ذكر العمل الصالح ثانيا
~~للإشارة إلى أن / الإيمان بعد التمرن على العمل لا يدع أن يترك العمل.
~~وذكر الإحسان بعد للإشارة إلى أن كثرة مزاولة التقوى والعمل الصالح ينتهي
~~إلى الإحسان وهو أن تعبد الله تعالى كأنك تراه إلى آخر ما في الخبر
~~انتهى. وفيه الغث والسمين.

# وكلامهم الذي أشار إليه المرتضى في إيضاح وجه التكرير كثير فقال أبو علي
~~الجبائي: إن الشرط الأول: يتعلق بالزمان الماضي.

# الثاني: يتعلق بالدوام على ذلك والاستمرار على فعله. والثالث: يختص
~~بمظالم العباد وبما يتعدى إلى الغير من الظلم والفساد. واستدل على اختصاص
~~الثالث بذلك بقوله تعالى: { وأحسنوا } فإن الإحسان إذا كان متعديا
~~وجب أن تكون المعاصي التي أمروا باتقائها قبله أيضا متعدية وهو في غاية
~~الضعف إذ لا تصريح في الآية بأن المراد بالإحسان الإحسان المتعدي ولا
~~يمتنع أن يراد به فعل الحسن والمبالغة فيه وإن خص الفاعل ولم يتعد إلى
~~غيره كما يقولون لمن بالغ في فعل الحسن أحسنت وأجملت، ثم لو سلم أن
~~المراد به الإحسان المتعدي فلم لا يجوز ms02539 أن يعطف فعل متعد على فعل لا
~~يتعدى. ولو صرح سبحانه فقال: اتقوا القبائح كلها وأحسنوا إلى الناس لم
~~يمتنع وذلك ظاهر. وقيل: إن الاتقاء الأول هو اتقاء المعاصي العقلية التي
~~تخص المكلف ولا تتعداه. والإيمان الأول الإيمان بالله تعالى وبما أوجب
~~الإيمان به والإيمان بقبح هذه المعاصي ووجوب تجنبها والاتقاء الثاني هو
~~اتقاء المعاصي السمعية والإيمان الثاني هو الإيمان بقبحها ووجوب تجنبها.
~~والاتقاء الثالث يختص بمظالم العباد وهو كما ترى، وقيل: المراد بالأول
~~اتقاء ما حرم عليهم أولا مع الثبات على الإيمان والأعمال الصالحة إذ لا
~~ينفع الاتقاء بدون ذلك. وبالثاني اتقاء ما حرم عليهم بعد ذلك من الخمر
~~ونحوه والإيمان التصديق بتحريم ذلك. وبالثالث الثبات على اتقاء جميع ذلك
~~من السابق والحادث مع تحري الأعمال الجميلة. وهذا مراد من قال: إن
~~التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة، وقيل: إنه باعتبار المراتب الثلاث
~~للتقوى المبدأ والوسط والمنتهى وقد مر تفصيلها، وقيل: باعتبار الحالات
~~الثلاث بأن يتقي الله تعالى ويؤمن به في السر ويجتنب ما يضر نفسه من عمل
~~واعتقاد ويتقي الله تعالى ويؤمن به علانية ويجتنب ما يضر الناس ويتقي
~~الله تعالى ويؤمن به بينه وبين الله تعالى بحيث يرفع الوسائط وينتهي إلى
~~أقصى المراتب. ولما في هذه الحالة من الزلفى منه تعالى ذكر الإحسان فيها
~~بناء على أنه كما فسره صلى الله عليه وسلم في الخبر الصحيح

# " أن تعبد الله تعالى كأنك تراه "

# وقيل: باعتبار ما يتقي فإنه ينبغي أن يترك المحرمات توقيا من العقاب
~~والشبهات توقيا من الوقوع في الحرام. وبعض المباحات حفظا للنفس عن
~~الخسة وتهذيبا لها عن دنس الطبيعة، وقيل: المراد بالأول اتقاء الكفر
~~وبالثاني اتقاء الكبائر وبالثالث اتقاء الصغائر، وقيل: إن التكرير لمجرد
~~التأكيد ويجوز فيه العطف بثم كما صرح به ابن مالك في قوله تعالى:

# كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون

# [التكاثر: 3-4] ولا يخفى أن أكثر هذه الأقوال غير مناسبة للمقام، وذكر
~~العلامة الطيبي أن معنى الآية أنه ليس المطلوب من المؤمنين الزهادة ms02540 عن
~~المستلذات وتحريم الطيبات وإنما المطلوب منهم الترقي في مدارج التقوى
~~والإيمان إلى مراتب الإخلاص واليقين ومعارج القدس والكمال وذلك بأن
~~يثبتوا على الاتقاء عن الشرك وعلى الإيمان بما يجب الإيمان به وعلى
~~الأعمال الصالحة لتحصل الاستقامة التامة التي يتمكن بها إلى الترقي إلى
~~مرتبة المشاهدة ومعارج »أن تعبد الله تعالى كأنك تراه« وهو المعني بقوله
~~تعالى: { وأحسنوا } الخ وبها يمنح الزلفى عند الله تعالى ومحبته
~~سبحانه المشار إليها بقوله عز وجل: { والله يحب المحسنين
~~}.

# وفي هذا النظم نتيجة مما رواه الترمذي وابن ماجه من قوله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " ليس الزهادة في / الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهد أن
~~تكون بما بيد الله تعالى أوثق منك بما في يدك "

# انتهى. وهو ظاهر جدا على تقدير أن تكون الآية في القوم الذين سلكوا طريق
~~الترهب وهو قول مرجوح فتدبر. وجملة { والله يحب المحسنين }
~~على سائر التقادير تذييل مقرر لمضمون ما قبله أبلغ تقرير، وذكر بعضهم أنه
~~كان الظاهر والله يحب هؤلاء فوضع المحسنين موضعه إشارة إلى أنهم متصفون
~~بذلك.

### || [5.94]

# { يأيها الذين ءامنوا ليبلونكم الله } جواب
~~قسم محذوف أي والله ليعاملنكم معاملة من يختبركم ليتعرف حالكم { بشىء
~~من الصيد } أي مصيد البر كما قال الكلبي مأكولا كان أو غير ماكول
~~ما عدا المستثنيات كما سيأتي إن شاء الله تعالى فاللام للعهد. والآية كما
~~أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل نزلت في عمرة الحديبية حيث ابتلاهم الله
~~تعالى بالصيد وهم محرمون فكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم وكانوا متمكنين
~~من صيدها أخذا بأيديهم وطعنا برماحهم وذلك قوله تعالى: { تناله
~~أيديكم ورمحكم } فهموا بأخذها فنزلت. وعن ابن عباس ومجاهد
~~وهو المروي عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه أن الذي تناله الأيدي فراخ
~~الطير وصغار الوحش والبيض والذي تناله الرماح الكبار من الصيد. واختار
~~الجبائي أن المراد بما تناله الأيدي والرماح صيد الحرم مطلقا لأنه كيفما
~~كان يأنس بالناس ولا ينفر منهم كما ينفر في الحل، وقيل: ما تناله الأيدي
~~ما ms02541 يتأتى ذبحه وما تناله الرماح ما لا يتأتى ذبحه، وقيل: المراد بذلك ما
~~قرب وما بعد، وذكر ابن عطية أن «الظاهر أنه سبحانه خص الأيدي بالذكر
~~لأنها أعظم تصرفا في الاصطياد وفيها يدخل الجوارح والحبالات وما عمل
~~بالأيدي من فخاخ وأشباك. وخص الرماح بالذكر لأنها أعظم ما يجرح به الصيد
~~ويدخل فيها السهم ونحوه» وتنكير «شيء» كما قال غير واحد للتحقير المؤذن
~~بأن ذلك [ليس] من الفتن الهائلة التي تزل فيها أقدام الراسخين كالابتلاء
~~بقتل الأنفس وإتلاف الأموال وإنما هو من قبيل ما ابتلي به أهل أيلة من
~~صيد البحر. وفائدته التنبيه على أن من لم يثبت في مثل هذا كيف يثبت عند
~~شدائد المحن. فمن بيانية أي بشيء حقير هو الصيد.

# واعترضه ابن المنير «بأنه قد وردت هذه الصيغة بعينها في الفتن العظيمة
~~كما في قوله تعالى:

# ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من
~~الأموال والأنفس والثمرت وبشر الصبرين

# [البقرة: 155] فالظاهر والله تعالى أعلم أن «من» للتبعيض، والمراد بما
~~يشعر به اللفظ من التقليل والتبعيض التنبيه على أن جميع ما يقع الابتلاء
~~به من هذه البلايا بعض من كل بالنسبة إلى مقدور الله تعالى وأنه تعالى
~~قادر على أن يجعل ما يبتليهم به من ذلك أعظم مما يقع وأهول وأنه مهما
~~اندفع عنهم ما هو أعظم في المقدور فإنما يدفعه عنهم إلى ما هو أخف وأسهل
~~لطفا بهم ورحمة ليكون هذا التنبيه باعثا لهم على الصبر وحاملا على
~~الاحتمال. والذي يرشد إلى هذا سبق الإخبار بذلك قبل حلوله لتوطين النفوس
~~عليه فإن المفاجأة بالشدائد شديدة الألم والإنذار بها قبل وقوعها مما
~~يسهل موقعها.

# وإذا فكر العاقل فيما يبتلى به من أنواع البلايا وجد المندفع منها عنه
~~أكثر مما وقع فيه بأضعاف لا تقف عنده غاية فسبحانه اللطيف بعباده» انتهى.

# وتعقبه مولانا شهاب الدين بأن ما ذكر بعينه أشار إليه الشيخ في «دلائل
~~الاعجاز» لأن شيئا إنما يذكر لقصد التعميم نحو قوله سبحانه:

# وإن من شىء إلا يسبح بحمده

# [الإسراء: ms02542 44] أو الإبهام وعدم التعيين أو التحقير لادعاء أنه لحقارته
~~لا يعرف. وهنا لو قيل: ليبلونكم بصيد تم المعنى فإقحامها لا بد له من
~~نكتة وهي ما ذكر، وأما ما / أورده من الآية الأخرى فشاهد له لا عليه لأن
~~المقصود فيه أيضا التحقير بالنسبة إلى ما دفعه الله تعالى عنهم كما صرح
~~به المعترض نفسه مع أنه لا يتم الاعتراض به إلا إذا كان { ونقص }
~~معطوفا على مجرور (من) لو عطف على  شيء  لكان مثل هذه الآية بلا فرق
~~انتهى. وقال عصام الملة: يمكن أن يقال: التعبير بالشيء للإبهام المكنى به
~~عن العظمة والتنوين للتعظيم أي بشيء عظيم في مقام المؤاخذة بهتكه إذا آخذ
~~الله تعالى المبتلى به في الأمم السابقة بالمسخ والجعل قردة وخنازير ثم
~~استظهر أن التعبير بذلك لافادة البعضية، ومما قدمنا يعلم ما فيه. وقرأ
~~إبراهيم «يناله أيديكم» بالياء.

# { ليعلم الله من يخافه بالغيب } أي ليتعلق علمه
~~سبحانه بمن يخافه بالفعل فلا يتعرض للصيد فإن علمه تعالى بأنه سيخافه وإن
~~كان متعلقا به لكن تعلقه بأنه خائف بالفعل وهو الذي يدور عليه أمر
~~الجزاء إنما يكون عند تحقق الخوف بالفعل، وإلى هذا يشير كلام البلخي.
~~والغيب مصدر في موضع اسم الفاعل أي يخافه في الموضع الغائب عن الخلق
~~فالجار متعلق بما قبله. وجوز أبو البقاء أن يكون في موضع الحال من (من)
~~أو من ضمير الفاعل في { يخافه } أي يخافه غائبا عن الخلق. وقال غير
~~واحد: العلم مجاز عن وقوع المعلوم وظهوره. ومحصل المعنى ليتميز الخائف من
~~عقابه الأخروي وهو غائب مترقب لقوة إيمانه فلا يتعرض للصيد من لا يخافه
~~كذلك لضعف إيمانه فيقدم عليه، وقيل: إن هناك مضافا محذوفا، والتقدير
~~ليعلم أولياء الله تعالى و«من»على كل تقدير موصولة، واحتمال كونها
~~إستفهامية أي ليعلم جواب من يخافه أي هذا الاستفهام بعيد. وقرىء (ليعلم)
~~من الإعلام على حذف المفعول الأول أي ليعلم الله عباده الخ، وإظهار الاسم
~~الجليل في موقع الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروعة.

# { فمن اعتدى } أي تجاوز ms02543 حد الله تعالى وتعرض للصيد { بعد
~~ذلك } الإعلام وبيان أن ما وقع ابتلاء من جهته سبحانه لما ذكر من
~~الحكمة. وقيل: بعد التحريم والنهي، ورد بأن النهي والتحريم ليس أمرا
~~حادثا ترتب عليه الشرطية بالفاء، وقيل: بعد الابتلاء ورد بأن الابتلاء
~~نفسه لا يصلح مدارا التشديد والعذاب بل ربما يتوهم كونه عذرا مسوغا
~~لتخفيفه.

# وفسر بعضهم الابتلاء بقدرة المحرم على المصيد فيما يستقبل، وقال: ليس
~~المراد به غشيان الصيود إياهم فإنه قد مضى، وأنت تعلم أن إرادة ذلك
~~المعنى ليست في حيز القبول والمعول عليه ما أشرنا إليه أي فمن تعرض للصيد
~~بعد ما بينا أن ما وقع من كثرة الصيد وعدم توحشه منهم ابتلاء مؤد إلى
~~تعلق العلم بالخائف بالفعل أو تميز المطيع من العاصي.

# { فله عذاب أليم } لأن التعرض والاعتداء حينئذ مكابرة محضة
~~وعدم مبالاة بتدبير الله تعالى وخروج عن طاعته وانخلاع عن خوفه وخشيته
~~بالكلية، ومن لا يملك زمام نفسه ولا يراعي حكم الله تعالى في أمثال هذه
~~البلايا الهينة لا يكاد يراعيه في عظائم المداحض. والمتبادر على ما قيل:
~~أن هذا العذاب الأليم في الآخرة، وقيل: هو في الدنيا. فقد أخرج ابن أبي
~~حاتم من طريق قيس بن سعد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: هو أن
~~يوسع ظهره وبطنه جلدا ويسلب ثيابه وكان الأمر كذلك في الجاهلية أيضا،
~~وقيل: المراد بذلك عذاب الدارين وإليه ذهب شيخ الإسلام. ومناسبة الآية
~~لما قبلها على ما ذكره الأجهوري أنه سبحانه لما أمرهم أن لا يحرموا
~~الطيبات وأخرج من ذلك الخمر والميسر وجعلهما حرامين، وإنما أخرج بعد من
~~الطيبات ما يحرم في حال / دون حال وهو الصيد. ثم إنه عز اسمه شرع في بيان
~~ما يتدارك به الاعتداء من الأحكام إثر بيان ما يلحقه من العذاب فقال عز
~~من قائل: { يأيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد
~~وأنتم حرم }.

### || [5.95]

# { يأيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد
~~وأنتم حرم } والتصريح بالنهي مع كونه معلوما لا سيما من قوله
~~تعالى: ms02544

# غير محلى الصيد وأنتم حرم

# [المائدة: 1] لتأكيد الحرمة وترتيب ما يعقبه عليه. واللام في {
~~الصيد } للعهد حسبما سلف، وإطلاقه على غير المأكول شائع، وإلى
~~التعميم ذهبت الإمامية، وأنشدوا لعلي كرم الله تعالى وجهه:

# صيد الملوك ثعالب وأرانب

# وإذا ركبت فصيدي الأبطال

# وخصه الشافعية بالمأكول قالوا: لأنه الغالب فيه عرفا، وأيد ذلك بما رواه
~~الشيخان

# " خمس يقتلن في الحل والحرم: الحدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب
~~العقور "

# وفي رواية لمسلم

# " والحية "

# بدل العقرب، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة البحث. والحرم جمع حرام كردح
~~جمع رداح والحرام والمحرم بمعنى والمراد به من أحرم بحج أو عمرة وإن كان
~~في الحل وفي حكمه من كان في الحرم وإن كان حلالا، وقيل: المراد به من
~~كان في الحرم وإن لم يكن محرما بنسك وفي حكمه المحرم وإن كان في الحل.
~~وقال أبو علي الجبائي: الآية تدل على تحريم قتل الصيد على المحرم بنسك
~~أينما كان وعلى من في الحرم كيفما كان معا، وقال علي بن عيسى: لا تدل إلا
~~على تحريم ذلك على الأول خاصة، ولعل الحق مع علي لا مع أبيه. وذكر القتل
~~دون الذبح ونحوه للإيذان بأن الصيد وإن ذبح في حكم الميتة، وإلى ذلك ذهب
~~الإمام الأعظم وأحمد ومالك رضي الله تعالى عنهم، وهو القول الجديد
~~للشافعي رضي الله تعالى عنه، وفي القديم لا يكون في حكم الميتة ويحل أكله
~~للغير ويحرم على المحرم.

# { ومن قتله } كائنا { منكم } حال كونه { متعمدا } أي
~~ذاكرا لإحرامه عالما بحرمة قتل ما يقتله ومثله من قتله خطأ للسنة. فقد
~~أخرج ابن جرير عن الزهري قال: نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في الخطأ.
~~وأخرج الشافعي وابن المنذر عن عمرو بن دينار قال: رأيت الناس أجمعين
~~يغرمون في الخطأ. وقال بعضهم: التقييد به بالعمد لأنه الأصل والخطأ ملحق
~~به قياسا. واعترض بأن القياس في الكفارات مختلف فيه، والحنفية لا تراه،
~~وقيل: التقييد به لأنه المورد، فقد روي أنه عن لهم حمار وحشي فحمل عليه
~~أبو اليسر فطعنه ms02545 برمحه فقتله فقيل له: قتلته وأنت محرم فأتى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك فأنزل الله تعالى الآية. واعترض بأن
~~الخبر على تقدير ثبوته إنما يدل على أن القتل من أبي اليسر كان عن قصد
~~وهو غير العمد بالمعنى السابق إذ قد أخذ فيه العلم بالتحريم، وفعل أبي
~~اليسر خال عن ذلك بشهادة الخبر إذ يدل أيضا على أن حرمة قتل المحرم
~~الصيد علمت بعد نزول الآية.

# وأجيب بأنا لا نسلم أن أبا اليسر لم يكن عالما بالحرمة إذ ذاك، فقد روي
~~عن جابر بن عبد الله وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أن الصيد كان حراما
~~في الجاهلية حيث كانوا يضربون من قتل صيدا ضربا شديدا، والمعلوم من
~~الآية كون ذلك من شرعنا، وقيل: إن العلم بالحرمة جاء من قوله تعالى:

# غير محلى الصيد

# [المائدة: 1] ولعله أولى. وعن داود أنه لا شيء في الخطأ أخذا بظاهر
~~الآية. وروى ابن المنذر ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وابن جبير
~~وطاوس. وأخرج أبو الشيخ عن ابن سيرين قال: من قتله ناسيا لإحرامه فعليه
~~الجزاء ومن قتله متعمدا لقتله غير ناس لإحرامه فذاك إلى الله تعالى إن
~~شاء / عذبه وإن شاء غفر له. وأخرج ابن جرير عن الحسن ومجاهد نحو ذلك. و {
~~من } يجوز أن تكون شرطية وهو الظاهر؛ ويجوز أن تكون موصولة.

# والفاء في قوله تعالى: { فجزآء مثل ما قتل } جزائية على
~~الأول وزائدة لشبه المبتدأ بالشرط على الثاني. و «جزاء» بالرفع والتنوين
~~مبتدأ و { مثل } مرفوع على أنه صفته والخبر محذوف أي فعليه، وجوز أن
~~يكون خبر مبتدأ محذوف أي فواجبه أو فالواجب عليه جزاء مماثل لما قتله.
~~وجوز أبو البقاء أن يكون { مثل } بدلا؛ والزجاج أن يكون «جزاء» مبتدأ
~~و { مثل } خبره إذ التقدير جزاء ذلك الفعل أو المقتول مماثل لما
~~قتله، وبهذا قرأ الكوفيون ويعقوب؛ وقرأ باقي السبعة برفع «جزاء» مضافا
~~إلى { مثل }. واستشكل ذلك الواحدي بل قال: ينبغي أن لا يجوز لأن ms02546
~~الجزاء الواجب للمقتول لا لمثله. ولا يخفى أن هذا طعن في المنقول
~~المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك غاية في الشناعة، وما ذكر
~~مجاب عنه، أما أولا فبأن «جزاء» كما قيل مصدر مضاف لمفعوله الثاني أي
~~فعليه أن يجزي مثل ما قتل ومفعوله الأول محذوف والتقدير فعليه أن يجزي
~~المقتول من الصيد مثله ثم حذف المفعول الأول لدلالة الكلام عليه وأضيف
~~المصدر إلى الثاني، وقد يقال لا حاجة إلى ارتكاب هذه المؤنة بأن يجعل
~~مصدرا مضافا إلى مفعوله من غير تقدير مفعول آخر على أن معنى أن يجزي
~~مثل أن يعطي المثل جزاء، وأما ثانيا فبأن تجعل الإضافة بيانية أي جزاء
~~هو مثل ما قتل، وأما ثالثا فبأن يكون { مثل } مقحما كما في قولهم:
~~مثلك لا يفعل كذا. واعترض هذا بأنه يفوت عليه اشتراط المماثلة بين الجزاء
~~والمقتول وكون جزائه المحكوم به ما يقاومه ويعادله وهو يقتضي المماثلة
~~مما لا يكاد يسلم انفهامه من هذه الجملة كما لا يخفى.

# وقرأ محمد بن مقاتل بتنوين «جزاء» ونصبه ونصب { مثل } أي فليجز جزاء
~~أو فعليه أن يجزي جزاء مثل ما قتل، وقرأ السلمي برفع «جزاء» منونا ونصب
~~{ مثل } أما رفع «جزاء» فظاهر وأما نصب { مثل } فبجزاء أو بفعل
~~محذوف دل جزاء عليه أي يخرج أو يؤدي مثل.

# وقرأ عبد الله { فجزاؤه } برفع جزاء مضافا إلى الضمير ورفع { مثل }
~~على الابتداء والخبرية. والمراد عند الإمام الأعظم وأبي يوسف المثل
~~باعتبار القيمة يقوم الصيد من حيث إنه صيد لا من حيث ما زاد عليه بالصنع
~~في المكان الذي أصابه المحرم فيه أو في أقرب الأماكن إليه مما يباع فيه
~~ويشرى وكذا يعتبر الزمان الذي أصابه فيه لاختلاف القيم باختلاف الأمكنة
~~والأزمنة فإن بلغت قيمته قيمة هدي يخير الجاني بين أن يشتري بها ما قيمته
~~قيمة الصيد فيهديه إلى الحرم وبين أن يشتري بها طعاما فيعطي كل مسكين
~~نصف صاع من بر أو صاعا من غيره، ولا يجوز أن يطعم مسكينا أقل من ms02547 نصف صاع
~~ولا يمنع أن يعطيه أكثر ولو كان كل الطعام غير أنه إن فعل أجزأ عن إطعام
~~مسكين نصف صاع وعليه أن يكمل بحسابه ويقع الباقي تطوعا وبين أن يصوم عن
~~طعام كل مسكين يوما فإن فضل ما لا يبلغ طعام مسكين تصدق به أو صام عنه
~~يوما كاملا لأن الصوم أقل من يوم لم يعهد في الشرع وإن لم تبلغ قيمته
~~قيمة هدي فإن بلغت ما يشتري به طعام مسكين يخير بين الإطعام والصوم وإن
~~لم تبلغ إلا ما يشتري به مدا من الحنطة مثلا يخير بين أن يطعم ذلك
~~المقدار وبين أن يصوم يوما كاملا لما قلنا فيكون قوله تعالى: { من
~~النعم } تفسيرا للهدي المشتري بالقيمة على أحد وجوه التخيير فإن من
~~فعل ذلك يصدق عليه أنه جزى بمثل ما قتل من النعم. ونظر فيه صاحب
~~«التقريب» لأن قراءة رفع «جزاء» و { مثل } تقتضي أن يكون الجزاء
~~مماثلا من النعم للصيد فإن كان الجزاء القيمة فليس مماثلا له منها بل
~~الجزاء قيمة يشتري بها مماثل. وأجاب في / «الكشف» بأن ما يشتري بالجزاء
~~جزاء أيضا فإن طعام المساكين جزاء بالإجماع وهو مشترى بالقيمة. والحاصل
~~أنه يصدق عليه أنه جزاء وأنه اشترى بالجزاء ولا تنافي بينهما، وادعى صاحب
~~«الهداية» «أن { من النعم } بيان لما قتل وأن معنى الآية فجزاء هو
~~قيمة ما قتل من النعم بجعل المثل بمعنى القيمة وحمل النعم على النعم
~~الوحشي لأن الجزاء إنما يجب بقتله لا بقتل الحيوان الأهلي، وقد ثبت كما
~~قال أبو عبيدة والأصمعي أن النعم كما تطلق على الأهلي في اللغة تطلق على
~~الوحشي»، وكأن كلام أبي البقاء حيث قال: يجوز أن يكون { من النعم }
~~حالا من الضمير في { قتل } لأن المقتول يكون من النعم مبنيا على هذا،
~~وهو مع بعد إرادته من النظم الكريم خلاف المتبادر في نفسه، فإن المشهور
~~أن النعم في اللغة الإبل والبقر والغنم دون ما ذكر، وقد نص على ذلك
~~الزجاج وذكر أنه إذا أفردت الإبل قيل ms02548 لها نعم أيضا وإن أفردت البقر
~~والغنم لا تسمى نعما.

# «وقال محمد ونسب إلى الشافعي ومالك والإمامية أيضا: المراد بالمثل
~~والنظير في المنظر فيما له نظير في ذلك لا في القيمة ففي الظبي شاة وفي
~~الضبع شاة وفي الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة وفي النعامة بدنة، وفي حمار
~~الوحش بقرة لأن الله تعالى أوجب مثل المقتول مقيدا بالنعم فمن اعتبر
~~القيمة فقد خالف النص لأنها ليست بنعم ولأن الصحابة كعلي كرم الله تعالى
~~وجهه وعمر وعبد الله بن مسعود وغيرهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين أوجبوا
~~في النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة إلى غير ذلك، وجاء عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم كما رواه أبو داود

# " الضبع صيد وفيه شاة "

# وما ليس له نظير من حيث الخلقة مثل العصفور والحمام تجب فيه القيمة عند
~~محمد كما هو عند الإمام الأعظم وصاحبه، وعن الشافعي رضي الله تعالى عنه
~~أنه يعتبر المماثلة من حيث الصفات فأوجب في الحمام شاة لمشابهة بينهما من
~~حيث إن كل واحد منهما يعب ويهدر وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر ومقاتل
~~رضي الله تعالى عنهم، وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: أول من فدى طير
~~الحرم بشاة عثمان رضي الله تعالى عنه، ولأبي حنيفة وأبي يوسف رضي الله
~~تعالى عنهما أن الله تعالى أطلق المثل والمثل المطلق هو المثل صورة ومعنى
~~وهو المشارك في النوع وهو غير مراد هنا بالإجماع فبقي أن يراد المثل
~~معنى» وهو القيمة وهذا لأن المعهود في الشرع في إطلاق لفظ المثل أن يراد
~~المشارك في النوع أو القيمة فقد قال تعالى في ضمان العدوان:

# فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما
~~اعتدى عليكم

# [البقرة: 194] والمراد الأعم منها أعني المماثل في النوع إذا كان المتلف
~~مثليا والقيمة إذا كان قيميا بناء على أنه مشترك معنوي، والحيوانات من
~~القيميات شرعا إهدارا للماثلة الكائنة في تمام الصورة فيها تغليبا
~~للاختلاف الباطني في أبناء نوع واحد فما ظنك إذا انتفى المشاركة في النوع ms02549
~~أيضا فلم يبق إلا مشاكلة في بعض الصورة كطول العنق والرجلين في النعامة
~~مع البدنة ونحو ذلك في غيره فإذا حكم الشرع بانتفاء اعتبار المماثلة مع
~~المشاكلة في تمام الصورة ولم يضمن المتلف بما شاركه في تمام نوعه بل
~~بالمثل المعنوي فعند عدمها وكون المشاكلة في بعض الهيئة انتفاء الاعتبار
~~أظهر إلا أن لا يمكن وذلك بأن يكون للفظ محمل يمكن سواه فالواجب إذا عهد
~~المراد بلفظ في الشرع وتردد فيه في موضع يصح حمله على ذلك المعهود وغيره
~~أن يحمل على المعهود وما نحن فيه كذلك فوجب المصير إليه وأن يحمل ما جاء
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم من
~~الحكم بالنظير على أنه كان باعتبار التقدير بالقيمة إلا أن الناس إذ ذاك
~~لما كانوا أرباب مواش كان الأداء عليهم منها أيسر لا على معنى أنه لا
~~يجزىء غير ذلك، وحديث التقييد / بالنعم قد علمت الجواب عنه، وذكر مولانا
~~شيخ الإسلام «أن الموجب الأصلي للجناية والجزاء المماثل للمقتول إنما هو
~~قيمته لكن لا باعتبار أن الجاني يعمد إليها فيصرفها إلى المصارف ابتداء
~~بل باعتبار أن يجعلها معيارا فيقدر بها إحدى الخصال الثلاث فيقيمها
~~مقامها فقوله تعالى: { مثل ما قتل } وصف لازم للجزاء غير مفارق
~~عنه بحال.

# وأما قوله سبحانه { من النعم } فوصف له معتبر في ثاني الحال بناء
~~على وصفه الأول الذي هو المعيار له ولما بعده من الطعام والصيام فحقهما
~~أن يعطفا على الوصف المفارق لا على الوصف اللازم فضلا عن العطف على
~~الموصوف كما سيأتي إن شاء الله تعالى».

# ومما يرشد إلى أن المراد بالمثل هو القيمة قوله عز وجل: { يحكم به
~~} أي بمثل ما قتل { ذوا عدل منكم } أي حكمان عدلان من المسلمين
~~لأن التقويم هو الذي يحتاج إلى النظر والاجتهاد دون المماثلة في الصورة
~~التي يستوي في معرفتها كل أحد من الناس. وهذا ظاهر الورود على ظاهر قول
~~محمد. وقد يقال: إن هذه الجملة مرشدة إلى ما قلنا ms02550 أيضا على رأي من يجعل
~~مدار المماثلة بين الصيد والنعم المشاكلة والمضاهاة في بعض الأوصاف
~~والهيآت مع تحقق التباين بينهما في بقية الأحوال فإن ذلك مما لا يهتدي
~~إليه من أساطين أئمة الاجتهاد وصناديد أهل الهداية والرشاد إلا المؤيدون
~~بالقوة القدسية. ألا يرى أن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه ومن
~~أسلفنا ذكره أوجبوا في قتل الحمامة شاة بناء على ما أثبت بينهما من
~~المماثلة في العب والهدير مع أن النسبة بينهما من سائر الحيثيات كما بين
~~الضب والنون بل السمك والسماك فكيف يفوض معرفة هذه الدقائق العويصة إلى
~~رأي عدلين من آحاد الناس على أن الحكم بهذا المعنى إنما يتعلق بالأنواع
~~لا بالأشخاص فبعد ما عين بمقابلة كل نوع من أنواع الصيد نوع من أنواع
~~النعم يتم الحكم ولا يبقى عند وقوع خصوصيات الحوادث حاجة إلى حكم أصلا.

# وقرأ محمد بن جعفر { ذو عدل } وخرجها ابن جني على إرادة الإمام،
~~وقيل: إن (ذو) تستعمل استعمال من للتقليل والتكثير، وليس المراد بها هنا
~~الوحدة بل التعدد ويراد منه إثنان لأنه أقل مراتبه، وفي «الهداية»
~~«قالوا: والعدل الواحد يكفي والمثنى أولى لأنه أحوط وأبعد من الغلط»،
~~وعلى هذا لا حاجة إلى حمل (ذو) على المتعدد ولا على الإمام بل المراد
~~منها الواحد إماما كان أو غيره، ومن اشترط الإثنين حمل العدد في الآية
~~على القراءة المتواترة على الأولوية، والجملة صفة لجزاء أو حال من الضمير
~~المستتر في خبره المقدر، وقيل: حال منه لتخصيصه بالصفة، وجوز ابن الهمام
~~على قراءة رفع «جزاء» وإضافته أن تكون صفة لمثل كما أن تكون صفة لجزاء
~~لأن مثلا لا تتعرف بالإضافة فجاز وصفها ووصف ما أضيف إليها بالجملة.

# وقوله تعالى: { هديا } حال مقدرة من الضمير في { به } كما قال
~~الفارسي أو من «جزاء» بناء على أنه خبر أو منه على تقدير كونه مبتدأ في
~~رأي أو بدل من { مثل } فيمن نصبه أو من محله فيمن جره أو نصب على المصدر
~~أي يهديه هديا والجملة صفة أخرى ms02551 لجزاء { بلغ الكعبة } صفة
~~لهديا لأن إضافته لفظية { أو كفارة } عطف على محل { من
~~النعم } على أنه خبر مبتدأ محذوف والجملة صفة لجزاء على ما اختاره
~~شيخ الإسلام. وقوله تعالى: { طعام مسكين } عطف بيان لكفارة عند
~~من يراه كالفارسي في النكرات أو بدل منه أو خبر مبتدأ محذوف أي هي طعام
~~مساكين/. وقوله سحبانه: { أو عدل ذلك صياما } عطف على {
~~طعام } وذلك إشارة إليه و { صياما } تمييز. وخلاصة الآية كأنه قيل:
~~فعليه جزاء أو فالواجب جزاء مماثل للمقتول هو من النعم أو طعام مساكين أو
~~صيام بعددهم فحينئذ تكون المماثلة وصفا لازما للجزاء يقدر به الهدي
~~والطعام والصيام. أما الأولان فبلا واسطة، وأما الثالث: فبواسطة الثاني
~~فيختار الجاني كلا منها بدلا عن الآخرين، «وكون الاختيار للجاني هو ما
~~ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله تعالى عنهما فعندهما إذا ظهر قيمة
~~الصيد بحكم الحكمين وهي تبلغ هديا فله الخيار في أن يجعله هديا أو
~~طعاما أو صوما لأن التخيير شرع رفقا بمن عليه فيكون الخيار إليه
~~ليرتفق بما يختار كما في كفارة اليمين. وقال محمد  وحكاه أصحابنا عن
~~الشافعي رضي الله تعالى عنه أيضا  إن الخيار إلى الحكمين في تعيين أحد
~~الأشياء فإن حكما بالهدي يجب النظير على ما مر وإن حكما بالطعام أو
~~الصيام فعلى ما قاله الإمام وصاحبه من اعتبار القيمة من حيث المعنى.
~~واستدل كما قيل على ذلك بالآية، ووجهه أنه ذكر الهدي منصوبا على أنه
~~تفسير للضمير المبهم العائد على { مثل } في قوله تعالى: { يحكم به
~~ذوا عدل } سواء كان حالا منه كما قدمنا أو تمييزا على ما قيل
~~فيثبت أن المثل إنما يصير هديا باختيارهما وحكمهما أو هو مفعول لحكم
~~الحاكم على أن يكون بدلا عن الضمير محمولا على محله كما في قوله تعالى:

# قل إننى هدانى ربى إلى صرط مستقيم دينا
~~قيما

# [الأنعام: 161] وفي ذلك تنصيص على أن التعيين إلى الحكمين ثم لما ثبت
~~ذلك في الهدي ثبت في الطعام والصيام لعدم القائل ms02552 بالفصل لأنه سبحانه
~~عطفهما عليه بكلمة «أو» وهي عند غير الشعبي والسدي وابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهم في رواية للتخيير فيكون الخيار إليهما. وأجاب عن ذلك غير واحد
~~من أصحابنا بأن الاستدلال إنما يصح لو كان كفارة معطوفة على { هديا }
~~وليس كذلك لاختلاف إعرابهما وإنما هي معطوفة على قوله تعالى: { فجزاء
~~} بدليل أنه مرفوع وكذا قوله: { أو عدل } الخ فلم يكن في الآية دلالة
~~على اختيار للحكمين في الطعام والصيام وإذا لم يثبت الخيار فيهما للحكمين
~~لم يثبت في الهدي لعدم القائل بالفصل وإنما يرجع إليهما في «تقديم»
~~المتلف لا غير، ثم الاختيار بعد ذلك إلى من عليه» رفقا به على أن في
~~توجيه الاستدلال على ما قاله أكمل الدين في «العناية» إشكالا لأن ذكر
~~الطعام والصيام بكلمة «أو» لا يفيد المطلوب إلا إذا كان { كفارة }
~~منصوبا على ما هو قراءة عيسى بن عمر النحوي وهي شاذة، والشافعي لا يرى
~~الاستدلال بالقراءة الشاذة لا من حيث إنها كتاب ولا من حيث إنها خبر كما
~~عرف في الأصول.

# واعترض مولانا شيخ الإسلام على عطف { كفارة } على «جزاء» وقد ذهب
~~إليه أجلة المفسرين والفقهاء بأنه لا يبقى حينئذ في النظم الكريم ما يقدر
~~به الطعام والصيام، والالتجاء إلى القياس على الهدي تعسف لا يخفى وقد
~~علمت ما اختاره. والآية عليه أيضا لا تصلح دليلا على مدعى الخصم كما هو
~~ظاهر على أن الظاهر منها كما قاله ابن الهمام أن الاختيار لمن عليه فإن
~~مرجع ضمير المحذوف من الخبر أو متعلق المبتدأ إليه بناء على أن التقدير
~~فعليه أو فالواجب عليه، «ثم إذا وقع الاختيار على الهدي يهدي ما يجزيه في
~~الأضحية وهو الجذع الكبير من الضأن أو الثني من غيره عند أبي حنيفة لأن
~~مطلق اسم الهدي ينصرف إليه» كما في هدي المتعة والقران. واعترض عليه بأن
~~اسم الهدي قد ينصرف إلى غيره كما إذا قال: إذا فعلت كذا فثوبي هذا هدي
~~فليكن في محل النزاع كذلك. وأجيب بأن الكلام في ms02553 مطلق الهدي وما ذكر ليس
~~كذلك لأن الإشارة / إلى الثوب قيدته، «وعند محمد يجزىء صغار النعم لأن
~~الصحابة كما تقدم أوجبوا عناقا وجفرة» فدل على جواز ذلك في باب الهدي،
~~وعن أبي يوسف روايتان رواية كقول الإمام، وأخرى كقول محمد وهي التي في
~~«المبسوط» و «الأسرار» وغيرهما، «وعند أبي حنيفة يجوز الصغار على وجه
~~الإطعام» فيجوز أن يكون حكم الصحابة رضي الله تعالى عنهم كان على هذا
~~الاعتبار فمجرد فعلهم حينئذ لا ينافي ما ذهب إليه الإمام فلا ينتهض حجة
~~عليهم.

# وإذا اختار الهدي وبلغ ما يضحي به فلا يذبح إلا بالحرم وهو المراد بقوله
~~تعالى: { هديا بلغ الكعبة } إلا أن ذكر الكعبة للتعظيم. ولو
~~ذبحه في الحل لا يجزيه عن الهدي بل عن الإطعام فيشترط أن يعطي كل مسكين
~~قيمة نصف صاع حنطة أو صاع من غيرها، ويجوز أن يتصدق بالشاة الواقعة هديا
~~على مسكين واحد كما في هدي المتعة ولا يتصدق بشيء من الجزاء على من لا
~~تقبل شهادته له، ويجوز على أهل الذمة والمسلم أحب. ولو أكل من الجزاء غرم
~~قيمة ما أكل، ولا يشترط في الإطعام أن يكون في الحرم.

# «ونقلوا عن الشافعي أنه يشترط ذلك اعتبارا له بالهدي والجامع التوسعة
~~على سكان الحرم، ونحن نقول: الهدي قربة غير معقولة فيختص بمكان أو زمان
~~أما الصدقة فقربة معقولة في كل زمان ومكان كالصوم فإنه يجوز في غير الحرم
~~بالإجماع فإن ذبح في الكوفة مثلا أجزأه عن الطعام إذا تصدق باللحم، وفيه
~~وفاء بقيمة الطعام لأن الإراقة لا تنوب عنه»، ولو سرق هذا المذبوح أو ضاع
~~قبل التصدق به بقي الواجب عليه كما كان وهذا بخلاف ما لو كان الذبح في
~~الحرم حيث يخرج عن العهدة. وإن سرق المذبوح أو ضاع قبل التصدق به وإذا
~~وقع الاختيار على الطعام يقوم المتلف بالقيمة ثم يشتري بالقيمة طعام
~~ويتصدق به على ما أشرنا إليه أولا. وفي «الهداية» «يقوم المتلف بالطعام
~~عندنا لأنه المضمون فتعتبر قيمته».

# ونقل حميد الدين الضرير ms02554 عن محمد أنه يقوم النظير لأنه الواجب عينا إذا
~~كان للمقتول نظير، وأنت تعلم أنه لو سلم أن النظير هو الواجب عينا عند
~~اختيار الهدي لم يلزم منه وجوب تقويمه عند اختيار خصلة أخرى فكيف وهو
~~ممنوع، وإن اختار الصيام فعلى ما في «الهداية» يقوم المقتول طعاما ثم
~~يصوم عن طعام كل مسكين يوما على ما مر لأن تقدير الصيام بالمقتول غير
~~ممكن إذ لا قيمة للصيام فقدرناه بالطعام، والتقدير على هذا الوجه معهود
~~في الشرع كما في الفدية وتمام البحث في الفروع. والكفارة والطعام في
~~الآية على ما يشعر به كلام بعض المفسرين بالمعنى المصدري ولو أبقيا على
~~الظاهر لصح، هذا وما ذكرنا من عطف { كفارة } إنما هو على قراءة
~~(جزاء) بالرفع وعلى سائر القراءات يكون خبر مبتدأ محذوف والجملة معطوفة
~~على جملة { من النعم }.

# وذكر الشهاب أنه يجوز في { كفارة } على قراءة (جزاء) بالنصب أن
~~يكون خبر مبتدأ محذوف أي الواجب عليه كفارة وأن يقدر هناك فعل أي أن يجزى
~~جزاء فيكون { أو كفارة } عطفا على أن يجزى وهو مبتدأ مقدم عليه
~~خبره.

# وقرىء { أو كفارة طعام مسكين } على الإضافة لتبيين نوع
~~الكفارة بناء على أنها بمعنى المكفر به وهي عامة تشمل الطعام وغيره، وكذا
~~الطعام يكون كفارة وغيرها فبين المتضايفين عموم وخصوص من وجه كخاتم حديد.
~~وقال أبو حيان: إن الطعام ليس جنسا للكفارة إلا بتجوز بعيد جدا
~~فالإضافة إنما هي إضافة الملابسة وليس بشيء. وقرأ الأعرج { أو
~~كفارة طعام مسكين } على أن التبيين يحصل بالواحد الدال على
~~الجنس. وقرىء { أو عدل } بكسر العين، والفرق بينهما أن عدل الشيء كما قال
~~الفراء ما عادله من غير جنسه كالصوم والإطعام وعدله ما عدل به في المقدار
~~كأن المفتوح تسمية بالمصدر والمكسور بمعنى المفعول، وقال البصريون: العدل
~~والعدل كلاهما بمعنى المثل سواء كان من الجنس أو من غيره. وقال الراغب:
~~العدل والعدل متقاربان لكنه بالفتح فيما يدرك بالبصيرة كالأحكام وبالكسر
~~فيما يدرك بالحواس كالعديل فالعدل بالفتح هو التقسيط على ms02555 سواء. وعلى هذا
~~روي «بالعدل قامت السموات» تنبيها على أنه لو كان ركن من الأركان
~~الأربعة في العالم زائدا على الآخر أو ناقصا عنه على خلاف مقتضى الحكمة
~~لم يكن العالم منتظما.

# { ليذوق وبال أمره } متعلق بالاستقرار الذي تعلق به المقدر،
~~وقيل: بجزاء، وقيل: بصيام أو بطعام، وقيل: بفعل مقدر وهو جوزي أو شرعنا
~~ذلك ونحوه، والوبال في الأصل الثقل ومنه الوابل للمطر الكثير والوبيل
~~للطعام الثقيل الذي لا يسرع هضمه والمرعى الوخيم ولخشبة القصار وضمير {
~~أمره } إما لله تعالى أو لمن قتل الصيد أي ليذوق ثقل فعله وسوء عاقبة هتك
~~حرمة ما هو فيه أو الثقل الشديد على مخالفة أمر الله تعالى القوي، وعلى
~~هذا لا بد من تقدير مضاف كما أشرنا إليه لأن أمر الله تعالى لا وبال فيه
~~وإنما الوبال في مخالفته. { عفا الله عما سلف } لكم من الصيد
~~وأنتم محرمون فلم يجعل فيه إثما ولم يوجب فيه جزاء أو لم يؤاخذكم على ما
~~كان منكم في الجاهلية من ذلك مع أنه ذنب عظيم أيضا حيث كنتم على شريعة
~~إسماعيل عليه السلام والصيد محرم فيها، وقد مر رواية التحريم جاهلية
~~والمؤاخذة على قتل الصيد بالضرب الوجيع.

# { ومن عاد } إلى مثل ذلك فقتل الصيد متعمدا وهو محرم {
~~فينتقم الله منه } أي فهو ينتقم الله تعالى منه لأن الجزاء
~~إذا وقع مضارعا مثبتا لم تدخله الفاء ما لم يقدر المبتدأ على المشهور،
~~وكذا المنفي بلا، وجوز السمين أن تكون (من) موصولة ودخلت الفاء لشبه
~~المبتدأ بالشرط وهي زائدة والجملة بعدها خبر ولا حاجة حينئذ إلى إضمار
~~المبتدأ.

# والمراد بالانتقام التعذيب في الآخرة؛ وأما الكفارة فعن عطاء وإبراهيم
~~وابن جبير والحسن والجمهور أنها واجبة على العائد فيتكرر الجزاء عندهم
~~بتكرر القتل. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وشريح أنه إن عاد لم
~~يحكم عليه بكفارة حتى أنهم كانوا يسألون المستفتي هل أصبت شيئا قبله؟
~~فإن قال: نعم لم يحكم عليه وإن قال لا حكم عليه تعلقا بظاهر الآية. ms02556 وأنت
~~تعلم أن وعيد العائد لا ينافي وجوب الجزاء عليه وإنما لم يصرح به لعلمه
~~فيما مضى، وقيل: معنى الآية ومن عاد بعد التحريم إلى ما كان قبله وليس
~~بالبعيد، وأما حمل الانتقام على الانتقام في الدنيا بالكفارة وإن كان
~~محتملا لكنه خلاف الظاهر. وكذا كون المراد ينتقم منه إذا لم يكفر. «وقد
~~اختلفوا فيما إذا اضطر محرم إلى أكل الميتة أو الصيد فقال زفر يأكل
~~الميتة لا الصيد لتعدد جهات حرمته عليه، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف:
~~يتناول الصيد ويؤدي الجزاء لأن حرمة الميتة أغلظ ألا ترى أن حرمة الصيد
~~ترتفع بالخروج من الإحرام فهي مؤقتة بخلاف حرمة الميتة فعليه أن يقصد أخف
~~الحرمتين دون أغلظهما والصيد وإن كان محظور الإحرام لكن عند الضرورة
~~يرتفع الحظر فيقتله ويأكل منه ويؤدي الجزاء كما في «المبسوط»». وفي
~~«الخانية» المحرم إذا اضطر إلى ميتة وصيد فالميتة أولى في قول أبي
~~حنيفة. ومحمد. وقال أبو يوسف والحسن: يذبح الصيد ولو كان الصيد مذبوحا
~~فالصيد أولى عند الكل. ولو وجد لحم / صيد ولحم آدمي كان لحم الصيد أولى
~~ولو وجد صيدا وكلبا فالكلب أولى لأن في الصيد ارتكاب محظورين. وعن محمد
~~الصيد أولى من لحم الخنزير انتهى. وفي هذا خلاف ما ذكر في «المبسوط» {
~~والله عزيز } غالب لا يغالب { ذو انتقام } شديد فينتقم ممن
~~يتعدى حدوده ويخالف أوامره ويصر على معاصيه.

### || [5.96]

# { أحل لكم } أيها المحرمون { صيد البحر } أي ما يصاد في
~~الماء بحرا كان أو نهرا أو غديرا وهو ما يكون توالده ومثواه في الماء
~~مأكولا كان أو غيره كما في «البدائع». وفي «مناسك الكرماني» الذي رخص من
~~صيد البحر للمحرم هو السمك خاصة وأما نحو طيره فلا رخصة فيه له والأول هو
~~الأصح { وطعامه } أي ما يطعم من صيده وهو عطف على { صيد } من عطف
~~الخاص على العام. والمعنى أحل لكم التعرض لجميع ما يصاد في المياه
~~والانتفاع به وأكل ما يؤكل منه وهو السمك عندنا وعند ابن أبي ليلى الصيد
~~والطعام ms02557 على معناهما المصدري وقدر مضافا في صيد البحر وجعل ضمير {
~~طعامه } راجعا إليه لا إلى البحر أي أحل لكم صيد حيوان البحر وأن
~~تطعموه وتأكلوه فيحل عنده أكل جميع حيوانات البحر من حيث إنها حيواناته،
~~وقيل: المراد بصيد البحر ما صيد ثم مات وبطعامه ما قذفه البحر ميتا،
~~وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن عمر وقتادة قيل: المراد
~~بالأول: الطري وبالثاني: المملوح. وسمي طعاما لأنه يدخر ليطعم فصار
~~كالمقتات به من الأغذية وروي ذلك عن ابن المسيب وابن جرير ومجاهد وهو
~~إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وفيه بعد. وأبعد منه
~~كون المراد بطعامه ما ينبت بمائه من الزروع والثمار. وقرىء { وطعمه }.

# { متعا لكم } نصب على أنه مفعول له لأحل أي تمتيعا. وجعله في
~~«الكشاف» مختصا بالطعام كما أن { نافلة } في باب الحال من قوله
~~تعالى:

# ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة

# [الأنبياء: 72] مختص بيعقوب عليه السلام. والذي حمله على ذلك كما قال
~~الشهاب مذهبه وهو مذهب إمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه من أن صيد البحر
~~ينقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل وأن طعامه هو المأكول منه إلا أنه
~~أورد عليه أنه يؤدي إلى أن الفعل الواحد المسند إلى فاعلين متعاطفين يكون
~~المفعول له المذكور بعدهما لأحدهما دون الآخر كقام زيد وعمرو إجلالا لك
~~على أن الإجلال مختص بقيام أحدهما وفيه إلباس. وأما الحال في الآية
~~المذكورة فليست نظيرة لهذا لأن فيه قرينة عقلية ظاهرة لأن النافلة ولد
~~الولد فلا تعلق لها بإسحق لأنه ولد صلب لإبراهيم عليهما السلام. وعلى
~~غير مذهب الإمام لا اختصاص للمفعول له بأحدهما وهو ظاهر جلي. وقيل: نصب
~~على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر أي متعكم به متاعا، وقيل: مؤكد لمعنى {
~~أحل } فإنه في قوة متعكم به تمتيعا كقوله:

# كتب الله عليكم

# [النساء: 24] وقيل وليس بشيء: إنه حال مقدرة من طعام أي مستمتعا به
~~للمقيمين منكم يأكلونه طريا { وللسيارة } منكم يتزودونه قديدا
~~وهو مؤنث سيار باعتبار ms02558 الجماعة كما قال الراغب.

# { وحرم عليكم صيد البر } وهو ما توالده ومثواه في البر
~~مما هو ممتنع لتوحشه الكائن في أصل الخلقة فيدخل الظبي المستأنس ويخرج
~~البعير والشاة المتوحشان لعروض الوصف لهما، وكون زكاة الظبي المستأنس
~~بالذبح والأهلي المتوحش بالعقر لا ينافيه لأن الذكاة بالذبح والعقر
~~دائران مع الإمكان وعدمه لا مع الصيدية وعدمها. واستثنى رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم خمسا ففي «الصحيحين» عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما
~~قال: قال رسول / الله صلى الله عليه وسلم

# " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح العقرب والفأرة والكلب
~~العقور والغراب والحدأة "

# وقد تقدم ما في رواية لمسلم وجاء تسميتهن فواسق، وفي «فتح القدير»
~~ويستثنى من صيد البر بعضه كالذئب والغراب والحدأة وأما باقي الفواسق
~~فليست بصيود. وأما باقي السباع فالمنصوص عليه في ظاهر الرواية عدم
~~الاستثناء وأنه يجب بقتلها الجزاء ولا يجاوز شاة إن ابتدأها المحرم وإن
~~ابتدأته فلا شيء عليه وذلك كالأسد والفهد والنمر والصقر والبازي، وأما
~~صاحب «البدائع» فيقسم البري إلى مأكول وغيره، والثاني: إلى ما يبتدىء
~~بالأذى غالبا كالأسد والذئب والنمر وإلى ما ليس كذلك كالضبع والفهد
~~والثعلب فلا يحل قتل الأول والأخير إلا أن يصول ويحل قتل الثاني ولا شيء
~~فيه وإن لم يصل، وجعل ورود النص في الفواسق ورودا فيها دلالة ولم يحك
~~خلافا، لكن في «الخانية»: وعن أبي يوسف الأسد بمنزلة الذئب. وفي ظاهر
~~الرواية السباع كلها صيد إلا الكلب والذئب؛ ولعل استثناء الذئب لذكره في
~~المستثنيات على ما أخرجه أبو شيبة والدارقطني والطحاوي وقيل: لأنه المراد
~~بالكلب العقور في الخبر السابق، وقيل: لأنه بمعناه فيلحق به دلالة. وأما
~~الكلب فقد جاء استثناؤه في الحديث إلا أنه وصف فيه بالعقورية، ولعل
~~الإمام إنما يعتبر الجنس. ونظر فيه بأنه يفضي إلى إبطال الوصف المنصوص
~~عليه. وأجيب بأنه ليس للقيد بل لإظهار نوع إذائه فإن ذلك طبع فيه، وقال
~~سعدي جلبي: لو صح هذا النظر يلزم اعتبار مفهوم الصفة بل سائر المفاهيم
~~وهو ms02559 خلاف ما في أصولنا، وأما كون السباع كلها صيدا إلا ما استثني ففيه
~~خلاف للشافعي رضي الله تعالى عنه أيضا فعنده هي داخلة في الفواسق
~~المستثنيات قياسا أو ملحقة بها دلالة أو لأن الكلب العقور يتناولها لغة.
~~وأجاب بعض الأصحاب بأن القياس على الفواسق ممتنع لما فيه من إبطال العدد
~~وكذلك الإلحاق بها دلالة لأن الفواسق مما تعدو علينا للقرب منا والسبع
~~ليس كذلك لبعده عنا فلا يكون في معنى الفواسق ليلحق بها، واسم الكلب وإن
~~تناوله لغة لم يتناوله عرفا والعرف أقوى وأرجح في هذا الموضع كما في
~~الأيمان لبنائه على الاحتياط، وفيه بحث طويل الذيل فتأمل.

# وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «حرم عليكم صيد» ببناء حرم للفاعل
~~ونصب صيد أي وحرم الله عليكم صيد البر.

# { ما دمتم حرما } أي محرمين. وقرىء { دمتم } بكسر الدال كخفتم
~~من دام يدام وذلك لغة فيها. وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما {
~~حرما } بفتحتين أي ذوي حرم بمعنى إحرام أو على المبالغة، وظاهر الآية
~~يوجب حرمة ما صاده الحلال على المحرم وإن لم يكن له مدخل فيه وهو قول ابن
~~عباس وابن عمر ونقل عن علي كرم الله تعالى وجهه وجماعة من السلف، واحتج
~~له أيضا بما أخرجه مسلم عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول الله
~~صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا، وفي رواية حمار وحش، وفي رواية من لحم
~~حمار وحش، وفي رواية من رجل حمار وحش، وفي رواية عجز حمار وحش يقطر دما،
~~وفي رواية شق حمار وحش، وفي أخرى عضوا من لحم صيد وهو عليه الصلاة
~~والسلام بالأبواء أو بودان فرده عليه صلى الله عليه وسلم قال: فلما رأى
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي قال:

# " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم "

# وعن أبي هريرة وعطاء ومجاهد وابن جبير ورواه الطحاوي عن عمر وطلحة
~~وعائشة رضي الله / تعالى عنهم أنه يحل له أكل ما صاده الحلال وإن صاده
~~لأجله إذا لم ms02560 يدل عليه ولم يشر إليه ولا أمره بصيده وكذا ما ذبحه قبل
~~إحرامه وهو مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه على ما اختاره الطحاوي
~~لأن الخطاب للمحرمين فكأنه قيل: وحرم عليكم ما صدتم في البر فيخرج منه
~~مصيد غيرهم، أو يقال: إن المراد صيدهم حقيقة أو حكما وصورة الدلالة أو
~~الأمر من الشق الثاني. وعن مالك والشافعي وأحمد وداود رحمهم الله تعالى
~~لا يباح ما صيد له لما رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن جابر رضي الله
~~تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " لحم الصيد حلال لكم وأنتم محرمون ما لم تصيدوه أو يصاد لكم "

# وأجيب: بأنه قد روى محمد عن أبي حنيفة عن ابن المنكدر عن طلحة بن عبيد
~~الله رضي الله تعالى عنه

# " تذاكرنا لحم الصيد يأكله المحرم والنبي صلى الله عليه وسلم نائم
~~فارتفعت أصواتنا فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: فيم
~~تتنازعون؟ فقلنا: في لحم الصيد يأكله المحرم فأمرنا بأكله "

# ، وروى الحافظ أبو عبد الله الحسين عن أبي حنيفة عن هشام بن عروة عن
~~أبيه عن جده الزبير بن العوام قال: «كنا نحمل لحم الصيد صفيفا وكنا
~~نتزوده وكنا نأكله ونحن محرمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم».

# وأخرج مسلم

# " عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم حاجا وخرجنا معه فصرف نفرا من أصحابه فيهم أبو قتادة فقال: خذوا
~~ساحل البحر حتى تلقوني قال: فأخذوا ساحل البحر فلما انصرفوا قبل رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم أحرموا كلهم إلا أبا قتادة فإنه لم يحرم فبينما
~~هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانا فنزلوا
~~فأكلوا من لحمها قال فقالوا: أكلنا لحما ونحن محرمون قال: فحملوا ما بقي
~~من لحم الأتان فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول
~~الله إنا كنا أحرمنا وكان أبو قتادة لم يحرم فرأينا حمر وحش فحمل ms02561 عليها
~~أبو قتادة فعقر منها أتانا فنزلنا فأكلنا من لحمها فقلنا: نأكل لحم صيد
~~ونحن محرمون فحملنا ما بقي من لحمها فقال عليه الصلاة والسلام: هل معكم
~~أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟ قالوا: لا قال: فكلوا ما بقي من لحمها "

# وفي رواية لمسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " هل عندكم منه شيء؟ قالوا: معنا رجله فأخذها عليه الصلاة والسلام
~~فأكلها "

# وحديث جابر مؤول بوجهين الأول: كون اللام للملك، والمعنى أن يصاد ويجعل
~~له فيكون مفاده تمليك عين الصيد من المحرم وهو ممتنع أن يتملكه فيأكل من
~~لحمه، والثاني: الحمل على أن المراد أن يصاد بأمره وهذا لأن الغالب في
~~عمل الإنسان لغيره أن يكون بطلب منه، والتزام التأويل دفعا للتعارض كما
~~قال غير واحد.

# وقال ابن الهمام وقد يقال: القواعد تقتضي أن لا يحكم بالتعارض بين حديث
~~جابر وبين الخبرين الأولين من هذه الأخبار الثلاثة لأن قول طلحة: فأمرنا
~~بأكله مقيد عندنا بما إذا لم يدله المحرم على الصحيح خلافا لأبي عبد
~~الله الجرجاني ولا أمره بقتله على ما يدل عليه حديث أبي قتادة فيجب
~~تخصيصه بما إذا لم يصد للمحرم بالحديث الآخر. وحديث الزبير حاصله نقل
~~وقائع أخبار وهي لا عموم لها فيجوز كون ما كانوا يحملونه من لحوم الصيد
~~للتزود ما لم يصد لأجل المحرمين بل هو الظاهر لأنهم يتزودونه من الحضر
~~ظاهرا والإحرام بعد الخروج إلى الميقات، فالأولى الاستدلال على أصل
~~المطلوب بحديث أبي قتادة المذكور على وجه المعارضة فإنه أفاد أنه / عليه
~~الصلاة والسلام لم يجب بحله لهم حتى سألهم عن موانع الحل أكانت موجودة أم
~~لا؟ فلو كان من الموانع أن يصاد لهم لنظمه صلى الله عليه وسلم في سلك ما
~~يسأل عنه منها في التفحص عن الموانع ليجيب بالحل عند خلوه عنها.

# وهذا المعنى كالصريح في نفي كون الاصطياد مانعا فيعارض حديث جابر ويقدم
~~عليه لقوة ثبوته إذ هو في «الصحيحين» وغيرهما من «الكتب الستة» بخلاف ذلك
~~بل قيل في حديث جابر ms02562 انقطاع لأن المطلب في سنده لم يسمع من جابر عند غير
~~واحد، وكذا في رجاله من فيه لين، وبعد ثبوت ما ذهبنا إليه بما ذكرنا يقوم
~~دليل على ما ذكر من التأويل انتهى.

# وأنت تعلم أن في حديث جابر أيضا شيئا من جهة العربية ولعل الأمر فيه
~~سهل. بقي أن حديث الصعب بظاهره يعارض ما استدل به أهل المذهبين الأخيرين،
~~واختار بعض الحنفية في الجواب بأن فيه اضطرابا ليس مثله في حديث قتادة
~~حتى روى عمرو بن أمية الضمري عن أبيه أن الصعب أهدى لرسول الله صلى الله
~~عليه وسلم عجز حمار وحش بالجحفة فأكل منه عليه الصلاة والسلام وأكل القوم
~~فكان حديث قتادة أولى وقد وقع ما وقع فيه في الحج كما تحكيه الرواية التي
~~ذكرناها، ومعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحج بعد الهجرة إلا
~~حجة الوداع، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه في الجواب: يحتمل أن يكون
~~صلى الله عليه وسلم علم أنه صيد له فرده عليه فلا يعارض حديث جابر،
~~وتعليله عليه الصلاة والسلام الرد بأنه محرم لا يمنع من كونه صيد له لأنه
~~إنما يحرم الصيد على الإنسان إذا صيد له بشرط أن يكون محرما، فبين صلى
~~الله عليه وسلم الشرط الذي يحرم به، وقيل: إن جابرا إنما أهدى حمارا
~~فرده صلى الله عليه وسلم لامتناع تملك المحرم الصيد، ولا يخفى أن
~~الروايات الدالة على البعضية أكثر ولا تعارض بينها فتحمل رواية أنه أهدى
~~حمارا على أنه من إطلاق اسم الكل على البعض ويمتنع هنا العكس إذ إطلاق
~~الرجل مثلا على كل الحيوان غير معهود، وقد صرحوا أنه لا يجوز أن يطلق
~~على زيد أصبع ونحوه لأن شرط إطلاق اسم البعض على الكل التلازم كالرقبة
~~والرأس على الإنسان فإنه لا إنسان دونهما بخلاف نحو الرجل والظفر، وأما
~~إطلاق العين على الرؤية فليس من حيث هو إنسان بل من حيث هو رقيب وهو من
~~هذه الحيثية لا يتحقق بلا عين أو هو أحد ms02563 معاني المشترك اللفظي كما عده
~~كثير منها فليتيقظ.

# { واتقوا الله } فيما نهاكم عنه من الصيد أو في جميع المعاصي
~~التي من جملتها ذلك { الذى إليه تحشرون } لا إلى غيره حتى
~~يتوهم الخلاص من أخذه تعالى بالالتجاء إلى ذلك الغير.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { يا أيها الذين آمنوا }
~~إيمانا علميا { لا تحرموا } بتقصيركم في السلوك { طيبت ما
~~أحل الله لكم } من مكاشفات الأحوال وتجليات الصفات

# ولا تعتدوا

# [المائدة: 87] بظهور النفس بصفاتها { وكلوا مما رزقكم
~~الله } أي اجعلوا ما من الله تعالى به عليكم من علوم التجليات ومواهب
~~الأحوال والمقامات غذاء قلوبكم

# حللا طيبا واتقوا الله

# [المائدة: 88] في حصول ذلك لكم بأن تردوها منه وله، وجعل غير واحد هذا
~~خطابا للواصلين من أرباب السلوك حيث أرادوا الرجوع إلى حال أهل البدايات
~~من المجاهدات فنهوا عن ذلك وأمروا بأكل الحلال الطيب، وفسروا الحلال بما
~~وصل إلى المعارف من خزائن الغيب بلا كلفة، والطيب ما يقوي القلب في شوق
~~الله تعالى وذكر جلاله، وقيل: الحلال الطيب ما يأكل على شهود وإلا فعلى
~~ذكر، فإن الأكل على الغفلة حرام في شرع السلوك، وقال آخرون: الحلال الطيب
~~هو الذي يراه العارف في خزانة القدر فيأخذه / منها بوصف الرضا والتسليم،
~~والحرام ما قدر لغيره وهو يجتهد في طلبه لنفسه { لا يؤاخذكم
~~الله باللغو فى أيمنكم } وهو الحلف لملالة النفس وكلالة
~~القوى وغلبة سلطان الهوى، وعدوا من اللغو في اليمين الإقسام على الله
~~تعالى بجماله وجلاله سبحانه عند غلبة الشوق ووجدان الذوق أن يرزقه شيئا
~~من إقباله عز وجل ووصاله فإن ذلك لغو في شريعة الرضا ومذهب التسليم.
~~والذي يقتضيه ذلك ما أشير إليه بقوله:

# أريد وصاله ويريد هجري

# فاترك ما أريد لما يريد

# لكن لا يؤاخذ الله تعالى عليه الحالف لعلمه بضعف حاله. وعدوا من ذلك
~~أيضا ما يجري على لسان السالكين في غلبة الوجد من تجديد العهد وتأكيد
~~العقد كقول بعضهم:

# وحقك لا نظرت إلى سواكا

# بعين مودة حتى أراكا

# فإن ذلك ينافي التوحيد ms02564 وهل في الدار ديار كلا بل هو الله الواحد القهار
~~{ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمن } وذلك إذا
~~عزمتم على الهجران وتعرضتم للخذلان عن صميم الفؤاد { فكفارته
~~إطعام عشرة مسكين } وهي على ما قال البعض الحواس الخمس
~~الظاهرة والحواس الخمس الباطنة { من أوسط ما تطعمون
~~أهليكم } وهم القلب والسر والروح والخفي، وطعامهم الشوق والمحبة
~~والصدق والإخلاص والتفويض والتسليم والرضا والأنس والهيبة والشهود
~~والكشوف والأوسط الذكر والفكر والشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء،
~~وإطعام الحواس ذلك أن يشغلها به { أو كسوتهم } لباس التقوى {
~~أو تحرير رقبة } وهي رقبة النفس فيحررها من عبودية الحرص
~~والهوى { فمن لم يجد } ولم يستطع

# فصيام ثلثة أيام

# [المائدة: 89] فيمسك في اليوم الأول عما عزم عليه وفي اليوم الثاني عما
~~لا يعنيه وفي اليوم الثالث عن العود إليه، وقيل كنى سبحانه بصيام ثلاثة
~~أيام عن التوبة والاستقامة عليها ما دامت الدنيا، فقد قيل: الدنيا ثلاثة
~~أيام: يوم مضى ويوم أنت فيه ويوم لا تدري ما الله سبحانه قاض فيه {
~~وأطيعوا الله } بالفناء فيه { وأطيعوا الرسول } بالبقاء
~~بعد الفناء { واحذروا } ظهور ذلك بالنظر إلى نفوسكم

# فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا
~~البلغ

# [المائدة: 92] ولم يقصر فيه فالقصور منكم { ليس على الذين
~~ءامنوا } بالتقليد { وعملوا الصلحات } الأعمال البدنية
~~الشرعية { جناح فيما طعموا } من المباحات { إذا ما اتقوا
~~} الشبهة والإسراف { وءامنوا } بالتحقيق { وعملوا
~~الصلحات } الأعمال القلبية الحقيقية من تخلية القلب عما سواه
~~سبحانه ومن تحليته بالأحوال المضادة لهواه من الصدق والإخلاص والتوكل
~~والتسليم ونحو ذلك { ثم اتقوا } شرك الأنانية { وءامنوا }
~~بالهوية { ثم اتقوا } هذا الشرك وهو الفناء { وأحسنوا }
~~بالبقاء به جل شأنه قاله النيسابوري. وقال غيره: ليس على الذين آمنوا
~~الإيمان العيني بتوحيد الأفعال وعملوا بمقتضى إيمانهم أعمالا تخرجهم عن
~~حجب الأفعال وتصلحهم لرؤية أفعال الحق جناح وضيق فيما تمتعوا به من أنواع
~~الحظوظ إذا ما اجتنبوا بقايا أفعالهم واتخذوا الله تعالى وقاية في صدور
~~الأفعال منهم وآمنوا بتوحيد الصفات وعملوا ما يخرجهم عن حجبها ويصلحهم
~~لمشاهدة الصفات الإلهية بالمحو فيها ثم ms02565 اتقوا بقايا صفاتهم واتخذوا الله
~~تعالى وقاية في ظهور صفاته عليهم وآمنوا بتوحيد الذات ثم اتقوا بقية
~~ذواتهم واتخذوا الله تعالى وقاية في وجودهم بالفناء المحض والاستهلاك في
~~عين الذات وأحسنوا بشهود التفصيل في عين الجمع والاستقامة في البقاء بعد
~~الفناء

# والله يحب المحسنين

# [المائدة: 93] الباقين بعد فنائهم أو المشاهدين للوحدة في عين الكثرة
~~المراعين لحقوق التفاصيل في عين الجمع بالوجود الحقاني { يا أيها
~~الذين آمنوا } بالغيب { ليبلونكم } في أثناء السير
~~والإحرام / لزيارة كعبة الوصول { بشىء من الصيد } أي الحظوظ
~~والمقاصد النفسانية { تناله أيديكم ورمحكم } أي يتيسر
~~لكم ويتهيأ ما يتوصل به إليه. وقيل: ما تناله الأيدي اللذات البدنية وما
~~تناله الرماح اللذات الخيالية { ليعلم الله } العلم الذي ترتب
~~عليه الجزاء { من يخافه بالغيب } أي في حال الغيبة ولا يكون
~~ذلك إلا للمؤمنين بالغيب لتعلقه بالعقاب الذي هو من باب الأفعال، وأما في
~~الحضور فالخشية والهيبة دون الخوف، والأولى بتجلي صفات الربوبية والعظمة،
~~والثانية بتجلي الذات، فالخوف كما قيل من صفات النفس والخشية من صفات
~~القلب، والهيبة من صفات الروح { فمن اعتدى بعد ذلك } بتناول
~~شيء من الحظوظ

# فله عذاب أليم

# [المائدة: 94] وهو عذاب الاحتجاب { يأيها الذين ءامنوا
~~لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } أي في حال الإحرام
~~الحقيقي { ومن قتله منكم متعمدا } بأن ارتكب شيئا من
~~الحظوظ النفسانية قصدا { فجزاء مثل ما قتل } بأن يقهر تلك
~~القوة التي ارتكب بها من قوى النفس البهيمية بأمر يماثل ذلك الحظ {
~~يحكم به ذوا عدل منكم } وهما القوتان النظرية والعملية {
~~هديا بلغ الكعبة } الحقيقية وذلك بإفنائها في الله عز وجل

# أو كفارة طعام مسكين أو عدل ذلك صياما

# [المائدة: 95] أي أو يستر تلك القوة بصدقة أو صيام { أحل لكم
~~صيد البحر } وهو ما في العالم الروحاني من المعارف { وطعامه
~~} وهو العلم النافع من علم المعاملات والأخلاق { متعا } أي تمتيعا
~~لكم أيها السالكون بطريق الحق { وللسيارة } المسافرين سفر
~~الآخرة، { وحرم عليكم صيد البر } وهو في العالم الجسماني
~~من المحسوسات والحظوظ النفسانية { واتقوا الله } في ms02566 سيركم

# الذي إليه تحشرون

# [المائدة: 96] بالفناء فاجتهدوا في السلوك ولا تقفوا مع الموانع وهو
~~الله تعالى الميسر للرشاد وإليه المرجع والمعاد.

### || [5.97]

# { جعل الله الكعبة } أي صيرها، وسميت كعبة على ما روي عن
~~عكرمة ومجاهد لأنها مربعة والتكعيب التربيع، وتطلق لغة على كل بيت مربع،
~~وقد يقال: التكعب للارتفاع، قيل: ومنه سميت الكعبة كعبة لكونها مرتفعة،
~~ومن ذلك كعب الإنسان لارتفاعه ونتوه، وكعبت المرأة إذا نتأ ثديها، وقيل:
~~سميت كعبة لانفرادها من البناء ورده الكرماني إلى ما قبله لأن المنفرد من
~~البناء نات من الأرض. وقوله تعالى: { البيت الحرام } عطف بيان
~~على جهة المدح لأنه عرف بالتعظيم عندهم فصار في معنى المعظم أو لأنه وصف
~~بالحرام المشعر بحرمته وعظمته، وذكر البيت كالتوطئة له فالاعتراض بالجمود
~~من الجمود دون التوضيح، وقيل: جىء به للتبيين لأنه كان لخثعم بيت يسمونه
~~بالكعبة اليمانية. وجوز أن يكون بدلا وأن يكون مفعولا ثانيا لجعل.

# وقوله سبحانه: { قياما للناس } نصب على الحال ويرده عطف ما بعده
~~على المفعول الأول كما ستعلم قريبا إن شاء الله تعالى بل هذا هو المفعول
~~الثاني. وقيل: { جعل } بمعنى خلق فتعدى لواحد وهذا حال، ومعنى كونه
~~قياما لهم أنه سبب إصلاح أمورهم وجبرها دينا ودنيا حيث كان مأمنا لهم
~~وملجأ ومجمعا لتجارتهم يأتون إليه من كل فج عميق ولهذا قال سعيد بن
~~جبير: من أتى هذا البيت يريد شيئا للدنيا والآخرة أصابه، ومن ذلك أخذ
~~بعضهم أن التجارة في الحج ليست مكروهة. وروي هذا عن أبي عبد الله رضي
~~الله تعالى عنه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: كان
~~الناس كلهم فيهم ملوك يدفع بعضهم عن بعض / ولم يكن في العرب ملوك كذلك
~~فجعل الله تعالى لهم البيت الحرام قياما يدفع به بعضهم عن بعض فلو لقي
~~الرجل قاتل أبيه أو ابنه عنده ما قتله، فالمراد من الناس على هذا العرب
~~خاصة، وقيل: معنى كونه قياما للناس كونه أمنا لهم من الهلاك فما دام
~~البيت يحج إليه ms02567 الناس لم يهلكوا فإن هدم وترك الحج هلكوا وروي ذلك عن
~~عطاء. وقرأ ابن عامر { قيما } على أنه مصدر كشبع وكان القياس أن لا
~~تقلب واوه ياء لكنها لما قلبت في فعله الفا تبعه المصدر في إعلال عينه.

# { والشهر الحرام } أي الذي يؤدى فيه الحج وهو ذو الحجة
~~فالتعريف للعهد بقرينة قرنائه؛ واختار غير واحد إرادة الجنس على ما هو
~~الأصل والقرينة المعهودة لا تعين العهد. والمراد الأشهر الحرم وهي أربعة
~~واحد فرد وثلاثة سرد فالفرد رجب والسرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وهو
~~وما بعده عطف على { الكعبة } فالمفعول الثاني محذوف ثقة بما مر أي
~~وجعل الشهر الحرام { والهدى والقلئد } أيضا قياما لهم.

# والمراد بالقلائد ذوات القلائد وهي البدن خصت بالذكر لأن الثواب فيها
~~أكثر و [بهاء] الحج بها أظهر؛ وقيل: الكلام على ظاهره، فقد أخرج أبو
~~الشيخ عن أبي مجلز أن أهل الجاهلية كان الرجل منهم إذا أحرم تقلد قلادة
~~من شعر فلا يتعرض له أحد فإذا حج وقضى حجه تقلد قلادة من إذخر، وقيل: كان
~~الرجل يقلد بعيره أو نفسه قلادة من لحاء شجر الحرم فلا يخاف من أحد ولا
~~يتعرض له أحد بسوء، وكانوا لا يغيرون في الأشهر الحرم وينصلون فيها
~~الأسنة ويهرع الناس فيها إلى معايشهم ولا يخشون أحدا، وقد توارثوا  على
~~ما قيل  ذلك من دين إسماعيل عليه السلام.

# { ذلك } أي الجعل المذكور خاصة أو مع ما ذكر من الأمر بحفظ حرمة
~~الإحرام وغيره. ومحل اسم الإشارة النصب بفعل مقدر يدل عليه السياق وبه
~~تتعلق اللام فيما بعد. وقيل: محله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي
~~الحكم الذي قررناه ذلك أو مبتدأ خبره محذوف أي ذلك الحكم هو الحق والحكم
~~الأول هو الأقرب، والتقدير شرع ذلك { لتعلموا أن الله
~~يعلم ما فى السموات وما في الأرض } فإن تشريع هذه
~~الشرائع المستتبعة لدفع المضار الدينية والدنيوية قبل الوقوع وجلب
~~المنافع الأولية والأخروية من أوضح الدلائل على حكمة الشارع وإحاطة علمه
~~سبحانه { وأن الله بكل ms02568 شيء } واجبا كان أو ممتنعا أو
~~ممكنا { عليم } كامل العلم، وهذا تعميم إثر تخصيص، وقدم الخاص لأنه
~~كالدليل على ما بعد. وجوز أن يراد بما في السماوات والأرض الأعيان
~~الموجودة فيهما وبكل شيء الأمور المتعلقة بتلك الموجودات من العوارض
~~والأحوال التي هي من قبيل المعاني. والإظهار في مقام الإضمار لما مر غير
~~مرة.

### || [5.98]

# { اعلموا أن الله شديد العقاب } وعيد لمن انتهك محارمه
~~أو أصر على ذلك. والعقاب كما قيل هو الضرر الذي يقارنه استخفاف وإهانة،
~~وسمي عقابا لأنه يستحق عقيب الذنب { وأن الله غفور رحيم }
~~وعد لمن حافظ على مراعاة حرماته تعالى وأقلع عن الانتهاك. ووجه تقديم
~~الوعيد ظاهر.

### || [5.99]

# { ما على الرسول إلا البلغ } ولم يأل جهدا في تبليغكم
~~ما أمرتم به فأي عذر لكم بعد. وهذا تشديد في إيجاب القيام بما أمر به
~~سبحانه. والبلاغ اسم أقيم مقام المصدر كما أشير إليه { والله
~~يعلم ما تبدون وما تكتمون } فيعاملكم بما / تستحقونه في
~~ذلك.

### || [5.100]

# { قل } يا محمد { لا يستوى الخبيث والطيب } أي الردىء
~~والجيد من كل شيء، فهو حكم عام في نفي المساواة عند الله تعالى بين
~~النوعين والتحذير عن رديها وإن كان سبب النزول أن المسلمين أرادوا أن
~~يوقعوا بحجاج اليمامة وكان معهم تجارة عظيمة فنهوا عن ذلك على ما مر
~~ذكره، وقيل: نزلت في رجل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

# " يا رسول الله إن الخمر كانت تجارتي وإني جمعت من بيعها مالا فهل
~~ينفعني من ذلك [المال] إن عملت فيه بطاعة الله تعالى؟ فقال النبي صلى
~~الله عليه وسلم: إن أنفقته في حج أو جهاد [أو صدقة] لم يعدل جناح بعوضة
~~إن الله تعالى لا يقبل إلا الطيب "

# وعن الحسن واختاره الجبائي الخبيث الحرام والطيب الحلال، وأخرج ابن جرير
~~وغيره عن السدي قال: الخبيث هم المشركون والطيب هم المؤمنون وتقديم
~~الخبيث في الذكر للإشعار من أول الأمر بأن القصور الذي ينبىء عنه عدم
~~الاستواء فيه لا في مقابله، وقد تقدمت الإشارة إلى ms02569 تحقيقه.

# { ولو أعجبك } أي وإن سرك أيها الناظر بعين الاعتبار { كثرة
~~الخبيث }. وقيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته
~~والواو لعطف الشرطية على مثلها المقدر. وقيل للحال أي لو لم يعجبك ولو
~~أعجبك وكلتاهما في موضع الحال من فاعل { لا يستوى } أي لا يستويان
~~كائنين على كل حال مفروض. وقد حذفت الأولى في مثل هذا التركيب لدلالة
~~الثانية عليها دلالة واضحة فإن الشيء إذا تحقق مع المعارض فلأن يتحقق
~~بدونه أولى. وجواب لو محذوف في الجملتين لدلالة ما قبلهما عليه {
~~فاتقوا الله يأولى الألبب } في تحري الخبيث وإن كثر
~~وآثروا عليه الطيب وإن قل فإن مدار الاعتبار هو الخيرية والرداءة لا
~~الكثرة والقلة وفي الأكثر أحسن كل شيء أقله. ولله در من قال:

# والناس ألف منهم كواحد

# وواحد كالألف إن أمر عنا

# وفي الآية كما قيل إشارة إلى غلبة أهل الإسلام وإن قلوا { لعلكم
~~تفلحون } راجين أن تنالوا الفلاح والفوز بالثواب العظيم والنعيم
~~المقيم.

### || [5.101]

# { يا أيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء }
~~ظاهر اللفظ كما قال ابن يعيش يقضي بكونها جمع شيء لأن فعلا إذا كان معتل
~~العين يجمع في القلة على أفعال نحو بيت وأبيات وشيخ وأشياخ إلا أنهم
~~رأوها غير مصروفة في حال التنكير كما هنا فتشعبت آراء الجماعة فيها فذهب
~~سيبويه والخليل إلى أن الهمزة للتأنيث وأن الكلمة اسم مفرد يراد به الجمع
~~نحو الحلفاء والطرفاء فأشياء في الأصل شيئاء بهمزتين بينهما ألف
~~فقدمت الهمزة الأولى التي هي لام الكلمة على الفاء لاستثقال همزتين
~~بينهما ألف قبلهما حرف علة وهو الياء والهمزة الثانية زائدة للتأنيث
~~ولذلك لا تنصرف ووزنها لفعاء، وقصارى ما في هذا المذهب القلب وهو كثير في
~~كلامهم ارتكبوه مع عدم الثقل كما في أينق وقسي ونحوهما فارتكابه مع الثقل
~~أولى فلا يضر الاعتراض بأنه خلاف الأصل. وذهب الفراء إلى أنها جمع شيء
~~بياء مشددة وهمزة بوزن هين ولين إلا أنهم خففوه فقالوا شيء كميت في ميت
~~وبعد التخفيف جمعوه على أشياء ms02570 بهمزتين بينهما ألف بعد ياء بزنة أفعلاء
~~فاجتمعت همزتان إحداهما لام الكلمة والأخرى للتأنيث فخففوا ذلك بقلب
~~الهمزة الأولى ياء ثم حذفوا الياء الأولى التي هي عين الكلمة فصار وزنه
~~أفعلاء، وقيل: في تصريف هذا المذهب أنهم حذفوا الهمزة التي هي لام الكلمة
~~لأن الثقل حصل بها فوزنها افعاء ومنع الصرف لهمزة التأنيث. واستحسن هذا
~~المذهب لو كان / على أن أصل شيء بالتخفيف شيء بالتشديد دليل، وذهب الأخفش
~~إلى أنها جمع شيء بوزن فلس وأصلها أشيئاء بهمزتين بينهما ألف بعد ياء ثم
~~عمل فيه ما مر. ورده الزجاج بأن فعلا لا يجمع على أفعلاء، وناظر أبو
~~عثمان المازني الأخفش في هذه المسألة كما قال أبو علي في «التكملة» فقال:
~~كيف تصغر أشياء قال أقول أشيآء فقال المازني: هلا رددتها إلى الواحد
~~فقلت شييئات لأن أفعلاء لا تصغر فلم يأت بمقنع انتهى. وأراد أن أفعلاء من
~~أمثلة الكثرة وجموع الكثرة لا تصغر على ألفاظها وتصغر بآحادها ثم يجمع
~~الواحد بالألف والتاء كقولك في تصغير درهم: دريهمات، والجواب كما قال أبو
~~علي عن ذلك بأن أفعلاء هنا جاز تصغيرها على لفظها لأنها قد صارت بدلا من
~~أفعال بدلالة استجازتهم إضافة العدد إليها كما أضيف إلى أفعال، ويدل على
~~كونها بدلا أيضا تذكيرهم العدد المضاف إليها في قولهم: ثلاثة أشياء
~~فكما صارت بمنزلة أفعال في هذا الموضع بالدلالة المذكورة كذلك يجوز
~~تصغيرها من حيث جاز تصغير أفعال ولم يمتنع تصغيرها على اللفظ من حيث
~~امتنع تصغير هذا الوزن في غير هذا الموضع لارتفاع المعنى المانع من ذلك
~~عن أشياء وهو أنها صارت بمنزلة أفعال وإن كان كذلك لم يجتمع في الكلمة ما
~~يتدافع من إرادة التقليل والتكثير في شيء واحد انتهى، ومراده كما قال ابن
~~الشجري بأن فعلاء في هذا الموضع صارت بدلا من أفعال أنه كان القياس في
~~جمع شيء أشياء مصروفا كقولك في جمع فيء أفياء على أن تكون همزة الجمع هي
~~همزة الواحد ولكنهم أقاموا أشياء التي همزتها للتأنيث مقام ms02571 أشياء التي
~~وزنها أفعال، واستدلاله في تجويز تصغير أشياء على لفظها بأنها صارت بدلا
~~من أفعال بدلالة أنهم أضافوا العدد إليها وألحقوه الهاء فقالوا ثلاثة
~~أشياء مما لا يقوم به دلالة لأن أمثلة القلة وأمثلة الكثرة يشتركن في
~~ذلك، ألا ترى أنهم يضيفون العدد إلى أبنية الكثرة إذا عدم بناء القلة
~~فيقولون: ثلاثة شسوع وخمسة دراهم، وأما إلحاق الهاء في قولنا: ثلاثة
~~أشياء وإن كان أشياء مؤنثا لأن الواحد مذكر ألا ترى أنك تقول ثلاثة:
~~أنبياء وخمسة أصدقاء وسبعة شعراء فتلحق الهاء وإن كان لفظ الجمع مؤنثا
~~وذلك لأن الواحد نبي وصديق وشاعر كما أن واحد أشياء شيء فأي دلالة في
~~قوله: ويدل على كونها بدلا تذكيرهم العدد المضاف إليها الخ ثم قال:
~~والذي يجوز أن يستدل به لمذهب الأخفش أن يقال: إنما جاز تصغير أفعلاء على
~~لفظه وإن كان من أبنية الكثرة لأن وزنه نقص بحذف لامه فصار افعاء فشبهوه
~~بأفعال فصغروه، وذهب الكسائي إلى أنها جمع شيء كضيف وأضياف.

# وأورد عليه منع الصرف من غير علة ويلزمه صرف أبناء وأسماء، وقد استشعر
~~الكسائي هذا الإيراد وأشار إلى دفعه بأنه على أفعال ولكن كثرت في الكلام
~~فأشبهت فعلاء فلم يصرف كما لم يصرف حمراء، وقد جمعوها على أشاوى كعذراء
~~وعذارى وأشياوات كحمراء وحمراوات فعاملوا أشياء وإن كانت على أفعال
~~معاملة حمراء وعذراء في جمعي التكسير والتصحيح. ورد بأن الكثرة تقتضي
~~تخفيفه وصرفه. وأيده بعضهم بأن العرب قد اعتبروا في باب ما لا ينصرف
~~الشبه اللفظي كما قيل في سراويل إنه منع من الصرف لشبهه بمصابيح وأجروا
~~ألف الإلحاق مجرى ألف التأنيث المقصورة ولكن مع العلمية فاعتبروا مجرد
~~الصورة فليكن هذا من ذلك القبيل، وقيل: إنها جمع شيء ووزنها أفعلاء جمع
~~فعيل كنصيب وأنصباء وصديق وأصدقاء وحذفت الهمزة الأولى التي هي لام
~~الكلمة وفتحت الياء لتسلم الألف فصارت أشياء بزنة أفعاء، وجعل / مكي
~~تصريفه كمذهب الأخفش إذ أبدل الهمزة ياء ثم حذفت إحدى الياءين وحسن حذفها
~~من الجمع حذفها من ms02572 المفرد لكثرة الاستعمال وعدم الصرف لهمزة التأنيث
~~الممدودة، وهو حسن إلا أنه يرد عليه كما ورد على الأخفش مع إيرادات أخر،
~~وقيل غير ذلك، وللشهاب عليه الرحمة:

# أشياء لفعاء في وزن وقد قلبوا

# لاما لها وهي قبل القلب شيئاء

# وقيل أفعال لم تصرف بلا سبب

# منهم وهذا لوجه الرد إيماء

# أو أشياء وحذف اللام من ثقل

# وشيء أصل شيء وهي آراء

# وأصل أسماء اسما وكمثل كسا

# فاصرفه حتما ولا تغررك أسماء

# واحفظ وقل للذي ينسى العلا سفها

# حفظت شيئا وغابت عنك أشياء

# وظاهر صنيعه كغيره يشير إلى اختيار مذهب الخليل وسيبويه، وقال غير واحد:
~~إنه الأظهر لقولهم في جمعها أشاوى فجمعوها كما جمعوا صحراء على صحارى،
~~وأصله كما قال ابن الشجري أشايا بالياء لظهورها في أشياء لكنهم أبدلوها
~~واوا على غير قياس كإبدالها واوا في قولهم جبيت الخراج جباوة، وأيضا
~~يدل على أنها مفرد قولهم في تحقيرها أشيئاء كصحيراء ولو كانت جمعا
~~لقالوا شيآت على ما تقدمت الإشارة، وتمام البحث في «أمالي ابن الشجري».

# { إن تبد لكم تسؤكم } صفة لأشياء داعية إلى الانتهاء عن
~~السؤال عنها، وعطف عليها قوله سبحانه: { وإن تسألوا عنها حين
~~ينزل القرءان تبد لكم } أي بالوحي كما ينبىء عنه تقييد
~~السؤال بحين نزول القرآن لأن المساءة في الشرطية الأولى معلقة بإبداء تلك
~~الأشياء لا بالسؤال عنها فعقبها جل شأنه بما هو ناطق باستلزام السؤال
~~عنها لإبدائها الموجب للمحذور، فضمير { عنها } راجع إلى تلك الأشياء
~~وليس على حد عندي درهم ونصفه كما وهم، والمراد بها ما لا خير لهم فيه من
~~نحو التكاليف الصعبة التي لا يطيقونها والأسرار الخفية التي قد يفتضحون
~~بها، فكما أن السؤال عن الأمور الواقعة مستتبع لإبدائها كذلك السؤال عن
~~تلك التكاليف مستتبع لإيجابها عليهم بطريق التشديد لإساءتهم الأدب وتركهم
~~ما هو الأولى بهم من الاستسلام لأمر الله تعالى من غير بحث فيه ولا تعرض
~~لكيفيته وكميته ففي «صحيح مسلم»

# " عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: " خطبنا رسول الله صلى الله ms02573
~~عليه وسلم فقال: أيها الناس قد فرض الله تعالى عليكم الحج فحجوا "

# فقال رجل  وهو كما قال ابن الهمام الأقرع بن حابس، وصرح به أحمد
~~والدارقطني والحاكم في حديث صحيح رووه على شرط الشيخين

# " أكل عام يا رسول الله فسكت عليه الصلاة والسلام حتى قالها ثلاثا فقال
~~صلى الله عليه وسلم: لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال صلى الله
~~عليه وسلم: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم
~~واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا
~~نهيتكم عن شيء فدعوه "

# وذكر كما قال ابن حبان أن الآية نزلت لذلك.

# وأخرج مسلم وغيره أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه في
~~المسألة فصعد ذات يوم المنبر وقال:

# " لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم فلما سمعوا ذلك أزموا ورهبوا أن يكون
~~بين يدي أمر قد حضر قال أنس رضي الله تعالى عنه: فجعلت أنظر يمينا
~~وشمالا فإذا كل رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي فأنشأ رجل كان إذا لاحى يدعى
~~إلى غير أبيه فقال: يا رسول الله من أبي؟ قال: أبوك حذافة، ثم أنشأ عمر
~~رضي الله تعالى عنه فقال: رضينا بالله تعالى ربا وبالإسلام دينا وبمحمد
~~صلى الله عليه وسلم نبيا نعوذ بالله تعالى من الفتن ثم قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم: / ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط إنه صورت لي
~~الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط "

# ، وذكر ابن شهاب أن أم ابن حذافة واسمه عبد الله قالت له لما رجع إليها:
~~ما سمعت قط أعق منك أأمنت أن تكون أمك قارفت بعض ما يقارف أهل الجاهلية
~~فتفضحها على أعين الناس فقال ابن حذافة: لو ألحقني بعبد أسود للحقته.
~~وأخرج غير واحد عن قتادة أن هذه الآية نزلت يومئذ. ووجه اتصالها بما
~~قبلها على الرواية الأولى ظاهر جدا لما أن الكلام فيما يتعلق بالحج.

# وذكر الطبرسي في ذلك ثلاثة أوجه، «الأول: أنها متصلة بقوله تعالى:

# لعلكم ms02574 تفلحون

# [المائدة: 100] لأن من الفلاح ترك السؤال بما لا خير فيه، والثاني: أنها
~~متصلة بقوله سبحانه:

# ما على الرسول إلا البلغ

# [المائدة: 99] أي فإنه بلغ ما فيه المصلحة فلا تسألوه عما لا يعنيكم،
~~والثالث: أنها متصلة بقوله جل وعلا:

# والله يعلم ما تبدون وما تكتمون

# [المائدة: 99] أي فلا تسألوا عن تلك الأشياء فتظهر سرائركم».

# { عفا الله عنها } أي عن المسألة المدلول عليها بلا تسألوا.
~~والجملة استئناف مسوق لبيان أن نهيهم عنها لم يكن لمجرد صيانتهم عن
~~المساءة بل لأنها في نفسها معصية مستتبعة للمؤاخذة وقد عفا سبحانه عنها،
~~وفيه من حثهم على الجد في الانتهاء عنها ما لا يخفى أي عفا الله تعالى عن
~~مسألتكم السالفة حيث لم يفرض عليكم الحج في كل عام جزاء لمسألتكم أو
~~المراد تجاوز عن عقوبتكم الأخروية بسبب ذلك فلا تعودوا لمثله، وقد يحمل
~~العفو عنها على معنى شامل للتجاوز عن العقوبة الدنيوية والعقوبة الأخروية
~~واختاره بعض المحققين، وجوز غير واحد كون الجملة صفة أخرى لأشياء والضمير
~~المجرور عائد إليها وهو الرابط على معنى لا تسألوا عن أشياء لم يكلفكم
~~الله تعالى بها. واعترض بأن هذا يقتضي أن يكون الحج قد فرض أولا ثم نسخ
~~بطريق العفو وأن يكون ذلك معلوما للمخاطبين ضرورة أن حق الوصف أن يكون
~~معلوم الثبوت للموصوف عند المخاطب قبل جعله وصفا له وكلاهما ضروري
~~الانتفاء قطعا على أنه يستدعي اختصاص النهي بمسألة الحج ونحوها مع أن
~~النظم الكريم صريح في أنه مسوق للنهي عن السؤال عن الأشياء التي يسوءهم
~~إبداؤها سواء كانت من قبيل الأحكام والتكاليف الموجبة لمساءتهم بإنشائها
~~وإيجابها بسبب السؤال عقوبة وتشديدا كمسألة الحج لولا عفوه تعالى عنها
~~أو من قبيل الأمور الواقعة قبل السؤال الموجبة للمساءة بالإخبار بها كما
~~في سبب النزول على ما أخرج ابن جرير وغيره عن أبي هريرة قال:

# " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمار وجهه حتى جلس على
~~المنبر فقام إليه رجل فقال: أين أبي؟ قال: في النار "

# ، وفسر ms02575 بعضهم العفو عنها بالكف عن بيانها والتعرض لشأنها وحينئذ يوشك
~~أن لا يتوجه هذا الاعتراض أصلا، وإلى التفسير الأول يشير كلام ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرج مجاهد عنه أنه كان إذا سئل عن الشيء لم
~~يجىء فيه أثر يقول: هو من العفو ثم يقرأ هذه الآية.

# والذي ذهب إليه شيخ الإسلام عليه الرحمة هو الاستئناف لا غير لما علمت،
~~واستبعاد بعض الفضلاء ليس في محله. ثم قال: «إن قلت تلك الأشياء غير
~~موجبة للمساءة البتة بل هي محتملة لإيجاب المسرة أيضا لأن إيجابها
~~للأولى وإن كان من حيث وجودها فهي من حيث عدمها موجبة للأخرى قطعا وليست
~~إحدى الحيثيتين محققة عند السائل وإنما غرضه من السؤال ظهورها كيف كانت
~~بل ظهورها بحيثية إيجابها للمسرة فلم «عبر» عنها بحيثية إيجابها للمساءة
~~قلت: لتحقيق المنهي عنه كما ستعرفه مع ما فيه من تأكيد النهي وتشديده لأن
~~تلك الحيثية هي الموجبة للانتهاء لا الحيثية الثانية ولا حيثية التردد
~~بين الإيجابين، فإن قيل: الشرطية الثانية ناطقة بأن السؤال / عن تلك
~~الأشياء الموجبة للمساءة مستلزم لإبدائها فلم تخلف الإبداء في مسألة الحج
~~ولم يفرض كل عام؟ قلنا: لوقوع السؤال قبل النهي وما في الشرطية إنما هو
~~السؤال الواقع بعده إذ هو الموجب للتغليظ والتشديد ولا تخلف فيه. فإن
~~قيل: ما ذكر إنما يتمشى فيما إذا كان السؤال عن الأمور المترددة بين
~~الوقوع وعدمه كما ذكر في التكاليف الشاقة وأما إذا كان عن الأمور الواقعة
~~قبله فلا يكاد يتسنى لأن ما يتعلق به الإبداء هو الذي وقع في نفس الأمر
~~ولا مرد له سواء كان السؤال قبل أو بعد وقد يكون الواقع ما يوجب المسرة
~~كما في مسألة ابن حذافة فيكون هو متعلق الإبداء لا غيره فيتعين التخلف
~~حتما. قلنا: لا احتمال له فضلا عن تعينه فإنه المنهي عنه في الحقيقة
~~إنما هو السؤال عن الأشياء الموجبة للمساءة الواقعة في نفس الأمر قبل
~~السؤال كسؤال من قال: أين أبي؟ لا ما يعمها وغيرها ms02576 مما ليس بواقع لكنه
~~محتمل الوقوع عند المكلفين حتى يلزم التخلف في صورة عدم الوقوع.

# وجملة الكلام أن مدلول النظم الكريم بطريق العبارة إنما هو النهي عن
~~السؤال عن الأشياء التي يوجب إبداؤها المساءة ألبتة إما بأن تكون تلك
~~الأشياء بعرضية الوقوع فتبدى عند السؤال بطريق الإنشاء عقوبة وتشديدا
~~كما في صورة كونها من قبيل التكاليف الشاقة، وإما بأن تكون واقعة في نفس
~~الأمر قبل السؤال فتبدى عنده بطريق الإخبار بها فالتخلف ممتنع في
~~الصورتين معا، ومنشأ توهمه عدم الفرق بين المنهي عنه وغيره بناء على
~~عدم امتياز ما هو موجود أو بعرضية الوجود من تلك الأشياء في نفس الأمر
~~وما ليس كذلك عند المكلفين وملاحظتهم للكل باحتمال الوجود والعدم، وفائدة
~~هذا الإبهام الانتهاء عن تلك الأشياء على الإطلاق حذار إبداء المكروه»
~~انتهى وهو تحرير لم يسبق إليه.

# { والله غفور حليم } أي مبالغ في مغفرة الذنوب والإغضاء عن
~~المعاصي ولذلك عفا سبحانه عنكم ولم يعاقبكم بما فرط منكم، والجملة اعتراض
~~تذييلي مقرر لما سبق من عفوه تعالى.

### || [5.102]

# { قد سألها } أي المسألة فالضمير في موقع المصدر لا المفعول به،
~~والمراد سأل مثلها في كونها محظورة ومستتبعة للوبال { قوم } وعدم
~~التصريح بالمثل للمبالغة في التحذير، وجوز أن يكون الضمير للأشياء على
~~تقدير المضاف أيضا فالضمير في موقع المفعول به وذلك من باب الحذف
~~والإيصال والمراد سأل عنها، وقيل: لا حاجة إلى جعله من ذلك الباب لأن
~~السؤال هنا استعطاء وهو يتعدى بنفسه كقولك: سألته درهما بمعنى طلبته منه
~~لا استخبار كما في صدر الآية، واختلف في تعيين القوم. فعن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنه هم قوم عيسى عليه الصلاة والسلام سألوه إنزال المائدة ثم
~~كفروا بها، وقيل: هم قوم صالح عليه السلام سألوه الناقة ثم عقروها وكفروا
~~بها، وقيل: هم قوم موسى عليه السلام سألوه أن يريهم الله تعالى جهرة أو
~~سألوه بيان البقرة. وعن مقاتل هم بنو إسرائيل مطلقا كانوا يسألون
~~أنبياءهم عن أشياء فإذا أخبروهم كذبوهم. وعن السدي ms02577 هم قريش سألوا النبي
~~صلى الله عليه وسلم أن يحول الصفا ذهبا، وقال الجبائي: كانوا يسألونه
~~صلى الله عليه وسلم عن أنسابهم فإذا أخبرهم عليه الصلاة والسلام لم
~~يصدقوا ويقولوا: ليس الأمر كذلك، ولا يخفى عليك الغث والسمين من هذه
~~الأقوال وأن بعضها يؤيد حمل السؤال على الاستعطاء وبعضها يؤيد حمله على
~~الاستخبار، والحمل على الاستخبار أولى، وإلى تعينه ذهب بعض العلماء.

# { من قبلكم } متعلق بسألها، وجوز كونه متعلقا بمحذوف وقع صفة
~~لقوم، واعترض / بأن ظرف الزمان لا يكون صفة الجثة ولا حالا منها ولا
~~خبرا عنها، وأجيب بأن التحقيق أن هذا مشروط إذا عدمت الفائدة أما إذا
~~حصلت فيجوز كما إذا أشبهت الجثة المعنى في تجددها ووجودها وقتا دون وقت
~~نحو الليلة الهلال بخلاف زيد يوم السبت وما نحن فيه مما فيه فائدة لأن
~~القوم لا يعلم هل هم ممن مضى أم لا؟ وقال أبو حيان وهو تحقيق بديع غفلوا
~~عنه: «هذا المنع إنما هو في [ظرف] الزمان المجرد عن الوصف أما إذا تضمن
~~وصفا فيجوز كقبل وبعد فإنهما وصفان في الأصل فإذا قلت جاء زيد قبل عمرو
~~فالمعنى جاء في زمان قبل زمان مجيئه أي متقدم عليه ولذا وقع صلة للموصول،
~~ولو لم يلحظ فيه الوصف وكان ظرف زمان مجرد لم يجز أن يقع صلة ولا صفة.
~~قال تعالى:

# والذين من قبلكم

# [البقرة: 21] ولا يجوز والذين اليوم» وما نحن فيه من المتضمن لا المجرد
~~وهو ظاهر، وما قيل من أنه ليس من المتنازع فيه في شيء لأن الواقع صفة هو
~~الجار والمجرور لا الظرف نفسه ليس بشيء لأن دخول الجار عليه إذا كان من
~~أو في لا يخرجه عن كونه في الحقيقة هو الصفة أو نحوها فليفهم.

# { ثم أصبحوا بها } أي بسببها، وهو متعلق بقوله سبحانه وتعالى:
~~{ كفرين } قدم عليه رعاية للفواصل. وقرأ أبي (قد سألها قوم بينت
~~لهم فأصبحوا بها كافرين).

### || [5.103]

# { ما جعل الله من بحيرة } هي فعيلة بمعنى مفعولة من البحر
~~وهو الشق والتاء للنقل ms02578 إلى الإسمية أو لحذف الموصوف، قال الزجاج: كان أهل
~~الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها وشقوها
~~وامتنعوا من نحرها وركوبها ولا تطرد من ماء ولا تمنع عن مرعى وهي
~~البحيرة، وعن قتادة أنها إذا نتجت خمسة أبطن نظر في الخامس فإن كان ذكرا
~~ذبحوه وأكلوه وإن كان أنثى شقوا أذنها وتركوها ترعى ولا يستعملها أحد في
~~حلب وركوب ونحو ذلك، وقيل: البحيرة هي الأنثى التي تكون خامس بطن وكانوا
~~لا يحلون لحمها ولبنها للنساء فإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكلها،
~~وعن محمد بن إسحق ومجاهد أنها بنت السائبة، وستأتي إن شاء الله تعالى
~~قريبا وكانت تهمل أيضا. وقيل: هي التي ولدت خمسا أو سبعا، وقيل: عشرة
~~أبطن وتترك هملا وإذا ماتت حل لحمها للرجال خاصة. وعن ابن المسيب أنها
~~التي منع لبنها للطواغيت فلا تحلب، وقيل: هي التي ولدت خمس إناث فشقوا
~~أذنها وتركوها هملا، وجعلها في «القاموس» على هذا القول من الشاء خاصة،
~~وكما تسمى بالبحيرة تسمى بالغزيرة أيضا. «وقيل: هي السقب الذي إذا ولد
~~شقوا أذنه وقالوا: اللهم إن عاش ففتي وإن مات فذكي فإذا مات أكلوه»،
~~وقيل: هي التي تترك في المرعى بلا راع.

# { ولا سآئبة } هي فاعلة من سيبته أي تركته وأهملته فهو سائب وهي
~~سائبة أو بمعنى مفعول ك

# عيشة راضية

# [الحاقة: 21، القارعة: 7]. واختلف فيها فقيل هي الناقة تبطن عشرة أبطن
~~إناث فتهمل ولا تركب ولا يجز وبرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف ونسب إلى محمد
~~بن إسحاق، وقيل: هي التي تسيب للأصنام فتعطى للسدنة ولا يطعم من لبنها
~~إلا أبناء السبيل ونحوهم وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى
~~عنهم، وقيل: هي البعير يدرك نتاج نتاجه فيترك ولا يركب، وقيل: «كان الرجل
~~إذا قدم من سفر بعيد أو نجت دابته من مشقة أو حرب قال: هي سائبة أو كان
~~ينزع من ظهرها فقارة أو عظما وكانت لا تمنع عن ماء ولا كلأ ولا تركب»،
~~وقيل: هي ms02579 ما ترك ليحج عليه، وقيل: هي العبد يعتق على أن لا يكون عليه
~~ولاء ولا عقل ولا ميراث.

# { ولا وصيلة } هي فعيلة بمعنى فاعلة؛ وقيل: مفعولة / والأول أظهر
~~كما ينبىء عن ذلك بيان المراد بها. واختلف فيه فقال الفراء: هي الشاة
~~تنتج سبعة أبطن عناقين عناقين وإذا ولدت في آخرها عناقا وجديا قيل:
~~وصلت أخاها فلا يشرب لبن الأم إلا الرجال دون النساء وتجرى مجرى السائبة،
~~وقال الزجاج: هي الشاة إذا ولدت ذكرا كان لآلهتهم وإذا ولدت أنثى كانت
~~لهم وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.

# وقيل: هي الشاة تلد ذكرا ثم أنثى فتصل أخاها فلا يذبحون أخاها من أجلها
~~وإذا ولدت ذكرا قالوا: هذا قربان لآلهتنا. وعن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما هي الشاة تنتج سبعة أبطن فإن كان السابع أنثى لم ينتفع النساء منها
~~بشيء إلا أن تموت فتأكلها الرجال والنساء وكذا إن كان ذكرا وأنثى قالوا
~~وصلت أخاها فتترك معه ولا ينتفع بها إلا الرجال دون النساء فإن ماتت
~~اشتركوا فيها. وقال ابن قتيبة: إن كان السابع ذكرا ذبح وأكلوا منه دون
~~النساء وقالوا: خالصة لذكورنا محرمة على أزواجنا وإن كانت أنثى تركت في
~~الغنم وإن كان ذكرا وأنثى فكقول ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وقال محمد
~~بن إسحاق: وهي الشاة تنتج عشر إناث متواليات في خمسة أبطن فما ولدت بعده
~~للذكور دون الإناث فإذا ولدت ذكرا وأنثى معا قالوا: وصلت أخاها فلم
~~يذبحوه لمكانها، وقيل: هي الشاة تنتج خمسة أبطن أو ثلاثة فإن كان جديا
~~ذبحوه وإن كان أنثى أبقوها وإن كان ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، وقال
~~بعضهم: الوصيلة من الإبل وهي الناقة تبكر فتلد أنثى ثم تثني بولادة أنثى
~~أخرى ليس بينهما ذكر فيتركونها لآلهتهم ويقولون: قد وصلت أنثى بأنثى ليس
~~بينهما ذكر. وقيل: هي الناقة التي وصلت بين عشرة أبطن لا ذكر بينها.

# { ولا حام } هو فاعل من الحمى بمعنى المنع. واختلف فيه أيضا فقال
~~الفراء: ms02580 هو الفحل إذ لقح ولد ولده فيقولون: قد حمى ظهره فيهمل ولا يطرد
~~عن ماء ولا مرعى، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وابن مسعود وهو قول
~~أبي عبيدة والزجاج أنه الفحل يولد من ظهره عشرة أبطن فيقولون: حمى ظهره
~~فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ومرعى. وعن الشافعي أنه الفحل يضرب في مال
~~صاحبه عشر سنين، وقيل: هو الفحل ينتج له سبع إناث متواليات فيحمى ظهره،
~~وجمع بين الأقوال المتقدمة في كل من تلك الأنواع بأن العرب كانت تختلف
~~أفعالهم فيها. والمراد من هذه الجملة رد وإبطال لما ابتدعه أهل الجاهلية.
~~ومعنى { ما جعل } ما شرع ولذلك عدي إلى مفعول واحد وهو { بحيرة
~~} وما عطف عليها. و { من } سيف خطيب أتى بها لتأكيد النفي. وأنكر بعضهم
~~مجىء جعل بمعنى شرع عن أحد من أهل اللغة وجعلها هنا للتصيير والمفعول
~~الثاني محذوف أي ما جعل البحيرة ولا ولا مشروعة وليس كما قال فإن الراغب
~~نقل ذلك عن أهل اللغة وهو ثقة لا يفتري عليهم.

# { ولكن الذين كفروا يفترون على الله
~~الكذب } حيث يفعلون ما يفعلون ويقولون: الله سبحانه وتعالى أمرنا
~~بهذا وإمامهم عمرو بن لحي فإنه في المشهور أول من فعل تلك الأفاعيل
~~الشنيعة.

# أخرج ابن جرير وغيره عن أبي هريرة قال:

# " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون: يا أكثم عرضت
~~علي النار فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن حندف يجر قصبه في
~~النار فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا به منك فقال: أكثم أخشى أن
~~يضرني شبهه يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا إنك مؤمن
~~وهو كافر / إنه أول من غير دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وبحر البحيرة
~~وسيب السائبة وحمى الحامي "

# ، وجاء في خبر آخر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه «ووصل الوصيلة».
~~وأخرج عبد الرزاق وغيره عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " إني لأعرف ms02581 أول من سيب السوائب ونصب النصب وأول من غير دين إبراهيم
~~عليه الصلاة والسلام قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة
~~والسلام: عمرو بن لحي أخو بني كعب لقد رأيته يجر قصبه في النار يؤذي أهل
~~النار ريح قصبه وإني لأعرف أول من بحر البحائر قالوا: من هو يا رسول
~~الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: رجل من بني مدلج كانت له ناقتان فجدع
~~آذانهما وحرم ألبانهما وظهورهما وقال: هاتان لله ثم احتاج إليهما فشرب
~~ألبانهما وركب ظهورهما فلقد رأيته في النار وهما تقضمانه بأفواههما
~~وتطآنه بأخفافهما "

# واستدل بالآية على تحريم هذه الأمور وهو ظاهر. واستنبط منه تحريم جميع
~~تعطيل المنافع. واستدل ابن الماجشون بها على منع أن يقول الرجل لعبده:
~~أنت سائبة وقال: لا يعتق بذلك. وجعل بعض العلماء من صور السائبة إرسال
~~الطير ونحوه، وصرح بعض علمائنا بأنه لا ثواب في ذلك ولعل الجاعل لا يكتفي
~~بهذا القدر ويدعي الإثم فيه والناس عن ذلك غافلون.

# { وأكثرهم لا يعقلون } أن ذلك افتراء باطل فما تقدم فعل
~~الرؤساء وهذا شأن الأتباع وهم المراد بالأكثر كما روي عن قتادة والشعبي،
~~وظاهر سياق النظم الكريم أنهم المقلدون لأسلافهم المفترين من معاصري رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم وهذا بيان لقصور عقولهم وعجزهم عن الاهتداء
~~بأنفسهم.

### || [5.104]

# وقوله تعالى: { وإذا قيل لهم } أي للذين عبر عنهم بأكثرهم على
~~سبيل الهداية والإرشاد إلى الحق { تعالوا إلى ما أنزل
~~الله } من الكتاب المبين للحلال والحرام والإيمان به { وإلى
~~الرسول } الذي أنزل عليه ذلك لتقفوا على حقيقة الحال وتميزوا الحرام
~~من الحلال { قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنا } في
~~هذا الشأن فلا نلتفت لغيره بيان لعنادهم واستعصائهم على الهادي إلى الحق
~~وانقيادهم للداعي إلى الضلال، و (ما) موصولة إسمية، وجوز أن تكون نكرة
~~موصوفة والوجدان المصادفة و { عليه } متعلق به أو حال من مفعوله،
~~وجوز أن يكون بمعنى العلم و { عليه } عليه في موضع المفعول الثاني.

# { أولو كان ءاباؤهم لا يعلمون شيئا ولا
~~يهتدون } ذهب ms02582 الراغب إلى أن الواو للعطف، وصرح غير واحد أنه على
~~شرطية أخرى مقدرة قبلها والهمزة للتعجيب وهي داخلة على مقدر في الحقيقة
~~أي أيكفيهم ذلك لو لم يكن آباؤهم جهلة ضالين ولو كانوا كذلك وكلتا
~~الجملتين في موقع الحال أي أيكفيهم ما وجدوا عليه آباءهم كائنين على كل
~~حال مفروض، وعلى هذا لا يلزم كون الجملة الاستفهامية الإنشائية حالا
~~ليحتاج توجيه ذلك إلى نظر دقيق، وحذفت الجملة الأولى للدلالة عليها دلالة
~~واضحة وهو حذف مطرد في هذا الباب لذلك كما في قولك: أحسن إلى زيد ولو
~~أساء إليك فإن الشيء إذا تحقق عند المانع فلأن يتحقق عند عدمه أولى.
~~وجواب (لو)  كما قال أبو البقاء  محذوف لظهور انفهامه مما سبق وقدره
~~يتبعونهم. ويجوز أن يقدر حسبهم ذلك أو يقولون، وما في لو من معنى
~~الامتناع والاستبعاد إنما هو بالنظر إلى زعمهم لا في نفس الأمر، وفائدة
~~ذلك المبالغة في الإنكار والتعجيب، وقيل: الواو للحال والهمزة لإنكار
~~الفعل على هذه الحال؛ والمراد نفي / صحة الاقتداء بالجاهل الضال، والحال
~~ما يفهم من الجملة أي كائنين على هذا الحال المفروض فما قيل: إنهم جعلوا
~~الواو للحال وليس ما دخلته الواو حالا من جهة المعنى بل ما دخلته لو أي
~~ولو كان الحال أن آباءهم لا يعلمون فيفعلون ما يقتضيه علمهم ولا يهتدون
~~بمن له علم ناشىء من قلة التأمل وذلك غريب من حال ذلك القائل، وأغرب من
~~ذلك ما قيل: إن المعنى أنهم هل يكفيهم ما عليه آباؤهم ولو كان آباؤهم
~~جهلة ضالين أي هل يكفيهم الجهل والضلال اللذان كان عليهما آباؤهم. ويوشك
~~أن يكون هذا من الجهل والضلال فيما يليق بالتنزيل. واستدل بالآية على أن
~~الاقتداء إنما يصح بمن علم أنه عالم مهتد وذلك لا يعرف إلا بالحجة فلا
~~يكفي التقليد من غير أن يعلم أن لمن قلده حجة صحيحة على ما قلده فيه حتى
~~قالوا: إن للمقلد دليلا إجماليا وهو دليل من قلده فتدبر.

### || [5.105]

# { يا أيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم ms02583 } أي الزموا
~~أنفسكم واحفظوها من ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب، فعليكم اسم فعل
~~أمر نقل إلى ذلك مجموع الجار والمجرور لا الجار وحده كما قيل. وهو متعد
~~إلى المفعول به بعده وقد يكون لازما، والمراد به الأمر بالتمسك كما في
~~قوله صلى الله عليه وسلم:

# " عليك بذات الدين "

# وذكر أبو البقاء أن الكاف والميم في موضع جر لأن اسم الفعل هو المجموع
~~وعلى وحدها لم تستعمل اسما للفعل بخلاف رويدكم فإن الكاف والميم هناك
~~للخطاب فقط ولا موضع لها لأن رويدا قد استعمل اسما لأمر المواجه من غير
~~كاف الخطاب وإلى ذلك ذهب سيبويه وهو الصحيح، ونقل الطبرسي أن استعمال على
~~مع الضمير اسم فعل خاص فيما إذا كان الضمير للخطاب فلو قلت عليه زيدا لم
~~يجز وفيه خلاف. وقرأ نافع في الشواذ { أنفسكم } بالرفع، والكلام حينئذ
~~مبتدأ وخبر أي لازمة عليكم أنفسكم أو حفظ أنفسكم لازم عليكم بتقدير مضاف
~~في المبتدأ.

# وقوله تعالى: { لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } يحتمل
~~الرفع على أنه كلام مستأنف في موضع التعليل لما قبله وينصره قراءة أبي
~~حيوة { لا يضركم } ، ويحتمل أن يكون مجزوما جوابا للأمر، والمعنى إن
~~لزمتم أنفسكم لا يضركم. وإنما ضمت الراء اتباعا لضمة الضاد المنقولة
~~إليها من الراء المدغمة والأصل لا يضرركم، ويجوز أن يكون نهيا مؤكدا
~~للأمر السابق والكلام على حد لا أرينك ههنا. وينصر احتمال الجزم قراءة
~~من قرأ { لا يضركم } بالفتح و { ولا يضركم } بكسر الضاد وضمها من ضاره
~~يضيره ويضوره بمعنى ضره كذمه وذامه. وتوهم من ظاهر الآية الرخصة في ترك
~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأجيب عن ذلك بوجوه. الأول أن الاهتداء
~~لا يتم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن ترك ذلك مع القدرة عليه
~~ضلال. فقد أخرج ابن جرير عن قيس بن أبي حازم قال: صعد أبو بكر رضي الله
~~تعالى عنه منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله تعالى وأثنى عليه
~~ثم قال: أيها الناس إنكم لتتلون آية من ms02584 كتاب الله سبحانه وتعدونها رخصة
~~والله ما أنزل الله تعالى في كتابه أشد منها { يا أيها الذين
~~ءامنوا عليكم أنفسكم } الآية والله لتأمرن بالمعروف
~~ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله تعالى منه بعقاب  وفي رواية  يا
~~أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني
~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب
~~"

# وفي رواية ابن مردويه عن أبي بكر بن محمد قال: خطب أبو بكر الصديق
~~الناس فكان في خطبته قال / رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " يا أيها الناس لا تتكلوا على هذه الآية { يا أيها الذين
~~ءامنوا عليكم أنفسكم } الخ إن الداعر ليكون في الحي فلا
~~يمنعونه فيعمهم الله تعالى بعقاب "

# ومن الناس من فسر الاهتداء هنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وروي
~~ذلك عن حذيفة وسعيد بن المسيب، والثاني: أن الآية تسلية لمن يأمر وينهى
~~ولا يقبل منه عند غلبة الفسق وبعد عهد الوحي، فقد أخرج عبد الرزاق وأبو
~~الشيخ والطبراني وغيرهم عن الحسن أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه سأله
~~رجل عن هذه الآية فقال: أيها الناس إنه ليس بزمانها ولكنه قد أوشك أن
~~يأتي زمان تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا أو قال: فلا يقبل منكم
~~فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم. وأخرج ابن جرير عن ابن
~~عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قيل له: لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر
~~ولم تنه فإن الله تعالى يقول: { عليكم أنفسكم } فقال: إنها
~~ليست لي ولا لأصحابي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " ألا فليبلغ الشاهد الغائب "

# فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا
~~إن قالوا لم يقبل منهم. وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل أنه قال: يا
~~رسول الله أخبرني عن قول الله عز وجل: { يا أيها الذين ءامنوا
~~عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ms02585 اهتديتم
~~} فقال صلى الله عليه وسلم:

# " يا معاذ «مروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر فإذا رأيتم شحا مطاعا
~~وهوى متبعا وإعجاب كل امرىء برأيه فعليكم أنفسكم لا يضركم ضلالة غيركم
~~فإن من ورائكم أيام صبر المتمسك فيها بدينه مثل القابض على الجمر فللعامل
~~منهم يومئذ مثل عمل أحدكم اليوم كأجر خمسين منكم قلت: يا رسول الله
~~خمسين منهم قال: بل خمسين منكم أنتم» "

# والثالث: أنها للمنع عن هلاك النفس حسرة وأسفا على ما فيه الكفرة
~~والفسقة من الضلال فقد كان المؤمنون يتحسرون على الكفرة ويتمنون إيمانهم
~~فنزلت. والرابع: أنها للرخصة في ترك الأمر والنهي إذا كان فيهما مفسدة.
~~والخامس: أنها للأمر بالثبات على الإيمان من غير مبالاة بنسبة الآباء إلى
~~السفه، فقد قيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له سفهت أباك فنزلت، وقيل:
~~معنى الآية يا أيها الذين آمنوا الزموا أهل دينكم واحفظوهم وانصروهم لا
~~يضركم من ضل من الكفار إذا فعلتم ذلك، والتعبير عن أهل الدين بالأنفس على
~~حد قوله تعالى:

# ولا تقتلوا أنفسكم

# [النساء: 29] ونحوه، والتعبير عن ذلك الفعل بالاهتداء للترغيب فيه ولا
~~يخفى ما فيه.

# { إلى الله } لا إلى أحد سواه { مرجعكم } رجوعكم يوم القيامة
~~{ جميعا } بحيث لا يتخلف عنه أحد من المهتدين وغيرهم { فينبئكم
~~} بالثواب والعقاب { بما كنتم تعملون } في الدنيا من أعمال
~~الهداية والضلال، فالكلام وعد ووعيد للفريقين. وفيه كما قيل دليل على أن
~~أحدا لا يؤاخذ بعمل غيره وكذا يدل على أنه لا يثاب بذلك، وسيأتي إن شاء
~~الله تعالى تحقيق ذلك.

### || [5.106]

# { يا أيها الذين ءامنوا } استئناف مسوق لبيان الأحكام
~~المتعلقة بأمور دنياهم إثر بيان الأحوال المتعلقة بأمور دينهم، وفيه من
~~إظهار كمال العناية بمضمونه ما لا يخفى { شهدة بينكم إذا
~~حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان } للشهادة
~~معان: الإحضار والقضاء والحكم والحلف والعلم والإيصاء، والمراد بهاهنا
~~الأخير كما نص عليه جماعة من المفسرين، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق
~~ذلك، وقرأها الجمهور بالرفع على أنها مبتدأ و (اثنان) خبرها، والكلام على
~~حذف مضاف ms02586 / من الأول أي ذو شهادة بينكم إثنان أو من الثاني أي شهادة
~~بينكم شهادة إثنين، والتزم ذلك ليتصادق المبتدأ والخبر، وقيل: الشهادة
~~بمعنى الشهود كرجل عدل فلا حاجة إلى التزام الحذف، وقيل: الخبر محذوف و
~~(اثنان) مرفوع بالمصدر الذي هو { شهادة } والتقدير فيما فرض عليكم أن
~~يشهد إثنان وإلى هذا ذهب الزجاج والشهادة فيه على معناها المتبادر منها
~~لا بمعنى الإشهاد، وكلام البعض يوهم ذلك وهو في الحقيقة بيان لحاصل معنى
~~الكلام. وزعم بعضهم أنها بمعنى الإشهاد الذي هو مصدر المجهول و (اثنان)
~~قائم مقام فاعله، وفيه أن الإتيان لمصدر الفعل المجهول بنائب فاعل وهو
~~اسم ظاهر وإن جوزه البصريون كما في «شرح التسهيل» للمرادي فقد منعه
~~الكوفيون وقالوا: إنه هو الصحيح لأن حذف فاعل المصدر سائغ شائع فلا يحتاج
~~إلى ما يسد مسد فاعله كفاعل الفعل الصريح. و { إذا } ظرف لشهادة أي
~~ليشهد وقت حضور الميت والمراد مشارفته وظهور أماراته، و { حين
~~الوصية } أما بدل من { إذا } وفيه تنبيه على أن الوصية من
~~المهمات المقررة التي لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهل عنها. وجوز أن
~~يتعلق بنفس الموت أي وقوع الموت أي أسبابه حين الوصية أو يحضر، وأن يكون
~~{ شهادة } مبتدأ خبره { إذا حضر } أي وقوع الشهادة في وقت حضور
~~الموت و { حين الوصية } على الأوجه السابقة، ولا يجوز فيه أن
~~يكون ظرفا للشهادة لئلا يخبر عن الموصول قبل تمام صلته أو خبره { حين
~~الوصية } و { إذا } منصوب بالشهادة ولا يجوز نصبه بالوصية وإن
~~كان المعنى عليه لأن معمول المصدر لا يتقدمه على الصحيح مع ما يلزم من
~~تقديم معمول المضاف إليه على المضاف وهو لا يجوز في غير  غير  لأنها
~~بمنزلة لا و { اثنان } على هذين الوجهين إما فاعل يشهد مقدرا أو
~~خبرا لشاهدان كذلك. وعن الفراء أن { شهادة } مبتدأ و { اثنان }
~~فاعله سد مسد الخبر وجعل المصدر بمعنى الأمر أي ليشهد، وفيه نيابة
~~المصدر عن فعل الطلب وهو ضعيف عند غيره لأن الاكتفاء بالفاعل مخصوص
~~بالوصف ms02587 المعتمد. و { إذا } و { حين }  عليه منصوبان على الظرفية كما
~~مر، وإضافة { شهادة } إلى الظرف على التوسع لأنه متصرف ولذا قرىء

# تقطع بينكم

# [الأنعام: 94] بالرفع، وقيل: إن الأصل ما بينكم وهو كناية عن التخاصم
~~والتنازع، وحذف ما جائز نحو

# وإذا رأيت ثم

# [الإنسان: 20] أي ما ثم، وأورد عليه أن ما الموصولة لا يجوز حذفها ومنهم
~~من جوزه.

# وقرأ الشعبي { شهدة بينكم } بالرفع والتنوين فبينكم حينئذ
~~منصوب على الظرفية. وقرأ الحسن { شهادة } بالنصب والتنوين، وخرج ذلك
~~ابن جني على أنها منصوبة بفعل مضمر { اثنان } فاعله أي ليقم شهادة
~~بينكم اثنان. وأورد عليه أن حذف الفعل وإبقاء فاعله لم يجزه النحاة إلا
~~إذا تقدم ما يشعر به كقوله تعالى:

# يسبح له فيها بالغدو والآصال

# [النور: 36] في قراءة من قرأ { يسبح } بالبناء للمفعول، وقول
~~الشاعر:

# ليبك يزيد ضارع لخصومة

# أو أجيب به نفي أو استفهام وذلك ظاهر، والآية ليست واحدا من هذه
~~الثلاثة. وأجيب بأن ما ذكر من الاشتراط غير مسلم بل هو شرط الأكثرية،
~~واختار في «البحر» وجهين للتخريج، الأول: أن تكون { شهادة } منصوبة
~~على المصدر النائب مناب فعل الأمر و { اثنان } مرتفع به، والتقدير
~~ليشهد بينكم اثنان فيكون من باب ضربا زيدا إلا أن الفاعل في ضربا يستند
~~إلى ضمير المخاطب لأن معناه اضرب، وهذا يستند إلى الظاهر لأن معناه ما
~~علمت، والثاني: أن تكون مصدرا لا بمعنى الأمر بل خبرا ناب مناب الفعل
~~في الخبر وإن كان ذلك قليلا كقوله:

# وقوفا بها صحبي على مطيهم

# فارتفاع / صحبي وانتصاب مطيهم بقوله وقوفا فإنه بدل من اللفظ بالفعل
~~في الخبر، والتقدير وقف صحبي على مطيهم، والتقدير في الآية يشهد إذا حضر
~~أحدكم الموت اثنان.

# { ذوا عدل منكم } أي من المسلمين كما روي عن ابن عباس وابن
~~مسعود والباقر رضي الله تعالى عنهم وابن المسيب عليه الرحمة، أو من
~~أقاربكم وقبيلتكم كما روي عن الحسن وعكرمة، وهو الذي يقتضيه كلام الزهري
~~وهما صفتان لاثنان { أو ءاخران } عطف على { اثنان } في سائر
~~احتمالاته. وقوله ms02588 سبحانه: { من غيركم } صفة له أي كائنان من
~~غيركم، والمراد بهم غير المسلمين من أهل الكتاب عند الأولين وغير
~~الأقربين من الأجانب عند الآخرين. واختار الأول جماعة من المتأخرين حتى
~~قال الجصاص: إن التفسير الثاني لا وجه له لأن الخطاب توجه أولا إلى أهل
~~الإيمان فالمغايرة تعتبر فيه ولم يجر للقرابة ذكر، ويدل لذلك أيضا سبب
~~النزول وسيأتي قريبا إن شاء الله تعالى.

# { إن أنتم ضربتم فى الأرض } أي سافرتم، وارتفاع { أنتم
~~} بفعل مضمر يفسره ما بعده، والتقدير إن ضربتم فلما حذف الفعل وجب أن
~~يفصل الضمير ليقوم بنفسه وهذا رأي جمهور البصريين، وذهب الأخفش والكوفيون
~~إلى أنه مبتدأ بناء على جواز وقوع المبتدأ بعد إن الشرطية كجواز وقوعه
~~بعد (إذا) فجملة { ضربتم } لا موضع لها على الأول للتفسير وموضعها
~~الرفع على الخبرية على الثاني.

# وقوله تعالى: { فأصابتكم مصيبة الموت } أي قاربتم الأجل
~~عطف على الشرط وجوابه محذوف، فإن كان الشرط قيدا في أصل الشهادة
~~فالتقدير إن ضربتم في الأرض الخ فليشهد اثنان منكم أو من غيركم، وإن كان
~~شرطا في العدول إلى آخرين بالمعنى الذي نقل عن الأولين فالتقدير فاشهدوا
~~آخرين من غيركم أو فالشاهدان آخران من غيركم، وحينئذ تفيد الآية أنه لا
~~يعدل في الشهادة إلى غير المسلمين إلا بشرط الضرب في الأرض، وروي ذلك عن
~~شريح رضي الله تعالى عنه.

# وقوله سبحانه: { تحبسونهما } أي تلزمونهما وتصبرونهما للتحليف
~~استئناف كأنه قيل كيف نعمل إذا ارتبنا بالشاهدين فقال سبحانه: تحبسونهما
~~{ من بعد الصلاة } أي صلاة العصر كما روي عن أبي جعفر رضي الله
~~تعالى عنه وقتادة وابن جبير وغيرهم، والتقييد بذلك لأنه وقت اجتماع الناس
~~وتكاثرهم ولأن جميع أهل الأديان يعظمونه ويجتنبون الحلف الكاذب فيه ولأنه
~~وقت تصادم ملائكة الليل والنهار وتلاقيهم، وفي ذلك تكثير للشهود منهم على
~~صدق الحالف وكذبه فيكون أخوف، وعد ذلك بعضهم من باب التغليظ على المستحلف
~~بالزمان. وعندنا لا يلزم التغليظ به ولا بالمكان بل يجوز للحاكم فعله.
~~وعن الحسن أن المراد بها صلاة ms02589 العصر أو الظهر لأن أهل الحجاز كانوا
~~يقعدون للحكومة بعدهما، وجوز أن تكون اللام للجنس أي بعد أي صلاة كانت.
~~والتقييد بذلك لأن الصلاة داعية إلى النطق بالصدق ناهية عن التفوه بالكذب
~~والزور وارتكاب الفحشاء والمنكر. وجعل الحسن التقييد بذلك دليلا على ما
~~تقدم من تفسيره. وجوز أن تكون الجملة صفة أخرى لآخران؛ وجملة الشرط
~~معترضة فلا يضر الفصل بها. وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
~~وتعقب بأنه يقتضي اختصاص الحبس بالآخرين مع شموله / للأولين أيضا قطعا
~~على أن اعتبار اتصافهما بذلك يأباه مقام الأمر بإشهادهما إذ مآله فآخران
~~شأنهما الحبس والتحليف وإن أمكن إتمام التقريب باعتبار قيد الارتياب بهما
~~كما يفيده الاعتراض الآتي ولا يخفى ما فيه. والخطاب للموصى لهم وقيل:
~~للورثة وقيل: للحكام والقضاة.

# وقوله عز وجل: { فيقسمان بالله } عطف على { تحبسونهما
~~}  { إن ارتبتم } أي شككتم في صدقهما وعدم استبدادهما بشيء من
~~التركة. والجملة شرطية حذف جوابها لدلالة ما سبق من الحبس والإقسام عليه،
~~والشرط مع جوابه المحذوف معترض بين القسم وجوابه أعني قوله تعالى: { لا
~~نشترى به ثمنا } وقد سيق من جهته تعالى للتنبيه على اختصاص
~~الحبس والتحليف بحال الارتياب وليس هذا من قبيل ما اجتمع فيه قسم وشرط
~~فاكتفى بذكر جواب سابقهما عن جواب الآخر كما هو الواقع غالبا لأن ذلك
~~إنما يكون عند سد جواب السابق مسد جواب اللاحق لاتحاد مضمونهما كما في
~~قولك: والله إن أتيتني لأكرمنك، ولا ريب في استحالته ههنا لأن القسم
~~وجوابه كلام الشاهدين والشرطية كما علمت من جهته سبحانه وتعالى، ولا
~~يتوهم أن إن هنا وصلية لأنها مع أن الواو لازمة لها ليس المعنى عليها كما
~~لا يخفى.

# وزعم بعضهم جواز كونها شرطية و { لا نشترى } دليل الجواب، والمعنى
~~إن ارتبتم فلا ينبغي ذلك أو فقد أخطأتم لأنا لسنا ممن يشتري به ثمنا
~~قليلا وهو بعيد جدا وتخلو الآية عليه ظاهرا من شرط التحليف، وضمير {
~~به } عائد إلى الله تعالى، والمعنى لا نأخذ لأنفسنا بدلا من الله ms02590
~~سبحانه أي من حرمته تعالى عرضا من الدنيا بأن نزيلها بالحلف الكاذب
~~وحاصله لا نحلف بالله تعالى حلفا كاذبا لأجل المال، وقيل: إنه عائد إلى
~~القسم على تقدير مضاف أي لا نستبدل بصحة القسم بالله تعالى عرضا من
~~الدنيا بأن نزيل عنه وصف الصدق ونصفه بالكذب، وقيل: إلى الشهادة باعتبار
~~أنها قول ولا بد من تقدير مضاف أيضا، وتقدير مضاف في { ثمنا } أي ذا
~~ثمن مما لا يدع إليه إلا قلة التأمل.

# { ولو كان } المقسم له المدلول عليه بفحوى الكلام { ذا قربى }
~~أي قريبا منا. وهذا تأكيد لتبريهما من الحلف الكاذب ومبالغة في التنزه
~~عنه كأنهما قالا: لا نأخذ لأنفسنا بدلا من ذلك مالا ولو انضم إليه
~~رعاية جانب الأقرباء فكيف إذا لم يكن كذلك، «وصيانة أنفسهما وإن كانت أهم
~~من رعاية جانب الأقرباء لكنها  كما قال شيخ الإسلام  ليست ضميمة المال
~~بل هي راجعة إليه» وقيل: الضمير للمشهود له على معنى لا نحابي أحدا
~~بشهادتنا ولو كان قريبا منا، وجواب (لو) محذوف اعتمادا على ما سبق عليه
~~أي لا نشتري به ثمنا، والجملة معطوفة على جملة أخرى محذوفة أي لو لم يكن
~~ذا قربى ولو كان الخ، وجعل السمين الواو للحال، وقد تقدم لك ما ينفعك
~~هنا. وجوز بعضهم إرجاع الضمير للشاهد وقدر جوابا للو غير ما قدرناه أي
~~ولو كان الشاهد قريبا يقسمان، وجعل فائدة ذلك دفع توهم اختصاص الأقسام
~~بالأجنبي، ولا يخفى ما في التركيب حينئذ من الركاكة التي لا ينبغي أن
~~تكون في كلام هذا البعض فضلا عن كلام رب الكل، ونشهد بالله سبحانه
~~وتعالى أن حمل كلامه عز وجل على مثل ذلك مما لا يليق.

# { ولا نكتم شهدة الله } أي الشهادة التي أمرنا سبحانه
~~وتعالى بإقامتها وألزمنا أداءها / فالإضافة للاختصاص أو لأدنى ملابسة،
~~والجملة معطوفة على { لا نشترى به } داخل معه في حيز القسم. وروي
~~عن الشعبي أنه وقف على { شهادة } بالهاء ثم ابتدأ آلله بالمد والجر
~~على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه ms02591 وليس هذا من حذف حرف الجر
~~وإبقاء عمله وهو شاذ كقوله:

# أشارت كليب بالأكف الأصابع

# لأن ذلك حيث لا تعويض، وفي الجلالة الكريمة تعويض همزة الاستفهام عن
~~المحذوف، وهل الجر به أو بالعوض قولان. وروي عنه وكذا عن الحسن رضي الله
~~تعالى عنه ويحيى بن عمر وابن جرير وآخرين { الله } بدون مد وفي ذلك
~~احتمالان. الأول: أن الحذف من غير عوض فيكون على خلاف القياس، والثاني:
~~أن الهمزة المذكورة همزة الاستفهام وهي همزة قطع عوضت عن الحرف ولكنها لم
~~تمد وهذا أولى من دعوى الشذوذ ولذا اختاره في «الدر المصون»، وقرىء
~~بتنوين الشهادة ووصل الهمزة ونصب اسم الله تعالى من غير مد وخرجه أبو
~~البقاء على أنه منصوب بفعل القسم محذوفا.

# { إنا إذا لمن الآثمين } أي إذا فعلنا ذلك وكتمنا، والعدول
~~عن آثمون إلى ما ذكر للمبالغة. وقرىء { لملاثمين } بحذف الهمزة وإلقاء
~~حركتها على اللام وإدغام النون فيها.

### || [5.107]

# { فإن عثر } أي اطلع يقال عثر الرجل على الشيء عثورا إذا اطلع
~~عليه. وقال الغوري: تقول عثرت إذا اطلعت على ما كان خفيا وهو مجاز بحسب
~~الأصل من قولهم: عثر إذا كبا وذلك أن العاثر ينظر إلى موضع عثاره فيعرفه
~~ويطلع عليه، وقال الليث: إن مصدر عثر بمعنى اطلع العثور وبمعنى كبا
~~العثار وحينئذ يخفى القول بالمجاز لأن اختلاف المصدر ينافيه فلا تتأتى
~~تلك الدعوى إلا على ما قاله الراغب من اتحاد المصدرين، وفي «القاموس»
~~«عثر كضرب ونصر وعلم وكرم عثرا وعثيرا وعثارا كبا. والعثور
~~الإطلاع كالعثر» وظاهر هذا أن لا مجاز. ويفهم منه أيضا الاتحاد في بعض
~~المصادر فافهم، والمراد فإن عثر بعد التحليف.

# { على أنهما } أي الشاهدين الحالفين { استحقا إثما } أي
~~فعلا ما يوجبه من تحريف وكتم بأن ظهر بأيديهما شيء من التركة وادعيا
~~استحقاقهما له بوجه من الوجوه، وقال الجبائي: الكلام على حذف مضاف أي
~~استحقا عقوبة إثم { فآخران } أي فرجلان آخران. وهو مبتدأ خبره قوله
~~تعالى: { يقومان مقامهما } والفاء جزائية وهي إحدى مصوغات
~~الإبتداء بالنكرة. ولا محذور ms02592 في الفصل بالخبر بين المبتدأ وصفته وهو قوله
~~سبحانه: { من الذين استحق عليهم الأوليان } ، وقيل:
~~هو خبر مبتدأ محذوف أي فالشاهدان آخران، وجملة { يقومان } صفته
~~والجار والمجرور صفة أخرى؛ وجوز أبو البقاء أن يكون حالا من ضمير {
~~يقومان } ، وقيل: هو فاعل فعل محذوف أي فليشهد آخران وما بعده صفة
~~له، وقيل: مبتدأ خبره الجار والمجرور، والجملة الفعلية صفته وضمير {
~~مقامهما } في جميع هذه الأوجه مستحق للذين استحقا. وليس المراد
~~بمقامهما مقام أداء الشهادة التي تولياها ولم يؤدياها كما هي بل هو مقام
~~الحبس والتحليف، و { استحق } بالبناء للفاعل قراءة عاصم في رواية
~~حفص عنه وبها قرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وأبي رضي الله
~~تعالى عنهم وفاعله { الأوليان } ، والمراد من الموصول أهل الميت ومن
~~الأوليين الأقربان إليه الوارثان له الأحقان بالشهادة لقربهما واطلاعهما
~~وهما في الحقيقة الآخران القائمان مقام اللذين استحقا إثما إلا أنه أقيم
~~المظهر مقام ضميرهما للتنبيه على وصفهما بهذا الوصف.

# / ومفعول { استحق } محذوف واختلفوا في تقديره فقدره الزمخشري أن
~~يجردوهما للقيام بالشهادة ليظهروا بهما كذب الكاذبين، وقدره أبو البقاء
~~وصيتهما، وقدره ابن عطية مالهم وتركتهم. وقال الإمام: إن المراد
~~بالأوليان الوصيان اللذان ظهرت خيانتهما. وسبب أولويتهما أن الميت عينهما
~~للوصية فمعنى { استحق عليهم الاوليان } خان في مالهم وجنى
~~عليهم الوصيان اللذان عثر على خيانتهما. وعلى هذا لا ضرورة إلى القول
~~بحذف المفعول، وقرأ الجمهور { استحق عليهم الاوليان }
~~ببناء استحق للمفعول. واختلفوا في مرجع ضميره والأكثرون أنه الإثم،
~~والمراد من الموصول الورثة لأن استحقاق الإثم عليهم كناية عن الجناية
~~عليهم ولا شك أن الذين جنى عليهم وارتكب الذنب بالقياس إليهم هم الورثة،
~~وقيل: إنه الإيصاء، وقيل: الوصية لتأويلها بما ذكر، وقيل: المال، وقيل:
~~إن الفعل مسند إلى الجار والمجرور، وكذا اختلفوا في توجيه رفع {
~~الاوليان } فقيل: إنه مبتدأ خبره آخران أي الأوليان بأمر بالميت
~~آخران، وقيل: بالعكس، واعترض بأن فيه الإخبار عن النكرة بالمعرفة وهو مما
~~اتفق على منعه في مثله، وقيل: خبر مبتدأ مقدر أي ms02593 هما الآخران على
~~الاستئناف البياني، وقيل: بدل من (آخران)، وقيل: عطف بيان عليه، ويلزمه
~~عدم اتفاق البيان والمبين في التعريف والتنكير مع أنهما شرطوه فيه حتى من
~~جوز تنكيره، نعم نقل عن نزر عدم الاشتراط، وقيل: هو بدل من فاعل {
~~يقومان }.

# وكون المبدل منه في حكم الطرح ليس من كل الوجوه حتى يلزم خلو تلك الجملة
~~الواقعة خبرا أو صفة عن الضمير، على أنه لو طرح وقام هذا مقامه كان من
~~وضع الظاهر موضع الضمير فيكون رابطا. وقيل: هو صفة (آخران) وفيه وصف
~~النكرة بالمعرفة. والأخفش أجازه هنا لأن النكرة بالوصف قربت من المعرفة.
~~قيل: وهذا على عكس:

# ولقد أمر على اللئيم يسبني

# فإنه يؤول فيه المعرفة بالنكرة وهذا أول فيه النكرة بالمعرفة أو جعلت في
~~حكمها للوصف، ويمكن  كما قال بعض المحققين  أن يكون منه بأن يجعل
~~الأوليان لعدم تعينهما كالنكرة. وعن أبي علي الفارسي أنه نائب فاعل {
~~استحق } والمراد على هذا استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة
~~كما قال الزمخشري أو إثم الأوليين كما قيل وهو تثنية الأولى قلبت ألفه
~~ياء عندها، وفي  على  في { عليهم } أوجه الأول: أنها على بابها.
~~والثاني: أنها بمعنى في. والثالث: أنها بمعنى من وفسر { استحق }
~~بطلب الحق وبحق وغلب وقرأ يعقوب وخلف وحمزة وعاصم في رواية أبي بكر عنه
~~{ استحق عليهم الأولين } ببناء استحق للمفعول، والأولين
~~جمع أول المقابل للآخر وهو مجرور على أنه صفة { الذين } أو بدل منه
~~أو من ضمير { عليهم } أو منصوب على المدح، ومعنى الأولية التقدم على
~~الأجانب في الشهادة. وقيل: التقدم في الذكر لدخولهم في { يا أيها
~~الذين آمنوا }. وقرأ الحسن { الأولان } بالرفع وهو كما قدمنا في
~~الأوليان؛ وقرىء «الأولين» بالتثنية والنصب، وقرأ ابن سيرين { الأوليين }
~~بياءين تثنية أولى منصوبا، وقرىء { الأولين } بسكون الواو وفتح
~~اللام جمع أولى كأعلين وإعراب ذلك ظاهر.

# { فيقسمان بالله } عطف على { يقومان } والسببية ظاهرة.
~~وقوله سبحانه { لشهدتنا أحق من شهدتهما } جواب
~~القسم. والمراد بالشهادة عند الكثير ومنهم ابن عباس رضي الله تعالى ms02594 عنهما
~~اليمين كما في قوله عز وجل:

# فشهدة أحدهم أربع شهدات بالله

# [النور: 6] وسميت اليمين شهادة على ما قال الطبرسي «لأن اليمين كالشهادة
~~على ما يحلف عليه أنه كذلك» أي ليميننا على أنهما كاذبان فيما ادعيا من
~~الاستحقاق مع كونها حقة صادقة في نفسها أولى بالقبول من يمينهما مع كونها
~~كاذبة في نفسها لما أنه قد ظهر للناس استحقاقهما للإثم ويميننا منزهة عن
~~الريب والريبة / وصيغة التفضيل إنما هي لإمكان قبول يمينهما في الجملة
~~باعتبار صدقهما في ادعاء تملكهما لما ظهر في أيديهما، وقيل: إن الشهادة
~~على معناها المتبادر عند الإطلاق، وسيأتي إن شاء الله تعالى عن بعض
~~المحققين غير ذلك.

# وقوله عز شأنه: { وما اعتدينا } عطف على الجواب أي ما تجاوزنا في
~~شهادتنا الحق أو ما اعتدينا عليهما بإبطال حقهما. وقوله تعالى: { إنا
~~إذا لمن الظلمين } استئناف مقرر لما قبله أي إنا إذا
~~اعتدينا فيما ذكر لمن الظالمين أنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعذابه
~~أو لمن الواضعين الحق في غير موضعه، ومعنى الآيتين عند غير واحد من
~~المفسرين أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من ذوي دينه أو
~~نسبه فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخران من غيرهم، ثم إن وقع ارتياب في
~~صدقهما أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت فإن اطلع على كذبهما
~~بأمارة حلف آخران من أهل الميت. وادعى أن الحكم منسوخ إذا كان الإثنان
~~شاهدين فإنه لا يحلف الشاهد ولا يعارض يمينه بيمين الوارث، وقيل: إن
~~التحليف لم ينسخ لكنه مشروط بالريبة.

# وقد روي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا
~~اتهمهما، وفي بعض «كتب الحنفية» أن الشاهد إن لم يجد من يزكيه يجوز
~~تحليفه احتياطا وهذا خلاف المفتى به كما بسط في محله. وكذا ادعى البعض
~~النسخ أيضا على تقدير أن يكون المراد بالشاهدين في السفر غير مسلمين لأن
~~شهادة الكافر على المسلم لا تقبل مطلقا، وروى حديث النسخ ابن جرير عن
~~ابن عباس ms02595 رضي الله تعالى عنهما، وقال بعضهم: لا نسخ وأجاز شهادة الذمي
~~على المسلم في هذه الصورة.

# وروي عن أبي موسى الأشعري أنه حكم لما كان واليا على الكوفة بمحضر من
~~الصحابة بشهادة ذميين بعد تحليفهما في وصية مسلم في السفر وإلى ذلك ذهب
~~الإمام أحمد بن حنبل، وقال آخرون: الإثنان وصيان وحكم تحليفهما إذا ارتاب
~~الورثة غير منسوخ، وما أفادته الآية من رد اليمين على الورثة ليس من حيث
~~إنهم مدعون وقد ظهرت خيانة الوصيين فردت اليمين عليهما خلافا للشافعي بل
~~من حيث إنهم صاروا مدعى عليهم لانقلاب الدعوى فإن الوصي المدعى عليه
~~أولا صار مدعيا للملك والورثة ينكرون ذلك، ويدل عليه ما أخرجه البخاري
~~في «التاريخ» والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وخلق آخرون عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي
~~بن بداء، وقيل: نداء بالنون فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فلما قدما
~~بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب فأحلفهما رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم بالله تعالى ما كتمتما ولا اطلعتما ثم وجد الجام بمكة فقيل
~~اشتريناه من تميم وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله سبحانه
~~لشهادتهما أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم وأخذ الجام وفيهم نزلت {
~~يا أيها الذين آمنوا } الخ، هذا وادعى بعض المحققين أن
~~الشهادة ههنا لا يمكن أن تكون بمعناها المتبادر بوجه ولا تتصور لأن
~~شهادتهما إما على الميت ولا وجه لها بعد موته وانتقال الحق إلى الورثة
~~وحضورهم أو على الوارث المخاصم وكيف يشهد الخصم على خصمه فلا بد من
~~التأويل، وذكر أن الظاهر أن تحمل في قوله سبحانه { شهدة بينكم
~~} على الحضور أو الإحضار أي إذا حضر الموت المسافر فليحضر من يوصي إليه
~~بإيصال ماله لوارثه مسلما فإن لم يجد فكافرا، والاحتياط أن يكونا اثنين
~~فإذا جاءا بما عندهما وحصل ريبة في كتم بعضه فليحلفا لأنهما مودعان
~~مصدقان بيمينهما فإن وجد ما خانا فيه وادعيا أنهما تملكاه منه ms02596 / بشراء
~~ونحوه ولا بينة لهما على ذلك يحلف المدعى عليه على عدم العلم بما ادعياه
~~من التملك وأنه ملك لمورثهما لا نعلم انتقاله عن ملكه، والشهادة الثانية:
~~بمعنى العلم المشاهد أو ما هو بمنزلته لأن الشهادة المعاينة فالتجوز بها
~~عن العلم صحيح قريب، والشهادة الثالثة: إما بهذا المعنى أو بمعنى اليمين،
~~وعلى هذا وهو مما أفاضه الله تعالى علي ببركة كلامه سبحانه فلا نسخ في
~~الآية ولا إشكال، وما ذكروه كله تكلف لم يصف من الكدر لذوق ذائق، وسبب
~~النزول وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم مبين لما ذكر انتهى.

# ولعل تخصيص الإثنين اللذين يحلفان بأحقية شهادتهما على ما قيل لخصوص
~~الواقعة وإلا فإن كان الوارث واحدا حلف وإن تعدد حلف المتعدد كما بين في
~~«الكتب الفقهية»، وما ذكر من أن سبب النزول الخ مبين لما قرره فيه بعض
~~خفاء إذ ليس في الخبر أن الوارثين حلفا على عدم العلم، وفي غيره ما هو نص
~~في الحلف على الثبات، فقد روي في خبر أطول مما تقدم أن عمرو بن العاص
~~والمطلب بن أبي وداعة السهميين قاما فحلفا بالله سبحانه بعد العصر أنهما
~~أي تميما وعديا كذبا وخانا، نعم قال الترمذي في «الجامع» بعد روايته
~~لذلك الخبر: إنه حديث غريب وليس إسناده بصحيح، وأيضا في حمل الشهادة على
~~شيء مما ذكره في قوله سبحانه: { ولا نكتم شهدة الله }
~~خفاء، وادعى هو نفسه أن حمل الشهادة على اليمين بعيد لأنها إذا أطلقت فهي
~~المتعارفة فتأمل، فقد قال الزجاج: إن هذه الآية من أشكل ما في القرآن،
~~وقال الواحدي: روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: هذه الآية أعضل ما
~~في هذه السورة من الأحكام، وقال الإمام: اتفق المفسرون على أن هذه الآية
~~في غاية الصعوبة إعرابا ونظما وحكما، وقال المحقق التفتازاني: اتفقوا
~~على أن هذه الآية أصعب ما في القرءان حكما وإعرابا ونظما.

# وقال الشهاب: اعلم أنهم قالوا: ليس في القرآن أعظم إشكالا وحكما
~~وإعرابا وتفسيرا من هذه الآية والتي ms02597 بعدها يعني { يا أيها
~~الذين آمنوا } الخ وقوله تعالى: { فإن عثر } الخ حتى صنفوا
~~فيها تصانيف مفردة قالوا: ومع ذلك لم يخرج أحد من عهدتها. وذكر الطبرسي
~~أن الآيتين من أعوص القرآن حكما ومعنى وإعرابا وافتخر بما أتى فيهما
~~ولم يأت بشيء إلى غير ذلك من أقوالهم وسبحان الخبير بحقائق كلامه.

### || [5.108]

# { ذلك } كلام مستأنف سيق لبيان أن ما ذكر مستتبع للمنافع وارد على
~~مقتضى الحكمة و (الإشارة إلى) الحكم السابق تفصيله. وقيل: إلى تحليف
~~الشاهدين، وقيل: إلى الحبس بعد الصلاة { أدنى أن يأتوا
~~بالشهدة على وجهها } أي أقرب إلى أن يؤدي الشهود الشهادة
~~على حقيقتها من غير تغيير لها خوفا من العذاب الأخروي، وهذه حكمة
~~التحليف الذي تقدم أولا، والجار الأول متعلق بيأتوا والثاني محذوف وقع
~~حالا من الشهادة، وقوله تعالى: { أو يخفوا أن ترد
~~أيمن } أي إلى الورثة فيحلفوا { بعد إيمنهم } التي
~~حلفوها عطف على مقدر ينبىء عنه المقام كأنه قيل: ذلك أدنى أن يأتوا
~~بالشهادة محققة ويخافوا عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة المحرمة في سائر
~~الأديان أو يخافوا أن ترد الأيمان إلى الورثة فيحلفوا ويأخذوا ما في
~~أيديهم فيخجلوا من ذلك على رؤس الأشهاد فينزجروا عن الخيانة، وهو بيان
~~لحكمة شرعية قيام الآخرين فأي هذين الخوفين وقع حصل المقصد الذي هو
~~الإتيان بالشهادة على وجهها، وقيل: إنه عطف على { يأتوا } أي ذلك
~~الحكم الذي ذكرناه أقرب أن يأتوا بالشهادة على وجهها مما كنتم تفعلونه
~~وأقرب إلى خوف الفضيحة، وجعل الشهاب هذا العطف على / حد قوله:

# علفتها تبنا وماء باردا

# وجوز السمين كون (أو) بمعنى الواو كما جوز جعلها لأحد الشيئين على ما هو
~~الأصل فيها فتدبر وجمع ضمير { يأتوا } و { يخفوا } على ما قيل
~~لأن المراد ما يعم الشاهدين المذكورين وغيرهما من بقية الناس، والظرف بعد
~~متعلق بترد كما هو الظاهر. وجوز السمين  وهو ضعيف  أن يكون متعلقا
~~بمحذوف وقع صفة لأيمان.

# { واتقوا الله } في مخالفة أحكامه التي من جملتها ما ذكر.
~~والجملة على ما قيل عطف ms02598 على مقدر أي احفظوا أحكام الله سبحانه واتقوا {
~~واسمعوا } سمع إجابة وقبول جميع ما تؤمرون به { والله لا
~~يهدى القوم الفسقين } تذييل لما تقدم، والمراد فإن لم
~~تتقوا وتسمعوا كنتم فاسقين خارجين عن الطاعة والله تعالى لا يهدي القوم
~~الخارجين عن طاعته إلى ما ينفعهم أو إلى طريق الجنة.

### || [5.109]

# وقوله سبحانه: { يوم يجمع الله الرسل } قيل ظرف لقوله عز
~~وجل:

# لا يهدى

# [المائدة: 108]، ونظر فيه الحلبي من حيث إنه سبحانه لا يهديهم مطلقا
~~لا في ذلك اليوم ولا في الدنيا وهذا احتمال ذكره الزمخشري، ونقل عن
~~المغربي أيضا وهو ظاهر على تقدير أن يكون المراد لا يهديهم إلى طريق
~~الجنة، وفيه مراعاة لمذهب الاعتزال من نفي الهداية المطلقة لا يجوز على
~~الله جل وعلا ولذلك خصص المهدي إليه، وقيل: إنه بدل من مفعول

# واتقوا

# [المائدة: 108] فهو حينئذ مفعول لا ظرف. وتعقبه أبو حيان بأن فيه بعدا
~~لطول الفصل بالجملتين، وقال الحلبي: لا بعد فإن هاتين الجملتين من تمام
~~معنى الجملة الأولى وهو عند القائلين بالبدلية بدل اشتمال. وتعقب ذلك
~~العلم العراقي بأن الانصاف أن بدل الاشتمال ههنا ممتنع لأنه لا بد فيه
~~من اشتمال البدل على المبدل منه أو بالعكس وهنا يستحيل ذلك ولهذا قال
~~الحلبي: لا بد في هذا الوجه من تقدير مضاف ليصح. والمراد اتقوا عقاب
~~الله يوم وحينئذ يصح انتصاب اليوم على الظرفية، وقال المحقق التفتازاني:
~~وجه بدل الاشتمال ما بينهما من الملابسة بغير الكلية والبعضية بطريق
~~اشتمال المبدل منه على البدل لا كاشتمال الظرف على المظروف بل بمعنى أن
~~ينتقل الذهن إليه في الجملة ويقتضيه بوجه إجمالي مثلا إذا قيل اتقوا
~~الله يتبادر الذهن منه إلى أنه من أي أمر من أموره وأي يوم من أيام
~~أفعاله يجب الاتقاء أيوم جمعه سبحانه للرسل أم غير ذلك، واعترض بأنه
~~اشترط في ذلك أن لا يكون ظرفية وهذا ظرف زمان لو أبدل منه لأوهم ذلك،
~~وقيل: إنه منصوب بمضمر معطوف على { اتقوا } الخ واحذروا أو واذكروا
~~يوم ms02599 الخ فإن تذكير ذلك اليوم الهائل مما يضطرهم إلى تقوى الله تعالى
~~وتلقي أمره بسمع الإجابة، وقيل: منصوب بقوله سبحانه:

# واسمعوا

# [المائدة: 108] بحذف مضاف أي واسمعوا خبر ذلك اليوم. وقيل: منصوب بفعل
~~مؤخر قد حذف للدلالة على ضيق العبارة عن شرحه وبيانه لكمال فظاعة ما يقع
~~فيه كأنه قيل: يوم يجمع الله الرسل الخ يكون من الأحوال والأهوال ما لا
~~يفي ببيانه نطاق المقال، وتخصيص الرسل بالذكر مع أن ذلك يوم مجموع له
~~الناس لإبانة شرفهم وأصالتهم والإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بجمع
~~غيرهم بناء على ظهور كونهم أتباعا لهم. وقيل: ولا يخفى لطفه على بعض
~~الاحتمالات الآتية في الآية لأن المقام مقام ذكر الشهداء والرسل عليهم
~~الصلاة والسلام هم الشهداء على أممهم كما يدل على ذلك قوله تعالى:

# ونزعنا من كل أمة شهيدا

# [القصص: 75] ففي بيان حالهم وما يقع لهم يوم القيامة وهم هم من وعظ
~~الشهداء الذين البحث فيهم ما لا يخفى، وبهذا تتصل الآية بما قبلها أتم
~~اتصال.

# وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية / المهابة وتشديد التهويل.

# { فيقول } لهم { ماذا أجبتم } أي في الدنيا حين بلغتم الرسالة
~~وخرجتم عن العهدة كما ينبىء عن ذلك العدول عن تصدير الخطاب بهل بلغتم،
~~وفي العدول عن ماذا أجاب أممكم ما لا يخفى من الإنباء عن كمال تحقير
~~شأنهم وشدة السخط والغيط عليهم، والسؤال لتوبيخ أولئك أيضا وإلا فهو
~~سبحانه علام الغيوب. و { ماذا } متعلق بأجبتم على أنه مفعول مطلق له أي
~~أي إجابة أجبتم من قبل أممكم إجابة قبول أو إجابة رد. وقيل: التقدير
~~بماذا أجبتم أي بأي شيء أجبتم على أن يكون السؤال عن الجواب لا الإجابة
~~فحذف حرف الجر وانتصب المجرور. وضعف بأن حذف حرف الجر وانتصاب مجروره لا
~~يجوز إلا في الضرورة كقوله:

# تمرون الديار ولم تعوجوا

# وكذا تقديره مجرورا. وقال العوفي: إن { ما } اسم استفهام مبتدأ و {
~~ذا } بمعنى الذي خبره و { أجبتم } صلته والعائد محذوف أي ما الذي أجبتم
~~به. واعترض بأنه لا يجوز ms02600 حذف العائد المجرور إلا إذا جر الموصول بمثل ذلك
~~الحرف الجار واتحد متعلقاهما، وغاية ما أجابوا به عن ذلك أن الحذف وقع
~~على التدريج وهو كما ترى.

# { قالوا } استئناف مبني على سؤال نشأ من سوق الكلام كأنه قيل: فماذا
~~يقول الرسل عليهم الصلاة والسلام حينئذ؟ فقيل: يقولون { لا علم لنا
~~} والتعبير بالماضي للدلالة على التقرر والتحقق ك

# نفخ فى الصور

# [الحاقة: 13] وغيره، ونفي العلم عن أنفسهم مع علمهم بماذا أجيبوا كما
~~تدل عليه شهادتهم عليهم الصلاة والسلام على أممهم هنالك حسبما نطقت به
~~بعض الآيات ليس على حقيقته بل هو كناية عن إظهار التشكي والالتجاء إلى
~~الله تعالى بتفويض الأمر كله إليه عز شأنه. وقال ابن الأنباري: إنه على
~~حقيقته لكنه ليس لنفي العلم بماذا أجيبوا عند التبليغ ومدة حياتهم عليهم
~~الصلاة والسلام بل بما كان في عاقبة الأمر وءاخره الذي به الاعتبار.
~~واعترض بأنهم يرون آثار سوء الخاتمة عليهم فلا يصح أيضا نفي العلم
~~بحالهم وبما كان منهم بعد مفارقتهم لهم. وأجيب بأن ذلك إنما يدل على سوء
~~الخاتمة وظهور الشقاوة في العاقبة لا على حقيقة الجواب بعد الأنبياء
~~عليهم الصلاة والسلام فلعلهم أجابوا إجابة قبول ثم غلبت عليهم الشقوة.
~~وتعقب بأنه من المعلوم أن ليس المراد بماذا أجبتم نفس الجواب الذي
~~يقولونه أو الإجابة التي تحدث منهم بل ما كانوا عليه في أمر الشريعة من
~~الامتثال والانقياد أو عكس ذلك. وفي رواية عن الحسن أن المراد لا علم لنا
~~كعلمك لأنك تعلم باطنهم ولسنا نعلم ذلك وعليه مدار فلك الجزاء، وقيل:
~~المراد من ذلك النفي تحقيق فضيحة أممهم أي أنت أعلم بحالهم منا ولا يحتاج
~~إلى شهادتنا.

# وأخرج الخطيب في «تاريخه» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد
~~نفي العلم نظرا إلى خصوص الزمان وهو أول الأمر حين تزفر جهنم فتجثو
~~الخلائق على الركب وتنهمل الدموع وتبلغ القلوب الحناجر وتطيش الأحلام
~~وتذهل العقول ثم إنهم يجيبون في ثاني الحال وبعد سكون الروع واجتماع
~~الحواس وذلك وقت ms02601 شهادتهم على الأمم، وبهذا أجاب رضي الله تعالى عنه نافع
~~بن الأرزق حين سأله عن المنافاة بين هذه الآية وما أثبت الله تعالى لهم
~~من الشهادة على أممهم في ءاية أخرى. وروي أيضا عن السدي والكلبي ومجاهد
~~وهو اختيار الفراء وأنكره الجبائي، وقال: كيف يجوز القول بذهولهم من هول
~~يوم القيامة مع قوله سبحانه:

# لا يحزنهم الفزع الأكبر

# [الأنبياء: 103] وقوله عز وجل:

# لا خوف عليهم ولا هم يحزنون

# [يونس: 62] وقد نقل ذلك عنه الطبرسي ثم قال: «ويمكن أن يجاب عنه بأن
~~الفزع الأكبر دخول النار. وقوله سبحانه: { لا خوف عليهم } إنما
~~هو كالبشارة بالنجاة من أهوال ذلك اليوم مثل ما يقال للمريض لا بأس عليك
~~ولا خوف» وقيل: إن ذلك الذهول لم يكن لخوف ولا حزن وإنما هو من باب العوم
~~في بحار الإجلال لظهور ءاثار تجلي الجلال.

# واعترض شيخ الإسلام على ما تقدم بأن قوله سبحانه وتعالى: { إنك
~~أنت علم الغيوب } في موضع التعليل ولا يلائم ما ذكر. و {
~~علام } صيغة مبالغة والمراد الكامل في العلم. و الغيوب جمع غيب وجمع وإن
~~كان مصدرا على ما قال السمين لاختلاف أنواعه وإن أريد به الشيء الغائب
~~أو قلنا إنه مخفف غيب فالأمر واضح. وقرىء { علام } بالنصب على أن الكلام
~~قد تم عند { إنك أنت } ونصب الوصف على المدح أو النداء أو على أنه
~~بدل من اسم إن، ومعنى { إنك أنت } إنك الموصوف بصفاتك المعروفة،
~~والكلام على طريقة:

# أنا أبو النجم وشعري شعري

# وقرأ أبو بكر وحمزة { الغيوب } بكسر الغين حيث وقع وقد سمع في كل
~~جمع على وزن فعول كبيوت كسر أوله لئلا يتوالى ضمتان وواو.

### || [5.110]

# { إذ قال الله يعيسى ابن مريم } بدل من

# يوم يجمع الله الرسل

# [المائدة: 109] وقد نصب بإضمار اذكر، وقيل: في محل رفع على معنى ذاك إذ
~~وليس بشيء، وصيغة الماضي لما مر آنفا من الدلالة على تحقق الوقوع،
~~والمراد بيان ما جرى بينه تعالى وبين فرد من الرسل المجموعين [من
~~المفاوضة] على التفصيل إثر ms02602 بيان ما جرى بينه عز وجل وبين الكل على وجه
~~الإجمال ليكون ذلك كالأنموذج على تفاصيل أحوال الباقين، وتخصيص عيسى عليه
~~السلام بالذكر لما أن شأنه عليه الصلاة والسلام متعلق بكلا فريقي أهل
~~الكتاب المفرطين والمفرطين الذين نعت هذه السورة الكريمة جناياتهم
~~فتفصيله أعظم عليهم وأجلب لحسراتهم، وإظهار الاسم الجليل [في مقام
~~الإضمار] لما مر [من المبالغة في التهويل]. و عيسى مبني عند الفراء
~~ومتابعيه إما على ضمة مقدرة أو على فتحة كذلك إجراء له مجرى يا زيد بن
~~عمرو في جواز ضم المنادى وفتحه عند الجمهور، وهذا إذا أعرب (ابن) صفة
~~لعيسى، أما إذا أعرب بدلا أو بيانا فلا يجوز تقدير الفتحة إجماعا كما
~~بين في «كتب النحو».

# و (على) في قوله تعالى: { اذكر نعمتى عليك وعلى
~~ولدتك } متعلقة بنعمتي جعل مصدرا أي اذكر إنعامي أو بمحذوف وقع
~~حالا من نعمة إن جعل اسما أي اذكر نعمتى كائنة عليك الخ، وعلى
~~التقديرين يراد بالنعمة ما هو في ضمن المتعدد «وليس المراد كما قال شيخ
~~الإسلام بأمره عليه السلام يومئذ بذكر النعمة المنتظمة في سلك التعديد
~~تكليفه عليه السلام بشكرها والقيام بمواجبها ولات حين تكليف مع خروجه
~~عليه السلام عن عهدة الشكر في أوانه أي خروج بل إظهار أمره عليه السلام
~~بتعداد تلك النعم حسبما بينه الله تعالى اعتدادا بها وتلذذا بذكرها على
~~رؤوس الأشهاد ويكون حكاية ذلك على ما أنبأ عنه النظم الكريم توبيخا
~~للكفرة من الفريقين المختلفين في شأنه عليه السلام إفراطا وتفريطا
~~وإبطالا لقولهما جميعا».

# { إذ أيدتك } ظرف لنعمتي أي اذكر إنعامي عليكما وقت تأييدي لكما
~~أو حال منها أي اذكرها كائنة وقت ذلك، وقيل: بدل اشتمال منها وهو في
~~المعنى تفسير لها. وجوز أبو البقاء أن يكون مفعولا به على السعة. وقرىء
~~«آيدتك» بالمد ووزنه عند الزمخشري أفعلتك وعند ابن عطية فاعلتك، قال أبو
~~حيان «ويحتاج إلى نقل مضارعه من كلام العرب فإن كان يؤايد فهو فاعل / وإن
~~كان يؤيد فهو أفعل» ومعناه ومعنى أيد واحد، ms02603 وقيل: معناه بالمد القوة
~~وبالتشديد النصر وهما  كما قيل  متقاربان لأن النصر قوة.

# { بروح القدس } أي جبريل عليه السلام أو الكلام الذي يحيى به
~~الدين ويكون سببا للطهر عن أوضار الآثام أو تحيى بها الموتى أو النفوس
~~حياة أبدية أو نفس روحه عليه السلام حيث أظهرها سبحانه وتعالى روحا
~~مقدسة طاهرة مشرقة نورانية علوية، وكون هذا التأييد نعمة عليه عليه
~~الصلاة والسلام مما لا خفاء فيه، وأما كونه نعمة على والدته فلما ترتب
~~عليه من براءتها مما نسب إليها وحاشاها وغير ذلك.

# { تكلم الناس فى المهد } أي طفلا صغيرا، وما في النظم
~~الكريم أبلغ من التصريح بالطفولية وأولى لأن الصغير يسمى طفلا إلى أن
~~يبلغ الحلم فلذا عدل عنه، والظرف في موضع الحال من ضمير { تكلم }.
~~وجوز أن يكون ظرفا للفعل. والجملة إما استئناف مبين لتأييده عليه الصلاة
~~والسلام أو في موضع الحال من الضمير المنصوب في { أيدتك } كما قال
~~أبو البقاء. والمهد معروف. وعن الحسن أن المراد به حجر أمه عليهما
~~السلام، وأنكر النصارى كلامه عليه الصلاة والسلام في المهد وقالوا إنما
~~تكلم عليه السلام أوان ما يتكلم الصبيان وقد تقدم مع جوابه.

# وقوله تعالى: { وكهلا } للإيذان على ما قيل بعدم تفاوت كلامه عليه
~~الصلاة والسلام طفولية وكهولة لا لأن كلا منهما آية فإن التكلم في
~~الكهولة معهود من كل أحد. وقال الإمام: إن الثاني أيضا معجزة مستقلة لأن
~~المراد تكلم الناس في الطفولية وفي الكهولة حين تنزل من السماء لأنه عليه
~~الصلاة والسلام حين رفع لم يكن كهلا. وهذا مبني على تفسير الكهل بمن
~~وخطه الشيب ورأيت له بجالة أو من جاوز أربعا وثلاثين سنة إلى إحدى
~~وخمسين وعيسى عليه الصلاة والسلام رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين قيل وثلاثة
~~أشهر وثلاثة أيام. وقيل: رفع وهو ابن أربع وثلاثين وما صح أنه عليه
~~الصلاة والسلام وخطه الشيب، وأما لو فسر بمن جاوز الثلاثين فلا يتأتى هذا
~~القول كما لا يخفى. وقال بعض: الأولى أن يجعل { وكهلا } تشبيها
~~بليغا أي ms02604 تكلمهم كائنا في المهد وكائنا كالكهل. وأنت تعلم أن أخذ
~~التشبيه من العطف لا وجه له وتقدير الكاف تكلف.

# { وإذ علمتك } عطف على { إذ أيدتك } أي واذكر نعمتي
~~عليكما وقت تعليمي لك من غير معلم { الكتب والحكمة } أي
~~جنسهما، وقيل: الكتاب الخط والحكمة الكلام المحكم الصواب {
~~والتوراة والإنجيل } خصا بالذكر إظهارا لشرفهما على الأول. {
~~وإذ تخلق } أي تصور { من الطين } أي جنسه { كهيئة
~~الطير } أي هيئة مثل هيئته { بإذنى فتنفخ فيها } أي في تلك
~~الهيئة المشبهة { فتكون } بعد نفخك من غير تراخ { طيرا بإذنى
~~} أي حيوانا يطير كسائر الطيور وقرأ نافع ويعقوب { طائرا } وهو إما اسم
~~مفرد وإما اسم جمع كباقر وسامر. { وتبرىء الأكمه والأبرص
~~بإذنى } عطف على { تخلق } وقوله سبحانه: { وإذ تخرج
~~الموتى بإذنى } عطف على { إذ تخلق } أعيدت فيه «إذ» كما
~~قيل لكون إخراج الموتى من قبورهم لا سيما بعد ما صاروا رميما معجزة /
~~باهرة حرية بتذكير وقتها صريحا.

# وما في النظم الكريم أبلغ من تحيي الموتى فلذا عدل عنه إليه. وقد تقدم
~~الكلام في بيان من أحياهم عليه الصلاة والسلام مع بيان ما ينفعك في هذه
~~الآية في سورة آل عمران [49] وذكر «بإذني» هنا أربع مرات وثمة مرتين
~~قالوا: لأنه هنا للامتنان وهناك للإخبار فناسب هذا التكرار هنا.

# { وإذ كففت بنى إسرءيل عنك } يعني اليهود حين هموا بقتله
~~ولم يتمكنوا منه. { إذ جئتهم بالبينت } أي المعجزات
~~الواضحة مما ذكر وما لم يذكر وهو ظرف لكففت مع اعتبار قوله تعالى: {
~~فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر
~~مبين } وهو مما يدل على أنهم قصدوا اغتياله عليه الصلاة والسلام
~~المحوج إلى الكف أي كففتهم عنك حين قالوا ذلك عند مجيئك إياهم بالبينات،
~~ووضع الموصول موضع ضميرهم لذمهم بما في حيز الصلة. فكلمة من بيانية وهذا
~~إشارة إلى ما جاء به. وقرأ حمزة والكسائي «إلا ساحر» فالإشارة إلى عيسى
~~عليه الصلاة والسلام، وجعل الإشارة إليه على القراءة الأولى وتأويل السحر
~~بساحر لتتوافق القراءتان لا حاجة إليه.

### || [5.111]

# { وإذ أوحيت ms02605 إلى الحواريين } أي أمرتهم في الإنجيل على
~~لسانك أو أمرتهم على ألسنة رسلي. وجاء استعمال الوحي بمعنى الأمر في كلام
~~العرب كما قال الزجاج وأنشد:

# الحمد لله الذي استقلت

# باذنه السماء واطمأنت

# أوحى لها القرار فاستقرت

# أي أمرها أن تقر فامتثلت، وقيل: المراد بالوحي إليهم إلهامه تعالى إياهم
~~كما في قوله تعالى:

# وأوحى ربك إلى النحل

# [النحل: 68]

# وأوحينا إلى أم موسى

# [القصص: 7] وروي ذلك عن السدي وقتادة وإنما لم يترك الوحي على ظاهره
~~لأنه مخصوص بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والحواريون ليسوا كذلك، وقد
~~تقدم المراد بالحواريين [في سورة آل عمران: 52]. وأن قوله تعالى: { أن
~~ءامنوا بى وبرسولى } مفسرة لما في الإيحاء من معنى القول، وقيل:
~~مصدرية أي بأن ءامنوا الخ. وتقدم الكلام في دخولها على الأمر، والتعرض
~~لعنوان الرسالة للتنبيه على كيفية الإيمان به عليه الصلاة والسلام والرمز
~~إلى عدم إخراجه عليه الصلاة والسلام عن حده حطا ورفعا { قالوا
~~ءامنا } طبق ما أمرنا به { واشهد بأننا مسلمون } مخلصون
~~في إيماننا أو منقادون لما أمرنا به.

### || [5.112]

# { إذ قال الحواريون يعيسى ابن مريم } منصوب ب

# اذكر

# [المائدة: 110] على أنه ابتداء كلام لبيان ما جرى بينه عليه الصلاة
~~والسلام وبين قومه منقطع عما قبله كمال يشير إليه الإظهار في مقام
~~الاضمار. وجوز أن يكون ظرفا ل

# قالوا

# [المائدة: 111] وفيه  على ما قيل حينئذ  تنبيه على أن ادعاءهم الإخلاص
~~مع قولهم { هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة
~~من السماء } لم يكن عن تحقيق منهم ولا عن معرفة بالله تعالى وقدرته
~~سبحانه لأنهم لو حققوا وعرفوا لم يقولوا ذلك إذ لا يليق مثله بالمؤمن
~~بالله عز وجل. وتعقب هذا القول الحلبي بأنه خارق للإجماع. وقال ابن عطية
~~لا خلاف أحفظه في أنهم كانوا مؤمنين وأيد ذلك بقوله تعالى:

# فمن يكفر بعد منكم

# [المائدة: 115] وبأن وصفهم بالحواريين ينافي أن يكونوا على الباطل وبأن
~~الله تعالى أمر المؤمنين بالتشبه بهم والاقتداء بسنتهم في قوله عز من
~~قائل:

# كونوا أنصر الله

# [الصف: 14] الآية وبأن رسول الله ms02606 صلى الله عليه وسلم مدح الزبير

# " إن لكل نبي حواريا وإن حواري الزبير "

# والتزم القول بأن الحواريين فرقتان مؤمنون وهم خالصة عيسى عليه الصلاة
~~والسلام / والمأمور بالتشبه بهم وكافرون وهم أصحاب المائدة، وسؤال عيسى
~~عليه الصلاة والسلام نزول المائدة وإنزالها ليلزمهم الحجة يحتاج إلى نقل
~~ولم يوجد. ومن ذلك أجيب عن الآية بأجوبة فقيل: إن معنى { هل
~~يستطيع } هل يفعل كما تقول للقادر على القيام: هل تستطيع أن تقوم
~~مبالغة في التقاضي. ونقل هذا القول عن الحسن. والتعبير عن الفعل
~~بالاستطاعة من التعبير عن المسبب بالسبب إذ هي من أسباب الايجاد. وعلى
~~عكسه التعبير عن إرادة الفعل بالفعل تسمية للسبب الذي هو الإرادة باسم
~~المسبب الذي هو الفعل في مثل قوله تعالى:

# إذا قمتم إلى الصلاة

# [المائدة: 6] الخ. وقيل: إن المعنى هل يطيع ربك فيستطيع بمعنى يطيع
~~ويطيع بمعنى يجيب مجازا ونقل ذلك عن السدي. وذكر أبو شامة أن النبي صلى
~~الله عليه وسلم عاد أبا طالب في مرض فقال له: يا ابن أخي ادع ربك أن
~~يعافيني فقال: اللهم اشف عمي فقام كأنما نشط من عقال فقال: يا ابن أخي إن
~~ربك الذي تعبده يطيعك فقال: يا عم وأنت لو أطعته لكان يطيعك أي يجيبك
~~لمقصودك وحسن استعماله صلى الله عليه وسلم لذلك المشاكلة. وقيل: هذه
~~الاستطاعة على ما تقتضيه الحكمة والإرادة فكأنهم قالوا: هل إرادة الله
~~تعالى وحكمته تعلقت بذلك أولا؟ لأنه لا يقع شيء بدون تعلقهما به.

# واعترض بأن قوله تعالى الآتي: { اتقوا الله إن كنتم مؤمنين
~~} لا يلائمه لأن السؤال عن مثله مما هو من علوم الغيب لا قصور فيه.

# وقيل: إن سؤالهم للاطمئنان والتثبت كما قال الخليل عليه الصلاة والسلام:

# أرنى كيف تحى الموتى

# [البقرة: 260] ومعنى { إن كنتم مؤمنين } إن كنتم كاملين في
~~الإيمان والإخلاص ومعنى { نعلم أنك قد صدقتنا } نعلم علم
~~مشاهدة وعيان بعد ما علمناه علم إيمان وإيقان. ومن هذا يعلم ما يندفع به
~~الاعتراض.

# وقرأ الكسائي وعلي كرم الله تعالى وجهه وعائشة ms02607 وابن عباس ومعاذ وجماعة
~~من الصحابة رضي الله تعالى عنهم (هل تستطيع ربك) بالتاء خطابا لعيسى
~~عليه الصلاة والسلام ونصب { ربك } على المفعولية. والأكثرون على أن
~~هناك مضافا محذوفا أي سؤال ربك أي هل تسأله ذلك من غير صارف. وعن
~~الفارسي أنه لا حاجة إلى تقدير. والمعنى هل تستطيع أن ينزل ربك بدعائك.
~~وأنت تعلم أن اللفظ لا يؤدي ذلك فلا بد من التقدير، والمائدة في المشهور
~~الخوان الذي عليه الطعام من ماد يميد إذا تحرك أو من ماده بمعنى أعطاه
~~فهي فاعلة إما بمعنى مفعولة ك

# عيشة راضية

# [القارعة: 7]، واختاره الأزهري في «تهذيب اللغة» أو بجعلها للتمكن مما
~~عليها كأنها بنفسها معطية كقولهم للشجرة المثمرة: مطعمة. وأجاز بعضهم أن
~~يقال فيها ميدة واستشد عليه بقول الراجز:

# وميدة كثيرة الألوان

# تصنع للجيران والإخوان

# واختار المناوي أن المائدة كل ما يمد ويبسط، والمراد بها السفرة، وأصلها
~~طعام يتخذه المسافر ثم سمي بها الجلد المستدير الذي تحمل به غالبا كما
~~سميت المزادة راوية. وجوز أن تكون تسمية الجلد المذكور سفرة لأن له
~~معاليق متى حلت عنه انفرج فأسفر عما فيه. وهذا غير الخوان بضم الخاء
~~وكسرها وهو أفصح ويقال له: إخوان بهمزة مكسورة لأنه اسم لشيء مرتفع يهيأ
~~ليؤكل عليه الطعام، والأكل عليه بدعة لكنه جائز إن خلا عن قصد التكبر.
~~وتطلق المائدة على نفس الطعام أيضا كما نص عليه بعض المحققين، و { من
~~السماء } يجوز أن يتعلق بالفعل قبله وأن يتعلق بمحذوف وقع صفة لمائدة
~~أي مائدة كائنة من السماء.

# { قال } أي عيسى / عليه الصلاة والسلام لهم حين قالوا ذلك: {
~~اتقوا الله } من أمثال هذا السؤال واقتراح الآيات كما قال الزجاج.
~~وعن الفارسي أنه أمر لهم بالتقوى مطلقا. ولعل ذلك لتصير ذريعة لحصول
~~المأمول فقد قال سبحانه:

# ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من
~~حيث لا يحتسب

# [الطلاق: 2-3] وقال جل شأنه:

# يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وابتغوا
~~إليه الوسيلة

# [المائدة: 35] { إن كنتم مؤمنين } بكمال قدرته تعالى وبصحة
~~نبوتي ms02608 أو كاملين في الإيمان والإخلاص أو إن صدقتم في ادعاء الإيمان
~~والإسلام.

### || [5.113]

# { قالوا نريد أن نأكل منها } أكل تبرك وقيل: أكل تمتع
~~وحاجة والإرادة إما بمعناها الظاهر أو بمعنى المحبة أي نحب ذلك والكلام
~~كما قيل تمهيد عذر وبيان لما دعاهم إلى السؤال أي لسنا نريد من السؤال
~~إزاحة شبهتنا في قدرته سبحانه على تنزيلها أو في صحة نبوتك حتى يقدح ذلك
~~في الإيمان والتقوى ولكن نريد إلخ أو ليس مرادنا اقتراح الآيات لكن
~~مرادنا ما ذكره. { وتطمئن قلوبنا } بازدياد اليقين كما قال
~~عطاء { ونعلم } علم مشاهدة وعيان على ما قدمناه { أن قد
~~صدقتنا } أي أنه قد صدقتنا في ادعاء النبوة، وقيل: في أن الله تعالى
~~يجيب دعوتنا، وقيل: فيما ادعيت مطلقا.

# { ونكون عليها من الشهدين } عند من لم يحضرها من بني
~~اسرائيل ليزداد المؤمنون منهم بشهادتنا طمأنينة ويقينا ويؤمن بسببها
~~كفارهم أو من الشاهدين للعين دون السامعين للخبر، وقيل: من الشاهدين لله
~~تعالى بالوحدانية ولك بالنبوة. و { عليها } متعلق بالشاهدين إن جعل
~~اللام للتعريف أو بمحذوف يفسره { من الشهدين } إن جعلت موصولة.
~~وجوزنا تفسير ما لا يعمل للعامل، وقيل: متعلق به؛ وفيه تقديم ما في حيز
~~الصلة وحرف الجر وكلاهما ممنوع. ونقل عن بعض النحاة جواز التقديم في
~~الظرف، وعن بعضهم جوازه مطلقا، وجوز أن يكون حالا من اسم كان أي عاكفين
~~عليها. وقرىء { يعلم } بالبناء للمفعول و { تعلم } و { تكون }
~~بالتاء والضمير للقلوب.

### || [5.114]

# { قال عيسى ابن مريم } لما رأى أن لهم غرضا صحيحا في ذلك،
~~وأخرج الترمذي في «نوادر الأصول» وغيره عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى
~~عنه أنه عليه الصلاة والسلام لما رأى أن قد أبوا إلا أن يدعو لهم بها قام
~~فألقى عنه الصوف ولبس الشعر الأسود ثم توضأ واغتسل ودخل مصلاه فصلى ما
~~شاء الله تعالى فلما قضى صلاته قام قائما مستقبل القبلة وصف قدميه حتى
~~استويا فألصق الكعب بالكعب وحاذى الأصابع بالأصابع ووضع يده اليمنى على
~~اليسرى فوق صدره وغض بصره وطأطأ ms02609 رأسه خشوعا ثم أرسل عينيه بالبكاء فما
~~زالت دموعه تسيل على خديه وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض حيال
~~وجهه فلما رأى ذلك دعا الله تعالى فقال: { اللهم ربنا } ناداه
~~سبحانه وتعالى مرتين على ما قيل مرة بوصف الألوهية الجامعة لجميع
~~الكمالات وأخرى بوصف الربوبية المنبئة عن التربية إظهارا لغاية التضرع
~~ومبالغة في الاستدعاء وإنما لم يجعل نداء واحدا بأن يعرب { ربنا }
~~بدلا أو صفة لأنهم قالوا: إن لفظ اللهم لا يتبع وفيه خلاف لبعض النحاة.
~~وحذف حرف النداء في الأول وعوض عنه الميم وكذا في الثاني إلا أن التعويض
~~من خواص الاسم الجليل أي يا الله يا ربنا.

# { أنزل علينا مائدة } أي خوانا عليه طعام أو سفرة كذلك،
~~وتقديم الظرف على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم
~~والتشويق إلى المؤخر. وقوله سبحانه وتعالى: { من السماء } / متعلق
~~إما بانزل أو بمحذوف وقع صفة لمائدة أي كائنة من السماء، والمراد بها إما
~~المحل المعهود وهو المتبادر من اللفظ وإما جهة العلو، ويؤيد الأول ما
~~أخرجه ابن حميد وابن أبي حاتم عن عمار بن ياسر أن المائدة التي نزلت كان
~~عليها من ثمر الجنة وكذا روي عن وهب بن منبه. ويؤيد الثاني ما روي عن
~~سلمان الفارسي من خبر طويل أن المائدة لما نزلت قال شمعون رأس الحواريين
~~لعيسى عليه الصلاة والسلام يا روح الله وكلمته أمن طعام الدنيا هذا أم من
~~طعام الجنة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون
~~من الآيات وتنتهوا عن تنقير المسائل ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بسبب هذه
~~الآية فقال شمعون: لا وإله اسرائيل ما أردت بها سوءا يا ابن الصديقة
~~فقال عيسى عليه الصلاة والسلام. ليس شيء مما ترون عليها من طعام الجنة
~~ولا من طعام الدنيا إنما هو شيء ابتدعه الله تعالى في الهواء بالقدرة
~~الغالبة القاهرة فقال له كن فكان في أسرع من طرفة عين فكلوا مما سألتم
~~باسم الله واحمدوا عليه ربكم يمدكم منه ويزدكم ms02610 فإنه بديع قادر شاكر.

# وقوله تعالى: { تكون لنا عيدا } صفة «مائدة» و «لنا» خبر كان و
~~«عيدا» حال من الضمير في الظرف أو في { تكون } على رأي من يجوز
~~إعمالها في الحال، وجوز أن يكون «عيدا» الخبر و «لنا» حينئذ إما حال من
~~الضمير في «تكون» أو حال من { عيدا } لأنه صفة له قدمت عليه، والعيد
~~العائد مشتق من العود ويطلق على الزمان المعهود لعوده في كل عام بالفرح
~~والسرور، وعليه فلا بد من تقدير مضاف، والمعنى يكون نزولها لنا عيدا،
~~ويطلق على نفس السرور العائد وحينئذ لا يحتاج إلى التقدير، وفي الكلام
~~لطافة لا تخفى، وذكر غير واحد أن العيد يقال لكل ما عاد عليك في وقت،
~~ومنه قول الأعشى:

# فوا كبدي من لاعج الحب والهوى

# إذا اعتاد قلبي من أميمة عيدها

# وهو واوي كما ينبىء عنه الاشتقاق ولكنهم قالوا في جمعه: أعياد وكان
~~القياس أعواد لأن الجموع ترد الأشياء إلى أصولها كراهة الاشتباه  كما
~~قال ابن هشام  بجمع عود، ونظر ذلك الحريري بقولهم: هو أليط بقلبي منك أي
~~ألصق حبا به فإن أصله الواو لكن قالوا ذلك ليفرق بينه وبين قولهم. هو
~~ألوط من فلان، ولا يخفى أن هذا مخالف لما ذكره محققو أهل اللغة، وعن
~~الكسائي يقال: لاط الشيء بقلبي يلوط ويليط وهو ألوط وأليط، ثم إنهم إنما
~~لم يعكسوا الأمر في جمع عود وعيد فيقولوا في جمع الأول أعياد وفي جمع
~~الثاني أعواد مع حصول التفرقة أيضا اعتبارا على ما قيل للأخف في الأكثر
~~استعمالا مع رعاية ظاهر المفرد، وقرأ عبد الله «تكن» بالجزم على جواب
~~الأمر.

# { لأولنا وآخرنا } أي لأهل زماننا ومن يجيء بعدنا. روي أنه
~~نزلت يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيدا، وعن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنه أن المعنى يأكل منها أول الناس وآخرهم، والجار والمجرور عند بعض بدل
~~من الجار والمجرور أعني «لنا»، وقال أبو البقاء إذا جعل «لنا» خبرا أو
~~حالا فهو صفة لعيدا وإن جعل صفة له كان هو ms02611 بدلا من الضمير والمجرور
~~بإعادة الجار، وظاهره أن المبدل منه الضمير لكن أعيد الجار لأن البدل في
~~قوة تكرار العامل، وهو تحكم لأن الظاهر كما أشير إبدال المجموع من
~~المجموع، ثم إن ضمير الغائب يبدل منه وأما ضمير الحاضر فأجازه بعضهم
~~مطلقا وأجازه آخرون كذلك، وفصل قوم فقالوا إن أفاد توكيدا واحاطة
~~وشمولا جاز وإلا امتنع. واستظهر بعضهم على قول الحبر أن يكون «لنا»
~~خبرا أي قوتا أو نافعة لنا. وقرأ زيد وابن محيصن / والجحدري «لأولانا
~~وأخرانا» بتأنيث الأول والآخر باعتبار الأمة والطائفة، وكون المراد
~~بالأولى والأخرى الدار الأولى أي الدنيا والدار الأخرى أي الآخرة مما لا
~~يكاد يصح.

# { وءاية } عطف على «عيدا»، وقوله سبحانه وتعالى: { منك } متعلق
~~بمحذوف وقع صفة له أي آية كائنة منك دالة على كمال قدرتك وصحة نبوتي {
~~وارزقنا } أي الشكر عليها على ما حكي عن الجبائي أو المائدة على ما
~~نقل عن غير واحد والمراد بها حينئذ  كما قيل  ما على الخوان من الطعام
~~أو الأعم من ذلك وهذه ولعله الأولى { وأنت خير الرازقين }
~~تذييل جار مجرى التعليل أي خير من يرزق لأنه خالق الرزق ومعطيه بلا
~~ملاحظة عوض.

### || [5.115]

# { قال الله إنى منزلها عليكم } مرات عديدة كما ينبىء
~~عن ذلك صيغة التفعيل، وورود الإجابة منه تعالى كذلك مع كون الدعاء منه
~~عليه الصلاة والسلام بصيغة الإفعال لإظهار كمال اللطف والإحسان مع ما فيه
~~من مراعاة ما وقع في عبارة السائلين، وفي تصدير الجملة بكلمة التحقيق
~~وجعل خبرها اسما تحقيق للوعد وإيذان بأنه سبحانه وتعالى منجز له لا
~~محالة وإشعار بالاستمرار، وهذه القراءة لأهل المدينة والشام وعاصم وقرأ
~~الباقون كما قال الطبرسي { منزلها } بالتخفيف، وجعل الإنزال والتنزيل
~~بمعنى واحد.

# { فمن يكفر بعد } أي بعد تنزيلها حال كونه كائنا { منكم
~~فإنى أعذبه } بسبب كفره ذلك { عذابا } هو اسم مصدر بمعنى
~~التعذيب كالمتاع بمعنى التمتيع، وقيل: مصدر محذوف الزوائد وانتصابه على
~~المصدرية في التقديرين، وقيل: منصوب على التوسع، والتشبيه بالمفعول به
~~مبالغة كما ينصب الظرف ومعمول الصفة ms02612 المشبهة كذلك، وجوز أبو البقاء أن
~~يكون نصبه على الحذف والإيصال، والمراد بعذاب وهو حينئذ اسم ما يعذب به،
~~ولا يخفى أن حذف الجار لا يطرد في غير أن وإن عند عدم اللبس، والتنوين
~~للتعظيم أي عذابا عظيما.

# وقوله سبحانه وتعالى: { لا أعذبه } في موضع النصب على أنه صفة
~~له. والهاء في موضع المفعول المطلق كما في ظننته زيدا قائما. ويقوم
~~مقام العائد إلى الموصوف كما قيل. ووجه بأنه حينئذ يعود إلى المصدر
~~المفهوم من الفعل فيكون في معنى النكرة الواقعة بعد النفي من حيث العموم
~~فيشمل العذاب المتقدم، ويحصل الربط بالعموم واورد عليه أن الربط بالعموم
~~إنما ذكره النحاة في الجملة الواقعة خبرا فلا يقاس عليه الصفة وجوز أن
~~يكون من قبيل ضربته ضرب زيد أي عذابا لا أعذب تعذيبا مثله، وعلى هذا
~~التقدير يكون الضمير راجعا على العذاب المقدم فالربط به. وقيل: الضمير
~~راجع إلى «من» بتقدير مضافين أي لا أعذب مثل عذابه.

# { أحدا من العلمين } أي عالمي زمانهم أو العالمين مطلقا،
~~وهذا العذاب إما في الدنيا، وقد عذب من كفر منهم بمسخهم قردة وخنازير.
~~وروي ذلك عن قتادة وإما في الآخرة وإليه يشير ما أخرجه أبو الشيخ. وغيره
~~عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة
~~من كفر من أصحاب المائدة والمنافقون وآل فرعون ويدل هذا على أن المائدة
~~نزلت وكفر البعض بعد. وأخرج ابن جرير وغيره عن الحسن ومجاهد أن القوم لما
~~قيل لهم: «فمن يكفر» الخ قالوا: لا حاجة لنا بها فلم تنزل. والجمهور على
~~الأول وعليه المعول. فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن
~~عمار بن ياسر موقوفا ومرفوعا.

# والوقف أصح قال: أنزلت المائدة من السماء خبزا / ولحما وأمروا أن لا
~~يخونوا ولا يدخروا لغد فخانوا وادخروا فمسخوا قردة وخنازير وكان الخبز من
~~أرز على ما روي عن عكرمة.

# وروي أن عيسى عليه الصلاة والسلام لما سأله قومه ذلك فدعا أنزل الله
~~تعالى عليهم سفرة ms02613 حمراء بين غمامتين غمامة فوقها وغمامة تحتها وهم ينظرون
~~إليها في الهواء منقضة من السماء تهوي إليهم وعيسى عليه الصلاة والسلام
~~يبكي خوفا من الشرط الذي اتخذ عليهم فيها فما زال يدعو حتى استقرت
~~السفرة بين يديه والحواريون حوله يجدون رائحة طيبة لم يجدوا رائحة مثلها
~~قط وخر عيسى عليه الصلاة والسلام والحواريون سجدا شكرا لله تعالى وأقبل
~~اليهود ينظرون إليهم فرأوا ما يغمهم ثم انصرفوا فأقبل عيسى عليه الصلاة
~~والسلام ومن معه ينظرونها فإذا هي مغطاة بمنديل فقال عليه الصلاة
~~والسلام: من أجرؤنا على كشفه وأوثقنا بنفسه وأحسننا بلاء عند ربه حتى
~~نراها ونحمد ربنا سبحانه وتعالى ونأكل من رزقه الذي رزقنا؟ فقالوا: يا
~~روح الله وكلمته أنت أولى بذلك فقام واستأنف وضوءا جديدا ثم دخل مصلاه
~~فصلى ركعات ثم بكى طويلا ودعا الله تعالى أن يأذن له في الكشف عنها
~~ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقا ثم انصرف وجلس حول السفرة وتناول
~~المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين وكشف عنها فإذا عليها سمكة ضخمة
~~مشوية ليس عليها بواسير وليس في جوفها شوك يسيل السمن منها قد نضد حولها
~~بقول من كل صنف غير الكراث وعند رأسها خل وعند ذنبها ملح وحول البقول
~~خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الآخر تمرات وعلى الآخر خمس رمانات،
~~وفي رواية على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن. وعلى
~~الرابع جبن وعلى الخامس قديد فسأله شمعون عنها وأجابه بما تقدمت روايته.
~~ثم قالوا له عليه الصلاة والسلام: إنما نحب أن ترينا آية في هذه الآية
~~فقال عليه السلام: سبحان الله تعالى أما اكتفيتم ثم قال: يا سمكة عودي
~~بإذن الله تعالى حية كما كنت فأحياها الله تعالى بقدرته فاضطربت وعادت
~~حية طرية تلمظ كما يتلمظ الأسد تدور عيناها لها بصيص وعادت عليها بواسير
~~ففزع القوم منها وانحاشوا فقال عليه الصلاة والسلام لهم: ما لكم تسألون
~~الآية فإذا أراكموها ربكم كرهتموها ما أخوفني عليكم بما تصنعون يا سمكة
~~عودي بإذن ms02614 الله تعالى كما كنت مشوية ثم دعاهم إلى الأكل فقالوا: يا روح
~~الله أنت الذي تبدأ بذلك فقال: معاذ الله تعالى يبدأ من طلبها فلما رأوا
~~امتناع نبيهم عليه الصلاة والسلام خافوا أن يكون نزولها سخطة وفي أكلها
~~مثلة فتحاموها فدعا عليه الصلاة والسلام لها الفقراء والزمنى، وقال: كلوا
~~من رزق ربكم ودعوة نبيكم وأحمدوا الله تعالى الذي أنزلها لكم ليكون
~~مهنؤها لكم وعقوبتها على غيركم وافتتحوا كلكم باسم الله واختتموه بحمد
~~الله ففعلوا فأكل منها ألف وثلثمائة إنسان بين رجل وامرأة وصدروا منها
~~وكل واحد منهم شبعان يتجشى ونظر عيسى عليه السلام والحواريون ما عليها
~~فإذا ما عليها كهيئته إذ نزلت من السماء لم ينتقص منه شيء ثم إنها رفعت
~~إلى السماء وهم ينظرون فاستغنى كل فقير أكل منها وبرىء كل زمن منهم أكل
~~منها فلم يزالوا أغنياء صحاحا حتى خرجوا من الدنيا وندم الحواريون
~~وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة سالت منها أشفارهم وبقيت
~~حسرتها في قلوبهم، وكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبلت بنوا اسرائيل
~~إليها من كل مكان يسعون فزاحم بعضهم بعضا الأغنياء والفقراء والنساء
~~والصغار والكبار والأصحاء والمرضى يركب بعضهم بعضا فلما رأى عيسى عليه
~~الصلاة والسلام ذلك جعلها نوبا بينهم فكانت تنزل يوما ولا تنزل / يوما
~~فلبثوا في ذلك أربعين يوما تنزل عليهم غبا عند ارتفاع الضحى فلا تزال
~~موضوعة يؤكل منها حتى إذا قالوا ارتفعت عنهم باذن الله تعالى إلى جو
~~السماء وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى توارى عنهم فأوحى الله تعالى
~~إلى عيسى عليه الصلاة والسلام أن اجعل رزقي لليتامى والمساكين والزمنى
~~دون الأغنياء من الناس فلما فعل الله تعالى ذلك ارتاب بها الأغنياء
~~وغمصوا ذلك حتى شكوا فيها في أنفسهم وشككوا فيها الناس وأذاعوا في أمرها
~~القبيح والمنكر وأدرك الشيطان منهم حاجته وقذف وسواسه في قلوب المرتابين
~~فلما علم عيسى عليه السلام ذلك منهم قال: هلكتم وإله المسيح سألتم نبيكم
~~أن يطلب المائدة لكم إلى ربكم فلما فعل ms02615 وأنزلها عليكم رحمة ورزقا وأراكم
~~فيها الآيات والعبر كذبتم بها وشككتم فيها فابشروا بالعذاب فإنه نازل بكم
~~إلا أن يرحمكم الله تعالى وأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام
~~إني آخذ المكذبين بشرطي وإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها
~~عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين فلما أمسى المرتابون وأخذوا مضاجعهم
~~في أحسن صورة مع نسائهم آمنين وكان آخر الليل مسخهم الله تعالى خنازير
~~وأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات.

# وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن عيسى عليه الصلاة
~~والسلام قال لبني اسرائيل: هل لكم أن تصوموا ثلاثين يوما ثم تسالوه
~~فيعطيكم ما سألتم فإن أجر العامل على من عمل له ففعلوا ثم قالوا: يا معلم
~~الخير قلت لنا: إن أجر العامل على من عمل له وأمرتنا أن نصوم ثلاثين
~~يوما ففعلنا ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوما إلا أطعمنا { هل
~~يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء }
~~إلى قوله تعالى: { أحدا من العلمين } فأقبلت الملائكة تطير
~~بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة حتى وضعتها بين أيديهم
~~فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم. وجاء عنه أن المائدة كانت تنزل عليهم
~~حيث نزلوا، وعن وهب بن منبه أن المائدة كان يقعد عليها أربعة آلاف فإذا
~~أكلوا شيئا أبدل الله تعالى مكانه مثله فلبثوا بذلك ما شاء الله عز وجل.

### || [5.116]

# { وإذ قال الله يعيسى ابن مريم } عطف على

# إذ قال الحواريون

# [المائدة: 112] منصوب بما نصبه من الفعل المضمر أو بمضمر مستقل معطوف
~~على ذلك. وصيغة الماضي لما مضى. والمراد يقول له عليه الصلاة والسلام: {
~~ءأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون
~~الله } يوم القيامة توبيخا للكفرة وتبكيتا لهم باقراره عليه الصلاة
~~والسلام على رؤوس الأشهاد بالعبودية وأمرهم بعبادته عز وجل. وقيل: قاله
~~سبحانه له عليه الصلاة والسلام في الدنيا وكان ذلك بعد الغروب فصلى عليه
~~الصلاة والسلام المغرب ثلاث ركعات شكرا لله تعالى حين خاطبه بذلك، وكان
~~الأولى: لنفي الألوهية ms02616 عن نفسه. والثانية: لنفيها عن أمه. والثالثة:
~~لإثباتها لله عز وجل. فهو عليه الصلاة والسلام أول من صلى المغرب ولا
~~يخفى أن ما سيأتي إن شاء الله تعالى في الآيات يأبى ذلك ولا يصح أيضا
~~خبر فيه. ثم إنه ليس مدار أصل الكلام عند بعض المحققين أن القول متيقن
~~والاستفهام لتعيين القائل كما هو المتبادر من إيلاء الهمزة المبتدأ على
~~الاستعمال المشهور وعليه قوله تعالى:

# أأنت فعلت هذا بآلهتنا

# [الأنبياء: 62] ونحوه بل على أن المتيقن هو الاتخاذ. والاستفهام لتعيين
~~أنه بأمره عليه الصلاة والسلام أو أمر من تلقاء أنفسهم كما في قوله
~~تعالى:

# أأنتم أضللتم عبادى هؤلاء أم هم ضلوا
~~السبيل

# [الفرقان: 17] وقال بعض: لما كان القول قد وقع من رؤسائهم في الضلال كان
~~مقررا كالاتخاذ فالاستفهام لتعيين / من صدر منه فلذا قدم المسند إليه،
~~وقيل: التقديم لتقوية النسبة لأنها بعيدة عن القبول بحيث لا تتوجه نفس
~~السامع إلى أن المقصود ظاهرها حتى يجيب على طبقه فاحتاجت إلى التقوية حتى
~~يتوجه إليها المستفهم عنها، وفيه كمال توبيخ الكفرة بنسبة هذا القول
~~إليه.

# وفي قوله: { اتخذونى وأمى } دون واتخذوني ومريم توبيخ على
~~توبيخ كأنه قيل: أأنت قلت ما قلت مع كونك مولودا وأمك والدة والإله لا
~~يلد ولا يولد. وأنت تعلم أن في ندائه عليه الصلاة والسلام على الكيفية
~~المذكورة إشارة إلى إبطال ذلك الاتخاذ. ولام { للناس } للتبليغ،
~~والاتخاذ إما متعد لاثنين فالياء مفعوله الأول و { إلهين } مفعوله
~~الثاني وإما متعد لواحد فإلهين حال من المفعول و { من دون الله }
~~حال من فاعل الاتخاذ أي متجاوزين الله تعالى أو صفة لإلهين أي كائنين من
~~دون الله تعالى أي غيره منضما إليه سبحانه فالله تعالى إله وهما بزعم
~~الكفرة إلهان فالمراد اتخاذهما بطريق اشتراكهما معه عز وجل. وهذا كما في
~~قوله تعالى: { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم
~~ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعؤنا عند الله }
~~إلى قوله سبحانه:

# سبحانه وتعالى عما يشركون

# [يونس: 18] وأيد ذلك بأن التوبيخ والتبكيت إنما يتأتى بذلك. ms02617 وقال
~~الراغب: إن ظاهر ذلك القول استقلالهما عليهما الصلاة والسلام بالألوهية
~~وعدم اتخاذ الله سبحانه وتعالى معهما إلاها ولا بد من تأويل ذلك لأن
~~القوم ثلثوا والعياذ بالله تعالى فإما أن يقال: إن من أشرك مع الله
~~سبحانه غيره فقد نفاه معنى لأنه جل شأنه وحده لا شريك له ويكون إقراره
~~بالله تعالى كلا إقرار. وحينئذ يكون { من دون الله } مجازا عن مع
~~الله تعالى أو يقال: إن المراد بمن دون الله التوسط بينهما وبينه عز شأنه
~~فيكون الدون إشارة لقصور مرتبتهما عن مرتبته جل جلاله لأنهم قالوا: هو عز
~~اسمه كالشمس وهما كشعاعها. وزعم بعضهم أن المراد اتخاذهما بطريق
~~الاستقلال، ووجهه أن النصارى يعتقدون أن المعجزات التي ظهرت على يدي عيسى
~~وأمه عليهما الصلاة والسلام لم يخلقها الله تعالى بل هما خلقاها فصح أنهم
~~اتخذوهما في حق بعض الأشياء إلهين مستقلين ولم يتخذوه إلها في حق ذلك
~~البعض، ولا يخفى أن الأول كالمتعين وإليه أشار العلامة ونص على اختياره
~~شيخ الإسلام.

# واستشكلت الآية بأنه لا يعلم أن أحدا من النصارى اتخذ مريم عليها
~~السلام إلها. وأجيب عنه بأجوبة. الأول: أنهم لما جعلوا عيسى عليه
~~الصلاة والسلام إلها لزمهم أن يجعلوا والدته أيضا كذلك لأن الولد من
~~جنس من يلده فذكر { إلهين } على طريق الإلزام لهم. والثاني: أنهم
~~لما عظموها تعظيم الإله أطلق عليها اسم الإله كما أطلق اسم الرب على
~~الأحبار والرهبان في قوله تعالى:

# اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أربابا من دون
~~الله

# [التوبة: 31] لما أنهم عظموهم تعظيم الرب. والتثنية حينئذ على حد 
~~القلم أحد اللسانين . والثالث: أنه يحتمل أن يكون فيهم من قال بذلك.
~~ويعضد هذا القول ما حكاه أبو جعفر الإمامي عن بعض النصارى أنه قد كان
~~فيما مضى قوم يقال لهم: المريمية يعتقدون في مريم أنها إله. وهذا كما
~~كان في اليهود قوم يعتقدون أن عزيرا ابن الله عز اسمه وهو أولى الأوجه
~~عندي. وما قرره الزاعم من أن النصارى يعتقدون الخ غير مسلم في نصارى
~~زماننا ms02618 ولم ينقله أحد ممن يوثق به عنهم أصلا. وإظهار الاسم الجليل لكونه
~~في حيز القول المسند إلى عيسى عليه الصلاة والسلام.

# { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من صدر الكلام وهو ظاهر. وفي بعض
~~الآثار أنه عليه الصلاة / والسلام حين يقول له الرب عز وجل ما يقول ترتعد
~~مفاصله وينفجر من أصل كل شعرة من جسده عين من دم خيفة من ربه جلت عظمته،
~~وفي بعضها أنه عليه الصلاة والسلام يرتعد خوفا ولا يفتح له باب الجواب
~~خمسمائة عام ثم يلهمه الله تعالى الجواب بعد فيقول: { سبحنك } أي
~~تنزيها لك من أن أقول ذلك أو يقال في حقك كما قدره ابن عطية، وقدره
~~بعضهم من أن يكون لك شريك فضلا من أن يتخذ إلهان دونك، وآخرون من أن
~~تبعث رسولا يدعى ألوهية غيرك ويدعو إليها ويكفر بنعمتك، والأول أوفق
~~بسياق النظم الكريم.

# وسبحان على سائر التقادير  على أحد الأقوال فيه وقد تقدمت  علم
~~للتسبيح وانتصابه على المصدرية ولا يكاد يذكر ناصبه. وفيه من المبالغة في
~~التنزيه من حيث الاشتقاق من السبح وهو الإبعاد في الأرض والذهاب، ومن جهة
~~النقل إلى صيغة التفعيل والعدول عن المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصة
~~المشير إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن وإقامته مقام المصدر مع الفعل ما لا
~~يخفى.

# وقوله سبحانه: { ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق }
~~استئناف مقرر للتنزيه ومبين للمنزه عنه. وما الثانية سواء كانت موصولة أو
~~نكرة موصوفة مفعول { أقول } والمراد بها على التقديرين القول المذكور أو
~~ما يعمه وغيره ويدخل فيه القول المذكور دخولا أوليا، ونصب القول
~~للمفردات نحو الجملة والكلام والشعر مما لا شك في صحته كنصبه الجمل
~~الصريحة فلا حاجة إلى تفسير أقول بأذكر كما يتوهم. واسم { ليس } ضمير
~~عائد إلى ما و { بحق } خبره، والجار والمجرور فيما بينهما للتبيين
~~فيتعلق بمحذوف كما في سقيا لك. وإيثار ليس على الفعل المنفي على ما يحق
~~لي لظهور دلالته على استمرار انتفاء الحقية وإفادة التأكيد بما في حيزه ms02619
~~من الباء المطرد زيادتها في خبر { ليس }. ومعنى { ما يكون لى }
~~أي لا ينبغي ولا يليق وهو أبلغ من لم أقله فلذا أوثر عليه: والمراد لا
~~ينبغي أن أقول قولا لا يحق لي قوله أصلا في وقت من الأوقات، وجوز أبو
~~البقاء أن يكون { لى } خبر (ليس) و { بحق } في موضع الحال من الضمير
~~في الجار والعامل فيه ما فيه من معنى الاستقرار. وأن يكون متعلقا بفعل
~~محذوف على أنه مفعول له والباء للسببية أي ما ليس يثبت لي بسبب حق. وأن
~~يكون خبر (ليس) و { لي } صفة (حق) قدم عليه فصار حالا، وهذا مخرج على
~~رأي من أجاز تقديم حال المجرور عليه، وقيل: إن { لي } متعلق بحق وهو
~~الخبر. وهو أيضا مبني على قول بعض النحاة المجوز تقديم صلة المجرور على
~~الجار. والجمهور على عدم الجواز ولا فرق عندهم في المنع بين أن يكون
~~الجار زائدا أو غيره.

# وقوله عز وجل: { إن كنت قلته فقد علمته } استدلال على
~~براءته من صدور القول المذكور عنه فإن صدوره عنه مستلزم لعلمه به تعالى
~~قطعا والعلم به منتف فينتفي الصدور ضرورة أن انتفاء اللازم مستلزم
~~لانتفاء الملزوم.

# واستشكلت هذه الجملة بأن المعنى على المضي هنا وإن تقلب الماضي
~~مستقبلا. وأجاب عن ذلك المبرد بأن كان قوية الدلالة على المضي حتى قيل
~~إنها موضوعة له فقط دون الحدث وجعلوه وجها لكونها ناقصة فلا تقدر (إن)
~~على تحويلها إلى الاستقبال. وأجاب ابن السراج بأن التقدير إن أقل كنت
~~قلته الخ وكذا يقال فيما كان من أمثال ذلك، وقد نقل ذلك عثمان بن يعيش
~~وضعفه ابن هشام في «تذكرته»، والجمهور على أن المعنى إن صح قولي ودعواي
~~ذلك فقد تبين علمك به.

# { تعلم ما فى نفسى } استئناف جار مجرى التعليل لما قبله فقوله
~~جل شأنه: { ولا أعلم ما فى نفسك } بيان / للواقع وإظهار
~~لقصوره عليه السلام، وللنفس في كلامهم إطلاقات فتطلق على ذات الشيء
~~وحقيقته وعلى الروح وعلى القلب وعلى الدم وعلى الإرادة، قيل: وعلى ms02620 العين
~~التي تصيب وعلى الغيب وعلى العقوبة. ويفهم من كلام البعض أنها حقيقة في
~~الإطلاق الأولى مجاز فيما عداه، وفسر غير واحد النفس هنا بالقلب، والمراد
~~تعلم معلومي الذي أخفيه في قلبي فكيف بما أعلنه ولا أعلم معلومك الذي
~~تخفيه، وسلك في ذلك مسلك المشاكلة كما في قوله:

# قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه

# قلت اطبخوا لي جبة وقميصا

# إلا أن ما في الآية كلا اللفظين وقع في كلام شخص واحد وما في البيت ليس
~~كذلك. وفي «الدر المصون» أن هذا التفسير مروى عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما وحكاه عنه أيضا في «مجمع البيان». وفسرها بعضهم بالذات وادعى أن
~~نسبتها بهذا المعنى إلى الله تعالى لا تحتاج إلى القول بالمشاكلة، ومن
~~ذلك قوله تعالى:

# كتب ربكم على نفسه الرحمة

# [الأنعام: 54]

# واصطنعتك لنفسى

# [طه: 41]

# ويحذركم الله نفسه

# [آل عمران: 28 و 30] وقوله صلى الله عليه وسلم:

# " أقسم ربي على نفسه أن لا يشرب عبد خمرا ولم يتب إلى الله تعالى منه
~~إلا سقاه من طينة الخبال "

# وقوله عليه الصلاة والسلام:

# " ليس أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل ولأجل ذلك مدح نفسه "

# وقوله صلى الله عليه وسلم:

# " سبحان الله عدد خلقه ورضا نفسه "

# إلى غير ذلك من الأخبار.

# وقال المحقق الشريف في «شرح المفتاح» وغيره: إن لفظ النفس لا يطلق عليه
~~تعالى وإن أريد به الذات إلا مشاكلة وليس بشيء لما علمت من الآيات
~~والأحاديث، وادعاء أن ما فيها مشاكلة تقديرية كما قيل ذلك في قوله تعالى:

# صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة

# [البقرة: 138] لا يخفى أنه من سقط المتاع فالصحيح المعول عليه جواز
~~إطلاقها بمعنى الذات على الله تعالى من غير مشاكلة، نعم قيل: إن لفظ
~~النفس في هذه الآية وإن كان بمعنى الذات لا بد معه من اعتبار المشاكلة
~~لأن لا أعلم ما في ذاتك ليس بكلام مرضي فيحتاج إلى حمله على المشاكلة بأن
~~يكون المراد لا أعلم معلوماتك فعبر عنه بلا أعلم ما في ms02621 نفسك لوقوع
~~التعبير عن تعلم معلومي بتعلم ما في نفسي.

# وعلى ذلك حمل العلامة الثاني كلام صاحب «الكشاف» ولا يخفى ما فيه،
~~والتحقيق أن الآية من المشاكلة إلا أنها ليست في إطلاق النفس بل في لفظ {
~~فى } فإن مفادها بالنظر إلى ما في نفس عيسى عليه السلام الارتسام
~~والانتقاش ولا يمكن ذلك نظرا إلى الله تعالى. وإلى هذا يشير كلام بعض
~~المحققين ومنه يعلم ما في «كتب الأصول» من الخبط في هذا المقام، وقال
~~الراغب: يجوز أن يكون القصد إلى نفي النفس عنه تعالى فكأنه قال: تعلم ما
~~في نفسي ولا نفس لك فأعلم ما فيها كقول الشاعر:

# ولا ترى الضب بها ينجحر

# وهو على بعده مما لا يحتاج إليه. ومثله ما ذكره بعض الفضلاء من أن النفس
~~الثانية هي نفس عيسى عليه السلام أيضا، وإنما أضافها إلى ضمير الله
~~تعالى باعتبار كونها مخلوقة له سبحانه كأنه قال: تعلم ما في نفسي ولا
~~أعلم ما فيها.

# { إنك أنت علم الغيوب } تقرير لمضمون الجملتين منطوقا
~~ومفهوما لما فيه من الحصر ومدلوله الإثبات فيقرر { تعلم ما فى
~~نفسى } لأن ما انطوت عليه النفوس من جملة الغيوب ويلزمه النفي فيقرر
~~لا أعلم ما في نفسك لأنه غيب أيضا، ومدلول النفي أنه لا يعلم الغيب غيره
~~تعالى شأنه.

### || [5.117]

# وقوله تعالى: { ما قلت لهم إلا ما أمرتنى به }
~~استئناف  كما قال شيخ الإسلام  مسوق لبيان ما صدر عنه عليه السلام قد
~~أدرج فيه عدم صدور القول المذكور عنه على أبلغ وجه وآكده حيث حكم بانتفاء
~~صدور جميع الأقوال / المغايرة للمأمور به فدخل فيه انتفاء صدور القول
~~المذكور دخولا أوليا. والمراد عند البعض ما أمرتهم إلا بما أمرتني به
~~إلا أنه قيل: { ما قلت لهم } نزولا على قضية حسن الأدب لئلا يجعل
~~ربه سبحانه ونفسه معا آمرين ومراعاة لما ورد في الاستفهام. ودل على ذلك
~~بإقحام أن المفسرة في قوله تعالى: { أن اعبدوا الله ربى
~~وربكم }. ولا يرد أن الأمر لا يتعدى بنفسه إلى المأمور ms02622 به إلا
~~قليلا كقوله:

# أمرتك الخير فافعل ما أمرت به

# فكذا ما أول به لأنه  كما قال ابن هشام  لا يلزم من تأويل شيء بشيء أن
~~يتعدى تعديته كما صرحوا به لأن التعدية تنظر إلى اللفظ. نعم قيل في جعل
~~أن مفسرة بفعل الأمر المذكور صلته نحو أمرتك بهذا أن قم نظر أما في طريق
~~القياس فلأن أحدهما مغن عن الآخر. وأما في الاستعمال فلأنه لم يوجد. ونظر
~~فيما ذكر في طريق القياس لأن الأول لا يغني عن الثاني والثاني لا يغني عن
~~الأول وللتفسير بعد الإبهام شأن ظاهر. وادعى ابن المنير أن تأويل هذا
~~القول بالأمر كلفة لا طائل وراءها وفيه نظر. وجوز إبقاء القول على معناه
~~و { أن اعبدوا } إما خبر لمضمر أي هو أن اعبدوا أو منصوب بأعني
~~مقدرا، وقيل: عطف بيان للضمير في { به } ، واعترض بأنه صرح في
~~«المغني» بأن عطف البيان في الجوامد بمنزلة النعت في المشتقات فكما أن
~~الضمير لا ينعت لا يعطف عليه عطف بيان، وأجيب بأن ذلك من المختلف فيه
~~وكثير من النحاة جوزوه. وما في «المغني» قد أشار شراحه إلى رده، وقيل:
~~بدل من الضمير بدل كل من كل. ورده الزمخشري في «الكشاف» بأن المبدل منه
~~في حكم التنحية والطرح فيلزم خلو الصلة من العائد بطرحه، وأجيب عنه بأن
~~المذهب المنصور أن المبدل منه ليس في حكم الطرح مطلقا بل قد يعتبر طرحه
~~في بعض الأحكام كما إذا وقع مبتدأ فإن الخبر للبدل نحو زيد عينه حسنة ولا
~~يقال حسن. وقد يقال أيضا: إنه ليس كل مبدل منه كذلك بل ذلك مخصوص فيما
~~إذا كان البدل بدل غلط، وأجاب بعضهم بأنه وإن لزم خلو الصلة من العائد
~~بالطرح لكن لا ضير فيه لأن الاسم الظاهر يقوم مقامه كما في قوله:

# وأنت الذي في رحمة الله أطمع

# ولا يخفى أن في صحة قيام الظاهر هنا مقام الضمير خلافا لهم، وجوز أن
~~يكون بدلا من { ما أمرتنى به } ، واعترض بأن { ما } مفعول
~~القول ms02623 ولا بد فيه أن يكون جملة محكية أو ما يؤدي مؤداها أو ما أريد لفظه
~~وإذا كان العبادة بدلا كانت مفعول القول مع أنها ليست واحدا من هذه
~~الأمور فلا يقال: ما قلت لهم إلا العبادة، وفي «الانتصاف» «أن العبادة
~~وإن لم تقل فالأمر بها يقال وأن الموصولة بفعل الأمر يقدر معها الأمر
~~فيقال هنا ما قلت لهم إلا الأمر بالعبادة ولا ريب في صحته لأن الأمر مقول
~~بل قول على أن جعل العبادة مقولة غير بعيد على طريقة

# ثم يعودون لما قالوا

# [المجادلة: 3] أي الوطء الذي قالوا قولا يتعلق به وقوله تعالى:

# ونرثه ما يقول

# [مريم: 80] ونحو ذلك»، وفي «الفرائد» أن المراد ما قلت لهم إلا عبادته
~~أي الزموا عبادته فيكون هو المراد من { ما أمرتنى به } ويصح كون
~~هذه الجملة بدلا من (ما أمرتني به) من حيث إنها في حكم المراد لأنها
~~مقولة و { ما أمرتنى به } مفرد لفظا وجملة معنى ولا يخلو عن
~~تعسف، وجوز إبقاء القول على معناه وأن مفسرة إما لفعل القول أو لفعل
~~الأمر، واعترض بأن فعل القول لا يفسر بل يحكي به ما بعده من الجمل ونحوها
~~وبأن فعل الأمر مسند إلى الله تعالى وهو لا يصح تفسيره بأعبدوا الله ربي
~~وربكم بل بأعبدوني أو أعبدوا الله ونحوه، وأجيب عن هذا بأنه «يجوز أن
~~يكون حكاية بالمعنى كأنه عليه السلام حكى معنى قول / الله عز وجل بعبارة
~~أخرى وكأن الله تعالى قال له عليه السلام: مرهم بعبادتي أو قال لهم على
~~لسان عيسى عليه السلام: اعبدوا الله رب عيسى وربكم فلما حكاه عيسى عليه
~~السلام قال: { اعبدوا الله ربى وربكم } فكنى عن اسمه
~~الظاهر بضميره كما قال الله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام:

# قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا
~~ينسى * الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها
~~سبلا وأنزل من السمآء مآء فأخرجنا به أزواجا
~~من نبات شتى

# [طه: 52-53] فإن موسى عليه السلام لا يقول فأخرجنا ms02624 بل فأخرج الله تعالى
~~لكن لما حكاه الله تعالى عنه عليه السلام رد الكلام إليه عز شأنه وأضاف
~~الإخراج إلى ذاته عز وجل على طريقة المتكلم لا الحاكي وإن كان أول الكلام
~~حكاية. ومثله قوله تعالى:

# ليقولن خلقهن العزيز العليم

# [الزخرف: 9] إلى قوله سبحانه:

# فأنشرنا به بلدة ميتا

# »[الزخرف: 11] إلى غير ذلك.

# وقال أبو حيان: «يجوز أن يكون المفسر { اعبدوا الله } ويكون {
~~ربى وربكم } من كلام عيسى عليه السلام على إضمار أعني [أي أعني
~~ربي وبكم] لا على الصفة» لله عز اسمه واعتمده ابن الصائغ وجعله نظير قوله
~~تعالى:

# إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله

# [النساء: 157] على رأي. وفي «أمالي ابن الحاجب» إذا حكى حاك كلاما فله
~~أن يصف المخبر عنه بما ليس في كلام المحكي عنه، واستبعد ذلك الحلبي
~~والسفاقسي وهو الذي يقتضيه الإنصاف. وقيل على الأول: إن بعضهم أجاز وقوع
~~أن المفسرة بعد لفظ القول ولم يقتصر بها على ما في معناه فيقع حينئذ
~~مفسرا له لكن أنت تعلم أنه لا ينبغي الاختلاف في أنه لا يقترن المقول
~~المحكي بحرف التفسير لأن مقول القول في محل نصب على المفعولية والجملة
~~المفسرة لا محل لها فلعل مراد البعض مجرد الوقوع والتزام أن المقول محذوف
~~وهو المحكي وهذا تفسير له أي ما قلت لهم مقولا فتدبر فقد انتشرت كلمات
~~العلماء هنا.

# { وكنت عليهم شهيدا } أي رقيبا أراعي أحوالهم وأحملهم على
~~العمل بموجب أمرك من غير واسطة ومشاهدا لأحوالهم من إيمان وكفر. و {
~~عليهم } كما قال أبو البقاء متعلق بشهيدا، لعل التقديم لما مر غير
~~مرة { ما دمت فيهم } أي مدة دوامي فيما بينهم { فلما
~~توفيتنى } أي قبضتني بالرفع إلى السماء كما يقال توفيت المال إذا
~~قبضته. وروي هذا عن الحسن وعليه الجمهور. وعن الجبائي أن المعنى أمتني
~~وادعى أن رفعه عليه السلام إلى السماء كان بعد موته وإليه ذهب النصارى
~~وقد مر الكلام في ذلك.

# { كنت أنت الرقيب عليهم } أي الحفيظ المراقب فمنعت من أردت
~~عصمته عن المخالفة ms02625 بالإرشاد إلى الدلائل والتنبيه عليها بإرسال الرسول
~~وإنزال الآيات وخذلت من خذلت من الضالين فقالوا ما قالوا، وقيل: المراد
~~بالرقيب المطلع المشاهد، ومعنى الجملتين إني ما دمت فيهم كنت مشاهدا
~~لأحوالهم فيمكن لي بيانها فلما توفيتني كنت أنت المشاهد لذلك لا غيرك فلا
~~أعلم حالهم ولا يمكنني بيانها، ولا يخفى أن الأول أوفق بالمقام، وقد نص
~~بعض المحققين أن الرقيب والشهيد هنا بمعنى واحد وهو ما فسر به الشهيد
~~أولا ولكن تفنن في العبارة ليميز بين الشهيدين والرقيبين لأن كونه عليه
~~الصلاة والسلام رقيبا ليس كالرقيب الذي يمنع ويلزم بل كالشاهد على
~~المشهود عليه ومنعه بمجرد القول وأنه تعالى شأنه هو الذي يمنع منع إلزام
~~بالأدلة والبينات. و { أنت } ضمير فصل أو تأكيد و { الرقيب } خبر
~~كان. وقرىء { الرقيب } بالرفع على أنه خبر (أنت)، والجملة خبر كان و {
~~عليهم } في القراءتين متعلق بالرقيب. وقوله سبحانه: { وأنت
~~على كل شىء شهيد } تذييل مقرر لمضمون ما قبله وفيه  على ما
~~قيل  إيذان بأنه سبحانه كان / هو الشهيد في الحقيقة على الكل حين كونه
~~عليه السلام فيما بينهم. و { على } متعلقة بشهيد، والتقديم لمراعاة
~~الفاصلة.

### || [5.118]

# وقوله تعالى: { إن تعذبهم فإنهم عبادك } على معنى إن
~~تعذبهم لم يلحقك بتعذيبهم اعتراض لأنك المالك المطلق لهم ولا اعتراض على
~~المالك المطلق فيما يفعله بملكه، وقيل: على معنى: إن تعذبهم لم يستطع أحد
~~منهم على دفع ذلك عن نفسه لأنهم عبادك الأرقاء في أسر ملكك وماذا تبلغ
~~قدرة العبد في جنب قدرة مالكه، وقيل: المعنى إن تعذبهم فإنهم يستحقون ذلك
~~لأنهم عبادك وقد عبدوا غيرك وخالفوا أمرك وقالوا ما قالوا، ونسب ذلك إلى
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو بعيد عن النظم، نعم لا يبعد أن يكون
~~في النظم إشارة إليه.

# { وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } أي
~~فإن تغفر لهم ما كان منهم لا يلحقك عجز بذلك ولا استقباح فإنك القوي
~~القادر على جميع المقدورات التي من جملتها الثواب والعقاب الحكيم الذي لا ms02626
~~يريد ولا يفعل إلا ما فيه حكمة. والمغفرة للكافر لم يعدم فيها وجه حكمة
~~لأن المغفرة حسنة لكل مجرم في المعقول بل متى كان المجرم أعظم جرما كان
~~العفو عنه أحسن لأنه أدخل في الكرم وإن كانت العقوبة أحسن في حكم الشرع
~~من جهات أخر، وعدم المغفرة للكافر بحكم النص والإجماع لا للامتناع الذاتي
~~فيه ليمتنع الترديد والتعليق بإن.

# وقد نقل الإمام «أن غفران الشرك عندنا جائز وعند جمهور البصريين من
~~المعتزلة قالوا: لأن العقاب حق الله تعالى على المذنب [وفي إسقاطه منفعة
~~للمذنب] وليس في إسقاطه على الله سبحانه مضرة». وأخرج ابن جرير وابن أبي
~~حاتم وأبو الشيخ عن السدي أن معنى الآية إن تعذبهم فتميتهم بنصرانيتهم
~~فيحق عليهم العذاب فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فتخرجهم من النصرانية
~~وتهديهم إلى الإسلام فإنك أنت العزيز الحكيم، وهذا قول عيسى عليه السلام
~~في الدنيا اه.

# ولا يخفى أنه مخالف لما يقتضيه السباق والسياق، وقيل: الترديد بالنسبة
~~إلى فرقتين، والمعنى إن تعذبهم أي من كفر منهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم
~~وتعف عمن آمن منهم فإنك الخ وهو بعيد جدا، وظاهر ما قالوه أنه ليس في
~~قوله سبحانه { وإن تغفر } الخ تعريض بسؤال المغفرة وإنما هو لإظهار
~~قدرته سبحانه وحكمته، ولذا قال سبحانه { العزيز الحكيم } دون
~~الغفور الرحيم مع اقتضاء الظاهر لهما، وما جاء في الأخبار مما أخرجه أحمد
~~في «المصنف» والنسائي والبيهقي في «سننه»

# " عن أبي ذر قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقرأ بآية
~~حتى أصبح يركع بها ويسجد بها { إن تعذبهم فإنهم عبادك }
~~الخ فلما أصبح قلت: يا رسول الله ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت قال:
~~إني سألت ربي سبحانه الشفاعة فأعطانيها وهي نائلة إن شاء الله تعالى من
~~لا يشرك بالله تعالى شيئا» "

# وما أخرجه مسلم وابن أبي الدنيا في «حسن الظن» والبيهقي في «الأسماء
~~والصفات» وغيرهم عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما:

# " «أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا ms02627 قول الله سبحانه في إبراهيم عليه
~~السلام { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن
~~تبعنى فإنه منى } [إبراهيم: 36] الآية، وقوله عز وجل في عيسى
~~ابن مريم: { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر
~~لهم } الخ فرفع يديه فقال: اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله جلت رحمته:
~~يا جبرائيل اذهب إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقل له: إنا سنقر عينك في
~~أمتك ولا نسوءك» "

# وما أخرجه ابن مردويه

# " عن أبي ذر قال: «قلت للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي يا
~~رسول الله قمت الليلة بآية من القرآن يعني بها هذه الآية ومعك قرآن لو
~~فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه قال: دعوت الله / سبحانه لأمتي قال: فماذا
~~أجبت؟ قال: أجبت بالذي لو اطلع كثير منهم عليه تركوا الصلاة قلت: أفلا
~~أبشر الناس؟ قال: بلى فقال عمر: يا رسول الله إنك إن تبعث إلى الناس بهذا
~~ويتكلوا ويدعوا العبادة فناداه أن ارجع فرجع» "

# لا يقوم دليلا على أن في الآية تعريضا بطلب المغفرة للكافر إذ لا يبعد
~~منه صلى الله عليه وسلم الدعاء لأمته وطلب الشفاعة لهم بهذا النظم لكن لا
~~على الوجه الذي قصده عيسى عليه السلام منه، ويحتمل أنه صلى الله عليه
~~وسلم اقتبس ذلك من القرآن مؤديا به مقصوده الذي أراده وليس ذلك أول
~~اقتباس له عليه الصلاة والسلام فقد صرح بعض العلماء أن دعاء التوجه عند
~~الشافعية من ذلك القبيل والصلاة لا تنافي الدعاء، وما أخرجه مسلم ومن معه
~~ليس فيه أكثر من أن ما ذكر آثار كأمن شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته
~~فدعا لهم بما دعا وذلك لا يتوقف على أن في الآية تعريضا لسؤال المغفرة
~~للكافر، ثم إن للعلماء في بيان سر ذكر ذينك الاسمين الجليلين في الآية
~~كلاما طويلا حيث أشكل وجه مناسبتهما لسياق ما قرنا به حتى حكي عن بعض
~~القراء أنه غيرهما لسخافة عقله فكان يقرأ فإنك أنت الغفور الرحيم إلى أن
~~حبس وضرب سبع درر، ووقع لبعض الطاعنين في ms02628 القرآن من الملاحدة أن المناسب
~~ما وقع في مصحف ابن مسعود فإنك أنت العزيز الغفور كما نقل ذلك ابن
~~الأنباري، وقد علمت أحد توجيهاتهم لذلك.

# وقيل: إن ذكرهما من باب الاحتراس لأن ترك عقاب الجاني قد يكون لعجز في
~~القدرة أو لإهمال ينافي الحكمة فدفع توهم ذلك بذكرهما. وفي «أمالي العز
~~بن عبد السلام» أن العزيز معناه هنا الذي لا نظير له، والمعنى وإن تغفر
~~لهم فإنك أنت الذي لا نظير لك في غفرانك وسعة رحمتك، وأنت أولى من رحم
~~وأجدر من غفر وستر الحكيم الذي لا يفعل شيئا إلا في مستحقه وهم مستحقون
~~ذلك لفضلك وضعفهم، وهذا ظاهر في أن في الآية تعريضا بطلب المغفرة ولا
~~أظنك تقول به. وادعى بعضهم أنهما متعلقان بالشرطين لا بالثاني فقط
~~وحينئذ وجه مناسبتهما لا سترة عليه فإن من له الفعل والترك عزيز حكيم،
~~وذكر أن هذا أنسب وأدق وأليق بالمقام.

### || [5.119]

# { قال الله } كلام مستأنف ختم به حكاية ما حكى مما يقع يوم يجمع
~~الله الرسل عليهم الصلاة والسلام وأشير إلى نتيجته ومآله. وصيغة الماضي
~~لما تحقق. والمراد بقول الله تعالى عقيب جواب عيسى عليه السلام مشيرا
~~إلى صدقه ضمن بيان حال الصادقين الذين هو في زمرتهم وبذلك يزول أيضا عنه
~~عليه السلام خوفه من صورة ذلك السؤال لا أن إزالته هي المقصودة من القول
~~على ما قيل.

# { هذا } أي اليوم الحاضر { يوم ينفع الصدقين } أي
~~المستمرين على الصدق في الأمور المطلوبة منهم التي معظمها التوحيد الذي
~~نحن بصدده والشرائع والأحكام المتعلقة به من الرسل الناطقين بالحق والصدق
~~الداعين إلى ذلك وبه تحصل الشهادة بصدق عيسى عليه السلام ومن الأمم
~~المصدقين لأولئك الكرام عليهم الصلاة والسلام المقتدين بهم عقدا وعملا
~~(وبه يتحقق المقصود بالحكاية من ترغيب السامعين في الإيمان) برسول الله
~~صلى الله عليه وسلم { صدقهم } أي فيما ذكر في الدنيا إذ هو المستتبع
~~للنفع والمجازاة يومئذ، وقيل: في الآخرة. والمراد من الصادقين الأمم ومن
~~صدقهم صدقهم في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ وهو ms02629 ينفعهم لقيامهم فيه بحق
~~الله تعالى وهو كما ترى، وقيل: المراد صدقهم المستمر في دنياهم إلى
~~آخرتهم ليتسنى كون ما ذكر شهادة بصدق عيسى عليه السلام فيما قاله جوابا
~~عن السؤال على ما يقتضيه السوق، ويكون النفع باعتبار تحققه في الدنيا /
~~والمطابقة لما يقتضيه السوق باعتبار تقرره ووقوع بعض جزئياته في الآخرة،
~~والمستمر هو الأمر الكلي الذي هو الاتصاف بالصدق، ولا يلزم من هذا محذور
~~مدخلية الصدق الأخروي في الجزاء، ولا يحتاج إلى جعل الصدق الأخروي شرطا
~~في نفع الصدق الدنيوي والمجازاة عليه، ولعل فيما تقدم غنى عن هذا كما لا
~~يخفى على الناظر، وقيل: المراد من الصادقين النبيون ومن صدقهم صدقهم في
~~الدنيا بالتبليغ ويكون مساق الآية للشهادة بصدقه عليه السلام في قوله:

# ما قلت لهم إلا ما أمرتنى به

# [المائدة: 117] وأنت تعلم أن هذا الغرض حاصل على تقدير التعميم وزيادة.

# وقيل: المراد من الصدق الصدق في الدنيا إلا أن المراد من الصادقين
~~الأمم، والكلام مسوق لرد عرض عيسى عليه السلام المغفرة عليه سبحانه
~~وتعالى كأنه قيل: هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لا غير فلا مغفرة لهؤلاء،
~~ولا يخفى أن التعميم لا ينافي كون الكلام مسوقا لما ذكر على تقدير تسليم
~~ذلك. واسم الإشارة مبتدأ و { يوم } بالرفع وهي قراءة الجمهور خبره. وقرأ
~~نافع وحده { يوم } بالنصب على أنه ظرف لقال و { هذا } مبتدأ خبره
~~محذوف أي كلام عيسى عليه السلام أو حق أو نحو ذلك أو ظرف مستقر وقع
~~خبرا؛ والمعنى هذا الذي مر من جواب عيسى عليه السلام أو السؤال والجواب
~~واقع يوم ينفع، وجوز أن يكون { هذا } مفعولا به للقول لأنه بمعنى
~~الكلام والقصص أو مفعولا مطلقا لأنه بمعنى القول، وقيل: إن { هذا }
~~مبتدأ و { يوم } خبره وهو مبني على الفتح بناء على أن الظرف يبنى عليه
~~إذا أضيف إلى جملة فعلية وإن كانت معربة وهو مذهب الكوفيين واختاره ابن
~~مالك وغيره، والبصريون لا يجيزون البناء إلا إذا صدرت الجملة المضاف
~~إليها بفعل ماض كقوله:

# على ms02630 حين عاتبت المشيب على الصبا

# وألحقوا بذلك الفعل المنفي، ويخرجون هذه القراءة على أحد الأوجه
~~السابقة.

# وقرأ الأعمش { يوم } بالرفع والتنوين على أنه خبر { هذا } والجملة
~~بعده صفته بحذف العائد، وقرأ { صدقهم } بالنصب على أن يكون فاعل {
~~ينفع } ضمير الله تعالى، و { صدقهم } كما قال أبو البقاء إما
~~مفعول له أي لصدقهم أو منصوب بنزع الخافض أي بصدقهم أو مصدر مؤكد أو
~~مفعول به على معنى يصدقون الصدق كقولك: صدقته القتال، والمراد يحققون
~~الصدق

# { لهم جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين
~~فيها أبدا } تفسير للنفع ولذا لم يعطف عليه كأنه قيل: ما لهم من
~~النفع؟ فقيل: لهم نعيم دائم وثواب خالد، وقوله سبحانه: { رضى الله
~~عنهم } بيان لكونه تعالى أفاض عليهم غير ما ذكر وهو رضوانه عز وجل
~~الذي لا غاية وراءه كما ينبىء عن ذلك قوله سبحانه: { ورضوا عنه }
~~إذ لا شيء أعز منه حتى تمد إليه أعناق الآمال { ذلك } إشارة إلى نيل
~~رضوانه جل شأنه كما اختاره بعض المحققين أو إلى جميع ما تقدم كما اختاره
~~في «البحر» وإليه يشير ما روي عن الحسن { الفوز العظيم } الذي لا
~~يحيط به نطاق الوصف ولا يوقف على مطلب يدانيه أصلا.

### || [5.120]

# { لله ملك السموات والأرض وما فيهن } تحقيق للحق
~~وتنبيه بما فيه من تقديم الظرف المفيد للحصر على كذب النصارى وفساد ما
~~زعموه في حق المسيح وأمه عليهما السلام. وقيل: استئناف مبني على سؤال نشأ
~~من الكلام السابق كأنه قيل: من يملك ذلك ليعطيهم إياه؟ فقيل: { لله
~~ملك السموات } الخ فهو المالك والقادر على الإعطاء ولا يخفى
~~بعده. وفي إيثار { ما } على من المختصة بالعقلاء على تقدير تناولها للكل
~~مراعاة  كما قيل  للأصل وإشارة إلى تساوي الفريقين في استحاله الربوبية
~~حسب تساويهما في تحقق المربوبية. وعلى تقدير اختصاصها بغير العقلاء كما
~~يشير إليه خبر ابن الزبعرى رضي الله تعالى عنه تنبيه على كمال قصورهم من
~~رتبة الألوهية، وفي تغليب غير العقلاء على العقلاء على خلاف المعروف ما
~~لا يخفى من ms02631 حط قدرهم.

# { وهو على كل شىء } من الأشياء { قدير } أي مبالغ في
~~القدرة. وفسرها الغزالي بالمعنى الذي به يوجد الشيء متقدرا بتقدير
~~الإرادة والعلم واقعا على وفقهما، وفسر الموصوف بها على الإطلاق بأنه
~~الذي يخترع كل موجود اختراعا ينفرد به ويستغني به عن معاونة غيره وليس
~~ذاك إلا الله تعالى الواحد القهار. والظرف متعلق بقدير والتقديم لمراعاة
~~الفاصلة، ولا يخفى ما في ذكر كبرياء الله تعالى وعزته وقهره وعلوه في آخر
~~هذه السورة من حسن الاختتام، وأخرج أبو عبيد عن أبي الزاهرية أن عثمان
~~رضي الله تعالى عنه كتب في آخر المائدة (ولله ملك السماوات والأرض والله
~~سميع بصير).

# ومن باب الإشارة في الآيات: { جعل الله الكعبة البيت
~~الحرام } هي عندهم حضرة الجمع المحرمة على الأغيار، وقيل: قلب
~~المؤمن، وقيل: الكعبة المخصوصة لا باعتبار أنها جدران أربعة وسقف بل
~~باعتبار أنها مظهر جلال الله تعالى. وقد ذكروا أنه سبحانه يتجلى منها
~~لعيون العارفين كما يشير إليه قوله عز شأنه على ما في التوراة جاء الله
~~تعالى من سينا فاستعلن بساعير وظهر من فاران { قياما للناس } من
~~موتهم الحقيقي لما يحصل لهم بواسطة ذلك { والشهر الحرام } وهو
~~زمن الوصول أو مراعاة القلب أو الفوز بذلك التجلي الذي يحرم فيه ظهور
~~صفات النفس أو الالتفات إلى مقتضيات القوى الطبيعية أو نحو ذلك {
~~والهدى } وهي النفس المذبوحة بفناء حضرة الجمع أو الواردات الإلهية
~~التي ترد القلب أو ما يحصل للعبد من المنن عند ذلك التجلي {
~~والقلئد } وهي النفس الشريفة المنقادة أو هي نوع مما يحصل للعبد
~~من قبل مولاه يقوده قسرا إلى ترك السوى { ذلك لتعلموا } بما
~~يحصل لكم

# أن الله يعلم ما فى السموات وما في الأرض
~~وأن الله بكل شىء عليم

# [المائدة: 97] أي يعلم حقائق الأشياء في عالمي الغيب والشهادة وعلمه
~~محيط بكل شيء { قل لا يستوى الخبيث } [المائدة: 100] من
~~النفوس والأعمال والأخلاق والأموال { والطيب } من ذلك

# ولو أعجبك كثرة الخبيث

# [المائدة: 100] بسبب ملاءمته للنفس فإن الأول موجب للقربة دون الثاني ms02632 {
~~يا أيها الذين آمنوا } الإيمان البرهاني { لا تسألوا }
~~من أرباب الإيمان العياني { عن أشياء } غيبية وحقائق لا تعلم إلا
~~بالكشف { إن تبد لكم تسؤكم } تهلككم لقصوركم عن معرفتها
~~فيكون ذلك سببا لإنكاركم والله سبحانه غيور وإنه ليغضب لأوليائه كما
~~يغضب الليث للحرب. وفي هذا  كما قيل  تحذير لأهل البداية عن كثرة
~~سؤالهم من الكاملين عن أسرار الغيب وإرشاد لهم إلى الصحبة مع التسليم {
~~وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن } الجامع للظاهر
~~والباطن المتضمن لما سئلتم عنه

# تبد لكم

# [المائدة: 101] بواسطته { ما جعل الله من بحيرة } وهي النفس
~~التي شقت أذنها لسماع المخالفات { ولا سآئبة } وهي النفس المطلقة
~~العنان السارحة في رياض الشهوات { ولا وصيلة } وهي النفس التي وصلت
~~حبال آمالها بعضا ببعض فسوفت التوبة والاستعداد للآخرة

# ولا حام

# [المائدة: 103] وهو من اشتغل حينا بالطاعة ولم يفتح له باب الوصول
~~فوسوس إليه الشيطان، / وقال: يكفيك ما فعلت وليس وراء ما أنت فيه شيء
~~فارح نفسك فحمى نفسه عن تحمل مشاق المجاهدات. ونقل النيسابوري عن الشيخ
~~نجم الدين المعروف بداية أن البحيرة إشارة إلى الحيدرية والقلندرية
~~يثقبون آذانهم ويجعلون فيها حلق الحديد ويتركون الشريعة، والسائبة إشارة
~~إلى الذين يضربون في الأرض خالعين العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة
~~ويدعون أنهم أهل الحقيقة، والوصيلة إشارة إلى أهل الإباحة الذين يتصلون
~~بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية
~~والعناد، والحام إشارة إلى المغرور بالله عز وجل يظن أنه بلغ مقام
~~الحقيقة فلا يضره مخالفة الشريعة، { وإذا قيل لهم تعالوا
~~إلى ما أنزل الله } من الأحكام { وإلى الرسول }
~~لمتابعته { قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنا } من
~~الأفعال التي عاشوا بها وماتوا عليها { أولو كان آباؤهم لا
~~يعلمون شيئا } من الشريعة والطريقة

# ولا يهتدون

# [المائدة: 104] إلى الحقيقة.

# { يا أيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم } فاشتغلوا
~~بتزكيتها { لا يضركم من ضل } عما أنتم فيه فأنكر عليكم

# إذا اهتديتم

# [المائدة: 105] وزكيتم أنفسكم، وإنما ضرر ذلك على نفسه. وقوله تعالى:

# يا أيها الذين ءامنوا شهدة بينكم

# [المائدة: 106] الآيتين ms02633 لم يظهر للعبد فيه شيء يصلح للتحرير، وقد ذكر
~~النيسابوري في تطبيقه على ما في الأنفس ما رأيت الترك له أنفس { يوم
~~يجمع الله الرسل } وهو يوم القيامة الكبرى { فيقول } لهم
~~{ ماذا أجبتم } حين دعوتم الخلق { قالوا لا علم لنا } بذلك

# إنك أنت علم الغيوب

# [المائدة: 109] فتعلم جواب ما سئلنا، وهذا على ما قيل عند تراكم سطوات
~~الجلال وظهور رداء الكبرياء وإزار العظمة ولهذا بهتوا وتاهوا وتحيروا
~~وتلاشوا ولله سبحانه تجليات على أهل قربه وذوي حبه فيفنيهم تارة بالجلال
~~ويبقيهم ساعة بالجمال ويخاطبهم مرة باللطف ويعاملهم أخرى بالقهر وكل ما
~~فعل المحبوب محبوب. وقال بعض أهل التأويل: يجمع الله تعالى الرسل في عين
~~الجمع المطلق أو عين جمع الذات فيسألهم هل اطلعتم على مراتب الخلق في
~~كمالاتهم حين دعوتموهم إلي؟ فينفوا العلم عن أنفسهم ويثبتوه لله تعالى
~~لاقتضاء مقام الفناء ذلك { إذ قال الله يعيسى ابن مريم
~~اذكر } للأحباب والمريدين { نعمتى عليك وعلى ولدتك }
~~لتزداد رغبتهم في واشكر ذلك لأزيدك مما عندي فخزائني مملوءة بما لا عين
~~رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر { إذ أيدتك بروح
~~القدس } وهو الروح الذي أشرق من صبح الأزل وهي روحه الطاهرة، وقيل:
~~المراد أيدتك بجبرائيل حيث عرفك رسوم العبودية { تكلم الناس فى
~~المهد } أي مهد البدن أو المهد المعلوم والمعنى نطقت لهم صغيرا
~~بتنزيه الله تعالى وإقرارك له بالعبودية { وكهلا } أي في حال كبرك،
~~والمراد أنك لم يختلف حالك صغرا وكبرا بل استمر تنزيهك لربك ولم ترجع
~~القهقرى { وإذ علمتك الكتب } وهو كتاب الحقائق والمعارف {
~~والحكمة } وهي حكمة السلوك في الله عز وجل بتحصيل الأخلاق
~~والأحوال والمقامات والتجريد والتفريد { والتوراة } أي العلوم
~~الظاهرة والأحكام المتعلقة بالأفعال وأحوال النفس وصفاتها { والإنجيل
~~} العلوم الباطنة ومنها علم تجليات الصفات والأحكام المتعلقة بأحوال
~~القلب وصفاته { وإذ تخلق } بالتربية أو بالتصوير { من الطين }
~~وهو الاستعداد المحض أو الطين المعلوم { كهيئة الطير } أي كصورة
~~طير القلب الطائر إلى حضرة القدس أو الطير المشهور { فتنفخ فيها }
~~من الروح ms02634 الظاهرة فيك { فيكون طيرا } نفسا مجردة طائرة بجناح
~~الصفاء والعشق أو طيرا حقيقة { بإذنى } حيث صرت مظهرا لي {
~~وتبرىء الأكمه } أي المحجوب / عن نور الحق { والأبرص } أي
~~الذي أفسد قلبه حب الدنيا وغلبة الهوى { بإذنى وإذ تخرج
~~الموتى } بداء الجهل من قبور الطبيعة { بإذنى وإذ كففت
~~بنى إسرءيل } وهي القوى النفسانية أو المحجوبين عن نور تجليات
~~الصفات { عنك } فلم ينقصك كيدهم شيئا

# إذ جئتهم بالبينت

# [المائدة: 110] وهي الحجج الواضحة أو القوى الروحانية الغالبة { وإذ
~~أوحيت } بطريق الإلهام { إلى الحواريين } وهم الذين طهروا
~~نفوسهم بماء العلم النافع ونقوا ثياب قلوبهم عن لوث الطبائع { أن
~~آمنوا بي } إيمانا حقيقيا بتوحيد الصفات

# وبرسولى

# [المائدة: 111] برعاية حقوق تجلياتها على التفصيل. وذكر بعض السادة أن
~~الوحي يكون خاصا ويكون عاما فالخاص ما كان بغير واسطة والعام ما كان
~~بالواسطة من نحو الملك والروح والقلب والعقل والسر وحركة الفطرة
~~وللأولياء نصيب من هذا النوع.

# ولوحي الخاص مراتب وحي الفعل ووحي الذات. فوحي الذات يكون في مقام
~~التوحيد عند رؤية العظمة والكبرياء، ووحي الفعل يكون في مقام العشق
~~والمحبة وهناك منازل الأنس والانبساط { إذ قال الحواريون
~~يعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك } أي المربي لك
~~والمفيض عليك ما كملك { أن ينزل علينا مآئدة } أي شريعة
~~مشتملة على أنواع العلوم والحكم والمعارف والأحكام { من السماء } أي
~~من جهة سماء الأرواح { قال اتقوا الله } أي اجعلوه سبحانه وقاية
~~لكم فيما يصدر عنكم من الأفعال والأخلاق

# إن كنتم مؤمنين

# [المائدة: 112] ولا تسألوا شريعة مجددة { قالوا نريد أن
~~نأكل منها } بأن نعمل بها { وتطمئن قلوبنا } فإن
~~العلم غذاء { ونعلم أن قد صدقتنا } في الإخبار عن ربك وعن
~~نفسك

# ونكون عليها من الشهدين

# [المائدة: 113] فنعلم بها الغائبين وندعوهم إليها { قال الله إنى
~~منزلها عليكم فمن يكفر } بها منكم ويحتجب عن ذلك الدين
~~{ بعد } أي بعد الإنزال

# فإنى أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من
~~العلمين

# [المائدة: 115] وذلك بالحجاب عني لوجود الاستعداد ووضوح الطريق وسطوع
~~الحجة والعذاب مع العلم أشد من العذاب مع الجهل. ms02635 قوله تعالى:

# وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس

# [المائدة: 116] الخ كلام الشيخ الأكبر قدس سره وكلام الشيخ عبد الكريم
~~الجيلي فيه شهير منتشر على ألسنة المخلصين والمنكرين فيما بيننا. والله
~~تعالى أعلم بمراده نسأل الله تعالى أن ينزل علينا موائد كرمه ولا يقطع
~~عنا عوائد نعمه ويلطف بنا في كل مبدأ وختام بحرمة نبينا عليه أفضل الصلاة
~~وأكمل السلام.

### | [6 - سورة الأنعام]

### || [6.1]

# بسم الله الرحمن الرحيم { الحمد لله الذى خلق
~~السموات والأرض } جملة خبرية أو إنشائية. وعين بعضهم الأول
~~لما في حملها على الإنشاء من إخراج الكلام عن معناه الوضعي من غير ضرورة
~~بل لما يلزم على كونها إنشائية من انتفاء الاتصاف بالجميل قبل حمد الحامد
~~ضرورة أن الإنشاء يقارن معناه لفظه في الوجود. وآخرون الثاني لأنه لو
~~كانت جملة الحمد إخبارا يلزم أن لا يقال لقائل الحمد لله حامد إذ لا
~~يصاغ للمخبر عن غيره لغة من متعلق إخباره اسم قطعا فلا يقال لقائل زيد
~~له القيام قائم واللازم باطل فيبطل الملزوم. ولا يلزم هذا على تقدير
~~كونها إنشائية فإن الإنشاء يشتق منه اسم فاعل صفة للمتكلم به فيقال لمن
~~قال: بعت بائع.

# واعترض بأنه لا يلزم من كل إنشاء في ذلك وإلا لقيل لقائل: ضرب ضارب
~~والله تعالى شأنه القائل

# والولدت يرضعن أولدهن

# [البقرة: 233] مرضع بل إنما يكون ذلك إذا كان إنشاء لحال من أحوال
~~المتكلم كما في صيغ العقود ولا فرق حينئذ بينه وبين الخبر فيما ذكر،
~~والذي عليه المحققون جواز الاعتبارين في هذه الجملة. وأجابوا عما يلزم
~~كلا من المحذور. نعم رجح هنا اعتبار الخبرية لما أن السورة نزلت لبيان
~~التوحيد وردع الكفرة والإعلام بمضمونها على وجه الخبرية يناسب المقام
~~وجعلها لإنشاء الثناء لا يناسبه، وقيل: إن اعتبار خبريتها هنا / ليصح عطف
~~ما بعد (ثم) الآتي عليها. ومن اعتبر الإنشائية ولم يجوز عطف الإنشاء على
~~الإخبار جعل العطف على صلة الموصول أو على الجملة الإنشائية بجعل المعطوف
~~لإنشاء الاستبعاد والتعجب. ولا يخفى ms02636 ما في ذلك من التكلف والخروج عن
~~الظاهر وفي تعليق الحمد أولا: باسم الذات ووصفه تعالى ثانيا: بما وصف
~~به سبحانه تنبيه على تحقق الاستحقاقين تحقق استحقاقه عز وجل الحمد
~~باعتبار ذاته جل شأنه وتحقق استحقاقه سبحانه وتعالى باعتبار الإنعام
~~المؤذن به ما في حيز الموصول الواقع صفة. ومعنى استحقاقه سبحانه وتعالى
~~الذاتي عند بعض استحقاقه جل وعلا الحمد بجميع أوصافه وأفعاله وهو معنى
~~قولهم: إنه تعالى يستحق العبادة لذاته وأنكر هذا صحة توجه التعظيم
~~والعبادة إلى الذات من حيث هي.

# وقد صرح الإمام في «شرح الإشارة» عند ذكر مقامات العارفين أن الناس في
~~العبادة ثلاث طبقات. فالأولى: في الكمال والشرف الذين يعبدونه سبحانه
~~وتعالى لذاته لا لشيء آخر. والثانية: وهي التي تلي الأولى في الكمال
~~الذين يعبدونه لصفة من صفاته وهي كونه تعالى مستحقا للعبادة. والثالثة:
~~وهي آخر درجات المحققين الذين يعبدونه لتكمل نفوسهم في الانتساب إليه.
~~ولا يشكل تصور تعظيم الذات من حيث هي لأنه  كما قال الشهاب  لو وقع ذلك
~~ابتداء قبل التعقل بوجوه الكمال كان مشكلا أما بعد معرفة المحمود جل
~~جلاله بسمات الجمال وتصوره بأقصى صفات الكمال فلا بدع أن يتوجه إلى
~~تمجيده تعالى وتحميده عز شأنه مرة أخرى بقطع النظر عما سوى الذات بعد
~~الصعود بدرجات المشاهدات.

# ولذا قال أهل الظاهر:

# صفاته لم تزد معرفة

# لكنها لذة ذكرناها

# فما بالك بالعارفين الغارقين في بحار العرفان وهم القوم كل القوم. والذي
~~حققه السيالكوتي وجرينا عليه في الفاتحة أن الاستحقاق الذاتي ما لا يلاحظ
~~معه خصوصية صفة حتى الجميع لا ما يكون الذات البحت مستحقا له فإن
~~استحقاق الحمد ليس إلا على الجميل. وسمي ذاتيا لملاحظة الذات فيه من غير
~~اعتبار خصوصية صفة أو لدلالة اسم الذات عليه أو لأنه لما لم يكن مسندا
~~إلى صفة من الصفات المخصوصة كان مسندا إلى الذات. وذكر بعض محققي
~~المتأخرين كلاما في هذا المقام رد به فيما عنده على كثير من العلماء
~~الأعلام.

# وحاصله أن اللام الجارة في «لله» ms02637 لمطلق الاختصاص دون الاختصاص القصري
~~على التعيين بدليل أنهم قالوا في مثل

# له الحمد

# [سبأ: 1] إن التقديم للاختصاص القصري فلو أن اللام الجارة تفيده أيضا
~~لما بقي فرق بين الحمد لله و { له الحمد } غير كون الثاني أوكد من الأول
~~في إفادة القصر والمصرح به التفرقة بإفادة أحدهما القصر دون الآخر وأن
~~الاختصاصات على أنحاء وتعيين بعضها موكول إلى العلة التي يترتب عليها
~~الحكم وتجعل محمودا عليه غالبا وغيرها من القرائن فإذا رأيت الحكم على
~~أوصافه تعالى المختصة به سبحانه وتعالى وجب كون الحمد مقصورا عليه تعالى
~~فيحمل الحكم المعلل على القصر ليطابق المعلول علته ومع ذلك إذا كانت
~~الأوصاف المختصة به عز وجل مما يدل على كونه عز شأنه منعما على عباده
~~وجب كون الحمد حقا لله تعالى واجبا على عباده سبحانه فيحمل الحكم
~~المعلل على الاستيجاب للتطابق أيضا وإذا لم يعلل الحكم بشيء أو قطع
~~النظر عن العلة التي رتب عليها الحكم فإنما يثبت في الحكم أدنى مراتب
~~الاختصاص الذي هو كونه تعالى حقيقا بالحمد مجردا عن القصر والاستيجاب.
~~ويعضد ما أشير إليه اختلاف عبارات العلامة البيضاوي في بيان مدلولات جمل
~~الحمد وأن المراد من الاستيجاب الذي جعله بعض النحاة من معاني اللام ما
~~هو بمنزلة مطلق الاختصاص / الذي قرره لا المعنى الذي رمز إليه فعلى هذا
~~يكون مفهوم جملة { الحمد لله } فيما نحن فيه أنه تعالى حقيق
~~بالحمد ولا دلالة فيها من حيث هي هي مع قطع النظر عن المحمود عليه الذي
~~هو علة الحكم على قصر الحقيقية بالحمد عليه سبحانه وتعالى ولا على بلوغها
~~حد الاستيجاب، نعم في ترتب الحكم على ما في حيز الصفة تنبيه على كون
~~الحمد حقا لله تعالى واجبا على عباده مختصا به عز شأنه مقصورا عليه
~~سبحانه حيث إن ترتب الحكم كما قالوا على الوصف يشعر بمنطوقه بعلية الوصف
~~للحكم وبمفهومه بانتفاء الحكم عمن ينتفي عنه الوصف.

# ثم قال: وبالجملة إن جملة { الحمد الله } مدعى ومدلول.

# وقوله سبحانه وتعالى: { الذى خلق ms02638 } الخ دليل وعلة وليس هناك إلا
~~حمد واحد معلل بما في حيز الوصف لا حمد معلل بالذات المستجمع لجميع
~~الصفات أو بالذات البحت أولا على ما قيل وبالوصف ثانيا حتى يكون بمثابة
~~حمدين باعتبار العلتين لأن لفظ الجلالة علم شخصي ولا دلالة له على
~~الأوصاف بإحدى الدلالات الثلاث فكيف يكون محمودا عليه وعلة لاستحقاق
~~الحمد، ولذلك لا يكاد يقع الحكم باستحقاق الحمد إلا معللا بالأمور
~~الواضحة الدالة على صفاته سبحانه وتعالى الجليلة وأفعاله الجميلة ولا
~~يكتفي باسم الذات اللهم إلا في تسبيحات المؤمنين وتحميداتهم لا في محاجة
~~المنكرين التي نحن بصدد بيانها، وأيضا اقتضاء الذات البحت من حيث هو
~~الذات ماذا يفيد في الاحتجاج على القوم الذين عامتهم لا يبصرون ولا
~~يسمعون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل. وأما ما يقال: إنما قيل {
~~الحمد لله } بذكر اسم الذات المستجمع لجميع الصفات ولم يقل للعالم
~~أو للقادر إلى غير ذلك من الأسماء الدالة على الجلال أو الإكرام لئلا
~~يتوهم اختصاص الحمد بوصف دون وصف فكلام مبني على ما ظهر لك فساده من كون
~~الذات محمودا عليه.

# وقد يقال: إن ذكر اسم الذات ليس إلا لأن المشركين المحجوبين الجهال لا
~~يعرفونه تعالى ولا يذكرونه فيما بينهم ولا عند المحاجة إلا باسمه سبحانه
~~العليم لا بالصفات كما يدل على ذلك أنه تحكى أجوبتهم بذكر ذلك الاسم
~~الشريف في عامة السؤالات إلا ما قل حيث كان جوابهم فيه بغير اسم الذات
~~كقوله تعالى:

# ليقولن خلقهن العزيز العليم

# [الزخرف: 9] على أن البعض جعل هذا لازم مقولهم. وما يدل عليه إجمالا
~~أقيم مقامه فكأنهم قالوا: (الله) كما حكى عنهم في مواضع وحينئذ فكأنه
~~قيل: الإله الذي يعرفونه ويذكرونه بهذا الاسم هو المستحق للحمد لكونه
~~خالق السموات والأرض ولكونه كذا وكذا. وإذا عرفت أن الذات لا يلائم أن
~~يكون محمودا عليه وإنما الحقيق لأن يكون محمودا عليه هو الصفات وأن ما
~~يترتب عليه الحمد في كل موضع بعض الصفات بحسب اقتضاء المقام لا جميع
~~الصفات عرفت ms02639 أن من ادعى أن ترتيب الحمد على بعض الصفات دون بعض يوهم
~~اختصاص استحقاق الحمد بوصف دون وصف يلزم عليه أن يقع في الورطة التي فر
~~منها كما لا يخفى.

# فالحق أن المحمود عليه هو الوصف الذي رتب عليه استحقاق الحمد وأن تخصيص
~~بعض الأوصاف لأن يترتب عليه استحقاق الحمد في بعض المواقع إنما هو
~~باقتضاء ذلك المقام إياه فإن قلت: فما الرأي في الحمد باعتبار الذات
~~البحت أو باعتبار استجماعه جميع الصفات  على ما قيل : هل له وجه أم لا؟
~~قلت: أما كون الذات الصرف محمودا عليه، وكذا كون الذات محمودا عليه
~~باستجماعه جميع الصفات في أمثال هذه المواضع التي نحن فيها فلا وجه له.

# / وأما ما ذكروه في شرح خطب بعض الكتب من أن الحمد باعتبار الذات
~~المستجمع لجميع الصفات فلعل منشأه هو أن الحمد لما اقتضى وصفا جميلا
~~صالحا لأن يترتب عليه الحكم باستحقاق الحمد ويكون محمودا عليه فحيث لم
~~يذكر معه وصف كذلك ولم يدل عليه قرينة بل اكتفى بذكر الذات المتصف بجميع
~~الصفات الجميلة ثبت اعتبار الوصف الجميل هناك اقتضاء، ثم من أجل أن تعيين
~~البعض بالاعتبار دون البعض الآخر لا يخلو عن لزوم الترجيح بلا مرجح يلزم
~~اعتبار الصفات الجميلة برمتها فيكون الحمد باعتبار جميعها وحيث ذكر معه
~~وصف جميل صالح لأن يكون محمودا عليه ودل عليه بعينه قرينة استغنى عن ذلك
~~الاعتبار لأن المصير إليه كان عن ضرورة ولا ضرورة حينئذ كما لا يخفى، ومن
~~لم يهتد إلى الفرق بين ما وقع في القرآن المجيد لمقاصد وما وقع في خطب
~~الكتب لمجرد التيمن ولا إلى الفرق بين ما ذكر فيه المحمود عليه صريحا أو
~~دلت عليه بعينه قرينة وبين ما لم يكن كذلك ركب متن عمياء وخبط خبط عشواء
~~فخلط مقتضيات بعض المقامات ببعض ولم يدر أن كلام الله تعالى على أي شرف
~~وكلام غيره في أي واد.

# وقصارى الكلام أن ترتب الحكم الذي تضمنته جملة { الحمد لله } هنا
~~على الوصف المختص به ms02640 سبحانه من خلق السماوات والأرض وما عطف عليه يفيد
~~الاختصاص القصري على الوجه الذي تقدم، ويشير إلى ذلك كلام العلامة
~~البيضاوي في تفسيره الآية لمن أمعن النظر إلا أن ما ذكره عليه الرحمة في
~~أول سبأ من الفرق بين

# الحمد لله الذى له ما فى السموات وما في
~~الأرض

# [سبأ: 1] وبين

# وله الحمد فى الآخرة

# [سبأ: 1] مما محصله أن جملة { له الحمد } جيء بها بتقديم الصلة
~~ليفيد القصر لكون الإنعام بنعم الآخرة مختصا به تعالى بخلاف جملة {
~~الحمد لله الذى له } الخ فإنها لم يجىء بها بتقديم الصلة حتى
~~لا يفيد القصد لعدم كون الإنعام مختصا به تعالى مطلقا بحيث لا مدخل فيه
~~للغير إذ يكون بتوسط الغير فيستحق ذلك لغير الحمد بنوع استحقاق بسبب
~~وساطته آب عنه، إذ حاصل ما ذكره في تلك السورة هو أنه لا قصر في جملة {
~~الحمد لله الذى له } الخ بخلاف جملة { له الحمد } ،
~~وحاصل ما أشار إليه في هذه وكذا في الفاتحة هو أن جملة { الحمد
~~لله } إذا رتب على الأوصاف المختصة كالخلق والجعل المذكورين مفيد
~~للقصر أيضا غاية ما في البال أن طريق إفادة القصر في البابين متغاير،
~~ففي إحداهن تقديم الصلة وفي الآخرى مفهوم العلة فتدبر ذاك والله تعالى
~~يتولى هداك.

# وجمع سبحانه السماوات وأفرد الأرض مع أنها على ما تقتضيه النصوص
~~المتعددة متعددة أيضا والمؤاخاة بين الألفاظ من محسنات الكلام فإذا جمع
~~أحد المتقابلين أو نحوهما ينبغي أن يجمع الآخر عندهم. ولذا عيب على أبي
~~نواس قوله:

# ومالك فاعلمن فينا مقالا

# إذا استكملت آجالا ورزقا

# حيث جمع وأفرد إذ جمع لنكتة سوغت العدول عن ذلك الأصل، وهي الإشارة إلى
~~تفاوتهما في الشرف فجمع الأشرف اعتناء بسائر أفراده وأفرد غير الأشرف.
~~وأشرفية السماء لأنها محل الملائكة المقدسين على تفاوت مراتبهم وقبلة
~~الدعاء ومعراج الأرواح الطاهرة ولعظمها وإحاطتها بالأرض على القول
~~بكريتها الذاهب إليه بعض منا وعظم آيات الله فيها ولأنها لم يعص الله
~~تعالى فيها أصلا وفيها الجنة التي هي مقر ms02641 الأحباب ولغير ذلك. والأرض وإن
~~كانت دار تكليف ومحل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فليس ذلك إلا للتلبيغ
~~وكسب ما يجعلهم متأهلين للإقامة في حضيرة القدس لأنها ليس بدار قرار،
~~وخلق أبدان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منها ودفنهم فيها مع كون
~~أرواحهم التي هي منشأ الشرف ليست منها ولا تدفن فيها لا يدل / على أكثر
~~من شرفها، وأما أنه يدل على أشرفيتها فلا يكاد يسلم لأحد، وكذا كون الله
~~تعالى وصف بقاعا منها بالبركة لا يدل على أكثر مما ذكرنا، ولهذا الشرف
~~أيضا قدمت على الأرض في الذكر، وقيل: إن جمع السماوات وإفراد الأرض لأن
~~السماء جارية مجرى الفاعل والأرض جارية مجرى القابل فلو كانت السماء
~~واحدة لتشابه الأثر وهو يخل بمصالح هذا العالم، وأما الأرض فهي قابلة
~~والقابل الواحد كاف في القبول. وحاصله أن اختلاف الآثار دل على تعدد
~~السماء دلالة عقلية والأرض وإن كانت متعددة لكن لا دليل عليه من جهة
~~العقل فلذلك جمعها دون الأرض.

# واعترض بأنه على ما فيه ربما يقتضي العكس، وقال بعضهم: إنه لا تعدد
~~حقيقيا في الأرض، ولهذا لم تجمع، وأما التعدد الوارد في بعض الأخبار نحو
~~قوله صلى الله عليه وسلم:

# " من غصب قيد شبر من أرض طوقه إلى سبع أرضين "

# فمحمول على التعدد باعتبار الأقاليم السبعة، وكذا يحمل ما أخرجه أبو
~~الشيخ والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " هل تدرون ما هذه هذه أرض هل تدرون ما تحتها؟ قالوا: الله تعالى ورسوله
~~أعلم قال: أرض أخرى وبينهما مسيرة خمسمائة عام حتى عد سبع أرضين بين كل
~~أرضين خمسمائة عام "

# والتحتية لا تأبى ذلك فإن الأرض كالسماء كروية، وقد يقال للشيء إذا كان
~~بعد آخر هو تحته، والمراد من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " بينهما خمسمائة عام "

# أن القوس من إحدى السماوات المسامت لأول إقليم وأول الآخر خمسمائة عام
~~ولا شك أن ذلك قد يزيد على هذا المقدار وكثيرا ما يقصد من العدد التكثير
~~لا ms02642 الكم المعين.

# وقوله تعالى:

# الله الذى خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن

# [الطلاق: 12] محمول على المماثلة في السبعة الموجودة في الأقاليم لا على
~~التعدد الحقيقي، ولا يخفى أن هذا من التكلف الذي لم يدع إليه سوى اتهام
~~قدرة الله تعالى وعجزه سبحانه عن أن يخلق سبع أرضين طبق ما نطق به ظاهر
~~النص الوارد عن حضرة أفصح من نطق بالضاد وأزال بزلال كلامه الكريم أوام
~~كل صاد، وحمل المماثلة في الآية أيضا على المماثلة التي زعمها صاحب
~~القيل خلاف الظاهر. ولعل النوبة تفضي إن شاء الله تعالى إلى تتمة الكلام
~~في هذا المقام. وذكر بعض المحققين في وجه تقديم السموات على الأرض تقدم
~~خلقها على خلق الأرض ولا يخفى أنه قول لبعضهم. وعن الشيخ الأكبر قدس سره
~~أن خلق المحدد سابق على خلق الأرض وخلق باقي الأفلاك بعد خلق الأرض، وقد
~~تقدم بعض الكلام في هذا المقام. وتخصيص خلقهما بالذكر لاشتمالهما على
~~جملة الآثار العلوية والسفلية وعامة الآلاء الجلية والخفية التي أجلها
~~نعمة الوجود الكافية في إيجاب حمده تعالى على كل موجود فكيف بما يتفرع
~~عليها من صنوف النعم الآفاقية والأنفسية المنوط بها مصالح العباد في
~~المعاش والمعاد. والمراد بالخلق الإنشاء والإيجاد أي أوجد السموات
~~والأرض وأنشأهما على ما هما عليه مما فيه آيات للمتفكرين.

# { وجعل الظلمت والنور } عطف على { خلق السموات
~~} داخل معه في حكم الإشعار بعلة الحمد وإن كان مترتبا عليه لأن جعلهما
~~مسبوق بخلق منشئهما ومحلهما كما قيل «والجعل  كما قال شيخ الإسلام 
~~الإنشاء والإبداع كالخلق خلا إن ذلك مختص بالإنشاء التكويني، وفيه معنى
~~التقدير والتسوية وهذا عام له كما في الآية وللتشريعي أيضا كما في قوله
~~سبحانه:

# ما جعل الله من بحيرة

# [المائدة: 103] وأيا ما كان ففيه إنباء عن ملابسة مفعوله بشيء آخر بأن
~~يكون / فيه أو له أو منه أو نحو ذلك ملابسة مصححة لأن يتوسط بينهما شيء
~~من الظروف لغوا كان أو مستقرا لكن لا على أن يكون عمدة في الكلام بل
~~قيدا فيه» ms02643 وقيل: «الفرق بين الجعل والخلق أن الخلق فيه معنى التقدير
~~والجعل فيه معنى التضمين» أي كونه محصلا من آخر كأنه في ضمنه ولذلك عبر
~~عن إحداث النور والظلمة بالجعل تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما
~~زعمت الثنوية.

# واعترض بأن الثنوية يزعمون أن النور والظلمة جسمان قديمان سميعان بصيران
~~أولهما خالق الخير والثاني خالق الشر فهما حينئذ ليسا بالمعنى الحقيقي
~~المتعارف فمدعاهم الفاسد يبطل بمجرد هذا، وأيضا أن الرد يحصل لكونهما
~~محدثين بقطع النظر عما اعتبر في مفهوم الجعل ولو أتى بالخلق بدله حصل
~~المقصود منه، وأيضا أن الجعل المتعدي لواحد كما فيما نحن فيه لا يقتضي
~~كونه غير قائم بنفسه ألا ترى إلى قوله سبحانه:

# وجعل لكم من جلود الأنعم بيوتا

# [النحل: 80]

# وجعل بينهما برزخا

# [الفرقان: 53] إلى غير ذلك. وأجيب بما لا يخلو عن نظر.

# وجمع الظلمات وأفرد النور ليحسن التقابل مع قوله سبحانه: { خلق
~~السموات والأرض } أو لما قدمناه في البقرة. وقيل: لأن المراد
~~بالظلمة الضلال وهو متعدد وبالنور الهدى وهو واحد، ويدل على التعدد
~~والوحدة قوله تعالى:

# وأن هذا صرطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا
~~السبل فتفرق بكم عن سبيله

# [الأنعام: 153] واختار غير واحد حمل الظلمة والنور هنا على الأمرين
~~المحسوسين وإن جاء في الكتاب الكريم بمعنى الهدى والضلال وكان له هنا وجه
~~أيضا لأن الأصل حمل اللفظ على حقيقته وقد أمكن مع وجود ما يلائمه
~~ويقتضيه اقتضاء ظاهرا حيث قرنا بالسموات والأرض. وعن قتادة أن المراد
~~بهما الجنة والنار ولا يخفى بعده.

# وللعلماء في النور والظلمة كلام طويل وبحث عريض حتى أنهم ألفوا في ذلك
~~الرسائل ولم يتركوا بعد مقالا لقائل. وذكر الإمام أن النور كيفية هي
~~كمال بذاتها للشفاف من حيث هو شفاف أو الكيفية التي لا يتوقف الإبصار بها
~~على الإبصار بشيء آخر، وأن من الناس من زعم أنه أجسام صغار تنفصل عن
~~المضىء وتتصل بالمستضىء وهو باطل، أما أولا: فلأن كونها أنوارا إما أن
~~يكون هو عين كونها أجساما وإما أن يكون مغايرا لها ms02644 والأول باطل لأن
~~المفهوم من النورية مغاير للمفهوم من الجسمية ولذلك يعقل جسم مظلم ولا
~~يعقل نور مظلم، وأما إن قيل: إنها أجسام حاملة لتلك الكيفية تنفصل عن
~~المضىء وتتصل بالمستضىء فهو أيضا باطل لأن تلك الأجسام الموصوفة بتلك
~~الكيفيات إما أن تكون محسوسة أو لا فإن كان الأول لم يكن الضوء محسوسا
~~وإن كان الثاني كانت ساترة لما تحتها ويجب أنها كلما ازدادت اجتماعا
~~ازدادت سترا لكن الأمر بالعكس، وأما ثانيا: فلأن الشعاع لو كان جسما
~~لكانت حركته بالطبع إلى جهة واحدة لكن النور مما يقع على كل جسم في كل
~~جهة، وأما ثالثا: فلأن النور إذا دخل من كوة ثم سددناها دفعة فتلك
~~الأجزاء النورانية إما أن تبقى أو لا فإن بقيت فإما أن تبقى في البيت
~~وإما أن تخرج فإن قيل: إنها خرجت عن الكوة قبل السد فهو محال وإن قيل:
~~إنها عدمت فهو أيضا باطل فكيف يمكن أن يحكم أن جسما لما تخلل بين جسمين
~~عدم أحدهما فإذن هي باقية في البيت ولا شك في زوال نوريتها عنها.

# وهذا هو الذي نقول من أن مقابلة المستضىء سبب لحدوث تلك الكيفية وإذا
~~ثبت ذلك في بعض الأجسام ثبت في الكل. وأما رابعا: فلأن الشمس إذا طلعت
~~من الأفق يستبين وجه الأرض كله دفعة ومن البعيد أن تنتقل تلك الأجزاء من
~~الفلك الرابع إلى وجه الأرض في تلك اللحظة اللطيفة سيما والخرق على الفلك
~~محال عندهم. واحتج المخالف بأن / الشعاع متحرك وكل متحرك جسم فالشعاع جسم
~~(بيان الصغرى بثلاثة أوجه)، الأول: أن الشعاع منحدر من ذيه والمنحدر
~~متحرك بالبديهة. والثاني: أنه يتحرك وينتقل بحركة المضىء. والثالث: أنه
~~قد ينعكس عما يلقاه إلى غيره والانعكاس حركة والجواب: أن قولهم: الشعاع
~~منحدر فهو باطل وإلا لرأيناه في وسط المسافة بل الشعاع يحدث في المقابل
~~القابل دفعة ولما كان حدوثه من شيء عال توهم أنه ينزل. وأما حديث
~~الانتقال فيرد عليه أن الظل ينتقل مع أنه ليس بجسم فالحق أنه كيفية ms02645 حادثة
~~في المقابل، وعند زوال المحاذاة عنه إلى قابل آخر يبطل النور عنه ويحدث
~~في ذلك الآخر، وكذلك القول في الانعكاس فإن المتوسط شرط لأن يحدث الشعاع
~~من المضىء في ذلك الجسم.

# ثم القائلون بأنه كيفية اختلفوا فمنهم من زعم أنه عبارة عن ظهور اللون
~~فقط وزعموا أن الظهور المطلق هو الضوء، والخفاء المطلق هو الظلمة،
~~والمتوسط بين الأمرين هو الظل وتختلف مراتبه بحسب مراتب القرب والبعد عن
~~الطرفين وأطالوا الكلام في تقرير ذلك بما لا يجدي نفعا ولا يأبى أن
~~يكون الضوء كيفية وجودية زائدة على ذات اللون كما يدل عليه أمور. الأول:
~~أن ظهور اللون إشارة إلى تجدد أمر فهو إما أن يكون اللون أو صفة غير
~~نسبية أو صفة نسبية، والأول: باطل لأنه لا يخلو إما أن يجعل النور عبارة
~~عن تجدد اللون أو عن اللون المتجدد والأول يقتضي أن لا يكون الشيء
~~مستنيرا إلا آن تجدده. والثاني: يوجب أن يكون الضوء نفس اللون فلا يبقى
~~لقولهم الضوء ظهور اللون معنى، وإن جعلوا الضوء كيفية ثبوتية زائدة على
~~ذات اللون وسموه بالظهور عاد النزاع لفظيا. وإن زعموا أن ذلك الظهور
~~تجدد حالة نسبية فذاك باطل لأن الضوء أمر غير نسبي فلا يمكن أن يفسر
~~بالحالة النسبية. الثاني: أن البياض قد يكون مضيئا ومشرقا وكذلك السواد
~~فإن الضوء ثابت لهما جميعا فلو كان كون كل منهما مضيئا نفس ذاته لزم أن
~~يكون الضوء بعضه مضادا للبعض وهو محال إذ الضوء لا يقابله إلا الظلمة.
~~الثالث: أن اللون يوجد من غير الضوء فإن السواد مثلا قد لا يكون مضيئا
~~وكذلك الضوء قد يوجد بدون اللون مثل الماء والبلور إذا كانا في ظلمة ووقع
~~الضوء عليه وحده فإنه حينئذ يرى ضوؤه فذلك ضوء وليس بلون فإذا وجد كل
~~منهما دون الآخر فلا بد من التغاير.

# الرابع: أن المضىء للون تارة ينعكس منه الضوء وحده إلى غيره وتارة ينعكس
~~منه الضوء واللون وذلك إذا كان قويا فيهما جميعا فلو كان الضوء ms02646 ظهور
~~اللون لاستحال أن يفيد غيره بريقا ساذجا، وكون هذا البريق عبارة عن
~~إظهار لون ذلك القابل يرد عليه أنه لماذا إذا اشتد لون الجسم المنعكس منه
~~وضوؤه أخفى لون المنعكس إليه وأبطله وأعطاه لون نفسه إلى غير ذلك من
~~الأدلة، وفرق الإمام بين النور والضوء والشعاع والبريق بأن الأجسام إذا
~~صارت ظاهرة بالفعل مستنيرة فإن ذلك الظهور كيفية ثابتة فيها منبسطة عليها
~~من غير أن يقال: إنها سواد أو بياض أو حمرة أو صفرة، والآخر اللمعان وهو
~~الذي يترقرق على الأجسام ويستر لونها وكأنه شيء يفيض منها وكل واحد من
~~القسمين إما أن يكون من ذاته أو من غيره فالظهور للشىء الذي من ذاته كما
~~للشمس والنار يسمى ضوءا والظهور الذي للشيء من غيره يسمى نورا،
~~والترقرق الذي للشيء من ذاته كما للشمس يسمى شعاعا. والذي يكون للشيء من
~~غيره كما للمرآة يسمى بريقا. وقد تقدم لك الكلام في الفرق بين النور
~~والضوء في سورة البقرة أيضا، وكذا الكلام في الظلمة والنسبة بينها وبين
~~النور، والمشهور أن بينهما تقابل العدم والملكة، ولهذا قدمت الظلمات على
~~النور في الآية الكريمة / فقد صرحوا بأن الأعدام مقدمة على الملكات.

# وتحقيق ذلك على ما ذكره بعض المحققين أنه إذا تقابل شيئان أحدهما وجودي
~~فقط فإن اعتبر التقابل بالنسبة إلى موضوع قابل للأمر الوجودي إما بحسب
~~شخصه أو بحسب نوعه أو بحسب جنسه القريب أو البعيد فهما العدم والملكة
~~الحقيقيان أو بحسب الوقت الذي يمكن حصوله فيه فهما العدم والملكة
~~المشهوران، وإن لم يعتبر فيهما ذلك فهما السلب والإيجاب، فالعدم المشهوري
~~في العمى والبصر هو ارتفاع الشيء الوجودي كالقدرة على الإبصار مع ما ينشأ
~~من المادة المهيئة لقبوله في الوقت الذي من شأنها ذلك فيه كما حقق في
~~«حكمة العين وشرحها»، فإذا تحقق أن كل قابل لأمر وجودي في ابتداء قابليته
~~واستعداده متصف بذلك العدم قبل وجود ذلك الأمر بالفعل تبين أن كل ملكة
~~مسبوقة بعدمها لأن وجود تلك الصفة بالقوة وهو متقدم على ms02647 وجودها بالفعل.
~~وقال المولى ميرزاجان: لا بد في تقابل العدم والملكة أن يؤخذ في مفهوم
~~العدمي كون المحل قابلا للوجودي، ولا يكفي نسبة المحل القابل للوجودي من
~~غير أن يعتبر في مفهوم العدمي كون المحل قابلا له، ولذا صرحوا بأن تقابل
~~العدم والوجود تقابل الإيجاب والسلب.

# قال في «الشفاء»: العمى هو عدم البصر بالفعل مع وجوده بالقوة، وهذا مما
~~لا بد منه في معناه المشهور انتهى، وبه يندفع بعض الشكوك التي عرضت لبعض
~~الناظرين في هذا المقام، وقيل في تقدم عدم الملكة على الوجود: إن عدم
~~الملكة عدم مخصوص والعدم المطلق في ضمنه وهو متقدم على الوجود في سائر
~~المخلوقات. ولذا قال الإمام: إنما قدم الظلمات على النور لأن عدم
~~المحدثات متقدم على وجودها كما جاء في حديث رواه أحمد والترمذي عن عبد
~~الله بن عمرو بن العاص «ان الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من
~~نوره» وفي أخرى «ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه نوره اهتدى ومن أخطأه
~~ضل فلذلك جف القلم بما هو كائن» وعليه الظلمة في الخبر بمعنى العدم
~~والنور بمعنى الوجود ولا يلائمه سياق الحديث، والظاهر ما قيل الظلمة عدم
~~الهداية وظلمة الطبيعة والنور الهداية، ومن المتكلمين من زعم أن الظلمة
~~عرض يضاد النور واحتج لذلك بهذه الآية ولم يعلم أن عدم الملكة كالعمى ليس
~~صرف العدم حتى لا يتعلق به الجعل، وتحقيقه  على ما قيل  أن الجعل هنا
~~ليس بمعنى الخلق والإيجاد بل تضمين شيء شيئا وتصييره قائما به قيام
~~المظروف بالظروف أو الصفة بالموصوف والعدم من الثاني فصح تعلق الجعل به
~~وإن لم يكن موجودا عينيا، وفي «الطوالع» أن العدم المتجدد يجوز أن يكون
~~بفعل الفاعل كالوجود الحادث فافهم ذاك والله تعالى يتولى هداك.

# { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } يحتمل أن يكون {
~~يعدلون } فيه من العدل بمعنى العدول أو منه بمعنى التسوية، والكفر
~~يحتمل أن يكون بمعنى الشرك المقابل للإيمان أو بمعنى كفران النعمة،
~~والباء يحتمل أن تتعلق بكفروا وأن ms02648 تتعلق بيعدلون، وعلى التقادير فالجملة
~~إما إنشائية لإنشاء الاستبعاد أو إخبارية واردة للإخبار عن شناعة ما هم
~~عليه، ثم هي إما معطوفة على جملة { الحمد لله } إنشاء أو إخبارا
~~أو على قوله سبحانه: { خلق } صلة { الذى } أو على { الظلمت
~~} مفعول { جعل } فالاحتمالات ترتقي إلى أربعة وستين حاصلة من ضرب ستة
~~عشر احتمالات المعطوف في أربعة أعني احتمالات المعطوف عليه وإذا لوحظ
~~هناك أمور / أخر مشهورة بلغت الاحتمالات أربعة آلاف وزيادة ولكن ليس لنا
~~إلى هذه الملاحظة كبير داع، والذي اختاره كثير من المحققين من تلك
~~الاحتمالات أن تكون الجملة معطوفة على جملة الحمد والعدل بمعنى العدول أي
~~الانصراف والجار متعلق بكفروا وهو من الكفر بمعنى الشرك أو كفران النعمة
~~ويقدر مضاف بعد الجار، والمعنى ان الله تعالى حقيق بالحمد على ما خلق من
~~النعم الجسام التي أنعم بها على الخاص والعام ثم الذين أشركوا به أو
~~كفروا بنعمه يعدلون فيكفرون نعمه، وأن تكون معطوفة على جملة الصلة والعدل
~~بمعنى التسوية والجار متعلق به والكفر بأحد المعنيين.

# والمعنى أنه سبحانه خلق هذه النعم الجسام والمخلوقات العظام التي دخل
~~فيها كل ما سواه، ثم إن هؤلاء الكفرة أو هؤلاء الجاحدين للنعم يسوون به
~~غيره ممن لا يقدر عليها وهم في قبضة تصرفه ومهاد تربيته.

# و { ثم } لاستبعاد ما وقع من الذين كفروا أو للتوبيخ عليه كما قال
~~ابن عطية، وجعلها أبو حيان لمجرد التراخي في الزمان وهو وإن صح هنا
~~باعتبار أن كل ممتد يصح فيه التراخي باعتبار أوله والفور باعتبار آخره
~~كما حققه النحاة إلا أن ما ذكر أوفق بالمقام، ونكتة وضع الرب موضع ضميره
~~تعالى على كل تقدير تأكيد أمر الاستبعاد، ووجه جعل الباء متعلقة بيعدلون
~~على أحد احتماليه وبكفروا على الاحتمال الآخر أنه إذا كان من العدل بمعنى
~~التسوية يقتضي التوصل بالباء بخلاف ما إذا كان منه بمعنى العدول، فالظاهر
~~أنها حينئذ متعلقة بما قبلها، وما قاله المحقق التفتازاني من أنه لا
~~مخصص لكل من توجيهي { بربهم يعدلون } بواحد ms02649 من العطفين يمكن
~~دفعه بأن وجه تخصيص كل بما خصص به اتساق نظم الآية حينئذ وظهور شدة
~~المناسبة بين ما عطف بثم الاستبعادية وبين ما عطف عليه، وذلك لأنه إذا
~~قيل مثلا في الصورة الأولى إن الله تعالى استحق جميع المحامد من العباد
~~فهم أن العدول عنه تعالى والإعراض عن حمده سبحانه في غاية الاستبعاد
~~فيناسب أن يقال: ثم الذين كفروا بربهم يعدلون عنه فلا يحمدونه ولا
~~يلتفتون لفتة، ولا يناسب أن يقال: إنهم يسوون به غيره إذ لم يسبق صريحا
~~وبالقصد الأولي ما ينفي التسوية، وإذا قيل مثلا في الصورة الثانية: إنه
~~جعل شأنه خلق هذه الأجسام العظام مما لا يقدر عليه أحد ناسب في الاستبعاد
~~أن يقال: ثم الذين كفروا يسوون به ما لا يقدر على شيء لا أنهم لا يحمدونه
~~ويعرضون عنه.

# وقال بعض المحققين: إذا كان المعنى على الأول: الحمد والثناء مستحق
~~للمنعم بهذه النعم الشاملة سائر الأمم فكيف يتأتى من الكفرة والمشركين
~~المستغرقين في بحار إحسان العدول عنه، وعلى الثاني: المعروف بالقدرة على
~~إيجاد هذه المخلوقات العظام التي دخل فيها كل ما سواه من الخاص والعام
~~كيف يتسنى لهؤلاء الكفرة أو لهؤلاء الجاحدين للنعم أن يسووا به غيره وهم
~~في قبضته، فوجه التخصيص في الأول: أنه لا يخفى استبعاد انصراف العبد عن
~~سيده وولى نعمته إلى سواه بخلاف التسوية فإن المنعم قد يساويه غيره ممن
~~يحسن إلى غيره، وفي الثاني: أن استبعاد التسوية عليه مما لا يكاد يتصور
~~بخلاف العدول عنه فإنه قد يتصور لجهل العادل بحقه وما يليق بحقه فإن
~~العدول لا ينافي عدم المعرفة بخلاف التسوية فإنه لا يسوي بين شيئين لا
~~يعرفهما بوجه ما فتدبر.

# واعترض غير واحد على العطف على الصلة بأنه لا وجه لضم ما لا دخل له في
~~استحقاق الحمد / إلى ماله ذلك ثم جعل المجموع صلة في مقام يقتضي كون
~~الصلة محمودا عليه. وأجيب بأن في الكلام على ذلك التقدير إشارة إلى علو
~~شأنه تعالى وعموم إحسانه للمستحق ms02650 وغيره حيث ينعم بمثل تلك النعم الجليلة
~~على من لا يحمده ويشرك به جل شأنه، وفي ذلك تعظيم منبىء عن كمال
~~الاستحقاق، وقد يقال: وقوع هذا المعطوف موقع المحمود عليه باعتبار معنى
~~التعظيم المستفاد من إنكار مضمونه فكأنه قيل الحمد لله جل جنابه عن أن
~~يعدل به شيء لكن لا يخفى أن المحمود عليه يجب في المشهور أن يكون جميلا
~~اختياريا، وما ذكر ليس كذلك فعليه لا بد من التأويل.

# وذكر شيخ الإسلام في الاعتراض على العطف المذكور «أن ما ينتظم في سلك
~~الصلة المنبئة عن موجبات حمده تعالى حقه أن يكون له دخل في ذلك الإنباء
~~[ولو] في الجملة ولا ريب في أن كفرهم بمعزل عنه، وادعاء أن له دخلا فيه
~~لدلالته على كمال الجود كأنه قيل: الحمد لله الذي أنعم بمثل هذه النعم
~~العظام على من لا يحمده تعسف لا يساعده النظام وتعكيس يأباه المقام كيف
~~لا وسياق النظم الكريم كما تفصح عنه الآيات [الآتية] لتوبيخ الكفرة ببيان
~~غاية إساءتهم في حقه سبحانه وتعالى مع نهاية إحسانه تعالى إليهم لا بيان
~~[نهاية] إحسانه تعالى إليهم مع غاية إساءتهم في حقه عز وجل كما يقتضيه
~~الادعاء المذكور، وبهذا اتضح أنه لا سبيل إلى جعل المعطوف من روادف
~~المعطوف عليه لما أن حق الصلة أن تكون غير مقصودة الإفادة فما ظنك
~~بروادفها؛ وقد عرفت أن المعطوف هو الذي سيق له الكلام» انتهى. ورد بأنه
~~لا شك في أنه على هذا الوجه يراد الحمد لله الذي أنعم بهذه النعم الجسام
~~على من لا يحمده ولا تعسف فيه لبلاغته، وادعاء التعكيس ممنوع فإن المقام
~~مقام الحمد كما تفيده الجملة المصدر بها وما بعده كلام آخر ولا يترك
~~مقتضى مقام لأجل مقتضى مقام آخر إذ لكل مقام مقال.

# واعترض أيضا بأنه لا يصح من جهة العربية لأن الجملة خالية من رابط
~~يربطها بالموصول اللهم إلا أن يخرج على نحو قولهم: أبو سعيد رويت عن
~~الخدري حيث وضع الظاهر موضع الضمير وكأنه قيل: ثم ms02651 الذين كفروا به يعدلون
~~إلا أن هذا من الندور بحيث لا يقاس عليه فلا ينبغي حمل كتاب الله تعالى
~~على مثله مع إمكان حمله على الوجه الصحيح الفصيح.

# وأجيب بأنه لا يلزم من ضعف ذلك في ربط الصلة ابتداء ضعفه فيما عطف عليها
~~فكثيرا ما يغتفر في التابع ما لا يغتفر في غيره، والجواب بأن هذا العطف
~~لا يحتاج إلى الرابط عجيب لأنه لم يقل أحد من النحاة: إن المعطوف على
~~الصلة بثم يجوز خلوه عن الرابط وغاية ما ذكروه أنه نكتة للربط بالاسم.

# واعترض شيخ الإسلام على احتمال أن يراد بالعدل العدول مع اعتبار التشنيع
~~عليهم بعدم الحمد «بأن كفرهم به تعالى لا سيما باعتبار ربوبيته أشد شناعة
~~وأعظم جناية من عدولهم عن حمده سبحانه [لتحققه مع إغفاله أيضا] فجعل
~~أهون الشرين عمدة في الكلام مقصودا بالإفادة وإخراج أعظمهما مخرج القيد
~~المفروغ منه مما لا عهدة له في الكلام السديد فكيف بالنظم التنزيلي».
~~وأجيب بأنه لما كان المقام مقام الحمد ناسب التشنيع عليهم بذلك فلا يرد
~~اعتراض الشيخ وقد ذكر هو قدس سره توجيها للآية وادعى أنه الحقيق بجزالة
~~التنزيل، وحط عليه الشهاب فيه ولعل الأمر أهون من ذلك. والذي تصدح به
~~كلماتهم أن صلة { يعدلون } على تقدير أن يكون من العدل بمعنى العدول
~~متروكة ليقع الإنكار على نفس الفعل، وإنما قدروا له مفعولا على تقدير أن
~~يكون من العدل / بمعنى التسوية فقالوا: غيره أو الأوثان لأنه لا يحسن
~~إنكار العدل بخلاف إنكار العدول. ونظر في ذلك بأن مجرد العدول بدون
~~اعتبار متعلقه غير منكر ألا ترى أن العدول عن الباطل لا ينكر فالظاهر
~~اعتبار المتعلق إلا أنه حذف لأجل الفاصلة كما أن تقديم { بربهم }
~~على احتمال تعلقه بما بعد لذلك، ويجوز أن يكون للاهتمام.

# وقال بعض المحققين: إن هذا وإن تراءى في بادىء النظر لكنه عند التحقيق
~~ليس بوارد لأن العدول وإن كان له فردان أحدهما مذموم وهو العدول عن الحق
~~إلى الباطل وممدوح وهو العدول عن الباطل ms02652 إلى الحق لكن العدول الموصوف به
~~الكفار لا يحتمل الثاني فلتعينه لا يحتاج إلى تقدير متعلق وتنزيله منزلة
~~اللازم أبلغ عند التأمل بخلاف التسوية فإنها من النسب التي لا تتصور بدون
~~المتعلق فلذا قدروه. ومن هذا يعلم أن تنزيل الفعل منزلة اللازم الشائع
~~فيما بينهم إنما يكون أو يحسن فيما ليس من قبيل النسب. هذا وأخرج ابن
~~الضريس في «فضائل القرآن». وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن كعب قال:
~~فتحت التوراة ب { الحمد لله الذى خلق السموات
~~والأرض وجعل الظلمت والنور ثم الذين كفروا
~~بربهم يعدلون } وختمت ب { الحمد لله الذى لم
~~يتخذ ولدا } إلى قوله سبحانه وتعالى

# وكبره تكبيرا

# [الإسراء: 111].

### || [6.2]

# { هو الذى خلقكم من طين } استئناف مسوق لبيان [بطلان]
~~كفرهم بالبعث والخطاب وإن صح كونه عاما لكنه هنا خاص بالذين كفروا كما
~~يدل عليه الخطاب الآتي ففيه التفات. والنكتة فيه زيادة التشنيع والتوبيخ،
~~وتخصيص خلقهم بالذكر من بين سائر أدلة صحة البعث مع أن ما تقدم من أظهر
~~أدلته لما أن دليل الأنفس أقرب إلى الناظر من دليل الآفاق الذي في الآية
~~السابقة، ومعنى خلق المخاطبين من طين أنه ابتدأ خلقهم منه فإنه المادة
~~الأولى [للكل] لما أنه أصل آدم عليه الصلاة والسلام وهو أصل سائر البشر،
~~ولم ينسب سبحانه الخلق إليه عليه الصلاة والسلام مع أنه المخلوق منه
~~حقيقة وكفاية ذلك في الغرض الذي سيق له الكلام توضيحا لمنهاج القياس
~~ومبالغة في إزاحة الشبهة والالتباس، وقيل في توجيه خلقهم منه: إن الإنسان
~~مخلوق من النطفة والطمث وهما من الأغذية الحاصلة من التراب بالذات أو
~~بالواسطة.

# وقال المهدوي في ذلك: إن كل إنسان مخلوق ابتداء من طين لخبر

# " ما من مولود يولد إلا ويذر على نطفته من تراب حفرته "

# ، وفي القلب من هذا شيء، والحديث إن صح لا يخلو عن ضرب من التجوز، وقيل:
~~الكلام على حذف مضاف أي خلق آباءكم، وأيا ما كان ففيه من وضوح الدلالة
~~على كمال قدرته تعالى شأنه على البعث ما لا يخفى ms02653 فإن من قدر على إحياء ما
~~لم يشم رائحة الحياة قط كان على إحياء ما قارنها مدة أظهر قدرة.

# { ثم قضى } أي قدر وكتب { أجلا } أي حدا معينا من الزمان
~~للموت. و { ثم } للترتيب في الذكر دون الزمان لتقدم القضاء على الخلق،
~~وقيل: الظاهر الترتيب في الزمان، ويراد بالتقدير والكتابة ما تعلم به
~~الملائكة وتكتبه كما وقع في حديث «الصحيحين»

# " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل
~~ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر
~~بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد "

# { وأجل مسمى } أي حد معين للبعث من القبور، وهو مبتدأ وصح
~~الابتداء به لتخصيصه بالوصف أو لوقوعه في موقع التفصيل و { عنده } هو
~~الخبر، وتنوينه لتفخيم شأنه وتهويل أمره. وقدم على خبره الظرف / مع أن
~~الشائع في النكرة المخبر عنها به لزوم تقديمه عليها وفاء بحق التفخيم،
~~فإن ما قصد به ذلك حقيق بالتقديم فالمعنى وأجل أي أجل مستقل بعلمه سبحانه
~~وتعالى لا يقف على وقت حلوله سواه جل شأنه لا إجمالا ولا تفصيلا. وهذا
~~بخلاف أجل الموت فإنه معلوم إجمالا بناءا على ظهور أماراته أو على ما
~~هو المعتاد في أعمال الإنسان.

# وقيل: وجه الإخبار عن هذا أو التقييد بكونه عنده سبحانه وتعالى أنه من
~~نفس المغيبات الخمس التي لا يعلمها إلا الله تعالى، والأول: أيضا وإن
~~كان لا يعلمه إلا هو قبل وقوعه كما قال تعالى:

# وما تدرى نفس بأى أرض تموت

# [لقمان: 34] لكنا نعلمه للذين شاهدنا موتهم وضبطنا تواريخ ولادتهم
~~ووفاتهم فنعلمه سواء أريد به آخر المدة أو جملتها متى كان وكم مدة كان.

# وذهب بعضهم إلى أن الأجل الأول ما بين الخلق والموت، والثاني: ما بين
~~الموت والبعث. وروي ذلك عن الحسن وابن المسيب وقتادة والضحاك واختاره
~~الزجاج ورواه عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه حيث قال: قضى أجلا من
~~مولده إلى مماته وأجل مسمى عنده من ms02654 الممات إلى البعث لا يعلم ميقاته أحد
~~سواه سبحانه فإذا كان الرجل صالحا واصلا لرحمه زاد الله تعالى له في
~~أجل الحياة من أجل الممات إلى البعث وإذا كان غير صالح ولا واصل نقصه
~~الله تعالى من أجل الحياة وزاد في أجل الممات، وذلك قوله تعالى:

# وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا فى
~~كتب

# [فاطر: 11] وعليه فمعنى عدم تغير الأجل عدم تغير آخره، وقيل: الأجل
~~الأول الزمن الذي يحيى به أهل الدنيا إلى أن يموتوا والأجل الثاني أجل
~~الآخرة الذي لا آخر له، ونسب ذلك إلى مجاهد وابن جبير واختاره الجبائي.

# ولا يخفى بعد إطلاق الأجل على المدة الغير المتناهية، وعن أبي مسلم أن
~~الأجل الأول أجل من مضى والثاني أجل من بقي ومن يأتي، وقيل: الأول النوم
~~والثاني الموت. ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما، وأيده الطبرسي بقوله تعالى:

# ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى

# [الزمر: 42] ولا يخفى بعده لأن النوم وإن كان أخا الموت لكنه لم تعهد
~~تسميته أجلا وإن سمي موتا، وقيل: إن كلا الأجلين للموت ولكل شخص أجلان
~~أجل يكتبه الكتبة وهو يقبل الزيادة والنقص وهو المراد بالعمر في خبر «إن
~~صلة الرحم تزيد في العمر» ونحوه وأجل مسمى عنده سبحانه وتعالى لا يقبل
~~التغيير ولا يطلع عليه غيره عز شأنه وكثير من الناس قالوا: إن المراد
~~بالزيادة الواردة في غير ما خبر الزيادة بالبركة والتوفيق للطاعة، وقيل:
~~المراد طول العمر ببقاء الذكر الجميل كما قالوا: ذكر الفتى عمره الثاني
~~وضعفه الشهاب، وقيل: الأجلان واحد والتقدير وهذا أجل مسمى فهو خبر مبتدأ
~~محذوف و { عنده } خبر بعد خبر أو متعلق بمسمى وهو أبعد الوجوه.

# { ثم أنتم تمترون } أي تشكون في البعث كما أخرجه أبن أبي
~~حاتم عن خالد بن معدان، وعن الراغب المرية التردد في المتقابلين وطلب
~~الإمارة مأخوذ من مرى الضرع إذا مسحه للدر.

# ووجه المناسبة في استعماله في الشك أن الشك سبب لاستخراج العلم الذي ms02655 هو
~~كاللبن الخالص من بين فرث ودم. قيل: الامتراء الجحد، وقيل: الجدال. وأيا
~~ما كان فالمراد استبعاد امترائهم في وقوع البعث وتحققه في نفسه مع
~~مشاهدتهم في أنفسهم من الشواهد ما يقطع مادة ذلك بالكلية فإن من قدر على
~~إفاضة الحياة وما يتفرع عليها على مادة غير مستعدة لشيء من ذلك كان أوضح
~~اقتدارا على إفاضته على مادة قد استعدت له وقارنته مدة. ومن هذا يعلم أن
~~شطرا من تلك الأوجه / السابقة آنفا لا يلائم مساق النظم الكريم، وتوجيه
~~الاستبعاد إلى الامتراء على التفسير الأول مع أن المخاطبين جازمون
~~بانتفاء البعث مصرون على جحوده وإنكاره كما ينبىء عنه كثير من الآيات
~~للدلالة على أن جزمهم ذلك في أقصى مراتب الاستبعاد والاستنكار.

# وذكر بعض المحققين أن الآية الأولى دليل التوحيد كما أن هذه دليل البعث،
~~ووجه ذلك بأنها تدل على أنه لا يليق الثناء والتعظيم بشيء سواه عز وجل
~~لأنه المنعم لا أحد غيره ويلزم منه أنه لا معبود، ولا إله سواه بالطريق
~~الأولى، وزعم بعضهم أنها لا تدل على ذلك إلا بملاحظة برهان التمانع إذ لو
~~قطع النظر عنه لا تدل على أكثر من وجود الصانع، ومنشأ ذلك حمل الدليل على
~~البرهان العقلي أو مقدماته التي يتألف منها أشكاله وليس ذلك باللازم. ومن
~~الناس من جعل الآية الأولى أيضا دليلا على البعث على منوال قوله تعالى:

# أأنتم أشد خلقا أم السماء بنها

# [النازعات: 27] ولا يخفى أنه خلاف الظاهر.

### || [6.3]

# وقوله سبحانه وتعالى:

# { وهو الله } جملة من مبتدأ عائد إليه سبحانه كما قال الجمهور
~~وخبر معطوفه على ما قبلها مسوقة لبيان شمول أحكام إلهيته لجميع المخلوقات
~~وإحاطة علمه بتفاصيل أحوال العباد وأعمالهم المؤدية إلى الجزاء إثر
~~الإشارة إلى تحقق المعاد في تضاعيف ما تقدم، والحمل ظاهر الفائدة إذا
~~اعتبر ما يأتي وإلا فهو على حد:

# أنا أبو النجم وشعري شعري

# وقوله تعالى: { في السموات وفى الأرض } متعلق  على ما قيل
~~ بالمعنى الوصفي الذي تضمنه الاسم الجليل كما في قولك: هو حاتم ms02656 في طيىء
~~على معنى الجواد. والمعنى الذي يعتبر هنا يجوز أن يكون هو المأخوذ من أصل
~~اشتقاق الاسم الكريم أعني المعبود أو ما اشتهر به الاسم من صفات الكمال
~~إلا أنه يلاحظ في هذا المقام ما يقتضيه منها أو ما يدل عليه التركيب
~~الحصري لتعريف طرفي الإسناد فيه من التوحيد والتفرد بالألوهية أو ما تقرر
~~عند الكل من إطلاق هذا الاسم عليه تعالى خاصة فكأنه قيل: وهو المعبود
~~فيهما أو وهو المالك والمتصرف المدبر فيهما حسبما يقتضيه المشيئة المبنية
~~على الحكم البالغة أو وهو المتوحد بالألوهية فيهما أو وهو الذي يقال له:
~~الله فيهما لا يشرك به شيء في هذا الاسم، ومعنى ذلك مجرد ملاحظة أحد
~~المعاني المذكورة في ضمن ذلك الاسم الجليل ويكفي مثل ذلك في تعلق الجار
~~لا أنه يحمل لفظ الله على معناه اللغوي أو على نحو المالك والمتصرف أو
~~المتوحد أو يقدر القول، وعلى كل تقدير يندفع ما يقال: إن الظرف لا يتعلق
~~باسم الله تعالى لجموده ولا بكائن لأنه حيئنذ يكون ظرفا لله تعالى وهو
~~سبحانه وتعالى منزه عن المكان والزمان. ومن الناس من جوز تعلقه بكائن على
~~أنه خبر بعد خبر والكلام حينئذ من التشبيه البليغ أو كناية على رأي من لم
~~يشترط جواز المعنى الأصلي أو استعارة تمثيلية بأن شبهت الحالة التي حصلت
~~من إحاطة علمه سبحانه وتعالى بالسماوات والأرض وبما فيهما بحالة بصير
~~تمكن في مكان ينظره وما فيه والجامع بينهما حضور ذلك عنده. وجوز أن يكون
~~مجازا مرسلا باستعماله في لازم معناه وهو ظاهر، وأن يكون استعارة
~~بالكناية بأن شبه عز اسمه بمن تمكن في مكان وأثبت له من لوازمه وهو علمه
~~به وبما فيه، وليس هذا من التشبيه المحظور في شيء.

# وعليه يكون قوله تعالى: { يعلم سركم وجهركم } أي ما
~~أسررتموه وما جهرتم به من الأقوال أو منها ومن / الأفعال بيانا للمراد
~~وتوكيدا لمن يفهم من الكلام. وتعليق علمه سبحانه بما ذكر خاصة مع شموله
~~لجميع من في السموات وصاحبتها ms02657 لانسياق النظم الكريم إلى بيان حال
~~المخاطبين وكذا يعتبر بيانا على تقدير اعتبار ما اشتهر به الاسم الجليل
~~من صفات الكمال عند تعلق الجار على ما علمت فإن ملاحظته من حيث المالكية
~~الكاملة والتصرف الكامل حسبما تقدم مستتبعة لملاحظة علمه تعالى المحيط
~~حتما.

# وعلى التقادير الأخر لا مساغ كما قيل لجعله بيانا لأن ما ذكر من العلم
~~غير معتبر في مفهوم شيء من المعبودية واختصاص إطلاق الاسم عليه تعالى،
~~وكذا مفهوم المتوحد بالألوهية فكيف يكون هذا بيانا لذلك. واعتبار العلم
~~فيما صدق عليه المتوحد غير كاف في البيانية، وقيل في بيانها على تقدير
~~اعتبار المتوحد بالألوهية: إن حصر الألوهية بمعنى تدبير الخلق، ومن تفرد
~~بتدبير جميع أمور أحد لزمه معرفة جميعها حتى يتم له تدبيرها فملاحظة
~~المتوحد بالألوهية مستتبعة لملاحظة علمه تعالى المحيط على طرز ما تقرر في
~~ملاحظة اسمه عز اسمه من حيث المالكية الكاملة والتصرف الكامل على الوجه
~~المتقدم.

# ومن هذا يعلم اندفاع ما أورد على احتمال تعلق الجار السابق باعتبار
~~ملاحظة المتوحد بالألوهية من أن التوحيد بها أمر لا تعلق له بمكان فلا
~~معنى لجعله متعلقا بمكان فضلا عن جميع الأمكنة فإن تدبير الخلق مما
~~يتعلق بما في حيز الجار من الحيز، وكذا بما فيه. وتعقب ذلك بمنع تفسير
~~الألوهية بما ذكر؛ ولعل الجملة على هاتيك التقادير خبر ثالث، وقد جوز غير
~~واحد الإخبار بالجملة بعد الإخبار بالمفرد، وبعضهم جعلها كذلك مطلقا،
~~والقرينة على إرادة المراد من الجملة الظرفية حينئذ عقلية، وهي أن كل أحد
~~يعلم أنه تقدس وتعالى منزه عما يقتضيه الظاهر من المكان، وذلك كما في
~~قوله تعالى:

# وهو معكم أين ما كنتم

# [الحديد: 4] إذ لم يردف بما يبينه، وجوز أن تكون كلاما مبتدأ وهو
~~استئناف نحوي. ورجحه غير واحد لخلوه عن التكلف أو استئناف بياني ويتكلف
~~له تقدير سؤال، وقيل: إن الجملة هي خبر { هو } والاسم الجليل بدل منه
~~والظرف متعلق بيعلم. ويكفي في ذلك كون المعلوم فيما ذكر ولا يتوقف على
~~كون العالم ms02658 فيه ليلزم تحيزه سبحانه وتعالى المحال. وهذا  ما قيل 
~~كقولك: رميت الصيد في الحرم فإنه صادق إذا كنت خارجه والصيد فيه.

# ونقل بعض المدققين عن الإمام التمرتاشي في الأيمان إذا ذكر ظرف بعد فعل
~~له فاعل كما إذا قلت: إذا ضربت في الدار أو في المسجد فإن كان معا فيه
~~فالأمر ظاهر وإن كان الفاعل فيه دون المفعول أو بالعكس فإن كان الفعل مما
~~يظهر أثره في المفعول كالضرب والقتل والجرح فالمعتبر كون المفعول فيه وإن
~~كان مما لا يظهر أثره فيه كالشتم فالمعتبر كون الفاعل فيه فلذا قال بعض
~~الفقهاء: لو قال إن شتمته في المسجد أو رميت إليه فكذا فشرط حنثه كون
~~الفاعل فيه.

# وإن قال: إن ضربته في المسجد أو جرحته أو قتلته أو رميته فكذا فشرطه كون
~~المفعول فيه. وفرق بين الرميين المتعدي بإلى والمتعدي بنفسه بأن الأول:
~~إرسال السهم من القوس بنية وذلك مما لا يظهر له أثر في المحل ولا يتوقف
~~على وصول فعل الفاعل. والثاني: إرسال السهم أو ما يضاهيه على وجه يصل إلى
~~المرمى إليه فيؤثر فيه ولذا عد كل منهما في قبيل. وعلى هذا يشكل ما نحن
~~فيه لأن العلم لا يظهر له أثر في المعلوم فيلزم أن يكون الكلام من قبيل
~~شتمته في المسجد ويجيء المحال وكون العلم هنا مجازا عن المجازاة وهي مما
~~يظهر أثرها في المفعول فيكون الكلام من قبيل إن ضربته في المسجد ويكفي
~~كون المفعول فيه دون الفاعل في القلب منه شيء على أن كون المفعول هنا
~~أعني سر المخاطبين وجهرهم في السموات مما لا وجه له.

# / والقول بأن المعنى حينئذ يعلم نفوسكم المفارقة الكائنة في السموات
~~ونفوسكم المقارنة لأبدانكم الكائنة في الأرض تعسف وخروج عن الظاهر على أن
~~الخطاب حينئذ يكون للمؤمنين وقد كان فيما قبل للكافرين فتفوت المناسبة
~~والارتباط، ومثله القول بتعميم الخطاب بحيث يشمل الملائكة وظاهر أن سرهم
~~وجهرهم في السموات. وأجيب بأنه يمكن أن يكون جعل سر المخاطبين وجهرهم
~~فيها لتوسيع الدائرة ms02659 وتصوير أنه سبحانه وتعالى لا يعزب عن علمه شيء في أي
~~مكان كان لا أنهما يكونان في السموات أيضا، وقيل: المراد بالسر ما كتم
~~عنهم من عجائب الملك وأسرار الملكوت مما لم يطلعوا عليه وبالجهر ما ظهر
~~لهم من السموات والأرض. وإضافة السر والجهر إلى ضمير المخاطبين مجازية
~~وليس بشيء كما لا يخفى.

# وجوز بعضهم أن يكون الجار متعلقا بالمصدر على سبيل التنازع، واعترض بأن
~~معمول المصدر لا يتقدم عليه. ويلزم أيضا التنازع مع تقدم المعمول. وأجيب
~~بأن منهم من يجوز التنازع مع تقدم المعمول ومن يقول: بجواز تقديم الظرف
~~على المصدر لتوسعهم فيه ما لم يتوسع في غيره، ونقل عن ابن هشام أنه قال:
~~إنما يمتنع تقدم متعلق المصدر إذا قدر بحرف مصدري وفعل وهذا ليس كذلك
~~فليس مما منعوه، وقال مولانا صدر الدين: يرد على منع تعلق الجار بالمصدر
~~المتأخر تعلقه بإله في قوله تعالى:

# وهو الذى فى السماء إله

# [الزخرف: 84] مع أن إلها مصدر وصرح بتعلقه به غير واحد فإن أول بالصفة
~~مثل المعبود فليؤول السر والجهر بالخفي والظاهر. وعن أبي علي الفارسي
~~أنه جعل { هو } ضمير الشأن و { الله } مبتدأ خبره ما بعده والجملة
~~خبر عن ضمير الشأن أي الشأن والقصة ذلك.

# { ويعلم ما تكسبون } أي ما تفعلونه لجلب نفع أو دفع ضر من
~~الأعمال المكتسبة بالقلوب والجوارح سرا وعلانية. وتخصيص ذلك بالذكر مع
~~اندراجه فيما تقدم على تقدير تعميم السر والجهر لإظهار كمال الاعتناء به
~~لأنه مدار فلك الجزاء وهو السر في إعادة { يعلم }. ومن الناس من غاير
~~بين المتعاطفين بجعل العلم هنا عبارة عن جزائه وإبقائه على معناه
~~المتبادر فيما تقدم. وتفسير المكتسب بجزاء الأعمال من المثوبات والعقوبات
~~غير ظاهر. وكذا حمل السر والجهر على ما وقع والمكتسب على ما لم يقع بعد.

### || [6.4]

# { وما تأتيهم من ءاية من ءايت ربهم } كلام مستأنف
~~سيق لبيان كفرهم بآيات الله تعالى وإعراضهم عنها بالكلية بعد بيان كفرهم
~~بالله تعالى وإعراضهم عن بعض آيات التوحيد وامترائهم في ms02660 البعث وإعراضهم
~~عن بعض (أدلته)، والإعراض عن خطابهم للإيذان بأن إعراضهم السابق قد بلغ
~~مبلغا اقتضى أن لا يواجهوا بكلام بل يضرب عنهم صفحا وتعدد جناياتهم
~~لغيرهم ذما لهم وتقبيحا لحالهم. فما نافية وصيغة المضارع لحكاية الحال
~~الماضية كما أشار إليه العلامة البيضاوي ولله تعالى دره أو للدلالة على
~~الاستمرار التجددي. و(من) الأولى: مزيدة للاستغراق أو لتأكيده. والثانية:
~~للتبعيض وهي متعلقة بمحذوف مجرور أو مرفوع وقع صفة لآية، وجعلها ابن
~~الحاجب للتبيين لأن كونها للتبعيض ينافي كون الأولى للاستغراق إذ الآية
~~المستغرقة لا تكون بعضا من الآيات. ورد بأن الاستغراق ههنا لآية متصفة
~~بالاتيان فهي وإن استغرقت بعض من جميع الآيات على أن كلامه بعد لا يخلو
~~عن نظر. وإضافة الآيات إلى الرب المضاف إلى ضميرهم لتفخيم شأنها المستتبع
~~لتهويل ما اجترؤوا عليه في حقها. / والمراد بها إما الآيات التنزيلية أو
~~الآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وغيرها من تعاجيب المصنوعات. والإتيان
~~على الأول: بمعنى النزول، وعلى الثاني: بمعنى الظهور على ما قيل، ويفهم
~~من كلام بعض المحققين أنه مطلقا بمعنى الظهور استعمالا له في لازم
~~معناه وهو المجيء الذي لا يوصف به إلا الأجسام مجازا لا كناية كما قيل
~~وحاصل المعنى على الأول: ما تنزل إليهم آية من الآيات القرآنية الجليلة
~~الشأن التي من جملتها هاتيك الآيات الناطقة بما فصل من بدائع صنع الله
~~تعالى شأنه المنبئة عن جريان أحكام ألوهيته على كافة الكائنات وإحاطة
~~علمه بجميع أحوال العباد وأعمالهم الموجبة للإقبال عليها والإيمان بها.

# { إلا كانوا عنها معرضين } غير مقبلين عليها ولا معتنين
~~بها، وعلى الثاني: ما تظهر لهم آية من الآيات التكوينية التي من جملتها
~~ما ذكر من جلائل شؤونه سبحانه وتعالى الشاهدة بوحدانيته عز وجل إلا كانوا
~~[عنها معرضين] تاركين للنظر الصحيح فيها المؤدي إلى الإيمان بمكونها،
~~وأصل الإعراض صرف الوجه عن شيء من المحسوسات. واستعماله في عدم الاعتناء
~~أو ترك النظر مجاز على ما حققه البعض. وفسر شيخ الإسلام الإعراض على
~~الوجه الأول بما كان على وجه ms02661 التكذيب والاستهزاء، و (عن) متعلقة بمعرضين.
~~والتقديم لرعاية الفواصل. والجملة بعد (إلا)  كما قال الكرخي  في موضع
~~النصب على أنها حال من مفعول تأتي أو من فاعله المخصص بالوصف كما قيل وهي
~~مشتملة على ضمير كل منهما. وإيثارها على أعرضوا عنها كما وقع مثله في
~~قوله تعالى:

# وإن يروا ءاية يعرضوا

# [القمر: 2] للدلالة على استمرارهم على الإعراض حسب استمرار إتيان
~~الآيات.

### || [6.5]

# وفي الكلام إشارة إلى غاية انهماكهم في الضلال حيث آذن أن إعراضهم عما
~~يأتيهم من الآيات أن الإتيان كما يصفح عنه كلمة { لما } في قوله تعالى: {
~~فقد كذبوا بالحق لما جاءهم } فإن الحق عبارة عن القرآن
~~الذي أعرضوا عنه حين أعرضوا عن كل آية آية منه. وعبر عنه بذلك إظهارا
~~لكمال فظاعة ما فعلوا به «والفاء على تقدير أن يراد بالآيات الآيات
~~التنزيلية  كما هو الأظهر على ما قرره مولانا شيخ الإسلام  لترتيب ما
~~بعدها على ما قبلها لا باعتبار أنه مغاير له حقيقة واقع عقيبه أو حاصل
~~بسببه بل على أنه عينه في الحقيقة والترتيب بحسب التغاير الاعتباري حيث
~~إن مفهوم التكذيب بالحق أشنع من الإعراض المذكور إذ هو مما لا يتصور
~~صدوره من أحد. ولذلك أخرج مخرج اللازم البين البطلان وترتب عليه بالفاء
~~إظهارا لغاية بطلانه. ثم قيد ذلك بكونه بلا تأمل بل (آن المجيء) تأكيدا
~~لشناعة فعلهم الفظيع. وعلى تقدير أن يراد الآيات التكوينية داخلة على
~~جواب شرط محذوف. والمعنى على الأول: حيث أعرضوا عن تلك الآيات حين
~~إتيانها فقد كذبوا بما لا يمكن لعاقل تكذيبه أصلا من غير أن يتدبروا في
~~حاله ومآله ويقفوا على ما في تضاعيفه من الشواهد الموجبة لتصديقه. وعلى
~~الثاني: أنهم إن كانوا معرضين عن الآيات حال إتيانها فلا تعجب من ذلك فقد
~~فعلوا بما هو أعظم منها ما هو أعظم من الإعراض حيث كذبوا بالحق الذي هو
~~أعظم الآيات» واختار في «البحر» كون الفاء سببية وما بعدها مسبب عما
~~قبلها. وجوز أيضا كونها سببية على معنى أن ما بعدها ms02662 سبب لما قبلها فقد
~~قال الرضي: وقد تكون فاء السببية بمعنى لام السببية وذلك إذا كان ما
~~بعدها سببا لما قبلها نحو قوله تعالى:

# فاخرج منها فإنك رجيم

# [الحجر: 34، ص: 77] وأطلق عليها الكثير حينئذ الفاء التعليلية. وهل تفيد
~~الترتيب حينئذ أم لا؟ لم يصرح الرضي / بشيء من ذلك، ويفهم كلام البعض
~~أنها للترتيب والتعقيب أيضا. واستشكل بأن السبب متقدم على المسبب لا
~~متعقب إياه. وتكلف صاحب «التوضيح» لتوجيهه بأن ما بعد الفاء علة باعتبار
~~معلول باعتبار ودخول الفاء عليه باعتبار المعلولية لا باعتبار العلية.
~~ورد بأنها لا تتأتى في كل محل، وفي «التلويح» الأقرب ما ذكره القوم من
~~أنها إنما تدخل على العلل باعتبار أنها تدوم فتتراخى عن ابتداء الحكم،
~~وفي «شرح المفتاح الشريفي» فإن قلت: كيف يتصور ترتب السبب على المسبب؟
~~قلت: من حيث إن ذكر المسبب يقتضي ذكر السبب انتهى. وعليه يظهر وجه
~~الترتيب هنا مطلقا لكن ظاهر كلام النحاة وغيرهم أن هذه الفاء تختص
~~بالوقوع بعد الأمر كأكرم زيدا فإنه أبوك، واعبد الله فإن العبادة حق إلى
~~غير ذلك فالوجه الأول أولى.

# وليست الفاء فصيحة كما توهمه بعضهم من قول العلامة البيضاوي في بيان
~~معنى الآية كأنه قيل: لما كانوا معرضين عن الآيات كلها كذبوا بالقرآن لأن
~~الفاء الفصيحة لا تقدر جواب لما لأن جوابها الماضي لا يقترن بالفاء على
~~الفصيح فكيف يقدر للفاء ما يقتضي عدمها فما مراد العلامة إلا بيان حاصل
~~المعنى ولذا أسقط الفاء نعم قيل: إن هذا المعنى مما ينبغي تنزيه التنزيل
~~عنه وفيه تأمل. وقد صرح بعض المحققين أن أمر الترتيب يجري في الآية سواء
~~كانت الآية بمعنى الدليل أو المعجزة أو الآية القرآنية لتغاير الإعراض
~~والتكذيب فيها.

# والفاء في قوله تعالى: { فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا
~~به يستهزءون } للترتيب أيضا بناء على أن ما تقدم لكونه أمرا
~~عظيما يقتضي ترتب الوعيد عليه، وقيل: يستهزئون إيذانا بأن ما تقدم كان
~~مقرونا بالاستهزاء. واستدل به أبو حيان على أن في الكلام معطوفا
~~محذوفا ms02663 أي فكذبوا بالحق واستهزؤا به. ولا يخفى أن ذلك مما لا ضرورة
~~إليه. و(ما) عبارة عن الحق المذكور. وعبر عنه بذلك تهويلا لأمره بإبهامه
~~وتعليلا للحكم بما في حيز الصلة. والأنباء جمع نبأ وهو الخبر الذي يعظم
~~وقعه. والمراد بأنباء القرآن التي تأتيهم ويتحقق مدلولها فيهم ويظهر لهم
~~آيات وعيده وإخباره بما يحصل بهم في الدنيا من القتل والسبي والجلاء
~~ونحو ذلك من العقوبات العاجلة، وقيل: المراد ما يعم ذلك والعقوبات التي
~~تحل بهم في الآخرة من عذاب النار ونحوه؛ وقيل المراد بأنباء ذلك ما تضمن
~~عقوبات الآخرة أو ظهور الإسلام وعلو كلمته، وظاهر ما يأتي من الآيات يرجح
~~الأول.

# وصرح بعض المحققين بأن إضافة { أنباء } بيانية وهو احتمال مقبول،
~~وادعاء أنه مقحم وأن المعنى سيظهر لهم ما استهزؤا به من الوعيد الواقع
~~فيه أو من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو نحو ذلك لا وجه له إذ لا داعي
~~لإقحامه. وفي «البحر» «إنما قيد الكذب بالحق هنا وكان التنفيس بسوف وفي
~~الشعراء [6]

# فقد كذبوا فسيأتيهم

# بدون تقيد الكذب والتنفيس بالسين لأن الأنعام متقدمة في النزول على
~~الشعراء فاستوفى فيها اللفظ وحذف من الشعراء وهو مراد إحالة على الأول.
~~وناسب الحذف الاختصار في حرف التنفيس فجيء بالسين».

### || [6.6]

# { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } استئناف
~~مسوق لتعيين ما هو المراد بما تقدم، وقيل: شروع في توبيخهم ببذل النصح
~~لهم والأول أظهر. والرؤية عرفانية، وقيل: بصرية، والمراد في أسفارهم وليس
~~بشيء. وهي على التقديرين تستدعي مفعولا واحدا. و { كم } استفهامية
~~كانت أو خبرية معلقة لها عن العمل مفيدة للتكثير سادة مع ما في حيزها مسد
~~مفعولها، وهي منصوبة بأهلكنا على المفعولية، وهي عبارة / عن الأشخاص،
~~وقيل: إن الرؤية علمية تستدعي مفعولين والجملة سادة مسدهما. و { من
~~قرن } مميز ل { كم } على أنه عبارة عن أهل عصر من الأعصار سموا بذلك
~~لاقترانهم مدة من الزمان فهو من قرنت. واختلف في مقدار تلك المدة فقيل:
~~مائة وعشرون سنة، وقيل: مائة، ms02664 وقيل: ثمانون، وقيل: سبعون، وقيل: ستون،
~~وقيل: ثلاثون، وقيل: عشرون، وقيل: مقدار الأوسط في أعمار أهل كل زمان.
~~ولما كان هذا لا ضابط له يضبط قال الزجاج: إنه عبارة عن أهل عصر فيهم
~~نبي أو فائق في العلم على ما جرت به عادة الله تعالى. ويحتمل أن يعتبر
~~ذلك مائة سنة لما ورد أن الله تعالى قيض لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة
~~من يجدد لها أمر دينها. وقيل: هو عبارة عن مدة من الزمان اختلف فيها على
~~طرز ما تقدم. واختار بعضهم أنه حقيقة في الزمان المعين وفي أهله. والمراد
~~به هنا الأهل من غير تجشم تقدير مضاف أو ارتكاب تجوز. وجوز بعضهم انتصاب
~~{ كم } على المصدرية بأهلكنا بمعنى إهلاك أو على الظرفية بمعنى أزمنة
~~وهو تكلف. و (من) الأولى ابتدائية متعلقة بأهلكنا. وهمزة الإنكار لتقرير
~~الرؤية. والمعنى ألم يعرف هؤلاء المكذبون المستهزئون بمعاينة الآثار
~~وتواتر الأخبار كم أمة أهلكنا من قبل خلقهم أو من قبل زمانهم كقوم نوح
~~وعاد وثمود وقوم لوط وأضرابهم فالكلام على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه
~~مقامه.

# وقوله تعالى: { مكنهم فى الأرض } استئناف بياني كأنه قيل
~~ما كان حالهم؟، وقال أبو البقاء: إنه في موضع جر صفة { قرن } لأن
~~الجمل بعد النكرات صفات لاحتياجها إلى التخصيص. وجمع الضمير باعتبار
~~معناه. وتعقبه مولانا شيخ الإسلام «بأن تنوينه التفخيمي مغن له عن
~~استدعاء الصفة، على أن ذلك مع اقتضائه أن يكون مضمونه ومضمون ما عطف عليه
~~من الجمل الأربع [أمرا] مفروغا عنه غير مقصود لسياق النظم مؤد إلى
~~اختلاف النظم الكريم، كيف لا والمعنى حينئذ: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم
~~من قرن موصوفين بكذا وكذا وبإهلاكنا لهم بذنوبهم وأنه بين الفساد» انتهى.
~~ولا يخفى أن التنوين التفخيمي لا يأبى الوصف. وما ورد فيه ذلك من النكرات
~~أكثر من أن يحصى، وأما ما ذكره بعد فقد قال الشهاب: إنه غفلة منه أو
~~تغافل عن تفسيرهم { فأهلكنهم } الخ الآتي بقولهم لم يغن ذلك
~~عنهم شيئا.

# وتمكين ms02665 الشيء في الأرض  على ما قيل  جعله قارا فيها. ولما لزم ذلك
~~جعلها مقرا له ورد الاستعمال بكل منهما فقيل تارة مكنه في الأرض ومنه
~~قوله تعالى:

# ولقد مكنهم فيما إن مكنكم فيه

# [الأحقاق: 26] وأخرى مكن له في الأرض ومنه قوله تعالى:

# إنا مكنا له فى الأرض

# [الكهف: 84] حتى أجرى كل منهما مجرى الآخر ومنه قوله تعالى: { ما لم
~~نمكن لكم } بعدما تقدم كأنه قيل في الأول: مكنا لهم وفي الثاني:
~~ما لم نمكنكم.

# وفي «التاج» أن مكنته ومكنت له مثل نصحته ونصحت له. وقال أبو علي: اللام
~~زائدة مثل

# ردف لكم

# [النمل:72]. وكلام الراغب في «مفرداته» يؤيده. وذكر بعض المحققين أن
~~مكنه أبلغ من مكن له، ولذلك خص المتقدم بالمتقدمين والمتأخر بالمتأخرين و
~~{ ما } إما موصولة صفة لمحذوف تقديره التمكين الذي لم نمكنه لكم أو نكرة
~~موصوفة أي تمكينا لم نمكنه. وعليهما فهي مفعول مطلق والعائد إليها من
~~الصلة أو الصفة محذوف، وقيل: إنها مفعول به لأن المراد من التمكين
~~الإعطاء كما يشير إليه ما روي عن قتادة أي أعطيناهم ما تمكنوا به من
~~أنواع التصرف ما لم نعطكم. وقيل: إنها مصدرية ظرفية أي مدة عدم تمكينكم
~~ولا يخفى بعده والخطاب / للكفرة. وقيل: لجميع الناس. وقيل: للمؤمنين.
~~والظاهر الأول والالتفات لما في مواجهتهم بضعف حالهم من التبكيت ما لا
~~يخفى. وقيل: ليتضح مرجع الضميرين ولا يشتبه من أول الأمر، وهي نكتة في
~~الالتفات لم يعرج عليها أهل المعاني.

# { وأرسلنا السماء } أي المطر كما روي عن هارون التيمي، ونسب
~~إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضا. وقيل: السحاب واستعمالها في
~~ذلك مجاز مرسل. وقيل: هي على حقيقتها بمعنى المظلة والمجاز في إسناد
~~الإرسال إليها لأن المرسل ماء المطر وهي مبدأ له، وفيه من المبالغة ما لا
~~يخفى. «والإرسال والإنزال  كما في «البحر»  متقاربان في المعنى لأن
~~اشتقاقه من رسل اللبن وهو ما ينزل من الضرع متتابعا» { عليهم
~~مدرارا } أي غزيرا كثير الصب، وهو صيغة مبالغة يستوي فيه المذكر
~~والمؤنث، ms02666 وهو حال من السماء والظرف متعلق بأرسلنا { وجعلنا
~~الأنهر } أي صيرناها { تجرى من تحتهم } أي من تحت
~~مساكنهم. والمراد أنهم عاشوا في الخصب والريف بين الأنهار والثمار.
~~والجملة في موضع المفعول الثاني لجعلنا. ولم يقل سبحانه: أجرينا الأنهار
~~كما قال عز شأنه: { أرسلنا السماء } للإيذان بكونها مسخرة
~~مستمرة الجريان لا لأن النهر لا يكون إلا جاريا فلا يفيد الكلام لأن
~~النظم حينئذ ناظر إلى كونها من تحتهم فالفائدة ظاهرة، ولو كان ما ذكر
~~صحيحا لما ورد في النظم الكريم كقوله تعالى:

# تجرى من تحتها الأنهر

# [المائدة: 119] واستظهر كون الجعل بمعنى الإنشاء والإيجاد وهو مخصوص به
~~تعالى فلذا غير الأسلوب، وعليه فالجملة في موضع الحال من المفعول. وليس
~~المراد  على ما قيل  بتعداد هاتيك النعم العظام الفائضة عليهم بعد ذكر
~~تمكينهم بيان عظم جنايتهم في كفرانها واستحقاقهم بذلك لأعظم العقوبات بل
~~بيان حيازتهم لجميع أسباب نيل المآرب ومبادىء الأمن من المكاره والمعاطب
~~وعدم إغناء ذلك عنهم شيئا. وينبىء عن عدم الإغناء عند جمهور المفسرين.

# قوله تعالى: { فأهلكنهم بذنوبهم } والفاء للتعقيب وقيل:
~~فصيحة والمراد فكفروا فأهلكناهم ورجح الأول، والباء للسببية أي أهلكنا كل
~~قرن من تلك القرون بسبب ما يخصهم من الذنوب كتكذيب الرسل عليهم الصلاة
~~والسلام { وأنشأنا } أي أوجدنا { من بعدهم } أي بعد إهلاكهم
~~بسبب ذلك { قرنا ءاخرين } بدلا من الهالكين. وهذا بيان لأنه تعالى
~~لا يتعاظمه أن يهلك قرنا ويخلي بلاده منهم فإنه جل جلاله قادر على أن
~~ينشيء مكانهم آخرين يعمر بهم البلاد فهو كالتتميم لما قبله نحو قوله
~~تعالى:

# ولا يخاف عقبها

# [الشمس: 15] وفيه إشارة إلى أنهم قلعوا من أصلهم ولم يبق أحد من نسلهم
~~لجعلهم آخرين وكونهم من بعدهم.

### || [6.7]

# { ولو نزلنا عليك كتبا فى قرطاس } استئناف سيق
~~بطريق تلوين الخطاب لبيان شدة شكيمتهم في المكابرة وما يتفرع عليها من
~~الأقاويل الباطلة إثر بيان ما هم فيه من غير ذلك. وعن الكلبي وغيره أنها
~~نزلت في النضر بن الحرث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد ms02667 لما قالوا
~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من
~~عند الله تعالى ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله تعالى
~~وأنك رسوله، والكتاب المكتوب، والجار بعده متعلق بمحذوف وقع صفة له أو
~~متعلق به، وقيل: إن جعل اسما كالإمام فالجار في موضع الصفة له، وإن جعل
~~مصدرا بمعنى المكتوب فهو متعلق به. / وجوز أن يتعلق بنزلنا وفيه بعد،
~~والقرطاس بكسر القاف وضمها، وقرىء بهما معرب كراسة كما قيل، وممن نص على
~~أنه غير عربي الجواليقي، وقيل: إنه مشترك ومعناه الورق، وعن قتادة
~~الصحيفة، وفي «القاموس» «القرطاس مثلثة القاف وكجعفر ودرهم الكاغد»، وقال
~~الشهاب: هو مخصوص بالمكتوب أو أعم منه ومن غيره.

# { فلمسوه } أي الكتاب أو القرطاس، واللمس كما قال الجوهري المس
~~باليد فقوله تعالى: { بأيديهم } لزيادة التعيين ودفع احتمال التجوز
~~الواقع في قوله تعالى:

# وأنا لمسنا السماء

# [الجن: 8] أي تفحصنا، وقيل: إنه أعم من المس باليد، فعن الراغب المس
~~إدراك بظاهر البشرة كاللمس، وبالتقييد به يندفع احتمال التجوز أيضا.
~~وقيل: إنما قيد بذلك لأنه الإحساس باللصوق يكون بجميع الأعضاء ولليد
~~خصوصية في الإحساس ليست لسائرها. وأما التجوز باللمس عن الفحص فلا يندفع
~~به إذ لا بعد في أن يكون ذلك لمباشرتهم للفحص بأنفسهم بل يندفع لكون
~~المعنى الحقيقي أنسب بالمقام وليس بشيء كما لا يخفى، وقيل: إن ذكر الأيدي
~~ليفيد أن اللمس كان بكلتا اليدين ولا يظهر وجه الإفادة وتخصيص اللمس لأنه
~~يتقدمه الإبصار حيث لا مانع ولأن التزوير لا يقع فيه فلا يمكنهم أن
~~يقولوا إذا ترك العناد والتعنت: إنما سكرت أبصارنا. واعترض بأن اللمس هنا
~~إنما يدفع احتمال كون المرئي مخيلا وأما نزوله من السماء فلا يثبت به.
~~وأجيب بأنه إذا تأيد الإدراك البصري في النزول بالإدراك اللمسي في المنزل
~~يجزم العقل بديهة بوقوع المبصر حزما لا يحتمل النقيض فلا يبقى بعده إلا
~~مجرد العناد مع أن حدوثه هناك من غير مباشرة أحد يكفي في الإعجاز كما لا ms02668
~~يخفى. وقال ابن المنير «الظاهر أن فائدة زيادة (لمسهم) بأيديهم تحقيق
~~القراءة على قرب أي فقرؤه وهو بأيديهم لا بعيد عنهم لما آمنوا».

# وقوله تعالى: { لقال الذين كفروا } جواب { لو } على الأفصح
~~من اقتران جوابها المثبت باللام، والمراد لقالوا تعنتا وعنادا للحق.
~~وإنما وضع الموصول موضع الضمير للتنصيص على اتصافهم بما في حيز الصلة من
~~الكفر الذي (لا يخفى)  كما قيل  حسن موقعه باعتبار معناه اللغوي أيضا،
~~وجوز أن يكون المراد بهم قوم معهودون من الكفرة فحديث الوضع حينئذ موضوع
~~و { إن } في قوله سبحانه { إن هذا } أي الكتاب نافية أي ما هذا {
~~إلا سحر مبين } أي ظاهر كونه سحرا.

### || [6.8]

# { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } الظاهر أنه استئناف
~~لبيان قدحهم بنبوته عليه الصلاة والسلام بما هو أصرح من الأول، وقيل: إنه
~~معطوف على جواب (لو) ويغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، واعترض
~~بأن تلك المقالة الشنعاء ليست مما يقدر صدوره عنهم على تقدير تنزيل
~~الكتاب المذكور بل هي من أباطيلهم المحققة وخرافاتهم الملفقة التي
~~يتعللون بها كلما ضاقت عليهم الحيل وعيت بهم العلل، وأجيب بأنه لا بعد في
~~تقدير صدور هذه المقالة على تقدير ذلك التنزيل لأنه مما يوقع الكافر
~~المعاند في حيص بيص فلا يدري بماذا يقابله وأي شيء يتشبث به. وكلمة {
~~لولا } هنا للتحضيض، والمقصود به التوبيخ على عدم الإتيان بملك يشاهد
~~معه حتى تنتفي الشبهة بزعمهم.

# أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحق قال: «دعا رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإسلام وكلمهم فأبلغ إليهم فيما بلغني فقال
~~له زمعة بن الأسود بن المطلب والنضر بن الحرث بن كلدة وعبدة بن عبد يغوث
~~وأبي بن خلف بن وهب والعاص بن وائل بن هشام: لو جعل معك يا محمد ملك
~~يحدث عنك الناس ويرى / معك فأنزل الله تعالى قوله سبحانه: { وقالوا
~~لولا أنزل } الخ أي هلا أنزل عليه ملك يكون معه يحدث الناس عنه
~~ويخبرهم أنه رسول من ربه سبحانه ms02669 إليهم، ولعل هذا نظير ما حكى الله تعالى
~~عنهم بقوله جل شأنه:

# لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا

# [الفرقان: 7]. ولما كان مدار هذا الاقتراح على شيئين. إنزال الملك على
~~صورته وجعله معه صلى الله عليه وسلم يحدث الناس عنه وينذرهم. أجيب عنه
~~بأن ذلك مما لا يكاد يوجد لاشتماله على المتباينين فإن إنزال الملك على
~~صورته يقتضي انتفاء جعله محدثا ونذيرا وجعله محدثا ونذيرا يستدعي عدم
~~إنزاله على صورته.

# وقد أشير إلى الأول بقوله تعالى: { ولو أنزلنا } عليه { ملكا
~~} على صورته الحقيقية فشاهدوه بأعينهم: { لقضى الأمر } أي لأتم
~~أمر إهلاكهم بسبب مشاهدتهم له لمزيد هول المنظر مع ما هم فيه من ضعف
~~القوى وعدم اللياقة. وقد قيل: إن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهم
~~هم إنما رأوا الملك في صورة البشر ولم يره أحد منهم على صورته غير النبي
~~صلى الله عليه وسلم رآه كذلك مرتين مرة في الأرض بجياد ومرة في السماء،
~~ولا يخفى أن هذا محتاج إلى نقل عن الأحاديث الصحيحة والذي صح من رواية
~~الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى
~~جبريل عليه السلام مرتين كما ذكر على صورته الأصلية لكن ليس فيه أن أحدا
~~من إخوانه الأنبياء غيره عليه الصلاة والسلام لم يره كذلك، ولم يرد هذا
~~كما قال ابن حجر وناهيك به حافظا في شيء من «كتب الآثار»، وإما رؤية
~~النبي صلى الله عليه وسلم وكذا رؤية غيره من الأنبياء غير جبريل عليه
~~السلام على الصورة الأصلية فهي جائزة بلا ريب، وظاهر الأخبار وقوعها
~~أيضا لنبينا عليه الصلاة والسلام، وأما وقوع رؤية سائر الأنبياء عليهم
~~الصلاة والسلام فلم أقف فيها على شيء لا نفيا ولا إثباتا، وعدم وقوع
~~رؤية جبريل عليه السلام لو صح لا يدل على عدم رؤية غيره إذ ليست صور
~~الملائكة كلهم كصورته عليه الصلاة والسلام في العظم، وخبر الخصمين
~~والأضياف لإبراهيم ولوط وداود عليهم السلام ليس فيه دلالة على أكثر من
~~رؤية هؤلاء ms02670 الأنبياء للملائكة بصورة الآدميين وهي لا تستلزم أنهم لا
~~يرونهم إلا كذلك وإلا لاستلزمت رؤية نبينا صلى الله عليه وسلم جبريل عليه
~~السلام بصورة دحية بن خليفة الكلبي رضي الله تعالى عنه مثلا عدم رؤيته
~~عليه الصلاة والسلام إياهم إلا بالصورة الآدمية وهو خلاف ما تفهمه
~~الأخبار، وبناء الفعل الأول في الجواب للفاعل مسندا إلى نون العظمة مع
~~كونه في السؤال مبنيا للمفعول لتهويل الأمر وتربية المهابة، وبناء الثاني
~~للمفعول للجري على سنن الكبرياء.

# وكلمة { ثم } في قوله تعالى { ثم لا ينظرون } أي لا يمهلون
~~بعد إنزاله ومشاهدتهم له طرفة عين فضلا عن أن يحظوا منه بكلمة أو يزيلوا
~~به بزعمهم شبهة للتنبيه على بعد ما بين الأمرين قضاء الأمر وعدم الإنظار
~~فإن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة، وقيل: إنها للإشارة إلى أن لهم مهلة
~~قدر أن يتأملوا. واعترض بأن قوله سبحانه: { ثم لا ينظرون } عطف
~~على قوله عز وجل: { لقضى } ولا يمهل للتأمل بعد قضاء الأمر. وقيل في
~~سبب إهلاكهم على تقدير إنزال الملك حسبما اقترحوه: إنهم إذا عاينوه قد
~~نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته الأصلية وهي آية لا شيء
~~أبين منها ثم لم يؤمنوا لم يكن بد من إهلاكهم فإن سنة الله تعالى قد جرت
~~بذلك فيمن قبلهم ممن كفر بعد نزول ما اقترح وروي هذا عن قتادة، وقيل: إنه
~~يزول / الاختيار الذي هو قاعدة التكليف عند نزوله لأن هذه آية ملجئة قال
~~تعالى:

# فلم يك ينفعهم إيمنهم لما رأوا بأسنا

# [غافر: 85] فيجب إهلاكهم لئلا يبقى وجودهم عاريا عن الحكمة إذ ما خلقوا
~~إلا للابتلاء بالتكليف وهو لا يبقى مع الإلجاء، وفيه أنه مخالف لقواعد
~~أهل السنة ولا يتسنى إلا على قواعد المعتزلة وهي أوهن من بيت العنكبوت
~~ومع هذا هو غير صاف عن الإشكال كما لا يخفى على المتتبع، وذكر بعض
~~الفضلاء أن هذا الوجه ينافي ما قبله لدلالة ما قبل على بقاء الاختيار
~~وأنهم لا يؤمنون إذا عاينوا الملك قد ms02671 نزل ودلالة هذا على سلب الاختيار
~~وزواله وان الإيمان إيمان يأس.

# وقال ابن المنير: «لا يحسن أن يجعل سبب مناجزتهم بالهلاك وضوح الآية في
~~نزول الملك فإنه ربما يفهم من ذلك أن الآيات التي لزمهم الإيمان بها دون
~~نزول الملك في الوضوح وليس الأمر كذلك. فالوجه والله تعالى أعلم أن يكون
~~سبب تعجيل عقوبتهم بتقدير نزول الملك وعدم إيمانهم أنهم اقترحوا ما لا
~~يتوقف وجوب الإيمان عليه إذ الذي يتوقف الوجوب عليه المعجز من حيث كونه
~~معجزا لا المعجز الخاص فإذا أجيبوا على وفق مقترحهم فلم ينجع فيهم كانوا
~~حينئذ على غاية من الرسوخ في العناد المناسب لعدم النظرة»، ولعل الوجه
~~الذي عولنا عليه هو الأولى، وقد أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والاعتراض عليه بأن { لا ينظرون
~~} يدل على إهلاكهم لا على هلاكهم برؤية الملك يندفع بما أشرنا إليه كما
~~لا يخفى، وليس بتكلف يترك له كلام ترجمان القرآن.

### || [6.9]

# وقد أشير إلى الثاني بقوله سبحانه: { ولو جعلنه ملكا
~~لجعلنه رجلا } على أن الضمير الأول للنذير المحدث للناس عنه
~~عليه الصلاة والسلام المفهوم من فحوى الكلام بمعونة المقام والضمير
~~الثاني للملك لا لما رجع إليه الأول أي ولو جعلنا النذير الذي اقترحتم
~~إنزاله ملكا لمثلنا ذلك الملك رجلا لعدم استطاعتكم معاينة الملك على
~~هيكله الأصلي، وفي إيثار { رجلا } على بشرا إيذان على ما قيل بأن
~~الجعل بطريق التمثيل لا بطريق قلب الحقيقة وتعيين لما يقع به التمثيل،
~~وفيه إشعار كما قال عصام الدين وغيره بأن الرسول لا يكون امرأة وهو متفق
~~عليه وإنما الاختلاف في نبوتها.

# والعدول عن ولو أنزلناه ملكا إلى ما في النظم الجليل يعلم سره مما تقدم
~~في بيان المراد، وقيل: العدول لرعاية المشاكلة لما بعد. ووجه شيخ الإسلام
~~عدم جعل الضمير الأول للملك المذكور قبل «بأن يعكس ترتيب المفعولين
~~ويقال: ولو جعلناه نذيرا لجعلناه رجلا مع فهم المراد منه أيضا بأنه
~~لتحقيق أن مناط إبراز الجعل ms02672 الأول في معرض الفرض والتقدير ومدار استلزامه
~~للثاني إنما هو ملكية النذير لا نذيرية الملك، وذلك لأن الجعل حقه أن
~~يكون مفعوله الأول مبتدأ والثاني خبرا لكونه بمعنى التصيير المنقول من
~~صار الداخل على المبتدأ والخبر، ولا ريب في أن مصب الفائدة ومدار اللزوم
~~بين طرفي الشرطية هو محمول المقدم لا موضوعه فحيث كانت «لو» امتناعية
~~أريد بيان انتفاء الجعل الأول لاستلزامه المحذور الذي هو الجعل الثاني
~~وجب أن يجعل مدار الاستلزام في الأول مفعولا ثانيا لا محالة ولذلك جعل
~~مقابله في الجعل الثاني كذلك إبرازا لكمال التنافي بينهما الموجب
~~لانتفاء الملزوم» ولا يخلو عن حسن. وجوز غير واحد كون قوله تعالى: {
~~ولو جعلنه } الخ جواب اقتراح ثان، وذلك أن للكفرة اقتراحين،
~~أحدهما: أن ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم ملك في صورته الأصلية
~~بحيث يعاينه القوم؛ والآخر أن ينزل إلى القوم ويرسل إليهم مكان الرسول
~~البشر ملك فانهم كما كانوا يقولون: لولا أنزل على / محمد صلى الله عليه
~~وسلم ملك فيكون معه نذيرا كانوا يقولون:

# ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل
~~عليكم ولو شآء الله لأنزل ملائكة

# [المؤمنون: 24] فأجيبوا عن قولهم الأول بقوله سبحانه وتعالى:

# ولو أنزلنا ملكا

# [الأنعام: 8] الخ وعن قولهم الأخير بما ذكر فضمير { جعلنه }
~~للرسول المنزل إلى القوم، ولا يخفى أن جعله جوابا عن اقتراح آخر غير
~~ظاهر من النظم الكريم ولا داعي إليه أصلا.

# وبعضهم جعله جوابا آخر وجعل الضمير للمطلوب. واعترض بأن المطلوب أيضا
~~ملك ولا معنى لقولنا لو جعلنا الملك ملكا إلا أن يقال: المراد لو جعلنا
~~المطلوب ملكيته ملكا، وتعقب بأن المطلوب هو النازل المقارن للرسول صلى
~~الله عليه وسلم وحينئذ لا غبار في الكلام خلا أن لزوم جعل الملك النازل
~~رجلا لجعله ملكا كما هو مفهوم الآية الثانية ينافي لزوم هلاكهم له كما
~~هو مفهوم الآية الأولى لتوقف الثاني على عدم الأول لأن مبناه على نزوله
~~في صورته لا في صورة رجل فحينئذ يجب أن تكون الآية جوابا ms02673 عن اقتراح آخر
~~لا جوابا آخر عن الاقتراح الأول حتى لا يلزم المنافاة.

# وأجيب بأنه على تقدير كونه جوابا آخر يكون جوابا على طريق التنزل،
~~والمعنى ولو أنزلناه كما اقترحوا لهلكوا ولو فرضنا عدم هلاكهم فلا بد من
~~تمثله بشرا لأنهم لا يطيقون رؤيته على صورته الحقيقية فيكون الارسال
~~لغوا لا فائدة فيه، وأنت تعلم أن ما عولنا عليه وهو المروي عن حبر الأمة
~~سالم عن مثل هذه الاعتراضات. نعم ذكر بعض الفضلاء إشكالا وهو أن المقرر
~~عند أهل الميزان أن صدق العكس لازم لصدق الأصل فعلى هذا يلزم من كذب
~~اللازم كذب الملزوم فههنا عكس القضية الصادقة وهي { لو جعلنه
~~ملكا لجعلنه رجلا } غير صادق إذ هو لو جعلناه رجلا
~~لجعلناه ملكا ولا خفاء في عدم تحققه فإن الله تعالى قد جعله رجلا ولم
~~يجعله ملكا والجواب - بأن ما ذكره أهل الميزان اصطلاح طار فلا يجب
~~موافقة قاعدتهم لقاعدة أهل اللسان - غير مرضي فإنه قد تقرر أن تلك
~~القاعدة غير مخالفة لقاعدة اللغة وأنها مما لا خلاف فيه.

# وأجيب عن ذلك بعد تمهيد مقدمة وهي أن للو الشرطية استعمالين لغويا وهي
~~فيه لانتفاء الثاني لانتفاء الأول كما في لو جئتني أكرمتك ومفهوم القضية
~~عليه الإخبار بأن شيئا لم يتحقق بسبب عدم تحقق شيء آخر، وعرفيا تعارفه
~~الميزانيون فيما بينهم وذلك أنهم جعلوها من أدوات الاتصال لزوميا
~~واتفاقيا وصدق القضية التي هي فيها بمطابقة الحكم باللزوم للواقع وكذبها
~~بعدمها ويحكمون بكذبها وإن تحقق طرفاها إذا لم يكن بينهما لزوم وقد
~~استعملها اللغويون أيضا في هذا المعنى إما بالاشتراك أو بالمجاز كما
~~يقال: لو كان زيد في البلد لرآه أحد. وفي بعض الآثار «لو كان الخضر حيا
~~لزارني»، ومن البين أن المقصود الاستدلال بالعدم على العدم لا الدلالة
~~على أن انتفاء الثاني سبب انتفاء الأول، وجعلوا من هذا الاستعمال

# لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا

# [الأنبياء: 22].

# وقد اشتبه هذان الاستعمالان على ابن الحاجب حتى قال ما قال بأن قول
~~المستشكل: ms02674 إن عكس القضية الصادقة الخ إن أراد به أن القضية الصادقة هي
~~المأخوذة باعتبار الاستعمال الأول فلا نسلم أن عكسه ما ذكر فإن عكس لو
~~جئتني أكرمتك ليس لو أكرمتك لجئتني وإنما يكون كذلك لو كان الحكم في هذا
~~الاستعمال بين الشرط والجزاء بالاتصال وليس كذلك بل القضية هي الجملة
~~الجزائية والشرط قيد لها كما صرح به السكاكي على أن بعض أئمة التفسير
~~قالوا: المراد من الآية ولو جعلناه ملكا لجعلناه على صورة رجل وأن
~~المقصود / بيان انتقاض غرضهم من قولهم:

# لولا أنزل عليه ملك

# [الأنعام:8] يعني أن نزول الملك لا يجديهم لأنهم وهم هم لا يقدرون على
~~مشاهدة الملك على صورته التي هو عليها إلا أن يجعله متمثلا على صورة
~~البشر في مرتبة من مراتب التنزل حتى تحصل لهم معه مناسبة فيروه فتكون
~~الآية على هذا بمراحل عن أن يبحث فيها عن أن عكسها ماذا أو كيف حالها في
~~الصدق والكذب فإنها لم تسق لبيان لزوم الجعل الثاني للجعل الأول حتى
~~يستدل بالعدم على العدم أو بالوجود على الوجود فنسبة هذا البحث إلى الآية
~~كنسبة السمك إلى السماك وإن أراد به أن القضية الصادقة هي المأخوذة
~~باعتبار الاستعمال العرفي المنطقي فمسلم أنه لا بد من صدق عكسها على
~~تقدير صدق أصلها لكن لا نسلم كذب العكس هنا على ذلك التقدير فإنه إذا فرض
~~لزوم الجعل رجلا للجعل الأول كليا على جميع التقادير يصدق لزوم الجعل
~~ملكا للجعل رجلا على بعض الأوضاع والتقادير وهو اللازم المقرر في
~~قواعدهم على أن قوله إن الله تعالى قد جعله رجلا ولم يجعله ملكا لا
~~يليق أن يصدر مثله من مثله لأنه استدلال بعدم اللازم مع وجود الملزوم على
~~بطلان اللزوم وهو كما لو قال قائل: إذا قلنا إن كان زيد صاهلا كان
~~حيوانا لا يصدق عكسه، وهو قد يكون إذا كان زيد حيوانا كان صاهلا لأنه
~~ليس بصاهل في الواقع، ومنشأ هذا هو ظن أن عدم تحقق أحد الطرفين، أو
~~كليهما ينافي اللزوم. ms02675 وأنت خبير بأن صدق اللزوم لا يتوقف على تحقق
~~الطرفين ولا تحقق المقدم اه.

# وبحث فيه المولى العلائي أما أولا: فبأن كون القضية هي الجملة الجزائية
~~والشرط قيد لها كلام ذكره بعض أهل العربية ورده السيد السند وحقق اتفاق
~~الفريقين على كون الجملة هي المجموع وحينئذ كيف يصح بناء الجواب على ذلك.
~~وأما ثانيا: فبأن المستشكل لم يستدل بعدم اللازم مع وجود الملزوم على
~~بطلان اللزوم كما لا يخفى على الناظر في عبارته، فالصواب أن يقال: أكثر
~~استعمال لو عند أهل العربية لمعنيين. الأول ما ذكره المجيب من انتفاء
~~الثاني لانتفاء الأول. والثاني الدلالة على أن الجزاء لازم الوجود في
~~جميع الأزمنة في قصد المتكلم. وذلك إذا كان الشرط يستبعد استلزامه لذلك
~~الجزاء ويكون نقيض ذلك الشرط أنسب وأليق باستلزام ذلك الجزاء فيلزم
~~استمرار وجود الجزاء على تقدير وجود الشرط وعدمه كما في «نعم العبد صهيب
~~لو لم يخف الله تعالى لم يعصه».

# وقد صرح المحققون أن الآية إما من قبيل الأول أي لو جعلناه قرينا لك
~~ملكا يعاينونه أو الرسول المرسل إليهم ملكا لجعلنا ذلك الملك في صورة
~~رجل وما جعلنا ذلك الملك في صورة رجل لأنا لم نجعل القرين أو الرسول
~~المرسل إليهم ملكا. وإما من قبيل الثاني أي ولو جعلنا الرسول ملكا لكان
~~في صورة رجل فكيف إذا كان إنسانا وكل منهما لا يقبل العكس المذكور ولا
~~ثالث فلا إشكال فتدبر. فالبحث بعد محتاج إلى بسط كلام ولو بسطناه لأمل
~~الناظرين.

# { وللبسنا عليهم ما يلبسون } جعله بعضهم جواب محذوف أي
~~ولو جعلناه رجلا للبسنا الخ، وكأن الداعي إليه إعادة لام الجواب فإنه
~~يقتضي استقلاله وأنه لا ملازمة بين إرسال الملك، واللبس عليهم فإنه ليس
~~سببا له بل لعكسه، ويجوز أن يكون عطفا على جواب لو المذكور ولا ضير في
~~عطف لازم الجواب عليه، ونكتة إعادة اللام أن لازم الشيء بمنزلته فكأنه
~~جلماب، واللبس في الأصل الستر بالثوب ويطلق على منع النفس من إدراك الشيء
~~بما هو كالستر ms02676 له يقال لبست الأمر على القوم ألبسه إذا شبهت عليهم /
~~وجعلته مشكلا. قال ابن السكيت: يقال لبست عليه الأمر إذا خلطته عليه حتى
~~لا يعرف جهته أي لخلطنا عليهم بتمثيله رجلا ما يخلطون على أنفسهم حينئذ
~~بأن يقولوا له: إنما أنت بشر ولست بملك، ولو استدل على ملكيته بالمعجز
~~كالقرآن ونحوه كذبوه كما كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم، وإسناد اللبس
~~إليه تعالى لأنه بخلقه سبحانه وتعالى أو للزومه لجعله رجلا. ويحتمل أن
~~يكون المعنى للبسنا عليهم حينئذ ما يلبسون على أنفسهم الساعة في تكذيبهم
~~النبي صلى الله عليه وسلم ونسبة آياته البينات إلى السحر. و { ما } على
~~ما اختاره في «الكشف» على الأول موصولة وعلى الثاني يجوز أن تكون مصدرية
~~وهو الأظهر لاستمرار حذف المثل في نحو ضربت ضرب الأمير، وأن تكون موصولة
~~أي مثل الذي يلبسونه. ومتعلق { يلبسون } على الوجهين على أنفسهم.
~~ويفهم من كلام الزجاج أنه على ضعفائهم حيث قال: كانوا يلبسون على ضعفائهم
~~في أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون: إنما هذا بشر مثلكم فأخبر
~~سبحانه وتعالى أنه لو جعلنا المرسل إليهم ملكا لأريناهم إياه في صورة
~~الرجل وحينئذ يلحقهم فيه من اللبس مثل ما لحق ضعفاءهم منه.

# وقرأ ابن محيصن { ولبسنا } بلام واحدة والزهري { وللبسنا
~~عليهم ما يلبسون } بالتشديد، هذا وقد ذكر الإمام الرازي في
~~بيان وجه الحكمة في جعل الملك على تقدير إنزاله في صورة البشر أمورا.
~~«الأول: أن الجنس إلى الجنس أميل. الثاني: أن البشر لا يطيق رؤية الملك.

# الثالث: أن طاعات الملك قوية فيستحقرون طاعات البشر وربما لا يعذرونهم
~~في الإقدام على المعاصي. الرابع: أن النبوة فضل من الله تعالى فيختص بها
~~من يشاء من عباده سواء كان ملكا أو بشرا». ولا يخفى أنه يرد على الوجه
~~الثالث أنه إنما يتم إذا تبدلت حقيقة الملك المقدر نزوله بحقيقة البشر
~~وهو مع كونه من انقلاب الحقائق خلاف ما يفهم من «كتب أئمة التفسير» من أن
~~التبدل صوري لا حقيقي، وأن الوجه الرابع ms02677 لا يظهر وجه كونه حكمة لتصوير
~~الملك بصورة البشر. وقول العلائي: لعل وجهه أن المصور الذي قدر كونه
~~نبيا لما اشتمل على جهتين البشرية صورة والملكية حقيقة لم يبعد أن يكون
~~دليلا على أن النبوة فضل من الله تعالى يختص بها من يشاء من عباده سواء
~~كان ملكا كهذا المصور باعتبار حقيقته أو بشرا مثله باعتبار صورته مما
~~لا يتبلج له وجه القبول.

### || [6.10]

# { ولقد استهزىء برسل من قبلك } تسلية لرسول الله صلى
~~الله عليه وسلم عما يلقاه من قومه كالوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وأبي
~~جهل وأضرابهم أي أنك لست أول رسول استهزأ به قومه فكم وكم من رسول جليل
~~الشأن فعل معه ذلك فالتنوين للتفخيم والتكثير و (من) ابتداء متعلقة
~~بمحذوف وقع صفة لرسل والكلام على حذف مضاف. وفي تصدير الجملة بالقسم وحرف
~~التحقيق من الاعتناء ما لا يخفى. وكون التسلية بهذا المقدار مما خفي على
~~بعض الفضلاء وهو ظاهر، ولك أن تقول: إن التسلية به وبما بعده من قوله
~~تعالى: { فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به
~~يستهزءون } لأنه متضمن أن من استهزأ بالرسل عوقب فكأنه سبحانه
~~وتعالى وعده صلى الله عليه وسلم بعقوبة من استهزأ به عليه والسلام إن أصر
~~على ذلك.

# وحاق بمعنى أحاط كما روي عن الضحاك واختاره الزجاج، وفسره الفراء بعاد
~~عليه وبال أمره، وقيل: حل واختاره الطبرسي، وقيل: نزل وهو قريب من سابقه
~~ومعناه يدور على الإحاطة والشمول ولا يكاد يستعمل / إلا في الشر كما قال:

# فاوطا جرد الخيل عقر ديارهم

# وحاق بهم من بأس ضربة حائق

# وقال الراغب: أصله حق فأبدل من أحد حرفي التضعيف حرف علة كتظننت، وتظنيت
~~أو هو مثل ذمة وذامة، والمعروف في اللغة ما اختاره الزجاج.

# وقال الأزهري: جعل أبو إسحق حاق بمعنى أحاط، وكأنه جعل مادته من الحوق
~~«بالضم وهو ما أحاط بالكمرة من حروفها» وقد يفتح كما في «القاموس» وجعل
~~أحد معاني الحوق بالفتح الإحاطة؛ وفيه أيضا «حاق به يحيق حيقا وحيوقا
~~وحيقانا بفتح ms02678 الياء أحاط به كأحاق وفيه السيف حاك وبهم الأمر لزمهم ووجب
~~عليهم ونزل، وأحاق الله تعالى بهم مكرهم. والحيق ما يشتمل على الإنسان من
~~مكروه فعله». وظاهره أن حاق يائي وعليه غالب أهل اللغة وهو مخالف لظاهر
~~كلام الأزهري من أنه واوي. و { منهم } متعلق بسخروا والضمير للرسل.
~~ويقال: سخر منه وبه كهزأ منه وبه فهما متحدان معنى واستعمالا. وقيل:
~~السخرية والاستهزاء بمعنى لكن الأول قد يتعدى بمن والباء. وفي «الدر
~~المصون» لا يقال إلا استهزأ به ولا يتعدى بمن. وجوز أبو البقاء أن يكون
~~الضمير للمستهزئين والجار والمجرور حينئذ متعلق بمحذوف وقع حالا من ضمير
~~الفاعل في (سخروا) ورد بأن المعنى حينئذ فحاق بالذين سخروا كائنين من
~~المستهزئين ولا فائدة لهذه الحال لانفهامها من (سخروا) وأجيب بأن هذا
~~مبني على أن الاستهزاء والسخرية بمعنى وليس بلازم فلعل من جعل الضمير
~~للمستهزئين يجعل الاستهزاء بمعنى طلب الهزء فيصح بيانه ولا يكون في النظم
~~تكرار.

# فعن الراغب الاستهزاء ارتياد الهزء وإن كان قد يعبر به عن تعاطي الهزء
~~كالاستجابة في كونها ارتيادا للإجابة وإن كان قد يجري مجرى الإجابة.

# وجوز رجوع الضمير إلى أمم الرسل ونسب إلى الحوفي ورده أبو حيان بأنه
~~يلزم إرجاع الضمير إلى غير مذكور وأجيب عنه بأنه في قوة المذكور. و {
~~بالذين } متعلق بحاق وتقديمه على فاعله وهو (ما) للمسارعة إلى بيان
~~لحوق الشر بهم. وهي إما مصدرية وضمير (به) للرسول الذي في ضمن الرسل،
~~وإما موصولة والضمير لها والكلام على حذف مضاف أي فأحاط بهم وبال
~~استهزائهم أو وبال الذي كانوا يستهزؤون به. وقد يقال: لا حاجة إلى تقدير
~~مضاف، وفي الكلام إطلاق السبب على المسبب لأن المحيط بهم هو العذاب ونحوه
~~لا الاستهزاء ولا المستهزأ به لكن وضع ذلك موضعه مبالغة. وقيل: إن المراد
~~من الذي كانوا يستهزؤون هو العذاب الذي كان الرسل يخوفونهم إياه فلا حاجة
~~إلى ارتكاب التجوز السابق أو الحذف وقد اختار ذلك الإمام الواحدي.
~~والاعتراض عليه بأنه لا قرينة على أن ms02679 المراد بالمستهزأ به هو العذاب بل
~~السياق دليل على أن المستهزأ بهم الرسل عليهم الصلاة والسلام يدفعه أن
~~الاستهزاء بالرسل عليهم الصلاة والسلام مستلزم لاستهزائهم بما جاؤوا به
~~وتوعدوا قومهم بنزوله وان مثله لظهوره لا يحتاج إلى قرينة.

# ومن الناس من زعم أن { حاق بهم } كناية عن إهلاكهم وإسناده إلى ما
~~أسند إليه مجاز عقلي من قبيل أقدمني بلدك حق لي على فلان إذ من المعلوم
~~من مذهب أهل الحق أن المهلك ليس إلا الله تعالى فإسناده إلى غيره لا يكون
~~إلا مجازا وأنت تعلم أن الحيق الإحاطة ونسبتها إلى العذاب لا شبهة في
~~أنها حقيقة ولا داعي إلى تفسيره بالإهلاك وارتكاب المجاز العقلي، ولعل
~~مراد من فسر بذلك بيان مؤدى الكلام ومجموع معناه. نعم / إذا قلنا: إن
~~الإحاطة إنما تكون للأجسام دون المعاني فلا بد من ارتكاب تجوز في الكلام
~~على تقدير إسنادها إلى العذاب لكن لا على الوجه الذي ذكره هذا الزاعم كما
~~لا يخفى. وفي جمع (كانوا) و(يستهزؤون) ما مر غير مرة في أمثاله. و { به
~~} متعلق بما بعده وتقديمه لرعاية الفواصل.

### || [6.11]

# خطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم بإنذار قومه وتذكيرهم بأحوال
~~الأمم الخالية وما حاق بهم لسوء أفعالهم تحذيرا لهم عما هم عليه مما
~~يحاكي تلك الأفعال. وفي ذلك أيضا تكملة لتسليته عليه الصلاة والسلام بما
~~في ضمنه من العدة اللطيفة بأنه سيحيق بهم مثل ما حاق بأضرابهم الأولين،
~~وقد أنجز سبحانه وتعالى ذلك إنجازا أظهر من الشمس يوم بدر، والمراد من
~~النظر التفكر، وقيل: النظر بالأبصار، وجمع بينهما الطبرسي بناء على القول
~~بجواز مثل ذلك. و { كيف } خبر مقدم لكان أو حال وهي تامة. والعاقبة
~~مآل الشيء وهي مصدر كالعافية، والتعبير بالمكذبين دون المستهزئين قيل:
~~للإشارة إلى أن مآل من كذب إذا كان كذلك فكيف الحال في مآل من جمع بينه
~~وبين الاستهزاء. وأورد عليه أن تعريف المكذبين للعهد وهم الذين سخروا
~~فيكونون جامعين بين الأمرين مع أن الاستهزاء بما جاؤوا به يستلزم ms02680 تكذيبه.
~~ولا يخفى أن مقصود القائل إن أولئك وإن جمعوا الأمرين لكن في الإشارة
~~إليهم بهذا العنوان هنا ما لا يخفى من الإشارة إلى فظاعة ما نالهم، وقيل:
~~إن وضع المكذبين موضع المستهزئين لتحقيق أنه مدار ما أصابهم هو التكذيب
~~لينزجر السامعون عنه لا عن الاستهزاء فقط مع بقاء التكذيب بحاله بناء على
~~توهم أنه المدار في ذلك، وعطف الأمر بالنظر على الأمر بالسير بثم قيل
~~للإيذان بتفاوت ما بينهما وإن كان كل من الأمرين واجبا لأن الأول إنما
~~يطلب للثاني كما في قولك: توضأ ثم صل، وقيل: للإيذان بالتفاوت لأن الأول
~~لإباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع. والثاني لايجاب النظر
~~في آثار الهالكين، ولا ريب في تباعد ما بين الواجب والمباح. وأورد عليه 
~~كما قال الشهاب  أنه يأباه سلامة الذوق لأن فيه إقحام أمر أجنبي وهو
~~بيان إباحة السير للتجارة بين الإخبار عن حال المستهزئين وما يناسبه وما
~~يتصل به من الأمر بالاعتبار بآثارهم وهو مما يخل بالبلاغة إخلالا
~~ظاهرا.

# وتعقب بأن هذا وإن تراءى في بادىء النظر لكنه غير وارد إذ ذاك غير أجنبي
~~لأن المراد خذلانهم وتخليتهم وشأنهم من الإعراض عن الحق بالتشاغل بأمر
~~دنياهم كقوله تعالى:

# وليتمتعوا

# [العنكبوت: 66]. وهذا حاصل ما قيل: إن الكلام مجاز عن الخذلان والتخلية
~~وإن ذلك الأمر متسخط إلى الغاية كما تقول لمن عزم على أمر مؤد إلى ضرر
~~عظيم فبالغت في نصحه ولم ينجع فيه أنت وشأنك وافعل ما شئت فإنك لا تريد
~~بذلك حقيقة الأمر كيف والآمر بالشيء مريد له وأنت شديد الكراهة متحسر
~~ولكنك كأنك قلت له: إذ قد أبيت النصح فأنت أهل لأن يقال لك: افعل ما شئت.

# ولا يخفى أن انفهام ذلك من الآية في غاية البعد. وفرق الزمخشري بين هذه
~~الآية وقوله تعالى في سورة النمل: [69]

# قل سيروا فى الأرض فانظروا

# بحمل الأمر بالسير هنا على الإباحة المذكورة آنفا، وحمل الأمر به هناك
~~على السير لأجل النظر. ولهذا كان العطف بالفاء في تلك الآية. ms02681 ونظر فيه
~~بعضهم بغير ما أشرنا إليه أيضا.

# وذكر أن التحقيق أنه سبحانه قال هنا: { ثم انظروا } وفي غير ما
~~موضع

# فانظروا

# [آل عمران: 137، النمل: 36، العنكبوت: 20، الروم: 42] لأن المقام هنا
~~يقتضي / ثم دونه في هاتيك المواضع وذلك لتقدم قوله تعالى فيما نحن فيه {
~~ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن
~~مكنهم فى الأرض } مع قوله سبحانه وتعالى:

# وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين

# [الأنعام: 6] والأول يدل على أن الهالكين طوائف كثيرة. والثاني يدل على
~~أن المنشأ بعدهم أيضا كثيرون فيكون أمرهم بالسير دعاء لهم إلى العلم
~~بذلك فيكون المراد به استقراء البلاد ومنازل أهل الفساد على كثرتها ليروا
~~الآثار في ديار بعد ديار وهذا مما يحتاج إلى زمان ومدة طويلة تمنع من
~~التعقيب الذي تقتضيه الفاء ولا كذلك في المواضع الاخر اه، ولا يخلو عن
~~دغدغة. واختار غير واحد أن السير متحد هناك وهنا ولكنه أمر ممتد يعطف
~~النظر عليه بالفاء تارة نظرا إلى آخره وبثم أخرى نظرا إلى أوله وكذا
~~شأن كل ممتد.

### || [6.12]

# { قل } على سبيل التقريع لهم والتوبيخ { لمن ما فى
~~السموات والأرض } من العقلاء وغيرهم أي لمن الكائنات جميعا
~~خلقا وملكا وتصرفا. وقوله سبحانه وتعالى: { قل لله } تقرير
~~للجواب نيابة عنهم أو إلجاء لهم إلى الإقرار بأن الكل له سبحانه وتعالى
~~وفيه إشارة إلى أن الجواب قد بلغ من الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره
~~منكر ولا على دفعه دافع فإن أمر السائل بالجواب إنما يحسن  كما قال
~~الإمام  في موضع يكون فيه الجواب كذلك، قيل: وفيه إشارة إلى أنهم
~~تثاقلوا في الجواب مع تعينه لكونهم محجوجين، وذكر عصام الملة أن قوله
~~سبحانه وتعالى: { قل لمن } الخ معناه الأمر بطلب هذا المطلب والتوجه
~~إلى تحصيله. وقوله عز وجل: { قل لله } معناه أنك إذا طلبت وأدى نظرك
~~إلى الحق فاعترف به ولا تنكره. وهذا إرشاد إلى طريق التوحيد في الأفعال
~~بعد الإرشاد إلى التوحيد في الألوهية وهو الاحتراز عن حال المكذبين. وفي
~~هذا إشارة إلى وجه ms02682 الربط وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبا ما يعلم منه
~~الوجه الوجيه لذلك، والجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف أي لله تعالى ذلك أو
~~ذلك لله تعالى شأنه.

# { كتب على نفسه الرحمة } جملة مستقلة داخلة تحت الأمر
~~صادحة بشمول رحمته عز وجل لجميع الخلق اثر بيان شمول ملكه وقدرته سبحانه
~~وتعالى للكل المصحح لإنزال العقوبة بالمكذبين مسوقة لبيان أنه تعالى رؤوف
~~بالعباد لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم التوبة وما سبق وما لحق من
~~أحكام الغضب ليس إلا من سوء اختيار العباد لسوء استعدادهم الأزلي لا من
~~مقتضيات ذاته جل وعلا

# وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون

# [النحل: 33]، ومعنى كتب الرحمة على نفسه جل شأنه إيجابها بطريق التفضل
~~والإحسان على ذاته المقدسة بالذات لا بتوسط شيء. وقيل: هو ما أخرجه
~~الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم

# " لما قضى الله تعالى الخلق كتب كتابا فوضعه عنده فوق العرش إن رحمتي
~~سبقت غضبي "

# ، وفي رواية الترمذي عنه مرفوعا

# " لما خلق الله تعالى الخلق كتب كتابا عنده بيده على نفسه إن رحمتي
~~تغلب غضبي "

# ، وفي رواية ابن مردويه عنه

# " إن الله تعالى كتب كتابا بيده لنفسه قبل أن يخلق السماوات والأرض
~~فوضعه تحت عرشه فيه رحمتي سبقت غضبي "

# إلى غير ذلك من الأخبار، ومعنى سبق الرحمة وغلبتها فيها أنها أقدم
~~تعلقا بالخلق وأكثر وصولا إليهم مع أنها من مقتضيات الذات المفيضة
~~للخير.

# وفي «شرح مسلم» للإمام النووي: «قال العلماء: غضب الله تعالى ورضاه
~~يرجعان إلى معنى الإرادة فإرادته / الثواب للمطيع والمنفعة للعبد تسمى
~~رضا ورحمة وإرادته عقاب العاصي وخذلانه تسمى غضبا وإرادته سبحانه وتعالى
~~صفة له قديمة يريد بها [جميع المرادات]، قالوا: والمراد بالسبق والغلبة
~~هنا كثرة الرحمة وشمولها كما يقال غلب على فلان الكرم والشجاعة إذا كثر
~~منه» انتهى وهو يرجع إلى ما قلنا.

# وحاصل الكلام في ذلك أن السبق والغلبة في التعلقات في نفس الصفة الذاتية
~~إذ لا يتصور تقدم ms02683 صفة على صفة فيه تعالى لاستلزامه حدوث المسبوق، وكذا لا
~~يتصور الكثرة والقلة بين صفتين لاستلزام ذلك الحدوث وقد يراد بالرحمة ما
~~يرحم به وهي بهذا المعنى تتصف بالتعدد والهبوط ونحو ذلك أيضا، وعليه
~~يخرج ما أخرجه مسلم وابن مردويه عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " إن لله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة كل رحمة طباق ما
~~بين السماوات والأرض فجعل منها في الأرض رحمة فبها تعطف الوالدة على
~~ولدها والوحش والطير بعضها على بعض فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه
~~الرحمة "

# وأخرج عبد بن حميد وغيره عن عبد الله بن عمرو قال:

# " إن لله تعالى مائة رحمة أهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا يتراحم
~~بها الجن والإنس وطائر السماء وحيتان الماء ودواب الأرض وهوامها وما بين
~~الهواء واختزن عنده تسعا وتسعين رحمة حتى إذا كان يوم القيامة اختلج
~~الرحمة التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا فحواها إلى ما عنده فجعلها في
~~قلوب أهل الجنة وعلى أهل الجنة "

# والمراد بالرحمة في الآية ما يعم الدارين مع عموم متعلقها، فما روي عن
~~الكلبي من أن المعنى أوجب لنفسه الرحمة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم
~~بأن لا يعذبهم عند التكذيب كما عذب من قبلهم من الأمم الخالية والقرون
~~الماضية عند ذلك بل يؤخرهم إلى يوم القيامة لم يدع إليه إلا إظهار ما
~~يناسب المقام من أفراد ذلك العام.

# وفي التعبير عن الذات بالنفس رد على من زعم أن لفظ النفس لا يطلق على
~~الله تعالى وإن أريد به الذات إلا مشاكلة. واعتبار المشاكلة التقديرية
~~غير ظاهر كما هو ظاهر.

# وقوله سبحانه: { ليجمعنكم إلى يوم القيمة } جواب
~~قسم محذوف وقع  على ما قال أبو البقاء  كتب موقعه. والجملة استئناف
~~نحوي مسوق للوعيد على إشراكهم وإغفالهم النظر، وقيل: بياني كأنه قيل: وما
~~تلك الرحمة فقيل: إنه تعالى ليجمعنكم الخ وذلك لأنه لولا خوف القيامة
~~والعذاب لحصل الهرج والمرج وارتفع الضبط ms02684 وكثر الخبط. وأورد عليه أنه إنما
~~يظهر ما ذكر لو كانوا معترفين بالبعث وليس فليس.

# وقال بعض المحققين أيضا: إنه تكلف ولا يتوجه فيه الجواب إلا باعتبار ما
~~يلزم التخويف من الامتناع عن المناهي المستلزم للرحمة، وقيل: صلاحية ما
~~في الآية للجواب باعتبار أن المراد ليجمعنكم إلى يوم القيامة ولا يعاجلكم
~~بالعقوبة الآن على تكذيبكم على ما أشار إليه الكلبي، وقيل: إن القسم
~~وجوابه في محل نصب على أنه بدل من { الرحمة } بدل البعض، وقد ذكر
~~النحاة أن الجملة تبدل من المفرد. نعم لم يتعرضوا لأنواع البدل في ذلك
~~والجار والمجرور قيل متعلق بمحذوف أي ليجمعنكم في القبور مبعوثين إلى يوم
~~الخ على أن البعث بمعنى الإرسال وهو مما يتعدى بإلى ولا يحتاج إلى ارتكاب
~~التضمين، واعترض بأن البعث يكون إلى المكان لا إلى الزمان إلا أن يراد
~~بيوم القيامة واقعتها في موقعها؛ وقيل: هو متعلق بالفعل المذكور، والمراد
~~جمع فيه معنى السوق والاضطرار كأنه قيل ليبعثنكم ويسوقنكم ويضطرنكم إلى
~~يوم القيامة أي إلى حسابه، وقيل: إنه متعلق بالفعل / وإلى بمعنى في كما
~~في قوله:

# لا تتركني بالوعيد كأنني

# إلى الناس مطلي به القار أجرب

# ومنع بعضهم مجيء إلى بمعنى في في كلامهم ولو صح ذلك لجاز زيد إلى الكوفة
~~بمعنى في الكوفة وتأول البيت بتضمين مضافا أو مبغضا أو مكرها، وأجيب
~~بأن ذلك إنما يرد إذا قيل: إن استعمال إلى بمعنى في قياس مطرد ولعل
~~القائل بالاستعمال لا يقول بما ذكر، وارتكاب التضمين خلاف الأصل، وارتكاب
~~القول بأن إلى بمعنى في وإن لم يكن مطردا أهون منه، وقيل: إنها بمعنى
~~اللام، وقيل: زائدة والخطاب للكافرين كما هو الظاهر من السياق، وقيل: عام
~~لهم وللمؤمنين بعد أن كان خاصا بالكافرين أي ليجمعنكم أيها الناس إلى
~~يوم القيامة { لا ريب فيه } أي لا ينبغي لأحد أن يرتاب فيه لوضوح
~~أدلته وسطوع براهينه التي تقدم بعض منها. والجملة حال من اليوم والضمير
~~المجرور له، ويحتمل أن تكون صفة لمصدر محذوف والضمير له ms02685 أي جمعا لا ريب
~~فيه، وجوز أن تكون تأكيدا لما قبلها كما قالوا في قوله تعالى:

# ذلك الكتاب لا ريب فيه

# [البقرة: 2].

# { الذين خسروا أنفسهم } بتضييع رأس مالهم وهو الفطرة
~~الأصلية والعقل السليم والاستعداد القريب الحاصل من مشاهدة الرسول صلى
~~الله عليه وسلم واستماع الوحي وغير ذلك من آثار الرحمة، وموضع الموصول
~~قيل: نصب على الذم أو رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي أنتم الذين وهو
~~نعت مقطوع ولا يلزم أن يكون كل نعت مقطوع يصح اتباعه نعتا بل يكفي فيه
~~معنى الوصف ألا ترى إلى قوله تعالى:

# ويل لكل همزة لمزة * الذى جمع مالا

# [الهمزة: 1-2] كيف قطع فيه { الذى } مع عدم صحة اتباعه نعتا للنكرة
~~فلا يرد أن القطع إنما يكون في النعت والضمير لا ينعت، وقيل: هو بدل من
~~الضمير بدل بعض من كل بتقدير ضمير أو هو خبر مبتدأ على القطع على البدلية
~~أيضا ولا اختصاص للقطع بالنعت، ولعلهم إنما لم يجعلوه منصوبا بفعل مقدر
~~أو خبرا لمبتدأ محذوف من غير حاجة لما ذكر لدعواهم أن مجرد التقدير لا
~~يفيد الذم أو المدح إلا مع القطع.

# واختار الأخفش البدلية، وتعقب ذلك أبو البقاء بأنه بعيد لأن ضمير
~~المتكلم والمخاطب لا يبدل منهما لوضوحهما غاية الوضوح وغيرهما دونهما في
~~ذلك.

# وقيل: هو مبتدأ خبره { فهم لا يؤمنون } والفاء للدلالة على أن
~~عدم إيمانهم وإصرارهم على الكفر مسبب عن خسرانهم فإن إبطال العقل باتباع
~~الحواس والوهم والانهماك في التقليد أدى بهم إلى الإصرار على الكفر
~~والامتناع عن الإيمان، وفي «الكشاف» «فإن قلت: كيف يكون عدم إيمانهم
~~مسببا عن خسرانهم والأمر على العكس؟ قلت: معناه الذين خسروا أنفسهم في
~~علم الله تعالى لاختيارهم الكفر فهم لا يؤمنون». وحاصل الكلام على هذا
~~الذين حكم الله تعالى بخسرانهم لاختيارهم الكفر فهم لا يؤمنون، والحكم
~~بالخسران سابق على عدم الإيمان لأنه مقارن للعلم باختيار الكفر لا لحصوله
~~بالفعل فيصح ترتب عدم الإيمان عليه من هذا الوجه، وأنت تعلم أن هذا
~~السؤال ms02686 يندفع بحمل الخسران على ما ذكرناه، ولعله أولى مما في «الكشاف»
~~لما فيه من الدغدغة.

# والجملة كما قال غير واحد تذييل مسوق من جهته تعالى لتقبيح حالهم غير
~~داخلة تحت الأمر. وقيل: الظاهر على تقدير الابتداء عطف الجملة على { لا
~~ريب فيه } فيحتاج الفصل إلى تكلف تقدير سؤال كأنه قيل: فلم يرتاب
~~الكافرون به؟ فأجيب بأن خسرانهم أنفسهم صار سببا لعدم الإيمان، وجوز على
~~ذلك التقدير كون الجملة حالية وهو كما ترى.

# / هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { الحمد لله الذى خلق
~~السموات والأرض } أي سماوات عالم الأرواح وأرض عالم الجسم،
~~ويقال: الروح سماء القلب لأن منها ينزل غيث الإلهام والقلب أرضها لأنه
~~فيه ينبت زهر الحكمة ونور المعرفة { وجعل الظلمت } أي وأنشأ
~~في عالم الجسم ظلمات المراتب التي هي حجب ظلمانية للذات المقدسة وأنشأ في
~~عالم الأرواح نور العلم والإدراك، ويقال: الظلمات الهواجس والخواطر
~~الباطلة والنور الإلهام وقال بعضهم: الظلمات أعمال البدن والنور أحوال
~~القلب. ثم بعد ظهور ذلك

# الذين كفروا بربهم يعدلون

# [الأنعام: 1] غيره ويثبتون معه سبحانه وتعالى من يساويه في الوجود وهو
~~الله الذي لا نظير له في سائر صفاته { هو الذى خلقكم من طين
~~} وهو طين المادة الهيولانية { ثم قضى أجلا } أي حدا معينا من
~~الزمان إذا بلغه السالك إلى ربه سبحانه وتعالى فنى فيه عز شأنه {
~~وأجل مسمى عنده }  وهو البقاء بعد الفناء، وقيل: الأجل الأول
~~هو الذي يقتضيه الاستعداد طبعا بحسب الهوية وهو المسمى أجلا طبيعيا
~~للشخص بالنظر إلى مزاجه الخاص وتركيبه المخصوص بلا اعتبار عارض من
~~العوارض الزمانية.

# ونكر لأنه من أحكام القضاء السابق الذي هو أم الكتاب وهي كلية منزهة عن
~~التشخصات إذ محلها الروح الأول المقدس. والأجل الثاني هو الأجل المقدر
~~الزماني الذي يقع عند اجتماع الشرائط وارتفاع الموانع وهو مثبت في كتاب
~~النفس الفلكية التي هي لوح القدر { ثم أنتم } بعد ما علمتم ذلك

# تمترون

# [الأنعام: 2] وتشكون في تصرفه فيكم كما يشاء { وهو الله فى
~~السموات وفى الأرض } أي سواء ms02687 ألوهيته بالنسبة إلى العالم
~~العلوي والسفلي { يعلم سركم } في عالم الأرواح وهو عالم الغيب {
~~وجهركم } في عالم الأجسام وهو عالم الشهادة

# ويعلم ما تكسبون

# [الأنعام: 3] فيهما من العلوم والحركات والسكنات وغيرها فيجازيكم
~~بحسبها، وقيل: المعنى يعلم جولان أرواحكم في السماء لطلب معادن الأفراح
~~وتقلب أشباحكم في الأرض لطلب الوسيلة إلى مشاهدته ويعلم ما تحصلونه بذلك
~~{ وما تأتيهم من ءاية من ءايت ربهم } الأنفسية
~~والآفاقية

# إلا كانوا عنها معرضين

# [الأنعام: 4] لسوء اختيارهم وعمى أعينهم عن مشاهدة أنوار الله تعالى
~~الساطعة على صفحات الوجود { وقالوا } لضعف يقينهم

# لولا أنزل عليه ملك

# فنراه لتزول شبهتنا

# ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر

# [الأنعام: 8] أي أمر هلاكهم لعدم قدرتهم على تحمل مشاهدته

# ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا

# [الأنعام: 9] ليمكنهم مشاهدته { قل لمن ما فى السموات
~~والأرض } أي ما في العالمين { قل لله } إيجادا وإفناء {
~~كتب على نفسه الرحمة }. قال سيدي الشيخ الأكبر قدس الله
~~تعالى سره: إن رحمة الله تعالى عامة وهي نعمة الامتنان التي تنال من غير
~~استحقاق، وهي المرادة في قوله تعالى:

# فبما رحمة من الله لنت لهم

# [آل عمران: 159] وإليها الإشارة بالرحمن في البسملة وخاصة وهي الواجبة
~~المرادة بقوله تعالى:

# فسأكتبها للذين يتقون

# [الأعراف: 156] وإليها الإشارة بالرحيم فيها. ويشير كلامه قدس الله
~~تعالى سره في «الفتوحات» إلى أن ما في الآية هو الرحمة الخاصة، ومقتضى
~~السياق أنها الرحمة العامة. وذكر قدس الله تعالى سره في أثناء الكلام على
~~الرحمة وقول الله عز شأنه يوم القيامة «شفعت الملائكة وشفعت النبيون
~~والمؤمنون وبقي أرحم الراحمين إن رحمة الله تعالى سبقت غضبه» كما في
~~الخبر فهي أمام الغضب فلا يزال غضب الله تعالى يجري في شأواه بالانتقام
~~من العباد حتى ينتهي إلى آخر مداه فيجد الرحمة قد سبقته فتتناول منه
~~العبد المغضوب عليه فتبسط عليه ويرجع الحكم لها فيه، والمدى الذي يقطعه
~~الغضب ما بين

# الرحمن الرحيم

# [الفاتحة:1] الذي في البسملة وبين

# الرحمن الرحيم

# [الفاتحة: 3] الذي بعد

# الحمد لله رب العالمين

# [الفاتحة:2]. فالحمد لله رب العالمين ms02688 / هو المدى وأوله وآخره ما قد
~~علمت، وإنما كان ذلك عين المدى لأن فيه يظهر السراء والضراء، ولهذا كان
~~فيه الحمد وهو الثناء ولم يقيد بسراء ولا ضراء فيعمهما، ويقول الشرع في
~~حمد السراء: الحمد لله المنعم المتفضل، ويقول في حمد الضراء: الحمد لله
~~على كل حال، فالحمد لله قد جاء في السراء والضراء فلهذا كان عين المدى،
~~وما من أحد في الدار الآخرة إلا وهو يحمد الله تعالى ويرجو رحمته ويخاف
~~عذابه واستمراره عليه فجعل الله تعالى عقيب { الحمد لله رب
~~العلمين }  { الرحمن الرحيم } فالعالم بينهما بما هو
~~عليه من محمود ومذموم، وهذا شبيه بما جاء في سورة ألم نشرح وهو تنبيه
~~عجيب منه سبحانه وتعالى لعباده ليتقوى عندهم الرجاء والطمع في رحمة الله
~~تعالى.

# وأنت إذا التفت أدنى التفات تعلم أنه ما من أثر من آثار البطش إلا وهو
~~مطرز برحمة الله تعالى بل ما من سعد ونحس إلا وقد خرج من مطالع أفلاك
~~الرحمة التي أفاضت شآبيبها على القوابل حسب القابليات؛ ومما يظهر سبق
~~الرحمة أن كل شيء موجود مسبوق بتعلق الإرادة بإيجاده وإخراجه من حيز
~~العدم الذي هو معدن كل نقص، ولا ريب في أن ذلك رحمة كما أنه لا ريب في
~~سبقه، نعم تنقسم الرحمة من بعض الحيثيات إلى قسمين، رحمة محضة لا يشوبها
~~شيء من النقمة كنعيم الجنة وهي الطالعة من بروج اسمه سبحانه الرحيم
~~ولكونه صلى الله عليه وسلم يحب دخول أمته الجنة ويكره لهم النار سماه
~~الحق عز اسمه الرحيم في قوله سبحانه وتعالى:

# عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين
~~رءوف رحيم

# [التوبة: 128]، ورحمة قد يشوبها نقمة كتأديب الولد بالضرب رحمة به،
~~وكشرب الدواء المر البشع وهي المشرقة من مطالع آفاق اسمه عز اسمه الرحمن،
~~ولعل هذه الرحمة العامة هي المرادة في قوله تعالى:

# وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين

# [الأنبياء: 107] ثم اعلم أن سبق الرحمة الغضب يقتضي ظاهرا سبق تجليات
~~الجمال على تجليات الجلال لأن الرحمة من الجمال والغضب من الجلال. ms02689

# وذكر مولانا الشيخ عبد الكريم الجيلي قدس سره أن الجلال أسبق من الجمال.
~~فقد ورد في الحديث

# " العظمة إزاري والكبرياء ردائي "

# ولا أقرب من ثوب الرداء والإزار إلى الشخص. ثم قال: ولا يناقض هذا قوله
~~جل شأنه:

# " سبقت رحمتي غضبي "

# فإن الرحمة السابقة إنما هي بشرط العموم والعموم من الجلال. وادعى أن
~~الصفة الواحدة الجمالية إذا استوفت كمالها في الظهور أو قاربت سميت
~~جلالا لقوة ظهور سلطان الجمال فمفهوم الرحمة من الجمال وعمومها
~~وانتهاؤها جلال، وأنت تعلم أنه إذا فسر السبق بالمعنى الذي نقله النووي
~~عن العلماء سابقا وهو الكثرة والشمول فهو مما لا ريب في تحققه في الرحمة
~~إذ في كل غضب رحمة وليس في كل رحمة غضب كما لا يخفى على من حقق النظر.
~~وبالجملة في رحمته سبحانه مطمع أي مطمع حتى أن إبليس يرجوها يوم القيامة
~~على ما يدل عليه بعض الآثار. وأحظى الناس بها إن شاء الله تعالى هذه
~~الأمة. نسأل الله تعالى لنا ولكم الحظ الأوفر منها { ليجمعنكم
~~إلى يوم القيمة } الصغرى أو الكبرى { لا ريب فيه } في
~~نفس الأمر وإن لم يشعر به المحجوبون { الذين خسروا أنفسهم }
~~بإهلاكها في الشهوات واللذات الفانية فحجبوا عن الحقائق الباقية
~~النورانية واستبدلوا بها المحسوسات الفانية الظلمانية

# فهم لا يؤمنون

# [الأنعام: 12] لذلك، نسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية في الدين
~~والدنيا والآخرة.

### || [6.13]

# { وله } عطف على { لله } فهو داخل تحت

# قل

# [الأنعام: 12] على أنه احتجاج ثان على المشركين وإليه ذهب غير واحد.
~~وقال أبو حيان: «الظاهر أنه استئناف إخبار وليس مندرجا تحت الأمر» أي
~~ولله سبحانه وتعالى خاصة. / { ما سكن فى اليل والنهار } أي
~~الوقتين المخصوصين. و (ما) موصولة و { سكن } إما من السكنى فيتناول
~~الكلام المتحرك والساكن من غير تقدير، وتعديتها بفي إلى الزمان مع أن حق
~~استعمالها في المكان لتشبيه الاستقرار بالزمان بالاستقرار بالمكان، وجوز
~~أن يكون هناك مشاكلة تقديرية لأن معنى لله ما في السماوات والأرض ما سكن
~~فيهما واستقر، والمراد وله ما اشتملا عليه، وإما ms02690 من السكون ضد الحركة كما
~~قيل، وفي الكلام الاكتفاء بأحد الضدين كما في قوله تعالى:

# سرابيل تقيكم الحر

# [النحل: 81] والتقدير ما سكن فيهما وتحرك وإنما اكتفى بالسكون عن ضده
~~دون العكس لأن السكون أكثر وجودا وعاقبة كل متحرك السكون كما قيل:

# إذا هبت رياحك فاغتنمها

# فإن لكل خافقة سكون

# ولأن السكون في الغالب نعمة لكونه راحة ولا كذلك الحركة. ورد بأنه لا
~~وجه للاكتفاء بالسكون عن التحرك في مقام البسط والتقرير وإظهار كمال
~~الملك والتصرف. وأجيب بأن هذا المحذوف في قوة المذكور لسرعة انفهامه من
~~ذكر ضده والمقام لا يستدعي الذكر وإنما يستدعي عموم التغيرات والتصرفات
~~الواقعة في الليل والنهار، ومتى التزم كون السكون مع ضده السريع الانفهام
~~كناية عن جميع ذلك ناسب المقام. وقيل: إن ما سكن يعم جميع المخلوقات إذ
~~ليس شيء منها غير متصف بالسكون حتى المتحرك حال ما يرى متحركا بناء على
~~ما حقق في موضعه من أن تفاوت الحركات بالسرعة والبطء لقلة السكنات
~~المتخللة وكثرتها، وفي معنى الحركة والسكون وبيان أقسام الحركة المشهورة
~~كلام طويل يطلب من محله.

# { وهو السميع } أي المبالغ في سماع كل مسموع فيسمع هواجس كل ما
~~يسكن في الملوين { العليم } أي المبالغ في العلم بكل معلوم من
~~الأجناس المختلفة؛ والجملة مسوقة لبيان إحاطة سمعه وعلمه سبحانه وتعالى
~~بعد بيان إحاطة قدرته جل شأنه أو للوعيد على أقوالهم وأفعالهم ولذا خص
~~السمع والعلم بالذكر، وهي تحتمل أن تكون من مقول القول وأن تكون من مقول
~~الله تعالى.

### || [6.14]

# { قل } للمشركين بعد توبيخهم بما سبق { أغير الله أتخذ
~~وليا } إنكار لاتخاذ غير الله تعالى وليا لا لاتخاذ الولي مطلقا
~~ولذا قدم المفعول الأول وأولى الهمزة ونحوه

# أفغير الله تأمرونى أعبد

# [الزمر: 64] والمراد بالولي هنا المعبود لأنه رد لمن دعاه صلى الله عليه
~~وسلم، فقد قيل: إن أهل مكة قالوا له عليه الصلاة والسلام: يا محمد تركت
~~ملة قومك وقد علمنا أنه لا يحملك على ذلك إلا الفقر فارجع فإنا نجمع لك
~~من أموالنا ms02691 حتى تكون من أغنانا فنزلت. واعترض بأن المشرك لم يخص عبادته
~~بغير الله تعالى فالرد عليه إنما يكون لو قيل: أأتخذ غير الله وليا.
~~وأجيب بأن من أشرك بالله تعالى غيره لم يتخذ الله تعالى معبودا لأنه لا
~~يجتمع عبادته سبحانه مع عبادة غيره كما قيل:

# إذا صافى صديقك من تعادى

# فقد عاداك وانقطع الكلام

# وقيل: الولي بمعنى الناصر كما هو أحد معانيه المشهورة، ويعلم من إنكار
~~اتخاذ غير الله تعالى ناصرا أنه لا يتخذه معبودا من باب الأولى، ويحتمل
~~الكلام  على ما قيل  أن يكون من الإخراج على خلاف مقتضى الظاهر قصدا
~~إلى إمحاض النصح ليكون أعون على القبول كما في قوله تعالى:

# وما لى لا أعبد الذى فطرنى وإليه ترجعون

# [يس: 22].

# { فاطر السموت والأرض } أي مبدعهما كما أخرجه ابن أبي
~~حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. / وأخرج أبو عبيدة وابن جرير
~~وابن الأنباري عنه رضي الله تعالى عنه قال: كنت لا أدري ما فاطر السماوات
~~والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها يقول:
~~أنا ابتدأتها، وهو نعت للجلالة مؤكد للإنكار، وصح وقوعه نعتا للمعرفة
~~لأنه بمعنى الماضي سواء كان كلاما من الله تعالى ابتداء أو محكيا عن
~~الرسول صلى الله عليه وسلم إذ المعتبر زمان الحكم لا زمان التكلم، ويدل
~~على إرادة المضي أنه قرأ الزهري { فطر } ولا يضر الفصل بينهما بالجملة
~~لأنها ليست بأجنبية إذ هي عاملة في عامل الموصوف، وقيل: بدل من الاسم
~~الجليل، ورجحه أبو حيان بأن الفصل فيه أسهل، وقرىء بالرفع والنصب على
~~المدح أي هو فاطر أو امدح فاطر، وجوز أن يكون النصب على البدلية من {
~~وليا } لا الوصفية لأنه معرفة، نعم يجوز على قراءة الزهري أن تكون
~~الجملة صفة له.

# { وهو يطعم ولا يطعم } أي يرزق ولا يرزق كما أخرجه ابن
~~جرير وغيره عن السدي، فالمراد من الطعم الرزق بمعناه اللغوي وهو كل ما
~~ينتفع به بدليل وقوعه مقابلا له في قوله تعالى:

# ما أريد منهم ms02692 من رزق وما أريد أن يطعمون

# [الذاريات: 57] وعبر بالخاص عن العام مجازا لأنه أعظمه وأكثره لشدة
~~الحاجة إليه، ويحتمل أنه اكتفى بذكره عن ذكره لأنه يعلم من ذلك نفي ما
~~سواه فهو حقيقة، والجملة في محل نصب على الحالية، وعن أبي عمرو والأعمش
~~وعكرمة أنهم قرأوا { ولا يطعم } بفتح الياء والعين أي ولا يأكل والضمير
~~لله تعالى، ومثله قراءة أبي عبلة بفتح الياء وكسر العين، وقرأ يعقوب
~~بعكس القراءة الأولى أعني بناء الأول للمفعول والثاني للفاعل، والضمير
~~حينئذ في الفعلين لغير الله تعالى أي أتخذ من هو مرزوق غير رازق وليا،
~~والكلام وإن كان مع عبدة الأصنام إلا أنه نظر إلى عموم غير الله تعالى
~~وتغليب أولي العقول كعيسى عليه الصلاة والسلام لأن فيه إنكار أن يصلح
~~الأصنام للألوهية من طريق الأولى، وقد يقال: الكلام كناية عن كونه
~~مخلوقا غير خالق كقوله تعالى:

# لا يخلقون شيئا وهم يخلقون

# [النحل: 20 والفرقان: 3] ويحمل الفعل على معنى النفع لا يرد شيء رأسا،
~~وقرأ الأشهب { وهو يطعم ولا يطعم } ببنائهما للفاعل، ووجهت
~~إما بأن أفعل بمعنى استفعل كما ذكره الأزهري أي وهو يطعم ولا يستطعم أي
~~لا يطلب طعاما ويأخذه من غيره أو بأن المعنى يطعم تارة ولا يطعم أخرى
~~كقوله سبحانه وتعالى

# يقبض ويبسط

# [البقرة: 245] والضميران لله تعالى، ورجوع الضمير الثاني لغير الله
~~تعالى تكلف يحتاج إلى التقدير.

# { قل } بعد بيان أن اتخاذ غيره تعالى وليا مما يقضي ببطلانه بديهة
~~العقول { إنى أمرت } من جناب وليي جل شأنه { أن أكون أول
~~من أسلم } وجهه لله سبحانه وتعالى مخلصا له لأن النبي عليه
~~الصلاة والسلام مأمور بما شرعه إلا ما كان من خصائصه عليه الصلاة والسلام
~~وهو إمام أمته ومقتداهم وينبغي لكل آمر أن يكون هو العامل أولا بما أمر
~~به ليكون أدعى للامتثال، ومن ذلك ما حكى الله تعالى عن موسى عليه الصلاة
~~والسلام

# سبحنك تبت إليك وأنا أول المؤمنين

# [الأعراف: 143].

# وقيل: إن ما ذكر للتحريض كما يأمر الملك رعيته بأمر ثم ms02693 يقول وأنا أول:
~~من يفعل ذلك ليحملهم على الامتثال وإلا فلم يصدر عنه صلى الله عليه وسلم
~~امتناع عن ذلك حتى يؤمر به وفيه نظر.

# { ولا تكونن من المشركين } أي في أمر من أمور الدين، وفي
~~الكلام قول مقدر أي وقيل لي: لا تكونن، فالواو من الحكاية عاطفة للقول
~~المقدر على { أمرت } ، وحاصل المعنى إني أمرت بالإسلام ونهيت عن
~~الشرك، وقيل: إنه معطوف على مقول { قل } على المعنى إذ هو في معنى قل
~~إني قيل لي كن أول مسلم ولا تكونن فالواو من المحكي، وقيل: إنه عطف على {
~~قل } / على معنى أنه عليه الصلاة والسلام أمر بأن يقول كذا ونهي عن
~~كذا، وتعقب بأن سلاسة النظم تأبى عن فصل الخطابات التبليغية بعضها عن
~~بعض بخطاب ليس منها، وجوز أن يعطفه على { إنى أمرت } داخلا في حيز
~~{ قل } والخطاب لكل من المشركين، ولا يخفى تكلفه وتعسفه، وعدم صحة عطف
~~على { أكون } ظاهر إذ لا وجه للالتفات ولا معنى لأن يقال أمرت أن لا
~~تكونن.

### || [6.15]

# { قل إنى أخاف إن عصيت ربى } أي بمخالفة أمره ونهيه أي
~~عصيان كان فيدخل فيه ما ذكر دخولا أوليا، وقوله سبحانه وتعالى: {
~~عذاب يوم عظيم } أي عذاب يوم القيامة  وعظمه لعظم ما يقع فيه 
~~مفعول { أخاف } والشرطية معترضة بينهما وجواب الشرط محذوف وجوبا. وما
~~تقدم على الأداة شبيه به فهو دليل عليه وليس إياه على الأصح خلافا
~~للكوفيين والمبرد، والتقدير إن عصيت أخف أو أخاف عذاب الخ، وقيل: صرت
~~مستحقا لعذاب ذلك اليوم. وفي الكلام مبالغة أخرى بالنظر إلى ما يفهم مما
~~تقدم في قطع أطماعهم وتعريض بأنهم عصاة مستحقون للعذاب حيث أسند إلى ضمير
~~المتكلم ما هو معلوم الانتفاء. وقرن بإن التي تفيد الشك وجىء بالماضي
~~إبرازا له في صورة الحاصل على سبيل الفرض. ويؤول المعنى في الآخرة إلى
~~تخويفهم على صدور ذلك الفعل منهم فليس في الكلام دلالة على أنه عليه
~~الصلاة والسلام يخاف على نفسه المقدسة الكفر والمعصية مع أنه ليس كذلك
~~لعصمته ms02694 صلى الله عليه وسلم. وأورد بعضهم دلالة الآية على ما ذكر بحثا ثم
~~قال: وأجيب عنه بأن الخوف تعلق بالعصيان الممتنع الوقوع امتناعا عاديا
~~فلا تدل إلا على أنه عليه الصلاة والسلام يخاف لو صدر عنه وحاشاه الكفر
~~والمعصية وهذا لا يدل على حصول الخوف، وأنت تعلم أن فيما قدمنا غنى عن
~~ذلك. ويفهم من كلام بعضهم أن خوف المعصوم من المعصية لا ينافي العصمة
~~لعلمه أن الله سبحانه وتعالى فعال لما يريد وأنه لا يجب عليه شيء، وفي
~~بعض الآثار أنه عز شأنه قال لموسى عليه السلام:

# " يا موسى لا تأمن مكري حتى تجوز الصراط "

# وجاء في غير ما خبر أنه صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح يصفر وجهه
~~الشريف ويقول:

# " أخاف أن تقوم الساعة "

# مع أن الله تعالى أخبره أن بين يديها ظهور المهدي وعيسى عليهما السلام
~~وخروج الدجال وطلوع الشمس من مغربها إلى غير ذلك من الأمارات التي لم
~~توجد إذ ذاك ولم تحقق بعد. وصح

# " أنه صلى الله عليه وسلم اعتذر عن عدم خروجه عليه الصلاة والسلام لصلاة
~~التراويح بعد أن صلاها أول رمضان وتكاثر الناس رغبة فيها بقوله: " خشيت
~~أن تفرض عليكم "

# مع أن ما كان ليلة الإسراء إذ فرضت الصلوات يشعر بأنه تعالى لا يفرض
~~زيادة عن الخمس وكل ذلك يدل على أن لله تعالى أن يفعل ما شاء وقصارى ما
~~يلزم في أمثال ذلك لو فعل تغير تعلق الصفة وهو لا يستلزم تغير الصفة
~~ليلزم الحدوث وقيام الحوادث به تعالى شأنه وهذا بحث طويل الذيل ولعل
~~النوبة تفضي إلى تحقيقه إن شاء الله تعالى.

### || [6.16]

# { من يصرف عنه يومئذ } أي من يصرف العذاب عنه فنائب
~~الفاعل ضمير العذاب، وضمير { عنه } يعود على { من } ، وجوز العكس أي
~~من يصرف عن العذاب. و { من } على الوجهين مبتدأ خبره الشرط أو الجواب
~~أو هما على الخلاف، والظرف متعلق بالفعل أو بالعذاب أو بمحذوف وقع حالا
~~من الضمير. وجوز أن يكون نائب الفاعل. وهل يحتاج حينئذ ms02695 إلى تقدير مضاف
~~أي عذاب يومئذ أم لا؟ فيه خلاف فقيل: لا بد منه لأن الظرف غير التام أي
~~المقطوع عن الإضافة كقبل وبعد لا يقام مقام الفاعل إلا بتقدير / مضاف و {
~~يومئذ } له حكمه. وفي «الدر المصون» لا حاجة إليه لأن التنوين لكونه
~~عوضا يجعل في قوة المذكور خلافا للأخفش. وذكر الأجهوري أن التنوين هنا
~~عوض عن جملة محذوفة يتضمنها الكلام السابق والأصل يوم إذ يكون الجزاء
~~ونحو ذلك، والجملة مستأنفة مؤكدة لتهويل العذاب؛ وجوز أن تكون صفة {
~~عذاب }. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عاصم { من يصرف } على
~~أن الضمير فيه لله تعالى. وقرأ أبي { من يصرف الله } بإظهار الفاعل
~~والمفعول به محذوف أي العذاب أو { يومئذ } بحذف المضاف أو يجعل
~~اليوم عبارة عمار يقع فيه، و { من } في هذه القراءة أيضا مبتدأ. وجوز
~~أبو البقاء أن تجعل في موضع نصب بفعل محذوف تقديره من يكرم يصرف الله
~~العذاب عنه فجعل يصرف تفسيرا للمحذوف، وأن يجعل منصوبا بيصرف ويجعل
~~ضمير { عنه } للعذاب أي أي إنسان يصرف الله تعالى عنه العذاب.

# { فقد رحمه } أي الرحمة العظمى وهي النجاة كقولك: إن أطعمت زيدا
~~من جوعة فقد أحسنت إليه تريد فقد أتممت الإحسان إليه، وعلى هذا يكون
~~الكلام من قبيل من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك و

# " من كانت هجرته إلى الله تعالى "

# الخبر، ومن قبيل صرف المطلق إلى الكامل، وقيل: المراد فقد أدخله الجنة
~~فذكر الملزوم وأريد اللازم لأن إدخال الجنة من لوازم الرحمة إذ هي دار
~~الثواب اللازم لترك العذاب. ونقض بأصحاب الأعراف، وأجيب بأن قوله تعالى:
~~{ وذلك الفوز المبين } حال مقيدة لما قبله، والفوز المبين
~~إنما هو بدخول الجنة لقوله تعالى:

# فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز

# [آل عمران: 185] وأنت تعلم أنه إذا قلنا: إن الأعراف جبل في الجنة عليه
~~خواص المؤمنين كما هو أحد الأقوال لا يرد النقض، وسيأتي إن شاء الله
~~تعالى تحقيق ذلك، وما ذكر من الجواب مبني على ما لا يخفى ms02696 بعده، والداعي
~~إلى التأويل اتحاد الشرط والجزاء الممتنع عندهم.

# وقال بعض الكاملين: إن ما في النظم الجليل نظير قوله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه "

# يعني بالشراء المذكور، وإن اختلاف العنوان يكفي في صحة الترتيب
~~والتعقيب، ولك أن تقول: إن الرحمة سبب للصرف سابق عليه على ما تلوح إليه
~~صيغة الماضي والمستقبل والترتيب باعتبار الاخبار. وتعقبه الشهاب بأنه
~~تكلف لأن السبب والمسبب لا بد من تغايرهما معنى، والحديث المذكور منهم من
~~أخذ بظاهره ومنهم من أوله بأن المراد لا يجزيه أصلا وهو دقيق لأنه تعليق
~~بالمحال. وأما كون الجواب ماضيا لفظا ومعنى ففيه خلاف حتى منعه بعضهم
~~في غير كان لعراقتها في المضي اه فليفهم. والإشارة إما إلى الصرف الذي
~~في ضمن { يصرف } وإما إلى الرحمة، وذكر لتأويل المصدر بأن والفعل.
~~ومنهم من اعتبر الرحم بضم فسكون أو بضمتين وهو  على ما في «القاموس» 
~~بمعنى الرحمة. ومعنى البعد للإيذان بعلو درجة ما أشير إليه، والفوز الظفر
~~بالبغية، وأل لقصره على المسند إليه.

### || [6.17]

# { وإن يمسسك الله بضر } أي ببلية كمرض وحاجة { فلا
~~كشف } أي لا مزيل ولا مفرج { له } عنك { إلا هو } والمراد لا
~~قادر على كشفه سواه سبحانه وتعالى من الأصنام وغيرها { وإن يمسسك
~~بخير } من صحة وغنى { فهو على كل شىء قدير } ومن جملته
~~ذلك فيقدر جل شأنه عليه فيمسك به ويحفظه عليك / من غير أن يقدر على دفعه
~~أو رفعه أحد كقوله تعالى:

# فلا راد لفضله

# [يونس: 107] ويظهر من هذا ارتباط الجزاء بالشرط. وقيل: إن الجواب محذوف
~~تقديره فلا راد له غيره تعالى، والمذكور تأكيد للجوابين لأن قدرته تعالى
~~على كل شيء من الخير والشر تؤكد أنه سبحانه وتعالى كاشف الضر وحافظ النعم
~~ومديمها، وزعم أنه لا تعلق له بالجواب الأول بل هو علة الجواب الثاني
~~ظاهر البطلان إذ القدرة على كل شيء تؤكد كشف الضر بلا شبهة وإنكار ذلك
~~مكابرة، «وأصل المس  كما قال أبو حيان  تلاقي الجسمين، ms02697 والمراد به هنا
~~الإصابة. وجعل غير واحد الباء في (بضر) وفي (بخير) للتعدية وإن كان الفعل
~~متعديا كأنه قيل: وإن يمسسك الله الضر. وفسروا الضر بالضم بسوء الحال في
~~الجسم وغيره وبالفتح بضد النفع، وعدل عن الشر المقابل للخير إلى الضر 
~~على ما في «البحر»  لأن الشر أعم فأتى بلفظ الأخص مع الخير الذي هو عام
~~رعاية لجهة الرحمة، وقال ابن عطية: إن مقابلة الخير بالضر مع أن مقابله
~~الشر وهو أخص منه من خفي الفصاحة للعدول عن قانون الضعة وطرح رداء التكلف
~~وهو أن يقرن بأخص من ضده ونحوه لكون أوفق بالمعنى وألصق بالمقام كقوله
~~تعالى:

# إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا
~~تظمؤا فيها ولا تضحى

# [طه: 118-119] فجيء بالجوع مع العري وبالظمأ مع الضحو وكان الظاهر
~~خلافه. ومنه قول امرىء القيس:

# كأني لم أركب جوادا للذة

# ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال

# ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل

# لخيلي كري كرة بعد إجفال

# وإيضاحه أنه في الآية قرن الجوع الذي هو خلو الباطن بالعري الذي هو خلو
~~الظاهر والظمأ الذي فيه حرارة الباطن بالضحى الذي فيه حرارة الظاهر.
~~وكذلك قرن امرىء القيس علوه على الجواد بعلوه على الكاعب لأنهما لذتان في
~~الاستعلاء وبذل المال في شراء الراح ببذل الأنفس في الكفاح لأن في الأول:
~~سرور الطرب وفي الثاني: سرور الظفر. وكذا هنا أوثر الضر لمناسبته ما قبله
~~من الترهيب» فإن انتقام العظيم عظيم. ثم لما ذكر الإحسان أتى بما يعم
~~أنواعه، والآية من قبيل اللف والنشر فإن مس الضر ناظر إلى قوله تعالى:

# إنى أخاف

# [الأنعام: 15] الخ ومس الخير ناظر إلى قوله سبحانه:

# من يصرف عنه

# [الأنعام: 16] الخ. وهي على ما قيل داخلة في حيز

# قل

# [الأنعام: 15] والخطاب عام لكل من يقف عليه أو لسيد المخاطبين صلى الله
~~عليه وسلم ولا نافية للجنس، و { كشف } اسمها و { له } خبرها
~~والضمير المتفصل بدل من موضع { لا كشف } أو من الضمير في الظرف، ولا
~~يجوز  على ما قيل ms02698 أبو البقاء  أن يكون مرفوعا بكاشف ولا بدلا من
~~الضمير فيه لأنك في الحالين تعمل اسم لا ومتى أعملته في ظاهر نونته. وفي
~~هذه الآية الكريمة رد على من رجا كشف الضر من غيره سبحانه وتعالى وأمل
~~أحدا سواه.

# وفي «فتوح الغيب» للقطب الرباني سيدي عبد القادر الجيلاني قدس الله
~~تعالى سره من كلام طويل أن من أراد السلامة في الدنيا والآخرة فعليه
~~بالصبر والرضا وترك الشكوى إلى خلقه وإنزال حوائجه بربه عز وجل ولزوم
~~طاعته وانتظار الفرج منه سبحانه وتعالى والانقطاع إليه فحرمانه عطاء
~~وعقوبته نعماء وبلاؤه دواء ووعده حال، وقوله فعل وكل أفعاله حسنة وحكمة
~~ومصلحة غير أنه عز وجل طوى علم المصالح عن عباده وتفرد به فليس إلا
~~الاشتغال بالعبودية من أداء الأوامر واجتناب النواهي والتسليم في القدر
~~وترك الاشتغال / بالربوبية والسكون عن لم وكيف ومتى؟ وتستند هذه الجملة
~~إلى حديث

# " ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: " بينما أنا رديف رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم إذ قال: يا غلام احفظ الله تعالى يحفظك احفظ الله تعالى
~~تجده أمامك وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله جف القلم بما
~~هو كائن ولو جهد العباد أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله سبحانه وتعالى لك لم
~~يقدروا عليه ولو جهدوا أن يضروك بشيء لم يقضه الله تعالى عليك لم يقدروا
~~عليه فإن استطعت أن تعمل لله تعالى بالصدق في اليقين فاعمل فإن لم تستطع
~~فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا واعلم أن النصر مع الصبر وأن
~~الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا "

# فينبغي لكل مؤمن أن يجعل هذا الحديث مرآة قلبه وشعاره ودثاره وحديثه
~~فيعمل به من جهة حركاته وسكناته حتى يسلم في الدنيا والآخرة ويجد العزة
~~برحمة الله عز وجل.

### || [6.18]

# { وهو القاهر فوق عباده } قيل هو استعارة تمثيلية وتصوير
~~لقهره سبحانه وتعالى وعلوه عز شأنه بالغلبة والقدرة، وجوز أن تكون
~~الاستعارة في الظرف بأن شبه الغلبة بمكان محسوس، وقيل: إنه كناية عن ms02699
~~القهر والعلو بالغلبة والقدرة، وقيل: إن { فوق } زائدة وصحح زيادتها 
~~وإن كانت اسما  كونها بمعنى على وهو كما ترى، والداعي إلى التزام ذلك
~~كله أن ظاهر الآية يقتضي القول بالجهة والله تعالى منزه عنها لأنها محدثة
~~بإحداث العالم وإخراجه من العدم إلى الوجود، ويلزم أيضا من كونه سبحانه
~~وتعالى في جهة مفاسد لا تخفى، وأنت تعلم أن مذهب السلف إثبات الفوقية لله
~~تعالى كما نص عليه الإمام الطحاوي وغيره، واستدلوا لذلك بنحو ألف دليل،
~~وقد روى الإمام أحمد في حديث الأوعال عن العباس رضي الله تعالى عنه أن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " والعرش فوق ذلك والله تعالى فوق ذلك كله "

# وروى أبو داود عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده

# " قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي استشفع بالله تعالى عليه: " ويحك
~~أتدري ما الله تعالى؟ إن الله تعالى فوق عرشه وعرشه فوق سماواته وقال
~~بأصابعه مثل القبة وانه ليئط به أطيط الرحل الجديد بالراكب "

# وأخرج الأموي في «مغازيه» من حديث صحيح

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد يوم حكم في بني قريظة: " لقد
~~حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع سماوات "

# وروى ابن ماجه يرفعه قال:

# " بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا إليه رؤوسهم فإذا
~~الجبار جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم
~~ثم قرأ صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: { سلام قولا من رب
~~رحيم } [يس: 58] فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من
~~النعيم ما داموا ينظرون إليه "

# وصح أن عبد الله بن رواحة أنشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~أبياته التي عرض بها عن القراءة لامرأته حين اتهمته بجاريته وهي:

# شهدت بأن وعد الله حق

# وأن النار مثوى الكافرينا

# وأن العرش فوق الماء طاف

# وفوق العرش رب العالمينا

# وتحمله ملائكة شداد

# ملائكة الإله مسومينا

# فأقره عليه الصلاة والسلام على ما قال وضحك ms02700 منه، وكذا أنشد حسان بن ثابت
~~رضي الله تعالى عنه قوله:

# شهدت بإذن الله أن محمدا

# رسول الذي فوق السماوات من عل

# / وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما

# له عمل من ربه متقبل

# وأن الذي عادى اليهود ابن مريم

# رسول أتى من عند ذي العرش مرسل

# وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم

# يقوم بذات الله فيهم ويعدل

# فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وأنا أشهد. وروى عكرمة عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما في قوله تعالى حكاية عن إبليس:

# ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن
~~أيمنهم وعن شمائلهم

# [الأعراف: 17] أنه قال: لم يستطع أن يقول ومن فوقهم لأنه قد علم أن الله
~~تعالى سبحانه من فوقهم، والآيات والأخبار التي فيها التصريح بما يدل على
~~الفوقية كقوله تعالى:

# تنزيل الكتب من الله العزيز الحكيم

# [الزمر: 1] و

# إليه يصعد الكلم الطيب

# [فاطر: 10] و

# بل رفعه الله

# [النساء: 158] إليه. و

# تعرج الملئكة والروح إليه

# [المعارج: 4] وقوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم:

# " وأنت الظاهر فليس فوقك شيء "

# كثيرة جدا، وكذا كلام السلف في ذلك فمنه ما روى شيخ الإسلام أبو
~~إسمعيل الأنصاري في كتابه «الفاروق» بسنده إلى أبي مطيع البلخي أنه سأل
~~أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه عمن قال: لا أعرف ربي سبحانه في السماء أم
~~في الأرض فقال: قد كفر لأن الله تعالى يقول:

# الرحمن على العرش استوى

# [طه: 5] وعرشه فوق سبع سماوات فقال: قلت فإن قال إنه على العرش ولكن لا
~~أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ فقال رضي الله تعالى عنه هو كافر لأنه
~~أنكر آية في السماء ومن أنكر آية في السماء فقد كفر، وزاد غيره لأن الله
~~تعالى في أعلى عليين وهو يدعى من أعلى لا من أسفل اه.

# وأيد القول بالفوقية أيضا بأن الله تعالى لما خلق الخلق لم يخلقهم في
~~ذاته المقدسة تعالى عن ذلك فإنه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد فتعين
~~أنه خلقهم خارجا عن ذاته ولو لم ms02701 يتصف سبحانه بفوقية الذات مع أنه قائم
~~بنفسه غير مخالط للعالم لكان متصفا بضد ذلك لأن القابل للشيء لا يخلو
~~منه أو من ضده وضد الفوقية السفول وهو مذموم على الإطلاق، والقول بأنا لا
~~نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها مدفوع بأنه سبحانه لو
~~لم يكن قابلا للعلو والفوقية لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها فمتى سلم
~~بأنه جل شأنه ذات قائم بنفسه غير مخالط للعالم وأنه موجود في الخارج ليس
~~وجوده ذهنيا فقط بل وجوده خارج الأذهان قطعا وقد علم كل العقلاء
~~بالضرورة أن ما كان وجوده كذلك فهو إما داخل العالم وإما خارج عنه وإنكار
~~ذلك إنكار ما هو أجلى البديهيات فلا يستدل بدليل على ذلك إلا كان العلم
~~بالمباينة أظهر منه وأوضح، وإذا كان صفة الفوقية صفة كمال لا نقص فيها
~~ولا يوجب القول بها مخالفة كتاب ولا سنة ولا إجماع كان نفيها عين الباطل
~~لا سيما والطباع مفطورة على قصد جهة العلو عند التضرع إلى الله تعالى.

# وذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس إمام
~~الحرمين وهو يتكلم في نفي صفة العلو ويقول: كان الله تعالى ولا عرش وهو
~~الآن على ما كان فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة
~~التي نجدها في قلوبنا فإنه ما قال عارف قط يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة
~~بطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة فكيف تدفع هذه الضرورة عن أنفسنا قال:
~~فلطم الإمام على رأسه ونزل وأظنه قال وبكى وقال حيرني الهمداني، وبعضهم
~~تكلف الجواب عن هذا بأن هذا التوجه إلى فوق إنما هو لكون السماء قبلة
~~الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة، ثم هو أيضا منقوض بوضع الجبهة على
~~الأرض مع أنه سبحانه ليس في جهة الأرض، ولا يخفى أن هذا باطل، أما أولا:
~~فلأن السماء قبلة للدعاء لم يقله أحد من سلف الأمة ولا أنزل الله تعالى
~~به من / سلطان والذي صح أن ms02702 قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة فقد صرحوا بأنه
~~يستحب للداعي أن يستقبل القبلة. وقد استقبل النبي صلى الله عليه وسلم
~~الكعبة في دعائه في مواطن كثيرة فمن قال: إن للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة
~~فقد ابتدع في الدين وخالف جماعة المسلمين. وأما ثانيا: فلأن القبلة ما
~~يستقبله الداعي بوجهه كما تستقبل الكعبة في الصلاة وما حاذاه الإنسان
~~برأسه أو يديه مثلا لا يسمى قبلة أصلا فلو كانت السماء قبلة الدعاء
~~لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه إليها ولم يثبت ذلك في شرع أصلا، وأما
~~النقض بوضع الجبهة فما أفسده من نقض فإن واضع الجبهة إنما قصده الخضوع
~~لمن فوقه بالذل لا أن يميل إليه إذ هو تحته بل هذا لا يخطر في قلب ساجد.
~~نعم سمع عن بشر المريسي أنه يقول: سبحان ربي الأسفل  تعالى الله سبحانه
~~عما يقول الجاحدون والظالمون علوا كبيرا.

# وتأول بعضهم كل نص فيه نسبة الفوقية إليه تعالى بأن فوق فيه بمعنى خير
~~وأفضل كما يقال: الأمير فوق الوزير والدينار فوق الدرهم. وأنت تعلم أن
~~هذا مما تنفر منه العقول السليمة وتشمئز منه القلوب الصحيحة فإن قول
~~القائل ابتداء: الله تعالى خير من عباده أو خير من عرشه من جنس قوله
~~الثلج بارد والنار حارة والشمس أضوأ من السراج والسماء أعلى من سقف الدار
~~ونحو ذلك وليس في ذلك أيضا تمجيد ولا تعظيم لله تعالى بل هو من أرذل
~~الكلام فكيف يليق حمل الكلام المجيد عليه وهو الذي لو اجتمع الإنس والجن
~~على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولوكان بعضهم لبعض ظهيرا، على أن في
~~ذلك تنقيصا لله تعالى شأنه ففي «المثل السائر»:

# ألم تر أن السيف ينقص قدره

# إذا قيل إن السيف خير من العصا

# نعم إذا كان المقام يقتضي ذلك بأن كان احتجاجا على مبطل كما في قول
~~يوسف الصديق عليه السلام

# أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار

# [يوسف: 39] وقوله تعالى:

#  ءآلله خير أما يشركون

# [النمل: 59]

# والله خير وأبقى

# [طه: 73] فهو أمر ms02703 لا اعتراض عليه ولا توجه سهام الطعن إليه، والفوقية
~~بمعنى الفوقية في الفضل مما يثبتها السلف لله تعالى أيضا وهي متحققة في
~~ضمن الفوقية المطلقة، وكذا يثبتون فوقية القهر والغلبة كما يثبتون فوقية
~~الذات ويؤمنون بجميع ذلك على الوجه اللائق بجلال ذاته وكمال صفاته سبحانه
~~وتعالى منزهين له سبحانه عما يلزم ذلك مما يستحيل عليه جل شأنه ولا
~~يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ولا يعدلون عن الألفاظ الشرعية نفيا ولا
~~إثباتا لئلا يثبتوا معنى فاسدا أو ينفوا معنى صحيحا فهم يثبتون
~~الفوقية كما أثبتها الله تعالى لنفسه. وأما لفظ الجهة فقد يراد به ما هو
~~موجود وقد يراد به ما هو معدوم؛ ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق
~~والمخلوق فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير الله تعالى كان مخلوقا والله
~~تعالى لا يحصره شيء ولا يحيط به شيء من المخلوقات تعالى عن ذلك وإن أريد
~~بالجهة أمر عدمي وهو ما فوق العالم فليس هناك إلا الله تعالى وحده فإذا
~~قيل: إنه تعالى في جهة بهذا الاعتبار فهو صحيح عندهم، ومعنى ذلك أنه فوق
~~العالم حيث انتهت المخلوقات، ونفاة لفظ الجهة الذين يريدون بذلك نفي
~~العلو يذكرون من أدلتهم أن الجهات كلها مخلوقة وأنه سبحانه كان قبل
~~الجهات وأنه من قال: إنه تعالى في جهة يلزمه القول بقدم شيء من العالم
~~وأنه جل شأنه كان مستغنيا عن الجهة ثم صار فيها. وهذه الألفاظ ونحوها
~~تنزل على أنه عز اسمه ليس في شيء من المخلوقات سواء سمي جهة أم لم يسم
~~وهو كلام حق ولكن الجهة ليست أمرا وجوديا بل هي أمر اعتباري ولا محذور
~~في ذلك، وبالجملة يجب تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين وتفويض علم
~~ما جاء من المتشابهات إليه عز شأنه والإيمان بها على الوجه الذي جاءت
~~عليه. والتأويل القريب إلى الذهن / الشائع نظيره في كلام العرب مما لا
~~بأس به عندي على أن بعض الآيات مما أجمع على تأويلها السلف والخلف والله
~~تعالى أعلم بمراده.

# { وهو الحكيم } أي ms02704 ذو الحكمة البالغة وهي العلم بالأشياء على ما
~~هي عليه والإتيان بالأفعال على ما ينبغي أو المبالغ في الأحكام وهو اتقان
~~التدبير وإحسان التقدير { الخبير } أي العالم بما دق من أحوال العباد
~~وخفي من أمورهم. واللام هنا وفيما تقدم للقصر.

### || [6.19]

# { قل أى شىء أكبر شهدة } روى الكلبي أن كفار مكة قالوا
~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد أما وجد الله تعالى رسولا غيرك
~~ما نرى أحدا يصدقك فيما تقول ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه
~~ليس لك عندهم ذكر فأرنا من يشهد أنك رسول الله فنزلت. وأخرج ابن جرير
~~وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: جاء النحام بن زيد وقردم بن
~~كعب وبحري بن عمرو فقالوا: يا محمد ما تعلم مع الله إلها غيره؟ فقال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " لا إله إلا الله تعالى بذلك بعثت وإلى ذلك أدعو "

# فأنزل الله تعالى هذه الآية، والأول: أوفق بأول الآية والثاني: بآخرها.
~~فأي مبتدأ و { أكبر } خبره و { شهادة } تمييز.

# والشيء في اللغة ما يصح أن يعلم ويخبر عنه، فقد ذكر سيبويه في الباب
~~المترجم بباب مجاري أواخر الكلم وإنما يخرج التأنيث من التذكير ألا ترى
~~أن الشيء يقع على كل ما أخبر عنه من قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى والشيء
~~مذكر انتهى. وهل يطلق على الله تعالى أم لا؟ فيه خلاف فمذهب الجمهور أنه
~~يطلق عليه سبحانه فقال: شيء لا كالأشياء واستدلوا على ذلك بالسؤال
~~والجواب الواقعين في هذه الآية وبقوله سبحانه:

# كل شىء هالك إلا وجهه

# [القصص: 88] حيث إنه استثنى من (كل شيء) الوجه وهو بمعنى الذات عندهم
~~وبأنه أعم الألفاظ فيشمل الواجب والممكن.

# ونقل الإمام «أن جهما أنكر صحة الإطلاق محتجا بقوله تعالى:

# ولله الأسماء الحسنى

# [الأعراف: 180] فقال: لا يطلق عليه سبحانه إلا ما يدل على صفة من صفات
~~الكمال والشيء ليس كذلك»، وفي «المواقف وشرحه» الشيء عند الأشاعرة يطلق
~~على الموجود فقط فكل شيء عندهم موجود وكل ms02705 موجود شيء، ثم سيق فيهما مذاهب
~~الناس فيه ثم قيل: والنزاع لفظي متعلق بلفظ الشيء وأنه على ماذا يطلق،
~~والحق ما ساعد عليه اللغة والنقل إذ لا مجال للعقل في إثبات اللغات.
~~والظاهر معنا فأهل اللغة في كل عصر يطلقون لفظ الشيء على الموجود حتى لو
~~قيل عندهم الموجود شيء تلقوه بالقبول، ولو قيل: ليس بشيء تلقوه بالإنكار.
~~ونحو قوله سبحانه: { وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا }
~~بنفي إطلاقه بطريق الحقيقة على المعدوم لأن الحقيقة لا يصح فيها انتهى.

# وفي «شرح المقاصد» أن البحث في أن المعدوم شيء حقيقة أم لا لغوي يرجع
~~فيه إلى النقل والاستعمال وقد وقع فيه اختلافات نظرا إلى الاستعمالات.
~~فعندنا هو اسم للموجود لما نجده شائع الاستعمال في هذا المعنى ولا نزاع
~~في استعماله في المعدوم مجازا ثم قال: وما نقل عن أبي العباس أنه اسم
~~للقديم وعن الجهمية أنه اسم للحادث، وعن هشام أنه اسم للجسم فبعيد جدا
~~من جهة أنه لا يقبله أهل اللغة انتهى.

# وفي ذلك كله بحث فإن دعوى الأشاعرة التساوي بين الشيء والموجود لغة أو
~~الترادف كما يفهم مما تقدم من الكليتين ليس لها دليل يعول عليه. وقوله:
~~إن أهل اللغة في كل عصر الخ إنما يدل على أن كل موجود شيء، وأما أن كل ما
~~يطلق عليه لفظ الشيء حقيقة لغوية موجود فلا دلالة فيه عليه إذ لا يلزم من
~~أن يطلق على الموجود لفظ شيء دون لا شيء أن يختص الشيء لغة بالموجود
~~لجواز أن يطلق الشيء على المعدوم والموجود حقيقة لغوية / مع اختصاص
~~الموجود بإطلاق الشيء دون اللاشيء. وإنكار أهل اللغة على من يقول:
~~الموجود ليس بشيء لكونه سلبا للأعم عن الأخص وهو لا يصح لا لكونهما
~~مترادفين أو متساويين. وقد أطلق على المعدوم الخارجي كتابا وسنة فقد قال
~~الله تعالى:

# ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدا * إلا أن
~~يشاء الله

# [الكهف: 23-24] وقال سبحانه:

# إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن
~~فيكون ms02706

# [النحل: 40].

# وأخرج الطبراني عن أم سلمة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد
~~سأله رجل فقال:

# " إني لأحدث نفسي بالشيء لو تكلمت به لأحبطت أجري يقول: لا يلقى ذلك
~~الكلام إلا مؤمن "

# ونحوه عن معاذ بن جبل والأصل في الإطلاق الحقيقة فلا يعدل عنها إلا إذا
~~وجد صارف وشيوع الاستعمال لا يصلح أن يكون صارفا بعد صحة النقل عن
~~سيبويه. ولعل سبب ذلك الشيوع أن تعلق الغرض في المحاورات بأحوال
~~الموجودات أكثر لا لاختصاص الشيء بالموجود لغة.

# وقوله تعالى:

# وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا

# [مريم: 9] إنما يلزم منه نفي إطلاقه بطريق الحقيقة على المعدوم وهو
~~يضرنا لو كان المدعى تخصيص إطلاق الشيء لغة بالمعدوم وليس كذلك، فإن
~~التحقيق عندنا أن الشيء بمعنى المشيء العلم به والإخبار عنه وهو مفهوم
~~كلي يصدق على الموجود والمعدوم الواجب والممكن وتخصيص إطلاقه ببعض أفراده
~~عند قيام قرينة لا ينافي شموله لجميع أفراده حقيقة لغوية عند انتفاء
~~قرينة مخصصة وإلا لكان شموله للمعدوم والموجود معا في قوله تعالى:

# والله بكل شيء عليم

# [الحجرات: 16] جمعا بين الحقيقة والمجاز وهي مسألة خلافية ولا خلاف في
~~الاستدلال على عموم تعلق علمه تعالى بالأشياء مطلقا بهذه الآية فهو دليل
~~على أن شموله للمعدوم والموجود معا حقيقة لغوية، وذكر بعض الأجلة بعد
~~زعمه اختصاص الشيء بالموجود أنه في الأصل مصدر استعمل بمعنى شاء أو مشيء
~~فإن كان بمعنى شاء صح إطلاقه عليه تعالى وإلا فلا وأنت تعلم أنه على ما
~~ذكرنا من التحقيق لا مانع من إطلاق الشيء عليه تعالى من غير حاجة إلى هذا
~~التفصيل لأنه بمعنى المشيء العلم به والإخبار عنه فيكون إطلاق الشيء بهذا
~~المعنى عليه عز وجل كإطلاق المعلوم مثلا، ومعنى { أكبر شهدة }
~~أعظم وأصدق.

# { قل الله } أمر له صلى الله عليه وسلم أن يتولى الجواب بنفسه هو
~~عليه الصلاة والسلام لما مر قريبا. والاسم الجليل مبتدأ محذوف الخبر أي
~~الله أكبر شهادة، وجوز العكس. ومذهب سيبويه أنه إذا كانت النكرة اسم ms02707
~~استفهام أو أفعل تفضيل تقع مبتدأ يخبر عنه بمعرفة، وقوله سبحانه: {
~~شهيد } خبر مبتدأ محذوف أي هو سبحانه شهيد { بينى وبينكم }
~~فهو ابتداء كلام، وجوز أن يكون خبر { الله } والمجموع على ما ذهب إليه
~~الزمخشري هو الجواب لدلالته على أن الله عز وجل إذا كان هو الشهيد بينه
~~وبينهم فأكبر شيء شهادة شهيد له، ونقل في «الكشف» أنه إن جعل تمام الجواب
~~عند قوله سبحانه: { الله } فهو للتسلق من إثبات التوحيد إلى إثبات
~~النبوة بأن هذا الشاهد الذي لا أصدق منه شهد لي بإيحاء هذا القرآن. وإن
~~جعل الكلام بمجموعه الجواب فهو من الأسلوب الحكيم لأن الوهم لا يذهب إلى
~~أن هذا الشاهد يحتمل أن يكون غيره تعالى بل الكلام في أنه يشهد لنبوته
~~أولا فليفهم.

# { وأوحى إلى } من قبله تعالى { هذا القرءان } العظيم
~~الشاهد بصحة رسالتي { لأنذركم به } بما فيه من الوعيد. واكتفى بذكر
~~الإنذار عن ذكر البشارة لأنه / المناسب للمقام، وقيل: إن الكلام مع
~~الكفار وليس فيهم من يبشر. وفي «الدر المصون» أن الكلام على حد

# سرابيل تقيكم الحر

# [النحل: 81] { ومن بلغ } عطف على ضمير المخاطبين أي لأنذركم به يا
~~أهل مكة وسائر من بلغه القرآن ووصل إليه من الأسود والأحمر أو من الثقلين
~~أو لأنذركم به أيها الموجودون ومن سيوجد إلى يوم القيامة. قال ابن جرير:
~~من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا صلى الله عليه وسلم.

# وأخرج أبو نعيم وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم

# " من بلغه القرآن فكأنما شافهته "

# واستدل بالآية على أن أحكام القرآن تعم الموجودين يوم نزوله ومن سيوجد
~~بعد إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها. واختلف في ذلك هو بطريق
~~العبارة في الكل أو بالإجماع في غير الموجودين وفي غير المكلفين. فذهب
~~الحنابلة إلى الأول والحنفية إلى الثاني وتحقيقه في الأصول. وعلى أن من
~~لم يبلغه القرآن غير مؤاخذ بترك الأحكام الشرعية، ويؤيده ما أخرجه أبو
~~الشيخ عن أبي بن كعب قال: ms02708

# " أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسارى فقال لهم: هل دعيتم إلى
~~الإسلام؟ فقالوا: لا فخلى سبيلهم ثم قرأ { وأوحي إلي } الآية "

# وهو مبني على القول بالمفهوم كما ذهب إليه الشافعية، واعترض بأنه لا
~~دلالة للآية على ذلك بوجه من الوجوه لأن مفهومها انتفاء الإنذار بالقرآن
~~عمن لم يبلغه وذلك ليس عين انتفاء المؤاخذة وهو ظاهر ولا مستلزما له
~~خصوصا عند القائلين بالحسن والقبح العقليين إلا أن يلاحظ قوله تعالى:

# وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا

# [الإسراء: 15] وفيه أن عدم استلزام انتفاء الإنذار بالقرآن لانتفاء
~~المؤاخذة ممنوع، والحسن والقبح العقليان قد طوي بساط ردهما، وجوز أن يكون
~~{ من } عطفا على الفاعل المستتر في (أنذركم) للفصل بالمفعول أي
~~لأنذركم أنا بالقرآن وينذركم به من بلغه القرآن أيضا، وروى الطبرسي ما
~~يقتضيه عن العياشي عن أبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما
~~ولايخفى أنه خلاف المنساق إلى الذهن.

# { أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى }
~~جملة مستأنفة أو مندرجة في القول، والاستفهام للتقرير أو للإنكار، وقيل:
~~لهما، وفيه جمع بين المعاني المجازية و { أخرى } صفة لآلهة. وصفة جمع
~~ما لا يعقل  كما قال أبو حيان  كصفة الواحدة المؤنثة نحو

# مآرب أخرى

# [طه: 18]

# ولله الأسماء الحسنى

# [الأعراف: 180] ولما كانت الآلهة حجارة وخشبا مثلا أجريت هذا المجرى
~~تحقيرا لها { قل } لهم { لا أشهد } بذلك وإن شهدتم به فإنه باطل
~~صرف. { قل } تكرير للأمر للتأكيد { إنما هو إله واحد } أي
~~بل إنما أشهد أنه تعالى لا إله إلا هو. و (ما) كافة. وجوز أبو البقاء 
~~وزعم أنه الأليق بما قبله  كونها موصولة ويبعده كونها موصولة وعليه يكون
~~{ وحد } خبرا وهو خلاف الظاهر. { وإننى برىء مما
~~تشركون } من الأصنام أو من إشراككم.

### || [6.20]

# { الذين ءاتينهم الكتب } جواب عما سبق في الرواية
~~الأولى من قولهم: سألنا [عنك] اليهود والنصارى الخ أخر عن تعيين الشهيد
~~مسارعة [إلزامهم ب] إلى الجواب عن تحكمهم بقولهم: أرنا من يشهد لك
~~فالمراد من الموصول ما يعم الصنفين اليهود والنصارى ms02709 ومن الكتاب جنسه
~~الصادق على التوراة والإنجيل، وإيرادهم بعنوان إيتاء الكتاب للإيذان
~~بمدار ما أسند إليهم بقوله تعالى: { يعرفونه } أي يعرفون رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم [من جهة الكتابين] بحليته ونعوته المذكورة فيهما،
~~وفيه التفات. وقيل: الضمير للكتاب، واختاره أبو البقاء. والأول هو الذي
~~تؤيده الأخبار كما ستعرفه.

# { كما يعرفون أبناءهم } / بحلاهم بحيث لا يشكون في ذلك
~~أصلا. روى أبو حمزة وغيره أنه لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم
~~المدينة قال عمر رضي الله تعالى عنه لعبد الله بن سلام: إن الله تعالى
~~أنزل على نبيه عليه الصلاة والسلام أن أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون
~~أبناءهم فكيف هذه المعرفة؟ فقال ابن سلام: نعرف نبي الله صلى الله عليه
~~وسلم بالنعت الذي نعته الله تعالى به إذا رأيناه فيكم عرفناه كما يعرف
~~أحدنا ابنه إذا رآه بين الغلمان وأيم الله الذي يحلف به ابن سلام لأنا
~~بمحمد أشد معرفة مني بابني لأني لا أدري ما أحدثت أمه فقال عمر رضي الله
~~تعالى عنه قد وفقت وصدقت. وزعم بعضهم أن المراد بالمعرفة هنا ما هو
~~بالنظر والاستدلال لأن ما يتعلق بتفاصيل حليته صلى الله عليه وسلم إما أن
~~يكون باقيا وقت نزول الآية أو لا بل محرفا مغيرا والأول باطل ولا
~~يتأتى لهم إخفاء ذلك لأن إخفاء ما شاع في الآفاق محال؛ وكذا الثاني لأنهم
~~لم يكونوا حينئذ عارفين حليته الشريفة عليه الصلاة والسلام كما يعرفون
~~حلية أبنائهم. وفيه أن الإخفاء مصرح به في القرآن كما في قوله تعالى:

# تجعلونه قرطيس تبدونها وتخفون كثيرا

# [الأنعام: 91] وإخفاؤها ليس بإخفاء النصوص بل بتأويلها، وبقولهم: إنه
~~رجل آخر سيخرج وهو معنى قوله سبحانه:

# وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم

# [النمل: 14]. { الذين خسروا أنفسهم } من أهل الكتابين
~~والمشركين { فهم لا يؤمنون } بما يجب الإيمان به، وقد تقدم
~~الكلام في هذا التركيب آنفا.

### || [6.21]

# { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } بادعائه
~~أن له جل شأنه شريكا وبقوله الملائكة بنات الله، وهؤلاء شفعاؤنا عند
~~الله. وعد من ms02710 ذلك وصف النبي عليه الصلاة والسلام الموعود في الكتابين
~~بخلاف أوصافه. والاستفهام للاستعظام الادعائي. والمشهور أن المراد إنكار
~~أن يكون أحد أظلم ممن فعل ذلك أو مساويا له، والتركيب وإن لم يدل على
~~إنكار المساواة وضعا  كما قال العلامة الثاني في «شرح المقاصد» و«حواشي
~~الكشاف»  يدل عليه استعمالا فإذا قلت: لا أفضل في البلد من زيد فمعناه
~~أنه أفضل من الكل بحسب العرف، والسر في ذلك أن النسبة بين الشيئين إنما
~~تتصور غالبا لا سيما في باب المغالبة بالتفاوت زيادة ونقصانا فإذا لم
~~يكن أحدهما أزيد يتحقق النقصان لا محالة.

# وادعى بعض المتأخرين أنه سنح له في توجيه ذلك نكتة حسنة ودقيقة مستحسنة
~~وهي أن المتساويين بل المتقاربين في نفس الأمر لا يسلم كل واحد منهما أن
~~يفضل عليه صاحبه فإن كل أحد لا يقدر على أن يقدر كل شيء حق قدره وكل
~~إنسان لا يقوى على أن يعرف كل أمر على ما هو عليه فإن الأفهام في مقابلة
~~الأوهام متفاوتة والعقول في مدافعة الشكوك متباينة، فإذا حكم بعض الناس
~~مثلا بالمساواة بين المتساويين في نفس الأمر فقد يحكم البعض الآخر
~~برجحان ذلك على حسب منتهى أفهامهم ومبلغ عقولهم ومدرك إدراكهم فكل ما
~~يوجد من يساويه في نفس الأمر يوجد من يفضل عليه بحسب اعتقاد الناس بل
~~كلما يوجد من يقاربه فيه يوجد من يفوقه في ظنون العامة وينعكس بعكس
~~النقيض إلى قولنا كلما لا يوجد من يفضل عليه لا يوجد من يساويه بل من
~~يقاربه أيضا وهو المطلوب، وبالجملة إن إثبات المساوي يستلزم إثبات
~~الراجح الفاضل فنفي الفاضل يستلزم نفي المساوي لأن نفي اللازم يستلزم نفي
~~الملزوم كما أن إثبات الملزوم يستلزم إثبات اللازم وفيه تأمل. وادعى بعض
~~المحققين أن دلالة التركيب على نفي المساواة وضعية لأن غير الأفضل إما
~~مساو أو أنقص/ فاستعمل في أحد فرديه. قال ابن الصائغ في مسألة الكحل: إن
~~ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد وإن كان نصا في ms02711 نفي
~~الزيادة وهي تصدق بالزيادة والنقصان إلا أن المراد الأخير وهو من قصر
~~الشيء على بعض أفراده كالدابة انتهى. وأنت تعلم أن هذا مشعر باعتبار
~~العرف أيضا.

# { أو كذب بآياته } كأن كذب بالقرآن الذي من جملته الآية
~~الناطقة بأن أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم أو بسائر المعجزات
~~التي أيد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن سماها سحرا، وعد من ذلك
~~تحريف الكتاب وتغيير نعوته صلى الله عليه وسلم الذي ذكرها الله تعالى
~~فيه، وإنما ذكر { أو } وهم جمعوا بين الأمرين إيذانا بأن كلا منهما
~~وحده بالغ غاية الإفراط في الظلم على النفس، وقيل: نبه بكلمة { أو }
~~على أنهم جمعوا بين أمرين متناقضين يعني أنهم أثبتوا المنفي ونفوا
~~الثابت، والمراد بالمتناقضين أمران من شأنهما أن لا يجمع بينهما عرفا أو
~~يقال: إن من نفي الثابت بالبرهان يكون بنفي ما لم يثبت به أولى، كذلك في
~~الطرف الآخر فالجمع بينهما جميع بين المتناقضين من هذا الوجه.

# وادعى بعضهم أن وجه التناقض المشعر به هذا العطف أن الافتراء على الله
~~تعالى دعوى وجوب القبول بلا حجة ما ينسب إليه تعالى وتكذيب الآيات دعوى
~~أنه يجب أن لا يقبل ما ينسب إليه تعالى ولو أقيم عليه بينة ويجب أن ينكر
~~التنبيه ويرتكب المكابرة بناء على أن الرسول يجب أن يكون ملكا. ولا يخفى
~~أن في دعوى التناقض خفاء، وهذه التوجيهات لا ترفعه.

# { أنه } أي الشأن، والمراد أن الشأن الخطير هذا وهو { لا يفلح
~~} أي لا يفوز بمطلوب ولا ينجو من مكروه { الظلمون } من حيث إنهم
~~ظالمون فكيف يفلح الأظلم من حيث إنه أظلم.

### || [6.22]

# { ويوم نحشرهم جميعا } منصوب على الظرفية بمضمر يقدر
~~مؤخرا وضمير { نحشرهم } للكل أو للعابدين للآلهة الباطلة مع
~~معبوداتهم و { جميعا } حال منه أي ويوم نحشر كل الخلق أو الكفار
~~وآلهتهم جميعا ثم نقول لهم ما نقول كان كيت وكيت. وترك هذا الفعل من
~~الكلام ليبقى على الإبهام الذي هو أدخل في التخويف والتهويل. وقدر ماضيا
~~ليدل على ms02712 التحقيق ويحسن عطف

# ثم لم تكن

# [الأنعام: 23] الخ عليه، وجوز نصبه على المفعولية بمضمر مقدر أي واذكر
~~لهم للتخويف والتحذير يوم نحشرهم واختاره أبو البقاء، وقيل: التقدير
~~ليتقوا أو ليحذروا يوم نحشرهم الخ.

# { ثم نقول } للتوبيخ والتقريع على رؤوس الأشهاد { للذين
~~أشركوا } بالله تعالى ما لم ينزل به سلطانا: { أين
~~شركاؤكم } أي آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله عز اسمه فالإضافة
~~لأدنى ملابسة و { أين } للسؤال عن غير الحاضر، وظاهر قوله تعالى:

# احشروا الذين ظلموا وأزوجهم وما كانوا
~~يعبدون

# [الصافات: 22] وغيره من الآيات يقتضي حضورهم معهم في المحشر فأما أن
~~يقال: إن هذا السؤال حين يحال بينهم بعد ما شاهدوهم ليشاهدوا خيبتهم كما
~~قيل:

# كما أبرقت قوما عطاشا غمامة

# فلما رأوها أقشعت وتجلت

# وإما أن يقال: إنه حال مشاهدتهم لهم لكنهم لما لم ينفعوهم نزلوا منزلة
~~الغيب كما تقول لمن جعل أحدا ظهيرا يعينه في الشدائد إذا لم يعنه وقد
~~وقع في ورطة بحضرته أين زيد؟ فتجعله لعدم نفعه وإن كان حاضرا كالغائب أو
~~الكلام على تقدير مضاف أي أين نفعهم وجدواهم؟، والتزم بعضهم القول بأنهم
~~غيب لظاهر / السؤال، وقوله تعالى: { وما نرى معكم شفعاءكم
~~الذين } إلى قوله سبحانه

# وضل عنكم ما كنتم تزعمون

# [الأنعام: 94]. وأجيب أن يكون ذلك في موطن آخر جمعا بين الآيات أو
~~المعنى وما نرى شفاعة شفعائكم.

# وقال شيخ الإسلام: «إن هذا السؤال المنبىء عن غيبة الشركاء مع عموم
~~الحشر لها للآيات الدالة على ذلك إنما يقع بعد ما جرى بينها وبينهم من
~~التبري من الجانبين وتقطع ما بينهم من الأسباب حسبما يحكيه قوله سبحانه:

# فزيلنا بينهم

# [يونس: 28] الخ ونحوه إما بعدم حضورها حينئذ في الحقيقة بإبعادها من ذلك
~~الموقف، وإما بتنزيل عدم حضورها بعنوان الشركة والشفاعة منزلة عدم حضورها
~~في الحقيقة إذ ليس السؤال عنها من حيث [ذواتها بل وإنما هو من حيث] هي
~~شركاء كما يعرب عنه الوصف بالموصول، ولا ريب في أن عدم الوصف يوجب عدم
~~الموصوف من حيث هو موصوف فهي من حيث ms02713 هي شركاء غائبة لا محالة وإن كانت
~~حاضرة من حيث ذواتها أصناما كانت أو لا. وأما ما يقال من أنه يحال بينها
~~وبينهم وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بها الرجاء [فيها]
~~فيروا مكان خزيهم وحسرتهم فربما يشعر بعدم شعورهم بحقيقة الحال وعدم
~~انقطاع حبال رجائهم عنها بعد.

# وقد عرفت أنهم شاهدوها قبل ذلك وانصرمت عروة أطماعهم عنها بالكلية على
~~أنها معلومة لهم من حين الموت والابتلاء بالعذاب في البرزخ. وإنما الذي
~~يحصل في الحشر الانكشاف الجلي واليقين القوي المترتب على المحاضرة
~~والمحاورة» اه.

# وتعقبه مولانا الشهاب بأنه تخيل لا أصل له لأن التوبيخ مراد في الوجوه
~~كلها، ولا يتصور حينئذ التوبيخ إلا بعد تحقق خلافه، مع أن كون هذا واقعا
~~بعد التبري في موقف آخر ليس في النظم ما يدل عليه ومثله لا يجزم به من
~~غير نقل لاحتمال أن يكون هذا في موقف التبري والإشعار المذكور لا يتأتى
~~مع أنه توبيخ. وأما العلاوة التي زيل بها كلامه فواردة عليه أيضا مع
~~أنها غير مسلمة لأن عذاب البرزخ لا يقتضي أن يشفع لهم بعد ذلك فكم من
~~معذب في قبره يشفع له اه. وأنت تعلم أن عذابهم البرزخي إن كان بسبب
~~اعتقادهم النفع فيهم ورجاء شفاعتهم وعلم أولئك المعذبون أن عذابهم لذلك
~~فقوله: لأن عذاب البرزخ لا يقتضي الخ ليس في محله، وكذا قوله: فكم من
~~معذب في قبره يشفع له إن أراد به فكم من معذب لمعصية من المعاصي في قبره
~~يشفع له من يشفع فمسلم لكن لا يفيد. وإن أراد فكم من معذب في قبره بسبب
~~عبادة شيء يشفع له ذلك الشيء فمنعه ظاهر كما لا يخفى فتدبر. وقرأ يعقوب {
~~يحشرهم.. ثم يقول } بالياء فيهما والضمير فيهما لله تعالى.

# وقوله سبحانه للمشركين: { أين شركاؤكم الذين كنتم
~~تزعمون } إما بالواسطة أو بغير واسطة. والتكليم المنفي في قوله
~~تعالى:

# ولا يكلمهم

# [البقرة: 174، آل عمران: 77] الخ تكليم تشريف ونفع لا مطلقا فقد كلم
~~إبليس عليه اللعنة بما كلم. والزعم ms02714 يستعمل في الحق كما في قوله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " زعم جبريل عليه السلام "

# وفي حديث ضمام بن ثعلبة رضي الله تعالى عنه «زعم رسولك» وقول سيبويه في
~~أشياء يرتضيها: زعم الخليل، ويستعمل في الباطل والكذب كما في هذه الآية.
~~وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كل زعم في القرآن فهو بمعنى الكذب.
~~وكثيرا ما يستعمل في الشيء الغريب الذي تبقى عهدته على قائله وهو هنا
~~متعد لمفعولين وحذفا لانفهامهما من المقام أي تزعمونهم شركاء.

### || [6.23]

# { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا } أصل معنى
~~الفتنة على ما حققه الراغب من الفتن وهو إدخال الذهب النار لتعلم جودته
~~من رداءته ثم استعمل في معان كالعذاب والاختبار والبلية والمصيبة والكفر
~~والإثم والضلال / والمعذرة. واختلف في المراد هنا فقيل: الشرك، واختار
~~هذا القول الزجاج ورواه عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وكأن
~~التعبير عن الشرك بالفتنة أنها ما تفتتن به ويعجبك وهم كانوا معجبين
~~بكفرهم مفتخرين به. والكلام حينئذ إما على حذف مضاف كما يقتضيه ظاهر كلام
~~البعض، وإما على جعل عاقبة الشيء عينه ادعاء وهو أحلى مذاقا وأبعد مغزى
~~والحصر إضافي بالنسبة إلى جنس الأقوال أو ادعائي.

# وقوله تعالى: { والله ربنا ما كنا مشركين } كناية عن
~~التبري عن الشرك وانتفاء التدين به أي ثم لم يكن عاقبة شركهم شيئا إلا
~~تبرئهم منه، ونص الزجاج أن مثل ما في الآية أن ترى إنسانا يحب غاويا
~~فإذا وقع في مهلكة تبرأ منه فيقال له: ما كان محبتك لفلان إلا أن تبرأت
~~منه وليس ذلك من قبيل عتابك السيف ولا من تقدير المضاف وإن صح ذلك فيه
~~وهو معنى حسن لطيف لا يعرفه إلا من عرف كلام العرب، وقيل: المراد بها
~~العذر واستعملت فيه لأنها على ما تقدم التخليص من الغش والعذر يخلص من
~~الذنب فاستعيرت له. وروي ذلك عن ابن عباس أيضا وأبي عبد الله وقتادة
~~ومحمد بن كعب رضي الله تعالى عنهم، وقيل: الجواب بما هو كذب. ووجه
~~الإطلاق ms02715 أنه سبب الفتنة فتجوز بها عنه إطلاقا للمسبب على السبب، ويحتمل
~~أن يكون هناك إستعارة لأن الجواب مخلص لهم أيضا كالمعذرة. قيل: والحصر
~~على هذين القولين حقيقي والجملة القسمية على ظاهرها.

# و { تكن } بالتاء الفوقانية، و { فتنتهم } بالرفع قراءة ابن
~~كثير وابن عامر وحفص عن عاصم وقرأ حمزة. والكسائي { يكن } بالياء
~~التحتانية و { فتنتهم } بالنصب، وكذا قرأ { ربنا } بالنصب على
~~النداء أو المدح. وقرىء في الشواذ { ربنا } بالرفع على أنه خبر مبتدأ
~~محذوف وهو توطئة لنفي إشراكهم وفائدته رفع توهم أن يكون نفي الإشراك بنفي
~~الإلهية عنه تقدس وتعالى. وقرأ الباقون بالتاء من فوق ونصب {
~~فتنتهم } أيضا، وخرجوا قراءة الأولين على أن { فتنتهم } اسم
~~{ تكن } وتأنيث الفعل لإسناده إلى مؤنث و { أن قالوا } خبره. وقرأ
~~حمزة والكسائي على أن { أن قالوا } هو الاسم ولم يؤنث الفعل لإسناده
~~إلى مذكر و { فتنتهم } هو الخبر. وقراءة الباقين على نحو هذا خلا
~~أن التأنيث فيها بناء على مذهب الكوفيين فإنهم يجيزون في سعة الكلام
~~تأنيث اسم كان إذا كان مصدرا مذكرا وكان الخبر مؤنثا مقدما كقوله:

# وقد خاب من كانت سريرته العذر

# ويستشهدون على ذلك بهذه القراءة، وذهب البصريون إلى أن ذلك ضرورة، وقيل:
~~إن التأنيث على معنى المقالة وهو من قبيل جاءته كتابي أي رسالتي ولا يخفى
~~أن هذا قليل في كلامهم، وقال الزمخشري ونقل بعينه عن أبي علي: «إن ذلك من
~~قبيل من كانت أمك»؟ ونوقش بما لا طائل فيه.

# وزعم بعضهم أن القراءتين الأخيرتين أفصح من القراءة الأولى لأن فيها جعل
~~الأعرف خبرا وغير الأعرف اسما لأن { أن قالوا } يشبه المضمر والمضمر
~~أعرف المعارف وهو خلاف الشائع المعروف دونهما وفيه نظر إذ لا يلزم من
~~مشابهة شيء لشيء في حكم مشابهته له في حميع الأحكام، والجملة على سائر
~~القراءات عطف على الفعل المقدر العامل في

# ويوم نحشرهم

# [الأنعام: 22] الخ على ما مرت الإشارة إليه. وجعلها غير واحد عطفا على
~~الجملة قبلها. و { ثم } اما على ظاهرها بناء على القول الأول ms02716 وإما
~~للتراخي في الرتبة بناء على القولين الأخيرين لأن معذرتهم أو جوابهم هذا
~~أعظم من التوبيخ السابق.

# وأنت تعلم أنه لا ضرورة للعدول عن الظاهر لجواز أن يكون هناك تراخ في
~~الزمان بناء على أن الموقف عظيم فيمكن أن يقال: إنهم لما عاينوا هول ذلك
~~اليوم وتجلى الملك الجبار جل جلاله عليهم بصفة الجلال كما ينبىء / عنه
~~الجملة السابقة حاروا ودهشوا فلم يستطيعوا الجواب إلا بعد زمان. ومما
~~ينبىء على دهشتهم وحيرتهم أنهم كذبوا وحلفوا في كلامهم هذا ولو لم يكونوا
~~حيارى مدهوشين لما قالوا الذي قالوا لأن الحقائق تنكشف يوم القيامة فإذا
~~اطلع أهلها عليها وعلى أنها لا تخفى عليه سبحانه وأنه لا منفعة لهم في
~~مثل ذلك استحال صدوره عنهم.

# وللغفلة عن بناء الأمر عن الدهشة والحيرة منع الجبائي والقاضي ومن
~~وافقهما جواز الكذب على أهل القيامة مستدلين بما ذكرنا. وأجابوا عن الآية
~~بأن المعنى ما كنا مشركين في اعتقادنا وظنوننا وذلك لأنهم كانوا يعتقدون
~~في أنفسهم أنهم موحدون متباعدون عن الشرك. واعترضوا على أنفسهم بأنهم على
~~هذا التقدير يكونون صادقين فيما أخبروا فلم قال سبحانه: { انظر كيف
~~كذبوا... }.

### || [6.24]

# { انظر كيف كذبوا } أي في قولهم

# ما كنا مشركين

# [الأنعام: 23] وأجابوا بأنه ليس المراد أنهم كذبوا في الآخرة بل المراد:
~~أنظر كيف كذبوا { على أنفسهم } في الدنيا. ورد بأن الآية لا تدل
~~على هذا المعنى بوجه ولا تنطبق عليه لأنها في شأن خسرهم وأمرهم في الآخرة
~~لا في الدنيا بل تنبو عنه أشد نبو لأن أول النظم الكريم وآخره في ذلك
~~فتخلل بيان حالهم في الدنيا تفكيك له وتعسف جدا. ويؤيد ما ذهب إليه
~~الجمهور أيضا قوله تعالى:

# يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما
~~يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شىء ألا
~~إنهم هم الكذبون

# [المجادلة: 18] بعد قوله سبحانه:

# ويحلفون على الكذب وهم يعلمون

# [المجادلة: 14] حيث شبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا، ويشير إلى
~~هذا التشبيه أيضا الأمر بالنظر كما لا يخفى على من نظر.

# وذكر ابن ms02717 المنير «أن في الآية دليلا بينا على أن الإخبار بالشيء على
~~خلاف ما هو به كذب وإن لم يعلم المخبر مخالفة خبره لمخبره ألا تراه
~~سبحانه جعل إخبارهم وتبرأهم كذبا مع أنه جل شأنه أخبر عنهم بقوله تعالى:
~~{ وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي سلبوا علمه حينئذ
~~دهشا وحيرة فلم يرفع ذلك إطلاق الكذب عليهم»، وأنت تعلم أن تفسير هذه
~~الجملة بما ذكر غير ظاهر. والمروي عن الحسن أن { ما } موصولة والمراد بها
~~الأصنام التي كانوا يعبدونها ويقولون فيها:

# هؤلاء شفعؤنا عند الله

# [يونس: 18] أو نحو ذلك. وإيقاع الافتراء عليها مع أنه في الحقيقة واقع
~~على أحوالها للمبالغة في أمرها كأنها نفس المفتري أي زالت وذهبت عنهم
~~أوثانهم التي يفترون فيها ما يفترون فلم تغن عنهم من الله شيئا، وقيل:
~~إن { ما } مصدرية أي ضل افتراؤهم كقوله سبحانه:

# ضل سعيهم

# [الكهف: 104] أي لم ينفعهم ذلك. والجملة قيل: مستأنفة، وقيل: واختاره
~~شيخ الإسلام «إنها عطف على { كذبوا } داخل معه في حكم التعجب إذ
~~الاستفهام السابق المعلق لأنظر لذلك. وجعل المعنى على احتمال الموصول
~~والمصدرية أنظر كيف كذبوا باليمين الفاجرة المغلظة على أنفسهم بإنكار
~~صدور ما صدر عنهم وكيف ضل عنهم أي زال وذهب افتراؤهم أو ما كانوا يفترونه
~~من الإشراك حتى نفوا صدوره عنهم بالكلية وتبرؤوا [منه] بالمرة».

### || [6.25]

# { ومنهم من يستمع إليك } كلام مسوق لحكاية ما صدر في
~~الدنيا عن بعض المشركين من أحكام الكفر ثم بيان ما سيصدر عنهم يوم الحشر
~~تقريرا لما قبله وتحقيقا لمضمونه. وضمير { منهم } للذين أشركوا.
~~والاستماع بمعنى الإصغاء وهو لازم يعدى باللام وإلى كما صرح به أهل
~~اللغة، وقيل: إنه مضمن معنى الإصغاء ومفعوله مقدر وهو القرآن. قال ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما في رواية أبي صالح: إن أبا سفيان بن حرب
~~والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبيا
~~بن خلف استمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم / وهو يقرأ القرآن
~~فقالوا للنضر: يا أبا قتيلة ما ms02718 يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بيته ما
~~أدري ما يقول إلا أني أرى تحرك شفتيه يتكلم بشيء فما يقول إلا أساطير
~~الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية. وكان النضر كثير الحديث عن
~~القرون الأولى وكان يحدث قريشا فيستملحون حديثه فأنزل الله تعالى هذه
~~الآية. وأفرد ضمير { من } في { يستمع } وجمعه في قوله سبحانه {
~~وجعلنا على قلوبهم أكنة } نظرا إلى لفظه ومعناه وعن
~~الكرخي إنما قيل: هنا { يستمع } وفي يونس [42]

# يستمعون

# لأن ما هنا في قوم قليلين فنزلوا منزلة الواحد وما هناك في جميع الكفار
~~فناسب الجمع، وإنما لم يجمع ثم في قوله سبحانه:

# ومنهم من ينظر إليك

# [يونس: 43] لأن المراد النظر المستتبع لمعاينة أدلة الصدق وأعلام النبوة
~~والناظرون كذلك أقل من المستمعين للقرآن.

# والجعل بمعنى الإنشاء. والأكنة جمع كنان كغطاء وأغطية لفظا ومعنى لأن
~~فعالا بفتح الفاء وكسرها يجمع في القلة على أفعلة كأحمرة وأقذلة، وفي
~~الكثرة على فعل كحمر إلا أن يكون مضاعفا أو معتل اللام فيلزم جمعه على
~~أفعلة كأكنة وأخبية إلا نادرا. وفعل الكن ثلاثي ومزيد يقال: كنه وأكنه
~~كما قاله الطبرسي وغيره وفرق بينهما الراغب فقال: أكننت يستعمل لما يستر
~~في النفس والثلاثي لغيره والتنوين للتفخيم. والواو للعطف والجملة معطوفة
~~على الجملة قبلها عطف الفعلية على الاسمية، وقيل: الواو للحال أي وقد
~~جعلنا. و { على قلوبهم } متعلق بالفعل قبله. وزعم أبو حيان أنه
~~«إن كان بمعنى ألقى فالظرف متعلق به وإن كان بمعنى صير فمتعلق بمحذوف إذ
~~هو في موضع المفعول الثاني». والمعنى على ما ذكرنا وأنشأنا على قلوبهم
~~أغطية كثيرة لا يقادر قدرها.

# { أن يفقهوه } أي كراهة أن يفهموا ما يستمعونه من القرآن المدلول
~~عليه بذكر الاستماع فالكلام على تقدير مضاف ومنهم من قدر لا دونه أي أن
~~لا يفقهوه وكذلك يفعلون في أمثاله، وجوز أن يكون مفعولا به لما دل عليه
~~قوله تعالى: { وجعلنا على قلوبهم أكنة } أي منعناهم أن
~~يفقهوه أو لما دل عليه { أكنة } وحده من ذلك { وفى ءاذانهم
~~وقرا ms02719 } أي صمما وثقلا في السمع يمنع من استماعه على ما هو حقه.

# والكلام عند غير واحد تمثيل معرب عن كمال جهلهم بشؤون النبي صلى الله
~~عليه وسلم وفرط نبوة قلوبهم عن فهم القرآن الكريم ومج أسماعهم أصمها الله
~~تعالى، وجوز أن يكون هناك استعارة تصريحية أو مكنية أو مشاكلة. وقد مر لك
~~في البقرة ما ينفعك هنا فتذكره.

# وقرأ طلحة { وقرا } بالكسر وهو على ما نص عليه الزجاج حمل البغل ونحوه،
~~ونصبه على القراءتين بالعطف على { أكنة } كما قال أبو البقاء.

# { وإن يروا } أي يشاهدوا ويبصروا { كل آية } أي معجزة دالة
~~على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم على ما نقل عن الزجاج وهو الذي يقتضيه
~~كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كانشقاق القمر ونبع الماء من بين
~~أصابعه الشريفة وتكثير القليل من الطعام وما أشبه ذلك { لا يؤمنوا
~~بها } لفرط عنادهم واستحكام التقليد فيهم. والكلام من باب عموم النفي
~~ككل ذلك لم يكن لا من باب نفي العموم. والمراد ذمهم بعدم الانتفاع بحاسة
~~البصر بعد أن ذكر سبحانه عدم انتفاعهم بعقولهم وأسماعهم، ونقل عن بعضهم
~~أنه لا بد من تخصيص الآية في الآية بغير الملجئة دفعا للمخالفة بين هذا
~~وقوله تعالى:

# إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت
~~أعناقهم لها خاضعين

# [الشعراء: 4]. واكتفى بعضهم بحمل الإيمان على الإيمان بالاختيار وفرق
~~بينه وبين خضوع الأعناق فليفهم. وخص شيخ الإسلام الآية «بما كان من
~~الآيات القرآنية أي وإن يروا / شيئا من ذلك بأن يشاهدوه بسماعه لا
~~يؤمنوا به»، ولعل ما قدمناه أحلى لدى الذوق السليم.

# { حتى إذا جاءوك يجدلونك } أي يخاصمونك وينازعونك. و {
~~حتى } هي التي تقع بعدها الجمل ويقال لها: حتى الابتدائية ولا محل
~~للجملة الواقعة بعدها خلافا للزجاج وابن درستويه زعما أنها في محل جر
~~بحتى. ويرده أن حروف الجر لا تعلق عن العمل وإنما تدخل على المفرد أو ما
~~في تأويله. والجملة هنا قوله تعالى: { إذا جاءوك } مع جواب الشرط
~~أعني قوله سبحانه وتعالى: { يقول الذين ms02720 كفروا } وما بينهما
~~حال من فاعل جاؤوا. وإنما وضع الموصول موضع الضمير ذما لهم بما في حيز
~~الصلة وإشعارا بعلة الحكم. و { إذا } منصوبة المحل على الظرفية بالشرط
~~أو الجواب على الخلاف الشهير في ذلك، واعترض بأن جعل { يجدلونك }
~~في موضع الحال و { يقول الذين } جوابا مفض إلى جعل الكلام لغوا
~~لأن المجادلة نفس هذا القول إلا أن تؤول المجادلة بقصدها. ولا يخفى ما
~~فيه، فإن المجادلة مطلق المنازعة.

# وسميت بذلك لما فيها من الشدة أو لأن كل واحد من المتجادلين يريد أن
~~يلقى صاحبه على الجدالة أي الأرض. والقول المذكور فرد منها فالكلام مفيد
~~أبلغ فائدة كقولك إذا أهانك زيد شتمك، وذكر بعض النحويين أن حتى إذا وقع
~~بعدها إذا يحتمل أن تكون بمعنى الفاء وأن تكون بمعنى إلى والغاية معتبرة
~~في الوجهين أي بلغوا من التكذيب والمكابرة إلى أنهم إذا جاؤوك مجادلين لك
~~لا يكتفون بمجرد عدم الإيمان [بما سمعوا من الآيات الكريمة] بل يقولون:

# { إن هذا } أي ما هذا { إلا أسطير الأولين } أي
~~أحاديثهم المسطورة التي لا يعول عليها، وقال قتادة: كذبهم وباطلهم. وحاصل
~~ما ذكر أن تكذيبهم بلغ النهاية بما ذكر لأنه الفرد الكامل منه. ونظير ذلك
~~ مات الناس حتى الأنبياء  وجوز أن تكون { حتى } هي الجارة و {
~~إذا جاءوك } في موضع الجر وهو قول الأخفش وتبعه ابن مالك في «التسهيل»
~~ورده أبو حيان في «شرحه». وعليه فإذا خارجة عن الظرفية كما صرحوا به وعن
~~الشرطية أيضا فلا جواب لها فيقول حينئذ: تفسير ليجادلونك وهو في موضع
~~الحال أيضا. والأساطير عند الأخفش جمع لا مفرد له كأبابيل ومذاكير، وقال
~~بعضهم: له مفرد. وفي «القاموس» «إنه جمع إسطار وإسطير بكسرهما وأسطور
~~وبالهاء في الكل»، وقيل: جمع أسطار بفتح الهمزة جمع سطر بفتحتين كسبب
~~وأسباب فهو جمع جمع. وأصل السطر بمعنى الخط.

### || [6.26]

# { وهم ينهون عنه } الضمير المرفوع (للمشركين) والمجرور
~~للقرآن أي لا يقنعون بما ذكر من تكذيبه وعده حديث خرافة بل ينهون الناس
~~عن استماعه لئلا يقفوا ms02721 على حقيته فيؤمنوا به { وينأون عنه } أي
~~يتباعدون عنه بأنفسهم إظهارا لغاية نفورهم عنه وتأكيدا لنهيهم [عنه]
~~فإن اجتناب الناهي عن المنهي عنه من متممات النهي «ولعل ذلك  كما قال
~~شيخ الإسلام  هو السر في تأخير النأي عن النهي». وهذا هو التفسير الذي
~~أخرجه ابن أبي شيبة وابن حميد وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن مجاهد
~~رحمة الله تعالى عليه، وقيل: الضمير المجرور للرسول صلى الله عليه وسلم
~~على معنى ينهون الناس عن الإيمان به عليه الصلاة والسلام ويتباعدون عنه.
~~وهو التفسير الذي أخرجه أبناء جرير والمنذر وأبي حاتم ومردويه من طريق
~~علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأخرجه أيضا ابن
~~جرير من طريق العوفي. وروي ذلك عن محمد بن الحنفية والسدي والضحاك، وقيل:
~~الضمير المرفوع لأبي طالب وأتباعه أو أضرابه والمجرور / للنبي صلى الله
~~عليه وسلم على معنى ينهون عن أذيته عليه الصلاة والسلام ولا يؤمنون به.

# أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن هلال أنه قال: إن الآية نزلت في عمومة
~~النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا عشرة وكانوا أشد الناس معه في العلانية
~~وأشد الناس عليه عليه الصلاة والسلام في السر. وقيل: ضمير الجمع لأبي
~~طالب وحده وجمع استعظاما لفعله حتى كأنه مما لا يستقل به واحد، وقيل:
~~إنه نزل منزلة أفعال متعددة فيكون كقوله: قفا عند المازني، ولا يخفى
~~بعده. وروى هذا القول جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضا.
~~وروي عن مقاتل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند أبي طالب يدعوه
~~إلى الإسلام فاجتمعت قريش إليه يريدون سوءا بالنبي صلى الله عليه وسلم
~~فقال منشدا:

# والله لن يصلوا إليك بجمعهم

# حتى أوسد في التراب دفينا

# فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة

# وأبشر وقر بذاك منك عيونا

# ودعوتني وزعمت أنك ناصح

# ولقد صدقت وكنت ثم أمينا

# وعرضت دينا لا محالة أنه

# من خير أديان البرية دينا

# لولا الملامة أو حذاري سبة

# لوجدتني سمحا بذاك مبينا

# فنزلت هذه ms02722 الآية. وفيها على هذا القول والذي قبله التفات. ورد الإمام
~~القول الأخير «بأن جميع الآيات المتقدمة في ذم فعل المشركين فلا يناسبه
~~ذكر النهي عن أذيته عليه الصلاة والسلام وهو غير مذموم». ونظر فيه بأن
~~الذم بالمجموع من حيث هو مجموع. وبهذه الآية على هذه الرواية استدل بعض
~~من ادعى أن أبا طالب لم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وسيأتي إن
~~شاء الله تعالى تحقيق هذا المطلب في موضعه.

# والنأي لازم يتعدى بعن كما في الآية. ونقل عن الواحدي أنه سمع تعديته
~~بنفسه عن المبرد وأنشد:

# أعاذل إن يصبح صدى بقفرة

# بعيدة نآني زائري وقريبي

# وخرجه البعض على الحذف والإيصال ولا يخفى ما في { ينهون } و {
~~ينأون } من التجنيس البديع. وقرىء «وينون عنه».

# { وإن يهلكون } أي وما يهلكون بذلك { إلا أنفسهم } بتعريضها لأشد
~~العذاب وأفظعه وهو عذاب الضلال والإضلال. وقوله تعالى: { وما
~~يشعرون } حال من ضمير { يهلكون } أي يقصرون الإهلاك على أنفسهم
~~والحال أنهم غير شاعرين [أي] لا بإهلاكهم أنفسهم ولا باقتصار ذلك عليها
~~من غير أن يضروا بذلك شيئا من القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم،
~~وإنما عبر عنه بالإهلاك مع أن المنفي عن غيرهم مطلق الضرر للإيذان بأن ما
~~يحيق بهم هو الهلاك لا الضرر المطلق. على أن مقصدهم لم يكن مطلق الممانعة
~~فيما (ذكروا) بل كانوا يبغون الغوائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي
~~هو نظام عقد لآلىء الآيات القرآنية. وجوز أن يكون الإهلاك معتبرا
~~بالنسبة إلى الذين يضلونهم بالنهي فقصره على أنفسهم حينئذ مع شموله
~~للفريقين مبني على تنزيل عذاب الضلال عند عذاب الإضلال منزلة العدم.
~~«ونفي الشعور  على ما في «البحر»  أبلغ من نفي العلم» كأنه قيل: وما
~~يدركون ذلك أصلا.

### || [6.27]

# { ولو ترى إذ وقفوا على النار } شروع في حكاية ما
~~سيصدر / عنهم يوم القيامة من القول المناقض لما صدر عنهم في الدنيا من
~~القبائح المحكية مع كونه كاذبا في نفسه. والخطاب للنبي صلى الله عليه
~~وسلم أو لكل من ms02723 له أهلية ذلك قصدا إلى بيان سوء حالهم وبلوغها من
~~الشناعة إلى حيث (لا يختص استغرابها براء راء). و { لو } شرطية على
~~أصلها وجوابها محذوف لتذهب نفس السامع كل مذهب فيكون أدخل في التهويل،
~~ونظير ذلك قوله امرىء القيس:

# وجدك لو شيء أتانا رسوله

# سواك ولكن لم نجد لك مدفعا

# وقولهم لو ذات سوار لطمتني. و { ترى } بصرية وحذف مفعولها لدلالة ما
~~في حيز الظرف عليه. والإيقاف إما من الوقوف المعروف أو من الوقوف بمعنى
~~المعرفة كما يقال: أوقفته على كذا إذا فهمته وعرفته واختاره الزجاج أي:
~~ولو ترى حالهم حين يوقفون على النار حتى يعاينوها أو يرفعوا على جسرها
~~وهي تحتهم فينظرونها أو يدخلونها فيعرفون مقدار عذابها لرأيت ما لا يحيط
~~به نطاق التعبير. وصيغة الماضي للدلالة على التحقيق. وقيل: إن لو بمعنى
~~إن. وجوزوا أن تكون (ترى) علمية وهو كما ترى. وقرىء { وقفوا } بالبناء
~~للفاعل من وقف عليه اللازم ومصدره غالبا الوقوف، ويستعمل وقف متعديا
~~أيضا ومصدره الوقف وسمع فيه أوقف لغة قليلة. وقيل: إنه بطريق القياس.

# { فقالوا } لعظم أمر ما تحققوه { يليتنا نرد } أي إلى
~~الدنيا. و { يا } للتنبيه أو للنداء والمنادى محذوف أي يا قومنا مثلا {
~~ولا نكذب بئايت ربنا } أي القرآن كما كنا نكذب من قبل
~~ونقول: أساطير الأولين. وفسر بعضهم الآيات بما يشمل ذلك والمعجزات، وقال
~~شيخ الإسلام:«يحتمل أن يراد بها الآيات الناطقة بأحوال النار وأهوالها
~~الآمرة باتقائها بناء على أنها التي تخطر حينئذ ببالهم ويتحسرون على ما
~~فرطوا في حقها. ويحتمل أن يراد بها جميع الآيات المنتظمة لتلك الآيات
~~انتظاما أوليا».

# { ونكون من المؤمنين } بها حتى لا نرى هذا الموقف الهائل
~~كما لم ير ذلك المؤمنون. ونصب الفعلين  على ما قال الزمخشري وسبقه إليه
~~كما قال الحلبي الزجاج  بإضمار أن على جواب التمني، والمعنى ان رددنا لم
~~نكذب ونكن من المؤمنين. ورده أبو حيان «بأن نصب الفعل بعد الواو ليس على
~~الجوابية لأنها لا تقع في جواب الشرط فلا ينعقد مما قبلها وما ms02724 بعدها شرط
~~وجواب وإنما هي واو الجمع تعطف ما بعدها على المصدر المتوهم قبلها وهي
~~عاطفة يتعين مع النصب أحد محاملها الثلاث وهي المعية ويميزها عن الفاء
~~(صحة حلول مع محلها) أو الحال وشبهة من قال: إنها جواب أنها تنصب في
~~المواضع التي تنصب فيها الفاء فتوهم أنها جواب».

# ويوضح لك أنها ليست به انفراد الفاء دونها بأنها إذا حذفت انجزم الفعل
~~بعدها بما قبلها لما تضمنه من معنى الشرط، وأجيب بأن الواو أجريت هنا
~~مجرى الفاء. وجعلها ابن الأنباري مبدلة منها. ويؤيد ذلك قراءة ابن مسعود
~~وابن اسحق { فلا نكذب } ، واعترض أيضا ما ذكره الزمخشري من معنى
~~الجزائية بأن ردهم لا يكون سببا لعدم تكذيبهم. وأجيب بأن السببية يكفي
~~فيها كونها في زعمهم. ورد بأن مجرد الرد لا يصلح لذلك فلا بد من العناية
~~بأن يراد الرد الكائن بعد ما ألجأهم إلى ذلك إذ قد انكشفت لهم حقائق
~~الأشياء. ولهذه الدغدغة اختار من اختار العطف على مصدر متوهم قبل كأنه
~~قيل: ليت لنا ردا وانتفاء تكذيب وكونا من المؤمنين، وقرأ نافع وابن كثير
~~والكسائي برفع الفعلين، وخرج على أن ذلك ابتداء كلام منهم غير معطوف على
~~ما قبله والواو كالزائدة كقول المذنب لمن يؤذيه على ما صدر منه: دعني ولا
~~أعود يريد لا أعود تركتني أو لم تتركني. ومن ذلك على ما قاله الإمام عبد
~~القاهر قوله:

# / اليوم يومان مذ غيبت عن نظري

# نفسي فداؤك ما ذنبي فاعتذر

# وكأن المقتضي لنظمه في هذا السلك إفادة المبالغة المناسبة لمقام
~~المغازلة، واختار بعضهم كونه ابتداء كلام بمعنى كونه مقطوعا عما في حيز
~~التمني معطوفا عليه عطف إخبار على إنشاء، ومن النحاة من جوزه مطلقا،
~~ونقله أبو حيان عن سيبويه، وجوز أن يكون داخلا في حكم التمني على أنه
~~عطف على { نرد } أو حال من الضمير فيه، فالمعنى  كما قال الشهاب 
~~على تمني مجموع الأمرين الرد وعدم التكذيب أي التصديق الحاصل بعد الرد
~~إلى الدنيا لأن الرد ليس مقصودا بالذات هنا، وكونه ms02725 متمنى ظاهر لعدم
~~حصوله حال التمني وإن كان التمني منصبا على الإيمان والتصديق فتمنيه لأن
~~الحاصل الآن لا ينفعهم لأنهم ليسوا في دار تكليف فتمنوا إيمانا ينفعهم
~~وهو إنما يكون بعد الرد المحال والمتوقف على المحال محال. وقرأ ابن عامر
~~برفع الأول ونصب الثاني على ما علمت آنفا، والجوابية إما بالنظر إلى
~~المجموع أو بالنظر إلى الثاني وعدم التكذيب بالآيات مغاير للإيمان
~~والتصديق فلا اتحاد. وقرىء شاذا بعكس هذه القراءة.

### || [6.28]

# { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } إضراب عما
~~يؤذن به تمنيهم من الوعد بتصديق الآيات والإيمان بها أي ليس ذلك عن عزم
~~صحيح ناشىء عن رغبة في الإيمان وشوق إلى تحصيله والاتصاف به بل لأنه بدا
~~وظهر لهم في وقوفهم ذلك ما كانوا يخفونه في الدنيا من ثالثة الأثافي
~~والداهية الدهياء فلشدة هول ذلك ومزيد ضجرهم منه قالوا ما قالوا، فالمراد
~~من الموصول النار على ما يقتضيه السوق ومن إخفائها ستر أمرها وذلك بإنكار
~~تحققها وعدم الإيمان بثبوتها أصلا فكأنه قيل: بل بدا لهم ما كانوا
~~يكذبون به في الدنيا وينكرون تحققه.

# وإنما لم يصرح سبحانه بالتكذيب كما في قوله عز شأنه:

# هذه جهنم التى يكذب بها المجرمون

# [الرحمن: 43] وقوله عز من قائل:

# هذه النار التى كنتم بها تكذبون

# [الطور: 14] مع أن ذلك أنسب بما قبل من قولهم:

# ولا نكذب بئايت ربنا

# [الأنعام: 27] مراعاة لما في مقابله من البدو في الجملة مع ما في ذلك من
~~الرمز الخفي إلى أن تكذيبهم هذا لم يكن في محله رأسا لقوة الدليل، وقيل:
~~المراد بما كانوا يخفونه قبائحهم من غير الشرك التي كانوا يكتمونها عن
~~الناس فتظهر في صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم، وقيل: المراد به الشرك الذي
~~أنكروه في بعض مواقف القيامة بقولهم:

# والله ربنا ما كنا مشركين

# [الأنعام: 23]، وقيل: المراد به أمر البعث والنشور، والضمير المرفوع
~~لرؤساء الكفار والمجرور لأتباعهم أي ظهر للتابعين ما كان الرؤساء
~~المتبوعون يخفونه في الدنيا عنهم من أمر البعث والنشور، ونسب إلى الحسن
~~واختاره ms02726 الزجاج.

# وقيل: الآية في المنافقين، والضمير المرفوع لهم، والمجرور للمؤمنين،
~~والمراد بالموصول الكفر أي بل ظهر للمؤمنين ما كان المنافقون يخفونه من
~~الكفر ويكتمونه عنهم في الدنيا، وقيل: هي في أهل الكتاب مطلقا أو
~~علمائهم، والذي أخفوه نبوة خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، والضميران
~~المرفوع والمجرور لهم وللمؤمنين أو للخواص والعوام. وتعقب كل ذلك بأنه
~~بعد الإغضاء عما فيه من الاعتساف لا سبيل إليه هنا لأن سوق النظم الجليل
~~لتهويل أمر النار وتفظيع حال أهلها، وقد ذكر وقوفهم عليها وأشير إلى أنه
~~اعتراهم عند ذلك من الخوف والخشية والحيرة والدهشة ما لا يحيط به الوصف،
~~ورتب عليهم تمنيهم المذكور بالفاء القاضية بسببية ما قبلها لما بعدها
~~فإسقاط النار بعد ذلك من السببية وهي في نفسها أدهى الدواهي وأزجر
~~الزواجر إلى ما دونها في ذلك مع عدم جريان ذكرها ثمة أمر ينبغي تنزيه
~~ساحة التنزيل عن أمثاله. ونقل عن المبرد أن الكلام / على حذف مضاف أي بدا
~~لهم وبال ما كانوا يخفون ولا يخفى ما فيه أيضا فتدبر.

# { ولو ردوا } من موقفهم ذلك إلى الدنيا { لعدوا لما
~~نهوا عنه } من الكفر والتكذيب أو من الأعم من ذلك ويدخل فيه ما ذكر
~~دخولا أوليا ولا يخفى حسنه، ووجه اللزوم في هذه الشرطية سبق قضاء الله
~~تعالى عليهم بذلك التابع لخبث طينتهم ونجاسة جبلتهم وسوء استعدادهم ولهذا
~~لا ينفعهم مشاهدة ما شاهدوه، وقيل: إن المراد أنهم لو ردوا إلى حالهم
~~الأولى من عدم العلم والمشاهدة لعادوا، ولا يخفى أنه لا يناسب مقام ذمهم
~~بغلوهم في الكفر والإصرار وكون هذا جوابا لما مر من تمنيهم. وذكر بعض
~~الناس في توجيه عدم نفع المشاهدة في الآخرة لأهوالها المترتبة على
~~المعاصي بعد الرد إلى الدنيا أنها حينئذ كخبر النبي صلى الله عليه وسلم
~~المؤيد بالمعجزات الباهرة فحيث لم ينتفعوا به وصدهم ما صدهم لا ينتفعون
~~بما هو مثله ويصدهم أيضا ما يصدهم. وأنت تعلم أن هذا بعد تسليم كون
~~المشاهدة بعد الرد كخبر الصادق يرجع ms02727 في الآخرة إلى ما أشرنا إليه من سبق
~~القضاء وسوء الاستعداد، ومن خلق للشقاء والعياذ بالله سبحانه وتعالى
~~للشقاء يكون.

# { وإنهم لكذبون } أي لقوم كاذبون فيما تضمنه تمنيهم من
~~الخبر بأن ذلك مراد لهم، ويحتمل أن يكون هذا ابتداء إخبار منه تعالى بأن
~~ديدن هؤلاء وهجيراهم الكذب. وليس الكذب على الاحتمالين متوجها إلى
~~التمني نفسه لأنه إنشاء والإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب. وقال الربعي: لا
~~بأس بتوجه الكذب إلى التمني لأنه يحتمل الصدق والكذب بنفسه واحتج على ذلك
~~بقوله:

# منى أن تكن حقا تكن أحسن المنى

# وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا

# لأن الحق بمعنى الصدق وهو ضد الباطل والكذب، ولا يخفى ما فيه مع أنه لو
~~سلم فهو مجاز أيضا. وقيل: الخبر الضمني هنا هو الوعد بالإيمان وعدم
~~التكذيب. واعترض بأن الوعد كالوعيد من قبيل الإنشاء كما حقق في موضعه فلا
~~يتوجه إليه الكذب والصدق كما لا يتوجهان إلى الإنشاء. وأجيب بأن ذلك أحد
~~قولين في المسألة، ثانيهما أن الوعد والوعيد من قبيل الخبر لا الإنشاء،
~~وهذا القيل مبني عليه على أنه يحتمل أن المراد بالكذب المتوجه إلى الوعد
~~عدم الوفاء به لا عدم مطابقته للواقع كما ذكره الراغب.

### || [6.29]

# { وقالوا } عطف على (عادوا) كما عليه الجمهور. واعترضه ابن الكمال
~~بأن حق

# وإنهم لكذبون

# [الأنعام: 28] حينئذ أن يؤخر عن المعطوف أو يقدم على المعطوف عليه.
~~وأجيب بأن توسيطه لأنه اعتراض مسوق لتقرير ما أفادته الشرطية من كذبهم
~~المخصوص ولو أخر لأوهم أن المراد تكذيبهم في إنكارهم البعث. وجوز أن يكون
~~عطفا على { إنهم لكذبون } أو على خبر إن أو على

# نهوا

# [الأنعام: 28] والعائد محذوف أي قالوه، وأن يكون استئنافا بذكر ما
~~قالوا في الدنيا.

# { إن هى } أي ما هي { إلا حياتنا الدنيا } والضمير
~~للحياة المذكورة بعده كما في قول المتنبي:

# هو الجد حتى تفضل العين أختها

# وحتى يكون اليوم لليوم سيدا

# وقد نصوا على صحة عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة في مواضع، منها ما
~~إذا كان خبر الضمير ms02728 مفسرا له كما هنا. وجعله بعضهم ضمير الشأن. ولا
~~يتأتى على مذهب الجمهور لأنهم اشترطوا في خبره أن / يكون جملة. وخالفهم
~~في ذلك الكوفيون فقد حكي عنهم جواز كون خبره مفردا إما مطلقا أو بشرط
~~كون المفرد عاملا عمل الفعل كاسم الفاعل نحو إنه قائم زيد بناء على أنه
~~حينئذ يسد مسد الجملة. وقيل  وفيه بعد : يحتمل أن يكون الضمير المذكور
~~عبارة عما في الذهن وهو الحياة والمعنى إن الحياة إلا حياتنا التي نحن
~~فيها. وهو المراد بقولهم: (الدنيا) لا القريبة الزوال أو الدنيئة أو
~~المتقدمة على الآخرة كما يقول المؤمنون إذ كل ذلك خلاف الظاهر لا سيما
~~الأخير. { وما نحن بمبعوثين } أي إذا فارقتنا هذه الحياة
~~أصلا.

### || [6.30]

# { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } تمثيل لحبسهم للسؤال
~~والتوبيخ أو كناية عنه عند من لم يشترط فيها إمكان الحقيقة وجوز اعتبار
~~التجوز في المفرد إلا أن الأرجح عندهم اعتباره في الجملة، وقيل: الوقوف
~~بمعنى الاطلاع المتعدي بعلى أيضا وفي الكلام مضاف مقدر أي وقفوا على
~~قضاء ربهم أو جزائه، ولا حاجة إلى التضمين وجعله من القلب كما توهم،
~~وقيل: هو بمعنى الاطلاع من غير حاجة إلى تقدير مضاف على معنى عرفوه
~~سبحانه وتعالى حق التعريف ولا يلزم من حق التعريف حق المعرفة ليقال كيف
~~هذا وقد قيل: ما عرفناك حق معرفتك. واستدل بعض الظاهرية بالآية على أن
~~أهل القيامة يقفون بالقرب من الله تعالى في موقف الحساب ولا يخفى ما فيه.

# { قال } استئناف نشأ من الكلام السابق كأنه قيل: فماذا قال لهم ربهم
~~سبحانه وتعالى إذ ذاك؟ فقيل: قال: الخ. وجوز أن يكون في موضع الحال أي
~~قائلا { أليس هذا } أي البعث وما يتبعه { بالحق } أي حقا
~~لا باطلا كما زعمتم، وقيل: الإشارة إلى العقاب وحده وليس بشيء، ولا
~~دلالة في { فذوقوا } عند أرباب الذوق على ذلك، والهمزة للتقريع على
~~التكذيب { قالوا } استئناف كما سبق { بلى } هو حق { وربنا }
~~أكدوا اعترافهم باليمين إظهارا لكمال تيقنهم بحقيته وإيذانا بصدور ذلك
~~عنهم ms02729 برغبة ونشاط طمعا بأن ينفعهم وهيهات { قال فذوقوا العذاب
~~} الذي كفرتم به من قبل وأنكرتموه { بما كنتم تكفرون } أي
~~بسبب كفركم المستمر أو ببدله أو بمقابلته أو بالذي كنتم تكفرون به، فما
~~إما مصدرية أو موصولة والأول أولى «ولعل هذا التوبيخ والتقريع كما قيل
~~إنما يقع بعدما وقفوا على النار فقالوا ما قالوا إذ الظاهر أنه لا يبقى
~~بعد هذا الأمر إلا العذاب»، ويحتمل العكس وأمر الأمر سهل.

### || [6.31]

# { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } هم الكفار الذين
~~حكيت أحوالهم لكن وضع الموصول موضع الضمير للإيذان بتسبب خسرانهم عما في
~~حيز الصلة من التكذيب بلقاء الله تعالى والاستمرار عليه، والمراد به لقاء
~~ما وعد سبحانه وتعالى على ما روي عن ابن عباس والحسن رضي الله تعالى
~~عنهم، وصرح بعضهم بتقدير المضاف أي لقاء جزاء الله تعالى، وصرح آخرون بأن
~~لقاء الله تعالى استعارة تمثيلية عن البعث وما يتبعه.

# { حتى إذا جاءتهم الساعة } أي الوقت المخصوص وهو يوم
~~القيامة، وأصل الساعة القطعة من الزمان وغلبت على الوقت المعلوم كالنجم
~~للثريا، وسمي ساعة لقلته بالنسبة لما بعده من الخلود أو بسرعة الحساب فيه
~~على الباري عز اسمه. وفسرها بعضهم هنا بوقت الموت، والغاية المذكورة
~~للتكذيب. وجوز أن تكون غاية للخسران لكن بالمعنى المتعارف والكلام حينئذ
~~على حد قوله تعالى:

# وإن عليك لعنتى إلى يوم الدين

# [ص: 78] أي إنك مذموم مدعو عليك باللعنة إلى ذلك اليوم فإذا جاء اليوم
~~لقيت ما تنسى اللعن معه فكأنه قيل: خسر المكذبون إلى قيام الساعة بأنواع
~~المحن والبلاء فإذا قامت الساعة يقعون فيما ينسون معه هذا الخسران وذلك
~~هو الخسران المبين { بغتة } أي فجأة وبغتة بالتحريك مثلها، وبغته
~~كمنعه فجأه أي هجم عليه من غير شعور، وانتصابها على أنها مصدر واقع موقع
~~الحال من فاعل { جاءتهم } أي مباغتة أو من مفعوله أي مبغوتين، وجوز
~~أن تكون منصوبة على أنها مفعول مطلق لجاءتهم على حد رجع القهقرى أو لفعل
~~مقدر من اللفظ أو من غيره.

# وقوله سبحانه وتعالى: ms02730 { قالوا } جواب { إذا }  { يا حسرتنا }
~~نداء للحسرة وهي شدة الندم كأنه قيل: يا حسرتنا تعالي فهذا أوانك، قيل:
~~وهذا التحسر وإن كان يعتريهم عند الموت لكن لما كان الموت من مقدمات
~~الآخرة جعل من جنس الساعة وسمي باسمها، ولذا قال صلى الله عليه وسلم:

# " من مات فقد قامت قيامته "

# أو جعل مجىء الساعة بعد الموت لسرعته كالواقع بغير فترة. وقال أبو
~~البقاء: التقدير يا حسرة احضري هذا أوانك، وهو نداء مجازي ومعناه تنبيه
~~أنفسهم لتذكير أسباب الحسرة لأن الحسرة نفسها لا تطلب ولا يتأتى إقبالها
~~وإنما المعنى على المبالغة في ذلك حتى كأنهم ذهلوا فنادوها، ومثل ذلك
~~نداء الويل ونحوه ولا يخفى حسنه.

# { على ما فرطنا } أي على تفريطنا، فما مصدرية فالتفريط التقصير
~~فيما قدر على فعله، وقال أبو عبيدة: معناه التضييع، وقال ابن بحر: معناه
~~السبق ومنه الفارط للسابق. ومعنى فرط خلا السبق لغيره فالتضعيف فيه للسلب
~~كجلدات البعير أزلت جلده وسلبته { فيها } أي الحياة الدنيا كما روي عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أو في الساعة كما روي عن الحسن، والمراد
~~من التفريط في الساعة التقصير في مراعاة حقها والاستعداد لها بالإيمان
~~والأعمال الصالحة.

# وقيل: الضمير للجنة أي على ما فرطنا في طلبها ونسب إلى السدي ولا يخفى
~~بعده، وقول الطبرسي: ويدل عليه ما رواه الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية:

# " يرى أهل النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حسرتنا "

# الخ لا يخلو عن نظر لقيام الاحتمال بعد وهو يبطل الاستدلال، وعن محمد بن
~~جرير أن الهاء يعود إلى الصفقة لدلالة الخسران عليها وهو بعيد أيضا،
~~ومثل ذلك ما قيل: إن ما موصولة بمعنى التي، والمراد بها الأعمال والضمير
~~عائد إليها كأنه قيل يا حسرتنا على الأعمال الصالحة التي قصرنا فيها، نعم
~~مرجع الضمير على هذا مذكور في كلامهم دونه على الأقوال السابقة فإنه غير
~~مذكور فيه بل ولا في كلامه تعالى في قص حال ms02731 هؤلاء القائلين على القول
~~الأول عند بعض فتدبر.

# { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم } في موضع الحال
~~من فاعل { قالوا } وهي حال مقارنة أو مقدرة. والوزر في الأصل الثقل
~~ويقال للذنب وهو المراد هنا أي يحملون ذنوبهم وخطاياهم كما روي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما. وذكر الظهور لأن المعتاد الأغلب الحمل عليها
~~كما في

# كسبت أيديكم

# [الشورى: 30] فإن الكسب في الأكثر بالأيدي. وفي ذلك أيضا إشارة إلى
~~مزيد ثقل المحمول، وجعل الذنوب والآثام محمولة على الظهر من باب
~~الاستعارة التمثيلية، والمراد بيان سوء حالهم وشدة ما يجدونه من المشقة
~~والآلام والعقوبات العظيمة بسبب الذنوب، وقيل: حملها على الظهر حقيقة
~~وإنها تجسم، فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي أنه قال: «ليس من
~~رجل ظالم يموت فيدخل قبره إلا جاءه رجل قبيح الوجه أسود اللون منتن الريح
~~عليه ثياب / دنسة حتى يدخل معه قبره فإذا رآه قال ما أقبح وجهك؟ قال كذلك
~~كان عملك قبيحا قال: ما أنتن ريحك؟ قال: كذلك كان عملك منتنا قال: ما
~~أدنس ثيابك فيقول: إن عملك كان دنسا قال من أنت؟ قال: أنا عملك فيكون
~~معه في قبره فإذا بعث يوم القيامة قال له إني كنت أحملك في الدنيا
~~باللذات والشهوات فأنت اليوم تحملني فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله
~~النار» وأخرجا عن عمرو بن قيس قال: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله
~~عمله في أحسن شيء صورة وأطيبه ريحا فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلا
~~أن الله تعالى قد طيب ريحك وحسن صورتك فيقول: كذلك كنت في الدنيا أنا
~~عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم وتلا

# يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا

# [مريم: 85] وإن كان الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا فيقول:
~~هل تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله تعالى قد قبح صورتك ونتن ريحك فيقول:
~~كذلك كنت في الدنيا أنا عملك السيء طالما ركبتني في الدنيا فأنا اليوم
~~أركبك وتلا { وهم يحملون } الآية. وبعضهم يجعل ms02732 كل ما ورد في هذا
~~الباب مما ذكر تمثيلا أيضا، ولا مانع من الحمل على الحقيقة وإجراء
~~الكلام على ظاهره، وقد قال كثير من أهل السنة بتجسيم الأعمال في تلك
~~الدار وهو الذي يقتضيه ظاهر الوزن.

# { ألا ساء ما يزرون } تذييل مقرر لما قبله وتكملة له، و { ساء }
~~تحتمل  كما قيل  هنا ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكون المتعدية المتصرفة
~~ووزنها فعل بفتح العين، والمعنى ألا ساءهم ما يزرون؛ و (ما) موصولة أو
~~مصدرية أو نكرة موصوفة فاعل لها والكلام خبر، وثانيها: أنها حولت إلى فعل
~~اللازم بضم العين واشربت معنى التعجب، والمعنى ما أسوأ الذي يزرونه أو ما
~~أسوأ وزرهم. وثالثها: أنها حولت أيضا للمبالغة في الذم فتساوي بئس في
~~المعنى والأحكام.

### || [6.32]

# { وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو } لما حقق
~~سبحانه وتعالى فيما سبق أن وراء الحياة الدنيا حياة أخرى يلقون فيها من
~~الخطوب ما يلقون، بين جل شأنه حال تينك الحياتين في أنفسهما، وجعله
~~بعضهم جوابا لقولهم:

# إن هى إلا حياتنا الدنيا

# [الأنعام: 29] وفيه بعد، وكيفما كان فالمراد وما أعمال الحياة الدنيا
~~المختصة بها إلا كاللعب واللهو في عدم النفع والثبات، وبهذا التقدير خرج
~~ كما قال غير واحد  ما فيها من الأعمال الصالحة كالعبادة وما كان
~~لضرورة المعاش، والكلام من التشبيه البليغ ولو لم يقدر مضاف، وجعلت
~~الدنيا نفسها لعبا ولهوا مبالغة كما في قوله:

# وإنما هي إقبال وإدبار

# صح، واللهو واللعب  على ما في «درة التنزيل«  يشتركان في أنهما
~~الاشتغال بما لا يعني العاقل ويهمه من هوى وطرب سواء كان حراما أو لا؛
~~وفرق بينهما بأن اللعب ما قصد به تعجيل المسرة والاسترواح به واللهو كل
~~ما شغل من هوى وطرب وإن لم يقصد به ذلك، وإذا أطلق اللهو فهو  على ما
~~قيل  اجتلاب المسرة بالنساء كما في قوله:

# ألا زعمت بسياسة اليوم أنني

# كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي

# وقال قتادة: اللهو في لغة اليمن المرأة، وقيل: اللعب طلب المسرة والفرح
~~بما لا يحسن أن يطلب ms02733 به واللهو صرف الهم بما لا يصلح أن يصرف به، وقيل:
~~إن كل شغل أقبل عليه لزم الإعراض عن كل ما سواه لأن من لا يشغله شأن عن
~~شأن هو الله تعالى فإذا أقبل على الباطل لزم الإعراض عن الحق فالإقبال
~~على الباطل لعب والإعراض عن الحق لهو، وقيل: العاقل المشتغل بشىء لا بد
~~له من ترجيحه وتقديمه على غيره فإن قدمه من غير ترك للآخر فلعب وإن تركه
~~ونسيه به فهو لهو. وقد بين صاحب «الدرة» بعد أن سرد هذه الأقوال سر /
~~تقديم اللعب على اللهو حيث جمعا كما هنا وتأخيره عنه كما في العنكبوت
~~بأنه لما كان هذا الكلام مسوقا للرد على الكفرة فيما يزعمونه من إنكار
~~الآخرة والحصر السابق وليس في اعتقادهم لجهلهم إلا ما عجل من المسرة
~~بزخرف الدنيا الفانية قدم اللعب الدال على ذلك وتمم باللهو أو لما طلبوا
~~الفرح بها وكان مطمح نظرهم وصرف الهم لازم وتابع له قدم ما قدم أو لما
~~أقبلوا على الباطل في أكثر أقوالهم وأفعالهم قدم ما يدل على ذلك أو لما
~~كان التقديم مقدما على الترك والنسيان قدم اللعب على اللهو رعاية
~~للترتيب الخارجي، وأما في العنكبوت فالمقام لذكر قصر مدة الحياة الدنيا
~~بالقياس إلى الآخرة وتحقيرها بالنسبة إليها ولذا ذكر اسم الإشارة المشعر
~~بالتحقير وعقب ذلك بقوله سبحانه وتعالى:

# وإن الدار الآخرة لهى الحيوان

# [العنكبوت: 64] والاشتغال باللهو مما يقصر به الزمان وهو أدخل من اللعب
~~فيه، وأيام السرور فصار كما قال:

# وليلة إحدى الليالي الزهر

# لم تك غير شفق وفجر

# وينزل على هذا الوجوه في الفرق، وتفصيله في «الدرة» قاله مولانا شهاب
~~الدين فليفهم.

# { وللدار الآخرة } التي هي محل الحياة الأخرى { خير
~~للذين يتقون } الكفر والمعاصي لخلوص منافعها عن المضار والآلام
~~وسلامة لذاتها عن الانصرام { أفلا تعقلون } ذلك حتى تتقوا ما
~~أنتم عليه من الكفر والعصيان، والفاء للعطف على محذوف أي أتغفلون (أو ألا
~~تتفكرون فلا تعقلون)، وكان الظاهر أن يقال  كما قال الطيبي  وما الدار
~~الآخرة ms02734 إلا جد وحق لمكان { وما الحيوة الدنيا إلا لعب
~~ولهو } إلا أنه وضع { خير للذين يتقون } موضع ذلك إقامة
~~للمسبب مقام السبب، وقال في «الكشف»: إن في ذلك دليلا على أن ما عدا
~~أعمال المتقين لعب ولهو لأنه لما جعل الدار الآخرة في مقابلة الحياة
~~الدنيا وحكم على الأعمال المقابل بأنها لعب ولهو علم تقابل العملين حسب
~~تقابل ما أضيفا إليه أعني الدنيا والآخرة فإذا خص الخيرية بالمتقين لزم
~~منه أن ما عدا أعمالهم ليس من أعمال الآخرة في شيء فهو لعب ولهو لا يعقب
~~منفعة. وقرأ ابن عامر { ولدار الآخرة } بالإضافة وهي من إضافة
~~الصفة إلى الموصوف وقد جوزها الكوفيون، ومن لم يجوز ذلك تأوله بتقدير
~~ولدار النشأة الآخرة أو إجراء الصفة مجرى الاسم، وقرأ ابن كثير وغيره {
~~يعقلون } بالياء والضمير للكفار القائلين

# إن هى إلا حياتنا الدنيا

# [الأنعام: 29]، وقيل: للمتقين والاستفهام للتنبيه والحث على التأمل.

### || [6.33]

# { قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون } استئناف
~~مسوق لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحزن الذي يعتريه عليه
~~الصلاة والسلام مما حكى عن الكفرة من الإصرار على التكذيب والمبالغة.
~~وكلمة (قد) للتكثير وهو  كما قال الحلبي رادا به اعتراض أبي حيان 
~~راجع إلى متعلقات العلم لا العلم نفسه إذ صفة القديم لا تقبل الزيادة
~~والتكثير وإلا لزم حدوثها المستلزم لحدوث من قامت به سبحانه وتعالى، وقال
~~السفاقسي: قد تصح الكثرة باعتبار المعلومات وما في حيز العلم هنا كثير
~~بناء على أن الفعل المذكور دال على الاستمرار التجددي، وأنشدوا على
~~إفادتها ذلك بقول الهذلي:

# قد أترك القرن مصفرا أنامله

# كأن أثوابه مجت بفرصاد

# وادعى أبو حيان أن إفادتها للتكثير قول غير مشهور للنحاة وإن قال به
~~بعضهم، وكلام سيبويه حيث قال: وتكون قد بمنزلة ربما ليس نصا في ذلك؛ وما
~~استشهدوا به على دعواهم إنما فهم التكثير فيه من سياق الكلام / ومنه
~~البيت فإن التكثير إنما فهم فيه لأن الفخر إنما يحصل بكثرة وقوع المفتخر
~~به. وذكر بعض المحققين أن الحق ms02735 ما قاله ابن مالك أن إطلاق سيبويه أنها
~~بمنزلة ربما يوجب التسوية بينهما في التقليل والصرف إلى المضي والبيت
~~دليل عليه فإن الفخر يقع بترك الشجاع قرنه وقد صبغت أثوابه بدمائه في بعض
~~الأحيان.

# وقول أبي حيان أن الفخر إنما يحصل بكثرة الخ غير مسلم على إطلاقه بل هو
~~فيما يكثر وقوعه وأما ما يندر فيفتخر بوقوعه نادرا لأن قرن الشجاع لو
~~غلبه كثيرا لم يكن قرنا له لأن القرن بكسر القاف وسكون الراء المقاوم
~~المساوي. وفي «القاموس» القرن [بالكسر] كفؤك في الشجاعة أو أعم، فلفظه
~~يقتضي بحسب دقيق النظر أنه لا يغلبه إلا قليلا وإلا لم يكن قرنا
~~ويتناقض أول الكلام وآخره. وادعى الطيبي أن لفظ قد للتقليل، وقد يراد به
~~في بعض المواضع ضده، وهو من باب استعارة أحد الضدين للآخر، والنكتة ههنا
~~تصبير رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذى قومه وتكذيبهم، يعني من حقك
~~وأنت سيد أولي العزم أن لا تكثر الشكوى من أذى قومك وأن لا يعلم الله
~~تعالى من إظهارك الشكوى إلا قليلا وأن يكون تهكما بالمكذبين وتوبيخا
~~لهم. ونص بعضهم على أن (قد) هنا للتقليل على معنى أن ما هم فيه أقل
~~معلوماته تعالى، وضمير { إنه } للشأن وهو اسم إن وخبرها الجملة
~~المفسرة له، والموصول فاعل (يحزنك) وعائده محذوف أي الذي يقوله، وهو ما
~~حكي عنهم من قولهم:

# إن هذا إلا أسطير الأولين

# [الأنعام: 25] أو هو وما يعمه وغيره من هذيانهم وجملة { إنه } الخ
~~سادة مسد مفعولي { نعلم }.

# وقرأ نافع { ليحزنك } من أحزن المنقول من حزن اللازم.

# وقوله سبحانه: { فإنهم لا يكذبونك } تعليل لما يشعر به
~~الكلام السابق من النهي عن الاعتداد بما قالوا بطريق التسلي بما يفيده من
~~بلوغه صلى الله عليه وسلم في جلالة القدر ورفعة الشأن غاية ليس وراءها
~~غاية حيث نفى تكذيبهم قاتلهم الله تعالى عنه صلى الله عليه وسلم وأثبته
~~لآياته تعالى على طريقة قوله سبحانه وتعالى:

# إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله

# [الفتح: 10] إيذانا بكمال القرب ms02736 واضمحلال شؤونه صلى الله عليه وسلم في
~~شأن الله عز وجل. وفيه أيضا استعظام لجنايتهم منبىء عن عظم عقوبتهم كأنه
~~قيل: لا تعتد به وكله إلى الله تعالى فإنهم في تكذيبهم ذلك لا يكذبونك في
~~الحقيقة.

# { ولكن الظلمين بئايت الله يجحدون } أي
~~ولكنهم بآياته تعالى يكذبون، فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلا عليهم
~~بالرسوخ في الظلم الذي جحودهم هذا فن من فنونه، وقيل: إن كان المراد من
~~الظلم مطلقه فالوضع للإشارة إلى أن ذلك دأبهم وديدنهم وإنه علة الجحود
~~لأن التعليق بالمشتق يفيد علية المأخذ، وإن أريد به الظلم المخصوص فهو
~~عين الجحد وواقع به نحو

# ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل

# [البقرة: 54] فيكون المبتدأ مشيرا إلى وجه بناء الخبر كقوله:

# إن الذي سمك السماء بنى لنا

# بيتا دعائمه أعز وأطول

# وقيل: إن أل في { الظلمين } إن كانت موصولة واسم الفاعل بمعنى
~~الحدوث أفاد الكلام سببية الجحد للظلم، وإن كانت حرف تعريف واسم الفاعل
~~بمعنى الثبوت أفاد سببية الظلم للجحد ولا يخفى ما فيه، والالتفات إلى
~~الاسم الجليل لتربية المهابة واستعظاما لما قدموا عليه، وإيراد الجحود
~~في مورد التكذيب للإيذان بأن آياته سبحانه من الوضوح بحيث يشاهد صدقها كل
~~أحد وأن من ينكرها فإنما ينكرها بطريق الجحود وهو كالجحد نفي ما في القلب
~~ثباته أو إثبات ما في القلب نفيه. والباء متعلق بيجحدون والجحد يتعدى
~~بنفسه وبالباء فيقال جحده حقه وبحقه وهو الذي يقتضيه ظاهر كلام الجوهري
~~والراغب، وقيل: إنه إنما يتعدى بنفسه والباء / ههنا لتضمينه معنى
~~التكذيب، وأيا ما كان فتقديم الجار والمجرور مراعاة لرؤوس الآي أو
~~للقصر. ونقل الطبرسي عن أبي علي أن الجار متعلق بالظالمين وفيه خفاء.
~~وما ذكر من أن الفاء لتعليل ما يشعر به الكلام هو الذي قرره بعض
~~المحققين، وقيل: إنها تعليل لقوله سبحانه: { قد نعلم } الخ بناء
~~على أن معناه لا تحزن كما يقال في مقام المنع والزجر: نعلم ما تفعل فكأنه
~~قيل: لا تحزن مما يقولون فإن التكذيب في الحقيقة لي وأنا الحليم الصبور
~~فتخلق ms02737 بأخلاقي، ويحتمل أن يكون المعنى إنه يحزنك قولهم لأنه تكذيب لي
~~فأنت لم تحزن لنفسك بل لما هو أهم وأعظم، ولا يخفى أن هذا خلاف المتبادر،
~~وقيل معنى الآية فإنهم لا يكذبونك بقلوبهم ولكنهم يجحدون بألسنتهم وروي
~~ذلك عن قتادة وغيره ويؤيده ما رواه السدي أنه التقى الأخنس بن شريق وأبو
~~جهل فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد صلى الله عليه
~~وسلم أصادق هو أم كاذب فإنه ليس ههنا أحد يسمع كلامك غيري؟ فقال أبو
~~جهل: والله إن محمدا صلى الله عليه وسلم لصادق وما كذب محمد عليه الصلاة
~~والسلام قط ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة
~~والنبوة فماذا يكون لسائر قريش فأنزل الله تعالى هذه الآية.

# وكذا ما أخرجه الواحدي عند مقاتل قال: كان الحارث بن عامر بن نوفل بن
~~عبد مناف بن قصي بن كلاب يكذب النبي صلى الله عليه وسلم في العلانية
~~فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكذب ولا
~~أحسبه إلا صادقا فأنزل الله تعالى الآية، وقيل: المعنى أنهم ليس قصدهم
~~تكذيبك لأنك عندهم موسوم بالصدق وإنما يقصدون تكذيبي والجحود بآياتي،
~~ونسب هذا إلى الكسائي، وأيد بما أخرجه الترمذي والحاكم وصححاه عن علي كرم
~~الله تعالى وجهه أن أبا جهل كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم ما نكذبك
~~وإنك عندنا لصادق ولكنا نكذب ما جئتنا به فنزلت. وكذا أخرج الواحدي عن
~~أبي ميسرة. واعترض الرضي هذا القول بأنه لا يجوز أن يصدقوه صلى الله
~~عليه وسلم في نفسه ويكذبوا ما أتى به لأن من المعلوم أنه عليه الصلاة
~~والسلام كان يشهد بصحة ما أتى به وصدقه وأنه الدين القيم والحق الذي لا
~~يجوز العدول عنه فكيف يجوز أن يكون صادقا في خبره ويكون الذي أتى به
~~فاسدا بل إن كان صادقا فالذي أتى به صحيح وإن كان الذي أتى به فاسدا
~~فلا بد أن يكون كاذبا فيه. وقال مولانا سنان: ms02738 إن حاصل المعنى أنهم لا
~~يكذبونك في نفس الأمر لأنهم يقولون إنك صادق ولكن يتوهمون أنه اعترى عقلك
~~وحاشاك نوع خلل فخيل إليك أنك نبي وليس الأمر بذاك وما جئت به ليس بحق؛
~~وقال الطيبي: مرادهم إنك لا تكذب لأنك الصادق الأمين ولكن ما جئت به
~~سحر، ويعلم من هذا الجواب عن اعتراض الرضي فتدبر. وقيل: معنى الآية أنهم
~~لا يكذبونك فيما وافق كتبهم وإن كذبوك في غيره، وقيل: المعنى لا يكذبك
~~جميعهم وإن كذبك بعضهم وهم الظالمون المذكورون في هذه الآية، وعلى هذا لا
~~يكون ذكر الظالمين من وضع المظهر موضع المضمر، وقيل: غير ذلك ولا يخفى ما
~~هو الأليق بجزالة التنزيل.

# وقرأ نافع والكسائي والأعمش عن أبي بكر { لا يكذبونك } من الإكذاب وهي
~~قراءة علي كرم الله تعالى وجهه، ورويت أيضا عن جعفر الصادق رضي الله
~~تعالى عنه، فقال الجمهور: كلاهما بمعنى كأكثر وكثر وأنزل ونزل؛ وقيل:
~~معنى أكذبته وجدته كاذبا كأحمدته بمعنى وجدته محمودا، ونقل أحمد بن
~~يحيى عن الكسائي أن العرب تقول كذبت بالتشديد إذا نسبت الكذب إليه
~~وأكذبته إذا نسبت الكذب إلى ما جاء به دونه.

### || [6.34]

# وقوله تعالى: { ولقد كذبت رسل من قبلك } تسلية إثر
~~تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن عموم البلوى ربما يهونها بعض
~~تهوين / وفيه إرشاد له عليه الصلاة والسلام إلى الاقتداء بمن قبله من
~~الرسل الكرام في الصبر على الأذى وعدة ضمنية بمثل ما منحوه من النصر،
~~وتصدير الكلام بالقسم لتأكيد التسلية، وتنوين { رسل } للتفخيم والتكثير،
~~و (من) متعلقة بكذبت، وجوز أن تتعلق بمحذوف وقع صفة لرسل، ورده أبو
~~البقاء بأن الجثة لا توصف بالزمان، وفيه منع ظاهر، والمعنى تالله لقد
~~كذبت من قبل تكذيبك رسل أولو شأن خطير وعدد كثير أو كذبت رسل كانوا من
~~زمان قبل زمانك.

# { فصبروا على ما كذبوا } (ما) مصدرية وقوله: { وأوذوا
~~} عطف على { كذبوا } داخل في حكمه، ومصدر كذب التكذيب، «وآذى أذى وأذاة
~~وأذية» كما في «القاموس» وإيذاء كما أثبته الراغب وغيره، ms02739 وقول صاحب
~~«القاموس»: «ولا تقل إيذاء» خطأ، والذي غره ترك الجوهري وغيره له، وهو
~~وسائر أهل اللغة لا يذكرون المصادر القياسية لعدم الاحتياج إلى ذكرها،
~~والمصدران هنا من المبني للمفعول وهو ظاهر أي فصبروا على تكذيب قومهم لهم
~~وإيذائهم إياهم فتأس بهم واصبر على ما نالك من قومك، والمراد بإيذائهم
~~إما عين تكذيبهم أو ما يقارنه من فنون الإيذاء، - واختاره الطبرسي - ولم
~~يصرح به ثقة باستلزام التكذيب إياه غالبا، وفيه تأكيد للتسلية، وجوز
~~العطف على { كذبت } أو على { صبروا } وجوز أبو البقاء أن يكون هذا
~~استئنافا ثم رجح الأول.

# وقوله سبحانه: { حتى أتهم نصرنا } غاية للصبر، وفيه إيماء
~~إلى وعد النصر للصابرين، وجوز أن يكون غاية للإيذاء وهو مبني على احتمال
~~الاستئناف، والالتفات إلى نون العظمة للإشارة إلى الاعتناء بشأن النصر.

# { ولا مبدل لكلمات الله } تقرير لمضمون ما قبله من إتيان نصره
~~سبحانه إياهم، والمراد بكلماته تعالى  كما قال الكلبي وقتادة  الآيات
~~التي وعد فيها نصر أنبيائه عليهم الصلاة والسلام الدالة على نصر النبي
~~صلى الله عليه وسلم أيضا كقوله تعالى

# كتب الله لأغلبن أنا ورسلى

# [المجادلة: 21] وقوله عز شأنه:

# إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم
~~الغلبون

# [الصافات: 172-173] وجوز أن يراد بها جميع كلماته سبحانه التي من جملتها
~~الآيات المتضمنة للمواعيد الكريمة ويدخل فيها المواعيد الواردة في حقه
~~صلى الله عليه وسلم دخولا أوليا. والالتفات إلى الاسم الجليل  كما قيل
~~ للإشعار بعلة الحكم فإن الألوهية من موجبات أن لا يغالبه سبحانه أحد في
~~فعل من الأفعال ولا يقع منه جل شأنه خلف في قول من الأقوال، وظاهر الآية
~~أن أحدا غيره تعالى لا يستطيع أن يبدل كلمات الله عز وجل بمعنى أن يفعل
~~خلاف ما دلت عليه ويحول بين الله عز اسمه وبين تحقيق ذلك وأما أنه تعالى
~~لا يبدل فلا تدل عليه الآية، والذي دلت عليه النصوص أنه سبحانه ربما يبدل
~~الوعيد ولا يبدل الوعد.

# { ولقد جاءك من نبإ المرسلين } تقرير أي تقرير لما
~~منحوا من النصر وتأكيد ms02740 لما أشعر به الكلام من الوعد لرسول الله صلى الله
~~عليه وسلم أو تقرير لجميع ما ذكر من تكذيب الرسل عليهم الصلاة والسلام
~~وإيذائهم ونصرهم، والنبأ كالقصص لفظا ومعنى. وفي «القاموس» «النبأ محركة
~~الخبر جمعه أنباء» وقيده بعضهم - وقد مرت الإشارة إليه - بما له شأن، وهو
~~عند الأخفش المجوز زيادة من في الإثبات وقبل المعرفة مخالفا في ذلك
~~لسيبويه فاعل (جاء)، وصحح أن الفاعل ضمير مستتر تقديره هو أي النبأ أو
~~البيان. والجار متعلق بمحذوف وقع حالا منه، وقيل  وإليه يشير كلام
~~الرماني  إنه محذوف والجار والمجرور صفته أي ولقد جاءك نبأ كائن من نبأ
~~المرسلين، وفيه أن الفاعل لا يجوز / حذفه هنا، وقال أبو حيان: «الذي يظهر
~~لي أن الفاعل ضمير عائد على ما دل عليه المعنى من الجملة السابقة أي ولقد
~~جاءك هذا الخبر من التكذيب وما يتبعه». وقيل  وربما يشعر به كلام
~~«الكشاف» : إن (من) هي الفاعل، والمراد بعض أنبائهم.

### || [6.35]

# { وإن كان كبر } أي شق وعظم وأتى بكان  على ما قيل  ليبقى
~~الشرط على المضي ولا ينقلب مستقبلا لأن كان لقوة دلالته على المضي لا
~~تقلبه إن للاستقبال بخلاف سائر الأفعال وهو مذهب المبرد، والنحويون
~~يؤولون ذلك بنحو وإن تبين وظهر أنه كبر { عليك إعراضهم } أي
~~الكفار عن الايمان بك وبما جئت به من القرآن المجيد حسبما يفصح عنه قولهم
~~فيه أساطير الأولين وينبىء عنه فعلهم من النأي والنهي، ولعل التعبير
~~بالإعراض دون التكذيب مع أن التسلية على ما ينبىء عنه قوله تعالى:

# ولقد كذبت رسل من قبلك

# [الأنعام: 34] كانت عنه لتهويل أمر التكذيب وهو فاعل { كبر } ،
~~وتقديم الجار والمجرور لما مر مرارا. والجملة خبر { كان } مفسرة
~~لاسمها الذي هو ضمير الشأن. ولا حاجة إلى تقدير قد، وقيل: اسم كان {
~~إعراضهم } ، و { كبر } مع فاعله المستتر الراجع إلى الاسم خبر
~~لها مقدم على اسمها، والكلام استئناف مسوق لتأكيد إيجاب الصبر المستفاد
~~من التسلية ببيان أن ذلك أمر لا محيد عنه أصلا. وفي بعض الآثار أن
~~الحارث ms02741 بن عامر بن نوفل بن عبد مناف أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في
~~محضر من قريش فقالوا: يا محمد ائتنا بآية من عند الله تعالى كما كانت
~~الأنبياء تفعل وإنا نصدقك فأبى الله تعالى أن يأتيهم بآية مما اقترحوا
~~فأعرضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك عليه عليه الصلاة
~~والسلام لما أنه كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على إيمان قومه فكان
~~إذا سألوه آية يود أن ينزلها الله تعالى طمعا في إيمانهم فنزلت: { فإن
~~استطعت } أي إن قدرت وتهيأ لك { أن تبتغى } أي تطلب { نفقا
~~فى الأرض } «هو السرب فيها له مخلص إلى مكان» كما في «القاموس»،
~~وأصل معناه جحر اليربوع، ومنه «النافقاء لأحد منافذه، ويقال لها
~~النفقة كهمزة وهي التي يكتمها ويظهر غيرها فإذا أتي من
~~القاصعاء ضربها برأسه فانتفق» ومنه أخذ النفاق، والجار متعلق بمحذوف
~~وقع صفة { نفقا } والكلام على التجريد في رأي، وجوز تعلقه بتبتغي
~~وبمحذوف وقع حالا من ضميره المستتر أي نفقا كائنا في الأرض أو تبتغي
~~في الأرض أو تبتغي أنت حال كونك في الأرض { أو سلما فى السماء
~~} أي مرقاة فيها أخذا من السلامة، قال الزجاج: لأنه الذي يسلمك إلى
~~مصعدك، وهو كما قال الفراء: مذكر واستشهدوا لتذكيره بقوله تعالى:

# أم لهم سلم يستمعون فيه

# [الطور: 38] ثم قال: وأنشدت في تأنيثه بيتا أنسيته انتهى. قال
~~الغضايري: البيت الذي أنسيه الفراء بيت أوس وهو:

# لنا سلم في المجد لا يرتقونها

# وليس لهم في سورة المجد سلم

# وأنشدوا أيضا في تذكيره:

# الشعر صعب وطويل سلمه

# إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه يريد أن يعربه فيعجمه

# و { فى السماء } نظير ما في الجار قبله من الاحتمالات.

# { فتأتيهم } أي منهما { بئاية } مما اقترحوه من الآيات.
~~والفاء في صدر هذه الشرطية جوابية وجواب الشرط فيها محذوف. ولك تقديره
~~أتيت بصيغة الخبر / أو فافعل فعل أمر؛ والجملة جواب للشرط الأول، والمعنى
~~ان شق عليك إعراضهم عن الإيمان وأحببت أن تجيبهم عما سألوه اقتراحا ms02742
~~ليؤمنوا فإن استطعت كذا فتأتيهم بآية فافعل، وفيه إشارة إلى مزيد حرصه
~~صلى الله عليه وسلم على إيمان قومه وتحصيل مطلوبهم واقتراحهم مع الإيماء
~~إلى توبيخ القوم أو المعنى ان شق عليك إعراضهم فلو قدرت أن تأتي بالمحال
~~أتيت به، والمقصود بيان أنه صلى الله عليه وسلم بلغ في الحرص على إيمانهم
~~إلى هذه الغاية، وفيه إشعار ببعد إسلامهم عن دائرة الوجود كما لا يخفى
~~على المتدبر، وإيثار الابتغاء على الاتخاذ ونحوه للإيذان بأن ما ذكر من
~~النفق والسلم مما لا يستطيع ابتغاءه فكيف باتخاذه. وجوز أن يكون ابتغاء
~~ذينك الأمرين أعني نفس النفوذ في الأرض والصعود إلى السماء آية، فالفاء
~~في { فتأتيهم } حينئذ تفسيرية وتنوين { ءاية } للتفخيم، والمعنى
~~عليه فإن استطعت ابتغاءهما فتجعل ذلك آية لهم فعلت. ورده أبو حيان بأن
~~هذا لا يظهر من ظاهر اللفظ إذ لو كان كذلك لكان التركيب فتأتيهم بذلك آية
~~أي أية، وأيضا فأي آية في دخول سرب في الأرض وإن صح أن يكون الرقي إلى
~~السماء آية، وما ذكرناه من أن إيتاء الآية منهما هو الظاهر المتبادر إلى
~~الأذهان. ورواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في
~~«الأسماء والصفات» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: إن المراد
~~فتأتيهم بآية من السماء وابتغاء النفق للهرب، وأيد بما أخرجه الطستي عن
~~نافع بن الأزرق أنه قال لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أخبرني عن قوله
~~تعالى: { فإن استطعت أن تبتغى نفقا فى الأرض } فقال
~~رضي الله تعالى عنه سربا في الأرض فتذهب هربا وفيه بعد، وخبر ابن
~~الأزرق قد قيل فيه ما قيل.

# { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } أي لو شاء الله
~~تعالى جمعهم على ما أنتم عليه من الهدى لجمعهم عليه بأن يوفقهم للإيمان
~~فيؤمنوا معكم ولكن لم يشأ ذلك سبحانه لسوء اختيارهم حسبما علمه الله
~~تعالى منهم في أزل الآزال، وقالت المعتزلة: المراد لو شاء سبحانه جمعهم
~~على الهدى لفعل بأن يأتيهم بآية ملجئة إليه لكنه جل ms02743 شأنه لم يفعل ذلك
~~لخروجه عن الحكمة، والحق ما عليه أهل السنة.

# { فلا تكونن من الجهلين }  أي إذا عرفت أنه سبحانه لم
~~يشأ هدايتهم وإيمانهم فلا تكن بالحرص الشديد على إسلامهم أو الميل إلى
~~نزول مقترحاتهم من قوم ينسبون إلى الجهل بدقائق شؤونه تعالى.

# وجوز أن يراد بالجاهلين  على ما نقل عن المعتزلة  المقترحون، ويراد
~~بالنهي منعه صلى الله عليه وسلم من المساعدة على اقتراحهم، وإيرادهم
~~بعنوان الجهل دون الكفر لتحقق مناط النهي. وقال الجبائي: المراد لا تجزع
~~في مواطن الصبر فيقارب حالك حال الجاهلين بأن تسلك سبيلهم والأول أولى،
~~وفي خطابه سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب دون خطابه بما
~~خوطب به نوح عليه السلام من قوله سبحانه:

# إنى أعظك أن تكون من الجهلين

# [هود: 46] إشارة إلى مزيد شفقته صلى الله عليه وسلم واشتباب حرصه عليه
~~الصلاة والسلام فافهم.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { وله ما سكن فى اليل
~~والنهار } يحتمل أن يكون الليل والنهار إشارة إلى قلب الكافر وقلب
~~المؤمن وما سكن فيهما الكفر والإيمان ومعنى كون ذلك له سبحانه أنه من
~~آثار جلاله وجماله، ويحتمل أن يكون إشارة إلى قلب العارف في حالتي القبض
~~والبسط فكأنه قيل: وله ما سكن في قلوب العارفين المنقبضة والمنبسطة من
~~آثار التجليات فلا تلتفت في الحالتين إلى سواه عز شأنه /

# وهو السميع العليم

# [الأنعام: 13] فيسمع خواطرها السيئة والحسنة ويعلم شرها وخيرها أو فيسمع
~~أنينها في شوقه ويعلم انسهابه أو نحو ذلك. { قل أغير الله
~~أتخذ وليا } أي ناصرا ومعينا { فاطر السموات
~~والأرض } أي مبدعهما فهي ملكه سبحانه ونسبة المملوك إلى المالك نسبة
~~اللاشيء إلى الشيء { وهو يطعم ولا يطعم } فهو الغني المطلق
~~وغيره جل شأنه محتاج بحت وطلب المحتاج من المحتاج سفه في رأيه وضلة من
~~عقله { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم } نفسه
~~لربه عز شأنه، والمراد بالأمر بذلك الأمر الكوني أي: قل إني قيل لي: كن
~~أول من أسلم فكنت، وذلك قبل ظهور هذه ms02744 التعينات وإليه الإشارة بما شاع من
~~قوله صلى الله عليه وسلم:

# " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين "

# فأول روح ركضت في ميدان الخضوع والانقياد والمحبة روح نبينا صلى الله
~~عليه وسلم وقد أسلم نفسه لمولاه بلا واسطة وكل إخوانه الأنبياء عليهم
~~الصلاة والسلام إنما أسلموا نفوسهم بواسطته عليه الصلاة والسلام، فهو صلى
~~الله عليه وسلم المرسل إلى الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام في
~~عالم الأرواح وكلهم أمته وهم نوابه في عالم الشهادة، ولا ينافي ذلك أمره
~~عليه الصلاة والسلام باتباع بعضهم في النشأة الجسمانية لأن ذلك لمحض
~~استجلاب المعتقدين بأولئك البعض على أحسن وجه

# ولا تكونن من المشركين

# [الأنعام: 14] أي وقيل لي: لا تكونن ممن أشرك مع الله تعالى أحدا بشيء
~~من الأشياء.

# { وهو القاهر فوق عباده } بإفنائهم والتصرف بهم كيف شاء {
~~وهو الحكيم } أي الذي يفعل ما يفعل في عباده بالحكمة

# الخبير

# [الأنعام: 18] الذي يطلع على خفايا الأحوال ومراتب الاستحقاق

# قل أى شىء أكبر شهدة قل الله شهيد بينى
~~وبينكم

# [الأنعام: 19] بإظهار المعجزات، وأعظم من ذلك عند العارفين ظهور أنوار
~~الله تعالى في مرآة وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم

# الذين آتينهم الكتب يعرفونه كما يعرفون
~~أبناءهم

# [الأنعام: 20] وذلك بالصفات التي وجدوها في كتابهم لا بالنور المتلألىء
~~على صفحات ذلك الوجه الكريم { ومن أظلم ممن افترى على
~~الله كذبا } بإثبات وجود غيره تعالى { أو كذب بآياته }
~~فأظهر صفات نفسه

# إنه لا يفلح الظلمون

# [الأنعام: 21] لاحتجابهم بما وضعوه في موضع ذات الله تعالى وصفاته جل
~~وعلا { ويوم نحشرهم جميعا } وهو يوم القيامة الكبرى وعين
~~الجمع { ثم نقول للذين أشركوا } بإثبات الغير

# أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون

# [الأنعام: 22] أنهم شركاء ولهم وجود { ثم لم تكن فتنتهم }
~~أي نهاية شركهم عند ظهور الأمر وبروز الكل لله الواحد القهار

# إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين

# [الأنعام: 23] لامتناع وجود شيء نشركه { انظر كيف كذبوا على
~~أنفسهم } بنفي الشرك عنها مع رسوخ ذلك الاعتقاد فيها { وضل } أي
~~ضاع

# عنهم ما كانوا يفترون

# [الأنعام: ms02745 24] فلم يجدوه { ومنهم من يستمع إليك } من
~~حيث أنت { وجعلنا على قلوبهم أكنة } حسبما اقتضاه
~~استعدادهم { أن يفقهوه } وهي ظلمات النفس الأمارة { وفي
~~آذانهم وقرا } وهو وقر الضلالة

# وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها

# [الأنعام: 25] لأن على أبصارهم غشاوة العجب والجهل { ولو ترى إذ
~~وقفوا على النار } وهي نار الحرمان { فقالوا يليتنا
~~نرد ولا نكذب بئايت ربنا } من تجليات صفاته

# ونكون من المؤمنين

# [الأنعام: 27] أي الموحدين { بل بدا لهم ما كانوا يخفون
~~من قبل } في أنفسهم من الملكات الرديئة والهيئات المظلمة والصفات
~~المهلكة { ولو ردوا لعدوا لما نهوا عنه } لرسوخ ذلك
~~فيهم

# وإنهم لكذبون

# [الأنعام: 28] في الدنيا والآخرة لأن الكذب عن ملكة فيهم

# ولو ترى إذ وقفوا على ربهم

# [الأنعام:30] الآية قال بعض أهل التأويل: هذا تصوير لحالهم في الاحتجاب
~~والبعد وإن كانوا في عين الجمع المطلق، والوقوف على الشيء غير الوقوف معه
~~فإن الأول: لا يكون إلا كرها والثاني: يكون طوعا ورغبة، فالواقف مع
~~الله سبحانه بالتوحيد لا يوقف للحساب، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى:

# واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة
~~والعشى يريدون وجهه

# [الكهف: 28]

# ما عليك من حسابهم من شىء

# [الأنعام: 52] ويثاب هذا بأنواع النعيم في الجنان كلها. ومن وقف مع
~~الغير بالشرك وقف على الرب تعالى وعذب بأنواع العذاب لأن الشرك ظلم عظيم.
~~ومن وقف مع الناسوت بمحبة الشهوات وقف على الملكوت وعذب بنيران الحرمان
~~وسلط عليه زبانية الهيئات المظلمة وقرن بشياطين الأهواء المردية، ومن وقف
~~مع الأفعال وقف على الجبروت وعذب بنار الطمع والرجاء ورد إلى مقام
~~الملكوت، ومن وقف مع الصفات وقف على الذات وعذب بنار الشوق والهجران.

# وليس هذا هو الوقوف عل الرب لأن فيه حجاب الأنية وفي الوقوف على الذات
~~معرفة الرب الموصوف بصفات اللطف. والمشرك موقوف أولا على الرب فيحجب
~~بالرد والطرد

# اخسئوا فيها ولا تكلمون

# [المؤمنون: 108] ثم على الجبروت فيطرد بالسخط واللعن

# ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم
~~القيمة

# [آل عمران: 77] ثم على الملكوت فيزجر بالغضب واللعن

# قيل ms02746 ادخلوا أبوب جهنم

# [الزمر: 72] ثم على النار يسجرون فيعذب بأنواع النيران أبدا فيكون وقفه
~~على النار متأخرا عن وقفه على الرب تعالى معلولا له كما قال تعالى:

# ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد
~~بما كانوا يكفرون

# [يونس: 70] وأما الواقف مع الناسوت فيوقف للحساب على الملكوت ثم على
~~النار. وقد ينجو لعدم السخط وقد لا ينجو لوجوده. والواقف مع الأفعال لا
~~يوقف على النار أصلا بل يحاسب ويدخل الجنة. وأما الواقف مع الصفات فهو
~~من الذين رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه انتهى. فتأمل فيه { قد خسر
~~الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم
~~الساعة بغتة } وهي القيامة الصغرى أعني الموت. حكي عن بعض الكبار
~~أنه قيل له: إن فلانا مات فجأة فقال: لا عجب إذ من لم يمت فجأة مرض فجأة
~~فمات { قالوا يحسرتنا على ما فرطنا فيها } أي في حق
~~تلك الساعة بترك العمل النافع

# وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم

# [الأنعام: 31] تصوير لحالهم { وما الحيوة الدنيا } أي الحياة
~~الحسية فإن المحسوس أدنى وأقرب من المعقول { إلا لعب ولهو } لا
~~أصل له ولا حقيقة سريع الفناء والانقضاء { وللدار الآخرة } أي عالم
~~الروحانيات

# خير للذين يتقون

# [الأنعام:32] وهم المتجردون عن ملابس الصفات البشرية واللذات البدنية {
~~قد نعلم إنه ليحزنك } لمقتضى البشرية { الذى
~~يقولون } ما يقولون { فإنهم لا يكذبونك } في الحقيقة {
~~ولكن الظلمين بئايت الله } التي تجلى بها

# يجحدون

# [الأنعام: 33] فهو سبحانه ينتقم منهم { ولقد كذبت رسل من
~~قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى
~~أتهم نصرنا } فتأس بهم وانتظر الغاية

# ولا مبدل لكلمت الله

# [الأنعام: 34] التي يتجلى بها لعباده فليطمئن قلبك ولا تكونن من
~~الجاهلين الذين لا يطلعون على حكمة تفاوت الاستعدادات فتتأسف على احتجاب
~~من احتجب وتكذيب من كذب. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

### || [6.36]

# { إنما يستجيب الذين يسمعون } تقرير لما يفهمه الكلام
~~السابق من أنهم لا يؤمنون. والاستجابة بمعنى الإجابة، وكثيرا ما أجري
~~استفعل مجرى أفعل كاستخلص بمعنى أخلص واستوقد بمعنى أوقد إلى غير ذلك.
~~ومنه قول ms02747 الغنوي:

# وداع دعا يا من يجيب إلى الندا

# فلم يستجبه عند ذاك مجيب

# ويدل على ذلك أنه قال مجيب ولم يقل مستجيب، ومنهم من فرق بين استجاب
~~وأجاب بأن استجاب يدل على قبول. والمراد بالسماع الفرد الكامل وهو سماع
~~الفهم والتدبر بجعل ما عداه كلا سماع أي إنما يجيب دعوتك إلى الإيمان
~~الذين يسمعون ما يلقى إليهم سماع فهم وتدبر دون الموتى الذين هؤلاء منهم
~~كقوله تعالى:

# إنك لا تسمع الموتى

# [النمل:80].

# و { الموتى } أي الكفار كما قال الحسن، / ورواه عنه غير واحد {
~~يبعثهم الله } من قبورهم إلى المحشر، وقيل: بعثهم هدايتهم إلى
~~الايمان وليس بشيء { ثم إليه يرجعون } للجزاء فحينئذ يسمعون،
~~وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى سماعهم لما أن على قلوبهم أكنة وفي آذانهم
~~وقرا. وفي إطلاق الموتى على الكفار استعارة تبعية مبنية على تشبيه كفرهم
~~وجهلهم بالموت كما قيل:

# لا يعجبن الجهول بزيه

# فذاك ميت ثيابه كفن

# وقيل: الموتى على حقيقته، والكلام تمثيل لاختصاصه تعالى بالقدرة على
~~توفيق أولئك الكفار للإيمان باختصاصه سبحانه بالقدرة على بعث الموتى
~~الذين رمت عظامهم من القبور، وفيه إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم لا
~~يقدر على هدايتهم لأنها كبعث الموتى. وتعقب بأنه على هذا ليس لقوله
~~سبحانه { ثم إليه يرجعون } كبير دخل في التمثيل إلا أن يراد
~~أنه إشارة إلى ما يترتب على الايمان من الآثار. وفي إعراب (الموتى)
~~وجهان، أحدهما: أنه مرفوع على الابتداء، والثاني: أنه منصوب بفعل محذوف
~~يفسره ما بعده واختاره أبو البقاء، ويفهم من كلام مجاهد أنه مرفوع بالعطف
~~على الموصول، والجملة بعده في موضع الحال والظاهر خلافه. وقرىء { يرجعون
~~} على البناء للفاعل من رجع رجوعا. والمتواترة أوفى بحق المقام لإنبائها
~~عن كون مرجعهم إليه تعالى بطريق الاضطرار.

### || [6.37]

# { وقالوا } أي رؤساء قريش الذين بلغ بهم الجهل والضلال إلى حيث لم
~~يقنعوا بما شاهدوه من الآيات التي تخر لها صم الجبال ولم يعتدوا به {
~~لولا } أي هلا { نزل } أي أنزل { عليه ءاية من ربه }
~~ملجئة للإيمان ms02748 { قل } يا محمد { إن الله قادر على أن
~~ينزل ءاية } من الآيات الملجئة { ولكن أكثرهم لا
~~يعلمون } فلا يدرون أن عدم تنزيلها مع ظهور قدرته سبحانه وتعالى
~~عليه لما أن في تنزيلها قلعا لأساس التكليف المبني على قاعدة الاختيار
~~أو استئصالا لهم بالكلية إذ ذلك من لوازم جحد الآية الملجئة وجوز أن لا
~~يكونوا قد طلبوا الملجيء ولا يلزم من عدم الاعتداد بالمشاهد طلبه بل يجوز
~~أن يكونوا قد طلبوا غير الحاصل مما لا يلجىء لجاجا وعنادا، ويكون
~~الجواب بالملجىء حينئذ من أسلوب الحكيم أو يكون جوابا بما يستلزم
~~مطلوبهم بطريق أقوى وهو أبلغ.

# و (من) لابتداء الغاية. والجار والمجرور يجوز أن يكون متعلقا بنزل، وأن
~~يكون متعلقا بمحذوف وقع صفة لآية. وما يفيده التعرض لعنوان ربوبيته
~~تعالى له عليه الصلاة والسلام من الإشعار بالعلية إنما هو بطريق التعريض
~~بالتهكم من جهتهم. والاقتصار في الجواب على بيان قدرته سبحانه وتعالى على
~~التنزيل مع أنها ليست في حيز الإنكار للإيذان بأن عدم تنزيله تعالى للآية
~~مع قدرته عليه لحكمة بالغة يجب معرفتها وهم عنها غافلون كما ينبىء عنه
~~الاستدراك. وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة مع الإشعار بالعلية.
~~ومفعول { يعلمون } إما مطروح بالكلية على معنى أنهم ليسوا من أهل
~~العلم أو محذوف مدلول عليه بقرينة المقام أي لا يعلمون شيئا. وتخصيص عدم
~~العلم بأكثرهم لما أن بعضهم واقفون على حقيقة الحال وإنما يفعلون ما
~~يفعلون مكابرة وعنادا. وقرأ ابن كثير { ينزل } بالتخفيف، والمعنى هنا 
~~كما قيل  واحد لأنه لم ينظر إلى التدريج وعدمه.

### || [6.38]

# وقوله تعالى: { وما من دابة فى الأرض } كلام مستأنف مسوق 
~~كما قال الطبرسي وغيره  لبيان كمال قدرته / عز وجل وحسن تدبيره وحكمته
~~وشمول علمه سبحانه وتعالى فهو كالدليل على أنه تعالى قادر على الإنزال
~~وإنما لا ينزل محافظة على الحكم الباهرة، وقيل: إنه دليل على أنه سبحانه
~~وتعالى قادر على البعث والحشر، والأول أنسب. وزيدت { من } تنصيصا على
~~الاستغراق. والدابة ما يدب من الحيوان، وأصله من دب يدب ms02749 [دبا و]
~~دبيبا إذا مشى مشيا فيه تقارب خطو. والجار والمجرور متعلق بمحذوف أو
~~مجرور أو مرفوع وقع صفة لدابة، ووصفت بذلك لزيادة التعميم كأنه قيل: وما
~~من فرد من أفراد الدواب يستقر في قطر من أقطار الأرض وجهها أو جوفها،
~~وكذا الوصف في قوله سبحانه: { ولا طائر يطير بجناحيه }
~~لزيادة التعميم أيضا أي ولا فرد من أفراد الطير يطير في ناحية من نواحي
~~الجو بجناحيه، وقيل: إنه لقطع مجاز السرعة فقد استعمل الطيران في ذلك
~~كقوله:

# قوم إذ الشر أبدى ناجذيه لهم

# طاروا إليه زرافات ووحدانا

# وكذا استعمل الطائر في العمل والنصيب مجازا كما في قوله تعالى:

# وكل إنسن ألزمنه طائره فى عنقه

# [الإسراء: 13]. واحتمال التجوز مع ذلك بجعله ترشيحا للمجاز بعيد لا
~~يلتفت إليه بدون قرينة. واختار بعض المتأخرين أن وجه الوصف تصوير تلك
~~الهيئة الغريبة الدالة على كمال القوة والقدرة. وأورد على الوجهين
~~السابقين أنه لو قيل: ولا طائر في السماء لكان أخصر وفي إفادة ذينك
~~الأمرين أظهر مع ما فيه من رعاية المناسبة بين القرينتين بذكر جهة العلو
~~في إحداهما وجهة السفل في الأخرى، ورد  كما قال الشهاب  بأنه لو قيل:
~~في السماء يطير بجناحيه لم يشمل أكثر الطيور لعدم استقرارها في السماء،
~~ثم إن قصد التصوير لا ينافي قطع المجاز إذ لا مانع من إرادتهما جميعا
~~كما لا يخفى. ثم لما كان المقصود من ذكر هذين الأمرين الدلالة على كمال
~~قدرته جل وعلا ببيان ما يعرفونه ويشاهدونه من هذين الجنسين وشمول قدرته
~~وعلمه سبحانه لهما كان غيرهما غير مقصود بالبيان، فالاعتراض بأن أمثال
~~حيتان البحر خارجة عنهما، والجواب بأنها داخلة في القسم الأول لأن الأرض
~~فيه بمعنى جهة السفل مما لا يلتفت إليه. وقرأ ابن أبي عبلة { ولا
~~طائر } بالرفع عطف على محل الجار والمجرور كأنه قيل: وما دابة ولا طائر.

# { إلا أمم } أي طوائف متخالفة { أمثلكم } في أن أحوالها
~~محفوظة وأمورها (معنية) ومصالحها مرعية جارية على سنن السداد منتظمة في
~~سلك التقديرات الإلهية والتدبيرات ms02750 الربانية. وجمع الأمم باعتبار الحمل
~~على معنى الجمعية المستفاد من العموم كما اختاره غير واحد، وهو يقتضي
~~جواز أن يقال: لا رجل قائمون، والقياس  كما قيل  لا يأباه إلا أنه لم
~~يرد إلا مع الفصل.

# وصرح السيد السند بأن النكرة ههنا محمولة على المجموع من حيث هو مجموع،
~~وجعل مراده أن النكرة المذكورة من حيث الإخبار عنها محمولة على المجموع
~~لا أنه مراد منها، فلا يرد أن الحكم بقوله سبحانه وتعالى: { إلا
~~أمم } يأبى أن يكون التنكير فيما سبق على ما أشير إليه للفردية لأن
~~الفرد ليس بجماعة، وكذا يأبى أن يكون للنوعية أيضا لأن الفرد ليس
~~بجماعات وهو ظاهر، وأما ما قيل: إن النوع يشتمل على أصناف وكل صنف أمة أو
~~الأمة كل جماعة في زمان فيدفعه توصيف أمم بأمثالكم إذ الخطاب بكم لأفراد
~~نوع الإنسان فالمناسب تشبيه النوع بالنوع في كونهما محفوظي الأحوال لا
~~تشبيه الصنف بالنوع أو تشبيه جماعة في وقت بالنوع، نعم قال السكاكي في
~~«المفتاح»: إن ذكر { فى الأرض } مع دابة و { يطير بجناحيه }
~~مع طائر لبيان أن القصد من لفظ دابة ولفظ طائر إنما هو إلى الجنسين وإلى
~~تقريرهما، وعليه لا إشكال في صحة الحمل لاشتمال كل من الجنسين / على
~~أنواع كثيرة كل منها أمة كالانسان فكأنه قيل: ما من جنس من هذين الجنسين
~~إلا أمم الخ، وهذا كما يقال: ما من رجل من هذين الرجلين إلا كذا، ومراده
~~أن لفظ دابة وطائر حامل لمعنى الجنس والوحدة فلبيان أن القصد من كل منهما
~~إلى الجنس من حيث هو دون الوحدة والكثرة وصف بصفة لازمة للجنس من حيث هو
~~أي بلا شرط شيء منهما والاستغراق المستفاد من كلمة (من) بالنظر إلى
~~الجنسين، وبهذا يندفع القول بوجوب تأويل كلام السكاكي وإرجاعه إلى ما
~~ذكره الزمخشري في هذا المقام، وعليه لا يتصور كون الوصف مفيدا لزيادة
~~التعميم والإحاطة لأن الجنس من حيث هو أي لا بشرط شيء مفهوم واحد كما لا
~~يخفى. واعترض أيضا القول بالعموم بأنه ms02751 كيف يصح مع وجوب خروج المشبه به
~~عنه. وأجيب بأن القصد أولا: إلى العام والمشبه به في حكم المستثنى
~~بقرينة التشبيه كأنه قيل: ما من واحد من أفراد هذين الجنسين بعمومهما
~~سواكم إلا أمم أمثالكم، ولك أن تدعي دخول كل فرد من أفراد المخاطبين
~~بالتزام أن له اعتبارين اعتبار أنه مشبه واعتبار أنه مشبه به فتأمل جميع
~~ذلك.

# { ما فرطنا فى الكتب من شىء } التفريط التقصير، وأصله
~~أن يتعدى بفي وقد ضمن هنا معنى أغفلنا وتركنا، فمن شيء في موضع المفعول
~~به ومن زائدة لاستغراق، ويبعد جعلها تبعيضية أي ما فرطنا في الكتاب بعض
~~شيء وإن جوزه بعضهم. والمراد من الكتاب القرآن واختاره البلخي وجماعة
~~فإنه ذكر فيه جميع ما يحتاج إليه من أمر الدين والدنيا بل وغير ذلك إما
~~مفصلا وإما مجملا، فعن الشافعي عليه الرحمة ليست تنزل بأحد في الدين
~~نازلة إلا في كتاب الله تعالى الهدى فيها.

# وروى البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: «لعن الله تعالى
~~الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله
~~تعالى فقالت له امرأة في ذلك فقال: ما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى فقالت له: قرأت ما بين اللوحين
~~فما وجدت فيه ما تقول قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت

# وما ءاتكم الرسول فخذوه وما نهكم عنه
~~فانتهوا

# [الحشر: 7] قالت: بلى قال: فإنه عليه الصلاة والسلام قد نهى عنه» وقال
~~الشافعي رحمه الله تعالى مرة بمكة: سلوني عما شئتم أخبركم عنه من كتاب
~~الله تعالى فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فأجاب بأنه يقتله
~~واستدل عليه بنحو استدلال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.

# وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أنه قال: أنزل في هذا القرآن كل علم
~~وبين لنا فيه كل شيء ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن. وأخرج أبو
~~الشيخ في كتاب «العظمة» عن أبي هريرة رضي الله ms02752 تعالى عنه قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم:

# " إن الله سبحانه وتعالى لو أغفل شيئا لأغفل الذرة والخردلة والبعوضة "

# وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في
~~كتاب الله تعالى، وقال المرسي: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم
~~يحط بها علما حقيقة إلا المتكلم به ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا
~~ما استأثر الله تعالى به، وقد سمعت من بعضهم والعهدة عليه أن الشيخ
~~الأكبر محيي الدين بن العربي قدس الله تعالى سره وقع يوما عن حماره
~~فرضت رجله فجاؤوا ليحملوه فقال: امهلوني فأمهلوه يسيرا ثم أذن لهم
~~فحملوه فقيل له في ذلك فقال: راجعت كتاب الله تعالى فوجدت خبر هذه
~~الحادثة قد ذكر في الفاتحة، وهذا أمر لا تصله عقولنا. ومثله استخراج
~~بعضهم من الفاتحة أيضا أسماء سلاطين آل عثمان وأحوالهم ومدة / سلطنتهم
~~إلى ما شاء الله تعالى من الزمان، ولا بدع فهي أم الكتاب وتلد كل أمر
~~عجيب، وعلى هذا لا حاجة إلى القول بتخصيص الشيء بما يحتاج إليه من دلائل
~~التوحيد والتكاليف، وقال أبو البقاء: إن شيئا هنا واقع موقع المصدر أي
~~تفريطا، ولا يجوز أن يكون مفعولا به لأن { فرطنا } لا تتعدى
~~بنفسها بل بحرف الجر وقد عديت بفي إلى الكتاب فلا تتعدى بحرف آخر وتبعه
~~في ذلك غير واحد، وجعلوا ما يفهم من «القاموس» من تعدي هذا الفعل بنفسه
~~حيث قال: «فرط الشيء وفرط فيه تفريطا ضيعه وقدم العجز فيه
~~وقصر» مما تفرد به في مقابلة من هو أطول باعا منه مع أنه يحتمل أن
~~تعديته المذكورة فيه ليست وضيعة بل مجازية أو بطريق التضمين الذي أشير
~~إليه سابقا، وعلى هذا لا يبقى  كما قال أبو البقاء  في الآية حجة لمن
~~ظن أن الكتاب يحتوي على ذكر كل شيء، والكلام حينئذ نظير قوله تعالى:

# لا يضركم كيدهم شيئا

# [آل عمران: 120] أي ضيرا. وأورد عليه أنه ليس كما ذكر لأنه إذا تسلط
~~النفي على المصدر ms02753 كان منفيا على جهة العموم ويلزمه نفي أنواع المصدر وهو
~~يستلزم نفي جميع أفراده وليس بشيء لأنه يريد أن المعنى حينئذ أن جميع
~~أنواع التفريط منفية عن القرآن وهو مما لا شبهة فيه ولا يلزمه أن يذكر
~~فيه كل شيء كما لزم على الوجه الآخر، وأيا ما كان فالجملة إعتراضية
~~مقررة لمضمون ما قبلها فإن من جملة الأشياء أنه تعالى مراع لمصالح جميع
~~مخلوقاته على ما ينبغي، وعن الحسن وقتادة أن المراد بالكتاب الكتاب الذي
~~عند الله تعالى وهو مشتمل على ما كان ويكون وهو اللوح المحفوظ، والمراد
~~بالاعتراض حينئذ الإشارة إلى أن أحوال الأمم مستقصاة هناك غير مقصورة
~~على هذا القدر المجمل. وعن أبي مسلم أن المراد منه الأجل أي ما من شيء
~~إلا وقد جعلنا له أجلا هو بالغه ولا يخفى بعده. وقرأ علقمة { ما فرطنا
~~} بالتخفيف وهو والمشدد بمعنى. وقال أبو العباس: معنى فرطنا المخفف أخرنا
~~كما قالوا فرط الله تعالى عنك المرض أي أزاله.

# { ثم إلى ربهم يحشرون } الضمير للأمم المذكورة في
~~(الكريم)، وصيغة جمع العقلاء لإجرائها مجراهم والتعبير عنها بالأمم،
~~وقيل: هو للأمم مطلقا وتكون صيغة الجمع للتغليب أي إلى مالك أمورهم لا
~~إلى غيره يحشرون يوم القيامة فيجازيهم وينصف بعضهم من بعض حتى أنه سبحانه
~~وتعالى يبلغ من عدله أن يأخذ للجماء من القرناء كما جاء في حديث صحيح
~~رواه الشيخان. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أن حشر الحيوانات موتها، ومراده رضي الله تعالى عنه 
~~على ما قيل  ان قوله سبحانه وتعالى: { إلى ربهم يحشرون }
~~مجموعه مستعار على سبيل التمثيل للموت كما ورد في الحديث

# " من مات فقد قامت قيامته "

# فلا يرد عليه أن الحشر بعث من مكان إلى آخر، وتعديته بإلى تنصيص على أنه
~~لم يرد به الموت مع أن في الموت أيضا نقلا من الدنيا إلى الآخرة. نعم
~~ما ذكره الجماعة أوفق بمقام تهويل الخطب وتفظيع الحال.

# هذا وفي «رسالة المعاد» لأبي ms02754 علي: قال المعترفون بالشريعة من أهل
~~التناسخ: إن هذه الآية دليل عليه لأنه سبحانه قال: { وما من دابة
~~} الخ، وفيه الحكم بأن الحيوانات الغير الناطقة أمثالنا وليسوا أمثالنا
~~بالفعل فيتعين كونهم أمثالنا بالقوة لضرورة صدق هذا الحكم وعدم الواسطة
~~بين الفعل والقوة، وحينئذ لا بد من القول بحلول النفس الإنسانية في شيء
~~من تلك الحيوانات وهو التناسخ المطلوب. / ولا يخفى أنه دليل كاسد على
~~مذهب فاسد، ومن الناس من جعلها دليلا على أن للحيوانات بأسرها نفوسا
~~ناطقة كما لأفراد الإنسان، وإليه ذهب الصوفية وبعض الحكماء الإسلاميين.
~~وأورد الشعراني في «الجواهر والدرر» لذلك أدلة غير ما ذكر، منها

# " أنه صلى الله عليه وسلم لما هاجر وتعرض كل من الأنصار لزمام ناقته قال
~~عليه الصلاة والسلام: " دعوها فإنها مأمورة "

# ووجه الاستدلال بذلك أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن الناقة مأمورة ولا
~~يعقل الأمر إلا من له نفس ناطقة، وإذا ثبت أن للناقة نفسا كذلك ثبت
~~للغير إذ لا قائل بالفرق، ومنها ما يشاهد في النحل وصنعتها أقراص الشمع
~~والعناكب واحتيالها لصيد الذباب والنمل وادخاره لقوته على وجه لا يفسد
~~معه ما ادخره. وأورد بعضهم دليلا لذلك أيضا النملة التي كلمت سليمان
~~عليه الصلاة والسلام بما قص الله تعالى لنا عنها مما لا يهتدي إلى ما فيه
~~إلا العالمون؛ وخوف الشاة من ذئب لم تشاهد فعله قبل فإن ذلك لا يكون إلا
~~عن استدلال وهو شأن ذوي النفوس الناطقة، وعدم افتراس الأسد المعلم مثلا
~~صاحبه فإن ذلك دليل على اعتقاد النفع ومعرفة الحسن وهو من شأن ذوي
~~النفوس. وأغرب من هذا دعوى الصوفية  ونقله الشعراني عن شيخه علي الخواص
~~قدس الله تعالى سره  أن الحيوانات مخاطبة مكلفة من عند الله تعالى من
~~حيث لا يشعر المحجوبون ثم قال: ويؤيده قوله تعالى:

# وإن من أمة إلا خلا فيها نذير

# [فاطر: 24] حيث نكر سبحانه وتعالى الأمة والنذير وهم من جملة الأمم.

# ونقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقول: جميع ما ms02755 في الأمم
~~فينا حتى إن فيهم ابن عباس مثلي. وذكر في «الأجوبة المرضية» أن فيهم
~~أنبياء. وفي «الجواهر» أنه يجوز أن يكون النذير من أنفسهم وأن يكون
~~خارجا عنهم من جنسهم. وحكى شيخه عن بعضهم أنه قال: إن تشبيه الله تعالى
~~من ضل من عباده بالأنعام في قوله سبحانه وتعالى:

# إن هم إلا كالأنعم

# [الفرقان: 44] ليس لنقص فيها وإنما هو لبيان كمال مرتبتها في العلم
~~بالله تعالى حتى حارت فيه فالتشبيه في الحقيقة واقع في الحيرة لا في
~~المحار فيه فلا أشد حيرة من العلماء بالله تعالى فاعلى ما يصل إليه
~~العلماء بربهم سبحانه وتعالى هو مبتدأ البهائم الذي لم تنتقل عنه أي عن
~~أصله وإن كانت منتقلة في شؤونه بتنقل الشؤون الإلهية لأنها لا تثبت على
~~حال.

# ولذلك كان من وصفهم الله عز وجل من هؤلاء القوم أضل سبيلا من الأنعام
~~لأنهم يريدون الخروج من الحيرة من طريق فكرهم ونظرهم ولا يمكن ذلك لهم
~~والبهائم علمت ذلك ووقفت عنده ولم تطلب الخروج عنه وذلك لشدة علمها بالله
~~تعالى اه.

# ونقل الشهاب عن ابن المنير أن من ذهب إلى أن البهائم والهوام مكلفة لها
~~رسل من جنسها فهو من الملاحدة الذين لا يعول عليهم كالجاحظ وغيره، وعلى
~~إكفار القائل بذلك نص كثير من الفقهاء والجزاء الذي يكون يوم القيامة
~~للحيوانات عندهم ليس جزاء تكليف، على أن بعضهم ذهب إلى أن الحيوانات لا
~~تحشر يوم القيامة وأول الظواهر الدالة على ذلك. وما نقل عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما لا أصل له.

# والمثلية في الآية لا تدل على شيء مما ذكر. وأغرب الغريب عند أهل الظاهر
~~أن الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم جعلوا كل شيء في الوجود حيا دراكا
~~يفهم الخطاب ويتألم كما يتألم الحيوان وما يزيد الحيوان على الجماد إلا
~~بالشهوة، ويستندون في ذلك إلى الشهود. وربما يستدلون بقوله سبحانه
~~وتعالى:

# وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولكن لا
~~تفقهون تسبيحهم

# [الإسراء: 44] وبنحو ذلك من الآيات والأخبار. والذي ذهب ms02756 إليه الأكثرون
~~من العلماء أن التسبيح حالي لا قالي، ونظير ذلك:

# شكى إلى جملي طول السرى

# و:

# امتلأ الحوض وقال قطني

# وما يصدر عن بعض الجمادات من تسبيح قالي كتسبيح الحصى في كفه الشريف صلى
~~الله عليه وسلم مثلا إنما هو عن خلق إدراك إذ ذاك، وما يشاهد من الصنائع
~~العجيبة لبعض الحيوانات ليس كما قال الشيخ الرئيس مما يصدر عن استنباط
~~وقياس بل عن إلهام وتسخير، ولذلك لا تختلف ولا تتنوع، والنقض بالحركة
~~الفلكية لا يرد بناء على قواعدنا. وعدم افتراس الأسد المعلم مثلا صاحبه
~~ليس عن اعتقاد بل هناك هيئة أخرى نفسانية وهي أن كل حيوان يحب بالطبع ما
~~يلذه والشخص الذي يطعمه محبوب عنده فيصير ذلك مانعا عن افتراسه. وربما
~~يقع هذا العارض عن إلهام إلهي مثل حب كل حيوان ولده. وعلى هذا الطرز يخرج
~~الخوف مثلا الذي يعتري بعض الحيوانات.

# وقد أطالوا الكلام في هذا المقام. وأنا لا أرى مانعا من القول بأن
~~للحيوانات نفوسا ناطقة وهي متفاوتة الإدراك حسب تفاوتها في أفراد
~~الإنسان وهي مع ذلك كيفما كانت لا تصل في إدراكها وتصرفها إلى غاية يصلها
~~الإنسان والشواهد على هذا كثيرة وليس في مقابلتها قطعي يجب تأويلها
~~لأجله. وقد صرح غير واحد أنها عارفة بربها جل شأنه، وأما إن لها رسلا من
~~جنسها فلا أقول به ولا أفتي بكفر من قال به. وأما أن الجمادات حية مدركة
~~فأمر وراء طور عقلي، والله تعالى على كل شيء قدير وهو العليم الخبير.

### || [6.39]

# { والذين كذبوا بئايتنا } أي القرآن أو سائر الحجج
~~ويدخل دخولا أوليا، والموصول عبارة عن المعهودين في قوله عز وجل:

# ومنهم من يستمع إليك

# [الأنعام: 25] الخ أو الأعم من أولئك. والكلام متعلق بقوله سبحانه:

# ما فرطنا

# [الأنعام: 38] الخ أو بقوله جل شأنه

# إنما يستجيب الذين يسمعون

# [الأنعام: 36] والواو للاستئناف وما بعدها مبتدأ خبره { صم وبكم
~~} وجوز أن يكون هذا خبر مبتدأ محذوف أي بعضهم صم وبعضهم بكم. والجملة خبر
~~المبتدأ والأول أولى، وهو من التشبيه ms02757 البليغ على القول الأصح في أمثاله
~~أي أنهم كالصم وكالبكم فلا يسمعون الآيات سماعا تتأثر منه نفوسهم ولا
~~يقدرون على أن ينطقوا بالحق ولذلك لا يستجيبون ويقولون في الآيات ما
~~يقولون.

# وقوله سبحانه: { فى الظلمت } أي في ظلمات الكفر وأنواعه أو في
~~ظلمة الجهل وظلمة العناد وظلمة التقليد في الباطل إما خبر بعد خبر
~~للموصول على أنه واقع موقع (عمي) كما في قوله تعالى:

# صم بكم عمى

# [البقرة: 18، 171] ووجه ترك العطف فيه دون ما تقدمه الإيماء إلى أنه
~~وحده كاف في الذم والإعراض عن الحق، واختير العطف فيما تقدم للتلازم، وقد
~~يترك رعاية لنكتة أخرى، وإما متعلق بمحذوف وقع حالا من المستكن في الخبر
~~كأنه قيل: ضالون خابطين أو كائنين في الظلمات. ورجحت الحالية بأنها أبلغ
~~إذ يفهم حينئذ أن صممهم وبكمهم مقيد بحال كونهم في ظلمات الكفر أو الجهل
~~وأخويه حتى لو أخرجوا منها لسمعوا ونطقوا، وعليها لا يحتاج إلى بيان وجه
~~ترك العطف. وجوز أبو البقاء أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هم في الظلمات؛
~~وأن يكون صفة لبكم أو ظرفا له أو لصم أو لما ينوب عنهما من الفعل، وعن
~~أبي علي الجبائي أن المراد بالظلمات ظلمات الآخرة على الحقيقة أي أنهم
~~كذلك يوم القيامة عقابا لهم على كفرهم في الدنيا. والكلام عليه متعلق
~~بقوله تعالى:

# ثم إلى ربهم يحشرون

# [الأنعام: 38] على أن الضمير للأمم على الإطلاق وفيه بعد. وقوله سبحانه:

# { من يشإ الله يضلله } تحقيق للحق وتقرير لما سبق من حالهم
~~ببيان أنهم من أهل الطبع لا يتأتى منهم الإيمان أصلا فمن مبتدأ خبره ما
~~بعده ومفعول (يشأ) محذوف أي إضلاله. ولا يجوز أن يكون (من) مفعولا
~~مقدما له لفساد / المعنى، والمراد من يرد سبحانه أن يخلق فيه الضلال عن
~~الحق يخلقه فيه حسب اختياره الناشىء عن استعداده، وجوز بعضهم أن يكون {
~~من } في موضع نصب بفعل مقدر بعده يفسره ما بعده أي من يشق أو يعذب يشأ
~~إضلاله.

# { ومن يشأ يجعله على صرط مستقيم } عطف ms02758 على ما
~~تقدم، والكلام فيه كالكلام فيه.

# والآية دليل لأهل السنة على أن الكفر والإيمان بإرادته سبحانه وأن
~~الإرادة لا تتخلف عن المراد. والزمخشري لما رأى تخرق عقيدته الفاسدة رام
~~رقعها كما هو دأبه فقال: «معنى { يضلله } يخذله ولم يلطف به و {
~~يجعله } الخ يلطف به»، وقال غيره: المراد من يشأ إضلاله يوم القيامة
~~عن طريق الجنة يضلله ومن يشأ يجعله على الصراط الذي يسلكه المؤمنون إلى
~~الجنة وهو كما ترى. وكان الظاهر على ما قيل: أن يقال ومن يشأ يهده إلا
~~أنه عدل عنه لأن هدايته تعالى وهي إرشاده إلى الهدى غير مختصة ببعض دون
~~بعض. ولهذا قيل في تفسير { يجعله } الخ أي يرشده إلى الهدى ويحمله
~~عليه.

### || [6.40]

# { قل أرأيتكم } أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبكتهم
~~ويلقمهم الحجر بما لا سبيل لهم إلى إنكاره. والتاء على ما قاله أبو
~~البقاء ضمير الفاعل وما بعده حرف خطاب جىء به للتأكيد وليس اسما لأنه لو
~~كان كذلك لكان إما مجرورا ولا جار هنا أو مرفوعا وليس من ضمائر الرفع
~~ولا مقتضى له أيضا أو منصوبا وهو باطل لثلاثة أوجه، الأول: أن هذا
~~الفعل قلبي بمعنى علم يتعدى إلى مفعولين كقولك: أرأيت زيدا ما فعل فلو
~~جعل المذكور مفعولا لكان ثالثا. والثاني: أنه لو جعل مفعولا لكان هو
~~الفاعل في المعنى وليس المعنى على ذلك إذ ليس الغرض أرأيت نفسك بل أرأيت
~~غيرك ولذلك قلت: أرأيتك زيدا وزيد غير المخاطب ولا هو بدل منه. والثالث:
~~أنه لو جعل كذلك لظهرت علامة التثنية والجمع والتأنيث في التاء فكنت
~~تقول: أرأيتماكما وأرأيتموكم وأرأيتكن وهذا مذهب البصريين.

# والمفعولان في هذه الآية قيل: الأول: منهما محذوف تقديره أرأيتكم إياه
~~أو إياها أي العذاب أو الساعة الواقعين في قوله سبحانه: { إن
~~أتكم عذاب الله } أي الدنيوي حسبما أتى من قبلكم { أو
~~أتتكم الساعة } أي هو لها كما يدل عليه ما بعد لأن الكلام من
~~باب التنازع حيث تنازع رأى وأتى في معمول واحد ms02759 وهو { عذاب الله } و
~~{ الساعة } فأعمل الثاني وأضمر في الأول. والثاني: منهما جملة
~~الاستفهام وهي قوله تعالى { أغير الله تدعون } والرابط لها
~~بالمفعول الأول محذوف أي أغير الله تدعون لكشف ذلك. وقيل: لا تنازع
~~والتقدير أرأيتكم عبادتكم للأصنام أو الأصنام التي تعبدونها هل تنفعكم،
~~وقيل: إن الجملة الاستفهامية سادة مسد المفعولين.

# وذهب الرضي تبعا لغيره أن رأى هنا بصرية وقيل: قلبية بمعنى عرف. وهي
~~على القولين متعدية لواحد وأصل اللفظ الاستفهام عن العلم أو العرفان أو
~~الإبصار إلا أنه تجوز به عن معنى أخبرني ولا يستعمل إلا في الاستخبار عن
~~حالة عجيبة لشيء. وفيه  على ما قال الكرماني  وغيره تجوزان إطلاق
~~الرؤية وإرادة الإخبار لأن الرؤية بأي معنى كانت سبب له. وجعل الاستفهام
~~بمعنى الأمر بجامع الطلب. وقول بعضهم: إن الاستفهام للتعجيب لا ينافي كون
~~ذلك بمعنى أخبرني لما قيل أنه بالنظر إلى أصل الكلام.

# ونقل عن أبي حيان أن الأخفش قال: إن العرب أخرجت هذا اللفظ عن معناه
~~بالكلية فقالوا: أرأيتك وأريتك بحذف الهمزة الثانية إذا كان بمعنى أخبرت
~~وإذا كان بمعنى أبصرت لم تحذف همزته وألزمته أيضا الخطاب على هذا المعنى
~~/ فلا تقول أبدا أراني زيد عمرا ما صنع وتقول هذا على معنى أعلم،
~~وأخرجته أيضا عن موضوعه بالكلية لمعنى إما بدليل دخول الفاء بعده كقوله
~~تعالى:

# أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة

# [الكهف: 63] الآية. فما دخلت الفاء إلا وقد خرجت لمعنى أما. والمعنى أما
~~إذ أوينا إلى الصخرة فالأمر كذا وكذا. وقد أخرجته أيضا إلى معنى أخبرني
~~كما قدمنا، وإذا كان بهذا المعنى فلا بد بعده من اسم المستخبر عنه وتلزم
~~الجملة بعد الاستفهام. وقد يخرج لهذا المعنى وبعده الشرط وظرف الزمان اه
~~ولم يوافق في جميع ذلك.

# وذهب شيخ أهل الكوفة الكسائي إلى أن التاء ضمير الفاعل وأداة الخطاب
~~اللاحقة في موضع المفعول الأول. وذهب الفراء إلى أن التاء حرف خطاب
~~واللواحق بعده في موضع الرفع على الفاعلية وهي ضمائر نصب استعملت استعمال
~~ضمائر الرفع. والكلام على ms02760 ذلك مبسوط في محله. والمختار عند كثير من
~~المحققين ما ذهب إليه البصريون من جعل (كم) هنا وكذا سائر اللواحق حرف
~~خطاب ومتعلق الاستخبار عندهم ومحط التبكيت قوله تعالى. { أغير
~~الله } الخ.

# وقوله سبحانه: { إن كنتم صدقين } متعلق بأريتكم مؤكد للتبكيت
~~كاشف عن كذبهم. وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة المذكور عليه، والتقدير 
~~على ما قيل  إن كنتم صادقين في أن أصنامكم آلهة أو أن عبادتكم لها نافعة
~~أو إن كنتم قوما من شأنكم الصدق فأخبروني أإلها غير الله تعالى تدعون
~~إن أتاكم عذاب الله الخ فإن صدقهم من موجبات إخبارهم بدعائهم غيره
~~سبحانه. وقيل: إن الجواب ما يدل عليه قوله تعالى: { أغير الله
~~تدعون } أعني فادعوه على أن الضمير لغير الله، واعترض بأنه يخل
~~بجزالة النظم الكريم كيف لا والمطلوب منهم إنما هو الإخبار بدعائهم غيره
~~جل شأنه عند إتيان ما يأتي لا نفس دعائهم إياه، وجوز آخرون كون متعلق
~~الاستخبار محذوفا تقديره أخبروني إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة من
~~تدعون، وجعلوا قوله سبحانه: { أغير الله } الخ استئنافا للتبكيت
~~على معنى أتخصون آلهتكم بالدعوة كما هو عادتكم إذا أصابكم ضر أم تدعون
~~الله تعالى دونها، وعليه فتقديم المفعول للتخصيص. وبعضهم جعل تقديمه لأن
~~الإنكار متعلق به وأنكر تعلقه بالتخصيص.

### || [6.41]

# نعم التقديم في قوله تعالى: { بل إيه تدعون } للتخصيص أي بل
~~تخصونه سبحانه بالدعاء وليس لرعاية الفواصل، والتخصيص مستفاد مما بعد وهو
~~عطف على جملة منفية تفهم من الكلام السابق كأنه قيل: لا غير الله تدعون
~~بل إياه تدعون، وجعله في «الكشف» عطفا على

# أغير الله تدعون

# [الأنعام: 4] وأورد الزمخشري على كون { أغير الله تدعون }
~~متعلق الاستخبار أن قوله سبحانه: { فيكشف ما تدعون إليه }
~~أي ما تدعونه إلى كشفه مع قوله تعالى:

# أو أتتكم الساعة

# [الأنعام: 40] يأباه فإن قوارع الساعة لا تكشف عن المشركين. وأجاب بأنه
~~قد اشترط في الكشف المشيئة بقوله جل شأنه: { إن شاء } وهو عز وجل لا
~~يشاء كشف هاتيك القوارع عنهم، وخص الإيراد بذلك ms02761 الوجه  على ما في
~~«الكشف» لأن الشرطين فيه لما كانا متعلقين بقوله سبحانه:

# أغير

# [الأنعام: 40] الخ وكان { بل إيه } الخ عطفا عليه إضرابا عنه
~~والمعطوف في حكم المعطوف عليه وجب أن يكونا متعلقين به أيضا. ولما كان
~~الكشف مستعقب الدعاء مستفادا عنه وجب أن يكونا متعلقين به أيضا فجاء
~~سؤال أن قوارع الساعة لا تكشف. وأما في الوجه الآخر فلأن { أغير }
~~الخ لما كان كلاما مستقلا لم يتعلق به الشرطان لفظا بل جاز أن يقدرا
~~أو هو الظاهر إن ساعد المعنى، وأن يقدر واحد منهما حسب استدعاء / المقام
~~وذلك أنه سبحانه بكتهم بما كانوا عليه من اختصاصهم إياه تعالى بالدعاء
~~عند الكرب ألا ترى إلى قوله جل شأنه:

# ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون

# [النحل: 53] فلا مانع من ذكر أمرين والتقريع على أحدهما دون الآخر لا
~~سيما عند اختصاصه بالتقريع انتهى. وربما يقال: إن كشف القوارع الدنيوية
~~والأخروية بدعاء المؤمن أو المشرك بل قبول الدعاء مطلقا مشروط بالمشيئة
~~وبذلك تقيد آية

# ادعونى أستجب لكم

# [غافر: 60]

# وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة
~~الداع إذا دعان

# [البقرة: 186] لكن انتفاء المشيئة متحقق في بعض الصور كما في قبول دعاء
~~الكفار بكشف قوارع الساعة وما يلقونه من سوء الجزاء على كفرهم وكشف بعض
~~الأهوال عنهم ككرب طول الوقوف حين يشفع صلى الله عليه وسلم فيشفع في
~~الفصل بين الخلائق يومئذ ليس من باب استجابة دعائهم في شيء.

# على أن كرب طول الوقوف الذي يفارقونه نعيم بالنسبة إلى ما يلاقونه بعد
~~وإن لم يعلموا ذلك قبل فالقوارع محيطة بهم في ذلك اليوم لا تفارقهم أصلا
~~وإنما ينتقلون فيها من شديد إلى أشد، فقول بعضهم إثر قول الزمخشري: فإن
~~قوارع الساعة لا تكشف عن المشركين الأحسن عندي أن هول القيامة يكشف أيضا
~~ككرب الموقف إذا طال كما ورد في حديث الشفاعة العظمى إلا أن الزمخشري لم
~~يذكره لأن المعتزلة قائلون بنفي الشفاعة وقد غفل عن هذا من اتبعه كلام
~~خال عن التحقيق، والمعتزلة على ms02762 ما في «مجمع البحار» لا ينفون الشفاعة في
~~فصل القضاء وإنما ينكرون الشفاعة لأهل الكبائر والكفار في النجاة من
~~النار.

# هذا واختلف المفسرون في جواب الشرط الأول فقيل محذوف تقديره فمن تدعون،
~~وقيل: وعليه أبو البقاء تقديره دعوتم الله تعالى، وقيل: إنه مذكور وهو {
~~أرأيتكم } وقيل: ونسب للرضي هو الجملة المتضمنة للاستفهام بعده وهو
~~كالمتعين على بعض الأقوال، ورده الدماميني بأن الجملة كذلك لا تقع جوابا
~~للشرط بدون فاء. وبحث في ذلك الشهاب في «حواشيه على شرح الكافية» للرضي.
~~وقال أبو حيان وتبعه غير واحد: الذي أذهب إليه أن يكون الجواب محذوفا
~~لدلالة

# أرأيتكم

# [الأنعام: 40] عليه تقديره إن أتاكم عذاب الله تعالى فأخبروني عنه
~~أتدعون غير الله تعالى لكشفه كما تقول: أخبرني عن زيد إن جاءك ما تصنع به
~~فإن التقدير إن جاءك فأخبرني فحذف الجواب لدلالة أخبرني عليه. ونظير ذلك
~~أنت ظالم إن فعلت انتهى فافهم ولا تغفل.

# وقوله تعالى: { وتنسون ما تشركون } عطف على { تدعون }
~~والنسيان مجاز عن الترك كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أي
~~تتركون ما تشركون به تعالى من الأصنام تركا كليا، وقيل: يحتمل أن يكون
~~على حقيقته فإنهم لشدة الهول ينسون ذلك حقيقة، ولا يخطر لهم ببال ولا
~~يلزم حينئذ أن ينسى الله تعالى لأن المعتاد في الشدائد أن يلهج بذكره
~~تعالى وينسى ما سواه سبحانه. وقدم الكشف مع تأخره عن النسيان كتأخره عن
~~الدعاء لإظهار كمال العناية بشأنه والإيذان بترتبه على الدعاء خاصة.

### || [6.42]

# { ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك } كلام مستأنف سيق
~~لبيان أن من المشركين من لا يدعو الله تعالى عند إتيان العذاب لتماديه في
~~الغي والضلال ولا يتأثر بالزواجر التكوينية كما لا يتأثر بالزواجر
~~التنزيلية، وقيل: مسوق لتسليته صلى الله عليه وسلم، وتصدير الجملة بالقسم
~~لإظهار مزيد الاهتمام بمضمونها، والمفعول محذوف لأن مقتضى المقام بيان
~~حال المرسل إليهم لا حال المرسلين؛ وتنوين { أمم } للتكثير، و { من
~~} ابتدائية أو بمعنى في أو زائدة بناء على جواز زيادتها في ms02763 الإثبات وضعف
~~أي تالله لقد أرسلنا رسلا إلى أمم كثيرة كائنة من زمان أو في زمان قبل
~~زمانك { فأخذنهم } أي فكذبوا فعاقبناهم { بالبأساء
~~والضراء } / أي البؤس والضر. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جبير أنه قال:
~~خوف السلطان وغلاء السعر. وقيل: البأساء القحط والجوع والضراء المرض
~~ونقصان الأنفس والأموال وهما صيغتا تأنيث لا مذكر لهما على أفعل كأحمر
~~حمراء كما هو القياس فإنه لم يقل أضر وأبأس صفة بل للتفضيل { لعلهم
~~يتضرعون } أي لكي يتذللوا فيدعوا ويتوبوا من كفرهم.

### || [6.43]

# { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا } أي فلم يتضرعوا
~~حينئذ مع وجود المقتضي وانتفاء المانع الذي يعذرون به، ولولا عند الهروي
~~تكون نافية حقيقة وجعل من ذلك قوله تعالى:

# فلولا كانت قرية ءامنت فنفعها إيمانها إلا
~~قوم يونس

# [يونس: 98] والجمهور حملوه على التوبيخ والتنديم وهو يفيد الترك وعدم
~~الوقوع ولذا ظهر الاستدراك والعطف في قوله تعالى: { ولكن قست
~~قلوبهم } وليست لولا هنا تحضيضية كما توهم لأنها تختص بالمضارع،
~~واختار بعضهم ما ذهب إليه الهروي. ولما كان التضرع ناشئا من لين القلب
~~كان نفيه نفيه فكأنه قيل: فما لانت قلوبهم ولكن قست، وقيل: كان الظاهر أن
~~يقال: لكن يجب عليهم التضرع إلا أنه عدل إلى ما ذكر لأن قساوة القلب التي
~~هي المانع يشعر بأن عليهم ما ذكر. ومعنى { قست } الخ استمرت على ما هي
~~عليه من القساوة أو ازدادت قساوة.

# { وزين لهم الشيطن ما كانوا يعملون } من الكفر
~~والمعاصي فلم يخطروا ببالهم أن ما اعتراهم من البأساء والضراء ما اعتراهم
~~إلا لأجله. والتزيين له معان، أحدها: إيجاد الشيء حسنا مزينا في نفس
~~الأمر كقوله تعالى:

# زينا السماء الدنيا

# [الصافات: 6] والثاني: جعله مزينا من غير إيجاد كتزيين الماشطة العروس.
~~والثالث: جعله محبوبا للنفس مشتهى وإن لم يكن في نفسه كذلك وهذا إما
~~بمعنى خلق الميل في النفس والطبع وإما بمعنى تزويقه وترويجه بالقول وما
~~يشبهه كالوسوسة والإغواء، وعلى هذا يبنى أمر إسناده فإنه جاء في النظم
~~الكريم تارة مسندا إلى الشيطان كما في ms02764 هذه الآية وتارة إليه سبحانه كما
~~في قوله سبحانه

# وكذلك زينا لكل أمة عملهم

# [الأنعام: 108] وتارة إلى البشر كقوله عز وجل:

# زين لكثير من المشركين قتل أولدهم
~~شركاؤهم

# [الأنعام: 137] فإن كان بالمعنى الأول فإسناده إلى الله تعالى حقيقة،
~~وكذا إذا كان بالمعنى الثالث بناء على المراد منه أولا، وإن كان
~~بالمعنى الثاني أو الثالث بناء على المراد منه ثانيا فإسناده إلى
~~الشيطان أو البشر حقيقة، ولا يمكن إسناد ما يكون بالإغواء والوسوسة إليه
~~سبحانه كذلك. وجاء أيضا غير مذكور الفاعل كقوله سبحانه:

# زين للمسرفين

# [يونس: 12] وحينئذ يقدر في كل مكان ما يليق به، وقد مر لك ما يتعلق
~~بهذا البحث فتذكر.

### || [6.44]

# { فلما نسوا ما ذكروا به } أي تركوا ما دعاهم الرسل عليهم
~~الصلاة والسلام إليه وردوه عليهم ولم يتعظوا به كما روي عن ابن جريج،
~~وقيل: المراد أنهم انهمكوا في معاصيهم ولم يتعظوا بما نالهم من البأساء
~~والضراء فلما لم يتعظوا { فتحنا عليهم أبواب كل شىء }
~~من النعم الكثيرة كالرخاء وسعة الرزق مكرا بهم واستدراجا لهم. فقد روى
~~أحمد والطبراني والبيهقي في «شعب الإيمان» من حديث عقبة بن عامر مرفوعا

# " إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد في الدنيا وهو مقيم على معاصيه فإنما
~~هو استدراج ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { فلما نسوا }
~~الآية وما بعدها "

# وروي عن الحسن أنه لما سمع الآية قال: مكر بالقوم ورب الكعبة أعطوا
~~حاجتهم ثم أخذوا وقيل: المراد فتحنا عليهم ذلك إلزاما للحجة وإزاحة
~~للعلة، والظاهر أن { فتحنا } جواب (لما) / لأن فيها سواء قيل
~~بحرفيتها أو اسميتها معنى الشرط. واستشكل ذلك بأنه لا يظهر وجه سببية
~~النسيان لفتح أبواب الخير. وأجيب بأن النسيان سبب للاستدراج المتوقف على
~~فتح أبواب الخير، وسببية شيء لآخر تستلزم سببيته لما يتوقف عليه أو يقال:
~~إن الجواب ما ذكر باعتبار ماله ومحصله وهو ألزمناهم الحجة ونحوه وتسببه
~~عنه ظاهر، وقيل: إنه مسبب عنه باعتبار غايته وهو أخذهم بغتة. وقرأ أبو
~~جعفر وابن عامر { فتحنا } بالتشديد للتكثير. ms02765

# { حتى إذا فرحوا } فرح بطر { بما أوتوا } من النعم ولم
~~يقوموا بحق المنعم جل شأنه { أخذنهم } عاقبناهم وأنزلنا بهم
~~العذاب { بغتة } أي فجأة ليكون أشد عليهم وأفظع هولا، وهي نصب على
~~الحالية من الفاعل أو المفعول أي مباغتين أو مبغوتين أو على المصدرية أي
~~بغتناهم بغتة { فإذا هم مبلسون } أي آيسون من النجاة والرحمة
~~كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقال البلخي: أذلة خاضعون،
~~وعن السدي الإبلاس تغير الوجه ومنه سمي إبليس لأن الله تعالى نكس وجهه
~~وغيره، وعن مجاهد هو بمعنى الاكتئاب. وفي «الحواشي الشهابية» للإبلاس
~~ثلاثة معان في اللغة: الحزن والحسرة واليأس وهي معان متقاربة. وقال
~~الراغب: هو الحزن المعترض من شدة اليأس، ولما كان المبلس كثيرا ما يلزم
~~السكوت وينسى ما يعنيه قيل: أبلس فلان إذا سكت وإذا انقطعت حجته، و(إذا)
~~هي الفجائية وهي ظرف مكان كما نص عليه أبو البقاء. وعن جماعة أنها ظرف
~~زمان، ومذهب الكوفيين أنها حرف؛ وعلى القولين الأولين الناصب لها خبر
~~المبتدأ أي أبلسوا في مكان إقامتهم أو في زمانها.

### || [6.45]

# { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } أي آخرهم كما قال
~~غير واحد، وهو من دبره إذا تبعه فكأنه في دبره أي خلفه، ومنه «إن من
~~الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبرا» أي في آخر الوقت. وقال الأصمعي:
~~الدابر الأصل؛ ومنه قطع الله دابره أي أصله. وأيا ما كان فالمراد أنهم
~~استؤصلوا بالعذاب ولم يبق منهم أحد. ووضع الظاهر موضع الضمير للإشعار
~~بعلة الحكم. { والحمد لله رب العلمين } على ما جرى
~~عليهم من النكال والإهلاك فإن إهلاك الكفار والعصاة من حيث إنه تخليص
~~لأهل الأرض من شؤم عقائدهم الفاسدة وأعمالهم الخبيثة نعمة جليلة يحق أن
~~يحمد عليها فهذا منه تعالى تعليم للعباد أن يحمدوه على مثل ذلك. واختار
~~الطبرسي أنه حمد منه عز اسمه لنفسه على ذلك الفعل.

### || [6.46]

# { قل } يا محمد على سبيل التبكيت والإلزام أيضا { أرأيتم إن
~~أخذ الله سمعكم وأبصركم } أي أصمكم وأعماكم فأخذهما
~~مجاز عما ms02766 ذكر لأنه لازم له، والاستدلال بالآية على بقاء العرض زمانين محل
~~نظر. { وختم على قلوبكم } بأن غطى عليها بما لا يبقى لكم معه
~~عقل وفهم أصلا. وقيل: يجوز أن يكون الختم عطفا تفسيريا للأخذ فإن
~~البصر والسمع طريقان للقلب منهما يرد ما يرده من المدركات فأخذهما سد
~~لبابه بالكلية وهو السر في تقديم أخذهما على الختم عليها. واعترض بأن من
~~المدركات ما لا يتوقف على السمع والبصر، ولهذا قال غير واحد بوجوب
~~الإيمان بالله تعالى على من ولد أعمى أصم وبلغ سن التكليف، وقيل: في
~~التقديم إنه من باب تقديم ما يتعلق بالظاهر على ما يتعلق بالباطن. ووجه
~~تقديم السمع وإفراده قد تقدمت الإشارة إليه.

# { من إله غير الله يأتيكم به } أي بذلك على أن
~~الضمير مستعار لاسم الإشارة المفرد لأنه الذي / كثر في الاستعمال التعبير
~~به عن أشياء عدة وأما الضمير المفرد فقد قيل فيه ذلك. ونقل عن الزجاج أن
~~الضمير راجع إلى المأخوذ والمختوم عليه في ضمن ما مر أي المسلوب منكم أو
~~راجع إلى السمع وما بعده داخل معه في القصد ولا يخفى بعده. وجوز أن يكون
~~راجعا إلى أحد هذه المذكورات. و { من } مبتدأ و { إله } خبره و
~~{ غير } صفة للخبر و { يأتيكم } صفة أخرى، والجملة  كما قال غير
~~واحد  متعلق الرؤية ومناط الاستخبار أي أخبروني إن سلب الله تعالى
~~مشاعركم من إله غيره سبحانه يأتيكم بها وترك كاف الخطاب هنا قيل: لأن
~~التخويف فيه أخف مما تقدم ومما يأتي. وقيل: اكتفاء بالسابق واللاحق لتوسط
~~هذه الخطاب بينهما، وقيل: لما كان هذا العذاب مما لا يبقى القوم معه
~~أهلا للخطاب حذفت كافه إيماء لذلك ورعاية لمناسبة خفية.

# { انظر كيف نصرف الآيت } أي نكررها على أنحاء مختلفة،
~~ومنه تصريف الرياح. والمراد من الآيات  على ما روي عن الكلبي  الآيات
~~القرآنية وهل هي على الإطلاق أو ما ذكر من أول السورة إلى هنا؟ أو ما ذكر
~~قبل هذا؟ أقوال أقربها عندي الأقرب وفيها الدال على وجود الصانع وتوحيده ms02767
~~وما فيه الترغيب والترهيب والتنبيه والتذكير. وهذا تعجيب لرسول الله صلى
~~الله عليه وسلم، وقيل: لمن يصلح للخطاب من عدم تأثرهم بما مر من الآيات
~~الباهرات. { ثم هم يصدفون } أي يعرضون عن ذلك: وعن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما أنشد لهذا المعنى قول أبي سفيان بن الحرث:

# عجبت لحكم الله فينا وقد بدا

# له صدفنا عن كل حق منزل

# وذكر بعضهم أنه يقال: صدف عن الشيء صدوفا إذا مال عنه. وأصله من الصدف
~~الجانب والناحية ومثله الصدفة وتطلق على كل بناء مرتفع. وجاء في الخبر
~~أنه صلى الله عليه وسلم مر بصدف مائل فأسرع. والجملة عطف على { نصرف
~~} داخل معه في حكمه وهو العمدة في التعجيب. و { ثم } للاستبعاد أي
~~أنهم بعد ذلك التصريف الموجب للإقبال والإيمان يدبرون ويكفرون.

### || [6.47]

# { قل أرأيتكم } تبكيت آخر لهم بالجائهم إلى الاعتراف باختصاص
~~العذاب بهم { إن أتكم عذاب الله } أي العاجل الخاص بكم كما
~~أتى أضرابكم من الأمم قبلكم { بغتة } أي فجأة من غير ظهور أمارة
~~وشعور ولتضمنها بهذا الاعتبار ما في الخفية من عدم الشعور صح مقابلتها
~~بقوله سبحانه: { أو جهرة } وبدأ بها لأنها أردع من الجهرة. وإنما
~~لم يقل: خفية لأن الإخفاء لا يناسب شأنه تعالى. وزعم بعضهم أن البغتة
~~استعارة للخفية بقرينة مقابلتها بالجهرة وإنها مكنية من غير تخييلية. ولا
~~يخفى أنه على ما فيه تعسف لا حاجة إليه فإن المقابلة بين الشيء والقريب
~~من مقابله كثيرة في الفصيح. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:

# " بشروا ولا تنفروا ".

# وعن الحسن أن البغتة أن يأتيهم ليلا والجهرة أن يأتيهم نهارا. وقرىء {
~~بغتة أو جهرة } بفتح الغين والهاء على أنهما مصدران كالغلبة أي
~~اتيانا بغتة أو اتيانا جهرة. وفي «المحتسب» لابن جني أن مذهب أصحابنا في
~~كل حرف حلق ساكن بعد فتح لا يحرك إلا على أنه لغة فيه كالنهر والنهر
~~والشعر والشعر / والحلب والحلب والطرد والطرد. ومذهب الكوفيين أنه يجوز
~~تحريك الثاني لكونه حرفا حلقيا قياسا مطردا كالبحر والبحر، وما أرى ms02768
~~الحق إلا معهم. وكذا سمعت من عامه عقيل. وسمعت الشجري يقول: محموم بفتح
~~الحاء، وليس في كلام العرب مفعول بفتح الفاء. وقالوا: اللحم يريد اللحم.
~~وسمعته يقول تغدو بمعنى تغدوا. وليس في كلامهم مفعل بفتح الفاء وقالوا:
~~سار نحوه بفتح الحاء ولو كانت الحركة أصلية ما صحت اللام أصلا اه. وهي
~~ كما قال الشهاب  فائدة ينبغي حفظها. وقرىء { بغتة أو جهرة }
~~بالواو الواصلة.

# { هل يهلك إلا القوم الظلمون } أي إلا أنتم ووضع
~~الظاهر موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالظلم وإيذانا بأن مناط إهلاكهم
~~ظلمهم ووضعهم الكفر موضع الإيمان والإعراض موضع الإقبال وهذا  كما قال
~~الجماعة  متعلق الاستخبار والاستفهام للتقرير أي قل تقريرا لهم باختصاص
~~الهلاك بهم أخبروني إن أتاكم عذابه جل شأنه حسبما تستحقونه هل يهلك بذلك
~~العذاب إلا أنتم أي هل يهلك غيركم ممن لا يستحقه، وقيل: المراد بالقوم
~~الظالمين الجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا. واعترض بأنه يأباه تخصيص
~~الإتيان بهم. وقيل: الاستفهام بمعنى النفي لأن الاستثناء مفرغ والأصل فيه
~~النفي، ومتعلق الاستخبار حينئذ محذوف كأنه قيل: أخبروني إن أتاكم عذابه
~~عز وجل بغتة أو جهرة ماذا يكون الحال. ثم قيل: بيانا لذلك ما يهلك إلا
~~القوم الظالمون أي ما يهلك بذلك العذاب الخاص بكم ألا أنتم. وقيد
~~الطبرسي وغيره الهلاك بهلاك التعذيب والسخط توجيها للحصر إذ قد يهلك غير
~~الظالم لكن ذلك رحمة منه تعالى به ليجزيه الجزاء الأوفى على ابتلائه،
~~ولعله اشتغال بما لا يعني. وقرىء { يهلك } بفتح الياء.

### || [6.48]

# { وما نرسل المرسلين } إلى الأمم { إلا مبشرين } من
~~أطاع منهم بالثواب { ومنذرين } من عصى منهم بالعذاب، واقتصر بعضهم
~~على الجنة والنار لأنهما أعظم ما يبشر به وينذر به، والمتعاطفان منصوبان
~~على أنهما حالان مقدرتان مفيدتان للتعليل. وصيغة المضارع للإيذان بأن ذلك
~~أمر مستمر جرت عليه العادة الإلهية، والآية مرتبطة بقوله سبحانه:

# وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه

# [الأنعام: 37] أي ما نرسل المرسلين إلا لأجل أن يبشروا قومهم بالثواب
~~على الطاعة وينذروهم بالعذاب على المعصية ولم نرسلهم ms02769 ليقترح عليهم ويسخر
~~بهم { فمن ءامن } بما يجب الإيمان به { وأصلح } ما يجب إصلاحه
~~والإتيان به على وفق الشريعة. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها و
~~(من) موصولة ولشبه الموصول بالشرط دخلت الفاء في قوله سبحانه: { فلا
~~خوف عليهم } من العذاب الذي أنذر الرسل به { ولا هم
~~يحزنون } لفوات الثواب الذي بشروا به، وقد تقدم الكلام في هذه الآية
~~غير مرة. وجمع الضمائر الثلاثة الراجعة إلى (من) باعتبار معناها كما أن
~~إفراد الضميرين السابقين باعتبار لفظها.

### || [6.49]

# { والذين كذبوا بئايتنا } أي التي بلغتها الرسل عليهم
~~الصلاة والسلام عند التبشير والإنذار، وقيل: المراد بها نبينا صلى الله
~~عليه وسلم ومعجزاته؛ والأول هو الظاهر، والموصول مبتدأ وقوله تعالى: {
~~يمسهم العذاب } خبره والجملة عطف على

# فمن آمن

# [الأنعام: 48] الخ. والمراد بالعذاب العذاب الذي أنذروه عاجلا أو آجلا
~~أو حقيقة العذاب وجنسه المنتظم لذلك انتظاما أوليا؛ وفي جعله ماسا
~~إيذان بتنزيله منزلة الحي الفاعل لما يريد ففيه استعارة مكنية على ما
~~قيل. وجوز الطيبي أن يكون في المس استعارة تبعية من غير استعارة في
~~العذاب. والظاهر أن ما ذكر مبني على أن / المس من خواص الأحياء. وفي
~~«البحر» أنه يشعر بالاختيار، ومنع ذلك بعضهم، وادعى عصام الملة أنه أشير
~~بالمس إلى أن العذاب لا يأخذهم بحيث يعدمهم حتى يتخلصوا بالهلاك وله وجه.

# { بما كانوا يفسقون } أي بسبب فسقهم. نعم أخرج ابن جرير عن
~~ابن زيد أن كل فسق في القرآن معناه الكذب، ولعله في حيز المنع وخروجهم
~~المستمر عن حظيرة الإيمان والطاعة، وقد يقال: الفاسق لمن خرج عن التزام
~~بعض الأحكام لكنه غير مناسب ههنا.

### || [6.50]

# { قل } أيها الرسول البشير النذير للكفرة الذين يقترحون عليك ما
~~يقترحون: { لا أقول لكم عندى خزائن الله } أي مقدوراته
~~جمع خزينة أو خزانة وهي في الأصل ما يحفظ فيه الأشياء النفيسة تجوز فيها
~~عما ذكر، وعلى ذلك الجبائي وغيره، ولم يقل: لا أقدر على ما يقدر عليه
~~الله قيل: لأنه أبلغ لدلالته على أنه لقوة قدرته كأن ms02770 مقدوراته مخزونة
~~حاضرة عنده. وقيل: إن الخزائن مجاز عن المرزوقات من إطلاق المحل على
~~الحال أو اللازم على الملزوم؛ وقيل: الكلام على حذف مضاف أي خزائن رزق
~~الله تعالى أو مقدوراته، والمعنى لا أدعي أن هاتيك الخزائن مفوضة إلي
~~أتصرف فيها كيفما أشاء استقلالا أو استدعاء حتى تقترحوا علي تنزيل
~~الآيات أو إنزال العذاب أو قلب الجبال ذهبا أو غير ذلك مما لا يليق
~~بشأني.

# { ولا أعلم الغيب } عطف على محل { عندى خزائن الله }
~~فهو مقول { أقول } أيضا، ونظر فيه الحلبي من حيث إنه يؤدي إلى أن
~~يصير التقدير ولا أقول لكم لا أعلم الغيب وليس بصحيح. وأجيب بأن التقدير
~~ولا أقول لكم أعلم الغيب بإضمار القول بين { لا } و { أعلم } لا بين
~~الواو و { لا } ، وقيل: (لا) في { لا أعلم } مزيدة مؤكدة للنفي. وقال
~~أبو حيان: «الظاهر أنه عطف على { لا أقول } لا معمول له فهو أمر أن
~~يخبر عن نفسه بهذه الجمل [الثلاث] فهي معمولة للأمر الذي هو { قل } »،
~~وتعقب بأنه لا فائدة في الإخبار بأني لا أعلم الغيب وإنما الفائدة في
~~الإخبار بأني لا أقول ذلك ليكون نفيا لا دعاء الأمرين اللذين هما من خواص
~~الإلهية ليكون المعنى إني لا أدعي الإلهية.

# { ولا أقول لكم إنى ملك } ولا أدعي الملكية، ويكون تكرير {
~~لا أقول } إشارة إلى هذا المعنى. وقال بعض المحققين: إن مفهومي {
~~عندى خزائن الله } و { إنى ملك } لما كان حالهما معلوما
~~عند الناس لم يكن حاجة إلى نفيهما وإنما الحاجة إلى نفي ادعائهما تبريا
~~عن دعوى الباطل، ومفهوم { أنى لا أعلم الغيب } لما لم يكن
~~معلوما احتيج هنا إلى نفيه فدعوى أنه لا فائدة في الإخبار بذلك منظور
~~فيها. والذي اختاره مولانا شيخ الإسلام القول الأول وأن المعنى «ولا أدعي
~~أيضا أني أعلم الغيب من أفعاله عز وجل حتى تسألوني عن وقت الساعة أو وقت
~~إنزال العذاب أو نحوهما».

# وخص ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الغيب بعاقبة ما يصيرون إليه أي لا
~~أدعي ذلك ms02771 ولا أدعي أيضا الملكية حتى تكلفوني من الأفاعيل الخارقة
~~للعادات ما لا يطيقه البشر من الرقي في السماء ونحوه أو تعدوا عدم اتصافي
~~بصفاتهم قادحا في أمري كما ينبىء عنه قولهم:

# مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في
~~الأسواق

# [الفرقان: 7] وليس في الآية على هذا دليل على تفضيل الملائكة على
~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما هو محل النزاع كما زعم الجبائي لأنها
~~إنما وردت ردا على الكفار في قولهم { مال هذا الرسول } الخ
~~وتكليفهم له عليهم الصلاة والسلام بنحو الرقي في السماء. ونحن لا ندعي
~~تميز الأنبياء على الملائكة عليهم الصلاة والسلام في عدم الأكل مثلا
~~والقدرة على الأفاعيل الخارقة كالرقي ونحوه ولا مساواتهم لهم في ذلك بل
~~كون الملائكة متميزين عليهم عليهم الصلاة / والسلام في ذلك مما أجمع عليه
~~الموافق والمخالف ولا يوجب ذلك اتفاقا على أن الملائكة أفضل منهم
~~بالمعنى المتنازع فيه وإلا لكان كثير من الحيوانات أفضل من الإنسان ولا
~~يدعي ذلك إلا جماد.

# وهذا الجواب أظهر مما نقل عن القاضي زكريا من أن هذا القول منه صلى الله
~~عليه وسلم من باب التواضع وإظهار العبودية نظير قوله عليه الصلاة
~~والسلام:

# " لا تفضلوني على ابن متى "

# في رأي بل هو ليس بشيء كما لا يخفى. وقيل: إن الأفضلية مبنية على زعم
~~المخاطبين وهو من ضيق العطن، وقيل: حيث كان معنى الآية لا أدعي الألوهية
~~ولا الملكية لا يكون فيها ترق من الأدنى إلى الأعلى بل هي حينئذ ظاهرة في
~~التدلي، وبذلك تهدم قاعدة استدلال الزمخشري في قوله تعالى:

# لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا
~~الملائكة المقربون

# [النساء: 172] على تفضيل الملك على البشر إذ لا يتصور الترقي من
~~الألوهية إلى ما هو أعلا منها إذ لا أعلا ليترقى إليه. وتعقب بأنه لا هدم
~~لها مع إعادة { لا أقول } الذي جعله أمرا مستقلا كالإضراب إذ المعنى
~~لا أدعي الألوهية بل ولا الملكية، ولذا كرر { لا أقول }.

# وقال بعضهم في التفرقة بين المقامين: إن مقام نفي الاستنكاف ينبغي ms02772 فيه
~~أن يكون المتأخر أعلا لئلا يلغو ذكره، ومقام نفي الادعاء بالعكس فإن من
~~لا يتجاسر على دعوى الملكية أولى أن لا يتجاسر على دعوى الألوهية الأشد
~~استبعادا، نعم في كون المراد من الأول نفي دعوى الألوهية والتبري منها
~~نظر وإلا لقيل لا أقول لكن إني إله كما قيل { ولا أقول لكم إنى
~~ملك } وأيضا في الكناية عن الألوهية بعندي خزائن الله ما لا يخفى من
~~البشاعة، وإضافة الخزائن إليه تعالى منافية لها. ودفع المنافاة بأن دعوى
~~الألوهية ليس دعوى أن يكون هو الله تعالى بل أن يكون شريكا له عز اسمه
~~في الألوهية فيه نظر لأن إضافة الخزائن إليه تعالى اختصاصية فتنافي
~~الشركة اللهم إلا أن يكون خزائن مثل خزائن أو تنسب إليه وهو كما ترى.

# ومن هنا قال شيخ الإسلام: إن جعل ذلك تبريا عن دعوى الألوهية مما لا
~~وجه له قطعا.

# { إن أتبع إلا ما يوحى إلى } أي ما أفعل إلا اتباع ما
~~يوحى إلي من غير أن يكون لي مدخل ما في الوحي أو في الموحي بطريق
~~الاستدعاء أو بوجه آخر من الوجوه أصلا. وحاصله إني عبد يمتثل أمر مولاه
~~ويتبع ما أوحاه ولا أدعي شيئا من تلك الأشياء حتى تقترحوا علي ما هو من
~~آثارها وأحكامها وتجعلوا عدم إجابتي إلى ذلك دليلا على عدم صحة ما أدعيه
~~من الرسالة. ولا يخفى أن هذا أبلغ من إني نبي أو رسول ولذا عدل إليه. ولا
~~دلالة فيه لنفاة القياس ولا لمانعي جواز اجتهاده عليه الصلاة والسلام كما
~~لا يخفى. وذهب البعض إلى أن المقصود من هذا الرد على الكفرة كأنه قيل: إن
~~هذه دعوى وليست مما يستبعد إنما المستبعد ادعاء البشر الألوهية أو
~~الملكية ولست أدعيهما. وقد علمت آنفا ما في دعوى أن المقصود مما تقدم
~~نفي ادعاء الألوهية والملكية.

# { قل هل يستوى الأعمى والبصير } أي الضال والمهتدي على
~~الإطلاق كما قال غير واحد. والإستفهام إنكاري، والمراد إنكار استواء من
~~لا يعلم ما ذكر من الحقائق ومن ms02773 يعلمها مع الإشعار بكمال ظهورها والتنفير
~~عن الضلال والترغيب في الاهتداء، وتكرير الأمر (لتثبيت) التبكيت وتأكيد
~~الإلزام.

# { أفلا تتفكرون } عطف على مقدر يقتضيه المقام أي ألا تسمعون
~~هذا الكلام الحق فلا تتفكرون فيه أو أتسمعونه فلا تتفكرون. والاستفهام
~~(للتقرير) والتوبيخ. والكلام داخل تحت الأمر. ومناط التوبيخ عدم الأمرين
~~على الأول / وعدم التفكر مع تحقق ما يوجبه على الثاني. وذكر بعضهم أن في
~~{ الأعمى والبصير } ثلاث احتمالات إما أن يكونا مثالا للضال
~~والمهتدي أو مثالا للجاهل والعالم أو مثالا لمدعي المستحيل كالألوهية
~~والملكية ومدعى المستقيم كالنبوة. وإن المعنى لا يستوي هذان الصنفان أفلا
~~تتفكرون في ذلك فتهتدوا أي فتميزوا بين ادعاء الحق والباطل أو فتعلموا أن
~~اتباع الوحي مما لا محيص عنه. والجملة تذييل لما مضى إما من أول السورة
~~إلى هنا أو لقوله سبحانه: { إن أتبع } الخ أو لقوله عز شأنه { لا
~~أقول }. ورجح في «الكشف» الأول ثم الثاني. ولا يخفى بعد هذا الترجيح.
~~واعترض القول بإحالة الملكية بأنها من الممكنات لأن الجواهر متماثلة
~~والمعاني القائمة ببعضها يجوز أن تقوم بكلها. وأجيب بعد تسليم ما فيه أن
~~البشر حال كونه بشرا محال أن يكون ملكا لتمايزهما بالعوارض المتنافية 
~~بلا خلاف وإقدام آدم عليه الصلاة والسلام بعد سماع

# ما نهكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن
~~تكونا ملكين أو تكونا من الخلدين

# [الأعراف: 20] على الأكل ليس طمعا في الملكية حال البشرية على أنه يجوز
~~أن يقال: إنه لم يطمع في الملكية أصلا وإنما طمع في الخلود فأكل.

### || [6.51]

# { وأنذر } أي عظ وخوف يا محمد { به } أي بما يوحى أو بالقرآن كما
~~روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والزجاج، وقيل: أي بالله تعالى
~~وروي ذلك عن الضحاك. وهذا أمر منه سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه
~~وسلم بعد ما حكى سبحانه وتعالى له أن من الكفرة من لا يتعظ ولا يتأثر قد
~~التحق بالأموات وانتظم في سلك الجمادات فما ينجع فيه دواء الإنذار ولا
~~يفيده العظة والتذكار إذ ينذر من ms02774 يتوقع في الجملة منهم الانتفاع ويرجى
~~منهم القبول والسماع وهو المشار إليهم بقوله سبحانه: { الذين
~~يخافون أن يحشروا إلى ربهم } فالمراد من الموصول
~~«المجوزون للحشر على الوجه الآتي سواء كانوا جازمين بأصله كأهل الكتاب
~~وبعض المشركين المعترفين بالبعث المترددين في شفاعة آبائهم الأنبياء
~~كالأولين أو في شفاعة الأصنام كالآخرين أو المترددين فيهما معا كبعض
~~الكفرة الذين يعلم من حالهم أنهم إذا سمعوا بحديثه يخافون أن يكون حقا،
~~وأما المنكرون للحشر رأسا والقائلون به القاطعون بشفاعة آبائهم أو
~~بشفاعة الأصنام فهم خارجون ممن أمر بإنذارهم» كذا قال شيخ الإسلام.

# وروي عن ابن عباس والحسن رضي الله تعالى عنهم أن المراد بالموصول
~~المؤمنون وارتضاه غير واحد إلا أنهم قيدوا بالمفرطين لأنه المناسب
~~للإنذار ورجاء التقوى. وتعقبه الشيخ بأنه مما لا يساعده السباق ولا
~~السياق بل فيه ما يقضي بعدم صحته وبينه بما سيذكر قريبا إن شاء الله
~~تعالى، وقيل: المراد المؤمنون والكافرون وعلله الإمام الرازي «بأنه لا
~~عاقل إلا وهو يخاف الحشر سواء قطع بحصوله أو كان شاكا فيه لأنه بالاتفاق
~~غير معلوم البطلان بالضرورة فكان هذا الخوف قائما في حق الكل وبأنه عليه
~~الصلاة والسلام كان مبعوثا إلى الكل فكان مأمورا بالتبليغ إليه» ولا
~~يخفى ما فيه، والمفعول الثاني للإنذار إما العذاب الأخروي المدلول عليه
~~بما في حيز الصلة، وإما مطلق العذاب الذي ورد به الوعيد. والتعرض لعنوان
~~الربوبية بتحقيق المخافة إما باعتبار أن التربية المفهومة منها مقتضية
~~خلاف ما خافوا لأجل الحشر، وإما باعتبار أنها منبئة عن المالكية المطلقة
~~والتصرف الكلي كما قيل. والمراد من الحشر إليه سبحانه الحشر إلى المكان
~~الذي جعله عز وجل محلا لاجتماعهم وللقضاء عليهم فلا تصلح الآية دليلا
~~للمجسمة.

# /وقوله سبحانه: { ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع } في
~~حيز النصب على الحالية من ضمير { يحشروا } والعامل فيه فعله. ونقل
~~الإمام عن الزجاج أنه حال من ضمير { يخافون } والأول أولى. «و { من
~~دونه } متعلق بمحذوف وقع حالا من اسم (ليس) لأنه في الأصل صفة له ms02775
~~فلما قدم عليه انتصب على الحالية، والحال الأولى لإخراج الحشر الذي لم
~~يقيد بها عن حيز الخوف وتحقيق أن ما نيط به الخوف [هو الحشر على] تلك
~~الحالة لا الحشر كيفما كان ضرورة أن المعترفين به الجازمين بنصرة غيره
~~تعالى بمنزلة المنكرين له في عدم الخوف الذي يدور عليه أمر الإنذار
~~والحال الثانية لتحقيق مدار خوفهم وهو فقدان ما علقوا به رجاءهم وذلك
~~إنما هو [ولاية] غيره سبحانه كما في قوله جل شأنه:

# ومن لا يجب داعى الله فليس بمعجز فى الأرض
~~وليس له من دونه أولياء

# [الأحقاف: 32] وليست لإخراج الولي الذي لم يقيد بها عن حيز الانتفاء
~~لاستلزامه ثبوت ولايته تعالى لهم كما في قوله سبحانه:

# وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير

# [البقرة: 107] وذلك فاسد. والمعنى أنذر به الذين يخافون حشرهم غير
~~منصورين من جهة أنصارهم بزعمهم قاله شيخ الإسلام، ثم قال: ومن هذا اتضح
~~أن لا سبيل إلى كون المراد بالخائفين المفرطين من المؤمنين إذ ليس لهم
~~ولي ولا شفيع سواه عز وجل ليخافوا الحشر بدون نصرته وإنما الذي يخافونه
~~الحشر بدون نصرته سبحانه» انتهى. وهو تحقيق لم أره لغيره ويصغر لديه ما
~~في «التفسير الكبير»، ولعل ما روي عن ابن عباس والحسن رضي الله تعالى
~~عنهم لم يثبت عنهما فتدبر.

# { لعلهم يتقون } أي لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر
~~والمعاصي كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو على هذا تعليل
~~للأمر بالإنذار، وجوز أن يكون حالا عن ضمير الأمر أي أنذرهم راجيا
~~تقواهم أو من الموصول أي أنذرهم مرجوا منهم التقوى.

### || [6.52]

# { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة
~~والعشى } لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإنذار المذكورين لعلهم
~~ينتظمون في سلك المتقين نهي عليه الصلاة والسلام عن كون ذلك بحيث يؤدي
~~إلى طردهم؛ ويفهم من بعض الروايات أن الآيتين نزلتا معا ولا يفهم ذلك من
~~البعض الآخر، فقد أخرج أحمد والطبراني وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله
~~تعالى عنه ms02776 قال: «مر الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده
~~صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين فقالوا: يا محمد رضيت
~~بهؤلاء من قومك أهؤلاء من الله تعالى عليهم من بيننا أنحن نكون تبعا
~~لهؤلاء اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك فأنزل الله تعالى فيهم
~~القرآن { وأنذر به الذين } [الأنعام: 51] إلى قوله سبحانه:

# والله أعلم بالظلمين

# [الأنعام: 58].

# وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والبيهقي في «الدلائل». وغيرهم عن خباب رضي
~~الله تعالى عنه قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري
~~فوجدا النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا مع بلال وصهيب. وعمار وخباب في
~~أناس ضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فخلوا به فقالوا:
~~نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب له فضلنا فإن وفود العرب
~~تأتيك فنستحي أن ترانا قعودا مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا
~~فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال: نعم قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك
~~كتابا فدعا بالصحيفة ودعا عليا كرم الله تعالى وجهه ليكتب ونحن قعود في
~~ناحية إذ نزل جبريل بهذه الآية { ولا تطرد الذين } الخ ثم
~~دعانا فأتيناه وهو يقول:

# سلم عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة

# [الأنعام: 54] فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله
~~تعالى

# واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم

# [الكهف: 28] الخ / فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد
~~فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم.

# وأخرج ابن المنذر وغيره عن عكرمة قال: مشى عتبة وشيبة ابنا ربيعة وقرظة
~~بن عمرو بن نوفل والحرث بن عامر بن نوفل ومطعم بن عدي في أشراف الكفار من
~~عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا: لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد
~~والحلفاء كان أعظم له في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتباعنا إياه
~~وتصديقه فذكر ذلك أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر بن الخطاب
~~رضي الله تعالى ms02777 عنه: لو فعلت يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون بقولهم وما
~~يصيرون إليه من أمرهم فأنزل الله سبحانه { وأنذر به } [الأنعام:
~~51] إلى قوله سبحانه

# أليس الله بأعلم بالشكرين

# [الأنعام: 53] وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالم مولى أبي حذيفة
~~وصبيحا مولى أسيد، والحلفاء ابن مسعود والمقداد بن عمرو وواقد بن عبد
~~الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو ومرثد بن أبي مرثد وأشباههم. ونزل في
~~أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء

# وكذلك فتنا بعضهم ببعض

# [الأنعام: 53] الآية فلما نزلت أقبل عمر رضي الله تعالى عنه فاعتذر من
~~مقالته فأنزل الله تعالى:

# وإذا جاءك الذين يؤمنون بئايتنا

# [الأنعام: 54] الآية.

# والغداة أصله غدوة قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وأصل
~~العشي عشوي قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء وفاء بالقاعدة، والظاهر
~~أنه مفرد كالعشية وجمعه عشايا وعشيات، وقيل: هو جمع عشية وفيه بعد، ومعنى
~~الأول لغة البكرة أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، ومعنى الثاني آخر
~~النهار، والمراد بهما ههنا الدوام كما يقال فعله مساء وصباحا إذا داوم
~~عليه. والمراد بالدعاء حقيقته أو الصلاة أو الذكر أو قراءة القرآن أقوال.

# وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد أنهما عبارة عن صلاتي الصبح
~~والعصر لأن الزمان كثيرا ما يذكر ويراد به ما يقع فيه كما يقال صلى
~~الصبح والمراد صلاته وقد يعكس فيراد بالصلاة زمانها نحو قربت الصلاة أي
~~وقتها، وقد يراد بها مكانها كما قيل في قوله تعالى:

# لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى

# [النساء: 43] أن المراد بالصلاة المساجد، وخصا بالذكر لشرفهما. والأقوال
~~في الدعاء جارية على هذا القول خلا الثاني، وقرأ ابن عامر هنا وفي الكهف
~~[82] (الغدوة) بالواو وهي قراءة الحسن ومالك بن دينار وأبي رجاء العطاردي
~~وغيرهم، وزعم أبو عبيد أن من قرأ بالواو فقد أخطأ لأن غدوة علم جنس لا
~~تدخله الألف واللام، ومنشأ خطئه أنه اتبع رسم الخط لأن الغداة تكتب
~~بالواو كالصلاة والزكاة وقد أخطأ في هذه التخطئة لأن غدوة وإن كان
~~المعروف فيها ما ms02778 ذكره لكن قد سمع مجيؤها اسم جنس أيضا منكرا مصروفا
~~فتدخلها أل حينئذ، وقد نقل ذلك سيبويه عن الخليل، وتصديره بالزعم لا يدل
~~على ضعفه كما يشير إليه كلام الإمام النووي في «شرح مسلم» وذكره جم غفير
~~من أهل اللغة.

# وذكر المبرد أيضا عن العرب تنكير غدوة وصرفها وإدخال اللام عليها إذا
~~لم يرد بها غدوة يوم بعينه والمثبت مقدم على النافي ومن حفظ حجة على من
~~لم يحفظ، وكفى بوروده في القراءة المتواترة حجة فلا حاجة  كما قيل  إلى
~~التزام أنها علم لكنها نكرت فدخلتها أل لأن تنكير العلم وإدخال أل عليه
~~أقل قليل في كلامهم بل إن تنكير علم الجنس لم يعهد ولا إلى التزام أنها
~~معرفة ودخلتها اللام لمشاكلة العشي كما دخلت على يزيد لمشاكلة الوليد في
~~قوله:

# رأيت الوليد بن اليزيد مباركا

# شديدا بأعباء الخلافة كاهله

# لأن هذا النوع من المشاكلة وهو المشاكلة الحقيقية قليل أيضا، والكثير
~~في المشاكلة المجاز ولا دلالة في / الآية على أنه صلى الله عليه وسلم وقع
~~منه الطرد ليخدش وجه العصمة، والذي تحكيه الآثار أنه عليه الصلاة والسلام
~~هم أن يجعل لأولئك الداعين المتقين وقتا خاصا ولأشراف قريش وقتا آخر
~~ليتآلفوا فيقودهم إلى الإيمان؛ وأولئك رضي الله تعالى عنهم يعلمون ما قصد
~~صلى الله عليه وسلم فلا يحصل لهم إهانة وانكسار قلب منه عليه الصلاة
~~والسلام.

# { يريدون وجهه } في موضع الحال من ضمير { يدعون }. وفي
~~المراد بالوجه عند المؤولين خلاف فقيل  وهو المشهور  إنه الذات أي
~~مريدين ذاته تعالى، ومعنى إرادة الذات على ما قيل الإخلاص لها بناء على
~~استحالة كون الله تعالى مرادا لذاته سبحانه وتعالى لأن الإرادة صفة لا
~~تتعلق إلا بالممكنات لأنها تقتضي ترجيح أحد طرفي المراد على الآخر وذلك
~~لا يعقل إلا فيها أي يدعون ربهم مخلصين له سبحانه فيه، وقيد بذلك لتأكيد
~~عليته للنهي فإن الإخلاص من أقوى موجبات الإكرام المضاد للطرد، وقيل:
~~المراد به الجهة والطريق، والمعنى مريدين الطريق الذي أمرهم جل شأنه
~~بإرادته وهو ms02779 الذي يقتضيه كلام الزجاج، وقيل: «إنه كناية عن المحبة وطلب
~~الرضا لأن من أحب ذاتا أحب أن يرى وجهه فرؤية الوجه من لوازم المحبة
~~فلهذا [السبب] جعل [الوجه] كناية عنها قاله الإمام وهو كما ترى  وجوز
~~أيضا أن يكون ذكر الوجه للتعظيم كما يقال: هذا وجه الرأي وهذا وجه
~~الدليل، والمعنى يريدونه».

# { ما عليك من حسابهم من شىء } ضمير الجمع للموصول السابق
~~كما روي عن عطاء وغالب المفسرين. وجوز في (ما) أن تكون تميمية وحجازية
~~وفي { شىء } أن يكون فاعل الظرف المعتمد على النفي و { من
~~حسابهم } وصف له قدم فصار حالا، وأن يكون في موضع رفع بالابتداء
~~والظرف المتقدم متعلق بمحذوف وقع خبرا مقدما له و { من } زائدة
~~للاستغراق، وكلام الزمخشري يشير إلى اختياره. والجملة اعتراض وسط بين
~~النهي وجوابه تقريرا له ودفعا لما عسى أن يتوهم كونه مسوغا لطرد
~~المتقين من أقاويل الطاعنين في دينهم كدأب قوم نوح عليه السلام حيث
~~قالوا:

# ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى
~~الرأى

# [هود: 27]، والمعنى ما عليك شيء ما من حساب إيمانهم وأعمالهم الباطنة
~~كما يقوله المشركون حتى تتصدى له وتبني على ذلك ما تراه من الأحكام وإنما
~~وظيفتك حسبما هو شأن منصب الرسالة النظر إلى ظواهر الأمور وإجراء الأحكام
~~على موجبها وتفويض البواطن وحسابها إلى اللطيف الخبير، وظواهر هؤلاء دعاء
~~ربهم بالغداة والعشي وروي عن ابن زيد أن المعنى ما عليك شيء من حساب
~~رزقهم أي من فقرهم، والمراد لا يضرك فقرهم شيئا ليصح لك الإقدام على ما
~~أراده المشركون منك فيهم.

# { وما من حسابك عليهم من شىء } عطف على ما قبله، وجيء
~~به مع أن الجواب قد تم بذلك مبالغة في بيان كون انتفاء حسابهم عليه عليه
~~الصلاة والسلام بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلا وهو انتفاء كون حسابه
~~صلى الله عليه وسلم عليهم فهو على طريقة قوله سبحانه:

# فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا
~~يستقدمون

# [الأعراف: 34، والنحل: 61] في رأي. وقال الزمخشري: «إن الجملتين في ms02780 معنى
~~جملة واحدة تؤدي مؤدى

# ولا تزر وازرة وزر أخرى

# [فاطر: 18] كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه، وحينئذ لا بد من
~~الجملتين»، وتعقب بأنه غير حقيق بجلالة التنزيل. وتقديم خطابه صلى الله
~~عليه وسلم في الموضعين  قيل  للتشريف له عليه أشرف الصلاة وأفضل السلام
~~وإلا كان الظاهر وما عليهم من حسابك من شيء بتقديم على ومجرورها كما في
~~الأول، وقيل: إن تقديم عليك في الجملة الأولى للقصد إلى إيراد النفي على
~~اختصاص حسابهم به صلى الله عليه وسلم إذ هو الداعي إلى تصديه عليه الصلاة
~~والسلام لحسابهم/. وذهب بعض المفسرين إلى أن ضمير الجمع للمشركين وروي
~~ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والمعنى إنك لا تؤاخذ بحسابهم حتى
~~يهمك إيمانهم ويدعوك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين، والضمير في قوله
~~سبحانه: { فتطردهم } للمؤمنين على كل حال، والفعل منصوب على أنه
~~جواب النفي، والمراد انتفاء الطرد لا انتفاء كون حسابهم عليه عليه الصلاة
~~والسلام ضرورة انتفاء المسبب لانتفاء سببه كأنه قيل: ما يكون منك ذلك
~~فكيف يقع منك طرد وهو أحد معنيين في مثل هذا التركيب يمتنع ثانيهما هنا.

# وقوله تعالى: { فتكون من الظلمين } جواب النهي، وجوز
~~الإمام والزمخشري أن يكون عطفا على { فتطردهم } على وجه التسبب
~~لأن الكون ظالما معلول طردهم وسبب له. واعترض بأن الاشتراك في النصب
~~بالعطف يقتضي الاشتراك في سبب النصب وهو توقف الثاني على الأول بحيث يلزم
~~من انتفاء الأول انتفاؤه والكون من الظالمين منتف سواء لوحظ ابتداء أو
~~بعد ترتبه على الطرد وجعله مترتبا على الطرد بلا اعتبار كونه مترتبا
~~على المنفي ومنتفيا بانتفائه يفوت وجود سببية العطف. وأجيب بأن الظلم
~~بالطرد يتوقف انتفاؤه على انتفاء الطرد كما لا يتوقف وجوده على وجوده
~~وانتفاء الطرد متوقف على انتفاء كون حسابهم عليه عليه الصلاة والسلام
~~فانتفاء الظلم بالطرد يتوقف على ذلك أيضا فيلزم من الانتفاء الانتفاء
~~ويتحقق الاشتراك في سبب النصب وهو ظاهر وإنكاره مكابرة. واعترض أيضا بأن
~~العطف مؤذن بأن ms02781 عدم الظلم لعدم تفويض الحساب إليه صلى الله عليه وسلم
~~فيفهم منه أنه لو كان حسابهم عليه صلى الله عليه وسلم وطردهم لكان ظلما
~~وليس كذلك لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه.

# وأجيب بأنه على حد «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه». وفي
~~«الكشف» في بيان مراد صاحب «الكشاف» أنه أراد أن الطرد سبب للظلم فقيل:
~~ما عليك من حسابهم لتطردهم فتظلم به ويفهم منه أنه لو كان عليه حسابهم لم
~~يكن طرده إياهم ظلما وذلك لأن الطرد جعل سببا للظلم على تقدير أن لا
~~يملك حسابهم وعليه لا حاجة إلى جعله على حد  نعم العبد  الخ بل هو خروج
~~عن الحد، وجوز بعضهم أن يكون الأول جوابا للنهي كما جاز أن يكون جوابا
~~للنفي، ونقل عن «الدر المصون» وقال: الكلام عليه بحسب الظاهر ولا تطردهم
~~فتطردهم وهو كما ترى. وجعل بعضهم اجتماع ذينك النفيين السابقين على هذا
~~الجواب من قبيل التنازع خلا أنه لا يمكن كون الجواب للثاني بوجه أصلا إذ
~~يلزم المعنى حينئذ أنه لو كان عليهم شيء من حسابه عليه الصلاة والسلام
~~كان طرده إياهم حسنا وهو خلف لا يجوز حمل القرآن عليه وليس في هذا خروج
~~عن مختار البصريين لإعمال الثاني لأن شرطه عندهم أن يكون المعنى مستقيما
~~فيهما فإن لم يستقم أعمل الأول اتفاقا كما في قوله:

# ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة

# كفاني ولم أطلب قليل من المال

# وأنت إذا علمت أن الجملة الثانية لماذا أتى بها علمت ما في هذا الكلام
~~فافهم؛ وأيا ما كان فالمراد فتكون من الظالمين لأنفسهم أو لأولئك
~~المؤمنين أو فتكون ممن اتصف بصفة الظلم.

### || [6.53]

# { وكذلك فتنا } أي ابتلينا واختبرنا { بعضهم ببعض }
~~والمراد عاملناهم معاملة المختبر و(ذلك) إشارة إلى الفتن المذكور في
~~النظم الكريم، وعبر / عنه بذلك إيذانا بتفخيمه كقولك: ضربت ذلك الضرب.
~~والكاف مقحمة بمعنى أن التشبيه غير مقصود منها بل المقصود لازمه الكنائي
~~أو المجازي وهو التحقق والتقرر وهو إقحام مطرد وليست ms02782 زائدة كما توهم.
~~والمعنى مثل ذلك الفتن العظيم البديع فتنا بعض الناس ببعضهم حيث قدمنا
~~الآخرين في أمر الدين على الأولين المتقدمين عليهم في أمر الدنيا، ويؤول
~~إلى أن هذا الأمر العظيم متحقق منا. ومن ظن أن التشبيه هو المقصود لم
~~يجوز أن يكون ذلك إشارة إلى المذكور لما يلزمه من تشبيه الشيء بنفسه.
~~وتكلف لوجه التشبيه والمغايرة بجعل المشبه به الأمر المقرر في العقول
~~والمشبه ما دل عليه الكلام من الأمر الخارجي، وقيل: المراد مثل ما فتنا
~~الكفار بحسب غناهم وفقر المؤمنين حتى أهانوهم لاختلافهم في الأسباب
~~الدنيوية فتناهم بحسب سبق المؤمنين إلى الإيمان وتخلفهم عنه حتى حسدوهم
~~وقالوا ما قالوا لاختلاف أديانهم، ولا يخفى أن الأول أدق نظرا وأعلى
~~كعبا وقد سلف بعض الكلام على ذلك.

# { ليقولوا } أي البعض الأولون مشيرين إلى الآخرين محقرين لهم {
~~أهؤلاء من الله عليهم } بأن وفقهم لإصابة الحق والفوز بما
~~يسعدهم عنده سبحانه { من بيننا } أي من دوننا ونحن المقدمون
~~والرؤساء وهم العبيد والفقراء وغرضهم بذلك إنكار المن رأسا على حد
~~قولهم:

# لو كان خيرا ما سبقونا إليه

# [الأحقاف: 11] لا تحقير الممنون عليهم مع الاعتراف بوقوعه بطريق
~~الاعتراض عليه سبحانه، وذكر الإمام «أنه سبحانه وتعالى بين في هذه الآية
~~أن كلا من الفريقين المؤمنين والكفار مبتلى بصاحبه فأولئك الكفار
~~الرؤساء الأغنياء كانوا يحسدون فقراء الصحابة رضي الله تعالى عنهم على
~~كونهم سابقين في الإسلام متسارعين إلى قبوله فقالوا: لو دخلنا في الإسلام
~~لوجب علينا أن ننقاد لهؤلاء الفقراء وكان ذلك يشق عليهم. ونظيره قوله
~~تعالى:

# أألقي الذكر عليه من بيننا

# [القمر: 25]. و { لو كان خيرا ما سبقونا إليه } وأما
~~فقراء الصحابة فكانوا يرون أولئك الكفار في الراحة والمسرة والخصب والسعة
~~فكانوا يقولون: كيف حصلت هذه الأحوال لهؤلاء الكفار مع أنا [بقينا] في
~~الشدة والضيق والقلة... وأما المحققون المحقون فهم الذين يعلمون أن كل ما
~~فعله الله تعالى فهو حق وصدق وحكمة وصواب ولا اعتراض عليه إما بحكم
~~المالكية كما نقول أو بحسب المصلحة ms02783 كما يقول المعتزلة» انتهى. وفيه نظر
~~لأن صدر كلامه صريح في أن الكفار معترفون بوقوع المن للمشار إليهم حاسدون
~~لهم على وقوعه وهو مناف لتنظيره بقولهم: { لو كان خيرا }  الخ.

# وأيضا كلامه كالصريح في أن فقراء المؤمنين حسدوا الكفار على دنياهم
~~واعترضوا على الله سبحانه بالترفيه على أعدائه والتضييق على أحبائه وذلك
~~مما يجل عنه أدنى المؤمنين فكيف أولئك الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي
~~يريدون وجهه، وأيضا مقابلة فقراء الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالمحققين
~~المحقين يدل على أنهم وحاشاهم لم يكونوا كذلك وهو بديهي البطلان عند
~~المحققين المحقين فتدبر.

# واللام ظاهرة في التعليل وهي متعلقة بفتنا وما بعدها علة له. والسلف 
~~كما قال شيخنا إبراهيم الكوراني وقاضي القضاة تقي الدين محمد التنوخي
~~وغيرهما  على إثبات العلة لأفعاله تعالى استدلالا بنحو عشرة آلاف دليل
~~على ذلك. واحتج النافون لذلك بوجوه ردها الثاني في «المحتبر»، وذكر الأول
~~في «مسلك السداد» ما يعلم منه ردها، وهذا بحث قد فرغ منه وطوي بساطه،
~~وقال غير واحد: هي لام العاقبة، ونقل عن «شرح المقاصد» ما يأتي ذلك وهو
~~أن لام العاقبة إنما تكون فيما لا يكون للفاعل شعور بالترتب وقت الفعل أو
~~قبله فيفعل / لغرض ولا يحصل له ذلك بل ضده فيجعل كأنه فعل الفعل لذلك
~~الغرض الفاسد تنبيها على خطئه ولا يتصور هذا في كلام علام الغيوب بالنظر
~~إلى أفعاله وإن وقع فيه بالنظر إلى فعل غيره سبحانه كقوله عز وجل:

# فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا

# [القصص: 8] إذ ترتب فوائد أفعاله تعالى عليها مبنية على العلم التام،
~~نعم إن ابن هشام وكثيرا من النحاة لم يعتبروا هذا القيد، وقالوا: إنها
~~لام تدل على الصيرورة والمآل مطلقا فيجوز أن تقع في كلامه تعالى حينئذ
~~على وجه لا فساد فيه، ومن الناس من قال: إنها للتعليل مقابلا به احتمال
~~العاقبة على أن { فتنا } متضمن معنى خذلنا أو على أن الفتن مراد به
~~الخذلان من إطلاق المسبب على السبب.

# واعترض بأن التعليل هنا ليس ms02784 بمعناه الحقيقي بناء على أن أفعاله تعالى
~~منزهة عن العلل فيكون مجازا عن مجرد الترتب وهو في الحقيقة معنى لام
~~العاقبة فلا وجه للمقابلة. وأجيب بأنهما مختلفان بالاعتبار فإن اعتبر
~~تشبيه الترتب بالتعليل كانت لام تعليل وإن لم يعتبر كانت لام عاقبة.
~~واعترض بأن العاقبة أيضا استعارة فلا يتم هذا الفرق إلا على القول بأنه
~~معنى حقيقي وعلى خلافه يحتاج إلى فرق آخر، وقد يقال في الفرق إن في
~~التعليل المقابل للعاقبة سببية واقتضاء وفي العاقبة مجرد ترتب وإفضاء وفي
~~التعليل الحقيقي يعتبر البعث على الفعل وهذا هو مراد من قال: إن أفعال
~~الله تعالى لا تعلل، وحينئذ يصح أن يقال: إن اللام على تقدير تضمين {
~~فتنا } معنى خذلنا أو أن الفتن مراد به الخذلان للتعليل مجازا لأن
~~هناك تسببا واقتضاء فقط من دون بعث، وعلى تقدير عدم القول بالتضمين
~~وإبقاء اللفظ على المتبادر منه هي لام العاقبة وهو تعليل مجازي أيضا لكن
~~ليس فيه إلا التأدي فإن ابتلاء بعضهم ببعض مؤد للحسد وهو مؤد إلى القول
~~المذكور وليس هناك تسبب ولا بعث أصلا.

# والحاصل أن كلا من العاقبة والتعليل المقابل لها مجاز عن التعليل
~~الحقيقي إلا أن التعليل المقابل أقرب إليه من العاقبة ومنشأ الأقربية هو
~~الفارق، والبحث بعد محتاج إلى تأمل وإذا فتح لك فاشكر الله سبحانه.

# { أليس الله بأعلم بالشكرين } رد لقولهم ذلك وإشارة
~~إلى أن مدار استحقاق ذلك الإنعام معرفة شأن النعمة والاعتراف بحق المنعم.
~~والاستفهام للتقرير بعلمه البالغ بذلك، والباء الأولى سيف خطيب والثانية
~~متعلقة بأعلم ويكفي أفعل العمل في مثله وفي «الدر المصون» العلم يتعدى
~~بالباء لتضمنه معنى الإحاطة وهو كثير في كلام الناس نحو علم بكذا وله علم
~~به، والمعنى أليس الله تعالى عالما على أتم وجه محيطا علمه بالشاكرين
~~لنعمه حتى يستبعدوا إنعامه عز وجل عليهم. وفيه من الإشارة إلى أن أولئك
~~الضعفاء عارفون بحق نعم الله تعالى عليهم من التوفيق للإيمان والسبق إليه
~~وغير ذلك شاكرون عليه مع التعريض بأن القائلين ms02785 في مهامه الضلال بمعزل عن
~~ذلك كله ما لا يخفى.

### || [6.54]

# { وإذا جاءك الذين يؤمنون بئايتنا } هم كما روي
~~عن عكرمة الذين نهى صلى الله عليه وسلم عن طردهم. والمراد بالآيات
~~القرآنية أو الحجج مطلقا، وجوز في الباء أن تكون صلة الإيمان وأن تكون
~~سببية أي يؤمنون بكل ما يجب الإيمان به سبب نزول الآيات أو النظر فيها
~~والاستدلال بها وفي وصف أولئك الكرام بالإيمان بعد وصفهم بما وصفهم
~~سبحانه به تنبيه على حيازتهم لفضيلتي العلم والعمل، وتأخير هذا الوصف مع
~~أنه كالمنشأ للوصف السابق لما أن مدار الوعد بالرحمة هو الإيمان كما أن
~~مناط النهي عن الطرد فيما سبق هو المداومة على العبادة، وتقدم في رواية
~~ابن المنذر عن عكرمة ما يشير إلى أنها نزلت في عمر رضي / الله تعالى عنه،
~~وروي ذلك أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وأمر صيغة الجمع على
~~هذا ظاهر. وأخرج عبد بن حميد ومسدد في «مسنده» وابن جرير وآخرون عن ماهان
~~قال: أتى قوم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا أصبنا ذنوبا عظاما
~~فما رد عليه الصلاة والسلام عليهم شيئا فانصرفوا فأنزل الله تعالى الآية
~~فدعاهم صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم. وروي عن أنس مثل ذلك، وقيل: لم
~~تنزل في قوم بأعيانهم بل هي محمولة على إطلاقها واختاره الإمام. والمشهور
~~الأول وسياق الآية يرجح ما روي عن ماهان.

# { فقل سلم عليكم } أمر منه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم
~~أن يبدأهم بالسلام في محل لا ابتداء به فيه إكراما لهم بخصوصهم كما روى
~~عن عكرمة واختاره الجبائي، وقيل: أمره سبحانه أن يبلغهم تحيته عز شأنه
~~وروي ذلك عن الحسن وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن المعنى اقبل
~~عذرهم واعترافهم وبشرهم بالسلامة مما اعتذروا منه. وعليه لا يكون السلام
~~بمعنى التحية. وهو أيضا مبني على سبب النزول عنده رضي الله تعالى عنه،
~~واختار بعضهم أنه بهذا المعنى أيضا على تقدير أن يراد بالموصول ما روي
~~عن عكرمة فيكون ms02786 الكلام أمرا له عليه الصلاة والسلام أن يبشرهم بالسلام
~~من كل مكروه بعد إنذار مقابليهم.

# وقوله تعالى: { كتب ربكم على نفسه الرحمة } أي
~~أوجبها على ذاته المقدسة تفضلا وإحسانا بالذات لا بتوسط شيء [ما] أصلا
~~وفيه احتمال آخر تقدم تبشير لهم بسعة رحمة الله تعالى. ولم يعطف على جملة
~~السلام مع أنه محكي بالقول أيضا قيل لأنها دعائية إنشائية، وقيل: إشارة
~~إلى استقلال كل من مضموني الجملتين وهما السلامة من المكاره ونيل المطالب
~~بالبشارة. وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم إظهار اللطف
~~بهم وإشعار بعلة الحكم. وتمام الكلام في الآية قد مر عن قريب.

# وقوله تعالى: { أنه من عمل منكم سوءا } بفتح الهمزة كما
~~قرأ بذلك نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بدل من { الرحمة } كما قال أبو علي
~~الفارسي وغيره. وقيل: إنه مفعول { كتب } و { الرحمة } مفعول له، وقيل:
~~إنه على تقدير اللام، وجوز أبو البقاء أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي عليه
~~سبحانه أنه الخ ودل على ذلك ما قبله. وقرأ الباقون { إنه } بالكسر على
~~الاستئناف النحوي أو البياني كأنه قيل: وما هذه الرحمة؟ والضمير للشأن. و
~~(من) موصولة أو شرطية وموضعها مبتدأ و { منكم } في موضع الحال من ضمير
~~الفاعل. وقوله سبحانه: { بجهالة } حال أيضا على الأظهر أي من عمل
~~ذنبا وهو جاهل أي فاعل فعل الجهلة لأن من عمل ما يؤدي إلى الضرر في
~~العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو من أهل الجهل والسفه لا من أهل الحكمة
~~والتدبير أو جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرة. وعن الحسن كل من عمل
~~معصية فهو جاهل { ثم تاب } عن ذلك { من بعده } أي العمل أو
~~السوء { وأصلح } أي في توبته بأن أتى بشروطها من التدارك والعزم على
~~عدم العود أبدا.

# { فأنه غفور رحيم } أي فشأنه سبحانه وأمره مبالغ في المغفرة
~~والرحمة له. فأن وما بعدها خبر مبتدأ محذوف، والجملة خبر { من } أو
~~جواب الشرط، والخبر حينئذ على الخلاف، وقدر بعضهم فله أنه الخ أو فعليه ms02787
~~أنه الخ، وحينئذ يجوز الرفع على الابتداء والرفع على الفاعلية، وقيل: إن
~~المنسبك في موضع نصب بفعل محذوف أي فليعلم أنه الخ، وقيل: إن هذا تكرير
~~لما تقدم لبعد العهد وقيل: بدل منه، قال أبو البقاء: وكلاهما ضعيف لوجهين
~~/ الأول: أن البدل لا يصحبه حرف معنى إلا أن يجعل الفاء زائدة وهو ضعيف،
~~والثاني: أن ذلك يؤدي إلى أن لا يبقى لمن خبر ولا جواب على تقدير
~~شرطيتها، والتزام الحذف بعيد، وفتح الهمزة هنا قراءة من فتح هناك سوى
~~نافع فإنه كباقي القراء قرأ بالكسر. وأجاز الزجاج كسر الأولى وفتح
~~الثانية، وهي قراءة الأعرج والزهري وأبي عمرو الداني، ولم يطلع  على ما
~~قيل  أبو شامة عليه الرحمة على ذلك فقال: إنه محتمل إعرابي وإن لم يقرأ
~~به، وليس كما قال.

# ومن الناس من قال: إن هذه الآية تقوي مذهب المعتزلة حيث ذكر سبحانه في
~~بيان سعة رحمته أن عمل السوء إذا قارن الجهل والتوبة والإصلاح فإنه يغفر،
~~ولذا قيل: إنها نزلت في عمر رضي الله تعالى عنه حيث قال لرسول الله صلى
~~الله عليه وسلم: لو أجبتهم لما قالوا لعل الله تعالى يأتي بهم ولم يكن
~~يعلم المضرة ثم إنه تاب وأصلح حتى أنه بكى وقال معتذرا: ما أردت إلا
~~خيرا.

# وأورد عليه أنه من المقرر أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فنزولها
~~في حق عمر رضي الله تعالى عنه لا يدفع الإشكال. وتعقب بأن مراد المجيب أن
~~اللفظ ليس عاما وخطاب { منكم } لمن كان في تلك المشاورة والعامل لذلك
~~منهم عمر رضي الله تعالى عنه فلا إشكال. وأنت تعلم أن بناء الجواب على
~~هذه الرواية ليس من المتانة بمكان إذ للخصم أن يقول: لا نسلم تلك
~~الرواية. فلعل الأولى في الجواب أن ما ذكر في الآية إنما هو المغفرة
~~الواجبة حسب وجوب الرحمة في صدر الآية. ولا يلزم من تقييد ذلك بما تقدم
~~تقييد مطلق المغفرة به. فحينئذ يمكن أن يقال: إنه تعالى قد يغفر لمن لم
~~يتب ms02788 مثلا إلا أنه سبحانه لم يكتب ذلك على نفسه جل شأنه فافهم فإنه دقيق.

### || [6.55]

# { وكذلك نفصل } أي دائما { الآيت } أي القرآنية في صفة أهل
~~الطاعة وأهل الإجرام المصرين منهم والأوابين. والتشبيه هنا مثله فيما
~~تقدم آنفا { ولتستبين سبيل المجرمين } بتأنيث الفعل
~~بناء على تأنيث الفاعل وهي قراءة ابن كثير وابن عامر وأبي عمرو ويعقوب
~~وحفص عن عاصم، وهو عطف على علة محذوفة للفعل المذكور لم يقصد تعليله بها
~~بخصوصها، وإنما قصد الإشعار بأن له فوائد جمة من جملتها ما ذكر أو علة
~~لفعل مقدر وهو عبارة عن المذكور كما يشير إليه أبو البقاء فيكون مستأنفا
~~أي ولتتبين سبيلهم نفعل ما نفعل من التفصيل. وقرأ نافع بالتاء ونصب
~~السبيل على أن الفعل متعد أي ولتستوضح أنت يا محمد سبيل المجرمين
~~فتعاملهم بما يليق بهم. وقرأ الباقون بالياء التحتية ورفع السبيل على أن
~~الفعل مسند للمذكر. وتأنيث السبيل وتذكيره لغتان مشهورتان.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات:

# إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم
~~الله ثم إليه يرجعون

# [الأنعام: 36] قال ابن عطاء: أخبر سبحانه بهذه الآية أن أهل السماع هم
~~الأحياء وهم أهل الخطاب والجواب. وأخبر أن الآخرين هم الأموات. وقال
~~غيره: المعنى أنه لا يستجيب إلا من فتح الله سبحانه سمع قلبه بالهداية
~~الأصلية ووهب له الحياة الحقيقية بصفاء الاستعداد ونور الفطرة لا موتى
~~الجهل الذين ماتت غرائزهم بالجهل المركب أو بالحجب الجبلية أو لم يكن لهم
~~استعداد بحسب الفطرة فإنهم قد صموا عن السماع ولا يمكنهم ذلك بل يبعثهم
~~الله تعالى إليه بالنشأة الثانية ثم يرجعون إليه سبحانه في عين الجمع
~~المطلق للجزاء والمكافاة مع احتجابهم، وقيل: الآية إشارة إلى أهل الصحو
~~وأهل المحو { وما من دابة فى الأرض ولا طائر يطير
~~بجناحيه إلا أمم أمثلكم } حيث / فطروا على التوحيد
~~وجبلوا على المعرفة ولهم مشارب من بحر خطاب الله تعالى وأفنان من أشجار
~~رياض كلماته سبحانه وحنين إليه عز وجل وتغريد باسمه عز اسمه. قيل: إن
~~سمنون المحب كان إذا ms02789 تكلم في المحبة يسقط الطير من الهواء. وروي في بعض
~~الآثار أن الضب بعد أن تكلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد
~~برسالته أنشأ يقول:

# ألا يا رسول الله إنك صادق

# فبوركت مهديا وبوركت هاديا

# وبوركت في الآزال حيا وميتا

# وبوركت مولودا وبوركت ناشيا

# وإن فيهم أيضا المحتجبين ومرتكبي الرذائل وغير ذلك. وقد تقدم الكلام
~~في هذا المبحث مفصلا { ما فرطنا فى الكتب } أي كتاب
~~أعمالهم

# من شىء ثم إلى ربهم يحشرون

# [الأنعام: 38] في عين الجمع { والذين كذبوا } لاحتجابهم
~~بغواشي صفات نفوسهم { بئايتنا } وهي تجليات الصفات { صم } فلا
~~يسمعون بآذان القلوب { وبكم }  فلا ينطقون بألسنة العقول { فى
~~الظلمت } وهي ظلمات الطبيعة وغياهب الجهل { من يشإ الله
~~يضلله } بإسبال حجب جلاله

# ومن يشأ يجعله على صرط مستقيم

# [الأنعام: 39] بإشراق سبحات جماله { قل أرأيتكم إن أتكم
~~عذاب الله } من المرض وسائر أنواع الشدائد { أو أتتكم
~~الساعة } الصغرى أو الكبرى { أغير الله تدعون } لكشف ما
~~ينالكم

# إن كنتم صدقين

# [الأنعام: 40]

# بل إيه تدعون

# [الأنعام: 41] لكشف ذلك. قال بعض العارفين مرجع الخواص إلى الحق جل شأنه
~~من أول البداية ومرجع العوام إليه سبحانه بعد اليأس من الخلق وكان هذا في
~~وقت هذا العارف. وأما في وقتنا فنرى العامة إذا ضاق بهم الخناق تركوا
~~دعاء الملك الخلاق ودعوا سكان الثرى ومن لا يسمع ولا يرى.

# ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذنهم
~~بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون

# [الأنعام: 42] أي ليطيعوا ويبرزوا من الحجاب وينقادوا متضرعين عند تجلي
~~صفة القهر

# ولكن قست قلوبهم

# [الأنعام: 43] أي ما تضرعوا لقساوة قلوبهم بكثافة الحجاب وغلبة غشي
~~الهوى وحب الدنيا وأصل كل ذلك سوء الاستعداد { قل أرأيتم إن
~~أخذ الله سمعكم } فلم تسمعوا خطابه { وأبصركم } فلم
~~تشاهدوا عجائب قدرته وأسرار صنعته { وختم على قلوبكم } فلم
~~يدخلها شيء من معرفته سبحانه

# من إله غير الله يأتيكم به

# [الأنعام: 46] أي هل يقدر أحد سواه جلت قدرته على فتح باب من هذه
~~الأبواب كلا بل هو القادر الفعال لما يريد { قل لا ms02790 أقول لكم
~~عندى } أي من حيث أنا { خزائن الله } أي مقدوراته { ولا
~~أعلم } أي من حيث أنا أيضا { الغيب ولا أقول لكم إنى
~~ملك } أي روح مجرد لا أحتاج إلى طعام ولا شراب { إن أتبع } أي
~~من تلك الحيثية

# إلا ما يوحى إلى

# [الأنعام: 50] من الله تعالى. وله صلى الله عليه وسلم مقام

# وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى

# [الأنفال: 17]. و

# إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد
~~الله فوق أيديهم

# [الفتح: 10] وليس لطير العقل طيران في ذلك الجو { قل هل يستوى
~~الأعمى } عن نور الله تعالى وإحاطته بكل ذرة من العرش إلى الثرى
~~وظهوره بما شاء حسب الحكمة وعدم تقيده سبحانه بشيء من المظاهر

# والبصير

# [الأنعام: 50] بذلك فيتكلم في كل مقام بمقال { ولا تطرد } أي لأجل
~~التربية والتهذيب والامتحان { الذين يدعون ربهم } الذي
~~أوصلهم حيث أوصلهم من معارج الكمال { بالغداة } أي وقت تجلي الجمال
~~{ والعشى } أي وقت تجلي العظمة والجلال { يريدون وجهه } أي
~~يريدونه سبحانه بذاته وصفاته ويطلبون تجليه عز وجل لقلوبهم { ما
~~عليك من حسابهم } أي حساب أعمالهم القلبية { من شىء } لأن
~~الله تعالى قد تولى حفظ قلوبهم وأمطر عليها سحائب عنايته فاهتزت وربت
~~وأنبتت من كل زوج بهيج، وقوله تعالى: { وما من حسابك عليهم
~~من شىء } عطف / على سابقه أتى به للمبالغة على ما مر في العبارة.

# ويحتمل أن يراد لا تطرد السالكين لأجل المحجوبين فما عليك من حساب
~~السالكين أو المحجوبين شيء ومعنى ذلك يعرف بأدنى التفات { فتطردهم
~~} عن الجلوس معك

# فتكون من الظلمين

# [الأنعام: 52] لهم بنقص حقوقهم وعدم القيام برعاية شأنهم. ومن المؤولين
~~من قال: إن الآية في أهل الوحدة أي لا تزجر الواصلين الكاملين ولا تنذرهم
~~فإن الإنذار كما لا ينجع في الذين قست قلوبهم لا ينجع في الذين طاشوا
~~وتلاشوا في الله تعالى وهم الذين يخصونه سبحانه بالعبادة دائما بحضور
~~القلب وعدم مشاهدة شيء سواه حتى ذواتهم { ما عليك من حسابهم }
~~فيما يعملون { من شىء } إذ لا واسطة بينهم وبين ربهم { وما ms02791 من
~~حسابك عليهم من شىء } أي لا يخوضون في أمور دعوتك بنصر
~~وإعانة لاشتغالهم به سبحانه عمن سواه ودوام حضورهم معه { فتطردهم
~~} عما هم عليه من دوام الحضور بدعوتك لهم لشغل ديني { فتكون من
~~الظلمين } لتشويشك عليهم أوقاتهم، والله تعالى أعلم بحقيقة كلامه
~~{ وكذلك فتنا بعضهم } أي الناس وهم المحجوبون { ببعض }
~~وهم العارفون { ليقولوا } أي المحجوبون مشيرين إلى العارفين مستحقرين
~~لهم حيث لم يروا منهم سوى حالهم في الظاهر وفقرهم ولم يروا قدرهم
~~ومرتبتهم وحسن حالهم في الباطن وغرهم ما هم فيه من المال والجاه والتنعم
~~وخفض العيش { أهؤلاء من الله عليهم } بالهداية والمعرفة {
~~من بيننا } أرادوا أنه سبحانه لم يمن عليهم

# أليس الله بأعلم بالشكرين

# [الأنعام: 53] أي الذين يشكرونه حق شكره فيمن عليهم بعظيم جوده {
~~وإذا جاءك الذين يؤمنون بئايتنا } أي بواسطتها {
~~فقل } لهم أنت أيها الوسيلة:

# سلم عليكم

# [الأنعام: 54] وهذا لأنهم في مقام الوسائط ولو بلغوا إلى درجة أهل
~~المشاهدة لمنحهم سبحانه بسلامه كما قال عز شأنه

# سلام قولا من رب رحيم

# [يس: 58] وباقي الآية ظاهر. وقال الإمام الرازي: «إن قوله سبحانه: {
~~وإذا جاءك } الخ مشتمل على أسرار عالية وذلك لأن ما سوى الله تعالى
~~فهو آيات وجود الله تعالى وآيات صفات جلاله وإكرامه [وكبريائه] وآيات
~~وحدانيته وما سواه سبحانه لا نهاية له [وما لا نهاية له] فلا سبيل للعقل
~~إلى الوقوف عليه على التفصيل التام إلا أن الممكن هو أن يطلع على بعض
~~الآيات ويتوسل بمعرفتها إلى معرفة الله تعالى ثم يؤمن بالبقية على سبيل
~~الإجمال ثم إنه يكون مدة حياته كالسابح في تلك البحار وكالسائح في تلك
~~القفار. ولما كان لا نهاية لها فكذلك لا نهاية لترقي العبد في معارج تلك
~~الآيات، وهذا (شرح إجمالي) لا نهاية لتفاصيله. ثم إن العبد إذا صار
~~موصوفا بهذه الصفة فعند هذا أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن
~~يقول لهم: { سلم عليكم } فيكون هذا التسليم بشارة بحصول
~~السلامة. وقوله سبحانه { كتب ربكم على نفسه الرحمة }
~~بشارة بحصول ms02792 (الكرامة) عقيب تلك السلامة.

# أما السلامة فبالنجاة من بحر عالم الظلمات ومركز الجسمانية ومعدن الآفات
~~(والمخافات) وموضع التغيرات والتبدلات، وأما الكرامة فبالوصول إلى
~~الباقيات الصالحات والمجردات القدسيات والوصول إلى فسحة عالم الأنوار
~~والترقي إلى معارج سرادقات الجلال» انتهى. وقال آخر: الإشارة إلى نوع من
~~السالكين أي إذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا بمحو صفاتهم في صفاتنا {
~~فقل سلم عليكم } لتنزهكم عن عيوب صفاتكم وتجردكم عن ملابسها
~~{ كتب ربكم على نفسه الرحمة } أي ألزم ذاته المقدسة
~~رحمة إبدال صفاتكم بصفاته لكم لأن في الله سبحانه خلفا عن كل ما فات {
~~إنه من عمل منكم سوءا بجهالة } أي ظهر عليه في تلوينه
~~صفة من صفاته بغيبة أو غفلة { ثم تاب من بعده } أي بعد ظهور
~~تلك الصفة بأن رجع عن تلوينه وفاء إلى الحضور { وأصلح } أي ما ظهر
~~منه بالخضوع والتضرع بين يديه / سبحانه والرياضة (فأنه) عز شأنه {
~~غفور } يسترها عنه

# رحيم

# [الأنعام: 54] يرحمه بهبة التميكن ونعمة الاستقامة { وكذلك نفصل
~~الآيت } أي مثل ذلك التبيين الذي بيناه لهؤلاء المؤمنين نبين لك
~~صفاتنا

# ولتستبين سبيل المجرمين

# [الأنعام: 55] وهم المحجوبون بصفاتهم الذين يفعلون لذلك ما يفعلون.
~~والله تعالى الموفق للصواب.

### || [6.56]

# { قل إنى نهيت } أمر له صلى الله عليه وسلم بالرجوع إلى خطاب
~~المصرين على الشرك إثر ما أمر بمعاملة من عداهم بما يليق بحالهم أي قل
~~لهم قطعا لأطماعهم الفارغة عن ركونك إليهم وبيانا لكون ما هم عليه هوى
~~محضا وضلالا صرفا إني صرفت ومنعت بالأدلة الحقانية والآيات القرآنية {
~~أن أعبد الذين } أي عن عبادة الآلهة الذين { تدعون } أي
~~تعبدونهم أو تسمونهم آلهة { من دون الله } سواء كانوا ذوي عقول أم
~~لا. وقد يقال: إن المراد بهم الأصنام إلا أنه عبر بصيغة العقلاء جريا
~~على زعمهم { قل لا أتبع أهواءكم } تكرير الأمر مع قرب
~~العهد اعتناء بشأن المأمور به وإيذانا باختلاف القولين من حيث إن الأول:
~~حكاية لما مر من جهته تعالى من النهي والثاني: [حكاية] لما من جهته عليه
~~الصلاة والسلام من الانتهاء ms02793 عن عبادة ما يعبدون. وفي هذا القول استجهال
~~لهم وتنصيص على أنهم فيما هم فيه من عبادة غير الله تعالى تابعون لأهواء
~~باطلة وليسوا على شيء مما ينطلق عليه الدين أصلا وإشعار بما يوجب النهي
~~والانتهاء. وفيه  كما قيل  إشارة إلى عدم كفاية التقليد الصرف في مثل
~~هذه المطالب. وقيل  وهو في غاية البعد  إن المراد لا أتبع أهواءكم في
~~طرد المؤمنين.

# { قد ضللت إذا } أي إن اتبعت أهواءكم فقد ضللت. وهو استئناف
~~مؤكد لانتهائه عليه الصلاة والسلام عما نهي عنه مقرر لكونه في غاية
~~الضلال. وقرأ يحيى بن وثاب { ضللت } بكسر اللام وهو لغة فيه، والفتح كما
~~قال أبو عبيدة هو الغالب.

# { وما أنا من المهتدين } عطف على ما قبله. والعدول إلى
~~الإسمية للدلالة على الدوام والاستمرار أي دوام النفي واستمراره لا نفي
~~الدوام والاستمرار، والمراد  كما قيل  وما أنا إذا في شيء من الهدى
~~حتى أعد في عدادهم، وفيه تعريض بأن المقول لهم كذلك.

### || [6.57]

# { قل إنى على بينة } (تبيين) للحق الذي عليه رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم وبيان لاتباعه إياه إثر إبطال الباطل الذي فيه الكفرة
~~وبيان عدم اتباعه عليه الصلاة والسلام له في وقت من الأوقات. والبينة 
~~كما قال الراغب  الدلالة الواضحة من بان يبين إذا ظهر أو الحجة الفاصلة
~~بين الحق والباطل على أنها من البينونة أي الانفصال، وأيا ما كان
~~فالمراد بها القرآن كما قال الجبائي وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~أن المراد إني على يقين. وعن الحسن أن المراد بها النبوة وهو غير ظاهر
~~كتفسيرها بالحجج العقلية أو ما يعمها، والتنوين للتفخيم أي بينة جليلة
~~الشأن.

# { من ربي } أي كائنة من جهته سبحانه. ووصفها بذلك لتأكيد ما أفاده
~~التنوين. وجوز أن تكون { من } اتصالية، وفي الكلام مضاف أي بينة متصلة
~~بمعرفة ربي، وقيل: هي أجلية متعلقة بما تعلق به الخبر ويقدر المضاف
~~أيضا أي كائن على بينة لأجل معرفة ربي والأول أظهر. وفي التعرض لعنوان
~~الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ms02794 صلى الله عليه وسلم من التشريف ورفع
~~المنزلة ما لا يخفى.

# وقوله سبحانه: { وكذبتم به }  كما قال أبو البقاء  جملة إما
~~مستأنفة أو حالية بتقدير قد في المشهور جيء / بها لاستقباح مضمونها
~~واستبعاد وقوعه مع تحقق ما يقتضي عدمه أو للتفرقة بينه عليه الصلاة
~~والسلام وبينهم. والضمير للبينة، والتذكير باعتبار المعنى المراد، وقال
~~الزجاج: لأنها بمعنى البيان، وجوز أن يكون الضمير لربي على معنى إني
~~صدقت به ووحدته وأنتم كذبتم به وأشركتم.

# وقوله تعالى: { ما عندى ما تستعجلون به } استئناف مبين
~~لخطئهم في شأن ما جعلوه منشأ لتكذيبهم بالقرآن وهو عدم مجىء ما وعد فيه
~~من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بقولهم بطريق الاستهزاء أو الإلزام
~~بزعمهم

# متى هذا الوعد إن كنتم صدقين

# [يونس: 48] وقال الإمام: «إنه عليه الصلاة والسلام كان يخوفهم بنزول
~~العذاب عليهم بسبب هذا الشرك، والقوم لإصرارهم على الكفر كانوا يستعجلون
~~نزول ذلك [العذاب] فقال لهم: { ما عندى } » الخ وكأن الكلام مبين
~~أيضا لخطئهم في شأن ما جعلوه منشأ لعدم الالتفات إلى نهي الرسول صلى
~~الله عليه وسلم عنه والإخبار بنزول العذاب بسببه أي ليس عندي ما
~~يستعجلونه من العذاب الموعود به وتجعلون تأخره ذريعة إلى تكذيب القرآن أو
~~عدم الالتفات إلى النهي عنه والوعيد عليه في حكمي وقدرتي حتى أجىء به أي
~~ليس أمره مفوضا إلي.

# { إن الحكم } أي ما الحكم في تأخير ذلك { إلا لله } وحده من
~~غير أن يكون لغيره سبحانه دخل ما فيه بوجه من الوجوه.

# واختار بعضهم التعميم في متعلق الحكم أي ما الحكم في ذلك تأخيرا أو
~~تعجيلا أو ما الحكم في جميع الأشياء فيدخل فيه ما ذكر دخولا أوليا؛
~~ورجح الأول بأن المقصود من قوله سبحانه: { إن الحكم } الخ التأسف
~~على وقوع خلاف المطلوب كما يشهد به موارد استعماله وهو على التأخير فقط.

# { يقص } أي يتبع { الحق } والحكمة فيما يحكم به ويقدره كائنا ما
~~كان أو يبينه بيانا شافيا من قص الأثر أو الخبر وهو من قبيل التكميل
~~للخاص على ما ms02795 اخترناه بإردافه بأمر عام كقوله تعالى:

# بيده الملك وهو على كل شىء قدير

# [الملك: 1]. وقرأ الكسائي وغيره «يقضي» من القضاء وحذفت الباء في الخط
~~تبعا لحذفها في اللفظ لالتقاء الساكنين، وأصله أن يتعدى بالباء لا بنفسه
~~فنصب { الحق } إما على المصدرية لأنه صفة مصدر محذوف قامت مقامه أي
~~يقضي القضاء الحق أو على أنه مفعول به ويقضي متضمن معنى ينفذ أو هو متعد
~~من قضى الدرع إذا صنعها أي يصنع الحق ويدبره كقول الهذلي: مسرودتان
~~قضاهما داود. وفي الكلام على هذا استعارة تبعية.

# واحتج مجاهد للقراءة الأولى بعدم الباء المحتاج إليها في الثانية وقد
~~علمت فساده. واحتج أبو عمرو للثانية بقوله سبحانه: { وهو خير
~~الفصلين } فإن الفصل إنما يكون في القضاء لا في القصص ولو كان ذلك
~~في الآية لقيل خير القاصين. وأجاب أبو علي الفارسي بأن القصص ههنا بمعنى
~~القول وقد جاء الفصل فيه قال تعالى:

# إنه لقول فصل

# [الطارق: 13]

# كتاب أحكمت آيته ثم فصلت

# [هود: 1]

# ونفصل الآيت

# [التوبة: 11] على أنك تعلم بأدنى التفات إلى أن القص هنا قد يؤول بلا
~~تكلف وبعد إلى معنى القضاء. وفي «إرشاد العقل السليم» «أن أصل القضاء
~~الفصل بتمام الأمر وأصل الحكم المنع فكأنه يمنع الباطل عن معارضة الحق أو
~~الخصم عن التعدي إلى صاحبه» وجملة { وهو خير } الخ تذييل مقرر
~~لمضمون ما قبله مشير إلى أن قص الحق ههنا بطريق خاص هو الفصل بين الحق
~~والباطل فافهم.

# واحتج بعض أهل «السنة بقوله سبحانه: { إن الحكم } الخ لإفادته
~~الحصر على أنه لا يقدر العبد على شيء من الأشياء إلا إذا قضى الله تعالى
~~به فيمتنع منه فعل الكفر إلا إذا قضى الله تعالى به وحكم، وكذلك في جميع
~~الأفعال. وقالت المعتزلة: إن قوله سبحانه: { يقضى الحق } معناه أن
~~كل ما يقضي به فهو الحق، وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر والمعصية
~~من العاصي لأن ذلك ليس بحق» ولا يخفى ما فيه.

### || [6.58]

# { قل لو أن عندى } أي في قدرتي وإمكاني { ما ms02796 تستعجلون
~~به } من العذاب { لقضى الأمر بينى وبينكم } أي بأن
~~ينزل عليكم إثر استعجالكم. وفي بناء الفعل للمفعول من الإيذان بتعين
~~الفاعل الذي هو الله جلت عظمته وتهويل الأمر ومراعاة حسن الأدب ما لا
~~يخفى. وقال الزمخشري ومن تبعه: «المعنى لو كان ذلك في مكنتي لأهلكتكم
~~عاجلا غضبا لربي عز وجل وامتعاضا من تكذيبكم به ولتخلصت منكم
~~سريعا»، ولا يساعده المقام، ومثله حمل { ما يستعجلون به } على
~~الآيات المقترحة وقضاء الأمر على قيام الساعة.

# { والله أعلم بالظلمين } أي بحالهم وبأنهم مستحقون
~~للإمهال بطريق الاستدراج لتشديد العذاب، ولذلك لم يفوض الأمر إلي ولم يقض
~~بتعجيل العذاب، والجملة مقررة لما أفادته الجملة الامتناعية من انتفاء
~~كون أمر العذاب مفوضا إليه عليه الصلاة والسلام المستتبع لانتفاء قضاء
~~الأمر وتعليل له. وقيل: هي في معنى الاستدراك كأنه قيل: لو قدرت أهلكتكم
~~ولكن الله تعالى أعلم بمن يهلك من غيره وله حكمة في عدم التمكين منه،
~~وأيا ما كان فلا حاجة إلى حذف مضاف، وزعم بعضهم ذلك، والتقدير وقت عقوبة
~~الظالمين وهو كما ترى والله تعالى أعلم.

### || [6.59]

# { وعنده مفاتح الغيب } أي مفاتيحه كما قرىء به فهو جمع مفتح
~~بكسر الميم وهو كمفتاح آلة الفتح، وقيل: إنه جمع مفتاح كما قيل في جمع
~~محراب محارب. والكلام على الاستعارة حيث شبه الغيب بالأشياء المستوثق
~~منها بالأقفال. وأثبت له المفاتيح تخييلا وهي باقية على معناها الحقيقي،
~~وجعلها بمعنى العلم قرينة المكنية بناء على أنه لا يلزم أن تكون حقيقة
~~بعيد، وأبعد منه تكلف التمثيل. وقيل: الأقرب أن يعتبر هناك استعارة مصرحة
~~تحقيقية بأن يستعار العلم للمفاتح وتجعل القرينة الإضافة إلى الغيب.
~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي أن المراد من المفاتح الخزائن
~~فهي حينئذ جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن. وجوز الواحدي أن يكون مصدرا
~~بمعنى الفتح وليس بالمتبادر. وفي الكلام استعارة مكنية تخييلية، وتقديم
~~الخبر لإفادة الحصر. والمراد بالغيب المغيبات على سبيل الإستغراق،
~~والمقصود على كل تقدير أنه سبحانه هو العالم بالمغيبات جميعها كما ms02797 هي
~~ابتداء.

# { لا يعلمها إلا هو } في موضع الحال من { مفاتح } ،
~~والعامل فيها  كما قال أبو البقاء  ما تعلق به الظرف أو نفسه إن رفعت
~~به، ويجوز أن يكون تأكيدا لمضمون ما قبله، والكلام إما مسوق لبيان
~~اختصاص المقدورات الغيبية به سبحانه من حيث العلم إثر بيان اختصاص كلها
~~به تعالى من حيث القدرة، والمعنى أن ما تستعجلون به من العذاب ليس
~~مقدورا لي حتى ألزمكم بتعجيله ولا / معلوما لدي حتى أخبركم بوقت
~~نزوله بل هو مما يختص به جل شأنه قدرة وعلما فينزله حسبما تقتضيه مشيئته
~~المبنية على الحكم، وإما لإثبات العلم العام له سبحانه وهو علمه بكل شيء
~~بعد إثبات العلم الخاص وهو علمه بالظالمين. وذكر الإمام «أن معنى الآية
~~على تقدير أن يراد بالمفاتح الخزائن أنه سبحانه القادر على جميع الممكنات
~~كما في قوله تعالى:

# وإن من شيء إلا عندنا خزائنه

# [الحجر: 21]».

# وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال:
~~مفاتح الغيب خمس وتلا

# إن الله عنده علم الساعة

# [لقمان: 34] الآية، وروي نحوه عن ابن مسعود، وأخرج أحمد والبخاري
~~وغيرهما عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعا نحو ذلك، ولعل الحمل
~~على الاستغراق أولى، وما في الأخبار يحمل على بيان البعض المهم لا على
~~دعوى الحصر إذ لا شبهة في أن ما عدا الخمس من المغيبات لا يعلمه أيضا
~~إلا الله تعالى.

# { ويعلم ما فى البر والبحر } عطف على جملة { وعنده
~~مفاتح } الخ أو على الجملة قبله وهو ظاهر على تقدير حاليتها، وإما
~~على تقدير كونها تأكيدا فقد منعه البعض لأن المعطوف لا يصلح للتأكيد ولو
~~كان علمه سبحانه بالمغيبات عند المحققين المحقين على وجه التفصيل
~~والاختصاص لأن علم الغيب والشهادة متغايران فلا يؤكد أحدهما الآخر.

# نعم قيل: من لم يجعلها مؤكدة جوز العطف عليها فيكون الجملتان مستأنفتين
~~لتفصيل علمه سبحانه وشموله لا غير، وجوز أن يكون المجموع مؤكدا لاشتماله
~~على مضمون ما قبله لأنه ليس توكيدا اصطلاحيا، والمراد من ms02798 هذه الجملة 
~~كما قال غير واحد  بيان تعلق علمه تعالى بالمشاهدات إثر بيان تعلقه
~~بالمغيبات تكملة له وتنبيها على أن الكل بالنسبة إلى علمه المحيط سواء،
~~والمراد من البر الصحراء ومن البحر خلافه، وفي «القاموس» «أنه الماء
~~الكثير أو الملح فقط ويجمع وجمعه أبحر وبحور وبحار وتصغيره أبيحر لا
~~بحير». وعن مجاهد أن المراد بالبر القفار وبالبحر كل قرية فيها ماء
~~وهو خلاف الظاهر، وأيا ما كان فالمعنى يعلم ما فيهما من الموجودات مفصلة
~~على اختلاف أجناسها وأنواعها وتكثر أفرادها.

# { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } أي وما تسقط ورقة
~~من أي شجرة كانت إلا عالما بها، فمن زائدة في الفاعل، والجملة بعد (إلا)
~~في موضع الحال منه، وجاءت الحال من النكرة لاعتمادها على النفي، والتفريغ
~~في الحال شائع سائغ. وجوز أن تكون في موضع النعت للنكرة، والكلام مسوق 
~~كما قيل  لبيان تعلق علمه تعالى بأحوال المشاهدات المتغيرة بعد بيان
~~تعلقه بذواتها فإن تخصيص حال السقوط بالذكر ليس إلا بطريق الاكتفاء
~~بذكرها عن ذكر سائر الأحوال كما أن ذكر أحوال الورقة وما عطف عليها خاصة
~~دون أحوال سائر ما في البر والبحر من الموجودات التي لا يحيط بها نطاق
~~الحصر باعتبار أنها أنموذج لأحوال سائرها، قيل: ولعل الاكتفاء بحال
~~السقوط دون الاكتفاء بغيرها من الأحوال لشدة ملاءمتها لما سيأتي إن شاء
~~الله تعالى في آية التوفي، ولأن التغيير فيها أظهر فهو أوفق بما سيقت له
~~الآية، وقيل: لأن العلم بالسقوط لكونه من الأحوال الساقطة التي يغفل عنها
~~يستلزم العلم بغيره من الأحوال المعتنى بها فتدبر، فكأنه قيل: وما تتغير
~~ورقة من حال إلى حال إلا يعلمها.

# { ولا حبة } عطف على { ورقة } / وقوله سبحانه: { فى
~~ظلمت الأرض } متعلق بمحذوف وقع صفة لحبة مفيدة لكمال ظهور علمه
~~تعالى، والمراد من ظلمات الأرض بطونها، وكني بالظلمة عن البطن لأنه لا
~~يدرك فيه كما لا يدرك في الظلمة. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~المراد ظلمات الأرض ما تحت الصخرة في أسفل الأرضين ms02799 السبع أو تحت حجر أو
~~شيء. وقوله تعالى: { ولا رطب ولا يابس } عطف على { ورقة }
~~أيضا داخل معها في حكمها، والمراد بالرطب واليابس رطب ويابس من شأنهما
~~السقوط كالثمار مثلا لاقتضاء العطف ذلك.

# قوله سبحانه: { إلا فى كتب مبين } كالتكرير لقوله سبحانه:
~~{ إلا يعلمها } لأن معناهما واحد في المآل سواء أريد بالكتاب
~~المبين علمه تعالى أو اللوح المحفوظ الذي هو محل معلوماته سبحانه، وإلى
~~هذا ذهب الزمخشري وأراد كما قال السعد: أنه تكرير من جهة المعنى، وأما من
~~جهة اللفظ فهو صفة للمذكورات كما أن { إلا يعلمها } صفة لورقة.

# وأورد عليه بأن صفة شيء كيف تكون تكريرا لصفة شيء آخر معنى. وأجيب بأنه
~~غير وارد لأن الورقة داخلة في الرطب واليابس فلا تغاير بحسب المعنى فيصح
~~ما ذكر، وقيل: إنه بدل من الاستثناء الأول بدل الكل إن فسر الكتاب بالعلم
~~وبدل الاشتمال إن فسر باللوح وفيه تأمل. وقرىء { ولا حبة... ولا رطب ولا
~~يابس } بالرفع على العطف على محل { ورقة } وخص بعضهم هذه القراءة
~~بالأخيرين.

# وجوز أن يكون الرفع على الابتداء والخبر { إلا فى كتب } قيل هو
~~الأنسب بالمقام لشمول الرطب واليابس حينئذ لما ليس من شأنه السقوط. وقد
~~جعلهما غير واحد شاملين لجميع الأشياء لأن الأجسام كلها لا تخلو من أن
~~تكون رطبة أو يابسة ويدخل في ذلك الحار والبارد، والمراد من كل معناه
~~اللغوي لا مصطلح الأطباء كما لا يخفى. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن
~~المراد بالرطب ما ينبت وباليابس ما لا ينبت. وفي رواية أخرى عنه أن الأول
~~الماء والثاني الثرى. وروى أبو الشيخ عنه ما يفيد العموم، ولعله الأولى
~~بالقبول، وقيل: الرطب الحي واليابس الميت.

# وروى الإمامية عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال: الورقة
~~السقط والحبة الولد وظلمات الأرض الأرحام والرطب ما يحيى واليابس ما
~~يغيض، وأنا أجل أبا عبد الله رضي الله تعالى عنه عن التفوه بهذا التفسير
~~إذ هو خلاف الظاهر جدا، ومثله في عدم التبادر ما أخرجه ms02800 أبو الشيخ عن
~~محمد بن جحادة أنه قال: إن لله تعالى شجرة تحت العرش ليس مخلوق إلا له
~~فيها ورقة فإذا سقطت ورقته خرجت روحه من جسده، وذلك قوله سبحانه: { وما
~~تسقط من ورقة } ثم إن تفسير الكتاب باللوح هو الذي مشى عليه
~~جماعة من المفسرين منهم الزجاج فقد قال: إنه تعالى أثبت المعلومات في
~~كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال سبحانه:

# إلا فى كتب من قبل أن نبرأها

# [الحديد: 22] وفي رواية لمسلم:

# " إن الله تعالى كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماء والأرض بخمسين ألف
~~سنة "

# وفائدة ذلك أمور: أحدها: اعتبار الملائكة عليهم السلام موافقات المحدثات
~~للمعلومات الإلهية. وثانيها: وعليه اقتصر الحسن تنبيه المكلفين على عدم
~~إهمال أحوالهم المشتملة على الثواب والعقاب حيث ذكر أن الورقة والحبة في
~~الكتاب. وثالثها: عدم تغيير الموجودات عن الترتيب السابق في الكتاب، ولذا
~~جاء «جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة»، وهذا الكتاب يسمى اللوح
~~المحفوظ لحفظه عن التحريف ووصول الشياطين إليه أو من المحو والإثبات
~~بناء على أنهما إنما يكونان في صحف الملائكة دونه.

# والبلخي اختار / أن معنى قوله تعالى: { فى كتب مبين } أنه
~~محفوظ غير منسي ولا مغفول عنه، كما يقول القائل لغيره ما تصنعه مسطور
~~مكتوب عندي فإنه إنما يريد أنه حافظ له يريد مكافأته عليه. وأنشد لذلك:

# إن لسلمى عندنا ديوانا

# وذكر الإمام ههنا ما سماه «دقيقة، وهو أن القضايا العقلية المحضة يصعب
~~تحصيل العلم بها على سبيل التمام والكمال إلا للعقلاء الكاملين الذين
~~تعودوا الإعراض عن قضايا الحس والخيال وألفوا استحضار المعقولات المجردة
~~وهم كالكبريت الأحمر { وعنده مفاتح الغيب } من تلك القضايا
~~وحيث أريد إيصالها إلى كل عقل  لأن القرآن إنما نزل لينتفع به جميع
~~الخلق  ذكر مثال من الأمور المحسوسة الداخلة تحت تلك القضية العقلية
~~الكلية ليصير ذلك المعقول بمعاونة هذا المثال المحسوس مفهوما لكل واحد
~~فذكر { ويعلم ما فى البر والبحر } ليكشف به عن حقيقة عظمة
~~ذلك المعقول. وقدم ذكر البر لأن الإنسان ms02801 قد شاهد أحواله وكثرة ما فيه.

# وأما البحر فإحاطة العقل بأحواله أقل إلا أن الحس يدل على أن عجائب
~~البحار في الجملة أكثر وطولها وعرضها أعظم وما فيها من الحيوانات وأجناس
~~المخلوقات أعجب فإذا استحضر الخيال معلومات البر والبحر وعرف أن مجموعها
~~حقير من جنب ما دخل في دائرة عموم { وعنده مفاتح الغيب }
~~يصير ذلك مقويا ومكملا للعظمة الحاصلة تحت ذلك، ثم كشف سبحانه عن عظمة
~~البر والبحر بقوله عز وجل: { وما تسقط من ورقة إلا
~~يعلمها } ، وذلك لأن العقل يستحضر جميع ما في الأرض من المدن والقرى
~~والمفاوز والمهالك ثم يستحضر كم فيها من النجم والشجر ثم يستحضر أنه لا
~~يتغير حال ورقة إلا والحق يعلمها، ثم ذكر مثالا أشد هيبة وهو { ولا
~~حبة } الخ. وذلك لأن الحبة تكون في غاية الصغر و { ظلمت
~~الأرض } يخفى فيها أكبر الأجسام وأعظمها فإذا سمع العاقل أن تلك الحبة
~~الصغيرة الملقاة في ظلمات الأرض على اتساعها وعظمتها لا تخرج من علمه
~~سبحانه انتبه غاية الانتباه وفاز من مجموع ذلك بالحظ الأوفر من المعنى
~~المشار إليه في صدر الآية، ثم إنه تعالى لما قوى ذلك المعقول المحض
~~المجرد بذكر هذه الجزئيات المحسوسة عاد إلى ذكر تلك القضية بعبارة أخرى
~~وهي قوله عز اسمه: { ولا رطب ولا يابس إلا فى كتب }
~~فإنه عين ما تقدم». وهذا مبني على أحد الوجوه في الآية فلا تغفل.

# وفيها دليل على أن الله تعالى عالم بالجزئيات ونسبت المخالفة فيه
~~للفلاسفة. والحق أنهم لا ينكرون ذلك وإنما ينكرون علمه سبحانه بها بوجه
~~جزئي وهو بحث طويل الذيل، وكذا بحث علمه تعالى من حيث هو. وقد ألفت فيه
~~الرسائل وصار معترك أفهام الأواخر والأوائل وسبحان من لا يقدر قدره غيره.

### || [6.60]

# { وهو الذى يتوفكم باليل } أي ينيمكم فيه كما نقل عن
~~الزجاج والجبائي، ففيه استعارة تبعية حيث استعير التوفي من الموت للنوم
~~لما بينهما من المشاركة في زوال إحساس الحواس الظاهرة والتمييز، قيل:
~~والباطنة أيضا. وأصله قبض الشيء بتمامه، ويقال: ms02802 توفيت الشيء واستوفيته
~~بمعنى.

# { ويعلم ما جرحتم بالنهار } أي ما كسبتم وعملتم فيه من
~~الإثم كما أخرج ذلك ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما وقتادة، وهو الذي يقتضيه سياق الآية فإنه للتهديد والتوبيخ، ولهذا
~~أوثر { يتوفكم } على ينيمكم / ونحوه و { جرحتم } على كسبتم
~~إدخالا للمخاطبين الكفرة في جنس جوارح الطير والسباع، وبعضهم يجعل
~~الخطاب عاما. والمراد من الليل والنهار الجنس المتحقق في كل فرد من
~~أفرادهما؛ إذ بالتوفي والبعث الموجودين فيهما يتحقق قضاء الأجل المسمى
~~المترتب عليهما، والباء في الموضعين بمعنى في كما أشرنا إليه. والمراد
~~بعلمه سبحانه ذلك كما قيل: علمه قبل الجرح كما يلوح به تقديم ذكره على
~~البعث أي يعلم ما تجرحون [بالنهار] وصيغة الماضي للدلالة على التحقق،
~~وتخصيص التوفي بالليل والجرح بالنهار للجري على السنن المعتاد وإلا فقد
~~يعكس.

# { ثم يبعثكم فيه } أي يوقظكم في النهار، وهل هو حقيقة في هذا
~~المعنى أو مجاز؟ فيه قولان. والمتبادر منه في عرف الشرع إحياء الموتى في
~~الآخرة وجعلوه ترشيحا للتوفي وهو ظاهر جدا على المتبادر في عرف الشرع
~~لاختصاصه بالمشبه به. ويقال على غيره: إنه لا يشترط في الترشيح اختصاصه
~~بالمشبه به بل أن يكون أخص به بوجه كما قرروه في قوله:

# له لبد أظفاره لم تقلم

# والبعث في الموتى أقوى لأن عدم الإحساس فيه كذلك فإزالته أشد. وقد صرحوا
~~أيضا أن الترشيح يجوز أن يكون باقيا على حقيقته تابعا للاستعارة لا
~~يقصد به إلا تقويتها ويجوز أن يكون مستعارا من ملائم المستعار منه
~~لملائم المستعار له. والجملة عطف على { يتوفكم } وتوسيط {
~~ويعلم } الخ بينهما لبيان ما في بعثهم من عظيم الإحسان إليهم
~~بالتنبيه على أن ما يكسبونه من الإثم مع كونه مما يستأهلون به إبقاءهم
~~على التوفي بل إهلاكهم بالمرة يفيض سبحانه عليهم الحياة ويمهلهم كما
~~ينبىء عنه كلمة التراخي كأنه قيل: هو الذي يتوفاكم في جنس الليالي ثم
~~يبعثكم في جنس الأنهر مع علمه جل شأنه بما ترتكبون فيها.

# { ليقضى أجل ms02803 مسمى } معين لكل فرد وهو أجل بقائه في الدنيا،
~~وتكلف الزمخشري في تفسير الآية فجعل ضمير { فيه } جاريا مجرى اسم
~~الإشارة عائدا على مضمون كونهم متوفين وكاسبين و { فى } بمعنى لام
~~العلة كما في قولك: فيم دعوتني؟ والأجل المسمى هو الكون في القبور أي ثم
~~يبعثكم من القبور في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب
~~الآثام بالنهار ومن أجله ليقضى الأجل الذي سماه سبحانه وضربه لبعث الموتى
~~وجزائهم على أعمالهم، وما ذكرناه هو الذي ذهب إليه الزجاج والجبائي وغالب
~~المفسرين وهو عري عن التكلف الذي لا حاجة إليه.

# وزعم بعضهم أن الداعي إليه هو أن قوله تعالى: { ويعلم ما
~~جرحتم بالنهار } دال على حال اليقظة وكسبهم فيها، وكلمة  ثم 
~~تقتضي تأخير البعث عنها فلهذا عدل الزمخشري إلى ما عدل إليه. وقال بعض
~~المحققين: إن قوله سبحانه: { ويعلم } الخ إشارة إلى ما كسب في النهار
~~السابق على ذلك الليل والواو للحال ولا دلالة فيه على الإيقاظ من هذا
~~التوفي وأن الإيقاظ متأخر عن التوفي وأن قولنا: يفعل ذلك التوفي لتقضى
~~مدة الحياة المقدرة كلام منتظم غاية الانتظام، ولا يخفى أن فيه تكلفا
~~أيضا مع أن واو الحال لا تدخل على المضارع إلا شذوذا أو ضرورة في
~~المشهور ووجه سنان التراخي المفاد بثم بأن حقيقة الإماتة في الليل تتحقق
~~في أوله والإيقاظ متراخ عنه وإن لم يتراخ عن جملته واعترض بأنه حينئذ لا
~~وجه لتوسيط { ويعلم } الخ بينهما وفيه نظر يعلم مما ذكرنا { ثم إليه
~~} سبحانه لا إلى غيره أصلا { مرجعكم } أي رجوعكم ومصيركم بالموت {
~~ثم ينبئكم بما كنتم تعملون } بالمجازاة / بأعمالكم
~~التي كنتم داومتم على عملها في الدنيا.

### || [6.61]

# { وهو القاهر فوق عباده } فلا يعجزه أحد منهم ولا يحول
~~بينه سبحانه وبين ما يريده فيهم، و { فوق } نصب على الظرفية حال أو
~~خبر بعد خبر، وقد تقدم الكلام مبسوطا فيما للعلماء في هذه الآية {
~~ويرسل عليكم حفظة } من الملائكة وهم الكرام الكاتبون
~~المذكورون في قوله تعالى:

# وإن ms02804 عليكم لحفظين * كراما كتبين

# [الانفطار: 10-11] أو المعقبات المذكورة في قوله سبحانه:

# له معقبت من بين يديه ومن خلفه يحفظونه
~~من أمر الله

# [الرعد: 11]، وقيل: المراد ما يشمل الصنفين، ويقدر المحفوظ الأعمال
~~والأنفس والأعم. وعن قتادة يحفظون العمل والرزق والأجل. والذي ذهب إليه
~~أكثر المفسرين المعنى الأول في الحفظة. وهم عند بعض يكتبون الطاعات
~~والمعاصي والمباحات بأسرها كما يشعر بذلك

# مال هذا الكتب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة
~~إلا أحصاها

# [الكهف: 49] وجاء في الأثر تفسير الصغيرة بالتبسم والكبيرة بالضحك و

# ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد

# [ق: 18] وقال آخرون: لا يكتبون المباحات إذ لا يترتب عليها شيء. وعن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن مع كل إنسان ملكين أحدهما عن يمينه
~~والآخر عن يساره فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين وإذا تكلم
~~بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار: لتنتظره لعله يتوب منها فإن لم
~~يتب كتب عليه والمشهور أنهما على الكتفين، وقيل: على الذقن، وقيل: في
~~الفم يمينه ويساره. واللازم الإيمان بهما دون تعيين محلهما والبحث عن
~~كيفية كتابتهما، وظواهر الآيات تدل على أن اطلاع هؤلاء الحفظة على
~~الأقوال والأفعال كقوله تعالى:

# ما يلفظ من قول

# [ق: 18] الخ، وقوله سبحانه:

# يعلمون ما تفعلون

# [الانفطار: 12] وأما على صفات القلوب كالإيمان والكفر مثلا فليس في
~~الظواهر ما يدل على اطلاعهم عليها، والأخبار بعضها يدل على الاطلاع كخبر

# " إذا هم العبد بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة "

# فإن الهم من أعمال القلب كالإيمان والكفر، وبعضها يدل على عدم الاطلاع
~~كخبر

# " إذا كان يوم القيامة يجاء بالأعمال في صحف محكمة فيقول الله تعالى
~~اقبلوا هذا وردوا هذا فتقول الملائكة وعزتك ما كتبنا إلا ما عمل فيقول
~~سبحانه: إن عمله كان لغيري وإني لا أقبل اليوم إلا ما كان لوجهي "

# وفي رواية مرسلة لابن المبارك

# " إن الملائكة يرفعون أعمال العبد من عباد الله تعالى فيستكثرونه
~~ويزكونه حتى يبلغوا به حيث شاء الله تعالى من سلطانه فيوحي الله تعالى ms02805
~~إليهم إنكم حفظة عمل عبدي وأنا رقيب على ما في نفسه إن عبدي هذا لم يخلص
~~في عمله فاجعلوه في سجين "

# الحديث. والقائل بأنهم لا يكتبون إلا الأعمال الظاهرة يقول: معنى  كتبت
~~ في حديث الهم بالحسنة ثبتت عندنا وتحققت لا كتبت في صحف الملائكة.

# والقائل بأنهم يكتبون الأعمال القلبية يقول باستثناء الرياء فيكتبون
~~العمل دونه ويخفيه الله تعالى عنهم ليبطل سبحانه به عمل المرائي بعد
~~كتابته إما في الآخرة أو في الدنيا زيادة في تنكيله وتفظيع حاله، ولعل
~~هذا كما يفعل به يوم القيامة من رده إلى النار بعد تقريبه من الجنة.

# فقد روى أبو نعيم والبيهقي وابن عساكر وابن النجار أنه «يؤمر بناس يوم
~~القيامة إلى الجنة حتى إذا دنوا منها واستنشقوا ريحها ونظروا إلى قصورها
~~وإلى ما أعد الله تعالى لأهلها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها
~~فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون والآخرون بمثلها فيقولون: ربنا لو أدخلتنا
~~النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون
~~علينا قال: ذلك أردت بكم يا أشقياء / كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم
~~وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين تراؤون الناس بأعمالكم خلاف ما تعطوني
~~من قلوبكم هبتم الناس ولم تهابوني وأجللتم الناس ولم تجلوني وتركتم للناس
~~ولم تتركوا لي فاليوم أذيقكم العذاب مع ما حرمتم من الثواب» والكل عندي
~~محتمل ولا قطع فتدبر.

# واختلفوا في أن الحفظة هل يتجددون كل يوم وليلة أم لا؟ فقيل: إنهم
~~يتجددون وملائكة الليل غير ملائكة النهار دائما إلى الموت، وقيل: إن
~~ملائكة الليل يذهبون فتأتي ملائكة النهار ثم إذا جاء الليل ذهبوا ونزل
~~ملائكة الليل الأولون لا غيرهم وهكذا، وقيل: إن ملائكة الحسنات يتجددون
~~دون ملائكة السيئات وهو الذي يقتضيه حسن الظن بالله تعالى. واختلف في
~~مقرهم بعد موت المكلف فقيل: يرجعون مطلقا إلى معابدهم في السماء، وقيل:
~~يبقون حذاء قبر المؤمن يستغفرون له حتى يقوم من قبره. وصحح غير واحد أن
~~كاتب الحسنات لا ينحصر في واحد لحديث ms02806

# " رأيت كذا وكذا يبتدرونها أيهم يكتبها أول "

# والحكمة في هؤلاء الحفظة «أن المكلف إذا علم أن أعماله تحفظ عليه وتعرض
~~على رؤوس الأشهاد كان ذلك أزجر له عن تعاطي المعاصي والقبائح» وأن العبد
~~إذا وثق بلطف سيده واعتمد على ستره وعفوه لم يحتشم منه احتشامه من خدمه
~~المطلعين عليه، وقول الإمام: «يحتمل أن تكون الفائدة في الكتابة أن توزن
~~تلك الصحائف يوم القيامة لأن وزن الأعمال غير ممكن» بخلاف وزن الصحائف
~~فإنه ممكن ليس بشيء كما لا يخفى، والقول بوزن الصحائف أنفسها قول لبعضهم.
~~هذا { ويرسل } إما مستأنف أو عطف على { القاهر } لأنه بمعنى
~~الذي يقهر، وعطفه كما زعم أبو البقاء على { يتوفكم } وما بعده من
~~الأفعال المضارعة ليس بشيء كاحتمال جعله حالا من الضمير في { القاهر
~~} أو في الظرف لأن الواو الحالية كما أشرنا إليه آنفا لا تدخل على
~~المضارع، وتقدير المبتدأ لا يخرجه عن الشذوذ على الصحيح.

# و { عليكم } متعلق بيرسل لما فيه من معنى الاستيلاء، وتقديمه على
~~المفعول الصريح لما مر غير مرة من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر،
~~وقيل: هو متعلق بمحذوف وقع حالا من { حفظة } إذ لو تأخر لكان صفة أي
~~كائنين عليكم. وقيل: متعلق بحفظة وهو جمع حافظ ككتبة وكاتب.

# و { حتى } في قوله تعالى: { حتى إذا جاء أحدكم
~~الموت } هي التي يبتدأ بها الكلام وهي مع ذلك تجعل ما بعدها من
~~الجملة الشرطية غاية لما قبلها كأنه قيل: ويرسل عليكم حفظة يحفظون ما
~~يحفظون منكم مدة حياتكم حتى إذا انتهت مدة أحدكم وجاء أسباب الموت
~~ومباديه { توفته رسلنا } الآخرون المفوض إليهم ذلك وانتهى هناك
~~حفظ الحفظة؛ والمراد بالرسل على ما أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهم أعوان ملك الموت، ونحوه ما أخرجاه عن قتادة
~~قال: إن ملك الموت له رسل يباشرون قبض الأرواح ثم يدفعونها إلى ملك
~~الملك.

# وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي أن ملك الموت هو الذي يلي ذلك
~~ثم يدفع الروح إن كانت ms02807 مؤمنة إلى ملائكة الرحمة وإن كانت كافرة إلى
~~ملائكة العذاب. والأكثرون على أن المباشر ملك الموت وله أعوان من
~~الملائكة، وإسناد الفعل إلى المباشر والمعاون معا مجاز كما يقال بنو
~~فلان قتلوا قتيلا والقاتل واحد منهم، وقد جاء إسناد الفعل إلى ملك الموت
~~فقط باعتبار أنه المباشر وإلى الله تعالى باعتبار أنه سبحانه الآمر
~~الحقيقي. وقد أشرنا فيما تقدم أن بعض الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم
~~قال: إن المتوفي تارة يكون / هو الله تعالى بلا واسطة وتارة الملك وتارة
~~الرسل وغيره وذلك حسب اختلاف أحوال المتوفى. وعن الزجاج وهو غريب أن
~~المراد بالرسل هنا الحفظة فيكون المعنى يرسلهم للحفظ في الحياة والتوفي
~~عند مجىء الممات. وقرأ حمزة «توفاه» بألف ممالة. وقرىء في الشواذ "
~~تتوفاه ".

# { وهم } أي الرسل { لا يفرطون } بالتواني والتأخير.

# وقرأ الأعرج { يفرطون } بالتخفيف من الإفراط وهو مجاوزة الحد وتكون
~~بالزيادة والنقصان أي لا يجاوزون ما حد لهم بزيادة أو نقصان. والجملة حال
~~من { رسلنا } وقيل: مستأنفة سيقت لبيان اعتنائهم بما أمروا به.

### || [6.62]

# { ثم ردوا } عطف على

# توفته

# [الأنعام: 61] والضمير  كما قيل  للكل المدلول عليه بأحد وهو السر في
~~مجيئه بطريق الالتفات، والإفراد أولا والجمع آخرا لوقوع التوفي على
~~الانفراد والرد على الاجتماع. وذهب بعض المحققين أن فيه التفاتا من
~~الخطاب إلى الغيبة ومن التكلم إليها لأن الرد يناسبه الغيبة بلا شبهة وإن
~~لم يكن الرد حقيقة لأنهم ما خرجوا من قبضة حكمه سبحانه طرفة عين. ونقل
~~الإمام القول بعود الضمير على الرسل أي أنهم يموتون كما يموت بنو آدم،
~~والأول هو الذي عليه غالب المفسرين. والمراد: ثم ردوا بعد البعث والحشر
~~أو من البرزخ { إلى الله } أي إلى حكمه وجزائه أو إلى موضع العرض
~~والسؤال { مولهم } أي مالكهم الذي يلي أمورهم على الإطلاق ولا
~~ينافي ذلك قوله تعالى:

# وأن الكفرين لا مولى لهم

# [محمد: 11] لأن المولى فيه بمعنى الناصر { الحق } أي العدل أو مظهر
~~الحق أو الصادق الوعد.

# وذكر حجة الإسلام قدس سره أن الحق مقابل الباطل ms02808 وكل ما يخبر عنه فإما
~~باطل مطلقا وإما حق مطلقا وإما حق من وجه باطل من وجه، فالممتنع بذاته
~~هو الباطل مطلقا والواجب بذاته هو الحق مطلقا والممكن بذاته الواجب
~~بغيره حق من وجه باطل من وجه، فمن حيث ذاته لا وجود له فهو باطل ومن جهة
~~غيره مستفيد للوجود فهو حق من الوجه الذي يلي مفيد الوجود، فمعنى الحق
~~المطلق هو الموجود الحقيقي بذاته الذي منه يؤخذ كل حقيقة وليس ذلك إلا
~~الله تعالى، وهذا هو مراد القائل إن الحق هو الثابت الباقي الذي لا فناء
~~له.

# وفي «التفسير الكبير» «أن لفظ المولى والولي مشتقان من [الولي: أي]
~~القرب وهو سبحانه القريب [البعيد...] ويطلق المولى أيضا على المعتق وذلك
~~كالمشعر بأنه جل شأنه أعتقهم من العذاب وهو المراد من قوله سبحانه «سبقت
~~رحمتي غضبي» وأيضا أضاف نفسه إلى العبيد وما أضافهم إلى نفسه وذلك
~~نهاية الرحمة، وأيضا قال عز اسمه: { مولهم الحق } والمعنى
~~أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة
~~والغضب كما قال سبحانه:

# أفرأيت من اتخذ إلهه هواه

# [الجاثية: 23] فلما مات الإنسان تخلص من تصرفات الموالي الباطلة وانتقل
~~إلى تصرف المولى الحق» انتهى. وهو كما ترى.

# وادعى «أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن الإنسان ليس عبارة عن مجرد
~~هذه البنية لأن صريحها يدل على حصول الموت للعبد ويدل على أنه بعد الموت
~~يرد إلى الله تعالى والميت مع كونه ميتا لا يمكن أن يرد إلى الله تعالى
~~لأن ذلك الرد ليس بالمكان والجهة لتعاليه سبحانه عنهما بل يجب أن يكون
~~مفسرا بكونه منقادا لحكم الله تعالى مطيعا لقضائه وما لم يكن حيا لا
~~يصح هذا المعنى فيه فثبت أنه حصل ههنا موت وحياة أما الموت / فنصيب
~~البدن فتبقى الحياة نصيب الروح ولما قال سبحانه: { ردوا } وثبت أن
~~المردود هو الروح ثبت أن الإنسان ليس إلا هي وهو المطلوب، وكذا تشعر بكون
~~الروح موجودة قبل التعلق بالبدن لأن الرد من هذا العالم إلى ms02809 حضرة الجلال
~~إنما يكون لو كانت موجودة كذلك، ونظيره قوله سبحانه

# ارجعى إلى ربك

# [الفجر: 28] وقوله تعالى:

# ثم إليه مرجعكم

# »[الأنعام: 60] ولا يخفى ما في ذلك فتدبر. وقرىء { الحق } بالنصب على
~~المدح. وجوز أن يكون على أنه صفة للمفعول المطلق أي الرد الحق فلا يكون
~~حينئذ المراد به الله عز وجل والأول أظهر.

# { ألا له الحكم } يومئذ صورة ومعنى لا لغيره بوجه من الوجوه.
~~واستدل بذلك على أن الطاعة لا توجب الثواب والمعصية لا توجب العقاب إذ لو
~~ثبت ذلك لثبت للمطيع على الله تعالى حكم وهو أخذ الثواب وهو ينافي ما دلت
~~عليه الآية من الحصر { وهو أسرع الحسبين } يحاسب جميع
~~الخلائق بنفسه في أسرع زمان وأقصره، ويلزم هذا أن لا يشغله حساب عن حساب
~~ولا شأن عن شأن. وفي الحديث

# " أنه تعالى يحاسب الكل في مقدار حلب شاة "

# وفي بعض الأخبار

# " في مقدار نصف يوم "

# وذهب بعضهم إلى أنه تعالى لا يحاسب الخلق بنفسه بل يأمر سبحانه الملائكة
~~عليهم السلام فيحاسب كل واحد منهم واحدا من العباد. وذهب آخرون إلى أنه
~~عز وجل إنما يحاسب المؤمنين بنفسه وأما الكفار فتحاسبهم الملائكة لأنه
~~تعالى لو حاسبهم لتكلم معهم وذلك باطل لقوله تعالى في صفتهم:

# ولا يكلمهم

# [البقرة: 174] وأجاب الأولون عن هذا بأن المراد أنه تعالى لا يكلمهم بما
~~ينفعهم فإن ظواهر الآيات ومنها ما تقدم في هذه السورة من قوله تعالى:

# ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا
~~أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون

# [الأنعام: 22] وقوله سبحانه:

# ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا
~~بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما
~~كنتم تكفرون

# [الأنعام: 30] تدل على تكليمه تعالى لهم في ذلك اليوم، ثم إن كيفية ذلك
~~الحساب مما لا تحيط بتفصيلها عقول البشر من طريق الفكر أصلا وليس لنا
~~إلا الايمان به مع تفويض الكيفية وتفصيلها إلى عالم الغيب والشهادة.

# «وادعى الفلاسفة أن كثرة الأفعال وتكررها يوجب حدوث الملكات الراسخة
~~وأنه يجب أن يكون لكل واحد من ms02810 تلك الأعمال أثر في حصول تلك الملكة بل يجب
~~أن يكون لكل جزء من أجزاء العمل الواحد أثر بوجه ما في ذلك وحينئذ يقال:
~~إن الأفعال الصادرة من اليد هي المؤثرة في حصول الملكة المخصوصة وكذلك
~~الأفعال الصادرة من الرجل فتكون الأيدي والأرجل شاهدة على الإنسان بمعنى
~~أن تلك الآثار النفسانية إنما حصلت في جواهر النفوس بواسطة هذه الأفعال
~~الصادرة عن هذه الجوارح فكان ذلك الصدور جاريا مجرى الشهادة بحصول تلك
~~الآثار في جواهر النفس.

# وأما الحساب فالمقصود منه استعلام ما بقي من الدخل والخرج، ولما كان لكل
~~ذرة من الأعمال أثر حسن أو قبيح حسب حسن العمل وقبحه ولا شك أن تلك
~~الأعمال كانت مختلفة فلا جرم كان بعضها معارضا بالبعض وبعد حصول
~~المعارضة يبقى في النفس قدر مخصوص من الخلق الحميد وقدر آخر من الذميم
~~فإذا مات الجسد ظهر مقدار ذلك وهو إنما يحصل في الآن الذي لا ينقسم وهو
~~الآن الذي فيه فيقطع فيه تعلق النفس من البدن فعبر عن هذه الحالة بسرعة
~~الحساب». وزعم من نقل هذا عنهم أنه من تطبيق الحكمة النبوية على الحكمة
~~الفلسفية، وأنا أقول:

# راحت مشرقة ورحت مغربا

# شتان بين مشرق ومغرب

### || [6.63]

# { قل من ينجيكم من ظلمت البر والبحر } أي قل لهم
~~تقريرا بانحطاط شركائهم عن رتبة الإلهية. والمراد من ظلمات البر والبحر
~~كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما شدائدهما وأهوالهما التي تبطل
~~الحواس وتدهش العقول. والعرب  كما قال الزجاج  تقول لليوم الذي يلقى
~~فيه شدة يوم مظلم حتى أنهم يقولون: يوم ذو كواكب أي أنه يوم قد اشتدت
~~ظلمته حتى صار كالليل في ظلمته، وأنشد:

# بني أسد هل تعلمون بلاءنا

# إذا كان يوم ذو كواكب أشهب

# ومن الأمثال القديمة رأى الكواكب ظهرا أي أظلم عليه يومه لاشتداد الأمر
~~فيه حتى كأنه أبصر النجم نهارا، ومن ذلك قول طرفة:

# إن تنوله فقد تمنعه

# وتريه النجم يجري بالظهر

# وقيل: المراد ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة البحر، وقيل: ظلمة البر ms02811
~~بالخسف فيه وظلمة البحر بالغرق فيه، والظلمات على الأول:  كما قيل 
~~استعارة وعلى الأخيرين حقيقة. ومنهم من جعلها كناية عن الخسف والغرق
~~والكلام في الكناية معلوم. ومن جوز جمع الحقيقة والمجاز فسر الظلمات
~~بظلمة الليل والغيم والبحر والتيه والخوف وقرأ يعقوب وسهل { ينجيكم }
~~بالتخفيف من الإنجاء والمعنى واحد.

# وقوله تعالى: { تدعونه } في موضع الحال من مفعول { ينجيكم } كما
~~قال أبو البقاء، والضمير لمن أي من ينجيكم منها حال كونكم داعين له. وجوز
~~أن يكون حالا من فاعله أي من ينجيكم منها حال كونه مدعوا من جهتكم {
~~تضرعا وخفية } أي إعلانا وإسرارا كما روي عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما والحسن فنصبهما على المصدرية، وقيل: بنزع الخافض،
~~والإعلان والاسرار يحتمل أن يراد بهما ما باللسان ويحتمل أن يراد بهما ما
~~باللسان والقلب، وجوز أن يكونا منصوبين على الحال من فاعل { تدعون }
~~أي معلنين ومسرين. وقرأ أبو بكر عن عاصم { خفية } بكسر الخاء وهو لغة فيه
~~كالأسوة والإسوة.

# وقوله سبحانه: { لئن أنجنا } في محل النصب على المفعولية لقول
~~مقدر وقع حالا من فاعل (تدعون) أيضا أي قائلين: لئن أنجيتنا، والكوفيون
~~يحكون بما يدل على معنى القول كتدعون من غير تقدير والصحيح التقدير،
~~وقيل: إن الجملة القسمية تفسير للدعاء فلا محل لها. وقرأ أهل الكوفة {
~~أنجنا } بلفظ الغيبة مراعاة لتدعونه دون حكاية خطابهم في حالة
~~الدعاء غير أن عاصما قرأ بالتفخيم والباقون بالإمالة. وقوله سبحانه: {
~~من هذه } إشارة إلى ما هم فيها المعبر عنها بالظلمات {
~~لنكونن من الشكرين } أي الراسخين في الشكر المداومين عليه
~~لأجل هذه النعمة الجليلة أو جميع النعم التي هذه من جملتها.

### || [6.64]

# { قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب } أي غم يأخذ
~~بالنفس، والمراد به إما ما يعم ما تقدم والتعميم بعد التخصيص كثير أو ما
~~يعتري المرء من العوارض النفسية التي لا تتناهى كالأمراض والأسقام، وأمره
~~صلى الله عليه وسلم بالجواب مع كونه من وظائفهم للإيذان بظهوره وتعينه أو
~~للإهانة لهم مع بناء قوله سبحانه: { ثم أنتم ms02812 تشركون } عليه أي
~~الله تعالى وحده ينجيكم مما تدعونه إلى كشفه ومن غيره ثم أنتم بعدما
~~تشاهدون هذه النعم الجليلة تعودون إلى الشرك في عبادته سبحانه ولا توفون
~~بالعهد. ووضع { تشركون } موضع لا تشكرون الذي هو الظاهر المناسب
~~لوعدهم السابق المشار إليه بقوله تعالى:

# لنكونن من الشكرين

# [الأنعام: 63] للتنبيه على أن من أشرك في عبادة الله تعالى فكأنه لم
~~يعبده رأسا إذ التوحيد ملاك الأمر وأساس العبادة، وقيل: لعل المقصود
~~التوبيخ بأنهم مع علمهم بأنه لم ينجهم إلا الله تعالى كما أفاده تقديم
~~المسند إليه أشركوا ولم يخصوا الله تعالى بالعبادة فذكر الإشراك في
~~موقعه. وكلمة  ثم  ليس للتراخي الزماني بل لكمال البعد بين إحسان الله
~~تعالى عليهم وعصيانهم، ولم يذكر متعلق الشرك لتنزيله منزلة اللازم
~~تنبيها على استبعاد الشرك في نفسه. وقرأ أهل الكوفة وأبو جعفر وهشام عن
~~ابن عامر { ينجيكم } بالتشديد والباقون بالتخفيف.

### || [6.65]

# { قل } يا محمد لهؤلاء الكفار { هو القادر } لا غيره سبحانه {
~~على أن يبعث } أي يرسل { عليكم } متعلق بيبعث. وتقديمه على
~~المفعول الصريح وهو قوله سبحانه: { عذابا } للاعتناء به والمسارعة إلى
~~بيان كون المبعوث مما يضرهم ولتهويل أمر المؤخر. والكلام استئناف مسوق
~~لبيان أنه تعالى هو القادر على إلقائهم في المهالك إثر بيان أنه سبحانه
~~هو المنجى لهم منها، وفيه وعيد ضمني بالعذاب لإشراكهم المذكور. والتنوين
~~للتفخيم أي عذابا عظيما.

# { من فوقكم } أي من جهة العلو كالصيحة والحجارة والريح وإرسال
~~السماء { أو من تحت أرجلكم } أي من جهة السفل كالرجفة والخسف
~~والإغراق، وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: من
~~فوقكم أي من قبل أمرائكم وأشرافكم ومن تحت أرجلكم أي من قبل سفلتكم
~~وعبيدكم. وفي رواية أخرى عنه تفسير الأول بأئمة السوء والثاني بخدم السوء
~~والمتبادر ما قدمنا وهو المروي عن غير واحد من المفسرين. والجار والمجرور
~~متعلق بيبعث أيضا، ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف وقع صفة لعذاب. و (أو)
~~لمنع الخلو دون الجمع فلا منع لما كان من الجهتين ms02813 معا كما فعل بقوم نوح
~~عليه الصلاة والسلام.

# { أو يلبسكم } أي يخلط أمركم عليكم ففي الكلام مقدر، وخلط أمرهم
~~عليهم بجعلهم مختلفي الأهواء، وقيل: المراد اختلاط الناس في القتال بعضهم
~~ببعض فلا تقدير، وعليه قول السلمي:

# وكتيبة لبستها بكتيبة

# حتى إذا التبست نفضت لها يدي

# وقرىء { يلبسكم } بضم الياء وهو عطف على { يبعث } وقوله
~~تعالى: { شيعا } جمع شيعة كسدرة وسدر وهم كل قوم اجتمعوا على أمر نصب
~~على الحال، وقيل: إنه مصدر منصوب بيلبسكم من غير لفظه، وجوز على هذا أن
~~يكون حالا أيضا أي مختلفين.

# وقوله سبحانه: { ويذيق بعضكم بأس بعض } عطف على {
~~يبعث } كما نقل عن السمين، ويفهم من كلام البعض أنه عطف على يلبس وهو
~~من قبيل عطف التفسير أو من عطف المسبب على السبب. وقرىء { نذيق } بنون
~~العظمة على طريق الالتفات لتهويل الأمر والمبالغة في التحذير. والبعض
~~الأول على ما قيل الكفار والثاني المؤمنون ففيه حينئذ وعد ووعيد، وقيل:
~~كلا البعضين من الكفار أي نذيق كلا بأس الآخر؛ وقيل البعضان من المؤمنين
~~فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه قال في قوله
~~سبحانه: { عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم } هذا
~~للمشركين وفي قوله تعالى: { أو يلبسكم شيعا ويذيق } الخ
~~هذا للمسلمين ولا يخفى أنه تفكيك للنظم الكريم، ولعل مراد الحسن أن هذا
~~يكون للمسلمين ويقع فيهم دون الأول، وأخرج ابن جرير عنه أيضا أنه قال:

# " لما نزلت هذه / الآية قام النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ فسأل ربه
~~عز وجل أن لا يرسل عليهم عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم ولا يلبس أمته
~~شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض كما أذاق بني إسرائيل فهبط إليه صلى الله عليه
~~وسلم جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إنك سألت ربك أربعا فأعطاك اثنتين
~~ومنعك اثنتين لن يأتيهم عذاب من فوقهم ولا من تحت أرجلهم يستأصلهم فإنهما
~~عذابان لكل أمة استجمعت على تكذيب نبيها ورد كتاب ربها ولكنهم يلبسون
~~شيعا ويذيق بعضهم بأس ms02814 بعض، وهذان عذابان لأهل الإقرار بالكتب والتصديق
~~بالأنبياء عليهم السلام "

# وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه واللفظ له
~~عن ثوبان أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " إن ربي زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها وأعطاني الكنزين
~~الأحمر والأبيض وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها وإني سألت ربي
~~لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة فأعطانيها وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا
~~من غيرهم فأعطانيها وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها وقال: يا
~~محمد إني إذا قضيت قضاء لم يرد إني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكها بسنة عامة
~~ولا أظهر عليهم عدوا من غيرهم فيستبيحهم عامة ولو اجتمع من بين أقطارها
~~حتى يكون بعضهم هو يهلك بعضا وبعضهم هو يسبي بعضا "

# الحديث.

# وأخرج أحمد والطبراني وغيرهما عن أبي بصرة الغفاري عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال:

# " سألت ربي أربعا فأعطاني ثلاثا ومنعني واحدة سألت الله تعالى أن لا
~~يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها وسألت الله تعالى أن لا يظهر عليهم عدوا
~~من غيرهم فأعطانيها وسألت الله تعالى أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلكت
~~الأمم فأعطانيها وسألت الله تعالى أن لا يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس
~~بعض فمنعنيها "

# والأخبار في هذا المعنى كثيرة. وفي بعضها دلالة على عد اللبس والإذاقة
~~أمرا واحدا وفي بعضها دلالة على عد ذلك أمرين، ومن هنا نشأ الاختلاف
~~السابق في العطف، وأيد بعضهم العطف على يلبس لا على { يبعث } بكونه
~~بالواو دون أو. ولا يعارض ما روي عن الحسن من عدم وقوع الأولين في هذه
~~الأمة ما أخرجه أحمد والترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى
~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية: أما أنها كائنة ولم
~~يأت تأويلها بعد، وكذا ما أخرج الأول في «مسنده» من طريق أبي العالية عن
~~ابن كعب أنه قال في الآية: هن أربع وكلهن واقع لا محالة لجواز أن يراد
~~بالوقوع وقوع ms02815 لا على وجه الاستئصال وبعدم الوقوع عدمه على وجه الاستئصال
~~وكلام الحسن كالصريح في هذا فافهم.

# { انظر كيف نصرف الآيت } أي نحولها من نوع آخر من
~~أنواع الكلام تقريرا للمعنى وتقريبا إلى الفهم أو نصرفها بالوعد
~~والوعيد { لعلهم يفقهون } أي كي يعلموا جلية الأمر فيرجعوا
~~عما هم عليه من المكابرة والعناد. واستدل بعض أهل السنة بالآية على أن
~~الله تعالى خالق للخير والشر، «وقال بعض الحشوية والمقلدة: إنها من أدل
~~الدلائل على المنع من النظر والاستدلال لما أن في ذلك فتح باب التفرق
~~والاختلاف المذموم بحكم الآية» وليس بشيء كما لا يخفى.

### || [6.66]

# { وكذب به } أي القرآن كما قال الأزهري وروي ذلك عن الحسن، وقيل:
~~الضمير لتصريف الآيات، واختاره الجبائي والبلخي. وقيل: هو للعذاب واختاره
~~غالب المفسرين { قومك } أي قريش، وقيل: هم وسائر العرب، وأيا ما كان
~~فالمراد المعاندون منهم، قيل: / ولعل إيرادهم بهذا العنوان للإيذان بكمال
~~سوء حالهم فإن تكذيبهم بذلك مع كونهم من قومه عليه الصلاة والسلام مما
~~يقضي بغاية عتوهم ومكابرتهم. وتقديم الجار والمجرور على الفاعل لما مر
~~مرارا. { وهو الحق } أي الكتاب الصادق في كل ما نطق به لا ريب
~~فيه أو المتحقق الدلالة أو الواقع لا محالة. والواو حالية والجملة بعدها
~~في موضع الحال من الضمير المجرور، وقيل: الواو استئنافية وبعدها مستأنفة.
~~وأيا ما كان ففيه دلالة على عظم جنايتهم ونهاية قبحها.

# { قل لست عليكم بوكيل } أي (بموكل فوض أمركم إلى أحفظ
~~أعمالكم لأجازيكم بها) إنما أنا منذر ولم آل جهدا في الإنذار والله
~~سبحانه هو المجازي قاله الحسن. وقال الزجاج: المراد إني لم أومر بحربكم
~~ومنعكم عن التكذيب وفي معناه ما نقل عن الجبائي. والآية على ما روي عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما منسوخة بآية القتال ولا بعد في ذلك على
~~المعنى الثاني.

### || [6.67]

# { لكل نبإ } أي لكل شيء ينبأ به من الأنباء التي من جملتها عذابكم
~~أو لكل خبر من الأخبار التي من جملتها خبر مجيئه { مستقر } أي وقت
~~استقرار ووقوع ms02816 البتة أو وقت استقراره بوقوع مدلوله وليس مصدرا ميميا. {
~~وسوف تعلمون } أي حال نبئكم في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما
~~معا، و (سوف) للتأكيد.

### || [6.68]

# { وإذا رأيت الذين يخوضون فى آيتنا } بالتكذيب
~~والاستهزاء بها والطعن فيها كما هو دأب قريش وديدنهم في أنديتهم وهم
~~المراد بالموصول. وعن مجاهد أهل الكتاب فإن ديدنهم ذلك أيضا، ولذا أتى
~~بإذا الدالة على التحقيق، وهذا بخلاف النسيان الآتي. وأصل الخوض من خاض
~~القوم في الحديث وتخاوضوا إذا تفاوضوا فيه، وقال الطبرسي: «الخوض التخليط
~~في المفاوضة على سبيل العبث واللعب وترك التفهم والتبيين»، وقال بعض
~~المحققين: أصل معنى الخوض عبور الماء استعير للتفاوض في الأمور، وأكثر ما
~~ورد في القرآن للذم.

# { فأعرض عنهم } أي اتركهم ولا تجالسهم { حتى يخوضوا
~~فى حديث } أي كلام { غيره } أي غير آياتنا. والتذكير باعتبار
~~كونها حديثا فإن وصف الحديث بمغايرتها مشير إلى اعتبارها بعنوان
~~الحديثية، وقيل: باعتبار كونها قرآنا. والمراد بالخوض هنا التفاوض لا
~~بقيد التكذيب والاستهزاء. وادعى بعضهم أن المعنى حتى يشتغلوا بحديث غيره
~~وأن ذكر { يخوضوا } للمشاكلة، واستظهر عود الضمير إلى الخوض. واستدل
~~بعض العلماء بالآية على أن { إذا } تفيد التكرار لحرمة القعود مع
~~الخائض كلما خاض، ونظر فيه بأن التكرار ليس من (إذا) بل من ترتب الحكم
~~على مأخذ الاشتقاق. واستدلال بعض الحشوية بها على النهي عن الاستدلال
~~والمناظرة في ذات الله تعالى وصفاته زاعما أن ذلك خوض في آيات الله
~~تعالى مما لا ينبغي أن يلتفت إليه.

# { وإما ينسينك الشيطن } بأن يشغلك فتنسى الأمر
~~بالإعراض عنهم فتجالسهم ابتداء أو بقاء، وهذا على سبيل الفرض إذ لم يقع
~~وأنى للشيطان سبيل إلى إشغال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذا عبر بأن
~~الشرطية المزيدة ما بعدها. وذهب بعض المحققين أن الخطاب هنا وفيما قبل
~~لسيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام والمراد غيره، وقيل: لغيره ابتداء أي
~~إذا رأيت أيها السامع وإن أنساك أيها السامع. والمشهور عن الرافضة اختيار
~~أن النبي صلى الله عليه وسلم / منزه عن النسيان ms02817 لقوله تعالى:

# سنقرئك فلا تنسى

# [الأعلى: 6] وأن غيرهم ذهب إلى جوازه وعلى نسبة الأول إليهم نص صاحب
~~«الاحكام» والجبائي وغيرهما. وقال الأخير: إن الآية دليل على بطلان قولهم
~~ذلك. والذي وقفت عليه في معتبرات كتبهم أنهم لا يجوزون النسيان، وكذا
~~السهو على النبي صلى الله عليه وسلم وكذا على سائر الأنبياء عليهم
~~السلام فيما يؤديه عن الله تعالى من القرآن والوحي، وأما ما سوى ذلك
~~فيجوزون عليه عليه الصلاة والسلام أن ينساه ما لم يؤد إلى إخلال الدين.

# وأنا أرى أن محل الخلاف النسيان الذي لا يكون منشؤه اشتغال السر
~~بالوساوس والخطرات الشيطانية فإن ذلك مما لا يرتاب مؤمن في استحالته على
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم.

# وتفصيل الكلام في ذلك على ما في معتبرات «كتبنا» أن مذهب جمهور العلماء
~~جواز النسيان عليه صلى الله عليه وسلم في أحكام الشرع وهو ظاهر القرآن
~~والأحاديث لكن اتفقوا على أنه عليه الصلاة والسلام لا يقر عليه بل يعلمه
~~الله تعالى به، ثم قال الأكثرون يشترط تنبهه عليه الصلاة والسلام على
~~الفور متصلا بالحادثة ولا يقع فيه تأخير، وجوزت طائفة تأخيره مدة حياته
~~صلى الله عليه وسلم واختاره إمام الحرمين، ومنعت ذلك طائفة من العلماء في
~~الأفعال البلاغية والعبادات كما أجمعوا على منعه واستحالته عليه صلى الله
~~عليه وسلم في الأقوال البلاغية، وأجابوا عن الظواهر الواردة في ذلك.
~~وإليه مال الأستاذ أبو إسحق الإسفرائيني، وصحح النووي الأول فإن ذلك لا
~~ينافي النبوة، وإذا لم يقر عليه لم يتحصل منه مفسدة ولا ينافي الأمر
~~بالاتباع بل يحصل منه فائدة وهو بيان أحكام الناسي وتقرر الأحكام.

# وذكر القاضي أنهم اختلفوا في جواز السهو عليه صلى الله عليه وسلم في
~~الأمور التي لا تتعلق بالبلاغ وبيان أحكام الشرع من أفعاله وعاداته
~~وأذكار قلبه فجوزه الجمهور. وأما السهو في الأقوال البلاغية فأجمعوا على
~~منعه كما أجمعوا على امتناع تعمده، وأما السهو في الأقوال الدنيوية وفيما
~~ليس سبيله البلاغ من الكلام الذي لا يتعلق بالأحكام ولا أخبار ms02818 القيامة
~~وما يتعلق بها ولا يضاف إلى وحي فيجوزه قوم إذ لا مفسدة فيه، ثم قال:
~~والحق الذي لا شك فيه ترجيح قول من قال: يمتنع ذلك على الأنبياء عليهم
~~السلام في كل خبر من الأخبار كما لا يجوز عليهم خلف في خبر لا عمدا ولا
~~سهوا لا في صحة ولا مرض ولا رضى ولا غضب، وحسبك في ذلك أن سيره صلى
~~الله عليه وسلم وكلامه وأفعاله مجموعة يعتنى بها على مر الزمان ويتناولها
~~الموافق والمخالف والمؤمن والمرتاب فلم يأت في شيء منها استدراك غلط في
~~قول ولا اعتراف بوهم في كلمة ولو كان لنقل كما نقل سهوه في الصلاة ونومه
~~عليه الصلاة والسلام عنها واستدراكه رأيه في تلقيح النخل وفي نزوله بأدنى
~~مياه بدر إلى غير ذلك. وأما جواز السهو في الاعتقادات في أمور الدنيا
~~فغير ممتنع. وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام على هذا المبحث عند
~~تفسير قوله تعالى:

# وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا
~~إذا تمنى ألقى الشيطن فى أمنيته

# [الحج: 52] الآية. وقرأ ابن عامر { ينسينك } بتشديد السين ونسي بمعنى
~~أنسى، وقال ابن عطية: نسي أبلغ من أنسى والنون في القراءتين مشددة وهي
~~نون التوكيد، والمشهور أنها لازمة في الفعل الواقع بعد إن الشرطية
~~المصحوبة بما الزائدة، وقيل: لا يلزم فيه ذلك، وعليه قول ابن دريد:

# إما ترى رأسي حاكى لونه

# طرة صبح تحت أذيال الدجى

# { فلا تقعد بعد الذكرى } أي بعد تذكر الأمر بالإعراض كما
~~عليه جمهور المفسرين. وقال / أبو مسلم: المعنى بعد أن تذكرهم بدعائك
~~إياهم إلى الدين ونهيك لهم عن الخوض في الآيات وليس بشيء. وجوز الزمخشري
~~أن تكون { الذكرى } بمعنى تذكير الله تعالى إياه وأن المعنى «وإن كان
~~الشيطان ينسيك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول
~~فلا تقعد بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه»، ولا يخفى أنه وجه بعيد مبني
~~على قاعدة القبح والحسن التي هدمتها معاول أفكار العلماء الراسخين، ثم
~~إنا لا نسلم أن مجالسة ms02819 المستهزئين مما ينكره العقول مطلقا، وذكر ابن
~~المنير أن اللائق على ما قال  وإن أنساك  دون { إما ينسينك }
~~على أن إنساء الشيطان إن صح فعن السمعي أيسر، وليس هذا أول خوض من
~~الزمخشري في تأويل الآيات بل ذلك دأبه.

# { مع القوم الظلمين } أي معهم فوضع المظهر موضع المضمر
~~نعيا عليهم أنهم بذلك الخوض ظالمون واضعون للتكذيب والاستهزاء موضع
~~التصديق والتعظيم راسخون في ذلك. وفي الآية  كما قال غير واحد  إيذان
~~بعدم تكليف الناسي، وهذه من المسائل المتنازع فيها بينهم وعنونوها بمسألة
~~تكليف الغافل وعدوا منه الناسي وللأشعري فيها قولان وصوب عدم التكليف
~~لعدم الفائدة فيه أصلا بخلاف التكليف بالمحال. ونقل ابن برهان في
~~«الأوسط» عن الفقهاء القول بصحة تكليفه على معنى ثبوت الفعل بالذمة، وعن
~~المتكلمين المنع إذ لا يتصور ذلك عندهم، وقد يظن أن الشافعي لنصه على
~~تكليف السكران يرى تكليف الغافل وهو من بعض الظن فإنه إنما كلف السكران
~~عقوبة له لأنه تسبب بمحرم حصل باختياره ولهذا وجب عليه الحد بخلاف
~~الغافل. وأورد على القول بالامتناع أن العبد مكلف بمعرفة الله تعالى بدون
~~العلم بالأمر وذلك لأن الأمر بمعرفته سبحانه وارد فلا جائز أن يكون
~~واردا بعد حصولها لامتناع تحصيل الحاصل فيكون واردا قبله فيستحيل
~~الإطلاق على هذا الأمر لأن معرفة أمره تعالى بدون معرفته سبحانه مستحيل
~~فقد كلف معرفة الله تعالى مع غفلته عن ذلك التكليف.

# وأجيب: بأن المعرفة الإجمالية كافية في انتفاء الغفلة والمكلف به هو
~~المعرفة التفصيلية أو بأن شرط التكليف إنما هو فهم المكلف له بأن يفهم
~~الخطاب قدر ما يتوقف عليه الامتثال لا بأن يصدق بتكليفه وإلا لزم الدور
~~وعدم تكليف الكفار وهو هنا قد فهم ذلك وإن لم يصدق به. وصاحب «المنهاج»
~~تبعا لصاحب «الحاصل» أجاب بأن التكليف بمعرفة الله تعالى خارج عن
~~القاعدة بالإجماع، وتمام البحث يطلب من «كتب الأصول».

### || [6.69]

# { وما على الذين يتقون } قال أبو جعفر عليه الرحمة: لما
~~نزلت

# فلا تقعد بعد الذكرى

# [الأنعام: 68] الخ قال المسلمون لئن ms02820 كنا نقوم كلما استهزأ المشركون
~~بالقرآن لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام ولا نطوف بالبيت فنزلت، أي
~~وما يلزم الذين يتقون قبائح أعمال الخائضين وأحوالهم. { من حسابهم
~~} أي مما يحاسب الخائضون الظالمون عليه من الجرائر { من شيء } أي شيء
~~ما على أن (من) زائدة للاستغراق و { شىء } في محل الرفع مبتدأ و(ما)
~~تميمية أو اسم لها وهي حجازية و { من حسابهم } كما قال أبو البقاء
~~حال منه لأن نعت النكرة إذا قدم عليها أعرب حالا. وليست { من } بمعنى
~~الأجل خلافا لمن تكلفه. و { على الذين يتقون } متعلق بمحذوف
~~مرفوع وقع خبرا للمبتدأ أو لما الحجازية على رأي من لا يجيز إعمالها في
~~الخبر المقدم مطلقا أو منصوب وقع خبرا لما على رأي من يجوز إعمالها في
~~الخبر المقدم عند كونه ظرفا أو حرف جر.

# / { ولكن ذكرى } استدراك من النفي السابق أي ولكن عليهم أن
~~يذكروهم ويمنعوهم عما هم فيه من القبائح بما أمكن من العظة والتذكير
~~ويظهروا لهم الكراهة والنكير. ومحل { ذكرى } عند كثير من المحققين إما
~~النصب على أنه مصدر مؤكد للفعل المحذوف أي عليهم أن يذكروهم تذكيرا أو
~~الرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف أي ولكن عليهم ذكرى، وجوز أبو البقاء
~~النصب والرفع أيضا لكن قدر في الأول نذكرهم ذكرى بنون العظمة، وفي
~~الثاني هذه ذكرى، وإلى ذلك يشير كلام البلخي، ولم يجوز الزمخشري عطفه على
~~محل { من شيء } لأن (من حسابهم) يأباه إذ يصير المعنى: ولكن ذكرى من
~~حسابهم وهو كما ترى.

# واعترض بأنه لا يلزم من العطف على مقيد اعتبار ذلك القيد في المعطوف،
~~والعلامة الثاني يقول: إنه إذا عطف مفرد على مفرد لا سيما بحرف الاستدراك
~~فالقيود المعتبرة في المعطوف عليه السابقة في الذكر عليه معتبرة في
~~المعطوف البتة بحكم الاستعمال تقول: ما جاءني يوم الجمعة أو في الدار أو
~~راكبا أو من هؤلاء القوم رجل ولكن امرأة فيلزم مجيء المرأة في يوم
~~الجمعة وفي الدار وبصفة الركوب وتكون من القوم البتة ولم يجيء ms02821 الاستعمال
~~بخلافه ولا يفهم من الكلام سواه بخلاف ما جاءني رجل من العرب ولكن امرأة
~~فإنه لا يبعد كون المرأة من غير العرب، قالوا: والسر فيه أن تقدم القيود
~~يدل على أنها أمر مسلم مفروغ عنه وأنها قيد للعامل منسحب على جميع
~~معمولاته وأن هذه القاعدة مخصوصة بالمفرد لذلك، وأما في الجمل فالقيد إن
~~جعل جزءا من المعطوف عليه وإن سبق لم يشاركه فيه المعطوف كما في قوله
~~تعالى:

# إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا
~~يستقدمون

# [يونس: 49] على ما في «شرح المفتاح»، وهذا إذا لم تقم القرينة على خلافه
~~كما في قولك: جاءني من تميم رجل وامرأة من قريش.

# وتخصيص هذه القاعدة بتقدم القيد وادعاء اطرادها كما ذكره بعض المحققين
~~مما يقتضيه الذوق، ومنهم من عمها كما قال الحلبي: إن أهل اللسان
~~والأصوليين يقولون: إن العطف للتشريك في الظاهر فإذا كان في المعطوف عليه
~~قيد فالظاهر تقييد المعطوف بذلك القيد إلا أن تجيء قرينة صارفة فيحال
~~الأمر عليها فإذا قلت: ضربت زيدا يوم الجمعة وعمرا فالظاهر اشتراك زيد
~~وعمرو في الضرب مقيدا بيوم الجمعة، وإذا قلت: وعمرا يوم السبت لم
~~يشاركه في قيده والآية من القبيل الأول فالظاهر مشاركته في قيده ويكفي في
~~المنع وبحث فيه السفاقنسي وغيره فتدبر. ومن منع العطف على محل { من
~~شيء } لما تقدم منع العطف على { شيء } لذلك أيضا ولأن (من) لا
~~تقدر عاملة بعد الإثبات لأنها إذا عملت كانت في قوة المذكورة المزيدة وهي
~~لا تزاد في الإثبات في غير الظروف أو مطلقا عند الجمهور.

# { لعلهم يتقون } أي يجتنبون الخوض حياء أو كراهة لمساءتهم.
~~وجوز أن يكون الضمير للذين يتقون أي لكن يذكر المتقون الخائضين ليثبت
~~المتقون على تقواهم ولا يأثموا بترك ما وجب عليهم من النهي عن المنكر أو
~~ليزدادوا تقوى بذلك. وهذه الآية  كما أخرج النحاس عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما وأبو الشيخ عن السدي وابن جبير  منسوخة بقوله تعالى النازل
~~في المدينة

# وقد نزل عليكم في الكتب أن ms02822 إذا سمعتم
~~آيت الله يكفر بها

# [النساء: 140] الخ وإليه ذهب البلخي والجبائي وفي «الطود الراسخ في
~~المنسوخ والناسخ» أنه لا نسخ / عند أهل التحقيق في ذلك لأن قوله سبحانه:
~~{ وما على الذين } الخ خبر ولا نسخ في الأخبار فافهم.

### || [6.70]

# { وذر الذين اتخذوا دينهم } الذي فرض عليهم وكلفوه
~~وأمروا بإقامة مواجبه وهو الإسلام { لعبا ولهوا } حيث سخروا به
~~واستهزأوا، وجوز أن يكون المعنى اتخذوا الدين الواجب شيئا من جنس اللعب
~~واللهو كعبادة الأصنام وتحريم البحائر والسوائب ونحو ذلك أو اتخذوا ما
~~يتدينون به وينتحلونه بمنزلة الذين لأهل الأديان شيئا من اللعب واللهو.
~~وحاصله أنهم اتخذوا اللعب واللهو دينا، وقيل: المراد بالدين العيد الذي
~~يعاد إليه كل حين معهود بالوجه الذي شرعه الله تعالى كعيد المسلمين أو
~~بالوجه الذي لم يشرع من اللعب واللهو كأعياد الكفرة لأن أصل معنى الدين
~~العادة والعيد معتاد كل عام ونسب ذلك لابن عباس رضي الله تعالى عنهما،
~~والمعنى على سائر الأقوال لا تبال بهؤلاء وامض لما أمرت به.

# وأخرج ابن جرير وغيره أن المعنى على التهديد كقوله تعالى:

# ذرنى ومن خلقت وحيدا

# [المدثر: 11] و

# ذرهم يأكلوا ويتمتعوا

# [الحجر: 3]، وقيل: المراد الأمر بالكف عنهم وترك التعرض لهم. والآية
~~عليه منسوخة بآية السيف، وهو مروي عن قتادة. ونصب { لعبا } على أنه
~~مفعول ثان لاتخذوا وهو اختيار السفاقسي، ويفهم من ظاهر كلام البعض أنه
~~مفعول أول و { دينهم } ثان، وفيه إخبار عن النكرة بالمعرفة. ويفهم من
~~كلام الإمام أنه مفعول لأجله واتخذ متعد لواحد فإنه قال بعد سرد وجوه
~~التفسير في الآية: «والخامس وهو الأقرب أن (المحق) في الدين هو الذي ينصر
~~الدين لأجل أن قام الدليل على أنه حق وصدق وصواب فأما الذين ينصرونه
~~ليتوسلوا به إلى أخذ المناصب والرياسة وغلبة الخصم وجمع الأموال فهم
~~نصروا الدين للدنيا، وقد حكم الله تعالى عليها في سائر الآيات بأنها لعب
~~ولهو. فالمراد من قوله سبحانه: { وذر الذين اتخذوا } الخ هو
~~الإشارة إلى من يتوسل بدينه إلى دنياه. وإذا تأملت ms02823 في حال أكثر الخلق
~~وجدتهم موصوفين بهذه الصفة وداخلين تحت هذه الآية» اه. ولا يخفى أنه
~~أبعد من العيوق فلا تغتر به وإن جل قائلة.

# { وغرتهم الحيوة الدنيا } أي خدعتهم وأطمعتهم بالباطل
~~حتى أنكروا البعث وزعموا أن لا حياة بعدها واستهزأوا بآيات الله تعالى.
~~وجعل بعضهم غر من الغر وهو ملء الفم أي أشبعتهم لذاتها حتى نسوا الآخرة
~~وعليه قوله:

# ولما التقينا بالعشية غرني

# بمعروفه حتى خرجت أفوق

# { وذكر به } أي بالقرآن. وقد جاء مصرحا به في قوله سبحانه:

# فذكر بالقرءان من يخاف وعيد

# [ق: 45] والقرآن يفسر بعضه بعضا. وقيل: الضمير لحسابهم، وقيل: للدين.
~~وقيل: إنه ضمير يفسره قوله سبحانه: { أن تبسل نفس بما كسبت
~~} فيكون بدلا منه واختاره أبو حيان. وعلى الأوجه الأخر هو مفعول لأجله
~~أي لئلا تبسل أو مخافة أو كراهة أن تبسل.

# ومنهم من جعله مفعولا به لذكر. ومعنى { تبسل } تحبس كما روي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما. وأنشد له قول زهير:

# وفارقتك برهن لافكاك له

# يوم الوداع وقلبي مبسل علقا

# وفي رواية ابن أبي حاتم عنه تسلم. وروي ذلك أيضا عن الحسن ومجاهد
~~والسدي واختاره الجبائي والفراء، وفي رواية ابن جرير وغيره تفضح. وقال
~~الراغب: « { تبسل } هنا بمعنى تحرم الثواب». وذكر غير واحد / أن
~~الإبسال والبسل في الأصل المنع، ومنه أسد باسل لأن فريسته لا تفلت منه أو
~~لأنه متمنع، والباسل الشجاع لامتناعه من قرنه، وجاء البسل بمعنى الحرام.
~~وفرق الراغب بينهما «بأن الحرام عام لما منع منه بحكم أو قهر والبسل
~~الممنوع [منه] بالقهر»، ويكون بسل بمعنى أجل ونعم، واسم فعل بمعنى أكفف.
~~وتنكير { نفس } للعموم مثله في قوله تعالى:

# علمت نفس ما أحضرت

# [التكوير: 14] أي لئلا تحبس وترهن كل نفس في الهلاك أو في النار أو تسلم
~~إلى ذلك أو تفضح أو تحرم الثواب بسبب عملها السوء أو ذكر بحبس أو حبس كل
~~نفس بذلك، وحمل النكرة على العموم مع أنها في الإثبات لاقتضاء السياق له،
~~وقيل: إنها هنا في النفي ms02824 معنى، وفيما اختاره أبو حيان من التفخيم وزيادة
~~التقرير ما لا يخفى.

# وقوله تعالى: { ليس لها } أي النفس { من دون الله ولي
~~ولا شفيع } إما استئناف للإخبار بذلك أو في محل رفع صفة { نفس } أو
~~في محل نصب على الحالية من ضمير { كسبت } أو من { نفس } فإنه في قوة نفس
~~كافرة أو نفوس كثيرة واستظهر بعض الحالية. ومن { دون الله } متعلق
~~بمحذوف وقع حالا من { ولي } ، وقيل: خبرا لليس، و { لها } حينئذ
~~متعلق بمحذوف على البيان، ومن جعلها زائدة لم يعلقها بشيء، والمراد أنه
~~لا يحول بينها وبين الله تعالى بأن يدفع عقابه سبحانه عنها ولي ولا شفيع.

# { وإن تعدل } أي إن تفد تلك النفس { كل عدل } أي كل فداء. و
~~«كل» نصب على المصدرية لأنه بحسب ما يضاف إليه لا مفعول به، وقيل: إنه
~~صفة لمحذوف وهو بمعنى الكامل كقولك: هو رجل كل رجل أي كامل في الرجولية
~~والتقدير عدلا كل عدل. ورد بأن كلا بهذا المعنى يلزم التبعية والإضافة
~~إلى مثل المتبوع نعتا لا توكيدا كما في «التسهيل» ولا يجوز حذف موصوفة.

# وقوله تعالى: { لا يؤخذ منها } جواب الشرط، والفعل مسند إلى
~~الجار والمجرور كسير من البلد لا إلى ضمير العدل لأن العدل كما علمت مصدر
~~وليس بمأخوذ بخلافه في قوله تعالى:

# ولا يؤخذ منها عدل

# [البقرة: 48] فإنه فيه بمعنى المفدى به، وجوز كون الإسناد إلى ضميره
~~مرادا به الفدية على الاستخدام إلا أنه لا حاجة إليه مع صحة الإسناد إلى
~~الجار والمجرور، وبذلك يستغنى أيضا عن القول بكونه راجعا إلى المعدول
~~به المأخوذ من السياق.

# وقيل: معنى الآية وإن تقسط تلك النفس كل قسط في ذلك اليوم لا يقبل منها
~~لأن التوبة هناك غير مقبولة وإنما تقبل في الدنيا.

# { أولئك } أي المتخذون دينهم لعبا ولهوا المغترون بالحياة
~~الدنيا { الذين أبسلوا } أي حرموا الثواب وسلموا للعذاب أو بأحد
~~المعاني الباقية للإبسال { بما كسبوا } أي بسبب أعمالهم القبيحة
~~وعقائدهم الزائغة. واسم الإشارة مبتدأ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ms02825
~~ببعد درجة المشار إليهم في سوء الحال، وخبره الموصول بعده، والجملة
~~استئناف سيق إثر تحذير أولئك من الإبسال المذكور لبيان أنهم المبتلون
~~بذلك.

# وقوله سبحانه: { لهم شراب من حميم } استئناف آخر مبين لكيفية
~~الإبسال المذكور مبنى على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل: ماذا لهم حين
~~أبسلوا؟ فقيل: لهم شراب من حميم أي ماء حار يتجرجر ويتردد في بطونهم
~~ويتقطع به أمعاؤهم { وعذاب أليم } بنار تشتعل بأبدانهم كما هو
~~المتبادر من العذاب { بما كانوا يكفرون } أي بسبب كفرهم
~~المستمر في الدنيا، ويطلق الحميم على الماء البارد فهو ضد كما في
~~«القاموس». وجوز أبو البقاء أن تكون جملة { لهم شراب } حالا من
~~ضمير { أبسلوا } وان تكون خيرا لاسم / الإشارة ويكون { الذين }
~~نعتا له أو بدلا منه وأن تكون خبرا ثانيا، واختار كما يشير إليه
~~كلامه أن تكون الإشارة إلى النفوس المدلول عليها بنفس وجعلت الجملة لبيان
~~تبعة الإبسال، واختار كثير من المحققين ما أشرنا إليه. وترتيب ما ذكر من
~~العذابين على كفرهم مع أنهم معذبون بسائر معاصيهم أيضا حسبما ينطق به
~~قوله سبحانه: { بما كسبوا } لأنه العمدة في إيجاب العذاب والأهم في
~~باب التحذير أو أريد  كما قيل  بكفرهم ما هو أعم منه ومن مستتبعاته من
~~المعاصي.

### || [6.71]

# { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا
~~يضرنا } أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي أن
~~المشركين قالوا للمؤمنين: اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد صلى الله عليه
~~وسلم فقال الله تعالى: { قل } الخ. وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي
~~الله تعالى عنه حين دعاه ابنه عبد الرحمن إلى عبادة الأصنام. وفي توجيه
~~الأمر إليه صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى من تعظيم شأن المؤمنين أو أبي
~~بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أي أنعبد متجاوزين عبادة الله تعالى
~~الجامع لجميع صفات الألوهية التي من جملتها القدرة على النفع والضر ما لا
~~يقدر على نفعنا أن عبدناه ولا على ضرنا إذا تركناه، وأدنى مراتب
~~المعبودية القدرة على ms02826 ذلك.

# وفاعل { ندعوا } وكذا ما عطف عليه من قوله سبحانه: { ونرد
~~على أعقبنا } عام لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم ولغيره
~~وليس مخصوصا بالصديق رضي الله تعالى عنه بناء على أنه سبب النزول. وفي
~~الآية تغليب إذ لا يتصور الرد على العقب المراد به الرجوع إلى الشرك منه
~~صلى الله عليه وسلم. والمعنى أيليق بنا معشر المسلمين ذلك. والأعقاب جمع
~~عقب وهو مؤخر الرجل يقال: رجع على عقبه إذا انثنى راجعا. ويكنى به  كما
~~قيل  عن الذهاب من غير رؤية موضع القدم وهو ذهاب بلا علم بخلاف الذهاب
~~مع الإقبال؛ وقيل: الرد على الأعقاب بمعنى الرجوع إلى الضلال والجهل،
~~شركا أو غيره. والجمهور على الأول «والتعبير عن الرجوع إلى الشرك بالرد
~~على الأعقاب  كما قال شيخ الإسلام  لزيادة تقبيحه بتصويره بصورة ما هو
~~علم في القبح مع ما فيه من الإشارة إلى كون الشرك حالة قد تركت ونبذت
~~وراء الظهر. وإيثار { نرد } على نرتد لتوجيه الإنكار إلى الارتداد
~~برد الغير تصريحا بمخالفة المضلين وقطعا لاطماعهم الفارغة وإيذانا بأن
~~الارتداد من غير راد ليس في حيز الاحتمال ليحتاج إلى نفيه وإنكاره».

# { بعد إذ هدانا الله } أي إلى التوحيد والإسلام أو إلى سائر
~~ما يترتب عليه الفوز في الآخرة على ما قيل. والظرف متعلق بنرد مسوق
~~لتأكيد النكير لا لتحقيق معنى الرد وتصويره فقط وإلا لكفى أن يقال: بعد
~~إذ اهتدينا كأنه قيل: أنرد إلى ذلك بإضلال المضل بعد إذ هدانا الله الذي
~~لا هادي سواه. وليست الآية من باب التنازع فيما يظهر ولا أن جملة {
~~نرد } في موضع الحال من ضمير { ندعو } أي ونحن نرد وجوزه أبو البقاء.

# وقوله سبحانه: { كالذى استهوته الشيطين } نعت لمصدر
~~محذوف أي أنرد ردا مثل رد الذي استهوته الخ. وقدر الطبرسي «أندعو دعاء
~~مثل دعاء الذي» الخ وليس بشيء كما لا يخفى، وقيل: إنه في موضع الحال من
~~فاعل { نرد } أي أنرد على أعقابنا مشبهين بذلك.

# واعترضه صاحب «الفرائد» بأن حاصل الحالية أنرد في حال مشابهتنا ms02827 كقولك:
~~جاء زيد راكبا أي في حال ركوبه والرد ليس في حال المشابهة كما أن المجيء
~~في حال الركوب.

# وأجاب عنه الطيبي بأن الحال مؤكدة كقوله سبحانه:

# ثم وليتم مدبرين

# [التوبة: 25] فلا يلزم ذلك، ولا يخفى أنه في / حيز المنع. والاستهواء
~~استفعال من هوى في الأرض يهوي إذا ذهب كما هو المعروف في اللغة كأنها
~~طلبت هويه وحرصت عليه أي كالذي ذهبت به مردة الجن في المهامه والقفار.
~~والكلام من المركب العقلي أو من التمثيل حيث شبه فيه من خلص من الشرك ثم
~~نكص على عقبيه بحال من ذهبت به الشياطين في المهمه وأضلته بعد ما كان على
~~الجادة المستقيمة. وليس هذا مبنيا على زعمات العرب كما زعم من استهوته
~~الشياطين. وادعى بعضهم أن استهوى من هوى بمعنى سقط يقال: هوى يهوي هويا
~~بفتح الهاء إذا سقط من أعلى إلى أسفل. والمقصود «تشبيه حال هذا الضال
~~بحال من سقط من الموضع العالي إلى الوهدة السافلة العميقة لأنه في غاية
~~الاضطراب والضعف والدهشة. ونظير ذلك قوله تعالى:

# ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء

# [الحج: 31] وفيه بعد وإن قال الإمام: إنه أولى من المعنى الأول» مع أنه
~~يتوقف على ورود الاستفعال من هوى بهذا المعنى، وجوز أبو البقاء في «الذي»
~~أن يكون مفردا أي كالرجل أو كالفريق الذي وأن يكون جنسا. والمراد
~~الذين. قرأ حمزة { استهواه } بألف ممالة مع التذكير.

# { في الأرض } أي جنسها. والجار متعلق باستهوته أو بمحذوف وقع حالا
~~من مفعوله أي كائنا في الأرض. وكذا قوله سبحانه: { حيران } حال منه
~~أيضا على أنها بدل من الأولى أو حال ثانية عند من يجيزها أو من «الذي»
~~أو من المستكن في الظرف. وجوز أبو البقاء أن يكون الجار حالا من {
~~حيران } وهو ممنوع من الصرف ومؤنثه حيرى أي تائها ضالا عن الجادة
~~لا يدري ما يصنع.

# { له } أي للمستهوي { أصحب } أرى رفقة { يدعونه إلى
~~الهدى } أي الطريق المستقيم أطلق عليه مبالغة على حد  زيد عدل 
~~والجار الأول متعلق بمحذوف وقع ms02828 خبرا مقدما و { أصحب } مبتدأ،
~~والجملة إما في محل نصب على أنها صفة لحيران أو حال من الضمير فيه أو من
~~الضمير في الظرف أو بدل من الحال التي قبلها. وإما لا محل لها على أنها
~~مستأنفة، وجملة { يدعونه } صفة لأصحاب. وقوله سبحانه: { ائتنا }
~~يقدر فيه قول على أنه بدل من { يدعونه } أو حال من فاعله. وقيل:
~~محكي بالدعاء لأنه بمعنى القول.

# وهذا مبني على الخلاف بين البصريين والكوفيين في أمثال ذلك. والمشهور
~~التقدير أي يقول ائتنا. وفيه إشارة إلى أنهم مهتدون ثابتون على الطريق
~~المستقيم وأن من يدعونه ليس ممن يعرف الطريق ليدعى إلى إتيانه وإنما يدرك
~~سمت الداعي ومورد النعيق. وقرأ ابن مسعود كما رواه ابن جرير وابن
~~الأنباري عن أبي إسحق «بينا» على أنه حال من الهدى أي واضحا.

# { قل } لهؤلاء الكفار { إن هدى الله } الذي هدانا إليه وهو
~~الإسلام { هو الهدى } أي وحده كما يدل عليه تعريف الطرفين أو ضمير
~~الفصل وما عداه ضلال محض وغي صرف. وتكرير الأمر للاعتناء بشأن المأمور به
~~أو لأن ما سبق للزجر عن الشرك وهذا حث على الإسلام وهو توطئة لما بعده
~~فإن اختصاص الهدى بهداه تعالى مما يوجب امتثال الأوامر بعده { وأمرنا
~~} عطف على { إن هدى الله هو الهدى } داخل معه تحت القول.
~~واللام في قوله سبحانه: { لنسلم } للتعليل ومفعول { أمرنا } الثاني
~~محذوف أي أمرنا بالإخلاص لكي ننقاد ونستسلم { لرب العلمين } ،
~~وقيل: هي بمعنى الباء أي أمرنا بالإسلام. وتعقبه أبو حيان بأنه غريب لا
~~تعرفه النحاة، وقيل: زائدة أي أمرنا أن نسلم على حذف الباء، وقال الخليل
~~وسيبويه ومن / تابعهما: الفعل في هذا وفي نحو

# يريد الله ليبين لكم

# [النساء: 26] مؤول بالمصدر وهو مبتدأ واللام وما بعدها خبره أي أمرنا
~~للإسلام، وهو نظير  تسمع بالمعيدى خير من أن تراه  ولا يخفى بعده. وذهب
~~الكسائي والفراء إلى أن اللام حرف مصدري بمعنى أن بعد أردت وأمرت خاصة
~~فكأنه قيل: وأمرنا أن نسلم. والتعرض لوصف ربوبيته تعالى للعالمين لتعليل
~~الأمر وتأكيد ms02829 وجوب الامتثال به.

### || [6.72]

# وقوله تعالى: { وأن أقيموا الصلوة واتقوه } أي الرب في
~~مخالفة أمره سبحانه بتقدير حرف الجر وهو عطف على الجار والمجرور السابق،
~~وقد صرح بدخول أن المصدرية على الأمر سيبويه وجماعة، وجوز أن يعطف { أن
~~أقيموا } على موضع

# لنسلم

# [الأنعام: 71] كأنه قيل: أمرنا أن نسلم وأن أقيموا. وقيل: العطف على
~~مفعول الأمر المقدر أي أمرنا بالإيمان وإقامة الصلاة، وقيل: على قوله
~~تعالى:

# إن هدى الله

# [الأنعام: 71] الخ أي قل لهم إن هدى الله هو الهدى وأن أقيموا، وقيل:
~~على

# ائتنا

# [الأنعام: 71]، وقيل: غير ذلك. وذكر الإمام أنه كان الظاهر أن يقال:
~~أمرنا لنسلم ولأن نقيم إلا أنه عدل لما ذكر للإيذان «بأن الكافر ما دام
~~كافرا كان كالغائب الأجنبي فخوطب بما خوطب به الغيب وإذا أسلم ودخل
~~في زمرة المؤمنين صار كالقريب الحاضر فخوطب بما يخاطب به الحاضرون».

# وقوله سبحانه: { وهو الذى إليه تحشرون } جملة مستأنفة
~~موجبة للامتثال بما أمر به سبحانه من الأمور الثلاثة. وتقديم المعمول
~~لإفادة الحصر مع رعاية الفواصل أي إليه سبحانه لا إلى غيره تحشرون يوم
~~القيامة.

### || [6.73]

# { وهو الذى خلق السموات والأرض } أي هذين الأمرين
~~العظيمين. ولعله أريد بخلقهما خلق ما فيهما أيضا، وعدم التصريح بذلك
~~لظهور اشتمالهما على جميع العلويات والسفليات. وقوله سبحانه: { بالحق
~~} متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل { خلق } أي قائما بالحق، ومعنى الآية
~~حينئذ كما قيل كقوله تعالى:

# وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما بطلا

# [ص: 27] وجوز أن يكون حالا من المفعول أي متلبسة بالحق، وأن يكون صفة
~~لمصدر الفعل المؤكد أي خلقا متلبسا بالحق.

# { ويوم يقول كن فيكون قوله الحق } تذييل لما تقدم؛
~~والواو للاستئناف. واليوم بمعنى الحين متعلق بمحذوف وقع خبرا مقدما و {
~~قوله } مبتدأ و { الحق } صفته، والمراد بالقول المعنى المصدري أي
~~القضاء الصواب الجاري على وفق الحكمة فلذا صح الإخبار عنه بظرف الزمان أي
~~وقضاؤه سبحانه المعروف بالحقية كائن حين يقول سبحانه لشيء من الأشياء كن
~~فيكون ذلك الشيء وتقديم الخبر للاهتمام بعموم الوقت ms02830 كما قيل، ونفى السعد
~~كونه للحصر لعدم مناسبته وجعل التقديم لكونه الاستعمال الشائع. وتعقب بأن
~~المعروف الشائع تقديم الخبر الظرفي إذا كان المبتدأ نكرة غير موصوفة أو
~~نكرة موصوفة أما إذا كان معرفة فلم يقله أحد. وقيل: إن { قوله
~~الحق } مبتدأ وخبر و { يوم } ظرف لمضمون الجملة والواو بحسب المعنى
~~داخلة عليها والتقديم للاعتناء به من حيث إنه مدار الحقية، وترك ذكر
~~المقول له للثقة بغاية ظهوره. والمراد بالقول كلمة { كن } تحقيقا أو
~~تمثيلا. والمعنى وأمره سبحانه المتعلق بكل شيء يريد خلقه من الأشياء حين
~~تعلقه به لا قبله ولا بعده من أفراد الأحيان الحق أي المشهود له بالحقية،
~~وقيل: إن الواو للعطف و { يوم } إما معطوف على { السموات } فهو
~~مفعول لخلق مثله، والمراد به يوم الحشر أي وهو الذي أوجد السماوات والأرض
~~وما فيهما / وأوجد يوم الحشر والمعاد، وإما على الهاء في

# واتقوه

# [الأنعام: 72] فهو مفعول به مثله أيضا، والكلام على حذف مضاف أي اتقوا
~~الله تعالى واتقوا هول ذلك اليوم وعقابه فزعه. وإما متعلق بمحذوف دل عليه
~~{ بالحق } أي يقوم بالحق يوم الخ، وهو إعراب متكلف كما قال أبو حيان.
~~وقيل: إنه معطوف على { بالحق } وهو ظرف لخلق أي خلق السماوات والأرض
~~بعظمها حين قال كن فكان. والتعبير بصيغة الماضي إحضار للأمر البديع. وفيه
~~أنه يتوقف على صحة عطف الظرف على الحال بناء على أن الحال ظرف في المعنى
~~وهو تكلف. و { قوله الحق } مبتدأ وخبر أو فاعل (يكون) على معنى
~~وحين يقول لقوله الحق أي لقضائه كن فيكون. والمراد به حين يكون الأشياء
~~ويحدثها أو حين يقوم القيامة فيكون التكوين إحياء الأموات للحشر وقيل غير
~~ذلك فتدبر.

# { وله الملك يوم ينفخ فى الصور } أي استقر الملك له
~~في ذلك اليوم صورة ومعنى بانقطاع العلائق المجازية الكائنة في الدنيا
~~المصححة للمالكية في الجملة فلا يدعيه غيره بوجه. والصور قرن ينفخ فيه
~~كما ثبت في الأحاديث والله تعالى أعلم بحقيقته. وقد فصلت أحواله في «كتب
~~السنة». وصاحبه إسرافيل عليه ms02831 السلام على المشهور. وأخرج البزار والحاكم
~~عن أبي سعيد الخدري مرفوعا أن ملكين موكلين بالصور ينتظران متى يؤمران
~~فينفخان. وقرأ قتادة «في الصور» جمع صورة والمراد بها الأبدان التي تقوم
~~بعد نفخ الروح فيها لرب العالمين.

# { علم الغيب والشهدة } أي كل غيب وشهادة { وهو
~~الحكيم } في كل ما يفعله { الخبير } بجميع الأمور الخفية
~~والجلية. والجملة تذييل لما تقدم وفيه لف ونشر مرتب.

# هذا ومن باب الاشارة في الآيات { وعنده مفاتح الغيب لا
~~يعلمها إلا هو }. اعلم أن بعض ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى
~~أسرارهم ذكروا أن للغيب مراتب، أولاها غيب الغيوب وهو علم الله تعالى
~~المسمى بالعناية الأولى. وثانيتها غيب عالم الأرواح وهو انتقاش صورة كل
~~ما وجد وسيوجد من الأزل إلى الأبد في العالم الأول العقلي الذي هو روح
~~العالم المسمى بأم الكتاب على وجه كلي وهو القضاء السابق. وثالثتها غيب
~~عالم القلوب وهو ذلك الانتقاش بعينه مفصلا تفصيلا علميا كليا وجزئيا
~~في عالم النفس الكلية التي هي قلب العالم المسمى باللوح المحفوظ.
~~ورابعتها غيب عالم الخيال وهو انتقاش الكائنات بأسرها في النفوس الجزئية
~~الفلكية منطبعة في اجرامها معينة مشخصة مقارنة لأوقاتها على ما يقع
~~بعينه. وذلك العالم هو الذي يعبر عنه بالسماء الدنيا إذ هو أقرب مراتب
~~الغيوب إلى عالم الشهادة ولوح القدر الإلهي الذي هو تفصيل قضائه سبحانه،
~~وذكروا أن علم الله تعالى الذي هو العناية الأولى عبارة عن إحاطته سبحانه
~~بالكل حضورا فالخزائن المشتملة على جميع الغيوب حاضرة لذاته وليس هناك
~~شيء زائد ولا يعلمها إلا هو سبحانه. وكذا أبواب تلك الخزائن مغلقة
~~ومفاتيحها بيده تعالى لا يطلع على ما فيها أحد غيره عز وجل وقد يفتح منها
~~ما شاء لمن يشاء. هذا وقد يقال: حقق كثير من الراسخين في العلم أن حقائق
~~الأشياء وماهياتها ثابتة في الأزل وهي في ثبوتها غير مجعولة وإنما
~~المجعول الصور الوجودية وهي لا تتبدل ولا تتغير ولا تتصف بالهلاك أصلا
~~كما يشير إليه قوله تعالى:

# كل شيء هالك إلا وجهه ms02832

# [القصص: 88] بناء على عود الضمير إلى الشيء وتفسير الوجه بالحقيقة وعلم
~~الله تعالى بها حضوري وهي كالمرايا لصورها الحادثة فتكون تلك الصور
~~مشهودة لله تعالى أزلا مع عدمها في نفسها ذهنا وخارجا، وقد بينوا
~~انطواء العلم بها في العلم بالذات بجميع اعتباراته التي منها كونه سبحانه
~~مبدأ / لإفاضة وجوداتها عليها بمقتضى الحكمة فيمكن أن يقال: إن المفاتح
~~بمعنى الخزائن إشارة إلى تلك الماهيات الأزلية التي هي كالمرايا لما غاب
~~عنا من الصور وتلك حاضرة عنده تعالى أزلا ولا يعلمها علما حضوريا غير
~~محتاج إلى صورة ظلية إلا هو جل وعلا، وهذا ظاهر لمن أخذت العناية بيده.

# { ويعلم ما فى البر } أي بر النفوس من ألوان الشهوات ومراتبها
~~{ والبحر } أي بحر القلوب من لآلىء الحكم ومرجان العرفان. { وما
~~تسقط من ورقة } من أوراق أشجار اللطف والقهر في مهيع النفس وخصم
~~القلب { إلا يعلمها } في سائر أحوالها. { ولا حبة } من بذر
~~الجلال والجمال { فى ظلمت الأرض } وهو عالم الطبائع والأشباح {
~~ولا رطب } من الإلهامات التي ترد على القلب بلطف من غير انزعاج {
~~ولا يابس } من الوساوس والخطرات التي تفزع منها النفس حين ترد عليها

# إلا فى كتب مبين

# [الأنعام: 59] وهو علمه سبحانه الجامع، وبعضهم لم يؤول شيئا من
~~المذكورات وفسر الكتاب بسماء الدنيا لتعين هذه الجزئيات فيها، ويمكن أن
~~يقال إن الكتاب إشارة إلى ماهيات الأشياء وهي المسماة بالأعيان الثابتة،
~~ومعنى كونها فيها ما أشرنا إليه أن تلك الأعيان كالمرايا لهذه الموجودات
~~الخارجية { وهو الذى يتوفكم باليل } أي ينيمكم وقيل:
~~يتوفاكم بطيران أرواحكم في الملكوت وسيرها في رياض حضرات اللاهوت. وقيل:
~~يمكن أن يكون المعنى وهو الذي يضيق عليكم إلى حيث يكاد تزهق أرواحكم في
~~ليل القهر وتجلي الجلال { ويعلم ما جرحتم } أي كسبتم {
~~بالنهار } من الأعمال مطلقا، وقيل من الأعمال الشاقة على النفس
~~المؤلمة لها كالطاعات. وقيل: يحتمل أن يكون المعنى ويعلم ما كسبتموه
~~بنهار التجلي الجمالي من الأنس أو شوارد العرفان { ثم يبعثكم
~~فيه } أي فيما جرحتم من صور أعمالكم ms02833 ومكاسبكم الحسنة والقبيحة، وقيل
~~الحسنة، وقيل فيما كسبتموه في نهار التجلي، وأول الأقوال هنا وفيما تقدم
~~أولى { ليقضى أجل مسمى } أي معين عنده { ثم إليه
~~مرجعكم } في عين الجمع المطلق

# ثم ينبئكم بما كنتم تعملون

# [الأنعام: 60] بإظهار صور أعمالكم عليكم وجزائكم بها { وهو
~~القاهر فوق عباده } لأنه الوجود المطلق حتى عن قيد الإطلاق
~~وله الظهور حسبما تقتضيه الحكمة ولا تقيده المظاهر

# والله من ورائهم محيط

# [البروج: 20]. { ويرسل عليكم حفظة } وهي القوى التي ينطبع
~~فيها الخير والشر ويصير هيئة أو ملكة ويظهر عند انسلاخ الروح ويتمثل بصور
~~مناسبة أو القوى السماوية التي تنتقش فيها الصور الجزئية ولا تغادر صغيرة
~~ولا كبيرة

# حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا

# [الأنعام: 61] قيل: هم نفس أولئك الحفظة وقد أودع الله تعالى فيهم
~~القدرة على التوفي { ثم ردوا إلى الله } في عين الجمع
~~المطلق { مولهم } أي مالكهم الذي يلي سائر أحوالهم إذ لا وجود لها
~~إلا به { الحق } وكل ما سواه باطل.

# وذكر بعض أهل الإشارة أن هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى بناء على أن
~~الله تعالى أخبر برجوع العبد إليه سبحانه وخروجه من سجن الدنيا وأيدي
~~الكاتبين واصفا نفسه له بأنه مولاه الحق المشعر بأن غيره سبحانه لا يعد
~~مولى حقا، ولا شك أنه لا أعز للعبد من أن يكون مرده إلى مولاه

# ألا له الحكم وهو أسرع الحسبين

# [الأنعام: 62] إذ ظهور الأعمال بالصور المناسبة آن مفارقة الروح للجسد.
~~{ قل من ينجيكم من ظلمت البر } وهي الغواشي النفسانية
~~{ والبحر } وهي حجب صفات القلب { تدعونه } إلى كشفها {
~~تضرعا } في نفوسكم { وخفية } في أسراركم { لئن أنجنا
~~من هذه } الغواشي والحجب

# لنكونن من الشكرين

# [الأنعام: 63] نعمة الإنجاء بالاستقامة والتمكين { قل الله
~~ينجيكم منها } بأنوار تجليات صفاته { ومن كل كرب } سوى
~~ذلك بأن / يمن عليكم بالفناء { ثم أنتم } بعد علمكم بقدرته تعالى
~~على ذلك

# تشركون

# [الأنعام: 64] به أنفسكم وأهواءكم فتعبدونها { قل هو القادر
~~على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } بأن يحجبكم عن
~~النظر في الملكوت ms02834 أو بأن يقهركم باحتجابكم بالمعقولات والحجب الروحانية {
~~أو من تحت أرجلكم } بأن لا يسهل عليكم القيام على باب
~~الربوبية بنعت الخدمة وطلب الوصلة أو بأن يحجبكم بالحجب الطبيعية { أو
~~يلبسكم شيعا } فرقا مختلفة كل فرقة على دين قوة من القوى تقابل
~~الفرقة الأخرى أو يجعل أنفسكم مختلفة العقائد كل فرقة على دين دجال

# ويذيق بعضكم بأس بعض

# [الأنعام: 65] بالمنازعات والمجادلات حسبما يقتضيه الاختلاف { لكل
~~نبإ } أي ما ينبأ عنه { مستقر } أي محل وقوع واستقرار

# وسوف تعلمون

# [الأنعام: 67] حين يكشف عنكم حجب أبدانكم { وإذا رأيت الذين
~~يخوضون في آيتنا } بإظهار صفات نفوسهم وإثبات العلم والقدرة
~~لها

# فأعرض عنهم

# [الأنعام: 68] لأنهم محجوبون مشركون { وما على الذين يتقون
~~} وهم المتجردون عن صفاتهم { من حسابهم } أي من حساب هؤلاء
~~المحجوبين { من شيء ولكن ذكرى } أي فليذكروهم بالزجر والردع

# لعلهم يتقون

# [الأنعام: 69] يحترزون عن الخوض. وجوز أن يكون المعنى أن المتجردين لا
~~يحتجبون بواسطة مخالطة المحجوبين ولكن ذكرناهم لعلهم يزيدون في التقوى {
~~وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } أي اترك
~~الذين عادتهم اللعب واللهو الخ فإنهم قد حجبوا بما رسخ فيهم عن سماع
~~الإنذار وتأثيره فيهم { وذكر به } أي بالقرآن كراهة { أن تبسل
~~نفس بما كسبت } أي تحجب بكسبها بأن يصير لها ملكة أي ذكر من لم
~~يكن دينه اللعب واللهو لئلا يكون دينه ذلك وأما من وصل إلى ذلك الحد فلا
~~ينفعه التذكير { أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا
~~لهم شراب من حميم } وهو شدة الشوق إلى الكمال

# وعذاب أليم

# [الأنعام: 70] وهو الحرمان عنه بسبب الاحتجاب بما كسبوا { قل
~~أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } أي
~~أنعبد من ليس له قدرة على شيء أصلا إذ لا وجود له حقيقة { ونرد
~~على أعقبنا } بالشرك { بعد إذ هدانا الله } إلى
~~التوحيد الحقيقي { كالذى استهوته الشيطين } من الوهم
~~والتخيل { فى الأرض } أي أرض الطبيعة ومهامه النفس { حيران } لا
~~يدري أين يذهب { له أصحب } من الفكر والقوى النظرية {
~~يدعونه إلى الهدى } الحقيقي يقولون { ائتنا } فإن الطريق ms02835
~~الحق عندنا وهو لا يسمع { قل إن هدى الله } وهو طريق التوحيد {
~~هو الهدى } وغيره غيره

# وأمرنا لنسلم لرب العلمين

# [الأنعام: 71] بمحو صفاتنا { وأن أقيموا الصلوة } الحقيقية
~~وهو الحضور القلبي. قال ابن عطاء: إقامة الصلاة حفظها مع الله تعالى
~~بالأسرار { واتقوه } أي اجعلوه سبحانه وقاية بالتخلص عن وجودكم

# وهو الذى إليه تحشرون

# [الأنعام: 72] بالفناء فيه سبحانه { وهو الذى خلق
~~السموات } أي سماوات الأرواح { والأرض } أي أرض الجسم {
~~بالحق } أي قائما بالعدل الذي هو مقتضى ذاته { ويوم يقول كن
~~فيكون } وهو وقت تعلق إرادته سبحانه القديمة بالظهور في التعينات {
~~قوله الحق } لاقتضائه ما اقتضاه على أحسن نظام وليس في الإمكان
~~أبدع مما كان { وله الملك يوم ينفخ فى الصور } وهو وقت
~~إفاضة الأرواح على صور المكنونات التي هي ميتة بأنفسها بل لا وجود لها
~~ولا حياة. { علم الغيب } أي حقائق عالم الأرواح ويقال له
~~الملكوت { والشهدة } أي صور عالم الأشباح ويقال له الملك {
~~وهو الحكيم } الذي أفاض على القوابل حسب القابليات

# الخبير

# [الأنعام: 73] بأحوالها ومقدار قابلياتها لا حكيم غيره ولا خبير سواه.

### || [6.74]

# / { وإذ قال إبرهيم } نصب عند بعض المحققين على أنه مفعول به
~~لفعل مضمر خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم معطوف على

# قل أندعوا

# [الأنعام: 71] لا على

# أقيموا

# [الأنعام: 72] لفساد المعنى أي واذكر يا محمد لهؤلاء الكفار بعد أن
~~أنكرت عليهم عبادة ما لا يقدر على نفع ولا ضر وحققت أن الهدى هو هدى الله
~~تعالى وما يتبعه من شؤونه تعالى وقت قول إبراهيم عليه السلام الذي يدعون
~~أنهم على ملته موبخا.

# { لأبيه آزر } على عبادة الأصنام فإن ذلك مما يبكتهم وينادي بفساد
~~طريقتهم. وآزر بزنة آدم علم أعجمي لأبي إبراهيم عليه السلام وكان من قرية
~~من سواد الكوفة، وهو بدل من «إبراهيم» أو عطف بيان عليه. وقال الزجاج:
~~ليس بين النسابين اختلاف في أن اسم أبي إبراهيم عليه السلام تارح بتاء
~~مثناة فوقية وألف بعدها راء مهملة مفتوحة وحاء مهملة ويروى بالخاء
~~المعجمة. وأخرج ابن المنذر بسند ms02836 صحيح عن ابن جريج أن اسمه تيرح أو تارح.
~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ان اسم أبي إبراهيم
~~عليه الصلاة والسلام يازر واسم أمه مثلى. وإلى كون آزر ليس اسما له ذهب
~~مجاهد وسعيد بن المسيب وغيرهما. واختلف الذاهبون إلى ذلك فمنهم من قال:
~~إن ءازر لقب لأبيه عليه السلام. ومنهم من قال: اسم جده. ومنهم من قال:
~~اسم عمه والعم والجد يسميان أبا مجازا. ومنهم من قال: هو اسم صنم. وروي
~~ذلك عن ابن عباس والسدى ومجاهد رضي الله تعالى عنهم. ومنهم من قال: هو
~~وصف في لغتهم ومعناه المخطىء. وعن سلمان التيمي قال: بلغني أن معناه
~~الأعوج. وعن بعضهم أنه الشيخ الهرم بالخوازرمية. وعلى القول بالوصفية
~~يكون منع صرفه للحمل على موازنه وهو فاعل المفتوح العين فإنه يغلب منه
~~صرفه لكثرته في الأعلام الأعجمية. وقيل: الأولى أن يقال: إنه غلب عليه
~~فألحق بالعلم. وبعضهم يجعله نعتا مشتقا من الأزر بمعنى القوة أو الوزر
~~بمعنى الإثم. ومنع صرفه حينئذ للوصفية ووزن الفعل لأنه على وزن أفعل.
~~وعلى القول بأنه بمعنى الصنم يكون الكلام على حذف مضاف وإقامة المضاف
~~إليه مقامه أي عابد آزر. وقرأ يعقوب { آزر } على النداء. واستدل بذلك
~~على العلمية بناء على أنه لا يحذف حرف النداء إلا من الأعلام وحذفه من
~~الصفات شاذ أي يا آزر.

# { أتتخذ أصناما آلهة } أي أتجعلها لنفسك ءالهة على توجيه
~~الإنكار إلى اتخاذ الجنس من غير اعتبار الجمعية وإنما إيراد صيغة (الجنس)
~~باعتبار الوقوع. وقرىء { أأزرا } بهمزتين الأولى استفهامية مفتوحة
~~والثانية مفتوحة ومكسورة وهي إما أصلية أو مبدلة من الواو.

# ومن قرأ بذلك قرأ { تتخذ } بإسقاط الهمزة وهو مفعول به لفعل محذوف
~~أي أتعبد ازرا على أنه اسم صنم ويكون { تتخذ } الخ بيانا لذلك
~~وتقريرا وهو داخل تحت الإنكار أو مفعول له على أنه بمعنى القوة أي
~~ألأجل القوة تتخذ أصناما آلهة. والكلام إنكار لتعززه بها على طريقة
~~قوله تعالى:

# أيبتغون عندهم العزة

# [النساء: 139] وجوز ms02837 أن يكون حالا أو مفعولا ثانيا لتتخذ.

# وأعرب بعضهم «ءازر» على قراءة الجمهور على أنه مفعول لمحذوف وهو بمعنى
~~الصنم أيضا أي أتعبد ءازر، وجعل قوله سبحانه { أتتخذ } الخ
~~تفسيرا وتقريرا بمعنى أنه قرينة على الحذف لا بمعنى التفسير المصطلح
~~عليه في باب الاشتغال لأن ما بعد الهمزة لا يعمل فيما قبلها وما لا يعمل
~~لا يفسر عاملا كما تقرر عندهم. والذي عول عليه الجم الغفير من أهل السنة
~~أن ءازر لم يكن والد إبراهيم عليه السلام وادعوا أنه ليس في آباء النبي
~~صلى الله عليه وسلم كافر / أصلا لقوله عليه الصلاة والسلام

# " لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات والمشركون نجس "

# ، وتخصيص الطهارة بالطهارة من السفاح لا دليل له يعول عليه. والعبرة
~~لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. وقد ألفوا في هذا المطلب الرسائل واستدلوا
~~له بما استدلوا، والقول بأن ذلك قول الشيعة كما ادعاه الإمام الرازي
~~ناشىء من قلة التتبع، وأكثر هؤلاء على أن ءازر اسم لعم إبراهيم عليه
~~السلام، وجاء إطلاق الأب على العم في قوله تعالى:

# أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال
~~لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلهك
~~وإله آبائك

# [البقرة: 133] وفيه إطلاق الأب على الجد أيضا.

# وعن محمد بن كعب القرظي أنه قال: الخال والد والعم والد وتلا هذه الآية.
~~وفي الخبر «ردوا على أبي العباس» وأيد بعضهم دعوى أن أبا إبراهيم عليه
~~السلام الحقيقي لم يكن كافرا وإنما الكافر عمه بما أخرجه ابن المنذر في
~~«تفسيره» بسند صحيح عن سليمان بن صرد قال: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم
~~عليه السلام من النار جعلوا يجمعون الحطب حتى إن كانت العجوز لتجمع الحطب
~~فلما تحقق ذلك قال: حسبي الله تعالى ونعم الوكيل فلما ألقوه قال الله
~~تعالى:

# قلنا ينار كونى بردا وسلما على إبرهيم

# [الأنبياء: 69] فكانت فقال عمه من أجلي دفعه عنه فأرسل الله تعالى عليه
~~شرارة من النار فوقعت على قدمه فأحرقته. وبما أخرج عن محمد بن كعب وقتادة ms02838
~~ومجاهد والحسن وغيرهم أن إبراهيم عليه السلام لم يزل يستغفر لأبيه حتى
~~مات فلما مات تبين له أنه عدو لله فلم يستغفر له ثم هاجر بعد موته وواقعة
~~النار إلى الشام ثم دخل مصر واتفق له مع الجبار ما اتفق ثم رجع إلى الشام
~~ومعه هاجر ثم أمره الله تعالى أن ينقلها وولدها إسمعيل إلى مكة فنقلهما
~~ودعا هناك فقال:

# ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع
~~عند بيتك المحرم

# [إبراهيم: 37] إلى قوله:

# ربنا اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين يوم يقوم
~~الحساب

# [إبراهيم: 41] فإنه يستنبط من ذلك أن المذكور في القرءان بالكفر هو عمه
~~حيث صرح في الأثر الأول أن الذي هلك قبل الهجرة هو عمه ودل الأثر الثاني
~~على أن الاستغفار لوالديه كان بعد هلاك أبيه بمدة مديدة فلو كان الهالك
~~هو أبوه الحقيقي لم يصح منه عليه السلام هذا الاستغفار له أصلا؛ فالذي
~~يظهر أن الهالك هو العم الكافر المعبر عنه بالأب مجازا وذلك لم يستغفر
~~له بعد الموت وأن المستغفر له إنما هو الأب الحقيقي وليس بآزر، وكان في
~~التعبير بالوالد في آية الاستغفار وبالأب في غيرها إشارة إلى المغايرة.

# ومن الناس من احتج على أن آزر ما كان والد إبراهيم عليه السلام بأن هذه
~~دالة على أن عليه السلام شافهه بالغلظة والجفاء لقوله تعالى فيها: {
~~إنى أراك وقومك } أي الذين يتبعونك في عباداتها { فى ضلل
~~} عظيم عن الحق { مبين } أي ظاهر لا اشتباه فيه أصلا، ومشافهة الأب
~~بالجفاء لا يجوز لما فيه من الإيذاء. وآية التأفيف بفحواها تعم سائر
~~أنواع الإيذاءات كعمومها للأب الكافر والمسلم. وأيضا إن الله تعالى لما
~~بعث موسى عليه السلام إلى فرعون أمره بالرفق معه والقول اللين له رعاية
~~لحق التربية وهي في الوالد أتم. وأيضا الدعوة بالرفق أكثر تأثيرا فإن
~~الخشونة توجب النفرة فلا تليق من غير إبراهيم عليه السلام مع الأجانب
~~فكيف تليق منه مع أبيه وهو الأواه الحليم. وأجيب بأن هذا ليس من الإيذاء
~~المحرم في شيء وليس ms02839 مقتضى المقام إلا ذاك ولا نسلم أن الداعي لأمر موسى
~~عليه السلام باللين مع فرعون مجرد رعاية حق التربية وقد يقسو / الإنسان
~~أحيانا على شخص لمنفعته كما قال أبو تمام:

# فقسا ليزدجروا ومن يك حازما

# فليقس أحيانا على من يرحم

# وقال أبو العلاء المعري:

# اضرب وليدك وادلله على رشد

# ولا تقل هو طفل غير محتلم

# فرب شق برأس جر منفعة

# وقس على شق رأس السهم والقلم

# وقال ابن خفاجة الأندلسي:

# نبه وليدك من صباه بزجره

# فلربما أغفى هناك ذكاؤه

# وانهره حتى تستهل دموعه

# في وجنتيه وتلتظي أحشاؤه

# فالسيف لا يذكو بكفك ناره

# حتى يسيل بصفحتيه ماؤه

# وكون الرفق أكثر تأثيرا غير مسلم على الإطلاق فإن المقامات متفاوتة كما
~~ينبىء عن ذلك قوله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام تارة:

# وجدلهم بالتى هى أحسن

# [النحل: 125] وأخرى

# واغلظ عليهم

# [التوبة: 73] نعم لو ادعى أن ما ذكر مؤيد لكون آزر ليس أبا حقيقيا
~~لإبراهيم عليه السلام لربما قبل وحيث ادعى أنه حجة على ذلك فلا يقبل
~~فتدبر.

# والرؤية إما علمية والظرف مفعولها الثاني وإما بصرية فهو حال من المفعول
~~والجملة تعليل للإنكار والتوبيخ ومنشأ ضلال عبدة الأصنام -على ما يفهم من
~~كلام أبي معشر جعفر بن محمد المنجم البلخي في بعض كتبه -اعتقاد أن الله
~~تعالى جسم. فقد نقل عنه الإمام أنه قال: «إن كثيرا من أهل الصين والهند
~~كانوا يثبتون الإله والملائكة إلا أنهم يعتقدون أنه سبحانه جسم ذو صورة
~~كأحسن ما يكون من الصور وللملائكة أيضا صور حسنة إلا أنهم كلهم محتجبون
~~عنا بالسماوات فلا جرم اتخذوا صورا وتماثيل أنيقة المنظر حسنة الرؤيا
~~والهيكل وجعلوا الأحسن هيكل الإله وما دونه هيكل الملك وواظبوا على
~~عبادة ذلك قاصدين الزلفى من الله تعالى ومن الملائكة». وذكر الإمام نفسه
~~في أصل عبادة الأصنام أن الناس رأوا تغيرات أحوال هذا العالم الأسفل
~~مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب فزعموا ارتباط السعادة والنحوسة بكيفية
~~وقوعها في الطوالع ثم غلب على ظن أكثر الخلق أن مبدأ حدوث الحوادث في هذا ms02840
~~العالم هو الاتصالات الفلكية والمناسبات الكوكبية فبالغوا في تعظيم
~~الكواكب. ثم منهم من اعتقد أنها واجبة الوجود لذاتها. ومنهم من اعتقد
~~حدوثها وكونها مخلوقة للإله الأكبر إلا أنهم قالوا: إنها مع ذلك هي
~~المدبرة لأحوال العالم. وعلى كلا التقديرين اشتغلوا بعبادتها. ولما رأوها
~~قد تغيب عن الأبصار اتخذوا لكل كوكب صنما من الجوهر المنسوب إليه بزعمهم
~~وأقبلوا على عبادته وغرضهم من ذلك عبادة تلك الكواكب والتقرب إليها.
~~ولهذا أقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الأدلة على أن الكواكب لا
~~تأثير لها البتة في أحوال هذا العالم كما قال سبحانه

# ألا له الخلق والأمر

# [الأعراف: 54] بعد أن بين أن الكواكب مسخرة. وعلى أنها لو قدر صدور فعل
~~منها وتأثير في هذا العالم لا تخلو عن دلائل الحدوث وكونها مخلوقة فيكون
~~الاشتغال بعبادة الفرع دون عبادة الأصل ضلالا محضا ويرشد إلى أن حاصل
~~دين عبدة الأصنام ما ذكر أنه سبحانه بعد أن حكى توبيخ إبراهيم عليه
~~السلام لأبيه على اتخاذها أقام الدليل على أن الكواكب والقمر لا يصلح شيء
~~منها للإلهية. وأنا أقول: لعل هذا سبب في عبادة الأصنام أولا / وأما
~~سبب عبادة العرب لها فغير ذلك. قال ابن هشام: «حدثني بعض أهل العلم أن
~~عمرو بن لحي  وهو أول من غير دين إبراهيم عليه السلام  خرج من مكة إلى
~~الشام في بعض أسفاره فلما قدم [مآب] من أرض البلقاء وبها يومئذ العمالقة
~~أولاد عملاق ويقال عمليق بن لاوذ [بن إرم] بن سام بن نوح عليه
~~السلام رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذه التي أراكم تعبدون؟ فقالوا:
~~هذه الأصنام نعبدها ونستمطر بها فتمطرنا ونستنصر بها فتنصرنا فقال لهم:
~~ألا تعطوني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنما
~~يقال له هبل فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته.

# وقال ابن إسحق: يزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل
~~عليه السلام وذلك أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم
~~والتمسوا الفسح في البلاد إلا ms02841 حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما
~~للحرم فحيث ما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة [حتى سلخ ذلك بهم
~~إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم] حتى خلفهم الخلف
~~ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام غيره
~~فعبدوا الأوثان فصاروا على ما كانت الامم قبلهم من الضلالات»، وسيأتي إن
~~شاء الله تعالى تتمة الكلام على ذلك.

### || [6.75]

# { وكذلك نرى إبرهيم } هذه الإراءة من الرؤية البصرية
~~المستعارة استعارة لغوية للمعرفة من إطلاق السبب على المسبب أي عرفناه
~~وبصرناه، وكان الظاهر أرينا بصيغة الماضي إلا أنه عدل إلى صيغة المستقبل
~~حكاية للحال الماضية استحضارا لصورتها حتى كأنها حاضرة مشاهدة، وقيل: إن
~~التعبير بالمستقبل لأن متعلق الإراءة لا يتناهى وجه دلالته فلا يمكن
~~الوقوف على ذلك إلا بالتدريج وليس بشيء. والإشارة إلى مصدر «نري» لا إلى
~~إراءة أخرى مفهومة من قوله تعالى:

# إنى أراك

# [الأنعام: 74] ولا إلى ما أنذر به أباه وضلل قومه من المعرفة والبصارة.
~~وجوز كل، وقيل: يجوز أن يجعل المشبه التبصير من حيث إنه واقع والمشبه به
~~التبصير من حيث إنه مدلول اللفظ، ونظيره وصف النسبة بالمطابقة للواقع وهي
~~عين الواقع، وجوز كون الكاف بمعنى اللام والإشارة إلى القول السابق، وأنت
~~تعلم ما هو الأجزل والأولى مما تقدم لك في نظائره وليس هو إلا الأول أي
~~ذلك التبصير البديع نبصره عليه السلام.

# { ملكوت السموات والأرض } أي ربوبيته تعالى ومالكيته
~~لهما لا تبصيرا آخر أدنى منه، «فالملكوت مصدر كالرغبوت والرحموت  كما
~~قاله ابن مالك وغيره من أهل اللغة  وتاؤه زائدة للمبالغة ولهذا فسر
~~بالملك العظيم والسلطان القاهر، وهو  كما قال الراغب  مختص به تعالى»
~~خلافا لبعضهم. وعن مجاهد أن المراد بالملكوت الآيات، وقيل: العجائب التي
~~في السماوات والأرض فإنه عليه السلام فرجت له السماوات السبع فنظر إلى ما
~~فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش وفرجت له الأرضون السبع فنظر إلى ما
~~فيهن. وأخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: قال رسول الله ms02842
~~صلى الله عليه وسلم

# " لما رأى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض أشرف على رجل على معصية من
~~معاصي الله تعالى فدعا عليه فهلك ثم أشرف على آخر على معصية من معاصي
~~الله تعالى فدعا عليه فهلك ثم أشرف على آخر فذهب يدعو عليه فأوحى الله
~~تعالى إليه أن يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدع على عبادي فإنهم
~~مني على ثلاث، إما أن يتوب العاصي فأتوب عليه، وإما أن أخرج من صلبه نسمة
~~تملأ الأرض بالتسبيح وإما أن أقبضه إلي فإن شئت عفوت وإن شئت عاقبت "

# وروي نحوه موقوفا ومرفوعا من طرق شتى ولا خلاف فيها لدلائل المعقول
~~خلافا لمن توهمه، وقيل: ملكوت السماوات: الشمس والقمر والنجوم. وملكوت
~~الأرض: الجبال والأشجار والبحار./ وهذه الأقوال  على ما قيل  لا تقتضي
~~أن تكون الإراءة بصرية إذ ليس المراد بإراءة ما ذكر من الأمور الحسية
~~مجرد تمكينه عليه السلام من إبصارها ومشاهدتها في أنفسها بل اطلاعه عليه
~~السلام على حقائقها وتعريفها من حيث دلالتها على شؤونه عز وجل، ولا ريب
~~في أن ذلك ليس مما يدرك حسا كما ينبىء عنه التشبيه السابق.

# وقرىء «تري» بالتاء وإسناد الفعل إلى الملكوت أي تبصره عليه السلام
~~دلائل الربوبية.

# { وليكون من الموقنين } أي من زمرة الراسخين في الإيقان
~~البالغين درجة عين اليقين من معرفة الله تعالى، وهذا لا يقتضي سبق الشك
~~كما لا يخفى، واللام متعلقة بمحذوف مؤخر، والجملة اعتراض مقرر لما قبلها
~~أي وليكون كذلك فعلنا ما فعلنا من التبصير البديع المذكور، والحصر
~~باعتبار أن هذا الكون هو المقصود الأصلي من ذلك التبصير ونحو إرشاد الخلق
~~وإلزام الكفار من مستتبعاته، وبعضهم لم يلاحظ ذلك فقدر الفعل مقدما لعدم
~~انحصار العلة فيما ذكر. وقيل: هي متعلقة بالفعل السابق، والجملة معطوفة
~~على علة مقدرة ينسحب عليها الكلام أي ليستدل [بها] وليكون. واعترض بأن
~~الاستدلال مع قطع النظر عن كونه سببا للالتفات لا يكون علة للإراءة فكيف
~~يعطف عليه بإعادة اللام وليس بشيء، وادعى بعضهم أنه ينبغي على ذلك ms02843 أن
~~يراد بملكوت السموات والأرض بدائعهما وآياتهما لأن الاستدلال من غايات
~~إراءتها لا من غاية إراءة نفس الربوبية، وأنت تعلم أن رؤية الربوبية إنما
~~هي برؤية دلائلها وآثارها. ومن الناس من جوز كون الواو زائدة واللام
~~متعلقة بما قبل وفيه بعد وإن ذكروه وجها كالأولين في كل ما جاء في
~~القرآن من هذا القبيل.

### || [6.76]

# وقوله تعالى: { فلما جن عليه اليل } يحتمل أن يكون عطفا
~~على

# وإذ قال إبرهيم

# [الأنعام: 74] وما بينهما اعتراض مقرر لما سبق ولحق، فإن تعريفه عليه
~~السلام ربوبيته ومالكيته تعالى للسماوات والأرض وما فيهن وكون الكل
~~مقهورا تحت ملكوته مفتقرا إليه عز شأنه في جميع أحواله وكونه من
~~الراسخين في المعرفة الواصلين إلى ذروة عين اليقين مما يقتضي بأن يحكم
~~باستحالة ألوهية ما سواه سبحانه من الأصنام والكواكب التي كان يعبدها
~~قومه، واختاره بعض المحققين، ويحتمل أن يكون تفصيلا لما ذكر من إراءة
~~الملكوت وبيانا لكيفية استدلاله عليه السلام ووصوله إلى رتبة الإيقان،
~~والترتيب ذكري لتأخر التفصيل عن الإجمال في الذكر. ومعنى { فلما
~~جن عليه اليل } ستره بظلامه، وهذه المادة بمتصرفاتها تدل على
~~الستر، وعن الراغب أصل الجن الستر عن الحاسة يقال: جنه الليل وأجنه وجن
~~عليه فجنه وجن عليه ستره وأجنه جعل له ما يستره.

# وقوله سبحانه: { رأى كوكبا } جواب لما فإن رؤيته إنما تتحقق عادة
~~بزوال نور الشمس عن الحس وهذا  كما قال شيخ الإسلام  صريح في أنه لم
~~يكن في ابتداء الطلوع بل كان بعد غيبته عن الحس بطريق الاضمحلال بنور
~~الشمس، والتحقيق عنده أنه كان قريبا من الغروب وسيأتي إن شاء الله تعالى
~~الإشارة إلى سبب ذلك، والمراد بالكوكب فيما روي عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما المشتري. وأخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة أنه قال: ذكر لنا
~~أنه الزهرة.

# { قال هذا ربى } استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام السابق،
~~وهذا منه عليه السلام على سبيل الفرض وإرخاء العنان مجاراة مع أبيه وقومه
~~الذين كانوا يعبدون الأصنام والكواكب فإن المستدل ms02844 على فساد قول يحكيه ثم
~~يكر عليه بالإبطال وهذا هو الحق الحقيق بالقبول. / وقيل: إن في الكلام
~~استفهاما إنكاريا محذوفا، وحذف أداة الاستفهام كثير في كلامهم، ومنه
~~قوله:

# ثم قالوا تحبها قلت بهرا

# وقوله:

# فقلت وأنكرت الوجوه هم هم

# وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في قوله تعالى:

# فلا اقتحم العقبة

# [البلد: 11] إن المعنى أفلا اقتحم وجعل من ذلك قوله تعالى:

# وتلك نعمة تمنها على

# [الشعراء: 22] وقيل: إنه مقول على سبيل الاستهزاء كما يقال لذليل ساد
~~قوما: هذا سيدكم على سبيل الاستهزاء، وقيل: إنه عليه السلام أراد أن
~~يبطل قولهم بربوبية الكواكب إلا أنه عليه السلام كان قد عرف من تقليدهم
~~لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة إلى الله تعالى
~~لم يقبلوا ولم يلتفتوا فمال إلى طريق يستدرجهم إلى استماع الحجة وذلك بأن
~~ذكر كلاما يوهم كونه مساعدا لهم على مذهبهم مع أن قلبه كان مطمئنا
~~بالإيمان، ومقصوده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطاله وإن لم
~~يقبلوا.

# وقرر الإمام هذا «بأنه عليه السلام لما لم يجد إلى الدعوة طريقا سوى
~~هذا الطريق وكان مأمورا بالدعوة إلى الله تعالى كان بمنزلة المكره على
~~كلمة الكفر ومعلوم أنه عند الإكراه يجوز إجراء كلمة الكفر على اللسان،
~~وإذا جاز ذلك لبقاء شخص واحد فبأن يجوز لتخليص عالم من العقلاء عن الكفر
~~والعقاب المؤبد كان ذلك أولى، فكلام إبراهيم عليه السلام كان من باب
~~الموافقة ظاهرا للقوم حتى إذا أورد عليهم الدليل المبطل لقولهم كان
~~قبولهم له أتم وانتفاعهم باستماعه أكمل، ثم قال: ومما يقوي هذا القول أنه
~~تعالى حكى عنه مثل هذا الطريق في موضع آخر وهو قوله تعالى:

# فنظر نظرة فى النجوم * فقال إنى سقيم

# [الصافات: 88-89] وذلك لأن القوم كانوا يستدلون بعلم النجوم على حصول
~~الحوادث المستقبلة فوافقهم في الظاهر مع أنه كان بريئا عنه في الباطن
~~ليتوصل بذلك إلى كسر الأصنام، فمتى جازت الموافقة لهذا الغرض فلم لا تجوز ms02845
~~في مسألتنا لمثل ذلك، وقيل: إن القوم بينما كانوا يدعونه عليه السلام إلى
~~عبادة النجوم وكانت المناظرة بينهم قائمة على ساق إذ طلع النجم فقال: {
~~هذا ربى } على معنى هذا هو الرب الذي تدعونني إليه».

# وقيل وقيل والكل ليس بشيء عند المحققين لا سيما ما قرره الإمام. وتلك
~~الأقوال كلها مبنية على أن هذا القول كان بعد البلوغ ودعوة القوم إلى
~~التوحيد وسياق الآية وسباقها شاهدا عدل على ذلك. وزعم بعضهم أنه كان قبل
~~البلوغ ولا يلزمه اختلاج شك مؤد إلى كفر لأنه لما آمن بالغيب أراد أن
~~يؤيد ما جزم به بأنه لو لم يكن الله تعالى إلها وكان ما يعبده قومه
~~لكان إما كذا وإما كذا والكل لا يصلح لذلك فيتعين كون الله تعالى إلها
~~وهو خلاف الظاهر ويأباه السياق والسباق كما لا يخفى. وزعم أنه عليه
~~السلام قال ما قال إذ لم يكن عارفا بربه سبحانه والجهل حال الطفولية قبل
~~قيام الحجة لا يضر ولا يعد ذلك كفرا مما لا يلتفت إليه أصلا، فقد قال
~~المحققون المحقون: إنه لا يجوز أن يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من
~~الأوقات إلا وهو لله تعالى موحد وبه عارف ومن كل معبود سواه بريء، وقد قص
~~الله تعالى من حال إبراهيم عليه السلام خصوصا في صغره ما لا يتوهم معه
~~شائبة مما يناقض ذلك فالوجه الأول لا غير «ولعل سلوك تلك الطريقة في بيان
~~استحالة ربوبية الكوكب دون بيان استحالة إلهية الأصنام  كما قيل  لما
~~أن هذا أخفى بطلانا واستحالة من الأول فلو صدع بالحق من أول الأمر كما
~~فعله في حق عبادة الأصنام لتمادوا في المكابرة والعناد ولجوا في طغيانهم
~~يعمهون» وكان تقديم بطلان إلهية الأصنام على ما ذكر من باب الترقي من
~~الخفي / إلى الأخفى.

# وقيل: إن القوم كانوا يعبدون الكواكب فاتخذوا لكل كوكب صنما من المعادن
~~المنسوبة إليه كالذهب للشمس والفضة للقمر ليتقربوا إليها فكان الصنم
~~كالقبلة لهم فأنكر أولا عبادتهم للأصنام بحسب الظاهر ثم أبطل ms02846 منشآتها وما
~~نسبت إليه من الكواكب بعدم استحقاقها لذلك أيضا، ولعلهم كانوا يعتقدون
~~تأثيرها استقلالا دون تأثير الأصنام ولهذا تعرض لبطلان الإلهية في
~~الأصنام والربوبية فيها. وقرأ أبو عمرو وورش من طريق البخاري «رأى» بفتح
~~الراء وكسر الهمزة حيث كان. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف ويحيى عن
~~أبي بكر «رأئي» بكسر الراء والهمزة.

# { فلما أفل } أي غرب { قال لا أحب الأفلين } أي
~~الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال، ونفي
~~المحبة قيل: إشارة إلى نفي اعتقاد الربوبية. وقيل كنى بعدم المحبة عن عدم
~~العبادة لأنه يلزم من نفيها نفيها بالطريق الأولى، وقدر بعضهم في الكلام
~~مضافا أي لا أحب عبادة الآفلين، وأيا ما كان فمبتدأ الاشتقاق علة للحكم
~~لأن الأفول انتقال واحتجاب وكل منهما ينافي استحقاق الربوبية والألوهية
~~التي هي من مقتضيات الربوبية لاقتضاء ذلك الحدوث والإمكان المستحيلين على
~~الرب المعبود القديم.

### || [6.77-78]

# { فلما رأى القمر بازغا } أي مبتدأ في الطلوع منتشر الضوء،
~~ولعله  كما قال الأزهري  مأخوذ من البزغ وهو الشق كأنه بنوره يشق
~~الظلمة شقا ويقال بزغ الناب إذا ظهر وبزغ البيطار الدابة إذا أسال دمها.
~~ويقال: بزغ الدم أي سال، وعلى هذا فيمكن أن يكون بزوغ القمر مشبها بما
~~ذكر وكلام الراغب صريح فيه. وظاهر الآية أن هذه الرؤية بعد غروب الكوكب.

# وقوله سبحانه: { قال هذا ربى } جواب لما وهو على طرز الكلام
~~السابق { فلما أفل } كما أفل الكوكب { قال لئن لم
~~يهدنى ربى } إلى جنابه الحق الذي لا محيد عنه { لأكونن من
~~القوم الضالين } فإن شيئا مما رأيته لا يصلح للربوبية، وهذا
~~مبالغة منه عليه السلام في النصفة. «وفيه  كما قال الزمخشري  تنبيه
~~لقومه على أن من اتخذ القمر إلها وهو نظير الكواكب في الأفول فهو ضال».
~~«والتعريض بضلالهم هنا  كما قال ابن المنير  أصرح وأقوى من قوله أولا

# لا أحب الأفلين

# [الأنعام: 76] وإنما ترقى عليه السلام إلى ذلك لأن الخصوم قد أقامت
~~عليهم بالاستدلال الأول حجة فأنسوا بالقدح في معتقدهم ms02847 ولو قيل هذا في
~~الأول فلعلهم كانوا ينفرون ولا يصغون إلى الاستدلال، فما عرض لهم عليه
~~السلام بأنهم على ضلالة إلا بعد أن وثق بإصغائهم إلى تمام المقصود
~~واستماعهم له إلى آخره. والدليل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم ترقى في
~~النوبة الثالثة إلى التصريح بالبراءة منهم (والتصريح) بأنهم على شرك حين
~~تم قيام الحجة عليهم وتبلج الحق وبلغ من الظهور غايته».

# وفي هذه الجملة دليل من غير وجه على أن استدلاله عليه السلام ليس لنفسه
~~بل كان محاجة لقومه وكذا ما سيأتي. وحمل هذا على أنه عليه الصلاة والسلام
~~استعجز نفسه فاستعان بربه عز وجل في درك الحق وما سيأتي على أنه إشارة
~~إلى حصول اليقين من الدليل خلاف الظاهر جدا، على أنه قيل: إن حصول
~~اليقين من الدليل لا ينافي المحاجة مع القوم. ثم الظاهر على ما قال شيخ
~~الإسلام «انه عليه السلام كان إذ ذاك في موضع كان في جانبه الغربي جبل
~~شامخ يستتر به الكوكب والقمر وقت الظهر من النهار أو بعده بقليل وكان
~~الكوكب قريبا منه وأفقه الشرقي مكشوف أولا وإلا فطلوع القمر بعد أفول
~~الكوكب ثم أفوله قبل طلوع الشمس كما / ينبىء عنه قوله تعالى:

# { فلما رأى الشمس بازغة } أي مبتدأة في الطلوع مما لا
~~يكاد يتصور» وقال آخر: إن القمر لم يكن حين رآه في ابتداء الطلوع بل كان
~~وراء جبل ثم طلع منه أو في جانب آخر لا يراه وإلا فلا احتمال لأن يطلع
~~القمر من مطلعه بعد أفول الكوكب ثم يغرب قبل طلوع الشمس انتهى.

# وأنت تعلم أن القول بوجود جبل في المغرب أو المشرق خلاف الظاهر لا سيما
~~على قول شيخ الإسلام لأن هذا الاحتجاج كان في نواحي بابل على ما يشير
~~إليه كلام المؤرخين وأهل الأثر وليس هناك اليوم جبل مرتفع بحيث يستتر به
~~الكوكب وقت الظهر من النهار أو بعده بقليل، واحتمال كونه كان إذ ذاك ولم
~~يبق بتتالي الأعوام بعيد، وكذا يقال على القول المشهور عند ms02848 الناس اليوم:
~~إن واقعة إبراهيم عليه السلام كانت قريبا من حلب لأنه أيضا ليس هناك
~~جبل شامخ كما يقوله الشيخ على أن المتبادر من البزوغ والأفول البزوغ من
~~الأفق الحقيقي لذلك الموضع والأفول عنه لا مطلق البزوغ والأفول.

# وقال الشهاب: إن الذي ألجأهم إلى ما ذكر التعقيب بالفاء ويمكن أن يكون
~~تعقيبا عرفيا مثل تزوج فولد له إشارة إلى أنه لم تمض أيام وليال بين
~~ذلك سواء كان استدلالا أو وضعا واستدراجا لا أنه مخصوص بالثاني كما
~~توهم على أنا لا نسلم ما ذكر إذا كان كوكبا مخصوصا وإنما يرد لو أريد
~~جملة الكواكب أو واحد لا على التعيين فتأمل انتهى. ولا يخفى أن القول
~~بالتعقيب العرفي والتزام أن هذا الاستدلال لم يكن في ليلة واحدة وصبيحتها
~~هو الذي يميل إليه القلب، ودعوى إمكان طلوع القمر بعد أفول الكوكب حقيقة
~~وقبل طلوع الشمس وأفوله قبل طلوعها لا يدعيها عارف بالهيئة في هذه الآفاق
~~التي نحن فيها لأن امتناع ذلك عادة ولو أريد كوكب مخصوص أمر ظاهر لا سيما
~~على ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن رؤية القمر كانت في
~~ءاخر الشهر. نعم قد يمكن ذلك في بعض البروج في عروض مخصوصة لكن بيننا
~~وبينها مهامه فيح، ولعله لذلك أمر بالتأمل فتأمل.

# { قال } أي على المنوال السابق { هذا ربى } إشارة إلى الجرم
~~المشاهد من حيث هو لا من حيث هو مسمى باسم من الأسامي فضلا عن حيثية
~~تسميته بالشمس ولذا ذكر اسم الإشارة. وقال أبو حيان «يمكن أن يقال: إن
~~أكثر لغة العجم لا تفرق في الضمائر ولا في الإشارة بين المذكر والمؤنث
~~ولا علامة عندهم للتأنيث بل المؤنث والمذكر عندهم سواء فأشير في الآية
~~إلى المؤنث بما يشار به إلى المذكر حين حكى كلام إبراهيم عليه السلام
~~وحين أخبر سبحانه عن المؤنث ببازغة وأفلت أنث على مقتضى العربية إذ ليس
~~ذلك بحكاية».

# وتعقب بأن هذا إنما يظهر لو حكى كلامهم بعينه في لغتهم أما إذا ms02849 عبر عنه
~~بلغة العرب فالمعتبر حكم لغة العرب، وقد صرح غير واحد بأن العبرة في
~~التذكير والتأنيث بالحكاية لا المحكي ألا ترى أنه لو قال أحد: الكوكب
~~النهاري طلع فحكيته بمعناه وقلت: الشمس طلعت لم يكن لك ترك التأنيث بغير
~~تأويل لما وقع في عبارته، وإذا تتبعت ما وقع في النظم الكريم رأيته إنما
~~يراعي فيه الحكاية على أن القول بأن محاورة إبراهيم عليه السلام كانت
~~بالعجمية دون العربية مبني على أن إسماعيل عليه السلام أول من تكلم
~~بالعربية والصحيح خلافه.

# وقيل: التذكير لتذكير الخبر وقد صرحوا في الضمير واسم الإشارة مثله أن
~~رعاية الخبر فيه أولى من رعاية المرجع لأنه مناط الفائدة في الكلام وما
~~مضى فات. وفي «الكشاف» «بعد جعل التذكير لتذكير الخبر / وكان اختيار هذه
~~الطريقة واجبا لصيانة الرب عن شبهة التأنيث ألا تراهم قالوا في صفة الله
~~تعالى: علام ولم يقولوا علامة وإن كان العلامة أبلغ احترازا من علامة
~~التأنيث» واعترض عليه بأن هذا في الرب الحقيقي مسلم وما هنا ليس كذلك.
~~وأجيب بأن ذلك على تقدير أن يكون مسترشدا ظاهر، والمراد على المسلك
~~الآخر إظهار صون الرب ليستدرجهم إذ لو حقر بوجه ما كان سببا لعدم
~~إصغائهم.

# وقوله تعالى: { هذا أكبر } تأكيد لما رامه عليه الصلاة والسلام
~~من إظهار النصفة مع إشارة خفية  كما قيل  إلى فساد دينهم من جهة أخرى
~~ببيان أن الأكبر أحق بالربوبية من الأصغر. وكون الشمس أكبر مما قبلها مما
~~لا خفاء فيه، والآثار في مقدار جرمها مختلفة. والذي عليه محققو أهل
~~الهيئة أنها مائة وستة وستون مثلا وربع وثمن مثل الأرض وستة آلاف
~~وستمائة وأربعة وأربعون مثلا وثلثا مثل للقمر، وذكروا أن الأرض تسعة
~~وثلاثون مثلا وخمس وعشر مثل للقمر، وتحقيق ذلك في «شرح مختصر الهيئة»
~~للبرجندي.

# { فلما أفلت } كما أفل ما قبلها { قال } لقومه صادعا بالحق
~~بين ظهرانيهم. { قال يقوم إني بريء مما تشركون } أي
~~من إشراككم أو من الذي تشركونه من الأجرام المحدثة المتغيرة من حال إلى
~~أخرى ms02850 المسخرة لمحدثها، وإنما احتج عليه السلام بالأفول دون البزوغ مع أنه
~~أيضا انتقال قيل لتعدد دلالته لأنه انتقال مع احتجاب والأول: حركة وهي
~~حادثة فيلزم حدوث محلها، والثاني: اختفاء يستتبع إمكان موصوفه ولا كذلك
~~البزوغ لأنه وإن كان انتقالا مع البروز لكن ليس للثاني مدخل في
~~الاستدلال. واعترض بأن البزوغ أيضا انتقال مع احتجاب لأن الاحتجاب في
~~الأول لاحق وفي الثاني: سابق، وكونه عليه السلام رأى الكوكب الذي يعبدونه
~~في وسط السماء  كما قيل  ولم يشاهد بزوغه فإنما يصير نكتة في الكوكب
~~دون القمر والشمس إلا أن يقال بترجح الأفول بعمومه بخلاف البزوغ. والأولى
~~ما قيل: «إن ترتيب هذا الحكم ونظيريه على الأفول دون البزوغ والظهور من
~~ضروريات سوق الاحتجاج على هذا المساق الحكيم فإن كلا منهما وإن كان في
~~نفسه انتقالا منافيا لاستحقاق معروضه للربوبية قطعا لكن لما كان الأول
~~حالة موجبة لظهور الآثار والأحكام ملائمة لتوهم الاستحقاق في الجملة رتب
~~عليه الحكم الأول أعني { هذا ربى } على الطريق المذكورة، وحيث كان
~~الثاني حالة مقتضية لانطماس الآثار وبطلان الأحكام المنافيين للاستحقاق
~~المذكور منافاة بينة يكاد يعترف بها كل مكابر عنيد رتب عليها ما رتب»
~~انتهى.

# وبمعنى هذا ما قاله الإمام في وجه الاستدلال بالأفول من «أن دلالته على
~~المقصود ظاهرة يعرفها كل أحد، فإن الآفل يزول سلطانه وقت الأفول، ونقل
~~عن بعض المحققين أن الهوى في (حضيض) الإمكان أفول؛ وأحسن الكلام ما يحصل
~~فيه حصة الخواص وحصة الأوساط وحصة العوام فالخواص يفهمون من الأفول
~~الإمكان وكل ممكن محتاج والمحتاج لا يكون (مقطعا للحاجة) فلا بد من
~~الانتهاء إلى ما يكون منزها عن الإمكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده
~~كما قال سبحانه:

# وأن إلى ربك المنتهى

# [النجم: 42] وأما الأوساط فهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة وكل متحرك
~~محدث وكل محدث فهو محتاج إلى القديم القادر فلا يكون الآفل إلها بل
~~الإله هو الذي احتاج إليه ذلك الآفل، وأما العوام فإنهم يفهمون من
~~الأفول الغروب وهم يشاهدون أن كل كوكب يقرب ms02851 من الأفول والغروب فإنه يزول
~~نوره وينتقص ضوؤه ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن / كان كذلك لم يصلح
~~للإلهية ثم قال: فكلمة { لا أحب الأفلين } مشتملة على نصيب
~~المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فكانت أكمل الدلائل وأفضل
~~البراهين. وهناك أيضا دقيقة أخرى وهو أنه عليه السلام إنما كان يناظرهم
~~وهم كانوا منجمين ومذهب أهل النجوم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي
~~وكان صاعدا إلى وسط السماء كان قويا عظيم التأثير أما إذا كان غريبا
~~وقريبا من الأفول فإنه يكون ضعيف الأثر قليل القوة فنبه بهذه الدقيقة
~~على أن الإله هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز وكماله إلى النقصان،
~~ومذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربي يكون ضعيف القوة ناقص
~~التأثير عاجزا عن التدبير وذلك يدل على القدح في إلهيته. ويظهر من هذا
~~أن للأفول على قول المنجمين مزيد خاصية في كونه موجبا للقدح في
~~إلهيته».

# ولا يخفى أن فهم الهوى في حضيض الإمكان من

# فلما أفل

# [الأنعام: 77] في هذه الآية مما لا يكاد يسلم، وكون المراد فلما تحقق
~~إمكانه لظهور أمارات ذلك من الجسمية والتحيز مثلا قال الخ لا يخفى ما
~~فيه، نعم فهم هذا المعنى من

# لا أحب الأفلين

# [الأنعام: 76] ربما يحتمل على بعد. ونقل عن حجة الإسلام الغزالي أنه
~~«حمل الكوكب على النفس الحيوانية التي لكل كوكب والقمر على النفس الناطقة
~~التي لكل فلك، والشمس على العقل المجرد الذي لكل فلك، وعن بعضهم أنه حمل
~~الكوكب على الحس، والقمر على الخيال والوهم والشمس على العقل، والمراد أن
~~هذه القوى المدركة قاصرة متناهية القوة ومدبر العالم مستولي عليها قاهر
~~لها» وهو خلاف الظاهر أيضا، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الإشارة
~~نظير ذلك، وإنما لم يقتصر عليه السلام في الاحتجاج على قومه بأفول الشمس
~~مع أنه يلزم من امتناع صفة الربوبية فيها لذلك امتناعها في غيرها من باب
~~أولى.

# وفيه أيضا رعاية الإيجاز والاختصار ترقيا من الأدون إلى الأعلى مبالغة
~~في التقرير والبيان على ما هو ms02852 اللائق بذلك المقام ولم يحتج عليهم
~~بالجسمية والتحيز ونحوهما مما يدركه الرائي عند الرؤية في أمارات الحدوث
~~والإمكان اختيارا لما هو أوضح من ذلك في الدلالة وأتم. ثم إنه عليه
~~السلام لما تبرأ مما تبرأ منه توجه إلى مبدع هذه المصنوعات وموجودها
~~فقال: { إنى وجهت وجهى للذى فطر... }

### || [6.79]

# { إنى وجهت وجهى للذى فطر } أي أوجد وأنشأ {
~~السموات } التي هذه الأجرام من أجزائها { والأرض } التي تلك
~~الأصنام من أجزائها { حنيفا } أي مائلا عن الأديان الباطلة والعقائد
~~الزائغة كلها { وما أنا من المشركين } أصلا في شيء من
~~الأقوال والأفعال، والمراد من توجيه الوجه للذي فطر الخ قصده سبحانه
~~بالعبادة. وقال الإمام: «المراد وجهت عبادتي وطاعتي، وسبب جواز هذا
~~المجاز أن من كان مطيعا لغيره منقادا لأمره فإنه يتوجه بوجهه إليه فجعل
~~توجه الوجه إليه كناية عن الطاعة» والظاهر أن اللام صلة وجه. وفي
~~«الصحاح» «وجهت وجهي لله وتوجهت نحوك وإليك» وظاهره التفرقة بين وجه
~~وتوجه باستعمال الأول باللام والثاني بإلى، وعليه وجه اللام هنا دون إلى
~~ظاهر، وليس في «القاموس» تعرض لهذا الفرق. وادعى «الإمام أنه حيث كان
~~المعنى توجيه وجه القلب إلى خدمته تعالى وطاعته لأجل عبوديته لا توجه
~~القلب إليه جل شأنه لأنه متعال عن الحيز والجهة تركت إلى واكتفى باللام
~~فتركها. والاكتفاء باللام ههنا دليل ظاهر على كون المعبود متعاليا عن
~~الحيز والجهة» وفي القلب من ذلك شيء.

# فإن قيل: إن قصارى ما يدل عليه الدليل أن الكوكب / والشمس والقمر لا
~~يصلح شيء منها للربوبية والألوهية ولا يلزم من هذا القدر نفي الشرك
~~مطلقا وإثبات التوحيد فلم جزم عليه السلام بإثبات التوحيد ونفي الشرك
~~بعد إقامة ذلك الدليل؟ فالجواب بأن القوم كانوا مساعدين على نفي سائر
~~الشركاء وإنما نازعوا في هذه الصورة المعينة فلما ثبت بالدليل على أن هذه
~~الأشياء ليست أربابا ولا آلهة وثبت بالاتفاق نفي غيرها لا جرم حصل الجزم
~~بنفي الشركاء على الإطلاق. ثم إن المشهور أن هذا الاستدلال من أول ضروب
~~الشكل الثاني، والشخصية ms02853 عندهم في حكم الكلية كأنه قيل: هذا أو القمر أو
~~هذه أفل أو أفلت ولا شيء من الإله بآفل أو ربي ليس بآفل ينتج هذا أو
~~القمر أو هذه ليس بإله أو ليس بربى، أما الصغرى فهي كالمصرح بها في
~~قوله تعالى:

# فلما أفل

# [الأنعام: 76 ،77] في الموضعين، وقوله سبحانه:

# فلما أفلت

# [الأنعام: 78] في الأخير، وأما الكبرى فمأخوذة من قوله تعالى:

# لا أحب الأفلين

# [الأنعام: 76] لأنه يشير إلى قياس وهو كل آفل لا يستحق العبودية، وكل من
~~لا يستحق العبودية فليس بإله ينتج من الأول كل آفل ليس بإله، ويستلزم
~~لا شيء من الآفل بإله لاستلزام الموجبة المعدولة السالبة المحصلة. ويصح
~~جعل الكبرى ابتداء سالبة فينتج ما ذكر وينعكس إلى لا شيء من الإله بآفل،
~~وهي إحدى الكبريين، ويعلم من هذا بأدنى التفات كيفية أخذ الكبرى الثانية.

# وقال الملوي: الأحسن أن يقال إن قوله تعالى: { لا أحب الأفلين }
~~يتضمن قضية وهي لا شيء من الآفل يستحق العبودية فتجعل كبرى لصغرى ضرورية
~~وهي الإله المستحق للعبودية ينتج لا شيء من الإله بآفل وإذا ضمت هذه
~~النتيجة إلى القضية السابقة وهي هذا آفل ونحوه أنتج من الثاني هذا ليس
~~بإله أو لا شيء من القمر بإله، وإن ضممت عكسها المستوي إليها أنتج من
~~الأول المطلوب بعينه فلا يتعين الثاني في الآية بل الأول مأخوذ منها
~~أيضا اه. فتأمل فيه ولا تغفل.

### || [6.80]

# { وحاجه قومه } أي خاصموه  كما قال الربيع  أو شرعوا في
~~مغالبته في أمر التوحيد تارة بإيراد أدلة فاسدة واقعة في حضيض التقليد
~~وأخرى بالتخويف والتهديد { قال } منكرا عليهم محاجتهم له عليه السلام
~~مع قصورهم عن تلك المرتبة وعزة المطلب وقوة الخصم ووضوح الحق {
~~أتحاجونى فى الله } أي في شأنه تعالى ووحدانيته سبحانه. وقرأ
~~نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان بتخفيف النون ففيه حذف إحدى النونين.
~~واختلف في أيهما المحذوفة فقيل: نون الرفع وهو مذهب سيبويه ورجح بأن
~~الحاجة دعت إلى نون مكسورة من أجل الياء ونون الرفع لا تكسر، ms02854 وبأنه جاء
~~حذفها كما في قوله:

# كل له نية في بغض صاحبه

# بنعمة الله نقليكم وتقولنا

# أراد تقلوننا والنون الثانية هنا ليست وقاية بل هي من الضمير وحذف بعض
~~الضمير لا يجوز وبأنها نائبة عن الضمة وهي قد تحذف تخفيفا كما في قراءة
~~أبي عمرو (ينصركم) و (يشعركم) (ويأمركم). وقيل نون الوقاية وهو مذهب
~~الأخفش، ورجح بأنها الزائدة التي حصل بها الثقل.

# وقوله تعالى: { وقد هدان } في موضع الحال من ضمير المتكلم مؤكدة
~~للإنكار فإن كونه عليه الصلاة والسلام مهديا من جهة الله تعالى ومؤيدا
~~من عنده سبحانه مما يوجب الكف عن محاجته صلى الله عليه وسلم وعدم
~~المبالاة بها والالتفات إليها إذا وقعت. قيل: والمراد وقد هدان إلى إقامة
~~الدليل عليكم بوحدانيته عز شأنه، وقيل: هدان إلى الحق بعد / ما سلكت
~~طريقتكم بالفرض والتقدير وتبين بطلانها تبينا تاما كما شاهدتموه، وعلى
~~القولين لا يقتضي سبق ضلال له عليه الصلاة والسلام وجهل بمعرفة ربه جل
~~وعلا و { هدان } يرسم  كما قال الأجهوري  بلا ياء.

# { ولا أخاف ما تشركون به } جواب كما روى عن ابن جريج عما
~~خوفوه عليه السلام من إصابة مكروه من جهة معبودهم الباطل كما قال لهود
~~عليه السلام قومه

# إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء

# [هود: 54] وهذا التخويف قيل: كان على ترك عبادة ما يعبدونه، وقيل: بل
~~على الاستخفاف به واحتقاره بنحو الكسر والتنقيص. قيل: ولعل ذلك حين فعل
~~بآلهتهم ما فعل مما قص الله تعالى علينا، وفي بعض الآثار أنه عليه السلام
~~لما شب وكبر جعل آزر يصنع الأصنام فيعطيها له ليبيعها فيذهب وينادي من
~~يشتري ما يضره ولا ينفعه فلا يشتريها أحد فإذا بارت ذهب بها إلى نهر وضرب
~~فيه رؤوسها وقال لها اشربي استهزاء بقومه حتى فشا فيهم استهزاؤه فجادلوه
~~حينئذ وخوفوه. و(ما) موصولة إسمية حذف عائدها، والضمير المجرور لله تعالى
~~أي لا أخاف الذي تشركونه به سبحانه، وجوز أن يكون عائدا إلى الموصول
~~والباء سببية أي: الذي تشركون بسببه، وأن تكون نكرة ms02855 موصوفة وأن تكون
~~مصدرية.

# وقوله تعالى: { إلا أن يشاء ربى شيئا } بتقدير الوقت عند
~~غير واحد مستثنى من أعم الأوقات استثناء مفرغا. وقال بعضهم: إن المصدر
~~منصوب على الظرفية من غير تقدير وقت، ومنع ذلك ابن الأنباري مفرقا بين
~~المصدر الصريح فيجوز نصبه على الظرفية وغير الصريح فلا يجوز فيه ذلك.
~~وابن جني لا يفرق بين الصريح وغيره ويجوز ذلك فيهما على السواء،
~~والاستثناء متصل في رأي. و { شيئا } مفعول به أو مفعول مطلق أي لا
~~أخاف ما تشركون به في وقت من الأوقات إلا في وقت مشيئته تعالى شيئا من
~~إصابة مكروه لي من جهتها أو شيئا من مشيئته تعالى إصابة مكروه لي من
~~جهتها وذلك إنما هو من جهته تعالى من غير دخل لآلهتكم في إيجاده وإحداثه.
~~وجوز بعضهم أن يكون الاستثناء منقطعا على معنى ولكن أخاف أن يشاء ربي
~~خوفي ما أشركتم به. وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره
~~عليه السلام إشارة إلى أن مشيئته تلك إن وقعت غير خالية عن مصلحة تعود
~~إليه بالتربية أو إظهار منه عليه الصلاة والسلام لانقياده لحكمه سبحانه
~~وتعالى واستسلام لأمره واعتراف بكونه تحت ملكوته وربوبيته تعالى.

# { وسع ربى كل شىء علما } كأنه تعليل للاستثناء أي أحاط بكل
~~شيء علما فلا يبعد أن يكون في علمه سبحانه إنزال المكروه بي من جهتها
~~بسبب من الأسباب. ونصب { علما } على التمييز المحول عن الفاعل، وجوز
~~أن يكون نصبا على المصدرية لوسع من غير لفظه. وفي الإظهار في موضع
~~الإضمار تأكيد للمعنى المذكور واستلذاذ بذكره تعالى.

# { أفلا تتذكرون } أي أتعرضون بعدما أوضحته لكم عن التأمل في
~~أن آلهتكم بمعزل عن القدرة على شيء ما من النفع أو الضر فلا تتذكرون أنها
~~غير قادرة على إضراري. وفي إيراد التذكر دون التفكر ونحوه إشارة إلى أن
~~أمر آلهتكم مركوز في العقول لا يتوقف إلا على التذكير.

### || [6.81]

# { وكيف أخاف ما أشركتم } «استئناف كما قال شيخ الإسلام
~~مسوق لنفي الخوف عنه عليه السلام بحسب زعم ms02856 الكفرة بالطريق الإلزامي بعد
~~نفيه عنه بحسب الواقع ونفس الأمر؛ والاستفهام لإنكار / الوقوع ونفيه
~~بالكلية؛ وفي توجيه الانكار إلى كيفية الخوف من المبالغة ما ليس في
~~توجيهه إلى نفسه بأن يقال: أأخاف لما أن كل موجود لا يخلو عن كيفية فإذا
~~انتفى جميع كيفياته فقد انتفى وجوده من جميع الجهات بالطريق البرهاني» و
~~{ كيف } حال والعوامل فيها { أخاف } و (ما) موصولة أو نكرة موصوفة
~~والعائد محذوف، وجوز أن تكون مصدرية.

# وقوله تعالى: { ولا تخافون أنكم أشركتم بالله } في
~~موضع الحال من ضمير { أخاف } بتقدير مبتدأ لمكان الواو. وقيل: لا حاجة
~~إلى التقدير لأن المضارع المنفي قد يقرن بالفاء، ولا حاجة هنا إلى ضمير
~~عائد إلى ذي الحال لأن الواو كافية في الربط وهو مقرر لإنكار الخوف ونفيه
~~عنه عليه السلام ومفيد لاعترافهم بذلك فإنهم حيث لم يخافوا في محل الخوف
~~فلأن لا يخاف عليه السلام في محل الأمن أولى وأحرى أي كيف أخاف أنا ما
~~ليس في حيز الخوف أصلا وأنتم لا تخافون غائلة ما هو أعظم المخوفات
~~وأهولها وهو إشراككم بالله تعالى الذي (فطر السماوات والأرض) ما هو من
~~جملة مخلوقاته. وعبر عنه بقوله سبحانه: { ما لم ينزل به
~~عليكم سلطنا } أي حجة على طريق التهكم  قيل  مع الإيذان بأن
~~الأمور الدينية لا يعول فيها إلا على الحجة المنزلة من عند الله تعالى.
~~وضمير { به } عائد على الموصول والكلام على حذف مضاف أي بإشراكه. وجوز
~~أن يكون راجعا إلى الإشراك المقيد بتعلقه بالموصول ولا حاجة إلى العائد،
~~وهو  على ما قيل  مبني على مذهب الأخفش في الاكتفاء في الربط برجوع
~~العائد إلى ما يتلبس بصاحبه. وذكر متعلق الإشراك وهو الاسم الجليل في
~~الجملة الحالية دون الجملة الأولى  قيل  لأن المراد في الجملة الحالية
~~تهويل الأمر وذكر المشرك به أدخل في ذلك.

# وقال بعض المحققين: الظاهر أن يقال في وجه الذكر في الثانية والترك في
~~الأولى أنه لما قيل قبيل هذا

# ولا أخاف ما تشركون به

# [الأنعام: 80] كان (ما) هنا ms02857 كالتكرار له فناسب الاختصار وأنه عليه
~~السلام حذفه إشارة إلى بعد وحدانيته تعالى عن الشرك فلا ينبغي عنده نسبته
~~إلى الله تعالى ولا ذكر معه. ولما ذكر حال المشركين الذين لا ينزهونه
~~سبحانه عن ذلك صرح به، وقيل: إن ذكر الاسم الجليل في الجملة الثانية
~~ليعود إليه الضمير في { ما لم ينزل } وليس بشيء لأنه يكفي سبق
~~ذكره في الجملة، وقيل: لأن المقصود إنكاره عليه السلام عدم خوفهم من
~~إشراكهم بالله تعالى لأنه المنكر المستبعد عند العقل السليم لا مطلق
~~الإنكار ولا كذلك في الجملة الأولى فإن المقصود فيها إنكار أن يخاف عليه
~~السلام غير الله تعالى سواء كان مما يشركه الكفار أو لا؛ وليس بشيء أيضا
~~لأن الجملة الثانية ليست داخلة مع الأولى في حكم الإنكار إلا عند مدعي
~~العطف وهو مما لا سبيل إليه أصلا لإفضائه إلى فساد المعنى قطعا لما
~~تقدم أن الإنكار بمعنى النفي بالكلية فيؤول المعنى إلى نفي الخوف عنه
~~عليه السلام ونفي نفيه عنهم وإنه بين الفساد، وأيضا إن { ما
~~أشركتم } كيف يدل على ما سوى الله تعالى غير الشريك؟ إن هذا إلا
~~شيء عجاب ثم إن الآية نص في أن الشرك مما لم ينزل به سلطان.

# وهل يمتنع عقلا حصول السلطان في ذلك أم لا؟ ظاهر كلام بعضهم. وفي أصول
~~الفقه ما يؤيده في الجملة الثاني والذي اختاره الأول، وقول الإمام: «إنه
~~لا يمتنع عقلا أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل والصور قبلة للدعاء» ليس من
~~محل الخلاف كما لا يخفى على الناظر فانظر.

# { فأى الفريقين أحق بالأمن } كلام مرتب على إنكار
~~خوفه عليه السلام في محل الأمن مع تحقق عدم / خوفهم في محل الخوف مسوق
~~لإلجائهم إلى الاعتراف باستحقاقه عليه السلام لما هو عليه من الأمن وبعدم
~~استحقاقهم لما هم عليه، وبهذا يعلم ما في دعوى أن الانكار في الجملة
~~الأولى لنفي الوقوع وفي الثانية لاستبعاد الواقع. وإنما جيء بصيغة
~~التفضيل المشعرة باستحقاقهم له في الجملة لاستنزالهم عن رتبة المكابرة
~~والاعتساف بسوق الكلام ms02858 على سنن الانصاف. والمراد بالفريقين الفريق الآمن
~~في محل الأمن والآمن في محل الخوف، فإيثار ما في النظم الكريم  كما قيل
~~ على أن يقال: فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم؟ لتأكيد الإلجاء إلى الجواب
~~[الحق] بالتنبيه على علة الحكم والتفادي عن التصريح بتخطئتهم التي ربما
~~تدعو إلى اللجاج والعناد مع الإشارة بمافي النظم إلى أن أحقية الأمن لا
~~تخصه عليه السلام بل تشمل كل موحد ترغيبا لهم في التوحيد.

# { إن كنتم تعلمون } أي من هو أحق بذلك أو شيء من الأشياء أو إن
~~كنتم من أولي العلم فأخبروني بذلك. وقرىء { سلطنا } بضم اللام، وهي
~~لغة اتبع فيها الضم الضم.

### || [6.82]

# { الذين آمنوا } استئناف يحتمل أن يكون من جهته تعالى مبين
~~للجواب الحق الذي لا محيد عنه، وروي ذلك عن محمد بن إسحاق وابن زيد
~~والجبائي، ويحتمل أن يكون من جهة إبراهيم عليه السلام وروي ذلك عن علي
~~كرم الله تعالى وجهه. واستشكل كونه استئنافا بأنه لا يمكن جعله بيانيا
~~لأنه ما كان جواب سؤال مقدر، وهذا جواب سؤال محقق ولا نحويا لما قال ابن
~~هشام: إن الاستئناف النحوي ما كان في ابتداء الكلام ومنقطعا عما قبله
~~وهذا مرتبط بما قبله لارتباط الجواب والسؤال ضرورة وليس عندنا غيرهما.
~~وأجيب باختيار كونه نحويا، ومعنى كونه منقطعا عما قبله أن لا يعطف عليه
~~ولا يتعلق به من جهة الإعراب وإن ارتبط بوجه آخر، وقيل: المراد بابتداء
~~الكلام ابتداؤه تحقيقا أو تقديرا أي الفريق الذين آمنوا بما يجب
~~الإيمان به.

# { ولم يلبسوا } أي لم يخلطوا { أيمنهم } ذلك { بظلم
~~} أي شرك كما يفعله الفريق المشركون حيث يزعمون أنهم مؤمنون بالله تعالى
~~وأن عبادتهم لغيره سبحانه معه من تتمات إيمانهم وأحكامه لكونها لأجل
~~التقريب والشفاعة كما ينبىء عنه قولهم:

# ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى

# [الزمر: 3] وإلى تفسير الظلم بالشرك هنا ذهب ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما وابن المسيب وقتادة ومجاهد وأكثر المفسرين، ويؤيد ذلك أن الآية
~~واردة مورد الجواب عن حال الفريقين.

# ويدل ms02859 عليه ما أخرجه الشيخان وأحمد والترمذي عن ابن مسعود رضي الله تعالى
~~عنه أن الآية لما نزلت شق ذلك على الصحابة رضي الله تعالى عنهم وقالوا:
~~أينا لم يظلم نفسه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ليس ما تظنون إنما هو ما
~~قال لقمان عليه السلام لابنه

# يبنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم

# [لقمان: 13] ولا يقال: إنه لا يلزم من قوله: { إن الشرك } الخ أن
~~غير الشرك لا يكون ظلما لأنهم قالوا: إن التنوين في { بظلم }
~~للتعظيم فكأنه قيل: لم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم، ولما تبين أن الشرك ظلم
~~عظيم علم أن المراد لم يلبسوا إيمانهم بشرك أو أن المتبادر من المطلق
~~أكمل أفراده.

# وقيل: المراد به المعصية وحكي ذلك عن الجبائي والبلخي وارتضاه الزمخشري
~~تبعا لجمهور المعتزلة. واستدلوا بالآية على أن صاحب الكبيرة لا أمن له
~~ولا نجاة من العذاب حيث دلت بتقديم (لهم) الآتي على اختصاص الأمن بمن لم
~~يخلط إيمانه بظلم أي بفسق وادعوا أن تفسيره بالشرك يأباه ذكر اللبس أي /
~~الخلط إذ هو لا يجامع الإيمان للضدية وإنما يجامع المعاصي، والحديث خبر
~~واحد فلا يعمل به في مقابلة الدليل القطعي. والقول بأن الفسق أيضا لا
~~يجامع الإيمان عندهم أيضا فلا يتم لهم الاستدلال لكونه اسما لفعل
~~الطاعات واجتناب السيئات حتى أن الفاسق ليس بمؤمن كما أنه ليس بكافر
~~مدفوع  كما قيل  بأنه كثيرا ما يطلق الإيمان على نفس التصديق بل لا
~~يكاد يفهم منه بلفظ الفعل غير هذا حتى أنه يعطف عليه عمل الصالحات كما
~~جاء في غير ما آية.

# وأجيب بأنه أريد بالإيمان تصديق القلب وهو قد يجامع الشرك كأن يصدق
~~بوجود الصانع دون وحدانيته كما أشرنا إليه آنفا، ومن ذلك قوله تعالى:

# وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون

# [يوسف: 106] وكذا إذا أريد به مطلق التصديق سواء كان باللسان أو غيره بل
~~المجامعة على هذا أظهر كما في المنافق ولو أريد به التصديق بجميع ما يجب
~~التصديق به بحيث يخرج عن الكفر يقال: ms02860 إنه لا يلزم من لبس الإيمان بالشرك
~~الجمع بينهما بحيث يصدق عليه أنه مؤمن ومشرك بل تغطيته بالكفر وجعله
~~مغلوبا مضمحلا أو اتصافه بالإيمان ثم الكفر ثم الإيمان ثم الكفر
~~مرارا. وبعد تسليم جميع ما ذكر نقول:

# إن قوله تعالى: { أولئك لهم الأمن } إنما يدل على اختصاص
~~الأمن بغير العصاة وهو لا يوجب كون العصاة معذبين البتة بل خائفين ذلك
~~موقعين للاحتمال ورجحان جانب الوقوع. وقيل المراد من الأمن الأمن من خلود
~~العذاب لا الأمن من العذاب مطلقا. والموصول مبتدأ واسم الإشارة مبتدأ
~~ثان والإشارة إلى الموصول من حيث اتصافه بما في حيز الصلة وفي الإشارة
~~إليه بما فيه معنى البعد بعد وصفه بما ذكر ما لا خفى. وجملة { لهم الأمن
~~} من الخبر المقدم والمبتدأ المؤخر خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر
~~الأول، وجوز أن يكون { أولئك } بدلا من الموصول أو عطف بيان له و
~~{ لهم } هو الخبر و { الأمن } فاعلا للظرف لاعتماده على المبتدأ، وأن
~~يكون { لهم } خبرا مقدما و { الأمن } مبتدأ مؤخرا والجملة خبر
~~الموصول، وجوز أبو البقاء كون الموصول خبر مبتدأ محذوف وقال: التقدير هم
~~الذين ولا يخلو عن بعد والأكثرون على الأول { وهم مهتدون } إلى
~~الحق ومن عداهم في ضلال مبين، وقدر بعضهم إلى طريق توجب الأمن من خلود
~~العذاب.

### || [6.83]

# { وتلك } إشارة إلى ما احتج به إبراهيم عليه السلام من قوله سبحانه:

# فلما جن عليه اليل

# [الأنعام: 76] الخ، وقيل: من قوله سبحانه:

# أتحاجونى

# [الأنعام: 80] إلى

# وهم مهتدون

# [الأنعام: 82] وتركيب حجة اصطلاحية منه يحتاج إلى تأمل وما في اسم
~~الإشارة من معنى البعد لتفخيم شأن المشار إليه، وهو مبتدأ وقوله عز شأنه:
~~{ حجتنا } خبره، وفي إضافته إلى نون العظمة من التفخيم ما لا يخفى.
~~وقوله تعالى: { ءاتينها إبرهيم } أي أرشدناه إليها أو علمناه
~~إياها في موضع الحال من حجة والعامل فيه معنى الإشارة أو في محل الرفع
~~على أنه خبر ثان أو هو الخبر و { حجتنا } بدل أو بيان للمبتدأ، وجوز
~~أن تكون جملة (ءاتينا) الخ معترضة ms02861 أو تفسيرية ولا يخفى بعده، و {
~~إبراهيم } مفعول أول لآتينا قدم على الثاني لكونه ضميرا. وقوله
~~سبحانه: { على قومه } متعلق بحجتنا إن جعل خبرا لتلك أو بمحذوف
~~إن جعل بدلا لئلا يلزم الفصل بين أجزاء البدل بأجنبي أي آتيناها
~~إبراهيم حجة على قومه، ولم يجوز أبو البقاء تعلقه بحجتنا أصلا للمصدرية
~~والفصل، ولعل المجوز لا يرى المصدرية مانعة عن تعلق الظرف ويجعل الفصل
~~مغتفرا، وقيل: يصح / تعلقه بآياتنا لتضمنه معنى الغلبة.

# وقوله عز شأنه: { نرفع درجت } أي رتبا عظيمة عالية من العلم
~~والحكمة مستأنف لا محل له من الإعراب مقرر لما قبله، وجوز أبو البقاء أن
~~يكون في محل نصب على أنه حال من فاعل (ءاتينا) أي حال كوننا رافعين،
~~ونصب { درجت } إما على المصدرية بتأويل رفعات أو على الظرفية أو
~~على نزع الخافض أي إلى درجات أو على التمييز ومفعول { نرفع } قوله
~~تعالى: { من نشاء } وتأخيره على الأوجه الثلاثة الأخيرة لما مر غير
~~مرة من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، ومفعول المشيئة محذوف أي
~~من نشاء رفعه حسبما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة. وإيثار صيغة المضارع
~~للدلالة على أن ذلك سنة مستمرة فيما بين المصطفين الأخيار غير مختصة
~~بإبراهيم عليه السلام. وقرىء { يرفع } بالياء على طريقة الالتفات
~~وكذا { نشاء } وقرأ غير واحد من السبعة { درجت من } بالإضافة
~~على أنه مفعول { نرفع } ورفع درجات الإنسان رفع له، وجوز بعضهم جعله
~~مفعولا أيضا على قراءة التنوين وجعل من بتقدير لمن وهو بعيد.

# وقوله سبحانه: { إن ربك حكيم } أي في كل ما يفعل من رفع وخفض
~~{ عليم } أي بحال من يرفعه واستعداده له على مراتب متفاوتة، وإن شئت
~~عممت ويدخل حينئذ ما ذكر دخولا أوليا تعليل لما قبله. وفي وضع الرب
~~مضافا إلى ضميره عليه الصلاة والسلام موضع نون العظمة بطريق الالتفات في
~~تضاعيف بيان حال إبراهيم عليه السلام ما لا يخفى من إظهار مزيد اللطف
~~والعناية به صلى الله عليه وسلم.

# هذا وقد ذكر الإمام في هذه الآيات الإبراهيمية عدة أحكام، الأول: ms02862 «أن
~~قوله سبحانه:

# لا أحب الأفلين

# [الأنعام: 76] يدل على أنه عز وجل ليس بجسم إذ لو كان جسما لكان غائبا
~~عنا [أبدا] فيكون آفلا [أبدا]» والأفول ينافي الربوبية، ولا يخفى أن
~~عد تلك الغيبة المفروضة أفولا لا يخلو عن شيء لأن الأفول احتجاب مع
~~انتقال وتلك الغيبة المفروضة لم تكن كذلك بل هي مجرد احتجاب فيما يظهر
~~نعم إنه ينافي الربوبية أيضا لكن الكلام في كونه أفولا ليتم الاحتجاج
~~بالآية، لا يقال قد جاء في حديث الإسراء ذكر الحجاب فكيف يصح القول بأن
~~الاحتجاب مناف للربوبية لأنا نقول: الحجاب الوارد  كما قال القاضي عياض
~~ إنما هو في حق العباد لا في حقه تعالى فهم المحجوبون والباري جل اسمه
~~منزه عما يحجبه إذ الحجاب إنما يحيط بمقدر محسوس، ونص غير واحد أن ذكر
~~الحجاب له تعالى تمثيل لمنعه سبحانه الخلق عن رؤيته. وقال السيد النقيب
~~في «الدرر والغرر» العرب تستعمل الحجاب بمعنى الخفاء وعدم الظهور فيقول
~~أحدهم لغيره إذا استبعد فهمه بيني وبينك حجاب ويقولون لما يستصعب طريقه:
~~بيني وبينه كذا حجب وموانع وسواتر وما جرى مجرى ذلك. والظاهر على هذا أن
~~فيما ذكر مجاز في المفرد فتدبر. الثاني: «أن هذه الآية تدل على أنه يمتنع
~~أن يكون تعالى بحيث ينزل من العرش إلى السماء تارة ويصعد من السماء إلى
~~العرش أخرى وإلا لحصل معنى الأفول». وأنت تعلم أن الواصفين ربهم عز شأنه
~~بصفة النزول حيث سمعوا حديثه الصحيح عن رسولهم صلى الله عليه وسلم لا
~~يقولون: إنه حركة وانتقال كما هو كذلك في الأجسام بل يفوضون تعيين المراد
~~منه إلى الله تعالى بعد تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقين وحينئذ لا يرد
~~عليه أنه في معنى الأفول الممتنع على الرب جل جلاله./ الثالث: «أنها تدل
~~على أنه جل شأنه ليس محلا للصفات المحدثة كما تقول الكرامية وإلا لكان
~~متغيرا وحينئذ يحصل معنى الأفول» (وهو ظاهر). الرابع: «إن ما ذكر يدل
~~على أن الدين يجب أن يكون مبنيا على الدليل لا على ms02863 التقليد وإلا لم يكن
~~للاستدلال فائدة البتة». الخامس: «أنه يدل على أن معارف الأنبياء بربهم
~~استدلالية لا ضرورية وإلا لما احتاج إبراهيم عليه السلام إلى الاستدلال».
~~السادس: «أنه يدل على أنه لا طريق إلى تحصيل معرفة الله تعالى إلا بالنظر
~~والاستدلال في أحوال مخلوقاته إذ لو أمكن تحصيلها بطريق آخر لما عدل عليه
~~السلام إلى هذه الطريقة»، ولا يخفى عليك ما في هذين الأخيرين.

# السابع: «أن قوله سبحانه: { وتلك حجتنا } الخ يدل على أن تلك
~~الحجة إنما حصلت في عقل إبراهيم عليه السلام بإيتاء الله تعالى وإظهارها
~~في عقله وذلك يدل على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى؛
~~ويتأكد ذلك بقوله سبحانه: { نرفع درجت } » الخ. الثامن: «أن
~~قوله سبحانه { نرفع } الخ. يدل على فساد طعن الحشوية في النظر وتقرير
~~الحجة وذكر الدليل»، وفيها أحكام أخر لا تخفى على من يتدبر.

# ومن باب الإشارة فيها: { وإذ قال إبرهيم لأبيه ءازر }
~~حين رآه محتجبا بظواهر عالم الملك عن حقائق الملكوت وربوبيته تعالى
~~للأشياء معتقدا تأثير الأكوان والأجرام ذاهلا عن الملكوت جل شأنه {
~~أتتخذ أصناما } أي أشباحا خالية بذواتها عن الحياة { ءالهة
~~} فتعتقد تأثيرها

# إنى أراك وقومك فى ضلل مبين

# [الأنعام: 74] ظاهر عند من كشف عن عينه الغين { وكذلك نرى
~~إبرهيم ملكوت السموات والأرض } أي نوقفه على القوى
~~الروحانية التي ندبر بها أمر العالم العلوي والسفلي أو نوقفه على حقيقتها

# وليكون من الموقنين

# [الأنعام: 75] أي أهل الإيقان العالمين أن لا تأثير إلا لله تعالى يدبر
~~الأمر بأسمائه سبحانه { فلما جن عليه اليل } أي أظلم عليه
~~ليل عالم الطبيعة الجسمانية، وذلك عند الصوفية في صباه وأول شبابه {
~~رأى كوكبا } وهو كوكب النفس المسماة روحا حيوانية الظاهر في ملكوت
~~الهيكل الإنساني  فقال  حين رأى فيضه وحياته وتربيته من ذلك بلسان
~~الحال { هذا ربى } وكان الله تعالى يريه في ذلك الحين باسمه المحي
~~{ فلما أفل } بطلوع نور القلب

# قال لا أحب الأفلين

# [الأنعام: 76] { فلما رأى القمر } أي قمر القلب { بازغا }
~~من أفق النفس ms02864 ووجد فيضه بمكاشفات الحقائق والمعارف وتربيته منه { قال
~~هذا ربى } وكان الله تعالى يريه إذ ذاك باسمه العالم والحكيم {
~~فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى } إلى نور وجهه

# لأكونن من القوم الضالين

# [الأنعام: 77] المحتجبين بالبواطن عنه سبحانه: { فلما رأى
~~الشمس } أي شمس الروح { بازغة } متجلية عليه { قال } إذ وجد
~~فيضه وشهوده وتربيته منها { هذا ربى } وكان سبحانه يريه حينئذ
~~باسمه الشهيد والعلي العظيم { هذا أكبر } من الأولين { فلما
~~أفلت } بتجلي أنوار الحق وتشعشع سبحات الوجه

# قال يقوم إني بريء مما تشركون

# [الأنعام: 78] إذ لا وجود لغيره سبحانه { إنى وجهت وجهى } أي
~~أسلمت ذاتي ووجودي { للذى فطر } أوجد { السموات والأرض
~~} أي سموات الأرواح وأرض النفس { حنيفا } مائلا عن كل ما سواه حتى
~~عن وجودي وميلي بالفناء فيه جل جلاله

# وما أنا من المشركين

# [الأنعام: 79] في شيء { وحاجه قومه } في ترك السوى

# قال أتحاجوني في الله وقد هدان

# [الأنعام: 80] إلى وجوده الحق وتوحيده { الذين آمنوا } الايمان
~~الحقيقي { ولم يلبسوا إيمنهم بظلم } من ظهور نفس أو
~~قلب أو وجود بقية { أولئك لهم الأمن } الحقيقي

# وهم مهتدون

# [الأنعام: 82] حقيقة إلى الحق. وقال النيسابوري: قد يدور في الخلد أن
~~إبراهيم عليه السلام جن عليه ليل الشبهة وظلمتها فنظر أولا: في عالم /
~~الأجسام فوجدها آفلة في أفق التغيير فلم يرها تصلح للإلهية فارتقى منها
~~إلى عالم النفوس المدبرة للأجسام فرآها آفلة في أفق الاستكمال فكان حكمها
~~حكم ما دونها فصعد منها إلى عالم العقول المجرد فصادفها ءافلة في أفق
~~الإمكان فلم يبق إلا الواجب، وقيل: غير ذلك، وما ذكره مبني على أن
~~الاحتجاج كان مع نفسه عليه السلام وهو الذي ذهب إليه البعض من المفسرين
~~ورووا في ذلك خبرا طويلا وهو مذكور في كثير من الكتب مشهور بين العامة،
~~والمختار عندي ما علمت والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.

### || [6.84]

# { ووهبنا له } أي لإبراهيم عليه السلام { إسحق } وهو ولده
~~من سارة عاش مائة وثمانين سنة. وفي «نديم الفريد» أن معنى إسحق بالعربية
~~الضحاك { ويعقوب ms02865 } وهو ابن إسحق عاش مائة وسبعا وأربعين سنة.
~~والجملة عطف على قوله تعالى:

# وتلك حجتنا

# [الأنعام: 83] الخ، وعطف الفعلية على الاسمية مما لا نزاع في جوازه،
~~ويجوز على بعد أن تكون عطفا على جملة

# آتيناهآ

# [الأنعام: 83] بناء على أنها لا محل لها من الإعراب كما هو أحد
~~الاحتمالات. وقوله تعالى: { كلا } مفعول لما بعده وتقديمه عليه للقصر
~~لا بالنسبة إلى غيرهما بل بالنسبة إلى أحدهما أي كل واحد منهما {
~~هدينا } لا أحدهما دون الآخر، وقيل: المراد كلا من الثلاثة، وعليه
~~الطبرسي. واختار كثير من المحققين الأول لأن هداية إبراهيم عليه السلام
~~معلومة من الكلام قطعا وترك ذكر المهدي إليه لظهور أنه الذي أوتى
~~إبراهيم عليه السلام فإنهما (متعبدان به). وقال الجبائي: المراد هديناهم
~~بنيل الثواب والكرمات.

# { ونوحا } قال شيخ الإسلام: منصوب بمضمر يفسره { هدينا من
~~قبل } ولعله إنما لم يجعله مفعولا مقدما للمذكور لئلا يفصل بين
~~العاطف والمعطوف بشيء أو يخلو التقديم عن الفائدة السابقة أعني القصر ولا
~~يخلو ذلك عن تأمل أي من قبل إبراهيم عليه السلام. ونوح  كما قال
~~الجواليقي  أعجمي معرب زاد الكرماني: ومعناه بالسريانية الساكن، وقال
~~الحاكم في «المستدرك»: إنما سمي نوحا لكثرة بكائه على نفسه واسمه عبد
~~الغفار، والأول: أثبت عندي. وأكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم  كما قال
~~الحاكم  أنه عليه السلام كان قبل إدريس عليه السلام. وذكر النسابون أنه
~~ابن لمك بفتح اللام وسكون الميم بعدها كاف ابن متوشلخ بفتح الميم وتشديد
~~المثناة المضمومة بعدها واو ساكنة وفتح الشين المعجمة واللام والخاء
~~المعجمة ابن أخنوخ بفتح المعجمة وضم النون الخفيفة وبعدها واو ساكنة ثم
~~معجمة وهو إدريس فيما يقال. وروى الطبراني

# " عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: " قلت يا رسول الله من أول
~~الأنبياء؟ قال: آدم عليه السلام قلت: ثم من؟ قال نوح عليه السلام:
~~وبينهما عشرة قرون "

# وهذا ظاهر في أن إدريس عليه السلام لم يكن قبله وذكر ابن جرير أن مولده
~~عليه السلام كان بعد وفاة آدم عليه السلام ms02866 بمائة وستة وعشرين عاما.
~~وذكره سبحانه هنا قيل لأنه لما ذكر سبحانه إنعامه على خليله من جهة الفرع
~~ثنى بذكر إنعامه عليه من جهة الأصل فإن شرف الوالد سار إلى الولد، وقيل:
~~إنما ذكره سبحانه لأن قومه عبدوا الأصنام فذكره ليكون له به أسوة، وأما
~~أنه ذكر لما مر فلا إذ لا دلالة على علاقة الأبوة ليقبل ودلالة { من
~~قبل } على ذلك غير ظاهرة.

# وقنع بعضهم بالشهرة عن ذلك.

# { ومن ذريته } الضمير عند جمع لإبراهيم عليه السلام لأن مساق
~~النظم الجليل لبيان شؤونه / وما من الله تعالى به عليه من إيتاء الحجة
~~ورفع الدرجات وهبة الأولاد الأنبياء وإبقاء هذه الكرامة في نسله كل ذلك
~~لإلزام من ينتمي إلى ملته من المشركين واليهود، واختار آخرون كونه لنوح
~~عليه السلام لأنه أقرب ولأنه ذكر في الجملة لوطا عليه السلام وليس من
~~ذرية إبراهيم بل كان ابن أخيه كما سيأتي إن شاء الله تعالى آمن به وشخص
~~معه مهاجرا إلى الشام فأرسله الله تعالى إلى أهل سدوم، وكذلك يونس عليه
~~السلام لم يكن من ذريته فيما ذكر محيي السنة فلو كان الضمير له لاختص
~~بالمعدودين في هذه الآية والتي بعدها، وأما المذكورون في الآية الثالثة
~~فعطف على { نوحا } ولا يجب أن يعتبر في المعطوف ما هو قيد في المعطوف
~~عليه، ولا يضر ذكر إسماعيل هناك وإن كان من ذرية إبراهيم عليهما السلام
~~لأن السكوت عن إدراجه في الذرية لا يقتضي أنه ليس منهم وإنما لم يعد 
~~كما قال بعض المحققين : في موهبته كإسحاق لأن هبة إسحاق كانت في كبره
~~وكبر زوجته فكانت في غاية الغرابة، وذكر يعقوب لأن إبقاء النبوة بطنا
~~بعد بطن غاية النعمة، ولم يعطف { كلا هدينا } لأنه مؤكد لكونه
~~نعمة.

# ومن الناس من ادعى أن يونس عليه السلام من ذرية إبراهيم عليه السلام
~~وصرح في «جامع الأصول» إنه كان من الأسباط في زمن شعيا، وحينئذ يبقى لوط
~~فقط خارجا ولا يترك له إرجاع الضمير على إبراهيم وجعله مختصا
~~بالمعدودين في ms02867 الآيات الثلاث لأنه لما كان ابن أخيه آمن به وهاجر معه
~~أمكن أن يجعل من ذريته على سبيل التغليب كما قال الطيبي. وروي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أن هؤلاء الأنبياء عليهم السلام كلهم مضافون
~~إلى ذرية إبراهيم وإن كان منهم من لم يلحقه بولادة من قبل أم ولا أب لأن
~~لوطا ابن أخي إبراهيم والعرب تجعل العم أبا كما أخبر الله تعالى عن
~~أبناء يعقوب أنهم قالوا

# نعبد إلهك وإله آبائك إبرهيم وإسمعيل
~~وإسحق

# [البقرة: 133] مع أن إسماعيل عم يعقوب. والجار والمجرور متعلق بفعل مضمر
~~مفهوم مما سبق، وقيل: بمحذوف وقع حالا من المذكورين في الآية واختير
~~الأول أي وهدينا من ذريته.

# { داوود } هو  كما قال الجلال السيوطي  ابن إيشا بكسر الهمزة وسكون
~~الياء المثناة التحتية وبالشين المعجمة ابن عوبر بمهملة وموحدة بوزن جعفر
~~ابن عابر بموحدة ومهملة مفتوحة ابن سلمون بن يخيثون بن عمي بن يارب 
~~بتحتية وآخره باء موحدة  ابن رام بن حضرموت بمهملة ثم معجمة بن فارص
~~بفاء وآخره مهملة بن يهوذا ابن يعقوب.

# قال كعب: كان أحمر الوجه سبط الرأس أبيض الجسم طويل اللحية فيها جعودة
~~حسن الصوت والخلق وجمع له بين النبوة والملك. ونقل النووي عن المؤرخين
~~أنه عاش مائة سنة ومدة ملكه منها أربعون وله اثنا عشر ابنا.

# { وسليمن } ولده، قال كعب: كان أبيض جسيما وسيما وضيئا
~~جميلا خاشعا متواضعا كان أبوه يشاوره في كثير من أموره في صغر سنه
~~لوفور عقله وعلمه، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه ملك الأرض، وعن
~~المؤرخين أنه ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة وابتدأ بناء بيت المقدس بعد ملكه
~~بأربع سنين وتوفي وله ثلاث وخمسون سنة. وتقديم المفعول الصريح للاهتمام
~~بشأنه مع ما في المفاعيل من نوع طول ربما يخل تأخيره بتجاوب النظم الكريم
~~{ وأيوب } قال ابن جرير: هو ابن موص بن روم بن عيص بن إسحاق. وقيل:
~~ابن موص بن تارخ بن روم الخ، وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط ms02868 عليه السلام
~~وأن أباه ممن آمن بإبراهيم فهو قبل موسى عليه السلام؛ وقال ابن جرير: إنه
~~كان بعد شعيب، وقال / ابن أبي خيثمة كان بعد سليمان، وروى الطبراني أن
~~مدة عمره كانت ثلاثا وتسعين سنة { ويوسف } وهو على الصحيح المشهور
~~ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ويشهد له ما أخرجه ابن حبان في «صحيحه» من
~~حديث أبي هريرة مرفوعا «إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم
~~يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم». عاش مائة وعشرين سنة وفيه ست لغات
~~تثليث السين مع الياء والهمز والصواب أنه أعجمي لا اشتقاق له.

# { وموسى } وهو ابن عمران بن يصهر بن ماهيث بن لاوي بن يعقوب ولاخلاف
~~في نسبه وهو اسم سرياني. وأخرج أبو الشيخ من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما قال: إنما سمي موسى لأنه ألقي بين شجر وماء فالماء
~~بالقبطية مو والشجر شا، وفي الصحيح وصفه بأنه آدم طوال جعد كأنه من رجال
~~شنوءة وعاش  كما قال الثعلبي  مائة وعشرين سنة { وهرون } أخوه
~~شقيقه، وقيل: لأمه، وقيل: لأبيه فقط حكاهما الكرماني في «عجائبه» مات قبل
~~موسى عليهما السلام وكان ولد قبله بسنة وفي بعض أحاديث الإسراء

# " صعدت إلى السماء الخامسة فإذا أنا بهارون ونصف لحيته أبيض ونصفها أسود
~~تكاد تضرب سرته من طولها فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: المحبب في قومه
~~هارون بن عمران "

# وذكر بعضهم أن معنى هارون بالعبرانية المحبب.

# { وكذلك نجزى المحسنين } قيل: أي نجزيهم مثل ما جزينا
~~إبراهيم عليه السلام برفع درجاته وكثرة أولاده والنبوة فيهم.

# والمراد مطلق المشابهة في مقابلة الإحسان بالإحسان والمكافآت بين
~~الأعمال والأجزية من غير بخس لا المماثلة من كل وجه لأن اختصاص إبراهيم
~~صلى الله عليه وسلم بكثرة النبوة في عقبه أمر مشهور. واختار بعض المحققين
~~كون التشبيه على حد ما تقدم في قوله تعالى:

# وكذلك جعلنكم أمة وسطا

# [البقرة: 143] ونظائره، وأل في { المحسنين } للعهد. والإظهار في
~~موضع الإضمار للثناء عليهم بالإحسان الذي هو عبارة عن الإتيان ms02869 بالأعمال
~~على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المقارن لحسنها الذاتي، وقد فسره
~~صلى الله عليه وسلم بقوله:

# " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "

# والجملة اعتراض مقرر لما قبلها.

### || [6.85]

# { وزكريا } هو ابن ازن بن بركيا كان من ذرية سليمان عليهما السلام
~~وقتل بعد قتل ولده وكان له يوم بشر به اثنتان وتسعون، وقيل: تسع وتسعون،
~~وقيل: مائة وعشرون سنة وهو اسم أعجمي وفيه خمس لغات أشهرها المد والثانية
~~القصر وقرىء بهما في السبع وزكري بتشديد الياء وتخفيفها وزكر كقلم.
~~{ ويحيى } ابنه وهو اسم أعجمي، وقيل: عربي، وعلى القولين  كما قال
~~الواحدي  لا ينصرف، وسمي بذلك على القول الثاني لأنه حيي به رحم أمه،
~~وقيل: غير ذلك { وعيسى } ابن مريم وهو اسم عبراني أو سرياني وفي
~~«الصحيح» «أنه ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس» وفي ذكره عليه السلام دليل
~~على أن الذرية يتناول أولاد البنات لأن انتسابه ليس إلا من جهة أمه وأورد
~~عليه أنه ليس له أب يصرف إضافته إلى الأم إلى نفسه فلا يظهر قياس غيره
~~عليه في كونه ذرية لجده من الأم. وتعقب بأن مقتضى كونه بلا أب أن يذكر في
~~حيز الذرية وفيه منع ظاهر والمسألة خلافية، والذاهبون إلى دخول ابن البنت
~~في الذرية يستدلون بهذه الآية وبها احتج موسى الكاظم رضي الله تعالى عنه
~~على ما رواه البعض عن الرشيد. وفي «التفسير الكبير» «أن أبا جعفر رضي
~~الله تعالى عنه استدل بها عند الحجاج بن يوسف» / وبآية المباهلة حيث دعا
~~صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما بعد ما نزل

# تعالوا ندع أبناءنا وأبنآءكم

# [آل عمران: 61]. وادعى بعضهم أن هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم وقد
~~اختلف إفتاء أصحابنا في هذه المسألة، والذي أميل إليه القول بالدخول.

# { وإلياس } قال ابن إسحاق في «المبتدأ»: هو ابن يس بن فنحاص بن
~~العيزار بن هارون أخي موسى بن عمران عليهم السلام. وحكى القتبي أنه من
~~سبط يوشع، وقيل: من ms02870 ولد إسمعيل عليه السلام. وعن ابن مسعود رضي الله
~~تعالى عنه أنه إدريس وهو  على ما قال ابن إسحاق  ابن يرد بن مهلاييل بن
~~أنوش بن قينان بن شيث بن آدم وهو جد نوح كما أشرنا إليه وروي ذلك عن وهب
~~بن منبه، وفي «المستدرك» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان بين
~~نوح وإدريس ألف سنة وعلى القول بأنه قبل نوح يكون البيان مختصا بمن في
~~الآية الأولى. ونص الشهاب أن قوله تعالى: { وزكريا } وما بعده
~~حينئذ معطوفا على مجموع الكلام السابق.

# { كل } أي كل واحد من أولئك المذكورين { من الصلحين } أي
~~الكاملين في الصلاح الذي هو عبارة عن الإتيان بما ينبغي والتحرز عما لا
~~ينبغي وهو مقول بالتشكيك فيوصف بما هو من أعلى مراتب الأنبياء عليهم
~~السلام والجملة اعتراض جيء بها للثناء عليهم بمضمونها.

### || [6.86]

# { وإسمعيل } هو  كما قال النووي  أكبر ولد إبراهيم عليه
~~السلام ويقال  كما نقل عن الجواليقي  بالنون آخره قيل ومعناه: مطيع
~~الله { واليسع } قال ابن جرير: هو ابن أخطوب بن العجوز. وقرأ حمزة
~~والكسائي { الليسع } بوزن ضيغم وهو أعجمي دخلت عليه اللام على خلاف
~~القياس وقارنت النقل فجعلت علامة التعريب كما قاله التبريزي ونص على أن
~~استعماله بدونها خطأ يغفل عنه الناس فليس كاليزيد في قوله:

# رأيت الوليد بن اليزيد مباركا

# شديدا بأعباء الخلافة كاهله

# من جميع الوجوه. وهو على القراءة الأولى أعجمي أيضا، وقيل: إنه معرب
~~يوشع وقيل: عربي منقول من يسع مضارع وسع { ويونس } وهو ابن متى بفتح
~~الميم وتشديد التاء الفوقية مقصور كحتى ويقال متتى بالفك وهو اسم أبيه
~~كما قاله ابن حجر وغيره من الحفاظ، ووقع في «تفسير عبد الرزاق» أنه اسم
~~أمه وهو مردود ولم نقف كغيرنا على اتصال نسبه عليه السلام، وقد مر ما في
~~«جامع الأصول». وقيل: إنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس وهو مثلث
~~النون ويهمز. وقرأ أبو طلحة { يونس } بكسر النون قيل: أراد أن يجعله
~~عربيا من أنس وهو شاذ { ولوطا ms02871 } قال ابن إسحاق: هو ابن هاران بن آزر،
~~وفي «المستدرك» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه ابن أخي إبراهيم
~~ولم يصرح باسم أبيه { وكلا } أي كل واحد من هؤلاء المذكورين لا بعضهم
~~دون بعض { فضلنا } بالنبوة { على العلمين } أي عالمي
~~عصرهم، والجملة اعتراض كأختيها، وفيها دليل على أن الأنبياء أفضل من
~~الملائكة.

### || [6.87]

# { ومن ءابائهم وذريتهم وإخونهم } يحتمل  كما
~~قيل  أن يتعلق بما تعلق به

# من ذريته

# [الأنعام: 84] و (من) ابتدائية والمفعول محذوف أي وهدينا من آبائهم
~~وأبنائهم وإخوانهم جماعات كثيرة أو معطوف على

# كلا فضلنا

# [الأنعام: 86] و (من) تبعيضية أي فضلنا بعض ءابائهم الخ / وجعله بعضهم
~~عطفا على

# نوحا

# [الأنعام: 84]، و (من) واقعة موقع المفعول به مؤولا ببعض. واعتبار
~~البعضية لما أن منهم من لم يكن نبيا ولا مهديا قيل. وهذا في غير الآباء
~~لأن آباء الأنبياء كلهم مهديون موحدون، وأنت تعلم أن هذا مختلف فيه نظرا
~~إلى ءاباء نبينا صلى الله عليه وسلم وكثير من الناس من وراء المنع فما
~~ظنك بآباء غيره من الأنبياء عليهم السلام. ولا يخفى أن إضافة الآباء
~~والأبناء والإخوان إلى ضميرهم لا يقتضي أن يكون لكل منهم أب أو ابن أو أخ
~~فلا تغفل.

# { واجتبينهم } عطف على

# فضلنا

# [الأنعام: 86] أي اصطفيناهم { وهدينهم إلى صرط
~~مستقيم } تكرير للتأكيد وتمهيد لبيان ما هدوا إليه ولم يظهر لي
~~السر في ذكر هؤلاء الأنبياء العظام عليهم من الله تعالى أفضل الصلاة
~~وأكمل السلام على هذا الأسلوب المشتمل على تقديم فاضل على أفضل ومتأخر
~~بالزمان على متقدم به وكذا السر في التقرير أولا بقوله تعالى:

# وكذلك نجزى

# [الأنعام: 84] الخ وثانيا بقوله سبحانه:

# كل من الصلحين

# [الأنعام: 85] والله تعالى أعلم بأسرار كلامه.

### || [6.88]

# { ذلك } أي الهدى إلى الطريق المستقيم أو ما يفهم من النظم الكريم من
~~مصادر الأفعال المذكورة أو ما دانوا به، وما في (ذلك) من معنى البعد لما
~~مر مرارا { هدى الله } الإضافة للتشريف { يهدى به من يشاء
~~} هدايته { من عباده } وهم المستعدون لذلك، وفي ms02872 تعليق الهداية
~~بالموصول إشارة إلى علية مضمون الصلة ويفيد ذلك أنه تعالى متفضل بالهداية
~~{ ولو أشركوا } أي أولئك المذكورون { لحبط } أي لبطل وسقط {
~~عنهم } مع فضلهم وعلو شأنهم { ما كانوا يعملون } أي ثواب
~~أعمالهم الصالحة فكيف بمن عداهم وهم هم وأعمالهم أعمالهم.

### || [6.89]

# { أولئك } إشارة إلى المذكورين من الأنبياء الثمانية عشر
~~والمعطوفين عليهم عليهم السلام باعتبار اتصافهم بما ذكر من الهداية
~~وغيرها من النعوت الجليلة كما قيل. واقتصر الإمام على المذكورين من
~~الأنبياء، وعن ابن بشير قال: سمعت رجلا سأل الحسن عن (أولئك) فقال له:
~~من في صدر الآية. وهو مبتدأ خبره قوله سبحانه: { الذين
~~ءاتينهم الكتب } أي جنسه. والمراد بإيتائه التفهيم التام
~~لما فيه من الحقائق والتمكين من الإحاطة بالجلائل والدقائق أعم من أن
~~يكون ذلك بالإنزال ابتداء وبالإيراث بقاء فإن ممن ذكر من لم ينزل عليه
~~كتاب معين. { والحكم } أي فصل الأمر بين الناس بالحق أو الحكمة وهي
~~معرفة حقائق الأشياء { والنبوة } فسرها بعضهم بالرسالة وعلل بأن
~~المذكورين هنا رسل لكن في «المحاكمات» لمولانا أحمد بن حيدر الصفوي أن
~~داود عليه السلام ليس برسول وإن كان له كتاب ولم أجد في ذلك نصا. وذهب
~~بعضهم إلى أن يوسف بن يعقوب عليه السلام ليس برسول أيضا، ويوسف في قوله
~~تعالى:

# ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينت

# [غافر: 34] ليس هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام وإنما هو يوسف بن
~~إفراثيم بن يوسف بن يعقوب وهو غريب. وأغرب منه القول بأنه كان من الجن
~~رسولا إليهم. وقال الشهاب: قد يقال إنما ذكر الأعم في النظم الكريم لأن
~~بعض من دخل في عموم

# آبائهم وذرياتهم

# [الأنعام: 87] ليسوا برسل.

# { فإن يكفر بها } أي بهذه الثلاثة أو بالنبوة الجامعة للباقين {
~~هؤلاء } أي أهل مكة كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة
~~مع دلالة الإشارة والمقام على ما قيل. وقيل: المراد بهم الكفار الذين
~~جحدوا بنبوته صلى الله عليه وسلم / مطلقا، وأيا ما كان فكفرهم برسول
~~الله صلى الله عليه وسلم وما ms02873 أنزل عليه من القرآن يستلزم كفرهم بما يصدقه
~~جميعا. وتقديم الجار والمجرور على الفاعل لما مر غير مرة.

# { فقد وكلنا بها } أي أمرنا برعايتها ووفقنا للإيمان بها
~~والقيام بحقوقها { قوما } فخاما { ليسوا بها بكفرين }
~~في وقت من الأوقات بل مستمرون على الإيمان بها. والمراد بهم على ما أخرج
~~ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعبد بن حميد عن سعيد
~~بن المسيب أهل المدينة من الأنصار. وقيل: أصحاب النبي صلى الله عليه
~~وسلم مطلقا، وقيل: كل مؤمن من بني آدم عليه السلام. وقيل: الفرس فإن
~~كلا من هؤلاء الطوائف موفقون للإيمان بالأنبياء وبالكتب المنزلة إليهم
~~عاملون بما فيها من أصول الشرائع وفروعها الباقية في شريعتنا. وعن قتادة
~~أنهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المذكورون وعليه يكون المراد
~~بالتوكيل الأمر بما هو أعم من إجراء أحكامها كما هو شأنهم في حق كتابهم
~~ومن اعتقاد حقيتها كما هو شأنهم في حق سائر الكتب التي (نور فرقها)
~~القرآن، ورجح واختار هذا الزجاج ورجحه الزمخشري بوجهين، الأول: أن الآية
~~التي بعد إشارة إلى الأنبياء المذكورين عليهم السلام فإن لم يكن الموكلون
~~هم لزم الفصل بالأجنبي.

# الثاني: أنه مرتب بالفاء على ما قبله فيقتضي ذلك. واستبعده بعضهم فإن
~~الظاهر كون مصدق النبوة ومنكرها مغايرا لمن أوتيها.

# وأخرج ابن حميد وغيره عن أبي رجاء العطاردي أنهم الملائكة فالتوكيل
~~حينئذ هو الأمر بإنزالها وحفظها واعتقاد حقيتها، واستبعده الإمام لأن
~~القوم قلما يقع على غير بني آدم، وأيا ما كان فتنوين { قوما }
~~للتفخيم كما أشرنا إليه. وهو مفعول { وكلنا } و { بها } قبله
~~متعلق بما عنده، وتقديمه على المفعول الصريح لما مر ولأن فيه طولا ربما
~~يؤدي تقديمه إلى الإخلال بتجاوب النظم الكريم أو إلى الفصل بين الصفة
~~والموصوف. والباء التي بعد صلة لكافرين قدمت محافظة على الفواصل والتي
~~بعدها لتأكيد النفي. وجواب الشرط محذوف يدل عليه جملة { فقد
~~وكلنا } الخ أي فإن يكفر بها هؤلاء فلا اعتداد به أصلا فقد وفقنا
~~للإيمان قوما مستمرين على الإيمان ms02874 بها والعمل بما فيها ففي إيمانهم
~~مندوحة عن إيمان هؤلاء «ومن هذا يعلم أن الأرجح  كما قال شيخ الإسلام 
~~تفسير القوم بإحدى الطوائف ممن عدا الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة
~~والسلام إذ بإيمانهم بالقرآن والعمل بأحكامه يتحقق الغنية عن إيمان
~~الكفرة به والعمل بأحكامه ولا كذلك إيمان الأنبياء والملائكة عليهم
~~السلام».

### || [6.90]

# { أولئك } أي الأنبياء المذكورون كما روي عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما والسدي وابن زيد، وقيل: الإشارة إلى المؤمنين الموكلين وروى
~~ذلك عن الحسن وقتادة ولا يخفى ما فيه. وهو مبتدأ خبره قوله سبحانه: {
~~الذين هدى الله } أي هديناهم إلى الحق والصراط المستقيم.
~~والالتفات إلى الاسم الجليل للإشعار بعلة الهداية وحفظ المهدي إليه
~~اعتمادا على غاية ظهوره { فبهداهم اقتده } أي اجعل هداهم
~~منفردا بالاقتداء واجعل الاقتداء مقصورا عليه. والمراد بهداهم عند جمع
~~طريقهم في الإيمان بالله تعالى وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع القابلة
~~للنسخ فإنها بعد النسخ لا تبقى هدى وهم أيضا مختلفون فيها فلا يمكن
~~التأسي بهم جميعا، ومعنى أمره صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بذلك الأخذ
~~به لا من حيث إنه طريق أولئك الفخام بل من حيث إنه طريق العقل والشرع ففي
~~ذلك تعظيم لهم وتنبيه على أن طريقهم هو الحق الموافق / لدليل العقل
~~والسمع، وبهذا أجاب العلامة الثاني عما أورده سؤالا من أن الواجب في
~~الاعتقادات وأصول الدين هو اتباع الدليل من العقل والسمع فلا يجوز سيما
~~للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقلد غيره فما معنى أمره عليه الصلاة
~~والسلام بالاقتداء؟ وأورد عليه أن اعتقاده عليه الصلاة والسلام حينئذ ليس
~~لأجل اعتقادهم بل لأجل الدليل فلا معنى لأمره بالاقتداء بذلك. واعترض
~~أيضا بأن الأخذ بأصول الدين حاصل له قبل نزول الآية فلا معنى للأمر بأخذ
~~ما قد أخذ قبل اللهم إلا أن يحمل على الأمر بالثبات عليه. وحقق القطب
~~الرازي في «حواشيه على الكشاف» أنه يتعين أن الاقتداء المأمور به ليس إلا
~~في الأخلاق الفاضلة والصفات الكاملة كالحلم والصبر والزهد وكثرة الشكر
~~والتضرع ونحوها ms02875 ويكون في الآية دليل على أنه صلى الله عليه وسلم أفضل
~~منهم قطعا لتضمنها أن الله تعالى هدى أولئك الأنبياء عليهم السلام إلى
~~فضائل الأخلاق وصفات الكمال وحيث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
~~يقتدي بهداهم جميعا امتنع للعصمة أن يقال: إنه لم يمتثل فلا بد أن يقال:
~~إنه عليه الصلاة والسلام قد امتثل وأتى بجميع ذلك وحصل تلك الأخلاق
~~الفاضلة التي في جميعهم فاجتمع فيه من خصال الكمال ما كان متفرقا فيهم
~~وحينئذ يكون أفضل من جميعهم قطعا كما أنه أفضل من كل واحد منهم وهو
~~استنباط حسن. واستدل بعضهم بها على أنه صلى الله عليه وسلم متعبد بشرع من
~~قبله وليس بشيء. وفي أمره عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بهداهم دون
~~الاقتداء بهم ما لا يخفى من الإشارة إلى علو مقامه صلى الله عليه وسلم
~~عند أرباب الذوق.

# والهاء في { اقتده } هاء السكت التي تزاد في الوقف ساكنة، وقد تثبت
~~في الدرج ساكنة أيضا إجراء للوصل مجرى الوقف، وبذلك قرأ ابن كثير ونافع
~~وأبو عمرو وعاصم ويحذف الهاء في الوصل خاصة حمزة والكسائي وقرأ ابن عامر
~~{ اقتده } بكسر الهاء من غير إشباع وهو الذي تسميه القراء اختلاسا
~~وهي رواية هشام عنه وروى غيره إشباعها وهو كسرها ووصلها بياء، وزعم أبو
~~بكر بن مجاهد أن قراءة ابن عامر غلط معللا ذلك بأن الهاء هاء الوقف فلا
~~تحرك في حال من الأحوال وإنما تذكر ليظهر بها حركة ما قبلها. وتعقبه أبو
~~علي الفارسي بأن الهاء ضمير المصدر وليست هاء السكت أي اقتد الاقتداء
~~ومثله كما قال أبو البقاء قوله:

# هذا سراقة للقرآن يدرسه

# والمرء عند الوشا إن يلقها ذيب

# فإن الهاء فيه ضمير الدرس لا مفعول لأن يدرس قد تعدى إلى القرآن. وقال
~~بعضهم: إن هاء السكت قد تحرك تشبيها لها بهاء الضمير، والعرب كثيرا ما
~~تعطي الشيء حكم ما يشبهه وتحمله عليه، وقد روى قول أبي الطيب:

# واحر قلباه مما قلبه شبم

# بضم الهاء وكسرها على أنها هاء ms02876 السكت شبهت بهاء الضمير فحركت. واستحسن
~~صاحب «الدر المصون» جعل الكسر لالتقاء الساكنين لا لشبه الضمير لأن هاءه
~~لا تكسر بعد الألف فكيف ما يشبهها. وزعم الإمام أن إثبات الهاء في الوصل
~~للاقتداء بالإمام ولا يقتدى به في ذلك لأنه يقتضي أن القراءة بغير نقل
~~تقليدا للخط وهو وهم.

# { قل لا أسألكم } أي لا أطلب منكم { عليه } أي على القرآن
~~أو على التبليغ فإن مساق الكلام يدل عليهما وإن لم يجر ذكرهما { أجرا
~~} أي جعلا قل أو كثر كما لم يسأله من قبلي من / الأنبياء عليهم السلام
~~أممهم قيل: وهذا من جملة ما أمرنا بالاقتداء به من هداهم عليهم السلام،
~~وهو ظاهر على ما قاله القطب لأن الكف عن أخذ أجر في مقابلة الإحسان من
~~مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، وأما على قول من خص الهدى السابق بالأصول
~~فقد قيل: إن بين القول به والقول بذلك الاختصاص تنافيا. وأجيب بأن
~~استفادة الاقتداء بالأصول من الأمر الأول لا ينافي أن يؤمر عليه الصلاة
~~والسلام بالاقتداء بأمر آخر كالتبليغ. وتقديم المتعلق هناك إنما هو لنفي
~~اتباع طريقة غيرهم في شيء آخر. واستدل بالآية على أنه [لا] يحل أخذ الأجر
~~للتعليم وتبليغ الأحكام. وفيه كلام للفقهاء على طوله مشهور غني عن
~~البيان. { إن هو } أي ما القرآن { إلا ذكرى } أي تذكير فهو
~~مصدر، وحمله على ضمير القرآن للمبالغة ولا حاجة لتأويله بمذكر {
~~للعلمين } كافة فلا يختص به قوم دون ءاخرين. واستدل بالآية على
~~عموم بعثته صلى الله عليه وسلم.

### || [6.91]

# { وما قدروا الله } لما حكى سبحانه عن إبراهيم عليه السلام أنه
~~ذكر دليل التوحيد وإبطال الشرك، وقرر جل شأنه ذلك الدليل بأوضح وجه شرع
~~سبحانه بعد في تقرير أمر النبوة لأن مدار أمر القرآن على إثبات التوحيد
~~والنبوة والمعاد وبهذا ترتبط الآية بما قبلها كما قال الإمام وأولى منه
~~ما قيل «إنه سبحانه [لما بين] شأن القرءان العظيم وأنه نعمة جليلة منه
~~تعالى على كافة الأمم حسبما نطق به قوله عز وجل:

# وما أرسلنك ms02877 إلا رحمة للعلمين

# [الأنبياء: 107] عقب ذلك ببيان غمطهم إياها وكفرهم بها على وجه سرى ذلك
~~إلى الكفر بجميع الكتب الإلهية» وأصل القدر معرفة المقدار بالسبر ثم
~~استعمل في معرفة الشيء على أتم الوجوه حتى صار حقيقة فيه. وقال الواحدي:
~~يقال قدر الشيء إذا سبره وأراد أن يعلم مقداره يقدره بالضم قدرا، وقال
~~صلى الله عليه وسلم:

# " إن غم عليكم فاقدروا له "

# أي فاطلبوا أن تعرفوه، ثم قيل لمن عرف شيئا هو يقدر قدره وإذا لم يعرفه
~~بصفاته إنه لا يقدر قدره.

# واختلف التفسير هنا فعن الأخفش أن المعنى ما عرفوا الله تعالى { حق
~~قدره } أي حق معرفته. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما عظموا
~~الله تعالى حق تعظيمه. وقال أبو العالية: ما وصفوه حق صفته والكل
~~محتمل. واختار بعض المحققين ما عليه الأخفش لأنه الأوفق بالمقام أي ما
~~عرفوه سبحانه معرفته الحق في اللطف بعباده والرحمة عليهم ولم يراعوا
~~حقوقه تعالى في ذلك بل أخلوا بها إخلالا عظيما { إذ قالوا }
~~منكرين لبعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام وإنزال الكتب كافرين بنعمه
~~الجليلة فيهما أو ما عرفوه جل شأنه حق معرفته في السخط على الكفار وشدة
~~بطشه بهم حين اجترؤا على إنكار ذلك بقولهم: { ما أنزل الله على
~~بشر من شيء } أي شيئا من الأشياء فمن للتأكيد ونصب { حق } على
~~المصدرية وهو  كما قال أبو البقاء  في الأصل صفة للمصدر أي قدره الحق
~~فلما أضيف إلى موصوفه انتصب على ما كان ينتصب عليه. و { إذ } ظرف
~~للزمان الزمان وهل فيها معنى العلة هنا أم لا؟ احتمالان، وأبو البقاء
~~يعلقها بقدروا وليس بالمتعين. وقرىء { قدره } بفتح الدال.

# واختلف في قائلي ذلك القول الشنيع، فأخرج أبو الشيخ عن مجاهد أنهم مشركو
~~قريش. والجمهور على أنهم / اليهود ومرادهم من ذلك الطعن في رسالته صلى
~~الله عليه وسلم على سبيل المبالغة فقيل لهم على سبيل الالزام { قل من
~~أنزل الكتب الذى جاء به موسى } فإن المراد أنه تعالى
~~قد أنزل التوراة على موسى عليه ms02878 السلام ولا سبيل لكم إلى إنكار ذلك فلم لا
~~تجوزون إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وبهذا ينحل استشكال ما
~~عليه الجمهور بأن اليهود يقولون إن التوراة كتاب الله تعالى أنزله على
~~موسى عليه السلام فكيف يقولون: { ما أنزل الله على بشر من
~~شيء } وحاصل ذلك أنهم أبرزوا إنزال القرآن عليه عليه الصلاة والسلام
~~في صورة الممتنعات حتى بالغوا في إنكاره فألزموا بتجويزه.

# وقيل: إن صدور هذا القول كان عن غضب وذهول عن حقيقته، فقد أخرج ابن جرير
~~والطبراني عن سعيد بن جبير أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود قال له رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: أنشدك الله تعالى الذي أنزل التوراة على موسى
~~هل تجد فيها أن الله تعالى يبغض الحبر السمين؟ فأنت الحبر السمين قد سمنت
~~من مالك الذي يطعمك اليهود فضحك القوم فغضب فالتفت إلى عمر رضي الله
~~تعالى عنه فقال: (ما أنزل الله على بشر من شيء) فقال له قومه: ما هذا
~~الذي بلغنا عنك؟ قال: إنه أغضبني فنزعوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف
~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. واعترض بأن هذا لا يلائم الإلزام بإنزال
~~التوراة على موسى عليه السلام فقد اعترف القائل بأنه إنما صدر ذلك عنه من
~~الغضب فليفهم. ولا يرد أن هذه السورة مكية والمناظرات التي وقعت بين رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم وبين اليهود كلها مدنية فلا يتأتى القول بأن
~~الآية نزلت في اليهود لما أخرج أبو الشيخ عن سفيان والكلبي أن هذه الآية
~~مدنية. واستشكل أيضا قول مجاهد بأن مشركي قريش كما ينكرون رسالة النبي
~~صلى الله عليه وسلم ينكرون رسالة سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
~~فكيف يحسن إيراد هذا الإلزام عليهم. ودفع بأن ذلك لما أنه كان إنزال
~~التوراة من المشاهير الذائعة ولذلك كانوا يقولون:

# لو أنا أنزل علينا الكتب لكنا أهدى منهم

# [الأنعام: 157] حسن إلزامهم بما ذكر، ومع هذا ما ذهب إليه الجمهور أحرى
~~بالقبول.

# ومن الناس من ادعى أن في الآية حجة ms02879 من الشكل الثالث وهي أن موسى بشر
~~وموسى أنزل عليه كتاب ينتج أن بعض البشر أنزل عليه كتاب وتؤخذ الصغرى من
~~قوة الآية والكبرى من صريحها والنتيجة موجبة جزئية تكذب السالبة الكلية
~~التي ادعتها اليهود وهي لا شيء من البشر أنزل عليه كتاب المأخوذة من
~~قولهم { ما أنزل الله على بشر من شيء } وإنما نتجت
~~هاتان الشخصيتان مع أن شرط الشكل الثالث كلية إحدى المقدمتين لأن الشخصية
~~عندهم في حكم الكلية. وقال الإمام: «تفلسف حجة الإسلام الغزالي عليه
~~الرحمة (فقال) إن هذه الآية مبنية على الشكل الثاني من الأشكال المنطقية،
~~وذلك لأن حاصلها يرجع إلى أن موسى أنزل الله تعالى عليه شيئا (وأحد) من
~~البشر ما أنزل الله تعالى عليه شيئا ينتج [من الشكل الثاني] أن موسى ما
~~كان من البشر وهذا خلف محال، وهذه الاستحالة ليست بحسب شكل القياس ولا
~~بحسب صحة المقدمة الأولى فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية
~~وهي قولهم: { ما أنزل الله } الخ فوجب القول بأنها كاذبة» وفي ذلك
~~تأمل فليتأمل.

# ثم إن وصف الكتاب بالوصول إليهم لزيادة التقريع وتشديد التبكيت، وكذا
~~تقييده بقوله سبحانه: { نورا وهدى } فإن كونه بينا بنفسه ومبينا
~~لغيره مما يؤكد الإلزام أي توكيد، وانتصابهما على الحالية من (الكتاب)
~~والعامل { أنزل } أو من ضمير { به } والعامل (جاء) والظاهر / تعلق
~~الظرف بجاء، وجوز أن يكون متعلقا بمحذوف وقع حالا من الفاعل. واللام في
~~قوله سبحانه: { للناس } إما متعلق بهدى أو بمحذوف وقع صفة له أي هدى
~~كائنا للناس. والمراد بهم بنو إسرائيل، وقيل: هم ومن عداهم، ومعنى كونه
~~هدى لهم أنه يرشد من وقف عليه بالواسطة أو بدونها إلى ما ينجيه من
~~الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

# وقوله تعالى: { تجعلونه قرطيس } استئناف لا موضع له من
~~الإعراب مسوق لنعي ما فعلوه من التحريف والتغيير عليهم. وجوز أن يكون في
~~موضع نصب على الحال كما تقدم أي تضعونه في قراطيس مقطعة وأوراق مفرقة
~~بحذف الجار بناء على ms02880 تشبيه القراطيس بالظرف المبهم كما قيل. وقال أبو علي
~~الفارسي: المراد تجعلونه ذا قراطيس، وجوز غير واحد عدم التقدير على معنى
~~تجعلونه نفس القراطيس، وفيه زيادة توبيخ لهم بسوء صنيعهم كأنهم أخرجوه من
~~جنس الكتاب ونزلوه منزلة القراطيس الخالية عن الكتابة، وليس المراد على
~~الأول توبيخهم بمجرد وضعهم له في قراطيس إذ كل كتاب لا بد وأن يودع في
~~القراطيس بل المراد التوبيخ على الجعل في قراطيس موصوفة بقوله سبحانه: {
~~تبدونها وتخفون كثيرا } فالجملة المعطوفة والمعطوف عليها في
~~موضع الصفة لقراطيس، والعائد على الموصوف من المعطوفة محذوف أي كثيرا
~~منها، والمراد من الكثير نعوت النبي صلى الله عليه وسلم وسائر ما كتموه
~~من أحكام التوراة كرجم الزاني المحصن. وهذا خطاب لليهود بلا مرية وكانوا
~~يفعلون ذلك مع عوامهم متواطئين عليه، وهو ظاهر على تقدير أن يكون الجواب
~~السابق لهم لأن مشافهتهم به يقتضي خطابهم، ومن جعل ما تقدم للمشركين حمل
~~هذا على الإلتفات لخطاب اليهود حيث جرى ذكرهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو
~~الأفعال الثلاثة بياء الغيبة.

# وضمير الجمع لليهود أيضا إلا أنه التفت عن خطابهم تبعيدا لهم بسبب
~~ارتكابهم القبيح عن ساحة الخطاب ولذا خاطبهم حيث نسب إليهم الحسن في قوله
~~سبحانه: { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا
~~ءاباؤكم } وهذا أحسن  كما قيل  من الالتفات على القول الأول لأن
~~فيه نقلا من الكلام مع جماعة هم المشركون إلى الكلام مع جماعة أخرى هم
~~اليهود قبل إتمام الكلام الأول لأن إتمامه بقوله سبحانه: { قل الله
~~} الخ بخلاف الالتفات على القول الثاني.

# والجملة  على ما قال أبو البقاء  في موضع الحال من فاعل {
~~تجعلونه } بإضمار قد أو بدونه على اختلاف الرأيين، وعليه كما قال
~~شيخ الإسلام « فينبغي أن يجعل (ما) عبارة عما أخذوه من الكتاب من العلوم
~~والشرائع ليكون التقييد بالحال مفيدا لتأكيد التوبيخ وتشديد التشنيع لا
~~على ما تلقوه من جهة النبي صلى الله عليه وسلم زيادة على ما في التوراة
~~وبيانا لما التبس عليهم وعلى آبائهم من مشكلاتها حسبما ms02881 ينطق به قوله
~~تعالى:

# إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر
~~الذي هم فيه يختلفون

# [النمل: 76] لأن تلقيهم ذلك ليس مما يزجرهم عما صنعوا بالتوراة فتكون
~~الجملة حينئذ خالية عن تأكيد التوبيخ فلا تستحق أن تقع موقع الحال بل
~~الوجه حينئذ أن يكون استئنافا مقررا لما قبله من مجيء الكتاب بطريق
~~التكملة والاستطراد والتمهيد لما يعقبه من مجيء القرآن، ولا سبيل  كما
~~قال  إلى جعل (ما) عبارة عما كتموه من أحكام التوراة كما يفصح عنه قوله
~~تعالى:

# قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم
~~تخفون من الكتب

# [المائدة: 15] فإن ظهوره وإن كان مزجرة لهم عن الكتم مخافة الإفتضاح
~~ومصححا لوقوع الجملة في موقع الحال لكن ذلك مما يعلمه الكاتمون حتما».
~~وجوز أن تكون الجملة معطوفة على { من أنزل الكتب } من حيث
~~المعنى أي قل من أنزل الكتاب ومن / علمكم ما لم تعلموا وفيه بعد. وأخرج
~~أبو الشيخ عن مجاهد أن هذا خطاب للمسلمين. وروي عنه أنه قرأ (وعلمتم معشر
~~العرب ما لم) الخ وهو عند قوم اعتراض للامتنان على النبي صلى الله عليه
~~وسلم وأتباعه بهدايتهم للمجادلة بالتي هي أحسن. وقال بعضهم: إن (الناس)
~~فيما تقدم عام يدخل فيهم المسلمون واليهود، و { علمتم } عطف على {
~~تجعلونه } والخطاب فيه للناس باعتبار اليهود وفي { علمتم }
~~لهم باعتبار المسلمين ولا يخفى أنه تكلف.

# وقوله سبحانه: { قل الله } أمر لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب
~~السؤال السابق عنهم إشارة إلى أنهم ينكرون الحق مكابرة منهم، وإشعارا
~~بتعين الجواب وإيذانا بأنهم أفحموا، ولم يقدروا على التكلم أصلا.
~~والاسم الجليل إما فاعل فعل مقدر أو مبتدأ خبره جملة مقدرة أي أنزله الله
~~أو الله تعالى أنزله، والخلاف في الأرجح من الوجهين مشهور { ثم
~~ذرهم } أي دعهم { فى خوضهم } أي باطلهم فلا عليك بعد إلزام
~~الحجة وإلقام الحجر { يلعبون } في موضع الحال من  هم  الأول،
~~والظرف صلة { ذرهم } أو { يلعبون } أو حال من مفعول { ذرهم
~~} أو من فاعل { يلعبون } وجوز أن يكون في موضع ms02882 الحال من  هم 
~~الثاني، وهو في المعنى فاعل المصدر المضاف إليه، والظرف متصل بما قبله
~~إما على أنه لغو أو حال من  هم  ولا يجوز حينئذ جعله متصلا بيلعبون
~~على الحالية أو اللغوية لأنه يكون معمولا له متأخرا عنه رتبة ومعنى مع
~~أنه متقدم عليه رتبة أيضا لأن العامل في الحال عامل في صاحبها فيكون فيه
~~دور وفساد في المعنى.

# والآية عند بعض منسوخة بآية السيف، واختار الإمام عدم النسخ لأنها واردة
~~مورد التهديد وهو لا ينافي حصول المقاتلة فلم يكن ورود الآية الدالة على
~~وجوبها رافعا للمدلول فلم يحصل النسخ فيه.

### || [6.92]

# { وهذا كتب أنزلنه } تحقيق لإنزال القرآن الكريم بعد
~~تقرير إنزال ما بشر به من التوراة وتكذيب لكلمتهم الشنعاء إثر تكذيب.
~~وتنكير { كتاب } للتفخيم. وجملة { أنزلنه } في موضع الرفع صفة
~~له وقوله سبحانه: { مبارك } أي كثير الفائدة والنفع لاشتماله على
~~منافع الدارين وعلوم الأولين والآخرين صفة بعد صفة. قال الإمام: «جرت سنة
~~الله تعالى بأن الباحث عن هذا الكتاب المتمسك به يحصل به عز الدنيا
~~وسعادة الآخرة» ولقد شاهدنا والحمد لله عز وجل ثمرة خدمتنا له في الدنيا
~~فنسأله أن لا يحرمنا سعادة الآخرة إنه البر الرحيم. وقوله جل وعلا: {
~~مصدق الذى بين يديه } صفة أخرى. والإضافة  على ما نص
~~عليه أبو البقاء  غير محضة. والمراد بالموصول إما التوراة لأنها أعظم
~~كتاب نزل قبل ولأن الخطاب مع اليهود، وأما ما يعمها وغيرها من الكتب
~~السماوية وروي ذلك عن الحسن، وتذكير الموصول باعتبار الكتاب أو المنزل أو
~~نحو ذلك، ومعنى كونها بين يديه أنها متقدمة عليه فإن كل ما كان بين
~~اليدين كذلك وتصديقه للكل في إثبات التوحيد والأمر به ونفي الشرك والنهي
~~عنه وفي سائر أصول الشرائع التي لا تنسخ.

# { ولتنذر أم القرى } قيل: عطف على ما دل عليه صفة الكتاب
~~كأنه قيل: أنزلناه للبركات وتصديق ما تقدمه والإنذار. واختار العلامة
~~الثاني كونه عطفا على صريح الوصف أي كتاب مبارك وكائن للإنذار، وادعى
~~أنه لاحاجة مع هذا إلى ms02883 ذلك التكلف فإن عطف الظرف على المفرد في باب الخبر
~~والصفة كثير، ودعوى أن الداعي إليه عرو تلك الصفات السابقة عن حرف العطف
~~واقتران هذا به تستدعي القول بأن الصفات / إذا تعددت ولم يعطف أولها
~~يمتنع العطف أو يقبح والواقع خلافه، والأولى ما يقال: إن الداعي أن اللفظ
~~والمعنى يقتضيانه، أما المعنى فلأن الإنذار علة لإنزاله كما يدل عليه

# وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به

# [الأنعام: 19] ولو عطف لكان على أول الصفات على الراجح في العطف عند
~~التعدد، ولا يحسن عطف التعليل على المعلل به ولا الجار والمجرور على
~~الجملة الفعلية. فإنه نظير هذا رجل قام عندي وليخدمني وهو كما ترى. ومنه
~~يعلم الداعي اللفظي وجوز أن يكون علة لمحذوف يقدر مؤخرا أو مقدما أي
~~ولتنذر أنزلناه أو وأنزلناه لتنذر، وتقديم الجار للاهتمام أو للحصر
~~الإضافي، وأن يكون عطفا على مقدر أي لتبشر ولتنذر، وأيا ما كان ففي
~~الكلام مضاف محذوف أي أهل أم القرى. والمراد بها مكة المكرمة، وسميت بذلك
~~لأنها قبلة أهل القرى وحجهم وهم يتجمعون عندها تجمع الأولاد عند الأم
~~المشفقة ويعظمونها أيضا تعظيم الأم، ونقل ذلك عن الزجاج والجبائي،
~~ولأنها أعظم القرى شأنا فغيرها تبع لها كما يتبع الفرع الأصل, وقيل لأن
~~الأرض دحيت من تحتها فكأنها خرجت من تحتها كما تخرج الأولاد من تحت الأم
~~أو لأنها مكان أول بيت وضع للناس, ونقل ذلك عن السدي.

# وقرأ أبو بكر عن عاصم { لينذر } بالياء التحتية على الإسناد المجازي
~~للكتاب لأنه منذر به.

# { ومن حولها } من أهل المدر والوبر في المشارق والمغارب لعموم
~~بعثته صلى الله عليه وسلم الصادع بها القرآن في غير آية، واللفظ لا يأبى
~~هذا الحمل فلا متمسك بالآية لطائفة من اليهود زعموا أنه صلى الله عليه
~~وسلم مرسل للعرب خاصة، على أنه يمكن أن يقال: خص أولئك بالذكر لأنهم أحق
~~بإنذاره عليه الصلاة والسلام كقوله تعالى:

# وأنذر عشيرتك الأقربين

# [الشعراء: 214] ولذا أنزل كتاب كل رسول بلسان قومه { والذين
~~يؤمنون بالآخرة } وبما فيها من ms02884 الثواب والعقاب، ومن اقتصر على
~~الثاني في البيان لاحظ سبق الإنذار { يؤمنون به } أي بالكتاب،
~~قيل: أو بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم يرهبون من العذاب ويرغبون في
~~الثواب ولا يزال ذلك يحملهم على النظر والتأمل حتى يؤمنوا به { وهم
~~على صلاتهم يحافظون } يحتمل أن يراد بالصلاة مطلق الطاعة
~~مجازا أو اكتفى ببعضها الذي هو عماد الدين وعلم الإيمان ولذا أطلق على
~~ذلك الإيمان مجازا كقوله تعالى:

# ما كان الله ليضيع إيمانكم

# [البقرة: 143].

### || [6.93]

# { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } كالذين
~~قالوا

# ما أنزل الله على بشر من شيء

# [الأنعام: 91] { أو قال أوحى إلى } من جهته تعالى { ولم
~~يوح إليه } أي والحال أنه لم يوح إليه { شيء } كمسيلمة والأسود
~~العنسي { ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } أي أنا
~~قادر على مثل ذلك النظم كالذين قالوا:

# لو نشاء لقلنا مثل هذا

# [الأنفال: 31] وتفسير الأول: بما ذكرناه لم نقف عليه لغيرنا، وتفسير
~~الثاني: ذهب إليه الزمخشري وغيره وتفسير الثالث: ذهب إليه الزجاج ومن
~~وافقه. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج أن قوله سبحانه: {
~~ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال
~~أوحى إلى ولم يوح إليه شىء } نزلت في مسيلمة الكذاب
~~والأخير نزل في عبد الله بن سعد بن أبي سرح وجعل بعضهم على هذا عطف {
~~أو قال } الأول على { افترى } الخ من عطف التفسير.

# وتعقب بأنه لا يكون بأو، واستحسن أنه من عطف المغاير باعتبار العنوان
~~وأو للتنويع يعني أنه تارة ادعى أن الله تعالى بعثه نبيا وأخرى أن الله
~~تعالى أوحى إليه وإن كان يلزم النبوة في نفس الأمر الإيحاء ويلزم الإيحاء
~~النبوة، ويفهم من صنيع بعضهم أن (أو) بمعنى الواو، وأما ابن أبي سرح فلم
~~يدع صريحا القدرة ولكن / قد يقتضيها كلامه على ما يفهم من بعض الروايات،
~~وفسر بعضهم الثاني بعبد الله ودعواه ذلك على سبيل الترديد، فقد روي أن
~~عبد الله بن سعد كان قد تكلم بالإسلام فدعاه رسول الله صلى ms02885 الله عليه
~~وسلم ذات يوم فكتب له شيئا فلما نزلت الآية في المؤمنين

# ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين

# [المؤمنون: 12] أملاها عليه فلما انتهى إلى قوله سبحانه { ثم
~~أنشأناه خلقا آخر } عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال:

# تبارك الله أحسن الخلقين

# [المؤمنون: 14] فقال رسول الله: هكذا أنزلت علي فشك حينئذ وقال: لئن
~~كان محمد صادقا لقد أوحي إلي ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال، وجعل
~~الشق الثاني في معنى دعوى القدرة على المثل فيصح تفسير الثاني والثالث به
~~لا يصح إلا إذا اعتبر عنوان الصلة في الأخير من باب المماشاة مثلا كما
~~لا يخفى. واعتبر الإمام عموم افتراء الكذب على الله تعالى وجعل المعطوف
~~عليه نوعا من الأشياء التي وصفت بكونها افتراء ثم قال: والفرق بين هذا
~~القول وما قبله أن في الأول: كان يدعي أنه أوحي إليه فيما يكذب به ولم
~~ينكر نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وفي الثاني: أثبت الوحي
~~لنفسه ونفاه عنه عليه الصلاة والسلام فكان جمعا بين أمرين عظيمين من
~~الكذب إثبات ما ليس بموجود ونفي ما هو موجود انتهى.

# وفيه عدول عن الظاهر حيث جعل ضمير { إليه } راجعا للنبي صلى الله
~~عليه وسلم والواو في { ولم يوح } للعطف والمتعاطفان مقول القول
~~والمنساق للذهن جعل الضمير لمن والواو للحال وما بعدها من كلامه سبحانه
~~وتعالى، وربما يقال لو قطع النظر عن سبب النزول: إن المراد بمن افترى على
~~الله كذبا من أشرك بالله تعالى أحدا يحمل افتراء الكذب على أعظم
~~أفراده، وهو الشرك وكثير من الآيات يصدح بهذا المعنى وبمن قال: { أوحى
~~إلي } والحال لم يوح إليه مدعي النبوة كاذبا وبمن قال: { سأنزل
~~مثل ما أنزل الله } الطاعن في نبوة النبي عليه الصلاة والسلام
~~فكأنه قيل: من أظلم ممن أشرك بالله عز وجل أو ادعى النبوة كاذبا أو طعن
~~في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم الكلام على مثل هذه الجملة
~~الاستفهامية فتذكر وتدبر.

# { ولو ترى } أي ms02886 تبصر، ومفعوله محذوف لدلالة الظرف في قوله تعالى {
~~إذ الظلمون } عليه ثم لما حذف أقيم الظرف مقامه والأصل لو ترى
~~الظالمين إذ هم، و { إذ } ظرف لترى و { الظلمون } مبتدأ، وقوله
~~تعالى { فى غمرات الموت } خبره و(إذ) ظرف لترى، وتقييد الرؤية
~~بهذا الوقت ليفيد أنه ليس المراد مجرد رؤيتهم بل رؤيتهم على حال فظيعة
~~عند كل ناظر، وقيل: المفعول { إذ } والمقصود تهويل هذا الوقت لفظاعة ما
~~فيه، وجواب الشرط محذوف أي لرأيت أمرا فظيعا هائلا، والمراد بالظالمين
~~ما يشمل الأنواع الثلاثة من الافتراء والقولين الأخيرين. والغمرة كما قال
~~الشهاب في الأصل: المرة من غمر الماء ثم استعير للشدة وشاع فيها حتى صار
~~كالحقيقة. ومنه قول المتنبي

# وتسعدني في غمرة بعد غمرة

# سبوح لها منها عليها شواهد

# والمراد هنا سكرات الموت كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

# { والملئكة } الذين يقبضون أرواحهم وهم أعوان ملك الموت {
~~باسطوا أيديهم } أي بالعذاب، وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما أنهم يضربون وجوههم وأدبارهم قائلين لهم {
~~أخرجوا أنفسكم } أي خلصوها مما أنتم فيه من العذاب. والأمر
~~للتوبيخ والتعجيز، وذهب بعضهم أن هذا تمثيل لفعل الملائكة في / قبض أرواح
~~الظلمة بفعل الغريم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف عليه في
~~المطالبة ولا يمهله ويقول له: أخرج ما لي عليك الساعة ولا أريم مكاني حتى
~~أنزعه من أحداقك. وفي «الكشف» إنه كناية عن العنف في السياق والإلحاح
~~والتشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال ولا بسط ولا قول حقيقة هناك.
~~واستظهر ابن المنير «أنهم يفعلون معهم هذه الأمور حقيقة على الصور
~~المحكية، وإذا أمكن البقاء على الحقيقة فلا معدل عنها».

# { اليوم } المراد به مطلق الزمان لا المتعارف، وهو إما حين الموت أو
~~ما يشمله وما بعده { تجزون عذاب الهون } أي المشتمل على
~~الهوان والشدة والإضافة كما في رجل سوء تفيد أنه متمكن في ذلك لأن
~~الاختصاص الذي تفيده الإضافة أقوى من اختصاص التوصيف، وجوز أن تكون
~~الإضافة على ms02887 ظاهرها لأن العذاب قد يكون للتأديب لا للهوان والخزي. ومن
~~الناس من فسر غمرات الموت بشدائد العذاب في النار فإنها وإن كانت أشد من
~~سكرات الموت في الحقيقة إلا أنها استعملت فيها تقريبا للافهام. وبسط
~~الملائكة أيديهم بضربهم للظالمين في النار بمقامع من حديد والإخراج
~~بالإخراج من النار وعذابها واليوم باليوم المعلوم.

# { بما كنتم تقولون } مفترين { على الله غير الحق }
~~من نفي إنزاله على بشر شيئا وادعاء الوحي أو من نسبة الشرك إليه ودعوى
~~النبوة كذبا ونفيها عمن اتصف بها حقيقة أو نحو ذلك. وفي التعبير {
~~بغير الحق } عن الباطل ما لا يخفى وهو مفعول { تقولون } ،
~~وجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي قولا غير الحق { وكنتم عن
~~ءايته تستكبرون } أي تعرضون فلا تتأملون فيها ولا تؤمنون.

### || [6.94]

# { ولقد جئتمونا } للحساب { فرادى } أي منفردين عن الأعوان
~~والأوثان التي زعمتم أنها شفعاؤكم أو عن الأموال والأولاد وسائر ما
~~آثرتموه من الدنيا. أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن عكرمة قال:
~~النضر بن الحرث سوف تشفع لي اللات والعزى فنزلت. والجملة على ما ذهب إليه
~~بعض المحققين مستأنفة من كلامه تعالى ولا ينافي قوله تعالى:

# ولا يكلمهم

# [البقرة: 174] لأن المراد نفي تكليمهم بما ينفعهم أو لأنه كناية عن
~~الغضب، وقيل: معطوفة على قول الملائكة

# أخرجوا

# [الأنعام: 93] الخ وهي من جملة كلامهم وفيه بعد وإن ظنه الإمام أولى
~~وأقوى. ونصب { فرادى } على الحال من ضمير الفاعل وهو جمع فرد على
~~خلاف القياس كأنه جمع فردان كسكران على ما في «الصحاح»، والألف للتأنيث
~~ككسالى، والراء في فرده مفتوحة عند صاحب «الدر المصون» وحكى بصيغة
~~التمريض سكونها، ونقل عن الراغب «أنه جمع فريد كأسير وأسارى»، وفي
~~«القاموس» «يقال: جاءوا فرادا وفرادا وفرادى وفراد وفراد
~~وفردى كسكرى أي واحدا بعد واحد والواحد فرد وفرد وفريد
~~وفردان ولا يجوز فرد في هذا المعنى»، ولعل هذا بعيد الإرادة في
~~الآية. وقرىء { فرادا } كرخال المضموم الراء وفراد كآحاد ورباع في كونه
~~صفة معدولة، ولا يرد أن مجيء هذا الوزن ms02888 المعدول مخصوص بالعدد بل ببعض
~~كلماته لما نص عليه الفراء وغيره من عدم الاختصاص، نعم هو شائع فيما ذكر.
~~وفردى كسكرى تأنيث فردان والتأنيث لجمع ذي الحال.

# { كما خلقنكم أول مرة } بدل من { فرادى } بدل كل
~~لأن المراد المشابهة في الانفراد المذكور، والكاف اسم بمعنى مثل أي مثل
~~الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد ويجوز أن يكون حالا ثانية على رأي
~~من يجوز تعدد الحال من غير عطف وهو الصحيح أو حالا من الضمير في {
~~فرادى } فهي حال مترادفة أو متداخلة والتشبيه / أيضا في الانفراد،
~~ويحتمل أن يكون باعتبار ابتداء الخلقة أي مشبهين ابتداء خلقكم بمعنى
~~شبيهة حالكم حال ابتداء خلقكم حفاة عراة غرلا بهما، وجوز أن يكون صفة
~~مصدر { جئتمونا } أي مجيئا كخلقنا لكم.

# أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه

# " عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قرأت هذه الآية فقالت: " يا رسول
~~الله واسوأتاه إن النساء والرجال سيحشرون جميعا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض
~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه }
~~[عبس:37] لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شغل بعضهم عن
~~بعض "

# { وتركتم ما خولنكم } أي ما أعطيناكم في الدنيا من
~~المال والخدم وهو متضمن للتوبيخ أي فشغلتم به عن الآخرة { وراء
~~ظهوركم } ما قدمتم منه شيئا لأنفسكم.

# أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن قال: يؤتى بابن آدم يوم
~~القيامة كأنه بذخ فيقول له تبارك وتعالى: أين ما جمعت؟ فيقول: يا رب
~~جمعته وتركته أوفر ما كان فيقول: أين ما قدمت لنفسك؟ فلا يراه قدم شيئا
~~وتلا هذه الآية، والجملة قيل مستأنفة أو حال بتقدير قد.

# { وما نرى } أي نبصر وهو  على ما نص عليه أبو البقاء  حكاية حال
~~وبه يتعلق قوله تعالى: { معكم } وليس حالا من مفعول { نرى } أعني
~~قوله سبحانه: { شفعاءكم } ولا مفعولا ثانيا، والرؤية علمية.
~~وإضافة الشفعاء إلى ضمير المخاطبين باعتبار الزعم كما يفصح عنه وصفهم
~~بقوله عز وجل: { الذين زعمتم } في الدنيا ms02889 { أنهم فيكم
~~شركآء } أي شركاء لله تعالى في ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم. والزعم
~~هنا نص في الباطل وجاء استعماله في الحق كما تقدمت الإشارة إليه، ومن ذلك
~~قوله:

# تقول هلكنا إن هلكت وإنما

# على الله أرزاق العباد كما زعم

# { لقد تقطع بينكم } بنصب  بين  وهي قراءة عاصم والكسائي
~~وحفص عن عاصم، واختلف في تخريج ذلك فقيل: الكلام على إضمار الفاعل لدلالة
~~ما قبل عليه أي تقطع الأمر أو الوصل بينكم، وقيل: إن الفاعل ضمير المصدر،
~~وتعقبه أبو حيان بأنه غير صحيح لأن شرط إفادة الإسناد مفقودة فيه وهو
~~تغاير الحكم والمحكوم عليه ولذلك لا يجوز قام ولا جلس وأنت تريد قام هو
~~أي القيام وجلس هو أي الجلوس. ورد بأنه سمع بدا بداء، وقد قدروا في قوله
~~تعالى:

# ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيت ليسجننه

# [يوسف: 35] بدا البداء. وقال السفاقسي: إن من جعل الفاعل ضمير المصدر
~~قال: المراد وقع التقطع والتغاير حاصل بهذا الاعتبار ولو سلم فالتقطع
~~المعتبر مرجعا معرف بلام الجنس و { تقطع } منكر فكيف يقال اتحد
~~الحكم والمحكوم عليه. ولا يخفى أن القول بالتأويل متعين على هذا التقدير
~~لأنه إذا تقطع التقطع حصل الوصل وهو ضد المقصود وقيل: إن  بين  هو
~~الفاعل وبقي على حاله منصوبا حملا له على أغلب أحواله وهو مذهب الأخفش،
~~وقيل: إنه بني لإضافته إلى مبنى، وقيل غير ذلك. واختار أبو حيان «أن
~~الكلام من باب (التنازع سلط) على ما كنتم تزعمون تقطع وضل (عنكم) فأعمل
~~الثاني وهو { ضل } وأضمر في { تقطع } (ضميره). والمراد بذلك
~~الأصنام، والمعنى لقد تقطع بينكم ما كنتم تزعمون وضلوا عنكم كما قال
~~تعالى:

# وتقطعت بهم الأسباب

# [البقرة: 166] أي لم يبق اتصال بينكم وبين ما كنتم تزعمون أنهم شركاء
~~فعبدتموهم».

# / وقرأ باقي السبعة { بينكم } بالرفع على الفاعلية وهو من الأضداد
~~كالقرء يستعمل في الوصل والفصل، والمراد به هنا الوصل أي تقطع وصلكم
~~وتفرق جمعكم، وطعن ابن عطية في هذا بأنه لم يسمع من العرب أن البين بمعنى
~~الوصل وإنما ms02890 انتزع من هذه الآية.

# وأجيب بأنه معنى مجازي ولا يتوقف على السماع لأن  بين  يستعمل بين
~~الشيئين المتلابسين نحو بيني وبينك رحم وصداقة وشركة فصار لذلك بمعنى
~~الوصلة، على أنه لو قيل بأنه حقيقة في ذلك لم يبعد، فإن أبا عمرو وأبا
~~عبيدة وابن جني والزجاج وغيرهم من أئمة اللغة نقلوه وكفى بهم سندا فيه،
~~فكونه منتزعا من هذه الآية غير مسلم، وعليه فيكون مصدرا لا ظرفا.
~~وقيل: إن  بين  هنا ظرف لكنه أسند إليه الفعل على سبيل الاتساع. وقرأ
~~عبد الله { لقد تقطع ما بينكم } و(ما) فيه موصوفة أو
~~موصولة { وضل عنكم } ضاع وبطل { ما كنتم تزعمون } أنها
~~شفعاؤكم أو أنها شركاء لله تعالى فيكم أو أن لا بعث ولا جزاء.

### || [6.95]

# { إن الله فالق الحب والنوى } شروع في تقرير بعض
~~أفاعيله تعالى العجيبة الدالة على كمال علمه تعالى وقدرته ولطيف صنعه
~~وحكمته إثر تقرير أدلة التوحيد، وفي ذلك «تنبيه على أن المقصود [الأصلي]
~~من جميع المباحث العقلية والنقلية وكل المطالب الحكمية إنما هو معرفة
~~الله تعالى بذاته وصفاته وأفعاله سبحانه». والفالق الموجد والمبدع كما
~~روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والضحاك والحب معلوم. والنوى جمع
~~نواة التمر كما في «القاموس» وغيره يؤنث ويذكر ويجمع على أنواء ونوى بضم
~~النون وكسرها. وفسره الإمام بالشيء الموجود في داخل الثمرة بالمثلثة أعم
~~من التمر بالمثناة وغيره، والمشهور أن النوى إذا أطلق فالمراد منه ما في
~~«القاموس» وإذا أريد غيره قيد فيقال: نوى الخوخ ونوى الإجاص ونحو ذلك.
~~وأصل الفلق الشق. وكان إطلاق الفالق على الموجد باعتبار أن العقل يتصور
~~من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها ولا انفلاق فمتى أوجد الشيء تخيل
~~الذهن أنه شق ذلك العدم وفلقه وأخرج ذلك المبدع منه، وعن الحسن وقتادة
~~والسدي أن المعنى شاق الحبة اليابسة ومخرج النبات منها وشاق النواة ومخرج
~~النخل والشجر منها وعليه أكثر المفسرين ولعله الأولى. وفي ذلك دلالة على
~~كمال القدرة لما فيه من العجائب التي تصدح أطيارها على ms02891 أفنان الحكم وتطفح
~~أنهارها في رياض الكرم. وعن مجاهد وأبي مالك أن المراد بالفلق الشق الذي
~~بالحبوب وبالنوى أي أنه سبحانه خالقهما كذلك كما في قولك: ضيق فم الركية
~~ووسع أسفلها. وضعف بأنه لا دلالة له على كمال القدرة كما في سابقه.

# { يخرج الحى من الميت } أي يخرج ما ينمو من الحيوان
~~والنبات والشجر مما لا ينمو من النطفة والحب والنوى. والجملة مستأنفة
~~مبينة لما قبلها على ما عليه الأكثر ولذلك ترك العطف وقيل: خبر ثان ولم
~~يعطف للإيذان باستقلاله في الدلالة على عظمة الله تعالى { ومخرج
~~الميت } كالنطفة وأخويها { من الحى } كالحيوان وأخويه، وهذا عند
~~بعض عطف على { فالق } لا على { يخرج الحى } الخ لأنه كما علمت
~~بيان لما قبله وهذا لا يصلح للبيان وإن صح عطف الاسم المشتق على الفعل
~~وعكسه. واختار ابن المنير كونه معطوفا على { يخرج } قال: «وقد وردا
~~جميعا بصيغة المضارع كثيرا وهو دليل على أنهما توأمان مقترنان وهو يبعد
~~القطع، فالوجه والله تعالى أعلم أن يقال: كان الأصل أن يؤتى بصيغة اسم /
~~الفاعل أسوة أمثاله في الآية إلا أنه عدل عن ذلك إلى المضارع في هذا
~~الوصف وحده إرادة لتصوير إخراج الحي من الميت واستحضاره في ذهن السامع
~~وذلك إنما يتأتى بالمضارع دون اسم الفاعل والماضي ألم تر

# ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح
~~الأرض مخضرة

# [الحج: 63] كيف عدل فيه عن الماضي المطابق لأنزل لذلك، وقوله:

# بأني قد لقيت الغول يسعى

# بسهب كالصحيفة صحصحان

# فآخذه وأضربه فخرت

# صريعا لليدين وللجران

# فإنه عدل فيه إلى المضارع إرادة لتصوير شجاعته واستحضارها لذهن السامع
~~إلى ما لا يحصى كثرة، وهو إنما يجيء فيما تكون العناية فيه أقوى، ولا شك
~~أن إخراج الحي من الميت أشهر في القدرة من عكسه وهو أيضا أول الحالين
~~والنظر أول ما يبدأ فيه ثم القسم الآخر ناشىء عنه فكان الأول جديرا
~~بالتصوير والتأكيد في النفس ولذلك هو مقدم أبدا على القسم الآخر في
~~الذكر حسب ترتبهما في الواقع، وسهل ms02892 عطف الاسم على الفعل وحسنه أن اسم
~~الفاعل في معنى المضارع وكل منهما يقدر بالآخر فلا جناح في عطفه عليه».

# وقال الإمام في وجه ذلك الاختلاف: «إن لفظ الفعل يدل على أن الفاعل معتن
~~بالفعل في كل حين وأوان، وأما لفظ الاسم فإنه لا يفيد التجدد والاعتناء
~~به ساعة فساعة، ويرشد إلى هذا ما ذكره الشيخ عبد القاهر في «دلائل
~~الإعجاز» من أن قوله سبحانه:

# هل من خلق غير الله يرزقكم من السماء

# [فاطر: 3] قد ذكر فيه الرزق بلفظ الفعل لأنه يفيد أنه تعالى يرزقهم
~~حالا فحالا وساعة فساعة، وقوله عز شأنه

# وكلبهم بسط ذراعيه بالوصيد

# [الكهف: 18] قد ذكر فيه الاسم ليفيد البقاء على تلك الحالة، وإذا ثبت
~~ذلك يقال: لما كان الحي أشرف من الميت وجب أن يكون الاعتناء بإخراج الحي
~~من الميت أكثر من الاعتناء بإخراج الميت من الحي، فلذا وقع التعبير عن
~~القسم الأول بصيغة الفعل وعن الثاني بصيغة الاسم تنبيها على أن الإعتناء
~~بإيجاد الحي من الميت أكثر وأكمل من الاعتناء بإيجاد الميت من الحي».

# ثم العطف لاشتمال الكلام به على زيادة لا يضر بكون الجملة بيانا لما
~~تقدم كما لا يضر شمول الحي والميت في الجملة المعطوف عليها للحيوان
~~والنبات فيه. وأيا ما كان فلا بد من القول بعموم المجاز أو الجمع بين
~~المجاز والحقيقة على مذهب من يرى صحته إن قلنا: إن الحي حقيقة فيمن يكون
~~موصوفا بالحياة وهي صفة توجب صحة الإدراك والقدرة والميت حقيقة فيمن
~~فارقته تلك الصفة أو نحو ذلك. وأن إطلاقه على نحو النبات والشجر الغض
~~والحب والنوى مجاز. وبهذا يشعر كلام الإمام فإنه جعل ما نقل عن الزجاج أن
~~المعنى يخرج النبات الغض الطري من الحب اليابس ويخرج الحب اليابس من
~~النبات الحي النامي من الوجوه المجازية كالمروي عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما من أن المعنى يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.

# { ذلكم } القادر العظيم الشأن الساطع البرهان هو { الله } الذات
~~الواجب الوجود المستحق للعبادة وحده ms02893 { فأنى تؤفكون } فكيف
~~تصرفون عن عبادته وتشركون به من لا يقدر على شيء لا سبيل إلى ذلك أصلا.
~~«وتمسك الصاحب بن عباد بهذا على أن فعل العبد ليس مخلوقا لله تعالى لأنه
~~سبحانه لو خلق فيه الإفك لم يلق به عز شأنه أن يقول: { فأنى
~~تؤفكون } » وقد قدمنا الجواب على ذلك على أتم وجه فتذكر.

### || [6.96]

# { فالق الإصباح } خبر لمبتدأ محذوف أي هو فالق أو خبر آخر لإن.
~~والإصباح بكسر الهمزة مصدر سمي به الصبح؛ قال امرؤ القيس:

# / ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي

# بصبح وما الإصباح منك بأمثل

# وقرأ الحسن بالفتح على أنه جمع صبح كقفل وأقفال. وأنشد قوله:

# أفنى رياحا وبنى رياح

# تناسخ الإمساء والإصباح

# بالكسر والفتح مصدرين وجمعي مسي وصبح. والفالق الخالق على ما روي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة والضحاك وقال غير واحد: الشاق. واستشكل
~~بأن الظاهر أن الظلمة هي التي تفلق عن الصبح. وأجيب بأن الصبح صبحان،
~~صادق وهو المنتشر ضوؤه معترضا بالأفق، وكاذب وهو ما يبدو مستطيلا
~~وأعلاه أضوأ من باقيه وتعقبه ظلمة. وعلى الأول: يراد فلقه عن بياض النهار
~~أو يقال: في الكلام مضاف مقدر أي فالق ظلمة الإصباح بالأصباح وذلك لأن
~~الأفق من الجانب الغربي والجنوبي مملوء من الظلمة والنور إنما ظهر في
~~الجانب الشرقي فكأن الأفق كان بحرا مملوءا من الظلمة فشق سبحانه ذلك
~~البحر المظلم بأن أجرى جدولا من النور فيه. وعلى الثاني: فإيراد أنه
~~سبحانه فالقه عن ظلمة آخر الليل وشاقه منه.

# وما ذكر من تقسيم الصبح إلى صادق وكاذب مما يشهد له العيان ولا يمتري
~~فيه إثنان إلا أن في سبب ذلك كلاما لأهل الهيئة حاصله أن الصبح وكذا
~~الشفق استنارة في كرة البخار لتقارب الشمس من أفق المشرق وتباعدها عن أفق
~~المغرب. وقد تحقق أن كرة البخار عبارة عن هواء متكاثف بما فيه من الأجزاء
~~الأرضية والمائية المتصاعدة من كرتيهما بتسخين الشمس وغيرها إياها وأن
~~شكل ذلك الهواء شكل كرة محيطة بالأرض على مركزها ms02894 وسطح مواز لسطحها
~~المتساوي غاية ارتفاعها عن مركز الأرض في جميع النواحي المستلزم لكرويتها
~~وأنها مختلفة القوام لأن ما كان منها أقرب إلى الأرض فهو أكثف مما بعد
~~لأن الألطف يتصاعد ويتباعد أكثر من الأكثف ولكن لا يبلغ في التكاثف إلى
~~حيث يحجب ما وراءه وأن هذه الكرة تنتهي إلى حد لا تتجاوزه وهو من سطح
~~الأرض أحد وخمسون ميلا تقريبا وأن للأرض ظلا على هيئة مخروط قاعدته
~~دائرة عليها تكاد تكون عظيمة وهي مواجهة للشمس ورأسه في مقابلها. وتنقسم
~~الأرض بهذه القاعدة إلى قسمين: أحدهما أكبر مستضيء مواجه للشمس والآخر
~~مظلم مقابل لها، ويتحرك الضياء والظلمة على سطح الأرض في يوم بليلته دورة
~~واحدة كعلمين متقابلين أحدهما أبيض والآخر أسود. وأن شعاع الشمس محيط
~~بمخروط الظل من جميع جوانبه ومنبث في جميع الأفلاك سوى مقدار يسير من فلك
~~القمر وفلك عطارد وقع في مخروط ظل الأرض لكن الأفلاك لكونها مشعة في
~~الغاية ينفذ فيها الشعاع ولاينعكس عنها فلذلك لا نراها مضيئة, وكذا
~~الهواء الصافي المحيط بكرة البخار لا يقبل ضوءا.

# وأما كرة البخار فهي مختلفة القوام لأن ما قرب منها إلى الأرض أكثف مما
~~بعد والأكثف أقبل للاستضاءة فالكثيف الخشن باختلاط الهيئات الكثيرة من
~~سطح مخروط الظل قابل للضوء وأن النهار مدة كون ذلك المخروط تحت الأفق
~~والليل مدة كونه فوقه. وحيث تحقق كل ذلك يقال: إذا ازداد قرب الشمس من
~~شرقي الأفق ازداد ميل المخروط إلى غربيه ولا يزال كذلك حتى يرى الشعاع
~~المحيط به وأول ما يرى هو الأقرب إلى موضع الناظر وهو خط يخرج من بصره في
~~سطح دائرة سمتية تمر بمركز الشمس عمودا على الخط المماس للشمس والأرض
~~وهو الذي في سطح الفصل المشترك بين الشعاع والظل فيرى الضوء أولا
~~مرتفعا عن الأفق عند موقع العمود مستطيلا كخط مستقيم وما بينه وبين
~~الأفق يرى مظلما لبعده وإن كان مستنيرا في الواقع / ولكثافة الهواء عند
~~الأفق مدخل في ذلك أيضا وهو الصبح الكاذب، ثم إذا قربت ms02895 من الأفق الشرقي
~~رؤى الضوء معترضا منبسطا يزداد لحظة فلحظة وينمحي الأول بهذا الضياء
~~القوي كما ينمحي ضياء المشاعل والكواكب في ضوء الشمس فيخيل أن الأول قد
~~عدم وهو الصبح الصادق.

# وتوضيح ما ذكر على ما في «التذكرة» و «شرح سيد المحققين» أنه يتوهم
~~لبيان ذلك سطح يمر بمركز الشمس والأرض وبسهم المخروط ومركز قاعدته فيحدث
~~مثلث حاد الزوايا قاعدته على الأفق وضلعاه على سطح المخروط. أما حدوث
~~المثلث فلما تقرر أنه إذا مر سطح مستو بسهم المخروط ومركز قاعدته أحدث
~~فيه مثلثا. وأما حدة الزوايا فلأن رأس المخروط في نصف الليل يكون على
~~دائرة نصف النهار فوق الأرض وحينئذ إما أن يكون المخروط قائما على سطح
~~الأفق وذلك إذا كانت الشمس على سمت القدم أو مائلا إلى الشمال أو الجنوب
~~مع تساوي بعده عن جهة المشرق والمغرب وذلك إذا لم تكن الشمس على سمت
~~القدم.

# وأيا ما كان فذلك السطح المفروض ممتد فيما بين الخافقين أما على
~~التقدير الأول فظاهر, وأما على التقدير الثاني فلتساوي بعد رأس المخروط
~~عن جانبي المشرق والمغرب فيكون زاويتا قاعدة المثلث حادتين لوجوب
~~تساويهما وامتناع وقوع قائمتين أو منفرجتين في مثلث. وإذا مال رأس
~~المخروط عن نصف النهار المغرب فوق الأرض بسبب انتقال الشمس عنه إلى جانب
~~المشرق تحت الأرض تضايقت الزاوية الشرقية من ذلك المثلث فتصير أحد مما
~~كانت واتسعت الزاوية الغربية حتى تصير منفرجة لكن المقصود لا يختلف. ولا
~~شك أن الأقرب من الضلع الذي يلي الشمس إلى الناظر يكون موقع العمود
~~الخارج من النظر الواقع على ذلك الضلع لا موضع اتصال الضلع بالأفق، وذلك
~~أنه إذا خرج من البصر إلى الضلع الشرقي عمود فلا يمكن أن يقع على موضع
~~اتصال هذا الضلع بالأفق وإلا انطبقت القائمة على بعض الحادة ولا أن يقع
~~تحت الأفق بأن يقطع العمود قاعدة المثلث ويصل إلى الضلع المذكور بعد
~~إخراجه تحته وإلا لزم في المثلث الحادث تحت الأفق من القدر المخرج من بعض
~~القاعدة وبعض العمود ms02896 قائمة ومنفرجة ولا أن يقع في جهة رأس المثلث على
~~موضع اتصال أحد ضلعيه بالآخر ولا خارجا عنه في تلك الجهة لما ذكرنا
~~بعينه فوجب أن يقع داخل المثلث فيما بين طرفي الضلع الشرقي وقد تبين أن
~~موضعه أقرب إلى الناظر من موضع اتصاله بالأفق.

# ولا شك في أن ما وقع من هذا الضلع فيما كثف من كرة البخار يكون مستنيرا
~~بتمامه حال قرب الشمس من أفق المشرق إلا أن ما كان أقرب منه إلى الناظر
~~يكون أصدق رؤية. وهو موقع العمود ومن هنا يتحقق الصادق والكاذب. انتهى
~~كلامهم.

# والإمام الرازي أنكر كون الصبح الكاذب من أثر قرص الشمس وإنما هو بتخليق
~~الله تعالى ابتداء قال: لأن مركز الشمس إذا وصل إلى دائرة نصف الليل
~~فالموضع الذي يكون فلك الدائرة أفقا لهم قد طلعت الشمس من مشرقهم وفي
~~ذلك الموضع أضاء نصف كرة الأرض وذلك يقتضي أنه حصل الضوء في الربع الشرقي
~~من بلدنا وذلك الضوء يكون منتشرا مستطيرا في جميع أجزاء الجو ويجب أن
~~يزداد لحظة فلحظة. وحينئذ يمتنع أن يكون الصبح الأول خطا مستطيلا فحيث
~~كان كذلك علم أنه ليس من تأثير قرص الشمس ولا من جنس نوره. ويفهم من
~~كلامه أيضا أن الصبح الثاني كالصبح الأول ليس / إلا بتخليق الفاعل
~~المختار ويمتنع أن يكون من تأثير قرص الشمس، وبين ذلك بأن من المقدمات
~~المتفق عليها أن المضيء، شمسا كان أو غيره لا يقع ضوؤه إلا على الجرم
~~المقابل له دون غير المقابل والشمس عند طلوع الصبح غير مرتفعة من الأفق
~~فلا يكون جرم الشمس مقابلا لجزء من أجزاء وجه الأرض فيمتنع وقوع ضوء
~~الشمس على وجه الأرض وإذا امتنع ذلك امتنع أن يكون ضوء الصبح من تأثير
~~القرص، ثم قال فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال الشمس حين كونها تحت الأرض
~~توجب إضاءة ذلك الهواء المقابل لها وذلك الهواء مقابل للهواء الواقف فوق
~~الأرض فيصير ضوء الهواء الواقف تحت الأرض سببا لضوء الهواء الواقف فوق
~~الأرض ms02897 ثم لا يزال يسري ذلك الضوء من هواء آخر ملاصق له حتى يصل إلى
~~الهواء المحيط بنا. وعلى هذا عول أبو علي بن الهيثم في «المناظر»
~~فالجواب: أن هذا باطل من وجهين، الأول: أن الهواء شفاف عديم اللون فلا
~~يقبل النور واللون في ذاته.

# وما كان كذلك يمتنع أن ينعكس منه النور إلى غيره فيمتنع أن يصير ضوؤه
~~سببا لضوء هواء آخر مقابل له. فإن قالوا فلم لا يجوز أن يقال إنه حصل في
~~الأفق أجزاء كثيفة من الأبخرة والأدخنة وهي لكثافتها تقبل النور عن قرص
~~الشمس ثم يفيض على الهواء المقابل له؟ فنقول: لو كان كذلك لكان كلما كانت
~~الأبخرة والأدخنة في الأفق أكثر وجب أن يكون ضوء الصباح أقوى وليس الأمر
~~كذلك بل بالعكس، الثاني: أن الدائرة التي هي دائرة الأفق لنا بعينها
~~دائرة نصف النهار لقوم آخرين. وإذا كان كذلك فالدائرة التي هي نصف النهار
~~في بلدنا وجب كونها دائرة الأفق لأولئك الأقوام، وإذا ثبت هذا فنقول. إذا
~~وصل مركز الشمس إلى دئرة نصف الليل وتجاوز عنها فالشمس قد طلعت على أولئك
~~الأقوام واستنار نصف العالم هناك. والربع من الفلك الذي هو ربع شرقي لأهل
~~بلدنا فهو بعينه ربع غربي بالنسبة إلى تلك البلدة، وإذا كان كذلك فالشمس
~~إذا تجاوز مركزها عن دائرة نصف الليل قد صار جرمها محازيا لهواء الربع
~~الذي هو الربع الشرقي لأهل بلدنا فلو كان الهواء يقبل كيفية النور من
~~الشمس لوجب أن يحصل النور في هذا الربع الشرقي من بلدنا بعد نصف الليل
~~وأن يصير هواء هذا الربع في غاية الإنارة حينئذ وحيث لم يكن كذلك علمنا
~~أن الهواء لا يقبل كيفية النور في ذاته وإذا بطل هذا بطل العذر الذي ذكره
~~ابن الهيثم انتهى المراد منه. ولا أراه أتى بشيء يتبلج به صبح هذا المطلب
~~كما لا يخفى على من أحاط خبرا بما قدمناه.

# وذكر أفضل المتأخرين العلامة أحمد بن حجر الهيتمي أن لأهل الهيئة في
~~تحقيق الصبح الكاذب كلاما طويلا ms02898 مبنيا على الحدس المبني على قاعدة
~~الحكماء الباطلة كمنع الخرق والالتئام على أنه لا يفي ببيان سبب كون
~~أعلاه أضوأ مع أنه أبعد من أسفله عن مستمده وهو الشمس ولا ببيان سبب
~~انعدامه بالكلية حتى تعقبه ظلمة كما صرح به الأئمة وقدروها بساعة.
~~والظاهر أن مرادهم مطلق الزمن لأنها تطول تارة وتقصر أخرى وهذا شأن
~~الساعات الزمانية المسماة بالمعوجة ويقابلونها بالساعات المستوية المقدر
~~كل منها دائما بخمس عشرة درجة، وزعم بعض أهل الهيئة عدم انعدامه وإنما
~~يتناقص حتى ينغمر في الصادق وقد تقدم لك ذلك فيما نقلناه لك عنهم ولعله
~~بحسب التقدير لا الحس، وفي خبر مسلم

# " لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا العارض لعمود الصبح حتى يستطير "

# أي ينتشر ذلك العمود في نواحي الأفق ويؤخذ من تسميته عارضا للثاني
~~شيئان، أحدهما: أنه يعرض للشعاع الناشيء عنه الصبح، الثاني: انحباس قرب
~~ظهوره كما يشعر به التنفس في / قوله سبحانه:

# والصبح إذا تنفس

# [التكوير: 18] فعند ذلك الانحباس يتنفس منه شيء من شبه كوة، والمشاهد في
~~المنحبس إذا خرج بعضه دفعة أن يكون أوله أكثر من آخره، وهذا لكون كلام
~~الصادق قد يدل عليه ولانبائه عن سبب طوله وإضاءة أعلاه واختلاف زمنه
~~وانعدامه بالكلية الموافق للحس أولى مما ذكره أهل الهيئة القاصر عن كل
~~ذلك. ثانيهما: أنه صلى الله عليه وسلم أشار بالعارض إلى أن المقصود
~~بالذات هو الصادق وأن الكاذب إنما قصد بطريق العرضية لينبه الناس به لقرب
~~ذلك فينتبهوا ليدركوا فضيلة أول الوقت لاشتغالهم بالنوم الذي لولا هذه
~~العلامة لمنعهم إدراك أول الوقت، فالحاصل أنه نور يبرزه الله تعالى من
~~ذلك الشعاع أو يخلقه حينئذ علامة على قرب الصبح ومخالفا له في الشكل
~~ليحصل التمييز وتتضح العلامة العارضة من المعلم عليه المقصود فتأمل ذلك
~~فإنه غريب مهم.

# وفي حديث عند أحمد

# " ليس الفجر الأبيض المستطيل في الأفق ولكن الفجر الأحمر المعترض "

# وفيه شاهد لما ذكر آخر. ومما يؤيد ما أشير إليه من الكوة ما أخرجه غير
~~واحد عن ابن عباس ms02899 رضي الله تعالى عنهما أن للشمس ثلثمائة كوة تطلع كل يوم
~~من كوة فلا بدع أنها عند قربها من تلك الكوة ينحبس شعاعها ثم يتنفس كما
~~مر. وللقرافي المالكي وغيره كالأصبحي من الشافعية فيه كلام يوضحه ويبين
~~صحة ما ذكر من الكوات ويوافق الاستشكال لكونه يظهر ثم يغيب. وحاصله وإن
~~كان فيه طول لمس الحاجة إليه أنه بياض يطلع قبل الفجر ثم يذهب عند أكثر
~~الأبصار دون الراصد المجد القوي النظر.

# وذكر ابن بشير المالكي أنه من نور الشمس إذا قربت من الأفق فإذا ظهرت
~~أنست به الأبصار فيظهر له أنه غاب وليس كذلك. ونقل الأصبحي أن بعضهم ذكر
~~أنه يذهب بعد طلوعه ويعود مكانه ليلا وهو كثير من الشافعية، وإن أبا
~~جعفر البصري بعد أن عرفه بأنه عند بقاء نحو ساعتين يطلع مستطيلا إلى نحو
~~ربع السماء كأنه عمود وربما لم ير إذا كان الجو نقيا شتاء وأبين ما يكون
~~إذا كان الجو كدرا صيفا أعلاه دقيق وأسفله واسع ولا ينافي هذا ما تقدم
~~من أن أعلاه أضوأ لأن ذلك عند أول الطلوع وهذا عند مزيد قربه من الصادق
~~وتحته سواد ثم بياض ثم يظهر بياض يغشى ذلك كله ثم يعترض رده بأنه رصده
~~نحو خمسين سنة فلم يره غاب وإنما ينحدر ليلتقي مع المعترض في السواد
~~ويصيران فجرا واحدا، وزعم غيبته ثم عوده وهم أو رآه يختلف باختلاف
~~الفصول فظنه يذهب، وبعض المؤقتين يقول: هو المجرة إذا كان الفجر بالسعود،
~~ويلزمه أن لا يوجد إلا نحو شهرين في السنة قال القرافي: وقال آخرون هو
~~شعاع يخرج من طباق بجبل قاف ثم أبطله بأن جبل قاف لا وجود له وبرهن عليه
~~بما يرده ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من طرق خرجها الحفاظ
~~وجماعة منهم ممن التزموا تخريج الصحيح، وقول الصحابي ذلك ونحوه مما لا
~~مجال للرأي فيه حكمه حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، منها

# " أن وراء أرضنا بحرا محيطا ثم جبلا يقال ms02900 له قاف ثم أرضا ثم بحرا
~~ثم جبلا "

# وهكذا حتى عد سبعا من كل، وأخرج بعض أولئك عن عبد الله بن بريدة أنه
~~جبل من زمرد محيط بالدنيا عليه كنفا السماء، وعن مجاهد مثله، وكما اندفع
~~بذلك قوله: لا وجود له اندفع قوله إثره: ولا يجوز اعتقاد ما لا دليل عليه
~~لأنه إن أراد بالدليل مطلق الأمارة فهذا عليه أدلة أو الأمارة العقلية
~~فهذا مما يكفي فيه الظن كما هو جلي، ثم نقل عن القرافي عن أهل الهيئة أنه
~~يظهر ثم يخفى دائما، ثم استشكله وأطال في جوابه بما لا يتضح / إلا لمن
~~أتقن علمي الهندسة والمناظر فأولى منه أن يختلف باختلاف النظر لاختلافه
~~باختلاف الفصول والكيفيات العارضة لمحله فقد يدق في بعض ذلك حتى لا يرى
~~أصلا وحينئذ فهذا عذر من عبر بأنه يغيب ثم تعقبه ظلمة. هذا ولا يخفى أن
~~القول بحدوث ضوء الصبح بمجرد خلق الله تعالى لا عن سبب عادي كما يشير
~~إليه كلام الإمام أهون من القول بأنه من شعاع يخرج من طباق جبل قاف،
~~والقول بخروج الشعاع من هذا الطباق أهون من القول بخروج الشمس - التي هي
~~على ما بين في الأجرام مائة وستة وستون مثلا للأرض مع كسر تقدم على ما
~~هو المشهور أو ثلاثمائة وستة وعشرون مثلا لها على ما قاله غياث الدين
~~جمشيد الكاشي في رسالته «سلم السماء» أو ما يقرب من ذلك على ما في بعض
~~الروايات - من كوة من جبل محيط بالأرض.

# والخبر في ذلك إن صح وقلنا: إن له حكم المرفوع مما ينبغي تأويله وباب
~~التأويل أوسع من تلك الكوة فإن كثيرا من الناس قد قطعوا دائرة الأرض على
~~مدار السرطان مرارا ولم يجدوا أثرا لهذا الجبل المحيط الشامخ. وإثبات
~~سبعة جبال وسبعة أبحر على الوجه السابق مما لا يخفى ما فيه أيضا. وكون
~~الله تعالى لا يعجزه شيء مما لا يشك فيه إلا ملحد لكن الكلام في وقوع ما
~~ذكر في الخارج. والذي تميل إليه قلوب كثير ms02901 من الناس في أمر الصبح ما ذكره
~~أهل الهيئة.

# وقد بين أرسطرخس في الشكل الثاني من «كتابه في جرم النيرين» أن الكرة
~~إذا اقتبست الضوء من كرة أعظم منها كان المضيء منها أعظم من نصفها.

# وقد بين أيضا في الشكل الأول من ذلك الكتاب أن كل كرتين مختلفتين أمكن
~~أن يحيط بهما مخروط مستدير رأسه يلي أصغرهما ويكون المخروط مماسا لكل
~~منهما على محيط دائرة، ولا شك أنه محيط بالشمس والأرض مخروط مؤلف من خطوط
~~شعاعية رأسه يلي الأرض فيكون هذا المخروط مماسا للأرض على دائرة فاصلة
~~بين المضيء والمظلم منها وهي دائرة صغيرة لأن الجزء المضيء من الأرض
~~أصغر.

# وقد حققوا أن المستنير من الهواء كرة البخار سوى ما دخل في ظل مخروط
~~الأرض وهي مستنيرة أبدا لكثافتها وإحاطة أشعة الشمس بها لكنها لا ترى في
~~الليل لبعدها عن البصر وإن سهم المخروط أبدا في مقابلة جرم الشمس كما
~~أشرنا إليه. ففي منتصف الليل يكون على دائرة نصف النهار وبعد ذلك يميل
~~إلى جانب الغروب لحظة فلحظة إلى أن يرى البياض في جانب المشرق على ما
~~تقدم تفصيله وعلى هذا لا يلزم في الصورة التي ذكرها الإمام من مجاوزة
~~مركز الشمس دائرة نصف الليل وطلوعها على أولئك الأقوام. واستنارة نصف
~~العالم عندهم استنارة الربع الشرقي عندنا لاختلاف الوضع كما لا يخفى على
~~المتأمل، والتزام القول بالكروية والمخروط ونحو ذلك مما ذكره أهل الهيئة
~~لا بأس به، نعم اعتقاد صحة ما يقولونه - مما علم خلافه من الدين بالضرورة
~~أو علم بدليل قطعي - كفر أو ضلال فتدبر. وقرىء { فالق } بالنصب على
~~المدح. وقرأ النخعي { فلق الإصباح }.

# { وجعل اليل سكنا } أي يسكن إليه من يتعب بالنهار ويستأنس به
~~لاسترواحه فيه وكل ما يسكن إليه الرجل ويطمئن استئناسا به واسترواحا
~~إليه من زوج أو حبيب يقال له: سكن، ومنه قيل للنار: سكن لأنه يستأنس بها
~~ولذا سموها مؤنسة. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن المعنى يسكن فيه كل
~~طير ودابة وروي نحوه ms02902 عن ابن عباس ومجاهد / رضي الله تعالى عنهم، فالمراد
~~حينئذ جعل الليل مسكونا فيه أخذا له من السكون أي الهدوء والاستقرار
~~كما في قوله تعالى:

# لتسكنوا فيه

# [يونس: 67] وقرأ سائر السبعة إلا الكوفيين { جاعل } بالرفع. وقرىء
~~شاذا بالنصب و { اليل } فيهما مجرور بالإضافة، ونصب { سكنا } عند
~~كثير بفعل دل عليه هذا الوصف لا به لأنه يشترط في عمل اسم الفاعل كونه
~~بمعنى الحال أو الاستقبال وهو هنا بمعنى الماضي كما يشهد به قراءة {
~~جعل }.

# وجوز الكسائي وبعض الكوفيين عمله بمعنى الماضي مطلقا حملا له على
~~الفعل الذي تضمن معناه. وبعضهم جوز عمله كذلك إذا دخلت عليه أل. وآخرون
~~جوزوا عمله في الثاني إذا أضيف إلى الأول لشبهه بالمعرف باللام، وعلى هذا
~~والأول لا يحتاج إلى تقدير فعل بل يكون الناصب هو الوصف، واختار بعضهم
~~كونه الناصب أيضا لكن باعتبار أن المراد به الجعل المستمر في الأزمنة
~~المختلفة لا الزمان الماضي فقط ولا يجري على هذا مجرى الصفة المشبهة لأن
~~ذلك  كما قال بعض المحققين  فيما قصد به الاستمرار مشروط باشتهار الوصف
~~بذلك الاستعمال وشيوعه فيه ونصبه في قراءتنا على أنه مفعول ثان لجعل.

# وجوز أن يكون { جعل } بمعنى أحدث المتعدي لواحد فيكون نصبا على
~~الحال.

# { والشمس والقمر } معطوفان على { اليل } وعلى قراءة من
~~جره يكون نصبهما بجعل المقدر الناصب لسكنا أو بآخر مثله، وقيل: بالعطف
~~على محل { اليل } المجرور فإن إضافة الوصف إليه غير حقيقية إذا لم
~~ينظر فيه إلى المضي. وقرىء بالجر وهو ظاهر وبالرفع على الابتداء والخبر
~~محذوف أي مجعولان { حسبانا } أي على أدوار مختلفة يحسب فيها الأوقات
~~التي نيط بها العبادات والمعاملات أو محسوبان حسبانا. والحسبان بالضم
~~مصدر حسب بالفتح كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب وهذا هو الأصل المسموع
~~في نحو ذلك وما سواه وارد على خلاف القياس كما قيل. وعن أبي الهيثم أن {
~~حسبانا } جمع حساب مثل ركبان وركاب وشهبان وشهاب؛ وفي إرادته هنا
~~بعد.

# { ذلك } إشارة إلى جعلهما كذلك. وقال الطبرسي: «إلى ما تقدم ms02903 من فلق
~~الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا»، والجمهور على الأول
~~وهو الظاهر. وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو منزلة المشار إليه وبعد
~~منزلته أي ذلك التسيير البديع الشأن { تقدير العزيز } أي الغالب
~~القاهر الذي لا يتعاصاه شيء من الأشياء التي من جملتها تسييرهما على
~~الوجه المخصوص { العليم } المبالغ في العلم بجميع المعلومات التي من
~~جملتها ما في ذلك التسيير من المصالح المعاشية والمعادية.

### || [6.97]

# { وهو الذى جعل } أي أنشأ أو صير { لكم } أي لأجلكم {
~~النجوم } قيل: المراد بها ما عدا النيرين لأنها التي بها الإهتداء
~~الآتي ولأن النجم يخص في العرف بما عداهما. وجوز أن يدخلا فيها فيكون هذا
~~بيانا لفائدتهما العامة إثر بيان فائدتهما الخاصة. والمنجمون يقسمون
~~النجوم إلى ثوابت وسيارات والسيارات سبع باجماع المتقدمين وثمان بزيادة
~~هرشل عند المنجمين اليوم. والثوابت لايعلم عدتها إلا الله تعالى.
~~والمرصود منها كما قال عبد الرحمن الصوفي: ألف وخمسة وعشرون بإدخال
~~الضفيرة. ومن أخرجها قال: / هي ألف واثنان وعشرون، ورتبوا الثوابت على ست
~~أقدار وسموها أقدارا متزائدة سدسا سدسا، وجعلوا كل قدر على ثلاث
~~مراتب: أعظم وأوسط وأصغر؛ ولهم تقسيمات لها باعتبارات أخر بنوا عليها ما
~~بنوا ولا يكاد يسلم لهم إلا ما لم يلزم منه محذور في الدين.

# { لتهتدوا بها } بدل من ضمير { لكم } بإعادة العامل بدل
~~اشتمال كأنه قيل: جعل النجوم لاهتدائكم { فى ظلمت البر
~~والبحر } أي في ظلمات الليل في البر والبحر. وإضافتها إليهما
~~للملابسة أو في مشتبهات الطرق وسماها ظلمات على الاستعارة، وهذا إفراد
~~لبعض منافعها بالذكر حسبما يقتضيه المقام وإلا فهي أجدى من تفاريق العصا.
~~وهي في جميع ما يترتب عليها كسائر الأسباب العادية لا تأثير لها بأنفسها
~~ولا بأس في تعلم علم النجوم ومعرفة البروج والمنازل والأوضاع ونحو ذلك
~~مما يتوصل به إلى مصلحة دينية.

# قال العلامة ابن حجر عليه الرحمة: والمنهي عنه من علم النجوم ما يدعيه
~~أهلها من معرفة الحوادث الآتية في مستقبل الزمان كمجيء المطر ووقوع الثلج
~~وهبوب الريح وتغير ms02904 الأسعار ونحو ذلك يزعمون أنهم يدركون ذلك بسير الكواكب
~~لاقترانها وافتراقها، وهذا علم استأثر الله تعالى به لا يعلمه أحد غيره
~~فمن ادعى علمه بذلك فهو فاسق بل ربما يؤدي به إلى الكفر، فأما من يقول:
~~إن الاقتران أو الافتراق الذي هو كذا جعله الله تعالى علامة بمقتضى ما
~~اطردت به عادته الإلهية على وقوع كذا وقد يتخلف فلا إثم عليه بذلك، وكذا
~~الإخبار عما يدرك بطريق المشاهدة من علم النجوم الذي يعلم به الزوال وجهة
~~القبلة وكم مضى وكم بقي من الوقت فإنه لا إثم فيه بل هو فرض كفاية. وأما
~~ما في حديث «الصحيحين» -

# " عن زيد بن خالد الجهني قال: " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~صلاة الصبح في أثر سماء  أي مطر  كان من الليل فلما انصرف أقبل علينا
~~فقال: أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله تعالى ورسوله صلى الله عليه
~~وسلم أعلم قال: أصبح من عبادي مؤمن وكافر فأما من قال: مطرنا بفضل الله
~~تعالى فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب ومن قال: مطرنا بنوء كذا فذاك كافر
~~بي مؤمن بالكواكب "

# - فقد قال العلماء: إنه محمول على ما إذا قال ذلك مريدا أن النوء هو
~~المحدث أما لو قال ذلك على معنى أن النوء علامة على نزول المطر ومنزله هو
~~الله تعالى وحده فلا يكفر لكن يكره له قول ذلك لأنه من ألفاظ الكفر
~~انتهى.

# وأقول: قد كثرت الأخبار في النهي عن علم النجوم والنظر فيها، فقد أخرج
~~ابن أبي شيبة وأبو داود وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد "

# وأخرج الخطيب عن ميمون بن مهران قال: »قلت لابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أوصني قال أوصيك بتقوى الله تعالى وإياك وعلم النجوم فإنه يدعو إلى
~~الكهانة«. وأخرج

# " عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~عن ms02905 النظر في النجوم "

# وعن أبي هريرة وعائشة رضي الله تعالى عنهما نحوه. وأخرج ابن مردويه عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إن متعلم حروف أبي جادوراء في النجوم ليس له عند الله تعالى خلاق يوم
~~القيامة "

# وأخرج هو والخطيب عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم

# " تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر / ثم انتهوا "

# إلى غير ذلك من الأخبار. ولعل ما تفيده من النهي عن التعلم من باب سد
~~الذرائع لأن ذلك العلم ربما يجر إلى محظور شرعا كما يشير إليه خبر ابن
~~مهران, وكذا النهي عن النظر فيها محمول على النظر الذي كان يفعله الكهنة
~~الزاعمون تأثير الكواكب بأنفسها والحاكمون بقطعية ما تدل عليه بتثليثها
~~وتربيعها واقترانها ومقابلتها مثلا من الأحكام بحيث لا تتخلف قطعا على
~~أن الوقوف على جميع ما أودع الله تعالى في كل كوكب مما يمتنع لغير علام
~~الغيوب، والوقوف على البعض أو الكل في البعض لا يجدي نفعا ولا يفيد إلا
~~ظنا المتمسك به كالمتمسك بحبال القمر والقابض عليه كالقابض على شعاع
~~الشمس. نعم إن بعض الحوادث في عالم الكون والفساد قد جرت عادة الله تعالى
~~بإحداثه في الغالب عند طلوع كوكب أو غروبه أو مقارنته لكوكب آخر وفيما
~~يشاهد عند غيبوبة الثريا وطلوعها وطلوع سهيل شاهد لما ذكرنا. ولا يبعد أن
~~يكون ذلك من الأسباب العادية وهي قد تتخلف مسبباتها عنها سواء قلنا: إن
~~التأثير عندها كما هو المشهور عن الأشاعرة أم قلنا: إنها المؤثرة بإذن
~~الله تعالى كما هو المنصور عند السلف، ويشير إليه كلام حجة الإسلام
~~الغزالي في العلة.

# فمتى أخبر المجرب عن شيء من ذلك على هذا الوجه لم يكن عليه بأس.

# وما أخرجه الخطيب عن عكرمة أنه سأل رجلا عن حساب النجوم وجعل الرجل
~~يتحرج أن يخبره فقال عكرمة: سمعت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول:
~~علم عجز ms02906 الناس عنه وددت أني علمته، وما أخرجه الزبير بن بكار عن عبد الله
~~بن حفص قال: خصت العرب بخصال بالكهانة والقيافة والعيافة والنجوم والحساب
~~فهدم الإسلام الكهانة وثبت الباقي بعد ذلك، وقول الحسن بن صالح: سمعت عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في النجوم: ذلك علم ضيعه الناس
~~فلعل ذلك إن صح محمول على نحو ما قلنا. وبعد هذا كله أقول: هو علم لا
~~ينفع والجهل به لا يضر فما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن.

# { قد فصلنا الآيت } أي بينا الآيات المتلوة المذكرة لنعمه
~~سبحانه التي هذه النعمة من جملتها أو الآيات التكوينية الدالة على شؤونه
~~تعالى فصلا فصلا { لقوم يعلمون } معاني الآيات المذكورة
~~فيعملون بموجبها أو يتفكرون في الآيات التكوينية فيعلمون حقيقة الحال،
~~وتخصيص التفصيل بهم مع عمومه للكل لأنهم المنتفعون به.

### || [6.98]

# { وهو الذى أنشأكم من نفس وحدة } أي آدم عليه السلام
~~وهو تذكير لنعمة أخرى فإن رجوع الكثرة إلى أصل واحد أقرب إلى التواد
~~والتعاطف. وفيه أيضا دلالة على عظيم قدرته سبحانه وتعالى {
~~فمستقر ومستودع } أي فلكم استقرار في الأصلاب أو فوق الأرض
~~واستيداع في الأرحام أو في القبر أو موضع استقرار واستيداع فيما ذكر،
~~وجعل الصلب مقر النطفة والرحم مستودعها لأنها تحصل في الصلب لا من قبل
~~شخص آخر وفي الرحم من قبل الأب فأشبهت الوديعة كأن الرجل أودعها ما كان
~~عنده، وجعل وجه الأرض مستقرا وبطنها مستودعا لتوطنهم في الأول واتخاذهم
~~المنازل والبيوت فيه وعدم شيء من ذلك في الثاني. وقيل: التعبير عن كونهم
~~في الأصلاب أو فوق الأرض بالاستقرار لأنهما مقرهم الطبيعي كما أن التعبير
~~عن كونهم في الأرحام أو في القبر بالاستيداع لما أن كلا منهما ليس
~~بمقرهم الطبيعي. وأخرج جماعة منهم الحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أن المستقر الرحم والمستودع الأصلاب، وجاء في رواية أن
~~(حبرتيما) كتب إليه يسأله رضي الله تعالى عنه عن ذلك فأجابه بما ذكر.

# / ويؤيد ms02907 تفسير المستقر بالرحم قوله تعالى:

# ونقر فى الأرحام ما نشاء

# [الحج: 5] وأما تفسير المستودع بالأصلاب فقال شيخ الإسلام: إنه ليس
~~بواضح وليس كما قال، فقد ذكر الإمام بعد أن فرق بين المستقر والمستودع
~~«بأن المستقر أقرب إلى الثبات من المستودع، ومما يدل على قوة هذا القول 
~~يعني المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  أن النطفة الواحدة لا
~~تبقى في صلب الأب زمانا طويلا والجنين يبقى زمانا طويلا، ولما كان
~~المكث في الرحم أكثر مما في صلب الأب كان حمل الاستقرار على المكث في
~~الرحم أولى» ويلزم ذلك أن حمل الاستيداع على المكث في الصلب أولى. وأنا
~~أقول: لعل حمل المستودع على الصلب باعتبار أن الله تعالى بعد أن أخرج من
~~بني آدم عليه السلام من ظهورهم ذريتهم يوم الميثاق وأشهدهم على أنفسهم
~~وكان ما كان ردهم إلى ما أخرجهم منه فكأنهم وديعة هناك تخرج حين يشاء
~~الله تعالى ذلك. وقد أطلق ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اسم الوديعة على
~~ما في الصلب صريحا. فقد أخرج عبد الرزاق عن سعيد بن جبير قال: قال لي
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أتزوجت؟ قلت: لا وما ذلك في نفسي اليوم
~~قال: إن كان في صلبك وديعة فستخرج. وروي تفسير المستودع بالدنيا والمستقر
~~بالقبر عن الحسن وكان يقول: يا ابن آدم أنت وديعة في أهلك ويوشك أن تلحق
~~بصاحبك وينشد قول لبيد:

# وما المال والأهلون إلا وديعة

# ولا بد يوما أن ترد الودائع

# وقال سليمان بن زيد العدوي في هذا المعنى:

# فجع الأحبة بالأحبة قبلنا

# فالناس مفجوع به ومفجع

# مستودع أو مستقر مدخلا

# فالمستقر يزوره المستودع

# وعن أبي مسلم الأصفهاني أن المستقر الذكر لأن النطفة إنما تتولد في
~~صلبه والمستودع الأنثى لأن رحمها شبيه بالمستودع لتلك النطفة فكأنه قيل:
~~وهو الذي خلقكم من نفس واحدة فمنكم ذكر ومنكم أنثى. وقرأ ابن كثير. وأبو
~~عمرو (فمستقر) بكسر القاف وهو حينئذ اسم فاعل بمعنى قار ومستودع اسم
~~مفعول والمراد فمنكم مستقر ومنكم ms02908 مستودع. ووجه كون الأول: معلوما
~~والثاني: مجهولا أن الاستقرار هنا بخلاف الاستيداع والمتعاطفان على
~~القراءة الأولى مصدران أو اسما مكان ولا يجوز أن يكون الأول اسم مفعول
~~لأن استقر لا يتعدى وكذا الثاني ليكون كالأول.

# { قد فصلنا الآيت } المبينة لتفاصيل خلق البشر ومن جملتها
~~هذه الآية { لقوم يفقهون } معاني ذلك، قيل: ذكر مع ذكر النجوم

# يعلمون

# [الأنعام: 97] ومع ذكر إنشاء بني آدم { يفقهون } لأن الإنشاء من
~~نفس واحدة وتصريفهم بين أحوالهم المختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرا فكان
~~ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقا له، وهو مبني على أن
~~الفقه أبلغ من العلم، وقيل: هما بمعنى إلا «أنه لما أريد فصل كل آية
~~بفاصلة تنبيها على استقلال كل منهما بالمقصود من الحجة وكره الفصل
~~بفاصلتين متساويتين لفظا للتكرار عدل إلى فاصلة مخالفة تحسينا للنظم
~~(وافتنانا) في البلاغة. وذكر ابن المنير وجها آخر في تخصيص الأولى
~~بالعلم والثانية بالفقه وهو أنه لما كان المقصود التعريض بمن لا يتدبر
~~آيات الله تعالى ولا يعتبر بمخلوقاته وكانت الآيات المذكورة أولا خارجة
~~عن أنفس النظار [ومنافية لها] إذ النجوم والنظر فيها وعلم الحكمة
~~الإلهية في تدبيره لها أمر خارج عن نفس الناظر ولا كذلك النظر في
~~إنشائهم من نفس / واحدة وتقليبهم في أطوار مختلفة وأحوال متغايرة فإنه
~~نظر لا يعدو نفس الناظر ولا يتجاوزها فإذا تمهد هذا فجهل الإنسان بنفسه
~~وأحواله وعدم النظر والتفكر فيها أبشع من جهله بالأمور الخارجة عنه
~~كالنجوم والأفلاك ومقادير سيرها وتقلبها، فلما كان الفقه أدنى درجات
~~العلم إذ هو عبارة عن الفهم نفى (بطريق التعريض عن أبشع القبيلتين) جهلا
~~وهم الذين لا يتبصرون في أنفسهم ونفي الأدنى أبشع من نفي الأعلى فخص به
~~أسوأ الفريقين حالا و { يفقهون } ههنا مضارع فقه الشيء بكسر القاف
~~إذا فهمه ولو أدنى فهم، وليس من فقه بالضم لأن تلك درجة عالية ومعناه صار
~~فقيها. ثم ذكر أنه إذا قيل: فلان لا يفقه شيئا كان أذم في العرف من
~~قولك: فلان لا ms02909 يعلم شيئا وكأن معنى قولك: لا يفقه شيئا ليست له أهلية
~~الفهم وإن فهم، وأما قولك: لا يعلم شيئا فغايته عدم حصول العلم له وقد
~~يكون له أهلية الفهم والعلم لو تعلم. واستدل على أن التارك للتفكر في
~~نفسه أجهل وأسوأ حالا من التارك للفكرة في غيره بقوله سبحانه:

# وفى الأرض آيت للموقنين * وفى أنفسكم أفلا
~~تبصرون

# [الذاريات: 20-21] فخص التبصر في النفس بعد اندراجها فيما في الأرض من
~~الآيات وأنكر على من لا يتبصر في نفسه إنكارا مستأنفا» والله تعالى
~~أعلم بأسرار كلامه.

### || [6.99]

# { وهو الذى أنزل من السماء ماء } تذكير لنعمة أخرى من
~~نعمه سبحانه الجليلة المنبئة عن كمال قدرته عز وجل وسعة رحمته، والمراد
~~من الماء المطر ومن السماء السحاب أو الكلام على تقدير مضاف أي من جانب
~~السماء. وقيل: الكلام على ظاهره والإنزال من السماء حقيقة إلى السحاب
~~ومنه إلى الأرض واختاره الجبائي، واحتج على فساد قول من يقول: إن
~~البخارات الكثيرة تجتمع في باطن الأرض ثم تصعد وترتفع إلى الهواء وينعقد
~~السحاب منها ويتقاطر ماء وذلك هو المطر المنزل بوجوه، أحدها: أن البرد قد
~~يوجد في وقت الحر بل في حميم الصيف ونجد المطر في أبرد وقت ينزل غير جامد
~~وذلك يبطل ما ذكر. ثانيها: أن البخارات إذا ارتفعت وتصاعدت تفرقت وإذا
~~تفرقت لم يتولد منها قطرات الماء بل البخار إنما يجتمع إذا اتصل بسقف
~~أملس كما في بعض الحمامات أما إذا لم يكن كذلك لم يسل منه ماء كثير فإذا
~~تصاعدت البخارات في الهواء وليس فوقها سطح أملس تتصل به وجب أن لا يحصل
~~منها شيء من الماء. ثالثها: أنه لو كان تولد المطر من صعود البخارات فهي
~~دائمة الارتفاع من البحار فوجب أن يدوم هناك نزول المطر وحيث لم يكن كذلك
~~علمنا فساد ذلك القول، ثم قال: والقوم إنما احتاجوا إلى هذا القول لأنهم
~~اعتقدوا أن الأجسام قديمة فيمتنع دخول الزيادة والنقصان فيها وحينئذ لا
~~معنى لحدوث الحوادث إلا اتصاف تلك الذوات بصفة ms02910 بعد أن كانت موصوفة بصفة
~~أخرى، ولهذا السبب احتاجوا في تكوين كل شيء عن مادة معينة، وأما المسلمون
~~فلما اعتقدوا أن الأجسام محدثة وأن خالق العالم فاعل مختار قادر على خلق
~~الأجسام كيف شاء وأراد فعند هذا لا حاجة إلى استخراج هذه التكلفات وحيث
~~دل ظاهر القرآن على أن الماء إنما ينزل من السماء ولا دليل على امتناع
~~هذا الظاهر وجب القول بحمله عليه انتهى.

# ولا يخفى على من راجع كتب القوم أنهم أجابوا عن جميع تلك الوجوه وأن
~~الذي دعاهم إلى القول بذلك ليس مجرد ما ذكر بل ألقوا بامتناع الخرق
~~والالتئام أيضا ووجود كرة النار تحت السماء وانقطاع عالم العناصر عندها
~~ومشاهدة من على جبل شامخ سحابا يمطر مع عدم مشاهدة ماء نازل من السماء
~~إليه إلى غير ذلك. وهذا وإن كان بعضه مما قام الدليل الشرعي على بطلانه /
~~وبعضه مما لم يقم الدليل عليه ولم يشهد بصحته الشرع لكن مشاهدة من على
~~الجبل ما ذكر ونحوها يستدعي صحة قولهم في الجملة ولا أرى فيه بأسا. وروي
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ما من قطرة تنزل إلا ومعها
~~ملك، وهو عند الكثير محمول على ظاهره.

# والفلاسفة يحملون هذا الملك على الطبيعة الحالة في تلك الجسمية الموجبة
~~لذلك النزول. وقيل: هو نور مجرد عن المادة قائم بنفسه مدبر للقطر حافظ
~~إياه، ويثبت أفلاطون هذا النور المجرد لكل نوع من الأفلاك والكواكب
~~والبسائط العنصرية ومركباتها على ما ذهب إليه صاحب «الإشراق» وهو أحد
~~الأقوال في «المثل الأفلاطونية» ويشير إلى نحو ذلك كلام الشيخ صدر الدين
~~القونوي في «تفسير الفاتحة». ونصب { ماء } على المفعولية لأنزل. وتقديم
~~المفعول غير الصريح عليه لما مر مرارا.

# { فأخرجنا به } أي بسبب الماء، والفاء للتعقيب وتعقيب كل شيء
~~بحسبه. و { أخرجنا } عطف على { أنزل } والالتفات إلى التكلم
~~إظهارا لكمال العناية بشأن ما أنزل الماء لأجله، وذكر بعضهم نكتة خاصة
~~لهذا الالتفات غير ما ذكر وهي أنه سبحانه لما ذكر فيما مضى ما ms02911 ينبهك على
~~أنه الخالق اقتضى ذلك التوجه إليه حتى يخاطب واختيار ضمير العظمة دون
~~ضمير المتكلم وحده لإظهار كمال العناية أي فأخرجنا بعظمتنا بذلك الماء مع
~~وحدته { نبات كل شىء } أي كل صنف من أصناف النبات المختلفة في
~~الكم والكيف والخواص والآثار اختلافا متفاوتا في مراتب الزيادة
~~والنقصان حسبما يفصح عنه قوله سبحانه:

# يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في
~~الأكل

# [الرعد: 4] «والنبات كالنبت وهو  على ما قال الراغب  ما يخرج من الأرض
~~من الناميات سواء كان له ساق كالشجر أو لم يكن له ساق كالنجم لكن اختص في
~~التعارف بما لا ساق له بل قد اختص عند العامة بما تأكله الحيوانات، ومتى
~~اعتبرت الحقائق فإنه يستعمل في كل نام نباتا كان أو حيوانا أو
~~إنسانا». والمراد هنا عند بعض المعنى الأول.

# وجعل قوله تعالى: { فأخرجنا منه خضرا } شروعا في تفصيل ما
~~أجمل من الإخراج وقد بدأ بتفصيل حال النجم وضمير { منه } للنبات،
~~والخضر بمعنى الأخضر كأعور وعور، وأكثر ما يستعمل الخضر فيما تكون خضرته
~~خلقية، وأصل الخضرة لون بين البياض والسواد وهو إلى السواد أقرب ولذا
~~يسمى الأخضر أسود وبالعكس، والمعنى فأخرجنا من النبات الذي لا ساق له
~~شيئا غضا أخضر وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة. وجوز عود
~~الضمير إلى الماء ومن سببية. وجعل أبو البقاء هذا الكلام حينئذ بدلا من
~~{ أخرجنا } الأول، وذكر بعض المحققين أن في الآية على تقدير عود
~~الضمير إلى الماء معنى بديعا حيث تضمنت الإشارة إلى أنه تعالى أخرج من
~~الماء الحلو الأبيض في رأي العين أصنافا من النبات والثمار مختلفة
~~الطعوم والألوان وإلى ذلك نظر القائل يصف المطر:

# يمد على الآفاق بيض خيوطه

# فينسج منها للثرى حلة خضرا

# وقوله تعالى: { نخرج منه } صفة لخضرا، وصيغة المضارع لاستحضار
~~الصورة بما فيها من الغرابة، وجوز أن يكون مستأنفا أي نخرج من ذلك الخضر
~~{ حبا متراكبا } أي بعضه فوق بعض كما في السنبل وقرىء {
~~يخرج منه حب متراكب }  { ومن النخل } جمع ms02912 نخل  كما
~~قال الراغب  «والنخل معروف ويستعمل في / الواحد والجمع»، وهذا شروع في
~~تفصيل حال الشجر إثر بيان حال النجم عند البعض، فالجار والمجرور خبر
~~مقدم.

# وقوله سبحانه: { من طلعها } بدل منه بدل بعض من كل بإعادة العامل.
~~وقوله سبحانه: { قنون } مبتدأ؛ وحاصلة من طلع النخيل قنوان، وجوز أن
~~يكون الخبر محذوفا لدلالة { أخرجنا } عليه وهو كون خاص وبه يتعلق
~~الجار والتقدير ومخرجه من طلع النخل قنوان. وعلى القراءة السابقة آنفا
~~يكون { قنون } معطوفا على (حب) وقيل: المعنى وأخرجنا من النخل نخلا
~~من طلعها قنوان [أو] ومن النخل شيئا من طلعها قنوان، وهو جمع قنو بمعنى
~~العذق وهو للتمر بمنزلة العنقود للعنب. وتثنيته أيضا قنوان ولا يفرق بين
~~المثنى والجمع إلا الإعراب، ولم يأت مفرد يستوي مثناه وجمعه إلا ثلاثة
~~أسماء هذا وصنو وصنوان ورئد ورئدان بمعنى مثل قاله ابن خالويه، وحكى
~~سيبويه شقد وشقدان. وحش وحشان للبستان نقله الجلال السيوطي في «المزهر».
~~وقرىء بضم القاف وبفتحها على أنه اسم جمع لأن فعلان ليس من زنات التكسير.

# { دانية } أي قريبة من المتناول كما قال الزجاج. واقتصر على ذكرها
~~عن مقابلها لدلالتها عليه وزيادة النعمة فيها؛ وقيل: المراد دانية من
~~الأرض بكثرة ثمرها وثقل حملها والدنو على القولين حقيقة، ويحتمل أن يراد
~~به سهولة الوصول إلى ثمارها مجازا. { وجنت من أعنب } عطف
~~على { نبات كل شىء } أي وأخرجنا به جنات كائنة من أعناب، وجعله
~~الواحدي عطفا على { خضرا }. وقال الطيبي: الأظهر أن يكون عطفا على
~~{ حبا } لأن قوله سبحانه: { نبات كل شىء } مفصل لاشتماله على
~~كل صنف من أصناف النامي، والنامي الحب والنوى وشبههما. وقوله سبحانه: {
~~فأخرجنا منه خضرا } الخ تفصيل لذلك النبات، وهو بدل من {
~~فأخرجنا } الأول بدل اشتمال، وقيل: وهذا مبني على أن المراد
~~بالنبات المعنى العام وحينئذ لا يحسن عطفه عليه لأنه داخل فيه وإن أريد
~~ما لا ساق له تعين عطفه عليه لأنه غير داخل فيه وتعين أن يقدر لقوله
~~سبحانه { ومن النخل } فعل آخر كما أشير ms02913 إليه فتدبر.

# وقرأ أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه وابن مسعود والأعمش ويحيى
~~بن يعمر وأبو بكر عن عاصم { وجنت } بالرفع على الابتداء أي ولكم
~~أو ثم جنات أو نحو ذلك. وجوز الزمخشري أن يكون على العطف على {
~~قنون } قال في «التقريب» وفيه نظر لأنه إن عطف على ذلك  فمن أعناب 
~~حينئذ إما صفة { جنت } فيفسد المعنى إذ يصير المعنى وحاصلة من
~~النخيل جنات حصلت من أعناب، وإما خبر لجنات فلا يصح لأنه يكون عطفا لها
~~على مفرد ويكون المبتدأ نكرة فلا يصح.

# وفي «الكشف» أن الثاني بعيد الفهم من لفظ الزمخشري وإن أمكن الجواب بأن
~~العطف على المخصص مخصص كما قال ابن مالك، واستشهد عليه بقوله:

# عندي اصطبار وشكوى عند قاتلتي

# فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا

# والظاهر الأول لكنه عطف جملة على جملة ويقدر ومخرجة من الخضر أو من
~~الكرم أو حاصلة جنات من أعناب دون صلته لأن التقييد لازم كما حقق في عطف
~~المفرد وحده، ولا يخفى أن هذا تكلف مستغنى عنه، ولعل زيادة الجنات هنا 
~~كما قيل  من غير اكتفاء بذكر اسم الجنس كما فيما تقدم وما تأخر لما/ أن
~~الانتفاع بهذا الجنس لا يتأتى غالبا إلا عند اجتماع طائفة من أفراده.

# { والزيتون والرمان } نصب على الاختصاص لعزة هذين الصنفين
~~عندهم أو على العطف على { نبات }. وقوله سبحانه: { مشتبها
~~وغير متشبه } إما حال من { الزيتون } لسبقه اكتفى به عن
~~حال ما عطف عليه والتقدير والزيتون مشتبها وغير متشابه والرمان كذلك،
~~وإما حال من { الرمان } لقربه ويقدر مثله في الأول. وأيا ما كان
~~ففي الكلام مضاف مقدر وهو بعض أي بعض ذلك مشتبها وبعضه غير متشابه في
~~الهيئة والمقدار واللون والطعم وغير ذلك من الأوصاف الدالة على كمال قدرة
~~صانعها وحكمة منشيها ومبدعها جل شأنه وإلا كان المعنى جميعه مشتبه وجميعه
~~غير متشابه وهو غير صحيح. ومن الناس من جوز كونه حالا منهما مع التزام
~~التأويل. وافتعل وتفاعل هنا بمعنى كاستوى وتساوى. وقرىء { متشبها
~~وغير متشبه ms02914 }.

# { انظروا } نظر اعتبار واستبصار { إلى ثمره } أي ثمر ذلك أي
~~الزيتون والرمان والمراد شجرتهما وأريد بهما فيما سبق الثمرة ففي الكلام
~~استخدام. وعن الفراء أن المراد في الأول: شجر الزيتون وشجر الرمان وحينئذ
~~لا استخدام، وأيا ما كان فالضمير راجع إليهما بتأويله باسم الإشارة.
~~ورجوعه إلى كل واحد منهما على سبيل البدل بعيد لا نظير له في عدم تعيين
~~مرجع الضمير. وجوز رجوع الضمير إلى جميع ما تقدم بالتأويل المذكور ليشمل
~~النخل وغيره مما يثمر { إذا أثمر } أي إذا أخرج ثمره كيف يخرجه
~~ضئيلا لا يكاد ينتفع به. وقرأ حمزة والكسائي { ثمره } بضم الثاء وهو
~~جمع ثمرة كخشبة وخشب أو ثمار ككتاب وكتب { وينعه } أي وإلى حال نضجه
~~أو إلى نضيجه كيف يعود ضخما ذا نفع عظيم ولذة كاملة. وهو في الأصل مصدر
~~ينعت الثمرة إذا أدركت، وقيل: جمع يانع كتاجر وتجر. وقرىء بالضم وهي لغة
~~فيه.

# وقرأ ابن محيصن { ويانعه }. ولا يخفى أن في التقييد بقوله تعالى: {
~~إذا أثمر } على ما أشرنا إليه إشعارا بأن المثمر حينئذ ضعيف غير
~~منتفع به فيقابل حال الينع. ويدل كمال التفاوت على كمال القدرة. وعن
~~الزمخشري أنه قال «فإن قلت هلا قيل: إلى غض ثمره وينعه؟ قلت: في هذا
~~الأسلوب فائدة وهي أن الينع وقع فيه معطوفا على الثمر على سنن الاختصاص
~~نحو قوله سبحانه:

# وجبريل وميكل

# [البقرة: 98] للدلالة على أن الينع أولى من الغض» وله وجه وجيه وإن خفي
~~على بعض الناظرين.

# { إن فى ذلكم } إشارة إلى ما أمروا بالنظر إليه. وما في اسم
~~الإشارة من معنى البعد لما مر غير مرة { لآيات } عظيمة أو كثيرة دالة
~~على وجود القادر الحكيم ووحدته { لقوم يؤمنون } أي يطلبون
~~الايمان بالله تعالى  كما قال القاضي  أو مؤمنون بالفعل. وتخصيصهم
~~بالذكر لأنهم الذين انتفعوا بذلك دون غيرهم  كما قيل  ووجه دلالة ما
~~ذكر على وجود القادر الحكيم ووحدته أن حدوث هاتيك الأجناس المختلفة
~~والأنواع المتشعبة من أصل واحد وانتقالها من حال إلى حال على نمط بديع ms02915 لا
~~بد أن يكون بإحداث صانع يعلم تفاصيلها ويرجح ما تقتضيه حكمته من الوجوه
~~الممكنة على غيره ولا يعوقه ضد يعانده أو ند يعارضه. ثم إنه سبحانه بعد
~~أن ذكر هذه النعم الجليلة الدالة على توحيده وبخ من أشرك به سبحانه ورد
~~عليه بقوله عز شأنه: { وجعلوا لله شركاء... }.

### || [6.100]

# { وجعلوا } في اعتقادهم { لله } الذي شأنه ما فصل في تضاعيف
~~هذه الآيات { شركاء } في الألوهية أو الربوبية { الجن } أي /
~~الملائكة حيث عبدوهم وقالوا: إنهم بنات الله سبحانه. وتسميتهم جنا مجاز
~~لاجتنانهم واستتارهم عن الأعين كالجن. وفي التعبير عنهم بذلك حط لشأنهم
~~بالنسبة إلى مقام الإلهية، وروي هذا عن قتادة والسدي. ويفهم من كلام
~~بعضهم أن الجن تشمل الملائكة حقيقة. وقيل: المراد بهم الشياطين وروى عن
~~الحسن. ومعنى جعلهم شركاء أنهم أطاعوهم كما يطاع الله تعالى أو عبدوا
~~الأوثان بتسويلهم وتحريضهم. ويروى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن
~~الآية نزلت في الزنادقة الذين قالوا: إن الله تعالى خالق الناس والدواب
~~والأنعام والحيوان، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشرور.
~~فالمراد من الجن إبليس وأتباعه الذين يفعلون الشرور ويلقون الوساوس
~~الخبيثة إلى الأرواح البشرية، وهؤلاء المجوس القائلون بالنور والظلمة
~~ولهم في هذا الباب أقوال تمجها الأسماع وتشمئز عنها النفوس. وادعى الإمام
~~أن هذا أحسن الوجوه المذكورة في الآية. ومفعولا  جعل  قيل: (لله)
~~و(شركاء) و(الجن) إما منصوب بمحذوف وقع جوابا عن سؤال كأنه قيل: من
~~جعلوه شركاء؟ فقيل: الجن، أو منصوب على البدلية من { شركاء } والمبدل
~~منه ليس في حكم الساقط بالكلية وتقديم المفعول الثاني لأنه محز الإنكار
~~ولأن المفعول الأول منكر يستحق التأخير وقيل: هما { شركاء } و {
~~الجن } وتقديم ثانيهما على الأول لاستعظام أن يتخذ لله سبحانه شريك
~~ما كائنا ما كان، و { لله } متعلق بشركاء وتقديمه عليه للنكتة
~~المذكورة أيضا على ما اختاره الزمخشري وقرىء { الجن } بالرفع كأنه
~~قيل: من هم؟ فقيل: الجن وبالجر على الإضافة التي هي للتبيين.

# { وخلقهم } حال من فاعل { جعلوا } بتقدير قد أو بدونه على
~~اختلاف ms02916 الرأيين مؤكدة لما في جعلهم ذلك من الشناعة والبطلان باعتبار
~~علمهم بمضمونها أي وقد علموا أن الله تعالى خالقهم خاصة، وقيل: الضمير
~~(للجن) أي والحال أنه تعالى خلق الجن فكيف يجعلون مخلوقه شريكا له. ورجح
~~الأول بخلوه عن تشتت الضمائر ورجح الإمام الثاني بأن عود الضمير إلى أقرب
~~المذكورات واجب، وبأنه إذا رجع الضمير إلى هذا الأقرب صار اللفظ الواحد
~~دليلا قاطعا تاما كاملا في إبطال المذهب الباطل. وقرأ يحيى بن يعمر {
~~وخلقهم } على صيغة المصدر عطفا على { الجن } أي وما يخلقونه
~~من الأصنام أو على { شركاء } أي وجعلوا له اختلاقهم للقبائح حيث
~~نسبوها إليه سبحانه وقالوا:

# الله أمرنا بها

# [الأعراف:28].

# { وخرقوا له } أي افتعلوا وافتروا له سبحانه، قال الفراء: يقال:
~~خلق الإفك واختلقه وخرقه واخترقه بمعنى. ونقل عن الحسن أنه سئل عن ذلك
~~فقال: كلمة عربية كانت العرب تقولها كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي
~~القوم يقول له بعضهم: قد خرقها والله.

# وقال الراغب «أصل الخرق قطع الشيء على سبيل الفساد من غير تفكر ولا تدبر
~~ومنه قوله تعالى:

# أخرقتها لتغرق أهلها

# [الكهف: 71] وهو ضد الخلق فإنه فعل الشيء بتقدير ورفق والخرق بغير تقدير
~~قال تعالى: { وخرقوا له } أي حكموا بذلك على سبيل الخرق وباعتبار
~~القطع». وقرأ نافع { وخرقوا } بتشديد الراء للتكثير. وقرأ ابن عمر
~~وابن عباس رضي الله تعالى عنهم { وحرفوا } من التحريف أي وزوروا له.

# { بنين وبنات } فقالت اليهود؛ عزير ابن الله، وقالت النصارى:
~~المسيح ابن الله وقالت العرب الملائكة بنات الله والله سبحانه منزه عما
~~قالوه { بغير علم } بحقيقته من خطأ أو صواب / ولا فكر ولا روية
~~فيه بل قالوه عن عمى وجهالة أو بغير علم بمرتبة ما قالوه وأنه من الشناعة
~~بالمحل البعيد. وأيا ما كان فالجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالا من
~~الواو أو نعت لمصدر مؤكد أي خرقوا ملتبسين بغير علم أو خرقا كائنا بغير
~~علم والمقصود على الوجهين ذمهم بالجهل، وقيل: إن ذلك كناية عن نفي ما
~~قالوا فإن ما لا ms02917 أصل له لا يكون معلوما ولا يقام عليه دليل، ولا حاجة
~~إليه إذ نفيه معلوم من جعله اختلاقا وافتراء ومن قوله عز وجل: {
~~سبحنه وتعلى عما يصفون } من أن له جل شأنه شريكا
~~أو ولدا. وقد تقدم الكلام في سبحان وما يفيده من المبالغة في التنزيه. و
~~{ تعالى } عطف على الفعل المضمر الناصب لسبحان. وفرق الإمام بين
~~التسبيح والتعالي بأن الأول راجع إلى أقوال المسبحين والثاني إلى صفاته
~~تعالى الذاتية التي حصلت لذاته سبحانه لا لغيره والمراد بالبنين فيما
~~تقدم ما فوق الواحد أو أن من يجوز الواحد يجوز الجمع.

### || [6.101]

# { بديع السموات والأرض } أي مبدعهما «وموجدهما بغير آلة
~~ولا مادة ولا زمان ولا مكان» قاله الراغب، وهو كما يطلق على المبدع يطلق
~~على المبدع اسم مفعول، ومنه قيل: ركي بديع وكذلك البدع بكسر الباء يقال
~~لهما. وقيل: هو من إضافة الصفة المشبهة إلى الفاعل للتخفيف بعد نصبه
~~تشبيها لها باسم الفاعل كما هو المشهور أي بديع سمواته وأرضه من بدع إذا
~~كان على نمط عجيب وشكل فائق وحسن رائق أو إلى الظرف كما في قولهم فلان
~~ثبت الغدر أي ثبت في الغدر وهو بغين معجمة ودال وراء مهملتين
~~المكان ذو الحجارة والشقوق ويقولون ذلك إذا كان الرجل ثبتا في قتال أو
~~كلام. والمراد من بديع في السماوات والأرض أنه سبحانه عديم النظير فيهما.
~~ومعنى ذلك  على ما قال بعض المحققين  أن إبداعه لهما لا نظير له لأنهما
~~أعظم المخلوقات الظاهرة فلا يرد أنه لا يلزم من نفي النظير فيهما نفيه
~~مطلقا، ولا حاجة إلى تكلف أنه خارج مخرج الرد على المشركين بحسب زعمهم
~~أنه لا موجود خارج عنهما. واختار غير واحد التفسير الأول، والمعنى عليه
~~أنه تعالى مبدع لقطري العالم العلوي والسفلي بلا مادة فاعل على الإطلاق
~~منزه عن الانفعال بالكلية، والوالد عنصر الولد منفعل بانتقال مادته عنه
~~فكيف يمكن أن يكون له ولد؟. وقرىء { بديع } بالنصب على المدح والجر على
~~أنه بدل من الاسم الجليل أو من الضمير ms02918 المجرور في

# سبحنه

# [الأنعام: 100] على رأي من يجوزه، وارتفاعه على القراءة المشهورة على
~~ثلاثة أوجه  كما قال أبو البقاء، الأول: أنه خبر مبتدأ محذوف، والثاني:
~~أنه فاعل

# تعالى

# [الأنعام: 100] وإظهاره في موضع الإضمار لتعليل الحكم، وتوسيط الظرف
~~بينه وبين الفعل للاهتمام ببيانه.

# والثالث: أنه مبتدأ خبره قوله سبحانه: { أنى يكون له ولد }
~~وهو على الأولين جملة مستقلة مسوقة كما قبلها لبيان استحالة ما نسبوه
~~إليه تعالى وتقرير تنزيهه عنه جل شأنه. وقوله تعالى: { ولم تكن
~~له صحبة } حال مؤكدة للاستحالة المذكورة ضرورة أن الولد لا يكون
~~بلا والدة أصلا وإن أمكن وجوده بلا والد أي من أين أو كيف يكون له ولد
~~والحال أنه ليس له صاحبة يكون الولد منها. وقرأ إبراهيم النخعي { لم
~~يكن } بتذكير الفعل؛ وجاز ذلك مع أن المرفوع مؤنث للفصل كما في قوله:

# لقد ولد الأخيطل أم سوء

# على قمع استها صلب وشام

# قال ابن جنى: تؤنث الأفعال لتأنيث فاعلها لأنهما يجريان مجرى كلمة واحدة
~~لعدم استغناء كل / عن صاحبه فإذا فصل جاز تذكيره وهو في باب كان أسهل
~~لأنك لو حذفتها استقل ما بعدها.

# وقيل: إن اسم { يكن } ضميره تعالى والخبر هو الظرف و { صحبة }
~~مرتفع به على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ أوالظرف خبره مقدم و {
~~صحبة } مبتدأ والجملة خبر { يكون } وعلى هذا يجوز أن يكون الاسم
~~ضمير الشأن لصلاحية الجملة حينئذ لأن تكون مفسرة للضمير لا على الأول
~~لأنه كما بين في موضعه لا يفسر إلا بجملة صريحة، والاعتراض بأنه إذا كان
~~العمدة في المفسرة مؤنثا فالمقدر ضمير القصة لا الشأن فيعود السؤال ليس
~~بوارد كعدم اللزوم وإن توهمه بعضهم.

# وقوله تعالى: { وخلق كل شيء } استئناف لتحقيق ما ذكر من
~~الاستحالة أو حال أخرى مقررة لها أي أنى يكون له ولد والحال أنه خلق كل
~~شيء من الموجودات التي من جملتها ما سموه ولدا فكيف يتصور أن يكون
~~المخلوق ولدا لخالقه. ويفهم من «التفسير الكبير» أن من زعم أن لله تعالى
~~شأنه ولدا إن ms02919 أراد أنه سبحانه أحدثه على سبيل الإبداع من غير تقدم نطفة
~~مثلا رد بأن خلقه للسماوات والأرض كذلك فيلزم كونهما ولدا له تعالى وهو
~~باطل بالاتفاق، وإن أراد ما هو المعروف من الولادة في الحيوانات رد أولا
~~بأنه لا صاحبة له وهي أمر لازم في المعروف. وثانيا بأن تحصيل الولد بذلك
~~الطريق إنما يصح في حق من لا يكون قادرا على الخلق والإيجاد والتكوين
~~دفعة واحدة أما من كان خالقا لكل الممكنات وكان قادرا على كل المحدثات
~~فإذا أراد شيئا قال له كن فيكون فيمتنع منه إحداث شخص بطريق الولادة.
~~وإن أراد مفهوما ثالثا فهو غير متصور.

# { وهو بكل شيء } من شأنه أن يعلم كائنا ما كان مخلوقا أو غير
~~مخلوق كما ينبىء عنه ترك الإضمار إلى الإظهار { عليم } مبالغ في العلم
~~أزلا وأبدا حسبما يعرب عنه العدول إلى الجملة الإسمية، وحينئذ فلا يخلو
~~إما أن يكون الولد قديما أو محدثا لا جائز أن يكون قديما لأن القديم
~~يجب كونه واجب الوجود لذاته وما كان كذلك كان غنيا عن غيره فامتنع كونه
~~ولدا للغير فتعين كونه حادثا، ولا شك أنه تعالى عالم بكل شيء فإما أن
~~يعلم أن له في تحصيل الولد كمالا أو نفعا أو يعلم أنه ليس كذلك، فإن
~~كان الأول فلا وقت يفرض إلا والداعي إلى إيجاد هذا الولد كان حاصلا قبله
~~وهو يوجب كونه أزليا وهو محال وإن كان الثاني وجب أن لا يحدث البتة في
~~وقت من الأوقات. وقرر الإمام عليه الرحمة الرد بهذه الجملة بوجه آخر
~~أيضا، وبعضهم جعل هذه الجملة مع ما قبلها متضمنة لوجه واحد من أوجه
~~الرد. والجملة إما حالية أو مستأنفة، واقتصر بعضهم على الثاني فقال:
~~«إنها استئناف مقرر لمضمون ما قبلها من الدلائل القاطعة ببطلان مقالتهم
~~الشنعاء التي اجترءوا عليها بغير علم» والظاهر من هذا أن ما في الآية
~~أدلة قطعية على بطلان ما زعمه المختلقون، وكلام الإمام حيث قال بعد تقرير
~~الوجوه. «لو أن الأولين والآخرين اجتمعوا على ms02920 أن يذكروا في هذه المسألة
~~كلاما يساويه -أي ما دلت عليه الآية  في القوة والكمال لعجزوا عنه».
~~وادعى الشهاب أن ما يفهم من ذلك أدلة اقناعية، ولعل الأولى القول بأن
~~البعض قطعي والبعض الآخر إقناعي فتدبر.

### || [6.102]

# { ذلكم } إشارة إلى المنعوت بما ذكر من جلائل النعوت، وما فيه من
~~معنى البعد لما مر مرارا. والخطاب للمشركين المعهودين بطريق الالتفات.
~~وذهب الطبرسي أنه لجميع الناس. وهو مبتدأ وقوله سبحانه: { الله
~~ربكم لا إله إلا هو خلق كل شيء } أخبار أربعة
~~مترادفة أي ذلك الموصوف بتلك الصفات العظيمة الشأن هو الله المستحق
~~للعبادة خاصة مالك / أمركم لا شريك له أصلا خالق كل شيء مما كان وسيكون،
~~والمعتبر في عنوان الموضوع حسبما اقتضته الإشارة إنما هو خالقيته سبحانه
~~لما كان فقط كما ينبىء عنه صيغة الماضي، وجوز أن يكون الاسم الجليل بدلا
~~من اسم الإشارة و { ربكم } صفته وما بعده خبر، وأن يكون الاسم
~~الجليل هو الخبر وما بعده إبدال منه، وأن يكون بدلا والبواقي أخبار، وأن
~~يقدر لكل خبر من الأخبار الثلاثة مبتدأ، وأن يجعل الكل بمنزلة اسم واحد،
~~وأن يكون { خلق كل شيء } بدلا من الضمير، وجوز غير ذلك.

# وقوله تعالى: { فاعبدوه } مسبب عن مضمون الجملة فإن من جمع هذه
~~الصفات كان هو المستحق للعبادة خاصة، وادعى بعضهم أن العبادة المأمور بها
~~هي نهاية الخضوع وهي لا تتأتى مع التشريك فلذا استغنى عن أن يقال: فلا
~~تعبدوا إلا إياه، ويفهم منه أن مجرد مفهوم العبادة يفيد الاختصاص، ولا
~~يأباه دعوى إفادة تقديم المفعول في

# إياك نعبد

# [الفاتحة: 5] إياه لأن إفادة الحصر بوجهين لا مانع منها كما في

# فلله الحمد

# [الجاثية: 36] ونحوه، وإنما قال سبحانه هنا: { ذلكم الله لا
~~إله إلا هو خلق كل شيء فاعبدوه } وفي سورة
~~المؤمن [26]

# ذلكم الله ربكم خلق كل شيء لا إله
~~إلا هو فأنى تؤفكون

# فقدم سبحانه هنا { لا إله إلا هو } على { خلق كل
~~شىء } وعكس هناك، قال بعض المحققين: لأن هذه الآية جاءت بعد ms02921 قوله
~~تعالى:

# جعلوا لله شركاء

# [الأنعام: 100] الخ فلما قال جل شأنه: { ذلكم الله ربكم }
~~أتى بعده بما يدفع الشركة فقال: عز قائلا { لا إله إلا هو }
~~ثم { خلق كل شىء } وتلك جاءت بعد قوله سبحانه

# لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس
~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون

# [غافر: 57] فكان الكلام على تثبيت خلق الناس وتقريره لا على نفي الشريك
~~عنه جل شأنه كما كان في الآية الأولى فكان تقديم { خلق كل شيء
~~} هناك أولى والله تعالى أعلم بأسرار كلامه.

# { وهو على كل شيء وكيل } عطف على الجملة السابقة أي وهو
~~مع تلك الصفات الجليلة الشأن متولي جميع الأمور الدنيوية والأخروية،
~~ويلزم من ذلك أن لا يوكل أمر إلى غيره ممن لا يتولى. وجوز أن تكون هذه
~~الجملة في موضع الحال وقيدا للعبادة ويؤول المعنى إلى أنه سبحانه مع ما
~~تقدم متولي أموركم فكلوها إليه وتوسلوا بعبادته إلى إنجاح مأربكم، وفسر
~~بعضهم الوكيل بالرقيب أي أنه تعالى رقيب على أعمالكم فيجازيكم عليها.

# واستدل أصحابنا بعموم { خلق كل شيء } على أنه تعالى هو
~~الخالق لأعمال العباد والمعتزلة قالوا: عندنا هنا أشياء تخرج أعمال
~~العباد من البين. أحدها: تعقيب ذلك العموم بقوله سبحانه: { فاعبدوه
~~} فإنه لو دخلت أعمال العباد هناك لصار تقدير الآية إنا خلقنا أعمالكم
~~فافعلوها بأعيانها مرة أخرى وفساده ظاهر. وثانيها: أن { خلق كل
~~شيء } ذكر في معرض المدح والثناء ولا تمدح بخلق الزنا واللواطة
~~والسرقة والكفر مثلا. ثالثها: أنه تعالى قال بعد.

# قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه
~~ومن عمى فعليها

# [الأنعام: 104] وهو تصريح بكون العبد مستقلا بالفعل والترك وأنه لا
~~مانع له. رابعها: أن هذه الآية أتى بها بعد

# وجعلوا الله شركاء الجن

# [الأنعام:100] والمراد منه على ما روي عن الحبر الرد على المجوس في
~~إثبات الهين فيجب أن يكون { خلق كل شيء } محمولا على إبطال
~~ذلك وهو إنما يكون إذا قلنا: إنه تعالى هو الخالق لما في هذا العالم من
~~السباع والآلام ونحوها وإذا حمل على ms02922 ذلك لم تدخل أعمال العباد ولا يخفى
~~ما في ذلك من النظر ومثله استدلالهم بالآية على نفي الصفات وكون القرآن
~~مخلوقا فتدبر.

### || [6.103]

# { لا تدركه الأبصر } جمع بصر يطلق كما قال الراغب «على
~~الجارحة الناظرة وعلى القوة التي فيها / وعلى البصيرة وهي قوة القلب
~~المدركة» وإدراك الشيء عبارة عن الوصول إلى غايته والإحاطة به، وأكثر
~~المتكلمين على حمل البصر هنا على الجارحة من حيث إنها محل القوة. وقيل:
~~هو إشارة إلى ذلك وإلى الأوهام والأفهام كما قال أمير المؤمنين علي كرم
~~الله تعالى وجهه: التوحيد أن لا تتوهمه وقال أيضا كل ما أدركته فهو
~~غيره. ونقل الراغب عن بعضهم أنه حمل ذلك على البصيرة، وذكر أنه قد نبه به
~~على ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قوله: يا من غاية معرفته
~~القصور عن معرفته إذا كان معرفته تعالى أن تعرف الأشياء فتعلم أنه ليس
~~بمثل لشيء منها بل هو موجد كل ما أدركته.

# واستدل المعتزلة بهذه الآية على أنه تعالى لا يرى. وتقرير ذلك على ما في
~~«المواقف وشرحها» أن الإدراك المضاف إلى الأبصار إنما هو الرؤية ولا فرق
~~بين أدركته ببصري ورأيته إلا في اللفظ أو هما متلازمان لا يصح نفي أحدهما
~~مع إثبات الآخر فلا يجوز رأيته وما أدركته ببصري ولا عكسه، فالآية نفت أن
~~تراه الأبصار وذلك يتناول جميع الأبصار بواسطة اللام الجنسية في مقام
~~المبالغة في جميع الأوقات، لأن قولك: فلان تدركه الأبصار لا يفيد عموم
~~الأوقات فلا بد أن يفيده ما يقابله فلا يراه شيء من الأبصار لا في الدنيا
~~ولا في الآخرة لما ذكر ولأنه تعالى تمدح بكونه لا يرى حيث ذكره في أثناء
~~المدائح وما كان من الصفات عدمه مدحا كان وجوده نقصا يجب تنزيه الله
~~تعالى عنه فظهر أنه يمتنع رؤيته سبحانه، وإنما قيل: من الصفات احترازا
~~عن الأفعال كالعفو والانتقام فإن الأول تفضل والثاني عدل وكلاهما كمال
~~انتهى. وحاصله أن المراد بالإدراك الرؤية المطلقة لا الرؤية على ms02923 وجه
~~الإحاطة، وأن { لا تدركه الأبصر } سالبة كلية دائمة وهذا
~~أقوى أدلتهم النقلية في هذا المطلب كما ذكره شيخ مشايخنا الكوراني قدس
~~سره والجواب عنه من وجوه.

# الأول أن الإدراك ليس هو الرؤية المطلقة وإن اختاره  على ما نقله
~~الآمدي  أبو الحسن الأشعري وإنما هو الرؤية على نعت الإحاطة بجوانب
~~المرئي كما فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بها في أحد تفسيريه، ففي
~~«الدر المنثور» «وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { لا تدركه
~~الأبصر } لا يحيط بصر أحد بالله» تعالى انتهى. وإليه ذكب الكثير من
~~أئمة اللغة وغيرهم. والرؤية المكيفة بكيفية الإحاطة أخص مطلقا من الرؤية
~~المطلقة ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فظهر صحة أن يقال: رأيته وما
~~أدركه بصري أي ما أحاط به من جوانبه وإن لم يصح عكسه.

# الثاني أن { لا تدركه الأبصر } كما يحتمل أن يلاحظ فيه
~~أولا دخول النفي ثم ورود اللام فتكون سالبة كلية على طرز قوله تعالى:

# وما الله يريد ظلما للعباد

# [غافر: 31] فيكون لعموم السلب كذلك يحتمل أن يعتبر فيه العموم أولا ثم
~~ورود النفي عليه فتكون سالبة جزئية نحو ما قام العبيد كلهم ولم آخذ
~~الدراهم كلها فتكون لسلب العموم وكلما احتمل سلب العموم لم يكن نصا في
~~عموم السلب وإن كان عموم السلب في مثل هذا هو الأكثر وكلما كان كذلك لم
~~يبق فيه حجة على امتناع الرؤية مطلقا وهو ظاهر، هذا إذا كان أل في
~~«الأبصار» للاستغراق فإن كان للجنس كان { لا تدركه الأبصر }
~~سالبة مهملة وهي في قوة الجزئية فيكون المعنى لا تدركه بعض الأبصار وهو
~~متفق عليه.

# الثالث أنا لو سلمنا أن الإدراك هو الرؤية المطلقة وأن أل للاستغراق وأن
~~الكلام لعموم السلب لكن لا نسلم عمومه في الأحوال والأوقات أي لا نسلم
~~أنها دائمة لجواز أن يكون المراد نفي الرؤية في الدنيا كما يروى تقييده
~~بذلك عن الحسن وغيره. ويدل عليه ما أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر
~~الأصول» وأبو نعيم في «الحلية» عن ابن ms02924 عباس قال: «تلا رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم هذه الآية:

# رب أرنى أنظر إليك

# [الأعراف: 143] فقال: قال الله تعالى: يا موسى إنه / لا يراني حي إلا
~~مات ولا يابس إلا تدهده ولا رطب إلا تفرق وإنما يراني أهل الجنة الذين لا
~~تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم» قولهم: بل هي دائمة لأن قولك: فلان تدركه
~~الأبصار لا يفيد عموم الأوقات فلا بد أن يفيده ما يقابله، قلنا: هذا لا
~~يتم إلا إذا وجب أن يكون التقابل من الله تعالى تدركه الأبصار و «لا
~~تدركه الأبصار» تقابل تناقض ولا موجب لذلك لا عقليا ولا لغويا ولا
~~شرعيا: أما الأول فلأنا إذا وجدنا قضية موجبة مطلقة جاز أن يقابلها
~~سالبة دائمة مطلقة وأن يقابلها سالبة دائمة ولا تتعين الدائمة الصادقة
~~إلا إذا كانت المطلقة كاذبة قطعا لكن كذب المطلقة ههنا أول البحث وعين
~~المتنازع فيه فلا يجوز أن يبنى كون { لا تدركه الأبصر }
~~دائمة على كذب هذه المطلقة أعني الله تعالى يدركه الأبصار مرادا بها
~~أبصار المؤمنين في الجنة والموقف لأنه مصادرة على المطلوب المستلزم
~~للدور، وأما الثاني فلأن الجملة ثبوتية كانت أو منفية تستعمل بحسب
~~المقامات تارة في الإطلاق وتارة في الدوام وليس يجب في اللغة أنا إذا
~~وجدنا جملة مثبتة استعملت في مقام ما في معنى الإطلاق أن تكون الجملة
~~المقابلة لها مستعملة في معنى الدوام البتة بل يخلتف باختلاف المقامات
~~وقصد المستعملين لها وهو ظاهر جدا، وأما الثالث فلأن المطلقة المذكورة
~~بالمعنى السابق عين المتنازع فيه بيننا وبين المعتزلة شرعا فنحن نقول
~~إنها صادقة شرعا ونحتج عليها بالعقل والنقل من الكتاب والسنة، وكلما كان
~~كذلك لزم أن لا يكون { لا تدركه الأبصر } دائمة دفعا
~~للتناقض فتكون إما مطلقة عامة أو وقتية مطلقة، وعلى التقديرين لا تناقض
~~لانتفاء اتحاد الزمان فيصدق الله تعالى تدركه الأبصار أي أبصار المؤمنين
~~يوم القيامة مثلا أو وقت تجليه في نوره الذي لا يذهب بالأبصار الله
~~تعالى لا تدركه الأبصار أي في الدنيا بالقيد الذي ms02925 أشير إليه سابقا أو
~~وقت تجليه بنوره الذي يذهب بالأبصار وهو النور الشعشعاني المشار إليه في
~~الحديث الوارد في «صحيح مسلم» وغيره

# " لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره "

# وإلى هذا التقييد يشير ثاني تفسيري ابن عباس المتقدم أولهما. فقد روي
~~أنه قال:

# " رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه فقال له عكرمة: أليس الله تعالى
~~يقول: { لا تدركه الأبصر } فقال: لا أم لك ذاك نوره الذي هو
~~نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء "

# الحديث. وبإثبات هذين النورين يجمع بين

# " جوابيه عليه الصلاة والسلام لأبي ذر حيث سأله هل رأيت ربك؟ فقال في
~~أحد جوابيه «نور أنى أراه». وفي الجواب الآخر «رأيت نورا» "

# فيقال: النور الذي نفى رؤيته في الاستفهام الإنكاري المدلول عليه بأنى
~~هو نوره أعني النور الذي يذهب بالأبصار ولا يقوم له بصر، والنور الذي
~~أثبت رؤيته هو النور الذي لا يذهب بالأبصار. وكذا يمكن حمل قول عائشة رضي
~~الله عنهما: «من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه سبحانه فقد
~~أعظم على الله عز وجل الفرية» واستشهادها لذلك بهذه الآية على هذا بأن
~~يقال: أرادت من زعم أن محمدا عليه الصلاة والسلام رأى ربه سبحانه في
~~نوره الذي هو نوره الذي يذهب بالأبصار فقد أعظم على الله عز وجل الفرية؛
~~ويكون الاستشهاد بالآية على ما روي عن ابن عباس من ثاني تفسيريه، وحينئذ
~~لا يتم للمعتزلة دعوى كون { لا تدركه الأبصر } دائمة إلا
~~إذا كانت هذه المطلقة كاذبة شرعا وهو عين المتنازع فيه كما عرفت فلم يبق
~~لهم على دعوى الدوام دليل أصلا. وقد يقال أيضا: المراد نفي الرؤية وقت
~~عدم إذن الله تعالى للأبصار بالإدراك، والدليل على صحة إرادة هذا القيد
~~هو أن إرادة الأبصار فعل من أفعال العبيد وكسب من كسبهم وقد ثبت بغير ما
~~دليل أن العباد / لا يقدرون على شيء ما من المقدورات إلا بإذن الله تعالى
~~ومشيئته وتمكينه فلا تدركه الأبصار إلا بإذنه وهو المطلوب.

# ويؤيد هذا البيان ويشيد ms02926 أركانه أن { لا تدركه الأبصر } وقع
~~بعد قوله سبحانه:

# وهو على كل شيء وكيل

# [الأنعام: 102]. ووجه التأييد أن الله تعالى أخبر بأنه على كل شيء وكيل
~~أي متول لأموره، ومعلوم أن الأبصار من الأشياء وأن إدراكها من أمورها فهو
~~سبحانه وتعالى متوليها ومتصرف فيها على حسب مشيئته فيفيض عليها الإدراك
~~ويأذن لها إذا شاء كيف شاء وعلى الحد الذي شاء ويقبض عنها الإدراك قبضا
~~كليا أو جزئيا في أي وقت شاء كيف شاء، ولا يخفى على هذا أنه غاية
~~التمدح بالعزة والقهر والغلبة فإن من هو على كل شيء وكيل إذا لم تدركه
~~الأبصار إلا بإذنه مع كونه يدرك الأبصار ولا تخفى عليه خافية كان ذلك
~~غاية في عزته وقهره وكونه غالبا على أمره. وذهب بعض المحققين أن الآية
~~لم تسق للتمدح وإنما سيقت للتخويف بأنه سبحانه رقيب من حيث لا يرى
~~فليحذر، وهو ظاهر على التفسير الثاني للوكيل.

# الرابع من الوجوه يجوز أن يكون المراد لا تدركه الأبصار على الوجه
~~المعتاد في رؤية المحسوسات المشروطة بالشروط التسعة العادية على ما يشير
~~إليه آخر الآية، ومعلوم أن نفي الخاص لا يستلزم نفي العام فلا يلزم على
~~هذا من الآية نفي الرؤية مطلقا.

# الخامس ما قيل: إنا لو سلمنا للخصم ما أراد نقول: إن الآية إنما تدل على
~~أن الأبصار لا تدركه ونحن نقول به وندعي أن ذوي الأبصار يدركونه،
~~والاعتراض بأنه كما أن الأبصار لا تدركه فكذلك لا يدركه غيرها فلا فائدة
~~للتخصيص مدفوع بأنه إنما يلزم انتفاء الفائدة أن لو انحصرت في نفي حكم
~~المنطوق على المسكوت وهو غير مسلم ولعله كان بخصوص سؤال سائل عنه دون
~~غيره أو لمعنى آخر.

# السادس أنا سلمنا أن المراد لا يدركه المبصرون بأبصارهم لكنه لا يفيد
~~المطلوب أيضا لجواز حصول إدراك الله تعالى بحاسة سادسة مغايرة لهذه
~~الحواس كما يدعيه ضرار بن عمرو الكوفي، فقد نقل عنه أنه كان يقول: إن
~~الله تعالى لا يرى بالعين وإنما يرى بحاسة سادسة يخلقها سبحانه ms02927 له يوم
~~القيامة، واحتج عليه بهذه الآية فقال: إنها دلت على تخصيص نفي إدراك الله
~~تعالى بالبصر وتخصيص الحكم بالشيء يدل على أن الحال في غيره بخلافه فوجب
~~أن يكون إدراك الله تعالى بغير البصر جائزا في الجملة، ولما ثبت أن سائر
~~الحواس الموجودة الآن لا يصلح لذلك ثبت أنه تعالى يخلق يوم القيامة حاسة
~~سادسة بها تحصل رؤية الله تعالى وإدراكه اه.

# ومن الناس من استدل بالآية على أن الإطلاع على كنه ذات الله تعالى ممتنع
~~بناء على أن الأبصار جمع بصر بمعنى البصيرة وقرره كما قرر المعتزلة
~~استدلالهم على امتناع الرؤية وفيه ما فيه.

# نعم احتمال حمل البصر على البصيرة مما يوهن استدلال المعتزلة كما لا
~~يخفى، ولهم في هذا المطلب أدلة أخرى نقلية سيأتي إن شاء الله تعالى
~~الكلام على بعضها، وعقلية قد عقلها القوم في معاطن البطلان. ولعل النوبة
~~تفضي إلى تسريح يعملات الأقلام في رياض تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى
~~الملك العلام فمنه التوفيق لإدراك أبصار الأفهام مخفيات الأسرار وفلق
~~صباح الحق بسواطع الأنوار.

# { وهو يدرك الأبصر } أي يراها على وجه الإحاطة أو يحيط بها
~~علما أو علما ورؤية كما قيل. وذكر الآمدي أن البصريين من المعتزلة ذهبوا
~~إلى أن إدراك الله تعالى بمعنى / الرؤية وأن البغداديين منهم ذهبوا إلى
~~أنها بمعنى العلم لا بمعنى الرؤية، والمراد بالأبصار هنا على ما قرره بعض
~~المحققين النور الذي تدرك به المبصرات فإنه لا يدركه مدرك بخلاف جرم
~~العين فإنه يرى. ولعل هذا هو السر في الإظهار في مقام الإضمار، وجوز أن
~~يقال المراد أن كل عين لا ترى نفسها.

# { وهو اللطيف الخبير } فيدرك سبحانه ما لا يدركه الأبصار،
~~فالجملة سيقت لوصفه تعالى بما يتضمن تعليل قوله سبحانه: «وهو» الخ. وجوز
~~غير واحد أن يكون ما ذكر من باب اللف فإن اللطيف يناسب كونه غير مدرك
~~بالفتح والخبير يناسب كونه تعالى مدركا بالكسر، واللطيف مستعار من مقابل
~~الكثيف لما لا يدرك بالحاسة من الشيء الخفي. ويفهم من ms02928 ظاهر كلام البهائي
~~ كما قال الشهاب  أنه لا استعارة في ذلك حيث قال في «شرح أسماء الله
~~تعالى الحسنى»: اللطيف الذي يعامل عباده باللطف وألطافه جل شأنه لا
~~تتناهى ظواهرها وبواطنها في الأولى والأخرى

# وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها

# [النحل: 18] وقيل: اللطيف العليم بالغوامض والدقائق من المعاني والحقائق
~~ولذا يقال للحاذق في صنعته لطيف. ويحتمل أن يكون من اللطافة المقابلة
~~للكثافة وهو وإن كان في ظاهر الاستعمال من أوصاف الجسم لكن اللطافة
~~المطلقة لا توجد في الجسم لأن الجسمية يلزمها الكثافة وإنما لطافتها
~~بالإضافة، فاللطافة المطلقة لا يبعد أن يوصف بها النور المطلق الذي يجل
~~عن إدراك البصائر فضلا عن الأبصار ويعز عن شعور الأسرار فضلا عن
~~الأفكار ويتعالى عن مشابهة الصور والأمثال وينزه عن حلول الألوان
~~والأشكال، فإن كمال اللطافة إنما يكون لمن هذا شأنه ووصف الغير بها لا
~~يكون على الإطلاق بل بالقياس إلى ما هو دونه في اللطافة ويوصف إليه
~~بالكثافة انتهى. والمرجح أن إطلاق اللطيف بمعنى مقابل الكثيف على ما
~~ينساق إلى الذهن على الله تعالى ليس بحقيقة أصلا كما لا يخفى.

### || [6.104]

# { قد جاءكم بصائر من ربكم } استئناف وارد على لسان
~~الرسول صلى الله عليه وسلم فقل مقدرة كما قاله بعض المحققين. والبصائر
~~جمع بصيرة وهي للقلب كالبصر للعين، والمراد بها الآيات الواردة ههنا أو
~~جميع الآيات ويدخل ما ذكر دخولا أوليا. و { من } لابتداء الغاية
~~مجازا وهي متعلقة بجاء أو بمحذوف وقع صفة لبصائر. والتعرض لعنوان
~~الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار كمال اللطف بهم أي قد
~~جاءكم من جهة مالككم ومبلغكم إلى كمالكم اللائق بكم من الوحي الناطق
~~بالحق والصواب ما هو كالبصائر للقلوب أو قد جاءكم بصائر كائنة من ربكم {
~~فمن أبصر } أي الحق بتلك البصائر وآمن به { فلنفسه } أي
~~فلنفسه أبصر كما نقل عن الكلبي وتبعه الزمخشري أو فإبصاره لنفسه كما
~~اختاره أبو حيان لما ستعلم قريبا إن شاء الله تعالى، والمراد على
~~القولين أن نفع ذلك يعود إليه. ms02929

# { ومن عمى } أي ومن لم يبصر الحق بعد ما ظهر له بتلك البصائر
~~ظهورا بينا وضل عنه، وإنما عبر عنه بالعمى تنفيرا عنه { فعليها }
~~عمى أو فعماه عليها أي وبال ذلك عليها، وهما قولان لمن تقدم. وذكر أبو
~~حيان «أن تقدير المصدر أولى لوجهين: أحدهما: أن المحذوف يكون مفردا لا
~~جملة ويكون الجار والمجرور عمدة لا فضلة. والثاني: أنه لو كان المقدر
~~فعلا لم تدخل الفاء سواء كانت «من» شرطية أو موصولة لامتناعها في
~~الماضي». وتعقب بأن تقدير الفعل يترجح لتقدم فعل ملفوظ به وكان أقوى في
~~الدلالة، وأيضا أن في تقديره المعمول المؤذن بالاختصاص، وأيضا ما ذكر
~~في الوجه الثاني غير لازم / لأنه لم يقدر الفعل موليا لفاء الجواب بل
~~قدر معمول الفعل الماضي مقدما ولا بد فيه من الفاء فلو قلت: من أكرم
~~زيدا فلنفسه أكرمه لم يكن بد من الفاء. نعم لم يعهد تعدية عمي بعلى وهو
~~لازم التقدير السابق في الجملة الثانية وكأنه لذلك عدل عنه بعضهم بعد أن
~~وافق في الأول إلى قوله: فعليها وباله { وما أنا عليكم
~~بحفيظ } وإنما أنا منذر والله تعالى هو الذي يحفظ أعمالكم ويجازيكم
~~عليها.

### || [6.105]

# { وكذلك } أي مثل ذلك التصريف البديع { نصرف الآيت }
~~الدالة على المعاني الرائقة الكاشفة عن الحقائق الفائقة لا تصريفا أدنى
~~منه. وقيل: المراد كما صرفنا الآيات قبل نصرف هذه الآيات، وقد تقدم لك ما
~~هو الحري بالقبول. وأصل التصريف  كما قال علي بن عيسى  إجراء المعنى
~~الدائر في المعاني المتعاقبة من الصرف وهو نقل الشيء من حال إلى حال.
~~وقال الراغب: «التصريف كالصرف إلا في التكثير وأكثر ما يقال في صرف الشيء
~~من حال إلى حال وأمر إلى أمر».

# { وليقولوا درست } علة لفعل قد حذف تعويلا على دلالة السباق
~~عليه أي وليقولوا درست نفعل ما نفعل من التصريف المذكور. وبعضهم قدر
~~الفعل ماضيا والأمر في ذلك سهل، واللام لام العاقبة. وجوز أن تكون
~~للتعليل على الحقيقة لأن نزول الآيات لإضلال الأشقاء وهداية السعداء قال
~~تعالى: ms02930

# يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا

# [البقرة: 26]. والواو اعتراضية، وقيل: هي عاطفة على علة محذوفة. واللام
~~متعلقة بنصرف أي مثل ذلك التصريف نصرف الآيات لنلزمهم الحجة وليقولوا
~~الخ. وهو أولى من تقدير لينكروا وليقولوا الخ. وقيل: اللام لام الأمر،
~~وينصره القراءة بسكون اللام كأنه قيل: وكذلك نصرف الآيات وليقولوا هم ما
~~يقولون فإنهم لا احتفال بهم ولا اعتداد بقولهم، وهو أمر معناه الوعيد
~~والتهديد وعدم الاكتراث. ورده في «الدر المصون» بأن ما بعده يأباه فإن
~~اللام فيه نص في أنها لام كي، وتسكين اللام في القراءة الشاذة لا دليل
~~فيه لاحتمال أن يكون للتخفيف.

# ومعنى { درست } قرأت وتعلمت، وأصله  على ما قال الأصمعي  من
~~قولهم: درس الطعام يدرسه دراسا إذا داسه كأن التالي يدوس الكلام فيخف
~~على لسانه. وقال أبو الهيثم: يقال درست الكتاب أي ذللته بكثرة القراءة
~~حتى خف حفظه من قولهم: درست الثوب أدرسه درسا فهو مدروس ودريس أي
~~أخلقته، ومنه قيل للثوب الخلق: دريس لأنه قد لان، والدرسة الرياضة ومنه
~~درست السورة حتى حفظتها. وهذا كما قال الواحدي قريب مما قاله الأصمعي أو
~~هو نفسه لأن المعنى يعود فيه إلى التذليل والتليين. وقال الراغب: «يقال
~~درس الدار أي بقي (أثره) وبقاء الأثر يقتضي انمحاءه في نفسه فلذلك
~~فسر الدروس بالانمحاء، وكذا درس الكتاب ودرست العلم تناولت أثره بالحفظ،
~~ولما كان تناول ذلك بمداومة القراءة عبر عن إدامة القراءة بالدرس» وهو
~~بعيد عما تقدم كما لا يخفى.

# وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { دارست } بالألف وفتح التاء وهي قراءة ابن
~~عباس ومجاهد أي دارست يا محمد غيرك ممن يعلم الأخبار الماضية وذكرته،
~~وأرادوا بذلك نحو ما أرادوه بقولهم:

# إنما يعلمه بشر

# [النحل: 103]. قال الإمام: «ويقوي هذه القراءة قوله تعالى حكاية عنهم:

# إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم
~~آخرون

# [الفرقان: 4] وقرأ ابن عامر ويعقوب وسهل { درست } بفتح السين وسكون
~~التاء، ورويت عن عبد الله بن الزبير وأبي وابن مسعود والحسن رضي الله
~~تعالى عنهم. والمعنى قدمت هذه الآيات ms02931 وعفت وهو كقولهم

# أسطير الأولين

# [النحل: 24]. وقرىء { درست } بضم الراء مبالغة في / درست لأن فعل
~~المضموم للطبائع والغرائز أي اشتد دروسها، و { درست } على البناء للمفعول
~~بمعنى قرئت أو عفيت وقد صح مجيء عفا متعديا كمجيئه لازما؛ و { دارست }
~~بتاء التأنيث أيضا، والضمير إما لليهود لاشتهارهم بالدارسة أي دارست
~~اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم وإما للآيات وهو في الحقيقة لأهلها أي
~~دارست أهل الآيات وحملتها محمدا عليه الصلاة والسلام وهم أهل الكتاب، و
~~{ دورست } على مجهول فاعل. و { درست } بالبناء للمفعول والإسناد إلى تاء
~~الخطاب مع التشديد، ونسبت إلى ابن زيد. و { ادارست } مشددا معلوما
~~ونسبت إلى ابن عباس، وفي رواية أخرى عن أبي { درس } على إسناده إلى ضمير
~~النبي صلى الله عليه وسلم أو الكتاب إن كان بمعنى انمحى ونحوه و { درسن
~~} بنون الإناث مخففا ومشددا و { دارسات } بمعنى قديمات أو ذات درس أو
~~دروس ك

# عيشة راضية

# [القارعة: 7]. وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي دراسات.

# { ولنبينه } عطف على { ليقولوا } واللام فيه للتعليل المفسر
~~ببيان ما يدل على المصلحة المترتبة على الفعل عند الكثير من أهل السنة.
~~ولا ريب في أن التبيين مصلحة مرتبة على التصريف. والخلاف في أن أفعال
~~الله تعالى هل تعلل بالأغراض مشهور وقد أشرنا إليه فيما تقدم. والضمير
~~للآيات باعتبار التأويل بالكتاب أو للقرآن وإن لم يذكر لكونه معلوما أو
~~لمصدر { نصرف } كما قيل أو نبين أي ولنفعلن التبيين { لقوم
~~يعلمون } فإنهم المنتفعون به وهو الوجه في تخصيصهم بالذكر. وهم 
~~على ما روي عن ابن عباس  أولياؤه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد ووصفهم
~~بالعلم للإيذان بغاية جهل غيرهم وخلوهم عن العلم بالمرة.

### || [6.106]

# { اتبع ما أوحى إليك من ربك } أي دم على ما أنت عليه
~~من التدين بما أوحي إليك من الشرائع والأحكام التي عمدتها التوحيد. و
~~[في] التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام
~~من إظهار اللطف به صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى. والجار والمجرور يجوز ms02932
~~أن يكون متعلقا بأوحي وأن يكون حالا من ضمير المفعول المرفوع فيه وأن
~~يكون حالا من مرجعه. وقوله سبحانه: { لا إله إلا هو } يحتمل
~~أن يكون اعتراضا بين المعطوف والمعطوف عليه أكد به إيجاب الاتباع لا
~~سيما في أمر التوحيد. وجوز أبو البقاء وغيره أن يكون حالا مؤكدة من {
~~ربك } أي منفردا في الألوهية { وأعرض عن المشركين } أي
~~لا تعتد بأقاويلهم الباطلة التي من جملتها ما حكى عنهم آنفا ولا تبال
~~بها ولا تلتفت إلى أذاهم وعلى هذا فلا نسخ في الآية. وروي عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما أنها منسوخة بآية السيف فيكون الإعراض محمولا على
~~ما يعم الكف عنهم.

### || [6.107]

# { ولو شاء الله } عدم إشراكهم { ما أشركوا } وهذا دليل
~~لأهل السنة على أنه تعالى لا يريد إيمان الكافر لكن لا بمعنى أنه تعالى
~~يمنعه عنه مع توجهه إليه بل بمعنى أنه تعالى لا يريده منه لسوء اختياره
~~الناشيء من سوء استعداده. والجملة اعتراض مؤكد للإعراض. وكذا قوله تعالى:
~~{ وما جعلنك عليهم حفيظا } أي رقيبا مهيمنا من قبلنا
~~تحفظ عليهم أعمالهم. وكذا قوله سبحانه: { وما أنت عليهم
~~بوكيل } من جهتهم تقوم بأمرهم وتدبر مصالحهم وقيل: المراد ما جعلناك
~~عليهم حفيظا تصونهم عما يضرهم وما أنت عليهم بوكيل تجلب لهم ما ينفعهم.
~~و { عليهم } في الموضعين متعلق بما بعده قدم عليه للاهتمام به أو
~~لرعاية الفواصل.

### || [6.108]

# { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله } أي لا
~~تشتموهم ولا تذكروهم / بالقبيح، والمراد من الموصول إما المشركون على
~~معنى لا تسبوهم من حيث عبادتهم لآلهتهم كأن تقولوا تبا لكم ولما تعبدونه
~~مثلا أو آلهتهم فالآية صريحة في النهي عن سبها. والعائد حينئذ مقدر أي
~~الذين تدعونهم. والتعبير عنها بالذين مبني على زعمهم أنها من أهل العلم
~~أو على تغليب العقلاء منها كالملائكة والمسيح وعزير عليهم الصلاة
~~والسلام. وقيل: إن سب الآلهة سب لهم كما يقال ضرب الدابة صفع لراكبها.

# { فيسبوا الله عدوا } تجاوزا عن الحق إلى الباطل، ونصبه
~~على أنه حال ms02933 مؤكدة. وجوز أبو البقاء أن يكون على أنه مفعول له، وأن يكون
~~على المصدرية من غير لفظ الفعل، و { يسبوا } منصوب على جواب النهي، وقيل:
~~مجزوم على العطف كقولهم: لا تمددها فتشققها. ومعنى سبهم لله عز وجل إفضاء
~~كلامهم إليه كشتمهم له صلى الله عليه وسلم ولمن يأمره، وقد فسر {
~~بغير علم } بذلك أي فيسبوا الله تعالى بغير علم أنهم يسبونه وإلا
~~فالقوم كانوا يقرون بالله تعالى وعظمته وأن آلهتهم إنما عبدوها لتكون
~~شفعاء لهم عنده سبحانه فكيف يسبونه؟ ويحتمل أن يراد سبهم له عز اسمه
~~صريحا ولا إشكال بناء على أن الغضب والغيظ قد يحملهم على ذلك ألا ترى أن
~~المسلم قد تحمله شدة غيظه على التكلم بالكفر. ومما شاهدناه أن بعض جهلة
~~العوام أكثر الرافضة سب الشيخين رضي الله تعالى عنهما عنده فغاظه ذلك
~~جدا فسب عليا كرم الله تعالى وجهه فسئل عن ذلك فقال: ما أردت إلا
~~إغاظتهم ولم أر شيئا يغيظهم مثل ذلك فاستتيب عن هذا الجهل العظيم. وقال
~~الراغب: إن سبهم لله تعالى ليس [على] أنهم يسبونه جل شأنه صريحا ولكن
~~يخوضون في ذكره تعالى [فيذكرونه بما لا يليق به] ويتمادون في ذلك
~~بالمجادلة ويزدادون في ذكره سبحانه بما ينزه تقدس اسمه عنه،  وقد يجعل
~~الإصرار على الكفر والعناد سبا وهو سب فعلي،  قال الشاعر:

# وما كان ذنب بني مالك

# بأن سب منهم غلام فسب

# بأبيض ذي شطب قاطع

# يقد العظام ويبري القصب

# ونبه به على ما قال الآخر:

# ونشتم بالأفعال لا بالتكلم

# وقيل: المراد بسب الله تعالى سب الرسول صلى الله عليه وسلم ونظير ذلك من
~~وجه قوله تعالى:

# إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله

# [الفتح: 10] الآية. وقرأ يعقوب { عدوا } يقال: عدا فلان يعدو عدوا
~~وعدوا [وعداء] وعدوانا. أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال:

# " لما حضر أبا طالب الموت قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل
~~فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب:
~~كان يمنعه فلما ms02934 مات قتلوه فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحرث
~~وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة بن أبي معيط وعمرو بن العاص والأسود بن
~~البحتري إلى أبي طالب فقالوا أنت كبيرنا وسيدنا وإن محمدا قد آذانا
~~وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعنه وإلهه فدعاه
~~فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك
~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا تريدون؟ قالوا نريد أن تدعنا
~~وآلهتنا وندعك وإلهك فقال أبو طالب: قد أنصفك قومك فاقبل منهم فقال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: أرأيتكم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة إن
~~تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم؟ قال أبو جهل نعم لنعطينكها
~~وأبيك وعشر أمثالها فما هي؟ قال قولوا لا إله إلا الله فأبوا واشمأزوا
~~فقال أبو طالب قل غيرها يا ابن أخي فإن قومك قد فزعوا منها فقال صلى الله
~~عليه وسلم: (يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها في
~~يدي ما قلت غيرها) فقالوا لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ولنشتمن من
~~يأمرك فأنزل الله تعالى هذه الآية. "

# / وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: قالوا
~~يا محمد لتنتهين عن سبك آلهتنا أو لنهجون ربك فنهاهم الله تعالى أن يسبوا
~~أوثانهم، وفي رواية عنه أنهم قالوا ذلك عند نزول قوله تعالى:

# إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم

# [الأنبياء: 98] نزلت { ولا تسبوا } الخ، واستشكل ذلك بأن وصف
~~آلهتهم بأنها حصب جهنم وبأنها لا تضر ولا تنفع سب لها فكيف نهى عنه بما
~~هنا؟ وأجيب بأنهم إذا قصدوا بالتلاوة سبهم وغيظهم يستقيم النهي عنها ولا
~~بدع في ذلك كما ينهى عن التلاوة في المواضع المكروهة. وقال في «الكشف»
~~المعنى على هذه الرواية لا يقع السب منكم بناء على ما ورد في الآية فيصير
~~سبا لسبهم. وقيل: ما في الآية لا يعد سبا لأنه ذكر المساوي لمجرد
~~التحقير ms02935 والإهانة وما فيها إنما ورد للاستدلال على عدم صلوحها للألوهية
~~والمعبودية وفيه تأمل، وقريب منه ما قيل: إن النهي في الحقيقة إنما هو عن
~~العدول عن الدعوة إلى السب كأنه قيل: لا تخرجوا من دعوة الكفار ومحاجتهم
~~إلى أن تسبوا ما يعبدونه من دون الله تعالى فإن ذلك ليس من الحجاج في شيء
~~ويجر إلى سب الله عز وجل.

# واستدل بالآية على أن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما
~~يؤدي إلى الشر شر وهذا بخلاف الطاعة في موضع فيه معصية لا يمكن دفعها
~~وكثيرا ما يشتبهان- ولذا لم يحضر ابن سيرين جنازة اجتمع فيها الرجال
~~والنساء وخالفه الحسن قائلا: لو تركنا الطاعة لأجل المعصية لأسرع ذلك في
~~ديننا- للفرق بينهما.

# ونقل الشهاب عن المقدسي في«الرمز» أن الصحيح عند فقهائنا أنه لا يترك ما
~~يطلب لمقارنة بدعة كترك إجابة دعوة لما فيها من الملاهي وصلاة جنازة
~~لنائحة فإن قدر على المنع منع وإلا صبر، وهذا إذا لم يقتد به وإلا لا
~~يقعد لأن فيه شين الدين. وما روي عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه
~~ابتلي به كان قبل صيرورته إماما يقتدي به. ونقل عن أبي منصور أنه قال:
~~كيف نهانا الله تعالى عن سب من يستحق السب لئلا يسب من لا يستحقه وقد
~~أمرنا بقتالهم وإذا قاتلناهم قتلونا وقتل المؤمن بغير حق منكر، وكذا أمر
~~النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ والتلاوة عليهم وإن كانوا يكذبونه،
~~وأنه أجاب بأن سب الآلهة مباح غير مفروض وقتالهم فرض، وكذا التبليغ وما
~~كان مباحا ينهى عما يتولد منه ويحدث وما كان فرضا لا ينهى عما يتولد
~~منه؛ وعلى هذا يقع الفرق لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه فيمن قطع يد
~~قاطع قصاصا فمات منه فإنه يضمن الدية لأن استيفاء حقه مباح فأخذ
~~بالمتولد منه، والإمام إذا قطع يد السارق فمات لا يضمن لأنه فرض عليه فلم
~~يؤخذ بالمتولد منه اه. ومن هنا لا تحمل الطاعة فيما تقدم على إطلاقها.

# { كذلك ms02936 } أي مثل ذلك التزيين القوي { زينا لكل أمة }
~~من الأمم { عملهم } من الخير والشر بإحداث ما يمكنهم منه ويحملهم
~~عليه توفيقا أو تخذيلا. وجوز أن يراد بكل أمة أمم الكفرة إذ الكلام
~~فيهم وبعملهم شرهم وفسادهم، والمشبه به تزيين سب الله تعالى شأنه لهم.
~~واستدل بالآية على أنه تعالى هو الذي زين للكافر الكفر كما زين للمؤمن
~~الإيمان. وأنكر ذلك المعتزلة وزين لهم الشيطان أعمالهم فتأولوا الآية بما
~~لا يخفى ضعفه { ثم إلى ربهم } مالك أمرهم { مرجعهم } أي
~~رجوعهم ومصيرهم بالبعث بعد الموت { فينبئهم } من غير تأخير {
~~بما كانوا يعملون } في الدنيا على الاستمرار من خير أو شر،
~~وذلك بالثواب على الأول والعقاب على الثاني، فالجملة للوعد والوعيد. /
~~وفسر بعضهم ما بالسيئات المزينة لهم وقال «إن هذا وعيد بالجزاء والعذاب
~~كقول الرجل لمن يتوعده: سأخبرك بما فعلت».

### || [6.109]

# { وأقسموا } أي المشركون { بالله جهد أيمنهم } أي
~~جاهدين فيها. فجهد مصدر في موضع الحال. وجوز أن يكون منصوبا بنزع الخافض
~~أي أقسموا بجهد أيمانهم أي أوكدها. وهو بفتح الجيم وضمها في الأصل بمعنى
~~الطاقة والمشقة، وقيل: بالفتح المشقة وبالضم الوسع، وقيل: ما يجهد
~~الإنسان، والمعنى هنا على ما قال الراغب «أنهم حلفوا واجتهدوا في الحلف
~~أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم».

# { لئن جاءتهم ءاية } من مقترحاتهم أو من جنس الآيات. ورجحه
~~بعض المحققين بأنه الأنسب بحالهم في المكابرة والعناد وترامي أمرهم في
~~العتو والفساد حيث كانوا لا يعدون ما يشاهدونه من المعجزات الباهرة من
~~جنس الآيات فاقترحوا غيرها { ليؤمنن بها } وما كان مرمى غرضهم
~~إلا التحكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب المعجزة وعدم
~~الاعتداد بما شاهدوا منه عليه الصلاة والسلام من البينات. والباء صلة
~~الإيمان، والمراد من الإيمان بها التصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم.
~~وجعلها للسببية على معنى ليؤمنن بك بسببها خلاف الظاهر.

# { قل إنما الآيت } أي كلها فيدخل ما اقترحوه فيها دخولا
~~أوليا { عند الله } أي أمرها في حكمه وقضائه خاصة يتصرف فيها حسب ms02937
~~مشيئته المبنية على الحكم البالغة لا تتعلق بها قدرة أحد ولا مشيئته
~~استقلالا ولا اشتراكا بوجه من الوجوه حتى يمكنني أن أتصدى لإنزالها
~~بالاستدعاء؛ وهذا كما ترى سد لباب الاقتراح. وقيل: إن المعنى إنما الآيات
~~عند الله لا عندي فكيف أجيبكم إليها أو ءاتيكم بها أو المعنى هو القادر
~~عليها لا أنا حتى ءاتيكم بها. واعترض ذلك شيخ الإسلام بعد أن اختار ما
~~قدمناه بأنه لا مناسبة له بالمقام كيف لا وليس مقترحهم مجيئها بغير قدرة
~~الله تعالى فتدبر. روي

# " أن قريشا اقترحوا بعض آيات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن
~~فعلت بعض ما تقولون أتصدقونني فقالوا: نعم وأقسموا لئن فعلته لنؤمنن
~~جميعا فسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها طمعا في
~~إيمانهم فهم عليه الصلاة والسلام بالدعاء فنزلت. "

# وأخرج ابن جرير عن محمد القرظي قال:

# " كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فقالوا: يا محمد تخبرنا أن
~~موسى عليه السلام كان معه عصا يضرب بها الحجر وأن عيسى عليه السلام كان
~~يحي الموتى وأن ثمود كانت لهم ناقة فأتنا ببعض تلك الآيات حتى نصدقك فقال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أي شيء تحبون أن آتيكم به؟ قالوا: تحول لنا
~~الصفا ذهبا قال: فإن فعلت تصدقوني؟ قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعنك
~~أجمعين فقام رسول الله عليه الصلاة والسلام يدعو فجاءه جبريل عليه السلام
~~فقال إن شئت أصبح الصفا ذهبا فإن لم يصدقوا عند ذلك لنعذبنهم وإن شئت
~~فاتركهم حتى يتوب تائبهم فقال صلى الله عليه وسلم اتركهم حتى يتوب تائبهم
~~فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى { يجهلون } [الأنعام: 111] "

# { وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون } كلام
~~مستأنف غير داخل تحت الأمر مسوق من جهته تعالى لبيان الحكمة فيما أشعر به
~~الجواب السابق من عدم مجيء الآيات خوطب به المؤمنون  كما قال الفراء
~~وغيرهم  إما خاصة بطريق التلوين لما كانوا راغبين في نزولها طمعا في
~~إسلامهم، وإما معه عليه الصلاة والسلام / بطريق التعميم ms02938 لما روي مما يدل
~~على رغبته عليه الصلاة والسلام في ذلك أيضا كالهم بالدعاء، وفيه بيان
~~لأن أيمانهم فاجرة وإيمانهم في زوايا العدم وأن أجيبوا إلى ما سألوه.
~~وجوز بعضهم دخوله تحت الأمر ولا وجه له إلا أن يقدر قل للكافرين: إنما
~~الآيات عند الله وللمؤمنين وما يشعركم الخ وهو تكلف لا داعي إليه. وعن
~~مجاهد أن الخطاب للمشركين وهو داخل تحت الأمر وفيه التفات و { أنها }
~~الخ عنده إخبار ابتدائي كما يدل عليه ما رواه عنه ابن أبي حاتم وأبو
~~الشيخ.

# و(ما) استفهامية إنكارية  على ما قاله غير واحد  لا نافية لما يلزم
~~عليه من بقاء الفعل بلا فاعل، وجعله ضمير الله تعالى تكلف أو غير مستقيم
~~إلا على بعد. واستشكل بأن المشركين لما اقترحوا ءاية وكان المؤمنون
~~يتمنون نزولها طمعا في إسلامهم كان في ظنهم إيمانهم على تقدير النزول،
~~فإذا أريد الإنكار عليهم فالمناسب إنكار الإيمان لا عدمه كأنهم قالوا:
~~ربنا أنزل للمشركين ءاية فإنه لو نزلت يؤمنون، وحينئذ يقال في الإنكار:
~~ما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون. ويتضح هذا بمثال، وذلك أنه إذا قال لك
~~القائل: أكرم فلانا فإنه يكافئك وكنت تعلم منه عدم المكافاة فإنك إذا
~~أنكرت على المشير بإكرامه قلت: وما يدريك أني إذا أكرمته يكافئني فأنكرت
~~عليه إثبات المكافاة وأنت تعلم نفيها فإن قال لك: لا تكرمه فإنه لا
~~يكافئك وأنت تعلم منه المكافاة وأردت الإنكار على المشير بحرمانه قلت:
~~وما يدريك أنه لا يكافئني فأنكرت عليه عدم المكافاة وأنت تعلم ثبوتها.

# والآية كما لا يخفى من قبيل المثال الأول فكان الظاهر حيث ظنوا ايمانهم
~~ورغبوا فيه وعلم الله تعالى عدم وقوعه منهم ولو نزل عليهم الملائكة
~~وكلمهم الموتى أن يقال: وما يشعركم أنهم إذا جاءت يؤمنون. وأجاب عنه
~~بعضهم بأن هذا الاستفهام في معنى النفي وهو إخبار عنهم بعدم العلم لا
~~إنكار عليهم، والمعنى أن الآيات عند الله تعالى ينزلها بحسب المصلحة، وقد
~~علم سبحانه أنهم لا يؤمنون ولا تنجع فيهم الآيات وأنتم ms02939 لا تدرون ما في
~~الواقع وفي علم الله تعالى وهو أنهم لا يؤمنون فلذلك تتوقعون إيمانهم،
~~والحاصل أن الاستفهام للإنكار وله معنيان لم ولا فإن كان بمعنى لم يقال
~~ما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون بدون لا على معنى لم قلتم أنها إذا جاءت
~~يؤمنون وتوقعتم ذلك؟ وإن كان بمعنى لا يقال ما يشعركم أنها إذا جاءت لا
~~يؤمنون بإثبات لا على معنى لا تعلمون أنهم لا يؤمنون فلذا توقعتم إيمانهم
~~ورغبتم في نزول آية لهم؛ وهذا الثاني هو المراد ويرجع إلى إقامة عذر
~~المؤمنين في طلبهم ذلك ورغبتهم فيه.

# وأجاب آخرون بأن { لا } زائدة كما في قوله تعالى:

# ما منعك ألا تسجد

# [الأعراف: 12] و

# حرام على قرية أهلكنها أنهم لا يرجعون

# [الأنبياء: 95] فإنه أريد تسجد ويرجعون بدون لا. وعن الخليل أن (أن)
~~بمعنى لعل كما في قولهم: ائت السوق أنك تشتري لحما؛ وقول امرىء القيس:

# عرجوا على الطلل المحيل لأننا

# نبكي الديار كما بكى ابن خذام

# وقول الآخر:

# هل أنتم عائجون بنا لأنا

# نرى العرصات أو أثر الخيام

# ويؤيده أن يشعركم ويدريكم بمعنى. وكثيرا ما تأتي لعل بعد فعل الدراية
~~نحو

# وما يدريك لعله يزكى

# [عبس: 3] وأن في مصحف أبي رضي الله تعالى عنه { وما أدراك
~~لعلها } والكلام على هذا قد تم قبل { أنها } والمفعول الثاني
~~ليشعركم محذوف والجملة استئناف لتعليل الإنكار وتقديره أي شيء يعلمكم
~~حالهم وما سيكون عند مجيء ذلك لعلها إذا جاءت لا يؤمنون فما لكم تتمنون
~~مجيئها فإن تمنيه إنما يليق بما إذا كان إيمانهم بها متحقق الوقوع عند
~~مجيئها لا مرجو العدم. ومن الناس من زعم أن { أنها } الخ جواب قسم
~~محذوف بناء على أن أن في جواب / القسم يجوز فتحها ولا يخفي بعده.

# وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ويعقوب { إنها } بالكسر
~~على الاستئناف حسبما سيق مع زيادة تحقيق لعدم إيمانهم. قال في «الكشف»:
~~وهو على جواب سؤال مقدر على ما ذكره الشيخ ابن الحاجب كأنه قيل لم وبخوا؟
~~فقيل ms02940 لأنها إذا جاءت لا يؤمنون. ولك أن تبنيه على قوله تعالى: { وما
~~يشعركم } أي بما يكون منهم فإنه إبراز في معرض المحتمل كأنه قد سئل
~~عنه سؤال شاك ثم علل بأنها إذا جاءت جزما بالطرف المحالف وبيانا لكون
~~الاستفهام غير جار على الحقيقة. وفيه إنكار لتصديق المؤمنين على وجه
~~يتضمن إنكار صدق المشركين في المقسم عليه. وهذا نوع من السحر البياني
~~لطيف المسلك انتهى.

# وقرأ ابن عامر وحمزة { لا تؤمنون } بالفوقانية والخطاب حينئذ في
~~الآية للمشركين بلا خلاف. وقرىء { وما يشعركم أنها إذا جآءتهم لا يؤمنون
~~} فمرجع الإنكار إقدام المشركين على الحلف المذكور مع جهلهم بحال قلوبهم
~~عند مجيء ذلك وبكونها حينئذ كما هي الآن. وقرىء { وما يشعركم }
~~بسكون خالص واختلاس. وضمير { بها } على سائر القراءات راجع للآية لا
~~للآيات لأن عدم إيمانهم عند مجيء ما اقترحوه أبلغ في الذم كما أن استعمال
~~إذا مع الماضي دون أن مع المستقبل لزيادة التشنيع عليهم. وزعم بعضهم أن
~~عدوه للآيات أولى لقربه مع ما فيه من زيادة المبالغة في بعدهم عن الإيمان
~~وبلوغهم في العناد غاية الإمكان.

### || [6.110]

# { ونقلب أفئدتهم وأبصرهم } عطف على

# لا يؤمنون

# [الأنعام: 109] داخل معه في حكم

# وما يشعركم

# [الأنعام: 109] مقيد بما قيد به أي وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم عن
~~إدراك الحق فلا (يدركونه) وأبصارهم عن اجتلائه فلا يبصرونه. وهذا على ما
~~قال الإمام تقرير لما في الآية الأولى من أنهم لا يؤمنون. وذكر شيخ
~~الإسلام أن هذا التقليب ليس مع توجه الأفئدة والأبصار إلى الحق
~~واستعدادها له بل لكمال نبوها عنه وإعراضها بالكلية ولذلك أخر ذكره عن
~~ذكر عدم إيمانهم إشعارا بأصالتهم في الكفر وحسما لتوهم أن عدم إيمانهم
~~ناشيء من تقليبه تعالى مشاعرهم بطريق الإجبار. وتحقيقه على ما ذكره شيخ
~~مشايخنا الكوراني أنه سبحانه حيث علم في الأزل سوء استعدادهم المخبوء في
~~ماهياتهم أفاض عليهم ما يقتضيه وفعل بهم ما سألوه بلسان الاستعداد بعد أن
~~رغبهم ورهبهم وأقام الحجة وأوضح المحجة ولله تعالى الحجة البالغة وما ms02941
~~ظلمهم الله سبحانه ولكن كانوا هم الظالمين.

# { كما لم يؤمنوا به } أي بما جاء من الآيات بالله تعالى.
~~وقيل: بالقرآن. وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم وإن لم يجر لذلك ذكر.
~~وقيل: بالتقليب وهو كما ترى. { أول مرة } أي عند ورود الآيات
~~السابقة. والكاف في موضع النعت لمصدر [محذوف] منصوب ب

# لا يؤمنون

# [الأنعام: 109]. وما مصدرية أي لا يؤمنون بل يكفرون كفرا كائنا ككفرهم
~~أول مرة. وتوسيط تقليب الأفئدة والأبصار لأنه من متممات عدم إيمانهم.
~~وقال أبو البقاء: أن الكاف نعت لمصدر محذوف أي تقليبا ككفرهم أي عقوبة
~~مساوية لمعصيتهم أول مرة ولا يخفى ما فيه. والآية ظاهرة في أن الإيمان
~~والكفر بقضاء الله تعالى وقدره.

# وأجاب الكعبي عنها بأن المراد من { ونقلب } الخ أنا لا نفعل بهم
~~ما نفعله بالمؤمنين من الفوائد والألطاف من حيث أخرجوا أنفسهم عن هذا
~~الحد بسبب كفرهم. والقاضي بأن المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الآيات
~~التي ظهرت فلا نجدهم يؤمنون بها آخرا كما لم يؤمنوا بها أولا. والجبائي
~~بأن المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في جهنم على لهب النار وجمرها لنعذبهم
~~كما لم يؤمنوا به أول مرة في الدنيا. والكل كسراب بقيعة / يحسبه الظمآن
~~ماء، وهكذا غالب كلام المعتزلة.

# { ونذرهم } أي ندعهم { في طغينهم } أي تجاوزهم الحد في
~~العصيان { يعمهون } أي يترددون متحيرين وهذا عطف على

# لا يؤمنون

# [الأنعام: 109] مقيد بما قيد به أيضا مبين لما هو المراد بتقليب
~~الأفئدة والأبصار معرب عن حقيقته بأنه ليس على ظاهره. والجار متعلق بما
~~عنده. وجملة { يعمهون } في موضع الحال من الضمير المنصوب في {
~~نذرهم }. وقرىء (يقلب ويذر) على الغيبة والضمير لله عز وجل.

# وقرأ الأعمش { وتقلب } على البناء للمفعول وإسناده إلى أفئدتهم.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات:

# واجتبينهم وهدينهم إلى صرط مستقيم

# [الأنعام: 87] قال الجنيد قدس سره: أي أخلصانهم وآويناهم لحضرتنا
~~ودللناهم للاكتفاء بنا عما سوانا { ذلك هدى الله يهدى به
~~من يشاء من عباده } وهم أهل السابقة الذين سألوه سبحانه الهداية
~~بلسان الاستعداد الأزلي { ولو ms02942 أشركوا } بالميل إلى السوى وهو شرك
~~الكاملين كما أشار إليه سيدي عمر بن الفارض قدس سره بقوله:

# ولو خطرت لي في سواك إرادة

# على خاطري سهوا حكمت بردتي

# لحبط عنهم ما كانوا يعملون

# [الأنعام: 88] لعظم ما أتوا به

# إن الشرك لظلم عظيم

# [لقمان: 13] { فإن يكفر بها هؤلاء } وهو المحجوبون

# فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكفرين

# [الأنعام: 89] وهم العارفون بالله عز وجل الذين هم خزائن حقائق الإيمان.
~~وفي الخبر

# " لا يزال طائفة من أمتي قائمين بأمر الله تعالى لا يضرهم من خذلهم حتى
~~يأتي أمر الله سبحانه وهم على ذلك "

# { أولئك الذين هدى الله فبهداهم } وهو آداب
~~الشريعة والطريقة والحقيقة

# اقتده

# [الأنعام: 90] أمر له صلى الله عليه وسلم أن يتصف بجميع ما تفرق فيهم من
~~ذلك الهدى وكان ذلك على ما قيل في منازل الوسائط، ولما كحل عيون أسراره
~~بكحل الربوبية جعله مستقلا بذاته مستقيما بحاله وأخرجه من حد الإرادة
~~إلى حد المعرفة والاستقامة ولذا أمره عليه الصلاة والسلام بإسقاط الوسائط
~~كما يشير إليه قوله سبحانه:

# قل إنما أتبع ما يوحى إلى من ربى

# [الأعراف: 203] مع قوله صلى الله عليه وسلم:

# " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي "

# وقال بعض العارفين: ليس في هذا توسيط الوسائط لأنه أمر بالاقتداء بهداهم
~~لا بهم. ونظيره

# أن اتبع ملة إبرهيم

# [النحل: 123] حيث لم يقل سبحانه أن أتبع إبراهيم { وما قدروا
~~الله حق قدره } أي ما عرفوه حق معرفته

# إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء

# [الأنعام: 91] أي لم يظهر من علمه وكلامه سبحانه على أحد شيئا وذلك
~~لزعمهم البعد من عباده جل شأنه وعدم إمكان ظهور بعض صفاته على مظهر بشري
~~ولو عرفوا لما أنكروا ولا اعتقدوا أنه لا مظهر لكمال علمه وحكمته إلا
~~الإنسان الكامل بل لو ارتفع الحول عن العين لما رأوا الواحد إثنين {
~~وهذا كتب أنزلنه مبارك } لما فيه من أسرار القرب
~~والوصال والتشويق إلى الحسن والجمال بل منه تجلى الحق لخلقه لو يعلمون. {
~~مصدق الذى بين ms02943 يديه } من التوراة والإنجيل لجمعه الظاهر
~~والباطن على أتم وجه { ولتنذر أم القرى } وهي القلب

# ومن حولها

# [الأنعام: 92] من القوى { ومن أظلم ممن افترى على
~~الله كذبا } كمن ادعى الكمال والوصول إلى التوحيد والخلاص عن كثرة
~~صفات النفس وزعم أنه بالله عز وجل وأنه من أهل الإرشاد وهو ليس كذلك {
~~أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شيء } كمن سمى
~~مفتريات وهمه وخياله ومخترعات عقله وفكره وحيا وفيضا من الروح القدسي
~~فتنبأ لذلك { ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } كمن
~~تفرعن وادعى الألوهية { ولو ترى إذ الظلمون } وهم هؤلاء
~~الأصناف الثلاثة { فى غمرات الموت } الطبيعي { والملئكة
~~باسطوا أيديهم } بقبض أرواحهم / كالمتقاضي الملظ يقولون {
~~أخرجوا أنفسكم } تغليظا وتعنيفا عليهم

# اليوم تجزون عذاب الهون

# [الأنعام: 93] والصغار لوجود صفات نفوسكم وهيآتها المظلمة وتكاثف حجاب
~~أنانيتكم وتفرعنكم { ولقد جئتمونا فرادى } أي منفردين
~~مجردين عن كل شيء بالاستغراق في عين جميع الذات

# كما خلقنكم أول مرة

# [الأنعام: 94] عند أخذ الميثاق. { إن الله فالق الحب } أي
~~حبة القلب بنور الروح عن العلوم والمعارف { والنوى } أي نوى النفس
~~بنور القلب عن الأخلاق والمكارم أو فالق حبة المحبة الأزلية في قلوب
~~المحبين والصديقين ونوى شجر أنوار الأزل في فؤاد العارفين فتثمر بالأعمال
~~الزكية والمقامات الشريفة والحالات الرفيعة { يخرج الحى من
~~الميت } أي العالم به من الجاهل

# ومخرج الميت من الحي

# [الأنعام: 95] أي الجاهل به من العالم أو يخرج حي القلب عن ميت النفس
~~تارة باستيلاء نور الروح عليها ومخرج ميت النفس عن حي القلب أخرى بإقباله
~~عليها واستيلاء الهوى وصفات النفس عليه { فالق الإصباح } أي مظهر
~~أنوار صفاته على صفحات آفاق مخلوقاته أو شاق ظلمة الإصباح بنور الإصباح
~~وذلك لأن بحر العدم كان مملوءا من الظلمة فشقه بأن أجرى فيه جدولا من
~~نوره حتى بلغ السيل الزبى وقال الإمام «فالق ظلمة العدم بصباح التكوين
~~والإيجاد وفالق ظلمة الجمادية بصباح الحياة والعقل والرشاد وفالق ظلمة
~~الجهالة بصباح [العقل و] الإدراك وفالق ظلمة العالم الجسماني بتخليص
~~النفس القدسية إلى ms02944 صبحة عالم الأفلاك وفالق ظلمة الاشتغال بعالم الممكنات
~~بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات»، وقال بعض
~~العارفين المعنى فالق ظلمة صفات النفس عن القلب بإصباح نور شمس الروح
~~وإشراقه عليها { وجعل اليل } أي ليل الحيرة في الذات البحت {
~~سكنا } تسكن إليه أرواح العاشقين كما قال قائلهم:

# زدني بفرط الحب فيك تحيرا

# وارحم حشا بلظى هواك تسعرا

# أو جاعل ظلمة النفس سكن القلب يسكن إليها أحيانا للارتفاق والاسترواح
~~أو سكنا تسكن فيه القوى البدنية وتستقر عن الاضطراب كما قيل {
~~والشمس } أي شمس تجلي الصفات { والقمر } أي قمر تجلي الأفعال

# حسبانا

# [الأنعام: 96] أي علمي حساب الأحوال حيث يعتبر بهما أو شمس الروح وقمر
~~القلب محسوبين في عداد الموجودات الباقية الشريفة معتدا بهما. أو علمي
~~حساب الأوقات والأحوال { وهو الذى جعل لكم النجوم } أي
~~المرشدين أو نجوم الحواس { لتهتدوا بها فى ظلمت البر }
~~وهو علم الآداب

# والبحر

# [الأنعام: 97] وهو علم الحقائق أو المعنى لتهتدوا بها في ظلمات بر
~~الأجساد إلى مصالح المعاش وبحر العلوم باكتسابها بها { وهو الذى
~~أنشأكم } أي أظهركم { من نفس وحدة } وهي النفس الكلية {
~~فمستقر } في أرض البدن حال الظهور

# ومستودع

# [الأنعام: 98] في عين جمع الذات { وهو الذى أنزل من
~~السماء ماء } أي من سماء الروح ماء العلم { فأخرجنا به
~~نبات كل شىء } أي كل صنف من الأخلاق والفضائل { فأخرجنا
~~منه } أي النبات { خضرا } زينة النفس وبهجة لها { نخرج منه
~~} أي الخضر { حبا متراكبا } أي أعمالا مترتبة شريفة ونيات
~~صادقة يتقوى القلب بها { ومن النخل } أي نخل العقل { من
~~طلعها } أي من ظهور تعلقها { قنون } معارف وحقائق { دانية }
~~قريبة التناول لظهورها بنور الروح كأنها بديهية { وجنت من
~~أعنب } وهي أعناب الأحوال والأذواق ومنها تعتصر سلافة المحبة

# وفي سكرة منها ولو عمر ساعة

# ترى الدهر عبدا طائعا ولك الحكم

# { والزيتون } أي زيتون التفكر { والرمان } أي رمان الهمم
~~الشريفة والعزائم النفيسة { مشتبها } كما في أفراد نوع واحد {
~~وغير متشبه } كنوعين وفردين منهما مثلا { انظروا إلى
~~ثمرة إذا أثمر } أي راعوه ms02945 بالمراقبة عند السلوك وبدء الحال

# وينعه

# [الأنعام: 99] وهو كماله عند الوصول بالحضور { وجعلوا لله
~~شركاء الجن } أي جن الوهم والخيال حيث أطاعوهم / وانقادوا لهم {
~~وخلقهم وخرقوا } افتروا { له بنين } من العقول {
~~وبنات } من النفوس يعتقدون أنها لتجردها مؤثرة مثله { بغير
~~علم } منهم أنها أسماؤه وصفاته لا تؤثر إلا به جل شأنه

# سبحنه وتعلى عما يصفون

# [الأنعام: 100] من تقيده بما قيدوه به جل شأنه { لا تدركه
~~الأبصر } قال الشيخ الأكبر قدس سره في الباب الحادي والعشرين
~~وأربعمائة: يعني من كل عين من أعين الوجوه وأعين القلوب فإن القلوب ما
~~ترى إلا بالبصر وأعين الوجوه لا ترى إلا بالبصر فالبصر حيث كان به يقع
~~الإدراك فيسمى البصر في العقل عين البصيرة ويسمى في الظاهر بصر العين
~~والعين في الظاهر محل للبصر والبصيرة في الباطن محل للعين الذي هو بصر في
~~عين الوجه فاختلف الاسم عليه وما اختلف هو في نفسه فكما لا تدركه العيون
~~بأبصارها لا تدركه البصائر بأعينها، وورد في الخبر عن رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " إن الله تعالى احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار وإن الملأ الأعلى
~~يطلبونه كما تطلبونه أنتم "

# فاشتركنا في الطلب مع الملأ الأعلى واختلفنا في الكيفية فمنا من يطلبه
~~بفكره والملأ الأعلى له العقل وما له الفكر، ومنا من يطلبه به وليس في
~~الملأ الأعلى من يطلبه به لأن الكامل منا هو على الصورة الإلهية التي
~~خلقه الله تعالى عليها فلهذا يصح ممن هذه صفته أنه يطلب الله تعالى به
~~ومن طلبه به وصل إليه فإنه لم يصل إليه غيره وأن الكامل منا له نافلة
~~تزيد على فرائضه إذا تقرب العبد بها إلى ربه أحبه فإذا أحبه كان سمعه
~~وبصره فإذا كان الحق بصر مثل هذا العبد رآه وأدركه ببصره لأن بصره الحق
~~فما أدركه إلا به لا بنفسه وما ثم ملك يتقرب إلى الله تعالى بنافلة بل هم
~~في الفرائض وفرائضهم قد استغرقت أنفاسهم فلا نفل عندهم فليس لهم مقام
~~ينتج أن ms02946 يكون الحق بصرهم حتى يدركوه به فهم عبيد اضطرار ونحن عبيد اضطرار
~~من فرائضنا وعبيد اختيار من نوافلنا إلى آخر ما قال، وهو صريح في أن بعض
~~الأبصار تدركه لكن من حيثية رفع الغيرية.

# وقال في الباب الرابع عشر وأربعمائة بعد أن أنشد:

# من رأى الحق كفاحا علنا

# إنما أبصره خلف حجاب

# وهو لا يعرفه وهو به

# إن هذا لهو الأمر العجاب

# كل راء لا يرى غير الذي

# هو فيه من نعيم وعذاب

# صورة الرائي تجلت عنده

# وهو عين الراء بل عين الحجاب

# فإذا رآه سبحانه الرائي كفاحا فما يراه إلا حتى يكون الحق جل جلاله
~~بصره فيكون هو الرائي نفسه ببصره في صورة عبده فأعطته الصورة المكافحة
~~إذا كانت الحاملة للبصر ولجيمع القوى الخ. وقال في الباب الحادي
~~وأربعمائة بعد أن أنشد:

# قد استوى الميت والحي

# في كونهم ما عندهم شي

# مني فلا نور ولا ظلمة

# فيهم ولا ظل ولا في

# رؤيتهم لي معدومة

# فنشرهم في كونهم صلى

# وفهمهم إن كان معناهم

# عنه إذا حققته غي

# إن كل مرئي لا يرى الرائي إذا رآه منه إلا قدر منزلته ورتبته فما رآه
~~وما رأى إلا نفسه ولولا ذلك ما تفاضلت الرؤية في الرائين إذ لو كان هو
~~المرئي ما اختلفوا لكن لما كان هو سبحانه مجلي رؤيتهم أنفسهم لذلك وصفوه
~~بأنه جل شأنه يتجلى ولكن شغل الرائي برؤية نفسه في مجلى الحق حجبه عن
~~رؤية الحق فلو لم تبد للرائي صورته أو صورة كون من الأكوان ربما كان يراه
~~فما حجبنا عنه إلا رؤية نفوسنا فيه فلو زلنا عنا ما رأيناه لأنه ما كان
~~يبقى بزوالنا من يراه وإن نحن لم نزل فما نرى إلا نفوسنا فيه وصورنا
~~وقدرنا ومنزلتنا فعلى كل حال ما رأيناه وقد نتوسع فنقول: قد رأيناه ونصدق
~~كما أنه / لو قلنا رأينا الإنسان صدقنا في أن نقول رأينا من مضى من الناس
~~ومن بقي ومن في زماننا من كونهم إنسانا لا من حيث شخصية كل إنسان ms02947 ولما
~~كان العالم أجمعه وآحاده على صورة حق ورأينا الحق فقد رأيناه وصدقنا وإذا
~~نظرنا في عين التمييز في عين عين لم نصدق إلى آخر ما قال.

# وفي ذلك تحقيق نفيس لهذا المطلب، ومنه يعلم ما في قول بعضهم { لا
~~تدركه الأبصر } لغاية ظهوره سبحانه { وهو اللطيف } إذ
~~لا ألطف كما قال الشيخ الأكبر قدس سره من هوية تكون عين بصر العبد

# الخبير

# [الأنعام: 103] أي العليم خبرة أنه بصر العبد

# والله من ورائهم محيط

# [البروج: 20] و

# ليس كمثله شيء وهو السميع البصير

# [الشورى: 11] وعن الجنيد قدس سره اللطيف من نور قلبك بالهدى وربى جسمك
~~بالغذاء وجعل لك الولاية بالبلوى. ويحرسك وأنت في لظى ويدخلك جنة المأوى.
~~وقال غيره: اللطيف إن دعوته لباك وإن قصدته آواك، وإن أحببته أدناك وإن
~~أطعته كافاك وإن أغضبته عافاك وإن أعرضت عنه دعاك. وإن أقبلت إليه هداك
~~وإن عصيته راعاك. وهو كلام ما ألطفه { قد جاءكم بصائر من
~~ربكم } وهي صور تجليات صفاته. وقال بعض العارفين: إنها كلماته التي
~~تجلى منها لذوي الحقائق وبرزت من تحت سرادقاتها أنوار نعوته الأزلية {
~~فمن أبصر } واهتدى { فلنفسه } ذلك الإبصار أي أن ثمرته تعود
~~إليه { ومن عمى } واحتجب عن الهدى { فعليها } عماه واحتجابه

# وما أنا عليكم بحفيظ

# [الأنعام: 104] بل الله تعالى حفيظ عليكم لأنكم وسائر شؤونكم به موجودون

# وكذلك نصرف الآيت لقوم يعلمون

# [الأنعام: 105] قال ابن عطاء أي حقيقة البيان وهو الوقوف معه حيث ما وقف
~~والجري معه حيث ما جرى لا يتقدم بغلبته ولا يتخلف عنه لعجزه، وقال آخر:
~~المعنى لقوم يعرفون قدري ويفهمون خطابي لا من لا يعرف مكان خطابي ومرادي
~~من كلامي { اتبع ما أوحى إليك من ربك } قيل: هو إشارة
~~إلى وحي خاص به صلى الله عليه وسلم لا يتحمله غيره أو إشارة إلى الوحي
~~بالتوحيد ولذا وصف سبحانه نفسه بقوله: { لا إله إلا هو } ثم
~~قال جل شأنه:

# وأعرض عن المشركين

# [الأنعام: 106] المحجوبين بالكثرة عن الوحدة

# ولو شاء الله ما أشركوا

# [الأنعام: 107] بل شاء ms02948 سبحانه إشراكهم لأنه المعلوم له جل شأنه أزلا
~~دون إيمانهم ولا يشاء إلا ما يعلمه دون ما لا يعلمه من النفي الصرف {
~~ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله } بل أرشدوهم
~~إلى الحق بالتي هي أحسن { فيسبوا الله عدوا بغير علم
~~} بأن يسبوكم وأنتم أعظم مظاهره

# كذلك زينا لكل أمة عملهم

# [الأنعام: 108] إذ هو الذي طلبوه منا بألسنة استعدادهم الأزلي ومن شأننا
~~أن لا نرد طالبا { وأقسموا بالله جهد أيمنهم لئن
~~جاءتهم آية ليؤمنن بها } أي أنهم طلبوا خوارق العادات
~~وأعرضوا عن الحجج البينات لاحتجابهم بالحس والمحسوس

# قل إنما الآيت عند الله

# [الأنعام: 109] فيأتي بها حسبما تقتضيه الحكمة

# وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون

# [الأنعام: 109] لسبق الشقاء عليهم { ونقلب أفئدتهم
~~وأبصرهم } لاقتضاء استعدادهم ذلك { كما لم يؤمنوا به
~~أول مرة } حين أعرضوا عن الحجج البينات أو في الأزل {
~~ونذرهم فى طغيانهم } الذي هو لهم بمقتضى استعدادهم

# يعمهون

# [الأنعام: 110] يترددون متحيرين لا يدرون وجه الرشاد

# ومن يضلل الله فما له من هاد

# [غافر: 33].

### || [6.111]

# { ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة } تصريح بما
~~أشعر به قوله عز وجل:

# وما يشعركم

# [الأنعام: 109] الخ من الحكمة الداعية إلى ترك الإجابة إلى ما اقترحوا
~~وبيان لكذبهم في أيمانهم على أبلغ وجه وآكده أي ولو أنا لم نقتصر على ما
~~اقترحوه ههنا بل نزلنا إليهم الملائكة كما سألوه بقولهم:

# لولا أنزل علينا الملائكة

# [الفرقان: 21] وقولهم:

# لو ما تأتينا بالملائكة

# [الحجر: 7].

# { وكلمهم الموتى } بأن أحييناهم وشهدوا بحقية الإيمان حسبما
~~اقترحوه بقولهم:

# فأتوا بآبآئنا

# [الدخان: 36] { وحشرنا } أي جمعنا وسوقنا { عليهم كل
~~شىء قبلا } أي مقابلة ومعاينة حتى يواجهوهم كما روي عن ابن عباس
~~وقتادة، وهو على هذا مصدر كما قاله غير واحد وإلى ذلك ذهب ابن زيد، وعنه:
~~يقال لقيت فلانا قبلا ومقابلة وقبلا وقبلا وقبيلا كله بمعنى واحد
~~وهو المواجهة. ونقل الراغب أنه «جمع قابل بمعنى مقابل لحواسهم»، وقيل: هو
~~جمع قبيل بمعنى كفيل كرغيف ورغف وقضيب وقضب فهو من قولك: قبلت الرجل
~~وتقبلت به إذا تكفلت ms02949 به، ومنه القبالة لكتاب العهد والصك وروي ذلك عن
~~الفراء. وعن مجاهد تفسيره بالجماعة على أنه جمع قبيلة كما قال الراغب.
~~ونقل تفسيره بالكفيل وبالجماعة وكذا بالمعاينة والمقابلة في قوله تعالى:

# أو تأتى بالله والملائكة قبيلا

# [الإسراء: 92] أي لو أحضرنا لديهم كل شيء تتأتى منه الكفالة والشهادة
~~بحقية الايمان لا فرادى بل بطريق المعية أو لو حشرنا عليهم كل شيء جماعات
~~في موقف واحد.

# { ما كانوا ليؤمنوا } أي ما صح ولا استقام لهم الإيمان،
~~وانتصاب { قبلا } على هذه الأقوال على أنه حال من { كل } وساغ ذلك
~~على القول بجمعيته لأن كلا يجوز مراعاة معناه ومراعاة لفظه كما نص عليه
~~النحاة واستشهدوا له بقول عنترة:

# جادت عليه كل عين ثرة

# فتركن كل حديقة كالدرهم

# إذ قال تركن دون تركت فلا حاجة إلى ما قيل: إن ذلك باعتبار لازمه وهو
~~الكل المجموعي وقرأ نافع وابن عامر { قبلا } بكسر القاف وفتح الباء وهو
~~مصدر بمعنى مقابلة ومشاهدة، ونصبه على الحال كما قال الفراء والزجاج
~~وكثير وعن المبرد أنه بمعنى جهة وناحية فانتصابه على الظرفية كقولهم: لي
~~قبل فلان كذا. وقرىء { قبلا } بضم فسكون. و { ما كانوا } الخ جواب
~~لو وهو إذا كان منفيا لا تدخله اللام خلافا لمن وهم فقدرها.

# وعلل هذا الحكم بسوء استعدادهم الثابت أزلا في علم الله تعالى المتعلق
~~بالأشياء حسبما هي عليه في نفس الأمر وعلله البعض بسبق القضاء عليهم
~~بالكفر. واعترض عليه بعض الأفاضل بأن فيه تعليل الحوادث بالتقدير الأزلي
~~ولايخفى فساده، وعلله ببطلان استعدادهم وتبدل فطرتهم القابلة بسوء
~~اختيارهم، وتبعه في ذلك شيخ الإسلام وعلله بتماديهم في العصيان وغلوهم
~~وتمردهم في الطغيان معترضا على ما ذكر بأنه من الأحكام المترتبة على
~~التمادي المذكور حسبما ينبىء عنه قوله تعالى:

# ونذرهم فى طغيانهم يعمهون

# [الأنعام: 110] وتعقب ذلك الشهاب / قائلا: إنه ليس بشيء لأن ما ذكر على
~~مذهب الأشعري القائل بأنه لا تأثير لاختيار العبد وإن قارن الفعل عنده،
~~ولا يلزم الجبر كما يتوهم على ما حققه أهل الأصول. ولا ms02950 خفاء في كون
~~القضاء الأزلي سببا لوقوع الحوادث ولا فساد فيه، وأما سوء اختيار العبد
~~فسبب للقضاء الأزلي، وتحقيقه كما قيل أن سوء الاختيار وإن كان كافيا في
~~عدم وقوع الإيمان لكنه لا قطع فيه لجواز أن يحسن الإختيار بصرفه إلى
~~الإيمان بدل صرفه إلى الكفر فكان سوء اختياره فيما لا يزال سببا للقضاء
~~بكفره في الأزل فبعد القضاء يكون الواقع منه الكفر حتما كما قال سبحانه

# ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها

# [السجدة: 13] انتهى.

# وأنا أقول وإن أنكر على أرباب الفضول: إن المعلل بسوء الاستعداد هو
~~السالك مسلك السداد، وتحقيق ذلك أنه قد حقق كثير من الراسخين وأهل الكشف
~~الكاملين أن ماهيات الممكنات المعلومة لله تعالى أزلا معدومات متميزة في
~~نفسها تمييزا ذاتيا غير مجعول لما حقق من توقف العلم بها على ذلك
~~التميز وإنما المجعول صورها الوجودية الحادثة وأن لها استعدادات ذاتية
~~غير مجعولة تختلف اقتضاءاتها، فمنها ما يقتضي اختيار الإيمان والطاعة
~~ومنها ما يقتضي اختيار الكفر والمعصية والعلم الإلهي متعلق بها كاشف لها
~~على ما هي عليه في أنفسها من اختلاف استعداداتها التي هي من مفاتح الغيب
~~التي لا يعلمها إلا هو واختلاف مقتضيات تلك الاستعدادات فإذا تعلق العلم
~~الإلهي بها على ما هي عليه مما يقتضيه استعدادها من اختيار أحد الطرفين
~~الممكنين أعني الإيمان والطاعة أو الكفر والمعصية تعلقت الإرادة الإلهية
~~بهذا الذي اختاره العبد حال عدمه بمقتضى استعداده تفضلا ورحمة لا وجوبا
~~لغناه الذاتي عن العالمين المصحح لصرف اختيار العبد إلى الطرف الآخر
~~الممكن بالذات إن شاء فيصير مراد العباد بعد تعلق الإرادة الإلهية مراد
~~الله تعالى، ومن هذا يظهر أن اختيارهم الأزلي بمقتضى استعدادهم متبوع
~~للعلم المتبوع للإرادة مراعاة للحكمة تفضلا وإن اختيارهم فيما لا يزال
~~تابع للإرادة الأزلية المتعلقة باختيارهم لما اختاروه فهم مجبورون فيما
~~لا يزال في عين اختيارهم أي مساقون إلى أن يفعلوا ما يصدر عنهم باختيارهم
~~لا بالإكراه والجبر. ومنه يتضح معنى قول أمير المؤمنين علي كرم الله
~~تعالى وجهه: ms02951 إن الله تعالى لم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها ولم يملك
~~تفويضا ولم يكونوا مجبورين في اختيارهم الأزلي لأنه سابق الرتبة على
~~العلم السابق على تعلق الإرادة والجبر تابع للإرادة التابع للعلم التابع
~~للمعلوم الذي هو هنا اختيارهم الأزلي فيمتنع أن يكون تابعا لما هو متأخر
~~عنه بمراتب فمن وجد خيرا فليحمد الله تعالى لأنه سبحانه متفضل بإيجاد ما
~~اختاروه لا يجب عليه مراعاة الحكمة ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه
~~لأن إرادته جل شأنه لم تتعلق بما صدر منهم من الأفعال إلا لكونهم
~~اختاروها أزلا بمقتضى استعدادهم فاختارها تعالى مراعاة للحكمة تفضلا،
~~والعباد كاسبون بالله تعالى إذ لا كسب إلا بقوة ولا قوة إلا بالله العلي
~~العظيم.

# والله تعالى خالق أعمالهم بهم لأنه سبحانه أخبر بأنه خالق أعمالهم مع
~~نسبة العمل إليهم المتبادر منها صدورها منهم باختيارهم وذلك يقتضي أن
~~المخلوق لله تعالى بالعبد عين مكسوب العبد بالله تعالى، ولا منافاة بين
~~كون الأعمال مخلوقة لله تعالى وبين كونها مكسوبة لهم بقدرتهم واختيارهم،
~~وما شاع عن الأشعري من أنه لا تأثير لقدرة العبد أصلا وإنما هي مقارنة
~~للفعل وهو بمحض قدرة الله تعالى فمما لا يكاد يقبل عند المحققين المحقين،
~~وقدرة العبد عندهم مؤثرة بإذن الله تعالى لا استقلالا كما يزعمه
~~المعتزلة ولا غير مؤثرة كما نسب إلى الأشعري ولا هي منفية بالكلية كما
~~يقوله الجبرية، وهذا بحث مفروغ منه وقد أشرنا إليه في أوائل التفسير،
~~وليس / غرضنا هنا سوى تحقيق أن عدم إيمان الكفار إنما هو لسوء استعدادهم
~~الأزلي الغير المجعول المتبوع للعلم المتبوع للإرادة ليعلم منه ما في
~~كلام الشهاب وغيره وقد حصل ذلك بتوفيقه تعالى عند من تأمل وأنصف.

# { إلا أن يشاء الله } استثناء من أعم الأحوال فإن لوحظ أن جميع
~~أحوالهم شاملة لحال تعلق المشيئة بهم فهو متصل وإن لم يلاحظ لأن حال
~~المشيئة ليس من أحوالهم كان منقطعا أي لكن إن شاء الله تعالى آمنوا
~~واستبعده أبو حيان، وقيل: هو استثناء من ms02952 أعم الأزمان وهو خلاف الظاهر،
~~والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة أي ما كانوا
~~ليؤمنوا بعد اجتماع ما ذكر من الأمور الموجبة للإيمان في حال من الأحوال
~~إلا في حال مشيئته تعالى إيمانهم، والمراد بيان استحالة وقوع إيمانهم
~~بناء على استحالة وقوع المشيئة كما يدل عليه السباق واللحاق.

# { ولكن أكثرهم يجهلون } استدراك من مضمون الشرطية بعد
~~ورود الاستثناء، وضمير الجمع للمسلمين أو للمقسمين، والمعنى أن حالهم كما
~~شرح ولكن أكثر المسلمين يجهلون عدم إيمانهم عند مجيء الآيات لجهلهم عدم
~~مشيئته تعالى لإيمانهم فيتمنون مجيئها طمعا فيما لا يكون أو ولكن
~~المشركين يجهلون عدم إيمانهم عند مجيء الآيات لجهلهم عدم مشيئته تعالى
~~لإيمانهم حينئذ فيقسمون بالله تعالى جهد أيمانهم على ما لا يكاد يوجد
~~أصلا. فالجملة على الأول:  كما قال بعض المحققين  مقررة لمضمون قوله
~~تعالى

# وما يشعركم

# [الأنعام: 109] الخ على القراءة المشهورة، وعلى الثاني: بيان لمنشأ خطأ
~~المقسمين ومناط أقسامهم على تلك القراءة أيضا وتقرير له على قراءة

# لا تؤمنون

# [الأنعام: 109] بالفوقانية، وكذا على قراءة { وما يشعركم
~~أنها إذا جاءت لا يؤمنون }.

# واستدل أهل السنة بالآية على أن الله تعالى يشاء من الكافر كفره وقرر
~~ذلك بأنه سبحانه لما ذكر أنهم لا يؤمنون إلا أن يشاء الله تعالى إيمانهم
~~دل على أنه جل شأنه ما شاء إيمانهم بل كفرهم. وأجاب عنه المعتزلة بأن
~~المراد لا أن يشاء مشيئة قسر وإكراه، وعدم إيمانهم يستلزم عدم المشيئة
~~القسرية وهي لا تستلزم عدم المشيئة مطلقا. واستدل بها الجبائي على حدوث
~~مشيئته تعالى وإلا يلزم قدم ما دل الحس على حدوثه. وأهل السنة تفصوا عن
~~ذلك بدعوى أن تعلقها بإحداث ذلك المحدث في الحال إضافة حادثة فتأمل جميع
~~ذلك.

### || [6.112]

# { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا } كلام مبتدأ مسوق
~~لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عما [كان] يشاهده من عداوة قريش وما
~~بنوا عليها من الأقاويل والأفاعيل، وذلك إشارة إلى ما يفهم مما تقدم،
~~والكاف في موضع نصب على أنه نعت لمصدر ms02953 مؤكد لما بعده، والتقديم للقصر
~~المفيد للمبالغة، و { عدوا } بمعنى أعداء كما في قوله:

# إذا أنا لم أنفع صديقي بوده

# فإن عدوي لم يضرهم بغضي

# أي مثل ذلك الجعل في حقك حيث جعلنا لك أعداء يضادونك [ويضارونك] ولا
~~يؤمنون ويبغونك الغوائل ويجهدون في إبطال أمرك جعلنا لكل نبي تقدمك
~~فعلوا معهم نحو ما فعل معك أعداؤك لا جعلا أنقص منه. وجعله الإمام على
~~هذا الوجه عطفا على معنى ما تقدم من الكلام، ولعله ليس المراد منه العطف
~~الاصطلاحي، وجوز أن يكون مرتبطا بقوله سبحانه: و

# كذلك زينا لكل أمة عملهم

# [الأنعام: 108] أي كما فعلنا ذلك جعلنا لكل نبي عدوا وفيه بعد.

# وأيا ما كان فالآية ظاهرة فيما ذهب إليه أهل السنة من أنه تعالى خالق
~~الشر كما أنه خالق الخير، وحملها على أن المراد بها وكما خلينا بينك وبين
~~أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأعدائهم /
~~لم نمنعهم من العداوة لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات
~~والصبر وكثرة الثواب والأجر خلاف الظاهر. ومثله قول أبي بكر الأصم إن
~~هذا الجعل بطريق التسبب حيث أرسل سبحانه الأنبياء عليهم السلام وخصهم
~~بالمعجزات فحسدهم من حسدهم وصار ذلك سببا للعداوة القوية، ونظير ذلك قول
~~المتنبي:

# فأنت الذي صيرتهم حسدا

# وقيل: المراد كما أمرناك بعداوة قومك من المشركين كذلك أمرنا من قبلك من
~~الأنبياء بمعاداة نحو أولئك أو كما أخبرناك بعداوة المشركين وحكمنا بذلك
~~أخبرنا الأنبياء بعداوة أعدائهم وحكمنا بذلك والكل ليس بشيء، وهكذا غالب
~~تأويلات المعتزلة.

# { شيطين الإنس والجن } أي مردة النوعين كما روي عن الحسن
~~وقتادة ومجاهد على أن الإضافة بمعنى من البيانية؛ وقيل: هي إضافة الصفة
~~للموصوف والأصل الإنس والجن الشياطين، وقيل: هي بمعنى اللام أي الشياطين
~~[التي] للإنس والجن. وفي «تفسير الكلبي» عن ابن عباس ما يؤيده فإنه روى
~~عنه أنه قال: إن إبليس عليه اللعنة جعل جنده فريقين فبعث فريقا منهم إلى
~~الإنس وفريقا آخر إلى الجن. وفي رواية أخرى عنه أن ms02954 الجن هم الجان وليسوا
~~بشياطين والشياطين ولد إبليس وهم لا يموتون إلا معه والجن يموتون ومنهم
~~المؤمن والكافر، وهو نصب على البدلية من { عدوا } والجعل متعد إلى
~~واحد أو إلى إثنين وهو أول مفعوليه قدم عليه الثاني مسارعة إلى بيان
~~العداوة، واللام على التقديرين متعلقة بالجعل أو بمحذوف وقع حالا من {
~~عدوا } قدم عليه لنكارته، وجوز أن يكون متعلقا به وقدم عليه
~~للاهتمام، وأن يكون نصب { شيطين } بفعل مقدر.

# وقوله سبحانه: { يوحى بعضهم إلى بعض } كلام مستأنف مسوق
~~لبيان أحكام عداوتهم أو حال من { شيطين } أو صفة لعدو، وجمع الضمير
~~باعتبار المعنى كما في البيت السابق، «وأصل الوحي  كما قال الراغب 
~~الإشارة السريعة ولتضمن السرعة قيل أمر وحي، وذلك يكون بالكلام على سبيل
~~الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب وبإشارة ببعض الجوارح
~~وبالكتابة أيضا»، والمعنى هنا يلقي ويوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس
~~أو بعض كل من الفريقين إلى الآخر.

# { زخرف القول } أي المزوق من الكلام الباطل منه. وأصل الزخرف
~~الزينة المزوقة، ومنه قيل للذهب: زخرف، وقال بعضهم: أصل معنى الزخرف
~~الذهب، ولما كان حسنا في الأعين قيل لكل زينة زخرفة، وقد يخص بالباطل {
~~غرورا } مفعول له أي ليغروهم، أو مصدر في موقع الحال أي غارين، أو
~~مصدر لفعل مقدر هو حال من فاعل { يوحى } أي يغرون غرورا، وفسر
~~الزمخشري الغرور بالخداع والأخذ على غرة، ونسب للراغب أنه قال: يقال غره
~~غرورا كأنما طواه على غره  بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء  وهو طيه
~~الأول.

# { ولو شاء ربك ما فعلوه } رجوع كما قيل إلى بيان الشؤون
~~الجارية بينه عليه الصلاة والسلام وبين قومه المفهومة من حكاية ما جرى
~~بين الأنبياء عليهم السلام وبين أممهم كما ينبىء عنه الالتفات، والتعرض
~~لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام المعربة عن كمال
~~اللطف في التسلية، والضمير المنصوب في { فعلوه } عائد إلى عداوتهم له
~~صلى الله عليه وسلم وإيحاء بعضهم إلى بعض مزخرفات الأقاويل الباطلة
~~المتعلقة بأمره عليه / الصلاة والسلام باعتبار ms02955 انفهام ذلك مما تقدم وأمر
~~الأفراد سهل، وقيل: إنه عائد إلى ما ذكر من معاداة الأنبياء عليهم
~~السلام، وإيحاء الزخارف أعم من أن تكون في أمره صلى الله عليه وسلم وأمور
~~إخوانه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

# وفيه أن قوله تعالى: { فذرهم وما يفترون } كالصريح في أن
~~المراد بهم الكفرة المعاصرون له عليه الصلاة والسلام، وقيل: هو عائد إلى
~~الإيحاء أو الزخرف أو الغرور، وفي أخذ ذلك عاما أو خاصا احتمالان لا
~~يخفى الأولى منهما، ومفعول المشيئة محذوف أي عدم ما ذكر ولا إشكال في جعل
~~العدم الخاص متعلق المشيئة، وقدره بعضهم إيمانهم. واعترض بأن القاعدة
~~المستمرة أن مفعول المشيئة عند وقوعها شرطا يكون مضمون الجزاء كما في
~~علم المعاني وهو هنا { ما فعلوه } وتعقب بأنه ههنا ذكر المشيئة
~~فيما تقدم متعلقا بشيء وهو الإيمان كما أشير إليه ثم ذكر في حيز الشرط
~~بدون متعلق فالظاهر أنه يجوز أن يقدر متعلقه مضمون الجزاء وأن يقدر ما
~~علق به فعل المشيئة سابقا، ولا بأس بمراعاة كل من الأمرين بحسب ما
~~يقتضيه الحال.

# والمذكور في المعاني إنما هو فيما لم يتكرر فيه فعل المشيئة ولم يكن
~~قرينة غير الجزاء فليعرف ذلك فإنه بديع، والأولى عندي اعتبار مضمون
~~الجزاء مطلقا، وإنما قال سبحانه هنا { ولو شاء الله ما
~~فعلوه } وفيما يأتي

# ولو شاء ربك ما فعلوه

# [الأنعام: 137] فغاير بين الاسمين في المحلين لما ذكر بعضهم وهو أن ما
~~قبل هذه الآية من عداوتهم له عليه الصلاة والسلام كسائر الأنبياء عليهم
~~الصلاة والسلام التي لو شاء منعهم عنها فلا يصلون إلى المضرة أصلا يقتضي
~~ذكره جل شأنه بهذا العنوان إشارة إلى أنه مربيه صلى الله عليه وسلم في
~~كنف حمايته وإنما لم يفعل سبحانه ذلك لأمر اقتضته حكمته، وأما الآية
~~الأخرى فذكر قبلها إشراكهم فناسب ذكره عز اسمه بعنوان الألوهية التي
~~تقتضي عدم الاشتراك فكأنه قيل ههنا: إذا كان ما فعلوه من أحكام عداوتك
~~من فنون المفاسد بمشيئة ربك جل شأنه الذي لم تزل في ms02956 كنف حمايته وظل
~~تربيته فاتركهم وافتراءهم أو وما يفترونه من أنواع المكايد ولا تبال به
~~فإن لهم في ذلك عقوبات شديدة ولك عواقب حميدة لابتناء مشيئته سبحانه على
~~الحكم البالغة البتة.

### || [6.113]

# { ولتصغى إليه } أي إلى زخرف القول، وقيل: الضمير للوحي أو
~~للغرور أو للعداوة لأنها بمعنى التعادي، والواو للعطف وما بعدها عطف على

# غرورا

# [الأنعام: 112] بناء على أنه مفعول له فيكون علة أخرى للإيحاء وما في
~~البين اعتراض، وإنما لم ينصب لفقد شرط النصب إذ الغرور فعل الموحي وصغو
~~الأفئدة فعل الموحى إليه. وهو على الوجهين الأخيرين علة لفعل محذوف يدور
~~عليه المقام أي وليكون ذلك جعلنا ما جعلنا. «وأصل الصغو  كما قال الراغب
~~ الميل يقال: صغت الشمس والنجوم صغوا مالت للغروب وصغيت الإناء وأصغيته
~~وأصغيت إلى فلان ملت بسمعي نحوه، وحكي صغوت إليه أصغو وأصغى صغوا
~~وصغيا؛ وقيل: صغيت أصغى وأصغيت أصغي». وفي «القاموس» «صغا يصغو
~~ويصغي صغوا وصغى يصغي صغا وصغيا مال». وذكر بعض الفضلاء أن هذا
~~الفعل مما جاء واويا ويائيا فقيل: يصغو ويصغى؛ ويقال: في مصدره صغيا
~~بالفتح والكسر. وزاد الفراء صغيا وصغوا بالياء والواو مشددتين، ويقال:
~~إن أصغى مثله. والمراد هنا ولتميل إليه.

# { أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة } أي على الوجه
~~الواجب. وخص عدم إيمانهم بها دون ما عداها من الأمور التي يجب الإيمان
~~بها وهم بها كافرون  قال مولانا شيخ الإسلام  «إشعارا / بما هو المدار
~~في صغو أفئدتهم إلى ما يلقى إليهم فإن لذات الآخرة محفوفة في هذه النشأة
~~بالمكاره وآلامها مزينة بالشهوات فالذين لا يؤمنون بها وبأحوال ما فيها
~~لا يدرون أن وراء تلك المكاره لذات ودون هذه الشهوات آلاما وإنما ينظرون
~~ما بدا لهم في الدنيا بادي الرأي فهم مضطرون إلى حب الشهوات التي من
~~جملتها مزخرفات الأقاويل ومموهات الأباطيل، وأما المؤمنون بها فحيث كانوا
~~واقفين على حقيقة الحال ناظرين إلى عواقب الأمور لم يتصور منهم الميل إلى
~~تلك المزخرفات لعلمهم ببطلانها ووخامة عاقبتها» اه.

# والآية حجة على المعتزلة في وجه. ms02957 وأجاب الكعبي بأن اللام للعاقبة وليست
~~للتعليل بوجه وهو خلاف الظاهر. وقال غيره: إنها لام القسم كسرت لما لم
~~يؤكد الفعل بالنون. واعترض بأن النون حذفت ولام القسم باقية على فتحها
~~كقوله:

# لئن تك قد ضاقت على بيوتكم

# ليعلم ربي أن بيتي واسع

# بفتح لام ليعلم، نعم حكي عن بعض العرب كسر لام جواب القسم الداخلة على
~~المضارع كقوله:

# لتغني عن ذا إنائك أجمعا

# وهو غير مجمع عليه أيضا فإن أناسا أنكروا ورود ذلك، وجعلوا اللام في
~~البيت للتعليل والجواب محذوف أي لتشربن لتغني عني. واستشهد الأخفش بالبيت
~~على إجابة القسم بلام كي. وقال الرضي: لا يجوز عند البصريين في جواب
~~القسم الاكتفاء بلام الجواب عن نون التوكيد إلا في الضرورة.

# وعن الجبائي أن اللام هنا لام الأمر، والمراد منه التهديد أو التخلية
~~واستعمال الأمر في ذلك كثير.

# واعترض بأنها لو كانت لام الأمر لحذف حرف العلة. وأجيب بأن حرف العلة قد
~~يثبت في مثله كما خرج عليه قراءة { أرسله معنا غدا نخوض
~~ونلعب } و { إنه من يتقى ويصبر } فليكن هذا كذلك.
~~ويؤيد أنها لام الأمر أنه قرىء بحذف حرف العلة. وقرأ الحسن بتسكين اللام
~~في هذا وفي الفعلين بعده. فدعوى إن ضعف كونها للأمر أظهر من ضعف الوجهين
~~الأولين غير ظاهرة.

# «واستدل أصحابنا بإسناد الصغو إلى الأفئدة على أن البنية ليست شرطا
~~للحياة فالحي عندهم هو الجزء الذي قامت به الحياة، والعالم هو الجزء الذي
~~قام به العلم، وقالت المعتزلة: الحي والعالم هو الجملة لا ذلك الجزء،
~~والإسناد هنا مجازي».

# { وليرضوه } لأنفسهم بعدما مالت إليه أفئدتهم {
~~وليقترفوا } أي ليكتسبوا، قال الراغب: «أصل القرف والاقتراف قشر
~~اللحاء عن الشجرة والجليدة عن الجرح وما يؤخذ منه قرف، واستعير
~~الإقتراف للإكتساب حسنا كان أو سوءا وفي الإساءة أكثر استعمالا، ولهذا
~~يقال: الاعتراف يزيل الاقتراف، ويقال: قرفت فلانا بكذا إذا عبته به
~~واتهمته؛ وقد حمل على ذلك ما هنا» وفيه بعد. ومثله ما نقل عن الزجاج أن
~~المعنى فيه وليختلقوا وليكذبوا { ما هم ms02958 مقترفون } أي الذي هم
~~مقترفوه من القبائح التي لا يليق ذكرها. وجوز أن تكون { ما } موصوفة،
~~والعائد محذوف أيضا. وأن تكون مصدرية فلا حاجة إلى تقدير عائد.

### || [6.114]

# { أفغير الله أبتغى حكما } كلام مستأنف [وارد] على إرادة
~~القول. والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي قل لهم
~~يا محمد: أأميل إلى زخارف الشياطين أو أعدل عن الطريق المستقيم فأطلب
~~حكما غير الله تعالى يحكم بيني وبينكم ويفصل المحق منا من المبطل. وقيل:
~~إن مشركي قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: / اجعل بيننا وبينك
~~حكما من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى ليخبرنا عنك بما في كتابهم
~~من أمرك فنزلت. وإسناد الابتغاء المنكر لنفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم
~~لا إلى المشركين كما في قوله سبحانه:

# أفغير دين الله يبغون

# [آل عمران: 83] مع أنهم الباغون لإظهار كمال النصفة أو لمراعاة قولهم:
~~اجعل بيننا وبينك حكما، و (غير) مفعول { أبتغى } و { حكما } حال
~~منه، وقيل: تمييز لما في (غير) من الإبهام كقولهم: إن لنا إبلا غيرها،
~~وقيل: مفعول له؛ وأولى المفعول همزة الاستفهام دون الفعل لأن الإنكار
~~إنما هو في ابتغاء غير الله تعالى حكما لا في مطلق الابتغاء فكان أولى
~~بالتقديم وأهم، وقيل: تقديمه للتخصيص. وحمل على أن المراد تخصيص الإنكار
~~لا إنكار التخصيص، وقيل: في تقديمه إيماء إلى وجوب تخصيصه تعالى
~~بالابتغاء والرضى بكونه حكما. وجوز أن يكون { غير } حالا من { حكما
~~} وحكما مفعول { أبتغى } والتقديم لكونه مصب الإنكار، والحكم يقال
~~للواحد والجمع كما قال الراغب، وصرح هو وغيره بأنه أبلغ من الحاكم لا
~~مساو له كما نقل الواحدي عن أهل اللغة، وعلل بأنه صفة مشبهة تفيد ثبوت
~~معناها ولذا لا يوصف به إلا العادل أو من تكرر منه الحكم.

# { وهو الذى أنزل إليكم الكتب } جملة حالية مؤكدة
~~للإنكار، ونسبة الإنزال إليهم خاصة مع أن مقتضى المقام إظهار تساوي نسبته
~~إلى المتحاكمين لاستمالتهم نحو المنزل واستنزالهم إلى قبول حكمه بإيهام
~~قوة نسبته إليهم وقيل: لأن ذلك ms02959 أوفق بصدر الآية بناء على أن المراد بها
~~الإنكار عليهم وإن عبر بما عبر إظهارا للنصفة، ونظير ذلك قوله تعالى:

# وما لى لا أعبد الذى فطرنى وإليه ترجعون

# [يس: 22]. ومعنى الآية عند بعض المحققين أغيره تعالى أبتغي حكما والحال
~~أنه هو الذي أنزل إليكم الكتاب  وأنتم أمة أمية لا تدرون ما تأتون وما
~~تذرون  القرآن الناطق بالحق والصواب الحقيق بأن يخص به اسم الكتاب.

# { مفصلا } أي مبينا فيه الحق والباطل والحلال والحرام وغير ذلك من
~~الأحكام بحيث لم يبق في أمر الدين شيء من التخليط والإبهام فأي حاجة بعد
~~ذلك إلى الحكم، ثم قال: وهذا كما ترى صريح في أن القرآن الكريم كاف في
~~أمر الدين مغن عن غيره ببيانه وتفصيله؛ وأما أن يكون لإعجازه دخل في ذلك
~~كما قيل فلا انتهى.

# ولا يخفى أن ملاحظة الإعجاز أمر مطلوب على تقدير كون الآية مرتبطة معنى
~~بقوله سبحانه:

# وأقسموا بالله

# [الأنعام: 109] الآية، وبيان ذلك على ما ذكره الإمام أنه سبحانه وتعالى
~~«لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أتتهم آية ليؤمنن
~~بها أجاب عنه جل شأنه بأنه لا فائدة في إظهار تلك الآيات لأنه تعالى لو
~~أظهرها لبقوا مصرين على كفرهم، ثم إنه تعالى بين في هذه الآية أن الدليل
~~الدال على نبوته عليه الصلاة والسلام قد حصل وكمل فكان ما يطلبونه طلبا
~~للزيادة وذلك مما لا يجب الالتفات إليه، ثم نبه على حصول الدليل من هذه
~~الآية بوجهين، الأول: أنه تعالى أنزل إليه الكتاب المفصل المبين المشتمل
~~على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة وقد عجز الخلق عن معارضته فيكون
~~ظهور هذا المعجز دليلا على أنه تعالى قد حكم بنبوته، فمعنى الآية قل يا
~~محمد: إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات فهل يجوز في العقل أن يطلب غير
~~الله سبحانه حكما؟ فإن كل أحد يقول: إن ذلك غير جائز ثم قل: إنه تعالى
~~حكم بصحة نبوتي حيث خصني بمثل هذا الكتاب المفصل الكامل البالغ إلى حد
~~الإعجاز. الثاني: اشتمال ms02960 التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على أنه صلى
~~الله عليه وسلم رسول حق وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله تعالى وهذا
~~هو المراد من الآية بعد» انتهى.

# ووجه بعضهم / مدخلية الإعجاز بأنه لا يتم الإلزام إلا بالعلم بكون
~~المنزل من عند الله تعالى وهو يتوقف على الإعجاز بحيث يستغني عن آية أخرى
~~دالة على صدق دعواه عليه الصلاة والسلام أنه من عند الله تعالى لكن قال:
~~إن في دلالة النظم الكريم على ذلك خفاء إلا أن يقال: الجملة الاسمية
~~الحالية تفيده لما فيها من الدلالة على ثبوته وتقرره في نفسه أو يجعل
~~الكتاب بمعنى المعهود إعجازه، وذكر أن هذا من عدم تدبر الآية إذ المعنى
~~لا أبتغي حكما في شأني وشأن غيري إلا الله سبحانه الذي نزل الكتاب لذلك،
~~وهو إنما يحكم له صلى الله عليه وسلم بصدق مدعاه بالإعجاز، فإنهم لما
~~طعنوا في نبوته عليه الصلاة والسلام وأقسموا إن جاءتهم آية آمنوا بين
~~سبحانه أنهم مطبوع على قلوبهم وأمره أن يوبخهم وينكر عليهم بقوله تعالى:
~~{ أفغير الله } الخ أي أأزيغ عن الطريق السوي فأخص غيره بالحكم
~~وهو الذي أنزل هذا الكتاب المعجز الذي أفحمكم وألزمكم الحجة فكفى به
~~سبحانه حاكما بيني وبينكم بإنزال هذا الكتاب المفصل بالآيات البينات من
~~التوحيد والنبوة وغيرهما الذي أعجزكم عن آخركم، ويؤول هذا إلى أنه صلى
~~الله عليه وسلم أجابهم بالقول بالموجب لأنهم طعنوا في معجزاته فكبتهم على
~~أحسن وجه وضم إليه علم أهل الكتاب، وعلى هذا فكونه معجزا مأخوذ من كونه
~~مغنيا عما عداه في شأنه وشأن غيره على ما أشير إليه، وهذا له نوع قرب
~~مما ذكره الإمام وما أشار إليه من ارتباط الآية معنى بما تقدم من قوله
~~تعالى:

# وأقسموا بالله

# [الأنعام: 109] الخ لا يخلو عن حسن إلا أن دعوى خفاء دلالة النظم الكريم
~~على الإعجاز مما لا خفاء في صحتها عندي، ولم يظهر مما ذكر ما ما يزيل ذلك
~~الخفاء، وكون سوق الآية دليلا على ملاحظة ذلك غير ms02961 بعيد عن المأخذ الذي
~~سمعته فتدبر. ومن الناس من قال: يحتمل أن يراد بالكتاب التوراة أي إنه
~~تعالى حكم بيني وبينكم بما أنزل فيه مفصلا حيث أخبركم بنبوتي وفصل فيه
~~علاماتي وهو كما ترى، والحق ما تقدم.

# { والذين آتينهم الكتب يعلمون أنه منزل
~~من ربك بالحق } كلام مستأنف غير داخل تحت القول المقدر مسوق من
~~جهته تعالى لتحقيق حقية الكتاب الذي نيط بإنزاله أمر الحكمية وتقرير كونه
~~منزلا من عنده عز وجل، وليس المراد منه الاستدلال على ثبوت نبوته صلى
~~الله عليه وسلم كما يلوح من كلام الإمام، والمراد بالكتاب التوراة
~~والإنجيل، والتعبير عنهما بذلك للإيماء إلى ما بينهما وبين القرآن من
~~المجانسة المقتضية للاشتراك في الحقية والنزول من عنده تعالى مع ما فيه
~~من الايجاز، والمراد بالموصول إما علماء اليهود والنصارى وإما الفريقان
~~مطلقا والعلماء داخلون دخولا أوليا، والإيتاء على الأول التفهيم
~~بالفعل وعلى الثاني أعم منه ومن التفهيم بالقوة، وإيراد الطائفتين بعنوان
~~إيتاء الكتاب للإيذان بأنهم علموا ما علموا من جهة كتابهم، وقيل: المراد
~~بالموصول مؤمنو أهل الكتاب. وعن عطاء أن المراد بالكتاب القرآن وبالموصول
~~كبراء الصحابة وأهل بدر رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ولا يخفى أنه أبعد
~~من الثريا. والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة
~~والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم مع الإيذان بأن نزوله من آثار
~~الربوبية. و { من } لابتداء الغاية مجازا وهي متعلقة بمنزل، والباء
~~للملابسة وهي متعلقة بمحذوف وقع حالا من الضمير المستكن في { منزل
~~} أي متلبسا بالحق. وقرأ غالب السبعة { منزل } بالتخفيف من الإنزال.
~~والفرق بين أنزل ونزل قد أشرنا إليه فيما مر وأن الأول دفعي والثاني
~~تدريجي وأنه / أكثري، والقراءة بهما تدل على قطع النظر عن الفرق، وليس
~~إشارة إلى المعنيين باعتبار إنزاله إلى السماء الدنيا ثم إنزاله إلى
~~الأرض لأن إنزاله دفعة إلى السماء على ما قيل لا يعلمه أهل الكتاب.

# { فلا تكونن من الممترين } أي المترددين في أنهم يعلمون
~~ذلك لما لا يشاهد منهم آثار العلم وأحكام ms02962 المعرفة، فالفاء لترتيب النهي
~~على الإخبار بعلم أهل الكتاب أو في أنه منزل من ربك بالحق فليس المراد
~~حقيقة النهي له صلى الله عليه وسلم عن الامتراء في ذلك بل تهييجه وتحريضه
~~عليه الصلاة والسلام كقوله سبحانه:

# ولا تكونن من المشركين

# [الأنعام: 14] ويحتمل أن يكون الخطاب في الحقيقة للأمة على طريق التعريض
~~وإن كان له عليه الصلاة والسلام صورة، وأن يكون لكل أحد ممن يتصور منه
~~الامتراء بناء على ما تقرر أن أصل الخطاب أن يكون مع معين وقد يترك لغيره
~~كما في قوله سبحانه:

# ولو ترى إذ المجرمون

# [السجدة: 12] والفاء على هذه الأوجه لترتيب النهي على نفس علمهم بحال
~~القرآن.

### || [6.115]

# { وتمت كلمت ربك } شروع في بيان كمال القرآن من حيث ذاته
~~إثر بيان كماله من حيث إضافته إليه عز وجل بكونه منزلا منه سبحانه بالحق
~~وتحقيق ذلك بعلم أهل الكتابين به، «وتمام الشيء  كما قال الراغب 
~~انتهاؤه إلى حد لا يحتاج إلى شيء خارج عنه». والمراد بالكلمة الكلام
~~وأريد به  كما قال قتادة وغيره  القرآن، وإطلاقها عليه إما من باب
~~المجاز المرسل أو الاستعارة وعلاقتها تأبى أن تطلق الكلمة على الجملة غير
~~المفيدة وعلاقته لا لكن لم يوجد في كلامهم ذلك الإطلاق، واختير هذا
~~التعبير لما فيه من اللطافة التي لا تخفى على من دقق النظر. وقال البعض
~~لما أن الكلمة هي الأصل في الاتصاف بالصدق والعدل وبها تظهر الآثار من
~~الحكم. وعن أبي مسلم أن المراد بالكلمة دين الله تعالى كما في قوله
~~سبحانه:

# وكلمة الله هى العليا

# [التوبة: 40]. وقيل: المراد بها حجته عز وجل على خلقه والأول هو الظاهر.
~~وقرأ بالتوحيد عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب، وقرأ الباقون {
~~كلمت ربك }.

# { صدقا وعدلا } مصدران نصبا على الحال من { ربك } أو من {
~~كلمت } كما ذهب إليه أبو علي الفارسي. وجوز أبو البقاء نصبهما على
~~التمييز وعلى العلة؛ والصدق في الأخبار والمواعيد منها في المشهور والعدل
~~في الأقضية والأحكام { لا مبدل لكلمته } استئناف مبين
~~لفضلها على غيرها إثر ms02963 بيان فضلها في نفسها. وقال بعض المحققين: إنه
~~سبحانه لما أخبر بتمام كلمته وكان التمام يعقبه النقص غالبا كما قيل:

# إذا تم أمر بدا نقصه

# توقع زوالا إذا قيل تم

# ذكر هذا احتراسا وبيانا لأن تمامها ليس كتمام غيرها. وجوز أن يكون
~~حالا من فاعل { تمت } على أن الظاهر مغن عن الضمير الرابط. قال أبو
~~البقاء: ولا يجوز أن يكون حالا من ربك لئلا يفصل بين الحال وصاحبها
~~بأجنبي وهو { صدقا وعدلا } إلا أن يجعلا حالين منه أيضا.
~~والمعنى لا أحد يبدل شيئا من كلماته بما هو أصدق وأعدل منه ولا بما هو
~~مثله فكيف يتصور ابتغاء حكم غيره تعالى. والمراد بالأصدق الأبين والأظهر
~~صدقا فلا يرد أن الصدق لا يقبل الزيادة والنقص لأن النسبة إن طابقت
~~الواقع فصدق وإلا فكذب.

# وذكر الكرماني في حديث

# " أصدق الحديث "

# الخ أنه جعل الحديث كمتكلم فوصف به كما يقال زيد أصدق من غيره والمتكلم
~~يقبل الزيادة والنقص في ذلك، وقيل: المعنى لا يقدر أحد أن يحرفها شائعا
~~كما فعل بالتوراة فيكون هذا ضمانا منه سبحانه بالحفظ كقوله جل وعلا:

# إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون

# [الحجر: 9] أو لا نبي / ولا كتاب بعدها يبدلها وينسخ أحكامها.

# وعيسى عليه السلام يعمل بعد النزول بها لا ينسخ شيئا كما حقق في محله.
~~وقيل: المراد ان أحكام الله تعالى لا تقبل التبدل والزوال لأنها أزلية
~~والأزلي لا يزول. وزعم الإمام «أن الآية على هذا أحد الأصول القوية في
~~إثبات الجبر لأنه تعالى لما حكم على زيد بالسعادة وعلى عمرو بالشقاوة ثم
~~قال: { لا مبدل لكلمته } يلزم امتناع أن ينقلب السعيد شقيا
~~والشقي سعيدا فالسعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه» وأنا
~~أقول لا يخفى أن الشقي في العلم لا يكون سعيدا والسعيد فيه لا يكون
~~شقيا أصلا لأن العلم لا يتعلق إلا بما المعلوم عليه في نفسه وحكمه
~~سبحانه تابع لذلك العلم. وكذا إيجاده الأشياء على طبق ذلك العلم. ولا
~~يتصور ms02964 هناك جبر بوجه من الوجوه لأنه عز شأنه لم يفض على القوابل إلا ما
~~طلبته منه جل وعلا بلسان استعدادها كما يشير إليه قوله سبحانه:

# أعطى كل شىء خلقه

# [طه: 50] نعم يتصور الجبر لو طلبت القوابل شيئا وأفاض عليها عز شأنه
~~ضده والله سبحانه أجل وأعلى من ذلك.

# { وهو السميع } لكل ما يتعلق به السمع { العليم } بكل ما
~~يمكن أن يعلم فيدخل في ذلك أقوال المتحاكمين وأحوالهم الظاهرة والباطنة
~~دخولا أوليا.

### || [6.116]

# «ثم إنه تعالى  على ما ذكر الإمام  لما أجاب عن شبهات الكفار وبين
~~بالدليل صحة النبوة أرشد إلى أنه بعد زوال الشبهة وظهور الحجة لا ينبغي
~~أن يلتفت العاقل إلى كلمات الجهال فقال سبحانه»:

# { وإن تطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل
~~الله } وقال شيخ الإسلام: إنه لما تحقق اختصاصه تعالى بالحكمية
~~لاستقلاله بما يوجب ذلك من إنزال الكتاب [الكامل] الفاصل بين الحق
~~والباطل وتمام صدق كلامه وكمال عدله في أحكامه وامتناع وجود من يبدل
~~شيئا منها واستبداده سبحانه بالإحاطة التامة بجميع المسموعات والمعلومات
~~عقب ذلك ببيان أن الكفرة متصفون بنقائض تلك الكمالات من النقائص التي هي
~~الضلال والإضلال واتباع الظنون الفاسدة الناشىء من الجهل والكذب على الله
~~تعالى إبانة لكمال مباينة حالهم لما يرومونه وتحذيرا عن الركون إليهم
~~والعمل بآرائهم فقال سبحانه ما قال. ويحتمل أن يكون هذا من باب الإرشاد
~~إلى اتباع القرآن والتمسك به بعد بيان كماله على أكمل وجه خطاب له صلى
~~الله عليه وسلم ولأمته.

# وقيل: خوطب عليه الصلاة والسلام وأريد غيره. والمراد بمن في الأرض الناس
~~وبأكثرهم الكفار وقيل: ما يعمهم وغيرهم من الجهال واتباع الهوى. وقيل:
~~أهل مكة والأرض أرضها وأكثر أهلها كانوا حينئذ كفارا. ومن الناس من زعم
~~أن هذا نهى في المعنى عن متابعة غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذ هم
~~ والكرام قليل  أقل الناس عددا. وقد قال سبحانه:

# فبهداهم اقتده

# [الأنعام: 90] وهو كما ترى. ومثله احتمال أنه نهى عن متابعة غير الله
~~سبحانه لأنه لو أطيع أكثر ms02965 من في الأرض لأضلوا فضلا عن إطاعة قليل أو
~~واحد منهم. والمعنى إن تطع أحدا من الكفار بمخالفة ما شرع لك وأودعه
~~كلماته المنزلة من عنده إليك يضلوك عن الحق أو إن تطع الكفار بأن جعلت
~~منهم حكما يضلوك عن الطريق الموصل إليه أو عن الشريعة التي شرعها لعباده.

# { إن يتبعون } أي ما يتبعون فيما هم عليه من الشرك والضلال {
~~إلا الظن } وإن الظن فيما يتعلق بالله تعالى لا يغني من الحق
~~شيئا ولا يكفي هناك إلا العلم وأنى لهم به، وهذا بخلاف سائر الأحكام
~~وأسبابها مثلا فإنه لا يشترط فيها العلم وإلا لفات معظم المصالح
~~الدنيوية والأخروية، «والفرق بينهما  على ما قاله العز بن عبد السلام في
~~/ «قواعده الكبرى»  أن الظان مجوز لخلاف مظنونه فإذا ظن صفة من صفات
~~الإله عز شأنه فإنه يجوز نقيضها وهو نقص ولا يجوز [تجويز] النقص عليه
~~سبحانه [لأن الظن لا يمنع من تجويز نقيض المظنون] بخلاف الأحكام فإنه لو
~~ظن الحلال حراما أو الحرام حلالا لم يكن في ذلك تجويز نقص على الرب جل
~~شأنه لأنه سبحانه لو أحل الحرام وحرم الحلال لم يكن ذلك نقصا عليه عز
~~وجل فدار تجويزه بين أمرين كل [واحد] منهما كمال بخلاف الصفات».

# وقال غير واحد: المراد ما يتبعون إلا ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق
~~وجهالاتهم وآراءهم الباطلة، ويراد من الظن ما يقابل العلم أي الجهل فليس
~~في الآية دليل على عدم جواز العمل بالظن مطلقا فلا متمسك لنفاة القياس
~~بها، والإمام بعد أن قرر وجه استدلالهم قال: «والجواب لم لا يجوز أن
~~يقال: الظن عبارة عن الاعتقاد الراجح إذا لم يستند إلى أمارة وهو مثل
~~(ظن) الكفار أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستندا إليها فلا يسمى ظنا»
~~وهو كما ترى.

# { وإن هم } أي وما هم { إلا يخرصون } أي يكذبون. وأصل
~~الخرص القول بالظن وقول من لا يستيقن ويتحقق كما قال الأزهري، ومنه خرص
~~النخل خرصا بفتح الخاء وهي خرص بالكسر أي مخروصة، والمراد أن شأن ms02966 هؤلاء
~~الكذب وهم مستمرون على تجدده منهم مرة بعد مرة مع ما هم عليه من اتباع
~~الظن في شأن خالقهم عز شأنه وقال الإمام: «المراد أن هؤلاء الكفار الذين
~~ينازعونك في دينك ومذهبك غير قاطعين بصحة مذاهبهم بل لا يتبعون إلا الظن
~~وهم خراصون كاذبون في ادعاء القطع»؛ ولا يخفى بعد تقييد الكذب بادعاء
~~القطع. وقال غير واحد: المراد أنهم يكذبون على الله تعالى فيما ينسبون
~~إليه جل شأنه كاتخاذ الولد وجعل عبادة الأوثان ذريعة إليه سبحانه وتحليل
~~الميتة و [تحريم] البحائر ونظير ذلك. ولعل ما ذهبنا إليه أولى وأبلغ في
~~الذم، ويحتمل أن يكون المراد أن هؤلاء الكفار يتبعون في أمور دينهم ظن
~~أسلافهم وأن شأنهم أنفسهم الظن أيضا، وحاصل ذلك ذمهم بفسادهم وفساد
~~أصولهم إلا أن ذلك بعيد جدا.

### || [6.117]

# { إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو
~~أعلم بالمهتدين } تقرير  كما قال بعض المحققين  لمضمون
~~الشرطية وما بعدها وتأكيد لما يفيده من التحذير أي هو أعلم بالفريقين
~~فاحذر أن تكون من الأولين. و { من } موصولة أو موصوفة في محل النصب على
~~المفعولية بفعل دل عليه { أعلم }  كما ذهب إليه الفارسي  أي يعلم
~~لا به فإن أفعل لا ينصب الظاهر فيما إذا أريد به التفضيل على الصحيح
~~خلافا لبعض الكوفيين لأنه ضعيف لا يعمل عمل فعله، وإذا جرد لمعنى اسم
~~الفاعل، فمنهم من جوز نصبه كما صرح به في «التسهيل»، وحينئذ يؤتى بمفعوله
~~مجرورا بالباء أو اللام. ومن الناس من ادعى أن الباء هنا مقدرة ليتطابق
~~طرفا الآية. ولا يجوز أن يكون أفعل مضافا إلى (من) لفساد المعنى.

# وجوز أن تكون استفهامية مبتدأ والخبر { يضل } والجملة معلق عنها
~~الفعل المقدر، وإلى هذا ذهب الزجاج. ولا يخفى ما في التعبير في جانب
~~الفريق الأول بما عبر به وفي جانب الفريق الثاني بالمهتدين مع عدم بيان
~~ما اهتدوا إليه من الاعتناء بشأن الآخرين ومزيد التفرقة بينهم وبين
~~الأولين. وقرىء { من يضل } بضم الياء على أن «من» مفعول لما أشير ms02967 إليه من
~~الفعل المقدر وفاعل { يضل } ضمير راجع إليه ومفعوله محذوف أي يعلم من
~~يضل الناس فيكون تأكيدا للتحذير عن طاعة الكفرة، وجوز أن تكون مجرورة
~~بالإضافة أي أعلم المضلين / من قوله تعالى:

# من يضلل الله

# [الأعراف: 186] أو من قولك: أضللته إذا وجدته ضالا كأحمدته إذا وجدته
~~محمودا، وأن تكون استفهامية معلقا عنها الفعل أيضا، وأن يكون فاعل {
~~يضل } ضمير الله تعالى، و (من) منصوبة بما ذكر من الفعل المقدر أن
~~يعلم من يضله الله تعالى، قيل: وكان الظاهر أن يقال: بالمهديين. وكأنه
~~وجه العدول عنه الإشارة إلى أن الهداية صفة سابقة ثابتة لهم في أنفسهم
~~كأنها غير محتاجة إلى جعل لقوله عليه الصلاة والسلام

# " كل مولود يولد على الفطرة "

# بخلاف الضلال فإنه أمر طارىء أوجده فيهم فتأمل. والتفضيل في العلم إما
~~بالنظر إلى المعلومات فإنها غير متناهية أو إلى وجوه العلم التي يمكن
~~تعلقه بها، وإما باعتبار الكيفية وهي لزوم العلم له سبحانه أو كونه
~~بالذات لا بالغير.

### || [6.118]

# { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } أمر مترتب على
~~النهي عن اتباع المضلين الذين من جملة إضلالهم تحليل الحرام وتحريم
~~الحلال، فقد ذكر الواحدي أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا
~~ماتت من قبلها فقال عليه الصلاة والسلام: الله تعالى قتلها قالوا: فتزعم
~~أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتل الصقر والكلب حلال وما قتله الله
~~تعالى حرام فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال عكرمة: إن المجوس من أهل
~~فارس لما أنزل الله تعالى تحريم الميتة كتبوا إلى مشركي قريش وكانوا
~~أولياءهم في الجاهلية وكانت بينهم مكاتبة أن محمدا عليه الصلاة والسلام
~~وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله تعالى ثم يزعمون أن ما ذبحوا فهو
~~حلال وما ذبح الله تعالى فهو حرام فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك
~~شيء فأنزل سبحانه الآية وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه وجماعة عن ابن
~~عباس رضي الله عنهما قال: جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم
~~فقالوا: أنأكل ms02968 مما قتلنا ولا نأكل مما يقتل الله تعالى فأنزل الله تعالى
~~الآية، والمعنى على ما ذهب إليه غير واحد: كلوا مما ذكر اسم الله تعالى
~~على ذبحه لا مما ذكر عليه اسم غيره خاصة أو مع اسمه عز اسمه أو مات حتف
~~أنفه، والحصر  كما قيل  مستفاد من عدم اتباع المضلين ومن الشرط ولولا
~~ذلك لكان هذا الكلام متعرضا لما لا يحتاج إليه ساكتا عما يحتاج إليه،
~~وادعى بعضهم أن لا حصر واستفادة عدم حل ما مات حتف أنفه من صريح النظم
~~أعني قوله تعالى: { ولا تأكلوا مما } الخ وهو مخالف لما عليه
~~الجمهور.

# { إن كنتم بآيته } التي من جملتها الآيات الواردة في هذا الشأن
~~{ مؤمنين } فإن الإيمان بها يقتضي استباحة ما أحل الله تعالى
~~واجتناب ما حرم، وقيل: المعنى إن صرتم عالمين حقائق الأمور التي هذا
~~الأمر من جملتها بسبب إيمانكم، وقيل: المراد إن كنتم متصفين بالإيمان
~~وعلى يقين منه فإن التصديق يختلف ظنا وتقليدا وتحقيقا، والجار
~~والمجرور متعلق بما بعده وقدم رعاية للفواصل؛ وجواب الشرط محذوف لدلالة
~~ما قبله عليه.

### || [6.119]

# { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله
~~عليه } إنكار لأن يكون لهم شيء يدعوهم إلى الاجتناب عن أكل ما ذكر
~~اسم الله تعالى عليه، فما للاستفهام الإنكاري وليست نافية كما قيل وهي
~~مبتدأ و { لكم } الخبر وأن تأكلوا بتقدير حرف الجر أي في أن تأكلوا،
~~والخلاف في محل المنسبك بعد الحذف مشهور. وجوز أن يكون ذلك حالا، ورد بأن
~~المصدر المؤول من أن والفعل لا يقع حالا كما صرح به سيبويه لأنه معرفة
~~ولأنه مصدر بعلامة حرف الاستقبال المنافية للحالية إلا أن يؤول بنكرة أو
~~يقدر مضاف أي / ذوي أن لا تأكلوا ومفعول { تأكلوا } كما قال أبو
~~البقاء: محذوف أي شيئا مما الخ، قيل: وظاهر الآية مشعر بأنه يجوز الأكل
~~مما ذكر اسم الله تعالى عليه وغيره معا وليست من التبعيضية لإخراجه بل
~~لإخراج ما لم يؤكل كالروث والدم وهو خارج بالحصر السابق فلا تغفل، وسبب ms02969
~~نزول الآية  على ما قاله الإمام أبو منصور  أن المسلمين كانوا يتحرجون
~~من أكل الطيبات تقشفا ونزهدا فنزلت.

# { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } بقوله تعالى:

# قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما

# [الأنعام: 145] الآية فبقي ما عدا ذلك على الحل، وقيل بقوله تعالى:

# حرمت عليكم الميتة والدم

# [المائدة: 3] واعترضه الإمام بأن سورة المائدة من أواخر ما نزل بالمدينة
~~وهذه مكية كما علمت فلا يتأتى ذلك وأما التأخر في التلاوة فلا يوجب
~~التأخر في النزول فلا يضر تأخر { قل لا أجد } الخ عن هذه الآية في
~~هذه السورة، وقيل: التفصيل بوحي غير متلو، والجملة حالية مؤكدة للإنكار
~~السابق. وقرأ أهل الكوفة غير حفص «فصل... ما حرم» ببناء الأول للفاعل
~~والثاني للمفعول. وقرأ أهل المدينة وحفص ويعقوب وسهل «فصل» «وحرم» كليهما
~~بالبناء للفاعل. وقرأهما الباقون بالبناء للمفعول.

# { إلا ما اضطررتم إليه } أي دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب
~~شدة المجاعة، وظاهر تقرير الزمخشري  كما قال العلامة الثاني  يقتضي أن
~~(ما) موصولة فلا يستقيم غير جعل الاستثناء منقطعا أي لكن الذي اضطررتم
~~إلى أكله مما هو حرام عليكم حلال لكم حال الضرورة، وجوز عليه الرحمة جعله
~~استثناء من ضمير «حرم» و (ما) مصدرية في معنى المدة أي فصل لكم الأشياء
~~التي حرمت عليكم إلا وقت الاضطرار إليها، واعترض بأنه لا يصح حينئذ
~~الاستثناء من الضمير بل هو استثناء مفرغ من الظرف العام المقدر كأنه قيل:
~~حرمت عليكم كل وقت إلا وقت الخ، ومن الناس من أورد هنا شيئا لا أظنه مما
~~يضطر إليه حيث قال بعد كلام: والمهم في هذا المقام بيان فائدة { إلا
~~ما اضطررتم } ، وقد أعني عنه قوله سبحانه: { وقد فصل لكم
~~ما حرم عليكم } لأن تفصيل ما حرم يتضمن قوله تعالى: { إلا
~~ما اضطررتم إليه } وكأن الفائدة فيه والله تعالى أعلم
~~المبالغة في النهي عن الامتناع عن الأكل بأن ما حرم يصير مما لا يؤكل
~~بخلاف ما حل فإنه لا يصير مما لا يؤكل فكيف يجتنب عما يؤكل فتأمل.

# { وإن ms02970 كثيرا } من الكفار { ليضلون } الناس بتحريم الحلال
~~وتحليل الحرام كعمرو بن لحي وأضرابه الذين اتخذوا البحائر والسوائب
~~وأحلوا أكل الميتة، وعن الزجاج إن المراد بهذا الكثير الذين ناظروا في
~~الميتة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب { ليضلون } بفتح الياء {
~~بأهوائهم } الزائغة وشهواتهم الباطلة { بغير علم } مقتبس من
~~الشريعة مستند إلى الوحي أو بغير علم أصلا  كما قيل  وذكر ذلك للإيذان
~~بأن ما هم عليه محض هوى وشهوة، وجوز أن يكون من قبيل قوله تعالى:

# ويقتلون الأنبياء بغير حق

# [آل عمران: 112].

# { إن ربك هو أعلم بالمعتدين } المتجاوزين [لحدود]
~~الحق إلى الباطل والحلال إلى الحرام فيجازيهم على ذلك، ولعل المراد بهم
~~هذا الكثير، ووضع الظاهر موضع ضميرهم لوسمهم بصفة الاعتداء.

### || [6.120]

# { وذروا ظهر الإثم وباطنه } أي ما يعلن وما يسر كما
~~قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس أو ما بالجوارح وما بالقلب  كما قاله
~~الجبائي  أو نكاح ما نكح الآباء ونحوه والزنا بالأجنبيات كما روي عن ابن
~~جبير أو الزنا في الحوانيت واتخاذ الأخدان كما / روى عن الضحاك والسدي
~~وقد روي أن أهل الجاهلية كانوا يرون أن الزنا إذا ظهر كان إثما وإذا
~~استسر به صاحبه فلا إثم فيه. قال الطيبي: وهو على هذا الوجه مقصود بالعطف
~~مسبب عن عدم الاتباع، وعلى الأول معترض توكيدا لقوله سبحانه:

# فكلوا

# [الأنعام: 118] أولا و

# ولا تأكلوا

# [الأنعام: 121] ثانيا وهو الوجه، ولعل الأمر على الوجه الذي قبله مثله.
~~{ إن الذين يكسبون الإثم } أي يعملون المعاصي التي فيها
~~الإثم ويرتكبون القبائح الظاهرة أو الباطنة { سيجزون بما
~~كانوا يقترفون } أي يكسبون من الإثم كائنا ما كان فلا بد من
~~اجتناب ذلك، والجملة تعليل للأمر.

### || [6.121]

# { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } أي
~~من الحيوان كما هو المتبادر، والآية ظاهرة في تحريم متروك التسمية، عمدا
~~كان أو نسيانا، وإليه ذهب داود. وعن أحمد والحسن وابن سيرين والجبائي
~~مثله، وقال الشافعي بخلافه لما رواه أبو داود وعبد بن حميد عن راشد بن
~~سعد مرسلا «ذبيحة المسلم حلال ذكر ms02971 اسم الله تعالى أو لم يذكر». وعن مالك
~~وهي الرواية المعول عليها عند أئمة مذهبه أن متروك التسمية عمدا لا يؤكل
~~سواء كان تهاونا أو غير تهاون، ولأشهب قول شاذ بجواز غير المتهاون في
~~ترك التسمية عليه. وزعم بعضهم أن مذهب مالك كمذهب الشافعي، وآخرون أنه
~~كمذهب داود ومن معه، وما ذكرناه هو الموجود في «كتب المالكية» وأهل مكة
~~أدرى بشعابها. ومذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه التفرقة بين العمد
~~والنسيان كالصحيح من مذهب مالك، قال العلامة الثاني: إن الناسي على مذهب
~~الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه ليس بتارك للتسمية بل هي في قلبه على
~~ما روي

# " أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن متروك التسمية ناسيا فقال عليه الصلاة
~~والسلام: " كلوه فإن تسمية الله تعالى في قلب كل مسلم "

# ولم يلحق به العامد إما لامتناع تخصيص الكتاب بالقياس وإن كان منصوص
~~العلة، وإما لأنه ترك التسمية عمدا فكأنه نفى ما في قلبه، واعترض بأن
~~تخصيص العام الذي خص منه البعض جائز بالقياس المنصوص العلة وفاقا وبأنا
~~لا نسلم أن التارك عمدا بمنزلة النافي لما في قلبه بل ربما يكون لوثوقه
~~بذلك وعدم افتقاره لذكره، ثم قال: فذهبوا إلى أن الناسي خارج بقوله
~~تعالى: { وإنه لفسق } إذ الضمير عائد إلى المصدر المأخوذ من
~~مضمون { لم يذكر اسم الله عليه } وهو الترك لكونه الأقرب،
~~ومعلوم أن الترك نسيانا ليس بفسق لعدم تكليف الناسي والمؤاخذة عليه
~~فيتعين العمد. واعترض ما ذكر بأن كون ذلك فسقا لا سيما على وجه التحقيق
~~والتأكيد خلاف الظاهر ولم يذهب إليه أحد ولا يلائم قوله تعالى:

# أو فسقا أهل لغير الله به

# [الأنعام: 145] مع أن القرآن يفسر بعضه بعضا سيما في حكم واحد وبأن ما
~~لم يذكر اسم الله عليه يتناول الميتة مع القطع بأن ترك التسيمة عليها ليس
~~بفسق، وبعضهم أرجع الضمير إلى (ما) بمعنى الذبيحة وجعلها عين الفسق على
~~سبيل المبالغة لكن لا بد من ملاحظة كونها متروكة التسمية عمدا إذ لا فسق ms02972
~~في النسيان وحينئذ لا يصح الحمل أيضا ومما تقدم يعلم ما فيه.

# وذكر العلامة للشافعي في دعوى حل متروك التسمية عمدا أو نسيانا وحرمة
~~ما ذبح على النصب أو مات حتف أنفه وجوها الأول أن التسمية على ذكر
~~المؤمن وفي قلبه ما دام مؤمنا فلا يتحقق منه عدم الذكر فلا يحرم من
~~ذبيحته إلا ما أهل به لغير الله تعالى.

# / الثاني: أن قوله سبحانه: { وإنه لفسق } على وجه التحقيق
~~والتأكيد لا يصح في حق أكل ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه عمدا كان أو
~~سهوا إذ لا فسق بفعل ما هو محل الاجتهاد. الثالث: أن هذه الجملة في موقع
~~الحال إذ لا يحسن عطف الخبر على الإنشاء، وقد بين الفسق بقوله عز شأنه: {
~~أهل لغير الله به } فيكون النهي عن الأكل مقيد بكون ما لم
~~يذكر اسم الله تعالى عليه قد أهل به لغير الله تعالى فيحل ما ليس كذلك
~~إما بطريق مفهوم المخالفة وإما بحكم الأصل، وإما بالعمومات الواردة في حل
~~الأطعمة. وهذا خلاصة ما ذكره الإمام في مجلس تذكير عقده له سلطان خوارزم
~~فيها بمحضر منه ومن جلة الأئمة الحنفية. وعليه لا حاجة للشافعية إلى دليل
~~خارجي في تخصيص الآية. واعترض بأنه يقتضي أن لا يتناول النهي أكل الميتة
~~مع أنه سبب النزول، وبأن التأكيد بإن. واللام ينفي كون الجملة حالية لأنه
~~إنما يحسن فيما قصد الإعلام بتحققه البتة والرد على منكر تحقيقا أو
~~تقديرا على ما بين في علم المعاني والحال الواقع في الأمر والنهي مبناه
~~على التقدير كأنه قيل: لا تأكلوا منه إن كان فسقا فلا يحسن وإنه لفسق بل
~~وهو فسق. ومن هنا ذهب كثير إلى أن الجملة مستأنفة.

# وأجيب عن الأول بأنه دخل في قوله تعالى: { وإنه لفسق } ما أهل
~~به لغير الله وبقوله جل شأنه: { وإن الشيطين } الخ الميتة
~~فيتحقق قولهم: إن النهي مخصوص بما أهل به لغير الله تعالى أو مات حتف
~~أنفه. وأجاب العلامة عن الثاني بأنه لما كان المراد ms02973 بالفسق ههنا الإهلال
~~لغير الله تعالى كان التأكيد مناسبا كأنه قيل: لا تأكلوا منه إذا كان
~~هذا النوع من الفسق الذي الحكم به متحقق والمشركون ينكرونه، ومنهم من
~~تأول الآية بالميتة لأن الجدال فيها كما ستعلم قريبا إن شاء الله تعالى.
~~واستظهر رجوع الضمير إلى الأكل الذي دل عليه { ولا تأكلوا } والذي
~~يلوح من كلام بعض المحققين أن ما لم يذكر اسم الله عليه عام لما أهل به
~~لغير الله تعالى ولمتروك التسمية عمدا أو سهوا ولما مات حتف أنفه لأنه
~~سبب نزول الآية. والتحقيق أن العام الظاهر متى ورد على سبب خاص كان نصا
~~في السبب ظاهرا باقيا على ظهوره فيما عداه. وأنه لا بد لمبيح منسي
~~التسمية من مخصص وهو الخبر المشتمل على السؤال والجواب وادعى أن هذا عند
~~التحقيق ليس بتخصيص بل منع لاندراج المنسي في العموم مستند بالحديث
~~المذكور.

# ويؤيد بأن العام الوارد على سبب خاص وإن قوي تناوله للسبب حتى ينتهض
~~الظاهر فيه نصا إلا أنه ضعيف التناول لما عداه حتى ينحط عن أعالي
~~الظواهر فيه ويكتفي من معارضة ما لا يكتفي به منه لولا السبب انتهى. ولا
~~يخفى ما فيه لمن أحاط خبرا بما ذكره العلامة قبل.

# وذكر كثير من أصحابنا أن قول الشافعي عليه الرحمة مخالف للإجماع إذ لا
~~خلاف فيمن كان قبله في حرمة متروك التسمية عامدا وإنما الخلاف بينهم في
~~متروكها ناسيا فمذهب ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه يحرم ومذهب علي
~~كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله عنهما أنه يحل ولم يختلفوا في
~~حرمة متروك التسمية عامدا ولهذا قال أبو يوسف والمشايخ رحمهم الله
~~تعالى: إن متروك التسمية عامدا لا يسع فيه الاجتهاد ولو قضى القاضي
~~بجواز بيعه لا ينفذ لكونه مخالفا للإجماع وإن ظاهر الآية يقتضي شمولها
~~لمتروك التسمية نسيانا إلا أن الشرع جعل الناسي ذاكرا لعذر من جهته وفي
~~ذلك رفع للحرج فإن الإنسان كثير النسيان. وقول بعض الشافعية عليهم
~~الرحمة: إن التسمية لو كانت ms02974 شرطا للحل لما سقط بعذر النسيان كالطهارة في
~~/ باب الصلاة مفض إلى التسوية بين العمد والنسيان، وهي معهودة فيما إذا
~~كان على الناسي هيئة مذكرة كالأكل في الصلاة والجماع في الإحرام لا فيما
~~إذا لم يكن كالأكل في الصيام، وهنا إن لم تكن هيئة توجب النسيان وهي ما
~~يحصل للذابح عند زهوق روح حيوان من تغير الحال فليس هيئة مذكرة بموجودة.

# والحق عندي أن المسألة اجتهادية وثبوت الإجماع غير مسلم ولو كان ما كان
~~خرقه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، واستدلاله على مدعاه على ما سمعت
~~لا يخلو عن متانة، وقول الأصفهاني كما في «المستصفى» أفحش الشافعي حيث
~~خالف سبع آيات من القرآن  ثلاث منها في سورة الأنعام، الأولى: [118]

# فكلوا مما ذكر اسم الله عليه

# والثانية: [119]

# وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه

# والثالثة: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله
~~عليه } وثلاث في سورة الحج، الأولى: [82]

# ليشهدوا منفع لهم ويذكروا اسم الله فى
~~أيام معلومت على ما رزقهم من بهيمة
~~الأنعام

# والثانية: [43]

# ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله

# والثالثة: [63]

# والبدن جعلنها لكم من شعئر الله لكم فيها
~~خير فاذكروا اسم الله عليها صواف

# وآية [4] في المائدة

# فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله
~~عليه

#  من الفحش في حق هذا الإمام القرشي، ومثاره عدم الوقوف على فضله وسعة
~~علمه ودقة نظره، وبالجملة الكلام في الآية واسع المجال وبها استدل كل من
~~أصحاب هاتيك الأقوال. وعن عطاء وطاوس أنهما استدلا بظاهرها على أن متروك
~~التسمية حيوانا كان أو غيره حرام، وسبب النزول يؤيد خلاف ذلك كما علمت
~~والاحتياط لا يخفى.

# { وإن الشيطين } أي إبليس وجنوده { ليوحون } أي يوسوسون
~~{ إلى أوليائهم } الذين اتبعوهم من المشركين قاله ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما، وقيل: المراد بالشياطين مردة المجوس فإيحاؤهم إلى
~~أوليائهم ما أنهوا إلى قريش حسبما حكيناه عن عكرمة { ليجدلوكم }
~~أي بالوساوس الشيطانية أو بما نقل من أباطيل المجوس { وإن
~~أطعتموهم } في استحلال الحرام { إنكم لمشركون } ضرورة
~~أن من ترك ms02975 طاعة الله تعالى إلى طاعة غيره واستحل الحرام واتبعه في دينه
~~فقد أشركه به تعالى بل آثره عليه سبحانه.

# ونقل الإمام عن الكعبي أنه قال: «الآية حجة على أن الإيمان اسم لجميع
~~الطاعات وإن كان معناه في اللغة التصديق كما جعل تعالى الشرك اسما لكل
~~ما كان مخالفا لله عز وجل وإن كان في اللة مختصا بمن يعتقد أن لله
~~تعالى شأنه شريكا بدليل أنه سبحانه سم طاعة المؤمنين للمشركين في إباحة
~~الميتة شركا، ثم قال: ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من
~~الشرك ههنا اعتقاد أن لله تعالى شريكا في الحكم والتكليف؟ وبهذا
~~التقدير يرجع معنى هذا الشرك إلى الاعتقاد فقط» انتهى.

# والظاهر أن التعبير عن هذه الإطاعة بالشرك من باب التغليظ ونظائره كثيرة
~~والكلام هنا كما قال أبو حيان وغيره على تقدير القسم وحذف لام التوطئة أي
~~ولئن أطعتموهم والله أنكم لمشركون وحذف جواب الشرط لسد جواب القسم مسده.
~~وجعل أبو البقاء  وتبعه بعضهم  المذكور جواب الشرط ولا قسم وادعى أن
~~حذف الفاء منه حسن إذا كان الشرط بلفظ الماضي كما هنا واعترض بأن هذا لم
~~يوجد في كتب العربية بل اتفق الكل على وجوب الفاء في الجملة الاسمية ولم
~~يجوزوا تركها إلا في ضرورة الشعر وفيه أن المبرد أجاز ذلك في الاختيار
~~كما ذكره المرادي في «شرح التسهيل».

### || [6.122]

# / { أو من كان ميتا فأحيينه } تمثيل مسوق لتنفير
~~المسلمين عن طاعة المشركين إثر تحذيرهم عنها بالإشارة إلى أنهم مستضيئون
~~بأنوار الوحي الإلهي والمشركون غارقون في ظلمات الكفر والطغيان فكيف
~~يعقل طاعتهم له، فالآية  كما قال الطيبي  متصلة بقوله سبحانه،

# وإن أطعتموهم

# [الأنعام: 121] والهمزة للإنكار. والواو  كما قال غير واحد  لعطف
~~الجملة الاسمية على مثلها الذي يدل عليه الكلام أي أأنتم مثلهم ومن كان
~~ميتا فاعطيناه الحياة { وجعلنا له } مع ذلك من الخارج { نورا }
~~عظيما { يمشي به } أي بسببه { فى الناس } أي فيما بينهم آمنا
~~من جهتهم، والجملة إما استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام ms02976 كأنه قيل:
~~فماذا يصنع بذلك النور؟ فقيل: يمشي الخ أو صفة له. و (من) اسم موصول
~~مبتدأ وما بعده صلته والخبر متعلق الجار والمجرور في قوله تعالى: { كمن
~~مثله } أي صفته العجيبة. و (من) فيه اسم موصول أيضا و { مثله }
~~مبتدأ.

# وقوله سبحانه: { فى الظلمت } خبر هو محذوف. وقوله سبحانه: {
~~ليس بخارج منها } في موضع الحال من المستكن في الظرف، وهذه
~~الجملة خبر المبتدأ أعني مثله على سبيل الحكاية بمعنى إذا وصف يقال له
~~ذلك، وجملة { مثله } مع خبره صلة الموصول. وإن شئت جعلت (من) في الموضعين
~~نكرة موصوفة ولم يجوز أن يكون { فى الظلمت } خبرا عن { مثله }
~~لأن الظلمات ليس ظرفا للمثل. وظاهر كلام بعضهم كأبي البقاء أن { فى
~~الظلمت } هو الخبر وليس هناك هو مقدرا، ولا يلزم  كما نص عليه
~~بعض المحققين  حديث الظرفية لأن المراد أن مثله هو كونه في الظلمات
~~والمقصود الحكاية؛ نعم ما ذكر أولا أولى لأن خبر { مثله } لا يكون إلا
~~جملة تامة والظرف بغير فاعل ظاهر لا يؤدي مؤدى ذلك. وجوز كون جملة {
~~ليس بخارج } حالا من الهاء في { مثله } ومنعه أبو البقاء للفصل،
~~قيل: ولضعف مجيء الحال من المضاف إليه وقرأ نافع ويعقوب { ميتا }
~~بالتشديد وهو أصل للمخفف والمحذوف من اليائين الثانية المنقلبة عن الواو
~~أعلت بالحذف كما أعلت بالقلب ولا فرق بينهما عند الجمهور.

# «ثم إن هذا الأخير  كما قال شيخ الإسلام  مثل أريد به من بقي في
~~الضلالة بحيث لا يفارقها أصلا كما أن الأول مثل أريد به من خلقه الله
~~تعالى على فطرة الإسلام وهداه بالآيات البينات إلى طريق الحق يسلكه كيف
~~شاء لكن لا على أن يدل على كل واحد من هذه المعاني بما يليق به من
~~الألفاظ الواردة في المثلين بواسطة تشبيهه بما يناسبه من معانيها فإن
~~ألفاظ المثل باقية على معانيها الأصلية بل على أنه قد انتزعت من الأمور
~~المتعددة المعتبرة في كل واحد من جانب المثلين هيئة على حدة ومن الأمور
~~المتعددة المذكورة في كل ms02977 واحد من جانب المثلين هيئة على حدة فشبهت بهما
~~الأولتان ونزلتا منزلتهما فاستعمل فيهما ما يدل على الأخيرتين بضرب من
~~التجوز» إلى آخر ما قال، ونص القطب الرازي على أنهما تمثيلان لا
~~استعارتان، ورد  كما قال الشهاب  بأن الظاهر بأن من كان ميتا ومن مثله
~~في الظلمات من قبيل الاستعارة التمثيلية إذ لا ذكر للمشبه صريحا ولا
~~دلالة بحيث ينافي الاستعارة والاستعارة الأولى بجملتها مشبهة والثانية
~~مشبه به وهذا كما تقول في الاستعارة الإفرادية أيكون الأسد كالثعلب؟ أي
~~الشجاع كالجبان وهو من بديع المعاني الذي ينبغي أن يتنبه له ويحفظ.

# والتفسير المأثور عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالميت الكافر
~~الضال وبالإحياء الهداية وبالنور القرآن وبالظلمات الكفر والضلالة،
~~والآية على ما أخرج أبو الشيخ عنه نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه /
~~وهو المراد بمن أحياه الله تعالى وهداه، وأبي جهل بن هشام لعنه الله
~~تعالى وهو المراد بمن مثله في الظلمات ليس بخارج، وروي عن زيد بن أسلم
~~مثل ذلك. وفي رواية عن ابن عباس أنها في حمزة وأبي جهل، وعن عكرمة أنها
~~في عمار بن ياسر وأبي جهل، وأيا ما كان فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص
~~السبب فيدخل في ذلك كل من انقاد لأمر الله تعالى ومن بقى على ضلاله
~~وعتوه.

# { كذلك } إشارة إلى التزيين المذكور على طرز ما قرر في أمثاله أو
~~إشارة إلى إحياء الشياطين إلى أوليائهم أو إلى تزيين الإيمان للمؤمنين {
~~زين } من جهته تعالى خلقا أو من جهة الشياطين وسوسة {
~~للكفرين } كأبي جهل وأضرابه { ما كانوا يعملون } أي ما
~~استمروا على عمله من فنون الكفر والمعاصي التي من جملتها ما حكى عنهم من
~~القبائح.

### || [6.123]

# { وكذلك } قيل أي كما جعلنا في مكة أكابر مجرميها ليمكروا فيها {
~~جعلنا في كل قرية } من سائر القرى { أكبر مجرميها
~~ليمكروا فيها } أو كما جعلنا أعمال أهل مكة مزينة لهم جعلنا في
~~كل قرية إلخ، وإلى الاحتمالين ذهب الإمام الرازي. وجعل غير واحد جعل
~~بمعنى صير ms02978 المتعدية لمفعولين. واختلف في تعيينهما فقيل: { في كل
~~قرية } مفعول ثان، و { أكبر مجرميها } بالإضافة هو الأول،
~~وقيل: { أكبر } مفعول ثان و { مجرميها } مفعول أول لأنه معرفة
~~فيتعين أنه المبتدأ بحسب الأصل، والتقدير جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر
~~فيتعلق الجار والمجرور بالفعل.

# واعترض أبو حيان كون { مجرميها } بدلا من { أكبر } أو
~~مفعولا بأنه خطأ وذهول عن قاعدة نحوية وهي أن أفعل التفضيل يلزم إفراده
~~وتذكيره إذا كان بمن ظاهرة أو مقدرة أو مضافا إلى نكرة سواء كان لمفرد
~~مذكر أو لغيره فإن طابق ما هو له تأنيثا وجمعا وتثنية لزمه أحد
~~الأمرين: إما الألف واللام أو الإضافة إلى معرفة و { أكبر } في
~~التخريجين باق على الجمعية وهو غير معرف بأل ولا مضاف لمعرفة وذلك لا
~~يجوز. وتعقبه الشهاب فقال: إنه غير وارد لأن أكابر وأصاغر أجري مجرى
~~الأسماء لكونه بمعنى الرؤساء  كما نص عليه راغب  وما ذكره إنما هو إذا
~~بقي على معناه الأصلي. ويؤيده قول ابن عطية: أنه يقال أكابرة كما يقال
~~أحمر وأحامرة كما قال:

# إن الأحامرة الثلاث تعولت

# وإن رده أبو حيان بأنه لم يعلم أن أحدا من أهل اللغة والنحو أجاز في
~~جمع أفضل أفاضلة وفيه نظر. وأما الجواب بأنه على حذف المضاف المعرفة
~~للعلم به أي أكابر الناس أو أكابر أهل القرية فلا يخفى ضعفه اه. وظاهر
~~كلام الزمخشري أن الظرف لغو و { أكبر } أول المفعولين مضاف
~~لمجرميها و { ليمكروا } المفعول الثاني.

# وجوز بعضهم كون جعل متعديا لواحد على أن المراد بالجعل التمكين بمعنى
~~الإقرار في المكان والإسكان فيه ومفعوله { أكبر مجرميها }
~~بالإضافة، ويفهم من كلام البعض أن احتمال الإضافة لا يجري إلا على تفسير
~~جعلناهم بمكناهم ولا يخلو ذلك عن دغدغة. وقال العلامة الثاني بعد سرد عدة
~~من الأقوال: والذي يقتضيه النظر الصائب أن { في كل قرية } لغو و {
~~أكبر مجرميها } مفعول أول و { ليمكروا } هو الثاني؛ ولا
~~يخفى حسنه بيد أنه مبني على جعل الإشارة لأحد الأمرين اللذين أشير فيما
~~سبق إليهما. ms02979 وناقش في ذلك شيخ الإسلام وادعى / أن الأقرب جعل المشار إليه
~~الكفرة المعهودين باعتبار اتصافهم بصفاتهم والإفراد باعتبار الفريق أو
~~المذكور، ومحل الكاف النصب على أنه المفعول الثاني لجعلنا قدم عليه
~~لإفادة التخصيص كما في قوله سبحانه:

# كذلك كنتم من قبل

# [النساء: 94] والأول: { أكبر مجرميها } ، والظرف لغو أي ومثل
~~أولئك الكفرة الذين هم صناديد مكة ومجرموها جعلنا في كل قرية أكابرها
~~المجرمين أي جعلناهم متصفين بصفات المذكورين مزينا لهم أعمالهم مصرين
~~على الباطل مجادلين به الحق ليمكروا فيها أي ليفعلوا المكر فيها اه. ولا
~~يخفى بعده. وتخصيص الأكابر لأنهم أقوى على استتباع الناس والمكر بهم.
~~وقرىء { أكبر مجرميها } وهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه
~~وسلم.

# وقوله سبحانه: { وما يمكرون إلا بأنفسهم } اعتراض على
~~سبيل الوعد له عليه الصلاة والسلام والوعيد للكفرة الماكرين أي وما يحيق
~~غائلة مكرهم إلا بهم { وما يشعرون } حال من ضمير { يمكرون }
~~أي إنما يمكرون بأنفسهم والحال أنهم ما يشعرون بذلك أصلا بل يزعمون أنهم
~~يمكرون بغيرهم.

### || [6.124]

# { وإذا جاءتهم آية } رجوع إلى بيان حال مجرمي أهل مكة بعدما
~~بين بطريق التسلية حال غيرهم فإن العظيمة المنقولة إنما صدرت عنهم لا عن
~~سائر المجرمين أي وإذا جاءتهم آية بواسطة الرسول عليه الصلاة والسلام. {
~~قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل
~~الله } قال شيخ الإسلام: «قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حتى يوحى
~~إلينا ويأتينا جبريل عليه السلام فيخبرنا أن محمدا عليه الصلاة والسلام
~~صادق كما قالوا

# أو تأتي بالله والملائكة قبيلا

# [الإسراء: 92]. وعن الحسن البصري مثله، وهذا كما ترى صريح في أن ما علق
~~بإيتاء ما أوتي الرسل عليهم السلام هو إيمانهم برسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وبما أنزل إليه إيمانا حقيقيا كما هو المتبادر منه عند الإطلاق
~~خلا أنه يستدعي أن يحمل ما أوتي رسل الله على مطلق الوحي ومخاطبة جبريل
~~عليه السلام في الجملة وأن يصرف الرسالة في قوله سبحانه: { الله
~~أعلم حيث يجعل رسالته } عن ظاهرها وتحمل على رسالة ms02980 جبريل
~~عليه السلام بالوجه المذكور، ويراد بجعلها تبليغها إلى المرسل إليه لا
~~وضعها في موضعها الذي هو الرسول ليتأتى كونه جوابا عن اقتراحهم وردا له
~~بأن كون معنى الاقتراح لن نؤمن بكون تلك الآية نازلة من عند الله تعالى
~~إلى الرسول عليه الصلاة والسلام حتى يأتينا جبريل بالذات عيانا كما يأتي
~~الرسل فيخبرنا بذلك، ومعنى الرد الله أعلم بمن يليق بإرسال جبريل عليه
~~السلام إليه لأمر من الأمور إيذانا بأنهم بمعزل من استحقاق ذلك التشريف،
~~وفيه من التمحل ما لا يخفى».

# وأنت تعلم أنه لا تمحل في حمل ما أوتي رسل الله على مطلق الوحي بل في
~~العدول عن قول لن نؤمن حتى نجعل رسلا إلى ما في النظم الكريم نوع تأييد
~~لهذا الحمل، نعم صرف الرسالة عن ظاهرها وحمل الجعل على التبليغ لا يخلو
~~عن بعد، ولعل الأمر فيه سهل. ويفهم من كلام البعض أن مطلق الوحي ومخاطبة
~~جبريل عليه السلام في الجملة وإن لم يستدع تلك الرسالة إلا أنه قريب من
~~منصبها فيصلح ما ذكر جوابا بدون حاجة إلى الصرف والحمل المذكورين، وفيه
~~ما فيه. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل حين قال: زاحمنا بني عبد مناف في
~~الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يوحى إليه والله لا نرضى
~~به ولا نتبعه أبدا حتى يأتينا وحي / كما يأتيه. وقال الضحاك: سأل كل
~~واحد من القوم أن يخص بالرسالة والوحي كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله
~~سبحانه:

# بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة

# [المدثر: 52] قال الشيخ: «ولا يخفى أن كل واحد من هذين القولين وإن كان
~~مناسبا للرد المذكور لكنه يقتضي أن يراد بالإيمان المعلق بإيتاء مثل ما
~~أوتي الرسل مجرد تصديقهم برسالته صلى الله عليه وسلم في الجملة من غير
~~شمول لكافة الناس، وأن يكون كلمة حتى في قول اللعين.

# حتى يأتينا وحي كما يأتيه إلخ غاية لعدم الرضى لا لعدم الاتباع فإنه
~~مقرر على تقديري إتيان الوحي وعدمه، فالمعنى لن ms02981 نؤمن برسالته أصلا حتى
~~نؤتى نحن من [الوحي و ] النبوة مثل ما أوتي رسل الله أو إيتاء مثل إيتاء
~~رسل الله»، ولا يخفى أنه يجوز أن تكون حتى في كلام اللعين غاية للاتباع
~~أيضا على أن المراد به مجرد الموافقة وفعل مثل ما يفعله صلى الله عليه
~~وسلم من توحيد الله تعالى وترك عبادة الأصنام لا قفو الأثر بالائتمار،
~~على أن اللعين إنما طلب إتيان وحي كما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم
~~وليس ذلك نصا في طلب الاستقلال المنافي للاتباع.

# ولعل مراده عليه اللعنة المشاركة في الشرف بحيث لا ينحط عنه عليه الصلاة
~~والسلام بالكلية؛ ويمكن أن يدعي أيضا أن هؤلاء الكفرة لكون كل منهم أبا
~~جهل بما يقتضيه منصب الرسالة لا يأبون كون الرسولين يجوز أن يبعث أحدهما
~~إلى الآخر ويلزم أحدهما امتثال أمر الآخر واتباعه وإن كان مشاركا له في
~~أصل الرسالة فليفهم، وقيل: إن الوليد بن المغيرة قال لرسول الله صلى الله
~~عليه وسلم: لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سنا
~~وأكثر مالا وولدا فنزلت هذه الآية. وتعقبه الشيخ قدس سره «أنه لا تعلق
~~له بكلامهم المردود إلا أن يراد بالإيمان المعلق بما ذكر مجرد الإيمان
~~بكونه الآية النازلة وحيا صادقا لا الإيمان بكونها نازلة إليه عليه
~~الصلاة والسلام فيكون المعنى وإذا جاءتهم آية نازلة إلى الرسول قالوا: لن
~~نؤمن بنزولها من عند الله حتى يكون نزولها إلينا لا إليه لأنا نحن
~~المستحقون دونه فإن ملخص معنى قوله: (لو كانت النبوة حقا) الخ لو كان ما
~~تدعيه من النبوة حقا لكنت أنا النبي لا أنت وإذا لم يكن الأمر كذلك
~~فليست بحق، ومآله تعليق الايمان بحقية النبوة بكون نفسه نبيا». وأنت
~~تعلم أن إطلاق النبوة وقولهم { رسل الله } ليس بينهما كمال
~~الملاءمة بحسب الظاهر كما لا يخفى، فالحق سقوط هذا القول عن درجة
~~الاعتبار وإن روي مثله عن ان جريج لما في تطبيقه على ما في الآية من مزيد
~~العناية.

# و ms02982 { مثل ما أوتى } نصب على أنه نعت لمصدر محذوف و (ما) مصدرية أي
~~حتى نؤتاها إيتاء مثل إيتاء رسل الله، وإضافة الإيتاء إليهم لأنهم منكرون
~~لإيتائه عليه الصلاة والسلام، و { حيث } مفعول لفعل مقدر أي يعلم وقد
~~خرجت عن الظرفية بناء على القول بتصرفها ولا عبرة بمن أنكره، والجملة
~~بعدها كما نص عليه أبو علي في «كتاب الشعر» صفة لها، وإضافتها إلى ما
~~بعدها حيث استعملت ظرفا.

# وقال الرضي: الأولى: أن حيث مضافة ولا مانع من إضافتها وهي اسم إلى
~~الجملة، وبحث فيه، ولا يجوز فيها هنا عند الكثير أن تكون مجرورة بالإضافة
~~لأن أفعل بعض ما يضاف إليه، ولا منصوبة بأفعل نصب الظرف لأن علمه تعالى
~~غير مقيد بالظرف وممن نص على ذلك ابن الصائغ، وجوز بعضهم الثاني ورد ما
~~علل به المنع منه بأن يجوز جعل تقييد علمه تعالى بالظرف مجازيا باعتبار
~~ما تعلق به بل ذلك أولى من إخراج حيث عن الظرفية فإنه إما نادر أو ممتنع.

# وجملة { الله أعلم } الخ استئناف بياني، والمعنى أن منصب الرسالة
~~ليس مما ينال بما يزعمونه من كثرة المال والولد وتعاضد الأسباب والعدد
~~وإنما ينال بفضائل نفسانية ونفس قدسية أفاضها الله تعالى بمحض الكرم
~~والجود على من / كمل استعداده، ونص بعضهم على أنه تابع للاستعداد الذاتي
~~وهو لا يستلزم الايجاب الذي يقوله الفلاسفة لأنه سبحانه إن شاء أعطى ذلك
~~وإن شاء أمسك وإن استعد المحل، وما في «المواقف» من أنه لا يشترط في
~~الإرسال الاستعداد الذاتي بل الله تعالى يختص برحمته من يشاء محمول على
~~الاستعداد الذاتي الموجب، فقد جرت عادة الله تعالى أن يبعث من كل قوم
~~أشرفهم وأطهرهم جبلة، وتمام البحث في موضعه. وقرأ أكثر السبعة { رسالاته
~~} بالجمع، وعن بعضهم أنه يسن الوقف على { رسل الله } وأنه يستجاب
~~الدعاء بين الآيتين ولم أر في ذلك ما يعول عليه.

# { سيصيب الذين أجرموا } استئناف آخر ناع عليهم ما سيلقونه
~~من فنون الشر بعدما نعى عليهم حرمانهم مما أملوه، والسين للتأكيد، ووضع ms02983
~~الموصول موضع الضمير لمزيد التشنيع، وقيل: إشعارا بعلية مضمون الصلة أي
~~يصيبهم البتة مكان ما تمنوه وعلقوا به أطماعهم الفارغة من عز النبوة وشرف
~~الرسالة { صغار } أي ذل عظيم هوان بعد كبرهم { عند الله } يوم
~~القيامة. وقيل: من عند الله وعليه أكثر المفسرين كما قال الفراء، واعترضه
~~بأنه لا يجوز في العربية أن تقول جئت عند زيد وأنت تريد من عند زيد،
~~وقيل: المراد أن ذلك في ضمانه سبحانه أو ذخيرة لهم عنده وهو جار مجرى
~~التهكم كما لا يخفى { وعذاب شديد } في الآخرة أو في الدنيا {
~~بما كانوا يمكرون } أي بسبب مكرهم المستمر أو بمقابلته، وحيث
~~كان هذا من أعظم مواد إجرامهم صرح بسببه.

### || [6.125]

# { فمن يرد الله أن يهديه } أي يعرفه طريق الحق ويوفقه
~~للإيمان، وقالت المعتزلة؛ المراد يهديه إلى الثواب أو إلى الجنة أو يثيبه
~~على الهدى أو يزيده ذلك { يشرح صدره للإسلم } فيتسع له
~~وينفسح وهو مجاز أو كناية عن جعل النفس مهيأة لحلول الحق فيها مصفاة عما
~~يمنعه وينافيه كما أشار إليه صلى الله عليه وسلم حين قال له: كيف الشرح
~~يا رسول الله؟ فقال:

# " نور يقذف في الصدر فينشرح له وينفسح فقيل: هل لذلك من آية يعرف بها يا
~~رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن
~~دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقاء الموت "

# { ومن يرد أن يضله } أي يخلق فيه الضلالة (لسوء اختياره)،
~~وقيل: المراد يضله عن الثواب أو عن الجنة أو عن زيادة الإيمان أو يخذله
~~ويخلي بينه وبين ما يريده { يجعل صدره ضيقا حرجا } بحيث
~~ينبو عن قبول الحق فلا يكاد (يكون فيه للخير منفذ) وقرأ ابن كثير { ضيقا
~~} بالتخفيف، ونافع وأبو بكر عن عاصم { حرجا } بكسر الراء أي شديد الضيق
~~والباقون بفتحها وصفا بالمصدر للمبالغة «وأصل معنى الحرج  كما قال
~~الراغب  مجتمع الشي [وتصور منه ضيق ما بينهما]، ومنه قيل: للضيق
~~حرج»، وقال بعض المحققين: أصل معناه شدة الضيق فإن الحرجة غيضة أشجارها
~~ملتفة بحيث يصعب ms02984 دخولها. وأخرج ابن حميد وابن جرير وغيرهما عن أبي الصلت
~~الثقفي أن عمر رضي الله تعالى عنه قرأ { حرجا } بفتح الراء وقرأ بعض
~~من عنده من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم { حرجا } بكسرها فقال
~~عمر: أبغوني رجلا من كنانة واجعلوه راعيا وليكن مدلجيا فأتوه به فقال
~~له عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم؟ قال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين
~~الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء فقال عمر رضي الله
~~تعالى عنه: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير.

# { كأنما يصعد فى السماء } استئناف أو حال من ضمير الوصف
~~أو وصف آخر، والمراد المبالغة في ضيق صدره حيث شبه بمن يزاول ما لا
~~[يكاد] يقدر عليه فإن صعود السماء مثل فيما هو خارج عن دائرة /
~~الاستطاعة، وفيه تنبيه على أن الإيمان يمتنع منه كما يمتنع منه الصعود،
~~والامتناع في ذلك عادي. وعن الزجاج معناه كأنما يتصاعد إلى السماء نبوا
~~عن الحق وتباعدا في الهرب منه، وأصل { يصعد } يتصعد وقد قرىء به
~~فادغمت التاء في الصاد. وقرأ ابن كثير { يصعد } وأبو بكر عن عاصم { يصاعد
~~} وأصله أيضا يتصاعد ففعل به ما تقدم.

# { قال كذلك } إشارة إلى الجعل المذكور بعده على ما مر تحقيقه أو
~~إشارة إلى الجعل السابق أي مثل ذلك الجعل أي جعل الصدر حرجا على الوجه
~~المذكور { يجعل الله الرجس } أي العذاب أو الخذلان. وأخرج ابن
~~المنذر وغيره عن مجاهد أنه قال: الرجس ما لا خير فيه. وقال الراغب:
~~«الرجس الشيء القذر»، وقال الزجاج: هو اللعنة في الدنيا والعذاب في
~~الآخرة. وأصله  على ما قيل  من الارتجاس وهو الاضطراب { على
~~الذين لا يؤمنون } أي عليهم. ووضع الظاهر موضع المضمر للتعليل.

### || [6.126]

# { وهذا } أي ما جاء به القرآن كما روي عن ابن مسعود أو الإسلام كما
~~روي عن ابن عباس أو ما سبق من التوفيق والخذلان كما قيل. { صرط ربك
~~} أي طريقه الذي ارتضاه أو عادته وطريقته التي اقتضتها حكمته. ولا يخفى
~~ما ms02985 في التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطب من اللطف {
~~مستقيما } لا اعوجاج فيه ولا زيغ أو عادلا مطردا وهو إما حال
~~مؤكدة لصاحبها وعاملها محذوف وجوبا مثل هذا أبوك عطوفا أو مؤسسة
~~والعامل فيها معنى الإشارة أو ها التي للتنبيه { قد فصلنا
~~الآيت } بيناها مفصلة { لقوم يذكرون } أي يتذكرون ما في
~~تضاعيفها فيعلمون أن كل الحوادث بقضائه سبحانه وقدره وأنه جل شأنه حكيم
~~عادل في جميع أفعاله، وتخصيص هؤلاء القوم بالذكر لأنهم المنتفعون بذلك
~~التفصيل.

### || [6.127]

# { لهم } أي لهؤلاء القوم { دار السلم } أي الجنة كما قال
~~قتادة، والسلام هو الله تعالى كما قال الحسن. وابن زيد والسدي. وإضافة
~~الدار إليه سبحانه للتشريف. وقال الزجاج والجبائي: { السلم } بمعنى
~~السلامة أي دار السلامة من الآفات والبلايا وسائر المكاره التي يلقاها
~~أهل النار. وقيل: هو بمعنى التسليم أي دار تحيتهم فيها سلام { عند
~~ربهم } أي في ضمانه وتكفله التفضلي أو ذخيرة لهم عنده لا يعلم كنه
~~ذلك غيره. والجملة مستأنفة، وقيل: صفة لقوم { وهو وليهم } أي
~~محبهم أو ناصرهم { بما كانوا يعملون } أي بسبب أعمالهم الصالحة
~~أو متوليهم متلبسا بجزائها بأن يتولى إيصال الثواب إليهم.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات:

# وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا

# [الأنعام: 112] لتفاوت مراتب أرواحهم في الصفاء والكدورة والنور والظلمة
~~والقرب والبعد. ومن هنا قيل: والجاهلون لأهل العلم أعداء. وكلما اشتد
~~التفاوت اشتدت العداوة وزاد الإيذاء الناشىء منها. ولهذا ورد في بعض
~~الآثار

# " ما أوذي نبي مثل ما أوذيت "

# وتسبب هذه العداوة مزيد التوجه إلى الحق جل شأنه والإعراض عن الملاذ
~~والحرص على الفضيلة التي يقهر بها العدو والاحتراز عما يوشك أن يكون
~~سببا للطعن إلى غير ذلك { ولتصغى } أي تميل { إليه أفئدة
~~اللذين لا يؤمنون } وهم المحجوبون لوجود المناسبة {
~~وليرضوه } بمحبتهم إياه

# وليقترفوا ما هم مقترفون

# [الأنعام: 113] من اسم التعاضد والتظاهر { أفغير الله أبتغى
~~حكما } بينى وبينكم { وهو الذى أنزل إليكم
~~الكتب } المعجز الجامع

# مفصلا

# [الأنعام: 114] فيه الحق والباطل بحث لا يبقى معه مقال لقائل ms02986 فطلب ما
~~سواه مما لا يليق بعاقل ولا يميل إليه إلا جاهل { وتمت كلمت
~~ربك } أي تم قضاؤه في الأزل بما قضى وقدر { صدقا } مطابقا لما
~~يقع { وعدلا } مناسبا للاستعداد، وقيل: صدقا فيما وعد وعدلا فيما
~~أوعد

# لا مبدل لكلمته

# [الأنعام: 115] لأنها على طرز ما ثبت في علمه والانقلاب محال { وإن
~~تطع أكثر من فى الأرض } أي من الجهة السفلية بالركون إلى
~~الدنيا وعالم النفس والطبيعة { يضلوك عن سبيل الله } لأنهم
~~لا يدعون إلا للشهوات المبعدة عن الله تعالى { إن يتبعون } أي ما
~~يتبعون لكونهم محجوبين في مقام النفس بالأوهام والخيالات

# إلا الظن وإن هم إلا يخرصون

# [الأنعام: 116] بقياس الغائب على الشاهد { وذروا ظهر الإثم
~~} من الأقوال والأفعال الظاهرة على الجوارح

# وباطنه

# [الأنعام: 120] من العقائد الفاسدة والعزائم الباطلة. وقال سهل: ظاهر
~~الإثم المعاصي كيف كانت وباطنه حبها، وقال الشبلي: ظاهر الإثم الغفلة
~~وباطنه نسيان مطالعة السوابق، وقال بعضهم: ظاهر الإثم طلب الدنيا وباطنه
~~طلب الجنة لأن الأمرين يشغلان عن الحق وكل ما يشغل عنه سبحانه فهو إثم،
~~وقيل: ظاهر الإثم حظوظ النفس وباطنه حظوظ القلب، وقيل: ظاهر الإثم حب
~~الدنيا وباطنه حب الجاه، وقيل: ظاهر الإثم رؤية الأعمال وباطنه سكون
~~القلب إلى الأحوال.

# { وإن الشيطين } وهم المحجوبون بالظاهر عن الباطن {
~~ليوحون إلى أوليائهم } أي من يواليهم من المنكرين {
~~ليجدلوكم } بما يتلقونه من الشبه { وإن أطعتموهم }
~~وتركتم ما أنتم عليه من التوحيد

# إنكم لمشركون

# [الأنعام: 121] مثلهم { أو من كان ميتا } بالجهل وهوى النفس أو
~~الاحتجاب بصفاتها { فأحيينه } بالعلم ومحبة الحق أو كشف حجب
~~صفاته { وجعلنا له نورا } من هدايتنا وعلمنا أو نورا من صفاتنا
~~{ أو من كان ميتا } بالمجاهدات { فأحيينه } بروح
~~المشاهدات أو ميتا بشهوات النفس { فأحيينه } بصفاء القلب أو
~~ميتا برؤية الثواب فأحييناه برؤية المآب إلى الوهاب وجعلنا له نور
~~الفراسة أو الإرشاد، وقال جعفر الصادق: المعنى أو من كان ميتا عنا
~~فأحييناه بنا وجعلناه إماما يهدي بنور الإجابة ويرجع إليه الضلال، وقال
~~ابن عطاء: أو من كان ميتا بحياة ms02987 نفسه وموت قلبه فأحييناه بإماتة نفسه
~~وحياة قلبه وسهلنا عليه سبل التوفيق وكحلناه بأنوار القرب فلا يرى غيرنا
~~ولا يلتفت إلى سوانا { كمن مثله في الظلمت } أي ظلمات
~~نفسه وصفاته وأفعاله { ليس بخارج منها } لسوء استعداده {
~~كذلك زين للكفرين } المحجوبين

# ما كانوا يعملون

# [الأنعام: 122] فاحتجبوا به { وكذلك جعلنا في كل قرية
~~أكبر مجرميها ليمكروا فيها } ويكون ذلك سببا لمزيد
~~كمال العارفين حسبما تقدم في جعل الأعداء للأنبياء عليهم السلام. ويمكن
~~أن يكون إشارة إلى ما في الأنفس أي { وكذلك جعلنا في كل
~~قرية } وجود الإنسان التي هي البدن { أكبر مجرميها } من
~~قوى النفس الأمارة { ليمكروا فيها } بإضلال القلب

# وما يمكرون إلا بأنفسهم

# [الأنعام: 123] لأن عاقبة مكرهم راجع إليهم ءافاقا وأنفسا { وإذا
~~جاءتهم } على يد الرسول عليه الصلاة والسلام { قالوا لن
~~نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله الله }
~~من الرسالة إليهم { الله أعلم حيث يجعل رسالته } وذلك
~~حيث خزينة الاستعداد عامرة والنفس قدسية { سيصيب الذين
~~أجرموا } بالاحتجاب عن الحق { صغار عند الله } أي ذل بذهاب
~~قدرهم حين خراب أبدانهم

# وعذاب شديد

# [الأنعام: 124] بحرمانهم الملائم ووصول المنافي إليهم في المعاد
~~الجسماني { فمن يرد الله أن يهديه } إليه ويعرفه به {
~~يشرح صدره للإسلم } بأن يقذف فيه نورا من أنواره فيعرفه
~~بذلك { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا }
~~لا يدخل فيه شيء من أنوار شمس العرفان { كأنما يصعد فى
~~السماء } نبوا وهربا عن قبول ذلك لأنه خلاف استعداده، وقيل: المعنى
~~فمن يرد الله أن يهديه للتوحيد يشرح صدره لقبول نور الحق وإسلام الوجود
~~إلى الله سبحانه بكشف حجب صفات نفسه عن وجه قلبه الذي يلي النفس فينفسح
~~لقبول نور الحق ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا باستيلاء النفس
~~عليه وضغطها له كما يصعد في سماء روحه مع تلك الهيآت البدنية المظلمة
~~وذلك أمر محال، وقيل: غير ذلك { كذلك يجعل الله الرجس } أي
~~رجس التلوث بنتن الطبيعة

# على الذين لا يؤمنون

# [الأنعام: 125] وهم المحجوبون عن الحق { وهذا } أي طريق ms02988 التوحيد أو
~~الجعل { صرط ربك } أي طريقه الذي ارتضاه أو عادته التي اقتضتها
~~حكمته

# قد فصلنا الآيت لقوم يذكرون

# [الأنعام: 126] المعارف والحقائق المركوزة في استعدادهم

# لهم دار السلم عند ربهم

# [الأنعام: 127] هي ساحة جلاله وحضائر قدس صفاته ومساقط وقوع أنوار جماله
~~المنزهة عن خطر الحجاب وعلة العتاب وطريان العذاب وهو وليهم بنعت رعايتهم
~~وكشف جماله لهم أو وليهم يحفظهم عن رؤية الغير في البين. ويجوز أن يكون
~~المعنى لهم دار السلامة من كل خوف وآفة حيث يكون العبد فيها في ظل الذات
~~والصفات وريف البقاء بعد الفناء؛ والكثير على أن السلام من أسمائه تعالى
~~فما ظنك بدار تنسب إليه جل شأنه:

# إذا نزلت سلمى بواد فماؤه

# زلال وسلسال وأشجاره ورد

# نسأل الله تعالى أن يدخلنا هاتيك الدار بحرمة نبيه المختار صلى الله
~~عليه وسلم.

### || [6.128]

# { ويوم يحشرهم جميعا } نصب على الظرفية والعامل فيه مقدر
~~أي أذكر أو نقول أو كان ما لا يذكر لفظاعته، وجوز أن يكون مفعولا به
~~لمقدر أيضا أي أذكر ذلك اليوم، والضمير المنصوب لمن يحشر من الثقلين،
~~وقيل: للكفار. وقرأ حفص عن عاصم وروح عن يعقوب { يحشر } بالياء
~~والباقون بنون العظمة على الإلتفات لتهويل الأمر.

# وقوله سبحانه: { يامعشر الجن } على إضمار القول، والمعشر
~~الجماعة أمرهم واحد، وقال الطبرسي: «الجماعة التامة من القوم التي تشتمل
~~على أصناف الطوائف ومنه العشرة لأنها تمام العقد»، والمراد بالجن أو
~~بمعشرهم على ما قيل الشياطين، وذكر بعض الفضلاء أن الجن يقال على وجهين،
~~أحدهما: للروحانيين المستترين عن الحواس كلها فيدخل فيهم الملائكة
~~والشياطين، وثانيهما: للروحانيين مما عدا الملائكة، وقال آخرون: إن
~~الروحانيين ثلاثة أخيار وهم الملائكة وأشرار وهم الشياطين وأوساط فيهم
~~أخيار وأشرار، وأيا ما كان فالمقصود بالنداء الأشرار الذين يغوون الناس
~~فإنهم أهل للخطاب بقوله سبحانه: { قد استكثرتم من الإنس } أي
~~أكثرتم من إغوائهم وإضلالهم كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~ومجاهد والزجاج، فالكلام على حذف مضاف أو منهم بأن جعلتموهم أتباعكم
~~فحشروا معكم كما يقال: استكثر الأمير ms02989 من الجنود وهذا بطريق التوبيخ
~~والتقريع. قيل: وإنما ذكر المعشر في جانب الجن دون جانب الإنس لما أن
~~الإغواء كثيرا ما يقتضي التظاهر والتعاون، وفي المعشر نوع إيماء إليه
~~ولا كذلك الغوى.

# { وقال أولياؤهم } أي الذين أطاعوهم واتبعوهم { من الإنس }
~~أي الذين هم من الإنس أو كائنين منهم، فمن إما لبيان الجنس أو متعلقة
~~بمحذوف وقع حالا من أولياء { ربنا استمتع بعضنا ببعض }
~~أي انتفع الإنس بالجن حيث دلوهم على الشهوات وما يتوصل به إليها / والجن
~~بالإنس حيث اتخذوهم قادة ورؤساء واتبعوا أمرهم فأدخلوا عليهم السرور
~~بذلك. وعن الحسن وابن جريج والزجاج وغيرهم أن استمتاع الإنس بهم أنهم
~~كانوا إذا سافر أحدهم وخاف الجن قال: أعوذ بسيد هذا الوادي. واستمتاعهم
~~بالإنس اعترافهم بأنهم قادرون على إعاذتهم وإجارتهم. وعن محمد بن كعب أن
~~المراد باستمتاع بعضهم ببعض طاعة بعضهم بعضا وموافقته له، وقال البلخي:
~~يحتمل أن يكون الاستمتاع مقصورا على الإنس فيكون الإنس قد استمتع بعضهم
~~ببعض الجن دون الجن.

# { وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا } وهو يوم القيامة على
~~ما قاله غير واحد، وعن الحسن والسدي وابن جريج أنه الموت والأول أولى،
~~وإنما قال الأولياء ما قالوا اعترافا بما فعلوا من طاعة الشياطين واتباع
~~الهوى وتكذيب البعث وإظهارا للندامة عليها وتحسرا على حالهم واستسلاما
~~لربهم وإلا ففائدة الخبر ولازمها مما لا تحقق له. قيل: ولعل الاقتصار على
~~حكاية كلام الضالين للإيذان بأن المضلين قد أفحموا بالمرة فلم يقدروا على
~~التكلم أصلا.

# وقرىء { آجالنا } بالجمع و { فليؤد الذى } بالتذكير والإفراد،
~~قال أبو علي: هو جنس أو وقع الذي موقع التي.

# { قال } استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال الله تعالى: حينئذ؟ فقيل
~~قال: { النار مثواكم } أي منزلكم ومحل إقامتكم أو ذات ثوائكم على
~~أن الثوى اسم مكان أو مصدر { خلدين فيها } حال من ضمير الجمع
~~والعامل فيها (مثوى) إن كان مصدرا وقدروا عاملا أي يبوؤن خالدين إن كان
~~مثوى اسم مكان لأنه حيئنذ لا يصلح للعمل. وقال أبو البقاء: إن العامل في
~~الحال ms02990 على هذا التقدير معنى الإضافة، وردوه بأن النسبة الإضافية لا تعمل
~~ولا يصح أن تنصب الحال { إلا ما شاء الله } نقل عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أنه تعالى استثنى قوما قد سبق في علمه أنهم يسلمون
~~ويصدقون النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مبني على أن الاستثناء ليس من
~~المحكي وأن ما بمعنى من، ولا يخفى أن استعمال ما للعقلاء قليل فيبعد ذلك
~~كما يبعد شمول ما تقدم للمستثنى، وقيل: إن ما مصدرية وقتية على ما هو
~~الظاهر، والمراد إلا الوقت الذين ينقلون فيه إلى الزمهرير، فقد روي أنهم
~~يدخلون واديا [فيه] من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض فيتعاوون
~~ويطلبون الرد إلى الجحيم، ورد بأن فيه صرف النار من معناها العلمي وهو
~~دار العذاب إلى اللغوي، وأجيب عنه بأنه لا بأس به إذا دعت إليه ضرورة،
~~وقيل عليه: إن المعترض لا يسلم الضرورة لإمكان غير هذا التأويل مع أن
~~قوله سبحانه: { مثواكم } يقتضي ما ذهب إليه المعترض بحسب الظاهر،
~~وقيل: إن لهم وقتا يخرجون فيه من دار العذاب، وذلك أنه روي أنهم يفتح
~~لهم أبواب الجنة ويخرجون من النار فإذا توجهوا للدخول أغلقت في وجوههم
~~استهزاء بهم، وإليه الإشارة بقوله تعالى:

# فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون

# [المطففين: 34].

# وأنت تعلم أن ظواهر الآيات صادحة بعدم تخفيف العذاب عن الكفار بعد
~~دخولهم النار وفي إخراجهم هذا تخفيف أي تخفيف وإن كان بعده ما يشيب منه
~~النواصي، ولعل الخبر في ذلك غير صحيح، والمشهور أن المرائين يدنون من
~~الجنة حتى إذا استنشقوا ريحها ورأوا ما أعد الله تعالى لعباده فيها نودوا
~~أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها الخبر بتمامه وقد قدمناه ويكون ذلك قبل
~~إدخالهم النار كما لا يخفى على من راجع الحديث.

# وقيل: المستثنى زمان إمهالهم قبل الدخول كأنه قيل النار مثواكم أبدا
~~إلا ما أمهلكم، ورده أبو حيان بأنه / في الاستثناء يشترط اتحاد زمان
~~المخرج والمخرج منه فإذا قلت قام القوم إلا زيدا فإن معناه ms02991 إلا زيدا ما
~~قام ولا يصح أن يكون المعنى إلا زيدا ما يقوم في المستقبل.

# وكذلك سأضرب القوم إلا زيدا معناه إلا زيدا فإني لا أضربه في المستقبل
~~ولا يصح أن يكون المعنى إلا زيدا فإني ما ضربته؛ وأجيب بأن هذا إذا لم
~~يكن الاستثناء منقطعا أما إذا كان منقطعا فإنه يسوغ كقوله تعالى:

# لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى

# [الدخان: 56] أي لكن الموتة الأولى فإنهم ذاقوها فلعل القائل بأن
~~المستثنى زمان إمهالهم يلتزم انقطاع الاستثناء كما في هذه الآية ولا
~~محذور فيه مع ورود مثله في القرآن وفيه نظر ظاهر. «وذهب الزجاج إلى وجه
~~لطيف إنما يظهر بالبسط فقال: المراد والله تعالى أعلم إلا ما شاء الله من
~~زيادة العذاب ولم يبين وجه استقامة الاستثناء والمستثنى على هذا التأويل
~~[لم يغاير المستثنى منه في الحكم]، قال ابن المنير: ونحن نبينه فنقول:
~~العذاب والعياذ بالله عز وجل على درجات متفاوتة فكأن المراد أنهم مخلدون
~~في جنس العذاب إلا ما شاء ربك من زيادة تبلغ الغاية وتنتهي إلى أقصى
~~النهاية حتى تكاد لبلوغها الغاية ومباينتها لأنواع العذاب في الشدة تعد
~~خارجة عنه ليست من جنس العذاب والشيء إذا بلغ الغاية عندهم عبروا عنه
~~بالضد كما عبروا عن كثرة الفعل برب وقد وهما موضوعان لضد الكثرة من القلة
~~وذلك أمر يعتاد في لغة العرب. وقد حام أبو الطيب حوله فقال:

# لقد جدت حتى كاد يبخل حاتم

# الى المنتهى ومن السرور يكاد

# فكأن هؤلاء اذا نقلوا الى غاية العذاب ونهاية الشدة فقد وصلوا إلى حد
~~الذي يكاد أن يخرج يخرج عن اسم العذاب المطلق حتى تسوغ معاملته في
~~التعبير بمعاملة المغاير وهو وجه حسن لا يكاد يفهم من كلام الزجاج إلا
~~بعد هذا البسط، وفي تفسير ابن عباس رضي الله عنهما ما يؤيده» انتهى، ونقل
~~عن بعضهم أن هذا الاستثناء معذوق بمشيئة الله تعالى رفع العذاب أي يخلدون
~~إلى أن يشاء الله تعالى لو شاء. وفائدته إظهار القدرة والإذعان بأن
~~خلودهم إنما ms02992 كان لأن الله تعالى شأنه قد شاءه وكان من الجائز العقلي في
~~مشيئته أن لا يعذبهم ولو عذبهم لا يخلدهم وأن ذلك ليس بأمر واجب عليه
~~وإنما هو مقتضى مشيئته وإرادته عز وجل، وفي الآية على هذا دفع في صدور
~~المعتزلة الذين يزعمون أن تخليد الكفار واجب على الله تعالى بمقتضى
~~الحكمة وأنه لا يجوز في العقل مقتضى ذلك، ولعل هذا هو الحق الذي لا محيص
~~عنه، وفي معناه ما قيل: المراد المبالغة في الخلود بمعنى أنه لا ينتفي
~~إلا وقت مشيئة الله تعالى وهو مما لا يكون مع إيراده في صورة الخروج
~~واطماعهم في ذلك تهكما وتشديدا للأمر عليهم، ومن أفاضل العصريين
~~الأكابر من ادعى ذلك الوجه له وانه قد خلت عنه الدفاتر وهو مذكور في غير
~~ما موضع فإن كان لا يدري فتلك مصيبة وإن كان يدري فالمصيبة أعظم، وسيأتي
~~إن شاء الله تعالى تتمة الكلام في ذلك عند قوله سبحانه:

# إلا ما شاء ربك

# [هود: 108].

# { إن ربك حكيم } في التعذيب والإثابة أو في كل أفعاله {
~~عليم } بأحوال الثقلين وأعمالهم وبما يليق بها من الجزاء أو بكل شيء
~~ويدخل ما ذكر دخولا أوليا.

### || [6.129]

# { وكذلك } أي مثل ما سبق من تمكين الجن من إغواء الإنس وإضلالهم أو
~~مثل ما سبق { نولى بعض الظلمين } من الإنس { بعضا } آخر
~~منهم أي نجعلهم بحيث يتولونهم ويتصرفون فيهم في الدنيا بالإغواء والإضلال
~~وغير ذلك، واستدل به على أن الرعية إذا كانوا ظالمين فالله تعالى يسلط
~~عليهم ظالما مثلهم، وفي الحديث:

# " كما تكونوا يولى عليكم "

# أو المعنى نجعل بعضهم قرناء / بعض في العذاب كما كانوا كذلك في الدنيا
~~عند اقتراف ما يؤدي إليه من القبائح كما قيل، وروي مثله عن قتادة { بما
~~كانوا يكسبون } أي بسبب ما كانوا مستمرين على كسبه من الكفر
~~والمعاصي.

### || [6.130]

# { وما خلقت الجن والإنس } شروع في حكاية ما سيكون من توبيخ
~~المعشرين وتقريعهم بتفريطهم فيما يتعلق بخاصة أنفسهم { ألم يأتكم
~~} في الدنيا { رسل } من عند الله عز وجل ms02993 كائنة { منكم } أي من
~~جملتكم لكن لا على أن يأتي كل رسول كل واحدة من الأمم ولا على أن أولئك
~~الرسل عليهم السلام من جنس الفريقين معا بل على أن يأتي كل أمة رسول خاص
~~بها وعلى أن تكون من الإنس خاصة إذ المشهور أنه ليس من الجن رسل وأنبياء،
~~ونظيره في هذا قوله تعالى:

# يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان

# [الرحمن: 22] فإنهما إنما يخرجان من الملح فقط كما سيأتي تحقيقه إن شاء
~~الله تعالى. والفراء قدر هنا مضافا لذلك أي من أحدكم، وقال غير واحد:
~~المراد بالرسل ما يعم رسل الرسل، وقد ثبت أن الجن استمعوا القرآن وأنذروا
~~به قومهم فقد قال سبحانه: { وإذ صرفنا إليك نفرا من
~~الجن يستمعون القرءان } إلى قوله عز وجل:

# ولوا إلى قومهم منذرين

# [الأحقاف: 29]. وعن الضحاك وغيره أن الله تعالى أرسل للجن رسلا منهم
~~وصرح بعضهم أن رسولا منهم يسمى يوسف، وظاهر الآية يقتضي إرسال الرسل إلى
~~كل من المعشرين من جنسهم وادعى بعض قيام الإجماع على أنه لم يرسل إلى
~~الجن رسول منهم وإنما أرسل إليهم من الإنس وهل كان ذلك قبل بعثة نبينا
~~عليه الصلاة والسلام أم لا؟ الذي نص عليه الكلبي الثاني قال: كان الرسل
~~يرسلون إلى الإنس حتى بعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجن {
~~يقصون عليكم ءايتى } التي أوحيتها إليهم، والجملة صفة أخرى
~~لرسل محققة لما هو المراد من إرسالهم من التبليغ والإنذار وقد حصل ذلك
~~بالنسبة إلى الثقلين { وينذرونكم } أي يخوفونكم بما في تضاعيفها
~~من القوارع { لقاء يومكم هذا } أي يوم الحشر الذي قد عاينوا
~~فيه ما عاينوا.

# { قالوا } استئناف بياني، والمقصود منه حكاية قولهم: كيف يقولون وكيف
~~يعترفون { شهدنا على أنفسنا } أي بإتيان الرسل وقصهم وإنذارهم
~~وبمقابلتهم إياهم بالكفر والتكذيب، وقوله سبحانه: { وغرتهم
~~الحيوة الدنيا } مع ما عطف عليه اعتراض لبيان ما أداهم في
~~الدنيا إلى ارتكاب القبائح التي ارتكبوها وألجأهم في الآخرة إلى الاعتراف
~~بالكفر واستيجاب العذاب وذم لهم بذلك وتسفيه لرأيهم فلا تكرار في ms02994
~~الشهادتين أي واغتروا في الدنيا بالحياة الدنيئة واللذات الخسيسة الفانية
~~وأعرضوا عن النعيم المقيم الذي بشرت به الرسل عليهم السلام واجترأوا على
~~ارتكاب ما يجرهم إلى العذاب المؤبد الذي أنذروهم إياه { وشهدوا } في
~~الآخرة { على أنفسهم أنهم كانوا } في الدنيا { كافرين }
~~بالآيات والنذر واضطروا إلى الاستسلام لأشد العذاب، وفي ذلك من تحسرهم
~~وتحذير السامعين عن مثل صنيعهم ما لا مزيد عليه.

### || [6.131]

# { ذلك } إشارة إلى إتيان الرسل أو السؤال المفهوم من

# ألم يأتكم

# [الأنعام: 130] أو ما قص من أمرهم أعني شهادتهم على أنفسهم بالكفر
~~واستيجاب العذاب، وهو إما مرفوع على أنه خبر مبتدأ مقدر أي الأمر ذلك أو
~~مبتدأ خبره مقدر أو خبره قوله سبحانه: { أن لم يكن ربك
~~مهلك القرى } بحذف اللام على أن (أن) مصدرية أو مخففة من أن
~~وضمير الشأن الذي هو اسمها، وإما منصوب على أنه مفعول به لفعل مقدر كخذ
~~وفعلنا ونحو ذلك، وجوز أن / يكون { إن لم } الخ بدلا من اسم الإشارة،
~~وقوله تعالى: { بظلم } متعلق إما بمهلك أي بسبب ظلم أو بمحذوف وقع
~~حالا من القرى أي متلبسة بظلم أو حالا من { ربك } أو من ضميره في {
~~مهلك } ، والمراد مهلك أهل القرى إلا أنه تجوز في النسبة أو حذف
~~المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ولا يأباه قوله تعالى: { وأهلها
~~غفلون } لأن أصله وهم غافلون فلما حذف المضاف أقيم الظاهر مقام
~~ضميره.

# واعترض شيخ الإسلام على جعل { بظلم } حالا من { ربك } أو من
~~ضميره بأنه يأباه أن غفلة أهلها مأخوذة في معنى الظلم وحقيقته لا محالة
~~فلا يحسن تقييده بالجملة بعد، وأورد عليه أنه قد يتصور الظلم مع عدم
~~الغفلة بأن يكون حال التيقظ ومقارنة الانقياد، وإن كان المراد ههنا هو
~~الإهلاك حال الغفلة ففائدة التقييد تعيين المراد ولا يخفى حسنه ولا يخفى
~~ما فيه، واختار قدس سره من احتمالات المشار إليه وأوجه إعراب اسم الإشارة
~~الثالث من كل قال: والمعنى ذلك ثابت لانتفاء كون ربك أو لأن الشأن لم يكن
~~ربك مهلك القرى ms02995 بسبب أي ظلم فعلوه من أفراد الظلم قبل أن ينهوا عنه
~~وينبهوا على بطلانه برسول وكتاب وإن قضى به بداهة العقول وينذروا عاقبة
~~جناياتهم أي لولا انتفاء كونه تعالى معذبا لهم قبل إرسال الرسل وإنزال
~~الكتب لما أمكن التوبيخ بما ذكر ولما شهدوا على أنفسهم بالكفر واستيجاب
~~العذاب ولا اعتذروا بعدم إتيان الرسل إليهم كما في قوله سبحانه:

# ولو أنا أهلكنهم بعذاب من قبله لقالوا
~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آيتك
~~من قبل أن نذل ونخزى

# [طه: 134] وإنما علل ما ذكر بانتفاء التعذيب الدنيوي الذي هو إهلاك
~~القرى قبل الإنذار مع أن التقريب في تعليله بانتفاء مطلق التعذيب من غير
~~بعث الرسل أتم على ما نطق به قوله تعالى:

# وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا

# [الإسراء: 15] على ما اختاره أهل السنة في معناه لبيان كمال نزاهته
~~سبحانه على كلا التعذيبين من غير إنذار على أبلغ وجه وآكده.

# ولا يخفى أن لما اختاره وجها وجيها خلا أن قوله فيما بعد  إن جعل ذلك
~~إشارة إلى ارسال الرسل عليهم السلام وإنذارهم وخبر المبتدأ محذوف كما
~~أطبق عليه الجمهور بمعزل عن مقتضى المقام ممنوع  وعلى سائر الاحتمالات
~~الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم بطريق تلوين الخطاب، والظاهر أن انتفاء
~~الإهلاك قبل الإنذار لا يختص بالإنس بل الجن أيضا لا يهلكون قبل إنذارهم
~~وإن لم يشع إطلاق أهل القرى عليهم، وهذا مبني على محض فضل الله تعالى
~~عندنا، والمعتزلة يقولون: يجب على الله تعالى أن لا يعذب قبل الإنذار
~~وقيام الحجة وبنوه على قاعدة الحسن والقبح العقليين، وأئمتنا يثبتون ذلك
~~لكنهم لا يجعلونه مناط الحكم كما زعم المعتزلة.

### || [6.132]

# { ولكل } من المكلفين جنا كانوا أو إنسا { درجت } أي مراتب
~~فيتناول الدركات حقيقة أو تغليبا { مما عملوا } أي من أعمالهم
~~صالحة كانت أو سيئة أو من أجل أعمالهم أو من جزائها، فمن إما ابتدائية أو
~~تعليلية أو بيانية بتقدير مضاف { وما ربك بغفل عما
~~يعملون } فلا يخفى عليه سبحانه عمل عامل أو قدر ما ms02996 يستحق به من ثواب
~~أو عقاب. وقرأ ابن عامر { تعملون } بالتاء على تغليب الخطاب على
~~الغيبة ولو أريد شمول { يعملون } بالتحتية للمخاطب بأن يراد جميع
~~الخلق فلا مانع من اعتبار تغليب الغائب على المخاطب سوى أن ذلك لم يعهد
~~مثله / في كلامهم.

### || [6.133]

# { وربك الغنى } أي لا غنى عن كل شيء كائنا ما كان إلا هو
~~سبحانه فلا احتياج له عز شأنه إلى العباد ولا إلى عبادتهم، ولا يخفى ما
~~في التعرض لعنوان الربوبية مع الإظهار في مقام الإضمار والإضافة إلى
~~ضميره عليه الصلاة والسلام من اللطف الجزيل، والكلام مبتدأ وخبر. وقوله
~~سبحانه: { ذو الرحمة } خبر آخر، وجوز أن يكون هو الخبر و {
~~الغنى } صفة أي الموصوف بالرحمة العامة فيترحم على العباد بالتكليف
~~تكميلا لهم ويمهلهم على المعاصي إلى ما شاء، وفي ذلك تنبيه على أن ما
~~تقدم ذكره من الإرسال ليس لنفعه بل لترحمه على العباد وتوطئة لقوله
~~سبحانه: { إن يشأ يذهبكم } أي ما به حاجة إليكم أصلا إن يشأ
~~يذهبكم أيها العصاة أو أيها الناس بالإهلاك، وفي تلوين الخطاب من تشديد
~~الوعيد ما لا يخفى { ويستخلف من بعدكم } أي وينشىء من بعد
~~إذهابكم { ما يشاء } من الخلق، وإيثار (ما) على من لإظهار كمال
~~الكبرياء وإسقاطهم عن رتبة العقلاء { كما أنشأكم من ذرية
~~قوم آخرين } أي من نسل قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل
~~سفينة نوح عليه السلام لكنه سبحانه أبقاكم ترحما عليكم، وما في { كما
~~} مصدرية ومحل الكاف النصب على المصدرية أو الوصفية لمصدر الفعل السابق
~~أي وينشىء إنشاء كإنشائكم أو يستخلف استخلافا كائنا كإنشائكم، و { من
~~} لابتداء الغاية، وقيل: هي بمعنى البدل والشرطية استئناف مقرر لمضمون ما
~~قبلها من الغنى والرحمة.

### || [6.134]

# { إن ما توعدون } أي إن الذي توعدونه من القيامة والحساب
~~والعقاب والثواب وتفاوت الدرجات والدركات، وصيغة الاستقبال للدلالة على
~~الاستمرار التجددي، و { ما } اسم (إن) ولا يجوز أن تكون الكافة لأن
~~قوله سبحانه: { لآت } يمنع من ذلك كما قال أبو البقاء، وهو ms02997 خبر (إن)،
~~والمراد: إن ذلك لواقع لا محالة، وإيثار آت على واقع لبيان كمال سرعة
~~وقوعه بتصويره بصورة طالب حثيث لا يفوته هارب حسبما يعرب عنه قوله تعالى:
~~{ وما أنتم بمعجزين } أي جاعلي من طلبكم عاجزا عنكم غير قادر
~~على إدراككم. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن
~~المعنى وما أنتم بسابقين، وإيثار صيغة الفاعل على المستقبل للإيذان بقرب
~~الإتيان والدوام الذي يفيده العدول عن الفعلية إلى الاسمية متوجه إلى
~~النفي فالمراد دوام انتفاء الإعجاز لا بيان دوام انتفائه، وله نظائر في
~~الكتاب الكريم.

### || [6.135]

# { قل يقوم } أمر له صلى الله عليه وسلم أن يواجه الكفار بتشديد
~~التهديد وتكرير الوعيد ويظهر لهم ما هو عليه من غاية التصلب في الدين
~~ونهاية الوثوق بأمره وعدم المبالاة بهم أصلا إثر ما بين لهم حالهم
~~ومآلهم أي قل يا محمد لهؤلاء الكفار. { اعملوا على مكانتكم
~~} أي على غاية تمكنكم واستطاعتكم على أن المكانة مصدر مكن إذا تمكن أبلغ
~~التمكن؛ وجوز أن يكون ظرفا بمعنى المكان كالمقام والمقامة، ومن هنا فسره
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما رواه ابن المنذر عنه بالناحية وتجوز
~~به عن ذلك من فسره بالحالة أي اعملوا على حالتكم التي أنتم عليها. وقرأ
~~أبو بكر عن عاصم { مكاناتكم } على الجمع في كل القرآن، وزعم الواحدي أن
~~الوجه الإفراد وفيه نظر، والمعنى أثبتوا على كفركم ومعاداتكم لي { إنى
~~عمل } على مكانتي أي ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم./ والأمر
~~للتهديد. وإيراده بصيغة الأمر  كما قال غير واحد  مبالغة في الوعيد كأن
~~المهدد يريد تعذيبه مجمعا عازما عليه فيحمله بالأمر على ما يؤدي إليه
~~وتسجيل بأن المهدد لا يتأتى منه إلا الشر كالمأمور به الذي لا يقدر أن
~~يتفصى عنه. وجعل العلامة الثاني ذلك من قبيل الاستعارة التمثيلية تشبيها
~~لذلك المعنى بالمعنى المأمور به الواجب الذي لا بد أن يكون ممن ضربت عليه
~~الشقوة.

# { فسوف تعلمون من تكون له عقبة الدار } أي إنكم
~~لتعلمون ذلك لا محالة فسوف ms02998 لتأكيد مضمون الجملة. والعلم عرفاني فيتعدى
~~إلى واحد، و(من) استفهامية معلقة لفعل العلم محلها الرفع على الابتداء.
~~والجملة بعدها خبرها ومجموعهما ساد مسد مفعول العلم. والمراد بالدار
~~الدنيا لا دار السلام كما قيل، وبالعاقبة العاقبة الحسنى أي عاقبة الخير
~~لأنها الأصل فإنه تعالى جعل الدنيا مزرعة الآخرة وقنطرة المجاز إليها
~~وأراد من عباده أعمال الخير لينالوا حسن الخاتمة. وأما عاقبة الشر فلا
~~اعتداد بها لأنها من نتائج تحريف الفجار أي فسوف تعلمون أينا تكون له
~~العاقبة الحسنى التي خلق الله تعالى هذه الدار لها ويجوز أن تكون ما
~~موصولة فمحلها النصب على أنها مفعول { تعلمون } أي فسوف تعلمون الذي
~~له عاقبة الدار، وفيه مع الإنذار المستفاد من التهديد إنصاف في المقال
~~وتنبيه على كمال وثوق المنذر بأمره. وقرأ حمزة والكسائي { يكون }
~~بالتحتية لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي.

# { إنه } أي الشأن { لا يفلح الظلمون } أي لا يظفروا
~~بمطلوبهم، وإنما وضع الظلم موضع الكفر لأنه أعم منه وهو أكثر فائدة لأنه
~~إذا لم يفلح الظالم فكيف الكافر المتصف بأعظم أفراد الظلم.

### || [6.136]

# { وجعلوا } أي مشركو العرب { لله مما ذرأ } أي خلق. قال
~~الراغب: «الذرء، إظهار الله تعالى ما (أبدعه) يقال: ذرأ الله تعالى الخلق
~~أي أوجد أشخاصهم»، وقال الطبرسي: «الذرء الخلق على وجه الاختراع وأصله
~~الظهور ومنه ملح ذرآني [وذرآني] لظهور بياضه». و (من) متعلقة بجعل و
~~(ما) موصولة وجملة { ذرأ } صلته والعائد محذوف. وقوله سبحانه: { من
~~الحرث والأنعام } متعلق بذرأ. وجوز أبو البقاء أن يكون { مما }
~~متعلقا بمحذوف وقع حالا من قوله تعالى: { نصيبا } وأن يكون { من
~~الحرث } حالا أيضا من ما أو من العائد المحذوف. و { نصيبا } على
~~كل تقدير مفعول جعل وهو متعد لواحد، وجوز أن يكون متعديا لاثنين أولهما
~~{ مما ذرأ } على أن من تبعيضية وثانيهما { نصيبا } ، وقيل:
~~الأمر بالعكس. واعترض بأنه لا يساعده سداد المعنى، وأيا ما كان فهذا
~~شروع في تقبيح أحوالهم الفظيعة بحكاية أقوالهم وأفعالهم الشنيعة.

# أخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن ms02999 عباس رضي الله تعالى عنهما
~~أنه قال في الآية: إنهم كانوا إذا احترثوا حرثا أو كانت لهم ثمرة جعلوا
~~لله تعالى منه جزءا وجزءا للوثن فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب
~~الأوثان حفظوه وأحصوه فإن سقط شيء مما سمي للصمد ردوه إلى ما جعلوه للوثن
~~وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن فسقي شيئا مما جعلوه لله تعالى جعلوه
~~للوثن وإن سقط شيء من الحرث والثمرة الذي جعلوه لله تعالى فاختلط بالذي
~~جعلوه للوثن قالوا: هذا فقير ولم يردوه إلى ما جعلوا لله تعالى وإن سبقهم
~~الماء الذي سموا لله تعالى فسقي ما سموا للوثن تركوه للوثن، وكانوا
~~يحرمون من أنعامهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي فيجعلونه للأوثان
~~ويزعمون أنهم يحرمون لله سبحانه. وروي أنهم كانوا يعينون شيئا من حرث
~~ونتاج لله تعالى فيصرفونه إلى الضيفان والمساكين وأشياء منهما لآلهتهم
~~فينفقون منها لسدنتها / ويذبحون عندها فإذا رأوا ما جعلوه لله تعالى
~~زاكيا ناميا يزيد في نفسه خيرا رجعوا فجعلوه لآلهتهم وإذا زكا ما
~~جعلوه لآلهتهم تركوه معتلين بأن الله تعالى غني وما ذاك إلا لفرط جهلهم
~~حيث أشركوا الخالق القادر جمادا لا يقدر على شيء ثم رجحوه عليه سبحانه
~~بأن جعلوا الزاكي له، واختار هذه الرواية الزجاج وغيره.

# وأصل النظم الكريم وجعلوا لله الخ ولشركائهم فطوى ذكر الشركاء لأنه 
~~على ما قيل  أمر محقق عندهم وأشير إلى تقديره بالتصريح به في قوله
~~تعالى: { فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا
~~لشركائنا } أي الأوثان، وسموهم شركاءهم لأنهم جعلوا لهم نصيبا من
~~أموالهم فهم شركاؤهم فيها: ويحتمل أن الإضافة لأدنى ملابسة حيث إنهم
~~زعموا كونهم شركاء لله تعالى.

# وقرأ الكسائي ويحيى بن وثاب والأعمش { بزعمهم } بضم الزاي وهو
~~لغة فيه، وجاء الكسر أيضا فهو مثلث كالود وقد تقدم معناه، وإنما قيد به
~~الأول للتنبيه على أنه في الحقيقة ليس يجعل لله سبحانه غير مستتبع لشيء
~~من الثواب كالتطوعات التي يبتغى بها وجه الله تعالى، وقيل: للإيذان بأن
~~ذلك مما اخترعوه لم يأمرهم ms03000 الله تعالى به. ورد بأن ذلك مستفاد من الجعل
~~ولذلك لم يقيد به الثاني. وجوز أن يكون ذلك تمهيدا لما بعده على أن معنى
~~قولهم: { هذا لله } مجرد زعم منهم لا يعلمون بمقتضاه الذي هو
~~اختصاصه به تعالى.

# فقوله سبحانه: { فما كان لشركائهم فلا يصل إلى
~~الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم } بيان
~~وتفصيل له أي فما عينوه لشركائهم لا يصرف إلى الوجوه التي يصرف إليها ما
~~عينوه لله تعالى وما عينوه لله تعالى يصرف إلى الوجوه التي يصرف إليها ما
~~عينوه لآلهتهم { ساء ما يحكمون } فيما فعلوا من إيثار مخلوق عاجز
~~عن كل شيء على خالق قادر على كل شيء وعملهم بما لم يشرع لهم، و { ساء }
~~يجري مجرى بئس، فما سواء كانت موصولة أو موصوفة فاعل، والمخصوص بالذم
~~محذوف أي حكمهم هذا، وقيل: إن { ساء } هنا غير الجارية مجرى بئس فلا
~~تحتاج إلى مخصوص بالذم بل إلى فاعل فقط فإن فاعل الجارية يجب أن يكون
~~معرفا باللام أو مضافا في الأشهر، واختاره بعض المحققين.

### || [6.137]

# { وكذلك } أي ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربان من
~~الحرث والأنعام بين الله تعالى وبين شركائهم أو مثل ذلك التزيين البليغ
~~المعهود من الشياطين { زين لكثير من المشركين } أي مشركي
~~العرب { قتل أولدهم } فكانوا يئدون البنات الصغار بأن
~~يدفنونهن أحياء، وكانوا في ذلك على ما قيل فريقين أحدهما يقول: إن
~~الملائكة بنات الله سبحانه فألحقوا البنات بالله تعالى فهو أحق بها.
~~والآخر يقتلهن خشية الإنفاق، وقيل: خشية ذلك والعار وهو المروي عن الحسن
~~وجماعة، وقيل: السبب في قتل البنات أن النعمان بن المنذر أغار على قوم
~~فسبى نساءهم وكانت فيهن بنت قيس بن عاصم ثم اصطلحوا فأرادت كل امرأة منهن
~~عشيرتها غير ابنة قيس فإنها أرادت من سباها فحلف قيس لا تولد له بنت إلا
~~وأدها فصار ذلك سنة فيما بينهم، وقيل: إنهم كانوا ينذر أحدهم إذا بلغ
~~بنوه عشرة نحر واحد منهم كما فعله عبد المطلب في ms03001 قصته المشهورة، وإليها
~~أشار صلى الله عليه وسلم بقوله:

# " أنا ابن الذبيحين "

# و { قتل } مفعول { زين } مضاف إلى { أولدهم } من إضافة المصدر إلى
~~مفعوله.

# وقوله سبحانه: { شركاؤهم } فاعل له، والمراد بالشركاء إما الجن أو
~~السدنة، ووسموا بذلك لأنهم شركاء / في أموالهم كما مر آنفا أو لإطاعتهم
~~له كما يطاع الشريك لله عز اسمه. ومعنى تزيينهم لهم ذلك تحسينه لهم وحثهم
~~عليه. وقرأ ابن عامر { زين } بالبناء للمفعول الذي هو القتل، ونصب
~~الأولاد وجر الشركاء بإضافة القتل إليه مفصولا بينهما بمفعوله. وعقب ذلك
~~الزمخشري «بأنه شيء لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر لكان سمجا
~~مردودا كما سمج ورد

# زج القلوص أبي مزادة

# فكيف به في الكلام المنثور فكيف به في الكلام المعجز، ثم قال: والذي
~~حمله على ذلك أنه رأى في بعض المصاحف { شركائهم } مكتوبا بالياء،
~~ولو قرأ بجر الأولاد والشركاء لكان الأولاد شركاؤهم لوجد في ذلك مندوحة
~~عن هذا الإرتكاب» اه. «وقد ركب في هذا (الفصل متن) عمياء وتاه في تيهاء،
~~فقد تخيل أن القراء أئمة الوجوه السبعة اختار كل منهم حرفا قرأ به
~~اجتهادا لا نقلا وسماعا كما ذهب إليه بعض الجهلة فلذلك غلط ابن عامر
~~في قراءته هذه وأخذ يبين منشأ غلطه، وهذا غلط صريح يخشى منه الكفر
~~والعياذ بالله تعالى فإن القراآت السبعة متواترة جملة وتفصيلا عن أفصح
~~من نطق بالضاد صلى الله عليه وسلم فتغليط شيء منها في معنى تغليط رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم بل تغليط الله عز وجل نعوذ بالله سبحانه من
~~ذلك»، وقال أبو حيان: «أعجب لعجمي ضعيف في النحو يرد على عربي صريح محض
~~قراءة متواترة [موجود] نظيرها في كلام العرب في غير ما بيت، وأعجب (لسوء
~~ظن) هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله
~~تعالى شرقا وغربا، وقد اعتمد المسلمون على نقلهم لضبطهم ومعرفتهم
~~وديانتهم» اه.

# وقد شنع عليه أيضا غير واحد من الأئمة، ولعل عذره في ذلك جهله بعلمي
~~القراءة والأصول.

# وقد يقال: إنه ms03002 لم يفرق بين المضاف الذي لم يعمل وبين غيره ومحققو النحاة
~~قد فرقوا بينهما بأن الثاني يفصل فيه بالظرف، والأول إذا كان مصدرا أو
~~نحوه يفصل بمعموله مطلقا لأن إضافته في نية الانفصال ومعموله مؤخر رتبة
~~ففصله كلا فصل فلذا ساغ ذلك فيه ولم يخص بالشعر كغيره. وممن صرح بذلك ابن
~~مالك، وخطأ الزمخشري بعدم التفرقة وقال في «كافيته»:

# وظرف أو شبيهه قد يفصل

# جزئي إضافة وقد يستعمل

# فصلان في اضطرار بعض الشعرا

# وفي اختيار قد أضافوا المصدرا

# لفاعل من بعد مفعول حجز

# كقول بعض القائلين للرجز

# بفرك حب السنبل الكنافج

# بالقاع فرك القطن المحالج

# وعمدتي قراءة ابن عامر

# وكم لها من عاضد وناصر

# انتهى. وبعد هذا كله لو سلمنا أن قراءة ابن عامر منافية لقياس العربية
~~لوجب قبولها أيضا بعد أن تحقق صحة نقلها كما قبلت أشياء نافت القياس مع
~~أن صحة نقلها دون صحة القراءة المذكورة بكثير، وما ألطف قول الإمام على
~~ما حكاه عنه الجلال السيوطي، وكثيرا ما أرى النحويين متحيرين في تقرير
~~الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهد في تقريره ببيت مجهول فرحوا به
~~وأنا شديد التعجب منهم لأنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه
~~دليلا على صحته فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلا على صحته كان أولى،
~~ومما ذكرنا يعلم ما في قول السكاكي: لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف
~~إليه بغير الظرف، ونحو قوله:

# بين ذراعي وجبهة الأسد

# محمول على حذف المضاف إليه من الأول، ونحو قراءة من قرأ { قتل
~~أولدهم شركائهم } لاستنادها إلى الثقات وكثرة نظائرها، ومن
~~أرادها فعليه «بخصائص» ابن جني محمولة عندي على حذف المضاف إليه من الأول
~~واضمار المضاف في الثاني كما في قراءة من قرأ

# والله يريد الآخرة

# [الأنفال: 67] بالجر أي عرض الآخرة، وما ذكرت وإن كان فيه نوع بعد إلا
~~أن تخطئة الثقات والفصحاء أبعد اه. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ببناء {
~~زين } للمفعول ورفع { قتل } وجر { أولادهم } ورفع {  شركائهم }
~~بإضمار فعل دليل عليه { زين } كما ms03003 في قوله:

# ليبك يزيد ضارع لخصومة

# ومختبط مما تطيح الطوائح

# كأنه لما قيل: زين لهم قتل أولادهم قيل من زينه؟ شركاؤهم.

# { ليردوهم } أي ليهلكوهم بالإغواء { وليلبسوا عليهم
~~دينهم } أي ليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين إسمعيل عليه السلام
~~حتى زلوا عنه إلى الشرك أو دينهم الذي وجب أن يكونوا عليه.

# وقيل: المعنى ليوقعوهم في دين ملتبس، واللام للتعليل إن كان التزيين من
~~الشياطين لأن مقصودهم من إغوائهم ليس إلا ذلك، وللعاقبة إن كان من السدنة
~~إذ ليس محط نظرهم ذلك لكنه عاقبته { ولو شآء الله } أي عدم فعلهم
~~ذلك { ما فعلوه } أي ما فعل المشركون ما زين لهم من القتل أو ما
~~فعل الشركاء من التزيين أو الإرداء واللبس أو ما فعل الفريقان جميع ذلك
~~على إجراء الضمير المفرد مجرى اسم الإشارة { فذرهم وما
~~يفترون } الفاء فصيحة أي إذا كان ما كان بمشيئة الله تعالى فدعهم
~~وافتراءهم أو ما يفترونه من الكذب ولا تبال بهم فإن في ما يشاء الله
~~تعالى حكما بالغة وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفى.

### || [6.138]

# { وقالوا } حكاية لنوع آخر من أنواع كفر أولئك الكفار، وقيل: تتمة
~~لما تقدم { هذه } أي ما جعلوه لآلهتهم والتأنيث للخبر { أنعم
~~وحرث } أي زرع { حجر } أي ممنوع منها وهو فعل بمعنى مفعول كالذبح
~~يستوي فيه الواحد والكثير والذكر والأنثى لأن أصله المصدر ولذلك وقع صفة
~~لأنعام وحرث. وقرأ الحسن وقتادة { حجر } بضم الحاء، وقرأ أيضا بفتح
~~الحاء وسكون الجيم وبضم الحاء والجيم معا. ويحتمل في هذا أن يكون مصدرا
~~كالحلم، وأن يكون جمعا كسقف ورهن. وعن ابن عباس وابن الزبير رضي الله
~~عنهما { حرج } بكسر الحاء وتقديم الراء على الجيم أي ضيق وأصله حرج بفتح
~~الحاء وكسر الراء، وقيل: هو مقلوب من حجر كعميق ومعيق.

# { لا يطعمها } أي يأكلها { إلا من نشاء } يعنون  كما روي
~~عن ابن زيد  الرجال دون النساء، وقيل: يعنون ذلك وخدم الأوثان، والجملة
~~صفة أخرى لأنعام وحرث، وقوله سبحانه { بزعمهم } متعلق بمحذوف وقع
~~حالا ms03004 من فاعل { قالوا } أي قالوا ذلك متلبسين بزعمهم الباطل من غير
~~حجة { وأنعم } خبر مبتدأ محذوف والجملة معطوفة على قوله سبحانه: {
~~هذه أنعم } أي قالوا مشيرين إلى طائفة من أنعامهم وهذه أنعام.
~~وقيل: إن الإشارة أولا إلى ما جعل لآلهتهم السابق وما بينهما كالاعتراض
~~وهذا عطف على

# أنعم

# [الأنعام: 136] المتقدم إدخاله فيما تقدم لأن المراد به السوائب ونحوها
~~وهي بزعمهم تعتق وتعفى لأجل الآلهة { حرمت } أي منعت { ظهورها }
~~فلا تركب ولا يحمل عليها / { وأنعم } أي وهذه أنعام على ما مر.

# وقوله سبحانه: { لا يذكرون اسم الله عليها } صفة لأنعام
~~مسوق من قبله تعالى تعيينا للموصوف وتمييزا له عن غيره كما في قوله
~~تعالى:

# وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم
~~رسول الله

# [النساء: 157] في رأي لا أنه واقع في كلامهم المحكي كنظائره كأنه قيل:
~~وأنعام ذبحت على الأصنام فإنها التي لا يذكر اسم الله تعالى عليها وإنما
~~يذكر عليها اسم الأصنام. وأخرج ابن المنذر وغيره عن أبي وائل أن المعنى
~~لا يحجون عليها ولا يلبون. وعن مجاهد كانت لهم طائفة من أنعامهم لا
~~يذكرون اسم الله تعالى عليها ولا في شيء من شأنها لا إن ركبوا ولا أن
~~حلبوا ولاولا.

# { افتراء عليه } أي على الله سبحانه وتعالى، ونصب { افتراء }
~~على المصدر إما على أن قولهم المحكي بمعنى الافتراء، وإما على تقدير عامل
~~من لفظه أي افتروا افتراء أو على الحال من فاعل { قالوا } أي مفترين
~~أو على العلة أي للافتراء وهو بعيد معنى، و { عليه } قيل: متعلق
~~بقالوا أو بافتروا المقدر على الاحتمالين الأولين وبافتراء على
~~الاحتمالين الأخيرين. ولا يخفى بعد تعلقه بقالوا، والذي دعاهم إليه
~~ومنعهم من تعلقه بالمصدر  على ما قيل  أن المصدر إذا وقع مفعولا
~~مطلقا لا يعمل لعدم تقديره بأن والفعل، وفيه نظر لأن تأويله بذلك ليس
~~بلازم لتعلق الجار به فإنه مما يكفيه رائحة الفعل. وجوز أبو البقاء أن
~~يكون الجار متعلقا بمحذوف وقع صفة لافتراء أي افتراء كائنا عليه {
~~سيجزيهم } ولا بد { بما كانوا ms03005 يفترون } أي بسببه أو بدله،
~~وأبهم الجزاء للتهويل.

### || [6.139]

# { وقالوا } حكاية لفن آخر من فنون كفرهم. { ما فى بطون
~~هذه الأنعم } يعنون به أجنة البحائر والسوائب كما روي عن
~~مجاهد والسدي وروى ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن ابن عباس رضي الله
~~عنهما أنهم يعنون به الألبان، و «ما» مبتدأ خبره قوله سبحانه: {
~~خالصة لذكورنا } أي حلال لهم خاصة لا يشركهم فيه أحد من
~~الإناث، والتاء للنقل إلى الإسمية أو للمبالغة كراوية الشعر أي كثير
~~الرواية له أو لأن الخالصة مصدر  كما قال الفراء  كالعافية وقع موقع
~~الخالص مبالغة أو بتقدير ذو وهذا مستفيض في كلام العرب تقول: فلان خالصتي
~~أي ذو خلوصي، قال الشاعر:

# كنت أميني وكنت خالصتي

# وليس كل امرىء بمؤتمن

# نعم قيل: مجيء المصدر بوزن فاعل وفاعلة قليل، وقيل: إن التاء للتأنيث
~~بناء على أن «ما» عبارة عن الأجنة.

# والتذكير في قوله تعالى: { ومحرم على أزوجنا } أي على جنس
~~أزواجنا وهن الإناث باعتبار اللفظ، واستبعد ذلك بأن فيه رعاية المعنى
~~أولا واللفظ ثانيا وهو خلاف المعهود في الكتاب الكريم من العكس، وادعى
~~بعض أن له نظائر فيه، منها قوله تعالى:

# كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها

# [الإسراء: 38] إذ أنث فيه ضمير «كل» أولا مراعاة للمعنى ثم ذكر حملا
~~على اللفظ، وقيل: إن ما هنا جار على المعهود من رعاية اللفظ أولا لأن
~~صلة «ما» جار ومجرور تقدير متعلقه استقر لا استقرت ولا وجه لذلك لأن
~~المتعلق والضمير المستتر فيه لا يعلم تذكيره وتأنيثه حتى يكون مراعاة
~~لأحد الجانبين، والذي يقتضيه الإنصاف أن الحمل على اللفظ بعد المعنى قليل
~~وغيره أولى ما وجد إليه سبيل، وذكر بعضهم أن ارتكاب خلاف المعهود ههنا
~~لا يخلو عن لطف معنوي ولفظي، أما الأول فموافقة / القول الفعل حيث إن
~~المعهود من ذوي المروءة جبر قلوب الإناث لضعفهن. ولذا يندب للرجل إذا
~~أعطى شيئا لولده أن يبدأ بانثاهم، وأما الثاني فمراعاة ما يشبه الطباق
~~بوجه بين خالصة وذكورنا وبين محرم وأزواجنا وهو ms03006 كما ترى.

# { وإن يكن ميتة } عطف على ما يفهم من الكلام أي ذلك حلال
~~للذكور محرم على الإناث إن ولد حيا وإن ولدت ميتة { فهم } أي الذكور
~~والإناث { فيه } أي فيما في بطون الأنعام، وقيل: الضمير للميتة إلا أنه
~~لما كان المراد بها ما يعم الذكر والأنثى غلب الذكر فذكر الضمير كما فعل
~~ذلك فيما قبله { شركاء } يأكلون منه جميعا، وهذا الذي ذكر في هذه
~~الشرطية إنما يظهر على القول الأول في تفسير الموصول، وأما على القول
~~الثاني فيه فلا. ولعل الذي يقول به يقرأ الآية بإحدى الأوجه الآتية أو
~~يتأول الضمير، وقرأ الأعرج وقتادة { خالصة } بالنصب وخرج ذلك على أنه
~~مصدر مؤكد وخبر المبتدأ { لذكورنا } ، وقال القطب الرازي: يجوز أن
~~يكون حالا من الضمير في الظرف الواقع صلة أي في حال خلوصه من البطون أي
~~خروجه حيا، والتزم جعلها حالا مقدرة ولعله ليس باللازم، ومنع غير واحد
~~جعله حالا من الضمير فيما بعده أو من ذكورنا نفسه لأن الحال لا تتقدم
~~على العامل المعنوي كالجار والمجرور واسم الإشارة وها التنبيه العاملة
~~بما تضمنته من معنى الفعل ولا على صاحبها المجرور كما تقرر في محله، وقرأ
~~ابن جبير { خالصا } بدون تاء مع النصب أيضا؛ والكلام فيه نظير ما مر،
~~وقرأ ابن عباس وابن مسعود والأعمش { خالصة } بالرفع والإضافة إلى
~~الضمير على أنه بدل من ما أو مبتدأ ثان، وقرأ ابن عامر وأبو جعفر «وإن
~~تكن» بالتاء «ميتة» بالرفع، وابن كثير «يكن» بالياء وميتة بالرفع.

# وأبو بكر عن عاصم «تكن» بالتاء كابن عامر «ميتة» بالنصب. قال الإمام:
~~«وجه قراءة ابن عامر أنه ألحق الفعل علامة التأنيث لما كان الفاعل مؤنثا
~~في اللفظ، ووجه قراءة ابن كثير أن { ميتة } اسم { يكن } وخبره
~~مضمر أي إن يكن لهم أو هناك ميتة، وذكر لأن الميتة في معنى الميت». وقال
~~أبو علي: لم يلحق الفعل علامة التأنيث لأن تأنيث الفاعل المسند إليه غير
~~حقيقي ولا تحتاج كان إلى خبر لأنها بمعنى وقع وحدث، ووجه القراءة ms03007 الأخيرة
~~أن المعنى وإن تكن الأجنة أو الأنعام ميتة.

# { سيجزيهم } ولا بد { وصفهم } الكذب على الله تعالى في أمر
~~التحليل والتحريم من قوله تعالى:

# وتصف ألسنتهم الكذب

# [النحل: 62] وهو  كما قال بعض المحققين  من بليغ الكلام وبديعه فإنهم
~~يقولون: وصف كلامه الكذب إذا كذب، وعينه تصف السحر أي ساحر، وقده يصف
~~الرشاقة بمعنى رشيق مبالغة حتى كان من سمعه أو رآه وصف له ذلك بما يشرحه
~~له، قال المعري:

# سرى برق المعرة بعد وهن

# فبات برامة يصف الملالا

# ونصب { وصفهم } على ما ذهب إليه الزجاج لوقوعه موقع مصدر «يجزيهم»
~~فالكلام على تقدير المضاف أي جزاء وصفهم، وقيل: التقدير سيجزيهم العقاب
~~بوصفهم أي بسببه فلما سقط الباء نصب { وصفهم }.

# { إنه حكيم عليم } تعليل للوعد بالجزاء فإن الحكيم العليم بما
~~صدر عنهم لا يكاد يترك جزاءهم الذي هو من مقتضيات الحكمة. واستدل بالآية
~~على أنه لا يجوز الوقف على أولاده الذكور دون الإناث وأن ذلك الوقف يفسخ
~~ولو بعد موت الواقف لأن ذلك من فعل الجاهلية، واستدل بذلك بعض المالكية
~~على مثل ذلك/ في الهبة، وأخرج البخاري في «التاريخ» عن عائشة رضي الله
~~تعالى عنها قالت: يعمد أحدكم إلى المال فيجعله للذكور من ولده إن هذا إلا
~~كما قال الله تعالى: { خالصة لذكورنا ومحرم على
~~أزوجنا }.

### || [6.140]

# { قد خسر الذين قتلوا أولدهم } وهم العرب الذين
~~كانوا يقتلون أولادهم على ما مر، وأخرج ابن المنذر عن عكرمة أنها نزلت
~~فيمن كان يئد البنات من ربيعة ومضر أي هلكت نفوسهم باستحقاقهم على ذلك
~~العقاب أو ذهب دينهم ودنياهم.

# وقرأ ابن كثير وابن عامر { قتلوا } بالتشديد لمعنى التكثير أي
~~فعلوا ذلك كثيرا { سفها بغير علم } أي لخفة عقلهم وجهلهم
~~بصفات ربهم سبحانه، ونصب { سفها } على أنه علة لقتلوا أو على أنه حال
~~من فاعله، ويؤيده أنه قرىء { سفهاء } أو على المصدرية لفعل محذوف دل عليه
~~الكلام، والجار والمجرور إما صفة أو حال.

# { وحرموا ما رزقهم الله } من البحائر والسوائب ونحوهما {
~~افتراء على الله } نصب على ms03008 أحد الأوجه المذكورة، وإظهار الاسم
~~الجليل في موضع الإضمار لإظهار كمال عتوهم وطغيانهم { قد ضلوا } عن
~~الطريق السوي { وما كانوا مهتدين } إليه وإن هدوا بفنون
~~الهدايات أو ما كانوا مهتدين من الأصل، والمراد المبالغة في نفي الهداية
~~عنهم لأن صيغة الفعل تقتضي حدوث الضلال بعد أن لم يكن فأردف ذلك بهذه
~~الحال لبيان عراقتهم في الضلال وأن ضلالهم الحادث ظلمات بعضها فوق بعض،
~~وصرح بعض المحققين بأن الجملة عطف على { ضلوا } على الأول واعتراض
~~على الثاني، وقرأ ابن رزين { قد ضلوا قبل ذلك وما كانوا
~~مهتدين }.

### || [6.141]

# { وهو الذى أنشأ جنت معروشت } تمهيد لما سيأتي
~~من تفصيل أحوال الأنعام. وقال الإمام: «إنه عود إلى ما هو المقصود الأصلي
~~وهو إقامة الدلائل على تقرير التوحيد» أي وهو الذي خلق وأظهر تلك الجنات
~~من غير شركة لأحد في ذلك بوجه من الوجوه، والمعروشات من الكرم ما يحمل
~~على العريش وهو عيدان تصنع كهيئة السقف ويوضع الكرم عليها { وغير
~~معروشت } وهي الملقيات على وجه الأرض من الكرم أيضا، وهذا قول من
~~قال: إن المعروشات وغيرها كلاهما للكرم، وعن أبي مسلم أن المعروش ما
~~يحتاج إلى أن يتخذ له عريش يحمل عليه فيمسكه من الكرم وما يجري مجراه،
~~وغير المعروش هو القائم من الشجر المستغني باستوائه وقوة ساقه عن
~~التعريش، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المعروش ما يحصل
~~في البساتين والعمرانات مما يغرسه الناس وغير المعروش ما نبت في البراري
~~والجبال، وقيل: المعروش العنب الذي يجعل له عريش وغير المعروش كل ما نبت
~~منبسطا على وجه الأرض مثل القرع والبطيخ، وقال عصام الدين: ولا يبعد أن
~~يراد بالمعروش المعروش بالطبع كالأشجار التي ترتفع وبغير المعروش ما
~~ينبسط على وجه الأرض كالكرم، ويكون قوله سبحانه: { والنخل
~~والزرع } تخصيصا بعد التعميم وهو عطف على { جنت } أي أنشأهما
~~{ مختلفا } في الهيئة والكيفية { أكله } أي ثمره الذي يؤكل منه.

# وقرأ ابن كثير ونافع { أكله } بسكون الكاف وهو لغة فيه على ما يشير إليه ms03009
~~كلام الراغب، والضمير إما أن يرجع إلى أحد المتعاطفين على التعيين ويعلم
~~حكم الآخر بالمقايسة إليه أو إلى كل واحد على البدل أو إلى الجميع
~~والضمير بمعنى اسم الإشارة، وعن أبي حيان «أن الضمير لا يجوز إفراده مع
~~العطف بالواو... فالظاهر عوده على أقرب مذكور وهو { الزرع } ويكون قد
~~حذف حال النخل لدلالة هذه الحال عليها، والتقدير / والنخل مختلفا أكله
~~والزرع مختلفا أكله»، وجوز وجها آخر وهو أن في الكلام مضافا مقدرا
~~والضمير راجع إليه أي ثمر جنات، والحال المشار إليها على كل حال مقدرة إذ
~~لا اختلاف وقت الإنشاء. وزعم أبو البقاء أنها كذلك إن لم يقدر مضاف أي
~~ثمر النخل وحب الزرع وحال مقارنة إن قدر. { والزيتون والرمان
~~} أي أنشأهما { متشبها وغير متشبه } أي يتشابه بعض
~~أفرادهما في اللون أو الطعم أو الهيئة ولا يتشابه في بعضها، وأخرج ابن
~~المنذر. وأبو الشيخ عن ابن جريج أنه قال: متشابها في المنظر وغير متشابه
~~في المطعم، والنصب على الحالية.

# { كلوا } أمر إباحة كما نص عليه غير واحد { من ثمره } الكلام في
~~مرجع الضمير على طرز ما تقدم آنفا { إذا أثمر } وإن لم ينضج وينيع
~~بعد ففائدة التقييد إباحة الأكل قبل الإدراك، وقيل: فائدته رخصة المالك
~~في الأكل منه قبل أداء حق الله تعالى وهو اختيار الجبائي وغيره.

# { وءاتوا حقه } الذي أوجبه الله تعالى فيه { يوم حصاده }
~~وهو على ما في رواية عطاء عن ابن عباس العشر ونصف العشر، وإليه ذهب الحسن
~~وسعيد بن المسيب وقتادة وطاوس وغيرهم، والظرف قيد لما دل عليه الأمر
~~بهيئته من الوجوب لا لما دل عليه بمادته من الحدث إذ ليس الأداء وقت
~~الحصاد والحب في سنبله كما يفهم من الظاهر بل بعد التنقية والتصفية.
~~وادعى علي بن عيسى أن الظرف متعلق بالحق فلا يحتاج إلى ما ذكر من
~~التأويل. وفي رواية أخرى عن الحبر أنه ما كان يتصدق به يوم الحصاد بطريق
~~الوجوب من غير تعيين المقدار ثم نسخ بالزكاة، وإلى ذلك ذهب سعيد بن ms03010 جبير
~~والربيع بن أنس وغيرهما، قيل: ولا يمكن أن يراد به الزكاة المفروضة لأنها
~~فرضت بالمدينة والسورة مكية، وأجاب الإمام عن ذلك بأنا «لا نسلم أن
~~الزكاة ما كانت واجبة في مكة وكون آيتها مدنية لا يدل على ذلك، على أنه
~~قد قيل: إن هذه الآية مدنية أيضا»، وعن الشعبي أن هذا حق في المال سوى
~~الزكاة، وأخرج ابن منصور وابن المنذر، وغيرهما عن مجاهد أنه قال في الآية
~~إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل فإذا دسته فحضرك المساكين
~~فاطرح لهم فإذا ذريته وجمعته وعرفت كيله فاعزل زكاته وقرأ ابن كثير ونافع
~~وحمزة والكسائي { حصاده } بكسر الحاء وهي لغة فيه، وعدل عن حصده وهو
~~المصدر المشهور لحصد إليه لدلالته على حصد خاص وهو حصد الزرع إذا انتهى
~~وجاء زمانه كما صرح به سيبويه وأشار إليه الراغب.

# { ولا تسرفوا } أي لا تتجاوزوا الحد فتبسطوا أيديكم كل البسط في
~~الإعطاء. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: نزلت في ثابت بن
~~قيس بن شماس جذ نخلا فقال: لا يأتين اليوم أحد إلا أطعمته فأطعم حتى
~~أمسى وليست له ثمرة فأنزل الله تعالى ذلك، وروي مثله عن أبي العالية.
~~وعن أبي مسلم أن المراد ولا تسرفوا في الأكل قبل الحصاد كيلا يؤدي إلى
~~بخس حق الفقراء، وأخرج عبد الرزاق عن ابن المسيب أن المعنى لا تمنعوا
~~الصدقة فتعصوا، وقال الزهري: المعنى لا تنفقوا في معصية الله تعالى.
~~ويروى نحوه عن مجاهد. فقد أخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال: لو كان أبو
~~قبيس ذهبا فأنفقه رجل في طاعة الله تعالى لم يكن مسرفا ولو أنفق درهما
~~في معصية الله تعالى كان مسرفا، وقال مقاتل: المراد لا تشركوا الأصنام
~~في الحرث والأنعام. والخطاب على جميع هذه الأقوال لأرباب الأموال، وأخرج
~~ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أن الخطاب / للولاة أي لا تأخذوا ما ليس
~~لكم بحق وتضروا أرباب الأموال. واختار الطبرسي أنه خطاب للجميع من أرباب
~~الأموال والولاة ms03011 أي لا يسرف رب المال في الإعطاء ولا الإمام في الأخذ
~~والدفع.

# { إنه لا يحب المسرفين } بل يبغضهم من حيث إسرافهم
~~ويعذبهم عليه إن شاء جل شأنه.

### || [6.142]

# { ومن الأنعم حمولة وفرشا } شروع في تفصيل حال الأنعام
~~وإبطال ما تقولوا على الله تعالى في شأنها بالتحريم والتحليل، وهو عطف
~~على

# جنت

# [الأنعام: 141] والجهة الجامعة إباحة الانتفاع بهما. والجار والمجرور
~~متعلق بأنشأ. والحمولة ما يحمل عليه لا واحد له كالركوبة. والمراد به ما
~~يحمل الأثقال من الأنعام وبالفرش ما يفرش للذبح أو ما يفرش المنسوج من
~~صوفه وشعره ووبره، وإلى الأول ذهب أبو مسلم وروي عن الربيع بن أنس. وإلى
~~الثاني ذهب الجبائي، وقيل: الحمولة الكبار الصالحة للحمل والفرش الصغار
~~الدانية من الأرض مثل الفرش المفروش عليها، وروي ذلك عن ابن مسعود لكنه
~~رضي الله تعالى عنه خص ذلك بكبار الإبل وصغارها وهو إحدى روايات عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما، وفي رواية أخرى الحمولة الإبل والخيل والبغال
~~والحمير وكل شيء يحمل عليه والفرش الغنم.

# { كلوا مما رزقكم الله } أي كلوا بعض ما رزقكم الله تعالى
~~وهو الحلال فمن تبعيضية. والرزق شامل للحلال والحرام، والمعتزلة خصوه
~~بالحلال كما تقدم أوائل الكتاب وادعوا أن هذه الآية أحد أدلتهم على ذلك
~~وركبوا شكلا منطقيا أجزاؤه سهلة الحصول تقديره الحرام ليس بمأكول شرعا
~~وهو ظاهر والرزق ما يؤكل شرعا لقوله تعالى:

# كلوا مما رزقكم الله

# [الأنعام: 142] فالحرام ليس برزق. وأنت تعلم أن هذا إنما يفيد لو صدق كل
~~رزق مأكول شرعا، والآية لا تدل عليه، أما إذا كانت تبعيضية فظاهر، وأما
~~إن كانت ابتدائية فلأنه ليس فيها ما يدل على تناول الجميع، وقيل: معنى
~~الآية استحلوا الأكل مما أعطاكم الله تعالى.

# { ولا تتبعوا } في أمر التحليل والتحريم بتقليد أسلافكم
~~المجازفين في ذلك من تلقاء أنفسهم المفترين على الله سبحانه: { خطوت
~~الشيطن } أي طرقه فإن ذلك منهم بإغوائه واستتباعه إياهم { إنه
~~لكم عدو مبين } أي ظاهر العداوة فقد أخرج آدم عليه السلام من
~~الجنة ms03012 وقال:

# لأحتنكن ذريته إلا قليلا

# [الإسراء: 62] أعاذنا الله تعالى والمسلمين من شره إنه الرحمن الرحيم.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { ويوم يحشرهم جميعا } في
~~عين الجمع المطلق قائلا { يامعشر الجن } أي القوى النفسانية: {
~~قد استكثرتم من الإنس } أي من الحواس والأعضاء الظاهرة أو من
~~الصور الإنسانية بأن جعلتموهم أتباعكم بإغوائكم إياهم وتزيين اللذائذ
~~الجسمانية لهم { وقال أولياؤهم من الإنس ربنا
~~استمتع بعضنا ببعض } وانتفع كل منا في صورة الجمعية
~~الإنسانية بالآخر { وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا }
~~بالموت أو المعاد على أقبح الهيآت وأسوأ الأحوال { قال النار } أي
~~نار الحرمان ووجدان الآلام { مثواكم خلدين فيها إلا ما
~~شاء الله } ولا يشاء إلا ما يعلم ولا يعلم سبحانه الشيء إلا على ما
~~هو عليه في نفسه

# إن ربك حكيم

# [الأنعام: 128] لا يعذبكم إلا بهيئات نفوسكم على ما تقتضيه الحكمة عليهم
~~بهاتيك الهيئات فيعذب على حسبها { وكذلك نولى بعض
~~الظلمين بعضا } أي نجعل بعضهم ولي بعض أو إليه وقرينه في
~~العذاب

# بما كانوا يكسبون

# [الأنعام: 129] من المعاصي حسب استعدادهم.

# يمعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم

# [الأنعام: 130] وهي عند كثير من أرباب الإشارة العقول وهي رسل / خاصة
~~ذاتية إلى ذويها مصححة لإرسال الرسل الآخر وهي رسل خارجية. وبعض المعتزلة
~~حمل الرسول في قوله تعالى:

# وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا

# [الإسراء: 15] على العقل أيضا. وهذه الأسئلة عند بعض المؤولين والأجوبة
~~والشهادات كلها بلسان الحال وإظهار الأوصاف { ذلك أن لم يكن
~~ربك مهلك القرى } أي الأبدان أو القلوب

# بظلم وأهلها غفلون

# [الأنعام: 131] بل ينبههم بالعقل وإرشاده إقامة للحجة ولله تعالى الحجة
~~البالغة

# ولكل درجت

# [الأنعام: 132] مراتب في القرب والبعد { وربك الغنى } لذاته
~~عن كل ما سواه { ذو الرحمة } العامة الشاملة فخلق العباد ليربحوا
~~عليه لا ليربح عليهم، والغني عند الكثير مشير إلى نعت الجلال وذو الرحمة
~~إلى صفة الجمال { إن يشأ يذهبكم } لغناه الذاتي عنكم

# ويستخلف من بعدكم ما يشاء

# [الأنعام: 133] من أهل طاعته برحمته { قل... اعملوا على
~~مكانتكم } أي جهتكم من الاستعداد ms03013

# إنى عمل

# [الأنعام: 135] على مكانتي من ذلك { وهو الذى أنشأ } في قلوب
~~عباده { جنت معروشت } ككرم العشق والمحبة { وغير
~~معروشت } وهي الصفات الروحانية التي جبلت القلوب عليها كالسخاء
~~والوفاء والعفة والحلم. والشجاعة { والنخل } أي نخل الإيمان {
~~والزرع } أي زرع إرادات الأعمال الصالحة { والزيتون } أي
~~زيتون الإخلاص { والرمان } أي رمان شجر الإلهام، وقيل في كل غير
~~ذلك وباب التأويل واسع { كلوا من ثمره } وهو المشاهدات
~~والمكاشفات { إذآ أثمر وآتوا } المريدين { حقه } وهو
~~الإرشاد والموعظة الحسنة { يوم حصاده } أوان وصولكم فيه إلى مقام
~~التمكين والاستقامة { ولا تسرفوا } بالكتمان عن المستحقين أو
~~بالشروع في الكلام في غير وقته والدعوة قبل أوانها

# إنه لا يحب المسرفين

# [الأنعام: 141] لا يرتضي فعلهم { ومن الأنعم } أي قوى الإنسان
~~{ حمولة } ما هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف الشرع { وفرشا } ما
~~هو مستعد لإصلاح القالب وقيام البشرية { كلوا مما رزقكم
~~الله } وهو مختلف فرزق القلب هو التحقيق من حيث البرهان ورزق الروح هو
~~المحبة بصدق التحرز عن الأكوان. ورزق السر هو شهود العرفان بلحظ العيان {
~~ولا تتبعوا خطوت الشيطن } بالميل إلى الشهوات الفانية
~~والاحتجاب بالسوي

# إنه لكم عدو مبين

# [الأنعام: 142] يريد أن يحجبكم عن مولاكم والله تعالى الموفق لسلوك
~~الرشاد.

### || [6.143]

# { ثمنية أزوج } الزوج يقال لكل واحد من القرينين من الذكر
~~والأنثى في الحيوانات المتزاوجة ويطلق على مجموعهما، والمراد به هنا
~~الأول وإلا كانت أربعة. وإيرادها بهذا العنوان وهذا العدد أوفق لما سيق
~~له الكلام. و { ثمنية }  على ما قاله الفراء واختاره غير واحد من
~~المحققين  بدل من

# حمولة وفرشا

# [الأنعام: 142] منصوب بما نصبهما وهو ظاهر على تفسير الحمولة والفرش بما
~~يشمل الأزواج الثمانية أما لو خص ذلك بالإبل ففيه خفاء. وجوز أن يكون
~~التقدير وأنشأ ثمانية وأنه معطوف على

# جنت

# [الأنعام: 141] وحذف الفعل وحرف العطف، وضعفه أبو البقاء ووجهه لا يخفى.
~~وأن يكون مفعولا لكلوا الذي قبله والتقدير كلوا لحم ثمانية أزواج

# ولا تتبعوا

# [الأنعام: 142] جملة معترضة. وأن يكون حالا من ما مرادا بها الأنعام
~~ويؤول بنحو مختلفة أو ms03014 متعددة ليكون بيانا للهيئة، وهو عند من يشترط في
~~الحال أن يكون مشتقا أو مؤولا به ظاهر. وتعقب ذلك شيخ الإسلام «بأنه
~~يأباه جزالة النظم الكريم لظهور أنه مسوق لتوضيح حال الأنعام بتفصيلها
~~أولا إلى حمولة وفرش ثم تفصيلها إلى ثمانية أزواج حاصلة من تفصيل الأول
~~إلى الإبل والبقر وتفصيل الثاني إلى الضأن والمعز ثم / تفصيل كل من
~~الأقسام الأربعة إلى الذكر والأنثى كل ذلك لتحرير المواد التي تقولوا
~~فيها عليه سبحانه بالتحليل والتحريم ثم تبكيتهم بإظهار كذبهم وافترائهم
~~في كل مادة مادة من تلك المواد بتوجيه الإنكار إليها مفصلة» انتهى. وفيه
~~منع ظاهر.

# وقوله سبحانه: { من الضأن اثنين } على معنى زوجين اثنين الكبش
~~والنعجة. ونصب { اثنين } قيل: على أنه بدل من { ثمنية
~~أزوج } بدل بعض من كل أو كل من كل إن لوحظ العطف عليه منصوب بناصبه
~~والجار متعلق به. وقال العلامة الثاني: الظاهر أن { من الضأن } بدل
~~من

# الأنعم

# [الأنعام: 142] و { اثنين } من

# حمولة وفرشا

# [الأنعام: 142] أو من { ثمنية أزوج } إن جوزنا أن يكون للبدل
~~بدل، وجوز أن يكون البدل { اثنين } ومن الضأن حال من النكرة قدمت
~~عليها. وقرىء { اثنان } على أنه مبتدأ خبره الجار والمجرور، والجملة
~~بيانية لا محل لها من الإعراب، والضأن اسم جنس كالإبل جمع ضئين كأمير
~~وكعبيد أو جمع ضائن كتاجر وتجر، وقرىء بفتح الهمزة وهو لغة فيه.

# { ومن المعز } زوجين { اثنين } التيس والعنز. وقرأ ابن كثير
~~وأبو عمرو ويعقوب وابن عامر بفتح العين وهو جمع ماعز كصاحب وصحب وحارس
~~وحرس. وقرأ أبي { ومن المعزى } وهو اسم جمع معز، وهذه الأزواج الأربعة 
~~على ما اختاره شيخ الإسلام  تفصيل للفرش قال: «ولعل تقديمها في التفصيل
~~مع تأخر أصلها في الإجمال لكون هذين النوعين عرضة للأكل الذي هو معظم ما
~~يتعلق به الحل والحرمة وهو السر في الاقتصار على الأمر به في قوله تعالى:

# كلوا مما رزقكم الله

# [الأنعام: 142] من غير تعرض للانتفاع بالحمل والركوب وغير ذلك مما حرموه
~~في السائبة وأخواتها. ومن الناس من علل ms03015 التقديم بأشرفية الغنم ولهذا
~~رعاها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو لا يناسب المقام كما لا يخفى.

# { قل } تبكيتا لهم وإظهارا لعجزهم عن الجواب { ءآلذكرين }
~~ذكر الضأن وذكر المعز { حرم } الله تعالى { أم الأنثيين } أي
~~أنثى ذينك الصنفين، ونصب الذكرين والأنثيين بحرم { أما اشتملت
~~عليه أرحام الانثيين } أي أم الذي حملته إناث النوعين ذكرا
~~كان أو أنثى. { نبئوني بعلم } أي أخبروني بأمر معلوم من جهته
~~تعالى جاءت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يدل على أنه تعالى حرم
~~شيئا مما ذكر أو نبئوني تنبئة متلبسة بعلم صادرة عنه { إن كنتم
~~صدقين } في دعوى التحريم عليه سبحانه وتعالى، والأمر تأكيد للتبكيت
~~وإظهار الإنقطاع.

### || [6.144]

# { ومن الإبل } زوجين { اثنين } الجمل والناقة، وهذا عطف على
~~قوله سبحانه:

# ومن الضأن اثنين

# [الأنعام: 143] «والإبل  كما قال الراغب  يقع على البعران الكثيرة
~~ولا واحد له من لفظه» ويجمع  كما في «القاموس»  على آبال والتصغير
~~أبيلة». { ومن البقر اثنين } هما الثور وأنثاه { قل }
~~إفحاما لهم في أمر هذين النوعين أيضا { ءآلذكرين حرم } الله
~~تعالى منهما { أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام
~~الأنثيين } من ذينك النوعين، والمعنى  كما قال كثير من أجلة
~~العلماء  إنكار أن الله تعالى حرم عليهم شيئا من هذه الأنواع الأربعة
~~وإظهار كذبهم في ذلك وتفصيل ما ذكر من الذكور والإناث وما في بطونها
~~للمبالغة في الرد عليهم بإيراد الإنكار على كل مادة من / مواد افترائهم
~~فإنهم كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة وإناثها تارة وأولادها كيفما كانت
~~تارة أخرى مسندين ذلك كله لله سبحانه، وإنما لم يل المنكر وهو التحريم
~~الهمزة والجاري في الاستعمال أن ما نكر وليها لأن ما في النظم الكريم
~~أبلغ. وبيانه  على ما قال السكاكي  أن إثبات التحريم يستلزم إثبات محله
~~لا محالة فإذا انتفى محله وهو الموارد الثلاثة لزم انتفاء التحريم على
~~وجه برهاني كأنه وضع الكلام موضع من سلم أن ذلك قد كان ثم طالبه ببيان
~~محل كي يتبين كذبه ويفتضح عند المحاقة، وإنما لم يورد سبحانه الأمر عقيب
~~تفصيل الأنواع ms03016 الأربعة بأن يقال: قل آلذكور حرم أم الإناث أما اشتملت
~~عليه أرحام الإناث لما في [التثنية و] التكرير من المبالغة أيضا في
~~الإلزام والتبكيت.

# ونقل الإمام عن المفسرين أنهم قالوا: «إن المشركين من أهل الجاهلية
~~كانوا يحرمون بعض الأنعام فاحتج الله سبحانه على إبطال ذلك بأن للضأن
~~والمعز والإبل والبقر ذكرا وأنثى فإن كان قد حرم سبحانه منها الذكر وجب
~~أن يكون كل ذكورها حراما، وإن كان حرم جل شأنه الأنثى وجب أن يكون كل
~~إناثها حراما. وإن كان حرم الله تعالى شأنه ما اشتملت عليه أرحام الإناث
~~وجب تحريم الأولاد كلها لأن الأرحام تشتمل على الذكور والإناث. وتعقبه
~~بأنه بعيد جدا لأن لقائل أن يقول: هب أن هذه الأجناس الأربعة محصورة في
~~الذكور والإناث إلا أنه لا يجب أن تكون علة تحريم ما حكموا بتحريمه
~~محصورة في الذكورة والأنوثة بل علة تحريمها كونها بحيرة أو سائبة أو
~~وصيلة أو غير ذلك من الاعتبارات كما إذا قلنا: إنه تعالى حرم ذبح بعض
~~الحيوانات لأجل الأكل فإذا قيل: إن ذلك الحيوان إن كان قد حرم لكونه
~~ذكرا وجب أن يحرم كل حيوان ذكر، وإن كان قد حرم لكونه أنثى وجب أن يحرم
~~كل حيوان أنثى.

# ولما لم يكن هذا الكلام لازما علينا فكذا هذا الوجه الذي ذكره
~~المفسرون»، ثم ذكر في الآية وجهين من عنده وفيما ذكرنا غني عن نقلهما.
~~ومن الناس من زعم أن المراد من الإثنين في الضأن والمعز والبقر الأهلي
~~والوحشي وفي الإبل العربي والبختي وهو مما لا ينبغي أن يلتفت إليه،
~~وما روي عن ليث بن سليم لا يدل عليه، وقول الطبرسي: «إنه المروي عن أبي
~~عبد الله رضي الله تعالى عنه» كذب لا أصل له وهو شنشنة أعرفها من أخزم.

# وقوله سبحانه: { أم كنتم شهداء } تكرير للإفحام والتبكيت، و
~~(أم) منقطعة، والمراد بل أكنتم حاضرين مشاهدين { إذ وصكم
~~الله } أي أمركم وألزمكم { بهذا } التحريم إذ العلم بذلك إما بأن
~~يبعث سبحانه رسولا يخبركم به وإما بأن ms03017 تشاهدوا الله تعالى وتسمعوا كلامه
~~جل شأنه فيه. والأول مناف لما أنتم عليه لأنكم لا تؤمنون برسول فيتعين
~~المشاهدة والسماع بالنسبة إليكم وذلك محال ففي هذا ما لا يخفى من التهكم
~~بهم.

# { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } فنسب إليه
~~سبحانه تحريم ما لم يحرم، والمراد به  على ما روي عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما  عمرو بن لحي بن قمعة الذي بحر البحائر وسيب السوائب وتعمد
~~الكذب على الله تعالى، وقيل: كبراؤهم المقررون لذلك، وقيل: الكل
~~لاشتراكهم في الافتراء عليه سبحانه وتعالى، والمراد فأي فريق أظلم ممن
~~الخ، واعترض بأن قيد التعمد معتبر في معنى الافتراء. ومن تابع عمرا من
~~الكبراء يحتمل أنه أخطأ في تقليده فلا يكون متعمدا للكذب فلا ينبغي
~~تفسير الموصول به، والفاء لترتيب / ما بعدها على ما سبق من تبكيتهم
~~وإظهار كذبهم وافترائهم، ونصب { كذبا } قيل على المفعولية، وقيل: على
~~المصدرية من غير لفظ الفعل، وجعله حالا أي كاذبا جوزه بعض كمل
~~المتأخرين وهو بعيد لا خطأ خلافا لمن زعمه.

# { ليضل الناس } متعلق بالافتراء { بغير علم } متعلق
~~بمحذوف وقع حالا من ضمير (افترى) أي افترى عليه سبحانه جاهلا بصدور
~~التحريم عنه جل شأنه، وإنما وصف بعدم العلم مع أن المفتري عالم بعدم
~~الصدور إيذانا بخروجه في الظلم عن الحدود والنهايات فإن من افترى عليه
~~سبحانه بغير علم بصدور ذلك عنه جل جلاله مع احتمال صدوره إذا كان في تلك
~~الغاية من الظلم فما الظن بمن افترى وهو يعلم عدم الصدور. وجوز كونه
~~حالا من فاعل (يضل) على معنى متلبسا بغير علم بما يؤدي به إليه من
~~العذاب العظيم. وقيل: معنى الآية عليه أنه عمل عمل القاصد إضلال الناس من
~~أجل دعائهم إلى ما فيه الضلال وإن لم يقصد الإضلال وكان جاهلا بذلك غير
~~عالم به، وهو ظاهر في أن اللام للعاقبة وله وجه.

# وجوز أن يكون الجار متعلقا بمحذوف وقع حالا من { الناس } وما تقدم
~~أظهر وأبلغ في الذم. واستدل القاضي بالآية على ms03018 أن الإضلال عن الدين مذموم
~~لا يليق بالله تعالى لأنه سبحانه إذا ذم الإضلال الذي ليس فيه إلا تحريم
~~المباح فالذي هو أعظم منه أولى بالذم، وفيه أنه ليس كل ما كان مذموما من
~~الخلق كان مذموما من الخالق.

# { إن الله لا يهدى القوم الظلمين } إلى طريق الحق،
~~وقيل: إلى دار الثواب لاستحقاقهم العقاب واختاره الطبرسي، وإلى نحوه ذهب
~~القاضي بناء على مذهبه وليس بالبعيد على أصولنا أيضا. وقيل: إلى ما فيه
~~صلاحهم عاجلا وآجلا وهو أتم فائدة وأنسب بحذف المعمول، ونفي الهداية عن
~~الظالم يستدعي نفيها عن الأظلم من باب أولى.

### || [6.145]

# { قل } أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إلزام المشركين
~~وتبكيتهم وبيان أن ما يتقولونه في أمر التحريم افتراء بحت بأن يبين لهم
~~ما حرم عليهم. وقوله سبحانه: { لا أجد فى ما أوحى إلى
~~محرما } الخ كناية عن عدم الوجود، وفيه إيذان بأن طريق التحريم ليس
~~إلا التنصيص من الله تعالى دون التشهي والهوى، وتنبيه  كما قيل  على أن
~~الأصل في الأشياء الحل، و { محرما } صفة لمحذوف دل عليه ما بعد وقد
~~قام مقامه بعد حذفه فهو مفعول أول لأجد ومفعوله الثاني { فيما أوحى
~~} قدم للاهتمام لا لأن المفعول الأول نكرة لأنه نكرة عامة بالنفي فلا يجب
~~تقديم المسند الظرف، وليس المفعول الأول محذوفا أي لا أجد ريثما تصفحت
~~ما أوحي إلي قرآنا وغيره على ما يشعر به العدول عن أنزل إلى { أوحى
~~} أو ما أوحي إلي من القرآن طعاما محرما من المطاعم التي حرمتموها {
~~على طاعم } أي طاعم كان من ذكر أو أنثى ردا على قولهم:

# ومحرم على أزوجنا

# [الأنعام: 139] وقوله تعالى: { يطعمه } في موضع الصفة لطاعم جيء به
~~كما في قوله سبحانه:

# طائر يطير

# [الأنعام: 38] قطعا للمجاز. وقرىء { يطعمه } بالتشديد وكسر العين،
~~والأصل يطتعمه فأبدلت التاء طاء وأدغمت فيها الأولى، والمراد بالطعم
~~تناول الغذاء، وقد يستعمل طعم في الشراب أيضا كما تقدم الكلام عليه،
~~والمتبادر هنا الأول، وقد يراد به مطلق النفع، ومنه ما ms03019 في حديث بدر

# " ما قتلنا أحدا به طعم ما قتلنا إلا عجازا صلعا "

# أي قتلنا من لا منفعة له ولا اعتداد به، وإرادة هذا المعنى هنا بعيد
~~جدا ولم أر من قال به، نعم قيل: المراد سائر أنواع التناولات / من الأكل
~~والشرب وغير ذلك، ولعل إرادة غير الأكل فيه بطريق القياس، وكذا حمل
~~الطاعم على الواجد من قولهم: رجل طاعم أي حسن الحال مرزوق وإبقاء {
~~يطعمه } على ظاهره أي على واجد يأكله فلا يكون الوصف حينئذ لزيادة
~~التقرير على ما أشرنا إليه.

# { إلا أن يكون } ذلك الطعام أو الشيء المحرم { ميتة } المراد
~~بها ما لم يذبح ذبحا شرعيا فيتناول المنخنقة ونحوها. وقرأ ابن كثير
~~وحمزة { تكون } بالتاء لتأنيث الخبر، وقرأ ابن عامر وأبو جعفر { يكون
~~ميتة } بالياء ورفع { ميتة } وأبو جعفر يشدد أيضا على أن كان هي
~~التامة { أو دما } عطف على { ميتة } أو على أن مع ما في حيزه.
~~وقوله سبحانه: { مسفوحا } أي مصبوبا سائلا كالدم في العروق صفة له
~~خرج به الدم الجامد كالكبد والطحال. وفي الحديث

# " أحلت لنا ميتتان السمك والجراد ودمان الكبد والطحال "

# وقد رخص في دم العروق بعد الذبح، وإلى ذلك ذهب كثير من الفقهاء. وعن
~~عكرمة أنه قال: لولا هذا القيد لاتبع المسلمون من العروق ما اتبع اليهود.

# { أو لحم خنزير فإنه } أي اللحم  كما قيل  لأنه المحدث
~~عنه أو الخنزير لأنه الأقرب ذكرا. وذكر اللحم لأنه أعظم ما ينتفع به منه
~~فإذا حرم فغيره بطريق الأولى، وقيل  وهو خلاف الظاهر : الضمير لكل من
~~الميتة والدم ولحم الخنزير على معنى فإن المذكور { رجس } أي قذر أو
~~خبيث مخبث { أو فسقا } عطف على { لحم خنزير } على ما اختاره
~~كثير من المعربين وما بينهما اعتراض مقرر للحرمة { أهل لغير
~~الله به } صفة له موضحة. وأصل الإهلال رفع الصوت. والمراد الذبح على
~~اسم الأصنام. وإنما سمي ذلك فسقا لتوغله في الفسق. وجوز أن يكون (فسقا)
~~مفعولا له لأهل وهو عطف على { يكون } و { به } قائم مقام الفاعل. ms03020
~~والضمير راجع إلى ما رجع إليه المستكن في { يكون }. قال أبو حيان:
~~«وهذا إعراب متكلف جدا (والنظم عليه) خارج عن الفصاحة وغير جائز على
~~قراءة من قرأ { إلا أن يكون ميتة } بالرفع (لأن) ضمير { به }
~~ليس له ما يعود عليه، ولا يجوز أن يتكلف (له موصوف) محذوف يعود عليه
~~الضمير (أي) شيء أهل لغير الله به لأن مثل هذا لا يجوز إلا في ضرورة
~~الشعر» اه. وعنى بذلك  كما قال الحلبي  أنه لا يحذف الموصوف والصفة
~~جملة إلا إذا كان في الكلام  من  التبعيضية نحو منا أقام ومنا ظعن أي
~~فريق أقام وفريق ظعن فإن لم يكن فيه  من  كان ضرورة كقوله:

# ترمى بكفي كان من أرمى البشر

# أراد بكفي رجل كان الخ. وهذا  كما حقق في موضعه  رأي بعض، وأما غيره
~~فيقول: متى دل دليل على الموصوف حذف مطلقا فيجوز أن يرى المجوز هذا
~~الرأي ومنعه من حيث رفع الميتة  كما قال السفاقسي  فيه نظر لأن الضمير
~~يعود على ما يعود عليه بتقدير النصب والرفع لا يمنع من ذلك، نعم الإعراب
~~الأول أولى كما لا يخفى.

# { فمن اضطر } أي أصابته الضرورة الداعية إلى تناول شيء من ذلك {
~~غير باغ } أي طالب ما ليس له طلبه بأن يأخذ ذلك من مضطر آخر مثله.
~~وإلى هذا ذهب كثير من المفسرين. وقال الحسن: أي غير متناول للذة؛ وقال
~~مجاهد: غير باغ على إمام { ولا عاد } أي متجاوز قدر / الضرورة {
~~فإن ربك غفور رحيم } مبالغ في المغفرة والرحمة لا يؤاخذه
~~بذلك. وهذا جزاء الشرط لكن باعتبار لازم معناه وهو عدم المؤاخذة. وبعضهم
~~قال بتقدير جزاء يكون هذا تعليلا له ولا حاجة إليه.

# ونصب { غير } على أنه حال. وكذا ما عطف عليه. وليس التقييد بالحال
~~الأولى لبيان أنه لو لم يوجد القيد بالمعنى السابق لتحققت الحرمة المبحوث
~~عنها بل للتحذير من حرام آخر وهو أخذه حق مضطر آخر فإن من أخذ لحم ميتة
~~مثلا من مضطر آخر فأكله فإن حرمته ليست باعتبار كونه لحم ms03021 الميتة بل
~~باعتبار كونه حقا للمضطر الآخر. وأما الحال الثانية: فلتحقيق زوال
~~الحرمة المبحوث عنها قطعا فإن التجاوز عن القدر الذي يسد به الرمق حرام
~~من حيث إنه لحم الميتة. وفي التعرض لوصفي المغفرة والرحمة إيذان بأن
~~المعصية باقية لكن الله تعالى يغفر له ويرحمه وقد تقدم الكلام في ذلك
~~فتذكر ولا تغفل.

# واستشكلت هذه الآية بأنها حصرت المحرمات من المطعومات في أربعة: الميتة
~~والدم المسفوح ولحم الخنزير والفسق الذي أهل لغير الله تعالى به، ولا شك
~~أنها أكثر من ذلك. وأجيب بأن المعنى لا أجد محرما مما كان أهل الجاهلية
~~يحرمونه من البحائر والسوائب كما أشرنا إليه. وحينئذ يكون استثناء
~~الأربعة منه منقطعا أي لا أجد ما حرموه لكن أجد الأربعة محرمة. وهذا لا
~~دلالة فيه على الحصر. والاستثناء المنقطع ليس كالمتصل في الحصر كما نبهوا
~~عليه وهو مما ينبغي التنبه له. فإن قلت: المستثنى ليس ميتة بل كونه ميتة
~~وذلك ليس من جنس الطعام فيكون الاستثناء منقطعا لا محالة فلا حاجة إلى
~~ذلك التقييد. قال القطب: «نعم كذلك إلا أن المقصود إخراج الميتة من
~~الطعام المحرم يعني لا أجد محرما إلا الميتة فلولا التقييد كان في
~~الحقيقة استثناء متصلا وورد الإشكال. وضعف ذلك الجواب بأوجه. منها أنه
~~تعالى قال في سورة البقرة [173] وسورة النحل [115]

# إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم
~~الخنزير ومآ أهل لغير الله به

# وإنما تفيد الحصر، وقال سبحانه في سورة المائدة: [1]

# أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم

# وأجمع المفسرون على أن المراد بقوله عز وجل: { إلا ما يتلى
~~عليكم } قوله تعالى:

# حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير
~~وما أهل لغير الله به

# [المائدة: 3] وأما المنخنقة والموقوذة وغيرهما فهي أقسام الميتة. وإنما
~~أعيدت بالذكر لأنهم كانوا يحكمون عليها بالتحليل فالآيتان تدلان على أن
~~لا محرم إلا الأربعة وحينئذ يجب القول بدلالة الآية التي نحن بصددها على
~~الحصر لتطابق ذلك وأن لا تقييد مع أن الأصل عدم التقييد.

# وأجيب عن الإشكال بأن الآية إنما تدل ms03022 على أنه عليه الصلاة والسلام لم
~~يجد فيما أوحي إليه إلى تلك الغاية محرما غير ما نص عليه فيها، وذلك لا
~~ينافي ورود التحريم في شيء آخر قيل: وحينئذ يكون الاستثناء من أعم
~~الأوقات أو أعم الأحوال مفرغا بمعنى لا أجد شيئا من المطاعم محرما في
~~وقت من الأوقات أو حال من الأحوال إلا في وقت أو حال كون الطعام أحد
~~الأربعة فإني أجد حينئذ محرما فالمصدر المتحصل من أن يكون للزمان أو
~~الهيئة.

# واعترض الإمام هذا الجواب بأن ما يدل على الحصر من الآيات نزل بعد
~~استقرار الشريعة فيدل على أن الحكم الثابت في الشريعة المحمدية من أولها
~~إلى آخرها ليس إلا حصر / المحرمات في هذه الأشياء وبأنه لما ثبت بمقتضى
~~ذلك حصر المحرمات في الأربعة كان هذا اعترافا بحل ما سواها والقول
~~بتحريم شيء خامس يكون نسخا. ولا شك أن مدار الشريعة على أن الأصل عدم
~~النسخ لأنه لو كان احتمال طريان النسخ معادلا لاحتمال بقاء الحكم على ما
~~كان فحينئذ لا يمكن التمسك بشيء من النصوص في إثبات شيء من الأحكام
~~لاحتمال أن يقال: إنه وإن كان ثابتا إلا أنه زال».

# وما قيل في الاستثناء يرد عليه أن المصدر المؤول من أن والفعل لا ينصب
~~على الظرفية ولا يقع حالا لأنه معرفة وبعضهم قال لاتصال الاستثناء: إن
~~التقدير إلا الموصوف بأن يكون أحد الأربعة على أنه بدل من { محرما }
~~وفيه تكلف ظاهر، وقيل: التقدير على قراءة الرفع إلا وجود ميتة والإضافة
~~فيه من إضافة الصفة إلى الموصوف أي ميتة موجودة.

# وأجيب أيضا عن الإشكال بأن الآية وإن دلت على الحصر إلا أنا نخصصها
~~بالأخبار. وتعقبه الإمام أيضا «بأن هذا ليس من باب التخصيص بل هو صريح
~~النسخ لأنها لما كان معناها أن لا محرم سوى الأربعة فإثبات محرم آخر قول
~~بأن الأمر ليس كذلك وهو رفع للحصر ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز».
~~وأجاب عن ذلك القطب الرازي بأنه لا معنى للحصر ههنا إلا أن الأربعة
~~محرمة ms03023 وما عداها ليس بمحرم وهذا عام فإثبات محرم آخر تخصيص لهذا العام
~~وتخصيص العام بخبر الواحد جائز.

# وقد احتج بظاهر الآية كثير من السلف فأباحوا ما عدا المذكور فيها فمن
~~ذلك الحمر الأهلية. أخرج البخاري عن عمرو بن دينار قلت لجابر بن عبد
~~الله: أنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر
~~الأهلية زمن خيبر فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو عن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم ولكن أبى ذلك البحر  يعني ابن عباس  وقرأ { قل لا
~~أجد فيما أوحى إلى } الآية. وأخرج أبو داود عن ابن عمر رضي
~~الله تعالى عنهما أنه سئل عن أكل القنفذ فقرأ الآية، وأخرج ابن أبي حاتم
~~وغيره بسند صحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت إذا سئلت عن كل
~~ذي ناب من السباع ومخلب من الطير قالت { قل لا أجد } الخ. وأخرج عن
~~ابن عباس قال: ليس من الدواب شيء حرام إلا ما حرم الله تعالى في كتابه {
~~قل لا أجد } الآية، وقوى الإمام الرازي القول بالظاهر فإنه قال بعد
~~كلام «فثبت بالتقرير الذي ذكرناه قوة هذا الكلام وصحة هذا المذهب وهو
~~الذي كان يقول به مالك بن أنس؛ ثم قال: ومن السؤالات الضعيفة أن كثيرا
~~من الفقهاء خصصوا عموم هذه الآية بما نقل أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " ما استخبثته العرب فهو حرام "

# وقد علم أن الذي تستخبثه غير مضبوط فسيد العرب بل سيد العالمين عليه
~~الصلاة والسلام لما رآهم يأكلون الضب قال:

# " يعافه طبعي "

# ولم يكن ذلك سببا لتحريمه. وأما سائر العرب ففيهم من لا يستقذر شيئا
~~وقد يختلفون في بعض الأشياء فيستقذرها قوم ويستطيبها آخرون فعلم أن أمر
~~الاستقذار غير مضبوط بل هو مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال فكيف يجوز نسخ
~~هذا النص القاطع بذلك الأمر الذي ليس له ضابط معين ولا قانون معلوم»
~~انتهى. ولا يخفى ما فيه.

# واستدل النبي صلى الله عليه وسلم بقوله سبحانه { على طاعم
~~يطعمه ms03024 } على أنه إنما حرم من الميتة أكلها وأن جلدها يطهر بالدبغ،
~~أخرج أحمد وغيره عن ابن عباس قال:

# " ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو
~~أخذتم مسكها فقالت نأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إنما
~~قال الله تعالى { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما
~~على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة } وإنكم لا تطعمونه
~~أن تدبغوه تنتفعوا به "

# واستدل الشافعية بقوله سبحانه: { فإنه رجس } على نجاسة الخنزير
~~بناء على عود الضمير على خنزير لأنه أقرب مذكور.

### || [6.146]

# { وعلى الذين هادوا } أي اليهود خاصة لا على من عداهم من
~~الأولين والآخرين { حرمنا كل ذى ظفر } أي ما ليس منفرج
~~الأصابع كالإبل والنعام والأوز والبط قاله ابن عباس وابن جبير وقتادة
~~ومجاهد والسدي، وعن ابن زيد أنه الإبل فقط، وقال الجبائي: يدخل فيه كل
~~السباع والكلام والسنانير وما يصطاد بظفره، وعن القتبي والبلخي أنه ذو
~~المخلب من الطير وذو الحافر من الدواب وسمي الحافر ظفرا مجازا. واستبعد
~~ذلك الإمام، ولعل المسبب عن الظلم هو تعميم التحريم لأن البعض كان حراما
~~قبله. ويحتمل أن يراد كل ذي ظفر حلال بقرينة { حرمنا } وهذا  كما
~~قيل  تحقيق لما سلف من حصر المحرمات فيما فصل بإبطال ما يخالفه من فرية
~~اليهود وتكذيبهم في ذلك فإنهم كانوا يقولون: لسنا أول من حرمت عليه وإنما
~~كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعدهما عليهما السلام حتى انتهى التحريم
~~إلينا، وقال بعض المحققين: إن ذلك تتميم لما قبله لأن فيه رفع أنه تعالى
~~حرم على اليهود جميع هذه الأمور فكذلك حرم البحيرة والسائبة ونحوهما بأن
~~ذلك كان على اليهود خاصة غضبا عليهم. وقرأ الحسن { ظفر } بكسر الظاء
~~وسكون الفاء. وقرأ أبو السماك بكسرهما. وقرىء كما قال أبو البقاء { ظفر }
~~بضم الظاء وسكون الفاء.

# { ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما }
~~لا لحومهما فإنها باقية على الحل، والمراد بالشحوم ما يكون على الأمعاء
~~والكرش من الشحم الرقيق وشحوم الكلى، وقيل: هو عام ms03025 استثني منه ما سيأتي.
~~و { من البقر } متعلق بحرمنا بعده وكان يكفي حينئذ أن يقال: الشحوم
~~لكنه أضيف لزيادة الربط والتأكيد كما يقال: أخذت من زيد ماله وهو متعارف
~~في كلامهم، وجوز أبو البقاء  وظاهر صنيعه اختياره مع أنه خلاف الظاهر 
~~أن { من البقر } عطف على { كل ذى ظفر } على معنى وبعض البقر
~~وجعل { حرمنا عليهم شحومهما } تبيينا للمحرم من ذلك
~~وحينئذ الإضافة للربط المحتاج إليه.

# { إلا ما حملت ظهورهما } أي ما علق بظهورهما. والاستثناء
~~منقطع أو متصل من الشحوم. وإلى الانقطاع ذهب الإمام الأعظم رضي الله
~~تعالى عنه فقد نقل عنه لو حلف لا يأكل شحما يحنث بشحم البطن فقط. وخالفه
~~في ذلك صاحباه فقالا يحنث بشحم الظهر أيضا لأنه شحم وفيه خاصية الذوب
~~بالنار. وأيد ذلك بهذا الاستثناء بناء على أن الأصل فيه الاتصال. وللإمام
~~رضي الله تعالى عنه أنه لحم حقيقة لأنه ينشأ من الدم ويستعمل كاللحم في
~~اتخاذ الطعام والقلايا ويؤكل كاللحم ولا يفعل ذلك بالشحم ولهذا يحنث
~~بأكله لو حلف لا يأكل لحما وبائعه يسمى لحاما لا شحاما.

# والاتصال وإن كان أصلا في الاستثناء إلا أن هنا ما يدل على الانقطاع
~~وهو قوله تعالى: { أو الحوايا } فإنه عطف على المستثنى وليس بشحم
~~بل هو بمعنى المباعر كما روي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما أن المرابض وهي
~~نبات اللبن كما روي عن ابن زيد أو المصارين والأمعاء كما قال غير واحد من
~~أهل اللغة. وللقائل بالاتصال أن يقول: العطف على تقدير مضاف أي شحوم
~~الحوايا أو يؤول ذلك بما حمله الحوايا من شحم على أنه يجوز أن يفسر
~~الحوايا بما اشتملت عليه الأمعاء لأنه من حواه بمعنى اشتمل عليه فيطلق
~~على الشحم الملتف / على الأمعاء. وجوز غير واحد أن يكون العطف على {
~~ظهورهما } وأن يكون على { شحومهما } وحينئذ يكون ما ذكر محرما
~~وإليه ذهب بعض السلف. وهو يعطف قوله تعالى: { أو ما اختلط
~~بعظم } وهو شحم الألية لاتصالها بالعصعص، وقيل: هو المخ ولا يقول أحد
~~أنه ms03026 شحم عليه ويقول بتحريمه أيضا.

# و الحوايا قيل جمع حاوية كزاوية وزوايا ووزنه فواعل وأصله حواوي فقلبت
~~الواو التي هي عين الكلمة همزة لأنها ثاني حرفي لين اكتنفا مدة مفاعل ثم
~~قلبت الهمزة المكسورة ياء ثم فتحت لثقل الكسرة على الياء فقلبت الياء
~~الأخيرة ألفا لتحركها بعد فتحة فصارت حوايا أو قلبت الواو همزة مفتوحة
~~ثم الياء الأخيرة ألفا ثم الهمزة ياء لوقوعها بين ألفين كما فعل بخطايا؛
~~وقيل: جمع حاوياء كقاصعاء وقواصع ووزنه فواعل أيضا وإعلاله كما علمت،
~~وقيل: جمع حوية كظريفة وظرائف ووزنه فعائل وأصله حوائي فقلبت الهمزة ياء
~~مفتوحة والياء التي هي لام ألفا فصار حوايا. وجوز الفارسي أن يكون جمعا
~~لكل واحد من هذه الثلاثة وقد سمع في مفرده أيضا.

# و { أو } بمعنى الواو. وقال أبو البقاء لتفصيل مذاهبهم نظيرها في قوله
~~تعالى:

# وقالوا كونوا هودا أو نصرى

# [البقرة: 135] وقال الزجاج: هي فيما إذا كان العطف على الشحوم للإباحة
~~كما في قوله تعالى:

# ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا

# [الإنسان: 24] أي كل هؤلاء أهل أن يعصى فاعص هذا أو اعص هذا. و { أو }
~~بليغة في هذا المعنى لأنك إذا قلت: لا تطع زيدا وعمرا فجائز أن تكون
~~نهيت عن طاعتهما معا فإن أطيع زيد على حدته لم يكن معصية فإذا قلت: لا
~~تطع زيدا أو عمرا أو خالدا كان المعنى هؤلاء كلهم أهل أن لا يطاع فلا
~~تطع واحدا منهم ولا تطع الجماعة، ومنه جالس الحسن أو ابن سيرين أو
~~الشعبي فليس المعنى الأمر بمجالسة واحد منهم بل المعنى كلهم أهل أن
~~يجالس فإن جالست واحدا منهم فأنت مصيب وإن جالست الجماعة فأنت مصيب.
~~واختاره العلامة الثاني وقال: الوجه أن يقال إن كلمة { أو } في العطف
~~على المستثنى من قبيل جالس الحسن أو ابن سيرين كما في العطف على المستثنى
~~منه يعني أنها لإفادة التساوي في الكل فيحرم الكل.

# وتحقيقه أن مرجع التحريم إلى النهي كأنه قيل لا تأكلوا أحد الثلاثة وهو
~~معنى العموم، وهذا مراد ms03027 الزمخشري فيما نقل عنه من أن الجملة لما دخلت في
~~حكم التحريم فوجه العطف بحرف التخيير أنها بليغة بهذا المعنى ثم قال:
~~وبهذا يتبين فساد ما يتوهم أنه يريد أنه على تقدير العطف على المستثنى
~~منه يكون المعنى حرمنا عليهم شحومهما أو حرمنا عليهم الحوايا أو حرمنا
~~عليهم ما اختلط بعظم فيجوز لهم ترك أيها كان وأكل الآخرين وادعى أن
~~الظاهر أن مثل هذا وإن كان جائزا فليس من الشرع أن يحرم أو يحلل واحد
~~مبهم من أمور معينة وإنما ذلك في الواجب فقط. وهذه الدعوى من العجب فإن
~~الحرام المخير والمباح المخير مما صرح به الفقهاء وأهل الأصول قاطبة
~~ويحتاج الأمر إلى إمعان نظر فليمعن، وذكر الطيبي في حاصل كلام بعض
~~المحققين في { أو } هنا أنك إذا عطفت على الشحوم دخلت الثلاثة تحت حكم
~~النفي فيحرم الكل سوى ما استثنى منه وإذا عطفت على المستثنى لم يحرم سوى
~~الشحوم و { أو } على الوجه الأول للإباحة وعلى الثاني للتنويع.

# { ذلك } إشارة إلى الجزاء أو التحريم فهو على الأول: نصب على أنه
~~مصدر مؤكد لما بعده. وعلى الثاني: على أنه مفعول ثان له أي ذلك التحريم {
~~جزينهم } وجزى يتعدى بالباء وبنفسه كما ذكره الراغب وغيره. وما
~~نقل عن ابن مالك أن اسم الإشارة لا ينتصب مشارا به إلى المصدر إلا ويتبع
~~بالمصدر نحو قمت هذا القيام وقعدت ذلك القعود ولا يجوز قمت هذا ولا قعدت
~~ذاك رده أبو حيان والجلبي وصححا ورود اسم الإشارة مشارا به إلى المصدر
~~غير متبوع به. / وجوز كون ذلك خبر مبتدأ مقدر أي الأمر ذلك أو مبتدأ خبره
~~ما بعده والعائد محذوف أي جزيناهم إياه { ببغيهم } أي بسبب ظلمهم
~~وهو قتلهم الأنبياء بغير حق وأكلهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال
~~الناس بالباطل. وكانوا كلما أتوا بمعصية عوقبوا بتحريم شيء مما أحل لهم
~~وهم ينكرون ذلك ويدعون أنها لم تزل محرمة على الأمم. وقيل: المراد ببغيهم
~~على فقرائهم بناء على ما نقل علي بن إبراهيم في ms03028 «تفسيره» أن ملوك بني
~~إسرائيل كانوا يمنعون فقراءهم من أكل لحوم الطير والشحوم فحرم الله تعالى
~~عليهم ذلك بسبب هذا المنع وهو تابع للمصلحة أيضا ولا بعد في أن يكون
~~المنع من الانتفاع لمزيد استحقاق الثواب وأن يكون لجرم متقدم.

# { وإنا لصدقون } في جميع أخبارنا التي من جملتها الأخبار
~~بالتحريم وبالبغي. وعد منها  واقتصر عليه بعضهم  الوعد والوعيد.

# وقوى الإمام بهذه الآية «ما ذهب إليه الإمام مالك وكثير من السلف وهو
~~القول بما يقتضيه ظاهر الآية السابقة من حل ما عدا الأربعة المذكورة فيها
~~وذلك أنه أوجب حمل الظفر على المخلب لبعد حمله على الحافر لوجهين، الأول:
~~أن الحافر لا يكاد يسمى ظفرا. والثاني: أن الأمر لو كان كذلك لوجب أن
~~يقال: إنه تعالى حرم عليهم كل حيوان له حافر وهو باطل لأن الآية تدل على
~~أن الغنم والبقر مباحان لهم مع حصول الحافر لهم وإذا وجب حمله على
~~المخلب. والآية تفيد تخصيص هذه الحرمة باليهود كما أشرنا إليه من وجهين،
~~الأول: إفادة التركيب الحصر لغة، والثاني: أنها لو كانت ثابتة في حق الكل
~~لم يبق للاقتصار على ذكرهم فائدة ووجب أن لا تكون السباع وذوات المخلب من
~~الطير محرمة على المسلمين بل يكون تحريمها مختصا باليهود وحينئذ فما روي
~~أنه صلى الله عليه وسلم حرم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير ضعيف
~~لأنه خبر واحد على خلاف كتاب الله تعالى فلا يكون مقبولا» فيتقرر قول
~~الجماعة السابق وفيه نظر لا يخفى فتدبر.

### || [6.147]

# { فإن كذبوك } أي اليهود كما قال مجاهد والسدي وغيرهما وهو الذي
~~يقتضيه الظاهر لأنهم أقرب ذكرا ولذكر المشركين بعد بعنوان الإشراك،
~~وقيل: الضمير للمشركين. فالمعنى على الأول: إن كذبك اليهود في الحكم
~~المذكور وأصروا على ما كانوا عليه من ادعاء قدم التحريم { فقل } لهم {
~~ربكم ذو رحمة } عظيمة { واسعة } لا يؤاخذكم بكل ما تأتونه
~~من المعاصي ويمهلكم على بعضها { ولا يرد بأسه } أي لا يدفع
~~عذابه بالكلية { عن القوم المجرمين } فلا تنكروا ما ms03029 وقع منه
~~تعالى من تحريم بعض الطيبات عليكم عقوبة وتشديدا. وعلى الثاني: فإن كذبك
~~المشركون فيما فصل من أحكام التحليل والتحريم فقل لهم ربكم ذو رحمة واسعة
~~ولا يعاجلكم بالعقوبة على تكذيبكم فلا تغتروا بذلك فإنه إمهال لا إهمال.
~~وقيل يحتمل أن يكون المراد أنه تعالى ذو رحمة واسعة فهو يرحمني بتوفيق
~~كثير لتصديقي فلا يضرني تكذيبكم ويضركم لأنه لا يرد بأسه عن المجرمين
~~المكذبين أو سيرحمني بالانتقام منكم ولا يرد بأسه عنكم وفيه بعد، وقيل:
~~المراد ذو رحمة للمطيعين وذو بأس شديد على المجرمين فأقيم مقامه قوله
~~تعالى: { ولا يرد } الخ لتضمنه التنبيه على إنزال البأس عليهم مع
~~الدلالة أنه لاحق بهم البتة من غير صارف يصرفه عنهم أصلا.

### || [6.148]

# { سيقول الذين أشركوا } حكاية لفن آخر من أباطيلهم
~~والإخبار قبل وقوعه ثم وقوعه حسبما أخبر كما يحكيه قوله تعالى عند وقوعه:

# وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من
~~دونه من شيء

# [النحل: 35] صريح في أنه من / عند الله تعالى، وقد نص غير واحد على أن
~~وقوع ما أخبر الله تعالى به من المغيبات من وجوه الإعجاز لكلامه وإن لم
~~يكن الإعجاز به فقط كما في قول مضعف { لو شاء الله } عدم إشراكنا
~~وعدم تحريمنا شيئا { ما أشركنا ولا ءاباؤنا ولا حرمنا
~~من شىء } لم يريدوا بهذا الكلام الاعتذار عن ارتكاب القبيح إذ لم
~~يعتقدوا قبح أفعالهم وهي أفعى لهم بل هم كما نطقت به الآيات

# يحسبون أنهم يحسنون صنعا

# [الكهف: 104] وأنهم إنما يعبدون الأصنام ليقربوهم إلى الله زلفى وأن
~~التحريم إنما كان من الله عز وجل فما مرادهم بذلك إلا الاحتجاج على أن ما
~~ارتكبوه حق ومشروع ومرضي عند الله تعالى بناء على أن المشيئة والإرادة
~~تساوق الأمر وتستلزم الرضا كما زعمت المعتزلة فيكون حاصل كلامهم أن ما
~~نرتكبه من الشرك والتحريم وغيرهما تعلقت به مشيئة الله تعالى وإرادته،
~~وكل ما تعلق به مشيئته سبحانه وإرادته فهو مشروع ومرضي عنده عز وجل فينتج
~~أن ما نرتكبه من ms03030 الشرك والتحريم مشروع ومرضي عند الله تعالى.

# وبعد أن حكى سبحانه ذلك عنهم رد عليهم بقوله عز من قائل { كذلك } أي
~~مثل ما كذب هؤلاء { كذب الذين من قبلهم } وهم أسلافهم
~~المشركون. وحاصله أن كلامهم يتضمن تكذيب الرسل عليهم السلام وقد دلت
~~المعجزة على صدقهم. ولا يخفى أن المقدمة الأولى لا تكذيب فيها نفسها بل
~~هي متضمنة لتصديق ما تطابق فيه العقل والشرع من كون كل كائن بمشيئة الله
~~تعالى وامتناع أن يجري في ملكه خلاف ما يشاء. فمنشأ التكذيب هو المقدمة
~~الثانية لأن الرسل عليهم السلام يدعونهم إلى التوحيد ويقولون لهم: إن
~~الله تعالى لا يرضى لعباده الكفر دينا ولا يأمر بالفحشاء فيكون قولهم:
~~إن ما نرتكبه مشروع ومرضي عنده تعالى تكذيب لهذا القول، وحيث كان فساد
~~هذه الحجة باعتبار المقدمة الثانية تعين أنها ليست بصادقة وحينئذ يصدق
~~نقيضها وهي أنه ليس كل ما تعلقت به المشيئة والإرادة بمشروع ومرضي عنده
~~سبحانه بناء على أن الإرادة لا تساوق الأمر والرضا على ما هو مذهب أهل
~~السنة إذ المشيئة ترجح بعض الممكنات على بعض مأمورا كان أو منهيا حسنا
~~كان أو قبيحا. وعلى هذا فلا حجة في الآية للمعتزلة بل قد انقلب الأمر
~~فصارت الآية حجة لنا عليهم لأنهم لم يفرقوا بين المأمور والمراد واعتقدوا
~~كالمشركين بأن كل مراد مأمور ومرضي، ويجوز أيضا أن يقال: مقصود المشركين
~~من قولهم ذلك رد دعوة الأنبياء عليهم السلام ورفع البعثة والتكليف وهو
~~المذكور في كثير من الكتب الكلامية.

# وحاصله حينئذ أن ما شاء الله تعالى يجب وما لم يشأ يمتنع وكل ما هذا
~~شأنه فلا يكلف به لكونه مشروطا بالاستطاعة فينتج أن ما نرتكبه من الشرك
~~وغيره لم نكلف بتركه ولم يبعث له نبي فرد الله تعالى عليهم بأن هذه كلمة
~~صدق أريد بها باطل لأنهم أرادوا بها أن الرسل عليهم السلام في دعواهم
~~البعثة والتكليف كاذبون وقد ثبت صدقهم بالدلائل القطعية ولكون ذلك صدقا
~~أريد به باطل ذمهم الله تعالى بالتكذيب، ووجوب ms03031 وقوع متعلق المشيئة لا
~~ينافي صدق دعوى البعثة والتكليف لأنهما لإظهار المحجة وإبلاغ الحجة.
~~وسيأتي توجيه آخر إن شاء الله تعالى قريبا للآية.

# وعطف { ءاباؤنا } على الضمير المرفوع في { أشركنا } وساغ ذلك
~~عند البصريين وإن لم يؤكد الضمير لأنه يكفي عندهم أي فاصل كان، وقد فصل
~~بلا ههنا، والكوفيون لا يشترطون في ذلك شيئا ويستدلون بما هنا ولا
~~يعتبرون هذا الفصل لأنه ينبغي أن يتقدم حرف العطف ليدفع الهجنة ولا يكفي
~~عندهم الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، وتوقف أبو علي في كفاية الفصل
~~بين المعطوف والمعطوف عليه وإن لم يفصل / حرف العطف. وادعى الإمام «أن في
~~الكلام تقديرا لأن النفي لا يصرف إلى ذوات الآباء بل يجب صرفه إلى فعل
~~صدر منهم وذلك هو الإشراك فيكون التقدير ما أشركنا ولا أشرك آباؤنا
~~وحينئذ فلا إشكال».

# { حتى ذاقوا بأسنا } أي نالوا عذابنا الذي أنزلناه عليهم
~~بتكذيبهم، وفيه  على ما قيل  إيماء إلى أن لهم عذابا مدخرا عند الله
~~تعالى لأن الذوق أول إدراك الشيء. { قل هل عندكم من علم } أي
~~من أمر معلوم يصح الاحتجاج به على زعمكم { فتخرجوه } أي فتظهروه {
~~لنا } على أتم وجه وأوضح بيان، وقيل: المراد هل لكم من اعتقاد ثابت
~~مطابق فيما اتدعيتم أن الإشراك وسائر ما أنتم عليه مرضي لله تعالى
~~فتظهروه لنا بالبرهان، وجعل إمام الحرمين في «الإرشاد» هذا وما بعده
~~دليلا على أن المشركين إنما استوجبوا التوبيخ على قولهم ذلك لأنهم كانوا
~~يهزؤن بالدين ويبغون رد دعوة الأنبياء عليهم السلام حيث قرع مسامعهم من
~~شرائع الرسل عليهم السلام تفويض الأمور إليه سبحانه فحين طالبوهم
~~بالإسلام والتزام الأحكام احتجوا عليهم بما أخذوه من كلامهم مستهزئين بهم
~~عليهم الصلاة والسلام ولم يكن غرضهم ذكر ما ينطوي عليه عقدهم كيف لا
~~والإيمان بصفات الله تعالى فرع الإيمان به عز شأنه وهو عنهم مناط العيوق.

# { إن تتبعون } أي ما تتبعون في ذلك { إلا الظن } الباطل
~~الذي لا يغني من الحق شيئا أو المراد إن عادتكم وجل أمركم أنكم ms03032 لا
~~تتبعون إلا الظن { وإن أنتم إلا تخرصون } تكذبون على الله
~~تعالى، وقد تقدم الكلام في حكم اتباع الظن على التفصيل فتذكر.

### || [6.149]

# { قل فلله } خاصة { الحجة البلغة } أي البينة
~~الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوة على الإثبات أو بلغ بها صاحبها
~~صحة دعواه ك

# عيشة راضية

# [القارعة: 7]، والمراد بها في المشهور الكتاب والرسول والبيان، وقال شيخ
~~مشايخنا الكوراني: (الحجة البالغة) إشارة إلى أن العلم تابع للمعلوم وأن
~~إرادة الله تعالى متعلقة بإظهار ما اقتضاه استعداد المعلوم في نفسه
~~مراعاة للحكمة جودا ورحمة لا وجوبا. وهي من الحج بمعنى القصد كأنها
~~يقصد بها إثبات الحكم وتطلبه أو بمعنى الغلبة وهو المشهور، والفاء جواب
~~شرط محذوف أي إذا ظهر أن لا حجة لكم قل فلله الحجة.

# { فلو شاء } هدايتكم جميعا { لهداكم أجمعين } بالتوفيق
~~لها والحمل عليها ولكن شاء هداية البعض الصارفين اختيارهم إلى سلوك طريق
~~الحق وضلال آخرين صرفوه إلى خلاف ذلك. وقال الكوراني: المراد لكنه لم يشأ
~~إذ لم يعلم أن لكم هداية يقتضيها استعدادكم بل المعلوم له عدم هدايتكم
~~وهو مقتضى استعدادكم الأزلي الغير المجعول. وهذا تحقيق للحق ولا ينافي ما
~~في صدر الآية لما علمت من مرادهم به، وفائدة إرسال الرسل على القول
~~بالاستعداد تحريك الدواعي للفعل والترك باختيار المكلف الناشيء من ذلك
~~الاستعداد وقطع اعتذار الظالمين، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل فتذكر.

# وذكر ابن المنير وجها آخر في توجيه ما في الآية وهو «أن الرد عليهم
~~إنما كان لاعتقادهم أنهم مسلوبون اختيارهم وقدرتهم وأن إشراكهم إنما صدر
~~منهم على وجه الاضطرار وزعموا أنهم يقيمون الحجة على الله تعالى ورسوله
~~عليه الصلاة والسلام بذلك فرد الله تعالى قولهم [وكذبهم] في دعواهم عدم
~~الإختيار لأنفسهم وشبههم بمن اغتر قبلهم بهذا / الخيال فكذب الرسل وأشرك
~~بالله عز وجل واعتمد على أنه إنما يفعل ذلك [كله] بمشيئة الله تعالى ورام
~~إفحام الرسل بهذه الشبهة، ثم بين سبحانه أنهم لا حجة لهم في ذلك وأن
~~الحجة البالغة له جل وعلا لا ms03033 لهم، ثم أوضح سبحانه أن كل واقع واقع
~~بمشيئته وأنه لم يشأ منهم إلا ما صدر عنهم وأنه تعالى لو شاء منهم
~~الهداية لاهتدوا أجمعون. والمقصود من ذلك أن يتمحض وجه الرد عليهم ويتخلص
~~عقيدة نفوذ المشيئة وعموم تعلقها بكل كائن عن الرد وينصرف الرد إلى
~~دعواهم بسلب الاختيار لأنفسهم وإلى إقامتهم الحجة بذلك خاصة، وإذا تدبرت
~~الآية وجدت صدرها دافعا بصدور الجبرية وعجزها معجزا للمعتزلة إذ الأول:
~~مثبت أن للعبد اختيارا وقدرة على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة
~~والعصيان. والثاني: مثبت نفوذ مشيئة الله تعالى في العبد وأن جميع أفعاله
~~على وفق المشيئة الإلهية»، وبذلك تقوم الحجة البالغة لأهل السنة على
~~المعتزلة والحمد لله رب العالمين.

# ووجه القطب الآية بأن مرادهم رد دعوة الأنبياء عليهم السلام على معنى أن
~~الله تعالى شاء شركنا وأراده منا وأنتم تخالفون إرادته حيث تدعونا إلى
~~الإيمان فوبخهم سبحانه بوجوه عد منها قوله سبحانه: { فلله
~~الحجة البلغة } فإنه بتقدير الشرط أي إذا كان الأمر كما
~~زعمتم فلله الحجة. وقوله سبحانه: { فلو شاء } الخ بدل منه على سبيل
~~البيان أي لو شاء لدل كلا منكم ومن مخالفيكم على دينه فلو كان الأمر كما
~~تزعمون لكان الإسلام أيضا بالمشيئة فيجب أن لا تمنعوا المسلمين من
~~الإسلام كما وجب بزعمكم أن لا يمنعكم الأنبياء عن الشرك فيلزمكم أن لا
~~يكون بينكم وبين المسلمين مخالفة ومعاداة بل موافقة وموالاة، ثم قال:
~~وربما يوجه هذا الاحتجاج بأن ما خالف مذهبكم من النحل يجب أن يكون عندكم
~~حقا لأنه بمشيئة الله تعالى فيلزم تصحيح الأديان المتناقضة، وفيه منع
~~لأن الصحة إنما تكون بالجريان على منهج الشرع ولا يلزم من تعليق مشيئته
~~تعالى بشيء جريان ذلك عليه، ولا يخفى أن التوجيه الأول كهذا التوجيه لا
~~يخلو عن دغدغة فتدبر.

### || [6.150]

# { قل هلم شهداءكم } أي أحضروهم للشهادة هو اسم فعل لا يتصرف
~~عند أهل الحجاز وفعل يؤنث ويثنى ويجمع عند بني تميم وهو مبني على ما
~~اشتهر من أن ما ذكر ms03034 من خصائص الأفعال. وعن أبي علي الفارسي أن الضمائر
~~قد تتصل بالكلمة وهي حرف كليس أو اسم فعل كهات لمناسبتها للأفعال. وعلى
~~هذا تكون { هلم } اسم فعل مطلقا كما في «شرح التسهيل» وعليه الرضي
~~حيث قال: وبنو تميم يصرفونه فيذكرونه ويؤنثونه ويجمعونه نظرا إلى أصله.
~~وأصله عند البصريين هالم من لم إذا قصد حذفت الألف لتقدير السكون في
~~اللام لأن أصله المم وعند الكوفيين هل أم فنقلت ضمة الهمزة إلى اللام
~~وحذفت كما هو القياس، واستبعد بأن هل لا تدخل الأمر. ودفع بما نقله الرضي
~~عنهم من أن أصل هل أم هلا أم وهلا كلمة استعجال بمعنى أسرع فغير إلى هل
~~لتخفيف التركيب ثم فعل به مافعل. ويكون متعديا بمعنى أحضر وائت ولازما
~~بمعنى أقبل كما في قوله تعالى:

# هلم إلينا

# [الأحزاب: 18 ].

# { الذين يشهدون أن الله حرم هذا } وهم كبراؤهم
~~الذين أسسوا ضلالهم. والمقصود من إحضارهم تفضيحهم وإلزامهم وإظهار أن لا
~~متمسك لهم كمقلديهم ولذلك قيد الشهداء بالإضافة ووصفوا بما يدل على انهم
~~شهداء معرفون بالشهادة لهم وبنصر مذهبهم. وهذا إشارة إلى ما حرموه من
~~الأنعام على ما حكته الآيات السابقة.

# / وقال مجاهد: إشارة إلى البحائر والسوائب { فإن شهدوا } أي أولئك
~~الشهداء المعرفون بالباطل بعد ما حضروا بأن الله حرم هذا { فلا
~~تشهد معهم } أي فلا تصدقهم فإنه كذب بحت وبين لهم فساده لأن
~~تسليمه منهم موافقة لهم في الشهادة الباطلة والسكوت قد يشعر بالرضا،
~~وإرادة هذا المعنى من (لا تشهد) إما على سبيل الاستعارة التبعية أو
~~المجاز المرسل من ذكر اللازم وإرادة الملزوم لأن الشهادة من لوازم
~~التسليم أو الكناية أو هو من باب المشاكلة، ومن الناس من زعم أن ضمير {
~~شهدوا } للمشركين أي فإن لم يجدوا شاهدا يشهد بذلك فشهدوا بأنفسهم
~~لأنفسهم فلا تشهد وهو في غاية البعد، وأبعد منه بل هو للفساد أقرب قول من
~~زعم أن المراد هلم شهداءكم من غيركم فإن لم يجدوا ذلك لأن غير العرب لا
~~يحرمون ما ذكر وشهدوا بأنفسهم فلا ms03035 تصدقهم.

# { ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآيتنا } من
~~وضع المظهر موضع المضمر للإيماء إلى أن مكذب الآيات متبع الهوى لا غير
~~وأن متبع الحجة لا يكون إلا مصدقا بها، والخطاب  قيل  لكل من يصلح له.
~~وقيل: لسيد المخاطبين والمراد أمته. { والذين لا يؤمنون
~~بالآخرة } كعبدة الأوثان عطف على الموصول الأول بطريق عطف الصفة على
~~الصفة مع اتحاد الموصوف فإن من يكذب بآياته تعالى لا يؤمن بالآخرة
~~وبالعكس، وزعم بعضهم أن المراد بالموصول الأول المكذبون مع الإقرار
~~بالآخرة كأهل الكتابين وبالموصول الثاني المكذبون مع إنكار الآخرة ولا
~~يخفى ما فيه { وهم بربهم يعدلون } أي يجعلون له عديلا أي
~~شريكا فهو كقوله تعالى:

# هم به مشركون

# [النحل: 100] وقيل: يعدلون بأفعاله عنه سبحانه وينسبونها إلى غيره عز
~~وجل، وقيل: يعدلون بعبادتهم عنه تعالى، والجملة عطف على { لا
~~يؤمنون } والمعنى لا تتبع الذين يجمعون بين التكذيب بالآيات والكفر
~~بالآخرة والإشراك بربهم عز وجل لكن لا على أن مدار النهي الجمع المذكور
~~بل على أن أولئك جامعون لها متصفون بها، وقيل: الجملة في موضع الحال من
~~ضمير { لا يؤمنون }.

### || [6.151]

# { قل تعالوا } أمر له صلى الله عليه وسلم بعد ما ظهر بطلان ما
~~ادعوا أن يبين لهم من المحرمات ما يقتضي الحال بيانه على الأسلوب الحكيم
~~إيذانا بأن حقهم الاجتناب عن هذه المحرمات، وأما الأطعمة المحرمة فقد
~~بينت فيما تقدم، و (تعال) أمر من التعالي والأصل فيه أن يقوله من هو في
~~مكان عال لمن هو أسفل منه ثم اتسع فيه بالتعميم واستعمل استعمال المقيد
~~في المطلق مجازا، ويحتمل هنا  كما قيل  أن يكون على الأصل تعريضا لهم
~~بأنهم في حضيض الجهل ولو سمعوا ما يقال لهم ترقوا إلى ذروة العلم وقنة
~~العز.

# وقوله سبحانه: { اتل } جواب الأمر أي أن تأتوني أتل، و (ما) في قوله
~~تعالى: { ما حرم ربكم } إما موصولة والعائد محذوف أي أقرأ الذي
~~حرمه ربكم أي الآيات المشتملة عليه أو مصدرية أي تحريمه، والمراد الآية
~~الدالة عليه، وهي في الاحتمالين في ms03036 موضع نصب على المفعولية لأتل، وجوز أن
~~تكون استفهامية فهي في موضع نصب على المفعولية لحرم، والجملة مفعول {
~~اتل } لأن التلاوة ومن باب القول فيصح أن تعمل في الجملة بناء على
~~المذهب الكوفي من أنه تحكي الجملة بكل ما تضمن معنى القول وغيرهم يقدر في
~~ذلك قائلا ونحوه. والمعنى هنا على الاستفهام تعالوا أقل لكم وأبين جواب
~~أي شيء حرم ربكم، وقوله تعالى: { عليكم } متعلق على / كل حال بحرم،
~~وجوز أن يتعلق بأتل ورجح الأول بأنه أنسب بمقام الاعتناء بإيجاب الانتهاء
~~عن المحرمات المذكورة، وهو السر في التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة
~~إلى ضميرهم، ولا يضر في ذلك كون المتلو محرما على الكل كما لا يخفى.

# { ألا تشركوا به شيئا } أي من الإشراك أو شيئا من الأشياء
~~فشيئا يحتمل المصدرية والمفعولية؛ وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في
~~إعراب (أن لا). وبدأ سبحانه بأمر الشرك لأنه أعظم المحرمات وأكبر الكبائر
~~{ وبالولدين } أي أحسنوا بهما { إحسنا } كاملا لا إساءة
~~معه. وعن ابن عباس يريد البر بهما مع اللطف ولين الجانب فلا يغلظ لهما في
~~الجواب ولا يحد النظر إليهما ولا يرفع صوته عليهما بل يكون بين يديهما
~~مثل العبد بين يدي سيده تذللا لهما، وثنى الله تعالى بهذا التكليف لأن
~~نعمة الوالدين أعظم النعم على العبد بعد نعمة الله تعالى لأن المؤثر
~~الحقيقي في وجود الإنسان هو الله عز وجل والمؤثر في الظاهر هو الأبوان.

# وعقب سبحانه التكليف المتعلق بالوالدين بالتكليف المتعلق بالأولاد لكمال
~~المناسبة فقال سبحانه: { ولا تقتلوا أولادكم } بالوأد {
~~من إملق } من أجل فقر أو من خشيته كما في قوله سبحانه:

# خشية إملق

# [الإسراء: 31] وقيل: الخطاب في كل آية لصنف وليس خطابا واحدا فالمخاطب
~~بقوله سبحانه: { من إملق } من ابتلي بالفقر وبقوله تعالى: {
~~خشية إملق } من لا فقر له ولكن يخشى وقوعه في المستقبل، ولهذا
~~قدم رزقهم ههنا في قوله عز وجل { نحن نرزقكم وإياهم }
~~وقدم رزق أولادهم في مقام الخشية فقيل:

# نحن نرزقهم وإياكم

# [الإسراء: 31] وهو كلام حسن. ms03037 وأيا ما كان فجملة { نحن } الخ استئناف
~~مسوق لتعليل النهي وإبطال سببية ما اتخذوه سببا لمباشرة المنهي عنه
~~وضمان منه تعالى لإرزاقهم أي نحن نرزق الفريقين لا أنتم فلا تقدموا على
~~ما نهيتم عنه لذلك.

# { ولا تقربوا الفوحش } أي الزنا، والجمع إما للمبالغة أو
~~باعتبار تعدد من يصدر عنه أو للقصد إلى النهي عن الأنواع ولذا أبدل منها
~~قوله سبحانه: { ما ظهر منها وما بطن } أي ما يفعل منها
~~علانية في الحوانيت كما هو دأب أراذلهم وما يفعل سرا باتخاذ الأخدان كما
~~هو عادة أشرافهم، وروي ذلك عن ابن عباس والضحاك والسدي، وقيل: المراد بها
~~المعاصي كلها. وفي المراد  بما ظهر منها وما بطن  على هذا أقوال تقدمت
~~الإشارة إليها واختار ذلك الإمام وجماعة، ورجح بعض المحققين الأول بأنه
~~الأوفق بنظم المتعاطفات، ووجه توسيط هذا النهي بين النهي عن قتل الأولاد
~~والنهي عن القتل مطلقا عليه باعتبار أن الفواحش بهذا المعنى مع كونها في
~~نفسها جناية عظيمة في حكم قتل الأولاد فإن أولاد الزنا في حكم الأموات.
~~وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في حق العزل: «ذاك وأد خفي»
~~وعلى القول الآخر لا يظهر وجه توسيط هذا العام بين أفراده ويكون توسيطه
~~بين النهيين من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه، وتعليق النهي بقربانها إما
~~للمبالغة في الزجر عنها لقوة الدواعي إليها وإما لأن قربانها داع إلى
~~مباشرتها.

# { ولا تقتلوا النفس التى حرم الله } أي حرم قتلها
~~بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد فيخرج الحربي ويدخل الذمي، فما روي عن
~~ابن جبير من كون المراد بالنفس المذكورة النفس المؤمنة ليس في محله {
~~إلا بالحق } استثناء / مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقتلوها في حال
~~من الأحوال إلا حال ملابستكم بالحق الذي هو أمر الشرع بقتلها، وذلك كما
~~ورد في الخبر

# " بالكفر بعد الإيمان والزنا بعد الإحصان وقتل النفس المعصومة "

# أو من أعم الأسباب أي لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق وهو ما
~~في الخبر أو من أعم المصادر ms03038 أي لا تقتلوها قتلا إلا قتلا كائنا بالحق
~~وهو القتل بأحد المذكورات.

# { ذلكم } أي ما ذكر من التكاليف الخمسة الجليلة الشأن من بين
~~التكاليف الشرعية { وصكم به } أي طلبه منكم طلبا مؤكدا.
~~والجملة الاسمية استئناف جىء به تجديدا للعهد وتأكيدا لإيجاب المحافظة
~~على ما كلفوه. وقال الإمام: «جيء بها لتقريب القبول إلى القلب لما فيها
~~من اللطف والرحمة» { لعلكم تعقلون } أي تستعملون عقولكم التي
~~تعقل نفوسكم وتحبسها عن مباشرة القبائح المحرمة.

### || [6.152]

# { ولا تقربوا مال اليتيم } أي لا تتعرضوا له بوجه من
~~الوجوه { إلا بالتى هى أحسن } أي بالفعلة التي هي أحسن ما
~~يفعل بماله كحفظه وتثميره، وقيل: المراد لا تقربوا ماله إلا وأنتم متصفون
~~بالخصلة التي هي أحسن الخصال في مصلحته فمن لم يجد نفسه على أحسن الخصال
~~ينبغي أن لا يقربه وفيه بعد؛ والخطاب للأولياء والأوصياء لقوله تعالى: {
~~حتى يبلغ أشده } فإنه غاية لما يفهم من الاستثناء لا للنهي
~~كأنه قيل: احفظوه حتى يبلغ فإذا بلغ فسلموه إليه كما في قوله سبحانه:

# فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم
~~أموالهم

# [النساء: 6] والأشد  على ما قال الفراء  جمع لا واحد له. وقال بعض
~~البصريين: هو مفرد كآنك ولم يأت في المفردات على هذا الوزن غيرهما. وقيل:
~~هو جمع شدة كنعمة وأنعم، وقدر فيه زيادة الهاء لكثرة جمع فعل على أفعل
~~كقدح وأقدح. وقال ابن الأنباري: إنه جمع شد بضم الشين كود واود. وقيل:
~~جمع شد بفتحها. وأيا ما كان فهو من الشدة أي القوة أو الارتفاع من شد
~~النهار إذا ارتفع. ومنه قول عنترة:

# عهدي به شد النهار كأنما

# خضب البنان ورأسه بالعظلم

# والمراد ببلوغ الأشد عند الشعبي وجماعة: بلوغ الحلم. وقيل: أن يبلغ
~~ثماني عشرة سنة، وقال السدي: أن يبلغ ثلاثين إلا أن الآية منسوخة بقوله
~~تعالى:

# حتى إذا بلغوا النكاح

# [النساء: 6] وقيل: غير ذلك. وقد تقدم الخلاف في زمن دفع مال اليتيم إليه
~~وأشبعنا الكلام في تحقيق الحق في ذلك فتذكر.

# { وأوفوا } أي أتموا { الكيل } أي المكيل فهو ms03039 مصدر بمعنى اسم
~~المفعول { والميزان } كذلك  كما قال أبو البقاء  وجوز أن يكون
~~هناك مضاف محذوف أي مكيل الكيل وموزون الميزان { بالقسط } أي بالعدل
~~وهو في موضع الحال من ضمير { أوفوا } أي مقسطين. وقال أبو البقاء:
~~يجوز أن يكون حالا من المفعول أي تاما. ولعل الإتيان بهذه الحال
~~للتأكيد. وفي «التفسير الكبير» «فإن قيل: إيفاء الكيل والميزان هو عين
~~القسط فما الفائدة من التكرير؟ قلنا: أمر الله تعالى المعطي بإيفاء ذي
~~الحق حقه من غير نقصان وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير طلب الزيادة»
~~فتدبر.

# { لا نكلف نفسا إلا وسعها } إلا ما يسعها ولا يعسر
~~عليها. والجملة مستأنفة جيء بها عقيب الأمر بإيفاء الكيل والميزان بالعدل
~~للترخيص فيما خرج عن الطاقة لما أن في مراعاة ذلك كما هو حرجا مع كثرة /
~~وقوعه فكأنه قيل: عليكم بما في وسعكم في هذا الأمر وما وراءه معفو عنكم.
~~وجوز أن يكون جىء بها لتهوين أمر ما تقدم من التكليفات ليقبلوا عليها
~~كأنه قيل: جميع ما كلفناكم به ممكن غير شاق ونحن لا نكلف ما لا يطاق.

# { وإذا قلتم } قولا في حكومة أو شهادة أو نحوهما { فاعدلوا
~~} فيه وقولوا الحق { ولو كان } المقول له أو عليه { ذا قربى }
~~أي صاحب قرابة منكم { وبعهد الله أوفوا } أي ما عهد إليكم من
~~الأمور المعدودة أو أي عهد كان فيدخل فيه ما ذكر دخولا أوليا أو ما
~~عاهدتم الله تعالى عليه من أيمانكم ونذوركم. والجار والمجرور متعلق بما
~~بعده، وتقديمه للاعتناء بشأنه { ذلكم } أي ما فصل من التكاليف
~~الجليلة { وصكم به } أمركم به أمرا مؤكدا { لعلكم
~~تذكرون } ما في تضاعيفه وتعملون بمقتضاه. وقرأ حمزة والكسائي وحفص
~~عن عاصم { تذكرون } بتخفيف الذال والباقون بالتشديد في كل القرآن
~~وهما بمعنى واحد.

# وختمت الآية الأولى بقوله سبحانه:

# لعلكم تعقلون

# [الأنعام: 151] وهذه بقوله تعالى: { لعلكم تذكرون } لأن
~~القوم كانوا مستمرين على الشرك وقتل الأولاد وقربان الزنا وقتل النفس
~~المحرمة بغير حق غير مستنكفين ولا عاقلين قبحها فنهاهم سبحانه لعلهم
~~يعقلون ms03040 قبحها فيستنكفوا عنها ويتركوها. وأما حفظ أموال اليتامى عليهم
~~وإيفاء الكيل والعدل في القول والوفاء بالعهد فكانوا يفعلونه ويفتخرون
~~بالاتصاف به فأمرهم الله تعالى بذلك لعلهم يذكرون إن عرض لهم نسيان؛ قاله
~~القطب الرازي، ثم قال فإن قلت إحسان الوالدين من قبيل الثاني أيضا فكيف
~~ذكر من الأول؟ قلت: أعظم النعم على الإنسان نعمة الله تعالى ويتلوها نعمة
~~الوالدين لأنهما المؤثران في الظاهر ومنهما نعمة التربية والحفظ عن
~~الهلاك في وقت الصغر فلما نهى عن الكفر بالله تعالى نهى بعده عن الكفران
~~في نعمة الأبوين تنبيها على أن القوم لما لم يرتكبوا الكفران فبطريق
~~الأولى أن لا يرتكبوا الكفر.

# وقال الإمام: السبب في ختم كل آية بما ختمت «أن التكاليف الخمسة
~~المذكورة في الآية الأولى [أمور] ظاهرة جلية فوجب تعقلها وتفهمها
~~والتكاليف الأربعة المذكورة في هذه الآية أمور خفية غامضة لا بد فيها من
~~الاجتهاد والفكر الكثير حتى يقف على موضع الاعتدال وهو التذكر» انتهى.
~~ويمكن أن يقال: إن أكثر التكليفات الأول أدي بصيغة النهي وهو في معنى
~~المنع والمرء حريص على ما منع فناسب أن يعلل الإيصاء بذلك بما فيه إيماء
~~إلى معنى المنع والحبس وهذا بخلاف التكليفات الأخر فإن أكثرها قد أدي
~~بصيغة الأمر وليس المنع فيه ظاهرا كما في النهي فيكون تأكيد الطلب
~~والمبالغة فيه ليستمر عليه ويتذكر إذا نسي فليتدبر.

### || [6.153]

# { وأن هذا صرطي } إشارة إلى شرعه عليه الصلاة والسلام على ما
~~روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ويلائمه النهي الآتي، وعن مقاتل
~~أنه إشارة إلى ما في الآيتين من الأمر والنهي، وقيل: إلى ما ذكر في
~~السورة فإن أكثرها في إثبات التوحيد والنبوة وبيان الشريعة. وقرأ حمزة
~~والكسائي { إن } بالكسر وابن عامر ويعقوب بالفتح والتخفيف، والباقون به
~~مشددة. وقرأ ابن عامر { صرطي } بفتح الياء، وقرىء { وهذا صرطي
~~}. { وهذا صرط ربكم }. { وهذا صرط ربك } وإضافة
~~الصراط إلى الرب سبحانه من حيث الوضع وإليه عليه الصلاة والسلام من حيث
~~السلوك والدعوة / أي هذا الصراط الذي ms03041 أسلكه وأدعو إليه { مستقيما }
~~لا اعوجاج فيه، ونصبه على الحال { فاتبعوه } أي اقتفوا أثره
~~واعملوا به { ولا تتبعوا السبل } أي الضلالات كما أخرجه ابن
~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وفي رواية عنه أنها الأديان المختلفة
~~كاليهودية والنصرانية، وأخرج ابن المنذر وعبد بن حميد وغيرهما عن مجاهد
~~أنها البدع والشبهات { فتفرق بكم } نصب في جواب النهي والأصل
~~تتفرق فحذفت إحدى التاءين والباء للتعدية أي فتفرقكم حسب تفرقها أيادي
~~سبأ فهو كما ترى أبلغ من تفرقكم كما قيل من أن ذهب به لما فيه من الدلالة
~~على الاستصحاب أبلغ من أذهبه { عن سبيله } أي سبيل الله تعالى الذي
~~لا اعوجاج فيه ولا حرج لما هو دين الإسلام، وقيل: هو اتباع الوحي واقتفاء
~~البرهان، وفيه تنبيه على أن صراطه عليه السلام عين سبيل الله تعالى، وقد
~~أخرج أحمد وجماعة عن ابن مسعود قال:

# " خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده ثم قال: " هذا سبيل الله
~~تعالى مستقيما " ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال: "
~~وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه " ثم قرأ { وأن
~~هذا صرطي مستقيما فاتبعوه } "

# الخ، وإنما أضيف إليه صلى الله عليه وسلم أولا لأن ذلك أدعى للاتباع إذ
~~به يتضح كونه صراط الله عز وجل.

# { ذلكم } إشارة إلى اتباع السبيل وترك اتباع السبل { وصكم
~~به لعلكم تتقون } عقاب الله تعالى بالمثابرة على فعل ما أمر
~~به والاستمرار على الكف عما نهى عنه. قال أبو حيان: «ولما كان الصراط
~~المستقيم هو الجامع للتكاليف وأمر سبحانه باتباعه ونهى عن (اتباع غيره
~~من) الطرق ختم ذلك بالتقوى التي هي اتقاء النار إذ من اتبع صراطه نجاه
~~النجاة الأبدية وحصل على السعادة السرمدية. وكرر سبحانه الوصية لمزيد
~~التأكيد» ويا لها من وصية ما أعظم شأنها، وأوضح برهانها. وأخرج الترمذي
~~وحسنه وابن المنذر والبيهقي في «الشعب» وغيرهم عن ابن مسعود رضي الله
~~تعالى عنه قال: من سره أن ينظر إلى وصية محمد عليه ms03042 الصلاة والسلام بخاتمه
~~فليقرأ هؤلاء الآيات

# قل تعالوا

# إلى

# تتقون

# [الأنعام: 151153] وأخرج ابن حميد وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن عبادة
~~بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث "

# ثم تلاهن إلى آخرهن ثم قال:

# " فمن وفى بهن فأجره على الله تعالى ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله
~~تعالى في الدنيا كانت عقوبته ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله
~~تعالى إن شاء أخذه وإن شاء عفا عنه ".

# وأخرج أبو الشيخ عن عبيد الله بن عبد الله بن عدي قال: سمع كعب رجلا
~~يقرأ { قل تعالوا أتل } الخ فقال: والذي نفس كعب بيده إنها
~~لأول آية في التوراة «بسم الله الرحمن الرحيم قل تعالوا أتل ما حرم ربكم
~~عليكم» إلى آخر الآيات، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذه آيات
~~محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب وهن محرمات على بني آدم كلهم وهن أم
~~الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار.

# هذا و (أن) في قوله سبحانه: { أن لا تشركوا } يحتمل أن تكون
~~مفسرة وأن تكون مصدرية. قال العلامة الثاني: وفي الاحتمالين إشكال فإنها
~~إن جعلت مصدرية كانت بيانا للمحرم بدلا من ما أو عائده المحذوف. وظاهر
~~أن المحرم هو الإشراك لا نفيه وأن الأوامر بعد معطوفة على (لا تشركوا)
~~وفيه عطف الطلبي على الخبري وجعل الواجب المأمور به محرما فاحتيج إلى
~~تكلف كجعل (لا) مزيدة وعطف الأوامر على المحرمات باعتبار حرمة / أضدادها
~~وتضمين الخبر معنى الطلب، وأما جعل (لا) ناهية واقعة موقع الصلة لأن
~~المصدرية كما جوزه سيبويه إذ عمل الجازم في الفعل والناصب في (لا) معه
~~فمما لا سبيل إليه هنا لأن زيادة لا الناهية مما لم يقل به أحد ولم يرد
~~في كلام؛ وإن جعلت (أن) مفسرة و (لا) ناهية والنواهي بيان لتلاوة
~~المحرمات توجه إشكالان، أحدهما: عطف { إن هذا صرطي مستقيما
~~} على (أن لا تشركوا) مع أنه لا معنى لعطفه على (أن) المفسرة ms03043 مع الفعل.
~~وثانيهما: عطف الأوامر المذكورة فإنها لا تصلح بيانا لتلاوة المحرمات بل
~~الواجبات، واختار الزمخشري كونها مفسرة وعطف الأوامر لأنها معنى نواه،
~~ولا سبيل حينئذ لجعلها مصدرية موصولة بالنهي لما علمت.

# وأجاب عن الإشكال الأول بأن قوله سبحانه: { وأن هذا صرطي }
~~ليس عطفا على (أن لا تشركوا) بل هو تعليل للاتباع متعلق باتبعوه على حذف
~~اللام، وجاز عود ضمير (اتبعوه) إلى الصراط لتقدمه في اللفظ. فإن قيل:
~~فعلى هذا يكون (اتبعوه) عطفا على (لا تشركوا) ويكون التقدير فاتبعوا
~~صراطي لأنه مستقيم، وفيه جمع بين حرفي عطف الواو والفاء وليس بمستقيم،
~~وإن جعلت الواو استئنافية اعتراضية قلنا: ورود الواو مع الفاء عند تقديم
~~المعمول فصلا بينهما شائع في الكلام مثل { وربك فكبر }

# وأن المسجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا

# [الجن: 18] فإن أبيت الجمع البتة ومنعت زيادة الفاء فاجعل المعمول
~~متعلقا بمحذوف والمذكور بالفاء عطفا عليه مثل عظم فكبر وادعوا الله فلا
~~تدعوا مع الله وآثروه فاتبعوه.

# وعن الإشكال الثاني بأن عطف الأوامر على النواهي الواقعة بعد (أن)
~~المفسرة لتلاوة المحرمات مع القطع بأن المأمور به لا يكون محرما دل على
~~أن التحريم راجع إلى أضدادها بمعنى أن الأوامر كأنها ذكرت وقصد لوازمها
~~التي هي النهي عن الأضداد حتى كأنه قيل: أتلو ما حرم أن لا تسيؤوا إلى
~~الوالدين ولا تبخسوا الكيل والميزان ولا تتركوا العدل ولا تنكثوا العهد،
~~ومثل هذا وإن لم يجز بحسب الأصل لكن ربما يجوز بطريق العطف، وأما جعل
~~الوقف على قوله تعالى: { ربكم } وانتصاب (أن لا تشركوا) بعليكم
~~يعني ألزموا ترك فيأباه عطف الأوامر إلا أن تجعل (لا) ناهية و (أن)
~~المصدرية موصولة بالأوامر والنواهي.

# وقال أبو حيان: لا يتعين أن يكون جميع الأوامر معطوفة على جميع ما دخل
~~عليه (لا) فإنه لا يصح عطف { وبالولدين إحسنا } على

# تعالوا

# [الأنعام: 151] ويكون ما بعده عطف عليه. واعترض على القول «بأن التحريم
~~راجع إلى أضداد الأوامر بأنه بعيد جدا وإلغاز في المعاني ولا ضرورة تدعو
~~إلى ذلك، ms03044 ثم قال: وأما عطف هذه الأوامر فيحتمل وجهين، أحدهما: أنها
~~معطوفة (لا) على المناهي قبلها فيلزم انسحاب التحريم عليها حيث كانت في
~~حيز (أن) التفسيرية بل هي معطوفة على قوله سبحانه:

# أتل ما حرم

# [الأنعام: 151] أمرهم أولا بأمر ترتب عليه ذكر مناه، ثم أمرهم ثانيا
~~بأوامر وهذا معنى واضح، والثاني: أن تكون الأوامر معطوفة على المناهي
~~داخلة تحت حكم (أن) التفسيرية، ويصح ذلك على تقدير محذوف تكون (أن) مفسرة
~~له وللمنطوق قبله الذي دل على حذفه، والتقدير وما أمركم به فحذف وما
~~أمركم به لدلالة ما حرم عليه لأن معنى { ما حرم ربكم
~~عليكم } ما نهاكم ربكم عنه، فالمعنى قل تعالوا أتل ما نهاكم عنه
~~ربكم (وما أمركم به)، وإذا كان التقدير هكذا صح أن تكون (أن) تفسيرية
~~لفعل النهي الدال عليه التحريم وفعل الأمر المحذوف ألا ترى أنه يجوز أن
~~تقول: أمرتك أن لا تكرم جاهلا وأكرم عالما، (و) يجوز عطف الأمر على
~~النهي / والنهي على الأمر لقول امرىء القيس:

# لا تهلك أسى وتجمل

# ولا نعلم في هذا خلافا بخلاف الجمل المتباينة بالخبر والاستفهام
~~والإنشاء فإن في جواز العطف فيها خلافا مشهورا» اه. وأنت تعلم أن
~~العطف على { تعالوا } في غاية البعد ولا ينبغي الالتفات إليه، وما
~~ذكره من الحذف وجعل التفسير للمحذوف والمنطوق لا يخلو عن حسن، ونقل
~~الطبرسي جواز كون (أن لا تشركوا) بتقدير اللام على معنى «أبين لكم الحرام
~~لأن لا تشركوا لأنهم إذا حرموا ما أحل الله فقد جعلوا غير الله تعالى في
~~القبول منه بمنزلة الله سبحانه وصاروا بذلك مشركين»، ولا ينبغي تخريج
~~كلام الله تعالى على مثل ذلك كما لا يخفى.

### || [6.154]

# { ثم ءاتينا موسى الكتب } كلام مسوق من جهته تعالى
~~تقريرا للوصية وتحقيقا لها وتمهيدا لما تعقبه من ذكر إنزال القرآن
~~المجيد كما ينبىء عنه تغيير الأسلوب بالالتفات إلى التكلم معطوف على مقدر
~~يقتضيه المقام ويستدعيه النظام كأنه قيل بعد قوله سبحانه:

# ذلكم وصكم به

# [الأنعام: 152] بطريق الاستئناف تصديقا له وتقريرا لمضمونه ms03045 فعلنا ذلك
~~{ ثم آتينا } الخ. وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام قدس سره، وقيل: عطف
~~على { ذلكم وصكم به }. وعن الزجاج أنه عطف على معنى التلاوة
~~كأنه قيل: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ثم اتل عليهم ما آتاه الله
~~تعالى موسى عليه السلام، وقيل: عطف على

# قل

# [الأنعام: 151] وفيه حذف أي قل تعالوا ثم قل آتينا موسى الكتاب. وعن
~~أبي مسلم واستحسنه المغربي أنه متصل بقوله تعالى في قصة إبراهيم عليه
~~السلام:

# ووهبنا له إسحق ويعقوب

# [الأنعام: 84] وذلك أنه سبحانه عد نعمته عليه بما جعل في ذريته من
~~الأنبياء عليهم السلام ثم عطف عليه بذكر ما أنعم عليه بما آتى موسى عليه
~~السلام من الكتاب والنبوة وهو أيضا من ذريته، والكل كما ترى وإن اختلف
~~مراتبه في الوهن.

# وثم  كما قال الفراء  للترتيب الإخباري كما في نحو بلغني ما صنعت
~~اليوم ثم ما صنعت (اليوم) أعجب. وتعقبه ابن عصفور بأنه ليس بشيء لأن ثم
~~تقتضي تأخر الثاني عن الأول بمهلة ولا مهلة في الإخبارين فلا بد من
~~الرجوع إلى أنها انسلخ عنها معنى الترتيب أو أنه ترتيب رتبي كما يشير
~~إليه قوله: أعجب في المثال وهو هنا ظاهر لأن إيتاء التوراة المشتملة على
~~الأحكام والمنافع الجمة أعظم من هذه الوصية المشهورة على الألسنة، وبعضهم
~~وجه الترتيب الإخباري المستدعي لتأخر الثاني عن الأول بأن الألفاظ
~~المنقضية تنزل منزلة البعيد. وقيل: إنه باعتبار توسط جملة

# لعلكم تتقون

# [الأنعام: 153] بين المتعاطفين. وقال بعضهم: إن { ثم } هنا بمعنى
~~الواو، وقد جاء ذلك كثيرا في الكتاب.

# { تماما } للكرامة والنعمة وهو في موقع المفعول له، وجاز حذف اللام
~~لكونه في معنى إتماما، وجوز أبو البقاء أن يكون مصدرا لقوله: {
~~آتينا } من معناه لأن إيتاء الكتاب إتمام للنعمة كأنه قيل: أتممنا
~~النعمة إتماما فهو كنباتا في قوله تعالى:

# والله أنبتكم من الأرض نباتا

# [نوح: 17] وأن يكون حالا من الكتاب أي تاما { على الذى أحسن
~~} أي [على] من أحسن القيام به كائنا من كان فالذي للجنس. ويؤيده ms03046 قراءة
~~عبد الله { على الذين أحسنوا } وقراءة الحسن { على
~~المحسنين }. وعن الفراء أن الذي هنا مثلها في قوله:

# إن الذي حانت بفلج دماؤهم

# هم القوم كل القوم يا أم خالد

# وكلام مجاهد محتمل للوجهين أو على الذي أحسن تبليغه وهو موسى عليه
~~السلام أو تماما على / ما أحسنه موسى عليه السلام أي أجاده من العلم
~~والشرائع أي زيادة على عمله على وجه التتميم، وعن ابن زيد أن المراد
~~تماما على إحسان الله تعالى على أنبيائه عليهم السلام، وظاهره أن {
~~الذى } موصول حرفي، وقد قيل به في قوله تعالى:

# وخضتم كالذي خاضوا

# [التوبة: 69] وضمير { أحسن } حينئذ لله تعالى، ومثله في ذلك ما نقل
~~عن الجبائي من أن المراد على الذي أحسن الله تعالى به على موسى عليه
~~السلام من النبوة وغيرها، وكلاهما خلاف الظاهر. وعن أبي مسلم أن المراد
~~بالموصول إبراهيم عليه السلام، وهو مبني على ما زعمه من اتصال الآية بقصة
~~إبراهيم عليه السلام. وقرأ يحيى بن يعمر { أحسن } بالرفع على أنه
~~خبر مبتدأ محذوف و { الذى } وصف للدين أو للوجه يكون عليه الكتب أي
~~تماما على الدين الذي هو أحسن دين وأرضاه أو آتينا موسى الكتاب تاما
~~كاملا على الوجه الذي هو أحسن ما يكون عليه الكتب، والأحسنية بالنسبة
~~إلى غير دين الإسلام وغير ما عليه القرآن.

# { وتفصيلا لكل شىء } أي بيانا مفصلا لكل ما يحتاج إليه في
~~الدين، ولا دلالة فيه على أنه لا اجتهاد في شريعة موسى عليه السلام
~~خلافا لمن زعم ذلك، فقد ورد مثله في صفة القرآن كقوله تعالى في سورة
~~يوسف [111] عليه السلام:

# وتفصيل كل شيء

# ولو صح ما ذكر لم يكن في شريعتنا اجتهاد أيضا { وهدى } أي دلالة
~~إلى الحق { ورحمة } بالمكلفين. والكلام في هذه المعطوفات كالكلام في
~~المعطوف عليه من احتمال العلية والمصدرية والحالية، والظاهر اشتمال
~~الكتاب على التفصيل حسبما أخبر الله تعالى إلى أن حرفه أهله. وأخرج ابن
~~أبي حاتم عن مجاهد قال: لما ألقى موسى عليه السلام الألواح بقي الهدى ms03047
~~والرحمة وذهب التفصيل.

# { لعلهم } أي بني إسرائيل المدلول عليهم بذكر موسى عليه السلام
~~وإيتاء الكتاب، ولا يجوز عود الضمير على { الذى } بناء على الجنسية أو
~~على ما قال الفراء لأنه لا يناسب قوله سبحانه: { بلقاء ربهم
~~يؤمنون } بل كان المناسب حينئذ أن يقال: لعلهم يرحمون مثلا،
~~والجار والمجرور متعلق بما بعده قدم لرعاية الفواصل، والمراد من اللقاء
~~قيل الجزاء، وقيل: الرجوع إلى ملك الرب سبحانه وسلطانه يوم لا يملك أحد
~~سواه شيئا. وعن ابن عباس المعنى كي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب
~~والعقاب.

### || [6.155]

# { وهذا } الذي تليت عليكم أوامره ونواهيه أي القرآن { كتاب }
~~عظيم الشأن لا يقادر قدره { أنزلنه } بواسطة الروح الأمين مشتملا
~~على فوائد الفنون الدينية والدنيوية التي فصلت عليكم طائفة منها، والجملة
~~صفة { كتاب } وقوله سبحانه: { مبارك } أي كثير الخير دينا ودنيا
~~صفة أخرى، وإنما قدمت الأولى عليها مع أنها غير صريحة لأن الكلام مع
~~منكري الإنزال، وجوز أن يكون هذا وما قبله خبرين عن اسم الإشارة أيضا؛
~~والفاء في قوله تعالى: { فاتبعوه } لترتيب ما بعدها على ما قبلها
~~فإن عظم شأن الكتاب في نفسه وصفته موجب لاتباعه أي فاعملوا بما فيه أو
~~امتثلوا أوامره { واتقوا } مخالفته أو نواهيه { لعلكم
~~ترحمون } أي لترحموا جزاء ذلك، وقيل: المراد اتقوا على رجاء الرحمة
~~أو اتقوا ليكون الغرض بالتقوى رحمة الله تعالى.

### || [6.156]

# { أن تقولوا } علة لمقدر دل عليه

# أنزلنه

# [الأنعام: 155] المذكور وهو العامل فيه لا المذكور خلافا للكسائي لئلا
~~يلزم / الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي وهو بتقدير لا عند الكوفيين أي
~~لأن لا تقولوا وعلى حذف المضاف عند البصريين أي كراهة أن تقولوا. وقيل:
~~يحتمل أن يكون مفعول

# اتقوا

# [الأنعام: 155] وعليه الفراء، وأن تجعل اللام المقدرة للعاقبة أي ترتب
~~على إنزالنا أحد القولين ترتب الغاية على الفعل فيكون توبيخا لهم على
~~بعدهم عن السعادة، والمتبادر ما ذكر أولا أي أن تقولوا يوم القيامة لو
~~لم ننزله.

# { إنما أنزل الكتب } الناطق بالأحكام القاطع للحجة {
~~على طائفتين } جماعتين كائنتين { من قبلنا } وهما  كما ms03048
~~قال ابن عباس وغيره  اليهود والنصارى، وتخصيص الإنزال بكتابيهما لأنهما
~~اللذان اشتهرا فيما بين الكتب السماوية بالاشتمال على الأحكام. { وإن
~~كنا } إن هي المخففة من إن واللام الآتية فارقة بينها وبين النافية
~~وهي مهملة لما حققه النحاة من أن أن المخففة إذا لزمت اللام في أحد
~~جزأيها ووليها الناسخ فهي مهملة لا تعمل في ظاهر ولا مضمر، لا ثابت ولا
~~محذوف أي وإنه كنا.

# { عن دراستهم } أي قراءتهم { لغفلين } غير ملتفتين لا
~~ندري ما هي لأنها ليست بلغتنا فلم يمكنا أن نتلقى منها في ما فيه نجاتنا
~~ولعلهم عنوا بذلك التوحيد، وقيل: تلك الأحكام المذكورة في قوله تعالى:

# قل تعالوا

# [الأنعام: 151] الخ لأنها عامة لجميع بني آدم لا تختلف في عصر من
~~الأعصار. وعلى هذا حمل الآية شيخ الإسلام ثم قال: «وبهذا تبين أن معذرتهم
~~هذه مع أنهم غير مأمورين بما في الكتابين لاشتمالهما على الأحكام
~~المذكورة المتناولة لكافة الأمم كما أن قطع تلك المعذرة بإنزال القرآن
~~لاشتماله أيضا عليها لا على سائر الشرائع والأحكام فقط».

### || [6.157]

# { أو تقولوا } عطف على

# تقولوا

# [الأنعام: 156]. وقرىء كلاهما بالياء على الالتفات من خطاب

# فاتبعوه واتقوا

# [الأنعام: 155] ويكون الخطاب الآتي بعد التفاتا أيضا ولا يخفى موقعه.
~~قال القطب: إنه تعالى خاطبهم أولا بما خاطبهم ثم لما وصل إلى حكاية
~~أقوالهم الرديئة أعرض عنهم وجرى على الغيبة كأنهم غائبون ثم لما أراد
~~سبحانه توبيخهم بعد خاطبهم فهو التفات في غاية الحسن.

# { لو أنا أنزل علينا الكتب } كما أنزل عليهم {
~~لكنا أهدى منهم } أي الحق الذي هو المقصد الأقصى أو إلى ما
~~فيه من الأحكام والشرائع لأنا أجود أذهانا وأثقب فهما { فقد جاءكم
~~} متعلق بمحذوف ينبىء عنه الفاء الفصيحة إما معلل به أو شرط له أي لا
~~تعتذروا بذلك فقد جاءكم الخ، أو إن صدقتم فيما [كنتم] تعدون من أنفسكم
~~على تقدير نزول الكتاب عليكم فقد حصل ما فرضتم وجاءكم { بينة } حجة
~~جليلة الشأن واضحة تعرفونها لظهورها وكونها بلسانكم كائنة { من
~~ربكم } على أن الجار متعلق ms03049 بمحذوف وقع صفة { بينة } ويصح تعلقه
~~بجاءكم. وأيا ما كان ففيه دلالة على فضلها الإضافي مع الإشارة إلى شرفها
~~الذاتي، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم ما لا يخفى من
~~مزيد التأكيد لإيجاب الاتباع.

# { وهدى ورحمة } عطف على { بينة } وتنوينهما كتنوينهما
~~للتفخيم، والمراد بجميع ذلك القرآن، وعبر عنه بالبينة أولا إذانا بكمال
~~تمكنهم من دراسته وبالهدى والرحمة ثانيا تنبيها على أنه مشتمل على ما
~~اشتمل عليه التوراة من هداية الناس ورحمتهم بل هو عين الهداية والرحمة.
~~وفي «التفسير الكبير» «فإن قيل البينة والهدى واحد فما الفائدة في
~~التكرير؟ قلنا: القرآن بينة فيما يعلم سمعا وهو هدى فيما يعلم سمعا
~~وعقلا فلما اختلفت الفائدة صح هذا العطف» ولا يخفى ما فيه.

# / { فمن أظلم ممن كذب بآيت الله } الفاء لترتيب
~~ما بعدها على ما قبلها فإن مجيء القرآن الموصوف بما تقدم موجب لغاية
~~أظلمية من يكذبه، والمراد من الموصول أولئك المخاطبون، ووضع موضع ضميرهم
~~بطريق الالتفات تنصيصا على اتصافهم بما في حيز الصلة وإشعارا بعلة
~~الحكم وإسقاطا لهم عن رتبة الخطاب، وعبر عما جاءهم بآيات الله تعالى
~~تهويلا للأمر. وقرىء { كذب } بالتخفيف، والجار الأول: متعلق بما
~~عنده، والثاني: يحتمل ذلك وهو الظاهر. ويحتمل أن يكون متعلقا بمحذوف وقع
~~حالا، والمعنى كذب ومعه آيات الله تعالى { وصدف عنها } أي أعرض
~~غير مفكر فيها كما روي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما أو صرف الناس عنها
~~فجمع بين الضلال والإضلال، والفعل على الأول: لازم وعلى الثاني: متعد وهو
~~الأكثر استعمالا.

# { سنجزى الذين يصدفون عن ءايتنا } وعيد لهم ببيان
~~جزاء (إعراضهم أو صدهم) بحيث يفهم منه جزاء (تكذيبهم)، ووضع الموصول موضع
~~الضمير لتحقيق مناط الجزاء { سوء العذاب } أي العذاب السيء الشديد
~~[النكاية] { بما كانوا يصدفون } أي بسبب ما كانوا يفعلون الصدف
~~[والصرف] على التجدد والاستمرار، وهذا تصريح بما أشعر به إجراء الحكم على
~~الموصول من علية ما في حيز الصلة له.

### || [6.158]

# { هل ينظرون } استئناف مسوق لبيان أنه لا يتأتى منهم الإيمان
~~بإنزال ما ms03050 ذكر من البينات والهدى والإيذان بأن من الآيات ما لا فائدة
~~للإيمان عنده مبالغة في التبليغ والإندار وإزاحة العلل والأعذار، و { هل
~~} للاستفهام الإنكاري، وأنكر الرضي مجيئها لذلك وقال: إنها للتقرير في
~~الإثبات، والجمهور على الأول، والضمير لكفار أهل مكة. وزعم الجبائي أنه
~~للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أي ما ينتظرون.

# { إلا أن تأتيهم الملئكة } لقبض أرواحهم { أو
~~يأتى ربك } يوم القيامة في ظلل من الغمام حسبما أخبر وبالمعنى
~~الذي أراد. وإلى هذا التفسير ذهب ابن مسعود وقتادة ومقاتل، وقيل: إتيان
~~الملائكة لإنزال العذاب والخسف بهم. وعن الحسن إتيان الرب على معنى إتيان
~~أمره بالعذاب. وعن ابن عباس المراد يأتي أمر ربك فيهم بالقتل، وقيل:
~~المراد يأتي كل آياته يعني آيات القيامة والهلاك الكلي لقوله سبحانه: {
~~أو يأتى بعض ءايت ربك } وأنت تعلم أن المشهور من مذهب
~~السلف عدم تأويل مثل ذلك بتقدير مضاف ونحوه بل تفويض المراد منه إلى
~~اللطيف الخبير مع الجزم بعدم إرادة الظاهر. ومنهم من يبقيه على الظاهر
~~إلا أنه يدعي أن الإتيان الذي ينسب إليه تعالى ليس الإتيان الذي يتصف به
~~الحادث، وحاصل ذلك أنه يقول بالظواهر وينفي اللوازم ويدعي أنها لوازم في
~~الشاهد، وأين التراب من رب الأرباب. وجوز بعض المحققين حمل الكلام على
~~الظاهر المتعارف عند الناس، والمقصود منه حكاية مذهب الكفار واعتقادهم،
~~وعلى ذلك اعتمد الإمام وهو بعيد أو باطل.

# والمراد بالآيات عند بعض أشراط الساعة، وهي على ما يستفاد من الأخبار
~~كثيرة، وصح من طرق

# " حذيفة بن أسيد قال: " أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من
~~علية ونحن نتذاكر فقال: ما تذاكرون؟ قلنا: نتذاكر الساعة قال: إنها لا
~~تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان والدجال وعيسى ابن مريم ويأجوج
~~ومأجوج والدابة وطلوع الشمس من مغربها، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف
~~بالمغرب. وخسف بجزيرة العرب. وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن أو اليمن تطرد
~~الناس إلى المحشر تنزل معهم إذا نزلوا وتقيل معهم ms03051 إذا قالوا "

# وببعضها على ما قيل: الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها وهو المراد
~~بالبعض أيضا في قوله سبحانه: { يوم يأتى بعض آيت ربك
~~لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل } وروى
~~مسلم وأحمد والترمذي وغيرهم عن أبي هريرة مرفوعا ما هو صريح في ذلك.
~~واستشكل ذلك بأن خروج عيسى عليه السلام بعد الدجال عليهم اللعنة وهو عليه
~~السلام يدعو الناس إلا الإيمان ويقبله منهم وفي زمنه خير كثير دنيوي
~~وأخروي، وأجيب عنه بما لا يخلو عن نظر.

# والحق أن المراد بهذا البعض الذي لا ينفع الإيمان عند طلوع الشمس من
~~مغربها. فقد روى الشيخان «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا
~~طلعت ورآها الناس ءامنوا أجمعون وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها ثم قرأ
~~الآية» بل قد روي هذا التعيين عنه صلى الله عليه وسلم في غير ما خبر
~~صحيح، وإلى ذلك ذهب جلة المفسرين. وما يروى من الأخبار التي ظاهرها
~~المنافاة لذلك غير مناف له عند التحقيق كما لايخفى على المتأمل، وسبب عدم
~~نفع الإيمان عند ذلك أنه إذا شوهد تغير العالم العلوي يحصل العلم الضروري
~~ويرتفع الإيمان بالغيب وهو المكلف به فيكون الإيمان حينئذ كالإيمان عند
~~الغرغرة، ومقتضى الأخبار في هذا المطلب أنه لا يقبل الإيمان بعد ذلك
~~أبدا لكن الظاهر على ما في «الزواجر» قبول ما وقع بعد ذلك من غير تقصير
~~كمن جن وأفاق بعد أو أسلم بتبعية أبويه.

# وعن البلقيني أنه إذا تراخى الحال بعد طلوع الشمس من المغرب وطال العهد
~~حتى نسي قبل الإيمان لزوال الآية الملجئة وله وجه وجيه. وقول العراقي: إن
~~الظاهر أنه لا يطول العهد حتى ينسى غير متجه لما رواه القرطبي في
~~«تذكرته» عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~ونقله الحافظ ابن حجر في «شرح البخاري» أن الناس يبقون بعد طلوع الشمس من
~~مغربها مائة وعشرين سنة، والكلام في كيفية طلوعها من المغرب مفصل في كتب
~~الحديث، وفي ms03052 «سوق العروس» لابن الجوزي أن الشمس تطلع من مغربها ثلاثة
~~أيام بلياليها ثم يقال لها: ارجعي من مطلعك، والمشهور أنها تطلع يوما
~~واحدا من المغرب فتسير إلى خط نصف النهار ثم ترجع إلى المغرب وتطلع بعد
~~ذلك من المشرق كعادتها قبل. وخبر عبد الله بن أبي أوفى صريح في ذلك
~~والكل أمر ممكن والله سبحانه على كل شيء قدير. وروى البخاري في «تاريخه»
~~وأبو الشيخ وابن عساكر في كيفية ذلك عن كعب رضي الله تعالى عنه أنه قال:
~~إذا أراد الله تعالى أن يطلع الشمس من مغربها أدارها بالقطب فجعل مشرقها
~~مغربها ومغربها مشرقها.

# وأهل الهيئة ومن وافقهم يزعمون أن طلوع الشمس من المغرب محال ويقولون:
~~إن الشمس وغيرها من الفلكيات بسيطة لا تختلف مقتضياتها جهة وحركة وغير
~~ذلك ولا يتطرق إليها تغيير عما هي عليه، وقد بنوا ذلك على مثل شفا جرف
~~هار. وقال الكرماني: إنه على تقدير تسليم قواعدهم لا امتناع في ذلك أيضا
~~لقولهم بجواز انطباق منطقة فلك البروج المسمى بفلك الثوابت على المعدل
~~وهي منطقة الفلك الأعظم المسمى بفلك الأطلس بحيث يصير المشرق مغربا
~~والمغرب مشرقا انتهى.

# وفيه نظر يعلم بعد بيان كيفية الانطباق وما يتبعه ويلزم منه على ما في
~~كتب محققيهم فأقول:

# قال في «التذكرة وشرحها» للسيد السند: الميل الكلي وهو غاية التباعد بين
~~منطقتي / المعدل وفلك البروج الموجود بالأرصاد القديمة والحديثة ليس
~~شيئا واحدا بل كان ما وجده القدماء أكثر مما وجده المحدثون، وقد يظن أن
~~ما وجده من هو أحدث زمانا كان أقل مما وجده من هو أقدم زمانا مع أن
~~أكثر ما وجدوه لم يبلغ أربعة وعشرين جزءا وأقله لم ينقص عن ثلاثة وعشرين
~~جزءا ونصف جزء. ثم الظاهر أن هذا الاختلاف إنما هو بسبب اختلال الآلات
~~في استدارتها أو قسمتها أو نصبها في حقيقة نصف النهار لا بسبب تحرك إحدى
~~المنطقتين إلى الأخرى وإلا لوجب أن يكون الاختلاف على نظام واحد ولم يوجد
~~كذلك كما بين في محله لكنه يجوز ms03053 أن يكون أصل الاختلاف بسبب التحرك وعدم
~~الانتظام بسبب الاختلال ولما امتنع أن يكون هذا التقارب بحركة المعدل نحو
~~منطقة البروج إذ يلزم منه أن تختلف عروض البلدان عما هي عليه وأن يكون خط
~~الاستواء في كل زمان مكانا آخر ذهب بعضهم إلى أن منطقة البروج تتحرك في
~~العرض فتقرب من معدل النهار فإن كان هذا حقا يجب أن يثبت فلكا آخر يحرك
~~فلك البروج هذه الحركة ثم إن المنطقة إن تحركت في العرض أمكن أن تتم
~~الدورة وأمكن أن لا تتمها بل تتحرك إلى غاية ما ثم تعود وتلك الغاية يمكن
~~أن تكون بعد انطباقها على منطقة المعدل مرتين أو حال انطباقها الثاني أو
~~فيما بين الانطباقين وذلك إما بعد قطع نصف دورتها أو حال قطع النصف أو
~~قبله، وإن لم تصل إلى ما بين الانطباقين فإما أن تعود حال انطباقها الأول
~~أو قبل ذلك ثمانية احتمالات عقلية لا مزيد عليها، وعلى التقديرات الخمس
~~الأول: يتبادل نصفا سطح فلك البروج الشمالي والجنوبي فيصير نصف سطح فلك
~~البروج الذي هو شمالي عن المعدل جنوبيا عنه وبالعكس مع ما يتبع النصفين
~~من الأحكام فتثبت أحكام النصف الشمالي للنصف الجنوبي بعد صيرورته
~~شماليا وأحكام الجنوبي للشمالي بعد صيرورته جنوبيا وفي الثلاثة الأولى
~~منها ينطبق كل واحد من نصفي منطقة البروج على كل واحد من نصفي منطقة
~~المعدل، وعلى التقديرات الباقية بعد الخمسة الأولى لا يتبادل غير البعض
~~من السطح المذكور، وعلى التقديرات السبعة الأولى ينطبق النصف من منطقة
~~فلك البروج على النصف المجاور له من منطقة المعدل وعند كل انطباق يتساوى
~~الليل والنهار في جميع البقاع لأن مدار الشمس هو المعدل المنصف بالآفاق
~~القاطعة له وتبطل فصول السنة لأن بعد الشمس عن سمت الرأس يكون شيئا
~~واحدا هو مقدار عرض البلد ويستمر الحال على هذا إلى أن تفترق المنطقتان
~~بمقدار يحس به ولا يكون ذلك إلا في مدة طويلة، وعلى التقدير الثاني: لا
~~يكون شيء من الانطباق وتساوي الملوين وبطلان الفصول إلا ms03054 أن الارتفاعات
~~ومقادير الأيام والليالي لأجزاء بعينها من فلك البروج تزيد وتنقص في بقعة
~~بعينها انتهى ملخصا.

# ولا يخفى أنه من لوازم ما ذكروه من التبادل الناشيء عن الانطباق مرتين
~~انطباق قطب البروج الجنوبي على قطب العالم الشمالي وعكسه وصيرورة بروج
~~الخريف بروج الربيع وعكسه وبروج الصيف بروج الشتاء وعكسه وانعكاس توالي
~~البروج إلى خلافه فيطلع الحوت ثم الدلو ثم الجدي وهكذا إلى الحمل وتوافق
~~حركة ما حركته من المغرب إلى المشرق لحركة الفلك الأعظم إلى غير ذلك،
~~وليس صيرورة المشرق مغربا والمغرب مشرقا من لوازم الانطباق المذكور بل
~~لا يتصور أصلا، نعم لو كان المدعي انطباق منطقة المعدل على منطقة فلك
~~البروج بحيث تكون الحركة للمعدل نحو المنطقة لتصور ما ذكر لكنه ممتنع على
~~ما صرح به السيد السند فيما مر وقد فرض عدم الامتناع فتدبر

# والانتظار في الآية محمول على التمثيل المبني على تشبيه حال / هؤلاء
~~الكفار في الإصرار على الكفر والتمادي على العناد إلى أن تأتيهم تلك
~~الأمور الهائلة التي لا بد لهم من الإيمان عند مشاهدتها البتة بحال
~~المنتظرين لها وهذا هو الذي يقتضيه التفسير المأثور ولا ينبغي العدول عن
~~ذلك التفسير بعد أن صحت نسبة بعضه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~والبعض الآخر إلى أصحابه رضي الله تعالى عنهم وليس في النظم الكريم ما
~~يأباه ولا أن المقام إنما يساعد على ما سواه، وقيل: المراد بإتيان
~~الملائكة وإتيان الرب سبحانه ما اقترحوه بقولهم:

# لولا أنزل علينا الملئكة أو نرى ربنا

# [الفرقان: 21] وبقولهم

# أو تأتى بالله والملئكة قبيلا

# [الإسراء: 92] وبإتيان بعض الآيات غير ما ذكر كما اقترحوا بقولهم:

# أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا

# [الإسراء: 92] ونحو ذلك من عظائم الآيات التي علقوا بها إيمانهم.

# وجوز حمل بعض الآيات في قوله سبحانه: { يوم يأتى بعض آيت
~~ربك } على ما يعم مقترحاتهم وغيرها من الدواهي العظام السالبة
~~للاختيار الذي يدور عليه فلك التكليف وهو كلام في نفسه ليس بالدون ولكن
~~إذا صح الحديث فهو مذهبي، ms03055 والتعبير بالبعض للتهويل والتفخيم كما أن
~~إضافة الآيات إلى اسم الرب المنبىء عن المالكية الكلية لذلك، وإضافته إلى
~~ضميره عليه الصلاة والسلام للتشريف. وتنكير { نفسا } للتعميم. وجملة {
~~لم تكن آمنت } في موضع النصب صفة لنفسا فصل بينهما بالفاعل
~~لاشتمالها على ضمير الموصوف ولا ضير فيه لأنه غير أجنبي منه لاشتراكهما
~~في العامل. وجوز كونها استئنافية و { يوم } منصوب بلا ينفع. وامتناع
~~عمل ما بعد لا فيما قبلها إنما هو عند وقوعها جواب القسم.

# وقرأ حمزة والكسائي { يأتيهم } بالياء لأن تأنيث الملائكة غير
~~حقيقي. وقرىء { يوم } بالرفع على الابتداء. والخبر هو الجملة والعائد
~~محذوف أي لا ينفع فيه. وقرأ أبو العالية وابن سيرين { لا تنفع }
~~بالتاء الفوقانية. وخرجها ابن جني على أنها من باب قطعت بعض أصابعه
~~فالمضاف فيه قد اكتسب التأنيث من المضاف إليه لكونه شبيها بما يستغني
~~عنه، وقال أبو حيان: «إن التأنيث لتأويل الإيمان بالعقيدة والمعرفة مثل
~~جاءته كتابي فاحتقرها على معنى الصحيفة».

# وقوله سبحانه: { أو كسبت فى إيمنها خيرا } عطف على {
~~آمنت } والكلام محمول على نفي الترديد المستلزم للعموم المفيد بمنطوقه
~~لاشتراط عدم النفع بعدم الأمرين معا الإيمان المقدم والخير المكسوب فيه
~~وبمفهومه لاشتراط النفع بتحقق أحدهما بطريق منع الخلو دون الانفصال
~~الحقيقي. والمعنى أنه لا ينفع الإيمان حينئذ نفسا لم يصدر عنها من قبل
~~أما الإيمان المجرد أو الخير المكسوب فيه فيتحقق الخير بأيهما كان حسبما
~~تنطق به النصوص الكريمة من الآيات والأحاديث الصحيحة. والمعتزلة يقولون:
~~إن الترديد بين النفيين، والمراد نفي العموم لا عموم النفي. والمعنى أنه
~~لا ينفع الإيمان حينئذ نفسا غير مقدمة إيمانها أو مقدمة إيمانها غير
~~كاسبة فيه خيرا. وهذا صريح فيما ذهبوا إليه من أن الإيمان المجرد عن
~~العمل لا يعتبر ولا ينفع صاحبه. ولم يحملوا ذلك على عموم النفي كما قرروه
~~في قوله تعالى:

# ولا تطع منهم آثما أو كفورا

# [الإنسان: 24] لأن ذلك حيث لم تقم قرينة حالية أو مقالية على خلافه وهنا
~~قد قامت قرينة على خلافه فإنه لو ms03056 اعتبر عموم النفي لغى ذكر اشتراط عدم
~~النفع بالخلو عن كسب الخير في الإيمان ضرورة أنه إذا انتفى الإيمان قبل
~~ذلك اليوم انتفى كسب الخير فيه قطعا على أن الموجب للخلود في النار هو
~~عدم الإيمان من غير أن يكون لعدم / كسب الخير دخل ما في ذلك أصلا فيكون
~~ذكره بصدد بيان ما يوجب الخلو لغلوا من الكلام أيضا.

# وأجاب شيخ الإسلام عن ذلك بأنه «مبني على توهم أن المقصود بوصف النفس
~~بالعدمين المذكورين مجرد بيان إيجابهما للخلود فيها وعدم نفع الإيمان
~~الحادث في إنجائها عنه وليس كذلك وإلا لكفى في البيان أن يقال: لا ينفع
~~نفسا إيمانها الحادث بل المقصود الأصلي من وصفها بذينك العدمين في أثناء
~~[بيان] عدم نفع الإيمان الحادث تحقيق أن موجب النفع إحدى ملكيتهما أعني
~~الإيمان السابق والخير المكسوب فيه لما ذكر من الطريقة والترغيب في
~~تحصيلهما في ضمن التحذير من تركهما؛ ولا سبيل إلى أن يقال: كما أن عدم
~~الأول مستقل في إيجاب الخلود في النار فيلغو ذكر عدم الثاني كذلك وجود
~~مستقل في إيجاب الخلاص عنها فيكون ذكر الثاني لغوا لما أنه قياس مع
~~الفارق كيف لا والخلود فيها أمر لا يتصور فيه تعدد العلل.

# وأما الخلاص منها مع دخول الجنة فله مراتب بعضها مترتب على نفس الإيمان
~~وبعضها على فروعه المتفاوتة كما وكيفا. ولم يقتصر على إتيان ما يوجب
~~أصل النفع وهو الإيمان السابق مع أنه المقابل بما لا يوجبه أصلا وهو
~~الإيمان الحادث بل قرن به ما يوجب النفع الزائد أيضا إرشادا إلى تحري
~~الأعلى وتنبيها على كفاية الأدنى وإقناطا للكفرة عما علقوا به أطماعهم
~~الفارغة من أعمال البر التي عملوها في الكفر مما هو من باب المكارم وأن
~~الإيمان الحادث كما لا ينفعهم وحده لا ينفعهم بانضمام أعمالهم السابقة
~~واللاحقة. ثم قال: ولك أن تقول: المقصود بوصف النفس بما ذكر من العدمين
~~التعريض بحال الكفرة في تمردهم وتفريطهم في كل واحد من الأمرين الواجبين
~~عليهم وإن كان وجوب أحدهما منوطا ms03057 بالآخر كما في قوله سبحانه:

# فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى

# [القيامة: 31-32] تسجيلا عليهم بكمال طغيانهم وإيذانا بتضاعف عقابهم
~~لما تقرر من أن الكفار مخاطبون بالفروع في حق المؤاخذة كما ينبىء عنه
~~قوله تعالى:

# وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكوة

# [فصلت: 6-7] انتهى.

# وقيل في دفع اللغوية غير ذلك، وأجاب بعضهم عن متمسك المعتزلة بأن الآية
~~مشتملة على ما سمي في علم البلاغة باللف التقديري كأنه قيل: لا ينفع
~~نفسا إيمانها ولا كسبها في إيمانها خيرا لم تكن آمنت من قبل أو لم تكن
~~كسبت خيرا فاقتصر للعلم به وفيه خفاء لا يخفى، ومثله ما تفطن له بعض
~~المحققين وإن تم الكلام به من غير لف ولا اعتبار اقتصار وهو أن معنى
~~الآية أنه لا ينفع الإيمان باعتبار ذاته إذا لم يحصل قبل ولا باعتبار
~~العمل إذا لم يعمل قبل، ونفع الإيمان باعتبار العمل أن يصير سببا لقبول
~~العمل فإن العبارة لا تحتمله ولا يفهم منها من غير اعتبار تقدير في نظم
~~الكلام، وقال مولانا ابن الكمال: إن المراد بالإيمان في الآية المعرفة
~~كما يرشد إليه قراءة (لا تنفع) بالتاء وبكسب الخير الإذعان؛ ونحن معاشر
~~أهل السنة والجماعة نقول بما هو موجب النص من أن الإيمان النافع مجموع
~~الأمرين ولا حجة فيه للمخالف لأن مبناها حمل الايمان على المعنى
~~الإصطلاحي المخترع بعد نزول القرآن وتخصيص الخير بما يكون بالجوارح وكل
~~منهما خلاف الأصل والظاهر، ولو سلم فنقول: الإيمان النافع لا بد فيه من
~~أمرين الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان وقد عبر عن الأول بقوله سبحانه:
~~{ آمنت } وعن الثاني بقوله تعالى: { أو كسبت } فالكسب يكون
~~بالآلات البدنية ومنها اللسان فمنطوق الآية على مذهبنا انتهى.

# ولا يخفى عليك أن الألفاط المستعملة في كلام الشارع حقائق شرعية يتبادر
~~منها ما علم بلا قرينة، والإيمان وإن صح أنه لم ينقل عن معناه اللغوي
~~الذي هو تصديق القلب مطلقا وإن استعمل في التصديق الخاص إلا / أن
~~المتبادر منه هذا التصديق وحينئذ فكلام هذا العلامة ms03058 لا يخلو عن نظر،
~~وأجاب القاضي البيضاوي بيض الله تعالى غرة أحواله بأن لمن اعتبر الإيمان
~~المجرد عن العمل وقال بأنه ينفع صاحبه حيث يخلصه عن الخلود في النار
~~تخصيص هذا الحكم بذلك أي أن هذا الحكم  أعني عدم نفع الإيمان المجرد
~~صاحبه  مخصوص بذلك اليوم بمعنى أنه لا ينفعه فيه ولا يلزم منه أنه لا
~~ينفعه في الآخرة في شيء من الأوقات، وليس المراد أن المحكوم عليه بعدم
~~النفع هو ما حدث في ذلك اليوم من الإيمان والعمل، ولا يلزم من عدم نفع
~~ماحدث فيه عدم نفع الإيمان السابق عليه وإن كان مجردا عن العمل كما قيل
~~لأن هذا ليس من تخصيص الحكم في شيء بل هو تخصيص للمحكوم عليه قد يرجع
~~حاصله إلى اشتمال الآية على اللف التقديري كما أشرنا إليه.

# ويرد عليه أنه يلزم منه تخصيص الحكم بعدم نفع الإيمان الحادث في ذلك
~~اليوم به أيضا ولا قائل به إذ هو لا ينفع صاحبه في شيء من الأوقات
~~بالإتفاق. ويمكن دفعه بأن التخصيص في حكم عدم النفع إنما يلاحظ بالنظر
~~إلى الإيمان المجرد وباعتباره فقط على أن يكون معنى الآية يوم يأتي بعض
~~آيات ربك لا ينفع الإيمان الغير السابق إليه صاحبه فيه ولا الإيمان الغير
~~المكتسب فيه الخير وإن نفع هو بالآخرة إلا أن في هذا تخصيصا في الحكم
~~والمحكوم به فتأمل، وبأن له أيضا صرف قوله سبحانه: { كسبت } عن أن
~~يكون معطوفا على { آمنت } إلى عطفه إلى { لم تكن } لكن بعد جعل أو
~~بمعنى الواو وحمل الإيمان في { لا ينفع نفسا إيمانها } على
~~الإيمان الحادث في ذلك اليوم وإذا لم ينفع ذلك مع كسب الخير فيه يفهم منه
~~عدم نفعه بدونه بالطريق الأولى، وأنت تعلم أن مثل هذا الاحتمال يضر
~~بالاستدلال ونحن بصدد الطعن باستدلالهم فلا يضرنا أن فيه نوع بعد، ومن
~~عجيب ما وقفت عليه لبعض فضلاء الروم في الجواب أن (أو) بمعنى إلا وبعدها
~~مضارع مقدر مثلها في قول الحريري في «المقامة التاسعة»: ms03059 فوالله ما تمضمضت
~~مقلتي بنومها ولا تمخضت ليلتي عن يومها أو ألفيت أبا زيد السروجي 
~~والأصل أو يكون كسبت أي إلا أن يكون، والمراد من هذا الاستثناء المبالغة
~~في نفي النفي بتعليقه بالمحال كما في قوله تعالى:

# ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما
~~قد سلف

# [النساء: 22] و

# أن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف

# [النساء: 23] في رأي. وقول الشاعر:

# ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

# بهن فلول من قراع الكتائب

# وحاصل المعنى فيما نحن فيه إذا جاء ذلك إليهم لا ينفع الإيمان نفسا لم
~~تكن آمنت من قبل ذلك اليوم إلا أن تكون تلك النفس التي لم تكن آمنت من
~~قبل كسبت في الإيمان خيرا قبل ذلك اليوم وكسب الخير في الإيمان قبل ذلك
~~اليوم للنفس التي لم تكن آمنت قبل ممتنع فالنفع المطلوب أولى بأن يكون
~~ممتنعا، وقد أجيب عن الاستدلال بوجوه أخر، وحاصل جميع ذلك أن الآية لما
~~فيها من الاحتمالات لا تكون معارضة للنصوص القطعية المتون القوية التي لا
~~يشوبها مثل ذلك الصادحة بكفاية الإيمان المجرد عن العمل في الإنجاء من
~~العذاب الخالد ولو بعد اللتيا والتي، وبعد ذلك كله يرد على المعتزلة أن
~~الخير نكرة في سياق النفي فيعم ويلزم أن يكون نفع الإيمان بمجرد الخير
~~ولو واحدا وليس ذلك مذهبهم فإن جميع الأعمال الصالحة داخلة في الخير
~~عندهم.

# { قل } لهم بعد بيان حقيقة الحال على وجه التهديد { انتظروا } ما
~~تنتظرونه من إتيان أحد هذه الأمور { إنا منتظرون } لذلك وحينئذ
~~نفوز وتهلكون، قيل: في هذا تأييد لكون المراد بما ينتظرونه إتيان ملائكة
~~العذاب أو إتيان أمره تعالى به وعدة ضمنية لرسول الله صلى الله عليه وسلم
~~والمؤمنين بمعاينتهم بما يحيق بالكفرة من العقاب، ولعل ذلك هو الذي
~~شاهدوه يوم بدر.

### || [6.159]

# { إن الذين فرقوا دينهم } استئناف لبيان أحوال أهل
~~الكتابين إثر بيان حال المشركين بناء على ما روي عن ابن عباس وقتادة أن
~~الآية نزلت في اليهود والنصارى أي بددوا دينهم وبعضوه ms03060 فتمسك بكل بعض منه
~~فرقة منهم. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وحمزة والكسائي { فارقوا }
~~بالألف أي باينوا فإن ترك بعضه وإن كان بأخذ بعض آخر منه ترك للكل أو
~~مفارقة له { وكانوا شيعا } أي فرقا تشيع كل فرقة إماما وتتبعه
~~أو تقويه وتظهر أمره. أخرج أبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه وابن حبان
~~وصححه الحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة
~~واقترفت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة
~~وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة "

# واستثناء الواحدة من فرق كل من أهل الكتابين إنما هو بالنظر إلى العصر
~~الماضي قبل النسخ وأما بعده فالكل في الهاوية وإن اختلفت أسباب دخولهم.
~~ومن غريب ما وقع أن بعض متعصبي الشيعة الإمامية من أهل زماننا واسمه حمد
~~روى بدل «إلا واحدة» في هذا الخبر إلا فرقة وقال: إن فيه إشارة إلى نجاة
~~الشيعة فإن عدد لفظ فرقة بالجمل وعدد لفظ شيعة سواء فكأنه قال عليه
~~الصلاة والسلام: إلا شيعة، والمشهور بهذا العنوان هم الشيعة الإمامية
~~فقلت له بعد عدة تزييفات لكلامه: يلزم هذا النوع من الإشارة أن تكون
~~كلبا لأن عدد كلب وعدد حمد سواء فألقم الكلب حجرا.

# { لست منهم فى شيء } أي من السؤال عنهم والبحث عن تفرقهم أو
~~من عقابهم أو أنت برىء منهم، وقيل: يحتمل أن يكون هذا وعدا لرسول الله
~~صلى الله عليه وسلم بالعصمة عنهم أي لست منهم في شيء من الضرر، وعن السدي
~~أنه نهى عن التعرض لقتالهم ثم نسخ بما في سورة براءة، و { منهم } في
~~موضع الحال لأنه صفة نكرة قدمت عليها.

# { إنما أمرهم إلى الله } تعليل للنفي المذكور أي هو يتولى
~~وحده أمر أولاهم وءاخرتهم ويدبره حسبما تقتضيه الحكمة، وقيل: المفرقون
~~أهل البدع من هذه الأمة، فقد أخرج الحكيم الترمذي وابن جرير والطبراني
~~والشيرازي في «الألقاب» وابن مردويه عن ms03061 أبي هريرة

# " عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه: { إن الذين
~~فرقوا } الخ " هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة "

# وأخرج الترمذي وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وأبو نعيم في
~~«الحلية» والبيهقي في «الشعب». وغيرهم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى
~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله تعالى عنها:

# " يا عائش { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا }
~~هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة ليس لهم توبة
~~يا عائشة إن لكل صاحب ذنب توبة غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء فإنهم ليس
~~لهم توبة وأنا منهم بريء وهم مني برآء "

# فيكون الكلام استئنافا لبيان حال المبتدعين إثر بيان حال المشركين
~~إشارة إلى أنهم ليسوا منهم ببعيد، ولعل جملة { إنما أمرهم } الخ
~~على هذا ليست للتعليل وإنما هي للوعيد على ما فعلوا أي أن رجوعهم إليه
~~سبحانه.

# { ثم ينبئهم } يوم القيامة { بما كانوا يفعلون } في
~~الدنيا على الاستمرار بالعقاب عليه.

### || [6.160]

# { من جاء بالحسنة } استئناف مبين لمقادير أجزية العاملين وقد
~~صدر ببيان / أجزية المحسنين المدلول عليهم بذكر أضدادهم أي من جاء من
~~المؤمنين بالخصلة الواحدة من خصال الطاعة أي خصلة كانت، وقيل: التوحيد
~~ونسب إلى الحسن وليس بالحسن { فله عشر } حسنات { أمثلها }
~~فضلا من الله تعالى. وقرأ يعقوب { عشر } بالتنوين { أمثلها }
~~بالرفع على الوصف، وهذا أقل ما وعد من الأضعاف، وقد جاء الوعد بسبعين
~~وسبعمائة وبغير حساب، ولذلك قيل: المراد بالعشر الكثرة لا الحصر في العدد
~~الخاص. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة وأبو الشيخ عن ابن عباس وعبد
~~بن حميد وغيره عن ابن عمر أن الآية نزلت في الأعراب خاصة، وأما المهاجرون
~~فالحسنة مضاعفة لهم بسبعمائة ضعف، والظاهر العموم. وتجريد { عشر } من
~~التاء لكون المعدود مؤنثا كما أشرنا إليه لكنه حذف وأقيمت صفته مقامه،
~~وقيل: إنه المذكور إلا أنه اكتسب التأنيث من المضاف إليه.

# { ومن جاء بالسيئة } كائنا من كان من العالمين { فلا
~~يجزى إلا مثلها } بحكم ms03062 الوعد واحدة بواحدة، وإيجاب كفر ساعة
~~عقاب الأبد لأن الكافر على عزم أنه لو عاش أبدا لبقي على ذلك الاعتقاد
~~أبدا { وهم لا يظلمون } بنقص الثواب وزيادة العقاب. فإن ذلك
~~منه تعالى لا يعد ظلما إذ له سبحانه أن يعذب المطيع ويثيب العاصي، وقيل:
~~المعنى لا ينقصون في الحسنات من عشر أمثالها وفي السيئة من مثلها في مقام
~~الجزاء.

# ومن المعتزلة من استدل بهذه الآية على إثبات الحسن والقبح العقليين،
~~واختلف في تقريره فقيل: إنهم لما رأوا أن أحد أدلة الأشاعرة على النفي أن
~~العبد غير مستبد في إيجاد فعله كما بين في محله فلا يحكم العقل
~~بالاستقلال على ترتب الثواب والعقاب عليه قالوا: إن قوله سبحانه: { من
~~جاء بالحسنة } الخ صريح في أن العبد مستبد مختار في فعله الحسن
~~والقبيح، وإذا ثبت ذلك يثبت الحسن والقبح العقليان. وأجيب عنه بأن الآية
~~لا تدل على استبداد العبد، غاية ما فيها أنها تدل على المباشرة وهم لا
~~ينكرونها، وقيل: إن الآية دلت على أن لله تعالى فعلا حسنا ولو كان حسن
~~الأفعال لكونها مأمورة أو مأذونا فيها لما كان فعل الله تعالى حسنا إذ
~~هو غير مأمور ولا مأذون، وأيضا لو توقف معرفة الحسن والقبح على ورود
~~الشرع لما كانت أفعاله تعالى حسنة قبل الورود وهو خروج عن الدين.

# وأجيب أما عن الأول: فبأنا لا ندعي أنه لا حسن إلا ما أمر به أو أذن في
~~فعله حتى يقال: يلزم أن تكون أفعال الله تعالى غير حسنة إذ يستحيل أن
~~يكون مأمورا بها أو مأذونا فيها بل ما أمر الشارع بفعله أو أذن فيه فهو
~~حسن ولا ينعكس كنفسه بل قد يكون الفعل حسنا باعتبار موافقة الغرض أو
~~باعتبار أنه مأمور بالثناء على فاعله، وبهذا الاعتبار كان فعل الله تعالى
~~حسنا سواء وافق الغرض أو خالف، وأما عن الثاني: فبأن الحسن والقبح وإن
~~فسرا بورود الشرع بالمنع والإطلاق لكن لا نسلم أنه لا حسن ولا قبح إلا
~~بالشرع حتى يلزمنا ذلك ms03063 بل الحسن والقبح أعم مما ذكر كما عرف في موضعه،
~~ولا يلزم من تحقق معنى الحسن والقبح بغير ورود الشرع بالمنع والإطلاق أن
~~يكون داتيا للأفعال، ولا يخفى على المطلع أن قولهم: لو كان حسن الأفعال
~~الخ وقولهم: لو توقف معرفة الحسن والقبح الخ شبهتان مستقلتان من شبه عشر
~~إلزامية ذكرها الآمدي في «أبكار الأفكار»/ وأن كلا من التقريرين
~~السابقين لا يخلو بعد عن نظر فتدبر.

### || [6.161]

# { قل إننى هدانى ربى } أمر له صلى الله عليه وسلم بأن يبين
~~ما هو عليه من الدين الحق الذي يدعي المفرقون أنهم عليه وقد فارقوه
~~بالكلية، وتصدير الجملة بحرف التحقيق لإظهار كمال العناية بمضمونها،
~~والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لما
~~مر غير مرة أي قل يا محمد لهؤلاء المفرقين أو للناس كافة: أرشدني ربي
~~بالوحي وبما نصب في الآفاق والأنفس من الآيات { إلى صرط
~~مستقيم } موصل إلى الحق. وقوله سبحانه: { دينا } بدل من محل {
~~إلى صرط } إذ المعنى فهداني صراطا نظير قوله تعالى:

# ويهديك صرطا مستقيما

# [الفتح: 2] أو مفعول فعل مضمر دل عليه المذكور أي هداني أو أعطاني أو
~~عرفني دينا، وجوز أن يكون مفعولا ثانيا للمذكور. وقوله سبحانه: {
~~قيما } مصدر كالصغر والكبر نعت به مبالغة. وجوز أن يكون التقدير ذا
~~قيم، والقياس قوما كعوض وحول، فأعل تبعا لإعلال فعله أعني قام
~~كالقيام. وقرأ كثير { قيما } وهو فيعل من قام أيضا كسيد من ساد 
~~وهو على ما قيل  أبلغ من المستقيم باعتبار الهيئة والمستقيم أبلغ منه
~~باعتبار مجموع المادة والهيئة، وقيل: أبلغية المستقيم لأن السين للطلب
~~فتفيد طلب القيام واقتضاءه، ولا فرق بين القيم والمستقيم في أصل المعنى
~~عند الكثير، وفسروا القيم بالثابت المقوم لأمر المعاش والمعاد، وجعلوا
~~المستقيم من استقام الأمر بمعنى ثبت وإلا لا يتأتى ما ذكر، وقيل:
~~المستقيم مقابل المعوج والقيم الثابت الذي لا ينسخ.

# { ملة إبرهيم } نصب بتقدير أعني أو عطف بيان لدينا بناء على
~~جواز تخالف البيان والمبين تعريفا وتنكيرا { حنيفا } أي مائلا ms03064 عن
~~الأديان الباطلة أو مخلصا لله تعالى في العبادة وهو حال من إبراهيم، وقد
~~أطبقوا على جواز مجيء الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف جزءا منه أو
~~بمنزلة الجزء حيث يصح قيامه مقامه. والعامل في هذه الحال هو العامل في
~~المضاف. وقيل: معنى الإضافة لما فيه من معنى الفعل المشعر به حرف الجر،
~~وقد تقوى هذا المعنى هنا بما بين المتضايفين من الجزئية أو شبهها. وجوز
~~أن يكون مفعولا لفعل مقدر أي أعني حنيفا.

# { وما كان من المشركين } اعتراض مقرر لنزاهته عليه الصلاة
~~والسلام عما عليه المبطلون، وقيل: عطف على ما تقدم. وفيه رد على الذين
~~يدعون أنهم على ملته عليه الصلاة والسلام من أهل مكة القائلين: الملائكة
~~بنات الله واليهود القائلين: عزير ابن الله والنصارى القائلين: عيسى ابن
~~الله.

### || [6.162]

# { قل إن صلاتى } أي جنسها لتشمل المفروضة وغيرها. وأعيد الأمر
~~لمزيد الاعتناء، وقيل: لأن المأمور به متعلق بفروع الشرائع وما سبق
~~بأصولها { ونسكى } أي عبادتي كلها كما قال الزجاج والجبائي، وهو من
~~عطف العام على الخاص. وعن سعيد بن جبير ومجاهد والسدي أن المراد به
~~الذبيحة للحج والعمرة. وعن قتادة الأضحية، وجمع بينه وبين الصلاة كما في
~~قوله تعالى:

# فصل لربك وانحر

# [الكوثر: 2] على المشهور. وقيل: المراد به الحج أي إن صلاتي وحجي {
~~ومحياى ومماتى } أي ما يقارن حياتي وموتي من الإيمان والعمل
~~الصالح. وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالمحيا والممات ظاهرهما والأول هو
~~المناسب لقوله تعالى: { لله رب العلمين } / إذا المراد به
~~الخلوص بحسب الظاهر، وقيل: المراد به نظرا لهذا الاحتمال أن ذلك له
~~تعالى ملكا وقدرة.

### || [6.163]

# { لا شريك له } أي في عبادتي أو فيها وفي الإحياء ولإماتة. وقرأ
~~نافع «محياي» بإسكان إجراء للوصل مجرى الوقف، وفي رواية أنه كسر الياء،
~~وعلى الرواية الأولى إنما جاز التقاء الساكنين لنية الوقف وفيه يجوز ذلك
~~فطعن بعضهم في ذلك بأن فيه الجمع بين الساكنين وهو لا يجوز ليس في محله،
~~وقد روى هذه القراءة عن نافع جماعة، وما ms03065 قيل: إنه رجع عنها وإنه لا يحل
~~لأحد نقلها عنه ليس بشيء { وبذلك } أي القول أو الإخلاص { أمرت
~~} لا بشيء غيره { وأنا أول المسلمين } أي المنقادين إلى
~~امتثال ما أمر الله تعالى به، وقيل: المستسلمين لقضاء الله تعالى وقدره،
~~والمراد مسلمي أمته كما قيل، وهذا شأن كل نبي بالنسبة إلى أمته، وقيل:
~~هذا إشارة إلى قوله عليه الصلاة والسلام:

# " " أول ما خلق الله تعالى نوري "

### || [6.164]

# { قل أغير الله أبغى ربا } إنكار لبغية غيره تعالى ربا
~~لا لبغية الرب ولهذا قدم المفعول، وليس التقديم للاختصاص إذ المقصود أغير
~~الله أطلب ربا وأجعله شريكا له، وعلى تقدير الاختصاص لا يكون إشراكا
~~للغير بل توحيد، وقال بعض المحققين: لا يبعد أن يقال التقديم للاختصاص.
~~وذكر في رد دعوته إلى الغير رد الاختصاص تنبيها على أن إشراك الغير بغية
~~غير الله تعالى إذ لا بغية له سبحانه إلا بتوحيده عز وجل، وما في النظم
~~الكريم أبلغ من أغير الله أعبد ونحوه كما لا يخفى { وهو } سبحانه {
~~رب كل شيء } جملة حالية مؤكدة للإنكار أي والحال أن كل ما سواه
~~مربوب [له مثلي] فكيف يتصور أن يكون شريكا له [في المعبودية].

# { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } يروى أنهم كانوا
~~يقولون للمسلمين: «اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم» فرد عليهم بما ذكر أي
~~أن ما كسبته كل نفس من الخطايا محمول عليها لا على غيرها حتى يصح قولكم،
~~وعلى هذا يكون قوله سبحانه: { ولا تزر وازرة } أي نفس آثمة {
~~وزر أخرى } تأكيدا لما قبله، وقيل: إن قولهم ذلك يحتمل معنيين.
~~الأول: اتبعوا سبيلنا وليكتب علينا ما عملتم من الخطايا لا عليكم.
~~والثاني: اتبعوا لنحمل يوم القيامة ما كتب عليكم من الخطايا.

# وقوله تعالى: { ولا تكسب } الخ رد له بالمعنى الأول؛ وقوله
~~سبحانه: { ولا تزر } الخ رد له بالمعنى الثاني، وقيل: إن جواب قولهم
~~هو الثاني، وأن الأول من جملة الجواب عن دعواهم إلى عبادة آلهتهم يعني لو
~~أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه لم أكن معذورا بأنكم ms03066 سبقتموني إليه وقد
~~فعلته متابعة لكم ومطاوعة فلا يفيدني ذلك شيئا ولا ينجيني من الله تعالى
~~لأن كسب كل أحد وعمله عائد عليه، ورجحه بعضهم على الأول بأن التأسيس خير
~~من التأكيد { ثم إلى ربكم مرجعكم } تلوين للخطاب وتوجيه
~~له إلى الكل لتأكيد الوعد وتشديد الوعيد أي إلى مالك (أموركم و) رجوعكم
~~يوم القيامة { فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } ببيان
~~الرشد من الغي وتمييز الحي من اللي.

### || [6.165]

# { وهو الذى جعلكم خلئف الأرض } أي يخلف بعضكم بعضا
~~كلما مضى قرن جاء قرن حتى تقوم الساعة ولا يكون ذلك إلا من عالم مدبر،
~~وإلى هذا ذهب الحسن، أو جعلكم خلفاء الله تعالى في أرضه تتصرفون / فيها 
~~كما قيل  والخطاب عليهما عام، وقيل: الخطاب لهذه الأمة، وروي ذلك عن
~~السدي أي جعلكم خلفاء الأمم السالفة { ورفع بعضكم فوق بعض
~~} في الفضل والغنى كما روي عن مقاتل { درجت } كثيرة متفاوتة {
~~ليبلوكم فى ما آتكم } أي ليعاملكم معاملة من يبتليكم لينظر
~~ماذا تعملون مما يرضيه وما لا يرضيه.

# { إن ربك } تجريد الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع إضافة
~~اسم الرب إليه عليه الصلاة والسلام لإبراز مزيد اللطف به صلى الله عليه
~~وسلم { سريع العقاب } أي عقابه سبحانه الأخروي سريع الإتيان لمن
~~لم يراع حقوق ما آتاه لأن كل آت قريب أو سريع التمام عند إرادته لتعاليه
~~سبحانه عن استعمال المبادىء والآلات. وجوز أن يراد بالعقاب عقاب الدنيا
~~كالذي يعقب التقصير من البعد عن الفطرة وقساوة القلب وغشاوة الأبصار وصم
~~الأسماع ونحو ذلك { وإنه لغفور رحيم } لمن راعى حقوق ما
~~آتاه الله تعالى كما ينبغي. وفي جعل خبر هذه الجملة هذين الوصفين
~~الواردين على بناء المبالغة مع التأكيد باللام مع جعل خبر الأولى صفة
~~جارية على غير من هي له ما لا يخفى من التنبيه على أنه سبحانه غفور رحيم
~~بالذات لا تتوقف مغفرته ورحمته على شيء كما يشير إليه قوله سبحانه في
~~الحديث القدسي

# " سبقت رحمتي غضبي "

# مبالغ في ذلك فاعل للعقوبة ms03067 بالعرض وبعد صدور ذنب من العبد يستحق به ذلك،
~~وما ألطف افتتاح هذه السورة بالحمد وختمها بالمغفرة والرحمة نسأل الله
~~تعالى أن يجعل لنا الحظ الأوفر منهما إنه ولي الإنعام وله الحمد في كل
~~ابتداء وختام.

# ومن باب الإشارة في الآيات: { سيقول الذين أشركوا } بالله
~~تعالى وأثبتوا وجودا غير وجوده { لو شاء الله } تعالى { ما
~~أشركنا } به سبحانه شيئا { ولا } أشرك { آباؤنا } من قبلنا {
~~ولا حرمنا من شىء } قالوا ذلك تكذيبا للرسل عليهم السلام {
~~كذلك كذب الذين من قبلهم } وقالوا مثل قولهم { حتى
~~ذاقوا بأسنا } الذي حل بهم لتكذيبهم وهو الحجاب { قل هل
~~عندكم من علم فتخرجوه لنا } بالبيان

# إن تتبعون إلا الظن

# [الأنعام: 148] لأنكم محجوبون في مقام النفس { قل فلله
~~الحجة البلغة } أي إن كان الأمر كما قلتم فليس لكم حجة بل
~~لله تعالى الحجة عليكم لأنه تعالى لا يشاء إلا ما يعلمه في الأزل ولا
~~يعلم الشيء إلا على ما هو عليه في نفسه فلو لم تكونوا في أنفسكم مشركين
~~سيئي الاستعداد لما شاء الله تعالى ذلك منكم

# فلو شاء لهداكم أجمعين

# [الأنعام: 149] لكنه لم يشأ إذ ليس في استعدادكم الأزلي ذلك. وتحتمل
~~الآية وجوها أخر لعلها غير خفية { قل تعالوا أتل ما حرم
~~ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا } فإن إثبات موجود
~~غير الله تعالى ظلم عظيم { وبالولدين } أي الروح والقلب أحسنوا {
~~إحسنا } برعاية حقوقهما { ولا تقتلوا } أي تهلكوا {
~~أولدكم } قواكم باستعمالها في غير ما هي له { من إملق }
~~أي من أجل فقركم من الفيض الأقدس { نحن نرزقكم وإياهم }
~~بأن نفيض عليكم وعليهم ما تتغذون به من المعارف بمقدار إذا توجهتم إلينا
~~{ ولا تقربوا الفوحش } الأعمال الشنيعة { ما ظهر منها
~~} كأفعال الجوارح { وما بطن } كأفعال القلب { ولا تقتلوا
~~النفس التى حرم الله } تعالى قتلها

# إلا بالحق

# [الأنعام: 151] أي إلا بسببه بأن تريدوا توجهها إليه أو إلا قتلا
~~متلبسا به، وهو قتلها إذا مالت إلى السوى { ولا تقربوا مال
~~اليتيم } أي ما أعد ليتيم القلب المنقطع عن علائق ms03068 الدنيا والآخرة من
~~المعارف التي هي وراء طور العقل { إلا بالتى هى أحسن } وهي
~~التصديق بذلك إجمالا وعدم / إنكاره { حتى يبلغ أشده }
~~فيقوى على قبول أنواع التجليات، وحينئذ يصح لكم أن تقربوا ما أعد الله
~~تعالى له من هاتيك المعارف لقوة قلوبكم وتقدس أرواحكم. ومن الناس من جعل
~~اليتيم إشارة إلى حضرة الرسالة عليه الصلاة والسلام وهو كما ترى {
~~وأوفوا الكيل } أي كيل الشرع بمراعاة الحقوق الظاهرة {
~~والميزان } أي ميزان الحقيقة بمراعاة الحقوق الباطنة { بالقسط
~~} بالعدل { وإذا قلتم فاعدلوا } أي لا تقولوا إلا الحق

# وبعهد الله أوفوا

# [الأنعام: 152] وهو التوحيد { وأن هذا صرطي مستقيما }
~~غير مائل إلى اليمين والشمال { فاتبعوه } لتصلوا إلى الله تعالى {
~~ولا تتبعوا السبل } التي وصفها أهل الاحتجاب

# فتفرق بكم عن سبيله

# [الأنعام: 153] فتضلوا ولا تصلوا إليه سبحانه. { هل ينظرون إلا
~~أن تأتيهم الملئكة } لتوفي أرواحهم { أو يأتى
~~ربك } بالتجلي الصوري يوم القيامة كما صح في ذلك الحديث { أو
~~يأتي بعض آيات ربك } وهو الكشف عن ساق { يوم يأتى
~~بعض آيت ربك } وهو الكشف المذكور

# لا ينفع نفسا إيمانها

# [الأنعام: 158] حينئذ لانقطاع التكليف. { إن الذين فرقوا
~~دينهم } أي جعلوا دينهم أهواء متفرقة كالذين غلبت عليهم صفات النفس {
~~وكانوا شيعا } فرقا مختلفة بحسب غلبة تلك الأهواء { لست
~~منهم فى شيء } إذ هم أهل التفرقة والاحتجاب بالكثرة فلا تجتمع
~~هممهم ولا تتحد مقاصدهم { إنما أمرهم إلى الله } في جزاء
~~تفرقهم { ثم ينبئهم } عند ظهور هيئات أهوائهم المختلفة المتفرقة

# بما كانوا يفعلون

# [الأنعام: 159] من السيئات واتباع الهوى

# من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء
~~بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها

# [الأنعام: 160] وذلك لأن السيئة من مقام النفس وهي مرتبة الآحاد والحسنة
~~أول مقاماتها مقام القلب وهي مرتبة العشرات وأقل مراتبها عشرة، وقد يضاعف
~~الحسنة بأكثر من ذلك إذا كانت من مقام الروح أو مقام السر وهذا هو السر
~~في تفاوت جزاء الحسنات التي تشير إليه النصوص { قل إننى هدانى
~~ربى إلى صرط مستقيم } هو طريق التوحيد الذاتي { دينا
~~قيما } ثابتا ms03069 لا تنسخه الملل والنحل { ملة إبرهيم } التي
~~أعرض بها عن السوي

# حنيفا

# [الأنعام: 161] مائلا عن كل دين فيه شرك { قل إن صلاتى } حضوري
~~وشهودي بالروح { ونسكى } تقربي بالقلب { ومحياى } بالحق {
~~ومماتى } بالنفس

# لله رب العلمين

# [الأنعام: 162] لا نصيب لأحد مني في ذلك { لا شريك له } في شيء
~~أصلا إذ لا وجود سواه { وبذلك } الإخلاص وعدم رؤية الغير

# أمرت وأنا أول المسلمين

# [الأنعام: 163] المنقادين للفناء فيه سبحانه. { قل أغير الله
~~أبغى ربا } فأطلب مستحيلا { وهو رب كل شىء } أي وما
~~سواه باعتبار تفاصيل صفاته سبحانه مربوب { ولا تكسب كل نفس
~~إلا عليها } إذ كسب النفس شرك في أفعاله تعالى وكل من أشرك فوباله
~~عليه.

# ولا تزر وازرة وزر أخرى

# [الأنعام: 164] لعدم تجاوز الملائكة إلى غير صاحبها { وهو الذى
~~جعلكم خلئف الأرض } بأن جعلكم له مظهر أسمائه { ورفع
~~بعضكم فوق بعض درجت } في تلك المظهرية لأنها حسب
~~الاستعداد وهو متفاوت { ليبلوكم فيما آتكم } ويظهر علمه
~~بمن يقوم برعاية ما آتاه وبمن لا يقوم { إن ربك سريع
~~العقاب } لمن لم يراع

# وإنه لغفور رحيم

# [الأنعام: 165] لمن يراعي ذلك، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لمراضيه ويجعل
~~مستقبل حالنا خيرا من ماضيه.

### | [7 - سورة الأعراف]

### || [7.1]

# بسم الله الرحمن الرحيم. { المص } سبق الكلام في مثله وبيان ما
~~فيه فلا حاجة إلى الإعادة خلا أنه قيل هنا: إن معنى ذلك المصور وروي ذلك
~~عن السدي، وأخرج البيهقي وغيره عن ابن عباس أن المعنى أنا الله أعلم
~~وأفصل، واختاره الزجاج وروي عن ابن جبير، وفي رواية أخرى عن الحبر أنه
~~وكذا نظائره قسم أقسم الله تعالى به وهو من أسمائه سبحانه. وعن الضحاك أن
~~معناه أنا الله الصادق، وعن محمد بن كعب القرظي أن الألف واللام من الله
~~والميم من الرحمن والصاد من الصمد؛ وقيل: المراد به ألم نشرح لك صدرك.
~~وذكر بعضهم أنه ما من سورة افتتحت  بألم  إلا وهي مشتملة على ثلاثة
~~أمور بدء الخلق والنهاية التي هي المعاد والوسط الذي هو المعاش وإليها
~~الإشارة ms03070 بالاشتمال على المخارج الثلاثة الحلق واللسان والشفتين، وزيد في
~~هذه السورة على ذلك الصاد لما فيها مع ما ذكر من شرح القصص وهو كما ترى
~~والله تعالى أعلم بمراده.

### || [7.2]

# / وقوله سبحانه: { كتاب } على بعض الاحتمالات خبر لمبتدأ محذوف أي هو
~~أو ذلك كتاب، وقوله سبحانه: { أنزل إليك } أي من عنده تعالى صفة
~~له مشرفة لقدره وقدر من أنزل إليه صلى الله عليه وسلم. وبني الفعل
~~للمفعول جريا على سنن الكبرياء وإيذانا بالاستغناء عن التصريح بالفاعل
~~لغاية ظهور تعينه وهو السر في ترك ذكر مبدأ الإنزال، والتوصيف بالماضي إن
~~كان الكتاب عبارة، كالقرآن  عن القدر المشترك بين الكل والجزء ظاهر، وإن
~~كان المجموع فلتحققه جعل كالماضي. واختار الزمخشري ومن وافقه أن المراد
~~بالكتاب هنا السورة وفيه من المبالغة ما لا يخفى إن قلنا: إنه لم يطلق
~~على البعض وإذا قلنا بإطلاقه على ذلك كما في قولهم: ثبت هذا الحكم
~~بالكتاب فالأمر واضح. ومن الناس من جوز جعل { كتاب } مبتدأ والجملة
~~بعده خبره على معنى كتاب أي كتاب أنزل إليك. ولا يخفى أن الأول أولى لأن
~~هذا خلاف الأصل. وحذف المبتدأ أكثر من أن يحصى.

# { فلا يكن فى صدرك حرج منه } أي شك كما قال ابن عباس
~~وغيره. وأصله الضيق واستعماله في ذلك مجاز  كما في «الأساس»  علاقته
~~اللزوم فإن الشاك يعتريه ضيق الصدر كما أن المتيقن يعتريه انشراحه
~~وانفساحه. والقرينة المانعة هو امتناع حقيقة الحرج والضيق من الكتاب وإن
~~جوزتها فهو كناية. وعلى التقديرين هو قد صار حقيقة عرفية في ذلك كما قاله
~~بعض المحققين.

# وجوز أن يكون باقيا على حقيقته لكن في الكلام مضاف مقدر كخوف عدم
~~القبول والتكذيب فإنه صلى الله عليه وسلم كان يخاف قومه وتكذيبهم
~~وإعراضهم عنه وأذاهم له. ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى:

# فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به
~~صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء
~~معه ملك

# [هود: 12] الآية. وللأول قوله تعالى:

# فلا تكونن من الممترين

# [يونس: 94] وقد يقال: إنه ms03071 كناية عن الخوف والخوف كما يقع على المكروه
~~يقع على سببه.

# «وتوجيه النهي إلى الحرج بمعنى الشك مع أن المراد نهيه عليه الصلاة
~~والسلام عن ذلك قيل: إما للمبالغة في تنزيه ساحة الرسول صلى الله عليه
~~وسلم عن الشك فإن النهي عن الشيء مما يوهم إمكان صدور المنهي عنه عن
~~المنهي وإما للمبالغة في النهي فإن وقوع الشك في صدره عليه الصلاة
~~والسلام سبب لاتصافه وحاشاه به والنهي عن السبب نهي عن المسبب بالطريق
~~البرهاني ونفى له بالمرة كما في قوله سبحانه:

# ولا يجرمنكم شنئان قوم

# [المائدة: 8] وليس هذا من.قبيل  لا أرينك ههنا  فإن النهي هناك وارد
~~على المسبب مرادا به النهي عن السبب فيكون المآل نهيه عليه الصلاة
~~والسلام عن تعاطي ما يورث الحرج فتأمل» انتهى.

# والذي ذهب إليه بعض المحققين أن المراد نهي المخاطب عن التعرض للحرج
~~بطريق الكناية وأنه من قبيل  لا أرينك ههنا  في ذلك لما أن عدم كون
~~الحرج في صدره من لوازم عدم كونه متعرضا للحرج كما أن عدم الرؤية من
~~لوازم عدم الكون ههنا فالنافي لكونه من قبيل ذلك إن أراد الفرق بينهما
~~باعتبار أن المراد في أحدهما النهي عن السبب والمراد المسبب وفي الآخر
~~بالعكس فلا ضير فيه، ولهذا عبر البعض باللزوم دون السببية. وإن أراد أنه
~~ليس من الكناية أصلا فباطل. نعم جوز أن يكون من المجاز. والمشهور أن
~~الداعي لهذا التأويل أن الظاهر يستدعي نهي الحرج عن الكون في الصدر
~~والحرج مما لا ينهى وله وجه وجيه فليفهم.

# والجملة على تقدير كون الحرج حقيقة  كما يفهمه كلام «الكشاف»  كناية
~~عن عدم المبالات بالأعداء. وأيا ما كان فالتنوين في { حرج } للتحقير،
~~و(من) متعلقة بما عندها أو بمحذوف وقع صفة له أي حرج ما كائن منه. والفاء
~~/ تحتمل العطف إما على مقدر أي بلغه فلا يكن في صدرك الخ وإما على ما
~~قبله بتأويل الخبر بالإنشاء أو عكسه أي تحقق إنزاله من الله تعالى إليك
~~أو لا ينبغي لك الحرج وتحتمل الجواب ms03072 كأنه قيل: إذا أنزل إليك فلا يكن
~~الخ. وقال الفراء إنها اعتراضية، وقال بعض المشايخ هي لترتيب النهي أو
~~الانتهاء على مضمون الجملة إن كان المراد لا يكن في صدرك شك ما في حقيته
~~فإنه مما يوجب انتفاء الشك فيما ذكر بالكلية وحصول اليقين به قطعا،
~~ولترتيب ما ذكر على الإخبار بذلك لا على نفسه إن كان المراد لا يكن فيه
~~شك في كونه كتابا منزلا إليك. وللترتيب على مضمون الجملة أو على
~~الإخبار به إذا كان المراد لا يكن فيك ضيق صدر من تبليغه مخافة أن يكذبوك
~~أو أن تقصر في القيام بحقه فإن كلا منهما موجب للإقدام على التبليغ
~~وزوال الخوف قطعا وإن كان إيجاب الثاني بواسطة الأول. ولا يخفى ما في
~~أوسط هذه الشقوق من النظر فتدبر.

# { لتنذر به } أي بالكتاب المنزل. والفعل قيل إما منزل منزلة
~~اللازم أو أنه حذف مفعوله لإفادة العموم، وقد يقال: إنه حذف المفعول
~~لدلالة ما سيأتي عليه. واللام متعلقة بأنزل عند الفراء وجملة النهي
~~معترضة بين العلة ومعلولها وهو المعنى بما نقل عنه أنه على التقديم
~~والتأخير. قيل: وهذا مما ينبغي التنبيه له فإن المتقدمين يجعلون الاعتراض
~~على التقديم والتأخير لتخلله بين أجزاء كلام واحد وليس مرادهم أن في
~~الكلام قلبا. ووجه التوسيط إما أن الترتيب على نفس الإنزال لا على
~~الإنزال للإنذار وإما رعاية الاهتمام مع ما في ذلك  على ما قيل  من
~~الإشارة إلى كفاية كل من الإنزال والإنذار في نفي الحرج.

# أما كفاية الثاني فظاهرة لأن المخوف لا ينبغي أن يخاف من يخوفه ليتمكن
~~من الإنذار على ما يجب. وأما كفاية الأول فلأن كون الكتاب البالغ غاية
~~الكمال منزلا عليه عليه الصلاة والسلام خاصة من بين سائر إخوانه
~~الأنبياء عليهم السلام يقتضي كونه رحيب الصدر غير مبال بالباطل وأهله،
~~وعن ابن الأنباري أن اللام متعلقة بمتعلق الخبر أي لا يكن الحرج مستقرا
~~في صدرك لأجل الإنذار، وقيل: إنها متعلقة بفعل النهي وهو الكون بناء على
~~جواز تعلق الجار ms03073 بكان الناقصة لدلالتها على الحدث على الصحيح، وقيل: يجوز
~~أن يتعلق بحرج على معنى أن الحرج للإنذار والضيق له لا ينبغي أن يكون.
~~وقال العلامة الثاني: إنه معمول للطلب أو المطلوب أعني انتفاء الحرج وهذا
~~أظهر لا للمنهي أي الفعل الداخل عليه النهي  كما قيل  لفساد المعنى.
~~وأطلق الزمخشري تعلقه بالنهي، واعترض بأنه لا يتأتى على التفسير الأول
~~للحرج لأن تعليل النهي عن الشك بما ذكر من الإنذار والتذكير مع إيهامه
~~لإمكان صدوره عنه صلى الله عليه وسلم مشعر بأن المنهي عنه ليس بمحذور
~~لذاته بل لإفضائه إلى فوات الإنذار والتذكير لا أقل من الإيذان بأن ذلك
~~معظم غائلته ولا ريب في فساده، وأما على التفسير الثاني فإنما يتأتى
~~التعليل بالإنذار لا بتذكير المؤمنين إذ ليس فيه شائبة خوف حتى يجعل غاية
~~لانتفائه؛ وأنت خبير بأن كون المنهى عنه محذورا لذاته ظاهر ظهور نار
~~القرى ليلا على علم فلا يكاد يتوهم نقيضه. والقول بأنه لا أقل من
~~الإيذان بأن ذلك معظم غائلته لا فساد فيه بناء على ما يقتضيه المقام وإن
~~كان بعض غوائله في نفس الأمر أعظم من ذلك وأن الآية ليست نصا في تعليل
~~النهي بالإنذار والتذكير كما سيتضح لك قريبا إن شاء الله تعالى حتى
~~يتأتى الاعتراض نظرا للتفسير الثاني، سلمنا أنها نص لكنا نقول: لم لا
~~يجوز أن يكون ذلك من قبيل قوله تعالى:

# إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما
~~تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك

# [الفتح: 1-2] الآية.

# { وذكرى للمؤمنين } / نصب بإضمار فعله عطفا على (تنذر) أي
~~وتذكر المؤمنين تذكيرا. ومنع الزمخشري فيما نقل عنه العطف بالنصب على
~~محل { لتنذر } معللا بأن المفعول له يجب أن يكون فاعله وفاعل المعلل
~~واحدا حتى يجوز حذف اللام منه. ويمكن  كما في «الكشف»  أن يقال: لا
~~منع من أن يكون التذكير فعل المنزل الحق تعالى إلا أنه يفوت التقابل بين
~~الإنذار والتذكير. نعم يحتمل الجر بالعطف على المحل أي للإنذار والتذكير.

# ويحتمل الرفع ms03074 على أنه معطوف على { كتاب } أو خبر مبتدأ محذوف أي هو
~~ذكرى، والفرق بين الوجهين  على ما في «الكشف»  أن الأول معناه أن هذا
~~جامع بين الأمرين كونه كتابا كاملا في شأنه بالغا حد الإعجاز في حسن
~~بيانه وكونه ذكرى للمؤمنين يذكرهم المبدأ والمعاد. والثاني يفيد أن هذا
~~المقيد بكونه كتابا من شأنه كيت وكيت هو ذكرى للمؤمنين ويكون من عطف
~~الجملة على الجملة فيفيد استقلاله بكل من الأمرين وهذا أولى، لفظا ومعنى
~~وتخصيص التذكير بالمؤمنين لأنهم المنتفعون به أو للإيذان باختصاص الإنذار
~~بالكافرين وتقديم الإنذار لأنه أهم بحسب المقام.

### || [7.3]

# { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم } خطاب لكافة
~~المكلفين، والمراد بالموصول الكتاب المنزل إليه صلى الله عليه وسلم كما
~~روي عن قتادة إلا أنه وضع المظهر موضع المضمر وجعل منزلا إليهم لتأكيد
~~وجوب الاتباع؛ وقيل: المراد به ما يعم الكتاب والسنة فليس من وضع المظهر
~~موضع المضمر. وإيثاره لفائدة التعميم وتشميم من أسلوب قول الأنمارية هم
~~كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها وتتميم لشرح الصدر فإنه لما شجع أمر
~~الجميع باتباع جميع ما يرسمه ليكون أدعى لانشراح صدره عليه الصلاة
~~والسلام ورحب ذراعه. ولا يخفى أن هذا الحمل بعيد. نعم يعم السنة بأقسامها
~~الحكم بطريق الدلالة لا بطريق العبارة، و { من } متعلقة بأنزل على أنها
~~لابتداء الغاية مجازا أو بمحذوف وقع حالا من الموصول أو من ضميره في
~~الصلة، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين مزيد
~~لطف بهم وترغيب لهم في الامتثال بما أمروا به وتأكيد لوجوبه إثر تأكيد.

# { ولا تتبعوا من دونه أولياء } الضمير المجرور عائد
~~إلى { ربكم } والجار متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل فعل النهي أي
~~ولا تتبعوا متجاوزين ربكم الذي أنزل إليكم ما يهديكم إلى الحق أولياء من
~~الشياطين والكهان بأن تقبلوا منهم ما يلقونه إليكم من الأباطيل ليضلوكم
~~عن الحق بعد إذ جاءكم ويحملوكم على البدع والأهواء الزائغة. ويجوز أن
~~يكون الجار متعلقا بمحذوف وقع حالا من { أولياء } قدم عليه لكونه ms03075
~~نكرة أي أولياء كائنة غيره تعالى، وأن يكون متعلقا بالفعل قبله أي
~~تعدلوا عنه سبحانه إلى غيره. ولما كان اتباع ما أنزله سبحانه جل وعلا
~~اتباعا له عز شأنه عقب الأمر السابق بهذا النهي، وقيل: الضمير لما أنزل
~~على حذف مضاف في { أولياء } أي لا تتبعوا من دون ما أنزل أباطيل
~~أولياء، وكأنه قيل: ولا تتبعوا من دون دين ربكم دين أولياء، وذلك التقدير
~~لأنه لا يحسن وصف المنزل بكونه دونهم، وجوز كون الضمير للمصدر أي لا
~~تتبعوا أولياء اتباعا من دون اتباعكم ما أنزل إليكم وفيه بعد. وقرأ
~~مجاهد { تبتغوا } بالغين المعجمة من الابتغاء.

# { قليلا ما تذكرون } أي تذكرا قليلا أو زمانا قليلا
~~تذكرون لا كثيرا حيث لا تتأثرون بذلك ولا تعملون بموجبه وتتركون الحق
~~وتتبعون غيره، فقليلا / نعت مصدر أو زمان محذوف أقيم مقامه ونصبه بالفعل
~~بعده وقدم عليه للقصر، و { ما } مزيد لتأكيد القلة لأنها تفيدها في نحو
~~أكلت أكلا ما فهي ههنا قلة على قلة، والظاهر من القلة معناها، وجوز أن
~~يراد بها العدم كما في قوله تعالى:

# فقليلا ما يؤمنون

# [البقرة: 88] وأجيز أن يكون { قليلا } نعت مصدر لتتبعوا أي اتباعا
~~قليلا، قيل: ويضعفه أنه لا معنى حينئذ لقوله سبحانه: { تذكرون }
~~وأما النهي عن الاتباع القليل فلا يضر لأنه يفهم منه غيره بالطريق
~~البرهاني، وأن يكون حالا من فاعل { لا تتبعوا } و (ما) مصدرية أو
~~موصولة فاعل له كما قيل ذلك في قوله تعالى:

# كانوا قليلا من اليل ما يهجعون

# [الذاريات: 17] والنهي متوجه إلى القيد والمقيد جميعا واعترض بأنه لا
~~طائل تحت معناه وأن وجه بما وجه، وأن يكون (ما) مصدرية أو موصولة مبتدأ،
~~و { قليلا } على معنى زمانا قليلا خبره، وقيل: إن (ما) نافية و {
~~قليلا } معمول لما بعده، والكوفيون يجوزون عمل ما بعد (ما) النافية
~~فيما قبلها، والمعنى ما تذكرون قليلا فكيف تذكرون كثيرا وليس بشيء.

# وقرأ حمزة والكسائي وحفص { تذكرون } بحذف إحدى التاءين وذال
~~مخففة. وقرأ ابن عامر { يتذكرون } بياء تحتية ومثناة فوقية ms03076 وذال
~~مخففة، وفي طريق شاذة عنه بتاءين فوقيتين. وقرأ الباقون بتاء فوقية وذال
~~مشددة على إدغام التاء المهموسة في الذال المجهورة، والجملة  على ما
~~قاله غير واحد  اعتراض تذييلي مسوق لتقبيح حال المخاطبين، والالتفات على
~~القراءة المشهورة عن ابن عامر للإيذان باقتضاء سوء حالهم في عدم الامتثال
~~بالأمر والنهي صرف الخطاب عنهم، وحكاية جناياتهم لغيرهم بطريق المباتة
~~ولا حجة في الآية لنفاة القياس كما لا يخفى.

### || [7.4]

# { وكم من قرية أهلكنها } شروع في تذكيرهم وإنذارهم ما
~~نزل بمن قبلهم من العذاب بسبب إعراضهم عن دين الله تعالى وإصرارهم على
~~أباطيل أوليائهم، و { كم } خبرية للتكثير في محل رفع على الابتداء؛
~~والجملة بعدها خبرها و { من } سيف خطيب و { قرية } تمييز. ويجوز أن يكون
~~محل { كم } نصبا على الاشتغال، وضمير { أهلكنها } راجع إلى
~~معنى كم فإن المعنى قرى كثيرة أهلكناها، والمراد بإهلاكها إرادة إهلاكها
~~مجازا كما في قوله تعالى:

# إذا قمتم إلى الصلاة

# [المائدة: 6] الآية فلا إشكال في التعقيب الذي تفهمه الفاء في قوله
~~سبحانه: { فجاءها بأسنا } أي عذابنا، واعترض هذا الجواب بعض
~~المدققين بأن فيه إشكالا أصوليا، وهو أن الإرادة إن كانت باعتبار
~~تعلقها التنجيزي فمجىء البأس مقارن لها لا متعقب لها وبعدها، وإن لم يرد
~~ذلك فهي قديمة فإن كان البأس يعقبها لزم قدم العالم وإن تأخر عنها لزم
~~العطف بثم. وأجيب بأن المراد التعلق التنجيزي قبل الوقوع أي قصدنا
~~إهلاكها فتدبر، وقيل: إن المراد بالإهلاك الخذلان وعدم التوفيق فهو
~~استعارة أو من إطلاق المسبب على السبب، وإلى هذا يشير كلام ابن عطية
~~وتعقب بأنه اعتزالي وأن الصواب أن يقال: معناه خلقنا في أهلها الفسق
~~والمخالفة فجاءها بأسنا، وقيل: المراد حكمنا بإهلاكها فجاءها، وقيل:
~~الفاء تفسيرية نحو توضأ فغسل وجهه الخ. وقيل: إن الفاء للترتيب الذكري.
~~وقال ابن عصفور: إن المراد أهلكناها هلاكا من غير استئصال فجاءها هلاك
~~الاستئصال، وقال الفراء: الفاء بمعنى الواو أو المراد فظهر مجىء بأسنا
~~واشتهر، وقيل: الكلام على القلب وفيه تقديم وتأخير أي أهلكناها ms03077 بياتا
~~أو هم قائلون فجاءها بأسنا فالإهلاك في الدنيا ومجىء البأس / في
~~الآخرة فيشمل الكلام عذاب الدارين، ويأباه ما بعد إباء ظاهرا فإنه يدل
~~على أن العذاب في الدنيا، وقدر غير واحد في النظم الكريم مضافا أي فجاء
~~أهلها.

# وجوز بعضهم الحمل على الاستخدام لأن القرية تطلق على أهلها مجازا، ومن
~~الناس من قدر في الأول المضاف أيضا مع أن القرية تتصف بالهلاك وهو
~~الخراب.

# والبيات في الأصل مصدر بات يبيت بيتا وبيتة وبياتا وبيتوتة، وذكر
~~الراغب: «أن البيات وكذا التبييت قصد العدو ليلا». وقال الليث: البيتوتة
~~الدخول في الليل، ونصبه على الحال بتأويله ببائتين. وجوز أن يكون على
~~الظرفية وهو خلاف الظاهر، واحتمال النصب على المفعولية له  كما زعم أبو
~~البقاء  مما لا يلتفت إليه. و (أو) للتنويع وما بعدها عطف على الحال وهو
~~في موضع الحال أيضا وأضمرت فيه الواو  كما قال ابن الأنباري  لوضوح
~~المعنى ومن أجل أن (أو) حرف عطف والواو كذلك فاستثقلوا الجمع بين حرفين
~~من حروف العطف فحذفوا الثاني، ونقل ذلك عن الفراء أيضا.

# وتعقب بأن واو الحال مغايرة لواو العطف بكل حال وهي قسم من أقسام الواو
~~كواو القسم بدليل أنها تقع حيث لا يمكن أن يكون ما قبلها حالا وكونها
~~للعطف يقتضي أن لا تقع إلا حيث يكون ما قبلها حالا حتى تعطف حالا على
~~حال. وقال ابن المنير: «إن هذه الواو لا بد أن تمتاز عن واو العطف بمزية
~~ألا تراها تصحب الجملة الاسمية بعد الفعلية [في قولك: جاءني زيد وهو
~~راكب] ولو كانت عاطفة مجردة لاستقبح توسطها بين المتغايرين (وإن لم يكن
~~قبيحا فالأفصح) خلافه وحيث رأيناها تتوسط [بينهما] والكلام [حينئذ] هو
~~الأفصح أو المتعين علمنا امتيازها [بمعنى وخاصية] عن واو العطف وإذا ثبت
~~ذلك فلا غرو في اجتماعهما. وإن كان فيها معنى العطف مضافا إلى تلك
~~الخاصية فإما أن تسلبه حينئذ لغناء العاطفة عنها أو تستمر عليه (وتجامع
~~أو كما تجامع الواو لكن في الفصيح) لما فيها من زيادة ms03078 معنى الاستدراك [في
~~مثل قوله

# ولكن لا يشعرون

# [البقرة: 12]] وعلى هذا فالاجتماع ممكن بلا كراهية، فلو قلت: سبح
~~الله تعالى وأنت راكع أو وأنت ساجد لكان فصيحا لا خبث فيه ولا كراهة»
~~خلافا لأبي حيان مدعيا أن النحويين نصوا على أن الجملة الحالية إذا دخل
~~عليها حرف عطف امتنع دخول واو الحال عليها للمشابهة اللفظية فالمثال على
~~هذا غير صحيح، وظاهر كلام الزمخشري أن هذه الواو واو العطف في الأصل ثم
~~استعيرت للحال لما فيها من الربط فقد خرجت عن العطف واستعملت لمعنى آخر
~~لكنها أعطيت حكم أصلها في امتناع مجامعتها لعاطف آخر، وعلى هذا ينبغي أن
~~يحمل كلام ذينك الإمامين وهذا مذهب لهما ولمن اتبعهما.

# وقال بعض النحاة: إن الضمير هنا مغن عن إضمار الواو والاكتفاء به غير
~~شاذ كما قيل بل هو أكثر من رمل يبرين ومها فلسطين، وقد نقل عن الزمخشري
~~الرجوع إلى هذا القول والمسألة خلافية وفيها تفصيل. ففي «البديع» الاسمية
~~الحالية لا تخلو من أن تكون من سبب ذي الحال أو أجنبية فإن كانت من سببه
~~لزمها العائد والواو تقول: جاء زيد وأبوه منطلق وخرج عمرو ويده على رأسه
~~إلا ما شذ من قولهم: كلمته فوه إلى في. وإن كانت أجنبية لزمتها الواو
~~ونابت عن العائد. وقد يجمع بينهما نحو قدم عمرو وبشر قام إليه وقد جاءت
~~بلا واو ولا ضمير كما في قوله:

# ثم انتصينا جبال الصفد معرضة

# عن اليسار وعن إيماننا جدد

# فإن جبال الصفد معرضة حال بلا واو ولا ضمير. وعن الشيخ عبد القاهر جعل
~~ذلك على قسمين ما يلزمه الواو مطلقا وهو ما إذا صدر بضمير ذي الحال نحو
~~جاء زيد وهو يسرع لأن إعادة ضميره تقتضي أن / الجملة مستأنفة لئلا تلغو
~~الإعادة فإذا لم يقصد الاستئناف فلا بد من الواو وما عداه تلزمه الواو في
~~الفصيح إلا على طريق التشبيه بالمفرد والتأويل فإنه حينئذ قد تترك الواو
~~جوازا، وقيل  ولم يسلم : إن الضابط في ذلك أنه إذا كان المبتدأ ضمير ms03079
~~ذي الحال تجب الواو وإلا فإن كان الضمير فيما صدر به الجملة سواء كان
~~مبتدأ نحو فوه إلى في و

# بعضكم لبعض عدو

# [البقرة: 36] أو خبرا نحو وجدته حاضراه الجود والكرم فلا يحكم بضعفه
~~لكونه الرابط في أول الجملة وإلا فضعيف قليل.

# وقال ابن مالك وتبعه ابن هشام ونقل عن السكاكي: إنه إذا كانت الجملة
~~الاسمية مؤكدة لزم الضمير وترك الواو نحو هو الحق لا شبهة فيه و

# ذلك الكتاب لا ريب فيه

# [البقرة: 2]، واختار ابن المنير «أن المصحح لوقوع هذه الجملة هنا حالا
~~من غير واو هو العاطف إذ يقتضي مشاركة الجملة الثانية لما عطفت عليه في
~~الحالية فيستغني عن واو الحال كما أنك تعطف على المقسم به فتدخله في حكم
~~القسم من غير واو نحو

# واليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى

# [الليل: 1-2] وقوله سبحانه:

# فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس * واليل
~~إذا عسعس

# [التكوير: 1517] ويستغنى عن تكرار حرف القسم بنيابة العاطف منابه»
~~فليفهم. وأيا ما كان فحاصل المعنى أتاهم عذابنا تارة ليلا كقوم لوط
~~عليه السلام وتارة وقت القيلولة كقوم شعيب عليه السلام.

# والقيلولة من قال يقيل فهو قائل ويقال قيلا وقائلة (وميقالا) ومقيلا،
~~وهي  كما في «القاموس»  نصف النهار، أو هي (الراحة والدعة) نصف النهار
~~وإن لم يكن معها نوم كما في «النهاية»، واستدل له بقوله تعالى: {
~~أصحب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن
~~مقيلا } إذ الجنة لا نوم فيها. وقال الليث: هي نومة نصف النهار، ودفع
~~الاستدلال بأن ذلك مجاز، وإنما خص إنزال العذاب عليهم في هذين الوقتين
~~لما أن نزول المكروه عند الغفلة والدعة أفظع وحكايته للسامعين أزجر وأردع
~~عن الاغترار بأسباب الأمن والراحة، وفي التعبير في الحال الأولى بالمصدر
~~وجعلها عين البيات وفي الحال الثانية بالجملة الاسمية المفيدة في المشهور
~~للثبوت مع تقديم المسند إليه المفيد للتقوى ما لا يخفى من المبالغة، وكذا
~~في وصف الكل بوصف البيات والقيلولة مع أن بعض المهلكين بمعزل منهما 
~~إيذان بكمال الأمن والغفلة، وفي هذا ذم لهم بالغفلة عما ms03080 هم بصدده، وإنما
~~خولف بين العبارتين على ما قيل وبنيت الحال الثانية على تقوى الحكم
~~والدلالة على قوة أمرهم فيما أسند إليهم لأن القيلولة أظهر في إرادة
~~الدعة وخفض العيش فإنها من دأب المترفين والمتنعمين دون من اعتاد الكدح
~~والتعب. وفيه إشارة إلى أنهم أرباب أشر وبطر.

### || [7.5]

# { فما كان دعواهم } أي دعاؤهم واستغاثتهم كما في قوله تعالى:

# وءاخر دعوهم

# [يونس: 10] وقول بعض العرب فيما حكاه الخليل وسيبويه: اللهم أشركنا في
~~صالح دعوى المسلمين أو ادعاءهم كما هو المشهور في معنى الدعوى { إذ
~~جاءهم بأسنا } عذابنا وشاهدوا أماراته { إلا أن قالوا }
~~جميعا { إنا كنا ظلمين } أي إلا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا
~~عليه وشهادتهم ببطلانه تحسرا [عليه] وندامة وطمعا في الخلاص وهيهات
~~ولات حين نجاة. وفي جعل هذا الاعتراف عين ذلك مبالغة على حد قوله:

# تحية بينهم ضرب وجيع

# و { دعواهم } يجوز فيه  كما قال أبو البقاء  أن يكون اسم كان
~~والخبر { إلا أن قالوا } وأن يكون هو الخبر و { إلا أن
~~قالوا } الاسم، ورجح الثاني بأن جعل الأعراف اسما هو المعروف في
~~كلامهم. والمصدر هنا يشبه المضمر لأنه لا يوصف وهو أعرف من المضاف. وأورد
~~عليه أن الاسم والخبر إذا كانا معرفتين وإعرابهما غير / ظاهر لا يجوز
~~تقديم أحدهما على الآخر فتعين الأول. وأجيب عنه بأن ذلك عند عدم القرينة
~~والقرينة هنا كون الثاني أعرف وترك التأنيث، وأيضا ذاك لم يكن حصر فإن
~~كان يلاحظ ما يقتضيه. ورجح في «الكشف» الثاني بأنه الوجه المطابق لنظائره
~~في القرآن. والمعنى عليه أشد ملاءمة لأن الفرض أن قولا آخر لم يقع هذا
~~الموقع، فالمقصود الحكم على القول المخصوص بأنه هو الدعاء وزيد تأكيدا
~~بإدخال أداة القصر، وليس من التقديم في شيء لأن حق المقصور عليه التأخير
~~أبدا فتأمل وتذكر.

### || [7.6]

# { فلنسئلن الذين أرسل إليهم } بيان  كما قال
~~الطبرسي  لعذابهم الأخروي إثر بيان عذابهم الدنيوي خلا أنه تعرض كما قيل
~~لبيان مبادي أحوال المكلفين جميعا لكونه أدخل في التهويل. والفاء عند
~~البعض لترتيب الأحوال ms03081 الأخروية على الدنيوية ذكرا حسب ترتبها عليها
~~وجودا. وذكر العلامة الطيبي أن الفاء فصيحة على معني فما كان دعواهم في
~~الدنيا إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا فقطعنا دابرهم ثم لنحشرنهم
~~فلنسألنهم، ووضع على هذا الظاهر موضع الضمير لمزيد التقرير. وقال في
~~«الكشف»: لعل الأوجه أن يجعل هذا متعلقا بقوله تعالى:

# اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا
~~من دونه

# [الأعراف: 3] ويجعل قوله سبحانه:

# وكم من قرية

# [الأعراف: 4] الخ معترضا حثا على الاعتبار بحال السابقين ليتشمروا في
~~الاتباع اه. والأمر عند من جعل الكلام السابق على التقديم والتأخير
~~وادعى أن مجيء البأس في الآخرة سهل كما لا يخفى، أي لنسألن الأمم قاطبة
~~أو هؤلاء قائلين ماذا أجبتم المرسلين؟.

# { ولنسئلن المرسلين } ماذا أجيبوا، والمراد من هذا
~~السؤال توبيخ الكفرة وتقريعهم، والمنفي في قوله تعالى:

# فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جآن

# [الرحمن: 39] سؤال الاستعلام فلا منافاة بين الآيتين، وجمع آخرون
~~بينهما بأن للمثبت موقفا وللمنفي آخر. وقال الإمام: «إنهم لا يسألون عن
~~الأعمال (أي ما فعلتم) ولكن يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال
~~والصوارف التي صرفتهم عنها» أي لم كان كذا، وقيل: معنى { لا يسئل
~~عن ذنبه إنس ولا جآن } لا يعاقب بذنبه غيره، وقيل: المراد من
~~الذين أرسل إليهم الأنبياء ومن المرسلين الملائكة الذين بلغوهم رسالات
~~ربهم. وروي ذلك عن فرقد وهو كما ترى، وقيل: لا حاجة إلى التوفيق فإن
~~المنفي هو السؤال عن الذنب لا مطلق السؤال. ورد بأن عدم قبول دعوة الرسل
~~عليهم الصلاة والسلام ذنب وأي ذنب فسؤالهم عنه ينافيه وفيه نظر.

# وتخصيص سؤال المرسلين عليهم السلام بما ذكرنا هو الذي يشهد به الأخبار
~~وتدل عليه الآثار، وفي القرآن ما يؤيد ذلك فقد قال سبحانه:

# يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم

# [المائدة: 109] وتخصيص سؤال الذين أرسل إليهم بما تقدم هو الذي جرى عليه
~~جماعة من المفسرين. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري أنه يقال للذين
~~أرسل إليهم: هل بلغكم الرسل؟ ويقال للمرسلين: ms03082 ماذا ردوا عليكم. وأخرج
~~أيضا عن القاسم أبي عبد الرحمن أنه تلا هذه الآية فقال يسأل العبد يوم
~~القيامة عن أربع خصال يقول ربك: ألم أجعل لك جسدا ففيم أبليته؟ ألم أجل
~~لك علما ففيم عملت بما علمت؟ ألم أجعل لك مالا ففيم أنفقته في طاعتي أم
~~في معصيتي؟ ألم أجعل لك عمرا ففيم أفنيته؟. وأخرج هو وغيره عن طاوس أنه
~~قرأ ذلك فقال الإمام: يسأل عن الناس والرجل يسأل عن أهله والمرأة تسأل عن
~~بيت زوجها / والعبد يسأل عن مال سيده، ولعل الظاهر أن سؤال كل من المرسل
~~إليهم والمرسلين هنا عن أمر يتعلق بصاحبه، ولا يأبى هذا أن المكلفين
~~يسألون عن أمور أخر والمواقف يوم القيامة شتى ويسأل السيد ذو الجلال
~~عباده فيها عن مقاصد عديدة فطوبى لمن أحذ بعضده السعد فأجاب بما ينجيه.

### || [7.7]

# { فلنقصن عليهم } قيل أي على الرسل حين يكلون الأمر إلى
~~علمه تعالى ويقولون:

# لا علم لنا إنك أنت علم الغيوب

# [المائدة: 109] أو عليهم وعلى المرسل إليهم جميعا جميع أحوالهم. وعن
~~ابن عباس أنه ينطق عليهم كتاب أعمالهم { بعلم } أي عالمين بظواهرهم
~~وبواطنهم أو بمعلومنا منهم، والباء على الأول للملابسة؛ والجار والمجرور
~~حال من فاعل (نقص)، وعلى الثاني الباء متعلق بنقص { وما كنا
~~غائبين } عنهم في حال من الأحوال، والمراد الإحاطة التامة بأحوالهم
~~وأفعالهم بحيث لا يشذ منها شيء عن علمه سبحانه، والجملة إما حال أو
~~استئناف لتأكيد ما قبله.

### || [7.8]

# { والوزن } أي وزن الأعمال والتمييز بين الراجح منها والخفيف
~~والجيد والرديء، وهو مبتدأ وقوله تعالى: { يومئذ } متعلق بمحذوف
~~خبره، وقوله تعالى: { الحق } صفته أي والوزن الحق ثابت يوم إذ يكون
~~السؤال والقص. واختار هذا بعض من المعربين، وقيل: الظاهر أن { الحق }
~~خبر و { يومئذ } ظرف للوزن لئلا يقع الفصل بين الصفة والموصوف. ولعل
~~وجه عدم اختيار هذا أن فيه أعمال المصدر المعرف وهو قليل. وفي «الكشف»
~~ليس المعنى على أن الوزن هو الحق بل أن الوزن الحق يكون يومئذ ألا يرى
~~إلى قوله ms03083 سبحانه:

# ونضع الموزين القسط ليوم القيمة

# [الأنبياء: 47] وذكر الأصفهاني في «شرح اللمع» لابن جني أن (الحق) بدل
~~من الضمير المستتر في الظرف، وهو وجه حسن إلا أن الأول رجح جانب المعنى
~~ولم يبال بالفصل بالخبر لاتحاده من وجه بالمبتدأ لا سيما والظرف يتوسع
~~فيه. وجوز أبو البقاء أن يكون (الحق) خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل: ما ذلك
~~الوزن؟ فقيل: هو الحق أي العدل السوي. وأن يكون (الوزن) خبر مبتدأ محذوف
~~أيضا أي هذا الوزن وهو كما ترى. وقرىء { القسط } «والوزن  كما قال
~~الراغب  معرفة قدر الشيء يقال: وزنته وزنا وزنة، والمتعارف فيه عند
~~العامة ما يقدر (بالقسطاس) والقبان». واختلف في كيفيته يوم القيامة.

# والجمهور  كما قال القاضي  على أن صحائف الأعمال هي التي توزن بميزان
~~له لسان وكفتان لينظر إليه الخلائق إظهارا للمعادلة وقطعا للمعذرة كما
~~يسألون عن أعمالهم فتعترف بها ألسنتهم وجوارحهم. ولا تعرض لهم لماهية
~~هاتيك الصحائف والله تعالى أعلم بحقيقتها. ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد
~~والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن عبد الله بن عمرو
~~بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون
~~سجلا كل سجل منها مد البصر فيقول سبحانه: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك
~~كتبتي الحافظون فيقول: لا يا رب فيقول سبحانه أفلك عذر أو حسنة؟ فيهاب
~~الرجل فيقول لا يا رب فيقول جل شأنه: بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم
~~عليك اليوم فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا
~~عبده ورسوله فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا
~~تظلم فتوضع السجلات في كفة / والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت
~~البطاقة ولا يثقل مع اسم الله تعالى شيء "

# وهذه الشهادة  على ما قاله القرطبي نقلا عن الحيكم الترمذي  ليست
~~شهادة التوحيد لأن من شأن الميزان أن يوضع في إحدى كفتيه شيء وفي الأخرى
~~ضده فتوضع ms03084 الحسنات في كفة والسيئات في كفة ومن المستحيل أن يؤتى لعبد
~~واحد بكفر وإيمان معا فيستحيل أن توضع شهادة التوحيد في الميزان أما بعد
~~الإيمان فإن النطق بهذه الكلمة الطيبة حسنة فتوضع في الميزان كسائر
~~الحسنات.

# وأيد ذلك بقوله جل وعلا في الحديث:

# " إن لك عندنا حسنة "

# دون أن يقول سبحانه: إيمانا. وجوز أن يكون المراد هذه الكلمة إذا كانت
~~آخر كلامه في الدنيا. وجوز غيره أن تكون كلمة التوحيد، ومنع لزوم وضع
~~الضد في الكفة الأخرى ليلزم المحال فتدبر.

# وجاء في خبر آخر أخرجه ابن أبي الدنيا والنميري في كتاب «الإعلام» عن
~~عبد الله أيضا قال:

# " إن لآدم عليه السلام من الله عز وجل موقفا في فسح من العرش عليه ثوبان
~~أخضران كأنه نخلة سحوق ينظر إلى من ينطلق به من ولده إلى الجنة ومن ينطلق
~~به إلى النار فبينا آدم على ذلك إذ نظر إلى رجل من أمة محمد صلى الله
~~عليه وسلم ينطلق به إلى النار فينادي آدم عليه السلام يا أحمد يا أحمد
~~فيقول عليه الصلاة والسلام: لبيك يا أبا البشر فيقول: هذا رجل من أمتك
~~ينطلق به إلى النار قال صلى الله عليه وسلم: فأشد المئزر وأسرع في أثر
~~الملائكة فأقول: يا رسل ربي قفوا فيقولون. نحن الغلاظ الشداد الذين لا
~~نعصي الله تعالى ما أمرنا ونفعل ما نؤمر فإذا أيس النبي صلى الله عليه
~~وسلم قبض على لحيته بيده اليسرى واستقبل العرش بوجهه فيقول: يا رب قد
~~وعدتني أن لا تخزيني في أمتي فيأتي النداء من قبل العرش أطيعوا محمدا
~~وردوا هذا العبد إلى المقام فيخرج صلى الله عليه وسلم بطاقة بيضاء
~~كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى وهو يقول بسم الله فترجح الحسنات
~~على السيئات فينادي المنادي سعد وسعد جده وثقلت موازينه انطلقوا به إلى
~~الجنة فيقول يا رسل ربي: قفوا حتى أسأل هذا العبد الكريم على ربه فيقول:
~~بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وأحسن خلقك من أنت؟ فقد أقلتني عثرتي ورحمت ms03085
~~عبرتي فيقول عليه الصلاة والسلام. أنا نبيك محمد وهذه صلاتك التي كنت
~~تصلي علي وفيتكها أحوج ما تكون إليها "

# انتهى.

# ولعل فعل مثل هذا  إذا صح الخبر  مبالغة في إظهار كرامة النبي صلى
~~الله عليه وسلم على ربه عز وجل بين الأولين والآخرين. وقيل: توزن
~~الأشخاص، واحتجوا له بما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:
~~«إنه ليؤتى العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله تعالى جناح بعوضة
~~ولا أدري على هذا ما يوضع في الكفة الأخرى من الميزان إذا وضع المذنب في
~~إحداهما، ووضع شخص في مقابلة شخص لا أراه إلا كما ترى، والخبر ليس نصا
~~في الدعوى كما لا يخفى، وقيل: إن هذه الأعمال الظاهرة في هذه النشأة بصور
~~عرضية تظهر في النشأة الآخرة بصور جوهرية مناسبة لها في الحسن والقبح،
~~وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وصححه غير واحد وقال: إن عليه
~~الاعتقاد، وفي الآثار ما يؤيده.

# فقد أخرج ابن عبد البر عن إبراهيم النخعي قال: يجاء بعمل الرجل فيوضع
~~بكفة ميزانه يوم القيامة فيخف فيجاء بشيء أمثال الغمام فيوضع في كفة
~~ميزانه فيرجحه فيقال له: أتدري ما هذا؟ فيقول: لا فيقال له: هذا فضل
~~العلم الذي كنت تعلمه الناس، وأخرج ابن المبارك عن حماد بن أبي سليمان
~~بمعناه.

# وقيل: الوزن عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل، واستعمال لفظ الوزن
~~في هذا المعنى شائع في اللغة والعرف بطريق الكناية وبه قال مجاهد والأعمش
~~والضحاك، وإليه ذهب المعتزلة إلا أن منهم من جوز / الوزن بالمعنى
~~المتعارف عقلا وإن لم يقض بثبوته كالعلاف وبشر بن المعتمر، ومنهم من
~~أحاله لأن الأعمال أعراض وهي مما لا تبقى ومما لا يمكن إعادتها، سلمنا
~~بقاءها أو إمكان إعادتها لكنها أعراض والأعراض يمتنع وزنها إذ لا توصف
~~بثقل ولا خفة، سلمنا إمكان وزنها لكن لا فائدة في ذلك إذ المقصود إنما هو
~~العلم بتفاوت الأعمال والله تعالى عالم بذلك وما لا فائدة فيه ففعله قبيح
~~والرب تعالى ms03086 منزه عن فعل القبيح، وجوابه يعلم مما قدمنا.

# وفسر هؤلاء الميزان بالعدل والإنصاف. واعترض الآمدي على ذلك بأن الميزان
~~موصوف بالثقل والخفة، والعدل والإنصاف لا يوصفان بذلك، وفي الأخبار ما هو
~~صريح في أن الميزان جسماني، فقد أخرج الحاكم وصححه عن سلمان عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم قال:

# " يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السموات والأرض لوسع فتقول
~~الملائكة: يا رب من يزن هذا؟ فيقول الله تعالى: من شئت من خلقي فتقول
~~الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك "

# وفي رواية ابن المبارك واللالكائي عنه قال: يوضع الميزان وله كفتان لو
~~وضع في إحداهما السموات والأرض ومن فيهن لوسعه فتقول الملائكة من يزن
~~هذا؟ الحديث. وأخرج ابن مردويه عن عائشة «سمعت رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم يقول:

# " «خلق الله تعالى كفتي الميزان مثل السموات والأرض فقال الملائكة: يا
~~ربنا من تزن بهذا؟ فقال: أزن به من شئت "

# وفي بعض الآثار

# " أن الله تعالى كشف عن بصر داود عليه السلام فرأى من الميزان ما هاله
~~حتى أغمي عليه فلما أفاق قال: يا رب من يملأ كفة هذا حسنات فقال جل شأنه:
~~يا داود إذا رضيت عن عبد ملأتها بشق تمرة تصدق بها "

# إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة. فالأولى  كما قال الزجاج  اتباع ما جاء
~~في الأحاديث ولا مقتضي للعدول عن ذلك، فإن قيل: إن المكلف يوم القيامة
~~إما مؤمن بأنه تعالى حكيم منزه عن الجور فيكفيه حكمه تعالى بكيفيات
~~الأعمال وكمياتها وإما منكر له فلا يسلم حينئذ أن رجحان بعض الأعمال على
~~بعض لخصوصيات راجعة إلى ذوات تلك الأعمال بل يسنده إلى إظهار الله تعالى
~~إياه على ذلك الوجه فما الفائدة في الوزن؟ أجيب بأنه ينكشف الحال يومئذ
~~وتظهر جميع الأشياء بحقائقها على ما هي عليه وبأوصافها وأحوالها في
~~أنفسها من الحسن والقبح وغير ذلك وتنخلع عن الصور المستعارة التي بها
~~ظهرت في الدنيا فلا يبقى لأحد ممن يشاهدها شبهة في أنها هي التي كانت في
~~الدنيا ms03087 بعينها وإن كل واحد منها قد ظهر في هذه النشأة بصورته الحقيقية
~~المستتبعة لصفاته ولا يخطر بباله خلاف ذلك قاله بعض المحققين والله تعالى
~~أعلم بحقيقة الحال.

# { فمن ثقلت موزينه } تفصيل للأحكام المترتبة على الوزن،
~~والموازين إما جمع ميزان  وجمعه مع أن المشهور الصحيح أن الميزان مطلقا
~~واحد باعتبار تعدد الأوزان أو الموزونات، وكذا إذا قلنا بأن ميزان كل شخص
~~واحد وفي الكلام مضاف مقدر أي كفة موازينه،  وإما جمع موزون وإضافته
~~للعهد، لترتب الفلاح على ذلك فالمراد الحسنات، والجمع على هذا ظاهر، وكذا
~~لو قلنا إن لكل عمل ميزانا { فأولئك } إشارة إلى الموصول
~~باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة، والجمعية باعتبار معناه كما أن إفراد
~~ضمير { موزينه } العائد إليه باعتبار لفظه، وما فيه من معنى البعد
~~لما مر غير مرة، وهو مبتدأ و { هم } إما ضمير فصل يفصل به بين الخبر
~~والصفة ويؤكد النسبة ويفيد اختصاص المسند بالمسند إليه و {
~~المفلحون } أي الفائزون بالنجاة والثواب / خبر. وإما مبتدأ ثان و {
~~المفلحون } خبره والجملة خبر المبتدأ الأول، وتعريف المفلحين
~~للدلالة على أنهم الناس الذين بلغك أنهم مفلحون في الآخرة أو إشارة إلى
~~ما يعرفه كل أحد من حقيقة المفلحين وخصائصهم.

### || [7.9]

# { ومن خفت موزينه فأولئك الذين خسروا
~~أنفسهم } بتضييع فطرة الإسلام التي ما من مولود إلا يولد عليها أو
~~فطرة الخير الذي هو أصل الجبلة.

# وقوله تعالى: { بما كانوا بآيتنا يظلمون } متعلق
~~بخسروا، وما مصدرية و { بئايتنا } متعلق بيظلمون؛ وقدم عليه
~~للفاصلة، وعدى الظلم بالباء لتضمنه معنى التكذيب أو الجحود، والجمع بين
~~صيغتي الماضي والمضارع للدلالة على استمرار الظلم في الدنيا. وظاهر النظم
~~الكريم أن الوزن ليس مختصا بالمسلمين بل الكفار أيضا توزن أعمالهم التي
~~لا توقف لها على الإسلام وإلى ذلك ذهب البعض. وادعى القرطبي أن الصحيح
~~أنه يخفف بها عذابهم وإن لم تكن راجحة كما ورد في حق أبي طالب. وذهب
~~الكثير إلى أن الوزن مختص بالمسلمين. وأما الكفار فتحبط أعمالهم كيفما
~~كانت، وهو أحد الوجهين في قوله ms03088 تعالى:

# فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا

# [الكهف: 105] ولا يخفف بها عنهم من العذاب شيء، وما ورد من التخفيف عن
~~أبي طالب فقد قال السخاوي: إن المعتمد أنه مخصوص به، وعلى هذا فلا بد من
~~ارتكاب خلاف الظاهر في الآية، وهي على كلا التقديرين ساكتة عن بيان حال
~~من تساوت حسناته وسيئاته وهم أهل الأعراف على قول. ومن هنا استدل بها
~~بعضهم على عدم وجود هذا القسم، ورد بأنه قد يدرج في القسم الأول لقوله
~~سبحانه:

# خلطوا عملا صلحا وءاخر شيئا عسى الله أن
~~يتوب عليهم

# [التوبة: 102] وعسى من الله تعالى تحقيق كما صرحوا به وفيه نظر.

### || [7.10]

# { ولقد مكنكم فى الأرض } ترغيب في قبول دعوة النبي
~~عليه الصلاة والسلام بتذكير النعم إثر ترهيب. وذكر الطيبي أن هذا نوع آخر
~~من الإنذار فإنه جملة قسمية معطوفة على قوله سبحانه:

# اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم

# [الأعراف: 3] على تقدير قل اتبعوا وقل والله لقد مكناكم، والمعنى جعلنا
~~لكم في الأرض مكانا وقرارا. وقيل: أقدرناكم على التصرف فيها فهو حينئذ
~~كناية ورجحت هنا الحقيقة.

# { وجعلنا لكم فيها معيش } أي ما تعيشون به وتحيون من
~~المطاعم والمشارب ونحوها أو ما تتوصلون به إلى ذلك، وهو في الأصل مصدر
~~عاش يعيش عيشا وعيشة ومعاشا ومعيشة بوزن مفعلة، والجمهور على التصريح
~~بالياء فيها، وروي عن نافع (معائش) بالهمز وغلطه النحويون ومنهم سيبويه
~~في ذلك لأنه لا يهمز عندهم بعد ألف الجمع إلا الياء الزائدة كصحيفة
~~وصحائف وأما معايش فياؤه أصلية هي عين الكلمة لأنها من العيش وبالغ أبو
~~عثمان فقال: إن نافعا لم يكن يدري بالعربية، وتعقب ذلك بأن هذه القراءة
~~وإن كانت شاذة غير متواترة مأخوذة من الفصحاء الثقات والعرب قد تشبه
~~الأصلي بالزائد لكونه على صورته، وقد سمع هذا عنهم فيما ذكر وفي مصائب
~~ومنائر أيضا. وقول سيبويه: إنها غلط يمكن أن يراد به أنها خارجة عن
~~الجادة والقياس، وكثيرا ما يستعمل الغلط في «كتابه» بهذا المعنى.

# والجعل بمعنى الإنشاء والإبداع وكل واحد ms03089 من الظرفين متعلق به أو بمحذوف
~~وقع حالا من مفعوله المنكر إذ لو تأخر لكان صفة له؛ وتقديمهما على
~~المفعول مع أن حقهما التأخير عنه  كما قال بعض المحققين  للاعتناء بشأن
~~المقدم والتشويق إلى المؤخر فإن النفس عند تأخير ما حقه التقديم لا سيما
~~عند كون المقدم / منبئا عن منفعة السامع تبقى مترقبة لورود المؤخر
~~فيتمكن فيها عند الورود فضل تمكن، وأما تقديم اللام على في فلما أنه
~~المنبىء عما ذكر من المنفعة والاعتناء بشأنه أتم والمسارعة إلى ذكره أهم،
~~وقيل: إن الجعل متعد إلى مفعولين ثانيهما أحد الظرفين على أنه مستقر قدم
~~على الأول، والظرف الآخر إما لغو متعلق بالجعل أو بالمحذوف الواقع حالا
~~من المفعول الأول كما مر، واعترض بأنه لا فائدة يعتد بها في الأخبار بجعل
~~المعايش حاصلة لهم أو حاصلة في الأرض.

# { قليلا ما تشكرون } تلك النعمة الجسيمة، وهو تذييل مسوق
~~لبيان سوء [حال] المخاطبين وتحذيرهم قال الطيبي: والتذييل بذلك لأن الشكر
~~مناسب لتمكينهم في البلاد والتصرف فيها كما أن التذكر في الجملة السابقة
~~موافق للتمييز بين اتباع دين الحق ودين الباطل، وبقية الكلام في هذه
~~الجملة على طرز ما مر في نظيرها فتذكر.

### || [7.11]

# { ولقد خلقنكم ثم صورنكم } تذكير لنعمة أخرى،
~~وتأخيره عن تذكير ما وقع (بعده) من نعمة التمكن في الأرض إما لأنها فائضة
~~على المخاطبين بالذات وهذه بالواسطة، وإما للإيذان بأن كلا منهما نعمة
~~مستقلة، والمراد خلق آدم عليه السلام وتصويره كما يقتضيه ظاهر العطف
~~الآتي لكن لما كان مبدأ للمخاطبين جعل خلقه خلقا لهم ونزل منزلته
~~فالتجوز على هذا في ضمير الجمع بجعل آدم عليه السلام كجميع الخلق لتفرعهم
~~عنه أو في الإسناد إذ أسند ما لآدم الذي هو الأصل والسبب إلى ما تفرع عنه
~~وتسبب. وجعل بعضهم الكلام على تقدير المضاف، وذهب الإمام إلى أنه كناية
~~عن خلق آدم عليه السلام، والمعنى خلقنا أباكم آدم عليه السلام طينا غير
~~مصور ثم صورناه أبدع تصوير وأحسن تقويم سار ذلك إليكم. وجوز أن ms03090 يكون
~~التجوز في الفعل، والمراد ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا آدم ثم
~~صورناه، ويعود هذا إلى ابتداء خلق الجنس وابتداء خلق كل جنس بإجاد أول
~~أفراده. فهو نظير قوله تعالى:

# خلق الإنسن من طين

# [السجدة: 7].

# وعلى هذين الوجهين يظهر وجه العطف بثم في قوله تعالى: { ثم قلنا
~~للملئكة اسجدوا لأدم } وزعم الأخفش أن { ثم } هنا
~~بمعنى الواو، وتعقبه الزجاج بأنه خطأ لا يجيزه الخليل وسيبويه ولا من
~~يوثق بعلمه لأن ثم للشيء الذي يكون بعد المذكور قبله لا غيره، وإنما
~~المعنى إنا ابتدأنا خلق آدم عليه السلام من تراب ثم صورناه أي هذا أصل
~~خلقكم ثم بعد الفراغ من أصلكم قلنا الخ، وقيل: إن { ثم } لترتيب
~~الأخبار لا للترتيب الزماني حتى يحتاج إلى توجيه، والمعنى خلقناكم يا بني
~~آدم مضغا غير مصورة ثم صورناكم بشق السمع والبصر وسائر الأعضاء كما روي
~~عن يمان أو خلقناكم في أصلاب الرجال ثم صورناكم في أرحام النساء كما روي
~~عن عكرمة ثم نخبركم أنا قلنا للملائكة الخ وإلى هذا ذهب جماعة من
~~النحويين منهم علي بن عيسى والقاضي أبو سعيد السيرافي وغيرهما، وقال
~~الطيبي: يمكن أن تحمل { ثم } على التراخي في الرتبة لأن مقام الامتنان
~~يقتضي أن يقال: إن كون أبيهم مسجودا للملائكة أرفع درجة من خلقهم
~~وتصويرهم.

# وفيه تلويح إلى شرف العلم وتنبيه للمخاطبين على تحصيل ما فاز به أبوهم
~~من تلك الفضيلة، ومن ثم عقب في البقرة الأمر بالسجود مسألة التحدي
~~بالعلم. وعن ابن عباس ومجاهد والربيع وقتادة والسدي أن المعنى خلقنا آدم
~~عليه السلام ثم صورناكم في ظهره ثم قلنا الخ. وقد تقدم الكلام في المراد
~~بالملائكة المأمورين بالسجود، وكذا الكلام في المراد بالسجود. / وذكر بعض
~~المحققين أن الظاهر أن يقال: ثم أمرنا الملائكة بالسجود لآدم إلا أنه عدل
~~عن ذلك لأن الأمر بالسجود كان قبل خلق آدم عليه السلام على ما نطق به
~~قوله تعالى:

# فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له
~~سجدين

# [الحجر: 29 و ص: 72] والواقع ms03091 بعد تصويره إنما هو قوله سبحانه: {
~~اسجدوا لأدم } وذلك لتعيين وقت السجدة المأمور بها قبل، والحاصل
~~أنه سبحانه أمرهم أولا أمرا معلقا ثم أمرهم ثانيا أمرا منجزا
~~مطابقا للأمر السابق فلذا جعله حكاية له، وفي ذلك ما لا يخفى من
~~الاعتناء بشأن آدم عليه السلام.

# { فسجدوا } أي الملائكة عليهم السلام بعد القول من غير تلعثم كلهم
~~أجمعون { إلا إبليس } استثناء متصل سواء قلنا: إن إبليس من
~~الملائكة حقيقة أم لا، أما على الأول: فظاهر، وأما على الثاني: فلأنه لما
~~كان جنيا مفردا مغمورا بألوف من الملائكة متصفا بغالب صفاتهم غلبوا
~~عليه في { سجدوا } ثم استثنى استثناء واحد منهم. وقيل: منقطع بناء
~~على أنه من الجن وأنهم ليسوا من جنس الملائكة ولا تغليب، والأول هو
~~المختار.

# وذكر قوله تعالى: { لم يكن من السجدين } أي ممن سجد لآدم
~~عليه السلام مع أنه علم من الاستثناء عدم السجود لأن المعلوم من
~~الاستثناء عدم العموم لا عموم العدم، والمراد الثاني أي أنه لم يصدر منه
~~السجود مطلقا لا معهم ولا منفردا. وهذا إنما يفيده التنصيص كذا قيل،
~~ونظر فيه بأن التنصيص المذكور لا يفيد عموم الأحوال والأوقات فلا يتم ما
~~ذكر، وتحقيق هذا المقام على ما ذكره المولى سري الدين أن يقال: إن القوم
~~اختلفوا في أن الاستثناء من النفي إثبات أم لا، فقال الشافعي: نعم فيكون
~~نقيض الحكم ثابتا للمستثنى بطريق العبارة، ويوافقه ظاهر عبارة
~~«الهداية». وذهب طائفة من الحنفية إلى أنه بطريق الإشارة. وذهب آخرون إلى
~~أن المستثنى في حكم المسكوت عنه، وإنما يستفاد الحكم بطريق مفهوم
~~المخالفة. واختار صاحب «البحر» أنه منطوق إشارة تارة وعبارة أخرى.

# وإذا تقرر هذا فيمكن أن يقال في الجواب: إن المقام لما كان مقام التسجيل
~~على إبليس بعدم السجود والتشهير والتوبيخ بتلك القبيحة الهائلة كان
~~خليقا بالتصريح جديرا بالاحتياط لضعف التعويل على القرينة لائقا بكمال
~~الإيضاح والتقرير فعدل عن طريق الحذف، وإن كان الكلام دالا على المحذوف
~~إلى منهج الذكر والتصريح به، وهذا على رأي الشافعي ms03092 ومن وافقه ظاهر وإليه
~~أشار السراج الهندي في مباحث الاستثناء من «شرح المغني»، وأما على باقي
~~المذاهب فالأمر أظهر لأن الحكم على المستثنى بنقيض حكم المستثنى منه إما
~~بطريق الإشارة أو مفهوم المخالفة، وعلى كل فالمقام يأبى الاكتفاء بمثل
~~ذلك ويقتضي التصريح بذكر الحكم.

# وادعى مولانا ابن الكمال أن هذه الجملة إنما جيء بها لانقطاع الاستثناء
~~وأنه لو كان الاستثناء متصلا يكون الاتيان بها ضائعا لأن عدم كون إبليس
~~من الساجدين يفهم من الاستثناء على تقدير اتصاله. ولا يخفى ما فيه على من
~~أحاط علما بما ذكرنا. واعترضه البعض أيضا بأنه على تقدير الانقطاع يكون
~~ذلك ضائعا أيضا بناء على ما ظنه فإن ثبوت نقيض حكم المستثنى منه
~~للمستثنى غير مختص بالمتصل، ولذا لا نراهم يذكرون مع المستثنى المنقطع
~~أيضا نقيض حكم المستثنى منه إلا قليلا، ولو تم ما ذكره لوجب ذكر الخبر
~~مع كل منقطع فليفهم.

### || [7.12]

# { قال } استئناف مسوق للجواب عن سؤال نشأ من حكاية عدم سجوده كأنه
~~قيل: فماذا قال الله تعالى / حينئذ؟ وبه  كما قيل  يظهر وجه الالتفات
~~إلى الغيبة إذ لا وجه لتقدير السؤال على وجه المخاطبة. وفيه فائدة أخرى
~~هي الإشعار بعدم تعلق المحكي بالمخاطبين كما في حكاية الخلق والتصوير أي
~~قال الله تعالى لإبليس حين لم يكن من الساجدين. { ما منعك ألا
~~تسجد } المشهور أن (لا) مزيدة بدليل قوله سبحانه في آية أخرى

# ما منعك أن تسجد

# [ص: 75] وقد جاءت كذلك في قوله سبحانه:

# لئلا يعلم أهل الكتب

# [الحديد: 29] أي ليعلم، وهي في ذلك  كما قال غير واحد  لتأكيد معنى
~~الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه. واستشكل بأنها كيف تؤكد ثبوت الفعل مع
~~إيهام نفيه. قال الشهاب: والذي يظهر لي أنها لا تؤكده مطلقا بل إذا صحب
~~نفيا مقدما أو مؤخرا صريحا أو غير صريح كما في

# غير المغضوب عليهم ولا الضالين

# [الفاتحة: 7] وكما هنا فإنها تؤكد تعلق المنع به، ومن هنا قالوا إنها
~~منبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود. وقيل: إنها غير ms03093 زائدة بأن يكون
~~المنع مجازا عن الإلجاء والإضطرار فالمعنى؛ ما اضطرك إلى أن لا تسجد.
~~وجعله السكاكي مجازا عن الحمل ولا قرينة للمجاز أي ما حملك ودعاك إلى أن
~~لا تسجد؟ وليس بين الجعلين كثير فرق. وجوز أن يكون ذلك من باب التضمين،
~~وقال الراغب: «المنع يقال في ضد العطية كرجل مانع ومناع أي بخيل، ويقال
~~في الحماية ومنه مكان منيع وقد منع وفلان ذو منعة أي عزيز ممتنع على من
~~يرومه، والمنع في الآية من الثاني أي ما حملك عن عدم السجود».

# { إذ أمرتك } بالسجود، و { إذ } ظرف لتسجد، وهذه الآية أحد
~~أدلة القائلين بأن الأمر [المطلق للوجوب و ] للفور لأنه ذم على ترك
~~المبادرة ولولا أن الأمر للفور لم يتوجه الذم عليه وكان له أن يجيب بأنك
~~ما أمرتني بالبدار وسوف أسجد. وأجيب بأن الفور إنما هو من قوله تعالى:

# فقعوا له سجدين

# [ص: 72] وليس من صيغة الأمر إلا أن بعضهم منع دلالة الفاء الجزائية على
~~التعقيب من غير تراخ، وقال آخرون: إن الاستدلال إنما هو بترتب اللوم على
~~مخالفة الأمر المطلق حيث قال سبحانه: { إذ أمرتك } ولم يقل جل
~~شأنه إذ قلت فقعوا له ساجدين فتدبر، وفي حكاية التوبيخ ههنا بهذه
~~العبارة وفي سورة الحجر [32] بقوله تعالى:

# يإبليس ما لك ألا تكون مع السجدين

# وفي سورة ص [75] بقوله سبحانه:

# ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى

# إشارة إلى أن اللعين أدمج في معصية واحدة غير واحدة وقد وبخ على كل من
~~ذلك لكن اقتصر عند الحكاية في كل موطن على ما ذكر فيه اكتفاء بما ذكر في
~~موطن آخر وإشعارا بأن كل واحدة من هاتيك المعاصي كافية في التوبيخ و
~~[إظهار] بطلان ما ارتكبه، وقد تركت حكاية التوبيخ رأسا في سورة البقرة
~~وسورة بني إسرائيل وسورة الكهف وسورة طه والله تعالى أعلم بحكمة كل.

# { قال } استئناف كما تقدم مبني على سؤال نشأ من حكاية التوبيخ كأنه
~~قيل: فماذا قال اللعين عند ذلك؟ فقيل: قال: { أنا خير منه ms03094 } هو
~~من الأسلوب الأحمق فإن الجواب المطابق للسؤال منعني كذا وهذا جواب عن
~~أيكما خير؟ وفيه دعوى شيء بين الاستلزام للمقصود بزعمه ومشعر بأن من هذا
~~شأنه لا يحسن أن يسجد لمن دونه فكيف يحسن أن يؤمر به؟ فاللعين أول من أسس
~~بنيان التكبر واخترع القول بالحسن والقبح العقليين.

# وقوله تعالى حكاية عنه: { خلقتني من نار وخلقته من
~~طين } تعليل لما ادعاه عليه اللعنة من فضله عليه عليه السلام، وحاصله
~~أني مخلوق من عنصر أشرف من عنصره لأن عنصري علوي نير قوي التأثير مناسب
~~لمادة / الحياة وعنصره بضد ذلك والمخلوق من الأشرف أشرف لأن شرف الأصل
~~يوجب شرف الفرع فأنا كذلك والأشرف لا يليق به الانقياد لمن هو دونه، وقد
~~أخطأ اللعين فإن كون النار أشرف من التراب ممنوع فإن كل عنصر من العناصر
~~الأربع يختص بفوائد ليست لغيره وكل منها ضروري في هذه النشأة ولكل فضيلة
~~في مقامه وحاله فترجيح بعضها على بعض تطويل بلا طائل، على أن من نظر إلى
~~أن الأرض أكثر منافع للخلق لأنها مستقرهم وفيها معايشهم وأنها متصفة
~~بالرزانة التي هي من مقتضيات الحلم والوقار وإلى أن النار دونها في
~~المنافع وأنها متصفة بالخفة التي هي من مقتضيات الطيش والاستكبار والترفع
~~علم ما في كلام اللعين، وأيضا شرف الأصل لا يوجب شرف الفرع.

# إنما الورد من الشوك ولا

# ينبت النرجس إلا من بصل

# ويكفي في ذلك أنه قد يخرج الكافر من المؤمن، وأيضا قد خص الشرف بما هو
~~من جهة المادة والعنصر مع أن الشيء كما يشرف بمادته وعنصره يشرف بفاعله
~~وغايته وصورته، وهذا الشرف في آدم عليه السلام دونه فإن الله تعالى خلقه
~~بيديه ونفخ فيه من روحه وجعله خليفة في الأرض كما قص سبحانه لما أودعه
~~فيه، وأيضا أي قبح في خدمة الفاضل للمفضول تواضعا وإسقاطا لحظ النفس
~~على أن الخدمة في الحقيقة إنما كانت لله تعالى، وإلى هذا أشار ظافر
~~الإسكندري بقوله:

# أنت المراد بنظم كل قصيدة

# بنيت على الأفهام في تبجيله ms03095

# كسجود أملاك السماء لآدم

# وسجودهم لله في تأويله

# ثم الظاهر أن هذا الجواب من اللعين كان مع تسليم أنه مأمور بالسجود
~~وحينئذ فخطؤه أظهر من نار على علم إذ يعود ذلك إلى الاعتراض على المالك
~~الحكيم.

# وقال بعضهم: إنه لم يسلم أنه كان مأمورا بل أخرج نفسه من العموم
~~بالقياس. واستدل أهل هذا القول بهذا التوبيخ على أنه لا يجوز تخصيص النص
~~بالقياس. وأجيب بأن هذا ليس من التخصيص بل هو إبطال للنص ورفع له بالكلية
~~وفيه تأمل. وأخرج أبو نعيم في «الحلية» والديلمي عن جعفر بن محمد عن أبيه
~~عن جده رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس قال الله تعالى له: اسجد لآدم فقال:
~~أنا خير منه "

# الخ. قال جعفر: فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة
~~بإبليس لأنه أتبعه بالقياس. واستدل بهذا ونحوه من منع القياس مطلقا.
~~وأجيب عن ذلك بأن المذموم هو القياس والرأي في مقابلة النص أو الذي يعدم
~~فيه شرط من الشروط المعتبرة وتحقيق ذلك في محله.

# وفي الآية دليل على الكون والفساد لدلالتها على خلق آدم عليه السلام
~~وإبليس عليه اللعنة وإيجادهما، وعلى استحالة الطين والنار عما كانا عليه
~~من الطينية والنارية لما تركب منهما ما تركب، وعلى أن إبليس ونحوه أجسام
~~حادثة لا أرواح قديمة، قيل: ولعل إضافة خلق آدم عليه السلام إلى الطين
~~وخلقه إلى النار باعتبار الجزء الغالب، وإلا فقد تقرر أن الأجسام من
~~العناصر الأربعة وبعض الناس من وراء المنع.

### || [7.13]

# { قال } استئناف كما سلف، والفاء في قوله تعالى: { فاهبط منها
~~} لترتيب الأمر على ما ظهر منه من / الباطل، وضمير { منها } قيل
~~للجنة، وكونه من سكانها مشهور، والمراد بها عند بعض الجنة التي يسكنها
~~المؤمنون يوم القيامة. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها روضة بعدن
~~وفيها خلق آدم عليه السلام وكانت على نشز من الأرض في قول. «وأصل الهبوط
~~الانحدار على سبيل ms03096 القهر كما في هبوط الحجر. وإذا استعمل في الإنسان
~~ونحوه فعلى سبيل الاستخفاف» كما قال الراغب. ولم يشترط بعضهم فيه سوى
~~الانتقال من شريف إلى ما دونه لقوله تعالى:

# اهبطوا مصرا

# [البقرة: 61] والأمر عليه واضح وإن لم نقل: إن تلك الجنة كانت على نشز،
~~وقيل: الضمير لزمرة الملائكة أي اخرج من زمرة الملائكة المعززين، فإن
~~الخروج من زمرتهم هبوط وأي هبوط. وفي سورة الحجر [34]

# فاخرج منها

# وقيل: الضمير للسماء، وإليه ذهب جماعة. ورد بأن وسوسته لآدم عليه السلام
~~كانت بعد هذا الطرد فلا بد أن يحمل على أحد الوجهين السابقين قطعا،
~~ويكون وسوسته على الوجه الأول بطريق النداء من باب الجنة كما روي عن
~~الحسن البصري. وأجيب بأنه يحتمل أن يكون المراد من ذلك الجنة أو زمرة
~~الملائكة أيضا بناء على أن الأولى ومعظم الثانية في السماء أو يقال: إن
~~القصة وقعت في الأرض وكانت الجنة فيها وبعد العصيان حجب اللعين من السماء
~~التي هي مقره ومعبده، ومعنى أمره بالخروج منها أمره بقطع علائقه عنها
~~واتخاذها مأوى له بعد. وهذا كما تقول لمن غصب دارك مثلا عند نحو القاضي:
~~أخرج من داري مع أنه إذ ذاك ليس فيها تريد لا تدخلها واقطع علائقك عنها.

# وقيل: الضمير للأرض. فقد روي أنه أخرج منها إلى الجزائر وأمر أن لا
~~يدخلها إلا خفية، ويبعده أنه لا يظهر للتخصيص في قوله تعالى: { فما
~~يكون لك } أي فما يصح ولا يستقيم ولا يليق بشأنك { أن تتكبر
~~فيها } على هذا وجه إلا على بعد. وأما على الأوجه السابقة فالوجه ظاهر
~~وهو مزيد شرافة المخرج منه وعلو شأنه وتقدس ساحته. ومن هنا يعلم أنه لا
~~دلالة في الآية على جواز التكبر في غير ذلك عند القائلين بالمفهوم،
~~والجملة تعليل للأمر بالهبوط ولايخفى لطافة التعبير به دون الخروج في
~~مقابلة قوله:

# أنا خير منه خلقتني من نار

# [الأعراف: 12] المشير إلى ارتفاع عنصره وعلو محله، والتكبر  على ما قيل
~~ كالكبر وهو الحالة التي يختص بها الشخص من إعجابه بنفسه. ms03097 وذلك أن يرى
~~نفسه أكبر من غيره وأعظم، والمراد بالتكبر ههنا إما التكبر على الله
~~تعالى وهو أعظم التكبر ويكون بالامتناع من قبول الحق والإذعان له
~~بالعبادة.

# وفسره بعضهم بالمعصية. وإما التكبر على آدم عليه السلام بزعمه أنه خير
~~منه وأكبر قدرا. وقيل: المراد ما هو أعم منه ومن التكبر على الملائكة
~~حيث زعم أن له خصوصية ميزته عليهم وأخرجته من عمومهم وفيه تأمل. وزعم
~~البعض أن في الآية تنبيها على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة فكما يمنع
~~من القرار فيها يمنع من دخولها بعد ذلك وأنه تعالى إنما طرده لتكبره لا
~~لمجرد عصيانه، وهو ظاهر على أحد الاحتمالات كما لا يخفى. والظرف إما
~~متعلق بما عنده أو بمحذوف وقع حالا.

# وقوله تعالى: { فاخرج } تأكيد للأمر بالهبوط متفرع عليه. وقوله
~~سبحانه: { إنك من الصغرين } تعليل للأمر بالخروج مشعر بأنه
~~لتكبره أي إنك من أهل الصغار والهوان على الله تعالى وعلى أوليائه
~~لتكبرك. أخرج البيهقي في «شعب الايمان» عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى
~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: /

# " من تواضع لله رفعه الله تعالى، ومن تكبر وضعه الله عز وجل "

# ومن حديثه رضي الله تعالى عنه «من تواضع لله تعالى رفع الله تعالى حكمته
~~وقال: انتعش نعشك الله ومن تكبر وعدا طوره وهصه الله تعالى إلى الأرض»
~~وقيل: المراد من الأذلاء في الدنيا بالذم واللعن وفي الآخرة بالعذاب بسبب
~~ما ارتكبه من المعصية والتكبر، وإذلال الله تعالى المتكبرين يوم القيامة
~~مما نطقت به الأخبار. أخرج الترمذي عن عمرو بن شعيب عن جده أن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم قال:

# " يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من
~~كل مكان يساقون إلى سجن في جهنم يقال له: بولس يسقون من طينة الخبال
~~عصارة أهل النار "

# وفسر بعضهم الصاغر بالراضي بالذل كما هو المشهور فيه. والمراد وصفه بأنه
~~خسيس الطبع دنيء وأنه رأى نفسه أكبر من غيره وليس بالكبير. ولقد أبدع ms03098 أبو
~~نواس بقوله خطابا له:

# سوأة يالعين أنت اختلست الن

# اس غيظا عليهم أجمعينا

# تهت لما أمرت في سالف الده

# ر وفارقت زمرة الساجدينا

# عند ما قلت لا أطيق سجودا

# لمثال خلقته رب طينا

# حسدا إذ خلقت من مارج الن

# ار لمن كان مبتدأ العالمينا

# ثم صيرت في القيادة تسعى

# يا مجير الزناة واللائطينا

# وله أيضا من أبيات فيه:

# تاه على آدم في سجدة

# وصار قوادا لذريته

### || [7.14]

# { قال } استئناف كما مر مبني على سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل: فماذا
~~قال اللعين بعدما سمع ما سمع؟ فقيل: قال: { أنظرنى } أي أمهلني ولا
~~تمتني { إلى يوم يبعثون } أي آدم عليه السلام وذريته وهو وقت
~~النفخة الثانية، وأراد بذلك أن يجد فسحة في الإغواء وأخذ الثأر ونجاة من
~~الموت إذ لا موت بعد البعث.

### || [7.15]

# { قال } استئناف كما مر { إنك من المنظرين } ظاهره

# إلى يوم يبعثون

# [الأعراف: 14] حيث وقع في مقابلة كلامه لكن في سورة الحجر وص التقييد
~~بيوم الوقت المعلوم، واختلف في المراد منه فالمشهور أنه يوم النفخة
~~الأولى دون يوم البعث لأنه ليس بيوم موت، وجوز بعضهم أن يكون المراد منه
~~يوم البعث ولا يلزم أن لا يموت فلعله يموت أول اليوم ويبعث مع الخلق في
~~تضاعيفه. وفي كتاب «العرائس» عن كعب الأحبار أن إبليس إنما يذوق طعم
~~الموت يوم الحشر وذكر في كيفية موته وقبض عزرائيل روحه ما يقضي منه
~~العجب، ولم ترض ذلك الفاضل السفاريني وقال في كتابه «البحور الزاخرة»:
~~أخرج نعيم بن حماد في «الفتن» والحاكم في «المستدرك» عن ابن مسعود رضي
~~الله تعالى عنه أنه قال: لا يلبثون  يعني الناس  بعد يأجوج ومأجوج حتى
~~تطلع الشمس من مغربها فتجف الأقلام وتطوى الصحف فلا يقبل من أحد توبة
~~ويخر إبليس ساجدا ينادي إلهي مرني أن أسجد لمن شئت وتجتمع إليه الشياطين
~~فتقول يا سيدنا إلى من نفزع؟ فيقول: إنما سألت ربي أن ينظرني إلى يوم
~~البعث فأنظرني إلى يوم الوقت المعلوم وقد طلعت الشمس من مغربها ms03099 وهذا يوم
~~الوقت المعلوم وتصير الشياطين ظاهرة في الأرض حتى يقول الرجل: هذا /
~~قريني الذي كان فالحمد لله الذي أخزاه ولا يزال إبليس ساجدا باكيا حتى
~~تخرج الدابة فتقتله وهو ساجد انتهى.

# ومنه يعلم أن المراد باليوم المعلوم ما صرح به اللعين وهو قبل يوم
~~النفخة الأولى بكثير، وهذا قول لم نر أحدا من المفسرين ذكره وهو الذي
~~ارتضاه هذا الفاضل وقال: إن الخبر في حكم المرفوع لأنه لا يقال من قبل
~~الرأي وليس ابن مسعود ككعب الأحبار ممن يتلقى من كتب أهل الكتاب. وأنت
~~تعلم أنه إن صحت نسبة هذا الخبر إلى ابن مسعود ينبغي أن لا يعدل إلى
~~القول بما يخالفه ولكن في صحة نسبته إليه رضي الله تعالى عنه عندي تردد.
~~وقيل: المراد به وقت يعلم الله تعالى انتهاء أجله فيه وقد أخفي عنا وكذا
~~عن اللعين، وأوجب على هذا أن يكون قبل النفخة الثانية. واستدل له بعضهم
~~بأن اللعين كان مكلفا والمكلف لا يجوز أن يعلم أجله لأنه يقدم على
~~المعصية بقلب فارغ حتى إذا قرب أجله تاب فتقبل توبته وهذا كالإغراء على
~~المعاصي فيكون قبيحا. وأجيب بأن من علم الله تعالى من حاله أنه يموت على
~~الطهارة والعصمة كالأنبياء عليهم السلام أو على الكفر والمعاصي كإبليس
~~وأشياعه فإن إعلامه بوقت أجله لا يكون إغراء على المعصية لأنه لا يتفاوت
~~حاله بسبب ذلك التعريف والإعلام.

# وظاهر النظم الكريم عند غير واحد أن هذه إجابة لدعائه كلا أو بعضا،
~~وفي ذلك دليل لمن قال: إن دعاء الكافر قد يستجاب وهو الذي ذهب إليه
~~الدبوسي وغيره من الفقهاء خلافا لما نقله في «البزازية» عن البعض من أنه
~~لا يجوز أن يقال: إن دعاء الكافر مستجاب لأنه لا يعرف الله تعالى ليدعوه،
~~والفتوى على الأول للظاهر ولقوله صلى الله عليه وسلم:

# " دعوة المظلوم مستجابة وإن كان كافرا ".

# وحمل الكفر على كفران النعمة لا كفران الدين خلاف الظاهر، ولا يلزم من
~~الاستجابة المحبة والإكرام فإنها قد تكون للاستدراج. وقال بعض ms03100 المحققين:
~~الجملة أخبار عن كونه من المنظرين في قضاء الله عالى من غير ترتب على
~~دعائه، وادعى أن ورودها اسمية مع التعرض لشمول ما سأله اللعين الآخرين
~~على وجه يشعر بأن السائل تبع لهم في ذلك صريح في أن ذلك إخبار بأن
~~الإنظار المذكور لهم أزلا لا إنشاء لا لإنظار خاص به إجابة لدعائه،
~~ويعلم من ذلك أيضا أن استنظاره كان طلبا لتأخير الموت إذ به يتحقق كونه
~~من جملتهم لا لتأخير العقوبة كما قيل ولا يخلو عن حسن. والحكمة في إنظاره
~~ذلك الزمن الطويل مع ما هو عليه عليه اللعنة من الإفساد مما ينبغي أن
~~يفوض علمها إلى خالق العباد.

# وقد ذكر الشهرستاني «عن شارح الأناجيل الأربعة صورة مناظرة جرت بين
~~الملائكة وبين إبليس بعد هذه الحادثة وقد ذكرت في التوراة، وهي أن اللعين
~~قال للملائكة: إني أسلم أن لي إلها هو خالقي وموجدي وهو خالق الخلق لكن
~~لي على حكمه أسئلة، الأول: ما الحكمة في الخلق؟ لا سيما وقد كان عالما
~~أن الكافر لا يستوجب عند خلقه إلا النار. الثاني: ما الفائدة في التكليف
~~مع أنه لا يعود إليه منه نفع ولا ضرر وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر
~~على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟ الثالث: هب أنه كلفني بمعرفته
~~وطاعته فلماذا كلفني بالسجود لآدم؟ الرابع: لما عصيته في ترك السجود فلم
~~لعنني وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له ولا لغيره فيه ولي فيه أعظم
~~الضرر؟ الخامس: أنه لما فعل ذلك لم سلطني على أولاده ومكنني من إغوائهم
~~وإضلالهم؟ السادس: لما استمهلته المدة الطويلة في ذلك فلم أمهلني، ومعلوم
~~أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا؛ قال شارح الأناجيل
~~فأوحى الله تعالى إليه من سرادق العظمة والكبرياء يا إبليس أنت ما عرفتني
~~ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض علي في شيء من أفعالي فإني أنا الله لا
~~إله إلا أنا لا أسئل عما أفعل» انتهى. / وفي السؤال السادس: ما يؤيد
~~القول الأول ms03101 في الجملة.

# ولا يخفى أن هذه الشبهات يصعب على القائلين بالحسن والقبح العقليين
~~الجواب عنها بل قال الإمام: إنه لو اجتمع الأولون والآخرون من الخلائق
~~وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا من هذه الشبهات مخلصا وكان الكل
~~لازما. ويعجبني ما يحكى أن سيف الدولة بن حمدان خرج يوما على جماعته
~~فقال: قد عملت بيتا ما أحسب أن أحدا يعمل له ثانيا إلا إن كان أبا
~~فراس وكان أبو فراس جالسا فقيل له: ما هو؟ فقال قولي:

# لك جسمي تعله

# فدمي لم تطله

# فابتدر أبو فراس قائلا:

# قال إن كنت مالكا

# فلي الأمر كله

# وعلل الزمخشري إجابته إلى استنظاره بأن في ذلك ابتلاء العباد وفي
~~مخالفته أعظم الثواب وحكمه حكم ما خلق الله تعالى في الدنيا من صنوف
~~الزخارف وأنواع الملاهي والملاذ وما ركب في الأنفس من الشهوات ليمتحن بها
~~عباده. وتعقبه العلامة الثاني كغيره بأنه مبني على تعليل أفعاله تعالى
~~بالأغراض وعدم إسناد خلق القبائح والشرور إليه سبحانه مع أنه ليس بشيء
~~لأن حقيقة الابتلاء في حقه تعالى محال ومجازه لا يدفع السؤال، ولأن ما في
~~متابعته من أليم العقاب أضعاف ما في مخالفته من عظيم الثواب بل لو لم يكن
~~له الإنظار والتمكين لم يكن من العباد إلا الطاعات وترك المعاصي فلم يكن
~~إلا الثواب كالملائكة. ولا يخفى ما فيه إلا أن قوله بعد: والأولى: أن لا
~~يخوض العبد في أمثال هذه الأسرار ويفوض حقيقتها إلى الحكيم المختار مما
~~نقول به لأن معرفة ذلك في غاية الصعوبة على أرباب القال وأهل الجدال. هذا
~~وإنما ترك التوقيت في هذه الآية ثقة بما وقع في سورة الحجر وص كما ترك
~~ذكر النداء والفاء في الاستنظار والإنظار تعويلا على ما ذكر فيهما.

# «فإن قلت: لا ريب في أن الكلام المحكي له عند صدوره عن المتكلم حالة
~~مخصوصة تقتضي وروده على وجه خاص من وجوه النظم بحيث لو أخل بشيء من ذلك
~~سقط الكلام عن رتبة البلاغة البتة فالكلام الواحد المحكي على وجوه ms03102 شتى إن
~~اقتضى الحال وروده على وجه معين من تلك الوجوه الواردة عند تلك الحكاية
~~فذلك الوجه هو المطابق لمقتضى الحال والبالغ إلى رتبة البلاغة دون ما
~~عداه من الوجوه ونقول حينئذ: لا يخفى أن استنظار اللعين إنما صدر عنه مرة
~~واحدة لا غير فمقامه إن اقتضى إظهار الضراعة وترتيب الاستنظار على ما حاق
~~به من اللعن والطرد على نهج استدعاء الجبر في مقابلة الكسر كما هو
~~المتبادر من قوله:

# رب فأنظرنى

# [الحجر: 36، ص: 79] حسبما حكى عنه في السورتين فما حكى عنه ههنا يكون
~~بمعزل من المطابقة لمقتضى الحال فضلا عن العروج إلى معارج الإعجاز.

# قلت: أجاب مولانا شيخ الإسلام عن هذا السؤال بعد أن ساقه بأن «مقام
~~استنظاره مقتض لما ذكر من إظهار الضراعة وترتيب الاستنظار على الحرمان
~~المدلول عليه بالطرد والرجم وكذا مقام الإنظار مقتض لترتيب الإخبار
~~بالإنظار على الإستنظار، وقد طبق الكلام عليه في تينك السورتين ووفى كل
~~من مقامي الحكاية والمحكي جميعا حظه، وأما ههنا فحيث اقتضى مقام
~~الحكاية مجرد الإخبار بالإستنظار والإنظار سيقت الحكاية على نهج الإيجاز
~~والإختصار من غير تعرض لكيفية كل منهما عند المخاطبة والحوار، ولا يلزم
~~أن لا يكون ذلك نقلا للكلام على ما هو عليه ولا مطابقا لمقتضى المقام.

# فالذي يجب اعتباره في نقل الكلام إنما هو أصل معناه ونفس مدلوله [الذي
~~يفيده] وأما كيفية الإفادة فقد تراعى وقد لا تراعى حسب الاقتضاء. ولا
~~يقدح في أصل الكلام تجريده عنها / بل قد تراعى عند نقله كيفيات [وخصوصات]
~~لم يراعها المتكلم أصلا بل قد لا يقدر على مراعاتها. وجميع المقالات
~~المحكية في الآيات من ذلك القبيل وإلا لما كان الكثير منها معجزا، وملاك
~~الأمر في المطابقة مقام الحكاية وأما مقام المحكي فإن كان مقتضاه موافقا
~~لذلك وفي كل منهما حقه كما في السورتين وإلا لا كما فيما هنا» فليفهم.

### || [7.16]

# { قال } استئناف كنظائره { فبمآ أغويتني } الفاء لترتيب
~~مضمون الجملة التي بعد على الإنظار، والباء إما للقسم أو للسببية، و (ما)
~~على التقديرين ms03103 مصدرية، والجار والمجرور متعلق بأقسم؛ وقيل: إنه على تقدير
~~السببية متعلق بما بعد اللام، وفيه أن لها الصدر على الصحيح فلا يعمل ما
~~بعدها فيما قبلها، وجوز بعضهم كون (ما) استفهامية لم يحذف ألفها وأن
~~الجار متعلق بأغويتني ولا يخفى ضعفه. والإغواء خلق الغي وأصل الغي الفساد
~~ومنه غوى الفصيل وغوى إذا بشم وفسدت معدته، وجاء بمعنى الجهل من اعتقاد
~~فاسد كما في قوله سبحانه:

# ما ضل صحبكم وما غوى

# [النجم: 2] وبمعنى الخيبة كما في قوله:

# فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره

# ومن يغو لا يعدم على الغي لائما

# ومنه قوله تعالى:

# وعصى ءادم ربه فغوى

# [طه: 121] واستعمل بمعنى العذاب مجازا بعلاقة السببية ومنه قوله تعالى:

# فسوف يلقون غيا

# [مريم: 59].

# ولا مانع عند أهل السنة أن يراد بالإغواء هنا خلق الغي بمعنى الضلال أي
~~بما أضللتني وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ونسبة الإغواء
~~بهذا المعنى إلى الله عز وجل مما يقتضيه عموم قوله سبحانه:

# خلق كل شىء

# [الأنعام: 102] والمعتزلة يأبون نسبة مثل ذلك إليه سبحانه وقالوا في هذا
~~تارة: إنه قول الشيطان فليس بحجة، وأولوه أخرى بأن الإغواء النسبة إلى
~~الغي كأكفره إذا نسبه إلى الكفر أو إنه بمعنى إحداث سبب الغي وإيقاعه وهو
~~الأمر بالسجود. وقال بعضهم: إن الغي هنا بمعنى الخيبة أي بما خيبته من
~~رحمتك أو الهلاك أي بما أهلكته بلعنك إياه وطردك له، والذي دعاهم إلى هذا
~~كله عدم قولهم بأن الله تعالى خالق كل شيء وأنه سبحان لا خالق غيره ولم
~~يكفهم ذلك حتى طعنوا بأهل السنة القائلين بذلك. وما الظن بطائفة ترضى
~~لنفسها من خفايا الشرك بما لم يسبق به إبليس عليه اللعنة نعوذ بالله
~~سبحانه وتعالى من التعرض لسخطه. نعم الإغواء بمعنى الترغيب بما فيه
~~الغواية والأمر به كما هو مراد اللعين من قوله:

# لأغوينهم

# [ص: 82] مما لا يجوز من الله تعالى شأنه كما لا يخفى، ثم إن كانت الباء
~~للقسم يكون المقسم به صفة من صفات الأفعال وهو ms03104 مما يقسم به في العرف وإن
~~لم تجر الفقهاء به أحكام اليمين. ولعل القسم وقع من اللعين بهما جميعا
~~فحكى تارة قسمه بأحدهما وأخرى بالآخر، وإن كانت سببية فالقسم بالعزة أي
~~فبسبب إغوائك إياي لأجلهم أقسم بعزتك.

# { لأقعدن لهم } أي لآدم عليه السلام وذريته ترصدا بهم كما
~~يقعد القطاع للسابلة { صرطك المستقيم } الموصل إلى الجنة وهو
~~الحق الذي فيه رضاك. أخرج أحمد والنسائي وابن حبان والطبراني والبيهقي في
~~«شعب الإيمان» عن سبرة بن الفاكه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~يقول:

# " إن الشيطان قعد لابن آدم في طرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال أتسلم
~~وتذر دينك ودين آبائك؟ فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر
~~وتذر أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في طوله؟ فعصاه فهاجر ثم قعد
~~له بطريق الجهاد فقال: هو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة
~~ويقسم / المال فعصاه فجاهد ثم قال صلى الله عليه وسلم: «فمن فعل ذلك منهم
~~فمات أو وقصته دابته فمات كان حقا على الله تعالى أن يدخله الجنة "

# ولعل الاقتصار منه صلى الله عليه وسلم على هذه المذكورات للاعتناء
~~بشأنها والتنبيه على عظم قدرها لما أن المقام قد اقتضى ذلك لا للحصر.
~~ونظير ذلك ما روي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما وغيرهما
~~من تفسير الصراط المستقيم بطريق مكة والكلام من باب الكناية أو التمثيل،
~~ونصب (الصراط) إما على أنه مفعول به بتضمين { أقعدن } معنى ألزمن أو على
~~نزع الخافض أي على صراطك كقولك ضرب زيد الظهر والبطن أو على الظرفين وجاء
~~نصب ظرف المكان المختص عليها قليلا، ومن ذلك في المشهور قوله:

# لدن بهز الكف يعسل متنه

# فيه كما عسل الطريق الثعلب

### || [7.17]

# { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن
~~أيمنهم وعن شمائلهم } أي من الجهات الأربع التي يعتاد
~~هجوم العدو منها، والمراد لأسولن لهم ولأضلنهم بقدر الإمكان إلا أنه شبه
~~حال تسويله ووسوسته لهم كذلك بحال إتيان العدو لمن يعاديه من ms03105 أي جهة
~~أمكنته ولذا لم يذكر الفوق والتحت إذ لا إتيان منهما فالكلام من باب
~~الاستعارة التمثيلية و

# لأقعدن لهم

# [الأعراف: 16] على ما قيل ترشيح لها، وبعضهم لم يخرج الكلام على التمثيل
~~واعتذر عن ترك جهة الفوق بأن الرحمة تنزل منها وعن ترك جهة التحت بأن
~~الإتيان منها يوحش، والاعتذار عن الأول بما ذكر أخرجه غير واحد عن ابن
~~عباس رضي الله عنهما، وروي أيضا عن عكرمة والشعبي والاعتذار عن الثاني
~~نسبه الطبرسي إلى الحبر أيضا، ولا يبعد على ذلك أن يكون الكلام تمثيلا
~~أيضا ويكون الفرق بين التوجيهين بأن ترك هاتين الجهتين على الأول
~~لعدمهما في الممثل به وعلى الثاني لعدمهما في الممثل. وأخرج ابن جرير
~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن {
~~من بين أيديهم } من قبل الآخرة لأنها مستقبلة آتية وما هو كذلك
~~كأنه بين الأيدي { ومن خلفهم } من قبل الدنيا لأنها ماضية
~~بالنسبة إلى الآخرة ولأنها فانية متروكة مخلفة { وعن أيمنهم
~~وعن شمائلهم } من جهة حسناتهم وسيآتهم، وتفسير الأيمان بالحسنات
~~والشمائل بالسيآت لأنهم يجعلون المحبوب في جهة اليمين وغيره في جهة
~~الشمال كما قال:

# بثين أفي يمنى يديك جعلتني

# فأفرح أم صيرتني في شمالك

# وقال الأصمعي: يقال هو عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة وبالشمال على عكس
~~ذلك، والكلام على هذا يجوز أن يكون فيه مجازات أو استعارات أو كنايات.
~~ونظير هذا ما قيل: { من بين أيديهم } من حيث يعلمون ويقدرون على
~~التحرز عنه { ومن خلفهم } من حيث لا يعلمون و { عن
~~أيمنهم وعن شمائلهم } من حيث يتيسر لهم أن يعلموا
~~ويتحرزوا ولكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم واحتياطهم ومن حيث لا يتيسر لهم
~~ذلك، وقال بعض حكماء الإسلام: إن في البدن قوى أربعا: القوة الخالية التي
~~تجتمع فيها مثل المحسوسات وموضعها البطن المقدم من الدماغ وإليها الإشارة
~~بقوله: { من بين أيديهم } والقوة الوهمية التي تحكم في غير
~~المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات ومحلها البطن المؤخر من الدماغ
~~وإليها الإشارة بقوله: { ومن ms03106 خلفهم } والقوة الشهوانية ومحلها
~~الكبد وهو عن يمين الإنسان وإليها الإشارة بقوله: { وعن
~~أيمنهم } والقوة الغضبية ومحلها القلب الذي هو في الشق الأيسر
~~وإليها الإشارة بقوله: { وعن شمائلهم } والشيطان ما لم يستعن
~~بشيء من هذه القوى لا يقدر على إلقاء الوسوسة، وهذا عندي نوع من الإشارة
~~كما لا يخفى، وقيل: غير ذلك، وإنما عدى الفعل إلى / الأولين بحرف
~~الابتداء لأنه منهما متوجه إليهم وإلى الآخرين بحرف المجاوزة فإن الآتي
~~منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم، ونظيره قولهم: جلست عن يمينه، وذكر
~~القطب في بيان وجه ذلك ما بناه على ما قاله بعض حكماء الإسلام وهو أن
~~(من) للاتصال و (عن) للانفصال، وأثر الشيطان في قوتي الدماغ حصول العقائد
~~الباطلة كالشرك والتشبيه والتعطيل، وهي مرتسمة في النفس الإنسانية متصلة
~~بها، وفي الشهوة والغضب حصول الأعمال السيئة الشهوانية والغضبية وهي
~~تنفصل عن النفس وتنعدم فلهذا أورد في الجهتين الأوليين { من } الاتصالية
~~وفي الأخريين { عن } الانفصالية، وقيل: خص اليمين والشمال بعن لأن ثمة
~~ملكين يقتضيان التجاوز عن ذلك وفيه نظر لا يخفى، وادعى بعضهم أن الآية
~~كالدليل على أن اللعين لا يمكنه أن يدخل في بدن ابن آدم ويخالطه إذ لو
~~أمكنه ذلك لذكره في باب المبالغة؛ وحديث

# " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم "

# من باب التمثيل. وقد يجاب بأن التمثيل اقتضى عدم الذكر فتدبر.

# { ولا تجد أكثرهم شكرين } أي مطيعين، وإنما قال ذلك
~~ظنا كما روي عن الحسن. وأبي مسلم لقوله تعالى:

# ولقد صدق عليهم إبليس ظنه

# [سبأ: 20] لما رأى أن للنفس تسع عشرة قوة الحواس الظاهرة والباطنة
~~والشهوة والغضب والقوى السبع النباتية الجاذبة والماسكة والهاضمة
~~والدافعة والغاذية والنامية والمولدة وإنها بأسرها تدعو النفس إلى عالم
~~الجسم وأن ليس هناك ما يدعو إلى عالم الأرواح إلا قوة واحدة وهي العقل
~~وما يصنع واحد مع متعدد:

# أرى ألف بان لا يقوم بهادم

# فكيف ببان خلفه ألف هادم

# وعن الجبائي أنه سمع ذلك من الملائكة فقاله على سبيل القطع، وقيل: إنه
~~رآه ms03107 قبل في اللوح المحفوظ. ووجد إما بمعنى صادف فينصب مفعولا واحدا وهو
~~{ أكثرهم } وشاكرين حال، وإما بمعنى علم فينصب مفعولين ثانيهما {
~~شكرين } والجملة إما معطوفة على المقسم عليه وإما مستأنفة، وإنما
~~لم يفرعها على ما تقدم لأن مضمونها بمقتضى الجبلة أيضا لا بمجرد إغوائه،
~~ووجه التعبير بالأكثر ظاهر.

### || [7.18]

# { قال } استئناف كما مر غير مرة. { اخرج منها } أي من الجنة أو
~~من زمرة الملائكة أو من السماء الخلاف السابق { مذءوما } أي مذموما
~~كما روي عن ابن زيد أو مهانا لعينا كما روي عن ابن عباس وقتادة، وفعله
~~ذأم. وقرأ الزهري { مذوما } بذال مضمومة وواو ساكنة وفيه احتمالان الأول
~~أن يكون مخففا من المهموز بنقل حركة الهمزة إلى الساكن ثم حذفها،
~~والثاني أن يكون من ذام بالألف كباع وكان قياسه على هذا مذيم كمبيع إلا
~~أنه أبدلت الواو من الياء على حد قولهم؛ مكول في مكيل مع أنه من الكيل،
~~ونصبه على الحال وكذا قوله تعالى: { مدحورا } وهو من الدحر بمعنى
~~الطرد والإبعاد، وجوز في هذا أن يكون صفة.

# واللام في قوله سبحانه: { لمن تبعك منهم } على ما في «الدر
~~المصون» موطئة للقسم و (من) شرطية في محل رفع مبتدأ. وقوله عز اسمه {
~~لأملأن جهنم منكم أجمعين } جواب القسم وهو ساد مسد جواب
~~الشرط، والخلاف في خبر المبتدأ في مثل ذلك مشهور، وجوز أن تكون اللام لام
~~الابتداء و (من) موصولة مبتدأ صلتها { تبعك } والجملة القسمية خبر.
~~وقرأ عصمة عن عاصم { لمن } بكسر اللام فقيل. إنها متعلقة بلأملان. ورد
~~بأن لام القسم لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وقيل: إنها متعلقة بالذأم
~~والدحر على التنازع وأعمال الثاني أي أخرج بهاتين الصفتين لأجل اتباعك
~~وقيل: إن الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف / يقدر مؤخرا أي لمن اتبعك هذا
~~الوعيد. ودل على قوله سبحانه: { لأملأن } الخ، ولعل ذلك مراد
~~الزمخشري بقوله: أن { لأملأن } في محل المبتدأ و { لمن تبعك
~~} خبره كما يرشد إليه بيان المعنى. و { منكم } بمعنى منك ومنهم فغلب
~~فيه المخاطب كما ms03108 في قوله سبحانه:

# أنتم قوم تجهلون

# [النمل: 55] ثم إن الظاهر أن هذه المخاطبات لابليس عليه اللعنة كانت منه
~~عز وجل من غير واسطة وليس المقصود منها الإكرام والتشريف بل التعذيب
~~والتعنيف، وذهب الجبائي إلى أنها كانت بواسطة بعض الملائكة لأن الله
~~تعالى لا يكلم الكافر وفيه نظر.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات:

# المص

# [الأعراف: 1] الألف إشارة إلى الذات الأحدية واللام إلى الذات مع صفة
~~العلم والميم إلى معنى محمد وهي حقيقته والصاد إلى صورته عليه الصلاة
~~والسلام. وقد يقال: الألف إشارة إلى التوحيد والميم إلى الملك واللام
~~بينهما واسطة لتكون بينهما رابطة والصاد لكونه حرفا كري الشكل قابلا
~~لجميع الأشكال كما قال الشيخ الأكبر قدس سره: فيه إشارة إلى أن الأمر وإن
~~ظهر بالأشكال المختلفة والصور المتعددة أوله وآخره سواء، ولا يخفى لطف
~~افتتاح هذه السورة بهذه الأحرف بناء على ما ذكره الشيخ قدس سره في
~~«فتوحاته» من أن لكل منها ما عدا الألف الأعراف وأما الألف فقد ذكر نفعنا
~~الله تعالى ببركات علومه أنه ليس من الحروف عند من شم رائحة من الحقائق
~~لكن قد سمته العامة حرفا فإذا قال المحقق ذلك فإنما هو على سبيل التجوز
~~في العبادة والله تعالى أعلم بحقيقة الحال { كتب أنزل إليك
~~فلا يكن فى صدرك حرج منه } أي ضيق من حمله فلا تسعه لعظمه
~~فتتلاشى بالفناء والوحدة والاستغراق في عين الجمع

# لتنذر به وذكرى للمؤمنين

# [الأعراف: 2] أي ليمكنك الإنذار والتذكير إذ بالاستغراق لا ترى إلا الحق
~~فلا يتأتى منك ذلك { وكم من قرية } من قرى القلوب {
~~أهلكنها } أفسدنا استعدادها { فجاءها بأسنا بيتا }
~~أي بائتين على فراش الغفلة في ليل الشباب

# أو هم قائلون

# [الأعراف: 4] تحت ظلال الأمل في نهار المشيب

# والوزن يومئذ الحق

# [الأعراف: 8] هو عند كثير من الصوفية اعتبار الأعمال. وذكروا أن لسان
~~ميزان الحق هو صفة العدل وإحدى كفتيه هو عالم الحس والكفة الأخرى هو عالم
~~العقل فمن كانت مكاسبه من المعقولات الباقية والأخلاق الفاضلة والأعمال
~~الخيرية المقرونة بالنية الصادقة ms03109 ثقلت أي كانت ذا قدر وأفلح هو أي فاز
~~بالنعيم الدائم ومن كانت مقتنياته من المحسوسات الفانية واللذات الزائلة
~~والشهوات الفاسدة والأخلاق الرديئة خفت ولم يعتن بها وخسر هو نفسه
~~لحرمانه النعيم هلاكه { ولقد مكنكم فى الأرض } إذ
~~جعلناكم خلفاء فيها { وجعلنا لكم فيها معيش } متعددة دون
~~غيركم فإن له معيشة واحدة، وذلك لأن الإنسان فيه ملكية وحيوانية وشيطانية
~~فمعيشة روحه معيشة الملك ومعيشة بدنه معيشة الحيوان ومعيشة نفسه الأمارة
~~معيشة الشيطان. وله معايش غير ذلك وهي معيشة القلب بالشهود ومعيشة السر
~~بالكشوف ومعيشة سر السر بالوصال

# قليلا ما تشكرون

# [الأعراف: 10] ولو شكرتم ما رضيتم بالدون. { ولقد خلقنكم
~~ثم صورنكم } أي ابتدأنا ذلك بخلق آدم عليه السلام وتصويره {
~~ثم قلنا للملئكة اسجدوا لأدم } فإنه المظهر
~~الأعظم، وفي الخبر

# " خلق الله آدم على صورته "

# وفي رواية

# " على صورة الرحمن "

# { فسجدوا } وانقادوا للحق

# إلا إبليس لم يكن من السجدين

# [الأعراف: 11] لنقصان بصيرته

# قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من
~~طين

# [الأعراف: 12] أراد اللعين أنه من الحضرة الروحانية وأن آدم عليه السلام
~~ليس كذلك { قال فاهبط منها } أي من تلك الحضرة { فما يكون
~~لك أن تتكبر فيها } لأن الكبر ينافيها

# فاخرج إنك من الصغرين

# [الأعراف: 13] الأذلاء بالميل إلى مقتضيات النفس / { قال فبما
~~أغويتنى } قسم بما هو من صفات الأفعال ولم يكن محجوبا عنها بل كان
~~محجوبا عن الذات الأحدية

# لأقعدن لهم صرطك المستقيم

# [الأعراف: 16] وهو طريق التوحيد { ثم لآتينهم من بين
~~أيديهم ومن خلفهم وعن أيمنهم وعن
~~شمائلهم } أي لأجتهدن في إضلالهم، وقد تقدم ما قاله بعض حكماء
~~الإسلام في ذلك، وفي «تأويلات النيسابوري» كلام كثير فيه وما قاله البعض
~~أحسنه في هذا الباب، وذكر بعضهم لعدم التعرض لجهتي الفوق والتحت وجها وهو
~~أن الإتيان من الجهة الأولى غير ممكن له لأن الجهة العلوية هي التي تلي
~~الروح ويرد منها الإلهامات الحقة والالقاءات الملكية ونحو ذلك، والجهة
~~السفلية يحصل منها الأحكام الحسية والتدابير الجزئية في باب المصالح
~~الدنيوية وذلك غير موجب ms03110 للضلالة بل قد ينتفع به في العلوم الطبيعية
~~والرياضية وفيه نظر.

# ولا تجد أكثرهم شكرين

# [الأعراف: 17] مستعملين ما خلق لهم لما خلق له. { قال اخرج منها
~~} حقيرا { مدحورا } مطرودا { لمن تبعك منهم }
~~بالأنانية ورؤية غير الله تعالى وارتكاب المعاصي

# لأملأن جهنم منكم أجمعين

# [الأعراف: 18] فتبقون محبوسين في سجين الطبيعة معذبين بنار الحرمان عن
~~المراد وهو أشد العذاب وكل شيء دون فراق المحبوب سهل وهو سبحانه حسبنا
~~ونعم الوكيل.

### || [7.19]

# { ويئادم اسكن } أي وقلنا كما وقع في سورة البقرة [53] فهذه
~~القصة بتمامها معطوفة على مثلها وهو قوله سبحانه:

# قلنا للملئكة اسجدوا

# [الأعراف: 11] على ما ذهب إليه غير واحد من المحققين، وإنما لم يعطفوه
~~على ما بعد

# قال

# [الأعراف: 18] أي قال يا إبليس اخرج ويا آدم اسكن لأن ذلك في مقام
~~الاستئناف والجزاء لما حلف عليه اللعين وهذا من تتمة الامتنان على بني
~~آدم والكرامة لأبيهم، ولا على ما بعد

# قلنا

# [الأعراف: 11] لأنه يؤول إلى قلنا للملائكة يا آدم. وادعى بعضهم أن الذي
~~يقتضيه الترتيب العطف على ما بعد { قال } وبينه بما له وجه إلا أنه
~~خلاف الظاهر، وتصدير الكلام بالنداء للتنبيه على الاهتمام بالمأمور به،
~~وتخصيص الخطاب بآدم عليه السلام للإيذان بأصالته بالتلقي وتعاطي المأمور
~~به. و { اسكن } من السكنى وهو اللبث والإقامة والاستقرار دون السكون
~~الذي هو ضد الحركة، وقد تقدم الكلام في ذلك وفي قوله سبحانه: { أنت
~~وزوجك الجنة } وتوجيه الخطاب إليهما في قوله تعالى: { فكلا
~~من حيث شئتما } لتعميم التشريف والإيذان بتساويهما في مباشرة
~~المأمور به فإن حواء أسوة له عليه السلام في حق الأكل بخلاف السكنى فإنها
~~تابعة له فيها ولتعليق النهي الآتي بهما صريحا، والمعنى فكلا منها حيث
~~شئتما كما في البقرة، ولم يذكر { رغدا } هنا ثقة بما ذكر هناك.

# وقوله سبحانه: { ولا تقربا هذه الشجرة } مبالغة في
~~النهي عن الأكل منها وقرىء «هذي» وهو الأصل إلا أنه حذفت الياء وعوض عنها
~~الهاء فهي هاء عوض لا هاء سكت. قال ابن جني: ويدل على أن الأصل ms03111 هو الياء
~~قولهم في المذكر: ذا والألف بدل من الياء إذ الأصل ذي بالتشديد بدليل
~~تصغيره على ذيا وإنما يصغر الثلاثي دون الثنائي كما ومن فحذفت إحدى
~~اليائين تخفيفا ثم أبدلت الأخرى ألفا كراهة أن يشبه آخره أخر كي. {
~~فتكونا } أي فتصيرا { من الظلمين } أي الذين ظلموا
~~أنفسهم، و { تكونا } يحتمل الجزم على العطف على { تقربا } والنصب على
~~أنه جواب النهي.

### || [7.20]

# { فوسوس لهما الشيطن } أي فعل الوسوسة لأجلهما أو ألقى
~~إليهما / الوسوسة وهي في الأصل الصوت الخفي المكرر، ومنه قيل لصوت الحلي
~~وسوسة، وقد كثرت فعللة في الأصوات كهينمة وهمهمة وخشخشة، وتطلق على حديث
~~النفس أيضا وفعلها وسوس وهو لازم ويقال: رجل موسوس بكسر الواو لا تفتح
~~على ما قاله ابن الأعرابي. وقال غيره: يقال موسوس بالفتح وموسوس إليه
~~فيكون الأول على الحذف والإيصال. والكلام في كيفية وسوسة اللعين قد تقدمت
~~الإشارة إليه في سورة البقرة.

# { ليبدي لهما } أي ليظهر لهما، واللام إما للعاقبة لأن الشيطان
~~لم يقصد بوسوسته ذلك ولم يخطر له ببال وإنما ءال الأمر إليه، وإما
~~للتعليل على ما هو الأصل فيها، ولا يبعد أنه أراد بوسوسته أن يسوءهما
~~بانكشاف عورتيهما ولذلك عبر عنهما بالسوأة، ويكون هذا مبنيا على الحدس
~~أو العلم بالسماع من الملائكة أو الاطلاع على اللوح. قيل: وفي ذلك دليل
~~على أن كشف العورة في الخلوة وعند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن في
~~الطباع.

# { ما ووري عنهما من سوءتهما } أي ما غطي وستر عنهما من
~~عوراتهما وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر وكانت مستورة
~~بالنور على ما أخرجه الحكيم الترمذي وغيره عن وهب بن منبه أو بلباس
~~كالظفر على ما أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي، وجمع السوآت على حد

# صغت قلوبكما

# [التحريم: 4] واعتبار الأجزاء بعيد، والمتبادر من هذا الكلام حقيقته،
~~وقيل هو كناية عن إزالة الحرمة وإسقاط الجاه، و { ووري } بواوين ماضي
~~وارى كضارب وضورب أبدلت ألفه واوا فالواو الأولى فاء الكلمة والثانية
~~زائدة. وقرأ عبد الله { أوري ms03112 } بالهمزة لأن القاعدة إذا اجتمع واوان في
~~أول كلمة فإن تحركت الثانية أو كان لها نظير متحرك وجب إبدال الأولى همزة
~~تخفيفا مثال الأول أو يصل وأواصل في تصغير واصل وتصغيره ومثال الثاني
~~أولى أصله وولى فأبدلت الأولى لما تحركت الثانية في الجمع وهو أول فإن لم
~~يتحرك بالفعل أو القوة جاز الإبدال وعدمه كما هنا قاله الشهاب نقلا عن
~~النحاة. وقرىء { سوأتهما } بالإفراد والهمزة على الأصل و { سوتهما }
~~بإبدال الهمزة واوا وإدغام الواو في الواو، وقرىء { سواتهما } بالجمع
~~وطرح حركة الهمزة على ما قبلها وحذفها و { سواتهما } بالطرح وقلب الهمزة
~~واوا والإدغام.

# { وقال } عطف على (وسوس) بطريق البيان { ما نهكما ربكما
~~عن هذه الشجرة } أي الأكل منها { إلا أن تكونا
~~ملكين } استثناء مفرغ من المفعول لأجله بتقدير مضاف أو حذف حرف
~~النفي ليكون علة أي كراهية أن تكونا أو لئلا تكونا ملكين { أو تكونا
~~من الخلدين } أي الذين لا يموتون أصلا أو الذين يخلدون في
~~الجنة.

# وقرأ ابن عباس ويحيى بن كثير { ملكين } بكسر اللام. قال الزجاج:
~~ويشهد لهذه القراءة قوله تعالى حكاية عن اللعين

# هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى

# [طه: 120].

# استدل بالآية على أفضلية الملائكة حيث إن اللعين قال ذلك ولم ينكر عليه،
~~وارتكب آدم عليه السلام المنهي عنه طمعا فيما أشار إليه الشيطان من
~~الصيرورة ملكا فلولا أنه أفضل لم يرتكبه، وأجيب بأن رغبتهما إنما كانت
~~في أن يحصل لهما أوصاف الملائكة من الكمالات الفطرية والاستغناء عن
~~الأطعمة والأشربة ونحو ذلك ونحن لا نمنع أفضلية الملائكة من هذه الأوجه
~~وإنما نمنع أفضليتهم من كل الوجوه والآية لا تدل عليه، وأيضا قد يقال:
~~إن رغبتهما كانت في الخلود فقط وفي آية طه [120] ما يشير إليه حيث عقب
~~فيها الترغيب في الخلود بالأكل، واعترض بأن رغبتهما في الخلود تستلزم
~~الكفر / لما يلزم ذلك من إنكار البعث والقيامة، ومن ثم قال الحسن لعمرو
~~بن عبيد لما قال له: إن آدم وحواء هل صدقا قول الشيطان: معاذ الله ms03113 تعالى
~~لو صدقا لكانا من الكافرين، وأجيب بأن المراد من الخلود طول المكث
~~والتصديق به ليس بكفر ولو سلم أن المراد الدوام الأبدي فلا نسلم أن
~~اعتقاد ذلك إذ ذاك كفر لأن العلم بالموت والبعث بعده يتوقف على الدليل
~~السمعي ولعله لم يصل إليهما وقتئذ. وادعى بعضهم أن المراد الاخلود
~~بالخلود العارض بعد الموت بدخول الجنة وحينئذ لا إشكال إلا أنه خلاف
~~الظاهر. وعن السيد المرتضى في معنى الآية أنه قال: إن اللعين أوهمهما أن
~~المنهي عن تناول الشجرة الملائكة والخالدون خاصة دونهما كما يقول أحدنا
~~لغيره: ما نهيت عن كذا إلا أن تكون فلانا يريد أن المنهي هو فلان دونك،
~~وهو كما ترى.

### || [7.21]

# أقسم لهما، وإنما عبر بصيغة المفاعلة للمبالغة لأن من يباري أحدا في
~~فعل يجد فيه فاستعمل في لازمه، وقيل: المفاعلة على بابها، والقسم وقع من
~~الجانبين لكنه اختلف متعلقه فهو أقسم لهما على النصح وهما أقسما له على
~~القبول. وتعقب بأن هذا إنما يتم لو جرد المقاسمة عن ذكر المقسم عليه وهو
~~النصيحة، أما حيث ذكر فلا يتم إلا أن يقال: سمى قبول النصيحة نصيحة
~~للمشاكلة والمقابلة كما قيل في قوله تعالى:

# ووعدنا موسى

# [الأعراف: 142] أنه سمى التزام موسى عليه السلام الوفاء والحضور للميعاد
~~ميعادا فأسند التعبير بالمفاعلة، وقيل: قالا له أتقسم بالله تعالى إنك
~~لمن الناصحين؟ وأقسم لهما فجعل ذلك مقاسمة. وعلى هذا فيكون  كما قال ابن
~~المنير  «في الكلام لف لأن آدم وحواء عليهما السلام لا يقسمان [له] بلفظ
~~التكلم بل بلفظ الخطاب»، وقيل: إنه إلى التغليب أقرب، وقيل: إنه لا حاجة
~~إليه بأن يكون المعنى حلفا عليه بأن يقول لهما: إني لكما لمن الناصحين.

### || [7.22]

# { فدلهما } أي حطهما عن درجتهما وأنزلهما عن رتبة الطاعة إلى
~~رتبة المعصية فهو من دلى الدلو في البئر كما قاله أبو عبيدة وغيره. وعن
~~الأزهري أن معناه أطمعهما. وأصله من تدلية العطشان شيئا في البئر فلا
~~يجد ما يشفي غليله. وقيل: هو من الدالة وهي الجرأة في ms03114 فجرأهما كما قال:

# أظن الحلم دل على قومي

# وقد يستجهل الرجل الحليم

# فأبدل أحد حرفي التضعيف ياء { بغرور } أي بما غرهما به من القسم أو
~~متلبسين به، فالباء للمصاحبة أو الملابسة. والجار والمجرور حال من الفاعل
~~أو المفعول. وجعل بعضهم الغرور مجازا عن القسم لأنه سبب له ولا حاجة
~~إليه، وسبب غرورهما على ما قاله غير واحد أنهما ظنا أن أحدا لا يقسم
~~بالله تعالى كاذبا ورووا في ذلك خبرا. وظاهر هذا أنهما صدقا ما قاله
~~فأقدما على ما نهيا عنه. وذهب كثير من الحققين أن التصديق لم يوجد منهما
~~لا قطعا ولا ظنا، وإنما أقدما على المنهي عنه لغلبة الشهوة كما نجد من
~~أنفسنا أن نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه وإن لم نعتقد أن
~~الأمر كما قال. ولعل كلام اللعين على هذا من قبيل المقدمات الشعرية أثار
~~الشهوة حتى غلبت ونسي معها النهي فوقع الإقدام من غير روية، وقال القطب:
~~يمكن أن يقال إن اللعين لما وسوس لهما بقوله:

# ما نهكما

# [الأعراف: 20] الخ فلم يقبلا منه عدل إلى اليمين على ما قال سبحانه:

# وقاسمهما

# [الأعراف: 21] فلم يصدقاه أيضا فعدل بعد ذلك إلى شيء آخر وكأنه أشار
~~إليه سبحانه بقوله تعالى: { فدلهما بغرور } وهو أنه شغلهما
~~باستيفاء اللذات حتى صارا مستغرقين بها فنسي النهي كما يشير إليه قوله /
~~تعالى:

# فنسى ولم نجد له عزما

# [طه: 115] وجعل العتاب الآتي على ترك التحفظ فتدبر.

# { فلما ذاقا الشجرة } أي أكلا منها أكلا يسيرا { بدت
~~لهما سوءتهما } قال الكلبي: تهافت عنهما لباسهما فأبصر كل
~~منهما عورة صاحبه فاستحيا { وطفقا } أخذا وجعلا فهو من أفعال الشروع
~~وكسر الفاء فيه أفصح من فتحها وبه قرأ أبو السمال { يخصفان } أي
~~يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة، وأصل معنى الخصف الخرز في طاقات النعال
~~ونحوها بإلصاق بعضها ببعض. وقيل أصله الضم والجمع { عليهما } أي على
~~سوآتهما أو على بدنهما ففي الكلام مضاف مقدر. وقيل: الضمير عائد على {
~~سوءتهما }.

# { من ورق الجنة } وكان ذلك بعض ورق ms03115 التين على ما روي عن قتادة.
~~وقيل: الموز. وقرأ الزهري { يخصفان } من أخصف، وأصله خصف إلا أنه 
~~كما قال الجاربردي  نقل إلى أخصف للتعدية، وضمن الفعل لذلك معنى التصيير
~~فصار الفاعل في المعنى مفعولا للتصيير (على أصل) الفعل فيكون التقدير
~~يخصفان أنفسهما أي يجعلان أنفسهما خاصفين عليهما من ورق الجنة فحذف مفعول
~~التصيير.

# وجوز بعضهم كون خصف وأخصف بمعنى. وقرأ الحسن { يخصفان } بفتح الياء
~~وكسر الخاء وتشديد الصاد من الافتعال، وأصله يختصفان سكنت التاء وأدغمت
~~ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين. وقرأ يعقوب بفتحها. وقرىء { يخصفان } من
~~خصف المشدد بفتح الخاء وقد ضمت اتباعا للياء وهي قراءة عسرة النطق.

# { وناداهما ربهما } بطريق العتاب والتوبيخ { ألم
~~أنهكما } تفسير للنداء فلا محل له من الإعراب أو معمول لقول محذوف
~~أي وقال أو قائلا: ألم أنهكما { عن تلكما الشجرة } إشارة إلى
~~الشجرة التي نهيا عن قربانها. والتثنية لتثنية المخاطب. { وأقل
~~لكما } عطف على { أنهكما } أي ألم أقل لكما { إن
~~الشيطن لكما عدو مبين } أي ظاهر العداوة، وهذا  على
~~ما قيل : عتاب وتوبيخ على الإغترار بقول العدو كما أن الأول عتاب على
~~مخالفة النهي. ولم يحك هذا القول ههنا، وقد حكي في سورة طه [117] بقوله
~~سبحانه:

# إن هذا عدو لك ولزوجك

# الآية و { لكما } متعلق بعدو لما فيه من معنى الفعل أو بمحذوف وقع
~~حالا منه.

# واستدل بعضهم بالآية على أن مطلق النهي للتحريم لما فيها من اللوم
~~الشديد مع الندم والاستغفار المفهوم مما يأتي. والأكثرون على أن النهي
~~هنا للتنزيه وندمهما واستغفارهما على ترك الأولى وهو في نظرهما عظيم وقد
~~يلام عليه أشد اللوم إذا كان فاعله من المقربين.

### || [7.23]

# { قالا ربنا ظلمنا أنفسنا } أي ضررناها بالمعصية، وقيل:
~~نقصناها حظها بالتعرض للإخراج من الجنة، وحذفا حرف النداء مبالغة في
~~التعظيم لما أن فيه طرفا من معنى الأمر. { وإن لم تغفر لنا }
~~ذلك بعدم العقاب عليه { وترحمنا } بالرضا علينا، وقيل: المراد وإن
~~لم تستر علينا بالحفظ عما يتسبب نقصان الحظ وترحمنا بالتفضل علينا بما
~~يكون ms03116 عوضا عما فاتنا { لنكونن من الخسرين } جواب قسم
~~مقدر دل على جواب الشرط السابق على ما قيل. واستدل بالآية على أن الصغائر
~~يعاقب عليها مع اجتناب الكبائر إن لم يغفر الله تعالى. وذهبت المعتزلة
~~إلى أن اجتناب الكبائر يوجب تكفير الصغائر وإن لم يتب العبد منها، وجعلوا
~~لذلك ما ذكر هنا جاريا على عادة الأولياء والصالحين في تعظيمهم الصغير من
~~/ السيآت وتصغيرهم العظيم من الحسنات فلا ينافي كونهما مغفورا لهما،
~~والكثير من أهل السنة جعلوه من باب هضم النفس بناء على أن ما وقع كان عن
~~نسيان ولا كبيرة ولا صغيرة معه. وادعى الإمام أن ذلك الإقدام كان صغيرة،
~~وكان قبل نبوة آدم عليه السلام إذ لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام بعد
~~النبوة كبيرة ولا صغيرة، والكلام في هذه المسئلة مشهور.

### || [7.24]

# { قال } استئناف كما مر مرارا { اهبطوا } المأثور عن كثير من
~~السلف أنه خطاب لآدم وحواء عليهما السلام وإبليس عليه اللعنة، وكرر الأمر
~~له تبعا لهما إشارة إلى عدم انفكاكه عن جنسهما في الدنيا أو أن الأمر
~~وقع مفرقا وهذا نقل له بالمعنى وإجمال له كما في قوله تعالى:

# يأيها الرسل كلوا من الطيبت

# [المؤمنون: 51] وقيل: إن الأمر بالنسبة إلى اللعين غير ما تقدم فإنه أمر
~~له بالهبوط من حيث وسوس. واختار الفراء كونه خطابا لهما ولذريتهما وفيه
~~خطاب المعدوم، وقيل: إنه لهما فقط لقوله سبحانه:

# قال اهبطا منها جميعا

# [طه: 123] والقصة واحدة، وضمير الجمع لكونهما أصل البشر فكأنهم هم. ومن
~~الناس من قال: إن مختار الفراء هو هذا، وقيل: إنه لهما ولابليس والحية.
~~واعترض وأجيب بما مر في سورة البقرة، والظاهر من النظم الكريم أن آدم
~~عليه السلام عاجله ربه سبحانه بالعتاب والتوبيخ على فعله ولم يتخلل هناك
~~شيء، ونقل الأجهوري عن حجة الإسلام الغزالي أنه عليه السلام لما أكل من
~~الشجرة تحركت معدته لخروج الفضلة ولم يكن ذلك مجعولا في الجنة في شيء من
~~أطعمتها إلا في تلك الشجرة فلذلك نهي عن أكلها فجعل يدور في ms03117 الجنة فأمر
~~الله تعالى ملكا يخاطبه فقال له: أي شيء تريد يا آدم؟ قال: أريد أن أضع
~~ما في بطني من الأذى فقال له: في أي مكان تضعه أعلى الفرش أم على السرر
~~أم في الأنهار أم تحت ظلال الأشجار هل ترى ههنا مكانا يصلح لذلك؟ ثم
~~أمره بالهبوط وأنا لا أرى لهذا الخبر صحة، ومثله ما روي عن محمد بن قيس
~~قال: إنه عليه السلام لما أكل من الشجرة ناداه ربه يا آدم لم أكلت منها
~~وقد نهيتك؟ قال: أطعمتني حواء فقال سبحانه: يا حواء لم أطعمتيه؟ قالت
~~أمرتني الحية فقال للحية: لم أمرتها؟ قالت: أمرني إبليس فقال الله تعالى:
~~أما أنت يا حواء فلأدمينك كل شهر كما أدميت الشجرة. وأما أنت يا حية
~~فأقطع رجليك فتمشين على وجهك وسيشدخ وجهك كل من لقيك. وأما أنت يا إبليس
~~فملعون.

# { بعضكم لبعض عدو } في موضع الحال من فاعل { اهبطوا }
~~وهي حال مقارنة أو مقدرة، واختار بعض المعربين كون الجملة استئنافية
~~كأنهم لما أمروا بالهبوط سألوا كيف يكون حالنا؟ فأجيبوا بأن بعضكم لبعض
~~عدو، وأمر العداوة على تقدير دخول الشيطان في الخطاب ظاهر، وأما على
~~تقدير التخصيص بآدم وحواء عليهما السلام فقد قيل: إنه باعتبار أن يراد
~~بهما ذريتهما إما بالتجوز كإطلاق تميم على أولاده كلهم أو يكتفي بذكرهما
~~عنهم، واختار بعضهم كون العداوة هنا بمعنى الظلم أي: يظلم بعضكم بعضا
~~بسبب تضليل الشيطان فليفهم.

# { ولكم فى الأرض مستقر } أي استقرار أو موضع استقرار فهو
~~إما مصدر ميمي أو اسم مكان. وجوز أن يكون اسم مفعول بمعنى ما استقر ملككم
~~عليه وجاز تصرفكم فيه. ولا يخفى أنه خلاف الظاهر ومحتاج إلى الحذف
~~والإيصال، واللفظ في نفسه يحتمل أن يكون اسم زمان إلا أنه غير محتمل هنا
~~لأنه يتكرر مع قوله سبحانه: { ومتع } أي بلغة { إلى حين }
~~يريد به وقت الموت، وقيل: القيامة وتجعل السكنى في القبر تمتعا في الأرض
~~أو يقال: معنى { لكم } لجنسكم ولمجموعكم، والظرف قيل: متعلق بمتاع أو
~~به ms03118 وبمستقر على التنازع إن كان / مصدرا. وقيل: إنه متعلق بمحذوف وقع صفة
~~لمتاع.

### || [7.25]

# { قال } أعيد للاستئناف إما للإيذان بعدم اتصال ما بعده بما قبله،
~~وإما لإظهار العناية بما بعده وهو قوله سبحانه: { فيها تحيون
~~وفيها تموتون ومنها تخرجون } عند البعث يوم القيامة.
~~وقرأ أهل الكوفة غير عاصم { تخرجون } بفتح التاء وضم الراء على
~~البناء للفاعل.

### || [7.26]

# { يابني ءادم } خطاب للناس كافة. واستدل به على دخول أولاد
~~الأولاد في الوقف على الأولاد. ولا يخفى سر هذا العنوان في هذا المقام. {
~~قد أنزلنا عليكم لباسا } أي خلقنا لكم ذلك بأسباب نازلة من
~~السماء كالمطر الذي ينبت به القطن الذي يجعل لباسا قاله الحسن، وعن أبي
~~مسلم أن المعنى أعطيناكم ذلك ووهبناه لكم وكل ما أعطاه الله تعالى لعبده
~~فقد أنزله عليه من غير أن يكون هناك علو أو سفل بل هو جار مجرى التعظيم
~~كما تقول: رفعت حاجتي إلى فلان وقصتي إلى الأمير وليس هناك نقل من سفل
~~إلى علو، وقيل: المراد قضينا لكم ذلك وقسمناه، وقضاياه تعالى وقسمه توصف
~~بالنزول من السماء حيث كتب في اللوح المحفوظ. وعلى كل فالكلام لا يخلو عن
~~مجاز. ويحتمل أن يكون في المسند وهو الظاهر. ويحتمل أن يكون في اللباس أو
~~الإسناد.

# وقوله سبحانه: { يورى } أي يستر ترشيح على بعض الاحتمالات. وعن
~~الجبائي أن الكلام على حقيقته مدعيا نزول ذلك مع آدم وحواء من الجنة حين
~~أمرا بالهبوط إلى الأرض ولم نقف في ذلك على خبر كسته الصحة لباسا، نعم
~~أخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " أهبط آدم وحواء عليهما السلام عريانين جميعا عليهما ورق الجنة فأصاب
~~آدم الحر حتى قعد يبكي ويقول لها: يا حواء قد آذاني الحر فجاءه جبريل
~~عليه السلام بقطن وأمرها أن تغزله وعلمها وعلم آدم وأمره بالحياكة وعلمه
~~"

# وجاء في خبر آخر أنه عليه السلام أهبط ومعه البذور فوضع إبليس عليها يده
~~فما أصاب يده ذهب منفعته. وفي آخر رواه ms03119 ابن المنذر عن ابن جريج أنه عليه
~~السلام أهبط معه ثمانية أزواج من الإبل والبقر والضأن والمعز وباسنة
~~والعلاة والكلبتان وغريسة عنب وريحان. وكل ذلك على ما فيه لا يدل على
~~المدعى وإن صلح بعض ما فيه لأن يكون مبدأ لما يوارى.

# { سوءتكم } أي التي قصد إبليس عليه اللعنة إبداءها من أبويكم حتى
~~اضطرا إلى خصف الأوراق وأنتم مستغنون عن ذلك. روى غير واحد أن العرب
~~كانوا يطوفون بالبيت عرايا ويقولون: لا نطوف بثياب عصينا الله تعالى فيها
~~فنزلت هذه الآية، وقيل: إنهم كانوا يطوفون كذلك تفاؤلا بالتعري عن
~~الذنوب والآثام، ولعل ذكر قصة آدم عليه السلام حينئذ للإيذان بأن انكشاف
~~العورة أول سوء أصاب الإنسان من قبل الشيطان وأنه أغواهم في ذلك كما فعل
~~بأبويهم. وفي «الكشاف» «أن هذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر
~~بدو السوءات وخصف الورق عليها إظهارا للمنة فيما خلق من اللباس ولما في
~~العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة وإشعارا بأن التستر باب عظيم من
~~أبواب التقوى».

# { وريشا } أي زينة أخذا من ريش الطير لأنه زينة له. وعطفه على هذا من
~~عطف الصفات فيكون اللباس موصوفا بشيئين مواراة السوأة والزينة. ويحتمل
~~أن يكون من عطف الشيء على غيره أي أنزلنا لباسين لباس مواراة ولباس زينة
~~فيكون مما حذف فيه الموصوف أي لباسا ريشا أي ذا ريش. / وتفسير الريش
~~بالزينة مروي عن ابن زيد. وذكر بعض المحققين أنه مشترك بين الاسم
~~والمصدر، وعن ابن عباس ومجاهد والسدي أن المراد به المال ومنه تريش الرجل
~~أي تمول، وعن الأخفش أنه الخصب والمعاش، وقال الطبرسي: إنه جمع ما يحتاج
~~إليه. وقرأ عثمان رضي الله تعالى عنه { ورياشا } وهو إما مصدر كاللباس
~~أو جمع ريش كشعب وشعاب.

# { ولباس التقوى } أي العمل الصالح كما روي عن ابن عباس أو خشية
~~الله تعالى كما روي عن عروة بن الزبير أو الحياء كما روي عن الحسن أو
~~الإيمان كما روي عن قتادة والسدي أو ما يستر العورة وهو اللباس الأول ms03120 كما
~~روي عن ابن زيد أو لباس الحرب الدرع والمغفر والآلات التي يتقى بها من
~~العدو كما روي عن زيد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم، واختاره أبو
~~مسلم أو ثياب النسك والتواضع كلباس الصوف والخشن من الثياب كما اختاره
~~الجبائي، فاللفظ إما مشاكلة وإما مجاز وإما حقيقة، ورفعه بالابتداء وخبره
~~جملة { ذلك خير } والرابط اسم الإشارة لأنه يكون رابطا كالضمير.
~~وجوز أن يكون الخبر { خير } و { ذلك } صفة لباس، وإليه ذهب الزجاج
~~وابن الأنباري وغيرهما. واعترض بأن الأسماء المبهمة أعرف من المعرف
~~باللام ومما أضيف إليه والنعت لا بد أن يساوي المنعوت في رتبة التعريف أو
~~يكون أقل منه. ولا يجوز أن يكون أعرف منه فلذا قيل. إن { ذلك } بدل أو
~~بيان لا نعت. وأجيب بأن ذلك غير متفق عليه فإن تعريف اسم الإشارة لكونه
~~بالإشارة الحسية الخارجة عن الوضع قيل: إنه أنقص من ذي اللام، وقيل:
~~إنهما في مرتبة واحدة، وعن أبي علي وهو غريب أن ذلك لا محل له من
~~الإعراب وهو فصل كالضمير. وقرىء { ولباس التقوى } بالنصب عطفا
~~على { لباسا } قال بعض المحققين: وحينئذ يكون اللباس المنزل ثلاثة أو
~~يفسر { لباس التقوى } بلباس الحرب أو يجعل الإنزال مشاكلة، وذكر
~~على القراءة المشهورة أن { ذلك } إن كان إشارة للباس المواري فلباس
~~التقوى حقيقة والإضافة لأدنى ملابسة، وإن كان للباس التقوى فهو استعارة
~~مكنية تخييلية أو من قبيل  لجين الماء  وعلى كل تكون الإشارة بالبعيد
~~للتعظيم بتنزيل البعد الرتبي منزلة البعد الحسي فتأمل ولا تغفل. {
~~ذلك } أي إنزال اللباس المتقدم كله أو الأخير { من ءايت
~~الله } الدالة على عظيم فضله وعميم رحمته { لعلهم يذكرون
~~} فيعرفون نعمته أو يتعظون فيتورعون عن القبائح.

### || [7.27]

# { يبنى آدم } تكرير النداء للإيذان بكمال الاعتناء بمضمون ما صدر
~~به { لا يفتننكم الشيطن } أي لا يوقعنكم في الفتنة
~~والمحنة بأن يوسوس لكم بما يمنعكم به عن دخول الجنة فتطيعوه وقرىء {
~~يفتننكم } بضم حرف المضارعة من أفتنه حمله على الفتنة، وقرىء {
~~يفتنكم } بغير توكيد، ms03121 وهذا نهي للشيطان في الصورة والمراد نهي
~~المخاطبين عن متابعته وفعل ما يقود إلى الفتنة { كما أخرج
~~أبويكم من الجنة } أي كما فتن أبويكم ومحنهما بأن أخرجهما
~~منها فوضع السبب موضع المسبب، وجوز أن يكون التقدير لا يفتننكم فتنة مثل
~~فتنة إخراج أبويكم أو لا يخرجنكم بفتنته إخراجا مثل إخراجه أبويكم،
~~ونسبة الإخراج إليه لأنه كان بسبب إغوائه، وكذا نسبة النزع إليه في قوله
~~سبحانه: { ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءتهما
~~} والجملة حال من { أبويكم } أو من فاعل { أخرج } ولفظ المضارع
~~على / ما قاله القطب لحكاية الحال الماضية لأن النزع السلب وهو ماض
~~بالنسبة إلى الإخراج وإن كان العري باقيا.

# وقوله جل شأنه: { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا
~~ترونهم } تعليل للنهي كما هو معروف في الجملة المصدرة بإن في
~~أمثاله وتأكيد للتحذير لأن العدو إذا أتى من حيث لا يرى كان أشد وأخوف،
~~والضمير في { إنه } للشيطان. وجوز أن يكون للشأن وهو تأكيد للضمير
~~المستتر في { يراكم } وقبيله عطف عليه لا على البارز لأنه لا يصلح
~~للتأكيد. وجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر و { من } لابتداء الغاية و {
~~حيث } ظرف لمكان انتفاء الرؤية وجملة { لا ترونهم } في محل جر
~~بالإضافة، وعن أبي إسحاق أن { حيث } موصولة وما بعد صلة لها. ولعل
~~مراده أن ذلك كالموصول وإلا فلا قائل به غيره كما قال أبو علي الفارسي.
~~والقبيل الجماعة فإن كانوا من أب واحد فهم قبيلة. والمراد بهم هنا جنوده
~~من الجن. وقرأ اليزيدي { وقبيله } بالنصب وهو عطف على اسم إن. ويتعين
~~كون الضمير للشيطان ولا يصح كونه للشأن خلافا لمن وهم فيه لأنه لا يصلح
~~العطف عليه ولا يتبع بتابع.

# والقضية مطلقة لا دائمة فلا تدل على ما ذهب إليه المعتزلة من أن الجن لا
~~يرون ولا يظهرون للإنس ولا يتمثلون. ويشهد لما قلنا ما صح من رؤية النبي
~~صلى الله عليه وسلم لمقدمهم حين رام أن يشغله عليه الصلاة والسلام عن
~~صلاته فأمكنه الله تعالى منه وأراد أن يربطه ms03122 إلى سارية من سواري المسجد
~~يلعب به صبيان المدينة فذكر دعوة سليمان عليه السلام فتركه. ورؤية ابن
~~مسعود لجن نصيبين. وما نقل عن الشافعي رضي الله تعالى عنه من أن من زعم
~~أنه رآهم ردت شهادته وعزر لمخالفته القرآن محمول  كما قال البعض  على
~~زاعم رؤية صورهم التي خلقوا عليها إذ رؤيتهم بعد التشكل الذي أقدرهم الله
~~تعالى عليه مذهب أهل السنة وهو رضي الله تعالى عنه من ساداتهم.

# وما نوزع به القول بقدرتهم على التشكل من استلزامه رفع الثقة بشيء فإن
~~من رأى ولو ولده يحتمل أنه رأى جنيا تشكل به مردود بأن الله تعالى تكفل
~~لهذه الأمة بعصمتها عن أن يقع فيها ما يؤدي لمثل ذلك المترتب عليه الريبة
~~في الدين ورفع الثقة بعالم وغيره فاستحال شرعا الاستلزام المذكور. وقول
~~العلامة البيضاوي بعد تعريف الجن في سورتهم بما عرف. وفيه دليل على أنه
~~صلى الله عليه وسلم ما رآهم ولم يقرأ عليهم وإنما اتفق حضورهم في بعض
~~أوقات قراءته فسمعوها فأخبر الله تعالى بذلك ناشىء من عدم الاطلاع على
~~الأحاديث الصحيحة الكثيرة المصرحة برؤيته صلى الله عليه وسلم لهم وقراءته
~~عليهم وسؤالهم منه الزاد لهم ولدوابهم على كيفيات مختلفة. وعندي أنه لا
~~مانع من رؤيته صلى الله عليه وسلم للجن على صورهم التي خلقوا عليها فقد
~~رأى جبريل عليه السلام بصورته الأصلية مرتين وليست رؤيتهم بأبعد من
~~رؤيته. ورؤية كل موجود عندنا في حيز الإمكان واللطافة المانعة من رؤيتهم
~~عند المعتزلة لا توجب الاستحالة ولا تمنع الوقوع خرقا للعادة. وكذا
~~تعليل الأشاعرة عدم الرؤية بأن الله تعالى لم يخلق في عيون الإنس قوة
~~الإدراك لا يقتضي الاستحالة أيضا لجواز أن يخلق الله تعالى في عين رسوله
~~عليه الصلاة والسلام الرائي له جل شأنه بعيني رأسه على الأصح ليلة
~~المعراج تلك القوة فيراهم. بل لا يبعد القول برؤية الأولياء رضي الله
~~تعالى عنهم لهم كذلك لكن لم أجد صريحا ما يدل على وقوع هذه الرؤية. وأما
~~رؤية الأولياء بل ms03123 سائر الناس لهم متشكلين فكتب القوم مشحونة بها ودفاتر
~~المؤرخين والقصاص ملأى منها. وعلى هذا لا يفسق / مدعي رؤيتهم في صورهم
~~الأصلية إذا كان مظنة للكرامة، وليس في الآية أكثر من نفي رؤيتهم كذلك
~~بحسب العادة. على أنه يمكن أن تكون الآية خارجة مخرج التمثيل لدقيق مكرهم
~~وخفي حيلهم وليس المقصود منها نفي الرؤية حقيقة. ومن هذا يعلم أن القول
~~بكفر مدعي تلك الرؤية خارج عن الإنصاف فتدبر.

# { إنا جعلنا الشيطين أولياء للذين لا
~~يؤمنون } أي قرناء لهم مسلطين عليهم متمكنين من إغوائهم بما أوجدنا
~~بينهم من المناسبة أو بإرسالهم عليهم وتمكينهم منهم، والجملة إما تعليل
~~آخر للنهي وتأكيد للتحذير إثر تأكيد وإما فذلكة لحكاية السابقة.

### || [7.28]

# وقوله سبحانه: { وإذا فعلوا فحشة } جملة مبتدأة لا محل لها
~~من الإعراب وجوز عطفها على الصلة. والفاحشة الفعلة القبيحة المتناهية في
~~القبح والتاء إما لأنها مجراة على الموصوف المؤنث أي فعلة فاحشة وإما
~~للنقل من الوصفية إلى الإسمية والمراد بها هنا عبادة الأصنام وكشف العورة
~~في الطواف ونحو ذلك. وعن الفراء تخصيصها بكشف العورة. «وفي الآية  على
~~ما قاله الطبرسي  حذف، أي وإذا فعلوا فاحشة فنهوا عنها».

# { قالوا } جواب للناهين { وجدنا عليها ءاباءنا والله
~~أمرنا بها } محتجين بأمرين تقليد الآباء والافتراء على الله
~~سبحانه. وتقديم المقدم للإيذان بأنه المعول عليه عندهم أو للإشارة منهم
~~إلى أن آباءهم إنما كانوا يفعلونها بأمر الله تعالى على أن ضمير {
~~أمرنا } كما قيل لهم ولآبائهم، وحينئذ يظهر وجه الإعراض عن الأول في
~~رد مقالتهم بقوله تعالى: { قل إن الله لا يأمر
~~بالفحشاء } فإن عادته تعالى جرت على الأمر بمحاسن الأعمال والحث
~~على (مكارم) الخصال وهو اللائق بالحكمة المقتضية أن لا يتخلف، وقال
~~الإمام: «لم يذكر سبحانه جوابا عن حجتهم الأولى لأنها إشارة إلى محض
~~التقليد وقد تقرر في العقول أنه طريقة فاسدة لأن التقليد حاصل في الأديان
~~المتناقضة فلو كان التقليد حقا لزم القول بحقية الأديان المتناقضة وأنه
~~محال فلما كان فساد هذا الطريق ظاهرا لم يذكر ms03124 الله تعالى الجواب عنه»،
~~وذكر بعض المحققين أن الإعراض إنما هو عن التصريح برده وإلا فقوله
~~سبحانه: { إن الله } الخ متضمن للرد لأنه سبحانه إذا أمر بمحاسن
~~الأعمال كيف يترك أمره لمجرد اتباع الآباء فيما هو قبيح عقلا والمراد
~~بالقبح العقلي هنا نفرة الطبع السليم واستنقاص العقل المستقيم لا كون
~~الشيء متعلق الذم قبل ورود النهي عنه وهو المتنازع فيه بيننا وبين
~~المعتزلة دون الأول كما حقق في الأصول فلا دلالة في الآية على ما زعموه،
~~وقيل: إن المذكور جوابا سؤالين مترتبين كأنه قيل لهم لما فعلوها لما
~~فعلتم؟ قالوا: وجدنا آباءنا فقيل: ومن أين أخذا آباؤكم؟ فقالوا: الله
~~أمرنا بها، والكلام حينئذ على تقدير مضاف أي أمر آباءنا؛ وقيل: لا تقدير
~~والعدول عن أمرهم الظاهر حينئذ للإشارة إلى ادعاء أن أمر آبائهم أمر
~~لهم. وعلى الوجهين يمتنع التقليد إذا قام الدليل على خلافه فلا دلالة في
~~الآية على المنع من التقليد مطلقا.

# { أتقولون على الله ما لا تعلمون } من تمام القول
~~المأمور به، والهمزة لإنكار الواقع واستقباحه والإشارة إلى أنه لا ينبغي
~~أن يكون، وتوجيه الإنكار إلى قولهم عليه تعالى ما لا يعلمون صدوره منه عز
~~شأنه مع أن منهم من يقول عليه سبحانه ما يعلم عدم صدوره مبالغة في إنكار
~~تلك الصورة، ولا دليل في الآية لمن نفى القياس بناء على أن ما يثبت به
~~مظنون لا معلوم لأن ذلك مخصوص من عمومها بإجماع الصحابة ومن يعتد به أو
~~بدليل آخر، وقيل: المراد بالعلم ما يشمل الظن.

### || [7.29]

# { قل أمر ربي بالقسط } بيان للمأمور به إثر نفي ما أسند
~~أمره إليه تعالى من الأمور المنهي عنها؛ والقسط على ما قال غير واحد
~~العدل، وهو الوسط من / كل شيء المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط. وقال
~~الراغب: «هو النصيب بالعدل كالنصف والنصفة. ويقال: القسط لأخذ قسط
~~غيره وذلك جور والإقساط لإعطاء قسط غيره وذلك إنصاف ولذلك يقال: قسط
~~الرجل إذا جار وأقسط إذا عدل». وهذا أولى مما قاله الطبرسي من ms03125 أن أصله
~~(الميل) فإن كان إلى جهة الحق فعدل ومنه قوله سبحانه:

# إن الله يحب المقسطين

# [المائدة: 42] وإن كان إلى جهة الباطل فجور ومنه قوله تعالى:

# وأما القسطون فكانوا لجهنم حطبا

# [الجن: 15] والمراد به هنا  على ما نقل عن أبي مسلم  جميع الطاعات
~~والقرب. وروي عن ابن عباس والضحاك أنه التوحيد وقول لا إله إلا الله
~~ومجاهد والسدي وأكثر المفسرين على أنه الاستقامة والعدل في الأمور.

# { وأقيموا وجوهكم } أي توجهوا إلى عبادته تعالى مستقيمين غير
~~عادلين إلى غيرها { عند كل مسجد } أي في وقت كل سجود كما قال
~~الجبائي أو مكانه كما قال غيره فعند بمعنى في والمسجد اسم زمان أو مكان
~~بالمعنى اللغوي، وكان حقه فتح العين لضمها في المضارع إلا أنه مما شذ عن
~~القاعدة، وزعم بعضهم أنه مصدر ميمي والوقت مقدر قبله، والسجود مجاز عن
~~الصلاة. وقال غير واحد: المعنى توجهوا إلى الجهة التي أمركم الله تعالى
~~بالتوجه إليها في صلاتكم وهي جهة الكعبة. والأمر على القولين للوجوب.
~~واختار المغربي أن المعنى إذا أدركتم الصلاة في أي مسجد فصلوا ولا
~~تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم، والأمر على هذا للندب والمسجد بالمعنى
~~المصطلح ولا يخفى ما فيه من البعد. ومثله ما قيل: إن المعنى اقصد المسجد
~~في وقت كل صلاة على أنه أمر بالجماعة ندبا عند بعض ووجوبا عند آخرين.
~~والواو للعطف وما بعده قيل: معطوف على الأمر الذي ينحل إليه المصدر مع أن
~~أي أن أقسطوا. والمصدر ينحل إلى الماضي والمضارع والأمر، وقال الجرجاني:
~~إنه عطف على الخبر السابق المقول لقل وهو إنشاء معنى، وإن أبيت فالكلام
~~من باب الحكاية. وجوز أن يكون هناك قل مقدارا معطوفا على نظيره. و {
~~أقيموا } مقول له. وأن يكون معطوفا على محذوف تقديره قل أقبلوا
~~وأقيموا.

# { وادعوه } أي اعبدوه { مخلصين له الدين } أي الطاعة
~~فالدعاء بمعنى العبادة لتضمنها له والدين بالمعنى اللغوي. وقيل: إن هذا
~~أمر بالدعاء والتضرع إليه سبحانه على وجه الإخلاص أي ارغبوا إليه في
~~الدعاء بعد إخلاصكم له ms03126 في الدين { كما بدأكم } أي أنشأكم ابتداء
~~{ تعودون } إليه سبحانه فيجازيكم على أعمالكم فامتثلوا أوامره أو
~~فأخلصوا له العبادة فهو متصل بالأمر قبله.

# وقال الزجاج: إنه متصل بقوله تعالى:

# فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون

# [الأعراف: 25] ولا يخفى بعده. ولم يقل سبحانه: يعيدكم كما هو الملائم
~~لما قبله إشارة إلى أن الإعادة دون البدء من غير مادة بحيث لو تصور
~~الاستغناء عن الفاعل لكان فيها دونه فهو كقوله تعالى:

# وهو أهون عليه

# [الروم: 27] سواء كانت الإعادة الإيجاد بعد الإعدام بالكلية أو جمع
~~متفرق الأجزاء. وإنما شبهها سبحانه بالإبداء تقريرا لإمكانها والقدرة
~~عليها. وقال قتادة: المعنى كما بدأكم من التراب تعودون إليه كما قال
~~سبحانه:

# منها خلقنكم وفيها نعيدكم

# [طه: 55] وقيل: المعنى كما بدأكم لا تملكون شيئا كذلك تبعثون يوم
~~القيامة./ وعن محمد بن كعب أن المراد أن من ابتدأ الله تعالى خلقه على
~~الشقوة صار إليها وإن عمل بأعمال أهل السعادة ومن ابتدأ خلقه على السعادة
~~صار إليها وإن عمل بعمل أهل الشقاوة. ويؤيد ذلك ما رواه الترمذي

# " عن عمرو بن العاص قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي
~~يده كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قلنا: لا يا رسول الله فقال
~~للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء
~~آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا ثم
~~قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء
~~آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا
~~فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه؟ فقال عليه
~~الصلاة والسلام: سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة
~~وإن عمل أي عمل وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل ثم
~~قال  أي أشار  رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه فنبذهما ثم قال: فرغ
~~ربكم من ms03127 العباد فريق في الجنة وفريق في السعير ".

# وقريب من هذا ما روي عن ابن جبير من أن المعنى: كما كتب عليكم تكونون.
~~وروي عن الحبر أن المعنى كما بدأكم مؤمنا وكافرا يعيدكم يوم القيامة
~~فهو كقوله تعالى:

# هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن

# [التغابن: 2].

### || [7.30]

# وعليه يكون قوله سبحانه: { فريقا هدى وفريقا حق عليهم
~~الضللة } بيانا وتفصيلا لذلك، ونظيره قوله تعالى: { خلقه
~~من تراب ثم قال له كن فيكون } بعد قوله عز شأنه:

# إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم

# [آل عمران: 59] قيل: وهو الأنسب بالسياق. وذكر الطيبي أن ههنا نكتة
~~سرية وهي أن يقال: إنه تعالى قدم في قوله سبحانه:

# كما بدأكم تعودون

# [الأعراف: 29] المشبه به على المشبه لينبه العاقل على أن قضاء الشؤون لا
~~يخالف القدر والعلم الأزلي البتة وكما روعي هذه الدقيقة في المفسر روعيت
~~في التفسير وزيد أخرى عليها وهي أنه سبحانه قدم مفعول { هدى } للدلالة
~~على الاختصاص وأن فريقا آخر ما أراد هدايتهم وقرر ذلك بأن عطف عليه {
~~وفريقا حق عليهم الضللة } وأبرزه في صورة الإضمار على
~~شريطة التفسير أي أضل فريقا حق عليهم الضلالة وفيه مع الاختصاص التوكيد
~~كما قرره صاحب «المفتاح» لتنقطع ريبة المخالف ولا يقول: إن علم الله
~~تعالى لا أثر له في ضلالتهم انتهى.

# وكأنه يشير بذلك إلى رد قول الزمخشري في قوله تعالى: { إنهم
~~اتخذوا الشيطين أولياء من دون الله } «أي تولوهم
~~بالطاعة فيما أمروهم به، وهذا دليل على أن علم الله تعالى لا أثر له في
~~ضلالهم وأنهم هم الضالون باختيارهم وتوليتهم الشياطين دون الله تعالى»
~~فجملة { إنهم اتخذوا } على هذا تعليل لقوله سبحانه: {
~~وفريقا حق عليهم الضللة } ويؤيد ذلك أنه قرىء {
~~أنهم } بالفتح. ويحتمل أن تكون تأكيدا لضلالهم وتحقيقا له وأنا 
~~والحق أحق بالاتباع  مع القائل: إن علم الله تعالى لا يؤثر في المعلوم
~~وأن من علل الجبر به مبطل كيف والمتكلمون عن آخرهم قائلون: إن العلم
~~يتعلق بالشيء على ما هو عليه إنما الكلام في أن ms03128 قدرة الله تعالى لا أثر
~~لها على زعم الضلال أصحاب الزمخشري ونحن مانعون لذلك أشد المنع. ولا منع
~~من التعليل بالاتخاذ عند الأشاعرة / لثبوت الكسب والاختيار ويكفي هذه
~~المدخلية في التعليل. والزمخشري قدر الفعل في قوله سبحانه: { وفريقا
~~حق } خذل ووافقه بعض الناس وما فعله الطيبي هو المختار عند بعض
~~المحققين لظهور الملاءمة فيه وخلوه عن شبهة الاعتزال. واختير تقديره
~~مؤخرا لتتناسق الجملتان، وهما عند الكثير في موضع الحال من ضمير

# تعودون

# [الأعراف: 29] بتقدير قد أو مستأنفتان، وجوز نصب { فريقا } الأول و {
~~فريقا } الثاني على الحال والجملتان بعدهما صفتان لهما، ويؤيد ذلك
~~قراءة أبي { تعودون فريقين فريقا هدى وفريقا } الخ،
~~والمنصوب على هذه القراءة إما بدل أو مفعول به لأعني مقدرا. ولم تلحق
~~تاء التأنيث  لحق  للفصل أو لأن التأنيث غير حقيقي، والكلام على تقدير
~~مضاف عند بعض أي حق عليهم كلمة الضلالة وهي قوله سبحانه: { ضلوا }.

# { ويحسبون أنهم مهتدون } عطف على ما قبله داخل معه في
~~حيز التعليل أو التأكيد. ولعل الكلام من قبيل  بنو فلان قتلوا فلانا 
~~والأول لكونه في مقابلة من هداه الله تعالى شامل للمعاند والمخطىء
~~والثاني مختص بالثاني وهو صادق على المقصر في النظر والباذل غاية الوسع
~~فيه، واختلف في توجه الذم على الأخير وخلوده في النار. ومذهب البعض أنه
~~معذور ولم يفرقوا بين من لا عقل له أصلا ومن له عقل لم يدرك به الحق بعد
~~أن لم يدع في القوس منزعا في طلبه فحيث يعذر الأول لعدم قيام الحجة عليه
~~يعذر الثاني لذلك، ولا يرون مجرد المالكية وإطلاق التصرف حجة ولله تعالى
~~الحجة البالغة، والتزام أن كل كافر معاند بعد البعثة وظهور أمر الحق كنار
~~على علم وإنه ليس في مشارق الأرض ومغاربها اليوم كافر مستدل مما لا يقدم
~~عليه إلا مسلم معاند أو مسلم مستدل بما هو أوهن من بيت العنكبوت وأنه
~~لأوهن البيوت. وادعى بعضهم أن المراد من المعطوف عليه المعاند ومن
~~المعطوف المخطىء والظاهر ما قلنا، وجعل الجملة حالية على ms03129 معنى اتخذوا
~~الشياطين أولياء وهم يحسبون أنهم مهتدون في ذلك الاتخاذ لا يخفى ما فيه.

### || [7.31]

# { يبنى ءادم خذوا زينتكم عند } أي ثيابكم لمواراة
~~عوراتكم لأن المستفاد من الأمر الوجوب والواجب إنما هو ستر العورة {
~~عند كل مسجد } أي طواف أو صلاة، وإلى ذلك ذهب مجاهد وأبو الشيخ
~~وغيرهما، وسبب النزول على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه
~~كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة حتى إن كانت المرأة لتطوف بالبيت
~~وهي عريانة فتعلق على سفلها سيورا مثل هذه السيور التي تكون على وجه
~~الحمر من الذباب وهي تقول:

# اليوم يبدو بعضه أو كله

# وما بدا منه فلا أحله

# فأنزل الله تعالى هذه الآية، وحمل بعضهم الزينة على لباس التجمل لأنه
~~المتبادر منه ونسب للباقر رضي الله تعالى عنه، وروي عن الحسن السبط رضي
~~الله تعالى عنه أنه كان إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه فقيل له: يا
~~ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تلبس أجود ثيابك؟ فقال: إن الله
~~تعالى جميل يحب الجمال فأتجمل لربي وهو يقول: { خذوا زينتكم
~~عند كل مسجد } فأحب أن ألبس أجمل ثيابي، ولا يخفى أن الأمر
~~حينئذ لا يحمل على الوجوب لظهور أن هذا التزين مسنون لا واجب، وقيل: إن
~~الآية على الاحتمال الأول تشير إلى سنية التجمل لأنها لما دلت على وجوب
~~أخذ الزينة لستر العورة عند ذلك فهم منه في الجملة حسن التزين بلبس ما
~~فيه حسن وجمال عنده، ونسب بيت الكذب إلى الصادق رضي الله عنه تعالى أن
~~أخذ الزينة التمشط كأنه قيل تمشطوا عند كل صلاة، ولعل ذلك من باب
~~الاقتصار على بعض أنواع الزينة وليس المقصود حصرها فيما ذكر. ومثل / ذلك
~~ما أخرجه ابن عدي وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " خذوا زينة الصلاة قالوا: وما زينة الصلاة؟. قال: البسوا نعالكم فصلوا
~~فيها ".

# وأخرج ابن عساكر وغيره عن أنس رضي الله ms03130 تعالى عنه عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم أنه قال في قوله سبحانه: { خذوا زينتكم } الخ

# " صلوا في نعالكم "

# { وكلوا واشربوا } مما طاب لكم. قال الكلبي: كان أهل الجاهلية
~~لا يأكلون من الطعام إلا قوتا ولا يأكلون دسما في أيام حجهم يعظمون
~~بذلك حجهم فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق بذلك فأنزل الله تعالى
~~الآية، ومنه يظهر وجه ذكر الأكل والشرب هنا { ولا تسرفوا } بتحريم
~~الحلال كما هو المناسب لسبب النزول أو بالتعدي إلى الحرام كما روي عن ابن
~~زيد أو بالإفراط في الطعام والشره كما ذهب إليه كثير، وأخرج أبو نعيم عن
~~عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: «إياكم والبطنة من الطعام والشراب
~~فإنها مفسدة للجسد مورثة للسقم مكسلة عن الصلاة وعليكم بالقصد فيهما فإنه
~~أصلح للجسد وأبعد من السرف وإن الله تعالى ليبغض الحبر السمين وإن الرجل
~~لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه«.

# وقيل: المراد الإسراف ومجاوزة الحد بما هو أعم مما ذكر وعد منه أكل
~~الشخص كلما اشتهى وأكله في اليوم مرتين، فقد أخرج ابن ماجه والبيهقي عن
~~أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إن من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت "

# وأخرج الثاني وضعفه عن عائشة قالت:

# " رآني النبي صلى الله عليه وسلم وقد أكلت في اليوم مرتين فقال يا
~~عائشة أما تحبين أن يكون لك شغل إلا في جوفك الأكل في اليوم مرتين من
~~الإسراف ".

# وعندي أن هذا مما يختلف باختلاف الأشخاص، ولا يبعد أن يكون ما ذكر من
~~الإفراط في الطعام وعد منه طبخ الطعام بماء الورد وطرح نحو المسك فيه
~~مثلا من غير داع إليه سوى الشهوة، وذهب بعضهم إلى أن الإسراف المنهي عنه
~~يعم ما كان في اللباس أيضا، وروي ذلك عن عكرمة، وأخرج ابن أبي شيبة
~~وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كل ما شئت والبس ما شئت
~~ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة. ورواه البخاري عنه تعليقا وهو لا ينافي ms03131 ما
~~ذكره الثعالبي وغيره من الأدباء أنه ينبغي للإنسان أن يأكل ما يشتهي
~~ويلبس ما يشتهيه الناس كما قيل:

# نصحته نصيحة

# قالت بها الأكياس

# كل ما اشتهيت والبسن

# ما تشتهيه الناس

# فإنه لترك ما لم يعتد بين الناس وهذا لإباحة كل ما اعتادوه. وفي
~~«العجائب» للكرماني قال طبيب نصراني لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في
~~كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان فقال له:
~~قد جمع الله تعالى الطب كله في نصف آية من كتابه قال: وما هي؟ قال: {
~~كلوا واشربوا ولا تسرفوا } فقال النصراني: ولا يؤثر من
~~رسولكم شيء في الطب فقال: قد جمع رسولنا صلى الله عليه وسلم الطب في
~~ألفاظ يسيرة قال: وما هي؟ قال: قوله صلى الله عليه وسلم:

# " المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته "

# فقال: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا انتهى. وما نسبه إلى
~~النبي صلى الله عليه وسلم هو من كلام الحرث بن كلدة طبيب العرب ولا يصح
~~رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي «الإحياء» مرفوعا

# " البطنة أصل الداء والحمية أصل الدواء وعودوا كل جسد ما اعتاد "

# وتعقبه العراقي قائلا: لم أجد له أصلا. وفي «شعب الإيمان» للبيهقي و
~~«لقط المنافع» لابن الجوزي عن أبي هريرة مرفوعا أيضا:

# " المعدة حوض البدن / والعروق إليها واردة فإذا صحت المعدة (صارت)
~~العروق بالصحة وإذا فسدت المعدة صارت العروق بالسقم "

# وتعقبه الدارقطني قائلا: لا نعرف هذا من كلام النبي صلى الله عليه
~~وسلم وإنما هو من كلام عبد الملك بن سعيد بن (أبحر). وفي «الدر المنثور»
~~أخرج محمد الخلال عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه
~~وسلم دخل عليها وهي تشتكي فقال لها:

# " يا عائشة الأزم دواء والمعدة بيت الأدواء وعودوا البدن ما اعتاد "

# ولم أر من تعقبه، نعم رأيت في «النهاية» لابن الأثير «سأل عمرو الحرث بن
~~كلدة ما الدواء؟ قال: الأزم يعني الحمية وإمساك الأسنان بعضها على ms03132 بعض»،
~~نعم الأحاديث الصحيحة متظافرة في ذم الشبع وكثرة الأكل، وفي ذلك إرشاد
~~للأمة إلى كل الحكمة.

# { إنه لا يحب المسرفين } بل يبغضهم ولا يرضى أفعالهم.
~~والجملة في موضع التعليل للنهي، وقد جمعت هذه الآية  كما قيل  أصول
~~الأحكام الأمر والإباحة والنهي والخبر.

### || [7.32]

# { قل من حرم زينة الله } من الثياب وكل ما يتجمل به {
~~التى أخرج لعباده } أي خلقها لنفعهم من النبات كالقطن
~~والكتان والحيوان كالحرير والصوف والمعادن كالخواتم والدروع {
~~والطيبت من الرزق } أي المستلذات، وقيل: المحللات من
~~المآكل والمشارب كلحم الشاة وشحمها ولبنها. واستدل بالآية على أن الأصل
~~في المطاعم والملابس وأنواع التجملات الإباحة لأن الاستفهام في { من }
~~لانكار تحريمها على أبلغ وجه. ونقل عن ابن الفرس أنه قال: استدل بها من
~~أجاز لبس الحرير والخز للرجال. وروي عن زين العابدين رضي الله تعالى عنه
~~أنه كان يشتري كساء الخز بخمسين دينارا فإذا أصاف تصدق به لا يرى بذلك
~~بأسا ويقول { قل من حرم زينة الله التى أخرج
~~لعباده }.

# وروي أن الحسين رضي الله تعالى عنه أصيب وعليه جبة خز وأن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما لما بعثه علي كرم الله تعالى وجهه إلى الخوارج لبس أفضل
~~ثيابه وتطيب بأطيب طيبه وركب أحسن مراكبه فخرج إليهم فوافقهم فقالوا: يا
~~ابن عباس بينا أنت خير الناس إذ أتيتنا في لباس الجبابرة ومراكبهم فتلا
~~هذه الآية لكن روي عن طاوس أنه قرأ هذه الآية وقال: لم يأمرهم سبحانه
~~بالحرير ولا الديباج ولكنه كان إذا طاف أحدهم وعليه ثيابه ضرب وانتزعت
~~منه فأنكر عليهم ذلك، والحق أن كل ما لم يقم الدليل على حرمته داخل في
~~هذه الزينة لا توقف في استعماله ما لم يكن فيه نحو مخيلة كما أشير إليه
~~فيما تقدم.

# وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم خرج وعليه رداء قيمته ألف درهم، وكان
~~أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يرتدي برداء قيمته أربعمائة دينار وكان
~~يأمر أصحابه بذلك، وكان محمد يلبس الثياب النفيسة ويقول: إن لي ms03133 نساء
~~وجواري فأزين نفسي كي لا ينظرن إلى غيري. وقد نص الفقهاء على أنه يستحب
~~التجمل لقوله عليه الصلاة والسلام:

# " إن لله تعالى إذا أنعم على عبد أحب أن يرى أثر نعمته عليه "

# ،وقيل لبعضهم: أليس عمر رضي الله تعالى عنه كان يلبس قميصا عليه كذا
~~رقعة فقال: فعل ذلك لحكمة هي أنه كان أمير المؤمنين وعماله يقتدون به
~~وربما لا يكون لهم مال فيأخذون من المسلمين. نعم كره بعض الأئمة لبس
~~المعصفر والمزعفر وكرهوا أيضا أشياء أخر تطلب من محالها.

# { قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا } أي هي لهم
~~بالأصالة لمزيد كرامتهم على الله تعالى، والكفرة / وإن شاركوهم فيها
~~فبالتبع فلا إشكال في الاختصاص المستفاد من اللام { خالصة يوم
~~القيمة } لا يشاركهم فيها غيرهم. وعن الجبائي أن المعنى هي للذين
~~آمنوا في الحياة الدنيا غير خالصة من الهموم والأحزان والمشقة وهي خالصة
~~يوم القيامة من ذلك وانتصاب { خالصة } على الحال من الضمير المستتر
~~في الجار والمجرور والعامل فيه متعلقة. وقرأ نافع بالرفع على أنه خبر بعد
~~خبر أو هو الخبر و { للذين } متعلق به قدم لتأكيد الخلوص والاختصاص
~~{ كذلك نفصل الأيت } أي مثل تفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر
~~الأحكام { لقوم يعلمون } ما في تضاعيفها من المعاني الرائقة.
~~وجوز أن يكون هذا التشبيه على حد قوله تعالى:

# وكذلك جعلنكم أمة وسطا

# [البقرة: 143] ونظائره مما تقدم تحقيقه.

### || [7.33]

# { قل إنما حرم ربي الفوحش } أي ما تزايد قبحه من
~~المعاصي. وقيل: ما يتعلق بالفروج { ما ظهر منها وما بطن }
~~بدل من { الفوحش } أي جهرها وسرها. وعن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما ما ظهر الزنا علانية وما بطن الزنا سرا وقد كانوا يكرهون الأول
~~ويفعلون الثاني فنهوا عن ذلك مطلقا. وعن مجاهد ما ظهر التعري في الطواف
~~وما بطن الزنا. وقيل: الأول: طواف الرجال بالنساء. والثاني: طواف النساء
~~بالليل عاريات.

# { والإثم } أي ما يوجب الإثم، وأصله الذم فأطلق على ما يوجبه من
~~مطلق الذنب، وذكر للتعميم بعد التخصيص بناء على ما ms03134 تقدم من معنى الفواحش.
~~وقيل: إن الإثم هو الخمر كما نقل عن ابن عباس والحسن البصري وذكره أهل
~~اللغة كالأصمعي وغيره وأنشدوا له قول الشاعر:

# نهانا رسول الله أن نقرب الزنا

# وأن نشرب الإثم الذي يوجب الوزرا

# وقول الآخر:

# شربت الإثم حتى ضل عقلي

# كذاك الإثم يذهب بالعقول

# وزعم ابن الأنباري أن العرب لا تسمي الخمر اثما في جاهلية ولا إسلام
~~وأن الشعر موضوع. والمشهور أن ذلك من باب المجاز لأن الخمر سبب الإثم.
~~وقال أبو حيان وغيره: «إن هذا التفسير غير صحيح هنا لأن السورة مكية ولم
~~تحرم الخمر إلا بالمدينة بعد أحد». وأيضا يحتاج حينئذ إلى دعوى أن الحصر
~~إضافي فتدبر. { والبغى } الظلم والاستطالة على الناس. وأفرد بالذكر
~~بناء على التعميم فيما قبله أو دخوله في الفواحش للمبالغة في الزجر عنه {
~~بغير الحق } متعلق بالبغي لأن البغي لا يكون إلا كذلك. وجوز أن
~~يكون حالا مؤكدة. وقيل: جيء به ليخرج البغي على الغير في مقابلة بغيه
~~فإنه يسمى بغيا في الجملة لكنه بحق وهو كما ترى { وأن تشركوا
~~بالله ما لم ينزل به سلطنا } أي حجة وبرهانا،
~~والمعنى على نفي الإنزال والسلطان معا على أبلغ وجه كقوله:

# لا ترى الضب بها ينجحر

# وفيه من التهكم بالمشركين ما لا يخفى { وأن تقولوا على الله
~~ما لا تعلمون } بالإلحاد في صفاته والافتراء عليه كقولهم:

# والله أمرنا بها

# [الأعراف: 28] ولا يخفى ما في توجيه التحريم إلى قولهم عليه سبحانه ما
~~لا يعلمون وقوعه دون ما يعلمون عدم وقوعه من السر الجليل.

### || [7.34]

# { ولكل أمة } من الأمم المهلكة { أجل } أي وقت معين مضروب
~~لاستئصالهم  كما قال الحسن . وروي ذلك عن ابن عباس ومقاتل. وهذا كما
~~قيل وعيد لأهل مكة بالعذاب النازل في أجل / معلوم عند الله تعالى كما نزل
~~بالأمم قبلهم ورجوع إلى الحث على الاتباع بعد الاستطراد الذي قاله البعض.
~~وقد روعي نكتة في تعقيبه تحريم الفواحش حيث ناسبه أيضا. وفسر بعضهم
~~الأجل هنا بالمدة المعينة التي أمهلوها لنزول العذاب، وفسره ms03135 آخرون بوقت
~~الموت وقالوا: التقدير ولكل أحد من أمة، وعلى الأول لا حاجة إلى التقدير.

# { فإذا جاء أجلهم } الضمير  كما قال بعض المحققين  إما
~~للأمم المدلول عليها بكل أمة وإما لكل أمة، وعلى الأول فإظهار الأجل
~~مضافا إلى ذلك الضمير لإفادة المعنى المقصود الذي هو بلوغ كل أمة أجلها
~~الخاص بها ومجيؤه إياها بواسطة اكتساب الأجل بالإضافة عموما يفيده معنى
~~الجمعية كأنه قيل: إذا جاء آجالهم بأن يجيء كل واحد من تلك الأمم أجلها
~~الخاص بها. وعلى الثاني وهو الظاهر فالإظهار في موقع الاضمار لزيادة
~~التقرير والإضافة لإفادة أكمل التمييز. وقرأ ابن سيرين { آجالهم } بصيغة
~~الجمع واستظهرها ابن جني وجعل الإفراد لقصد الجنسية والجنس من قبيل
~~المصدر وحسنه الإضافة إلى الجماعة. والفاء قيل: فصيحة وسقطت في آية يونس
~~[94] لما سنذكره إن شاء الله تعالى هناك. والمراد من مجيء الأجل قربه أو
~~تمامه أي إذا حان وقرب أو انقطع وتم.

# { لا يستأخرون } عنه { ساعة } قطعة من الزمان في غاية القلة.
~~وليس المراد بها الساعة في مصطلح المنجمين المنقسمة إلى ساعة مستوية
~~وتسمى فلكية هي زمان مقدار خمس عشرة درجة أبدا، ومعوجة وتسمى زمانية هي
~~زمان مقدار نصف سدس النهار أو الليل أبدا، ويستعمل الأولى أهل الحساب
~~غالبا والثانية الفقهاء وأهل الطلاسم ونحوهم. وجملة الليل والنهار عندهم
~~أربع وعشرون ساعة أبدا سواء كانت الساعة مستوية أو معوجة إلا أن كلا من
~~الليل والنهار لا يزيد على اثنتي عشرة ساعة معوجة أبدا. ولهذا تطول
~~وتقصر، وقد تساوي الساعة المستوية وذلك عند استواء الليل والنهار والمراد
~~لا يتأخرون أصلا. وصيغة الاستفعال للإشعار بعجزهم وحرمانهم عن ذلك مع
~~طلبهم له.

# { ولا يستقدمون } أي ولا يتقدمون عليه. والظاهر أنه عطف على {
~~لا يستأخرون } كما أعربه الحوفي وغيره. واعترض بأنه لا يتصور
~~الاستقدام عند مجيئه فلا فائدة في نفيه بل هو من باب الإخبار بالضروري
~~كقولك: إذا قمت فيما يأتي لم يتقدم قيامك فيما مضى، وقيل: إنه معطوف على
~~الجملة الشرطية لا الجزائية فلا يتقيد بالشرط. فمعنى ms03136 الآية لكل أمة أجل
~~فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون عنه ولكل أمة أجل لا يستقدمون عليه.

# وتعقبه مولانا العلامة السيالكوتي بأنه لا يخفى أن فائدة تقييد قوله
~~تعالى: { لا يستأخرون } فقط بالشرط غير ظاهرة وإن صح بل المتبادر
~~إلى الفهم السليم ما تقدم.

# وفيه تنبيه على أن الأجل كما يمتنع التقدم عليه بأقصر مدة هي الساعة
~~كذلك يمتنع التأخر عنه وإن كان ممكنا عقلا فإن خلاف ما قدره الله تعالى
~~وعلمه محال والجمع بين الأمرين فيما ذكر كالجمع بين من سوف التوبة إلى
~~حضور الموت ومن مات على الكفر في نفي التوبة عنه في قوله تعالى:

# وليست التوبة للذين يعملون السيئات

# [النساء: 18] الآية. ولعل هذا مراد من قال: إنه عطف على الجزاء بناء على
~~أن يكون معنى قوله تعالى: { لا يستأخرون... ولا
~~يستقدمون } لا يستطيعون تغييره على نمط قوله تعالى:

# ولا رطب ولا يابس إلا فى كتب مبين

# [الأنعام: 59] وقولهم: كلمته فما رد على سوداء ولا بيضاء فلا يرد ما
~~قيل، وأنت خبير بأن هذا المعنى حاصل بذكر الجزاء بدون ذكر { ولا
~~يستقدمون } والحق العطف على الجملة الشرطية، وفي «شرح المفتاح»
~~القيد إذا جعل جزأ / من المعطوف عليه لم يشاركه المعطوف فيه ومثل بالآية،
~~وعليه لا محذور في العطف على { لا يستأخرون } لعدم المشاركة في
~~القيد؛ وأنت تعلم أنهم ذكروا في هذا الباب أنه إذا عطف شيء على شيء وسبقه
~~قيد يشارك المعطوف المعطوف عليه في ذلك القيد لا محالة، وأما إذا عطف على
~~ما لحقه قيد فالشركة محتملة فالعطف على المقيد له اعتباران. الأول: أن
~~يكون القيد سابقا في الاعتبار والعطف لاحقا فيه. والثاني: أن يكون
~~العطف سابقا والقيد لاحقا، فعلى الأول لا يلزم اشتراك المعطوفين في
~~القيد المذكور إذ القيد جزء من أجزاء المعطوف عليه، وعلى الثاني يجب
~~الاشتراك إذ هو حكم من أحكام الأول يجب فيه الاشتراك. وبعضهم بنى العطف
~~هنا على أن المراد بالمجيء الدنو بحيث يمكن التقدم في الجملة كمجيء اليوم
~~الذي ضرب لهلاكهم ساعة ms03137 منه وليس بذاك، وتقديم بيان انتفاء الاستئخار 
~~كما قيل  لما أن المقصود بالذات بيان عدم خلاصهم من العذاب، وأما في
~~قوله تعالى:

# ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون

# [الحجر: 5 والمؤمنون: 43] من سبق السبق في الذكر فلما أن المراد هناك
~~بيان سر تأخير إهلاكهم مع استحقاقهم له حسبما ينبىء عنه قوله سبحانه:

# ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف
~~يعلمون

# [الحجر: 3] فالأهم هناك بيان انتفاء السبق.

### || [7.35]

# { يبنى ءادم } خطاب لكافة الناس. ولا يخفى ما فيه من الاهتمام
~~بشأن ما في حيزه. وقد أخرج ابن جرير عن أبي يسار السلمي قال: «إن الله
~~تبارك وتعالى جعل آدم وذريته في كفه فقال: { يبنى ءادم إما
~~يأتينكم } حتى بلغ { فاتقون } ثم بثهم». والذي ذهب إليه بعض
~~المحققين أن هذا حكاية لما وقع مع كل قوم. وقيل: المراد ببني آدم أمة
~~نبينا صلى الله عليه وسلم وهو خلاف الظاهر. ويبعده جمع الرسل في قوله
~~سبحانه: { إما يأتينكم رسل منكم } أي من جنسكم. والجار
~~والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لرسل. و { إما } هي إن الشرطية ضمت
~~إليها  ما  لتأكيد معنى الشرط فهي مزيدة للتأكيد فقط، وقيل: إنها تفيد
~~العموم أيضا فمعنى إما تفعلن مثلا إن اتفق منك فعل بوجه من الوجوه.
~~ولزمت الفعل بعد هذا الضم نون التأكيد فلا تحذف على ما ذهب إليه المبرد
~~والزجاج ومن تبعهما إلا ضرورة ومن ذلك قوله:

# فإما تريني ولي لمة

# فإن الحوادث أودي بها

# ورد بأن كثرة سماع الحدف تبعد القول بالضرورة. ووجه هذا اللزوم عند بعض
~~حذار انحطاط رتبة فعل الشرط عن حرفه، وقيل: إن نون التوكيد لا تدخل الفعل
~~المستقبل المحض إلا بعد أن يدخل على أول الفعل ما يدل على التأكيد كلام
~~القسم أو ما المزيدة ليكون ذلك توطئة لدخول التأكيد وعليه فأمر الاستتباع
~~بعكس ما تقدم. وفي الإتيان بإن تنبيه على أن إرسال الرسل أمر جائز لا
~~واجب وهو الذي ذهب إليه أهل السنة. وقالت المعتزلة: إنه واجب على الله
~~تعالى لأنه سبحانه ms03138 بزعمهم يجب عليه فعل الأصلح.

# وقوله سبحانه: { يقصون عليكم ءايتي } صفة أخرى لرسل.
~~وجوز أن يكون في موضع الحال منه أو من الضمير في الظرف أي يعرضون عليكم
~~أحكامي وشرائعي ويخبرونكم بها ويبينونها لكم. وقوله تعالى: { فمن
~~اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون }
~~جواب الشرط و (من) إما شرطية أو موصولة و (منكم) مقدر في نظم الكلام
~~ليرتبط الجواب بالشرط. والمراد فمن اتقى منكم التكذيب وأصلح عمله / فلا
~~خوف الخ. وتوحيد الضمير وجمعه لمراعاة لفظ من ومعناه.

### || [7.36]

# { والذين كذبوا } منكم { بئايتنا } التي تقص {
~~واستكبروا عنها } ولم يقبلوها { أولئك أصحب
~~النار هم فيها خلدون } لتكذيبهم واستكبارهم. وهذه الجملة
~~عطف على الجملة السابقة. وإيراد الاتقاء فيها للإيذان بأن مدار الفلاح
~~ليس مجرد عدم التكذيب بل هو الاتقاء والاجتناب عنه. وإدخال الفاء في
~~الوعد دون الوعيد للمبالغة في الأول والمسامحة في الثاني.

### || [7.37]

# { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } أي تعمد
~~الكذب عليه سبحانه ونسب إليه ما لم يقل { أو كذب بآياته } أو
~~كذب ما قاله جل شأنه. والاستفهام للانكار وقد مر تحقيق ذلك {
~~أولئك } إشارة إلى الموصول. والجمع باعتبار المعنى كما أن الإفراد
~~في الضمير المستكن في الفعلين باعتبار اللفظ. وما فيه من معنى البعد
~~للايذان بتماديهم في سوء الحال أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الافتراء
~~والتكذيب { ينالهم } أي يصيبهم { نصيبهم من الكتب } أي
~~مما كتب لهم وقدر من الأرزاق والآجال مع ظلمهم وافترائهم لا يحرمون ما
~~قدر لهم من ذلك إلى انقضاء أجلهم فالكتاب بمعنى المكتوب. وتخصيصه بما ذكر
~~مروي عن جماعة من المفسرين. وعن ابن عباس أن المراد ما قدر لهم من خير أو
~~شر. ومثله عن مجاهد. وعن أبي صالح ما قدر من العذاب. وعن الحسن مثله.
~~وبعضهم فسر الكتاب بالمكتوب فيه وهو اللوح المحفوظ. و(من) لابتداء
~~الغاية، وجوز فيها التبيين والتبعيض والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع
~~حالا من { نصيبهم } أي كائنا من الكتاب.

# { حتى إذا جاءتهم رسلنا } أي ملك الموت وأعوانه {
~~يتوفونهم } أي ms03139 حال كونهم متوفين لأرواحهم وحتى غاية نيلهم وهي
~~حرف ابتداء غير جارة بل داخلة على الجمل كما في قوله:

# وحتى الجياد ما يقدن بأرسان

# وقيل: إنها جارة. وقيل: لا دلالة لها على الغاية وليس بشيء. وعن الحسن
~~أن المراد حتى إذا جاءتهم الملائكة يحشرونهم إلى النار يوم القيامة وهو
~~خلاف الظاهر. وكان الذي دعاه إلى ذلك قوله تعالى: { قالوا } أي الرسل
~~لهم { أين ما كنتم تدعون من دون الله } أي أين الآلهة
~~التي كنتم تعبدونها في الدنيا وتستعينون بها في المهمات { قالوا
~~ضلوا } أي غابوا { عنا } لا ندري أين مكانهم فإن هذا السؤال
~~والجواب وكذا ما يترتب عليهما مما سيأتي إنما يكون يوم القيامة لا محالة
~~ولعله على الظاهر أريد بوقت مجىء الرسل وحال التوفي الزمان الممتد من
~~ابتداء المجيء والتوفي إلى نهاية يوم الجزاء بناء على تحقق المجيء
~~والتوفي في ذلك الزمان بقاء وإن كان حدوثهما في أوله فقط أو قصد بيان
~~غاية سرعة وقوع البعث والجزاء كأنهما حاصلان عند ابتداء التوفي. و { ما
~~} وصلت بأين في المصحف العثماني وحقها الفصل لأنها موصولة ولو كانت صلة
~~لاتصلت.

# { وشهدوا على أنفسهم } أي اعترفوا على أنفسهم. وليس في
~~النظم ما يدل على أن اعترافهم كان بلفظ الشهادة فالشهادة مجاز عن
~~الاعتراف { إنهم كانوا } في الدنيا { كفرين } عابدين لما
~~لا يستحق العبادة أصلا حيث اتضح لهم حاله، والجملة يحتمل أن تكون استئناف
~~إخبار من الله تعالى باعترافهم على أنفسهم بالكفر. ويحتمل أن تكون عطفا
~~على { قالوا } وعطفها على المقول لا يخفى ما فيه. والاستفهام  على ما
~~ذهب إليه غير واحد  غير حقيقي بل للتوبيخ والتقريع وعليه فلا جواب. وما
~~ذكر إنما هو للتحسر والاعتراف بما هم عليه من الخيبة والخسران / ولا
~~تعارض بين ما في هذه الآية وقوله تعالى:

# والله ربنا ما كنا مشركين

# [الأنعام: 23] لأن الطوائف مختلفة أو المواقف عديدة أو الأحوال شتى.

### || [7.38]

# { قال } أي الله عز وجل لأولئك الكاذبين المكذبين يوم القيامة بالذات
~~أو بواسطة الملك { ادخلوا فى أمم ms03140 } أي مع أمم، والجار والمجرور
~~في موضع الحال أي مصاحبين لامم { قد خلت } أي مضت { من قبلكم
~~من الجن والإنس } يعني كفار الأمم من النوعين، وقدم الجن لمزيد
~~شرهم { فى النار } متعلق بأدخلوا، وجوز أن يتعلق { فى أمم } به
~~ويحمل { فى النار } على البدلية أو على أنه صفة { أمم }؛ وجوز بعض
~~المفسرين أن يكون هذا إخبارا عن جعله سبحانه إياهم في جملة أولئك من غير
~~أن يكون هناك قول مطلقا أي إنه تعالى جعلهم كذلك وهو خلاف الظاهر كما لا
~~يخفى { كلما دخلت أمة } من الأمم تابعة أو متبوعة في النار {
~~لعنت أختها } أي دعت على نظيرها في الدين فتلعن التابعة
~~المتبوعة التي أضلتها وتلعن المتبوعة التابعة التي زادت في ضلالها، وعن
~~أبي مسلم يلعن الأتباع القادة يقولون أنتم أوردتمونا هذه الموارد فلعنكم
~~الله تعالى.

# { حتى إذا اداركوا فيها جميعا } غاية لما قبله أي يدخلون
~~فوجا فوجا لاعنا بعضهم بعضا إلى انتهاء تلاحقهم باجتماعهم في النار.
~~وأصل { اداركوا } تداركوا فادغمت التاء في الدال بعد قلبها دالا
~~وتسكينها ثم اجتلبت همزة الوصل. وعن أبي عمرو أنه قرأ: { أداركوا }
~~بقطع ألف الوصل وهو  كما قيل  مبني على أنه وقف مثل وقفة المستذكر ثم
~~ابتدأ فقطع وإلا فلا مساغ لذلك في كلام الله تعالى الجليل، وقرأ { إذا
~~اداركوا } بألف واحدة ساكنة ودال بعدها مشددة وفيه جمع بين ساكنين
~~وجاز لما كان الثاني مدغما ولا فرق بين المتصل والمنفصل { قالت
~~أخراهم } منزلة وهم الأتباع والسفلة { لأولهم } منزلة وهم
~~القادة والرؤساء أو قالت أخراهم دخولا لأولاهم كذلك، وتقدم أحد الفريقين
~~على الآخر في الدخول مروي عن مقاتل، واللام في { لأولهم } للتعليل
~~لا للتبليغ كما في قولك: قلت لزيد افعل كذا لأن خطابهم مع الله تعالى لا
~~معهم كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عنهم: { ربنا هؤلاء
~~أضلونا } أي دعونا إلى الضلال وأمرونا به حيث سنوه فاقتدينا بهم {
~~فآتهم عذابا ضعفا } أي مضاعفا كما روي عن مجاهد { من
~~النار }.

# والضعف  على ما قال أبو عبيد ونص ms03141 عليه الشافعي في الوصايا  مثل الشيء
~~مرة واحدة، وعن الأزهري أن هذا معنى عرفي والضعف في كلام العرب وإليه يرد
~~كلام الله تعالى المثل إلى ما زاد ولا يقتصر على مثلين بل هو غير محصور
~~واختاره هنا غير واحد. وقال الراغب: «الضعف بالفتح مصدر وبالكسر اسم
~~كالشيء والشيء وضعف الشيء هو الذي يثنيه ومتى أضيف إلى عدد اقتضى ذلك
~~العدد [و] مثله نحو أن يقال ضعف عشرة وضعف مائة فذلك عشرون ومائتان بلا
~~خلاف؛ وعلى ذلك قول الشاعر:

# جزيتك ضعف الود لما اشتكيته

# وما إن جزاك الضعف من أحد قبلى

# وإذا قيل: أعطه ضعفي واحد اقتضى ذلك الواحد ومثليه وذلك ثلاثة لأن
~~معناه الواحد واللذان يزاوجانه، [وذلك ثلاثة] هذا إذا كان الضعف مضافا
~~فإذا لم يكن مضافا فقلت: الضعفين فقد قيل: يجري مجرى الزوجين في أن كل
~~واحد منهما يزاوج الآخر فيقتضي ذلك اثنين لأن كل واحد منهما يضاعف الآخر
~~فلا يخرجان «منهما»» اه. / ونصب { ضعفا } على أنه صفة لعذاب، وجوز أن
~~يكون بدلا منه و { من النار } صفة العذاب أو الضعف.

# { قال } سبحانه وتعالى: { لكل } منكم ومنهم عذاب { ضعف } من
~~النار، أما القادة فلضلالهم وإضلالهم وذلك سبب الدعاء السابق، وأما
~~الأتباع فلذلك أيضا عند بعض، وكونهم ضالين ظاهر وأما كونهم مضلين فلان
~~اتخاذهم إياهم رؤساء يصدرون عن أمرهم يزيد في طغيانهم كما قال سبحانه
~~وتعالى:

# وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من
~~الجن فزادوهم رهقا

# [الجن: 6]، واعترض بعدم اطراده فإن اتباع كثير من الأتباع غير معلوم
~~للقادة إلا أن يقال: إنه مخصوص ببعضهم؛ وقيل: الأحسن أن يقال: إن ضعف
~~الأتباع لإعراضهم عن الحق الواضح وتولي الرؤساء لينالوا عرض الدنيا
~~اتباعا للهوى، ويدل عليه قوله تعالى:

# وقال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن
~~صددنكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم
~~مجرمين

# [سبأ: 32] وفيه ما فيه. والأولى أن يقال: إن ذلك في الأتباع لكفرهم
~~وتقليدهم ولا شك أن التقليد في الهدى ضلال يستحق فاعله العذاب، ونقل
~~الراغب عن بعضهم في ms03142 الآية أن المعنى «لكل منكم ومنهم ضعف ما يرى الآخر
~~فإن من العذاب ظاهرا وباطنا وكل يدرك من الآخر الظاهر دون الباطن فيقدر
~~أن ليس له العذاب الباطن»، واختار أن المعنى «لكل منهم ضعف ما لكم من
~~العذاب» والظاهر ما عولنا عليه.

# { ولكن لا تعلمون } ما لكم أو ما لكل فريق فلذا تكلمتم بما
~~يشعر باعتقادكم استحقاق الرؤساء الضعف دونكم فالخطاب على التقديرين
~~للأتباع كما هو الظاهر. وقيل: إنه على الأول للأتباع، وعلى الثاني
~~للفريقين بتغليب المخاطبين الذين هم الأتباع على الغيب الذين هم القادة.
~~وقرأ عاصم { لا يعلمون } بالياء التحتية على انفصال هذا الكلام
~~عما قبله بأن يكون تذييلا لم يقصد به إدراجه في الجواب، ومن ادعى أن
~~الخطاب للفريقين على سبيل التغليب قال: إن هذه القراءة على انفصال القادة
~~من الأتباع إذ عليها لا يمكن القول بالتغليب إذ لا يغلب الغائب على
~~المخاطب.

### || [7.39]

# { وقالت أولهم لأخراهم } حين سمعوا جواب الله تعالى
~~لهم، واللام هنا يجوز أن تكون للتبليغ لأن خطابهم لهم بدليل قوله سبحانه
~~وتعالى: { فما كان لكم علينا من فضل } أي إنا وإياكم
~~متساوون في استحقاق العذاب وسببه، وهذا مرتب على كلام الله تعالى على وجه
~~التسبب لأن إخباره سبحانه بقوله جل وعلا:

# لكل ضعف

# [الأعراف: 38] سبب لعلمهم بالمساواة فالفاء جوابية لشرط مقدر أي إذا كان
~~كذلك فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا. وقيل: إنها عاطفة على مقدر أي دعوتم
~~الله تعالى فسوى بيننا وبينكم فما كان الخ وليس بشيء. وأيا ما كان فقد
~~عنوا بالفضل تخفيف العذاب ووحدة السبب، وأما ما قيل من أن المعنى ما كان
~~لكم علينا من فضل في الرأي والعقل وقد بلغكم ما نزل بنا من العذاب فلم
~~اتبعتمونا فكما ترى. وقيل: المعنى ما كان لكم علينا في الدنيا فضل بسبب
~~اتباعكم إيانا بل اتباعكم وعدم اتباعكم سواء عندنا فاتباعكم إيانا كان
~~باختياركم دون حملنا لكم عليه، وعليه فليس مرتبا على كلام الله تعالى
~~وجوابه كما في الوجه الأول { فذوقوا ms03143 العذاب } المضاعف { بما
~~كنتم تكسبون } أي بسبب كسبكم أو الذي تكسبونه. والظاهر أن هذا من
~~كلام القادة قالوه لهم على سبيل التشفي. وترتبه على ما قبله على القول
~~الأخير في معنى الآية في غاية الظهور. وجوز أن يكون من كلام الله تعالى
~~للفريقين على سبيل التوبيخ والوقف على { فضل }. وقيل: هو من مقول
~~الفريقين أي قالت كل / فرقة للأخرى ذوقوا الخ وهو خلاف الظاهر جدا.

### || [7.40]

# { إن الذين كذبوا بئايتنا } الدالة على أصول الدين
~~وأحكام الشرع كالأدلة الدالة على وجود الصانع ووحدته والدالة على النبوة
~~والمعاد ونحو ذلك { واستكبروا عنها } أي بالغوا في احتقارها
~~وعدم الاعتناء بها ولم يلتفتوا إليها وضموا أعينهم عنها ونبذوها وراء
~~ظهورهم ولم يكتسوا بحلل مقتضاها ولم يعملوا به { لا تفتح لهم }
~~أي لأرواحهم إذا ماتوا { أبوب السماء } كما تفتح لأرواح المؤمنين.
~~أخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن أبي هريرة رضي
~~الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل صالحا قال: أخرجي أيتها النفس
~~الطيبة كانت في الجسد الطيب أخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب راض غير
~~غضبان فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح
~~لها فيقال من هذا؟ فيقولون: فلان بن فلان فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة
~~كانت في الجسد الطيب أدخلي حميدة وأبشري روح وريحان ورب راض غير غضبان
~~فلا تزال يقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة وإذا كان الرجل سوأ
~~قال: أخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث أخرجي ذميمة وأبشري
~~بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج
~~بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان بن فلان فيقال:
~~لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة لا تفتح لك
~~أبواب السماء فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر "

# والأخبار في ذلك كثيرة. وقيل: لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم أبواب
~~السماء. وروي ms03144 ذلك عن الحسن ومجاهد. وقيل: لا تفتح لأرواحهم ولا لأعمالهم.
~~وروي ذلك عن ابن جريج. وقيل: المراد لا يصعد لهم عمل ولا تنزل عليهم
~~البركة.

# وكون السماء لها أبواب تفتح للأعمال الصالحة والأرواح الطيبة قد تفتحت
~~له أبواب القبول للنصوص الواردة فيه وهو أمر ممكن أخبر به الصادق فلا
~~حاجة إلى تأويله. وكون السماء كروية لا تقبل الخرق والالتئام مما لا يتم
~~له دليل عندنا. وظاهر كلام أهل الهيئة الجديدة جواز الخرق والالتئام على
~~الأفلاك. وزعم بعضهم أن القول بالأبواب لا ينافي القول بامتناع الخرق
~~والالتئام وفيه نظر كما لا يخفى. والتاء في { تفتح } لتأنيث الأبواب
~~والتشديد لكثرتها لا لكثرة الفعل لعدم مناسبة المقام. وقرأ أبو عمرو
~~بالتخفيف وحمزة والكسائي به وبالياء التحتية وروي ذلك عن البراء بن عازب
~~رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن التأنيث غير
~~حقيقي والفعل مقدم مع وجود الفاصل. وقرىء على البناء للفاعل ونصب الأبواب
~~بالتاء الفوقية على أن الفعل مسند إلى الآيات مجازا لأنها سبب لذلك.

# وبالياء على أنه مسند إلى الله تعالى.

# { ولا يدخلون الجنة } يوم القيامة { حتى يلج } أي
~~يدخل { الجمل } «هو البعير إذا بزل وجمعه جمال وأجمال وجمالة ويجمع
~~الأخير على جمالات». وعن ابن مسعود أنه سئل عن الجمل فقال: هو زوج
~~الناقة. وعن الحسن أنه قال: ابن الناقة الذي يقوم في المربد على أربع
~~قوائم وفي ذلك استجهال للسائل وإشارة / إلى أن طلب معنى آخر تكلف. والعرب
~~تضرب به المثل في عظم الخلقة فكأنه قيل: حتى يدخل ما هو مثل في عظم الجرم
~~{ فى سم الخياط } أي ثقبة الابرة وهو مثل عندهم أيضا في ضيق
~~المسلك وذلك مما لا يكون فكذا ما توقف عليه بل لا تتعلق به القدرة لعدم
~~إمكانه ما دام العظيم على عظمه والضيق على ضيقه. وهي إنما تتعلق
~~بالممكنات الصرفة. والممكن الولوج بتصغير العظيم أو توسيع الضيق. وقد كثر
~~في كلامهم مثل هذه الغاية فيقولون: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب ms03145 وحتى
~~يبيض القار وحتى يؤوب القارظان ومرادهم لا أفعل كذا أبدا، وقرأ ابن عباس
~~وابن جبير ومجاهد وعكرمة. والشعبي { الجمل } بضم الجيم وفتح الميم
~~المشددة كالقمل.

# وقرأ عبد الكريم وحنظلة وابن عباس وابن جبير في رواية أخرى { الجمل
~~} بالضم والفتح مع التخفيف كنغر. وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أنه قرأ { الجمل } بضم الجيم وسكون الميم كالقفل و { الجمل
~~} بضمتين كالنصب، وقرأ أبو السمال { الجمل } بفتح الجيم وسكون الميم
~~كالحبل، وفسر في جميع ذلك بالحبل الغليظ من القنب. وقيل: هو حبل السفينة،
~~وقرىء { فى سم } بضم السين وكسرها وهما لغتان فيه والفتح أشهر، ومعناه
~~الثقب الصغير مطلقا. وقيل: أصله ما كان في عضو كأنف وأذن، وقرأ عبد الله
~~{ فى سم المخيط } بكسر الميم وفتحها وهو والخياط ما يخاط به كالحزام
~~والمحزم والقناع والمقنع.

# { وكذلك } أي مثل ذلك الجزاء الفظيع { نجزى المجرمين } أي
~~جنسهم وأولئك داخلون فيه دخولا أوليا، وأصل الجرم قطع الثمرة عن
~~الشجرة. ويقال: أجرم صار ذا جرم كأتمر وأثمر، ويستعمل في كلامهم لاكتساب
~~المكروه، ولا يكاد يقال للكسب المحمود.

### || [7.41]

# { لهم من جهنم مهاد } أي فراش من تحتهم، وتنوينه للتفخيم وهو
~~فاعل الظرف أو مبتدأ، والجملة إما مستأنفة أو حالية، و (من) تجريدية،
~~والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالا من { مهاد } لتقدمه { ومن
~~فوقهم غواش } أي أغطية جمع غاشية، وعن ابن عباس ومحمد بن كعب
~~القرظي أنها اللحف. والآية  على ما قيل  مثل قوله تعالى:

# لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل

# [الزمر: 16] والمراد أن النار محيطة بهم من جميع الجوانب وأخرج ابن
~~مردويه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ثم قال:

# " هي طبقات من فوقه وطبقات من تحته لا يدري ما فوقه أكثر أو ما تحته غير
~~أنه ترفعه الطبقات السفلى وتضعه الطبقات العليا ويضيق فيما بينهما حتى
~~يكون بمنزلة الزج في القدح "

# وتنوين { غواش } عوض عن الحرف المحذوف أو حركته، والكسرة ليست
~~للإعراب وهو غير منصرف ms03146 لأنه على صيغة منتهى الجموع، وبعض العرب يعربه
~~بالحركات الظاهرة على ما قبل الياء لجعلها محذوفة نسيا منسيا، ولذا
~~قرىء { غواش } بالرفع كما في قوله تعالى:

# وله الجوار المنشئات

# [الرحمن: 24] في قراءة عبد الله.

# { وكذلك } أي ومثل ذلك الجزاء الشديد { نجزى الظلمين }
~~عبر عنهم بالمجرمين تارة وبالظالمين أخرى للتنبيه على أنهم بتكذيبهم
~~بالآيات واستكبارهم عنها جمعوا الصفتين. وذكر الجرم مع الحرمان من الجنة
~~والظلم مع التعذيب بالنار تنبيها على أنه أعظم الأجرام، ولا يخفى على
~~المتأمل في لطائف القرآن العظيم ما في إعداد المهاد والغواشي لهؤلاء
~~المستكبرين عن الآيات ومنعهم من العروج إلى الملكوت وتقييد عدم دخولهم
~~الجنة بدخول البعير بخرق الإبرة من اللطافة فليتأمل.

### || [7.42]

# { والذين ءامنوا } أي بآياتنا ولم يكذبوا بها { وعملوا }
~~الأعمال { الصلحات } ولم يستكبروا عنها { لا نكلف نفسا
~~إلا وسعها } أي ما تقدر عليه / بسهولة دون ما تضيق به ذرعا،
~~والجملة اعتراض وسط بين المبتدأ وهو الموصول والخبر الذي هو جملة {
~~أولئك أصحب الجنة } للترغيب في اكتساب ما يؤدي إلى
~~النعيم المقيم ببيان سهولة مناله وتيسر تحصيله. وقيل: المعنى لا نكلف
~~نفسا إلا ما يثمر لها السعة أي جنة عرضها السموات والأرض وهو خلاف
~~الظاهر وإن كانت الآية عليه لا تخلو عن ترغيب أيضا. وجوز أن يكون اسم
~~الإشارة بدلا من الموصول وما بعده خبر المبتدأ، وما فيه من معنى البعد
~~للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف. وجوز أيضا أن تكون جملة { لا
~~نكلف } الخ خبر المبتدأ بتقدير العائد أي منهم. وقوله سبحانه: { هم
~~فيها خلدون } حال من { أصحب الجنة } ، وجوز كونه
~~حالا من { الجنة } لاشتماله على ضميرها أيضا والعامل فيها معنى
~~الإضافة أو اللام المقدرة. وقيل: خبر لأولئك على رأي من جوزه. و { فيها
~~} متعلق بخالدون قدم عليه رعاية للفاصلة.

### || [7.43]

# { ونزعنا ما فى صدورهم من غل } أي قلعنا ما في قلوبهم
~~من حقد مخفي فيها وعداوة كانت بمقتضى الطبيعة لأمور جرت بينهم في الدنيا.
~~أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي ms03147 قال: «إن أهل الجنة
~~إذا سيقوا إلى الجنة (فبلغوها) وجدوا عند بابها شجرة، في أصل ساقها عينان
~~(فيشربون) من إحداهما فينزع ما في صدورهم من غل فهو الشراب الطهور
~~(ويغتسلون) من الأخرى (فتجري) عليهم نضرة النعيم (فلن) يشعثوا (ولن)
~~(يشحبوا) بعدها أبدا». وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: بلغني أن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " يحبس أهل الجنة بعدما يجوزون الصراط حتى يؤخذ لبعضهم من بعض ظلاماتهم
~~في الدنيا فيدخلون الجنة وليس في قلوب بعض على بعض غل ".

# وقيل: المراد طهرنا قلوبهم وحفظناها من التحاسد على درجات الجنة ومراتب
~~القرب بحيث لا يحسد صاحب الدرجة النازلة صاحب الدرجة الرفيعة. وهذا في
~~مقابلة ما ذكره سبحانه من لعن أهل النار بعضهم بعضا. وأيا ما كان
~~فالمراد ننزع لأنه في الآخرة إلا أن صيغة الماضي للإيذان بتحققه. وقيل:
~~إن هذا النزع إنما كان في الدنيا، والمراد عدم اتصافهم بذلك من أول الأمر
~~إلا أنه عبر عن عدم الاتصاف به مع وجود ما يقتضيه حسب البشرية أحيانا
~~بالنزع مجازا، ولعل هذا بالنظر إلى كمل المؤمنين كأصحاب رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فإنهم رحماء بينهم يحب بعضهم بعضا كمحبته لنفسه أو
~~المراد إزالته بتوفيق الله تعالى قبل الموت بعد أن كان بمقتضى الطباع
~~البشرية. ويحتمل أن يخرج على الوجهين ما أخرجه غير واحد عن علي كرم الله
~~تعالى وجهه أنه قال في هذه الآية: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة
~~والزبير منهم، ويقال على الثاني فيما وقع مما ينبىء بظاهره عن الغل. إنه
~~لم يكن إلا عن اجتهاد إعلاءا لكلمة الله تعالى. ولا يخفى بعد هذا المعنى
~~وإن ساعده ظاهر الصيغة. و { من غل } على سائر الاحتمالات حال من
~~(ما).

# وقوله سبحانه: { تجرى من تحتهم الأنهر } حال أيضا إما
~~من الضمير في { صدورهم } لأن المضاف جزء من المضاف إليه والعامل
~~معنى الإضافة أو العامل في المضاف، وإما من ضمير { نزعنا } على ما
~~قيل والعامل الفعل. واختار بعضهم أن الجملة مستأنفة ms03148 للإخبار عن صفة
~~أحوالهم. والمراد تجري من تحت غرفها مياه الأنهار زيادة في لذتهم
~~وسرورهم.

# { وقالوا الحمد لله الذى هدانا لهذا } الفوز
~~العظيم والنعيم المقيم. والمراد الهداية لما أدى إليه من الأعمال القلبية
~~والقالبية مجازا وذلك بالتوفيق لها وصرف الموانع عن الاتصاف بها.

# / وقيل: المراد من الهداية لما هم فيه من النعيم مجاوزة الصراط إلى أن
~~وصلوا إليه. ومن الناس من جعل الإشارة إلى نزع الغل من الصدور ولا أراه
~~شيئا { وما كنا لنهتدى } أي لهذا أو لمطلب من المطالب التي
~~هذا من جملتها { لولا أن هدانا الله } وفقنا له، واللام لتأكيد
~~النفي وهي المسماة بلام الجحود وجواب (لولا) محذوف لدلالة ما قبله عليه،
~~وليس إياه لامتناع تقدم الجواب على الصحيح ومفعول { نهتدي }. {
~~وهدانا } الثاني محذوف لظهور المراد أو لإرادة التعميم كما أشير
~~إليه، والجملة حالية أو استئنافية، وفي مصاحف أهل الشام { ما كنا }
~~بدون واو وهي قراءة ابن عامر فالجملة كالتفسير للأولى، وهذا القول من أهل
~~الجنة لإظهار السرور بما نالوا والتلذذ بالتكلم به لا للتقرب والتعبد فإن
~~الدار ليست لذلك؛ وهذا كما ترى من رزق خيرا في الدنيا يتكلم بنحو هذا
~~ولا يتمالك أن لا يقوله للفرح لا للقربة.

# وقوله سبحانه: { لقد جاءت رسل ربنا بالحق } جملة قسمية
~~لم يقصد بها التقرب أيضا وهي بيان لصدق وعد الرسل عليهم السلام إياهم
~~بالجنة على ما نص عليه بعض الفضلاء، وقيل: تعليل لهدايتهم. والباء إما
~~للتعدية فهي متعلقة بجاءت أو للملابسة فهي متعلقة بمقدر وقع حالا من
~~الرسل، ولا يخفى ما في هذه الآية من الرد الواضح على القدرية الزاعمين أن
~~كل مهتد خلق لنفسه الهدى ولم يخلق الله تعالى له ذلك، ودونك فاعرض قول
~~المعتزلة في الدنيا المهتدي من اهتدى بنفسه على قول الله تعالى حكاية عن
~~قول الموحدين في مقعد صدق { وما كنا لنهتدى لولا أن
~~هدانا الله } واختر لنفسك أي الفريقين تقتدي به ولا أراك أيها
~~العاقل تعدل بما نوه الله تعالى به قول ضال يتذبذب مع ms03149 هواه وتعصبه. ولما
~~رأى الزمخشري هذه الآية كافحة في وجوه قومه فسر الهدى باللطف الذي بسببه
~~يخلق العبد الاهتداء لنفسه، وهو لعمري كلام من حرم اللطف نسأل الله تعالى
~~العفو والعافية.

# { ونودوا } أي نادتهم الملائكة، وجوز بعضهم احتمال أن المنادي هو
~~الله، والآثار تؤيد الأول. { أن تلكم الجنة } أي أي تلكم على
~~أن { أن } مفسرة لما في النداء من معنى القول، ويجوز أن تكون مخففة من
~~أن وحرف الجر مقدر واسمها ضمير شأن محذوف أي بأنها أو بأنه تلكم، وأوجب
~~البعض الثاني بناء على أنه يجب أن يؤنث ضمير الشأن إذا كان المسند إليه
~~في الجملة المفسرة مؤنثا، والصحيح عدم الوجوب على ما صرح به ابن الحاجب
~~وابن مالك، ومعنى البعد في اسم الإشارة إما لرفع منزلتها وبعد مرتبتها،
~~وإما لأنهم نودوا عند رؤيتهم إياها من مكان بعيد، وإما للإشعار بأنها تلك
~~الجنة التي وعدوها في الدنيا وإليه يشير كلام الزجاج.

# والظاهر أن { تلكم الجنة } مبتدأ وخبر وقوله سبحانه: {
~~أورثتموها } حال من الجنة والعامل فيها معنى الإشارة ويجوز أن تكون
~~الجنة نعتا لتلكم أو بدلا و { أورثتموها } الخبر، ولا يجوز أن
~~يكون حالا من المبتدأ ولا من  كم  كما قاله أبو البقاء وهو ظاهر،
~~والتزم بعضهم في توجيه البعد أن { تلكم } خبر مبتدأ محذوف أي هذه
~~تلكم الجنة الموعودة لكم قبل أو مبتدأ حذف خبره أي تلك الجنة التي أخبرتم
~~عنها أو وعدتم بها في الدنيا هي هذه ولا حاجة إليه. والمنادى له أولا
~~وبالذات كونها موروثة لهم وما قبله توطئة له، والميراث مجاز عن الإعطاء
~~أي أعطيتموها.

# { بما كنتم تعملون } في الدنيا من الأعمال الصالحة، والباء
~~للسببية وتجوز بذلك عن الإعطاء إشارة إلى أن السبب فيه ليس موجبا وإن
~~كان سببا بحسب الظاهر كما أن الإرث ملك بدون كسب وإن كان النسب مثلا /
~~سببا له، والباء في قوله صلى الله عليه وسلم على ما في بعض الكتب:

# " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله "

# وكذا في قوله عليه الصلاة والسلام على ms03150 ما في «الصحيحين» من حديث أبي
~~هريرة وجابر

# " لن ينجو أحد منكم بعمله "

# للسبب التام فلا تعارض، وجوز أن تكون الباء فيما نحن فيه للعوض أي
~~بمقابلة أعمالكم، وقيل: تلك الإشارة إلى منازل في الجنة هي لأهل النار لو
~~كانوا أطاعوا جعلها الله تعالى إرثا للمؤمنين، فقد أخرج ابن جرير وأبو
~~الشيخ عن السدي قال: «ما من مؤمن ولا كافر إلا وله في الجنة والنار منزل
~~(مبين) فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ودخلوا منازلهم رفعت
~~الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل [لهم] هذه منازلكم لو
~~عملتم بطاعة الله تعالى ثم يقال: يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون
~~(فيقتسم) أهل الجنة منازلهم»، وأنت تعلم أن القول بهذا الإرث الغريب لا
~~يدفع الحاجة إلى المجاز.

# وزعم المعتزلة أن دخول الجنة بسبب الأعمال لا بالتفضل لهذه الآية، ولا
~~يخفى أنه لا محيص لمؤمن عن فضل الله تعالى لأن اقتضاء الأعمال لذاتها
~~دخول الجنة أو إدخال الله تعالى ذويها فيها مما لا يكاد يعقل، وقصارى ما
~~يعقل أن الله تعالى تفضل فرتب عليها دخول الجنة فلولا فضله لم يكن ذلك،
~~وأنا لا أرى أكثر جرأة من المعتزلة في هذا الباب ككثير من الأبواب فإن
~~مآل كلامهم فيه أن الجنة ونعيمها الذي لا يتناهى إقطاعهم بحق مستحق على
~~الله تعالى الذي لا ينتفع بشيء ولا يتضرر بشيء لا تفضل له عليهم في ذلك
~~بل هو بمثابة دين أدى إلى صاحبه سبحانك هذا بهتان عظيم وتكذيب لغير ما
~~خبر صحيح.

### || [7.44]

# { ونادى أصحب الجنة } بعد الاستقرار فيها كما هو الظاهر،
~~وصيغة الماضي لتحقق الوقوع، والمعنى ينادي ولا بد كل فريق من أهل الجنة {
~~أصحب النار } أي من كان يعرفه في الدنيا من أهلها تبجحا بحالهم
~~وشماتة بأعدائهم وتحسيرا لهم لا لمجرد الإخبار والاستخبار { أن قد
~~وجدنا ما وعدنا ربنا } على ألسنة رسله عليهم السلام من
~~النعيم والكرامة { حقا } حيث نلنا ذلك { فهل وجدتم ما وعد
~~ربكم } أي ما وعدكم من ms03151 الخزي والهوان والعذاب { حقا } وحذف
~~المفعول تخفيفا وإيجازا واستغناء بالأول، وقيل: لأن ما ساءهم من الوعود
~~لم يكن بأسره مخصوصا بهم وعده كالبعث والحساب ونعيم أهل الجنة فإنهم قد
~~وجدوا جميع ذلك حقا وإن لم يكن وعده مخصوصا بهم. وتعقب بأنه لا خفاء في
~~كون أصحاب الجنة مصدقين بالكل والكل مما يسرهم فكان ينبغي أن يطلق وعدهم
~~أيضا؛ فالوجه الحمل على ما تقدم، ونصب { حقا } في الموضعين على
~~الحالية، وجوز أن يكون على أنه مفعول ثان ويكون وجد بمعنى علم، والتعبير
~~بالوعد قيل: للمشاكلة، وقيل: للتهكم. ومن الناس من جوز أن يكون مفعول وعد
~~المحذوف  نا  وحينئذ فلا مشاكلة ولا تهكم. وأيا ما كان لا يستبعد هذا
~~النداء هناك وأن بعد ما بين الجنة والنار من المسافة كما لا يخفى.

# { قالوا } في جواب أصحاب الجنة { نعم } قد وجدنا ذلك حقا. وقرأ
~~الكسائي { نعم } بكسر العين وهي لغة فيه نسبت إلى كنانة وهذيل ولا عبرة
~~بمن أنكره مع القراءة به وإثبات أهل اللغة له بالنقل الصحيح. نعم ما روي
~~من أن عمر رضي الله تعالى عنه «سأل قوما عن شيء فقالوا: نعم فقال عمر:
~~أما النعم فالإبل قولوا: / نعم» لا أراه صحيحا لما فيه من المخالفة لأصح
~~الفصيح { فأذن مؤذن } هو على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنه صاحب الصور عليه السلام، وقيل: مالك خازن النار. وقيل: ملك من
~~الملائكة غيرهما يأمره الله تعالى بذلك. ورواية الإمامية عن الرضا وابن
~~عباس أنه علي كرم الله تعالى وجهه مما لم يثبت من طريق أهل السنة وبعيد
~~عن هذا الإمام أن يكون مؤذنا وهو إذ ذاك في حظائر القدس { بينهم }
~~أي الفريقين لا بين القائلين نعم كما قيل، ولا يرد أن الظاهر أن يقال:
~~بينهما لأنه غير متعين { أن لعنة الله على الظلمين }
~~بأن المخففة أو المفسرة، والمراد الإعلام بلعنة الله تعالى لهم زيادة
~~لسرور أصحاب الجنة وحزن أصحاب النار أو ابتداء لعن. وقرأ ابن كثير. وابن
~~عامر. وحمزة. والكسائي ms03152 { أن لعنة الله } بالتشديد والنصب: وقرأ
~~الأعمش بكسر الهمزة على إرادة القول بالتضمين أو التقدير أو على الحكاية
~~بإذن لأنه في معنى القول فيجري مجراه.

### || [7.45]

# { الذين يصدون عن سبيل الله } أي يصدون بأنفسهم عن دينه
~~سبحانه ويعرضون عنه، فالموصول صفة مقررة للظالمين لأن هذا الإعراض لازم
~~لكل ظالم، وجوز القطع بالرفع أو النصب وكلاهما على الذم وأمر الوقف ظاهر،
~~وفسر الإمام النسفي الصد هنا بمنع الغير وعليه فلا تقرير، والمعنى يمنعون
~~الناس عن دين الله تعالى بالنهي عنه وإدخال الشبه في دلائله {
~~ويبغونها عوجا } أي يطلبون اعوجاجها ويذمونها فلا يؤمنون بها أو
~~يطلبون لها تأويلا وإمالة إلى الباطل، فالعوج إما على أصله وهو الميل
~~وإما بمعنى التعويج والإمالة. ونصبه قيل: على الحالية. وقيل: على
~~المفعولية. وجوز الطبرسي «أن يكون نصبا على المصدر كرجع القهقرى واشتمل
~~الصماء، وذكر أن العوج بالكسر يكون في الدين والطريق وبالفتح في الخلقة
~~فيقال في ساقه عوج بالفتح وفي دينه عوج بالكسر»، وقال الراغب: «العوج
~~يقال فيما يدرك بالبصر [سهلا] كالخشب المنتصب ونحوه، والعوج يقال فيما
~~يدرك بفكر وبصيرة كما يكون في أرض بسيط... وكالدين والمعاش»، وسيأتي
~~لذلك تتمة إن شاء الله تعالى. { وهم بالأخرة كفرون } أي غير
~~معترفين بالقيامة وما فيها، والجار متعلق بما بعده. والتقديم لرعاية
~~الفواصل، والعدول عن الجملة الفعلية إلى الاسمية للدلالة على الدوام
~~والثبات إشارة إلى رسوخ الكفر فيهم.

### || [7.46]

# { وبينهما حجاب } أي بين الفريقين كقوله تعالى:

# فضرب بينهم بسور

# [الحديد: 13] أو بين الجنة والنار حجاب عظيم ليمنع وصول أثر إحداهما إلى
~~الأخرى وإن لم يمنع وصول النداء وأمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا. {
~~وعلى الأعراف } أي أعراف الحجاب أي أعاليه، وهو السور المضروب
~~بينهما جمع عرف مستعار من عرف الدابة والديك. وقيل: العرف ما ارتفع من
~~الشيء أي أعلى موضع منه لأنه أشرف وأعرف مما انخفض منه. وقيل: ذاك جبل
~~أحد. فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم:

# " أحد يحبنا ونحبه  و  إنه يوم القيامة يمثل بين الجنة والنار ms03153 يحبس
~~عليه أقوام يعرفون كلا بسيماهم وهم إن شاء الله تعالى من أهل الجنة "

# وقيل: هو الصراط وروي ذلك عن الحسن بن المفضل. وحكي عن بعضهم أنه لم
~~يفسر الأعراف بمكان وأنه قال: المعنى وعلى معرفة أهل الجنة والنار {
~~رجال } والحق أنه مكان والرجال طائفة من الموحدين قصرت بهم سيآتهم عن
~~الجنة وتجاوزت / بهم حسناتهم عن النار جعلوا هناك حتى يقضى بين الناس
~~فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربهم فقال لهم: قوموا ادخلوا الجنة فإني
~~غفرت لكم أخرجه أبو الشيخ والبيهقي وغيرهما عن حذيفة. وفي رواية أخرى عنه

# " يجمع الله تعالى الناس ثم يقول لأصحاب الأعراف: ما تنتظرون؟ قالوا:
~~ننتظر أمرك فيقال: إن حسناتكم تجاوزت بكم النار أن تدخلوها وحالت بينكم
~~وبين الجنة خطاياكم فادخلوها بمغفرتي ورحمتي "

# وإلى هذا ذهب جمع من الصحابة والتابعين. وقيل: هم الأنبياء عليهم الصلاة
~~والسلام أجلسهم الله تعالى على أعالي ذلك السور تمييزا لهم على سائر أهل
~~القيامة وإظهارا لشرفهم وعلو مرتبهم.

# وروى الضحاك عن ابن عباس أنهم العباس وحمزة وعلي وجعفر ذو الجناحين رضي
~~الله تعالى عنهم يجلسون على موضع من الصراط يعرفون محبيهم ببياض الوجوه
~~ومبغضيهم بسوادها. وقيل: إنهم عدول القيامة الشاهدون على الناس بأعمالهم
~~وهم من كل أمة حكاه الزهري. وأخرج البيهقي وابن أبي حاتم وابن مردويه
~~وأبو الشيخ والطبراني وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن
~~أصحاب الأعراف فقال:

# " هم أناس قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم فمنعهم من دخول الجنة معصية
~~آبائهم ومنعهم من دخول النار قتلهم في سبيل الله "

# وقيل: هم أناس رضي عنهم أحد أبويهم دون الآخر. وقال الحسن البصري: إنهم
~~قوم كان فيهم عجب. وقال مسلم بن يسار: هم قوم كان عليهم دين، وقيل: هم
~~أهل الفترة، وقيل: أولاد المشركين، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أنهم أولاد الزنا، وعنه أيضا أنهم مساكين أهل الجنة.

# وعن أبي مسلم أنهم ملائكة يرون في صورة الرجال لا أنهم رجال حقيقة لأن
~~الملائكة ms03154 لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة. وقيل وقيل وأرجح الأقوال  كما قال
~~القرطبي  الأول وجمع بعضهم بينها بأنه يجوز أن يجلس الجميع ممن ورد
~~فيهم أنهم أصحاب الأعراف هناك مع تفاوت مراتبهم على أن من هذه الأقوال ما
~~لا يخفى تداخله. ومن الناس من استظهر القول بأن أصحاب الأعراف قوم علت
~~درجاتهم لأن المقالات الآتية وما تتفرع هي عليه لا تليق بغيرهم.

# { يعرفون كلا } من أهل الجنة والنار { بسيمهم } بعلامتهم
~~التي أعلمهم الله تعالى بها كبياض الوجوه بالنسبة إلى أهل الجنة وسوادها
~~بالنسبة إلى أهل النار. ووزنه فعلى من سام إبله إذا أرسلها في المرعى
~~معلمة أو من وسم على القلب كالجاه من الوجه فوزنه عفلى، ويقال: سيماء
~~بالمد وسيمياء ككبرياء. قال الشاعر

# له سيمياء ما تشق على البصر

# ومعرفتهم أن كذا علامة الجنة وكذا علامة النار تكون بالإلهام أو بتعليم
~~الملائكة. وهذا كما روي عن أبي مجلز رضي الله تعالى عنه قبل أن يدخل أهل
~~الجنة الجنة وأهل النار النار. واستظهره بعضهم إذ لا حاجة بعد الدخول
~~للعلامة. ويشعر كلام آخرين أنه بعده والباء للملابسة.

# { ونادوا } أي رجال الأعراف { أصحب الجنة } حين رأوهم
~~وعرفوهم { أن سلم عليكم } بطريق الدعاء والتحية أو بطريق
~~الإخبار بنجاتهم من المكاره { لم يدخلوها } حال من فاعل {
~~نادوا } أو من مفعوله. وقوله سبحانه: { وهم يطمعون } حال من
~~فاعل { يدخلوها } أي نادوهم وهم لم يدخلوها حال كونهم / طامعين في
~~دخولها مترقبين له أي لم يدخلوها وهم في وقت عدم الدخول طامعون قاله
~~بعضهم. وفسر الطمع باليقين الحسن وأبو علي وبه فسر في قوله تعالى حكاية
~~عن إبراهيم عليه السلام.

# والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى

# [الشعراء: 82]. وفي «الكشاف» «أن جملة { لم يدخلوها } الخ لا محل
~~لها لأنها استئناف كأن سائلا سأل عن حال أصحاب الأعراف فقيل: { لم
~~يدخلوها وهم يطمعون } وجوز أن يكون في محل الرفع صفة لرجال»
~~وضعف بالفصل.

### || [7.47]

# { وإذا صرفت أبصرهم تلقاء أصحب النار } أي
~~إلى جهتهم وهو في الأصل مصدر وليس في المصادر ms03155 وما هو على وزن تفعال بكسر
~~التاء غيره وغير تبيان وزلزال ثم استعمل ظرف مكان بمعنى جهة اللقاء
~~والمقابلة ويجوز عند السبعة إثبات همزته وهمزة { أصحب } وحذف
~~الأولى وإثبات الثانية. وفي عدم التعرض لتعلق أنظارهم بأصحاب الجنة
~~والتعبير عن تعلق أبصارهم بأصحاب النار بالصرف إشعار  كما قال غير واحد
~~ بأن التعلق الأول بطريق الرغبة والميل والثاني بخلافه، فمن زعم أن في
~~الكلام الأول شرطا محذوفا لم يأت بشيء { قالوا } متعوذين بالله
~~سبحانه من سوء ما رأوا من حالهم { ربنا لا تجعلنا مع
~~القوم الظلمين } أي لا تجمعنا وإياهم في النار. وفي وصفهم
~~بالظلم دون ما هم عليه حينئذ من العذاب وسوء الحال الذي هو الموجب
~~للدعاء إشعار بأن المحذور عندهم ليس نفس العذاب فقط بل ما يؤدي إليه من
~~الظلم. وفي الآية  على ما قيل  إشارة إلى أنه سبحانه لا يجب عليه شيء.
~~وزعم بعضهم أنه ليس المقصود فيها الدعاء بل مجرد استعظام حال الظالمين.
~~وقرأ الأعمش { وإذا قلبت أبصرهم }. وعن ابن مسعود وسالم
~~مثل ذلك.

### || [7.48]

# { ونادى أصحب الأعراف } كرر ذكرهم مع كفاية الإضمار
~~لزيادة التقرير. وقيل: لم يكتف بالإضمار للفرق بين المراد منهم هنا.
~~والمراد منهم فيما تقدم فإن المنادي هناك الكل وهنا البعض. وفي إطلاق
~~أصحاب الأعراف على أولئك الرجال بناء على أن مآلهم إلى الجنة دليل على
~~أن عنوان الصحبة للشيء لا يستدعي الملازمة له كما زعمه البعض { رجالا
~~} من رؤساء الكفرة كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل حين
~~رأوهم فيما بين أصحاب النار { يعرفونهم بسيمهم } بعلامتهم
~~التي أعلمهم الله تعالى بها من سواد الوجه وتشويه الخلق وزرقة العين كما
~~قال الجبائي أو بصورهم التي كانوا يعرفونهم بها في الدنيا كما قال أبو
~~مسلم أو بعلامتهم الدالة على سوء حالهم يومئذ وعلى رياستهم في الدنيا
~~كما قيل ولعله الأولى. وأيا ما كان فالجار والمجرور متعلق بما عنده 
~~ويفهم من كلام بعضهم  وفيه بعد أنه متعلق بنادى والمعنى نادوا رجالا
~~يعرفونهم في الدنيا بأسمائهم وكناهم ms03156 وما يدعون به من الصفات.

# { قالوا } بيان لنادى أو بدل منه { ما أغنى عنكم } استفهام
~~للتقريع والتوبيخ ويجوز أن يراد النفي أي ما كفاكم ما أنتم فيه {
~~جمعكم } أتباعكم وأشياعكم أو جمعكم المال فهو مصدر مفعوله مقدر {
~~وما كنتم تستكبرون } أي واستكباركم المستمر عن قبول الحق أو
~~على الخلق وهو الأنسب بما بعده. وقرىء { تستكثرون } من الكثرة. و { ما }
~~على هذه القراءة تحتمل أن تكون اسم موصول على معنى ما أغنى عنكم أتباعكم
~~والذي كنتم تستكثرونه من الأموال. ويحتمل عندي أن تكون في القراءة
~~السبعية كذلك والمراد بها حينئذ الأصنام. ومعنى استكبارهم / إياها
~~اعتقادهم عظمها وكبرها أي ما أغنى عنكم جمعكم وأصنامكم التي كنتم تعتقدون
~~كبرها وعظمها.

### || [7.49]

# { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله
~~برحمة } من تتمة قولهم للرجال فهو في محل نصب مفعول القول أيضا أي
~~قالوا: ما أغنى وقالوا: أهؤلاء، والإشارة إلى ضعفاء أهل الجنة الذين كان
~~الكفرة يحتقرونهم في الدنيا ويحلفون أنهم لا يصيبهم الله تعالى برحمة
~~وخير ولا يدخلهم الجنة كسلمان وصهيب وبلال رضي الله تعالى عنهم أو يفعلون
~~ما ينبىء عن ذلك كما قيل ذلك في قوله تعالى:

# أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال

# [إبراهيم: 44].

# { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم
~~تحزنون } من كلام أصحاب الأعراف أيضا أي فالتفتوا إلى أولئك المشار
~~إليهم من أهل الجنة وقالوا لهم: دوموا في الجنة غير خائفين ولا محزونين
~~على أكمل سرور وأتم كرامة. وقيل: هو أمر بأصل الدخول بناء على أن يكون
~~كونهم على الأعراف وقولهم هذا قبل دخول بعض أهل الجنة الجنة. وقال غير
~~واحد: إن قوله سبحانه: { أهؤلاء } الخ استئناف وليس من تتمة قول
~~أصحاب الأعراف، والمشار إليهم أهل الجنة والقائل هو الله تعالى أو بعض
~~الملائكة والمقول له أهل النار في قول، وقيل: المشار إليهم هم أهل
~~الأعراف وهم القائلون أيضا والمقول لهم أهل النار، و { ادخلوا
~~الجنة } من قول أهل الأعراف أيضا أي يرجعون فيخاطب بعضهم بعضا
~~ويقول: ادخلوا الجنة، ms03157 ولا يخفى بعده، وقيل: لما عير أصحاب الأعراف أصحاب
~~النار أقسم أصحاب النار أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة فقال الله
~~تعالى أو بعض الملائكة خطابا لأهل النار: أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم
~~الله برحمة اليوم مشيرا إلى أصحاب الأعراف ثم وجه الخطاب إليهم فقيل:
~~ادخلوا الجنة الخ؛ وقرىء { ادخلوا } و { دخلوا } بالمزيد المجهول
~~وبالمجرد المعلوم، وعليهما فلا بد أن يكون { لا خوف عليكم } الخ
~~مقولا لقول محذوف وقع حالا ليتجه الخطاب ويرتبط الكلام أي ادخلوا أو
~~دخلوا الجنة مقولا لهم لا خوف الخ. وقرىء أيضا { ادخلوا } بأمر
~~المزيد للملائكة. والظاهر أنها تحتاج إلى زيادة تقدير.

### || [7.50]

# { ونادى أصحب النار أصحب الجنة } بعد أن استقر
~~بكل من الفريقين القرار واطمأنت به الدار { أن أفيضوا } أي صبوا {
~~علينا } شيئا { من الماء } نستعين به على ما نحن فيه، وظاهر
~~الآية يدل على أن الجنة فوق النار { أو مما رزقكم الله } أي
~~أو من الذي رزقكموه الله تعالى من سائر الأشربة ليلائم الإفاضة أو من
~~الأطعمة كما روي عن السدي وابن زيد، ويقدر في المعطوف عامل يناسبه أو
~~يؤول العامل الأول بما يلائم المتعاطفين أو يضمن ما يعمل في الثاني أو
~~يجعل ذلك من المشاكلة ويكون في الآية دليل على نهاية عطشهم وشدة جوعهم
~~وأن ما هم فيه من العذاب لا يمنعهم عن طلب أكل وشرب. وبهذا رد موسى
~~الكاظم رضي الله تعالى عنه  فيما يروى  على هارون الرشيد إنكاره أكل
~~أهل المحشر محتجا بأن ما هم فيه أقوى مانع لهم عن ذلك. واختلف العلماء
~~في أن هذا السؤال هل كان مع رجاء الحصول أو مع اليأس منه حيث عرفوا دوام
~~ما هم فيه وإلى كل ذهب بعض { قالوا } استئناف مبني على السؤال كأنه
~~قيل: فماذا قالوا؟ فقيل قالوا: في جوابهم: { إن الله حرمهما
~~على الكفرين } أي منع كلا منهما أو منعهما منع المحرم عن
~~المكلف فلا سبيل إلى ذلك قطعا، ولا يحمل التحريم على معناه الشائع لأن
~~الدار ليست بدار تكليف.

### || [7.51] ms03158

# { الذين اتخذوا دينهم } الذي أمرهم الله تعالى به أو الذي
~~يلزمهم التدين بن { لهوا ولعبا } فلم يتدينوا به أو فحرموا ما
~~شاؤوا واستحلوا / ما شاؤوا، واللهو  كما قيل  صرف الهم إلى ما لا يحسن
~~أن يصرف إليه، واللعب طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب، وقد تقدم تفصيل
~~الكلام فيهما فتذكر { وغرتهم الحيوة الدنيا } شغلتهم
~~بزخارفها العاجلة ومواعيدها الباطلة وهذا شأنها مع أهلها قاتلها الله
~~تعالى تغر وتضر وتمر { فاليوم ننسهم } نفعل بهم فعل الناسي
~~بالمنسي من عدم الاعتداد بهم وتركهم في النار تركا كليا فالكلام خارج
~~مخرج التمثيل، وقد جاء النسيان بمعنى الترك كثيرا ويصح أن يفسر به هنا
~~فيكون استعارة أو مجازا مرسلا، وعن مجاهد أنه قال: المعنى نؤخرهم في
~~النار، وعليه فالظاهر أن ننساهم من النسء لا من النسيان. والفاء في قوله
~~تعالى: { فاليوم } فصيحة.

# وقوله عز وعلا. { كما نسوا لقاء يومهم هذا } قيل: في
~~محل النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي ننساهم نسيانا مثل نسيانهم لقاء
~~هذا اليوم العظيم الذي لا ينبغي أن ينسى. وليس الكلام على حقيقته أيضا
~~لأنهم لم يكونوا ذاكري ذلك حتى ينسوه بل شبه عدم إخطارهم يوم القيامة
~~ببالهم وعدم استعدادهم له بحال من عرف شيئا ثم نسيه. وعن ابن عباس
~~ومجاهد والحسن أن المعنى كما نسوا العمل للقاء يومهم هذا وليس هذا
~~التقدير ضروريا كما لا يخفى، وذهب غير واحد إلى أن الكاف للتعليل متعلق
~~بما عنده لا للتشبيه إذ يمنع منه قوله تعالى: { وما كانوا
~~بئايتنا يجحدون } لأنه عطف على { ما نسوا } وهو يستدعي
~~أن يكون مشبها به النسيان مثله. وتشبيه النسيان بالجحود غير ظاهر، ومن
~~ادعاه قال: المراد نتركهم في النار تركا مستمرا كما كانوا منكرين أن
~~الآيات من عند الله تعالى إنكارا مستمرا. وقال القطب: الجحود في معنى
~~النسيان، وظاهر كلام كثير من المفسرين أن كلام أهل الجنة إلى {
~~وغرتهم الحيوة الدنيا } لا

# إن الله حرمهما على الكفرين

# [الأعراف: 50] فقط. وقال بعضهم: إنه ذلك لا غير، وعليه ms03159 فيجوز أن يكون {
~~الذين } مبتدأ وجملة { اليوم ننسهم } خبره، والفاء فيه
~~مثلها في قولك: الذي يأتيني فله درهم كما قيل.

### || [7.52]

# { ولقد جئنهم بكتب فصلناه } بينا معانيه من
~~العقائد والأحكام والمواعظ مفصلة، والضمير للكفرة قاطبة، وقيل: لهم
~~وللمؤمنين، والمراد بالكتاب الجنس، وقيل: للمعاصرين من الكفرة أو منهم
~~ومن المؤمنين. والكتاب هو القرآن وتنوينه للتفخيم. وقد نظم بعضهم ما
~~اشتمل عليه من الأنواع بقوله:

# حلال حرام محكم متشابه

# بشير نذير قصة عظة مثل

# والمراد منع الخلو كما لا يخفى { على علم } منا بوجه تفصيله وهو
~~في موضع الحال من فاعل { فصلناه } وتنكيره للتعظيم أي عالمين على
~~أكمل وجه بذلك حتى جاء حكيما متقنا، وفي هذا  كما قيل  دليل على أنه
~~سبحانه يعلم بصفة زائدة على الذات وهي صفة العلم وليس علمه سبحانه عين
~~ذاته كما يقوله الفلاسفة ومن ضاهاهم وللمناقشة فيه مجال، ويجوز أن يكون
~~في موضع الحال من المفعول أي مشتملا على علم كثير. وقرأ ابن محيصن {
~~فضلناه } بالضاد المعجمة، وظاهر كلام البعض أن الجار والمجرور على هذه
~~القراءة في موضع الحال من الفاعل ولا يجعل حالا من المفعول أي فضلناه
~~على سائر الكتب عالمين بأنه حقيق بذلك، وجوز بعضهم أن يجعل حالا من
~~المفعول على نحو ما مر؛ وقيل: إن { على } للتعليل كما في قوله سبحانه:

# ولتكبروا الله على ما هداكم

# [البقرة: 185] وهي متعلقة بفضلناه أي فضلناه على سائر الكتب لأجل علم
~~فيه أي لاشتماله على علم لم يشتمل عليه غيره منها، وقيل: إن { على }
~~في القراءتين متعلقة بمحذوف وقع حالا من مفعول { جئنهم } أي
~~جئناهم بذلك حال كونهم من ذوي العلم / القابلين لفهم ما جئناهم به فتأمل.
~~{ هدى ورحمة } حال من مفعول { فصلناه } وجوز أن يكون
~~مفعولا لأجله وأن يكون حالا من الكتاب لتخصيصه بالوصف، والكلام في وقوع
~~مثل ذلك حالا مشهور، وقرىء بالجر على البدلية من { علم } وبالرفع على
~~إضمار المبتدأ أي هو هدى عظيم ورحمة كذلك { لقوم يؤمنون } لأنهم
~~المقتبسون من أنواره المنتفعون (بنواره).

### || [7.53]

# { هل ms03160 ينظرون } أي ما ينتظر هؤلاء الكفرة بعدم إيمانهم به شيئا {
~~إلا تأويله } أي عاقبته وما يؤول إليه أمره من تبين صدقه بظهور
~~ما أخبر به من الوعد والوعيد، والمراد أنهم بمنزلة المنتظرين وفي حكمهم
~~من حيث إن ما ذكر يأتيهم لا محالة، وحينئذ فلا يقال: كيف ينتظرونه وهم
~~جاحدون غير متوقعين له؟. وقيل: إن فيهم أقواما يشكون ويتوقعون فالكلام
~~من قبيل  بنو فلان قتلوا زيدا  { يوم يأتى تأويله } وهو
~~يوم القيامة، وقيل: هو ويوم بدر { يقول الذين نسوه } أي تركوه
~~ترك المنسي فأعرضوا عنه ولم يعملوا به { من قبل } أي من قبل إتيان
~~تأويله { قد جاءت رسل ربنا بالحق } أي قد تبين أنهم قد
~~جاؤوا بالحق، وإنما فسر بذلك لأنه الواقع هناك ولأنه الذي يترتب عليه طلب
~~الشفاعة المفهوم من قوله سبحانه: { فهل لنا من شفعاء
~~فيشفعوا لنا } اليوم ويدفعوا عنا ما نحن فيه { أو نرد }
~~عطف على الجملة قبله داخل معه في حكم الاستفهام.

# و { من } مزيدة في المبتدأ. وجوز أن تكون مزيدة في الفاعل بالظرف كأنه
~~قيل: هل لنا من شفعاء أو هل نرد إلى الدنيا؟ ورافعه وقوعه موقعا يصلح
~~للاسم كما تقول ابتداء هل يضرب زيد، ولا يطلب له فعل آخر يعطف عليه فلا
~~يقدر هل يشفع لنا شافع أو نرد قاله الزمخشري، وأراد  كما في «الكشف» 
~~لفظا لأن الظرف مقدر بجملة، و { هل } مما له اختصاص بالفعل، والعدول
~~للدلالة على أن تمني الشفيع أصل وتمنى الرد فرع لأن ترك الفعل إلى الاسم
~~مع استدعاء هل للفعل يفيد ذلك فلو قدر لفاتت نكتة العدول معنى مع الغنى
~~عنه لفظا، وقرأ ابن أبي إسحاق { أو نرد } بالنصب عطفا على { فيشفعوا
~~لنا } المنصوب في جواب الاستفهام أو لأن { أو } بمعنى إلى أن أو حتى أن
~~على ما اختاره الزمخشري إظهارا لمعنى السببية، قال القاضي: فعلى الرفع
~~المسؤول أحد الأمرين الشفاعة والرد إلى الدنيا، وعلى النصب المسؤول أن
~~يكون لهم شفعاء إما لأحد الأمرين من الشفاعة في العفو عنهم والرد ms03161 إن كانت
~~{ أو } عاطفة وإما لأمر واحد إذا كانت بمعنى إلى أن إذ معناه حينئذ
~~يشفعون إلى الرد، وكذا إذا كانت بمعنى حتى إن أي يشفعون حتى يحصل الرد.

# { فنعمل } بالنصب جواب الاستفهام الثاني أو معطوف على { نرد } مسبب
~~عنه على قراءة ابن أبي إسحاق. وقرأ الحسن بنصب { نرد } ورفع { نعمل } أي
~~فنحن نعمل { غير الذى كنا نعمل }  أي في الدنيا من الشرك
~~والمعصية { قد خسروا أنفسهم } بصرف أعمارهم التي هي رأس مالهم
~~إلى الشرك والمعاصي { وضل عنهم } غاب وفقد { ما كانوا
~~يفترون } أي الذي كانوا يفترونه من الأصنام شركاء لله سبحانه
~~وشفعاءهم يوم القيامة، والمراد أنه ظهر بطلانه ولم يفدهم شيئا.

# / ومن باب الإشارة في الآيات:

# ويئادم اسكن أنت وزوجك

# [الأعراف: 19] أي النفس وسميت حواء لملازمتها الجسم الظلماني إذ الحوة
~~اللون الذي يغلب عليه السواد. وبعضهم يجعل آدم إشارة إلى القلب لأنه من
~~الأدمة وهي السمرة وهو لتعلقه بالجسم دون النفس سمي بذلك. ولشرف آدم عليه
~~السلام وجه النداء إليه وزوجه تبع له في السكنى { الجنة } هي عندهم
~~إشارة إلى سماء عالم الأرواح التي هي روضة القدس

# فكلا من حيث شئتما

# [الأعراف: 19] لا حجر عليكما في تلقي المعاني والمعارف والحكم التي هي
~~الأقوات القلبية والفواكه الروحانية

# ولا تقربا هذه الشجرة

# [الأعراف: 19] أي شجرة الطبيعة والهوى التي بحضرتكما

# فتكونا من الظلمين

# [الأعراف: 19] الواضعين النور في محل الظلمة أو الناقصين من نور
~~استعدادكما. وأول بعضهم الشجرة بشجرة المحبة المورقة بأنواع المحنة أي لا
~~تقرباها فتظلما أنفسكما لما فيها من احتراق أنانية المحب وفناء هويته في
~~هوية المحبوب ثم قال: إن هذه الشجرة غرسها الرحمن بيده لآدم عليه السلام
~~كما خمر طينته بيده لها

# فلم تك تصلح إلا له

# ولم يك يصلح إلا لها

# وأن المنع كان تحريضا على تناولها فالمرء حريص على ما منع، واختار هذا
~~النيسابوري وتكلف في باقي الآية ما تكلف فإن أردته فارجع إليه

# فوسوس لهما الشيطن ليبدي لهما ما ووري
~~عنهما من سوءاتهما

# [الأعراف: 20] أي ليظهر لهما ms03162 بالميل إلى شجرة الطبيعة ما حجب عنهما عند
~~التجرد من الأمور الرذيلة التي هي عورات عند العقل

# وقال ما نهكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن
~~تكونا ملكين أو تكونا من الخلدين

# [الأعراف: 20] أوهمهما أن في الاتصاف بالطبيعة الجسمانية لذاتا ملكية
~~وخلودا فيها أو ملكا ورياسة على القوى بغير زوال إن قرىء { ملكين
~~} بكسر اللام. { فدلهما } فنزلهما من غرف القدس إلى التعلق بها
~~والركون إليها { بغرور } بما غرهما من كأس القسم المترعة من حميا ذكر
~~الحبيب { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما } والقليل منها
~~بالنسبة إليهما كثير { وطفقا يخصفان عليهما من ورق
~~الجنة } أي يكتمان هاتيك السوآت والفواحش الطبيعية بالآداب الحسنة
~~والعادات الجميلة التي هي من تفاريع الآراء العقلية ومستنبطات القوة
~~العاقلة العلمية ويخفيانها بالحيل العملية { وناداهما ربهما
~~ألم أنهكما } بما أودعت في عقولكما من الميل إلى التجرد وإدراك
~~المعقولات

# عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطن
~~لكما عدو مبين

# [الأعراف: 22] وذلك القول بما ألهم العقل من منافاة أحكام الوهم ومضادة
~~مدركاته والوقوف على مخالفاته ومكابراته إياه { قالا ربنا
~~ظلمنا أنفسنا } بالميل إلى جهة الطبيعة وانطفاء نورها وانكسار
~~قوتها { وإن لم تغفر لنا } بإلباسنا الأنوار الروحانية
~~وإفاضتها علينا { وترحمنا } بإفاضة المعارف الحقيقية

# لنكونن من الخسرين

# [الأعراف: 23] الذين أتلفوا الاستعداد الذي هو مادة السعادة وحرموا عن
~~الكمال التجردي بملازمة النقص الطبيعي { قال اهبطوا } إلى الجهة
~~السفلى التي هي العالم الجسماني

# بعضكم لبعض عدو

# [الأعراف: 24] لأن مطالب الجهة السفلية جزئية لا تحتمل الشركة فكلما حظي
~~بها أحد حرم منها غيره فيقع بينهما العداوة والبغضاء بخلاف المطالب
~~الكلية. وجمع الخطاب لأنه في قوة خطاب النوع { يبنى ءادم قد
~~أنزلنا عليكم لباسا } وهو لباس الشريعة { يورى } يستر
~~قبائح أوصافكم وفواحش أفعالكم بشعاره ودثاره { وريشا } زينة وجمالا
~~في الظاهر والباطن تمتازون به عن سائر الحيوانات { ولباس التقوى
~~} أي صفة الورع والحذر من صفات النفس { ذلك خير } من سائر أركان
~~الشرائع والحمية رأس الدواء. ويقال: لباس التقوى هو لباس القلب والروح
~~والسر والخفي ولباس الأول: / منها الصدق ms03163 في طلب المولى ويتوارى به سوأة
~~الطمع في الدنيا وما فيها. ولباس الثاني: محبة ذي المجد الأسنى ويتوارى
~~به سوأة التعلق بالسوي. ولباس الثالث: رؤية العلي الأعلى ويتوارى به سوأة
~~رؤية غيره في الأولى والأخرى. ولباس الرابع: البقاء بهوية ذي القدس
~~الأسنى ويتوارى به سوأة هوية ما في السموات وما في الأرض وما تحت الثرى
~~قيل: وهذا إشارة إلى الحقيقة، وربما يقال: اللباس المواري للسوآت إشارة
~~إلى الشريعة والريش إشارة إلى الطريقة لما أن مدارها على حسن الأخلاق
~~وبذلك يتزين الإنسان ولباس التقوى إشارة إلى الحقيقة لما فيها من ترك
~~السوى وهو أكمل أنواع التقوى { ذلك } أي لباس التقوى { من آيت
~~الله } أي من أنوار صفاته سبحانه إذ التوقي من صفات النفس لا يتيسر
~~إلا بظهور تجليات صفات الحق أو إنزال الشريعة والحقيقة مما يدل على الله
~~سبحانه وتعالى

# لعلهم يذكرون

# [الأعراف: 26] عند ظهور تلك الأنوار لباسكم الأصلي النوري أو تذكرون
~~معرفتكم له عند أخذ العهد فتتمسكون بأذيالها اليوم { يبنى ءادم
~~لا يفتننكم الشيطن } بنزع لباس الشريعة والتقوى فتحرموا
~~من دخول الجنة { كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع
~~عنهما لباسهما } الفطري النوري

# إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم

# [الأعراف: 27] وذلك بمقتضى البشرية وقد يرون بواسطة النور الرباني. {
~~قل أمر ربي بالقسط } بالعدل وهو الصراط المستقيم {
~~وأقيموا وجوهكم } أي ذواتكم بمنعها عن الميل إلى أحد طرفي
~~الإفراط والتفريط { عند كل مسجد } أي مقام سجود أو وقته، والسجود
~~عندهم كما قاله البعض أربعة أقسام سجود الانقياد والطاعة وإقامة الوجه
~~عنده بالإخلاص وترك الالتفات إلى السوى ومراعاة موافقة الأمر وصدق النية
~~والامتناع عن المخالفة في جميع الأمور، وسجود الفناء في الأفعال وإقامة
~~الوجه عنده بأن لا يرى مؤثرا غير الله تعالى أصلا.

# وسجود الفناء في الصفات وإقامة الوجه عنده بأن لا يكره شيئا من غير أن
~~يميل إلى الإفراط بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا التفريط
~~بالتسخط على المخالف والتعيير له والاستخفاف به. وسجود الفناء في الذات
~~وإقامة الوجه عنده ms03164 بالغيبة عن البقية والانطماس بالكلية والامتناع عن
~~إثبات الآنية والاثنينية فلا يطغى بحجاب الآنية ولا يتزندق بالإباحة وترك
~~الإطاعة. { وادعوه مخلصين له الدين } بتخصيص العمل لله
~~سبحانه أو برؤية العمل منه أو به جل شأنه { كما بدأكم } أظهركم
~~بإفاضة هذه التعينات عليكم

# تعودون

# [الأعراف: 29] إليه أو كما بدأكم لطفا أو قهرا تعودون إليه فيعاملكم
~~حسبما بدأكم { فريقا هدى وفريقا حق عليهم
~~الضللة } كما ثبت ذلك في علمه { إنهم اتخذوا
~~الشيطين } من القوى النفسانية الوهمية والتخيلية { أولياء
~~من دون الله } للمناسبة التامة بين الفريقين

# ويحسبون أنهم مهتدون

# [الأعراف: 30] لقوة سلطان الوهم { يبنى ءادم خذوا
~~زينتكم عند كل مسجد } فأخلصوا العمل لله تعالى وتوكلوا عليه
~~وقوموا بحق الرضا وتمكنوا في التحقق بالحقيقة ومراعاة حقوق الاستقامة
~~ولكل مقام مقال

# وكلوا واشربوا ولا تسرفوا

# [الأعراف: 31] بالإفراط والتفريط فإن العدالة صراط الله تعالى المستقيم.
~~{ قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده } أي
~~منع عنها وقال: لا يمكن التزين بها { والطيبت من الرزق }
~~كعلوم الإخلاص ومقام التوكل والرضا والتمكين

# قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة
~~يوم القيامة

# [الأعراف: 32] الكبرى عن التلون وظهور شيء من بقايا الأفعال والصفات
~~والذات { قل إنما حرم ربي الفوحش } رذائل / القوة
~~البهيمية { ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى }
~~رذائل القوة السبعية

# وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطنا وأن
~~تقولوا على الله ما لا تعلمون

# [الأعراف: 33] رذائل القوة النطقية وكل ذلك من موانع الزينة { ولكل
~~أمة أجل } ينتهون عنده إلى مبدئهم

# فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا
~~يستقدمون

# [الأعراف: 34] لأن وقوع ما يخالف العلم محال { يبنى ءادم إما
~~يأتينكم رسل منكم } من جنسكم، وقيل: هي العقول، وقال
~~النيسابوري: التأويل إما يأتينكم إلهامات من طريق قلوبكم وأسراركم، وفيه
~~أن بني آدم كلهم مستعدون لإشارات الحق وإلهاماته { فمن اتقى } في
~~الفناء { وأصلح } بالاستقامة عند البقاء

# فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون

# [الأعراف: 35] لوصولهم إلى مقام الولاية { والذين كذبوا
~~بئايتنا } أخفوا صفاتنا بصفات أنفسهم { واستكبروا عنها
~~} بالاتصاف بالرذائل { أولئك ms03165 أصحب النار } نار الحرمان

# هم فيها خلدون

# [الأعراف: 36] لسوء ما طبعوا عليه { فمن أظلم ممن افترى
~~على الله كذبا } بأن قال: أكرمني الله تعالى بالكرامات وهو الذي
~~بالكرى مات { ومن أظلم ممن } بأن أنكر على أولياء الله سبحانه
~~الفائزين من الله تعالى بالحظ الأوفى

# أولئك ينالهم نصيبهم من الكتب

# [الأعراف: 37] مما كتب لهم في لوح القضاء والقدر. وقيل: الكتاب الإنسان
~~الكامل ونصيبهم منه نصيب الغرض من السهم { إن الذين كذبوا
~~بئايتنا } الدالة علينا { واستكبروا عنها } ولم
~~يلتفتوا إليها لوقوفهم مع أنفسهم { لا تفتح لهم أبوب
~~السماء } فلا تعرج أرواحهم إلى الملكوت { ولا يدخلون
~~الجنة } أي جنة المعرفة والمشاهدة والقربة { حتى يلج
~~الجمل } أي جمل أنفسهم المستكبرة

# فى سم الخياط

# [الأعراف: 40] أي خياط أحكام الشريعة الذي به يخاط ما شقته يد الشقاق،
~~وسمه آداب الطريقة لأنها دقيقة جدا، وقد يقال: الخياط إشارة إلى خياط
~~الشريعة، والطريقة وسمه ما يلزمه العمل به من ذلك وولوج ذلك الجمل لا
~~يمكن مع الاستكبار بل لا بد من الخضوع والانقياد وترك الحظوظ النفسانية
~~وحينئذ يكون الجمل أقل من البعوضة بل أدق من الشعرة فحينئذ يلج في ذلك
~~السم { لهم من جهنم } الحرمان

# مهاد ومن فوقهم غواش

# [الأعراف: 41] أي أن الحرمان أحاط بهم، وقيل: لهم من جهنم المجاهدة
~~والرياضة فراش ومن فوقهم من مخالفات النفس وقطع الهوى لحاف فتذيبهم وتحرق
~~أنانيتهم. { ونادى أصحب الجنة } المرحومون { أصحب
~~النار } المحرمون { أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا } من
~~القرب حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم من البعد { حقا }  { فأذن
~~مؤذن } وهو مؤذن العزة والعظمة

# بينهم أن لعنة الله على الظلمين

# [الأعراف: 44] الواضعين الشيء في غير موضعه { الذين يصدون }
~~السالكين { عن سبيل الله } أي الطريق الموصلة إليه سبحانه، وقيل:
~~يصدون القلب والروح عن ذلك { ويبغونها عوجا } بأن يصفوها بما
~~ينفر السالك عنها من الزيغ والميل عن الحق، وقيل: يطلبون صرف وجوههم إلى
~~الدنيا وما فيها { وهم بالأخرة } أي الفناء بالله تعالى أو
~~بالقيامة الكبرى

# كفرون

# [الأعراف: 45] لمزيد احتجابهم بما هم ms03166 فيه { وبينهما } أي بين أهل
~~الجنة وهي جنة ثواب الأعمال من العباد والزهاد وبين أهل النار { حجاب
~~} فكل منهم محجوب عن صاحبه { وعلى الأعراف } أي أعالي ذلك الحجاب
~~الذي هو حجاب القلب { رجال } وأي رجال وهم العرفاء أهل الله سبحانه
~~وخاصته، قيل: وإنما سموا رجالا لأنهم يتصرفون بإذن الله تعالى فيما سواه
~~عز وجل تصرف الرجال بالنساء ولا يتصرف فيهم شيء من ذلك { يعرفون
~~كلا بسيمهم } لما أعطوا من نور الفراسة { ونادوا
~~أصحب الجنة } أي جنة ثواب الأعمال { أن سلم عليكم
~~} بما من الله تعالى عليكم به من الخلاص من النار، وقيل: / إن سلامهم على
~~أهل الجنة بإمدادهم بأسباب التزكية والتخلية والأنوار القلبية وإفاضة
~~الخيرات والبركات عليهم { لم يدخلوها } أي لم يدخل أولئك الرجال
~~الجنة لعدم احتياجهم إليها

# وهم يطمعون

# [الأعراف: 46] في كل وقت بما هو أعلى وأغلى، وقيل: هم أي أهل الجنة
~~يطمعون في دخول أولئك الرجال ليقتبسوا من نورهم ويستضيئوا بأشعة وجوههم
~~ويستأنسوا بحضورهم { وإذا صرفت أبصرهم تلقاء
~~أصحب النار } ليعتبروا

# قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظلمين

# [الأعراف: 47] بأن تحفظ قلوبنا من الزيغ

# ونادى أصحب الأعراف رجالا

# [الأعراف: 48] من رؤساء أهل النار، وإطلاق الرجال عليهم وعلى أصحاب
~~الأعراف كإطلاق المسيح على الدجال اللعين وعلى عيسى عليه السلام.

# أهؤلاء

# [الأعراف: 49] إشارة إلى أهل الجنة { ونادى أصحب النار
~~أصحب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء } أي
~~الحياة التي أنتم فيها { أو مما رزقكم الله } أي النعيم
~~الذي من الله تعالى به عليكم أو أفيضوا علينا من العلم أو العمل لننال به
~~ما نلتم { قالوا إن الله حرمهما } في الأزل

# على الكفرين

# [الأعراف: 50] لسوء استعدادهم، وقيل: إن الكفار لما كانوا عبيد البطون
~~حراصا على الطعام والشراب فماتوا على ما عاشوا وحشروا وأدخلوا النار على
~~ما ماتوا طلبوا الماء أو الطعام { ولقد جئنهم بكتب }
~~وهو النبي صلى الله عليه وسلم الجامع لكل شيء والمظهر الأعظم لنا {
~~فصلناه } أي أظهرنا منه ما أظهرنا

# علىعلم هدى ورحمة لقوم يؤمنون

# [الأعراف: 52] لأنهم المنتفعون منه ms03167 وإن كان من جهة أخرى رحمة للعالمين

# هل ينظرون إلا تأويله

# [الأعراف: 53] أي ما يؤول إليه عاقبة أمره، وقيل: الكتاب الذي فصل على
~~علم إشارة إلى البدن الإنساني المفصل إلى أعضاء وجوارح وآلات وحواس تصلح
~~للاستكمال على ما يقتضيه العلم الإلهي وتأويله ما يؤول إليه أمره في
~~العاقبة من الانقلاب إلا ما لا يصلح لذلك عند البعث من هيئات وصور وأشكال
~~تناسب صفاتهم وعقائدهم على مقتضى قوله سبحانه:

# سيجزيهم وصفهم

# [الأنعام: 139] وكما قال سبحانه:

# ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا
~~وبكما وصما

# [الإسراء: 97] انتهى. ويحتمل أن يكون الكتاب المذكور إشارة إلى الآفاق
~~والأنفس وما يؤول إليه كل ظاهر والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

### || [7.54]

# { إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض
~~في ستة أيام } شروع في بيان مبدأ الفطرة إثر بيان معاد الكفرة،
~~ويحتمل أنه سبحانه لما ذكر حال الكفار وأشار إلى عبادتهم غيره سبحانه
~~احتج عليهم بمقدوراته ومصنوعاته جل شأنه ودلهم بذلك على أنه لا معبود
~~سواه فقال مخاطبا بالخطاب العام { إن ربكم } أي خالقكم ومالككم
~~{ الذى خلق السموات } السبع { والأرض } بما فيها كما يدل
~~عليه ما في سورة السجدة [4] على ما يأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في ستة
~~أوقات كقوله تعالى:

# ومن يولهم يومئذ دبره

# [الأنفال: 16] أو في مقدار ستة أيام كقوله سبحانه:

# ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا

# [مريم: 62]. فإن المتعارف أن اليوم من طلوع الشمس إلى غروبها ولم تكن هي
~~حينئذ، نعم العرش وهو المحدد على المشهور موجود إذ ذاك على ما يدل عليه
~~بعض الآيات، وليس بقديم كما يقوله من ضل عن الصراط المستقيم لكن ذاك ليس
~~نافعا في تحقق اليوم العرفي، وإلى حمل اليوم على المتعارف وتقدير المضاف
~~ذهب جمع من العلماء وادعوا  وهو قول عبد الله بن سلام وكعب الأحبار
~~والضحاك ومجاهد واختاره ابن جرير الطبري  أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد
~~ولم يكن في السبت خلق أخذا له من السبت بمعنى القطع لقطع الخلق فيه
~~ولتمام الخلق في يوم الجمعة واجتماعه ms03168 فيه سمي بذلك. وأخرج ابن أبي حاتم
~~وغيره عن ابن عباس أنه سمى / تلك الأيام بابو جاد وهواز وحطي وكلمون
~~وسعفص وقريشات. وقال محمد بن اسحق وغيره: إن ابتداء الخلق في يوم السبت،
~~وسمي سبتا لقطع بعض خلق الأرض فيه على ما قال ابن الأنباري أو لما أن
~~الأمر كأنه قطع وشرع فيه على ما قيل، واستدل لهذا القول بما أخرجه مسلم
~~من حديث

# " أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق
~~الله تعالى التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم
~~الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وخلق فيها
~~الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر
~~ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل ".

# ولا يخفى أن هذا الخبر مخالف للآية الكريمة فهو إما غير صحيح وإن رواه
~~مسلم وإما مؤول، وأنا أرى أن أول يوم وقع فيه الخلق يقال له الأحد وثاني
~~يوم الاثنين وهكذا ويوم جمع فيه الخلق الجمعة فافهم.

# وإلى حمله على اللغوي وعدم التقدير ذهب آخرون وقالوا: كان مقدار كل يوم
~~ألف سنة وروي ذلك عن زيد بن أرقم، وفي خلقه سبحانه الأشياء مدرجا على ما
~~روي عن ابن جبير تعليم للخلق التثبت والتأني في الأمور كما في الحديث

# " التأني من الله تعالى والعجلة من الشيطان "

# وقال غير واحد: إن في خلقها مدرجا مع قدرته سبحانه على إبداعها دفعة
~~دليل على الاختيار واعتبار للنظار. واعترض عليه بأنه يجوز أن يكون الفاعل
~~موجبا ويكون وجود المعلول مشروطا بشرائط توجد وقتا فوقتا، وبأن ذلك
~~يتوقف على ثبوت تقدم خلق الملائكة على خلق السماوات والأرض وليس ذلك
~~بالمحقق. وأجيب بأن الأول مبني على الغفلة عن قوله مع القدرة على إبداعها
~~دفعة، وبيانه أن الفاعل إذا كان مختارا  كما يقوله أهل الحق  يتوقف
~~وجود المعلول على تعلق الإرادة به فهو جزء العلة التامة حينئذ فيجوز أن
~~يتخلف المعلول عن ms03169 الفاعل لانتفاء تعلق الإرادة فلا يلزم من قدمه قدم
~~المعلول، وأما إذا كان الفاعل موجبا مقتضيا لذاته فيضان الوجود على ما
~~تم استعداده فإن كان المعلول تام الاستعداد في ذاته كالكبريت بالنسبة إلى
~~النار يجب وجوده ويمتنع تخلفه وإلا لزم التخلف عن العلة التامة فيلزم من
~~قدم الفاعل حينئذ قدمه، والأجرام الفلكية من هذا القبيل عند الفلاسفة
~~وإن توقف تمام استعداده على أمر متجدد فما لم يحصل يمتنع إيجاده كالحطب
~~الرطب فإنه ما لم ييبس لم تحرقه النار والحوادث اليومية من هذا القبيل
~~عندهم، ولهذا أثبتوا برزخا بين عالمي القدم والحدوث ليتأتى ربط الحوادث
~~بالمبادىء القديمة؛ ففي صورة كون الفاعل موجبا مشروطا وجود معلوله
~~بشرائط متعاقبة يمتنع الإبداع دفعة فإمكان وجود هذه الأشياء المنبىء عن
~~عدم التوقف على شيء آخر أصلا دفعة مع الخلق التدريجي المستلزم لتأخر
~~وجود المعلول عن وجود الفاعل لا يجامع الوجوب المستلزم لامتناع التأخر
~~حينئذ ويستلزم الاختيار المصحح لذلك التأخر كما علمت، وبأن الإبداع
~~التدريجي للأشياء عبارة عن إيجادات يتعلق كل منها بشيء فيدل على تعلق
~~العلم والإرادة والقدرة بكل منها تفصيلا بخلاف الإيجاد الدفعي لها فإنه
~~إيجاد واحد متعلق بالمجموع فيدل على تعلق ما ذكر بالمجموع من حيث هو
~~مجموع إجمالا، واستوضح ذلك من الفرق بين ضرب الخاتم على نحو القرطاس
~~وبين أن تكتب تلك الكلمات فإنك في الصورة الثانية تتخيلها كلمة فكلمة بل
~~حرفا فحرفا وتريدها كذلك فتوقعها في الصحيفة بخلاف الصورة الأولى وهو
~~ظاهر، فالنظار يعتبرون من الخلق التدريجي ويفهمون شمول علمه سبحانه
~~وإرادته وقدرته للأشياء تفصيلا قائلين: سبحان من لا يعزب عن علمه مثقال
~~ذرة في الأرض ولا في السماء، وأيضا قالوا: إنا إذا فعلنا شيئا تصورناه
~~أولا ثم اعتقدنا / له فائدة ثم تحصل لنا حال شوقية ثم ميلان نفساني هي
~~الإرادة ثم تنبعث القوة الباعثة للقوة المحركة للأعضاء نحو إيجاده فيحصل
~~لنا ذلك الشيء فلكل واحد من تلك الأمور دخل في وجود ذلك الشيء، ثم قالوا:
~~فكما لا بد في صدور ms03170 الأفعال الاختيارية فينا من هذه الأمور كذلك لا بد في
~~صدور الأفعال الاختيارية للواجب من نحو ذلك مما لا يمتنع عليه سبحانه
~~فأثبتوا له تعالى علما وإرادة وقدرة وفائدة لأفعاله، واستدلوا على ذلك
~~من كونه سبحانه مختارا فالخلق التدريجي لما كان دالا على الاختيار
~~الدال على ما ذكر صدق أن فيه اعتبارا للنظار.

# وحاصل هذا أن المراد من النظار أصحاب النظر والبصيرة من العقلاء فلا
~~يتوقف ما ذكر على تقدم خلق الملائكة على أن من قال بتقدم خلق العرش
~~والكرسي على خلق الأرض والسموات قائل بتقدم خلق الملائكة بل قيل: إن من
~~الناس من قال بتقدم خلق نوع من الملائكة قبل العرش والكرسي وسماهم
~~المهيمين. وأنت تعلم أن هذا لا يفيدنا لأن المهيمين عند هذا القائل لا
~~يشعرون بسماء ولا أرض بل هم مستغرقون فيه سبحانه على أن ذلك ليس بالمحقق
~~كما يقوله المعترض أيضا، وقيل: إن الشيء إذا حدث دفعة واحدة فلعله يخطر
~~بالبال أن ذلك الشيء إنما وقع على سبيل الاتفاق فإذا أحدث شيئا فشيئا
~~على سبيل المصلحة والحكمة كان ذلك أبلغ في القدرة وأقوى في الدلالة،
~~وقيل: إن التعجيل في الخلق أبلغ في القدرة والتثبت أبلغ في الحكمة فأراد
~~الله تعالى إظهار حكمته في خلق الأشياء بالتثبت كما أظهر قدرته في خلق
~~الأشياء بكن.

# { ثم استوى على العرش } وهو في المشهور الجسم المحيط بسائر
~~الأجسام وهو فلك الأفلاك سمي به إما لارتفاعه أو للتشبيه بسرير الملك
~~فإنه يقال له عرش ومنه قوله تعالى:

# ورفع أبويه على العرش

# [يوسف: 100] لأن الأمور والتدبيرات تنزل منه، ويكنى به عن العز والسلطان
~~والملك فيقال: فلان ثل عرشه أي ذهب عزه وملكه وأنشدوا قوله:

# إذا ما بنو مروان ثلت عروشهم

# وأودت كما أودت إياد وحمير

# وقوله:

# إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم

# بعيينة بن الحرث بن شهاب

# وذكر الراغب «أن العرش مما لا يعلمه البشر [على الحقيقة] إلا بالاسم،
~~وليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له ms03171 
~~تعالى عن ذلك  [لامحمولا]، و (ليس كما) قال قوم: إنه الفلك الأعلى
~~والكرسي فلك الكواكب» وفيه نظر، والناس في الكلام على هذه الآية ونحوها
~~مختلفون، فمنهم من فسر العرش بالمعنى المشهور، وفسر الاستواء بالاستقرار
~~وروي ذلك عن الكلبي ومقاتل ورواه البيهقي في كتابه «الأسماء والصفات»
~~بروايات كثيرة عن جماعة من السلف وضعفها كلها. وما روي عن مالك رضي الله
~~تعالى عنه «أنه سئل كيف استوى؟ فأطرق رأسه مليا حتى علته الرحضاء ثم رفع
~~رأسه فقال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب
~~والسؤال عنه بدعة ثم قال للسائل: وما أظنك إلا ضالا ثم أمر به فأخرج»
~~ليس نصا في هذا المذهب لاحتمال أن يكون المراد من قوله: غير مجهول أنه
~~ثابت معلوم الثبوت لا أن معناه وهو الاستقرار غير مجهول.

# ومن قوله: والكيف غير معقول أن كل ما هو من صفة الله تعالى لا يدرك
~~العقل له كيفية لتعاليه عن ذلك فكف الكيف عنه مشلولة. ويدل على هذا ما
~~جاء في رواية أخرى عن عبد الله بن وهب أن مالكا سئل عن الاستواء فأطرق
~~وأخذته الرحضاء ثم قال: { الرحمن على العرش استوى } كما
~~وصف نفسه ولا يقال له: كيف وكيف عنه مرفوع إلى آخر / ما قال، ثم إن هذا
~~القول إن كان مع نفي اللوازم فالأمر فيه هين، وإن كان مع القول بها
~~والعياذ بالله تعالى فهو ضلال وأي ضلال وجهل وأي جهل بالملك المتعال، وما
~~أعرف ما قاله بعض العارفين الذين كانوا من تيار المعارف غارفين على لسان
~~حال العرش موجها الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج حين
~~أشرقت شمسه عليه الصلاة والسلام في الملأ الأعلى فتضاءل معها كل نور
~~وسراج كما نقله الإمام القسطلاني معرضا بضلال مثل أهل هذا المذهب الثاني
~~ولفظه مع حذف، ولما انتهى صلى الله عليه وسلم إلى العرش تمسك بأذياله
~~وناداه بلسان حاله يا محمد أنت في صفاء وقتك آمنا من مقتك إلى أن قال: يا
~~محمد أنت المرسل ms03172 رحمة للعالمين ولا بد لي من نصيب من هذه الرحمة ونصيبي
~~يا حبيبي أن تشهد بالبراءة مما نسبه أهل الزور إلي وتقوله أهل
~~الغرور علي، زعموا أني أسع من لا مثل له وأحيط بمن لا كيفية له يا محمد
~~من لا حد لذاته ولا عد لصفاته كيف يكون مفتقرا إلي ومحمولا علي إذا
~~كان الرحمن اسمه والاستواء صفته وصفته متصلة بذاته كيف يتصل بي أو ينفصل
~~عني؟ يا محمد وعزته لست بالقريب منه وصلا ولا بالبعيد عنه فصلا ولا
~~بالمطيق له حملا أوجدني منه رحمة وفضلا ولو محقني لكان حقا منه وعدلا
~~يا محمد أنا محمول قدرته ومعمول حكمته اه.

# وذهب المعتزلة وجماعة من المتكلمين إلى أن العرش على معناه، واستوى
~~بمعنى استولى واحتجوا عليه بقوله:

# قد استوى بشرى على العراق

# من غير سيف ودم مهراق

# وخص العرش بالإخبار عنه بالاستيلاء عليه لأنه أعظم المخلوقات، ورد هذا
~~المذهب بأن العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى وإنما يقال استولى فلان على
~~كذا إذا لم يكن في ملكه ثم ملكه واستولى عليه والله تعالى لم يزل مالكا
~~للأشياء كلها ومستوليا عليها ونسب ذلك للأشعرية.

# وبالغ ابن القيم في ردهم ثم قال: إن لام الأشعرية كنون اليهودية وهو ليس
~~من الدين القيم عندي. وذهب الفراء واختاره القاضي إلى أن المعنى ثم قصد
~~إلى خلق العرش، ويبعده تعدي الاستواء بعلي، وفيه قول بأن خلق العرش بعد
~~خلق السموات والأرض وهو كما ترى، وذهب القفال إلى أن المراد نفاذ القدرة
~~وجريان المشيئة واستقامة الملك لكنه أخرج ذلك على الوجه الذي ألفه الناس
~~من ملوكهم واستقر في قلوبهم، قيل: ويدل على صحة ذلك قوله سبحانه في سورة
~~يونس [3]

# ثم استوى على العرش يدبر الأمر

# فإن { يدبر الأمر } جرى مجرى التفسير لقوله: { استوى على
~~العرش } وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى، وذكر أن القفال يفسر
~~العرش بالملك ويقول ما يقول، واعترض بأن الله تعالى لم يزل مستقيم الملك
~~مستويا عليه قبل خلق السموات والأرض وهذا يقتضي ms03173 أنه سبحانه لم يكن
~~كذلك، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وأجيب بأن الله تعالى كان قبل خلق
~~السموات والأرض مالكها لكن لا يصح أن يقال: شبع زيد إلا بعد أكله الطعام
~~فإذا فسر العرش بالملك صح أن يقال: إنه تعالى إنما استوى ملكه بعد خلق
~~السموات والأرض، ومنهم من يجعل الإسناد مجازيا ويقدر فاعلا في الكلام
~~أي استوى أمره ولا يضر حذف الفاعل إذا قام ما أضيف إليه مقامه، وعلى هذا
~~لا يكون الاستواء صفة له تعالى وليس بشيء. ومن فسره بالاستيلاء أرجعه إلى
~~صفة القدرة. ونقل البيهقي عن أبي الحسن الأشعري أن الله تعالى فعل في
~~العرش فعلا سماه استواء كما فعل في غيره فعلا سماه رزقا ونعمة وغيرهما
~~من أفعاله سبحانه لأن ثم للتراخي وهو إنما يكون في الأفعال، وحكى الأستاذ
~~/ أبو بكر بن فورك عن بعضهم أن استوى بمعنى علا ولا يراد بذلك العلو
~~بالمسافة والتحيز والكون في المكان متمكنا فيه ولكن يراد معنى يصح نسبته
~~إليه سبحانه، وهو على هذا من صفات الذات. وكلمة { ثم } تعلقت بالمستوى
~~عليه لا بالاستواء أو أنها للتفاوت في الرتبة وهو قول متين.

# وأنت تعلم أن المشهور من مذهب السلف في مثل ذلك تفويض المراد منه إلى
~~الله تعالى فهم يقولون: استوى على العرش على الوجه الذي عناه سبحانه
~~منزها عن الاستقرار والتمكن، وأن تفسير الاستواء بالاستيلاء تفسير مرذول
~~إذ القائل به لا يسعه أن يقول كاستيلائنا بل لا بد أن يقول: هو استيلاء
~~لائق به عز وجل فليقل من أول الأمر هو استواء لائق به جل وعلا. وقد اختار
~~ذلك السادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم وهو أعلم وأسلم وأحكم خلافا
~~لبعضهم. ولعل لنا عودة إلى هذا البحث إن شاء الله تعالى.

# { يغشي اليل النهار } أي يغطي سبحانه النهار بالليل، ولما كان
~~المغطى يجتمع مع المغطى وجودا وذلك لا يتصور هنا قالوا: المعنى يلبسه
~~مكانه فيصير الجو مظلما بعدما كان مضيئا فيكون التجوز في الإسناد
~~بإسناد ما لمكان الشيء ms03174 إليه ومكانه هو الجو على معنى أنه مكان للضوء الذي
~~هو لازمه لا أنه مكان لنفس النهار لأن الزمان لا مكان له؛ وجوز أن يكون
~~هناك استعارة بأن يجعل غشيان مكان النهار وإظلامه بمنزلة غشيانه للنهار
~~نفسه فكأنه لف عليه لف الغشاء أو يشبه تغييبه له بطريانه عليه بستر
~~اللباس للملابسة.

# وجوز أن يكون المعنى يغطي سبحانه الليل بالنهار، ورجح الوجه الأول بأن
~~التغشية بمعنى الستر وهي أنسب بالليل من النهار. وبأنه يلزم على الثاني
~~أن يكون الليل مفعولا ثانيا والنهار مفعولا أولا، وقد ذكر أبو حيان
~~أن المفعولين إذا تعدى إليهما فعل وأحدهما فاعل من حيث المعنى يلزم أن
~~يكون هو الأول منهما عندهم كما لزم ذلك في ملكت زيدا عمرا، ورتبة
~~التقديم هي الموضحة لأنه الفاعل معنى كما لزم ذلك في ضرب موسى عيسى بخلاف
~~أعطيت زيدا درهما فإن تعين المفعول الأول لا يتوقف على التقديم. ورجح
~~الثاني بأن حميد بن قيس قرأ { يغشى اليل النهار } بفتح الياء
~~ونصب { اليل } ورفع { النهار } ، ويلزم عليها أن يكون الطالب
~~النهار والليل ملحق به. وتوافق القراءتين أولى من تخالفهما. وبأن قوله
~~تعالى:

# وءاية لهم اليل نسلخ منه النهار

# [يس: 37] يعلم منه  على ما قال المرزوقي  أن الليل قبل النهار لأن
~~المسلوخ منه يكون قبل المسلوخ فالنهار بالإدراك أولى، وبأن قوله سبحانه:
~~{ يطلبه حثيثا } أي محمولا على السرعة ففعيل بمعنى مفعول أوفق
~~بهذا الوجه فإن هذا الطلب من النهار أظهر، وقد قالوا: إن ضوء النهار هو
~~الهاجم على ظلمة الليل. وأنشد بعضهم:

# كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى

# نطير غرابا ذا قوادم جون

# ولبعض المتأخرين من أبيات:

# وكأن الشرق باب للدجى

# ماله خوف هجوم الصبح فتح

# وحديث إن التغشية أنسب بالليل قيل: مسلم لو كان المراد بالتغشية حقيقتها
~~لكان ليس المراد ذلك بل المراد اللحوق والإدراك وهذا أنسب بالنهار كما
~~علمت. والقاعدة المذكورة لا تخلو عن كلام. على أنه لا يبعد على ما تقرر
~~أن يكون الكلام من قبيل  أعطيت زيدا درهما . والقول ms03175 بأن معنى الآية
~~أنه سبحانه يجعل الليل أغشى / بالنهار أي مبيضا بنور الفجر بناء على ما
~~في «الصحاح» من أن الأغشى من الخيل وغيره ما ابيض رأسه كله من بين جسده
~~كالأرخم مما لا يكاد يقدم عليه، وذكر سبحانه أحد الأمرين ولم يذكرهما
~~معا كما في قوله تعالى:

# يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل

# [فاطر: 13] للعلم بالآخر من المذكور لأنه يشير إليه أو لأن اللفظ يحتمله
~~ على ما قيل ، وقال بعض المحققين: إن الليل والنهار بمعنى كل ليل ونهار
~~وهو بتعاقب الأمثال مستمر الاستبدال فيدل على تغيير كل منهما بالآخر
~~بأخصر عبارة من غير تكلف ومخالفة لما اشتهر من قواعد العربية.

# وجملة { يغشى }  على ما قاله ابن جنى  على قراءة حميد حال من
~~الضمير في قوله سبحانه: { ثم استوى } والعائد محذوف أي: يغشي الليل
~~النهار بأمره أو باذنه، وقوله جل وعلا: { يطلبه حثيثا } بدل من {
~~يغشى } الخ للتوكيد. وعلى قراءة الجماعة حال من { اليل } أي يغشي
~~الليل النهار طالبا له حثيثا، و { حثيثا } حال من الضمير في {
~~يطلبه } وجوز غيره أن تكون الجملة حالا من { النهار } على تقدير
~~قراءة حميد أيضا. وجوز أبو البقاء الاستئناف في الجملة الأولى. وقال
~~بعضهم: يجوز في { حثيثا } أن يكون حالا من الفاعل بمعنى حاثا أو من
~~المفعول أي محثوثا، وأن يكون صفة مصدر محذوف أي طلبا حثيثا، وإنما وصف
~~الطلب بذلك لأن تعاقب الليل والنهار  على ما قال الإمام وغيره  إنما
~~يحصل بحركة الفلك الأعظم وهى أشد الحركات سرعة فإن الإنسان إذا كان في
~~أشد عدوه بمقدار رفع رجله ووضعها يتحرك الفلك ثلاثة آلاف ميل وهي ألف
~~فرسخ. واعترض بأن الفلك الأعظم إن كان هو العرش كما قالوا فحركته غير
~~مسلمة عند جمهور المحدثين بل هم لا يسلمون حركة شيء من سائر الأفلاك
~~أيضا وهو الكرسي والسموات السبع بل ادعوا أن النجوم بأيدي ملائكة تسير
~~بها حيث شاء الله تعالى وكيف شاء، وقال الشيخ الأكبر قدس سره: إنها تجري
~~في ثخن الأفلاك ms03176 جري السمك في الماء كل في فلك يسبحون، وفسر  فيما نقل
~~عنه  قوله سبحانه: { يغشى اليل النهار } بيجعله غاشيا له
~~غشيان الرجل المرأة وقال: ذكر سبحانه الغشيان هنا والإيلاج في آية أخرى
~~وهذا هو التناكح المعنوي وجعله ساريا في جميع الموجودات، وإن صح هذا فما
~~أصح قولهم: الليل حبلى وما ألطفه، وأمر الحث عليه ظاهر لمن ذاق عسيلة
~~النكاح. والحاصل من هذا الغشيان عند من يقول به ما في هذا العالم من معدن
~~ونبات وحيوان وهي المواليد الثلاث أو من الحوادث مطلقا، ويقرب من هذا
~~قوله:

# أشاب الصغير وأفنى الكبير

# كر الغداة ومر العشي

# وأنت تعلم أن لا مؤثر في الوجود على الحقيقة إلا الله تعالى، ووجه ذكره
~~سبحانه هذا بعد ذكره الاستواء  على ما نقل عن القفال  أنه جل شأنه لما
~~أخبر العباد باستوائه أخبر عن استمرار أمور المخلوقات على وفق مشيئته
~~وأراهم ذلك فيما يشاهدونه لينضم العيان إلى الخبر وتزول الشبهة من كل
~~الجهات، ولا يخفى أن هذا قد يحسن وجها لذكر ذلك وما بعده بعد ذكر
~~الاستواء وأما لذكره بخصوصه هناك دون تسخير الشمس والقمر فلا، وذكر صاحب
~~«الكشف» في توجيه اختيار صاحب «الكشاف» هنا أن الغاشي هو النهار وفي
~~الرعد [3] هو الليل، وتفسيره التغشية هناك بالإلباس وهنا بالإلحاق نظرا
~~إلى الخلاصة ما يفهم منه وجه تقديم التغشية على التسخير الآتي في هذه
~~الآية وعكسه في آية الرعد حيث قال: والنكتة في ذلك أن تسخر الشمس والقمر
~~ذكر هنالك من قبل في تعديد الآيات فلما فرغ ذكر إدخال الليل على النهار
~~ليطابقه ولأنه / أظهر في الآية وأن الشمس مسخرة مأمورة وههنا جاء به على
~~أسلوب آخر تمهيدا لقوله سبحانه:

# ادعوا ربكم

# [الأعراف: 55] أي من هذه ألطافه وآياته في شأنكم فرجح جانب اللفظ على
~~الأصل، وللجمع بين القراءتين أيضا اه فتدبر ولا تغفل. وقرىء { يغشى
~~} بالتشديد للدلالة على التكرار.

# { والشمس والقمر والنجوم مسخرت بأمره } أي
~~خلقهن حال كونهن مذللات تابعات لتصرفه سبحانه فيهن بما يشاء غير ممتنعات
~~عليه ms03177 جل شأنه كأنهن مميزات أمرن فانقدن فتسمية ذلك أمرا على سبيل
~~التشبيه والاستعارة، ويصح حمل الأمر على الإرادة كما قيل أي هذه الأجرام
~~العظيمة والمخلوقات البديعة منقادة لإرادته. ومنهم من حمل الأمر على
~~الأمر الكلامي وقال: إنه سبحانه أمر هذه الأجرام بالسير الدائم والحركة
~~المستمرة على الوجه المخصوص إلى حيث شاء. ولا مانع من أن يعطيها الله
~~تعالى إدراكا وفهما لذلك بل ادعى بعضهم أنها مدركة مطلقا، وفي بعض
~~الأخبار ما يدل على أن لبعضها إدراكا لغير ما ذكر، وإفراد الشمس والقمر
~~بالذكر مع دخولهما في النجوم لإظهار شرفهما عليها لما فيهما من مزيد
~~الإشراق والنور وبسيرهما في المنازل تعرف الأوقات. وقدم الشمس على القمر
~~رعاية للمطابقة مع ما تقدم وهي من البديع ولأنها أسنى من القمر وأسمى
~~مكانة ومكانا بناء على ما قيل من أنها في السماء الرابعة وأنه في السماء
~~الأولى، وليس بمسلم عند المحدثين كالقول بأن نوره مستفاد من نورها
~~لاختلاف تشكلاته على انحاء متفاوتة بحسب وضعه من الشمس في القرب والبعد
~~عنها مع ما يلحقه من الخسوف لا لاختلاف التشكلات وحده فإنه لا يوجب الحكم
~~بأن نور القمر مستفاد من الشمس قطعا لجواز أن يكون نصفه مضيئا من ذاته
~~ونصفه مظلما ويدور على نفسه بحركة مساوية لحركة فلكه فإذا تحرك بعد
~~المحاق يسيرا رأيناه هلالا ويزداد فنراه بدرا ثم يميل نصفه المظلم شيئا
~~فشيئا إلى أن يؤول إلى المحاق. وفي كونها مسخرات دلالة على أنها لا
~~تأثير لها بنفسها في شيء أصلا. وقرأ جميعها ابن عامر بالرفع على
~~الابتداء والخبر. والنصب بالعطف على { السموات } والحالية كما
~~أشرنا إليه، وجوز تقدير جعل وجعل الشمس مفعولا أولا و { مسخرت }
~~مفعولا ثانيا.

# { ألا له الخلق والأمر } كالتذييل للكلام السابق أي أنه
~~تعالى هو الذي خلق الأشياء ويدخل في ذلك السموات والأرض دخولا أوليا
~~وهو الذي دبرها وصرفها على حسب إرادته ويدخل في ذلك ما أشير إليه بقوله
~~سبحانه:

# مسخرت بأمره

# [الأعراف: 54] لا أحد غيره كما يؤذن به تقديم الظرف. ms03178 وفسر بعضهم الأمر
~~هنا بالإرادة أيضا، وفسر آخرون الأمر بما هو مقابل النهي والخلق
~~بالمخلوق أي له تعالى المخلوقون لأنه خلقهم وله أن يأمرهم بما أراد،
~~واستخرج سفيان بن عيينة من هذا أن كلام الله تعالى شأنه ليس بمخلوق فقال:
~~إن الله تعالى فرق بين الخلق والأمر فمن جمع بينهما فقد كفر يعني من جعل
~~الأمر الذي هو كلامه سبحانه من جملة ما خلقه فقد كفر لأن المخلوق لا يقوم
~~إلا بمخلوق مثله كذا في «تفسير الخازن» وليس بشيء كما لا يخفى. وأخرج ابن
~~أبي حاتم عن سفيان أن الخلق ما دون العرش والأمر ما فوق ذلك، وشاع عند
~~بعضهم إطلاق عالم الأمر على عالم المجردات.

# { تبارك الله رب العلمين } أي تقدس وتنزه عن كل نقص
~~ويدخل في ذلك تنزهه تعالى عن نقص في الخلق أو في الأمر دخولا أوليا.
~~ففي ذلك إشارة إلى أنهما طبق الحكمة وفي غاية الكمال ولا يقال ذلك في
~~غيره تعالى بل هو صفة خاصة به سبحانه كما في «القاموس». وقال الإمام: «إن
~~البركة لها تفسيران أحدهما البقاء والثبات والثاني كثرة الآثار / الفاضلة
~~فإن حملته على الأول فالثابت الدائم هو الله تعالى، وإن حملته على الثاني
~~فكل الخيرات والكمالات من الله تعالى فهذا الثناء لا يليق إلا بحضرته جل
~~وعلا». واختار الزجاج أنه من البركة بمعنى الكثرة من كل خير ولم يجيء منه
~~مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل مثلا، وقال البيضاوي: المعنى: تعالى
~~بالوحدانية والألوهية وتعظم بالتفرد بالربوبية، وعلى هذا فهو ختام لوحظ
~~فيه مطلعه ثم حقق الآية بما لا يخلو عن دغدغة ومخالفة لما عليه سلف
~~الأمة.

### || [7.55]

# ثم إنه تعالى بعد أن بين التوحيد وأخبر أنه المتفرد بالخلق والأمر أمر
~~عباده أن يدعوه مخلصين متذللين فقال عز من قائل: { ادعوا ربكم }
~~الذي عرفتم شؤونه الجليلة، والمراد من الدعاء  كما قال غير واحد 
~~السؤال والطلب وهو مخ العبادة لأن الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف
~~من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب ms03179 وأنه عاجز عن تحصيله وعرف أن ربه تبارك
~~وتعالى يسمع الدعاء ويعلم الحاجة وهو قادر على إيصالها إليه. ولا شك أن
~~معرفة العبد نفسه بالعجز والنقص ومعرفته ربه بالقدرة والكمال من أعظم
~~العبادات. وقيل: المراد منه هنا العبادة لأنه عطف عليه

# وادعوه خوفا وطمعا

# [الأعراف: 56] والمعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه وفيه نظر، أما
~~أولا فلأن المغايرة تكفي باعتبار المتعلقات كما تقول ضربت زيدا وضربت
~~عمرا. وأما ثانيا فلأنها لا تستدعي حمل الدعاء هنا على العبادة بل حمله
~~على ذلك إما هناك أو هنا، وأما ثالثا فلأنه خلاف التفسير المأثور كما
~~ستعلمه إن شاء الله تعالى: { تضرعا } أي ذوي تضرع أو متضرعين فنصبه
~~على الحال من الفاعل بتقدير أو تأويل، وجوز نصبه على المصدرية وكذا
~~الكلام فيما بعد. وهو من الضراعة وهي الذل والاستكانة يقال ضرع فلان
~~لفلان إذا ذل له واستكان، وقال الزجاج التضرع التملق وهو قريب مما قالوا
~~أي ادعوه تذللا، وقيل: التضرع مقابل الخفية واختاره أبو مسلم أي ادعوه
~~علانية.

# { وخفية } أي سرا. أخرج ابن المبارك وابن جرير وأبو الشيخ عن
~~الحسن قال: لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان
~~إلا همسا بينهم وبين ربهم وذلك أنه تعالى يقول: { ادعوا ربكم
~~تضرعا وخفية } وأنه سبحانه ذكر عبدا صالحا فرضي له فعله فقال
~~تعالى:

# إذ نادى ربه نداء خفيا

# [مريم: 3] وفي رواية عنه أنه قال:

# " بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا ".

# وجاء من حديث أبي موسى الأشعري أنه صلى الله عليه وسلم قال لقوم
~~يجهرون:

# " أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم
~~تدعون سميعا بصيرا وهو معكم وهو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته "

# والمعنى ارفقوا بأنفسكم واقصروا من الصياح في الدعاء. ومن هنا قال جمع
~~بكراهة رفع الصوت به. وفي «الانتصاف» «حسبك في تعين الإسرار فيه اقترانه
~~في الآية بالتضرع فالإخلال به كالإخلال بالضراعة إلى الله تعالى [في
~~الدعاء] وإن دعاء لا تضرع فيه ولا ms03180 خشوع لقليل الجدوى فكذلك دعاء لا خفية
~~فيه ولا وقار يصحبه، وترى كثيرا من أهل زمانك يعتمدون الصراخ في الدعاء
~~خصوصا في الجوامع حتى يعظم اللغط ويشتد وتستك المسامع وتستد ولا يدرون
~~أنهم جمعوا بين بدعتين رفع الصوت في الدعاء وكون ذلك في المسجد».

# وروى ابن جرير عن ابن جريج أن رفع الصوت بالدعاء من الاعتداء المشار
~~إليه بقوله سبحانه: { إنه لا يحب المعتدين } وأخرج ابن
~~أبي حاتم مثله عن زيد بن أسلم. وذهب بعضهم إلى أنه مما لا بأس به، ودعاء
~~المعتدين الذي لا يحبه الله تعالى هو طلب ما لا يليق بالداعي كرتبة
~~الأنبياء عليهم السلام والصعود إلى / السماء. وإن منه ما ذهب جمع إلى أنه
~~كفر كطلب دخول إبليس وأبي جهل وأضرابهما الجنة وطلب نزول الوحي والتنبي
~~ونحو ذلك من المستحيلات لما فيه من طلب إكذاب الله تعالى نفسه. وأخرج
~~أحمد في «مسنده» وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت النبي صلى
~~الله عليه وسلم يقول:

# " سيكون قوم يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن يقول اللهم إني أسالك الجنة
~~وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل
~~ثم قرأ { إنه لا يحب المعتدين } ".

# وفصل آخرون فقالوا: الإخفاء أفضل عند خوف الرياء والإظهار أفضل عند عدم
~~خوفه، وأولى منه القول بتقديم الإخفاء على الجهر فيما إذا خيف الرياء أو
~~كان في الجهر تشويش على نحو مصل أو نائم أو قارىء أو مشتغل بعلم شرعي،
~~وبتقديم الجهر على الإخفاء فيما إذا خلا عن ذلك وكان فيه قصد تعليم جاهل
~~أو نحو إزالة وحشة عن مستوحش أو طرد نحو نعاس أو كسل عن الداعي نفسه أو
~~إدخال سرور على قلب مؤمن أو تنفير مبتدع عن بدعة أو نحو ذلك، ومنه الجهر
~~بالترضي عن الصحابة والدعاء لإمام المسلمين في الخطبة. وقد سن الشافعية
~~الجهر بآمين بعد الفاتحة وهو دعاء ويجهر بها الإمام والمأموم عندهم.

# وفرق بعضهم بين رفع الصوت جدا كما ms03181 يفعله المؤذنون في الدعاء بالفرج على
~~المآذن وبين رفعه بحيث يسمعه من عنده فقال: لا بأس في الثاني غالبا ولا
~~كذلك الأول. والظاهر أن المراد بالمعتدين المجاوزون ما أمروا به في كل
~~شيء ويدخل فيهم المعتدون في الدعاء دخولا أوليا. وأخرج ابن أبي حاتم
~~عن ابن جبير أن المعنى في الآية ادعوا ربكم في كل حاجاتكم من أمر الدنيا
~~والآخرة ولا تعتدوا فتدعوا على مؤمن ومؤمنة بشر كالخزي واللعن. وقد اختلف
~~العلماء في كفر من دعا على آخر بسلب الإيمان أو الموت كافرا وهو من أعظم
~~أنواع الإعتداء والمفتى به عدم الكفر.

# وذكروا للدعاء آدابا كثيرة، منها الكون على طهارة واستقبال القبلة
~~وتخلية القلب من الشواغل وافتتاحه واختتامه بالتصلية على النبي صلى الله
~~عليه وسلم ورفع اليدين نحو السماء وإشراك المؤمنين فيه وتحري ساعات
~~الإجابة، ومنها يوم الجمعة عند كثير ساعة الخطبة ويدعو فيها بقلبه كما نص
~~عليه أفضل متأخري مصره الفاضل الطحطاوي في «حواشيه على الدر المختار»
~~فيما نقله عنه أفقه المعاصرين ابن عابدين الدمشقي ووقت نزول الغيث
~~والإفطار وثلث الليل الأخير وبعد ختم القرآن وغير ذلك مما هو مبسوط في
~~محله.

### || [7.56]

# { ولا تفسدوا فى الأرض } نهى عن سائر أنواع الافساد كإفساد
~~النفوس والأموال والأنساب والعقول والأديان { بعد إصلحها } أي
~~إصلاح الله تعالى لها وخلقها على الوجه الملائم لمنافع الخلق ومصالح
~~المكلفين وبعث فيها الأنبياء بما شرعه من الأحكام { وادعوه خوفا
~~وطمعا } أي ذوي خوف من الرد لقصوركم عن أهلية الإجابة وطمع في إجابته
~~تفضلا منه، وقيل خوفا من عقابه وطمعا في جزيل ثوابه. وقال ابن جريج:
~~المعنى خوف العدل وطمع الفضل. وعن عطاء خوفا من الميزان وطمعا في
~~الجنان. وأصل الخوف انزعاج القلب لعدم أمن الضرر، وقيل: توقع مكروه يحصل
~~فيما بعد، والطمع توقع محبوب يحصل له، ونصبهما على الحالية كما أشير
~~إليه. وجوز أن يكون على المفعولية لأجله. قيل: ولما كان الدعاء من الله
~~تعالى بمكان كرره وقيده أولا بالأوصاف الظاهرة وآخرا بالأوصاف الباطنة،
~~وقيل: الأمر ms03182 السابق من قبيل بيان شرط الدعاء والثاني من قبيل بيان
~~فائدته، وقيل: لا تكرار، فما تقدم أمر بالدعاء بمعنى السؤال وهذا أمر
~~بالدعاء بمعنى العبادة، والمعنى / اعبدوه جامعين في أنفسكم الخوف والرجاء
~~في عبادتكم القلبية والقالبية وهو كما ترى، ومن الناس من أبقى الدعاء على
~~المعنى الظاهر وعمم في متعلق الخوف والطمع، والمعنى عنده ادعوه وأنتم
~~جامعون في أنفسكم الخوف والرجاء في أعمالكم كلها، وليس بشيء والمختار عند
~~جلة المفسرين ما تقدم.

# { إن رحمت الله قريب من المحسنين } أعمالهم، ومن
~~الإحسان في الدعاء أن يكون مقرونا بالخوف والطمع. وقد كثر الكلام في
~~توجيه تذكير { قريب } مع أنه صفة مخبر بها عن المؤنث، وقد نقل ابن
~~هشام في ذلك وجوها ذاكرا ما لها وما عليها. الأول: أن الرحمة في تقدير
~~الزيادة والعرب قد تزيد المضاف قال سبحانه وتعالى:

# سبح اسم ربك الأعلى

# [الأعلى: 1] أي سبح ربك ألا ترى أنه يقال في التسبيح سبحان ربي ولا
~~يقال سبحان اسم ربي والتقدير إن الله تعالى قريب فالخبر في الحقيقة عن
~~الاسم الأعظم، وتعقبه بأن هذا لا يصح عند علماء البصرة لأن الأسماء لا
~~تزاد في رأيهم وإنما تزاد الحروف، ومعنى الآية عندهم نزه أسماء ربك عما
~~لا يليق بها فلا تجر عليه سبحانه اسما لا يليق بكماله أو اسما غير مأذون
~~فيه فلا زيادة، الثاني: إن ذلك على حذف مضاف أي إن مكان رحمة الله تعالى
~~قريب فالإخبار إنما هو عن المكان وهو مذكر، ونظير ذلك

# " قوله صلى الله عليه وسلم مشيرا إلى الذهب والفضة «إن هذين حرام» "

# فإن الإخبار بالمفرد لأن التقديران استعمال هذين، وقول حسان:

# يسقون من ورد البريص عليهم

# بردى يصفق بالرحيق السلسل

# فإنه بتقدير ماء بردى فلذا قال: يصفق بالتذكير مع أن بردى مؤنث. وتعقب
~~بأن هذا المضاف بعيد جدا لا قريب والأصل عدم الحذف والمعنى مع تركه أحسن
~~منه مع وجوده. الثالث: أنه على حذف الموصوف أي شيء قريب كما قال الشاعر:

# قامت تبكيه على قبره

# من لي ms03183 من بعدك يا عامر

# تركتني في الدار ذا غربة

# قد ذل من ليس له ناصر

# أي شخصا ذا غربة. وعلى ذلك يخرج قول سيبويه قولهم: امرأة حائض أي شخص
~~ذو حيض.

# وقول الشاعر أيضا:

# فلو أنك في يوم الرخاء سألتني

# طلاقك لم أبخل وأنت صديق

# وتعقب بأنه أشد ضعفا من سابقه لأن تذكير صفة المؤنث باعتبار إجرائها
~~على موصوف مذكر محذوف شاذ ينزه كلام الله تعالى عنه، على أنه لا فصاحة في
~~قولك: رحمة الله شيء قريب ولا لطافة بل هو عند ذي الذوق كلام مستهجن،
~~ونحو حائض من الصفات المختصة لا يحتاج إلى العلامة لأنها لدفع اللبس ولا
~~لبس مع الاختصاص. وسيبويه وإن كان جوادا في مثل هذا المضمار إلا أن
~~الجواد قد يكبو، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، ألا تراه كيف جوز في باب
~~الصفة المشبهة مررت برجل حسن وجهه بإضافة حسن إلى الوجه وإضافة الوجه إلى
~~ضمير الرجل وخالفه في ذلك جميع البصريين والكوفيين لأنه قد أضاف الشيء
~~إلى نفسه. وقد علمت أيضا أن الأصل عدم الحذف. الرابع: أن العرب تعطي
~~المضاف حكم المضاف إليه في التذكير والتأنيث إذا صح الاستغناء عنه وهو
~~أمر مشهور فالرحمة لإضافتها إلى الاسم الجليل قد اكتسبت ما صحح الإخبار
~~عنها بالمذكر. وتعقبه أبو علي الفارسي في «تعاليقه» على «الكتاب» بأن هذا
~~التقدير والتأويل في القرآن / بعيد فاسد وإنما يجوز هذا في ضرورة الشعر.
~~وقال الروذراوري: إن اكتساب التأنيث في المؤنث قد صح بكلام من يوثق به،
~~وأما العكس فيحتاج إلى الشواهد ومن ادعى الجواز فعليه البيان. الخامس: أن
~~فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث كرجل جريح وامرأة جريح.
~~وتعقب بأنه خطأ فاحش لأن فعيلا هنا بمعنى فاعل. واعترض أيضا بأن هذا لا
~~ينقاس خصوصا من غير الثاني. السادس: أن فعيلا بمعنى فاعل قد يشبه بفعيل
~~بمعنى مفعول فيمنع من التاء في المؤنث كما قد يشبهون فعيلا بمعنى مفعول
~~بفعيل بمعنى فاعل فيلحقونه التاء. فالأول كقوله تعالى:

# من يحى العظم ms03184 وهى رميم

# [يس: 78] ومنه الآية الكريمة. والثاني كقولهم: خصلة ذميمة وصفة حميدة
~~حملا على قولهم: قبيحة وجميلة ولم يتعقب هذا بشيء. وتعقبه الروذراوري
~~بأنه مجرد دعوى لا دليل عليه وإن قاله النحويون. ويرد عليه أن أحد
~~الفعلين مشتق من لازم والآخر من متعد فلو أجري على أحدهما حكم الآخر لبطل
~~الفرق بين المتعدي واللازم إن كان على وجه العموم وإن كان على وجه الخصوص
~~فأين الدليل عليه وفيه نظر.

# السابع: أن العرب قد تخبر عن المضاف إليه وتترك المضاف كقوله تعالى:

# فظلت أعنقهم لها خضعين

# [الشعراء: 4] فإن خاضعين خبر عن الضمير المضاف إليه الأعناق لا عن
~~الأعناق ألا ترى أنك إذا قلت: الأعناق خاضعون لا يجوز لأن الجمع المذكر
~~السالم إنما يكون من صفات العقلاء فلا يقال أيد طويلون ولا كلاب نابحون.
~~وتعقب بأنه لعل هذا راجع إلى القول بالزيادة وقد علمت ما فيه. وقد قيل:
~~إن المراد بالأعناق الرؤساء والمعظمون. وقيل: الجماعة كما يقال: جاء زيد
~~في عنق من الناس أي في جماعة. وقال الروذراوري: إنه لو ساغ الإعراض عن
~~المضاف والحكم على المضاف إليه لساغ أن يقال: كان صاحب الدرع سابغة ومالك
~~الدار متسعة وليس فليس. الثامن: أن الرحمة والرحم متقاربان لفظا وهو
~~واضح ومعنى بدليل النقل عن أئمة اللغة فأعطي أحدهما حكم الآخر. وتعقب
~~بأنه ليس بشيء لأن الوعظ والموعظة تتقارب أيضا فينبغي أن يجيز هذا
~~القائل أن يقال: موعظة نافع وعظة حسن وكذلك الذكر والذكرى فينبغي أن
~~يقال: ذكرى نافع كما يقال: ذكر نافع. التاسع: أن فعيلا هنا بمعنى النسب
~~فقريب معناه ذات قرب كما يقول الخليل في حائض: إنه بمعنى ذات حيض. وتعقب
~~بأنه باطل لأن اشتمال الصفات على معنى النسب مقصور على أوزان خاصة وهي
~~فعال وفعل وفاعل.

# العاشر: ما قاله الروذراوري أن فعيلا مطلقا يشترك فيه المؤنث والمذكر.
~~وتعقب بأنه من أفسد ما قيل لأنه خلاف الواقع في كلام العرب فإنهم يقولون:
~~امرأة ظريفة وعليمة وحليمة ورحيمة ولا يجوز التذكير في شيء من ms03185 ذلك ولهذا
~~قال أبو عثمان المازني في قوله تعالى:

# وما كانت أمك بغيا

# [مريم: 28] أن بغيا فعول والأصل بغوى ثم قلبت الواو ياء والضمة كسرة
~~وأدغمت الياء في الياء، وأما قوله:

# فتور القيام قطيع الكلام

# تفتر عن در عروب حصر

# فالجواب عنه من أوجه: أحدها: أنه نادر. الثاني: أن أصله قطيعة ثم حذف
~~التاء للإضافة كقوله تعالى:

# وإقام الصلاة

# [الأنبياء: 73] والإضافة مجوزة لحذف التاء كما توجب حذف النون والتنوين.
~~وقد نص على ذلك غير واحد من القراء. الثالث: أنه إنما جاز ذلك لمناسبة
~~فتور لأنه فعول وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث. الحادي عشر: أنهم يقولون
~~في قرب النسب: قريب وإن أجري على مؤنث نحو فلانة قريب مني ويفرقون بينه
~~وبين قرب المسافة. وتعقب بأنه مبني على أن يقال في القرب النسبي: فلان
~~قرابتي. وقد نص جمع على / أن ذلك خطأ وأن الصواب أن يقال فلان ذو قرابتي
~~كما قال:

# يبكي الغريب عليه ليس يعرفه

# وذو قرابته في الحي مسرور

# الثاني عشر: من تأويل المؤنث بمذكر موافق له في المعنى.

# واختلف القائلون بذلك فمنهم من يقدر إن إحسان الله قريب ومنهم من يقدر
~~لطف الله قريب. ومن ذلك قوله:

# أرى رجلا منهم أسيفا كأنما

# يضم إلى كشحيه كفا مخضبا

# فأول الكف على معنى العضو. وتعقب بأنه باطل لأن ذلك إنما يقع في الشعر
~~وقد تقدم أنه لا يقال: موعظة حسن مع أن الموعظة بمنزلة الوعظ في المعنى
~~ويقاربه في اللفظ أيضا. وأما البيت فنص النحاة على أنه ضرورة وما هذه
~~سبيله لا يخرج عليه كلام الله سبحانه وتعالى، على أن بعضهم قال: إن الكف
~~قد يذكر. الثالث عشر: أن المراد بالرحمة هنا المطر  ونقل ذلك عن الأخفش
~~ والمطر مذكر، وأيد بأن الرحمة فيما بعد بمعنى المطر. واعترض عليه من
~~أوجه. أحدها: أنه لو كانت الرحمة الثانية هي الرحمة الأولى لم تذكر ظاهرة
~~على ما هو الظاهر إذ الموضع للضمير. ثانيها: أنه إذا أمكن الحمل على
~~العام لا يعدل إلى الخاص ولا ms03186 ضرورة هنا إلى الحمل كما لا يخفى، ثالثها:
~~أن الرحمة التي هي المطر لا تختص بالمحسنين لأن الله سبحانه يرزق الطائع
~~والعاصي، وإنما المختص في عرف الشرع هو الرحمة التي هي الغفران والتجاوز
~~والثواب. والجواب عن هذا بأنه كما جاز تخصيص الخطاب بالرحمة بالمعنى
~~الشرعي بالمحسنين على سبيل الترغيب كذلك يجوز تخصيص المطر الذي هو سبب
~~الإرزاق بهم ترغيبا في الإحسان ليس بشيء عندي. رابعها: أنك لو قلت: مطر
~~الله قريب لوجدت هذه الإضافة مما تمجها الأسماع وتنبو عنها الطباع بخلاف
~~إن رحمت الله فدل على أنه ليس بمنزلته في المعنى. وأجيب عنه بأن مجموع
~~[رحمة الله] استعمل مرادا به المطر، وبأن الإضافة في مطر الله إنما لم
~~تحسن للعلم بالاختصاص ولا كذلك رحمة الله تعالى، وهذا كما يحسن أن يقال:
~~كلام الله تعالى ولا يحسن أن يقال: قرآن الله سبحانه، والإنصاف أن هذا
~~القول ليس بشيء كما لا يخفى على ذي ذهن طري. وقال ابن هشام: لا بعد في أن
~~يقال: إن التذكير في الآية الكريمة لمجموع أمور من الأمور المذكورة.
~~واختار أنه لما كان المضاف يكتسب من المضاف إليه التذكير وكانت الرحمة
~~مقاربة للرحم في اللفظ وكان قريب على صيغة فعيل وفعيل الذي بمعنى فاعل قد
~~يحمل على فعيل بمعنى مفعول جاء التذكير. وادعى أنه لا يناقض ما قدمه من
~~الاعتراضات لأنه لا يلزم من انتفاء اعتبار شيء من هذه الأمور مستقلا
~~انتفاء اعتباره مع غيره اه. ولا يخلو عن حسن سوى أنه إذا أخذ في المجموع
~~كون الرحمة بمعنى المطر يفسد الزرع، وقد جرى في هذه الآية بحث طويل بين
~~ابن مالك والروذراوري وفي كلام كل حق وصواب، وفي نقل ذلك ما يورث السآمة.

# وأجاب الجوهري بأن الرحمة مصدر والمصادر لا تجمع ولا تؤنث وهو كما ترى.
~~وقيل: التذكير لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي ولا يخفى بعده لأن المتضمن
~~لضمير المؤنث ولو كان غير حقيقي لم يحسن تذكيره على المشهور، وقيل: إن
~~فعيلا هنا محمول على فعيل ms03187 الوارد في المصادر فإنه للمؤنث والمذكر كفعيل
~~بمعنى مفعول كالنقيض بالنون والقاف والضاد المعجمة وهو صوت الرحل ونحو
~~والضغيب بالضاد والغين المعجمة والياء المثناة من تحت والباء الموحدة صوت
~~الأرنب. وأنت تعلم أن حمله على فعيل / بمعنى مفعول أولى من هذا الحمل وهو
~~الذي أميل إليه، نعم ربما يدعى أن في ذلك إشارة ما إلى مزيد قرب الرحمة
~~لكنه بعيد جدا وقد لا يسلم. والذي أختاره أن فعيلا هنا بمعنى فاعل لا
~~بمعنى مفعول كما زعم الكرماني لما مرت الإشارة إليه، ولأن الرحمة صفة ذات
~~عند جمع وصفات الذات  سواء قلنا بعينيتها أو بغيريتها أو بأنها لا ولا 
~~لا يحسن الإخبار عنها بأنها مقربة، وذلك على القولين الأخيرين ظاهر وعلى
~~الأول أظهر، والقول بأن في ذلك ترغيبا في الإحسان حيث أشير إلى أنه
~~كالفاعل وقد أثر فيما لا يقبل التأثر مما لا يكاد يسلم، وأنه قد حمل على
~~فعيل بمعنى مفعول كما حمل على ذلك في خصوصية قريب في قول جرير:

# أتنفعك الحياة وأم عمرو

# قريب لا تزور ولا تزار

# وإنما لم يقل قريبة على الأصل للإشارة لأرباب الأذهان السليمة إلى أنها
~~قريبة جدا من المحسنين كما لا يخفى على المتأمل. واختار بعضهم تفسير
~~الرحمة هنا بالإحسان لمكان المحسنين

# هل جزاء الإحسن إلا الإحسن

# [الرحمن: 60] ولعله يعتبر شاملا للإحسان الدنيوي والأخروي. ووجه القرب
~~ على ما قيل  وجود الأهلية بحسب الحكمة مع ارتفاع الموانع بالكلية.
~~وفسرها ابن جبير بالثواب، والمتبادر منه الإحسان الأخروي. ووجه القرب
~~عليه بأن الإنسان في كل ساعة من الساعات في إدبار عن الدنيا وإقبال على
~~الآخرة وإذا كان كذلك كان الموت أقرب إليه من الحياة فلا يكون بين المحسن
~~والثواب في الآخرة إلا الموت وكل آت قريب.

# وجعل الزمخشري الآية من قبيل قوله تعالى:

# وإنى لغفار لمن تاب

# [طه: 82] الخ أي علق فيها الرحمة بإحسان الأعمال كما علق الغفران فيه
~~بالتوبة والإيمان والعمل الصالح فكأن (من تاب وآمن) الخ تفسير للمحسنين
~~وهو إشارة إلى ما يزعمه قومه ms03188 من أن الآية تدل على أن صاحب الكبيرة لا
~~يخلص من النار لأنه ليس من المحسنين، والتخليص من النار بعد الدخول فيها
~~رحمة. وأجيب بأن صاحب الكبيرة مؤمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه
~~وسلم ومن يكون كذلك فهو محسن بدليل أن الصبي إذا بلغ ضحى وآمن ومات قبل
~~الظهر فقد اجتمعت الأمة على أنه داخل تحت قوله تعالى:

# للذين أحسنوا الحسنى

# [يونس: 26] فهو محسن بمجرد الإيمان، والقول بأن المحسنين هم الذين أتوا
~~بجميع أنواع الإحسان على ما يؤذن به الآية الممثل بها أول البحث أول
~~المسألة. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أنه فسر المحسنين بالمؤمنين. وعن
~~بعضهم تفسيره بالداعين خوفا وطمعا لقرينة السباق على ذلك ونظر فيه.

### || [7.57]

# { وهو الذى يرسل الرياح } عطف على الجملة السابقة أو على
~~حديث خلق السموات والأرض. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي { الريح } على
~~الوحدة وهو متحمل لمعنى الجنسية فيطلق على الكثير. وخبر «اللهم اجعلها
~~رياحا ولا تجعلها ريحا» مخرج على قراءة الأكثرين { بشرا } بضم
~~الموحدة وسكون الشين مخفف بشرا بضمتين جمع بشير كنذر ونذير أي مبشرات
~~وهي قراءة عاصم. وروي عنه أيضا { بشرا } على الأصل. وقرىء بفتح الباء
~~على أنه مصدر بشره بالتخفيف بمعنى بشره المشدد. والمراد باشرات أو
~~للبشارة. وقرىء { بشرى } كحبلى وهو مصدر أيضا من البشارة. وقرأ أهل
~~المدينة والبصرة { نشرا } بضم النون والشين جمع نشور بفتح النون بمعنى
~~ناشر، وفعول بمعنى فاعل يطرد جمعه كذلك كصبور وصبر، ولم يجعل جمع ناشر
~~كبازل وبزل لأن جمع فاعل على فعل شاذ. / واختلف في معنى ناشر ففي
~~«الحواشي الشهابية» قيل: هو على النسب إما إلى النشر ضد الطي وإما إلى
~~النشور بمعنى الإحياء لأن الريح توصف بالموت والحياة كقوله:

# إني لأرجو أن تموت الريح

# فاقعد اليوم واستريح

# كما يصفها المتأخرون بالعلة والمرض. ومما يحكى النسيم من ذلك قول بعضهم
~~في شدة الحر:

# أظن نسيم الروض مات لأنه

# له زمن في الروض وهو عليل

# وقيل: هو فاعل من نشر مطاوع أنشر الله تعالى ms03189 الميت فنشر وهو ناشر كقوله:

# حتى يقول الناس مما رأوا

# يا عجبا للميت الناشر

# قيل: ناشر بمعنى منشر أي محيي، وقيل: فعول هنا بمعنى مفعول كرسول ورسل
~~وقد جوز ذلك أبو البقاء إلا أنه نادر مفرده وجمعه. وقرأ ابن عامر {
~~نشرا } بضم النون وسكون الشين حيث وقع، والتخفيف في فعل مطرد، وقرأ
~~حمزة والكسائي { نشرا } بفتح النون حيث وقع على أنه مصدر في موقع
~~الحال بمعنى ناشرات أو مفعول مطلق فإن الإرسال والنشر متقاربان.

# { بين يدى رحمته } أي قدام رحمته وهو من المجاز كما نقل عن
~~أبي بكر الأنباري، والمراد بالرحمة كما ذهب إليه غالب المفسرين المطر،
~~وسمي رحمة لما يترتب عليه بحسب جري العادة من المنافع. ولا يخفى أن
~~الرحمة في المشهور عامة فإطلاقها على ذلك إن كان من حيث خصوصه مجاز لكونه
~~استعمال اللفظ في غير ما وضع له إذ اللفظ لم يوضع لذلك الخاص بخصوصه وإن
~~كان إطلاقها عليه لا بخصوصه بل باعتبار عمومه. وكونه فردا من أفراد ذلك
~~العام فهو حقيقة لأنه استعمال اللفظ فيما وضع له على ما بين في «شرح
~~التلخيص» وغيره. وادعى الشهاب إثبات بعض أهل اللغة كون المطر من معاني
~~الرحمة، وقول ابن هشام في «رسالته» التي ألفها في بيان وجه تذكير {
~~قريب } المار عن قريب: إنا لا نجد أهل اللغة حيث يتكلمون على الرحمة
~~يقولون: ومن معانيها المطر فلو كانت موضوعة له لذكروه، قصارى ما فيه عدم
~~الوجدان وهو لا يستدعي عدم الوجود، ومما اشتهر أن المثبت مقدم على النافي
~~ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والمقام ظاهر في إرادة هذا المعنى، وبيان
~~كون الرياح مرسلة أمام ذلك ما قيل: إن الصبا تثير السحاب والشمال تجمعه
~~والجنوب تدره والدبور تفرقه وهذه أحد أنواع الريح المشهورة عند العرب،
~~وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن الرياح ثمانية أربع منها عذاب وهي القاصف
~~والعاصف والصرصر والعقيم وأربع منها رحمة وهي الناشرات والمبشرات
~~والمرسلات والذاريات.

# والريح من أعظم منن الله تعالى على عباده، ms03190 وعن كعب الأحبار لو حبس الله
~~تعالى الريح عن عباده ثلاثة أيام لأنتن أكثر أهل الأرض، وفي بعض الآثار
~~أن الله تعالى خلق العالم وملأه هواء ولو أمسك الهواء ساعة لأنتن ما بين
~~السماء والأرض، وذكر غير واحد من العلماء أنه يكره سب الريح، فقد روى
~~الشافعي عن أبي هريرة قال: أخذت الناس ريح بطريق مكة وعمر رضي الله
~~تعالى عنه حاج فاشتدت فقال عمر لمن حوله: ما بلغكم في الريح؟ فلم يرجعوا
~~إليه شيئا وبلغني الذي سأل عمر عنه من أمر الريح فاستحثثت راحلتي حتى
~~أدركت عمر وكنت مؤخر الناس فقلت: يا أمير المؤمنين أخبرت أنك سألت عن
~~الريح فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " الريح من روح الله تعالى تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها
~~فلا تسبوها واسألوا الله / تعالى من خيرها واستعيذوا بالله سبحانه من
~~شرها "

# ولا منافاة بين الآية وهذا الخبر إذ ليس فيها أنه سبحانه لا يرسلها إلا
~~بين يدي الرحمة ولئن سلم فهو خارج مجرى الغالب فإن العذاب بالريح نادر،
~~وقيل: ما في الخبر إنما هو الإيتاء بالرحمة والإيتاء بالعذاب لا الإرسال
~~بين يدي كل.

# { حتى إذا أقلت } غاية لقوله سبحانه { يرسل } والإقلال 
~~كما في «مجمع البيان»  حمل الشيء بأسره واشتقاقه من القلة وحقيقة أقله 
~~كما قال بعض المحققين  جعله قليلا أو وجده قليلا، والمراد ظنه كذلك
~~كأكذبه إذا جعله كاذبا في زعمه ثم استعمل بمعنى حمله لأن الحامل يستقل
~~ما يحمله أي يعده قليلا، ومن ذلك قولهم: جهد المقل أي الحامل { سحابا
~~} أي غيما سمي بذلك لانسحابه في الهواء وهو اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين
~~واحده بالتاء كتمر وتمرة وهو يذكر ويؤنث ويفرد وصفه ويجمع. وأهل اللغة
~~كالجوهري وغيره تسميه جمعا فلذا روعي فيه الوجهان في وصفه وضميره، وجاء
~~في الجمع سحب وسحائب { ثقالا } من الثقل كعنب ضد الخفة يقال: ثقل ككرم
~~ثقلا وثقالة فهو ثقيل، وثقل السحاب بما فيه من الماء { سقنه
~~لبلد ميت } أي لأجله ومنفعته أو ms03191 لإحيائه أو لسقيه كما قيل.

# وفي «البحر» أن اللام للتبليغ كما في قلت لك، وفرق بين سقت لك مالا
~~وسقت لأجلك مالا بأن الأول: معناه أوصلت لك ذلك وأبلغتكه. والثاني: لا
~~يلزم منه وصوله إليه، والبلد  كما قال الليث  كل موضع من الأرض عامر أو
~~غير عامر خال أو مسكون والطائفة منه بلدة والجمع بلاد، وتطلق البلدة على
~~المفازة ومنه قول الأعشى:

# وبلدة مثل ظهر الترس موحشة

# للجن بالليل في حافاتها زجل

# { فأنزلنا به الماء } أي بالبلد أو السحاب كما قال الزجاج وابن
~~الأنباري أو بالسوق أو الرياح كما قيل، والتذكير بتأويل المذكور وكذلك
~~قوله تعالى: { فأخرجنا به } ويحتمل أن يعود الضمير إلى الماء وهو
~~الظاهر لقربه لفظا ومعنى، ومطابقة النظائر وانفكاك الضمائر لا بأس به
~~إذا قام الدليل عليه وحسن الملاءمة. وإذا كان للبلد فالباء للظرفية في
~~الثاني وللإلصاق في الأول لأن الإنزال ليس في البلد بل المنزل، وجوز
~~الظرفية أيضا كما في رميت الصيد في الحرم على ما علمت فيما مر، وإذا كان
~~لغيره فهي للسببية وتشمل القريبة والبعيدة. { من كل الثمرت } أي
~~من كل أنواعها لأن الاستغراق غير مراد ولا واقع، وهذا أبلغ في إظهار
~~القدرة المراد، وقيل: إن الاستغراق عرفي والظاهر أن المراد التكثير، وجوز
~~بعضهم أن تكون { من } للتبعيض وأن تكون لتبيين الجنس.

# { كذلك نخرج الموتى } إشارة إلى إخراج الثمرات أو إلى إحياء
~~البلد الميت أي كما نحييه بإحداث القوى النامية فيه وتطريتها بأنواع
~~النبات والثمرات نخرج الموتى من الأرض ونحييها برد النفوس إلى مواد
~~أبدانها بعد جمعها وتطريتها بالقوى والحواس كذا قالوا، وهو إشارة  كما
~~قيل  إلى طريقي القائلين بالمعاد الجسماني وهما إيجاد البدن بعد عدمه ثم
~~إحياؤه وضم بعض أجزائه إلى بعض على النمط السابق بعد تفرقها ثم إحياؤه.
~~واستظهر الأول بأن المتبادر من الآية كون التشبيه بين الإخراجين من كتم
~~العدم، والثاني يحتاج إلى تمحل تقدير الإحياء واعتبار جمع الأجزاء مع أنه
~~غير معتبر في جانب المشبه به، وجوز أن يرجع ما ms03192 في الشق الثاني من الإحياء
~~برد النفوس الخ إلى الأول، وأنت تعلم أنه لا مانع من الإخراج من كتم
~~العدم، وأدلة / استحالة ذلك مما لا تقوم على ساق وقدم إلا أن الأدلة
~~النقلية على كل من الطريقين متجاذبة، وإذا صح القول بالمعاد الجسماني فلا
~~بأس بالقول بأي كان منهما، وكون إخراج الثمرات من كتم العدم قد لا يسلم
~~فإن لها أصلا في الجملة على أن إخراج الموتى عند القائلين بالطريق الأول
~~إعادة وليس إخراج الثمرات كذلك إذ لم يكن لها وجود قبل، نعم كون الأظهر
~~أن التشبيه بين الإخراجين مما لا مرية فيه، وفي «الخازن» اختلفوا في وجه
~~التشبيه فقيل: إن الله تعالى كما يخلق النبات بواسطة إنزال المطر كذلك
~~يحيي الموتى بواسطة إنزال المطر أيضا، فقد روي عن أبي هريرة وابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهم أن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى أمطر عليهم ماء
~~من تحت العرش يدعى ماء الحياة أربعين سنة فينبتون كما ينبت الزرع من
~~الماء.

# وفي رواية أربعين يوما فينبتون في قبورهم نبات الزرع حتى إذا استكملت
~~أجسادهم تنفخ فيهم الروح ثم يلقى عليهم النوم فينامون في قبورهم فإذا نفخ
~~في الصور النفخة الثانية عاشوا ثم يحشرون من قبورهم ويجدون طعم النوم في
~~رؤوسهم وأعينهم كما يجد النائم حين يستيقظ من نومه فعند ذلك يقولون:

# يويلنا من بعثنا من مرقدنا

# ؟ فيناديهم المنادي

# هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون

# [يس: 52]. وأخرج غير واحد عن مجاهد أنه إذا أراد الله تعالى أن يخرج
~~الموتى أمطر السماء حتى تشقق عنهم الأرض ثم يرسل سبحانه الأرواح فتعود كل
~~روح إلى جسدها، فكذلك يحيي الله تعالى الموتى بالمطر كإحيائه الأرض.
~~وقيل: إنما وقع التشبيه بأصل الإحياء من غير اعتبار كيفية فيجب الإيمان
~~به ولا يلزمنا البحث عن الكيفية ويفعل الله سبحانه ما يشاء { لعلكم
~~تذكرون } فتعلمون أن من قدر على ذلك فهو قادر على هذا من غير شبهة.
~~والأصل تتذكرون فطرحت إحدى التاءين، والخطاب قيل: للنظار مطلقا، وقيل:
~~لمنكري ms03193 البعث.

### || [7.58]

# { والبلد الطيب } أي الأرض الكريمة التربة التي لا سبخة ولا
~~حرة، واستعمال البلد بمعنى القرية عرف طار، ومن قبيل ذلك إطلاقه على مكة
~~المكرمة { يخرج نباته بإذن ربه } بمشيئته وتيسيره، وهو في
~~موضع الحال، والمراد بذلك أن يكون حسنا وافيا غزير النفع لكونه واقعا
~~في مقابلة قوله: { والذى خبث } من البلاد كالسبخة والحرة { لا
~~يخرج إلا نكدا } أي قليلا لا خير فيه، ومن ذلك قوله:

# لا تنجز الوعد إن وعدت وإن

# أعطيت أعطيت تافها نكدا

# ونصبه على الحال أو على أنه صفة مصدر محذوف، وأصل الكلام لا يخرج نباته
~~فحذف المضاف إليه وأقيم المضاف مقامه فصار مرفوعا مستترا، وجوز أن يكون
~~الأصل ونبات الذي خبث، والتعبير أولا بالطيب وثانيا بالذي خبث دون
~~الخبيث للإيذان بأن أصل الأرض أن تكون طيبة منبتة وخلافه طار عارض. وقرىء
~~{ يخرج نباته } ببناء { يخرج } لما لم يسم فاعله ورفع {
~~نبات } على النيابة عن الفاعل، و { يخرج نباته } ببناء {
~~يخرج } للفاعل من باب الإخراج، ونصب { نباته } على المفعولية،
~~والفاعل ضمير البلد، وقيل ضمير الله تعالى أو الماء، وكذا قرىء في {
~~يخرج } المنفي، ونصب { نكدا } حينئذ على المفعولية. وقرأ أبو
~~جعفر { نكدا } بفتحتين على زنة المصدر، وهو نصب على الحال أو على
~~المصدرية أي ذا نكد أو خروجا نكدا. وقرأ { نكدا } بالإسكان للتخفيف
~~كنزه في قوله:

# / فقال لي قول ذي رأي ومقدرة

# مجرب عاقل نزه عن الريب

# { كذلك } مثل ذلك التصريف البديع { نصرف الأيت } أي نردد
~~الآيات الدالة على القدرة الباهرة ونكررها. وأصل التصريف تبديل حال بحال
~~ومنه تصريف الرياح.

# { لقوم يشكرون } نعم الله تعالى ومنها تصريف الآيات وشكر ذلك
~~بالتفكر فيها والاعتبار بها، وخص الشاكرين لأنهم المنتفعون بذلك. وقال
~~الطيبي: ذكر { لقوم يشكرون } بعد

# لعلكم تذكرون

# [الأعراف: 57] من باب الترقي لأن من تذكر آلاء الله تعالى عرف حق النعمة
~~فشكر، وهذا  كما قال غير واحد  مثل لمن ينجع فيه الوعظ والتنبيه من
~~المكلفين ولمن لا يؤثر فيه شيء من ذلك. أخرج ابن المنذر وغيره ms03194 عن ابن
~~عباس أن قوله سبحانه وتعالى: { والبلد الطيب } الخ مثل ضربه
~~الله تعالى للمؤمنين يقول: هو طيب وعمله طيب والذي خبث الخ مثل للكافر
~~يقول: هو خبيث وعمله خبيث. وأخرج ابن جرير عن مجاهد أن هذا مثل ضربه الله
~~تعالى لآدم عليه السلام وذريته كلهم إنما خلقوا من نفس واحدة فمنهم من
~~آمن بالله تعالى وكتابه فطاب ومنهم من كفر بالله تعالى وكتابه فخبث.

# أخرج أحمد والشيخان والنسائي عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " مثل ما بعثني الله تعالى به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا
~~فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها
~~أجادب أمسكت الماء فنفع الله تعالى بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا
~~وأصاب منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه
~~في دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله تعالى به فعلم وعلم ومثل من لم
~~يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله تعالى الذي أرسلت به "

# وإيثار خصوص التمثيل بالأرض الطيبة والخبيثة استطراد عقيب ذكر المطر
~~وإنزاله بالبلد وموازنة بين الرحمتين كما في «الكشف»، ولقربه من الاعتراض
~~جىء بالواو في قوله سبحانه وتعالى: { والبلد الطيب } وفيه إشارة
~~إلى معنى ما ورد في «صحيح مسلم» عن عياض المجاشعي رضي الله تعالى عنه أن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته عن الله عز وجل:

# " إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم
~~".

# وفي «صحيح البخاري» عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم:

# " ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه "

# ووجه الإشارة قد مرت الإشارة إليه.

### || [7.59]

# ثم إنه سبحانه وتعالى عقب ذلك بما يحققه ويقرره من قصص الأمم الخالية
~~والقرون الماضية وفي ذلك أيضا تسلية لرسوله عليه الصلاة والسلام فقال جل
~~شأنه: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } وهو جواب قسم محذوف
~~أي ms03195 والله لقد أرسلنا الخ، واطرد استعمال هذه اللام مع قد في الماضي  على
~~ما قال الزمخشري  وقل الاكتفاء بها وحدها نحو قوله:

# حلفت لها بالله حلفة فاجر

# لناموا فما ان من حديث ولا صالي

# والسر في ذلك أن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدا للجملة المقسم
~~عليها التي هي جوابها فكانت مظنة (لتوقع المخاطب حصول المقسم عليه) لأن
~~القسم دل على الاهتمام فناسب ذلك إدخال قد، ونقل عن النحاة أنهم قالوا:
~~إذا كان جواب القسم ماضيا مثبتا متصرفا فإما أن يكون قريبا من الحال
~~فيؤتى بقد وإلا أثبت / باللام وحدها فجوزوا الوجهين باعتبارين، ولم يؤت
~~هنا بعاطف وأتى به في هود [52]. والمؤمنين [32] على ما قال الكرماني:
~~لتقدم ذكر نوح صريحا في هود وضمنا في المؤمنين حيث ذكر فيها قبل

# وعليها وعلى الفلك تحملون

# [المؤمنون: 22] وهو عليه السلام أول من صنعها بخلاف ما هنا.

# ونوح بن لمك  بفتحتين وقيل: بفتح فسكون، وقيل: ملكان بميم مفتوحة ولام
~~ساكنة ونون آخره. وقيل: لامك كهاجر  بن متوشلخ بضم الميم وفتح التاء
~~الفوقية والواو وسكون الشين المعجمة على وزن المفعول كما ضبطه غير واحد.
~~وقيل: بفتح الميم وضم المثناة الفوقية المشددة وسكون الواو ولام مفتوحة
~~وخاء معجمة  ابن  أخنوخ بهمزة مفتوحة أوله وخاء معجمة ساكنة ونون
~~مضمومة وواو ساكنة وخاء أيضا، ومعناه في تلك اللغة على ما قيل القراء.
~~وقيل: خنوخ بإسقاط الهمزة وهو إدريس عليه السلام. أخرج ابن إسحاق. وابن
~~عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: بعث نوح عليه السلام في
~~الألف الثاني وإن آدم عليه السلام لم يمت حتى ولد له نوح في آخر الألف
~~الأول. وأخرجا عن مقاتل. وجويبر أن آدم عليه السلام حين كبر ودق عظمه
~~قال: يا رب إلى متى أكد وأسعى؟ قال يا آدم حتى يولد لك ولد مختون فولد له
~~نوح بعد عشرة أبطن وهو يومئذ ابن ألف سنة إلا ستين عاما. وبعث على ما
~~روي عن ابن عباس على رأس (أربعمائة) سنة، وقال مقاتل: ms03196 وهو ابن مائة سنة.
~~وقيل: وهو ابن خمسين سنة. وقيل: وهو ابن مائتين وخمسين سنة ومكث يدعو
~~قومه تسعمائة وخمسين سنة. وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين فكان عمره
~~ألفا وأربعمائة وخمسين سنة. وبعث  كما روى ابن أبي حاتم وابن عساكر عن
~~قتادة  من الجزيرة.

# وهو أول نبي عذب الله تعالى قومه وقد لقي منهم ما لم يلقه نبي من
~~الأنبياء عليهم السلام.

# واختلف في عموم بعثته عليه السلام ابتداء مع الاتفاق على عمومها انتهاء
~~حيث لم يبق بعد الطوفان سوى من كان معه في السفينة، ولا يقدح القول
~~بالعموم في كون ذلك من خواص نبينا صلى الله عليه وسلم لأن ما هو من خواصه
~~عليه الصلاة والسلام عموم البعثة لكافة الثقلين الجن والإنس وذلك مجمع
~~عليه معلوم من الدين بالضرورة فيكفر منكره بل وكذا الملائكة كما رجحه جمع
~~محققون كالسبكي ومن تبعه وردوا على من خالف ذلك وصريح آية

# ليكون للعلمين نذيرا

# [الفرقان: 1] إذ العالم ما سوى الله تعالى، وخبر مسلم

# " وأرسلت إلى الخلق كافة "

# يؤيد ذلك بل قال البارزي: إنه صلى الله عليه وسلم أرسل حتى للجمادات بعد
~~جعلها مدركة. وفائدة الإرسال للمعصوم وغير المكلف طلب إذعانهما لشرفه
~~ودخولهما تحت دعوته واتباعه تشريفا على سائر المرسلين ولا كذلك بعثة نوح
~~عليه السلام. والفرق مثل الصبح ظاهر. وهو  كما في «القاموس»  «اسم
~~أعجمي صرف لخفته»، وجاء عن ابن عباس وعكرمة وجويبر ومقاتل أنه عليه
~~السلام إنما سمي نوحا لكثرة ما ناح على نفسه. واختلف في سبب ذلك فقيل:
~~هو دعوته على قومه بالهلاك. وقيل: مراجعته ربه في شأن ابنه كنعان. وقيل:
~~إنه مر بكلب مجذوم فقال له: اخسأ يا قبيح فأوحى الله إليه أعبتني أم عبت
~~الكلب. وقيل: هو إصرار قومه على الكفر فكان كلما دعاهم وأعرضوا بكى وناح
~~عليهم. قيل: وكان اسمه قبل السكن لسكون الناس إليه بعد آدم عليه السلام.
~~وقيل: عبد الجبار. وأنا لا أعول على شيء من هذه الأخبار والمعول عليه
~~عندي ما هو الظاهر من ms03197 أنه اسم وضع له حين ولد، وليس مشتقا من النياحة.
~~وأنه كما قال / صاحب «القاموس».

# { فقال يقوم اعبدوا الله } أي وحده، وترك التقييد به
~~للإيذان بأنها العبادة حقيقة وأما العبادة مع الإشراك فكلا عبادة ولدلالة
~~قوله سبحانه وتعالى: { ما لكم من إله } أي مستحق للعبادة {
~~غيره } عليه، وهو استئناف مسوق لتعليل العبادة المذكورة أو الأمر بها
~~و { من } صلة و { غيره } بالرفع  وهي قراءة الجمهور  صفة {
~~إله } أو بدل منه باعتبار محله الذي هو الرفع على الابتداء أو
~~الفاعلية. وقرأ الكسائي بالجر باعتبار لفظه، وقرىء شاذا بالنصب على
~~الاستثناء، وحكم غير  كما في «المفصل»  حكم الاسم الواقع بعد إلا وهو
~~المشهور أي مالكم إله إلا إياه كقولك: ما في الدار [من] أحد إلا زيدا
~~أو غير زيد، و { إله } إن جعل مبتدأ  فلكم  خبره أو خبره محذوف و
~~{ لكم } للتخصيص والتبيين أي مالكم في الوجود أو في العالم إله غير
~~الله تعالى.

# { إنى أخاف عليكم } إن لم تعبدوا حسبما أمرت به. وتقدير إن لم
~~تؤمنوا لما أن عبادته سبحانه وتعالى تستلزم الإيمان به وهو أهم أنواعها
~~وإنما قال عليه السلام: { أخاف } ولم يقطع حنوا عليهم واستجلابا لهم
~~بلطف. { عذاب يوم عظيم } هو يوم القيامة أو يوم الطوفان لأنه
~~أعلم بوقوعه إن لم يمتثلوا، والجملة  كما قال شيخ الإسلام  تعليل
~~للعبادة ببيان الصارف عن تركها إثر تعليلها ببيان الداعي إليها، ووصف
~~اليوم بالعظم لبيان عظم ما يقع فيه وتكميل الإنذار.

### || [7.60]

# { قال الملا من قومه } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية
~~قوله عليه السلام ونصحه لقومه كأنه قيل: فماذا قالوا بعد ما قيل لهم ذلك؟
~~فقيل: قال الخ. والملأ  على ما قال الفراء  الجماعة من الرجال خاصة.
~~وفسره غير واحد بالأشراف الذين يملأون القلوب بجلالهم والأبصار بجمالهم
~~والمجالس بأتباعهم، وقيل: سموا ملأ لأنهم مليون قادرون على ما يراد منهم
~~من كفاية الأمور { إنا لنراك في ضلل } أي ذهاب عن طريق
~~الحق، والرؤية قلبية ومفعولاها الضمير والظرف؛ وقيل: بصرية فيكون الظرف ms03198
~~في موضع الحال { مبين } أي بين كونه ضلالا.

### || [7.61]

# { قال } استئناف على طرز سابقه { ياقوم } ناداهم بإضافتهم إليه
~~استمالة لهم نحو الحق { ليس بى ضللة } نفي للضلال عن نفسه
~~الكريمة على أبلغ وجه فإن التاء للمرة لأن مقام المبالغة في الجواب
~~لقولهم الأحمق يقتضي ذلك والوحدة المستفادة منه باعتبار أقل ما ينطلق
~~فيرجع حاصل المعنى ليس بي أقل قليل من الضلال فضلا عن الضلال المبين،
~~وما يتخايل من أن نفي الماهية أبلغ فإن نفي الشيء مع قيد الوحدة قد يكون
~~بانتفاء الوحدة إلى الكثرة مضمحل بما حقق أن الوحدة ليست صفة مقيدة بل
~~اللفظ موضوع للجزء الأقل وهو الواحد المتحقق مع الكثرة ودونها على أن
~~ملاحظة قيد الوحدة في العام في سياق النفي مدفوع، وكفاك لا رجل شاهدا
~~فإنه موضوع للواحد من الجنس وبذلك فرق بينه وبين أسامة فإذا وقع عاما لا
~~يلحظ ذلك. ولو سلم جواز أن يقال ليس به ضلالة أي ضلالة واحدة بل ضلالات
~~متنوعة ابتداء لكن لا يجوز في مقام المقابلة كما نحن فيه قاله في «الكشف»
~~وبه يندفع ما أورد على «الكشاف» في هذا المقام. وفي «المثل السائر»
~~الأسماء المفردة الواقعة على الجنس التي تكون بينها وبين واحدها تاء
~~التأنيث متى أريد النفي كان استعمال واحدها أبلغ ومتى أريد الإثبات كان
~~استعمالها أبلغ كما في هذه الآية، ولا يظن أنه لما كان الضلال والضلالة
~~مصدرين من قولك: ضل يضل ضلالا وضلالة كان القولان سواء لأن الضلالة هنا
~~ليست عبارة عن / المصدر بل عن المرة والنفي كما علمت، وإنما بالغ عليه
~~السلام في النفي لمبالغتهم في الإثبات حيث جعلوه وحاشاه مستقرا في
~~الضلال الواضح كونه ضلالا.

# وقوله سبحانه وتعالى: { ولكني رسول من رب العلمين }
~~استدراك على ما قبله رافع لما يتوهم منه، وذلك  على ما قيل  أن القوم
~~لما أثبتوا له الضلال أرادوا به ترك دين الآباء ودعوى الرسالة فحين نفى
~~الضلالة توهم منه أنه على دين آبائه وترك دعوى الرسالة فوقع الإخبار بأنه
~~رسول وثابت ms03199 على الصراط المستقيم استدراكا لذلك، وقيل: هو استدراك مما
~~قبله باعتبار ما يستلزمه من كونه في أقصى مراتب الهداية فإن رسالته من رب
~~العالمين مستلزمة له لا محالة كأنه قيل وليس بي شيء من الضلالة لكني في
~~الغاية القاصية من الهداية، وحاصل ذلك  على ما قرره الطيبي  أن لكن
~~حقها أن تتوسط بين كلامين متغايرين نفيا وإثباتا والتغاير هنا حاصل من
~~حيث المعنى كما في قولك: جاءني زيد لكن عمرا غاب، وفائدة العدول عن
~~الظاهر إرادة المبالغة في إثبات الهداية على أقصى ما يمكن كما نفى
~~الضلالة كذلك، وسلك طريق الإطناب لأن هذا الاستدراك زيادة على الجواب إذ
~~قوله: { ليس بى ضللة } كان كافيا فيه فيكون من الأسلوب الحكيم
~~الوارد على التخلص إلى الدعوة على وجه الترجيع المعنوي لأنه بدأ بالدعوة
~~إلى إثبات التوحيد وإخلاص العبادة لله تعالى فلما أراد إثبات الرسالة لم
~~يتمكن لما اعترضوا عليه من قولهم: { إنا لنراك في ضلل
~~مبين } فانتهز الفرصة وأدمج مقصوده في الجواب على أحسن وجه حيث أخرجه
~~مخرج الملاطفة والكلام المنصف يعني دعوا نسبة الضلال إلي وانظروا ما هو
~~أهم لكم من متابعة ناصحكم وأمينكم ورسول رب العالمين ألا ترى أن صالحا
~~عليه السلام لما لم يعترضوا عليه عقب بإثبات الرسالة إثبات التوحيد؛ ففي
~~هذه الآية خمسة من أنواع البديع فإذا اقتضى المقام هذا الإطناب كان
~~الاقتصار على العبارة الموجزة تقصيرا انتهى.

# ولا يخفى أن هذا الاستدراك غير الاستدراك بالمعنى المشهور. وقد ذكر غير
~~واحد من علماء العربية أن الاستدراك في لكن أن تنسب لما بعدها حكما
~~مخالفا لما قبلها سواء تغايرا إثباتا ونفيا أو لا، وفسره صاحب
~~«البسيط» وجماعة برفع ما توهم ثبوته، وتمام الكلام فيه في «المغني»،
~~واعتبار اللازم لتحصيل الاستدراك بالمعنى الثاني مما لا يكاد يقبل لأنه
~~لا يذهب وهم واهم من نفي الضلالة إلى نفي الهداية حتى يحتاج إلى تداركه،
~~ووجهه بعضهم من دون اعتبار اللازم بأنه عليه السلام لما نفى الضلالة عن
~~نفسه فربما يتوهم المخاطب انتفاء ms03200 الرسالة أيضا كما انتفى الضلالة
~~فاستدركه بلكن كما في قولك زيد ليس بفقيه لكنه طبيب، وأنت تعلم أن هذا إن
~~لم يرجع إلى ما قرر أولا فليس بشيء، وقيل: إنه إذا انتفى أحد المتقابلين
~~يسبق الوهم إلى انتفاء المقابل الآخر لا إلى انتفاء الأمور التي لا تعلق
~~لها به، ولهذا يؤول ما وقع في معرض الاستدراك بما يقابل الضلال مثلا
~~يقال: زيد ليس بقائم لكنه قاعد ولا يقال: لكنه شارب إلا بعد التأويل بأن
~~الشارب يكون قاعدا، وقال بعض فضلاء الروم: النظر الصائب في هذا
~~الاستدراك أن يكون مثل قوله:

# ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

# بهن فلول من قراع الكتائب

# وقوله:

# هو البدر إلا أنه البحر زاخرا

# سوى أنه الضرغام لكنه الوبل

# كأنه قيل: ليس بي ضلالة وعيب سوى أني رسول من رب العالمين، وأنت تعلم
~~أن هذا النوع يقال له عندهم تأكيد المدح بما يشبه الذم وهو قسمان ما
~~يستثنى فيه من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح لذلك / الشيء بتقدير دخولها
~~في صفة الذم المنفية. وما يثبت فيه لشيء صفة مدح ويتعقب ذلك بأداة
~~استثناء يليها صفة مدح أخرى لذلك، والظاهر أن ما في الآية من القسم الأول
~~إلا أنه غير غني عن التأويل فتأمل. و { من } فيها لابتداء الغاية
~~مجازا متعلقة بمحذوف وقع صفة لرسول مؤكدة ما يفيده التنوين من الفخامة
~~الذاتية كأنه قيل: إني رسول وأي رسول كائن من رب العالمين.

### || [7.62]

# { أبلغكم رسلت ربى } استئناف مسوق لتقرير رسالته وتفصيل
~~أحكامها وأحوالها. وجوز أبو البقاء وغيره أن يكون صفة أخرى لرسول على
~~المعنى لأنه عبارة عن الضمير في (إني) وهذا كقول علي كرم الله تعالى
~~وجهه حين بارز مرحبا اليهودي يوم خيبر:

# أنا الذي سمتني أمي حيدره

# كليث غابات كريه المنظره

# أو فيهم بالصاع كيل السندره

# حيث لم يقل سمته حملا له على المعنى لأمن اللبس، وأوجب بعضهم الحمل على
~~الاستئناف زعما منه أن ما ذكر قبيح حتى قال المازني: لولا شهرته لرددته،
~~وتعقب ms03201 ذلك الشهاب بأن ما ذكره المازني في صلة الموصول لا في وصف النكرة
~~فإنه وارد في القرآن مثل

# بل أنتم قوم تجهلون

# [النمل: 55] وقد صرح بحسنه في «كتب النحو والمعاني»، على أن ما ذكره في
~~الصلة أيضا مردود عند المحققين وإن تبعه فيه ابن جني حتى استرذل قول
~~المتنبي:

# أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

# وفي «الانتصاف» أنه حسن في الاستعمال وكلام أبي الحسن أصدق شاهد على ما
~~قال وعلى حسن كلام ابن الحسين، وهذا  كما قال الشهاب  إذا لم يكن
~~الضمير مؤخرا نحو الذي قرى الضيوف أنا أو كان للتشبيه نحو أنا في
~~الشجاعة الذي قتل مرحبا. وقرأ أبو عمرو { أبلغكم } بتسكين الباء وتخفيف
~~اللام من الإبلاغ، وجمع الرسالات مع أن رسالة كل نبي واحدة وهو مصدر
~~والأصل فيه أن لا يجمع رعاية لاختلاف أوقاتها أو تنوع معاني ما أرسل عليه
~~السلام به أو أنه أراد رسالته ورسالة غيره ممن قبله من الأنبياء كإدريس
~~عليه السلام وقد أنزل عليه ثلاثون صحيفة، وشيث عليه السلام وقد أنزل عليه
~~خمسون صحيفة، ووضع الظاهر موضع الضمير وتخصيص ربوبيته تعالى له عليه
~~السلام بعد بيان عمومها للعالمين للإشعار بعلة الحكم الذي هو تبليغ
~~رسالته تعالى إليهم فإن ربوبيته تعالى له من موجبات امتثاله بأمره تعالى
~~بتبليغ رسالته.

# { وأنصح لكم } أي أتحرى ما فيه صلاحكم بناء على أن النصح تحري
~~ذلك قولا أو فعلا، وقيل: هو تعريف وجه المصلحة مع خلوص النية من شوائب
~~المكروه، والمعنى هنا أبلغكم أوامر الله تعالى ونواهيه وأرغبكم في قبولها
~~وأحذركم عقابه إن عصيتموه، وأصل النصح في اللغة الخلوص يقال: نصحت العسل
~~إذا خلصته من الشمع، ويقال: هو مأخوذ من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه شبهوا
~~فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بفعل الخياط فيما يسد من خلل
~~الثوب، وقد يستعمل لخلوص المحبة للمنصوح له والتحري فيما يستدعيه حقه،
~~وعلى ذلك حمل ما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن تميم الداري أن رسول
~~الله صلى الله عليه ms03202 وسلم قال:

# " إن الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله تعالى ولكتابه
~~ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم "

# ويقال: نصحته ونصحت له كما يقال: شكرته وشكرت له، قيل: وجىء باللام هنا
~~ليدل الكلام على أن الغرض ليس غير النصح وليس النصح لغيرهم بمعنى أن نفعه
~~يعود عليهم لا عليه عليه السلام كقوله:

# ما أسألكم عليه من أجر

# [الفرقان: 57] وهذا مبني على أن اللام للاختصاص لا زائدة، وظاهر كلام
~~البعض يشعر بأنها مع ذلك زائدة وفيه خفاء. / وصيغة المضارع للدلالة على
~~تجدد نصحه عليه السلام لهم كما يفصح عنه قوله:

# رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا

# [نوح: 5].

# وقوله تعالى: { وأعلم من الله ما لا تعلمون } عطف على
~~ما قبله وتقرير لرسالته عليه السلام أي أعلم من قبله تعالى بالوحي أشياء
~~لا علم لكم بها من الأمور الآتية. فمن لابتداء الغاية مجازا أو أعلم من
~~شؤونه عز وجل وقدرته القاهرة وبطشه الشديد على من لم يؤمن به ويصدق برسله
~~ما لا تعلمونه. فمن إما للتبعيض أو بيانية لما، ولا بد في الوجهين من
~~تقدير المضاف، قيل: كانوا لم يسمعوا بقوم حل بهم العذاب قبلهم فكانوا
~~آمنين غافلين لا يعلمون ما علمه نوح عليه السلام فهم أول قوم عذبوا على
~~كفرهم.

### || [7.63]

# { أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم } رد لما هو منشأ
~~لقولهم:

# إنا لنراك في ضلل مبين

# [الأعراف: 60] والاستفهام للإنكار أي لم كان ذلك ولا داعي له. والواو
~~للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام، ويقدر عند الزمخشري وأتباعه بين
~~الهمزة وواو العطف كأنه قيل: استبعدتم وعجبتم. ومذهب سيبويه والجمهور أن
~~الهمزة من جملة أجزاء المعطوف إلا أنها قدمت على العاطف تنبيها على
~~أصالتها في التصدير. وضعف قول الأولين بما فيه من التكلف لدعوى حذف
~~الجملة فإن قوبل بتقديم بعض المعطوف فقد يقال: إنه أسهل منه لأن المتجوز
~~فيه أقل لفظا. وفيه تنبيه على أصالة شيء في شيء وبأنه غير مطرد في نحو

# أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت

# [الرعد: 33]. وتحقيقه ms03203 في محله و { أن جاءكم } بتقدير بأن لأن الفعل
~~السابق يتعدى بها؛ والمراد بالذكر ما أرسل به كما قيل للقرآن ذكر ويفسر
~~بالموعظة. ومن للابتداء والجار والمجرور متعلق بجاء أو بمحذوف وقع صفة
~~لذكر أي ذكر كائن من مالك أموركم ومربيكم.

# { على رجل منكم } أي من جملتكم تعرفون مولده ومنشأه أو من
~~جنسكم فمن تبعيضية أو بيانية كما قيل و { على } متعلقة بجاء بتقدير
~~مضاف أي على يد أو لسان رجل منكم أي بواسطته، وقيل: على بمعنى مع فلا
~~حاجة إلى التقدير، وقيل: تعلقه به لأن معناه أنزل كما يشير إليه كلام
~~أبي البقاء أو لأنه ضمن معناه، وجوز أن يكون متعلقا بمحذوف وقع حالا
~~من { ذكر } أي نازلا على رجل منكم.

# { لينذركم } علة للمجىء أي ليحذركم العذاب والعقاب على الكفر
~~والمعاصي { ولتتقوا } عطف على { لينذركم } وكذا قوله تعالى:
~~{ ولعلكم ترحمون } على ما هو الظاهر فالمجىء معلل بثلاثة
~~أشياء وليس من توارد العلل على معلول واحد الممنوع وبينها ترتب في نفس
~~الأمر فإن الإنذار سبب للتقوى والتقوى سبب لتعلق الرحمة بهم، وليس في
~~الكلام دلالة على سببية كل من الثلاثة لما بعده ولو أريدت السببية لجيء
~~بالفاء. وبعضهم اعتبر عطف { لتتقوا } على { لينذركم } و {
~~لعلكم ترحمون } على { لتتقوا } مع ملاحظة الترتب أي لتتقوا
~~بسبب الإنذار ولعلكم ترحمون بسبب التقوى فليتأمل. وجىء بحرف الترجي على
~~عادة العظماء في وعدهم أو للتنبيه على عزة المطلب وأن الرحمة منوطة بفضل
~~الله تعالى فلا اعتماد إلا عليه.

### || [7.64]

# { فكذبوه } أي استمروا على تكذيبه وأصروا بعد أن قال لهم ما قال
~~ودعاهم إلى الله تعالى ليلا ونهارا { فأنجينه } من الغرق،
~~والإنجاء في الشعراء من قصد أعداء الله تعالى وشؤم ما أضمروه له عليه
~~السلام { والذين معه } من المؤمنين. وكانوا على ما قيل: أربعين
~~رجلا وأربعين امرأة. وقيل: كانوا (عشرة) أبناؤه الثلاثة وستة ممن آمن به
~~عليه السلام، والفاء للسببية باعتبار الإغراق لا فصيحة. وقوله سبحانه /
~~وتعالى: { فى الفلك } أي السفينة متعلق بما تعلق به الظرف ms03204 الواقع
~~صلة أي استقروا معه في الفلك. وجوز أن يكون هو الصلة و { معه } متعلق
~~بما تعلق به وأن يكون متعلقا بأنجينا و { فى } ظرفية أو سببية وأن يكون
~~متعلقا بمحذوف وقع حالا من { الذين } نفسه أو من ضميره.

# { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ } أي استمروا على
~~تكذيبها، والمراد به ما يعم أولئك الملأ وغيرهم من المكذبين المصرين.
~~وتقديم الإنجاء على الإغراق للمسارعة إلى الإخبار به والإيذان بسبق
~~الرحمة على الغضب { إنهم كانوا قوما عمين } أي عمى القلوب
~~عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد كما روي عن ابن عباس أو عن نزول العذاب
~~بهم كما نقل عن مقاتل. وقرىء { عامين } والأول أبلغ لأنه صفة مشبهة فتدل
~~على الثبوت وأصله عميين فخفف، وفرق بعضهم بين عم وعام بأن الأول لعمى
~~البصيرة والثاني لعمى البصر. وأنشدوا قول زهير:

# وأعلم علم اليوم والأمس قبله

# ولكنني عن علم ما في غد عمي

# وقيل: هما سواء فيهما.

### || [7.65]

# { وإلى عاد } متعلق بمضمر معطوف على

# أرسلنا

# [الأعراف: 59] فيما سبق وهو الناصب لقوله تعالى: { أخهم } أي
~~وأرسلنا إلى عاد أخاهم، وقيل: لا إضمار والمجموع معطوف على المجموع
~~السابق والعامل الفعل المتقدم. وغير الأسلوب لأجل ضمير { أخهم } إذ
~~لو أتى به على سنن الأول عاد الضمير على متأخر لفظا ورتبة. وعاد في
~~الأصل اسم لأبي القبيلة ثم سميت به القبيلة أو الحي فيجوز فيه الصرف
~~وعدمه كما ذكره سيبويه، وقوله تعالى: { هودا } بدل من { أخهم }
~~أو عطف بيان له واشتهر أنه اسم عربي، وظاهر كلام سيبويه أنه أعجمي وأيد
~~بما قيل: إن أول العرب يعرب وهو هود بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح
~~وعليه محمد بن إسحاق. وبعض القائلين بهذا قالوا: إن نوحا ابن عم أبي
~~عاد، وقيل: ابن عوص بن أرم بن سام بن نوح، وقيل: ابن عبد الله بن رباح بن
~~الخلود بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح عليه السلام. ومعنى كونه عليه
~~السلام أخاهم أنه منهم نسبا وهو قول الكثير من ms03205 النسابين. ومن لا يقول به
~~يقول: إن المراد صاحبهم وواحد في جملتهم وهو كما يقال يا أخا العرب.
~~وحكمة كون النبي يبعث إلى القوم منهم أنهم أفهم لقوله من قول غيره وأعرف
~~بحاله في صدقه وأمانته وشرف أصله.

# { قال } استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال لهم حين أرسل إليهم؟ فقيل:
~~قال الخ. ولم يؤت بالفاء كما أتى بها في قصة نوح لأن نوحا كان مواظبا
~~على دعوة قومه غير مؤخر لجواب شبهتهم لحظة واحدة وهود عليه السلام لم يكن
~~مبالغا إلى هذا الحد فلذا جاء التعقيب في كلام نوح ولم يجىء هنا. وذكر
~~صاحب «الفرائد» في التفرقة بين القصتين أن قصة نوح عليه السلام ابتداء
~~كلام فالسؤال غير مقتضي الحال وأما قصة هود فكانت معطوفة على قصة نوح
~~فيمكن أن يقع في خاطر السامع أقال هود ما قال نوح أم قال غيره؟ فكان مظنة
~~أن يسئل ماذا قال لقومه؟ فقيل: قال الخ. وقيل: اختير الفصل هنا لإرادة
~~استقلال كل من الجمل في معناه حيث أن كفر هؤلاء أعظم من كفر قوم نوح من
~~حيث إنهم علموا ما فعل الله تعالى بالكافرين وأصروا وقوم نوح لم يعلموا.
~~ويدل على علمهم بذلك ما سيأتي في ضمن الآيات وفيه نظر. / { ياقوم
~~اعبدوا الله } وحده كما يدل عليه قوله تعالى: { مالكم من
~~إله غيره } فإنه استئناف جار مجرى البيان للعبادة المأمور بها
~~والتعليل لها أو للأمر كأنه قيل: خصوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئا إذ
~~ليس لكم إله سواه.

# وقرىء { غير } بالحركات الثلاث كالذي قبل.

# { أفلا تتقون } إنكار واستبعاد لعدم اتقائهم عذاب الله تعالى
~~بعد ما علموا ما حل بقوم نوح عليه السلام، وقيل: الاستفهام للتقرير
~~والفاء للعطف، وقد تقدم الكلام فيه آنفا وفي سورة هود [15]

# أفلا تعقلون

# «ولعله عليه السلام  كما قال شيخ الإسلام  خاطبهم بكل منهما و [قد]
~~اكتفى بحكاية كل منهما في موطن عن حكايته في موطن آخر كما لم يذكر ههنا
~~ما ذكر هناك من قوله:

# إن أنتم إلا مفترون ms03206

# [هود: 50] وقس على ذلك حال بقية ما ذكر وما لم يذكر من أجزاء القصة بل
~~حال نظائره في سائر القصص لا سيما في المحاورات الجارية في الأوقات
~~المتعددة». وقال غير واحد: إنما قيل ههنا: { أفلا تتقون } وفيما
~~تقدم من مخاطبة نوح عليه السلام قومه

# إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم

# [الأعراف: 59] لأن هؤلاء قد علموا بما حل بغيرهم من نظرائهم ولم يكن قبل
~~واقعة قوم نوح عليه السلام واقعة، وقيل: لأن هؤلاء كانوا أقرب إلى الحق
~~وإجابة الدعوة من قوم نوح عليه السلام وهذا دون { إنى أخاف
~~عليكم } الخ في التخويف، ويرشد إلى ذلك ما تقدم مع قوله تعالى: {
~~قال الملأ من قومه.... }.

### || [7.66]

# { قال الملا الذين كفروا من قومه } حيث قيد هنا الملأ
~~المعاند بمن كفر وأطلق هناك، وقد صرحوا بأن هذا الوصف لأنه لم يكن كلهم
~~على الكفر بل من أشرافهم من آمن به عليه السلام كمرثد بن سعد الذي كان
~~يكتم إيمانه ولا كذلك قوم نوح ومن آمن به عليه السلام منهم لم يكن من
~~الأشراف كما هو الغالب في أتباع الرسل عليهم السلام، وقيل إنه وقت مخاطبة
~~نوح عليه السلام لقومه لم يكونوا آمنوا بخلاف قوم هود ومثله  كما قال
~~الشهاب  يحتاج إلى نقل. واعترض المولى بهاء الدين على تلك التفرقة بين
~~القومين بأنه قد جاء في سورة المؤمنين [23] وصف قوم نوح بما وصف به قوم
~~هود هنا فكيف تتأتى هذه التفرقة؟ وأجيب بأن الوصف هناك محمول على أنه
~~للذم لا للتمييز وإنما لم يذم ههنا للإشارة إلى التفرقة. وقال الطيبي:
~~يمكن أن يقال: إن الوصف هنا للذم أيضا ومقتضى المقام يقتضي ذمهم لشدة
~~عنادهم كما يدل عليه جوابهم بما حكاه الله تعالى من قولهم: { إنا
~~لنراك في سفاهة } أي متمكنا في خفة عقل راسخا فيها حيث فارقت
~~دين آبائك.

# { وإنا لنظنك من الكذبين } حيث ادعيت الرسالة وهو
~~أبلغ من كاذبا كما مرت الإشارة إليه. والظن إما على ظاهره كما قال الحسن
~~والزجاج وإما بمعنى العلم ms03207 كما قيل، وذلك لأنهم قالوا ما قالوا مع كونه
~~عليه السلام معروفا بينهم بضد ذلك ولا يقتضي ذم قوم نوح عليه السلام
~~وحيث اقتضى في سورة المؤمنين ذمهم ذمهم لأنهم قالوا كما قصه سبحانه
~~وتعالى هناك:

# ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل
~~عليكم ولو شآء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا
~~بهذا في آبآئنا الأولين

# [المؤمنون: 24-25] وقال بعضهم: إن الظاهر أن ما نقل هنا عن قوم نوح عليه
~~السلام مقالتهم في مجلس أو مقالة بعضهم وما نقل في سورة المؤمنين مقالتهم
~~في مجلس آخر أو مقالة آخرين فروعي في المقامين مقتضى كل من المقالتين.

### || [7.67]

# { قال } عليه السلام مستعطفا لهم أو مستميلا لقلوبهم: { يقوم
~~ليس بى سفاهة } أي شيء منها فضلا عن تمكني فيها كما زعمتم / {
~~ولكني رسول من رب العلمين } والرسالة من قبله تعالى
~~تقتضي الاتصاف بغاية الرشد والصدق، ولم يصرح عليه السلام بنفي الكذب
~~اكتفاء بما في حيز الاستدراك. وقيل: الكذب نوع من السفاهة فيلزم من
~~نفيها نفيه، و { من } لابتداء الغاية مجازا وهي متعلقة بمحذوف وقع صفة
~~لرسول مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية.

### || [7.68]

# وقوله تعالى: { أبلغكم رسلت ربى } على طرز ما في قصة
~~نوح عليه السلام. وقرأ أبو عمرو { أبلغكم } بالتخفيف من الإفعال {
~~وأنا لكم ناصح أمين } معروف بالنصح والأمانة مشهور بين
~~الناس بذلك فما حقي أن أتهم بشيء مما ذكرتموه؛ وعلى هذا لا يقدر للوصفين
~~متعلق، ويحتمل تقديرهما أي ناصح لكم فيما أدعوكم إليه أمين على ما أقول
~~لكم لا أكذب فيه، وعلى الأول  كما قال الطيبي  فالجملة مستأنفة وقعت
~~معترضة، وعلى الثاني حالية، وفي العدول عن الفعلية إلى الاسمية ما لا
~~يخفى. ولعل التعبير بها هنا وبالفعلية فيما تقدم لتجدد النصح من نوح دون
~~هود عليهما السلام.

### || [7.69]

# { أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل
~~منكم لينذركم } الكلام فيه كالكلام في سابقه. وفي إجابة
~~الأنبياء عليهم السلام من يشافههم من الكفرة بالكلمات الحمقاء بما حكى
~~عنهم ms03208 والإعراض عن مقابلتهم بمثل كلامهم كمال النصح والشفقة وهضم النفس
~~وحسن المجادلة، وفي حكاية ذلك تعليم للعباد كيف يخاطبون السفهاء وكيف
~~يغضون عنهم ويسبلون أذيالهم على ما يكون منهم، وفي الآية دلالة على جواز
~~مدح الإنسان نفسه للحاجة إليه.

# { واذكروا إذ جعلكم خلفاء } شروع في بيان ترتيب أحكام
~~النصح والأمانة والإنذار وتفصيلها، و { إذ }  على ما يفهم من كلام البعض
~~وصرح به آخرون  ظرف منصوب بآلاء المحذوف هنا بقرينة ما بعده لتضمنه معنى
~~الفعل، واختار غير واحد تبعا للزمخشري أنه مفعول لأذكروا أي اذكروا هذا
~~الوقت المشتمل على هذه النعم الجسام، وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون
~~ما وقع فيه مع أنه المقصود بالذات للمبالغة في إيجاب ذكره ولأنه إذا
~~استحضر الوقت كان هو حاضرا بتفاصيله، وهذا مبني على الاتساع في الظرف أو
~~أنه غير لازم للظرفية على خلاف المشهور عند النحويين، والواو للعطف وما
~~بعده قيل: معطوف على قوله تعالى:

# اعبدوا

# [الأعراف: 65] ولا يخفى بعده. وقال شيخ الإسلام: لعله معطوف على مقدر
~~كأنه قيل: لا تعجبوا من ذلك أو تدبروا في أمركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء {
~~من بعد قوم نوح } أي في مساكنهم أو في الأرض بأن جعلكم ملوكا فإن
~~شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض فالإسناد على هذا مجاز، وفي ذكر نوح
~~على ما قيل إشارة إلى رفع التعجب يعني هذا الذي جئت به ليس ببدع فاذكروا
~~نوحا وإرساله إلى قومه وإلى الوعيد والتهديد أي اذكروا إهلاك قومه
~~لتكذيبهم رسول ربهم.

# { وزادكم في الخلق } أي الإبداع والتصوير أو في المخلوقين أي
~~زادكم في الناس على أمثالكم { بسطة } قوة وزيادة جسم، قال الكلبي:
~~كانت قامة الطويل منهم مائة ذراع وقامة القصير ستين ذراعا. وأخرج ابن
~~عساكر عن وهب أنه قال: كانت هامة الرجل منهم مثل القبة العظيمة وعينه
~~يفرخ فيها السباع، وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أنهم
~~كانوا اثني عشر ذراعا، وعن الباقر رضي الله تعالى عنه كانوا كأنهم النخل
~~الطوال وكان الرجل ms03209 منهم يأتي الجبل فيهدم منه بيده القطعة العظيمة. /
~~وأخرج عبد الله بن أحمد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة إن كان الرجل منهم
~~ليتخذ المصراع من الحجارة لو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم
~~يستطيعوا أن ينقلوه وإن كان أحدهم ليدخل قدمه في الأرض فتدخل فيها. وعن
~~بعضهم أن أحدهم كان أطول من سائر الخلق بمقدار ما يمد الإنسان يده فوق
~~رأسه باسطا لها فطول كل منهم قامة وبسطة وهذا أقرب عند ذوي العقول
~~القصيرة عن إدراك طول يد القدرة.

# وأخرج إسحاق بن بشر وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هودا
~~عليه السلام كان أصبحهم وجها وكان في مثل أجسامهم أبيض جعدا بادي
~~العنفقة طويل اللحية صلى الله عليه وسلم، ونصب { بسطة } على أنه مفعول به
~~للفعل قبله، وقيل: تمييز و { في الخلق } متعلق بالفعل، وجوز أبو البقاء
~~تعلقه بمحذوف وقع حالا من { بسطة }.

# { فاذكروا ءالاء الله } أي نعمه سبحانه وتعالى وهي جمع  إلي 
~~بكسر فسكون كحمل وأحمال أو  ألي  بضم فسكون كقفل وأقفال أو  إلى 
~~بكسر ففتح مقصورا كمعى وأمعاء أو بفتحتين مقصورا كقفا وأقفاء وبهما
~~ينشد قول الأعشى:

# أبيض لا يرهب الهزال ولا

# يقطع رحما ولا يخون إلا

# وقيل: إن ما في البيت إلا المشددة لكنها خففت ومعناها العهد وفيه بعد،
~~وهذا تكرير للتذكير لزيادة التقرير وتعميم إثر تخصيص أي اذكروا الآلاء
~~التي من جملتها ما تقدم { لعلكم تفلحون } أي لكي يفضي بكم ذكر
~~النعم إلى شكرها الذي من جملته العمل بالأركان والطاعة المؤدي إلى النجاة
~~من الكروب والفوز بالمطلوب وهذا لأن الفلاح لا يترتب على مجرد الذكر. ومن
~~الناس من فسر ذكر الآلاء بشكرها وأمر الترتب عليه ظاهر.

### || [7.70]

# { قالوا } مجيبين عن تلك النصائح العظيمة المتضمنة للإنذار على ما
~~أشير إليه. { أجئتنا لنعبد الله وحده } أي لنخصه بالعبادة
~~{ ونذر } أي نترك { ما كان يعبد ءاباؤنا } من الأوثان،
~~وهذا إنكار واستبعاد لمجيئه عليه السلام بذلك ومنشؤه انهماكهم في التقليد
~~والحب لما ألفوه وألفوا عليه ms03210 أسلافهم، ومعنى المجىء إما مجيئه عليه
~~السلام من مكان كان يتحنث فيه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل
~~بحراء قبل المبعث أو مجيئه من السماء أي أنزلت علينا من السماء ومرادهم
~~التهكم والاستهزاء، وجاء ذلك من زعمهم أن المرسل من الله تعالى لا يكون
~~إلا ملكا من السماء أو هو مجاز عن القصد إلى الشيء والشروع فيه فإن جاء
~~وقام وقعد وذهب  كما قال جماعة  تستعملها العرب لذلك تصويرا للحال
~~فتقول قعد يفعل كذا وقام يشتمني وقعد يقرأ وذهب يسبني، ونصب { وحده } على
~~الحالية، وهو عند جمهور النحويين ومنهم الخليل وسيبويه اسم موضوع موضع
~~المصدر أعني إيحاد الموضوع موضع الحال أعني موحدا. واختلف هؤلاء فيما
~~إذا قلت: رأيت زيدا وحده مثلا فالأكثرون يقدرون في حال إيحاد له
~~بالرؤية فيجعلونه حالا من الفاعل، والمبرد يقدره في حال أنه مفرد
~~بالرؤية فيجعله حالا من المفعول. ومنع أبو بكر بن طلحة جعله حالا من
~~الفاعل وأوجب كونه حالا من المفعول لا غير لأنهم إذا أرادوا الحال من
~~الفاعل قالوا رأيته وحدي ومررت به وحدي كما قال الشاعر:

# والذئب أخشاه أن مررت به

# وحدي وأخشى الرياح والمطرا

# وهذا الذي قاله في البيت صحيح ولا يمتنع من أجله أن يأتي الوجهان
~~المتقدمان في رأيت زيدا وحده / فإن المعنى يصح معهما، ومنهم من يقول:
~~إنه مصدر موضوع موضع الحال ولم يوضع له فعل عند بعضهم.

# وحكى الأصمعي وحديحد، وذهب يونس وهشام في أحد قوليه إلى أنه منتصب
~~انتصاب الظروف فجاء زيد وحده في تقدير جاء على وحده ثم حذف الجار وانتصب
~~على الظرف، وقد صرح بعلى في كلام بعض العرب، وإذا قيل زيد وحده فالتقدير
~~زيد موضع التفرد، ولعل القائل بما ذكر يقول: إنه مصدر وضع موضع الظرف.
~~وعن البعض أنه في هذا منصوب بفعل مضمر كما يقال: زيد إقبالا وإدبارا
~~هذا خلاصة كلامهم في هذا المقام، وإذا أحطت به خبرا فاعلم أن (نعبد الله
~~وحده) في تقدير موحدين إياه بالعبادة عند سيبويه ms03211 على أنه حال من الفاعل،
~~والحاء في موحدين مكسورة وعلى رأي ابن طلحة موحدا هو والحاء مفتوحة وهو
~~من أوحد الرباعي والتقدير على رأي هشام نعبد الله تعالى على انفراد وهو
~~من وحد الثلاثي، والمعنى في التقادير الثلاثة لا يختلف إلا يسيرا،
~~والكلام الذي هو فيه متضمن للإيجاب والسلب وله احتمالات نفيا وإثباتا
~~وتفصيل ذلك في رسالة مولانا تقي الدين السبكي المسماة ب «بالرفدة في
~~معنى وحده» وفيها يقول الصفدي:

# خل عنك الرقدة

# وانتبه للرفدة

# تجن منها علما

# فاق طعم الشهدة

# وأراد  بما في قوله تعالى: { فأتنا بما تعدنا } العذاب المدلول
~~عليه بقوله تعالى:

# أفلا تتقون

# [الأعراف: 65] { إن كنت من الصادقين } بالإخبار بنزوله، وقيل:
~~بالإخبار بأنك رسول الله تعالى إلينا، وجواب { إن } محذوف لدلالة المذكور
~~عليه أي فأت به.

### || [7.71]

# { قال قد وقع عليكم } أي وجب وثبت. وأصل استعمال الوقوع في
~~نزول الأجسام، واستعماله هنا فيما ذكر مجاز من إطلاق السبب على المسبب.
~~ويجوز أن يكون في الكلام استعارة تبعية والمعنى قد نزل عليكم، واختار
~~بعضهم أن { وقع } بمعنى قضى وقدر لأن المقدرات تضاف إلى السماء وحرف
~~الاستعلاء على ذلك ظاهر، وفي «الكشف» أن الوقوع بمعنى الثبوت وحرف
~~الاستعلاء إما لأنه ثبوت قوي أكد ما يكون وآجبه أو لأنه ثبوت حسي لأمر
~~نازل من علو وعذاب الله تعالى موصوف بالنزول من السماء فتدبر. والتعبير
~~بالماضي لتنزيل المتوقع منزلة الواقع كما في قوله تعالى:

# أتى أمر الله

# [النحل: 1].

# { من ربكم } أي من قبل مالك أمركم سبحانه وتعالى. والجار
~~والمجرور قيل: متعلق بمحذوف وقع حالا مما بعد، والظاهر أنه متعلق بالفعل
~~قبله، وتقديم الظرف الأول عليه مع أن المبدأ متقدم على المنتهي  كما قال
~~شيخ الإسلام  للمسارعة إلى بيان إصابة المكروه لهم، وكذا تقديمهما على
~~الفاعل وهو قوله تعالى: { رجس } مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر ولأن
~~فيه نوع طول بما عطف عليه من قوله تعالى: { وغضب } فربما يخل
~~تقديمهما بتجاوب النظم الكريم. والرجس العذاب وهو بهذا المعنى في كل
~~القرآن ms03212 عند ابن زيد من الارتجاس وهو والارتجاز بمعنى حتى قيل: إن أصله
~~ذلك فأبدلت الزاي سينا كما أبدلت السين تاء في قوله:

# ألا لحى الله بني السعلات

# عمرو بن يربوع شرار النات

# ليسوا بأعفاف ولا أكيات

# فإنه أراد الناس وأكياس. وأصل معناه الاضطراب ثم شاع فيما ذكر لاضطراب
~~من حل به، وعليه فالعطف في قوله:

# / إذا سنة كانت بنجد محيطة

# وكان عليهم رجسها وعذابها

# للتفسير. والغضب عند كثير بمعنى إرادة الانتقام. وعن ابن عباس أنه فسر
~~الرجس باللعنة والغضب بالعذاب وأنشد له البيت السابق وفيه خفاء.
~~والذاهبون إلى ما تقدم إنما لم يفسروه بالعذاب لئلا يتكرر مع ما قبله،
~~ولا يبعد أن يفسر الرجس بالعذاب والغضب باللعن والطرد على عكس ما نسب إلى
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ويكون في الكلام حينئذ إشارة إلى حالهم
~~في الأولى والأخرى. ويمكن إرجاع ما ذكره الكثير من المفسرين إلى هذا وإلا
~~فالظاهر أنه لا لطافة في قولك: وقع عليهم عذاب وإرادة انتقام على ظاهر
~~كلامهم. وأيا ما كان فالتنوين للتفخيم والتهويل.

# { أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وءاباؤكم
~~} إنكار واستقباح لإنكارهم مجيئه عليه السلام داعيا لهم إلى عبادة الله
~~تعالى وحده وترك ما كان يعبد آباؤهم من الأصنام والأسماء عبارة عن تلك
~~الأصنام الباطلة، وهذا كما يقال لما لا يليق ما هو إلا مجرد اسم، والمعنى
~~أتخاصمونني في مسميات وضعتم لها أسماء لا تليق بها فسميتموها آلهة من غير
~~أن يكون فيها من مصداق الإلهية شيء ما لأن المستحق للمعبودية ليس إلا من
~~أوجد الكل وهي بمعزل عن إيجاد ذرة وأنها لو استحق لكان ذلك بجعله تعالى
~~إما بإنزال آية أو نصب حجة وكلاهما مستحيل وذلك قوله تعالى: { ما
~~نزل الله بها من سلطان } أي حجة ودليل وحيث لم يكن ذلك في
~~حيز الإمكان تحقق بطلان ما هم عليه.

# والذم الذي يفهمه الكلام متوجه إلى التسمية الخالية عن المعنى المشحونة
~~بمزيد الضلالة والغواية والافتراء العظيم، وقيل: إنهم سموها خالقة ورازقة
~~ومنزلة المطر ونحو ms03213 ذلك. والضمير المنصوب في { سميتموها } راجع لأسماء وهو
~~ على ما قيل  المفعول الأول والمفعول الثاني محذوف حسبما أشير إليه.
~~وقيل: المفعول الأول محذوف والضمير هو المفعول الثاني والمراد سميتم
~~أصنامكم بها. وقيل: المراد من سميتموها وصفتموها فلا حاجة له إلى
~~مفعولين، وحمل الآية على ما ذكر أولا في تفسيرها هو الذي اختاره جمع
~~وجوز بعضهم أن يكون الكلام على حذف مضاف أي أتجادلونني في ذوي أسماء.
~~وادعى آخرون جواز أن يكون فيه صنعة الاستخدام. واستدل بالآية من قال: إن
~~الاسم عين المسمى ومن قال: إن اللغات توقيفية إذ لو لم تكن كذلك لم يتوجه
~~الإنكار والإبطال بأنها أسماء مخترعة لم ينزل الله تعالى بها سلطانا،
~~ولا يخفى عليك ما في ذلك من الضعف.

# { فانتظروا } نزول العذاب الذي طلبتموه بقولكم:

# فأتنا بما تعدنآ

# [الأعراف: 70] لما وضح الحق وأنتم مصرون على العناد والجهالة { إني
~~معكم من المنتظرين } لنزوله بكم. والفاء في { فانتظروا }
~~للترتيب على ما تقدم.

### || [7.72]

# { فأنجيناه } فصيحة أي فوقع ما وقع فأنجيناه { والذين معه
~~} أي متابعيه في الدين { برحمة } عظيمة لا يقادر قدرها { منا } أي
~~من جهتنا. والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع نعتا لرحمة مؤكدا لفخامتها
~~على ما تقدم غير مرة { وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا
~~} كناية عن الاستئصال. والدابر الآخر أي أهلكناهم بالكلية ودمرناهم عن
~~آخرهم. واستدل به بعضهم على أنه لا عقب لهم. { وما كانوا مؤمنين }
~~عطف على { كذبوا } داخل معه في حكم الصلة أي أصروا على الكفر والتكذيب
~~ولم يرعووا عن ذلك أصلا. وفائدة هذا النفي عند الزمخشري التعريض بمن آمن
~~منهم. وبيانه  على ما قال الطيبي  / أنه إذا سمع المؤمن أن الهلاك
~~اختص بالمكذبين وعلم أن سبب النجاة هو الإيمان تزيد رغبته فيه ويعظم قدره
~~عنده، ونظيره في اعتبار شرف الإيمان

# الذين يحملون العرش

# [غافر: 7] الآية، وقال بعضهم: فائدة ذلك بيان أنه كان المعلوم من حالهم
~~أنه سبحانه لو لم يهلكهم ما كانوا ليؤمنوا كما قال جل شأنه في آية أخرى:

# ولقد أهلكنا القرون من قبلكم ms03214 لما ظلموا
~~وجآءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا

# [يونس: 13] فهو كالعذر عن عدم إمهالهم والصبر عليهم.

# وسر تقديم حكاية الإنجاء على حكاية الإهلاك يعلم مما تقدم. وقصتهم  على
~~ما ذكره السدي ومحمد بن إسحاق وغيرهما  أن عادا قوم كانوا بالأحقاف وهي
~~رمال بين عمان وحضرموت وكانوا قد فشوا في الأرض كلها وقهروا أهلها وكانت
~~لهم أصنام يعبدونها وهي صداء وصمود والهباء فبعث الله تعالى إليهم هودا
~~عليه السلام نبيا وهو من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا فأمرهم بالتوحيد
~~والكف عن الظلم فكذبوه وازدادوا عتوا وتجبرا

# وقالوا من أشد منا قوة

# [فصلت: 15] فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك وكان الناس
~~إذ ذاك إذا نزل بهم بلاء طلبوا رفعه من الله تعالى عند بيته الحرام
~~مسلمهم ومشركهم، وأهل مكة يومئذ العمالقة أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن
~~نوح وسيدهم معاوية بن بكر وكانت أمه كهلدة من عاد فجهزت عاد إلى الحرم من
~~أماثلهم سبعين رجلا منهم قيل بن عنز ولقيم بن هزال ولقمان بن عاد الأصغر
~~ومرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه وجلهمة خال معاوية بن بكر فلما قدموا
~~مكة نزلوا على معاوية وكان خارجا من الحرم فأنزلهم وأكرمهم إذ كانوا
~~أخواله وأصهاره فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم قينتان لمعاوية
~~اسم إحداهما وردة والأخرى جرادة ويقال لهما الجرادتان على التغليب فلما
~~رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا له شق ذلك عليه وقال: هلك
~~أصهاري وأخوالي وهؤلاء على ما هم عليه وكان يستحي أن يكلمهم خشية أن
~~يظنوا به ثقل مقامهم عنده فشكا ذلك لقينتيه فقالتا: قل شعرا نغنيهم به
~~ولا يدرون من قاله لعل ذلك أن يحركهم فقال:

# ألا يا قيل ويحك قم فهينم

# لعل الله يسقينا غماما

# فتسقى أرض عاد إن عادا

# قد أمسوا ما يبينون الكلاما

# من العطش الشديد فليس نرجو

# به الشيخ الكبير ولا الغلاما

# وقد كانت نساؤهم بخير

# فقد أمست نساؤهم عياما

# وإن الوحش تأتيهم جهارا

# ولا تخشى لعادي سهاما

# وأنتم ههنا ms03215 فيما اشتهيتم

# نهاركم وليلكم التماما

# فقبح وفدكم من وفد قوم

# ولا لقوا التحية والسلاما

# فلما غنتا بذلك قال بعضهم لبعض: يا قوم إنما بعثكم قومكم يتغوثون بكم من
~~البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخلوا هذا الحرم واستسقوا لقومكم
~~فقال: مرثد بن سعد والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وأنبتم
~~إلى ربكم سقيتم فأظهر إسلامه عند ذلك وقال:

# عصت عاد رسولهم فأمسوا

# عطاشا ما تبلهم السماء

# لهم صنم يقال له صمود

# يقابله صداء والهباء

# فبصرنا الرسول سبيل رشد

# فأبصرنا الهدى وخلا العماء

# / وإن إله هود هو إلهي

# على الله التوكل والرجاء

# فقالوا لمعاوية: أحبس عنا مرثدا فلا يقدمن معنا مكة فإنه قد اتبع دين
~~هود وترك ديننا ثم دخلوا مكة يستسقون فخرج مرثد من منزل معاوية حتى
~~أدركهم قبل أن يدعوا بشيء مما خرجوا له فلما انتهى إليهم قام يدعو الله
~~تعالى ويقول: اللهم سؤلي وحدي فلا تدخلني في شيء مما يدعوك به وفد عاد
~~وكان قيل رأس الوفد فدعا وقال: اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم وقال
~~القوم: اللهم أعط قيلا ما سألك واجعل سؤلنا مع سؤله فأنشأ الله تعالى
~~سحائب ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء ثم نادى مناد من السماء يا قيل اختر
~~لنفسك ولقومك من هذه السحائب ما شئت قيل وكذلك يفعل الله تعالى بمن دعاه
~~إذ ذاك فقال قيل: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء فناداه مناد اخترت
~~رمادا رمدا لا تبقى من آل عاد أحدا وساق الله تعالى تلك السحابة بما
~~فيها من النقمة إلى عاد حتى خرجت عليهم من واد يقال له المغيث فلما رأوها
~~استبشروا وقالوا: هذا عارض ممطرنا فجاءتهم منها ريح عقيم، وأول من رأى
~~ذلك امرأة منهم يقال لها مهدر ولما رأته صفقت فلما أفاقت قالوا: ما رأيت
~~قالت: رأيت ريحا فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها فسخرها الله
~~تعالى عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فلم تدع منهم أحدا إلا أهلكته
~~واعتزل هود عليه السلام ومن معه في حظيرة ms03216 ما يصيبهم من الريح إلا ما تلين
~~به الجلود وتلتذ الأنفس، ثم إنه عليه السلام أتى هو ومن معه مكة فعبدوا
~~الله تعالى فيها إلى أن ماتوا وقبره عليه السلام قيل هناك في البقعة التي
~~بين الركن والمقام وزمزم، وفيها كما أخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن
~~سابط  قبور تسعة وسبعين نبيا منهم أيضا نوح وشعيب وصالح وإسماعيل
~~عليهم السلام، وأخرج البخاري في «تاريخه».

# وابن جرير وغيرهما عن علي كرم الله تعالى وجهه أن قبره عليه السلام
~~بحضرموت في كثيب أحمر عند رأسه سدرة، وأخرج ابن عساكر عن ابن أبي
~~العاتكة قال: قبلة مسجد دمشق قبر هود عليه السلام، وعمر كما أخرج أبو
~~الشيخ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أربعمائة واثنتين وسبعين سنة
~~والله تعالى أعلم.

# ومن باب الإشارة في الآيات: على ما قاله القوم رضي الله تعالى عنهم {
~~إن ربكم الله الذي خلق السماوات } أي سماوات
~~الأرواح { والأرض } أي أرض الأبدان { في ستة أيام } وهي ستة
~~آلاف سنة وإن يوما عند ربكم كألف سنة مما تعدون وهي من لدن خلق آدم عليه
~~السلام إلى زمان النبي صلى الله عليه وسلم وهي في الحقيقة من ابتداء دور
~~الخفاء إلى ابتداء الظهور الذي هو زمان ختم النبوة وظهور الولاية { ثم
~~استوى على العرش } وهو القلب المحمدي بالتجلي التام وهو التجلي
~~باسمه تعالى الجامع لجميع الصفات. وللصوفية عدة عروش نبهنا عليها في
~~كتابنا  «الطراز المذهب في شرح قصيدة الباز الأشهب» . وتمام الكلام
~~عليها في «شمس المعارف» للإمام البوني قدس سره { يغشي الليل } أي
~~ليل البدن { النهار } أي نهار الروح { يطلبه } بالتهيء
~~والاستعداد لقبوله باعتدال مزاجه { حثيثا } أي سريعا { والشمس
~~} أي شمس الروح { والقمر } أي قمر القلب { والنجوم } أي نجوم
~~الحواس

# مسخرات بأمره

# [الأعراف: 54] الذي هو الشأن المذكور في قوله تعالى:

# كل يوم هو في شأن

# [الرحمن: 29] { ادعوا ربكم } أي اعبدوه { تضرعا
~~وخفية } إشارة إلى طريق الجلوة والخلوة أو ادعوه بالجوارح والقلب أو
~~بأداء حق العبودية ومطالب حق الربوبية

# إنه ms03217 لا يحب المعتدين

# [الأعراف: 55] المتجاوزين عما أمروا به بترك الامتثال أو الذين يطلبون
~~منه سواه { ولا تفسدوا في الأرض } / أي أرض البدن { بعد
~~إصلاحها } بالاستعداد

# وادعوه خوفا وطمعا

# [الأعراف: 56] لئلا يلزم إهمال إحدى صفتي الجلال والجمال { وهو الذي
~~يرسل الرياح } أي رياح العناية { بين يدي رحمته } أي تجلياته { حتى
~~إذآ أقلت سحابا ثقالا } بأمطار المحبة { سقناه لبلد
~~} قلب { ميت فأنزلنا به المآء } ماء المحبة {
~~فأخرجنا به من كل الثمرات } من المشاهدات والمكاشفات {
~~كذلك نخرج الموتى } القلوب الميتة من قبور الصدور

# لعلكم تذكرون

# [الأعراف: 57] أيام حياتكم في عالم الأرواح حيث كنتم في رياض القدس
~~وحياض الأنس { والبلد الطيب } وهو ما طاب استعداده { يخرج
~~نباته بإذن ربه } حسنا غزيرا نفعه { والذي خبث }
~~وهو ما ساء استعداده

# لا يخرج إلا نكدا

# [الأعراف: 58] لا خير فيه { ولقد أرسلنا نوحا } أي نوح الروح

# إلى قومه

# [الأعراف: 59] من القلب وأعوانه والنفس وأعوانها { فكذبوه
~~فأنجيناه والذين معه } كالقلب وأعوانه { في الفلك } وهو
~~سفينة الأتباع { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ } في
~~بحار الدنيا ومياه الشهوات

# إنهم كانوا قوما عمين

# [الأعراف: 64] عن طريق الوصول ورؤية الله تعالى، وعلى هذا المنوال ينسح
~~الكلام في باقي الآيات. ولمولانا الشيخ الأكبر قدس سره في هؤلاء القوم
~~ونحوهم كلام تقف الأفكار دونه حسرى فمن أراده فليرجع إلى «الفصوص» يرى
~~العجب العجاب والله تعالى الهادي إلى سبيل الرشاد.

### || [7.73]

# { وإلى ثمود أخاهم صلحا } عطف على ما سبق من قوله
~~تعالى:

# وإلى عاد أخاهم

# [الأعراف: 65] موافق له في تقديم المجرور على المنصوب، وثمود قبيلة من
~~العرب كانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وسميت باسم
~~أبيهم الأكبر ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح، وقيل: ابن عاد بن عوص
~~بن إرم الخ وهو المنقول عن الثعلبي. وقال عمرو بن العلاء: إنما سموا
~~بذلك لقلة مائهم فهو من ثمد الماء إذا قل، والثمد الماء القليل وورد فيه
~~الصرف وعدمه، أما الأول: فباعتبار الحي أو لأنه لما كان في الأصل اسما
~~للجد أو للقليل ms03218 من الماء كان مصروفا لأنه علم مذكر أو اسم جنس فبعد
~~النقل حكى أصله، وأما الثاني: فباعتبار أنه اسم القبيلة ففيه العلمية
~~والتأنيث. وصالح عليه السلام من ثمود فالأخوة نسبية، وهو  على ما قال
~~محيي السنة البغوي  ابن عبيد بن آسف بن ماشح بن عبيد بن حاذر بن ثمود
~~وهو أخو طسم وجديس فيما قيل، وقال وهب: هو ابن عبيد بن جابر بن ثمود بن
~~جابر بن سام بن نوح بعث إلى قومه حين راهق الحلم وكان رجلا أحمر إلى
~~البياض سبط الشعر فلبث فيهم أربعين عاما. وقال الشامي: إنه بعث شابا
~~فدعا قومه حتى شمط وكبر، ونقل النووي أنه أقام فيهم عشرين سنة ومات بمكة
~~وهو ابن ثمان وخمسين سنة.

# { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } قد
~~مر الكلام في نظائره { قد جاءتكم بينة } أي آية ومعجزة ظاهرة
~~الدلالة شاهدة بنبوتي وهي من الألفاظ الجارية مجرى الأبطح والأبرق في
~~الاستغناء عن ذكر موصوفاتها حالة الإفراد والجمع، والتنوين للتفخيم أي
~~بينة عظيمة { من ربكم } متعلق بمحذوف وقع صفة لبينة على ما مر غير
~~مرة أو بجاءتكم، و { من } لابتداء الغاية مجازا أو للتبعيض إن قدر من
~~بينات ربكم، والمراد بهذه البينة الناقة وليس هذا الكلام منه عليه السلام
~~أول ما خاطبهم به إثر الدعوة إلى التوحيد بل إنما قاله بعدما نصحهم
~~وذكرهم بنعم الله تعالى فلم يقبلوا كلامه وكذبوه كما ينبىء عن ذلك ما في
~~سورة هود [16].

# وقوله تعالى:

# هذه ناقة الله لكم ءاية

# استئناف نحوي مسوق لبيان البينة والمعجزة. وجوز أن يكون استئنافا
~~بيانيا / جوابا لسؤال مقدر تقديره أين هي؟ وعلى التقديرين لا محل
~~للجملة من الإعراب. وجوز أن يكون بدلا من { بينة } بدل جملة من
~~مفرد للتفسير ولا يخفى بعده، وإضافة الناقة إلى الاسم الجليل لتعظيمها
~~كما يقال: بيت الله للمسجد بيد أن الإضافة فيه لأدنى ملابسة ولا كذلك ما
~~نحن فيه أو لأنها ليست بواسطة نتاج معتاد وأسباب معهودة كما سيتضح إن شاء
~~الله ms03219 تعالى لك ولذلك كانت آية وأي آية.

# وقيل: لأنها لم يملكها أحد سواه سبحانه. وقيل: لأنها كانت حجة الله على
~~قوم صالح. وانتصاب { ءاية } على الحالية من { ناقة } والعامل فيها
~~معنى الإشارة وسماه النحاة العامل المعنوي و { لكم } بيان لمن هي آية
~~له كما في سقيا لك فيتعلق بمقدر. وجوز أن يكون { ناقة } بدل من {
~~هذه } أو عطف بيان له أو مبتدأ ثانيا و { لكم } خبرا فآية
~~حينئذ حال من الضمير المستتر فيه والعامل هو أو متعلقه.

# { فذروها } تفريع على كونها آية من آيات الله تعالى. وقيل: على
~~كونها ناقة له سبحانه فإن ذلك مما يوجب عدم التعرض لها أي فاتركوها {
~~تأكل فى أرض الله } العشب وحذف للعلم به. والفعل مجزوم لأنه
~~جواب الأمر. وقرأ أبو جعفر في رواية عنه { تأكل } بالرفع فالجملة
~~حالية أي آكلة. والجار والمجرور متعلق بما عنده أو بالأمر السابق فهما
~~متنازعان. وأضيفت الأرض إلى الله سبحانه قطعا لعذرهم في التعرض كأنه
~~قيل: الأرض أرض الله تعالى والناقة ناقة الله تعالى فذروا ناقة الله تأكل
~~في أرضه فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات من إنباتكم فأي عذر لكم
~~في منعها. وعدم التعرض للشرب للاكتفاء عنه بذكر الأكل. وقيل: لتعميمه له
~~أيضا كما في قوله:

# علفتها تبنا وماء باردا

# وقد ذكر ذلك بقوله سبحانه:

# لها شرب ولكم شرب يوم معلوم

# [الشعراء: 155].

# { ولا تمسوها بسوء } نهى عن المس الذي هو مقدمة الإصابة بالشر
~~الشامل لأنواع الأذى مبالغة في الزجر فهو كقوله تعالى:

# ولا تقربوا مال اليتيم

# [الأنعام: 152، والإسراء: 34]. والجار والمجرور متعلق بالفعل. والتنكير
~~للتعميم أي لا تتعرضوا لها بشيء مما يسوؤها أصلا كالطرد والعقر وغير
~~ذلك. وقيل: الجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل الفعل.
~~والمعنى لا تمسوها مع قصد السوء بها فضلا عن الإصابة فهو كقوله تعالى:

# لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى

# [النساء: 43]. { فيأخذكم عذاب أليم } منصوب في جواب النهي.
~~والمعنى لا تجمعوا بين المس وأخذ العذاب إياكم. والأخير وإن لم يكن من
~~صنيعهم ms03220 حقيقة لكن لتعاطيهم أسبابه كأنه من صنيعهم.

### || [7.74]

# { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد } أي خلفاء
~~في الأرض أو خلفاء لهم قيل: ولم يقل: خلفاء عاد مع أنه أخصر إشارة إلى أن
~~بينهما زمانا طويلا { وبوأكم } أي أنزلكم وجعل لكم مباءة { فى
~~الارض } أي أرض الحجر بين الحجاز والشام { تتخذون من
~~سهولها قصورا } أي تبنون في سهولها مساكن رفيعة. فمن بمعنى في
~~كما في قوله تعالى:

# إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة

# [الجمعة: 9] ويجوز أن تكون ابتدائية أو تبعيضية أي تعملون القصور من
~~مادة مأخوذة من السهل كاللبن والآجر المتخذين من الطين. والجار والمجرور
~~ على ما قال أبو البقاء  يجوز أن يتعلق بمحذوف وقع حالا مما بعده. وأن
~~يكون مفعولا ثانيا لتتخذون. وأن يكون متعلقا به وهو متعد لواحد.
~~والسهل خلاف الحزن وهو موضع الحجارة والجبال. والجملة استئناف مبين
~~لكيفية التبوئة فإن هذا / الاتخاذ باقداره سبحانه.

# { وتنحتون الجبال } أي تنجرونها، والنحت معروف في كل صلب
~~ومضارعه مكسور الحاء. وقرأ الحسن بالفتح لحرف الحلق، وفي «القاموس» عنه
~~أنه «قرأ { تنحاتون } » بالإشباع كينباع، وانتصاب { الجبال } على
~~المفعولية، وقوله سبحانه: { بيوتا } نصب على أنه حال مقدرة منها لأنها
~~لم تكن حال النحت بيوتا كخطت الثوب جبة، والحالية  كما قال الشهاب 
~~باعتبار أنها بمعنى مسكونة إن قيل بالاشتقاق فيها، وقيل: انتصاب {
~~الجبال } بنزع الخافض أي من الجبال، ويرجحه أنه وقع في آية أخرى
~~كذلك، ونصب { بيوتا } على المفعولية، وجوز أن يضمن النحت معنى الاتخاذ
~~فانتصابهما على المفعولية. روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم
~~اتخذوا القصور في السهول ليصيفوا فيها ونحتوا من الجبال بيوتا ليشتوا
~~فيها، وقيل: إنهم نحتوا الجبال بيوتا لطول أعمارهم وكانت الأبنية تبلى
~~قبل أن تبلى أعمارهم.

# { فاذكروا ءالآء الله } أي نعمه التي أنعم بها عليكم مما ذكر أو
~~جميع نعمه ويدخل فيها ما ذكر دخولا أوليا، وليس المراد مجرد الذكر
~~باللسان كما علمت. { ولا تعثوا فى الارض مفسدين } فإن حق
~~آلائه تعالى أن تشكر ولا يغفل عنها ms03221 فكيف بالكفر، والعثي الإفساد فمفسدين
~~حال مؤكدة كما في

# ولوا مدبرين

# [الروم: 25].

### || [7.75]

# { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } أي الأشراف
~~الذين عتوا وتكبروا، والجملة استئناف كما مر غير مرة. وقرأ ابن عامر {
~~وقال } بالواو عطفا على ما قبله من قوله تعالى:

# قال يا قوم

# [الأعراف: 73] الخ، واللام في قوله سبحانه: { للذين استضعفوا
~~} أي عدوا ضعفاء أذلاء للتبليغ كما في

# ألم أقل لكم

# [القلم: 28]، وقوله تعالى: { لمن ءامن منهم } بدل من الموصول
~~بإعادة العامل بدل الكل من الكل كقولك مررت بزيد بأخيك، والضمير المجرور
~~راجع إلى قومه. وجوز أن يكون بدل بعض من كل على أن الضمير للذين استضعفوا
~~فيكون المستضعفون قسمين مؤمنين وكافرين، ولا يخفى بعده، والاستفهام في
~~قوله جل شأنه { أتعلمون أن صلحا مرسل من ربه }
~~للاستهزاء لأنهم يعلمون أنهم عالمون بذلك ولذلك لم يجيبوهم على مقتضى
~~الظاهر كما حكى سبحانه عنهم بقوله: { قالوا إنا بما أرسل
~~به مؤمنون } فإن الجواب الموافق لسؤالهم نعم أو نعلم أنه مرسل منه
~~تعالى. ومن هنا قال غير واحد: إنه من الأسلوب الحكيم فكأنهم قالوا: العلم
~~بإرساله وبما أرسل به ما لا كلام فيه ولا شبهة تدخله لوضوحه وإنارته
~~وإنما الكلام في وجوب الإيمان به فنخبركم أنا به مؤمنون. واختار في
~~«الانتصاف» أن ذلك «ليس إخبارا عن وجوب الإيمان به بل عن امتثال الواجب
~~ فإنه أبلغ من ذلك فكأنهم قالوا: العلم بإرساله وبوجوب الإيمان به لا
~~نسأل عنه وإنما الشأن في امتثال الواجب  والعمل به ونحن قد امتثلنا.

### || [7.76]

# { قال الذين استكبروا } استئناف كما تقدم، وأعيد الموصول مع
~~صلته مع كفاية الضمير إيذانا بأنهم قالوا ما قالوه بطريق العتو
~~والاستكبار { إنا بالذى ءامنتم به كفرون } عدول عن
~~مقتضى الظاهر أيضا وهو أنا بما أرسل به كافرون، وفائدته  كما قالوا 
~~الرد لما جعله المؤمنون معلوما وأخذوه مسلما كأنهم قالوا: ليس ما
~~جعلتموه معلوما مسلما من ذلك القبيل، وقال في «الانتصاف» عدلوا عن ذلك
~~«حذرا مما في ظاهره من إثباتهم لرسالته وهم يجحدونها، وليس ms03222 هذا موضع
~~التهكم ليكون كقول فرعون

# إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون

# [الشعراء: 27] فإن الغرض إخبار كل واحد من المؤمنين والمكذبين عن حاله
~~فلذا خلص الكافرون قولهم عن إشعار الإيمان بالرسالة / احتياطا للكفر
~~وغلوا في الإصرار».

### || [7.77]

# { فعقروا الناقة } أي نحروها. قال الأزهري: «أصل العقر عند
~~العرب قطع عرقوب البعير ثم استعمل في النحر لأن ناحر البعير يعقره ثم
~~ينحره»؛ وإسناده إلى الكل مع أن المباشر البعض مجاز لملابسة الكل لذلك
~~الفعل لكونه بين أظهرهم وهم متفقون على الضلال والكفر أو لرضا الكل به أو
~~لأمرهم كلهم به كما ينبىء عنه قوله تعالى:

# فنادوا صحبهم فتعاطى فعقر

# [القمر: 29]، وقيل: إن العقر مجاز لغوي عن الرضا بالنسبة إلى غير فاعله
~~وليس بشيء. { وعتوا عن أمر ربهم } أي استكبروا عن امتثاله
~~وهو ما بلغهم صالح عليه السلام من الأمر السابق فالأمر واحد الأوامر،
~~وجوز أن يكون واحد الأمور أي استكبروا عن شأن الله تعالى ودينه وهو بعيد.
~~وأوجب بعضهم على الأول أن يضمن { عتوا } معنى التولي أي تولوا عن
~~امتثال أمره عاتين أو معنى الإصدار أي صدر عتوهم عن أمر ربهم وبسببه لأنه
~~تعالى لما أمرهم بقوله:

# فذروها

# [الأعراف: 73] الخ ابتلاهم فما امتثلوا فصاروا عاتين بسببه ولولا الأمر
~~ما ترتب العقر والداعي للتأويل بتولوا أو صدر أن عتا لا يتعدى بعن
~~فتعديته به لذلك كما في قوله تعالى:

# وما فعلته عن أمرى

# [الكهف: 82] وبعضهم لا يقول بالتضمين بناء على أن عتا بمعنى استكبر كما
~~في «القاموس» وهو يتعدى بعن فافهم.

# { وقالوا } مخاطبين له عليه السلام بطريق التعجيز والإفحام على
~~زعمهم الفاسد { وقالوا ياصالح ائتنا بما تعدنآ } من
~~العذاب وأطلق للعلم به { إن كنت من المرسلين } فإن كونك منهم
~~يقتضي صدق ما تقول من الوعد والوعيد.

### || [7.78]

# { فأخذتهم الرجفة } قال الفراء والزجاج: أي الزلزلة
~~الشديدة. وقال مجاهد والسدي: هي الصيحة، وجمع بين القولين بأنه يحتمل أنه
~~أخذتهم الزلزلة من تحتهم والصيحة من فوقهم، وقال بعضهم: الرجفة خفقان
~~القلب واضطرابه حتى ينقطع، وجاء في ms03223 موضع آخر

# الصيحة

# [هود: 67] وفي آخر

# بالطاغية

# [الحاقة: 5] ولا منافاة بين ذلك كما زعم بعض الملاحدة فإن الصيحة
~~العظيمة الخارقة للعادة حصل منها الرجفة لقلوبهم ولعظمها وخروجها عن الحد
~~المعتاد تسمى الطاغية لأن الطغيان مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى:

# إنا لما طغا الماء حملنكم

# [الحاقة: 11] أو يقال: إن الإهلاك بذلك بسبب طغيانهم وهو معنى {
~~بالطاغية } وهذا الأخذ ليس أثر ما قالوا ما قالوا بل بعد ما جرى
~~عليهم ما جرى من مبادىء العذاب في الأيام الثلاث كما ستعلمه إن شاء الله
~~تعالى والفاء لا تأبى ذلك.

# { فأصبحوا في دارهم جثمين } هامدين موتى لا حراك بهم،
~~وأصل الجثوم البروك على الركب. وقال أبو عبيدة: الجثوم للناس والطير
~~بمنزلة البروك للإبل فجثوم الطير هو وقوعه لاطئا بالأرض في حال سكونه
~~بالليل، وأصبح يحتمل أن تكون تامة فجاثمين حال وأن تكون ناقصة فجاثمين
~~خبر، والظرف على التقديرين متعلق به. وقيل: هو خبر و { جثمين } حال
~~وليس بشيء لإفضائه إلى كونه الإخبار بكونهم في دارهم مقصودا بالذات،
~~والمراد من الدار البلد كما في قولك دار الحرب ودار الإسلام وقد جمع [في
~~آية] أخرى [فقال: في ديارهم [هود: 76]] بإرادة منزل كل واحد الخاص به،
~~وذكر النيسابوري أنه حيث ذكرت الرجفة وحدت الدار وحيث ذكرت الصيحة جمعت
~~لأن الصيحة كانت من السماء كما في غالب الروايات لا من الأرض كما قيل
~~فبلوغها أكثر وأبلغ من الزلزلة فقرن كل منهما بما هو أليق به فتدبر.

### || [7.79]

# { فتولى عنهم } بعد أن جرى عليهم ما جرى على ما هو الظاهر
~~مغتما متحسرا على ما فاتهم من الإيمان / متحزنا عليهم { وقال يا
~~قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم }
~~بالترغيب والترهيب ولم آل جهدا فلم يجد نفعا ولم تقبلوا مني. وصيغة
~~المضارع في قوله سبحانه: { ولكن لا تحبون النصحين }
~~حكاية حال ماضية أي شأنكم الاستمرار على بغض الناصحين وعداوتهم، وخطابه
~~عليه السلام لهم كخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلى المشركين حين
~~ألقوا في قليب بدر حين نادى يا ms03224 فلان يا فلان بأسمائهم إنا وجدنا ما وعدنا
~~ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا وذلك مبني على أن الله تعالى يرد
~~أرواحهم إليهم فيسمعون وذلك مما خص به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
~~ويحتمل أنه عليه السلام ذكر ذلك على سبيل التحزن والتحسر كما تخاطب
~~الديار والأطلال، وجوز عطف { فتولى } على

# فأخذتهم الرجفة

# [الأعراف: 78] فيكون الخطاب لهم حين أشرفوا على الهلاك لكنه خلاف
~~الظاهر، وأبعد من ذلك ما قيل إن الآية على التقديم والتأخير فتقديرها
~~فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون
~~الناصحين فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين.

# وقصة ثمود على ما ذكر ابن إسحاق وغيره أن عادا لما هلكوا عمرت ثمود
~~بعدها واستخلفوا في الأرض وعمروا حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر
~~فينهدم والرجل حي فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتا وكانوا في سعة
~~من معاشهم فعتوا في الأرض وعبدوا غير الله تعالى فبعث الله تعالى إليهم
~~صالحا وكانوا قوما عربا وكان صالح عليه السلام من أوسطهم نسبا وبعث
~~إليهم وهو شاب فدعاهم إلى الله تعالى حتى شمط وكبر ولم يتبعه منهم إلا
~~قليل مستضعفون فلما ألح عليهم بالدعاء والتخويف سألوه أن يريهم آية تصدق
~~ما يقول فقال لهم: أية آية تريدون؟ فقالوا: تخرج غدا معنا إلى عيدنا
~~وكان لهم عيد يخرجون فيه بأصنامهم فتدعو إلهك وندعوا آلهتنا فإن استجيب
~~لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا فقال لهم صالح: نعم فخرجوا وخرج معهم
~~فدعوا أوثانهم وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء مما يدعو به ثم قال
~~جندع بن عمرو بن حراش وهو يومئذ سيد ثمود: يا صالح أخرج لنا من هذه
~~الصخرة  لصخرة منفردة ناحية الحجر يقال لها الكاثبة  ناقة مخترجة أي
~~تشاكل البخت أو مخرجة على خلقة الجمل جوفاء وبراء فإن فعلت صدقناك وآمنا
~~بك فأخذ عليهم صالح مواثيقهم لئن فعلت لتصدقني ولتؤمنن بي قالوا: نعم
~~فصلى ركعتين ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها فانصدعت ms03225 عن ناقة
~~عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها إلا الله تعالى عظما
~~وهم ينظرون ثم نتجت ولدا مثلها في العظم فآمن به جندع ورهط من قومه
~~وأراد أشرافهم أن يؤمنوا به فمنعهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب
~~أوثانهم ورباب بن صعر كاهنهم فلما خرجت الناقة { قال } لهم { هذه
~~ناقة } الله

# لها شرب ولكم شرب يوم معلوم

# [الشعراء: 155] فمكثت الناقة ومعها سقبها في أرضهم ترعى الشجر وتشرب
~~الماء وكانت ترده غبا فإذا كان يومها وضعت رأسها في بئر في الحجر يقال له
~~الآن بئر الناقة فما ترفع رأسها حتى تشرب كل ما فيها ثم ترفع رأسها
~~وتتفحج لهم فيحلبون ما شاؤوا من اللبن فيشربون ويدخرون ثم تصدر من غير
~~الفج الذي وردت منه لا تقدر تصدر من حيث ترد لضيقه عنها حتى إذا كان الغد
~~يومهم فيشربون ما شاؤوا ويدخرون ما شاؤوا ليوم الناقة ولم يزالوا في سعة
~~ورغد وكانت الناقة تصيف إذا كان الحر بظهر الوادي فتهرب منها مواشيهم
~~وتهبط إلى بطن الوادي في حره وجدبه وتشتو في بطن الوادي فتهرب مواشيهم
~~إلى ظهره في برد وجدب فأضر ذلك بمواشيهم للأمر الذي يريده الله تعالى بهم
~~والبلاء والاختبار / فكبر ذلك عليهم فعتوا عن أمر ربهم فأجمعوا على عقرها
~~وكانت امرأتان من ثمود يقال لإحداهما عنيزة بنت غنم بن مجلز وتكنى بأم
~~غنم وكانت امرأة ذؤاب بن عمرو وكانت عجوزا مسنة ذات بنات حسان وذات مال
~~من إبل وبقر وغنم ويقال للأخرى: صدوق بنت المختار وكانت جميلة غنية ذات
~~مواش كثيرة وكانت من أشد الناس عداوة لصالح عليه السلام وكانتا يحبان عقر
~~الناقة لما أضرت من مواشيهما فدعت صدوق رجلا يقال له الحباب لعقر الناقة
~~وعرضت عليه نفسها إن هو فعل فأبى فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج
~~وجعلت له نفسها إن هو فعل فأجابها إلى ذلك ودعت عنيزة أم غنم قدار بن
~~سالف وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا يزعمون أنه لزنية ms03226 ولم يكن لسالف لكنه
~~ولد على فراشه فقالت: أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة وكان عزيزا
~~منيعا في قومه فرضي وانطلق هو ومصدع فاستغويا غواة ثمود فاتبعهم سبعة
~~فكانوا تسعة رهط فانطلقوا ورصدوا الناقة حتى صدرت عن الماء وقد كمن لها
~~قدار في أصل صخرة على طريقها وكمن لها مصدع في أصل أخرى فمرت على مصدع
~~فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها وخرجت أم غنم فأمرت إحدى بناتها وكانت
~~من أحسن الناس وجها فسفرت عن وجهها ليراها قدار ثم حثته على عقرها فشد
~~على الناقة بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرت ورغت رغاة واحدة فتحدر سقبها من
~~الجبل ثم طعن قدار في لبتها فنحرها فخرج أهل البلدة فاقتسموا لحمها فلما
~~رأى سقبها ذلك انطلق هاربا حتى أتى جبلا منيعا يقال له قارة فرغا
~~ثلاثا وكان صالح عليه السلام قال لهم: أدركوا الفصيل عسى أن يدفع عنكم
~~العذاب فخرجوا في طلبه فرأوه على الجبل وراموه فلم ينالوه وانفجت الصخرة
~~بعد رغائه فدخلها { فقال } لهم صالح: لكل رغوة أجل يوم

# تمتعوا فى داركم ثلثة أيام ذلك وعد غير
~~مكذوب

# [هود: 65].

# وعن ابن إسحق أنه تبع السقب من التسعة أربعة وفيهم مصدع فرماه بسهم
~~فاصاب قلبه ثم جر برجله فأنزله وألقوا لحمه مع لحم أمه وقال لهم صالح:
~~انتهكتم حرمة الله تعالى فابشروا بعذابه ونقمته فكانوا يهزأون به ويقولون
~~متى هو وما آيته؟ فقال: تصبحون غدا وكان يوم الخميس ووجوهكم مصفرة وبعد
~~غد ووجوهكم محمرة واليوم الثالث ووجوهكم مسودة ثم يصبحكم العذاب فهم
~~أولئك الرهط بقتله فأتوه ليلا فدمغتهم الملائكة بالحجارة فلما أبطاؤا
~~على أصحابهم أتوا منزل صالح فوجدوهم قد رضخوا بالحجارة فقالوا لصالح: أنت
~~قتلتهم ثم هموا به فمنع عنه عشيرته ثم لما رأوا العلامات طلبوه ليقتلوه
~~فهرب ولحق بحي من ثمود يقال لهم: بنو غنم فنزل على سيدهم واسمه نفيل
~~ويكنى بأبي هدب فطلبوه منه فقال: ليس لكم إليه سبيل فتركوه وشغلهم ما
~~نزل بهم ثم خرج عليه السلام ومن ms03227 معه إلى الشام فنزل رملة فلسطين ولما كان
~~اليوم الرابع وارتفع الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالأنطاع فأتتهم صيحة
~~من السماء فتقطعت قلوبهم وهلكوا جميعا إلا جارية مقعدة يقال لها ذريعة
~~بنت سلف وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح عليه السلام فأطلق الله تعالى
~~رجليها بعد أن عاينت العذاب فخرجت مسرعة حتى أتت وادي القرى فأخبرتهم
~~الخبر ثم استسقت ماء فسقيت فلما شربت ماتت وكان رجل منهم يقال له: أبو
~~رغال وهو أبو ثقيف في حرم الله تعالى فمنعه الحرم من عذاب الله تعالى
~~فلما خرج أصابه ما أصابهم فدفن ومعه غصن من ذهب. وروي أن النبي صلى الله
~~عليه وسلم مر بقبره فأخبر بخبره فابتدره الصحابة رضي الله تعالى عنهم
~~بأسيافهم فحفروا عنه واستخرجوا ذلك الغصن. وروي أنه عليه السلام خرج في
~~مائة وعشرين من المسلمين وهو يبكي فالتفت فرأى الدخان ساطعا فعلم أنهم
~~قد هلكوا / وكانوا ألفا وخمسمائة دار. وروي أنه رجع بمن معه فسكنوا
~~ديارهم.

# وأخرج أبو الشيخ عن وهب قال: إن صالحا لما نجا هو والذين معه قال: يا
~~قوم إن هذه دار قد سخط الله تعالى عليها وعلى أهلها فاظعنوا والحقوا بحرم
~~الله تعالى وأمنه فأهلوا من ساعتهم بالحج وانطلقوا حتى وردوا مكة فلم
~~يزالوا بها حتى ماتوا فتلك قبورهم في غربي الكعبة.

# وروى ابن الزبير عن جابر أن نبينا صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر في
~~غزوة تبوك قال لأصحابه:

# " لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائها ولا تدخلوا على هؤلاء
~~المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل الذي أصابهم "

# وذكر محيى السنة البغوي أن المؤمنين الذين مع صالح كانوا أربعة آلاف
~~وأنه خرج بهم إلى حضرموت فلما دخلها مات عليه السلام فسميت لذلك حضرموت
~~ثم بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها حاضوراء، ثم نقل عن قوم من أهل العلم
~~أنه توفي بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة ولعله المعول عليه، وجاء أن أشقى
~~الأولين عاقر الناقة وأشقى الآخرين قاتل علي كرم ms03228 الله تعالى وجهه وقد
~~أخبر صلى الله عليه وسلم بذلك عليا رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه. وعندي
~~أن أشقى الآخرين أشقى من أشقى الأولين. والفرق بينهما كالفرق بين علي كرم
~~الله تعالى وجهه والناقة. وقد أشارت الأخبار بل نطقت بأن قاتل الأمير كان
~~مستحلا قتله بل معتقدا الثواب عليه وقد مدحه أصحابه على ذلك فقال عمران
~~بن حطان غضب الله تعالى عليه:

# يا ضربة من تقي ما أراد بها

# ألا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

# إني لأذكره يوما فأحسبه

# أوفى البرية عند الله ميزانا

# ولله در من قال:

# يا ضربة من شقي أوردته لظى

# فسوف يلقى بها الرحمن غضبانا

# كأنه لم يرد شيئا بضربته

# إلا ليصلى غدا في الحشر نيرانا

# إني لأذكره يوما فألعنه

# كذاك ألعن عمران بن حطانا

# وكون فعله كان عن شبهة تنجيه مما لا شبهة في كونه ضربا من الهذيان ولو
~~كان مثل تلك الشبهة منجيا من عذاب مثل هذا الذنب فليفعل الشخص ما شاء
~~سبحانك هذا بهتان عظيم. وقد ضربت بقدار عاقر الناقة الأمثال، وما ألطف
~~قول عمارة اليمني:

# لا تعجبا لقدار ناقة صالح

# فلكل عصر ناقة وقدار

# وفي هذه القصة روايات أخر تركناها اقتصارا على ما تقدم لأنه أشهر.

### || [7.80]

# { ولوطا } نصب بفعل مضمر أي أرسلنا معطوف على ما سبق أو به من غير
~~حاجة إلى تقدير، وإنما لم يذكر المرسل إليهم على طرز ما سبق وما لحق لأن
~~قومه  على ما قيل  لم يعهدوا باسم معروف يقتضي الحال ذكره عليه السلام
~~مضافا إليهم كما في القصص من قبل ومن بعد وهو ابن هاران بن تارخ. وابن
~~اسحق ذكر بدل تارخ آزر. وأكثر النسابين على أنه عليه السلام ابن أخي
~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم ورواه في «المستدرك» عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما. وأخرج ابن عساكر عن سليمان بن صرد أن أبا لوط عليه السلام
~~عم إبراهيم عليه السلام، وقيل: إن لوطا كان ابن خالة إبراهيم وكانت سارة
~~زوجته أخت لوط وكان ms03229 في أرض بابل من العراق مع إبراهيم فهاجر / إلى الشام
~~ونزل فلسطين وأنزل لوطا الأردن وهو كرة بالشام فأرسله الله تعالى إلى
~~أهل سدوم وهي بلدة بحمص. وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال:
~~أرسل لوط إلى المؤتفكات وكانت قرى لوط أربع مدائن سدوم وأمورا وعامورا
~~وصبوير وكان في كل قرية مائة ألف مقاتل وكانت أعظم مدائنهم سدوم وكان لوط
~~يسكنها وهي من بلاد الشام ومن فلسطين مسيرة يوم وليلة، وهذا اللفظ  على
~~ما قال الزجاج  اسم أعجمي غير مشتق ضرورة أن العجمي لا يشتق من العربي
~~وإنما صرف لخفته بسكون وسطه، وقيل: إنه مشتق من لطت الحوض إذا ألزقت عليه
~~الطين، ويقال: هذا ألوط بقلبي من ذلك أي ألصق به ولاط الشيء أخفاه.

# وقوله تعالى: { إذ قال لقومه } ظرف لأرسلنا كما قال غير واحد.
~~واعترض بأن الإرسال قبل وقت القول لا فيه كما تقتضيه هذه الظرفية، ودفع
~~بأنه يعتبر الظرف ممتدا كما يقال زيد في أرض الروم فهو ظرف غير حقيقي
~~يعتبر وقوع المظروف في بعض أجزائه كما قرره القطب، وجوز أن يكون { لوطا
~~} منصوبا باذكر محذوفا فيكون من عطف القصة على القصة، و { إذ } بدل
~~من لوط بدل اشتمال بناء على أنها لا تلزم الظرفية، وقال أبو البقاء: إنه
~~ظرف الرسالة محذوفا أي واذكر رسالة لوط إذ قال: { أتأتون
~~الفحشة } استفهام على سبيل التوبيخ والتقريع أي أتفعلون تلك
~~الفعلة التي بلغت أقصى القبح وغايته.

# { ما سبقكم بها من أحد من العلمين } أي ما عملها
~~أحد قبلكم في زمن من الأزمان فالباء للتعدية كما في «الكشاف» من قولك:
~~سبقته بالكرة إذا ضربتها قبله، ومنه ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " سبقك بها عكاشة "

# وتعقبه أبو حيان بأن معنى التعدية هنا قلق جدا لأن الباء المعدية في
~~الفعل المعدى إلى واحد تجعل المفعول الأول يفعل ذلك الفعل بما دخلت عليه
~~الباء فهي كالهمزة فإذا قلت: صككت الحجر بالحجر كان معناه أصككت الحجر
~~الحجر أي جعلت ms03230 الحجر يصك الحجر وكذلك دفعت زيدا بعمرو عن خالد معناه
~~أدفعت زيدا عمرا عن خالد أي جعلت زيدا يدفع عمرا عن خالد فللمفعول
~~الأول تأثير في الثاني ولا يصح هذا المعنى فيما ذكر إلا بتكلف فالظاهر أن
~~الباء للمصاحبة أي ما سبقكم أحد مصاحبا وملتبسا بها، ودفع بأن المعنى
~~على التعدية، ومعنى سبقته بالكرة أسبقت كرتي كرته لأن السبق بينهما لا
~~بين الشخصين أو الضربين وكذا في الآية ومثله يفهم من غير تكلف، وقال
~~القطب الرازي: إن المعنى سبقت ضربه الكرة بضربي الكرة أي جعلت ضربي
~~الكرة سابقا على ضربة الكرة. ثم استظهر جعل الباء للظرفية لعدم احتياجه
~~إلى ما يحتاجه جعلها للتعدية أي ما سبقكم في فعل الفاحشة أحد ولعل الأمر
~~كما قال.

# و { من } الأولى صلة لتأكيد النفي وإفادة معنى الاستغراق والثانية
~~للتبعيض، والجملة مستأنفة استئنافا نحويا مسوقة لتأكيد النكير وتشديد
~~التقريع والتوبيخ، وجوز أن يكون بيانيا كأنه قيل: لم لا نأتيها؟ فقال:
~~ما سبقكم بها أحد فلا تفعلوا ما لم تسبقوا إليه من المنكرات لأنه أشد،
~~ولا يتوهم أن سبب إنكار الفاحشة كونها مخترعة ولولاه لما أنكرت إذ لا
~~مجال له بعد كونها فاحشة. ووجه كون هذه الجملة مؤكدة للنكير أنها مؤذنة
~~باختراع السوء ولا شك أن اختراعه أسوأ إذ لا مجال للاعتذار عنه كما
~~اعتذروا عن عبادتهم الأصنام مثلا بقولهم:

# إنا وجدنا ءاباءنا

# [الزخرف: 22-23]. وجوز أبو البقاء كون الجملة في موضع الحال من المفعول
~~أو الفاعل، والنيسابوري جوز كونها صفة للفاحشة / على حد:

# ولقد أمر على اللئيم يسبني

# ورد بأن الفاحشة هنا متعينة دون اللئيم، وكيفما كان فالمراد من نفي سبق
~~أحد بها إياهم كونهم سابقين بها كل أحد ممن عداهم من العالمين لا
~~مساواتهم الغير بها، فقد أخرج البيهقي وغيره عن عمرو بن دينار (قال ما
~~نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط)، والذي حملهم على ذلك  كما أخرج
~~ابن عساكر وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  أنهم كانت لهم ثمار ms03231
~~في منازلهم وحوائطهم وثمار خارجة على ظهر الطريق وانهم أصابهم قحط وقلة
~~من الثمار فقال بعضهم لبعض: إنكم إن منعتم ثماركم هذه الظاهرة من أبناء
~~السبيل كان لكم فيها عيش قالوا: بأي شيء نمنعها؟ قالوا: اجعلوا سنتكم أن
~~تنكحوا من وجدتم في بلادكم غريبا وتغرموه أربعة دراهم فإن الناس لا
~~يظهرون ببلادكم إذا فعلتم ذلك ففعلوه واستحكم فيهم. وفي بعض الطرق أن
~~إبليس عليه اللعنة جاءهم عند ذكرهم ما ذكروا في هيئة صبي أجمل صبي رآه
~~الناس فدعاهم إلى نفسه فنكحوه ثم جرؤوا على ذلك. وجاء من رواية ابن أبي
~~الدنيا عن طاوس أن قوم لوط إنما أتوا أولا النساء في أدبارهن ثم أتوا
~~الرجال. وفي قول: { من العلمين } دون من الناس مبالغة لا تخفى.

### || [7.81]

# وقوله سبحانه: { إنكم لتأتون الرجال } يحتمل الاستئناف
~~البياني والنحوي وهو مبين لتلك الفاحشة، والاتيان هنا بمعنى الجماع، وقرأ
~~ابن عامر وجماعة { أئنكم } بهمزتين صريحتين، ومنهم من قرأ بتليين
~~الثانية بغير مد، ومنهم من مد وهو حينئذ تأكيد للإنكار السابق وتشديد
~~للتوبيخ، وفي الاتيان بإن واللام مزيد (تقبيح) وتقريع كأن ذلك أمر لا
~~يتحقق صدوره عن أحد فيؤكد تأكيدا قويا، وفي إيراد لفظ { الرجال }
~~دون الغلمان والمردان ونحوهما  كما قال شيخ الإسلام  مبالغة في التوبيخ
~~كأنه قال: لتأتون أمثالكم { شهوة } نصب على أنه مفعول له أي لأجل
~~الاشتهاء لا غير أو على الحالية بتأويل مشتهين، وجوز أن يكون منصوبا على
~~المصدرية وناصبه (تأتون) لأنه بمعنى تشتهون، وفي تقييد الجماع الذي لا
~~ينفك عن الشهوة بها إيذان بوصفهم بالبهيمية الصرفة وأن ليس غرضهم إلا
~~قضاء الشهوة، وفيه تنبيه على أنه ينبغي للعاقل أن يكون الداعي [له] إلى
~~المباشرة طلب الولد وبقاء النوع لا قضاء الشهوة، وجوز أن يكون المراد
~~الإنكار عليهم وتقريعهم على اشتهائهم تلك الفعلة القذرة الخبيثة كما
~~ينبىء عنه قوله تعالى: { من دون النساء } أي متجاوزين النساء اللاتي
~~هن محل الاشتهاء عند ذوي الطباع السليمة كما يؤذن به قوله سبحانه: { بل
~~أنتم قوم مسرفون ms03232 } فالجار والمجرور في موضع الحال من ضمير
~~(تأتون)، وجوز أن يكون حالا من الرجال  على ما قاله أبو البقاء  أي
~~تأتونهم منفردين عن النساء، وأن يكون في موضع الصفة لشهوة  على ما قيل 
~~واستبعد تعلقه به، و { بل } للإضراب وهو إضراب انتقالي عن الإنكار
~~المذكور إلى الإخبار بما أدى إلى ذلك وهو اعتياد الإسراف في كل شيء أو
~~إلى بيان استجماعهم للعيوب كلها. ويحتمل أن يكون إضرابا عن غير مذكور
~~وهو ما توهموه من العذر في ذلك أي لا عذر لكم فيه بل أنتم قوم عادتكم
~~الإسراف والخروج عن الحدود، وهذا في معنى ذمهم بالجهل كما في سورة النمل
~~[55] إلا أنه عبر بالاسم هنا وبالفعل هناك لموافقة رؤوس الآي المتقدمة في
~~كل والله تعالى أعلم بأسرار كلامه.

### || [7.82]

# { وما كان جواب قومه } أي المستكبرين منهم المتصدين للعقد
~~والحل { إلا أن قالوا } استثناء مفرغ من أعم الأشياء أي ما كان /
~~جوابهم شيء من الأشياء إلا قولهم أي لبعضهم الآخرين المباشرين للأمور أو
~~ما كان جواب قومه الذين خاطبهم بما خاطبهم شيء من الأشياء إلا قول بعضهم
~~لبعض معرضين عن مخاطبته عليه السلام { أخرجوهم } أي لوطا ومن معه {
~~من قريتكم } أي بلدتكم التي أجمعتم فيها وسكنتم بها. والنظم
~~الكريم من قبيل:

# تحية بينهم ضرب وجيع

# والقصد منه نفي الجواب على أبلغ وجه لأن ما ذكر في حيز الاستثناء لا
~~تعلق له بكلامه عليه السلام من إنكار الفاحشة وتعظيم أمرها ووسمهم بما هو
~~أصل الشر كله، ولو قيل: وقالوا أخرجوهم لم يكن بهذه المثابة من الإفادة.

# وقوله سبحانه: { إنهم أناس يتطهرون } تعليل للأمر
~~بالإخراج. ومقصود الأشقياء بهذا الوصف السخرية بلوط ومن معه وبتطهرهم من
~~الفواحش وتباعدهم عنها وتنزههم عما في المحاش والافتخار بما كانوا فيه من
~~القذارة كما يقول الشطار من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم: أخرجوا عنا
~~هذا المتقشف وأريحونا من هذا المتزهد. وقرىء برفع { جواب } على أنه
~~اسم كان، و { إلا أن قالوا } الخ خبر قيل: وهو أظهر وإن كان الأول ms03233
~~أقوى في الصناعة لأن الأعرف أحق بالاسمية. وقد تقدم ما ينفعك هنا فتذكر.
~~وأيا ما كان فليس المراد أنهم لم يصدر عنهم في مقابلة كلام لوط عليه
~~السلام ومواعظه إلا هذه المقالة الباطلة كما ينساق إلى الذهن بل إنه لم
~~يصدر عنهم في المرة الأخيرة من مرات المحاورات الجارية بينه عليه السلام
~~وبينهم إلا هذه الكلمة الشنيعة، وإلا فقد صدر عنهم قبل ذلك كثير من
~~الترهات كما حكى عنهم في غير موضع من الكتاب الكريم؛ وكذا يقال في
~~نظائره، قيل: وإنما جيء بالواو في { وما كان } الخ دون الفاء كما في
~~النمل [65] والعنكبوت [42] لوقوع الاسم قبل هنا والفعل هناك والتعقيب
~~بالفعل بعد الفعل حسن دون التعقيب به بعد الاسم وفيه تأمل. ولعل ذكر {
~~أخرجوهم } هنا و { أخرجوا آل لوط } في النمل [56] إشارة
~~إلى أنهم قالوا مرة هذا وأخرى ذاك أو أن بعضا قال كذا وآخر قال كذا.
~~وقال النيسابوري: إنما جاء في النمل { أخرجوا آل لوط } ليكون
~~تفسيرا لهذه الكناية، وقيل: إن تلك السورة نزلت قبل الأعراف وقد صرح في
~~الأولى، وكنى في الثانية اه. ولعل ما ذكرناه أولى فتأمل.

### || [7.83]

# { فأنجينه وأهله } أي من اختص به واتبعه من المؤمنين سواء
~~كانوا من ذوي قرابته عليه السلام أم لا. وقيل: ابنتاه ريثا ويغوثا.
~~وللأهل معان ولكل مقام مقال، وهو عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه
~~في باب الوصية الزوجة للعرف ولقوله سبحانه:

# قال لأهله امكثوا

# [القصص: 29]

# وسار بأهله

# [القصص: 29] فتدفع الوصية لها إن كانت كتابية أو مسلمة وأجازت الورثة.
~~وعند الإمامين أهل الرجل كل من في عياله ونفقته غير مماليكه وورثته،
~~وقولهما  كما في «شرح التكملة»  استحسان. وأيده ابن الكمال بهذه الآية
~~لأنه لا يصح فيها أن يكون بمعنى الزوجة أصلا لقوله سبحانه: { إلا
~~امرأته } فإنه استثناء من أهله وحينئذ لا يصح الاستثناء، وأنت تعلم
~~أن الكلام في المطلق على القرينة لا في الأهل مطلقا واسم امرأته عليه
~~السلام واهلة وقيل: والهة.

# { كانت من الغبرين } أي بعضا منهم فالتذكير ms03234 للتغليب ولبيان
~~استحقاقها لما يستحقه المباشرون للفاحشة وكانت تسر الكفر وتوالي أهله
~~فهلكت كما هلكوا. وجوز أن يكون المعنى كانت مع القوم الغابرين فلا تغليب.
~~والغابر بمعنى الباقي ومنه قول الهذلي:

# فغبرت بعدهم بعيش ناصب

# ويجيء بمعنى الماضي والذاهب. ومنه قوله الأعشى:

# في الزمن الغابر

# فهو من الأضداد كما في «الصحاح» وغيره. ويكون بمعنى الهالك أيضا. وفي
~~بقاء امرأته مع أولئك القوم روايتان ثانيتهما أنه عليه السلام أخرجها مع
~~أهله ونهاهم عن الالتفات فالتفتت هي فأصابها حجر فهلكت. والآية هنا
~~محتملة للأمرين. / والحسن وقتادة يفسران الغبور هنا بالبقاء في عذاب الله
~~تعالى. وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة لهذا الكلام. والجملة استئناف وقع
~~جوابا نشأ عن الاستثناء كأنه قيل: فما كان حالها؟ فقيل: كانت من
~~الغابرين.

### || [7.84]

# { وأمطرنا عليهم مطرا } أي نوعا من المطر عجيبا وقد
~~بينه قوله سبحانه:

# وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل

# [الحجر: 74]. وفي «الخازن» أن تلك الحجارة كانت معجونة بالكبريت والنار.
~~وظاهر الآية أنه أمطر عليهم كلهم. وجاء في بعض الآثار أنه خسف بالمقيمين
~~منهم وأمطرت الحجارة على مسافريهم وشذاذهم حتى أن تاجرا منهم كان في
~~الحرم فوقفت له حجر أربعين يوما حتى قضى تجارته وخرج من الحرم فوقع
~~عليه. وفرق بين مطر وأمطر فعن أبي عبيدة أن الثلاثي في الرحمة والرباعي
~~في العذاب ومثله عن الراغب، وفي «الصحاح» عن أناس أن مطرت السماء وأمطرت
~~بمعنى، وفي «القاموس» «لا يقال أمطرهم الله تعالى إلا في العذاب». وظاهر
~~كلام «الكشاف» في الأنفال [32] الترادف كما في «الصحاح» لكنه قال: «وقد
~~كثر الإمطار في معنى العذاب» وذكر هنا أنه يقال: «مطرتهم السماء وواد
~~ممطور ويقال: أمطرت عليهم كذا أي أرسلته [عليهم] إرسال المطر». وحاصل
~~الفرق  كما في «الكشف»  ملاحظة معنى الإصابة في الأول والإرسال في
~~الثاني ولهذا عدي بعلى، وذكر ابن المنير «أن مقصود الزمخشري الرد على من
~~يقول: إن مطرت في الخير وأمطرت في الشر ويتوهم أنها تفرقة وضعية فبين أن
~~أمطرت معناه أرسلت شيئا على نحو المطر وإن ms03235 لم يكن ماء حتى لو أرسل الله
~~تعالى من السماء أنواعا من الخير... لجاز أن يقال فيه: أمطرت السماء
~~خيرا أي أرسلته إرسال المطر فليس للشر خصوصية في هذه الصيغة الرباعية
~~ولكن اتفق أن السماء لم ترسل شيئا سوى المطر إلا وكان عذابا فظن أن
~~الواقع اتفاقا مقصود في الوضع» (وليس به) انتهى. ويعلم منه  كما قال
~~الشهاب  أن كلام أبي عبيدة وأضرابه مؤول وإن رد بقوله تعالى:

# عارض ممطرنا

# [الأحقاف: 24] فإنه عنى به الرحمة. ولا يخفى أنه لو قيل: إن التفرقة
~~الاستعمالية إنما هي بين الفعلين دون متصرفاتهما لم يتأت هذا الرد إلا أن
~~كلامهم غير صريح في ذلك، ولعل البعض صرح بما يخالفه ثم ان { مطرا }
~~إما مفعول به أو مفعول مطلق.

# { فانظر كيف كان عقبة المجرمين } أي مآل أولئك
~~الكافرين المقترفين لتلك الفعلة الشنعاء. وهذا خطاب لكل من يتأتى منه
~~التأمل والنظر تعجيبا من حالهم وتحذيرا من أفعالهم. وقد مكث لوط عليه
~~السلام فيهم  على ما في بعض الآثار  ثلاثين سنة يدعوهم إلى ما فيه
~~صلاحهم فلم يجيبوه وكان إبراهيم عليه السلام يركب على حماره فيأتيهم
~~وينصحهم فيأبون أن يقبلوا فكان يأتي بعد أن أيس منهم فينظر إلى سدوم
~~ويقول سدوم أي يوم لك من الله تعالى سدوم حتى بلغ الكتاب أجله فكان ما قص
~~الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم.

# وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل ذلك. ثم إن لوطا عليه السلام  كما
~~أخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن الزهري  لما عذب قومه لحق بإبراهيم عليه
~~السلام فلم يزل معه حتى قبضه الله تعالى إليه.

# وفي هذه الآيات دليل على أن اللواطة من أعظم الفواحش. وجاء في خبر أخرجه
~~البيهقي في «الشعب» عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وصححه الحاكم عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " لعن الله تعالى سبعة من خلقه فوق سبع سماوات فردد لعنة على واحد منها
~~ثلاثا ولعن بعد كل واحد لعنة فقال: ملعون ملعون ملعون من ms03236 عمل عمل قول
~~لوط "

# الحديث. وجاء أيضا «أربعة يصبحون في غضب الله تعالى» ويمسون في سخط
~~الله تعالى وعد منهم من يأتي الرجل. وأخرج ابن أبي الدنيا وغيره عن /
~~مجاهد رضي الله تعالى عنه أن الذي يعمل ذلك العمل لو اغتسل بكل قطرة من
~~السماء وكل قطرة من الأرض لم يزل نجسا أي إن الماء لا يزيل عنه ذلك
~~الإثم العظيم الذي بعده عن ربه. والمقصود تهويل أمر تلك الفاحشة. وألحق
~~بها بعضهم السحاق وبدا أيضا في قوم لوط عليه السلام فكانت المرأة تأتي
~~المرأة فعن حذيفة رضي الله تعالى عنه إنما حق القول على قوم لوط عليه
~~السلام حين استغنى النساء بالنساء والرجال بالرجال. وعن أبي حمزة رضي
~~الله تعالى عنه قلت لمحمد بن علي عذب الله تعالى نساء قوم لوط بعمل
~~رجالهم فقال: الله تعالى أعدل من ذلك استغنى الرجال بالرجال والنساء
~~بالنساء. وآخرون إتيان المرأة في عجيزتها واستدل بما أخرج غير واحد عن
~~علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال على المنبر: سلوني؟ فقال ابن الكواء:
~~تؤتى النساء في أعجازهن؟ فقال كرم الله تعالى وجهه: سفلت سفل الله تعالى
~~بك ألم تسمع قوله تعالى:

# أتأتون الفحشة

# [الأعراف: 80] الآية. ولا يخفى أن ذلك لا يتم إلا بطريق القياس وإلا
~~فالفاحشة في الآية مبينة بما علمت. نعم جاء في آثار كثيرة ما يدل على
~~حرمة إتيان الزوجة في عجيزتها والمسألة كما تقدم خلافية والمعتمد فيها
~~الحرمة.

# ولا فرق في اللواطة بين أن تكون بمملوك أو تكون بغيره. واختلفوا في كفر
~~مستحل وطء الحائض ووطء الدبر. وفي «التتارخانية» نقلا عن «السراجية»
~~اللواطة بمملوكه أو مملوكته أو امرأته حرام إلا أنه لو استحله لا يكفر
~~وهذا بخلاف اللواطة بأجنبي فإنه يكفر مستحلها قولا واحدا. وما ذكر مما
~~يعلم ولا يعلم كما في «الشرنبلالية» لئلا يتجرأ الفسقة عليه بظنهم حله.

# واختلف في حد اللواطة فقال الإمام: لا حد بوطء الدبر مطلقا وفيه
~~التعزير ويقتل من تكرر منه على المفتى به كما في ms03237 «الأشباه».

# والظاهر على ما قال البيري أنه يقتل في المرة الثانية لصدق التكرار
~~عليه. وقال الإمامان: إن فعل في الأجانب حد كحد الزنا وإن في عبده أو
~~أمته أو زوجته بنكاح صحيح أو فاسد فلا حد إجماعا كما في «الكافي» وغيره
~~بل يعزر في ذلك كله ويقتل من اعتاده. وفي «الحاوي القدسي» وتكلموا في هذا
~~التعزير من الجلد ورميه من أعلى موضع وحبسه في أنتن بقعة وغير ذلك سوى
~~الإخصاء والجب والجلد أصح. وفي «الفتح» يعزر ويسجن حتى يموت أو يتوب، وعن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حد اللواطة القتل للفاعل والمفعول ورواه
~~مرفوعا، وفي رواية أخرى عنه أنه سئل ما حد اللوطي فقال: ينظر أعلى بناء
~~في القرية فيلقى منه منكسا ثم يتبع بالحجارة. قال في «الفتح» وكأن مأخذ
~~هذا أن قوم لوط أهلكوا بذلك حيث حملت قراهم ونكست بهم ولا شك في اتباع
~~الهدم بهم وهم نازلون. وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه رجم لوطيا وهو
~~أشبه شيء بما قص الله تعالى من إهلاك قوم لوط عليه السلام بإمطار الحجارة
~~عليهم.

# وصححوا أنها لا تكون في الجنة لأنه سبحانه استقبحها وسماها فاحشة والجنة
~~منزهة عن ذلك. وفي «الأشباه» أن حرمتها عقلية فلا وجود لها في الجنة،
~~وقيل: سمعية فتوجد أي فيمكن أن توجد. وكأنه أراد بالحرمة هنا القبح
~~إطلاقا لاسم السبب على المسبب أي أن قبحها عقلي بمعنى أنه يدرك بالعقل
~~وإن لم يرد به الشرع. وليس هذا مذهب المعتزلة كما لا يخفى. ونقل الجلال
~~السيوطي عن ابن عقيل الحنبلي قال: جرت هذه المسألة بين أبي علي بن
~~الوليد المعتزلي وبين أبي يوسف القزويني فقال ابن الوليد: لا يمنع أن
~~يجعل ذلك من جملة اللذات في الجنة لزوال المفسدة لأنه إنما منع في الدنيا
~~لما فيه من لطع النسل وكونه محلا للأذى وليس في الجنة ذلك ولهذا أبيح
~~شرب الخمر لما ليس فيه من السكر والعربدة / وزوال العقل بل اللذة الصرفة
~~فقال أبو يوسف رضي الله ms03238 تعالى عنه: الميل إلى الذكور عاهة وهو قبيح في
~~نفسه لأنه محل لم يخلق للوطء ولهذا لم يبح في شريعة بخلاف الخمر فقال ابن
~~الوليد: هو قبيح وعاهة للتلويث بالأذى ولا أذى في الجنة فلم يبق إلا مجرد
~~الالتذاذ انتهى. وأنا أرى أن إنكار قبح اللواطة عقلا مكابرة ولهذا كانت
~~الجاهلية تعير بها ويقولون في الذم فلان مصفر استه ولا أدري هل يرضى ابن
~~الوليد لنفسه أن يؤتى في الجنة أم لا؟ فإن رضي اليوم أن يؤتي غدا فغالب
~~الظن أن الرجل مأبون أو قد ألف ذلك وإن لم يرض لزمه الإقرار بالقبح
~~العقلي.

# وإن ادعى أن عدم رضائه لأن الناس قد اعتادوا التعيير به وذلك مفقود في
~~الجنة قلنا له: يلزمك الرضا به في الدنيا إذا لم تعير ولم يطلع عليك أحد
~~فإن التزمه فهو كما ترى؛ ولا ينفعه ادعاء الفرق بين الفاعل والمفعول كما
~~لا يخفى على الأحرار.

# وصرحوا بأن حرمة اللواطة أشد من حرمة الزنا لقبحها عقلا وطبعا وشرعا
~~والزنا ليس بحرام كذلك وتزول حرمته بتزويج وشراء بخلافها وعدم الحد عند
~~الإمام لا لخفتها بل للتغليظ لأنه مطهر على قول كثير من العلماء وإن كان
~~خلاف مذهبنا، وبعض الفسقة اليوم دمرهم الله تعالى يهونون أمرها ويتمنون
~~بها ويفتخرون بالاكثار منها. ومنهم من يفعلها أخذا للثأر ولكن من أين،
~~ومنهم من يحمد الله سبحانه عليها مبنية للمفعول وذلك لأنهم نالوا الصدارة
~~بأعجازهم؛ نسأل الله تعالى العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
~~واعلم أن للواطة أحكاما أخر فقد قالوا: إنه لا يجب بها المهر ولا العدة
~~في النكاح الفاسد ولا في المأتي بها لشبهة ولا يحصل بها التحليل للزوج
~~الأول ولا تثبت بها الرجعة ولا حرمة المصاهرة عند الأكثر ولا الكفارة في
~~رمضان في رواية ولو قذف بها لا يحد ولا يلاعن خلافا لهما في المسألتين
~~كما في «البحر» أخذا من «المجتبى». وفي «الشرنبلالية» عن «السراج» يكفي
~~في الشهادة عليها عدلان لا أربعة خلافا لهما أيضا.

# هذا ولم أقف ms03239 للسادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم على ما هو من باب
~~الإشارة في قصة قوم لوط عليه السلام، وذكر بعضهم في قصة قوم صالح عليه
~~السلام بعد الإيمان بالظاهر أن الناقة هي مركب النفس الإنسانية لصالح
~~عليه السلام ونسبتها إليه سبحانه لكونها مأمورة بأمره عز وجل مختصة به في
~~طاعته وقربه. وما قيل: إن الماء قسم بينها وبينهم لها شرب يوم ولهم شرب
~~يوم إشارة إلى أن مشربهم من القوة العاقلة العملية ومشربه من القوة
~~العاقلة النظرية. وما روي أنها يوم شربها كانت تتفحج فيحلب منها اللبن
~~حتى تملأ الأواني إشارة إلى أن نفسه تستخرج بالفكر من علومه الكلية
~~الفطرية العلوم النافعة للناقصين من علوم الأخلاق والشرائع. وخروجها من
~~الجبل خروجها من بدن صالح عليه السلام. وقال آخرون: إن الناقة كانت معجزة
~~صالح عليه السلام وذلك أنهم سألوه أن يخرج لهم من حجارة القلب ناقة السر
~~فخرجت فسقيت سر السر فأعطت بلد القالب من القوى والحواس لبن الواردات
~~الإلهية ثم قال لهم: ذروها ترتع في رياض القدس وحياض الأنس { ولا
~~تمسوها بسوء } من مخالفات الشريعة ومعارضات الطريقة

# فيأخذكم عذاب أليم

# [الأعراف: 73] وهو عذاب الانقطاع عن الوصول إلى الحقيقة { واذكروا
~~إذ جعلكم خلفاء } أي مستعدين للخلافة { وبوأكم فى
~~الأرض } أي أرض القلب { تتخذون من سهولها } وهي المعاملات
~~بالصدق { قصورا } تسكنون فيها { وتنحتون الجبال } وهي جبال
~~أطوار القلب

# بيوتا

# [الأعراف: 74] هي مقامات السائرين إلى الله تعالى. { قال الملأ
~~الذين استكبروا } وهي الأوصاف البشرية والأخلاق الذميمة {
~~للذين استضعفوا } من أوصاف القلب والروح

# أتعلمون أن صلحا مرسل من ربه

# [الأعراف: 75] ليدعو إلى الأوصاف النورانية

# فعقروا الناقة

# [الأعراف: 77] بسكاكين / المخالفة { فأخذتهم الرجفة } لضعف
~~قلوبهم وعدم قوة علمهم

# فأصبحوا في دارهم جثمين

# [الأعراف: 78] موتى لا حراك بهم إلى حظيرة القدس.

# وذكر البعض أن الناقة والسقب صورتا الإيمان بالله تعالى والإيمان برسوله
~~عليه الصلاة والسلام وقد ظهرا بالذات وبالواسطة من الحجر الذي تشبهه قلوب
~~القوم وعقرهم للناقة من قبيل ذبح يحيى عليه السلام للموت الظاهر في صورة ms03240
~~الكبش يوم القيامة. وفي ذلك دليل على أنهم من أسوأ الناس استعدادا
~~وأتمهم حرمانا. ويدل على سوء حالهم أن الشيخ الأكبر قدس سره لم ينظمهم
~~في «فصوص الحكم» في سلك قوم نوح عليه السلام حيث حكم لهم بالنجاة على
~~الوجه الذي ذكره. وكذا لم ينظم في ذلك السلك قوم لوط عليه السلام وكأن
~~ذلك لمزيد جهلهم وبعدهم عن الحكمة وإتيانهم البيوت من غير أبوابها
~~وقذارتهم ودناءة نفوسهم. والذي عليه المتشرعون أن أولئك الأقوام كلهم حصب
~~جهنم لا ناجي فيهم والله تعالى أحكم الحاكمين.

### || [7.85]

# { وإلى مدين أخهم شعيبا } عطف على ما مر. والمراد
~~أرسلنا إلى مدين الخ. ومدين وسمع مديان في الأصل علم لابن إبراهيم الخليل
~~عليه السلام ومنع صرفه للعلمية والعجمة ثم سميت به القبيلة، وقيل: هو
~~عربي اسم لماء كانوا عليه، وقيل: اسم بلد ومنع صرفه للعلمية والتأنيث
~~فلا بد من تقدير مضاف حينئذ أي أهل مدين مثلا أو المجاز. والياء على
~~هذا عند بعض زائدة. وعن ابن بري الميم زائدة إذ ليس في كلامهم فعيل وفيه
~~مفعل. وقال آخرون: إنه شاذ كمريم إذ القياس إعلاله كمقام. وعند المبرد
~~ليس بشاذ قيل وهو الحق لجريانه على الفعل.

# وشعيب قيل تصغير شعب بفتح فسكون اسم جبل أو شعب بكسر فسكون الطريق في
~~الجبل. واختير أنه وضع مرتجلا هكذا. والقول بأن القول بالتصغير باطل لأن
~~أسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يجوز تصغيرها فيه نظر لأن
~~الممنوع التصغير بعد الوضع لا المقارن له ومدعي ذلك قد يدعي هذا وهو على
~~ما وجد بخط النووي في «تهذيبه» «ابن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم
~~عليه السلام»، وقيل: ابن ميكيل بن يشجر بن لاوي بن يعقوب، وبعضهم يقول:
~~ميكائيل بدل ميكيل، ونقل ذلك عن خط الذهبي في «اختصار المستدرك». وآخر
~~يقول ملكاني بدله. وذكر أن أم ميكيل بنت لوط عليه السلام. وأخرج ابن
~~عساكر من طريق إسحاق بن بشر عن الشرقي بن القطامي  وكان نسابة  أن
~~شعيبا هو يثروب بالعبرانية وهو ms03241 ابن عيفاء بن يوبب  بمثناة تحتية أوله
~~وواو وموحدتين بوزن جعفر  بن إبراهيم عليه السلام، وقيل: في نسبه غير
~~ذاك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كما أخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما إذا ذكر شعيب يقول: «ذلك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته
~~قومه» أي محاورته لهم، وكأنه  كما قيل  عنى عليه الصلاة والسلام ما ذكر
~~في هذه السورة كما يعلم بالتأمل فيه.

# وبعث رسولا إلى أمتين مدين وأصحاب الأيكة، قال السدي وعكرمة رضي الله
~~تعالى عنهما: ما بعث الله تعالى نبيا مرتين إلا شعيبا مرة إلى مدين
~~فأخذهم الله تعالى بالصيحة، ومرة إلى أصحاب الأيكة فأخذهم الله تعالى
~~بعذاب يوم الظلة. وأخرج ابن عساكر في «تاريخه» من حديث عبد الله بن عمر
~~مرفوعا أن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله تعالى إليهما شعيبا.
~~وهو  كما قال ابن كثير  غريب وفي رفعه نظر واختار أنهما أمة واحدة، /
~~واحتج له بأن كلا منهما وعظ بوفاء الميزان والمكيال وهو يدل على أنهما
~~واحدة وفيه ما لا يخفى.

# ومن الناس من زعم أنه عليه السلام بعث إلى ثلاث أمم، والثالثة أصحاب
~~الرس. والقول بأنه عليه السلام كان أعمى لا عكاز له يعتمد عليه بل قد نص
~~العلماء ذوو البصيرة على أن الرسول لا بد أن يكون سليما من منفر ومثلوه
~~بالعمى والبرص والجذام، ولا يرد بلاء أيوب وعمى يعقوب بناء على أنه حقيقي
~~لطروه بعد الإنباء والكلام فيما قارنه، والفرق أن هذا منفر بخلافه فيمن
~~استقرت نبوته. وقد يقال: إن صح ذلك فهو من هذا القبيل.

# { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية إرساله إليهم كأنه قيل:
~~فماذا قال لهم؟ فقيل قال: { ياقوم اعبدوا الله ما لكم
~~من إله غيره } مر تفسيره { قد جاءتكم بينة من
~~ربكم } أي معجزة عظيمة ظاهرة من مالك أموركم. ولم تذكر معجزته عليه
~~السلام في القرآن العظيم كما لم تذكر أكثر معجزات نبينا صلى الله عليه
~~وسلم والأنبياء عليهم السلام فيه. والقول بأنه ms03242 لم يكن له عليه السلام
~~معجزة غلط لأن الفاء في قوله سبحانه: { فأوفوا الكيل
~~والميزان } لترتيب الأمر على مجىء البينة، واحتمال كونها عاطفة على
~~{ اعبدوا } بعيد، وإن كانت عبادة الله تعالى موجبة للاجتناب عن
~~المناهي التي معظمها بعد الكفر البخس فكأنه قيل: قد جاءتكم معجزة شاهدة
~~بصحة نبوتي أوجبت عليكم الإيمان بها والأخذ بما أمرتكم به فأوفوا الخ؛
~~ولو ادعى مدع النبوة بغير معجزة لم تقبل منه لأنها دعوى أمر غير ظاهر
~~وفيه إلزام للغير ومثل ذلك لا يقبل من غير بينة. ومن الناس من زعم أن
~~البينة نفس شعيب. ومنهم من زعم أن المراد بالبينة الموعظة وأنها نفس {
~~فأوفوا } الخ وليس بشيء كما لا يخفى. وقال الزمخشري: «إن من معجزاته
~~عليه السلام ما روي من محاربة عصا موسى عليه السلام التنين حين دفع إليه
~~غنمه وولادة الغنم الدرع خاصة حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها
~~ووقوع عصا آدم عليه السلام على يده في المرات السبع وغير ذلك من الآيات
~~لأن هذه كلها كانت قبل أن يستنبأ موسى عليه السلام فكانت معجزات لشعيب»
~~اه. وفيه نظر لأن ذلك متأخر عن المقاولة فلا يصح تفريع الأمر عليه،
~~ولأنه يحتمل أن يكون كرامة لموسى عليه السلام أو إرهاصا لنبوته بل في
~~«الكشف» أن هذا متعين لأن موسى أدرك شعيبا عليه السلام بعد هلاك قومه
~~ولأن ذلك لم يكن معرض التحدي. وزعم الإمام أن الإرهاص غير جائز عند
~~المعتزلة، ولهذا جعل ذلك معجزة لشعيب عليه السلام نظر فيه الطيبي بأن
~~الزمخشري قال في آل عمران [54] في تكليم الملائكة عليهم السلام لمريم:
~~إنه معجزة لزكريا أو إرهاص لنبوة عيسى عليهما السلام، والمراد بالكيل ما
~~يكال به مجازا كالعيش بمعنى ما يعاش به.

# ويؤيده أنه قد وقع في سورة هود [58]

# المكيال

# ، وكذا عطف { الميزان } عليه هنا، فإن المتبادر منه الآلة وإن جاز
~~كونه مصدرا بمعنى الوزن كالميعاد بمعنى الوعد، وقيل: إن الكيل وما عطف
~~عليه مصدران والكلام على الإضمار أي أوفوا آلة الكيل ms03243 والوزن.

# { ولا تبخسوا الناس } أي لا تنقصوهم يقال بخسه حقه إذا نقصه
~~إياه ومنه قيل للمكس البخس. وفي أمثالهم تحسبها حمقاء وهي باخس أي ذات
~~بخس. وتعدى إلى مفعولين أولهما { الناس } والثاني { أشياءهم } أي
~~الكائنة في المبايعات من الثمن والمبيع، وفائدة التصريح بالنهي عن النقص
~~بعد الأمر بالإيفاء تأكيد ذلك الأمر / وبيان قبح ضده، وقد يراد بالأشياء
~~الحقوق مطلقا فإنهم كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه. وقد جاء عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا قوما طغاة بغاة يجلسون على
~~الطريق فيبخسون الناس أموالهم وكانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه
~~الجياد ويقولون دراهمك هذه زيوف فيقطعونها ثم يشترونها منه بالبخس. وروي
~~أنهم يعطونه أيضا بدلها زيوفا فكأنه لما نهوا عن البخس في الكيل والوزن
~~نهوا عن البخس والمكس في كل شيء. قيل: ويدخل في ذلك بخس الرجل حقه من حسن
~~المعاملة والتوقير اللائق به وبيان فضله على ما هو عليه للسائل عنه.
~~وكثير ممن انتسب إلى أهل العلم اليوم مبتلون بهذا البخس وليتهم قنعوا به
~~بل جمعوا حشفا وسوء كيلة فإنا لله وإنا إليه راجعون. وبدأ عليه السلام
~~بذكر هذه الواقعة  على ما قال الإمام  «لأن عادة الأنبياء عليهم السلام
~~أنهم إذا رأوا قومهم مقبلين على نوع من أنواع المفاسد إقبالا أكثر من
~~إقبالهم على سائر الأنواع بدأوا بمنعهم عن ذلك النوع، وكان قومه عليه
~~السلام مشغوفين بالبخس والتطفيف» أكثر من غيره، والمراد من الناس ما
~~يعمهم وغيرهم أي لا تبخسوا غيركم ولا يبخس بعضكم بعضا.

# { ولا تفسدوا فى الأرض } بالجور أو به وبالكفر { بعد
~~إصلحها } أي إصلاح أمرها أو أهلها بالشرائع، فالإضافة من إضافة
~~المصدر إلى مفعوله بحذف المضاف، والفاعل الأنبياء وأتباعهم. وجوز أن لا
~~يقدر مضاف ويعتبر التجوز في النسبة الإيقاعية لأن إصلاح من في الأرض
~~إصلاح لها، وأن تكون الإضافة من إضافة المصدر إلى الفاعل على الإسناد
~~المجازي للمكان، وأن تكون على معنى في أي بعد إصلاح الأنبياء فيها.
~~ويأبى الحمل على الظاهر ms03244 لأن الإصلاح يتعلق بالأرض نفسها كتعميرها وإصلاح
~~طرقها لا تفسدوا في الأرض.

# { ذلكم خير لكم } إشارة إلى ما ذكر من الوفاء بالكيل
~~والميزان وترك البخس والإفساد أو إلى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه،
~~وأيا ما كان فإفراد اسم الإشارة وتذكيره ظاهر. ومعنى الخيرية إما
~~الزيادة مطلقا أو في الإنسانية وحسن الأحدوثة وما يطلبونه من التكسب
~~والتربح لأن الناس إذا عرفوهم بالأمانة رغبوا في معاملتهم ومتاجرتهم،
~~وقيل: ليس المراد من { خير } هنا معنى الزيادة لأنه ليس للتفضيل بل
~~المعنى ذلكم نافع لكم.

# { إن كنتم مؤمنين } قيل: المراد بالإيمان معناه اللغوي، وتخص
~~الخيرية بأمر الدنيا أي إن كنتم مصدقين لي في قولي، ومثل هذا الشرط  على
~~ما قال الطيبي  إنما يجاء به في آخر الكلام للتأكيد، ويعلم من هذا أن
~~شعيبا عليه السلام كان مشهورا عندهم بالصدق والأمانة كما كان نبينا صلى
~~الله عليه وسلم مشهورا عند قومه بالأمين. وقال بعض الذاهبين إلى ما ذكر:
~~إن تعليق الخيرية على هذا التصديق بتأويل العلم بها وإلا فهو خير مطلقا.
~~وقال القطب الرازي: إن ذلك ليس شرطا للخيرية نفسها بل لفعلهم كأنه قيل:
~~فاتوا به إن كنتم مصدقين بي فلا يرد أنه لا توقف للخيرية في الإنسانية
~~على تصديقهم به. وقيل: المراد به مقابل الكفر وبالخيرية ما يشمل أمر
~~الدنيا والآخرة أي ذلكم خير لكم في الدارين بشرط أن تؤمنوا، وشرط الإيمان
~~لأن / الفائدة من حصول الثواب مع النجاة من العقاب ظاهرة مع الإيمان خفية
~~مع فقده للانغماس في غمرات الكفر، وبنى بعضهم نفع ترك البخس ونحوه في
~~الآخرة على أن الكفار يعذبون على المعاصي كما يعذبون على الكفر فيكون
~~الترك خيرا لهم بلا شبهة لكن لا يخفى أنه إذا فسر الإفساد في الأرض
~~بالإفساد فيها بالكفر لا يكون لهذا التعليق على الإيمان معنى كما لا
~~يخفى، وإخراجه من حيز الإشارة بعيد جدا. وزعم الخيالي أن الأظهر أن {
~~ذلكم خير لكم } معترضة والشرط متعلق بما سبق من الأوامر
~~والنواهي، وكأنه التزم ذلك لخفاء ms03245 أمر الشرطية عليه. وقد فر من هرة ووقع
~~في أسد وهرب من القطر ووقف تحت الميزاب فاعتبروا يا أولي الألباب.

### || [7.86]

# { ولا تقعدوا بكل صرط } أي طريق من الطرق الحسية {
~~توعدون } أي تخوفون من آمن بالقتل كما نقل عن الحسن وقتادة ومجاهد
~~وروي عن ابن عباس أن بلادهم كانت يسيرة وكان الناس يمتارون منهم فكانوا
~~يقعدون على الطريق ويخوفون الناس أن يأتوا شعيبا ويقولون لهم: إنه كذاب
~~فلا يفتنكم عن دينكم. ويجوز أن يكون القعود على الصراط خارجا مخرج
~~التمثيل كما فيما حكي عن قول الشيطان:

# لأقعدن لهم صرطك المستقيم

# [الأعراف: 16] أي ولا تقعدوا بكل طريق من طرق الدين كالشيطان، وإليه
~~يشير ما روي عن مجاهد أيضا. والكلية مع أن دين الله الحق واحد باعتبار
~~تشعبه إلى معارف وحدود وأحكام وكانوا إذا رأوا أحدا يشرع في شيء منها
~~منعوه بكل ما يمكن من الحيل. وقيل: كانوا يقطعون الطريق فنهوا عن ذلك.
~~وروي ذلك عن أبي هريرة وعبد الرحمن بن زيد، ولعل المراد به ما يرجع إلى
~~أحد القولين الأولين وإلا ففيه خفاء وإن قيل: إن في الآية عليه مبالغة في
~~الوعيد وتغليظ ما كانوا يرومونه من قطع السبيل.

# { وتصدون عن سبيل الله } أي الطريق الموصلة إليه وهي
~~الإيمان أو السبيل الذي قعدوا عليه فوضع المظهر موضع المضمر بيانا لكل
~~صراط [و] دلالة على عظم ما (تصدق عليه) وتقبيحا لما كانوا عليه، وقوله
~~سبحانه: { من ءامن به } مفعول { تصدون } على إعمال الأقرب لا
~~{ توعدون } خلافا لما يوهمه كلام الزمخشري إذ يجب عند الجمهور في
~~مثل ذلك حينئذ إظهار ضمير الثاني. ولا يجوز حذفه إلا في ضرورة الشعر
~~فيلزم أن يقال: تصدونهم وإذا جعل { تصدون } بمعنى تعرضون يصير
~~لازما ولا يكون مما نحن فيه. وضمير { به } لله تعالى أو لكل صراط أو
~~سبيل الله تعالى لأن السبيل يذكر ويؤنث كما قيل، وجملة { توعدون }
~~وما عطف عليه في موضع الحال من ضمير { تقعدوا } أي موعدين وصادين:
~~وقيل: هي على التفسير الأول استئناف بياني، ms03246 والأظهر ما ذكرنا.

# { وتبغونها عوجا } أي وتطلبون لسبيل الله تعالى عوجا بإلقاء
~~الشبه أو بوصفها للناس بما ينقصها وهي أبعد من شائبة الإعوجاج: وهذا
~~إخبار فيه معنى التوبيخ وقد يكون تهكما بهم حيث طلبوا ما هو محال إذ
~~طريق الحق لا يعوج. وفي الكلام ترق كأنه قيل: ما كفاكم أنكم توعدون الناس
~~على متابعة الحق وتصدونهم عن سبيل الله تعالى حتى تصفونه بالاعوجاج ليكون
~~الصد بالبرهان والدليل. وعلى ما روي عن أبي هريرة وابن زيد جاز أن يراد
~~بتبغونها عوجا عيشهم في الأرض واعوجاج الطريق عبارة عن فوات أمنها. وذكر
~~الطيبي أن معنى هذا الطلب حينئذ معنى اللام في قوله سبحانه:

# ليكون لهم عدوا وحزنا

# [القصص: 8] وعلى / سائر الأوجه في الكلام الحذف والإيصال.

# { واذكروا إذ كنتم قليلا } عددكم { فكثركم } فوفر
~~عددكم بالبركة في النسل كما روي عن ابن عباس. وحكي أن مدين بن إبراهيم
~~تزوج بنت لوط فولدت فرمى الله تعالى في نسلها البركة والنماء فكثروا
~~وفشوا. وجوز الزجاج أن يكون المعنى إذ كنتم مقلين فقراء فجعلكم مكثرين
~~موسرين، أو كنتم أقلة أذلة فأعزكم بكثرة العدد والعدد. و { إذ } مفعول
~~{ اذكروا } أو ظرف لمقدر كالحادث أو النعم أي اذكروا ذلك الوقت أو ما
~~فيه { وانظروا كيف كان عقبة المفسدين } أي آخر أمر
~~من أفسد قبلكم من الأمم كقوم نوح وعاد وثمود واعتبروا بهم.

### || [7.87]

# { وإن كان طائفة منكم ءامنوا بالذى أرسلت به
~~} من الشرائع والأحكام { وطائفة لم يؤمنوا } به أو لم
~~يفعلوا الإيمان { فاصبروا حتى يحكم الله بيننا }
~~خطاب للكفار ووعيد لهم أي تربصوا لتروا حكم الله تعالى بيننا وبينكم فإنه
~~سبحانه سينصر المحق على المبطل ويظهره عليه، أو هو خطاب للمؤمنين وموعظة
~~لهم وحث على الصبر واحتمال ما كان يلحقهم من أذى المشركين إلى أن يحكم
~~الله تعالى بينهم وينتقم لهم منهم. ويجوز أن يكون خطابا للفريقين أي
~~ليصبر المؤمنون على أذى الكفار وليصبر الكفار على ما يسوؤهم من إيمان من
~~آمن منهم حتى يحكم فيميز الخبيث من الطيب، ms03247 والظاهر الاحتمال الأول. وكان
~~المقصود أن إيمان البعض لا ينفعكم في دفع بلاء الله تعالى وعذابه {
~~وهو خير الحكمين } إذ لا معقب لحكمه ولا حيف فيه فهو في
~~غاية السداد.

### || [7.88]

# { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } استئناف مبني
~~على سؤال ينساق إليه المقال كأنه قيل له: فماذا قالوا له عليه السلام
~~بعدما سمعوا منه هذه المواعظ؟ فقيل: قال أشراف قومه المستكبرون متطاولين
~~عليه عليه السلام غير مكتفين بمجرد الاستعصاء بل بالغين من العتو مبلغا
~~عظيما { لنخرجنك يشعيب والذين ءامنوا معك من
~~قريتنا } بغضا لكم ودفعا لفتنتكم المترتبة على المساكنة والجوار،
~~والتأكيد القسمي للمبالغة والاعتناء بالحكم و { معك } متعلق بالإخراج
~~لا بالإيمان، ونسبة الإخراج إليه عليه السلام أولا وإلى المؤمنين ثانيا
~~للتنبيه على أصالته عليه السلام في ذلك وتبعيتهم له فيه، وتوسيط النداء
~~باسمه العلمي بين المعطوفين لزيادة التقرير والتهديد الناشئة عن غاية
~~الوقاحة والطغيان.

# وقوله تعالى: { أو لتعودن فى ملتنا } عطف على جواب القسم
~~أي والله ليكونن أحد الأمرين البتة الإخراج أو العود على أن المقصد الأهم
~~هو العود وإنما ذكر الأول لمجرد القسر والإلجاء كما يفصح عنه عدم تعرضه
~~عليه السلام بجواب الإخراج، والمتبادر من العود الرجوع إلى الحالة الأولى
~~وهذا مما لا يمكن في حق شعيب عليه السلام لأن الأنبياء عليهم السلام
~~معصومون عما دون الكفر بمراتب. نعم هو ممكن في حق من آمن به فإسناده إليه
~~عليه السلام من باب التغليب، قيل: وقد غلب عليه المؤمنون هنا كما غلب هو
~~عليهم في الخطاب فيكون في الآية حينئذ تغليبان، وقال غير واحد: أن تعود
~~بمعنى تصير كما أثبته بعض النحاة واللغويين فلا يستدعي العود إلى حالة
~~سابقة وعلى ذلك قوله:

# فإن لم تك الأيام تحسن مرة

# إلي فقد عادت لهن ذنوب

# فكأنهم قالوا: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتصيرن
~~مثلنا فحينئذ لا إشكال ولا تغليب، وكذا يقال فيما بعد وهو حسن ولا يأباه

# إذ نجانا الله منها

# [الأعراف: 89] لاحتمال أن يقال بالتغليب فيه ms03248 أو يقال إن التنجية لا يلزم
~~أن تكون بعد الوقوع في المكروه، ألا ترى إلى قوله سبحانه:

# فأنجينه وأهله

# [الأعراف: 83] وأمثاله.

# وقال ابن المنير ((على احتمال تسليم استعمال العود بمعنى الرجوع إلى أمر
~~سابق يجاب بأنه على نهج قوله تعالى:

# الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمت
~~إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطغوت
~~يخرجونهم من النور إلى الظلمت

# [البقرة: 257] فإن الإخراج يستدعي دخولا سابقا فيما وقع الإخراج منه،
~~وهو غير متحقق في المؤمن والكافر الأصليين، لكن لما كان الإيمان والكفر
~~من الأفعال الاختيارية التي خلق الله تعالى العبد متيسرا لكل واحد منهما
~~متمكنا منه لو أراده عبر عن تمكن المؤمن من الكفر، ثم عدوله عنه إلى
~~الإيمان اختيارا بالإخراج من الظلمات إلى النور توفيقا من الله تعالى
~~له ولطفا به وبالعكس في حق الكافر، وقد مضى نظير ذلك في قوله / تعالى:

# أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى

# [البقرة: 16] وهذا من المجاز المعبر فيه عن السبب بالمسبب. وفائدة
~~اختياره في هذه المواضع تحقيق التمكن والاختيار لإقامة حجة الله تعالى
~~على عباده)).

# وقيل: إن هذا القول كان جاريا على ظنهم أنه عليه السلام كان في ملتهم
~~لسكوته قبل البعثة عن الإنكار عليهم أو أنه صدر عن رؤسائهم تلبيسا على
~~الناس وإيهاما لأنه كان على دينهم، وما صدر عنه عليه السلام في أثناء
~~المحاورة وقع على طريق المشاكلة، وذكر الشهاب احتمالا آخر في الجواب وهو
~~أن الظاهر أن العود هو المقابل للخروج إلى ما خرج منه وهو القرية، والجار
~~والمجرور في موضع الحال أي ليكن منكم الخروج من قريتنا أو العود إليها
~~كائنين في ملتنا فينحل الإشكال من غير حاجة إلى ما تقدم، ولا يخفى بعده.
~~وإنما لم يقولوا أو لنعيدنكم على طريقة ما قبله لما أن مرادهم أن يعودوا
~~بصورة الطواعية حذر الإخراج عن الوطن باختيار أهون الشرين لا إعادتهم
~~بسائر وجوه الإكراه والتعذيب، ومن الناس من زعم أن تعودن لا يصلح أن يكون
~~جوابا للقسم لأنه ليس فعل المقسم، وجعل ما أشرنا ms03249 إليه أولى في بيان
~~المعنى مخلصا من ذلك وهو باطل لأنه يقتضي أن القسم لا يكون على فعل
~~الغير ولم يقل أحد به، وقد شاع نحو والله ليضربن زيد من غير نكير وعدي
~~العود بفي إيماء إلى أن الملة لهم بمنزلة الوعاء المحيط بهم.

# { قال } استئناف كنظائره أي قال شعيب عليه السلام ردا لمقالتهم
~~الباطلة وتكذيبا لهم في أيمانهم الفاجرة: { أولو كنا كرهين
~~} على أن الهمزة لإنكار الوقوع ونفيه، والواو للعطف على محذوف، وقد يقال
~~لها في مثل هذا الموضع واو الحال أيضا و { لو } هي التي يؤتى بها
~~لبيان ما يفيده الكلام السابق بالذات أو بالواسطة من الحكم الموجب أو
~~المنفي على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها
~~على أبعدها منه وأشدها منافاة له ليظهر بثبوته أو انتفائه معه ثبوته أو
~~انتفاؤه مع ما عداه من الأحوال بطريق الأولوية، والكلام ههنا في تقدير
~~أنعود فيها لو لم نكن كارهين ولو كنا كارهين غير مبالين بالإكراه،
~~فالجملة في موضع الحال من ضمير الفعل المقدر والمآل أنعود فيها حال عدم
~~الكراهة وحال الكراهة إنكارا لما تفيده كلمتهم الشنيعة بإطلاقها من
~~العود على أي حالة غير أنه اكتفى بذكر الحالة التي هي أشد الأحوال منافاة
~~للعود وأكثرها بعدا منه تنبيها على أنها هي الواقعة في نفس الأمر وثقة
~~بإغنائها عن ذكر الأولى إغناءا واضحا لأن العود الذي تعلق به الإنكار
~~حين تحقق مع الكراهة على ما يوجبه كلامهم فلأن يتحقق مع عدمها أولى، وهذا
~~بعض مما ذكره شيخ الإسلام في هذا المقام، وقد أطنب فيه الكلام وأتى
~~بالنقض والإبرام فارجع إليه، وقد جوز أن يكون الاستفهام باقيا على حاله،
~~وجعل بعضهم الهمزة بمعنى كيف، ووجه التعجيب إلى العود أي كيف نعود فيها
~~ونحن كارهون لها وتقدير فعل العود لقوة دلالة الكلام عليه أولى من تقدير
~~فعل الإعادة كما فعل الزمخشري، وفي «التيسير» تقدير فعل الإخراج أي
~~تخرجوننا من غير ذنب ونحن كارهون لمفارقة الأوطان، وقد وجه بأن العود ms03250
~~مفروغ عنه لا يتصور من عاقل فلا يكون إلا الإخراج، ولا يخفى ضعف هذا
~~التقدير.

# وذكر أبو البقاء أن { لو } هنا بمعنى أن لأنها للمستقبل، وجوز أن تكون
~~على أصلها وما أشار إليه شيخ الإسلام في هذا المقام أبعد مغزى فليتأمل.

### || [7.89]

# { قد افترينا على الله كذبا } عظيما لا يقادر قدره. / {
~~إن عدنا في ملتكم } التي هي الشرك وزعمنا كما زعمتم أن لله
~~سبحانه ندا تعالى عن ذلك علوا كبيرا. { بعد إذ نجنا الله
~~منها } وعلمنا بطلانها وأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وجواب
~~الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي إن عدنا في ملتكم فقد افترينا، واستشكل
~~ذلك بأن الظاهر فيما إذا كان الجواب مثل ما ذكر أن يتعلق ظهوره والعلم به
~~بالشرط نحو

# إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل

# [يوسف: 77] و

# إلا تنصروه فقد نصره الله

# [التوبة: 40] وإن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس، والمقصود هنا تقييد نفس
~~الافتراء بالعود، ولفظ { قد } وصيغة الماضي يمنعانه، والجواب ما أشار
~~إليه الزمخشري من أنه من باب الإخراج لا على مقتضى الظاهر وإيثار قد
~~والماضي الدالين على التأكيد إما لأنه جواب قسم مقدر أو لأنه تعجب على
~~معنى ما أكذبنا أن عدنا الخ. ووجه التعجب أن المرتد أبلغ في الافتراء من
~~الكافر لأن الكافر مفتر على الله تعالى الكذب حيث يزعم أن لله سبحانه
~~ندا ولا ند له والمرتد مثله في ذلك وزائد عليه حيث يزعم أنه قد تبين له
~~ما خفي عليه من التمييز بين الحق والباطل والحمل على التعجب على ما في
~~«الكشف» أولى لأن حذف اللام ضعيف، وجوز أبو حيان تبعا لابن عطية أن يكون
~~الفعل المذكور قسما كما يقال برئت من الله تعالى إن فعلت كذا وكقول مالك
~~بن الأشتر النخعي:

# أبقيت وفري وانحرفت عن العلا

# ولقيت أضيافي بوجه عبوس

# إن لم أشن على ابن هند غارة

# لم تخل يوما من ذهاب نفوس

# وهذا نوع من أنواع البديع وقد ذكره غير واحد من ms03251 أصحاب «البديعيات»،
~~ومثله عز الدين الموصلي بقوله:

# برئت من سلفي والشم من هممي

# إن لم أدن بتقى مبرورة القسم

# والباعونية بقولها:

# لامكنتني المعالي من سيادتها

# إن لم أكن لهم من جملة الخدم

# { وما يكون لنا } أي ما يصح لنا وما يقع فيكون تامة، وقد يأتي
~~ذلك بمعنى ما ينبغي وما يليق. { أن نعود فيها } في حال من الأحوال
~~أو وقت من الأوقات { إلا أن يشاء الله ربنا } أي إلا حال أو
~~وقت مشيئة الله لعودنا، والتعرض لعنوان الربوبية للتصريح بأنه المالك
~~الذي لا يسأل عما يفعل. { وسع ربنا كل شيء علما } فهو
~~سبحانه يعلم كل حكمة ومصلحة ومشيئته على موجب الحكمة فكل ما يقع مشتمل
~~عليها، وهذا إشارة إلى عدم الأمن من مكر الله سبحانه فإنه لا يأمن مكر
~~الله إلا القوم الكافرون، وفيه من الانقطاع إلى الله تعالى ما لا يخفى،
~~ويؤكد ذلك قوله تعالى: { على الله توكلنا } فإن التوكل عليه
~~سبحانه إظهار العجز والاعتماد عليه جل شأنه، وإظهار الاسم الجليل
~~للمبالغة، وتقديم المعمول لإفادة الحصر.

# وفي الآية دلالة على أن لله تعالى أن يشاء الكفر. وادعى شيخ الإسلام أن
~~المراد استحالة وقوع ذلك كأنه قيل: وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء
~~الله تعالى العود وهيهات ذلك، ولا يكاد يكون كما ينبىء عنه التعرض لعنوان
~~الربوبية، وقولهم: { بعد إذ نجنا الله } فإن تنجيته تعالى
~~إياهم منها من دلائل عدم مشيئته سبحانه لعودهم فيها، وفرع على قوله
~~تعالى: { وسع } الخ بعد أن فسره بما فسره محالية مشيئته العود لكن
~~لطفا وهو وجه في الآية، ولعل ما ذهبت إليه فيها أولى، ولا يرد على تقدير
~~العود مفعولا للمشيئة أنه ليس لذكر سعة العلم بعد حينئذ كبير معنى، بل
~~كان المناسب ذكر شمول / الإرادة وأن الحوادث كلها بمشيئة الله تعالى لما
~~لا يخفى، ولا يحتاج إلى القول بأن ذلك منه عليه السلام رد لدعوى الحصر
~~باحتمال قسم ثالث، والزمخشري بنى «تفسيره» على عقيدته الفاسدة من وجوب
~~رعاية الصلاح والأصلح ms03252 وأن الله تعالى لا يمكن أن يشاء الكفر بوجه لخروجه
~~عن الحكمة، واستدل بقوله سبحانه: { وسع } الخ، ورده ابن المنير بأن
~~موقع ما ذكر الاعتراف بالقصور عن علم العاقبة والاطلاع على الأمور
~~الغائبة. ونظير ذلك قول إبراهيم عليه السلام:

# ولآ أخاف ما تشركون به إلا أن يشآء ربي شيئا
~~وسع ربي كل شيء علما

# [الأنعام: 80] فإنه عليه السلام لما رد الأمر إلى المشيئة وهي مغيبة مجد
~~الله تعالى بالانفراد بعلم الغائبات انتهى، وإلى كون المراد من الاستثناء
~~التأبيد ذهب جعفر بن الحرث والزجاج أيضا وجعلوا ذلك كقول الشاعر:

# إذا شاب الغراب أتيت أهلي

# وصار القار كاللبن الحليب

# وأنت خبير بأن ذلك مخالف للنصوص النقلية والعقلية وللعبارة والإشارة،
~~وقال الجبائي والقاضي: المراد بالملة الشريعة وفيها ما لا يرجع إلى
~~الاعتقاد، ويجوز أن يتعبد الله تعالى عباده به ومفعول المشيئة العود إلى
~~ذلك أي ليس لنا أن نعود إلى ملتكم إلا أن يشاء الله تعالى عودنا بأن
~~يتعبدنا بها وينقلنا إليها وينسخ ما نحن فيه من الشريعة، وقيل: المراد
~~إلا أن يشاء الله تعالى أن يمكنكم من إكراهنا ويخلي بينكم وبينه فنعود
~~إلى إظهار ملتكم مكرهين، وقوى بسبق

# أو لو كنا كرهين

# [الأعراف: 88]. وقيل: إن الهاء في قوله سبحانه { فيها } يعود إلى
~~القرية لا الملة فيكون المعنى أنا سنخرج من قريتكم ولا نعود فيها إلا أن
~~يشاء الله بما ينجزه لنا من الوعد في الإظهار عليكم والظفر بكم فنعود
~~فيها؛ وقيل: إن التقدير إلا أن يشاء الله أن يردكم إلى الحق فنكون جميعا
~~على ملة واحدة، ولا يخفى أن كل ذلك مما يضحك الثكلى، وبالجملة الآية
~~ظاهرة فيما ذهب إليه أهل السنة وسبحانه من سد باب الرشد عن المعتزلة.

# { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق } إعراض عن
~~مفاوضتهم إثر ما ظهر من عتوهم وعنادهم وإقبال على الله تعالى بالدعاء.
~~والفتح بمعنى الحكم والقضاء لغة لحمير أو لمراد. والفتاح عندهم القاضي
~~والفتاحة بالضم الحكومة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال: الفتح ms03253
~~القضاء لغة يمانية. وأخرج البيهقي وجماعة عن ابن عباس قال: ما كنت أدري
~~ما قوله { ربنا افتح } حتى سمعت ابنة ذي يزن وقد جرى بيني وبينها
~~كلام فقالت أفاتحك تريد أقاضيك و { بيننا } منصوب على الظرفية
~~والتقييد { بالحق } لإظهار النصفة، وجوز أن يكون مجازا عن البيان
~~والإظهار وإليه ذهب الزجاج، ومنه فتح المشكل لبيانه وحله تشبيها له بفتح
~~الباب وإزالة الإغلاق حتى يوصل إلى ما خلفها و { بيننا } على ما قيل
~~مفعول به بتقدير ما بيننا { وأنت خير الفتحين } أي الحاكمين
~~لخلو حكمك عن الجور والحيف أو المظهرين لمزيد علمك وسعة قدرتك والجملة
~~تذييل مقرر لمضمون ما قبله.

### || [7.90]

# { وقال الملأ الذين كفروا من قومه } عطف على

# قال الملأ

# [الأعراف: 88] الخ والمراد من هؤلاء الملأ يحتمل أن يكون أولئك
~~المستكبرين وتغيير الصلة لما أن مناط قولهم السابق هو الاستكبار ويكون
~~هذا حكاية لإضلالهم بعد حكاية ضلالهم على ما قيل، ويحتمل أن يكون غيرهم
~~ودونهم في الرتبة شأنهم الوساطة بينهم وبين العامة والقيام بأمورهم حسبما
~~يراه المستكبرون، أي قالوا لأهل ملتهم تنفيرا لهم وتثبيطا عن الإيمان
~~بعد أن شاهدوا صلابة شعيب عليه السلام ومن معه من المؤمنين فيه وخافوا أن
~~يفارقوهم { لئن اتبعتم شعيبا } / ودخلتم في ملته وفارقتم
~~ملة آبائكم { إنكم إذا لخسرون } أي مغبونون لاستبدالكم
~~الضلالة بالهدى ولفوات ما يحصل لكم بالبخس والتطفيف فالخسران على الأول
~~استعارة وعلى الثاني حقيقة وإلى تفسير الخاسرين بالمغبونين ذهب ابن عباس،
~~وعن عطاء تفسيره بالجاهلين، وعن الضحاك تفسيره بالفجرة؛ و { إذا } حرف
~~جواب وجزاء معترض كما قال غير واحد بين اسم إن وخبرها. وقيل: هي إذا
~~الظرفية الاستقبالية وحذفت الجملة المضاف إليها وعوض عنها التنوين، ورده
~~أبو حيان بأنه لم يقله أحد من النحاة، والجملة جواب للقسم الذي وطأته
~~اللام بدليل عدم الاقتران بالفاء وسادة مسد جواب الشرط وليست جوابا لهما
~~معا كما يوهمه كلام بعضهم لأنه كما قيل مع مخالفته للقواعد النحوية يلزم
~~فيه أن يكون جملة واحدة لها محل من الإعراب ولا ms03254 محل لها وإن جاز
~~باعتبارين.

### || [7.91]

# { فأخذتهم الرجفة } أي الزلزلة كما قال الكلبي وفي سورة
~~هود [94]

# وأخذت الذين ظلموا الصيحة

# أي صيحة جبريل عليه السلام، ولعلها كانت من مبادي الرجفة فأسند إهلاكهم
~~إلى السبب القريب تارة وإلى البعيد أخرى، وقال بعضهم: إن القصة غير واحدة
~~فإن شعيبا عليه السلام بعث إلى أمتين أهل مدين وأهل الأيكة فأهلكت
~~إحداهما بالرجفة والأخرى بالصيحة، وفيه أنه إنما يتم لو لم يكن هلاك أهل
~~مدين بالصيحة، والمروي عن قتادة أنهم الذين أهلكوا بها وأن أهل الأيكة
~~أهلكوا بالظلة. وجاء في بعض الآثار أن أهل مدين أهلكوا بالظلة والرجفة،
~~فقد روي عن ابن عباس وغيره في هذه الآية إن الله تعالى فتح عليه بابا من
~~جهنم فأرسل عليهم حرا شديدا فأخذ بأنفاسهم ولم ينفعهم ظل ولا ماء
~~فكانوا يدخلون الأسراب فيجدونها أشد حرا من الظاهر فخرجوا إلى البرية
~~فبعث الله تعالى سحابة فيها ريح طيبة فأظلتهم فوجدوا لها بردا فنادى
~~بعضهم بعضا حتى اجتمعوا تحتها رجالهم ونساؤهم وصبياهم فألهبها عليهم
~~نارا ورجفت بهم الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد المقلي وصاروا رمادا.
~~ويشكل على هلاكهم جميعا نساء ورجالا ما نقل عن عبد الله البجلي قال:
~~كان أبو جاد وهوز وحطى وكلمن وسعفص وقرشت ملوك مدين وكان ملكهم في زمن
~~شعيب عليه السلام كلمن فلما هلك يوم الظلة رثته ابنته بقولها:

# كلمن قد هد ركني

# هلكه وسط المحله

# سيد القوم أتاه الح

# تف نار تحت ظله

# جعلت نار عليهم

# دارهم كالمضمحله

# اللهم إلا أن يقال: إنها كانت مؤمنة فنجت، وقد يقال: إن هذا الخبر مما
~~ليس له سند يعول عليه.

# { فأصبحوا في دارهم جثمين } تقدم نظيره.

### || [7.92]

# { الذين كذبوا شعيبا } استئناف لبيان ابتلائهم بشؤم قولهم:

# لنخرجنك يشعيب والذين ءامنوا معك من
~~قريتنا

# [الأعراف: 88] والموصول مبتدأ خبره قوله تعالى: { كأن لم
~~يغنوا فيها } أي لم يقيموا في دارهم، وقال قتادة: المعنى كأن لم
~~يعيشوا فيها مستغنين، وذكر غير واحد أنه يقال: غني بالمكان يغنى غنى
~~وغنيانا إذا أقام ms03255 به دهرا طويلا، وقيده بعضهم بالإقامة في عيش رغد،
~~وقال ابن الأنباري كغيره: إنه من الغنى ضد الفقر كما في قول حاتم:

# غنينا زماما بالتصعلك والغنى

# فكلا سقاناه بكأسهما الدهر

# فما زادنا بغيا على ذي قرابة

# غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر

# / وعلى هذا تفسير قتادة، ورد الراغب غني بمعنى أقام إلى هذا المعنى
~~فقال: ((غني في مكان [كذا إذا] طال مقامه فيه مستغنيا به عن غيره
~~[بغنى]))، وقول بعضهم في بيان الآية: إنهم استؤصلوا بالمرة بيان لحاصل
~~المعنى، وفي بناء الخبر على الموصول إيماء إلى أن علة الحكم هي الصلة
~~فكأنه قيل: الذين كذبوا شعيبا هلكوا لتكذيبهم إياه هلاك الأبد، ويشعر
~~ذلك هنا بأن مصدقيه عليه السلام نجوا نجاة الأبد، وهذا مراد من قال
~~بالاختصاص في الآية، وقيل: إنه مبني على أن مثل هذا التركيب كما يفيد
~~التقوى قد يفيد الاختصاص نحو

# الله يبسط الرزق

# [الرعد: 26] والقرينة عليه هنا أنه سبحانه ذكر فيما سبق المؤمنين
~~والكافرين ولم يذكر هنا إلا هلاك المكذبين، ويرجع حاصل المعنى بالآخرة
~~إلى أنهم عوقبوا بتوعدهم السابق بالإخراج وصاروا هم المخرجين من القرية
~~إخراجا لا دخول بعده دون شعيب عليه السلام ومن معه.

# وقوله تعالى: { الذين كذبوا شعيبا كانوا هم
~~الخسرين } استئناف آخر لبيان ابتلائهم بعقوبة قولهم الأخير،
~~واستفادة الحصر هنا أوضح من استفادته فيما تقدم، أي الذين كذبوه عليه
~~السلام عوقبوا بقولهم

# لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخسرون

# [الأعراف: 90] فصاروا هم الخاسرين للدنيا والدين لتكذيبهم لا المتبعون
~~له عليه السلام المصدقون إياه عليه السلام، وبهذا القصر اكتفى عن التصريح
~~بالانجاء كما وقع في سورة هود [94] من قوله تعالى:

# ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين ءامنوا
~~معه

# الخ، وفي «الكشاف» أن ((في هذا الاستئناف وتكرير الموصول والصلة مبالغة
~~في رد مقالة الملأ لأشياعهم وتسفيه لرأيهم واستهزاء بنصحهم لقومهم
~~واستعظام لما جرى عليهم)). وأنت تعلم أن في استفادة ذلك كله من نفس هذه
~~الآية خفاء، والظاهر أن مجموع الاستئنافين مؤذن به. وبين الطيبي ذلك
~~بأنه تعالى لما ms03256 رتب العقاب بأخذ الرجفة وتركهم هامدين لا حراك بهم على
~~التكذيب والعناد اتجه لسائل أن يسأل إلى ماذا صار مآل أمرهم بعد الجثوم؟
~~فقيل: { الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها }
~~أي إنهم استؤصلوا وتلاشت جسومهم كأن لم يقيموا فيها.

# ثم سأل أخصص الدمار بهم أم تعدى إلى غيرهم؟ فقيل: { الذين
~~كذبوا شعيبا كانوا هم الخسرين } أي اختص بهم الدمار
~~فجعلت الصلة الأولى ذريعة إلى تحقيق الخبر كقوله:

# إن التي ضربت بيتا مهاجرة

# بكوفة الجند غالت ودها غول

# وكذلك بولغ في الإخبار عن دمار القوم وجيء بتقوى الحكم والتخصيص وجعلت
~~الصلة الثانية علة لوجود الخبر، وجاء تسفيه الرأي من الرد عليهم بعين ما
~~تلفظوا به في نصح قومهم، والاستهزاء من الإشارة إلى أن ما جعلوه نصيحة
~~صار فضيحة وانعكس الحال الذي زعموه؛ ويستفاد عظم الخسران من تعريف الخبر
~~بلام الجنس. وأما استعظام ما جرى فمن قوله سبحانه: { كأن لم } الخ
~~وكذا من مجموع الكلام، ولا يخفى أن القول بالاستئناف البياني في الجملتين
~~وجعل الصلة الأولى ذريعة إلى تحقيق الخبر ليس بشيء، وقد ذكر غير واحد أن
~~هذا الاستئناف من غير عطف جار على عادة العرب في مثل هذا المقام فإن
~~عادتهم الاستئناف كذلك في الذم والتوبيخ فيقولون: أخوك الذي نهب مالنا
~~أخوك الذي هتك سترنا أخوك الذي ظلمنا، وجوز أبو البقاء أن يكون الموصول
~~الثاني بدلا من الضمير في { يغنوا } وأن يكون في محل نصب بإضمار
~~أعني، وأن يكون الأول مبتدأ والخبر { الذين كذبوا شعيبا
~~كانوا } و { كأن لم يغنوا } حال من ضمير { كذبوا } وأن
~~يكون الأول صفة للذين كفروا أو بدلا منه وعلى الوجهين يكون { كأن
~~لم } الخ حالا، وما اخترناه هو الأولى كما هو ظاهر فليتدبر.

### || [7.93]

# وقوله سبحانه: { فتولى عنهم وقال يقوم لقد
~~أبلغتكم رسلت ربى ونصحت لكم } تقدم الكلام على
~~/ نظيره، بيد أن هذا القول يحتمل أن يكون تأنيبا وتوبيخا لهم وقوله
~~سبحانه: { فكيف ءاسى على قوم كفرين } إنكار لمضمونه،
~~أي لقد أعذرت لكم في الإبلاغ ms03257 والنصيحة والتحذير مما حل بكم فلم تسمعوا
~~قولي ولم تصدقوني { فكيف ءاسى } أي لا آسى عليكم لأنكم لستم أحقاء
~~بالأسى وهو الحزن كما في «الصحاح والقاموس» أو شدة الحزن كما في «الكشاف»
~~و «مجمع البيان»، ويحتمل أن يكون تأسفا بهم لشدة حزنه عليهم، وقوله
~~سبحانه: { فكيف } الخ إنكار على نفسه لذلك، وفيه تجريد والتفات على
~~ما قيل حيث جرد عليه السلام من نفسه شخصا وأنكر عليه حزنه على قوم لا
~~يستحقونه والتفت على الخطاب إلى التكلم، وذكر بعض المحققين أن الظاهر أنه
~~ليس من الالتفات والتجريد في شيء فإن { قال } يقتضي صيغة التكلم وهي
~~تنافي التجريد، وإنما هو نوع من البديع يسمى الرجوع وهو العود على الكلام
~~السابق بالنقض لأنه إذا كان قد أبلغتكم تأسفا ينافي ما بعده فكأنه بدا
~~له ورجع عن التأسف منكرا لفعله الأول، وقد جاء ذلك كثيرا في كلامهم ومن
~~ذلك قول زهير:

# قف بالديار التي لم تعفها القدم

# بلى وغيرها الأرواح والديم

# والنكتة فيه الإشعار بالتوله والذهول من شدة الحيرة لعظم الأمر بحيث لا
~~يفرق بين ما هو كالمتناقض من الكلام وغيره، وابن حجة لا يفرق بين هذا
~~النوع ونوع السلب والإيجاب وكأن منشأ ذلك اعتماده في النوع الأخير على
~~تعريف أبي هلال العسكري له ولو اعتمد على تعريف إمام الصناعة ابن أبي
~~الأصبع لما اشتبه عليه الفرق، وعلى الاحتمالين في قوله سبحانه: { على
~~قوم } الخ إقامة الظاهر مقام الضمير للإشعار بعدم استحقاقهم التأسف
~~عليهم لكفرهم، وقرأ يحيى بن وثاب { فكيف إيسي } بكسر الهمزة وقلب الألف
~~ياء على لغة من يكسر حرف المضارعة كقوله:

# قعيدك أن لا تسمعيني ملامة

# ولا تنكئي جرح الفؤاد فييجعا

# وإمالة الألف الثانية، هذا ثم إن شعيبا عليه السلام بعد هلاك من أرسل
~~إليهم نزل مع المؤمنين به بمكة حتى ماتوا هناك وقبورهم على ما روي عن وهب
~~بن منبه في غربي الكعبة بين دار الندوة وباب سهم. وأخرج ابن عساكر عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في ms03258 المسجد الحرام قبران ليس فيه
~~غيرهما قبر إسماعيل وقبر شعيب عليهما السلام أما قبر إسماعيل ففي الحجر
~~وأما قبر شعيب فمقابل الحجر الأسود، وروي عنه أيضا أنه عليه السلام كان
~~يقرأ الكتب التي كان الله تعالى أنزلها على إبراهيم عليه السلام، ومن
~~الغريب ما نقل الشهاب أن شعيبا اثنان وأن صهر موسى عليهما الصلاة
~~والسلام من قبيلة من العرب تسمى عنزة وعنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن
~~معد بن عدنان وبينه وبين من تقدم دهر طويل فتبصر والله تعالى أعلم.

### || [7.94]

# { ومآ أرسلنا في قرية من نبي } إشارة إجمالية إلى
~~بيان أحوال سائر الأمم المذكورة تفصيلا، وفيه تخويف لقريش وتحذير، و {
~~من } سيف خطيب جيء بها لتأكيد النفي، وفي الكلام حذف صفة نبي أي كذب
~~أو كذبه أهلها { إلا أخذنا أهلها } استثناء مفرغ من أعم الأحوال
~~{ وأخذنا } في موضع نصب على الحال من فاعل { أرسلنا } وفي
~~الرضى أن الماضي الواقع حالا إلا إذا كان بعد إلا فاكتفاؤه بالضمير من
~~دون الواو، وقد كثر نحو ما لقيته إلا أكرمني لأن دخول إلا في الأغلب
~~الأكثر على الاسم فهو بتأويل الأمكر ما لي فصار كالمضارع المثبت وما في
~~هذه الآية من هذا القبيل، وقد يجيء مع الواو وقد نحو ما لقيته إلا وقد
~~أكرمني، ومع الواو وحدها / نحو ما لقيته إلا أكرمني لأن الواو مع إلا
~~تدخل في خبر المبتدأ فكيف بالحال ولم يسمع فيه قد من دون الواو، وقال
~~المرادي في «شرح الألفية» إن الحال المصدرة بالماضي المثبت إذا كان
~~تاليا لئلا يلزمها الضمير والخلو من الواو ويمتنع دخول قد وقول

# متى يأت هذا الموت لم تلف حاجة

# لنفسي إلا قد قضيت قضاءها

# نادر، وقد نص على ذلك الأشموني وغيره أيضا، والظاهر أن امتناع قد بعد
~~إلا فيما ذكر إذا كان الماضي حالا لا مطلقا، وإلا فقد ذكر الشهاب أن
~~الفعل الماضي لا يقع بعد إلا إلا بأحد شرطين إما تقدم فعل كما هنا وإما
~~مع قد نحو ما ms03259 زيد إلا قد قام، ولا يجوز ما زيد إلا ضرب، ويعلم مما ذكرنا
~~أن ما وقع في غالب نسخ «تفسير مولانا شيخ الإسلام» من أن الفعل الماضي لا
~~يقع بعد إلا إلا بأحد شرطين إما تقدير قد كما في هذه الآية أو مقارنة قد
~~كما في قولك: ما زيد إلا قد قام ليس على ما ينبغي بل هو غلط ظاهر كما لا
~~يخفى، والمعنى فيما نحن فيه وما أرسلنا في قرية من القرى المهلكة نبيا
~~من الأنبياء عليهم السلام في حال من الأحوال الإ حال كوننا آخذين
~~أهلها.

# { بالبأساء } أي بالبؤس والفقر { والضراء } بالضر والمرض،
~~وبذلك فسرهما ابن مسعود وهو معنى قول من قال: البأساء في المال والضراء
~~في النفس وليس المراد أن ابتداء الإرسال مقارن للأخذ المذكور بل إنه
~~مستتبع له غير منفك عنه { لعلهم يضرعون } أي كي يتضرعوا
~~ويخضعوا ويتوبوا من ذنوبهم وينقادوا لأمر الله تعالى.

### || [7.95]

# { ثم بدلنا } عطف على

# أخذنا

# [الأعراف: 94] داخل في حكمه { مكان السيئة } التي أصابتهم لما
~~تقدم { الحسنة } وهي السعة والسلامة، ونصب { مكان } كما قيل على
~~الظرفية وبدل متضمن معنى أعطى الناصب لمفعولين وهما هنا الضمير المحذوف
~~والحسنة أي أعطيناهم الحسنة في مكان السيئة، ومعنى كونها في مكانها أنها
~~بدل منها. وقال بعض المحققين: الأظهر أن (مكان) مفعول به لبدلنا لا ظرف،
~~والمعنى بدلنا مكان الحال السيئة الحال الحسنة فالحسنة هي المأخوذة
~~الحاصلة في مكان السيئة المتروكة والمتروك هو الذي تصحبه الباء في نحو
~~بدلت زيدا بعمرو { حتى عفوا } أي كثروا ونموا في أنفسهم
~~وأموالهم، وبذلك فسره ابن عباس وغيره من عفا النبات وعفا الشحم والوبر
~~إذا كثرت، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:

# " أحفوا الشوارب واعفوا اللحى "

# وقول الحطيئة:

# بمستأسد القريان عاف نباته

# تساقطني والرحل من صوت هدهد

# وقوله:

# ولكنا نعض السيف منها

# بأسوق عافيات الشحم كوم

# وتفسير أبي مسلم له بالإعراض عن الشكر ليس بيانا للمعنى اللغوي كما لا
~~يخفى، و { حتى } هذه الداخلة على الماضي ابتدائية لا غائية عند
~~الجمهور، ms03260 ولا محل للجملة بعدها كما نقل ذلك الجلال السيوطي في «شرح جمع
~~الجوامع» له عن بعض مشايخه، وأما زعم ابن مالك أنها جارة غائية وأن مضمرة
~~بعدها على تأويل المصدر فغلطه فيه أبو حيان وتبعه ابن هشام فقال: لا أعرف
~~له في ذلك سلفا، وفيه تكلف إضمار من غير ضرورة، ولا يشكل عليه ولا على
~~من يقول؛ إن معنى الغاية لازم لحتى ولو كانت ابتدائية أن الماضي لمضيه لا
~~يصلح أن يكون غاية لما قبل لتأخر الغاية عن ذي الغاية لأن الفعل وإن كان
~~ماضيا لكنه بالنسبة إلى ما صار غاية له مستقبل فافهم.

# / { وقالوا } غير واقفين على أن ما أصابهم من الأمرين ابتلاء منه
~~سبحانه { قد مس ءاباءنا } كما مسنا.

# { الضراء والسراء } وما ذلك إلا من عادة الدهر يعاقب في الناس
~~بين الضراء والسراء ويداولهما بينهم من غير أن يكون هناك داعية إليهما أو
~~تبعة تترتب عليهما وليس هذا كقول القائل:

# ثمانية عمت بأسبابها الورى

# فكل امرىء لا بد يلقى الثمانية

# سرور وحزن واجتماع وفرقة

# وعسر ويسر ثم سقم وعافية

# كما لا يخفى، ولعل تأخير السراء للإشعار بأنها تعقب الضراء فلا ضير فيها
~~{ فأخذنهم } عطف على مجموع { عفوا وقالوا } أو على {
~~قالوا } لأنه المسبب عنه أي فأخذناهم إثر ذلك { بغتة } أي فجأة.

# { وهم لا يشعرون } بشيء من ذلك ولا يخطرون ببالهم شيئا من
~~المكاره، والجملة حال مؤكدة لمعنى البغتة، وهذا أشد أنواع الأخذ كما قيل:
~~وأنكأ شيء يفجؤك البغت، وقيل: المراد بعدم الشعور عدم تصديقهم بإخبار
~~الرسل عليهم السلام بذلك لا خلو أذهانهم عنه ولا عن وقته لقوله تعالى:

# ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم
~~وأهلها غفلون

# [الأنعام: 131] ولا يخفى ما فيه من الغفلة عن معنى الغفلة وعن محل
~~الجملة.

### || [7.96]

# { ولو أن أهل القرى } أي القرى المهلكة المدلول عليها
~~بقوله سبحانه:

# فى قرية

# [الأعراف: 94] فاللام للعهد الذكري والقرية وإن كانت مفردة لكنها في
~~سياق النفي فتساوي الجمع، وجوز أن تكون اللام للعهد الخارجي إشارة إلى
~~مكة ms03261 وما حولها. وتعقب ذلك بأنه غير ظاهر من السياق، ووجه بأنه تعالى لما
~~أخبر عن القرى الهالكة بتكذيب الرسل وأنهم لو آمنوا سلموا وغنموا انتقل
~~إلى انذار أهل مكة وما حولها مما وقع بالأمم والقرى السابقة.

# وجوز في «الكشاف» أن تكون للجنس، والظاهر أن المراد حينئذ ما يتناول
~~القرى المرسل إلى أهلها من المذكورة وغيرها لا ما لا يتناول قرى أرسل
~~إليها نبي وأخذ أهلها بما أخذ وغيرها كما قيل لإباء ظاهر ما في حين
~~الاستدراك الآتي عنه { ءامنوا } أي بما أنزل على أنبيائهم {
~~واتقوا } أي ما حرم الله تعالى عليهم كما قال قتادة ويدخل في ذلك
~~ما أرادوه من كلمتهم السابقة.

# { لفتحنا عليهم بركت من السماء والأرض } أي
~~ليسرنا عليهم الخير من كل جانب، وقيل: المراد بالبركات السماوية المطر
~~وبالبركات الأرضية النبات، وأيا ما كان ففي فتحنا استعارة تبعية. ووجه
~~الشبه بين لمستعار منه والمستعار له الذي أشرنا إليه سهولة التناول،
~~ويجوز أن يكون هناك مجاز مرسل والعلاقة اللزوم ويمكن أن يتكلف لتحصيل
~~الاستعارة التمثيلية، وفي الآية على ما قيل إشكال وهو أنه يفهم بحسب
~~الظاهر منها أنه لم يفتح عليهم بركات من السماء والأرض، وفي الأنعام:
~~[44]

# فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب
~~كل شىء

# وهو يدل على أنه فتح عليهم بركات من السماء والأرض؛ وهو معنى قوله
~~سبحانه: { أبواب كل شىء } لأن المراد منها الخصب والرخاء والصحة
~~والعافية لمقابلة أخذناهم بالبأساء والضراء، وحمل فتح البركات على إدامته
~~أو زيادته عدول عن الظاهر وغير ملائم لتفسيرهم الفتح بتيسير الخير ولا
~~المطر والنبات. وأجاب عنه الخيالي بأنه ينبغي أن يراد بالبركات غير
~~الحسنة أو يراد آمنوا من أول الأمر فنجوا من البأساء والضراء كما هو
~~الظاهر، والمراد / في سورة الأنعام بالفتح ما أريد بالحسنة ههنا فلا
~~يتوهم الإشكال انتهى.

# وأنت خبير بأن إرادة آمنوا من أول الأمر إلى آخره غير ظاهرة بل الظاهر
~~أنهم لو أنهم آمنوا بعد أن ابتلوا ليسرنا عليهم ما يسرنا مكان ما أصابهم
~~من ms03262 فنون العقوبات التي بعضها من السماء كأمطار الحجارة وبعضها من الأرض
~~كالرجفة وبهذا ينحل الإشكال لأن آية الأنعام لا تدل على أنه فتح لهم هذا
~~الفتح كما هو ظاهر لتاليها، وما ذكر من أن المراد بالفتح هناك ما أريد
~~بالحسنة ههنا إن كان المراد به أن الفتح هناك واقع موقع إعطاء الحسنة
~~بدل السيئة هنا حيث كان ذكر كل منهما بعد ذكر الأخذ بالبأساء والضراء
~~وبعده الأخذ بغتة فربما يكون له وجه لكنه وحده لا يجدي نفعا، وإن كان
~~المراد به أن مدلول ذلك العام المراد به التكثير هو مدلول الحسنة فلا
~~يخفى ما فيه فتدبر، وقيل: المراد بالبركات السماوية والأرضية الأشياء
~~التي تحمد عواقبها ويسعد في الدارين صاحبها وقد جاءت البركة بمعنى
~~السعادة في كلامهم فلتحمل هنا على الكامل من ذلك الجنس ولا يفتح ذلك إلا
~~للمؤمن بخلاف نحو المطر والنبات والصحة والعافية فإنه يفتح له وللكافر
~~أيضا استدراجا ومكرا، ويتعين هذا الحمل على ما قيل إذا أريد من القرى
~~ما يتناول قرى أرسل إليها نبي وأخذ أهلها بما أخذ وغيرها، وقيل: البركات
~~السماوية إجابة الدعاء والأرضية قضاء الحوائج فليفهم وقرأ ابن عامر {
~~لفتحنا } بالتشديد.

# { ولكن كذبوا } أي ولكن لم يؤمنوا ولم يتقوا، وقد اكتفى بذكر
~~الأول لاستلزامه الثاني وللإشارة إلى أنه أعظم الأمرين {
~~فأخذنهم بما كانوا يكسبون } من أنواع الكفر والمعاصي
~~التي من جملتها قولهم السابق، والظاهر أن هذا الأخذ والمتقدم في قوله
~~سبحانه:

# فأخذنهم بغتة وهم لا يشعرون

# [الأعراف: 95] واحد وليس عبارة عن الجدب والقحط كما قيل: لأنهما قد زالا
~~بتبديل الحسنة مكان السيئة، وحمل أحد الأخذين على الأخذ الأخروي والآخر
~~على الدنيوي بعيد، ومن ذهب إلى حمل أل على الجنس على الوجه الأخير فيه
~~يلزمه أن يحمل { كذبوا فأخذنهم } على وقوع التكذيب والأخذ
~~فيما بينهم ولا يخفى بعده.

### || [7.97]

# { أفأمن أهل القرى } الهمزة لإنكار الواقع واستقباحه، وقيل:
~~لإنكار الوقوع ونفيه، وتعقب بأن

# فلا يأمن مكر الله

# [الأعراف: 99] الخ يأباه، والفاء للتعقيب مع السبب، والمراد بأهل القرى ms03263
~~قيل: أهل القرى المذكورة على وضع المظهر موضع المضمر للإيذان بأن مدار
~~التوبيخ أمن كل طائفة ما أتاهم من البأس لا أمن مجموع الأمم، وقيل:
~~المراد بهم أهل مكة وما حواليها ممن بعث إليه نبينا صلى الله عليه وسلم
~~وهو الأولى عندي وإلى ذلك ذهب محي السنة، والعطف على القولين على

# فأخذنهم بغتة

# [الأعراف: 95] لا على محذوف ويقدر بما يناسب المقام كما وقع نحو ذلك في
~~القرآن كثيرا، وأمر صدارة الاستفهام سهل، وقوله سبحانه:

# ولو أن أهل القرى ءامنوا

# [الأعراف: 96] الخ اعتراض توسط بينهما للمسارعة إلى بيان أن الأخذ
~~المذكور مما كسبته أيديهم نظرا للأول ولأنه يؤيد ما ذكر من أن الأخذ
~~بغتة ترتب على الإيمان والتقوى، ولو عكس لانعكس الأمر نظرا للثاني، ولو
~~جعلت اللام فيما تقدم للجنس أكد هذا الاعتراض المعطوف والمعطوف عليها
~~وشملهما شمولا سواء على ما في «الكشف» ولم يجعل العطف على

# فأخذنهم

# [الأعراف: 96] الأقرب لأنه لم يسق لبيان القرى وقصة هلاكها قصدا كالذي
~~قبله فكان العطف عليه دونه أنسب وهذا إذا أريد بالقرى القرى المدلول
~~عليها بما سبق، وأما إذا أريد بها / مكة وما حولها فوجه ذلك أظهر لأن
~~منشأ الانكار ما أصاب الأمم السالفة لا ما أصاب أهل مكة ومن حولها من
~~القحط وضيق الحال، وربما يقال: إذا كان المراد بأهل القرى في الموضعين
~~أهل مكة وما حولها يكون العطف على الأقرب أنسب، والمعنى أبعد ذلك الأخذ
~~لمن استكبر وتعزز وخالف الرسل عليهم السلام وشيوعه والعلم به يأمن أهل
~~القرى المشاركون لهم في ذلك.

# { أن يأتيهم بأسنا } أي عذابنا { بيتا } أي وقت بيات وهو
~~مراد من قال ليلا، وهو مصدر بات ونصبه على الظرفية بتقدير مضاف، ويجوز
~~أن يكون حالا من المفعول أي بائتين، وجوز أن يكون مصدر بيت ونصبه على
~~أنه مفعول مطلق ليأتيهم من غير لفظه أي تبييتا أو حال من الفاعل بمعنى
~~مبيتا بالكسر أو من المفعول بمعنى مبيتين بالفتح، واختار غير واحد
~~الظرفية ليناسب ما سيأتي { وهم نائمون } حال من ms03264 ضميرهم البارز أو
~~المستتر في { بيتا } لتأويله بالصفة كما سمعت وهو حال متداخلة
~~حينئذ.

### || [7.98]

# { أو أمن أهل القرى } إنكار بعد إنكار للمبالغة في التوبيخ
~~والتشديد، ولم يقصد الترتيب بينهما فلذا لم يؤت بالفاء. وقرأ نافع وابن
~~كثير وابن عامر. { أو } بسكون الواو وهي لأحد الشيئين والمراد الترديد
~~بين أن يأتيهم العذاب بياتا وما دل عليه قوله سبحانه: { أن
~~يأتيهم بأسنا ضحى } أي ضحوة النهار وهو في الأصل ارتفاع
~~الشمس أو شروقها وقت ارتفاعها ثم استعمل للوقت الواقع فيه ذلك وهو أحد
~~ساعات النهار عندهم وهي الذرور والبزوغ والضحى والغزالة والهاجرة والزوال
~~والدلوك والعصر والأصيل والصنوت والحدور والغروب وبعضهم يسميها البكور
~~والشروق والأشراق والراد والضحى والمنوع والهاجرة والأصيل والعصر والطفل
~~والحدور والغروب، ويكون كما قال الشهاب متصرفا إن لم يرد به وقت من يوم
~~بعينه وغير متصرف إن أريد به ضحوة يوم معين فيلزم النصب على الظرفية وهو
~~مقصور فإن فتح مد، وقد عدوا لفظ الضحى مما يذكر ويؤنث. { وهم
~~يلعبون } أي يلهون من فرط الغفلة وهو مجاز مرسل في ذلك، ويحتمل أن
~~يكون هناك استعارة أي يشتغلون بما لا نفع فيه كأنهم يلعبون.

### || [7.99]

# { أفأمنوا مكر الله } تكرير لمجموع الإنكارين السابقين جمعا بين
~~التفريق قصدا إلى زيادة التحذير والإنذار، وذكر جمع من جلة المحققين أنه
~~لو جعل تكريرا له ولما سلف من غرة أهل القرى السابقة أيضا على معنى أن
~~الكل نتيجة الأمن من مكر الله تعالى لجاز إلا أنه لما جعل تهديدا
~~للموجودين كان الأنسب التخصيص، وفيه تأمل. والمكر في الأصل الخداع ويطلق
~~على الستر يقال: مكر الليل أي ستر بظلمته ما هو فيه، وإذا نسب إليه
~~سبحانه فالمراد به استدراجه العبد العاصي حتى يهلكه في غفلته تشبيها
~~لذلك بالخداع، وتجوز هذه النسبة إليه سبحانه من غير مشاكلة خلافا
~~لبعضهم، وهو هنا إتيان البأس في الوقتين والحالين المذكورين، وهل كان
~~تبديل مكان السيئة الحسنة المذكور قبل مكرا واستدراجا أو ملاطفة
~~ومراوحة؟ فيه خلاف والكل محتمل.

# { فلا يأمن مكر ms03265 الله إلا القوم الخسرون } أي
~~الذين خسروا أنفسهم فأضاعوا فطرة الله التي فطر الناس عليها والاستعداد
~~القريب المستفاد من النظر في الآيات والفاء هنا متعلق كما قال القطب
~~الرازي وغيره بمقدر كأنه قيل فلما آمنوا خسروا فلا يأمن الخ. وقال أبو
~~البقاء إنها للتنبيه على تعقيب العذاب أمن مكر الله تعالى، وقد يقال:
~~إنها لتعليل ما يفهمه الكلام من ذم الأمن / واستقباحه أو يقال إنها
~~فصيحة، ويقدر ما يستفاد من الكلام شرطا أي إذا كان الأمن في غاية القبح
~~فلا يرتكبه إلا من خسر نفسه، واستدلت الحنفية بالآية على أن الأمن من مكر
~~الله تعالى وهو كما في «جمع الجوامع» الاسترسال في المعاصي إتكالا على
~~عفو الله تعالى كفر، ومثله اليأس من رحمة الله تعالى لقوله تعالى:

# إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون

# [يوسف: 87] وذهبت الشافعية إلى أنهما من الكبائر لتصريح ابن مسعود رضي
~~الله تعالى عنه بذلك وروى ابن أبي حاتم. والبزار عن ابن عباس أنه صلى
~~الله تعالى عليه وسلم سئل ما الكبائر؟ فقال: الشرك بالله تعالى واليأس من
~~روح الله والأمن من مكر الله وهذا أكبر الكبائر قالوا: وما ورد من أن ذلك
~~كفر محمول على التغليظ وآية { لا ييأس } الخ كقوله تعالى:

# الزانية لا ينكحها إلا زان

# [النور: 3] و

# لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الأخر
~~يوادون من حاد الله

# [المجادلة: 22] في قول. وقال بعض المحققين: إن كان في الأمن اعتقاد أن
~~الله تعالى لا يقدر على الانتقام منه وكذا إذا كان في اليأس اعتقاد عدم
~~القدرة على الرحمة والإحسان أو نحو ذلك فذلك مما لا ريب في أنه كفر وإن
~~خلا عن نحو هذا الاعتقاد ولم يكن فيه تهاون وعدم مبالاة بالله تعالى فذلك
~~كبيرة وهو كالمحاكمة بين القولين.

### || [7.100]

# { أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها
~~} أي يخلفون من خلا قبلهم من الأمم، والمراد بهم كما روي عن السدي
~~المشركون وفسروا بأهل مكة ومن حولها، وعليه لا يبعد أن ms03266 يكون في الآية
~~إقامة الظاهر مقام الضمير إذا كان المراد بأهل القرى سابقا أهل مكة وما
~~حولها، وتعدية فعل الهداية باللام لأنها كما روي عن ابن عباس ومجاهد
~~بمعنى التبيين وهو على ما قيل: إما بطريق المجاز أو التضمين أو لتنزيله
~~منزلة اللازم كأنه قيل: أغفلوا ولم يفعل الهداية لهم.

# { أن لو نشاء أصبنهم بذنوبهم } أي بجزاء ذنوبهم
~~كما أصبنا من قبلهم، وإذا ضمن أصبنا معنى أهلكنا لا يحتاج إلى تقدير
~~مضاف. و { أن } مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر وخبره الجملة
~~الشرطية والمصدر المؤول فاعل { يهد } ومفعوله على احتمال التضمين
~~محذوف أي أو لم يتبين لهم مآل أمرهم أو نحو ذلك. وجوز أن يكون الفاعل
~~ضمير الله تعالى وأن يكون ضميرا عائدا على ما يفهم مما قبل، أي أو لم
~~يهد لهم ما جرى على الأمم السابقة. وقرأ عبد الرحمن السلمي وقتادة وروي
~~عن مجاهد ويعقوب { نهد } بالنون فالمصدر حينئذ مفعول، ومن الناس من خص
~~اعتبار التضمين أو المجاز بهذه القراءة واعتبار التنزيل منزلة اللازم
~~بقراءة الياء، وفيه بحث.

# وقوله تعالى: { ونطبع على قلوبهم } جملة معترضة تذييلية أي
~~ونحن من شأننا وسنتنا أن نطبع على قلب من لم نرد منه الإيمان حتى لا يتعظ
~~بأحوال من قبله ولا يلتفت إلى الأدلة، ومن أراد من أهل القرى فيما تقدم
~~أهل مكة جعله تأكيدا لما نعى عليهم من الغرة والأمن والخسران أي ونحن
~~نطبع على قلوبهم فلذلك اقتفوا آثار من قبلهم ولم يعتبروا بالآيات وأمنوا
~~من البيات لمستخلفيهم حذو النعل بالنعل. وجوز عطفه على مقدر دل عليه قوله
~~تعالى: { أو لم يهد } وعطفه عليه أيضا وهو وإن كان إنشاء إلا أن
~~المقصود منه الإخبار بغفلتهم وعدم اهتدائهم أي لا يهتدون أو يغفلون عن
~~الهداية أو عن التأمل والتفكر ونطبع الخ. وجوز أن يكون عطفا على {
~~يرثون } ، واعترض بأنه صلة والمعطوف على الصلة صلة ففيه الفصل بين
~~أبعاض / الصلة بأجنبي وهو { أن لو نشاء } سواء كانت فاعلا أو
~~مفعولا، ونقل أبو ms03267 حيان عن الأنباري أنه قال: ((يجوز أن يكون معطوفا على
~~(أصبنا) إذا كان بمعنى نصيب فوضع الماضي موضع المستقبل عند وضوح معنى
~~الاستقبال كما في قوله تعالى:

# تبارك الذى إن شاء جعل لك خيرا من ذلك

# [الفرقان: 10] أي إن يشأ، يدل عليه

# ويجعل لك قصورا

# [الفرقان: 10] [انتهى] فجعل لو شرطية بمعنى إن ولم يجعلها التي هي لما
~~كان سيقع لوقوع غيره و [لذلك] جعل (أصبنا) بمعنى نصيب، وقد يرتكب التأويل
~~في جانب المعطوف فيؤول { نطبع } بطبعنا))، ورد الزمخشري هذا العطف
~~بأنه ((لا يساعد عليه المعنى لأن القوم كانوا مطبوعا على قلوبهم موصوفين
~~بصفة من قبلهم من اقتراف الذنوب والإصابة بها وذلك يؤدي إلى خلوهم عن هذه
~~الصفة وأن الله تعالى لو شاء لاتصفوا بها))، وتعقبه ابن المنير ((بأنه لا
~~يلزم أن يكون المخاطبون موصوفين بالطبع (ولا يضرهم أن) كانوا كفارا أو
~~مقترفين للذنوب فليس الطبع من لوازم الاقتراف البتة إذ هو التمادي على
~~الكفر والإصرار والغلو في التصميم حتى يكون الموصوف به مأيوسا من قبوله
~~للحق ولا يلزم أن يكون كل كافر بهذه المثابة بلى إن الكافر يهدد لتماديه
~~على الكفر بأن يطبع الله تعالى على قلبه فلا يؤمن أبدا وهو مقتضى العطف
~~على (أصبنا) فتكون الآية قد هددتهم بأمرين الإصابة بذنوبهم والطبع على
~~قلوبهم والثاني أشد من الأول وهو أيضا نوع من الإصابة بالذنوب والعقوبة
~~عليها ولكنه أنكى أنواع العذاب وأبلغ صنوف العقاب، وكثيرا ما يعاقب الله
~~تعالى على الذنب بالإيقاع في ذنب أكبر منه، وعلى الكفر بزيادة التصميم
~~عليه والغلو فيه كما قال سبحانه:

# فزادتهم رجسا إلى رجسهم

# [التوبة: 125] كما زادت المؤمنين إيمانا إلى إيمانهم وهذا النوع من
~~الثواب والعقاب مناسب لما كان سببا فيه وجزاء عليه فثواب الإيمان إيمان
~~وثواب الكفر كفر، وإنما الزمخشري يحاذر من هذا الوجه دخول الطبع في مشيئة
~~الله تعالى وذلك عنده محال لأنه بزعمه قبيح والله سبحانه عنه متعال))،
~~وفي «التقريب» نحو ذلك فإنه نظر فيما ذكره الزمخشري بأن المذكور كونهم
~~مذنبين ms03268 دون الطبع وأيضا جاز أن يراد لو شئنا زدنا في طبعهم أو لأمناه.

# والحق كما قال غير واحد من المحققين أن منعه من هذا العطف ليس بناء على
~~أنه لا يوافق رأيه فقط بل لأن النظم لا يقتضيه فإن قوله سبحانه { فهم
~~لا يسمعون } أي سماع تفهم واعتبار يدل على أنهم مطبوع على قلوبهم
~~لأن المراد استمرار هذه الحال لا أنه داخل في حكم المشيئة لأن عدم السماع
~~كان حاصلا ولو كان كذلك لوجب أن يكون منفيا، وأيضا التحقيق لا يناسب
~~الغرض، و

# كذلك يطبع الله على قلوب الكفرين

# [الأعراف: 101] ظاهر الدلالة على أن الوارثين والموروثين كل من أهل
~~الطبع وكذا قوله سبحانه:

# فما كانوا ليؤمنوا

# [الأعراف: 101] يدل على أن حالهم منافية للإيمان وأنه لا يجىء منه البتة
~~وأيضا إدامة الطبع أو زيادته لا يصلح عقوبة للكافرين بل قد يكون عقوبة
~~ذنب المؤمن كما ورد في «الصحيح» وما يورد من الدغدغة على هذا مما لا
~~يلتفت إليه.

### || [7.101]

# { تلك القرى نقص عليك من أنبائها } جملة مستأنفة
~~جارية مجرى الفذلكة مما قبلها منبئة عن غاية غواية الأمم المذكورة و {
~~تلك } إشارة إلى قرى الأمم المحكية من قوم نوح وعاد وثمود وأضرابهم،
~~واللام للعهد وجوز أن تكون للجنس، وهو مبتدأ و { القرى } صفته
~~والجملة بعده خبر. وجوز الزمخشري أن تكون (تلك) مبتدأ، و (القرى) خبر،
~~والجملة خبر بعد خبر على رأي من يرى جواز كون الخبر الثاني جملة، وأن
~~تكون الجملة حالا، وإفادة الكلام بالتقييد بها، واعترضه في «التقريب»
~~بأنه جعل شرط الإفادة التقييد بالحال وعلى تقدير كون ذلك خبرا بعد خبر
~~ينتفي الشرط إلا أن يريد تلك القرى / المعلومة حالها أو صفتها على أن
~~اللام للعهد لكنه يوجب الاستغناء عن اشتراط إفادته بالحال انتهى، وفيه أن
~~حديث الاستغناء ممنوع فإن المعنى كما في «الكشف» على التقديرين مختلف
~~لأنه إذا جعل حالا يكون المقصود تقييده بالحال كما ذكره الزجاج في نحو
~~هذا زيد قائما إذا جعل قيدا للخبر إن الكلام إنما يكون ms03269 مع من يعلم أنه
~~زيد والا جاء الإحالة لأنه يكون زيد قائما كان أولا، وإذا جعل خبرا بعد
~~خبر فتلك القرى على أسلوب

# ذلك الكتاب

# [البقرة: 2] على أحد الوجوه و { نقص } خبر ثان تفخيما على تفخيم حيث
~~نبه على أن لها قصصا وأحوالا أخرى مطوية وقال الطيبي: إن الحال لما
~~كانت فضلة كان الإشكال قائما في عدم إفادة الخبر فأجيب بأنها ليست فضلة
~~من كل وجه وأما الخبر فلا عجب من كونه كالجزء من الأول كما في قولك هذا
~~حلو حامض، وهذا بمنزلته، وفيه أن عد ما نحن فيه من ذلك القبيل حامض
~~ومستغنى عنه بالحلو، ومثله بل أدهى وأمر الجواب بأنه لما اشترك الحلوان
~~في ذات المبتدأ كفى إفادة أحدهما وصيغة المضارع للإيذان بعدم انقضاء
~~القصة بعد و { من } للتبعيض أي بعض أخبارها التي فيها عظة وتذكير.

# وتصدير الكلام بذكر القرى وإضافة الأنباء أي الأخبار العظيمة الشأن
~~إليها مع أن المقصود أنباء أهلها وبيان أحوالهم حسبما يؤذن به قوله
~~سبحانه: { ولقد جاءتهم رسلهم بالبينت } لما ذكره شيخ
~~الإسلام من أن حكاية هلاكهم بالمرة على وجه الاستئصال بحيث يشمل أماكنهم
~~أيضا بالخسف بها والرجفة وبقائها خاوية معطلة أهول وأفظع، والباء في
~~قوله تعالى: { بالبينت } متعلقة أما بالفعل المذكور على أنها
~~للتعدية، وإما بمحذوف وقع حالا من فاعله أي متلبسين بالبينات على معنى
~~أن رسول كل أمة من الأمم المهلكة الخاص بهم جاءهم بالمعجزات البينة الجمة
~~لا أن كل رسول جاء ببينة واحدة، وما ذكروه من أن مقابلة الجمع بالجمع
~~تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد لا يقتضي كما قال المولى المدقق أبو
~~القاسم السمرقندي في «تعليقاته على المطول» أن يلزم في كل مقابلة مقارنة
~~الواحد للواحد لأن انقسام الآحاد على الآحاد كما يجوز أن يكون على السواء
~~يجوز أن يكون على التفاوت، مثلا إذا قيل: باع القوم دوابهم يفهم أن كلا
~~منهم باع ماله من دابة، ويجوز أن تتعدد دابة البعض، ولهذا قيل في قوله
~~سبحانه:

# فاغسلوا وجوهكم وأيديكم

# [المائدة: 6] إن ms03270 غسل يدي كل شخص ثابت بالكتاب والمقام هنا يقتضي ما
~~ذكرناه فإن الجملة مستأنفة مبينة لكمال عتوهم وعنادهم.

# وقول عز شأنه: { فما كانوا ليؤمنوا } بيان لاستمرار عدم
~~إيمانهم في الزمان الماضي لا لعدم استمرار إيمانهم، ونظير ذلك

# لا خوف عليهم ولا هم يحزنون

# [البقرة: 62]، وترتيب حالهم هذه على مجيء الرسل بالبينات بالفاء لما أن
~~الاستمرار على فعل بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه يعد بحسب العنوان فعلا
~~جديدا وصنعا حادثا كما في وعظته فلم ينزجر ودعوته فلم يجب، واللام
~~لتأكيد النفي أي فما صح وما استقام لقوم من أولئك الأقوام في وقت من
~~الأوقات ليؤمنوا بل كان ذلك ممتنعا منهم إلى أن لقوا ما لقوا لغاية
~~عتوهم وشدة شكيمتهم في الكفر والطغيان ثم إن كان المحكي آخر حال كل قوم
~~منهم فالمراد بعدم إيمانهم هو إصرارهم على ذلك بعد اللتيا والتي وبما
~~أشير إليه بقوله تعالى: { بما كذبوا من قبل } تكذيبهم من لدن
~~مجيء الرسل عليهم السلام إلى وقت الإصرار والعناد، وهذا معنى كلام الزجاج
~~فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية تلك المعجزات بما كذبوا قبل رؤيتها، يعني أول
~~ما جاؤهم فاجأوهم بالتكذيب فأتوا بالمعجزات فأصروا على التكذيب وإلى هذا
~~ذهب الحسن أيضا، وإنما لم / يجعل ذلك مقصودا بالذات كالأول بل جعل صلة
~~للموصول المحذوف عائده أي الذي كذبوه إيذانا بأنه بين في نفسه، وإنما
~~المحتاج إلى البيان عدم إيمانهم بعد تواتر البينات الباهرة وتظاهر
~~المعجزات الظاهرة التي كانت تضطرهم إلى القبول لو كانوا من ذوي العقول،
~~والموصول الذي تعلق به الإيمان والتكذيب إيجابا وسلبا عبارة عن جميع
~~الشرائع التي جاء بها كل رسول أصولها وفروعها وإن كان المحكي جميع أحوال
~~كل قوم منهم فالمراد على ما قيل بما ذكر أولا كفرهم المستمر من حين مجيء
~~الرسل عليهم السلام إلى آخر أمرهم وبما أشير إليه آخرا تكذيبهم قبل
~~مجيئهم فلا بد من جعل الموصول عبارة عن أصول الشرائع التي لا تقبل التبدل
~~والتغير واجتمعت الرسل قاطبة عليها ودعوا الأمم إليها كلمة ms03271 التوحيد
~~ولوازمها ومعنى تكذيبهم بها قبل مجيء الرسل أنهم كانوا يسمعونها من بقايا
~~من قبلهم فيكذبونها لا أن العقل يرشد إليها ويحكم بها ويخالفونه ثم كانت
~~حالهم بعد مجيء الرسل إليهم كحالهم قبل كأن لم يبعث إليهم أحد وتخصيص
~~التكذيب وعدم الإيمان بما ذكر من الأصول لظهور حال الباقي بدلالة النص
~~فإنهم حين لم يؤمنوا بما اجتمعت عليه كافة الرسل فلأن لا يؤمنوا بما تفرد
~~به بعضهم أولى، وعدم جعل هذا التكذيب مقصودا بالذات لما أنه ليس مدار
~~العذاب بل مداره التكذيب بعد البعثة كما يفصح عنه قوله تعالى:

# وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا

# [الإسراء: 15] وإنما ذكر ما وقع قبلها بيانا لعراقتهم في الكفر
~~والتكذيب، وقيل: المراد بما أشير إليه آخرا تكذيبهم الذي أسروه يوم
~~الميثاق، وروي ذلك عن أبي بن كعب والربيع والسدي. ومقاتل واختاره الطبري.

# وأخرج ابن جرير. وابن أبي حاتم وغيرهما عن مجاهد أن الآية على حد قوله
~~تعالى:

# ولو ردوا لعدوا لما نهوا عنه

# [الأنعام: 28] فالمعنى ما كانوا لو أهلكناهم ثم أحييناهم ليؤمنوا بما
~~كذبوا قبل إهلاكهم، وعلى هذا فالمراد بالموصول جميع الشرائع أصولها
~~وفروعها وفيه من المبالغة في إصرارهم وعتوهم ما لا يخفى إلا أنه في غاية
~~الخفاء، وأيا ما كان فالضمائر الثلاثة متوافقة في المرجع، وقيل ضمير {
~~كذبوا } راجع إلى أسلافهم، والمعنى فما كان الأبناء ليؤمنوا بما كذب
~~به الآباء، ولا يخفى ما فيه من التعسف، وذهب الأخفش إلى أن الباء سببية
~~وما مصدرية والمعنى عليه كما قيل: فما كانوا ليؤمنوا الآن أي عند مجيء
~~الرسل لما سبق منهم من التكذيب الذي ألفوه وتمرنوا عليه قبل مجيئهم أو لم
~~يؤمنوا قط واستمروا على تكذيبهم لما حصل منهم من التكذيب حين مجيء الرسل.

# { كذلك } أي مثل ذلك الطبع الشديد المحكم { يطبع الله على
~~قلوب الكفرين } أي قلوبهم فوضع المظهر موضع المضمر ليدل على أن
~~الطبع بسبب الكفر وإلى هذا يشير كلام الزجاج وصرح به بعضهم، ويجوز ولعله
~~الأولى أن يراد بالكافرين ما يشمل المذكورين ms03272 وغيرهم وفي ذلك من تحذير
~~السامعين ما لا يخفى، وإظهار الاسم الجليل بطريق الالتفات لتربية المهابة
~~وإدخال الروعة.

### || [7.102]

# { وما وجدنا لأكثرهم } أي أكثر الأمم المذكورين، ووجد متعدية
~~لواحد واللام متعلقة بها كما في قولك: ما وجدت لزيد مالا أي ما صادفت له
~~مالا ولا لقيته أو بمحذوف كما قال أبو البقاء وقع حالا من قوله تعالى:
~~{ من عهد } لأنه في الأصل صفة للنكرة فلما قدمت عليها انتصبت
~~حالا و { من } مزيدة للاستغراق وجوز أن تكون وجد علمية والأول أظهر،
~~والكلام على تقدير مضاف أي ما وجدنا وفاء عهد كائن لأكثرهم فإنهم نقضوا
~~ما عاهدوا عليه الله تعالى عند مساس البأساء والضراء قائلين

# لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين

# [يونس: 22] وإلى هذا ذهب قتادة وتخصيص / هذا الشأن بأكثرهم ليس لأن
~~بعضهم كانوا يوفون بالعهد بل لأن بعضهم كانوا لا يعهدون ولا يوفون، وقيل:
~~المراد بالعهد ما وقع يوم أخذ الميثاق، وروي ذلك عن أبي بن كعب وأبي
~~العالية، وقيل: المراد به ما عهد الله تعالى إليهم من الإيمان والتقوى
~~بنصب الدلائل والحجج وإنزال الآيات، وفسره ابن مسعود بالإيمان كما في
~~قوله تعالى:

# اتخذ عند الرحمن عهدا

# [مريم: 78]، وقيل: هو بمعنى البقاء أي ما وجدنا لهم بقاء على فطرتهم،
~~والمراد بالأكثر في الكل الكل، وذهب كثير من الناس إلى أن ضمير {
~~أكثرهم } للناس وهو معلوم لشهرته، والجملة إلى فاسقين اعتراض لأنه
~~لا اختصاص له بما قبله لكن لعمومه يؤكده. وعلى الأول تتميم على ما نص
~~عليه الطيبي وغيره.

# { وإن وجدنا أكثرهم } أي أكثر الأمم أو أكثر الناس أي
~~علمناهم كقولك: وجدت زيدا فاضلا وبين وجد هذه ووجد السابق على المعنى
~~الأول فيه الجناس التام المماثل و { إن } مخففة من الثقيلة وضمير الشأن
~~محذوف ولا عمل لها فيه لأنها ملغاة على المشهور، وتعين تفسير وجد بعلم
~~الناصبة للمبتدأ والخبر لدخولها عليهما، فقد صرح الجمهور أنها لا تدخل
~~إلا على المبتدأ أو على الأفعال الناسخة وخالف في ذلك الأخفش فلا يرى
~~ذلك. ms03273 وجوز دخولها على غيرهما، وذهب الكوفيون إلى أن { إن } نافية،
~~واللام في قوله سبحانه: { لفسقين } اللام الفارقة وعند الكوفيين
~~أن (إن) نافية واللام بمعنى إلا أي ما وجدنا أكثرهم الا خارجين عن
~~الطاعة ويدخل في ذلك نقض العهد، وذكر الطيبي أنه إذا فسر الفاسقون
~~بالناكثين يكون في الآية الطرد والعكس، وهو أن يؤتى بكلامين يقرر الأول
~~بمنطوقه مفهوم الثاني وبالعكس، وهو كقوله تعالى: { ليستأذنكم
~~الذين ملكت أيمنكم } إلى قوله سبحانه:

# ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن

# [النور: 58] فمنطوق الأمر بالاستئذان في الأوقات الثلاثة خاصة مقرر
~~لمفهوم رفع الجناح فيما عداها وبالعكس، وكذا قوله تعالى:

# لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون

# [التحريم: 6] وهذا النوع من الإطناب يقابله في الإيجاز نوع الاحتباك.

### || [7.103]

# { ثم بعثنا من بعدهم موسى } أي أرسلناه عليه السلام بعد
~~الرسل أو بعد الأمم والأول متقدم في قوله سبحانه:

# ولقد جاءتهم رسلهم

# [الأعراف: 101] والثاني مدلول عليه ب

# تلك القرى

# [الأعراف: 101] والاحتمال الأول أولى، والتصريح بالبعدية مع { ثم }
~~الدالة عليها قيل للتنصيص على أنها للتراخي الزماني فإنها كثيرا ما
~~تستعمل في غيره، وقيل: للإيذان بأن بعثه عليه السلام جرى على سنن السنة
~~الإلهية من إرسال الرسل تترى، و { من } لابتداء الغاية، وتقديم الجار
~~والمجرور على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق
~~إلى المؤخر، وقوله سبحانه: { بآياتنآ } متعلق بمحذوف وقع حالا من
~~مفعول { بعثنا } أو صفة لمصدره أي بعثناه عليه السلام ملتبسا بها أو
~~بعثناه بعثا ملتبسا بها وأريد بها الآيات التسع المفصلة { إلى
~~فرعون } هو علم شخص ثم صار لقبا لكل من ملك مصر من العمالقة، كما
~~أن كسرى لقب من ملك فارس، وقيصر لقب من ملك الروم، والنجاشي لقب من ملك
~~الحبشة، وتبع لقب من ملك اليمن، وقيل: إنه من أول الأمر لقب لمن ذكر،
~~واسمه الوليد بن مصعب بن الريان، وقيل: قابوس وكنيته أبو العباس، وقيل:
~~أبو مرة، وقيل: أبو الوليد، وعن جماعة أن قابوسا والوليد اسمان لشخصين
~~أحدهما فرعون موسى والآخر فرعون ms03274 يوسف عليهما السلام، وعن النقاش. وتاج
~~القراء أن فرعون موسى هو والد الخضر عليه السلام، وقيل: ابنه وذلك من
~~الغرابة بمكان، ويلقب به كل عات ويقال فيه فرعون كزنبور، وحكى ابن خالويه
~~عن / الفراء ضم فائه وفتح عينه وهي لغة نادرة، ويقال فيه: فريع كزبير
~~وعليه قول أمية بن الصلت:

# حي داود بن عاد وموسى

# وفريع بنيانه بالثقال

# وقيل: هو فيه ضرورة شعر ومنع من الصرف لأنه أعجمي، وحكى أبو الخطاب بن
~~دحية في «مروج البحرين» عن أبي النصر القشيري في «التيسير» أنه بلغة
~~القبط اسم للتمساح، والقول بأنه لم ينصرف لأنه لا سمي له كإبليس عند من
~~أخذه من أبلس ليس بشيء، وقيل: هو وأضرابه السابقة أعلام أشخاص وليست من
~~علم الجنس لجمعها على فراعنة وقياصرة وأكاسرة، وعلم الجنس لا يجمع فلا بد
~~من القول بوضع خاص لكل من تطلق عليه. وتعقب بأنه ليس بشيء لأن الذي غره
~~قول الرضي إن علم الجنس لا يجمع لأنه كالنكرة شامل للقليل والكثير لوضعه
~~للماهية فلا حاجة لجمعه، وقد صرح النحاة بخلافه وممن ذكر جمعه السهيلي في
~~«الروض الأنف» فكأن مراد الرضي أنه لا يطرد جمعه وما ذكره تعسف نحن في
~~غنى عنه.

# { وملإيه } أي أشراف قومه وتخصيصهم بالذكر مع عموم بعثته عليه
~~السلام لقومه كافة لأصالتهم في تدبير الأمور واتباع غيرهم لهم في الورود
~~والصدور { فظلموا بها } أي بالآيات، وأصل الظلم وضع الشيء في غير
~~موضعه وهو يتعدى بنفسه لا بالباء إلا أنه لما كان هو والكفر من واد واحد
~~عدي تعديته أو هو بمعنى الكفر مجازا أو تضمينا أو هو مضمن معنى التكذيب
~~أي ظلموا كافرين بها أو مكذبين بها، وقول بعضهم: إن المعنى كفروا بها
~~مكان الإيمان الذي هو من حقها لوضوحها ظاهر في التضمين كأنه قيل كفروا
~~بها واضعين الكفر في غير موضعه حيث كان اللائق بهم الإيمان.

# وقيل: الباء للسببية ومفعول ظلموا محذوف أي ظلموا الناس بصدهم عن
~~الإيمان أو أنفسهم كما قال الحسن والجبائي بسببها، والمراد ms03275 به الاستمرار
~~على الكفر بها إلى أن لقوا من العذاب ما لقوا.

# { فانظر كيف كان عقبة المفسدين } أي آخر أمرهم،
~~ووضع المفسدين موضع ضميرهم للإيذان بأن الظلم مستلزم للإفساد، والفاء
~~لأنه كما أن ظلمهم بالآيات مستتبع لتلك العاقبة الهائلة كذلك حكايته
~~مستتبع للأمر بالنظر إليها، والخطاب إما للنبي صلى الله عليه وسلم أو
~~لكل من يتأتى منه النظر، و { كيف } كما قال أبو البقاء وغيره خبر {
~~كان } قدم على اسمها لاقتضائه الصدارة، والجملة في حيز النصب بإسقاط
~~الخافض كما، قيل: أي فانظر بعين عقلك إلى كيفية ما فعلنا بهم.

### || [7.104]

# { وقال موسى } كلام مبتدأ مسوق لتفصيل ما أجمل فيما قبله.

# { يفرعون إني رسول } أي إليكم كما يشعر به

# قد جئتكم

# [الأعراف: 105] أو إليك كما يشعر به

# فأرسل

# [الأعراف: 105] { من رب العلمين } أي سيدهم ومالك أمرهم.

### || [7.105]

# { حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق } جواب
~~لتكذيبه عليه السلام المدلول عليه بقوله سبحانه:

# فظلموا بها

# [الأعراف: 103]، و { حقيق } صفة

# رسول

# [الأعراف: 104] أو خبر بعد خبر. وقيل: خبر مبتدأ محذوف أي أنا حقيق وهو
~~بمعنى جدير و { على } بمعنى الباء كما قال الفراء أو بمعنى حريص و {
~~على } على ظاهرها، قال أبو عبيدة: أو بمعنى واجب، واستشكل بأن قول
~~الحق هو الواجب على موسى عليه السلام لا العكس والكلام ظاهر فيه، وأجيب
~~بأن أصله حقيق علي بتشديد الياء كما في قراءة نافع. ومجاهد { أن لا
~~أقول } الخ فقلب لأمن الالتباس كما في قول خراش بن زهير:

# كذبتم وبيت الله حتى تعالجوا

# قوادم حرب لا تلين ولا تمرى

# وتلحق خيل لا هوادة بينها

# وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر

# وضعف بأن القلب سواء كان قلب الألفاظ بالتقديم والتأخير كخرق الثوب
~~المسمار أم قلب المعنى فقط كما هنا إنما يفصح إذا تضمن نكتة كما في
~~البيت، وهي في الإشارة إلى كثرة الطعن حتى شقيت الرماح بهم لتكسرها بسبب
~~ذلك، وقد أفصح عن هذا المتنبي بقوله:

# والسيف يشقى كما تشقى الضلوع به

# وللسيوف كما للناس آجال ms03276

# وبأن بين الواجب ومن يجب عليه ملازمة فعبر عن لزومه للواجب بوجوبه على
~~الواجب كما استفاض العكس، وليس هو من الكناية الإيمائية كقول البحتري:

# أو ما رأيت الجود ألقى رحله

# في آل طلحة ثم لم يتحول

# وقول ابن هانىء:

# فما جازه جود ولا حل دونه

# ولكن يسير الجود حيث يسير

# بل هو تجوز فيه مبالغة حسنة، وبأن ذلك من الإغراق في الوصف بالصدق بأن
~~يكون قد جعل قول الحق بمنزلة رجل يجب عليه شيء ثم جعل نفسه أي قابليته
~~لقول الحق وقيامه به بمنزلة الواجب على قول الحق فيكون استعارة مكنية
~~وتخييلية، والمعنى أنا واجب على الحق أن يسعى في أن أكون قائله والناطق
~~به فكيف يتصور مني الكذب، واعترضه القطب الرازي وغيره بأنه إنما يتم لو
~~كان هو حقيقا على قول الحق وليس كذلك بل على قوله الحق، وجعل قوله الحق
~~بحيث يجب عليه أن يسعى في أن يكون قائله لا معنى له.

# وأجيب بأن مبنى ذلك على أن المصدر المؤول لا بد من إضافته إلى ما كان
~~مرفوعا به وليس بمسلم فإنه قد يقطع النظر عن ذلك. وقد صرح بعض النحاة
~~بأن قد يكون نكرة نحو

# وما كان هذا القرءان أن يفترى

# [يونس: 37] أي افتراء، وههنا قد قطع النظر فيه عن الفاعل إذ المعنى
~~حقيق علي قول الحق وهو محصل مجموع الكلام فلا إشكال، وذكر ابن مقسم في
~~توجيه الآية على قراءة الجمهور وادعى أنه الأولى أن { على أن لا
~~أقول } متعلق برسول إن قلنا بجواز إعمال الصفة إذا وصفت وإن لم نقل به
~~وهو المشهور فهو متعلق بفعل يدل عليه أي أرسلت على أن لا أقول الخ،
~~والأولى عندي كون علي بمعنى الباء، ويؤيده قراءة أبي بأن لا أقول.

# وقرأ عبد الله { أن لا أقول } بتقدير الجار وهو على أو الباء، وقد
~~تقدم يقدر علي بياء مشددة.

# وقوله سبحانه: { قد جئتكم ببينة من ربكم } استئناف
~~مقرر لما قبله، ولم يكن هذا وما بعده من جواب فرعون إثر ms03277 ما ذكر ههنا بل
~~بعدما جرى بينهما من المحاورات التي قصها الله تعالى في غير ما موضع، وقد
~~طوي ذكرها هنا للإيجاز و { من } متعلقة إما بجئتكم على أنها لابتداء
~~الغاية مجازا وإما بمحذوف وقع صفة لبينة مفيدة لفخامتها الإضافية مؤكدة
~~لفخامتها الذاتية المستفادة من التنوين التفخيمي كما مر غير مرة، وإضافة
~~اسم الرب إلى ضمير المخاطبين بعد إضافته فيما قبل إلى العالمين لتأكيد
~~وجوب الايمان بها، وذكر الاسم الجليل الجامع في بيان كونه جديرا بقول
~~الحق عليه سبحانه تهويلا لأمر الافتراء عليه تعالى شأنه مع الإشارة إلى
~~التعليل بما ليس وراءه غاية.

# { فأرسل معى بنى إسرءيل } أي خلهم حتى يذهبوا معي إلى
~~الأرض المقدسة التي / هي وطن آبائهم، وكان عدو الله تعالى والقبط قد
~~استعبدوهم بعد انقراض الأسباط يستعملونهم ويكلفونهم الأفاعيل الشاقة
~~كالبناء وحمل الماء فأنقذهم الله تعالى بموسى عليه السلام، وكان بين
~~اليوم الذي دخل فيه يوسف عليه السلام مصر واليوم الذي دخل فيه موسى عليه
~~السلام على ما روي عن وهب أربعمائة سنة، واستعمال الإرسال بما أشير إليه
~~على ما يظهر من كلام الراغب حقيقة، وقيل: إنه استعارة من إرسال الطير من
~~القفص تمثيلية أو تبعية، ولا يخفى أنه ساقط عن وكر القبول، والفاء لترتيب
~~الإرسال أو الأمر به على ما قبله من رسالته عليه السلام ومجيئه بالبينة.

### || [7.106]

# { قال } استئناف بياني كأنه قيل: فما قال فرعون؟ فقيل: قال: { قال
~~إن كنت جئت بآية } من عند من أرسلك كما تدعيه { فأت بها }
~~أي فأحضرها عندي ليثبت بها صدقك في دعواك، فالمغايرة بين الشرط والجزاء
~~مما لا غبار عليه، ولعل الأمر غني عن التزام ذلك لحصوله بما لا أظنه يخفى
~~عليك { إن كنت من الصدقين } في دعواك فإن كونك من جملة
~~لمعروفين بالصدق يقتضي إظهار الآية لا محالة.

### || [7.107]

# { فألقى عصاه } وكانت كما روى ابن المنذر وابن أبي حاتم من
~~عوسج. وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنها كانت من لوز.

# وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ ms03278 عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أنها عصا آدم
~~عليه السلام أعطاها لموسى ملك حين توجه إلى مدين فكانت تضيء له بالليل
~~ويضرب بها الأرض بالنهار فيخرج له رزقه ويهش بها على غنمه، والمشهور أنها
~~كانت من آس الجنة وكانت لآدم عليه السلام ثم وصلت إلى شعيب فأعطاه إياها،
~~وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن اسمها مأشا { فإذا هى
~~ثعبان } أي حية ضخمة طويلة. وعن الفراء أن الثعبان هو الذكر العظيم
~~من الحيات. وقال آخرون: إنه الحية مطلقا. وفي «مجمع البيان» أنه مشتق من
~~ثعب الماء إذا انفجر، فكأنه سمي بذلك لأنه يجري كعنق الماء إذا انفجر {
~~مبين } أي ظاهر أمره لا يشك في كونه ثعبانا؛ فهو إشارة إلى أن
~~الصيرورة حقيقية لا تخييلية، وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على كمال
~~سرعة الانقلاب وثبات وصف الثعبانية فيها كأنها في الأصل كذلك، وروي عن
~~ابن عباس والسدي أنه عليه السلام لما ألقاها صارت حية صفراء شعراء فاغرة
~~فاها بين لحييها ثمانون ذراعا وارتفعت من الأرض بقدر ميل وقامت على
~~ذنبها واضعة لحيها الأسفل في الأرض ولحيها الأعلى على سور القصر وتوجهت
~~نحو فرعون لتأخذه فوثب عن سريره هاربا وأحدث، وفي بعض الروايات أنه أحدث
~~في ذلك اليوم أربعمائة مرة، وفي أخرى أنه استمر معه داء البطن حتى غرق،
~~وقيل: إنها أخذت قبة فرعون بين أنيابها وأنها حملت على الناس فانهزموا
~~مزدحمين فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، فصاح فرعون يا موسى أنشدك بالذي
~~أرسلك أن تأخذها وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذها فعادت عصا
~~كما كانت، وعن معمر أنها كانت في العظم كالمدينة، وقيل: كان طولها ثمانين
~~ذراعا، وعن وهب بن منبه أن بين لحييها اثني عشر ذراعا، وعلى جميع
~~الروايات لا تعارض بين ماهنا وقوله سبحانه:

# كأنها جان

# [النمل: 10] بناء على أن الجان هي الحية الصغيرة لما قالوا: إن القصة
~~غير واحدة، أو أن المقصود من ذلك تشبيها في خفة الحركة بالجان لا بيان
~~جثتها، أو لما ms03279 قيل: إنها انقلبت جانا وصارت ثعبانا فحكيت الحالتان في
~~آيتين، وسيأتي إن شاء الله تعالى / تحقيق ذلك.

# والآية من أقوى أدلة جواز انقلاب الشيء عن حقيقته كالنحاس إلى الذهب، إذ
~~لو كان ذلك تخييلا لبطل الإعجاز، ولم يكن لذكر { مبين } معنى مبين،
~~وارتكاب غير الظاهر غير ظاهر، ويدل لذلك أيضا أنه لا مانع في القدرة من
~~توجه الأمر التكويني إلى ما ذكر وتخصيص الإرادة له، والقول بأن قلب
~~الحقائق محال والقدرة لا تتعلق به فلا يكون النحاس ذهبا رصاص مموه،
~~والحق جواز الانقلاب إما بمعنى أنه تعالى يخلق بدل النحاس ذهبا على ما
~~هو رأي المحققين، أو بأن يسلب عن أجزاء النحاس الوصف الذي صار به نحاسا
~~ويخلق فيه الوصف الذي يصير به ذهبا على ما هو رأي بعض المتكلمين من
~~تجانس الجواهر واستوائها في قبول الصفات، والمحال إنما هو انقلابه ذهبا
~~مع كونه نحاسا لامتناع كون الشيء في الزمن الواحد نحاسا وذهبا، وعلى
~~أحد هذين الاعتبارين توكأ أئمة التفسير في أمر العصا.

### || [7.108]

# { ونزع يده } أي أخرجها من جيبه لقوله تعالى:

# ادخل يدك فى جيبك

# [النمل: 12] أو من تحت أبطه لقوله سبحانه:

# واضمم يدك إلى جناحك

# [طه: 22] والجمع بينهما ممكن في زمان واحد، وكانت اليد اليمنى كما صرح
~~به في بعض الآثار { فإذا هى بيضاء للنظرين } أي بيضاء
~~بياضا نورانيا خارجا عن العادة يجتمع عليه النظار. فقد روى أنه أضاء
~~له ما بين السماء والأرض، وجاء في رواية أنه أرى فرعون يده، وقال عليه
~~السلام: ما هذه؟ فقال: يدك ثم أدخلها جيبه وعليه مدرعة صوف ونزعها فإذا
~~هي بيضاء بياضا نورانيا غلب شعاعه شعاع الشمس، وقيل: المعنى بيضاء لأجل
~~النظار لا أنها بيضاء في أصل خلقتها لأنه عليه السلام كان آدم شديد
~~الأدمة، فقد أخرج البخاري عن ابن عمر قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم

# " وأما موسى فآدم جثيم سبط كأنه من رجال الزط "

# وعنى عليه الصلاة والسلام بالزط جنسا من السودان والهنود، ونص البعض
~~على أن ms03280 ذلك البياض إنما كان في الكف وإطلاق اليد عليها حقيقة.

# وفي «القاموس» اليد الكف أو من أطراف الأصابع إلى الكف، وأصلها يدي
~~بدليل جمعها على أيدي ولم ترد اليد عند الإضافة لما تقرر في محله، وجاء
~~في كلامهم يد بالتشديد وهو لغة فيه.

### || [7.109]

# { قال الملأ من قوم فرعون } أي الأشراف منهم وهم أهل
~~مشورته ورؤساء دولته. { إن هذا لسحر عليم } أي مبالغ في
~~علم السحر ماهر فيه.

### || [7.110]

# { يريد أن يخرجكم من أرضكم } أي من أرض مصر { فماذا
~~تأمرون } أي تشيرون في أمره كما فسره بذلك ابن عباس، فهو من الأمر
~~بمعنى المشاورة، يقال: آمرته فآمرني أي شاورته فأشار علي، وقيل من
~~الأمر المعهود، و { ماذا } في محل نصب على أنه مفعول لتأمرون بحذف
~~الجار، أي بأي شيء تأمرون، وقيل: { ما } خبر مقدم و (ذا) اسم موصول
~~مبتدأ مؤخر، أي ما الذي تأمرون به.

### || [7.111]

# { قالوا أرجه وأخاه } أي أخر أمرهما وأصدرهما عنك ولا تعجل
~~في أمرهما حتى ترى رأيك فيهما، وقيل: احبسهما، واعترض بأنه لم يثبت منه
~~الحبس. وأجيب بأن الأمر به لا يوجب وقوعه؛ وقيل عليه أيضا: إنه لم يكن
~~قادرا على الحبس بعد أن رأى ما رأى، وقوله:

# لأجعلنك من المسجونين

# في الشعراء [29] كان قبل هذا، وأجيب بأن القائلين لعلهم لم يعلموا ذلك
~~منه، وقال أبو منصور: الأمر بالتأخير دل على أنه تقدم منه أمر آخر وهو
~~الهم بقتله، فقالوا: أخره ليتبين حاله للناس، وليس بلازم كما لا يخفى؛
~~وأصل أرجه أرجئه بهمزة ساكنة وهاء مضمومة دون واو ثم / حذفت الهمزة وسكنت
~~الهاء لتشبيه المنفصل بالمتصل، وجعل جه وكابل في إسكان وسطه، وبذلك قرأ
~~أبو عمرو، وأبو بكر، ويعقوب على أنه من أرجات، وكذلك قراءة ابن كثير
~~وهشام وابن عامر { أرجئهو } بهمزة ساكنة وهاء متصلة بواو الإشباع. وقرأ
~~نافع في رواية ورش وإسماعيل والكسائي { أرجهي } بهاء مكسورة بعدها ياء من
~~أرجيت، وفي رواية قالون { أن أرجه } بحذف الياء للاكتفاء عنها
~~بالكسرة، وقرأ ابن عامر برواية ابن ms03281 ذكوان { أرجئه } بالهمزة وكسر الهاء،
~~وقد ذكر بعضهم أن ضم الهاء وكسرها والهمز وعدمه لغتان مشهورتان، وهل هما
~~مادتان أو الياء بدل من الهمزة كتوضأت وتوضيت؟ قولان، وطعن في القراءة
~~على رواية ابن ذكوان، فقال الحوفي: إنها ليست بجيدة، وقال الفارسي: إن ضم
~~الهاء مع الهمزة لا يجوز غيره وكسرها غلط لأن الهاء لا تكسر إلا بعد ياء
~~ساكنة أو كسرة، وأجيب كما قال الشهاب عنه بوجهين: أحدهما: أن الهمزة
~~ساكنة والحرف الساكن حاجز غير حصين فكأن الهاء وليت الجيم المكسورة فلذا
~~كسرت، والثاني: أن الهمزة عرضة للتغيير كثيرا بالحذف وإبدالها ياء إذا
~~سكنت بعد كسرة فكأنها وليت ياء ساكنة فلذا كسرت. وأورد على ذلك أبو شامة
~~أن الهمزة تعد حاجزا وأن الهمزة لو كانت ياء كان المختار الضم نظرا
~~لأصلها وليس بشيء بعد أن قالوا: إن القراءة متواترة وما ذكر لغة ثابتة عن
~~العرب، هذا واستشكل الجمع بين ما هنا وما في الشعراء [34-35] فإن فيها

# قال للملإ حوله إن هذا لسحر عليم * يريد
~~أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون

# وهو صريح في أن { إن هذا لسحر } إلى

# فماذا تأمرون

# [الأعراف: 109-110] كلام فرعون وما هنا صريح في نسبة قول ذلك للملإ
~~والقصة واحدة فكيف يختلف القائل في الموضعين وهل هذا إلا منافاة؟ وأجيب
~~بأنه لا منافاة لاحتمالين. الأول: أن هذا الكلام قاله فرعون والملأ من
~~قومه فهو كوقع الحافر على الحافر فنقل في الشعراء كلامه وهنا كلامهم،
~~والثاني: أن هذا الكلام قاله فرعون ابتداء ثم قاله الملأ إما بطريق
~~الحكاية لأولادهم وغيرهم وإما بطريق التبليغ لسائر الناس فما في الشعراء
~~كلام فرعون ابتداء وما هنا كلام الملأ نقلا عنه.

# واختار الزمخشري أن ما هنا هو قول الملأ نقلا عن فرعون بطريق التبليغ
~~لا غير لأن القوم لما سمعوه خاطبوا فرعون بقولهم: أرجه الخ، ولو كان ذلك
~~كلام الملأ ابتداء لكان المطابق أن يجيبوهم بأرجئوا، ولا سبيل إلى أنه
~~كان نقلا بطريق الحكاية لأنه حينئذ لم يكن مؤامرة ms03282 ومشاورة مع القوم فلم
~~يتجه جوابهم أصلا، فتعين أن يكون بطريق التبليغ فلذا خاطبوه بالجواب.
~~بقي أن يقال هذا الجواب بالتأخير في الشعراء كلام الملأ لفرعون وههنا
~~كلام سائر القوم لكن لا منافاة لجواز تطابق الجوابين. وقول شيخ الإسلام:
~~إن كون ذلك جواب العامة يأباه أن الخطاب لفرعون وأن المشاورة ليست من
~~وظائفهم ليس بشيء، لأن الأمر العظيم الذي تصيب تبعته أهل البلد يشاور فيه
~~الملك الحازم عوامهم وخواصهم، وقد يجمعهم لذلك ويقول لهم: ماذا ترون فهذا
~~أمر لا يصيبني وحدي ورب رأي حسن عند من لم يظن به على أن في ذلك جمعا
~~لقلوبهم عليه وعلى الاحتفال بشأنه، وقد شاهدنا أن الحوادث العظام يلتفت
~~فيها إلى العوام، وأمر موسى عليه السلام كان من أعظم الحوادث عند فرعون
~~بعد أن شاهد منه ما شاهد ثم إنهم اختلفوا في قوله تعالى:

# فماذا تأمرون

# [الأعراف: 110] فقيل: إنه من تتمة كلام الملأ، واستظهره غير واحد لأنه
~~مسوق مع كلامهم من غير فاصل، فالأنسب أن يكون من بقية كلامهم، وقال
~~الفراء والجبائي: إن كلام الملأ قد تم عند قوله سبحانه:

# يريد / أن يخرجكم من أرضكم

# [الأعراف: 110] ثم قال فرعون: { فماذا تأمرون * قالوا
~~أرجه } ، وحينئذ يحتمل كما قال القطب أن يكون كلام الملأ مع فرعون
~~وخطاب الجمع في { يخرجكم } إما لتفخيم شأنه أو لاعتباره مع خدمه
~~وأعوانه. ويحتمل أن يكون مع قوم فرعون والمشاورة منه. ثم قال: وإنما
~~التزموا هذا التعسف ليكون مطابقا لما في الشعراء في أن قوله: { ماذا
~~تأمرون } من كلام فرعون وقوله: { أرجه وأخاه } كلام الملأ.
~~لكن ما ارتفعت المخالفة بالمرة لأن قوله:

# إن هذا لسحر عليم * يريد أن يخرجكم

# [الأعراف: 109-110] كلام فرعون للملأ. وفي هذه السورة على ما وجهوه كلام
~~الملأ لفرعون، ولعلهم يحملونه على أنه قال لهم مرة وقالوه له أخرى انتهى.
~~ويمكن أن يقال: إن الملأ لما رأوا من موسى عليه السلام ما رأوا قال بعضهم
~~لبعض: إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تشيرون ms03283 وما
~~تستحسنون في أمره؟ ولما رآهم فرعون أنهم مهتمون من ذلك قال لهم تنشيطا
~~لهم وتصويبا لما هم عليه قبل أن يجيب بعضهم بعضا بما عنده مثل ما قالوه
~~فيما بينهم فالتفتوا إليه وقالوا: أرجه وأخاه، فحكى سبحانه هنا مشاورة
~~بعضهم لبعض وعرض ما عندهم على فرعون أول وهلة قبل ذكره فيما بينهم، وحكى
~~في الشعراء كلامه لهم ومشاورته إياهم التي هي طبق مشاورة بعضهم بعضا
~~المحكية هنا وجوابهم له بعد تلك المشاورة، وعلى هذا لا يدخل العوام في
~~الشورى، ويكون ههنا أبلغ في ذم الملأ فليتدبر والله تعالى أعلم بأسرار
~~كلامه.

# { وأرسل فى المدائن } أي البلاد جمع مدينة، وهي من مدن
~~بالمكان كنصر إذا أقام به، ولكون الياء زائدة كما قال غير واحد تقلب همزة
~~في الجمع، وأريد بها مطلق المدائن، وقيل: مدائن صعيد مصر { حشرين }
~~أي رجالا يجمعون السحرة، وفسره بعضهم بالشرط وهم أعوان الولاة لأنهم
~~يجعلون لهم علامة، ويقال للواحد شرطي بسكون الراء نسبة للشرطة، وحكى في
~~«القاموس» فتحها أيضا، وفي الأساس أنه خطأ لأنه نسبة إلى الشرط الذي هو
~~جمع، ونصب الوصف على أنه صفة لمحذوف ومفعوله محذوف أيضا كما أشير إليه،
~~وقد نص على ذلك الأجهوري.

### || [7.112]

# { يأتوك بكل سحر عليم } أي ماهر في السحر والفعل مجزوم
~~في جواب الطلب. وقرأ حمزة والكسائي { سحار } وجاء فيه الإمالة وعدمها
~~وهو صيغة مبالغة؛ وفسره بعضهم بأنه الذي يديم السحر والساحر من أن يكون
~~قد سحر في وقت دون وقت، وقيل: الساحر: هو المبتدىء في صناعة السحر
~~والسحار هو المنتهي الذي يتعلم منه ذلك.

### || [7.113]

# { وجاء السحرة فرعون } بعدما أرسل إليهم الحاشرين وإنما لم
~~يصرح به للإيذان بمسارعة فرعون بالإرسال ومبادرة الحاشرين والسحرة إلى
~~الامتثال. واختلف في عدتهم. فعن كعب أنهم إثنا عشر ألفا، وعن ابن إسحق
~~خمسة عشر ألفا، وعن أبي ثمامة سبعة عشر ألفا، وفي رواية تسعة عشر
~~ألفا؛ وعن السدي بضعة وثلاثون ألفا، وعن أبي بزة أنهم سبعون ألفا،
~~وعن محمد بن كعب ثمانون ألفا. ms03284 وأخرج أبو الشيخ عن ابن جرير قال: السحرة
~~ثلثمائة من قومه وثلثمائة من العريش ويشكون في ثلثمائة من الاسكندرية.
~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم كانوا سبعين ساحرا وقد أخذوا السحر من
~~رجلين مجوسيين من أهل نينوى مدينة يونس عليه السلام، وروي نحو ذلك عن
~~الكلبي، والظاهر عدم صحته لأن المجوسية / ظهرت زمن زرادشت على المشهور،
~~وهو إنما جاء بعد موسى عليه السلام، واسم رئيسهم كما قال مقاتل: شمعون
~~وقال ابن جريج: هو يوحنا، وقال ابن الجوزي نقلا عن علماء السير: أن
~~رؤساءهم سابور وعازور وحطحط ومصفى.

# { قالوا } استئناف بياني ولذا لم يعطف كأنه قيل: فماذا قالوا له عند
~~مجيئهم إياه؟ فقيل: قالوا الخ، وهذا أولى مما قيل إنه حال من فاعل جاءوا
~~أي جاءوا قائلين { إن لنا لاجرا } أي عوضا وجزاء عظيما. { إن
~~كنا نحن الغلبين } والمقصود من الإخبار إيجاب الأجر
~~واشتراطه كأنهم قالوا: بشرط أن تجعل لنا أجرا إن غلبنا، ويحتمل أن يكون
~~الكلام على حذف أداة الاستفهام وهو مطرد، ويؤيد ذلك أنه قرأ ابن عامر
~~وغيره { أئن } بإثبات الهمزة وتوافق القراءتين أولى من تخالفهما؛ ومن هنا
~~رجح الواحدي هذا الاحتمال، وذكر الشرط لمجرد تعيين مناط ثبوت الأجر لا
~~لترددهم في الغلبة، وقيل: له، وتوسيط الضمير وتحلية الخبر باللام للقصر،
~~أي كنا نحن الغالبين لا موسى عليه السلام.

### || [7.114]

# { قال نعم } إن لكم لأجرا. { وإنكم لمن المقربين
~~} عطف على مقدر هو عين الكلام السابق الدال عليه حرف الإيجاب، ويسمى مثل
~~هذا عطف التلقين، ومن قال إنه معطوف على السابق أراد ما ذكرنا، والمعنى
~~إن لكم لأجرا وإنكم مع ذلك لمن المقربين، أي إني لا أقتصر لكم على
~~العطاء وحده وأن لكم معه ما هو أعظم منه وهو التقريب والتعظيم لأن من
~~أعطى شيئا إنما يتهنأ به ويغتبط إذا نال معه الكرامة والرفعة، وفي ذلك
~~من المبالغة في الترغيب والتحريض ما لا يخفى، وروي عن الكلبي أنه قال
~~لهم: تكونون أول من يدخل مجلسي وآخر من يخرج عنه. ms03285

### || [7.115]

# { قالوا } استئناف كنظيره السابق { يموسى إما أن تلقى }
~~ما تلقي أولا { وإما أن نكون نحن الملقين } لما نلقي
~~أولا أو الفاعلين للإلقاء أولا خيروه عليه السلام بالبدء بالإلقاء
~~مراعاة للأدب ولذلك كما قيل من الله تعالى عليهم بما من، أو إظهارا
~~للجلادة وأنه لا يختلف عليهم الحال بالتقديم والتأخير، ولكن كانت رغبتهم
~~في التقديم كما ينبىء عنه تغييرهم للنظم بتعريف الخبر وتوسيط ضمير الفصل
~~وتوكيد الضمير المستتر، والظاهر أنه وقع في المحكي كذلك بما يرادفه، وقول
~~الجلال السيوطي: إن الضمير المنفصل إما أن يكون فصلا أو تأكيدا ولا
~~يمكن الجمع بينهما لأنه على الأول لا محل له من الإعراب وعلى الثاني له
~~محل كالمؤكد وهم كما لا يخفى. وفرق الطيبي بين كون الضمير فصلا وبين
~~كونه توكيدا بأن التوكيد يرفع التجوز عن المسند إليه فيلزم التخصيص من
~~تعريف الخبر، أي نحن نلقي البتة لا غيرنا، والفصل يخصص الإلقاء بهم
~~لتخصيص المسند إليه فيعرى عن التوكيد، وتحقيق ذلك يطلب من محله.

### || [7.116]

# { قال } أي موسى عليه السلام وثوقا بشأنه وتحقيرا لهم وعدم مبالاة
~~بهم { ألقوا } أنتم ما تلقون أولا، وبما ذكرنا يعلم جواب ما يقال:
~~إن إلقاءهم معارضة للمعجزة بالسحر وهي كفر والأمر به مثله فكيف أمرهم وهو
~~هو؟ وحاصل الجواب أنه عليه السلام علم أنهم لا بد وأن يفعلوا ذلك، وإنما
~~وقع التخيير في التقديم والتأخير كما صرح به في قوله سبحانه في آية أخرى:

# أول من ألقى

# [طه: 65] فجوز لهم التقديم لا لإباحة فعلهم بل لتحقيرهم، وليس هناك
~~دلالة على الرضا بتلك المعارضة، وقد يقال أيضا: إنه عليه السلام إنما
~~أذن لهم ليبطل سحرهم فهو إبطال للكفر بالآخرة وتحقيق لمعجزته عليه
~~السلام، وعلى هذا / يحمل ما جاء في بعض الآثار من أنهم لما قالوا ما
~~قالوا سمع موسى عليه السلام مناديا يقول؛ بل ألقوا أنتم يا أولياء الله
~~تعالى فأوجس في نفسه خيفة من ذلك حتى أمر عليه السلام، وسيجيء إن شاء
~~الله تعالى تحقيق ذلك.

# { فلما ألقوا ms03286 } ما ألقوا وكان مع كل واحد منهم حبل وعصا {
~~سحروا أعين الناس } بأن خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه، ولذا
~~لم يقل سبحانه سحروا الناس فالآية على حد قوله جل شأنه:

# يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى

# [طه: 66] { واسترهبوهم } أي أرهبوهم إرهابا شديدا كأنهم طلبوا
~~إرهابهم { وجاءو بسحر عظيم } في بابه، يروى أنهم ألقوا حبالا
~~غلاظا وخشبا طوالا فإذا حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها
~~بعضا. وفي بعض الآثار أن الأرض كان سعتها ميلا في ميل وقد امتلأت من
~~الحيات والأفاعي، ويقال: إنهم طلوا تلك الحبال بالزئبق ولونوها وجعلوا
~~داخل العصى زئبقا أيضا وألقوها على الأرض فلما أثر حر الشمس فيها تحركت
~~والتوى بعضها على بعض حتى تخيل للناس أنها حيات.

# واستدل بالآية من قال كالمعتزلة إن السحر لا حقيقة له وإنما هو مجرد
~~تخييل، وفيه أنهم إن أرادوا أن ما وقع في القصة من السحر كان كذلك فمسلم
~~والآية تدل عليه وإن أرادوا أن كل سحر تخييل فممنوع والآية لا تدل عليه،
~~والذي ذهب إليه جمهور أهل السنة أن السحر أقسام وأن منه ما لا حقيقة له
~~ومنه ما له حقيقة كما يشهد بذلك سحر اللعين لبيد بن الأعصم اليهودي رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم، وسحر يهود خيبر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما
~~حين ذهب ليخرص تمرهم. وذكروا أنه قد يصل السحر إلى حد المشي على الماء
~~والطيران في الهواء ونحو ذلك، وترتب ذلك عليه كترتب الشبع على الأكل
~~والري على الشرب والإحراق على النار، والفاعل الحقيقي في كل ذلك هو الله
~~تعالى. نعم قال القرطبي: ((أجمع المسلمون على أنه ليس من السحر ما يفعل
~~الله تعالى عنده إنزال الجراد والقمل والضفادع وفلق البحر وقلب العصا
~~وإحياء الموتى وانطاق العجماء وأمثال ذلك من [عظيم] آيات الرسل عليهم
~~الصلاة والسلام)). ومن أنكر حقيقته استدل بلزوم الالتباس بالمعجزة، وتعقب
~~بأن الفرق مثل الصبح ظاهر.

### || [7.117]

# { وأوحينا إلى موسى } بواسطة الملك كما هو الظاهر { أن
~~ألقى عصاك } التي علمت ms03287 من أمرها ما علمت و { أن } تفسيرية لتقدم
~~ما فيه معنى القول دون حروفه، وجوز أن تكون مصدرية فالمصدر مفعول
~~الإيحاء، والفاء في قوله سبحانه: { فإذا هى تلقف ما
~~يأفكون } فصيحة أي فألقاها فصارت حية فإذا هي الخ، وإنما حذف
~~للإيذان بمسارعة موسى عليه السلام إلى الإلقاء وبغاية سرعة الانقلاب كأن
~~لقفها لما يأفكون قد حصل متصلا بالأمر بالإلقاء، وصيغة المضارع لاستحضار
~~الصورة الغريبة، واللقف كاللقفان التناول بسرعة، وفسره الحسن هنا بالسرط
~~والبلع، والإفك صرف الشيء وقلبه عن الوجه المعتاد ويطلق على الكذب وبذلك
~~فسره ابن عباس ومجاهد لكونه مقلوبا عن وجهه واشتهر ذلك فهي حتى صار
~~حقيقة، و { ما } موصولة أو موصوفة والعائد محذوف أي ما يأفكونه ويكذبونه
~~أو مصدرية وهي مع الفعل بمعنى المفعول أي المأفوك لأنه المتلقف، وقرأ
~~الجمهور { تلقف } بالتشديد وحذف إحدى التاءين.

### || [7.118]

# { فوقع } أي ظهر وتبين كما قال الحسن. ومجاهد. والفراء { الحق }
~~وهو أمر موسى عليه السلام، وفسر بعضهم وقع بثبت على أنه قد استعير الوقع
~~للثبوت والحصول أو للثبات والدوام لأنه في مقابل / بطل والباطل زائل،
~~وفائدة الاستعارة كما قيل: الدلالة على التأثير لأن الوقع يستعمل في
~~الأجسام، وقيل: المراد من وقع الحق صيرورة العصا حية في الحقيقة وليس
~~بشيء { وبطل ما كانوا يعملون } أي ظهر بطلان ما كانوا
~~مستمرين على عمله.

### || [7.119]

# { فغلبوا } أي فرعون وقومه { هنالك } أي في ذلك المجمع العظيم
~~{ وانقلبوا صغرين } أي صاروا أذلاء أو رجعوا إلى المدينة كذلك
~~فالانقلاب إما مجاز عن الصيرورة والمناسبة ظاهرة أو بمعنى الرجوع فصاغرين
~~حال ورجح الأول بقوله سبحانه: { وألقى السحرة... }.

### || [7.120]

# لأن ذلك كان بمحضر من فرعون قطعا، وجوز رجوع ضمير غلبوا و

# انقلبوا

# [الأعراف: 119]على الاحتمال الأول إلى السحرة أيضا، وتعقب بأنهم لا ذلة
~~لهم؛ والحمل على الخوف من فرعون أو على ما قبل الإيمان لا يخفى ما فيه،
~~والمراد من { ألقى السحرة } الخ أنهم خروا ساجدين، وعبر بذلك
~~دونه تنبيها على أن الحق بهرهم واضطرهم إلى السجود بحيث لم يبق ms03288 لهم
~~تمالك فكأن أحدا دفعهم وألقاهم أو أن الله تعالى ألهمهم ذلك وحملهم عليه
~~فالملقي هو الله تعالى بالهامه لهم حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسر
~~موسى عليه السلام وينقلب الأمر عليه، ويحتمل أن يكون الكلام جاريا مجرى
~~التمثيل مبالغة في سرعة خرورهم وشدته وإليه يشير كلام الأخفش، وجوزأن
~~يكون التعبير بذلك مشاكلة لما معه من الإلقاء إلا أنه دون ما تقدم، يروى
~~أن اجتماع القوم كان بالإسكندرية وأنه بلغ ذنب الحية من وراء البحر وأنها
~~فتحت فاها ثمانين ذراعا فابتلعت ما صنعوا واحدا بعد واحد وقصدت الناس
~~ففزعوا ووقع الزحام فمات منهم لذلك خمسة وعشرون ألفا ثم أخذها موسى عليه
~~السلام فعادت في يده عصا كما كانت وأعدم الله تعالى بقدرته تلك الأجرام
~~العظام، ويحتمل أنه سبحانه فرقها أجزاء لطيفة فلما رأى السحرة ذلك عرفوا
~~أنه من أمر السماء وليس من السحر في شيء فعند ذلك خروا سجدا، والمتبادر
~~من السجود حقيقته ولا يبعد أنهم كانوا عالمين بكيفيته، وقيل: إن موسى
~~وهارون عليهما السلام سجدا شكرا لله تعالى على ظهور الحق فاقتدوا بهما
~~وسجدوا معهما، وحمل السجود على الخضوع أي أنهم خضعوا لما رأوا ما رأوا
~~خلاف الظاهر الذي نطقت به الآثار من غير داع إلى ارتكابه.

### || [7.121]

# { قالوا } استئناف. وجوز أبو البقاء كونه حالا من ضمير

# انقلبوا

# [الأعراف: 119] وليس بشيء، وقيل: هو حال من

# السحرة

# [الأعراف: 120] أو من ضميرهم المستتر في

# ساجدين

# [الأعراف: 120] أي أنهم ألقوا ساجدين حال كونهم قائلين { ءامنا
~~برب العلمين } أي مالك أمرهم والمتصرف فيهم.

### || [7.122]

# { رب موسى وهرون } بدل مما قبل وإنما أبدلوا لئلا يتوهم
~~أنهم أرادوا فرعون ولم يقتصروا على موسى عليه السلام إذ ربما يبقى للتوهم
~~رائحة لأنه كان ربي موسى عليه السلام في صغره، ولذا قدم هارون في محل
~~آخر لأنه أدخل في دفع التوهم أو لأجل الفاصلة أو لأنه أكبر سنا منه،
~~وقدم موسى هنا لشرفه أو للفاصلة، وأما كون الفواصل في كلام الله تعالى لا
~~في كلامهم فقد ms03289 قيل: إنه لا يضر، وروي أنهم لما قالوا:

# آمنا برب العالمين

# [الأعراف: 121] قال فرعون: أنا رب العالمين فقالوا ردا عليه: { رب
~~موسى وهرون } ، وإضافة الرب إليهما كإضافته إلى العالمين، وقيل:
~~إن تلك الإضافة على معنى الاعتقاد أي الرب الذي يعتقد ربوبيته موسى
~~وهارون ويكون عدم صدقه على فرعون بزعمه أيضا ظاهرا جدا إلا أن ذلك
~~خلاف الظاهر من الإضافة، ويعلم مما قدمنا سر / تقديم السجود على هذا
~~القول. وقال الخازن في ذلك: إن الله تعالى لما قذف في قلوبهم الإيمان
~~خروا سجدا لله تعالى على ما هداهم إليه وألهمهم من الإيمان ثم أظهروا
~~بذلك إيمانهم، وقيل: إنهم بادروا إلى السجود تعظيما لشأنه تعالى لما
~~رأوا من عظيم قدرته ثم إنهم أظهروا الإيمان، ومن جعل الجملة حالا قال
~~بالمقارنة فافهم، وأول من بادر بالإيمان كما روي عن ابن إسحق الرؤساء
~~الأربعة الذين ذكرهم ابن الجوزي ثم اتبعتهم السحرة جميعا.

### || [7.123]

# { قال فرعون } منكرا على السحرة موبخا لهم على ما فعلوه {
~~ءامنتم به } أي برب موسى وهارون أو بالله تعالى لدلالة ذلك عليه
~~أو بموسى عليه السلام قيل لقوله تعالى في آية أخرى:

# آمنتم له

# [طه: 71] فإن الضمير فيها له عليه السلام لقوله سبحانه:

# إنه لكبيركم

# [طه: 71] الخ، والمقصود من الجملة الخبرية التوبيخ لأن الخبر إذا لم
~~يقصد به فائدته ولا لازمها تولد منه بحسب المقام ما يناسبه، وهنا لما
~~خاطبهم الجبار بما فعلوا مخبرا لهم بذلك مع ظهور عدم قصد إفادة أحد
~~الأمرين والمقام هو المقام أفاد التوبيخ والتقريع، ويجوز أن تقدر فيه
~~الهمزة بناء على اطراد ذلك والاستفهام للإنكار بمعنى أنه لا ينبغي ذلك،
~~ويؤيد ذلك قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم وروح عن يعقوب { أآمنتم
~~} بهمزتين محققتين وتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين بين مما قرىء به
~~أيضا { قبل أن ءاذن لكم } أي قبل أن آمركم أنا بذلك وهو على
~~حد قوله تعالى:

# لنفد البحر قبل أن تنفد كلمت ربى

# [الكهف: 109] لا أن الإذن منه ممكن في ذلك وأصل ms03290 آذن أأذن بهمزتين الأولى
~~للتكلم، والثانية من صلب الكلمة قلبت ألفا لوقوعها ساكنة بعد همزة.

# { إن هذا } الصنيع { لمكر مكرتموه } لحليلة احتلتموها
~~أنتم وموسى وليس مما اقتضى الحال صدوره عنكم لقوة الدليل وظهور المعجزة،
~~وهذا تمويه منه على القبط يريهم أنهم ما غلبوا ولا انقطعت حجتهم، قيل:
~~وكذا قوله: { قبل أن ءاذن لكم }  { فى المدينة } أي في
~~مصر قبل أن تخرجوا إلى الميعاد. أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن مسعود
~~وناس من الصحابة قال: التقى موسى عليه السلام وأمير السحرة فقال له موسى:
~~أرأيتك أن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق فقال الساحر: لآتين
~~غدا بسحر لا يغلبه سحر فوالله لئن غلبتني لأومنن بك ولأشهدن أنك حق
~~وفرعون ينظر إليهم وهو الذي نشأ عنه هذا القول { لتخرجوا منها
~~أهلها } أي القبط وتخلص لكم ولبني إسرائيل { وأنتم تعلمون }
~~عاقبة ما فعلتم، وهذا وعيد ساقه بطريق الإجمال للتهويل ثم عقبه بالتفصيل
~~فقال: { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف }.

### || [7.124]

# { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } أي من كل
~~جانب عضوا مغايرا للآخر كاليد من جانب والرجل من آخر، والجار في موضع
~~الحال أي مختلفة، والقول بأن (من) تعليلية متعلقة بالفعل أي لأجل خلافكم
~~بعيد { ثم لأصلبنكم أجمعين } تفضيحا لكم وتنكيلا
~~لأمثالكم، والتصليب مأخوذ من الصلب وهو الشد على خشبة أو غيرها وشاع في
~~تعليق الشخص بنحو حبل في عنقه ليموت وهو المتعارف اليوم، ورأيت في بعض
~~الكتب أن الصلب الذي عناه الجبار هو شد الشخص من تحت الإبطين وتعليقه حتى
~~يهلك، وهو كقطع الأيدي والأرجل أول من سنه فرعون على ما أخرجه ابن المنذر
~~وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وشرعه الله تعالى لقطاع الطريق
~~تعظيما لجرمهم، ولهذا / سماه سبحانه محاربة لله ولرسوله.

### || [7.125]

# { قالوا } استئناف بياني { إنا إلى ربنا منقلبون } أي
~~إلى رحمته سبحانه وثوابه عائدون إن فعلت بنا ذلك فيا حبذاه. أخرج ابن
~~أبي حاتم عن ابن جبير أن السحرة حين خروا سجدا رأوا منازلهم تبنى ms03291 لهم،
~~وأخرج عن الأوزاعي أنهم رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها، ويحتمل أنهم
~~أرادوا إنا ولا بد ميتون فلا ضير فيما تتوعدنا به والأجل محتوم لا يتأخر
~~عن وقته:

# ومن لم يمت بالسيف مات بغيره

# تعددت الأسباب والموت واحد

# ويحتمل أيضا أن المعنى إنا جميعا ننقلب إلى الله تعالى فيحكم بيننا:

# إلى ديان يوم الدين نمضي

# وعند الله تجتمع الخصوم

# وضمير الجمع على الأول للسحرة فقط، وعلى الثالث لهم ولفرعون، وعلى
~~الثاني يحتمل الأمرين.

### || [7.126]

# { وما تنقم } أي ما تكره، وجاء في الماضي نقم ونقم على وزن ضرب
~~وعلم { منا } معشر من آمن: { إلا أن آمنا بئايت ربنا
~~لما جاءتنا } وذلك أصل المفاخر وأعظم المحاسن، والاستثناء مفرغ،
~~والمصدر في موضع المفعول به، والكلام على حد قوله:

# ولا عيب فيهم غير أن ضيوفهم

# تعاب بنسيان الأحبة والوطن

# وقيل: إن { تنقم } مضارب نقم بمعنى عاقب، يقال: نقم نقما وتنقاما
~~وانتقم إذا عاقبه، وإلى هذا يشير ما روى عن عطاء، وعليه فيكون { منا
~~إلا } في موضع المفعول له، والمراد على التقديرين حسن طمع فرعون في
~~نجع تهديده إياهم، ويحتمل أن يكون على الثاني تحقيقا لما أشاروا إليه
~~أولا من الرحمة والثواب. ثم أعرضوا عن مخاطبته وفزعوا والتجأوا إليه
~~سبحانه وقالوا: { ربنا أفرغ علينا صبرا } أي أفض علينا
~~صبرا يغمرنا كما يفرغ الماء، أو صب علينا ما يطهرنا من الآثام وهو الصبر
~~على وعيد فرعون، فأفرغ على الأول استعارة تبعية تصريحية و { صبرا }
~~قرينتها، والمراد هب لنا صبرا تاما كثيرا، وعلى الثاني يكون { صبرا
~~} استعارة أصلية مكنية و { أفرغ } تخييلية، وقيل: الكلام على الأول
~~كالكلام على الثاني إلا أن الجامع هناك الغمر وههنا التطهير، وليس بذاك
~~وأن جل قائله { وتوفنا مسلمين } أي ثابتين على ما رزقتنا من
~~الإسلام غير مفتونين من الوعيد. عن ابن عباس. والكلبي. والسدي أنه فعل
~~بهم ما أوعدهم به، وقيل: لم يقدر عليه لقوله تعالى:

# فلا يصلون إليكما بأيتنا أنتما ومن
~~اتبعكما الغلبون

# [القصص: 35]. وأجاب الأولون عن ذلك بأن المراد ms03292 الغلبة بالحجة أو في
~~عاقبة الأمر ونهايته وهذا لا ينافي قتل البعض.

### || [7.127]

# { وقال الملأ من قوم فرعون } مخاطبين له بعدما شاهدوا من
~~أمر موسى عليه السلام ما شاهدوا. { أتذر موسى } أي أتتركه {
~~وقومه ليفسدوا فى الأرض } أي في أرض مصر. والمراد
~~بالإفساد ما يشمل الديني والدنيوي، ومفعول الفعل محذوف للتعميم أو أنه
~~منزل منزلة اللازم أو يقدر يفسدوا الناس بدعوتهم إلى دينهم والخروج عليك.
~~أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما آمنت السحرة أتبع موسى عليه السلام
~~ستمائة ألف من بني إسرائيل { ويذرك } عطف على يفسدوا المنصوب بأن، /
~~أو منصوب على جواب الاستفهام كما ينصب بعد الفاء، وعلى ذلك قول الحطيئة:

# ألم أك جاركم ويكون بيني

# وبينكم المودة والإخاء

# والمعنى كيف يكون الجمع بين تركك موسى عليه السلام وقومه مفسدين في
~~الأرض وتركهم إياك الخ أي لا يمكن وقوع ذلك. وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة
~~بالرفع على أنه عطف على (تذر) أو استئناف أو حال بحذف المبتدأ، أي وهو
~~يذرك لأن الجملة المضارعية لا تقترن بالواو على الفصيح، والجملة على
~~تقدير الاستئناف معترضة مؤكدة لمعنى ما سبق، أي تذره وعادته وتركك، ولا
~~بد من تقدير هو على ما قال الطيبي كما في احتمال الحال ليدل على الدوام،
~~وعلى تقدير الحالية تكون مقررة لجهة الإشكال. وعن الأشهب أنه قرأ بسكون
~~الراء، وخرج ذلك ابن جنى على أنه تركت الضمة للتخفيف كما في قراءة أبي
~~عمرو

# يأمركم

# [البقرة: 67] بإسكان الراء استقلالا للضمة عند توالي الحركات، واختاره
~~أبو البقاء، وقيل: إنه عطف على ما تقدم بحسب المعنى، ويقال له في غير
~~القرآن عطف التوهم، كأنه، قيل: يفسدوا ويذرك كقوله تعالى:

# فأصدق وأكن من الصلحين

# [المنافقون: 10].

# { وءالهتك } أي معبوداتك. يروى أنه كان يعبد الكواكب فهي آلهته
~~وكان يعتقد أنها المربية للعالم السفلي مطلقا وهو رب النوع الإنساني،
~~وعن السدي أن فرعون كان قد اتخذ لقومه أصناما وأمرهم بأن يعبدوها تقربا
~~إليه، ولذلك قال:

# أنا ربكم الأعلى

# [النازعات:24] وقيل: إنه كانت له بقرة ms03293 يعبدها وكان إذا رأى بقرة حسنة
~~أمر قومه بعبادتها، ولذلك أخرج السامري لبني إسرائيل عجلا وهو رواية
~~ضعيفة عن ابن عباس، وقال سليمان التيمي: بلغني أنه كان يجعل في عنقه
~~شيئا يعبده، وأمر الجمع عليه يحتاج إلى عناية وقرأ ابن مسعود والضحاك
~~ومجاهد والشعبي { وءالهتك } كعبادتك لفظا ومعنى فهو مصدر. وأخرج
~~غير واحد عن ابن عباس أنه كان ينكر قراءة الجمع بالجمع ويقرأ بالمصدر
~~ويقول: إن فرعون كان يعبد ولا يعبد، ألا ترى قوله:

# ما علمت لكم من إله غيرى

# [القصص: 38] ومن هنا قال بعضهم: الأقرب أنه كان دهريا منكرا للصانع،
~~وقيل: الإلهة اسم للشمس وكان يعبدها؛ وأنشد أبو علي:

# وأعجلنا الإلهة أن تؤبا

# { قال } مجيبا لهم { سنقتل أبنآءهم ونستحيي
~~نسآءهم } كما كنا نفعل بهم ذلك من قبل ليعلم أنا على ما كنا عليه من
~~القهر والغلبة، ولا يتوهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب
~~ملكنا على يده. وقرأ ابن كثير ونافع (سنقتل) بالتخفيف والتضعيف كما في
~~موتت الإبل.

# { وإنا فوقهم قهرون } أي غالبون كما كنا لم يتغير حالنا
~~وهم مقهورون تحت أيدينا، وكان فرعون قد انقطع طمعه عن قتل موسى عليه
~~السلام فلم يعد الملأ بقتله لما رأى من علو أمره وعظم شأنه وكأنه لذلك لم
~~يعد بقتل قومه أيضا، والظاهر على ما قيل: إن هذا من فرعون بيان لأنهم لا
~~يقدرون على أن يفسدوا في الأرض وإيذان بعدم المبالاة بهم وأن أمرهم فيما
~~بعد كأمرهم فيما قبل وأن قتلهم عبث لا ثمرة فيه، وذكر الطيبي أنه من
~~الأسلوب الحكيم وإن صدر من الأحمق، وأن الجملة الاسمية كالتذليل لما
~~قبلها فافهم.

### || [7.128]

# { قال موسى لقومه } تسلية لهم حين تضجروا مما سمعوا بأسلوب
~~حكيم { استعينوا بالله واصبروا } على ما سمعتم من الأقاويل
~~الباطلة { إن الأرض لله } أي أرض مصر أو الأرض مطلقا وهي داخلة
~~فيها دخولا أوليا / { يورثها من يشاء من عباده
~~والعقبة للمتقين } الذين أنتم منهم، وحاصله أنه ليس الأمر
~~كما قال فرعون:

# إنا فوقهم قهرون

# [الأعراف: 127] فإن ms03294 القهر والغلبة لمن صبر واستعان بالله ولمن وعده الله
~~تعالى توريث الأرض وأنا ذلكم الموعود الذي وعدكم الله تعالى النصرة به
~~وقهر الأعداء وتوريث أرضهم، وقوله: { والعقبة } الخ تقرير لما
~~سبق. وقرأ أبي وابن مسعود { والعاقبة } بالنصب عطفا على اسم { إن }.

### || [7.129]

# { قالوا } أي قوم موسى له عليه السلام { أوذينا } من جهة فرعون {
~~من قبل أن تأتينا } بالرسالة يعنون بذلك قتل الجبار أولادهم
~~قبل مولده وبعده إذ قيل له: يولد لبني إسرائيل غلام يسلبك ملكك ويكون
~~هلاكك على يديه { ومن بعدما جئتنا } أي رسولا يعنون به ما
~~توعدهم به من إعادة قتل الأبناء وسائر ما كان يفعل بهم لعداوة موسى عليه
~~السلام من فنون الجور والعذاب، وقيل: إن نفس ذلك الإيعاد إيذاء، وقيل:
~~جعل إيعاده بمنزلة فعله لكونه جبارا. وقيل: أرادوا الإيذاء بقتل الأبناء
~~قبل مولد موسى عليه السلام وبعد مولده، وقيل: المراد ما كانوا يستعبدون
~~به ويمتهنون فيه من أنواع الخدم والمهن، وتعقب بأن ذلك ليس مما يلحقهم
~~بواسطة موسى عليه السلام فليس لذكره كثير ملاءمة بالمقام، والظاهر أنه لا
~~فرق بين الإتيان والمجيء وإن الجمع بينهما للتفنن والبعد عن التكرار
~~اللفظي فإن الطباع مجبولة على معاداة المعادات، ولذلك جيء بأن المصدرية
~~أولا وبما أختها ثانيا. وذكر الجلال السيوطي في الفرق بينهما أن
~~الإتيان يستعمل في المعاني والأزمان والمجيء في الجواهر والأعيان وهو غير
~~ظاهر هنا إلا أن يتكلف، ونقل عن الراغب في الفرق بينهما أن الإتيان هو
~~المجيء بسهولة فهو أخص من مطلق المجيء وهو كسابقه هنا أيضا، وهذا منهم
~~جار مجرى التحزن لعدم الاكتفاء بما كنى لهم عليه السلام لفرط ما عراهم
~~وفظاعة ما اعتراهم، والمقام يقتضي الإطناب فإن شأن الحزين الشاكي إطالة
~~الكلام رجاء أن يطفىء بذلك بعض الأوام، وقيل: هو استبطاء منهم لما وعدهم
~~عليه السلام أن النجاة والظفر والأول أولى فقوله تعالى:

# { قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم } الذي فعل بكم ما
~~فعل وتوعدكم بما توعد. { ويستخلفكم } أي يجعلكم خلفاء { فى
~~الأرض } أي أرض ms03295 مصر تريح بما كنى عنه وتوكيد للتسلية على أبلغ وجه،
~~وفيه إدماج معنى من عادى أولياء الله تعالى فقد بارزه بالمحاربة وحق له
~~الدمار والخسار. و { عسى } في مثله قطع في إنجاز الموعود والفوز
~~بالمطلوب، ونص غير واحد على التعبير به للجري على سنن الكرماء. وقيل:
~~تأدبا مع الله تعالى وإن كان الأمر مجزوما به بوحي وإعلام منه سبحانه
~~وتعالى، وقيل: إن ذلك لعدم الجزم منه عليه السلام بأنهم المستخلفون
~~بأعيانهم أو أولادهم، فقد روي أن مصر إنما فتحت في زمن داود عليه السلام.
~~وتعقب بأنه لا يساعده قوله تعالى:

# وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشرق
~~الأرض ومغربها

# [الأعراف: 137] فإن المتبادر استخلاف المستضعفين أنفسهم لا استخلاف
~~أولادهم، والمجاز خلاف الأصل. نعم المشهور أن بني إسرائيل بعد أن خرجوا
~~مع موسى عليه السلام من مصر لم يرجعوا إليها في حياته، وفي قوله سبحانه:
~~{ فينظر } أي يرى أو يعلم { كيف تعملون } أحسنا أم قبيحا
~~فيجازيكم حسبما يظهر منكم من الأعمال إرشاد لهم / إلى الشكر وتحذير لهم
~~عن الوقوع في مهاوي الكفر، وقيل: فيه إشارة إلى ما وقع منهم بعد ذلك.

### || [7.130]

# { ولقد أخذنا ءال فرعون بالسنين } شروع في تفصيل
~~مبادي الهلاك الموعود به وإيذان بأنهم لم يمهلوا حتى تحولوا من حال إلى
~~حال إلى أن حل بهم عذاب الاستئصال، وتصديق الجملة بالقسم لإظهار الاعتناء
~~بمضمونها، والمراد بآل فرعون أتباعه من القبط، وإضافة الآل إليه وهو لا
~~يضاف إلا إلى الإشراف لما فيه من الشرف الدنيوي الظاهر وإن كان في نفس
~~الأمر خسيسا، وعن الخطيب أن المراد فرعون وآله، والسنين جمع سنة والمراد
~~بها عام القحط وقد غلبت في ذلك حتى صارت كالعلم له لكثرة ما يذكر ويؤرخ
~~به ولا كذلك العام الخصب، ولامها واو أو هاء، وقد اشتقوا منها فقالوا:
~~أسنت القوم إذا قحطوا، وقلبوا اللام تاء ليفرقوا بين ذلك وقولهم أسنى
~~القوم إذا لبثوا في موضع سنة، قال المازني: وهو شاذ لا يقاس عليه، وقال
~~الفراء: توهموا أن الهاء أصلية إذ ms03296 وجدوها أصلية فقلبوها تاء وجاء أصابتنا
~~سنية حمراء أي جدب شديد فالتصغير للتعظيم وإجراء الجمع مجرى سائر الجموع
~~السالمة المعربة بالحروف هو اللغة المشهورة واللغة الأخرى إجراء الإعراب
~~على النون لكن مع الياء خاصة فيسلك فيه مسلك حين في الإعراب بالحركات
~~الثلاث مع التنوين عند بني عامر وبنو تميم لا ينونون تخفيفا وحينئذ لا
~~تحذف النون للإضافة وعلى ذلك جاء قول الشاعر:

# دعاني من نجد فإن سنينه

# لعبن بنا شيبا وشيبننا مردا

# ومنه قوله صلى الله عليه وسلم

# " اللهم اجعلها عليهم سنينا كسنين يوسف عليه السلام "

# وجاء في رواية أخرى

# " اللهم أعني عليهم بسنين كسني يوسف عليه السلام "

# وهو على اللغة المشهورة { ونقص من الثمرات } بكثرة عاهات
~~الثمار وخروج اليسير منها حتى لا تحمل النخلة كما روي عن رجاء بن حيوة
~~إلا بسرة واحدة وكان القحط على ما أخرج عبد بن حميد وغيره عن قتادة في
~~باديتهم وأهل ماشيتهم والنقص في أمصارهم وقراهم، وأخرج الحكيم الترمذي في
~~«نوادر الأصول» وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
~~لما أخذ الله تعالى آل فرعون بالسنين يبس كل شيء لهم وذهبت مواشيهم حتى
~~يبس نيل مصر فاجتمعوا إلى فرعون وقالوا له: إن كنت كما تزعم فائتنا في
~~نيل مصر بماء فقال: غدوة يصبحكم الماء فلما خرجوا من عنده قال أي شيء
~~صنعت؟ أنا لا أقدر على ذلك فغدا يكذبونني، فلما كان جوف الليل قال
~~واغتسل ولبس مدرعة صوف ثم خرج حافيا حتى أتى النيل فقام في بطنه فقال:
~~اللهم إنك تعلم أني أعلم أنك تقدر على أن تملأ نيل مصر ماء فاملأه ماء
~~فما علم إلا بخرير الماء يقبل فخرج وأقبل النيل مترعا بالماء لما أراد
~~الله تعالى بهم من الهلكة، وهذا إن صح يدل على أن الرجل لم يكن دهريا
~~نافيا للصانع كما قال البعض.

# { لعلهم يذكرون } أي لكي يتعظوا فيتركوا ما هم عليه أو لكي
~~يذكروا الله تعالى فيتضرعوا له ويلتجئوا إليه رغبة فيما عنده، وقيل: لكي ms03297
~~يتذكروا أن فرعون لو كان إلها لدفع ذلك الضر. وعن الزجاج أنهم إنما
~~أخذوا بالضراء لأن أحوال الشدة ترقق القلوب وترغب فيما عند الله تعالى
~~ألا ترى قوله تعالى:

# وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض

# [فصلت: 51].

### || [7.131]

# { فإذا جاءتهم الحسنة } الخ بيان لعدم تذكرهم وتماديهم في
~~الغي، والمراد بالحسنة كما يفهمه ظاهر كلام البعض الخصب والرخاء، وفسرها
~~مجاهد بالرخاء والعافية وبعضهم بأعم من ذلك أي إذا جاءهم ما يستحسنونه {
~~قالوا لنا هذه } أي إنا مستحقوها بيمن الذات { وإن
~~تصبهم سيئة } أي ضيقة / وجدب أو جدب ومرض أو عقوبة وبلاء {
~~يطيروا بموسى ومن معه } أي يتشاءموا بهم ويقولوا: ما
~~أصابنا ذلك إلا بشؤمهم، وأصل إطلاق التطير على التشاؤم على ما قال
~~الأزهري إن العرب كانت تزجر الطير فتتشاءم بالبارح وتتيمم بالسانح. وفي
~~المثل من إلى بالسانح بعد البارح، قال أبو عبيدة: سأل يونس رؤبة وأنا
~~شاهد عن السانح والبارح فقال: السانح ما ولاك ميامنه والبارح ما ولاك
~~مياسره، وقيل: البارح ما يأتي من جهة الشمال والسانح ما يأتي من جهة
~~اليمين وأنشدوا:

# زجرت لها طير الشمال فإن يكن

# هواك الذي تهوى يصبك اجتنابها

# ثم إنهم سموا الشؤم طيرا وطائرا والتشاؤم تطيرا، وقد يطلقون الطائر
~~على الحظ والنصيب خيرا أو شرا حتى قيل: إن أصل التطير تفريق المال
~~وتطييره بين القوم فيطير لكل أحد نصيبه من خير أو شر ثم غلب في الشر. وفي
~~الآية إغراق في وصفهم بالغباوة والقساوة فإن الشدائد ترقق القلوب وتذلل
~~العرائك وتزيل التماسك لا سيما بعد مشاهدة الآيات وقد كانوا بحيث لم يؤثر
~~فيهم شيء منها بل ازدادوا عتوا وعنادا، وتعريف الحسنة وذكرها بأداة
~~التحقيق كما قال غير واحد لكثرة وقوعها وتعلق الإرادة بإحداثها بالذات
~~لأن العناية الإلهية اقتضت سبق الرحمة وعموم النعمة قبل حصول الأعمال،
~~وتنكير السيئة وذكرها بأداة الشك لندورها وعدم تعلق الإرادة بإحداثها إلا
~~بالتبع فإن النقمة بمقتضى تلك العناية إنما تستحق بالأعمال. والزمخشري
~~بين الحسنة بالخصب والرخاء ثم قال في تعليل ما ذكر: ms03298 ((لأن جنس الحسنة
~~وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه وأما السيئة فلا تقع إلا في الندرة ولا يقع
~~إلا شيء منها)). وقال صاحب «الكشف»: ذلك إشارة إلى أن التعريف للعهد
~~الخارجي التقريري بدليل أنه ذكر في مقابلة قوله سبحانه:

# ولقد أخذنا ءال فرعون بالسنين

# [الأعراف: 130] وقوله: لأن الجنس الخ أي جنس الخصب والرخاء وفيه مبالغة
~~أي إنه لكثرة الوقوع كأن الجنس كله واجب الوقوع، ولهذا لا يزال يتكاثر
~~حتى يستغرق الجنس. وقوله: وأما السيئة الخ في مقابلة ذلك دليل بين على
~~إرادة هذا المعنى فلا تخالف بين كلاميه ولم يرد بالجنس العهد الذهني وهذا
~~مراد صاحب «المفتاح» وبه يندفع ما توهمه صاحب «الإيضاح» انتهى. وفيه
~~تعريض بشيخه الطيبي حيث حمل الجنس على العهد الذهني وقال ما قال والبحث
~~طويل الذيل فليطلب من «شروح المفتاح» و«شرح التلخيص» للعلامة الثاني
~~و«حواشيه».

# وقوله سبحانه وتعالى: { ألا إنما طائرهم عند الله }
~~استئناف مسوق من قبله تعالى لرد مقالتهم الباطلة وتحقيق للحق في ذلك
~~وتصديره بكلمة التنبيه لإبراز كمال العناية بمضمونه أي ليس (شؤمهم) إلا
~~عند الله أي من قبله وحكمه كما قال ابن عباس، وقال الزجاج: المعنى ليس
~~الشؤم الذي يلحقهم إلا الذي وعدوا به من العقاب عنده لا ما ينالهم في
~~الدنيا، وقال الحسن: المعنى ألا إن ما تشاءموا محفوظ عليهم حتى يجازيهم
~~الله تعالى به يوم القيامة، وفسر بعضهم الطائر هنا بالحظ أي إنما حظهم
~~وما طار إليهم من القضاء والقدر بسبب شؤمهم عند الله، وقرأ الحسن { إنما
~~طيرهم } وهو اسم جمع طائر على الصحيح لأنه على أوزان المفردات، وقال
~~الأخفش هو جمع له، وروي عن قطرب أن الطير يكون واحدا وجمعا وكذا
~~الطائر، وأنشد ابن الأعرابي:

# كأنه تهتان يوم ماطر

# على رؤوس كرؤوس الطائر

# { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ذلك فيقولون ما يقولون،
~~وإسناد عدم العلم إلى أكثرهم للإشعار بأن / بعضهم يعلم ولكن لا يعمل
~~بمقتضى علمه.

### || [7.132]

# { وقالوا } شروع في بيان بعض آخر مما أخذوا به من فنون العذاب التي
~~هي في أنفسها ms03299 آيات بينات وعدم إرعوائهم عما هم عليه من الكفر والعناد أي
~~قالوا بعد ما رأوا ما رأوا من العصا والسنين ونقص الثمرات { مهما
~~تأتنا به } كلمة مهما مما اختلف فيها فقيل هي كلمة برأسها موضوعة
~~لزيادة التعميم. وقيل: هي مركبة من مه اسم فعل للكف إما باق على معناه أو
~~مجرد عنه وما الشرطية. وقال الخليل: أصلها ما ما على أن الأولى شرطية
~~والثانية إبهامية متصلة بها لزيادة التعميم فقلبت ألف ما الأولى هاء
~~فرارا من بشاعة التكرار، وأسلم الأقوال كما قال غير واحد القول
~~بالبساطة. وفي «حاشية التسهيل» لابن هشام ينبغي لمن قال بالبساطة أن يكتب
~~مهما بالياء ولمن قال أصلها ماما أن يكتبها بالألف، وفي «الشرح» وكذا إذا
~~قيل أصلها مه ما. وتعقب ذلك الشمني بأن القائلين بالأصلين المذكورين
~~متفقون على أن مهما أصل آخر فما ينبغي في كتب آخرها على القول الأولى
~~ينبغي على القول الثاني، وفيه نظر. وهي اسم شرط لا حرف على الصحيح،
~~ومحلها الرفع هنا على الابتداء وخبرها إما الشرط أو الجزاء أو هما على
~~الخلاف أو النصب على أنها مفعول به لفعل يفسره ما بعد أي أي شيء تحضره
~~لدينا تأتنا به، ومن الناس من جوز مجيئها في محل نصب على الظرفية، وشدد
~~الزمخشري الإنكار عليه في «الكشاف»، وذكر ابن المنير أنه غير القائل
~~بظرفيتها كلام الخليل أو شبهها بمتى ما، وخالف ابن مالك في ذلك وقال: إنه
~~مسموع عن العرب كقوله:

# وإنك مهما تعط بطنك سؤله

# وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا

# ويوافقه كما قال الشهاب استعمال المنطقيين لها بمعنى كلما وجعلها سور
~~الكلية فإنها تفيد العموم كما صرحوا به وليس من مخترعاتهم كما توهم، وأنت
~~تعلم أن كونها هنا ظرفا مما لا ينبغي الإقدام عليه بوجه لإباء قوله
~~تعالى: { من ءاية } عنه لأنه بيان لمهما وليس بزمان، وتسميتهم
~~إياها آية من باب المجاراة لموسى عليه السلام والاستهزاء بها مع الإشعار
~~بأن هذا العنوان لا يؤثر فيهم وألا فهم ينكرون كونها آية في ms03300 نفس الأمر
~~ويزعمون أنها سحر كما ينبىء عنه قولهم { لتسحرنا بها } والضميران
~~المجروران راجعان إلى { مهما } ، وتذكير الأول لرعاية جانب اللفظ
~~لإبهامه، وتأنيث الثاني للمحافظة على جانب المعنى لأنه إنما رجع إليه
~~بعدما بين بآية، وادعى ابن هشام أن الأولى عود الضمير الثاني إلى آية،
~~ولعله راعى القرب والذاهب إلى الأول راعى أن { ءاية } مسوقة للبيان
~~فالأولى رجوع الضمير على المفسر المقصود بالذات وإن كان المآل واحدا أي
~~لتسحر بتلك الآية أعيننا وتشبه علينا { فما نحن لك بمؤمنين
~~} أي بمصدقين لك ومؤمنين بنبوتك أصلا.

### || [7.133]

# { فأرسلنا عليهم } عقوبة لجرائمهم لا سيما قولهم هذا {
~~الطوفان } أي ما طاف بهم وغشي أماكنهم وحروثهم من مطر أو سيل فهو اسم
~~جنس من الطواف، وقيل: إنه في الأصل مصدر كنقصان، وهو اسم لكل شيء حادث
~~يحيط بالجهات ويعم كالماء الكثير والقتل الذريع والموت الجارف وقد اشتهر
~~في طوفان الماء وجاء تفسيره هنا بذلك في عدة روايات عن ابن عباس، وجاء عن
~~عطاء ومجاهد تفسيره بالموت، وأخرج ذلك ابن جرير وغيره عن عائشة رضي الله
~~تعالى عنها مرفوعا، وعن وهب بن منبه أنه الطاعون بلغة اليمن وعن أبي
~~قلابة أنه الجدري، وهم أول / من عذبوا به، وهذان القولان ينجران إلى
~~الخبر المرفوع { والجراد } هو المعروف واحده جرادة سمي به لجرده ما
~~على الأرض وهو جند من جنود الله تعالى يسلطه على من يشاء من عباده، وأخرج
~~أبو داود وابن ماجه والطبراني وغيرهم عن أبي زهير النميري مرفوعا النهي
~~عن مقاتلته معلللا بما ذكر، وذكر البيهقي أن ذلك إن صح مراد به إذا لم
~~يتعرض لإفساد المزارع فإذا تعرض له جاز دفعه بما يقع به الدفع من القتال
~~والقتل أو أريد به الإشارة إلى تعذر مقاومته بذلك، وأخرج أبو داود ومن
~~معه عن سليمان قال:

# " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجراد فقال أكثر جنود الله
~~تعالى لا آكله ولا أحرمه "

# وزعم أنه مخلوق من ذنوب ابن آدم مؤول { والقمل } بضم القاف وتشديد
~~الميم ms03301 قيل: هو الدبى وهو الصغار من الجراد ولا يسمى جرادا إلا بعد نبات
~~أجنحته، وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، وقيل هو القردان جمع
~~القراد المعروف، وقيل: صغار الذر، وعن حبيب بن أبي ثابت أنها الجعلان،
~~وعن ابن زيد قال: زعم بعض الناس أنها البراغيث، وعن سعيد بن جبير أنها
~~السوس وهي الدابة التي تكون في الحنطة وغيرها، ويسمى قملا بفتح فسكون
~~وبذلك قرأ الحسن.

# { والضفادع } جمع ضفدع كزبرج وجعفر وجندب ودرهم وهذا أقل أو مردود
~~الدابة المائية المعروفة { والدم } معروف وتشديد داله لغة. وروي أن
~~موسى عليه السلام لما رأى من فرعون وقومه العناد والإصرار دعا وقال: يا
~~رب إن فرعون علا في الأرض وإن قومه قد نقضوا العهد رب فخذهم بعقوبة
~~تجعلها عليهم نقمة ولقومي عظة ولمن بعدهم آية وعبرة فأرسل الله تعالى
~~عليهم المطر ثمانية أيام في ظلمة شديدة لم يستطع أحد لها أن يخرج من بيته
~~فدخل الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم ولم يدخل بيوت بني إسرائيل
~~منه قطرة وكانت مشتبكة في بيوتهم وفاض الماء على أرضهم وركد فمنعهم من
~~الحرث والتصرف ودام ذلك الماء عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت
~~فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا ذلك ونحن نؤمن بك ونرسل معك بني
~~إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم فنبت من العشب والكلأ ما لم يعهد مثله قبله،
~~فقالوا: ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا فلم يؤمنوا فبعث الله تعالى
~~عليهم الجراد فأكل زروعهم وثمارهم وأبوابهم وسقوفهم وثيابهم وأمتعتهم حتى
~~أكل مسامير الحديد التي في الأبواب ولم يصب بني إسرائيل من ذلك شيء،
~~فعجوا وضجوا إلى موسى عليه السلام، وقالوا له كما قالوا أولا فخرج عليه
~~السلام إلى الصحراء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجع إلى النواحي
~~التي جاء منها، وقيل: جاءت ريح فألقته في البحر فلم يؤمنوا، فسلط الله
~~تعالى عليهم القمل فأكل ما أبقى الجراد وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده
~~فيمصه وإذا أراد أن يأكل ms03302 طعاما امتلأ قملا، وقال ابن المسيب: ابتلوا
~~بالسوس فكان الرجل منهم يخرج بعشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد إلا بثلاث
~~أقفزة منها وأخذ حواجبهم وأشفار عيونهم وسائر شعورهم وفعل في جلودهم ما
~~يفعله الجدري ومنعهم النوم والقرار ففزعوا إلى موسى عليه السلام فرفع
~~عنهم، فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، فأرسل الله تعالى عليهم الضفادع
~~فامتلأت بيوتهم وأفنيتهم وأمتعتهم وآنيتهم منها فلا يكشف أحد إناء إلا
~~وجدها فيه، وكان الرجل يجلس / في الضفادع فتبلغ إلى حلقه فإذا أراد أن
~~يتكلم يشب الضفدع فيدخل في فيه؛ وكانت تشب في قدورهم فتفسد عليهم طعامهم
~~وتطفىء نيرانهم، وإذا اضطجع أحدهم ركبته حتى تكون عليه ركاما فلا يستطيع
~~أن ينقلب وإذا أراد أن يأكل سبقته إلى فيه ولا يعجن عجينا إلا امتلأ
~~منها ففزعوا إليه عليه السلام وتضرعوا فأخذ عليهم العهود والمواثيق ودعا
~~فكشف الله تعالى عنهم ذلك فنقضوا العهد، فأرسل الله تعالى عليهم الدم
~~فسال النيل عليهم دما عبيطا وصارت مياههم دماء فكان فرعون يجمع بين
~~القبطي والإسرائيلي في إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي
~~القبطي دما ويقومان إلى الجرة فيها الماء فيخرج للقبطي دم وللإسرائيلي
~~ماء حتى إن المرأة من آل فرعون تأتي المرأة من بني إسرائيل فتقول لها
~~استقيني ماء فتصب لها من قربتها فيصير في الإناء دما حتى كانت تقول:
~~اجعليه في فيك ثم مجيه في في فتفعل ذلك فيصير دما.

# وقال ابن ابن أسلم: إن الدم الذي سلط عليهم كان الرعاف.

# { ءايت } حال من الأشياء المتقدمة. { مفصلات } مبينات لا يشك
~~عاقل أنها آيات إلهية لا سحر كما يزعمون، أو مميزا بعضها من بعض منفصلة
~~بالزمان لامتحان أحوالهم وكان بين كل اثنين منها شهر وكان امتداد كل
~~واحدة منها شهرا كما أخرج ذلك ابن المنذر عن ابن عباس، وأخرج ابن أبي
~~حاتم عن زيد بن أسلم قال: كانت الآيات التسع في تسع سنين في كل سنة آية،
~~وأخرج أحمد في «الزهد» وغيره عن نوف الشامي قال: مكث ms03303 موسى عليه السلام في
~~آل فرعون بعدما غلب السحرة عشرين سنة يريهم الآيات الجراد والقمل الخ
~~فأبوا أن يسلموا.

# وفي رواية أبي الشيخ عن ابن عباس أنه مكث عليه السلام بعد أن غلب
~~أربعين سنة يريهم ما ذكر، ورأيت في «مسامرات الشيخ ابن العربي» قدس سره
~~أن موسى عليه السلام مكث ينذر آل فرعون ستة عشر شهرا إلى أن أغرقوا
~~فأدخلوا نارا ولم ينتفعوا بما رأوا من الآيات { فاستكبروا } عن
~~الإيمان بها. { وكانوا قوما مجرمين } جملة معترضة مقررة
~~لمضمون ما قبلها.

### || [7.134]

# { ولما وقع عليهم الرجز } أي العذاب المذكور على
~~التفصيل كما روي عن الحسن وقتادة ومجاهد؛ و { لما } لا تنافي التفصيل
~~والتكرير كما لا يخفى. وعن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه أصابهم
~~ثلج أحمر لم يروه قبل فهلك منهم كثير، وعن ابن جبير أنه الطاعون، وقد ورد
~~إطلاقه عليه في حديث أسامة بن زيد المرفوع وهو

# " الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم فإذا
~~سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا
~~فرارا منه "

# وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل
~~فقال: ليذبح كل منكم كبشا ثم ليخضب كفه في دمه ثم ليضرب على بابه
~~ففعلوا، فقال القبط لهم: لم تجعلوا هذا الدم على أبوابكم؟ قالوا: إن الله
~~تعالى يريد أن يرسل عليكم عذابا فنسلم وتهلكون، قال القبط: فما يعرفكم
~~الله تعالى إلا بهذه العلامة؟ قالوا: هكذا أمرنا نبينا، فأصبحوا وقد طعن
~~من قوم فرعون سبعون ألفا فأمسوا وهم لا يتدافنون، والمعنى على الأول
~~أنهم كلما وقع عليهم عقوبة من العقوبات المذكورة.

# { قالوا يا موسى } في كل مرة على القول بأن المراد بالرجز غير ما
~~تقدم أنه لما وقع عليهم الثلج المهلك أو الطاعون الجارف قالوا { ادع
~~لنا ربك بما عهد عندك } أي بعهده سبحانه عندك وهو النبوة
~~كما قال أبو مسلم فما مصدرية، / وسميت النبوة عهدا ms03304 كما قال العلامة
~~الثاني: لأن الله تعالى عهد إكرام الأنبياء عليهم السلام بها وعهدوا إليه
~~تحمل أعبائها، أو لأن لها حقوقا تحفظ كما تحفظ العهود، أو لأنها بمنزلة
~~عهد ومنشور منه جل وعلا أو بالذي عهد إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك
~~في آياتك، فما موصولة والجار والمجرور صلة  لأدع  أو حال من الضمير
~~فيه، يعني ادع الله تعالى متوسلا بما عهد عندك، ويحتمل أن تكون الباء
~~للقسم الاستعطافي كما يقال: بحياتك افعل كذا، فالمراد استعطافه عليه
~~السلام لأن يدعو، وأن تكون للقسم الحقيقي وجوابه { لئن كشفت عنا
~~الرجز } الذي وقع علينا { لنؤمنن لك ولنرسلن معك
~~بنى إسرءيل } أي أقسمنا بعهد الله تعالى عندك لئن كشفت الخ،
~~وخلاصة ما ذكروه في الباء هنا أنها إما للإلصاق أو للسببية أو للقسم
~~بقسميه.

### || [7.135]

# { فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بلغوه
~~} أي إلى حد من الزمان هم واصلون إليه ولا بد فمعذبون فيه أو مهلكون، وهو
~~وقت الغرق كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أو الموت كما روي
~~عن الحسن، والمراد أنجيناهم من العذاب إلى ذلك الوقت، ومن هنا صح تعلق
~~الغاية بالكشف، ولا حاجة إلى جعل الجار والمجرور متعلقا بمحذوف وقع
~~حالا من الرجز خلافا لزاعمه. وقيل: المراد بالأجل ما عينوه لإيمانهم {
~~إذا هم ينكثون } أي ينقضون العهد، وأصل النكث فل طاقات الصوف
~~المغزول ليغزل ثانيا فاستعير لنقض العهد بعد إبرامه، وجواب لما فعل مقدر
~~يؤذن به { إذا } الفجائية لا الجملة المقترنة بها، وإن قيل به فتساهل،
~~أي فلما كشفنا عنهم ذلك فاجأوا بالنكث من غير توقف وتأمل كذا قيل، وعليه
~~فكلا الاسمين أعني لما وإذا معمول لذلك الفعل على أن الأول ظرفه، والثاني
~~مفعوله قاله العلامة، والداعي لذلك المحافظة على ما ذهبوا إليه من أن ما
~~يلي كلمة لما من الفعلين يجب أن يكون ماضيا لفظا أو معنى، إلا أن مقتضى
~~ما ذكروا من أن إذ وإذا المفاجأة في موضع المفعول به للفعل المتضمنين هما ms03305
~~إياه أن يكون التقدير فاجأوا زمان النكث أو مكانه وقد يقال أيضا: تقدير
~~الفعل تكلف مستغنى عنه إذ قد صرحوا بأن لما تجاب بإذا المفاجأة الداخلة
~~على الجملة الاسمية، نعم هم يذكرون ما يوهم التقدير وليس به بل هو بيان
~~حاصل المعنى وتفسير له فتدبر.

### || [7.136]

# { فانتقمنا منهم } أي فأردنا الانتقام منهم، وأول بذلك ليتفرع
~~عليه قوله سبحانه: { فأغرقناهم } وإلا فالإغراق عين الانتقام فلا
~~يصح تفريعه عليه. وجوز أن تكون الفاء تفسيرية وقد أثبتها البعض كما في
~~قوله تعالى:

# ونادى نوح ربه فقال رب

# [هود: 45] الخ وحينئذ لا حاجة إلى التأويل { في اليم } أي البحر
~~كما روي عن ابن عباس والسدي رضي الله تعالى عنهم، ويقع على ما كان ملحا
~~زعافا وعلى النهر الكبير العذب الماء ولا يكسر ولا يجمع جمع السلامة،
~~وقال الليث: هو البحر الذي لا يدرك قعره، وقيل: هو لجة البحر وهو عربي
~~في المشهور. وقال ابن قتيبة: إنه سرياني وأصله كما قيل إلى ما ترى والقول
~~بأنه اسم للبحر الذي غرق فيه فرعون غريق في يم الضعف { بأنهم
~~كذبوا بأياتنا } تعليل للإغراق يعني أن سبب الإغراق وما استوجبوا
~~به ذلك العقاب هو التكذيب بالآيات العظام وهو الذي اقتضى تعلق إرادة الله
~~تعالى به تعلقا تنجيزيا وهذا لا ينافي تفريع الإرادة على النكث لأن
~~التكذيب هو / العلة الأخيرة والسبب القريب ولا مانع من تعدد الأسباب
~~وترتب بعضها على بعض قاله الشهاب ونور الحق ساطع منه، وقال شيخ الإسلام:
~~الفاء وإن دلت على ترتب الإغراق على ما قبله من النكث لكنه صرح بالتعليل
~~إيذانا بأن مدار جميع ذلك تكذيب آيات الله تعالى (وما عطف عليه) ليكون
~~ذلك مزجرة للسامعين عن تكذيب الآيات الظاهرة على يد رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم انتهى، وفيه مناقشة لا تخفى.

# { وكانوا عنها غافلين } الضمير المجرور للآيات، والغفلة مجاز عن
~~عدم الذكر والمبالاة أي بسبب تكذيبهم بالآيات وعدم مبالاتهم بها وتفكرهم
~~فيها بحيث صاروا كالغافلين عنها بالكلية وإلا فالمكذب بأمر لا يكون
~~غافلا ms03306 عنه للتنافي بين الأمرين، وفي ذلك إشارة إلى أن من شاهد مثلها لا
~~ينبغي له أن يكذب بها مع علمه بها، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن
~~الضمير للنقمة وأريد بها الغرق كما يدل عليه ما قبله، وعليه فيجوز أن
~~تكون الجملة حالية بتقدير قد، ولا مجاز في الغفلة حينئذ والأول أولى كما
~~لا يخفى.

### || [7.137]

# { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون }
~~بالاستعباد وذبح الأبناء، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على
~~استمرار الاستضعاف وتجدده، والمراد بهم بنو إسرائيل، وذكروا بهذا العنوان
~~إظهارا لكمال اللطف بهم وعظم الإحسان إليهم حيث رفعوا من حضيض المذلة
~~إلى أوج العزة، ولعل فيه إشارة إلى إن الله سبحانه عند القلوب المنكسرة.
~~ونصب { القوم } على أنه مفعول أول لأورثنا والمفعول الثاني قوله
~~سبحانه:

# { مشرق الأرض ومغاربها } أي جميع جهاتها ونواحيها، والمراد
~~بها على ما روي عن الحسن وقتادة وزيد بن أسلم أرض الشام، وذكر محي السنة
~~البغوي أنها أرض الشام ومصر، وفي رواية أنها أرض مصر التي كانت بأيدي
~~المستضعفين، وإلى ذلك ذهب الجبائي، ورواه أبو الشيخ عن الليث بن سعد، أي
~~أورثنا المستضعفين أرض مستضعفيهم وملكهم، ومعنى توريثهم إياها على القول
~~بأنهم لم يدخلوها بعد أن خرجوا منها مع موسى عليه السلام إدخالها تحت
~~ملكهم وعدم وجود مانع لهم عن التصرف فيها أو تمكين أولادهم فيها وذلك في
~~زمن داوود وسليمان عليهما السلام، ولا يخفى أنه خلاف المتبادر كما مرت
~~الإشارة إليه. على أن أرض مصر بعد أن فتحت في زمن داود عليه السلام لم
~~يكن لبني إسرائيل تمكن فيها واستقرار وإنما كان ملك وتصرف وكان التمكن في
~~الأرض المقدسة، والسوق على ما قيل يقتضي ذكر ما تمكنوا فيه لا ما ملكوه،
~~وأقول قد يقال: المراد بالأرض هنا وفيما تقدم من قوله سبحانه:

# عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في
~~الأرض

# [الأعراف: 129] الأرض المقدسة التي طلب موسى عليه السلام من فرعون بني
~~إسرائيل ليذهب بهم إليها فإنها موطن آبائهم فيكون موسى عليه السلام ms03307 قد
~~وعدهم هلاك عدوهم المانع لهم من الذهاب إليها وجعل الله تعالى إياهم
~~خلفاء فيها بعد آبائهم وأسلافهم أو بعد من هي في يده إذ ذاك من العمالقة
~~ثم أخبر سبحانه هنا أن الوعد قد نجز وقد أهلكنا أعداء أولئك الموعودين
~~وأورثناهم الأرض التي منعوهم عنها ومكناهم فيها وفي حصول بغية موسى عليه
~~السلام وما ألطف توريث الأبناء مساكن الآباء.

# { التي بركنا فيها } بالخصب وسعة الأرزاق أو بذلك وبكونها
~~مساكن الأنبياء عليهم السلام والصالحين وذلك ظاهر على تقدير أن يراد
~~بمشارق الأرض ومغاربها الشام ونواحيها. فقد أخرج ابن أبي شيبة عن أبي
~~أيوب الأنصاري قال ليهاجرن الرعد والبرق والبركات إلى الشام. / وأخرج ابن
~~عساكر عن ضمرة بن ربيعة قال: سمعت أنه لم يبعث نبي إلا من الشام فإن لم
~~يكن منها أسري به إليها، وأخرج أحمد

# " عن عبد الله بن خوالة الأزدي أنه قال: يا رسول الله خر لي بلدا أكون
~~فيه قال عليك بالشام فإنه خيرة الله تعالى من أرضه يجتبي إليه خيرته من
~~عباده "

# وأخرج ابن عساكر عن واثلة بن الأسقع قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم يقول

# " عليكم بالشام فإنها صفوة بلاد الله تعالى يسكنها خيرته من عباده»،
~~وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: يأتي
~~على الناس زمان لا يبقى فيه مؤمن إلا لحق بالشام "

# وجاء من حديث أحمد والترمذي والطبراني وابن حبان والحاكم أيضا وصححه عن
~~زيد بن ثابت

# " أنه صلى الله عليه وسلم قال: طوبى للشام فقيل له: ولم؟ قال: إن ملائكة
~~الرحمن باسطة أجنحتها عليها "

# والأحاديث في فضل الشام كثيرة وقد جمعها غير واحد إلا أن في الكثير منها
~~مقالا وسبب الوضع كان قويا، وهو اسم لأحد الأقاليم العرفية، وفي
~~«القاموس» ((أنها بلاد عن مشأمة القبلة وسميت لذلك، [أو] لأن قوما من
~~بني كنعان تشاءموا إليها أي تياسروا أو سمي بسام بن نوح فإنه بالشين
~~بالسريانية، أو لأن أرضها شامات بيض وحمر وسود وعلى هذا ms03308 لا تهمز)) وأخرج
~~ابن أبي حاتم عن أبي الأغبش وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه
~~وسلم أنه سئل عما بورك من الشام أين مبلغ حده؟ فقال: أول حدوده عريش مصر
~~والحد الآخر طرف الثنية والحد الآخر الفرات والحد الآخر جعل فيه قبر هود
~~النبي عليه السلام، وليس المراد بها ما هو متعارف الناس اليوم أعني دمشق
~~نعم هي داخلة فيها، وقد تكلمنا على حدودها بأبسط من هذا في «حواشينا على
~~شرح مختصر السمرقندية» لابن عصام، وقد ولع الناس في دمشق مدحا وذما
~~فقال بعضهم:

# تجنب دمشق ولا تأتها

# وإن شاقك الجامع الجامع

# فسوق الفسوق بها نافق

# وفجر الفجور بها طالع

# وقال آخر:

# دمشق غدت جنة للورى

# زها وصفا العيش في ظلها

# وفيها لدى النفس ما تشتهي

# ولا عيب فيها سوى أهلها

# وقال آخر في الشام ولعله عنى متعارف الناس:

# قيل لي ما يقول في الشام حبر

# شام من بارق الهنا ما شامه

# قلت ماذا أقول في وصف أرض

# هي في وجنة المحاسن شامه

# وأنا أقول إذا صح الحديث فهو مذهبي ونعوذ بالله تعالى من اتباع الهوى،
~~والموصول صفة المشارق والمغارب، وقيل: صفة الأرض وضعفه أبو البقاء بأن
~~فيه العطف على الموصوف قبل الصفة وهو نظير قولك: قام أم هند وأبوها
~~العاقلة، وجوز أن يكون المفعول الثاني لأورثنا أي الأرض التي فعلى هذا
~~يكون نصب المشارق وما عطف عليه بيستضعفون على معنى يستضعفون فيها وأن
~~يكون المشارق منصوبة بيستضعفون والتي صفة كما في الوجه الأول والمفعول
~~الثاني لأورثنا محذوف أي الأرض أو الملك، ولا يخفى بعده وأن المتبادر هو
~~الأول.

# { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرآءيل } أي مضت
~~عليهم واستمرت من قولهم: مضى على الأمر إذا استمر، والمراد من الكلمة
~~وعده تعالى لهم بالنصر والتمكين على لسان نبيهم عليه السلام وهو قوله
~~السابق

# عسى ربكم أن يهلك عدوكم

# [الأعراف: 129] الخ، وذهب غير واحد إلى أنه الوعد الذي يؤذن به قوله
~~سبحانه:

# ونريد أن نمن / على الذين استضعفوا في ms03309 الأرض
~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين

# [القصص: 5]، وقيل: المراد بها علمه تعالى الأزلي، والمعنى مضى واستمر
~~عليهم ما كان مقدرا من إهلاك عدوهم وتوريثهم الأرض، و { الحسنى }
~~تأنيث الأحسن صفة للكلمة ووصفت بذلك لما فيها من الوعد بما يحبون
~~ويستحسنون، وعن الحسن أنه أريد بالكلمة عدته سبحانه وتعالى لهم بالجنة
~~ولا يخفى أنه يأباه السباق والسياق، والتفت من التكلم إلى الخطاب في قوله
~~سبحانه: { ربك } على ما قال الطيبي لأن ما قبله من القصص كان غير
~~معلوم له صلى الله عليه وسلم. وأما كونه جل شأنه منجزا لما وعد ومجريا
~~لما قضى وقدر فهو معلوم له عليه الصلاة والسلام، وذكر في «الكشف» أنه
~~أدمج في هذا الالتفات أنه ستتم كلمة ربك في شأنك أيضا. وقرأ عاصم في
~~رواية { كلمات } بالجمع لأنها مواعيد، والوصف بالحسنى لتأويله بالجماعة،
~~وقد ذكروا أنه يجوز وصف كل جمع بمفرد مؤنث إلا أن الشائع في مثله التأنيث
~~بالتاء؛ وقد يؤنث بالألف كما في قوله سبحانه:

# مآرب أخرى

# [طه: 18].

# { بما صبروا } أي بسبب صبرهم على الشدائد التي كابدوها من فرعون
~~وقومه وحسبك بهذا حاثا على الصبر ودالا على أن من قابل البلاء بالجزع
~~وكله الله تعالى إليه ومن قابله بالصبر ضمن الله تعالى له الفرج. وأخرج
~~ابن المنذر وغيره عن الحسن قال: لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم
~~بشيء صبروا ودعوا الله تعالى لم يلبثوا أن يرفع الله تعالى ذلك عنهم
~~ولكنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه ثم تلى هذه الآية، وفي رواية أخرى
~~عنه قال: ما أوتيت بنو إسرائيل ما أوتيت إلا بصبرهم وما فزعت هذه الأمة
~~إلى السيف قط فجاءت بخير. وأقول قد شاهدنا الناس سنة الألف والمائتين
~~والثمان والأربعين قد فزعوا إلى السيف فما أغناهم شيئا ولا تم لهم مراد
~~ولا حمد منهم أمر، بل وقعوا في حرة رحيله، ووادي خدبات، وأم حبوكر، ورموا
~~لعمر الله بثالثة الأثافي، وقص من جناح عزهم القدامى والخوافى ولم يعلموا
~~أن عيش المضر حلوه مر مقر وأن ms03310 الفرج إنما يصطاد بشباك الصبر وما أحسن قول
~~الحسن:

# عجبت ممن خف كيف خف

# وقد سمع قوله سبحانه وتلا الآية، ويعلم منها أن التحزن لا ينافي الصبر
~~لأن الله سبحانه وصف بني إسرائيل به مع قولهم السابق لموسى عليه السلام

# أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا

# [الأعراف: 129].

# { ودمرنا } أي خربنا وأهلكنا { ما كان يصنع فرعون
~~وقومه } في أرض مصر من العمارات والقصور أي دمرنا الذي كان هو
~~ويصنعه فرعون على أن { ما } موصولة واسم { كان } ضمير راجع إليها
~~وجملة { يصنع فرعون } من الفعل والفاعل خبر { كان } والجملة
~~صلة الموصول والعائد إليه محذوف، وجوز أن يكون فرعون اسم { كان } و {
~~يصنع } خبر مقدم والجملة الكونية صلة { ما } والعائد محذوف أيضا.
~~وتعقبه أبو البقاء بأن { يصنع } يصلح أن يعمل في { فرعون } فلا
~~يقدر تأخيره كما لا يقدر تأخير الفعل في قولك: قام زيد وفيه غفلة عن
~~الفرق بين المثال وما نحن فيه وهو مثل الصبح ظاهر وقيل: { ما } مصدرية و
~~{ كان } سيف خطيب والتقدير ما يصنع فرعون الخ، وقيل: كان كما ذكر و {
~~ما } موصولة اسمية والعائد محذوف والتقدير ودمرنا الذي يصنعه فرعون الخ
~~أي صنعه، والعدول إلى صيغة المضارع على هذين القولين لاستحضار الصورة {
~~وما كانوا يعرشون } من الجنات أو ما كانوا يرفعونه من البنيان
~~كصرح هامان، وإلى الأول يشير كلام الحسن وإلى الثاني كلام مجاهد. وقرأ
~~ابن عامر وأبو بكر هنا وفي النحل [68]

# يعرشون

# بضم الراء والباقون بالكسر وهما لغتان فصيحتان والكسر / على ما ذكر
~~اليزيدي وأبو عبيدة أفصح، وقرىء في الشواذ { يغرسون } من غرس الأشجار.
~~وفي «الكشاف» أنها تصحيف وليس به.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ما وجدته لبعض أرباب التأويل من
~~العارفين أن العصا إشارة إلى نفسه التي يتوكأ عليها أي يعتمد في الحركات
~~والأفعال الحيوانية ويهش بها على غنم القوة البهيمية السليمة ورق الملكات
~~الفاضلة والعادات الحميدة من شجرة الفكر وكانت لتقدسها منقادة لأوامره
~~مرتدعة عن أفعالها الحيوانية إلا بإذنه كالعصا وإذا أرسلها ms03311 عند الاحتجاج
~~على الخصوم صارت كالثعبان تلقف ما يأفكون من الأكاذيب ويظهرون من حبال
~~الشبهات وعصا المغالطات فيغلبهم ويقهرهم. وأن نزع اليد إشارة إلى إظهار
~~القدرة الباهرة الساطعة منها أنوار الحق. وجعل بعضهم فرعون إشارة إلى
~~النفس الأمارة وقومه إشارة إلى صفاتها وكذا السحرة وموسى إشارة إلى الروح
~~وقومه بنو إسرائيل العقل والقلب والسر وعلى هذا القياس. وأول النيسابوري
~~الطوفان بالعلم الكثير والجراد بالواردات والقمل بالإلهامات والضفادع
~~بالخواطر والدم بأصناف المجاهدات والرياضات وهو كما ترى. وقد ذكر غير
~~واحد أن السحر كان غالبا في زمن موسى عليه السلام فلهذا كانت معجزته ما
~~كانت، والطب ما كان غالبا في زمن عيسى عليه السلام فلهذا كانت معجزته من
~~جنس الطب؛ والفصاحة كانت غالبا في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم
~~والتفاخر بها أشهر من (قفا نبك) فلهذا كانت معجزته القرآن، وإنما كانت
~~معجزة كل نبي من جنس ما غلب على زمانه ليكون ذلك أدعى إلى إجابة دعواه.

### || [7.138]

# { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر } شروع بعد انتهاء قصة فرعون
~~في قصة بني إسرائيل وشرح ما أحدثوه بعد أن من الله تعالى عليهم بما
~~من وأراهم من الآيات ما أراهم تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم
~~عما رآه من اليهود بالمدينة فإنهم جروا معه على دأب أسلافهم مع أخيه موسى
~~عليه السلام وإيقاظا للمؤمنين أن لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة
~~نعم الله تعالى عليهم فإن بني إسرائيل وقعوا فيما وقعا لغفلتهم عما من
~~الله تعالى به عليهم، وجاوز بمعنى جاز وقرىء { جوزنا } بالتشديد وهو
~~أيضا بمعنى جاز فعدى بالباء أي قطعنا بهم البحر، والمراد بالبحر بحر
~~القلزم. وفي «مجمع البيان» أنه نيل مصر وهو كما في «البحر» خطأ، وعن
~~الكلبي أن موسى عليه السلام عبر بهم يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه
~~فصاموه شكرا لله تعالى { فأتوا } أي مروا بعد المجاوزة. { على
~~قوم } قال قتادة: كانوا من لخم اسم قبيلة ينسبون كما صححه ابن عبد البر
~~إلى لخم بن عدي بن عمرو بن ms03312 سبا، وقيل: كانوا من العمالقة الكنعانيين
~~الذين أمر موسى عليه السلام بقتالهم.

# { يعكفون على أصنام لهم } أي يواظبون على عبادتها
~~ويلازمونها، وكانت كما أخرج ابن المنذر وغيره عن ابن جريج تماثيل بقر من
~~نحاس، وهو أول شأن العجل، وقيل: كانت من حجارة، وقيل: كان بقرا حقيقة
~~وقرأ حمزة والكسائي { يعكفون } بكسر الكاف.

# { قالوا } عندما شاهدوا ذلك { يا موسى اجعل لنا إلها }
~~مثالا نعبده { كما لهم ءالهة } الكاف متعلقة بمحذوف وقع صفة
~~لإلها وما موصولة و { لهم } صلتها و { ءالهة } بدل من الضمير
~~المستتر فيه، والتقدير اجعل لنا إلها كائنا كالذي استقر هو لهم. وجوز
~~أبو البقاء أن تكون ما كافة للكاف، ولذا وقع بعدها الجملة الإسمية وأن
~~تكون مصدرية، / و { لهم } متعلق بفعل أي كما ثبت لهم { قال إنكم
~~قوم تجهلون } تعجب عليه السلام من قولهم هذا بعدما شاهدوه من
~~الآية الكبرى والبينة العظمى فوصفهم بالجهل على أتم وجه حيث لم يذكر له
~~متعلقا ومفعولا لتنزيله منزلة اللازم أو لأن حذفه يدل على عمومه أي
~~تجهلون كل شيء فيدخل فيه الجهل بالربوبية بالطريق الأولى، وأكد ذلك بإن،
~~وتوسيط { قوم } وجعل ما هو المقصود بالإخبار وصفا له ليكون كما قال
~~العلامة كالمتحقق المعلوم وهذه كما ذكر الشهاب نكتة سرية في الخبر
~~الموطىء لادعاء أن الخبر لظهور أمره وقيام الدليل عليه كأنه معلوم متحقق
~~فيفيد تأكيده وتقريره ولولاه لم يكن لتوسيط الموصوف وجه من البلاغة.

### || [7.139]

# { إن هؤلاء } أي القوم الذين يعكفون على هذه الأصنام { متبر }
~~أي مدمر مهلك كما قال ابن عباس { ما هم فيه } من الدين يعني يدمر
~~الله تعالى دينهم الذي هم عليه على يدي ويهلك أصنامهم ويجعلها فتاتا {
~~وبطل } أي مضمحل بالكلية، وهو أبلغ من حمله على خلاف الحق { ما
~~كانوا يعملون } أي ما استمروا على عمله من عبادتها وإن قصدوا بذلك
~~التقرب إلى الله تعالى وأن المراد أن ذلك لا ينفعهم أصلا، وحمل { ما
~~كانوا يعملون } على الأصنام لأنها معمولة لهم خلاف الظاهر جدا،
~~والجملة تعليل لإثبات ms03313 الجهل المؤكد للقوم، وفي إيقاع اسم الإشارة كما في
~~«الكشاف» اسما لإن وتقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبرا لها وسم
~~لعبدة الأصنام بأنهم هم المعرضون للتبار وأنه لا يعدوهم البتة وأنه لهم
~~ضربة لازب ليحذرهم عاقبة ما طلبوا ويبغض إليهم ما أحبوا، ووجه ذلك على ما
~~في «الكشف» أن اسم الإشارة بعد إفادة الإحضار وأكمل التمييز يفيد أنهم
~~أحقاء بما أخبر عنه به بواسطة ما تقدم من العكوف، والتقديم يؤذن بأن حال
~~ما هم فيه ليست غير التبار وحال عملهم ليست إلا البطلان فهم لا يعدونهما
~~فهما لهم ضربة لازب. وجوز أبو البقاء أن يكون { ما هم فيه } فاعل
~~متبر لاعتماده على المسند إليه وهو في نفسه مساو لاحتمال أن يكون { ما
~~هم فيه } مبتدأ و { متبر } خبر له أو أرجح منه إلا أن المقام
~~كما قال القطب وغيره اقتضى ذلك فليفهم.

### || [7.140]

# { قال أغير الله أبغيكم إلها } قيل: هذا هو الجواب وما
~~تقدم مقدمة وتمهيد له، ولعله لذلك أعيد لفظ { قال } وقال شيخ الإسلام:
~~هو شروع ف بيان شؤون الله تعالى الموجبة لتخصيص العبادة به سبحانه بعد
~~بيان أن ما طلبوا عبادته مما لا يمكن طلبه أصلا لكونه هالكا باطلا
~~أصلا ولذلك وسط بينهما قال مع كون كل منهما كلام موسى عليه السلام، وقال
~~الشهاب: أعيد لفظ { قال } مع اتحاد ما بين القائلين لأن هذا دليل
~~خطابي بتفضيلهم على العالمين، ولم يستدل بالتمانع العقلي لأنهم عوام
~~انتهى، وفي إقامة برهان التمانع على الوثنية القائلين

# ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى

# [الزمر: 3] والمجيبين إذا سئلوا من خلق السماوات والأرض بخلقهن الله
~~خفاء، والظاهر إقامته على التنويه كما لا يخفى، والاستفهام للإنكار
~~وانتصاب { غير } على أنه مفعول { أبغيكم } وهو على الحذف
~~والإيصال، والأصل أبغي لكم، وعلى ذلك يخرج كلام الجوهري وإن كان ظاهره أن
~~الفعل متعد لمفعولين والهاء تمييز، وجوز أبو البقاء أن يكون مفعولا به
~~لأبغي و { غير } صفة له قدمت فصارت حالا، وأيا ما كان فالمقصود هنا ms03314
~~اختصاص الإنكار بغيره تعالى دون إنكار الاختصاص، والمعنى أغير المستحق
~~للعبادة أطلب لكم معبودا.

# { وهو فضلكم على العالمين } أي عالمي زمانكم أو جميع
~~العالمين، وعليه يكون المراد تفضيلهم بتلك الآيات لا مطلقا حتى يلزم
~~تفضيلهم على / أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأما الأنبياء والملائكة
~~عليهم السلام فلا يدخلون في المفضل عليهم بوجه بل هم خارجون عن ذلك
~~بقرينة عقلية، والجملة حالية مقررة لوجه الإنكار، أي والحال أنه تعالى خص
~~التفضيل بكم فأعطاكم نعما لم يعطها غيركم، وفيه تنبيه على ما صنعوا من
~~سوء المعاملة والمقابلة حيث قابلوا التفضل بالتفضيل والاختصاص بأن قصدوا
~~أن يشركوا به أخس مخلوقاته؛ وهذا الاختصاص مأخوذ من معنى الكلام وإلا
~~فليس فيه ما يفيد ذلك، وتقديم الضمير على الخبر لا يفيده وإن كان
~~اختصاصا آخر على ما قيل، أي هو المخصوص بأنه فضلكم على من سواكم، وجوز
~~أبو البقاء كون الجملة مستأنفة.

### || [7.141]

# { وإذ أنجينكم من ءال فرعون } بإهلاكهم وتخليصكم
~~منهم، و { إذ } إما مفعول به لاذكروا محذوفا بناء على القول بأنها
~~تخرج عن الظرفية أي اذكروا ذلك الوقت ويكون ذلك كناية عن ذكر ما فيه وإما
~~ظرف لمفعول اذكروا المحذوف أي اذكروا صنيعنا معكم في ذلك الوقت، وهو
~~تذكير من جهته تعالى بنعمته العظيمة وقرىء { نجينكم } من
~~التنجية، وقرأ ابن عامر { أنجاكم } فيكون من مقول موسى عليه السلام،
~~وقال بعضهم: إنه على قراءة الجمهور أيضا كذلك على أن ضمير أنجينا لموسى
~~وأخيه عليهما السلام أولهما ولمن معهما أو له وحده عليه السلام مشيرا
~~بالتعظيم إلى تعظيم أمر الإنجاء وهو خلاف الظاهر، وقيل: إنه من كلام الله
~~تعالى تتميما لكلام موسى عليه السلام كما في قوله تعالى:

# فأخرجنا به أزواجا

# [طه: 53] بعد قوله سبحانه:

# الذى جعل لكم الأرض مهدا

# [طه: 53] وهو كالتفسير لقوله سبحانه:

# وهو فضلكم

# [الأعراف: 140]. وقوله تعالى: { يسومونكم سوء العذاب } أي
~~يولونكم ذلك ويكلفونكم إياه إما استئناف بياني، كأنه قيل: ما فعل بهم أو
~~مم أنجوا؟ فأجيب بما ذكر، وإما حال من ضمير ms03315 المخاطبين أو من { ءال
~~فرعون } أو منهما معا لاشتماله على ضميرهما.

# وقوله عز اسمه: { يقتلون أبناءكم ويستحيون
~~نساءكم } بدل من { يسومونكم } مبين له، ويحتمل الاستئناف
~~أيضا { وفى ذلكم } الإنجاء أو سوء العذاب { بلاء } نعمة أو
~~محنة، وقيل: المراد به ما يشملهما { من ربكم } أي مالك أموركم {
~~عظيم } لا يقادر قدره. وفي الآية التفات على بعض ما تقدم، ثم إن هذا
~~الطلب لم يكن كما قال محيي السنة البغوي عن شك منهم بوحدانية الله تعالى
~~وإنما كان غرضهم إلها يعظمونه ويتقربون بتعظيمه إلى الله تعالى وظنوا أن
~~ذلك لا يضر بالديانة وكان ذلك لشدة جهلهم كما أذنت به الآيات، وقيل: إن
~~غرضهم عبادة الصنم حقيقة فيكون ذلك ردة منهم، وأيا ما كان فالقائل بعضهم
~~لا كلهم، وقد اتفق في هذه الأمة نحو ذلك فقد أخرج الترمذي وغيره عن أبي
~~واقد الليثي

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة حنين فمر بشجرة للمشركين
~~كانوا يعلقون عليها أسلحتهم ويعكفون حولها يقال لها ذات أنواط فقالوا يا
~~رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم «سبحان الله» وفي رواية «الله أكبر» هذا كما قال بنو إسرائيل
~~لموسى عليه السلام { اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة }
~~[الأعراف: 138] والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم "

# وأخرج الطبراني وغيره من طريق كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جده

# " قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح ونحن ألف ونيف
~~ففتح الله تعالى مكة وحنينا حتى إذا كنا بين حنين والطائف في أرض فيها
~~سدرة عظيمة كان يناط بها السلاح فسميت ذات أنواط فكانت تعبد من دون الله
~~فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم صرف / عنها في يوم صائف إلى ظل
~~هو أدنى منها فقال له رجل: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات
~~أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها السنن ms03316 قلتم  والذي نفس
~~محمد بيده  كما قالت بنو إسرائيل { اجعل لنآ إلها كما
~~لهم آلهة } [الأعراف: 138] "

# وفي هذا الخبر تصريح بأن القائل رجل واحد، ولعل ذلك كان عن جهل يعذر به
~~ولا يكون به كافرا وإلا لأمره صلى الله عليه وسلم بتجديد الإسلام ولم
~~ينقل ذلك فيما وقفت عليه، والناس اليوم قد اتخذوا من قبيل ذات الأنواط
~~شيئا كثيرا لا يحيط به نطاق الحصر، والآمر بالمعروف أعز من بيض الأنوق
~~والامتثال بفرض الأمر منوط بالعيوق والأمر لله الواحد القهار.

### || [7.142]

# { ووعدنا موسى ثلثين ليلة } روي أن موسى عليه السلام
~~وعد بني إسرائيل وهم بمصر إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب فيه بيان ما
~~يأتون وما يذرون فلما هلك فرعون سأل موسى عليه السلام ربه الكتاب فأمره
~~أن يصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فمه فتسوك
~~فقالت الملائكة كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأمره الله
~~تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة. وأخرج الديلمي عن ابن عباس
~~يرفعه لما أتى موسى عليه السلام ربه عز وجل وأراد أن يكلمه بعد الثلاثين
~~وقد صام ليلهن ونهارهن كره أن يكلم ربه سبحانه وريح فمه ريح فم الصائم
~~فتناول من نبات الأرض فمضغه فقال له ربه: لم أفطرت؟ وهو أعلم بالذي كان
~~قال: أي رب كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح، قال: أو ما علمت يا موسى
~~أن ريح فم الصائم عندي أطيب من ريح المسك؟ ارجع فصم عشرة أيام ثم ائتني
~~ففعل موسى عليه السلام الذي أمره ربه وذلك قوله سبحانه: {
~~وأتممنها بعشر } والتعبير عنها بالليالي كما قيل لأنها غرر
~~الشهور. وقيل: إنه عليه السلام أمره الله تعالى أن يصوم ثلاثين يوما وأن
~~يعمل فيها بما يقربه من الله تعالى ثم أنزلت عليه التوراة وكلم فيها، وقد
~~أجمل ذكر الأربعين في البقرة وفصل هنا، { ووعدنا } بمعنى وعدنا،
~~وبذلك قرأ أبو عمرو ويعقوب، ويجوز أن تكون الصيغة على بابها بناء على
~~تنزيل قبول ms03317 موسى عليه السلام منزلة الوعد، وقد تقدم تحقيقة. و {
~~ثلثين } كما قال أبو البقاء مفعول ثان لواعدنا بحذف المضاف أي
~~إتمام ثلاثين ليلة أو إتيانها.

# { فتم ميقت ربه أربعين ليلة } من قبيل الفذلكة لما
~~تقدم، وكأن النكتة في ذلك أن إتمام الثلاثين بعشر يحتمل المعنى المتبادر
~~وهو ضم عشرة إلى ثلاثين لتصير بذلك أربعين، ويحتمل أنها كانت عشرين فتمت
~~بعشرة ثلاثين كما يقال أتممت العشرة بدرهمين على معنى أنها لولا الدرهمان
~~لم تصر عشرة فلدفع توهم الاحتمال الثاني جيء بذلك، وقيل: إن الإتمام بعشر
~~مطلق يحتمل أن يكون تعيينها بتعيين الله تعالى أو بإرادة موسى عليه
~~السلام فجيء بما ذكر ليفيد أن المراد الأول، وقيل: جيء به رمزا إلى أنه
~~لم يقع في تلك العشر ما يوجب الجبر، والميقات بمعنى الوقت، وفرق جمع
~~بينهما بأن الوقت مطلق والميقات وقت قدر فيه عمل من الأعمال ومنه مواقيت
~~الحج، ونصب { أربعين } قيل: على الحالية أي بالغا أربعين، ورده أبو
~~حيان بأنه على هذا يكون معمولا للحال المحذوف لا حالا، وأجيب بأن
~~النحويين يطلقون الحكم الذي للعامل لمعموله القائم مقامه فيقولون في زيد
~~في الدار إن الجار والمجرور خبر مع أن الخبر إنما هو متعلقة.

# وتعقب بأن الذي ذكره النحاة في الظرف دون غيره فالأحسن أنه حال بتقدير
~~معدودا، وفيه أن دعوى تخصيص الذكر في الظرف خلاف الواقع كما لا يخفى على
~~المتتبع، وأن ما زعمه أحسن مما تقدم يرد عليه ما يرد عليه، وقيل: إنه
~~تمييز، وقيل: إنه مفعول به بتضمين / { تم } معنى بلغ، وقيل: إن تم من
~~الأفعال الناقصة وهذا خبره وهو خبر غريب، وقيل: إنه منصوب على الظرفية.
~~وأورد عليه أنه كيف تكون الأربعين ظرفا للتمام والتمام إنما هو بآخرها
~~إلا أن يتجوز فيه.

# { وقال موسى } حين توجه إلى المناجاة حسبما أمر به { لاخيه
~~هرون } اسم أعجمي عبراني لم يقع في كلام العرب بطريق الأصالة، ويكتب
~~بدون الف، وهو هنا بفتح النون على أنه مجرور بدلا من أخيه أو بيانا ms03318 له،
~~أو منصوب مفعولا به لمقدر أعني أعني وقرىء شاذا بالضم على أنه خبر مبتدأ
~~محذوف هو هو أو منادى حذف منه حرف النداء أي يا هارون { اخلفنى } أي
~~كن خليفتي { في قومي } وراقبهم فيما يأتون وما يذرون، واستخلافه عليه
~~السلام لأخيه مع أنه عليه السلام كان نبيا مرسلا مثله قيل: لأن الرياسة
~~كانت له دونه، واجتماع الرياسة مع الرسالة والنبوة ليس أمرا لازما كما
~~يرشد إلى ذلك سبر قصص أنبياء بني اسرائيل، وذكر الشيخ الأكبر قدس سره في
~~«فتوحاته» أن هارون ذكر له أن نبي بحكم الأصالة ورسول بحكم التبعية فلعل
~~هذا الاستخلاف من آثار تلك التبعية، وقيل: إن هذا كما يقول أحد المأمورين
~~بمصلحة للآخر إذا أراد الذهاب لأمر: كن عوضا عني على معنى ابذل غاية وسعك
~~ونهاية جهدك بحيث يكون فعلك فعل شخصين { وأصلح } ما يحتاج إلى
~~الإصلاح من أمور دينهم، أو كن مصلحا على أنه منزل منزلة اللازم من غير
~~تقدير مفعول. وعن ابن عباس أنه يريد الرفق بهم والإحسان إليهم، وقيل:
~~المراد احملهم على الطاعة والصلاح { ولا تتبع سبيل
~~المفسدين } أي ولا تتبع سبيل من سلك الافساد بدعوة وبدونها، وهذا
~~من باب التوكيد كما لا يخفى.

### || [7.143]

# { ولما جاء موسى لميقتنا } أي لوقتنا الذي وقتناه أي
~~لتمام الأربعين، واللام للاختصاص كما في قوله سبحانه:

# لدلوك الشمس

# [الإسراء: 78] وهي بمعنى عند عند بعض النحويين { وكلمه ربه }
~~من غير واسطة بحرف وصوت ومع هذا لا يشبه كلام المخلوقين ولا محذور في ذلك
~~كما أوضحناه في الفائدة الرابعة، وإلى ما ذكر ذهب السلف الصالح، وقد أخرج
~~البزار وابن أبي حاتم وأبو نعيم في «الحلية». والبيهقي في «الأسماء
~~والصفات» عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " لما كلم الله تعالى موسى يوم الطور كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم
~~ناداه فقال له موسى: يا رب أهذا كلامك الذي كلمتني به؟ قال يا موسى: أنا
~~كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها وأقوى من ذلك ms03319 فلما رجع
~~موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى صف لنا كلام الرحمن، فقال: لا
~~تستطيعونه ألم تروا إلى صوت الصواعق الذي يقبل في أحلى حلاوة سمعتوه فذاك
~~قريب منه وليس به ".

# وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي الحويرث عبد
~~الرحمن بن معاوية قال: «إنما كلم الله تعالى موسى بقدر ما يطيق من كلامه
~~ولو تكلم بكلامه كله لم يطقه شيء» وأخرج جماعة عن كعب قال: «لما كلم الله
~~تعالى موسى كلمه بالألسنة كلها فجعل يقول: يا رب لا أفهم حتى كلمه آخر
~~الألسنة بلسان بمثل صوته» الخبر، وأخرجوا عن ابن كعب القرظي أنه قال: قيل
~~لموسى عليه السلام ما شبهت كلام ربك مما خلق؟ فقال عليه السلام: بالرعد
~~الساكن، وأخرج الديلمي عن أبي هريرة مرفوعا لما خرج أخي موسى إلى
~~مناجاة ربه كلمه ألف كلمة ومائتي كلمة فأول ما كلمه بالبربرية، ونقل عن
~~الأشعري أن موسى / عليه السلام إنما سمع الكلام النفسي القائم بذات الله
~~تعالى ولم يكن ما سمعه مختصا بجهة من الجهات، وحمله على السماع بالفعل
~~مشكل مع الأخبار الدالة على خلافه؛ والظاهر أن ذلك إن صح نقله فهو قول
~~رجع عنه إلى مذهب السلف الذي أبان عن اعتقاده له في «الإبانة».

# { قال رب أرني } أي ذاتك أو نفسك فالمفعول الثاني محذوف لأنه
~~معلوم، ولم يصرح به تأدبا { أنظر إليك } مجزوم في جواب الدعاء،
~~واستشكل بأن الرؤية مسببة عن النظر متأخرة عنه كما يريك ذلك النظر إلى
~~قولهم: نظرت إليه فرأيته، ووجهه أن النظر تقليب الحدقة نحو الشيء
~~التماسا لرؤيته والرؤية الإدراك بالباصرة بعد التلقيب وحينئذ كيف يجعل
~~النظر جوابا لطلب الرؤية مسببا عنه وهو عكس القضية. وأجيب بأن المراد
~~بالاراءة ليس إيجاد الرؤية بل التمكن منها مطلقا أو بالتجلي والظهور وهو
~~مقدم على النظر وسبب له، ففي الكلام ذكر الملزوم وإرادة اللازم أي مكنى
~~من رؤيتك أو تجل لي فانظر إليك وأراك.

# { قال } استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال رب العزة حين ms03320 قال موسى
~~عليه السلام ذلك، فقيل: قال: { لن تراني } أي لا قابلية لك لرؤيتي
~~وأنت على ما أنت عليه، وهو نفي للإراءة المطلوبة على أتم وجه {
~~ولكن انظر إلى الجبل } إستدراك لبيان أنه عليه السلام لا
~~يطيق الرؤية، والمراد من الجبل طور سيناء كما ورد في غير ما خبر، وفي
~~«تفسير الخازن» وغيره أن اسمه زبير بزاي مفتوحة وباء موحدة مكسورة وراء
~~مهملة بوزن أمير { فإن استقر مكانه } ولم يفتته التجلي {
~~فسوف تراني } إذا تجليت لك.

# { فلما تجلى ربه للجبل } أي ظهر له على الوجه اللائق
~~بجنابه تعالى بعد جعله مدركا لذلك { جعله دكا } أي مدكوكا
~~متفتتا، والدك والدق أخوان كالشك والشق. وقال شيخنا الكوراني: إن الجبل
~~مندرج في الأشياء التي تسبح بحمد الله بنص

# وإن من شىء إلا يسبح بحمده

# [الإسراء: 44] المحمول على ظاهره عند التحقيق المستلزم لكونه حيا
~~مدركا حياة وإدراكا لائقين بعالمه ونشأته، وقيل: هذا مثل لظهور اقتداره
~~سبحانه وتعلق إرادته بما فعل بالجبل لا أن ثم تجليا وهو نظير ما قرر في
~~قوله تعالى:

# أن يقول له كن فيكون

# [يس: 82] من أن المراد أن ما قضاه سبحانه وأراد كونه يدخل تحت الوجود
~~من غير توقف لا أن ثمة قولا. وتعقبه صاحب «الفوائد» بأن هذا المعنى غير
~~مفهوم من الآية لأن تجلى مطاوع جليته أي أظهرته يقال: جليته فتجلى أي
~~أظهرته فظهر ولا يقدر تجلى اقتداره لأنه خلاف الأصل، على أن هذا الحمل
~~بعيد عن المقصود بمراحل. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي والحاكم
~~وصححاه والبيهقي وغيرهم من طرق عن أنس بن مالك

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية { فلما تجلى
~~ربه } الخ قال هكذا وأشار بأصبعيه ووضع طرف إبهامه على أنملة الخنصر
~~ وفي لفظ  على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل "

# وعن ابن عباس أنه قال ما تجلى منه سبحانه للجبل إلا قدر الخنصر فجعله
~~ترابا، وهذا كما لا يخفى من المتشابهات التي يسلك فيها طريق التسليم وهو
~~أسلم وأحكم أو التأويل بما ms03321 يليق بجلال ذاته تعالى. وقرأ حمزة والكسائي {
~~دكاء } بالمد أي أرضا مستوية، ومنه قولهم ناقة دكاء للتي لم يرتفع
~~سنامها. وقرأ يحيى بن وثاب { دكا } بضم الدال والتنوين جمع دكاء كحمر
~~وحمراء أي قطعا دكا فهو صفة جمع، وفي «شرح التسهيل» لأبي حيان أنه
~~أجري مجرى الأسماء فأجري على المذكر.

# { وخر موسى } أي سقط من / هول ما رأى، وفرق بعضهم بين السقوط
~~والخرور بأن الأول مطلق والثاني سقوط له صوت كالخرير { صعقا } أي
~~صاعقا وصائحا من الصعقة، والمراد أنه سقط مغشيا عليه عند ابن عباس.

# والحسن رضي الله تعالى عنهم وميتا عند قتادة روي أنه بقي كذلك مقدار
~~جمعة، وعن ابن عباس أنه عليه السلام أخذته الغشية عشية يوم الخميس يوم
~~عرفة إلى عشية يوم الجمعة، ونقل بعض القصاصين أن الملائكة كانت تمر عليه
~~حينئذ فيلكزونه بأرجلهم ويقولون يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب
~~العزة وهو كلام ساقط لا يعول عليه بوجه، فإن الملائكة عليهم السلام مما
~~يجب تبرئتهم من إهانة الكليم بالوكز بالرجل والغض في الخطاب { فلمآ
~~أفاق } بأن عاد إلى ما كان عليه قبل وذلك بعود الروح إليه على ما قال
~~قتادة أو بعود الفهم والحس على ما قال غيره، والمشهور أن الإفاقة رجوع
~~العقل والفهم إلى الإنسان بعد ذهابهما عنه بسبب من الأسباب، ولا يقال
~~للميت إذا عادت إليه روحه أفاق وإنما يقال ذلك للمغشي عليه ولهذا اختار
~~الأكثرون ما قاله الحبر { قال } تعظيما لأمر الله سبحانه {
~~سبحنك } أي تنزيها لك من مشابهة خلقك في شيء، أو من أن يثبت أحد
~~لرؤيتك على ما كان عليه قبلها، أو من أن أسألك شيئا بغير اذن منك {
~~تبت إليك } من الإقدام على السؤال بغير أذن، وقيل: من رؤية وجودي
~~والميل مع إرادتي { وأنا أول المؤمنين } بعظمتك وجلالك أو
~~بأنه لا يراك أحد في هذه النشأة فيثبت على ما قيل، وأراد كما قال
~~الكوراني أنه أول المؤمنين بذلك عن ذوق مسبوق بعين اليقين في نظره، وقيل:
~~أراد أول ms03322 المؤمنين بأنه لا يجوز السؤال بغير إذن منك.

# واستدل أهل السنة المجوزون لرؤيته سبحانه بهذه الآية على جوازها في
~~الجملة، واستدل بها المعتزلة النفاة على خلاف ذلك وقامت الحرب بينهما على
~~ساق، وخلاصة الكلام في ذلك أن أهل السنة قالوا: إن الآية تدل على إمكان
~~الرؤية من وجهين. الأول أن موسى عليه السلام سألها بقوله: { رب
~~أرني } الخ، ولو كانت مستحيلة فإن كان موسى عليه السلام عالما
~~بالاستحالة فالعاقل فضلا عن النبي مطلقا فضلا عمن هو من أولي العزم
~~لا يسأل المحال ولا يطلبه، وإن لم يكن عالما بذلك لزم أن يكون آحاد
~~المعتزلة ومن حصل طرفا من علومهم أعلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما لا
~~يجوز من النبي الصفي، والقول بذلك غاية الجهل والرعونة، وحيث بطل القول
~~بالاستحالة تعين القول بالجواز، والثاني أن فيها تعليق الرؤية على
~~استقرار الجبل وهو ممكن في نفسه وما علق على الممكن ممكن.

# واعترض الخصوم الوجه الأول بوجوه. الأول أنا لا نسلم أن موسى عليه
~~السلام سأل الرؤية وإنما سأل العلم الضروري به تعالى إلا أنه عبر عنه
~~بالرؤسة مجازا لما بينهما من التلازم، والتعبير بأحد المتلازمين عن
~~الآخر شائع في كلامهم، وإلى هذا ذهب أبو الهذيل بن العلاف وتابعه عليه
~~الجبائي وأكثر البصريين.

# الثاني أنا سلمنا أنه لم يسأل العلم بل سأل الرؤية حقيقة لكنا نقول: إنه
~~سأل رؤية علم من أعلام الساعة بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه
~~فمعنى { أرني أنظر إليك } أرني أنظر إلى علم من أعلامك الدالة
~~على الساعة، وإلى هذا ذهب الكعبي والبغداديون، الثالث أنا سلمنا أنه سأل
~~رؤية الله تعالى نفسه حقيقة ولكن لم يكن ذلك لنفسه عليه السلام بل لدفع
~~قومه القائلين

# أرنا الله جهرة

# [النساء: 153] وإنما أضاف / الرؤية إليه دونهم ليكون منعه أبلغ في دفعهم
~~وردعهم عما سألوه تنبيها بالأعلى على الأدنى، وإلى هذا ذهب الجاحظ
~~ومتبعوه، الرابع أنا سلمنا أنه سأل لنفسه لكن لا نسلم أن ذلك ينافي العلم
~~بالإحالة إذ المقصود من ms03323 سؤالها إنما هو أن يعلم الإحالة بطريق سمعي مضاف
~~إلى ما عنده من الدليل العقلي لقصد التأكيد، وذلك جائز كما يدل عليه طلب
~~إبراهيم عليه السلام إراءة كيفية إحياء الموتى، وقوله:

# ولكن ليطمئن قلبي

# [البقرة: 260] وإلى ذلك ذهب أبو بكر الأصم، الخامس أنا سلمنا أن سؤال
~~الرؤية ينافي العلم بالإحالة لكنا نلتزم القول بعدم العلم وهو غير قادح
~~في نبوته عليه السلام فإن النبوة لا تتوقف على العلم بجميع العقائد الحقة
~~أو جميع ما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز بل ما يتوقف عليه الغرض من
~~البعثة والدعوة إلى الله تعالى وهو وحدانيته وتكليف عباده بالأوامر
~~والنواهي تحريضا لهم على النعم المقيم، وليس امتناع الرؤية من هذا
~~القبيل، ويؤيد ذلك أنه سأل وقوع الرؤية في الدنيا وهي غير واقعة عندنا
~~وعندكم، ونسب هذا القول إلى الحسن منا وهو غريب منه. السادس أنا سلمنا
~~العلم بالإحالة لكن لا نسلم امتناع السؤال وإنما يمتنع أن لو كان محرما
~~في شرعه لم لا يجوز أن لا يكون محرما؟، السابع أنا سلمنا الحرمة لكن لا
~~نسلم أن ذلك كبيرة لم لا يجوز أن يكون صغيرة وهي غير ممتنعة على الأنبياء
~~عليهم السلام؟.

# وتكلموا على الوجه الثاني من وجهين: الأول أنا لا نسلم أنه علق الرؤية
~~على أمر ممكن لأن التعليق لم يكن على استقرار الجبل حال سكونه وإلا لوجدت
~~الرؤية ضرورة وجود الشرط لأن الجبل حال سكونه كان مستقرا بل على
~~استقراره حال حركته وهو محال لذاته، والثاني أنا وإن سلمنا أن استقرار
~~الجبل ممكن لكن لا نسلم أن المعلق بالممكن ممكن فإنه يصح أن يقال: إن
~~انعدم المعلوم انعدم العلة، والعلة قد تكون ممتنعة العدم مع إمكان
~~المعلول في نفسه كالصفات بالنسبة إلى الذات عند المتكلمين، والعقل الأول
~~بالنسبة إليه تعالى عند الحكماء، فيجوز أن تكون الرؤية الممتنعة متعلقة
~~بالاستقرار الممكن، والسر في جواز ذلك أن الارتباط بين المعلق والمعلق
~~عليه إنما هو بحسب الوقوع بمعنى أنه إن وقع عدم المعلول وقع عدم ms03324 العلة،
~~والممكن الذاتي قد يكون ممتنع الوقوع كالممتنع الذاتي فيجوز التعليق
~~بينهما وليس الارتباط بينهما بحسب الإمكان حتى يلزم من إمكان المعلق عليه
~~إمكان المعلق، ثم إنا وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه من الوجهين على جواز
~~الرؤية فهو معارض بما يدل على عدم الجواز فإن { لن } في الآية لتأبيد
~~النفي وتأكيده وأيضا قول موسى عليه السلام: { تبت إليك } دليل
~~كونه مخطئا في سؤاله ولو كانت الرؤية جائزة لما كان مخطئا، والزمخشري
~~عامله الله تعالى بعدله زعم أن الآية أبلغ دليل على عدم إمكان الرؤية،
~~وذكر في «كشافه» ما ذكر وقال: ((ثم أعجب من المتسمين بالإسلام المسمين
~~بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهبا ولا يغرنك تسترهم
~~بالبلكفة فإنه من منصوبات أشياخهم، والقول ما قال بعض العدلية فيهم:

# وجماعة سموا هواهم سنة

# لجماعة حمر لعمري مؤكفه

# قد شبهوه بخلقه وتخوفوا

# شنع الورى فتستروا بالبلكفه))

# وأجيب عن قولهم: إنه عليه السلام إنما سأل العلم الضروري بأنه لو كانت
~~الرؤية بمعنى العلم الضروري لكان النظر المذكور بعد أيضا بمعناه وليس
~~كذلك، فإن النظر الموصول بإلى نص في الرؤية لا يحتمل سواه فلا يترك
~~للاحتمال.

# وفي «شرح المواقف» أن طلب العلم الضروري لمن يخاطبه ويناجيه غير معقول،
~~وأورد عليه / أن المراد هو العلم بهويته الخاصة، والخطاب لا يقتضي إلا
~~العلم بوجه كمن يخاطبنا من وراء الجدار، والمراد بالعلم بالهوية الخاصة
~~انكشاف هويته تعالى على وجه جزئي بحيث لا يمكن عند العقل صدقه على كثيرين
~~كما في المرئي بحاسة البصر، ولا شك في كونه ممكنا في حقه تعالى لأنه
~~قادر على أن يخلق في البعد علما ضروريا بهويته الخاصة على الوجه الجزئي
~~بدون استعمال الباصرة كما يخلق بعده، وفي عدم لزومه الخطاب فإنه إنما
~~يقتضي العلم بالمخاطب بأمور كلية يمكن صدقها على كثيرين عند العقل وإن
~~كانت في الخارج منحصرة في شخص واحد فهو من قبيل التعقل، وبهذا التحرير
~~يعلم رصانة الإيراد ودفع ما أورد عليه، ويظهر منه ركاكة ما قاله الآمدي
~~من أن ms03325 حمل الرؤية على العلم يلزم منه أن يكون موسى عليه السلام غير عالم
~~بربه لئلا يلزم تحصيل الحاصل، ونسبة ذلك إلى الكليم من أعظم الجهالات
~~لأنا نقول العلم بالهوية الخاصة على ما ذكرنا ليس من ضروريات النبوة ولا
~~المكالمة كما لا يخفى. نعم يأبى هذا الحمل التعدية كما علمت ويبعده
~~الجواب ب { لن تراني ولكن انظر } الخ كما هو ظاهر وإن تكلف
~~له الزمخشري بما تمجه الاسماع.

# وقيل: إنه لو ساغ هذا التأويل لساغ مثله في

# أرنا الله جهرة

# [النساء: 153] لتساوي الدلالة وهو ممتنع بالإجماع وجهرة لا يزيد على كون
~~النظر موصولا بإلى. وأجيب عن قولهم: إنما سأله أن يريه علما من أعلام
~~الساعة بأنه لا يستقيم لثلاثة أوجه. أحدها: أنه خلاف الظاهر من غير دليل.
~~ثانيها: أنه أجيب ب { لن تراني } وهو إن كان محمولا على نفي ما وقع
~~السؤال عنه من رؤية بعض الآيات فهو خلف فإنه قد أراه سبحانه أعظم الآيات
~~وهو تدكدك الجبل، وإن كان محمولا على نفي الرؤية لزم أن لا يكون الجواب
~~مطابقا للسؤال. ثالثها: أن قوله سبحانه: { فإن استقر مكانه
~~فسوف ترانى } إن كان محمولا على رؤية الآية فهو محال لأن الآية
~~ليست في استقرار الجبل بل في تدكدكه، وإن كان محمولا على الرؤية لا يكون
~~مرتبطا بالسؤال، فإذن لا ينبغي حمل ما في الآية على رؤية الآية، وعن
~~قولهم: إن الرؤية وقعت لدفع قومه بأن ذلك خلاف الظاهر من غير دليل، وكون
~~الدليل أخذ الصعقة ليس بشيء. وأيضا كان يجب عليه عليه السلام أن يبادر
~~إلى ردعهم وزجرهم عن طلب ما لا يليق بجلال الله تعالى كما قال:

# إنكم قوم تجهلون

# [الأعراف: 138] عند قولهم:

# اجعل لنا إلها كما لهم ءالهة

# [الأعراف: 138].

# وقولهم: إن المقصود ضم الدليل السمعي إلى العقلي ليس بشيء إذ ذلك كان
~~يمكن بطلب إظهار الدليل السمعي له من غير أن يطلب الرؤية مع إحالتها،
~~وقصته تقدم الكلام فيها، وما ذكروه في الوجه الخامس ظاهر رده من تقرير
~~الوجه الأول ms03326 من الوجهين اللذين ذكرهما أهل السنة، وحاصله أنه يلزمهم أن
~~يكون الكليم عليه السلام دون آحاد المعتزلة علما ودون من حصل طرفا من
~~الكلام في معرفة ما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز، وهذه كلمة حمقاء وطريقة
~~عوجاء لا يسلكها أحد من العقلاء، فإن كون الأنبياء عليهم السلام أعلم ممن
~~عداهم بذاته تعالى وصفاته العلا مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان، وكون
~~الرؤية في الدنيا غير واقعة عند الفريقين إن أريد به أنها غير ممكنة
~~الوقوع فهو أول المسألة وإن أريد أنها ممكنة لكنها لا تقع لأحد فلا نسلم
~~أنه أجمع على ذلك الفريقان، أما المعتزلة فلأنهم لا يقولون بإمكانها،
~~وأما أهل السنة فلأن كثيرا منهم ذهب إلى أنها وقعت لنبينا صلى الله عليه
~~وسلم ليلة الإسراء، وهو قول ابن عباس وأنس وغيرهما، وقول عائشة رضي الله
~~تعالى عنها: «من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على
~~الله سبحانه الفرية» مدفوع أو مؤول بأن المراد من زعم أن / محمدا صلى
~~الله عليه وسلم في نوره الذي هو نوره أعني النور الشعشعاني الذي يذهب
~~بالأبصار، وهو المشار إليه في حديث

# " لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره "

# فقد أعظم الفرية، ومن هذا يعلم ما في احتمال إرادة عدم الوقوع مع قطع
~~النظر عن الإمكان وعدمه.

# وقولهم: إنه يجوز أن لا يكون ذلك الطلب محرما في شرعه فلا يمتنع يرد
~~عليه أن دليل الحرمة ظاهر، فإن طلب المحال لو لم يكن حراما في شرعه عليه
~~السلام لما بلغ في التشنيع على قومه حين طلبوا ما طلبوا على أنا لو سلمنا
~~أنه ليس بحرام يقال: إنه لا فائدة فيه وما كان كذلك فمنصب النبوة منزه
~~عنه، ومن هذا يعلم ما في قولهم الأخير.

# وأجيب عن قولهم: إن المعلق عليه هو استقرار الجبل حال حركته بأنهم إن
~~أرادوا أن الشرط هو الاستقرار حال وجود الحركة مع الحركة فهو زيادة اضمار
~~وترك لظاهر اللفظ من غير دليل فلا يصح، ms03327 وإن أرادوا أن الشرط هو الاستقرار
~~في الحالة التي وجدت فيها الحركة بدلا عن الحركة فلا يخفى جوازه، فكيف
~~يدعى أنه محال لذاته؟، وبعضهم قال في الرد: إن المعلق عليه استقرار الجبل
~~بعد النظر بدليل الفاء، وحين تعلقت إرادة الله تعالى بعدم استقراه عقيب
~~النظر استحال استقراره وإن كان بالغير فعدل عن القول بالمحال بالذات إلى
~~القول بالمحال بالغير لأن الغرض يتم به أيضا، وتعقبه السيالكوتي وغيره
~~بأنه ليس بشيء لأن استقرار الجبل حين تعلق إرادته تعالى بعدم استقراره
~~أيضا ممكن بأن يقع بدله الاستقرار إنما المحال استقراره مع تعلق إرادته
~~سبحانه بعدم الاستقرار، ولبعض فضلاء الروم ههنا كلام نقله الشهاب لا
~~تغرنك قعقعته فإن الظواهر لا تترك لمجرد الاحتمال المرجوح.

# وأجيب عن قولهم لا نسلم أن المعلق بالممكن ممكن الخ بأن المراد بالممكن
~~المعلق عليه الممكن الصرف والخالي عن الامتناع مطلقا، ولا شك أن إمكان
~~المعلول فيما امتنع عدم علته ليس كذلك بل التعليق بينهما إنما هو بحسب
~~الامتناع بالغير فإن استلزام عدم الصفات وعدم العقل الأول عدم الواجب من
~~حيث إن وجود كل منهما واجب وعدمه ممتنع بوجود الواجب، وأما بالنظر إلى
~~ذاته مع قطع النظر عن الأمور الخارجة فلا استلزام بخلاف استقرار الجبل
~~فإنه ممكن صرف غير ممتنع لا بالذات ولا بالعرض كما لا يخفى، على أن بعضهم
~~نظر في صحة المثال لغة وإن كان فيه ما فيه، وما قيل: إنه ليس المقصود في
~~الآية بيان جواز الرؤية وعدم جوازها إذ هو غير مسؤول عنه بل المقصود إنما
~~هو بيان عدم وقوعها وعدم الشرط مكتفل بذلك كلام لا طائل تحته، إذ الجواز
~~وعدم الجواز من مستتبعات التعليق بإجماع جهابذة الفريقين، وما ذكروه في
~~المعارضة من أن { لن } تفيد تأبيد النفي غير مسلم، ولو سلم فيحتمل أن
~~ذلك بالنسبة إلى الدنيا كما في قوله تعالى:

# ولن يتمنوه أبدا

# [البقرة: 95] فإن إفادة التأبيد فيه أظهر، وقد حملوه على ذلك أيضا لأنهم
~~يتمنونه في الآخرة للتخلص من العقوبة، ومما يهدي ms03328 إلى هذا أن الرؤية
~~المطلوبة إنما هي الرؤية في الدنيا وحق الجواب أن يطابق السؤال، وقد ورد
~~عنه صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن أن نفي الرؤية مقيد لا مطلق فليتبع
~~بيانه عليه الصلاة والسلام، فقد أخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول»
~~وأبو نعيم في «الحلية» عن ابن عباس قال:

# " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { رب أرني } الخ
~~فقال: قال الله تعالى يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا
~~تدهده ولا رطب إلا تفرق وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم ولا
~~تبلى أجسادهم "

# وهذا ظاهر في أن مطلوب موسى عليه السلام كان الرؤية في الدنيا مع بقائه
~~على حالته / التي هو عليها حين السؤال من غير أن يعقبها صعق لأن قوله عز
~~وجل: إنه لن يراني حي الخ لا ينفي إلا الرؤية في الدنيا مع الحياة لا
~~الرؤية مطلقا، فمعنى { لن تراني } في الآية لن تراني وأنت باق على
~~هذه الحالة لا لن تراني في الدنيا مطلقا فضلا عن أن يكون المعنى لن
~~تراني مطلقا لا في الدنيا ولا في الآخرة. نعم إن هذا الحديث مخصص بما صح
~~مرفوعا وموقوفا أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة الإسراء مع عدم
~~الصعق، ولعل الحكمة في اختصاصه صلى الله عليه وسلم بذلك أن نشأته عليه
~~الصلاة والسلام أكمل نشأة وأعدلها صورة ومعنى لجامعيته صلى الله عليه
~~وسلم للحقائق على وجه الاعتدال وهي فيه متجاذبة ومقتضى ذلك الثبات بإذن
~~الله تعالى ومع ذلك فلم يقع له التجلي إلا في دار البقاء فاجتمع مقتضى
~~الموطن مع مقتضى كمال اعتدال النشأة، وقد يقال أيضا على سبيل التنزل: لو
~~سلمنا دلالة لن على التأبيد مطلقا لكان غاية ذلك انتفاء وقوع الرؤية ولا
~~يلزم منه انتفاء الجواز، والمعتزلة يزعمون ذلك.

# وقولهم: قوله عليه السلام { تبت إليك } يدل على كونه مخطئا ليس
~~بشيء لأن التوبة قد تطلق بمعنى الرجوع وأن لم يتقدمها ذنب، وعلى هذا ms03329 فلا
~~يبعد أن يكون المراد من { تبت إليك } أي رجعت إليك عن طلب الرؤية.

# وذكر ابن المنير ((أن تسبيح موسى عليه السلام لما تبين له من أن العلم
~~قد سبق بعدم وقوع الرؤية في الدنيا والله تعالى مقدس عن وقوع خلاف
~~معلومه، وأما التوبة في حق الأنبياء عليهم السلام فلا يلزم أن تكون عن
~~ذنب لأن منزلتهم العلية تصان عن كل ما يحط عن مرتبة الكمال، وكان عليه
~~عليه السلام نظرا إلى علو شأنه أن يتوقف في سؤال الرؤية على الإذن فحيث
~~سأل من غير إذن كان تاركا الأولى بالنسبة إليه، وقد ورد

# " حسنات الأبرار سيئات المقربين "

# ، وذكر الإمام الرازي نحو ذلك. وقال الآمدي: إن التوبة وان كانت تستدعي
~~سابقية الذنب إلا أنه ليس هناك ما يدل قطعا على أن الذنب في سؤاله بل
~~جاز أن تكون التوبة عما تقدم قبل السؤال مما يعده هو عليه السلام ذنبا
~~والداعي لذلك ما رأى من الأهوال العظيمة من تدكدك الجبل على ما هو عادة
~~المؤمنين الصلحاء من تجديد التوبة عما سلف إذا رأوا آية وأمرا مهولا،
~~وذكر أن قوله عليه السلام: { وأنا أول المؤمنين } ليس
~~المراد منه ابتداء الإيمان في تلك الحالة بل المراد به إضافة الأولية
~~إليه لا إلى الإيمان، ولعل المراد من ذلك الإخبار الاستعطاف لقبول توبته
~~عليه السلام عما هو ذنب عنده، وأراد بالمؤمنين قومه على ما روي عن مجاهد،
~~وما يشير إليه كلام الزمخشري من أن الآية أبلغ دليل على عدم إمكان الرؤية
~~لا يخفى ما فيه على من أحاط خبرا بما ذكرناه.

# ومن المحققين من استند في دلالة الآية على إمكانها بغير ما تقدم أيضا،
~~وهو أنه تعالى أحال انتفاء الرؤية على عجز الرائي وضعفه عنها حيث قال له:
~~{ لن تراني } ولو كانت رؤيته تعالى غير جائزة لكان الجواب لست بمرئي،
~~ألا ترى لو قال: أرني أنظر إلى صورتك ومكانك لم يحسن في الجواب أن يقال
~~لن ترى صورتي ولا مكاني بل الحسن لست بذي صورة ولا ms03330 مكان. وقال بعضهم بعد
~~أن بين كون الآية دليلا على أن الرؤية جائزة في الجملة ببعض ما تقدم
~~ولذلك رده سبحانه بقوله: { لن تراني } دون لن أرى ولن أريك ولن تنظر
~~إلي تنبيها على أنه عليه السلام قاصر عن رؤيته تعالى لتوقفها على معد
~~في الرائي ولم يوجد فيه بعد، وذلك لأن لن أرى يدل على امتناع الرؤية
~~مطلقا ولن أريك يقتضي أن المانع من جهته تعالى، وليس في لن تنظر تنبيه
~~على المقصود لأن النظر / لا يتوقف على معد وإنما المتوقف عليه الرؤية
~~والإدراك، وعلل النيسابوري عدم كون الجواب لن تنظر إلي المناسب لأنظر
~~إليك بأن موسى عليه السلام لم يطلب النظر المطلق وإنما طلب النظر الذي
~~معه الإدراك بدليل { أرني }. وانتصر بعضهم للمعتزلة بأن لهم أن
~~يقولوا: إن طلب الإراءة متضمن لطلب رفع الموانع من الرؤية وإيجاد ما
~~تتوقف هي عليه لأن معنى ذلك مكني من الرؤية والتمكين إنما يتم بما ذكر من
~~الرفع والإيجاد، وكان الظاهر في رد هذا الطلب لن أمكنك من رؤيتي لكن عدل
~~عنه إلى { لن تراني } إشارة إلى استحالة الرؤية وعدم وقوعها بوجه من
~~الوجوه، كأنه قيل: إن رؤيتك لي أمر محال في نفسه وتمكيني إنما يكون من
~~الممكن، ولو لم يكن المراد ذلك بل كان المراد أنك لا قابلية لك لرؤيتي
~~لكان لموسى عليه السلام أن يقول يا رب أنا أعلم عدم القابلية لكني سألتك
~~التمكين وهو متضمن لسؤال إيجادها لأنها مما تتوقف الرؤية عليه، فعلى هذا
~~لا يكون الجواب مفيدا لموسى عليه السلام ولا مقنعا له بخلافه على
~~الأول، فيكون حينئذ هو المتعين.

# فإن قيل: القابلية وعدم القابلية من توابع الاستعداد وعدم الاستعداد
~~وهما غير مجعولين، قلنا: هذا على ما فيه من الكلام العريض والنزاع الطويل
~~مستلزم لمطلوبنا من امتناع الرؤية كما لا يخفى على من له أدنى استعداد
~~لفهم الحقائق.

# وأجيب بأن طلب التمكين من شيء إنما يتضمن طلب رفع الموانع التي في جانب
~~المطلوب منه فقط على ما هو ms03331 الظاهر لا مطلقا بحيث يشمل ما كان في جانب
~~المطلوب منه وما كان في جانب الطالب، ويرشد إلى ذلك أن قولك: لم يمكني
~~زيد من قتل عمرو مثلا ظاهر في أنه حال بينك وبين قتله مع تهيئك له
~~وارتفاع الموانع التي من قبلك عنه، فكأن موسى عليه السلام لما كلمه ربه
~~هاج به الشوق إلى الرؤية كما قال الحسن لأن عدو الله إبليس غاص في الأرض
~~حتى خرج من بين قدميه فوسوس إليه إن مكلمك شيطان فعند ذلك سألها كما قال
~~السدي وأعوذ بالله من اعتقاده فذهل عن نفسه وما فيها من الموانع فلم يخطر
~~بباله إلا طلب رفع الموانع عنها من قبل الرب سبحانه فنبهه جل شأنه بقوله:
~~{ لن تراني } على وجود المانع فيه عن الرؤية وهو الضعف عن تحملها
~~وأراه ضعف من هو أقوى منه عن ذلك بدك الجبل عند تجليه له، ففائدة
~~الاستدراك على هذا أن يتحقق عنده عليه السلام أنه أضعف من أن يقوم لتجلي
~~الرؤية، وهو على ما هو عليه، ويمكن أن تكون التوبة منه عليه السلام بعد
~~أن أفاق من هذه الغفلة، وحينئذ لا شك أن الجواب ب { لن تراني } الخ
~~مفيد مقنع.

# هذا وذكر بعض المحققين أن حاصل الكلام في هذا المقام أن موسى عليه
~~السلام كان عالما بإمكان الرؤية ووقوعها في الدنيا لمن شاء الله تعالى
~~من عباده عقلا؛ والشروط التي تذكر لها ليست شروطا عقلية وإنما هي شروط
~~عادية ولم يكن عالما بعدم الوقوع مع عدم تغير الحال حتى سمع ذلك من الرب
~~المتعال، وليس في عدم العلم بما ذكر نقص في مرتبته عليه السلام لأنه من
~~الأمور الموقوفة على السمع، والجهل بالأمور السمعية لا يعد نقصا، فقد صح
~~أن أعلم الخلق على الإطلاق نبينا صلى الله عليه وسلم سئل عن أشياء فقال:
~~سأسأل جبريل عليه السلام، وأن جبريل عليه السلام سئل فقال: سأسأل رب
~~العزة، وقد قالت الملائكة:

# سبحنك لا علم لنا إلا ما علمتنا

# [البقرة: 32] وأن الآية لا تصلح ms03332 دليلا على امتناع الرؤية على ما يقوله
~~المعتزلة بل دلالتها على إمكانها في الجملة أظهر وأظهر، بل هي ظاهرة في
~~ذلك دون ما يقوله الخصوم، وما رواه / أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أنه قال في تفسير { لن ترانى }: إنه لا يكون ذلك أبدا
~~لا حجة لهم فيه لأنه غير واف بمطلوبهم، مع أن التأبيد فيه بالنسبة إلى
~~عدم تغير الحال كما يدل عليه الخبر المروي عنه سابقا، وكذا ما رواه عنه
~~أبو الشيخ إذ فيه: يا موسى إنه لا يراني أحد فيحيا قال موسى: رب أن أراك
~~ثم أموت أحب إلي من أن لا أراك ثم أحيا، وما ذكره الزمخشري عن الأشياخ
~~أنهم قالوا: إنه تعالى يرى بلا كيف هو المشهور.

# ونقل المناوي أن الكمال بن الهمام سئل عما رواه الدارقطني وغيره عن أنس
~~من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " رأيت ربي في أحسن صورة "

# بناء على حمل الرؤية على الرؤية في اليقظة فأجاب بأن هذا حجاب الصورة
~~انتهى، وهو التجلي الصوري الشائع عند الصوفية، ومنه عندهم تجلي الله
~~تعالى في الشجرة لموسى عليه السلام، وتجليه جل وعلا للخلق يوم يكشف عن
~~ساق، وهو سبحانه وإن تجلى بالصورة لكنه غير متقيد بها والله من ورائهم
~~محيط، والرؤية التي طلبها موسى عليه السلام غير هذه الرؤية، وذكر بعضهم
~~أن موسى كان يرى الله تعالى إلا أنه لم يعلم أن ما رآه هو  هو  وعلى
~~هذا الطرز يحمل ما جاء في بعض الروايات المطعون بها " رأيت ربي في صورة
~~شاب " ، وفي بعضها زيادة " له نعلان من ذهب " ، ومن الناس من حمل الرؤية
~~في رواية الدارقطني على الرؤية المنامية، وظاهر كلام السيوطي أن الكيفية
~~فيها لا تضر وهو الذي سمعته من المشايخ قدس الله تعالى أسرارهم، والمسألة
~~خلافية، وإذا صح ما قاله المشايخ وأفهمه كلام السيوطي فأنا ولله تعالى
~~الحمد قد رأيت ربي مناما ثلاث مرات وكانت المرة الثالثة في السنة
~~السادسة والأربعين والمائتين والألف بعد الهجرة، رأيته جل ms03333 شأنه وله من
~~النور ما له متوجها جهة المشرق فكلمني بكلمات أنسيتها حين استيقظت،
~~ورأيت مرة في منام طويل كأني في الجنة بين يديه تعالى وبيني وبينه ستر
~~حبيك بلؤلؤ مختلف ألوانه فأمر سبحانه أن يذهب بي إلى مقام عيسى عليه
~~السلام ثم إلى مقام محمد صلى الله عليه وسلم فذهب بي إليهما فرأيت ما
~~رأيت ولله تعالى الفضل والمنة.

# ومنهم من حمل الصورة على ما به التميز والمراد بها ذاته تعالى المخصوصة
~~المنزهة عن مماثلة ما عداه من الأشياء البالغة إلى أقصى مراتب الكمال،
~~وما ذكره من البيتين لبعض العدلية فهو في ذلك عثيثة تقرم جلدا أملسا
~~والقول ما قاله تاج الدين السبكي فيهم:

# عجبا لقوم ظالمين تلقبوا

# بالعدل ما فيهم لعمري معرفه

# قد جاءهم من حيث لا يدرونه

# تعطيل ذات الله مع نفي الصفه

# وتلقبوا عدلية قلنا نعم

# عدلوا بربهم فحسبهم سفه

# وقال ابن المنير:

# وجماعة كفروا برؤية ربهم

# هذا ووعد الله ما لن يخلفه

# وتلقبوا عدلية قلنا أجل

# عدلوا بربهم فحسبوهم سفه

# وتنعتوا الناجين كلا إنهم

# إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه

# وبعد هذا كله نقول: إن الناس قد اختلفوا في أن موسى عليه السلام هل رأى
~~ربه بعد هذا الطلب أم لا؟، فذهب أكثر الجماعة إلى أنه عليه السلام لم يره
~~لا قبل الصعق ولا بعد. وقال الشيخ الأكبر قدس سره: إنه رآه بعد الصعق
~~وكان الصعق موتا، وذكر قدس سره أنه سأل موسى عن ذلك فأجابه بما ذكر،
~~والآية عندي / غير ظاهرة في ذلك، وإلى الرؤية بعد الصعق ذهب القطب الرازي
~~في تقرير كلام للزمخشري، إلا أن ذلك على احتمال أن تفسر بالانكشاف التام
~~الذي لا يحصل إلا إلا إذا كانت النفس فانية مقطوعة النظر عن وجودها فضلا
~~عن وجود الغير فإنه قال: إن موسى عليه السلام لما طلب هذه المرتبة من
~~الانكشاف وعبر عن نفسه (بأنا) دل على أن نظره كان باقيا على نفسه وهي لا
~~تكون كذلك إلا متعلقة بالعلائق الجسمانية مشوبة ms03334 بالشوائب المادية لا جرم
~~منع عنه هذه المرتبة وأشير إلى أن منعها إنما كان لأجل بقاء أنا وأنت في
~~قوله: { أرني } و { لن تراني } ، ثم لما لم يرد حرمانه عن حصول
~~هذه المرتبة مع استعداده وتأهله لها علم طريق المعرفة بقوله سبحانه: {
~~ولكن انظر إلى الجبل } فإن الجبل مع عدم تعلقه لما لم يطق
~~نظرة من نظرات التجلي فموسى عليه السلام مع تعلقه كيف يطيق ذلك فلما أدرك
~~الرمز خر صعقا مغشيا عليه متجردا عن العلائق فانيا عن نفسه فحصل له
~~المطلوب فلما أفاق علم أن طلبه الرؤية في تلك الحالة التي كان عليها كان
~~سوء أدب فتاب عنه.

# وذهب الشيخ إبراهيم الكوراني إلى أنه عليه السلام رأى ربه سبحانه حقيقة
~~قبل الصعق فصعق لذلك كما دك الجبل للتجلي، وأيده بما أخرج أبو الشيخ عن
~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " لما تجلى الله تعالى لموسى عليه السلام كان يبصر دبيب النملة على
~~الصفا في الليلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ، وبما أخرجه عن أبي معشر
~~أنه قال: مكث موسى عليه السلام أربعين ليلة لا ينظر إليه أحد إلا مات من
~~نور رب العالمين "

# وجمع بين هذا وبين قوله صلى الله عليه وسلم:

# " إن الله تعالى أعطى موسى الكلام وأعطاني الرؤية وفضلني بالمقام
~~المحمود والحوض المورود "

# بأن الرؤية التي أعطاها لنبينا صلى الله عليه وسلم هي الرؤية مع الثبات
~~والبقاء من غير صعق كما أن الكلام الذي أعطاه موسى كذلك بخلاف رؤية موسى
~~عليه السلام فإنها لم تجمع له مع البقاء. وعلى هذا فمعنى قوله عليه
~~الصلاة والسلام في حديث الدجال «إنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت هو أن
~~أحدا لا يراه في الدنيا مع البقاء ولا يجمع له في الدنيا بينهما، وفسر
~~الآية بما لا يخلو عن خفاء.

# والذاهبون إلى عدم الرؤية مطلقا يجيبون عما ذكره من حديث أبي هريرة
~~وخبر أبي معشر بأن الثاني ليس فيه أكثر من إثبات سطوع نور الله تعالى ms03335
~~على وجه موسى عليه السلام وليس في ذلك إثبات الرؤية لجواز أن يشرق نور
~~منه تعالى على وجهه عليه السلام من غير رؤية فإنه لا تلازم بني الرؤية
~~وإشراق النور وبأن الأول ليس نصا في ثبوت الرؤية المطلوبة له عليه
~~السلام لأنها كما قال غير واحد عبارة عن التجلي الذاتي ولله تعالى تجليات
~~شتى غير ذلك فلعل التجلي الذي أشار إليه الحديث على تقدير صحة واحد منها،
~~وقد يقطع بذلك فإنه سبحانه تجلى عليه عليه السلام بكلامه واصطفائه وقربه
~~منه على الوجه الخاص اللائق به تعالى، ولا يبعد أن يكون هذا سببا لذلك
~~الإبصار، وهذا أولى مما قيل: إن اللام في لموسى للتعليل ومتعلق تجلي
~~محذوف أي لما تجلى الله تعالى للجبل لأجل إرشاد موسى كان عليه السلام
~~يبصر بسبب إشراق بعض أنواره تعالى عليه حين التجلي للجبل ما يبصر:

# تضوع مسكا بطن نعمان إذ مشت

# به زينب في نسوة خفرات

# فالحق الذي لا ينبغي المحيص عنه أن موسى عليه السلام لم يحصل له ما سأل
~~في هذا الميقات، والذي أقطع به أنه نال مقام قرب النوافل والفرائض الذي
~~يذكره الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم بالمعنى الذي يذكرونه كيفما / كان،
~~وحاشا لله من أن أفضل أحدا من أولياء هذه الأمة وإن كانوا هم  هم  على
~~أحد من أنبياء بني إسرائيل فضلا عن رسلهم مطلقا فضلا عن أولي العزم
~~منهم.

# وقد ذكر بعض العارفين من باب الإشارة في هذه الآيات: أن الله تعالى واعد
~~موسى عليه السلام ثلاثين ليلة للتخلص من حجاب الأفعال والصفات والذات كل
~~عشرة للتخلص من حجاب، واختيرت العشرة لأنها عدد كامل كما تقدم الكلام
~~عليه عند قوله سبحانه:

# تلك عشرة كاملة

# [البقرة: 196]، لكن بقيت منه بقية ما خلص عنها، واستعمال السواك في
~~الثلاثين الذي نطقت به بعض الآثار إشارة إلى ذلك فضم إلى الثلاثين عشرة
~~أخرى للتخلص من تلك البقية، وجاء أنه عليه السلام أمر بأن يتقرب إليه
~~سبحانه بما يتقرب به في ثلاثين، وأنزلت عليه التوراة ms03336 في العشرة التي ضمت
~~إليها لتكمل أربعين، وهو إشارة إلى أنه بلغ الشهود الذاتي التام في
~~الثلاثين بالسلوك إلى الله تعالى ولم يبق منه شيء بل فنى بالكلية وفي
~~العشرة الرابعة كان سلوكه في الله تعالى حتى رزق البقاء بعد الفناء
~~بالإفاقة، قالوا: وعلى هذا ينبغي أن يكون سؤال الرؤية في الثلاثين
~~والإفاقة بعدها، وكان التكليم في مقام تجلي الصفات وكان السؤال عن إفراط
~~شوق منه عليه السلام إلى شهود الذات في مقام فناء الصفات مع وجود البقية،
~~و { لن ترانى } إشارة إلى استحالة الإثنينية وبقاء الأنية في مقام
~~المشاهدة، وهذا معنى قول من قال: رأيت ربي بعين ربي، وقوله سبحانه: {
~~ولكن انظر إلى الجبل } إشارة إلى جبل الوجود، أي انظر إلى
~~جبل وجودك { فإن استقر مكانه فسوف ترانى } وهو من باب
~~التعليق بالمحال عنده { فلما تجلى ربه للجبل جعله
~~دكا } أي متلاشيا لا وجود له { وخر موسى } عن درجة الوجود {
~~صعقا } أي فانيا { فلما أفاق } بالوجود الموهوب الحقاني {
~~قال سبحنك } أن تكون مرئيا لغيرك { تبت إليك } عن ذنب
~~البقية، أو رجعت إليك بحسب العلم والمشاهدة إذ ليس في الوجود سواك {
~~وأنا أول المؤمنين } بحسب الرتبة، أي أنا في الصف الأول من
~~صفوف مراتب الأرواح الذي هو مقام أهل الوحدة، وقد يقال: إن موسى إشارة
~~إلى موسى الروح ارتاض أربعين ليلة لتظهر منه ينابيع الحكمة وقال لأخيه
~~هارون القلب { اخلفنى فى قومى } من الأوصاف البشرية { وأصلح
~~} ذات بينهم على وفق الشريعة وقانون الطريقة

# ولا تتبع سبيل المفسدين

# [الأعراف: 142] من القوى الطبيعية، ولما حصل الروح على بساط القرب بعد
~~هاتيك الرياضة وتتابعت عليه في روضات الأنس كاسات المحبة غرد بلبل لسانه
~~في قفص فم وجوده فقال: { رب أرني أنظر إليك } فقال له:
~~هيهات ذاك وأين الثريا من يد المتناول؟ أنت بعد في بعد الإثنينية وحجاب
~~جبل الأنانية فإن أردت ذلك فخل نفسك وائتني:

# وجانب جناب الوصل هيهات لم يكن

# وها أنت حي أن تكن صادقا مت

# هو الحب إن لم تقض ms03337 لم تقض مأربا

# من الحب فاختر ذاك أو خل خلتي

# فهان عليه الفناء في جانب رؤية المحبوب ولم يعز لديه كل شيء إذ رأى عزة
~~المطلوب ونادى:

# فقلت لها: روحي لديك وقبضها

# إليك ومن لي أن تكون بقبضتي

# وما أنا بالشاني الوفاة على الهوى

# وشأني الوفا تابى سواه سجيتي

# فبذل وجوده وأعطى موجوده فتجلى ربه لجبل أنانيته ثم من عليه برؤيته وكان
~~ما كان وأشرقت الأرض / بنور ربها وطفىء المصباح إذ طلع الصباح وصدح هزار
~~الأنس في رياض القدس بنغم:

# ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا

# سر أرق من النسيم إذا سرى

# وأباح طرفي نظرة أملتها

# فغدوت معروفا وكنت منكرا

# فدهشت بين جماله وجلاله

# وغدا لسان الحال عني مخبرا

# هذا والكلام في الرؤية طويل، وقد تكفل علم الكلام بتحقيق ذلك على الوجه
~~الأكمل، والذي علينا إنما هو كشف القناع عما يتعلق بالآية، والذي نظنه
~~أنا قد أدينا الواجب، ويكفي من القلادة ما أحاط بالجيد، والله تعالى
~~الهادي إلى سواء السبيل.

### || [7.144]

# { قال يا موسى } استئناف مسوق لتسليته عليه السلام من عدم
~~الإجابة إلى سؤاله على ما اقتضته الحكمة كأنه قيل: إن منعتك الرؤية فقد
~~أعطيتك من النعم العظام ما أعطيتك فاغتنمه وثابر على شكره { إنى
~~اصطفيتك } أي اخترتك وهو افتعال من الصفوة بمعنى الخيار والتأكيد
~~للاعتناء بشأن الخبر { على الناس } الموجودين في زمانك وهذا كما فضل
~~قومه على عالمي زمانهم في قوله سبحانه:

# يبنى إسرءيل اذكروا نعمتى التى أنعمت
~~عليكم وأنى فضلتكم على العلمين

# [البقرة: 47] { برسلتي } أي بأسفار التوراة. وقرأ أهل الحجاز.
~~وروح (برسالتي) { وبكلمي } أي بتكليمي إياك بغير واسطة أو الكلام
~~على حذف مضاف أي بإسماع كلامي والمراد فضلتك بمجموع هذين الأمرين فلا يرد
~~هارون عليه السلام لأنه لم يكن كليما على أن رسالته كانت تبعية أيضا
~~وكان مأمورا باتباع موسى عليه السلام وكذلك لا يرد السبعون الذين كانوا
~~معه عليه السلام في هذا الميقات في قول لأنهم وإن سمعوا الخطاب إلا أنهم
~~ليس لهم من الرسالة شيء على أن ms03338 المقصود بالتكليم الموجه إليه الخطاب هو
~~موسى عليه السلام دونهم وبتخصيص الناس بما علمت خرج النبي صلى الله عليه
~~وسلم فلا يرد أن مجموع الرسالة والتكليم بغير واسطة وجد له عليه الصلاة
~~والسلام أيضا على الصحيح، على إنا لو قلنا بأن التكليم بغير واسطة مخصوص
~~به عليه السلام من بين الأنبياء صلى الله عليه وسلم لا يلزم منه تفضيله
~~من كل الوجوه على غيره كنبينا عليه الصلاة والسلام فقد يوجد في الفاضل ما
~~لا يوجد في الأفضل وإنما كان الكلام بلا واسطة سببا للشرف بناء على
~~العرف الظاهر وقد قالوا شتان بين من اتخذه الملك لنفسه حبيبا وقربه إليه
~~بلطفه تقريبا وبين من ضرب له الحجاب والحجاب وحال بينه وبين المقصود
~~بواب ونواب، على أن من ذاق طعم المحبة ولو بطرف اللسان يعلم ما في تكليم
~~المحبوب بغير واسطة من اللطف العظيم والبر الجسيم، وكلامه جل شأنه لموسى
~~عليه السلام في ذلك الميقات كثير على ما دلت عليه الآثار، وقد سبق لك ما
~~يدل على كميته من حديث أبي هريرة.

# وأخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول»، والبيهقي من طريق جويبر عن
~~الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " إن الله تعالى شأنه ناجى موسى عليه السلام بمائة ألف وأربعين ألف كلمة
~~في ثلاثة أيام فلما سمع كلام الآدميين مقتهم لما وقع في مسامعه من كلام
~~الرب عز وجل فكان فيما ناجاه أن قال: يا موسى إنه لم يتصنع المتصنعون
~~بمثل الزهد في الدنيا ولم يتقرب إلى المتقربون بمثل الورع عما حرمت عليهم
~~ولم يتعبد المتعبدون بمثل البكاء من خشيتي فقال موسى: يا رب وإله البرية
~~كلها ويا مالك يوم الدين ويا ذا الجلال والإكرام ماذا أعددت لهم وماذا
~~جزيتهم؟ / قال: أما الزاهدون في الدنيا فإني أبيحهم جنتي حتى يتبوأوا
~~فيها حيث شاءوا وأما الورعون عما حرمت عليهم فإذا كان يوم القيامة لم يبق
~~عبد إلا ناقشته الحساب وفتشت عما في يديه إلا الورعون فإنى أجلهم وأكرمهم ms03339
~~وأدخلهم الجنة بغير حساب، وأما الباكون من خشيتي فأولئك لهم الرفيق
~~الأعلى لا يشاركهم فيه أحد ".

# وأخرج آدم بن أبي إياس في «كتاب العلم» عن ابن مسعود قال: لما قرب الله
~~تعالى موسى نجيا أبصر في ظل العرش رجلا فغبطه بمكانه فسأله عنه فلم
~~يخبره باسمه وأخبره بعلمه فقال له: هذا رجل كان لا يحسد الناس على ما
~~أتاهم الله تعالى من فضله برا بالوالدين، لا يمشي بالنميمة ثم قال الله
~~تعالى: يا موسى ما جئت تطلب؟ قال: جئت أطلب الهدى يا رب. قال: قد وجدت يا
~~موسى. فقال: رب اغفر لي ما مضى من ذنوبي وما غبر وما بين ذلك وما أنت
~~أعلم به مني وأعوذ بك من وسوسة نفسي وسوء عملي فقيل له: قد كفيت يا موسى.
~~قال: يا رب أي العمل أحب إليك أن أعمله؟ قال: اذكرني يا موسى. قال رب: أي
~~عبادك أتقى؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال رب: أي عبادك أغنى؟ قال:
~~الذي يقنع بما يؤتى. قال رب: أي عبادك أفضل؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا
~~يتبع الهوى. قال: رب أي عبادك أعلم؟ قال: الذي يطلب علم الناس إلى علمه
~~لعله يسمع كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى. قال: رب أي عبادك أحب إليك
~~عملا؟ قال: الذي لا يكذب لسانه، ولا يزني فرجه، ولا يفجر قلبه. قال: رب
~~ثم أي على أثر هذا؟ قال: قلب مؤمن في خلق حسن. قال رب: أي عبادك أبغض
~~إليك؟ قال: قلب كافر في خلق سيء. قال: رب ثم أي على أثر هذا؟ قال: جيفة
~~بالليل بطال بالنهار، وأخرج البيهقي في «الأسماء والصفات» وأبو يعلى وابن
~~حبان والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " قال موسى: يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به؟ قال: قل يا موسى لا
~~إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقول هذا. قال: قل لا إله إلا الله.
~~قال: لا إله إلا أنت ms03340 يا رب. إنما أريد شيئا تخصني به. قال: يا موسى لو
~~أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله
~~في كفة مالت بهن لا إله إلا الله "

# وأخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» عن أبي هريرة قال: لما ارتقى
~~موسى طور سيناء رأى الجبار في أصبعه خاتما فقال له: هل مكتوب عليه شيء
~~من أسمائي أو كلامي؟ قال: لا. قال فاكتب عليه

# لكل أجل كتاب

# [الرعد: 38] وأخرج ابن أبي حاتم عن العلاء بن كثير قال: إن الله تعالى
~~قال: يا موسى أتدري لم كلمتك؟ قال: لا يا رب قال: لأني لم أخلق خلقا
~~تواضع لي تواضعك. وللقصاص أخبار كثيرة موضوعة في أسئلة موسى عليه السلام
~~ربه وأجوبته جل شأنه له لا ينبغي لمسلم التصديق بها.

# { فخذ ما ءاتيتك } أي أعطيتك من شرف الاصطفاء { وكن من
~~الشكرين } أي معدودا في عدادهم بأن يكون لك مساهمة كاملة فيهم،
~~وحاصله كن بليغ الشكر فإن ما أنعمت به عليك من أجل النعم. أخرج ابن أبي
~~شيبة عن كعب أنه قال قال موسى عليه السلام: يا رب دلني على عمل إذا عملته
~~كان شكرا لك فيما اصطنعت إلي، قال: يا موسى قل لا إله إلا الله وحده لا
~~شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. قال: فكأن موسى أراد من
~~العمل ما هو أنهك لجسمه مما أمر به فقال له: يا موسى لو أن السماوات
~~السبع الخبر وهو في معنى ما في خبر أبي سعيد.

### || [7.145]

# { وكتبنا له فى الألواح من كل شىء } يحتاجون إليه من
~~الحلال والحرام والمحاسن والقبائح على ما قال الرازي وغيره، وما أخرجه
~~الطبراني. والبيهقي في «الدلائل» عن محمد بن يزيد الثقفي قال: اصطحب قيس
~~بن / خرشة وكعب الأحبار حتى إذا بلغا صفين وقف كعب ثم نظر ساعة ثم قال:
~~ليهراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يهراق ببقعة من الأرض مثله
~~فقال قيس: ما يدريك فإن هذا من الغيب الذي ms03341 استأثر الله تعالى به؟ فقال
~~كعب: ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة التي أنزل الله تعالى على
~~موسى ما يكون عليه وما يخرج منه إلى يوم القيامة ظاهر في أن كل شيء أعم
~~مما ذكر، ولعل ذكر ذلك من باب الرمز كما ندعيه في القرآن.

# { موعظة وتفصيلا لكل شىء } بدل من الجار والمجرور، أي
~~كتبنا له كل شيء من المواعظ وتفصيل الأحكام، وإلى هذا ذهب غير واحد من
~~المعربين، وهو مشعر بأن { من } مزيدة لا تبعيضية، وفي زيادتها في
~~الإثبات كلام، قيل: ولم تجعل إبتدائية حالا من موعظة و { موعظة }
~~مفعول به لأنه ليس له كبير معنى، ولم تجعل موعظة مفعول له وإن استوفى
~~شرائطه لأن الظاهر عطف { تفصيلا } عن { موعظة } ، وظاهر أنه لا
~~معنى لقولك كتبنا له من كل شيء لتفصيل كل شيء، وأما جعله عطفا على محل
~~الجار والمجرور فبعيد من جهة اللفظ والمعنى. والطيبي اختار هذا العطف
~~وأن { من } تبعيضية و { موعظة } وحدها بدل، والمعنى كتبنا بعض كل
~~شيء في الألواح من نحو السور والآيات وغيرهما موعظة وكتبنا فيها تفصيل كل
~~شيء يحتاجون إليه من الحلال والحرام ونحو ذلك، وفي ذلك اختصاص الإجمال
~~والتفصيل بالموعظة للإيذان بأن الاهتمام بهذا أشد والعناية بها أتم،
~~ولكونها كذلك كثر مدح النبي صلى الله عليه وسلم بالبشير النذير، وإشعار
~~بأن الموعظة مما يجب أن يرجع إليه في كل أمر يذكر به، ألا يرى إلى أن
~~أكثر الفواصل التنزيلية والردود على هذا النمط نحو

# أفلا تتقون

# [الأعراف: 65]

# أفلا تتذكرون

# [الأنعام: 80] وإلى سورة الرحمن كيف أعيد فيها ما أعيد وذلك ليستأنف
~~السامع به ادكارا واتعاظا ويجدد تنبيها واستيقاظا، وأنت تعلم أن
~~البعد الذي أشرنا إليه باق على حاله، وقوله سبحانه: { لكل شىء }
~~إما متعلق بما عنده أو بمحذوف كما قال السمين وقع صفة له.

# واختلف في عدد الألواح وفي جوهرها ومقدارها وكاتبها فقيل كانت عشرة
~~ألواح، وقيل: سبعة، وقيل: لوحين، قال الزجاج: ويجوز أن يقال في اللغة
~~للوحين ألواح وأنها كانت ms03342 من زمرد أخضر، أمر الرب تعالى جبريل عليه السلام
~~فجاء بها من عدن، وروي ذلك عن مجاهد، وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج قال:
~~أخبرت أن الألواح كانت من زبرجد، وعن سعيد بن جبير قال: كانوا يقولون
~~إنها كانت من ياقوتة وأنا أقول: إنها كانت من زمرد، وأخرج ابن أبي حاتم
~~وغيره عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
~~قال:

# " الألواح التي أنزلت على موسى كانت من سدر الجنة كان طول اللوح اثني
~~عشر ذراعا "

# وعن الحسن أنها كانت من خشب نزلت من السماء، وأن طول كل عشرة أذرع،
~~وقيل: أمر الله تعالى موسى عليه السلام بقطعها من صخرة صماء لينها له
~~فقطعها بيده وشققها بأصابعه ولا يخفى أن أمثال هذا يحتاج إلى النقل
~~الصحيح وإلا فالسكوت أولى إذ ليس في الآية ما يدل عليه، والمختار عندي
~~أنها من خشب السدر إن صح السند إلى سلسلة الذهب، والمشهور عن ابن جريج أن
~~كاتبها جبريل عليه السلام كتبها بالقلم الذي كتب به الذكر، والمروي عن
~~علي كرم الله تعالى وجهه ومجاهد وعطاء وعكرمة وخلق كثير أن الله تعالى
~~كتبها بيده وجاء أنها كتبت وموسى عليه السلام يسمع صريف الأقلام التي
~~كتبت بها وهو المأثور عن الأمير كرم الله تعالى وجهه. وجاء عن ابن عمر
~~رضي الله تعالى عنهما أنه قال: خلق الله تعالى آدم بيده وخلق جنة عدن
~~بيده وكتب التوراة بيده، ثم / قال لأشياء كوني فكانت، وأخرج عبد بن حميد
~~عن وردان بن خالد قال: خلق الله تعالى آدم بيده وخلق جبريل بيده وخلق
~~القلم بيده وخلق عرشه بيده وكتب الكتاب الذي عنده لا يطلع عليه غيره بيده
~~وكتب التوراة بيده وهذا كله من قبيل المتشابه، وفي بعض الآثار أنها كتبت
~~قبل الميقات وأنزلت على ما قيل وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منه في سنة
~~لم يقرأها إلا أربعة نفر موسى ويوشع وعزير وعيسى عليهم السلام. ومما كتب
~~فيها كما أخرج ms03343 ابن أبي حاتم عن ابن عباس ذكر النبي صلى الله عليه وسلم
~~وذكر أمته وما ادخر لهم عنده وما يسر عليهم في دينهم وما وسع عليهم فيما
~~أحل لهم حتى إنه جاء أن موسى عليه السلام عجب من الخير الذي أعطاه الله
~~تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته وتمنى أن يكون منهم.

# وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في «الحلية» وغيرهما عن جابر بن عبد الله
~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " كان فيما أعطى الله تعالى موسى في الألواح يا موسى لا تشرك بي شيئا
~~فقد حق القول مني لتلفحن وجوه المشركين النار، واشكر لي ولوالديك أقك
~~المتالف وأنسئك في عمرك وأحيك حياة طيبة وأقلبك إلى خير منها، ولا تقتل
~~النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق فتضيق عليه الأرض برحبها والسماء
~~بأقطارها وتبوء بسخطي والنار، ولا تحلف باسمي كاذبا ولا آثما فإني لا
~~أطهر ولا أزكي من لم ينزهني ويعظم أسمائي، ولا تحسد الناس على ما أعطيتهم
~~من فضلي ولا تنفس عليه نعمتي ورزقي فإن الحاسد عدو نعمتي راد لقضائي ساخط
~~لقسمتي التي أقسم بين عبادي ومن يكون كذلك فلست منه وليس مني، ولا تشهد
~~بما لم يع سمعك ويحفظ عقلك ويعقد عليه قلبك فإني واقف أهل الشهادات على
~~شهاداتهم يوم القيامة ثم سائلهم عنها سؤالا حثيثا، ولا تزن ولا تسرق،
~~ولا تزن بحليلة جارك فأحجب عنك وجهي وتغلق عنك أبواب السماء، وأحب للناس
~~ما تحب لنفسك، ولا تذبحن لغيري فإني لا أقبل من القربان إلا ما ذكر عليه
~~اسمي وكان خالصا لوجهي، وتفرغ لي يوم السبت وفرغ لي نفسك وجميع أهل بيتك
~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى جعل السبت لموسى
~~عليه السلام عيدا، واختار لنا الجمعة فجعلها عيدا "

# { فخذها بقوة } أي بجد وحزم قاله ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما، والجملة على إضمار القول عطفا على { كتبنا } وحذف القول كثير
~~مطرد، والداعي لهذا التقدير كما قال العلامة الثاني ms03344 رعاية المناسبة
~~لكتبنا له لأنه جاء على الغيبة، ولو كان بدله كتبنا لك لم يحتج إلى
~~تقدير، وأما حديث عطف الإنشاء على الإخبار فلا ضير فيه لأنه يجوز إذا كان
~~بالفاء. وقيل: هو بدل من قوله سبحانه:

# فخذ ما ءاتيتك

# [الأعراف: 144] وضعف بأن فيه الفصل بأجنبي وهو جملة { وكتبنا }
~~المعطوفة على جملة

# قال

# [الأعراف: 144] وهو تفكيك للنظم والضمير المنصوب للألواح أو لكل شيء
~~فإنه بمعنى الأشياء والعموم لا يكفي في عود ضمير الجماعة بدون تأويله
~~بالجمع، وجوز عوده للتوراة بقرينة السياق، والقائل بالبدلية جعله عادا
~~إلى الرسالات؛ والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالا من الفاعل أي
~~ملتبسا بقوة، وجوز أن يكون حالا من المفعول أي ملتبسة بقوة براهينها،
~~والأول أوضح، وأن يكون صفة مفعول مطلق أي أخذا بقوة.

# { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } أي أحسنها فالباء
~~زائدة كما في قوله:

# سود المحاجر لا يقرأن بالسور

# ويحتمل أن تكون بالباء أصلية وهو الظاهر، وحينئذ فهي إما متعلقة بيأخذوا
~~بتضمينه معنى يعملوا أو هو من الأخذ بمعنى السيرة، ومنه أخذ أخذهم أي سار
~~سيرتهم وتخلق / بخلائقهم كما نقول وإما متعلقة بمحذوف وقع حالا ومفعول {
~~يأخذوا } محذوف أي أنفسهم كما قيل، والظاهر أنه مجزوم في جواب الأمر
~~فيحتاج إلى تأويل لأنه لا يلزم من أمرهم أخذهم، أي إن تأمرهم ويوفقهم
~~الله تعالى يأخذوا، وقيل: بتقدير لام الأمر فيه بناء على جواز ذلك بعد
~~أمر من القول أو ما هو بمعناه كما هنا، وإضافة أفعل التفضيل هنا عند غير
~~واحد كإضافته في زيد أحسن الناس وهي على المشهور محضة على معنى اللام،
~~وقيل: إنها لفظية ويوهم صنيع بعضهم أنها على معنى في وليس به؛ والمعنى
~~بأحسن الأجزاء التي فيها، ومعنى أحسنيتها اشتمالها على الأحسن كالصبر
~~فإنه أحسن بالإضافة إلى الانتصار، أي مرهم يأخذوا بذلك على طريق الندب
~~والحث على الأفضل كقوله تعالى:

# واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم

# [الزمر: 55] أو المعنى بأحسن أحكامها والمراد به الواجبات فإنها أحسن من
~~المندوبات والمباحات أو هي والمندوبات على ما ms03345 قيل فإنها أحسن من
~~المباحات. وقيل: إن الأحسن بمعنى البالغ في الحسن مطلقا لا بالإضافة وهو
~~المأمور به ومقابله المنهي عنه، وإلى هذا يشير كلام الزجاج حيث قال:
~~أمروا بالخير ونهوا عن الشر وعرفوا ما لهم وما عليهم فقيل: { وأمر
~~قومك } الخ فافعل نظيره في قولهم: الصيف أحر من الشتاء فإنه بمعنى
~~الصيف في حره أبلغ من الشتاء في برده إذ تفضيل حرارة الصيف على حرارة
~~الشتاء غير مرادة بلا شبهة ويقال هنا: المأمور به أبلغ في الحسن من
~~المنهي عنه في القبح.

# وتفصيل ما في المقام على ما ذكره الدماميني في «تعليقه على المصابيح»
~~ونقله عنه الشهاب أن لأفعل أربع حالات. إحداها: وهي الحالة الأصلية أن
~~يدل على ثلاثة أمور: الأول: اتصاف من هو له بالحدث الذي اشتق منه وبهذا
~~كان وصفا، الثاني: مشاركة مصحوبة في تلك الصفة، الثالث: مزية موصوفه على
~~مصحوبه فيها، وبكل من هذين الأمرين فارق غيره من الصفات، وثانيتها: أن
~~يخلع عنه ما امتاز به من الصفات ويتجرد للمعنى الوصفي، وثالثتها: أن تبقى
~~عليه معانيه الثلاثة ولكن يخلع عنه قيد المعنى الثاني ويخلفه قيد آخر،
~~وذلك أن المعنى الثاني وهو الاشتراك كان مقيدا بتلك الصفة التي هي
~~المعنى الأول فيصير مقيدا بالزيادة التي هي المعنى الثالث، ألا ترى أن
~~المعنى في قولهم العسل أحلى من الخل أن للعسل حلاوة وأن تلك الحلاوة ذات
~~زيادة وأن زيادة حلاوة العسل أكثر من زيادة حموضة الخل، وقد قال ذلك ابن
~~هشام في «حواشي التسهيل» وهو بديع جدا، ورابعتها: أن يخلع عنه المعنى
~~الثاني وهو المشاركة وقيد المعنى الثالث وهو كون الزيادة على مصاحبه
~~فيكون للدلالة على الاتصاف بالحدث وعلى زيادة مطلقة لا مقيدة وذلك في نحو
~~يوسف أحسن إخوته انتهى.

# وعدم اشتراك المأمور به والمنهي عنه في الحسن المراد مما لا شبهة فيه
~~وإن كان الحسن مطلقا كما في «البحر» مشتركا فإن المأمور به أحسن من حيث
~~الامتثال وترتب الثواب عليه والمنهي عنه حسن باعتبار الملاذ والشهوة.
~~وقال ms03346 قطرب كما نقله عنه محي السنة: المعنى يأخذوا بحسنها وكلها حسن، وهو
~~ظاهر في حمل أفعل على الحالة الثانية، وقيل: المعنى يأخذوا بها وأحسن صلة
~~وليس له من القبول عائد.

# وقال الجبائي: المراد يأخذوا بالناسخ دون المنسوخ، وقيل: الأخذ بالأحسن
~~هو أن تحمل الكلمة المحتملة لمعنيين أو لمعان على أشبه محتملاتها بالحق
~~وأقربها للصواب، ولا ينبغي أن يحمل الأخذ على الشروع كما في قولك أخذ زيد
~~يتكلم أي شرع في الكلام، والأحسن على العقائد فيكون المراد أمرهم ليشرعوا
~~بالتحلي بالعقائد الحقة وهي لكونها أصول الدين وموقوفة عليها صحة الأعمال
~~أحسن من غيرها من الفروع وهو متضمن لأمرهم بجميع ما فيها كما لا يخفى فإن
~~أخذ / بالمعنى المعنى من أفعال الشروع ليس هذا استعمالها المعهود في
~~كلامهم على أن فيه بعد ما فيه، ومثل هذا كون ضمير أحسنها عائدا إلى قوة
~~على معنى مرهم يأخذوها بأحسن قوة وعزيمة فيكون أمرا منه سبحانه أن
~~يأمرهم بأخذها كما أمره به ربه سبحانه إلا أنه تعالى اكتفى في أمره عن
~~ذكر الأحسن بما أشار إليه التنوين فإن ذلك خلاف المأثور المنساق إلى
~~الفهم مع أنا لم نجد في كلامهم أحسن قوة ومفعول { يأخذوا } عليه
~~محذوف كما في بعض الاحتمالات السابقة غير أنه فرق ظاهر بين ما هنا وما
~~هناك.

# { سأوريكم دار الفسقين } توكيد لأمر القوم بالأخذ
~~بالأحسن وبعث عليه على نهج الوعيد والترهيب بناء على ما روي عن قتادة
~~وعطية العوفي من أن المراد بدار الفاسقين دار فرعون وقومه بمصر ورأى
~~بصرية، وجوز أن تكون علمية والمفعول الثالث محذوف أي سأريكم إياها خاوية
~~على عروشها لتعتبروا وتجدوا ولا تهاونوا في امتثال الأمر ولا تعملوا
~~أعمال أهلها ليحل بكم ما حل بهم، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وحسن
~~موقعه قصد المبالغة في الحث وفي وضع الإراءة موضع الاعتبار إقامة السبب
~~مقام المسبب مبالغة أيضا كقوله تعالى:

# قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عقبة
~~المجرمين

# [النمل: 69] وفي وضع دار الفاسقين موضع أرض مصر الإشعار ms03347 بالعلية
~~والتنبيه على أن يحترزوا ولا يستنوا بسنتهم من الفسق، والسين للاستقبال
~~لأن ذلك قبل الرجوع إلى مصر كما في «الكشف» وقال الكلبي: المراد بدار
~~الفاسقين منازل عاد وثمود والقرون الذين هلكوا، وعن الحسن وعطاء أن
~~المراد بها جهنم، وأيا ما كان فالكلام على النهج الأول أيضا، ويجوز أن
~~يكون على نهج الوعد والترغيب بناء على ما روي عن قتادة أيضا من أن
~~المراد بدار الفاسقين أرض الجبابرة والعمالقة بالشام فإنها مما أبيح لبني
~~إسرائيل وكتب لهم حسبما ينطق به قوله عز وجل:

# ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله
~~لكم

# [المائدة: 21] ومعنى الإراءة الإدخال بطريق الإيراث، ويؤيده قراءة بعضهم
~~{ سأورثكم } ، وجوز على هذا أن يراد بالدار مصر، وفي الكلام على هذه
~~القراءة وإرادة أرض مصر من الدار تغليب لأن المعنى سأورثك وقومك أرض مصر،
~~ولا يصح ذلك عليها إذا أريد من الدار أرض الجبابرة بناء على أن موسى
~~عليه السلام لم يدخلها وإنما دخلها يوشع مع القوم بعد وفاته عليه السلام،
~~ويصح بناء على القول بأن موسى عليه السلام دخلها ويوشع على مقدمته، وجوز
~~اعتبار التغليب على القراءة المشهورة أيضا، وقرأ الحسن { سأوريكم } بضم
~~الهمزة وواو ساكنة وراء خفيفة مكسورة وهي لغة فاشية في الحجاز، والمعنى
~~سأبين لكم ذلك وأنوره على أنه من أوريت الزند، واختار ابن جني في تخريج
~~هذه القراءة ولعله الأظهر أنها على الإشباع كقوله:

# من حيثما سلكوا أدنو فأنظور

### || [7.146]

# { سأصرف عن ءايتي الذين يتكبرون في الأرض }
~~استئناف مسوق على ما قال شيخ الإسلام لتحذيرهم عن التكبر الموجب لعدم
~~التفكر في الآيات التي كتبت في ألواح التوراة المتضمنة للمواعظ والأحكام
~~أو ما يعمها وغيرها من الآيات التكوينية التي من جملتها ما وعدوا إراءته
~~من دار الفاسقين، ومعنى صرفهم عنها منعهم بالطبع على قلوبهم فلا يكادون
~~يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها لإصرارهم على ما هم عليه من التكبر والتجبر
~~كقوله سبحانه:

# فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم

# [الصف: 5] أي سأطبع على قلوب الذين يعدون أنفسهم كبراء ويرون ms03348 أن لهم
~~ارتفاعا في العالم السفلي ومزية على الخلق فلا ينتفعون بآياتي ولا
~~يغتنمون مغانم آثارها فلا تسلكوا مسلكهم فتكونوا / أمثالهم، وقيل: هو
~~جواب سؤال مقدر ناشىء من الوعد بإدخال أرض الجبابرة والعمالقة على أن
~~المراد بالآيات ما تلي آنفا ونظائره وبالصرف عنها إزالة المتكبرين عن
~~مقام معارضتها وممانعتها لوقوع أخبارها وظهور أحكامها وآثارها بإهلاكهم
~~على يد موسى أو يوشع عليهما السلام، كأنه قيل: كيف ترى دارهم وهم فيها؟
~~فقيل لهم: سأهلكهم، وإنما عدل إلى الصرف ليزدادوا ثقة بالآيات واطمئنانا
~~بها؛ وعلى هذين القولين يكون الكلام مع موسى عليه السلام، والآية متعلقة
~~إما بقوله سبحانه:

# سأوريكم

# [الأعراف:145] وإما بما تقدمه على الوجه الذي أشير إليه آنفا، وجوز
~~الطيبي كونها متصلة بقوله تعالى:

# وأمر

# [الأعراف: 145] الخ على معنى الأمر كذلك؛ وأما الإرادة فإني سأصرف عن
~~الأخذ بآياتي أهل الطبع والشقاوة، وقيل: الكلام مع كافري مكة والآية
~~متصلة بقوله عز شأنه:

# أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها

# [الأعراف: 100] الآية، وإيراد قصة موسى عليه السلام وفرعون للاعتبار أي
~~سأصرف المتكبرين عن إبطال الآيات وإن اجتهدوا كما فعل فرعون فعاد عليه
~~فعله بعكس ما أراد، وقيل: إن الآية على تقدير كون الكلام مع قوم رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم اعتراض في خلاف ما سيق للاعتبار ومن حق من ساق
~~قصة له أن ينبه على مكانه كلما وجد فرصة التمكن منه، وتقديم الجار
~~والمجرور على المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى
~~المؤخر مع أن في المؤخر نوع طول يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الجليل،
~~واحتج بالآية بعض أصحابنا على أن الله تعالى قد يمنع عن الإيمان ويصد عنه
~~وهو ظاهر على تقدير أن يراد بالصرف المنع عن الإيمان وليس بمتعين كما
~~علمت، وقد خاض المعتزلة في تأويلها فأولوها بوجوه ذكرها الطبرسي.

# { بغير الحق } إما صلة للتكبر على معنى يتكبرون ويتعززون بما
~~ليس بحق وهو دينهم الباطل وظلمهم المفرط أو متعلق بمحذوف هو حال من فاعله
~~أي يتكبرون ملتبسين بغير الحق ومآله ms03349 يتكبرون غير محقين لأن التكبر بحق
~~ليس إلا لله تعالى كما في الحديث القدسي الذي أخرجه أبو داود عن أبي
~~هريرة رضي الله تعالى عنه

# " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما قذفته في
~~النار ".

# وقيل: المراد أنهم يتكبرون على من لا يتكبر كالأنبياء عليهم السلام لأنه
~~الذي يكون بغير حق، وأما التكبر على المتكبر فهو بحق لما في الأثر
~~«التكبر على المتكبر صدقة»، وأنت تعلم أن هذا صورة تكبر لا تكبر حقيقة
~~فلعل مراد هذا القائل: إن التقييد بما ذكر لإظهار أنهم يتكبرون حقيقة.

# { وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها } عطف على {
~~يتكبرون } داخل معه في حكم الصلة، والمراد بالآية إما المنزلة
~~فالمراد برؤيتها مشاهدتها والإحساس بها بسماعها أو ما يعمها وغيرها من
~~المعجزات، فالمراد برؤيتها مطلق المشاهدة المنتظمة للسماع والإبصار، وفسر
~~بعضهم الآيات فيما تقدم بالمنصوبة في الآفاق والأنفس، والآية هنا
~~بالمنزلة أو المعجزة لئلا يتوهم الدور على ما قيل فليفهم، وجوز أن يكون
~~عطفا على { سأصرف } للتعليل على منوال قوله سبحانه:

# ولقد ءاتينا داوود وسليمن علما وقالا الحمد
~~لله

# [النمل: 15] على رأي صاحب «المفتاح»، وأيا ما كان فالمراد عموم النفي
~~لا نفي العموم أي كفروا بكل آية آية { وإن يروا سبيل الرشد
~~} أي طريق الهدى والسداد { لا يتخذوه سبيلا } أي لا يتوجهون
~~إليه ولا يسلكونه أصلا لاستيلاء الشيطنة عليهم. وقرأ حمزة. والكسائي {
~~الرشد } بفتحتين، وقرىء { الرشاد } وثلاثها لغات كالسقم والسقم والسقام،
~~وفرق / أبو عمرو كما قال الجبائي بين الرشد والرشد بأن الرشد بالضم
~~الصلاح في الأمر والرشد بالفتح الاستقامة في الدين، والمشهور عدم الفرق {
~~وإن يروا سبيل الغي } أي طريق الضلال { يتخذوه
~~سبيلا } أي يختارونه لأنفسهم مسلكا مستمرا لا يكادون يعدلون عنه
~~لموافقته لأهوائهم وإفضائه بهم إلى شهواتهم.

# { ذلك } أي المذكور من التكبر وعدم الإيمان بشيء من الآيات وإعراضهم
~~عن سبيل الهدى وإقبالهم التام إلى سبيل الضلال حاصل { بأنهم } أي
~~بسبب أنهم { كذبوا بايتنا } الدالة على بطلان ما اتصفوا به
~~من القبائح وعلى حقية ms03350 أضدادها { وكانوا عنها غفلين } غير
~~معتدين بها فلا يتفكرون فيها وإلا لما فعلوا ما فعلوا من الأباطيل، وجوز
~~غير واحد أن يكون ذلك إشارة إلى الصرف، وما فيه من البحث يدفع بأدنى
~~عناية كما لا يخفى على من مدت إليه العناية أسبابها، وأيا ما كان فاسم
~~الإشارة مبتدأ والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبرا عنه كما أشرنا
~~إليه. وقيل: محل اسم الإشارة النصب على المصدر أي سأصرفهم ذلك الصرف بسبب
~~تكذيبهم بآياتنا وغفلتهم عنها، ولا مانع من كون العامل أصرف المقدم لأن
~~الفاصل ليس بأجنبي.

### || [7.147]

# { والذين كذبوا بأيتنا ولقاء الأخرة } أي
~~لقائهم الدار الآخرة على أنه من إضافة المصدر إلى المفعول وحذف الفاعل أو
~~لقائهم ما وعده الله تعالى في الآخرة من الجزاء على أن الإضافة إلى الظرف
~~على التوسع. والمفعول مقدر كالفاعل ومحل الموصول في الاحتمالين الرفع على
~~الابتداء، وقوله تعالى: { حبطت أعملهم } خبره أي ظهر بطلان
~~أعمالهم التي كانوا عملوها من صلة الأرحام وإغاثة الملهوفين بعدما كانت
~~مرجوة النفع على تقدير إيمانهم بها، وحاصله أنهم لا ينتفعون بأعمالهم
~~وإلا فهي أعراض لا تحبط حقيقة { هل يجزون } أي لا يجزون يوم
~~القيامة. { إلا ما كانوا يعملون } أي إلا جزاء ما استمروا
~~على عمله من الكفر والمعاصي وتقدير هذا المضاف لظهور أن المجزي ليس نفس
~~العمل، وقيل: إن أعمالهم تظهر في صور ما يجزون به فلا حاجة إلى التقدير،
~~وهذه الجملة مستأنفة، وقيل: هي الخبر والجملة السابقة في موضع الحال
~~بإضمار قد.

# واحتجت الأشاعرة على ما قيل بهذه الآية على فساد قول أبي هاشم أن تارك
~~الواجب يستحق العقاب وإن لم يصدر عنه فعل الضد لأنها دلت على أنه لا جزاء
~~إلا على عمل وترك الواجب ليس به. وأجاب أبو هاشم بأني لا أسمي ذلك العقاب
~~جزاء، ورد بأن الجزاء ما يجزي أي يكفي في المنع عن المنهي عنه والحث على
~~المأمور به والعقاب على ترك الواجب كاف في الزجر عن ذلك الترك فكان جزاء.

### || [7.148]

# { واتخذ قوم موسى ms03351 من بعده } أي من بعد ذهابه إلى الجبل
~~لمناجاة ربه سبحانه { من حليهم } جمع حلي كثدي وثدي وهو ما يتخذ
~~للزينة ويتحلى به من الذهب والفضة، والجار والمجرور متعلق باتخذ كمن بعده
~~من قبله ولا ضير في ذلك لاختلاف معنى الجارين فإن الأول للابتداء والثاني
~~للتبعيض، وقيل: للابتداء أيضا، وتعلقه بالفعل بعد تعلق الأول به
~~واعتباره معه، وقيل: الجار الثاني متعلق بمحذوف وقع حالا مما بعده إذ لو
~~تأخر لكان صفة له، وإضافة الحلي إلى ضمير القوم لأدنى ملابسة لأنها كانت
~~للقبط فاستعاروها منهم قبيل الغرق فبقيت في أيديهم وقيل: إنها على ما
~~يتبادر منها بناء على أن القوم ملكوها بعد أن ألقاها البحر على الساحل
~~بعد غرق القبط أو بعد أن استعاروها منهم وهلكوا. قال الإمام: روي أنه
~~تعالى لما أراد إغراق فرعون وقومه لعلمه أنه لا يؤمن أحد منهم أمر موسى
~~عليه السلام بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط ليخرجوا خلفهم لأجل المال
~~أو لتبقى أموالهم في أيديهم.

# واستشكل ذلك بكونه أمرا بأخذ مال الغير بغير حق، وإنما يكون غنيمة بعد
~~الهلاك مع أن الغنائم لم تكن حلالا لهم لقوله صلى الله عليه وسلم:

# " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي أحلت لي الغنائم "

# الحديث على أن ما نقل عن القوم في سورة طه [87] من قولهم:

# حملنآ أوزارا من زينة القوم

# يقتضي عدم الحل أيضا. وأجيب بأن ذلك أن تقول: إنهم لما استعبدوهم بغير
~~حق واستخدموهم وأخذوا أموالهم وقتلوا أولادهم ملكهم الله تعالى أرضهم وما
~~فيها، فالأرض لله تعالى يورثها من يشاء من عباده، وكان ذلك بوحي من الله
~~تعالى لا على طريق الغنيمة، ويكون ذلك على خلاف القياس وكم في الشرائع
~~مثله، والقول المحكي سيأتي إن شاء الله تعالى ما فيه، وهذه الجملة كما
~~قال الطيبي عطف على قوله سبحانه:

# ووعدنا موسى

# [الأعراف: 142] عطف قصة على قصة. وقرأ حمزة والكسائي { حليهم } بكسر
~~الحاء اتباعا لكسر اللام كدلي وبعض { حليهم } على الأفراد.

# وقوله سبحانه: { عجلا } مفعول { اتخذ } بمعنى صاغ ms03352 وعمل، أخر عن
~~المجرور لما مر آنفا، وقيل: إن { واتخذ } متعد إلى اثنين وهو بمعنى
~~صير والمفعول الثاني محذوف أي إلها، والعجل ولد البقر خاصة وهذا كما
~~يقال لولد الناقة حوار ولولد الفرس مهر ولولد الحمار جحش ولولد الشاة حمل
~~ولولد العنز جدي ولولد الأسد شبل ولولد الفيل دغفل ولولد الكلب جرو ولولد
~~الظبي خشف ولولد الأروية غفر ولولد الضبع فرعل ولولد الدب ديسم ولولد
~~الخنزير خنوص ولولد الحية حربش ولولد النعام رأل ولولد الدجاجة فروج
~~ولولد الفأر درص ولولد الضب حسل إلى غير ذلك، والمراد هنا ما هو على صورة
~~العجل.

# وقوله تعالى: { جسدا } بدل من { عجلا } أو عطف بيان أو نعت له
~~بتأويل متجسدا، وفسر ببدن ذي لحم ودم، قال الراغب: الجسد كالجسم لكنه
~~أخص منه، وقيل: إنه يقال لغير الإنسان من خلق الأرض ونحوه، ويقال أيضا
~~لما له لون والجسم لما لا يبين له لون كالهواء، ومن هنا على ما قيل قيل
~~للزعفران الجساد ولما أشبع صبغه من الثياب مجسد، وجاء المجسد أيضا بمعنى
~~الأحمر، وبعض فسر الجسد به هنا فقال: أي أحمر من ذهب.

# { له خوار } هو صوت البقر خاصة كالثغار للغنم واليعار للمعز
~~والنبيب للتيس والنباح للكلب والزئير للأسد والعواء والوعوعة للذئب
~~والضباح للثعلب والقباع للخنزير والمؤاء للهرة، والنهيق والسحيل للحمار
~~والصهيل والضبح والقنع والحنحمة للفرس والرغاء للناقة والصني للفيل
~~والبتغم للظبي والضعيب للأرنب والعرار للظليم والصرصرة للبازي والعقعقة
~~للصقر والصفير للنسر والهدير للحمام والسجع للقمري والسقسقة للعصفور
~~والنعيق والنعيب للغراب والصقاء والزقاء للديك والقوقاء والنقيقة للدجاجة
~~والفحيح للحية والنقيق للضفدع والصيء للعقرب والفأرة والصرير للجراد إلى
~~غير ذلك. وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ { جؤار } بجيم مضمومة
~~وهمزة، وهو الصوت الشديد، ومثله الصياح / والصراخ. والجار والمجرور متعلق
~~بمحذوف وقع خبرا مقدما و { خوار } مبتدأ، والجملة في موضع النعت
~~لعجلا.

# روي أن السامري لما صاغ العجل ألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل عليه
~~السلام فصار حيا، وذكر بعضهم في سر ذلك ms03353 أن جبريل عليه السلام لكونه
~~الروح الأعظم سرت قوة منه إلى ذلك التراب أثرت ذلك الأثر بإذن الله تعالى
~~لأمر يريده عز وجل، ولا يلزم من ذلك أن يحيا ما يطؤه بنفسه عليه السلام
~~لأن الأمر مربوط بالإذن وهو إنما يكون بحسب الحكم التي لا يعلمها إلا
~~الحكيم الخبير فتدبر. وإلى القول بالحياة ذهب كثير من المفسرين، وأيد بأن
~~الخوار إنما يكون للبقر لا لصورته، وبأن ما سيأتي إن شاء الله تعالى في
~~سورة طه [88] كالصريح فيما دل عليه الخبر. وقال جمع من مفسري المعتزلة:
~~إن العجل كان بلا روح وكان السامري قد صاغه مجوفا ووضع في جوفه أنابيب
~~على شكل مخصوص وجعله في مهب الريح فكانت تدخل في تلك الأنابيب فيسمع لها
~~صوت يشبه خوار العجل ولذلك سمي خوارا. وما في طه سيأتي إن شاء الله
~~تعالى الكلام فيه.

# واختلف في هذا الخوار فقيل: كان مرة واحدة، وقيل: كان مرات كثيرة،
~~وكانوا كلما خار سجدوا له وإذا سكت رفعوا رؤوسهم. وعن السدي أنه كان يخور
~~ويمشي. وعن وهب نفي الحركة، والآية ساكتة عن إثباتها، وليس في الأخبار ما
~~يعول عليه فالتوقف عن إثبات المشي أولى، وليست هذه المسألة من المهمات،
~~وإنما نسب الاتخاذ إلى قوم موسى عليه السلام وهو فعل السامري لأنهم رضوا
~~به وكثيرا ما ينسب الفعل إلى قوم مع وقوعه من واحد منهم فيقال: قتل بنو
~~فلان قتيلا والقاتل واحد منهم، وقيل: لأن المراد اتخاذهم إياه إلها،
~~فالمعنى صيروه إلها وعبدوه، وحينئذ لا تجوز في الكلام لأن العبادة له
~~وقعت منهم جميعا.

# قال الحسن: كلهم عبدوا العجل إلا هارون عليه السلام، واستثنى آخرون غيره
~~معه، وعلى القول الأول قيل: لا بد من تقدير فعبدوه ليكون ذلك مصب الإنكار
~~لأن حرمة التصوير حدثت في شرعنا على المشهور ولأن المقصود إنكار عبادته.

# { ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم
~~سبيلا } تقريع لهم وتشنيع على فرط ضلالهم وإخلالهم بالنظر، أي ألم
~~يروا أنه لا يقدر على ما يقدر عليه آحاد ms03354 البشر من الكلام وإرشاد السبيل
~~بوجه من الوجوه فكيف عدلوه بخالق الأجسام والقوى والقدر، وجعله بعضهم
~~تعريضا بالإله الحق وكلامه الذي لا ينفد وهدايته الواضحة التي لا تجحد،
~~وقيل: إنه تعريض بالله تعالى وبكلامه مع موسى عليه السلام وهدايته لقومه
~~{ اتخذوه } تكرار لجميع ما سلف من الاتخاذ على الوجه المخصوص
~~المشتمل على الذم، وهو من باب الكناية على أسلوب:

# أن يرى مبصر ويسمع واع

# أي أقدموا على ما أقدموا عليه من الأمر المنكر.

# { وكانوا ظلمين } اعتراض تذييلي أي إن دأبهم قبل ذلك الظلم
~~ووضع الأشياء في غير موضعها فليس ببدع منهم هذا المنكر العظيم، وكرر
~~الفعل ليبني عليه ذلك، وقيل: الجملة في موضع الحال أي اتخذوه في هذه
~~الحالة المستمرة لهم.

### || [7.149]

# { ولما سقط فى أيديهم } أي ندموا كما روي عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما، وجعله غير واحد كناية عن شدة الندم وغايته لأن النادم
~~إذا اشتد ندمه عض يده غما فتصير يده مسقوطا فيها، وأصله سقط فوه أو عضه
~~في يده أي وقع ثم حذف الفاعل وبنى الفعل للمفعول به فصار سقط في يده
~~كقولك: مر بزيد، وقرأ ابن السميقع { سقط } بالبناء للفاعل على الأصل،
~~واليد على ما ذكر حقيقة، وقال الزجاج: معناه سقط الندم في أنفسهم وجعل /
~~القطب ذلك من باب الاستعارة التمثيلية حيث شبه حال الندم في النفس بحال
~~الشيء في اليد في التحقيق والظهور ثم عبر عنه بالسقوط في اليد ولا لطف
~~للاستعارة التصريحية فيه، وقال الواحدي: إنه يقال لما يحصل وإن لم يكن في
~~اليد وقع في يده وحصل في يده مكروه فيشبه ما يحصل في النفس وفي القلب بما
~~يرى بالعين، وخصت اليد لأن مباشرة الأمور بها كقوله تعالى:

# ذلك بما قدمت يداك

# [الحج: 10] أو لأن الندم يظهر أثره بعد حصوله في القلب في اليد لعضها
~~والضرب بها على أختها ونحو ذلك فقد قال سبحانه في النادم:

# فأصبح يقلب كفيه

# [الكهف: 42]

# ويوم يعض الظلم

# [الفرقان: 27]، وقيل: من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ms03355 ويضع ذقنه على يده
~~بحيث لو أزالها سقط على وجهه فكأن اليد مسقوط فيها، و { في } بمعنى على،
~~وقيل: هو من السقاط وهو كثرة الخطأ، وقيل: من السقيط وهو ما يغشى الأرض
~~بالغدوات شبه الثلج لا ثبات له، فهو مثل لمن خسر في عاقبته ولم يحصل على
~~طائل من سعيه، وعد بعضهم سقط من الأفعال التي لا تتصرف كنعم وبئس. وقرأ
~~ابن أبي عبلة { اسقط } على أنه رباعي مجهول وهي لغة نقلها الفراء
~~والزجاج، وذكر بعضهم أن هذا التركيب لم يسمع قبل نزول القرآن، ولم تعرفه
~~العرب، ولم يوجد في أشعارهم وكلامهم فلذا خفي على الكثير وأخطأوا في
~~استعماله كأبي حاتم وأبي نواس، وهو العالم النحرير ولم يعلموا ذلك ولو
~~علموه لسقط في أيديهم.

# { ورأوا أنهم قد ضلوا } أي تبينوا ضلالهم باتخاذ العجل
~~وعبادته تبينا كأنهم قد أبصروه بعيونهم قيل: وتقديم ذكر ندمهم على هذه
~~الرؤية مع كونه متأخرا عنها للمسارعة إلى بيانه والإشعار بغاية سرعته
~~كأنه سابق على الرؤية. وقال القطب [الرازي] في بيان تأخير تبين الضلال عن
~~الندم مع كونه سابقا عليه: إن الانتقال من الجزم بالشيء إلى تبين الجزم
~~بالنقيض لا يكون دفعيا في الأغلب بل إلى الشك ثم الظن بالنقيض ثم الجزم
~~به ثم تبينه، والقوم كانوا جازمين بأن ما هم عليه صواب والندم عليه ربما
~~وقع لهم في حال الشك فيه فقد تأخر تبين الضلال عنه انتهى، فافهم ولا
~~تغفل.

# { قالوا لئن لم يرحمنا ربنا } بإنزال التوبة المكفرة {
~~ويغفر لنا } بالتجاوز عن خطيئتنا، وتقديم الرحمة على المغفرة مع
~~أن التخلية حقها أن تقدم على التحلية قيل: إما للمسارعة إلى ما هو
~~المقصود الأصلي وإما لأن المراد بالرحمة مطلق إرادة الخير بهم وهو مبدأ
~~لإنزال التوبة المكفرة لذنوبهم، واللام في { لئن } موطئة للقسم أي
~~والله لئن الخ، وفي قوله سبحانه: { لنكونن من الخسرين }
~~لجواب القسم كما هو المشهور. وقرأ حمزة والكسائي { ترحمنا
~~وتغفر لنا } بالتاء الفوقية و { ربنا } بالنصب على النداء؛
~~وما حكى عنهم من الندامة ms03356 والرؤية والقول كان بعد رجوع موسى عليه السلام
~~من الميقات كما ينطق به ما سيأتي إن شاء الله تعالى في طه [86]، وقدم
~~ليتصل ما قالوه بما فعلوه.

### || [7.150]

# { ولما رجع موسى إلى قومه غضبن } مما حدث منهم {
~~أسفا } أي شديد الغضب كما قال أبو الدرداء ومحمد القرظي وعطاء
~~والزجاج، أو حزينا على ما روي عن ابن عباس والحسن وقتادة رضي الله تعالى
~~عنهم، وقال أبو مسلم: الغضب والأسف بمعنى والتكرير للتأكيد. / وقال
~~الواحدي: هما متقاربان فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ممن
~~هو فوقك حزنت، فعلى هذا كان موسى عليه السلام غضبان على قومه باتخاذهم
~~العجل حزينا لأن الله تعالى فتنهم، وقد أخبره سبحانه بذلك قبل رجوعه،
~~ونصب الوصفين على أنهما حالان مترادفان أو متداخلان بأن يكون الثاني
~~حالا من الضمير المستتر في الأول، وجوز أبو البقاء أن يكون بدلا من
~~الحال الأولى وهو بدل كل لا بعض كما توهم.

# { قال بئسما خلفتموني من بعدي } خطاب إما لعبدة العجل
~~وإما لهارون عليه السلام ومن معه من المؤمنين أي بئسما ما فعلتم بعد
~~غيبتي حيث عبدتم العجل بعدما رأيتم مني من توحيد الله تعالى ونفي الشركاء
~~عنه سبحانه وإخلاص العبادة له جل جلاله، أو بئسما قمتم مقامي حيث لم
~~تراعوا عهدي ولم تكفوا العبدة عما فعلوا بعد ما رأيتم مني من حملهم على
~~التوحيد وكفهم عما طمحت نحوه أبصارهم من عبادة البقر حين قالوا

# اجعل لنا إلها كما لهم آلهة

# [الأعراف: 138] وجوز أن يكون على الخطاب للفريقين على أن المراد
~~بالخلافة الخلافة فيما يعم الأمرين اللذين أشير إليهما ولا تكرار في ذكر
~~{ من بعدي } بعد { خلفتموني } لأن المراد من بعد ولايتي وقيامي
~~بما كنت أقوم إذ بعديته على الحقيقة إنما تكون على ما قيل بعد فراقه
~~الدنيا، وقيل: إن { من بعدي } تأكيد من باب رأيته بعيني وفائدته تصوير
~~نيابة المستخلف ومزاولة سيرته كما أن هنالك تصوير الرؤية وما يتصل بها، و
~~(ما) نكرة موصوفة مفسرة لفاعل بئس ms03357 المستكن فيه والمخصوص بالذم محذوف أي
~~بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم، والذم فيما إذا كان الخطاب لهارون
~~عليه السلام ومن معه من المؤمنين ليس للخلافة نفسها بل لعدم الجري على
~~مقتضاها، وأما إذا كان للسامري وأشياعه فالأمر ظاهر.

# { أعجلتم أمر ربكم } أي أعجلتم عما أمركم به ربكم وهو
~~انتظار موسى عليه السلام حال كونهم حافظين لعهده وما وصاهم به فبنيتم
~~الأمر على أن الميعاد قد بلغ آخره ولم أرجع إليكم فحدثتم أنفسكم بموتي
~~فغيرتم. روي أن السامري قال لهم حين أخرج لهم العجل وقال: إن هذا إلهكم
~~وإله موسى إن موسى لن يرجع وإنه قد مات. وروي أنهم عدوا عشرين يوما
~~بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا.

# والمعروف تعدي (عجل) بعن لا بنفسه فيقال: عجل عن الأمر إذا تركه غير تام
~~ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره وضمنوه هنا معنى السبق وهو كناية عن
~~الترك فتعدى تعديته ولم يضمن ابتداء معنى الترك لخفاء المناسبة بينهما
~~وعدم حسنها. وذهب يعقوب إلى أن السبق معنى حقيقي له من غير تضمين، والأمر
~~واحد الأوامر. وعن الحسن أن المعنى أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من
~~الأربعين فالأمر عليه واحد الأمور والمراد بهذه الأربعين على ما ذكره
~~الطيبي غير الأربعين التي أشار الله تعالى إليها بقوله سبحانه:

# فتم ميقت ربه أربعين ليلة

# [الأعراف: 142] وسيأتي تتمة الكلام في ذلك قريبا إن شاء الله تعالى.

# { وألقى الألواح } أي وضعها على الأرض كالطارح لها ليأخذ برأس
~~أخيه مما عراه من فرط الغيرة الدينية وكان عليه السلام شديد الغضب لله
~~سبحانه، فقد أخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم أنه عليه السلام كان إذا غضب
~~اشتعلت قلنسوته نارا. وقال القاضي ناصر الدين [البيضاوي]: أي طرحها من
~~شدة الغضب وفرط الضجرة حمية للدين، ثم نقل أنه انكسر بعضها حين ألقاها،
~~واعترض عليه أفضل المتأخرين شيخ مشايخنا صبغة الله أفندي الحيدري بأن
~~الحمية للدين إنما تقتضي احترام كتاب الله تعالى وحمايته أن يلحق به نقص
~~أو هوان بحيث / تنكسر ms03358 ألواحه ثم قال: والصواب أن يقال: إنه عليه السلام
~~لفرط حميته الدينية وشدة غضبه لله تعالى لم يتمالك ولم يتماسك أن وقعت
~~الألواح من يده بدون اختيار فنزل ترك التحفظ منزلة الإلقاء الاختياري
~~فعبر به تغليظا عليه عليه السلام فإن حسنات الأبرار سيآت المقربين
~~انتهى. وتعقبه العلامة صالح أفندي الموصلي عليه الرحمة بأنه لا يخفى أن
~~هذا الإيراد إنما نشأ من جعل قول القاضي حمية للدين مفعولا له لطرحها
~~وهو غير صحيح، فقد صرح في أوائل «تفسيره» لسورة طه بأن الفعل الواحد لا
~~يتعدى لعلتين وإنما هو مفعول له لشدة الغضب وفرط الضجرة على سبيل
~~التنازع، والتوجيه الذي ذكر للآية هو ما أراده القاضي وتفسيره الإلقاء
~~بالطرح لا ينافي ذلك على ما لا يخفى ا ه.

# وأقول أنت تعلم أن كون هذا التوجيه هو ما أراده القاضي غير بين ولا مبين
~~على أن حديث كون التعبير بالإلقاء تغليظا عليه عليه السلام منحط عن درجة
~~القبول جدا إذ ليس في السباق ولا في السياق ما يقضي بكون المقام عتاب
~~موسى عليه السلام ليفتي بهذا التغليظ نظرا إلى مقامه صلى الله عليه وسلم
~~بل المقام ظاهر في الحط على قومه كما لا يخفى على من له أدنى حظ من رفيع
~~النظر، والذي يراه هذا الفقير ما أشرنا إليه أولا. وحاصله أن موسى عليه
~~السلام لما رأى من قومه ما رأى غضب غضبا شديدا حمية للدين وغيرة من
~~الشرك برب العالمين فعجل في وضع الألواح لتفرغ يده فيأخذ برأس أخيه فعبر
~~عن ذلك الوضع بالإلقاء تفظيعا لفعل قومه حيث كانت معاينته سببا لذلك
~~وداعيا إليه مع ما فيه من الإشارة إلى شدة غيرته وفرط حميته وليس في ذلك
~~ما يتوهم منه نوع إهانة لكتاب الله تعالى بوجه من الوجوه، وانكسار بعض
~~الألواح حصل من فعل مأذون فيه ولم يكن غرض موسى عليه السلام ولا مر بباله
~~ولا ظن ترتبه على ما فعل، وليس هناك إلا العجلة في الوضع الناشئة من
~~الغيرة لله تعالى، ms03359 ولعل ذلك من باب

# وعجلت إليك رب لترضى

# [طه: 84].

# واختلفت الروايات في مقدار ما تكسر ورفع، وبعضهم أنكر ذلك حيث أن ظاهر
~~القرآن خلافه. نعم أخرج أحمد وغيره وعبد بن حميد والبزار وابن أبي حاتم
~~وابن حبان والطبراني وغيرهم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم

# " يرحم الله تعالى موسى ليس المعاين كالمخبر أخبره ربه تبارك وتعالى أن
~~قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح فتكسر
~~منها ما تكسر "

# فتأمل ولا تغفل، وما روي عن ابن عباس أن موسى عليه السلام لما ألقى
~~الألواح رفع منها ستة أسباع وبقي سبع، وكذا ما روي عن غيره نحوه مناف لما
~~روي فيما تقدم من أن التوراة نزلت سبعين وقرا يقرأ الجزء منه في سنة لم
~~يقرأها إلا أربعة نفر: موسى ويوشع وعزير وعيسى عليهم السلام. وكذا لما
~~يذكر بعد من قوله تعالى:

# أخذ الألواح

# [الأعراف: 154] فإن الظاهر منه العهد. والجواب بأن الرفع لما فيها من
~~الخط دون الألواح خلاف الظاهر والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.

# { وأخذ برأس أخيه } أي بشعر رأس هارون عليه السلام لأنه الذي
~~يؤخذ ويمسك عادة ولا ينافي أخذه بلحيته كما وقع في سورة طه [94] أو أدخل
~~فيه تغليبا { يجره إليه } ظنا منه عليه السلام أنه قصر في
~~كفهم ولم يتمالك لشدة غضبه وفرط غيظه أن فعل ذلك وكان هارون أكبر من موسى
~~عليهما السلام بثلاث سنين إلا أن موسى أكبر منه مرتبة وله الرسالة
~~والرياسة استقلالا وكان هارون وزيرا له وكان عليه السلام حمولا لينا
~~جدا ولم يقصد موسى بهذا الأخذ إهانته والاستخفاف به بل اللوم الفعلي على
~~التقصير المظنون بحكم الرياسة وفرط الحمية، والقول بأنه عليه السلام إنما
~~أخذ رأس أخيه ليساره ويستكشف منه كيفية الواقعة مما يأباه / الذوق كما لا
~~يخفى على ذويه، ومثله القول بأنه إنما كان لتسكين هارون لما رأى به من
~~الجزع والقلق، وقال أبو علي الجبائي: إن موسى عليه السلام أجرى أخاه مجرى
~~نفسه ms03360 فصنع به ما يصنع الإنسان به عند شدة الغضب، وقال الشيخ المفيد من
~~الشيعة: إن ذلك للتألم من ضلال قومه وإعلامهم على أبلغ وجه عظم ما فعلوه
~~لينزجروا عن مثله ولا يخفى أن الأمر على هذا من قبيل:

# غيري جنى وأنا المعاقب فيكم

# فكأنني سبابة المتندم

# ولعل ما أشرنا إليه هو الأولى. وجملة { يجره } في موضع الحال من
~~ضمير موسى أو من رأس أو من أخيه لأن المضاف جزء منه وهو أحد ما يجوز فيه
~~ذلك، وضعفه أبو البقاء.

# { قال } أي هارون مخاطبا لموسى عليه السلام إزاحة لظنه { ابن أم
~~} بحذف حرف النداء لضيق المقام وتخصيص الأم بالذكر مع كونهما شقيقين على
~~الأصح للترقيق، وقيل: لأنها قامت بتربيته وقاست في تخليصه المخاوف
~~والشدائد، وقيل: إن هارون عليه السلام كانت آثار الجمال والرحمة فيه
~~ظاهرة كما ينبىء عنه قوله تعالى:

# ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا

# [مريم: 53] وكان مورده ومصدره ذلك، ولذا كان يلهج بذكر ما يدل على
~~الرحمة، ألا ترى كيف تلطف بالقوم لما قدموا على ما قدموا فقال:

# يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن

# [طه: 90] ومن هنا ذكر الأم ونسب إليها لأن الرحمة فيها أتم ولولاها ما
~~قدرت على تربية الولد وتحمل المشاق فيها وهو منزع صوفي كما لا يخفى،
~~واختلف في اسم أمهما عليهما السلام فقيل: محيانة بنت يصهر بن لاوى، وقيل:
~~يوحانذ، وقيل: يارخا، وقيل: يازخت، وقيل: غير ذلك، ومن الناس من زعم أن
~~لاسمها رضي الله تعالى عنها خاصية في فتح الأقفال وله رياضة مخصوصة عند
~~أرباب الطلاسم والحروف وما هي إلا رهبانية ابتدعوها ما أنزل الله تعالى
~~بها من كتاب. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم هنا وفي طه
~~[94] { ابن أم } بالكسر وأصله ابن أمي فحذفت الياء اكتفاء بالكسرة
~~تخفيفا كالمنادى المضاف إلى الياء. وقرأ الباقون بالفتح زيادة في
~~التخفيف أو تشبيها بخمسة عشر. { إن القوم } الذين فعلوا ما فعلوا
~~{ استضعفوني } أي استذلوني وقهروني ولم يبالوا بي لقلة أنصاري ms03361 {
~~وكادوا يقتلونني } وقاربوا قتلي حين نهيتهم عن ذلك؛ والمراد
~~أني بذلت وسعي في كفهم ولم آل جهدا في منعهم { فلا تشمت بي
~~الأعداء } أي فلا تفعل ما يشمتون بي لأجله فإنهم لا يعلمون سر فعلك،
~~والشماتة سرور العدو بما يصيب المرء من مكروه. وقرىء { فلا تشمت بي
~~الأعداء } بفتح حرف المضارعة وضم الميم ورفع الأعداء  حطهم الله تعالى 
~~وهو كناية عن ذلك المعنى أيضا على حد لا أرينك ههنا. والمراد من
~~الأعداء القوم المذكورون إلا أنه أقيم الظاهر مقام ضميرهم ولا يخفى سره {
~~ولا تجعلني مع القوم الظلمين } أي لا تجعلني
~~معدودا في عدادهم ولا تسلك بي سلوكك بهم في المعاتبة، أو لا تعتقدني
~~واحدا من الظالمين مع براءتي منهم ومن ظلمهم، فالجعل مثله في قوله
~~تعالى:

# وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن
~~إنثا

# [الزخرف: 19].

### || [7.151]

# { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية الاعتذار كأنه قيل فماذا
~~قال موسى عليه السلام عند اعتذار أخيه؟ فقيل: قال { رب اغفر لي }
~~ما فعلت بأخي قبل جلية الحال وحسنات الأبرار سيئات المقربين { ولأخي }
~~إن كان اتصف بما يعد ذنبا / بالنسبة إليه في أمر أولئك الظالمين، وفي
~~هذا الضم ترضية له عليه السلام ورفع للشماتة عنه، والقول بأنه عليه
~~السلام استغفر لنفسه ليرضي أخاه ويظهر للشامتين رضاه لئلا تتم شماتتهم به
~~ولأخيه للإيذان بأنه محتاج إلى الاستغفار حيث كان يجب عليه أن يقاتلهم لي
~~فيه توقف ولا يخفى وجهه. { وأدخلنا } جميعا. { في رحمتك }
~~الواسعة بمزيد الإنعام علينا، وهذا ما يقتضيه المقابلة بالمغفرة، والعدول
~~عن ارحمنا إلى ما ذكر { وأنت أرحم الرحمين } فلا غرو في
~~انتظامنا في سلك رحمتك الواسعة في الدنيا والآخرة، والجملة اعتراض تذييلي
~~مقرر لمضمون ما قبله، وادعى بعضهم أن فيه إشارة إلى أنه سبحانه استجاب
~~دعاءه وفيه خفاء.

### || [7.152]

# { إن الذين اتخذوا العجل } أي بقوا على اتخاذه واستمروا
~~عليه كالسامري وأشياعه كما يفصح عنه كون الموصول الثاني عبارة عن
~~التائبين فإن ذلك صريح في أن الموصول الأول عبارة عن المصرين ms03362 {
~~سينالهم } أي سيلحقهم ويصيبهم في الآخرة جزاء ذلك { غضب } عظيم
~~لا يقادر قدره مستتبع لفنون العقوبات لعظم جريمتهم وقبح جريرتهم { من
~~ربهم } أي مالكهم، والجار والمجرور متعلق بينالهم، أو بمحذوف وقع
~~نعتا لغضب مؤكدا لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة
~~الإضافية أي كائن من ربهم { وذلة } عظيمة { في الحياة
~~الدنيا } وهي على ما أقول: الذلة التي عرتهم عند تحريق إلههم ونسفه
~~في اليم نسفا مع عدم القدرة على دفع ذلك عنه، وقيل: هي ذلة الاغتراب
~~التي تضرب بها الأمثال والمسكنة المنتظمة لهم ولأولادهم جميعا، والذلة
~~التي اختص بها السامري من الانفراد عن الناس والابتلاء بلا مساس، وروي أن
~~بقاياهم اليوم يقولون ذلك وإذا مس أحدهم أحد غيرهم حما جميعا في الوقت،
~~ولعل ما ذكرناه أولى والرواية لم نر لها أثرا، وإيراد ما نالهم بالسين
~~للتغليب، وقيل: وإليه يشير كلام أبي العالية المراد بهم التائبون،
~~وبالغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم، وبالذلة إسلامهم أنفسهم لذلك
~~واعترافهم بالضلال، واعتذر عن السين بأن ذلك حكاية عما أخبر الله تعالى
~~به موسى عليه السلام حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل فإنه قال له:
~~{ سينالهم غضب } الخ فيكون سابقا على الغضب، وجعل الكلام جواب
~~سؤال مقدر وذلك أنه تعالى لما بين أن القوم ندموا على عبادتهم العجل
~~بقوله سبحانه:

# ولما سقط فى أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا

# [الأعراف: 149] والندم توبة ولذلك عقبوه بقولهم:

# لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا

# [الأعراف: 149] وذكر عتاب موسى لأخيه عليهما السلام ثم استغفاره اتجه
~~لسائل أن يقول: يا رب إلى ماذا يصير أمر القوم وتوبتهم واستغفار نبي
~~الله تعالى وهل قبل الله تعالى توبتهم؟ فأجاب { إن الذين
~~اتخذوا العجل سينالهم غضب } أي نقم قبل توبة موسى
~~وأخيه وغفر لهما خاصة وكان من تمام توبة القوم أن الله سبحانه أمرهم بقتل
~~أنفسهم فسلموها للقتل، فوضع الذين اتخذوا العجل موضع القوم إشعارا
~~بالعلية.

# وتعقب بأن سياق النظم الكريم وكذا سباقه ناب عن ذلك نبوا ظاهرا كيف لا
~~وقوله تعالى: { وكذلك ms03363 نجزى المفترين } ينادي على خلافه
~~فإنهم شهداء تائبون فكيف يمكن وصفهم بعد ذلك بالافتراء وأيضا ليس يجزي
~~الله تعالى كل المفترين بهذا الجزاء الذي ظاهره قهر وباطنه لطف ورحمة إلا
~~أن يقال: يكفي في صحة التشبيه وجود وجه الشبه في الجملة ولا بد من التزام
~~ذلك على الوجه الذي ذكرناه أيضا؛ وما ذكر في / تحرير السؤال والجواب مما
~~تمجه أسماع ذوي الألباب.

# وقال عطية العوفي: المراد سينال أولاد الذين عبدوا العجل وهم الذين
~~كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأريد بالغضب والذلة ما
~~أصاب بني النضير وقريظة من القتل والجلاء، أو ما أصابهم من ذلك ومن ضرب
~~الجزية عليهم، وفي الكلام على هذا حذف مضاف وهو الأولاد، ويحتمل أن لا
~~يكون هناك وهو من تعيير الأبناء بما فعل الآباء، ومثله في القرآن كثير.
~~وقيل: المراد بالموصول المتخذون حقيقة وبالضمير في ينالهم أخلافهم
~~وبالغضب الغضب الأخروي وبالذلة الجزية التي وضعها الإسلام عليهم أو الأعم
~~منها ليشمل ما ضربه بختنصر عليهم. وتعقب ذلك أيضا بأنه لا ريب في أن
~~توسيط حال هؤلاء في تضاعيف بيان حال المتخذين من قبيل الفصل بين الشجر
~~ولحائه، والمراد بالمفترين المفترون على الله تعالى، وافتراء أولئك عليه
~~سبحانه قول السامري في العجل

# هذآ إلهكم وإله موسى

# [طه: 88] ورضاهم به ولا أعظم من هذه الفرية ولعله لم يفتر مثلها أحد
~~قبلهم ولا بعدهم. وعن سفيان بن عيينة أنه قال: كل صاحب بدعة ذليل وتلا
~~هذه الآية.

### || [7.153]

# { والذين عملوا السيئات } أي سيئة كانت لعموم المغفرة
~~ولأنه لا داعي للتخصيص { ثم تابوا } عنها { من بعدها } أي من
~~بعد عملها وهو تصريح بما تقتضيه ثم { وءامنوا } أي واشتغلوا
~~بالإيمان وما هو مقتضاه وبه وتمامه من الأعمال الصالحة ولم يصروا على ما
~~فعلوا كالطائفة الأولى، وهو عطف على { تابوا } ، ويحتمل أن يكون حالا
~~بتقدير قد، وإيا ما كان فهو على ما قيل: من ذكر الخاص بعد العام
~~للاعتناء به لأن التوبة عن الكفر هي الإيمان فلا يقال: التوبة ms03364 بعد
~~الإيمان كيف جاءت قبله. وقيل: حيث كان المراد بالإيمان ما تدخل فيه
~~الأعمال يكون بعد التوبة. وقيل: المراد به هنا التصديق بأن الله تعالى
~~يغفر للتائب أي ثم تابوا وصدقوا بأن الله تعالى يغفر لمن تاب.

# { إن ربك من بعدها } أي من بعد التوبة المقرونة بما لا تقبل
~~بدونه وهو الإيمان، ولم يجعل الضمير للسيئات لأنه كما قال بعض المحققين
~~لا حاجة له بعد قوله سبحانه: { ثم تابوا من بعدها } لا لأنه
~~يحتاج إلى حذف مضاف ومعطوف من عملها والتوبة عنها لأنه لا معنى لكونه
~~بعدها إلا ذلك { لغفور } لذنوبهم وإن عظمت وكثرت { رحيم } مبالغ
~~في إفاضة فنون الرحمة عليهم، والموصول مبتدأ وجملة { إن ربك } الخ
~~خبر والعائد محذوف، والتقدير  عند أبي البقاء  لغفور لهم رحيم بهم،
~~والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره عليه الصلاة والسلام للتشريف،
~~وقيل: الخطاب للتائب، ولا يخفى لطف ذلك أيضا، وفي الآية إعلام بأن
~~الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفو الله تعالى وكرمه أعظم وأجل، وما ألطف قول
~~أبي نواس غفر الله تعالى له:

# يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة

# فلقد علمت بأن عفوك أعظم

# إن كان لا يرجوك إلا محسن

# فبمن يلوذ ويستجير المجرم

# ومما ينسب للإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه:

# ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي

# جعلت الرجا ربي لعفوك سلما

# تعاظمني ذنبي فلما قرنته

# بعفوك ربي كان عفوك أعظما

# / ويعجبني قول بعضهم: وما أولى هذا المذنب به:

# أنا مذنب أنا مخطىء أنا عاصي

# هو غافر هو راحم هو عافي

# قابلتهن ثلاثة بثلاثة

# وستغلبن أوصافه أوصافي

### || [7.154]

# { ولما سكت عن موسى الغضب } شروع في بيان بقية الحكاية
~~أثر ما بين تحزب القوم إلى مصر وتائب، والإشارة إلى مآل كل منهما
~~إجمالا، أي ولما سكت عنه الغضب باعتذار أخيه وتوبة القوم، وهذا صريح في
~~أن ما حكى عنهم من الندم وما يتفرع عليه كان بعد مجىء موسى عليه السلام،
~~وقيل: المراد ولما كسرت سورة غضبه عليه السلام وقل غيظه باعتذار أخيه
~~فقط لا ms03365 أنه زال غضبه بالكلية لأن توبة القوم ما كانت خالصة بعد، وأصل
~~السكوت قطع الكلام، وفي الكلام استعارة مكنية حيث شبه الغضب بشخص ناه آمر
~~وأثبت له السكوت على طريق التخييل، وقال السكاكي: إن فيه استعارة تبعية
~~حيث شبه سكون الغضب وذهاب حدته بسكون الآمر الناهي والغضب قرينتها، وقيل:
~~الغضب استعارة بالكناية عن الشخص الناطق والسكوت استعارة تصريحية لسكون
~~هيجانه وغليانه فيكون في الكلام مكنية قرينتها تصريحية لا تخييلية، وإيا
~~ما كان ففي الكلام مبالغة وبلاغة لا يخفى علو شأنهما، وقال الزجاج: مصدر
~~سكت الغضب السكتة ومصدر سكت الرجل السكوت وهو يقتضي أن يكون سكت الغضب
~~فعلا على حدة؛ وقيل ونسب إلى عكرمة: إن هذا من القلب وتقديره ولما سكت
~~موسى عن الغضب، ولا يخفى أن السكوت كان أجمل بهذا القائل إذ لا وجه لما
~~ذكره. وقرأ معاوية بن قرة { سكن } والمعنى على ذلك ظاهر إلا أنه على
~~قراءة الجمهور أعلى كعبا عند كل ذي طبع سليم وذوق صحيح، وقرىء { سكت }
~~بالبناء لما لم يسم فاعله والتشديد للتعدية و { أسكت } بالبناء لذلك
~~أيضا على أن المسكت هو الله تعالى أو أخوه أو التائبون.

# { أخذ الالواح } التي ألقاها { وفى نسختها } أي فيما نسخ
~~فيها وكتب، ففعلة بمعنى مفعول كالخطبة، والنسخ الكتابة، والإضافة بيانية
~~أو بمعنى في، وإلى هذا ذهب الجبائي وأبو مسلم وغيرهما، وقيل: معنى منسوخة
~~ما نسخ فيها من اللوح المحفوظ، وقيل: النسخ هنا بمعنى النقل، والمعنى
~~فيما نقل من الألواح المنكسرة. وروي عن ابن عباس وعمرو بن دينار أن موسى
~~عليه السلام لما ألقى الألواح فتكسر منها ما تكسر صام أربعين يوما فرد
~~عليه ما ذهب في لوحين وفيهما ما في الأول بعينه فكأنه نسخ من الأول {
~~هدى } أي بيان للحق عظيم { ورحمة } جليلة بالإرشاد إلى ما فيه
~~الخير والصلاح { للذين هم لربهم يرهبون } أي يخافون
~~أشد الخوف، واللام الأولى متعلقة بمحذوف وقع صفة لما قبله أو هي لام
~~الأجل أي هدى ورحمة لأجلهم، والثانية لتقوية عمل الفعل المؤخر ms03366 كما في
~~قوله سبحانه:

# إن كنتم للرؤيا تعبرون

# [يوسف: 43] أو هي لام العلة والمفعول محذوف أي يرهبون المعاصي لأجل ربهم
~~لا للرياء والسمعة، واحتمال تعلقها بمحذوف أي يخشون لربهم كما ذهب إليه
~~أبو البقاء بعيد.

### || [7.155]

# { واختار موسى قومه } تتمة لشرح أحوال بني إسرائيل، وقال
~~البعض: إنه شروع في بيان كيفية استدعاء التوبة وكيفية وقوعها {
~~واختار } يتعدى إلى اثنين ثانيهما مجرور بمن وقد حذفت هنا وأوصل
~~الفعل والأصل من قومه، ونحوه قول الفرزدق:

# / منا الذي اختير الرجال سماحة

# وجودا إذا هب الرياح الزعازع

# وقوله الآخر:

# فقلت له: اخترها قلوصا سمينة

# ونابا علا بامثل نابك في الحيا

# وقوله سبحانه: { سبعين رجلا } مفعول أول لاختار على المختار وأخر
~~عن الثاني لما مر مرارا، وقيل: بدل بعض من كل، ومنعه الأكثرون بناءا
~~على أن المبدل منه في نية الطرح والاختيار لا بد له من مختار ومختار منه
~~وبالطرح يسقط الثاني، وجوزه أبو البقاء على ضعف ويكون التقدير سبعين
~~منهم، وقيل: هو عطف بيان.

# { لميقتنا } ذهب أبو علي وأبو مسلم وغيرهما من مفسري السنة
~~والشيعة إلى أنه الميقات الأول وهو الميقات الكلامي قالوا: إنه عليه
~~السلام اختار لذلك من اثني عشر سبطا من كل سبط ستة حتى تتاموا اثنين
~~وسبعين فقال عليه السلام: ليتخلف منكم رجلان فتشاحوا فقال: لمن قعد منكم
~~مثل أجر من خرج فقعد كالب ويوشع، وروي أنه لم يصب إلا ستين شيخا فأوحى
~~الله تعالى أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخا، وقيل:
~~كانوا أبناء ما عدا العشرين ولم يتجاوزوا الأربعين فذهب عنهم الجهل
~~والصبا فأمرهم موسى عليه السلام أن يصوموا ويتطهروا ويتطهروا ثيابهم ثم
~~خرج بهم إلى طور سيناء فلما دنا من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى
~~الجبل كله ودنا موسى ودخل فيه، وقال للقوم: ادنوا فدنوا حتى إذا دخلوا
~~الغمام وقعوا سجدا فسمعوه وهو سبحانه يكلم موسى يأمره وينهاه افعل ولا
~~تفعل ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه فطلبوا الرؤية فوعظهم وكان ما كان،
~~وذهب آخرون وهو ms03367 المروي عن الحسن إلى أنه غير الميقات الأول قالوا: إن
~~الله سبحانه أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في أناس من بني إسرائيل
~~يعتذرون إليه من عبادة العجل فاختار من اختاره فلما أتوا الطور قالوا ما
~~قالوا، وروي ذلك عن السدي، وعن ابن إسحاق أنه عليه السلام إنما اختارهم
~~ليتوبوا إلى الله تعالى ويسألوه التوبة على من تركوا وراءهم من قومهم.
~~ورجح ذلك الطيبي مدعيا أن الأول خلاف نظم الآيات وأقوال المفسرين. أما
~~الأول فلما قال الإمام: ((إنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية ثم
~~أتبعها بقصة العجل وما يتصل بها فظاهر الحال أن تكون هذه القصة مغايرة
~~للمتقدمة إذ لا يليق بالفصاحة ذكر بعض القصة ثم النقل إلى أخرى ثم الرجوع
~~إلى الأولى وإنه اضطراب يصان عنه كلامه تعالى))، وأيضا ذكر في الأولى
~~خرور موسى عليه السلام صعقا، وفي الثانية قوله بعد أخذ الرجفة: { لو
~~شئت أهلكتهم } ، وأيضا لو كانت الرجفة بسبب طلب الرؤية لقيل:
~~أتهلكنا بما قال السفهاء وضم إليه الطيبي أنه تعالى حيث ذكر صاعقتهم لم
~~يذكر صعق موسى عليه السلام وبالعكس فدل على التغاير، وأما الثاني فلما
~~نقل عن السدي مما ذكرناه آنفا، وتعقب ما ذكر في الترجيح أولا صاحب
~~«الكشف» بأن الإنصاف أن المجموع قصة واحدة في شأن ما من على بني
~~إسرائيل بعد إنجائهم من تحقيق وعد إيتاء الكتاب وضرب ميقاته وعبادة العجل
~~وطلب الرؤية كان في تلك الأيام، وفي ذلك الشأن فالبعض مربوط بالبعض بقي
~~إيثار هذا الأسلوب وهو بين لأن الأول في شأن الامتنان عليهم وتفضيلهم كيف
~~وقد عطف

# وعدنا

# [الأعراف: 142] على

# أنجينكم

# [الأعراف: 141] وقد بين أنه تبيين للتفضيل، وتعقيب حديث الرؤية مستطرد
~~للفرق بين الطلبين عندنا وليلقمهم الحجر عند المعتزلي. والثاني في شأن
~~جنايتهم بعد ذلك الإحسان البالغ باتخاذ العجل والملاحة والافتراق من
~~لوازم النظم، وتعقب ما ذكر فيه ثانيا بأن قول السدي وحده لا يصلح ردا
~~كيف وهذا يخالف ما نقله محي السنة في قوله سبحانه: / { لو شئت
~~أهلكتهم ms03368 } إنهم كانوا له وزراء مطيعين فاشتد عليه عليه السلام
~~فقدهم فرحمهم وخاف عليهم الفوت وأين

# لن نؤمن لك

# [البقرة: 55] من الطاعة وحسن الاستئزار قال: ثم الظاهر من قوله تعالى:

# فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصعقة
~~بظلمهم ثم اتخذوا العجل

# [النساء: 153] إن اتخاذ العجل متأخر عن مقالتهم تلك خلاف ما نقل عن
~~السدي والحمل على تراخي الرتبة لا بد له من سند كيف ولا ينافي التراخي
~~الزماني فلا بد من دليل يخصه به، هذا وقد اعترف المفسرون في سورة طه بأنه
~~اختار سبعين لميقات الكلام ذكروه في قوله تعالى:

# وما أعجلك عن قومك يموسى

# [طه: 83] وما اعتذر عنه الطيبي بأن اختيار السبعين كان مرتين وليس في
~~النقل أنهم كانوا معه عند المكالمة وطلب الرؤية فظاهر للمنصف سقوطه
~~انتهى.

# وذكر القطب في توهين ما نقل عن السدي بأن الخروج للاعتذار إن كان بعد
~~قتل أنفسهم ونزول التوبة فلا معنى للاعتذار، وإن كان قبل قتلهم فالعجب من
~~اعتذار ثمرته قتل الأنفس، ثم قال: ولا ريب أن قصة واحدة تتكرر في القرآن
~~يذكر في سورة بعضها، وفي أخرى بعض أخر وليس ذلك إلا لتكرار اعتبار
~~المعتبرين بشيء من تلك القصة فإذا جاز ذكر قصة في سور متعددة في كل سورة
~~شيء منها فلم لا يجوز ذلك في مواضع من سورة واحدة لتكرر الاعتبار ا ه،
~~وهو ظاهر في ترجيح ما ذهب إليه الأولون، وأنا أقول: إن القول بأن هذا
~~الميقات هو الميقات الأول ليس بعاطل من القول وبه قال جمع كما أشرنا
~~إليه، وكلامنا في البقرة ظاهر فيه إلا أن الإنصاف أن ظاهر النظم هنا
~~يقتضي أنه غيره وما ذكره صاحب «الكشف» لا يقتضي أنه ظاهر في خلافه، وإلى
~~القول بالغيرية ذهب جل من المفسرين.

# فقد أخرج عبد بن حميد من طريق أبي سعد عن مجاهد أن موسى عليه السلام
~~خرج بالسبعين من قومه يدعون الله تعالى ويسألونه أن يكشف عنهم البلاء فلم
~~يستجب لهم فعلم موسى أنهم أصابوا من المعصية ما أصاب قومهم، ms03369 قال أبو سعد:
~~فحدثني محمد بن كعب القرظي أنه لم يستجب لهم من أجل أنهم لم ينهوهم عن
~~المنكر ولم يأمروهم بالمعروف.

# وأخرج عبد بن حميد عن الفضل بن عيسى بن أخي الرقاشي أن بني إسرائيل
~~قالوا ذات يوم لموسى عليه السلام ألست ابن عمنا ومنا وتزعم أنك كلمت رب
~~العزة؟ فإنا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فلما أبوا إلا ذلك أوحى الله
~~تعالى إلى موسى أن اختر من قومك سبعين رجلا فاختار سبعين خيرة ثم قال
~~لهم: اخرجوا فلما برزوا جاءهم ما لا قبل لهم به الخبر. وهو ظاهر في أن
~~هذا الميقات ليس هو الأول. نعم إنه مخالف لما روي عن السدي لكنهما متفقان
~~على القول بالغيرية ويوافق السدي في ذلك الحسن أيضا فليس هو متفردا
~~بذلك كما ظنه صاحب «الكشف»، وما ذكره من مخالفة كلام السدي لما نقله محي
~~السنة في حيز المنع، وقوله: فإنا لن نؤمن لك الخ يظهر جوابه مما ذكرناه
~~في البقرة عند هذه الآية من الاحتمالات، والقول بأن الاختيار كان مرتين
~~غير بعيد وبه قال بعضهم، وما ذكره القطب من الترديد في الخروج للاعتذار
~~ظاهر بعض الروايات عن السدي يقتضي تعين الشق الأول منه. فقد أخرج ابن
~~أبي حاتم عنه أنه قال: انطلق موسى إلى ربه فكلمه فلما كلمه قال:

# ما أعجلك عن قومك يموسى

# [طه: 83] فأجابه موسى بما أجابه فقال سبحانه:

# فإنا قد فتنا قومك

# [طه: 85] الآية فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا فأبى الله تعالى أن
~~يقبل توبتهم إلا بالحال التي كرهوا ففعلوا ثم أن الله تعالى أمر موسى
~~عليه السلام أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون من عبادة العجل
~~فوعدهم موعدا فاختار موسى سبعين / رجلا الخ وهو كما ترى ظاهر فيما
~~قلناه، والقول بأنه لا معنى للاعتذار بعد قتل أنفسهم ونزول التوبة أجيب
~~عنه بأن المعنى يحتمل أن يكون طلبا لزيادة الرضى واستنزال مزيد الرحمة،
~~ويحتمل أن يكونوا أمروا بذلك تأكيدا للإيذان بعظم الجناية وزيادة فيه ms03370
~~وإشارة إلى أنه بلغ مبلغا في السوء لا يكفي في العفو عنه قتل الأنفس بل
~~لا بد فيه مع ذلك الاعتذار، ويمكن أن يقال إنه كان قبل قتلهم أنفسهم:
~~والسر في أنهم أمروا به أن يعلموا أيضا عظم الجناية على أتم وجه بعدم
~~قبوله والله تعالى أعلم.

# { فلما أخذتهم الرجفة } أي الصاعقة أو رجفة الجبل فصعقوا
~~منها والكثير على أنهم ماتوا جميعا ثم أحياهم الله تعالى، وقيل: غشي
~~عليهم ثم أفاقوا وذلك لأنهم قالوا:

# لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة

# [البقرة: 55] على ما في بعض الروايات أو ليتحقق عند القائلين ذلك من
~~قومهم مزيد عظمته سبحانه على ما في البعض الآخر منها، أو لمجرد التأديب
~~على ما في خبر القرظي، والظاهر أن قولهم: { لن نؤمن } الخ صدر منهم
~~في ذلك المكان لا بعد الرجوع كما قيل: ونقلناه في البقرة وحينئذ يبعد
~~على ما قيل القول بأن هذا الميقات هو الميقات الأول لأن فيه طلب موسى
~~عليه السلام الرؤية بعد كلام الله تعالى له من غير فصل على ما هو الظاهر
~~فيكون هذا الطلب بعده، وبعيد أن يطلبوا ذلك بعد أن رأوا ما وقع لموسى
~~عليه السلام. وما أخرجه ابن أبي الدنيا وابن جرير وغيرهما عن علي كرم
~~الله تعالى وجهه أنه قال: لما حضر أجل هارون أوحى الله تعالى إلى موسى
~~عليه السلام أن انطلق أنت وهارون وابنه إلى غار في الجبل فإنا قابضو روحه
~~فانطلقوا جميعا فدخلوا الغار فإذا سرير فاضطجع عليه موسى ثم قام عنه
~~فقال: ما أحسن هذا المكان يا هارون فاضطجع عليه هارون فقبض روحه فرجع
~~موسى وابن أخيه إلى بني إسرائيل حزينين فقالوا له: أين هارون؟ قال مات.
~~قالوا: بل قتلته كنت تعلم أنا نحبه فقال لهم: ويلكم أقتل أخي وقد سألته
~~الله تعالى وزيرا ولو أني أردت قتله أكان ابنه يدعني. قالوا بلى: قتلته
~~حسدا، قال: فاختاروا سبعين رجلا فانطلق بهم فمرض رجلان في الطريق فخط
~~عليهما خطا فانطلق هو وابن هارون وبنو ms03371 إسرائيل حتى انتهوا إلى هارون
~~فقال: يا هارون من قتلك؟ قال: لم يقتلني أحد ولكني مت قالوا: ما تعصى يا
~~موسى ادع لنا ربك يجعلنا أنبياء فأخذتهم الرجفة فصعقوا وصعق الرجلان
~~اللذان خلفوا وقام موسى عليه السلام يدعو ربه فأحياهم الله تعالى فرجعوا
~~إلى قومهم أنبياء لا يكاد يصح فيما أرى لتظافر الآثار بخلافه وإباء ظواهر
~~الآيات عنه.

# { قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل } عرض للعفو السابق
~~لاستجلاب العفو اللاحق يعني أنك قدرت على إهلاكهم قبل ذلك بحمل فرعون على
~~إهلاكهم وبإغراقهم في البحر وغيرهما فترحمت عليهم ولم تهلكهم فارحمهم
~~الآن كما رحمتهم من قبل جريا على مقتضى كرمك وإنما قال: { وإيي }
~~تسليما منه وتواضعا، وقيل: أراد بقوله: { من قبل } حين فرطوا في
~~النهي عن عبادة العجل وما فارقوا عبدته حين شاهدوا إصرارهم عليها أي لو
~~شئت إهلاكهم بذنوبهم إذ ذاك وإياي أيضا حين طلبت منك الرؤية، وقيل: حين
~~قتل القبطي لأهلكتنا، وقيل: هو تمن منه عليه السلام للإهلاك جميعا بسبب
~~محبته أن لا يرى ما يرى من مخالفتهم له مثلا أو بسبب آخر وفيه دغدغة.

# { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } من العناد وسوء
~~الأدب أو من عبادة العجل، والهمزة إما لإنكار وقوع الإهلاك ثقة بلطف الله
~~عز وجل كما قال ابن الأنباري أو / للاستعطاف كما قال المبرد أي لا
~~تهلكنا، وإيا ما كان فهو من مقول موسى عليه السلام كالذب قبله، وقول
~~بعضهم: كان ذلك قاله بعضهم غير ظاهر ولا داعي إليه، والقول بأن الداعي ما
~~فيه من التضجر الذي لا يليق بمقام النبوة لا يخفى ما فيه، ولعل مراد
~~القائل بذلك أن هذا القول من موسى عليه السلام يشبه قول أحد السبعين
~~فكأنه قاله على لسانهم لأنهم الذين أصيبوا بما أصيبوا به دونه فافهم.

# { إن هى إلا فتنتك } استئناف مقرر لما قبله واعتذار عما وقع
~~منهم و (إن) نافية وهي للفتنة المعلومة للسياق أي ما الفتنة إلا فتنتك أي
~~محنتك وابتلاؤك حيث أسمعتهم كلامك فطمعوا في رؤيتك ms03372 واتبعوا القياس في غير
~~محله أو أوجدت في العجل خوارا فزاغوا به. أخرج ابن أبي حاتم عن راشد بن
~~سعد أن الله تعالى لما قال لموسى عليه السلام: إن قومك اتخذوا عجلا جسدا
~~له خوار قال: يا رب فمن جعل فيه الروح؟ قال: أنا قال: فأنت أضللتهم يا رب
~~قال: يا رأس النبيين يا أبا الحكماء إني رأيت ذلك في قلوبهم فيسرته لهم،
~~ولعل هذا إشارة إلى الاستعداد الأزلي الغير المجعول. وقيل: الضمير راجع
~~على { الرجفة } أي ما هي إلا تشديدك التعبد والتكلف علينا بالصبر
~~على ما أنزلته بنا، وروي هذا عن الربيع وابن جبير وأبي العالية، وقيل:
~~الضمير لمسألة الإراءة وإن لم تذكر.

# { تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء } استئناف مبين لحكم
~~الفتنة، وقيل: حال من المضاف إليه أو المضاف أي تضل بسببها من تشاء
~~إضلاله بالتجاوز عن الحد أو باتباع المخايل أو بنحو ذلك وتهدي من تشاء
~~هداه فيقوى بها إيمانه، وقيل: المعنى تصيب بهذه الرجفة من تشاء وتصرفها
~~عمن تشاء، وقيل: تضل بترك الصبر على فتنتك وترك الرضا بها من تشاء عن نيل
~~ثوابك ودخول جنتك وتهدي بالرضا لها والصبر عليها من تشاء وهو كما ترى.

# { أنت ولينا } أي أنت القائم بأمورنا الدنيوية والأخروية لا غيرك
~~{ فاغفر لنا } ما يترتب عليه مؤاخذتك { وارحمنا } بإفاضة آثار
~~الرحمة الدنيوية والأخروية علينا، والفاء لترتيب الدعاء على ما قبله من
~~الولاية لأن من شأن من يلي الأمور ويقوم بها دفع الضر وجلب النفع، وقدم
~~طلب المغفرة على طلب الرحمة لأن التخلية أهم من التحلية، وسؤال المغفرة
~~لنفسه عليه السلام في ضمن سؤالها لمن سألها له مما لا ضير فيه وإن لم
~~يصدر منه نحو ما صدر منه كما لا يخفى، والقول بأن إقدامه عليه السلام على
~~أن يقول: { إن هى إلا فتنتك } جرأة عظيمة فطلب من الله تعالى
~~غفرانها والتجاوز عنها مما يأباه السوق عند أرباب الذوق، ولا أظن أن الله
~~تعالى عد ذلك ذنبا منه ليستغفره عنه، وفي ندائه ms03373 السابق ما يؤيد ذلك.

# { وأنت خير الغفرين } إذ كل غافر سواك إنما يغفر لغرض
~~نفساني كحب الثناء ودفع الضرر وأنت تغفر لا لطلب عوض ولا غرض بل لمحض
~~الفضل والكرم، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبل، وتخصيص المغفرة
~~بالذكر لأنها الأهم. وفسر بعضهم ما ذكر بغفران السيئة وتبديلها بالحسنة
~~ليكون تذييلا لاغفر وارحم معا.

### || [7.156]

# { واكتب لنا } أي أثبت واقسم لنا { فى هذه الدنيا }
~~التي عرانا فيها ما عرانا { حسنة } حياة طيبة وتوفيقا للطاعة. وقيل:
~~ثناءا جميلا وليس بجميل، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد
~~اقبل وفادتنا وردنا بالمغفرة والرحمة { وفي الأخرة } أي واكتب لنا
~~أيضا في الآخرة حسنة وهي المثوبة الحسنى والجنة. قيل: إن هذا كالتأكيد
~~لقوله: اغفر وارحم { إنا هدنا إليك } أي تبنا إليك من هاد
~~يهود إذا رجع / وتاب كما قال:

# إني امرىء مما جنيت هائد

# ومن كلام بعضهم:

# يا راكب الذنب هدهد

# واسجد كأنك هدهد

# وقيل: معناه مال، وقرأ بن علي رضي الله تعالى عنهما { هدنا } بكسر الهاء
~~من هاد يهيد إذا حرك، وأخرج ابن المنذر وغيره عن أبي وجرة السعدي أنه
~~أنكر الضم وقال: والله لا أعلمه في كلام أحد من العرب وإنما هو هدنا
~~بالكسر أي ملنا وهو محجوج بالتواتر، وجوز على هذه القراءة أن يكون الفعل
~~مبنيا للفاعل والمفعول بمعنى حركنا أنفسنا أو حركنا غيرنا، وكذا على
~~قراءة الجماعة، والبناء للمفعول عليها على لغة من يقول: عود المريض، ولا
~~بأس بذلك إذا كان الهود بمعنى الميل سوى أن تلك لغة ضعيفة، وممن جوز
~~الأمرين على القراءتين الزمخشري وتعقبه السمين بأنه متى حصل الالتباس وجب
~~أن يؤتى بحركة تزيله فيقال: عقت إذا عاقك غيرك بالكسر فقط أو الإشمام إلا
~~أن سيبويه جوز في نحو قيل الأوجه الثلاثة من غير احتراز، والجملة تعليل
~~لطلب المغفرة والرحمة، وتصديرها بحرف التحقيق لإظهار كمال النشاط والرغبة
~~في مضمونها { قال } استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال الله تعالى له
~~بعد دعائه؟ فقيل: قال { عذابى أصيب به ms03374 من أشاء } أي شأني
~~أصيب بعذابي من أشاء تعذيبه من غير دخل لغيري فيه. وقرأ الحسن وعمرو
~~الأسود { من أساء } بالسين المهملة ونسبت إلى زيد بن علي رضي الله تعالى
~~عنهما وأنكر بعضهم صحتها.

# { ورحمتى وسعت كل شىء } أي شأنها أنها واسعة تبلغ كل شيء
~~ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في الدنيا بنعمتي،
~~وفي نسبة الإصابة إلى العذاب بصيغة المضارع ونسبة السعة إلى الرحمة بصيغة
~~الماضي إيذان بأن الرحمة مقتضى الذات وأما العذاب فمقتضى معاصي العباد،
~~والمشيئة معتبرة في جانب الرحمة أيضا، وعدم التصريح بها قيل: تعظيما
~~لأمر الرحمة، وقيل: للإشعار بغاية الظهور، ألا ترى إلى قوله تعالى: {
~~فسأكتبها } فإنه متفرع على اعتبار المشيئة كما لا يخفى، كأنه قيل:
~~فإذا كان الأمر كذلك أي كما ذكر من إصابة عذابي وسعة رحمتي لكل من أشاء
~~فسأثبتها إثباتا خاصا { للذين يتقون } أي الكفر والمعاصي أما
~~ابتداء أو بعد الملابسة { ويؤتون الزكوة } المفروضة عليهم في
~~أموالهم وقيل المعنى يطيعون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والظاهر
~~خلافه، وتخصيص إيتاء الزكاة بالذكر مع اقتضاء التقوى له للتعريض بقوم
~~موسى عليه السلام لأن ذلك كان شاقا عليهم لمزيد حبهم للدنيا، ولعل الصلاة
~~إنما لم تذكر مع إنافتها على سائر العبادات وكونها عماد الدين اكتفاء
~~منها بالاتقاء الذي هو عبارة عن فعل الواجبات بأسرها وترك المنهيات عن
~~آخرها { والذين هم بئايتنا } كلها كما يفيده الجمع المضاف
~~{ يؤمنون } إيمانا مستمرا من غير إخلال بشيء منها، وتكرير الموصول
~~مع أن المراد به عين ما أريد بالموصول الأول دون أن يقال ويؤمنون بآياتنا
~~عطفا على ما قبله كما سلك في سابقه قيل: لما أشير إليه من القصر بتقديم
~~الجار والمجرور أي هم بجميع آياتنا يؤمنون لا ببعضها دون بعض، وفيه تعرض
~~بمن آمن ببعض وكفر ببعض كقوم موسى عليه السلام.

# واختلف في توجيه هذا الجواب فقال شيخ الإسلام: ((لعل الله تعالى حين جعل
~~توبة عبدة العجل بقتلهم أنفسهم (وكان الكلام الذي أطمع ms03375 السبعين في الرؤية
~~في ذلك) ضمن موسى عليه السلام دعاءه التخفيف والتيسير حيث قال: {
~~واكتب لنا فى هذه الدنيا حسنة } أي خصلة حسنة عارية
~~عن المشقة والشدة فإن في القتل من العذاب الشديد ما لا يخفى فأجابه
~~سبحانه بأن عذابي أصيب به من أشاء وقومك ممن تناولته مشيئتي ولذلك جعلت
~~توبتهم مشوبة بالعذاب الدنيوي ورحمتي وسعت كل شيء وقد نال قومك نصيب منها
~~في ضمن العذاب الدنيوي وسأكتب الرحمة خالصة غير مشوبة بالعذاب الدنيوي))
~~كما دعوت لمن صفتهم كيت وكيت لا لقومك لأنهم ليسوا كذلك فيكفيهم ما قدر
~~لهم من الرحمة وإن كانت مقارنة العذاب، وعلى هذا فموسى عليه السلام لم
~~يستجب له سؤاله في قومه ومن الله تعالى بما سأله على من آمن بمحمد صلى
~~الله عليه وسلم.

# وفي بعض الآثار أنه عليه السلام لما أجيب بما ذكر قال: أتيتك يا رب بوفد
~~من بني إسرائيل فكانت وفادتنا لغيرنا. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~دعا موسى ربه سبحانه فجعل دعاءه لمن آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام
~~واتبعه، وفي رواية أخرى رواها جمع عنه سأل موسى ربه مسألة فاعطاها محمدا
~~صلى الله عليه وسلم وتلا الآية، لكن لا يخفى أن ما قرره هذا الشيخ بعيد.
~~وقال صاحب الكشف في ذلك: كأنه لما سأل موسى عليه السلام لنفسه ولقومه خير
~~الدارين أجيب بأن عذابي لغير التائبين ان شئت ورحمتي الدنيوية تعم
~~التائب وغيره وأما الجمع بين الرحمتين فهو للمستعدين فإن تاب من دعوت لهم
~~وثبتوا كأعقابهم نالتهم الرحمة الخاصة الجامعة وأثر فيهم دعاؤك وإن
~~داوموا على ما هم فيه بعدوا عن القبول، والغرض ترغيبهم على الثبات على
~~التوبة والعمل الصالح وتحذيرهم عن المعاودة عما فرط منهم مع التخلص إلى
~~ذكر النبي صلى الله عليه وسلم والحث على اتباعه أحسن تخلص وحث يحير
~~الألباب ويبدي للمتأمل فيه العجب العجاب، وإلى بعض هذا يشير كلام
~~الزمخشري.

# وقال العلامة الطيبي في توجيهه: إن هذا الجواب وارد على الأسلوب الحكيم،
~~وقوله سبحانه: { عذابي ms03376 } الخ كالتمهيد للجواب، والجواب {
~~فسأكتبها } الخ، وذلك أن موسى عليه السلام طلب الغفران والرحمة
~~والحسنة في الدارين لنفسه ولأمته خاصة بقوله: { واكتب لنا } وعلله
~~بقوله: { إنا هدنا إليك } فأجابه الرب سبحانه بأن تقييدك
~~المطلق ليس من الحكمة فإن عذابي من شأنه أنه تابع لمشيئتي فأمتك لو
~~تعرضوا لما اقتضت الحكمة تعذيب من باشره لا ينفعهم دعاؤك لهم وإن رحمتي
~~من شأنها أن تعم في الدنيا الخلق صالحهم وطالحهم مؤمنهم وكافرهم فالحسنة
~~الدنيوية عامة فلا تختص بأمتك فتخصيصها تحجير للواسع وأما الحسنة
~~الأخروية فهي للموصوفين بكذا وكذا، وجعل { فسأكتبها } كالقول
~~بالموجب لأنه عليه السلام طلب ما طلب وجعل العلة ما جعل فضم الله تعالى
~~ما ضم، يعني أن الذي يوجب اختصاص الحسنتين معا هذه الصفات المتعددة لا
~~التوبة المجردة، ثم ذكر أن ترتيب هذا على ما قبله بالفاء على منوال قوله
~~تعالى جوابا عن قول إبراهيم عليه السلام:

# ومن ذريتى قال لا ينال عهدي الظلمين

# [البقرة: 124] وأيد هذا التقرير بما روي عن الحسن وقتادة وسعت رحمته في
~~الدنيا البر والفاجر وهي يوم القيامة للمتقين خاصة ا ه ما أريد منه.

# وما ذكره من حديث التحجر في القلب منه شيء فإن الظاهر أن ما في دعاء
~~موسى عليه السلام ليس منه وإنما التحجر في مثل ما أخرجه أحمد. وأبو داود
~~عن جندب عن عبد الله البجلي قال: «جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها وصلى
~~خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نادى اللهم ارحمني ومحمدا ولا تشرك
~~في رحمتنا أحدا فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام:

# " لقد حظرت رحمة واسعة إن الله خلق مائة رحمة فأنزل رحمة يتعاطف بها
~~الخلق جنها وانسها وبهائمها وعنده تسعة وتسعون ".

# وأنا أقول: / قد يقال: إن موسى عليه السلام إنما طلب على أبلغ وجه
~~المغفرة والرحمة الدنيوية والأخروية له ولقومه وتعليل ذلك بالتوبة مما لا
~~شك في صحته، ولا يفهم من كلامه عليه السلام أنه طلب للقوم كيف كانوا وفي
~~أي حالة وجدوا وعلى أي طريقة ms03377 سلكوا فإن ذلك مما لا يكاد يقع ممن له أدنى
~~معرفة بربه فضلا عن مثله عليه السلام، وإنما هذا الطلب لهم من حيث إنهم
~~تائبون راجعون إليه عز شأنه، ولا يبعد أن يقال باستجابة دعائه بذلك بل هي
~~أمر مقطوع به بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم؛ وكيف يشك في أنه غفر له
~~ورحم وأوتي خير الدارين وهو  هو  وأما بالنسبة إلى قومه فالظاهر أن
~~التائب منهم أوتي خير الآخرة لأن هذه التوبة إن كانت هي التوبة بالقتل
~~فقد جاء عن الزهري أن الله تعالى أوحى إلى موسى بعد أن كان ما كان ما
~~يحزنك؟ أما من قتل منكم فحي يرزق عندي وأما من بقي فقد قبلت توبته فسر
~~بذلك موسى وبنو اسرائيل، وإن كانت غيرها فمن المعلوم أن التوبة تقبل
~~بمقتضى الوعد المحتوم، وخير من قبلت توبته في الآخرة كثير، وأما خير
~~الدنيا فقد نطقت الآيات بأن القوم غرقى فيه، ويكفي في ذلك قوله تعالى:

# يبنى إسرءيل اذكروا نعمتى التى أنعمت
~~عليكم وأنى فضلتكم على العلمين

# [البقرة: 47]. وحينئذ فيمكن أن يقال في توجيه الجواب: أنه سبحانه لما
~~رأى من موسى عليه السلام شدة القلق والاضطراب ولهذا بالغ في الدعاء خشية
~~من طول غضبه تعالى على من يشفق عليه من ذلك سكن جل شأنه روعته وأجاب
~~طلبته بأسلوب عجيب، وطريق بديع غريب فقال سبحانه له: { عذابي } أي
~~الذي تخشى أن تصيب بعض نباله التي أرميها بيد جلالي عن قسى إرادتي من
~~دعوت له أصيب به من أشاء فلا يتعين قومك الذين تخشى عليهم ما تخشى لأن
~~يكون غرضا له بعد أن تابوا من الذنب وتركوا فعله { ورحمتي وسعت
~~كل شىء } إنسانا كان أو غيره مطيعا كان أو غيره فما من شيء إلا
~~وهو داخل فيها سابح في تيارها أو سايح في فيافيها بل ما من معذب إلا
~~ويرشح عليه ما يرشح منها ولا أقل من أني لم أعذبه بأشد مما هو فيه مع
~~قدرتي عليه فطب نفسا وقر عينا فدخول ms03378 قومك في رحمة وسعت كل شيء ولم تضق
~~عن شيء أمر لا شك فيه ولا شبهة تعتريه كيف وقد هادوا إلي ووفدوا علي
~~أفترى أني أضيق الواسع عليهم وأوجه نبال الخيبة إليهم وأردهم بخفي حنين
~~فيرجع كل منهم صفر الكفين؟ لا أراني أفعل بل إني سأرحمهم وأذهب عنهم ما
~~أهمهم وأكتب الحظ الأوفر من رحمتي لأخلافهم الذين يأتون آخر الزمان
~~ويتصفون بما يرضيني ويقومون بأعباء ما يراد منهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله
~~سبحانه: { فسأكتبها للذين يتقون } الخ، ولعل تقديم وصف
~~العذاب دون وصف الرحمة ليفرغ ذهنه عليه السلام مما يخاف منه مع أن في عكس
~~هذا الترتيب ما يوجب انتشار النظم الكريم؛ ووصف أخلاقهم بما وصفوا به
~~لاستنهاض هممهم إلى الاتصاف بما يمكن اتصافهم به منه أو إلى الثبات عليه،
~~ولم يصرح في الجواب بحصول السؤال بأن يقال: قد أوتيت سؤلك يا موسى مثلا
~~اختيارا لما هو أبلغ فيه، وهذا الذي ذكرناه وإن كان لا يخلو عن شيء إلا
~~أنه أولى من كثير مما وقفنا عليه من كلام المفسرين وقد تقدم بعضه، وأقول
~~بعد هذا كله: خير الاحتمالات ما تشهد له الآثار وإذا صح الحديث فهو مذهبي
~~فتأمل. والسين في { سأكتبها } يحتمل أن تكون للتأكيد، ويحتمل أن تكون
~~للاستقبال كما لا يخفى وجهه على ذوي الكمال.

### || [7.157]

# { الذين يتبعون الرسول } الذي أرسله الله تعالى لتبليغ
~~الأحكام { النبي } / أي الذي أنبأ الخلق عن الله تعالى فالأول تعتبر
~~فيه الإضافة إلى الله تعالى والثاني تعتبر فيه الإضافة إلى الخلق، وقدم
~~الأول عليه لشرفه وتقدم إرسال الله تعالى له على تبليغه، وإلى هذا ذهب
~~بعضهم، وجعلوا إشارة إلى أن الرسول والنبي هنا مراد بهما معناهما اللغوي
~~لاجرائهما على ذات واحدة كما أنهما كذلك في قوله تعالى:

# وكان رسولا نبيا

# [مريم: 54]، وفسر في «الكشاف» الرسول بالذي يوحى إليه كتاب والنبي
~~بالذي له معجزة، ويشير إلى الفرق بين الرسول والنبي بأن الرسول من له
~~كتاب خاص والنبي أعم. وتعقبه في «الكشف» بأن أكثر الرسل لم ms03379 يكونوا أصحاب
~~كتاب مستقل كإسماعيل ولوط وإلياس عليهم السلام وكم وكم ثم قال: والتحقيق
~~أن النبي هو الذي ينبىء عن ذاته تعالى وصفاته وما لا تستقل العقول
~~بدرايته ابتداء بلا واسطة بشر، والرسول هو المأمور مع ذلك بإصلاح النوع،
~~فالنبوة نظر فيها إلى الإنباء عن الله تعالى والرسالة إلى المبعوث إليهم،
~~والثاني وإن كان أخص وجودا إلا أنهما مفهومان مفترقان ولهذا لم يكن
~~رسولا نبيا مثل إنسان حيوان ا ه. وفيه مخالفة بينة لما ذكر أولا، ولا
~~حجر في الاعتبار. نعم ما ذكروه مدفوع بأن الفرق المذكور مع تغاير
~~المفهومين على كل حال من عرف الشرع والاستعمال، وأما في الوضع والحقيقة
~~اللغوية فهما عامان. وقد ورد في القرآن بالاستعمالين فلا تعارض بينهما.
~~ولا يرد أن ذكر النبي العام بعد الخاص لا يفيد والمعروف في مثل ذلك
~~العكس، ولا يخفى أن المراد بهذا الرسول النبي نبينا صلى الله عليه وسلم.

# { الأمى } أي الذي لا يكتب ولا يقرأ، وهو على ما قال الزجاج نسبة
~~إلى أمة العرب لأن الغالب عليهم ذلك. وروى الشيخان وغيرهما عن ابن عمر
~~قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب "

# أو إلى أم القرى لأن أهلها كانوا كذلك، ونسب ذلك إلى الباقر رضي الله
~~تعالى عنه أو إلى أمه كأنه على الحالة التي ولدته أمه عليها، ووصف عليه
~~الصلاة والسلام بذلك تنبيها على أن كمال علمه مع حاله إحدى معجزاته صلى
~~الله عليه وسلم فهو بالنسبة إليه  بأبي هو وأمي  عليه الصلاة والسلام
~~صفة مدح، وأما بالنسبة إلى غيره فلا، وذلك كصفة التكبر فإنها صفة مدح لله
~~عز وجل وصفة ذم لغيره.

# واختلف في أنه عليه الصلاة والسلام هل صدر عنه الكتابة في وقت أم لا؟
~~فقيل: نعم صدرت عنه عام الحديبية فكتب الصلح وهي معجزة أيضا له صلى الله
~~عليه وسلم وظاهر الحديث يقتضيه، وقيل: لم يصدر عنه أصلا وإنما أسندت
~~إليه في الحديث مجازا.

# وجاء عن بعض أهل ms03380 البيت رضي الله تعالى عنهم أنه صلى الله عليه وسلم كان
~~تنطق له الحروف المكتوبة إذا نظر فيها، ولم أر لذلك سندا يعول عليه، وهو
~~صلى الله عليه وسلم فوق ذلك. نعم أخرج أبو الشيخ من طريق مجاهد قال حدثني
~~عون بن عبد الله بن عتبة عن أبيه قال: «ما مات النبي صلى الله عليه وسلم
~~حتى قرأ وكتب فذكرت هذا الحديث للشعبي فقال: صدق سمعت أصحابنا يقولون
~~ذلك» وقيل: الأمي نسبة إلى الأم بفتح الهمزة بمعنى القصد لأنه المقصود
~~وضم الهمزة من تغيير النسب، ويؤيده قراءة يعقوب { الأمي } بالفتح وإن
~~احتملت أن تكون من تغيير النسب أيضا، والموصول في محل جر بدل من الموصول
~~الأول، هو إما بدل كل على أن المراد منه هؤلاء المعهودين أو بعض على أنه
~~عام ويقدر حينئذ منهم، وجوز أن يكون نعتا له، ويحتمل أن يكون في محل نصب
~~على القطع وإضمار ناصب له، وأن يكون في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف،
~~وقيل: على أنه مبتدأ خبره جملة { يأمرهم } أو { أولئك هم
~~المفلحون } / وكلاهما خلاف المتبادر من النظم.

# { الذى يجدونه مكتوبا } باسمه ونعوته الشريفة بحيث لا يشكون
~~أنه هو، ولذلك عدل عن أن يقال: يجدون اسمه أو وصفه مكتوبا { عندهم }
~~ظرف ل { مكتوبا } الواقع حالا أو ليجدون، وذكر لزيادة التقرير وأن
~~شأنه عليه الصلاة والسلام حاضرة عندهم لا يغيب عنهم أصلا { في
~~التوراة والإنجيل } اللذين تعبد بهما بنو اسرائيل سابقا
~~ولاحقا، وكأنه لهذا المعنى اقتصر عليهما وإلا فهو صلى الله عليه وسلم
~~مكتوب في الزبور أيضا، أخرج ابن سعد والدارمي في «مسنده» والبيهقي في
~~«الدلائل» وابن عساكر عن عبد الله بن سلام قال: «صفة رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم في التوراة يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا
~~وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب
~~في الأسواق ولا يجزي بالسيئة ولكن يعفو ويصفح ولن يقيضه الله تعالى حتى
~~يقيم به الملة العوجاء حتى يقولوا ms03381 لا إله إلا الله ويفتح أعينا عميا
~~وآذانا صما وقلوبا غلفا»، ومثله من رواية البخاري وغيره عن عبد الله
~~بن عمرو بن العاص، وجاء من حديث أخرجه ابن سعد وابن عساكر من طريق موسى
~~بن يعقوب الربعي عن سهل مولى خيثمة قال: «قرأت في الإنجيل نعت محمد صلى
~~الله عليه وسلم أنه لا قصير ولا طويل أبيض ذو ضفيرتين بين كتفيه خاتم لا
~~يقبل الصدقة ويركب الحمار والبعير ويحلب الشاة ويلبس قميصا مرقوعا ومن
~~فعل ذلك فقد برىء من الكبر وهو يفعل ذلك وهو من ذرية إسماعيل اسمه أحمد».

# وجاء من خبر أخرجه البيهقي في الدلائل عن وهب بن منبه قال: «إن الله
~~تعالى أوحى في الزبور يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد لا
~~أغضب عليه أبدا ولا يعصيني أبدا وقد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من
~~ذنبه وما تأخر وأمته مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء
~~وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل حتى يأتوني يوم
~~القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا إلى
~~كل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما
~~أمرت الأنبياء قبلهم وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم وأمرتهم
~~بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم يا داود إني فضلت محمدا وأمته على الأمم
~~كلهم، أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم، لا أؤاخذهم بالخطأ
~~والنسيان وكل ذنب ركبوه على غير عمد إذا استغفروني منه غفرته وما قدموا
~~لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسهم عجلته لهم اضعافا مضاعفة ولهم عندي أضعاف
~~مضاعفة وأفضل من ذلك، وأعطيتهم على المصائب إذا صبروا وقالوا:

# إنا لله وإنا إليه رجعون

# [البقرة: 156] الصلاة والرحمة والهدى إلى جنات النعيم، فإن دعوني استجبت
~~لهم فإما أن يروه عاجلا وإما أن أصرف عنهم سوءا وإما أن أدخره لهم في
~~الآخرة، يا داود من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا
~~شريك لي صادقا ms03382 بها فهو معي في جنتي وكرامتي ومن لقيني وقد كذب محمدا
~~وكذب بما جاء به واستهزأ بكتابي صببت عليه من قبره العذاب صبا وضربت
~~الملائكة وجهه ودبره عند منشره في قبره ثم أدخله في الدرك الأسفل من
~~النار» إلى غير ذلك من الأخبار الناطقة بأنه صلى الله عليه وسلم مكتوب في
~~الكتب الإلهية. والظرفان متعلقان بيجدونه أو بمكتوبا. وذكر الإنجيل قبل
~~نزوله من قبيل ما نحن فيه من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن
~~الكريم قبل مجيئهما.

# { يأمرهم بالمعروف وينههم عن المنكر } كلام
~~مستأنف، وهو على ما قيل متضمن لتفصيل بعض أحكام / الرحمة التي وعد فيما
~~سبق بكتبها إجمالا إذا ما أشارت إليه المتعاطفات من آثار الرحمة
~~الواسعة، وجوز كونه في محل نصب على أنه حال مقدرة من مفعول { يجدونه
~~} أو من { النبي } أو من المستكن في { مكتوبا } ، وقيل: هو مفسر
~~لمكتوبا أي لما كتب، والمراد بالمعروف قيل الإيمان، وقيل: ما عرف في
~~الشريعة، والمراد بالمنكر ضد ذلك.

# { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث
~~} فسر الأول بالأشياء التي يستطيبها الطبع كالشحوم، والثاني بالأشياء
~~التي يستخبثها كالدم، فتكون الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه
~~النفس ويستلذه الطبع الحل وفي كل ما تستخبثه النفس ويكرهه الطبع الحرمة
~~إلا لدليل منفصل، وفسر بعضهم الطيب بما طاب في حكم الشرع والخبيث بما خبث
~~فيه كالربا والرشوة.

# وتعقب بأن الكلام حينئذ يحل ما يحكم بحله ويحرم ما يحكم بحرمته ولا
~~فائدة فيه. وردوه بأنه يفيد فائدة وأي فائدة لأن معناه أن الحل والحرمة
~~بحكم الشرع لا بالعقل والرأي، وجوز بعضهم كون الخبيث بمعنى ما يستخبث
~~طبعا أو ما خبث شرعا وقال كالدم أو الربا ومثل للطيب بالشحم وجعل ذلك
~~مبينا على اقتضاء التحليل سبق التحريم والشحم كان محرما عند بني
~~اسرائيل، وعلى اقتضاء التحريم سبق التحليل وجعل الدم وأخيه مما حرم على
~~هذا لأن الأصل في الأشياء الحل، ولا يرد

# وأحل الله البيع وحرم الربوا

# [البقرة: 275] لأنه لرد قولهم

# إنما البيع ms03383 مثل الربوا

# [البقرة: 275] أو لأن المراد إبقاؤه على حله لمقابلته بتحريم الربا،
~~ودفع بهذا ما توهم من عدم الفائدة.

# { ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت
~~عليهم } أي يخفف عنهم ما كلفوه من التكاليف الشاقة كقطع موضع
~~النجاسة من الثوب أو منه ومن البدن، واحراق الغنائم، وتحريم السبت، وقطع
~~الأعضاء الخاطئة، وتعين القصاص في العمد والخطأ من غير شرع الدية فإنه
~~وان لم يكن مأمورا به في الألواح إلا أنه شرع بعد تشديدا عليهم على ما
~~قيل، وأصل الإصر ((الثقل الذي يأصر صاحبه [أي يحبسه] عن الحراك))،
~~والأغلال جمع غل بضم الغين وهي في الأصل كما قال ابن الأثير ((الحديدة
~~التي تجمع يد الأسير إلى عنقه ويقال لها جامعة أيضا))، ولعل غير الحديد
~~إذا جمع به يد إلى عنق يقال له ذلك أيضا، والمراد منهما هنا ما علمت وهو
~~المأثور عن كثير من السلف، ولا يخفى ما في الآية من الاستعارة. وجوز أن
~~يكون هناك تمثيل، وعن عطاء كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح
~~وغلوا أيديهم إلى أعناقهم وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة
~~وأوثقها على السارية يحبس نفسه على العبادة وعلى هذا فالأغلال يمكن أن
~~يراد حقيقته، وقرأ ابن عامر { آصارهم } على الجمع وقرأ { إصرهم } بالفتح
~~على المصدر وبالضم على الجمع أيضا. { فالذين ءامنوا به } أي
~~صدقوا برسالته ونبوته { وعزروه } أي عظموه ووقروه كما قال ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما، وقال الراغب: ((التعزير النصرة مع التعظيم،
~~والتعزير ضرب دون الحد يرجع [وذلك] يرجع (إليه لأنه) تأديب والتأديب نصرة
~~[ما] لأن أخلاق السوء أعداء ولذا قال في الحديث:

# " انصر أخاك ظالما أو مظلوما فقيل كيف أنصره ظالما؟ فقال عليه الصلاة
~~والسلام: تكفه عن الظلم "

# )) وأصلح عند غير واحد المنع والمراد منعوه حتى لا يقوى عليه عدو، وقرىء
~~{ عزروه } بالتخفيف { ونصروه } على أعدائه في الدين وعطف هذا على ما
~~قبله ظاهر على ما روي عن الحبر وكذا على ما قاله الجمع إذ الأول عليه من
~~قبيل درء ms03384 المفاسد وهذا من قبيل جلب المصالح، ومن فسر الأول بالتعظيم مع
~~التقوية أخذا من كلام الراغب قال هنا نصروه لي / أي قصدوا بنصره وجه الله
~~تعالى واعلاء كلمته فلا تكرار خلافا لمن توهمه { واتبعوا النور
~~الذى أنزل معه } وهو القرآن وعبر عنه بالنور لظهوره في نفسه
~~باعجازه وإظهاره لغيره من الأحكام وصدق الدعوى فهو أشبه شيء بالنور
~~الظاهر بنفسه والمظهر لغيره بل هو نور على نور، والظرف اما متعلق بأنزل
~~والكلام على حذف مضاف أي مع نبوته أو إرساله عليه السلام لأنه لم ينزل
~~معهم وإنما نزل مع جبريل عليه السلام.

# نعم استنباؤه أو إرساله كان مصحوبا بالقرآن مشفوعا به وإما متعلق
~~باتبعوا على معنى شاركوه في اتباعه وحينئذ لم يحتج إلى تقدير، وقد يعلق
~~به على معنى اتبعوا القرآن مع اتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم إشارة
~~إلى العمل بالكتاب والسنة، وجوز أن يكون في موضع الحال من ضمير {
~~اتبعوا } أي اتبعوا النور مصاحبين له في اتباعه وحاصله ما ذكر في
~~الاحتمال الثاني، وأن يكون حالا مقدرة من نائب فاعل { أنزل }. وفي
~~«مجمع البيان» أن مع بمعنى على وهو متعلق بأنزل ولم يشتهر وروي ذلك، وقال
~~بعضهم: هي هنا مرادفة لعند وهو أحد معانيها المشهورة إلا أنه لا يخفى
~~بعده وإن قيل حاصل المعنى حينئذ أنزل عليه.

# { أولئك } أي المنعوتون بتلك النعوت الجليلة { هم
~~المفلحون } أي هم الفائزون بالمطلوب لا المتصفون بأضداد صفاتهم،
~~وفي الإشارة إشارة إلى علية تلك الصفات للحكم، وكاف البعد للإيذان ببعد
~~المنزلة وعلو الدرجة في الفضل والشرف، والمراد من الموصول المخبر عنه
~~بهذه الجملة عند ابن عباس رضي الله تعالى عنه اليهود الذين آمنوا برسول
~~الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: ما يعمهم وغيرهم من أمته عليه الصلاة
~~والسلام المتصفين بعنوان الصلة إلى يوم القيامة والاتصاف بذلك لا يتوقف
~~على إدراكه صلى الله عليه وسلم كما لا يخفى وهو الأولى عندي.

# وادعى بعضهم أن المراد من الموصول في قوله تعالى:

# فسأكتبها للذين يتقون

# [الأعراف: 156] المعنى ms03385 الأعم أيضا وجعله ابن الخازن قول جمهور
~~المفسرين، وفيه ما فيه ومما يقضي منه العجب كون المراد منه اليهود الذين
~~كانوا في زمن موسى عليه السلام، والجملة متفرعة على ما تقدم من نعوته صلى
~~الله عليه وسلم الجليلة الشأن، وقيل: على كتب الرحمة لمن مر، وذكر شيخ
~~الإسلام أنها تعليم لكيفية اتباعه عليه السلام وبيان علو رتبة متبعيه
~~واغتنامهم مغانم الرحمة الواسعة في الدارين إثر بيان نعوته الجليلة
~~والإشارة إلى إرشاده عليه الصلاة والسلام إياهم بما في ضمن { يأمرهم
~~} الخ، وجعل الحصر المدلول عليه بقوله سبحانه: { أولئك هم
~~المفلحون } بالنسبة إلى غيرهم من الأمم ثم قال: فيدخل فيهم قوم
~~موسى عليه السلام دخولا أوليا حيث لم ينجوا عما في توبتهم من المشقة
~~الهائلة، وهو مبني على ما سلكه في تفسير الآيات من أول الأمر ولا يصفو عن
~~كدر.

### || [7.158]

# { قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم
~~جميعا } لما حكى ما في الكتابين من نعوته صلى الله عليه وسلم وشرف من
~~يتبعه على ما عرفت، أمر عليه الصلاة والسلام بأن يصدع بما فيه تبكيت
~~لليهود الذين حرموا اتباعه وتنبيه لسائر الناس على افتراء من زعم منهم
~~أنه صلى الله عليه وسلم مرسل إلى العرب خاصة، وقيل: إنه أمر له عليه
~~الصلاة والسلام ببيان أن سعادة الدارين المشار إليهما فيما تقدم غير
~~مختصة بمن اتبعه من أهل الكتابين بل شاملة لكل من يتبعه كائنا من كان
~~وذلك ببيان عموم رسالته صلى الله عليه وسلم وهي عامة للثقلين كما نطقت به
~~النصوص حتى صرحوا بكفر منكره وما هنا لا يأبى ذلك، والمفهوم / فيه غير
~~معتبر عند القائل به لفقد شرطه وهو ظاهر { الذى له ملك
~~السموات والأرض } في موضع نصب بإضمار أعني أو نحوه أو رفع على
~~إضمار هو. وجوز أن يكون في موضع جر على أنه صفة للاسم الجليل أو بدل منه،
~~واستبعد ذلك أبو البقاء لما فيه من الفصل بينهما، وأجيب بأنه مما ليس
~~بأجنبي وفي حكم ما لا يكون ms03386 فيه فصل ورجح الأول بالفخامة إذ يكون عليه
~~جملة مستقلة مؤذنة بأن المذكور علم في ذلك أي اذكر من لا يخفى شأنه عند
~~الموافق والمخالف، وقيل: هو مبتدأ خبره.

# { لا إله إلا هو } وهو على الوجوه الأول بيان لما قبله وجعله
~~الزمخشري مع ذلك بدلا من الصلة وقد نص على جواز هذا النحو سيبويه وذكر
~~العلامة أن سوق كلامه يشعر بأنه بدل اشتمال، ووجه البيان أن من ملك
~~العالم علويه وسفليه هو الإله فبينهما تلازم يصحح جعل الثاني مبينا
~~للأول وليس المراد بالبيان الإثبات بالدليل حتى يقال الظاهر العكس لأن
~~الدليل على تفرده سبحانه بالألوهية ملكه للعالم بأسره مع أنه يصح أن يجعل
~~دليلا عليه أيضا فيقال الدليل على أنه جل شأنه المالك المتصرف في ذلك
~~انحصار الألوهية فيه إذ لو كان إله غيره لكان له ذلك، واعترض أبو حيان
~~القول بالبدلية بأن إبدال الجمل من الجمل غير المشتركة في عامل لا يعرف،
~~وتعقب بأن أهل المعاني ذكروه وتعريف التابع بكل ثان أعرب بإعراب سابقه
~~ليس بكلي، وقوله سبحانه: { يحيى ويميت } لزيادة تقرير إلهيته
~~سبحانه، وقيل: لزيادة اختصاصه تعالى بذلك وله وجه وجيه.

# والفاء في قوله عز شأنه: { فآمنوا بالله ورسوله } لتفريع
~~الأمر على ما تقرر من رسالته صلى الله عليه وسلم وإيراد نفسه الكريمة
~~عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة على طريق الالتفات إلى الغيبة
~~للمبالغة في إيجاب الامتثال ووصف الرسول بقوله تعالى: { النبي
~~الأمي } لمدحه ولزيادة تقرير أمره وتحقيق أنه المكتوب في الكتابين {
~~الذى يؤمن بالله وكلمته } ما أنزل عليه وعلى سائر
~~الرسل عليهم السلام من كتبه ووحيه، وقرىء { وكلمته } على إرادة
~~الجنس أو القرآن أو عيسى عليه السلام كما روي ذلك عن مجاهد تعريضا
~~لليهود وتنبيها على أن من لم يؤمن به عليه السلام لم يعتبر إيمانه،
~~والإتيان بهذا الوصف يحمل أهل الكتابين على الامتثال بما أمروا به
~~والتصريح بالايمان بالله تعالى للتنبيه على أن الإيمان به سبحانه لا ينفك
~~عن الإيمان بكلماته ولا يتحقق إلا به ولا ms03387 يخفى ما في هذه الآية من إظهار
~~النصفة والتفادي عن العصبية للنفس وجعلوا ذلك نكتة للالتفات وإجراء هاتيك
~~الصفات { واتبعوه } أي في كل ما يأتي وما يذر من أمور الدين.

# { لعلكم تهتدون } علة للفعلين أو حال من فاعليهما أي رجاء
~~لاهتدائكم إلى المطلوب أو راجين له، وفي تعليقه بهما إيذان بأن من صدقه
~~ولم يتبعه بالتزام شرعه فهو بعد في مهامه الضلال.

### || [7.159]

# { ومن قوم موسى } يعني بني إسرائيل { أمة } جماعة عظيمة {
~~يهدون } الناس { بالحق } أي محقين على أن الباء للملابسة،
~~والجار والمجرور في موضع الحال أو بكلمة الحق على أن الباء للآلة والجار
~~لغو { وبه } أي بالحق { يعدلون } في الأحكام الجارية فيما بينهم،
~~وصيغة المضارع في الفعلين للإيذان بالاستمرار التجددي، واختلف في المراد
~~منهم فقيل أناس كانوا كذلك على عهد موسى صلى الله عليه وسلم والكلام مسوق
~~لدفع ما عسى يوهمه تخصيص / كتب الرحمة والتقوى والإيمان بالآيات بمتبعي
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من حرمان أسلاف قوم موسى عليه السلام في كل
~~خير وبيان أن كلهم ليسوا كما حكيت أحوالهم بل منهم الموصوفون بكيت وكيت،
~~وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية.

# واختار هذا شيخ الإسلام ولا يبعد عندي أن يكون ذلك بيانا لقسم آخر من
~~القوم مقابل لما ذكره موسى عليه السلام في قوله:

# أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ

# [الأعراف: 155] فيه تنصيص على أن من القوم من لم يفعل، وقيل: أناس وجدوا
~~على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم موصوفون بذلك كعبد الله بن سلام
~~وأضرابه ورجحه الطيبي بأنه أقرب الوجوه، وذلك أنه تعالى لما أجاب عن
~~دعاء موسى عليه السلام بقوله تعالى:

# فسأكتبها

# [الأعراف: 156] إلى قوله سبحانه:

# الذين يتبعون الرسول النبي الأمي

# [الأعراف: 157] الخ ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما
~~فيه تبكيت لليهود وتنبيه على افترائهم فيما يزعمونه في شأنه عليه السلام
~~مع إظهار النصفة وذلك بقوله تعالى:

# قل يا أيها الناس

# [الأعراف: 158] الخ وقوله سبحانه:

# فآمنوا

# [الأعراف: 158] الخ عقب ذلك بقوله عز ms03388 شأنه: { ومن قوم موسى }
~~الخ، والمعنى أن بعض هؤلاء الذين حكينا عنهم ما حكينا آمنوا وأنصفوا من
~~أنفسهم يهدون الناس إلى أنه عليه الصلاة والسلام الرسول الموعود ويقولون
~~لهم: هذا الرسول النبي الأمي الذي نجده مكتوبا عندنا في التوراة
~~والإنجيل ويعدلون في الحكم ولا يجورون ولكن أكثرهم ما أنصفوا ولبسوا الحق
~~بالباطل وكتموه وجاروا في الأحكام فيكون ذكر هذه الفرقة تعريضا بالأكثر.

# واعترض بأن الذين آمنوا من قوم موسى على عهد رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم كانوا قليلين ولفظ أمته يدل على الكثرة، وأيضا إن هؤلاء قد مر
~~ذكرهم فيما سلف، وأجيب بأن لفظ الأمة قد يطلق على القليل لا سيما إذا كان
~~له شأن بل قد يطلق على الواحد إذا كان كذلك كما في قوله تعالى:

# إن إبرهيم كان أمة

# [النحل: 120] وبأن ذكرهم هنا لما أشير إليه من النكتة لا يأبى ذكرهم
~~فيما سلف لغير تلك النكتة وتكرار الشيء الواحد لاختلاف الأغراض سنة
~~مشهورة في الكتاب على أنه قد قيل: إنهم فيما تقدم قد وصفوا بما هو ظاهر
~~في أنهم مهتدون وهنا قد وصفوا بما هو ظاهر في أنهم هادون فيحصل من
~~الذكرين أنهم موصوفون بالوصفين.

# نعم يبقى الكلام في نكتة الفصل ولعلها لا تخفى على المتدبر، وقيل هم قوم
~~من بني إسرائيل وجدوا بين موسى ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام وهم
~~الآن موجودون أيضا، فقد أخرج ابن جرير وغيره عن ابن جريج أنه قال: بلغني
~~أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطا تبرأ
~~سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم ففتح الله
~~تعالى لهم نفقا في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين فهم هنالك
~~حنفاء يستقبلون قبلتنا، وإليهم الإشارة كما قال ابن عباس بقوله تعالى:

# وقلنا من بعده لبنى إسرءيل اسكنوا الأرض فإذا
~~جاء وعد الأخرة جئنا بكم لفيفا

# [الإسراء: 104] وفسر وعد الآخرة بنزول عيسى عليه السلام وقال: إنهم
~~ساروا في السرب سنة ونصفا.

# وذكر مقاتل كما ms03389 روى أبو الشيخ أن الله تعالى أجرى معهم نهرا أو جعل لهم
~~مصباحا من نور بين أيديهم وأن أرضهم التي خرجوا إليها تجتمع فيها الهوام
~~والبهائم والسباع مختلطين وأن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم ليلة
~~المعراج ومعه جبريل عليه السلام فآمنوا به وعلمهم الصلاة، وعن الكلبي
~~والضحاك والربيع أنه عليه الصلاة والسلام علمهم الزكاة وعشر سور من
~~القرآن نزلت بمكة وأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت وأقرؤه سلام موسى عليه
~~السلام فرد النبي عليه الصلاة والسلام السلام، وأخرج ابن أبي حاتم عن
~~السدي أنه قال بينكم وبينهم نهر من رمل / يجري، وضعف هذه الحكمة ابن
~~الخازن وأنا لا أراها شيئا ولا أظنك تجد لها سندا يعول عليه ولو ابتغيت
~~نفقا في الأرض أو سلما في السماء.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات:

# قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسلتي
~~وبكلمي

# [الأعراف: 144] دون رؤيتي على ما يقوله نفاة الرؤية

# فخذ ما ءاتيتك

# [الأعراف: 144] بالتمكين

# وكن من الشكرين

# [الأعراف: 144] بالاستقامة في القيام بحق العبودية التي لا مقام أعلا
~~منها

# لا تدعني إلا بيا عبدها

# فإنه أشرف أسمائي

# وبالشكر تزداد النعم كما نطق بذلك الكتاب

# وكتبنا له فى الالواح

# [الأعراف: 145] أي أظهرنا نقوش استعداده في ألواح تفاصيل وجوده من الروح
~~والقلب والعقل والفكر والخيال فظهر فيها

# من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها
~~بقوة

# [الأعراف: 145] أي بعزم لتكون من ذويه

# وأمر قومك يأخذوا بأحسنها

# [الأعراف: 145] أي أكثرها نفعا وهي العزائم

# سأوريكم دار الفسقين

# [الأعراف: 145] أي عاقبة الذين لا يأخذون بذلك

# سأصرف عن ءايتي الذين يتكبرون في الأرض
~~بغير الحق

# [الأعراف: 146] هم الذين في مقام النفس فيكون تكبرهم حجابا لهم عن آيات
~~الله تعالى وأما المتكبرون بالحق وهم الذي فنيت صفاتهم وظهرت عليهم صفات
~~مولاهم فليسوا بمحجوبين ولا يعد تكبرهم مذموما لأنه ليس تكبرهم حقيقة
~~وإنما حظهم منه كونهم مظهرا له

# والذين كذبوا بئايتنا ولقاء الأخرة

# [الأعراف: 147] حيث حجبوا بصفاتهم وأفعالهم حبطت أعمالهم فلا تقربهم
~~شيئا

# واتخذ قوم موسى من بعده من ms03390 حليهم عجلا

# [الأعراف: 148] صنعه لهم السامري وكان من قوم يعبدون العجل أو ممن رآهم
~~فوقع في قلبه لسوء استعداده حبه وأضمر عبادته واختار صياغته من حليهم
~~ليكون ميلهم إليه أتم لأن قلب الإنسان يميل حيث ماله سيما إذا كان ذهبا
~~أو فضة، وكثير من الناس اليوم عبيد الدرهم والدينار وهما العجل المعنوي
~~لهم وإن لم يسجدوا له وأكثر الأقوال أن ذلك العجل صار ذا لحم ودم وإليه
~~الإشارة بقوله سبحانه:

# جسدا له خوار

# [الأعراف: 148] وفي كلام الشيخ الأكبر قدس سره أنه صار ذا روح بواسطة
~~التراب الذي وطئه الروح الأمين ولم يصرح بكونه ذا لحم ودم

# وألقى الألواح

# [الأعراف: 150] أي ذهل من شدة الغضب عنها وتجافى عن حكم ما فيها ونسيان
~~ما يستحسن من الحلم مثلا عند الغضب مما يجده كل أحد من نفسه

# وأخذ برأس أخيه يجره إليه

# [الأعراف: 150] ظنا أنه قصر في كفهم.

# قال ابن أم

# [الأعراف: 150] ناداه بذلك لغلبة الرحمة عليه، وتأويل ذلك في الأنفس على
~~ما قاله بعض المؤولين أن سامري الهوي بعد توجه موسى عليه السلام الروح
~~لميقات مكالمة الحق اتخذ من حلي زينة الدنيا ورعونات البشرية التي
~~استعارها بنو إسرائيل صفات القلب من قبط صفات النفس معبودا يتعجلون إليه
~~له خوار يدعون الخلق به إلى نفسه

# ألم يروا أنه لا يكلمهم

# [الأعراف: 148] بما ينفعهم

# ولا يهديهم سبيلا

# [الأعراف: 148] إلى الحق

# اتخذوه وكانوا ظلمين

# [الأعراف: 148] حيث عدلوا عن عبادة الحق إلى عبادة غيره في نظرهم

# ولما سقط فى أيديهم

# [الأعراف: 149] أي ندموا عند رجوع موسى الروح

# قالوا لئن لم يرحمنا ربنا

# [الأعراف: 149] بجذبات العناية

# ويغفر لنا

# [الأعراف: 149] بأن يستر صفاتنا بصفاته سبحانه وتعالى:

# لنكونن من الخسرين

# [الأعراف: 149] رأس مال هذه النشأة وهو الاستعداد

# ولما رجع موسى إلى قومه

# [الأعراف: 150] وهم الأوصاف الإنسانية

# غضبن

# [الأعراف: 150] مما عبدت صفات القلب عجل الدنيا

# أسفا

# [الأعراف: 150] على ما فات لها من عبادة الحق

# قال بئسما خلفتموني من بعدي

# [الأعراف: 150] حيث لم تسيروا سيري

# أعجلتم أمر ربكم

# [الأعراف: 150] بالرجوع إلى ms03391 الفاني من غير أمره تعالى

# وألقى الألواح

# [الأعراف: 150] أي ما لاح له من اللوائح الربانية عند استيلاء الغضب
~~الطبيعي

# وأخذ برأس أخيه

# [الأعراف: 150] وهو القلب يجره إليه قسرا،

# قال ابن أم

# [الأعراف: 150] ناداه بذلك مع أنه / أخوه من أبيه وهو عالم الأمر وأمه
~~وهو عالم الخلق لأنهما في عالم الخلق

# إن القوم

# [الأعراف: 150] أي أوصاف البشرية

# استضعفوني

# [الأعراف: 150] عند غيبتك

# وكادوا يقتلونني

# [الأعراف: 150] يزيلون مني حياة استعدادي بالكلية

# فلا تشمت بي الأعداء

# [الأعراف: 150] وهم  وهم ، وهذا ما يقتضيه مقام الفرق،

# قال رب اغفر لي ولأخي

# [الأعراف: 151] استر صفاتنا

# وأدخلنا في رحمتك

# [الأعراف: 151] بإفاضة الصفات الحقة علينا

# وأنت أرحم الرحمين

# [الأعراف: 151] لأن كل رحمة فهو شعاع نور رحمتك

# إن الذين اتخذوا العجل

# [الأعراف: 152] أي عجل الدنيا إلها

# سينالهم غضب من ربهم

# [الأعراف: 152] وهو عذاب الحجاب

# وذلة في الحياة الدنيا

# [الأعراف: 152] باستعباد هذا الفاني المدني لهم

# وكذلك نجزى المفترين

# [الأعراف: 152] الذين يفترون على الله تعالى فيثبتون وجودا لما سواه،

# والذين عملوا السيئات ثم تابوا

# [الأعراف: 153] رجعوا إليه سبحانه وتعالى بمجاهدة نفوسهم وإفنائها

# إن ربك من بعدها لغفور

# [الأعراف: 153] فيستر صفاتهم

# رحيم

# [الأعراف: 153] فيفيض عليهم من صفاته

# ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح

# [الأعراف: 154] الربانية،

# وفي نسختها هدى

# [الأعراف: 154] إرشاد إلى الحق

# ورحمة للذين هم لربهم يرهبون

# [الأعراف: 154] يخافون لحسن استعدادهم، ويقال في قوله سبحانه وتعالى:

# واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقتنا

# [الأعراف: 155] إن موسى عليه السلام اختار سبعين رجلا من أشراف قومه
~~ونجباءهم أهل الاستعداد والصفاء والإرادة والطلب والسلوك

# فلما أخذتهم الرجفة

# [الأعراف: 155] أي رجفة البدن التي هي من مبادي صعقة الفناء عند طريان
~~بوارق الأنوار وظهوره طوالع تجليات الصفات من اقشعرار الجسد وارتعاده
~~وكثيرا ما تعرض هذه الحركة للسالكين عند الذكر أو سماع القرآن أو ما
~~يتأثرون به حتى تكاد تتفرق أعضاؤهم، وقد شاهدنا ذلك في الخالدين من أهل
~~الطريقة النقشبندية، وربما يعتريهم في صلاتهم صياح معه فمنهم من يستأنف
~~صلاته لذلك ومنهم من لا يستأنف، وقد كثر الإنكار عليهم ms03392 وسمعت بعض
~~المنكرين يقولون: إن كانت هذه الحالة مع الشعور والعقل فهي سوء أدب
~~ومبطلة للصلاة قطعا وإن كانت مع عدم شعور وزوال عقل فهي ناقضة للوضوء
~~ونراهم لا يتوضؤون، وأجيب بأنها غير اختيارية مع وجود العقل والشعور، وهي
~~كالعطاس والسعال ومن هنا لا ينتقض الوضوء بل ولا تبطل الصلاة، وقد نص بعض
~~الشافعية أن المصلي لو غلبه الضحك في الصلاة لا تبطل صلاته ويعذر بذلك
~~فلا يبعد أن يلحق ما يحصل من آثار التجليات الغير الاختيارية بما ذكر ولا
~~يلزم من كونه غير اختياري كونه صادرا من غير شعور فإن حركة المرتعش غير
~~اختيارية مع الشعور بها، وهو ظاهر فلا معنى للإنكار. نعم كان حضرة مولانا
~~الشيخ خالد قدس سره يأمر من يعتريه ذلك من المريدين بالوضوء واستئناف
~~الصلاة سدا لباب الإنكار، والحق أن ما يعتري هذه الطائفة غير ناقض
~~الوضوء لعدم زوال العقل معه لكنه مبطل للصلاة لما فيه من الصياح الذي
~~يظهر به حرفان مع أمور تأباها الصلاة ولا عذر لمن يعتريه ذلك إلا إذا
~~ابتلي به بحيث لم يخل زمن من الوقت يسع الصلاة بدونه فإنه يعذر حينئذ ولا
~~قضاء عليه إذا ذهب منه ذلك الحال كمن به حكة لا يصبر معها على عدم الحك.

# وقد نص الجد عليه الرحمة في «حواشيه على شرح الحضرمية» للعلامة ابن حجر
~~[الهيتمي] في صورة ابتلي بسعال مزمن على نحو ذلك، ثم قال: فرع لو ابتلي
~~بذلك وعلم من عادته أن الحمام يسكنه عنه مدة تسع الصلاة وجب عليه دخوله
~~حيث وجد أجرة الحمام فاضلة عما يعتبر في الفطرة وإن فاتته الجماعة وفضيلة
~~أول الوقت انتهى. نعم ذكر عليه رحمة الله تعالى في الفعل الكثير المبطل
~~للصلاة وهو ثلاثة أفعال أنه لو ابتلي بحركة اضطرارية نشأ عنها عمل كثير
~~فمعذور، وقال أيضا: إنه لا يضر الصوت الغير المشتمل على النطق بحرفين
~~متواليين من أنف / أو فم وإن اقترنت به همهمة شفتي الأخرس ولو لغير حاجة
~~وإن فهم الفطن كلاما أو ms03393 قصد محاكاة بعض أصوات الحيوانات وإن لم يقصد
~~التلاعب وإلا بطلت، وينبغي التحري في هؤلاء القوم فإن حالهم في ذلك
~~متفاوت لكن أكثر ما شاهدناه على الطراز الذي ذكرناه، وتمام الكلام في هذا
~~المقام يطلب من «الكتب الفقهية».

# قال

# [الأعراف: 155] موسى

# رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي

# [الأعراف: 155] وذلك من شدة غلبته الشوق، و

# لو

# [الأعراف: 155] هذه للتمني،

# أتهلكنا

# [الأعراف: 155] بعذاب الحجاب والحرمان

# بما فعل السفهآء

# [الأعراف: 155] من عبادة العجل

# إن هي إلا فتنتك

# [الأعراف: 155] لا مدخل فيها لغيرك، وهذا مقتضى مقام تجلي الأفعال،

# فاغفر لنا

# [الأعراف: 155] ذنوب صفاتنا وذواتنا كما غفرت ذنوب أفعالنا،

# وارحمنا

# [الأعراف: 155] بإفاضة أنوار شهودك ورفع حجاب الآنية بوجودك،

# واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة

# [الأعراف: 156] وهي حسنة الاستقامة بالبقاء بعد الفناء،

# وفي الآخرة

# [الأعراف: 156] حسنة المشاهدة، والكلام في بقية الكلام لا يخفى على من
~~له أدنى ذوق خلا أن بعضهم أول العذاب في قوله سبحانه وتعالى:

# عذابي أصيب به من أشآء

# [الأعراف: 156] بعذاب الشوق المخصوص الذي يصيب أهل العناية من الخواص
~~وهو الرحمة التي لا يكتنه كنهها ولا يقدر قدرها وإنها لأعز من الكبريت
~~الأحمر، وأهل الظاهر يرونه بعيدا والقوم يقولون نراه قريبا، وقالوا:
~~الأمي نسبة إلى الأم لكن على حد أحمري، وقيل: للنبي صلى الله عليه وسلم
~~ذلك لأنه أم الموجودات وأصل المكنونات، واختير هذا اللفظ لما فيه من
~~الإشارة إلى الرحمة والشفقة وهو الذي جاء رحمة للعالمين وإنه عليه الصلاة
~~والسلام لأشفق على الخلق من الأم بولدها إذ له صلى الله عليه وسلم الحظ
~~الأوفر من التخلق بأخلاق الله تعالى وهو سبحانه أرحم الراحمين، وذكروا أن
~~أتباعه من حيث النبوة الخواص ومن الأمية خواص الخواص ومن حيث الرسالة
~~هؤلاء المذكورون كلهم والعوام نسأل الله تعالى أن يوفقنا لاتباعه صلى
~~الله عليه وسلم في سائر شؤونه.

### || [7.160]

# { وقطعنهم } أي قوم موسى عليه السلام لا الأمة المذكورة كما
~~يوهمه القرب وقطع يقرأ مشددا ومخففا والأول هو المتواتر ويتعدى لواحد
~~وقد يضمن معنى صير فيتعدى ms03394 لاثنين فقوله تعالى: { اثنتى عشرة }
~~حال أو مفعول ثان، أي فرقناهم معدودين بهذا العدد أو صيرناهم اثنتي عشرة
~~أمة يتميز بعضها عن بعض، وقوله سبحانه وتعالى: { أسبطا } كما قال
~~ابن الحاجب في «شرح المفصل» بدل من العدد لا تمييز له وإلا لكانوا ستة
~~وثلاثين، وعليه فالتمييز محذوف أي فرقة أو نحوه، قال الحوفي: إن صفة
~~التمييز أقيمت مقامه والأصل فرقة اسباطا، وجوز أن يكون تمييزا لأن مفرد
~~تأويلا، فقد ذكروا أن السبط مفردا ولد الولد أو ولد البنت أو الولد أو
~~القطعة من الشيء أقوال ذكرها ابن الأثير، ثم استعمل في كل جماعة من بني
~~إسرائيل كالقبيلة في العرب، ولعله تسمية لهم باسم أصلهم كتميم، وقد يطلق
~~على كل قبيلة منهم أسباط أيضا كما غلب الأنصار على جمع مخصوص فهو حينئذ
~~بمعنى الحي والقبيلة فلهذا وقع موقع المفرد في التمييز وهذا كما ثنى
~~الجمع في قول أبي النجم يصف رمكة تعودت الحرب:

# تبقلت في أول التبقل

# بين رماحي مالك ونهشل

# وتأنيث اثنتي مع أن المعدود مذكر وما قبل الثلاثة يجري على أصل التأنيث
~~والتذكير لتأويل ذلك بمؤنث وهو ظاهر مما قررنا، وقرأ الأعمش وغيره { عشرة
~~} بكسر الشين وروي عنه فتحها أيضا والكسر لغة تميم والسكون لغة الحجاز،
~~وقوله سبحانه: { أمما } بدل بعد بدل من (اثنتي عشرة) لا من أسباط على
~~تقدير أن / يكون بدلا لأنه لا يبدل من البدل، وجوز كونه بدلا منه إذا
~~لم يكن بدلا ونعتا إن كان كذلك أو لم يكن.

# { وأوحينا إلى موسى إذ استسقه قومه } حين
~~استولى عليه العطش في التيه { أن اضرب بعصاك الحجر } تفسير
~~لفعل الإيحاء فأن بمعنى أي، وجوز أبو البقاء كونها مصدرية {
~~فانبجست } أي انفجرت كما قال ابن عباس وزعم الطبرسي أن الانبجاس
~~خروج الماء بقلة والانفجار خروجه بكثرة، والتعبير بهذا تارة وبالأخرى
~~أخرى باعتبار أول الخروج وما انتهى إليه والعطف على مقدر ينسحب عليه
~~الكلام أي فضرب فانبجست وحذف المعطوف عليه لعدم الالباس وللإشارة إلى
~~سرعة الامتثال حتى كأن الإيحاء ms03395 وضربه أمر واحد وأن الانبجاس بأمر الله
~~تعالى حتى كأن فعل موسى عليه السلام لا دخل فيه. وذكر بعض المحققين أن
~~هذه الفاء على ما قرر فصيحة وبعضهم يقدر شرطا في الكلام فإذا ضربت فقد
~~انبجست { منه اثنتا عشرة عينا } وهو غير لائق بالنظم الجليل
~~{ قد علم كل أناس } أي سبط، والتعبير عنهم بذلك للإيذان بكثرة
~~كل واحد من الأسباط، وأناس إما جمع أو اسم جمع، وذكر السعد أن أهل اللغة
~~يسمون اسم الجمع جمعا، و { علم } بمعنى عرف الناصب مفعولا واحدا أي
~~قد عرف { مشربهم } أي عينهم الخاصة بهم، ووجه الجمع ظاهر.

# { وظللنا عليهم الغمم } أي جعلنا ذلك بحيث يلقى عليهم
~~ظله ليقيهم من حر الشمس وكان يسير بسيرهم ويسكن بإقامتهم { وأنزلنا
~~عليهم المن والسلوى } أي الترنجبين والسماني فكان الواحد
~~منهم يأخذ ما يكفيه من ذلك { كلوا } أي قلنا أو قائلين لهم كلوا. {
~~من طيبات ما رزقنكم } أي مستلذاته، و { ما } موصولة كانت
~~أو موصوفة عبارة عن المن والسلوى { وما ظلمونا } عطف على محذوف
~~للإيجاز والإشعار بأنه أمر محقق غني عن التصريح أي فظلموا بأن كفروا بهذه
~~النعم الجليلة وما ظلمونا بذلك { ولكن كانوا أنفسهم
~~يظلمون } بالكفر إذ لا يتخطاهم ضرره، وتقديم المفعول لإفادة القصر
~~الذي يقتضيه النفي السابق، وفي الكلام من التهكم والإشارة إلى تماديهم
~~على ما هم فيه ما لا يخفى.

### || [7.161]

# { وإذ قيل لهم } معمول لا ذكر، وإيراد الفعل هنا مبنيا للمفعول
~~جريا على سنن الكبرياء مع الإيذان بأن الفاعل غني عن التصريح أي اذكر
~~لهم وقت قولنا لأسلافهم { اسكنوا هذه القرية } القريبة
~~منكم وهي بيت المقدس أو أريحاء، والنصب مبني على المفعولية كسكنت الدار
~~أو على الظرفية اتساعا والتعبير بالسكنى هنا للإيذان بأن المأمور به في
~~البقرة [85] الدخول بقصد الإقامة أي أقيموا في هذه القرية { وكلوا
~~منها } أي مطاعمها وثمارها أو منها نفسها على أن من تبعيضية أو
~~ابتدائية { حيث شئتم } أي من نواحيها من غير أن يزاحمكم أحد؛ وجيء
~~بالواو هنا وبالفاء في البقرة ms03396 [58] لأنه قيل هناك { ادخلوا } فحسن
~~ذكر التعقيب معه وهنا { اسكنوا } والسكنى أمر ممتد والأكل معه لا
~~بعده، وقيل: إنه إذا تفرع المسبب عن السبب اجتمعا في الوجود فيصح الإتيان
~~بالواو والفاء، وفيه أن هذا إنما يدل على صحة العبارتين وليس السؤال عن
~~ذلك، وذكر

# رغدا

# [البقرة: 58] هناك لأن الأكل في أول الدخول يكون ألذ وبعد السكنى
~~واعتباره لا يكون كذلك / وقيل: إنه اكتفى بالتعبير باسكنوا عن ذكره لأن
~~الأكل المستمر من غير مزاحم لا يكون إلا رغدا واسعا، وإلى الأول ذهب
~~صاحب «اللباب»، ويرد على القولين أنه ذكر

# رغدا

# [البقرة: 35] مع الأمر بالسكنى في قصة آدم عليه السلام، ولعل الأمر في
~~ذلك سهل.

# { وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا } مر الكلام فيه
~~في البقرة [58] غير أن ما فيها عكس ما هنا في التقديم والتأخير ولا ضير
~~في ذلك لأن المأمور به هو الجمع بين الأمرين من غير اعتبار الترتيب
~~بينهما، وقال القطب: فائدة الاختلاف التنبيه على حسن تقديم كل من
~~المذكورين على الآخر لأنه لما كان المقصود منهما تعظيم الله تعالى وإظهار
~~الخشوع والخضوع لم يتفاوت الحال في التقديم والتأخير { نغفر لكم
~~خطيئتكم } جزم في جواب الأمر. وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب { تغفر
~~} بالتاء والبناء للمفعول و { خطيآتكم } بالرفع والجمع غير ابن عامر فإنه
~~وحد، وقرأ أبو عمرو { خطاياكم } كما في سورة البقرة [58]، وبين القطب
~~فائدة الاختلاف بين ما هناك وبين ما هنا على القراءة المشهورة بأنها
~~الإشارة إلى أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة أو كثيرة فهي مغفور بعد
~~الإتيان بالمأمور به، وطرح الواو هنا من قوله سبحانه وتعالى: { سنزيد
~~المحسنين } إشارة إلى أن هذه الزيادة تفضل محض ليس في مقابلة ما
~~أمروا به كما قيل والمراد أن امتثالهم جازاه الله تعالى بالغفران وزاد
~~عليه وتلك الزيادة فضل محض منه تعالى فقد يدخل في الجزاء صورة لترتبه على
~~فعلهم وقد يخرج عنه لأن زيادة على ما استحقوه، ولذا قرن بالسين الدالة
~~على أنه وعد وتفضل، ومفعول نزيد محذوف أي ثوابا ms03397 وزيادة منهم في قوله
~~تعالى شأنه: { فبدل الذين ظلموا منهم.. }.

### || [7.162]

# { فبدل الذين ظلموا منهم } لزيادة البيان أي بدل الذي
~~ظلموا من هؤلاء بما أمروا به من التوبة والاستغفار حيث أعرضوا عنه ووضعوا
~~موضعه { قولا } آخر مما لا خير فيه { غير الذى قيل لهم }
~~وأمروا بقوله و { غير } نعت للقول وصرح بالمغايرة مع دلالة التبديل
~~عليها تحقيقا للمخالفة وتنصيصا على المغايرة من كل وجه { فأرسلنا
~~عليهم } إثر ما فعلوا ما فعلوا من غير تأخير { رجزا من
~~السمآء } عذابا كائنا منها وهو الطاعون في رواية. { بما كانوا
~~يظلمون } أي بسبب ظلمهم المستمر السابق واللاحق، وهذا بمعنى ما في
~~البقرة [59] لأن ضمير { عليهم } للذين ظلموا والإرسال من فوق إنزال،
~~والتصريح بهذا التعليل لما أن الحكم ههنا مرتب على المضمر دون الموصول
~~بالظلم كما في البقرة، وأما التعليل بالفسق بعد الإشعار بعلية الظلم هناك
~~فللإيذان بأن ذلك فسق وخروج عن الطاعة وغلو في الظلم وأن تعذيبهم بجميع
~~ما ارتكبوا من القبائح كما قيل. وقال القطب في وجه المغايرة: إن الإرسال
~~مشعر بالكثرة بخلاف الإنزال فكأنه أنزل العذاب القليل ثم جعل كثيرا وإن
~~الفائدة في ذكر الظلم والفسق في الموضعين الدلالة على حصولهما فيهم معا،
~~وقد تقدم لك في وجوه المغايرة بين آية البقرة وهذه الآية ما ينفعك تذكره
~~فتذكر.

### || [7.163]

# { واسألهم } عطف على اذكر المشار إليه فيما تقدم آنفا، والخطاب
~~للنبي صلى الله عليه وسلم، وضمير الغيبة لمن بحضرته عليه الصلاة والسلام
~~من نسل اليهود أي واسأل اليهود المعاصرين لك سؤال تقريع وتقرير بتقدم
~~تجاوزهم لحدود الله تعالى، والمراد إعلامهم بذلك لأنهم كانوا يخفونه، وفي
~~الإطلاع عليه مع كونه عليه الصلاة والسلام ليس / ممن مارس كتبهم أو تعلمه
~~من علمائهم ما يقضي بأن ذلك عن وحي فيكون معجزة شاهدة عليهم { عن
~~القرية } أي عن خبرها وحالها وما وقع بأهلها من ثالثة الأثافي،
~~والمراد بالسؤال عن ذلك ما يعم السؤال عن النفس وعن الأهل أو الكلام على
~~تقدير مضاف، والمراد عن حال أهل القرية، ms03398 وجوز التجوز فيها، وهي عند ابن
~~عباس وابن جبير  أيلة  قرية بين مدين والطور. وعن ابن شهاب هي طبرية،
~~وقيل: مدين وهي رواية عن الحبر، وعن ابن زيد أنها مقنا بين مدين وعينونا
~~{ التى كانت حاضرة البحر } أي قريبة منه مشرفة على شاطئه {
~~إذ يعدون فى السبت } أي يظلمون ويتجاوزون حدود الله تعالى
~~بالصيد يوم السبت أو بتعظيمه، و(إذ) بدل من المسؤول عنه بدل اشتمال أو
~~ظرف للمضاف المصدر، قيل: واحتمال كونه ظرفا لكانت أو حاضرة ليس بشيء إذ
~~لا فائدة بتقييد الكون أو الحضور بوقت العدوان وضمير { يعدون } للأهل
~~المقدر أو المعلوم من الكلام، وقيل: إلى { القرية } على سبيل
~~الاستخدام، وقرىء { يعدون } بمعنى يعتدون أدغمت التاء في الدال ونقلت
~~حركتها إلى العين و { يعدون } من الإعداد حيث كانوا يعدون آلات الصيد
~~يوم السبت وهم منهيون عن الاشتغال فيه بغير العبادة { إذ تأتيهم
~~حيتانهم } ظرف ليعدون أو بدل بعد بدل، وإلى الأول ذهب أكثر
~~المعربين، وهو الأولى لأن السؤال عن عدوانهم أبلغ في التقريع، وحيتان جمع
~~حوت أبدلت الواو ياءا لسكونها وانكسار ما قبلها كنون ونينان لفظا ومعنى
~~وإضافتها إليهم باعتبار أن المراد الحيتان الكائنة في تلك الناحية التي
~~هم فيها، وقيل: للإشعار باختصاصها بهم لاستقلالها بما لا يكاد يوجد في
~~سائر أفراد الجنس من الخواص الخارقة للعادة، ولا يخفى بعده { يوم
~~سبتهم } ظرف لتأتيهم أي تأتيهم يوم تعظيمهم لأمر السبت، وهو مصدر
~~سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت بترك العمل والتفرغ للعبادة فيه، وقيل:
~~اسم لليوم والإضافة لاختصاصهم بأحكام فيه، ويؤيد الأول قراءة عمر بن عبد
~~العزيز { يوم أسباتهم } ، وكذا النفي الآتي { شرعا } أي ظاهرة على
~~وجه الماء كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قريبة من الساحل، وهو
~~جمع شارع من شرع عليه إذا دنا وأشرف، وفي الشرع معنى الإظهار والتبيين،
~~وقيل: حيتان شرع رافعة رؤسها كأنه جعل ذلك إظهارا وتبيينا، وقيل:
~~المعنى متتابعة ونسب إلى الضحاك، والظاهر أنها ظاهرة وهو نصب على الحال
~~من الحيتان { ويوم ms03399 لا يسبتون } أي لا يراعون أمر السبت وهو على
~~حد قوله:

# على لا حب لا يهتدي بمناره

# إذ المقصود انتفاء السبت والمراعاة. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه { لا
~~يسبتون } بضم حرف المضارعة من أسبت إذا دخل في السبت كأصبح إذا دخل في
~~الصباح، وعن الحسن أنه قرأ { لا يسبتون } على البناء للمفعول بمعنى لا
~~يدخلون في السبت ولا يؤمرون فيه بما أمروا به يوم السبت، وقرىء { لا
~~يسبتون } بضم الباء والظرف متعلق بقوله سبحانه: { لا تأتيهم }
~~أي لا تأتيهم يوم لا يسبتون كما كانت تأتيهم يوم السبت حذرا من صيدهم
~~لاعتيادها أحوالهم وأن ذلك لمحض تقدير العزيز العليم، وتغيير البسك حيث
~~قدم الظرف على الفعل ولم يعكس لما أن الإتيان يوم سبتهم مظنة كما قيل:
~~لأن يقال فماذا حالها يوم لا يسبتون؟ فقيل: يوم لا يسبتون لا تأتيهم.

# { كذلك نبلوهم } أي نعاملهم معاملة المختبرين لهم ليظهر منهم ما
~~يظهر فنؤاخذهم به، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها
~~والتعجيب / منها، والإشارة إما إلى الابتلاء السابق أو إلى الابتلاء
~~المذكور بعد كما مر غير مرة؛ وقيل: الإشارة إلى الإتيان يوم السبت، وهي
~~متصلة بما قبل أي لا تأتيهم كذلك الإتيان يوم السبت، والكاف في موضع نصب
~~على الحال عند الطبرسي، وجوز أن يكون متعلقا بمحذوف وقع صفة لمصدر مقدر
~~أي إتيانا كائنا كذلك، وجملة { نبلوهم } استئناف مبني على السؤال
~~عن حكم اختلاف حال الحيتان بالاتيان تارة وعدمه أخرى { بما كانوا
~~يفسقون } أي بسبب فسقهم المستمر في كل ما يأتون ويذرون، وهو متعلق
~~بماعنده، وتعلق { إذ يعدون } بنبلوهم وبما يعدون على معنى نبلوهم
~~وقت العدوان بالفسق مما لا ينبغي تخريج كتاب الله تعالى الجليل عليه.

### || [7.164]

# { وإذ قالت } عطف على

# إذ يعدون

# [الأعراف: 163] مسوق لبيان تماديهم في العدوان وعدم انزجارهم عنه بعد
~~العظات والإنذارات. قال العلامتان الطيبي والتفتازاني: ولا يجوز أن يكون
~~معطوفا على

# إذ تأتيهم

# [الأعراف: 163] وإن كان أقرب لفظا لأنه إما بدل أو ظرف فيلزم أن يدخل
~~هؤلاء القائلون ms03400 في حكم أهل العدوان وليس كذلك، وهذا على ما قيل على تقدير
~~الظرفية ظاهر، وأما على تقدير الإبدال فلأن البدل أقرب إلى الاستقلال،
~~واستظهر في بيان وجه ذلك ان زمان القول بعد زمان العدوان ومغاير له
~~واعتبار كونه ممتدا كسنة مثلا يقع فيه ذلك كله تكلف من غير مقتض،
~~والقول بأن العطف على ذاك يشعر أو يوهم أن القائلين من العادين في السبت
~~لا من مطلق أهل القرية فيه ما فيه { أمة منهم } أي جماعة من
~~صلحائهم الذين لم يألوا جهدا في عظتهم حين يئسوا من احتمال القبول
~~لآخرين لم يقلعوا عن التذكير رجاء النفع والتأثير.

# { لم تعظون قوما الله مهلكهم } أي مستأصلهم بالكلية
~~ومطهر وجه الأرض منهم { أو معذبهم عذابا شديدا } دون
~~الاستئصال بالمرة، وقيل مهلكهم في الدنيا أو معذبهم في الآخرة لعدم
~~إقلاعهم عما هم عليه من الفسق والترديد لمنع الخلو على هذا، وإيثار صيغة
~~اسم الفاعل في الشقين للدلالة على تحقق كل من الاهلاك والتعذيب وتقررهما
~~البتة كأنهما واقعان، وإنما قالوا ذلك مبالغة في أن الوعظ لا ينجع فيهم
~~إذ المقصود لا تعظوا أو أتعظون فعدل عنه إلى السؤال عن السبب لاستغرابه
~~لأن الأمر العجيب لا يدري سببه أو سؤالا عن حكمة الوعظ ونفعه، وقيل: إن
~~هذا تقاول وقع بين الصلحاء الواعظين كأنه قال بعضهم لبعض: لم نشتغل بما
~~لا يفيد؟ ويحتمل على كلا القولين أن ذلك صدر من القائل بمحضر من القوم
~~فيكون متضمنا لحثهم على الاتعاظ فإن بت القول بهلاكهم أو عذابهم مما
~~يلقي في قلوبهم الخوف والخشية، وقيل قائلو ذلك المعتدون في السبت قالوا
~~تهكما بالناصحين المخوفين لهم بالهلاك والعذاب، وفيه بعد كما ستقف عليه
~~قريبا إن شاء الله تعالى. { قالوا } أي المقول لهم ذلك { معذرة
~~إلى ربكم } أي نعظهم معذرة إليه تعالى على أنه مفعول له وهو
~~الأنسب بظاهر قولهم: لم تعظون أو نعتذر معذرة على أنه مفعول مطلق لفعل
~~محذوف، وقيل: هو مفعول به للقول وهو وإن كان مفردا في معنى الجملة ms03401 لأنه
~~الكلام الذي يعتذر به. والمعذرة في الأصل بمعنى العذر وهو التنصل من
~~الذنب، وقال الأزهري: إنه بمعنى الاعتذار، وعداه بإلى لتضمنه معنى
~~الإنهاء والإبلاغ، وفي إضافة الرب إلى ضمير المخاطبين نوع تعريض
~~بالسائلين، وهذا الجواب على القولين الأولين ظاهر وعلى الأخير قيل إنه من
~~تلقي السائل بغير ما يترقب فهو من الأسلوب الحكيم، وقرأ من عدا حفص
~~والمفضل { معذرة } بالرفع على أنه خبر مبتدأ / محذوف أي موعظتنا
~~معذرة إليه تعالى حتى لا ننسب إلى نوع تفريط في النهي عن المنكر {
~~ولعلهم يتقون } عطف على { معذرة } أي ورجاء أن يتقوا
~~بعض التقاة فإن اليأس المحقق لا يحصل إلا بالهلاك، قال شيخ الإسلام: وهذا
~~صريح في أن القائلين لم تعظون الخ ليسوا من الفرقة الهالكة وإلا لوجب
~~الخطاب ا ه.

# وقد يوجه ذلك على ذلك القول بأنه التفات أو مشاكلة لتعبيرهم عن أنفسهم
~~في السؤال بقوم وإما لجعله باعتبار غير الطائفة القائلين إلا أن كل ذلك
~~خلاف الظاهر.

### || [7.165]

# { فلما نسوا ما ذكروا به } أي تركوا ما ذكرهم به صلحاؤهم
~~ترك الناسي للشيء وأعرضوا عنه إعراضا كليا، فما موصولة وجوز أن تكون
~~مصدرية، وهو خلاف الظاهر. والنسيان مجاز عن الترك، واستظهر أنه استعارة
~~حيث شبه الترك بالنسيان بجامع عدم المبالاة، وجوز أن يكون مجازا مرسلا
~~لعلاقة السببية، ولم يحمل على ظاهره كما قال بعضهم المحققين لأنه غير
~~واقع ولأنه لا يؤاخذ بالنسيان ولأن الترك عن عمد هو الذي يترتب عليه
~~انجاء الناهين في قوله سبحانه وتعالى: { أنجينا الذين ينهون
~~عن السوء } إذ لم يمتثلوا أمرهم بخلاف ما لو نسوه فإنه كان يلزمهم
~~تذكيرهم وظاهر الآية ترتب الإنجاء على النسيان وهو في الحقيقة مرتب على
~~النسيان والتذكير، وما في حيز الشرط مشير إليهما فكأنه قيل: فلما ذكر
~~المذكرون ولم يتذكر المعتدون وأعرضوا عما ذكروا به أنجينا الأولين وأخذنا
~~الآخرين، وعنوان النهي عن السوء شامل للذين قالوا

# لم تعظون

# [الأعراف: 164] الخ وللمقول لهم ذلك، أما شموله للمقول لهم فواضح وأما
~~شموله للقائلين فلأنهم ms03402 نهوا أيضا إلا أنهم رأوا عدم النفع فكفوا وذلك لا
~~يضرهم فقد نصوا على أنه إذا علم الناهي حال المنهي وأن النهي لا يؤثر فيه
~~سقط عنه النهي وربما وجب الترك على ما قال الزمخشري لدخوله في باب العبث،
~~ألا ترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين القاعدين على الطريق لأخذ أموال
~~الفقراء وغيرهم بغير حق لتعظهم وتكفهم عما هم عليه كان ذلك عبثا منك ولم
~~يكن إلا سببا للتلهي بك، ولم يعرض أولئك كما أعرض هؤلاء لعدم بلوغهم في
~~اليأس كما بلغ إخوانهم أو لفرط حرصهم وجدهم في أمرهم كما وصف الله تعالى
~~رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:

# فلعلك بخع نفسك على ءاثرهم

# [الكهف: 6] وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لا أدري ما
~~فعلت الفرقة الساكتة وعنى بهم القائلين ومنشأ قوله هذا كما نطقت به بعض
~~الروايات أنه سمع قوله سبحانه: { أنجينا الذين ينهون عن
~~السوء } وقوله جل وعلا: { وأخذنا الذين ظلموا } أي
~~بالاعتداء ومخالفة الأمر ولم يغص رضي الله تعالى عنه مع أنه الغواص فقال
~~له عكرمة: جعلني الله فداك ألا تراهم كيف أنكروا وكرهوا ما القوم عليه
~~وقالوا ما قالوا وإن لم يقل الله سبحانه أنجيتهم لم يقل أهلكتهم فأعجبه
~~قوله وأمر له ببردين وقال: نجت الساكتة، ونسب الطبرسي إليه رضي الله
~~تعالى عنه قولين آخرين في الساكتة أحدهما القول بالتوقف وثانيهما القول
~~بالهلاك وبه قال ابن زيد، وروي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه
~~فالمأخوذ حينئذ الساكتون والظالمون.

# { بعذاب بئيس } أي شديد وفسره الحبر بما لا رحمة فيه ويرجع إلى
~~ما ذكر، وهو فعيل إما وصف أو مصدر كالنكير وصف به مبالغة، والأكثرون على
~~كونه وصفا من بؤس يبؤس بأسا إذا اشتد.

# / وقال الراغب: البؤس ((البؤس والبأس والبأساء الشدة والمكروه إلا أن
~~البؤس في الفقرة والحرب أكثر والبأس والبأساء في النكاية))، وقرأ أبو بكر
~~{ بيئس } على فيعل كضيغم وهو من الأوزان التي تكون في الصفات والأسماء،
~~والياء إذا زيدت ms03403 في المصدر هكذا تصيره اسما أو صفة كصقل وصيقل وعينه
~~مفتوحة في الصحيح مكسورة في المعتل كسيد، ومن هنا قيل في قراءة عاصم في
~~رواية عنه { بيئس } بكسر الهمزة إنها ضعيفة رواية ودراية ويخففها أن
~~المهموز أخو المعتل، وقرأ ابن عامر { بئس } بكسر الباء وسكون الهمزة على
~~أن أصله بئس بباء مفتوحة وهمزة مكسورة كحذر فسكن للتخفيف كما قالوا في
~~كبد كبد وفي كلمة كلمة، وقرأ نافع { بيس } على قلب الهمزة ياء كما قلبت
~~في ذيب لسكونها وانكسار ما قبلها، وقيل: إن هاتين القراءتين مخرجتان على
~~أن أصل الكلمة بئس التي هي فعل ذم جعلت اسما كما في قيل وقال، والمعنى
~~بعذاب مذموم مكروه، وقرىء { بيس } كريس وكيس على قلب الهمزة ياء ثم
~~إدغامها في الياء، وقيل: على أنه من البؤس بالواو وأصله بيوس كميوت فأعل
~~إعلاله و { بيس } على التخفيف كهين و { بائس } بزنة اسم الفاعل أي ذو بأس
~~وشدة، وقرىء غير ذلك، وأوصل بعضهم ما فيه من القراءات إلى ست وعشرين،
~~وتنكير العذاب للتفخيم والتهويل.

# { بما كانوا يفسقون } متعلق بأخذنا كالباء الأولى ولا ضير فيه
~~لاختلافهما معنى أي أخذناهم بما ذكر من العذاب بسبب فسقهم المستمر، ولا
~~مانع من أن يكون ذلك سببا للأخذ كما كان سببا للابتداء وكذا لا مانع من
~~تعليله بما ذكر بعد تعليله بالظلم الذي في حيز الصلة لأن ذلك ظلم أيضا،
~~ولم يكتف بالأولى لما لا يخفى.

### || [7.166]

# { فلما عتوا } أي تكبروا { عن ما نهوا عنه } أي عن ترك
~~ذلك ففي الكلام تقدير مضاف إذ التكبر والإباء عن المنهي عنه لا يذم {
~~قلنا لهم كونوا قردة خسئين } صاغرين أذلاء مبعدين عن
~~كل خير والأمر تكويني لا تكليفي لأنه ليس في وسعهم حتى يكلفوا به، وهذا
~~كقوله تعالى:

# إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن
~~فيكون

# [النحل: 40] في أنه يحتمل أن يكون هناك قول وأن يكون الغرض مجرد
~~التمثيل، والظاهر أن الله تعالى أوقع بهم نكالا في الدنيا غير المسخ فلم
~~يقلعوا ms03404 عما كانوا عليه فمسخهم قردة. وجوز أن يكون المراد بالعذاب البئيس
~~هو المسخ وتكون هذه الآية تفصيلا لما قبلها. روي عن ابن عباس أن اليهود
~~إنما افترض عليهم اليوم الذي افترض عليكم وهو يوم الجمعة فخالفوا إلى يوم
~~السبت واختاروه فحرم عليهم الصيد فيه وابتلوا به فكانت الحيتان تأتيهم
~~يوم السبت شرعا بيضا سمانا حتى لا يرى الماء من كثرتها فمكثوا ما شاء
~~الله تعالى لا يصيدون ثم أتاهم الشيطان فقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم
~~السبت فاتخذوا الحياض والشبكات فكانوا يسوقون الحيتان إليها فيه ثم
~~يأخذونها يوم الأحد، وفي رواية أن رجلا منهم أخذ حوتا فحزمه بخيط ثم
~~ضرب له وتدا في الساحل وربطه فيه وتركه في الماء فلما كان الغد جاء
~~فأخذه وأكله فلاموه على ذلك فلما لم يأته العذاب أخذ في السبت القابل
~~حوتين وفعل ما فعل ولم يصبه شيء فلما رأوا أن العذاب لا يعاجلهم تجاسروا
~~فأخذوا وملحوا وباعوا وكانوا نحوا من اثني عشر ألفا أو من سبعين ألفا
~~فصار أهل القرية أثلاثا كما قص الله تعالى فقال المسلمون للمعتدين نحن
~~لا نساكنكم فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب وكانت القصة
~~في زمن داود عليه السلام فلعنهم فأصبح المسلمون ذات يوم ولم يخرج من
~~المعتدين أحد فقالوا: إن لهؤلاء لشأنا لعل الخمر غلبتهم فعلوا على
~~الجدار فإذا القوم قردة ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت القردة أنسابها
~~من الإنس ولم تعرف الإنس أنسابهم منها فجعلت تأتي إلى نسيبها فتشم /
~~ثيابه وتبكي فيقول: ألم ننهكم فتقول القردة برأسها نعم ثم ماتوا بعد
~~ثلاث. وعن قتادة أن الشبان صاروا قردة والشيوخ خنازير، وعن مجاهد أنه
~~مسخت قلوبهم فلم يوفقوا لفهم الحق.

# وأخرج ابن جرير وغيره عن الحسن قال: كان حوتا حرمه الله عليهم في يوم
~~وأحله لهم فيما سوى ذلك فكان يأتيهم في اليوم الذي حرمه الله تعالى عليهم
~~كأنه المخاض ما يمتنع من أحد فجعلوا يهمون ويمسكون وقلما رأيت أحدا أكثر
~~الاهتمام بالذنب إلا واقعة حتى أخذوه ms03405 فأكلوا والله أوخم أكلة أكلها قوم
~~أثقلها خزيا في الدنيا وأطولها عذابا في الآخرة وأيم الله تعالى ما حوت
~~أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله تعالى من قتل رجل مؤمن وللمؤمن أعظم حرمة
~~عند الله سبحانه من حوت ولكن الله عز وجل جعل موعد قوم الساعة والساعة
~~أدهى وأمر.

# وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه كان على شاطىء البحر الذي هم عنده صنمان
~~من حجارة مستقبلان الماء يقال لأحدهما لقيم وللآخر لقمانة فأوحى الله
~~تعالى إلى السمك إن حج يوم السبت إلى الصنمين وأوحى إلى أهل القرية إني
~~قد أمرت السمك أن يحجوا إلى الصنمين يوم السبت فلا تتعرضوه فيه فإذا ذهب
~~اليوم فشأنكم به فصيدوه فابتلي القوم ووقع منهم ما مسخوا به قردة وفي
~~القلب من صحة هذا الأثر شيء ولعله لا صحة له كما لا يخفى على من يعرف
~~معنى الحج من المصلين، ويشبه هذين الصنمين عين حق لان قرب جزيرة الحديثة
~~من العراق وهي قريبة من شاطىء الفرات فإن السمك يزورها في أيام مخصوصة من
~~السنة حتى يخيل أنه لم يبق في بطن الفرات حوت إلا قذف إليها فيصيد أهل
~~ذلك الصقع منه ما شاء الله تعالى وينقلونه إلى الجزائر والقرى القريبة
~~منهم كألوس وحبة وعانات وهيت ثم ينقطع فلا ترى سمكة في العين بعد تلك
~~الأيام إلى مثلها من قابل وسبحان الفعال لما يريد، واستدل بعض أهل العلم
~~بقصة هؤلاء المعتدين على حرمة الحيل في الدين، وأيد ذلك بما أخرجه ابن
~~بطة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل ".

### || [7.167]

# { وإذ تأذن ربك } منصوب بمضمر معطوف على قوله سبحانه:

# وسئلهم

# [الأعراف: 163] وتأذن تفعل من الإذن وهو بمعنى آذن أي أعلم والتفعل يجيء
~~بمعنى الإفعال كالتوعد والإيعاد، وإلى هذا يؤول ما روي عن ابن عباس من أن
~~المعنى قال ربك، وفسره بعضهم بعزم وهو كناية عنه أو مجاز لأن العازم على ms03406
~~الأمر يشاور نفسه في الفعل والترك ثم يجزم فهو يطلب من النفس الإذن فيه،
~~وفي «الكشف» لو جعل بمعنى الاستئذان دون الإيذان كأنه يطلب الإذن من نفسه
~~لكان وجها، وحيث جعل بمعنى عزم وكان العازم جازما فسر عزم بجزم وقضى
~~فأفاد التأكيد فلذا أجري مجرى القسم، وأجيب بما يجاب به وهو هنا {
~~ليبعثن } وجاء عزمت عليك لتفعلن، ولا يرد على هذا أنه مقتضي لجواز
~~نسبة العزم إليه تعالى وقد صرح بمنع ذلك لأن المنع مدفوع فقد ورد عزمة من
~~عزمات الله تعالى { عليهم } أي اليهود لا المعتدين الذين مسخوا قردة
~~إذ لم يبقوا كما علمت، ويحتمل عود الضمير عليهم بناء على ما روي عن
~~الحسن. والمراد حينئذ هم وأخلافهم، وعوده إلى اليهود والنصارى ليس بشيء
~~وإن روي عن مجاهد، والجار متعلق بيبعثن على معنى يسلط عليهم البتة {
~~إلى يوم القيمة } أي إلى انتهاء الدنيا وهو متعلق بيبعث،
~~وقيل: بتأذن وليس / بالوجه ولا يصح كما لا يخفى تعلقه بالصلة في قوله
~~سبحانه: { من يسومهم } يذيقهم ويوليهم { سوء العذاب }
~~كالإذلال وضرب الجزية وعدم وجود منعة لهم وجعلهم تحت الأيدي وغير ذلك من
~~فنون العذاب، وقد بعث الله تعالى عليهم بعد سليمان عليه الصلاة والسلام
~~بخت نصر فخرب ديارهم وقتل مقاتلتهم وسبى نساءهم وذراريهم وضرب الجزية على
~~من بقي منهم وكانوا يؤدونها إلى المجوس حتى بعث النبي صلى الله عليه
~~وسلم ففعل ما فعل ثم ضرب الجزية عليهم فلا تزال مضروبة إلى آخر الدهر ولا
~~ينافي ذلك رفعها عند نزول عيسى عليه الصلاة والسلام لأن ذلك الوقت ملحق
~~بالآخرة لقربه منها أو لأن معنى رفعه عليه السلام إياها عنهم أنه لا يقبل
~~منهم إلا الإسلام ويخيرهم بينه وبين السيف فالقوم حينئذ إما مسلمون أو
~~طعمة لسيوفهم فلا إشكال، وما يحصل لهم زمن الدجال مع كونه ذلا في نفسه
~~غمامة صيف على أنهم ليسوا يهود حين التبعية { إن ربك لسريع
~~العقاب } لما شاء سبحانه أن يعاقبه في الدنيا ومنهم هؤلاء، وقيل: في
~~الآخرة، وقيل: ms03407 فيهما { وإنه لغفور رحيم } لمن تاب وآمن.

### || [7.168]

# { وقطعنهم } أي فرقنا بني اسرائيل أو صيرناهم { فى الأرض
~~} وجعلنا كل فرقة منهم في قطر من أقطارها بحيث لا يكاد يخلو قطر منهم
~~تكملة لأدبارهم حتى لا يكون لهم شوكة وهذا من مغيبات القرآن كالذي تضمنته
~~الآية قبل، وقوله سبحانه: { أمما } إما مفعول ثان لقطعنا وإما حال من
~~مفعوله { منهم الصلحون } وهم كما قال الطبري من آمن بالله
~~تعالى ورسوله وثبت على دينه قبل بعث عيسى عليه الصلاة والسلام وقيل هم
~~الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ونسب ذلك إلى ابن عباس
~~ومجاهد، وقيل: هم الذين وراء الصين وهو عندي وراء الصين، والجار متعلق
~~بمحذوف خبر مقدم و { الصلحون } مبتدأ، وجوز أن يكون فاعلا للظرف
~~والجملة في موضع النصب صفة لأمم على الاحتمالين، وجوز أن تكون في موضع
~~الحال وهي بدل من أمم على الاحتمال الثاني وأن تكون صفة موصوف مقدر هو
~~البدل على الأول أي قوما منهم الصالحون { ومنهم دون ذلك } أي
~~منحطون عن أولئك الصالحين غير بالغين منزلتهم في الصلاح وهم الذين
~~امتثلوا بعض الأوامر وخالفوا بعضا مع كونهم مؤمنين، وقيل: هم الكفرة
~~منهم بناء على أن المراد بالصلاح الإيمان، وقيل: المراد بهم ما يشمل
~~الكفرة والفسقة، والجار متعلق بمحذوف خبر مقدم و { دون } على ما ذكره
~~الطبرسي مبتدأ إلا أنه بقي مفتوحا لتمكنه في الظرفية مع إضافته إلى
~~المبنى، ومثله على قول أبي الحسن { بينكم } في قوله سبحانه:

# لقد تقطع بينكم

# [الأنعام: 94] أو المبتدأ محذوف والظرف صفته أي ومنهم أناس أو فرقة دون
~~ذلك، ومن المشهور عند النحاة أن الموصوف بظرف أو جملة يطرد حذفه إذا كان
~~بعض اسم مجرور بمن أو في مقدم عليه كما في منا أقام ومنا ظعن، ومحط
~~الفائدة الانقسام إلى أن هؤلاء منقسمون إلى قسمين، ومن الناس من تكلف في
~~مثل هذا التركيب لجعل الظرف الأول صفة مبتدأ محذوف، وجعل الظرف الثاني
~~خبرا لما ظنه داعيا لذلك وليس بشيء، والإشارة للصالحين، ms03408 وقد ذكروا أن
~~اسم الإشارة المفرد قد يستعمل للمثنى والمجموع وقد مرت الإشارة إليه،
~~وقيل: أشير به إلى الصلاح كما يقتضيه ظاهر الإفراد ويقدر حينئذ مضاف وهو
~~أهل مثلا { وبلونهم بالحسنت } الخصب والعافية {
~~والسيئات } الجدب والشدة { لعلهم يرجعون } أي يتوبون
~~عما كانوا عليه مما نهوا عنه.

### || [7.169]

# { فخلف من بعدهم } أي المذكورين، وقيل: / الصالحين { خلف }
~~أي بدل سوء مصدر نعت به ولذلك يقع على الواحد والجمع، وقيل: هو اسم جمع
~~وهو مراد من قال: إنه جمع وهو شائع في الشر، ومنه سكت ألفا ونطق خلفا،
~~والخلف بفتح اللام في الخير وادعى بعضهم الوضع لذلك، وقيل: هما بمعنى وهو
~~من يخلف غيره صالحا كان أو طالحا، ومن مجيء الساكن في المدح قول حسان:

# لنا القدم الأولى إليك وخلفنا

# لأولنا في طاعة الله تابع

# ومن مجيء المتحرك في الذم قول لبيد:

# ذهب الذين يعاش في أكنافهم

# وبقيت في خلف كجلد الأجرب

# وعن البصريين أنه يجوز التحريك والسكون في الردي وأما الجيد فبالتحريك
~~فقط ووافقهم أهل اللغة إلا الفراء وأبا عبيدة، واشتقاقه إما من الخلافة
~~أو من الخلوف وهو الفساد والتغير ومنه خلوف فم الصائم، وقال أبو حاتم:
~~الخلف بالسكون الأولاد الواحد والجمع فيه سواء والخلف بالفتح البدل ولدا
~~كان أو غريبا؛ والأكثرون على أن المراد بهؤلاء الخلف الذين كانوا في عصر
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وحينئذ لا يصح تفسير الصالحين بمن آمن به
~~عليه الصلاة والسلام، والظاهر أنهم من اليهود وعن مجاهد أنهم النصارى
~~وليس بذاك. { ورثوا الكتب } أي التوراة والوراثة مجاز عن كونها
~~في أيديهم وكونهم واقفين على ما فيها بعد أسلافهم. وقرأ الحسن {
~~ورثوا } بالضم والتشديد مبنيا لما لم يسم فاعله والجملة على
~~القراءتين في موضع الصفة لخلف وقوله سبحانه: { يأخذون عرض
~~هذا الأدنى } استئناف مسوق لبيان ما يصنعون بالكتاب بعد وراثتهم
~~إياه. وقال أبو البقاء: حال من الضمير في { ورثوا } واستظهره بعضهم
~~ويكفي مقارنته لبعض زمان الوراثة لامتداده، والغرض ما لا ثبات له ومنه
~~استعار المتكلمون العرض ms03409 لمقابل الجوهر. وفي «النهاية» ((العرض بالفتح
~~متاع الدنيا وحطامها))، وقال أبو عبيدة: هو غير النقدين من متاعها
~~وبالسكون المال والقيم، و { الأدنى } صفة لمحذوف أي الشيء الأدنى
~~والمراد به الدنيا وهو من الدنو للقرب بالنسبة إلى الآخرة، وكونها من
~~الدناءة خلاف الظاهر وإن كان ذلك ظاهرا فيها لأنه مهموز، والمراد بهذا
~~العرض ما يؤخذونه من الرشا في الحكومات وعلى تحريف الكلام.

# { ويقولون سيغفر لنا } ولا يؤاخذنا الله تعالى بذلك ويتجاوز
~~عنا، والجملة عطف على ما قبلها واحتمال الحالية يحتاج إلى تقدير مبتدأ من
~~غير حاجة ظاهرة والفعل مسند إلى الجار والمجرور؛ وجوز أن يكون مسندا إلى
~~ضمير { يأخذون }  { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه
~~} في موضع الحال قيل من ضمير { يقولون } ، والقول بمعنى الاعتقاد أي
~~يرجون المغفرة وهم مصرون على الذنب عائدون إلى مثله غير تائبين عنه،
~~وقيل: من ضمير { لنا } والمعنى على ذلك والأول أظهر، والقول بأن تقييد
~~القول بذلك لا يستلزم تقييد المغفرة به والمطلوب الثاني والثاني متكفل به
~~لا يخلو عن نظر.

# واختار الحلبي والسفاقسي أن الجملة مستأنفة لا لأن الجملة الشرطية لا
~~تقع حالا إذ وقوعها مما لا شك في صحته بل لأن في القول بالحالية نزغة
~~اعتزالية ولا يخفى أن الأمر وإن كان كذلك إلا أن الحالية أبلغ لأن رجاءهم
~~المغفرة في حال يضادها أوفق بالإنكار عليهم فافهم.

# { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتب } أي الميثاق المذكور
~~/ في التوراة فالإضافة على معنى في، ويجوز أن تكون اختصاصية على معنى
~~اللام ويؤول المعنى إلى ما ذكر، وال في الكتاب للعهد، وقوله سبحانه: {
~~أن لا يقولوا على الله إلا الحق } عطف بيان للميثاق،
~~وقيل: بدل منه، وقيل: إنه مفعول لأجله، وقيل: إنه متعلق بميثاق بتقدير
~~حرف الجر أي بأن لا يقولوا، وجوز في { أن } أن تكون مصدرية وأن تكون
~~مفسرة لميثاق لأنه بمعنى القول، وفي { لا } أن تكون ناهية وأن تكون
~~نافية واعتبار كل مع ما يصح معه مفوض إلى ذهنك، والمراد من الآية توبيخ
~~أولئك الورثة على بتهم ms03410 القول بالمغفرة مع إصرارهم على ما هم عليه. وعن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم وبخوا على إيجابهم على الله تعالى
~~غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ولا يتوبون منها، وجاء البت من
~~السين فإنها للتأكيد كما نص عليه المحققون، وقد عرض الزمخشري عامله
~~الله تعالى بعدله في تفسير هذه الآية بأهل السنة، وزعم أن مذهبهم هو مذهب
~~اليهود بعينه حيث جوزوا غفران الذنب من غير توبة، ونقل عن التوراة من
~~ارتكب ذنبا عظيما فإنه لا يغفر له إلا بالتوبة، وأنت تعلم أن اليهود
~~أكدوا القول بالغفران وأهل السنة لا يجزمون في المطيع بالغفران فضلا عن
~~العاصي بما هو حق الله تعالى فضلا عمن عصاه سبحانه فيما هو من حقوق
~~العباد فالموجبون على الله تعالى وإن كان بالنسبة إلى التائب أقرب إليهم
~~فهل ما ادعاه إلا من قبيل ما جاء في المثل  رمتني بدائها وانسلت  وما
~~نقله عن التوراة إن كان استنباطا من الآية فلا تدل على ما في «الكشف»
~~إلا على تحريفهم ما في التوراة من نعت النبي صلى الله عليه وسلم وآية
~~الرجم ونحو ذلك من تسهيلاتهم على الخاصة وتخفيفاتهم على العامة يأخذون
~~الرشا بذلك والتقول على الله عظيمة وإن كان قد قرأ التوراة التي لم تحرف
~~وأنها هي تعين الحمل على الشرك بقواطع من كتاب الله تعالى الكريم أو يكون
~~ذلك لهم وهذا لهذه الأمة المرحومة خاصة، وقد سلم هو نحوا منه في قوله
~~سبحانه:

# يغفر لكم من ذنوبكم

# [الأحقاف: 31] وقد أطبق أهل السنة على ذم المتمني على الله، ورووا عن
~~شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها
~~وتمنيهم على الله سبحانه "

# ومن هنا قيل: إن القوم ذموا بأكلهم أموال الناس بالباطل وإتباع أنفسهم
~~هواها وتمنيهم على الله سبحانه ووبخوا على افترائهم على الله في الأحكام
~~التي غيروها وأخذوا عرض هذا الأدنى على تغييرها فكأنه قيل: الم يؤخذ ms03411
~~عليهم الميثاق المذكور في كتابهم أن لا يقولوا على الله تعالى في وقت من
~~الأوقات إلا الحق الذي تضمنه الكتاب؟ فلم حكموا بخلافه وقالوا: هو من عند
~~الله وما هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا؟ وفيه مع مخالفته لما
~~روي عن الحبر مخالفة للظاهر. وقرأ الجحدري { أن لا تقولوا } بالخطاب على
~~الالتفات.

# { ودرسوا ما فيه } أي قرأوه فهم ذاكرون لذلك، وهو عطف على {
~~ألم يؤخذ } من حيث المعنى وإن اختلفا خبرا وإنشاءا إذ المعنى
~~أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا الخ، وجوز كونه عطفا على { ألم
~~يؤخذ } والاستفهام التقريري داخل عليهما وهو خلاف الظاهر أو على {
~~ورثوا } وتكون جملة { ألم يؤخذ } معترضة وما قبلها حالية أو
~~يكون المجموع اعتراضا كما قيل ولا مانع منه خلا ان الطبرسي نقل عن بعضهم
~~تفسير درسوا على هذا الوجه من العطف بتركوا وضيعوا وفيه بعد. وقيل: إن
~~الجملة في موضع الحال من ضمير يقولوا بإضمار قد أي أخذ عليهم الميثاق بأن
~~لا يقولوا على الله إلا الحق الذي تضمنه كتابهم في حال دراستهم ما فيه
~~وتذكرهم له وهو كما ترى. وقرأ السلمي { ادارسوا } بتشديد الدال وألف
~~بعدها وأصله تدارسوا فادغمت التاء في الدال واجتلبت لها همزة الوصل.

# { والدار الأخرة خير للذين يتقون } الله تعالى
~~ويخافون عقابه فلا يفعلون ما فعل { أفلا تعقلون } فتعلموا ذلك
~~ولا تستبدلوا الأدنى المؤدي إلى العذاب بالنعيم المقيم، وهو خطاب لأولئك
~~المأخوذ عليهم الميثاق الآخذين لعرض هذا الأدنى؛ وفي الالتفات تشديد
~~للتوبيخ، وقيل: هو خطاب للمؤمنين ولا التفات فيه. وقرأ جمع بالياء على
~~الغيبة وبالتاء وقرأ نافع وابن عامر وابن ذكوان وأبو جعفر وسهل ويعقوب
~~وحفص. وهذه الآية ظاهرة في التوبيخ على الأخذ، وجعل بعضهم قوله سبحانه: {
~~ألم يؤخذ عليهم } الخ توبيخا على ذلك القول ففي الآية ما هو
~~من قبيل ما فيه اللف والنشر.

### || [7.170]

# { والذين يمسكون بالكتب } أي يتمسكون به في أمور
~~دينهم يقال: مسك بالشيء وتمسك به بمعنى، قال مجاهد وابن زيد: هم الذين
~~آمنوا من ms03412 أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه تمسكوا بالكتاب الذي جاء
~~به موسى عليه السلام فلم يحرفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه مأكلة وقال عطاء:
~~هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم والمراد من الكتاب القرآن الجليل الشأن،
~~وقرأ أبو بكر وحماد { يمسكون } بالتخفيف من الإمساك، وابن مسعود {
~~استمسكوا } ، وأبي { مسكوا } وفي ذلك موافقة لقوله تعالى: {
~~وأقاموا الصلوة } ولعل التغيير في المشهور للدلالة على أن
~~التمسك أمر مستمر في جميع الأزمنة بخلاف الإقامة فإنها مختصة بالأوقات
~~المخصوصة، وتخصيصها بالذكر من بين سائر العبادات مع دخولها بالتمسك
~~بالكتاب لإنافتها عليها لأنها عماد الدين، ومحل الموصول إما الجر عطفا
~~على

# للذين يتقون

# [الأعراف: 169]، وقوله تعالى:

# أفلا تعقلون

# [الأعراف: 169] اعتراض مقرر لما قبله، والاعتراض قد يقرن بالفاء كقوله:

# فاعلم فعلم المرء ينفعه

# أن سوف يأتي كل ما قدرا

# وإما الرفع على الابتداء والخبر قوله سبحانه: { إنا لا نضيع
~~أجر المصلحين } والرابط إما الضمير المحذوف كما هو رأي جمهور
~~البصريين أي أجر المصلحين منهم وإما الألف واللام كما هو رأي الكوفيين
~~فإنها كالعوض عن الضمير فكأنه قيل مصلحيهم، وأما العموم في المصلحين فإنه
~~على المشهور من الروابط ومنه نعم الرجل زيد على أحد الأوجه أو وضع الظاهر
~~موضع المضمر بناء على أن الأصل لا نضيع أجرهم إلا أنه غير لما ذكر
~~تنبيها على أن الصلاح كالمانع من التضييع لأن التعليق بالمشتق يفيد علية
~~مأخذ الاشتقاق فكأنه قيل: لا نضيع أجرهم لصلاحهم. وقيل: الخبر محذوف
~~والتقدير والذين يمسكون بالكتاب مأجورون أو مثابون، وقوله سبحانه: {
~~إنا لا نضيع } الخ حينئذ اعتراض مقرر لما قبله

### || [7.171]

# { وإذ نتقنا الجبل فوقهم } عطف على ما قبل بتقدير اذكر
~~والنتق الرفع كما روي عن ابن عباس، وإليه ذهب ابن الأعرابي، وعن أبي
~~مسلم أنه الجذب، ومنه نتقت الغرب من البئر، وعن أبي عبيدة أنه القلع وما
~~روي عن الحبر أوفق بقوله سبحانه:

# ورفعنا فوقهم الطور

# [النساء: 154] وعلى القولين الأخيرين يضمن معنى الرفع ليتطابق الآيتان،
~~والمراد بالجبل الطور أو جبل غيره وكان ms03413 فرسخا في فرسخ كمعسكر القوم فأمر
~~الله تعالى جبريل عليه السلام لما توقفوا عن أخذ التوراة وقبولها إذ
~~جاءتهم جملة مشتملة على ما يستثقلونه فقلعه من أصله ورفعه عليهم {
~~كأنه ظلة } أي غمامة أو سقيفة؛ وفسرت بذلك مع أنها كل ما علا
~~وأظل لأجل حرف التشبيه إذ لولاه لم يكن لدخوله وجه و فوق ظرف لنتقنا أو
~~حال / من الجبل مخصصة على ما قيل للرفع ببعض جهات العلو، والجملة الإسمية
~~بعد في موضع الحال أيضا أي مشابها ذلك.

# { وظنوا } أي تيقنوا { أنه واقع بهم } أي ساقط عليهم إن
~~لم يقبلوا فإنهم كانوا يوعدون بذلك بهذا الشرط والصادق لا يتخلف ما أخبر
~~به لكن لما لم يكن المفعول واقعا لعدم شرطه أشبه المظنون الذي قد يتخلف
~~فلهذا سمي ذلك ظنا. وقيل: تيقنوا ذلك لأن الجبل لا يثبت في الجو، واعترض
~~بأن عدم ثبوته فيه لا يقتضي التيقن لأنه على جري العادة وأما على خرقها
~~فالثابت الثبوت والواقع عدم الوقوع ويكون ذلك كرفعه فوقهم ووقوفه هناك
~~حتى كان ما كان منهم، والحق أن المتيقن لهم الوقوع إن لم يقبلوا لكونه
~~المعلق عليه، ففي الأثر أن بني إسرائيل أبوا أن يقبلوا التوراة فرفع
~~الجبل فوقهم، وقيل: إن قبلتم وإلا ليقعن عليكم فوقع كل منهم ساجدا على
~~حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا من سقوطه فلذلك لا
~~ترى يهوديا يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون: هي السجدة التي رفعت عنا
~~بها العقوبة وامتثلوا ما أمروا به ولا يقدح في ذلك احتمال الثبوت على خرق
~~العادة كما لا يقدح فيه عدم الوقوع إذا قبلوا، ألا ترى إلى أنه يتيقن
~~احتراق ما وقع في النار مع إمكان عدمه كما في قصة الخليل عليه الصلاة
~~والسلام، وذهب الرماني والجبائي إلى أن الظن على بابه، والمراد قوي في
~~نفوسهم أنه واقع، واختاره بعض المحققين، والجملة مستأنفة، وجوز أن تكون
~~معطوفة على { نتقنا } أو حالا بتقدير قد كما قال أبو البقاء.

# { خذوا } أي وقلنا خذوا أو ms03414 قائلين خذوا { ما ءاتينكم } من
~~الكتاب { بقوة } أي بجد وعزم على تحمل مشاقه، والجار والمجرور متعلق
~~بمحذوف وقع حالا من الواو، والمراد خذوا ذلك مجدين { واذكروا ما
~~فيه } أي اعملوا به ولا تتركوه كالمنسي وهو كناية عن ذلك أو مجاز.

# وقرأ ابن مسعود { وتذكروا } وقرىء واذكروا بمعنى وتذكروا { لعلكم
~~تتقون } بذلك قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق أو راجين أن تنتظموا في
~~سلك المتقين. وجوز أن يراد بما آتيناكم الآية العظيمة أعني نتق الجبل أي
~~خذوا ذلك إن كنتم تطيقونه كقوله تعالى

# إن استطعتم أن تنفذوا من أقطر السموات
~~والأرض فانفذوا

# [الرحمن: 33] واذكروا ما فيه من القدرة الباهرة والإنذار، وعلى هذا
~~فالمراد من نتق الجبل إظهار العجز لا غير، والكلام نظير قولك لمن يدعي
~~الصرعة والقوة بعد ما غلبته: خذه مني، وحاصله إن كنتم تطلبون آية قاهرة
~~وتقترحونها فخذوا ما آتيناكم إن كنتم تطيقونه، ولا يخفى أن ذلك خلاف
~~الظاهر والآثار على خلافه.

### || [7.172]

# { وإذ أخذ ربك } منصوب بمضمر على طرز ما سلف في نظائره وهو
~~معطوف على ما قبل مسوق لإلزام اليهود بمقتضى الميثاق العام فإن منهم من
~~أشرك فقال: عزير بن الله عز اسمه بعد إلزامهم بالميثاق المخصوص بهم
~~والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية ومنعهم عن التقليد، وبعضهم جوز
~~أن يكون تذييلا تعميما بعد التخصيص وإظهارا لتمادي هؤلاء اليهود في
~~الغي ومنعهم عن التقليد، وبعضهم جوز أن يكون تذييلا تعميما بعد التخصيص
~~وإظهارا لتمادي هؤلاء اليهود في الغي بعد أخذ الميثاق الخاص المدلول
~~عليه بقوله سبحانه:

# وإذ نتقنا الجبل

# [الأعراف: 171] لقوله جل وعلا:

# وإذا أخذنا ميثقكم ورفعنا فوقكم الطور

# في سورة البقرة: [63]، وعليه فلا عطف وهو أظهر من التذييل نظرا إلى
~~ظاهر اللفظ وأولى منه إذا خص العام بالمشركين كما قيل، وقد يقال: إن
~~الآية مسوقة لبيان أخذ ميثاق سابق من جميع الخلق مؤمنهم / وكافرهم قبل
~~هذه النشأة بما هو أهم الأمور والأصل الأصيل لجميع التكليفات على وجه خال
~~مما يشبه الإكراه متضمن لإلزام المشركين المعاصرين له صلى الله عليه ms03415 وسلم
~~ورفع احتجاجهم ما كانوا بعد الإشارة إلى أخذ ميثاق من قوم مخصوصين في هذه
~~النشأة على وجه هو أشبه الأشياء بالإكراه بما الظاهر فيه أنه من الأعمال
~~لأن القوم إذ ذاك كانوا مقرين بالربوبية بل بها وبرسالة موسى عليه السلام
~~فلم يكن حاجة إلى نتق الجبل فوقهم لذلك ولو قال قائل: إن ذكر ذلك خلال
~~الآيات المتعلقة باليهود من باب الاستطراد والمناسبة فيه ظاهرة لم يبعد
~~لكن الأول وهو الذي جرى عليه أكثر متأخري المفسرين أي واذكر لهم أو للناس
~~إذ أخذ ربك.

# { من بني ءادم } المراد بهم الذين ولد لهم مؤمنين كانوا أو
~~كفارا نسلا بعد نسل سوى من لم يولد له بسبب من الأسباب وتخصيصهم بأسلاف
~~اليهود الذين أشركوا بالله تعالى حيث قالوا ما قالوا مما لا يكاد يلتفت
~~إليه. وإيثار الأخذ على الإخراج للإيذان بشأن المأخوذ إذ ذاك لما فيه من
~~الأنباء عن الاجتباء والاصطفاء وهو السبب في إسناده في اسم الرب بطريق
~~الالتفات مع ما فيه من التمهيد للاستفهام الآتي، وإضافته إلى ضميره عليه
~~الصلاة والسلام للتشريف، وقيل: إن إيثار الأخذ على الإخراج لمناسبة ما
~~تضمنته الآية من الميثاق فإن الذي يناسبه هو الأخذ دون الإخراج، والتعبير
~~بالرب لما أن ذلك الأخذ باعتبار ما يتبعه من آثار الربوبية، واستأنس
~~بعضهم بمغايرة أسلوب هذا الكلام بما فيه من الالتفات لما قبله من قوله
~~سبحانه وتعالى:

# وإذ نتقنا

# [الأعراف: 171] ولما بعده من قوله تعالى:

# واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا

# [الأعراف: 175] لكونه استطراديا.

# وقوله تعالى: { من ظهورهم } بدل من { بني ءادم } بدل البعض
~~من الكل بتكرير الجار كما في قوله سبحانه وتعالى:

# للذين استضعفوا لمن آمن

# [الأعراف: 75] وقيل: بدل اشتمال وإليه ذهب أبو البقا،ء وبينه بعضهم بأن
~~بدل الاشتمال ما يكون بينه وبين المبدل منه ملابسة بحيث توجب النسبة إلى
~~المتبوع النسبة إلى التابع إجمالا نحو أعجبني زيد علمه فإنه يعلم ابتداء
~~أن زيدا معجب باعتبار صفاته لا باعتبار ذاته وتتضمن نسبة الإعجاب إليه
~~نسبته إلى صفة ms03416 من صفاته إجمالا، ونسبة الأخذ الذي هو بمعنى الإخراج هنا
~~إلى بني آدم نسبة إلى ظهورهم إجمالا لأنه يعمل ابتداء أن بني آدم ليسوا
~~مأخوذين باعتبار ذواتهم بل باعتبار أجسادهم وأعضائهم وتتضمن نسبة الأخذ
~~إليهم نسبته إلى أعضائهم إجمالا، وادعى أن القول به أولى من القول ببدل
~~البعض لأن النسبة إلى المبدل منه الكل تكون تامة وتحصل بها الفائدة بدون
~~ذكر البدل نحو أكلت الرغيف نصفه فإن النبسة تامة لو لم يذكر النصف ولا شك
~~أن النسبة هنا ليست تامة بدون ذكر البدل. وأيضا أن الظهور ليس بعض بني
~~آدم حقيقة بل بعض أعضائهم ولا يخفى ما في ذلك من النظر. و { من } في
~~الموضعين ابتدائية، وفيه مزيد تقرير لابتنائه على البيان بعد الإبهام
~~والتفصيل غب الإجمال، قيل: وتنبيه على أن الميثاق قد أخذ منهم وهم في
~~أصلاب الآباء ولم يستودعوا في أرحام الأمهات.

# وقوله تعالى: { ذريتهم } مفعول { أخذ } أخر عن المفعول
~~بواسطة الجار لاشتماله على ضمير راجع إليه فيلزم بالتقديم رجوع الضمير
~~إلى متأخر لفظا ورتبة وهو لا يجوز إلا في مواضع ليس هذا منها ولمراعاة
~~أصالته ومنشئيته ولما مر غير مرة من التشويق إلى المؤخر. وقرأ نافع وأبو
~~عمرو وابن عامر ويعقوب { ذرياتهم } والمراد أولادهم على العموم، ومن خص
~~بني آدم بأسلاف اليهود على ما مر خص هذا بأخلافهم وفيه ما فيه، والإشكال
~~المشهور وهو أن كل الناس يصدق عليه بنو آدم وذريته فيتحد المخرج والمخرج
~~منه مدفوع بظهور أن المراد إخراج / الفروع من الأصول حسب ترتب الولاد ولا
~~يتوقف التخلص عنه على القول بذلك التخصيص.

# { وأشهدهم على أنفسهم } أي أشهد كل واحد من أولئك الذرية
~~المأخوذين من ظهور آبائهم على أنفسهم لا على غيرهم تقريرا لهم بربوبيته
~~سبحانه وتعالى التامة قائلا لهم: { ألست بربكم } أي مالك
~~أمركم ومربيكم على الإطلاق من غير أن يكون لأحد مدخل في شأن من شؤنكم {
~~قالوا } في جوابه سبحانه وتعالى { بلى شهدنا } أي على أنفسنا
~~بأنك ربنا لا رب لنا غيرك والمراد ms03417 اقررنا بذلك، وجاء أن القاضي شريح قال
~~لمقر عنده شهد عليك ابن أخت خالتك، ومن هنا قال الجلال السيوطي: إن هذه
~~الآية أصل في الإقرار و { بلى } حرف جواب وألفها أصلية عند الجمهور،
~~وقال جمع: الأصل بل والألف زائدة وبعض أولئك يقول: إنها لتأنيث الكلمة
~~كالتاء في ثمت وربت لأنها أميلت ولو لم تكن للتأنيث لكانت زائدة لمجرد
~~التكثير كألف قبعثرى وتلك لا تمال، وتختص بالنفي فلا تقع إلا في جوابه
~~فتفيد إبطاله سواء كان مجردا أو مقرونا بالاستفهام حقيقيا كان أو
~~تقريريا، وقد أجروا النفي مع التقرير مجرى النفي المجرد في رده ببلى كما
~~في هذه الآية، ولذلك قال ابن عباس وغيره لو قالوا نعم لكفروا.

# ووجهه أن نعم تصديق للمخبر بنفي أو إيجاب، ولذلك قال جماعة من الفقهاء:
~~لو قال أليس لي عليك ألف؟ فقال: بلى لزمته؛ ونعم لا. وقال آخرون: تلزمه
~~فيهما وجروا فيه على مقتضى العرف لا اللغة. ونازع السهيلي وجماعة في
~~المحكي عن الحبر وغيره متمسكين بأن الاستفهام التقريري موجب ولذلك امتنع
~~سيبويه من جعل { أم } متصلة على ما قيل في قوله تعالى:

# أفلا تبصرون أم أنا خير من

# [الزخرف: 51-52] فإنها لا تقع بعد الإيجاب وإذا ثبت أنه إيجاب فنعم بعد
~~الإيجاب تصديق له، قال ابن هشام: ويشكل عليهم أن بلى لا يجاب بها الإيجاب
~~وذلك متفق عليه و

# بلى قد جآءتك آياتي

# [الزمر: 59] متقدم فيه ما يدل على النفي لكن وقع في الحديث ما يقتضي
~~أنها يجاب بها الاستفهام المجرد ففي «صحيح البخاري»

# " أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟
~~قالوا: بلى "

# وفي «صحيح مسلم» أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " أنت الذي لقيتني بمكة فقال له المجيب: بلى "

# وليس لهؤلاء أن يحتجوا بذلك لأنه قليل فلا يتخرج عليه التنزيل انتهى.
~~وأجاب البدر الدماميني بأنه لا إشكال في الحقيقة فإن هؤلاء راعوا صورة
~~النفي المنطوق به فيجاب ببلى حيث يراد إبطال النفي الواقع بعد الهمزة
~~وجوزوا الجواب ms03418 بنعم على أنه تصديق لمضمون الكلام جميعه الهمزة ومدخولها
~~وهو إيجاب كما سلف ودعواه الاتفاق مناقش فيها أما إن أراد الإيجاب المجرد
~~من النفي بالمرة فقد حكى الرضى الخلاف فيه، وذكر أن بعضهم أجاز
~~استعمالها بعده تمسكا بقوله:

# وقد بعدت بالوصل بيني وبينها

# بلى إن من زار القبور ليبعدا

# وإن أراد ما هو الأعم حتى يشمل التقرير المصاحب للنفي فالخلاف فيه موجود
~~مشهور ذكره هو في حرف النون انتهى، ولا يخفى أن البيت شاذ كما صرح به
~~الرضي، والمذكور في بحث النون أن جماعة من المتقدمين والمتأخرين منهم
~~الشلوبين قالوا: إنه إذا كان قبل النفي استفهام فإن كان على حقيقته
~~فجوابه كجواب النفي المجرد وإن كان مرادا به التقرير فالأكثر أن يجاب
~~بما يجاب به النفي رعيا للفظه، ويجوز عند أمن اللبس أن يجاب بما يجاب به
~~الإيجاب رعيا لمعناه وعلى ذلك قول الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم
~~نعم وقد قال لهم: «ألستم ترون لهم ذلك» وقول جحدر:

# أليس الليل يجمع أم عمرو

# وإيانا فداك بنا تداني

# نعم وأرى الهلال كما تراه

# ويعلوها النهار كما علاني

# وعلى ذلك جرى كلام سيبويه، وقال ابن عصفور: أجرت العرب التقرير في
~~الجواب مجرى النفي المحض وإن كان إيجابا في المعنى فإذا قيل: ألم أعطك
~~درهما قيل في تصديقه: نعم وفي تكذيبه بلى، وذلك لأن المقرر قد يوافقك
~~فيما تدعيه وقد يخالفك فإذا قال: نعم لم يعلم هل أراد نعم لم تعطني على
~~اللفظ أو نعم أعطيتني على المعنى فلذلك أجابوه على اللفظ ولم يلتفتوا إلى
~~المعنى. وأما نعم في بيت جحدر فجواب لغير مذكور وهو ما قدره اعتقاده من
~~أن الليل يجمعه وأم عمرو وجاز ذلك لأمن اللبس لعلمه أن كل أحد يعلم أن
~~الليل يجمعه مع أن عمرو، أو هو جواب لقوله: وأرى الهلال قدم عليه وأما
~~قول الأنصار: فجاز لأمن اللبس لأنه قد علم أنهم يريدون نعم يعرف لهم ذلك،
~~وعلى هذا يحمل استعماله سيبويه لها بعد التقرير انتهى.

# والأحسن ms03419 أن تكون نعم في البيت جوابا لقوله: فذاك بنا تداني، ثم قال ابن
~~هشام: ويتحرر على هذا أنه لو أجيب { ألست بربكم } بنعم لم يكف
~~في الإقرار لأنه سبحانه وتعالى أوجب في الإقرار بما يتعلق بالربوبية ما
~~لا يحتمل غير المعنى المراد من المقر، ولهذا لا يدخل في الإسلام بقوله لا
~~إله إلا الله برفع إله لاحتماله لنفي الوحدة، ولعل ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما إنما قال: إنهم لو قالوا: نعم لم يكن إقرارا وافيا، وجوز
~~الشلوبين أن يكون مراده رضي الله تعالى عنه أنهم لو قالوا نعم جوابا
~~للملفوظ على ما هو الأفصح لكان كفرا إذ لأصل تطابق السؤال والجواب
~~لفظا، وفيه نظر لأن التكفير لا يكون بالاحتمال، والكلام عند جمع تمثيل
~~لخلقه تعالى الخلق جميعا في مبدأ الفطرة مستعدين للاستدلال بالأدلة
~~الآفاقية والأنفسية المؤدية إلى التوحيد كما نطق به قوله صلى الله عليه
~~وسلم:

# كل مولود يولد على الفطرة

# الحديث مبني على تشبيه الهيئة المنتزعة من تعريضه سبحانه وتعالى إياهم
~~لمعرفة ربوبيته ووحدانيته بعد تمكينهم منها بما ركز فيهم من العقول
~~والبصائر ونصب لهم في الآفاق والأنفس من الدلائل تمكينا تاما ومن
~~تمكنهم منها تمكنا كاملا وتعرضهم لها تعرضا قويا بهيئة منتزعة من
~~حمله تعالى إياهم على الاعتراف بها بطريق الأمر ومن مسارعتهم إلى ذلك من
~~غير تلعثم أصلا من غير أن يكون هناك أخذ وإشهاد وسؤال وجواب، ونظير ذلك
~~في قول ما في قوله سبحانه وتعالى:

# فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ
~~أتينا طآئعين

# [فصلت: 11] ومن ذلك سائر ما يحكى عن الحيوان والجماد كقوله:

# شكا إلي جملي طول السرى

# مهلا رويدا فكلانا مبتلى

# وقوله:

# امتلأ الحوض وقال قطني

# مهلا رويدا قد ملأت بطني

# وجعلوا قوله سبحانه وتعالى: { أن تقولوا } من تلوين الخطاب وصرفه
~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاصريه من اليهود تشديدا في
~~الإلزام أو إليهم إلى متقدميهم بطريق التغليب وهو مفعول له لما قبله من
~~الأخذ والإشهاد أو لمقدر يدل ms03420 عليه ذلك، والمعنى على ما يقول البصريون:
~~فعلنا ما فعلنا كراهة أن تقولوا وعلى ما يقول الكوفوين: لئلا تقولوا {
~~يوم القيمة } عند ظهور الأمر وإحاطة العذاب بمن أشرك { إنا
~~كنا عن هذا } أي وحدانية الربوبية { غفلين } لم ننبه
~~عليه، وإنما لم يسعهم هذا الاعتذار / حينئذ على ما قيل لأنهم نبهوا بنصب
~~الأدلة وجعلوا متهيئين تهيأ تاما لتحقيق الحق وإنكار ذلك مكابرة فكيف
~~يمكنهم أن يقولوا ذلك.

### || [7.173]

# { أو تقولوا } في ذلك اليوم { إنمآ أشرك آباؤنا من
~~قبل } أي إن آباءنا هم اخترعوا الإشراك وهم سنوه من قبل زماننا {
~~وكنا } نحن { ذرية من بعدهم } لا نهتدي إلى سبيل التوحيد
~~{ أفتهلكنا } أي أتؤاخذنا فتهلكنا اليوم بالعذاب { بما فعل
~~المبطلون } من آبائنا المضلين لا نراك تفعل. و { أو } لمنع الخلو
~~دون الجمع، وفعل القول عطف على نظيره. وقرأهما أبو عمرو بالياء على
~~الغيبة لأن صدر الكلام عليها، ووجه قراءة الخطاب ما علمت. وقال البعض: إن
~~ذاك لقول الرب تعالى ربكم وإنما وإنما لم يسع القوم هذا القول لأن ما ذكر
~~من استعدادهم يضيق عليهم المسالك إليه إذ التقليد عند قيام الدلائل
~~والقدرة على الاستدلال بها مما لا مساغ إليه أصلا.

# هذا والذي عليه المحدثون والصوفية قاطبة أن الله تعالى أخذ من العباد
~~بأسرهم ميثاقا قاليا قبل أن يظهروا بهذه البنية المخصوصة وأن الإخراج
~~من الظهور كان قبل أيضا. فقد أخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن مردويه
~~والحاكم وصححه والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عباس عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال:

# " إن الله تعالى أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة فأخرج من صلبه
~~كل ذرية ذرأها فنشرها بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا ألست بربكم؟ قالوا:
~~بلى شهدنا ".

# أخرج مالك في «الموطأ» وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في «التاريخ»، وأبو
~~داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وخلق كثير عن مسلم بن يسار
~~الجهني أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سئل عن هذه الآية

# وإذ أخذ ربك

# [الأعراف: 172] الخ ms03421 فقال:

# " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال: إن الله تعالى خلق
~~آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل
~~أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار
~~وبعمل أهل النار يعملون فقال الرجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال: إذا
~~خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل
~~الجنة فيدخله الله الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار
~~حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله تعالى النار "

# والبيضاوي حمل الآية في «تفسيره» على التمثيل وكذا في «شرحه للمصابيح»
~~وذكر فيه أن ظاهر حديث عمر رضي الله تعالى عنه لا يساعد ذلك ولا ظاهر
~~الآية لأنه سبحانه وتعالى لو أراد أن يذكر أنه استخرج الذرية من صلب آدم
~~دفعة واحدة لا على توليد بعضهم من بعض على مر الزمان لقال: وإذ أخذ ربك
~~من ظهر آدم ذريته، والتوفيق بينهما أن يقال: المراد من بني آدم في الآية
~~وأولاده وكأنه صار اسما للنوع كالإنسان والبشر، والمراد بالإخراج توليد
~~بعضهم من بعض على مر الزمان واقتصر في الحديث على ذكر آدم اكتفاء بذكر
~~الأصل عن ذكر الفرع، وقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث

# " مسح ظهر آدم "

# يحتمل أن يكون الماسح الملك الموكل على تصوير الأجنة وتخليقها وجمع
~~موادها وأسند إلى الله تعالى لأنه الآمر كما أسند التوفي إليه قوله
~~تعالى:

# يتوفى الأنفس حين موتها

# [الزمر: 42] والمتوفي لها هو الملك لقوله تعالى:

# تتوفهم الملئكة

# [النحل: 28] ويحتمل أن يكون الماسح هو الله تعالى ويكون المسح من باب
~~التمثيل، وقيل: هو من المساحة بمعنى التقدير كأنه قال: قدر ما في ظهره من
~~الذرية انتهى كلامه.

# وقال بعضهم: ليس المعنى في الحديث أنه تعالى أخرج الكل من ظهر آدم عليه
~~السلام بالذات بل أخرج من ظهره أبناءه الصلبية ومن ظهورهم / أبناءهم
~~الصلبية وهكذا إلى آخر السلسلة لكن لما كان المظهر الأصلي ظهره ms03422 عليه
~~الصلاة والسلام وكان مساق الحديث بيان حال الفريقين إجمالا من غير أن
~~يتعلق بذكر الوسائط غرض علمي نسب إخراج الكل إليه، وأما الآية الكريمة
~~فحيث كانت مسوقة للاحتجاج على الكفرة المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وبيان عدم إفادة الاعتذار بإسناد الإشراك إلى آبائهم اقتضى الحال
~~نسبة إخراج كل واحد منهم إلى ظهر أبيه من غير تعرض لإخراج الأبناء
~~الصلبية لآدم عليه السلام من ظهره قطعا، وعدم بيان الميثاق في الخبر
~~العمري ليس بيانا لعدمه ولا مستلزما له اه.

# وأنت تعلم أن التأويل الذي ذكره البيضاوي يأبى عنه كل الآباء حديث ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما وأن ما ذكره البعض من أن مساق الحديث بيان حال
~~الفريقين إجمالا يأباه ظهور عدم كون السؤال عن حالهما ليساق الحديث
~~لبيانه فإن الظاهر أن الصحابي إنما سأله عليه الصلاة والسلام عما أشكل
~~عليه من معنى الآية أن الإشهاد هل هو حقيقة أم على الاستعارة؟ فلما أجابه
~~صلى الله عليه وسلم بما عرف منه ما أراده سكت لأنه كان بليغا ولو أشكل
~~عليه من جهة أخرى لكان الواجب بيان تلك الجهة وكذا فهم الفاروق رضي الله
~~تعالى عنه. ومن هنا يعلم أن قول الإمام إن ظاهر الآية يدل على إخراج
~~الذرية من ظهر بني آدم، وليس فيها ما يدل على أنهم أخرجوا من صلب آدم ولا
~~ما يدل على نفيه إلا أن الخبر دل عليه فيثبت خروجهم من آدم بالحديث ومن
~~بنيه بالآية، لا يطابق سياق الحديث كما لا يخفى.

# وقال الشيخ شهاب الدين التوربشتي: إنما جد كثير من أهل العلم في الهرب
~~عن القول في معنى الآية بما يقتضيه ظاهر خبر الحبر لمكان قول سبحانه:

# أن تقولوا يوم القيمة إنا كنا عن هذا
~~غفلين

# [الأعراف: 172] فقالوا: إن كان هذا الإقرار عن اضطرار حيث كوشفوا بحقيقة
~~الأمر وشاهدوه عين اليقين فلهم ذلك اليوم أن يقولوا: شهدنا يومئذ فلما
~~زال عنا علم الضرورة ووكلنا إلى آرائنا كان منا من أصاب ومنا من ms03423 أخطأ وإن
~~كان عن استدلال ولكنهم عصموا عنده من الخطأ فلهم أيضا أن يقولوا: أيدنا
~~يوم الإقرار بتوفيق وعصمه وحرمناهما من بعد ولو أمددنا بهما أبدا لكانت
~~شهادتنا في كل حين كشهادتنا في اليوم الأول فيتعين حينئذ أن يراد
~~بالميثاق ما ركب الله تعالى فيهم من العقول وآتاهم من البصائر لأنها هي
~~الحجة البالغة والمانعة عن قولهم

# إنا كنا

# [الأعراف: 172] الخ لأن الله تعالى جعل الإقرار والتمكن من معرفة
~~ربوبيته ووحدانيته سبحانه حجة عليهم في الإشراك كما جعل بعث الرسول حجة
~~عليهم في الايمان بما أخبر عنه من الغيوب انتهى.

# وحاصله أنه لو لم تؤول الآية بما ذكر يلزم أن لا يكون محجوجين يوم
~~القيامة، وقد أجيب عنه باختيار كل من الشقين ورفع محذوره. أما الأول:
~~فبأن يقال: إذا قالوا شهدنا يومئذ فلما زال علم الضرورة ووكلنا إلى
~~آرائنا كان كذا أيها الكذابون متى وكلتم إلى آرائكم ألم نرسل رسلنا تترى
~~ليوقظكم عن سنة الغفلة؟ وأما الثاني: فبأن يقال: إن هذا مشترك الإلزام
~~فإنه إذا قيل لهم: ألم نمنحكم العقول والبصائر؟ فلهم أن يقولوا فإذا
~~حرمنا اللطف والتوفيق فأي منفعة لنا في العقل والبصيرة؟

# وذكر محي السنة في جواب أنه كيف تلزم الحجة ولا أحد يذكر ذلك الميثاق أن
~~الله تعالى قد أوضح الدلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا به فمن
~~أنكره كان معاندا ناقضا للعهد ولزمته الحجة ونسيانه وعدم حفظه لا يسقط
~~الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق، ولا يخفى ما فيه، ولهذا أجاب بعضهم
~~بأن قوله تعالى:

# أن تقولوا

# [الأعراف: 172] الخ ليس مفعولا له لقوله تعالى:

# وأشهدهم

# [الأعراف: 172] وما يتفرع عليه من قولهم /

# بلى شهدنا

# [الأعراف: 172] حتى يجب كون ذلك الإشهاد والشهادة محفوظا لهم في
~~إلزامهم بل لفعل مضمر ينسحب عليه الكلام، والمعنى فعلنا ما فعلنا من
~~الأمر بذكر الميثاق وبيانه كراهة أن تقولوا أو لئلا تقولوا أيها الكفرة
~~يوم القيامة إنا كنا غافلين عن ذلك الميثاق لم ننبه عليه في دار التكليف
~~وإلا لعملنا بموجبه، هذا على ms03424 قراءة الجمهور، أما على القراءة الأخرى فهو
~~مفعول له لنفس الأمر المضمر العامل في

# وإذ أخذ

# [الأعراف: 172] والمعنى اذكر لهم الميثاق المأخوذ منهم فيما مضى لئلا
~~يعتذروا يوم القيامة بالغفلة عنه أو بتقليد الآباء، ثم قال: هذا على
~~تقدير كون

# شهدنا

# [الأعراف: 172] من كلام الذرية وهو الظاهر فأما على تقدير كونه من كلام
~~الله تعالى فهو العامل في

# أن تقولوا

# [الأعراف: 172] ولا محذور أصلا والمعنى شهدنا قولكم هذا لئلا تقولوا
~~يوم القيامة الخ لأنا نردكم ونكذبكم حينئذ انتهى.

# ولا يخفى أن ما ذكره أولا من تعلق { أن } وما بعدها بفعل مضمر ينسحب
~~عليه الكلام أو بنفس الفعل المضمر العامل في { إذ } واضح في دفع السؤال
~~الذي أشرنا إليه، وإنه لعمري في غاية الحسن إلا أن الظاهر تعلقه بالاشهاد
~~وما يتفرع عليه، وأرى الجواب مع عدم العدول عنه لا يخلو عن العدول عنه،
~~ويؤيد ماذكره ثانيا من كون

# شهدنا

# [الأعراف: 172] من كلام الله تعالى وكونه العامل ما أخرجه ابن عبد البر
~~في «التمهيد» من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وناس من الصحابة أنهم
~~قالوا في الآية: ((لما أخرج الله تعالى آدم من الجنة قبل تهبيطه من
~~السماء مسح صفح ظهره اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر
~~فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتى ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية
~~سوداء كهيئة الذر فقال: ادخلوا النار ولا أبالي فذلك قوله تعالى: أصحاب
~~اليمين وأصحاب الشمال ثم أخذ منهم الميثاق فقال:

# ألست بربكم قالوا بلى

# [الأعراف: 172] فأعطاه طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجه التقية فقال:
~~هو والملائكة

# شهدنا أن تقولوا يوم القيمة

# [الأعراف: 172] الحديث))، وفيه مخالفة لما روي عن الحبر أولا من أن
~~الأخذ كان بنعمان إذ هو ظاهر في كون ذلك بعد الهبوط وهذا ظاهر في كونه
~~كان قبل، وفي بعض الأخبار ما يقتضي أنه كان إذ كان عرضه سبحانه على
~~الماء، فقد أخرج ms03425 عبد بن حميد والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول»
~~والطبراني وأبو الشيخ في «العظمة» وابن مردويه عن أبي أمامة أن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " خلق الله تعالى الخلق وقضى القضية وأخذ ميثاق النبيين وعرشه على الماء
~~فأخذ أهل اليمين بيمينه وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى وكلتا يدي الرحمن
~~يمين فقال: يا أصحاب اليمين فاستجابوا له فقالوا له: لبيك ربنا وسعديك
~~قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. قال: يا أصحاب الشمال فاستجابوا له فقالوا
~~له لبيك ربنا وسعديك قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى "

# فخلط بعضهم ببعض الخبر، وذكر بعضهم أنه كان بالهند حيث هبط آدم عليه
~~السلام، وآخرون أنه كان في موضع الكعبة وأن الذرية المخرجة من ظهر آدم
~~عليه السلام كالذر أحاطت به، وجعل المحل الذي شغلته إذ ذاك حرما، وليس
~~لهذا سند يعول عليه، والتوفيق بين هذه الروايات مشكل إلا أن يقال بتعدد
~~أخذ الميثاق، وإليه ذهب السادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم، لكن يشعر
~~كلامهم باختلاف النوع، فقد قال بعضهم: رأيت من يستحضر قبل ميثاق

# ألست

# [الأعراف: 172] ستة مواطن أخرى ميثاقية فذكرت ذلك لشيخنا رضي الله تعالى
~~عنه فقال: إن قصد القائل بالحضرات الستة التي عرفها قبل ميثاق { ألست
~~} الكليات فمسلم، وأما إن أراد جملة الحضرات الميثاقية التي قبل {
~~ألست } / فهي أكثر من ذلك، ويعلم من هذا ما في قولهم: لا أحد يذكر
~~ذلك الميثاق على وجه السلب الكلي من المنع، وقد روى عن ذي النون أيضا
~~وقد سئل عن ذلك هل تذكره أنه قال: كأنه الآن في أذني. وقال بعضهم
~~مستقربا له: إن هذا الميثاق بالأمس كان وأشار فيه أيضا إلى مواثيق أخر
~~كانت قبل، ويمكن أن يقال مرادهم من تلك السالبة لا أحد من المشركين يذكر
~~ذلك الميثاق لا لا أحد مطلقا.

# وذكر قطب الحق والدين العلامة الشيرازي في التوفيق بين الآية والخبر
~~العمري كلاما ارتضاه الفحول وتلقوه بالقبول وحاصله: أن جواب النبي صلى
~~الله عليه وسلم إذ سئل عن الآية من قبيل أسلوب الحكيم ms03426 وذلك أنه عليه
~~الصلاة والسلام سئل عن بيان الميثاق الحالي فأجاب ببيان الميثاق المقالي
~~على ألطف وجه.

# وبيانه أن سبحانه كان له ميثاقان مع بني آدم. أحدهما: تهتدي إليه العقول
~~من نصب الأدلة الباعثة على الاعتراف الحالي. وثانيهما: المقالي الذي لا
~~يهتدي إليه العقل بل يتوقف على توقيف واقف على أحوال العباد من الأزل إلى
~~الأبد كالأنبياء عليهم السلام فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلم
~~الأمة ويخبرهم عن أن وراء الميثاق الذي يهتدون إليه بعقولهم ميثاقا آخر
~~أزليا فقال ما قال من مسح ظهر آدم عليه السلام في الأزل وإخراج الذرية
~~ليعرف منه أن هذا النسل الذي يخرج في لا يزال من أصلاب بني آدم هو الذر
~~الذي أخرج في الأزل من صلب آدم وأخذ منه الميثاق المقالي الأزلي كما أخذ
~~منهم في لا يزال بالتدريج حين أخرجوا الميثاق الحالي اللايزالي اه وهو
~~حسن كما قالوا، لكن ينبغي أن يحمل الأزل فيه ولا يزال على المجاز لأن
~~خروج النسل محدود بيوم القيامة وعلى القول بعدم انقطاعه بعده هو خاص
~~بالسعداء على وجه خاص كما علم في محله والأمر حادث لا أزلى وإلا لزم خرق
~~إجماع المسلمين والتدافع بين الآية وكان الله تعالى ولم يكن معه شيء.

# ونقل عن الخلخالي أنه شمر عن ساقه في دفع ذلك فقال: المخاطبون هم الصور
~~العلمية القديمة التي هي ماهيات الأشياء وحقائقها ويسمونها الأعيان
~~الثاتبة وليست تلك الصور موجودة في الخارج فلا يتعلق بها بحسب ذلك الثبوت
~~جعل بل هي في ذواتها غير محتاجة إلى ما يجعلها تلك الصور وهي صادرة عنه
~~تعالى بالفيض الأقدس وقد صرحوا بأنها شؤنات واعتبارات للذات الأحدي
~~وجوابهم بقولهم: بلى إنما هو بألسنة استعداداتهم الأزلية لا بالألسنة
~~التي هي بعد تحققها في الخارج انتهى.

# وهو مبني على الفرق بين الثبوت والوجود وفيه نزاع طويل لكنا ممن يقول به
~~والله لا يستحي من الحق، ومن هنا انقدح لبعض الأفاضل وجه آخر في التوفيق
~~بين الآية والحديث وهو أن المراد ms03427 بالذرية المستخرجة من صلب آدم عليه
~~السلام وبنيه هو الصور العلمية والأعيان الثابتة وأن المراد باستخراجها
~~هو تجلي الذات الأحدي وظهوره فيها وأن نسبة الإخراج إلى ظهورهم باعتبار
~~أن تلك الصور إذا وجدت في الأعيان كانت عينهم وأن تلك المقاولة حالية
~~استعدادية أزلية لا قالية لا يزالية حادثة وهذا هو المراد بما نقل الشيخ
~~العارف أبو عبد الرحمن السلمي في «الحقائق» عن بنان حيث قال: أوجدهم لديه
~~في كون الأزل ثم دعاهم فأجاهم سراعا وعرفهم نفسه حين لم يكونوا في
~~الصورة الإنسية ثم أخرجهم بمشيئته خلقا وأودعهم في صلب آدم فقال سبحانه:

# وإذ أخذ ربك

# [الأعراف: 172] الخ فأخبر أنه خاطبهم وهم غير موجودين إلا بوجوده لهم إذ
~~كانوا واجدين للحق في غير وجودهم لأنفسهم وكان الحق بالحق في ذلك موجودا
~~ثم أنشد السلمي لبعضهم:

# / لو يسمعون كما سمعت كلامها

# خروا لعزة ركعا وسجودا

# انتهى.

# ولا يخفى أن هذا التوفيق بعيد بمراحل عن ذوق أرباب الظاهر لمخالفته
~~لظواهر الأخبار والمتبادر من الآثار، وما نقل عن بنان فيه وهو أول كلامه
~~انتخبهم للولاية واستخلصهم للكرامة، وجعل لهم فسوحا في غوامض غيب
~~الملكوت وبعده ما ذكر، وشموله لسائر الخلق سعيدهم وشقيهم لا يخلو عن بعد،
~~وذكر الشيخ الأكبر قدس سره أن الله تعالى أبدع المبدعات وتجلى بلسان
~~الأحدية في الربوبية فقال: ألست بربكم؟ والمخاطب في غاية الصغاء فقالوا:
~~بلى. فكان كمثل الصدا فإنهم أجابوه به فإن الوجود المحدث خيال منصوب وهذا
~~الإشهاد كان إشهاد رحمة لأنه سبحانه ما قال لهم وحدي إبقاء عليهم لما علم
~~أنهم يشركون به تعالى عن ذلك علوا كبيرا بما فيهم من الحظ الطبيعي وبما
~~فيهم من قبول الاقتدار الإلهي وما يعلمه إلا قليل؛ وأنت تعلم أن محققي
~~المفسرين اعتبروا الوحدانية في الإشهاد وكذا في الشهادة كما مرت الإشارة
~~إليه ونطقت الآثار به، ومن ذلك ما أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في
~~«زوائد المسند» والبيهقي وابن عساكر وجماعة عن أبي بن كعب أنه قال في
~~الآية: جمعهم ms03428 جميعا فجعلهم أرواحا في صورهم ثم استنطقهم فتكلموا ثم أخذ
~~عليهم العهد والميثاق وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى. قال:
~~فإني أشهد عليكم السماوات السبع وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم
~~القيامة إنا لم نعلم بهذا اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا
~~بي شيئا إني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي
~~قالوا: شهدنا بأنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك فأقروا
~~ورفع عليهم آدم ينظر إليهم فرأى الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك
~~فقال: يا رب لولا سويت بين عبادك قال: إني أحببت أن أشكر وبهذا يندفع ما
~~يقال: إن إقرار الذراري بربوبيته سبحانه لا ينافي الشرك لأن المشركين
~~قائلون بربوبيته سبحانه كما يدل عليه قوله تعالى:

# ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله

# [الزخرف: 87] والمعتزلة ينكرون أخذ الميثاق القالي المشار إليه في
~~الأخبار ويقولون: إنها من جملة الآحاد فلا يلزمنا أن نترك لها ظاهر
~~الكتاب وطعنوا في صحتها بمقدمات عقلية مبنية على قواعد فلسفية على ما هو
~~دأبهم في أمثال هذه المطالب، قالوا أولا: إن أخذ الميثاق لا يمكن إلا من
~~العاقل فوجب أن يتذكر الإنسان في هذا العالم ذلك الميثاق إذ لا يجوز
~~للعاقل أن ينسى مثل هذه الواقعة العظيمة نسيا كليا فحيث نسي كذلك دل
~~على عدم وقوعها، وبنحو هذا الدليل بطل التناسخ. وأجيب بأن العلم إنما هو
~~بخلق الله تعالى فجاز أن لا يخلقه لحكمة علمها، ودليل بطلان التناسخ ليس
~~منحصرا بما ذكر، فقد استدلوا أيضا على بطلانه بلزوم أن يكون للبدن
~~نفسان كما بينه الإمام في «المباحث الشرقية» وأن يكون عدد الهالكين
~~مساويا لعدد الكائنين والطوفات العامة تأبى هذا التساوي، على أنه يمكن
~~أن يجاب بالفرق بين التناسخ وبين ما نحن فيه، وذلك أنا إذا كنا في أبدان
~~أخرى وبقينا فيها سنين امتنع في مجرى العادة نسيان أحوالها، وأما أخذ
~~الميثاق فإنما حصل في أسرع زمان فلم يبعد حصول النسيان فيه. وبعضهم أجاب ms03429
~~بأن النسيان وعدم التذكر هنا لبعد الزمان. واعترض بأن أهل الآخرة يعرفون
~~كثيرا من أحوال الدنيا كما نطقت بذلك الآيات والأخبار اللهم إلا أن
~~يقال: إن ذلك خصوصية الدار.

# وقالوا ثانيا: إن تلك الذرية المأخوذة من ظهر آدم عليه السلام لا بد أن
~~يكون لكل واحد منها قدر من البنية حتى يحصل فيه العلم والفهم فمجموعها لا
~~تحويه عرصة الدنيا فيمتنع حصوله في ظهر آدم ليؤخذ ثم يرد، وأجيب بأنه
~~مبني على كون الحياة / مشروطة بالبنية المخصوصة كما هو مذهب الخصوم،
~~والبرهان قائم على بطلانه كما تقرر في الكلام، فجوز أن يخلق الله تعالى
~~الحياة في جوهر فرد، وتلك الذرية المخرجة كانت كالذر وهو قريب من الجوهر،
~~وكون المجموع لا تحويه عرصة الدنيا غير مسلم، وإن كان الأخذ في السماء
~~قبل هبوط آدم عليه السلام فالدائرة واسعة، وإن كان إذ كان العرش على
~~الماء فالدائرة أوسع، ولا مانع إذا كان في الأرض أن يكون اجتماع الذر
~~متراكما بينها وبين السماء وإنه لفضاء عظيم وإن صغرت قاعدته، وإن اعتبر
~~أن الإنسان عبارة عن النفس الناطقة وأنها جوهر غير متحيز ولا حال فيه لم
~~يحتج إلى الفضاء إلا أن فيه ما فيه.

# وقالوا ثالثا: إنه لا فائدة ف أخذ الميثاق لأنهم لا يصيرون بسببه
~~مستحقين للثواب والعقاب على أنهم أدون حالا من الأطفال والطفل لا يتوجه
~~عليه التكليف فكيف يتوجه على الذر. وأجيب: بأن فائدة الأخذ غير منحصرة في
~~الاستحقاق المذكور بل يجوز أن تكون إظهار كمال القدرة لمن حضر من
~~الملائكة أو إقامة الحجة يوم القيامة كما يقتضيه قول البعض في الآية،
~~وكونهم إذ ذاك أدون حالا من الأطفال في حيز البطلان كما لا يخفى على من
~~هو أدون حالا من الأطفال.

# وقالوا رابعا: إنه سبحانه وتعالى قال:

# ولقد خلقنا الإنسن من سللة من طين

# [المؤمنون: 12] وقال جل وعلا:

# فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من مآء دافق

# [الطارق: 5-6] وكون أولئك الذر أناسي ينافي كون الإنسان مخلوقا مما
~~ذكر. وأجيب بأن ms03430 الإنسان في هذه النشأة مخلوق من ذلك ولا يلزم منه أن يكون
~~في تلك النشأة كذلك على أن الله تعالى لا يعجزه شيء، وبالجملة ينبغي
~~للمؤمن أن يصدق بذلك الأخذ فقد نطقت به الأخبار الصادرة من منبع الرسالة،
~~ولا يلتفت إلى قول من قال: إنها متروكة العمل لكونها من الآحاد فإن ذلك
~~يؤدي إلى سد باب كبير من الفتوحات الغيبية ويحرم قائله من عظيم المنح
~~الإلهية. وقد روى البيهقي في «المدخل» عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه
~~قال: الذين لقيناهم كلهم يثبتون خبر واحد عن واحد عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم ويجعلونه سنة حمد من تبعها وعيب من خالفها، وقال: من خالف هذا
~~المذهب كان عندنا مفارقا لسبيل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل
~~العلم بعدهم وكان من أهل الجهالة، وفي «جامع الأصول» عن رزين عن أبي
~~رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " لأعرفن الرجل منكم يأتيه الأمر من أمري أنا أمرت به أو نهيت عنه وهو
~~متكىء في أريكته فيقول: ما ندري ما هذا عندنا كتاب الله تعالى وليس هذا
~~فيه "

# الحديث، ولا ينبغي البحث عن كيفية ذلك فإنه من العلوم المسكوت عنها
~~المحتاجة إلى كشف الغطاء وفيض العطاء.

# ومن ذلك ما أخرجه الجندي في «فضائل مكة» وأبو الحسن القطان والحاكم
~~والبيهقي في «شعب الإيمان» وضعفه عن أبي سعيد الخدري قال: حججنا مع عمر
~~رضي الله تعالى عنه فلما دخل الطواف استقبل الحجر فقال: إني أعلم أنك حجر
~~لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما
~~قبلتك ثم قبله فقال له علي كرم الله تعالى وجهه: يا أمير المؤمنين إنه
~~يضر وينفع قال: بم؟ قال: بكتاب الله عز وجل قال: وأين ذلك من كتاب الله
~~تعالى قال: قال الله تعالى: { وإذ أخذ ربك } الآية إلى قوله
~~سبحانه:

# بلى

# [الأعراف: 172] وذلك أن الله عز شأنه خلق آدم عليه السلام ومسح على ظهره
~~فأخرج ذريته فقررهم بأنه ms03431 الرب وأنهم العبيد وأخذ عهودهم ومواثيقهم وكتب
~~ذلك في رق وكان لهذا الحجر عينان ولسان فقال له: افتح فاك ففتح فاه
~~فألقمه ذلك الرق فقال: اشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة وأني أشهد
~~لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: /

# " يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق ليشهد لمن يستلمه
~~بالتوحيد "

# فهو يا أمير المؤمنين يضر وينفع. فقال عمر رضي الله تعالى عنه أعوذ
~~بالله تعالى أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن. قيل: ومن هنا يعلم
~~قوله صلى الله عليه وسلم:

# " الحجر يمين الله تعالى في أرضه "

# والكلام في ذلك شهر.

# هذا ومن الناس من ذكر أن الناس بعد أن قالوا: بلى منهم من سجد سجدتين
~~ومنهم من لم يسجد أصلا ومنهم من سجد مع الأولين السجدة الأولى ولم يسجد
~~الثانية ومنهم من عكس، فالصنف الأول هم الذين يعيشون مؤمنين ويموتون
~~كذلك، والثاني هم الذين يعيشون كفارا ويموتون كذلك. والثالث هم الذين
~~يعيشون مؤمنين ويموتون كفارا، والرابع هم الذين يعيشون كفارا ويموتون
~~مؤمنين انتهى. وهو كلام لم يشهد له كتاب ولا سنة فلا عول عليه، ومثله
~~القول بأن بعضا من القائلين بلى قد مكر منهم إذ ذاك حيث أظهر لهم إبليس
~~في ذلك الجمع وظنوا أنه القائل: ألست بربكم؟ فعنوه بالجواب وأولئك هم
~~الأشقياء، وبعضا تجلى لهم الرب سبحانه فعرفوه وأجابوه وأولئك هم
~~السعداء، وهذا عندي من البطلان بمكان؛ والذي ينبغي اعتقاده أنهم كلهم
~~وجهوا الجواب لرب الأرباب. نعم ذهب البعض إلى أن البعض أجاب كرها
~~واستدلوا له ببعض الآثار السالفة، وذهب أهل هذا القول إلى أن أطفال
~~المشركين في النار، ومن قال: إنهم في الجنة ذهب إلى أنهم أقروا عند أخذ
~~الميثاق اختيارا فيدخلون الجنة بذلك الإقرار والله سبحانه أرحم الراحمين
~~وإسناد القول في الآية على بعض الأقوال إلى ضمير الجمع إنما هو باعتبار
~~وقوعه من البعض فإن وقوعه من الكل باطل بداهة، ومثل هذا واقع في الآيات
~~كثيرا.

### || [7.174]

# { وكذلك نفصل الآيات } أي ms03432 ذلك التفصيل البليغ المستتبع
~~للمنافع الجليلة نفصلها لا غير ذلك. { ولعلهم يرجعون } عما
~~هم عليه من الإصرار على الباطل نفعل التفصيل المذكور، وقيل: المعنى
~~ولعلهم يرجعون إلى الميثاق الأول فيذكرونه ويعملون بمقتضاه نفعل ذلك،
~~وأيا ما كان فالواو ابتدائية كالتي قبلها، وجوز أن تكون عاطفة على مقدر
~~أي ليقفوا على ما فيها من المرغبات والزواجر، أو ليظهر الحق ولعلهم
~~يرجعون، وقيل: إنها سيف خطيب.

# هذا ومن باب الإشارة: قالوا:

# وسئلهم عن القرية

# [الأعراف: 163] أي عن أهل قرية الجسد وهم الروح والقلب والنفس الأمارة
~~وتوابعها

# التى كانت حاضرة البحر

# [الأعراف: 163] أي مشرفة على شاطىء بحر البشرية

# إذ يعدون فى السبت

# [الأعراف: 163] يتجاوزون حدود الله تعالى يوم يحرم عليهم تناول بعض
~~الملاذ النفسانية والعادي من أولئك الأهل إنما هو النفس الأمارة فإنها في
~~مواسم الطاعات والكف عن الشهوات كشهر رمضان مثلا حريصة على تناول ما
~~نهيت عنه والمرء حريص على ما منع

# إذ تأتيهم حيتانهم

# [الأعراف: 163] وهي الأمور التي نهوا عن تناولها

# يوم سبتهم

# [الأعراف: 163] الذي أمروا بتعظيمه

# شرعا

# [الأعراف: 163] قريبة المأخذ

# ويوم لا يسبتون لا تأتيهم

# [الأعراف: 163] بأن لا يتهيأ لهم ما يريدونه

# كذلك نبلوهم

# [الأعراف: 163] نعاملهم معاملة من يختبرهم

# بما كانوا يفسقون

# [الأعراف: 163] أي بسبب فسقهم المستمر طبعا.

# قال بعضهم: ما كان ما قص الله تعالى إلا كحال الإسلاميين من أهل زماننا
~~في اجتماع أنواع الحظوظ النفسانية من المطاعم والمشارب والملاهي والمناكح
~~ظاهرة في الأسواق والمحافل في الأيام المعظمة كالأعياد والأوقات المباركة
~~كأوقات زيارة مشاهد الصالحين المعلومة المشهورة بين الناس

# وإذ قالت أمة منهم

# [الأعراف: 164] وهي القلب وأتباعه للأمة الواعظة وهي الروح وأتباعها

# لم تعظون قوما

# [الأعراف: 164] وهم النفس الأمارة وقواها

# الله مهلكهم أو معذبهم عذابا / شديدا

# [الأعراف: 164] على فعلهم

# قالوا معذرة إلى ربكم

# [الأعراف: 164] أي نعظهم معذرة إليه تعالى وذلك أنا خلقنا آمرين
~~بالمعروف ناهين عن المنكر فنريد أن نقضي ما علينا ليظهر أنا ما تغيرنا عن
~~أوصافنا

# ولعلهم يتقون

# [الأعراف: 164] لأنهم قابلون لذلك بحسب الفطرة فلا نيأس من ms03433 تقواهم

# فلما نسوا ما ذكروا به

# [الأعراف: 165] لغلبة الشقوة عليهم

# أنجينا الذين ينهون عن السوء

# [الأعراف: 165] وهم الروح والقلب وأتباعهما فإنهم كلهم نهوا عن ذلك إلا
~~أن بعضهم مل وبعضهم لم يمل

# وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس

# [الأعراف: 165] أي شديد وهو عذاب حرمان قبول الفيض

# بما كانوا يفسقون

# [الأعراف: 165] أي بسبب تماديهم على الخروج عن الطاعة

# فلما عتوا عن ما نهوا عنه

# [الأعراف: 166] أي أبوا أن يتركوا ذلك

# قلنا لهم كونوا قردة خسئين

# [الأعراف: 166] أي جعلنا طباعهم كطباعهم وذلك فوق حرمان قبول الفيض

# وإذ تأذن ربك

# [الأعراف: 167] أي اقسم

# ليبعثن عليهم إلى يوم القيمة

# [الأعراف: 167] أي قيامتهم

# من يسومهم

# [الأعراف: 167] وهو التجلي الجلالي

# سوء العذاب

# [الأعراف: 167] وهو عذاب القهر وذل اتباع الشهوات

# وقطعنهم

# [الأعراف: 168] أي فرقنا بني إسرائيل الروح

# في الأرض

# [الأعراف: 168] أي أرض البدن

# أمما

# [الأعراف: 168] جماعات

# منهم الصلحون

# [الأعراف: 168] أي الكاملون في الصلاح كالعقل

# ومنهم دون ذلك

# [الأعراف: 168] فيه كالقلب ومن جعل القلب أكمل من العقل عكس الأمر

# وبلونهم بالحسنت والسيئات

# [الأعراف: 168] تجليات الجمال والجلال

# لعلهم يرجعون

# [الأعراف: 168] بالفناء إلينا { فخلف من بعدهم خلف } وهي
~~النفس وقواها { ورثوا الكتب } وهو ما ألهم الله تعالى العقل
~~والقلب { يأخذون عرض هذا الأدنى } وهي الشهوات الدنية
~~واللذات الفانية ويجعلون ما ورثوه ذريعة إلى أخذ ذلك { ويقولون
~~سيغفر لنا } ولا بد لأنا واصلون كاملون وهذا حال كثير من متصوفة
~~زماننا فإنهم يتهافتون على الشهوات تهافت الفراش على النار ويقولون: إن
~~ذلك لا يضرنا لأنا واصلون. وحكي عن بعضهم أنه يأكل الحرام الصرف ويقول:
~~إن النفي والإثبات يدفع ضرره وهو خطأ فاحش وضلال بين أعاذنا الله تعالى
~~وإياكم من ذلك. وأعظم منه اعتقاد حل أكل مثل الميتة من غير عذر شرعي
~~لأحدهم ويقول: كل منا بحر والبحر لا ينجس ولا يدري هذا الضال أن من يعتقد
~~ذلك أنجس من الكلب والخنزير. ومنهم يحكي عن بعض الكاملين المكملين من أهل
~~الله تعالى ما يؤيد به دعواه وهو كذب لا أصل له وحاشا ذلك الكامل ms03434 مما نسب
~~إليه حاشا { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } أي إنهم
~~مصرون على هذا الفعل القبيح { ألم يؤخذ عليهم ميثاق
~~الكتب } الوارد فيما ألهمه الله تعالى العقل والقلب { أن لا
~~يقولوا على الله إلا الحق } فكيف عدلوا عنه {
~~ودرسوا ما فيه } مما فيه رشادهم { والدار الآخرة }
~~المشتملة على اللذات الروحانية

# خير للذين يتقون

# [الأعراف: 169] عرض هذا الأدنى { والذين يمسكون
~~بالكتب } أي يتمسكون بما ألهمه الله تعالى العقل والقلب من الحكم
~~والمعارف { وأقاموا الصلاة } ولم يألوا جهدا في الطاعة

# إنا لا نضيع أجر المصلحين

# [الأعراف: 170] منهم وأجرهم متفاوت حسب تفاوت الصلاح حتى إنه ليصل إلى
~~ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر { وإذ نتقنا
~~الجبل فوقهم } وهو جبل الأمر الرباني والقهر الإلهي { كأنه
~~ظلة } غمامة عظيمة { وظنوا أنه واقع بهم } إن لم
~~يقبلوا أحكام الله سبحانه { خذوا ما ءاتينكم بقوة } بجد
~~وعزيمة { واذكروا ما فيه } من الأسرار

# لعلكم تتقون

# [الأعراف: 171] تنتظمون في سلك المتقين على اختلاف مراتب تقواهم.
~~والكلام على قوله سبحانه: { وإذ أخذ } ربك الخ من هذا الباب يغني
~~عنه ما ذكرناه خلال تفسيره من كلام أهل الله تعالى قدس الله تعالى
~~أسرارهم خلا أنه ذكر بعضهم أن أول ذرة أجابت ببلى ذرة النبي صلى الله
~~عليه وسلم وكذا / هي أول مجيب من الأرض لما خاطب الله سبحانه السماوات
~~والأرض بقوله جل وعلا:

# ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين

# [فصلت: 11] وكانت من تربة الكعبة وهي أول ما خلق من الأرض ومنها دحيت
~~كما جاء عن ابن عباس رض الله تعالى عنهما، وكان يقتضي ذلك أن يكون مدفنه
~~صلى الله عليه وسلم بمكة حيث كانت تربته الشريفة منها، وقد رووا أن المرء
~~يدفن حيث كانت تربته، ولكن قيل: إن الماء لما تموج رمى الزبد إلى النواحي
~~فوقعت درة ذرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يحاذي مدفنه الكريم
~~بالمدينة، ويستفاد من هذا الكلام أنه عليه الصلاة والسلام هو الأصل في
~~التكوين والكائنات تبع له ms03435 صلى الله عليه وسلم قيل: ولكون ذرته أم الخليقة
~~سمي أميا، وذكر بعضهم أن الباء لكونه أول حرف فتحت الذرة به فمها حين
~~تكلمت لم تزل الأطفال في هذه النشأة ينطقون به في أول أمرهم ولا بدع فكل
~~مولود يولد على الفطرة، قيل: ولعظم ما أودع الله سبحانه وتعالى في الباء
~~من الأسرار افتتح الله تعالى به كتابه بل افتتح كل سورة به لتقدم البسملة
~~المفتتحة به على كل سورة ما عدا التوبة وافتتاحها ببراءة وأول هذه اللفظة
~~الباء أيضا، ولكون الهمزة وتسمى ألفا أول حرف قرع أسماعهم في ذلك
~~المشهد كان أول الحروف لكنه لم يظهر في البسملة لسر أشرنا إليه أول
~~الكتاب والله تعالى الهادي إلى صوب الصواب.

### || [7.175]

# { واتل عليهم } تعطف على المضمر العامل في

# إذ أخذ

# [الأعراف: 172] وارد على نمط الأنباء عن الحور بعد الكور، أي واقرأ على
~~اليهود أو على قومك كما في الخازن { نبأ الذى ءاتينه
~~ءايتنا } أي خبره الذي له شأن وخطر، وهو كما روى ابن مردويه وغيره
~~من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بلعم بن باعوراء وفي لفظ بلعام
~~بن باعر وكان من الكنعانيين، وفي رواية عنه وعن أبي طلحة أنه من بني
~~إسرائيل، وأخرج ابن عساكر عن ابن شهاب أنه أمية بن أبي الصلت. وأخرج أبو
~~الشيخ عن الحبر أنه رجل من بني إسرائيل له زوجة تدعى البسوس، وفي رواية
~~أخرى أخرجها ابن أبي حاتم عنه أنه النعمان بن صيفي الراهب، وكونه
~~إسرائيليا أنسب بالمقام كما لا يخفى، والأشهر أنه بلعام أو بلعم وكان قد
~~أوتي علما ببعض كتب الله تعالى، ودون ذلك في الشهرة أنه أمية وكان قد
~~قرأ بعض الكتب.

# { فانسلخ منها } أي من تلك الآيات انسلاخ الجلد من الشاة،
~~والمراد أنه خرج منها بالكلية بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره، وحقيقة
~~السلخ كشط الجلد وإزالته بالكلية عن المسلوخ عنه، ويقال لكل شيء فارق
~~شيئا على أتم وجه انسلخ منه، وفي التعبير به ما لا يخفى ms03436 من المبالغة،
~~واستأنس بعضهم بهذه الآية لأن العلم لا ينزع من الرجال حيث قال سبحانه
~~وتعالى: { فانسلخ منها } ولم يقل عز شأنه فانسلخت منه {
~~فأتبعه الشيطن } أي لحقه وأدركه كما قال الراغب بعد أن لم
~~يكن مدركا له لسبقه بالإيمان والطاعة، وقال الجوهري يقال: أتبعت القوم
~~إذا سبقوك فلحقتهم وكأن المعنى جعلتهم تابعين لي بعد ما كنت تابعا لهم،
~~وفيه حينئذ مبالغة في اللحوق إذ جعل كأنه إمام للشيطان والشيطان يتبعه
~~وهو من الذم بمكان، ونظيره في ذلك قوله:

# وكان فتى من جند إبليس فارتقى

# به الحال حتى صار إبليس من جنده

# وصرح بعضهم بأن معناه استتبعه أي جعله تابعا له، وهو على ما قيل متعد
~~لمفعولين حذف ثانيهما أي أتبعه خطواته. وقرىء { فاتبعه } من
~~الافتعال { فكان من الغاوين } فصار من زمرة الضالين الراسخين في
~~الغواية بعد أن كان مهتديا، وكيفية ذلك على القول بأنه بلعام أن موسى
~~عليه السلام لما قصد / حرب الجبارين أتى قوم بلعام إليه وكان عنده اسم
~~الله تعالى الأعظم فقالوا له: إن موسى عليه الصلاة والسلام رجل حديد وإن
~~معه جنودا كثيرة وإنه قد جاء ليخرجنا من أرضنا فادع الله تعالى أن يرده
~~عنا، فقال: ويلكم نبي الله تعالى ومعه الملائكة والمؤمنون فكيف أدعو
~~عليهم وأنا أعلم من الله تعالى ما أعلم وإني إن فعلت ذهبت دنياي وآخرتي
~~فألحوا عليه، فقال: حتى أوامر ربي فأتى في المنام وقيل له: لا تفعل
~~فأخبر قومه فأهدوا له هدية فقبلها ولم يزالوا يتضرعون إليه حتى فتنوه
~~فجعل يدعو على موسى عليه الصلاة والسلام وقومه إلا أن الله تعالى جعل
~~يصرف لسانه إلى الدعاء على قومه نفسه، فقالوا له: يا بلعام أتدري ما تصنع
~~إنك تدعو علينا، فقال: هذا أمر قد غلب الله تعالى عليه فاندلع لسانه ووقع
~~على صدره، فقال: يا قوم قد ذهبت مني الدنيا والآخرة ولم يبق إلا المكر
~~والحيلة جملوا النساء وأرسلوهن وأمروهن أن لا يمنعن أنفسهن فإن القوم سفر
~~وإن الله سبحانه وتعالى يبغض ms03437 الزنا وإن هم وقعوا فيه هلكوا ففعلوا ذلك
~~فافتتن زمرى بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقون بامرأة منهن تسمى كستى بنت
~~صور فنهاه موسى عليه السلام عن الفاحشة فأبى وأدخلها قبته وزنا بها فوقع
~~فيهم الطاعون حتى هلك منهم سبعون ألفا ولم يرتفع حتى قتلهما فنحاص بن
~~العيزار بن هارون وكان غائبا أول الأمر.

# وعن مقاتل أن ملك البلقاء قال له: ادع الله تعالى على موسى عليه السلام،
~~فقال: إنه من أهل ديني ولا أدعو عليه فنصب له خشبة ليصلبه عليها فدعا
~~بالاسم الأعظم أن لا يدخل الله تعالى موسى عليه السلام المدينة فاستجيب
~~له ووقع بنو إسرائيل في التيه، فقال موسى: يا رب بأي ذنب هذا؟ فقال
~~سبحانه وتعالى: بدعاء بلعام، فقال: رب كما سمعت دعاءه علي فاسمع دعائي
~~عليه فدعا الله جل شأنه أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان فنزع الله
~~تعالى عنه المعرفة وسلخه منها فخرجت من صدره كحمامة بيضاء. ورد هذا بأن
~~التيه كان روحا وراحة لموسى عليه السلام وإنما عذب به بنو إسرائيل وقد
~~كان ذلك بدعائه عليه السلام على أن في الدعاء بسلب الإيمان مقالا، وأنا
~~أعجب لم لم يدع هذا الشقي بالاسم الأعظم الذي كان يعلمه على ملك البلقاء
~~ليخلص من شره؟ ودعا على موسى عليه السلام ما هي إلا جهالة سوداء، وجاء في
~~كلام أبي المعتمر أنه كان قد أوتي النبوة، ويرده أن الأنبياء عليهم
~~الصلاة والسلام لا يجوز عليهم الكفر عند أحد من العقلاء وكأن مراده من
~~النبوة ما أوتيه من الآيات، وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم:

# " من حفظ القرآن فقد طوى النبوة بين جنبيه ".

# وأخرج ابن المنذر عن مالك بن دينار أنه كان من علماء بني إسرائيل وكان
~~موسى عليه السلام يقدمه في الشدائد ويكرهه وينعم عليه فبعثه إلى ملك مدين
~~يدعوهم إلى الله تعالى وكان مجاب الدعوة فترك دين موسى عليه السلام واتبع
~~دين الملك، وهذه الرواية عندي أولى مما تقدم بالقبول، وأما على القول
~~بأنه أمية ms03438 فهو أنه كان قد قرأ الكتب القديمة وعلم أن الله تعالى مرسل
~~رسولا فرجا أن يكون هو ذلك الرسول، فاتفق أن خرج إلى البحرين وتنبأ رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فأقام هناك ثماني سنين ثم قدم فلقي رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم في جماعة من أصحابه فدعاه إلى الإسلام، وقرأ عليه
~~سورة يس حتى إذا فرغ منها وثب أمية يجر رجليه فتبعته قريش تقول: ما تقول
~~يا أمية؟ فقال: أشهد أنه على الحق قالوا: فهل نتبعه؟ قال: حتى أنظر في
~~أمره فخرج إلى الشام وقدم بعد وقعة بدر يريد أن يسلم فلما أخبر بها ترك
~~الإسلام وقال: لو كان نبيا ما قتل ذوي قرابته فذهب إلى الطائف / ومات به
~~فأتت أخته الفارعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن وفاته
~~فذكرت له أنه أنشد عند موته:

# كل عيش وإن تطاول دهرا

# صائر مرة إلى أن يزولا

# ليتني كنت قبل ما قد بدا لي

# في قلال الجبال أرعى الوعولا

# إن يوم الحساب يوم عظيم

# شاب فيه الصغير يوما ثقيلا

# ثم قال لها عليه الصلاة والسلام: أنشديني من شعر أخيك فأنشدته:

# لك الحمد والنعماء والفضل ربنا

# ولا شيء أعلى منك جدا وأمجد

# مليك على عرش السماء مهيمن

# لعزته تعنو الوجوه وتسجد

# من قصيدة طويلة أتت على آخرها، ثم أنشدته قصيدته التي يقول فيها:

# وقف الناس للحساب جميعا

# فشقي معذب وسعيد

# والتي فيها:

# عند ذي العرش يعرضون عليه

# يعلم الجهر والسرار الخفيا

# يوم يأتي الرحمن وهو رحيم

# إنه كان وعده مأتيا

# رب إن تعف فالمعافاة ظني

# أو تعاقب فلم تعاقب بريا

# فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إن أخاك آمن شعره وكفر قلبه "

# ، وأنزل الله تعالى الآية. وأما على القول بأنه النعمان فهو أنه كان قد
~~ترهب في الجاهلية ولبس المسوح فقدم المدينة فقال للنبي صلى الله عليه
~~وسلم: ما هذا الذي جئت به؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

# " الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام "

# قال: فأنا عليها. فقال عليه ms03439 الصلاة والسلام:

# " لست عليها ولكنك أدخلت فيها ما ليس منها "

# فقال: أمات الله تعالى الكاذب منا طريدا وحيدا، ثم خرج إلى الشام
~~وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا السلاح، ثم أتى قيصر وطلب منه جندا
~~ليخرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة فمات بالشام طريدا وحيدا.

# وأما على القول بأنه زوج البسوس، فقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه رجل أعطى ثلاث دعوات مستجابات، وكانت
~~له امرأة تدعى البسوس له منها ولد فقالت: اجعل لي منها واحدة.

# قال: فما الذي تريدين؟ قالت: ادع الله تعالى أن يجعلني أجمل امرأة في
~~بني إسرائيل فدعا الله تعالى فجعلها أجمل امرأة فيهم، فلما علمت أن ليس
~~فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئا آخر فدعا الله تعالى أن يجعلها كلبة
~~فصارت كلبة فذهبت دعوتان، فجاء بنوها فقالوا: ليس بنا على هذا قرار قد
~~صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها فادع الله تعالى أن يردها إلى الحال
~~التي كانت عليها فدعا فعادت كما كانت فذهبت الدعوات الثلاث فيها، ومن هنا
~~يقال: أشأم من البسوس، وفي الخازن أن البسوس اسم لذلك الرجل وليس بشيء،
~~وهذه الرواية لا يساعد عليها نظم القرآن الكريم كما لا يخفى، والذي نعرفه
~~أن البسوس التي يضرب بها المثل هي بنت منقذ التميمية خالة جساس بن مرة بن
~~ذهل الشيباني قاتل كليب، وفي قصتها طول وقد ذكرها الميداني وغيره. /
~~وعن الحسن وابن كيسان أن المراد بهذا الذي أوتي الآيات فانسلخ منها
~~منافقو أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما
~~يعرفون أبناءهم ولم يؤمنوا به صلى الله عليه وسلم إيمانا صحيحا، ويبعد
~~ذلك إفراد الموصول وعن قتادة أن هذا مثل لمن عرض عليه الهدى واستعد له
~~فأعرض عنه وأبى أن يقبله، وفيه بعد ومخالفة للروايات المشهورة، وأوهن
~~الأقوال عندي قول أبي مسلم: إن المراد به فرعون والمراد بالآيات الحجج
~~والمعجزات الدالة على صدق موسى عليه السلام، وكأنه قيل: واتل عليهم نبأ ms03440
~~فرعون إذ آتيناه الحجج الدالة على صدق موسى عليه السلام فلم يقبلها.

### || [7.176]

# { ولو شئنا لرفعنه بها } كلام مستأنف مسوق لبيان ما ذكر
~~من الانسلاخ وما يتبعه، وضمير رفعناه للذي وضمير { بها } للآيات،
~~والباء سببية، ومفعول المشيئة محذوف هو مضمون الجزاء كما هو القاعدة
~~المستمرة، أي لو شئنا رفعه لرفعناه إلى منازل الأبرار بسبب تلك الآيات
~~والعمل بما فيها؛ وقيل: الضمير المنصوب للكفر المفهوم من الكلام السابق،
~~أي لو شئنا لأزلنا الكفر بالآيات، فالرفع من قولهم: رفع الظلم عنا وهو
~~خلاف الظاهر جدا وإن روي عن مجاهد، ومثله بل أبعد وأبعد ما نقل عن
~~البلخي والزجاج من إرجاع ضمير { بها } للمعصية.

# { ولكنه أخلد إلى الأرض } أي ركن إلى الدنيا ومال
~~إليها، وبذلك فسره السدي وابن جبير، وأصل الإخلاد اللزوم للمكان من
~~الخلود، ولما في ذلك من الميل فسر به، وتفسير الأرض بالدنيا لأنها حاوية
~~لملاذها وما يطلب منها. وقال الراغب: ((المعنى ركن إلى الأرض ظانا أنه
~~مخلد فيها))، وفسر غير واحد الأرض بالسفالة { واتبع هواه } في
~~إيثار الدنيا وأعرض عن مقتضى تلك الآيات الجليلة، وفي تعليق الرفع
~~بالمشيئة ثم الاستدراك عنه بفعل العبد تنبيه كما قال ناصر الدين
~~[البيضاوي]: على أن المشيئة سبب لفعله المؤدي إلى رفعه وأن عدمه دليل
~~عدمها دلالة انتفاء المسبب على انتفاء سببه، وأن السبب الحقيقي هو
~~المشيئة؛ وأن ما نشاهده من الأسباب وسائط معتبرة في حصول المسبب من حيث
~~إن المشيئة تعلقت به كذلك، وكان من حقه كما قال أن يقول: ولكنه أعرض
~~عنها، فأوقع موقعه ما ذكر مبالغة لأنه كناية عنه والكناية أبلغ من
~~التصريح، وتنبيها على ما حمله عليه وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وما
~~ألطف نسبة إتيان الآيات والرفع إليه تعالى ونسبة الانسلاخ والإخلاد إلى
~~العبد مع أن الكل من الله تعالى إذ فيه من تعليم العباد حسن الأدب ما
~~فيه، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم:

# " اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك ".

# والزمخشري لما رأى أن ظاهر الآية ms03441 مخالف لمذهبه دال على وقوع الكائنات
~~بمشيئة الله تعالى أخلد إلى التأويل، فجعل المشيئة مجازا عن سببها وهو
~~لزوم العمل بالآيات بقرينة الاستدراك بما هو فعل العبد المقابل للزوم
~~الآيات وهو الإخلاد إلى الأرض، أي ولو لزمها لرفعناه وهو من قبيل نزع
~~الخف قبل الوصول إلى الماء والمصير إلى المجاز قبل أوانه لجواز أن يكون {
~~لو شئنا } باقيا على حقيقته و { أخلد إلى الأرض } مجازا
~~عن سببه الذي هو عدم مشيئة الرفع بل الإخلاد، ولم يعتمد على عكازته لفوت
~~المقابلة حينئذ، وفي «الكشف» أن حمل المشيئة على ما هي مسببة عنه في
~~زعمه ليس أولى من حمل الإخلاد على ما هو مسبب عنه في زعمنا كيف وقوله
~~سبحانه وتعالى: { ولو شئنا } استدراك لقوله:

# فانسلخ منها

# [الأعراف: 175] على أن الإخلاد هو الميل، والإرادة والميل ونحوهما من
~~المعاني ليست من أفعال العباد بالاتفاق نعم الجزم المقارن من فعل القلب
~~فعل القلب عندهم، ثم قوله سبحانه وتعالى:

# من يهد الله

# [الأعراف: 178] وقوله تعالى:

# ولقد ذرأنا

# [الأعراف: 179] / يؤكدان ما عليه أهل السنة أبلغ تأكيد ولكن الزمخشري لا
~~يعبأ بذلك.

# { فمثله كمثل الكلب } وهو الحيوان المعروف وجمعه أكلب
~~وكلاب وكلابات كما قال ابن سيده وكليب كعبيد وهو قليل ويجمع أكلب على
~~أكالب؛ وبه يضرب المثل في الخساسة لأنه يأكل العذرة ويرجع في قيئه
~~والجيفة أحب إليه من اللحم الغريض نعم هو أحسن من الرجل السوء، ومما ينسب
~~إلى الشافعي رضي الله تعالى عنه:

# ليت الكلاب لنا كانت مجاورة

# وليتنا ما نرى ممن نرى أحدا

# إن الكلاب لتهدأ في مرابضها

# والناس ليس بهاد شرهم أبدا

# وفي «شعب الإيمان» للبيهقي عن الفقيه منصور أنه كان ينشد لنفسه:

# الكلب أحسن عشرة

# وهو النهاية في الخساسة

# ممن ينازع في الريا

# سة قبل أوقات الرياسة

# والمثل بمعنى الصفة كما قال غير واحد فصفته كصفة الكلب، وقيل المراد أنه
~~كالكلب في الخسة.

# { إن تحمل عليه } أي شددت عليه وطردته { يلهث أو
~~تتركه } على حاله { يلهث } أي أنه دائم اللهث على كل ms03442 حال،
~~واللهث إدلاع اللسان بالنفس الشديد وذلك طبع في الكلب لا يقدر على نغص
~~الهواء المتسخن وجلب الهواء البارد بسهولة لضعف قلبه وانقطاع فؤاده بخلاف
~~سائر الحيوانات فإنها لا تحتاج إلى النفس الشديد ولا يلحقها الكرب
~~والمضايقة إلا عند التعب والإعياء، وإيثار الجملة الاسمية على الفعلية
~~بأن يقال: فصار مثله كمثل الخ للإيذان بدوام اتصافه بتلك الحالة الخسيسة
~~وكمال استمراره عليها، والخطاب في فعلي الشرط لكل أحد ممن له حظ من
~~الخطاب فإنه أدخل في إشاعة فظاعة حاله، والجملتان الشرطيتان قيل لا محل
~~لهما من الإعراب لأنهما تفصيل لما أجمل في المثل وتفسير لما أبهم فيه
~~ببيان وجه الشبه على منهاج قوله تعالى:

# خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون

# [آل عمران: 59] أثر قوله سبحانه وتعالى:

# إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم

# [آل عمران: 59] وقيل: إنهما في محل النصب على الحالية من الكلب بناء
~~على تحولهما إلى معنى التسوية كما تحول الاستفهام إلى ذلك في قوله تعالى:

# سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم

# [البقرة: 6] كأنه قيل لاهثا في الحالين، والجملة الشرطية كما قدمنا تقع
~~حالا مطلقا، وقال صاحب «الضوء»: إنها لا تكاد تقع كذلك بتمامها بل إذا
~~أريد وقوعها حالا جعلت خبرا عن ذي الحال نحو جاءني زيد وهو إن تسأله
~~يعطك فتجعل جملة اسمية مع الواو لأن الشرط لصدارته لا يكاد يرتبط بما
~~قبله إلا أن يكون هناك فضل قوة.

# نعم جوز إذا أخرجتها عن حقيقتها سواء عطف عليها النقيض وحينئذ يجب ترك
~~الواو كما فيما نحن فيه أو لم يعطف وحينئذ يجب الواو لئلا يحصل الالتباس
~~بالشرط الحقيقي نحو آتيك وإن لم تأتني، والتشبيه قيل من تشبيه المفرد
~~بالمفرد، وقيل وعليه كثير من المحققين أنه تشبيه للهيئة المنتزعة مما
~~عراه بعد الانسلاخ من سوء الحال واضطرام القلب ودوام القلق والاضطراب
~~وعدم الاستراحة بحال من الأحوال بالهيئة المنتزعة مما ذكر ف حال الكلب،
~~وجاء وقد أشرنا إليه سابقا أن بلعام لما دعا على موسى عليه السلام خرج ms03443
~~لسانه فتدلى على صدره وجعل يلهث كالكلب إلى أن هلك فوجه الشبه إما عقلي
~~أو حسي.

# { ذلك } إشارة إلى وصف الكلب أو المنسلخ من الآيات وما فيه من
~~الإيذان بالبعد لما مر غير مرة. / { مثل القوم الذين
~~كذبوا بآياتنا } يريد كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~أهل مكة كانوا يتمنون هاديا يهديهم وداعيا يدعوهم إلى طاعة الله تعالى
~~ثم لما جاءهم من لا يشكون في صدقه وأمانته كذبوه وأعرضوا عن الآيات ولم
~~يؤمنوا بها أو اليهود كما قال غير واحد حيث قرأوا نعت النبي صلى الله
~~عليه وسلم في التوراة وذكر القرآن المعجز وما فيه فصدقوه وبشروا الناس
~~باقتراب مبعثه وكانوا يستفتحون به فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فانسلخوا
~~من حكم التوراة أو الأعم من هؤلاء وهؤلاء من كل من اتصف بهذا العنوان كما
~~في الخازن وبه أقول، ويدخل اليهود في ذلك دخولا أوليا.

# { فاقصص القصص } القصص مصدر سمي به المفعول كالسلب، واللام فيه
~~للعهد، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي إذا تحقق أن المثل
~~المذكور مثل هؤلاء المكذبين فاقصص ذلك عليهم { لعلهم
~~يتفكرون } فينزجرون عما هم عليه من الكفر والضلال، والجملة في
~~موضع الحال من ضمير المخاطب أو في موضع المفعول له أي فاقصص راجيا
~~لتفكرهم أو رجاءا لتفكرهم.

### || [7.177]

# { سآء مثلا } استئناف مسوق لبيان كمال قبح المكذبين بعد البيان
~~السابق، وساء بمعنى بئس وفاعلها مضمر و { مثلا } تمييز مفسر له،
~~ويستغنى بتذكير التمييز وجمعه وغيرهما عن فعل ذلك بالضمير، وأصلها التعدي
~~لواحد، والمخصوص بالذم قوله سبحانه وتعالى: { الذين كذبوا
~~بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون } وحيث وجب صدق الفاعل
~~والتمييز والمخصوص على شيء واحد والمثل مغاير للقوم لزم تقدير محذوف من
~~المخصوص وهو الظاهر أو التمييز أي ساء مثلا مثل القوم أو ساء أهل مثل
~~القوم. وفي «الحواشي الشهابية» أنه قرىء بإضافة مثل بفتحتين ومثل بكسر
~~فسكون للقوم ورفعه فساء للتعجب وتقديرها على فعل بالضم كقضو الرجل ومثل
~~القوم فاعل أي ما أسوأهم، والموصول ms03444 في محل جر صفة للقوم أو هي بمعنى بئس
~~ومثل فاعل والموصول هو المخصوص في محل رفع بتقدير مضاف أي مثل الذين الخ.
~~وقدر أبو حيان في هذه القراءة تمييزا، ورده السمين بأنه لا يحتاج إلى
~~التمييز إذا كان الفاعل ظاهرا حتى جعلوا الجمع بينهما ضرورة، وفيه ثلاثة
~~مذاهب المنع مطلقا والجواز كذلك والتفصيل فإن كان مغايرا جاز نحو نعم
~~الرجل شجاعا زيد وإلا امتنع، وبعضهم يجعل المخصوص محذوفا وفي كونه ما
~~هو خلاف وإعادة القوم موصوفا بالموصول مع كفاية الضمير بأن يقال ساء
~~مثلا مثلهم للإيذان بأن مدار السوء ما في حيز الصلة وليربط قوله سبحانه
~~وتعالى: { وأنفسهم كانوا يظلمون } به فإنه إما معطوف على {
~~كذبوا } داخل معه في حكم الصلة بمعنى جمعوا بين أمرين قبيحين التكذيب
~~وظلمهم أنفسهم خاصة أو منقطع عنه بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم فإن وبالها
~~لا يتخطاها، وأيا ما كان ففي ذلك لمح إلى أن تكذيبهم بالآيات متضمن
~~للظلم بها وأن ذلك أيضا معتبر في القصر المستفاد من التقديم، وصرح
~~الطيبي والقطب وغيرهما أن الجملة على تقدير الانقطاع تذييل وتأكيد
~~للجملة التي قبلها، ويشعر كلام بعضهم أن تقديم المفعول على الوجه الأول
~~لرعاية الفاصلة وعلى الوجه الثاني للإشارة إلى التخصيص وأن سبب ظلمهم
~~أنفسهم هو التكذيب، وفيه خفاء كما لا يخفى، هذا ثم أن هذه الآيات مما
~~ترمي علماء السوء بثالثة الأثافي، وقد ذكر مولانا الطيبي طيب الله ثراه
~~أن من تفكر في هذا المثل وسائر الأمثال المضروبة في التنزيل في حق
~~المشركين والأصنام من بيت العنكبوت والذباب تحقق / له أن علماء السوء
~~أسوأ وأقبح من ذلك فما أنعاه من مثل عليهم وما هم فيه من التهالك في
~~الدنيا مالها وجاهها والركون إلى لذاتها وشهواتها من متابعة النفس
~~الأمارة وإرخاء زمامها في مرامها عافانا الله تعالى والمسلمين من ذلك.

# ونقل عن مولانا شيخ الإسلام شهاب الدين السهروردي أنه كتب إلى الإمام
~~فخر الدين الرازي تغمدهما الله تعالى برضوانه من تعين في الزمان لنشر
~~العلم ms03445 عظمت نعمة الله تعالى عليه فينبغي للمتيقظين الحذاق من أرباب
~~الديانات أن يمدوه بالدعاء الصالح ليصفي الله تعالى مورد علمه بحقائق
~~التقوى ومصدره من شوائب الهوى إذ قطرة من الهوى تكدر بحرا من العلم
~~ونوازع الهوى المركوز في النفوس المستصحبة إياه من محتدها من العالم
~~السفلي إذا شابت العلم حطته من أوجه وإذا صفت مصادر العلم وموارده من
~~الهوى أمدته كلمات الله تعالى التي ينفد البحر دون نفادها ويبقى العلم
~~على كمال قوته، وهذه رتبة الراسخين في العلم لا المترسمين به وهم ورثة
~~الأنبياء عليهم السلام كر عملهم على علمهم وتناوب العلم والعمل فيهم حتى
~~صفت أعمالهم ولطفت وصارت مسامرات سرية ومحاورات روحية وتشكلت الأعمال
~~بالعلوم لمكان لطافتها وتشكلت العلوم بالأعمال لقوة فعلها وسرايتها إلى
~~الاستعدادات، وفي اتباع الهوى إخلاد إلى الأرض قال تعالى:

# ولو شئنا لرفعنه بها ولكنه أخلد إلى
~~الأرض واتبع هواه

# [الأعراف: 176] فتطهير نور الفكرة عن رذائل التخيلات والارتهان
~~بالموهومات التي أورثت العقول الصغار والمداهنة للنفوس القاصرة هو من شأن
~~البالغين من الرجال فتصحب نفوسهم الطاهرة الملأ الأعلى فتسرح في ميادين
~~القدس، فالنزاهة النزاهة من محنة حطام الدنيا والفرار الفرار من استحلاء
~~نظر الخلق وعقائدهم فتلك مصارع الأدوان، وطالب الرفيق الأعلى مكلم محدث،
~~والتعريفات الإلهية واردة عليه لمكان علمه بصورة الابتلاء واستئصاله شأفة
~~الابتلاء بصدق الالتجاء وكثرة ولوجه في حريم القرب الإلهي وانغماسه مع
~~الأنفاس في بحار عين اليقين وغسله نفث دلائل البرهان بنور العيان
~~فالبرهان للأفكار لا للأسرار إلى آخر ما قال، ويا لها من موعظة حكيم
~~ونصيحة حميم نسأل الله تعالى أن يهدينا لما أشارت إليه.

### || [7.178]

# { من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل
~~فأولئك هم الخاسرون } تذييل وتأكيد لما تضمنته القصة
~~السابقة على ما يشير إليه كلام بعضهم. وقال آخر: إنه تعالى لما أمر نبيه
~~صلى الله عليه وسلم بأن يقص على أولئك الضالين قصص أخيهم ليتفكروا
~~ويتركوا ما هم عليه عقب ذلك بتحقيق أن الهداية والضلالة من جهته سبحانه
~~وتعالى وإنما العظة والتذكير ms03446 من قبيل الوسائط العادية في حصول الاهتداء
~~لكونها دواعي إلى صرف المكلف اختياره نحو تحصيله حسبما نيط به خلق الله
~~تعالى إياه، والمراد بهذه الهداية ما يوجب الاهتداء قطعا لا لأن حقيقتها
~~الدلالة الموصلة إلى البغية كما يوهمه كلام بعض الأصحاب بل لأنها الفرد
~~الكامل من حقيقة الهداية التي هي الدلالة إلى ما يوصل لإسنادها إلى الله
~~تعالى وتفريع الاهتداء عليها ومقابلتها بالضلال وما معه ولا يخفى أن
~~الهداية بهذا المعنى يلزمها الاهتداء فيكون الإخبار باهتداء من هداه الله
~~تعالى على ما قيل على حد الإخبار في  شعري شعري  وهو يفيد تعظيم شأن
~~الاهتداء وأنه في نفسه كمال جسيم ونفع عظيم وأنه كاف في نيل كل شرف في
~~الأولى والعقبى. واختار بعض المحققين أنه ليس المقصود مجرد الإخبار بما
~~ذكر ليتوهم عدم الإفادة بحسب الظاهر ويصار إلى توجيهه بذلك بل هو قصر
~~الاهتداء على من هداه الله تعالى حسبما يقضي به تعريف الخبر، فالمعنى من
~~يخلق / فيه الاهتداء فهو المهتدي لا غير كائنا من كان ولا يخلو عن حسن
~~إلا أنه قد يقال: إن الأول أوفق بالمقابل، وإفراد المهتدي لا غير كائنا
~~من كان ولا يخلو عن حسن إلا أنه قد يقال: إن الأول أوفق بالمقابل، وإفراد
~~المهتدي رعاية للفظ { من } ، وجمع الخاسرين رعاية لمعناها للإيذان بأن
~~الحق واحد وطرق الضلال متشعبة، وفي الآية تصريح بأن الهدى والضلال من
~~الله تعالى فسبحان من أضل المعتزلة.

### || [7.179]

# { ولقد ذرأنا } كلام مستأنف مقرر لمضمون ما قبله بطريق التذييل،
~~والذرأ بالهمزة الخلق وبذلك فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره أي
~~والله تعالى لقد خلقنا { لجهنم كثيرا من الجن والإنس }
~~وهم المصرون على الكفر في علمه سبحانه وتعالى، واللام للعاقبة عند الكثير
~~كما في قوله تعالى:

# ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا
~~في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك

# [يونس: 88] وقول الشاعر:

# له ملك ينادي كل يوم

# لدوا للموت وابنوا للخراب

# وفي «الكشاف» ((أنهم جعلوا لإغراقهم في الكفر وشدة شكائمهم فيه ms03447 وأنه لا
~~يتأتى منهم إلا أفعال أهل النار مخلوقين للنار دلالة على توغلهم في
~~الموجبات وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخولها))، وأشار إلى أن ذلك تذييل لقصة
~~اليهود بعد ما عد من قبائحهم تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه
~~قيل: إنهم من الذين لا ينجع فيهم الإنذار فدعهم واشتغل بأمر نفسك ومن هو
~~على دينك في لزوم التوحيد، والآية على ما قال من باب الكناية الإيمائية
~~عند القطب قدس سره ويفهم كلامه أن الذي دعا الزمخشري إلى ذلك لزوم كون
~~الكفر مرادا لله تعالى إذا أريد الظاهر وهو خلاف مذهبه، وأنت تعلم أن
~~الكثير من أهل السنة تأولوا الآية بحمل اللام على ما علمت لقوله تعالى:

# وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

# [الذاريات: 56] فإن تعليل الخلق بالعبادة يأبى تعليله بجهنم ودخولها،
~~نعم ذهب ابن عطية منا إلى الحمل على الظاهر وكون اللام للتعليل، وادعى
~~أناس أن التأويل مخالف للأحاديث الواردة في الباب كبعض الأحاديث السابقة
~~في آية أخذ الميثاق، وما أخرجه الإمام أحمد في «»مسنده» عن عبد الرحمن بن
~~قتادة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام ثم أخذ الخلق من ظهره فقال هؤلاء
~~في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي قال قائل: فعلى ماذا
~~العمل؟ قال: على موافقة القدر "

# وما أخرجه محي السنة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت:
~~أدرك النبي صلى الله عليه وسلم جنازة صبي من صبيان الأنصار فقلت: يا
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم طوبى له عصفور من عصافير الجنة فقال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم:

# " وما يدريك إن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب
~~آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم "

# إلى غير ذلك. وإلى هذا ذهب الطيبي وأيده بما أيده وادعى أن فائدة القسم
~~التنبيه على قلع شبه من عسى أن يتصدى لتأويل الآية وتحريف النص القاطع،
~~ونقل عن الإمام ((أن ms03448 الآية حجة لصحة مذهب أهل السنة في مسألة خلق الأعمال
~~وإرادة الكائنات لأنه سبحانه وتعالى صرح بأنه جل وعلا خلق كثيرا من الجن
~~والإنس لجهنم ولا مزيد لبيان الله تعالى))، ولا يخفى أن الحمل على الظاهر
~~مخالف لظاهر الآية التي ذكرناها، وفي الكتاب الكريم كثير مما يوافقها على
~~أن التعليل الحقيقي لأفعاله تعالى يمنع عنه في المشهور الإمام الأشعري
~~وأصحابه.

# وقال بعض الجلة: المراد بالكثير الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية
~~بالشقاوة ولكن لا بطريق الجبر من غير أن يكون من قبلهم ما يؤدي إلى ذلك
~~بل لعلمه سبحانه وتعالى بأنهم لا يصرفون اختيارهم نحو الحق / أبدا بل
~~يصرون على الباطل من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم من الآيات والنذر،
~~فبهذا الاعتبار جعل خلقهم مغيا بجهنم كما أن جمع الفريقين باعتبار
~~استعدادهم الكامل الفطري للعبادة وتمكنهم التام منها جعل خلقهم مغيا بها
~~كما نطق به قوله سبحانه وتعالى:

# وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

# [الذاريات: 56] انتهى، وعندي أنه لا محيص من التأويل في هذا المقام
~~فتدبر ولا تغفل، ثم إن الجار الأول متعلق بما عنده وتقديمه على المفعول
~~الصريح لما في توابعه من نوع طول يؤدي توسيطه بما بينهما وتأخيرهم عنهما
~~إلى الإخلال بجزالة النظم الجليل، والجار الثاني متعلق بمحذوف وقع صفة
~~لكثير، وتقديم الجن لأنهم أعرف من الإنس في الاتصاف بما ذكر من الصفات
~~وأكثر عددا وأقدم خلقا ولا يشكل أنهم خلقوا من النار فلا يشق عليهم
~~دخولها ولا يضرهم شيئا لأنا نقول في دفع ذلك على علاته خلقهم من النار
~~بمعنى أن الغالب عليهم الجزء الناري لا يأبى تضررهم بها فإن الإنس خلقوا
~~من الطين ويتضررون به، ويوضح ذلك أن حقيقة النار لم تبق فيهم على ما هي
~~عليه قبل خلقهم منها كما أن حقيقة الطين لم تبق في الإنس على ما هي عليه
~~قبل خلقهم منها على أن المخلوق من نار هو البدن والمعذب هو الروح وليست
~~مخلوقة منها وعذاب الروح في قالب ناري معقول كعذابها في ms03449 قالب طيني.

# وقوله تعالى: { لهم قلوب } في محل النصب على أنه صفة أخرى لكثير،
~~وقوله سبحانه وتعالى: { لا يفقهون بها } في محل الرفع على أنه
~~صفة لقلوب مبينة لكونها غير معهودة مخالفة لسائر أفراد الجنس فاقدة لما
~~ينبغي أن يكون أو هي مؤكدة لما يفيده تنكيرها وإبهامها من كونها كذلك،
~~وأريد بالقلب اللطيفة الإنسانية، وبالفقه الفهم وهو المعنى اللغوي له،
~~يقال: فقه بالكسر أي فهم وفقه بالضم إذا صار فقيها أي فهما أو عالما
~~بالفقه بالمعنى العرفي المبين في «كتب الأصول»، والفعل هنا متعد إلا أنه
~~حذف مفعوله للتعميم أي لهم قلوب ليس من شأنها أن يفهموا بها شيئا مما
~~شأنه أن يفهم فيدخل فيه ما يليق بالمقام من الحق ودلائله دخولا أوليا،
~~وكذا الكلام في قوله جل وعلا: { ولهم أعين لا يبصرون
~~بها } فيقال: المراد لا يبصرون بها شيئا من المبصرات فيندرج فيه
~~الشواهد التكوينية الدالة على الحق اندراجا أوليا، وكذا يقال في قوله
~~تبارك وتعالى: { ولهم آذان لا يبصرون بها } حيث يراد لا
~~يسمعون بها شيئا من المسموعات فيتناول الآيات التنزيلية على طرز ما سلف،
~~وأمر الوصفية في الأخيرين مثله في الأول، والمراد بالإبصار والسماع
~~المنفيين ما يختص بالعقلاء من الإدراك على ما هو وظيفة الثقلين لا ما
~~يتناول مجرد الإحساس بالشبح والصوت كما هو وظيفة الأنعام، وجاء في كلامهم
~~نحو فلان لا يسمع الخنا أي لا يعتني به ولا يصرف سمعه إليه ولا يقبله،
~~ومن ذلك قول الشاعر:

# وعوراء الكلام صممت عنها

# وإني لو أشاء لها سميع

# وفي إعادة الخبر في الجملتين المعطوفتين مع انتظام الكلام بدون ذلك بأن
~~يقال: وأعين لا يبصرون بها وآذان لا يسمعون بها ما لا يخفى من تقرير سوء
~~حالهم، وكذا في إثبات المشاعر الثلاثة لهم ثم وصف كل بما وصف به دون
~~سلبها عنهم ابتداء بأن يقال: ليس لهم قلوب يفقهون بها ولا أعين يبصرون
~~بها ولا آذان يسمعون بها ما لا يخفى على ما قيل من الشهادة بكمال رسوخهم
~~في ms03450 الجهل والغواية، وتفسير الآية على هذا الوجه / واعتبار حذف المفعول
~~لما ذكرنا من الأفعال الثلاثة هو الذي اختاره بعض المحققين لما فيه من
~~الإفصاح بكنه حالهم على ما أشار إليه، واختار بعضهم التخصيص أي لا يفقهون
~~الحق ودلائله ولا يبصرون ما خلق الله تعالى إبصار اعتبار ولا يسمعون
~~الآيات والمواعظ سماع تأمل وتفكر، وأيا ما كان فالمراد أنهم لم يصرفوا
~~ما خلق لهم لما خلق له فكأنهم خلقوا كذلك، ولو أريدت الحقيقة لم يتوجه
~~الذم ولم تقم الحجة؛ ومن ادعاها قال: إن ذلك بسبب إفاضة الحكيم حسب
~~الاستعداد الأزلي الغير المجعول فالذم بذلك لدلالته على سوء الاستعداد
~~لأنه كالأثر له، وبالجملة لا تقوم الآية دليلا للجبر الصرف ولو ضم إليها
~~ما قبل، والجبر المتوسط مما قال به أهل الحق وهو لبن خالص أخرج من بين
~~فرث ودم، وحاصله عند بعض المشايخ أن العبد مختار مجبور باختياره، ولعل
~~كلام حجة الإسلام الغزال حيث قال من كلام طويل: فإن قلت: إني أجد في نفسي
~~أني إن شئت الفعل فعلت وإن شئت الترك تركت فيكون فعلي حاصلا بي ولا
~~بغيري، أجبنا وقلنا: هب إنك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا نقول: وهل تجد من
~~نفسك إنك إن شئت أن تشاء شئت وإن شئت أن لا تشأ لم تشأ؟ ما أظنك تقول ذلك
~~وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له فلا مشيئتك بك ولا حصول فعلك بعد
~~حصول مشيئتك بك وإنما أنت مضطر في صورة مختار انتهى.

# يرجع إلى ما ذكرنا، وقد استوفينا الكلام في هذا البحث في كتابنا
~~«الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية» وهو لعمري من مشكلات المباحث
~~التي سأل عنها الإيرانون.

# { أولئك } أي الموصوفون بالأوصاف المذكورة { كالأنعم } أي
~~في انتفاء الشعور على الوجه المذكور، وقيل في أن مشاعرهم متوجهة إلى
~~أسباب التعيش مقصورة عليها وكأن وجه الشبه مدرك مما قبل فتكون الجملة
~~كالتأكيد له فلذا فصلت عنه { بل هم أضل } من الأنعام لأنها تدرك
~~ما من شأنها أن تدركه من ms03451 المنافع والمضار فتجهد في جلبها وسلبها غاية ما
~~يمكنها وهؤلاء ليسوا كذلك حيث لم يميزوا بين المنافع والمضار بل يعكسون
~~الأمر فيتركون النعيم ويقدمون على العذاب الأليم، وقيل: لأنها إذا زجرت
~~انزجرت وإذا أرشدت إلى طريق اهتدت وهؤلاء لا يهتدون إلى شيء من الخيرات.
~~وقيل: لأنها لم تعط قدرة على تحصيل الفضائل وهؤلاء أعطوا ولم ينتفعوا بما
~~أعطوا، ولأنها وإن لم تكن مطيعة لم تكن عاصية وهؤلاء عصاة فهم أسوأ حالا
~~منها. وقال بعضهم: لأنها تعرف صاحبها وتذكره وتطيعه وهؤلاء لا يعرفون
~~ربهم ولا يذكرونه ولا يطيعونه، وبالجملة كون هؤلاء أضل مما لا شك فيه
~~ووجوه ذلك كثيرة ولا تنافي بين الخبرين كما لا يخفى. { أولئك } أي
~~المنعوتون بما ذكر من مثلية الأنعام والشرية منها { هم الغفلون
~~} أي الكاملون في الغفلة عما فيه صلاحهم. وقال عطاء: عما أعد الله تعالى
~~لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب، وجعل بعضهم هذه الجملة كالبيان
~~للجملة قبلها فلذا فصلت عنها.

### || [7.180]

# { ولله الأسماء الحسنى } قيل: تنبيه للمؤمنين على كيفية
~~ذكره تعالى وكيفية المعاملة مع المخلين بذلك الغافلين عنه سبحانه وتعالى
~~وعما يليق بشأنه عز شأنه إثر بيان غفلتهم التامة وضلالتهم الطامة، وسيأتي
~~إن شاء الله تعالى وجه آخر لذكر ذلك. والمراد بالأسماء كما قال حجة
~~الإسلام الغزالي وغيره الألفاظ المصوغة الدالة على المعاني المختلفة،
~~والحسنى تأنيث الأحسن أفعل تفضيل، ومعنى ذلك أنها أحسن الأسماء وأجلها
~~لأنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها، وقيل: المراد بالأسماء الصفات ويكون
~~من قولهم طار اسمه في البلاد أي صيته ونعته، والجمهور على الأول لقوله عز
~~اسمه: { فادعوه بها } لأنه إما من الدعوة بمعنى التسمية كقولهم:
~~دعوته زيدا أو بزيد أي سميته أو من الدعاء بمعنى النداء كقولهم: دعوت
~~زيدا أي ناديته، وعلى التقديرين إنما يلائم ظاهر المعنى الأول على ما
~~قيل. { وذروا الذين يلحدون فى أسمائه } أي يميلون
~~وينحرفون فيها عن الحق إلى الباطل يقال: ألحد إذا مال عن القصد
~~والاستقامة، ومنه لحد القبر لكونه في جانبه بخلاف الضريح فإنه ms03452 في وسطه،
~~وقرأ حمزة هنا وفي فصلت [40] { يلحدون } بالفتح من الثلاثي والمعنى
~~واحد، وروى أبو عبيدة عن الأحمر أن ألحد بمعنى مارى وجادل، ولحد بمعنى
~~مال وانحرف، واختار الواحدي قراءة الجمهور قال: ولا يكاد يسمع لاحد بمعنى
~~ملحد.

# والإلحاد في أسمائه سبحانه أن يسمى بما لا توقيف فيه أو بما يوهم معنى
~~فاسدا كما في قول أهل البدو يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه يا سخي ونحو
~~ذلك، فالمراد بالترك المأمور به الاجتناب عن ذلك، وبأسمائه ما أطلقوه
~~عليه تعالى وسموه به على زعمهم لا أسماؤه تعالى حقيقة، وعلى ذلك يحمل ترك
~~الإضمار بأن يقال: يلحدون بها، وما قيل: إنه أريد بالأسماء التسميات فلذا
~~ترك الإضمار ليس بشيء، ومن فسر الإلحاد في الأسماء بما ذكر ذهب إلى أن
~~أسماء الله تعالى توقيفية يراعى فيها الكتاب والسنة والإجماع فكل اسم ورد
~~في هذه الأصول جاز إطلاقه عليه جل شأنه وما لم يرد فيها لا يجوز إطلاقه
~~وإن صح معناه، وبهذا صرح أبو القاسم القشيري في «مفاتيح الحجج ومصابيح
~~النهج»، وفي «أبكار الأفكار» للآمدي ليس مأخذ جواز تسميات الأسماء الحسنى
~~دليلا عقليا ولا قياسا لفظيا وإلا لكان تسمية الرب تعالى فقيها
~~عاقلا مع صحة معاني هذه التسميات في حقه وهي العلم والفقه أولى من
~~تسميته سبحانه وتعالى بكثير مما يشكل ظاهره بل مأخذ ذلك إنما هو الإطلاق
~~والإذن من الشارع فكل ما ورد الإذن به منه جوزناه وما ورد المنع منه
~~منعناه وما لم يوجد فيه إطلاق ولا منع فقد قال بعض أصحابنا بالمنع منه
~~وليس القول بالمنع مع عدم وروده أولى من القول بالجواز مع عدم وروده إذ
~~المنع والجواز حكمان، وليس إثبات أحدهما مع عدم الدليل أولى من الآخر بل
~~الحق في ذلك هو الوقف وهو أنا لا نحكم بجواز ولا منع والمتبع في ذلك كله
~~الظواهر الشرعية كما هو المتبع في سائر الأحكام وهو أن يكون ظاهرا في
~~دلالته وفي صحته ولا يشترط فيه القطع كما ذهب إليه بعض ms03453 الأصحاب لكون
~~المنع والجواز من الأحكام الشرعية، والتفرقة بين حكم وحكم في اشتراط
~~القطع في أحدهما دون الآخر تحكم لا دليل عليه انتهى.

# وأنت تعلم أن المشهور التفرقة بين الأحكام الأصولية الاعتقادية والأحكام
~~الفرعية العملية كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى قريبا. وخلاصة الكلام
~~في هذا المقام أن علماء الإسلام اتفقوا على جواز إطلاق الأسماء والصفات
~~على الباري تعالى إذا ورد بها الإذن من الشارع وعلى امتناعه إذا ورد
~~المنع عنه، واختلفوا حيث لا إذن ولا منع في جواز إطلاق ما كان سبحانه
~~وتعالى متصفا بمعناه ولم يكن من الأسماء الأعلام الموضوعة في سائر
~~اللغات إذ ليس جواز إطلاقها عليه تعالى محل نزاع لأحد، ولم يكن إطلاقه
~~موهما نقصا بل كان مشعرا بالمدح فمنعه جمهور أهل الحق مطلقا للخطر،
~~وجوزه المعتزلة مطلقا، ومال إليه القاضي أبو بكر لشيوع إطلاق نحو خدا
~~وتكرى من غير نكير فكان إجماعا، ورد بأن الإجماع كاف في الإذن الشرعي
~~إذا ثبت.

# / واعترضه أيضا إمام الحرمين بأنه قول بالقياس وهو حجة في العمليات
~~والأسماء والصفات من العمليات، وروى بعضهم عنه التوقف، وذكر في «شرح
~~المواقف» أن القاضي أبا بكر ذهب إلى أن كل لفظ دل على معنى ثابت لله
~~تعالى جاز إطلاقه عليه إذا لم يكن موهما لما لا يليق بذاته تعالى، ثم
~~قال: وقد يقال: لا بد مع نفي ذلك الإيهام من الإشعار بالتعظيم حتى يصح
~~الإطلاق بلا توقف وجعل مذهب المعتزلة غير مذهبه والمشهور ما ذكرناه.

# وفصل الغزالي قدس سره فجوز إطلاق الصفة وهو ما دل على معنى زائد على
~~الذات ومنع إطلاق الاسم وهو ما يدل على نفس الذات محتجا بإباحة الصدق
~~واستحبابه والصفة لتضمنها النسبة الخبرية راجعة إليه وهي لا تتوقف إلا
~~على تحقق معناها بخلاف الاسم فإنه لا يتضمن النسبة الخبرية وأنه ليس إلا
~~للأبوين أو من يجري مجراهما. وأجيب بأن ذلك حيث لا مانع من استعمال اللفظ
~~الدال على تلك النسبة والخطر قائم، وأين التراب من رب الأرباب؟.

# واختار ms03454 جمع من المتأخرين مذهب الجمهور قالوا: فيطلق ما سمع على الوجه
~~الذي سمع ولا يتجاوز ذلك إلا في التعريف والتنكير سواء أوهم كالصبور
~~والشكور والجبار والرحيم أو لم يوهم كالقادر والعالم، والمراد بالسمعي ما
~~ورد به كتاب أو سنة صحيحة أو إجماع لأنه غير خارج عنهما في التحقيق بخلاف
~~الضعيفة والقياس أيضا إن قلنا: إن المسألة من العلميات أما إن قلنا:
~~إنها من العمليات فالسنة الضعيفة كالحسنة إلا الواهية جدا، والقياس
~~كالإجماع، وأطلق بعضهم المنع في القياس وهو الظاهر لاحتمال إيهام أحد
~~المترادفين دون الآخر.

# وجعل بعضهم من الثابت بالقياس المترادفات من لغة أو لغات، وليس بذاك،
~~ومن الثابت بالإجماع الصانع والموجود والواجب والقديم، قيل: والعلة،
~~وقيل: الصانع والقديم مسموعان كالحنان والمنان، ونص بعض المحققين على أنه
~~يمنع إطلاق غير المضاف إذا كان مرادفا للمضاف المسموع قياسا كما يمنع
~~إطلاق ما ورد على وجه المشاكلة والمجاز، وأنه لا يكفي ورود الفعل والمصدر
~~ونحوهما في صحة إطلاق الوصف فلا يطلق الحارث والزارع والرامي والمستهزىء
~~والمنزل والماكر عليه سبحانه وتعالى وإن جاءت آيات تشعر بذلك.

# هذا ومن الناس من قال: إن الألفاظ الدالة على الصفات ثلاثة أقسام: الأول
~~ما يدل على صفات واجبة وهو أصناف: منها ما يصح إطلاقه مفردا لا مضافا
~~نحو الموجود والأزلي والقديم وغيرها، ومنها ما يصح إطلاقه مفردا ومضافا
~~إلى ما لا هجنة فيه نحو الملك والمولى والرب والخالق. ومنها ما يصح
~~مضافا غير مفرد نحو يا منشىء الرفات ومقيل العثرات، والثاني ما يدل على
~~صفات ممتنعة نحو اليد والوجه والنزول والمجىء فلا يصح إطلاقه البتة، وإن
~~ورد به السمع كان التأويل من اللوازم. والثالث ما لا يدل على صفات واجبة
~~ولا ممتنعة بل يدل على معان ثابتة نحو المكر والخداع وأمثالهما فلا يصح
~~إطلاقه إلا إذا ورد التوقيف، ولا يقال: يا مكار يا خداع البتة وإن كان
~~مذكورا ما يدل عليه كقوله تعالى:

# ومكروا ومكر الله

# [آل عمران: 54] انتهى، ولا يخفى ما فيه.

# وذكر الطيبي أن الحق ms03455 الاعتماد في الإطلاق على الإطلاق على التوقيف، وأن
~~كل ما أذن الشارع أن يدعى به الله عز وجل سواء كان مشتقا أو غير مشتق
~~فهو اسم، وكل ما نسب إليه سبحانه وتعالى من غير ذلك الوجه سواء كان
~~مؤولا أو غير مؤول فهو وصف؛ وجعل الحي وصفا والكريم اسما وادعى أنه
~~يقال يا كريم ولا يقال يا حي مع ورود اللفظين فيه سبحانه وتعالى فيما
~~أخرجه أبو داود والترمذي من / حديث سلمان رضي الله تعالى عنه عن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " الله تعالى حي كريم يستحي إذا رفع العبد يده أن يردها صفرا حتى يضع
~~فيها خيرا "

# وذكر أن التعريف في الأسماء للعهد وأنه لا بد من المعهود لأنه سبحانه
~~وتعالى أمر بالدعاء بها ونهى عن الدعاء بغيرها وأوعد على ذلك.

# وروى الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما من حفظها دخل الجنة "

# وفي رواية أحصاها، وفي أخرى

# " إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا "

# وأوتي فيه بالفذلكة والتأكيد لئلا يزاد على ما ورد. وجاءت معدودة في بعض
~~الروايات بقوله عليه الصلاة والسلام

# " هو الله لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن
~~المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق الباريء المصور الغفار القهار
~~الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل
~~السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور
~~العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع
~~الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي
~~الحميد المحصي المبدىء المعيد المحي المميت الحي القيوم الواجد الماجد
~~الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن
~~الوالي المتعال البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال
~~والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي
~~البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور ".

# ونقل عن أهل البيت رضي الله تعالى عنهم غير ذلك وأخذوها من القرآن؛ ms03456 وجاء
~~أيضا عندنا ما يخالف هذه الرواية في بعض الأسماء. وذكر غير واحد من
~~العلماء أن هذه الأسماء منها ما يرجع إلى صفة فعلية ومنها ما يرجع إلى
~~صفة نفسية ومنها ما يرجع إلى صفة سلبية. ومنها ما اختلف في رجوعه إلى شيء
~~مما ذكر وعدم رجوعه وهو الله والحق أنه اسم للذات وهو الذي إليه يرجع
~~الأمر كله، ومن هنا ذهب الجل إلى أنه الاسم الأعظم، وتنقسم قسمة أخرى إلى
~~ما لا يجوز إطلاقه على غيره سبحانه وتعالى كالله والرحمن وما يجوز
~~كالرحيم والكريم وإلى ما يباح ذكره وحده كأكثرها وإلى ما لا يباح ذكره
~~كذلك كالمميت والضار فإنه لا يقال: يا مميت يا ضار بل يقال: يا محي يا
~~مميت ويا نافع يا ضار، والذي أراه أنه لا حصر لأسمائه عزت أسماؤه في
~~التسعة والتسعين، ويدل على ذلك ما أخرجه البيهقي عن ابن مسعود قال: قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " من أصابه هم أو حزن فليقل: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي
~~في يدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو
~~أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك
~~أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وذهاب همي وجلاء حزني "

# الحديث، وهو صريح في عدم الحصر لمكان أو وأو.

# وحكى محي الدين النووي ((اتفاق العلماء على ذلك وأن المقصود من الحديث
~~الإخبار بأن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة وهو لا ينافي أن له
~~تعالى أسماء غيرها غير موصوفة بذلك.

# ونقل أبو بكر بن العربي عن بعضهم أن له سبحانه وتعالى ألف اسم ثم قال:
~~وهذا قليل)) وهو كما قال. وعن بعضهم أنها أربعة آلاف، وعن بعض الصوفية
~~أنها لا تكاد تحصى، والمختار عندي عدم توقف إطلاق الأسماء المشتقة
~~الراجعة إلى نوع من الصفات النفسية والفعلية وكذا الصفات السلبية عليه
~~تعالى على التوقيف الخاص بل يصح الإطلاق بدونه ms03457 لكن بعد التحري التام وبذل
~~الوسع فيما هو نص في التعظيم والتحفظ إلى الغاية عما يوهم أدنى أدنى نقص
~~/ معاذ الله تعالى في حقه سبحانه لأنا مأذونون بتعظيم الله تبارك وتعالى
~~بالأقوال والأفعال ولم يحد لنا حد فيه؛ فمتى كان في الإطلاق تعظيم له عز
~~وجل كان مأذونا به، والتكليف منوط بالوسع

# لا يكلف الله نفسا إلا وسعها

# [البقرة: 286] فبعد بذل الوسع في التعظيم يرتفع الحرج.

# وحديث الخطر الذي يذكرونه يستدعي أن لا يصح إلا إطلاق ما ثبت تواترا
~~إطلاقه عليه جل وعلا أو اجتمعت الأمة على إطلاقه لأن الثبوت فيما عدا ذلك
~~ظني والخطر فيه يقيني، والأسماء المتقدمة آنفا لم يوجد في كثير من
~~الروايات ذكرها وهي مشهورة من حديث الترمذي، وقد قال: ((إنه حدثنا به غير
~~واحد عن صفوان بن صالح ولا نعرفه إلا من حديثه وهو ثقة عند أهل الحديث))،
~~وأنت تعلم أن هذا القدر لا يثبت به اليقين بل ولا بمثله ومثله، على أن عد
~~بعض أهل البيت كما في «الدر المنثور» للتسعة والتسعين وكذا غيرهم كما لا
~~يخفى على المتتبع يخالف هذا العد، وسند ذلك الخبر وإن لم يكن في المتانة
~~كسند هذا إلا أنه لا أقل يورث الشبهة اللهم إلا أن يقال: حصل الإجماع على
~~ما في حديث الترمذي دون ما في حديث غيره المخالف له لكن لم أقف على من
~~حكى ذلك.

# ثم إن هذه الأسماء المأخوذة مما ذكرنا لا مانع من الدعاء بها ومن
~~إجرائها اخبارا عنه سبحانه وتعالى أو أوصافا له جل وعز وكلها حسنى،
~~وتسميتها بذلك من جهة أنها بالمعنى المراد منها بالنسبة إليه تعالى مختصة
~~به جل وعلا اختصاص الاسم ولا تطلق على غيره بالمعنى المراد مها حال
~~إطلاقها على الله تعالى وإنما تطلق على الغير بمعنى آخر ليس بينه وبين
~~ذلك المعنى إلا كما بين السواد والبياض فإن بينهما غاية البعد الذي لا
~~يتصور أن يكون بعد فوقه لكنهما متشاركان في العرضية واللونية والمدركية
~~بالبصر وأمور أخر سوى ms03458 ذلك، وبهذا لا يعد البياض مماثلا للسواد أو بالعكس
~~لأن المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية وهي مفقودة هنا وكذا
~~هي مفقودة بين العلم مثلا الذي يوصف الله تعالى به والعلم الذي يوصف
~~غيره سبحانه وتعالى به ولا يعلم حقيقة ذلك وماهيته إلا الله تعالى كما لا
~~يعرف حقيقة الله تعالى إلا الله تعالى في الدنيا والآخرة.

# نعم لو قال قائل: لا أعرف إلا الله تعالى صدق ولكن من جهة أخرى، ونهاية
~~معرفة العارفين العجز عن المعرفة، ومعرفتهم بالحقيقة أنهم لا يعرفونه
~~فإذا انكشف لهم ذلك فقد عرفوا وبغلوا المنتهى الذي يمكن في حق الخلق من
~~معرفته سبحانه وتعالى.

# وهذا الذي أشار إليه الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه حيث قال: العجز
~~عن درك الإدراك إدراك بل هو الذي عناه سيد البشر صلى الله عليه وسلم
~~بقوله:

# " لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك "

# فإنه عليه الصلاة والسلام أراد إني لا أحيط بمحامدك وصفات إلهيتك وإنما
~~أنت المحيط به وحدك لا أني أعرف منك ما لا أستطيع التعبير عنه بلساني،
~~وتفاوت درجات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والملائكة والأولياء في
~~المعرفة إنما هو بالوقوف على عجائب آياته في ملكوت السماوات والأرض وخلق
~~الأرواح والأجساد وحينئذ يتفاوتون في معرفة الأسماء والصفات، ومعرفة أن
~~زيدا عالم مثلا ليست كمعرفة تفاصيل علومه كما لا يخفى، ولا يرد على ما
~~ذكرنا من الاختصاص أنه يأباه تقسيمهم أسماءه تعالى إلى مختص كالرحمن وغير
~~مختص كالرحيم لأن مرادهم بالمختص ما اعتبر في مفهومه المطابقي ما يمنع من
~~الإطلاق على الغير، وقد نص البيضاوي على أن معنى الرحمن المنعم الحقيقي
~~البالغ في الرحمة غايتها وذلك لا يصدق على غيره تعالى فلذا لا يوصف به،
~~وبغير المختص ما لم يعتبر في مفهومه ذلك بل اعتبر فيه معنى عام فيطلق
~~لذلك على الله تعالى وعلى غيره، لكن حال إطلاقه عليه تعالى يراد الفرد
~~الكامل من ذلك المفهوم الذي لا يليق / ولا يمكن أن يثبت إلا لله عز ms03459 وجل،
~~وقد يقال: لا فرق بين الأسماء المشتقة التي يوجد في الغير مبدأ اشتقاقها
~~في الجملة من حيث إن اعتبار ذلك الوجود يقتضي عدم الاختصاص، واعتبار
~~الوجود على أتم وجه وأكمله يقتضي الاختصاص من غير تفرقة بين اسم واسم إلا
~~أنا حكمنا بالاختصاص في بعض وبعدمه في آخر لأمر آخر كالاستعمال وعدم
~~الاستعمال وإذن الشارع وعدم إذنه فلا يأبى ما قلناه أيضا نعم اعتبار
~~الاختصاص بالله تعالى في الأسماء المذكورة في الآية لا يتأتى فيها بناء
~~على أن تقديم الخبر يفيد الاختصاص أيضا فيكون المعنى لله لا لغيره
~~الأسماء التي تختص به تعالى ولا تطلق على غيره، ويؤل إلى أن الأسماء
~~المختصة به سبحانه وتعالى مختصة به جل وعلا وهو مما لا فائدة فيه، وحينئذ
~~لا بد إما من حمل الأسماء على الصفات كما قال البعض، ومعنى الحسنى
~~الكاملة من كل وجه أي لله تعالى لا لغيره الصفات الكاملة لأن صفات غيره
~~سبحانه وتعالى كيفما كانت ناقصة لا أقل من أن العدم محيط بطرفيها، ومعنى
~~فادعوه بها الخ سموه بما يشتق منها أو نادوه بذلك وذروا الذين يميلون عن
~~الحق في صفاته فيسمون بها غيره أو يدعون معتقدين الشركة ودعوهم وإلحادهم،
~~وإما من ارتكاب ضرب من التجوز وما ذكره الطيبي من أن التعريف في الأسماء
~~للعهد إلى آخر ما قاله مما لا أظنك في مرية من ركاكته فتأمل.

# وجوز أن يراد بالإلحاد العدول عن تسميته تعالى ببعض أسمائه الكريمة كما
~~قالوا: وما الرحمن؟ إنا لا نعرف إلا رحمن اليمامة، وعليه فالمراد بالترك
~~الاجتناب كما أريد أولا بالأسماء أسماؤه تعالى حقيقة، فالمعنى سموه
~~تعالى بجميع أسمائه واجتنبوا إخراج بعضها من البين، وأن يراد به إطلاقها
~~على الأصنام واشتقاق أسمائها منها كاللات من الله تعالى والعزى من
~~العزيز، فالمراد من الأسماء أسماؤه تعالى حقيقة، والإظهار في موضع
~~الإضمار مع التجريد عن الوصف في الكل للإيذان بأن إلحادهم في نفس الأسماء
~~من غير اعتبار الوصف. والمراد بالترك الإعراض وعدم المبالاة بما فعلوا
~~ترقبا ms03460 لنزول العقوبة فيهم عن قريب كما يشير إليه قوله تعالى: {
~~سيجزون ما كانوا يعملون } فإنه استئناف وقع جوابا عن
~~سؤال مقدر كأنه قيل: لم لا نبالي؟ فقيل: لأنه سينزل بهم عقوبة وتشتفون عن
~~قريب، والمعنى على الأمر بالاجتناب اجتنبوا إلحادهم كيلا يصيبكم ما
~~يصيبهم فإنه سينزل بهم عقوبة ذلك.

### || [7.181]

# { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون
~~} قيل بيان إجمالي لحال من عدا المذكورين من الثقلين الموصوفين بما ذكر
~~من الضلال على أتم وجه، وهو عند جمع من المحققين على ما ظهر للعلامة
~~الطيبي عطف على جملة

# ولقد ذرأنا

# [الأعراف: 179] وقوله سبحانه وتعالى: { يهدون } الخ إذا أخذ بجملته
~~وزبدته كان كالمقابل لقوله تعالى: { لهم قلوب } إلى

# هم الغفلون

# [الأعراف: 179] وكلتا الآيتين كالنشر لقوله عز شأنه:

# من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك
~~هم الخاسرون

# [الأعراف: 178] وهو كالتذييل لحديث الذي أوتي آيات الله تعالى والأسماء
~~العظام فانسلخ منها وقوله تعالى:

# ولله الأسماء الحسنى

# [الأعراف: 180] اعتراض لمناسبة حديث الأسماء حديث أسماء الله تعالى
~~العظام التي أوتيها ذلك المنسلخ كما في بعض الروايات وقد تعلق بقوله عز
~~شأنه:

# أولئك هم الغفلون

# [الأعراف: 179] باعتبار أنه كالتنبيه على أن الموجب لدخول جهنم هو
~~الغفلة عن ذكر الله تعالى وعن أسمائه الحسنى، وأرباب الذوق والمشاهدة
~~يجدون ذلك من أرواحهم لأن القلب إذا غفل عن ذكر الله تبارك وتعالى وأقبل
~~على الدنيا وشهواتها وقع في نار الحرص ولا يزال يهوى من ظلمة إلى ظلمة
~~حتى ينتهي إلى دركات الحرمان، وبخلاف ذلك إذا انفتح على / القلب باب
~~الذكر فإنه يقع في جنة القناعة ولا يزال يترقى من نور إلى نور حتى ينتهي
~~إلى أعلا درجات الإحسان، ومن إما نكرة موصوفة أو بمعنى الذي، والمراد بعض
~~من خلقنا أو بعض ممن خلقنا طائفة جليلة كثيرة يهدون الناس ملتبسين بالحق
~~أو يهدونهم بكلمة الحق ويدلونهم على الاستقامة وبالحق يحكمون في الحكومات
~~الجارية فيما بينهم ولا يجورون فيها. أخرج ابن جرير وغيره عن ابن جريج
~~أنه قال: ذكر لنا

# " أن ms03461 النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذه أمتي "

# وأخرج عن قتادة أنه قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول
~~إذا قرأ هذه الآية:

# " هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها { ومن قوم موسى
~~أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } "

# وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام "

# وروى الشيخان عن معاوية والمغيرة بن شعبة قالا: قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله تعالى لا يضرهم من خذلهم حتى
~~يأتي أمر الله تعلى وهم على ذلك "

# واستدل الجبائي بالآية على صحة الإجماع في كل عصر سواء في ذلك عصر
~~النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله تعالى عنهم وغيره إذ لو
~~اختص لم يكن لذكره فائدة لأنه معلوم، وعلى أنه لا يخلو عصر عن مجتهد إلى
~~قيام الساعة لأن المجتهدين هم أرباب الإجماع، قيل: وهو مخالف لما روي من
~~أنه «لا تقوم الساعة إلا على أشرار الخلق»، و«لا تقوم الساعة حتى لا يقال
~~في الأرض الله»، وأجيب بأن ذلك الزمان ملحق بيوم القيامة لمعانقته له،
~~والمراد عدم خلو العصر عن مجتهد فيما عداه، وقيل: المراد من الخبرين
~~الإشارة إلى غلبة الشر فلا ينافي وجود النزر من أهل ذلك العنوان، والواحد
~~منهم كاف وهو حينئذ الأمة، والاقتصار على نعتهم بهداية الناس للإيذان بأن
~~اهتداءهم في أنفسهم أمر محقق غني عن التصريح.

### || [7.182]

# { والذين كذبوا بئايتنا } ولم تنفعهم هداية الهادين
~~كأهل مكة وغيرهم، واقتصر بعضهم على الأولين والعموم أولى، وإضافة الآيات
~~إلى ضمير العظمة لتشريفها واستعظام الإقدام على تكذيبها، والموصول في محل
~~الرفع على أنه مبتدأ خبره جملة { سنستدرجهم } أي سنستدنيهم البتة
~~إلى الهلاك شيئا فشيئا، وجوز أن يكون في محل النصب بفعل محذوف يفسره
~~المذكور، والاستدراج استفعال من الدرجة بمعنى النقل درجة بعد درجة من سفل
~~إلى علو فيكون استصعادا أو ms03462 بالعكس فيكون استنزالا وقد استعمله الأعشى
~~في قوله:

# فلو كنت في جب ثمانين قامة

# ورقيت أسباب السماء بسلم

# ليستدرجنك القول حتى تهره

# وتعلم أني عنكم غير مفحم

# في مطلق معناه، وقال بعضهم: هو استفعال من درج إما بمعنى صعد ثم اتسع
~~فيه فاستعمل في كل نقل تدريجي سواء كان بطريق الصعود أو الهبوط أو
~~الاستقامة، وإما بمعنى مشى مشيا ضعيفا ومنه درج الصبي وإما بمعنى طوى
~~ومنه أدرج الكتاب ثم استعير لطلب كل نقل تدريجي من حال إلى حال من
~~الأحوال الملائمة للمنتقل الموافقة لهواه، واستدراجه تعالى إياهم بإدرار
~~النعم عليهم مع انهماكهم في الغي، ولذا قيل: إذا رأيت الله تعالى أنعم
~~على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم أنه مستدرج، وهذا يمكن حمله على
~~الاستصعاد باعتبار نظرهم وزعمهم أن متواترة النعم إثرة من الله تعالى وهو
~~الظاهر، وعلى الاستنزال باعتبار الحقيقة فإن الجبلة الإنسانية في أصل
~~الفطرة سليمة متهيئة لقبول الحق لقضية «كل مولود يولد على الفطرة» فهو في
~~بقاع التمكن على الهدى والدين / فإذا أخلد إلى الأرض واتبع الشهوات
~~وارتكب المعاصي والسيآت ينزل درجة درجة إلى أن يصير أسفل السافلين، وأيا
~~ما كان فليس المطلوب إلا تدرجهم في مدارج المعاصي إلى أن يحق عليهم كلمة
~~العذاب الأخروي أو الدنيوي على ما قيل على أفظع حال وأشنعها وإدرار النعم
~~وسيلة إلى ذلك.

# { من حيث لا يعلمون } أنه كذلك بل يحسبون أنه إثرة من الله
~~تعالى، وقيل: لا يعلمون ما يراد بهم، والجار والمجرور متعلق بمضمر وقع
~~صفة لمصدر الفعل المذكور أي سنستدرجهم استدراجا كائنا من حيث لا
~~يعلمون.

### || [7.183]

# { وأملى لهم } أي أمهلهم والواو للعطف وما بعده معطوف على

# سنستدرجهم

# [الأعراف: 182] غير داخل في حكم السين لما أن الإمهال ليس من الأمور
~~التدريجية كالاستدراج الحاصل في نفسه شيئا فشيئا بل هو مما يحصل دفعة
~~والحاصل بطريق التدريج آثاره وأحكامه ليس إلا، ويلوح بذلك تغيير التعبير
~~بتوحيد الضمير مع ما فيه من الافتنان المنبىء عن مزيد الاعتناء بمضمون
~~الكلام لابتنائه ms03463 على تجديد القصة والعزيمة، وجعله غير واحد داخلا في
~~حكمها، ولا يخفى التوحيد حينئذ، وقيل: إنه كلام مستأنف أي وأنا أملي لهم،
~~والخروج من ذلك الضمير إلى ضمير المتكلم المفرد شبيه الالتفات واستظهر
~~أنه من التلوين. وما قيل: إن هذا للإشعار بأن الإمهال بمحض التقدير
~~الإلهي وذاك للإشارة إلى أن الاستدراك بتوسط المدبرات ليس بشيء لمكان

# ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم خير
~~لأنفسهم

# [آل عمران: 187].

# { إن كيدى متين } تقرير للوعيد وتأكيد له، والمتين من المتانة
~~بمعنى الشدة والقوة، ومنه المتن للظهر أو اللحم الغليظ في جانبي الصلب،
~~وفسر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الكيد بالمكر، وفسره بعضهم
~~بالاستدراج والإملاء مع نتيجتهما، وتسميته كيدا لما أن ظاهره لطف وباطنه
~~قهر، وبعضهم بنفس الأخذ فقط فتسميته حينئذ بذلك قيل: لكون مقدماته كذلك،
~~وقيل: لنزوله بهم من حيث لا يشعرون، وأيا ما كان فالمعنى إن كيدي قوي لا
~~يدافع بقوة ولا بحيلة، والآية حجة لأهل السنة في مسألة القضاء والقدر.
~~وادعى بعض المفسرين أنها نزلت في المستهزئين من قريش أمهلهم الله تعالى
~~ثم أخذهم في يوم بدر، ثم إنه سبحانه وتعالى لما بالغ في تهديد الملحدين
~~المعرضين الغافلين عن آياته والايمان برسوله عليه الصلاة والسلام عقب ذلك
~~على ما قيل بالجواب عن شبهتهم وإنكار عدم تفكرهم فقال عز من قائل: { أو
~~لم يتفكروا... }.

### || [7.184]

# { أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة } فالهمزة
~~للإنكار والتوبيخ، والواو للعطف على مقدر يستدعيه السياق والسباق،
~~والخلاف في مثل هذا التركيب مشهور وقد تقدمت الإشارة إليه. و { ما } قال
~~أبو البقاء: تحتمل أن تكون استفهامية إنكارية في محل الرفع بالابتداء
~~والخبر { بصاحبهم } وأن تكون نافية اسمها { جنة } وخبرها {
~~بصاحبهم }. وجوز أن تكون موصولة، وفيه بعد. والجنة مصدر كالجلسة
~~بمعنى الجنون، وليس المراد به الجن كما في قوله تعالى:

# من الجنة والناس

# [هود: 911] لأنه يحتاج إلى تقدير مضاف أي مس جنة أو تخبطها، والتنكير
~~للتقليل والتحقير، والتفكر التأمل وإعمال الخاطر في الأمر، وهو من أفعال
~~القلوب ms03464 فحكمه حكمها في أمر التعليق، ومحل الجملة على الوجهين النصب على
~~نزع الخافض، ومحل الموصول نصب على ذلك في الوجه الأخير، أي أكذبوا ولم
~~يتفكروا في أي شيء من جنون ما كائن بصاحبهم الذي هو أعظم الهادين للحق
~~وعليه أنزلت الآيات، أو في أنه ليس بصاحبهم شيء من جنة حتى يؤديهم التفكر
~~في ذلك إلى الوقوف / على صدقه وصحة نبوته فيؤمنوا به وبما أنزل عليه من
~~الآيات أو في الذي بصاحبهم من جنة بزعمهم ليعلموا أن ذلك ليس من الجنة في
~~شيء فيؤمنوا، واختار الطبرسي أن الكلام قد تم عند قوله تعالى: { أو
~~لم يتفكروا } أي أكذبوا ولم يتفكروا في أقواله وأفعاله أو أولم
~~يفعلوا التفكر، ثم ابتدىء فقيل: أي شيء بصاحبهم من جنة ما على طريقة
~~الإنكار والتعجيب والتبكيت، أو قيل: ليس بصاحبهم شيء منها. والمراد
~~بصاحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والتعبير عنه عليه الصلاة والسلام
~~بذلك لتأكيد النكير وتشديده لأن الصحبة مما يطلعهم على نزاهته صلى الله
~~عليه وسلم عن شائبة مما ذكر، والتعرض لنفي الجنون عنه عليه الصلاة
~~والسلام مع وضوح استحالة ثبوته له لما أن التكلم بما هو خارق لا يصدر إلا
~~عمن به مس من الجنة كيفما اتفق من غير أن يكون له أصل أو عمن له تأييد
~~إلهي يخبر به عن الغيوب، وإذ ليس به عليه الصلاة والسلام شيء من الأول
~~تعين الثاني. وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله
~~صلى الله عليه وسلم قام على الصفا فدعا قريشا فخذا فخذا يا بني فلان
~~يحذرهم بأس الله تعالى ووقائعه إلى الصباح حتى قال قائلهم: إن صاحبكم هذا
~~لمجنون بات يهوت حتى أصبح فانزل الله تعالى الآية، وعليه فالتصريح بنفي
~~الجنون للرد على عظيمتهم الشنعاء عند من له أدنى عقل، والتعبير بصاحبهم
~~وارد على مشاكلة كلامهم مع ما فيه من النكتة السالفة. وذكر بعضهم في سبب
~~النزول أنهم كانوا إذا رأوا ما يعرض له صلى الله عليه وسلم ms03465 من برحاء
~~الوحي قالوا: جن فنزلت.

# { إن هو إلا نذير مبين } تقرير لما قبله وتكذيب لهم فيما
~~يزعمونه حيث تبين فيه حقيقة حاله صلى الله عليه وسلم أي ما هو عليه
~~الصلاة والسلام إلا مبالغ في الإنذار مظهر له غاية الإظهار، ثم لما كان
~~أمر النبوة مفرعا على التوحيد ذكر سبحانه ما يدل عليه فقال جل شأنه: {
~~أو لم ينظروا فى ملكوت السموات... }.

### || [7.185]

# { أو لم ينظروا فى ملكوت السموات والأرض } فهو
~~مسوق للإنكار والتوبيخ بإخلالهم بالتأمل بالآيات التكوينية إثر ما نعى
~~عليهم ما نعى، والهمزة هنا كالهمزة فيما قبل، والواو للعطف على مقدر كما
~~تقدم أو على الجملة المنفية بلم، والملكوت الملك العظيم، أي أكذبوا أو لم
~~يتفكروا فيما ذكر ولم ينظروا نظر تأمل واستدلال فيما يدل على كمال قدرة
~~الصانع ووحدة المبدع وعظيم شأن المالك ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه ذاك
~~الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكأن التعبير بالنظر هنا دون التفكر
~~الذي عبر به فيما قبل للإشارة إلى أن الدليل هنا أوضح منه فيما تقدم.

# وقوله سبحانه وتعالى: { وما خلق الله من شيء } يحتمل أن يكون
~~عطفا على { ملكوت } وتخصيصه بالسماوات والأرض لكمال ظهور عظم الملك
~~فيهما، وأن يكون عطفا على المضاف هو إليه فيكون منسحبا على الجميع،
~~والتعميم لاشتراك الكل في عظم الملك في الحقيقة، و { من شيء } بيان
~~لما، وفي ذلك تنبيه على أن الدلالة على التوحيد غير مقصورة على السماوات
~~والأرض بل كل ذرة من ذرات العالم دليل على توحيده:

# وفي كل شيء له آية

# تدل على أنه واحد

# وهذا أمر متفق عليه عند العقلاء. نعم منهم من جعل وجه الدلالة الحدوث
~~وهو الذي عليه معظم المتكلمين، ومنهم من جعل وجهها الإمكان وهو الذي عليه
~~الفلاسفة واختاره بعض المتكلمين، ورجح الأول قطب عصره الشيخ خالد المجددي
~~قدس سره في «تعليقاته على حواشي عبد الحكيم على الخيالي» فارجع إليها.

# وقوله تعالى: / { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم
~~} عطف على { ملكوت } فهو معمول ms03466 لينظروا لكن لا يعتبر فيه بالنظر إليه
~~أنه للاستدلال بناء على ما قالوا: إن قيد المعطوف عليه لا يلزم ملاحظته
~~في المعطوف، وقد تقدم الكلام في ذلك، و { أن } مخففة من الثقيلة واسمها
~~ضمير الشأن وخبرها { عسى } مع فاعلها الذي هو { أن يكون } ، وخبر
~~ضمير الشأن لا يشترط فيه الخبرية ولا يحتاج إلى التأويل كما نص عليه
~~المحققون فلا معنى للمناقشة في ذلك، واسم يكون أيضا ضمير الشأن والخبر {
~~قد اقترب أجلهم } ، ولم يجعلوا هذا من باب التنازع لأن تنازع
~~كان وخبرها مما لم يعهد لا لأن ذلك خلاف الأصل لما فيه من الإضمار قبل
~~الذكر لأن ذلك لازم على جعل الاسم ضمير الشأن ولا ضير في كل، وأمر
~~التكرار فيما ذكرنا سهل فلا يرتكب له خلاف المعهود خلافا للقطب الرازي،
~~وجوز أبو البقاء أن تكون مصدرية، وتعقب بأنها لا توصل إلا بالفعل المتصرف
~~وعسى ليست كذلك، والمعنى أو لم ينظروا في اقتراب آجالهم وتوقع حلولها
~~فيسارعوا إلى طلب الحق والتوجه إلى ما ينجيهم قبل مغافصة الموت ومفاجأته
~~ونزول العذاب، فالمراد بأجلهم أجل موتهم، وجوز أن يكون عبارة عن الساعة،
~~والإضافة إلى ضميرهم لملابستهم لها من جهة إنكارهم إياها وبحثهم عنها.

# وقوله جل وعلا: { فبأي حديث بعده يؤمنون } قطع لاحتمال
~~إيمانهم رأسا ونفي له بالكلية بعد إلزام الحجة والإرشاد إلى النظر،
~~والباء متعلقة بيؤمنون، وضمير { بعده } للقرآن على ما ذهب إليه غالب
~~المفسرين وهو معلوم من السياق، والحديث بمعنى الكلام فلا دليل في الآية
~~لمن يزعم حدوث القرآن، وقيل: ولئن سلمنا كونه دليلا يراد من القرآن
~~الألفاظ وهي محدثة على المشور، والمعنى إذا لم يؤمنوا بالقرآن وهو
~~النهاية في البيان فبأي كلام يؤمنون بعده، وقيل: الضمير للآيات على حذف
~~المضاف المفهوم من

# كذبوا

# [الأعراف: 182]، والتذكير باعتبار كونها قرآنا أو بتأويلها بالمذكور أو
~~إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة. والمعنى أكذبوا بالآيات ولم يتفكروا فيما
~~يوجب تصديقها من أحواله عليه الصلاة والسلام وأحوال المصنوعات فبأي حديث
~~بعد تكذيبها يؤمنون وفيه بعد، وقيل: ms03467 إنه يعود على الرسول صلى الله عليه
~~وسلم بتقدير مضاف أيضا أي بعد حديثه يؤمنون وهو أصدق الناس، وقيل:
~~المراد بعد هذا الحديث، وقيل: بعد الأجل أي كيف يؤمنون بعد انقضاء
~~أجلهم؟، وجعل الزمخشري ذلك مرتبطا بقوله تعالى: { وأن عسى } الخ
~~ارتباط التسبب عنه، والضمير للقرآن ((كأنه قيل: لعل أجلهم قد اقترب فما
~~لهم لا يبادرون [إلى] الإيمان بالقرآن قبل الموت وماذا ينظرون بعد وضوح
~~الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا))، وتقدير ما قدر عند صاحب
~~«الكشف» ليس لأنه لا بد من تقديره ليستقيم الكلام بل للتنبيه على معنى
~~الاستبطاء الذي في ضمن { أي } ، وأنه ليس بعد هذا البيان الواضح أمر
~~ينتظر.

### || [7.186]

# وقوله عز شأنه: { من يضلل الله فلا هادي له } استئناف
~~مقرر لما قبله منبئ عن الطبع على قلوبهم، والمراد استمرار النفي لا نفي
~~الاستمرار، وقوله سبحانه وتعالى: { ويذرهم فى طغينهم }
~~بالياء والرفع على الاستئناف أي وهو يذرهم، وقرأ غير واحد بنون العظمة
~~على طريقة الالتفات أي ونحن نذرهم، وقرأ حمزة. والكسائي بالياء والجزم
~~عطفا على محل الجملة الاسمية الواقعة جواب الشرط كأنه قيل: من يضلل الله
~~لا يهده أحد ويذرهم، ويحتمل أن يكون ذلك تسكينا للتخفيف كما قرىء

# يشعركم

# [الأنعام: 109] و

# ينصركم

# [الملك: 20] وقد روي الجزم مع النون عن / نافع وأبي عمرو في الشواذ،
~~وتخريجه على أحد الاحتمالين، وقوله تبارك وتعالى: { يعمهون } حال من
~~مفعول { ويذرهم } والعمه التردد في الضلال والتحير أو أن لا يعرف
~~حجة، وإفراد الضمير في حيز النفي رعاية للفظ { من } وجمعه في حيز
~~الإثبات رعاية لمعناها للتنصيص على شمول النفي والإثبات للكل كما قيل.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات:

# واتل عليهم نبأ الذى ءاتينه ءايتنا
~~فانسلخ منها

# [الأعراف: 175] إشارة إلى من ابتلي بالحور بعد الكور بأن سلك حتى ظهر له
~~ما ظهر ثم رجع من الطريق لسوء استعداده وغلبة الشقاوة والعياذ بالله
~~تعالى عليه، وفي التعبير بانسلخ ما لا يخفى { ولو شئنا
~~لرفعناه بها } إلى حظيرة القدس { ولكنه أخلد إلى ms03468
~~الأرض } أي مال إلى أرض الطبيعة السفلية { واتبع هواه } في
~~إيثار السوى { فمثله كمثل الكلب } في أخس أحواله { إن
~~تحمل عليه } بالزجر { يلهث } يدلع لسانه مع التنفس الشديد

# أو تتركه يلهث

# [الأعراف: 176] أيضا. والمراد أنه يلهث دائما وكأنه إشارة إلى أن هذا
~~المنسلخ لا يزال يطلق لسانه في أهل الكمال سواء زجر عن ذلك أو لم يزجر {
~~ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس }
~~وهم مظاهر القهر { لهم قلوب لا يفقهون بها } الأسرار {
~~ولهم أعين لا يبصرون بها } الحجج الكونية { ولهم
~~آذان لا يسمعون بهآ } الآيات التنزيلية فهم صم بكم عمي {
~~أولئك كالأنعم } ليس لهم هم إلا الأكل والشرب

# بل هم أضل

# [الأعراف: 179] منها لأنهم لا ينزجرون إذا زجروا ولا يهتدون إذا أرشدوا.
~~ومما يستبعد من طريق العقل ما نقله الإمام الشعراني عن شيخه علي الخواص
~~قدس سره أن البهائم مكلفون محتجا بقوله تعالى:

# وما من دابة فى الأرض ولا طائر يطير بجناحيه
~~إلا أمم أمثلكم

# [الأنعام: 38] مع قوله تعالى:

# وإن من أمة إلا خلا فيها نذير

# [فاطر: 24] وبما ورد عنه صلى الله عليه وسلم:

# " إنه ليؤخذ للشاة الجماء من الشاة القرناء "

# وهذا وإن كان في الشاة لكن لا قائل بالفرق، ونقل عنه القول بأن كل ما في
~~الوجود من حيوان ونبات وجماد حي دراك، ثم قال: فقلت له فهل تشبيه الحق
~~تعالى من ضل من عباده بالأنعام بيان لنقص الانعام عن الإنسان أم لكمالها
~~في العلم بالله تعالى؟ فقال رضي الله تعالى عنه: لا أعلم، ولكني سمعت
~~بعضهم يقول: ليس تشبيههم بالأنعام نقصا وإنما هو لبيان كمال مرتبتها في
~~العلم بالله عز وجل حتى حارت فيه فالتشبيه في الحقيقة واقع في الحيرة لا
~~في المحار فيه فلا أشد حيرة من العلماء بالله تعالى، فأعلى ما يصل إليه
~~العلماء في العلم بربهم سبحانه وتعالى مبتدأ البهائم الذي لم تنتقل عن
~~أصله وإن كانت منتقلة في شؤونه بتنقل الشؤون الإلهية لأنها لا تثبت على
~~حال، ولذلك كان من وصفهم سبحانه وتعالى ms03469 من هؤلاء القوم أضل سبيلا من
~~الأنعام لأنهم يريدون الخروج من الحيرة من طريق فكرهم ونظرهم ولا يمكن
~~لهم ذلك، والبهائم علمت ذلك ووقفت عنده ولم تطلب الخروج عنه لشدة علمها
~~بالله تعالى، وذكر أنها ما سميت بهائم إلا لأن أمرا قد أبهم على غالب
~~الخلق فلم يعرفوه كما عرفه أهل الكشف انتهى.

# وهو كلام يورث المؤمن به حسدا للبهائم نفعنا الله تعالى بها وأعاذنا من
~~الحسد { ولله الأسماء الحسنى } التي يدبر كل أمر باسم منها

# فادعوه بها

# [الأعراف: 180] حسب المراتب وأعلاها الدعاء بلسان الفعل وهو التحلي
~~بمعانيها بقدر ما يتصور في حق العبد وذلك حظ المقربين منها، وذكر حجة
~~الإسلام الغزالي قدس سره أن حظوظهم من معاني أسمائه تعالى ثلاثة: الأول:
~~معرفتها على سبيل المكاشفة والمشاهدة حتى يتضح لهم حقائقها بالبرهان الذي
~~لا يجوز فيه الخطأ وينكشف لهم اتصاف الله تعالى بها انكشافا يجري في
~~الوضوح والبيان مجرى اليقين الحاصل للإنسان بصفاته الباطنة التي يدركها
~~بمشاهدة باطنه لا بإحساس ظاهره، وكم بين هذا وبين الاعتقاد المأخوذ من
~~الآباء والمعلمين / تقليدا، والتصميم عليه وإن كان مقرونا بأدلة جدلية
~~كلامية. الثاني استعظامهم ما يكشف لهم من صفات الجلال والكمال على وجه
~~ينبعث منه شوقهم إلى الاتصاف بما يمكنهم من تلك الصفات ليقربوا بها من
~~الحق قربا بالصفة لا بالمكان فيأخذوا من الاتصاف بها شبها بالملائكة
~~المقرنين عند الله تعالى، والخلو من هذا الشوق لا يكون إلا لأحد أمرين
~~إما لضعف المعرفة، وإما لكون القلب ممتلئا بشوق آخر مستغرقا به.
~~والثالث: السعي في اكتساب الممكن من تلك الصفات والتخلق بها والتحلي
~~بمحاسنها، وبذلك يصير العبد ربانيا رفيقا للملأ الأعلى من الملائكة
~~شبيها بهم، وحينئذ لا يؤثر القرب والبعد في إدراكه بل لا يقتصر إدراكه
~~على ما يتصور فيه ذلك ويكون مقدسا عن الشهوة والغضب فلا تكون أفعاله
~~بمقتضاهما بل الداعي إليها حينئذ طلب التقرب إلى الله تعالى ولا يلزم من
~~هذا إثبات المماثلة بين الله سبحانه وتعالى وبين العبد، وقد قال جل ms03470 وعلا:

# ليس كمثله شيء

# [الشورى: 11] لأن المماثلة هي المشاركة في النوع والماهية لا مطلق
~~المشاركة فالفرس الكيس وإن كان بالغا في الكياسة ما بلغ لا يكون مماثلا
~~للإنسان لمخالفته له بالنوع وإن شابهه بالكياسة التي هي عارضة خارجة عن
~~المقومات للإنسانية؛ وأنت تعلم بأدنى التفات أنه لا يتصور الشركة بين
~~الله تعالى الحي العليم المريد القادر المتكلم السميع البصير وبين العبد
~~المتصف بالحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر إلا في إطلاق
~~الاسم لا غير، والكلام في خبر «لا زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل» الخ
~~يستدعي الخوض في بحر لا ساحل له فخذ ما آتيناك { وذروا الذين
~~يلحدون فى أسمئه } يطلبون معانيها من غيره سبحانه وتعالى
~~ويضيفونها إليه وهؤلاء مما ذرأهم سبحانه وتعالى لجهنم

# سيجزون ما كانوا يعملون

# [الأعراف: 180] من الالحاد

# وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون

# [الأعراف: 181] وهم المرشدون الكاملون { والذين كذبوا
~~بئايتنا } كالمنكرين على هؤلاء الأمة

# سنستدرجهم من حيث لا يعلمون

# [الأعراف: 182] أنا سنستدرجهم { وأملى لهم } أمهلهم { إن
~~كيدى } أخذي

# متين

# [الأعراف: 183] شديد، وقد جرت عادة الله تعالى في المنكرين على أوليائه
~~أن يأخذهم أشد أخذ وقد شاهدنا ذلك كثيرا نعوذ بالله تعالى من مكره،

# أو لم ينظروا فى ملكوت السموات والارض وما
~~خلق الله من شيء

# [الأعراف: 185] وهي الآيات التكوينية، وقد تقدم معنى الملكوت وهو في
~~مصطلح الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم عبارة عن عالم الغيب المختص
~~بالأرواح والنفوس وفسروا الملك بعالم الشهادة من المحسوسات الطبيعية
~~كالعرش والكرسي وغيرهما وكل جسم يتركب من الاستقصاآت { من يضلل
~~الله فلا هادي له } إذ لا هادي سواه سبحانه:

# إلى الماء يسعى من يغص بلقمة

# إلى أين يسعى من يغص بماء

# ويذرهم فى طغينهم يعمهون

# [الأعراف: 186] يترددون لأن استعدادهم يقتضي ذلك، والله تعالى الموفق.

### || [7.187]

# ثم لما تقدم ذكر اقتراب أجلهم عقبه سبحانه بذكر سؤالهم عن الساعة فقال
~~تعالى: { يسألونك عن الساعة } وقيل هو استئناف مسوق لبيان
~~بعض طغيانهم وضلالهم، والساعة في الأصل اسم لمقدار قليل من الزمان غير
~~معين، وهي ms03471 عند المنجمين جزء من أربعة وعشرين جزءا من الليل والنهار،
~~وتنقسم إلى معوجة ومستوية، وتطلق في عرف الشرع على يوم موت الخلق وعلى
~~يوم قيام الناس لرب العالمين، وفسروها بيوم القيامة، ولعل المراد منه أحد
~~ذينك اليومين وإن كان المشهور فيه اليوم الآخر، والظاهر أن المسؤول عنه
~~اليوم الأول وإليه ذهب الزجاج، والساعة في ذلك من الأسماء الغالبة، ووجه
~~إطلاقها عليه وكذا على وقت القيام ظاهر / إن أريد زمان الموت أو زمان
~~القيام بدون ملاحظة الامتداد لظهور أنه قدر يسير في نفسه، وإن أريد
~~الزمان الممتد فإطلاقها عليه إما لمجيئه بغتة كما قيل، أو لأنه يدهش من
~~يأتيهم فيقل عندهم أو يقلل ما قبله، أو لأنه على طوله قدر يسير عند الله
~~تعالى، أو لسرعة حسابه، وجوز أن يكون تسميته بذلك من باب التسمية بالضد
~~تمليحا كما يسمى الأسود كافورا، والسائل عن ذلك أناس من اليهود، فقد
~~أخرج ابن إسحق وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قال: حمل بن
~~أبي قشير وسمول بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرنا متى
~~الساعة إن كنت نبيا كما تقول فإنا نعلم متى هي؟ وكان ذلك امتحانا منهم
~~مع علمهم أنه تعالى قد استأثر بعلمها فأنزل الله تعالى الآية. وذهب بعض
~~إلى أن السائل قريش، فقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أن قريشا
~~قالوا: يا محمد أسر إلينا متى الساعة لما بيننا وبينك من القرابة؟ فنزلت.

# وقوله سبحانه: { أيان مرسها } بفتح همزة أيان. وقرأ السلمي
~~بكسرها وهو لغة فيها، وهي ظرف زمان متضمن لمعنى الاستفهام ويليها المبتدأ
~~أو الفعل المضارع دون الماضي بخلاف متى حيث يليها كلاهما، والتحقيق أنها
~~بسيطة مرتجلة، وقيل: اشتقاقها من أي وهي فعلان منه لأن معناه أي وقت وأي
~~فعل، وأي من أويت بمعنى رجعت لأن باب طويت وشويت أضعاف باب حييت ووعيت
~~ولقربه منه معنى لأن البعض آو إلى الكل ومستند إليه. وأصله على هذا أوي
~~فقلبت الواو ياء وأدغمت في ms03472 الياء فصار أيا وإنما لم تجعل أيان فعلالا من
~~أين لأنها ظرف زمان وأين ظرف مكان، ومن الناس من زعم أن أصلها أي أوان أو
~~أي آن وليس بشيء.

# وتعقب في «الكشف» حديث الاشتقاق من أي بأنه مخالف لما ذكره الزمخشري في
~~سورة النمل ولو سمي به لكان فعالا من آن يئين ولا تصرف، ثم قال: والوجه
~~ما ذكره هناك لأن الاشتقاق في غير المتصرفة لا وجه له.

# ثم إنه ليس اشتقاقه من أي أولى من اشتقاقه من الأين بمعنى الحينونة لأن
~~أيان زمان وكأنه غره الاستفهام وليس بشيء لأنه بالتضمين كما في متى
~~ونحوه؛ وكذلك اشتقاق أي من أويت لا وجه له إلا أن الأظهر أنه يجوز الصرف
~~وعدمه كما في حمار قبان ا ه.

# وأجيب بأن ما ذكر أمر قدروه للامتحان وليعلم حكمها إذا سمي بها فلا
~~ينافي ما ذكره الزمخشري وكذا لا ينافي التحقيق فتأمل، وأيا ما كان فهي
~~في محل الرفع على أنها خبر مقدم و { مرسها } مبتدأ مؤخر؛ وهو مصدر
~~ميمي من أرساه إذا أثبته وأقره أي متى إثباتها وتقريرها، ولا يكاد يستعمل
~~الإرساء إلا في الشيء الثقيل كما في قوله تعالى:

# والجبال أرسها

# [النازعات: 32] ومنه مرساة السفن، ونسبته هنا إلى الساعة باعتبار تشبيه
~~المعاني بالأجسام.

# وجوز بعضهم أن يكون اسم زمان، ولا يرد عليه أنه يلزم أن يكون للزمان
~~زمان، وفي جوازه خلاف الفلاسفة لأنه يؤول بمتى وقوع ذلك، والجملة قيل في
~~محل النصب على المفعولية به لقول محذوف وقع حالا من ضمير {
~~يسألونك } أي يسألونك قائلين أيان مرساها، وقيل في محل الجر على
~~البدلية عن الساعة. والتحقيق عند بعض جلة المحققين أن محلها النصب بنزع
~~الخافض لأنها بدل من الجار والمجرور لا من المجرور فقط، وفي تعليق السؤال
~~بنفس الساعة أولا وبوقت وقوعها ثانيا تنبيه على أن المقصد الأصلي من
~~السؤال نفسها باعتبار حلولها في وقتها المعين [لا وقتها] باعتبار كونه
~~محلا لها، وما في الجواب أعني قوله سبحانه: { قل إنما علمها
~~عند ms03473 ربي } مخرج على ذلك أيضا أي إن علمها بالاعتبار المذكور عنده
~~سبحانه لا غير فلا حاجة / إلى أن يقال: إنما علم وقت إرسائها عنده عز
~~وجل، وبعضهم حيث غفل عن النكتة المشار إليها حمل النظم الجليل على حذف
~~المضاف، وإليه يشير كلام أبي البقاء، ومعنى كون ذلك عنده عز وجل خاصة
~~أنه استأثر به حيث لم يخبر أحدا به من ملك مقرب أو نبي مرسل، والتعرض
~~لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم قيل للإيذان
~~بأن توفيقه عليه الصلاة والسلام للجواب على الوجه المذكور من باب التربية
~~والإرشاد وهو أولى مما سنشير إليه إن شاء الله تعالى. وقوله سبحانه: {
~~لا يجليها لوقتها إلا هو } بيان لاستمرار خفائها إلى حين
~~قيامها واقناط كلي عن إظهار أمرها بطريق الأخبار والتجلية الكشف
~~والإظهار، واللام لام التوقيت واختلف فيها فقيل هي بمعنى في، وقال ابن
~~جني: بمعنى عند، وقال الرضي: هي اللام المفيدة للاختصاص، وهو على ثلاثة
~~أضرب إما أن يختص الفعل بالزمان لوقوعه فيه ككتب لغرة كذا أو لوقوعه بعده
~~نحو لخمس خلون أو قبله نحو لليلة بقيت، ومع الإطلاق يكون الاختصاص لوقوعه
~~فيه وإلا فحسب القرينة، وفسرها هنا غير واحد بفي.

# والمعنى لا يكشف عنها ولا يظهر للناس أمرها الذي تسألون عنه إلا الرب
~~سبحانه بالذات من غير أن يشعر به أحد من المخلوقين فيتوسط في إظهاره لهم
~~لكن لا بأن لا يخبرهم بوقتها كما هو المسؤول بل بأن يقيمها فيعلموها على
~~أتم وجه، والجار والمجرور متعلق بالتجلية وهو قيد لها بعد ورود الاستثناء
~~كأنه قيل: لا يجليها إلا هو في وقتها إلا أنه قدم للتنبيه من أول الأمر
~~على أن تجليها ليس بطريق الإخبار بوقتها بل بإظهار عينها في وقتها الذي
~~يسألون عنه.

# وقوله تعالى: { ثقلت في السموت والارض } استئناف كما
~~قبله مقرر لما سبق، والمراد كبرت وعظمت على أهلهما حيث لم يعملوا وقت
~~وقوعها. وعن السدي أن من خفي عليه علم شيء كان ثقيلا عليه، وعن قتادة ms03474 أن
~~المعنى عظمت على أهل السماوات والأرض حيث يشفقون منها ويخافون شدائدها،
~~وفي رواية أخرى عنه أن المراد ثقل علمها عليهم فلا يعلمونها، ويرجع إلى
~~ما ذكر أولا، وقيل: المعنى ثقلت عند الوقوع على نفس السماوات حتى انشقت
~~وانتثرت نجومها وكورت شمسها وعلى نفس الأرض حتى سيرت جبالها وسجرت بحارها
~~وكان ما كان فيها، وإلى ذلك يشير ما روي عن ابن جريج وعليه فلا يحتاج إلى
~~تقدير مضاف، وكلمة في على سائر الأوجه استعارة منبهة على تمكن الفعل كما
~~لا يخفى { لا تأتيكم إلا بغتة } أي إلا فجأة على حين غفلة،
~~أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقومن الساعة وقد نشر رجلان ثوبهما
~~فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته
~~فلا يطعمه ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه ولتقومن الساعة وقد
~~رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها "

# { يسألونك } أي عالم بها كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~فيما أخرجه عنه ابن المنذر وغيره فحفي فعيل من حفي عن الشيء إذا بحث عن
~~تعرف حاله، وذكر بعضهم أن الحفاوة في الأصل الاستقصاء في الأمر للاعتناء
~~به قال الأعشى:

# فإن تسألوا عني فيا رب سائل

# حفي عن الأعشى به حيث أصعدا

# ومنه احفاء الشارب، وتطلق أيضا على البر واللطف كما قال تعالى:

# إنه كان بى حفيا

# [مريم: 47]، والمعنى المراد هنا متفرع على المعنى الأول لأن من بحث عن
~~شيء وسأل عنه استحكم علمه به فاريد به لازم معناه مجازا أو كناية / وعدى
~~الوصف بعن اعتبارا لأصل معناه وهو السؤال والبحث، وقيل: لأنه ضمن معنى
~~الكشف ولولا ذلك لعدي بالباء، وجوز أبو البقاء أن تكون عن بمعنى الباء،
~~وروي عن الحبر وابن مسعود أنهما قرآ بها.

# والجملة التشبيهية في محل نصب على أنها حال من مفعول { يسألونك }
~~أي مشبها حالك عندهم بحال من هو حفي، وقيل: إن { عنها } متعلق
~~بيسألونك، والجملة التشبيهية معترضة وصلة ms03475 { حفي } محذوفة أي بها أو
~~بهم بناء على ما قيل: إن حفي من الحفاوة بمعنى الشفقة فإن قريشا قالوا
~~له عليه الصلاة والسلام: إن بيننا وبينك قرابة فقل لنا متى الساعة؟ وروي
~~ذلك عن قتادة وترجمان القرآن أيضا، والمعنى عليه أنهم يظنون أن عندك
~~علمها لكن تكتمه فلشفقتك عليهم طلبوا منك أن تخصهم به وتعلق عن على هذا
~~الوجه بمحذوف كتخبرهم وتكشف لهم عنها بعيد، وقيل: هو من حفي بالشيء إذا
~~فرح به، وروي ذلك عن مجاهد والضحاك وغيرهما، والمعنى كأنك فرح بالسؤال
~~عنها تحبه، وعن على هذا متعلقة  بحفي  كما قيل: لتضمنه معنى السؤال،
~~والكلام على ما قال شيخ الإسلام استئناف مسوق لبيان خطئهم في توجيه
~~السؤال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء على زعمهم أنه عليه الصلاة
~~والسلام عالم بالمسؤول عنه أو أن العلم بذلك من مقتضيات الرسالة إثر بيان
~~خطئهم في أصل السؤال بإعلام بيان المسؤول عنه، وفي «الانتصاف» في توجيه
~~تكرير { يسألونك } ((أن المعهود في أمثال ذلك أن الكلام إذا بني
~~على مقصد واعترض في أثنائه عارض فأريد الرجوع لتتمة المقصد الأول وقد بعد
~~عهده طري ذكره لتتصل النهاية بالبداية، وهنا لما ابتدأ الكلام بقوله
~~سبحانه: { يسألونك عن الساعة أيان مرسها } ثم
~~اعترض ذكر الجواب بقل إلى { بغتة } أريد تتمة سؤالهم عنها بوجه من
~~الإنكار عليهم وهو المضمن في قوله سبحانه: { كأنك حفي عنها }
~~وهو شديد التعلق بالسؤال وقد بعد عهده فطري ذكره ليليه تمامه، ولا تراه
~~أبدا يطرى إلا بنوع من الإجمال، ومن ثم لم يذكر المسؤول عنه وهو الساعة
~~اكتفاء بما تقدم)).

# ثم لما كرر جل وعلا السؤال لهذه الفائدة كرر الجواب أيضا مجملا فقال
~~عز من قائل: { قل إنما علمها عند الله } ومنه يعلم وجه
~~ذكر الاسم الجليل هنا، وذكر المحقق الأول أنه عليه الصلاة والسلام أمر
~~باعادة الجواب الأول تأكيدا للحكم وتقريرا له وإشعارا بعلته على
~~الطريق البرهانية بإيراد اسم الذات المنبىء عن استتباعها لصفات الكمال
~~التي من جملتها العلم ms03476 وتمهيدا للتعريض بجهلهم بقوله تعالى: {
~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } وزعم الجبائي أن السؤال
~~الأول كان عن وقت قيام الساعة وهذا السؤال كان عن كيفيتها وتفصيل ما فيها
~~من الشدائد والأحوال قيل: ولذلك خص جوابه باسم الذات إذ هو أعظم الأسماء
~~مهابة، وإلى ذلك ذهب النيسابوري ونقل عن الإمام وغيره، ولا أرى لهم
~~مسندا في ذلك، ومفعول العلم على ما يشير إليه كلام بعضهم محذوف أي لا
~~يعلمون ما ذكر من اختصاص علمها به تعالى فبعضهم ينكرها رأسا فلا يسأل
~~عنها إلا متلاعبا، وبعضهم يعلم أنها واقعة البتة ويزعم أنك واقف على وقت
~~وقوعها فيسأل جهلا، وبعضهم يزعم أن العلم بذلك من مقتضيات الرسالة فيتخذ
~~السؤال ذريعة إلى القدح فيها، والواقف على جلية الحال ويسأل امتحانا ملحق
~~بالجاهلين لعدم عمله بعلمه.

# هذا، وإنما أخفى سبحانه أمر الساعة لاقتضاء الحكم التشريعية ذلك فإنه
~~أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أن إخفاء الأجل الخاص للإنسان
~~كذلك، ولو قيل بأن الحكمة التكوينية تقتضي ذلك أيضا لم يبعد، وظاهر
~~الآيات أنه عليه الصلاة والسلام لم يعلم وقت قيامها. نعم علم عليه الصلاة
~~والسلام قربها على الإجمال وأخبر صلى الله عليه وسلم به. فقد أخرج
~~الترمذي وصححه / عن أنس مرفوعا

# " بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى "

# وفي «الصحيحين» عن ابن عمر مرفوعا أيضا

# " إنما أجلكم فيمن مضى قبلكم من الأمم من صلاة العصر إلى غروب الشمس "

# وجاء في غير ما أثر أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة وأنه عليه الصلاة
~~والسلام بعث في أواخر الألف السادسة ومعظم الملة في الألف السابعة.

# وأخرج الجلال السيوطي عدة أحاديث في أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة وذكر
~~أن مدة هذه الأمة تزيد على ألف سنة ولا تبلغ الزيادة عليها خمسمائة سنة،
~~واستدل على ذلك بأخبار وآثار ذكرها في رسالته المسماة  «بالكشف عن
~~مجاوزة هذه الأمة الألف»  وسمى بعضهم لذلك هذه الألف الثانية بالمخضرمة
~~لأن نصفها دنيا ونصفها الآخر أخرى، وإذا لم يظهر المهدي على رأس المائة ms03477
~~التي نحن فيها بنهدم جميع ما بناه كما لا يخفى على من راجعه، وكأني بك
~~تراه منهدما، ونقل السفاريني عن الفلاسفة أنهم زعموا أن تدبير العالم
~~الذي نحن فيه للسنبلة فإذا تم دورها وقع الفساد والدثور في العالم فإذا
~~عاد الأمر إلى الميزان تجتمع المواد ويقدر النشور عودا، وقال البكري: إن
~~سلطان الحمل عندهم اثنا عشر ألف سنة وسلطان الثور دونه بألف وهكذا ينقص
~~ألف ألف إلى الحوت فيكون سلطانه ألف سنة ومجموع ذلك ثمانية وسبعون ألف
~~سنة فإذا كملت انقضى عالم الكون والفساد، ونقل ذلك عن هرمس وادعى أنه
~~قال: إنه لم يكن في حكم الحمل والثور والجوزاء على الأرض حيوان فلما كان
~~حكم السرطان تكونت دواب الماء وهو أم الأرض ولما كان حكم الاسد تكونت
~~الدواب ذوات الأربع ولما كان حكم السنبلة تولد الإنسانان الأولان آدم نوس
~~وحوا نوس؛ وزعم بعضهم أن مدة العالم مقدار قطع الكواكب الثابتة لدرج
~~الفلك، والكوكب منها يقطع البرج بزعمه في ثلاثة آلاف سنة فذلك ست وثلاثون
~~ألف سنة انتهى.

# ولا يخفى على من اطلع على «كتب الأرصاد والزيجات» أن الأدوار عندهم
~~ثلاثة أكبر وأوسط وأصغر ويسمونها التسييرات، وهي على السوية في جميع
~~البروج فالدور الأكبر ما يكون فيه قطع كل درجة بمائة سنة والأوسط ما يكون
~~فيه قطع كل درجة بعشر سنين والأصغر ما يكون فيه قطع كل درجة بسنة، وعدنهم
~~دور أعظم ويسمونه أيضا التسيير الأعظم وهو ما يكون فيه قطع كل درجة بألف
~~سنة والتسيير اليوم في الميزان وقد مضى منه أربع درجات وست وخمسون دقيقة
~~وإحدى وثلاثون ثانية واثنتا عشرة ثالثة، وإذا اعتبرت مدة ذلك من نقطة رأس
~~الحمل إلى هنا بلغت مائة ألف سنة وأربعا وثمانين ألف سنة وتسعمائة
~~وثلاثا وأربعين سنة، وأن مدة حركة الثوابت على ما نقل عن بطليموس في كل
~~برج ألفان ومائة واثنتان وستون سنة وثمانية أشهر وستة عشر يوما وتسع
~~عشرة ساعة، وإذا ضرب ذلك في اثني عشر عدة البروح خرج مدة قطعها ms03478 الفلك
~~كله وهو أقل مما ذكره بكثير، ولعل المراد بدور البرج ما أريد بسلطانه من
~~حكم تأثيره والتأثر العادي على ما يفهم من بعض كتب القوم بحكم الأصالة
~~للبرج وهو الذي يفيض على الكوكب النازل فيه، وكل ذلك مما لم ينزل الله
~~تعالى به سلطانا، والحق الذي لا ينبغي المحيص عنه القول بحدوث العالم
~~حدوثا زمانيا ولا يعلم أوله إلا الله تعالى، وكذلك عمر الدنيا وأول
~~النشأة الإنسانية ومدة بقائها في هذا العالم وقدر زمان لبثها في البرزخ
~~كل ذلك لا يعلمه إلا الله تعالى، وجميع ما ورد في هذا الباب أمور ظنية لا
~~سند يعول عليه لأكثرها، ووراء هذا أقوال لأهل الصين وغيرهم هي أدهى وأمر
~~مما تقدم، وبالجملة الباقي من عمر الدنيا عند من يقول بفنائها أقل قليل
~~بالنسبة إلى الماضي من ذلك والله تعالى أعلم بحقيقة ما هنالك.

### || [7.188]

# { قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا } أي لا أملك لأجل نفسي
~~جلب نفع ما ولا دفع ضرر ما. / والجار والمجرور كما قال أبو البقاء إما
~~متعلق بأملك أو بمحذوف وقع حالا من { نفعا }. والمراد لا أملك ذلك في
~~وقت من الأوقات { إلا ما شاء الله } أي إلا وقت مشيئته سبحانه
~~بأن يمكنني من ذلك فإنني حينئذ أملكه بمشيئته، فالاستثناء متصل وفيه دليل
~~كما قال الشيخ إبراهيم الكوراني على أن قدرة العبد مؤثرة بإذن الله تعالى
~~ومشيئته، وقيل: الاستثناء منقطع أي لكن ما شاء الله تعالى من ذلك كائن،
~~وفيه على هذا من اظهار العجز ما لا يخفى، والكلام مسوق لإثبات عجزه عن
~~العلم بالساعة على أتم وجه، وإعادة الأمر لإظهار العناية بشأن الجواب
~~والتنبيه على استقلاله ومغايرته للأول.

# { ولو كنت أعلم الغيب } أي الذي من جملته ما بين الأشياء
~~من المناسبات المصححة عادة للسببية والمسببية ومن المباينات المستتبعة
~~للمدافعة والممانعة { لاستكثرت من الخير } أي لحصلت كثيرا
~~من الخير الذي نيط بترتيب الأسباب ورفع الموانع { وما مسنى
~~السوء } أي السوء الذي يمكن التفصي عنه بالتوقي عن موجباته والمدافعة ms03479
~~بموانعه وإن كان منه ما لا مدفع له وكأن عدم مس السوء من توابع استكثار
~~الخير في الجملة، ولذا لم يسلك في الجملة الثانية نحو مسلك الجملة
~~الأولى، والاستلزام في الشرطية لا يلزم أن يكون عقليا وكليا بل يكفي أن
~~يكون عاديا في البعض. وقد حكم غير واحد أنه في الآية من العادي، وبذلك
~~دفع الشهاب ما قيل: إن العلم بالشيء لا يلزم منه القدرة عليه ومنشؤه
~~الغفلة عن المراد.

# وحمل الخير والسوء على ما ذكر هو الذي ذهب إليه جلة المحققين. وفسر بعض
~~الأول بالربح في التجارة والفوز بالخصب. والثاني بضد ذلك بناء على ما روي
~~عن الكلبي أن أهل مكة قالوا، يا محمد ألا تخبرنا بالسعر الرخيص قبل أن
~~يغلو فنشتري فنربح، وبالأرض التي تريد أن تجدب فنرتحل منها إلى ما قد
~~أخصب فنزلت.

# وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير الأول بالربح في التجارة
~~والثاني بالفقرة، وقيل: الأول الجواب عن السؤال والثاني التكذيب، وقيل:
~~الأول الاشتغال بدعوة من سبقت له السعادة، والثاني النصب الحاصل من دعوة
~~من حقت عليه كلمة العذاب. وقيل: ونسب إلى مجاهد وابن جريج المراد من
~~الغيب الموت، ومن الخير الإكثار من الأعمال الصالحة، ومن السوء ما لم يكن
~~كذلك، وقيل: غير ذلك، والكل كما ترى ومنها ما لا ينبغي أن يخرج عليه
~~التنزيل، وقدم ذكر الخير على ذكر السوء لمناسبة ما قبل حيث قدم فيه ذكر
~~النفع على ذكر الضر وسلك في ذكرهما هناك كذلك مسلك الترقي على ما قيل:
~~فإن دفع المضار أهم من جلب المنافع، وذكر النيسابوري أن أكثر ما جاء في
~~القرآن إذ يؤتى بالضر والنفع معا تقديم لفظ الضر على النفع وهو الأصل
~~لأن العابد إنما يعبد معبوده خوفا من عقابه أولا ثم يعبده طمعا في
~~ثوابه ثانيا كما يشير إلى ذلك قوله تعالى:

# يدعون ربهم خوفا وطمعا

# [السجدة: 16] وحيث تقدم النفع على الضر كان ذلك لسبق لفظ تضمن معنى نفع
~~كما في هذه السورة حيث تقدم آنفا ms03480 لفظ الهداية على الضلال في قوله تعالى:

# من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل

# [الأعراف: 178] الخ وفي الرعد [15] تقدم ذكر الطوع في قوله سبحانه:

# طوعا وكرها

# وهو نفع، وفي الفرقان [53] تقدم العذب في قوله جل وعلا:

# هذا عذب فرات

# وهو نفع، وفي سبأ [36] تقدم البسط في قوله تبارك اسمه:

# ربي يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر

# وليقس على هذا غيره، وابن جريح يفسر النفع هنا بالهدى والضر بالضلال،
~~وبه تقوى نكتة التقديم التي اعتبرها هذا الفاضل فيما نحن فيه كما لا
~~يخفى.

# واستشكلت هذه الآية مع ما صح أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بالمغيبات
~~الجمة وكان الأمر كما أخبر، وعد / ذلك من أعظم معجزاته عليه الصلاة
~~والسلام، واختلف في الجواب فقيل: المفهوم من الآية نفي علمه عليه الصلاة
~~والسلام إذ ذاك بالغيب المفيد لجلب المنافع ودفع المضار التي لا علاقة
~~بينها وبين الأحكام والشرائع وما يعلمه صلى الله عليه وسلم من الغيوب ليس
~~من ذلك النوع وعدم العلم به مما لا يطعن في منصبه الجليل عليه الصلاة
~~والسلام. وقد أخرج مسلم عن أنس وعائشة رضي الله تعالى عنهما

# " أنه صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال: عليه الصلاة والسلام: "
~~لو لم تفعلوا لصلح " فلم يفعلوا فخرج شيصا فمر بهم صلى الله عليه وسلم
~~فقال: " ما لقحتم؟ " قالوا: قلت كذا وكذا قال: " أنتم أعلم بأمر دنياكم "

# وفي رواية أخرى له أنه عليه الصلاة والسلام قال حين ذكر له أنه صار
~~شيصا:

# " إن كان شيء من أمر دنياكم فشأنكم، وإن كان من أمر دينكم فإلي "

# وقد عد عدم علمه صلى الله عليه وسلم بأمر الدنيا كمالا في منصبه إذ
~~الدنيا بأسرها لا شيء عند ربه. وقيل: المراد نفي استمرار علمه عليه
~~الصلاة والسلام الغيب، ومجيء كان للاستمرار شائع، ويلاحظ الاستمرار أيضا
~~في الاستكثار وعدم المس. وقيل: المراد بالغيب وقت قيام الساعة لأن السؤال
~~عنه وهو عليه الصلاة والسلام لم يعلمه ولم يخبر به أصلا، وحينئذ يفسر
~~الخير والسوء بما يلائم ذلك ms03481 كتعليم السائلين وعدم الطعن في أمر الرسالة
~~من الكافرين، وقيل: أل في الغيب للاستغراق وهو صلى الله عليه وسلم لم
~~يعلم كل غيب فإن من الغيب ما تفرد الله تعالى به كمعرفة كنه ذاته تبارك
~~وتعالى وكمعرفة وقت قيام الساعة على ما تدل عليه الآية.

# وفي «لباب التأويل» للخازن في الجواب عن ذلك أنه يحتمل أن يكون هذا
~~القول منه عليه الصلاة والسلام على سبيل التواضع والأدب، والمعنى لا أعلم
~~الغيب ألا أن يطلعني الله تعالى عليه ويقدره لي، ويحتمل أن يكون قال ذلك
~~قبل أن يطلعه الله تعالى على الغيب فلما أطلعه أخبر به، أو يكون خرج هذا
~~الكلام مخرج الجواب عن سؤالهم ثم بعد ذلك أظهره الله تعالى على أشياء من
~~المغيبات ليكون ذلك معجزة له ودلالة على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم
~~انتهى، وفيه تأمل؛ وكلام بعض المحققين يشير إلى ترجيح الأول.

# ومعنى قوله سبحانه: { إن أنا إلا نذير وبشير } على ذلك
~~ما أنا إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة وشأني حيازة ما يتعلق بهما من
~~العلوم لا الوقوف على الغيوب التي لا علاقة بينها وبينهما وقد كشفت من
~~أمر الساعة ما يتعلق به الإنذار من مجيئها لا محالة واقترابها وأما تعيين
~~وقتها فليس مما يستدعيه الإنذار بل هو مما يقدح فيه لما مر من أن إبهامه
~~أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية، وتقديم النذير لأن المقام مقام انذار
~~{ لقوم يؤمنون } أي يصدقون بما جئت به، والجار إما متعلق
~~بالوصفين جميعا والمؤمنون ينتفعون بالإنذار كما ينتفعون بالتبشير وإما
~~متعلق بالأخير ومتعلق الأول محذوف أي نذير للكافرين، وحذف ليطهر اللسان
~~منهم. وأراد بعضهم من الكافرين المستمرين على الكفر ومن مقابلهم الذين
~~يؤمنون في أي وقت كان وحينئذ في الآية ترغيب للكفرة في أحداث الإيمان
~~وتحذير عن الإصرار على الكفر والطغيان.

### || [7.189]

# { هو الذى خلقكم } استئناف [سيق] لبيان ما يقتضي التوحيد الذي
~~هو المقصد الأعظم، وإيقاع الموصول خبرا لتفخيم شأن المبتدأ أي هو سبحانه
~~ذلك العظيم الشأن الذي خلقكم ms03482 جميعا وحده من غير أن يكون لغيره مدخل في
~~ذلك أصلا { من نفس وحدة } وهو آدم عليه السلام على ما نص عليه
~~الجمهور { وجعل منها } / أي من جنسها كما في قوله سبحانه:

# جعل لكم من أنفسكم أزواجا

# [الشورى: 11] فمن ابتدائية والمشهور أنها تبعيضية أي من جسدها لما يروى
~~أنه سبحانه خلق حواء من ضلع آدم عليه السلام اليسرى، والكيفية مجهولة لنا
~~ولا يعجز الله تعالى شيء، والفعل معطوف على صلة الموصول داخل في حكمها
~~ولا ضير في تقدم مضمونه على مضمون الأول وجودا لما أن الواو لا تستدعي
~~الترتيب فيه، وهو إما بمعنى صير فقوله سبحانه: { زوجها } مفعوله
~~الأول والثاني هو الظرف المقدم وإما بمعنى أنشأ والظرف متعلق به قدم على
~~المفعول الصريح لما مر مرارا أو بمحذوف وقع حالا من المفعول {
~~ليسكن إليها } علة غائية للجعل أي ليستأنس بها ويطمئن إليها،
~~والضمير المستكن للنفس، وكان الظاهر التأنيث لأن النفس من المؤنثات
~~السماعية ولذا أنثت صفتها إلا أنه ذكر باعتبار أن المراد منها آدم ولو
~~أنث على الظاهر لتوهم نسبة السكون إلى الأنثى والمقصود خلافه، وذكر
~~الزمخشري أن التذكير أحسن طباقا للمعنى وبينه في «الكشف» بأنه لما كان
~~السكون مفسرا بالميل وهو متناول للميل الشهواني الذي هو مقدمة التغشي لا
~~سيما وقد أكد بالفاء في قوله تعالى: { فلما تغشاها } والتغشي
~~منسوب إلى الذكر لا محالة كأن الطباق في نسبته أيضا إليه وإن كان من
~~الجانبين، وفيه إيماء إلى أن تكثير النوع علة المؤانسة كما أن الوحدة علة
~~الوحشة، وأيضا لما جعل المخلوق أولا الأصل كان المناسب أن يكون جعل
~~الزوج لسكونه بعد الاستيحاش لا العكس فإنه غير ملائم لفظا ومعنى، لكن
~~ذكر ابن الشحنة أن النفس إذا أريد به الإنسان بعينه فمذكر وإن كان لفظه
~~مؤنث، وجاء ثلاثة أنفس على معنى ثلاثة أشخاص وإذا أريد بها الروح فهي
~~مؤنثة لا غير وتصغيرها نفيسة فليفهم. والضمير المنصوب من { تغشاها }
~~للزوج وهو بمعنى الزوجة مؤنث، والتغشي كناية عن الجماع أي فلما جامعها. ms03483

# { حملت حملا خفيفا } أي محمولا خفيفا وهو الجنين عند كونه
~~نطفة أو علقة أو مضغة فإنه لا ثقل فيه بالنسبة إلى ما بعد ذلك من
~~الأطوار، فنصب { حملا } على أنه مفعول به وهو بفتح الحاء ما كان في
~~بطن أو على شجر وبالكسر خلافه. وقد حكى في كل منهما الكسر والفتح. وجوز
~~أن يكون هنا مصدرا منصوبا على أنه مفعول مطلق، وأن يراد بالخفة عدم
~~التأذي أي حملت حملا خف عليها ولم تلق منه ما تلقى بعض الحوامل من حملهن
~~من الكرب والأذية { فمرت به } أي استمرت به كما قرأ به ابن عباس
~~والضحاك والمراد بقيت به كما كانت قبل حيث قامت وقعدت وأخذت وتركت وهو
~~معنى لا غبار فيه.

# والقول بأنه من القلب أي فاستمر بها حملها من القلب عند النقاد، وقرأ
~~أبو العالية وغيره { مرت } بالتخفيف فقيل: إنه مخفف مرت كما يقال: ظلت في
~~ظللت، وقيل: هو من المرية أي الشك أي شكت في أمر حملها. وقرأ ابن عمر
~~والجحدري { فمارت } من مار يمور إذا جاء وذهب فهي بمعنى قراءة الجمهور أو
~~هي من المرية كقراءة أبي العالية ووزنه فاعلت وحذفت لامه للساكنين.

# { فلما أثقلت } أي صارت ذات ثقل بكبر الحمل في بطنها فالهمزة
~~فيه للصيرورة كقولهم أتمر وألبن أي صار ذا تمر ولبن، وقيل: إنها للدخول
~~في زمان الفعل أي دخلت في زمان الثقل كأصبح دخل في الصباح والأول أظهر،
~~والمتبادر من الثقل معناه الحقيقي، والتقابل بينه وبين المعنى الأول
~~للخفة ظاهر، وقد يراد به الكرب ليقابل الخفة بالمعنى الثاني لكن المتبادر
~~في الموضعين المعنى الحقيق، وقرىء { أثقلت } بالبناء للمفعول والهمزة
~~للتعدية أي أثقلها حملها { دعوا الله } أي آدم وحواء عليهما
~~السلام / لما خاقا عاقبة الأمر فاهتما به وتضرعا إليه عز وجل {
~~ربهما } أي مالك أمرهما الحقيق بأن يخص به الدعاء. وفي هذا إشارة
~~إلى أنهما قد صدرا به دعاءهما وهو المعهود منهما في الدعاء، ومتعلق
~~الدعاء محذوف لإيذان الجملة القسمية به، أي دعواه تعالى أن يؤتيهما ms03484
~~صالحا ووعدا بمقابلته الشكر على سبيل التوكيد القسمي وقالا أو قائلين {
~~لئن آتيتنا صالحا } أي نسلا من جنسنا سويا، وقيل: ولدا
~~سليما من فساد الخلقة كنقص بعض الأعضاء ونحو ذلك وعليه جماعة. وعن الحسن
~~غلاما ذكرا وهو خلاف الظاهر { لنكونن } نحن أو نحن ونسلنا { من
~~الشكرين } الراسخين في الشكر لك على إيتائك. وقيل: على نعمائك
~~التي من جملتها هذه النعمة. وجوز أن يكون ضمير { آتيتنا } لهما ولكل
~~من يتناسل من ذريتهما وليس بذلك.

### || [7.190]

# { فلما ءاتهما صلحا } وهو ما سألاه أصالة من النسل أو ما
~~طلباه أصالة واستتباعا من الولد وولد الولد ما تناسلوا { جعلا } أي
~~النسل الصالح السوي، وثنى الضمير باعتبار أن ذلك النسل صنفان ذكر وأنثى
~~وقد جاء أن حواء كانت تلد في كل بطن كذلك { له } أي لله سبحانه وتعالى
~~{ شركآء } من الأصنام والأوصان { فيما ءاتهما } من الأولاد
~~حيث أضافوا ذلك إليهم، والتعبير بما لأن هذه الإضافة عند الولادة
~~والأولاد إذ ذاك ملحقون بما لا يعقل. وقيل: المراد بالموصول ما يعم سائر
~~النعم فإن المشركين ينسبون ذلك إلى آلهتهم، ووجه العدول عن الإضمار حيث
~~لم يقل شركاء فيه على الوجهين ظاهر، وإسناد الجعل للنسل على حد بنو تميم
~~قتلوا فلانا { فتعلى الله عما يشركون } تنزيه فيه معنى
~~التعجب، والفاء لترتيبه على ما فصل من قدرته سبحانه عز وجل وآثار نعمته
~~الزاجرة عن الشرك الداعية إلى التوحيد، وضمير الجمع لأولئك النسل الذين
~~جعلوا لله شركاء وفيه تغليب المذكر على المؤنث وإيذان بعظم شركهم،
~~والمراد بذلك إما التسمية أو مطلق الإشراك، و (ما) إما مصدرية أي عن
~~إشراكهم أو موصولة أو موصوفة أي عما يشركون به تعالى.

# وهذه الآية عندي من المشكلات؛ وللعلماء فيها كلام طويل ونزاع عريض وما
~~ذكرناه هو الذي يشير إليه كلام الجبائي وهو مما لا بأس به بعد إغضاء
~~العين عن مخالفته للمرويات سوى تثنية الضمير تارة وجمعه أخرى مع كون
~~المرجع مفردا لفظا ولم نجد ذلك في الفصيح. واختار غير واحد أن في {
~~جعلا ms03485 } و { ءاتهما } بعد مضافا محذوفا وضمير التثنية فيهما
~~لآدم وحواء على طرز ما قيل أي جعل أولادهما فيما آتى أولادهما من الأولاد
~~وإنما قدروه في موضعين ولم يكتفوا بتقديره في الأول وإعادة الضمير من
~~الثاني على المقدر أولا لأن الحذف لم تقم عليه قرينة ظاهرة فهو كالمعدوم
~~فلا يحسن عود الضمير عليه، والمراد بالشرك فيما آتى الأولاد تسمية كل
~~واحد من أولادهم بنحو عبد العزي وعبد شمس.

# واعترض أولا: بأن ما ذكر من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه إنما
~~يصار إليه فيما يكون للفعل ملابسة ما بالمضاف إليه أيضا بسرايته إليه
~~حقيقة أو حكما ويتضمن نسبته إليه صورة مزية يقتضيها المقام كما في قوله
~~تعالى:

# وإذ أنجينكم من ءال فرعون

# [الأعراف: 141] الآية فإن الانجاء منهم مع أن تعلقه حقيقة ليس إلا
~~بأسلاف اليهود وقد نسب إلى أخلافهم بحكم سرايته إليهم توفية لمقام
~~الامتنان حقه وكذا يقال في نظائره وهنا ليس كذلك إذ لا ريب في أن آدم
~~وحواء عليهما السلام بريئان من سراية الجعل المذكور إليهما بوجه من
~~الوجوه فلا وجه لإسناده إليهما صورة، وثانيا: بأن إشراكهم بإضافة
~~أولادهم بالعبودية إلى أصنامهم من لازم اتخاذ تلك الأصنام آلهة ومتفرع /
~~له لا أمر حدث عنهم لم يكن قبل فينبغي أن يكون التوبيخ على هذا دون ذلك،
~~وثالثا: بأن إشراك أولادهما لم يكن حين آتاهما الله تعالى صالحا بل
~~بعده بأزمنة متطاولة، ورابعا: بأن إجراء { جعلا } على غير ما أجري
~~عليه الأول والتعقيب بالفاء يوجب اختلال النظم الكريم.

# وأجيب عن الأول: بأن وجه ذلك الإسناد الإيذان بتركهما الأولى حيث أقدما
~~على نظم أولادهما في سلك أنفسهما والتزما شكرهم في ضمن شكرهما وأقسما على
~~ذلك قبل تعرف أحوالهم ببيان أن إخلالهم بالشكر الذي وعداه وعدا مؤكدا
~~باليمين بمنزلة إخلالهما بالذات في استيجاب الحنث والخلف مع ما فيه من
~~الإشعار بتضاعف جنايتهم أنهم بجعلهم المذكور أوقعوهما في ورطة الحنث
~~والخلف وجعلوهما كأنهما باشراه بالذات فجمعوا بين الجناية مع الله تعالى
~~والجناية عليهما السلام، ms03486 وعن الثاني: بأن المقام يقتضي التوبيخ على هذا
~~لأن لما ذكر ما أنعم سبحانه وتعالى به عليهم من الخلق من نفس واحدة
~~وتناسلهم وبخهم على جهلهم وإضافتهم تلك النعم إلى غير معطيها وإسنادها
~~إلى من لا قدرة له على شيء ولم يذكر أولا أمرا من أمور الألوهية قصدا
~~حتى يوبخوا على اتخاذ الآلهة، وعن الثالث: بأن كلمة لما ليست للزمان
~~المتضايق بل الممتد فلا يلزم أن يقع الشرط والجزاء في يوم واحد أو شهر أو
~~سنة بل يختلف ذلك باختلاف الأمور كما يقال: لما ظهر الإسلام طهرت البلاد
~~من الكفر والإلحاد، وعن الرابع: بما حرره صاحب «الكشف» في اختيار هذا
~~القول وإيثاره على القول بأن الشرك راجع لآدم وحواء عليهما السلام وليس
~~المتعارف بل ما نقل من تسمية الولد عبد الحرث وهو أن الظاهر أن قوله
~~تعالى:

# هو الذى خلقكم من نفس وحدة

# [الأعراف: 189] خطاب لأهل مكة وأنه بعدما ختمت قصة اليهود بما ختمت
~~تسلية وتشجيعا للنبي صلى الله عليه وسلم وحملا له على التثبت والصبر
~~اقتداء بإخوته من أولي العزم عليه وعليهم الصلاة والسلام لا سيما مصطفاه
~~وكليمه موسى عليه السلام فإن ما قاساه من بني إسرائيل كان شديد الشبه بما
~~كان يقاسيه صلى الله عليه وسلم من قريش وذيلت بما يقتضي العطف على المعنى
~~الذي سيق له الكلام أولا أعني قوله سبحانه وتعالى:

# وممن خلقنا أمة يهدون بالحق

# [الأعراف: 181] وقع التخلص إلى ذلك أهل مكة في حاق موقعه فقيل:

# والذين كذبوا بئايتنا سنستدرجهم

# [الأعراف: 182] وذكر سؤالهم عما لا يعنيهم فلما أريد بيان أن ذلك مما لا
~~يهمكم وإنما المهم إزالة ما أنتم عليه منغمسون فيه من أوضار الشرك
~~والآثام مهد له

# هو الذي خلقكم

# [الأعراف: 189] مضمنا معنى الامتنان والمالكية المقتضيين للتوحيد
~~والعبودية ثم قيل: { فلما ءاتهما صلحا جعلا له
~~شركاء } أي جعلتم يا أولادهما ولقد كان لكم في أبويكم أسوة حسنة في
~~قولهما:

# لئن ءاتيتنا صلحا لنكونن من الشكرين

# [الأعراف: 189] وكأن المعنى والله تعالى أعلم فلما آتاهما صالحا ms03487 ووفيا
~~بما وعدا به ربهما من القيام بموجب الشكر خالفتم أنتم يا أولادهما
~~فأشركتم وكفرتم النعمة، وفي هذا الالتفات ثم إضافة فعلهم إلى الأبوين على
~~عكس ما جعل من خلق الأب وتصويره في معرض الامتنان متعلقا بهم إيماء إلى
~~غاية كفرانهم وتماديهم في الغي، وعليه ينطبق قوله سبحانه: { فتعلى
~~الله عما يشركون } ثم قال: فظهر أن إجراء { جعلا } له على
~~غير ما أجري عليه الأول، والتعقيب بالفاء لا يوجب اختلال النظم بل يوجب
~~التئامه اه.

# والانصاف أن الأسئلة قوية والآية على هذا الوجه من قبيل اللغز، وعن
~~الحسن وقتادة أن ضمير { جعلا } و { ءاتهما } يعود على النفس
~~وزوجها من ولد آدم لا إلى آدم وحواء عليهما السلام، وهو قول الأصم قال:
~~ويكون المعنى في قوله سبحانه / وتعالى:

# خلقكم من نفس وحدة

# [الأعراف: 189] خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وخلق لكل نفس زوجا من
~~جنسها فلما تغشى كل نفس زوجها حملت حملا خفيفا وهو ماء الفحل فلما
~~أثقلت بمصير ذلك الماء لحما ودما وعظما دعا الرجل والمرأة ربهما لئن
~~آتيتنا صالحا أي ذكرا سويا لنكونن من الشاكرين وكانت عادتهم أن يئدوا
~~البنات فلما آتاهما أي فلما أعطى الله تعالى الأب والأم ما سألاه جعلا له
~~شركاء فسميا عبد اللات وعبد العزى وغير ذلك ثم رجعت الكناية في قوله
~~سبحانه وتعالى: { فتعلى الله عما يشركون } إلى الجميع
~~ولا تعلق للآية بآدم وحواء عليهما السلام أصلا، ولا يخفى أن المتبادر من
~~صدرها آدم وحواء ولا يكاد يفهم غيرهما رأسا نعم اختار ابن المنير ما
~~مآله هذا في «الانتصاف» وادعى ((أنه أقرب وأسلم مما تقدم وهو أن يكون
~~المراد جنسي الذكر والأنثى (ولا يقصد معين من ذلك) ثم قال: وكأن المعنى
~~والله تعالى أعلم هو الذي خلقكم جنسا واحدا وجعل أزواجكم منكم أيضا
~~لتسكنوا إليهن فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الذي هو الأنثى جرى
~~من هذين الجنسين كيت وكيت، وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنس وإن كان فيهم
~~الموحدون لأن المشركين ms03488 منهم (فجاز أن يضاف الكلام إلى الجنس على طريقة
~~قتل بنو تميم فلانا وإنما قتلهم بعضهم، ومثله قوله تعالى:

# (ويقول الإنسن) أإذا ما مت لسوف أخرج حيا

# [مريم: 66] و

# قتل الإنسن ما أكفره))

# [عبس: 17] إلى غير ذلك وتعقب بأن فيه إجراء جميع ألفاظ الآية على الأوجه
~~البعيدة.

# وعن أبي مسلم أن صدر الآية لآدم وحواء كما هو الظاهر إلا أن حديثهما ما
~~تضمنه قوله سبحانه وتعالى:

# هو الذى خلقكم من نفس وحدة وجعل منها
~~زوجها

# [الأعراف: 189] وانقطع الحديث ثم خص المشركين من أولاد آدم بالذكر،
~~ويجوز أن يذكر العموم ثم يخص البعض بالذكر، وهو كما ترى. وقيل: يجوز أن
~~يكون ضمير { جعلا } لآدم وحواء كما هو الظاهر والكلام خارج مخرج
~~الاستفهام الإنكاري والكناية في { فتعلى } الخ للمشكرين، وذلك أنهم
~~كانوا يقولون: إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام ويشرك كما نشرك فرد
~~عليهم بذلك ونظير هذا أن ينعم رجل على آخر بوجوه كثيرة من الإنعام ثم
~~يقال لذلك المنعم: إن الذي أنعمت عليه يقصد إيذاءك وإيصال الشر إليك
~~فيقول: فعلت في حقه كذا وكذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم إنه يقابلني بالشر
~~والإساءة ومراده أنه بريء من ذلك ومنفي عنه. وقيل: يحتمل أن يكون الخطاب
~~في { خلقكم } لقريش وهم آل قصي فإنهم خلقوا من نفسي قصي وكان له زوج
~~من جنسه عربية قريشية وطلبا من الله تعالى الولد فأعطاهما أربعة بنين
~~فسمياهم عبد مناف وعبد شمس وعبد العزى وعبد الدار يعني بها دار الندوة
~~ويكون الضمير في { يشركون } لهما ولأعقابهما المقتدين بهما وأيد ذلك
~~بقوله في قصة أم معبد:

# فيا لقصي ما زوى الله عنكم

# به من فخار لا يباري وسودد

# واستبعد ذلك في «الكشف» بأن المخاطبين لم يخلقوا من نفس قصي لا كلهم ولا
~~جلهم وإنما هو مجمع قريش وبأن القول بأن زوجه قرشية خطأ لأنها إنما كانت
~~بنت سيد مكة من خزاعة وقريش إذ ذاك متفرقون ليسوا في مكة، وأيضا من أين
~~العلم إنهما وعدا عند الحمل أن ms03489 يكونا شاكرين لله تبارك وتعالى ولا كفران
~~أشد من الكفر الذي كانا فيه. وما مثل من فسر بذلك إلا كمن عمر قصرا فهدم
~~مصرا، وأما البيت فإنما خص فيه بنو قصي بالذكر لأنهم ألصق برسول الله
~~صلى الله عليه وسلم أو لأنه لما كان سيدهم وأميرهم شمل ذكره الكل شمول
~~فرعون لقومه ومعلوم أن الكل ليسوا من نسل فرعون اه. وأجيب عن قوله: من
~~أين العلم الخ بأنه من / إعلام الله تعالى إن كان ذلك هو معنى النظم،
~~ومنه يعلم أن كون زوجته غير قرشية في حيز المنع. نعم في كون قصي هو أحد
~~أجداد النبي صلى الله عليه وسلم كان مشركا مخالفة لما ذهب إليه جمع من
~~أن أجداده عليه الصلاة والسلام كلهم غير مشركين، وقيل: إن ضمير { له }
~~للولد، والمعنى أنهما طلبا من الله تعالى أمثالا للولد الصالح الذي
~~أتاهما، وقيل: هو لإبليس، والمعنى جعلا لإبليس شركاء في اسمه حيث سميا
~~ولدهما بعبد الحرث، وكلا القولين ردهما الآمدي في «أبكار الأفكار»، وهما
~~لعمري أوهن من بيت العنكبوت لكني ذكرتهما استيفاء للأقوال، وذهب جماعة من
~~السلف كابن عباس ومجاهد وسعيد بن المسيب وغيرهم إلى أن ضمير { جعلا }
~~يعود آدم وحواء عليهما السلام، والمراد بالشرك بالنسبة إليهما غير
~~المتبادر بل ما أشرنا إليه آنفا إلى أن قوله سبحانه وتعالى: {
~~فتعلى الله عما يشركون } تخلص إلى قصة العرب وإشراكهم
~~الأصنام فهو كما قال السدي من الموصول لفظا المفصول معنى، ويوضح ذلك كما
~~قيل تغيير الضمير إلى الجمع بعد التثنية ولو كانت القصة واحدة لقيل
~~يشركان، وكذلك الضمائر بعد، وأيد ذلك بما أخرجه أحمد.

# والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال:
~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال لها: سميه عبد
~~الحرث فإنه يعيش فسمته بذلك فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره وأراد
~~بالحرث نفسه فإنه كان يسمى به بين الملائكة "

# ولا يعد ms03490 هذا شركا بالحقيقة على ما قال القطب لأن أسماء الأعلام لا تفيد
~~مفهوماتها اللغوية لكن أطلق عليه الشرك تغليظا وإيذانا بأن ما عليه
~~أولئك السائلون عما لا يعنيهم أمر عظيم لا يكاد يحيط بفظاعته عبارة.

# وفي «لباب التأويل» أن إضافة عبد إلى الحرث على معنى أنه كان سببا
~~لسلامته وقد يطلق اسم العبد على ما لا يراد به المملوك كقوله:

# وأني لعبد الضيف ما دام ثاويا

# ولعل نسبة الجعل إليهما مع أن الحديث ناطق بأن الجاعل حواء لا هي وآدم
~~لكونه عليه السلام أقرها على ذلك، وجاء في بعض الروايات التصريح بأنهما
~~سمياه بذلك. وتعقب هذا القول بعض المدققين بأن الحديث لا يصلح تأييدا له
~~لأنه لم يرد مفسرا للآية ولا إنكار لصدور ذلك منهما عليهما السلام فإنه
~~ليس بشرك. نعم كان الأولى بهما التنزه عن ذلك إنما المنكر حمل الآية على
~~ذلك مع ما فيه من العدول عن الظاهر لا سيما على قراءة الأكثرين {
~~شركاء } بلفظ الجمع؛ ومن حمل { فتعلى } الخ على أنه ابتداء كلام
~~وهو راجع إلى المشركين من الكفار، والفاء فصيحة، وكونه منقولا عن السلف
~~معارض بأن غيره منقول أيضا عن جمع منهم انتهى.

# وقد يقال: أخرج ابن جرير عن الحبر أن الآية نزلت في تسمية آدم وحواء
~~ولديهما بعبد الحرث، ومثل ذلك لا يكاد يقال من قبل الرأي، وهو ظاهر في
~~كون الخبر تفسيرا للآية، وارتكاب خلاف الظاهر في تفسيرها مما لا مخلص
~~عنه كما لا يخفى على المنصف. ووجه جمع الشركاء زيادة في التغليظ لأن من
~~جوز الشرك جوز الشركاء فلما جعلا شريكا فكأنهما جعلا شركاء، وحمل {
~~فتعلى الله } الخ على الابتداء مما يستدعيه السابق والسياق وبه
~~صرح كثير من أساطين الإسلام والذاهبون إلى غير هذا الوجه نزر قليل
~~بالنسبة إلى الذاهبين إليه وهم دونهم أيضا في العلم والفضل وشتان ما بين
~~دندنة النحل وألحان معبد، ومن هنا قال العلامة الطيبي: إن هذا القول
~~أحسن الأقوال بل لا قول غيره ولا معول إلا عليه لأنه ms03491 مقتبس من مشكاة
~~النبوة وحضرة الرسالة صلى الله عليه وسلم، وأنت قد علمت مني أنه إذا / صح
~~الحديث فهو مذهبي وأراه قد صح ولذلك أحجم كميت قلمي عن الجري في ميدان
~~التأويل كما جرى غيره والله تعالى الموفق للصواب.

# وقرأ نافع. وأبو بكر { شركا } بصيغة المصدر أي شركة أو ذوي شركة وهم
~~الشركاء.

### || [7.191]

# { أيشركون } به تعالى { ما لا يخلق شيئا } أي ما لا يقدر
~~على أن يخلق شيئا من الأشياء أصلا ومن حق المعبود أن يكون خالقا
~~لعابده لا محالة وعنى بما الأصنام، وإرجاع الضمير إليها مفردا لرعاية
~~لفظها كما أن إرجاع ضمير الجمع إليهما من قوله سبحانه وتعالى: { وهم
~~يخلقون } لرعاية معناها وإيراد ضمير العقلاء مع أن الأصنام مما لا
~~يعقل إنما هو بحسب اعتقادهم فيها وإجرائهم لها مجرى العقلاء وتسميتهم لها
~~آلهة. والجملة عطف على { لا يخلق } ، والجمع بين الأمرين لإبانة
~~كمال منافاة حال ما أشركوه لما اعتقدوه فيه وإظهار غاية جهلهم، وعدم
~~التعرض للخالق للإيذان بتعينه والاستغناء عن ذكره تعالى.

### || [7.192]

# { ولا يستطيعون } أي الأصنام { لهم } أي للمشركين الذين
~~عبدوهم { نصرا } أي نصرا ما إذا حزبهم أمرهم وخطب ملم { ولا
~~أنفسهم ينصرون } إذا اعتراهم حادثة من الحوادث أي لا يدفعونها
~~عن أنفسهم، وإيراد النصر للمشاكلة وهو مجاز في لازم معناه وهذا لتأكيد
~~العجز والاحتياج المنافيين لاستحقاق الألوهية، ووصفوا فيما تقدم
~~بالمخلوقية لكونهم أهلا لها ولم يوصفوا هنا بالمنصورية لأنهم ليسوا
~~أهلا لها.

### || [7.193]

# وقوله سبحانه وتعالى: { وإن تدعوهم إلى الهدى لا
~~يتبعوكم } بيان لعجزهم عما هو أدنى من النصر المنفي عنهم وأيسر
~~وهو مجرد الدلالة على البغية والإرشاد إلى طريق حصولها من غير أن تحصل
~~للطالب. والخطاب للمشركين بطريق الالتفات بدلالة ما بعد، وفيه إيذان
~~بمزيد الاعتناء بأمر التوبيخ والتبكيت، أي وإن تدعوا الأصنام أيها
~~المشركون إلى أن يرشدوكم إلى ما تحصلون به المطالب أو تنجون به عن
~~المكاره لا يتبعوكم إلى مرادكم ولا يجيبوكم ولا يقدرون على ذلك. وقرأ
~~نافع { يتبعوكم } بالتخفيف.

# وقوله تعالى: { سواء ms03492 عليكم أدعوتموهم أم أنتم
~~صمتون } استئناف مقرر لمضمون ما قبله ومبين لكيفية عدم الاتباع، أي
~~مستو عليكم في عدم الإفادة دعاؤكم لهم وسكوتكم فإنه لا يتغير حالكم في
~~الحالين كما لا يتغير حالهم بحكم الجمادية، وكان الظاهر الإتيان بالفعل
~~فيما بعد { أم } لأن ما في حيز همزة التسوية مؤول بالمصدر، لكنه عدل عن
~~ذلك للإيذان بأن إحداث الدعوة مقابل باستمرار الصمات، وفيه من المبالغة
~~ما لا يخفى، وقيل: إن الاسمية بمعنى الفعلية وإنما عدل عنها لأنها رأس
~~فاصلة وفيه أنه لو قيل تصمتون تم المراد. وقيل: إن ضمير تدعوا للنبي صلى
~~الله عليه وسلم والمؤمنين أو له عليه الصلاة والسلام وجمع للتعظيم، وضمير
~~المفعولين للمشركين، والمراد بالهدى دين الحق أي إن تدعوا المشركين إلى
~~الإسلام لا يتبعوكم أي لم يحصلوا ذلك منكم ولم يتصفوا به، وتعقب بأنه مما
~~لا يساعده سباق النظم الكريم وسياقه أصلا على أنه لو كان كذلك لقيل
~~عليهم مكان { عليكم } كما في قوله تعالى:

# سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا
~~يؤمنون

# [البقرة: 6] فإن استواء الدعاء وعدمه إنما هو بالنسبة للمشركين لا
~~بالنسبة إلى الداعين فإنهم فائزون بفضل الدعوة، ولعل رواية ذلك عن الحسن
~~غير ثابتة، والطبرسي حاطب ليل.

### || [7.194]

# { إن الذين تدعون } تقريري لما قبله من عدم اتباعهم لهم،
~~والدعاء إما بمعنى العبادة تسمية لها بجزئها، أو بمعنى التسمية كدعوته
~~زيدا ومفعولاه محذوفان أي إن الذين تعبدونهم / { من دون الله } و
~~تسمونهم آلهة من دونه سبحانه وتعالى: { عباد أمثالكم } أي
~~مماثلة لكم من حيث أنها مملوكة لله تعالى مسخرة لأمره عاجزة عن النفع
~~والضر كما قال الأخفش، وتشبيهها بهم في ذلك مع كون عجزها عنهما أظهر
~~وأقوى من عجزهم إنما هو لاعترافهم بعجز أنفسهم وزعمهم قدرتها عليهما إذ
~~هو الذي يدعوهم إلى عبادتها والاستعانة بها، وقيل: يحتمل أنهم لما نحتوا
~~الأصنام بصور الأناسي قال سبحانه لهم: إن قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء
~~عقلاء أمثالكم فلا يستحقون عبادتكم كما لا يستحق بعضكم عبادة بعض فتكون
~~المثلية ms03493 في الحيوانية والعقل على الفرض والتقدير لكونهم بصورة الأحياء
~~العقلاء، وقرأ سعيد بن جبير { إن الذين تدعون } بتخفيف إن
~~ونصب (عبادا أمثالكم)، وخرجها ابن جني على أن إن نافية عملت عمل ما
~~الحجازية وهو مذهب الكسائي وبعض الكوفيين. واعترض أولا: بأنه لم يثبت
~~مثل ذلك، وثانيا: بأنه يقتضي نفي كونهم عبادا أمثالهم، والقراءة
~~المشهورة تثبته فتتناقض القراءتان، وأجيب عن الأول: بأن القائل به يقول:
~~إنه ثابت في كلام العرب كقوله:

# أن هو مستوليا على أحد

# إلا على أضعف المجانين

# وعن الثاني: أنه لا تناقض لأن المشهورة تثبت المثلية من بعض الوجوه وهذه
~~تنفيها من كل الوجوه أو من وجه آخر فإن الأصنام جمادات مثلا والداعين
~~ليسوا بها، وقيل: إنها إن المخففة من المثقلة وإنها على لغة من نصب بها
~~الجزئين كقوله:

# إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن

# خطاك خفافا أن حراسنا أسدا

# في رأي ولا يخفى أن إعمال المخففة ونصب جزئيهما كلاهما قليل ضعيف، ومن
~~هنا قيل: إنها مهملة وخبر المبتدأ محذوف وهو الناصب لعبادا و {
~~أمثلكم } على القراءتين نعت لعباد عليهما أيضا، وقرىء { أن }
~~بالتشديد و { عبادا } بالنصب على أنه حال من العائد المحذوف و { أمثالكم
~~} بالرفع على أنه خبر أن، وقرىء به مرفوعا في قراءة التخفيف ونصب { عباد
~~} وخرج ذلك على الحالية والخبرية أيضا.

# { فادعوهم فليستجيبوا لكم } تحقيق لمضمون ما قبله
~~بتعجيزهم وتبكيتهم أي فادعوهم في رفع ضر أو جلب نفع { إن كنتم
~~صدقين } في زعمكم أنهم قادرون على ما أنتم عاجزون عنه.

### || [7.195]

# وقوله تعالى: { ألهم أرجل يمشون بها } الخ تبكيت إثر
~~تبكيت مؤكد لما يفيده الأمر التعجيزي من عدم الاستجابة ببيان فقدان
~~آلاتها بالكلية، وقيل: إنه على الاحتمال الأول في المماثلة كر على
~~المثلية بالنقض لأنهم أدون منهم، وعبادة الشخص من هو مثله لا تليق فكيف
~~من هو دونه، وعلى الاحتمال الثاني فيها عود على الفرض المبني عليه
~~بالمثلية بالإبطال، وعلى قراءة التخفيف وإرادة النفي تقرير لنفي المماثلة
~~بإثبات القصور والنقصان، ووجه الإنكار إلى كل واحد ms03494 من تلك الآلات الأربع
~~على حدة تكريرا للتبكيت وتثنية للتقريع وإشعارا بأن انتفاء كل واحد
~~منها بحيالها كاف في الدلالة على استحالة الاستجابة وليس المراد أن من لم
~~يكن له هذه لا يستحق الألوهية وإنما يستحقها من كانت له ليلزم إما نفي
~~استحقاق الله تبارك وتعالى لها أو إثبات ذلك له كما ذهب إليه بعض المجسمة
~~واستدل بالآية عليه بل مجرد إثبات العجز، ومن ذلك يعلم نفي الاستحقاق،
~~ووصفه الأرجل بالمشي بها للإيذان بأن مدار الإنكار هو الوصف وإنما وجه
~~إلى الأرجل لا إلى الوصف بأن يقال: أيمشون بأرجلهم لتحقيق أنها حيث لم
~~يظهر منها ما يظهر من سائر الأرجل فهي ليست بأرجل في الحقيقة، وكذا /
~~الكلام فيما بعد من الجوارح الثلاثة الباقية.

# وكلمة { أم } في قوله تعالى: { أم لهم أيد يبطشون بها
~~} منقطعة وما فيها من الهمزة لما مر من التبكيت، وبل للإضراب المفيد
~~للانتقال من فن منه بعد تمامه إلى [فن] آخر منه مما تقدم، والبطش الأخذ
~~بقوة. وقرأ أبو جعفر { يبطشون } بضم الطاء وهو لغة فيه، والمعنى بل
~~ألهم أيد يأخذون بها ما يريدون أو يدفعون بها عنكم، وتأخير هذا عما قبله
~~كما قال شيخ الإسلام لما أن المشي حالهم في أنفسهم والبطش حالهم بالنسبة
~~إلى الغير، وأما تقديم ذلك على قوله تعالى: { أم لهم أعين
~~يبصرون بها أم لهم ءاذان يسمعون بها } مع أن الكل
~~سواء في أنها من أحوالهم بالنسبة إلى الغير فلمراعاة المقابلة بين الأيدي
~~والأرجل ولأن انتفاء المشي والبطش أظهر والتبكيت به أقوى، وأما تقديم
~~الأعين على الآذان فلأنها أشهر منها وأظهر عينا وأثرا، وكون الإبصار
~~بالعين والسماع بالأذان جار على الظاهر المتعارف. واستدل بالآية من قال:
~~إن الله تعالى أودع في بعض الأشياء قوة بها تؤثر إذا أذن الله تعالى لها
~~خلافا لمن قال: إن التأثير عندها لا بها. وزعم أن ذلك القول قريب إلى
~~الكفر وليس كما زعم بل هو الحق الحقيق بالقبول.

# { قل ادعوا شركاءكم } أمر له صلى الله عليه ms03495 وسلم بأن يناصبهم
~~المحاجة ويكرر عليهم التبكيت بعد أن بين أن شركاءهم لا يقدرون على شيء
~~أصلا، أي أدعوا شركاءكم واستعينوا بهم علي { ثم كيدون } جميعا
~~أنتم وشركاؤكم وبالغوا في ترتيب ما تقدرون عليه من مبادي المكر والكيد {
~~فلا تنظرون } فلا تمهلوني ساعة بعد ترتيب مقدمات الكيد فإني لا
~~أبالي بكم أصلا، وياء المتكلم في الفعلين مما لا يثبتوها خطأ، وقرأ أبو
~~عمرو بإثبات ياء { كيدون } وصلا وحذفها وقفا، وهشام بإثباتها في
~~الحالين والباقون بحذفها فيهما. وفي هود

# فكيدوني جميعا

# [هود: 55] بإثبات الياء مطلقا عند الجميع، وأما ياء { فلا تنظرون
~~} فقد قال الأجهوري: إنهم حذفوها لا غير.

### || [7.196]

# { إن وليي الله الذي نزل الكتاب } تعليل لعدم
~~المبالاة المنفهم من السوق انفهاما جليا، وأل في الكتاب للعهد والمراد
~~منه القرآن، ووصفه سبحانه بتنزيل الكتاب للإشعار بدليل الولاية، وكأنه
~~وضع { نزل الكتاب } موضع أرسلني رسولا ولا شك أن الإرسال يقتضي
~~الولاية والنصرة، وقيل: إن في ذلك إشارة إلى علة أخرى لعدم المبالاة كأنه
~~قيل: لا أبالي بكم وبشركائكم لأن وليي هو الله تعالى الذي نزل الكتاب
~~الناطق بأنه وليي وناصري وبأن شركاءكم لا يستطيعون نصر أنفسهم فضلا عن
~~نصركم.

# وقوله سبحانه وتعالى: { وهو يتولى الصالحين } تذييل مقرر
~~لمضمون ما قبله، أي ومن عادته جل شأنه أن ينصر الصالحين من عباده ولا
~~يخذلهم وقال الطيبي: إنما خص اسم الذات بتنزيل الكتاب وجعلت الآية
~~تعليلا للدلالة على تفخيم أمر المنزل وأنه الفارق بين الحق والباطل وأنه
~~المجلي لظلمات الشرك والمفحم لألسن أرباب البيان والمعجز الباقي في كل
~~أوان وهو النور المبين والحبل المتين وبه أصلح الله تعالى شؤون رسوله صلى
~~الله عليه وسلم حيث كمل به خلقه وأقام به أوده وأفسد به الأباطيل
~~المعطلة، ومن ثم جيء بقوله سبحانه وتعالى: { وهو } الخ كالتذييل
~~والتقرير لما سبق والتعريض بمن فقد الصلاح بالخذلان والمحق، والمعنى إن
~~وليي الذي نزل الكتاب المشهور الذي تعرفون حقيقته ومثله / يتولى
~~الصالحين ويخذل غيرهم، ولا يخفى أن ما ذكر أولا في ms03496 أمر الوصفية أنسب
~~بالمقام وأمر التذييل مما لا مرية فيه، وهذه الآية مما جربت المداومة
~~عليها للحفظ من الأعداء وكانت ورد الوالد عليه الرحمة في الأسحار وقد
~~أمره بذلك بعض الأكابر في المنام، والجمهور على تشديد الياء الأولى من {
~~وليي } وفتح الثانية ويقرأ بحذفها في اللفظ لسكونها وسكون ما
~~بعدها، وبفتح الأولى ولا ياء بعدها وحذف الثانية من اللفظ تخفيفا.

### || [7.197]

# { والذين تدعون من دونه } أي تعبدونهم أو تدعونهم من دونه
~~سبحانه وتعالى للاستعانة بهم علي حسبما أمرتكم به { لا يستطيعون
~~نصركم } في أمر من الأمور ويدخل في ذلك الأمر المذكور دخولا
~~أوليا، وجوز الاقتصار عليه { ولا أنفسهم ينصرون } إذا أصيبوا
~~بحادثة.

### || [7.198]

# { وإن تدعوهم إلى الهدى } أي إلى أن يهدوكم إلى ما تحصلون
~~به مقاصدكم مطلقا أو في خصوص الكيد المعهود { لا يسمعوا } أي
~~دعاءكم فضلا عن المساعدة والإمداد، وهذا أبلغ من نفي الاتباع، وحمل
~~السماع على القبول كما في «سمع الله لمن حمده» كما زعمه بعضهم ليس بشيء،
~~وقوله سبحانه وتعالى: { وتراهم ينظرون إليك وهم لا
~~يبصرون } بيان لعجزهم عن الإبصار بعد بيان عجزهم عن السمع، وبهذا
~~على ما قيل تم التعليل لعدم المبالاة فلا تكرار أصلا، وقال الواحدي: إن
~~ما مر للفرق بين من تجوز عبادته وغيره، وهذا جواب ورد لتخويفهم له صلى
~~الله عليه وسلم بآلهتهم، والرؤية بصرية، وجملة { ينظرون } في موضع
~~الحال من المفعول الراجع للأصنام، والجملة الإسمية حال من فاعل {
~~ينظرون } ، والخطاب لكل واحد من المشركين، والمعنى وترى الأصنام رأي
~~العين يشبهون الناظر إليك ويخيل لك أنهم يبصرون لما أنهم صنع لهم أعين
~~مركبة بالجواهر المتلألئة وصورت بصورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليه
~~والحال أنهم غير قادرين على الإبصار، وتوجيه الخطاب إلى كل واحد من
~~المشركين دون الكل من حيث هو كل كالخطابات السابقة للإيذان بأن رؤية
~~الأصنام على الهيئة المذكورة لا يتسنى للكل معا بل لكل من يواجهها.

# وذهب غير واحد إلى أن الخطاب في { تراهم } لكل واقف عليه، وقيل
~~للنبي ms03497 صلى الله عليه وسلم، وضمير الغيبة على حاله أو للمشركين على أن
~~التعليل قد تم عند قوله تعالى: { لا يسمعوا } أي وترى المشركين
~~ناظرين إليك والحال أنهم لا يبصرونك كما أنت عليه أو لا يبصرون الحجة كما
~~قال السدي ومجاهد. ونقل عن الحسن أن الخطاب في { وإن تدعوهم }
~~للمؤمنين على أن التعليل قد تم عند قوله سبحانه وتعالى:

# ينصرون

# [الأعراف: 197] أي وإن تدعوا أيها المؤمنون المشركين إلى الإسلام لا
~~يلتفتوا إليكم ولا يقبلوا منكم، وعلى هذا يحسن تفسير السماع بالقبول،
~~وجعل { وتراهم } خطابا لسيد المخاطبين بطريق التجريد، وفي الكلام
~~تنبيه على أن ما فيه عليه الصلاة والسلام من شواهد النبوة ودلائل الرسالة
~~من الجلاء بحيث لا يكاد يخفى على الناظرين. وجوز بعضهم أن تكون الرؤية
~~علمية وما كان في موضع المفعول الثاني والأول أولى.

### || [7.199]

# { خذ العفو } أي ما عفا وسهل وتيسر من أخلاق الناس، وإلى هذا ذهب
~~ابن عمر وابن الزبير وعائشة ومجاهد رضي الله تعالى عنهم وغيرهم، وأخرجه
~~ابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن آدم مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم، والأخذ مجاز عن القبول والرضا، أي ارض من الناس بما تيسر من
~~أعمالهم وما أتى منهم وتسهل من غير كلفة ولا تطلب منهم الجهد وما يشق
~~عليهم حتى لا ينفروا، ومن ذلك قوله:

# خذي العفو مني تستديمي مودتي

# ولا تنطقي في سورتي حين أغضب

# وجوز أن يراد بالعفو ظاهره أي خذ العفو عن المذنبين والمراد اعف عنهم،
~~وفيه استعارة مكنية إذ شبه العفو بأمر محسوس طلب فيؤخذ، وإلى هذا ذهب جمع
~~من السلف، ويشهد له ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن الشعبي
~~قال: لما أنزل الله تعالى { خذ العفو } إلى آخره قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " ما هذا يا جبريل؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالم فذهب ثم رجع فقال: إن
~~الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك "

# وأخرج ابن مردويه عن جابر نحو ذلك، ms03498 ولعل زبدة الحديث مفسرة لزبدة الآية
~~وإلا فالتطبيق مشكل كما لا يخفى. وتكلف القطب لتطبيق ألفاظه على ألفاظها
~~وفيه خفاء. وعن ابن عباس المراد بالعفو ما عفى من أموال الناس، أي خذ أي
~~شيء أتوك به وكان هذا قبل فرض الزكاة، وقيل: العفو ما فضل عن النفقة من
~~المال وبذلك فسره الجوهري وإليه ذهب السدي. فقد أخرج أبو الشيخ عنه أنه
~~قال: نزلت هذه الآية فكان الرجل يمسك من ماله ما يكفيه ويتصدق بالفضل
~~فنسخها الله تعالى بالزكاة.

# { وأمر بالعرف } أي بالمعروف المستحسن من الأفعال فإن ذلك أقرب
~~إلى قبول الناس من غير نكير، وفي «لباب التأويل» أن المراد وأمر بكل ما
~~أمرك الله تعالى به وعرفته بالوحي. وقال عطاء: المراد بالعرف كلمة لا إله
~~إلا الله وهو تخصيص من غير داع { وأعرض عن الجهلين } أي ولا
~~تكافىء السفهاء بمثل سفههم ولا تمارهم واحلم عليهم وأغض بما يسوؤك منهم.
~~وعن السدي أن هذا أمر بالكف عن القتال ثم نسخ بآيته، ولا ضرورة إلى دعوى
~~النسخ في الآية كما لا يخفى على المتدبر، وقد ذكر غير واحد أنه ليس في
~~القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية. وزبدتها كما قالوا تحري
~~حسن المعاشرة مع الناس وتوخى بذل المجهود في الإحسان إليهم والمداراة
~~منهم والإغضاء عن مساويهم وجعلوا نحو ذلك زبدة الخبر إلا أن القرآن مادته
~~عامة ومادته خاصة؛ وقد علم كل أناس مشربهم، ولا يخفى حسن موقع هذا الأمر
~~بعد ما عد من أباطيل المشركين وقبائحهم ما لا يطاق حمله، وإذا قيل بأن
~~الجاهلين موضوع موضع ضمير أولئك المشركين حيث إن الكلام فيهم تسجيلا
~~عليهم بعدم الإرعواء وإقناطا كليا منهم التأمت أطراف الكلام غاية
~~الالتئام، هذا وعن ابن زيد أنه لما نزل قوله تعالى: { وأعرض عن
~~الجهلين } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " كيف يا رب والغضب؟ "

# فنزل قوله سبحانه وتعالى: { وإما ينزغنك من الشيطن
~~نزغ }.

### || [7.200]

# { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ } النزغ والنسغ
~~والنخس بمعنى وهو إدخال الإبرة ms03499 أو طرف العصا أو ما يشبه ذلك في الجلد،
~~وعن ابن زيد أنه يقال: نزغت ما بن القوم إذا أفسدت ما بينهم، وقال
~~الزجاج: هو أدنى حركة تكون، ومن الشيطان وسوسته، والمعنى الأول هو
~~المشهور، وإطلاقه على وسوسة الشيطان مجاز حيث شبه وسوسته إغراء للناس على
~~المعاصي وإزعاجا بغرز السائق ما يسوقه، وإسناد الفعل إلى المصدر مجازي
~~كما في جد جده، وقيل: النزغ بمعنى النازغ فالتجوز في الطرف، والأول أبلغ
~~وأولى، أي إما يحملنك من جهة الشيطان وسوسة ما على خلاف ما أمرت به من
~~اعتراء غضب أو نحوه { فاستعذ بالله } فاستجر به والتجىء إليه
~~سبحانه وتعالى في دفعه عنك { إنه سميع } يسمع على أكمل وجه
~~استعاذتك قولا { عليم } يعلم كذلك تضرعك / إليه قلبا في ضمن القول
~~أو بدونه فيعصمك من شره، أو سمع أي مجيب دعاءك بالاستعاذة عليم بما فيه
~~صلاح أمرك فيحملك عليه، أو سميع بأقوال من آذاك عليم بأفعاله فيجازيه
~~عليها.

# والآية على ما نص عليه بعض المحققين من باب

# لئن أشركت ليحبطن عملك

# [الزمر: 65] فلا حجة فيها لمن زعم عدم عصمة الأنبياء عليهم الصلاة
~~والسلام من وسوسة الشيطان وارتكاب المعاصي. وفي «صحيح مسلم» عن ابن مسعود
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة
~~قالوا: وإياك يا رسول الله قال: وإياي إلا أن الله تعالى أعانني عليه
~~فأسلم فلا يأمرني إلا بخير "

# وقال آخرون: إن نزغ الشيطان بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم مجاز عن
~~اعتراء الغضب المقلق للنفس، وفي الآية حينئذ زيادة تنفير عن الغضب وفرط
~~تحذير عن العمل بموجبه، ولذا كرر صلى الله عليه وسلم النهي عنه كما جاء
~~في الحديث، وفي الأمر بالاستعاذة بالله تعالى تهويل لذلك وتنبيه على أنه
~~من الغوائل التي لا يتخلص من مضرتها إلا بالالتجاء إلى حرم عصمته عز وجل.

### || [7.201]

# { إن الذين اتقوا } استئناف مقرر لما قبله من الأمر ببيان
~~أن الاستعاذة سنة مسلوكة ms03500 للمتقين والإخلال بها شنشنة الغاوين، أي إن
~~الذين اتصفوا بتقوى الله تعالى { إذا مسهم طائف من
~~الشيطن } أي لمة منه كما روي عن ابن عباس، وتنوينه للتحقير،
~~والمراد وسوسة ما، وهو اسم فاعل من طاف بالشيء إذا دار حوله، وجعل
~~الوسوسة طائفا للإيذان بأنها وإن مست لا تؤثر فيهم فكأنها طافت حولهم
~~ولم تصل إليهم. وجوز أن يكون من طاف طيف الخيال إذا ألم في المنام
~~فالمراد به الخاطر. وذهب غير واحد إلى أن المراد بالطائف الغضب وقرأ ابن
~~كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب (طيف) على أنه مصدر أو تخفيف من طيف من
~~الواوي أو اليائي كهين ولين. والمراد بالشيطان الجنس لا إبليس فقط ولذا
~~جمع ضميره فيما سيأتي.

# { تذكروا } أي ما أمر الله تعالى به ونهى عنه، أو الاستعاذة به
~~تعالى والالتجاء إليه سبحانه وتعالى، أو عداوة الشيطان وكيده { فإذا
~~هم } بسبب ذلك التذكر { مبصرون } مواقع الخطأ ومناهج الرشد
~~فيحترزون عما يخالف أمر الله تعالى وينجون عما لا يرضيه سبحانه وتعالى،
~~والظاهر أن المراد من الموصول من اتصف بعنوان الصلة مطلقا، وقال بعض
~~المحققين: إن الخطاب في قوله سبحانه وتعالى:

# وإما ينزغنك

# [الأعراف: 200] الخ إما أن يكون مختصا برسول الله صلى الله عليه وسلم
~~كما هو الظاهر فالمناسب أن يراد بالمتقين المرسلون من أولي العزم، أو
~~يكون عاما على طريقة «بشر المشائين إلى المساجد بالنور التام يوم
~~القيامة»، أو خاصا يراد به العام نحو

# يا أيها النبى إذا طلقتم النساء

# [الطلاق: 1] فالمتقون حينئذ الصالحون من عباد الله تعالى انتهى. ولا
~~يخفى أن الملازمة في الشرطية الأولى في حيز المنع والعموم هو المتبادر
~~على كل حال، وزعم بعضهم أن المراد بالمتقين المنسوب إليهم المس غير
~~الأنبياء عليهم السلام، وجعل الخطاب فيما سبق خاصا بالسيد الأعظم صلى
~~الله عليه وسلم وادعى أن النزغ أول الوسوسة والمس لا يكون إلا بعد
~~التمكن، ثم قال: ولذا فصل الله سبحانه وتعالى بين النبي عليه الصلاة
~~والسلام وغيره من سائر المتقين فعبر في حقه عليه ms03501 الصلاة والسلام بالنزغ
~~وفي حقهم بالمس، وقد يقال: إن اهتمام الشيطان في الوسوسة للكامل أكمل من
~~اهتمامه في الوسوسة لمن دونه فلذا عبر أولا بالنزغ وثانيا بالمس.

### || [7.202]

# { وإخونهم } أي إخوان الشياطين الذين لم يتقوا وذلك معنى الأخوة
~~بينهم، وهو مبتدأ وقوله سبحانه وتعالى: { يمدونهم فى الغي }
~~خبره، والضمير المرفوع للشياطين والمنصوب للمبتدأ، أي تعاونهم الشياطين
~~في الضلال وذلك بأن يزينوه لهم ويحملوهم عليه، والخبر على هذا جار على
~~غير من هو له وفي أنه هل يجب إبراز الضمير أولا يجب في مثل ذلك خلاف بين
~~أهل القريتين كالصفة المختلف فيها بينهم، وقيل: إن الضمير الأول للإخوان
~~والثاني للشياطين، والمعنى وإخوان الشياطين يمدون الشياطين بالاتباع
~~والامتثال، وعلى هذا يكون الخبر جاريا على من هو له، والجار والمجرور
~~متعلق بما عنده، وجوز أن يكون في موضع الحال من الفاعل أو من المفعول.
~~وقرأ نافع { يمدونهم } بضم الياء وكسر الميم من الإمداد والجمهور
~~على فتح الياء وضم الميم.

# قال أبو علي في «الحجة» بعد نقل ذكر ذلك: وعامة ما جاء في التنزيل مما
~~يحمد ويستحب أمددت على أفعلت كقوله تعالى:

# أنما نمدهم به من مال وبنين

# [المؤمنون: 55]

# وأمددنهم بفكهة

# [الطور: 22] و

# أتمدونن بمال

# [النمل: 36] وما كان بخلافه على مددت قال تعالى:

# ويمدهم في طغينهم يعمهون

# [البقرة: 15] وهكذا يتكلمون بما يدل على أن الوجه فتح الياء كما ذهب
~~إليه الأكثر، ووجه قراءة نافع أنه مثل

# فبشرهم بعذاب أليم

# [آل عمران: 21]

# فسنيسره للعسرى

# [الليل: 10] وقرأ الجحدري { يمادونهم } من باب المفاعلة وهي هنا مجازية
~~كأنهم كان الشياطين يعينونهم بالإغراء وتهوين المعاصي عليهم وهؤلاء
~~يعينون الشياطين بالاتباع والامتثال.

# { ثم لا يقصرون } أي لا يمسكون ولا يكفون عن إغوائهم حتى
~~يردوهم بالكلية فهو من أقصر إذا أقلع وأمسك كما في قوله:

# سما لك شوق بعد ما كان أقصرا

# وجوز أن يكون الضمير للإخوان وروي ذلك عن ابن عباس والسدي وإليه ذهب
~~الجبائي، أي ثم لا يكف هؤلاء عن الغي ولا يقصرون كالمتقين، وجوز أيضا أن
~~يراد بالإخوان ms03502 الشياطين وضمير الجمع المضاف إليه أولا والمفعول ثانيا
~~والفاعل ثالثا يعود إلى الجاهلين في قوله سبحانه وتعالى:

# وأعرض عن الجهلين

# [الأعراف: 199] أي وإخوان الجاهلين وهم الشياطين يمدون الجاهلين في الغي
~~ثم لا يقصر الجاهلون عن ذلك، والخبر على هذا أيضا جار على ما هو له كما
~~في بعض الأوجه السابقة والأول أولى رعاية للمقابلة. وقرأ عيسى بن عمر {
~~يقصرون } بفتح الياء وضم الصاد من قصر وهو مجاز عن الإمساك أيضا.

### || [7.203]

# { وإذا لم تأتهم بآية } من القرآن عند تراخي الوحي كما روي
~~عن مجاهد وقتادة والزجاج، أو بآية مقترحة كما روي عن ابن عباس والجبائي
~~وأبي مسلم { قالوا لولا اجتبيتها } أي هلا جمعتها ولفقتها
~~من عند نفسك افتراء، أو هلا أخذتها من الله تعالى بطلب منه، وهو تهكم
~~منهم لعنهم الله تعالى، ومما ذكرنا علم أن لاجتبى معنيين جمع وأخذ
~~ويختلف المراد حسب الاختلاف في تفسير الآية، وعن علي بن عيسى أن الاجتباء
~~في الأصل الاستخراج ومنه جباية الخراج، وقيل: أصله الجمع من جبيت الماء
~~في الحوض جمعته، ومنه قيل للحوض جابية لجمعه الماء، وإلى هذا ذهب الراغب،
~~وفي «الدر المصون» جبى الشيء جمعه مختارا ولذا غلب اجتبيته بمعنى
~~اخترته. وقال الفراء يقال اجتبيت الكلام واختلقته وارتجلته إذا افتعلته
~~من قبل نفسك وكذا اخترعته عند أبي عبيدة، وقال ابن زيد: هذه الأحرف
~~تقولها العرب للكلام يبتديه الرجل لم يكن أعده قبل ذلك في نفسه، ومن جعل
~~الأصل شيئا لا ينكر الاستعمال في الآخر مجازا كما لا يخفى.

# { قل } ردا عليهم { إنمآ أتبع ما يوحى إلي من
~~ربي } من غير أن يكون لي دخل ما في ذلك أصلا على معنى تخصيص حاله
~~عليه الصلاة والسلام باتباع ما يوحى إليه / بتوجيه القصر إلى نفس الفعل
~~بالنسبة إلى مقابله الذي كلفوه إياه عليه الصلاة والسلام لا على معنى
~~تخصيص اتباعه صلى الله عليه وسلم بما يوحى إليه بتوجيه القصر [إلى
~~المفعول] بالقياس إلى مفعول آخر كما هو الشائع في موارد الاستعمال كأنه
~~قيل: ms03503 ما أفعل إلا اتباع ما يوحى إلي منه تعالى دون الاختلاف والاقتراح،
~~وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما
~~لا يخفى.

# { هذا } إشارة إلى القرآن الجليل المدلول عليه بما يوحى إلي {
~~بصائر من ربكم } أي بمنزلة البصائر للقلوب بها تبصر الحق وتدرك
~~الصواب، أو حجج بينة وبراهين نيرة تغني عن غيرها فالكلام خارج مخرج
~~التشبيه البليغ، وقد حققت ما فيه على الوجه الأتم في «الطراز المذهب»، أو
~~فيه مجاز مرسل حيث أطلق المسبب على السبب، وجوز أن تكون البصائر مستعارة
~~لإرشاد القرآن الخلق إلى إدراك الحقائق، وهذا مبتدأ وبصائر خبره، وجمع
~~خبر المفرد لاشتماله على آيات وسور جعل كل منها بصيرة، و { من } متعلقة
~~بمحذوف وقع صفة لبصائر مفيدة لفخامتها أي بصائر كائنة منه تعالى، والتعرض
~~لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لتأكيد وجوب الإيمان بها.

# وقوله سبحانه وتعالى: { وهدى ورحمة } عطف على { بصآئر } ،
~~وتنوينهما للتفخيم، وتقديم الظرف عليهما وتعقبهما بقوله تعالى: {
~~لقوم يؤمنون }  كما قال شيخ الإسلام للإيذان بأن كون القرآن
~~بصائر متحقق بالنسبة إلى الكل وبه تقوم الحجة على الجميع، وأما كونه هدى
~~ورحمة فمختص بالمؤمنين إذ هم المقتبسون من أنواره والمقتطفون من نواره،
~~وهذا مخالف لما يفهمه كلام البعض من أن الثلاثة للمؤمنين، فقد قال
~~النيسابوري في «التفسير»: إن البصائر لأصحاب عين اليقن والهدى لأرباب علم
~~اليقين والرحمة لغيرهم من الصالحين المقلدين على أتم وجه والجميع لقوم
~~يؤمنون، وذكر نحو ذلك الخازن وادعى أنه من اللطائف وهو خلاف الظاهر بل لا
~~يكاد يسلم، وهذه الجملة على ما يظهر من تمام القول المأمور به.

# واحتج بالآية من لم يجوز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم وفيه نظر.

### || [7.204]

# { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } إرشاد
~~إلى طريق الفوز بما أشير إليه من المنافع الجليلة التي ينطوي عليها
~~القرآن، والاستماع معروف؛ واللام يجوز أن تكون أجلية وأن تكون بمعنى إلى
~~وأن تكون صلة، أي فاستمعوه، والإنصات السكوت يقال: نصت ينصت وأنصت وانتصت
~~إذا سكت ms03504 والاسم النصتة بالضم، ويقال كما قال الأزهري: أنصته وأنصت له إذا
~~سكت له واستمع لحديثه، وجاء أنصته إذا أسكته، والعطف للاهتمام بأمر
~~القرآن، وعلل الأمر بقوله سبحانه وتعالى: { لعلكم ترحمون } أي
~~لكي تفوزوا بالرحمة التي هي أقصى ثمراته.

# والآية دليل لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه في أن المأموم لا يقرأ في
~~سرية ولا جهرية لأنها تقتضي وجوب الاستماع عند قراءة القرآن في الصلاة
~~وغيرها؛ وقد قام الدليل في غيرها على جواز الاستماع وتركه فبقي فيها على
~~حاله في الإنصات للجهر وكذا في الإخفاء لعلمنا بأنه يقرأ، ويؤيد ذلك
~~أخبار جمة، فقد أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في «سننه» عن
~~مجاهد قال: قرأ رجل من الأنصار خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في
~~الصلاة فنزلت { وإذا قرىء القرآن } الخ. وأخرج ابن جرير وغيره
~~عن ابن مسعود أنه صلى بأصحابه فسمع أناسا يقرؤون خلفه فلما انصرف قال:
~~أما آن لكم أن تفهموا أما آن لكم أن تعقلوا { وإذا قرىء القرآن
~~فاستمعوا له وأنصتوا } كما أمركم الله تعالى. / وأخرج ابن
~~أبي شيبة عن زيد بن ثابت قال: لا قراءة خلف الإمام. وأخرج أيضا عن أبي
~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "

# " إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا ".

# وأخرج أيضا عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم

# " قال: من كان له إمام فقراءته له قراءة "

# وهذا الحديث إذا صح وجب أن يخص عموم قوله تعالى:

# فاقرءوا ما تيسر

# [المزمل: 20] وقوله صلى الله عليه وسلم:

# " لا صلاة إلا بقراءة "

# على طريقة الخصم مطلقا فيخرج المقتدي وعلى طريقتنا أيضا لأن ذلك
~~العموم قد خص منه البعض وهو المدرك في الركوع إجماعا فجاز التخصيص بعده
~~بالمقتدي بالحديث المذكور، وكذا يحمل

# " قوله عليه الصلاة والسلام للمسىء صلاته: " فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك
~~من القرآن "

# على غير حالة الاقتداء جمعا بين الأدلة، بل قد يقال: إن القراءة ثابتة
~~من المقتدي شرعا فإن قراءة الإمام ms03505 قراءة له فلو قرأ لكان له قراءتان في
~~صلاة واحدة وهو غير مشروع.

# بقي الكلام في تصحيح الخبر، وقد روي من طرق عديدة مرفوعا عن جابر رضي
~~الله تعالى عنه عنه عليه الصلاة والسلام وقد ضعف.

# واعترف المضعفون لرفعه كالدارقطني والبيهقي وابن عدي بأن الصحيح أنه
~~مرسل لأن الحفاظ كالسفيانين وأبي الأحوص وشعبة وإسرائيل وشريك وجرير
~~وأبي الزبير وعبد بن حميد وخلق آخرين رووه عن موسى بن أبي عائشة عن عبد
~~الله بن شداد عن النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلوه، وقد أرسله مرة أبو
~~حنيفة رضي الله تعالى عنه، وحينئذ لنا أن نقول المرسل حجة عند أكثر أهل
~~العلم فيكفينا فيما رجع إلى العمل على رأينا وعلى طريق الإلزام أيضا
~~بإقامة الدليل على حجية المرسل أيضا، وعلى تقدر التنزل عن حجيته فقد
~~رفعه الإمام بسند صحيح.

# وروى محمد بن الحسن في «موطئه» قال: أنبأنا أبو حنيفة حدثنا أبو الحسن
~~موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر بن عبد الله عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم قال:

# " من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة "

# وقولهم: إن الحفاظ الذين عدوهم لم يرفعوه غير صحيح. فقد قال أحمد بن
~~منيع في «مسنده»: أخبرنا إسحاق الأزرق حدثنا سفيان وشريك عن موسى بن أبي
~~عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ".

# ثم قال وحدثنا جرير عن موسى عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم 
~~فذكره ولم يذكر جابرا  ورواه عبد بن حميد قال: حدثنا أبو نعيم حدثنا
~~الحسن بن صالح عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~فذكره، وإسناد حديث جابر الأول على شرط الشيخين والثاني على شرط مسلم،
~~فهؤلاء سفيان وشريك وجرير وأبو الزبير رفعوه بالطرق الصحيحة فبطل عدهم
~~فيمن لم يرفعه، ولو تفرد الثقة وجب قبوله لأن الرفع زيادة وزيادة الثقة
~~مقبولة فكيف ولم ms03506 ينفرد، والثقة قد يسند الحديث تارة ويرسله أخرى.

# وأخرجه ابن عدي عن الإمام رضي الله تعالى عنه في ترجمته وذكر فيها قصة
~~وبها أخرجه أبو عبد الله الحاكم قال: حدثنا أبو محمد بن بكر بن محمد بن
~~حمدان الصيرفي حدثنا عبد الصمد بن الفضل البلخي حدثنا مكي بن إبراهيم عن
~~أبي حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن جابر
~~بن عبد الله «إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ورجل خلفه قرأ فجعل رجل
~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينهاه عن القراءة في الصلاة فلما
~~انصرف أقبل عليه الرجل قال: أتنهاني عن القراءة خلف رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فتنازعا حتى ذكرا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله
~~عليه وسلم:

# " من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة ".

# وفي رواية لأبي حنيفة «إن ذلك كان في الظهر أو العصر» وهي أن رجلا قرأ
~~خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر أو العصر فأومأ إليه رجل
~~فنهاه فلما انصرف قال: أتنهاني الحديث. نعم إن جابرا روى منه محل الحكم
~~فقط تارة والمجموع تارة ويتضمن رد القراءة خلف الإمام لأنه خرج تأييدا
~~لنهي ذلك الصحابي عنها مطلقا في السرية والجهرية خصوصا في رواية أبي
~~حنيفة أن القصة كانت في السرية لا إباحة فعلها وتركها فيعارض ما روي في
~~بعض روايات حديث

# " مالي أنازع في القرآن "

# أنه قال: إنه لا بد ففي الفاتحة، وكذا ما رواه أبو داود والترمذي عن
~~عبادة بن الصامت قال: «كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة
~~الفجر فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ
~~قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم، قلنا: نعم هذا، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة
~~الكتاب فإنه لا صلاة لمن لا يقرأ بها» ويقدم لتقدم المنع على الإطلاق عند
~~التعارض ولقوة السند فإن حديث المنع أصح فبطل رد المتعصبين، وتضعيف بعضهم
~~لمثل ms03507 الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه مع تضييقه في الرواية إلى الغاية
~~حتى أنه شرط التذكر لجوازها بعد علم الراوي أن ذلك المروي خطه، ولم يشترط
~~الحفاظ هذا ولم يوافقه صاحباه على أن الخبر قد عضد بروايات كثيرة عن جابر
~~غير هذه وإن ضعفت وبمذاهب الصحابة أيضا كابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت
~~وابن مسعود. وأخرج محمد عن داود بن قيس بن عجلان أن عمر رضي الله تعالى
~~عنه قال: ليت في فم الذي يقرأ خلف الإمام حجرا، وروي مثل ذلك عن سعد بن
~~أبي وقاص، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه إلا أن فيه مقالا أنه قال:
~~من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة، وقال الشعبي: أدركت سبعين بدريا
~~كلهم يمنعون المقتدي عن القراءة خلف الإمام، وقد ادعى بعض أصحابنا إجماع
~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم على ذلك، ولعل مراده بذلك إجماع كثير من
~~كبارهم، وإلا ففيه نظر، وكون مراده الإجماع السكوتي ليس بشيء أيضا.

# وذهب قوم إلى أن المأموم يقرأ إذا أسر الإمام القراءة ولا يقرأ إذا جهر
~~وهو قول عروة بن الزبير والقاسم بن محمد والزهري ومالك وابن المبارك
~~وأحمد وإسحاق، وروي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه وحجتهم فما قيل: إن
~~الآية تدل على الأمر بالاستماع لقراءة القرآن والسنة تدل على وجوب
~~القراءة خلف الإمام فحملنا مدلول الآيية على صلاة الجهر ومدلول السنة على
~~صلاة السر جمعا بين الدلائل، وقال آخرون: إنما قرأ في السرية لأنه لا
~~يقال له مستمع، واعترض بأنه وإن سلمنا أنه لا يقال له ذلك لكن لا نسلم
~~أنه لا يقال له منصت مع علمه بالقراءة وبأنا لا نسلم دلالة السنة على
~~وجوب القراءة خلف الإمام ودون إثبات ذلك خرط القتاد، على أن الجزم العمل
~~بأقوى الدليلين، وليس مقتضى أقواهما إلا المنع، ومن هنا ضعف ما يروى عن
~~محمد بن الحسن رحمه الله تعالى أنه يستحسن قراءة الفاتحة على سبيل
~~الاحتياط مخالفا لما ذهب إليه الإمام وأبو يوسف من ms03508 كراهة القراءة لما في
~~ذلك من الوعيد، والحق أن قوله كقولهما، فقد قال في كتاب «الآثار» بعدما
~~أسند إلى علقمة بن قيس: إنه ما قرأ قط فيما يجهر به ولا فيما لا يجهر به،
~~وبه نأخذ فلا نرى القراءة خلف الإمام في شيء من الصلاة يجهر فيه أو لا
~~يجهر فيه، ولا ينبغي أن يقرأ خلفه في شيء منها، وذكر في «موطئه» نحو ذلك،
~~وقال السرخسي تفسد صلاة القارىء خلف الإمام في قول عدة من / الصحابة رضي
~~الله تعالى عنهم ومنهم فيما قيل سعد بن أبي وقاص، وفي رواية المزني عن
~~الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه يقرأ في الجهرية والسرية، وفي رواية
~~البويطي أنه يقرأ في السرية أم القرآن ويضم السورة في الأوليين ويقرأ في
~~الجهرية أم القرآن فقط، والمشهور عند الشافعية أنه لا سورة للمأموم الذي
~~يسمع الإمام في جهرية بل يستمع فإن بعد بأن لم سمع أو سمع صوتا لا يميز
~~حروفه أو كانت سرية قرأ في الأصح.

# وسبب النزول لم يكن القراءة في الصلاة بل أمر آخر. فقد روى أبو هريرة
~~رضي الله تعالى عنه أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت، وحاصلها النهي
~~عن التكلم لا عن القراءة، ومن الناس من فسر القرآن بالخطبة، والأمر
~~بالاستماع إما للوجوب أو الندب، وعندنا الإنصات في الخطبة فرض على تفصيل
~~في المسألة، وأخرج غير واحد عن مجاهد رضي الله تعالى عنه أن الآية في
~~الصلاة والخطبة يوم الجمعة، وفي كلام أصحابنا ما يدل على وجوب الاستماع
~~في الجهر بالقرآن مطلقا. قال في الخلاصة: رجل يكتب الفقه وبجنبه رجل
~~يقرأ القرآن فلا يمكنه استماع القرآن فالإثم على القارىء، وعلى هذا لو
~~قرأ على السطح في الليل جهرا والناس نيام يأثم، وهذا صريح في إطلاق
~~الوجوب، وعلل ذلك بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، و { إذا }
~~هنا للكلية وغالب الشرطات القرآنية المؤداة بها كلية، هذا والمراد من
~~الاستماع في الآية المعنى المتبادر منه، وقال الزجاج: المراد منه القبول
~~والإجابة، وهو ms03509 بهذا المعنى مجاز كما نص عليه في الأساس، ومنه سمع الله
~~تعالى لمن حمده وسمع الأمير كلام فلان، ورجح ذلك العلامة الطيبي قال:
~~وهذا أوفق لتأليف النظم الكريم سابقا ولاحقا وأجمع للمعاني والأقوال
~~فإنه تعالى لما ذكر تعريضا أن المشركين إنما استهزأوا بالقرآن ونبذوه
~~وراءهم ظهريا لأنهم فقدوا البصائر وعدموا الهداية والرحمة وأن حالهم على
~~خلاف المؤمنين أمر المؤمنين بما هو أزيد من مجرد الاستماع وهو قبوله
~~والعمل بما فيه والتمسك به وأن لا يجاوزه مرتبا للحكم على تلك الأوصاف،
~~ولذلك قيل: إذا قرىء القرآن وضعا للمظهر موضع المضمر لمزيد الدلالة على
~~العلية، يعني إذا ظهر أيها المؤمنون إنكم لستم مثل هؤلاء المعاندين
~~فعليكم بهذا الكتاب الجامع لصفات الكمال الهادي إلى الصراط المستقيم
~~الموصل إلى مقام الرحمة والزلفى فاستمعوه وبالغوا في الأخذ منه والعمل
~~بما فيه ليحصل المطلوب ولعلكم ترحمون، ويدخل في هذا وجوب الإنصات في
~~الصلاة بطريق الأولى لأنها مقام المناجاة والاستماع من المتكلم، وعلى هذا
~~الإنصات عند تلاوة الرسول صلى الله عليه وسلم اه، ويعلم منه أن الخطاب
~~في الآية للمؤمنين بل هو نص في ذلك.

# وقال بعضهم: إن الخطاب فيها للكفار، وذلك أن كون القرآن بصائر وهدى
~~ورحمة لا يظهر إلا بشرط مخصوص وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا قرأ
~~عليهم القرآن عند نزوله استمعوا له وأنصتوا ليقفوا على معانيه ومزاياه
~~فيعترفوا بإعجازه ويستغنوا بذلك عن طلب سائر المعجزات، وأيد هذا بقوله
~~سبحانه وتعالى: في آخر الآية { لعلكم ترحمون } بناء على أن
~~ذلك للترجي وإنما يناسب حال الكفار لا حال المؤمنين الذين حصل لهم الرحمة
~~جزما في قوله تعالى:

# ورحمة لقوم يؤمنون

# [الأعراف: 203]. وأجيب بأن هذه الرحمة المرجوة غير تلك الرحمة، ولئن سلم
~~كونها إياها فالإطماع من الكريم واجب فلم يبق فرق، وفي بناء الفعل
~~للمفعول إشارة إلى أن مدار الأمر القراءة من أي قارىء كان.

# وفي الآية من الدلالة على تعظيم شأن القرآن ما لا يخفى ومن / هنا قال
~~بعض الأصحاب: يستحب لمريد قراءته خارج ms03510 الصلاة أن يلبس أحسن ثيابه ويتعمم
~~ويستقبل القبلة تعظيما له، ومثله في ذلك العلم، ولو قرأ مضطجعا فلا بأس
~~إذ هو نوع من الذكر. وقد مدح سبحانه ذاكريه قياما وقعودا وعلى جنوبهم
~~وضم رجليه عند القراءة ولا يمدها لأنه سوء أدب ولو قرأ ماشيا أو عند
~~النسج ونحوه من الأعمال فإن كان القلب حاضرا غير مشتغل لم يكره وإلا
~~كره، ولا يقرأ وهو مكشوف العورة أو كان بحضرته من هو كذلك وإن كانت
~~زوجته، وكره بعضهم القراءة في الحمام والطريق. قال النووي: ومذهبنا لا
~~تكره فيهما، وتكره في الحش وبيت الرحى وهي تدور عند الشعبي وهو مقتضى
~~مذهبنا، والكلام في آداب القراءة وما ينبغي للقارىء طويل. وفي «الإتقان»
~~قدر له قدر من ذلك فإن كان عندك فارجع إليه. والجملة على ما يدل عليه
~~كلامهم يحتمل أن تكون من القول المأمور به ويحتمل أن تكون استئنافا من
~~جهته تعالى، قيل: وعلى الأول فقوله سبحانه وتعالى { واذكر ربك
~~في نفسك تضرعا.. }

### || [7.205]

# { واذكر ربك في نفسك } عطف على

# قل

# وعلى الثاني فيه تجريد الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عام
~~لكل ذكر فإن الإخفاء أدخل في الإخلاص وأقرب من القبول، وفي بعض الأخبار
~~يقول الله تعالى:

# " من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير
~~منه "

# وقال الإمام: ((المراد بالذكر في نفسه أن يكون عارفا بمعاني الإذكار
~~التي يقولها بلسانه مستحضرا لصفات الكمال والعز [والعلو] والعظمة
~~والجلال، وذلك لأن الذكر باللسان عاريا عن الذكر بالقلب كأنه عديم
~~الفائدة))، بل ذكر جمع أن الذكر اللساني الساذج لا ثواب فيه أصلا، ومن
~~أتى بالكلمة الطيبة غير ملاحظ معناها أو جاهلا به لا يعد مؤمنا عند
~~الله تعالى، وقيل: الخطاب لمستمع القرآن والذكر القرآن، والمراد أمر
~~المأموم بالقراءة سرا بعد فراغ الإمام عن قراءته وفيه بعد ولو التزم قول
~~الإمام.

# وقوله سبحانه وتعالى: { تضرعا وخيفة } في موضع الحال بتأويل
~~اسم الفاعل أي متضرعا وخائفا، أو بتقدير ms03511 مضاف أي ذا تضرع وخيفة، وكونه
~~مفعولا لأجله غير مناسب. وجوز بعضهم كون ذلك مصدرا لفعل من غير المذكور
~~وليس بشيء، وأصل خيفة خوفة، ودون في قوله تعالى: { ودون الجهر
~~من القول } صفة لمعمول حال محذوفة أي ومتكلما كلاما دون الجهر
~~لأن دون لا تتصرف على المشهور؛ والعطف على { تضرعا } ، وقيل: لا
~~حاجة إلى ما ذكر والعطف على حاله، والمراد اذكره متضرعا ومقتصدا. وقيل:
~~إن العطف على قوله تعالى: { في نفسك } لكن على معنى اذكره ذكرا في
~~نفسك وذكرا بلسانك دون الجهر، والمراد بالجهر رفع الصوت المفرط وبما
~~دونه نوع آخر من الجهر. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هو أن يسمع
~~نفسه وقال الإمام: المراد أن يقع الذكر متوسطا بين الجهر والمخافتة كما
~~قال تعالى:

# ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها

# [الإسراء: 110] ويشعر كلام ابن زيد أن المراد بالجهر مقابل الذكر في
~~النفس، والآية عنده خطاب للمأموم المأمور بالإنصات أي اذكر ربك أيها
~~المنصت في نفسك ولا تجهر بالذكر.

# { بالغدو } جمع غدوة كما في «القاموس»، وفي «الصحاح» الغدو نقيض
~~الرواح وقد غدا يغدو غدوا. وقوله تعالى: { بالغدو } أي بالغدوات
~~جمع غدوة وهي ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، فعبر بالفعل عن الوقت كما
~~يقال: أتيتك طلوع الشمس أي وقت طلوعها، وهو نص في أن الغدو مصدر لا جمع،
~~وعليه فقد يقدر معه مضاف مجموع أي أوقات الغدو ليطابق قوله سبحانه
~~وتعالى: { والأصال } وهو كما قال الأزهري جمع أصل، وأصل جمع أصيل 
~~أعني ما / بين العصر إلى غروب الشمس  فهو جمع الجمع وليس للقلة وليس
~~جمعا لأصيل لأن فعيلا لا يجمع على أفعال، وقيل: إنه جمع له لأنه قد
~~يجمع عليه كيمين وأيمان، وقيل: إنه جمع لأصل مفردا كعنق ويجمع على أصلان
~~أيضا، والجار متعلق باذكر، وخص هذان الوقتان بالذكر قيل لأن الغدوة
~~عندها ينقلب الحيوان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي
~~كالحياة، والعالم يتحول من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي هو
~~طبيعة ms03512 وجودية، وفي الأصل الأمر بالعكس، أو لأنهما وقتا فراغ فيكون الذكر
~~فيهما ألصق بالقلب، وقيل: لأنهما وقتان يتعاقب فيهما الملائكة على ابن
~~آدم، وقيل: ليس المراد التخصيص بل دوام الذكر واتصاله أي اذكر كل وقت.

# وقرأ أبو مجلز لاحق بن حميد السدوسي { والإيصال } ، وهو مصدر آصل إذ
~~ادخل في الأصيل وهو مطابق لغدو بناء على القول بإفراده ومصدريته فتذكر {
~~ولا تكن من الغفلين } عن ذكر الله تعالى.

### || [7.206]

# { إن الذين عند ربك } وهم ملائكة الملأ الأعلى، فالمراد من
~~العندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا لا المكانية لتنزه الله
~~تعالى عن ذلك، وقيل: المراد عند عرش ربك { لا يستكبرون عن
~~عبادته } بل يؤدونها حسبما أمروا به { ويسبحونه } أي
~~ينزهونه عما لا يليق بحضرة كبريائه على أبلغ وجه { وله يسجدون }
~~أي ويخصونه بغاية العبودية والتذلل لا يشركون به غيره جل شأنه، وهو تعريض
~~بمن عداهم من المكلفين كما يدل عليه تقديم { له } وجاز أن يؤخذ من
~~مجموع الكلام كما آثره العلامة الطيبي لأنه تعليل للسابق على معنى ائتوا
~~بالعبادة على وجه الإخلاص كما أمرتم فإن لم تأتوا بها كذلك فإنا مغنون
~~عنكم وعن عبادتكم إن لنا عبادا مكرمين من شأنهم كذا وكذا فالتقديم على
~~هذا للفاصلة، ولما في الآية من التعريض شرع السجود عند هذه الآية إرغاما
~~لمن أبى ممن عرض به. قيل: وقد جاء الأمر بالسجدة لآية أمر فيها بالسجود
~~امتثالا للأمر، أو حكي فيها استنكاف الكفرة عنه مخالفة لهم، أو حكي فيها
~~سجود نحو الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تأسيا بهم، وهذا من القسم
~~الثاني باعتبار التعريض أو من القسم الأخير باعتبار التصريح، وكان صلى
~~الله عليه وسلم يقول في سجوده لذلك كما روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر

# " اللهم لك سجد سوادي وبك آمن فؤادي اللهم ارزقني علما ينفعني وعملا
~~يرفعني "

# وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه
~~صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجود القرآن بالليل مرارا

# " سجد وجهي للذي ms03513 خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته فتبارك الله أحسن
~~الخالقين "

# وجاء عنها أيضا

# " ما من مسلم سجد لله تعالى سجدة إلا رفعه الله تعالى بها درجة أو حط
~~عنه بها خطيئة أو جمعهما له كلتيهما "

# وأخرج مسلم وابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله أمر ابن
~~آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار "

# ، واستدل بالآية على أن إخفاء الذكر أفضل، ويوافق ذلك ما أخرجه أحمد من
~~قوله صلى الله عليه وسلم:

# " خير الذكر الخفي "

# وهي ناعية على جهلة زماننا من المتصوفة ما يفعلونه مما يستقبح شرعا
~~وعقلا وعرفا فإنا لله وإنا إليه راجعون.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { هو الذى خلقكم من نفس
~~وحدة } وهي الروح { وجعل منها زوجها } / وهي القلب {
~~ليسكن إليها }  أي ليميل إليها ويطمئن فكانت الروح تشم من القلب
~~نسائم نفحات الألطاف { فلما تغشاها } أي جامعها وهو إشارة إلى
~~النكاح الروحاني والصوفية يقولون: إنه سائر في جميع الموجودات ما ترى في
~~خلق الرحمن من تفاوت { حملت حملا خفيفا } في البداية بظهور
~~أدنى أثر من آثار الصفات البشرية في القلب الروحاني { فلما أثقلت
~~} كبرت وكثرت آثار الصفات { دعوا الله ربهما } لأنهما خافا
~~من تبدل الصفات الروحانية النورانية بالصفات النفسانية الظلمانية {
~~لئن ءاتيتنا صلحا } للعبودية

# لنكونن من الشكرين

# [الأعراف:189]

# فلما ءاتهما صالحا

# بحسب الفطرة من القوى

# جعلا له شركآء فيما ءاتهما

# [الأعراف: 190] أي جعل أولادهما لله تعالى شركاء فيما آتى أولادهما
~~فمنهم عبد البطن ومنهم عبد الخميصة ومنهم من عبد الدرهم والدينار { إن
~~الذين تدعون من دون الله } كائنا ما كان { عباد
~~أمثالكم } في العجز وعدم التأثير { فادعوهم } إلى أي أمر كان

# فليستجيبوا لكم إن كنتم صدقين

# [الأعراف: 194] في نسبة التأثير إليهم { ألهم أرجل يمشون
~~بها } استفهام على سبيل الإنكار أي ليس لهم أرجل يمشون بها بل بالله عز
~~وجل إذ هو الذي يمشيهم وكذا يقال ms03514 فيها بعد

# قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون

# [الأعراف: 195] إن استطعتم { إن وليي الله } حافظي ومتولي
~~أمري

# الذى نزل الكتب وهو يتولاى الصلحين

# [الأعراف: 196] أي من قام به في حال الاستقامة

# وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون

# [الأعراف: 198] الحق ولا حقيقتك لأنهم عمي القلوب في الحقيقة، والضمير
~~للكفار { خذ العفو } أي السهل الذي يتيسر لهم ولا تكلفهم ما يشق
~~عليهم { وأمر بالعرف } أي بالوجه الجميل،

# وأعرض عن الجهلين

# [الأعراف: 199] فلا تكافئهم بجهلهم. عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه
~~ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية قيل وذلك لقوة
~~دلالتها على التوحيد فإن من شاهد مالك النواصي وتصرفه في عباده وكونهم
~~فيما يأتون ويذرون به سبحانه وتعالى لا بأنفسهم لا يشاقهم ولا يداقهم في
~~تكاليفهم ولا يغضب في الأمر والنهي ولا يتشدد ويحلم عنهم،

# وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ
~~بالله

# [الأعراف: 200] بالشهود والحضور فإنك ترى حينئذ أن لا فعل لغيره سبحانه،
~~وهذا إشارة إلى ما يعتري الإنسان أحيانا من الغضب وإيماء إلى علاجه
~~بالاستعاذة قال بعضهم: إن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من
~~المغضوب عليه عملا من الأعمال ثم اعتقد في نفسه كونه قادرا وفي المغضوب
~~عليه كونه عاجزا، وإذا انكشف له نور من عالم العقل عرف أن المغضوب عليه
~~إنما أقدم على ذلك العمل لأن الله تعالى خلق فيه داعية وقد سبقت عليه
~~الكلمة الأزلية فلا سبيل له إلى تركه وحينئذ يتغير غضبه. وقد ورد من عرف
~~سر الله تعالى في القدر هانت عليه المصائب، الاستعاذة بالله تعالى في
~~المعنى طلب الالتجاء إليه باستكشاف ذلك النور، { إن الذين
~~اتقوا } الشرك { إذا مسهم طائف من الشيطان } لمة
~~منه بنسبة الفعل إلى غيره سبحانه وتعالى: { تذكروا } مقام التوحيد
~~ومشاهدة الأفعال من الله تعالى:

# فإذا هم مبصرون

# [الأعراف: 201] فعالية الله تعالى لا شيطان ولا فاعل غيره سبحانه في
~~نظرهم { وإخونهم } أي إخوان الشياطين من المحجوبين { يمدونهم
~~} الشياطين في الغي وهو نسبة الفعل إلى السوى

# ثم لا يقصرون

# [الأعراف: ms03515 202] عن العناد والمراء والجدل، و { قالوا لولا
~~اجتبيتها } أي جمعتها من تلقاء نفسك

# قل إنما أتبع ما يوحا إلى من ربى

# [الأعراف:203] لأني قائم به لا بنفسي { وإذا قرىء القرءان
~~فاستمعوا له } أي للقرآن بآذانكم الظاهرة { وأنصتوا }
~~بحواسكم الباطنة، وجوز أن يكون ضمير { له } للرب سبحانه، أي إذا قرىء
~~القرآن فاستمعوا للرب جل شأنه فإنه المتكلم والمخاطب لكم به

# لعلكم ترحمون

# [الأعراف: 204] بالسمع الحقيقي أو برحمة تجلي المتكلم في كلامه بصفاته
~~وأفعاله { واذكر ربك في نفسك } بأن تتحلى بما يمكن التحلي
~~به من صفات الله تعالى، وقيل: هو على حد

# لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة

# [الأحزاب: 21] / { تضرعا وخيفة } حسب اختلاف المقام { ودون
~~الجهر } أي دون أن يظهر ذلك منك بل تكون ذاكرا به له { بالغدو
~~} أي وقت ظهور نور الروح { والأصال } أي وقت غلبات صفات النفس {
~~ولا تكن } في وقت من الأوقات

# من الغفلين

# [الأعراف: 205] عن شهود الوحدة الذاتية، وقال بعض الأكابر: إن قوله
~~سبحانه: { واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة } إشارة
~~إلى أعلى المراتب وهو حصة الواصلين المشاهدين، وقوله سبحانه وتعالى: {
~~ودون الجهر } إشارة إلى المرتبة الوسطى وهي نصيب السائرين إلى
~~مقام المشاهدة، وقوله جل شأنه: { ولا تكن من الغفلين }
~~إيماء إلى مرتبة النازلين من السالكين، وفي ذكر الخوف اشعار باستشعار
~~هيبة الجلال كما قال:

# أشتاقه فإذا بدا

# أطرقت من اجلاله

# لا خيفة بل هيبة

# وصيانة لجماله

# وذكروا أن حال المبتدي والسالك منوطة برأي الشيخ فإنه الطبيب لأمراض
~~القلوب فهو أعرف بالعلاج، فقد يرى له رفع الصوت بالذكر علاجا حيث توقف
~~قطع الخواطر وحديث النفس عليه، وفي «عوارف المعارف» للسهروردي قدس سره لا
~~يزال العبد يردد هذه الكلمة على لسانه مع مواطأة القلب حتى تصير متأصلة
~~فيه مزيلة لحديث النفس وينوب معناها في القلب عنه فإذا استولت الكلمة
~~وسهلت اللسان تشربها القلب ويصير الذكر حينئذ ذكر الذات، وهذا الذكر هو
~~المشاهدة والمكاشفة والمعاينة، وذاك هو المقصد الأقصى من الخلوة، وقد
~~يحصل ما ذكر بتلاوة القرآن أيضا ms03516 إذا أكثر التلاوة واجتهد في مواطأة
~~القلب مع اللسان حتى تجري التلاوة على اللسان وتقوم مقام حديث النفس
~~فيدخل على العبد سهولة في التلاوة والصلاة ا ه. ونقل عنه أيضا ما حاصله
~~أن بنية العبد تحكي مدينة جامعة، وأعضاؤه وجوارحه بمثابة سكان المدينة،
~~والعبد في إقباله على الذكر كمؤذن صعد منارة على باب المدينة يقصد إسماع
~~أهل المدينة الأذان، فالذاكر المحقق يقصد إيقاظ قلبه وإنباء أجزائه
~~وأبعاضه بذكر لسانه فهو يقول ببعضه ويسمع بكله إلى أن تنتقل الكلمة من
~~اللسان إلى القلب فيتنور بها ويظفر بجدوى الأحوال ثم ينعكس نور القلب على
~~القالب فيتزين بمحاسن الأعمال ا ه.

# { إن الذين عند ربك } وهم الفانون الباقون به سبحانه
~~وتعالى أرباب الاستقامة { لا يستكبرون عن عبادته } لعدم
~~احتجابهم بالأنانية { ويسبحونه } بنفيها

# وله يسجدون

# [الأعراف: 206] بالفناء التام وطمس البقية والله تعالى هو الباقي ليس في
~~الوجود سواه.

### | [8 - سورة الأنفال]

### || [8.1]

# { بسم الله الرحمن الرحيم }  { يسألونك عن
~~الأنفال } جمع نفل بالفتح وهو الزيادة ولذا قيل للتطوع نافلة وكذا
~~لولد الولد، ثم صار حقيقة في العطية ومنه قول لبيد:

# إن تقوى ربنا خير نفل

# وبإذن الله ريثي وعجل

# لأنها لكونها تبرعا غير لازم كأنها زيادة ويسمى به الغنيمة أيضا وما
~~يشترطه الإمام للغازي زيادة على سهمه لرأي يراه سواء كان لشخص معين أو
~~لغير معين ك «من قتل قتيلا فله سلبه»، وجعلوا من ذلك ما يزيده الإمام
~~لمن صدر منه أثر محمود في الحرب كبراز وحسن إقدام وغيرهما، وإطلاقه على
~~الغنيمة باعتبار أنها منحة من الله تعالى من غير وجوب، وقال الإمام عليه
~~الرحمة: لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم التي لم تحل لهم، ووجه
~~التسمية لا يلزم اطراده، وفي الخبر «إن المغانم كانت محرمة على الأمم
~~فنفلها الله تعالى هذه الأمة»، وقيل: لأنها زيادة على ما شرع الجهاد له
~~وهو إعلاء كلمة الله تعالى وحماية حوزة الإسلام فإن اعتبر كون ذلك
~~مظفورا به سمي غنيمة، ومن الناس من فرق بين الغنيمة والنفل ms03517 بالعموم
~~والخصوص، فقيل: الغنيمة ما حصل مستغنما سواء كان ببعث أو لا باستحقاق أو
~~لا قبل الظفر أو بعده، والنفل ما قبل الظفر أو ما كان بغير قتال وهو
~~الفيء؛ وقيل: ما يفضل عن القسمة.

# ثم إن السؤال كما قال الطيبي ونقل عن الفارسي إما لاستدعاء معرفة أو ما
~~يؤدي إليها وإما لاستدعاء جدا أو ما يؤدي إليه، وجواب الأول باللسان
~~وينوب عنه اليد بالكتابة أو الإشارة ويتعدى بنفسه وبعن والباء، وجواب
~~الثاني باليد وينوب عنها اللسان موعدا وردا ويتعدى بنفسه أو بمن وقد
~~يتعدى لمفعولين كأعطى واختار، وقد يكون الثاني جملة استفهامية نحو

# سل بنى إسرءيل كم ءاتينهم

# [البقرة: 211] والمراد بالأنفال هنا الغنائم كما روي عن ابن عباس ومجاهد
~~وقتادة والضحاك وابن زيد وطائفة من الصحابة وغيرهم، وبالسؤال السؤال
~~لاستدعاء المعرفة كما اختاره جمع من المفسرين لتعديه بعن والأصل عدم
~~ارتكاب التأويل، ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم من حديث
~~عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه وهو سبب النزول أن المسلمين اختلفوا
~~في غنائم بدر وفي قسمتها فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تقسم
~~ولمن الحكم فيها أهو للمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعا؟ فنزلت هذه
~~الآية. وقال بعضهم: إن السؤال استعطاء، والمراد بالنفل ما شرط للغازي
~~زائدا على سهمه، وسبب النزول غير ما ذكر، فقد أخرج عبد الرزاق في
~~«المصنف» وعبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل قتيلا
~~فله كذا ومن جاء بأسير فله كذا فجاء أبو اليسر بن عمرو الأنصاري بأسيرين
~~فقال: يا رسول الله إنك قد وعدتنا، فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله
~~إنك إن أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء وإنه لم يمنعنا من هذه زهادة في
~~الأجر ولا جبن عن العدو وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك أن يأتوك من
~~ورائك فتشاجروا فنزل القرآن، وادعوا زيادة { عن } واستدلوا ms03518 لذلك بقراءة
~~ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص وعلي بن الحسين وزيد ومحمد الباقر وجعفر
~~الصادق وطلحة بن مصرف { يسألونك الأنفال } وتعقب بأن هذه القراءة من باب
~~الحذف والايصال وليست دعوى زيادة { عن } في القراءة المتواترة لسقوطها
~~في القراءة الأخرى أولى من دعوى تقديرها في تلك القراءة لثبوتها في
~~القراءة المتواترة بل قد ادعى بعض أنه ينبغي حمل قراءة إسقاط { عن }
~~على إرادتها لأن حذف الحرف وهو مراد معنى أسهل من زيادته للتأكيد، على
~~أنه يبعد / القول بالزيادة هنا الجواب بقوله تعالى:

# { قل الأنفال لله والرسول } فإنه المراد به اختصاص أمرها
~~وحكمها بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فيقسمها النبي عليه
~~الصلاة والسلام كما يأمره الله تعالى من غير أن يدخل فيه رأي أحد، فإن
~~مبنى ذلك القول القول بأن السؤال استعطاء ولو كان كذلك لما كان هذا
~~جوابا له فإن اختصاص حكم ما شرط لهم [من الأنفال] بالله تعالى والرسول
~~صلى الله عليه وسلم لا ينافي إعطاءه إياهم بل يحققه لأنهم إنما يسألونه
~~بموجب شرط الرسول عليه الصلاة والسلام الصادر عنه بإذن الله تعالى لا
~~بحكم سبق أيديهم إليه أو نحو ذلك مما يخل بالاختصاص المذكور.

# وحمل الجواب على معنى أن الأنفال بذلك المعنى مختصة برسول الله صلى الله
~~عليه وسلم لا حق فيها للمنفل كائنا من كان لا سبيل إليه قطعا ضرورة
~~ثبوت الاستحقاق بالتنفيل، وادعاء أن ثبوته بدليل متأخر التزام لتكرر
~~النسخ من غير علم بالناسخ الأخير، ولا مساغ للمصير إلى ما ذهب إليه مجاهد
~~وعكرمة والسدي من أن الأنفال كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة
~~ليس لأحد فيها شيء بهذه الآية فنسخت بقوله تعالى:

# فأن لله خمسه وللرسول

# [الأنفال: 41] لما أن المراد بالأنفال فيما قالوا هو المعنى الأول حسبما
~~نطق به قوله تعالى:

# واعلموا أنما غنمتم من شيء

# [الأنفال: 41] الآية، على أن الحق أنه لا نسخ حينئذ [أيضا] حسبما قاله
~~عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، بل بين هنا إجمالا أن الأمر مفوض ms03519 لرسول الله
~~صلى الله عليه وسلم وشرح فيما بعد مصارفها وكيفية قسمتها، وإدعاء اقتصار
~~الاختصاص بالرسول صلى الله عليه وسلم على الأنفال المشروطة يوم بدر بجعل
~~اللام للعهد مع بقاء استحقاق المنفل في سائر الأنفال المشروطة يأباه مقام
~~بيان الأحكام كما ينبىء عنه إظهار الأنفال في مقام الإضمار، على أن
~~الجواب عن سؤال الموعود ببيان كونه له عليه الصلاة والسلام خاصة مما [لا]
~~يليق بشأنه الكريم أصلا.

# وقد روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: قتل أخي عمير يوم بدر فقتلت به
~~سعيد بن العاص وأخذت سيفه فاعجبني فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فقلت: إن الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف فقال عليه
~~الصلاة والسلام: ليس هذا لي ولا لك اطرحه في القبض فطرحته وبي ما لا
~~يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي فما جاوزت إلا قليلا حتى نزلت سورة
~~الأنفال فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا سعد إنك سألتني السيف
~~وليس لي وقد صار لي فاذهب فخذه، وهذا كما ترى يقتضي عدم وقوع التنفيل
~~يومئذ وإلا لكان سؤال السيف من سعد بموجب شرطه عليه الصلاة والسلام ووعده
~~لا بطريق الهبة المبتدأة وحمل ذلك من سعد على مراعاة الأدب مع كون سؤاله
~~بموجب الشرط يرده رده صلى الله عليه وسلم قبل النزول وتعليله بقوله: ليس
~~هذا لي لاستحالة أن يعد صلى الله عليه وسلم بما لا يقدر على إنجازه
~~وإعطائه عليه الصلاة والسلام بعد النزول وترتيبه على قوله وقد صار لي
~~ضرورة أن مناط صيرورته له صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: { الأنفال
~~لله والرسول } والفرض إنه المانع من إعطاء المسؤول، ومما هو نص
~~في الباب قوله تعالى: { فاتقوا الله } فإنه لو كان السؤال طلبا
~~للمشروط لما كان فيه محذور يجب اتقاؤه قاله شيخ الإسلام عليه الرحمة،
~~وحاصله إنكار وقوع التنفيل حينئذ، وعدم صحة حمل السؤال على الاستعطاء
~~والأنفال على المعنى الثاني من معنييها، وأنا أقول: قد ms03520 جاء خبر التنفيل
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من الطريق الذي ذكرناه ومن طريق آخر
~~أيضا، فقد أخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر
~~وابن حبان / وأبو الشيخ والبيهقي في «الدلائل» والحاكم وصححه عنه رضي
~~الله تعالى عنه قال:

# " لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم: من قتل قتيلا فله
~~كذا وكذا ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا فاما المشيخة فثبتوا تحت الرايات
~~وأما الشبان فتسارعوا إلى القتل والغنائم فقالت المشيخة للشبان: أشركونا
~~معكم فانا كنا لكم ردءا ولو كان منكم شيء للجأتم إلينا فاختصموا إلى
~~النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: { يسألونك عن الأنفال }
~~الآية فقسم الغنائم بينهم بالسوية "

# ويشير إلى وقوعه أيضا ما أخرجه أحمد وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ
~~وابن مردويه والحاكم والبيهقي في «السنن» عن أبي إمامة قال: سألت عبادة
~~بن الصامت عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل
~~فساءت فيه أخلاقنا فانتزعه الله تعالى من أيدينا وجعله إلى رسوله صلى
~~الله عليه وسلم فقسمه عليه الصلاة والسلام بين المسلمين عن بواء، ولعل في
~~الباب غير هذه الروايات فكان على الشيخ حيث أنكر وقوع التنفيل أن يطعن
~~فيها بضعف ونحوه ليتم له الغرض.

# وما ذكره من حديث سعد بن أبي وقاص فقد أخرجه أحمد وابن أبي شيبة عنه
~~وهو مع أنه وقع فيه سعيد بن العاصي والمحفوظ كما قال: أبو عبيد العاصي بن
~~سعيد مضطرب المتن، فقد أخرج عبد بن حميد والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه
~~عن سعد انه قال:

# " أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة فإذا فيها سيف فأخذته
~~فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: نفلني هذا السيف فأنا من علمت
~~فقال: رده من حيث أخذته فرجعت به حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لامتني
~~نفسي فرجعت إليه عليه الصلاة والسلام فقلت: أعطنيه فشد لي صوته وقال رده
~~من حيث أخذته فأنزل الله تعالى: ms03521 { يسألونك عن الأنفال } "

# فإن هذه الرواية ظاهرة في أن السيف لم يكن سلبا كما هو ظاهر الرواية
~~الأولى بل إن سعدا رضي الله تعالى عنه وجده في الغنيمة وطلبه نفلا على
~~سهمه الشائع فيها. وأخرج النحاس في «ناسخه» عن سعيد بن جبير أن سعدا
~~ورجلا من الأنصار خرجا يتنفلان فوجدا سيفا ملقى فخرا عليه جميعا فقال
~~سعد: هو لي وقال الأنصاري: هو لي لا أسلمه حتى آتي رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فأتياه فقصا عليه القصة فقال عليه الصلاة والسلام: ليس لك يا
~~سعد ولا للأنصاري ولكنه لي فنزلت { يسألونك عن الأنفال }
~~الآية، ومخالفة هذه الرواية للروايتين السابقتين المختلفتين كما علمت في
~~غاية الظهور فلا يكاد يعول على إحداهما إلا بإثبات أنها الأصح، ولم نقف
~~على أنهم نصوا على تصحيح الرواية التي ذكرها الشيخ فضلا عن النص على
~~الأصحية.

# نعم أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر
~~وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في «السنن»

# " عن سعد المذكور رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول قد شفاني الله
~~تعالى اليوم من المشركين فهب لي هذا السيف قال: إن هذا السيف لا لك ولا
~~لي ضعه فوضعته ثم رجعت فقلت: عسى يعطى هذا السيف اليوم من لا يبلى بلائي
~~إذا رجل يدعوني من ورائي فقلت: قد أنزل في شيء قال عليه الصلاة والسلام:
~~كنت سألتني هذا السيف وليس هو لي وإني قد وهب لي فهو لك وأنزل الله تعالى
~~هذه الآية: { يسألونك عن الأنفال } "

# الخ، فهذه الرواية وإن نص فيها على التصحيح إلا أنه ليست ظاهرة في أن
~~السيف كان سلبا له من عمير كما هو نص الرواية الأولى، وإن قلنا: إن هذه
~~الرواية وإن لم تكن موافقة للأولى حذو القذة بالقذة لكنها ليست مخالفة
~~لها، وزيادة الثقة مقبولة سواء كانت في الأول أم في الآخر أم في الوسط، /
~~فلا بد من القول بالنسخ كما هو إحدى الروايات عن ابن عباس رضي الله ms03522 تعالى
~~عنهما لما أنها ظاهرة في كون الأنفال صارت ملكا لرسول الله صلى الله
~~عليه وسلم ليس لأحد فيها حق أصلا إلا أن يجود عليه عليه الصلاة والسلام
~~كما يجود من سائر أمواله، والمولى المذكور ذهب إلى القول بعدم النسخ ولم
~~يعلم أن هذا الخبر الذي استند إليه في إنكار وقوع التنفيل يعكر عليه،
~~وادعاء أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: فيه «وقد صار لي» أنه صار حكمه
~~لي لكن عبر بذلك مشاكلة لما في الآية يرده ما في الرواية الأخرى المنصوص
~~على صحتها من الترمذي والحاكم «وإني قد وهب لي»، وحمل ذلك أيضا على مثل
~~ما حمل عليه الأول مما لا يكاد يقدم عليه عارف بكلام العرب لا سيما كلام
~~أفصح من نطق بالضاد صلى الله عليه وسلم، وما ذكره قدس سره من أن قوله
~~تعالى: { قل الأنفال } الخ لا يكون جوابا لسؤال الاستعطاء فإن
~~اختصاص حكم ما شرط لهم بالرسول عليه الصلاة والسلام لا ينافي الإعطاء بل
~~يحققه، وقد يجاب عنه بالتزام الحمل الذي ادعى أن لا سبيل إليه قطعا
~~ويقال بالنسخ، وهو من نسخ السنة قبل تقررها بالكتاب، وأن المنسوخ إنما هو
~~ذلك التنفيل، والتنفيل الذي يقول به العلماء اليوم هو أن يقول الإمام من
~~قتل قتيلا فله سلبه أو يقول للسرية جعلت لكم الربع بعد الخمس أي بعدما
~~يرفع الخمس للفقراء، وقد يكون بغير ذلك كالدراهم والدنانير. وذكر في
~~«السير الكبير» أنه لو قال: ما أصبتم فهو لكم ولم يقل بعد الخمس لم يجز
~~لأن فيه إبطال الخمس الثابت بالنص، وبعين ذلك يبطل ما لو قال: من أصاب
~~شيئا فهو له لاتحاد اللازم فيهما بل هو أولى بالبطلان، وبه أيضا ينتفي
~~ما قالوا: لو نفل بجميع المأخوذ جاز إذا رأى مصلحة، وفيه زيادة إيحاش
~~الباقين وإيقاع الفتنة. وذكر السادة الشافعية أن الأصح أن النفل يكون من
~~خمس الخمس المرصد للمصالح إن نفل مما سيغنم في هذا القتال لأنه المأثور
~~عندهم كما جاء عن ابن المسيب. ms03523

# ويحتمل أن التنفيل المنسوخ الواقع يوم بدر عند القائل به لم يكن كهذا
~~الذي ذكرناه عن أئمتنا وكذا عن الشافعية الثابت عندهم بالأدلة المذكورة
~~في كتب الفريقين، والأخبار التي وقفنا عليها في ذلك التنفيل غير ظاهرة في
~~اتحاده مع هذا التنفيل.

# وحينئذ فما نسخ لم يثبت وإنما ثبت غيره، وربما يقال: على فرض تسليم أن
~~ما ثبت هو ما نسخ أن دليل ثبوته هو قوله تعالى:

# يأيها النبى حرض المؤمنين على القتال

# [الأنفال: 65] فإن في ذلك من التحريض ما لا يخفى، ودعوى أن حمل أل في
~~الأنفال على العهد يأباه المقام في حيز المنع، ومما يستأنس به للعهد أنه
~~يقال لسورة الأنفال سورة بدر فلا بدع أن يراد من الأنفال أنفال بدر،
~~وإنباء الإظهار في مقام الإضمار على ما ادعاه في غاية الخفاء، وكون
~~الجواب عن سؤال الموعود ببيان اختصاصه به عليه الصلاة والسلام مما لا
~~يليق بشأنه الكريم أصلا مما لا يكاد يسلم، كيف والحكم إلهي والنبي صلى
~~الله عليه وسلم مأمور بالإبلاغ، وقد يقال: حاصل الجواب يا قوم إن ما
~~وعدتكم به بإذن الله تعالى قد ملكنيه سبحانه وتعالى دونكم وهو أعلم
~~بالحكم فيما فعل أولا وآخرا فاتقوا الله من سوء الظن أو عدم الرضا
~~بذلك. ومن هنا يعلم حسن الأمر بالتقوى بعد ذلك الجواب وبطلان ما ادعاه
~~المولى المدقق من أن هذا الأمر نص في الباب، وقد يقال أيضا: لا مانع من
~~أن يحمل السؤال على الاستعلام، والاختصاص على اختصاص الحكم مع كون المراد
~~بالأنفال المعنى الثاني، والمعنى يسألونك عن حال ما وعدتهم إياه هل
~~يستحقونه وإن حرم غيرهم ممن كان ردأ وملجأ حيث إنك وعدتهم وأطلقت لهم /
~~الأمر قل إن ذلك الموعود قد نسخ استحقاقكم له بالوعد المأذون فيه من قبل
~~وفوض أمره إلي ولم يحجر علي بإعطائه لكم دون غيركم بل رخصت أن أساوي
~~أصحابكم الذين كانوا ردأ لكم معكم لئلا يرجع أحد من أهل بدر بخفي حنين
~~ويستوحشوا من ذلك وتفسد ذات البين، فاتقوا ms03524 الله تعالى من الاستقلال بما
~~أخذتموه أو إخفاء شيء منه بناء على أنكم كنتم موعدين به.

# { وأصلحوا ذات بينكم } بالرد والمواساة فيما حل بأيديكم {
~~وأطيعوا الله ورسوله } في كل ما يأمر به وينهى عنه فإن في
~~ذلك مصالح لا تعلمونها وإنما يعلمها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه
~~وسلم، وتقرير السؤال والجواب على هذا الأسلوب وإن لم يكن ظاهرا إلا أنه
~~ليس بالبعيد جدا، ثم ما ذكره قدس سره من أن حديث النسخ الواقع في كلام
~~مجاهد، وعكرمة والسدي إنما هو للأنفال بالمعنى الأول لدلالة الناسخ على
~~ذلك مسلم، لكن جاء في آخر رواية النحاس عن ابن جبير السابقة في قصة سعد
~~وصاحبه الأنصاري رضي الله تعالى عنهما ما يوهم كون النسخ للآية مع حمل
~~الأنفال على غير ذلك المعنى وليس كذلك، هذا ثم إني أعود فأقول: إن هذا
~~التكلف الذي تكلفناه إنما هو لصيانة الروايات الناطقة بكون سبب النزول ما
~~استند إليه القائل بأن الأنفال بالمعنى الثاني عن الإلغاء قبل الوقوف على
~~ضعفها، ومجرد ما ذكره المولى قدس سره لا يدل على ذلك، ألا تراهم كيف
~~يعدلون عن ظواهر الآيات إذا صح حديث يقتضي ذلك، وإلا فأنا لا أنكر أن كون
~~حمل الأنفال على المعنى الأول والذهاب إلى أن الآية غير منسوخة والسؤال
~~للاستعلام أقل مؤنة من غيره فتأمل ذاك والله سبحانه وتعالى يتولى هداك،
~~والمراد بقوله تعالى: { فاتقوا الله } الخ على هذا أنه إذا كان
~~أمر الغنائم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم فاتقوه سبحانه وتعالى
~~واجتنبوا ما أنتم فيه من المشاجرة فيها والاختلاف الموجب لشق العصا وسخطه
~~تعالى، أو فاتقوه في كل ما تأتون وتذرون فيدخل ما هم فيه دخولا أوليا،
~~وأصلحوا ما بينكم من الأحوال بترك الغلول ونحوه، وعن السدي بعدم التساب.

# وعن عطاء كان الإصلاح بينهم

# " أن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اقسموا غنائمكم بالعدل:
~~فقالوا: قد أكلنا وأنفقنا. فقال عليه الصلاة والسلام: ليرد بعضكم على بعض
~~"

# و { ذات } كما قيل بمعنى ms03525 صاحبة صفة لمفعول محذوف. و { بين } أما
~~بمعنى الفراق أو الوصل أو ظرف أي أحوالا ذات افتراقكم أو ذات وصلكم أو
~~ذات الكمال المتصل بكم. وقال الزجاج وغيره: إن { ذات } هنا بمنزلة
~~حقيقة الشيء ونفسه كما بينه ابن عطية وعليه استعمال المتكلمين، ولما كانت
~~الأحوال ملابسة للبين أضيفت إليه كما تقول: اسقني ذا إنائك أي ما فيه جعل
~~كأنه صاحبه، وذكر الاسم الجليل في الأمرين لتربية المهابة وتعليل الحكم.
~~وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم مع الله تعالى أولا وآخرا لتعظيم شأنه
~~وإظهار شرفه والإيذان بأن طاعته عليه الصلاة والسلام طاعة الله تعالى،
~~وقال غير واحد: إن الجمع بين الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أولا
~~لأن اختصاص الله تعالى بالأمر والرسول صلى الله عليه وسلم بالامتثال،
~~وتوسيط الأمر بإصلاح ذات البين بين الأمر بالتقوى والأمر بالطاعة لإظهار
~~كمال العناية بالإصلاح بحسب المقام وليندرج الأمر به بعينه تحت الأمر
~~بالطاعة. وقرأ ابن محيصن { يسألونك علنفال } بحذف الهمزة وإلقاء حركتها
~~على اللام وإدغام نون عن فيها ولا اعتداد بالحركة العارضة.

# { إن كنتم مؤمنين } متعلق بالأوامر الثلاثة، والجواب محذوف ثقة
~~بدلالة المذكورة عليه أو هو الجواب على الخلاف المشهور، وأيا ما كان
~~فالمراد بيان ترتب ما ذكر عليه لا التشكيك في إيمانهم، وهو / يكفي في
~~التعليق بالشرط، والمراد بالإيمان التصديق، ولا خفاء في اقتضائه ما ذكر
~~على معنى أنه من شأنه ذلك لا أنه لازم له حقيقة. وقد يراد بالإيمان
~~الإيمان الكامل والأعمال شرط فيه أو شطر؛ فالمعنى إن كنتم كاملي الايمان
~~فإن كمال الإيمان يدور على تلك الخصال الثلاثة الاتقاء والإصلاح وإطاعة
~~الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويؤيد إرادة الكمال قوله سبحانه
~~وتعالى: { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله
~~وجلت قلوبهم }.

### || [8.2]

# { إنما المؤمنون } الخ إذ المراد به قطعا الكاملون في
~~الإيمان وإلا لم يصح الحصر، وهو حينئذ جار على ما هو الأصل المشهور في
~~النكرة إذا أعيدت معرفة، وعلى الوجه الأول لا يكون هذا عين النكرة
~~السابقة، ms03526 ويلتزم القول بأن القاعدة أغلبية كما قد صرحوا به في غير ما
~~موضع، أي إنما المؤمنون الكاملون في الايمان المخلصون فيه { الذين
~~إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } أي فزعت استعظاما لشأنه
~~الجليل وتهيبا منه جل وعلا والاطمئنان المذكور في قوله سبحانه وتعالى:

# ألا بذكر الله تطمئن القلوب

# [الرعد: 28] لا ينافي الوجل والخوف لأنه عبارة عن ثلج الفؤاد وشرح الصدر
~~بنور المعرفة والتوحيد وهو يجامع الخوف، وإلى هذا ذهب ابن الخازن، ووفق
~~بعضهم بين الآيتين بأن الذكر في إحداهما ذكر رحمة وفي الأخرى ذكر عقوبة
~~فلا منافاة بينهما. وأخرج البيهقي وجماعة عن السدي أنه قال في الآية: هو
~~الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية فيقال له: اتق الله تعالى فيجل قلبه،
~~وحمل الوجل فيها على الخوف منه تعالى كلما ذكر أبلغ في المدح من حمله على
~~الخوف وقت الهم بمعصية أو إرادة ظلم. وهذا الوجل في قلب المؤمن كضرمة
~~السعفة كما جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وأخرج ابن جرير وغيره عن
~~أم الدرداء أن الدعاء عند ذلك مستجاب، وعلامته حصول القشعريرة.

# وقرىء { وجلت } بفتح الجيم ومضارعه يجل، وأما وجل بالكسر فمضارعه يوجل
~~وجاء ييجل وياجل وهي لغات أربع حكاها سيبويه، وقرأ عبد الله { فرقت } أي
~~خافت.

# { وإذا تليت عليهم ءايته } أي القرآن كما روي عن ابن
~~عباس { زادتهم إيمنا } أي تصديقا كما هو المتبادر فإن تظاهر
~~الأدلة وتعاضد الحجج مما لا ريب في كونه موجبا لذلك، وهذا أحد أدلة من
~~ذهب إلى أن الإيمان يقبل الزيادة والنقص، وهو مذهب الجم الغفير من
~~الفقهاء والمحدثين والمتكلمين وبه أقوال لكثرة الظواهر الدالة على ذلك من
~~الكتاب والسنة من غير معارض لها عقلا، بل قد احتج عليه بعضهم بالعقل
~~أيضا؛ وذلك أنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة بل
~~المنهمكين في الفسق والمعاصي مساويا لإيمان الأنبياء والملائكة عليهم
~~الصلاة والسلام، واللازم باطل فكذا الملزوم، وقال محي الدين النووي في
~~معرض بيان ذلك: إن كل أحد يعلم أن ما ms03527 في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض
~~الأحيان أعظم يقينا وإخلاصا منه في بعضها، فكذلك التصديق والمعرفة بحسب
~~ظواهر البراهين وكثرتها، وأجابوا عما اعترض به عليه من أنه متى قبل ذلك
~~كان شكا وهو خروج عن حقيقته بأن مراتب اليقين متفاوتة إلى علم اليقين
~~وحق اليقين وعين اليقين مع أنه لا شك معها، وذهب الإمام أبو حنيفة رضي
~~الله تعالى عنه وكثير من المتكلمين إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص،
~~واختاره أمام الحرمين محتجين بأنه اسم للتصديق البالغ حد الجزم والإذعان
~~وذلك لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان، فالمصدق إذا أتى بالطاعات أو ارتكب
~~المعاصي فتصديقه بحاله لم يتغير أصلا، وإنما يتفاوت إذا كان اسما
~~للطاعات المتفاوتة قلة وكثرة / على ما ذهب إليه القلانسي وجماعة من
~~السلف، وبما رواه الفقيه أبو الليث السمرقندي في «تفسيره» عن محمد بن
~~الفضل وأبي القاسم الساباذي عن فارس بن مردويه عن محمد بن الفضل بن
~~العابد عن يحيى بن عيسى عن أبي مطيع عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن
~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: جاء وفد ثقيف إلى رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله الايمان يزيد وينقص؟ فقال:

# " الإيمان مكمل في القلب زيادته ونقصانه كفر "

# وأجابوا عما تمسك به الأولون من الآيات والأحاديث بأن الزيادة بحسب
~~الدوام والثبات وكثرة الزمان والساعات. وإيضاحه ما قاله إمام الحرمين: أن
~~النبي صلى الله عليه وسلم يفضل من عداه باستمرار تصديقه وعصمة الله
~~تعالى إياه من مخامرة الشكوك والتصديق عرض لا يبقى بشخصه زمانين بل بتجدد
~~أمثاله فتقع للنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره متوالية فيثبت له صلى
~~الله عليه وسلم أعداد من الإيمان لا يثبت لغيره إلا بعضها فيكون إيمانه
~~أكثر. واعترض هذا بأن حصول المثل بعد انعدام الشيء لا يكون زيادة فيه
~~ودفع بأن المراد زيادة أعداد حصلت وعدم البقاء لا ينافي ذلك، وأجابوا
~~أيضا بأن المراد الزيادة بحسب زيادة ما يؤمن به، والصحابة رضي الله ms03528
~~تعالى عنهم كانوا آمنوا في الجملة وكانت الشرعية غير تامة والأحكام تتنزل
~~شيئا فشيئا فكانوا يؤمنون بكل ما يتجدد منها ولا شك في تفاوت إيمان
~~الناس بملاحظة التفاصيل كثرة وقلة ولا يختص ذلك بعصر النبوة لإمكان
~~الإطلاع عليها في غيره من العصور وبأن المراد زيادة ثمرته وإشراق نوره في
~~القلب فإن نوره يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، ولا يخفى أن الحجة الأولى
~~يعلم جوابها مما ذكرناه أولا، وأما الحجة الثانية التي ذكرها أبو الليث
~~فمما لا يعول عليها عند الحفاظ أصلا لأن رجال السند إلى أبي مطيع كلهم
~~مجهولون لا يعرفون في شيء من «كتب التواريخ» المشهورة، وأما أبو مطيع وهو
~~الحكم بن عبد الله بن مسلمة البلخي فقد ضعفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين
~~وعمرو بن علي الفلاس والبخاري وأبو داود والنسائي وحاتم الرازي وأبو حاتم
~~محمد بن حبان البستي والعقيلي وابن عدي والدارقطني وغيرهم. وأما أبو
~~المهزم وقد تصحف على الكتاب؛ واسمه يزيد بن سفيان فقد ضعفه أيضا غير
~~واحد وتركه شعبة بن الحجاج، وقال النسائي: متروك، وقد اتهمه شعبة بالوضع
~~حيث قال: لو أعطوه فلسين لحدثهم سبعين حديثا، ومن مارس الأحاديث النبوية
~~لا يشك في أن ذلك اللفظ ليس منها في شيء، وما ذكره إمام الحرمين على ما
~~فيه مبني على تجدد الأعراض وعدم بقائها زمانين، والمسألة خلافية، ودون
~~إثبات ذلك خرط القتاد.

# وما أجابوا به أولا: من أن زيادة الإيمان بحسب زيادة المؤمن به مع كونه
~~خلاف الظاهر ولا داعي إليه عند المنصف لا يكاد يتأتى في قوله تعالى:

# الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم
~~فاخشوهم فزادهم إيمنا

# [آل عمران: 173] وقوله تعالى:

# هو الذى أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين
~~ليزدادوا إيمنا مع إيمنهم

# [الفتح: 4] إذ ليس هناك زيادة مشروع يحصل الإيمان به ليقال: إن زيادة
~~الإيمان بحسب زيادة المؤمن به، وحال الجواب الثاني: لا يخفى عليك.

# وذهب جماعة منهم الإمام الرازي وإمام الحرمين في قول إلى أن الخلاف في
~~زيادة الإيمان ونقصانه وعدمهما ms03529 لفظي وهو فرع تفسير الإيمان، فمن فسره
~~بالتصديق قال: إنه لا يزيد ولا ينقص، ومن فسره بالأعمال مع التصديق قال:
~~إنه يزيد وينقص، وعلى هذا قول البخاري: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء
~~بالأمصار فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص،
~~وهو المعنى بما / روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال:

# " قلنا يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص قال: نعم يزيد حتى يدخل
~~صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار "

# واعترض على هذا بأن عدم قبول الإيمان الزيادة والنقص على تقدير كون
~~الطاعات داخلة في مسماه أولى وأحق من عدم قبوله ذلك إذا كان مسماه
~~التصديق وحده، أما أولا: فلأنه لا مرتبة فوق كل الأعمال لتكون زيادة ولا
~~إيمان دونه ليكون نقصا، وأما ثانيا: فلأن أحدا لا يستكمل الإيمان
~~حينئذ والزيادة على ما لم يكمل بعد محال. وأجيب بأن هذا إنما يتوجه على
~~المعتزلة والخوارج القائلين بانتفاء الايمان بانتفاء شيء من الأعمال ونحن
~~إنما نقول: إنها شرط كمال فيه واللازم عند الانتفاء انتفاء الكمال وهو
~~غير قادح في أصل الإيمان والحق أن الخلاف حقيقي وأن التصديق يقبل التفاوت
~~بحسب مراتبه فما المانع من تفاوته قوة وضعفا كما في التصديق بطلوع الشمس
~~والصديق بحدوث العالم وقلة وكثرة كما في التصديق الإجمالي والتصديق
~~التفصيلي المتعلق بالكثير وما علي إذا خالفت في بعض المسائل مذهب
~~الإمام الأعظم أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه للأدلة التي لا تكاد تحصى
~~فالحق أحق بالاتباع والتقليد في مثل هذه المسائل من سنن العوام. نعم أخرج
~~ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس أنه فسر الإيمان في
~~هذه الآية بالخشية وعبر عنها بذلك بناء على أنها من آثاره وهو خلاف
~~الظاهر أيضا، وكأن المعنى عليه أن المؤمنين الكاملين هم الذين إذا ذكر
~~الله من غير أن يذكر هناك ما يوجب الفزع من صفاته وأفعاله وجلت قلوبهم
~~وإذا تليت عليهم آياتهم المتضمنة ذلك زادتهم وجلا على ms03530 وجل.

# { وعلى ربهم يتوكلون } أي يفوضون أمورهم كلها إلى
~~مالكهم ومدبرهم خاصة لا إلى أحد سواه كما يدل عليه تقديم المتعلق على
~~عامله والجملة معطوفة على الصلة. وجوز أبو البقاء كونها حالا من ضمير
~~المفعول وكونها استئنافية.

### || [8.3]

# وقوله سبحانه وتعالى: { الذين يقيمون الصلاة ومما
~~رزقناهم ينفقون }.

# مرفوع على أنه نعت للموصول الأول أو بدل منه أو بيان له أو منصوب على
~~القطع المنبىء عن المدح، وقد مدحهم سبحانه وتعالى أولا بمكارم الأعمال
~~القلبية من الخشية والإخلاص والتوكل وهذا مدح لهم بمحاسن الأعمال
~~القالبية من الصلاة والصدقة.

### || [8.4]

# { أولئك } أي المتصفون بما ذكر من الصفات الحميدة من حيث إنهم
~~كذلك { هم المؤمنون حقا } لأنهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه
~~ما فضل من أفاضل الأعمال. وأخرج الطبراني عن الحرث بن مالك الأنصاري أنه
~~مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:

# " كيف أصبحت يا حارث قال: أصبحت مؤمنا حقا فقال صلى الله عليه وسلم:
~~انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ فقال: عزفت نفسي عن
~~الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها
~~وكأني أنظر إلى أهل النار يتصارخون فيها قال عليه الصلاة والسلام: يا
~~حارث عرفت فالزم ثلاثا "

# ونصب { حقا } على أنه صفة مصدر محذوف فالعامل فيه المؤمنون أي
~~إيمانا حقا أو هو مؤكد لمضمون الجملة فالعامل فيه حق مقدر، وقيل: إنه
~~يجوز أن يكون مؤكدا لمضمون الجملة التي بعده فهو ابتداء كلام، وهو مع
~~أنه خلاف الظاهر إنما يتجه على القول بجواز تقديم المصدر المؤكد لمضمون
~~الجملة عليها والظاهر منعه كالتأكيد، واستدل بعضهم بالآية على أنه لا
~~يجوز أن يصف أحد نفسه بكونه مؤمنا حقا لأنه سبحانه وتعالى إنما وصف
~~بذلك أقواما / على أوصاف مخصوصة وكل أحد لا يتحقق وجود تلك الأوصاف فيه
~~بل يلزمه أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله تعالى.

# وقرر بعضهم وجه الاستدلال بما يشير إليه ما روي عن الثوري أنه قال: من
~~زعم أنه مؤمن بالله ms03531 تعالى حقا ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف
~~الآية ولم يؤمن بالنصف الآخر، وهذا ظاهر في أن مذهبه الاستثناء، وهو كما
~~قال الإمام [الرازي] مذهب ابن مسعود وتبعه جمع عظيم من الصحابة
~~والتابعين، وبه قال الشافعي ونسب إلى مالك وأحمد، ومنعه الإمام الأعظم
~~رضي الله تعالى عنه؛ وروي عنه أنه قال لقتادة: لم تستثني في إيمانك؟ قال:
~~اتباعا لإبراهيم عليه السلام في قوله تعالى:

# والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين

# [الشعراء: 82] فقال له: هلا اقتديت به في قوله { بلى } حين قيل له

# أولم تؤمن

# [البقرة: 260]؟ فانقطع قتادة؛ قال الرازي كان لقتادة أن يجيب أبا حنيفة
~~عليهما الرحمة ويقول: قول إبراهيم عليه السلام { ولكن ليطمئن
~~قلبي } بعد قوله { بلى } طلب لمزيد الطمأنينة وذلك يدل على جواز
~~الاستثناء.

# وفي «الكشف» أن الحق أن من جوز الاستثناء إنما جوز إذا سئل عن الإيمان
~~مطلقا أما إذا قيل: هل أنت مؤمن بالقدر مثلا فقال: أنا مؤمن إن شاء
~~الله تعالى لا يجوز لا لأن التبرك لا معنى له بل للإبهام فيما ليس له
~~فائدة، وأما في الأول فلما كان الإطلاق يدل على الكمال وهو الإيمان
~~المنتفع به في الآخرة علق بالمشيئة تفاؤلا وتيمنا، وذلك لأن الكلمة
~~خرجت عن موضوعها الأصلي إلى المعنى الذي ذكر في عرف الاستعمال تراهم
~~يستعملونها في كل ما لهم اهتمام بحصوله شائعا بين العرب والعجم فلا وجه
~~لقول من قال: إن معنى التبرك أنا أشك في إيماني تبركا وذلك لأن المشيئة
~~عنده غير مشكوكة عنده بل هو تعليق بما لا بد منه نظرا إلى أنه السبب
~~الأصلي وأنه تفويض من العبد إلى الله تعالى ومن فوض كفي لا نظرا إلى أن
~~المشيئة غيب غير معلوم فيكون شكا في الإيمان، وقد جاء «من شك في إيمانه
~~فقد كفر» وما أحسن ما نقل عن الحسن أن رجلا سأله أمؤمن أنت؟ فقال:
~~الإيمان إيمانان فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه
~~ورسله واليوم الآخر والجنة ms03532 والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن وإن كنت
~~تسألني عن قوله تعالى

# إنما المؤمنون

# [الأنفال: 2] الخ فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا؟ وهذا ونحوه ما يجعل
~~الخلاف لفظيا، وقد صرح بذلك جمع من المحققين عليهم الرحمة.

# { لهم درجت عند ربهم } أي كرامة وعلو مكانة على أن
~~يراد بالدرجات العلو المعنوي وقد يراد بها العلو الحسي، وفي الخبر عن
~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " في الجنة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم "

# وعن الربيع بن أنس

# " سبعون درجة ما بين كل درجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة "

# ووجه الجمع على الوجهين ظاهر، والتنوين للتفخيم والظرف، إما متعلق
~~بمحذوف وقع صفة لها مؤكدة لما أفاده التنوين أو بما تعلق به الخبر أعني
~~لهم من الاستقرار. وجوز أبو البقاء أن يكون العامل فيه { درجت }
~~لأن المراد بها الأجور، وفي إضافته إلى الرب المضاف إلى ضميرهم مزيد
~~تشريف لهم ولطف بهم وإيذان بأن ما وعدهم متيقن الثبوت مأمون الفوات،
~~والجملة جوز أن تكون خبرا ثانيا لأولئك وأن تكون مبتدأة مبنية على سؤال
~~نشأ من تعدد مناقبهم كأنه قيل: ما لهم بمقابلة هذه الخصال؟ فقيل: لهم
~~درجات.

# { ومغفرة } عظيمة لما فرط منهم { ورزق كريم } وهو ما أعد
~~لهم من نعيم الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد القرظي قال: إذا سمعت
~~الله تعالى يقول

# ورزق كريم

# [الحج: 50] فهو الجنة. والكرم كما نقل الواحدي اسم جامع لكل ما يحمد
~~ويستحسن في بابه فلعل وصف الرزق به هنا حقيقة. / وقال بعض المحققين: معنى
~~كون الرزق كريما أن رازقه كريم، ومن هنا وصفوه بالكثرة وعدم الانقطاع إذ
~~من عادة الكريم أن يجزل العطاء ولا يقطعه فكيف بأكرم الأكرمين تبارك
~~وتعالى، وجعله نفسه كريما على الإسناد المجازي للمبالغة، ولم يذكروا
~~لتوسيط المغفرة، والظاهر كما قيل تقديمها هنا نكتة، وربما يقال في وجه
~~ذكر هذه الأشياء الثلاثة على هذا الوجه أن الدرجات في مقابلة الأوصاف
~~الثلاثة أعني الوجل والإخلاص والتوكل، ms03533 ويستأنس له بالجمع والمغفرة في
~~مقابلة إقامة الصلاة ويستأنس له بما ورد في غير ما خبر أن الصلوات مكفرات
~~لما بينها من الخطايا وأنها تنقي الشخص من الذنوب كما ينقى الماء من
~~الدنس، والرزق الكريم بمقابلة الإنفاق، والمناسبة في ذلك ظاهرة، وإلى هذا
~~يشير كلام أبي حيان أو يقال: قدم سبحانه الدرجات لأنها بمحض الفضل، وذكر
~~بعدها المغفرة لأنها أهم عندهم من الرزق مع اشتراكهما في كونهما في
~~مقابلة شيء، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد أنه
~~قال في الآية: المغفرة بترك الذنوب والرزق الكريم بالأعمال الصالحة فتدبر
~~والله تعالى أعلم بأسرار كلامه.

### || [8.5]

# { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق } أي إخراجا
~~متلبسا به فالباء للملابسة، وقيل: هي سببية أي بسبب الحق الذي وجب عليك
~~وهو الجهاد. والمراد بالبيت مسكنه صلى الله عليه وسلم أو بالمدينة أو
~~المدينة نفسها لأنها مثواه عليه الصلاة والسلام، وزعم بعضهم أن المراد به
~~مكة وليس بذاك، وإضافة الإخراج إلى الرب سبحانه وتعالى إشارة إلى أنه كان
~~بوحي منه عز وجل، ولا يخفى لطف ذكر الرب وإضافته إلى ضميره صلى الله عليه
~~وسلم، والكاف يستدعي مشبها وهو غير مصرح به في الآية وفيه خفاء، ومن هنا
~~اختلفوا في بيانه وكذا في إعرابه على وجوه فاختار بعضهم أنه خبر مبتدأ
~~محذوف هو المشبه أي حالهم هذه في كراهة ما وقع في أمر الأنفال كحال
~~إخراجك من بيتك في كراهتهم له، وإلى هذا يشير كلام الفراء حيث قال: الكاف
~~شبهت هذه القصة التي هي إخراجه صلى الله عليه وسلم من بيته بالقصة
~~المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال وكراهتهم لما وقع فيها مع أنه أولى
~~بحالهم أو أنه صفة مصدر الفعل المقدر في

# لله والرسول

# [الأنفال: 1] أي الأنفال ثبتت لله تعالى وللرسول عليه الصلاة والسلام مع
~~كراهتهم ثباتا كثبات إخراجك وضعف هذا ابن الشجري، وادعى أن الوجه هو
~~الأولى لتباعد ما بين ذلك الفعل وهذا بعشر جمل، وأيضا جعله في حيز ms03534 قل
~~ليس بحسن في الانتظام، وقال أبو حيان: إنه ليس فيه كبير معنى ولا يظهر
~~للتشبيه فيه وجه، وأيضا لم يعهد مثل هذا المصدر، وادعى العلامة الطيبي
~~أن هذا الوجه أدق التآما من الأول والتشبيه فيه أكثر تفصيلا لأنه حينئذ
~~من تتمة الجملة السابقة داخل في حيز المقول مع مراعاة الالتفات وأطال
~~الكلام في بيان ذلك واعتذر عن الفصل بأن الفاصل جار مجرى الاعتراض ولا
~~أراه سالما من الاعتراض، وقيل: تقديره وأصلحوا ذات بينكم كما أخرجك وقد
~~التفت من خطاب جماعة إلى خطاب واحد، وقيل: المراد وأطيعوا الله والرسول
~~كما أخرجك إخراجا لا مرية فيه، وقيل: التقدير يتوكلون توكلا كما أخرجك،
~~وقيل: إنهم لكارهون كراهة ثابتة كإخراجك، وقيل: هو صفة لحقا أي أولئك هم
~~المؤمنون حقا مثل ما أخرجك، وقيل: صفة لمصدر يجادلون أي يجادلونك
~~جدالا كإخراجك ونسب ذلك إلى الكسائي، وقيل: الكاف بمعنى إذ أي واذكر إذ
~~أخرجك وهو مع بعده لم يثبت. وقيل: الكاف للقسم ولم يثبت أيضا وإن / نقل
~~عن أبي عبيد وجعل

# يجدلونك

# [الأنفال: 6] الجواب مع خلوه عن اللام والتأكيد و ما حينئذ موصولة أي
~~والذي أخرجك، وقيل: إنها بمعنى على وما موصولة أيضا أي امض على الذي
~~أخرجك ربك له من بيتك فإنه حق ولا يخفى ما فيه، وقيل: هي مبتدأ خبره مقدر
~~وهو ركيك جدا، وقيل: في محل رفع خبر مبتدأ محذوف أي وعده حق كما أخرجك،
~~وقيل: تقديره قسمتك حق كإخراجك، وقيل: ذلك خير لكم كإخراجك، وقيل: تقديره
~~إخراجك من مكة لحكم كإخراجك هذا، وقيل: هو متعلق ب

# اضربوا

# [الأنفال: 12] وهو كما تقول لعبدك ربيتك افعل كذا. وقال أبو حيان: خطر
~~لي في المنام أن هنا محذوفا وهو نصرك والكاف فيها معنى التعليل أي لأجل
~~أن خرجت لإعزاز دين الله تعالى نصرك وأمدك بالملائكة، ودل على هذا
~~المحذوف قوله سبحانه بعد:

# إذ تستغيثون ربكم

# [الأنفال: 9] الآيات، ولو قيل: إن هذا مرتبط بقوله سبحانه:

# رزق كريم

# [الأنفال: 4] على معنى رزق حسن كحسن إخراجك من ms03535 بيتك لم يكن بأبعد من
~~كثير من هذه الوجوه.

# { وإن فريقا من المؤمنين لكرهون } للخروج أما
~~لعدم الاستعداد للقتال أو للميل للغنيمة أو للنفرة الطبيعية عنه، وهذا
~~مما لا يدخل تحت القدرة والاختيار فلا يرد أنه لا يليق بمنصب الصحابة رضي
~~الله تعالى عنهم، والجملة في موضع الحال وهي حال مقدرة لأن الكراهة وقعت
~~بعد الخروج كما ستراه إن شاء الله تعالى، أو يعتبر ذلك ممتدا، والقصة
~~على ما رواه جماعة وقد تداخلت رواياتهم أن عير قريش أقبلت من الشام وفيها
~~تجارة عظيمة ومعها أربعون راكبا منهم أبو سفيان وعمرو بن العاص ومخرمة
~~بن نوفل فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر
~~المسلمين فأعجبهم تلقيها لكثرة المال وقلة الرجال فلما خرجوا بلغ الخبر
~~أهل مكة فنادى أبو جهل (فرق الكفر النجاء النجاء) على كل صعب وذلول عيركم
~~أموالكم إن أصابها محمد لم تفلحوا بعدها أبدا، وقد رأيت عاتكة بنت عبد
~~المطلب في المنام أن راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ
~~بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث فأرى الناس قد اجتمعوا
~~إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر
~~الكعبة فصرخ مثلها ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ مثلها ثم أخذ
~~صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من
~~بيوت مكة ولا دار من دورها إلا ودخل فيها فلقة فحدثت بها أخاها العباس
~~فحدث بها الوليد بن عتبة وكان صديقا له فحدث بها أباه عتبة ففشا الحديث
~~وبلغ أبا جهل فقال للعباس: يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم
~~حتى تتنبأ نساؤكم فأنكر عليه الرؤية. ثم أنه خرج بجميع مكة ومضى بهم إلى
~~بدر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي دقران فنزل عليه جبريل عليه
~~السلام بالوعد بإحدى الطائفتين إما العير وإما قريش فاستشار أصحابه فقال
~~بعضهم: هلا ذكرت لنا ms03536 القتال حتى نتأهب له إنا خرجنا للعير فقال صلى الله
~~عليه وسلم: إن العير مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل فقالوا: يا
~~رسول الله عليك بالعير ودع العدو فغضب عليه الصلاة والسلام فقام أبو بكر
~~وعمر رضي الله تعالى عنهما فأحسنا الكلام في اتباع أمر رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك
~~الله تعالى فنحن معك حيث أحببت لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى

# فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون

# [المائدة: 24] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فتبسم رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم ثم قال:

# " أشيروا علي أيها الناس "

#  وهو يريد الأنصار  لأنهم كانوا عدوهم وقد شرطوا حين بايعوه بالعقبة
~~أنهم برآء من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم فتخوف أن لا يروا نصرته إلا على
~~عدوهم / بالمدينة فقام سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنهما فقال: يا رسول
~~الله إيانا تريد؟ قال: أجل. قال: قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا إن ما جئت به
~~هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا
~~رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته
~~لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد ولا نكره أن تلقى بنا عدونا وإنا لنصبر
~~عند الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله تعالى يريك منا ما يقر به عينيك فسر
~~بنا على بركات الله تعالى فنشطه قوله ثم قال عليه الصلاة والسلام:

# " سيروا على بركة الله تعالى فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين
~~والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم "

# اه، وبهذا تبين أن بعض المؤمنين كانوا كارهين وبعضهم لم يكونوا كذلك
~~وهم الأكثر كما تشير إليه الآية، وجاء في بعض الأخبار أن النبي صلى الله
~~عليه وسلم لما فرغ من بدر قيل له: عليك بالعير فليس دونها شيء فناداه
~~العباس وهو في وثاقه لا يصلح فقال له: لم؟ فقال: لأن الله تعالى ms03537 وعدك
~~إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك.

### || [8.6]

# { يجدلونك في الحق } الذي هو تلقي النفير المعلي للدين
~~لإيثارهم عليه تلقي العير، والجملة إما مستأنفة أو حال ثانية، وجوز أن
~~تكون حالا من الضمير في

# لكارهون

# [الأنفال: 5] وقوله سبحانه: { بعد ما تبين } متعلق بيجادلون، و
~~{ ما } مصدرية، وضمير تبين للحق أي يجادلون بعد تبين الحق لهم بإعلامك
~~أنهم ينصرون [أينما توجهوا] ويقولون: ما كان خروجنا إلا للعير وهلا ذكرت
~~لنا القتال حتى نستعد له ونتأهب { كأنما يساقون إلى الموت
~~} أي مشبهين بالذين يساقون بالعنف والصغار إلى القتل، فالجملة في محل نصب
~~على الحالية من ضمير

# لكارهون

# [الأنفال: 5]، وجوز أن تكون صفة مصدر لكارهون بتقدير مضاف أي لكارهون
~~كراهة ككراهة من سيق للموت { وهم ينظرون } حال من ضمير {
~~يساقون } وقد شاهدوا أسبابه وعلاماته، وفي قوله سبحانه وتعالى: {
~~كأنما } الخ إيماء إلى أن مجادلتهم كان لفرط فزعهم ورعبهم لأنهم
~~كانوا ثلثمائة وتسعة عشر رجلا في قول فيهم فارسان المقداد بن الأسود
~~والزبير بن العوام، وعن علي كرم الله تعالى وجهه ما كان منا فارس يوم بدر
~~إلا المقداد وكان المشركون ألفا قد استعدوا للقتال.

### || [8.7]

# { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين } كلام مستأنف
~~مسوق لبيان جميل صنع الله تعالى بالمؤمنين مع ما بهم من الجزع وقلة
~~الحزم، فإذ نصب على المفعولية بمضمر إن كانت متصرفة أو ظرف لمفعول ذلك
~~الفعل، وهو خطاب للمؤمنين بطريق التلوين والالتفات و { إحدى } مفعول
~~ثاني ليعد وهو يتعدى إلى المفعول الثاني بنفسه وبالباء، أي اذكروا وقت
~~(أو الحادث وقت) وعد الله تعالى إياكم إحدى الطائفتين. وقرىء {
~~يعدكم } بسكون الدال تخفيفا، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية
~~لاستحضار صورتها، وقوله سبحانه وتعالى: { أنها لكم } بدل اشتمال
~~من إحدى مبين لكيفية الوعد، أي يعدكم أن إحدى الطائفتين كائنة لكم مختصة
~~بكم تتسلطون عليها تسلط الملاك وتتصرفون فيها كيفما شئتم { وتودون
~~} عطف على { يعدكم } داخل معه حيث دخل أي تحبون { أن غير
~~ذات الشوكة تكون لكم } من الطائفتين، وذات الشوكة هي النفير
~~ورئيسهم ms03538 أبو جهل، وغيرها العير ورئيسهم أبو سفيان، والتعبير عنهم بهذا
~~العنوان للتنبيه على سبب ودادتهم لملاقاتهم وموجب كراهتهم ونفرتهم عن
~~موافاة النفير، والشوكة في الأصل واحدة الشوك المعروف ثم استعيرت للشدة
~~والحدة وتطلق على السلاح أيضا؛ وفسرها بعضهم به هنا.

# { ويريد الله أن يحق الحق } أي يظهر / كونه حقا {
~~بكلمته } الموحى بها في هذه القصة أو أوامره للملائكة بالإمداد
~~أو بما قضى من أسر الكفار وقتلهم وطرحهم في قليب بدر، وقرىء {
~~بكلمته } بالإفراد لجعل المتعدد كالشيء الواحد أو على أن المراد
~~بها كلمة كن التي هي عند الكثير عبارة عن القضاء والتكوين { ويقطع
~~دابر الكفرين } أي آخرهم والمراد يهلكهم جملة من أصلهم لأنه لا
~~يفنى الآخر إلا بعد فناء الأول، ومنه سمي الهلاك دبارا. والمعنى أنتم
~~تريدون سفساف الأمور والله عز وجل يريد معاليها وما رجع إلى علو كلمة
~~الحق وسمو رتبة الدين وشتان بين المرادين، وكأنه للإشارة إلى ذلك عبر
~~أولا بالودادة وثانيا بالإرادة

### || [8.8]

# { ليحق الحق ويبطل البطل } جملة مستأنفة سيقت لبيان
~~الحكمة الداعية اختيار ذات الشوكة ونصرهم عليها مع إرادتهم لغيرها،
~~واللام متعلقة بفعل مقدر مؤخر عنها، أي لهذه الحكمة الباهرة فعل ما فعل
~~لا لشيء آخر، وليس فيه مع ما تقدم تكرار إذ الأول لبيان تفاوت ما بين
~~الإرادتين وهذا لبيان الحكمة الداعية إلى ما ذكر. وأشار الزمخشري إلى أن
~~هذا نظير قولك: أردت أن تفعل الباطل وأردت أن أفعل الحق ففعلت ما أردته
~~لكذا لا لمقتضى إرادتك وليس نظير قولك: أردت أن أكرم زيدا لإكرامه ليكون
~~فيه ما يكون، ومعنى إبطال الباطل على طرز ما أشرنا إليه في إحقاق الحق {
~~ولو كره المجرمون } ذلك أعني إحقاق الحق وإبطال الباطل،
~~والمراد بهم المشركون لا من كره الذهاب إلى النفير لأنه جرم منهم كما
~~قيل.

### || [8.9]

# { إذ تستغيثون ربكم } بدل من

# وإذ يعدكم

# [الأنفال: 7] وإن كان زمان الوعد غير زمان الاستغاثة لأنه بتأويل أن
~~الوعد والاستغاثة وقعا في زمن واسع كما قال الطيبي، قيل: وهو يحتمل بدل ms03539
~~الكل إن جعلا متسعين وبدل البعض إن جعل الأول متسعا والثاني معيارا،
~~وجوز أن يكون متعلقا بقوله سبحانه:

# ليحق

# [الأنفال: 8] واعترض بأنه مستقبل لنصبه بأن، { وإذ } للزمان الماضي
~~فكيف يعمل بها. وأجيب بأن ذلك مبني على ما ذهب إليه بعض النحاة كابن مالك
~~من أن { إذ } قد تكون بمعنى إذا للمستقبل كما في قوله تعالى:

# فسوف يعلمون * إذ الأغلل فى أعنقهم

# [غافر: 70-71]. وقد يجعل من التعبير عن المستقبل بالماضي لتحققه. وقال
~~بعض المحققين في الجواب: إن كون الإحقاق مستقبلا إنما هو بالنسبة إلى
~~زمان ما هو غاية له من الفعل المقدر لا بالنسبة إلى زمان الاستغاثة حتى
~~لا يعمل فيه بل هما في وقت واحد، وإنما عبر عن زمانها بإذ نظرا إلى زمن
~~النزول، وصيغة الاستقبال في { تستغيثون } لحكاية الحال الماضية
~~لاستحضار صورتها العجيبة، وقيل: هو متعلق بمضمر مستأنف أي اذكروا، وقيل:
~~ب

# تودون

# [الأنفال: 7] وليس بشيء.

# والاستغاثة كما قال غير واحد: طلب الغوث وهو التخليص من الشدة والنقمة
~~والعون، وهو متعد بنفسه ولم يقع في القرآن الكريم إلا كذلك، وقد يتعدى
~~بالحرف كقوله:

# حتى استغاث بماء لا رشاد له

# من الأباطح في حافاته البرك

# وكذا استعمله سيبويه وزعم أنه خطأ خطأ، والظاهر أن المستغيث هم
~~المؤمنون، قيل: إنهم لما علموا أن لا محيص من القتال أخذوا يقولون: أي رب
~~انصرنا على عدوك أغثنا يا غياث المستغيثين، وقال الزهري: إنه رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وظاهر بعض الأخبار يدل على أنه الرسول
~~عليه الصلاة والسلام، فقد أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى / عنهما قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله
~~تعالى عنه قال: لما كان يوم بدر نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى
~~أصحابه وهم ثلثمائة وبضعة عشر رجلا ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف
~~وزيادة فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يده وجعل يهتف
~~بربه اللهم انجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك ms03540 هذه العصابة من أهل الإسلام
~~لا تعبد في الأرض فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط
~~رداؤه فأتاه أبو بكر رضي الله تعالى عنه فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم
~~التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما
~~وعدك فنزلت الآية في ذلك، وعليه فالجمع للتعظيم.

# { فاستجاب لكم } أي فأجاب دعاءكم عقيب استغاثتكم إياه سبحانه
~~على أتم وجه { أني ممدكم } أي بأني فحذف الجار، وفي كون المنسبك
~~بعد الحذف منصوبا أو مجرورا خلاف. وقرأ أبو عمر بالكسر على تقدير القول
~~أو إجراء استجاب مجرى قال لأن الاستجابة من جنس القول، والتأكيد للاعتناء
~~بشأن الخبر، وحمله على تنزيل غير المنكر بمنزلة المنكر بمنزلة المنكر
~~عندي، والمراد بممدكم معينكم وناصركم { بألف من الملئكة
~~مردفين } أي وراء كل ملك ملك كما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما، وردف وأردف بمعنى كتبع وأتبع في قول. وعن الزجاج
~~أن بينهما فرقا فردفت الرجل بمعنى ركبت خلفه وأردفته بمعنى أركبته خلفي،
~~وقال بعضهم: ردفت وأردفت إذا فعلت ذلك فإذا فعلته بغيرك فأردفت لا غير،
~~وجاء أردف بمعنى اتبع مشددا وهو يتعدى لواحد وبمعنى أتبع مخففا وهو
~~يتعدى لاثنين على ما هو المشهور، وبكل فسر هنا، وقدروا المفعول
~~والمفعولين حسبما يصح به المعنى ويقتضيه، وجعلوا الاحتمالات خمسة،
~~احتمالان على المعنى الأول، أحدهما أن يكون الموصوف جملة الملائكة
~~والمفعول المقدر المؤمنين، والمعنى متبعين المؤمنين أي جائين خلفهم،
~~وثانيهما أن يكون الموصوف بعض الملائكة والمفعول بعض آخر، والمعنى متبعا
~~بعضهم بعضا آخر منهم كرسلهم عليهم السلام، وثلاثة احتمالات على المعنى
~~الثاني. الأول: أن يكون الموصوف كل الملائكة والمفعولان بعضهم بعضا على
~~معنى أنهم جعلوا بعضهم يتبع بعضا. الثاني: كذلك إلا أن المفعول الأول
~~بعضهم والثاني المؤمنين على معنى أنهم اتبعوا بعضهم المؤمنين فجعلوا
~~بعضا منهم خلفهم. والثالث: كذلك أيضا إلا أن المفعولين أنفسهم
~~والمؤمنين على معنى أنهم أتبعوا أنفسهم وجملتهم المؤمنين فجعلوا أنفسهم
~~خلفهم.

# وقرأ ms03541 نافع ويعقوب { مردفين } بفتح الدال، وفيه احتمالان أن يكون
~~بمعنى متبعين بالتشديد أي اتبعهم غيرهم، وأن يكون بمعنى متبعين بالتخفيف
~~أي جعلوا أنفسهم تابعة لغيرهم، وأريد بالغير في الاحتمالين المؤمنون،
~~فتكون الملائكة على الأول مقدمة الجيش وعلى الثاني ساقتهم، وقد يقال:
~~المراد بالغير آخرون من الملائكة، وفي الآثار ما يؤيده، أخرج ابن جرير عن
~~علي كرم الله تعالى وجهه قال: «نزل جبريل عليه السلام في ألف من الملائكة
~~عن ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر رضي الله تعالى عنه
~~ونزل ميكائيل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله
~~عليه وسلم وأنا فيها» لكن في «الكشاف» بدل الألف في الموضعين خمسمائة،
~~وقرىء { مردفين } بكسر الراء وضمها، وأصله على هذه القراءة مرتدفين بمعنى
~~مترادفين فأبدلت التاء دالا لقرب مخرجهما وأدغمت في مثلها فالتقى
~~الساكنان فحركت الراء بالكسر على الأصل، أو لاتباع الدال أو بالضم لاتباع
~~الميم، وعن الزجاج أنه يجوز في الراء الفتح أيضا للتخفيف أو لنقل حركة
~~التاء وهي / القراءة التي حكاها الخليل عن بعض المكيين، وذكر أبو البقاء
~~أنه قرىء بكسر الميم والراء، ونقل عن بعضهم أن مردفا بفتح الراء وتشديد
~~الدال من ردف بتضعيف العين أو أن التشديد بدل من الهمزة كأفرحته وفرحته.

# ومن الناس من فسر الارتداف بركوب الشخص خلف الآخر وأنكره أبو عبيدة
~~وأيده بعضهم، وعن السدي أنه قرىء { بآلاف } على الجمع فيوافق ما وقع في
~~سورة أخرى

# بثلاثة ءالف

# [آل عمران: 124] و

# بخمسة ءالف

# [آل عمران: 125] قيل: ووجه التوفيق بينه وبين المشهور أن المراد بالألف
~~الذين كانوا على المقدمة أو الساقة أو وجوههم أو من قاتل منهم. وأخرج ابن
~~أبي حاتم عن الشعبي أنه قال: كان ألف مردفين وثلاثة آلف منزلين وهو جمع
~~ليس بالجيد. وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد عن قتادة أنهم أمدوا أولا بألف
~~ثم بثلاثة آلاف ثم أكملهم الله تعالى خمسة آلاف، وأنت تعلم أن ظاهر ما
~~روي عن الحبر يقتضي أن ما في الآية ms03542 ألفان في الحقيقة، وصرح بعضهم أن ما
~~فيها بيان إجمالي لما في تلك السورة بناء على أن معنى مردفين جاعلين
~~غيرهم من الملائكة رديفا لأنفسهم، وهو ظاهر في أن المراد بالألف الرؤساء
~~المستتبعون لغيرهم، والأكثرون على أن الملائكة قاتلت يوم بدر، وفي
~~الأخبار ما يدل عليه، وذكروا أنها لم تقاتل يوم الأحزاب ويوم حنين،
~~وتفصيل ذلك في السير، وقد تقدم بعض الكلام فيما يتعلق بهذا المقام فتذكر.

### || [8.10]

# { وما جعله الله } كلام مستأنف [سيق] لبيان أن المؤثر الحقيقي
~~هو الله تعالى ليثق به المؤمنون ولا يقنطوا من النصر عند فقدان أسبابه،
~~والجعل متعد إلى [مفعول] واحد وهو الضمير العائد إلى المصدر المنسبك في

# أني ممدكم

# [الأنفال: 9] على قراءة الفتح والمصدر المفهوم من ذلك على الكسر،
~~واعتبار القول ورجوع الضمير إليه ليس بمعتبر من القول، أي وما جعل
~~إمدادكم بهم لشيء من الأشياء { إلا بشرى } أي بشارة لكم بأنكم
~~تنصرون { ولتطمئن به } أي بالإمداد { قلوبكم } وتسكن إليه
~~نفوسكم وتزول عنكم الوسوسة ونصب { بشرى } على أنه مفعول له و {
~~ولتطمئن } معطوف عليه، وأظهرت اللام لفقد شرط النصب، وقيل:
~~للإشارة إلى أصالته في العلية وأهميته في نفسه كما قيل في قوله سبحانه:

# والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة

# [النحل: 8].

# وقيل: إن الجعل متعد إلى اثنين ثانيهما { بشرى } على أنه استثناء من
~~أعم المفاعيل، واللام متعلقة بمحذوف مؤخر أي وما جعله الله تعالى شيئا
~~من الأشياء إلا بشارة لكم ولتطمئن به قلوبكم فعل ما فعل لا لشيء آخر
~~والأول هو الظاهر، وفي الآية إشعار بأن الملائكة لم يباشروا قتالا وهو
~~مذهب لبعضهم، ويشعر ظاهرها بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بذلك
~~الإمداد وفي الإخبار ما يؤيده، بل جاء في غير ما خبر أن الصحابة رأوا
~~الملائكة عليهم السلام. وروي عن أبي أسيد وكان قد شهد بدرا أنه قال بعد
~~ما ذهب بصره: لو كنت معكم اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت
~~منه الملائكة.

# { وما النصر إلا من عند الله } أي وما النصر ms03543 بالملائكة
~~وغيرهم من الأسباب إلا كائن من عنده عز وجل، فالمنصور هو من نصره الله
~~سبحانه والأسباب ليست بمستقلة، أو المعنى لا تحسبوا النصر من الملائكة
~~عليهم السلام فإن الناصر هو الله تعالى لكم وللملائكة، وعليه فلا دخل
~~للملائكة في النصر أصلا، وجعل بعضهم القصر على الأول إفرادي وعلى الثاني
~~قلبي { أن الله عزيز } لا يغالب في حكمه ولا ينازع في أقضيته {
~~حكيم } يفعل كل ما يفعل حسبما تقتضيه الحكمة الباهرة، والجملة تعليل
~~لما قبلها وفيها إشعار بأن النصر الواقع على الوجه المذكور من مقتضيات
~~الحكم البالغة.

### || [8.11]

# { إذ يغشيكم النعاس } أي يجعله غاشيا عليكم ومحيطا بكم.
~~والنعاس أول النوم قبل أن يثقل.

# وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن النعاس في الرأس والنوم في القلب ولعل
~~مراده الثقل والخفة وإلا فلا معنى له، والفعل نعس كمنع والوصف ناعس
~~ونعسان قليل. و { إذ يغشيكم } بدل ثان من

# وإذ يعدكم

# [الأنفال: 7] على القول بجواز تعدد البدل، وفيه إظهار نعمة أخرى فإن
~~الخوف أطار كراهم من أوكاره فلما طأمن الله تعالى قلوبهم رفرف بجناحه
~~عليها فنعسوا، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية أو هو منصوب باذكروا.
~~وجوز تعلقه بالنصر، وضعف بأن فيه إعمال المصدر المعرف بأل وفيه خلاف
~~الكوفيين، والفصل بين المصدر ومعموله، وعمل ما قبل إلا فيما بعدها من غير
~~أن يكون ذلك المعمول مستثنى أو مستثنى منه أو صفة له، والجمهور لا يجوزون
~~ذلك خلافا للكسائي والأخفش، وتعلقه بما في عند الله من معنى الفعل وقيل
~~عليه إذ يلزم تقييد استقرار النصر من الله تعالى بهذا الوقت ولا تقييد له
~~به، وأجاب الحلبي بأن المراد به نصر خاص فلا محذور في تقييده وبالجعل،
~~وفيه الفصل وعمل ما قبل إلا فيما ليس أحد الثلاثة وبما دل عليه

# عزيز حكيم

# [الأنفال: 10] وفيه لزوم التقييد ولا تقييد، وأجيب بما أجيب، والأنصاف
~~بعد الاحتمالات الأربع. وقرأ نافع { يغشيكم } بالتخفيف من الإغشاء بمعنى
~~التغشية والفاعل في القراءتين هو الله تعالى. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {
~~يغشاكم ms03544 } على إسناد الفعل إلى النعاس.

# وقوله سبحانه وتعالى: { أمنة منه } نصب على أنه مفعول له وهو
~~مصدر بمعنى الأمن كالمنعة وإن كان قد يكون جمعا وصفة بمعنى آمنين كما
~~ذكره الراغب، واستشكل بأن شرط النصب الذي هو اتحاد فاعله وفاعل الفعل
~~العامل فيه مفقود إذ فاعله هم الصحابة الآمنون رضي الله تعالى عنهم وفاعل
~~الآخر هو الله على القراءتين الأوليين والنعاس على الأخرى. وأجيب بأنه
~~مفعول له باعتبار المعنى الكنائي فإن يغشاكم النعاس يلزمه تنعسون ويغشيكم
~~بمعناه فيتحد الفاعلان إذ فاعل كل حينئذ الصحابة، وقال بعض المدققين:
~~إنه على القراءتين الأوليين يجوز أن يكون منصوبا على العلية لفعل مترتب
~~على الفعل المذكور أي يغشيكم النعاس فتنعسون أمنا أو على أنه مصدر لفعل
~~آخر كذلك أي فتأمنون أمنا، وعلى القراءة الأخيرة منصوب على العلية
~~بيغشاكم باعتبار المعنى فإنه في حكم تنعسون أو على أنه مصدر لفعل مترتب
~~عليه كما علمت، وما تقدم أقل انتشارا.

# وجوز أن يراد بالأمنة الإيمان بمعناه اللغوي وهو جعل الغير آمنا فيكون
~~مصدر آمنه، وهو على بعده إنما يتمشى في القراءتين الأوليين لأن فاعل
~~التغشية والأمان هو الله تعالى، وأما على القراءة الأخرى فلا ويحتاج إلى
~~ما مر، ومن الناس من جوز فيها أن يجعل الأمن فعل النعاس على الإسناد
~~المجازي لكونه من ملابسات أصحاب الأمن، والإسناد في ذلك مقدر وليس المراد
~~به النسبة التي بين الفعل والمفعول له أي يغشاكم النعاس لأمنه، أو على
~~تشبيه حاله بحال إنسان شأنه الأمن والخوف وأنه حصل له من الله تعالى
~~الأمان من الكفار في مثل ذلك الوقت المخوف فلذلك غشاكم وأنامكم فيكون
~~الكلام تمثيلا وتخييلا للمقصود بإبراز المعقول في صورة المحسوس.

# والقطب [الرازي] جعل في الكلام استعارة بالكناية حيث ذكر أنه شبه النعاس
~~بشخص من شأنه أن يأتيهم لكنه لا يأتيهم في وقت الخوف وإذا أمن أتاهم، ثم
~~ذكر النعاس وأراد ذلك الشخص، والقرينة ذكر الأمنة لأنها من لوازم المشبه
~~به، وقد وصف الزمخشري النوم بنحو ذلك في قوله: ms03545

# / يهاب النوم أن يغشى عيونا

# تهابك فهو نفار شرود

# وما يقال: إن مثل هذا إنما يليق بالشعر لا بالقرآن الكريم فغير مسلم،
~~وذكر ابن المنير في توجيه اتحاد الفاعل على القراءتين ((أن لقائل أن
~~يقول: فاعل تغشية النعاس إياهم هو الله تعالى وهو فاعل الأمنة أيضا لأنه
~~خالقها فحينئذ يتحد فاعل الفعل والعلة فيرتفع السؤال ويزول الإشكال على
~~قواعد أهل السنة التي تقتضي نسبة أفعال الخلق إلى الله تعالى على أنه
~~خالقها ومبدعها وتعقبه بأن للمورد أن يقول: المعتبر الفاعل اللغوي وهو
~~المتصف بالفعل وهو هنا ليس إلا العبد إذ لا يقال لله سبحانه وتعالى آمن
~~وإن كان هو الخالق وحينئذ يحتاج إلى الجواب بما سلف)) والجار والمجرور
~~متعلق بمحذوف وقع صفة لأمنة، أي أمنة كائنة منه تعالى لكم، ولعل مغايرة
~~ما هنا لما في سورة آل عمران [154] لاختلاف المقام فقد قالوا: إن ذلك
~~المقام اقتضى الاهتمام بشأن الأمن ولذلك قدمه سبحانه وتعالى وبسط الكلام
~~فيه كما لا يخفى على من تأمل في السياق والسباق بخلافه هنا لأنه في مقام
~~تعداد النعم فلذا جىء بالقصة مختصرة للرمز وقرىء { أمنة } بالسكون وهو
~~لغة فيه.

# { وينزل عليكم من السمآء مآء } عطف على {
~~يغشيكم } وكان هذا قبل النعاس كما روي عن مجاهد وتقديم الجار
~~والمجرور على المفعول به للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر كما مر
~~غير مرة، وتقديم { عليكم } لما أن بيان كون التنزيل عليهم أهم من
~~بيان كونه من السماء. وقرأ ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو عمر { وينزل }
~~بالتخفيف من الإنزال وقرأ الشعبي (ما) { ليطهركم به } أي من
~~الحدث الأصغر والأكبر ووجهها كما قال ابن جني أن { ما } موصولة واللام
~~متعلقة بمحذوف وقع صلة لها أي وينزل عليكم الذي ثبت لتطهيركم، ونظير هذه
~~اللام اللام في قولك: أعطيت الثوب الذي لدفع البرد وهي في قراءة الجماعة
~~نظير اللام في قولك: زرتك لتكرمني ومرجع القراءتين واحد والمشهورة أفصح
~~بالمراد وانظر لم لا يجوز أن تخرج هذه القراءة على ما سمع من قولهم اسقني ms03546
~~ما بالقصر، وقد حكي ذلك في «القاموس» وأرى أن العدول عن ذلك إن جاز
~~كالتيمم مع وجود الماء.

# { ويذهب عنكم رجز الشيطان } أي وسوسته وتخويفه إياكم من
~~العطش. أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ من طريق ابن جريج عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أن المشركين غلبوا المسلمين في أول أمرهم على الماء
~~فظمىء المسلمون وصلوا مجنبين محدثين وكانت بينهم رمال فألقى الشيطان في
~~قلوبهم الحزن وقال: أتزعمون أن فيكم نبيا وأنكم أولياء الله تعالى
~~وتصلون مجنبين محدثين؟ فأنزل الله تعالى من السماء ماء فسال عليهم الوادي
~~فشربوا وتطهروا وثبتت أقدامهم وذهبت وسوسة الشيطان، وفسر بعضهم الرجز هنا
~~بالجنابة مع اعتبار كون التطهير منها واعترض بلزوم التكرار ودفع بأن
~~الجملة الثانية تعليل للأولى والمعنى طهركم من الجنابة لأنها كانت من رجز
~~الشيطان وتخييله. وقرىء { رجس } وهو بمعنى الرجز.

# { وليربط على قلوبكم } أي يقويها بالثقة بلطف الله تعالى
~~فيما بعد بمشاهدة طلائعه، وأصل الربط الشد ويقال لمن صبر على الشيء: ربط
~~نفسه عليه. قال الواحدي: ويشبه أن تكون { على } صلة أي وليربط قلوبكم.
~~وقيل الأصل ذلك إلا أنه أتى بعلى قصدا للاستعلاء وفيه إيماء إلى أن
~~قلوبهم قد امتلأت من ذلك حتى كأنه علا عليها، وفي ذلك من إفادة التمكن ما
~~لا يخفى { ويثبت به الأقدام } ولا تسوخ في الرمل فالضمير
~~للماء كالأول. / وجوز أن يكون للربط، والمراد بتثبيت الأقدام كما قال أبو
~~عبيدة جعلهم صابرين غير فارين ولا متزلزلين.

### || [8.12]

# { إذ يوحي ربك إلى الملائكة } متعلق بمضمر مستأنف أي
~~اذكر، خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم بطريق التجريد حسبما ينطق به
~~الكاف، وقيل: منصوب ب

# ويثبت

# [الأنفال: 11] ويتعين حينئذ عود الضمير المجرور في { به } إلى الربط
~~ليكون المعنى ونثبت الأقدام بتقوية قلوبكم وقت الإيحاء إلى الملائكة
~~والأمر بتثبيتهم إياكم وهو وقت القتال، ولا يصح أن يعود إلى الماء لتقدم
~~زمانه على زمان ذلك، وقال بعضهم: يجوز ذلك لأن التثبيت بالمطر باق إلى
~~زمانه أو يعتبر الزمان متسعا قد وقع ms03547 جميع المذكور فيه وفائدة التقييد
~~التذكير بنعمة أخرى والإيماء إلى اقتران تثبيت الأقدام بتثبيت القلوب
~~المأمور به الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، أو
~~الرمز إلى أن التقوية وقعت على أتم وجه، وقيل: هو بدل ثالث من

# وإذ يعدكم

# [الأنفال: 7] ويبعده تخصيص الخطاب بسيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام.
~~واختار بعض المحققين الأول مدعيا أن في الثاني تقييد التثبيت بوقت مبهم
~~وليس فيه مزيد فائدة. وفي الثالث إباء التخصيص عنه مع أن المأمور به ليس
~~من الوظائف العامة للكل كسائر أخواته ولا يستطيعه غيره عليه الصلاة
~~والسلام لأن الوحي المذكور قبل ظهوره بالوحي المذكور، ولا يخفى على
~~المتأمل أن ما ذكر لا يقتضي تعين الأول نعم يقتضي أولويته. والمراد
~~بالملائكة الملائكة الذين وقع بهم الإمداد، وصيغة المضارع لاستحضار
~~الصورة، والمعنى إذ أوحى.

# { أني معكم } أي معينكم على تثبيت المؤمنين، ولا يمكن حمله على
~~إزالة الخوف كما في قوله سبحانه وتعالى:

# لا تحزن إن الله معنا

# [التوبة: 40] لأن الملائكة لا يخافون من الكفرة أصلا، وما تشعر به كلمة
~~مع من متبوعية الملائكة لا يضر في مثل هذه المقامات، وهو نظير

# إن الله مع الصبرين

# [البقرة: 153] ونحوه، والمنسبك مفعول { يوحي } ، وقرىء { إني } بالكسر
~~على تقدير القول أي قائلا إني معكم، أو إجراء الوحي مجراه لكونه متضمنا
~~معناه، والفاء في قوله سبحانه: { فثبتوا الذين ءامنوا }
~~لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والمراد بالتثبيت الحمل على الثبات في
~~موطن الحرب والجد في مقاساة شدائد القتال قالا أو حالا، وكان ذلك هنا
~~في قول بظهورهم لهم في صورة بشرية يعرفونها ووعدهم إياهم النصر على
~~أعدائهم، فقد أخرج البيهقي في الدلائل أن الملك كان يأتي الرجل في صورة
~~الرجل يعرفه فيقول: أبشروا فإنهم ليسوا بشيء والله معكم كروا عليهم، وجاء
~~في رواية كان الملك يتشبه بالرجل فيأتي ويقول: إني سمعت المشركين يقولون:
~~والله لئن حملوا علينا لنكشفن ويمشي بين الصفين ويقول: أبشروا فإن الله
~~تعالى ناصركم. وقال الزجاج: كان بأشياء يلقونها في قلوبهم ms03548 تصح بها
~~عزائمهم ويتأكد جدهم، وللملك قوة إلقاء الخير في القلب ويقال له إلهام
~~كما أن للشيطان قوة إلقاء الشر ويقال له وسوسة؛ وقيل: كان ذلك بمجرد
~~تكثير السواد.

# وعن الحسن أنه كان بمحاربه أعدائهم وذهب إلى ذلك جماعة وجعلوا قوله
~~تعالى: { سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب } تفسيرا
~~لقوله تعالى: { أني معكم } كأنه قيل: إني معكم في إعانتهم بإلقاء
~~الرعب في قلوب أعدائهم، والرعب بضم فسكون وقد يقال بضمتين وبه قرأ ابن
~~عامر والكسائي الخوف وانزعاج النفس بتوقع المكروه، وأصله التقطيع من
~~قولهم: رعبت السنام ترعيبا إذا قطعته مستطيلا كأن الخوف يقطع الفؤاد أو
~~يقطع السرور بضده، وجاء / رعب السيل الوادي إذا ملأه كأن السيل قطع
~~السلوك فيه أو لأنه انقطع إليه من كل الجهات، وجعلوا قوله سبحانه وتعالى:
~~{ فاضربوا } الخ تفسيرا لقوله تبارك وتعالى: { فثبتوا } مبين
~~لكيفية التثبيت. وقد أخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن أبي داود المازني
~~قال: بينا أنا أتبع رجلا من المشركين يوم بدر فأهويت بسيفي إليه فوقع
~~رأسه قبل أن يصل سيفي إليه فعرفت أنه قد قتله غيري. وقال ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين
~~أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وقائلا يقول: أقدم حيزوم فخر المشرك
~~مستلقيا فنظر إليه فإذا هو قد حطم وشق وجهه فجاء فحدث بذلك رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة. وجوز بعضهم أن
~~يكون التثبيت بما يلقون إليهم من وعد النصر وما يتقوى به قلوبهم في
~~الجملة، وقوله سبحانه وتعالى: { سألقي } الخ جملة استئنافية جارية
~~مجرى التعليل لإفادة التثبيت لأنه مصدقه ومبينه لإعانته إياهم على
~~التثبيت، وقوله سبحانه وتعالى: { فاضربوا } الخ جملة مستعقبة
~~للتثبيت بمعنى لا تقتصروا على تثبيتهم وأمدوهم بالقتال عقيبه من غير
~~تراخ، وكأن المعنى أني معكم فيما آمركم به فثبتوا واضربوا. وجىء بالفاء
~~للنكتة المذكورة، ووسط { سألقي } تصديقا للتثبيت وتمهيدا للأمر
~~بعده، وعلى الاحتمالين تكون الآية دليلا لمن ms03549 قال: إن الملائكة قاتلت يوم
~~بدر، وقال آخرون: التثبت بغير المقاتلة، وقوله عز وجل: { سألقي }
~~تلقين منه تعالى للملائكة على إضمار القول على أنه تفسير للتثبيت أو
~~استئناف بياني، والخطاب في { فاضربوا } للمؤمنين صادرا من الملائكة
~~حكاه الله تعالى لنا، وجوز أن يكون ذلك الكلام من جملة الملقن داخلا تحت
~~القول، كأنه قيل: قولوا لهم قولي سألقي الخ، أو كأنه قيل: كيف نثبتهم؟
~~فقيل: قولوا لهم قولي سألقي الخ، ولا يخفى أن هذا القول أضعف الأقوال
~~معنى ولفظا. وأما القول بأن { فاضربوا } الخ خطاب منه تعالى
~~للمؤمنين بالذات على طريق التلوين فمبناه توهم وروده قبل القتال، وأنى
~~ذلك؟ والسورة الكريمة إنما نزلت بعد تمام الواقعة، وبالجملة الآية ظاهرة
~~فيما يدعيه الجماعة من وقوع القتال من الملائكة.

# { فوق الأعنق } أي الرؤوس كما روي عن عطاء وعكرمة، وكونها فوق
~~الأعناق ظاهر. وأما المذابح كما قال البعض فإنها في أعالي الأعناق و {
~~فوق } باقية على ظرفيتها لأنها لا تتصرف؛ وقيل: إنها مفعول به وهي
~~بمعنى الأعلى إذا كانت بمعنى الرأس، وقيل: هي هنا بمعنى على والمفعول
~~محذوف أي فاضربوهم على الأعناق، وقيل: زائدة أي فاضربوا الأعناق {
~~واضربوا منهم كل بنان }. قال ابن الأنباري: البنان أطراف
~~الأصابع من اليدين والرجلين والواحدة بنانة وخصها بعضهم باليد. وقال
~~الراغب: ((هي الأصابع وسميت بذلك لأن بها إصلاح الأحوال التي بها يمكن
~~للإنسان أن يبن أي يقيم من أبن بالمكان ويبن إذا أقام، ولذلك خص في
~~قوله سبحانه وتعالى:

# بلى قدرين على أن نسوى بنانه

# [القيامة: 4] وما نحن فيه لأجل أنهم بها يقاتلون ويدافعون))، والظاهر
~~أنها حقيقة في ذلك، وبعضهم يقول: إنها مجاز فيه من تسمية الكل باسم
~~الجزء. وقيل: المراد بها هنا مطلق الأطراف لوقوعها في مقابلة الأعناق
~~والمقاتل. والمراد اضربوهم كيفما اتفق من المقاتل وغيرها وآثره في
~~«الكشاف». وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها الجسد كله في
~~لغة هذيل، ويقال فيها بنام بالميم وتكرير الأمر بالضرب لمزيد التشديد
~~والاعتناء بأمره و { منهم ms03550 } متعلق به أو بمحذوف / وقع حالا من {
~~كل بنان } وضعف كونه حالا من { بنان } بأن فيه تقديم حال
~~المضاف إليه على المضاف.

### || [8.13]

# { ذلك } إشارة إلى الضرب والأمر به أو إلى جميع ما مر، والخطاب لرسول
~~الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من ذكر قبل من الملائكة والمؤمنين على
~~البدل أو لكل أحد ممن يليق بالخطاب. وجوز أن يكون خطابا للجمع، والكاف
~~تفرد مع تعدد من خوطب بها، وليست كالضمير على ما صرحوا به، ومحل الاسم
~~الرفع على الابتداء وخبره قوله سبحانه وتعالى: { بأنهم شآقوا
~~الله ورسوله } وقال أبو البقاء: إن ذلك خبر مبتدأ محذوف أي الأمر
~~ذلك وليس الأمر ذلك، والباء للسببية والمشاقة العداوة سميت بذلك أخذا من
~~شق العصا وهي المخالفة أو لأن كلا من المتعاديين يكون في شق غير شق
~~الآخر كما أن العداوة سميت عداوة لأن كلا منهما في عدوة أي جانب وكما أن
~~المخاصمة من الخصم بمعنى الجانب أيضا، والمراد بها هنا المخالفة أي ذلك
~~ثابت لهم أو واقع عليهم بسبب مخالفتهم لمن لا ينبغي لهم مخالفته بوجه من
~~الوجوه { ومن يشاقق الله ورسوله } أي يخالف أمر الله تعالى
~~ورسوله عليه الصلاة والسلام؛ والإظهار في مقام الإضمار لتربية المهابة
~~وإظهار كمال شناعة ما اجترأوا عليه والإشعار بعلية الحكم، و«بئس خطيب
~~القوم أنت» اقتضاه الجمع على وجه لا يبين منه الفرق ممن هو في ربقة
~~التكليف؛ وأين هذا من ذاك لو وقع ممن لا حجر عليه وإنما لم يدغم المثلان
~~لأن الثاني ساكن في الأصل والحركة لالتقاء الساكنين فلا يعتد بها، وقوله
~~تعالى: { فإن الله شديد العقاب } إما نفس الجزاء قد حذف
~~منه العائد عند من يلتزمه ولا يكتفي بالفاء في الربط أي شديد العقاب له،
~~أو تعليل للجزاء المحذوف أي عاقبه الله تعالى فإن الله شديد العقاب،
~~وأيا ما كان فالشرطية بيان للسببية السابقة بطريقة برهاني، كأنه قيل:
~~ذلك العقاب الشديد بسبب المشاقة لله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام
~~وكل من يشاقق الله ورسوله ms03551 كائنا من كان فله بسبب ذلك عقاب شديد فإذن لهم
~~بسبب مشاقة الله ورسوله عقاب شديد، وقيل: هو وعيد بما أعد لهم في الآخرة
~~بعد ما حاق بهم في الدنيا، قال بعض المحققين: ويرده قوله سبحانه وتعالى:
~~{ ذلكم فذوقوه وأن للكفرين... }.

### || [8.14]

# فإنه مع كونه هو المسوق للوعيد بما ذكر ناطق بكون المراد بالعقاب
~~المذكور ما أصابهم عاجلا سواء جعل { ذلكم } إشارة إلى نفس العقاب أو
~~إلى ما تفيده الشرطية من ثبوته لهم، أما على الأول: فلأن الأظهر أن محله
~~النصب بمضمر يستدعيه { فذوقوه } والواو في { وأن للكفرين
~~} الخ بمعنى مع، فالمعنى باشروا ذلكم العقاب الذي أصابكم فذوقوه عاجلا
~~مع أن لكم عذاب النار آجلا، فوقع الظاهر موضع الضمير لتوبيخهم بالكفر
~~وتعليل الحكم به، وأما على الثاني: فلأن الأقرب أن محله الرفع على أنه
~~خبر مبتدأ محذوف، وقوله سبحانه وتعالى: و { أن } الخ معطوف عليه،
~~والمعنى حكم الله تعالى ذلكم أي ثبوت هذا العقاب لكم عاجلا وثبوت عذاب
~~النار آجلا، وقوله تعالى: { فذوقوه } اعتراض وسط بين المعطوفين
~~للتهديد، والضمير على الأول لنفس المشار إليه وعلى الثاني لما في ضمنه
~~اه.

# واعترض على الاحتمال الأول بأن الكلام عليه من باب الاشتغال وهو إنما
~~يصح لو جوزنا صحة الابتداء في { ذلكم } وظاهر أنه لا يجوز لأن ما بعد
~~الفاء لا يكون خبرا إلا إذا كان المبتدأ موصولا أو نكرة موصوفة. ورد
~~بأنه ليس متفقا عليه فإن الأخفش جوزه مطلقا، وتقدير باشروا مما استحسنه
~~أبو البقاء وغيره قالوا: لتكون الفاء عاطفة لا زائدة أو جزائية كما في
~~نحو زيدا فاضربه على كلام فيه، وبعضهم يقدر / عليكم اسم فعل. واعترضه
~~أبو حيان بأن أسماء الأفعال لا تضمر. واعتذر عن ذلك الحلبي بأن من قدر
~~لعله نحا نحو الكوفيين فإنهم يجرون اسم الفعل مجرى الفعل مطلقا ولذلك
~~يعملونه متأخرا نحو

# كتب الله عليكم

# [النساء: 24]، وما أشار إليه كلامه من أن قوله سبحانه وتعالى: { وأن
~~للكفرين } الخ منصوب على أنه مفعول معه على التقدير الأول لا ms03552
~~يخلو عن شيء، فإن في نصب المصدر المؤول على أنه مفعول معه نظرا. ومن هنا
~~اختار بضعهم العطف على { ذلكم } كما في التقدير الثاني، وآخرون
~~اختاروا عطفه على قوله تعالى:

# إني معكم

# [الأنفال: 12] داخل معه تحت الإيحاء أو على المصدر في قوله سبحانه
~~وتعالى:

# بأنهم شاقوا الله ورسوله

# [الأنفال: 13] ولا يخفى أن العطف على { ذلكم } يستدعي أن يكون
~~المعنى باشروا أو عليكم أو ذوقوا أن للكافرين عذاب النار وهو ما يأباه
~~الذوق، ولذا قال العلامة الثاني: إنه لا معنى له، والعطفان الآخران لا
~~أدري أيهما أمر من الآخر، ولذلك ذهب بعض المحققين إلى اختيار كون المصدر
~~خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف، وقيل: هو منصوب باعلموا ولعل أهون
~~الوجوه في الآية الوجه الأخير. والإنصاف أنها ظاهرة في كون المراد
~~بالعقاب ما أصابهم عاجلا، والخطاب فيها مع الكفرة على طريق الالتفات من
~~الغيبة في { شآقوا } إليه، ولا يشترط في الخطاب المعتبر في الالتفات
~~أن يكون بالاسم كما هو المشهور بل يكون بنحو ذلك أيضا بشرط أن يكون
~~خطابا لمن وقع الغائب عبارة عنه كذا قيل وفيه كلام، وقرأ الحسن { وإن
~~للكافرين } بالكسر، وعليه فالجملة تذييلية واللام للجنس والواو
~~للاستئناف.

### || [8.15]

# { يا أيها الذين ءامنوا } خطاب للمؤمنين بحكم كلي جار فيما
~~سيقع من الوقائع والحروب جيء به في تضاعيف القصة إظهارا للاعتناء به
~~وحثا على المحافظة عليه { إذا لقيتم الذين كفروا زحفا
~~} الزحف كما قال الراغب ((انبعاث مع جر الرجل كانبعاث الصبي قبل أن يمشي
~~والبعير المعيى والعسكر إذا كثر فتعثر انبعاثه))، وقال غير واحد: هو
~~الدبيب يقال: زحف الصبي إذا دب على إسته قليلا قليلا ثم سمي به الجيش
~~الدهم المتوجه إلى العدو لأنه لكثرته وتكاثفه يرى كأنه يزحف لأن الكل يرى
~~كجسم واحد متصل فتحس حركته بالقياس في غاية البطء وإن كانت في نفس الأمر
~~في غاية السرعة كما قال سبحانه وتعالى:

# وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر
~~السحاب

# [النمل: 88] وقال قائلهم:

# وأرعن مثل الطود تحسب أنه

# وقوف ms03553 لجاج والركاب تهملج

# ويجمع على زحوف لأنه خرج عن المصدرية، ونصبه إما على أنه حال من مفعول {
~~لقيتم } أي زاحفين نحوكم أو على أنه مصدر مؤكد لفعل مضمر هو الحال
~~منه أي يزحفون زحفا وجوز كونه حالا من فاعله أو منه ومن مفعوله معا،
~~واعترض بأنه يأباه قوله تعالى: { فلا تولوهم الأدبار } إذ لا
~~معنى لتقييد النهي عن الإدبار بتوجههم السابق إلى العدو وبكثرتهم بل توجه
~~العدو إليهم وكثرتهم هو الداعي إلى الإدبار عادة والمحوج إلى النهي،
~~وحمله على الإشعار بما سيكون منهم يوم حنين حين تولوا وهم اثنا عشر ألفا
~~بعيد انتهى.

# وأجيب بأن المراد بالزحف ليس إلا المشي للقتال من دون اعتبار كثرة أو
~~قلة وسمي المشي لذلك به لأن الغالب عند ملاقاة الطائفتين مشي إحداهما نحو
~~الأخرى مشيا رويدا والمعنى إذا لقيتم الكفار ماشين لقتالهم متوجهين
~~لمحاربتهم أو ماشيا كل واحد منكم إلى صاحبه فلا تدبروا، وتقييد النهي
~~بذلك لإيضاح المراد بالملاقاة ولتفظيع أمر الإدبار لما أنه مناف لتلك
~~الحال، كأنه قيل حيث أقبلتم فلا تدبروا وفيه تأمل؛ والمراد من تولية /
~~الأدبار الانهزام فإن المنهزم يولي ظهره من انهزم منه، وعدل عن لفظ
~~الظهور إلى الأدبار تقبيحا للانهزام وتنفيرا عنه. وقد يقال: الآية على
~~حد

# ولا تقربوا الزنى

# [الإسراء: 32] والمعنى على تقدير الحالية من المفعول كما هو الظاهر
~~واعتبار الكثرة في الزحف وكونها بالنسبة إليهم يا أيها الذين آمنوا إذا
~~لقيتم أعداءكم الكفرة للقتال وهم جمع جم وأنتم عدد نزر فلا تولوهم
~~أدباركم فضلا عن الفرار بل قابلوهم وقاتلوهم مع قلتكم فضلا عن أن
~~تدانوهم في العدد أو تساووهم.

### || [8.16]

# { ومن يولهم } أي يوم اللقاء ووقته { دبره } فضلا عن الفرار
~~الحسن بسكون الباء { إلا متحرفا لقتال } أي تاركا موقفه إلى
~~موقف أصلح للقتال منه، أو متوجها إلى قتال طائفة أخرى أهم من هؤلاء، أو
~~مستطردا يريد الكر كما روي عن ابن جبير رضي الله تعالى عنه. ومن كلامهم:

# نفر ثم نكر

# والحرب كر وفر

# وقد يصير ذلك ms03554 من خدع الحرب ومكايدها، وجاء «الحرب خدعة» وأصل التحرف
~~على ما في «مجمع البيان» ((الزوال عن جهة الاستواء إلى جهة الحرف، ومنه
~~الاحتراف وهو أن يقصد جهة (من الأسباب) طالبا فيها رزقه)) { أو
~~متحيزا إلى فئة } أي منحازا إلى جماعة أخرى من المؤمنين
~~ومنضما إليهم وملحقا بهم ليقاتل معهم العدو، والفئة القطعة من الناس،
~~ويقال: فأوت رأسه بالسيف إذا قطعته وما ألطف التعبير بالفئة هنا، واعتبر
~~بعضهم كون الفئة قريبة للمتحيز ليستعين بهم، وكأنه مبني على المتعارف وكم
~~يعتبر ذلك آخرون اعتبارا للمفهوم اللغوي. ويؤيد ما أخرجه أحمد وابن ماجه
~~وأبو داود والترمذي وحسنه والبخاري في «الأدب المفرد» واللفظ له عن ابن
~~عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كنا في غزاة فحاص الناس حيصة قلنا: كيف
~~نلقى النبي صلى الله عليه وسلم وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ فأتينا
~~النبي صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر فخرج فقال: من القوم؟ فقلنا:
~~نحن الفارون فقال: لا بل أنتم العكارون فقبلنا يده فقال عليه الصلاة
~~والسلام: أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين ثم قرأ { إلا متحرفا
~~لقتال أو متحيزا إلى فئة } والعكارون الكرارون إلى
~~الحرب والعطافون نحوها.

# وبما روي أنه انهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر رضي الله
~~تعالى عنه فقال: يا أمير المؤمنين هلكت فررت من الزحف فقال عمر رضي الله
~~تعالى عنه: أنا فئتك، وبعضهم يحمل قوله عليه الصلاة والسلام: «أنتم
~~العكارون» على تسليتهم وتطييب قلوبهم، وحمل الكلام كله في الخبرين على
~~ذلك بعيد. نعم إن ظاهرهما يستدعي أن لا يكاد يوجد فار من الزحف، ووزن 
~~متحيز  متفيعل لا متفعل وإلا لكان متحوز لأنه من حاز يحوز وإلى هذا ذهب
~~الزمخشري ومن تبعه، وتعقب بأن الإمام المرزوقي ذكر أن تدير تفعل مع أنه
~~واوي نظر إلى شيوع ديار، وعليه فيجوز أن يكون تحيز تفعل نظرا إلى شيوخ
~~الحيز بالياء، فلهذا لم يجيء تدور وتحوز، وذكر ابن جني أن ما قاله هذا
~~الإمام هو الحق وأنهم قد يعدون المنقلب ms03555 كالأصلي ويجرون عليه أحكامه
~~كثيرا، لكن في دعواه نفي تحوز نظر، فإن أهل اللغة قالوا: تحوز وتحيز كما
~~يدل عليه ما في «القاموس»، وقال ابن قتيبة: تحوز تفعل وتحيز تفيعل، وهذه
~~المادة في كلامهم تتضمن العدول من جهة إلى أخرى من الحيز بفتح الحاء
~~وتشديد الياء، وقد وهم فيه من وهم، وهو فناء الدار ومرافقها، ثم قيل لكل
~~ناحية فالمستقر في موضعه كالجبل لا يقال له متحيز وقد يطلق عندهم على ما
~~يحيط به حيز موجود، والمتكلمون يريدون به الأعم وهو كل ما أشير إليه
~~فالعالم كله متحيز / ونصب الوصفين على الحالية وإلا ليست عاملة ولا واسطة
~~في العمل وهو معنى قولهم: لغو وكانت كذلك لأنه استثناء مفرغ من أعم
~~الأحوال ولولا التفريغ لكانت عاملة أو واسطة في العمل على الخلاف المشهور
~~وشرط الاستثناء المفرغ أن يكون في النفي أو صحة عموم المستثنى منه نحو
~~قرأت إلا يوم كذا ومنه ما نحن فيه ويصح أن يكون من الأول باعتبار أن يولي
~~بمعنى لا يقبل على القتال، ونظير ذلك ما قالوا في قوله عليه الصلاة
~~والسلام

# " العالم هلكى إلا العالمون "

# الحديث. وجوز أن يكون على الاستثناء من المولين، أي من يولهم دبره إلا
~~رجلا منهم متحرفا لقتال أو متحيزا { فقد بآء } أي رجع { بغضب
~~} عظيم لا يقادر قدره، وحاصله المولون إلا المتحرفين والمتحيزين لهم ما
~~ذكر { من الله } صفة غضب مؤكدة لفخامته أي بغضب كائن منه تعالى شأنه
~~{ ومأواه جهنم } أي بدل ما أراد بفراره أن يأوي إليه من مأوى
~~ينجيه من القتل { وبئس المصير } جهنم ولا يخفى ما في إيقاع البوء
~~في موقع جواب الشرط الذي هو التولية مقرونا بذكر المأوى والمصير من
~~الجزالة التي لا مزيد عليها.

# وفي الآية دلالة على تحريم الفرار من الزحف على غير المتحرف أو المتحيز،
~~وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم أنه قال:

# " اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك ms03556 بالله
~~تعالى والسحر وقتل النفس التى حرم الله تعالى إلا بالحق وأكل الربا وأكل
~~مال اليتيم والتولي يوم الزحف "

# وجاء عده في الكبائر في غير ما حديث قالوا: وهذا إذا لم يكن العدو أكثر
~~من الضعف لقوله تعالى:

# الئن خفف الله عنكم

# [الأنفال: 66] الآية أما إذا كان أكثر فيجوز الفرار فالآية ليست باقية
~~على عمومها وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم.

# وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال
~~من فر من ثلاثة فلم يفر ومن فر من اثنين فقد فر، وسمي هذا التخصيص نسخا
~~وهو المروي عن أبي رباح وعن محمد بن الحسن أن المسلمين إذا كانوا اثني
~~عشر ألفا لم يجز الفرار، والظاهر أنه لا يجوز أصلا لأنهم لا يغلبون عن
~~قلة كما في الحديث، وروي عن عمر وأبي سعيد الخدري وأبي نضرة والحسن رضي
~~الله تعالى عنهما وهي رواية عن الحبر أيضا أن الحكم مخصوص بأهل بدر،
~~وقال آخرون: إن ذلك مخصوص بما ذكر وبجيش فيه النبي صلى الله عليه وسلم
~~وعللوا ذلك بأن وقعة بدر أول جهاد وقع في الإسلام ولذا تهيبوه ولو لم
~~يثبتوا فيه لزم مفاسد عظيمة ولا ينافيه أنه لم يكن لهم فئة ينحازون إليها
~~لأن النظم لا يوجب وجودها وأما إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم معهم
~~فلأن الله تعالى ناصره، وأنت تعلم أنه كان في المدينة خلق كثير من
~~الأنصار لم يخرجوا لأنهم لم يعلموا بالنفير وظنوها العير فقط وأن النبي
~~صلى الله عليه وسلم حيث أن لله تعالى ناصره كان فئة لهم، وقال: بعضهم إن
~~الإشارة بيومئذ إلى يوم بدر لا تكاد تصح لأنه في سياق الشرط وهو مستقبل
~~فالآية وإن كانت نزلت يوم بدر قبل انقضاء القتال فذلك اليوم فرد من أفراد
~~يوم اللقاء فيكون عاما فيه لا خاصا به وإن نزلت بعده فلا يدخل يوم بدر
~~فيه بل يكون ذلك استئناف حكم بعده و { ويومئذ } إشارة إلى يوم
~~اللقاء ودفع بأن ms03557 مراد أولئك القائلين إنها نزلت يوم بدر وقد قامت قرينة
~~على تخصيصها ولا بعد فيه اه، وعندي أن السورة إنما نزلت بعد تمام القتال
~~ولا دليل على نزول هذه الآية قبله والتخصيص المذكور مما لا يقوم دليل على
~~سياق ويد الله مع الجماعة والله تعالى أعلم.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { يسألونك عن الأنفال } إذ
~~لم يرتفع عنهم إذ ذاك حجاب الأفعال / { قل الأنفال لله
~~والرسول } أي حكمها مختص بالله تعالى حقيقة وبالرسول مظهرية {
~~فاتقوا الله } بالاجتناب عن رؤية الأفعال برؤية فعل الله تعالى {
~~وأصلحوا ذات بينكم } بمحو صفات نفوسكم التي هي منشأ صدوركم
~~ما يوجب التنازع والتخالف { وأطيعوا الله ورسوله } بفنائها
~~ليتيسر لكم قبول الأمر بالإرادة القلبية الصادقة

# إن كنتم مؤمنين

# [الأنفال: 1] الإيمان الحقيقي { إنما المؤمنون } كذلك {
~~الذين إذا ذكر الله } بملاحظة عظمته تعالى وكبريائه وسائر
~~صفاته وهو ذكر القلب وذكره سبحانه وتعالى بالأفعال ذكر النفس { وجلت
~~قلوبهم } أي خافت لإشراق أنوار تجليات تلك الصفات عليها { وإذا
~~تليت عليهم آياته زادتهم } بالترقي من مقام العلم إلى
~~العين. وقد جاء أن الله تعالى تجلى لعباده في كلامه لو يعلمون

# وعلى ربهم يتوكلون

# [الأنفال: 2] إذ لا يرون فعلا لغيره تعالى، وذكر بعض أهل العلم أنه
~~سبحانه وتعالى نبه أولا: بقوله عز قائلا: { وجلت قلوبهم } على
~~بدء حال المريد لأن قلبه لم يقو على تحمل التجليات في المبدأ فيحصل له
~~الوجه كضرمة السعفة ويقشعر لذلك جلده وترتعد فرائصه، وأما المنتهي فقلما
~~يعرض له ذلك لما أنه قد قوي قلبه على تحمل التجليات وألفها فلا يتزلزل
~~لها ولا يتغير، وعلى هذا حمل السهروردي قدس سره ما روي عن الصديق الأكبر
~~رضي الله تعالى عنه أنه رأى رجلا يبكي عند قراءة القرآن فقال: هكذا كنا
~~حتى قست القلوب حيث أراد حتى قويت القلوب إذ أدمنت سماع القرآن وألفت
~~أنواره فما تستغربه حتى تتغير، ونبه ثانيا: سبحانه وتعالى بقوله جل
~~وعلا: { زادتهم إيمنا } على أخذ المريد في السلوك والتجلي
~~وعروجه في الأحوال، وثالثا: بقوله ms03558 عز شأنه { وعلى ربهم
~~يتوكلون } على صعوده في الدرجات والمقامات، وفي تقديم المعمول
~~إيذان بالتبري عن الحول والقوة والتفويض الكامل وقطع النظر عما سواه
~~تعالى، وفي صيغة المضارع تلويح إلى استيعاب مراتب التوكل كلها، وهو كما
~~قال العارف أبو إسماعيل الأنصاري أن يفوض الأمر كله إلى مالكه ويعول على
~~وكالته، وهو من أصعب المنازل، وهو دليل العبودية التي هي تاج الفخر عند
~~الأحرار، والظاهر أن الخوف الذي هو خوف الجلال والعظمة يتصف به الكاملون
~~أيضا ولا يزول عنهم أصلا وهذا بخلاف خوف العقاب فإنه يزول، وإلى ذلك
~~الإشارة بما شاع في الأثر

# " نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه "

# { الذين يقيمون الصلوة } أي صلاة الحضور القلبي وهي
~~المعراج المعنوي إلى مقام القرب { ومما رزقنهم } من العلوم
~~التي حصلت لهم بالسير

# ينفقون

# [الأنفال: 3] { أولئك هم المؤمنون حقا } لأنهم الذي
~~ظهرت فيهم الصفات الحقة وغدوا مرايا لها ومن هنا قيل: المؤمن مرآة المؤمن
~~{ لهم درجت عند ربهم } من مراتب الصفات وروضات جنات
~~القلب { ومغفرة } لذنوب الأفعال

# ورزق كريم

# [الأنفال: 4] من ثمرات أشعار التجليات الصفاتية، وقال بعض العارفين:
~~المغفرة إزالة الظلمات الحاصلة من الاشتغال بغير الله تعالى والرزق
~~الكريم الأنوار الحاصلة بسبب الاستغراق في معرفته ومحبته وهو قريب مما
~~ذكرنا { كما أخرجك ربك من بيتك } متلبسا { بالحق
~~وإن فريقا من المؤمنين } وهم المحتجبون برؤية الأفعال

# لكارهون

# [الأنفال: 5] أي حالهم في تلك الحال كحالهم في هذه الحال

# يجدلونك في الحق بعد ما تبين

# [الأنفال: 6] لك أو لهم بالمعجزات { إذ تستغيثون ربكم }
~~بالبراءة عن الحول والقوة والانسلاخ عن ملابس الأفعال والصفات النفسية {
~~فاستجاب لكم } عند ذلك { أني ممدكم } من عالم الملكوت
~~لمشابهة قلوبكم إياه حينئذ { بألف من الملئكة } أي القوى
~~السماوية وروحانياتها

# مردفين

# [الأنفال: 9] لملائكة أخرى وهو إجمال ما في آل عمران

# وما جعله الله

# [آل عمران: 124-125] أي ما جعل الله تعالى الإمداد / { إلا بشرى
~~} أي بشارة لكم بالنصر { ولتطمئن به قلوبكم } لما فيها من
~~اتصالها بما يناسبها { وما النصر إلا من ms03559 عند الله }
~~والأسباب في الحقيقة ملغاة { إن الله عزيز } قوي على النصر من
~~غير سبب

# حكيم

# [الأنفال: 10] يفعله على مقتضى الحكمة وقد اقتضت فعله على الوجه المذكور
~~{ إذ يغشيكم النعاس } وهو هدو القوى البدنية والصفات
~~النفسانية بنزول السكينة { أمنة منه } أي أمنا من عنده سبحانه
~~وتعالى { وينزل عليكم من السمآء } أي سماء الروح { مآء
~~} وهو ماء علم اليقين { ليطهركم به } عن حدث هواجس الوهم
~~وجنابة حديث النفس { ويذهب عنكم رجز الشيطان } وسوسته
~~وتخويفه { وليربط على قلوبكم } أي يقويها بقوة اليقين
~~ويسكن جأشكم

# ويثبت به الأقدام

# [الأنفال: 11] إذ الشجاعة وثبات الأقدام في المخاوف من ثمرات قوة اليقين
~~{ إذ يوحى ربك إلى الملئكة أني معكم } أي يمد
~~الملكوت بالجبروت { فثبتوا الذين ءامنوا سألقي في
~~قلوب الذين كفروا الرعب } لانقطاع المدد عنهم واستيلاء
~~قتام الوهم عليهم { فاضربوا فوق } لئلا يرفعوا رأسا

# واضربوا منهم كل بنان

# [الأنفال: 12] لئلا يقدروا على المدافعة، وبعضهم جعل الإشارة في الآيات
~~نفسية والخطاب فيها حسبما يليق له الخطاب من المرشد والسالك مثلا، ولكل
~~مقام مقال، وفي «تأويل النيسابوري» نبذة من ذلك فارجع إليه إن أردته وما
~~ذكرناه يكفي لغرضنا وهو عدم إخلاء كتابنا من كلمات القوم ولا نتقيد
~~بآفاقية أو أنفسية والله تعالى الموفق للرشاد، ثم إنه تعالى عاد كلامه
~~إلى بيان بقية أحكام الواقعة وأحوالها وتقرير ما سبق حيث قال سبحانه: {
~~فلم تقتلوهم }.

### || [8.17]

# { فلم تقتلوهم } الخطاب للمؤمنين، والفاء قيل واقعة في جواب
~~شرط مقدر يستدعيه ما مر من ذكر إمداده تعالى وأمر بالتثبيت وغير ذلك،
~~كأنه قيل: إذا كان الأمر كذلك فلم تقتلوهم أنتم بقوتكم وقدرتكم {
~~ولكن الله قتلهم } بنصركم وتسليطكم عليهم وإلقاء الرعب في
~~قلوبهم. وجوز أن يكون التقدير إذا علمتم ذلك فلم تقتلوهم على معنى
~~فاعلموا أو فأخبركم أنكم لم تقتلوهم، وقيل: التقدير إن افتخرتم بقتلهم
~~فلم تقتلوهم لما روي أنهم لما انصرفوا من المعركة غالبين غانمين أقبلوا
~~يتفاخرون يقولون: قتلت وأسرت وفعلت وتركت فنزلت. وقال أبو حيان: ((ليست
~~هذه الفاء جواب شرط محذوف كما ms03560 زعموا وإنما هي للربط بين الجمل لأنه قال
~~سبحانه:

# فاضربوا فوق الأعنق واضربوا منهم كل بنان

# [الأنفال: 12] وكان امتثال ما أمر به سببا للقتل فقيل فلم تقتلوهم أي
~~لستم مستبدين بالقتل لأن الأقدار عليه والخلق له إنما هو لله تعالى))،
~~قال السفاقسي: وهذا أولى من دعوى الحذف. وقال ابن هشام: إن الجواب المنفي
~~لا تدخل عليه الفاء. ومن هنا مع كون الكلام على نفي الفاعل دون الفعل كما
~~قيل ذهب الزمخشري إلى اسمية الجملة حيث قدر المبتدأ أي فأنتم لم تقتلوهم،
~~وجعل بعضهم المذكور علة الجزاء أقيمت مقامه وقال: إن الأصل إن افتخرتم
~~بقتلهم فلا تفتخروا به لأنكم لم تقتلوهم ونظائره كثيرة، ولعل كلام أبي
~~حيان كما قال السفاقسي أولى.

# والخطاب في قوله سبحانه: { وما رميت إذ رميت ولكن
~~الله رمى } خطاب لنبيه عليه الصلاة والسلام بطريق التلوين وهو
~~إشارة إلى رميه صلى الله عليه وسلم بالحصى يوم بدر وما كان منه، فقد روي
~~أنه عليه الصلاة والسلام قال لما طلعت قريش من العقنقل:

# " هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها اللهم إني أسألك ما وعدتني فأتاه جبريل
~~عليه السلام فقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى الجمعان
~~قال لعلي كرم الله تعالى وجهه: أعطني قبضة من حصباء الوادي فرمى بها
~~وجوههم فقال: شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه / فانهزموا وردفهم
~~المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم "

# وجاء من عدة طرق ذكرها الحافظ ابن حجر أن هذا الرمي كان يوم بدر، وزعم
~~الطيبي أنه لم يكن إلا يوم حنين وأن أئمة الحديث لم يذكر أحد منهم أنه
~~كان يوم بدر وهو كما قال الحافظ السيوطي ناشيء من قلة الاطلاع فإنه عليه
~~الرحمة لم يبلغ درجة الحفاظ ومنتهى نظره «الكتب الست» و «مسند أحمد» و
~~«مسند الدارمي» وإلا فقد ذكر المحدثون أن الرمي قد وقع في اليومين فنفي
~~وقوعه في يوم بدر مما لا ينبغي، وذكر ما في حنين في هذه القصة من غير
~~قرينة بعيد جدا، وما ذكره في تقريب ms03561 ذلك ليس بشيء كما لا يخفى على من
~~راجعه وأنصف.

# ويرد نحو هذا على ما روي عن الزهري وسعيد بن المسيب من أن الآية إشارة
~~إلى رميه عليه الصلاة والسلام يوم أحد فإن اللعين أبي بن خلف قصده عليه
~~الصلاة والسلام فاعترض رجال من المسلمين له ليقتلوه فقال لهم رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " استأخروا فاستأخروا فأخذ عليه الصلاة والسلام حربته بيده فرماه بها
~~فكسر ضلعا من أضلاعه، وفي رواية خدش ترقوته فرجع إلى أصحابه ثقيلا وهو
~~يقول: قتلني محمد فطفقوا يقولون: لا بأس عليك فقال: والله لو كانت بالناس
~~لقتلتهم فجعل يخور حتى مات ببعض الطريق "

# وما أخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم يوم ابن أبي الحقيق وذلك في خيبر دعا بقوس فأتي بقوس طويلة فقال
~~عليه الصلاة والسلام: جيئوني بقوس غيرها فجاءوه بقوس كبداء فرمى صلى الله
~~عليه وسلم الحصن فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق في فراشه
~~فأنزل الله تعالى الآية، والحق المعول عليه هو الأول، وتجريد الفعل عن
~~المفعول به لما أن المقصود بيان حال الرمي نفيا وإثباتا إذ هو الذي ظهر
~~منه ما ظهر وهو المنشأ لتغير المرمي به في نفسه وتكثره إلى حيث أصاب عيني
~~كل واحد من أولئك الجم الغفير شيء من ذلك، والمعنى على ما قيل: وما فعلت
~~أنت يا محمد تلك الرمية المستتبعة لتلك الآثار العظيمة حقيقة حين فعلتها
~~صورة ولكن الله تعالى فعلها أي خلقها حين باشرتها على أكمل وجه حيث أوصل
~~بها الحصباء إلى أعينهم جميعا. واستدل بالآية على أن أفعال العباد بخلقه
~~تعالى وإنما لهم كسبها ومباشرتها قال الإمام: ((أثبت سبحانه كونه صلى
~~الله عليه وسلم راميا ونفى كونه راميا فوجب حمله على أنه عليه الصلاة
~~والسلام رمى كسبا والله تعالى رمى خلقا))، وقال ابن المنير: ((إن علامة
~~المجاز أن يصدق نفيه حيث يصدق ثبوته ألاتراك تقول للبليد حمار ثم تقول
~~ليس بحمار فلما أثبت سبحانه ms03562 الفعل للخلق ونفاه عنهم دل على أن نفيه على
~~الحقيقة وثبوته على المجاز بلا شبهة، فالآية تكفح بل تلفح وجوه القدرية
~~بالرد))، فإن قلت: إن أهل المعاني جعلوا ذلك من تنزيل الشيء منزلة عدمه
~~وفسروه بما رميت حقيقة إذ رميت صورة والرمي الصوري موجود والحقيقي لم
~~يوجد فلا تنزيل أجيب بأن الصوري مع وجود الحقيقي كالعدم وما هو إلا كنور
~~الشمع مع شعشعة الشمس ولذا أتى بنفيه مطلقا كإثباته، وما ذكروه بيان
~~لتصحيح المعنى في نفس الأمر وهو لا ينافي النكتة المبنية على الظاهر،
~~ولذا قال في «شرح المفتاح» النفي والإثبات واردان على شيء واحد باعتبارين
~~فالمنفي هو الرمي باعتبار الحقيقة كما أن المثبت هو الرمي باعتبار
~~الصورة، والمشهور حمل الرمي في حيز الاستدراك على الكامل وهو الرمي
~~المؤثر ذلك التأثير العظيم، واعترض المطلق ينصرف / إلى الفرد الكامل
~~لتبادره منه وأما ما جرى على خلاف العادة وخرج عن طوق البشر فلا يتبادر
~~حتى ينصرف إليه بل ذلك ليس من أفراده وأجيب بأنا لا ندعي إلا الفرد
~~الكامل من ذاك المطلق حسبما تقتضيه القاعدة، وكون ذلك الفرد جاريا على
~~خلاف العادة وخارجا عن طوق البشر إنما جاء من خارج، ووصف الرمي بما ذكر
~~بيان لكماله، ولا يستدعي ذلك أن لا يكون من أفراد المطلق ومن ادعاه فقد
~~كابر.

# واعترض على التفسير الأول بأنه مشعر بتفسير { رمى } في حيز الاستدراك
~~بخلق الرمي وتفسير { رميت } في حيز النفي بخلقت الرمي، فحاصل المعنى
~~حينئذ وما خلقت الرمي إذ صدر عنك صورة ولكن الله سبحانه خلقه، ويلزم منه
~~صحة أن يقال مثلا: ما قمت إذ قمت ولكن الله سبحانه قام على معنى ما خلقت
~~القيام إذ صدر عنك صورة ولكن الله تبارك وتعالى خلقه ولا أظنك في مرية من
~~عدم صحة ذلك وأجيب بأن القياس يقتضي صحة ذلك إلا أن مدار الأمر على
~~التوقيف. واعترض على ما يستدعيه كلام ابن المنير من أن المعنى وما رميت
~~حقيق إذ رميت مجازا ولكن الله تعالى رمى حقيقة ms03563 بأن نفى الرمي حقيقة حين
~~إثباته مجازا من أجل البديهيات فأي فائدة في الإخبار بذلك، قيل: ومثل
~~ذلك يرد على كلام الإمام لأن كسب العبد للفعل عندهم على المشهور عبارة عن
~~محلية العبد للفعل من غير تأثير لقدرته في إيجاده ويؤول ذلك إلى مباشرته
~~له من غير خلق، فيكون المعنى وما خلقت الرمي إذ باشرت ولم تخلق وهو كما
~~ترى، وبالجملة كلام أكثر أهل الحق في تفسير الآية والاستدلال بها وكذا
~~بالآية قبلها على مذهبهم لا يخلو عن مناقشة ما، ولعل الجواب عنها متيسر
~~لأهله.

# وقال بعض المحققين: إنه أثبت له صلى الله عليه وسلم الرمي لصدوره عنه
~~عليه الصلاة والسلام ونفى عنه لأن أثره ليس في طاقة البشر، ولذا عد ذلك
~~معجزة حتى كأنه صلى الله عليه وسلم لا مدخل له فيه، فمبنى الكلام على
~~المبالغة ولا يلزم منه عدم مطابقته للواقع لأن معناه الحقيقي غير مقصود،
~~ولا يصح أن تخرج الآية على الخلق والمباشرة لأن جميع أفعال العباد
~~بمباشرتهم وخلق الله تعالى فلا يكون للتخصيص بهذا الرمي معنى وله وجه وإن
~~قيل عليه ما قيل وأنا أقول: إن للعبد قدرة خلقها الله تعالى له مؤثرة
~~بإذنه فما شاء الله سبحانه كان وما لم يشأ لم يكن لا أنه لا قدرة له
~~أصلا كما يقول الجبرية، ولا أن له قدرة غير مؤثرة كما هو المشهور من
~~مذهب الأشاعرة، ولا أن له قدرة مؤثرة بها يفعل ما لا يشاء الله تعالى
~~فعله كما يقول المعتزلة، وأدلة ذلك قد بسطت في محلها وألفت فيها رسائل
~~تلقم المخالف حجرا، وليس إثبات صحة هذا القول وكذا القول المشهور عند
~~الأشاعرة عند من يراه موقوفا على الاستدلال بهذه الآية حتى إذا لم تقم
~~الآية دليلا يبقى المطلب بلا دليل.

# فإذا كان الأمر كذلك فأنا لا أرى بأسا في أن يكون الرمي المثبت له صلى
~~الله عليه وسلم هو الرمي المخصوص الذي ترتب عليه ما ترتب مما أبهر العقول
~~وحير الألباب، وإثبات ذلك له عليه ms03564 الصلاة والسلام حقيقة على معنى أنه
~~فعله بقدرة أعطيت له صلى الله عليه وسلم مؤثرة بإذن الله تعالى إلا أنه
~~لما كان ما ذكر خارجا عن العادة إذ المعروف في القدر الموهوبة للبشر أن
~~لا تؤثر مثل هذا الأثر نفى ذلك عنه وأثبت لله سبحانه مبالغة، كأنه قيل:
~~إن ذلك الرمي وإن صدر منك حقيقة بالقدرة المؤثرة بإذن الله سبحانه لكنه
~~لعظم أمره وعدم مشابهته لأفعال البشر كأنه لم يصدر منك بل صدر من الله جل
~~شأنه بلا واسطة، وكذا يجوز أن يكون المعنى وما رميت بالرعب إذ رميت
~~بالحصباء ولكن الله تعالى رمى بالرعب، فالرمي المنفي أولا والمثبت
~~أخيرا غير / المثبت في الأثناء وعلى الوجهين يظهر بأدنى تأمل وجه تخالف
~~أسلوبي الآيتين حيث لم يقل: وما رميت ولكن الله رمى ليكون على أسلوب {
~~فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم } ولا فلم تقتلوهم
~~إذ قتلتموهم ولكن الله قتلهم ليكون على أسلوب { وما رميت إذ
~~رميت ولكن الله رمى } ولا يظهر لي نكتة في هذا التخالف
~~على الوجوه التي ذكرها المعظم، وكونها الإشارة إلى أن الرمي لم يكن في
~~تلك الوقعة كالقتل بل كان في حنين دونه على ما فيه مخالف لما صح من أن
~~كلا الأمرين كان في تلك الوقعة كما علمت فتأمل فلمسلك الذهن اتساع: وقرىء
~~{ ولكن الله } بالتخفيف ورفع الاسم الجليل في المحلين.

# { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا } أي ليعطيهم
~~سبحانه من عنده إعطاء جميلا غير مشوب بالشدائد والمكاره على أن البلاء
~~بمعنى العطاء كما في قول زهير:

# جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم

# فأبلاهما خير البلاء الذي يبلى

# واختار بعضهم تفسيره بالإبلاء في الحرب بدليل ما بعده يقال: أبلى بلاء
~~حسنا أي قاتل قتالا شديدا وصبر صبرا عظيما، سمي به ذلك الفعل لأنه
~~ما يخبر به المرء فتظهر جلادته وحسن أثره، واللام إما للتعليل متعلق
~~بمحذوف متأخر فالواو إعتراضية أي وللإحسان إليهم بالنصر والغنيمة فعل ما
~~فعل لا لشيء آخر غير ذلك مما لا يجديهم نفعا، وإما برمي ms03565 فالواو للعطف
~~على علة محذوفة أي ولكن الله رمى ليمحق الكافرين وليبلي الخ. وقوله
~~تعالى: { إن الله سميع } أي لدعائهم واستغاثتهم أو لكل مسموع
~~ويدخل فيه ما ذكر { عليم } أي بنياتهم وأحوالهم الداعية للإجابة أو
~~لكل معلوم ويدخل فيه ما ذكر أيضا تعليل للحكم.

### || [8.18]

# { ذلكم } إشارة إلى البلاء الحسن، ومحله الرفع على أنه خبر مبتدأ
~~محذوف، وقوله سبحانه وتعالى: { وأن الله موهن كيد
~~الكافرين } معطوف عليه أي المقصد إبلاء المؤمنين وتوهين كيد
~~الكافرين وإبطال حيلهم، وقيل: المشار إليه القتل أو الرمي والمبتدأ الأمر
~~أي الأمر ذلكم أي القتل أو الرمي فيكون قوله تعالى: { وأن الله }
~~الخ من قبيل عطف البيان، وقيل: المشار إليه الجميع بتأويل ما ذكر. وجوز
~~جعل اسم الإشارة مبتدأ محذوف الخبر وجعله منصوبا بفعل مقدر. وقرأ ابن
~~كثير ونافع وأبو بكر { موهن } بالتشديد ونصب { كيد }. وقرأ حفص عن عاصم
~~بالتخفيف والإضافة وقرأ الباقون بالتخفيف والنصب.

### || [8.19]

# { إن تستفتحوا } خطاب للمشركين على سبيل التهكم فقد روي أنهم
~~حين أرادوا الخروج تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين
~~وأهدي الفئتين وأكرم الحزبين. وفي رواية أن أبا جهل قال حين التقى
~~الجمعان: اللهم ربنا ديننا القديم ودين محمد الحديث فأي الدينين كان أحب
~~إليك وأرضى عنك فانصر أهله اليوم. والأول مروي عن الكلبي والسدي، والمعنى
~~إن تستنصروا لأعلى الجندين وأهداهما { فقد جاءكم الفتح } حيث
~~نصر أعلاهما وأهداهما وقد زعمتم أنكم الأعلى والأهدى فالتهكم في المجيء
~~أو فقد جاءكم الهلاك والذلة فالتهكم في نفس الفتح حيث وضع موضع ما يقابله
~~{ وإن تنتهوا } عن حراب الرسول عليه الصلاة والسلام ومعاداته {
~~فهو } أي الانتهاء { خير لكم } من الحراب الذي ذقتم بسببه ما
~~ذقتم من القتل والأسر، ومبنى اعتبار أصل الخيرية في المفضل عليه هو
~~التهكم { وإن تعودوا } أي إلى حرابه عليه الصلاة والسلام { نعد
~~} لما شاهدتموه من الفتح { ولن تغنى } أي لن تدفع / { عنكم
~~فئتكم } جماعتكم التي تجمعونها وتستغيثون بها { شيئا } من
~~الإغناء أو المضار { ولو كثرت } تلك الفئة وقرىء { ولن ms03566 يغني }
~~بالياء التحتانية لأن تأنيث الفئة غير حقيقي وللفصل ونصب { شيئا } على
~~أنه مفعول مطلق أو مفعول به، وجملة { ولو كثرت } في الموضع الحال
~~{ وأن الله مع المؤمنين } أي ولأن الله تعالى معين
~~المؤمنين كان ذلك أو والأمر أن الله سبحانه معهم، وقرأ الأكثر { وإن }
~~بالكسر على الاستئناف، قيل: وهي أوجه من قراءة الفتح لأن الجملة حينئذ
~~تذييل، كأنه قيل: القصد إعلاء أمر المؤمنين وتوهين كيد الكافرين وكيت
~~وكيت، وإن سنة الله تعالى جارية في نصر المؤمنين وخذلان الكافرين، وهذا
~~وإن أمكن إجراؤه على قراءة الفتح لكن قراءة الكسر نص فيه، ويؤيدها قراءة
~~ابن مسعود { والله مع المؤمنين } ، وروي عن عطاء وأبي بن كعب، وإليه ذهب
~~أبو علي الجبائي أن الخطاب للمؤمنين، والمعنى إن تستنصروا فقد جاءكم
~~النصر وإن تنتهوا عن التكاسل والرغبة عما يرغب فيه الرسول صلى الله عليه
~~وسلم فهو خير لكم من كل شيء لما أنه مدار لسعادة الدارين وإن تعودوا إليه
~~نعد عليكم بالإنكار وتهييج العدو ولن تغني عنكم حينئذ كثرتكم إذ لم يكن
~~الله تعالى معكم بالنصر والأمر ان الله سبحانه مع الكاملين في الإيمان،
~~ويفهم كلام بعضهم أن الخطاب في { تستفتحوا } و { جاءكم }
~~للمؤمنين، وفيما بعده للمشركين ولا يخفى أنه خلاف الظاهر جدا، وأيد كون
~~الخطاب في الجميع للمؤمنين بقوله تعالى: { يأيها الذين
~~ءامنوا أطيعوا... }.

### || [8.20]

# { يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله ورسوله ولا
~~تولوا } أي تتولوا، وقرىء بتشديد التاء { عنه } أي عن الرسول
~~وأعيد الضمير إليه عليه الصلاة والسلام لأن المقصود طاعته صلى الله عليه
~~وسلم، وذكر طاعة الله تعالى توطئة لطاعته وهي مستلزمة لطاعة الله تعالى
~~لأنه مبلغ عنه فكان الراجع إليه كالراجع إلى الله تعالى ورسوله وقيل:
~~الضمير للجهاد، وقيل: للأمر الذي دل عليه الطاعة؛ والتولي مجاز، وقوله
~~تعالى: { وأنتم تسمعون } جملة حالة واردة لتأكيد وجوب الانتهاء
~~عن التولي مطلقا لا لتقييد النهي عنه بحال السماع: أي لا تتولوا عنه
~~والحال أنكم تسمعون القرآن الناطق بوجوب طاعته والمواعظ الزاجرة عن
~~مخالفته سماع ms03567 تفهم وإذعان، وقد يراد بالسماع التصديق، وقد يبقى الكلام
~~على ظاهره من غير ارتكاب تجوز أصلا.

### || [8.21]

# وقوله سبحانه { ولا تكونوا } تقريرا لما قبله أي لا تكونوا
~~بمخالفة الأمر والنهي { كالذين قالوا سمعنا } كالكفرة
~~والمنافقين الذين يدعون السماع { وهم لا يسمعون } أي سماعا
~~ينتفعون به لأنهم لا يصدقون ما سمعوه ولا يفهمونه حق فهمه والجملة في
~~موضع الحال من ضمير { قالوا } والمنفي سماع خاص لكنه أتي به مطلقا
~~للإشارة إلى أنهم نزلوا منزلة من لم يسمع أصلا بجعل سماعهم كالعدم.

### || [8.22]

# { إن شر الدواب } استئناف مسوق لبيان كمال سوء حال المشبه
~~بهم مبالغة في التحذير وتقريرا للنهي إثر تقرير، والدواب جمع دابة،
~~والمراد بها إما المعنى اللغوي أو العرفي أي إن شر من يدب على الأرض أو
~~شر البهائم { عند الله } أي في حكمه وقضائه { الصم } الذين لا
~~يسمعون الحق { البكم } الذين لا ينطقون به، والجمع على المعني،
~~ووصفوا بذلك لأن ما خلق له الحاستان سماع الحق والنطق به وحيث لم يوجد
~~فيهم شيء من ذلك صاروا كأنهم فاقدون لهما رأسا. / وتقديم الصم على البكم
~~لما أن صممهم متقدم على بكمهم فإن السكوت عن النطق بالحق من فروع عدم
~~سماعهم له كما أن النطق به من فروع سماعه، وقيل: التقديم لأن وصفهم
~~بالصمم أهم نظرا إلى السابق واللاحق، ثم وصفوا بعدم التعقل في قوله
~~تعالى: { الذين لا يعقلون } تحقيقا لكمال سوء حالهم فإن الأصم
~~الأبكم إذا كان له عقل ربما يفهم بعض الأمور ويفهمه غيره [بالإشارة]
~~ويهتدي [بذلك] إلى بعض مطالبه. أما إذا كان فاقدا للعقل أيضا فقد بلغ
~~الغاية في الشرية وسوء الحال، وبذلك يظهر كونهم شر الدواب حيث أبطلوا ما
~~به يمتازون عنها.

### || [8.23]

# { ولو علم الله فيهم } أي في هؤلاء الصم البكم { خيرا }
~~أي شيئا من جنس الخير الذي من جملته صرف قواهم إلى تحري الحق واتباع
~~الهدى { لأسمعهم } سماع تدبر وتفهم ولوقفوا على الحق وآمنوا
~~بالرسول عليه الصلاة والسلام وأطاعوه { ولو أسمعهم } سماع تفهم
~~وتدبر وقد ms03568 علم أن لا خير فيهم { لتولوا } ولم ينتفعوا به وارتدوا
~~بعد التصدق والقبول { وهم معرضون } لعنادهم، والجملة حال مؤكدة
~~مع اقترانها بالواو، ومما ذكر يعلم الجواب عما قيل: إن الآية قياس
~~اقتراني من شرطيتين ونتيجته غير صحيحة لما أنه أشير فيه أولا إلى منع
~~القصد إلى القياس لفقد الكلية الكبرى، وثانيا إلى منع فساد النتيجة إذ
~~اللازم لو علم الله تعالى فيهم خيرا في وقت لتولوا بعده قاله بعض
~~المحققين، وفي «المغني» والجواب من ثلاثة أوجه اثنان يرجعان إلى منع كون
~~المذكور قياسا وذلك لاختلاف الوسط. أحدهما أن التقدير لأسمعهم سماعا
~~نافعا ولو أسمعهم سماعا غير نافع لتولوا. والثاني أن يقدر ولو أسمعهم
~~على تقدير علم عدم الخير فيهم كما أشير إليه. والثالث إلى منع استحالة
~~النتيجة بتقدير كونه قياسا متحد الوسط، إذ التقدير ولو علم الله تعالى
~~فيهم خيرا في وقت ما لتولوا بعد ذلك، ولا يخفى ضعف الجواب الأول لأنه لا
~~قرينة على تقييد لو أسمعهم بالسماع الغير النافع ولأنه يحقق فيهم الإسماع
~~الغير النافع إلا أن يقيد بالإسماع بعد نزول هذه الآية، وكذا ضعف الثالث
~~لأن علمه تعالى بالخير ولو في وقت لا يستلزم التولي بل عدمه. وأما الجواب
~~الثاني فهو قوي لأن الشرطية الأولى قرينة على تقييد الإسماع في الشرطية
~~الثانية بتقدير علم عدم الخير فيهم، وذكر بعضهم في الجواب أن الشرطيتين
~~مهملتان وكبرى الشكل الأول يجب أن تكون كلية ولو سلم فإنما ينتجان أي
~~اللزومية لو كانتا لزوميتين وهو ممنوع ولو سلم فاستحالة النتيجة ممنوعة،
~~أي لا نسلم استحالة الحكم باللزوم بين المقدم والتالي وإن كان الطرفان
~~محالين لأن علم الله تعالى فيهم خيرا محال والمحال جاز أن يستلزم المحال
~~وإن لم يوجد بينهما علاقة عقلية على ما هو التحقيق من عدم اشتراط العلاقة
~~في استلزام المحال للمحال.

# واعترض على أصل السؤال بأن لفظ { لو } لم يستعمل في فصيح الكلام في
~~القياس الاقتراني وإنما يستعمل في القياس الاستثنائي المستثنى فيه نقيض
~~التالي لأنها لامتناع الشي ms03569 لامتناع غيره، ولهذا لا يصرح باستثناء نقيض
~~التالي، وعلى الجواب بأن فيه تسليم كون ما ذكر قياسا ومنع كونه منتجا
~~لانتفاء شرائط الإنتاج وكيف يصح اعتقاد وقوع قياس في كلام الحكيم تعالى
~~أهملت فيه شرائط الإنتاج وإن لم يكن مراده تعالى قياسيته وذكر أن الحق أن
~~قوله سبحانه: { لو علم الله فيهم خيرا } وارد على قاعدة
~~اللغة يعني أن سبب عدم الإسماع عدم العلم بالخير فيهم ثم ابتدأ قوله
~~تعالى: { ولو أسمعهم لتولوا } كلاما آخر على طريقة  «لو
~~لم يخف الله / تعالى لم يعصه»  وحاصل ذلك أنه كلام منقطع عما قبله
~~والمقصود منه تقرير قولهم في جميع الأزمنة حيث ادعى لزومه لما هو مناف له
~~ليفيد ثبوته على تقدير الشرط وعدمه، فمعنى الآية حينئذ أنه انتفى الإسماع
~~لانتفاء علم الخير وأنهم ثابتون على التولي ففي الشرطية الأولى اللزوم في
~~نفس الأمر وفي الثانية إدعائي فلا يكون على هيئة القياس.

# وقال العلامة الثاني: يجوز أن يكون التولي منفيا بسبب انتفاء الإسماع
~~كما هو مقتضى أصل { لو } لأن التولي بمعنى الاعراض عن الشيء كما هو أصل
~~معناه لا بمعنى مطلق التكذيب والإنكار، فعلى تقدير عدم إسماعهم ذلك الشيء
~~لم يتحقق التولي والإعراض لأن الإعراض عن الشيء فرع تحققه ولم يلزم من
~~هذا تحقق الانقياد له لأن الانقياد للشيء وعدم الانقياد له ليسا على طرفي
~~النقيض بل العدول والتحصيل لجواز ارتفاعهما بعدم ذلك الشيء وحاصله كما
~~قيل: إنه إذا كان التولي بمعنى الإعراض يجوز أن يكون { لو } بمعناه
~~المشهور، ويكون المقصود الإخبار بأن انتفاء الثاني في الخارج لانتفاء
~~الأول فيه كالشرطية الأولى ولا ينتظم منهما القياس إذ ليس المقصود منهما
~~بيان استلزام الأول للثاني في نفس الأمر ليستدل بل اعتبار السببية
~~واللزوم بينهما ليعلم السببية بين الانتفائين المعلومين في الخارج، وما
~~يقال: من أن انتفاء التولي خير وقد ذكر أن لا خير فيهم مجاب عنه بأن لا
~~نسلم أن انتفاء التولي بسبب انتفاء الإسماع خير لأنه يجوز أن يكون ذلك
~~بسبب عدم الأهلية ms03570 للإسماع وهو داء عضال وشر عظيم، وإنما يكون خيرا لو
~~كانوا من أهله بأن أسمعوا شيئا ثم انقادوا له ولم يعرضوا وهذا كما يقال:
~~لا خير في فلان لو كانت به قوة لقتل المسلمين، فإن عدم قتل المسلمين بناء
~~على عدم القوة والقدرة ليس خيرا فيه وإن كان خيرا له ا ه.

# ورده الشريف قدس سره بما تعقبه السيالكوتي عليه الرحمة. نعم قال مولانا
~~محمد أمين بن صدر الدين: إن حمل التولي ههنا على معنى الإعراض غير ممكن
~~لمكان قوله سبحانه: { وهم معرضون } وأوجب أن يحمل إما على لازم
~~معناه وهو عدم الانتفاء لأنه يلزم الإعراض أو على ملزومه وهو الارتداد
~~لأنه يلزمه الإعراض فليفهم، وعن الجبائي أنهم كانوا يقولون لرسول الله
~~صلى الله عليه وسلم: أحي لنا قصيا فإنه كان شيخا مباركا حتى يشهد لك
~~ونؤمن بك، فالمعنى ولو أسمعهم كلام قصي الخ، وقيل: هم بنو عبد الدار بن
~~قصي لم يسلم منهم إلا مصعب بن عمير وسويد بن حرملة كانوا يقولون: نحن صم
~~بكم عمي عما جاء به محمد لا نسمعه ولا نجيبه قاتلهم الله تعالى فقتلوا
~~جميعا بأحد وكانوا أصحاب اللواء، وعن ابن جريج أنهم المنافقون وعن الحسن
~~أنهم أهل الكتاب، والجملة الاسمية في موضع الحال من ضمير { تولوا }
~~، وجوز أن تكون اعتراضا تذييلا أي وهم قوم عادتهم الإعراض.

### || [8.24]

# { يا أيها الذين ءامنوا } تكرير النداء مع وصفهم بنعت
~~الإيمان لتنشيطهم إلى الإقبال على الامتثال بما يرد بعده من الأوامر
~~وتنبيههم على أن فيهم ما يوجب ذلك { استجيبوا لله وللرسول
~~} بحسن الطاعة { إذا دعاكم } أي الرسول إذ هو المباشر لدعوة الله
~~تعالى مع ما أشرنا إليه آنفا { لما يحييكم } أي لما يورثكم
~~الحياة الأبدية في النعيم الدائم من العقائد والأعمال أو من الجهاد الذي
~~أعزكم الله تعالى به بعد الذل وقواكم به بعد الضعف ومنعكم به من عدوكم
~~بعد القهر كما روي ذلك عن عروة بن الزبير، وإطلاق ما ذكر على العقائد
~~والأعمال وكذا على الجهاد إما ms03571 استعارة أو مجاز مرسل باطلاق السبب على
~~المسبب، وقال القتبي: المراد به الشهادة وهو مجاز أيضا، وقال قتادة:
~~القرآن، وقال أبو مسلم: الجنة، وقال غير واحد: هو العلوم الدينية التي هي
~~مناط الحياة الأبدية كما أن الجهل مدار الموت الحقيقي، وهو استعارة
~~مشهورة ذكرها الأدباء / وعلماء المعاني. وللزمخشري:

# لا تعجبن لجهول حلته

# فذاك ميت وثوبه كفن

# واستدل بالآية على وجوب إجابته صلى الله عليه وسلم إذا نادى أحدا وهو
~~في الصلاة، وعن الشافعي أن ذلك لا يبطلها لأنها أيضا إجابة، وحكى
~~الروياني أنها لا تجب وتبطل الصلاة بها، وقيل: إنه يقطع الصلاة إذا كان
~~الدعاء لأمر يفوت بالتأخير كما إذا رأى أعمى وصل إلى بئر ولو لم يحذره
~~لهلك، وأيد القول بالوجوب بما أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة

# " أنه صلى الله عليه وسلم مر علي أبي بن كعب وهو يصلي فدعاه فعجل في
~~صلاته ثم جاء فقال: ما منعك من إجابتي؟ قال: كنت أصلي. قال: ألم تخبر
~~فيما أوحي { استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما
~~يحييكم } قال: بلى ولا أعود إن شاء الله تعالى، ثم إنه صلى الله
~~عليه وسلم قال له: لأعلمنك سورة أعظم سورة في القرآن { الحمد لله
~~رب العلمين } [الفاتحة: 2] هي السبع المثاني "

# وأنت تعلم أنه لا دلالة فيه على أن إجابته صلى الله عليه وسلم لا تقطع
~~الصلاة، وقال بعضهم: إن ذلك الدعاء كان لأمر مهم لا يحتمل التأخير
~~وللمصلي أن يقطع الصلاة لمثله، وفيه نظر.

# { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه }
~~عطف على { استجيبوا } ، وأصل الحول كما قال الراغب ((تغير الشيء
~~وانفصاله عن غيره، وباعتبار التغير قيل حال الشيء يحول... وباعتبار
~~الانفصال قيل حال بينهما كذا))، وهذا غير متصور في حق الله تعالى فهو
~~مجاز عن غاية القرب من العبد لأن من فصل بين شيئين كان أقرب إلى كل منهما
~~من الآخر لاتصاله بهما وانفصال أحدهما عن الآخر، وظاهر كلام كثير أن
~~الكلام من باب الاستعارة التمثيلية، ويجوز أن يكون هناك استعارة تبعية، ms03572
~~فمعنى يحول يقرب، ولا بعد في أن يكون من باب المجاز المرسل المركب
~~لاستعماله في لازم معناه وهو القرب، بل ادعى أنه الأنسب، وإرادة هذا
~~المعنى هو المروي عن الحسن وقتادة، فالآية نظير قوله سبحانه:

# ونحن أقرب إليه من حبل الوريد

# [ق: 16].

# وفيها تنبيه على أنه تعالى مطلع من مكنونات القلوب على ما قد يغفل عنه
~~أصحابها، وجوز أن يكون المراد من ذلك الحث على المبادرة إلى إخلاص القلوب
~~وتصفيتها، فمعنى يحول بينه وبين قلبه يميته فيفوته الفرصة التي هو واجدها
~~وهو التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله ورده سليما كما يريده
~~الله تعالى، فكأنه سبحانه بعد أن أمرهم بإجابة الرسول عليه الصلاة
~~والسلام أشار لهم إلى اغتنام الفرصة من إخلاص القلوب للطاعة وشبه الموت
~~بالحيلولة بين المرء وقلبه الذي به يعقل في عدم التمكن من علم ما ينفعه
~~علمه، وإلى هذا ذهب الجبائي.

# وقال غير واحد: إنه استعارة تمثيلية لتمكنه تعالى من قلوب العباد
~~فيصرفها كيف يشاء بما لا يقدر عليه صاحبها فيفسخ عزائمه ويغير مقاصده
~~ويلهمه رشده ويزيغ عن الصراط السوي قلبه ويبدله بالأمن خوفا وبالذكر
~~نسيانا، وذلك كمن حال بين شخص ومتاعه فإنه القادر على التصرف فيه دونه
~~وهذا كما في حديث شهر بن حوشب عن أم سلمة وقد سألت رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم عن إكثاره الدعاء بيا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقال
~~لها:

# " يا أم سلمة إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله تعالى
~~فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ "

# ، ويؤيد هذا التفسير ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال عليه
~~الصلاة والسلام: يحول بين المؤمن والكفر ويحول بين الكافر والهدى.

# ولعل ذلك منه عليه الصلاة والسلام إقتصار على الأمرين اللذين هما أعظم
~~مدار للسعادة والشقاوة وإلا / فهذا من فروع التمكن الذي أشرنا إليه ولا
~~يختص أمره بما ذكر، وقد حال سبحانه بين ms03573 العدلية وبين اعتقاد هذا فعدلوا
~~عن سواء السبيل، وبين بعض الأفاضل ربط الآيات على ذلك بأنه تعالى لما نص
~~بقوله عز من قائل:

# ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم

# [الأنفال: 23] الخ، على أن الإسماع لا ينفع فيهم تسجيلا على أولئك الصم
~~البكم من على المؤمنين بما منحهم من الإيمان ويسر لهم من الطاعة، كأنه
~~قيل: إنكم لستم مثل أولئك المطبوعين على قلوبهم فإنهم إنما امتنعوا عن
~~الطاعة لأنهم ما خلقوا إلا للكفر فما تيسر لهم الاستجابة، وكل ميسر لما
~~خلق له، فأنتم لما منحتم الإيمان ووفقتم للطاعة فاستجيبوا لله وللرسول
~~إذا دعاكم لما فيه حياتكم من مجاهدة الكفار وطلب الحياة الأبدية واغتنموا
~~تلك الفرصة واعلموا أن الله تعالى قد يحول بين المرء وقلبه بأن يحول بينه
~~وبين الإيمان وبينه وبين الطاعة ثم يجازيه في الآخرة بالنار، وتلخيصه
~~أوليتكم النعمة فاشكروها ولا تكفروها لئلا أزيلها عنكم ا ه.

# ولا يخفى ما فيه من التكليف، وقيل: إن القوم لما دعوا إلى القتال
~~والجهاد وكانوا في غاية الضعف والقلة خافت قلوبهم وضاقت صدورهم فقيل لهم:
~~قاتلوا في سبيل الله تعالى إذا دعيتم واعلموا أن الله يحول بين المرء
~~وقلبه فيبدل الأمن خوفا والجبن جرأة. وقرىء { بين المرء } بتشديد
~~الراء على حذف الهمزة ونقل حركتها إليها وإجراء الوصل مجرى الوقف.

# { وأنه } أي الله عز وجل أو الشأن { إليه تحشرون } لا إلى
~~غيره فيجازيكم بحسب مراتب أعمالكم التي لم يخف عليه شيء منها فسارعوا إلى
~~طاعته وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالغوا في الاستجابة، وقيل:
~~المعنى أنه تحشرون إليه تعالى دون غيره فيجازيكم فلا تألوا جهدا في
~~انتهاز الفرصة، أو المعنى أنه المتصرف في قلوبكم في الدنيا ولا مهرب لكم
~~عنه في الآخرة فسلموا الأمر إليه عز شأنه ولا تحدثوا أنفسكم بمخالفته.
~~وزعم بعضهم أنه سبحانه لما أشار في صدر الآية إلى أن السعيد من أسعده
~~والشقي من أضله وأن القلوب بيده يقلبهما كيفما يشاء ويخلق فيها الدواعي
~~والعقائد حسبما يريد ختمها بما ms03574 يفيد أن الحشر إليه ليعلم أنه مع كون
~~العباد مجبورين خلقوا مثابين معاقبين إما للجنة وإما للنار لا يتركون
~~مهملين معطلين، وأنت تعلم أن الآية لا دلالة فيها على الجبر بالمعنى
~~المشهور وليس فيها عند من أنصف بعد التأمل أكثر من انتهاء الأمور بالآخرة
~~إليه عز شأنه.

### || [8.25]

# { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم
~~خاصة } أي لا تختص إصابتها لمن يباشر الظلم منكم بل تعمه وغيره
~~والمراد بالفتنة الذنب وفسر بنحو إقرار المنكر والمداهنة في الأمر
~~بالمعروف والنهي عن المنكر وافتراق الكلمة وظهور البدع والتكاسل في
~~الجهاد حسبما يقتضيه المعنى، والمصيب على هذا هو الأثر كالشآمة والوبال،
~~وحينئذ إما أن يقدر أو يتجوز في إصابته، وجوز أن يراد به العذاب فلا حاجة
~~إلى التقدير أو التجوز فيما ذكر لأن إصابته بنفسه، وكذا لا حاجة إلى
~~ارتكاب تقدير في جانب الأمر ولا التزام استخدام و { لا } نافية، والجملة
~~المنفية قيل جواب الأمر على معنى إن أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم،
~~واعترض بأن جواب الأمر إنما يقدر فعله من جنس الأمر المظهر لا من جنس
~~الجواب ولو قدر ذلك وفاء بالقاعدة فسد المعنى، إذ يكون إن تتقوا الفتنة
~~تعمكم إصابتها ولا تختص بالظالمين منكم وهو كما ترى، وأجيب بأن أصل
~~الكلام واتقوا فتنة لا تصيبنكم فإن أصابتكم لا تصيبن الذين ظلموا منكم
~~خاصة بل عمتكم فأقيم جواب الشرط الثاني مقام جواب الشرط المقدر في جواب
~~الأمر لتسببه منه، وسمي جواب الأمر لأن المعاملة معه لفظا.

# / وفيه أن من البين أن عموم الإصابة ليس مسببا عن عدم الإصابة ولا عن
~~الأمر وظاهر التعبير يقتضيه، وقال بعض المحققين: إن ذلك على رأي الكوفيين
~~من تقدير ما يناسب الكلام وعدم التزام كون المقدر من جنس الملفوظ نفيا
~~أو إثباتا فيقدرون في نحو لا تدن من الأسد يأكلك الإثبات أي إن تدن
~~يأكلك وفي نحو { اتقوا فتنة } النفي أي إن لم تتقوا تصبكم واعترض
~~عليه بأن ذلك القائل لم يقدر لا هذا ولا ذاك وإنما ms03575 قدر ما يستقيم به
~~المعنى من غير نظر إلى مضمون الأمر أو نقيضه، وأجيب بأن مراده أن التقدير
~~إن لم تتقوا تصبكم وإن أصابتكم لا تختص بالظالمين فأقيم جواب الشرط
~~الثاني مقام جواب الشرط المقدر الذي هو نقيض الأمر لتسببه عنه، وما أورد
~~على هذا من أنه لا حاجة إلى اعتبار الواسطة حينئذ إذ يكفي أن يقال: إن لم
~~تتقوا لا تصب الظالمين خاصة فمع كونه مناقشة لفظية مدفوع بأدنى تأمل لأن
~~عدم اختصاص إصابة الفتنة بالظالمين كما يكون بعموم الإصابة لهم ولغيرهم
~~كذلك يكون بعدم أصابتها لهم رأسا فلا بد من اعتبار الواسطة قطعا.

# وقال بعض المتأخرين: مراد من قدر إن أصابتكم إن لم تتقوا على مذهب من
~~يرى تقدير النفي، لكنه عبر عنه بأصابت لتلازمها فلا يرد حديث الواسطة،
~~نعم قيل: إن جواب الشرط متردد فلا يليق تأكيده بالنون إذ التأكيد يقتضي
~~دفع التردد، وأجيب بأنه هنا طلبي معنى فيؤكد كما يؤكد الطلبي وهو لا
~~ينافيه التردد في وقوعه لأنه لا تردد في طلبه على أنه قيل: إنه وإن كان
~~مترددا في نفسه لكونه معلقا بما هو متردد وهو الشرط لكنه ليس بمتردد
~~بحسب الشرط، وعلى تقدير وقوعه فيليق به التأكيد بذلك الاعتبار، وأنت تعلم
~~أن ابن جني رجح أن المنفي  بلا  يؤكد في السعة لشبهه بالنهي كما في
~~قوله سبحانه:

# ادخلوا مسكنكم لايحطمنكم سليمن

# [النمل: 18].

# وقال ناصر الدين [البيضاوي]: إن هذا الجواب لما تضمن معنى النهي ساغ
~~توكيده، ووجهه أن النفي إذا كان مطلوبا كان في معنى النهي وفي حكمه
~~فيجوز فيه التأكيد كالنهي الصريح، ولا خفاء في أن عدم كونهم بحيث تصيبهم
~~الفتنة مطلوب كما أن عدم كونهم يحطمهم سليمان وجنوده كذلك، وجوز أن تكون
~~الجملة المنفية في موضع النصب صفة لفتنة، واعترض بأن فيه شذوذا لأن
~~النون لا تدخل المنفي في غير القسم، وقد يجاب بأنك قد عرفت أن ابن جني
~~وكذا بعض النحاة جوز ذلك، وقد ارتضاه ابن مالك في «التسهيل»، نعم ما ذكر ms03576
~~كلام الجمهور.

# وقال أبو البقاء وغيره: يحتامل أن تكون { لا } ناهية والجملة في موضع
~~الصفة أيضا لكن على إرادة القول كقوله:

# حتى إذا جن الظلام واختلط

# جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط

# لأن المشهور أن الجملة الإنشائية نهيا كانت أو غيرها لا تقع صفة ونحوها
~~إلا بتقدير القول، وقد صرحوا بأن قولك: مررت برجل أضربه بتقدير مقول فيه
~~أضربه، وليس المقصود بالمقولية الحكاية بل استحقاقه لذلك حتى كأنه مقول
~~فيه، ومن الناس من جوز الوصف بذلك باعتبار تأويله بمطلوب ضربه فلا يتعين
~~تقدير القول، وأن تكون الجملة جواب قسم محذوف أي والله لا تصيبن الظالمين
~~خاصة بل تعم، وحينئذ يظهر أمر التأكيد، وأيد ذلك بقراءة علي كرم الله
~~تعالى وجهه وزيد بن ثابت وأبي وابن مسعود والباقر والربيع وأبو العالية
~~{ لتصيبن } فإن الظاهر فيها القسمية، وقيل: إن الأصل  لا  إلا أن الألف
~~حذفت تخفيفا كما قالوا: أم والله، وقال بعضهم: / أن { لا } في القراءة
~~المتواترة هي اللام والألف تولدت من إشباع الفتحة كما في قوله:

# فأنت من العواتك حين ترمي

# ومن ذم الرجال بمنتزاح

# وكلا القولين لا يعول عليه، ويحتمل أن تكون نهيا مستأنفا لتقرير الأمر
~~وتأكيده، وهو من باب الكناية لأن الفتنة لا تنهى عن الإصابة إذ لا يتصور
~~الامتثال منها بحال، والمعنى حينئذ لا تتعرضوا للظلم فتصيبكم الفتنة خاصة
~~و { من } على تقدير كون { لا } ناهية سواء جعلت الجملة صفة أو مؤكدة
~~للأمر بيانية لا تبعيضية لأنها لو اعتبرت كذلك لكان النهي عن التعرض
~~للظلم مخصوصا بالظالمين منهم دون غيرهم فغير الظالم لا يكون منهيا عن
~~التعرض له بمنطوق الآية وذلك شيء لا يراد.

# وأما على الوجوه الأخر من كون { لا } نافية لا ناهية سواء كان قوله
~~سبحانه وتعالى: { لا تصيبن } صفة لفتنة كما هو الظاهر أو جواب
~~الأمر أو جواب قسم فهي تبعيضية قطعا، إذ الآية على هذه التقادير جميعا
~~مخبرة بأن إصابة الفتنة لا تخص بالظالمين بل تعم غيرهم أيضا، فلو بين
~~الذين ظلموا بالمخاطبين لأفهمت ms03577 أن الأصحاب رضي الله تعالى عنهم كلهم
~~ظالمون وحاشاهم، ثم لا يخفى أن الخطاب إذا كان عاما للأمة وفسرت الفتنة
~~بإقرار المنكر لا يجيء الإشكال على عموم الإصابة بقوله سبحانه:

# ولا تزر وزرة وزر أخرى

# [الأنعام: 164] لأنه كما يجب على مرتكب الذنب الانتهاء عنه يجب على
~~الباقين رفعه وإذا لم يفعلوا كانوا آثمين فيصيبهم ما يصيبهم لأثمهم.

# ويدل للوجوب ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أمر الله تعالى
~~المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله تعالى بعذاب يصيب
~~الظالم و غير الظالم، وأخرج الترمذي وأبو داود عن قيس بن حازم عن أبي
~~بكر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله
~~تعالى بعقاب "

# وروى الترمذي أيضا عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهاهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم
~~في مجالسهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله تعالى قلوب بعضهم ببعض ولعنهم
~~على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون "

# ومن ذهب إلى أن الخطاب خاص فسر الفتنة بافتراق الكلمة، وجعل ذلك إشارة
~~إلى ما حدث بين أصحاب بدر يوم الجمل. وممن ذهب إلى أنهم المعنيون السدي
~~وغيره، وأخرج غير واحد عن الزبير قال: قرأنا هذه الآية زمانا وما نرى
~~أنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها، وقد أخرج نهيهم عن ذلك على أبلغ وجه
~~وأقيم الظالمون مقام ضميرهم تنبيها على أن تعرض الفتنة وهي افتراق
~~الكلمة من أشد الظلم لا سيما هؤلاء الأجلاء، ثم فسر بضميرهم دلالة على
~~الاختصا ص وأكد بخاصة وكثيرا ما يشدد الأمر على الخاصة.

# { واعلموا أن الله شديد العقاب } لمن خالف أمره وكذا
~~من أقر من انتهك محارمه.

### || [8.26]

# { واذكروا إذ أنتم قليل } أي في العدد، والجملة الإسمية
~~للإيذان باستمرار ما كانوا فيه من القلة وما يتبعها، وقوله سبحانه: {
~~مستضعفون } خبر ثان وجوز ms03578 أن يكون صفة لقليل، وقوله تعالى: { فى
~~الأرض } أي في أرض مكة تحت أيدي كفار قريش والخطاب للمهاجرين، أو تحت
~~أيدي فارس والروم والخطاب للعرب كافة مسلمهم وكافرهم على ما نقل عن وهب.
~~واعترض بأنه بعيد لا يناسب المقام مع أن فارس لم تحكم على جميع العرب،
~~وقوله تعالى: { تخافون أن يتخطفكم الناس } خبر ثالث أو
~~صفة ثانية لقليل وصف بالجملة بعدما وصف بغيرها، وجوز أبو البقاء أن تكون
~~حالا من المستكن في { مستضعفون } / والمراد بالناس على الأول:
~~وهو الأظهر أما كفار قريش أو كفار العرب كما قال عكرمة لقربهم منهم وشدة
~~عداوتهم لهم، وعلى الثاني: فارس والروم. وأخرج الديلمي وغيره عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما قال: قيل: يا رسول الله ومن الناس؟ قال: أهل فارس،
~~والتخطف كالخطف الأخذ بسرعة، وفسر هنا بالاستلاب أي واذكروا حالكم وقت
~~قلتكم وذلتكم وهوانكم على الناس وخوفكم من اختطافكم، أو اذكروا ذلك الوقت
~~{ فآواكم } أي إلى المدينة أو جعل لكم مأوى تتحصنون به من أعدائكم {
~~وأيدكم بنصره } بمظاهرة الأنصار أو بإمداد الملائكة يوم بدر
~~أو بأن قوى شوكتكم إذ بعث منكم من تضطرب قلوب أعدائكم من اسمه {
~~ورزقكم من الطيبات } من الغنائم ولم تطب إلا لهذه الأمة،
~~وقيل: هي عامة في جميع ما أعطاهم من الأطعمة اللذيذة؛ والأول أنسب
~~بالمقام والامتنان به هنا أظهر. والثاني متعين عند من يجعل الخطاب للعرب
~~{ لعلكم تشكرون } هذه النعم الجليلة.

### || [8.27]

# { يأيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله والرسول
~~} أصل الخون النقص كما أن أصل الوفاء الإتمام، واستعماله في ضد الأمانة
~~لتضمنه إياه فإن الخائن ينقص المخون شيئا مما خانه فيه، اعتبر الراغب في
~~الخيانة أن تكون سرا، والمراد بها هنا عدم العمل بما أمر الله تعالى به
~~ورسوله عليه الصلاة والسلام. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أن خيانة الله سبحانه بترك فرائضه والرسول صلى الله عليه وسلم بترك
~~سنته وارتكاب معصيته. وقيل: المراد النهي عن الخيانة بأن يضمروا خلاف ما
~~يظهرون ms03579 أو يغلوا في الغنائم. وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن أبي حبيب رضي
~~الله تعالى عنه أن المراد بها الإخلال بالسلاح في المغازي. وذكر الزهري
~~والكلبي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين
~~ليلة  وفي رواية البيهقي  خمسا وعشرين فسألوا رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم
~~بأذرعات من أرض الشام فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك
~~إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأبوا وقالوا: أرسل لنا أبا لبابة
~~ورفاعة بن عبد المنذر وكان مناصحا لهم لأن ماله وولده وعياله كان عندهم،
~~فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فقالوا: يا أبا لبابة ما ترى
~~أننزل على حكم سعد بن معاذ فأشار بيده إلى حلقه يعني أنه الذبح فلا
~~تفعلوا. قال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي عن مكانهما حتى عرفت أني قد
~~خنت الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام ثم انطلق على وجهه ولم يأت
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وشد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال:
~~والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله تعالى علي، فلما
~~بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره قال:

# " أما لو جاءني لاستغفرت له أما إذا فعل ما فعل فإني لا أطلقه حتى يتوب
~~الله تعالى عليه فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا
~~عليه ثم تاب الله تعالى عليه "

# فقيل له: يا أبا لبابة قد تيب عليك. فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني فجاءه عله الصلاة والسلام
~~فحله بيده ثم قال أبو لبابة: إن تمام توبتي أن أهجر دار قوم التي أصبت
~~فيها الذنب وأن أنخلع من مالي، فقال صلى الله عليه وسلم:

# " يجزيك الثلث أن تصدق به "

# ونزلت فيه هذه الآية» وقال السدي: كانوا يسمعون الشيء من / رسول ms03580 الله
~~صلى الله عليه وسلم فيفشونه حتى يبلغ المشركين فنهوا عن ذلك، وأخرج أبو
~~الشيخ وغيره عن جابر بن عبد الله

# " أن أبا سفيان خرج من مكة فأتى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه
~~وسلم فقال: إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا فكتب رجل من
~~المنافقين إلى أبي سفيان إن محمدا صلى الله عليه وسلم مريدكم فخذوا
~~حذركم فنزلت "

# { وتخونوا أمنتكم } عطف على المجزوم أولا والمراد النهي
~~عن خيانة الله تعالى والرسول وخيانة بعضهم بعضا، والكلام عند بعض على
~~حذف مضاف أي أصحاب أماناتكم، ويجوز أن تجعل الأمانة نفسها مخونة، وجوز
~~أبو البقاء أن يكون الفعل منصوبا بإضمار أن بعد الواو في جواب النهي كما
~~في قوله:

# لا تنه عن خلق وتأتي مثله

# عار عليك إذا فعلت عظيم

# والمعنى لا تجمعوا بين الخيانتين والأول أولى لأن فيه النهي عن كل واحد
~~على حدته بخلاف هذا فإنه نهى عن الجمع بينهما ولا يلزمه النهي عن كل واحد
~~على حدته، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير الأمانات بالأعمال
~~التي ائتمن الله تعالى عليها عباده، وقرأ مجاهد { أمانتكم } بالتوحيد وهي
~~رواية عن أبي عمرو ولا منافاة بينها وبين القراءة الأخرى { وأنتم
~~تعلمون } أي تبعة ذلك ووباله أو أنكم تخونون أو وأنتم علماء تميزون
~~الحسن من القبيح، فالفعل إما متعد له مفعول مقدر بقرينة المقام أو منزل
~~منزلة اللازم، قيل: ولس المراد بذلك التقييد على كل حال.

### || [8.28]

# { واعلموا أنما أمولكم وأولدكم فتنة }
~~لأنها سبب الوقوع في الإثم والعقاب، أو محنة من الله عز وجل يختبركم بها
~~فلا يحملنكم حبها على الخيانة كأبي لبابة، ولعل الفتنة في المال أكثر
~~منها في الولد ولذا قدمت الأموال على الأولاد، ولا يخفى ما في الأخبار من
~~المبالغة. وجاء عن ابن مسعود ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة لأن
~~الله سبحانه يقول: { واعلموا أنما أمولكم } الخ ms03581 فمن
~~استعاذ منكم فليستعذ بالله تعالى من مضلات الفتن؛ ومثله عن علي كرم الله
~~تعالى وجهه { وأن الله عنده عذاب عظيم } لمن مال إليه
~~سبحانه وآثر رضاه عليهما وراعى حدوده فيهما فأنيطوا هممكم بما يؤديكم
~~إليه.

### || [8.29]

# { يأيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله } في كل ما
~~تأتون وما تذرون { يجعل لكم } بسبب ذلك الاتقاء { فرقانا }
~~أي هداية ونورا في قلوبكم تفرقون به بين الحق والباطل كما روي عن ابن
~~جريج وابن زيد، أو نصرا يفرق بين المحق والمبطل بإعزاز المؤمنين وإذلال
~~الكافرين كما قال الفراء، أو نجاة في الدارين كما هو ظاهر كلام السدي، أو
~~مخرجا من الشبهات كما جاء عن مقاتل، أو ظهورا يشهر أمركم وينشر صيتكم
~~كما يشعر به كلام محمد بن إسحاق  من بت أفعل كذا حتى سطع الفرقان  أي
~~الصبح، وكل المعاني ترجع إلى الفرق بين أمرين، وجوز بعض المحققين الجمع
~~بينهما { ويكفر عنكم سيئاتكم } أي يسترها في الدنيا {
~~ويغفر لكم } بالتجاوز عنها في الأخرى فلا تكرار، وقد يقال: مفعول
~~{ يغفر } الذنوب وتفسر بالكبائر وتفسر السيئات بالصغائر، أو يقال:
~~المراد ما تقدم وما تأخر لأن الآية ف أهل بدر وقد غفر لهم. ففي الخبر
~~«لعل الله تعالى اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» {
~~والله ذو الفضل العظيم } تعليل لما قبله وتنبيه على أن ما
~~وعد لهم على التقوى تفضل منه سبحانه وإحسان وأنها بمعزل عن أن توجب عليه
~~جل شأنه / شيئا، قيل: ومن عظيم فضله تعالى أنه يتفضل من غير واسطة وبدون
~~التماس عوض ولا كذلك غيره سبحانه، ثم إنه عز وجل لما ذكر من ذكر نعمته
~~بقوله تعالى:

# واذكروا إذ أنتم قليل

# [الأنفال: 26] الخ ذكر نبيه عليه الصلاة والسلام النعمة الخاصة به بقوله
~~عز من قائل: { وإذ يمكر بك الذين كفروا... }.

### || [8.30]

# { وإذ يمكر بك الذين كفروا } فهو متعلق بمحذوف وقع
~~مفعولا لفعل محذوف معطوف على ما تقدم أو منصوب بالفعل المضمر المعطوف
~~على ذلك، أي واذكر نعمته تعالى عليك ms03582 إذ أو اذكر وقت مكرهم بك {
~~ليثبتوك } بالوثاق ويعضده قراءة ابن عباس { ليقيدوك } وإليه ذهب
~~الحسن ومجاهد وقتادة أو بالإثخان بالجرح من قولهم: ضربه حتى أثبته لا
~~حراك به ولا براح، وهو المروي عن أبان وأبي حاتم والجبائي، وأنشد:

# فقلت ويحكم ما في صحيفتكم

# قالوا الخليفة أمسى مثبتا وجعا

# أو بالحبس في بيت كما روي عن عطاء والسدي، وكل الأقوال ترجع إلى أصل
~~واحد وهو جعله صلى الله عليه وسلم ثابتا في مكانه أعم من أن يكون ذلك
~~بالربط أو الحبس أو الإثخان بالجراح حتى لا يقدر على الحركة، ولا يرد
~~أن الإثخان إن كان بدون قتل فلا ذكر له فما اشتهر من القصة وإن كان
~~بالقتل يتكرر مع قوله تعالى: { أو يقتلوك } لأنا نختار الأول، ولا
~~يلزم أن يذكر في القصة لأنه قد يكون رأي من لا يعتد برأيه فلم يذكروا
~~المراد على ما تقتضيه { أو يقتلوك } بسيوفهم { أو يخرجوك }
~~أي من مكة، وذلك على ما ذكر ابن إسحاق ((أن قريشا لما رأت أن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم قد كانت له شيعة وأصحاب من غيرهم من غير بلدهم ورأوا
~~خروج أصحابه من المهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأصابوا منهم
~~منعة فحذروا [خروج] رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وعرفوا أنه قد
~~أجمع لحربهم فاجتمعوا [له] في دار الندوة وهي دار قصي بن كلاب التي كانت
~~قريش لا تقضي أمرا إلا فيها يتشاورون فيها ما يصنعون في أمره عليه
~~الصلاة والسلام [حين خافوه] فلما اجتمعوا كما قال ابن عباس لذلك واتعدوا
~~أن يدخلوا الدار ليتشاوروا فيها غدوا في اليوم الذي اتعدوا فيه وكان ذلك
~~اليوم يسمى يوم الزحمة فاعترضهم إبليس عليه اللعنة في هيئة شيخ جليل عليه
~~بدلة فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها قالوا: من الشيخ؟
~~قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى
~~أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا قالوا: أجل فادخل فدخل ms03583 معهم وقد اجتمع
~~أشراف قريش فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما رأيتم وإنا
~~والله ما نأمنه قال: فتشاوروا ثم قال قائل منهم: احبسوه في الحديد
~~واغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا
~~قبله زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم.

# فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا برأي والله لئن حبستموه كما تقولون
~~ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتموه دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن
~~يثبوا عليكم فينزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم ما
~~هذا لكم برأي فانظروا في غيره فتشاوروا ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين
~~أظهرنا فننفيه من بلادنا فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث
~~وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت. قال الشيخ
~~النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه
~~وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم / ذلك ما أمنت أن
~~يحل على ح من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يبايعوه عليه ثم
~~يسير بهم إليكم فيطؤكم بهم في بلادكم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم
~~ما أراد، دبروا فيه رأيا غيره. قال فقال أبو جهل: والله إن لي فيه
~~لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن
~~نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا ثم نعطي كل فتى
~~منهم سيفا صارما ثم يعمدون إليه فيضربونه بها ضربة رجل واحد فيقتلونه
~~فنستريح منه فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل [جميعها فلم يقدر
~~بنو عبد مناف على حرب قومهم] فرضوا منها بالعقل فعقلناه لهم. قال فقال
~~الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل هو هذا الرأي لا أرى غيره فتفرقوا على
~~ذلك، فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تبت ms03584
~~هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه فلما كانت عتمة من الليل
~~اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه فلما رأى رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم مكانهم قال لعلي كرم الله تعالى وجهه نم على فراشي
~~وتسج ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه
~~منهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام))،
~~وأذن له عليه الصلاة والسلام في الهجرة فخرج مع صاحبه أبي بكر رضي الله
~~تعالى عنه إلى الغار، وأنشد علي كرم الله تعالى وجهه مشيرا لما من الله
~~تعالى به عليه:

# وقيت بنفسي خير من وطىء الحصى

# ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر

# رسول اله خاف أن يمكروا به

# فنجاه ذو الطول الإله من المكر

# وبات رسول الله في الغار آمنا

# وقد صار في حفظ الإله وفي ستر

# وبت أراعيهم وما يتهمونني

# وقد وطنت نفسي على القتل والأسر

# { ويمكرون ويمكر الله } أي يرد مكرهم ويجعل وخامته عليهم
~~أو يجازيهم عليه أو يعاملهم معاملة الماكرين وذلك بأن أخرجهم إلى بدر
~~وقلل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم فلقوا منهم ما يشيب منه الوليد،
~~ففي الكلام استعارة تبعية أو مجاز مرسل أو استعارة تمثيلية، وقد يكتفي
~~بالمشاكلة الصرفة { والله خير المكرين } إذ لا يعتد بمكرهم
~~عند مكره سبحانه.

# قال بعض المحققين: إطلاق هذا المركب الإضافي عليه تعالى إن كان باعتبار
~~أن مكره جل شأنه أنفذ وأبلغ تأثيرا فالإضافة للتفضيل لأن لمكر الغير
~~أيضا نفوذا وتأثيرا في الجملة، وهذا معنى أصل فعل الخير فتحصل
~~المشاركة فيه، وإذا كان باعتبار أنه سبحانه لا ينزل إلا الحق ولا يصيب
~~إلا بما يستوجبه الممكور به فلا شركة لمكر الغير فيه فالإضافة حينئذ
~~للاختصاص كما في  أعدلا بن مروان  لانتفاء المشاركة. وقيل: هو من قبيل
~~ الصيف أحر من الشتاء  بمعنى أن مكره تعالى في خيريته أبلغ من مكر
~~الغير في شريته. وادعى غير واحد أن المكر لا يطلق عليه سبحانه دون مشاكلة ms03585
~~لأنه حيلة يجلب بها مضرة إلى الغير وذلك مما لا يجوز في حقه سبحانه.

# واعترض بوروده من دون مشاكلة في قوله تعالى:

# أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا
~~القوم الخسرون

# [الأعراف: 99] وأجيب بأن المشاكلة فيما ذكر تقديرية وهي كافية في الغرض،
~~وفيه نظر، فقد جاء عن علي كرم الله تعالى وجهه «من وسع عليه في دنياه ولم
~~يعلم أنه مكر به فهو مخدوع في عقله» والمشاكلة التقديرية فيه بعيدة جدا
~~/ بل لا يكاد يدعيها منصف.

### || [8.31]

# { وإذا تتلى عليهم ءايتنا } التي لو أنزلناها على جبل
~~لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله { قالوا قد سمعنا لو
~~نشآء لقلنا مثل هذا } قائله النضر بن الحرث من بني عبد
~~الدار على ما عليه جمهور المفسرن وكان يختلف إلى أرض فارس والحرة فيسمع
~~أخبارهم عن رستم واسفنديار وكبار العجم وكان يمر باليهود والنصارى فيسمع
~~منهم التوراة والإنجيل، وإسناد القول إلى ضمير الجمع من إسناد فعل البعض
~~إلى الكل لما أن اللعين كان رئيسهم وقاضيهم الذي يقولون بقوله ويعملون
~~برأيه. وقيل: قاله الذين ائتمروا في أمره عليه الصلاة والسلام في دار
~~الندوة، وأيا ما كان فهو غاية المكابرة ونهاية العناد، إذ لو استطاعوا
~~شيئا من ذلك فما منعهم من المشيئة؟ وقد تحداهم عليه الصلاة والسلام
~~وقرعهم بالعجز عشر سنين ثم قارعهم بالسيف فلم يعارضوا بما سواه من أنفتهم
~~واستنكافهم أن يغلبوا لا سيما في ميدان البيان فإنهم كانوا فرسانه
~~المالكين لأزمته الحائزين قصب السبق به. واشتهر أنهم علقوا القصائد
~~السبعة المشهورة على باب الكعبة متحدين بها، لكن تعقب أن ذلك مما لا أصل
~~له وإن اشتهر، وزعم بعضهم أن هذا القول كان منهم قبل أن ينقطع طمعهم عن
~~القدرة على الإتيان بمثله، وليس بشيء.

# { إن هذا إلا أسطير الأولين } جمع أسطورة على ما
~~قاله المبرد كأحدوثة وأحاديث ومعناه ما سطر وكتب. وفي «القاموس»
~~((الأساطير الأحاديث لا نظام لها جمع إسطار وإسطير [بكسرهما] وأسطور
~~وبالهاء في الكل. وأصل السطر الصف من الشيء كالكتاب والشجر ms03586 وغيره وجمعه
~~أسطر وسطور وأسطار وجمع الجمع أساطير ويحرك في الكل))، وقال بعضهم: إن
~~جمع سطر بالسكون أسطر وسطور وجمع سطر أسطار وأساطير، وهو مخالف لما في
~~«القاموس»، والكلام على التشبيه، وأرادوا ما هذا إلا كقصص الأولين
~~وحكاياتهم التي سطروها وليس كلام الله تعالى، وكأنه بيان لوجه قدرتهم على
~~قول مثله لو شاؤوا.

### || [8.32]

# قائل هذا النضر أضا على ما روي عن مجاهد وسعيد بن جبير، وجاء في رواية
~~أنه لما قال أولا ما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ويلك إنه كلام
~~الله تعالى فقال ذلك. وأخرج البخاري والبيهقي في «الدلائل» عن أنس بن
~~مالك رضي الله تعالى عنهما أنه أبو جهل بن هشام. وأخرج ابن جرير عن يزيد
~~بن رومان ومحمد بن قيس أن قريشا قال بعضها لبعض أكرم الله تعالى محمدا
~~صلى الله عليه وسلم من بيننا اللهم إن كان هذا هو الحق الخ وهو أبلغ في
~~الجحود من القول الأول لأنهم عدوا حقيته محالا فلذا علقوا عليها طلب
~~العذاب الذي لا يطلبه عاقل ولو كانت ممكنة لفروا من تعليقه عليها، وما
~~يقال: إن { إن } للخلو عن الجزم فكيف استعملت في صورة الجزم؟ أجاب عنه
~~القطب بأنها لعدم الجزم بوقوع الشرط ومتى جزم بعدم وقوعه عدم الجزم
~~بوقوعه، وهذا كقوله تعالى:

# وإن كنتم فى ريب

# [البقرة: 23] وفيه بحث ذكره العلامة الثاني. واللام في { الحق } قيل
~~للعهد، ومعنى العهد فيه أنه الحق الذي ادعاه النبي صلى الله عليه وسلم
~~وهو أنه كلام الله تعالى المنزل عليه عليه الصلاة والسلام على النمط
~~المخصوص { من عندك } إن سلم دلالته عليه فهو للتأكيد وحينئذ
~~فالمعلق به كونه حقا بالوجه الذي / يدعيه النبي صلى الله عليه وسلم لا
~~الحق مطلقا لتجويزهم أن يكون مطابقا للواقع غير منزل { أسطير
~~الأولين } وفي «الكشاف» ((أن قولهم: { هو الحق } تهكم بمن
~~يقول على سبيل التخصيص والتعيين، هذا هو الحق))، وزعم بعضهم أن هذا قول
~~بأن اللام للجنس وأشار إلى أن الأولى حملها على العهد الخارجي ms03587 على معنى
~~الحق المعهود المنزل من عند الله تعالى هذا لا أساطر الأولين فالتركيب
~~مفيد لتخصيص المسند إليه بالمسند على آكد وجه، وحمل كلام البيضاوي على
~~ذلك وطعن في مسلك «الكشاف» بعدم ثبوت قائل أولا على وجه التخصيص يتهكم
~~به، ولا يخفى ما فيه من المنع والتعسف و أمطر استعارة أو مجاز لأنزل، وقد
~~تقدم الكلام في المطر والإمطار، وقوله سبحانه: { من السماء } صفة {
~~حجارة } وذكره للإشارة إلى أن المراد بها السجيل والحجارة المسومة
~~للعذاب، يروى أنها حجارة من طين طبخت بنار جهنم مكتوب فيها أسماء القوم،
~~وجوز أن يكون الجار متعلقا بالفعل قبله، والمراد بالعذاب الأليم غير
~~إمطار الحجارة بقرينة المقابلة، ويصح أن يكون من عطف العام على الخاص،
~~وتعلق { من عندك } بمحذوف قيل: هو حال مما عنده أو صفة له، وقرأ زيد
~~بن علي رضي الله تعالى عنهما والأعمش { الحق } بالرفع على أن { هو
~~} مبتدأ لا فصل، وقول الطبرسي: إنه لم يقرأ بذلك ليس بذاك، ولا أرى فرقا
~~بين القراءتين من جهة المراد بالتعريف خلافا لمن زعمه.

### || [8.33]

# { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } جواب لكلمتهم
~~الشنعاء وبيان لما كان الموجب لإمهالهم وعدم إجابة دعائهم الذي قصدوا به
~~ما قصدوا، واللام هي التي تسمى لام الجحود ولام النفي لاختصاصها بمنفي
~~كان الماضية لفظا أو معنى، وهي إما زائدة أو غير زائدة والخبر محذوف، أي
~~ما كان الله مريدا لتعذيبهم؛ وأيا ما كان فالمراد تأكيد النفي أما على
~~زيادتها فظاهر وأما على عدم زيادتها وجعل الخبر ما علمت فلأن نفي إرادة
~~الفعل أبلغ من نفيه، وقيل: في وجه إفادة اللام تأكيد النفي هنا أنها هي
~~التي في قولهم: أنت لهذه الخطة أي مناسب لها وهي تليق بك، ونفي اللياقة
~~أبلغ من نفي أصل الفعل ولا يخلو عن حسن وإن قيل: إنه تكلف لا حاجة إليه
~~بعد ما بينه النحاة في وجه ذلك، وحمل غير واحد العذاب على عذاب
~~الاستئصال، واعترض بأنه لا دليل على هذا التقييد مع أنه لا ms03588 يلائمه
~~المقام؛ وأجيب بمنع عدم الملاءمة، بل من أمعن النظر في كلامهم رآه مشعرا
~~بطلب ذلك، والدليل على التقييد أنه وقع عليهم العذاب والنبي صلى الله
~~عليه وسلم فيهم كالقحط فعلم أن المراد به عذاب الاستئصال والقرينة عليه
~~تأكيد النفي الذي يصرفه إلى أعظمه، فالمراد من الآية الإخبار بأن تعذيبهم
~~عذاب استئصال، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم خارج عن عادته
~~تعالى غير مستقيم في حكمه وقضائه، والمراد بالاستغفار في قوله سبحانه: {
~~وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } أما استغفار
~~من بقي بينهم من المؤمنين المستضعفين حين هاجر رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وروي هذا عن الضحاك واختاره الجبائي، وقال الطيبي: إنه أبلغ
~~لدلالته على استغفار الغير مما يدفع به العذاب عن أمثال هؤلاء الكفرة،
~~وإسناد الاستغفار إلى ضمير الجميع لوقوعه فيما بينهم ولجعل ما صدر عن
~~البعض كما قيل بمنزلة الصادر عن الكل فليس هناك تفكيك للضمائر كما يوهمه
~~كلام ابن عطية.

# وأما دعاء الكفرة بالمغفرة وقولهم غفرانك فيكون مجرد طلب المغفرة منه
~~تعالى مانعا من عذابه جل شأنه ولو من الكفرة، وروي هذا عن يزيد بن رومان
~~ومحمد بن قيس قالا: إن قريشا لما قالوا ما قالوا ندموا حين أمسوا
~~فقالوا: غفرانك اللهم، وأما التوبة والرجوع عن جميع ما هم عليه من الكفر
~~وغيره على معنى لو استغفروا لم يعذبوا كقوله تعالى:

# وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها
~~مصلحون

# [هود: 117] وروي هذا عن السدي وقتادة / وابن زيد، وجاء عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما كل من الأقوال الثلاثة، وأيا ما كان فالجملة الإسمية
~~في موضع الحال إلا أن القيد مثبت على الوجهين الأولين منفي على الوجه
~~الأخير، ومبني الاختلاف في ذلك ما نقل عن السلف من الاختلاف في تفسيره،
~~والقاعدة المقررة بين القوم في القيد الواقع بعد الفعل المنفي، وحاصلها
~~على ما قيل: إن القيد في الكلام المنفي قد يكون لتقييد النفي وقد يكون
~~لنفي التقييد بمعنى انتفاء كل من الفعل والقيد أو القيد ms03589 فقط أو الفعل
~~فقط، وقيل: إن الدال على انتفاء الاستغفار هنا على الوجه الأخير القرينة
~~والمقام لا نفس الكلام وإلا لكان معنى { وما كان الله
~~ليعذبهم وأنت فيهم } نفي كونه فيهم لأن أمر الحالية مشترك
~~بين الجملتين، وأطال الكلام في نفي تساوي الجملتين سؤالا وجوابا، ثم
~~تكلف للتفرقة بما تكلف، واعترض عليه بما اعترض، والظاهر عندي عدم الفرق
~~في احتمال كل من حيث إنه كلام فيه قيد توجه النفي إلى القيد.

# ومن هنا قال بعضهم: إن المعنى الأولى لو كنت فيهم لم يعذبوا كما قيل في
~~معنى الثانية: لو استغفروا لم يعذبوا، ويكون ذلك إشارة إلى أنهم عذبوا
~~بما وقع لهم في بدر لأنهم أخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم من مكة ولم
~~يبق فيهم فيها إلا أن هذا خلاف الظاهر ولا يظهر عليه كون الآية جوابا
~~لكلمتهم الشنعاء، وعن ابن عباس أن المراد بهذا الاستغفار استغفار من يؤمن
~~منهم بعد، أي وما كان الله معذبهم وفيهم من سبق له من الله تعالى العناية
~~أنه يؤمن ويستغفر كصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهل بن عمرو
~~وأضرابهم، وعن مجاهد أن المراد به استغفار من في أصلابهم ممن علم الله
~~تعالى أنه يؤمن، أي ماكان الله معذبهم وفي أصلابهم من يستغفر وهو كما
~~ترى، ويظهر لي من تأكيد النفي في الجملة الأولى وعدم تأكيده في الجملة
~~الثانية أن كون النبي صلى الله عليه وسلم فيهم أدعى حكمة لعدم التعذيب
~~من الاستغفار، وحمل بعضهم التعذيب المنفي في الجملة الثانية بناء على
~~الوجه الأخير على ما عدا تعذيب الاستئصال، وحمل الأول: على التعذيب
~~الدنيوي والثاني: على الأخروي ليس بشيء.

### || [8.34]

# { وما لهم ألا يعذبهم الله } أي أي شيء لهم في انتفاء
~~العذاب عنهم أي لا حظ لهم في ذلك وهم معذبون لا محالة إذا زال المانع
~~وكيف لا يعذبون { وهم يصدون عن المسجد الحرام } أي
~~وحالهم الصد عن ذلك حقيقة كما فعلوا عام الحديبية وحكما كما فعلوا برسول
~~الله صلى الله عليه ms03590 وسلم وأصحابه حتى ألجأوهم للهجرة، ولما كانت الآيتان
~~يتراءى منهما التناقض زادوا في التفسير إذا زال ليزول كما ذكرنا، وأنت
~~تعلم أنه إذا حمل التعذيب في كل على تعذيب الاستئصال احتيج إلى القول
~~بوقوعه بعد زوال المانع وهو خلاف الواقع، وقال بعضهم في دفع ذلك: إن
~~التعذيب فيما مر تعذيب الاستئصال وهنا التعذيب بقتل بعضهم، ونقل الشهاب
~~عن الحسن والعهدة عليه أن هذه نسخت ما قبلها، والظاهر أنه أراد النفيين
~~السابقين، والذي في «الدر المنثور» أنه وكذا عكرمة والسدي قالوا: إن قوله
~~سبحانه:

# وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون

# [الأنفال: 33] منسوخ بهذه الآية، وأيا ما كان يرد عليه أنه لا نسخ في
~~الأخبار إلا إذا تضمنت حكما شرعيا، وفي تضمن المنسوخ هنا ذلك خفاء،
~~وقال محمد بن إسحق: إن الآية الأولى متصلة بما قبلها على أنها حكاية عن
~~المشركين فإنهم كانوا يقولون: إن الله تعالى لا يعذبنا ونحن نستغفر ولا
~~يعذب سبحانه أمة ونبيها معها فقص الله تعالى ذلك على نبيه صلى الله عليه
~~وسلم مع قولهم / الآخر فكأنه قيل: وإذ قالوا اللهم الخ وقالوا أيضا: كيت
~~وكيت ثم رد عليهم بقوله سبحانه: { وما لهم ألا يعذبهم
~~الله } على معنى أنهم يعذبون وإن كنت بين أظهرهم وإن كانوا يستغفرون،
~~وفيه أن وقوع ذلك القول منهم في غاية البعد مع أن الظاهر حينئذ أن يقال:
~~ليعذبنا ومعذبنا ونحن نستغفر ليكون على طرز قولهم السابق، وأيضا الأخبار
~~الكثيرة تأبى ذلك، فقد أخرج أبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي في «شعب
~~الإيمان» عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان فيكم إمامان مضى
~~أحدهما وبقي الآخر وتلا

# وما كان الله ليعذبهم

# [الأنفال: 33] الخ. وجاء مثل ذلك عن ابن عباس وأبي موسى الأشعري، وأخرج
~~أبو داود والترمذي في «الشمائل» والنسائي عن عبد الله بن عمر رضي الله
~~تعالى عنهما قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فقام عليه الصلاة والسلام فلم يكد يركع ثم ركع فلم يكد يرفع ثم رفع ms03591 فلم
~~يكد يسجد ثم سجد فلم يكد يرفع ثم رفع فلم يكد يسجد ثم سجد فلم يكد يرفع
~~ثم رفع وفعل في الركعة الأخرى مثل ذلك ثم نفخ في آخر سجوده ثم قال: رب
~~ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم؟ رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم
~~يستغفرون؟ ونحن نستغفرك ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته وقد
~~انمحصت الشمس» وذهب الجبائي إلى أن المنفي فيما مر عذاب الدنيا وهذا
~~العذاب عذاب الآخرة أي أنه يعذبهم في الآخرة لا محالة وهو خلاف سياق
~~الآية، { وما } على ما عليه الجمهور وهو الظاهر استفهامية، وقيل: إنها
~~نافية أي ليس ينفي عنهم العذاب مع تلبسهم بالصد عن المسجد الحرام.

# { وما كانوا أوليآءه } أي وما كانوا مستحقين ولاية المسجد
~~الحرام مع شركهم، والجملة في موضع الحال من ضمير { يصدون } مبينة
~~لكمال قبح ما صنعوا من الصد فإن مباشرتهم للصد عنه مع عدم استحقاقهم
~~لولاية أمره في غاية القبح، وهذا رد لما كانوا يقولون: نحن ولاة البيت
~~والحرم فنصد من نشاء وندخل من نشاء { إن أوليآؤه } أي ما أولياء
~~المسجد الحرام { إلا المتقون } من الشرك الذي لا يعبدون فيه
~~غيره تعالى، والمراد بهم المسلمون وهذه المرتبة الأولى من التقوى، وما
~~أشرنا إليه من رجوع الضميرين إلى المسجد هو المتبادر المروي عن أبي جعفر
~~والحسن، وقيل: هما راجعان إليه تعالى، وعليه فلا حاجة إلى اعتبار
~~الاستحقاق فيما تقدم آنفا إذ لم تثبت لهم ولاية الله تعالى أصلا بخلاف
~~ولاية المسجد فإنهم كانوا متولين له وقت النزول فاحتيج إلى التأويل بنفي
~~الاستحقاق، ويفسر المتقون حينئذ بما هو أخص من المسلمين لأن ولاية الله
~~تعالى لا يكفي فيها الإسلام بل لا بد فيها أيضا من المرتبة الثانية من
~~التقوى وإن وجدت المرتبة الثالثة منها فالولاية ولاية كبرى، وهذا ما
~~نعرفه من نصوص الشريعة المطهرة والمحجة البيضاء التي ليلها كنهارها،
~~وغالب الجهلة اليوم على أن الولي هو المجنون ويعبرون عنه بالمجذوب، صدقوا
~~ولكن عن الهدى، وكلما ms03592 أطبق جنونه وكثر هذيانه واستقذرت النفوس السليمة
~~أحواله كانت ولايته أكمل وتصرف في ملك الله تعالى أتم، وبعضهم يطلق الولي
~~عليه وعلى من ترك الأحكام الشرعية ومرق من الدين المحمدي وتكلم بكلمات
~~القوم وتزيا بزيهم، وليس منهم في عير ولا نفير، وزعم أن من أجهد نفسه في
~~العبادة محجوبا ومن تمسك بالشريعة مغبونا، وإن هناك باطن يخالف الظاهر
~~إذا هو عرف انحل القيد ورفع التكليف وكملت النفس:

# وألقت عصاها واستقر بها النوى

# كما قر عينا بالإياب المسافر

# ويسمون هذا المرشد، صدقوا ولكن إلى النار، والشيخ صدقوا ولكن النجدي،
~~والعارف صدقوا ولكن / بسباسب الضلال، والموحد صدقوا ولكن للكفر والإيمان،
~~وقد ذكر مونا حجة الإسلام الغزالي هذا النوع من الكفرة الفجرة وقال: إن
~~قتل واحد منهم أفضل عند الله تعالى من قتل مائة كافر، وكذا تكلم فيهم
~~الشيخ الأكبر قدس سره في «الفتوحات» بنحو ذلك:

# إلى الماء يسعى من يغص بلقمة

# إلى أين يسعى من يغص بماء

# والزمخشري جعل { المتقون } أخص من المسلمين على الوجه الأول أيضا
~~وهو أبلغ في نفي الولاية عن المذكورين أي لا يصلح لأن يلي أمر المسجد من
~~ليس بمسلم وإنما يستأهل ولايته من كان برا تقيا فكيف بالكفرة عبدة
~~الأوثان.

# { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن لا ولاية لهم عليه،
~~وكأنه نبه سبحانه بذكر الأكثر على أن منهم من يعلم ذلك ولكن يجحده
~~عنادا، وقد يراد بالأكثر الكل لأن له حكمه في كثير من الأحكام كما أن
~~الأقل قد لا يعتبر فينزل منزلة العدم.

### || [8.35]

# { وما كان صلاتهم عند البيت } أي المسجد الحرام الذي
~~صدوا المسلمين عنه، والتعبير عنه بالبيت للاختصار مع الإشارة إلى أنه بيت
~~الله تعالى فينبغي أن يعظم بالعبادة وهم لم يفعلوا { إلا مكآء } أي
~~صفيرا، وهو فعال بضم أوله كسائر أسماء الأصوات فإنها تجيء على فعال إلا
~~ما شذ كالنداء من مكا يمكو إذا صفر، وقرىء بالقصر كبكا { وتصدية }
~~أي تصفيقا، وهو ضرب اليد باليد بحيث يسمع له صوت، ووزنه تفعلة من الصد
~~كما ms03593 قال أبو عبيدة فحول إحدى الدالين ياء كما في تقضي البازي لتقضضه، ومن
~~ذلك قوله تعالى:

# إذا قومك منه يصدون

# [الزخرف: 57] أي يضجون لمزيد تعجبهم، وأنكر عليه، وقيل: هو من الصدأ وهو
~~ما يسمع من رجع الصوت عند جبل ونحوه، والمراد بالصلاة إما الدعاء أو
~~أفعال أخر كانوا يفعلونها ويسمونها صلاة، وحمل المكاء والتصدية عليها على
~~ما يشير إليه كلام الراغب بتأويل ذلك بأنها لا فائدة فيها ولا معنى لها
~~كصفير الطيور وتصفيق اللعب. وقد يقال: المراد أنهم وضعوا المكاء والتصدية
~~موضع الصلاة التي تليق أن تقع عند البيت على حد:

# تحية بينهم ضرب وجيع

# يروى أنهم كانوا إذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي يخلطون
~~عليه بالصفير والتصفيق ويرون أنهم يصلون أيضا. وروي أنهم كانوا يطوفون
~~عراة الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون. وقال بعض
~~القائلين: إن التصدية بمعنى الصد، والمراد صدهم عن القراءة أو عن الدين
~~أو الصد بمعنى الضجة كما نقل عن ابن يعيش في قوله تعالى:

# إذا قومك منه يصدون

# [الزخرف: 57] والمأثور عن ابن عباس وجمع من السلف ما ذكرناه. نعم روي عن
~~ابن جبير: تفسير التصدية بصد الناس عن المسجد الحرام وفيه بعد، وأبعد من
~~ذلك تفسير عكرمة لها بالطواف على الشمال بل لا يكاد يسلم، والجملة معطوفة
~~إما على

# وهم يصدون

# [الأنفال: 34] فتكون لتقرير استحقاقهم للعذاب ببيان أنهم صدوا ولم
~~يقوموا مقام من صدوه في تعظيم البيت، أو على

# وما كانوا أولياءه

# [الأنفال: 34] فتكون تقريرا لعدم استحقاقهم لولايته. وقرأ الأعمش {
~~صلاتهم } بالنصب وهي رواية عن عاصم وأبان، وهو حينئذ خبر { كان } و {
~~مكآء } بالرفع اسمها، وفي ذلك الإخبار عن النكرة بالمعرفة وهو من القلب
~~عند السكاكي، وقال ابن جني: لا قلب ثم قال: لسنا ندفع أن جعل اسم كان
~~نكرة وخبرها معرفة قبيح وإنما جاءت منه أبيات شاذة لكن من وراء ذلك ما
~~أذكره، وهو أن نكرة الجنس تفيد مفاد معرفته، ألا تراك تقول: خرجت فإذا
~~أسد بالباب، فتجد معناه ms03594 فإذا الأسد ولا فرق بينهما، وذلك أنك في الموضعين
~~لا تريد أسدا واحدا معينا / وإنما تريد واحدا من هذا الجنس، وإذا كان
~~كذلك جاز هنا النصب والرفع جوازا قريبا كأنه قيل: وما كان صلاتهم إلا
~~هذا الجنس من الفعل ولا يكون مثل قولك: كان قائم أخاك، لأنه ليس في قائم
~~معنى الجنسية.

# وأيضا فإنه يجوز مع النفي ما لا يجوز مع الإيجاب. ألا تراك تقول: ما
~~كان إنسان خيرا منك ولا تجيز كان إنسان خيرا منك، وتمام الكلام عليه في
~~موضعه.

# { فذوقوا العذاب } يعني القتل والأسر يوم بدر كما روي عن الحسن
~~والضحاك، وقيل: عذاب الآخرة، وقيل: العذاب المعهود في قوله سبحانه:

# أو ائتنا بعذاب

# [الأنفال: 32] ولا تعيين، والباء في قوله تعالى: { بما كنتم
~~تكفرون } للسببية، والفاء على تقدير أن لا يراد من العذاب عذاب
~~الآخرة للتعقيب، وعلى تقدير أن يراد ذلك للسببية كالباء وأمر اجتماعهما
~~ظاهر، والمتبادر من الكفر ما يرجع إلى الاعتقاد، وقد يراد به ما يشمل
~~الاعتقاد والعمل كما يراد من الإيمان في العرف ذلك أيضا.

### || [8.36]

# { إن الذين كفروا ينفقون أمولهم ليصدوا عن
~~سبيل الله } نزلت على ما روي عن الكلبي والضحاك ومقاتل في
~~المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلا، أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة
~~بن عبد شمس وبنية ومنية ابنا الحجاج وأبو البحتري بن هشام والنضر بن
~~الحرث وحكيم بن حزام وأبي بن خلف وزمعة بن الأسود والحرث بن عامر بن
~~نوفل والعباس بن عبد المطلب وكلهم من قريش، وكان كل يوم يطعم كل واحد عشر
~~جزر وكانت النوبة يوم الهزيمة للعباس، وروى ابن إسحاق أنها نزلت في أصحاب
~~العير. وذلك أنه لما أصيبت قريش يوم بدر ورجعوا إلى مكة مشى صفوان بن
~~أمية وعكرمة بن أبي جهل في رجال من قريش أصيب آباؤهم وإخوانهم ببدر
~~فكلموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا
~~معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل رجالكم فأعينونا بهذا المال على حربه ms03595
~~لعلنا أن ندرك منه ثأرنا بمن أصيب منا ففعلوا، وعن سعيد بن جبير ومجاهد
~~أنها نزلت في أبي سفيان استأجر ليوم أحد ألفين من الأحابيش ليقاتل بهم
~~النبي صلى الله عليه وسلم سوى من استجاشهم من العرب وأنفق عليهم أربعين
~~أوقية من الذهب وكانت الأوقية يومئذ اثنين وأربعين مثقالا من الذهب،
~~وفيهم يقول كعب بن مالك من قصيدة طويلة أجاب بها هبيرة بن أبي وهب:

# فجئنا إلى موج من البحر وسطهم

# أحابيش منهم حاسر ومقنع

# ثلاثة آلاف ونحن عصابة

# ثلاث مئين إن كثرنا فأربع

# وسبيل الله طريقه، والمراد به دينه واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم،
~~واللام في { ليصدوا } لام الصيرورة ويصح أن تكون للتعليل لأن غرضهم
~~الصد عن السبيل بحسب الواقع وإن لم يكن كذلك في اعتقادهم، وكأن هذا بيان
~~لعبادتهم المالية بعد عبادتهم البدنية، والموصول اسم { إن } وخبرها
~~على ما قال العلامة الطيبي في قوله تعالى: { فسينفقونها } و {
~~ينفقون } إما حال أو بدل من { كفروا } أو عطف بيان، واقترن الخبر
~~بالفاء لتضمن المبتدأ الموصول مع صلته معنى الشرط كما في قوله تعالى:

# إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنت ثم لم
~~يتوبوا فلهم عذاب جهنم

# [البروج: 10] فهو جزاء بحسب المعنى، وفي تكرير الإنفاق في الشرط والجزاء
~~الدلالة على كمال سوء الإنفاق كما في قوله تعالى:

# إنك من تدخل النار فقد أخزيته

# [آل عمران: 192] وقولهم: من أدرك الصمان فقد أدرك المرعى، والكلام مشعر
~~بالتوبيخ على الإنفاق والإنكار عليه، قيل: وإلى هذا يرجع قول بعضهم إن
~~مساق ما تقدم / لبيان غرض الإنفاق ومساق هذا لبيان عاقبته وأنه لم يقع
~~بعد فليس ذلك من التكرار المحظور، وقيل: في دفعه أيضا: المراد من الأول:
~~الإنفاق في بدر.

# و { ينفقون } لحكاية الحال الماضية، وهو خبر { إن } ، ومن
~~الثاني: الإنفاق في أحد، والاستقبال على حاله، والجملة عطف على الخبر لكن
~~لما كان إنفاق الطائفة الأولى سببا لإنفاق الثانية، أتى بالفاء لابتنائه
~~عليه، وذهب القطب إلى هذا الإعراب أيضا على تقدير دفع التكرار باختلاف
~~الغرضين، وذكر أن ms03596 الحاصل أنا لو حملنا { ينفقون } على الحال فلا بد
~~من تغاير الإنفاقين وإن حملناه على الاستقبال اتحدا، كأنه قيل: إن الذين
~~كفروا يريدون أن ينفقون أموالهم فسينفقونها، وحمل المنفق في الأول على
~~البعض وفي الثاني على الكل لا أراه كما ترى.

# وقوله سبحانه: { ثم تكون عليهم حسرة } عطف على ما قبله،
~~والتراخي زماني، والحسرة الندم والتأسف، وفعله حسر كفرح أي ثم تكون عليهم
~~ندما وتأسفا لفواتها من غير حصول المطلوب، وهذا في بدر ظاهر، وأما في
~~أحد فلأن المقصود لهم لم ينتج بعد ذلك فكان كالفائت، وضمير { تكون }
~~للأموال على معنى تكون عاقبتها عليهم حسرة، فالكلام على تقدير مضافين أو
~~ارتكاب تجوز في الإسناد. وقال العلامة الثاني: إنه من قبيل الاستعارة في
~~المركب حيث شبه كون عاقبة إنفاقهم حسرة بكون ذات الأموال كذلك وأطلق
~~المشبه به على المشبه وفيه خفاء، ومن الناس من قال: إن إطلاق الحسرة
~~بطريق التجوز على الإنفاق مبالغة فافهم { ثم يغلبون } أي في
~~مواطن أخر بعد ذلك { والذين كفروا } أي الذي أصروا على الكفر من
~~هؤلاء ولم يسلموا { إلى جهنم يحشرون } أي يساقون لا إلى
~~غيرها.

### || [8.37]

# { ليميز الله الخبيث من الطيب } أي الكافر من المؤمن
~~أو الفساد من الصلاح، واللام على الوجهين متعلقة ب

# يحشرون

# [الأنفال: 36] وقد يراد من الخبيث ما أنفقه المشركون لعداوة رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم و { من الطيب } ما أنفقه المسلمون لنصرته عليه
~~الصلاة والسلام، فاللام متعلقة ب

# تكون عليهم حسرة

# [الأنفال: 36] دون { يحشرون } ، إذ لا معنى لتعليل حشرهم بتمييز
~~المال الخبيث من الطيب، ولم تتعلق بتكون على الوجهين الأولين إذ لا معنى
~~لتعليل كون أموالهم عليهم حسرة بتمييز الكفار من المؤمنين أو الفساد من
~~الصلاح. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب (ليميز) من التمييز وهو أبلغ من الميز
~~لزيادة حروفه. وجاء من هذا ميزته فتميز ومن الأول مزته فانماز. وقرىء
~~شاذا { فانمازوا اليوم أيها المجرمون } [يس: 59].

# { ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا
~~} أي يضم بعضه إلى بعض ويجمعه من قولهم: ms03597 سحاب مركوم ويوصف به الرمل
~~والجيش أيضا، والمراد بالخبيث إما الكافر فيكون المراد بذلك فرط
~~ازدحامهم في الحشر، وإما الفساد فالمراد أنه سبحانه يضم كل صنف بعضه إلى
~~بعض { فيجعله فى جهنم } كله، وجعل الفساد فيها بجعل أصحابه
~~فيها، وأما المال المنفق في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم وجعله في
~~جهنم لتكوى به جباههم وجنوبهم. وقد يراد به هنا ما يعم الكافر وذلك المال
~~على معنى أنه يضم إلى الكافر الخبيث ما له الخبيث ليزيد به عذابه ويضم
~~إلى حسرة الدنيا حسرة الآخرة { أولئك } إشارة إلى الخبيث، والجمع
~~لأنه مقدر بالفريق الخبيث أو إلى المنفقين الذين بقوا على الكفر فوجه
~~الجمع ظاهر، وما فيه من معنى البعد على الوجهين للإيذان ببعد درجتهم في
~~الخبث. / { هم الخسرون } أي الكاملون في الخسران لأنهم خسروا
~~أنفسهم وأموالهم.

### || [8.38]

# { قل للذين كفروا } أي المعهودين وهم أبو سفيان وأصحابه،
~~واللام عند جمع للتعليل أي قل لأجلهم { إن ينتهوا } عما هم فيه من
~~معاداة الرسول صلى الله عليه وسلم بالدخول في الإسلام { يغفر لهم
~~ما قد سلف } منهم من الذنوب التي من جملتها المعاداة والانفاق في
~~الضلال، وقال أبو حيان: الظاهر أن اللام للتبليغ وأنه عليه الصلاة
~~والسلام أمر أن يقول هذا المعنى الذي تضمنته ألفاظ هذه الجملة المحكية
~~بالقول سواء قاله بهذه العبارة أم غيرها، وهذا الخلاف إنما هو على قراءة
~~الجماعة وأما على قراءة ابن مسعود { إن تنتهوا يغفر لكم } بالخطاب فلا
~~خلاف في أنها للتبليغ على معنى خاطبهم بذلك، وقرىء { نغفر لهم } على أن
~~الضمير لله عز وجل { وإن يعودوا } إلى قتاله صلى الله عليه وسلم أو
~~إلى المعاداة على معنى إن داوموا عليها { فقد مضت سنت
~~الأولين } أي عادة الله تعالى الجارية في الذين تحزبوا على الأنبياء
~~عليهم الصلاة والسلام من نصر المؤمنين عليهم وخذلانهم وتدميرهم. وأضيفت
~~السنة إليهم لما بينهما من الملابسة الظاهرة، ونظير ذلك قوله سبحانه:

# سنة من قد أرسلنا

# [الإسراء: 77] فأضاف السنة إلى المرسلين مع أنها سنته تعالى ms03598 لقوله
~~سبحانه:

# ولا تجد لسنتنا تحويلا

# [الإسراء: 77] باعتبار جريانها على أيديهم، ويدخل في الأولين الذين حاق
~~بهم مكرهم يوم بدر، وبعضهم فسره بذلك ولعل الأول أولى لعمومه ولأن السنة
~~تقتضي التكرر في العرف وإن قالوا: العادة تثبت بمرة، والجملة على ما في
~~«البحر» دليل الجواب، والتقدير إن يعودوا انتقمنا منه أو نصرنا المؤمنين
~~عليهم فقد مضت سنة الأولين، وذهب غير واحد إلى أن المراد بالذين كفروا
~~الكفار مطلقا، والآية حث على الإيمان وترغيب فيه، والمعنى أن الكفار أن
~~انتهوا عن الكفر وأسلموا غفر لهم ما سلف منهم من الكفر والمعاصي وخرجوا
~~منها كما تنسل الشعرة من العجين وإن عادوا إلى الكفر بالارتداد فقد رجع
~~التسليط والقهر عليهم.

# واستدل بالآية على أن الإسلام يجب ما قبله، وأن الكافر إذا أسلم لا
~~يخاطب بقضاء ما فاته من صلاة أو زكاة أو صوم أو إتلاف مال أو نفس، وأجرى
~~المالكية ذلك كله في المرتد إذا تاب لعموم الآية، واستدل بها على إسقاط
~~ما على الذمي من جزية وجبت عليه قبل إسلامه، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق
~~ابن وهب عن مالك قال: لا يؤاخذ الكافر بشيء صنعه في كفره إذا أسلم وذلك
~~لأن الله تعالى قال: { إن ينتهوا } الخ. وقال بعض: إن الحربي إذا
~~أسلم لم تبق عليه تبعة أصلا وأما الذمي فلا يلزمه قضاء حقوق الله تعالى
~~وتلزمه حقوق العباد، ونسب إلى الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أن
~~مذهبه في المرتد كمذهب المالكية في أنه إذا رجع إلى الإسلام لم تبق عليه
~~تبعة وهو كالصريح في أن من عصى طول العمر ثم ارتد ثم أسلم لم يبق عليه
~~ذنب.

# ونسب بعضهم قول ذلك إليه رضي الله تعالى عنه صريحا وادعى أنه احتج عليه
~~بالآية وأنه في غاية الضعف إذ المراد بالكفر المشار إليه في الآية هو
~~الكفر الأصلي وبما سلف ما مضى في حال الكفر، وتعقب ذلك بأن أبا حنيفة
~~ومالكا أبقيا الآية على عمومها لحديث

# " الإسلام يهدم ما كان ms03599 قبله "

# وأنهما قالا: إن المرتد يلزمه حقوق الآدميين دون حقوق الله تعالى كما في
~~كتاب «أحكام القرآن» لابن عبد الحق، وخالفهما الشافعي رضي الله تعالى عنه
~~وقال: يلزمه جميع الحقوق، وأنا أقول ما ذكره ذلك البعض عن أبي حنيفة في
~~العاصي المذكور في غاية الغرابة، وفي «كتب الأصحاب» ما يخالفه، ففي
~~«الخانية» إذا كان المرتد قضاء صلوات أو صيامات تركها / في الإسلام ثم
~~أسلم قال شمس الأئمة الحلواني: عليه قضاء ما ترك في الإسلام لأن ترك
~~الصلاة والصيام معصية تبقى بعد الردة. نعم ذكر قاضيخان فيها ما يدل على
~~أن بعض الأشياء يسقط عن هذا المرتد إذا عاد إلى الإسلام وأطال الكلام في
~~المرتد ولا بأس بنقل شيء مما له تعلق في هذا المبحث إذ لا يخلو عن فائدة،
~~وذلك أنه قال: مسلم أصاب مالا أو شيئا يجب به القصاص أو حد قذف ثم ارتد
~~أو أصاب ذلك، وهو مرتد في دار الإسلام ثم لحق بدار الحرب وحارب المسلمين
~~زمانا ثم جاء مسلما فهو مأخوذ بجميع ذلك ولو أصاب ذلك بعد ما لحق بدار
~~الحرب مرتدا وأسلم فذلك كله موضوع عنه، وما أصاب المسلم من حدود الله
~~تعالى كالزنا والسرقة وقطع الطريق ثم ارتد أو أصاب ذلك بعد الردة ثم لحق
~~بدار الحرب ثم جاء مسلما فكل ذلك يكون موضوعا عنه إلا أنه يضمن المال
~~في السرقة، وإذا أصاب دما في الطريق كان عليه القصاص، وما أصاب في قطع
~~الطريق من القتل خطأ ففيه الدية على عاقلته إن أصابه قبل الردة وفي ماله
~~أصابه بعدها، وإن وجب على المسلم حد الشرب ثم ارتد ثم أسلم قبل اللحوق
~~بدار الحرب فإنه لا يؤاخذ بذلك لأن الكفر يمنع وجوب الحد ابتداء فإذا
~~اعترض منع البقاء وإن أصاب المرتد ذلك وهو محبوس لا يؤاخذ بحد الخمر
~~والسكر ويؤاخذ بما سوى ذلك من حدود الله تعالى، ويتمكن الإمام من إقامة
~~هذا الحد إذا كان في يده فإن لم يكن في يده حين أصاب ذلك ms03600 ثم أسلم قبل
~~اللحوق بدار الحرب فهو موضوع عنه أيضا انتهى، ومنه يعلم أن قولهم المرتد
~~يلزمه حقوق العباد دون حقوق الله تعالى ليس على إطلاقه وتمام الكلام في
~~الفروع، وأنت تعلم أن الوجه في الآية هو المطابق لمقتضى المقام وأن
~~المتبادر من الكفر الكفر الأصلي.

# و

# " الإسلام يهدم ما كان قبله "

# بعض من حديث أخرجه مسلم

# " عن عمرو بن العاص قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط
~~يمينك لأبايعك فبسط يمينه الشريفة قال: فقبضت يدي فقال عليه الصلاة
~~والسلام ما لك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط قال: تشترط ماذا؟ قلت: أشترط
~~أن يغفر لي قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم
~~ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله "

# الحديث.

# والظاهر أن { ما } لا يمكن حملها في الكل على العموم كما لا يخفى فلا
~~تغفل. وذكر بعضهم أن الكافر إذا أسلم يلزمه التوبة والندم على ما سلف مع
~~الإيمان حتى يغفر له وفيه تأمل فتأمل.

### || [8.39]

# { وقتلوهم } عطف على

# قل

# [الأنفال: 38] وعم الخطاب لزيادة ترغيب المؤمنين في القتال لتحقيق ما
~~يتضمنه قوله سبحانه:

# فقد مضت سنت الأولين

# [الأنفال: 38] من الوعيد { حتى لا تكون فتنة } أي لا يوجد
~~منهم شرك كما روي عن ابن عباس والحسن، وقيل: المراد حتى لا يفتتن مؤمن عن
~~دينه { ويكون الدين كله لله } وتضمحل الأديان الباطلة كلها
~~إما بهلاك أهلها جميعا أو برجوعهم عنها خشية القتل، قيل: لم يجيء تأويل
~~هذه الآية بعد وسيتحقق مضمونها إذا ظهر المهدي فإنه لا يبقى على ظهر
~~الأرض مشرك أصلا على ما روي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه {
~~فإن انتهوا } عن الكفر بقتالكم { فإن الله بما
~~يعملون بصير } الجملة قائمة مقام الجزاء أي فيجازيهم على
~~انتهائهم وإسلامهم، أو جعلت مجازا عن الجزاء أو كناية وإلا فكونه تعالى
~~بصيرا أمر ثابت قبل الانتهاء وبعده ليس معلقا على شيء. وعن يعقوب أنه
~~قرأ { تعملون } بالتاء على أنه خطاب للمسلمين ms03601 المجاهدين أي بما تعملون من
~~الجهاد المخرج لهم إلى الإسلام، وتعليق الجزاء بانتهائهم للدلالة على
~~أنهم يثابون بالسببية كما يثاب المباشرون بالمباشرة.

### || [8.40]

# { وإن تولوا } ولم ينتهوا عن كفرهم / { فاعلموا أن
~~الله مولاكم } أي ناصركم فثقوا به ولا تبالوا بمعاداتهم { نعم
~~المولى } لا يضيع من تولاه { ونعم النصير } لا يغلب من
~~نصره.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { فلم تقتلوهم ولكن
~~الله قتلهم } تأديب منه سبحانه لأهل بدر وهداية لهم إلى فناء
~~الأفعال حيث سلب الفعل عنهم بالكلية، ويشبه هذا من وجه قوله سبحانه:

# وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى

# [الأنفال: 17] والفرق أنه لما كان النبي صلى الله عليه وسلم في مقام
~~البقاء بالحق سبحانه نسب إليه الفعل بقوله تعالى: { إذ رميت } مع
~~سلبه عنه بما { رميت } وإثباته لله تعالى في حيز الاستدراك ليفيد
~~معنى التفصيل في عين الجمع فيكون الرامي محمدا عليه الصلاة والسلام لا
~~بنفسه ولعلو مقامه صلى الله عليه وسلم وعدم كونهم في ذلك المقام الأرفع
~~نسب سبحانه إليه صلى الله عليه وسلم ما نسب ولم ينسب إليهم رضي الله
~~تعالى عنهم من الفعل شيئا، وهذا أحد أسرار تغيير الأسلوب في الجملتين
~~حيث لم ينسب في الأولى ونسب في الثانية، بقي سر التعبير بالمضارع المنفي
~~بلم في إحداهما والماضي المنفي بما في الأخرى فارجع إلى فكرك. فلعل
~~الله تعالى يفتحه عليك: { وليبلى المؤمنين منه بلاء
~~حسنا } أي ليعطيهم عطاء جميلا وهو توحيد الأفعال، والمراد لهذا فعل
~~ذلك { إن الله سميع } بخطرات نفوسكم بنسبة القتل إليكم

# عليم

# [الأنفال: 17] بأنه القتل حقيقة وكونكم مظهرا لفعله

# وأن الله موهن كيد الكفرين

# [الأنفال: 18] لاحتجابهم بأنفسهم { إن تستفتحوا } الآية، قيل
~~فيها: أي تفتحوا أبواب قلوبكم بمفاتيح الصدق والإخلاص وترك السوي في طلب
~~التجلي { فقد جاءكم الفتح } بالتجلي فإنه سبحانه لم يزل
~~متجليا ولا يزال لكن لا يدرك ذلك إلا من فتح قلبه { وإن تنتهوا }
~~عن طلب السوى { فهو خير لكم } لما فيه من الفوز بالمولى {
~~وإن تعودوا } إلى طلب الدنيا وزخارفها ms03602 { نعد } إلى خذلانكم
~~ونكلكم إلى أنفسكم { ولن تغنى عنكم فئتكم } الدنيوية {
~~شيئا } مما لخاصته سبحانه

# ولو كثرت

# [الأنفال: 19] لأنها كسراب بقيعة

# يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله ورسوله ولا
~~تولوا عنه وأنتم تسمعون

# [الأنفال: 20] لأن ثمرة السماع الفهم والتصديق وثمرتهما الإرادة وثمرتها
~~الطاعة فلا تصح دعوى السماع مع الإعراض

# ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا
~~يسمعون

# [الأنفال: 21] لكونهم محجوبين عن الفهم { إن شر الدواب عند
~~الله الصم } عن السماع { البكم } عن القبول

# الذين لا يعقلون

# [الأنفال: 22] لماذا خلقوا { ولو علم الله فيهم خيرا }
~~استعدادا صالحا { لأسمعهم } سماع تفهم { ولو أسمعهم } مع
~~عدم علم الخير فيهم

# لتولوا

# [الأنفال: 23] ولم ينتفعوا به وارتدوا سريعا إذ شأن العارض الزوال وهم
~~معرضون بالذات { يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله
~~وللرسول } بالتصفية { إذا دعاكم لما يحييكم } وهو
~~العلم بالله تعالى، وقد يقال: استجيبوا لله تعالى بالباطن والأعمال
~~القلبية وللرسول بالظاهر والأعمال النفسية، أو استجيبوا لله تعالى
~~بالفناء في الجمع وللرسول عليه الصلاة والسلام بمراعاة حقوق التفصيل إذا
~~دعاكم لما يحييكم من البقاء { واعلموا أن الله يحول بين
~~المرء وقلبه } فيزول الاستعداد فانتهزوا الفرصة

# وأنه إليه تحشرون

# [الأنفال: 24] فيجازيكم على حسب مراتبكم

# واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم
~~خاصة

# [الأنفال: 25] بل تشملهم وغيرهم بشؤم الصحبة { واذكروا إذ
~~أنتم قليل } من حيث القدر لجهلكم { مستضعفون } في أرض
~~النفس { تخافون أن يتخطفكم الناس } أي ناس القوى الحسية
~~لضعف نفوسكم { فآواكم } إلى مدينة العلم، { وأيدكم بنصره
~~} في مقام توحيد الأفعال { ورزقكم من الطيبات } أي علوم
~~تجليات الصفات

# لعلكم تشكرون

# [الأنفال: 26] ذلك، وقد يقال: واذكروا أيها الأرواح والقلوب إذ كنتم
~~قليلا ليس معكم غيركم إذ لم ينشأ لكم بعد الصفات والأخلاق الروحانية {
~~مستضعفون } في أرض البدن { تخافون أن يتخطفكم
~~الناس } من النفس وأعوانها / { فآواكم } إلى حظائر قدسه {
~~وأيدكم بنصره } بالواردات الربانية { ورزقكم من
~~الطيبات } وهي تجلياته سبحانه { يأيها الذين ءامنوا لا
~~تخونوا الله } بترك الإيمان { والرسول } بترك التخلق بأخلاقه
~~عليه الصلاة والسلام { وتخونوا أمنتكم } وهي ما رزقكم
~~الله تعالى ms03603 من القدرة وسلامة الآلات بترك الأعمال الحسنة أو لا تخونوا
~~الله تعالى بنقض ميثاق التوحيد الفطري السابق والرسول عليه الصلاة
~~والسلام بنقض العزيمة ونبذ العقد اللاحق وتخونوا أماناتكم من المعارف
~~والحقائق التي استودع الله تعالى فيكم حسب استعدادكم بإخفائها بصفات
~~النفس

# وأنتم تعلمون

# [الأنفال: 27] قبح ذلك أو تعلمون أنكم حاملوها { واعلموا أنما
~~أمولكم وأولدكم فتنة } يختبركم الله تعالى بها ليرى
~~أتحتجبون بمحبتها عن محبته أو لا تحتجبون

# وأن الله عنده أجر عظيم

# [الأنفال: 28] لمن لا يفتتن بذلك ولا يشغله عن محبته { يأيها
~~الذين ءامنوا إن تتقوا الله } بالاجتناب عن الخيانة
~~والاحتجاب بمحبة الأموال والأولاد { يجعل لكم فرقانا } نورا
~~تفرقون به بين الحق والباطل، وربما يقال: إن ذلك إشارة إلى نور يفرقون به
~~بين الأشياء بأن يعرفوها بواسطته معرفة يمتاز به بعضها عن بعض وهو المسمى
~~عندهم بالفراسة. وفي بعض الآثار «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور من
~~نور الله تعالى» { ويكفر عنكم سيئاتكم } وهي صفات نفوسكم {
~~ويغفر لكم } ذنوب ذواتكم

# والله ذو الفضل العظيم

# [الأنفال: 29] فيجعل لكم الفرقان ويفعل ويفعل { وإذ يمكر بك
~~الذين كفروا } الآية جعلها بعضهم خطابا للنبي صلى الله عليه
~~وسلم ومعناها ما ذكرناه سابقا، وجعلها بعضهم خطابا للروح وهو تأويل
~~أنفسي، أي وإذ يمكر بك أيها الروح الذين كفروا وهي النفس وقواها {
~~ليثبتوك } ليقيدوك في أسر الطبيعة { أو يقتلوك } بانعدام
~~آثارك

# أو يخرجوك

# [الأنفال: 30] من عالم الأرواح { وما كان الله ليعذبهم
~~وأنت فيهم } لأنك الرحمة للعالمين

# وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون

# [الأنفال: 33] إذ لا ذنب مع الاستغفار ولا عذاب من غير ذنب { وما
~~لهم ألا يعذبهم الله } أي أنهم مستحقون لذلك كيف لا {
~~وهم يصدون } المستعدين { عن المسجد الحرام } الذي هو
~~القلب بإغرائهم على الأمور النفسانية واللذات الطبيعية { وما كانوا
~~أوليآءه } لغلبة صفات أنفسهم عليهم { إن أوليآؤه إلا
~~المتقون } تلك الصفات

# ولكن أكثرهم لا يعلمون

# [الأنفال: 34] ذلك الحكم، وقال النيسابوري: ولكن أكثرهم أي المتقين لا
~~يعلمون أنهم أولياؤه لأن الولي قد لا يعرف أنه ولي ms03604 { وما كان
~~صلاتهم عند البيت } وهو ذلك المسجد { إلا مكآء } إلا
~~وساوس وخطرات شيطانية

# وتصدية

# [الأنفال: 35] وعزما على الأفعال الشنيعة { إن الذين كفروا
~~ينفقون أمولهم } من الاستعداد الفطري في غير مرضاة الله تعالى
~~{ ليصدوا عن سبيل الله } طريقه الموصل إليه {
~~فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة } لزوال لذاتهم حتى
~~تكون نسيا منسيا { ثم يغلبون } لتمكن الأخلاق الذميمة فيهم فلا
~~يستطيعون العدول عنها { والذين كفروا } أي وهم، إلا أنه أقيم
~~الظاهر مقام المضمر تعليلا للحكم الذي تضمنه قوله سبحانه:

# إلى جهنم يحشرون

# [الأنفال: 36] وهي جهنم القطعية { قل للذين كفروا إن
~~ينتهوا } عما هم عليه

# يغفر لهم ما قد سلف

# [الأنفال: 38] { وقتلوهم } أي قاتلوا أيها المؤمنون كفار النفوس
~~فإن جهادها هو الجهاد الأكبر { حتى لا تكون فتنة } مانعة عن
~~الوصول إلى الحق { ويكون الدين كله لله } ويضمحل دين النفس
~~الذي شرعته

# فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير

# [الأنفال: 39] فيجازيهم على ذلك والله تعالى الموفق لأوضح المسالك لا رب
~~غيره ولا يرجى إلا خيره.

### || [8.41]

# { واعلموا أنما غنمتم } روي عن الكلبي أنها نزلت في بدر
~~وهو الذي يقتضيه كلام الجمهور، وقال الواقدي: كان الخمس في غزوة بني
~~قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من
~~الهجرة. و { ما } موصولة والعائد محذوف، وكان حقها أن تكون مفصولة
~~وجعلها شرطية خلاف الظاهر وكذا جعلها مصدرية، وغنم في الأصل من الغنم
~~بمعنى الربح، وجاء ((غنم [بالكسر] غنما بالضم وبالفتح وبالتحريك وغنيمة
~~وغنمانا بالضم؛ وفي «القاموس» المغنم والغنيم والغنيمة والغنم بالضم
~~الفىء))، والمشهور تغاير الغنيمة والفىء، وقيل: اسم الفىء يشملهما لأنها
~~راجعة إلينا ولا عكس فهي أخص، وقيل: هما كالفقير والمسكين، وفسروها بما
~~أخذ من الكفار قهرا بقتال أو إيجاف فما أخذ اختلاسا لا يسمى غنيمة وليس
~~له حكمها، فإذا دخل الواحد أو الاثنان دار الحرب مغيرين بغير إذن الإمام
~~فأخذوا شيئا لم يخمس، وفي الدخول بإذنه روايتان والمشهور أنه يخمس لأنه
~~لما أذن لهم فقد التزم نصرتهم بالإمداد فصاروا كالمنعة، ms03605 وحكي عن الشافعي
~~رضي الله تعالى عنه في المسألة الأولى التخميس وإن لم يسم ذلك غنيمة عنده
~~لإلحاقه بها.

# وقوله سبحانه: { من شيء } بيان للموصول محله النصب على أنه حال من
~~عائده المحذوف قصد به الاعتناء بشأن الغنيمة وأن لا يشذ عنها شيء، أي ما
~~غنمتموه كائنا مما يقع عليه اسم الشيء حتى الخيط والمخيط خلا أن سلب
~~المقتول لقاتله إذا نفله الإمام، وقال الشافعية: السلب للقاتل ولو نحو
~~صبي وقن وإن لم يشترط له وإن كان المقتول نحو قريبه وإن لم يقاتل أو نحو
~~امرأة أو صبي إن قاتلا ولو أعرض عنه للخبر المتفق عليه «من قتل قتيلا
~~فله سلبه» نعم القاتل المسلم القن لذمي لا يستحقه عندهم وإن خرج بإذن
~~الإمام. وأجاب أصحابنا بأن السلب مأخوذ بقوة الجيش فيكون غنيمة فيقسم
~~قسمتها، وقد

# " قال صلى الله عليه وسلم لحبيب بن أبي سلمة: ليس لك من صلب قتيلك إلا
~~ما طابت به نفس إمامك "

# وما رووه يحتمل نصب الشرع ويحتمل التنفيل فيحمل على الثاني لما رويناه،
~~والأسارى يخير فيهم الإمام وكذا الأرض المغنومة عندنا وتفصيله في الفقه.

# والمصدر المؤول من أن المفتوحة مع ما في حيزها في قوله تعالى: { فأن
~~لله خمسه } مبتدأ خبره محذوف أي فحق أو واجب أن لله خمسه، وقدر
~~مقدما لأن المطرد في خبرها إذا ذكر تقديمه لئلا يتوهم أنها مكسورة فأجري
~~على المعتاد فيه، ومنهم من أعربه خبر مبتدأ محذوف أي فالحكم أن الخ،
~~والجملة خبر لأن الأولى، والفاء لما في الموصول من معنى المجازاة، وقيل:
~~إنها صلة وأن بدل من أن الأولى، وروى الجعفي عن أبي عمرو { فإن }
~~بالكسر وتقويه قراءة النخعي (فلله خمسه) ورجحت المشهورة بأنها آكد
~~لدلالتها على إثبات الخمس وأنه لا سبيل لتركه مع احتمال الخبر لتقديرات
~~كلازم وحق وواجب ونحوه، وتعقبه صاحب «التقريب» بأنه معارض بلزوم الإجمال.

# وأجيب بأنه إن أريد بالإجمال ما يحتمل الوجوب والندب والإباحة فالمقام
~~يأبى إلا الوجوب وإن أريد ما ذكر من لازم وحق وواجب ms03606 فالتعميم يوجب
~~التفخيم والتهويل. وقرىء { خمسه } بسكون الميم والجمهور / على أن ذكر
~~الله تعالى لتعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام كما في قوله تعالى:

# والله ورسوله أحق أن يرضوه

# [التوبة: 62] أو لبيان أنه لا بد في الخمسية من إخلاصها له سبحانه وأن
~~المراد قسمة الخمس على ما ذكر في قوله تعالى: { وللرسول ولذي
~~القربى واليتمى والمسكين وابن السبيل } قيل
~~ويكون قوله تعالى: { للرسول } معطوفا على { لله } على التعليل
~~الأول وبتقدير مبتدأ أي وهو أي الخمس للرسول الخ على التعليل الثاني،
~~وإعادة اللام في ذي القربى دون غيرهم من الأصناف الباقية لدفع توهم
~~اشتراكهم في سهم النبي صلى الله عليه وسلم لمزيد اتصالهم به عليه الصلاة
~~والسلام، وأريد بهم بنو هاشم وبنو المطلب المسلمون لأنه صلى الله عليه
~~وسلم وضع سهم ذوي القربى فيهم دون بني أخيهما شقيقهما عبد شمس، وأخيهما
~~لأبيهما نوفل مجيبا عن ذلك حين قال له عثمان وجبير بن مطعم: هؤلاء إخوتك
~~بنو هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله تعالى منهم أرأيت إخواننا
~~من بني عبد المطلب أعطيتهم وحرمتنا وإنما نحن وهم بمنزلة نحن وبنو المطلب
~~شيء واحد وشبك بين أصابعه رواه البخاري، أي لم يفارقوا بني هاشم في نصرته
~~صلى الله عليه وسلم جاهلية ولا إسلاما.

# وكيفية القسمة عند الأصحاب أنها كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم على خمسة أسهم، سهم له عليه الصلاة والسلام، وسهم للمذكورين من ذوي
~~القربى، وثلاثة أسهم للأصناف الثلاثة الباقية، وأما بعد وفاته عليه
~~الصلاة والسلام فسقط سهمه صلى الله عليه وسلم كما سقط الصفي وهو ما كان
~~يصطفيه لنفسه من الغنيمة مثل درع وسيف وجارية بموته صلى الله عليه وسلم
~~لأنه كان يستحقه برسالته ولا رسول بعده صلى الله عليه وسلم وكذا سقط سهم
~~ذوي القربى وإنما يعطون بالفقر وتقدم فقراؤهم على فقراء غيرهم ولا حق
~~لأغنيائهم لأن الخلفاء الأربعة الراشدين قسموه كذلك وكفى بهم قدوة، وروي
~~عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه منع بني ms03607 هاشم الخمس وقال: إنما لكم
~~أن يعطى فقيركم ويزوج أيمكم ويخدم ما لا خادم له منكم فأما الغني منكم
~~فهو بمنزلة ابن السبيل غنى لا يعطي من الصدقة شيئا ولا يتيم موسر.

# وعن زيد بن علي كذلك قال: ليس لنا أن نبني منه القصور ولا أن نركب منه
~~البراذين، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعطاهم للنصرة لا للقرابة
~~كما يشير إليه جوابه لعثمان وجبير رضي الله تعالى عنهما وهو يدل على أن
~~المراد بالقربى في النص قرب النصرة لا قرب القرابة، وحيث انتهت النصرة
~~انتهى الإعطاء لأن الحكم ينتهي بانتهاء علته واليتيم صغير لا أب له فيدخل
~~فقراء اليتامى من ذوي القربى في سهم اليتامى المذكورين دون أغنيائهم
~~والمسكين منهم في سهم المساكين، وفائدة ذكر اليتيم مع كون استحقاقه
~~بالفقر والمسكنة لا باليتم دفع توهم أن اليتيم لا يستحق من الغنيمة شيئا
~~لأن استحقاقها بالجهاد واليتيم صغير فلا يستحقها.

# وفي «التأويلات» لعلم الهدى الشيخ أبي منصور أن ذوي القربى إنما
~~يستحقون بالفقر أيضا، وفائدة ذكرهم دفع ما يتوهم أن الفقير منهم لا
~~يستحق لأنه من قبيل الصدقة ولا تحل لهم، وفي «الحاوي القدسي» وعن أبي
~~يوسف أن الخمس يصرف لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وبه
~~نأخذ انتهى، وهو يقتضي أن الفتوى على الصرف إلى ذوي القربى الأغنياء
~~فليحفظ، وفي «التحفة» أن هذه الثلاثة مصارف الخمس عندنا لا على سبيل
~~الاستحقاق حتى لو صرف إلى صنف واحد منهم جاز كما في الصدقات كذا في «فتح
~~القدير».

# ومذهب الإمام مالك رضي الله تعالى عنه أن الخمس لا يلزم تخميسه وأنه
~~مفوض إلى رأي الإمام كما يشعر به كلام خليل؛ وبه صرح ابن الحاجب فقال:
~~ولا يخمس لزوما بل يصرف منه لآله عليه الصلاة والسلام بالاجتهاد /
~~ومصالح المسلمين ويبدأون استحبابا كما نقل التتائي عن السنباطي بالصرف
~~على غيرهم، وذكر أنهم بنو هاشم وأنهم يوفر نصيبهم لمنعهم من الزكاة حسبما
~~يرى من قلة المال وكثرته، وكان عمر بن عبد العزيز يخص ms03608 ولد فاطمة رضي الله
~~تعالى عنها كل عام باثني عشر ألف دينار سوى ما يعطي غيرهم من ذوي
~~القربى، وقيل: يساوي بين الغني والفقير وهو فعل أبي بكر رضي الله تعالى
~~عنه، وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يعطي حسب ما يراه، وقيل:
~~يخير لأن فعل كل من الشيخين حجة. وقال عبد الوهاب: أن الإمام يبدأ بنفقته
~~ونفقة عياله بغير تقدير، وظاهر كلام الجمهور أنه لا يبدأ بذلك وبه قال
~~ابن عبد الحكم، والمراد بذكر الله سبحانه عند هذا الإمام أن الخمس يصرف
~~في وجوه القربات لله تعالى والمذكور بعد ليس للتخصيص بل لتفضيله على غيره
~~ولا يرفع حكم العموم الأول بل هو قار على حاله وذلك كالعموم الثابت
~~للملائكة وإن خص جبريل وميكائيل عليهما السلام بعد.

# ومذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه في قسمة الغنيمة أن يقدم من أصل المال
~~السلب ثم يخرج منه حيث لا متطوع مؤنة الحفظ والنقل وغيرهما من المؤن
~~اللازمة للحاجة إليها ثم يخمس الباقي فيجعل خمسة أقسام متساوية ويكتب على
~~رقعة لله تعالى أو للمصالح وعلى أربعة للغانمين وتدرج في بنادق [ويقرع]
~~فما خرج لله تعالى قسم على خمس [أحدها] مصالح المسلمين كالثغور
~~والمشتغلين بعلوم الشرع وآلاتها ولو مبتدئين والأئمة والمؤذنين ولو
~~أغنياء وسائر من يشتغل عن نحو كسبه بمصالح المسلمين لعموم نفعهم وألحق
~~بهم العاجزون عن الكسب والعطاء إلى رأي الإمام معتبرا سعة المال وضيقه،
~~وهذا هو السهم الذي كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وكان
~~ينفق منه على نفسه وعياله ويدخر منه مؤنة سنة ويصرف الباقي في المصالح،
~~وهل كان عليه الصلاة والسلام مع هذا التصرف مالكا لذلك أو غير مالك
~~قولان ذهب إلى الثاني الإمام الرافعي وسبقه إليه جمع متقدمون قال: إنه
~~عليه الصلاة والسلام مع تصرفه في الخمس المذكور لم يكن يملكه ولا ينتقل
~~منه إلى غيره إرثا.

# ورد بأن الصواب المنصوص أنه كان يملكه، وقد غلط الشيخ أبو حامد من
~~قال: لم يكن صلى ms03609 الله عليه وسلم يملك شيئا وإنما أبيح له ما يحتاج إليه،
~~وقد يؤول كلام الرافعي بأنه لم ينف الملك المطلق بل الملك المقتضي للإرث
~~عنه. ويؤيد ذلك اقتضاء كلامه في الخصائص أنه يملك و[الثاني] بنو هاشم.
~~والمطلب، والعبرة بالانتساب للآباء دون الأمهات ويشترك فيه الغني والفقير
~~لإطلاق الآية، وإعطائه عليه الصلاة والسلام العباس وكان غنيا والنساء،
~~ويفضل الذكر كالإرث و[الثالث] اليتامى، ولا يمنع وجود جد، ويدخل فيهم ولد
~~الزنا والمنفي لا اللقيط على الأوجه؛ ويشترط فقره على المشهور ولا بد في
~~ثبوت اليتم والإسلام والفقر هنا من البينة، وكذا في الهاشمي والمطلبي،
~~واشترط جمع فيهما معها استفاضة لنسبه و[الرابع والخامس] المساكين وابن
~~السبيل ولو بقولهم بلا يمين. نعم يظهر في مدعي تلف مال له عرف أو عيال
~~أنه يكلف بينة. ويشترط الإسلام في الكل والفقر في ابن السبيل أيضا
~~وتمامه في كتبهم.

# وتعلق أبو العالية بظاهر الآية الكريمة فقال: يقسم ستة أسهم ويصرف سهم
~~الله تعالى لمصالح الكعبة أي إن كانت قريبة وإلا فإلى مسجد كل بلدة وقع
~~فيها الخمس كما قاله ابن الهمام. وقد روى أبو داود في «المراسيل» وابن
~~جرير عنه أنه عليه الصلاة والسلام كان يأخذ منه قبضة فيجعلها لمصالح
~~الكعبة ثم يقسم ما بقي خمسة أسهم، ومذهب الإمامية أنه ينقسم إلى ستة أسهم
~~أيضا كمذهب أبي العالية إلا أنهم قالوا: إن سهم الله تعالى وسهم الرسول
~~صلى الله عليه وسلم وسهم ذوي القربى للإمام القائم مقام الرسول عليه
~~الصلاة / والسلام وسهم ليتامى آل محمد صلى الله عليه وسلم وسهم
~~لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم لا يشركهم في ذلك غيرهم ورووا ذلك عن زين
~~العابدين ومحمد بن علي الباقر رضي الله تعالى عنهم، والظاهر أن الأسهم
~~الثلاثة الأول التي ذكروها اليوم تخبأ في السرداب إذ القائم مقام الرسول
~~قد غاب عندهم فتخبأ له حتى يرجع من غيبته، وقيل: سهم الله تعالى لبيت
~~المال، وقيل: هو مضموم لسهم الرسول صلى الله عليه وسلم.

# هذا ولم يبين سبحانه حال الأخماس ms03610 الأربعة الباقية وحيث بين جل شأنه حكم
~~الخمس ولم يبينها دل على أنها ملك الغانمين، وقسمتها عند أبي حنيفة
~~للفارس سهمان وللراجل سهم واحد. لما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذلك، والفارس في السفينة يستحق
~~سهمين أيضا وإن لم يمكنه القتال عليها فيها للتأهب، والمتأهب للشيء
~~كالمباشر كما في «المحيط»، ولا فرق بين الفرس المملوك والمستأجر
~~والمستعار وكذا المغصوب على تفصيل فيه، وذهب الشافعي ومالك إلى أن للفارس
~~ثلاثة أسهم لما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله
~~عليه وسلم أسهم للفارس ذلك وهو قول الإمامين. وأجيب بأنه قد روى عن ابن
~~عمر أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم للفارس سهمين فإذا تعارضت
~~روايتاه ترجح رواية غيره بسلامتها عن المعارضة فيعمل بها، وهذه الرواية
~~رواية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

# وفي «الهداية» أنه عليه الصلاة والسلام تعارض فعلاه في الفارس فنرجع إلى
~~قوله عليه الصلاة والسلام وقد قال صلى الله عليه وسلم:

# " للفارس سهمان وللراجل سهم "

# وتعقبه في «العناية» بأن طريقة استدلاله مخالفة لقواعد الأصول فإن الأصل
~~أن الدليلين إذا تعارضا وتعذر التوفيق والترجيح يصار إلى ما بعده لا إلى
~~ما قبله وهو قال: فتعارض فعلاه فنرجع إلى قوله، والمسلك المعهود في مثله
~~أن نستدل بقوله ونقول فعله لا يعارض قوله لأن القول أقوى بالاتفاق، وذهب
~~الإمام إلى أنه لا يسهم إلا لفرس واحد وعند أبي يوسف يسهم لفرسين، وما
~~يستدل به على ذلك محمول على التنفيل عند الإمام كما أعطى عليه الصلاة
~~والسلام سلمة بن الأكوع سهمين وهو راجل ولا يسهم لثلاثة اتفاقا.

# { إن كنتم آمنتم بالله } شرط جزاؤه محذوف أي إن كنتم آمنتم
~~بالله تعالى فاعلموا أنه تعالى جعل الخمس لمن جعل فسلموه إليهم واقنعوا
~~بالأخماس الأربعة الباقية، وليس المراد مجرد العلم بذلك بل العلم المشفوع
~~بالعمل والطاعة لأمره تعالى، ولم يجعل الجزاء ما قبل لأنه لا يصح تقدم
~~الجزاء ms03611 على الشرط على الصحيح عند أهل العربية، وإنما لم يقدر العمل قصرا
~~للمسافة كما فعله النسفي لأن المطرد في أمثال ذلك أن يقدر ما يدل ما قبله
~~عليه فيقدر من جنسه، وقوله سبحانه: { ومآ أنزلنا } عطف على الاسم
~~الجليل و { ما } موصولة والعائد محذوف أي الذي أنزلناه { على
~~عبدنا } محمد صلى الله عليه وسلم، وفي التعبير عنه بذلك ما لا يخفى
~~من التشريف والتعظيم، وقرىء { عبدنا } بضمتين جمع عبد، وقيل: اسم جمع
~~له وأريد به النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون فإن بعض ما نزل نازل
~~عليهم { يوم الفرقان } هو يوم بدر فالإضافة للعهد، والفرقان
~~بالمعنى اللغوي فإن ذلك اليوم قد فرق فيه بين الحق والباطل، والظرف منصوب
~~بأنزلنا، وجوز أبو البقاء تعلقه بآمنتم، وقوله سبحانه: { يوم التقى
~~الجمعان } بدل منه أو متعلق بالفرقان، وتعريف الجمعان للعهد،
~~والمراد بهم الفريقان من المؤمنين والكافرين؛ والمراد بما أنزل عليه عليه
~~الصلاة والسلام من الآيات / والملائكة والنصر على أن المراد بالإنزال
~~مجرد الإيصال والتيسير فيشمل الكل شمولا حقيقيا فالموصول عام ولا جمع
~~بين الحقيقة والمجاز خلافا لمن توهم فيه، وجعل الإيمان بهذه الأشياء من
~~موجبات العلم بكون الخمس لله تعالى على الوجه المذكور من حيث أن الوحي
~~ناطق بذلك وأن الملائكة والنصر لما كانا منه تعالى وجب أن يكون ما حصل
~~بسببهما من الغنيمة مصروفا إلى الجهات التي عينها الله سبحانه: {
~~والله على كل شيء قدير } ومن آثار قدرته جل شأنه ما
~~شاهدتموه يوم التقى الجمعان.

### || [8.42]

# { إذ أنتم بالعدوة الدنيا } بدل من

# يوم

# [الأنفال: 41] أو معمول لأذكروا مقدرا، وجوز أبو البقاء أن يكون ظرفا
~~لقدير وليس بشيء، والعدوة بالحركات الثلاث شط الوادي وأصله من العدو
~~التجاوز والقراءة المشهورة الضم والكسر وهو قراءة ابن كثير وأبي عمرو
~~ويعقوب. وقرأ الحسن وزيد بن علي وغيرهما بالفتح وكلها لغات بمعنى ولا
~~عبرة بإنكار بعضها و { الدنيا } تأنيث الأدنى أي إذ أنتم نازلون
~~بشفير الوادي الأقرب إلى المدينة { وهم } أي المشركون { بالعدوة
~~القصوى } أي البعدى من ms03612 المدينة وهو تأنيث الأقصى، وقرأ زيد بن علي
~~رضي الله تعالى عنهما { القصيا } ومن قواعدهم أن فعلى من ذوات الواو إذا
~~كان اسما تبدل لامه ياء كدنيا فإنه من دنا يدنو إذا قرب، ولم يبدل من
~~قصوى على المشهور لأنه بحسب الأصل صفة ولم يبدل فيها للفرق بين الصفة
~~والاسم، وإذا اعتبر غلبته وأنه جرى مجرى الأسماء الجامدة قيل قصيا وهي
~~لغة تميم والأولى لغة أهل الحجاز، ومن أهل التصريف من قال: إن اللغة
~~الغالبة العكس فإن كانت صفة أبدلت اللام نحو العليا وإن كانت اسما أقرت
~~نحو حزوى؛ قيل: فعلى هذا القصوى شاذة والقياس قصيا، وعنوا بالشذوذ مخالفة
~~القياس لا الاستعمال فلا تنافي الفصاحة، وذكروا في تعليل عدم الإبدال
~~بالفرق أنه إنما لم يعكس الأمر وإن حصل به الفرق أيضا لأن الصفة أثقل
~~فأبقيت على الأصل الأخف لثقل الانتقال من الضمة إلى الياء، ومن عكس أعطى
~~الأصل للأصل وهو الاسم وغير في الفرع للفرق.

# { والركب } أي العير أو أصحابها أبو سفيان وأصحابه وهو اسم جمع
~~راكب لا جمع على الصحيح { أسفل منكم } أي في مكان أسفل من مكانكم
~~يعني ساحل البحر، وهو نصب على الظرفية وفي الأصل صفة للظرف كما أشرنا
~~إليه ولهذا انتصب انتصابه وقام مقامه ولم ينسلخ عن الوصفية خلافا لبعضهم
~~وهو واقع موقع الخبر، وأجاز الفراء والأخفش رفعه على الاتساع أو بتقدير
~~موضع الركب أسفل، والجملة عطف على مدخول { إذ } أي إذ أنتم الخ وإذ
~~الركب الخ. واختار الجمهور أنها في موضع الحال من الضمير المستتر في
~~الجار والمجرور قبل، ووجه الإطناب في الآية مع حصول المقصود بأن يقال:
~~يوم الفرقان يوم النصر والظفر على الأعداء مثلا تصوير ما دبر سبحانه من
~~أمر وقعة بدر والامتنان والدلالة على أنه من الآيات الغر المحجلة وغير
~~ذلك وهذا مراد الزمخشري بقوله فائدة هذا التوقيت، وذكر مراكز الفريقين
~~وأن العير كان أسفل منهم الإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن العدو
~~وشوكته وتكامل عدته وتمهد أسباب العدة له وضعف ms03613 شأن المسلمين والتياث
~~أمرهم وإن غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إلا صنعا من الله تعالى ودليلا
~~على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله سبحانه وقوته وباهر قدرته، وذلك أن
~~العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء وكانت أرضا لا بأس
~~بها ولا ماء بالعدوة الدنيا وهي خبار تسوخ فيها الأرجل وكانت العير وراء
~~ظهر العدو مع كثرة عددهم فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم / وتشحذ في
~~المقاتلة عنها نياتهم وتوطن نفوسهم على أن لا يبرحوا مواطنهم ولا يخلوا
~~مراكزهم ويبذلوا منتهى نجدتهم وقصارى شدتهم وفيه تصوير ما دبر سبحانه من
~~أمر تلك الوقعة، وليس السؤال عن فائدة الإخبار بما هو معلوم للمخاطب
~~ليكون الجواب بأن فائدته لازمة كما ظنه غير واحد لما لا يخفى، وعلى هذا
~~الطرز ذكر قوله تعالى:

# { ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعد } أي لو
~~تواعدتم أنتم وهم القتال وعلمتم حالهم وحالكم لاختلفتم أنتم في الميعاد
~~هيبة منهم ويأسا من الظفر عليهم، وجعل الضمير الأول شاملا للجمعين
~~تغليبا والثاني للمسلمين خاصة هو المناسب للمقام إذ القصد فيه إلى بيان
~~ضعف المسلمين ونصرة الله تعالى لهم مع ذلك، والزمخشري جعله فيهما شاملا
~~للفريقين لتكون الضمائر على وتيرة واحدة من غير تفكيك على معنى لو
~~تواعدتم أنتم وأهل مكة لخالف بعضكم بعضا فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء
~~بالموعد وثبطهم ما في قلوبهم من تهيب رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~والمؤمنين فلم يتفق لكم من التلاقي ما وفقه الله تعالى من التلاقي وسبب
~~له ولا يخفى عدم مناسبته، وأمر التفكيك سهل { ولكن } تلاقيتم على
~~غير موعد { ليقضي الله أمرا } وهو نصر المؤمنين وقهر أعدائهم
~~{ كان مفعولا } أي كان واجبا أن يفعل بسبب الوعد المشار إليه
~~بقوله سبحانه:

# وكان حقا علينا نصر المؤمنين

# [الروم: 47] أو كان مقدرا في الأزل. وقيل: كان بمعنى صار الدالة على
~~التحول أي صار مفعولا بعد أن لم يكن.

# وقوله سبحانه: { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من
~~حى عن بينة } بدل من { ليقضي ms03614 } بإعادة الحرف أو متعلق
~~بمفعولا. وجوز أبو البقاء أيضا تعلقه بيقضي، واستطيب الطيبي الأول،
~~والمراد بالبينة الحجة الظاهرة، أي ليموت من يموت عن حجة عاينها ويعيش من
~~يعيش عن حجة شاهدها فلا يبقى محل للتعلل بالأعذار، فإن وقعة بدر من
~~الآيات الواضحة والحجج الغر المحجلة، ويجوز أن يراد بالحياة الإيمان
~~وبالموت الكفر استعارة أو مجازا مرسلا، وبالبينة إظهار كمال القدرة
~~الدالة على الحجة الدافعة أي ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح
~~بينة، وإلى هذا ذهب قتادة ومحمد بن إسحاق، قيل: والمراد بمن هلك ومن حي
~~المشارف للهلاك والحياة أو من هذا حاله في علم الله تعالى وقضائه،
~~والمشارفة في الهلاك ظاهرة، وأما مشارفة الحياة فقيل: المراد بها
~~الاستمرار على الحياة بعد الوقعة، وإنما قيل ذلك لأن من حي مقابل لمن
~~هلك، والظاهر أن { عن } بمعنى بعد كقوله تعالى:

# عما قليل ليصبحن ندمين

# [المؤمنون: 40]، وقيل: لما لم يتصور أن يهلك في الاستقبال من هلك في
~~الماضي حمل من هلك على المشارفة ليرجع إلى الاستقبال، وكذا لما لم يتصور
~~أن يتصف بالحياة المستقبلة من اتصف بها في الماضي حمل على ذلك لذلك
~~أيضا، لكن يلزم منه أن يختص بمن لم يكن حيا إذ ذاك فيحمل على دوام
~~الحياة دون الاتصاف بأصلها، فيكون المعنى لتدوم حياة من أشرف لدوامها،
~~ولا يجوز أن يكون المعنى لتدوم حياة من حي في الماضي لأن ذلك صادق على من
~~هلك فلا تحصل المقابلة إلا أن يخصص باعتبارها، وتكلف بعضهم لتوجيه المضي
~~والاستقبال بغير ما ذكر مما لا يخلو عن تأمل، واعتبار المضي بالنظر إلى
~~علم الله تعالى وقضائه والاستقبال بالنظر إلى الوجود الخارجي مما لا غبار
~~عليه، و { عن } لا يتعين كونها بمعنى بعد بل يمكن أن تبقى على معنى
~~المجاوزة الذي لم يذكر البصريون سواه. ونظير ذلك قوله تعالى:

# وما نحن بتاركي ءالهتنا عن قولك

# [هود: 53] بناء على أن المراد ما نتركها صادرين عن قولك كما هو رأي
~~البعض، ويمكن أن تكون بمعنى ms03615 على كما في قوله تعالى:

# فإنما يبخل عن نفسه

# [محمد: 38] وقول ذي الأصبع:

# لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب

# عني ولا أنت دياني فتخزوني

# وقرأ الأعمش { ليهلك } بفتح العين، وروي ذلك عن عاصم وهي على ما قال
~~ابن جني في «المحتسب» شاذة مرغوب عنها لأن الماضي هلك بالفتح ولا يأتي
~~فعل يفعل إلا إذا كان حرف الحلق في العين أو اللام فهو من اللغة
~~المتداخلة. وفي «القاموس» ((أن هلك كضرب ومنع وعلم)) وهو ظاهر في جواز
~~الكسر والفتح في الماضي والمضارع. نعم المشهور في الماضي الفتح وفي
~~المضارع الكسر، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر ويعقوب { حيي } بفك الإدغام
~~قال أبو البقاء: وفيه وجهان أحدهما: الحمل على المستقبل وهو يحيى فكما
~~لم يدغم فيه لم يدغم في الماضي. والثاني: أن حركة الحرفين مختلفة فالأول
~~مكسور والثاني مفتوح واختلاف الحركتين كاختلاف الحرفين، ولذلك أجازوا في
~~الاختيار ضبب البلد إذا كثر ضبه، ويقوي ذلك أن الحركة الثانية عارضة فكأن
~~الياء الثانية ساكنة ولو سكنت لم يلزم الإدغام فكذلك إذا كانت في تقدير
~~الساكن، والياآن أصل وليست الثانية بدلا من واو، وأما الحيوان فالواو
~~فيه بدل من الياء، وأما الحواء فليس من لفظ الحية بل من حوى يحوي إذا
~~جمع.

# { وإن الله لسميع عليم } أي بكفر من كفر وعقابه وإيمان من
~~آمن وثوابه، ولعل الجمع بين الوصفين لاشتمال الكفر والإيمان على الاعتقاد
~~والقول، أما اشتمال الإيمان على القول فظاهر لاشتراط إجراء الأحكام
~~بكلمتي الشهادة، وأما اشتمال الكفر عليه فبناء على المعتاد فيه أيضا.

### || [8.43]

# { إذ يريكهم الله فى منامك قليلا } مقدر باذكر أو بدل
~~من

# يوم الفرقان

# [الأنفال: 41] وجوز أن يتعلق ب

# عليم

# [الأنفال: 42] وليس بشيء، ونصب قليلا على أنه مفعول ثالث عند الأجهوري
~~أو حال على ما يفهمه كلام غيره. والجمهور على أنه صلى الله عليه وسلم أري
~~ما أري في النوم وهو الظاهر المتبادر، وحكمة إراءتهم إياه صلى الله عليه
~~وسلم وسلم قليلين أن يخبر أصحابه رضي الله تعالى عنهم ms03616 فيكون ذلك تثبيتا
~~لهم، وعن الحسن أنه فسر المنام بالعين لأنها مكان النوم كما يقال للقطيفة
~~المنامة لأنها ينام فيها فلم تكن عنده هناك رؤيا أصلا بل كانت رؤية،
~~وإليه ذهب البلخي ولا يخفى ما فيه لأن المنام شائع بمعنى النوم مصدر ميمي
~~على ما قال بعض المحققين أوفى موضع الشخص النائم على ما في «الكشف» ففي
~~الحمل على خلاف ذلك تعقيد ولا نكتة فيه، وما قيل: إن فائدة العدول
~~الدلالة على الأمن الوافر فليس بشيء لأنه لا يفيد ذلك فالنوم في تلك
~~الحال دليل الأمن لا أن يريهم في عينه التي هي محل النوم، على أن
~~الروايات الجمة برؤيته صلى الله عليه وسلم إياهم مناما وقص ذلك على
~~أصحابه مشهورة لا يعارضها كون العين مكان النوم نظرا إلى الظاهر، ولعل
~~الرواية عن الحسن غير صحيحة فإنه الفصيح العالم بكلام العرب، وتخريج
~~كلامه على أن في الكلام مضافا محذوفا أقيم المضاف إليه مقامه أي في
~~موضع منامك مما لا يرتضيه اليقظان أيضا، والتعبير بالمضارع لاستحضار
~~الصورة الغريبة، والمراد إذا أراكهم الله قليلا.

# { ولو أراكهم كثيرا لفشلتم } أي لجبنتم وهبتم
~~الإقدام، وجمع ضمير الخطاب في الجزاء مع إفراده في الشرط إشارة كما قيل:
~~إلى أن الجبن يعرض لهم لا له صلى الله عليه وسلم إن كان الخطاب للأصحاب
~~فقط وإن كان للكل يكون من إسناد ما للأكثر للكل { ولتنزعتم فى
~~الأمر } أي أمر القتال وتفرقت آراؤكم في الثبات والفرار { ولكن
~~الله سلم } أي أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع. / { إنه
~~عليم بذات الصدور } أي الخواطر التي جعلت كأنها مالكة للصدور،
~~والمراد أنه يعلم ما سيكون فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع ولذلك
~~دبر ما دبر.

### || [8.44]

# { وإذ يريكموهم إذ التقيتم فى أعينكم قليلا
~~} مقدر بمضمر خوطب به الكل بطريق التلوين والتعميم معطوف على ما قبل،
~~والضميران مفعولا يرى و { قليلا } حال من الثاني، وإنما قللهم سبحانه
~~في أعين المسلمين حتى قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه إلى من بجنبه:
~~أتراهم سبعين؟ ms03617 فقال: أراهم مائة تثبيتا لهم وتصديقا لرسوله عليه الصلاة
~~والسلام { ويقللكم فى أعينهم } حتى قال أبو جهل: إنما
~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أكلة جزور، وكان هذا التقليل في ابتداء
~~الأمر قبل التحام القتال ليجترؤا عليهم ويتركوا الاستعداد والاستمداد ثم
~~كثرهم سبحانه حتى رأوهم مثليهم لتفاجئهم الكثرة فيبهتوا ويهابوا.

# { ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله
~~ترجع الأمور } كرر لاختلاف الفعل المعلل به إذ هو في الأول
~~اجتماعهم بلا ميعاد وهنا تقليلهم ثم تكثيرهم، أو لأن المراد بالأمر ثم
~~الالتقاء على الوجه المحكي، وههنا إعزاز الإسلام وأهله وإذلال الشرك
~~وحزبه، هذا وذكر غير واحد أن ما وقع في هذه الواقعة من عظائم الآيات فإن
~~البصر وإن كان قد يرى الكثير قليلا والقليل كثيرا لكن لا على ذلك الوجه
~~ولا إلى ذلك الحد وإنما يتصور ذلك بصد الأبصار عن إبصار بعض دون بعض مع
~~التساوي في الشرائط. واعترض بأن ما ذكر من التعليل مناسب لتقليل الكثير
~~لا لتكثير القليل، وأجيب بأن تكثير القليل من جانب المؤمنين بكون
~~الملائكة عليهم السلام ومن جانب الكفرة حقيقة فلا يحتاج إلى توجيه فيهما
~~وإنما المحتاج إليه تقليل الكثير، وذكر في «الكشاف» طريقين لإبصار الكثير
~~قليلا ((أن يستر الله تعالى [عنهم] بعضه بساتر أو يحدث في عيونهم ما
~~يستقلون به الكثير كما خلق في عيون الحول ما يستكثرون به القليل فيرون
~~الواحد اثنين))، وعليه فيمكن أن يقال: إن رؤيتهم للمؤمنين مثليهم من قبيل
~~رؤية الأحول بل هي أعظم على تقدير أن يراد مثلي أنفسهم وحينئذ لا يحتاج
~~إلى حديث رؤية الملائكة مع المؤمنين، وفي «الانتصاف» ((أن في ذلك دليلا
~~بينا على أنه تعالى هو الذي يخلق الإدراك في الحاسة غير موقوف على سبب
~~من مقابلة أو قرب أو ارتفاع حجب أو غير ذلك، إذ لو كانت هذه الأسباب
~~موجبة للرؤية عقلا لما أمكن أن يستتر عنهم البعض وقد أدركوا البعض،
~~والسبب الموجب مشترك فعلى هذا يجوز أن يخلق الله تعالى الإدراك (مع
~~انتفاء هذه الأسباب ms03618 ويجوز أن لا يخلقه) مع اجتماعها فلا ربط إذن بين
~~الرؤية ونفيها في مقدور الله تعالى، وهي رادة على القدرية المنكرين
~~لرؤيته تعالى (لفقد شرطها وهو التجسم ونحوه)، وحسبهم هذه الآية في بطلان
~~زعمهم لكنهم يمرون عليها وهم عنها معرضون))، ثم إن رؤياه عليه الصلاة
~~والسلام كانت في قول على طرز رؤية أصحابه رضي الله تعالى عنهم المشركين،
~~وذكر بعض المحققين أنها كانت في مقام التعبير فلا يلزم أن تكون على خلاف
~~الواقع، والقلة معبرة بالمغلوبية، والواقعة من الرؤية منها ما يقع بعينه
~~ومنها ما يعبر ويؤول، وتحقيق الكلام فيها يقتضي بسطا فتيقظ واستمع لما
~~يتلى فنقول:

# اعلم أن النفس الناطقة الإنسانية سلطان القوى البدنية وهي الآت لها
~~وظاهر أن القوة الجسمانية تكل بكثرة العمل كالسيف الذي يكل بكثرة القطع
~~فالنفس إذا استعملت القوى الظاهرة استعمالا كثيرا بحيث يعرض لها الكلال
~~تعطلها لتستريح وتقوى كما أن الفارس إذا أكثر ركوب فرسه يرسله ليستريح
~~ويرعى.

# / وهذا التعطل الحاصل باسترخاء الأعصاب الدماغية المتصلة بالآت الإدراك
~~هو النوم وما يتراءى هناك هو الرؤيا إلا أن المتكلمين والحكماء المشائين
~~والمتألهين من الإشراقيين والصوفية اختلفوا في حقيقتها إلى مذاهب، فذهب
~~المعتزلة وجمهور أهل السنة من المتكلمين إلى أن الرؤيا خيالات باطلة،
~~ووجه ذلك عند المعتزلة فقد شرائط الإدراك حالة النوم من المقابلة وانبثاث
~~الشعاع وتوسط الشغاف والبنية المخصوصة إلى غير ذلك من الشرائط المعتبرة
~~في الإدراك عندهم وعند الجماعة، وهم لم يشترطوا شيئا من ذلك أن الإدراك
~~حالة النوم خلاف العادة وأن النوم ضد الإدراك فلا يجامعه فلا تكون الرؤيا
~~إدراكا حقيقة، وقال الأستاذ أبو إسحاق: إن الرؤيا إدراك حق إذ لا فرق
~~بين ما يجده النائم من نفسه من إبصار وسمع وذوق وغيرها من الإدراكات وما
~~يجده اليقظان من إدراكاته فلو جاز التشكيك فيما يجده النائم لجاز التشكيك
~~فيما يجده اليقظان ولزم السفسطة والقدح في الأمور المعلومة حقيقتها
~~بالبديهة، ولم يخالف في كون النوم ضدا للإدراك لكنه زعم أن الإدراكات
~~تقوم بجزء من أجزاء ms03619 الإنسان غير ما يقوم به النوم من أجزائه فلا يلزم
~~اجتماع الضدين في محل.

# وذهب المشاءون إلى أن المدرك في النوم يوجد في الحس المشترك الذي هو لوح
~~المحسوسات ومجمعها فإن الحواس الظاهرة إذا أخذت صور المحسوسات الخارجية
~~وأدتها إلى الحس المشترك صارت تلك الصور مشاهدة هناك ثم إن القوة
~~المتخيلة التي من شأنها تركيب الصور إذا ركبت صورة فربما انطبعت تلك
~~الصورة في الحس المشترك وصارت مشاهدة على حسب مشاهدة الصورة الخارجية فإن
~~مدار المشاهدة الانطباع في الحس المشترك سواء انحدرت إليه من الخارج أو
~~من الداخل، ثم إن القوة المتخيلة من شأنها التصوير دائما لا تسكن نوما
~~ولا يقظة فلو خليت وطباعها لما فترت عن رسم الصور في الحس المشترك إلا
~~أنه يصرفها عن ذلك أمران: أحدهما توارد الصور من الخارج على الحس المشترك
~~إذ بعد انتقاشه بهذه الصورة لا يسع أن ينتقش بالصورة التي تركبها
~~المتخيلة.

# وثانيهما تسلط العقل أو الوهم عليها بالضبط عندما يستعملانها في
~~مدركاتهما، ولا شك في انقطاع هذين الصارفين عند النوم فيتسع لانتقاش
~~الصور من الداخل فيكون ما يدركه النائم صورا مرتسمة في الحس المشترك
~~وموجودة فيه وهو الرؤيا إلا أن منها ما هو صادق ومنها ما هو كاذب. أما
~~الأولى: فهي التي ترد تلك الصور فيها على الحس المشترك من النفس الناطقة،
~~وبيانه أنه صور جميع الحوادث ما كان وما يكون مرتسمة في المبادىء العالية
~~التي يعبر عنها أرباب الشرع بالملائكة ومنطبعة بالنفوس المجردة الفلكية
~~واتصال النفس المجردة بالمجرد لعلة الجنسية أشد من اتصالها بالقوى
~~الجسمانية فمن شأنها أن تتصل بذلك وتنتقش بما فيه إلا أن اشتغالها
~~بالحواس الظاهرة والباطنة واستغراقها بتدبير بدنها يمنعانها عن ذلك
~~الاتصال والانتقاش لأن اشتغال النفس ببعض أفاعيلها يمنعها من الاشتغال
~~بغيره، فإن الذي لا يشغله شأن عن شأن هو الله تعالى الواحد القهار، ولا
~~يمكن إزالة العائق بالكلية إلا أنه يسكن اشتغالها بالإدراكات الحسية حالة
~~النوم إذ في اليقظة ينتشر الروح إلى ظاهر البدن بواسطة الشرايين ms03620 وينصب
~~إلى الحواس الظاهرة حالة الانتشار ويحصل بها الإدراك فتشتغل النفس بتلك
~~الإدراكات، وأما في النوم الذي هو أخ الموت فينحبس الروح إلى الباطن
~~ويرجع عن الحواس الظاهرة بعد انصبابه إليها فتتعطل فيحصل للنفس أدنى فراغ
~~فتتصل بتلك المبادىء اتصالا روحانيا معنويا وتنتقش ببعض ما فيها مما
~~استعدت هي له كالمرايا إذا حوذي بعضها ببعض فانتقش في بعضها ما يتسع / له
~~مما انتقش في البعض الآخر فتدرك النفس مما ارتسم في تلك المبادىء ما
~~يناسبها من أحوالها وأحوال ما يقارنها من الأقارب والأهل والولد والإقليم
~~والبلد ماضيه وآتيه إلا أن هذا الإدراك لعدم تأديه من طرف الحس كلي
~~فتحاكيه القوة المتخيلة التي جبلت محاكية لما يرد عليها بصور جزئية
~~مثالية خيالية مناسبة إياه فتحاكي ما هو خير بالنسبة إليها في صورة جميلة
~~وما هو شر كذلك في صورة قبيحة هائلة على مراتب مختلفة ووجوه متعددة ومن
~~ثمة قد ترى ذاتها بصفة جميلة صورية ومعنوية من الجمال والعلم والكرم
~~والشجاعة وغير ذلك من الصفات المحمودة، وقد ترى ذاتها متصفة بأضداد ما
~~ذكر، وقد ترى تلك الصفات في صورة ما غلبت الصفات عليه، بل قد ترى أنها
~~نفسها صارت نوعا آخر لغلبة صفاته عليها، ومتى غلبت عليها الصفات الجميلة
~~والأخلاق الحميدة ترى صورا جميلة وأشخاصا حميدة كذوي الجمال والعلماء
~~والأولياء والملائكة، بل قد ترى أنها صارت عالما أو ملكا مثلا، ومتى
~~غلبت عليها الصفات الذميمة ترى صورا هائلة كصورة غولية أو سبعية، وكذا
~~رؤية حال من يقاربه من الأهل والولد والإقليم مثلا فإنها تراها باعتبار
~~اختلاف المراتب والمناسبات على ما هي عليه في المضي أو الحال أو
~~الاستقبال حتى لو اهتمت بمصالح الناس رأتها ولو كانت منجذبة الهمة إلى
~~المعقولات لاحت لها أشياء منها، فمتى لم يكن اختلاف بين تلك الصورة وبين
~~ما هي مأخوذة منه إلا بالكلية والجزئية كانت الرؤية غير محتاجة إلى
~~التعبير، والتجاوز عنها إلى ما يناسبها بوجه من المماثلة أو الضدية التي
~~يقتضيها نحو الألف والخلق والأسباب السماوية ms03621 وغير ذلك من وجوه خفية لا
~~يطلع عليها إلا الأفراد من أئمة التعبير، وإن كانت مخالفة لها لقصور يقع
~~في المتخيلة إما لذاتها أو لعروض دهشة وحيرة لها مما ترى أو لغير ذلك
~~كانت محتاجة إلى التعبير، وهو أن يرجع المعبر القهقرى مجردا لما يراه
~~النائم عن تلك الصور التي صورتها المتخيلة إلى أن ينتهي بمرتبة أو مراتب
~~إلى ما تلقته النفس من تلك المبادىء فيكون هو الواقع، وقد يتفق سيما إذا
~~كان الرائي كثير الاهتمام بالرؤيا أن يعبر رؤياه في النوم الذي رآها فيه
~~أو غيره، فهو إما بتذكره لما كانت الرؤيا حكاية عنه، وإما بتصوير
~~المتخيلة حكاية رؤياه بحكاية أخرى، وحينئذ يحتاج إلى تعبيرين.

# وأما الثانية: فهي تكون لأشياء أما لأن النفس إذا أحست في حال اليقظة
~~بتوسط الآلات الجسمانية بصور جزئية محسوسة أو خيالية وبقيت مخزونة في قوة
~~الخيال فعند النوم الذي يخلص فيه الحس المشترك عما يرد عليه من الحواس
~~الظاهرة ترسم في الحس المشترك ارتسام المحسوسات إما على ما كانت عليها
~~وإما بصور مناسبة لها، أو لأن النفس أتقنت بواسطة المتخيلة صورة ألفتها
~~فعند النوم تتمثل في الحس المشترك، أو لأن مزاج الدماغ يتغير فيتغير مزاج
~~الروح الحاملة للقوة المتخيلة فتتغير أفعال المتخيلة بحسب تلك التغيرات،
~~ولذلك يرى الدموي الأشياء الحمر والصفراوي النيران والأشعة والسوداوي
~~الجبال والأدخنة والبلغمي المياه والألوان البيض، ومن هذا القبيل رؤية
~~كون بدنه أو بعض أعضائه في الثلج أو الماء أو النار عند غلبة السخونة أو
~~البرودة عليه، ورؤية أنه يأكل أو يشرب أو يبول عند عروض الاحتياج إلى
~~أحدها.

# ومن العجائب في هذا الباب أنه إذا غلب المني واحتاجت الطبيعة إلى دفعه
~~تحتال باستعانة القوة المتخيلة إلى تصوير ما يندفع به من الصور الحسنة
~~وفي إرسال الريح الناشرة لآلة الجماع وإرادة حركاتها حتى يندفع بذلك ما
~~أرادت اندفاعه، وقد يكون ذلك التوجه والاعتياد لا لغلبة المني فلهذا قد
~~لا يندفع به شيء، وقد يعرض / للروح اضطراب وتحريك من الأسباب الخارجة ms03622
~~والداخلة فترى أمورا متغيرة متفرقة غير منضبطة فربما يتركب من المجموع
~~صورة غير معهودة قلما يتصورها أحد أو يقع مثلها في الخارج، وقد يكون ذلك
~~لاتصالات فلكية وأوضاع سماوية، فإذا كانت الرؤيا لأحد هذه الأمور تسمى
~~أضغاث أحلام ولا تعبير لها ولا تقع.

# وقد ذكروا أن أصدق الناس رؤيا أعدلهم مزاجا ومن كان مع ذلك منقطعا عن
~~العلائق الشاغلة والخيالات الفاسدة معتادا للصدق متوجها إلى الرؤيا
~~واستثباتها وكيفيتها كانت رؤياه أصح وأصدق وأكثر أحلام الكذاب والسكران
~~والمغموم ومن غلب عليه سوء مزاج أو فكر أو خيالات فاسدة ومقتضيات قوى
~~غضبية وشهوية كاذبة لا يعتمد عليها، ومن هنا قالوا: لا اعتماد على رؤيا
~~الشاعر لتعوده الأكاذيب الباطلة والتخيلات الفاسدة.

# وذهب بعض أصحاب المكاشفات وأرباب المشاهدات من الحكماء المتألهين
~~والصوفية المنكرين لارتسام الصور في الخيال إلى أن الرؤيا مشاهدة النفس
~~صورا خيالية موجودة في عالم المثال الذي هو برزخ بين عالم المجردات
~~اللطيفة المسمى عندهم بعالم الملكوت، وبين عالم الموجودات العينية
~~الكثيفة المسمى بعالم الملك، وقالوا: فيه موجودات متشخصة مطابقة لما في
~~الخارج من الجزئيات مثل لها قائمة بنفسها مناسبة لما في العالمين
~~المذكورين، إما لعالم الملك فلأنها صور جسمانية شبحية، وإما لعالم
~~الملكوت فلأنها معلقة غير متعلقة بمكان وجهة كالمجردات حتى أنه يرى صورا
~~مثالية لشخص واحد في مرايا متعددة بل في مواضع متكثرة كما يرى بعض
~~الأولياء في زمان واحد في أماكن متعددة شرقية وغربية، ثم إن لتلك الصور
~~مجالي مختلفة كالمرايا والماء الصافي، والقوى الجسمانية سيما الباطنة إذا
~~انقطعت عن الاشتغال بالأمور الخارجية العائقة إذ بذلك يحصل لها زيادة
~~مناسبة لذلك العالم كما للمتجردين عن العلائق البشرية، وإذا قويت تلك
~~المناسبة كما للأنبياء عليهم السلام والأولياء الكمل قدس الله تعالى
~~أسرارهم تظهر في القوى الظاهرة أيضا، ولهذا كان النبي صلى الله عليه
~~وسلم يشاهد جبريل عليه السلام حين ما ينزل بالوحي والصحابة رضي الله
~~تعالى عنهم حوله كانوا لا يشاهدونه.

# هذا واستشكل قول المتكلمين: أن الرؤيا خيالات باطلة بأنه ms03623 قد شهد الكتاب
~~والسنة بصحتها بل لم يكن أحد من الناس إلا وقد جربها من نفسه تجربة توجب
~~التصديق بها. وأجيب بأن مرادهم أن كون ما يتخيله النائم إدراكا بالبصر
~~رؤية وكون ما يتخيله إدراكا بالسمع سمعا باطل فلا ينافي كونها أمارة
~~لبعض الأشياء. وذكر حجة الإسلام الغزالي عليه الرحمة في شرح قوله عليه
~~الصلاة والسلام:

# " من رآني في المنام فقد رآني "

# الحديث أنه ليس المراد بقوله عليه الصلاة والسلام فقد رآني رؤية الجسم
~~بل رؤية المثال الذي صار آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسه إليه، ثم ذكر
~~أن النفس غير المثال المتخيل، فالشكل المرئي ليس روحه صلى الله عليه وسلم
~~ولا شخصه بل مثاله على التحقيق، وكذا رؤيته سبحانه نوما فإن ذاته تعالى
~~منزهة عن الشكل والصورة لكن تنتهي تعريفاته تعالى إلى العبد بواسطة مثال
~~محسوس من نور أو غيره وهو آلة حقا في كونه واسطة في التعريف، فقول
~~الرائي: رأيت الله تعالى نوما لا يعني به أنه رأى ذاته تعالى.

# وقال أيضا: من رآه صلى الله عليه وسلم مناما لم يرد رؤيته حقيقة بشخصه
~~المودع روضة المدينة بل رؤية مثاله وهو مثال روحه المقدسة عليه الصلاة
~~والسلام. قيل: ومن هنا يعلم جواب آخر للإشكال وهو أن مرادهم أن ما يرى في
~~المنام ليس له حقيقة ثابتة في / نفس الأمر كما أن المرئي في اليقظة كذلك
~~بل هو مثال متخيل يظهره الله تعالى للنفس في المنام كما يظهر لها الأمور
~~الغيبية بعد الموت والنوم والموت أخوان، ووصف ما ذكر بالباطل لعله من
~~قبيل وصف العالم به في قول لبيد:

# ألا كل شيء ما خلا الله باطل

# وأنت تعلم أن ما ذكره حجة الإسلام ليس مما اتفق عليه علماؤه فقد ذهب جمع
~~إلى أن رؤيته صلى الله عليه وسلم بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة
~~وبغيرها إدراك للمثال، على أن كلام المتكلمين ظاهر المخالفة للكتاب
~~والسنة ولا يكاد يسلم تأويله عن شيء فتأمل. ولعل النوبة تفضي إلى ذكر
~~زيادة كلام ms03624 في هذا المقام. وبالجملة إنكار الرؤيا على الإطلاق ليس في
~~محله كيف وقد جاء في مدحها ما جاء. ففي «صحيح مسلم» «أيها الناس لم يبق
~~من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها مسلم أو ترى له». وجاء في
~~أكثر الروايات أنها جزء من ست وأربعين. ووجه ذلك بأنه عليه الصلاة
~~والسلام عمل بها ستة أشهر في مبدأ الوحي وقد استقام ينزل عليه الوحي
~~ثلاثا وعشرين سنة، ولا يتأتى هذا على رواية خمس وأربعين، وكذا على رواية
~~سبعين جزأ؛ أو رواية ست وسبعين وهي ضعيفة ورواية ست وعشرين وقد ذكرها ابن
~~عبد البر ورواية النووي من أربعة وعشرين والله تعالى أعلم.

### || [8.45]

# { يأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم فئة } أي
~~حاربتم جماعة من الكفرة ولم يصفها سبحانه لظهور أن المؤمنين لا يحاربون
~~إلا الكفار، وقيل: ليشمل بإطلاقه البغاة ولا ينافيه خصوص سبب النزول،
~~ومنهم من زعم أن الانقطاع معتبر في معنى الفئة لأنها من فأوت أي قطعت
~~والمنقطع عن المؤمنين إما كفار أو بغاة، وبنى على ذلك أنه لا ينبغي أن
~~يقال: لم توصف لظهور الخ وليس بشيء كما لا يخفى، واللقاء قد غلب في
~~القتال كالنزال. وتصدير الخطاب بحرفي النداء والتنبيه إظهارا لكمال
~~الاعتناء بمضمون ما بعده { فاثبتوا } للقائهم ولا تولوهم الأدبار
~~والظاهر أن المراد إلا وأو على ما مر { واذكروا الله كثيرا }
~~أي في تضاعيف القتال، وفسر بعضهم هذا الذكر بالتكبير، وبعضهم بالدعاء
~~ورووا أدعية كثيرة في القتال منها «اللهم أنت ربنا وربهم نواصينا
~~ونواصيهم بيدك فاقتلهم واهزمهم» وقيل: المراد بذكره سبحانه إخطاره بالقلب
~~وتوقع نصره، وقيل: المراد اذكروا ما وعدكم الله تعالى من النصر على
~~الأعداء في الدنيا والثواب في الآخرة ليدعوكم ذلك إلى الثبات في القتال {
~~لعلكم تفلحون } أي تفوزون بمرامكم من النصر والمثوبة، والأولى
~~حمل الذكر على ما يعم التكبير والدعاء وغير ذلك من أنواع الذكر، وفي
~~الآية تنبيه على أن العبد ينبغي أنه لا يشغله شيء عن ذكر مولاه سبحانه،
~~وذكره جل شأنه في مثل ذلك ms03625 الموطن من أقوى أدلة محبته جل شأنه، ألا ترى من
~~أحب مخلوقا مثله كيف يقول:

# ولقد ذكرتك والرماح نواهل

# مني وبيض الهند تشرب من دمي

# فوددت تقبيل السيوف لأنها

# برقت كبارق ثغرك المتبسم

### || [8.46]

# { وأطيعوا الله ورسوله } في كل ما تأتون وما تذرون ويندرج
~~في ذلك ما أمروا به هنا { ولا تنزعوا } / باختلاف الآراء كما
~~فعلتم ببدر وأحد. وقرىء { ولا تنزعوا } بتشديد التاء {
~~فتفشلوا } أي فتجبنوا عن عدوكم وتضعفوا عن قتالهم، والفعل منصوب
~~بأن مقدرة في جواب النهي، ويحتمل أن يكون مجزوما عطفا عليه، وقوله
~~تعالى: { وتذهب ريحكم } بالنصب معطوف على { تفشلوا } على
~~الاحتمال الأول. وقرأ عيسى بن عمر { ويذهب } بياء الغيبة والجزم وهو
~~عطف عليه أيضا على الاحتمال الثاني، والريح كما قال الأخفش مستعارة
~~للدولة لشبهها بها في نفوذ أمرها وتمشيه. ومن كلامهم هبت رياح فلان إذ
~~دالت له الدولة وجرى أمره على ما يريد وركدت رياحه إذا ولت عنه وأدبر
~~أمره وقال:

# إذا هبت رياحك فاغتنمها

# فإن لكل خافقة سكون

# ولا تغفل عن الإحسان فيها

# فما تدري السكون متى يكون

# وعن قتادة وابن زيد أن المراد بها ريح النصر وقالا: لم يكن نصر قط إلا
~~بريح يبعثها الله تعالى تضرب وجوه العدو. وعن النعمان بن مقرن قال: شهدت
~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى
~~تميل الشمس وتهب الرياح، وعلى هذا تكون الريح على حقيقتها، وجوز أن تكون
~~كناية عن النصر وبذلك فسرها مجاهد { واصبروا } على شدائد الحرب {
~~إن الله مع الصبرين } بالإمداد والإعانة وما يفهم من كلمة
~~مع من أصالتهم بناء على المشهور من حيث إنهم المباشرون للصبر فهم
~~متبوعون من تلك الحيثية.

### || [8.47]

# { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديرهم } بعد أن
~~أمروا بما أمروا من أحاسن الأعمال ونهوا عما يقابلها، والمراد بهم أهل
~~مكة أبو جهل وأصحابه حين خرجوا لحماية العير { بطرا } أي فخرا وأشرا
~~{ ورئاء الناس } ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة. روي عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى ms03626 عنهما لما رأى أبو سفيان أنه أحرز عيره أرسل إلى قريش أن
~~ارجعوا فقد سلمت العير فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا ونشرب
~~الخمور وتعزف علينا القينات ونطعم بها من حضرنا من العرب فوافوها ولكن
~~سقوا كأس المنايا بدل الخمور وناحت عليهم النوائح، بدل القينات وكانت
~~أموالهم غنائم بدلا عن بذلها، ونصب المصدرين على التعليل، ويجوز أن
~~يكونا في موضع الحال، أي بطرين مرائين، وعلى التقديرين المقصود نهى
~~المؤمنين أن يكونوا أمثالهم في البطر والرياء وأمرهم بأن يكونوا أهل تقوى
~~وإخلاص إذا قلنا: إن النهي عن الشيء أمر بضده.

# { ويصدون عن سبيل الله } عطف على { بطرا } وهو ظاهر على
~~تقدير أنه حال بتأويل اسم الفاعل لأن الجملة تقع حالا من غير تكلف وأما
~~على تقدير كونه مفعولا له فيحتاج إلى تكلف لأن الجملة لا تقع مفعولا
~~له، ومن هنا قيل: الأصل أن يصدوا فلما حذفت أن المصدرية ارتفع الفعل مع
~~القصد إلى معنى المصدرية بدون سابك كقوله:

# ألا أيها الزاجري أحضر الوغى

# أي عن أن أحضر وهو شاذ. واختير جعله على هذا استئنافا؛ ونكتة التعبير
~~بالاسم أولا والفعل أخيرا أن البطر والرياء دأبهم بخلاف الصد فإنه تجدد
~~لهم في زمن النبوة { والله بما يعملون محيط } فيجازيهم
~~عليه.

### || [8.48]

# { وإذ زين لهم الشيطن أعملهم } مقدر بمضمر
~~خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين على ما قيل، ويجوز أن
~~يكون المضمر / مخاطبا به المؤمنون والعطف على

# لا تكونوا

# [الأنفال: 47] أي واذكروا إذ زين لهم الشيطان أعمالهم في معاداة
~~المؤمنين وغيرها بأن وسوس إليهم { وقال لا غالب لكم اليوم
~~من الناس وإني جار لكم } أي ألقى في روعهم وخيل لهم أنهم
~~لا يغلبون لكثرة عددهم وعددهم وأوهمهم أن اتباعهم إياه فيما يظنون أنها
~~قربات مجير لهم وحافظ عن السوء حتى قالوا: اللهم أنصر أهدى الفئتين وأفضل
~~الدينين، فالقول مجاز عن الوسوسة، والإسناد في { إني جار } من قبيل
~~الإسناد إلى السبب الداعي و { لكم } خبر { لا } أو صفة { غالب ms03627 }
~~والخبر محذوف، أي لا غالب كائنا لكم موجود و { اليوم } معمول الخبر
~~ولا يجوز تعلق الجار بغالب وإلا لانتصب لشبهه بالمضاف حينئذ، وأجاز
~~البغداديون الفتح وعليه يصح تعلقه به، و { من الناس } حال من ضمير
~~الخبر لا من المستتر في { غالب } لما ذكرنا وجملة { إني جار }
~~تحتمل العطف والحالية.

# { فلما تراءت الفئتان } أي تلاقى الفريقان وكثيرا ما يكنى
~~بالترائي عن التلاقي وإنما أول بذلك لمكان قوله تعالى: { نكص على
~~عقبيه } أي رجع القهقرى فإن النكوص كان عند التلاقي لا عند الترائي،
~~والتزام كونه عنده فيه خفاء. والجار والمجرور في موضع الحال المؤكدة أو
~~المؤسسة أن فسر النكوص بمطلق الرجوع، وأيا ما كان ففي الكلام استعارة
~~تمثيلية، شبه بطلان كيده بعد تزيينه بمن رجع القهقرى عما يخافه كأنه قيل:
~~لما تلاقتا بطل كيده وعاد ما خيل إليهم أنه مجيرهم سبب هلاكهم.

# { وقال إني برىء منكم إني أرى ما لا ترون إنى
~~أخاف الله } تبرأ منهم إما بتركهم أو بترك الوسوسة لهم التي كان
~~يفعلها أولا وخاف عليهم وأيس من حالهم لما رأى إمداد الله تعالى
~~المسلمين بالملائكة عليهم السلام، وإنما لم نقل خاف على نفسه لأن الوسوسة
~~بخوفه عليهم أقرب إلى القبول بل يبعد وسوسته إليهم بخوفه على نفسه، وقيل:
~~إنه لا يخاف على نفسه لأنه من المنظرين وليس بشيء. وقد يقال: المقصود من
~~هذا الكلام أنه عظم عليهم الأمر وأخذ يخوفهم بعد أن كان يحرضهم ويشجعهم
~~كأنه قال: يا قوم الأمر عظيم والخطب جسيم وإني تارككم لذلك وخائف على
~~نفسي الوقوع في مهاوي المهالك مع أني أقدر منكم على الفرار وعلى مراحل
~~هذه القفار، وحينئذ لا يبعد أن يراد من الخوف الخوف على نفسه حيث لم يكن
~~هناك قول حقيقة، وقال غير واحد من المفسرين: أنه لما اجتمعت قريش على
~~المسير ذكرت ما بينها وبين كنانة من الأحنة والحرب فكاد ذلك يثبطهم فتمثل
~~لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك الكناني وكان من أشراف كنانة فقال لهم لا
~~غالب لكم اليوم ms03628 وإني جار لكم من بني كنانة وحافظكم ومانع عنكم فلا يصل
~~إليكم مكروه منهم فلما رأى الملائكة تنزل من السماء نكص وكانت يده في يد
~~الحرث بن هاشم فقال له: إلى أين أتخذلنا في هذه الحالة؟ فقال له: إني أرى
~~ما لا ترون فقال: والله ما نرى إلا جعاسيس يثرب فدفع في صدر الحرث وانطلق
~~وانهزم الناس فلما قدموا مكة قالوا: هزم الناس سراقة فبلغه الخبر فقال:
~~والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم فلما أسلموا علموا أنه
~~الشيطان، وروي هذا عن ابن عباس والكلبي والسدي وغيرهم، وعليه يحتمل أن
~~يكون معنى قوله: { إني أخاف الله } إني أخاف أن يصيبني بمكروه
~~من الملائكة أو يهلكني، ويكون الوقت هو الوقت الموعود إذ رأى فيه ما لم
~~ير قبله، وفي «الموطأ» «ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا
~~أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله تعالى
~~عن الذنوب العظام إلا ما أري يوم بدر فإنه قد رأى جبريل عليه السلام يزع
~~الملائكة عليهم السلام»، وما في كتاب «التيجان» من أن إبليس قتل ذلك
~~اليوم مخرج على هذا وإلا فهو تاج سلطان الكذب، / وروي الأول عن الحسن
~~واختاره البلخي والجاحظ.

# وقوله سبحانه: { والله شديد العقاب } يحتمل أن يكون من كلام
~~اللعين وإن يكون مستأنفا من جهته سبحانه وتعالى، وادعى بعضهم أن الأول
~~هو الظاهر إذ على احتمال كونه مستأنفا يكون تقريرا لمعذرته ولا يقتضيه
~~المقام فيكون فضلة من الكلام، وتعقب بأنه بيان لسبب خوفه حيث أنه يعلم
~~ذلك فافهم.

### || [8.49]

# { إذ يقول المنفقون } ظرف لزين أو نكص أو

# شديد العقاب

# [الأنفال: 48]، وجوز أبو البقاء أيضا أن يقدر اذكروا { والذين في
~~قلوبهم مرض } أي الذين لم تطمئن قلوبهم بالإيمان بعد وبقي فيها
~~شبهة، قيل: وهم فتية من قريش أسلموا بمكة وحبسهم آباؤهم حتى خرجوا معهم
~~إلى بدر منهم قيس بن الوليد بن المغيرة والعاص بن منبه بن الحجاج والحرث
~~بن زمعة وأبو قيس بن ms03629 الفاكه، فالمرض على هذا مجاز عن الشبهة. وقيل:
~~المراد بهم المنافقون سواء جعل العطف تفسيريا أو فسر مرض القلوب بالأحن
~~والعداوات والشك مما هو غير النفاق، والمعنى إذ يقول الجامعون بين النفاق
~~ومرض القلوب، وقيل: يجوز أن يكون الموصول صفة المنافقين، وتوسطت الواو
~~لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف لأن هذه صفة للمنافقين لا تنفك عنهم، أو تكون
~~الواو داخلة بين المفسر والمفسر نحو أعجبني زيد وكرمه، وزعم بعضهم أن ذلك
~~وهم وهو من التحامل بمكان إذ لا مانع من ذلك صناعة ولا معنى، والقول بأن
~~وجه الوهم فيه أن المنافقين جار على موصوف مقدر أي القوم المنافقون فلا
~~يوصف ليس بوجيه إذ للقائل أن يقول: إنه أجرى المنافقون هنا مجرى الأسماء
~~مع أن الصفة لا مانع من أن توصف وقيام العرض بالعرض دون إثبات امتناعه
~~خرط القتاد، ومن فسر الذين في قلوبهم مرض بأولئك الفئة الذين أسلموا بمكة
~~قال: إنهم لما رأوا قلة المسلمين قالوا: { غر هؤلاء } يعنون
~~المؤمنين الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم { دينهم } حتى
~~تعرضوا لمن لا يدي لهم به فخرجوا وهم ثلثمائة وبضعة عشر إلى زهاء الألف،
~~وعلى احتمال جعله صفة للمنافقين يشعر كلام البعض أن القول لم يكن عند
~~التلاقي، فقد روي عن الحسن أن هؤلاء المنافقين لم يشهدوا القتال يوم بدر.
~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: هم
~~يومئذ في المسلمين، وفي القلب من هذا شيء، فإن الذي تشهد له الآثار أن
~~أهل بدر كانوا خلاصة المؤمنين.

# { ومن يتوكل على الله } جواب لهم ورد لمقالتهم { فإن
~~الله عزيز } غالب لا يذل من توكل عليه ولا يخذل من استجار به وإن
~~قل { حكيم } يفعل بحكمته البالغة ما تستبعده العقول، وتحار في فهمه
~~ألباب الفحول. وجواب الشرط محذوف لدلالة المذكور عليه أو أنه قائم مقامه.

### || [8.50]

# { ولو ترى } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن له حظ
~~من الخطاب، والمضارع هنا بمعنى الماضي لأن { لو ms03630 } الامتناعية ترد
~~المضارع ماضيا كما أن إن ترد الماضي مضارعا، أي ولو رأيت { إذ
~~يتوفى الذين كفروا الملئكة } الخ لرأيت أمرا
~~فظيعا، ولا بد عند العلامة من حمل معنى المضي هنا على الفرض والتقدير،
~~وليس المعنى على حقيقة المضي، قيل: والقصد إلى استمرار امتناع الرؤية
~~وتجدده وفيه بحث، وإذ ظرف لترى والمفعول محذوف، أي ولو ترى الكفرة أو
~~حالهم حينئذ، و { الملئكة } فاعل { يتوفى } ، وتقديم
~~المفعول للاهتمام به، ولم يؤنث الفعل لأن الفاعل غير حقيقي التأنيث، وحسن
~~ذلك الفصل / بينهما، ويؤيد هذا الوجه قراءة ابن عامر { تتوقى } بالتاء.
~~وجوز أبو البقاء أن يكون الفاعل ضمير الله تعالى، والملائكة على هذا
~~مبتدأ خبره جملة:

# { يضربون وجوههم } والجملة الإسمية مستأنفة، وعند أبي البقاء
~~في موضع الحال، ولم يحتج إلى الواو لأجل الضمير، ومن يرى أنه لا بد فيها
~~من الواو وتركها ضعيف يلتزم الأول، وعلى الأول يحتمل أن يكون جملة {
~~يضربون } مستأنفة وأن تكون حالا من الفاعل أو المفعول أو منهما
~~لاشتمالها على ضميريهما وهي مضارعية يكتفي فيها بالضمير كما لا يخفى.
~~والمراد من وجوههم ما أقبل منهم، ومن قوله سبحانه: { وأدبرهم }
~~ما أدبر وهو كل الظهر. وعن مجاهد أن المراد منه أستاههم ولكن الله تعالى
~~كريم يكني والأول أولى، وذكرهما يحتمل أن يكون للتخصيص بهما لأن الخزي
~~والنكال في ضربهما أشد ويحتمل أن يراد التعميم على حد قوله تعالى:

# بالغدو والأصال

# [الأعراف: 205] لأنه أقوى ألما، والمراد من الذين كفروا قتلى بدر كما
~~روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره. وروي عن الحسن أن رجلا قال
~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشراك فقال
~~عليه الصلاة والسلام: ذلك ضرب الملائكة. وفي رواية عن ابن عباس ما يشعر
~~بالعموم. فقد أخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال: آيتان يبشر بهما الكافر
~~عند موته وقرأ { ولو ترى } الخ، ولعل الرواية عنه رضي الله تعالى
~~عنه لم تصح.

# { وذوقوا عذاب الحريق } عطف على { يضربون } بإضمار
~~القول، أي ms03631 ويقولون ذوقوا، أو حال من ضميره كذلك أي ضاربين وجوههم وقائلين
~~ذوقوا، وهو على الوجهين من قول الملائكة، والمراد بعذاب الحريق عذاب
~~النار في الآخرة، فهو بشارة لهم من الملائكة بما هو أدهى وأمر مما هم
~~فيه، وقيل كان مع الملائكة يوم بدر مقامع من حديد كلما ضربوا المشركين
~~بها التهبت النار في جراحاتهم، وعليه فالقول للتوبيخ، والتعبير بذوقوا
~~قيل: للتهكم لأن الذوق يكون في المطعومات المستلذة غالبا، وفيه نكتة
~~أخرى وهو أنه قليل من كثير وأنه مقدمة كأنموذج الذائق. وبهذا الاعتبار
~~يكون فيه المبالغة، وإن أشعر الذوق بقلته. وذكر بعضهم: وهو خلاف الظاهر
~~أنه يحتمل أن يكون هذا القول من كلام الله تعالى كما في آل عمران [181]

# ونقول ذوقوا عذاب الحريق

# وجواب { لو } محذوف لتفظيع الأمر وتهويله وتقديره ما أشرنا إليه
~~سابقا، وقدره الطيبي لرأيت قوة أوليائه ونصرهم على أعدائه.

### || [8.51]

# { ذلك } أي الضرب والعذاب اللذان هما هما وهو مبتدأ خبره قوله تعالى:
~~{ بما قدمت أيديكم } والباء للسببية، وتقديم الأيدي مجاز عن
~~الكسب والفعل، أي ذلك واقع بسبب ما كسبتم من الكفر والمعاصي، وقوله
~~سبحانه: { وأن الله ليس بظلم للعبيد } قيل خبر
~~مبتدأ محذوف، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبلها، أي والأمر أنه
~~تعالى ليس بمعذب لعبيده من غير ذنب من قبلهم، والتعبير عن ذلك بنفي الظلم
~~مع أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم قطعا على ما تقرر من قاعدة أهل السنة
~~فضلا عن كونه ظلما بالغا لبيان كمال نزاهته تعالى بتصويره بصورة ما
~~يستحيل صدوره عنه تعالى من الظلم. وقال البيضاوي بيض الله غرة أحواله: هو
~~عطف على { ما } للدلالة على أن سببيته مقيدة بانضمامه إليه إذ لولاه
~~لأمكن أن يعذبهم بغير ذنوبهم لا أن لا يعذبهم بذنوبهم، فإن ترك التعذيب
~~من مستحقه ليس بظلم شرعا ولا عقلا / حتى ينتهض نفي الظلم سببا للتعذيب
~~وأراد بذلك الرد على الزمخشري عامله الله تعالى بعدله حيث جعل كلا من
~~الأمرين سببا بناء على مذهبه في وجوب الأصلح، فقوله: لا ms03632 أن لا يعذبهم
~~عطف على أن يعذبهم والمعنى أن سبب هذا القيد دفع احتمال أن يعذبهم بغير
~~ذنوبهم لا احتمال أن لا يعذبهم بذنوبهم فإنه أمر حسن، وقوله للدلالة الخ
~~على معنى أن تعينه للسببية إنما يحصل بهذا القيد إذ بإمكان تعذيبهم بغير
~~ذنب يحتمل أن يكون سبب التعذيب إرادة العذاب بلا ذنب، فحاصل معنى الآية
~~أن عذابكم هذا إنما نشأ من ذنوبكم لا من شيء آخر. فلا يرد عليه ما قيل:
~~كون تعذيب الله تعالى للعباد بغير ذنب ظلما لا يوافق مذهب الجماعة، وما
~~قيل: إن هذا يخالف ما في آل عمران [182] من أن سببيته للعذاب من حيث أن
~~نفي الظلم يستلزم العدل المقتضي إثابة المحسن ومعاقبة المسىء مدفوع بأن
~~لنفي الظلم معنيين: أحدهما ما ذكر من إثابة المحسن إلخ، والآخر عدم
~~التعذيب بلا ذنب وكل منهما يؤول إلى معنى العدل فلا تدافع بين كلاميه.
~~وأما جعله هناك سببا وهنا قيدا للسبب فلا يوجب التدافع أيضا فإن
~~المراد كما ذكرنا فيما قبل بالسبب الوسيلة المحضة وهو وسيلة سواء اعتبر
~~سببا مستقلا أو قيدا للسبب. ولمولانا شيخ الإسلام في هذا المقام كلام
~~لا يخفى عليك رده بعد الوقوف على ما ذكرنا. وقد تقدم لك بسط الكلام فيه.
~~ومن الناس من بين قول القاضي: للدلالة الخ بقوله يريد أن سببية الذنوب
~~للعذاب تتوقف على انتفاء الظلم منه تعالى فإنه لو جاز صدوره عنه سبحانه
~~لأمكن أن يعذب عبيده بغير ذنوبهم.

# فلا يصلح أن يكون الذنب سببا للعذاب لا في هذه الصورة ولا في غيرها؛ ثم
~~قال: فإن قلت: لا يلزم من هذا إلا نفي انحصار السبب للعذاب في الذنوب لا
~~نفي سببيتها له والكلام فيه إذ يجوز أن يقع العذاب في الصورة المفروضة
~~بسبب غير الذنوب، ولا ينافي هذا كونها سببا له في غير هذه الصورة كما في
~~أهل بدر فلا يتم التقريب. قلت: السبب المفروض في الصورة المذكورة إن أوجب
~~استحقاق العذاب يكون ذنبا لا محالة. والمفروض خلافه وإن لم ms03633 يوجب فلا
~~يتصور أن يكون سببا إذ لا معنى لكون شيء سببا إلا كونه مقتضيا
~~لاستحقاقه له فإذا انتفى هذا ينتفي ذلك، وبالجملة فمآل كون التعذيب من
~~غير ذنب إلى كونه بدون السبب لانحصار السبب فيه انتهى.

# ورد بأن قوله: وإن لم يوجب فلا يتصور أن يكون سببا ممنوع فإن السبب
~~الموجب ما يكون مؤثرا في حصول شيء سواء كان عن استحقاق أو لم يكن، ألا
~~يرى أن الضرب بظلم والقتل كذلك سببان للإيلام والموت مع أنهما ليسا عن
~~استحقاق، فاعتراض السائل واقع موقعه ولا يمكن التقصي عنه إلا بما قرر
~~سابقا من معنى الآية، فإن المقام مقام تعيين السببية وتخصيصها للذنوب
~~وذلك لا يحصل إلا بنفي صدور العذاب بلا ذنب منه سبحانه وتعالى، ومن هنا
~~علم أن قوله: وبالجملة الخ ليس بسديد فإن مبناه كون الاستحقاق شرطا
~~للسببية وقد مر ما فيه مع ما فيه من المخالفة لكلام الأجلة من كون نفي
~~الظلم سببا آخر للتعذيب لأن سببية نفي الظلم موقوفة على إمكان إرادة
~~التعذيب بلا ذنب وكونها سببا للعذاب فكيف يكون مآل كون التعذيب بلا ذنب
~~إلى كونه بدون السبب فتأمل فالمقام معترك الأفهام، ثم إن المراد في الآية
~~نفي نفس الظلم وإنما كثر توزيعا على الآحاد كأنه قيل: ليس بظالم لفلان
~~ولا بظالم لفلان وهكذا فلما جمع هؤلاء عدل إلى ظلام لذلك، وجوز أن يكون
~~إشارة إلى عظم العذاب على سبيل الكناية وذلك لأن الفعل يدل بظاهره على
~~غاية الظلم إذا لم يتعلق بمستحقه فإذا صدر ممن هو أعدل العادلين دل على
~~أنه استحق أشد العذاب لأنه أشد المسيئين. قال في «الكشف»: وهذا أوفق
~~للطائف / كلام الله تعالى المجيد، وفيه وجوه أخر مر لك بعضها.

### || [8.52]

# { كدأب ءال فرعون } خبر مبتدأ محذوف أي دأب هؤلاء كائن كدأب
~~الخ؛ والجملة استئناف مسوق لبيان أن ما حل بهم من العذاب بسبب كفرهم لا
~~بشيء آخر حيث شبه حالهم بحال المعروفين بالإهلاك لذلك لزيادة تقبيح حالهم
~~وللتنبيه على أن ذلك ms03634 سنة مطردة فيما بين الأمم المهلكة، والدأب العادة
~~المستمرة ومنه قوله:

# وما زال ذاك الدأب حتى تجادلت

# هوازن وارفضت سليم وعامر

# والمراد شأنهم الذي استمروا عليه مما فعلوا وفعل بهم من الأخذ كدأب آل
~~فرعون المشهورين بقباحة الأعمال وفظاعة العذاب والنكال { والذين من
~~قبلهم } أي من قبل آل فرعون وأصحابه من الأمم الذين فعلوا ما فعلوا
~~ولقوا من العذاب ما لقوا كقوم نوح وعاد وأضرابهم.

# وقوله تعالى: { كفروا بئايت الله } تفسير لدأبهم لكن
~~بملاحظة أنه الذي فعلوه لا لدأب آل فرعون ومن بعدهم فإن ذلك معلوم منه
~~بقضية التشبيه. والجملة لا محل لها من الإعراب لما أشير إليه، وكذا على
~~ما قيل: من أنها مستأنفة استئنافا نحويا أو بيانيا، وقيل: إنها حالية
~~بتقدير قد فهي في محل نصب، وقوله سبحانه: { فأخذهم الله
~~بذنوبهم } عطف عليها وحكمه في التفسير حكمها لكن بملاحظة الدأب
~~الذي فعل بهم، والفاء لبيان كونه من لوازم جناياتهم وتبعاتها المتفرعة
~~عليها. وذكر الذنوب لتأكيد ما أفادته الفاء من السببية من الإشارة إلى أن
~~لهم مع كفرهم ذنوبا أخر لها دخل في استتباع العقاب، وجوز أن يراد
~~بذنوبهم معاصيهم المتفرعة على كفرهم فيكون الباء للملابسة أي فأخذهم
~~ملتبسين بذنوبهم غير تائبين عنها، وجعل العذاب من جملة دأبهم مع أنه ليس
~~مما يتصور مداومتهم عليه واعتيادهم إياه كما هو المعتبر في مدلول الدأب
~~كما عرفت إما لتغليب ما فعلوه على ما فعل بهم أو لتنزيل مداومتهم على ما
~~يوجبه من الكفر والمعاصي بمنزلة مداومتهم عليه لما بينهما من الملابسة
~~التامة، وإلى كون المراد بدأبهم مجموع ما فعلوه وما فعل بهم يشير ما روي
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إن آل فرعون أيقنوا بأن موسى عليه
~~السلام نبي الله تعالى فكذبوه كذلك هؤلاء جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم
~~بالصدق فكذبوه فأنزل الله تعالى لهم عقوبة كما أنزل بآل فرعون، وإلى ذلك
~~ذهب ابن الخازن وغيره، وقيل: المراد بدأبهم ما فعلوا فقط، وقيل: ما فعل
~~بهم فقط، ms03635 وليس بشيء.

# وقوله سبحانه: { إن الله قوى شديد العقاب } اعتراض
~~مقرر لمضمون ما قبله من الأخذ أي أنه سبحانه لا يغلبه غالب فيدفع عقابه
~~عمن أراد معاقبته.

### || [8.53]

# { ذلك } إشارة إلى ما يفيده النظم الكريم من كون ما حل بهم من العذاب
~~منوطا بأعمالهم السيئة غير واقع بلا سابقة ما يقتضيه، وهو مبتدأ خبره
~~قوله سبحانه: { بأن الله } إلى آخره، والباء للسببية، والجملة
~~مسوقة لتعليل ما أشير إليه أي ذلك كائن بسبب أن الله سبحانه { لم يك
~~مغيرا نعمة أنعمها } أي لم ينبغ له سبحانه ولم يصح في
~~حكمته أن يكون بحيث يغير نعمة أي نعمة كانت جلت أو هانت أنعم بها {
~~على قوم } من الأقوام { حتى يغيروا ما بأنفسهم }
~~أي ذواتهم من الأعمال والأحوال التي كانوا عليها وقت ملابستهم للنعمة
~~ويتصفوا بما ينافيها سواء كانت أحوالهم السابقة مرضية صالحة أو أهون من
~~الحالة الحادثة كدأب كفرة قريش المذكورين حيث كانوا قبل البعثة كفرة عبدة
~~أصنام / مستمرين على حال مصححة لافاضة نعم الامهال وسائر النعم الدنيوية
~~عليهم كصلة الرحم والكف عن تعرض الآيات والرسل عليهم السلام فلما بعث
~~النبي صلى الله عليه وسلم غيروها على أسوء حال منها وأسخط حيث كذبوه
~~عليه الصلاة والسلام وعادوه ومن تبعه من المؤمنين وتحزبوا عليهم وقطعوا
~~أرحامهم فغير الله تعالى ما أنعم به عليهم من نعمة الامهال ووجه إليهم
~~نبال العقاب والنكال، وقيل: إنهم لما كانوا متمكنين من الايمان ثم لم
~~يؤمنوا كان ذلك كأنه حاصل لهم فغيروه كما قيل في قوله تعالى:

# أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى

# [البقرة: 16] ولا يخلو عن حسن.

# وجعل بعضهم الإشارة إلى ما حل بهم ثم أنه لما رأى أن انتفاء تغيير الله
~~تعالى حتى يغيروا لا يقتضي تحقق تغييره إذا غيروا وأن العدم ليس سببا
~~للوجود هنا وأيضا عدم التغيير صارف عما حل بهم لا موجب له بحسب الظاهر
~~قال: إن السبب ليس منطوق الآية بل مفهومها، وهو جري عادته سبحانه على
~~التغيير حين غيروا حالهم فالسبب ليس ms03636 انتفاء التغيير بل التغيير، قيل:
~~وإنما أوثر التعبير بذلك لأن الأصل عدم التغيير من الله تعالى لسبق
~~إنعامه ورحمته ولأن الأصل فيهم الفطرة وأما جعله عادة جارية فبيان لما
~~استقر عليه الحال من ذلك لا أن كونه عادة له دخل في السببية، ولا يخفى أن
~~ما ذكرناه أسلم من القيل والقال على أن ما فعله البعض لا يخلو بعد عن
~~مقال فتدبر، وأصل { يك } يكن فحذفت النون تخفيفا لشبهها بأحرف العلة
~~في أنها من الزوائد وهي تحذف من أحرف المجزوم فلذا حذفت هذه وهو مختص
~~بهذا الفعل لكثرة استعماله.

# { وأن الله سميع عليم } عطف على { أن الله } الخ
~~داخل معه في حيز التعليل، أي وسبب أنه تعالى سميع عليم يسمع ويعلم جميع
~~ما يأتون ويذرون من الأقوال والأفعال السابقة واللاحقة فيرتب على كل منها
~~ما يليق من إبقاء النعمة وتغييرها. وقرىء { وإن الله } بكسر
~~الهمزة فالجملة حينئذ استئناف مقرر لمضمون ما قبله.

### || [8.54]

# { كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم كذبوا
~~بئايت ربهم فأهلكنهم بذنوبهم } استئناف آخر
~~على ما ذكره بعض المحققين مسوق لتقرير ما سيق له الاستئناف الأول بتشبيه
~~دأبهم بدأب المذكورين لكن لا بطريق التكرير المحض بل بتغيير العنوان
~~وجعل الدأب في الجانبين عبارة عما يلازم معناه الأول من تغيير الحال
~~وتغيير النعمة أخذا مما نطق به قوله تعالى:

# ذلك بأن الله لم يك مغيرا

# [الأنفال: 53] الخ أي دأب هؤلاء وشأنهم الذي هو عبارة عن التغييرين
~~المذكورين كدأب أولئك حيث غيروا حالهم فغير الله تعالى نعمته عليهم فقوله
~~سبحانه: { كذبوا بآيات ربهم } تفسير لدأبهم الذي فعلوه من
~~تغييرهم لحالهم، وأشير بلفظ الرب إلى أن ذلك التغيير كان بكفران نعمه
~~تعالى لما فيه من الدلالة على أنه مربيهم المنعم عليهم، وقوله سبحانه: {
~~فأهلكنهم } تفسير لدأبهم الذي فعل بهم من تغييره تعالى ما بهم
~~من نعمته جل شأنه.

# وفي الإهلاك رمز إلى التغيير ولذا عبر به دون الأخذ المعبر به أولا
~~وليس الأخذ مثله في ذلك، ألا ترى أنه كثيرا ما ms03637 يطلق الإهلاك على إخراج
~~الشيء عن نظامه الذي هو عليه ولم نر إطلاق الأخذ على ذلك، وقيل إنما عبر
~~أولا بالأخذ وهنا بالإهلاك لأن جنايتهم هنا الكفران وهو يقتضي أعظم
~~النكال والإهلاك مشير إليه ولا كذلك ما تقدم وفيه نظر، وأما دأب قريش
~~فمستفاد مما ذكر بحكم التشبيه فلله تعالى در التنزيل حيث اكتفى في كل من
~~التشبيهين بتفسير أحد الطرفين، وفي «الفرائد» أن هذا ليس بتكرير لأن معنى
~~الأول حال هؤلاء كحال آل فرعون في الكفر فأخذهم وأتاهم العذاب، ومعنى
~~الثاني حال هؤلاء كحال آل فرعون / في تغييرهم النعم وتغيير الله تعالى
~~حالهم بسبب ذلك التغيير وهو أنه سبحانه أغرقهم بدليل ما قبله وما ذكرناه
~~أتم تحريرا، واعترضه العلامة الطيبي بأن النظم الكريم يأباه لأن وجه
~~التشبيه في الأول كفرهم المترتب عليه العقاب فكذلك ينبغي أن يكون وجهه في
~~الثاني ما يفهم من قوله سبحانه: { كذبوا } الخ لأنه مثله لأن كلا
~~منهما جملة مبتدأة بعد تشبيه صالحة لأن تكون وجه الشبه فتحمل عليه كما في
~~قوله تعالى:

# إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من
~~تراب

# [آل عمران: 59] وأما قوله سبحانه:

# ذلك بأن الله

# [الأنفال: 53] الخ فكالتعليل لحلول النكال معترض بين التشبيهين غير مختص
~~بقوم بل هو متناول لجميع من يغير نعمة الله تعالى من الأمم السابقة
~~واللاحقة فاختصاصه بالوجه الثاني دون الأول وإيقاعه وجها للتشبيه مع
~~وجوده صريحا كما علمت بعيد عمن ذاق معرفة الفصاحتين ووقف على ترتيب
~~النظم من الآيتين انتهى.

# ولا يخفى أن هذا غير وارد على ما قدمناه عند التأمل.

# والقول في التفرقة بين الآيتين أن الأولى لبيان حالهم في استحقاقهم عذاب
~~الآخرة والثانية لبيان استحقاقهم عذاب الدنيا، أو أن المقصود أولا تشبيه
~~حالهم بحال المذكورين في التكذيب والمقصود ثانيا تشبيه حالهم في
~~الاستئصال، أو أن المراد فيما تقدم بيان أخذهم بالعذاب وهنا بيان كيفيته
~~مما لا ينبغى أن يعول عليه. وقال بعض الأكابر: إن قوله سبحانه: {
~~كدأب } في محل النصب على أنه نعت ms03638 لمصدر محذوف، أي حتى يغيروا ما
~~بأنفسهم تغييرا كائنا كدأب آل فرعون أي كتغييرهم على أن دأبهم عبارة
~~عما فعلوه كما هو الأنسب بمفهوم الدأب، وقوله تعالى: { كذبوا } الخ
~~تفسير له بتمامه، وقوله سبحانه: { فأهلكنهم } الخ إخبار بترتب
~~العقوبة عليه لا أنه من تمام تفسيره ولا ضير في توسط قوله عز شأنه:

# وأن الله سميع عليم

# [الأنفال: 53] بينهما سواء عطفا أو استئنافا، وفيه خروج الآية عن نمط
~~أختها بالكلية. وأيضا لا وجه لتقييد التغيير الذي يترتب عليه تغيير الله
~~تعالى بكونه كتغيير آل فرعون على أن كون الجار في محل النصب على أنه نعت
~~بعيد مع وجود ذلك الفاصل وإن قلنا بجواز الفصل، ومن أنصف علم أن بلاغة
~~التنزيل تقتضي الوجه الأول، والالتفات إلى نون العظمة في أهلكنا جريا
~~على سنن الكبرياء لتهويل الخطب، وهذا لا ينافي النكتة التي أشرنا إليها
~~سابقا كما لا يخفى، والكلام في الفاء وذكر الذنوب على طرز ما ذكرنا في
~~نظيره.

# وقوله سبحانه: { وأغرقنآ آل فرعون } عطف على { أهلكنا }
~~وفي عطفه عليه مع اندراج مضمونه تحت مضمونه إيذان بكمال هول الإغراق
~~وفظاعته { وكل } أي كل من الفرق المذكورين أو كل من هؤلاء وأولئك أو
~~كل من آل فرعون وكفار قريش على ما قيل بناء على أن ما قبله في تشبيه دأب
~~كفرة قريش بدأب آل فرعون صريحا وتعيينا وأن مثله يكفي قرينة للتخصيص {
~~كانوا ظلمين } أي أنفسهم بالكفر والمعاصي ولو عمم لكان له وجه
~~أو واضعين للكفر والتكذيب مكان الإيمان والتصديق ولذلك أصابهم ما أصابهم.

### || [8.55]

# { إن شر الدواب عند الله } أي في حكمه وقضائه {
~~الذين كفروا } أي أصروا على الكفر ورسخوا فيه، وهذا شروع في بيان
~~أحوال سائر الكفرة بعد بيان أحوال المهلكين منهم ولم يقل سبحانه شر الناس
~~إيماء إلى أنهم بمعزل عن مجانستهم بل هم من جنس الدواب وأشر أفراده {
~~فهم لا يؤمنون } حكم مترتب على تماديهم في الكفر ورسوخهم فيه
~~وتسجيل عليهم بكونهم من أهل الطبع لا يلويهم صارف ولا يثنيهم ms03639 عاطف جيء به
~~على وجه الاعتراض، وقيل: / عطف على الصلة مفهم معنى الحال كأنه قيل: إن
~~شر الدواب الذين كفروا مصرين على عدم الإيمان، وقيل: الفاء فصيحة أي إذا
~~علمت أن أولئك شر الدواب فاعلم أنهم لا يؤمنون أصلا فلا تتعب نفسك، وقيل:
~~هي للعطف وفي ذلك تنبيه على أن تحقق المعطوف عليه يستدعي تحقق المعطوف
~~حيث جعل ذلك مترتبا عليه ترتب المسبب على سببه والكل كما ترى.

### || [8.56]

# { الذين عهدت منهم } بدل من الموصول الأول أو عطف بيان
~~أو نعت أو خبر مبتدأ محذوف أو نصب على الذم، وعائد الموصول قيل: ضمير
~~الجمع المجرور، والمراد عاهدتهم و من للإيذان بأن المعاهدة التي هي عبارة
~~عن إعطاء العهد وأخذه من الجانبين معتبرة ههنا من حيث أخذه صلى الله
~~عليه وسلم إذ هو المناط لما نعى عليهم من النقض لا إعطاؤه عليه الصلاة
~~والسلام إياهم عهده كأنه قيل: الذين أخذت منهم عهدهم، وإلى هذا يرجع
~~قولهم: إن من لتضمين العهد معنى الأخذ أي عاهدت آخذا منهم. وقال أبو
~~حيان: انها تبعيضية لأن المباشر بعضهم لا كلهم، وذكر أبو البقاء أن الجار
~~والمجرور في موضع الحال من العائد المحذوف، أي الذين عاهدتهم كائنين
~~منهم، وقيل: هي زائدة وليس بذاك.

# وقوله سبحانه: { ثم ينقضون عهدهم } عطف على الصلة، وصيغة
~~الاستقبال للدلالة على تعدد النقض وتجدده وكونهم على نيته في كل حال، أي
~~ينقضون عهدهم الذي أخذ منهم { في كل مرة } أي من مرات المعاهدة
~~كما هو الظاهر واختاره غير واحد، وجوز أن يراد في كل مرة من مرات
~~المحاربة وفيه بحث { وهم لا يتقون } في موضع الحال من فاعل {
~~ينقضون } أي يستمرون على النقض والحال أنهم لا يتقون سبة الغدر
~~ومغبته، أو لا يتقون الله تعالى فيه، وقيل: لا يتقون نصرة المسلمين
~~وتسلطهم عليهم، والآية على ما قال جمع نزلت في يهود قريظة عاهدوا رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم أن لا يمالئوا عليه فاعانوا المشركين بالسلاح
~~فقالوا نسينا ثم عاهدهم عليه الصلاة ms03640 والسلام فنكثوا ومالؤهم عليه عليه
~~الصلاة والسلام يوم الخندق وركب كعب إلى مكة فحالفهم على حرب رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم، وأخرج أبو الشخ عن سعيد بن جبير أنها نزلت في ستة
~~رهط من يهود منهم ابن تابوت، ولعله أراد بهم الرؤساء المباشرين للعهد.

### || [8.57]

# { فإما تثقفنهم } شروع في بيان أحكامهم بعد تفصيل أحوالهم،
~~والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والثقف يطلق على المصادفة وعلى
~~الظفر، والمراد به هنا المترتب على المصادفة والملاقاة، أي إذا كان حالهم
~~كما ذكر فأما تصادفنهم وتظفرن بهم { في الحرب } أي في تضاعيفها {
~~فشرد بهم } أي فرق بهم { من خلفهم } أي من وراءهم من
~~الكفرة، يعني افعل بهؤلاء الذين نقضوا عهدك فعلا من القتل والتنكيل
~~العظيم يفرق عنك ويخافك بسببه من خلفهم ويعتبر به من سمعه من أهل مكة
~~وغيرهم، وإلى هذا يرجع ما قيل: من أن المعنى نكل به ليتعظ من سواهم،
~~وقيل: إن معنى شرد بهم سمع بهم في لغة قريش قال الشاعر:

# أطوف بالأباطح كل يوم

# مخافة أن يشرد بي حكيم

# وقرأ ابن مسعود والأعمش { فشرذ } بالذال المعجمة وهو بمعنى شرد
~~بالمهملة، وعن ابن جني أنه لم يمر بنا في اللغة تركيب شرذ والأوجه أن
~~تكون الذال بدلا من الدال، والجامع بينهما أنهما مجهوران ومتقاربان،
~~وقيل: إنه قلب من شذر، ومنه شذر مذر للمتفرق، وذهب بعض أهل اللغة إلى
~~أنها موجودة ومعناها التنكيل / ومعنى المهمل التفريق كما قاله قطرب لكنها
~~نادرة، وقرأ أبو حيوة { من خلفهم } بمن الجارة، والفعل عليها
~~منزل منزلة اللازم كما في قوله:

# يجرح في عراقيبها نصلي

# فالمعنى افعل التشريد من ورائهم، وهو في معنى جعل الوراء ظرفا للتشريد
~~لتقارب معنى من و في تقول: اضرب زيدا من وراء عمرو وورائه أي في وراءه،
~~وذلك يدل على تشريد من في تلك الجهة على سبيل الكناية فإن إيقاع التشريد
~~في الوراء لا يتحقق إلا بتشريد من وراءهم فلا فرق بين القراءتين الفتح
~~والكسر إلا في المبالغة { لعلهم يذكرون ms03641 } أي لعل المشردين
~~يتعظون بما يعلمونه مما نزل بالناقضين فيرتدعون عن النقض قيل: أو عن
~~الكفر.

### || [8.58]

# { وإما تخافن من قوم خيانة } بيان لأحكام المشرفين إلى
~~نقض العهد إثر بيان أحكام الناقضين له بالفعل، والخوف مستعار للعلم، أي
~~وإما تعلمن من قوم معاهدين لك نقض عهد فيما سيأتي بما يلوح لك منهم من
~~الدلائل { فانبذ إليهم } أي فاطرح إليهم عهدهم، وفيه استعارة
~~مكنية تخييلية { على سواء } أي على طريق مستو وحال قصد بأن تظهر
~~لهم النقض وتخبرهم إخبارا مكشوفا بأنك قد قطعت ما بينك وبينهم من الوصلة
~~ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد كيلا يكون من قبلك شائبة
~~خيانة أصلا، فالجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالا من المستكن في {
~~انبذ } أي فانبذ إليهم ثابتا على سواء، وجوز أن يكون حالا من ضمير
~~إليهم أو من الضميرين معا، أي حال كونهم كائنين على استواء في العلم
~~بنقض العهد بحيث يستوي فيه أقصاهم وأدناهم، أو حال كونك أنت وهم على
~~استواء في ذلك، ولزوم الإعلام عند أكثر العلماء الأعلام إذا لم تنقض مدة
~~العهد أو لم يستفض نقضهم له ويظهر ظهورا مقطوعا به أما إذا انقضت المدة
~~أو استفاض النقض وعلمه الناس فلا حاجة إلى ما ذكر، ولهذا غزا النبي صلى
~~الله عليه وسلم أهل مكة من غير نبذ ولم يعلمهم بأنهم كانوا نقضوا العهد
~~علانية بمعاونتهم بني كنانة على قتل خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه
~~وسلم.

# { إن الله لا يحب الخئنين } تعليل للأمر بالنبذ
~~باعتبار استلزامه للنهي عن المناجزة التي هي خيانة فيكون تحذيرا للنبي
~~صلى الله عليه وسلم منها. وجوز أن يكون تعليلا لذلك باعتبار استتباعه
~~للقتال بالآخرة فتكون حثا له صلى الله عليه وسلم على النبذ أولا وعلى
~~قتالهم ثانيا، كأنه قيل: وإما تعلمن من قوم خيانة فانبذ إليهم ثم قاتلهم
~~إن الله لا يحب الخائنين وهم من جملتهم لما علمت حالهم، والأول هو
~~المتبادر، وعلى كلا التقديرين المراد من نفي الحب إثبات البغض إذ لا ms03642
~~واسطة بين الحب والبغض بالنسبة إليه تعالى.

### || [8.59]

# { ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا } بياء الغيبة وهي
~~قراءة حفص وابن عامر وأبي جعفر وحمزة، وزعم تفرد الأخير بها وهم كزعم
~~أنها غير نيرة، فقد نص في «التيسير» على أنه قرأ بها الأولان أيضا، وفي
~~" المجمع " على أنه قرأ بها الأربعة، وقال المحققون: إنها أنور من الشمس
~~في رابعة النهار لأن فاعل { يحسبن } الموصول بعده ومفعوله الأول
~~محذوف أي أنفسهم وحذف للتكرار والثاني جملة { سبقوا } ، أي لا يحسبن
~~أولئك الكافرون أنفسهم سابقين أي مفلتين من أن يظفر بهم.

# والمراد من هذا إقناطهم من الخلاص وقطع أطماعهم الفارغة من الانتفاع
~~بالنبذ، والاقتصار على دفع هذا التوهم وعدم دفع توهم سائر ما تتعلق به
~~أمانيهم الباطلة من مقاومة المؤمنين أو الغلبة عليهم للتنبيه على أن ذلك
~~مما لا يحوم عليه عقاب وهمهم وحسبانهم وإنما الذي يمكن أن يدور في خلدهم
~~حسبان المناص فقط، ويحتمل أن يكون الفاعل ضميرا مستترا، والحذف لا يخطر
~~بالبال كما توهم، أي لا يحسبن هو أي / أي قبيل المؤمنين أو الرسول أو
~~الحاسب أو من خلفهم أو أحد، وهو معلوم من الكلام فلا يرد عليه أنه لم
~~يسبق له ذكر، ومفعولا الفعل { الذين كفروا } و { سبقوا } ،
~~وحكي عن الفراء أن الفاعل الذين كفروا وان سبقوا بتقدير أن سبقوا فتكون
~~أن وما بعدها سادة مسد المفعولين، وأيد بقراءة ابن مسعود { أنهم
~~سبقوا }.

# واعترضه أبو البقاء وغيره بأن أن المصدرية موصول وحذف الموصول ضعيف في
~~القياس شاذ في الاستعمال لم يرد منه إلا شيء يسير  كتسمع بالمعيدي خير
~~من أن تراه  ونحوه فلا ينبغي أن يخرج كلام الله تعالى عليه. وقرأ من عدا
~~من ذكر { تحسبن } بالتاء الفوقية على أن الخطاب للنبي صلى الله عليه
~~وسلم أو لكل من له حظ في الخطاب و { الذين كفروا سبقوا }
~~مفعولاه ولا كلام في ذلك. وقرأ الأعمش { ولا تحسب الذين } بكسر الباء
~~وفتحها على حذف النون الخفيفة.

# وقوله تعالى: { إنهم لا يعجزون } أي لا يفوتون ms03643 الله تعالى أو
~~لا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم تعليل للنهي على طريق الاستئناف. وقرأ
~~ابن عامر { أنهم } بفتح الهمزة وهو تعليل أيضا بتقدير اللام المطرد
~~حذفها في مثله.

# وقيل: الفعل واقع عليه، و { لا } صلة ويؤيده أنه قرىء بحذفها و {
~~سبقوا } حال بمعنى سابقين أي مفلتين هاربين. وضعف بأن { لا } لا تكون
~~صلة في موضع يجوز أن لا تكون كذلك وبأن المعهود كما قال أبو البقاء في
~~المفعول الثاني لحسب في مثل ذلك أن تكون أن فيه مكسورة، وهذا على قراءة
~~الخطاب لإزاحة ما عسى أن يحذر من عاقبة النبذ لما أنه ايقاظ للعدو وتمكين
~~لهم من الهرب والخلاص من أيدي المؤمنين، وفيه نفي لقدرتهم على المقاومة
~~والمقابلة على أبلغ وجه وآكده كما يشير إليه.

# وذكر الجبائي أن { لا يعجزون } على معنى لا يعجزونك على أنه خطاب
~~أيضا للنبي عليه الصلاة والسلام ولا يخلو عن حسن، والظاهر أن عدم
~~الاعجاز كيفما قدر المفعول اشارة إلى أنه سبحانه سيمكن منهم في الدنيا،
~~فما روي عن الحسن أن المعنى لا يفوتون الله تعالى حتى لا يبعثهم في
~~الآخرة غريب منه إن صح. وادعى الخازن أن المعنى على العموم على معنى لا
~~يعجزون الله تعالى مطلقا اما في الدنيا بالقتل وإما في الآخرة بعذاب
~~النار، وذكر أن فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فيمن فاته من
~~المشركين ولم ينتقم منه. وهو ظاهر على القول بأن الآية نزلت فيمن أفلت من
~~فل المشركين، وروي ذلك عن الزهري. وقرىء { يعجزون } بالتشديد. وقرأ ابن
~~محيصن { يعجزون } بكسر النون بتقدير يعجزونني فحذفت إحدى النونين للتخفيف
~~والياء اكتفاء بالكسرة، ومثله كثير في الكتاب.

### || [8.60]

# { وأعدوا لهم } خطاب لكافة المؤمنين لما أن المأمور به من
~~وظائف الكل أي أعدوا لقتال الذين نبذ إليهم العهد وهيئوا لحرابهم كما
~~يقتضيه السباق أو لقتال الكفار على الإطلاق وهو الأولى كما يقتضيه ما
~~بعده { ما استطعتم من قوة } أي من كل ما يتقوى به في الحرب
~~كائنا ما كان، وأطلق عليه ms03644 القوة مبالغة، وإنما ذكر هذا لأنه لم يكن له
~~في بدر استعداد تام فنبهوا على أن النصر من غير استعداد لا يتأتى في كل
~~زمان، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير القوة بأنواع الأسلحة،
~~وقال عكرمة: هي الحصون والمعاقل. وفي رواية أخرى عنه أنها ذكور الخيل.
~~وأخرج أحمد ومسلم وخلق كثير عن عقبة بن عامر الجهني قال: «سمعت النبي
~~صلى الله عليه وسلم يقول / وهو على المنبر:

# " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي قالها ثلاثا "

# والظاهر العموم إلا أنه عليه الصلاة والسلام خص الرمي بالذكر لأنه أقوى
~~ما يتقوى بها فهو من قبيل قوله صلى الله عليه وسلم

# " الحج عرفة "

# وقد مدح عليه الصلاة والسلام الرمي وأمر بتعلمه في غير ما حديث، وجاء
~~عنه عليه الصلاة والسلام

# " كل شيء من لهو الدنيا باطل إلا ثلاثة انتضالك بقوسك وتأديبك فرسك
~~وملاعبتك أهلك فانها من الحق "

# وجاء في رواية أخرجها النسائي وغيره

# " كل شيء ليس من ذكر الله تعالى فهو لغو وسهو إلا أربع خصال مشي الرجل
~~بين الغرضين وتأديب فرسه وملاعبته أهله وتعليم السباحة "

# وجاء أيضا

# " انتضلوا واركبوا وأن تنتضلوا أحب إلي إن الله تعالى ليدخل بالسهم
~~الواحد ثلاثة الجنة صانعه محتسبا والمعين به والرامي به في سبيل الله
~~تعالى "

# وأنت تعلم أن الرمي بالنبال اليوم لا يصيب هدف القصد من العدو لأنهم
~~استعملوا الرمي بالبندي والمدافع ولا يكاد ينفع معهما نبل وإذا لم
~~يقابلوا بالمثل عم الداء العضال واشتد الوبال والنكال وملك البسيطة أهل
~~الكفر والضلال فالذي أراه والعلم عند الله تعالى تعين تلك المقابلة على
~~أئمة المسلمين وحماة الدين، ولعل فضل ذلك الرمي يثبت لهذا الرمي لقيامه
~~مقامه في الذب عن بيضة الإسلام ولا أرى ما فيه من النار للضرورة الداعية
~~إليه إلا سببا للفوز بالجنة إن شاء الله تعالى، ولا يبعد دخول مثل هذا
~~الرمي في عموم قوله سبحانه: { وأعدوا لهم ما استطعتم من
~~قوة }.

# { ومن رباط الخيل } الرباط قيل: اسم للخيل ms03645 التي تربط في سبيل
~~الله تعالى على أن فعال بمعنى مفعول أو مصدر سميت به يقال: ربط ربطا
~~ورباطا ورابط مرابطة ورباطا.

# واعترض بأنه يلزم على ذلك اضافة الشيء لنفسه. ورد بأن المراد أن الرباط
~~بمعنى المربوط مطلقا إلا أنه استعمل في الخيل وخص بها فالإضافة باعتبار
~~المفهوم الأصلي. وأجاب القطب بأن الرباط لفظ مشترك بين معاني الخيل
~~وانتظار الصلاة بعد الصلاة والإقامة على جهاد العدو بالحرب، ومصدر رابطت
~~أن لازمت فأضيف إلى أحد معانيه للبيان كما يقال: عين الشمس وعين الميزان،
~~قيل: ومنه يعلم أنه يجوز أضافة الشيء لنفسه إذا كان مشتركا، وإذا كانت
~~الإضافة من إضافة المطلق إلى المقيد فهي على معنى من التبعيضية، وجوز أن
~~يكون جمع ربيط كفصيل وفصال أو جمع ربط ككعب وكعاب وكلب وكلاب. وعن عكرمة
~~تفسيره بإناث الخيل وهو كتفسيره القوة بما سبق قريبا بعيد، وذكر ابن
~~المنير ((أن المطابق للرمي أن يكون الرباط على بابه مصدرا))، وعلى
~~تفسير القوة بالحصون يتم التناسب بينه وبين رباط الخيل لأن العرب سمت
~~الخيل حصونا وهي الحصون التي لا تحاصر كما في قوله:

# ولقد علمت على تجنبي الردا

# أن الحصون الخيل لا مدر القرى

# وقال:

# وحصني من الأحداث ظهر حصاني

# وقد جاء مدحها فيما لا يحصى من الأخبار وصح

# " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ".

# وأخرج أحمد عن معقل بن يسار والنسائي عن أنس لم يكن شيء أحب إلى رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم بعد النساء من الخيل. وميز صلى الله عليه وسلم
~~بعض أصنافها على بعض. فقد أخرج أبو عبيدة عن الشعبي في حديث رفعه

# " التمسوا الحوائج على الفرس الكميت الأرثم المحجل الثلاث المطلق اليد
~~اليمنى "

# وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم

# " يمن الخيل في شقرها "

# وأخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله
~~/ صلى الله عليه وسلم يكره الشكال من الخيل» واختلف في ms03646 تفسيره ففي
~~«النهاية» ((الشكال في الخيل أن تكون ثلاث قوائم [منه] محجلة وواحدة
~~مطلقة تشبيها بالشكال الذي يشكل به الخيل لأنه يكون في ثلاث قوائم
~~غالبا وقيل: هو أن تكون الواحدة محجلة والثلاث مطلقة، وقيل: هو أن تكون
~~إحدى يديه وإحدى رجليه من خلاف محجلتين، وإنما كرهه عليه الصلاة والسلام
~~تفاؤلا لأنه كالمشكول صورة، ويمكن أن يكون جرب ذلك الجنس فلم يكن فيه
~~نجابة، وقيل: إذا كان مع ذلك أغرب زالت الكراهة لزوال شبه الشكال))
~~انتهى.

# ولا يخفى عليك أن حديث الشعبي يشكل على القول الأول إلا أن يقال: إنه
~~يخصص عمومه وإن حديث التفاؤل غير ظاهر، والظاهر التشاؤم وقد جاء «إنما
~~الشؤم في ثلاث في الفرس والمرأة والدار» وحمله الطيبي على الكراهة التي
~~سببها ما في هذه الأشياء من مخالفة الشرع أو الطبع كما قيل شؤم الدار
~~ضيقها وسوء جيرانها وشؤم المرأة عقمها وسلاطة لسانها وشؤم الفرس أن لا
~~يغزى عليها، لكن قال الجلال السيوطي في «فتح المطلب المبرور»: ((إن حديث
~~التشاؤم بالمرأة والدار والفرس قد اختلف العلماء فيه هل هو على ظاهره أو
~~مؤول؟ والمختار أنه على ظاهره وهو ظاهر قول مالك)) انتهى.

# ولا يعارضه ما صح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ذكر الشؤم عند
~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام:

# " إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس "

# فإنه ليس نصا في استثناء نقيض المقدم وإن حمله عياض على ذلك لاحتمال أن
~~يكون على حد قوله صلى الله عليه وسلم:

# " قد كان فيمن قبلكم من الأمم محدثون فإن يكن في أمتى منهم أحد فإنه عمر
~~بن الخطاب "

# وقد ذكروا هناك أن التعليق للدلالة على التأكيد والاختصاص ونظيره في ذلك
~~إن كان لي صديق فهو زيد فإن قائله لا يريد به الشك في صداقة زيد بل
~~المبالغة في أن الصداقة مختصة به لا تتخطاه إلى غيره ولا محظور في اعتقاد
~~ذلك بعد اعتقاد أن المذكورات أمارات وأن الفاعل هو الله تبارك ms03647 وتعالى.
~~وقرأ الحسن { ومن رباط الخيل } بضم الباء وسكونها جمع رباط،
~~وعطف ما ذكر على القوة بناء على المعنى الأول لها للايذان بفضلها على
~~سائر أفرادها كعطف جبريل وميكال على الملائكة عليهم السلام.

# { ترهبون به } أي تخوفون به، وعن الراغب ((أن الرهبة والرهب
~~مخافة مع تحرز واضطراب)) وعن يعقوب أنه قرأ { ترهبون } بالتشديد.
~~وقرأ ابن عباس ومجاهد { تخزون } والضمير المجرور لما استطعتم أو
~~للاعداد وهو الأنسب، والجملة في محل النصب على الحالية من فاعل {
~~أعدوا } أي أعدوا مرهبين به، أو من الموصول كما قال أبو البقاء، أو
~~من عائدة المحذوف أي أعدوا ما استطعتموه مرهبا به، وفي الآية إشارة إلى
~~عدم تعين القتال لأنه قد يكون لضرب الجزية ونحوه مما يترتب على إرهاب
~~المسلمين بذلك { عدو الله } المخالفين لأمره سبحانه {
~~وعدوكم } المتربصين بكم الدوائر، والمراد بهم على ما ذكره جمع أهل
~~مكة وهم في الغاية القصوى من العداوة، وقيل: المراد هم وسائر كفار العرب
~~{ وءاخرين من دونهم } أي من غيرهم من الكفرة، وقال مجاهد: هم
~~بنو قريظة، وقال مقاتل وابن زيد: هم المنافقون، وقال السدي: هم أهل فارس.
~~وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر وجماعة عن
~~يزيد بن عبد الله بن غريب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~أنه قال:

# " هم الجن ولا يخبل الشيطان إنسانا في داره / فرس عتيق "

# وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضا، واختاره الطبري وإذا
~~صح الحديث لا ينبغي العدول عنه. وقوله سبحانه: { لا تعلمونهم }
~~أي لا تعرفونهم بأعيانهم { الله يعلمهم } لا غير في غاية الظهور
~~وله وجه على غير ذلك وإطلاق العلم على المعرفة شائع وهو المراد هنا كما
~~عرفت ولذا تعدى إلى مفعول واحد، وإطلاق العلم بمعنى المعرفة على الله
~~تعالى لا يضر. نعم منع الأكثر إطلاق المعرفة عليه سبحانه وجوزه البعض
~~بناء على إطلاق العارف عليه تعالى في «نهج البلاغة» وفيه بحث، وبالجملة
~~لا حاجة إلى القول بأن الإطلاق هنا للمشاكلة ms03648 لما قبله، وجوز أن يكون
~~العلم على أصله ومفعوله الثاني محذوف أي لا تعلمونهم معادين أو محاربين
~~لكم بل الله تعالى يعلمهم كذلك وهو تكلف، واختار بعضهم أن المعنى لا
~~تعلمونهم كما هم عليه من العداوة وقال: إنه الأنسب بما تفيده الجملة
~~الثانية من الحصر نظرا إلى تعليق المعرفة بالأعيان لأن أعيانهم معلومة
~~لغيره تعالى أيضا وهو مسلم نظرا إلى تفسيره، وأما الاحتياج إليه في
~~تفسير النبي صلى الله عليه وسلم ففيه تردد.

# { وما تنفقوا من شىء } جل أو قل { فى سبيل الله } وهي
~~وجوه الخير والطاعة ويدخل في ذلك النفقة في الإعداد السابق والجهاد
~~دخولا أوليا، وبعضهم خصص اعتبارا للمقام { يوف إليكم } أي
~~يؤدى بتمامه والمراد يؤدى إليكم جزاؤه فالكلام على تقدير المضاف أو
~~التجوز في الإسناد { وأنتم لا تظلمون } بترك الإثابة أو بنقص
~~الثواب، وفي التعبير عن ذلك بالظلم مع أن له سبحانه أن يفعل ما يشاء
~~للمبالغة كما مر.

### || [8.61]

# { وإن جنحوا } الجنوح الميل ومنه جناح الطائر لأنه يتحرك ويميل
~~ويعدى باللام وبإلى أي وإن مالوا { للسلم } أي الاستسلام والصلح.
~~وقرأ ابن عباس وأبو بكر بكسر السين وهو لغة { فاجنح لها } أي
~~للسلم، والتأنيث لحمله على ضده وهو الحرب فإنه مؤنث سماعي. وقال أبو
~~البقاء: إن السلم مؤنث ولم يذكر حديث الحمل وأنشدوا:

# السلم تأخذ منها ما رضيت به

# والحرب تكفيك من أنفاسها جرع

# وقرأ الأشهب العقيلي { فاجنح } بضم النون على أنه من جنح يجنح كقعد
~~يقعد وهي لغة قيس والفتح لغة تميم وهي الفصحى، والآية قيل مخصوصة بأهل
~~الكتاب فإنها كما قال مجاهد والسدي نزلت في بني قريظة وهي متصلة بقصتهم
~~بناء على أنهم المعنيون بقوله تعالى:

# الذين عهدت

# [الأنفال: 56] الخ، والضمير في

# وأعدوا لهم

# [الأنفال: 60] لهم، وقيل: هي عامة للكفار لكنها منسوخة بآية السيف لأن
~~مشركي العرب ليس لهم إلا الإسلام أو السيف بخلاف غيرهم فإنه تقبل منهم
~~الجزية، وروي القول بالنسخ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وصحح أن الأمر
~~فيمن تقبل منهم الجزية على ms03649 ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وأهله من حرب
~~أو سلم وليس بحتم أن يقاتلوا أبدا أو يجابوا إلى الهدنة أبدا، وادعى
~~بعضهم أنه لا يجوز للإمام أن يهادن أكثر من عشر سنين اقتداء برسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فإنه صالح أهل مكة هذه المدة ثم إنهم نقضوا قبل
~~انقضائها كما مر فتذكر، { وتوكل على الله } أي فوض أمرك إليه
~~سبحانه ولا تخف أن يظهروا لك السلم وجوانحهم مطوية على المكر والكيد {
~~أنه } جل شأنه { هو السميع } فيسمع ما يقولون في خلواتهم من
~~مقالات الخداع { العليم } فيعلم نياتهم / فيؤاخذهم بما يستحقونه ويرد
~~كيدهم في نحرهم.

### || [8.62]

# { وإن يريدوا أن يخدعوك } بإظهار السلم { فإن حسبك
~~الله } أي محسبك الله وكافيك وناصرك عليهم فلا تبال بهم، فحسب صفة
~~مشبهة بمعنى اسم الفاعل والكاف في محل جر كما نص عليه غير واحد وأنشدوا
~~لجرير:

# إني وجدت من المكارم حسبكم

# أن تلبسوا حر الثياب وتشبعوا

# وقال الزجاج: إنه اسم فعل بمعنى كفاك والكاف في محل نصب، وخطأه فيه أبو
~~حيان لدخول العوامل عليه وإعرابه في نحو بحسبك درهم ولا يكون اسم فعل
~~هكذا { هو } عز وجل { الذى أيدك بنصره } استئناف مسوق
~~لتعليل كفايته تعالى إياه صلى الله عليه وسلم فإن تأييده عليه الصلاة
~~والسلام فيما سلف على الوجه الذي سلف من دلائل تأييده صلى الله عليه وسلم
~~فيما سيأتي، أي هو الذي أيدك بإمداده من عنده بلا واسطة، أو بالملائكة مع
~~خرقه للعادات { وبالمؤمنين } من المهاجرين والأنصار على ما هو
~~المتبادر. وعن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه والنعمان بن بشير وابن عباس
~~والسدي أنهم الأنصار رضي الله تعالى عنهم.

### || [8.63]

# { وألف بين قلوبهم } مع ما جبلوا عليه كسائر العرب من
~~الحمية والعصبية والانطواء على الضغينة والتهالك على الانتقام بحيث لا
~~يكاد يأتلف فيهم قلبان حتى صاروا بتوفيقه تعالى كنفس واحدة. وقيل: إن
~~الأنصار وهم الأوس والخزرج كان بينهم من الحروب ما أهلك ساداتهم ودق
~~جماجمهم ولم يكن لبغضائهم أمد وبينهم التجاور الذي ms03650 يهيج الضغائن ويديم
~~التحاسد والتنافس فأنساهم الله تعالى ما كان بينهم فاتفقوا على الطاعة
~~وتصافوا وصاروا أنصارا وعادوا أعوانا وما ذاك إلا بلطيف صنعه تعالى
~~وبليغ قدرته جل وعلا. واعترض هذا القول بأنه ليس في السياق قرينة عليه.
~~وأجيب بأن كون المؤمنين مؤيدا بهم يشعر بكونهم أنصارا ولا يخفى ضعفه
~~ولا تجد له أنصارا، وبالجملة ما وقع من التأليف من أبهر معجزاته عليه
~~الصلاة والسلام.

# { لو أنفقت ما فى الأرض جميعا } أي لتأليف ما بينهم {
~~ما ألفت بين قلوبهم } لتناهي عداوتهم وقوة أسبابها،
~~والجملة استئناف مقرر لما قبله ومبين لعزة المطلب وصعوبة المأخذ، والخطاب
~~لكل واقف عليه لأنه لا مبالغة في انتفاء ذلك من منفق معين، وذكر القلوب
~~للإشعار بأن التأليف بينها لا يتسنى وإن أمكن التأليف ظاهرا {
~~ولكن الله } جلت قدرته { ألف بينهم } قلبا وقالبا
~~بقدرته البالغة { إنه عزيز } كامل القدرة والغلبة لا يستعصى عليه
~~سبحانه شيء مما يريد { حكيم } يعلم ما يليق تعلق الإرادة به فيوجده
~~بمقتضى حكمته عز وجل، ومن آثار عزته سبحانه تصرفه بالقلوب الأبية
~~المملوءة من الحمية الجاهلية، ومن آثار حكمته تدبير أمورهم على وجه أحدث
~~فيهم التواد والتحاب فاجتمعت كلمتهم، وصاروا جميعا كنانة رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم الذابين عنه بقوس واحدة، والجملة على ما قال الطيبي
~~كالتعليل للتأليف.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { واعلموا أنما غنمتم من
~~شيء } إلى قوله سبحانه:

# والله شديد العقاب

# [الأنفال: 41-48] طبقه بعض العارفين على ما في الأنفس فقال: {
~~واعلموا } أي أيها القوى الروحانية { أنما غنمتم من شيء
~~} من العلوم النافعة { فأن لله خمسه } وهي كلمة التوحيد التي
~~هي الأساس الأعظم للدين { وللرسول } الخاص وهو القلب { ولذي
~~القربى } الذي هو السر { واليتمى } من القوة النظرية
~~والعملية { والمسكين } من القوى/ النفسانية { وابن السبيل
~~} الذي هو النفس السالكة الداخلة في الغربة السائحة في منازل السلوك
~~النائية عن مقرها الأصلي باعتبار التوحيد التفصيلي والأخماس الأربعة
~~الباقية بعد هذا الخمس من الغنمية تقسم على الجوارح والأركان والقوى
~~الطبيعية { إن كنتم ms03651 آمنتم بالله } تعالى الإيمان الحقيقي
~~جمعا { وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان } وقت
~~التفرقة بعد الجمع تفصيلا { يوم التقى الجمعان } من فريقي
~~القوى الروحانية والنفسانية عند الرجوع إلى مشاهدة التفصيل في الجمع

# والله على كل شيء قدير

# [الأنفال: 41] فيتصرف فيه حسب مشيئته وحكمته { إذ أنتم
~~بالعدوة الدنيا } أي القريبة من مدينة العلم ومحل العقل
~~الفرقاني { وهم بالعدوة القصوى } أي البعيدة من الحق {
~~والركب } أي ركب القوى الطبيعية الممتارة { أسفل منكم } معشر
~~الفريقين { ولو تواعدتم } اللقاء للمحاربة من طريق العقل دون
~~طريق الرياضة { لاختلفتم في الميعد } لكون ذلك أصعب من خرط
~~القتاد { ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا }
~~مقدرا محققا فعل ذلك { ليهلك من هلك عن بينة } وهي
~~النفس الملازمة للبدن الواجب الفناء

# ويحيى من حي عن بينة

# [الأنفال: 42] وهي الروح المجردة المتصلة بعالم القدس الذي هو معدن
~~الحياة الحقيقية الدائم البقاء، وبينة الأول تلك الملازمة وبينة الثاني
~~ذلك التجرد والاتصال { إذ يريكهم الله } أيها القلب { في
~~منامك } وهو وقت تعطل الحواس الظاهرة وهدوء القوى البدنية { قليلا
~~} أي قليل القدر ضعاف الحال { ولو أراكهم كثيرا } في حال غلبة
~~صفات النفس { لفشلتم ولتنزعتم فى الأمر } أمر كسرها
~~وقهرها لانجذاب كل منكم إلى جهة { ولكن الله سلم } من
~~الفشل والتنازع بتأييده وعصمته

# إنه عليم بذات الصدور

# [الأنفال: 43] أي بحقيقتها فيثبت علمه بما فيها من باب الأولى { ولا
~~تكونوا كالذين خرجوا من ديرهم } وهم القوى النفسانية
~~خرجوا من مقارهم وحدودهم { بطرا } فخرا وأشرا { ورئاء الناس }
~~وإظهارا للجلادة. وقال بعضهم: حذر الله تعالى بهذه الآية أولياءه عن
~~مشابهة أعدائه في رؤية غيره سبحانه

# ويصدون عن سبيل الله

# [الأنفال: 47] وهو التوحيد والمعرفة { وإذ زين لهم
~~الشيطن } أي شيطان الوهم { أعملهم } في التغلب على مملكة
~~القلب وقواه { وقال لا غالب لكم اليوم من الناس }
~~أوهمهم تحقيق أمنيتهم بأن لا غالب لكم من ناس الحواس وكذا سائر القوى {
~~وإني جار لكم } أمدكم وأقويكم وأمنعكم من ناس القوى الروحانية {
~~فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه } لشعوره بحال
~~القوى الروحانية ms03652 وغلبتها لمناسبته إياها من حيثية إدراك المعاني {
~~وقال إني بريء منكم } لأني لست من جنسكم {  أرى ما
~~لا ترون } من المعاني ووصول المدد إليهم من سماء الروح وملكوت عالم
~~القدس {  أخاف الله } سبحانه لشعور ببعض أنواره وقهره، وذكر
~~الواسطي بناء على أن المراد من الشيطان الظاهر، أن اللعين ترك ذنب
~~الوسوسة إذ ذاك لكن ترك الذنب إنما يكون حسنا إذا كان إجلالا وحياء من
~~الله تعالى لا خوفا من البطش فقط وهو لم يخف إلا كذلك

# والله شديد العقاب

# [الأنفال: 48] إذ صفاته الذاتية والفعلية في غاية الكمال اه بأدنى
~~تغيير وزيادة. وذكر أن الفائدة في مثل هذا التأويل تصوير طريق السلوك
~~للتنشيط في الترقي والعروج { ولو ترى إذ يتوفى الذين
~~كفروا } وهم الذين غلبت عليهم صفات النفس { الملئكة } أي
~~ملائكة القهر والعذاب { يضربون وجوههم } لإعراضهم عن عالم
~~الأنوار ومزيد الكبر والعجب { وأدبرهم } لميلهم إلى عالم
~~الطبيعة ومضاعف الشهوة والحرص { و } يقولون لهم

# ذوقوا عذاب الحريق

# [الأنفال: 50] وهو عذاب الحرمان وفوات المقصود

# ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها
~~على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

# [الأنفال: 53] أي حتى يفسدوا استعدادهم فلا تبقى لهم مناسبة للخير
~~وحينئذ يغير سبحانه النعمة / إلى النقمة لطلبهم إياها بلسان الاستعداد
~~وإلا فالله تعالى أكرم من أن يسلب نعمة شخص مع بقاء استحقاقها فيه. {
~~إن شر الدواب عند الله الذين كفروا } لجهلهم
~~بربهم وعصيانهم له دون سائر الدواب

# فهم لا يؤمنون

# [الأنفال: 50] لغلبة شقاوتهم ومزيد عتوهم وغيهم { الذين عهدت
~~منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة } من مرات
~~المعاهدة لأن ذلك شنشنة فيهم مع مولاهم، ألا ترى كيف نقضوا عهد التوحيد
~~الذي أخذ منهم في منزل

# ألست بربكم

# [الأعراف: 172]

# وهم لا يتقون

# [الأنفال: 56] العار ولا النار

# وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة

# [الأنفال: 60] قال أبو علي الروزباري: القوة هي الثقة بالله تعالى، وقال
~~بعضهم: هي الرمي بسهام التوجه إلى الله تعالى عن قسي الخضوع والاستكانة {
~~هو الذى أيدك بنصره } الذي لم يعهد مثله

# وبالمؤمنين

# [الأنفال: 62] { وألف ms03653 بين قلوبهم } بجذبها إليه تعالى
~~وتخليصها مما يوجب العداوة والبغضاء، أو لكشفه سبحانه لها عن حجب الغيب
~~حتى تعارفوا فيه والأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها
~~اختلف { لو أنفقت ما فى الأرض جميعا ما ألفت بين
~~قلوبهم } لصعوبة الأمر وكثافة الحجاب

# ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم

# [الأنفال: 63] والتأليف من آثار ذلك والله تعالى الهادي إلى سواء
~~السبيل.

### || [8.64]

# { يأيها النبي } شروع في بيان كفايته تعالى إياه عليه الصلاة
~~والسلام في جميع أموره وحده أو مع أمور المؤمنين أو في الأمور المتعلقة
~~بالكفار كافة إثر بيان الكفاية في مادة خاصة؛ وتصدير الجملة بحرفي النداء
~~والتنبيه للنداء والتنبيه على الاعتناء بمضمونها، وإيراده عليه الصلاة
~~والسلام بعنوان النبوة للإشعار بعلية الحكم كأنه قيل: يا أيها النبي {
~~حسبك الله } أي كافيك في جميع أمورك أو فيما بينك وبين الكفرة من
~~الحراب لنبوتك.

# { ومن اتبعك من المؤمنين } قال الزجاج: في محل النصب
~~على المفعول معه كقوله على بعض الروايات:

# فحسبك والضحاك سيف مهند

# إذا كانت الهيجاء واشتجر القنا

# وتعقبه أبو حيان بأنه مخالف لكلام سيبويه فإنه جعل زيدا في قولهم: حسبك
~~وزيدا درهم منصوبا بفعل مقدر أي وكفى زيدا درهم وهو من عطف الجمل عنده
~~انتهى، وأنت تعلم أن سيبويه كما قال ابن تيمية لأبي حيان لما احتج عليه
~~بكلامه حين أنشد له قصيدة فغلطه فيها ليس نبي النحو فيجب اتباعه، وقال
~~الفراء: إنه يقدر نصبه على موضع الكاف، واختاره ابن عطية، وورده السفاقسي
~~بأن إضافته حقيقية لا لفظية فلا محل له اللهم إلا أن يكون من عطف التوهم
~~وفيه ما فيه. وجوز أن يكون في محل الجر عطفا على الضمير المجرور وهو
~~جائز عند الكوفيين بدون إعادة الجار ومنعه البصريون بدون ذلك لأنه كجزء
~~الكلمة فلا يعطف عليه، وأن يكون في محل رفع إما على أنه مبتدأ والخبر
~~محذوف أي ومن اتبعك من المؤمنين كذلك أي حسبهم الله تعالى، وإما على أنه
~~خبر مبتدأ محذوف أي وحسبك من ms03654 اتبعك، وإما على أنه عطف على الاسم الجليل
~~واختاره الكسائي وغيره. وضعف بأن الواو للجمع ولا يحسن ههنا كما لم يحسن
~~في «ما شاء الله تعالى وشئت» والحسن فيه ثم وفي الأخبار ما يدل عليه
~~اللهم إلا أن يقال بالفرق بين وقوع ذلك منه تعالى وبين وقوعه منا. والآية
~~على ما روي عن الكلبي نزلت في البيداء في غزوة بدر قبل القتال، والظاهر
~~شمولها للمهاجرين والأنصار. وعن الزهري أنها نزلت في الأنصار. وأخرج
~~الطبراني وغيره عن ابن عباس وابن المنذر عن ابن جبير وأبو الشيخ عن ابن
~~المسيب أنها نزلت يوم أسلم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مكملا
~~أربعين مسلما ذكورا وإناثا هن ست وحينئذ تكون مكية. / و { من }
~~يحتمل أن تكون بيانية وأن تكون تبعيضية وذلك للاختلاف في المراد
~~بالموصول.

### || [8.65]

# { يأيها النبى حرض المؤمنين على القتال }
~~بعد أن بين سبحانه الكفاية أمر جل شأنه نبيه صلى الله عليه وسلم بترتيب
~~بعض مباديها، وتكرير الخطاب على الوجه المذكور لإظهار كمال الاعتناء بشأن
~~المأمور به، والتحريض الحث على الشيء. وقال الزجاج: هو في اللغة أن يحث
~~الإنسان على شيء حتى يعلم منه أنه حارض أي مقارب للهلاك، وعلى هذا فهو
~~للمبالغة في الحث، وزعم في «الدر المصون» أن ذلك مستبعد من الزجاج، والحق
~~معه، ويؤيده ما قاله الراغب من أن ((الحرض يقال لما أشرف على الهلاك
~~والتحريض الحث على الشيء بكثرة التزيين وتسهيل الخطب فيه كأنه في الأصل
~~إزالة الحرض نحو قذيته أزلت عنه القذى ويقال: أحرضته إذا أفسدته نحو
~~أقذيته إذا جعلت فيه القذى))، فالمعنى هنا يا أيها النبي بالغ في حث
~~المؤمنين على قتال الكفار. وجوز أن يكون من تحريض الشخص وهو أن يسميه
~~حرضا ويقال له: ما أراك إلا حرضا في هذا الأمر ومحرضا فيه، ونحوه
~~فسقته أي سميته فاسقا، فالمعنى سمهم حرضا وهو من باب التهييج والإلهاب،
~~والمعنى الأول هو الظاهر. وقرىء { حرص } بالصاد المهملة من الحرص وهو
~~واضح.

# { إن يكن منكم عشرون صبرون ms03655 يغلبوا مائتين
~~وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا } شرط في معنى الأمر
~~بمصابرة الواحد العشرة والوعد بأنهم إن صبروا غلبوا بعون الله تعالى
~~وتأييده، فالجملة خبرية لفظا إنشائية معنى، والمراد ليصبرن الواحد لعشرة
~~وليست بخبر محض، وجعلها الزمخشري عدة من الله تعالى وبشارة وهو ظاهر في
~~كونها خبرية، والآية كما ستعلم قريبا إن شاء الله تعالى منسوخة، والنسخ
~~في الخبر فيه كلام في الأصول، على أنه قد ذكر الإمام أنه لو كان الكلام
~~خبرا لزم أن لا يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين ومعلوم أنه
~~ليس كذلك، والاعتراض عليه بأن التعليق الشرطي يكفي فيه ترتب الجزاء على
~~الشرط في بعض الأزمان لا في كلها ليس بشيء كما بينه الشهاب، وذكر الشرطية
~~الثانية مع انفهام مضمونها مما قبلها للدلالة على أن الحال مع القلة
~~والكثرة واحدة لا تتفاوت لأن الحال قد تتفاوت بين مقاومة العشرين
~~المائتين والمائة الألف وكذا يقال فيما يأتي. و { يكن } يحتمل أن يكون
~~تاما والمرفوع فاعله و { منكم } حال منه أو متعلق بالفعل ويحتمل أن
~~يكون ناقصا والمرفوع اسمه و { منكم } خبره.

# وقوله تعالى: { من الذين كفروا } بيان للألف، وقوله سبحانه:
~~{ بأنهم قوم لا يفقهون } متعلق بيغلبوا أي بسبب أنهم قوم
~~جهلة بالله تعالى وباليوم الآخر لا يقاتلون احتسابا وامتثالا لأمر الله
~~تعالى وإعلاء لكلمته وابتغاء لرضوانه كما يفعل المؤمنون وإنما يقاتلون
~~للحمية الجاهلية واتباع خطوات الشيطان وإثارة ثائرة البغي والعدوان فلا
~~يستحقون إلا القهر والخذلان، وقال بعضهم: وجه التعليل بما ذكر أن من لا
~~يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر لا يؤمن بالمعاد والسعادة عنده ليست إلا
~~هذه الحياة الدنيا فيشح بها ولا يعرضها للزوال بمزاولة الحروب واقتحام
~~موارد الخطوب فيميل إلى ما فيه السلامة فيفر فيغلب، وأما من اعتقد أن لا
~~سعادة في هذه الحياة الفانية وإنما السعادة هي الحياة الباقية فلا يبالي
~~بهذه الحياة الدنيا / ولا يلتفت إليها فيقدم على الجهاد بقلب قوي وعزم
~~صحيح فيقوم الواحد من مثله مقام الكثير انتهى.

# وتعقب ms03656 بأنه كلام حق لكنه لا يلائم المقام.

### || [8.66]

# { الئن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا
~~فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن
~~يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله } أخرج
~~البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما نزلت

# إن يكن منكم عشرون

# [الأنفال: 65] الخ شق ذلك على المسلمين إذ فرض عليهم أن لا يفر واحد من
~~عشرة فجاء التخفيف، وكان ذلك كما قيل بعد مدة، وقيل: كان فيهم قلة في
~~الابتداء ثم لما كثروا بعد نزل التخفيف وهل يعد ذلك نسخا أم لا؟ قولان
~~اختار مكي الثاني منهما وقال: إن الآية مخففة؛ ونظير ذلك التخفيف على
~~المسافر بالفطر، وذهب الجمهور إلى الأول وقالوا: إن الآية ناسخة وثمرة
~~الخلاف قيل تظهر فيما إذا قاتل واحد عشرة فقتل هل يأثم أم لا فعلى الأول
~~لا يأثم وعلى الثاني يأثم، والضعف الطارىء بعد عدم القوة البدنية على
~~الحرب لأنه قد صار فيهم الشيخ والعاجز ونحوهما وكانوا قبل ذلك طائفة
~~منحصرة معلومة قوتهم وجلادتهم أو ضعف البصيرة والاستقامة وتفويض النصر
~~إلى الله تعالى إذ حدث فيهم قوم حديثو عهد بالإسلام ليس لهم ما للمتقدمين
~~من ذلك، وذكر بعضهم في بيان كون الكثرة سببا للضعف أن بها يضعف الاعتماد
~~على الله تعالى والتوكل عليه سبحانه ويقوى جانب الاعتماد على الكثرة كما
~~في حنين والأول هو الموجب للقوة كما يرشد إليه وقعة بدر، ومن هنا قال
~~النصراباذي: إن هذا التخفيف كان للأمة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فإنه الذي يقول بك أصول وبك أحول، وتقييد التخفيف بالآن ظاهر وأما تقييد
~~علم الله تعالى به فباعتبار تعلقه، وقد قالوا: إن له تعلقا بالشيء قبل
~~الوقوع وحال الوقوع وبعده وقال الطيبي: المعنى الآن خفف الله تعالى عنكم
~~لما ظهر متعلق علمه أي كثرتكم التي هي موجب ضعفكم بعد ظهور قلتكم وقوتكم.
~~وقرأ أكثر القراء { ضعفا } بضم الضاد وهي لغة فيه كالفقر والمكث. ونقل عن
~~الخليل أن الضعف بالفتح ما في ms03657 الرأي والعقل وبالضم ما في البدن. وقرأ أبو
~~جعفر { ضعفاء } جمع ضعيف، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر يكن المسند إلى
~~المائة في الآيتين بالتاء اعتبارا للتأنيث اللفظي، ووافقهم أبو عمرو
~~ويعقوب في يكن في الآية الثانية لقوة التأنيث بالوصف بصابرة المؤنث وأما

# إن يكن منكم عشرون

# [الأنفال: 65] فالجميع على التذكير فيه. نعم روي عن الأعرج أنه قرأ
~~بالتأنيث.

# { والله مع الصبرين } تذييل مقرر لمضمون ما قبله، وفي النظم
~~الكريم صنعة الاحتباك قال في «البحر»: ((انظر إلى فصاحة هذا الكلام حيث
~~أثبت قيدا في الجملة الأولى وهو

# صابرون

# [الأنفال: 65] وحذف نظيره من الثانية وأثبت قيدا في الثانية وهو

# من الذين كفروا

# [الأنفال: 65] وحذفه من الأولى ولما كان الصبر شديد المطلوبية أثبت في
~~[أولى] جملتي التخفيف وحذف من الثانية لدلالة السابقة عليه ثم ختم الآية
~~بقوله سبحانه: { والله مع الصبرين } مبالغة في شدة
~~المطلوبية ولم يأت في جملتي التخفيف بقيد الكفر اكتفاء بما قبله))
~~انتهى. وذكر الشهاب أنه بقي عليه أنه سبحانه ذكر في التخفيف بإذن الله
~~وهو قيد لهما وأن قوله تعالى: { والله مع الصبرين } إشارة
~~إلى تأييدهم وأنهم منصورون حتما لأن من كان الله تعالى معه لا يغلب،
~~وأنا أقول: لا يبعد أن يكون في قوله تعالى: { والله مع
~~الصبرين } تحريض لهم على الصبر بالإشارة إلى أن أعداءهم إن صبروا
~~كان الله تعالى معهم فأمدهم ونصرهم، وبقي في هذا الكلام الجليل لطائف غير
~~ما ذكر فلله تعالى در التنزيل ما أعذب ماء فصاحته وأنضر رونق بلاغته.

### || [8.67]

# { ما كان لنبي } قرأ أبو الدرداء وأبو حيوة { للنبي }
~~بالتعريف والمراد به نبينا / صلى الله عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام
~~المراد أيضا على قراءة الجمهور عند البعض، وإنما عبر بذلك تلطفا به صلى
~~الله عليه وسلم حتى لا يوجه بالعتاب، ولذا قيل: إن ذاك على تقدير مضاف أي
~~لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى الآتي: { تريدون
~~} ولو قصد بخصوصه عليه الصلاة والسلام لقيل: تريد، ولأن الأمور الواقعة
~~في ms03658 القصة صدرت منهم لا منه صلى الله عليه وسلم وفيه نظر ظاهر، والظاهر أن
~~المراد على قراءة الجمهور العموم ولا يبعد اعتباره على القراءة الأخرى
~~أيضا وهو أبلغ لما فيه من بيان أن ما يذكر سنة مطردة فيما بين الأنبياء
~~عليهم السلام، أي ما صح وما استقام لنبي من الأنبياء عليهم الصلاة
~~والسلام { أن يكون له أسرى }. قرأ أبو عمرو ويعقوب { تكون }
~~بالتاء الفوقية اعتبارا لتأنيث الجمع، وعن أبي جعفر أنه قرأ أيضا {
~~أسارى } قال أبو علي: وقراءة الجماعة أقيس لأن أسيرا فعيل بمعنى مفعول،
~~والمطرد فيه جمعه على فعلى كجريح وجرحى وقتيل وقتلى، ولذا قالوا في جمعه
~~على أسارى: إنه على تشبيه فعيل بفعلان ككسلان وكسالى، وهذا كما قالوا
~~كسلى تشبيها لفعلان بفعيل ونسب ذلك إلى الخليل، وقال الأزهري: إنه جمع
~~أسرى فيكون جمع الجمع، واختار ذلك الزجاج وقال: إن فعلى جمع لكل من أصيب
~~في بدنه أو في عقله كمريض ومرضى وأحمق وحمقى { حتى يثخن في
~~الأرض } أي يبالغ في القتل ويكثر منه حتى يذل الكفر ويقل حزبه ويعز
~~الإسلام ويستولي أهله، وأصل معنى الثخانة الغلظ والكثافة في الأجسام ثم
~~استعير للمبالغة في القتل والجراحة لأنها لمنعها من الحركة صيرته كالثخين
~~الذي لا يسيل، وقيل: إن الاستعارة مبنية على تشبيه المبالغة المذكورة
~~بالثخانة في أن في كل منهما شدة في الجملة، وذكر { في الأرض }
~~للتعميم، وقرىء { يثخن } بالتشديد للمبالغة في المبالغة.

# { تريدون عرض الدنيا } استئناف مسوق للعتاب، والعرض ما لا
~~ثبات له ولو جسما. وفي الحديث

# " الدنيا عرض حاضر "

# أي لا ثبات لها، ومنه استعاروا العرض المقابل للجوهر، أي تريدون حطام
~~الدنيا بأخذكم الفدية، وقرىء { يريدون } بالياء، والظاهر أن ضمير الجمع
~~لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم { والله يريد الأخرة }
~~أي يريد لكم ثواب الآخرة أو سبب نيل الآخرة من الطاعة بإعزاز دينه وقمع
~~أعدائه، فالكلام على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وذكر نيل في
~~الاحتمال الثاني قيل: للتوضيح لا لتقدير مضافين، والإرادة هنا بمعنى
~~الرضا، ms03659 وعبر بذلك للمشاكلة فلا حجة في الآية على عدم وقوع مراد الله
~~تعالى كما يزعمه المعتزلة، وزيادة لكم لأنه المراد، وقرأ سليمان بن جماز
~~المدني { الأخرة } بالجر وخرجت على حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه
~~على جره، وقدره أبو البقاء عرض الآخرة وهو من باب المشاكلة وإلا فلا يحسن
~~لأن أمور الآخرة مستمرة، ولو قيل: إن المضاف المحذوف على القراءة الأولى
~~ذلك لذلك أيضا لم يبعد، وقدر بعضهم هنا كما قدرنا هناك من الثواب أو
~~السبب، ونظير ما ذكر قوله:

# أكل امرىء تحسبين أمرأ

# ونار توقد في الليل نارا

# في رواية من جرنار الأولى، وأبو الحسن يحمله على العطف على معمولي
~~عاملين مختلفين.

# { والله عزيز } يغلب أولياءه على أعدائه { حكيم } يعلم ما
~~يليق بكل حال ويخصه بها كما أمر بالإثخان ونهى عن أخذ الفدية حيث كان
~~الإسلام غضا وشوكة أعدائه قوية، وخير بينه وبين المن بقوله تعالى:

# فإما منا بعد وإما فداء

# [محمد: 4] لما تحولت الحال واستغلظ زرع الإسلام واستقام على سوقه. /
~~أخرج أحمد والترمذي وحسنه والطبراني. والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي
~~الله تعالى عنه قال: «لما كان يوم بدر جىء بالأسارى وفيهم العباس فقال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر
~~رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم لعل الله تعالى أن
~~يتوب عليهم، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك
~~وقاتلوك قدمهم فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى
~~عنه: يا رسول الله انظر واديا كثير الحطب فاضرمه عليهم نارا. فقال
~~العباس وهو يسمع ما يقول: قطعت رحمك، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ولم
~~يرد عليهم شيئا، فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال أناس: يأخذ بقول
~~عمر، وقال أناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة فخرج رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فقال:

# " إن الله تعالى ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله
~~سبحانه ليشدد قلوب ms03660 رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، مثلك يا أبا بكر
~~مثل إبراهيم عليه السلام قال: { فمن تبعنى فإنه منى ومن
~~عصانى فإنك غفور رحيم } [إبراهيم: 36] ومثلك يا أبا بكر
~~مثل عيسى عليه السلام قال: { إن تعذبهم فإنهم عبادك
~~وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم }
~~[المائدة: 118] ومثلك يا عمر كمثل موسى عليه السلام إذا قال: { ربنا
~~اطمس على أمولهم واشدد على قلوبهم فلا
~~يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم } [يونس: 88] ومثلك
~~يا عمر مثل نوح إذ قال: { رب لا تذر على الارض من
~~الكفرين ديارا } [نوح: 26] أنتم عالة فلا يفلتن أحد إلا بفداء
~~أو ضرب عنق، فقال عبد الله رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله إلا سهيل بن
~~بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما
~~رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم
~~حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا سهيل بن بيضاء ".

# وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:

# " قال عمر رضي الله تعالى عنه: فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما
~~قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء، فلما كان الغد جئت فإذا
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدان يبكيان قلت: يا رسول الله
~~أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت
~~لبكائكما؟ فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: أبكي على أصحابك في أخذهم
~~الفداء ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه صلى
~~الله عليه وسلم "

# واستدل بالآية على أن الأنبياء عليهم السلام قد يجتهدون وأنه قد يكون
~~الوحي على خلافه ولا يقرون على الخطأ، وتعقب بأنها إنما تدل على ذلك لو
~~لم يقدر في { ما كان لنبي } لأصحاب نبي ولا يخفى أن ذلك خلاف
~~الظاهر مع أن الإذن لهم فيما اجتهدوا فيه اجتهاد منه عليه الصلاة والسلام
~~إذ لا يمكن أن يكون تقليدا ms03661 لأنه لا يجوز له التقليد، وأما أنها إنما تدل
~~على اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم لا اجتهاد غيره من الأنبياء عليهم
~~السلام فغير وارد لأنه إذا جاز له عليه الصلاة والسلام جاز لغيره بالطريق
~~الأولى، وتمام البحث في «كتب الأصول»، لكن بقي ههنا شيء وهو أنه قد جاء
~~«من اجتهد وأخطأ فله أجر ومن اجتهد وأصاب فله أجران إلى عشرة أجور» فهل
~~بين ما يقتضيه الخبر من ثبوت الأجر الواحد للمجتهد المخطىء وبين عتابه
~~على ما يقع منه منافاة أم لا؟ لم أر من تعرض لتحقيق ذلك، وإذا قيل:
~~بالأول لا يتم الاستدلال بالآية كما لا يخفى.

### || [8.68]

# { لولا كتب من الله سبق } قيل: أي لولا حكم منه تعالى
~~سبق إثباته في اللوح المحفوظ وهو أن لا يعذب قوما قبل تقديم ما يبين لهم
~~أمرا أو نهيا، وروى ذلك / الطبراني في «الأوسط » وجماعة عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما، ورواه أبو الشيخ عن مجاهد أو المخطىء في مثل هذا
~~الاجتهاد، وقيل: هو أن لا يعذبهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أو
~~أن لا يعذب أهل بدر رضي الله تعالى عنهم، فقد روى الشيخان وغيرهما

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله تعالى عنه في قصة
~~حاطب وكان قد شهد بدرا: وما يدريك لعل الله تعالى اطلع على أهل بدر
~~وقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم "

# وقريب من هذا ما روي عن مجاهد أيضا وابن جبير وزعم أن هذا قول بسقوط
~~التكليف لا يصدر إلا عمن سقط عنه التكليف، والعجب من الإمام الرازي كيف
~~تفوه به لأن المراد أن من حضر بدرا من المؤمنين يوفقه الله تعالى لطاعته
~~ويغفر له الذنب لو صدر منه ويثبته على الإيمان الذي ملأ به صدره إلى
~~الموافاة لعظم شأن تلك الوقعة إذ هي أول وقعة أعز الله تعالى بها الإسلام
~~وفاتحة للفتوح والنصر من الله عز وجل، وليس الأمر في الحديث على حقيقته
~~كما لا يخفى، ms03662 وقيل: هو أن الفدية التي أخذوها ستصير حلالا لهم. واعترض
~~بأن هذا لا يصلح أن يعد من موانع مساس العذاب فإن الحل اللاحق لا يرفع
~~حكم الحرمة السابقة كما أن الحرمة اللاحقة كما في الخمر مثلا لا ترفع
~~حكم الإباحة السابقة، على أنه قادح في تهويل ما نعى عليهم من أخذ الفداء
~~كما يدل عليه قوله سبحانه: { لمسكم } أي لأصابكم { فيما
~~أخذتم } أي لأجل أخذكم أو الذي أخذتموه من الفداء { عذاب عظيم
~~} لا يقادر قدره.

# وأجيب بأنه لا مانع من اعتبار كونها ستحل سببا للعفو ومانعا عن وقوع
~~العذاب الدنيوي المراد بما في الآية وإن لم يعتبر في وقت من الأوقات كون
~~المباح سيحرم سببا للانتقام ومانعا من العفو تغليبا لجانب الرحمة على
~~الجانب الآخر، وحاصل المعنى أن ما فعلتم أمر عظيم في نفسه مستوجب للعذاب
~~العظيم لكن الذي تسبب العفو عنه ومنع ترتب العذاب عليه إني سأحله قريبا
~~لكم، ومثل ذلك نظرا إلى رحمتي التي سبقت غضبي يصير سببا للعفو ومانعا
~~عن العذاب، وكأن الداعي لتكلف هذا الجواب أن ما ذكر أخرجه ابن أبي حاتم
~~وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأخرجاهما والبيهقي وابن
~~جرير وابن المنذر وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضا، ولا
~~يبعد عندي أن يكون المانع من مساس العذاب كل ما تقدم، وفي ذلك تهويل لما
~~نعى عليهم حيث منع من ترتب مساس العذاب عليه موانع جمة ولولا تلك الموانع
~~الجمة لترتب، وتعدد موانع شيء واحد جائز وليس كتعدد العلل واجتماعها على
~~معلول واحد شخصي كما بين في موضعه، وبهذا يجمع بين الروايات المختلفة عن
~~الحبر في بيان هذا الكتاب، وذلك بأن يكون في كل مرة ذكر أمرا واحدا من
~~تلك الأمور، والتنصيص على الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه وليس في
~~شيء من الروايات ما يدل على الحصر فافهم، وقال بعضهم: إن المعنى لولا حكم
~~الله تعالى بغلبتكم ونصركم لمسكم عذاب عظيم من أعدائكم بغلبتهم لكم
~~وتسليطهم ms03663 عليكم يقتلون ويأسرون وينهبون وفيه نظر، لأنه إن أريد بهذه
~~الغلبة المفروضة الغلبة في بدر فالأخذ الذي هو سببها إنما وقع بعد انقضاء
~~الحرب، وحينئذ يكون مآل المعنى لولا حكم الله تعالى بغلبتكم لغلبكم
~~الكفار قبل بسبب ما فعلتم بعد وهو كما ترى، وإن أريد الغلبة بعد ذلك فهي
~~قد مست القوم في أحد فإن أعداءهم قد قتلوا منهم سبعين عدد الأسرى وكان ما
~~كان؛ فلا يصح نفي المس حينئذ.

# نعم أخرج ابن جرير عن محمد بن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
~~عند نزول هذه الآية:

# " لو أنزل من السماء عذاب لما نجا منه غير عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ
~~لقوله: كان الأثخان في القتل أحب إلي "

# وأخرجه ابن مردويه عن ابن عمر لكن لم يذكر فيه سعد بن معاذ وذلك يدل على
~~أن المراد / بالعذاب عذاب الدنيا غير القتل مما لم يعهد لمكان نزل من
~~السماء، وحينئذ لا يرد أنه استشهد منهم بعدتهم لأن الشهادة لا تعد
~~عذابا، لكن هذا لا ينفع ذلك القائل لأنه لم يفسر العذاب إلا بالغلبة وهي
~~صادقة في مادة الشهادة.

### || [8.69]

# { فكلوا مما غنمتم } قال محي السنة: روي أنه لما نزلت الآية
~~الأولى كف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أيديهم عما أخذوا من
~~الفداء فنزلت هذه الآية، فالمراد مما غنمتم إما الفدية وإما مطلق
~~الغنائم، والمراد بيان حكم ما اندرج فيها من الفدية وإلا فحل الغنيمة مما
~~عداها قد علم سابقا من قوله سبحانه:

# واعلموا أنما غنمتم

# [الأنفال: 41] الخ بل قال بعضهم: إن الحل معلوم قبل ذلك بناء على ما في
~~كتاب «الأحكام» أن أول غنيمة في الإسلام حين أرسل رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه لبدر الأولى ومعه ثمانية
~~رهط من المهاجرين رضي الله تعالى عنهم فأخذوا عيرا لقريش وقدموا بها على
~~النبي صلى الله عليه وسلم فاقتسموها وأقرهم على ذلك.

# ويؤيد القول بأن هذه الآية محللة للفدية ما ms03664 أخرجه ابن مردويه عن أبي
~~هريرة رضي الله تعالى عنه مما هو نص في ذلك، وقيل: المراد بما غنمتم
~~الغنائم من غير اندراج الفدية فيها لأن القوم لما نزلت الآية الأولى
~~امتنعوا عن الأكل والتصرف فيها تزهدا منهم لا ظنا لحرمتها إذ يبعده أن
~~الحل معلوم لهم مما مر وليس بالبعيد والقول بأن القول الأول مما يأباه
~~سباق النظم الكريم وسياقه ممنوع ودون إثباته الموت الأحمر. والفاء للعطف
~~على سبب مقدر، أي قد أبحت لكم الغنائم فكلوا مثلا، وقيل: قد يستغنى عن
~~العطف على السبب المقدر بعطفه على ما قبله لأنه بمعناه، أي لا أؤاخذكم
~~بما أخذتم من الفداء فكلوه، وزعم بعضهم أن الأظهر تقدير دعوا والعطف
~~عليه، أي دعوا ما أخذتم فكلوا مما غنمتم وهو مبني على ما ذهب إليه من
~~الإباء، وبنحو هذه الآية تشبث من زعم أن الأمر الوارد بعد الحظر للإباحة،
~~وضعف بأن الإباحة ثبتت هنا بقرينة أن الأكل إنما أمر به لمنفعتهم فلا
~~ينبغي أن تثبت على وجه المضرة والمشقة.

# وقوله تعالى: { حللا } حال من { ما } الموصولة أو من عائدها
~~المحذوف أو صفة للمصدر أي أكلا حلالا، وفائدة ذكره وكذا ذكر قوله
~~تعالى: { طيبا } تأكيد الإباحة لما في العتاب من الشدة { واتقوا
~~الله } في مخالفته { إن الله غفور رحيم } ولذا غفر لكم
~~ذنبكم وأباح لكم ما أخذتموه، وقيل: فيغفر لكم ما فرط منكم من استباحة
~~الفداء قبل ورود الإذن ويرحمكم ويتوب عليكم إذا اتقيتموه.

### || [8.70]

# { يأيها النبى قل لمن فى أيديكم } أي في ملكتكم
~~واستيلائكم كأن أيديكم قابضة عليهم { من الأسرى } الذين أخذتم
~~منهم الفداء، وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر { من الأسارى }  { إن يعلم
~~الله في قلوبكم خيرا } إيمانا وتصديقا كما قال ابن عباس {
~~يؤتكم خيرا مما أخذ منكم } من الفداء. والآية على ما في
~~رواية ابن سعد وابن عساكر نزلت في جميع أسارى بدر وكان فداء العباس منهم
~~أربعين أوقية وفداء سائرهم عشرين أوقية، وعن محمد بن سيرين أنه كان
~~فداؤهم مائة أوقية والأوقية ms03665 أربعون درهما وستة دنانير. وجاء في رواية
~~أنها نزلت في العباس رضي الله تعالى عنه، وقد روي عنه أنه قال: كنت
~~مسلما لكن استكرهوني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إن يكن ما تذكر حقا فالله تعالى يجزيك فإما ظاهر أمرك فقد كان علينا
~~فافد نفسك وابني أخويك نوفل بن الحرث وعقيل بن أبي طالب وحليفك عتبة بن
~~عمرو فقلت: ما ذاك عندي يا رسول الله، قال عليه الصلاة والسلام: فأين
~~الذي دفنت أنت وأم الفضل؟ فقلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في / وجهي هذا
~~فإن حدث بي حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله وقثم فقلت: وما يدريك فقال
~~صلى الله عليه وسلم: أخبرني ربي فعند ذلك قال العباس: أشهد أنك صادق وأن
~~لا إله إلا الله وأنك رسول الله إنه لم يطلع على ذلك أحد إلا الله تعالى
~~ولقد دفعته إليها في سواد الليل "

# ، وروي عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال بعد حين: أبدلني الله خيرا من
~~ذلك لي الآن عشرون عبدا إن أدناهم ليضرب في عشرين ألفا وأعطاني زمزم
~~وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربكم بتأويل
~~ما في قوله تعالى: { ويغفر لكم والله غفور رحيم }
~~فإنه وعد بالمغفرة مؤكد بالاعتراض التذييلي، وروي أنه قدم على رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم مال البحرين ثمانون ألفا فتوضأ صلى الله عليه وسلم
~~وما صلى حتى فرقه وأمر العباس أن يأخذ منه فأخذ ما قدر على حمله، وكان
~~رضي الله تعالى عنه يقول: هذا خير مما أخذ مني وأرجو المغفرة، والظاهر أن
~~الآية عامة لسائر الأسارى على ما يقتضيه صيغة الجمع، ولا يأبى ذلك رواية
~~أنها نزلت في العباس لما قالوا من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
~~وقرأ الأعمش { يثبكم خيرا } والحسن وشيبة { مما أخذ منكم }
~~على البناء للفاعل.

### || [8.71]

# { وإن يريدوا } أي الأسرى { خيانتك } أي نقض ما عاهدوك عليه
~~من إعطاء الفدية أو أن لا يعودوا ms03666 لمحاربتك ولا إلى معاضدة المشركين،
~~ويجوز أن يكون المراد وإن يريدوا نكث ما بايعوك عليه من الإسلام والردة
~~واستحباب دين آبائهم { فقد خانوا الله من قبل } بالكفر ونقض
~~ميثاقه المأخوذ على كل عاقل بل ادعى بعضهم أنه الأقرب { فأمكن
~~منهم } أي أقدرك عليهم حسبما رأيت في بدر فإن أعادوا الخيانة فاعلم
~~أنه سيمكنك الله تعالى منهم أيضا فالمفعول محذوف، وقوله سبحانه: {
~~فقد خانوا } قائم مقام الجواب، والجملة كلام مسوق من جهته تعالى
~~لتسليته عليه الصلاة والسلام بطريق الوعد له صلى الله عليه وسلم والوعيد
~~لهم، { والله عليم } فيعلم ما في نياتهم وما يستحقونه من العقاب {
~~حكيم } يفعل كل ما يفعله حسبما تقتضيه حكمته البالغة.

### || [8.72]

# { إن الذين ءامنوا وهاجروا } هم المهاجرون الذين هجروا
~~أوطانهم وتركوها لأعدائهم في الله لله عز وجل { وجهدوا
~~بأمولهم } فصرفوها للكراع والسلاح وأنفقوها على المحاويج من
~~المسلمين { وأنفسهم } بمباشرة القتال واقتحام المعارك والخوض في
~~لجج المهالك { في سبيل الله } قيل: هو متعلق بجاهدوا قيد لنوعي
~~الجهاد، ويجوز أن يكون من باب التنازع في العمل بين { هاجروا } و {
~~جاهدوا } ولعل تقديم الأموال على الأنفس لما أن المجاهدة بالأموال
~~أكثر وقوعا وأتم دفعا للحاجة حيث لا يتصور المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة
~~بالمال، وقيل: ترتيب هذه المتعاطفات في الآية على حسب الوقوع فإن الأول
~~الإيمان ثم الهجرة ثم الجهاد بالمال لنحو التأهب للحرب ثم الجهاد بالنفس.

# { والذين ءاووا ونصروا } هم الأنصار آووا المهاجرين
~~وأنزلوهم منازلهم وآثروهم على أنفسهم ونصروهم على أعدائهم { أولئك
~~} أي المذكورون الموصوفون بالصفات الفاضلة، وهو مبتدأ وقوله تعالى: {
~~بعضهم } إما بدل منهم، وقوله سبحانه: { أوليآء بعض } خبر
~~وإما مبتدأ ثان و { أوليآء } خبره والجملة خبر للمبتدأ الأول أي
~~بعضهم أولياء بعض في الميراث على ما هو المروي عن ابن عباس رضي الله /
~~تعالى عنهما والحسن ومجاهد والسدي وقتادة فإنهم قالوا: آخى رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم فكان
~~المهاجري يرثه أخوه الأنصاري إذا لم يكن له بالمدينة ولي مهاجري ms03667 ولا
~~توارث بينه وبين قريبه المسلم غير المهاجري واستمر أمرهم على ذلك إلى فتح
~~مكة ثم توارثوا بالنسب بعد إذ لم تكن هجرة، فالولاية على هذا الوراثة
~~المسببة عن القرابة الحكمية. والآية منسوخة، وقال الأصم: هي محكمة،
~~والمراد الولاية بالنصرة والمظاهرة وكأنه لم يسمع قوله تعالى: {
~~فعليكم النصر } بعد نفي موالاتهم في الآية الآتية.

# { والذين ءامنوا ولم يهاجروا } كسائر المؤمنين { ما
~~لكم من وليتهم من شىء } أي توليهم في الميراث وإن كانوا
~~أقرب ذوي قرابتكم { حتى يهاجروا } وحينئذ يثبت لهم الحكم
~~السابق. وقرأ حمزة والأعمش ويحيى بن وثاب { ولايتهم } بالكسر، وزعم
~~الأصمعي أنه خطأ وهو المخطىء فقد تواترت القراءة بذلك، وجاء في اللغة
~~الولاية مصدرا بالفتح والكسر وهما لغتان فيه بمعنى واحد وهو القرب الحسي
~~والمعنوي كما قيل، وقيل: بينهما فرق فالفتح ولاية مولى النسب ونحوه
~~والكسر ولاية السلطان ونسب ذلك إلى أبي عبيدة وأبي الحسن، وقال الزجاج:
~~هي بالفتح النصرة والنسب وبالكسر للإمارة، ونقل عنه أنه ذهب إلى أن
~~الولاية لاحتياجها إلى تمرن وتدرب شبهت بالصناعات ولذا جاء فيها الكسر
~~كالإمارة، وذلك لما ذهب إليه المحققون من أهل اللغة من أن فعالة بالكسر
~~في الأسماء لما يحيط بشيء ويجعل فيه كاللفافة والعمامة وفي المصادر يكون
~~في الصناعات وما يزاول بالأعمال كالكتابة والخياطة والزراعة والحراثة،
~~وما ذكره من حديث التشبيه بالصناعات يحتمل أن يكون من الواضع بمعنى أن
~~الواضع حين وضعها شبهها بذلك فتكون حقيقة ويحتمل أن يكون من غيره على طرز
~~تشبيه زيد بالأسد فحينئذ يكون هناك استعارة، وهي كما قال بعض الجلة:
~~استعارة أصلية لوقوعها في المصدر دون المشتق وإن كان التصرف في الهيئة لا
~~في المادة، ومنه يعلم أن الاستعارة الأصلية قسمان ما يكون التجوز في
~~مادته وما يكون في هيئته { وإن استنصروكم في الدين
~~فعليكم النصر } أي فواجب عليكم أن تنصروهم على المشركين أعداء
~~الله تعالى وأعدائكم { إلا على قوم } منهم { بينكم
~~وبينهم ميثق } فلا تنصروهم عليه لما في ذلك من نقض عهدهم {
~~والله بما تعملون ms03668 بصير } فلا تخالفوا أمره ولا تتجاوزوا ما
~~حده لكم كي لا يحل عليكم عقابه.

### || [8.73]

# { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } آخر منهم أي في
~~الميراث كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال قتادة وابن
~~إسحاق: في المؤازرة، وهذا بمفهومه مفيد لنفي الموارثة والمؤازرة بينهم
~~وبين المسلمين وإيجاب ضد ذلك وإن كانوا أقارب، ومن هنا ذهب الجمهور إلى
~~أنه لا يرث مسلم كافرا ولا كافر مسلما، وأخرج ذلك ابن مردويه والحاكم
~~وصححه عن أسامة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك وقرأ
~~الآية، ومن الناس من قال: إن المسلم يرث الكافر دون العكس وليس مما يعول
~~عليه والفتوى على الأول كما تحقق في محله { إلا تفعلوه } أي إلا
~~تفعلوا ما أمرتم به في الآيتين، وقيل: الضمير المنصوب للميثاق أو حفظه أو
~~الإرض أو النصر أو الاستنصار المفهوم من الفعل والأولى ما ذكرنا، وفي
~~الأخير ما لا يخفى من التكلف. { تكن فتنة فى الأرض } أي تحصل
~~فتنة عظيمة فيها، وهي اختلاف الكلمة وضعف الإيمان وظهور / الكفر {
~~وفساد كبير } وهو سفك الدماء على ما روي عن الحسن فالمراد فساد
~~كبير فيها، وقيل: المراد في الدارين وهو خلاف الظاهر، وعن الكسائي أنه
~~قرأ { كثير } بالمثلثة.

### || [8.74]

# { والذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل
~~الله والذين ءاووا ونصروا أولئك هم
~~المؤمنون حقا } كلام مسوق للثناء على القسمين الأولين من
~~الأقسام الثلاثة للمؤمنين وهم المهاجرون والأنصار بأنهم الفائزون بالقدح
~~المعلى من الإيمان مع الوعد الكريم بقوله سبحانه: { لهم مغفرة }
~~لا يقادر قدرها { ورزق كريم } أي لا تبعة له ولا منة فيه، وقيل:
~~هو الذي لا يستحيل نجوا في الأجواف وهو رزق الجنة.

### || [8.75]

# { والذين ءامنوا من بعد وهاجروا وجهدوا
~~معكم } أي في بعض أسفاركم، والمراد بهم قيل: المؤمنون المهاجرون من
~~بعد صلح الحديبية وهي الهجرة الثانية، وقيل: من بعد نزول الآية، وقيل: من
~~بعد غزوة بدر، والأصح أن المراد بهم الذين هارجوا بعد الهجرة الأولى {
~~فأولئك منكم } أي من جملتكم ms03669 أيها المهاجرون والأنصار، وفيه
~~إشارة إلى أن السابقين هم السابقون في الشرف وأن هؤلاء دونهم فيه، ويؤيد
~~أمر شرفهم توجيه الخطاب إليهم بطريق الالتفات، وبهذا القسم صارت أقسام
~~المؤمنين أربعة، والتوارث إنما هو في القسمين الأولين على ما علمت؛ وزعم
~~الطبرسي أن ذلك الحكم يثبت لهؤلاء أيضا فيكون التوارث بين ثلاثة أقسام،
~~وجعل معنى { منكم } من جملتكم وحكمهم حكمكم في وجوب الموالاة
~~والموارثة والنصرة ولم أره لأصحابنا.

# { وأولوا الأرحام } أي ذوو القرابة { بعضهم أولى
~~ببعض } آخر منهم في التوريث من الأجانب { في كتاب الله } أي
~~في حكمه أو في اللوح المحفوظ، أخرج الطيالسي والطبراني وغيرهما عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين
~~أصحابه وورث بعضهم من بعض حتى نزلت هذه الآية فتركوا ذلك وتوارثوا
~~بالنسب» وأخرج ابن مردويه عنه رضي الله تعالى عنه قال: توارث المسلمون
~~لما قدموا المدينة بالهجروة ثم نسخ ذلك بهذه الآية» واستدل بها على توريث
~~ذوي الأرحام الذين ذكرهم الفرضيون، وذلك لأنها نسخ بها التوارث بالهجرة
~~ولم يفرق بين العصبات وغيرهم فيدخل من لا تسمية لهم ولا تعصيب وهم  هم 
~~وبها أيضا احتج ابن مسعود كما أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم على أن ذوي
~~الأرحام أولى من مولى العتاقة، ولما سمع الحبر قال: «هيهات هيهات أين
~~ذهب؟ إنما كان المهاجرون يتوارثون دون الاعراب فنزلت» وخالفه سائر
~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم أيضا على ما قيل. وأنت تعلم أنه إذا أريد
~~بكتاب الله تعالى آيات المواريث السابقة في سورة النساء أو حكمه سبحانه
~~المعلوم هناك لا يبقى للاستدلال على توريث ذوي الأرحام بالآية وجه، وكذا
~~ما قاله ابن الفرس من أنه قد يستدل بها لمن قال: إن القريب أولى بالصلاة
~~على الميت من الوالي { أن الله بكل شيء عليم } ومن جملته
~~ما في تعليق التوارث بالقرابة الدينية أولا على الوجه السابق وبالقرابة
~~النسبية آخرا من الحكم البالغة.

# هذا ومن باب الإشارة: { والذين ءامنوا } الإيمان العلمي {
~~وهاجروا } من أوطان ms03670 نفوسهم { وجاهدوا بأمولهم }
~~بإنفاقها حتى تخللوا بعباء التجرد والانقطاع إلى الله عز وجل {
~~وأنفسهم } بإتعابها بالرياضة ومحاربة الشيطان وبذلها في { في
~~سبيل الله } تعالى وطريق الوصول إليه { والذين ءاووا }
~~إخوانهم في الطريق ونصروهم على عدوهم بالإمداد { أولئك بعضهم
~~أولياء بعض } بميراث الحقائق والعلوم النافعة { والذين
~~آمنوا ولم يهاجروا } / عن وطن النفس { ما لكم من
~~وليتهم من شيء } فلا توارث بينكم وبينهم إذ ما عندكم لا يصلح
~~لهم ما لم يستعدوا له وما عندهم يأباه استعدادكم { حتى يهاجروا
~~} كما هاجرتم فحينئذ يثبت التوارث بينكم وبينهم

# وإن استنصروكم فى الدين فعليكم النصر

# [الأنفال: 72] فإن الدين مشترك، وعلى هذا الطرز يقال في باقي الآيات
~~والله تعالى ولي التوفيق وبيده أزمة التحقيق.

### | [9 - سورة التوبة]

### || [9.1]

# { براءة من الله ورسوله } أي هذه براءة والتنوين للتفخيم
~~و { من } ابتدائية كما يؤذن به مقابلتها بإلى متعلقة بمحذوف وقع صفة
~~للخبر لفساد تعلقه به أي واصلة من الله، وقدروه بذلك دون حاصلة لتقليل
~~التقدير لأنه يتعلق به { إلى } الآتي أيضا، وجوز أن تكون مبتدأ
~~لتخصيصها بصفتها وخبره قوله تعالى: { إلى الذين إلى الذين
~~عاهدتم من المشركين }. وقرأ عيسى بن عمرو { براءة } بالنصب
~~وهي منصوبة باسمعوا أو الزموا على الإغراء، وقرأ أهل نجران { من
~~الله } بكسر النون على أن الأصل في تحريك الساكن الكسر، لكن الوجه
~~الفتح مع لام التعريف هربا من توالي الكسرتين، وإنما لم يذكر ما تعلق به
~~البراءة حسبما ذكر في قوله تعالى:

# أن الله بريء من المشركين

# [التوبة: 3] اكتفاء بما في حيز الصلة فإنه منبىء عنه إنباء ظاهرا
~~واحترازا عن تكرار لفظ من، والعهد العقد الموثق باليمين، والخطاب في {
~~عاهدتم } للمسلمين وقد كانوا عاهدوا مشركي العرب من أهل مكة وغيرهم
~~بإذن الله تعالى واتفاق الرسول صلى الله عليه وسلم فنكثوا إلا بني ضمرة
~~وبني كنانة، وأمر المسلمون بنبذ العهد إلى الناكثين وأملهوا أربعة أشهر
~~ليسيروا حيث شاءوا.

# وإنما نسبت البراءة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم مع شمولها
~~للمسلمين في اشتراكهم في ms03671 حكمها ووجوب العمل بموجبها وعلقت المعاهدة
~~بالمسلمين خاصة مع كونها بإذن الله تعالى واتفاق الرسول عليه الصلاة
~~والسلام للإنباء عن تنجزها وتحتمها من غير توقف على رأي المخاطبين لأنها
~~عبارة عن إنهاء حكم الأمان ورفع الخطر المترتب على العهد، السابق عن
~~التعرض للكفرة وذلك منوط بجانب الله تعالى من غير توقف على شيء أصلا،
~~واشتراك المسلمين إنما هو على طريق الامتثال لا غير، وأما المعاهدة فحيث
~~كانت عقدا كسائر العقود الشرعية لا تتحصل ولا تترتب عليها الأحكام إلا
~~بمباشرة المتعاقدين على وجه لا يتصور صدوره منه تعالى وإنما الصادر عنه
~~سبحانه الإذن في ذلك وإنما المباشر له المسلمون، ولا يخفى أن البراءة
~~إنما تتعلق بالعهد لا بالإذن فيه فنسبت كل واحدة منهما إلى من هو أصل
~~فيها، على أن في ذلك تفخيما لشأن البراءة وتهويلا لأمرها وتسجيلا على
~~الكفرة بغاية الذل والهوان ونهاية الخزي والخذلان، وتنزيها لساحة
~~الكبرياء عما يوهم شائبة النقص والبداء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا،
~~وأدراجه صلى الله عليه وسلم في النسبة الأولى وإخراجه عن الثانية لتنويه
~~شأنه الرفيع صلى الله عليه وسلم في كلا المقامين كذا حرره بعض المحققين
~~وهو توجيه وجيه.

# وزعم بعضهم أن المعاهدة لما لم تكن واجبة بل مباحة مأذونة نسبت إليه
~~بخلاف البراءة فإنها واجبة بإيجابه تعالى فلذا نسبت للشارع وهو كما ترى.

# وذكر ابن المنير ((في سر ذلك أن نسبة العهد إلى الله تعالى ورسوله صلى
~~الله عليه وسلم في مقام نسب فيه النبذ من المشركين لا يحسن أدبا. / ألا
~~ترى إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمراء السرايا حيث يقول لهم:

# " إذا نزلتم بحصن فطلبوا النزول على حكم الله تعالى فأنزلوهم على حكمكم
~~فإنكم لا تدرون أصادفتم حكم الله تعالى فيهم أم لا، وإن طلبوا ذمة الله
~~تعالى فأنزلوهم على ذمتكم فلأن تخفر ذمتكم خير من أن تخفر ذمة الله تعالى
~~"

# فانظر إلى أمره صلى الله عليه وسلم بتوقير ذمة الله تعالى مخافة أن تخفر
~~وإن كان ms03672 لم يحصل بعد ذلك الأمر المتوقع، فتوقير عهد الله تعالى وقد تحقق
~~من المشركين النكث وقد تبرأ منه تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام بأن لا
~~ينسب العهد المنبوذ إليه سبحانه أحرى وأجدر فلذلك نسب العهد للمسلمين دون
~~البراءة منه)) ولا يخلو عن حسن إلا أنه غير واف وفاء ما قد سبق، وقيل: إن
~~ذكر الله تعالى للتمهيد كقوله سبحانه:

# لا تقدموا بين يدي الله ورسوله

# [الحجرات: 1] تعظيما لشأنه صلى الله عليه وسلم ولولا قصد التمهيد
~~لأعيدت { من } كما في قوله عز وجل:

# كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله

# [التوبة: 7] وإنما نسبت البراءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام
~~والمعاهدة إليهم لشركتهم في الثانية دون الأولى. وتعقب بأنه لا يخفى ما
~~فيه فإن من بريء الرسول عليه الصلاة والسلام منه تبرأ منه المؤمنون، وما
~~ذكر من إعادة الجار ليس بلازم، وما ذكره من التمهيد لا يناسب المقام لضعف
~~التهويل حينئذ، وقيل: ولك أن تقول: إنه إنما أضاف العهد إلى المسلمين لأن
~~الله تعالى علم أن لا عهد لهم وأعلم به رسوله عليه الصلاة والسلام فلذا
~~لم يضف العهد إليه لبراءته منهم ومن عهدهم في الأزل، وهذه نكتة الاتيان
~~بالجملة اسمية خبرية وإن قيل: إنها إنشائية للبراءة منهم ولذا دلت على
~~التجدد. وفيه أن حديث الأزل لا يتأتى في حق الرسول عليه الصلاة والسلام
~~ظاهرا وبالتأويل لا يبعد اعتبار المسلمين أيضا، ونكتة الإتيان بالجملة
~~الاسمية وهي الدلالة على الدوام والاستمرار لا تتوقف على ذلك الحديث فقد
~~ذكرها مع ضم نكتة التوسل إلى التهويل بالتنكير التفخيمي من لم يذكره.

### || [9.2]

# { فسيحوا فى الأرض } أي سيروا فيها حيث شئتم، وأصل السياحة
~~جريان الماء وانبساطه ثم استعملت في السير على مقتضى المشيئة، ومنه قوله:

# لو خفت هذا منك ما نلتني

# حتى ترى خيلا أمامي تسيح

# ففي هذا الأمر من الدلالة على كمال التوسعة والترفيه ما ليس في سيروا
~~ونظائره وزيادة { في الأرض } زيادة في التعميم، والكلام بتقدير القول
~~أي فقولوا لهم سيحوا، أو بدونه ms03673 وهو الالتفات من الغيبة إلى الخطاب،
~~والمقصود الإباحة والإعلام بحصول الأمان من القتل والقتال في المدة
~~المضروبة، وذلك ليتفكروا ويحتاطوا ويستعدوا بما شاءوا ويعلموا أن ليس لهم
~~بعد إلا الإسلام أو السيف ولعل ذلك يحملهم على الاسلام، ولأن المسلمين لو
~~قاتلوهم عقيب إظهار النقض فربما نسبوا إلى الخيانة فأمهلوا سدا لباب
~~الظن وإظهارا لقوة شوكتهم وعدم اكتراثهم بهم وباستعدادهم، وللمبالغة في
~~ذلك اختيرت صيغة الأمر دون فلكم أن تسيحوا، والفاء لترتيب الأمر بالسياحة
~~وما يعقبه على ما يؤذن به البراءة المذكورة من الحرب على أن الأول مترتب
~~على نفسه للثاني بكلا متعلقيه على عنوان كونه من الله العزيز جل شأنه،
~~كأنه قيل: هذه براءة موجبة لقتالكم فاسعوا في تحصيل ما ينجيكم وإعداد ما
~~يجديكم.

# { أربعة أشهر } وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم عند
~~الزهري لأن الآية نزلت في الشهر الأول، وقيل: إنها وإن نزلت فيه إلا أن
~~قراءتها على الكفار وتبليغها إليهم كان يوم الحج الأكبر فابتداء المدة
~~عاشر ذي الحجة إلى انقضاء عشر شهر ربيع الآخر، وروي ذلك عن أبي عبد الله
~~رضي الله تعالى عنه ومجاهد ومحمد بن كعب القرظي. وقيل: ابتداء تلك المدة
~~يوم النحر لعشر من ذي القعدة إلى انقضاء عشر من شهر ربيع الأول، لأن الحج
~~في تلك السنة كان في ذلك الوقت بسبب النسىء الذي كان فيهم ثم صار في
~~السنة الثانية في ذي الحجة وهي حجة الوداع التي قال فيها صلى الله عليه
~~وسلم:

# " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض "

# وإلى ذلك ذهب الجبائي، واستصوب بعض الأفاضل الثاني وادعى أن الأكثر
~~عليه، روي من عدة أخبار متداخلة بعضها في «الصحيحين» أن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم عاهد قريشا عام الحديبية على أن يضعوا الحرب عشر سنين
~~يأمن فيها الناس ودخلت خزاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فدخل بنو
~~بكر في عهد قريش ثم عدت بنو بكر على خزاعة فنالت منها وأعانتهم قريش
~~بالسلاح فلما تظاهر ms03674 بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا عهدهم خرج عمرو
~~الخزاعي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشد:

# لاهم إني ناشد محمدا

# حلف أبينا وأبيه الأتلدا

# قد كنتم ولدا وكنا والدا

# ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا

# فانصر هداك الله نصرا أعتدا

# وادعو عباد الله يأتوا مددا

# فيهم رسول الله قد تجردا

# إن سيم خسفا وجهه تربدا

# في فيلق كالبحر يجري مزبدا

# أن قريشا أخلفوك الموعدا

# ونقضوا ميثاقك المؤكدا

# وجعلوا لي من كداء رصدا

# وزعموا أن لست أدعو أحدا

# وهم أذل وأقل عددا

# هم بيتونا بالحطيم هجدا

# وقتلونا ركعا وسجدا

# فقال عليه الصلاة والسلام:

# " لا نصرت إن لم أنصرك "

# ثم تجهز إلى مكة ففتحها سنة ثمان من الهجرة فلما كانت سنة تسع أراد رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم أن يحج فقال: إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة
~~فبعث عليه الصلاة والسلام تلك السنة أبا بكر رضي الله تعالى عنه أميرا
~~على الناس ليقيم لهم الحج وكتب له سننه ثم بعث بعده عليا كرم الله تعالى
~~وجهه على ناقته العضباء ليقرأ على أهل الموسم صدر براءة فلما دناه علي
~~كرم الله تعالى وجهه سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟ قال: مأمور فلما
~~كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدثهم عن مناسكهم وقام علي كرم الله تعالى
~~وجهه يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: أيها الناس إني رسول الله تعالى
~~إليكم فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية من السورة ثم قال:
~~أمرت بأربع أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان
~~ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده، واختلفت
~~الروايات في أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه هل كان مأمورا أو لا
~~بالقراءة أم لا والأكثر على أنه كان مأمورا وأن عليا كرم الله تعالى
~~وجهه لما لحقه رضي الله تعالى عنه ms03675 أخذ منه ما أمر بقراءته، وجاء في رواية
~~ابن حبان وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه
~~حين أخذ منه ذلك أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخله من ذلك مخافة أن
~~يكون قد أنزل فيه شيء فلما أتاه قال: مالي يا رسول الله؟ قال: خير أنت
~~أخي وصاحبي في الغار وأنت معي على الحوض غير أنه لا يبلغ عني غيري أو
~~رجل مني.

# / وجاء من رواية أحمد والترمذي وحسنه وأبو الشيخ وغيرهم عن أنس قال:

# " بعث النبي صلى الله عليه وسلم ببراءة مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه
~~ثم دعاه فقال: لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي فدعا عليا كرم
~~الله تعالى وجهه فأعطاه إياه "

# وهذا ظاهر في أن عليا لم يأخذ ذلك من أبي بكر في الطريق وأكثر
~~الروايات على خلافه، وجاء في بعضها ما هو ظاهر في عدم عزل أبي بكر رضي
~~الله تعالى عنه عن الأمر بل ضم إليه علي كرم الله تعالى وجهه. فقد أخرج
~~الترمذي وحسنه والبيهقي في «الدلائل» وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن
~~ابن عباس

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء
~~الكلمات ثم أتبعه عليا وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات فحجا فقام علي رضي
~~الله تعالى عنه في أيام التشريق فنادى أن الله برىء من المشركين ورسوله
~~فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ولا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت
~~عريان ولا يدخل الجنة إلا مؤمن فكان علي كرم الله تعالى وجهه ينادي فإذا
~~أعيا قام أبو بكر رضي الله تعالى عنه فنادى بها "

# وأيا ما كان ليس في شيء من الروايات ما يدل على أن عليا رضي الله تعالى
~~عنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أبي بكر رضي الله
~~تعالى عنه، وقوله صلى الله عليه وسلم:

# " لا يبلغ عني غيري أو رجل مني سواء كان بوحي أم ms03676 لا "

# جار على عادة العرب أن لا يتولى تقرير العهد ونقضه إلا رجل من الأقارب
~~لتنقطع الحجة بالكلية، فالتبليغ المنفي ليس عاما كما يرشد إلى ذلك حديث
~~أحمد والترمذي.

# وكيف يمكن إرادة العموم وقد بلغ عنه صلى الله عليه وسلم كثيرا من
~~الأحكام الشرعية في حياته وبعد وفاته كثير ممن لم يكن من أقاربه صلى الله
~~عليه وسلم كعلي كرم الله تعالى وجهه ومنهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه
~~فإنه في تلك السنة حج بالناس وعلمهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~سنن الحج وما يلزم فيه وهو أحد الأمور الخمسة التي بني الإسلام عليها،
~~على أن من أنصف من نفسه علم أن في نصب أبي بكر رضي الله تعالى عنه
~~لإقامة مثل هذا الركن العظيم من الدين على ما يشعر به قوله سبحانه:

# ولله على الناس حج البيت

# [آل عمران: 97] الآية إشارة إلى أنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم في إقامة شعائر دينه لا سيما وقد أيد ذلك بإقامته مقامه عليه
~~الصلاة والسلام في الصلاة بالناس في آخر أمره عليه الصلاة والسلام وهي
~~العماد الأعظم والركن الأقوم لدينه عليه الصلاة والسلام في الصلاة
~~بالناس، والقول بأنه رضي الله تعالى عنه عزل في المسألتين كما يزعمه بعض
~~الشيعة لا أصل له وعلى المدعي البيان ودونه الشم الراسيات.

# وبالجملة دلالة «لا ينبغي» الخ على الخلافة مما لا ينبغي القول بها،
~~وقصارى ما في الخبر الدلالة على فضل الأمير كرم الله تعالى وجهه وقربه من
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمن لا ينكر ذلك لكنه بمعزل عن اقتضائه
~~التقدم بالخلافة على الصديق رضي الله تعالى عنه.

# وقد ذكر بعض أهل السنة نكتة في نصب أبي بكر أميرا للناس في حجهم ونصب
~~الأمير كرم الله تعالى وجهه مبلغا نقض العهد في ذلك المحفل وهي أن الصديق
~~رضي الله تعالى عنه لما كان مظهرا لصفة الرحمة والجمال كما يرشد إليه ما
~~تقدم في حديث الإسراء وما جاء من ms03677 قوله صلى الله عليه وسلم «أرحم أمتي
~~بأمتي أبو بكر» أحال إليه عليه الصلاة والسلام أمر المسلمين الذين هم
~~مورد الرحمة، ولما كان علي كرم الله تعالى وجهه الذي هو أسد الله مظهر
~~جلاله فوض إليه نقض عهد الكافرين الذي هو من آثار الجلال وصفات القهر
~~فكانا كعينين فوارتين يفور من إحداهما صفة الجمال ومن الأخرى صفة الجلال
~~في ذلك المجمع العظيم الذي كان أنموذجا للحشر وموردا للمسلم والكافر
~~انتهى. ولا يخفى حسنه لو لم يكن في البين تعليل النبي صلى الله عليه
~~وسلم. / وجعل المدة أربعة أشهر قيل لأنها ثلث السنة والثلث كثير، ونصب
~~العدد على الظرفية لسيحوا أي فسيحوا في أقطار الأرض في أربعة أشهر.

# { واعلموا أنكم } لسياحتكم تلك { غير معجزي الله }
~~لا تفوتونه سبحانه بالهرب والتحصن { وأن الله مخزى
~~الكفرين } في الدنيا بالقتل والأسر وفي الآخرة بالعذاب المهين،
~~وأظهر الاسم الجليل لتربية المهابة وتهويل أمر الإخزاء وهو الإذلال بما
~~فيه فضيحة وعار، والمراد من الكافرين إما المشركون المخاطبون فيما تقدم
~~والعدول عن مخزيكم إلى ذلك لذمهم بالكفر بعد وصفهم بالاشراك وللاشعار بأن
~~علة الإخزاء هي كفرهم وإما الجنس الشامل لهم ولغيرهم ويدخل فيه المخاطبون
~~دخولا أوليا.

### || [9.3]

# { وأذان من الله ورسوله } أي إعلام وهو فعال بمعنى الأفعال
~~أي إيذان كالأمان والعطاء. ونقل الطبرسي أن أصله من النداء الذي يسمع
~~بالأذن بمعنى أذنته أو صلته إلى أذنه، ورفعه كرفع براءة والجملة معطوفة
~~على مثلها. وزعم الزجاج أنه عطف على

# برآءة

# [التوبة: 1]، وتعقب بأنه لا وجه لذلك فإنه لا يقال: أن عمرا معطوف على
~~زيد في قولك: زيد قائم وعمرو قاعد. وذكر العلامة الطيبي أن لقائل أن
~~يقول: لم لا يجوز أن يعطف على براءة على أن يكون من عطف الخبر على الخبر
~~كأنه قيل: هذه السورة براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم خاصة وأذان
~~من الله ورسوله { إلى الناس } عامة. نعم الأوجه أن يكون من عطف
~~الجمل لئلا يتخلل بين الخبرين جمل أجنبية ولئلا تفوت المطابقة بين ms03678
~~المبتدأ والخبر تذكيرا وتأنيثا، ونظر فيه بعضهم أيضا بأنهم جوزوا في
~~الدار زيد والحجرة عمرو وعدوا ذلك من العطف على معمولي عاملين، وصرحوا
~~بأن نحو زيد قائم وعمرو يحتمل الأمرين، وأجيب بأنه أريد عطف أذان وحده
~~على براءة من غير تعرض لعطف الخبر على الخبر كما في نحو أريد أن يضرب زيد
~~عمرا ويهين بكر خالدا فليس العطف إلا في الفعلين دون معموليهما هذا
~~الذي منعه من منع؛ وإرادة العموم من { الناس } هو الذي ذهب إليه أكثر
~~الناس لأن هذا الأذان ليس كالبراءة المختصة بالناكثين بل هو شامل للكفرة
~~وسائر المؤمنين أيضا، وقال قوم: المراد بهم أهل العهد.

# وقوله سبحانه: { يوم الحج الأكبر } منصوب بما تعلق به { إلى
~~الناس } لا بأذان لأن المصدر الموصوف لا يعمل على المشهور، والمراد به
~~يوم العيد لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله ولأن الإعلام كان فيه. ولما
~~أخرج البخاري تعليقا وأبو داود وابن ماجه وجماعة عن ابن عمر رضي الله
~~تعالى عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات
~~في الحجة التي حج فقال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم النحر، قال: هذا يوم الحج
~~الأكبر»، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وابن جبير وابن
~~زيد ومجاهد وغيرهم، وقيل: يوم عرفة لقوله صلى الله عليه وسلم

# " الحج عرفة "

# ونسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضا، وأخرج ابن أبي حاتم عن
~~المسور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج ابن جرير عن أبي الصهباء
~~أنه سأل عليا كرم الله تعالى وجهه عن هذا اليوم فقال: هو يوم عرفة، وعن
~~مجاهد وسفيان أنه جميع أيام الحج كما يقال: يوم الجمل ويوم صفين ويراد
~~باليوم الحين والزمان والأول أقوى رواية ودراية، ووصف بالحج الأكبر لأن
~~العمرة تسمى الحج الأصغر أو لأن المراد بالحج ما وقع في ذلك اليوم من
~~أعماله فانه أكبر من باقي الأعمال فالتفضيل نسبي وغير مخصوص بحج تلك
~~السنة.

# وعن الحسن أنه وصف ms03679 بذلك لأنه اجتمع فيه المسلمون والمشركون ووافق عيده
~~أعياد أهل الكتاب، وقيل: لأنه ظهر فيه عز المسلمين وذل المشركين /
~~فالتفضيل مخصوص بتلك السنة؛ وأما تسمية الحج الموافق يوم عرفة فيه ليوم
~~الجمعة بالأكبر فلم يذكروها وإن كان ثواب ذلك الحج زيادة على غيره كما
~~نقله الجلال السيوطي في بعض «رسائله» { أن الله بريء من
~~المشركين } أي من عهودهم. وقرأ الحسن والأعرج { إن } بالكسر لما
~~أن الأذان فيه معنى القول، وقيل: يقدر القول، وعلى قراءة الفتح يكون
~~بتقدير حرف جر وهو مطرد في إن وأن، والجار والمجرور جوز أن يكون خبرا عن
~~أذان وأن يكون متعلقا به وأن يكون متعلقا بمحذوف وقع صفة له، وقوله
~~سبحانه: { ورسوله } عطف على المستكن في { بريء } ، وجوز أن يكون
~~مبتدأ خبره محذوف وأن يكون عطفا على محل اسم إن لكن على قراءة الكسر،
~~لأن المكسورة لما لم تغير المعنى جاز أن تقدر كالعدم فيعطف على محل ما
~~عملت فيه أي على محل كان له قبل دخولها فإنه كان إذ ذاك مبتدأ، ووقع في
~~كلامهم محل أن مع اسمها والأمر فيه هين. ولم يجيزوا ذلك على المشهور مع
~~المفتوحة لأن لها موضعا غير الابتداء، وأجاز ابن الحاجب ههنا العطف على
~~المحل في قراءة الجماعة أيضا بناء على ما ذكر من أن المفتوحة على قسمين
~~ما يجوز فيه العطف على المحل وما لا يجوز، فإن كان بمعنى إن المكسورة
~~كالتي بعد أفعال القلوب نحو علمت أن زيدا قائم وعمرو جاز العطف لأنها
~~لاختصاصها بالدخول على الجمل يكون المعنى معها إن زيدا قائم وعمرو في
~~علمي، ولذا وجب الكسر في علمت إن زيدا لقائم، وإن لم تكن كذلك لا يجوز
~~نحو أعجبني أن زيدا كريم وعمرو ويتعين النصب فيه لأنها حينئذ ليست
~~مكسورة ولا في حكمها، ووجه الجواز بناء على هذا أن الإذن بمعنى العلم
~~فيدخل على الجمل أيضا كعلم.

# وقرأ يعقوب برواية روح وزيد { ورسوله } بالنصب وهي قراءة الحسن وابن
~~أبي اسحاق وعيسى بن عمرو، وعليها فالعطف ms03680 على اسم { أن } وهو الظاهر،
~~وجوز أن تكون الواو بمعنى مع ونصب { ورسوله } على أنه مفعول معه أي
~~برىء معه منهم. وعن الحسن أنه قرأ بالجر على أن الواو للقسم وهو كالقسم
~~بعمره صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه:

# لعمرك

# [الحجر: 72] وقيل: يجوز كون الجر على الجوار وليس بشيء، وهذه القراءة
~~لعمري موهمة جدا وهي في غاية الشذوذ الظاهر أنها لم تصح.

# يحكى أن أعرابيا سمع رجلا يقرؤها فقال: إن كان الله تعالى بريئا من
~~رسوله فانا منه بريء فلببه الرجل إلى عمر رضي الله تعالى عنه فحكى
~~الأعرابي قراءته فعندها أمر عمر بتعليم العربية، ونقل أن أبا الأسود
~~الدؤلي سمع ذلك فرفع الأمر إلى علي كرم الله تعالى وجهه فكان ذلك سبب وضع
~~النحو والله تعالى أعلم.

# وفرق الزمخشري بين معنى الجملة الأولى وهذه الجملة بأن تلك إخبار بثبوت
~~البراءة وهذه إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت، وفي «الكشف» أن هذا على تقدير
~~رفعهما بالخبرية ظاهر إلا أن في قوله إخبار بوجوب الإعلام تجوزا وأراد
~~أن يبين أن المقصود ليس الإخبار بالإعلام بل أعلم سبحانه أنه بريء
~~ليعلموا الناس به، وعلى التقدير الثاني وجهه أن المعنى في الجملة الأولى
~~البراءة الكائنة من الله تعالى حاصلة منتهية إلى المعاهدين من المشركين
~~فهو إخبار بثبوت البراءة كما تقول في زيد موجود مثلا: إنه إخبار بثبوت
~~زيد، وفي الثانية إعلام المخاطبين الكائن من الله تعالى بتلك البراءة
~~ثابت واصل إلى الناس فهو إخبار بثبوت الإعلام الخاص صريحا ووجوب أن يعلم
~~المخاطبون الناس ضمنا، ولما كان المقصود هو المعنى المضمن ذكر أنها إخبار
~~بوجوب الإعلام، وزعم بعضهم لدفع التكرار أن البراءة الأولى لنقض العهد
~~والبراءة الثانية لقطع الموالاة والإحسان / وليس بذلك.

# { فإن تبتم } من الكفر والغدر بنقض العهد { فهو } أي التوب {
~~خير لكم } في الدارين والالتفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة
~~التهديد والتشديد، والفاء الأولى لترتيب مقدم الشرطية على الاذان المذيل
~~بالوعيد الشديد المؤذن بلين عريكتهم وانكسار شدة شكيمتهم { وإن
~~توليتم } عن التوبة ms03681 أو ثبتم على التولي عن الإسلام والوفاء {
~~فاعلموا أنكم غير معجزى الله } غير سابقيه سبحانه
~~ولا فائتيه { وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } أي في
~~الآخرة على ما هو الظاهر. ومن هنا قيد بعضهم غير معجزي الله بقوله في
~~الدنيا، والتعبير بالبشارة للتهكم، وصرف الخطاب عنهم إلى رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم قيل: لأن البشارة إنما تليق بمن يقف على الأسرار الإلهية،
~~وقد يقال: لا يبعد كون الخطاب لكل من له حظ فيه وفيه من المبالغة ما لا
~~يخفى.

### || [9.4]

# { إلا الذين عهدتم من المشركين } استثناء على ما
~~في «الكشاف» من المقدر في قوله:

# فسيحوا فى الأرض

# [التوبة: 2] الخ لأن الكلام خطاب مع المسلمين على أن المعنى براءة من
~~الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فقولوا لهم سيحوا إلا الذين
~~عاهدتم منهم ثم لم ينقصوكم فأتموا إليهم عهدهم، وهو بمعنى الاستدراك كأنه
~~قيل: فلا تمهلوا الناكثين غير أربعة أشهر ولكن الذين لم ينكثوا فأتموا
~~إليهم عهدهم ولا تجروهم مجرى الناكثين، واعترض بأنه كيف يصح الاستثناء
~~وقد تخلل بين المستثنى والمستثنى منه جملة أجنبية أعني قوله سبحانه:

# وأذان من الله

# [التوبة: 3] فإنه كما قرر عطف على

# برآءة

# [التوبة: 1]، وأجيب بأن تلك الجملة ليست أجنبية من كل وجه لأنها في معنى
~~الأمر بالاعلام كأنه قيل: فقولوا لهم سيحوا واعلموا أن الله تعالى بريء
~~منهم لكن الذين عاهدتم الخ، وجعله بعضهم استدراكا من النبذ السابق الذي
~~أخر فيه القتال أربعة أشهر والمآل واحد، وقيل: هو استثناء من المشركين
~~الأول وإليه ذهب الفراء، ورد بأن بقاء التعميم في قوله تعالى:

# أن الله بريء من المشركين

# [التوبة: 3] ينافيه، وقيل: هو استثناء من المشركين الثاني. ورد بأن بقاء
~~التعميم في الأول ينافيه، والقول بالرجوع إليهما والمستثنى منهما في
~~الجملتين ليستا على نسق واحد لا يحسن، وجعل الثاني معهودا وهم المشركون
~~المستثنى منهم هؤلاء فقيل مجيء الاستثناء يبعد ارتكابه في النظم المعجز،
~~وقوله سبحانه: { فأتموا إليهم } حينئد لا بد من أن يجعل جزاء
~~شرط محذوف وهو ms03682 أيضا خلاف الظاهر والظاهر الخبرية، والفاء لتضمن المبتدأ
~~معنى الشرط، وكون المراد به أناسا بأعيانهم فلا يكون عاما فيشبه الشرط
~~فتدخل الفاء في خبره على تقدير تسليمه غير مضر فقد ذهب الأخفش إلى زيادة
~~الفاء في خبر الموصول من غير اشتراط العموم، واستدل القطب لما في
~~«الكشاف» بأن ههنا جملتين يمكن أن يعلق بهما الاستثناء جملة البراءة
~~وجملة الإمهال، لكن تعليق الاستثناء بجملة البراءة يستلزم أن لا براءة عن
~~بعض المشركين فتعين تعلقه بجملة الإمهال أربعة أشهر، وفيه غفلة عن أن
~~المراد البراءة عن عهود المشركين لا عن أنفسهم، ولا كلام في أن المعاهدين
~~الغير الناكثين ليس الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بريئين من
~~عهودهم وإن برئا عن أنفسهم بضرب من التأويل فافهم، وقال ابن المنير:
~~((يجوز أن يكون قوله سبحانه:

# فسيحوا

# [التوبة: 2] خطابا للمشركين غير مضمر قبله القول ويكون الاستثناء على
~~هذا من قوله تعالى:

# إلى الذين عاهدتم

# [التوبة: 1] كأنه قيل: براءة من الله تعالى ورسوله إلى المعاهدين إلا
~~الباقين على العهد فأتموا إليهم أيها المسلمون عهدهم، ويكون فيه خروج من
~~خطاب المسلمين في { إلى الذين عهدتم } إلى خطاب المشركين في {
~~فسيحوا } ثم التفات من التكلم إلى الغيبة في

# واعلموا / أنكم غير معجزي الله وأن الله

# [التوبة: 2] والأصل غير معجزي واني، وفي هذا الالتفات بعد الالتفات
~~الأول افتنان في أساليب البلاغة وتفخيم للشأن وتعظيم للأمر، ثم يتلو هذا
~~الالتفات العود إلى الخطاب في قوله سبحانه: { إلا الذين
~~عهدتم } الخ وكل هذا من حسنات الفصاحة)) انتهى، ولا يخفى ما فيه
~~من كثرة التعسف و { من } قيل بيانية، وقيل: تبعيضية.

# وثم في قوله تعالى: { ثم لم ينقصوكم شيئا } للدلالة على
~~ثباتهم على عهدهم مع تمادي المدة وينقصوا بالصاد المهملة كما قرأ الجمهور
~~يجوز أن يتعدى إلى واحد فيكون شيئا منصوبا على المصدرية أي لم ينقصوكم
~~شيئا من النقصان لا قليلا ولا كبيرا، ويجوز أن يتعدى إلى اثنين فيكون
~~{ شيئا } مفعوله الثاني أي لم ينقصوكم شيئا من النقصان لا قليلا ms03683 ولا
~~كثيرا، ويجوز أن يتعدى إلى اثنين فيكون { شيئا } مفعوله الثاني أي لم
~~ينقصوكم شيئا من شروط العهد وأدوها لكم بتمامها، وقرأ عكرمة وعطاء {
~~ينقضوكم } بالضاد المعجمة، والكلام حينئذ على حذف مضاف أي لم ينقضوا
~~عهودكم شيئا من النقض وهي قراءة مناسبة للعهد إلا أن قراءة الجمهور أوقع
~~لمقابلة التمام مع استغنائها عن ارتكاب الحذف { ولم يظهروا }
~~أي لم يعاونوا { عليكم أحدا } من أعدائكم كما عدت بنو بكر على
~~خزاعة فظاهرتهم قريش بالسلاح كما تقدم { فأتموا إليهم
~~عهدهم } أي أدوه إليهم كملا { إلى مدتهم } أي إلى انقضائها
~~ولا تجروهم مجرى الناكثين قيل: بقي لبني ضمرة وبني مدلج حيين من كنانة من
~~عهدهم تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم، وأخرج ابن أبي حاتم أنه قال: هؤلاء
~~قريش عاهدوا نبي الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية وكان بقي من مدتهم
~~أربعة أشهر بعد يوم النحر فأمر الله تعالى شأنه نبيه صلى الله عليه وسلم
~~أن يوفي لهم بعهدهم ذلك إلى مدتهم وهو خلاف ما تظافرت به الروايات من أن
~~قريشا نقضوا العهد على ما علمت والمعتمد هو الأول { إن الله
~~يحب المتقين } تعليل لوجوب الامتثال وتنبيه على أن مراعاة
~~العهد من باب التقوى وأن التسوية بين الغادر والوفي منافية لذلك وإن كان
~~المعاهد مشركا.

### || [9.5]

# { فإذا انسلخ الأشهر الحرم } أي انقضت، وأصله من السلخ
~~بمعنى الكشط يقال: سلخت الإهاب عن الشاة أي كشطته ونزعته عنها، ويجيء
~~بمعنى الإخراج كما يقال: سلخت الشاة عن الإهاب إذا أخرجتها منه، وذكر أبو
~~الهيثم أنه يقال: أهللنا شهر كذا أي دخلنا فيه فنحن نزداد كل ليلة لباسا
~~إلى نصفه ثم نسلخه عن أنفسنا جزأ فجزأ حتى ينقضي وأنشد:

# إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله

# كفى قاتلا سلخي الشهور واهلالي

# والانسلاخ فيما نحن فيه استعارة حسنة وتحقيق ذلك أن الزمان محيط بما فيه
~~من الزمانيات مشتمل عليه اشتمال الجلد على الحيوان وكذا كل جزء من أجزائه
~~الممتدة كالأيام والشهور والسنين، فإذا مضى فكأنه انسلخ عما فيه، وفي ms03684 ذلك
~~مزيد لطف لما فيه من التلويح بأن تلك الأشهر كانت حرزا لأولئك المعاهدين
~~عن غوائل أيدي المسلمين فنيط قتالهم بزوالها، ومن هنا يعلم أن جعله
~~استعارة من المعنى الأولى للسلخ أولى من جعله من المعنى الثاني باعتبار
~~أنه لما انقضى كأنه أخرج من الأشياء الموجودة إذ لا يظهر هذا التلويح
~~عليه ظهوره على الأول ,أل في الأشهر للعهد فالمراد بها الأشهر الأربعة
~~المتقدمة في قوله سبحانه:

# فسيحوا في الأرض أربعة أشهر

# [التوبة: 2] وهو المروي عن مجاهد وغيره. وفي «الدر المصون» أن العرب إذا
~~ذكرت نكرة ثم أرادت ذكرها ثانيا أتت بالضمير أو باللفظ معرفا بأل ولا
~~يجوز أن تصفه حينئذ بصفة تشعر بالمغايرة / فلو قيل رأيت رجلا وأكرمت
~~الرجل الطويل لم ترد بالثاني الأول وإن وصفته بما لا يقتضي المغايرة جاز
~~كقولك فأكرمت الرجل المذكور والآية من هذا القبيل، فإن { الحرم } صفة
~~مفهومة من فحوى الكلام فلا تقتضي المغايرة، وكأن النكتة في العدول عن
~~الضمير ووضع الظاهر موضعه الإتيان بهذه الصفة لتكون تأكيدا لما ينبىء
~~عنه إباحة السياحة من حرمة التعرض لهم مع ما في ذلك من مزيد الاعتناء
~~بشأن الموصوف.

# وعلى هذا فالمراد بالمشركين في قوله سبحانه: { فاقتلوا
~~المشركين } الناكثون فيكون المقصود بيان حكمهم بعد التنبيه على
~~إتمام مدة من لم يكنث ولا يكون حكم الباقين مفهوما من عبارة النص بل من
~~دلالته، وجوز أن يكون المراد بها تلك الأربعة مع ما فهم من قوله سبحانه:

# فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم

# [التوبة: 4] من تتمة مدة بقيت لغير الناكثين. وعليه يكون حكم الباقين
~~مفهوما من العبارة حيث إن المراد بالمشركين حينئذ ما يعمهم والناكثين
~~إلا أنه يكون الانسلاخ وما نيط به من القتال شيئا فشيئا لا دفعة واحدة،
~~فكأنه قيل: فإذا تم ميقات كل طائفة فاقتلوهم، وقيل: المراد بها الأشهر
~~المعهودة الدائرة في كل سنة وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وهو
~~مخل بالنظم الكريم لأنه يأباه الترتيب بالفاء وهو مخالف للسياق الذي
~~يقتضي توالي هذه الأشهر.

# وقيل: ms03685 إنه مخالف للإجماع أيضا لأنه قام على أن هذه الأشهر يحل فيها
~~القتال وأن حرمتها نسخت وعلى تفسيره بها يقتضي بقاء حرمتها ولم ينزل بعد
~~ما ينسخها.

# ورد بأنه لا يلزم أن ينسخ الكتاب بالكتاب بل قد ينسخ بالسنة كما تقرر في
~~الأصول، وعلى تقدير لزومه كما هو رأي البعض يحتمل أن يكون ناسخه من
~~الكتاب منسوخ التلاوة. وتعقب هذا بأنه احتمال لا يفيد ولا يسمع لأنه لو
~~كان كذلك لنقل والنسخ لا يكفي فيه الاحتمال، وقيل: إن الإجماع إذا قام
~~على أنها منسوخة كفى ذلك من غير حاجة إلى نقل سند إلينا، وقد صح أنه صلى
~~الله عليه وسلم حاصر الطائف لعشر بقين من المحرم، وكما أن ذلك كاف لنسخها
~~يكفي لنسخ ما وقع في الحديث الصحيح وهو

# " إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله تعالى السماوات والأرض السنة
~~اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب "

# فلا يقال: إنه يشكل علينا لعدم العلم بما ينسخه كما توهم، وإلى نسخ
~~الكتاب بالإجماع ذهب البعض منا ففي «النهاية شرح الهداية» تجوز الزيادة
~~على الكتاب بالإجماع صرح به الإمام السرخسي، وقال فخر الإسلام: إن النسخ
~~بالإجماع جوزه بعض أصحابنا بطريق أن الإجماع يوجب العلم اليقيني كالنص
~~فيجوز أن يثبت به النسخ، والإجماع في كونه حجة أقوى من الخبر المشهور
~~والنسخ به جائز فبالإجماع أولى. وأما اشتراط حياة النبي صلى الله عليه
~~وسلم في جواز النسخ فغير مشروط على قول ذلك البعض من الأصحاب اه. وأنت
~~تعلم أن المسألة خلافية عندنا، على أن في الإجماع كلاما، فقد قيل: ببقاء
~~حرمة قتال المسلمين فيها إلا أن يقاتلوا ونقل ذلك عن عطاء لكنه قول لا
~~يعتد به، والقول بأن منع القتال في الأشهر الحرم كان في تلك السنة وهو لا
~~يقتضي منعه في كل ما شابهها بل هو مسكوت عنه فلا يخالف الإجماع، ويكون
~~حله معلوما من دليل آخر ليس بشيء، لأن الظاهر أن من يدعي الإجماع يدعيه
~~في الحل ms03686 في تلك السنة أيضا، وبالجملة لا معول على هذا التفسير، وهذه على
~~ما قال الجلال السيوطي هي آية السيف التي نسخت آيات العفو والصفح
~~والإعراض والمسالمة. وقال العلامة ابن حجر: آية السيف

# وقاتلوا المشركين كافة

# [التوبة: 36] وقيل: هما، واستدل الجمهور بعمومها على قتال الترك والحبشة
~~كأنه قيل: فاقتلوا الكفار مطلقا.

# { حيث وجدتموهم } من حل وحرم { وخذوهم } قيل: أي أسروهم
~~/ والأخيذ الأسير، وفسر الأسر بالربط لا لاسترقاق، فان مشركي العرب لا
~~يسترقون. وقيل: المراد إمهالهم للتخيير بين القتل والإسلام.

# وقيل: هو عبارة عن أذيتهم بكل طريق ممكن، وقد شاع في العرف الأخذ على
~~الاستيلاء على مال العدو، فيقال: إن بني فلان أخذوا بني فلان أي استولوا
~~على أموالهم بعد أن غلبوهم { واحصروهم } قيل أي أحبسوهم. ونقل
~~الخازن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد امنعوهم عن الخروج
~~إذا تحصنوا منكم بحصن. ونقل غيره عنه أن المعنى حيلوا بينهم وبين المسجد
~~الحرام { واقعدوا لهم كل مرصد } أي كل ممر ومجتاز يجتازون
~~منه في أسفارهم، وانتصابه عند الزجاج ومن تبعه على الظرفية. ورده أبو علي
~~بأن المرصد المكان الذي يرصد فيه العدو فهو مكان مخصوص لا يجوز حذف  في
~~ منه ونصبه على الظرفية إلا سماعا. وتعقبه أبو حيان ((بأنه لا مانع من
~~انتصابه على الظرفية لأن قوله تعالى: { واقعدوا لهم } ليس معناه
~~حقيقة القعود بل المراد ترقبهم وترصدهم، فالمعنى ارصدوهم كل مرصد يرصد
~~فيه، والظرف مطلقا ينصبه بإسقاط  في  فعل من لفظه أو معناه نحو جلست
~~وقعدت مجلس الأمير))، والمقصور على السماع ما لم يكن كذلك، و { كل }
~~وإن لم يكن ظرفا لكن له حكم ما يضاف إليه لأنه عبارة عنه. وجوز ابن
~~المنير أن يكون مرصدا مصدرا ميميا فهو مفعول مطلق والعامل فيه الفعل
~~الذي بمعناه، كأنه قيل: وارصدوهم كل مرصد ولا يخفى بعده، وعن الأخفش أنه
~~منصوب بنزع الخافض والأصل على كل مرصد فلما حذف على انتصب، وأنت تعلم أن
~~النصب بنزع الخافض غير مقيس خصوصا إذا كان الخافض ms03687 على فانه يقل حذفها
~~حتى قيل: إنه مخصوص بالشعر.

# { فإن تابوا } عن الشرك بالإيمان بسبب ما ينالهم منكم {
~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة } تصديقا لتوبتهم
~~وإيمانهم، واكتفى بذكرهما لكونهما رئيسي العبادات البدنية والمالية {
~~فخلوا سبيلهم } أي فاتركوهم وشأنهم ولا تتعرضوا لهم بشيء مما
~~ذكر. وقيل: المراد خلوا بينهم وبين البيت ولا تمنعوهم عنه والأول أولى،
~~وقد جاءت تخلية السبيل في كلام العرب كناية عن الترك كما في قوله:

# خل السبيل لمن يبني المنار به

# وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر

# ثم يراد منها في كل مقام ما يليق به.

# ونقل عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه استدل بالآية على قتل تارك
~~الصلاة وقتال مانع الزكاة، وذلك لأنه تعالى أباح دماء الكفار بجميع الطرق
~~والأحوال ثم حرمها عند التوبة عن الكفر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فما
~~لم يوجد هذا المجموع تبقى اباحة الدم على الأصل، ولعل أبا بكر رضي الله
~~تعالى عنه استدل بها على قتال مانعي الزكاة. وفي «الحواشي الشهابية» أن
~~المزني من جلة الشافعية رضي الله تعالى عنهم أورد على قتل تارك الصلاة
~~تشكيكا تحيروا في دفعه كما قاله السبكي في «طبقاته» فقال ((إنه لا يتصور
~~لأنه إما أن يكون على ترك صلاة قد مضت أو لم تأت والأول باطل لأن المقضية
~~لا يقتل بتركها والثاني كذلك لأنه ما لم يخرج الوقت فله التأخير فعلام
~~يقتل؟ وسلكوا في الجواب مسالك.

# الأول: أن هذا وارد أيضا على القول بالتعزير والضرب والحبس كما هو مذهب
~~الحنفية فالجواب  الجواب  وهو جدلي. والثاني: أنه على الماضية لأنه
~~تركها بلا عذر، ورد بأن القضاء لا يجب على الفور وبأن الشافعي / رضي الله
~~تعالى عنه قد نص على أنه لا يقتل بالمقضية مطلقا. والثالث: أنه يقتل
~~للمؤداة في آخر وقتها. ويلزمه أن المبادرة إلى قتل تارك الصلاة تكون أحق
~~منها إلى المرتد إذ هو يستتاب وهذا لا يستتاب ولا يمهل إذ لو أمهل صارت
~~مقضية)) وهو محل كلام فلا حاجة إلى أن يجاب من طرف أبي ms03688 حنيفة رضي الله
~~تعالى عنه كما قيل: بأن استدلال الشافعية مبني على القول بمفهوم الشرط
~~وهو لا يعول به، ولو سلمه فالتخلية الإطلاق عن جميع ما مر، وحينئذ يقال:
~~تارك الصلاة لا يخلى ويكفي لعدم التخلية أن يحبس، على أن ذلك منقوض بمانع
~~الزكاة عنده، وأيضا يجوز أن يراد بإقامتهما التزامهما وإذا لم يلتزمهما
~~كان كافرا إلا أنه خلاف المتبادر وإن قاله بعض المفسرين.

# وأنت تعلم أن مذهب الشافعية إن من ترك صلاة واحدة كسلا بشرط إخراجها عن
~~وقت الضرورة بأن لا يصلي الظهر مثلا حتى تغرب الشمس قتل حدا، واستدل
~~بعض أجلة متأخريهم بهذه الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم

# " أمرت أن أقاتل الناس "

# الحديث وبين ذلك بأنهما شرطا في الكف عن القتل والمقاتلة الإسلام
~~وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لكن الزكاة يمكن الإمام أخذها ولو بالمقاتلة
~~ممن امتنعوا منها وقاتلونا فكانت فيها على حقيقتها بخلافها في الصلاة
~~فانه لا يمكن فعلها بالمقاتلة فكانت فيها بمعنى القتل، ثم قال: فعلم وضوح
~~الفرق بين الصلاة والزكاة وكذا الصوم فإنه إذا علم أنه يحبس طول النهار
~~نواه فأجدى الحبس فيه ولا كذلك الصلاة فتعين القتل في حدها ولا يخفى أن
~~ظاهر هذا قول بالجمع بين الحقيقة والمجاز في الآية والحديث لأن الصلاة
~~والزكاة في كل منهما، وفي الآية القتل وحقيقته لا تجري في مانع الزكاة
~~وفي الحديث المقاتلة وحقيقتها لا تجري في تارك الصلاة فلا بد أن يراد مع
~~القتل المقاتلة في الآية ومع المقاتلة القتل في الحديث ليتأتى جريان ذلك
~~في تارك الصلاة ومانع الزكاة، والجمع بين الحقيقة والمجاز لا يجوز عندنا،
~~على أن حمل الآية والحديث على ذلك مما لا يكاد يتبادر إلى الذهن فالنقض
~~بمانع الزكاة في غاية القوة. وأشار إلى ما نقل عن المزني مع جوابه بقوله:
~~لا يقال: لا قتل بالحاضرة لأنه لم يخرجها عن وقتها ولا بالخارجة عنه لأنه
~~لا قتل بالقضاء وان وجب فورا لأنا نقول: بل يقتل بالحاضرة إذا أمر بها
~~من جهة الإمام ms03689 أو نائبه دون غيرهما فيما يظهر في الوقت عند ضيقه وتوعد
~~على إخراجها عنه فامتنع حتى خرج وقتها لأنه حينئذ معاند للشرع عنادا
~~يقتضي مثله القتل فهو ليس لحاضرة فقط ولا لفائتة فقط بل لمجموع الأمرين
~~الأمر والإخراج مع التصميم ثم إنهم قالوا: يستتاب تارك الصلاة فورا
~~ندبا، وفارق الوجوب في المرتد بأن ترك استتابته توجب تخليده في النار
~~إجماعا بخلاف هذا، ولا يضمن عندهم من قتله قبل التوبة مطلقا لكنه يأثم
~~من جهة الافتيات على الإمام وتمام الكلام في ذلك يطلب من محله.

# واستدل بالآية أيضا  كما قال الجلال السيوطي  من ذهب إلى كفر تارك
~~الصلاة ومانع الزكاة، وليس ذلك بشيء والصحيح أنهما مؤمنان عاصيان وما
~~يشعر بالكفر خارج مخرج التغليظ { إن الله غفور رحيم } يغفر
~~لهم ما قد سلف منهم ويثيبهم بإيمانهم وطاعتهم وهو تعليل للأمر بتخلية
~~السبيل.

### || [9.6]

# { وإن أحد } شروع في بيان حكم المتصدين لمبادي التوبة من سماع
~~كلام الله تعالى والوقوف على شعائر الدين إثر بيان حكم التائبين عن الكفر
~~والمصرين عليه، وفيه إزاحة ما عسى يتوهم من قوله سبحانه:

# فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين

# [التوبة: 5] / إذ الحجة قد قامت عليهم وأن ما ذكره عليه الصلاة والسلام
~~قبل من الدلائل والبينات كاف في إزالة عذرهم بطلبهم للدليل لا يلتفت إليه
~~بعد و { إن } شرطية والاسم مرفوع بشرط مضمر يفسره الظاهر لا بالابتداء
~~ومن زعم ذلك فقد أخطأ كما قال الزجاج لأن إن لكونها تعمل العمل المختص
~~بالفعل لفظا أو محلا مختصة به فلا يصح دخولها على الاسماء أي وإن
~~استجارك أحد { من المشركين استجارك } أي استأمنك وطلب
~~مجاورتك بعد انقضاء الأجل المضروب { فأجره } أي فآمنه { حتى
~~يسمع كلم الله } ويتدبره ويطلع على حقيقة ما تدعو إليه
~~والاقتصار على ذكر السماع لعدم الحاجة إلى شيء آخر في الفهم لكونهم من
~~أهل اللسن والفصاحة، والمراد بكلام الله تعالى الآيات المشتملة على ما
~~يدل على التوحيد ونفي الشبه والشبيه، وقيل: سورة براءة، وقيل: جميع
~~القرآن لأن تمام ms03690 الدلائل والبينات فيه، و { حتى } للتعليل متعلقة بما
~~عندها، وليست الآية من التنازع على ما صرح به الفاضل ابن العادل حيث قال:
~~ولا يجوز ذلك عند الجمهور لأمر لفظي صناعي لأنا لو جعلناها من ذلك الباب
~~واعلمنا الأول أعني استجارك لزم إثبات الممتنع عندهم وهو إعمال حتى في
~~الضمير فإنهم قالوا: لا يرتكب ذلك إلا في الضرورة كما في قوله:

# فلا والله لا يلفي أناس

# فتى حتاك يا ابن أبي زياد

# ضرورة أن القائلين بأعمال الثاني يجوزن إعمال الأول المستدعى لما ذكر
~~سيما على مذهب الكوفيين المبني على رجحان إعماله ومن جوز إعماله في
~~الضمير يصح ذلك عنده لعدم المحذور حينئذ، ويفهم ظاهر كلام بعض الأفاضل
~~جواز التعلق باستجارك حيث قال: لا داعي لتعلقه بأجره سوى الظن أنه يلزم
~~أن يكون التقدير على تقدير التعلق بالأول وإن أحد من المشركين استجارك
~~حتى يسمع كلام الله فأجره حتاه أي حتى السمع وهل يقول عاقل بتوقف تمام
~~قولك إن استأمنك زيد لأمر كذا فأمنه على أن تقول لذلك الأمر كلا فرضنا
~~الاحتياج ولزوم التقدير ولكن ما الموجب لتقدير حتاه الممتنع في غير
~~الضرورة ولم لا يجوز أن يقدر لذلك أوله أو حتى يسمعه أو غير ذلك مما في
~~معناه، وقال آخر: إن لزوم الإضمار الممتنع على تقدير إعمال الأول لا يعين
~~إعمال الثاني فلا يخرج التركيب من باب التنازع بل يعدل حينئد إلى الحذف
~~فإن تعذر أيضا ذكر مظهرا كما يستفاد من كلام نجم الأئمة وغيره من
~~المحققين.

# وقد يقال: إن المانع من كونه من باب التنازع أنه ليس المقصود تعليل
~~الاستجارة بما ذكر كما أن المقصود تعليل الإجارة به. نعم قال شيخ الاسلام
~~ان تعلق الإجارة بسماع كلام الله تعالى يستلزم تعلق الاستجارة أيضا بذلك
~~أو ما في معناه من أمور الدين، وما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه انه
~~أتاه رجل من المشركين فقال: إن أراد الرجل منا أن يأتي محمدا صلى الله
~~عليه وسلم بعد انقضاء هذا الأجل ms03691 لسماع كلام الله تعالى أو لحاجة قتل قال:
~~لا لأن الله تعالى يقول: { وإن أحد من المشركين
~~استجارك فأجره } الخ فالمراد بما فيه من الحاجة هي الحاجة
~~المتعلقة بالدين لا ما يعمها وغيرها من الحاجات الدنيوية كما ينبىء عنه
~~قوله أن يأتي محمدا صلى الله عليه وسلم فإن من يأتيه عليه الصلاة
~~والسلام إنما يأتيه للأمور المتعلقة بالدين انتهى، لكنه ليس بشيء لأن
~~الظاهر من كلام ذلك القائل العموم فيكون جواب الأمير كرم الله تعالى وجهه
~~مؤيدا لما قلناه. ويرد على قوله قدس سره أن يأتيه عليه الصلاة والسلام
~~انما يأتيه للأمور المتعلقة بالدين منع ظاهر فلا يتم بناء الإنباء، وجوز
~~غير واحد كون حتى للغاية والخبر المذكور وجزالة المعنى يشهدان بكونها
~~للتعليل بل قال المولى سري الدين المصري: / إن جعلها للغاية يأباه قوله
~~تعالى: { ثم أبلغه } بعد سماعه وكلام الله تعالى إن لم يؤمن {
~~مأمنه } أي مسكنه الذي يأمن فيه أو موضع أمنه وهو ديار قومه على أن
~~المأمن اسم مكان أو مصدر بتقدير مضاف والأول أولى لسلامته من مؤنة
~~التقدير، والجملة الشرطية على ما بينه في «الكشف» عطف على قوله سبحانه:

# فاقتلوا المشركين

# [التوبة: 5] ولا حجة في الآية للمعتزلة على نفي الكلام النفسي لأن
~~السماع قد ينسب إليه باعتبار الدال عليه أو يقال: إن الكلام مقول
~~بالاشتراك أو بالحقيقة والمجاز على الكلام النفسي والكلام اللفظي ولا
~~يلزم من تعين أحدهما في مقام نفي ثبوت الآخر في نفس الأمر، وقد تقدم في
~~المقدمات من الكلام ما يتعلق بهذا المقام فتذكر.

# { ذلك } أي الأمن أو الأمر { بأنهم } أي بسبب أنهم { قوم
~~لا يعلمون } ما الإسلام وما حقيقة ما تدعوهم إليه أو قوم جهلة فلا
~~بد من إعطاء الأمان حتى يفهموا ذلك ولا يبقى لهم معذرة أصلا، والآية كما
~~قال الحسن محكمة. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن أبي عروبة أنها منسوخة
~~بقوله تعالى:

# وقاتلوا المشركين كافة كما يقتلونكم كافة

# [التوبة: 36] وروي ذلك عن السدي والضحاك أيضا وما قاله الحسن أحسن، ms03692
~~واختلف في مقدار مدة الإمهال فقيل: أربعة أشهر وذكر النيسابوري أنه
~~الصحيح من مذهب الشافعي، وقيل: مفوض إلى رأي الإمام ولعله الأشبه.

### || [9.7]

# { كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله }
~~تبيين للحكمة الداعية لما سبق من البراءة ولواحقها والمراد من المشركين
~~الناكثون لأن البراءة إنما هي في شأنهم، والاستفهام لإنكار الوقوع، و {
~~يكون } تامة و { كيف } في محل النصب على التشبيه بالحال أو الظرف.
~~وقال غير واحد: ناقصة و { كيف } خبرها وهو واجب التقديم لأن الاستفهام
~~له صدر الكلام و { للمشركين } متعلق بيكون عند من يجوز عمل
~~الأفعال الناقصة بالظروف أو صفة لعهد قدمت فصارت حالا و { عند } أما
~~متعلق بيكون على ما مر أو بعهد لأنه مصدر أو بمحذوف وقع صفة له، وجوز أن
~~يكون الخبر { للمشركين } و { عند } فيها الأوجه المتقدمة، ويجوز
~~أيضا تعلقها بالاستقرار الذي تعلق به { للمشركين } أو الخبر {
~~عند الله } وللمشركين إما تبيين كما في  سقيا لك  فيتعلق بمقدر
~~مثل أقول هذا الإنكار لهم أو متعلق بيكون وأما حال من { عهد } أو
~~متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، ويغتفر تقدم معمول الخبر لكونه
~~جارا ومجرورا، و { كيف } على الوجهين الأخيرين شبيهة بالظرف أو
~~بالحال كما في احتمال كون الفعل تاما وهو على ما قاله شيخ الإسلام
~~الأولى لأن في إنكار ثبوت العهد في نفسه من المبالغة ما ليس في إنكار
~~ثبوته للمشركين لأن ثبوته الرابطي فرع ثبوته العيني فانتفاء الأصل يوجب
~~انتفاء الفرع رأسا وتعقب بأنه غير صحيح لما تقرر أن انتفاء مبدأ المحمول
~~في الخارج لا يوجب انتفاء الحمل الخارجي لاتصاف الأعيان بالاعتباريات
~~والعدميات حتى صرحوا بأن زيدا عمي قضية خارجية مع أنه لا ثبوت عينا
~~للعمى وصرحوا بأن ثبوت الشيء للشيء وإن لم يقتض ثبوت الشيء الثابت في ظرف
~~الاتصاف لكنه يقتضي ثبوته في نفسه ولو في محل انتزاعه، وتحقيق ذلك في
~~محله نعم في توجيه الإنكار إلى كيفية ثبوت العهد من المبالغة ما ليس في
~~توجيهه إلى ثبوته لأنه إذا انتفى ms03693 جميع أحوال وجود الشيء وكل موجود يجب أن
~~يكون وجوده على حال فقد انتفى وجوده على الطريق البرهاني أي في أي حال
~~يوجد لهم عهد معتد به عند الله تعالى وعند رسوله صلى الله عليه وسلم
~~يستحق أن يراعى حقوقه ويحافظ عليه إلى تمام المدة ولا يتعرض لهم بحسبه
~~قتلا وأخذا. / وتكرير كلمة عند للإيذان بعدم الاعتداد عند كل من الله
~~تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام على حدة.

# { إلا الذين عهدتم } وهم المستثنون فيما سلف والخلاف هو
~~الخلاف والمعتمد هو المعتمد، والتعرض لكون المعاهدة { عند المسجد
~~الحرام } لزيادة بيان أصحابها والإشعار بسبب وكادتها، والاستثناء
~~منقطع وهو بمعنى الاستدراك من النفي المفهوم من الاستفهام الإنكاري
~~المتبادر شموله بجميع المعاهدين ومحل الموصول الرفع على الابتداء وخبره
~~مقدر أو هو { فما استقموا لكم فاستقيموا لهم }
~~والفاء لتضمنه معنى الشرط على ما مر و { ما } كما قال غير واحد إما
~~مصدرية منصوبة المحل على الظرفية بتقدير مضاف أي فاستقيموا لهم مدة
~~استقامتهم لكم وإما شرطية منصوبة المحل على الظرفية الزمانية أي أي زمان
~~استقاموا لكم فاستقيموا لهم وهو أسلم من القيل صناعة من الاحتمال الأول
~~على التقدير الثاني، ويحتمل أن تكون مرفوعة المحل على الابتداء وفي خبرها
~~الخلاف المشهور واستقيموا جواب الشرط والفاء واقعة في الجواب، وعلى
~~احتمال المصدرية مزيدة للتأكيد.

# وجوز أن يكون الاستثناء متصلا ومحل الموصول النصب أو الجر على أنه بدل
~~من المشركين لأن الاستفهام بمعنى النفي، والمراد بهم الجنس لا المعهودون،
~~وأيا ما كان فحكم الأمر بالاستقامة ينتهي بانتهاء مدة العهد فيرجع هذا
~~إلى الأمر بالإتمام المار خلا أنه قد صرح ههنا بما لم يصرح به هناك مع
~~كونه معتبرا فيه قطعا وهو تقييد الإتمام المأمور به ببقائهم على ما
~~كانوا عليه من الوفاء، وعلل سبحانه بقوله تعالى: { إن الله يحب
~~المتقين } على طرز ما تقدم حذو القذة بالقذة.

### || [9.8]

# { كيف } تكرير لاستنكار ما مر من أن يكون للمشركين عهد حقيق
~~بالمراعاة عند الله تعالى وعند رسوله صلى الله عليه ms03694 وسلم، وقيل: لاستبعاد
~~ثباتهم على العهد وفائدة التكرار التأكيد والتمهيد لتعداد العلل الموجبة
~~لما لا ذكر لإخلال تخلل ما في البين بالارتباط والتقريب؛ وحذف الفعل
~~المستنكر للإيذان بأن النفس مستحضرة له مترقبة لورود ما يوجب استنكاره،
~~وقد كثر حذف الفعل المستفهم عنه مع كيف ويدل عليه بجملة حالية بعده، ومن
~~ذلك قوله كعب الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار:

# وخبر تماني أنما الموت في القرى

# فكيف وهاتا هضبة وقليب

# يريد فكيف مات والحال ما ذكر، والمراد هنا كيف يكون لهم عهد معتد به عند
~~الله وعند رسوله عليه الصلاة والسلام { و } حالهم أنهم { إن
~~يظهروا عليكم } أي يظفروا بكم { لا يرقبوا فيكم
~~إلا ولا ذمة } أي لم يراعوا في شأنكم ذلك، وأصل الرقوب النظر
~~بطريق الحفظ والرعاية ومنه الرقيب ثم استعمل في مطلق الرعاية، والمراقبة
~~أبلغ منه كالمراعاة، وفي نفي الرقوب من المبالغة ما ليس في نفيهما، وما
~~ألطف ذكر الرقوب مع الظهور والإل بكسر الهمزة وقد يفتح على ما روي عن ابن
~~عباس الرحم والقرابة وأنشد قول حسان:

# لعمرك إن إلك من قريش

# كال السقب من رأل النعام

# وإلى ذلك ذهب الضحاك، وروي عن السدي أنه الحلف والعهد، قيل: ولعله بهذا
~~المعنى مشتق من الأل وهو الجوار لأنهم كانوا إذا تحالفوا رفعوا أصواتهم
~~ثم استعير للقرابة لأن بين القريبين عقدا أشد من عقد التحالف، وكونه أشد
~~لا ينافي كونه مشبها لأن الحلف يصرح به ويلفظ فهو أقوى من وجه آخر وليس
~~التشبيه من المقلوب كما توهم، وقيل: مشتق من ألل الشيء إذا حدده أو من أل
~~البرق إذا لمع وظهر ووجه المناسبة ظاهر. / وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ
~~عن عكرمة ومجاهد أن الإل بمعنى الله عز وجل، ومنه ما روي أن أبا بكر رضي
~~الله تعالى عنه قرىء عليه كلام مسيلمة فقال لم يخرج هذا من أل فأين تذهب
~~بكم؟ قيل: ومنه اشتق الإل بمعنى القرابة كما اشتقت الرحيم من الرحمن،
~~والظاهر أنه ليس بعربي إذ لم يسمع في كلام ms03695 العرب إل بمعنى إله. ومن هنا
~~قال بعضهم انه عبري ومنه جبرال: وأيده بأنه قرىء إيلا وهو عندهم بمعنى
~~الله أو الإله أي لا يخافون الله ولا يراعونه فيكم.

# والذمة الحق الذي يعاب ويذم على إغفاله أو العهد، وسمي به لأن نقضه يوجب
~~الذم، وهي في قولهم في ذمتي كذا محل الالتزام ومن الفقهاء من قال: هو
~~معنى يصير به الآدمي على الخصوص أهلا لوجوب الحقوق عليه، وقد تفسر
~~بالأمان والضمان وهي متقاربة، وزعم بعضهم أن الإل والذمة كلاهما هنا
~~بمعنى العهد والعطف للتفسير، ويأباه إعادة لا ظاهرا فليس هو نظير:

# فألفى قولها كذبا ومينا

# فالحق المغايرة بينهما، والمراد من الآية قيل: بيان أنهم أسراء الفرصة
~~فلا عهد لهم، وقيل: الإرشاد إلى أن وجوب مراعاة حقوق العهد على كل من
~~المتعاهدين مشروط بمراعاة الآخر لها فإذا لم يراعها المشركون فكيف
~~تراعونها فهو على منوال قوله:

# علام تقبل منهم فدية وهم

# لا فضة قبلوا منا ولا ذهبا

# ولم أجد لهؤلاء مثلا من هذه الحيثية المشار إليها بقوله سبحانه: {
~~وإن يظهروا } الخ إلا أناسا متزينين بزي العلماء وليسوا منهم ولا
~~قلامة ظفر فإنهم معي وحسبي الله وكفى على هذا الطرز فرفعهم الله تعالى
~~لا قدرا وحطهم ولا حط عنهم وزرا.

# وقوله سبحانه: { يرضونكم بأفوههم وتأبى قلوبهم }
~~استئناف للكشف عن حقيقة شؤونهم الجلية والخفية دافع لما يتوهم من تعليق
~~عدم رعاية العهد بالظفر أنهم يراعونه عند عدم ذلك حيث بين فيه أنهم في
~~حالة العجز أيضا ليسوا من الوفاء في شيء وإن ما يظهرونه أخفاهم الله
~~تعالى مداهنة لا مهادنة، وكيفية إرضائهم المؤمنين أنهم يبدون لهم الوفاء
~~والمصافاة ويعدونهم بالإيمان والطاعة ويؤكدون ذلك بالأيمان الفاجرة
~~والمؤمن غر كريم إذا قال صدق وإذا قيل له صدق ويتعللون لهم عند ظهور خلاف
~~ذلك بالمعاذير الكاذبة. وتقييد الإرضاء بالأفواه للإيذان بأن كلامهم مجرد
~~ألفاظ يتفوهون بها من غير أن يكون لها مصداق في قلوبهم، وأكد هذا بمضمون
~~الجملة الثانية وزعم بعضهم أن الجملة حالية من فاعل ms03696 { يرقبوا } لا
~~استئنافية، ورد بأن الحال تقتضي المقارنة والإرضاء قبل الظهور الذي هو
~~قبل عدم الرقوب الواقع جزاء فأين المقارنة، وأيضا أن بين الحالتين
~~منافاة ظاهرة فإن الإرضاء بالأفواه حالة إخفاء الكفر والبغض مداراة
~~للمؤمنين وحالة عدم المراعاة والوقوف حالة مجاهدة بالعداوة لهم وحيث
~~تنفيا لا معنى لتقييد إحداهما بالأخرى.

# { وأكثرهم فسقون } خارجون عن الطاعة متمردون لا عقيدة
~~تزعهم ولا مروءة تردهم وتخصيص الأكثر لما في بعض الكفرة من التحامي عن
~~العذر والتعفف عما يجر أحدوثة السوء، ووصف الكفرة بالفسق في غاية الذم.

### || [9.9]

# { اشتروا بئايت الله } أي المتضمنة للأمر بايفاء العهود
~~والاستقامة في كل أمر أو جميع آياته فيدخل فيها ما ذكر دخولا أوليا،
~~والمراد بالاشتراء الاستبدال، وفي الكلام استعارة تبعية تصريحية ويتبعها
~~مكنية حيث شبهت الآيات بالشيء المبتاع، وقد يكون هناك مجاز مرسل باستعمال
~~المقيد وهو الاشتراء في المطلق وهو الاستبدال على حد ما قالوا في المرسن
~~أي استبدلوا بذلك { ثمنا قليلا } أي شيئا حقيرا من حطام الدنيا
~~وهو أهواؤهم وشهواتهم التي اتبعوها / والجملة كما  قال العلامة الطيبي 
~~مستأنفة كالتعليل لقوله تعالى:

# وأكثرهم فسقون

# [التوبة: 8] فيه أن من فسق وتمرد كان سببه مجرد اتباع الشهوات والركون
~~إلى اللذات، وفسر بعضهم الثمن القليل بما أنفقه أبو سفيان من الطعام
~~وصرفه إلى الأعراب { فصدوا } أي عدلوا وأعرضوا على أنه لازم من صد
~~صدودا أو صرفوا ومنعوا غيرهم على أنه متعد من صده عن الأمر صدا، والفاء
~~للدلالة على أن اشتراءهم أداهم إلى الصدود أو الصد { عن سبيله } أي
~~الدين الحق الموصل إليه تعالى، والإضافة للتشريف، أو سبيل بيته الحرام
~~حيث كانوا يصدون الحجاج والعمار عنه، فالسبيل إما مجاز وإما حقيقة،
~~وحينئذ إما أن يقدر في الكلام مضاف أو تجعل النسبة الإضافية متجوزا فيها
~~{ إنهم ساء ما كانوا يعملون } أي بئس ما كانوا يعملونه أو
~~عملهم المستمر، والمخصوص بالذم محذوف. وقد جوز أن يكون كلمة ساء على
~~بابها من التصرف لازمة بمعنى قبح أو معتدية والمفعول محذوف أي ساءهم الذي
~~يعملونه ms03697 أو عملهم، وإذا كان جارية مجرى بئس تحول إلى فعل بالضم ويمتنع
~~تصرفها كما قرر في محله.

### || [9.10]

# { لا يرقبون فى مؤمن إلا ولا ذمة } نعى عليهم عدم
~~مراعاة حقوق عهد المؤمنين على الإطلاق بخلاف الأول لمكان

# فيكم

# [التوبة: 8] فيه. و { في مؤمن } في هذا فلا تكرار كما في «المدارك»،
~~وقيل: إنه تفسير لما

# يعملون

# [التوبة: 9]، وهو مشعر باختصاص الذم والسوء لعملهم هذا دون غيره، وقيل:
~~إن الأول عام في الناقضين وهذا خاص بالذين اشتروا وهم اليهود والأعراب
~~الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم للاستعانة بهم على حرب النبي صلى الله
~~عليه وسلم، وعليه فالمراد بالآيات ما يشمل القرآن والتوراة، وفي هذا
~~القول تفكيك للضمائر وارتكاب خلاف الظاهر. والجبائي يخص هذا باليهود وفيه
~~ما فيه { أولئك } أي الموصوفون بما عدد من الصفات السيئة { هم
~~المعتدون } المجاوزون الغاية القصوى من الظلم والشرارة.

### || [9.11]

# { فإن تابوا } عما هم عليه من الكفر وسائر العظائم كنقض العهد
~~وغيره، والفاء للإيذان بأن تقريعهم بما نعى عليهم من فظائع الأعمال مزجرة
~~عنها ومظنة للتوبة { وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة } على
~~الوجه المأمور به { فإخونكم } أي فهم إخوانكم { فى الدين }
~~لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، والجار والمجرور متعلق بإخوانكم  كما قال
~~أبو البقاء  لما فيه من معنى الفعل، قيل: والاختلاف بين جواب هذه
~~الشرطية وجواب الشرطية السابقة مع اتحاد الشرط فيهما لما أن الأولى سيقت
~~إثر الأمر بالقتل ونظائره فوجب أن يكون جوابها أمرا بخلاف هذه، وهذه
~~سيقت بعد الحكم عليهم بالاعتداء وأشباهه فلا بد من كون جوابها حكما
~~[بخلافه] البتة، وهذه الآية أجلب لقلوبهم من تلك الآية إذ فرق ظاهر بين
~~تخلية سبيلهم وبين إثبات الأخوة الدينية لهم، وبها استدل على تحريم دماء
~~أهل القبلة، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وجاء في رواية
~~ابن جرير وأبي الشيخ عنه أنها حرمت قتال أو دماء أهل الصلاة والمآل
~~واحد، واستدل بها بعضهم على كفر تارك الصلاة إذ مفهومها نفي الأخوة
~~الدينية عنه، وما بعد الحق ms03698 إلا الضلال، ويلزمه القول بكفر مانع الزكاة
~~أيضا بعين ما ذكره، وبعض من لا يقول بإكفارهما التزم تفسير إقامة الصلاة
~~وإيتاء الزكاة بالتزامهما والعزم على إقامتهما ولا شك في كفر من لم
~~يلتزمهما بالاتفاق.

# وذكر بعض جلة الأفاضل أنه تعالى علق حصول الأخوة في الدين على مجموع
~~الأمور الثلاثة التوبة وإقام الصلاة / وإيتاء الزكاة والمعلق على الشيء
~~بكلمة { إن } ينعدم عند عدم ذلك الشيء فيلزم أنه متى لم توجد هذه
~~الثلاثة لا تحصل الأخوة في الدين وهو مشكل، لأن المكلف المسلم لو كان
~~فقيرا أو كان غنيا لكن لم ينقض عليه الحول لا يلزمه إيتاء الزكاة فإذا
~~لم يؤتها فقد انعدم عنه ما توقف عليه حصول أخوة الدين فيلزم أن لا يكون
~~مؤمنا، إلا أن يقال: التعليق بكلمة { إن } إنما يدل على مجرد كون
~~المعلق عليه مستلزما ما علق عليه ولا يدل على انعدام المعلق عليه
~~بانعدامه بل يستفاد ذلك من دليل خارجي لجواز أن يكون المعلق لازما أعم
~~فيتحقق بدون تحقق ما جعل ملزوما له، ولو سلم أن نفس التعليق يدل على
~~انعدام المعلق عند انعدام المعلق عليه، لكن لا نسلم أنه يلزم من ذلك أن
~~لا يكون المسلم الفقير مؤمنا بعدم إيتاء الزكاة وإنما يلزم ذلك أن لو
~~كان المعلق عليه ايتاؤها على جميع التقادير وليس كذلك، بل المعلق عليه هو
~~الإيتاء عند تحقق شرائط مخصوصة مبينة بدلائل شرعية انتهى.

# وأنت تعلم ما في القول بمفهوم الشرط من الخلاف والحنفية يقولون به،
~~والظاهر أن هذا البحث كما يجري في إيتاء الزكاة يجري في إقامة الصلاة.
~~واستدل ابن زيد باقترانهما على أنه لا تقبل الصلاة إلا بالزكاة. وعن ابن
~~مسعود رضي الله تعالى عنه أمر تم بالصلاة والزكاة فمن لم يزل فلا صلاة
~~له.

# { ونفصل الأيت } أي نبينها، والمراد بها إما ما مر من الآيات
~~المتعلقة بأحوال المشركين من الناكثين وغيرهم وأحكامهم حالتي الكفر
~~والإيمان واما جميع الآيات فيندرج فيها تلك الآيات اندراجا أوليا {
~~لقوم يعلمون } ما فصلنا أو ms03699 من ذوي العلم على أن الفعل متعد
~~ومفعوله مقدر أو منزل منزلة اللازم، والعلم كما قيل كناية عن التأمل
~~والتفكر أو مجاز مرسل عن ذلك بعلاقة السببية، والجملة معترضة للحث على
~~التأمل في الآيات وتدبرها.

### || [9.12]

# وقوله تعالى: { وإن نكثوا } عطف على قوله سبحانه:

# فإن تابوا

# [التوبة: 11] أي وإن لم يفعلوا ذلك بل نقضوا { أيمنهم من
~~بعد عهدهم } الموثق بها وأظهروا ما في ضمائرهم من الشر وأخرجوه
~~من القوة إلى الفعل، وجوز أن يكون المراد وإن ثبتوا واستمروا على ما هم
~~عليه من النكث، وفسر بعضهم النكث بالارتداد بقرينة ذكره في مقابلة {
~~فإن تابوا } والأول أولى بالمقام { وطعنوا فى دينكم }
~~قدحوا فيه بأن أعابوه وقبحوا أحكامه علانية. وجعل ابن المنير طعن الذمي
~~في ديننا بين أهل دينه إذا بلغنا كذلك، وعد هذا كثير ومنهم الفاضل
~~المذكور نقضا للعهد، فالعطف من عطف الخاص على العام وبه ينحل ما يقال:
~~كان الظاهر أو طعنوا لأن كلا من الطعن وما قبله كاف في استحقاق القتل
~~والقتال، وكون الواو بمعنى أو بعيد، وقيل: العطف للتفسير كما في قولك:
~~استخف فلان بي وفعل معي كذا، على معنى وإن نكثوا إيمانهم بطعنهم في
~~دينكم والأول أولى، ولا فرق بين توجيه الطعن إلى الدين نفسه إجمالا وبين
~~توجيهه إلى بعض تفاصيله كالصلاة والحج مثلا، ومن ذلك الطعن بالقرآن وذكر
~~النبي صلى الله عليه وسلم وحاشاه بسوء فيقتل الذمى به عند جمع مستدلين
~~بالآية سواء شرط انتقاض العهد به أم لا. وممن قال بقتله إذا أظهر الشتم
~~والعياذ بالله مالك والشافعي وهو قول الليث وأفتى به ابن الهمام، والقول
~~بأن أهل الذمة يقرون على كفرهم الأصلي بالجزية وذا ليس بأعظم منه فيقرون
~~عليه بذلك أيضا وليس هو من الطعن المذكور في شيء ليس من الانصاف في شيء،
~~ويلزم عليه أن لا يعزروا أيضا كما لا يعزرون بعد الجزية على الكفر
~~الأصلي، وفه لعمري بيع يتيمة الوجود صلى الله عليه وسلم / بثمن بخس
~~والدنيا بحذافيرها بل والآخرة بأسرها في ms03700 جنب جنابه الرفيع جناح بعوضة أو
~~أدنى، وقال بعضهم: إن الآية لا تدل على ما ادعاه الجمع بفرد من الدلالات
~~وإنها صريحة في أن اجتماع النكث والطعن يترتب عليه ما يترتب فكيف تدل على
~~القتل بمجرد الطعن وفيه ما فيه.

# ولا يخفى حسن موقع الطعن من القتال المدلول عليه بقوله تعالى: {
~~فقتلوا أئمة الكفر } أي فقاتلوهم، ووضع فيه الظاهر موضع
~~الضمير وسموا أئمة لأنهم صاروا بذلك رؤساء متقدمين على غيرهم بزعمهم فهم
~~أحقاء بالقتال والقتل وروي ذلك عن الحسن، وقيل: المراد بأئمتهم رؤساؤهم
~~وصناديدهم مثل أبي سفيان والحرث بن هشام، وتخصيصهم بالذكر لأن قتلهم أهم
~~لا لأنه لا يقتل غيرهم، وقيل: للمنع من مراقبتهم لكونهم مظنة لها أو
~~للدلالة على استئصالهم فإن قتلهم غالبا يكون بعد قتل من دونهم، وعن
~~مجاهد أنهم فارس والروم وفيه بعد.

# وأخرج ابن أبي شيبة وغيره عن حذيفة رضي الله تعالى عنه أنه قال: ما
~~قوتل أهل هذه الآية بعد وما أدري ما مراده والله تعالى أعلم بمراده.

# وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو { أئمة } بهمزتين ثانيتهما بين بين
~~أي بين مخرج الهمزة والياء والألف بينهما، والكوفيون وابن ذكوان عن ابن
~~عامر بتحقيقهما من غير ادخال ألف، وهشام كذلك إلا أنه أدخل بينهما الألف
~~هذا هو المشهور عن القراء السبعة. ونقل أبو حيان عن نافع المد بين
~~الهمزتين والياء. وضعف كما قال بعض المحققين قراءة التحقيق وبين بين
~~جماعة من النحويين كالفارسي، ومنهم من أنكر التسهيل بين بين وقرأ بياء
~~خفيفة الكسرة، وأما القراءة بالياء فارتضاها أبو علي وجماعة، والزمخشري
~~جعلها لحنا، وخطأه أبو حيان في ذلك لأنها قراءة رأس القراء والنحاة أبو
~~عمرو، وقراءة ابن كثير ونافع وهي صحيحة رواية، وعدم ثبوتها من طريق
~~التيسير يوجب التضييق؛ وكذا دراية فقد ذكر هو في «المفصل» وسائر الأئمة
~~في كتبهم أنه إذا اجتمعت همزتان في كلمة فالوجه قلب الثانية حرف لين كما
~~في آدم وأئمة فما اعتذر به عنه غير مقبول. والحاصل أن القراآت هنا تحقيق ms03701
~~الهمزتين وجعل الثانية بين بين بلا إدخال ألف وبه والخامسة بياء صريحة
~~وكلها صحيحة لا وجه لإنكارها، ووزن أئمة أفعلة كحمار وأحمرة، وأصله أئمة
~~فنقلت حركة الميم إلى الهمزة وأدغمت ولما ثقل اجتماع الهمزتين فروا منه
~~ففعلوا ما فعلوا.

# { إنهم لا أيمن لهم } أي على الحقيقة حيث لا يراعونها ولا
~~يفون بها ولا يرون نقضها نقصا وإن أجروها على ألسنتهم، وإنما علق النفي
~~بها كالنكث فيما سلف لا بالعهد المؤكد بها لأنها العمدة في المواثيق،
~~والجملة في موضع التعليل إما لمضمون الشرط كأنه قيل: وإن نكثوا وطعنوا
~~كما هو المتوقع منهم إذ لا أيمان لهم حقيقة حتى ينكثوها فقاتلوا أو
~~لاستمرار القتال المأمور به المستفاد من السياق فكأنه قيل: فقاتلوهم إلى
~~أن يؤمنوا إنهم لا أيمان لهم حتى يعقد معهم عقد آخر، وجعلها تعليلا
~~للأمر بالقتال لا يساعده تعليقه بالنكث والطعن لأن حالهم في أن لا أيمان
~~لهم حقيقة بعد ذلك كحالهم قبله، والحمل على معنى عدم بقاء أيمانهم بعد
~~النكث والطعن مع أنه لا حاجة إلى بيانه خلاف الظاهر، وقيل: هو تعليل لما
~~يستفاد من الكلام من الحكم عليهم بأنهم أئمة الكفر أي إنهم رؤساء الكفرة
~~وأعظمهم شرا حيث ضموا إلى كفرهم عدم مراعاة الأيمان وهو كما ترى، والنفي
~~في الآية عند الإمام أبي جنيفة عليه الرحمة على ما هو المتبادر، فيمين
~~الكافر ليست يمينا عنده معتدا بها شرعا، وعند الشافعي عليه الرحمة هي
~~يمين لأن الله تعالى وصفها بالنكث في صدر الآية وهو لا يكون حيث لا يمين
~~/ ولا أيمان لهم بما علمت.

# وأجيب بأن ذلك باعتبار اعتقادهم أنه يمين، ويبعد أن الإخبار من الله
~~تعالى والخطاب للمؤمنين، وقال آخرون: إن الاستدلال بالنكث على اليمين
~~إشارة أو اقتضاء ولا أيمان لهم عبارة فتترجح، والقول بأنها تؤول جمعا بين
~~الأدلة فيه نظر لأنه إذا كان لا بد من التأويل في أحد الجانبين فتأويل
~~غير الصريح أولى، ولعله لا يعتبر في ذلك التقدم والتأخر، وثمرة الخلاف
~~أنه لو أسلم الكافر ms03702 بعد يمين انعقدت في كفره ثم حنث هل تلزمه الكفارة
~~فعند أبي حنيفة عليه الرحمة لا وعند الشافعي رحمه الله تعالى نعم.

# وقرأ ابن عامر { إيمان } بكسر الهمزة على أنه مصدر آمنه إيمانا بمعنى
~~أعطاه الأمان، ويستعمل بمعنى الحاصل بالمصدر وهو الأمان، والمراد أنه لا
~~سبيل إلى أن تعطوهم أمانا بعد ذلك أبدا، قيل: وهذا النفي بناء على أن
~~الآية في مشركي العرب وليس لهم إلا الإسلام أو السيف؛ ومن الناس من زعم
~~أن المراد لا سبيل إلى أن يعطوكم الأمان بعد، وفيه أنه مشعر بأن معاهدتهم
~~معنا على طريقة أن يكون إعطاء الأمان من قبلهم وهو بين البطلان، أو على
~~أن الإيمان بمعنى الإسلام، والجملة على هذا تعليل لمضمون الشرط لا غير
~~على ما بينه شيخ الإسلام كأنه قيل، إن نكثوا وطعنوا كما هو الظاهر من
~~حالهم لأنه [لا] إسلام لهم حتى يرتدعوا عن نقض جنس إيمانهم وعن الطعن في
~~دينكم. وتشبث بهذه الآية على هذه القراءة من قال: إن المرتد لا تقبل
~~توبته بناء على أن الناكث هو المرتد وقد نفى الإيمان عنه، ونفيه مع أنه
~~قد يقع منه نفي لصحته والاعتداد به ولا يخفى ضعفه لما علمت من معنى
~~الآية، وقد قالوا: الاحتمال يسقط الاستدلال، وقال القاضي [البيضاوي]: بيض
~~الله تعالى غرة أحواله في بيان ضعفه: أنه يجوز أن يكون المراد نفي
~~الإيمان عن قوم معينين والإخبار عنهم بأنه طبع على قلوبهم فلا يصدر منهم
~~إيمان أصلا، أو يكون المراد أن المشركين لا إيمان لهم حتى يراقبوا
~~ويمهلوا لأجله، ويفهم من هذا أنه لم يجعل الجملة تعليلا لمضمون الشرط
~~كما ذكرنا والظاهر أنه جعلها تعليلا لقوله سبحانه: { فقاتلوا }
~~يعني أن المانع من قتلهم أحد أمرين إما العهد وقد نقضوه أو الإيمان وقد
~~حرموه، وربما يؤول ذلك إلى جعلها علة لما يفهم من الكلام كأنه قيل: إن
~~نكثوا وطعنوا فقاتلوهم ولا تتوقفوا لأنه لا مانع أصلا بعد ذلك لأنهم لا
~~إيمان لهم ليكون مانعا ولا يخفى ما فيه. ms03703 وإن قيل: إنه سقط به ما قيل: إن
~~وصف أئمة الكفر بأنهم لا إسلام لهم تكرار مستغنى عنه، وجعل الجملة
~~تعليلا لما يستفاد من الكلام من الحكم عليهم بأنهم أئمة الكفر أي رؤساؤه
~~على احتمال أن يراد الإخبار عن قوم مخصوصين بالطبع أظهر من جعلها تعليلا
~~لها على القراءة السابقة. نعم يأبى حديث الإخبار بالطبع قوله تعالى: {
~~لعلهم ينتهون } إذ مع الطبع لا يتصور الانتهاء وهو متعلق بقوله
~~سبحانه: { فقاتلوا } أي قاتلوهم إرادة أن ينتهوا، أي ليكن غرضكم من
~~القتال انتهاؤهم عما هم عليه من الكفر وسائر العظائم لا مجرد إيصال
~~الأذية بهم كما هو شنشنة المؤذين، ومما قرر يعلم أن الترجي من المخاطبين
~~لا من الله عز شأنه.

### || [9.13]

# { ألا تقتلون } تحريض على القتال لأن الاستفهام فيه للإنكار
~~والاستفهام الإنكاري في معنى النفي وقد دخل النفي ونفي النفي إثبات، وحيث
~~كان الترك مستقبحا منكرا أفاد بطريق برهاني أن إيجاده أمر مطلوب مرغوب
~~فيه فيفيد الحث والتحريض عليه، وقد يقال: وجه التحريض على القتال أنهم
~~حملوا على الإقرار بانتفائه كأنه أمر لا يمكن أن يعترف به طائعا لكمال
~~شناعته فليجئون إلى ذلك ولا يقدرون على الإقرار به فيختارون القتال
~~فيقاتلون { قوما نكثوا أيمنهم } التي حلفوها عند
~~المعاهدة لكم / على أن لا يعاونوا عليكم فعاونوا حلفاءهم بني بكر على
~~خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خزاعة، والمراد قريش { وهموا
~~بإخراج الرسول } من مكة مسقط رأسه عليه الصلاة والسلام حين
~~تشاوروا بدار الندوة حسبما ذكر في قوله تعالى:

# وإذ يمكر بك الذين كفروا

# [الأنفال: 30] وقال الجبائي: هم اليهود الذين نقضوا العهد وخرجوا مع
~~الأحزاب وهموا بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة، ولا يخفى
~~أنه يأباه السياق وعدم القرينة عليه، والأول هو المروي عن مجاهد والسدي
~~وغيرهما، واعترض بأن ما وقع في دار الندوة هو الهم بالإخراج أو الحبس أو
~~القتل والذي استقر رأيهم عليه هو القتل لا الإخراج فما وجه التخصيص،
~~وأجيب بأن التخصيص لأنه الذي وقع في الخارج ms03704 ما يضاهيه مما ترتب على همهم
~~وإن لم يكن بفعل منهم بل من الله تعالى لحكمة وما عداه لغو فخص بالذكر
~~لأنه المقتضى للتحريض لا غيره مما لم يظهر له أثر. وقيل: إنه سبحانه
~~اقتصر على الأدنى ليعلم غيره بطريق أولى، ولا يرد عليه أنه ليس بأدنى من
~~الحبس كما توهم لأن بقاءه عليه الصلاة والسلام في يد عدوه المقتضى
~~للتبريح بالتهديد ونحوه أشد منه بلا شبهة { وهم بدءوكم }
~~بالمقاتلة { أول مرة } وذلك يوم بدر وقد قالوا بعد أن بلغهم
~~سلامة العير: لا ننصرف حتى نستأصل محمدا صلى الله عليه وسلم ومن معه،
~~وقال الزجاج: بدأوا بقتال خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم وإليه
~~ذهب الأكثرون، واختار جمع الأول لسلامته من التكرار.

# وقد ذكر سبحانه ثلاثة أمور كل منها يوجب مقاتلتهم لو انفرد فكيف بها حال
~~الاجتماع ففي ذلك من الحث على القتال ما فيه ثم زاد ذلك بقوله سبحانه: {
~~أتخشونهم } وقد أقيم فيه السبب والعلة مقام المسبب والمعلول،
~~والمراد أتتركون قتالهم خشية أن ينالكم مكروه منهم { فالله أحق
~~أن تخشوه } بمخالفة أمره وترك قتال عدوه، والاسم الجليل مبتدأ و {
~~أحق } خبره و { أن تخشوه } بدل من الجلالة بدل اشتمال أو
~~بتقدير حرف جر أي بأن تخشوه فمحله النصب أو الجر بعد الحذف على الخلاف،
~~وقيل: إن { أن تخشوه } مبتدأ خبره { أحق } والجملة خبر الاسم
~~الجليل، أي خشية الله تعالى أحق أو الله أحق من غيره بالخشية أو الله
~~خشيته أحق، وخير الأمور عندي أوسطها { إن كنتم مؤمنين } فإن
~~مقتضى إيمان المؤمن الذي يتحقق أنه لا ضار ولا نافع إلا الله تعالى ولا
~~يقدر أحد على مضرة ونفع إلا بمشيئته أن لا يخاف إلا من الله تعالى، ومن
~~خاف الله تعالى خاف منه كل شيء، وفي هذا من التشديد ما لا يخفى.

### || [9.14]

# { قتلوهم } تجريد للأمر بالقتال بعد بيان موجبه على أتم وجه
~~والتوبيخ على تركه ووعد بنصرهم وبتعذيب أعدائهم وإخزائهم وتشجيع لهم {
~~يعذبهم الله بأيديكم } بالقتل { ويخزهم } ويذلهم ms03705
~~بالأسر، وقد يقال: يعذبهم قتلا وأسرا ويذلهم بذلك { وينصركم
~~عليهم } أي يعجلكم جميعا غالبين عليهم أجمعين ولذلك أخر  كما قال
~~بعض المحققين  عن التعذيب والإخزاء { ويشف صدور قوم
~~مؤمنين } قد تألموا من جهتهم، والمراد بهم أناس من خزاعة حلفائه
~~عليه الصلاة والسلام كما قال عكرمة وغيره، وعن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أنهم بطون من اليمن وسبأ قدموا مكة وأسلموا فلقوا من أهلها أذى
~~كثيرا فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون إليه فقال عليه
~~الصلاة والسلام:

# " أبشروا فإن الفرج قريب "

# / وروي عنه رضي الله تعالى عنه أن قوله سبحانه:

# ألا تقاتلون

# [التوبة: 13] الخ ترغيب في فتح مكة وأورد عليه أن هذه السورة نزلت بعد
~~الفتح فكيف يتأتى ما ذكر. وأجيب بأن أولها نزل بعد الفتح وهذا قبله،
~~وفائدة عرض البراءة من عهدهم مع أنه معلوم من قتال الفتح وما وقع فيه من
~~الدلالة على عمومه لكل المشركين ومنعهم من البيت فتذكر ولا تغفل، قيل:
~~ولا يبعد حمل المؤمنين على العموم لأن كل مؤمن يسر بتقل الكفار وهوانهم.

### || [9.15]

# { ويذهب غيظ قلوبهم } بما نالهم منهم من الأذى ولم يكونوا
~~قادرين على دفعه، وقيل: المراد يذهب غيظهم لانتهاك محارم الله تعالى
~~والكفر به عز وجل وتكذيب رسوله عليه الصلاة والسلام. ظاهر العطف أن إذهاب
~~الغيظ غير شفاء الصدور. ووجه بأن الشفاء بقتل الاعداء وخزيهم وإذهاب
~~الغيظ بالنصرة عليهم أجمعين. ولكون النصرة مدار القصد كان أثرها إذهاب
~~الغيظ من القلب الذي هو أخص من الصدر. وقيل: إذهاب الغيظ كالتأكيد لشفاء
~~الصدر وفائدته المبالغة في جعلهم مسرورين بما يمن الله تعالى عليهم من
~~تعذيبه أعداءهم وإخزائهم ونصرته سبحانه لهم عليهم، ولعل إذهاب الغيظ من
~~القلب أبلغ مما عطف عليه فيكون ذكره من باب الترقي ولا يخلو عن حسن.
~~وقيل: إن شفاء الصدور بمجرد الوعد بالفتح وإذهاب الغيظ بوقوع الفتح نفسه
~~وليس بشيء، وقد أنجز الله تعالى جميع ما وعدهم به على أجمل ما يكون
~~فالآية من المعجزات لما فيها من ms03706 الإخبار بالغيب ووقوع ما أخبر عنه.

# واستدل بها على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وقيل: إن اسناد
~~التعذيب إليه سبحانه مجاز باعتبار أنه جل وعلا مكنهم منه وأقدرهم عليه.
~~وفي «الحواشي الشهابية» قيل: إن قوله سبحانه:

# بأيديكم

# [التوبة: 14] كالصريح بأن مثل هذه الأفعال التي تصلح للباري فعل له
~~تعالى وإنما للعبد الكسب بصرف القوى والآلات، وليس الحمل على الإسناد
~~المجازي بمرضي عند العارف بأساليب الكلام، ولا الالزام بالاتفاق على
~~امتناع كتب الله تعالى بأيديكم وامتناع كذب الله تعالى شأنه بألسنه
~~الكفار بوارد لأن مجرد خلق الفعل لا يصحح إسناده إلى الخالق ما لم يصلح
~~محلا له، وإمتناع ما ذكر للاحتراز عن شناعة العبارة إذ لا يقال: يا خالق
~~القاذورات ولا المقدر للزنا والممكن منه، ثم قال: ولا يخفى ما فيه فإنه
~~تعالى لا يصلح محلا للقتل ولا للضرب ونجوه ما قصد بالاذلال وإنما هو خالق
~~له، والفعل لا يسند حقيقة إلى خالقه وإن كان هو الفاعل الحقيقي للفرق
~~بينه وبين الفاعل اللغوي إذ لا يقال: كتب الله تعالى بيد زيد على أنه
~~حقيقة بلا شبهة مع أنه لا شناعة فيه لقوله سبحانه:

# كتب الله

# [المجادلة: 21] فما ذكره غير مسلم ا ه.

# وأنا أقول: إن مسألة خلق الأفعال قد قضى العلماء المحققون الوطر منها
~~فلا حاجة إلى بسط الكلام فيها، وقد تكلموا في الآية بما تكلموا لكن بقي
~~فيها شيء وهو السر في نسبة التعذيب إليه تعالى وذكر الأيدي ولم يذكروه،
~~ولعل ذلك في النسبة إرادة المبالغة فانه تعذيب الله تعالى القوي العزيز
~~وإن كان بأيدي العباد وفي ذكر الأيدي إما التنصيص على أن ذلك في الدنيا
~~لا في الآخرة وإما لتكون البشارة بالتعذيب على الوجه الأتم الذي يترتب
~~عليه شفاء الصدور ونحوه على الوجه الأكمل إذ فرق بين تعذيب العدو بيد
~~عدوه وتعذيبه لا بيده، ولعمري أن الأول أحلى وأوقع في النفس فافهم.

# ولا يخفى ما في الآية من الانسجام حيث يخرج منها بيت كامل من الشعر.

# { ويتوب الله ms03707 على من يشآء } ابتداء إخبار بأن بعض هؤلاء
~~الذين أمروا بمقاتلتهم يتوب من كفره فيتوب الله تعالى عليه وقد كان كذلك
~~حيث أسلم منهم / أناس وحسن إسلامهم. وقرأ الأعرج وابن أبي إسحاق وعيسى
~~الثقفي وعمرو بن عبيد { ويتوب } بالنصب ورويت عن أبي عمرو ويعقوب
~~أيضا، واستشكلها الزجاج بأن توبة الله تعالى على من يشاء واقعة قاتلوا
~~أو لم يقاتلوا والمنصوب في جواب الأمر مسبب عنه فلا وجه لادخال التوبة في
~~جوابه، وقال ابن جني: إن ذلك كقولك: إن تزرني أحسن إليك وأعط زيدا كذا
~~على أن المسبب عن الزيارة جميع الأمرين لا أن كل واحد مسبب بالاستقلال،
~~وقد قالوا بنظير ذلك في قوله تعالى:

# إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما
~~تقدم من ذنبك وما تأخر

# [الفتح: 1-2] الخ وفيه تعسف.

# وقال بعضهم: إنه تعالى لما أمرهم بالمقاتلة شق ذلك على البعض فإذا
~~قاتلوا جرى قتالهم جرى التوبة من تلك الكراهية فيصير المعنى إن تقاتلوهم
~~يعذبهم الله ويتب عليكم من كراهة قتالهم، ولا يخفى أن الظاهر أن التوبة
~~للكفار، وذكر بعض المدققين أن دخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من
~~طريق المعنى لأنه يكون منصوبا بالفاء فهو على عكس

# فأصدق وأكن

# [المنافقون: 10] وهو المسمى بعطف التوهم، ووجهه أن القتال سبب لغل
~~شوكتهم وإزالة نخوتهم فيتسبب لذلك لتأملهم ورجوعهم عن الكفر كما كان من
~~أبي سفيان وعكرمة وغيرهما، والتقييد بالمشيئة للإشارة إلى أنها السبب
~~الأصلي وأن الأول سبب عادي وللتنبيه إلى أن إفضاء القتال إلى التوبة ليس
~~كإفضائه إلى البواقي؛ وزعم بعض الأجلة أن قراءة الرفع على مراعاة المعنى
~~حيث ذكر مضارع مرفوع بعد مجزوم هو جواب الأمر ففهم منه أن المعنى ويتوب
~~الله على من يشاء على تقدير المقابلة لما يرون من ثباتكم وضعف حالهم.
~~وأما على قراءة النصب فمراعاة اللفظ إذ عطف على المجزوم منصوب بتقدير
~~نصبه وليس بشيء، والحق أنه على الرفع مستأنف كما قدمنا { والله
~~عليم } لا تخفى عليه خافية { حكيم } لا يفعل ms03708 ولا يأمر إلا بما فيه
~~حكمة ومصلحة فامتثلوا أمره عز وجل، وإيثار إظهار الاسم الجليل على
~~الإضمار لتربية المهابة وإدخاله الروعة.

### || [9.16]

# { أم حسبتم } خطاب لمن شق عليه القتال من المؤمنين أو المنافقين و
~~{ أم } منقطعة جيء بها للانتقال عن أمرهم بالقتال إلى توبيخهم أو من
~~التوبيخ السابق إلى توبيخ آخر، والهمزة المقدرة مع بل للتوبيخ على
~~الحسبان المذكور أي بل أحسبتم وظننتم { أن تتركوا } على ما أنتم
~~عليه ولا تؤمروا بالجهاد ولا تبتلوا بما يمحصكم { ولما يعلم
~~الله الذين جهدوا منكم } الواو حالية و { لما }
~~للنفي (مع التوقع ونفي العلم، والمراد نفي المعلوم) وهو الجهاد على أبلغ
~~وجه إذ هو بطريق البرهان إذ لو وقع جهادهم علمه الله تعالى لا محالة فإن
~~وقوع ما لا يعلمه عز وجل محال كما أن عدم وقوع ما يعلمه كذلك وإلا لم
~~يطابق علمه سبحانه الواقع فيكون جهلا وهو من أعظم المحالات، فالكلام من
~~باب الكناية، وقيل: إن العلم مجاز عن التبيين مجازا مرسلا باستعماله في
~~لازم معناه. وفي الكشاف ما يشعر أولا بأن العلم مجاز عما ذكر وثانيا ما
~~يشعر بأنه من باب الكناية. وأجيب عنه بأنه أشار بذلك إلى أنه استعمل لنفي
~~الوجود مبالغة في نفي التبيين، وما ذكره أولا من قوله: إنكم لا تتركون
~~على ما أنتم عليه حتى يتبين الخلص منكم وهو الذين جاهدوا في سبيل الله
~~تعالى لوجهه جل شأنه حاصل المعنى، وذلك لأنه خطاب للمؤمنين إلهابا لهم
~~وحثا على ما حضهم عليه بقوله سبحانه:

# قتلوهم يعذبهم الله

# [التوبة: 14] فإذا / وبخوا على حسبان أن يتركوا ولم يوجد فيما بينهم
~~مجاهد مخلص دل على أنهم إن لم يقاتلوا لم يكونوا مخلصين وأن الإخلاص إذا
~~لم يظهر أثره بالجهاد في سبيل الله تعالى ومضادة الكفار كلا إخلاص، ولو
~~فسر العلم بالتبين لم يفد هذه المبالغة فتدبر.

# وقوله تعالى: { ولم يتخذوا } عطف على { جاهدوا } وداخل في
~~حيز الصلة أو حال من فاعله، أي جاهدوا حال كونهم غير متخذين { من دون
~~الله ms03709 ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة } أي بطانة
~~وصاحب سر كما قال ابن عباس، وهي من الولوج وهو الدخول وكل شيء أدخلته في
~~شيء وليس منه فهو وليجة، ويكون للمفرد وغيره بلفظ واحد وقد يجمع على
~~ولائج، و { من دون } متعلق بالاتخاذ إن أبقي على حاله أو مفعول ثان له
~~إن جعل بمعنى التصيير { والله خبير بما تعملون } أي بجميع
~~أعمالكم فيجازيكم عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر. وقرىء على الغيبة
~~وفي هذا إزاحة لما يتوهم من ظاهر قوله سبحانه: { ولما يعلم } الخ
~~من أنه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها كما ذهب إليه هشام مستدلا بذلك.
~~ووجه الازاحة أن { تعملون } مستقبل فيدل على خلاف ما ذكره.

### || [9.17]

# { ما كان للمشركين } أي لا ينبغي لهم ولا يليق وإن وقع { أن
~~يعمروا مساجد الله } الظاهر أن المراد شيئا من المساجد لأنه
~~جمع مضاف فيعم ويدخل فيه المسجد الحرام دخولا أوليا، وتعميره مناط
~~افتخارهم، ونفي الجمع يدل على النفي عن كل فرد فيلزم نفيه عن الفرد
~~المعين بطريق الكناية، وعن عكرمة وغيره أن المراد به المسجد الحرام
~~واختاره بعض المحققين، وعبر عنه بالجمع لأنه قبلة المساجد وأمامها
~~المتوجهة إليه محاريبها فعامره كعامرها، أو لأن كل مسجد ناحية من نواحيه
~~المختلفة [الجهات] مسجد على حياله بخلاف سائر المساجد، ويؤيد ذلك قراءة
~~أبي عمرو ويعقوب وابن كثير وكثير { مسجد } بالتوحيد، وحمل بعضهم { ما
~~كان } على نفي الوجود والتحقق، وقدر بأن يعمروا بحق لأنهم عمروها بدونه
~~ولا حاجة إلى ذلك على ما ذكرنا.

# { شاهدين على أنفسهم بالكفر } باظهارهم ما يدل عليه
~~وإن لم يقولوا نحن كفار، وقيل: بقولهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك
~~تملكه وما ملك، وقيل: بقولهم كفرنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم،
~~وهو حال من الضمير في { يعمروا } قيل: أي ما استقام لهم أن يجمعوا
~~بين أمرين متنافيين عمارة البيت والكفر بربه سبحانه، وقال بعضهم: إن
~~المراد محال أن يكون ما سموه عمارة بيت الله تعالى مع ms03710 ملابستهم لما
~~ينافيها ويحبطها من عبادة غيره سبحانه فإنها ليست من العمارة في شيء،
~~واعترض على قولهم: إن المعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين متنافيين بأنه
~~ليس بمعرب عن كنه المرام، فإن عدم استقامة الجمع بين المتنافيين إنما
~~يستدعي انتفاء أحدهما لا بعينه لا انتفاء العمارة الذي هو المقصود،
~~وظاهره أن النفي في الكلام راجع إلى المقيد، وحينئد لا مانع من أن يكون
~~المراد من { ما كان } نفي اللياقة على ما ذكرنا.

# والغرض إبطال افتخار المشركين بذلك لاقترانه بما ينافيه وهو الشرك. وجوز
~~أن يوجه النفي إلى القيد كما هو الشائع وتكلف له بما لا يخلو عن نظر.
~~ولعل من قال في بيان المعنى: ما استقام لهم أن يجمعوا الخ جعل محط النظر
~~المقارنة التي أشعر بها الحال، ومع هذا لا يأبى أن يكون المقصود نظرا
~~للمقام نفي صحة الافتخار بالعمارة والسقاية فتدبر جدا. / ومما يدل على
~~أن المقام لنفي الافتخار ما أخرجه أبو الشيخ وابن جرير عن الضحاك أنه لما
~~أسر العباس عيره المسلمون بالشرك وقطيعة الرحمن وأغلظ عليه علي كرم الله
~~تعالى وجهه في القول، فقال: تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا إنا لنعمر
~~المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونقري الحجيج ونفك العاني فنزلت: وأخرج ابن
~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نحوه.

# { أولئك } أي المشركون المذكورون { حبطت أعملهم }
~~التي يفتخرون بها بما قارنها من الكفر فصارت كلا شيء { وفى النار
~~هم خلدون } لعظم ما ارتكبوه، وإيراد الجملة اسمية للمبالغة في
~~الخلود، والظرف متعلق بالخبر قدم عليه للاهتمام به ومراعاة للفاصلة. وهذه
~~الجملة قيل: عطف على جملة { حبطت } على أنها خبر آخر لأولئك، وقيل:
~~هي مستأنفة كجملة { أولئك حبطت } وفائدتهما تقرير النفي
~~السابق الأولى من جهة نفي استتباع الثواب والثانية من جهة نفي استدفاع
~~العذاب.

### || [9.18]

# { إنما يعمر مسجد الله } اختلف في المراد بالمساجد هنا
~~كما اختلف في المراد بها هناك، خلا أن من قال هناك بأن المراد المسجد
~~الحرام لا غير جوز ms03711 هنا إرادة جميع المساجد قائلا: إنها غير مخالفة
~~لمقتضى الحال فإن الإيجاب ليس كالسلب وادعى أن المقصود قصر تحقق العمارة
~~على المؤمنين لا قصر لياقتها وجوازها وأنا أرى قصر اللياقة لائقا بلا
~~قصور، وقرىء بالتوحيد أي إنما يليق أن يعمرها { من آمن بالله
~~واليوم الآخر } على الوجه الذي نطق به الوحي { وأقام الصلاة
~~وآتى الزكاة } التي أتى بهما الرسول صلى الله عليه وسلم فيندرج في
~~ذلك الإيمان به عليه الصلاة والسلام حتما إذ لا يتلقى ذلك إلا منه صلى
~~الله عليه وسلم. وجوز أن يكون ذكر الإيمان به عليه الصلاة والسلام قد طوي
~~تحت ذكر الإيمان بالله تعالى دلالة على أنهما كشيء واحد إذا ذكر أحدهما
~~فهم الآخر، على أنه أشير بذكر المبدأ والمعاد إلى ما يجب الإيمان به أجمع
~~ومن جملته رسالته صلى الله عليه وسلم، وقيل: إنما لم يذكر عليه الصلاة
~~والسلام لأن المراد بمن هو صلى الله عليه وسلم وأصحابه أي المستحق لعمارة
~~المساجد من هذه صفته كائنا من كان، وليس الكلام في إثبات نبوته عليه
~~الصلاة والسلام والإيمان به بل فيه نفسه وعمارته المسجد واستحقاقه لها،
~~فالآية على حد قوله سبحانه: { إني رسول الله إليكم جميعا
~~} إلى قوله تعالى:

# فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي
~~يؤمن بالله وكلماته

# [الأعراف: 158] والوجه الثاني أولى.

# والمراد بالعمارة ما يعم مرمة ما استرم منها وقمها وتنظيفها وتزيينها
~~بالفرش لا على وجه يشغل قلب المصلي عن الحضور، ولعل ما هو من جنس ما يخرج
~~من الأرض كالقطن والحصر السامانية أولى من نحو الصوف إذ قيل: بكراهة
~~الصلاة عليه، وتنويرها بالسرج ولو لم يكن هناك من يستضيء بها على ما نص
~~عليه جمع، وإدامة العبادة والذكر ودراسة العلوم الشرعية فيها ونحو ذلك،
~~وصيانتها مما لم تبن له في نظر الشارع كحديث الدنيا، ومن ذلك الغناء على
~~مآذنها كما هو معتاد الناس اليوم لا سيما بالأبيات التي غالبها هجر من
~~القول. وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام

# " الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما ms03712 تأكل البهيمة الحشيش "

# وهذا الحديث في الحديث المباح فما ظنك بالمحرم مطلقا أو المرفوع فوق
~~المآذن. وأخرج الطبراني بسند صحيح عن سلمان رضي الله تعالى عنه عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم قال:

# " من توضأ في بيته ثم أتى المسجد فهو زائر الله تعالى وحق على المزور أن
~~يكرم الزائر "

# وأخرج سليم الرازي في «الترغيب» عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: / قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما
~~دام في ذلك المسجد ضوؤه "

# وأخرج أبو بكر الشافعي وغيره عن أبي قرصافة قال:

# " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إخراج القمامة من المسجد
~~مهور الحور العين "

# وسمعته عليه الصلاة والسلام يقول

# " من بنى لله تعالى مسجدا بنى الله تعالى له بيتا في الجنة فقالوا: يا
~~رسول الله وهذه المساجد التي تبنى في الطرق. فقال عليه الصلاة والسلام:
~~وهذه المساجد التي تبنى في الطرق "

# وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " الغدو والرواح إلى المسجد من الجهاد في سبيل الله تعالى "

# وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم وصححه وجماعة عن أبي سعيد
~~الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان وتلا صلى الله عليه
~~وسلم إنما يعمر "

# الآية.

# واستشكل ذكر إيتاء الزكاة في الآية بأنه لا تظهر مدخليته في العمارة،
~~وتكلف لذلك بأن الفقراء يحضرون المساجد للزكاة فتعمر بهم وأن من لا يبذل
~~المال للزكاة الواجبة لا يبذله لعمارتها وهو كما ترى. والحق أن المقصود
~~بيان أن من يعمر المساجد هو المؤمن الظاهر إيمانه وهو إنما يظهر بإقامة
~~واجباته، فعطف الإقامة والإيتاء على الإيمان للإشارة إلى ذلك.

# { ولم يخش } أحد { إلا الله } فعمل بموجب أمره ونهيه غير
~~آخذ له في الله تعالى لومة لائم ولا مانع له خوف ظالم فيندرج فيه عدم
~~الخشية عند القتال الموبخ عليها في قوله سبحانه: ms03713

# أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه

# [التوبة: 13] وأما الخوف الجبلي من الأمور المخوفة فليس من هذا الباب
~~ولا هو مما يدخل تحت التكليف، والخطاب والنهي في قوله تعالى:

# خذها ولا تخف

# [طه: 21] ليس على حقيقته. وقيل: كانوا يخشون الأصنام ويرجونها فأريد نفي
~~تلك الخشية عنهم.

# { فعسى أولئك } المنعوتون بأكمل النعوت { أن يكونوا
~~من المهتدين } أي إلى الجنة وما أعد الله تعالى فيها لعباده كما
~~روي عن ابن عباس والحسن، وإبراز اهتدائهم لذلك مع ما بهم من تلك الصفات
~~الجليلة في معرض التوقع لحسم أطماع الكافرين عن الوصول إلى مواقف
~~الاهتداء لأن هؤلاء المؤمنين وهم  هم  إذا كان أمرهم دائرا بين لعل
~~وعسى فما بال الكفرة بيت المخازي والقبائح، وفيه قطع اتكال المؤمنين على
~~أعمالهم وما هم عليه وإرشادهم إلى ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء،
~~وهذا هو المناسب للمقام لا الأطماع وسلوك سنن الملوك مع كون القصد إلى
~~الوجوب، وكون الكفرة يزعمون أنهم محقون وأن غيرهم على الباطل فلا يتأتى
~~حسم أطماعهم لا يلتفت إليه بعد ظهور الحق وهذا لا ريب فيه. وقيل: إن
~~الأوصاف المذكورة، وإن أوجبت الاهتداء، ولكن الثبات عليها مما لا يعلمه
~~إلا الله تعالى وقد يطرأ ما يوجب ضد ذلك والعبرة للعاقبة، فكلمة التوقع
~~يجوز أن تكون لهذا ولا يخفى ما فيه فإن النظر إلى العاقبة هنا لا يناسب
~~المقام الذي يقتضي تفضيل المؤمنين عليهم في الحال.

### || [9.19]

# { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام
~~كمن ءامن بالله واليوم الأخر وجهد فى سبيل
~~الله } السقاية والعمارة مصدر أسقي وعمر بالتخفيف إذ عمر المشدد يقال
~~في عمر الإنسان لا في العمارة كما يتوهمه العوام، وصحت الياء في سقاية
~~لأن بعدها هاء التأنيث، وظاهر الآية تشبيه الفعل بالفاعل والصفة بالذات
~~وأنه / لا يحسن هنا فلا بد من التقدير، إما في جانب الصفة أي أجعلتم أهل
~~السقاية والعمارة كمن آمن، ويؤيده قراءة محمد بن علي الباقر رضي الله
~~تعالى عنه وابن الزبير وأبي جعفر وأبي وجزة السعدي وهو من القراء وإن ms03714
~~اشتهر بالشعر { أجعلتم سقاية الحاج } بضم السين جمع ساق { من المسجد }
~~بفتحتين جمع عامر، وكذا قراءة الضحاك { سقاية } بالضم أيضا مع الياء
~~والتاء { وعمرة } كما في القراءة السابقة، ووجه سقاية فيها أن يكون جمعا
~~جاء على فعال ثم أنث كما أنث من الجموع نحو حجارة فإن في كلا القراءتين
~~تشبيه ذات بذات، وإما في جانب الذات أي أجعلتموهما كإيمان من آمن وجهاد
~~من جاهد، وقيل: لا حاجة إلى التقدير في شيء وإنما المصدر بمعنى اسم
~~الفاعل، والمعنى عليه كما في الأول، وأيا ما كان فالخطاب إما للمشركين
~~على طريقة الالتفات واختاره أكثر المحققين وهو المتبادر من النظم، وتخصيص
~~ذكر الإيمان في جانب المشبه به واستدل له بما أخرجه ابن أبي حاتم وابن
~~مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المشركين قالوا: عمارة بيت
~~الله تعالى والقيام على السقاية خير من الإيمان والجهاد فذكر الله تعالى
~~خير الإيمان به سبحانه والجهاد مع نبيه صلى الله عليه وسلم على عمران
~~المشركين البيت وقيامهم على السقاية، وبما أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ عن
~~الضحاك قال: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر
~~يعيرونهم بالشرك، فقال العباس: أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام
~~ونفك العاني ونحجب البيت ونسقي الحاج فأنزل الله تعالى: { أجعلتم }
~~الآية، وهذا ظاهر في أن الخطاب لهم وهم مشركون. وإما لبعض المؤمنين
~~المؤثرين للسقاية والعمارة على الهجرة والجهاد، واستدل له بما أخرجه مسلم
~~وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وجماعة عن النعمان بن بشير رضي الله
~~تعالى عنه قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من
~~أصحابه فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل عملا لله تعالى بعد الإسلام
~~إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل
~~الجهاد في سبيل الله تعالى خير مما قلتم فزجرهم عمر رضي الله تعالى عنه
~~وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوم ms03715
~~الجمعة ولكن إذا صليتم الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فاستفتيه فيما اختلفتم فيه فأنزل الله تعالى الآية إلى قوله سبحانه: {
~~والله لا يهدى القوم الظلمين } وبما روي من طرق أن
~~الآية نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه والعباس، وذلك أن الأمير كرم الله
~~تعالى وجهه قال له: يا عم لو هاجرت إلى المدينة فقال له: أولست في أفضل
~~من الهجرة وألست أسقي الحاج وأعمر البيت، وهذا ظاهر في أن العباس رضي
~~الله تعالى عنه كان إذ ذاك مسلما على خلاف ما يقتضيه غيره من الأخبار
~~المتقدم بعضها، وأيد هذا القول بأنه المناسب للاكتفاء في الرد عليهم
~~ببيان عدم مساواتهم عند الله تعالى للفريق الثاني وبيان أعظمية درجتهم
~~عند الله تعالى الظاهر دخوله في الرد على وجه يشعر بعدم حرمان الأولين
~~بالكلية لمكان أفعل التفضيل، وجعل المشتمل على ذلك استطرادا لتفضيل من
~~اتصف بتلك الصفات على غيره من المسلمين خلاف الظاهر، وكذا القول بأنه سيق
~~لتفضيلهم على أهل السقاية والعمارة من الكفرة وهم وإن لم يكن لهم درجة
~~عند الله تعالى جاء على زعمهم ومدعاهم، على أنه قيل عليه: إنه ليس فيه
~~كثير نفع لأنه إن لم يشعر بعدم الحرمان فليس بمشعر بالحرمان، والكلام على
~~الأول توبيخ للمشركين ومداره إنكار تشبيه أنفسهم من حيث اتصافهم بوصفيهم
~~المذكورين مع قطع النظر عما هم عليه من الشرك بالمؤمنين من حيث اتصافهم
~~بالإيمان والجهاد، أو على / إنكار تشبيه وصفيهم المذكورين في حد ذاتهما
~~مع الإغماض عن مقارنتهما للشرك بالإيمان والجهاد.

# والقول باعتبار المقارنة مما أغمض عنه المحققون لإباء المقام إياه، كيف
~~لا وقد بين حبوط أعمالهم بذلك الاعتبار وكونها بمنزلة العدم، فتوبيخهم
~~بعد على تشبيهها بالإيمان والجهاد، ثم رد ذلك بما يشعر بعدم حرمانهم عن
~~أصل الفضيلة بالكلية مما لا يساعده النظم الكريم، ولو اعتبر لما احتيج
~~إلى تقرير إنكار التشبيه وتأكيده بشيء آخر إذ لا شيء أظهر بطلانا من
~~نسبة المعدوم إلى الموجود، وقيل: لا مانع من اعتبارها ms03716 ويقطع النظر عما
~~تقدم من بيان الحبوط، وعدم الحرمان المشعور به مبني على ذلك وفيه ما فيه،
~~والمعنى أجعلتم أهل السقاية والعمارة في الفضيلة وعلو الدرجة كمن آمن
~~بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيله أو أجعلتموهما في ذلك كالإيمان
~~والجهاد وشتان ما بينهما فإن السقاية والعمارة وإن كانتا في أنفسهما من
~~أعمال البر والخير لكنهما وإن خلتا عن القوادح بمعزل أن يشبه أهلهما بأهل
~~الإيمان والجهاد أو يشبه نفسهما بنفس الإيمان والجهاد وذلك قوله سبحانه:
~~{ لا يستوون عند الله } أي لا يساوي الفريق الأول الثاني
~~وبظاهره يترجح التقدير الأول، وإذا كان المراد لا يستوون بأوصافهم يرجع
~~إلى نفي المساواة في الأوصاف فيوافق الإنكار على التقدير الثاني، وإسناد
~~عدم الاستواء إلى الموصوفين لأن الأهم بيان تفاوتهم، وتوجيه النفي ههنا
~~والإنكار فيما سلف إلى الاستواء والتشبيه مع أن دعوى المفتخرين بالسقاية
~~والعمارة من المشركين أو المؤمنين إنما هي الأفضلية دون التساوي والتشابه
~~للمبالغة في الرد عليهم فإن نفي التساوي والتشابه نفي للأفضلية بالطريق
~~الأولى، لكن ينبغي أن يعلم أن الأفضلية التي يدعيها المشركون تشعر بثبوت
~~أصل الفضيلة للمفضل عليه وهم بمعزل عن اعتقاد ذلك، وكيف يتصور منهم أن في
~~جهادهم وقتلهم فضيلة أو أن في الإيمان المستلزم لتسفيه رأيهم فيما هم
~~عليه فضيلة، فلا بد أن يكون ذلك من باب المجاراة فلا تغفل.

# والجملة استئناف لتقرير الإنكار المذكور وتأكيده، وجوز أبو البقاء أن
~~تكون حالا من مفعولي الجعل والرابط ضمير الجمع كأنه قيل: سويتم بينهم
~~حال كونهم متفاوتين عند الله.

# { والله لا يهدى القوم الظلمين } أريد بهم المشركون
~~وبالظلم الشرك أو وضع الشيء في غير موضعه شركا كان أو غيره فيدخل فيه
~~ظلمهم في ذلك الجعل وهو أبلغ في الذم، والمراد من الهداية الدلالة
~~الموصلة لا مطلق الدلالة لأنه لا يناسب المقام، وهذا حكم منه تعالى أنه
~~سبحانه لا يوفق هؤلاء الظالمين إلى معرفة الحق وتمييز الراجح من المرجوح
~~ولعله سيق لزيادة تقرير عدم التساوي.

### || [9.20]

# وقوله سبحانه: { الذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا ms03717 فى
~~سبيل الله بأمولهم وأنفسهم أعظم درجة عند
~~الله } استئناف لبيان مراتب فضلهم زيادة في الرد وتكميلا له، وزيادة
~~الهجرة وتفصيل نوعي الجهاد للإيذان بأن ذلك من لوازم الجهاد لا أنه اعتبر
~~بطريق التدارك أمر لم يعتبر فيما سلف، والظاهر من السياق أن المفضل عليه
~~أهل السقاية والعمارة من المشركين، وقد أنشرنا إلى ماله وما عليه حسبما
~~ذكره بعض الفضلاء. وأنا أقول: إذا أريد من  أفعل  المبالغة في الفضل
~~وعلو المرتبة والمنزلة فالأمر هين وإذا أريد به حقيقته فهناك احتمالان
~~الأول: أن يقال: حذف المفضل عليه إيذانا بالعموم، أي إن هؤلاء المتصفين
~~بهذه الصفات أعلى رتبة وأكثر كرامة ممن لم يتصف بها كائنا من كان ويدخل
~~فيه أهل السقاية والعمارة، ويكفي في تحقق حقيقة أفعل / وجود أصل الفعل في
~~بعض الأفراد المندرجة تحت العموم كما يقال: فلان أعلم الخلق مع أن منهم
~~من لا يتصف بشيء من العلم بل لا يمكن أن يتصف به أصلا، وهذا مما لا
~~ينبغي أن يشك فيه سوى أنه يعكر علينا أن المقصود بالمفضل عليه في المثال
~~من له مشاركة في أصل الفعل ولا كذلك ما نحن فيه، فإن لم يضر هذا فالأمر
~~ذاك وإلا فهو كما ترى. الثاني: أن يقال: ما أفهمته الصيغة من أن للسقاة
~~والعمار من المشركين درجة جاء على زعم المشركين وحسن ذلك وقوع مثله في
~~كلامهم مع المؤمنين فإنهم قالوا كما دل عليه بعض الأخبار السابقة:
~~السقاية والعمارة خير من الإيمان والجهاد ولا شك أن ما يشعر به  خير 
~~من أن في الإيمان والجهاد خيرا إنما جاء على زعم المؤمنين فما في الآية
~~خارج مخرج المشاكلة مع ما في كلامهم وإن اختلف اللفظ، وما قيل: من أن جعل
~~معنى التفضيل بالنسبة إلى زعم الكفرة ليس فيه كثير نفع، ليس فيه كثير ضرر
~~كما لا يخفى على من ذاق طعم البلاغة ولو بطرف اللسان، ويشعر كلام بعضهم
~~أن التفضيل مبني على ما تقدم من قطع النظر وإغماض العين أي المتصفون بهذه ms03718
~~الأوصاف الجليلة أعلى رتبة ممن خلا منها وإن حاز جميع ما عداها مما هو
~~كمال في حد ذاته كالسقاية والعمارة، والمراد بسبيل الله هنا الإخلاص أو
~~نحوه لا الجهاد فالمعنى جاهدوا مخلصين.

# { وأولئك } الموصوفون بما ذكر { هم الفائزون } أي
~~المختصون بالفوز العظيم أو بالفوز المطلق كأن فوز من عداهم ليس بفوز
~~بالنسبة إلى فوزهم. والكلام على الثاني توبيخ لمن يؤثر السقاية والعمارة
~~من المؤمنين على الهجرة والجهاد، أي أجعلتم أهلهما من المؤمنين في
~~الفضيلة والكرامة كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيله أو
~~أجعلتموهما كالإيمان والجهاد، قالوا: وإنما لم يذكر الإيمان في جانب
~~المشبه مع كونه معتبرا فيه قطعا تعويلا على ظهور الأمر وإشعارا بأن
~~مدار إنكار التشبيه هو السقاية والعمارة دون الإيمان، وإنما لم يترك ذكره
~~في جانب المشبه به أيضا تقوية للإنكار وتذكيرا لأسباب الرجحان ومبادىء
~~الأفضلية وإيذانا بكمال التلازم بين الإيمان وما تلاه.

# ومعنى عدم الاستواء عند الله تعالى وأعظمية درجة الفريق الثاني على هذا
~~التقرير ظاهر.

# والمراد بالظلم الظلم بوضع كل من الراجح والمرجوح في موضع الآخر لا
~~الظلم الأعم، وبعدم الهداية عدم هدايته تعالى للمؤثرين إلى معرفة ذلك لا
~~عدم الهداية مطلقا، والقصر في قوله سبحانه: { أولئك هم
~~الفائزون } بالنسبة إلى درجة الفريق الثاني أو إلى الفوز المطلق
~~إدعاء كما مر اه. وأنت تعلم أن عدم ذكر الإيمان في جانب المشبه ظاهر لأن
~~المؤمنين ما تنازعوا كما يدل عليه حديث مسلم السابق إلا فيما هو الأفضل
~~بعده فمن قائل السقاية ومن قائل العمارة ومن قائل الجهاد، نعم يحتاج ذكره
~~في جانب المشبه به إلى نكتة، والتوبيخ في الآية على هذا التقدير أبلغ منه
~~على التقدير الأول فتأمل.

### || [9.21]

# { يبشرهم ربهم } أي في الدنيا على لسان رسوله عليه الصلاة
~~والسلام. وقرأ حمزة { يبشرهم } بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين
~~والتخفيف على أنه من بشر الثلاثي وأخرجها أبو الشيخ عن طلحة بن مصرف، وفي
~~التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم وكونه سبحانه هو المبشر ما ms03719
~~لا يخفى من اللطافة واللطف { برحمة منه } واسعة { ورضوان }
~~كبير { وجنت } عالية قطوفها دانية { لهم فيها } أي الجنات
~~وقيل: الرحمة { نعيم مقيم } لا يرتحل ولا يسافر عنهم، وهو /
~~استعارة للدائم.

### || [9.22]

# { خلدين فيها } أي الجنات { أبدا } تأكيد لما يدل عليه
~~الخلود ودفع احتمال أن يراد منه المكث الطويل { إن الله عنده
~~أجر عظيم } لا قدر بالنسبة إليه لأجور الدنيا أو للأعمال التي في
~~مقابلته والجملة استئناف وقع تعليلا لما سبق. وذكر أبو حيان أنه تعالى
~~((لما وصف المؤمنين بثلاث صفات الإيمان والهجرة والجهاد بالنفس والمال
~~قابلهم على ذلك بالتبشير بثلاثة الرحمة والرضوان والجنة وبدأ سبحانه
~~بالرحمة في مقابلة الإيمان لتوقفها عليه ولأنها أعم النعم وأسبقها كما أن
~~الإيمان هو السابق، وثنى تعالى بالرضوان الذي هو نهاية الإحسان في مقابلة
~~الجهاد الذي فيه بذل الأنفس والأموال، وثلث عز وجل بالجنان في مقابلة
~~الهجرة وترك الأوطان إشارة إلى أنهم لما آثروا تركها بدلهم بدار الكفر
~~الجنان الدار التي هي في جواره. وفي الحديث الصحيح يقول الله سبحانه:

# " يا أهل الجنة هل رضيتم فيقولون كيف لا نرضى وقد باعدتنا عن نارك
~~وأدخلتنا جنتك فيقول سبحانه: لكم عندي أفضل من ذلك فيقولون: وما أفضل من
~~ذلك؟ فيقول جل شأنه: أحل لكم رضائي فلا أسخط عليكم بعده أبدا "

# )) ولا يخفى أن وصف الجنات بأن لهم فيها نعيم مقيم على هذا التوزيع في
~~غاية اللطافة لما أن في الهجرة السفر الذي هو قطعة من العذاب.

### || [9.23]

# { ييأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبآءكم
~~وإخوانكم أوليآء } نهي لكل فرد من أفراد المخاطبين عن موالاة
~~فرد من المشركين لا عن موالاة طائفة منهم فإن ذلك مفهوم من النظم الكريم
~~دلالة لا عبارة، والآية على ما روى الثعلبي عن ابن عباس نزلت في
~~المهاجرين فأنهم لما أمروا بالهجرة قالوا: إن هاجرنا قطعنا آباءنا
~~وأبناءنا وعشيرتنا وذهبت تجاراتنا وهلكت أموالنا وخربت ديارنا وبقينا
~~ضائعين فنزلت فهاجروا فجعل الرجل يأتيه ابنه أو أبوه أو أخوه أو بعض
~~أقاربه فلا يلتفت إليه ولا ms03720 ينزله ولا ينفق عليه ثم رخص لهم في ذلك. وروي
~~عن مقاتل أنها نلزت في التسعة الذين ارتدوا ولحقوا مكة نهيا عن
~~موالاتهم. وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما أنها
~~نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى قريش يخبرهم بخبر رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم لما عزم على فتح مكة، وهذا ونحوه يقتضي أن هذه الآية نزلت
~~قبل الفتح. واستشكل ذلك الإمام الرازي بأن الصحيح أن هذه السورة إنما
~~نزلت بعد فتح مكة فكيف يمكن أن يكون سبب النزول ما ذكر. وأجيب بأن نزولها
~~قبل الفتح لا ينافي كون نزول السورة بعده لأن المراد معظمها وصدرها، وعلى
~~القول بأنها نزلت في حاطب فالمعتبر عموم اللفظ لا خصوص السبب ويدخل حاطب
~~في النهي عن الاتخاذ بلا شبهة { إن استحبوا } أي اختاروا {
~~الكفر على الإيمن } وأصروا عليه إصرارا لا يرجى معه إقلاع
~~أصلا، ولتضمن استحب معنى ما ذكر تعدى بعلى، وتعليق النهي عن الاتخاذ
~~بذلك لما أنه قبل ذلك ربما يؤدي بهم إلى الإسلام بسبب شعورهم بمحاسن
~~الدين { ومن يتولهم } أي واحدا منهم، و[إفراد] الضمير في الفعل
~~لمراعاة لفظ الموصول وللإيذان باستقلال كل واحد منهم بالاتصاف بالظلم
~~الآتي لا أن المراد تولي فرد واحد منهم و { من } في قوله سبحانه: {
~~منكم } للجنس لا للتبعيض { فأولئك } أي المتولون { هم
~~الظلمون } بوضعهم الموالاة في غير موضعها فالظلم بمعناه اللغوي،
~~وقد يراد به التجاوز والتعدي عما حد الله تعالى إن كان المراد ومن يتولهم
~~بعد النهي، والحصر ادعائي كأن ظلم غيرهم كلا ظلم عند ظلمهم / وفي ذلك من
~~الزجر عن الموالاة ما فيه.

### || [9.24]

# { قل } تلوين للخطاب وأمر له صلى الله عليه وسلم بأن يثبت المؤمنين
~~ويقوي عزائمهم على الانتهاء عما نهوا عنه من موالاة الآباء والإخوان
~~ويزهدهم فيهم وفيمن يجري مجراهم ويقطع علائقهم عن زخارف الدنيا الدنية
~~على وجه التوبيخ والترهيب أي قل يا محمد للمؤمنين { إن كان آباؤكم
~~وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم } لم يذكر الأبناء
~~والأزواج ms03721 فيما سلف وذكرهم هنا لأن ما تقدم في الأولياء وهم أهل الرأي
~~والمشورة والأبناء والأزواج تبع ليسوا كذلك وما هنا في المحبة وهم أحب
~~إلى كل أحد { وعشيرتكم } أي ذووا قرابتكم، وقيل: عشيرة الرجل أهله
~~الأدنون، وأيا ما كان فذكره للتعميم والشمول وهو من العشرة أي الصحبة
~~لأنها من شأن القربى، وقيل من العشرة العدد المعروف وسميت العشيرة بذلك
~~على هذا لكمالهم لأن العشرة كما علمت عدد كامل أو لأن بينهم عقد نسب كعد
~~العشرة فإنه عقد من العقود وهو معنى بعيد. وقرأ أبو بكر عن عاصم {
~~عشيراتكم } ، والحسن { عشائركم } وأنكر أبو الحسن وقوع الجمع الأول في
~~كلامهم وإنما الواقع الجمع الثاني.

# { وأمول اقترفتموها } أي اكتسبتموها، وأصل الاقتراف اقتطاع
~~الشيء من مكانه إلى غيره من قرفت القرحة إذا قشرتها والقرف القشر، ووصفت
~~الأموال بذلك إيماء إلى عزتها عندهم لحصولها بكد اليمين وعرق الجبين {
~~وتجرة } أي أمتعة اشتريتموها للتجارة والربح { تخشون
~~كسادها } بفوات وقت رواجها بغيبتكم عن مكة المعظمة في أيام المواسم {
~~ومسكن ترضونها } منازل تعجبكم الإقامة فيها، والتعرض للصفات
~~المذكورة للإيذان بأن اللوم على محبة ما ذكر من زينة الحياة الدنيا لا
~~ينافي ما فيها من مبادىء المحبة وموجبات الرغبة فيها وأنها مع مالها من
~~فنون المحاسن بمعزل عن أن تكون كما ذكر سبحانه بقوله: { أحب
~~إليكم من الله ورسوله } بالحب الاختياري المستتبع لأثره
~~الذي هو الملازمة وتقديم الطاعة لا ميل الطبع فإنه أمر جبلي لا يمكن تركه
~~ولا يؤاخذ عليه ولا يكلف الإنسان بالامتناع عنه { وجهاد في
~~سبيله } أي طريق ثوابه ورضاه سبحانه، ولعل المراد به هنا أيضا
~~الإخلاص ونحوه لا الجهاد وإن أطلق عليه أيضا أنه سبيل الله تعالى، ونظم
~~حب هذا في سلك حب الله تعالى شأنه وحب رسوله عليه الصلاة والسلام تنويها
~~بشأنه وتنبيها على أنه مما يجب أن يحب فضلا عن أن يكره وإيذانا بأن
~~محبته راجعة إلى محبة الله عز وجل ومحبة حبيبه صلى الله عليه وسلم فإن
~~الجهاد عبارة عن قتال أعدائهما لأجل ms03722 عداوتهم فمن يحبهما يجب أن يحب قتال
~~من لا يحبهما { فتربصوا } أي انتظروا { حتى يأتى الله
~~بأمره } أي بعقوبته سبحانه لكم عاجلا أو آجلا على ما روي عن الحسن
~~واختاره الجبائي، وروي عن ابن عباس ومجاهد ومقاتل أنه فتح مكة.

# { والله لا يهدي القوم الفسقين } أي الخارجين عن
~~الطاعة في موالاة المشركين وتقديم محبة من ذكر على محبة الله عز وجل
~~ورسوله صلى الله عليه وسلم أو القوم الفاسقين كافة ويدخل المذكورون
~~دخولا أوليا، أي لا يهديهم إلى ما هو خير لهم، والآية أشد آية نعت على
~~الناس ما لا يكاد يتخلص منه إلا من تداركه الله سبحانه بلطفه، وفي الحديث
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم

# " لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في الله تعالى ويبغض في الله تعالى
~~حتى يحب في الله سبحانه أبعد الناس ويبغض في الله عز وجل أقرب الناس "

# والله تعالى الموفق لأحسن الأعمال.

# ومن باب الإشارة: أنه سبحانه أشار إلى تمكن رسوله عليه الصلاة والسلام
~~ووصول أصحابه رضي الله تعالى عنهم إلى مقام الوحدة الذاتية بعد أن كانوا
~~محتجبين بالأفعال تارة وبالصفات أخرى وبذلك تحققت الضدية على أكمل وجه
~~بينهم وبين المشركين فنزلت البراءة وأمروا بنبذ العهد ليقع التوافق بين
~~الباطن والظاهر وأمر المشركون بالسياحة في الأرض أربعة أشهر على عدد
~~مواقفهم في الدنيا والآخرة تنبيها لهم فإنهم لما وقفوا في الدنيا مع
~~الغير بالشرك حجبوا عن الدين والأفعال والصفات والذات في برزخ الناسوت
~~فلزمهم أن يوقفوا في الآخرة على الله عز وجل ثم على الجبروت ثم على
~~الملكوت ثم على النار في جحيم الآثار فيعذبوا بأنواع العذاب. ومن طبق
~~الآيات على ما في الأنفس ذكر أن هذه المدة هي مدة كمال الأوصاف الأربعة
~~النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية ثم قال سبحانه لهم: {
~~واعلموا أنكم غير معجزي الله } إذ لا بد من حبسكم في
~~تلك المواقف بسبب وقوفكم مع الغير بالشرك

# وأن الله مخزي الكفرين

# [التوبة: 2] المحجوبين عن الحق بافتضاحهم عند ظهور رتبة ما ms03723 عبدوه من
~~دونه ووقوفهم معه على النار { وأذان من الله ورسوله إلى
~~الناس يوم الحج الأكبر } أي وقت ظهور الجمع الذاتي في صورة
~~التفصيل

# أن الله بريء من المشركين ورسوله

# [التوبة: 3] المراد بذلك كمال المخالفة والتضاد وانقطاع المدد الروحاني،
~~والمراد من قوله سبحانه:

# إلا الذين عهدتم من المشركين ثم لم
~~ينقصوكم شيئا

# [التوبة: 4] الذين بقيت فيهم مسكة من الاستعداد وأثر من سلامة الفطرة
~~وبقايا من المروءة أمر المؤمنون أن يتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم وهي مدة
~~تراكم الدين وتحقق الحجاب إن لم يرجعوا ويتوبوا ثم قال سبحانه بعد أن ذكر
~~ما ذكر: { الذين آمنوا } أي علما { وهاجروا } أي هجروا
~~الرغائب الحسية والأوطان النفسية { وجهدوا فى سبيل الله
~~بأمولهم } وهي أموال معلوماتهم ومراداتهم ومقدوراتهم، والجهاد
~~بهذه إشارة إلى محو صفاتهم، والجهاد بالأنفس إشارة إلى فنائها في الله
~~تعالى أولئك { أعظم درجة } في التوحيد

# عند الله

# [التوبة: 20] تعالى { يبشرهم ربهم برحمة منه } وهو
~~ثواب الأعمال { ورضوان } وهو ثواب الصفات

# وجنت لهم فيها نعيم مقيم

# [التوبة: 21] وهو مشاهدة المحبوب الذي لا يزول وذلك جزاء الأنفس، ووجه
~~الترتيب على هذا ظاهر وإنما تولى الله تعالى بشارتهم بنفسه عز وجل
~~ليزدادوا حبا له تبارك وتعالى لأن القلوب مجبولة على حب من يبشرها
~~بالخير. ثم إنه سبحانه بين أن القرابة المعنوية والتناسب المعنوي والوصلة
~~الحقيقية أحق بالمراعاة من الاتصال الصوري مع فقد الاتصال المعنوي
~~واختلاف الوجهة وذم سبحانه التقيد بالمألوفات الحسية وتقديمها على
~~المحبوب الحقيقي والتعين الأول له والسبب الأقوى للوصول إلى الحضرة وتوعد
~~عليه بما توعد نسأل الله تعالى التوفيق إلى ما يقربنا منه إنه ولي ذلك.

### || [9.25]

# { لقد نصركم الله فى مواطن } خطاب للمؤمنين خاصة
~~وامتنان عليهم بالنصرة على الأعداء التي يترك لها الغيور أحب الأشياء
~~إليه، والمواطن جمع موطن وهو الموضع الذي يقيم فيه صاحبه، وأريد بها
~~مواطن الحرب أي مقاماتها ومواقفها ومن ذلك قوله:

# كم موطن لولاي طحت كما هوى

# بأجرامه من قلة النيق منهوى

# والمنع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، واللام ms03724 موطئة للقسم أي قسم والله
~~لقد نصركم الله في مواقف ووقائع { كثيرة } منها وقعة بدر التي ظهرت
~~بها شمس الإسلام، ووقعة قريظة والنضير والحديبية وأنهاها بعضهم إلى
~~ثمانين. وروي أن المتوكل اشتكى شكاية شديدة فنذر أن يتصدق  إن شفاه الله
~~تعالى  بمال كثير / فلما شفي سأل العلماء عن حد الكثير فاختلفت أقوالهم
~~فأشير إليه أن يسأل أبا الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى الكاظم رضي
~~الله تعالى عنهم وقد كان حبسه في داره فأمر أن يكتب إليه فكتب رضي الله
~~تعالى عنه يتصدق بثمانين درهما ثم سألوه عن العلة فقرأ هذه الآية وقال:
~~عددنا تلك المواطن فبلغت ثمانين { ويوم حنين } عطف على محل مواطن
~~وعطف ظرف الزمان على المكان وعكسه جائز على ما يقتضيه كلام أبي علي ومن
~~تبعه. نعم ظاهر كلام البعض المنع لأن كلا من الظرفين يتعلق بالفعل بلا
~~توسط العاطف، ومتعلقات الفعل إنما يعطف بعضها على بعض إذا كانت من جنس
~~واحد، وقال آخرون: لا منع من نسق زمان على مكان وبالعكس إلا أن الأحسن
~~ترك العاطف في مثله. ومن منع العطف أو استحسن تركه قال: إنه معطوف بحذف
~~المضاف أي وموطن يوم حنين، ولعل التغيير للإيماء إلى ما وقع فيه من قلة
~~الثبات من أول الأمر. وقد يعتبر الحذف في جانب المعطوف عليه، أي في أيام
~~مواطن، والعطف حينئذ من عطف الخاص على العام، ومزية هذا الخاص التي أشار
~~إليها العطف هي كون شأنه عجيبا وما وقع فيه غريبا للظفر بعد اليأس
~~والفرج بعد الشدة إلى غير ذلك، وليس المراد بها كثرة الثواب وعظم النفع
~~ليرد أن يوم حنين ليس بأفضل من يوم بدر الذي نالوا به القدح المعلى
~~وفازوا فيه بالدرجات العلا فلا تتأتى فيه نكتة العطف؛ وقيل: إن موطن اسم
~~زمان كمقتل الحسين فالمعطوفان متجانسان وهو بعيد عن الفهم.

# وأوجب الزمخشري كون { يوم } منصوبا بمضمر والعطف من عطف جملة على
~~جملة أي ونصركم يوم حنين، ولا يصح أن يكون ناصبه { نصركم } المذكور ms03725
~~لأن قوله سبحانه: { إذ أعجبتكم كثرتكم } بدل من { يوم
~~حنين } فيلزم كون زمان الإعجاب بالكثرة ظرف النصرة الواقعة في
~~المواطن الكثيرة لاتحاد الفعل ولتقييد المعطوف بما يقيد به المعطوف عليه
~~وبالعكس.

# واليوم مقيد بالإعجاب بالكثرة والعامل منسحب على البدل والمبدل منه
~~جميعا، ويلزم من ذلك أن يكون زمان الإعجاب ظرفا وقيدا للنصرة الواقعة
~~في المواطن الكثيرة وهو باطل إذ لا إعجاب في تلك المواطن. وأجيب بأن
~~الفعل في المتعاطفين لا يلزم أن يكون واحدا بحيث لا يكون له تعدد أفراد
~~كضربت زيدا اليوم وعمرا قبله وأضربه حين يقوم وحين يقعد إلى غير ذلك بل
~~لا بد في نحو قولك: زيد وعمرو من اعتبار الأفراد وإلا لزم قيام العرض
~~الواحد بالشخص بمحلين مختلفين وهو لا يجوز ضرورة فلا يلزم من تقييده في
~~حق المعطوف بقيد تقييده في حق المعطوف عليه بذلك، ولا نسلم أن هذا هو
~~الأصل حتى يفتقر غيره إلى دليل، وقال بعضهم: إن ذلك إنما يلزم لو كان
~~المبدل منه في حكم التنحية مع حرف العطف ليؤول إلى نصركم الله في مواطن
~~كثيرة إذ أعجبتكم وليس كذلك بل يؤول إلى نصركم الله في مواطن كثيرة وإذ
~~أعجبتكم ولا محذور فيه، وفي كون البدل قيدا للمبدل منه نظر.

# وحنين واد بين مكة والطائف على ثلاثة أميال من مكة حارب فيه رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم والمسلمون هوزان وثقيفا وحشما وفيهم دريد بن الصمة
~~يتيمنون برأيه وأناسا من بني هلال وغيرهم وكانوا أربعة آلاف وكان
~~المسلمون على ما روى الكلبي عشرة آلاف وعلى ما روي عن عطاء ستة عشر
~~ألفا، وقيل: ثمانية آلاف، وصحح أنهم كانوا اثني عشر ألفا العشر الذين
~~حضروا مكة وألفان انضموا إليهم من الطلقاء فلما التقوا قال سلمة بن سلامة
~~أو أبو بكر / رضي الله تعالى عنهما: لن نغلب اليوم من قلة إعجابا
~~بكثرتهم، وقيل: إن قائل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستبعد ذلك
~~الإمام لانقطاعه صلى الله عليه وسلم عن كل شيء سوى ms03726 الله عز وجل. ويؤيد
~~ذلك ما أخرجه البيهقي في «الدلائل» عن الربيع أن رجلا قال يوم حنين: لن
~~نغلب من قلة فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والظاهر أن هذه
~~الكلمة إذا لم ينضم إليها أمر آخر لا تنافي التوكل على الله تعالى ولا
~~تستلزم الاعتماد على الأسباب، وإنما شقت على رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم لما انضم إليها من قرائن الأحوال مما يدل على الإعجاب، ولعل القائل
~~أخذها من قوله عليه الصلاة والسلام:

# " خير الأصحاب أربعة وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولا
~~يغلب اثنا عشر ألفا من قلة كلمتهم واحدة "

# لكن صحبها ما صحبها من الإعجاب، ثم إن القوم اقتتلوا قتالا شديدا
~~فأدرك المسلمون إعجابهم، والجمع قد يؤخذ بفعل بعضهم فولوا مدبرين وكان
~~أول من انهزم الطلقاء مكرا منهم وكان ذلك سببا لوقوع الخلل وهزيمة
~~غيرهم، وقيل: إنهم حملوا أولا على المشركين فهزموهم فأقبلوا على الغنائم
~~فتراجعوا عليهم فكان ما كان والنبي صلى الله عليه وسلم على بغلته
~~الشهباء تزول الجبال ولا يزول ومعه العباس وابن عمه أبو سفيان بن الحرث
~~وابنه جعفر وعلي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه وربيعة بن الحرث
~~والفضل بن العباس وأسامة بن زيد وأيمن بن عبيد وقتل رضي الله تعالى عنه
~~بين يديه عليه الصلاة والسلام وهؤلاء من أهل بيته.

# وثبت معه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فكانوا عشرة رجال، ولذا قال
~~العباس رضي الله تعالى عنه:

# نصرنا رسول الله في الحرب تسعة

# وقد فر من قد فر منهم وأقشعوا

# وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه

# بما مسه في الله لا يتوجع

# وقد ظهر منه صلى الله عليه وسلم من الشجاعة في تلك الوقعة ما أبهر
~~العقول وقطع لأجله أصحابه رضي الله تعالى عنهم بأنه عليه الصلاة والسلام
~~أشجع الناس، وكان يقول إذ ذاك غير مكترث بأعداء الله تعالى:

# أنا النبي لا كذب

# أنا ابن عبد المطلب

# واختار ركوب البغلة إظهارا لثباته الذي لا ينكره إلا ms03727 الحمار وأنه عليه
~~الصلاة والسلام لم يخطر بباله مفارقة القتال فقال للعباس وكان صيتا: «صح
~~بالناس» فناد يا عباد الله، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة،
~~فكروا عنقا واحدا لهم حنين يقولون: لبيك لبيك، ونزلت الملائكة فالتقوا
~~مع المشركين، فقال صلى الله عليه وسلم:

# " هذا حين حمي الوطيس "

# ثم أخذ كفا من تراب فرماهم ثم قال صلى الله عليه وسلم:

# " انهزموا ورب الكعبة "

# فانهزموا، وتفصيل القصة على أتم وجه في كتب السير.

# { فلم تغن عنكم } أي لم تنفعكم تلك الكثرة { شيئا } من
~~النفع في أمر العدو أو لم تعطكم شيئا يدفع حاجتكم { وضاقت
~~عليكم الأرض بما رحبت } أي برحبها وسعتها على أن { ما }
~~مصدرية والباء للملابسة والمصاحبة أي ضاقت مع سعتها عليكم. وفيه استعارة
~~تبعية إما لعدم وجدان مكان يقرون به مطمئنين أو أنهم لا يجلسون في مكان
~~كما لا يجلس في المكان الضيق { ثم وليتم } أي الكفار ظهوركم على
~~أن ولى متعدية إلى مفعولين كما في قوله سبحانه:

# فلا تولوهم الأدبار

# [الأنفال: 15] ويدل عليه كلام الراغب، وزعم بعضهم أنه لا حاجة إلى تقدير
~~مفعولين لما في «القاموس» ولى تولية أدبر بل لا وجه له عند بعض وليس
~~بشيء، والاعتماد على كلام / الراغب في مثل ذلك أرغب عند المحققين بل قيل:
~~إن كلام «القاموس» ليس بعمدة في مثله، وقوله تعالى: { مدبرين } حال
~~مؤكدة وهو من الإدبار بمعنى الذهاب إلى خلف والمراد منهزمين.

### || [9.26]

# { ثم أنزل الله سكينته على رسوله } أي رحمته التي
~~تسكن بها القلوب وتطمئن [إليها] اطمئنانا كليا مستتبعا للنصر القريب،
~~وأما مطلق السكينة فقد كانت حاصلة له صلى الله عليه وسلم { وعلى
~~المؤمنين } عطف على { رسوله } وإعادة الجار للإيذان بالتفاوت،
~~والمراد بهم الذين انهزموا، وفيه دلالة على أن الكبيرة لا تنافي الإيمان.
~~وعن الحسن أنهم الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل:
~~المراد ما يعم الطائفتين ولا يخلو عن حسن، ولا ضير في تحقق أصل السكينة
~~في الثابتين من قبل، وفسر بعضهم السكينة بالأمان ms03728 وهو له صلى الله عليه
~~وسلم بمعاينة الملائكة عليهم السلام ولمن معه بظهور علامات ذلك
~~وللمنهزمين بزوال قلقهم واضطرابهم باستحضار إن ما شاء الله كان وما لم
~~يشأ لم يكن أو نحو ذلك، والظاهر أن { ثم } في محلها للتراخي بين
~~الانهزام وإنزال السكينة على هذا الوجه. وقيل: إذا أريد من المؤمنين
~~المنهزمون فهي على محلها، وإن أريد الثابتون يكون التراخي في الأخبار أو
~~باعتبار مجموع هذا الإنزال وما عطف عليه، وجعلها للتراخي الرتبي بعيد.

# { وأنزل جنودا لم تروها } بأبصاركم كما يرى بعضكم بعضا
~~وهم الملائكة عليهم السلام على خيول بلق عليهم البياض، وكون المراد لم
~~تروا مثلها قبل ذلك خلاف الظاهر ولم نر في الآثار ما يساعده، واختلف في
~~عددهم فقيل: ثمانية آلاف لقوله تعالى: { ألن يكفيكم أن
~~يمدكم ربكم بثلاثة آلاف } مع قوله سبحانه بعد:

# يمددكم ربكم بخمسة آلاف

# [آل عمران: 124-125] وقيل: خمسة آلاف للآية الثانية والثلاثة الأولى
~~داخلة في هذه الخمسة، وقيل: ستة عشر ألفا بعدد العسكرين اثنا عشر ألفا
~~عسكر المسلمين وأربعة آلاف عسكر المشركين، وكذا اختلفوا في أنهم قاتلوا
~~في هذه الوقعة أم لا، والجمهور على أن الملائكة لم يقاتلوا إلا يوم بدر،
~~وإنما نزلوا لتقوية قلوب المؤمنين بإلقاء الخواطر الحسنة وتأييدهم بذلك
~~وإلقاء الرعب في قلوب المشركين. فعن سعيد بن المسيب قال حدثني رجل كان في
~~المشركين يوم حنين قال: لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم فلما انتهينا
~~إلى صاحب البغلة الشهباء تلقانا رجال بيض الوجوه فقالوا: شاهت الوجوه
~~ارجعوا فرجعنا فركبوا أكتافنا. واحتج من قال: إنهم قاتلوا بما روي أن
~~رجلا من المشركين قال لبعض المؤمنين بعد القتال: أين الخيل البلق
~~والرجال عليهم ثياب بيض؟ ما كنا نراهم فيكم إلا كهيئة الشامة وما كان
~~قتلنا إلا بأيديهم فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه
~~الصلاة والسلام:

# " تلك الملائكة "

# وليس له سند يعول عليه { وعذب الذين كفروا } بالقتل والأسر
~~والسبي { وذلك } أي ما فعل بهم مما ذكر { جزآء الكفرين }
~~لكفرهم في الدنيا. ms03729

### || [9.27]

# { ثم يتوب الله من بعد ذلك } التعذيب { على من
~~يشاء } أن يتوب عليه منهم لحكمة تقتضيه والمراد يوفقه للإسلام {
~~والله غفور } يتجاوز عما سلف منهم من الكفر والمعاصي { رحيم }
~~يتفضل عليهم ويثيبهم بلا وجوب عليه سبحانه. روى البخاري عن المسور بن
~~مخرمة

# " أن أناسا منهم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه على
~~الإسلام وقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس / وأبر الناس وقد سبي
~~أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا، وقد سبي يومئذ ستة آلاف نفس وأخذ من
~~الإبل والغنم ما لا يحصى فقال عليه الصلاة والسلام: إن عندي ما ترون إن
~~خير القول أصدقه اختاروا إما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم قالوا: ما كنا
~~نعدل بالأحساب شيئا فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن هؤلاء
~~جاؤنا مسلمين وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب
~~شيئا فمن كان بيده شيء وطابت به نفسه أن يرده فشأنه ومن لا فليعطنا
~~وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيه مكانه قالوا: قد رضينا وسلمنا،
~~فقال عليه الصلاة والسلام: إنا لا ندري لعل فيكم من لا يرضى فمروا
~~عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا فرفعت إليه صلى الله عليه وسلم العرفاء أنهم
~~قد رضوا ".

### || [9.28]

# { يأيها الذين ءامنوا إنما المشركون نجس }
~~أخبر عنهم بالمصدر للمبالغة كأنهم عين النجاسة، أو المراد ذوو نجس لخبث
~~بواطنهم وفساد عقائدهم أو لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس أو لأنهم
~~لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات فهي ملابسة لهم، وجوز أن
~~يكون { نجس } صفة مشبهة وإليه ذهب الجوهري، ولا بد حينئذ من تقدير
~~موصوف مفرد لفظا مجموع معنى ليصح الإخبار به عن الجمع أي جنس نجس ونحوه،
~~وتخريج الآية على أحد الأوجه المذكورة هو الذي يقتضيه كلام أكثر الفقهاء
~~حيث ذهبوا إلى أن أعيان المشركين طاهرة ولا فرق بين عبدة الأصنام وغيرهم
~~من أصناف الكفار في ذلك. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن
~~أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عنه ms03730 رضي
~~الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " من صافح مشركا فليتوضأ أو ليغسل كفيه ".

# وأخرج ابن مردويه عن هشام بن عروة عن أبيه عن جده قال:

# " استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام فناوله يده
~~فأبى أن يتناولها فقال: يا جبريل ما منعك أن تأخذ بيدي؟ فقال: إنك أخذت
~~بيد يهودي فكرهت أن تمس يدي يدا قد مستها يد كافر فدعا رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم بماء فتوضأ فناوله يده فتناولها "

# وإلى ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مال الإمام الرازي وهو
~~الذي يقتضيه ظاهر الآية ولا يعدل عنه إلا بدليل منفصل. قيل: وعلى ذلك فلا
~~يحل الشرب من أوانيهم ولا مؤاكلتهم ولا لبس ثيابهم لكن صح عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم والسلف خلافه، واحتمال كونه قبل نزول الآية فهو منسوخ
~~بعيد، والاحتياط لا يخفى.

# والاستدلال على طهارتهم بأن أعيانهم لو كانت نجسة ما أمكن بالإيمان
~~طهارتها إذ لا يعقل كون الإيمان مطهرا، ألا ترى أن الخنزير لو قال: لا
~~إله إلا الله محمد رسول الله لا يطهر، وإنما يطهر نجس العين بالاستحالة
~~على قول من يرى ذلك وعين الكافر لم تستحل بالإيمان عينا أخرى ليس بشيء
~~وإن ظنه من تهوله القعقعة شيئا، لأن الطهارة والنجاسة أمران تابعان لما
~~يفهم من كلام الشارع عليه الصلاة والسلام وليستا مربوطتين بالاستحالة
~~وعدمها فإذا فهم منه نجاسة شيء في وقت وطهارته في وقت آخر أو ما بالعكس
~~كما في الخمر اتبع وإن لم يكن هناك استحالة وذلك ظاهر. وقرأ ابن السميقع
~~{ أنجاس } على صيغة الجمع. وقرأ أبو حيوة { نجس } بكسر النون وسكون الجيم
~~وهو تخفيف نجس ككبد في كبد، ويقدر حينئذ موصوف كما قررناه آنفا فيما
~~قاله الجوهري، وأكثر ما جاء هذا اللفظ تابعا لرجس، وقول الفراء وتبعه
~~الحريري في «درته» إنه لا يجوز ذلك بغير اتباع ترده هذه القراءة إذ لا
~~اتباع فيها.

# { فلا يقربوا المسجد الحرام } تفريع ms03731 على نجاستهم
~~والمراد النهي عن الدخول إلا أنه نهي عن القرب للمبالغة. وأخرج عبد
~~الرزاق والنحاس عن / عطاء أنهم نهوا عن دخول الحرم كله فيكون المنع من
~~قرب نفس المسجد على ظاهره، وبالظاهر أخذ أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه إذ
~~صرف المنع عن دخول الحرم إلى المنع من الحج والعمرة، ويؤيده قوله تعالى:
~~{ بعد عامهم هذا } فإن تقييد النهي بذلك يدل على اختصاص
~~المنهي عنه بوقت من أوقات العام أي لا يحجوا ولا يعتمروا بعد حج عامهم
~~هذا وهو عام تسعة من الهجرة حين أمر أبو بكر رضي الله تعالى عنه على
~~الموسم ويدل عليه نداء علي كرم الله تعالى وجهه يوم نادى ببراءة ألا لا
~~يحج بعد عامنا هذا مشرك وكذا قوله سبحانه: { وإن خفتم عيلة }
~~أي فقرا بسبب منعهم لما أنهم كانوا يأتون في الموسم بالمتاجر فإنه إنما
~~يكون إذا منعوا من دخول الحرم كما لا يخفى. والحاصل أن الإمام الأعظم
~~يقول بالمنع عن الحج والعمرة ويحمل النهي عليه ولا يمنعون من دخول المسجد
~~الحرام وسائر المساجد عنده، ومذهب الشافعي وأحمد ومالك رضي الله تعالى
~~عنهم  كما قال الخازن  أنه لا يجوز للكافر ذميا كان أو مستأمنا أن
~~يدخل المسجد الحرام بحال من الأحوال فلو جاء رسول من دار الكفر والإمام
~~فيه لم يأذن له في دخوله بل يخرج إليه بنفسه أو يبعث إليه من يسمع رسالته
~~خارجه، ويجوز دخوله سائر المساجد عند الشافعي عليه الرحمة، وعن مالك كل
~~المساجد سواء في منع الكافر عن دخولها وزعم بعضهم أن المنع في الآية إنما
~~هو عن تولي المسجد الحرام والقيام بمصالحه وهو خلاف الظاهر جدا والظاهر
~~النهي على ما علمت، وكون العلة فيه نجاستهم إن لم نقل بأنها ذاتية لا
~~يقتضي جواز الفعل ممن اغتسل ولبس ثيابا طاهرة لأن خصوص العلة لا يخصص
~~الحكم كما في الاستبراء، والكلام على حد  لا أرينك هنا  فهو كناية عن
~~نهي المؤمنين عن تمكينهم مما ذكر بدليل أن ما قبل وما بعد ms03732 خطاب للمؤمنين،
~~ومن حمله على ظاهره استدل به على أن الكفار مخاطبون بالفروع حيث إنهم
~~نهوا فيه والنهي من الأحكام وكونهم لا ينزجرون به لا يضر بعد معرفة معنى
~~مخاطبتهم بها. يروى أنه لما جاء النهي شق ذلك على المؤمنين وقالوا: من
~~يأتينا بطعامنا وبالمتاع فأنزل الله سبحانه { وإن خفتم عيلة
~~}.

# { فسوف يغنيكم الله من فضله } أي عطائه أو تفضيله بوجه
~~آخر فمن على الأول ابتدائية أو تبعيضية وعلى الثاني سببية، وقد أنجز
~~الله تعالى وعده بأن أرسل السماء عليهم مدرارا ووفق أهل نجد وتبالة وجرش
~~فأسلموا وحملوا إليهم الطعام وما يحتاجون إليه في معاشهم ثم فتح عليهم
~~البلاد والغنائم وتوجه إليهم الناس من كل فج عميق، وعن ابن جبير أنه فسر
~~الفضل بالجزية، ويؤيده بأن الأمر الآتي شاهد له وما ذكرناه أولى وأمر
~~الشهادة هين وقرىء { عائلة } على أنه إما مصدر كالعاقبة والعافية أو اسم
~~فاعل صفة لموصوف مؤنث مقدر أي حالا عائلة أي مفتقرة وتقييد الإغناء
~~بقوله سبحانه: { إن شآء } ليس للتردد ليشكل بأنه لا يناسب المقام وسبب
~~النزول بل لبيان أن ذلك بإرادته لا سبب له غيرها حتى ينقطعوا إليه سبحانه
~~ويقطعوا النظر عن غيره، وفيه تنبيه على أنه سبحانه متفضل بذلك الإغناء لا
~~واجب عليه عز وجل لأنه لو كان بالإيجاب لم يوكل إلى المشيئة، وجوز أن
~~يكون التقييد لأن الإغناء ليس مطردا بحسب الأفراد والأحوال والأوقات {
~~إن الله عليم } بأحوالكم ومصالحكم { حكيم } فيما يعطي ويمنع.

### || [9.29]

# { قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم
~~الأخر } / أمر بقتال أهل الكتابين إثر أمرهم بقتال المشركين ومنعهم من
~~أن يحوموا حول المسجد الحرام، وفي تضاعيفه تنبيه لهم على بعض طرق الإغناء
~~الموعود، والتعبير عنهم بالموصول للإيذان بعلية ما في حيز الصلاة للأمر
~~بالقتال وبانتظامهم بسبب ذلك في سلك المشركين وإيمانهم الذي يزعمونه ليس
~~على ما ينبغي فهو كلا إيمان { ولا يحرمون ما حرم الله
~~ورسوله } أي ما ثبت تحريمه بالوحي متلوا وغير متلو، فالمراد
~~بالرسول نبينا صلى الله عليه ms03733 وسلم، وقيل: المراد به رسولهم الذي يزعمون
~~اتباعه فإنهم بدلوا شريعته وأحلوا وحرموا من عند أنفسهم اتباعا لأهوائهم
~~فيكون المراد لا يتبعون شريعتنا ولا شريعتهم، ومجموع الأمرين سبب لقتالهم
~~وإن كان التحريف بعد النسخ ليس علة مستقلة { ولا يدينون دين
~~الحق } أي الدين الثابت فالإضافة من إضافة الصفة إلى الموصوف.
~~والمراد به دين الإسلام الذي لا ينسخ بدين كما نسخ كل دين به، وعن قتادة
~~أن المراد بالحق هو الله تعالى وبدينه الإسلام، وقيل: ما يعمه وغيره أي
~~لا يدينون بدين من الأديان التي أنزلها سبحانه على أنبيائه وشرعها لعباده
~~والإضافة على هذا على ظاهرها { من الذين أوتوا الكتب } أي
~~جنسه الشامل للتوراة والإنجيل و { من } بيانية لا تبعيضية حتى يكون
~~بعضهم على خلاف ما نعت. { حتى يعطوا } أي يقبلوا أن يعطوا {
~~الجزية } أي ما تقرر عليهم أن يعطوه، وهي مشتقة من جزى دينه أي قضاه
~~أو من جزيته بما فعل أي جازيته لأنهم يجزون بها من من عليهم بالعفو عن
~~القتل. وفي «الهداية» أنها جزاء الكفر فهي من المجازاة، وقيل: أصلها
~~الهمز من الجزء والتجزئة لأنها طائفة من المال يعطى، وقال الخوارزمي:
~~إنها معرب  كزيت  وهو الخراج بالفارسية وجمعها جزى كلحية ولحى { عن
~~يد } يحتمل أن يكون حالا من الضمير في { يعطوا } وأن يكون حالا
~~من الجزية؛ واليد تحتمل أن تكون اليد المعطية وأن تكون اليد الآخذة و {
~~عن } تحتمل السببية وغيرها أي يعطوا الجزية عن يد مؤاتية أي منقادين أو
~~مقرونة بالانقياد أو عن يدهم أي مسلمين أو مسلمة بأيديهم لا بأيدي غيرهم
~~من وكيل أو رسول لأن القصد فيها التحقير وهذا ينافيه ولذا منع من التوكيل
~~شرعا أو عن غنى أي أغنياء أو صادرة عنه ولذلك لا تؤخذ من الفقير العاجز
~~أو عن قهر وقوة أي أذلاء عاجزين. أو مقرونة بالذل أو عن إنعام عليهم فإن
~~إبقاء مهجهم بما بذلوا من الجزية نعمة عظيمة أي منعما عليهم أو كائنة عن
~~إنعام عليهم أو نقدا أي مسلمة عن ms03734 يد إلى يد أو مسلمين نقدا، واستعمال
~~اليد بمعنى الانقياد إما حقيقة أو كناية، ومنه قول عثمان رضي الله تعالى
~~عنه، هذي يدي لعمار أي أنا منقاد مطيع له، واستعمالها بمعنى الغنى لأنها
~~تكون مجازا عن القدرة المستلزمة له، واستعمالها بمعنى الإنعام وكذا
~~النعمة شائع ذائع، وأما معنى النقدية فلشهرة «يدا بيد» في ذلك، ومنه
~~حديث أبي سعيد الخدري في الربا، وما في الآية يؤول إليه كما لا يخفى على
~~من له اليد الطولى في المعاني والبيان.

# وتفسير اليد هنا بالقهر والقوة أخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة، وأخرج عن
~~سفيان بن عيينة ما يدل على أنه حملها على ما يتبادر منها طرز ما ذكرناه
~~في الوجه الثاني، وسائر الأوجه ذكرها غير واحد من المفسرين، وغاية القتال
~~ليس نفس هذا الإعطاء بل قبوله كما أشير إليه، وبذلك صرح جمع من الفقهاء
~~حيث قالوا: إنهم يقاتلون إلى أن يقبلوا الجزية، وإنما عبروا بالإعطاء
~~لأنه المقصود من القبول.

# { وهم صغرون } أي أذلاء / وذلك بأن يعطوها قائمين والقابض منهم
~~قاعد قاله عكرمة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تؤخذ الجزية من
~~الذمي ويوجأ عنقه، وفي رواية أنه يؤخذ بتلبيبه ويهز هزا ويقال: أعط
~~الجزية يا ذمي، وقيل: هو أن يؤخذ بلحيته وتضرب لهزمته، ويقال: أد حق الله
~~تعالى يا عدو الله. ونقل عن الشافعي أن الصغار هو جريان أحكام المسلمين
~~عليهم، وكل الأقوال لم نر اليوم لها أثرا لأن أهل الذمة فيه قد امتازوا
~~على المسلمين والأمر لله عز وجل بكثير حتى أنه قبل منهم إرسال الجزية على
~~يد نائب منهم، وأصح الروايات أنه لا يقبل ذلك منهم بل يكلفون أن يأتوا
~~بها بأنفسهم مشاة غير راكبين وكل ذلك من ضعف الإسلام عامل الله تعالى من
~~كان سببا له بعدله.

# وهي تؤخذ عند أبي حنيفة من أهل الكتاب مطلقا ومن مشركي العجم والمجوس
~~لا من مشركي العرب؛ لأن كفرهم قد تغلظ لما أن النبي صلى الله عليه وسلم
~~نشأ بين أظهرهم وأرسل ms03735 إليهم وهو عليه الصلاة والسلام من أنفسهم ونزل
~~القرآن بلغتهم وذلك من أقوى البواعث على إيمانهم فلا يقبل منهم إلا السيف
~~أو الإسلام زيادة في العقوبة عليهم مع اتباع الوارد في ذلك، فلا يرد أن
~~أهل الكتاب قد تغلظ كفرهم أيضا لأنهم عرفوا النبي صلى الله عليه وسلم
~~معرفة تامة ومع ذلك أنكروه وغيروا اسمه ونعته من الكتاب، وعند أبي يوسف
~~لا تؤخذ من العربي كتابيا كان أو مشركا وتؤخذ من العجمي كتابيا كان
~~أو مشركا. وأخذها من المجوس إنما ثبت بالسنة، فقد صح أن عمر رضي الله
~~تعالى عنه لم يأخذها منهم حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، وقال الشافعي: رضي الله تعالى عنه
~~إنها تؤخذ من أهل الكتاب عربيا كان أو عجميا ولا تؤخذ من أهل الأوثان
~~مطلقا لثبوتها في أهل الكتاب بالكتاب وفي المجوس بالخبر فبقي من وراءهم
~~على الأصل.

# ولنا أنه يجوز استرقاقهم وكل من يجوز استرقاقه يجوز ضرب الجزية عليه إذا
~~كان من أهل النصرة لأن كل واحد منهما يشتمل على سلب النفس أما الاسترقاق
~~فظاهر لأن نفع الرقيق يعود إلينا جملة. وأما الجزية فلأن الكافر يؤديها
~~من كسبه والحال أن نفقته في كسبه فكان أداء كسبه الذي هو سبب حياته إلى
~~المسلمين راتبة في معنى أخذ النفس منه حكما، وذهب مالك والأوزاعي إلى
~~أنها تؤخذ من جميع الكفار ولا تؤخذ عندنا من امرأة ولا صبي ولا زمن ولا
~~أعمى، وكذلك المفلوج والشيخ، وعن أبي يوسف أنها تؤخذ منه إذا كان له مال
~~ولا من فقير غير معتمل خلافا للشافعي ولا من مملوك ومكاتب ومدبر، ولا
~~تؤخذ من الراهبين الذين لا يخالطون الناس كما ذكره بعض أصحابنا، وذكر
~~محمد عن أبي حنيفة أنها تؤخذ منهم إذا كانوا يقدرون على العمل وهو قول
~~أبي يوسف.

# ثم إنها على ضربين جزية توضع بالتراضي والصلح فتقدر بحسب ما يقع عليه
~~الاتفاق كما صالح صلى الله عليه وسلم ms03736 بني نجران على ألف ومائتي حلة ولأن
~~الموجب التراضي فلا يجوز التعدي إلى غير ما وقع عليه. وجزية يبتدىء
~~الإمام بوضعها إذا غلب على الكفار وأقرهم على أملاكهم فيضع على الغني
~~الظاهر الغنى في كل سنة ثمانية وأربعين درهما يؤخذ في كل شهر منه أربعة
~~دراهم، وعلى الوسط الحال أربعة وعشرين في كل شهر درهمين وعلى الفقير
~~المعتمل وهو الذي يقدر على العمل وإن لم يحسن حرفة اثني عشر درهما في كل
~~شهر درهما، والظاهر أن مرجع الغنى وغيره إلى عرف البلد. وبذلك صرح به
~~الفقيه أبو جعفر، وإلى ما ذهبنا إليه من اختلافها غنى وفقرا وتوسطا ذهب
~~عمر وعلي وعثمان رضي الله تعالى عنهم. ونقل عن الشافعي أن الإمام يضع على
~~كل حالم دينارا أو ما يعدله والغني والفقير في ذلك سواء، لما أخرجه ابن
~~أبي شيبة عن مسروق أنه صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى / اليمن
~~قال له: خذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر ولم يفصل عليه الصلاة
~~والسلام، وأجيب عنه بأنه محمول على أنه كان صلحا. ويؤيده ما في بعض
~~الروايات من كل حالم وحالمة لأن الجزية لا تجب على النساء، والأصح عندنا
~~أن الوجوب أول الحول لأن ما وجب بدلا عنه لا يتحقق إلا في المستقبل
~~فتعذر إيجابه بعد مضي الحول فأوجبناها في أوله، وعن الشافعي أنها تجب في
~~آخره اعتبارا بالزكاة.

# وتعقبه الزيلعي بأنه لا يلزمنا الزكاة لأنها وجبت في آخر الحول ليتحقق
~~النماء فهي لا تجب إلا في المال النامي ولا كذلك الجزية فالقياس غير
~~صحيح، ((واقتضى  كما قال الجصاص  في أحكام القرآن وجوب قتل من ذكر في
~~الآية إلى أن تؤخذ منهم الجزية على وجه الصغار والذلة [فغير جائز على هذه
~~القضية أن] لا يكون لهم ذمة إذا تسلطوا على المسلمين بالولاية ونفاذ
~~الأمر والنهي لأن الله سبحانه إنما جعل لهم الذمة بإعطاء الجزية وكونهم
~~صاغرين فواجب على هذا قتل من تسلط على المسلمين بالغضب وأخذ الضرائب
~~والظلم (وإن ms03737 كان السلطان ولاه ذلك وإن فعله بغير إذنه وأمره فهو أولى)
~~وهذا يدل على أن هؤلاء اليهود والنصارى الذين يتولون أعمال السلطان
~~وأمرائه ويظهر منهم الظلم والاستعلاء [على المسلمين] وأخذ الضرائب لا ذمة
~~لهم وأن دماءهم مباحة ولو قصد المسلم مسلما لأخذ ماله أبيح قتله في بعض
~~الوجوه فما بالك بهؤلاء الكفرة أعداء الدين. وقد أفتى فقهاؤنا بحرمة
~~توليتهم الأعمال لثبوت ذلك بالنص، وقد ابتلى الحكام بذلك حتى احتاج الناس
~~إلى مراجعتهم بل تقبيل أيديهم كما شاهدناه مرارا، وما كل ما يعلم يقال
~~فإنا لله وإنا إليه راجعون.

# هذا وقد استشكل أخذ الجزية من هؤلاء الكفرة بأن كفرهم من أعظم الكفر
~~فكيف يقرون عليه بأخذ دراهم معدودات؟. وأجاب القطب بأن المقصود من أخذ
~~الجزية ليس تقريرهم على الكفر بل إمهال الكافر مدة ربما يقف فيها على
~~محاسن الإسلام وقوة دلائله فيسلم، وقال الاتقاني: إن الجزية ليست بدلا
~~عن تقرير الكفر وإنما هي عوض عن القتل والاسترقاق الواجبين فجازت كإسقاط
~~القصاص بعوض، أو هي عقوبة على الكفر كالاسترقاق، والشق الأول أظهر حيث
~~يوهم الثاني جواز وضع الجزية على النساء ونحوهن. وقد يجاب بأنها بدل عن
~~النصرة للمقاتلة منا، ولهذا تفاوتت لأن كل من كان من أهل دار الإسلام يجب
~~عليه النصرة للدار بالنفس والمال، وحيث إن الكافر لا يصلح لها لميله إلى
~~دار الحرب اعتقادا أقيمت الجزية المأخوذة المصروفة إلى الغزاة مقامها،
~~ولا يرد إن النصرة طاعة وهذه عقوبة فكيف تكون العقوبة خلفا عن الطاعة
~~لما في «النهاية» من أن الخليفة عن النصرة في حق المسلمين لما في ذلك من
~~زيادة القوة لهم وهم يثابون على تلك الزيادة الحاصلة بسبب أموالهم، وهذا
~~بمنزلة ما لو أعاروا دوابهم للغزاة. ومن هنا تعلم أن من قال: إنها بدل عن
~~الإقرار على الكفر فقد توهم وهما عظيما.

### || [9.30]

# { وقالت اليهود } استئناف سيق لتقرير ما مر من عدم إيمان أهل
~~الكتابين بالله سبحانه وانتظامهم بذلك في المشركين، والقائل { عزير
~~ابن الله } متقدمو اليهود ونسبة الشيء ms03738 القبيح إذا صدر من بعض القوم
~~إلى الكل مما شاع، وسبب ذلك على ما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أن عزيرا كان في أهل الكتاب وكانت التوراة عندهم
~~يعملون بها ما شاء الله تعالى أن يعملوا ثم أضاعوها وعملوا بغير الحق
~~وكان التابوت عندهم فلما رأى الله سبحانه وتعالى أنهم قد أضاعوا التوراة
~~وعملوا بالأهواء رفع عنهم التابوت وأنساهم التوراة ونسخها من صدورهم فدعا
~~عزير ربه عز وجل / وابتهل أن يرد إليه ما نسخ من صدره، فبينما هو يصلي
~~مبتهلا إلى الله عز وجل نزل نور من الله تعالى فدخل جوفه فعاد الذي كان
~~ذهب من جوفه من التوراة فأذن في قومه فقال: يا قوم قد آتاني الله تعالى
~~التوراة وردها إلي فطفق يعلمهم فمكثوا ما شاء الله تعالى أن يمكثوا وهو
~~يعلمهم. ثم إن التابوت نزل عليهم بعد ذهابه منهم فعرضوا ما كان فيه على
~~الذي كان عزير يعلمهم فوجدوه مثله فقالوا: والله ما أوتي عزير هذا إلا
~~لأنه ابن الله سبحانه.

# وقال الكلبي في سبب ذلك: إن بختنصر غزا بيت المقدس وظهر على بني
~~إسرائيل وقتل من قرأ التوراة وكان عزير إذ ذاك صغيرا فلم يقتله لصغره
~~فلما رجع بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس فيهم من يقرأ التوراة بعث الله
~~تعالى عزيرا ليجدد لهم التوراة وليكون آية لهم بعد ما أماته الله تعالى
~~مائة سنة فأتاه ملك بإناء فيه ماء فشرب منه فمثلت له التوراة في صدره
~~فلما أتاهم قال: أنا عزير فكذبوه وقالوا: إن كنت كما تزعم فأمل علينا
~~التوراة فكتبها لهم من صدره. فقال رجل منهم: إن أبي حدثني عن جدي أنه
~~وضعت التوراة في خابية ودفنت في كرم فانطلقوا معه حتى أخرجوها فعارضوها
~~بما كتب لهم عزير فلم يجدوه غادر حرفا فقالوا: إن الله تعالى لم يقذف
~~التوراة في قلب عزير إلا لأنه ابنه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وروي
~~غير ذلك ومرجع الروايات إلى أن السبب ms03739 حفظه عليه السلام للتوراة، وقيل:
~~قائل ذلك جماعة من يهود المدينة منهم سلام بن مشكم ونعمان بن أبي أوفى
~~وشاس بن قيس ومالك بن الصيف أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم أتوا رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيرا ابن
~~الله؟.

# وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أن قائل ذلك فنحاص بن عازوراء وهو على ما
~~جاء في بعض الروايات القائل:

# إن الله فقير ونحن أغنياء

# [آل عمران: 181]. وبالجملة أن هذا القول كان شائعا فيهم ولا عبرة
~~بإنكارهم له أصلا ولا بقول بعضهم: إن الواقع قولنا عزير أبان الله أي
~~أوضح أحكامه وبين دينه أو نحو ذلك بعد أن أخبر الله سبحانه وتعالى بما
~~أخبر.

# وقرأ عاصم والكسائي ويعقوب وسهل { عزير } بالتنوين والباقون بتركه. أما
~~التنوين فعلى أنه اسم عربي مخبر عنه بابن. وقال أبو عبيدة: إنه أعجمي
~~لكنه صرف لخفته بالتصغير كنوح ولوط وإلى هذا ذهب الصغاني. وهو مصغر عزار
~~تصغير ترخيم، والقول بأنه أعجمي جاء على هيئة المصغر وليس به فيه نظر.
~~وأما حذف التنوين فقيل لالتقاء الساكنين فإن نون التنوين ساكنة والباء في
~~ابن ساكنة أيضا فالتقى الساكنان فحذفت النون له كما يحذف حروف العلة
~~لذلك، وهو مبني على تشبيه النون بحرف اللين وإلا فكان القياس تحريكها،
~~وهو مبتدأ وابن خبره أيضا ولذا رسم في جميع المصاحف بالألف؛ وقيل: لأنه
~~ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وقيل: ((لأن الابن وصف والخبر محذوف مثل
~~معبودنا. وتعقب بأنه تمحل عنه مندوحة ورده الشيخ في «دلائل الإعجاز» بأن
~~الاسم إذا وصف بصفة ثم أخبر عنه فمن كذبه انصرف تكذيبه إلى الخبر وصار
~~ذلك الوصف مسلما، فلو كان المقصود بالإنكار قولهم عزير ابن الله معبودنا
~~لتوجه الإنكار إلى كونه معبودا لهم وحصل تسليم كونه ابنا لله سبحانه
~~وذلك كفر. واعترض عليه الإمام قائلا: إن قوله يتوجه الإنكار إلى الخبر
~~مسلم لكن قوله: ms03740 يكون ذلك تسليما للوصف ممنوع لأنه لا يلزم من كونه
~~مكذبا لذلك الخبر كونه مصدقا لذلك / الوصف إلا أن يقال: ذلك بالخبر يدل
~~على أن ما سواه لا يكذبه وهو مبني على دليل الخطاب وهو ضعيف)). وأجاب
~~بعضهم بأن الوصف للعلية فإنكار الحكم يتضمن إنكار علته. وفيه أن إنكار
~~الحكم قد يحتمل أن يكون بواسطة عدم الإفضاء لا لأن الوصف كالأبنية مثلا
~~منتف. وفي «الإيضاح» أن القول بمعنى الوصف وأراد أنه لا يحتاج إلى تقدير
~~الخبر كما أن أحدا إذا قال مقالة ينكر منها البعض فحكيت منها المنكر
~~فقط، وهو كما في «الكشف» وجه حسن في رفع التمحل لكنه خلاف الظاهر كما
~~يشهد له آخر الآية. وقال بعض المحققين: إنه يحتمل أن يكون { عزير
~~ابن الله } خبر مبتدأ محذوف أي صاحبنا عزير ابن الله مثلا، والخبر
~~إذا وصف توجه الإنكار إلى وصفه نحو هذا الرجل العاقل وهذا موافق للبلاغة
~~وجار على وفق العربية من غير تكلف ولا غبار، ولم يظهر لي وجه تركه مع
~~ظهوره، والظاهر أن التركيب خبر ولا حذف هناك، واختلف في عزير هل هو نبي
~~أم لا والأكثرون على الثاني.

# { وقالت النصرى المسيح ابن الله } هو أيضا قول
~~بعضهم، ولعلهم إنما قالوه لاستحالة أن يكون ولد من غير أب أو لأنهم رأوا
~~من أفعاله ما رأوا. ويحتمل  وهو الظاهر عندي  أنهم وجدوا إطلاق الابن
~~عليه عليه السلام وكذا إطلاق الأب على الله تعالى فيما عندهم من الإنجيل
~~فقالوا ما قالوا وأخطأوا في فهم المراد من ذلك. وقد قدمنا من الكلام ما
~~فيه كفاية في هذا المقام. ومن الغريب  ولا يكاد يصح  ما قيل: إن السبب
~~في قولهم هذا أنهم كانوا على الدين الحق بعد رفع عيسى عليه السلام إحدى
~~وثمانين سنة يصلون ويصومون ويوحدون حتى وقع بينهم وبين اليهود حرب وكان
~~في اليهود رجل شجاع يقال له بولص قتل جماعة منهم ثم قال لليهود: إن كان
~~الحق مع عيسى عليه السلام فقد كفرنا والنار مصيرنا ونحن مغبونون ms03741 إن دخلنا
~~النار ودخلوا الجنة وإني سأحتال عليهم وأضلهم حتى يدخلوا النار معنا ثم
~~إنه عمد إلى فرس يقاتل عليه فعقره وأظهر الندامة والتوبة ووضع التراب على
~~رأسه وأتى النصارى فقالوا له من أنت فقال: عدوكم بولص قد نوديت من السماء
~~أنه ليست لك توبة حتى تتنصر وقد تبت وأتيتكم فأدخلوه الكنيسة ونصروه ودخل
~~بيتا فيها فلم يخرج منه سنة حتى تعلم الإنجيل ثم خرج وقال: قد نوديت إن
~~الله تعالى قد قبل توبتك فصدقوه وأحبوه وعلا شأنه فيهم، ثم إنه عمد إلى
~~ثلاثة رجال منهم نسطور ويعقوب وملكا فعلم نسطور أن الإله ثلاثة الله
~~وعيسى ومريم تعالى الله عن ذلك، وعلم يعقوب أن عيسى ليس بإنسان ولكنه ابن
~~الله سبحانه، وعلم ملكا أن عيسى هو الله تعالى لم يزل ولا يزال فلما
~~استمكن ذلك منهم دعا كل واحد منهم في الخلوة وقال له: أنت خالصتي فادع
~~الناس إلى ما علمتك وأمره أن يذهب إلى ناحية من البلاد، ثم قال لهم: إني
~~رأيت عيسى عليه السلام في المنام، وقد رضي عني وأنا ذابح نفسي تقربا
~~إليه ثم ذهب إلى المذبح فذبح نفسه، وتفرق أولئك الثلاثة فذهب واحد منهم
~~إلى الروم وواحد إلى بيت المقدس والآخر إلى ناحية أخرى وأظهر كل مقالته
~~ودعا الناس إليها فتبعه من تبعه وكان ما كان من الاختلال والضلال.

# { ذلك } أي ما صدر عنهم من العظيمتين { قولهم بأفوههم }
~~أي أنه قول لا يعضده برهان مماثل للألفاظ المهملة التي لا وجود لها إلا
~~في الأفواه من غير أن يكون لها مصداق في الخارج، وقيل: هو تأكيد لنسبة
~~القول المذكور إليهم ونفي التجوز عنها وهو الشائع في مثل ذلك، وقيل: أريد
~~بالقول الرأي والمذهب، وذكر الأفواه إما للإشارة إلى أنه لا أثر له في
~~قلوبهم وإنما يتكلمون به جهلا وعنادا وإما للإشعار بأنه مختار لهم غير
~~متحاشين عن التصريح / به فإن الإنسان ربما ينبه على مذهبه بالكتابة أو
~~بالكناية مثلا فإذا صرح به وذكره بلسانه كان ذلك الغاية ms03742 في اختياره،
~~وادعى غير واحد أن جعل ذلك من باب التأكيد كما في قولك: رأيته بعيني
~~وسمعته بأذني مثلا مما يأباه المقام، ولو كان المراد به التأكيد مع
~~التعجيب من تصريحهم بتلك المقالة الفاسدة لا ينافيه المقام ولا تزاحم في
~~النكات { يضهئون } أي يضاهي قولهم في الكفر والشناعة { قول
~~الذين كفروا } فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وصير
~~مرفوعا، ويحتمل أن يكون من باب التجوز كما قيل في قوله تعالى:

# وأن الله لا يهدى كيد الخئنين

# [يوسف: 52] لا يهديهم في كيدهم، فالمراد يضاهئون في قولهم قول الذين
~~كفروا { من قبل } أي من قبلهم وهم كما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة
~~واختاره الفراء المشركون الذين قالوا: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى
~~عما يقولون، وقيل: المراد بهم قدماؤهم فالمضاهي من كان في زمنه عليه
~~الصلاة والسلام منهم لقدمائهم وأسلافهم، والمراد الإخبار بعراقتهم في
~~الكفر. وأنت تعلم أنه لا تعدد في القول حتى يتأتى التشبيه، وجعله بين
~~قولي الفريقين ليس فيه مزيد مزية، وقيل: المراد بهم اليهود على أن الضمير
~~للنصارى، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر وإن أخرجه ابن المنذر وغيره عن قتادة
~~مع أن مضاهاتهم قد علمت من صدر الآية، ويستدعي أيضا اختصاص الرد
~~والإبطال بقوله تعالى: { ذلك قولهم بأفوههم } بقول
~~النصارى.

# وقرأ الأكثر { يضاهون } بهاء مضمومة بعدها واو، وقد جاء ضاهيت وضاهأت
~~بمعنى من المضاهاة وهي المشابهة وبذلك فسرها ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما، وعن الحسن تفسيرها بالموافقة وهما لغتان، وقيل: الياء فرع عن
~~الهمزة كما قالوا فريت وتوضيت، وقيل: الهمزة بدل من الياء لضمها. ورد بأن
~~الياء لا تثبت في مثله حتى تقلب بل تحذف كرامون من الرمي، وقيل: إنه
~~مأخوذ من قولهم: امرأة ضهيا بالقصر وهي التي لا ثدي لها أو لا تحيض أو لا
~~تحمل لمشابهتها الرجال، ويقال: ضهياء بالمد كحمراء وضهياءة بالمد وتاء
~~التأنيث وشذ فيه الجمع بين علامتي التأنيث، وتعقب بأنه خطأ لاختلاف
~~المادتين فإن الهمزة في ضهياء على لغتها الثلاث زائدة وفي المضاهاة ms03743 أصلية
~~ولم يقولوا: إن همزة ضهياء أصلية وياؤها زائدة لأن فعيلاء لم يثبت في
~~أبنيتهم، ولم يقولوا وزنها فعلل كجعفر لأنه ثبت زيادة الهمزة في ضهياء
~~بالمد فتتعين في اللغة الأخرى، وفي هذا المقام كلام مفصل في محله. ومن
~~الناس من جوز الوقف على { قولهم } وجعل { بأفوههم }  متعلقا
~~بيضاهئون ولا توقف في أنه ليس بشيء، وفي الجملة ذم للذين كفروا على أبلغ
~~وجه وإن لم تسق لذمهم.

# { قتلهم الله } دعاء عليهم بالإهلاك فإن من قاتله الله تعالى
~~فمقتول ومن غالبه فمغلوب. وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أن المعنى
~~لعنهم الله وهو معنى مجازي لقاتلهم، ويجوز أن يكون المراد من هذه الكلمة
~~التعجب من شناعة قولهم فقد شاعت في ذلك حتى صارت تستعمل في المدح فيقال:
~~قاتله الله تعالى ما أفصحه. وقيل: هي للدعاء والتعجب يفهم من السياق
~~لأنها كلمة لا تقال إلا في موضع التعجب من شناعة فعل قوم أو قولهم ولا
~~يخفى ما فيه مع أن تخصيصها بالشناعة شناعة أيضا { أنى يؤفكون }
~~أي كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل بعد وضوح الدليل وسطوع البرهان.

### || [9.31]

# { اتخذوا أحبرهم } زيادة تقرير لما سلف من / كفرهم بالله
~~تعالى، والأحبار علماء اليهود، واختلف في واحده فقال الأصمعي: لا أدري
~~أهو حبر أو حبر، وقال أبو الهيثم: هو بالفتح لا غير، وذكر ابن الأثير
~~أنه ((بالفتح والكسر)) وعليه أكثر أهل اللغة، والصحيح إطلاقه على العالم
~~ذميا كان أو مسلما فقد كان يقال لابن عباس رضي الله تعالى عنهما الحبر
~~ويجمع كما في «القاموس» على حبور أيضا وكأنه مأخوذ من تحبير المعاني
~~بحسن البيان عنها { ورهبنهم } وهم علماء النصارى من أصحاب
~~الصوامع، وهو جمع راهب وقد يقع على الواحد ويجمع على رهابين ورهابنة وفي
~~«مجمع البيان» أن الراهب هو الخاشي الذي تظهر عليه الخشية وكثر إطلاقه
~~على متنسكي النصارى وهو مأخوذ من الرهبة أي الخوف، وكانوا لذلك يتخلون من
~~أشغال الدنيا وترك ملاذها والزهد فيها والعزلة عن أهلها وتعمد مشاقها حتى
~~أن منهم ms03744 من كان يخصي نفسه ويضع السلسلة في عنقه وغير ذلك من أنواع
~~التعذيب، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم:

# " لا رهبانية في الإسلام "

# والمراد في الآية اتخذ كل من [واحد] من الفريقين علماءهم لا الكل الكل {
~~أربابا من دون الله } بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل الله تعالى
~~وتحليل ما حرمه سبحانه وهو التفسير المأثور عن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم. فقد روي الثعلبي وغيره

# " عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب
~~من ذهب فقال: يا عدي اطرح عنك هذا الوثن وسمعته يقرأ في سورة براءة {
~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون
~~الله } فقلت له: يا رسول الله لم يكونوا يعبدونهم فقال عليه الصلاة
~~والسلام. أليس يحرمون ما أحل الله تعالى فيحرمونه ويحلون ما حرم الله
~~فيستحلون؟ فقلت بلى. قال: ذلك عبادتهم "

# وسئل حذيفة رضي الله تعالى عنه عن الآية فأجاب بمثل ما ذكر رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم، ونظير ذلك قولهم: فلان يعبد فلانا إذا أفرط في
~~طاعته فهو استعارة بتشبيه الإطاعة بالعبادة أو مجاز مرسل بإطلاق العبادة
~~وهي طاعة مخصوصة على مطلقها والأول أبلغ، وقيل: اتخاذهم أربابا بالسجود
~~لهم ونحوه مما لا يصلح إلا للرب عز وجل وحينئذ فلا مجاز إلا أنه لا مقال
~~لأحد بعد صحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والآية ناعية على
~~كثير من الفرق الضالة الذين تركوا كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة
~~والسلام لكلام علمائهم ورؤسائهم والحق أحق بالاتباع فمتى ظهر وجب على
~~المسلم اتباعه وإن أخطأه اجتهاد مقلده { والمسيح ابن مريم }
~~عطف على { رهبانهم } بأن اتخذوه ربا معبودا أو بأن جعلوه ابنا
~~لله كما يقتضيه سياق الآية على ما قيل وفيه نظر.

# وتخصيص الاتخاذ به عليه السلام يشير إلى أن اليهود ما فعلوا ذلك بعزير،
~~وتأخيره في الذكر مع أن اتخاذهم له كذلك أقوى من مجرد الإطاعة في أمر
~~التحليل والتحريم لأنه مختص بالنصارى، ونسبته عليه السلام ms03745 إلى أمه
~~للإيذان بكمال ركاكة رأيهم والقضاء عليهم بنهاية الجهل والحماقة.

# { وما أمروا } أي والحال أن أولئك الكفرة ما أمروا في الكتب
~~الإلهية وعلى ألسنة الأنبياء عليهم السلام { إلا ليعبدوا
~~إلها وحدا } جليل الشأن وهو الله سبحانه ويطيعوا أمره ولا يطيعوا
~~أمر غيره بخلافه فإن ذلك مناف لعبادته جل شأنه، وأما إطاعة الرسول صلى
~~الله عليه وسلم وسائر من أمر الله بطاعته فهي في الحقيقة إطاعة لله عز
~~وجل، أو وما أمر الذين اتخذهم الكفرة أربابا من المسيح عليه السلام
~~والأحبار والرهبان إلا ليطيعوا / أو ليوحدوا الله تعالى فكيف يصح أن
~~يكونوا أربابا وهم مأمورون مستعبدون مثلهم، ولا يخفى أن تخصيص العبادة
~~به تعالى لا يتحقق إلا بتخصيص الطاعة أيضا به تعالى ومتى لم يخص به جل
~~شأنه لم تخص العبادة به سبحانه { لا إله إلا هو } صفة ثانية
~~لإلها أو استئناف، وهو على الوجهين مقرر للتوحيد وفيه على ما قيل فائدة
~~زائدة وهو أن ما سبق يحتمل غير التوحيد بأن يؤمروا بعبادة إله واحد من
~~بين الآلهة فإذا وصف المأمور بعبادته بأنه هو المنفرد بالألوهية تعين
~~المراد، وجوز أن يكون صفة مفسرة لواحدا { سبحنه عما
~~يشركون } تنزيه له أي تنزيه عن الإشراك به في العبادة والطاعة.

### || [9.32]

# { يريدون أن يطفئوا نور الله } ((إطفاء النار على ما في
~~«القاموس» إذهاب لهبها)) الموجب لإذهاب نورها لا إذهاب نورها على ما قيل،
~~لكن لما كان الغرض من إطفاء نار لا يراد بها إلا النور كالمصباح إذهاب
~~نورها جعل إطفاؤها عبارة عنه ثم شاع ذلك حتى كان عبارة عن مطلق إذهاب
~~النور وإن كان لغير النار، والمراد بنور الله حجته تعالى النيرة المشرقة
~~الدالة على وحدانيته وتنزهه سبحانه عن الشركاء والأولاد أو القرآن العظيم
~~الصادع الصادح بذلك، وقيل: نبوته عليه الصلاة والسلام التي ظهرت بعد أن
~~استطال دجا الكفر صبحا منيرا، وأيا ما كان فالنور استعارة أصلية
~~تصريحية لما ذكر، وإضافته إلى الله تعالى قرينة، والمراد من الإطفاء الرد
~~والتكذيب أي يريد أهل ms03746 الكتابين أن يردوا ما دل على توحيد الله تعالى
~~وتنزيهه عما نسبوه إليه سبحانه { بأفوههم } أي بأقاويلهم الباطلة
~~الخارجة عنها من غير أن يكون لها مصداق تنطبق عليه أو أصل تستند إليه بل
~~كانت أشبه شيء بالمهملات، قيل: ويجوز أن يكون في الكلام استعارة تمثيلية
~~بأن يشبه حالهم في محاولة إبطال نبوته صلى الله عليه وسلم بالتكذيب بحال
~~من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق ويكون قوله تعالى:

# { ويأبى الله إلا أن يتم نوره } ترشيحا للاستعارة
~~لأن إتمام النور زيادة في استنارته وفشو ضوئه فهو تفريع على المشبه به
~~وما بعد من قوله سبحانه: { هو الذي } الخ تجريد وتفريع على الفرع،
~~وروعي في كل من المشبه والمشبه به معنى الإفراط والتفريط حيث شبه الإبطال
~~بالإطفاء بالفم، ونسب النور إلى الله تعالى العظيم الشأن ومن شأن النور
~~المضاف إليه سبحانه أن يكون عظيما فكيف يطفىء بنفخ الفم، وتمم كلا من
~~الترشيح والتجريد بما تمم لما بين الكفر الذي هو ستر وإزالة للظهور
~~والإطفاء من المناسبة وبين دين الحق الذي هو التوحيد والشرك من المقابلة
~~انتهى. ولا يخلو عن حسن. والظاهر أن المراد بالنور هنا هو الأول إلا أنه
~~أقيم الظاهر مقام الضمير وأضيف إلى ضميره سبحانه لمزيد الاعتناء بشأنه
~~وللإشعار بعلة الحكم، والاستثناء مفرغ فالمصدر منصوب على أنه مفعول به
~~والمصحح للتفريغ عند جمع كون { يأبى } في معنى النفي، والمراد به إما لا
~~يريد لوقوعه في مقابلة { يريدون } كما قيل أو لا يرضى كما ارتضاه بعض
~~المحققين بناء على أن المراد بإرادة إتمام نوره سبحانه إرادة خاصة وهي
~~الإرادة على وجه الرضا بقرينة { نوره ولو كره الكفرون }
~~لا الإرادة المجامعة لعدم الرضا كما هو مذهب أهل الحق خلافا لمن يسوي
~~بينهما. وقال الزجاج: إن مصحح التفريغ عموم المستثنى منه وهو محذوف ولا
~~يضر كون ذلك نسبيا إذ غالب العموميات كذلك بل قد قيل: ما من عام إلا وقد
~~خص منه البعض، أي يكره كل شيء يتعلق بنوره إلا ms03747 إتمامه، وقرينة التخصيص
~~السياق.

# / ولا يجوز تأويل الجماعة عنده إذ ما من إثبات إلا ويمكن تأويله بالنفي
~~فيلزم جريان التفريغ في كل شيء وهو كما ترى، والحق أنه لا مانع من
~~التأويل إذا اقتضاه المقام، وإتمام النور بإعلاء كلمة التوحيد وإعزاز دين
~~الإسلام { ولو كره الكفرون } جواب { لو } محذوف لدلالة ما
~~قبله عليه أي يتم نوره. والجملة معطوفة على جملة قبلها مقدرة أي لو لم
~~يكره الكافرون ولو كره وكلتاهما في موضع الحال، والمراد أنه سبحانه يتم
~~نوره ولا بد.

### || [9.33]

# { هو الذي أرسل رسوله } محمدا صلى الله عليه وسلم متلبسا
~~{ بالهدى } أي القرآن الذي هو هدى للمتقين { ودين الحق } أي
~~الثابت، وقيل: دينه تعالى وهو دين الإسلام { ليظهره } أي الرسول
~~عليه الصلاة والسلام { على الدين كله } أي على أهل الأديان كلها
~~فيخذلهم أو ليظهر دين الحق على سائر الأديان بنسخه إياها حسبما تقتضيه
~~الحكمة. فأل في الدين سواء كان الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم أم
~~للدين الحق للاستغراق. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الضمير
~~للرسول عليه الصلاة والسلام وأل للعهد أي ليعلمه شرائع الدين كلها ويظهره
~~عليها حتى لا يخفى عليه عليه الصلاة والسلام شيء منها، وأكثر المفسرين
~~على الاحتمال الثاني قالوا: وذلك عند نزول عيسى عليه السلام فإنه حينئذ
~~لا يبقى دين سوى دين الإسلام، والجملة بيان وتقرير لمضمون الجملة السابقة
~~لأن مآل الإتمام هو الإظهار { ولو كره المشركون } على طرز ما
~~قبله خلا أن وصفهم بالشرك بعد وصفهم بالكفر قيل: للدلالة على أنهم ضموا
~~الكفر بالرسول إلى الشرك بالله تعالى، وظاهر هذا أن المراد بالكفر فيما
~~تقدم الكفر بالرسول صلى الله عليه وسلم وتكذيبه وبالشرك الكفر بالله
~~سبحانه بقرينة التقابل ولا مانع منه. وقد علمت ما في هذين المتممين من
~~المناسبة التي يليق أن يكون فلك البلاغة حاويا لها فتدبر.

### || [9.34]

# { يا أيها الذين ءامنوا } شروع في بيان حال الأحبار
~~والرهبان في إغوائهم لأراذلهم إثر بيان سوء حال الأتباع في اتخاذهم لهم
~~أربابا، ms03748 وفي ذلك تنبيه للمؤمنين حتى لا يحوموا حول ذلك الحمى ولذا وجه
~~الخطاب إليهم { إن كثيرا من الأحبار والرهبان
~~ليأكلون أمول الناس بالبطل } يأخذونها بالارتشاء
~~لتغيير الأحكام والشرائع والتخفيف والمسامحة فيها، والتعبير عن الأخذ
~~بالأكل مجاز مرسل والعلاقة العلية والمعلولية أو اللازمية والملزومية فإن
~~الأكل ملزوم للأخذ كما قيل. وجوز أن يكون المراد من الأموال الأطعمة التي
~~تؤكل بها مجازا مرسلا ومن ذلك قوله:

# يأكلن كل ليلة أكافا

# فإنه يريد علفا يشترى بثمن أكاف. واختار هذا العلامة الطيبي وهو أحد
~~وجهين ذكرهما الزمخشري، وثانيهما أن يستعار الأكل للأخذ وذلك على ما قرره
~~العلامة أن يشبه حالة أخذهم أموال الناس من غير تمييز بين الحق والباطل
~~وتفرقة بين الحلال والحرام للتهالك على جمع حطامها بحالة منهمك جائع لا
~~يميز بين طعام وطعام في التناول، ثم ادعى أنه لا طائل تحت هذه الاستعارة
~~وأن استشهاده بأخذ الطعام وتناوله سمج، وأجيب بأن الاستشهاد به على أن
~~بين الأخذ والتناول شبها وإلا فذاك عكس المقصود، وفائدة الاستعارة
~~المبالغة في أنه أخذ بالباطل لأن الأكل غاية الاستيلاء على الشيء ويصير
~~قوله تعالى: { بالبطل } على هذا زيادة مبالغة ولا كذلك لو قيل
~~يأخذون { ويصدون } الناس / { عن سبيل الله } أي دين الإسلام
~~أو عن المسلك المقرر في كتبهم إلى ما افتروه وحرفوه بأخذ الرشا. ويجوز أن
~~يكون { يصدون } من الصدود على معنى أنهم يعرضون عن سبيل الله
~~فيحرفون ويفترون بأكلهم أموال الناس بالباطل.

# { والذين يكنزون الذهب والفضة } أي يجمعونهما ومنه
~~ناقة كناز اللحم أي مجتمعته، ولا يشترط في الكنز الدفن بل يكفي مطلق
~~الجمع والحفظ، والمراد من الموصول إما الكثير من الأحبار والرهبان لأن
~~الكلام في ذمهم ويكون ذلك مبالغة فيه حيث وصفوا بالحرص بعد وصفهم بما سبق
~~من أخذ البارطيل في الأباطيل وإما المسلمون لجري ذكرهم أيضا وهو الأنسب
~~بقوله تعالى: { ولا ينفقونها في سبيل الله } لأنه يشعر
~~بأنهم ممن ينفق في سبيله سبحانه لأنه المتبادر من النفي عرفا فيكون
~~نظمهم في قرن المرتشين من أهل ms03749 الكتاب تغليظا ودلالة على كونهم أسوة لهم
~~في استحقاق البشارة بالعذاب، واختار بعض المحققين حمله على العموم ويدخل
~~فيه الأحبار والرهبان دخولا أوليا، وفسر غير واحد الإنفاق في سبيل الله
~~بالزكاة لما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أنه لما نزلت هذه
~~الآية كبر ذلك على المسلمين فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أنا أفرج عنكم
~~فانطلق فقال: يا نبي الله إنه كبر على أصحابك هذه الآية فقال عليه
~~الصلاة والسلام: إن الله تعالى لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من
~~أموالكم».

# وأخرج الطبراني والبيهقي في «سننه». وغيرهما عن ابن عمر قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم

# " ما أدى زكاته فليس بكنز "

# أي بكنز أوعد عليه فإن الوعيد عليه مع عدم الإنفاق فيما أمر الله تعالى
~~أن ينفق فيه، ولا يعارض ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:

# " من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها "

# لأن المراد بذلك ما لم يؤد حقه كما يرشد إليه ما أخرجه الشيخان عن أبي
~~هريرة

# " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة
~~صفحت له صفائح من نار فيكوى بها جنبه وجبينه "

# وقيل: إنه كان قبل أن تفرض الزكاة وعليه حمل ما رواه الطبراني عن أبي
~~أمامة قال «توفي رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال النبي صلى
~~الله عليه وسلم كية ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال عليه الصلاة
~~والسلام كيتان»، وقيل: بل هذا لأن الرجلين أظهرا الفقر ومزيد الحاجة
~~بانتظامهما في سلك أهل الصفة الذين هم بتلك الصفة مع أن عندهما ما عندهما
~~فكان جزاؤهما الكية والكيتين لذلك، وأخذ بظاهر الآية فأوجب إنفاق جميع
~~المال الفاضل عن الحاجة أبو ذر رضي الله تعالى عنه وجرى بينه لذلك وبين
~~معاوية رضي الله عنه في الشام ما شكاه له إلى عثمان رضي الله تعالى عنه
~~في المدينة فاستدعاه إليها فرآه مصرا على ذلك حتى إن كعب الأحبار رضي
~~الله ms03750 عنه قال له: يا أبا ذر إن الملة الحنيفية أسهل الملل وأعدلها وحيث
~~لم يجب إنفاق كل المال في الملة اليهودية وهي أضيق الملل وأشدها كيف يجب
~~فيها فغضب رضي الله تعالى عنه وكانت فيه حدة وهي التي دعته إلى تعيير
~~بلال رضي الله عنه بأمه وشكايته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله
~~فيه: «إنك امرؤ فيك جاهلية» فرفع عصاه ليضربه وقال له: يا يهودي ما ذاك
~~من هذه المسائل فهرب كعب فتبعه حتى استعاذ بظهر عثمان رضي الله تعالى عنه
~~فلم يرجع حتى ضربه. وفي رواية أن الضربة وقعت على عثمان، وكثر المعترضون
~~على أبي ذر في دعواه تلك، وكان الناس يقرؤون له آية المواريث ويقولون:
~~لو وجب إنفاق كل المال لم يكن للآية وجه، وكانوا يجتمعون عليه مزدحمين
~~حيث حل مستغربين منه ذلك فاختار العزلة فاستشار عثمان فيها فأشار إليه
~~بالذهاب إلى الربذة فسكن فيها حسبما / يريد، وهذا ما يعول عليه في هذه
~~القصة، ورواها الشيعة على وجه جعلوه من مطاعن ذي النورين وغرضهم بذلك
~~إطفاء نوره ويأبى الله إلا أن يتم نوره { فبشرهم بعذاب أليم
~~} خبر الموصول، والفاء لما مر غير مرة. وجوز أن يكون الموصول في محل نصب
~~بفعل يفسره { فبشرهم } والتعبير بالبشارة للتهكم.

### || [9.35]

# وقوله تعالى: { يوم } منصوب بعذاب أليم أو بمضمر يدل عليه ذلك أي
~~يعذبون يوم أو باذكر. وقيل: التقدير عذاب يوم والمقدر بدل من المذكور
~~فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه { يحمى عليها فى نار
~~جهنم } أي توقد النار ذات حمى وحر شديد عليها، وأصله تحمى بالنار من
~~قولك حميت الميسم وأحميته فجعل الإحماء للنار مبالغة لأن النار في نفسها
~~ذات حمى فإذا وصفت بأنها تحمى دل على شدة توقدها ثم حذفت النار وحول
~~الإسناد إلى الجار والمجرور تنبيها على المقصود بأتم وجه فانتقل من صيغة
~~التأنيث إلى التذكير كما تقول: رفعت القصة إلى الأمير فإذا طرحت القصة
~~وأسند الفعل إلى الجار والمجرور قلت رفع إلى الأمير. وعن ابن ms03751 عامر أنه
~~قرأ { تحمى } بالتاء الفوقانية بإسناده إلى النار كأصله وإنما قيل {
~~عليها } والمذكور شيئان لأنه ليس المراد بهما مقدارا معينا منهما
~~ولا الجنس الصادق بالقليل والكثير بل المراد الكثير من الدنانير والدراهم
~~لأنه الذي يكون كنزا فأتى بضمير الجمع للدلالة على الكثرة ولو أتى بضمير
~~التثنية احتمل خلافه، وكذا يقال في قوله سبحانه:

# ولا ينفقونها

# [التوبة: 34] وقيل: الضمير لكنوز الأموال المفهومة من الكلام فيكون
~~الحكم عاما ولذا عدل فيه عن الظاهر، وتخصيص الذهب والفضة بالذكر لأنهما
~~الأصل الغالب في الأموال لا للتخصيص أو للفضة، واكتفى بها لأنها أكثر
~~والناس إليها أحوج ولأن الذهب يعلم منها بالطريق الأولى مع قربها لفظا.

# { فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم } خصت
~~بالذكر لأن غرض الكانزين من الكنز والجمع أن يكونوا عند الناس ذوي وجاهة
~~ورياسة بسبب الغنى وأن يتنعموا بالمطاعم الشهية والملابس البهية
~~فلوجاهتهم كان الكي بجباههم ولامتلاء جنوبهم بالطعام كووا عليها ولما
~~لبسوه على ظهورهم كويت، أو لأنهم إذا رأوا الفقير السائل زووا ما بين
~~أعينهم وازوروا عنه وأعرضوا وطووا كشحا وولوه ظهورهم واستقبلوا جهة
~~أخرى، أو لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة فإنها المشتملة على الأعضاء الرئيسة
~~التي هي الدماغ والقلب والكبد، وقيل: لأنها أصول الجهات الأربع التي هي
~~مقاديم البدن ومآخيره وجنبتاه فيكون ما ذكر كناية عن جميع البدن، ويبقى
~~عليه نكتة الاقتصار على هذه الأربع من بين الجهات الست وتكلف لها بعضهم
~~بأن الكانز وقت الكنز لحذره من أن يطلع عليه أحد يلتفت يمينا وشمالا
~~وأماما ووراء ولا يكاد ينظر إلى فوق أو يتخيل أن أحدا يطلع عليه من
~~تحت؛ فلما كانت تلك الجهات الأربع مطمح نظره ومظنة حذره دون الجهتين
~~الأخريين اقتصر عليها دونهما، وهو مع ابتنائه على اعتبار الدفن في الكنز
~~في حيز المنع كما لا يخفى.

# وقيل: إنما خصت هذه المواضع لأن داخلها جوف بخلاف اليد والرجل، وفيه أن
~~البطن كذلك، وفي جمعه مع الظاهر لطافة أيضا، وقيل: لأن الجبهة محل الوسم
~~لظهورها والجنب محل الألم والظهر محل الحدود ms03752 لأن الداعي للكانز على الكنز
~~وعدم الإنفاق خوف الفقر الذي هو الموت الأحمر حيث أنه سبب للكد وعرق
~~الجبين والاضطراب يمينا وشمالا وعدم استقرار الجنب لتحصيل المعاش مع
~~خلو المتصف به عما يستند إليه / ويعول في المهمات عليه فلملاحظة الأمن من
~~الكد وعرق الجبين تكوى جبهته ولملاحظة الأمن من الاضطراب والطمع في
~~استقرار الجنب يكوى جنبه ولملاحظة استناد الظهر والاتكال على ما يزعم أنه
~~الركن الأقوى والوزر الأوقى يكوى ظهره، وقيل غير ذلك وهي أقوال يشبه
~~بعضها بعضا والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.

# وأيا ما كان فليس المراد أنه يوضع دينار على دينار أو درهم على درهم
~~فيكوى بها ولا أنه يكوى بكل بأن يرفع واحد ويوضع بدله آخر حتى يؤتي على
~~آخرها بل أنه يوسع جلد الكانز فيوضع كل دينار ودرهم على حدته كما نطقت
~~بذلك الآثار وتظافرت به الأخبار.

# { هذا ما كنزتم } على إرادة القول وبه يتعلق الظرف السابق في
~~قول أي يقال له يوم يحمى عليها هذا ما كنزتم { لأنفسكم } أي
~~لمنفعتها فكان عين مضرتها وسبب تعذيبها، فاللام للتعليل، وأنت في تقدير
~~المضاف في النظم بالخيار، ولم تجعل اللام للملك لعدم جدواه { وما } في
~~قوله سبحانه: { فذوقوا ما كنتم تكنزون } يحتمل أن تكون
~~مصدرية أي وبال كنزكم أو وبال كونكم كانزين ورجح الأول بأن في كون كان
~~الناقصة لها مصدر كلاما وبأن المقصود الخبر وكان إنما ذكرت لاستحضار
~~الصورة الماضية، ويحتمل أن تكون موصولة أي وبال الذي تكنزونه، وفي الكلام
~~استعارة مكنية وتخييلية أو تبعية. وقرىء { تكنزن } بضم النون
~~فالماضي كنز كضرب وقعد.

### || [9.36]

# { إن عدة الشهور } أي مبلغ عدد شهور السنة { عند الله }
~~أي في حكمه { اثنا عشر شهرا } وهي الشهور القمرية المعلومة إذ
~~عليها يدور فلك الأحكام الشرعية { في كتب الله } أي في اللوح
~~المحفوظ. وقيل: فيما أثبته وأوجب على عباده الأخذ به، وقيل: القرآن لأن
~~فيه آيات تدل على الحساب ومنازل القمر وليس بشيء { يوم خلق
~~السموات والارض } أي في ابتداء إيجاد هذا العالم، ms03753 وهذا الظرف
~~متعلق بما في كتاب الله من معنى الثبوت الدال عليه بمنطوقه أو بمتعلقه أو
~~بالكتاب إن كان مصدرا بمعنى الكتابة، والمراد أنه في ابتداء ذلك كانت
~~عدتها ما ذكر وهي الآن على ما كانت عليه، و { فى كتب الله } صفة
~~{ اثنا عشر } وهي خبر { إن } و { عند } معمول { عدة }
~~لأنها مصدر كالشركة و { شهرا } تمييز مؤكد كما في قولك: عندي من
~~الدنانير عشرون دينارا، وما يقال: إنه لرفع الإبهام إذ لو قيل عدة
~~الشهور عند الله اثنا عشر سنة لكان كلاما مستقيما ليس بمستقيم على ما
~~قيل. وانتصر له بأن مراد القائل إنه يحتمل أن تكون تلك الشهور في ابتداء
~~الدنيا كذلك كما في قوله سبحانه: { وإن يوما عند ربك
~~كألف سنة } ونحوه ولا مانع منه فإنه أحسن من الزيادة المحضة، ولم
~~يجوزوا تعلق { فى كتب } بعدة لأن المصدر إذا أخبر عنه لا يعمل فيما
~~بعد الخبر. ومن الناس من جعله بدلا من { عند الله } وضعفه أبو
~~البقاء بأن فيه الفصل بين البدل والمبدل منه بخبر العامل في المبدل، وجوز
~~بعض أن يجعل { اثنا عشر } مبتدأ و { عند } خبر مقدم والجملة خبر
~~إن أو إن الظرف لاعتماده عمل الرفع { فى اثنا عشر }.

# وقوله سبحانه: { منها أربعة حرم } يجوز أن يكون صفة لاثنا
~~عشر وأن يكون حالا من الضمير في الظرف وأن يكون جملة مستأنفة وضمير {
~~منها } على كل تقدير لاثنا عشر، وهذه / الأربعة ذو القعدة وذو الحجة
~~والمحرم ورجب مضر. واختلف في ترتيبها فقيل: أولها المحرم وآخرها ذو الحجة
~~فهي من شهور عام، وظاهر ما أخرجه سعيد بن منصور وابن مردويه عن ابن عباس
~~يقتضيه. وقيل: أولها رجب فهي من عامين واستدل له بما أخرجه ابن جرير
~~وغيره عن ابن عمر قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع
~~بمنى في أوسط أيام التشريق فقال:

# " يا أيها الناس إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله
~~السماوات والأرض وإن عدة الشهور عند الله ms03754 اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم
~~أولهن رجب مضر بين جمادى وشعبان وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ".

# وقيل: أولها ذو القعدة وصححه النووي لتواليها. وأخرج الشيخان

# " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة
~~اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ورجب مضر "

# الحديث وأضيف رجب إليهم لأن ربيعة كانوا يحرمون رمضان ويسمونه رجب ولهذا
~~بين في الحديث بما بين.

# وقيل: إن ما ذكر من أنها على الترتيب الأول من شهور عام وعلى الثاني من
~~شهور عامين إنما يتمشى على أن أول السنة المحرم وهو إنما حدث في زمن عمر
~~رضي الله تعالى عنه وكان يؤرخ قبله بعام الفيل وكذا بموت هشام بن المغيرة
~~ثم أرخ بصدر الإسلام بربيع الأول وعلى هذا التاريخ يكون الأمر على عكس ما
~~ذكر ولم يبين هذا القائل ما أول شهور السنة عند العرب قبل الفيل، والذي
~~يفهم من كلام بعضهم أن أول الشهور المحرم عنده من قبل أيضا إلا أن عندهم
~~في اليمن والحجاز تواريخ كثيرة يتعارفونها خلفا عن سلف ولعلها كانت
~~باعتبار حوادث وقعت في الأيام الخالية، وأنه لما هاجر النبي صلى الله
~~عليه وسلم اتخذ المسلمون هجرته مبدأ التاريخ وتناسوا ما قبله وسموا كل
~~سنة أتت عليهم باسم حادثة وقعت فيها كسنة الأذن وسنة الأمر وسنة الابتلاء
~~وعلى هذا المنوال إلى خلافة عمر رضي الله تعالى عنه فسأله بعض الصحابة في
~~ذلك وقال: هذا يطول وربما يقع في بعض السنين اختلاف وغلط فاختار رضي الله
~~تعالى عنه عام الهجرة مبدأ من غير تسمية السنين بما وقع فيها فاستحسنت
~~الصحابة رأيه في ذلك. وفي بعض «شروح البخاري» أن أبا موسى الأشعري كتب
~~إليه إنه يأتينا من أمير المؤمنين كتب لا ندري بأيها نعمل، وقد قرأنا
~~صكا محله شعبان فلم ندر أي الشعبانين الماضي أم الآتي. وقيل: إنه هو رضي
~~الله تعالى عنه رفع إليه صك محله شعبان فقال: أي شعبان هو؟ ثم قال: إن
~~الأموال قد كثرت فينا ms03755 وما قسمناه غير مؤقت فكيف التوصل إلى ضبطه فقال له
~~ملك الأهواز وكان قد أسر وأسلم على يده: إن للعجم حسابا يسمونه  ماهروز
~~ يسندونه إلى من غلب من الأكاسرة ثم شرحه له وبين كيفيته فقال رضي الله
~~تعالى عنه: ضعوا للناس تاريخا يتعاملون عليه وتضبط أوقاتهم فذكروا له
~~تاريخ اليهود فما ارتضاه والفرس فما ارتضاه فاستحسنوا الهجرة تاريخا
~~انتهى.

# وما ذكر من أنهم كانوا يؤرخون في صدر الإسلام بربيع الأول فيه إجمال
~~ويتضح المراد منه بما في «النبراس» من أنهم كانوا يؤرخون على عهد النبي
~~صلى الله عليه وسلم بسنة القدوم وبأول شهر منها وهو ربيع الأول على الأصح
~~فليفهم، والشهر عندهم ينقسم إلى شرعي وحقيقي واصطلاحي؛ فالشرعي معتبر
~~برؤية الهلال بالشرط المعروف في الفقه، وكان أول هلال المحرم في التاريخ
~~الهجري ليلة الخميس كما اعتمده يونس الحاكمي المصري وذكر أن ذلك بالنظر
~~إلى الحساب، وأما باعتبار الرؤية فقد حرر ابن / الشاطر أن هلاله رؤي بمكة
~~ليلة الجمعة.

# والحقيقي معتبر من اجتماع القمر مع الشمس في نقطة وعوده بعد المفارقة
~~إلى ذلك ولا دخل للخروج من تحت الشعاع إلا في إمكان الرؤية بحسب العادة
~~الشائعة، قيل: ومدة ما ذكر تسعة وعشرون يوما ومائة وأحد وتسعون جزءا من
~~ثلثمائة وستين جزءا لليوم بليلته، وتكون السنة القمرية ثلثمائة وأربعة
~~وخمسين يوما وخمس يوم وسدسه وثانية وذلك إحدى عشر جزءا من ثلاثين جزءا
~~من اليوم بليلته، وإذا اجتمع من هذه الأجزاء أكثر من نصف عدوه يوما
~~كاملا وزادوه في الأيام وتكون تلك السنة حينئذ كبيسة وتكون أيامها
~~ثلثمائة وخمسة وخمسين يوما، ولما كانت الأجزاء السابقة أكثر من نصف
~~جبروها بيوم كامل، واصطلحوا على جعل الأشهر شهرا كاملا وشهرا ناقصا
~~فهذا هو الشهر الاصطلاحي، فالمحرم في اصطلاحهم ثلاثون يوما وصفر تسعة
~~وعشرون وهكذا إلى آخر السنة القمرية الأفراد منها ثلاثون وأولها المحرم
~~والأزواج تسعة وعشرون وأولها صفر إلا ذا الحجة من السنة الكبيسة فإنه
~~يكون ثلاثين يوما لاصطلاحهم على جعل ما زادوه في أيام ms03756 السنة الكبيسة في
~~ذي الحجة آخر السنة. وحيث كان مدار الشهر الشرعي على الرؤية اختلفت
~~الأشهر فكان بعضها ثلاثين وبعضها تسعة وعشرين في بعض آخر منها. وما أخرجه
~~الشيخان وغيرهما عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة "

# محمول على معنى ((لا ينقص أجرهما والثواب المرتب عليهما وإن نقص عددهما،
~~وقيل: معناه لا ينقصان جميعا في سنة واحدة غالبا، وقيل: لا ينقص ثواب
~~ذي الحجة عن ثواب رمضان [لأن فيه المناسك] حكاه الخطابي وهو ضعيف،
~~والأول كما قال النووي هو الصواب المعتمد)).

# { ذلك } أي تحريم الأشهر الأربعة وما فيه من معنى البعد لتفخيم
~~المشار إليه، وقيل: هو إشارة لكون العدة كذلك ورجحه الإمام بأنه كونها
~~أربعة محرمة مسلم عند الكفار وإنما القصد الرد عليهم في النسىء والزيادة
~~على العدة، ورجح الأول بأن التفريع الآتي يقتضيه، ولا يبعد أن تكون
~~الإشارة إلى مجموع ما دل عليه الكلام السابق والتفريع لا يأبى ذلك {
~~الدين القيم } أي المستقيم دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام،
~~وكانت العرب قد تمسكت به وراثة منهما. وكانوا يعظمون الأشهر الحرم حتى إن
~~الرجل يلقى فيها قاتل أبيه أو أخيه فلا يهجه ويسمون رجب الأصم ومنصل
~~الأسنة حتى أحدثوا النسىء فغيروا، وقيل: المراد من { الدين } الحكم
~~والقضاء ومن { القيم } الدائم الذي لا يزول أي ذلك الحكم الذي لا
~~يبدل ولا يغير ونسب ذلك إلى الكلبي، وقيل: الدين هنا بمعنى الحساب ومنه
~~قوله صلى الله عليه وسلم:

# " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت "

# أي ذلك الحساب المستقيم والعدد الصحيح المستوي لا ما تفعله العرب من
~~النسىء واختار ذلك الطبرسي، وعليه فتكون الإشارة لما رجحه الإمام.

# { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } بهتك حرمتهن وارتكاب ما حرم
~~فيهن، والضمير راجع إلى الأشهر الحرم وهو المروي عن قتادة واختاره الفراء
~~وأكثر المفسرين، وقيل: هو راجع إلى الشهور كلها أي فلا تظلموا أنفسكم في
~~جميع شهور السنة بفعل المعاصي وترك الطاعات أو لا تجعلوا ms03757 حلالها حراما
~~وحرامها حلالا كما فعل أهل الشرك ونسب هذا القول لابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما، والعدول عن فيها الأوفق بمنها إلى { فيهن } مؤيد لما
~~عليه الأكثر، والجمهور على أن حرمة المقاتلة فيهن منسوخة وأن / الظلم
~~مؤول بارتكاب المعاصي، وتخصيصها بالنهي عن ارتكاب ذلك فيها مع أن
~~الارتكاب منهي عنه مطلقا لتعظيمها ولله سبحانه أن يميز بعض الأوقات على
~~بعض فارتكاب المعصية فيهن أعظم وزرا كارتكابها في الحرم وحال الإحرام.
~~وعن عطاء بن أبي رباح أنه لا يحل للناس أن يغزوا في الحرم والأشهر الحرم
~~إلا أن يقاتلوا، واستثنى هذا لأنه للدفع فلا يمنع منه بالاتفاق أو لأن
~~هتك الحرمة في ذلك ليس منهم بل من البادي. ويؤيد القول بالنسخ أنه عليه
~~الصلاة والسلام حاصر الطائف وغزا هوازن بحنين في شوال وذي القعدة سنة
~~ثمان.

# { وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم
~~كآفة } أي جميعا، واشتهر أنه لا بد من تنكيره ونصبه على الحال وكون
~~ذي الحال من العقلاء، وخطأوا الزمخشري في قوله في خطبة «المفصل»: محيطا
~~بكافة الأبواب ومخطؤه هو المخطىء لأنا إذا علمنا وضع لفظ لمعنى عام بنقل
~~من السلف وتتبع لموارد استعماله في كلام من يعتد به ورأيناهم استعملوه
~~على حالة مخصوصة من الإعراب والتعريف والتنكير ونحو ذلك جاز لنا على ما
~~هو الظاهر أن نخرجه عن تلك الحالة لأنا لو اقتصرنا في الألفاظ على ما
~~استعملته العرب العاربة والمستعربة نكون قد حجرنا الواسع وعسر التكلم
~~بالعربية على من بعدهم ولما لم يخرج بذلك عما وضع له فهو حقيقة، فكافة 
~~وإن استعملته العرب منكرا منصوبا في الناس خاصة  يجوز أن يستعمل
~~معرفا ومنكرا بوجوه الإعراب في الناس وغيرهم وهو في كل ذلك حقيقة حيث
~~لم يخرج عن معناه الذي وضعوه له وهو معنى الجميع، ومقتضى الوضع أنه لا
~~يلزمه ما ذكر ولا ينكر ذلك إلا جاهل أو مكابر، على أنه ورد في كلام
~~البلغاء على ما ادعوه، ففي كتاب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لآل
~~بني ms03758 كاكلة قد جعلت لآل بني كاكلة على كافة بيت مال المسلمين لكل عام
~~مائتي مثقال عينا ذهبا إبريزا، وهذا كما في «شرح المقاصد» مما صح،
~~والخط كان موجودا في آل بني كاكلة إلى قريب هذا الزمان بديار العراق،
~~ولما آلت الخلافة إلى أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه عرض عليه
~~فنفذ ما فيه لهم وكتب عليه بخطه

# لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح
~~المؤمنون

# [الروم: 4] أنا أول من تبع أمر من الإسلام ونصر الدين والأحكام عمر بن
~~الخطاب ورسمت بمثل ما رسم لآل بني كاكلة في كل عام مائتي دينار ذهبا
~~إبريزا واتبعت أثره وجعلت لهم مثل ما رسم عمر إذ وجب علي وعلى جميع
~~المسلمين اتباع ذلك كتبه علي بن أبي طالب، فانظر كيف استعمله عمر بن
~~الخطاب معرفة غير منصوبة لغير العقلاء وهو من هو في الفصاحة وقد سمعه مثل
~~علي كرم الله تعالى وجهه ولم ينكره وهو واحد الأحدين، فأي إنكار واستهجان
~~يقبل بعد.

# فقوله في «المغني»  كافة  مختص بمن يعقل ووهم الزمخشري في تفسير قوله
~~تعالى:

# وما أرسلنك إلا كافة للناس

# [سبأ: 28] إذ قدر كافة نعتا لمصدر محذوف أي رسالة كافة لأنه أضاف إلى
~~استعماله فيما لا يعقل إخراجه عما التزم فيه من الحال كوهمه في خطبة
~~«المفصل» مما لا يلتفت إليه، وإذا جاز تعريفه بالإضافة جاز بالألف واللام
~~أيضا ولا عبرة بمن خطأ فيه كصاحب «القاموس» وابن الخشاب، وهو عند
~~الأزهري مصدر على فاعلة كالعافية والعاقبة ولا يثنى ولا يجمع، وقيل: هو
~~اسم فاعل والتاء فيه للمبالغة كتاء رواية وعلامة وإليه ذهب الراغب،
~~ونقل أن المعنى هنا ((قاتلوهم كافين لهم كما يقاتلونكم كافين لكم، وقيل:
~~معناه جماعة، [كما يقاتلونكم جماعة] وقيل للجماعة الكافة كما يقال لهم
~~الوازعة لقوتهم باجتماعهم))، وتاؤه كتاء جماعة. والحاصل أنهم رواية
~~ودراية لم يصيبوا / فيما التزموه من تنكيره ونصبه واختصاصه بالعقلاء،
~~وأنهم اختلفوا في أصله هل هو مصدر أو اسم فاعل من الكف وأن تاءه هل هي
~~للمبالغة ms03759 أو للتأنيث؟، ثم إنهم تصرفوا فيه واستعملوه للتعميم بمعنى
~~جميعا وعلى ذلك حمل الأكثرون ما في الآية قالوا: وهو مصدر كف عن الشيء،
~~وإطلاقه على الجميع باعتبار أنه مكفوف عن الزيادة أو باعتبار أنه يكف عن
~~التعرض له أو التخلف عنه، وهو حال إما من الفاعل أو من المفعول، فمعنى
~~قاتلوا المشركين كافة لا يتخلف أحد منكم عن قتالهم أو لا تتركوا قتال
~~واحد منهم، وكذا في جانب المشبه به، واستدل بالآية على الاحتمال الأول
~~على أن القتال فرض عين. وقيل: وهو كذلك في صدر الإسلام ثم نسخ وأنكره ابن
~~عطية.

# { واعلموا أن الله مع المتقين } بالولاية والنصر
~~فاتقوا لتفوزوا بولايته ونصره سبحانه فهو إرشاد لهم إلى ما ينفعهم في
~~قتالهم بعد أمرهم به، وقيل: المراد أن الله معكم بالنصر والإمداد فيما
~~تباشرونه من القتال، وإنما وضع المظهر موضع المضمر مدحا لهم بالتقوى
~~وحثا للقاصرين على ذلك وإيذانا بأنه المدار في النصر، وقيل: هي بشارة
~~وضمان لهم بالنصرة بسبب تقواهم كما يشعر بذلك التعليق بالمشتق، وما
~~ذكرناه نحن لا يخلو عن حسن إلا أن الأمر بالتقوى فيه أعم من الأحداث
~~والدوام ومثله كثير في الكلام.

### || [9.37]

# { إنما النسيء } هو مصدر نسأه إذا أخره وجاء النسي كالنهي
~~والنسء كالبدء والنساء كالنداء وثلاثتها مصادر نسأه كالنسىء، وقيل: هو
~~وصف كقتيل وجريح، واختير الأول لأنه لا يحتاج معه إلى تقدير بخلاف ما إذا
~~كان صفة فإنه لا يخبر عنه بزيادة إلا بتأويل ذو زيادة أو إنساء النسىء
~~زيادة، وقد قرىء بجميع ذلك. وقرأ نافع { النسي } بإبدال الهمزة ياء
~~وإدغامها في الياء، والمراد به تأخير حرمة شهر إلى آخر، وذلك أن العرب
~~كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرا آخر
~~فيستحلون المحرم ويحرمون صفرا فإن احتاجوا أيضا أحلوه وحرموا ربيعا
~~الأول وهكذا كانوا يفعلون حتى استدال التحريم على شهور السنة كلها،
~~وكانوا يعتبرون في التحريم مجرد العدد لا خصوصية الأشهر المعلومة، وربما
~~زادوا في عدد الشهور بأن يجعلوها ثلاثة عشر ms03760 أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت
~~ويجعلوا أربعة أشهر من السنة حراما أيضا، ولذلك نص على العدد المعين في
~~الكتاب والسنة، وكان يختلف وقت حجهم لذلك، وكان في السنة التاسعة من
~~الهجرة التي حج بها أبو بكر رضي الله تعالى عنه بالناس في ذي القعدة وفي
~~حجة الوداع في ذي الحجة وهو الذي كان على عهد إبراهيم عليه السلام ومن
~~قبله من الأنبياء عليهم السلام. ولذا قال صلى الله عليه وسلم:

# " ألا إن الزمان قد استدار "

# الحديث، وفي رواية أنهم كانوا يحجون في كل شهر عامين فحجوا في ذي الحجة
~~عامين وفي المحرم عامين وهكذا، ووافقت حجة الصديق في ذي القعدة من سنتهم
~~الثانية، وكانت حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي كان من
~~قبل ولذا قال ما قال، أي إنما ذلك التأخير { زيادة فى الكفر }
~~الذي هم عليه لأنه تحريم ما أحل الله تعالى وقد استحلوه واتخذوه شريعة
~~وذلك كفر ضموه إلى كفرهم. وقيل: إنه معصية ضمت إلى الكفر وكما يزداد
~~الإيمان بالطاعة يزداد الكفر بالمعصية. وأورد عليه بأن المعصية ليست من
~~الكفر بخلاف الطاعة فإنها من الإيمان على رأي. وأجيب عنه بما لا يصفو عن
~~الكدر.

# { يضل به الذين كفروا } إضلالا على إضلالهم القديم،
~~وقرىء { يضل } على البناء للفاعل / من الأفعال على أن الفاعل هو الله
~~تعالى، أي يخلق فيهم الضلال عند مباشرتهم لمباديه وأسبابه وهو المعنى على
~~قراءة الأولى أيضا، وقيل الفاعل في القراءتين الشيطان، وجوز على القراءة
~~الثانية أن يكون الموصول فاعلا والمفعول محذوف أي أتباعهم، وقيل: الفاعل
~~الرؤساء والمفعول الموصول. وقرىء { يضل } بفتح الياء والضاد من ضلل
~~يضلل، و { نضل } بنون العظمة { يحلونه } أي الشهر المؤخر، وقيل:
~~الضمير للنسىء على أنه فعيل بمعنى مفعول { عاما } من الأعوام ويحرمون
~~مكانه شهرا آخر مما ليس بحرام { ويحرمونه } أي يحافظون على
~~حرمته كما كانت، والتعبير عن ذلك بالتحريم باعتبار إحلالهم [له] في العام
~~الماضي أو لإسنادهم له إلى آلهتهم كما سيجىء إن شاء الله تعالى ms03761 { عاما
~~} آخر إذا لم يتعلق بتغييره غرض من أغراضهم، قال الكلبي: أول من فعل ذلك
~~رجل من كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة وكان إذا هم الناس بالصدور من الموسم
~~يقوم فيخطب ويقول لا مرد لما قضيت أنا الذي لا أعاب ولا أخاب فيقول له
~~المشركون: لبيك ثم يسألونه أن ينسئهم شهرا يغزون فيه فيقول: إن صفر
~~العام حرام فإذا قال ذلك حلوا الأوتار ونزعوا الأسنة والأزجة وإن قال
~~حلال عقدوا الأوتار وركبوا الأزجة وأغاروا.

# وعن الضحاك أنه جنادة بن عوف الكناني وكان مطاعا في الجاهلية وكان يقوم
~~على جمل في الموسم فينادي بأعلى صوته إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم
~~فأحلوه ثم يقوم في العام القابل فيقول: إن آلهتكم قد حرمت: عليكم المحرم
~~فحرموه، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت
~~النساءة حي من بني مالك بن كنانة وكان آخرهم رجلا يقال له القلمس وهو
~~الذي أنسأ المحرم وكان ملكا في قومه وأنشد شاعرهم:

# ومنا ناسىء الشهر القلمس

# وقال الكميت:

# ونحن الناسئون على معد

# شهور الحل نجعلها حراما

# وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن أول من سن النسىء
~~عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف. والجملتان تفسير للضلال فلا محل لهما من
~~الإعراب، وجوز أن تكونا في محل نصب على أنهما حال من الموصول والعامل
~~عامله.

# { ليواطئوا } أي ليوافقوا، وقرأ الزهري { ليوطئوا } بالتشديد {
~~عدة ما حرم الله } من الأشهر الأربعة، واللام متعلقة
~~بيحرمونه أي يحرمونه لأجل موافقة ذلك أو بما دل عليه مجموع الفعلين أي
~~فعلوا ما فعلوا لأجل الموافقة، وجعله بعضهم من التنازع { فيحلوا
~~ما حرم الله } بخصوصه من الأشهر المعينة، والحاصل أنه كان الواجب
~~عليهم العدة والتخصيص فحيث تركوا التخصيص فقد استحلوا ما حرم الله تعالى:
~~{ زين لهم سوء أعملهم } وقرىء على البناء للفاعل وهو الله
~~تعالى أي جعل أعمالهم مشتهاة للطبع محبوبة للنفس، وقيل: خذلهم حتى رأوا
~~حسنا ما ليس بالحسن، وقيل: المزين هو الشيطان وذلك ms03762 بالوسوسة والإغواء
~~بالمقدمات الشعرية { والله لا يهدي القوم الكفرين }
~~هداية موصلة للمطلوب البتة وإنما يهديهم إلى ما يوصل إليه عند سلوكه وهم
~~قد صدوا عنه بسوء اختيارهم فتاهوا في تيه الضلال، والمراد من الكافرين
~~إما المتقدمون ففيه وضع الظاهر موضع الضمير أو الأعم ويدخلون فيه دخولا
~~أوليا.

### || [9.38]

# { يا أيها الذين ءامنوا } عود إلى ترغيب المؤمنين وحثهم
~~على المقاتلة بعد ذكر طرف من فضائح أعدائهم { ما لكم } استفهام فيه
~~معنى الإنكار والتوبيخ { إذا قيل لكم انفروا فى سبيل
~~الله } أي اخرجوا للجهاد، وأصل النفر على ما قيل الخروج / لأمر أوجب
~~ذلك { اثاقلتم } أي تباطأتم ولم تسرعوا وأصله تثاقلتم وبه قرأ
~~الأعمش فأدغمت التاء في الثاء واجتلبت همزة الوصل للتوصل إلى الابتداء
~~بالساكن ونظيره قول الشاعر:

# تؤتى الضجيع إذا ما اشتاقها خفرا

# عذب المذاق إذا ما أتابع القبل

# وبه تتعلق { إذا } والجملة في موضع الحال، والفعل ماض لفظا مضارع
~~معنى أي مالكم متثاقلين حين قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~انفروا، وجوز أن يكون العامل في { إذا } الاستقرار المقدر في { لكم
~~} أو معنى الفعل المدلول عليه بذلك أي أي شيء حاصل أو حصل لكم أو ما
~~تصنعون حين قيل لكم انفروا، وقرىء { اثاقلتم } بفتح الهمزة على
~~أنها للاستفهام الإنكاري التوبيخي وهمزة الوصل سقطت في الدرج، وعلى هذه
~~القراءة لا يصح تعلق { إذا } بهذا الفعل لأن الاستفهام له الصدارة فلا
~~يتقدم معموله عليه، ولعل من يقول يتوسع في الظرف ما لا يتوسع في غيره
~~يجوز ذلك، وقوله سبحانه: { إلى الأرض } متعلق باثاقلتم على تضمينه
~~معنى الميل والإخلاد ولولاه لم يعد بإلى، أي أثاقلتم مائلين إلى الدنيا
~~وشهواتها الفانية عما قليل وكرهتم مشاق الجهاد ومتاعبه المستتبعة للراحة
~~الخالدة والحياة الباقية أو إلى الإقامة بأرضكم ودياركم والأول أبلغ في
~~الإنكار والتوبيخ ورجح الثاني بأنه أبعد عن توهم شائبة التكرار في الآية،
~~وكان هذا التثاقل في غزوة تبوك وكانت في رجب سنة تسع فإنه صلى الله عليه
~~وسلم بعد أن رجع من الطائف ms03763 أقام بالمدينة قليلا ثم استنفر الناس في وقت
~~عسرة وشدة من الحر وجدب من البلاد وقد أدركت ثمار المدينة وطابت ظلالها
~~مع بعد الشقة وكثرة العدو فشق عليه الشخوص لذلك. وذكر ابن هشام أن النبي
~~صلى الله عليه وسلم كان قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها وأخبر أنه يريد
~~غير الوجه الذي يصمد له إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه عليه الصلاة
~~والسلام بينها للناس ليتأهبوا لذلك أهبته.

# { أرضيتم بالحياة الدنيا } وغرورها { من الآخرة } أي
~~بدل الآخرة ونعيمها الدائم { فما متاع الحياة الدنيا } أي
~~فما فوائدها ومقاصدها أو فما التمتع بها وبلذائذها { في الآخرة } أي
~~في جنب الآخرة { إلا قليل } مستحقر لا يعبأ به، والإظهار في مقام
~~الإضمار لزيادة التقرير، و { في } هذه تسمى القياسية لأن المقيس يوضع في
~~جنب ما يقاس به، وفي ترشيح الحياة الدنيا بما يؤذن بنفاستها ويستدعي
~~الرغبة فيها وتجريد الآخرة عن مثل ذلك مبالغة في بيان حقارة الدنيا
~~ودناءتها وعظم شأن الآخرة ورفعتها.

# وقد أخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن المسور قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم والله

# " ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم ثم يرفعها
~~فلينظر بم ترجع "

# وأخرج الحاكم وصححه عن سهل قال:

# " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة فرأى شاة شائلة برجلها
~~فقال: أترون هذه الشاة هينة على صاحبها؟ قالوا: نعم. قال عليه الصلاة
~~والسلام والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله تعالى من هذه على صاحبها
~~ولو كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء "

# ولا أرى الاستدلال على رداءة الدنيا إلا استدلالا في مقام الضرورة. نعم
~~هي نعمت الدار لمن تزود منها لآخرته.

### || [9.39]

# { إلا تنفروا } أي إلا تخرجوا إلى ما دعاكم رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم للخروج له { يعذبكم } / أي الله عز وجل { عذابا
~~أليما } بالإهلاك بسبب فظيع لقحط وظهر عدو، وخص بعضهم التعذيب بالآخرة
~~وليس بشيء، وعممه آخرون واعتبروا فيه ms03764 الإهلاك ليصح عطف قوله سبحانه: {
~~ويستبدل } عليه أي ويستبدل بكم بعد إهلاككم { قوما غيركم
~~} وصفهم بالمغايرة لهم لتأكيد الوعيد والتشديد في التهديد بالدلالة على
~~المغايرة الوصفية والذاتية المستلزمة للاستئصال، أي قوما مطيعين مؤثرين
~~للآخرة على الدنيا ليسوا من أولادكم ولا أرحامكم وهم أبناء فارس كما قال
~~سعيد بن جبير أو أهل اليمن كما روي عن أبي روق أو ما يعم الفريقين كما
~~اختاره بعض المحققين { ولا تضروه شيئا } من الأشياء أو شيئا
~~من الضرر، والضمير لله عز وجل أي لا يقدح تثاقلكم في نصرة دينه أصلا
~~فإنه سبحانه الغني عن كل شيء وفي كل أمر، وقيل: الضمير للرسول صلى الله
~~عليه وسلم فإن الله عز وجل وعده العصمة والنصر وكان وعده سبحانه مفعولا
~~لا محالة، والأول هو المروي عن الحسن وأختاره أبو علي الجبائي وغيره،
~~ويقرب الثاني رجوع الضمير الآتي إليه عليه الصلاة والسلام اتفاقا {
~~والله على كل شيء قدير } فيقدر على إهلاكهم والإتيان بقوم
~~آخرين، وقيل: على التبديل وتغيير الأسباب والنصرة بلا مدد فتكون الجملة
~~تتميما لما قبل وتوطئة لما بعد.

### || [9.40]

# { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين
~~كفروا } من مكة، وإسناد الإخراج إليهم إسناد إلى السبب البعيد فإن
~~الله تعالى أذن له عليه الصلاة والسلام بالخروج حين كان منهم ما كان فخرج
~~صلى الله عليه وسلم بنفسه { ثاني اثنين } حال من ضميره عليه
~~الصلاة والسلام. أي أحد اثنين من غير اعتبار كونه صلى الله عليه وسلم
~~ثانيا، فإن معنى قولهم ثالث ثلاثة ورابع أربعة ونحو ذلك أحد هذه الأعداد
~~مطلقا لا الثالث والرابع خاصة، ولذا منع الجمهور أن ينصب ما بعد بأن
~~يقال ثالث ثلاثة ورابع أربعة، فلا حاجة إلى تكلف توجيه كونه عليه الصلاة
~~والسلام ثانيهما كما فعله بعضهم. وقرىء { ثاني } بسكون الياء على لغة من
~~يجري الناقص مجرى المقصور في الإعراب، وليس بضرورة خلافا لمن زعمه وقال:
~~إنه من أحسن الضرورة في الشعر. واستشكلت الشرطية بأن الجواب فيها ماض
~~ويتشرط فيه أن يكون مستقبلا ms03765 حتى إذا كان ماضيا قلب مستقبلا وهنا لم
~~ينقلب، وأجيب بأن الجواب محذوف أقيم سببه مقامه وهو مستقبل أي إن لم
~~تنصروه فسينصره الله تعالى الذي قد نصره في وقت ضرورة أشد من هذه المرة
~~وإلى هذا يشير كلام مجاهد، وجوز أن يكون المراد إن لم تنصروه فقد أوجب له
~~النصرة حين نصره في مثل ذلك الوقت فلن يخذله في غيره، وفرق بين الوجهين
~~بعد اشتراكهما في أن جواب الشرط محذوف بأن الدال عليه على الوجه الأول
~~النصرة المقيدة بزمان الضعف والقلة في السالف وعلى الوجه الثاني معرفتهم
~~بأنه صلى الله عليه وسلم من المنصورين، وقال القطب: الوجهان متقاربان إلا
~~أن الأول مبني على القياس والثاني على الاستصحاب فإن النصرة ثابتة في تلك
~~الحالة فتكون ثابتة في الاستقبال إذ الأصل بقاء ما كان على ما كان، وقيل:
~~إنه على الوجه الأول يقدر الجواب وعلى الثاني هو نصر مستمر فيصح ترتيبه
~~على المستقبل لشموله له.

# { إذ هما فى الغار } بدل من { إذ أخرجه } بدل البعض إذ
~~المراد به زمان متسع فلا يتوهم التغاير المانع من البدلية، وقيل: إنه ظرف
~~{ ثاني اثنين } والمراد بالغار ثقب في أعلى ثور وهو جبل في الجهة
~~اليمنى لمكة على مسير ساعة، مكثا فيه كما روي عن ابن عباس رضي الله /
~~تعالى عنهما ثلاثة أيام يختلف إليهما بالطعام عامر بن فهيرة؛ وعلي كرم
~~الله تعالى وجهه يجهزهما فاشترى ثلاثة أباعر من إبل البحرين واستأجر لهما
~~دليلا، فلما كانا في بعض الليل من الليلة الثالثة أتاهم علي كرم الله
~~تعالى وجهه بالإبل والدليل فركبوا وتوجهوا نحو المدينة، ولاختفائه عليه
~~الصلاة والسلام في الغار ثلاثة اختفى الإمام أحمد فيما يروى زمن فتنة
~~القرآن كذلك لكن لا في الغار، واختفى هذا العبد الحقير زمن فتح بغداد بعد
~~المحاصرة سنة سبع وأربعين بعد الألف والمائتين خوفا من العامة وبعض
~~الخاصة لأمور نسبت إلي وافتراها بعض المنافقين علي في سرداب عند بعض
~~الأحبة ثلاثة أيام أيضا لذلك ثم أخرجني منه بالعز أمين ms03766 وأيدني الله
~~تعالى بعد ذلك بالغر الميامين.

# { إذ يقول } بدل ثان، وقيل: أول { لصحبه } وهو أبو بكر
~~الصديق رضي الله تعالى عنه. وقد أخرج الدارقطني وابن شاهين وابن مردويه
~~وغيرهم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي
~~الله تعالى عنه:

# " أنت صاحبي في الغار، وأنت معي على الحوض "

# وأخرج ابن عساكر من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبي هريرة
~~مثله، وأخرج هو وابن عدي من طريق الزهري عن أنس

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان: هل قلت في أبي بكر رضي
~~الله تعالى عنه شيئا؟ قال: نعم. قال: قل وأنا أسمع. فقال حسان رضي الله
~~تعالى عنه: "

# وثاني اثنين في الغار المنيف وقد

# طاف العدو به إذ صاعد الجبلا

# وكان حب رسول الله قد علموا

# من البرية لم يعدل به رجلا

# " فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: صدقت يا
~~حسان هو كما قلت "

# ، ولم يخالف في ذلك أحد حتى الشيعة فيما أعلم لكنهم يقولون ما ستعلمه
~~ورده إن شاء الله تعالى { لا تحزن إن الله معنا } بالعصمة
~~والمعونة فهي معية مخصوصة وإلا فهو تعالى مع كل واحد من خلقه. روى
~~الشيخان وغيرهما عن أنس قال: حدثني أبو بكر قال:

# " كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرأيت آثار المشركين فقلت:
~~يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا تحت قدمه. فقال عليه الصلاة
~~والسلام: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله تعالى ثالثهما "

# وروى البيهقي وغيره. «أنه لما دخلا الغار أمر الله تعالى العنكبوت فنسجت
~~على فم الغار وبعث حمامتين وحشيتين فباضتا فيه وأقبل فتيان قريش من كل
~~بطن رجلا بعصيهم وسيوفهم حتى إذا كانوا قدر أربعين ذراعا تعجل بعضهم
~~فنظر في الغار ليرى أحدا فرأى حمامتين فرجع إلى أصحابه فقال: ليس في
~~الغار أحد ولو كان قد دخله أحد ما بقيت هاتان الحمامتان». وجاء في رواية
~~قال بعضهم: ms03767 إن عليه لعنكبوتا قبل ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم
~~فانصرفوا، وأول من دخل الغار أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فقد أخرج ابن
~~مردويه عن جندب بن سفيان قال: لما انطلق أبو بكر رضي الله تعالى عنه مع
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار قال أبو بكر: لا تدخل يا رسول
~~الله حتى استبرئه فدخل الغار فأصاب يده شيء فجعل يمسح الدم عن أصبعه وهو
~~يقول:

# ما أنت إلا أصبع دميت

# وفي سبيل الله ما لقيت

# / روى البيهقي في «الدلائل». وابن عساكر

# " أنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا تبعه أبو بكر فجعل
~~يمشي مرة أمامه ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن يساره. فقال له رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا أبا بكر؟ فقال: يا رسول الله أذكر
~~الرصد فأكون أمامك واذكر الطلب فأكون خلفك ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك
~~لا آمن عليك فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلته على أطراف أصابعه
~~حتى حفيت رجلاه فلما رأى ذلك أبو بكر حمله على كاهله وجعل يشتد به حتى
~~أتى فم الغار فأنزله ثم قال: والذي بعثك بالحق لا تدخل حتى أدخله فإن كان
~~فيه شيء نزل بي قبلك فدخل فلم ير شيئا فحمله فأدخله وكان في الغار خرق
~~فيه حيات وأفاعي فخشي أبو بكر أن يخرج منهن شيء يؤذي رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فألقمه قدمه فجعلن يضربنه ويلسعنه وجعلت دموعه تتحدر وهو لا
~~يرفع قدمه حبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم». وفي رواية «أنه سد كل
~~خرق في الغار بثوبه قطعه لذلك قطعا وبقي خرق سده بعقبه "

# رضي الله تعالى عنه.

# { فأنزل الله سكينته } وهي الطمأنينة التي تسكن عندها
~~القلوب { عليه } أي على النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي
~~حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في «الدلائل» وابن عساكر في
~~«تاريخه» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الضمير للصاحب. وأخرج
~~الخطيب ms03768 في «تاريخه» عن حبيب بن أبي ثابت نحوه، وقيل: وهو الأظهر لأن
~~النبي عليه الصلاة والسلام لم ينزعج حتى يسكن ولا ينافيه تعين ضمير {
~~وأيده بجنود لم تروها } له عليه الصلاة والسلام لعطفه
~~على { نصره الله } لا على (أنزل) حتى تتفكك الضمائر على أنه إذا
~~كان العطف عليه كما قيل به يجوز أن يكون الضمير للصاحب أيضا كما يدل
~~عليه ما أخرجه ابن مردويه من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
~~لأبي بكر رضي الله تعالى عنه:

# " يا أبا بكر إن الله تعالى أنزل سكينته عليك وأيدك "

# الخ وأن أبيت فأي ضرر في التفكيك إذا كان الأمر ظاهرا. واستظهر بعضهم
~~الأول وادعى أنه المناسب للمقام، وإنزال السكينة لا يلزم أن يكون لدفع
~~الانزعاج بل قد يكون لرفعته ونصره صلى الله عليه وسلم، والفاء للتعقيب
~~الذكري وفيه بعد، وفسرها بعضهم على ذلك الاحتمال بما لا يحوم حوله شائبة
~~خوف أصلا، والمراد بالجنود الملائكة النازلون يوم بدر والأحزاب وحنين،
~~وقيل: هم ملائكة أنزلهم الله تبارك وتعالى ليحرسوه في الغار.

# ويؤيده ما أخرجه أبو نعيم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنه

# " أن أبا بكر رأى رجلا يواجه الغار فقال: يا رسول الله إنه لرآنا قال:
~~كلا إن الملائكة تستره الآن بأجنحتها فلم ينشب الرجل أن قعد يبول
~~مستقبلهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر لو كان يرانا
~~ما فعل هذا "

# ، والظاهر أنهما على هذا كانا في الغار بحيث يمكن رؤيتهما عادة ممن هو
~~خارج الغار، واعترض هذا القول بأنه يأباه وصف الجنود بعدم رؤية المخاطبين
~~لهم إلا أن يقال: المراد من هذا الوصف مجرد تعظيم أمر الجنود، ومن جعل
~~العطف على { أنزل } التزم القول المذكور لاقتضائه لظاهر حال الفاء أن
~~يكون ذلك الإنزال متعقبا على ما قبله وذلك مما لا يتأتى على القول الأول
~~في الجنود.

# { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } أي كلمتهم التي
~~اجتمعوا عليها في أمر رسول الله صلى الله عليه ms03769 وسلم في دار الندوة حيث
~~نجاه ربه سبحانه على رغم أنوفهم وحفظه من كيدهم مع أنهم لم يدعوا في
~~القوس منزعا في إيصال الشر إليه، وجعلوا الدية لمن يقتله أو يأسره عليه
~~الصلاة والسلام، وخرجوا في طلبه عليه الصلاة والسلام رجالا وركبانا
~~فرجعوا صفر الأكف سود الوجوه، وصار له بعض / من كان عليه عليه الصلاة
~~والسلام. فقد أخرج ابن سعد وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في «الدلائل» عن
~~أنس رضي الله تعالى عنه قال:

# " لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر التفت أبو بكر فإذا هو
~~بفارس قد لحقهم فقال: يا نبي الله هذا فارس قد لحق بنا فقال صلى الله
~~عليه وسلم: اللهم اصرعه فصرع عن فرسه فقال: يا نبي الله مرني بما شئت
~~قال: فقف مكانك لا تتركن أحدا يلحق بنا فكان أول النهار جاهدا على رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم وآخر النهار مسلحة "

# وكان هذا الفارس سراقة، وفي ذلك يقول لأبي جهل:

# أبا حكم والله لو كنت شاهدا

# لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه

# علمت ولم تشكك بأن محمدا

# رسول ببرهان فمن ذا يقاومه

# وصح من حديث الشيخين وغيرهما «أن القوم طلبوا رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وأبا بكر، وقال أبو بكر: ولم يدركنا منهم إلا سراقة على فرس له
~~فقلت: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا فقال:

# " { لا تحزن إن الله معنا } حتى إذا دنا فكان بيننا وبينه
~~قدر رمح أو رمحين أو ثلاثة قلت: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا وبكيت
~~قال: لم تبكي؟ قلت: أما والله ما أبكي عل نفسي ولكن أبكي عليك فدعا عليه
~~عليه الصلاة والسلام وقال: اللهم أكفناه بما شئت فساخت فرسه إلى بطنها في
~~أرض صلدة ووثب عنها وقال: يا محمد إن هذا عملك فادع الله تعالى أن ينجيني
~~مما أنا فيه فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها
~~سهما فانك ستمر بإبلي وغنمي في موضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك فقال ms03770 رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: لا حاجة لي فيها ودعا له فانطلق ورجع إلى
~~أصحابه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى قدمنا المدينة "

# » الحديث، ويجوز تفسير الكلمة بالشرك وهو الذي أخرجه ابن المنذر وابن
~~أبي حاتم والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما فهي مجاز عن معتقدهم الذي من شأنهم التكلم به، وفسرها بعضهم بدعوة
~~الكفر فهي بمعنى الكلام مطلقا، وزعم شيخ الإسلام بأن الجعل المذكور على
~~التفسيرين آب عن حمل الجنود على الملائكة الحارسين لأنه لا يتحقق بمجرد
~~الانجاء بل بالقتل والأسر ونحو ذلك، وأنت تعلم أنه لا إباء على التفسير
~~الذي ذكرناه نحن على أن كون الانجاء مبدأ للجعل بتفسيريه كاف في دفع
~~الإباء بلا امتراء.

# { وكلمة الله هى العليا } يحتمل أن يراد بها وعده سبحانه
~~لنبيه صلى الله عليه وسلم المشار إليه بقوله تعالى:

# وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو
~~يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله
~~والله خير المكرين

# [الأنفال: 30] وإما كلمة التوحيد كما قال ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما، وإما دعوة الاسلام كما قيل، ولا يخفى ما في تغيير الأسلوب من
~~المبالغة لأن الجملة الاسمية تدل على الدوام والثبوت مع الإيذان بأن
~~الجعل لم يتطرق لتلك الكلمة وأنها في نفسها عالية بخلاف علو غيرها فانه
~~غير ذاتي بل بجعل وتكلف فهو عرض زائل وأمر غير قار ولذلك وسط ضمير
~~الفصل.وقرأ يعقوب { كلمة الله } بالنصب عطفا على { كلمة
~~الذين } وهو دون الرفع في البلاغة، وليس الكلام عليه كأعتق زيد غلام
~~زيد كما لا يخفى { والله عزيز } لا يغالب في أمرهه { حكيم } لا
~~قصور في تدبيره هذا.

# واستدل بالآية على فضل أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وهو لعمري
~~مما يدع الرافضي في حجر ضب أو مهامه قفر فانها خرجت مخرج العتاب للمؤمنين
~~ما عدا أبا بكر رضي الله تعالى عنه. فقد أخرج ابن / عساكر عن سفيان بن
~~عيينة قال: عاتب الله سبحانه المسلمين جميعا في ms03771 نبيه صلى الله عليه وسلم
~~غير أبي بكر وحده فانه خرج من المعاتبة ثم قرأ { إلا تنصروه }
~~الآية، بل أخرج الحكيم الترمذي عن الحسن قال: عاتب الله تعالى جميع أهل
~~الأرض غير أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال: { إلا تنصروه } الخ.

# وأخرج ابن عساكر عن علي كرم الله تعالى وجهه بلفظ إن الله تعالى ذم
~~الناس كلهم ومدح أبا بكر رضي الله تعالى عنه فقال: { إلا تنصروه }
~~الخ، وفيها النص على صحبته رضي الله تعالى عنه لرسول الله صلى الله عليه
~~وسلم ولم يثبت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام سواه،
~~وكونه المراد من الصاحب مما وقع عليه الإجماع ككون المراد من العبد في
~~قوله تعالى:

# سبحان الذى أسرى بعبده

# [الإسراء: 1] رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا قالوا: إن إنكار
~~صحبته كفر، مع ما تضمنته من تسلية النبي عليه الصلاة والسلام له بقوله:
~~{ لا تحزن } وتعليل ذلك بمعية الله سبحانه الخاصة المفادة بقوله: {
~~إن الله معنا } ولم يثبت مثل ذلك في غيره بل لم يثبت نبي معية
~~الله سبحانه له ولآخر من أصحابه وكأن في ذلك إشارة إلى أنه ليس فيهم
~~كأبي بكر الصديق رضي الله عنه. وفي إنزال السكينة عليه بناء على عود
~~الضمير إليه ما يفيد السكينة في أنه هو  هو  رضي الله تعالى عنه ولعن
~~باغضيه، وكذا في إنزالها على الرسول عليه الصلاة والسلام مع أن المنزعج
~~صاحبه ما يرشد المنصف إلى أنهما كالشخص الواحد، وأظهر من ذلك إشارة ما
~~ذكر إلى أن الحزن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشهد لذلك ما مر
~~في حديث الشيخين.

# وأنكر الرافضة دلالة الآية على شيء من الفضل في حق الصديق رضي الله
~~تعالى عنه قالوا: إن الدال على الفضل إن كان { ثاني اثنين } فليس
~~فيه أكثر من كون أبي بكر متما للعدد، وإن كان { إذ هما في الغار
~~} فلا يدل على أكثر من اجتماع شخصين في مكان وكثيرا ما يجتمع فيه الصالح ms03772
~~والطالح، وإن كان { لصاحبه } فالصحبة تكون بين المؤمن والكافر كما
~~في قوله تعالى:

# قال له صحبه وهو يحوره أكفرت بالذى
~~خلقك

# [الكهف: 37] و قوله سبحانه:

# وما صحبكم بمجنون

# [التكوير: 22] و

# يصاحبى السجن

# [يوسف: 39] بل قد تكون بين من يعقل وغيره كقوله:

# إن الحمار مع الحمير مطية

# وإذا خلوت به فبئس الصاحب

# وإن كان { لا تحزن } فيقال: لا يخلو إما أن يكون الحزن طاعة أو
~~معصية لا جائز أن يكون طاعة وإلا لما نهى عنه صلى الله عليه وسلم فتعين
~~أن يكون معصية لمكان النهي وذلك مثبت خلاف مقصودكم على أن فيه من الدلالة
~~على الجبن ما فيه، وإن كان { إن الله معنا } فيحتمل أن يكون
~~المراد إثبات معية الله تعالى الخاصة له صلى الله عليه وسلم وحده لكن أتى
~~ بنا  سدا لباب الإيحاش، ونظير ذلك الإتيان بأوفى قوله:

# وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلل مبين

# [سبأ: 24] وإن كان { فأنزل الله سكينته عليه } فالضمير
~~فيه للنبي صلى الله عليه وسلم لئلا يلزم تفكيك الضمائر، وحينئذ يكون في
~~تخصيصه عليه الصلاة والسلام بالسكينة هنا مع عدم التخصيص في قوله سبحانه:

# فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين

# [الفتح: 26] إشارة إلى ضد ما ادعيتموه، وإن كان ما دلت عليه الآية من
~~خروجه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت فهو عليه الصلاة
~~والسلام لم يخرجه معه الا حذرا من كيده لو بقي مع المشركين بمكة، وفي
~~كون المجهز لهم بشراء الإبل عليا كرم الله تعالى وجهه إشارة لذلك، وإن
~~كان شيئا وراء ذلك فبينوه لنتكلم عليه انتهى كلامهم.

# ولعمري إنه أشبه شيء بهذيان المحموم أو عربدة السكران ولولا ان الله
~~سبحانه حكى في كتابه الجليل عن اخوانهم اليهود والنصارى ما هو مثل ذلك
~~ورده رحمة بضعفاء المؤمنين ما كنا نفتح في رده فما أو نجري / في ميدان
~~تزييفه قلما لكني لذلك أقول: لا يخفى أن { ثاني اثنين } وكذا {
~~إذ هما في الغار } إنما يدلان بمعونة المقام على فضل ms03773 الصديق رضي
~~الله تعالى عنه ولا ندعي دلالتهما مطلقا ومعونة المقام أظهر من نار على
~~علم ولا يكاد ينتطح كبشان في أن الرجل لا يكون ثانيا باختياره لآخر ولا
~~معه في مكان إذا فر من عدو ما لم يكن معولا عليه متحققا صدقه لديه لا
~~سيما وقد ترك الآخر لأجله أرضا حلت فيها قوابله وحلت عنه بها تمائمه
~~وفارق أحبابه وجفا أترابه وامتطى غارب سبسب يضل به القطا وتقصر فيه
~~الخطا.

# ومما يدل على فضل تلك الاثنينية قوله صلى الله عليه وسلم مسكنا جأش
~~أبي بكر:

# " ما ظنك باثنين الله تعالى ثالثهما "

# ، والصحبة اللغوية وإن لم تدل بنفسها على المدعى لكنها تدل عليه بمعونة
~~المقام أيضا فإضافة صاحب إلى الضمير للعهد أي صاحبه الذي كان معه في وقت
~~يجفو فيه الخليل خليله ورفيقه الذي فارق لمرافقته أهله وقبيله، وأن { لا
~~تحزن } ليس المقصود منه حقيقة النهي عن الحزن فإنه من الأمور التي لا
~~تدخل تحت التكليف بل المقصود منه التسلية للصديق رضي الله تعالى عنه أو
~~نحوها، وما ذكروه من الترديد يجري مثله في قوله تعالى خطابا لموسى
~~وهارون عليهما السلام:

# لا تخافا إنني معكما

# [طه: 46] وكذا في قوله سبحانه للنبي صلى الله عليه وسلم:

# ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا

# [يونس: 65] إلى غير ذلك، أفترى أن الله سبحانه نهى عن طاعته؟ أو أن
~~أحدا من أولئك المعصومين عليهم الصلاة والسلام ارتكب معصية سبحانك هذا
~~بهتان عظيم، ولا ينافي كون الحزن من الأمور التي لا تدخل تحت التكليف
~~بالنظر إلى نفسه انه قد يكون موردا للمدح والذم كالحزن على فوات طاعة
~~فانه ممدوح والحزن على فوات معصية فإنه مذموم لأن ذلك باعتبار آخر كما لا
~~يخفى، وما ذكر في حيز العلاوة من أن فيه من الدلالة على الجبن ما فيه فيه
~~من ارتكاب الباطل ما فيه فإنا لا نسلم أن الخوف يدل على الجبن وإلا لزم
~~جبن موسى وأخيه عليهما السلام فما ظنك بالحزن؟ وليس حزن الصديق رضي الله ms03774
~~تعالى عنه بأعظم من الاختفاء بالغار، ولا يظن مسلم أنه كان عن جبن أو
~~يتصف بالجبن أشجع الخلق على الإطلاق صلى الله عليه وسلم؟، ومن أنصف رأى
~~أن تسليته عليه الصلاة والسلام لأبي بكر بقوله: { لا تحزن } كما
~~سلاه ربه سبحانه بقوله:

# ولا يحزنك قولهم

# [يونس: 65] مشيرة إلى الصديق رضي الله تعالى عنه عنده عليه الصلاة
~~والسلام بمنزلته عند ربه جل شأنه فهو حبيب حبيب الله تعالى بل لو قطع
~~النظر عن وقوع مثل هذه التسلية من الله تعالى لنبيه النبيه صلى الله عليه
~~وسلم كان نفس الخطاب بلا  تحزن  كافيا في الدلالة على أنه رضي الله
~~تعالى عنه حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا فكيف تكون محاورة
~~الأحباء وهذا ظاهر إلا عند الأعداء. وما ذكر من أن المعية الخاصة كانت
~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحده والإتيان  بنا  لسد باب الإيحاش من
~~باب المكابرة الصرفة كما يدل عليه الخبر المار آنفا، على أنه إذا كان
~~ذلك الحزن إشفاقا على رسول الله عليه الصلاة والسلام لا غير فأي إيحاش
~~في قوله لا تحزن علي إن الله معي، وإن كان إشفاقا على الرسول صلى الله
~~عليه وسلم وعلى نفسه رضي الله تعالى عنه لم يقع التعليل موقعه والجملة
~~مسوقة له ولو سلمنا الإيحاش على الأول ووقوع التعليل موقعه على الثاني
~~يكون ذلك الحزن دليلا واضحا على مدح الصديق، وإن كان على نفسه فقط كما
~~يزعمه ذو النفس الخبيثة لم يكن للتعليل معنى أصلا، وأي معنى في لا تحزن
~~على نفسك إن الله معي لا معك.

# على أنه يقال للرافضي هل فهم الصديق رضي الله تعالى عنه من الآية ما
~~فهمت من التخصيص وأن التعبير / { بنا } كان سدا لباب الإيحاش أم لا؟
~~فإن كان الأول يحصل الإيحاش ولا بد فنكون قد وقعنا فيما فررنا عنه، وإن
~~كان الثاني فقد زعمت لنفسك رتبة لم تكن بالغها ولو زهقت روحك، ولو زعمت
~~المساواة في فهم عبارات القرآن الجليل وإشاراته لمصاقع أولئك ms03775 العرب
~~المشاهدين للوحي ما سلم لك أو تموت فكيف يسلم لك الامتياز على الصديق وهو
~~ هو  وقد فهم من إشارته صلى الله عليه وسلم في حديث التخيير ما خفي على
~~سائر الصحابة حتى علي كرم الله تعالى وجهه فاستغربوا بكاءه رضي الله
~~تعالى يومئذ، وما ذكر من التنظير في الآية مشير إلى التقية التي اتخذها
~~الرافضة دينا وحرفوا لها الكلم عن مواضعها، وقد أسلفنا لك الكلام في ذلك
~~على أتم وجه فتذكره، وما ذكر في أمر السكينة فجوابه يعلم مما ذكرناه،
~~وكون التخصيص مشيرا إلى إخراج الصديق رضي الله تعالى عنه عن زمرة
~~المؤمنين كما رمز إليه الكلب عدو الله ورسوله صلى الله عليه وسلم  لو
~~كان  ما خفي على أولئك المشاهدين للوحي الذين من جملتهم الأمير كرم الله
~~تعالى وجهه فكيف مكنوه من الخلافة التي هي أخت النبوة عند الشيعة وهم
~~الذين لا تأخذهم في الله تعالى لومة لائم؟ وكون الصحابة قد اجتمعوا في
~~ذلك على ضلالة، والأمير كان مستضعفا فيما بينهم أو مأمورا بالسكوت وغمد
~~السيف إذ ذاك كما زعمه المخالف قد طوي بساط رده وعاد شذر مذر فلا حاجة
~~إلى إتعاب القلم في تسويد وجه زاعمه، وما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم لم يخرجه الا حذرا من كيده فيه أن الآية ليس فيها شائبة دلالة على
~~إخراجه له أصلا فضلا عن كون ذلك حذرا من الكيد، على أن الحذر  لو كان
~~ في معيته له عليه الصلاة والسلام وأي فرصة تكون مثل الفرصة التي حصلت
~~حين جاء الطلب لباب الغار؟ فلو كان عند أبي بكر رضي الله تعالى عنه
~~وحاشاه أدنى ما يقال لقال: هلموا فههنا الغرض، ولا يقال: إنه خاف على
~~نفسه أيضا لأنه يمكن أن يخلصها منهم بأمور ولا أقل من أن يقول لهم: خرجت
~~لهذه المكيدة، وأيضا لو كان الصديق كما يزعم الزنديق فأي شيء منعه من أن
~~يقول لابنه عبد الرحمن أو ابنته أسماء أو مولاه عامر بن فهيرة فقد كانوا ms03776
~~يترددون إليه في الغار كما أخرج ابن مردويه عن عائشة فيخبر أحدهم الكفار
~~بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أنه على هذا الزعم يجيء حديث
~~التمكين وهو أقوى شاهد على أنه هو  هو  وأيضا إذا انفتح باب هذا
~~الهذيان أمكن للناصبي أن يقول والعياذ بالله تعالى في علي كرم الله
~~تعالى وجهه: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالبيتوتة على فراشه
~~الشريف ليلة هاجر إلا ليقتله المشركون ظنا منهم أنه النبي صلى الله
~~عليه وسلم فيستريح منه، وليس هذا القول بأعجب ولا أبطل من قول الشيعي: إن
~~إخراج الصديق إنما كان حذرا من شره فليتق الله سبحانه من فتح هذا الباب
~~المستهجن عند ذوي الألباب، وزعم أن تجهيز الأمر كرم الله تعالى وجهه لهم
~~بشراء الأباعر إشارة إلى ذلك لا يشير بوجه من الوجوه، على أن ذلك وإن
~~ذكرناه فيما قبل إنما جاء في بعض الروايات عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما والمعول عليه عند المحدثين غير ذلكد ولا بأس بايراده تكميلا
~~للفائدة وتنويرا لفضل الصديق رضي الله تعالى عنه فنقول:

# أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن أبي
~~حاتم من طريق الزهري عن عروة

# " عن عائشة قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا
~~يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية
~~ولما ابتلى المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا قبل أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك
~~الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال ابن الدغنة: أين تريد يا أبا
~~بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. قال
~~ابن الدغنة: مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج إنك تكسب المعدوم / وتصل
~~الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فانا لك جار فارجع
~~فاعبد ربك ببلدك فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر فطاف ابن الدغنة في
~~كفار قريش فقال: إن أبا ms03777 بكر لا يخرج مثله ولا يخرج أتخرجون رجلا يكسب
~~المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق فأنفذت
~~قريش جوار ابن الدغنة وأمنوا أبا بكر وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر
~~فليعبد ربه في داره وليصل فيه ما شاء وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا ولا
~~يستعلن بالصلاة والقراءة في غير داره ففعل ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا
~~بفناء داره فكان يصلي فيه ويقرأ فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم
~~يعجبون منه وينظرون إليه وكان رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن
~~فأفزع ذلك أشراف قريش فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا: إنما
~~أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجدا
~~بفناء داره وأعلن بالصلاة والقراءة وإنا خشينا أن يفتتن نساؤنا وأبناؤنا
~~فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلا أن يعلن ذلك
~~فسله أن يرد إليك ذمتك فأنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر
~~الاستعلان فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال: يا أبا بكر قد علمت الذي عقدت
~~لك عليه فاما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترد إلي ذمتي فاني لا أحب أن
~~تسمع العرب إني أخفرت في عقد رجل عقدت له فقال أبو بكر: فإني أرد إليك
~~جوارك وأرضى بجوار الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام ورسول الله صلى
~~الله عليه وسلم بمكة يومئذ قال للمسلمين: قد أريت دار هجرتكم أريت سبخة
~~ذات نخل بين لابتين وهما حرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة إلى أرض الحبشة
~~من المسلمين وتجهز أبو بكر مهاجرا فقال له رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي. فقال أبو بكر: وترجو ذلك بأبي أنت
~~قال: نعم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحبته
~~وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر فبينما نحن جلوس في
~~بيتنا في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا ms03778 رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر: فداه أبي وأمي
~~إن جاء به في هذه الساعة إلا أمر فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فاستأذن [فأذن له فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أخرج] من
~~عندك؟ فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله فقال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم. فإنه قد أذن لي بالخروج. فقال أبو بكر: فالصحابة
~~بأبي أنت يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. فقال
~~أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله
~~عليه الصلاة والسلام: بالثمن قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز فصنعنا
~~لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر من نطاقها فأوكت به الجراب
~~فلذلك كانت تسمى ذات النطاق. ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر
~~بغار في جبل يقال له ثور فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن
~~أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيخرج من عندهما سحرا فيصبح مع قريش بمكة
~~كبائت فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حتى يختلظ
~~الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى لأبي بكر منيحة من غنم فيريحها
~~عليهما حين يذهب بغلس ساعة من الليل فيبيتان في رسلها حتى ينعق بها عامر
~~بغلس يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم رجلا من الدئل من بني عبد بن عدي هاديا خريتا قد غمس
~~يمين حلف في آل العاص بن وائل وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه
~~راحلتيهما / وواعداه غار ثور بعد ثلاث فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث
~~ليال فأخذ بهم طريق أذاخر وهو طريق الساحل "

# الحديث بطوله، وفيه من الدلالة على فضل الصديق رضي الله تعالى عنه ما
~~فيه، وهو نص في أن تجهيزهما كان في بيت أبي بكر وأن الراحلتين ms03779 كانتا له،
~~وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل إحداهما إلا بالثمن يرد
~~على الرافضي زعم نهمة الصديقة وحاشاها في الحديث. هذا ومن أحاط خبرا
~~بأطراف ما ذكرناه من الكلام في هذا المقام علم أن قوله: «وإن كان شيئا
~~وراء ذلك فبينوه لنا حتى نتكلم عليه» ناشىء عن محض الجهل أو العناد ومن
~~يضلل الله فما له من هاد وبالجملة إن الشيعة قد اجتمعت كلمتهم على الكفر
~~بدلالة الآية على فضل الصديق رضي الله تعالى عنه ويأبى الله تعالى إلا أن
~~يكون كلمة الذين كفروا السفلى وكلمته هي العليا.

### || [9.41]

# { انفروا } تجريد للأمر بالنفور بعد التوبيخ على تركه والإنكار على
~~المساهلة فيه، وقوله سبحانه: { خفافا وثقالا } حالان من ضمير
~~المخاطبين أيعلى كل حال من يسر أو عسر حاصلين بأي سبب كان من الصحة
~~والمرض أو الغنى والفقر أو قلة العيال وكثرتهم أو الكبر والحداثة أو
~~السمن والهزال أو غير ذلك مما ينتظم في مساعدة الأسباب وعدمها بعد
~~الإمكان والقدرة في الجملة. أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي يزيد
~~المديني قال: كان أبو أيوب الأنصاري والمقداد بن الأسود يقولان: أمرنا أن
~~ننفر على كل حال ويتأولان الآية. وأخرجا عن مجاهد قال: قالوا إن فينا
~~الثقيل وذا الحاجة والصنعة والشغل والمنتشر به أمره فأنزل الله تعالى: {
~~انفروا خفافا وثقالا } وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا خفافا
~~وثقالا وعلى ما كان منهم، فما روي في تفسيرهما من قولهم: خفافا من
~~السلاح وثقالا منه أو ركبانا ومشاة أو شبانا وشيوخا أو أصحاء ومراضا
~~إلى غير ذلك ليس تخصيصا للأمرين المتقابلين بالإرادة من غير مقارنة
~~للباقي. وعن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أعلي
~~أن أنفر؟ قال: نعم. حتى نزل:

# ليس على الأعمى حرج

# [النور: 61] وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عن السدي قال: لما نزلت هذه
~~الآية اشتد على الناس شأنها فنسخها الله تعالى فقال:

# ليس على الضعفاء ولا على المرضى

# [التوبة: 91] الآية. وقيل: إنها ms03780 منسوخة بقوله تعالى:

# وما كان المؤمنون لينفروا كافة

# [التوبة: 122] وهو خلاف الظاهر، ويفهم من بعض الروايات أن لا نسخ فقد
~~أخرج ابن جرير والطبراني والحاكم وصححه عن أبي راشد قال: رأيت المقداد
~~فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص يريد الغزو فقلت: لقد أعذر الله
~~تعالى إليك قال: أبت علينا سورة البحوث يعني هذه الآية منها.

# { وجهدوا بأمولكم وأنفسكم فى سبيل الله } أي
~~بما أمكن لكم منهما كليهما أو أحدهما والجهاد بالمال إنفاقه على السلاح
~~وتزويد الغزاة ونحو ذلك { ذلكم } أي ما ذكر من النفير والجهاد، وما
~~فيه من معنى البعد لما مر غير مرة { خير } عظيم في نفسه { لكم } في
~~الدنيا أو في الآخرة أو فيهما، ويجوز أن يكون المراد خير لكم مما يبتغي
~~بتركه من الراحة والدعة وسعة العيش والتمتع بالأموال والأولاد. { إن
~~كنتم تعلمون } أي إن كنتم تعلمون الخير علمتم أنه خير أو إن كنتم
~~تعلمون أنه خير إذ لا احتمال لغير الصدق في أخباره تعالى فبادروا إليه،
~~فجواب إن مقدر. وعلم إما متعدية لواحد بمعنى عرف تقليلا للتقدير أو
~~متعدية لاثنين على بابها.

# / هذا ومن باب الإشارة في الآيات أن قوله سبحانه

# لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين
~~إذ أعجبتكم كثرتكم

# [التوبة: 25] الخ إشارة إلى أنه لا ينبغي للعبد أن يحتجب بشيء عن مشاهدة
~~الله تعالى والتوكل عليه ومن احتجب بشيء وكل إليه، ومن هنا قالوا:
~~استجلاب النصر في الذلة والافتقار والعجز، ولما رأى سبحانه ندم القوم على
~~عجبهم بكثرتهم ردهم إلى ساحة جوده وألبسهم أنوار قربه وأمدهم بجنوده
~~وإليه الإشارة بقوله تعالى:

# ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى
~~المؤمنين

# [التوبة: 26] الآية، وكانت سكينته عليه الصلاة والسلام  كما قال بعض
~~العارفين  من مشاهدة الذات وسكينة المؤمنين من معاينة الصفات، ولهم في
~~تعريف السكينة عبارات كثيرة متقاربة المعنى فقيل: هي استحكام القلب عند
~~جريان حكم الرب بنعت الطمأنينة بخمود آثار البشرية بالكلية والرضا
~~بالبادي من الغيب من غير معارضة واختيار، وقيل: هي القرار ms03781 على بساط
~~الشهود وبشواهد الصحو والتأدب بإقامة صفاء العبودية من غير لحوق مشقة ولا
~~تحرك عرق بمعارضة حكم وقيل: هي المقام مع الله تعالى بفناء الحظوظ
~~والجنود روادف آثار قوة تجلي الحق سبحانه، ويقال: هي وفود اليقين وزوائد
~~الاستبصار. والإشارة في قوله تعالى:

# إنما المشركون نجس

# [التوبة: 28] الخ إلى أن من تدن بالميل إلى السوى وأشرك بعبادة الهوى لا
~~يصلح للحضرة وهل يصلح لبساط القدس إلا المقدس. وذكر أبو صالح حمدون أن
~~المشرك في عمله من يحسن ظاهره لملاقاة الناس ومخالطتهم ويظهر للخلق أحسن
~~ما عنده وينظر إلى نفسه بعين الرضا عنها وينجس باطنه بنحو الرياء والسمعة
~~والعجب والحقد ونحو ذلك فالحرم الإلهي حرام على هذا وهيهات هيهات أن يلج
~~الملكوت أو لج الجمل في سم الخياط، وقال بعض العارفين: من فقد طهارة
~~الأسرار بماء التوحيد وبقي في قاذورات الظنون والأوهام فذلك هو المشرك
~~وهو ممنوع عن قربان المساجد التي هي مشاهد القرب. وفي الآية إشارة إلى
~~منع الاختلاط مع المشركين، وقاس الصوفية أهل الدنيا بهم، ومن هنا قال
~~الجنيد: الصوفية أهل غيب لا يدخل فيهم غيرهم. وقال بعضهم: من بقي في قلبه
~~نظر إلى غير خالقه لا يجوز أن يدنو إلى مجالس الأولياء غير مستشف بهم فإن
~~صحبته تشوش خواطرهم وينجس بنفسه أنفاسهم، وصحبة المنكر على أولياء الله
~~تعالى تورث فتقا يصعب على الخياط رتقه وتؤثر خرقا يعيى الواعظ رقعه،
~~ومن الغريب ما يحكى أن الجنيد قدس سره جلس يوما مع خاصة أصحابه وقد أغلق
~~باب المجلس حذرا من الأغيار وشرعوا يذكرون الله تعالى فلم يتم لهم
~~الحضور ولا فتح لهم باب التجلي الذي يعهدونه عند الذكر فتعجبوا من ذلك
~~فقال الجنيد: هل معكم منكر حرمنا بسببه؟ فقالوا: لا. ثم اجتهدوا في معرفة
~~المانع فلم يجدوا الا نعلا لمنكر فقال الجنيد: من هنا أوتينا، فانظر
~~يرحمك الله تعالى إذا كان هذا حال نعل المنكر فما ظنك به إذا حضر بلحيته؟
~~ثم إنه سبحانه ذم أهل الكتابين بالاحتجاب عن رؤية ms03782 الحق سبحانه حيث قال جل
~~شأنه:

# اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون
~~الله

# [التوبة: 31] وفيه إشارة إلى ذم التقليد الصرف وذم البخلاء بقوله
~~سبحانه:

# والذين يكنزون الذهب والفضة

# [التوبة: 34] الآية، ولعمري إنهم أحقاء بالذم، وقد قال بعضهم: من بخل
~~بالقليل من ملكه فقد سد على نفسه باب نجاته وفتح عليها طريق هلاكه. ولا
~~يخفى أن جمع المال وكنزه وعدم الإنفاق لا يكون الا لاستحكام رذيلة الشح
~~وكل رذيلة كية يعذب بها صاحبها في الآخرة ويخزى بها في الدنيا. ولما كانت
~~مادة رسوخ تلك الرذيلة واستحكامها هي ذلك المال كان هو الذي يحمى عليه في
~~نار جهنم الطبيعة وهاوية الهوى فيكوى صاحبه به، وخصت هذه الأعضاء لأن /
~~الشح مركوز في النفس تغلب القلب من هذه الجهات لا من جهة العلو التي هي
~~جهة استيلاء الروح وممد الحقائق والأنوار ولا من جهة السفلي التي هي جهة
~~الطبيعة الجسمانية لعدم تمكن الطبيعة من ذلك فبقيت سائر الجهات فيؤذى
~~بذلك من الجهات الأربع ويعذب، وهذا كما تراه يعاب في الدنيا ويخزي من هذه
~~الجهات فيواجه بالذم جهرا فيفضح أو يسار في جنبه أو يغتاب من وراء ظهره
~~قاله بعض العارفين. ولهم في قوله سبحانه:

# إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا

# [التوبة: 36] تأويل بعيد يطلب من محله، وقوله سبحانه: { إلا
~~تنصروه } الخ عتاب للمتثاقلين أو لأهل الأرض كافة وإرشاد إلى أنه
~~عليه الصلاة والسلام مستغن بنصرة الله عن نصرة المخلوقين. وفيه إشارة إلى
~~رتبة الصديق رضي الله تعالى عنه فقد انفرد برسول الله صلى الله عليه وسلم
~~انفراده عليه الصلاة والسلام بربه سبحانه في مقام قاب قوسين، ومعنى

# إن الله معنا

# [التوبة: 40] على ما قال ابن عطاء إنه معنا في الأزل حيث وصل بيننا
~~بوصلة الصحبة وأثر هذه المعية قد ظهر في الدنيا والآخرة فلم يفارقه حيا
~~ولا ميتا، وقيل: معنا بظهور عنايته ومشاهدته وقربه الذي لا يكيف، ولله
~~تعالى در من قال:

# يا طالب الله في العرش الرفيع به

# لا تطلب العرش ms03783 أن المجد للغار

# ولا يخفى ما بين قول النبي صلى الله عليه وسلم: { إن الله
~~معنا } وقول موسى عليه السلام:

# إن معي ربي

# [الشعراء: 62] من الفرق الظاهر لأرباب الأذواق حيث قدم نبينا صلى الله
~~عليه وسلم اسمه تعالى عليه وعكس موسى عليه السلام، وأتى صلى الله عليه
~~وسلم بالاسم الجامع وأتى الكليم باسم الرب، وأتى عليه الصلاة والسلام 
~~بنا  في { معنا } وأتى موسى عليه السلام بياء المتكلم لأن نبينا صلى
~~الله عليه وسلم على خلق لم يكن عليه موسى عليه الصلاة والسلام.

# والضمير في قوله تعالى:

# فأنزل الله سكينته عليه

# [التوبة: 40] إن كان للصاحب فالأمر ظاهر وإن كان للنبي عليه الصلاة
~~والسلام فيقال: في ذلك إشارة إلى مقام الفناء في الشيخ إذ ذاك. وقال بعض
~~الأكابر: أنزلت السكينة عليه عليه الصلاة والسلام لتسكين قلب الصديق رضي
~~الله تعالى عنه وإذهاب الحزن عنه بطريق الانعكاس والإشراق ولو أنزلت على
~~الصديق بغير واسطة لذاب لها ولعظمها فكأنه قيل: أنزل سكينة صاحبه عليه. {
~~انفروا خفافا وثقالا } أي انفروا إلى طاعة مولاكم خفافا
~~بالأرواح ثقالا بالقلوب، أو خفافا بالقلوب وثقالا بالأجسام بأن يطيعوه
~~بالأعمال القلبية والقالبية، أو خفافا بأنوار المودة وثقالا بأمانات
~~المعرفة، أو خفافا بالبسط وثقالا بالقبض، وقيل: خفافا بالطاعة وثقالا
~~عن المخالفة. وقيل غير ذلك { وجهدوا بأمولكم } بأن تنفقوها
~~للفقراء { وأنفسكم } بأن تجودوا بها لله تعالى { ذلكم خير
~~لكم } في الدارين

# إن كنتم تعلمون

# [التوبة: 41] ذلك والله تعالى الموفق للرشاد.

### || [9.42]

# { لو كان } أي ما دعوا إليه كما يدل عليه ما تقدم { عرضا
~~قريبا } أي غنما سهل المأخذ قريب المنال، وأصل العرض ما عرض لك من
~~منافع الدنيا ومتاعها. وفي الحديث

# " الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر "

# { وسفرا قاصدا } أي متوسطا بين القرب والبعد وهو من باب تامر
~~ولابن { لاتبعوك } أي لوافقوك في النفير طمعا في الفوز بالغنيمة،
~~وهذا شروع في تعديد ما صدر عنهم من الهنات قولا وفعلا وبيان قصور همهم
~~وما هم عليه من غير ذلك، وقيل: هو تقرير ms03784 لكونهم متثاقلين مائلين إلى
~~الإقامة بأرضهم، وتعليق الاتباع بكلا الأمرين يدل على عدم تحققه عند توسط
~~السفر فقط / { ولكن بعدت عليهم الشقة } أي المسافة
~~التي تقطع بمشقة. وقرأ عيسى بن عمر { بعدت } بكسر العين و { الشقة } بكسر
~~الشين، وبعد يبعد كعلم يعلم لغة واختص ببعد الموت غالبا، وجاء لا تبعد
~~للتفجع والتحسر في المصائب كما قال:

# لا يبعد الله إخوانا لنا ذهبوا

# أفناهم حدثان الدهر والأبد

# { وسيحلفون } أي المتهلفون عن الغزو { بالله } متعلق
~~بسيحلفون، وجوز أن يكون من جمة كلامهم ولا بد من تقدير القول في الوجهين
~~أي سيحلفون عند رجوعك من غزوة تبوك بالله قائلين { لو استطعنا }
~~أو سيحلفون قائلين بالله لو استطعنا الخ، وقيل: لا حاجة إلى تقدير القول
~~لأن الحلف من جنس القول وهو أحد المذهبين المشهورين، والمعنى لو كان لنا
~~استطاعة من جهة العدة أو من جهة الصحة أو من جهتيهما معا حسبما عن لهم
~~من التعلل والكذب { لخرجنا معكم } لما دعوتمونا إليه وهذا جواب
~~القسم وجواب لو محذوف على قاعدة اجتماع القسم والشرط إذا تقدم القسم وهو
~~اختيار ابن عصفور، واختار ابن مالك أنه جواب { لو } ولو وجوابها جواب
~~القسم، وقيل: إنه ساد مسد جوابي القسم والشرط جميعا، والقسم على
~~الاحتمال الأول ظاهر وأما على الثاني فلأن { لو استطعنا } في قوة
~~{ بالله لو استطعنا } لأنه بيان لسيحلفون بالله وتصديق له كما
~~قيل. واعترض القول الأخير بأنه لم يذهب إليه أحد من أهل العربية. وأجيب
~~بأن مراد القائل أنه لما حذف جواب { لو } دل عليه جواب القسم جعل كأنه
~~ساد مسد الجوابين. وقرأ الحسن والأعمش { لو استطعنا } بضم الواو
~~تشبيها لها بواو الجمع كما في قوله تعالى:

# فتمنوا الموت

# [الجمعة: 6] و

# اشتروا الضللة

# [البقرة: 16] وقرىء بالفتح أيضا.

# { يهلكون أنفسهم } بايقاعها في العذاب، قيل: وهو بدل من {
~~سيحلفون } واعترض بأن الهلاك ليس مرادفا للحلف ولا هو نوع منه،
~~ولا يجوز أن يبدل فعل من فعل إلا أن يكون مرادفا له أو نوعا منه. وأجيب
~~بأن الحلف الكاذب ms03785 إهلاك للنفس ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:

# " اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع "

# وحاصله أنهما ترادفان ادعاء فيكون بدل كل من كل، وقيل إنه بدل اشتمال إذ
~~الحلف سبب للإهلاك والمسبب يبدل من السبب لاشتماله عليه، وجوز أن يكون
~~حالا من فاعله أي سيحلفون مهلكين أنفسهم، وأن يكون حالا من فاعل {
~~لخرجنا } جيء به على طريقة الإخبار عنهم كأنه قيل: نهلك أنفسنا أي
~~لخرجنا [معكم] مهلكين أنفسنا كما في قولك: حلف ليفعلن مكان لأفعلن ولكن
~~فيه بعد. وجوز أبو البقاء الاستئناف { والله يعلم إنهم
~~لكذبون } في مضمون الشرطية وفيما ادعوا ضمنا من انتفاء تحقق
~~المقدم حيث كانوا مستطيعين للخروج ولم يخرجوا. واستدل بالآية على أن
~~القدرة قبل الفعل.

### || [9.43]

# { عفا الله عنك لم أذنت لهم } أي لأي سبب أذنت لهؤلاء
~~الحالفين المتخلفين في التخلف حين استأذنوا فيه معتذرين بعدم الاستطاعة،
~~وهذا عتاب لطيف من اللطيف الخبير سبحانه لحبيبه صلى الله عليه وسلم على
~~ترك الأولى وهو التوقف عن الإذن إلى انجلاء الأمر وانكشاف الحال المشار
~~إليه بقوله سبحانه: { حتى يتبين لك الذين صدقوا } أي
~~فيما أخبروا به عند الاعتذار من عدم الاستطاعة { وتعلم
~~الكذبين } أي في ذلك. فحق سواء كانت بمعنى اللام أو إلى متعلقة
~~بما يدل عليه { لم أذنت لهم } كؤنه قيل: لم سارعت إلى الإذن لهم
~~ولم تتوقف حتى ينجلي الأمر كما هو قضية الحزم اللائق بشأنك الرفيع يا سيد
~~أولي العزم. ولا يجوز أن تتعلق بالمذكور نفسه مطلقا لاستلزامه أن يكون
~~إذنه عليه الصلاة والسلام لهم معللا أو مغيا بالتبين / والعلم ويكون
~~توجه الاستفهام إليه من تلك الحيثية وهو بين الفساد، وكلتا اللامين
~~متعلقة بالإذن وهما مختلفتان معنى فإن الأولى للتعليل والثانية للتبليغ
~~والضمير المجرور لجميع من أشير إليه.

# وتوجيه الإنكار إلى الإذن باعتبار شموله للكل لا باعتبار تعلقه بكل فرد
~~فرد لتحقق عدم استطاعة البعض على ما ينبىء عنه ما في حيز { حتى }
~~والتعبير عن الفريق الأول بالموصول الذي صلته فعل دال على الحدوث وعن
~~الفريق ms03786 الثاني باسم الفاعل المفيد للدوام للإيدان بأن ما ظهر من الأولين
~~صدق حادث في أمر خاص غير مصحح لنظمهم في سلك الصادقين وأن ما صدر من
~~الآخرين وإن كان كذبا حادثا متعلقا بأمر خاص لكنه جار على عادتهم
~~المستمرة ناشىء عن رسوخهم في الكذب، والتعبير عن ظهور الصدق بالتبين وعما
~~يتعلق بالكذب بالعلم لما اشتهر من أن مدلول الخبر هو الصدق والكذب احتمال
~~عقلي وإسناد العلم له صلى الله عليه وسلم دون المعلومين بأن يبنى الفعل
~~للمفعول مع إسناد التبين للأولين لما أن المقصود ههنا علمه عليه الصلاة
~~والسلام بهم ومؤاخذتهم بموجبه بخلاف الأولين حيث لا مؤاخذة عليهم؛ وإسناد
~~التبين إليهم وتعليف العلم بالآخرين من أن مدار الإسناد والتعلق أولا
~~وبالذات هو وصف الصدق والكذب كما أشير إليه لما أن القصد هو العلم بكلا
~~الفريقين باعتبار اتصافهما بوصفيهما المذكورين ومعاملتهما بحسب
~~استحقاقهما لا العلم بالوصفين بذاتيهما أو باعتبار قيامهما بموصوفيهما
~~قاله شيخ الإسلام ولا يخفى حسنه.

# وفي تصدير الخطاب بما صدر به تعظيم لقدر النبي صلى الله عليه وسلم
~~وتوقير له وتوقير لحرمته عليه الصلاة والسلام، وكثيرا ما يصدر الخطاب
~~بنحو ما ذكر لتعظيم المخاطب فيقال: عفا الله تعالى عنك ما صنعت في أمري؟
~~ورضي الله سبحانه عنك ما جوابك عن كلامي؟ والغرض التعظيم، ومن ذلك قول
~~علي بن الجهم يخاطب المتوكل وقد أمر بنفيه:

# عفا الله عنك ألا حرمة

# تجود بفضلك يا ابن العلا

# ألم تر عبدا عدا طوره

# ومولى عفا ورشدا هدى

# أقلني أقالك من لم يزل

# يقيك ويصرف عنك الردى

# ومما ينظم في هذا السلك ما روي من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " لقد عجبت من يوسف عليه السلام وكرمه وصبره والله تعالى يغفر له حين
~~سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن
~~يخرجوني "

# وأخرج ابن المنذر وغيره عن عون بن عبد الله قال: سمعتم بمعاتبة أحسن من
~~هذا بدأ بالعفو قبل المعاتبة. وقال السجاوندي: إن فيه تعليم تعظيم النبي
~~صلوات ms03787 الله سبحانه عليه وسلامه ولولا تصدير العفو في العتاب لما قام
~~بصولة الخطاب. وعن سفيان بن عيينة أنه قال: انظروا إلى هذا اللطف بدأ
~~بالعفو قبل ذكر المعفو. ولقد أخطأ وأساء الأدب وبئسما فعل فيما قال وكتب
~~صاحب «الكشاف» كشف الله تعالى عنه ستره ولا أذن له ليذكر عذره حيث زعم أن
~~الكلام ((كناية عن الجناية وأن معناه أخطأت وبئسما فعلت)). وفي
~~«الانتصاف» ((ليس له أن يفسر هذه الآية بهذا التفسير وهو بين أحد الأمرين
~~إما أن لا يكون هو المراد أو يكون ولكن قد أجل الله تعالى نبيه الكريم
~~عن مخاطبته (بذلك ولطف به في الكناية عنه أفلا يتأدب بآداب الله) خصوصا
~~في حق المصطفى صلى الله عليه وسلم، فعلى التقديرين هو ذاهل عما يجب من
~~حقه عليه الصلاة والسلام)).

# ويا سبحان الله من أين أخذ عامله الله تعالى بعدله ما عبر عنه ببئسما،
~~والعفو لو سلم مستلزم للخطأ فهو / غير مستلزم لكونه من القبح واستتباع
~~اللائمة بحيث يصحح هذه المرتبة من المشافهة بالسوء ويسوغ إنشاء الاستقباح
~~بكلمة بئسما المنبئة عن بلوغ القبح إلى رتبة يتعجب منها، واعتذر عنه صاحب
~~«الكشف» حيث قال: أراد أن الأصل ذلك وأبدل بالعفو تعظيما لشأنه صلى الله
~~عليه وسلم وتنبيها على لطف مكانه ولذلك قدم العفو على ذكر ما يوجب
~~الجناية، وليس تفسيره هذا بناءا على أن العدول إلى عفا الله لا للتعظيم
~~حتى يخطأ. وأما المستعمل لمجرد التعظيم فهو إذا كان دعاء لا خبرا، على
~~أن الدعاء قد يستعمل للتعريض بالاستقصاء كقوله صلى الله عليه وسلم:

# " رحم الله تعالى أخي لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد "

# وتحقيقه أنه لا يخلو عن حقارة بشأن المخاطب أو الغائب حسب اختلاف
~~الصيغة، وأما التعظيم أو التعريض فقد وقد انتهى، ولا يخفى ما فيه فهو
~~اعتذار غير مقبول عند ذوي العقول، وكم لهذه السقطة في «الكشاف» نظائر،
~~ولذلك امتنع من إقرائه بعض الأكابر كالإمام السبكي عليه الرحمة، وليت
~~العلامة البيضاوي لم يتابعه في شيء من ms03788 ذلك.

# هذا واستدل بالآية من زعم صدور الذنب منه عليه الصلاة والسلام، وذلك من
~~وجهين: الأول: أن العفو يستدعي سابقة الذنب. الثاني: أن الاستفهام
~~الإنكاري بقوله سبحانه: { لم أذنت } يدل على أن ذلك الإذن كان
~~معصية، والمحققون على أنها خارجة مخرج العتاب كما علمت على ترك الأولى
~~والأكمل قالوا: لا يخفى أنه لم يكن كما في خروجهم مصلحة للدين أو منفعة
~~للمسلمين بل كان فيه فساد وخبال حسبما نطق به قوله تعالى:

# لو خرجوا

# [التوبة: 47] الخ، وقد كرهه سبحانه وتعالى كما يفصح عنه قوله جل وعلا:

# ولكن كره الله انبعاثهم

# [التوبة: 46] الآية، نعم كان الأولى تأخير الإذن حتى يظهر كذبهم
~~ويفتضحوا على رؤوس الأشهاد، ولا يتمكنوا من التمتع بالعيش على الأمن
~~والدعة ولا يتسنى لهم الابتهاج فيما بينهم بأنهم غروه صلى الله عليه وسلم
~~وأرضوه بالأكاذيب على أنهم لم يهنأ لهم عيش ولا قرت لهم عين إذ لم يكونوا
~~على أمن واطمئنان بل كانوا على خوف من ظهور أمرهم وقد كان.

# ومن الناس من ضعف الاستدلال بالآية على ما ذكر بأنا لو نسلم أن { عفا
~~الله } يستدعي سابقة الذنب والسند ما أشرنا إليه فيما مر سلمنا لكن لا
~~نسلم أن قوله سبحانه: { لم أذنت لهم } مقول على سبيل الإنكار
~~عليه عليه الصلاة والسلام لأنه لا يخلو إما أن يكون صدر منه صلى الله
~~عليه وسلم ذنب في هذه الواقعة أو لم يصدر وعلى التقديرين يمتنع أن يكون
~~ما ذكر إنكارا، أما على الأول فلأنه إذا لم يصدر عنه ذنب فكيف يتأتى
~~الإنكار عليه، وأما على الثاني فلأن صدر الآية يدل على حصول العفو وبعد
~~حصوله يستحيل توجه الإنكار فافهم.

# واستدل بها جمع على أن له صلى الله عليه وسلم اجتهادا وأنه قد يناله
~~منه أجر واحد والوجه فيه ظاهر، وما فعله صلى الله عليه وسلم في هذه
~~الواقعة أحد أمرين فعلهما ولم يؤمر بفعلهما كما أخرج ابن جرير وغيره عن
~~عمرو بن ميمون، ثانيهما أخذه صلى الله عليه وسلم الفداء ms03789 من الأسارى وقد
~~تقدم. وادعى بعضهم الحصر في هذين الأمرين، واعترض بأنه غير صحيح فإن لهما
~~ثالثا وهو المذكور في سورة التحريم وغير ذلك كالمذكور في سورة عبس، وأجيب
~~بأنه يمكن تقييد الأمرين بما يتعلق بأمر الجهاد والله تعالى ولي الرشاد.

### || [9.44]

# { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم
~~الأخر } تنبيه على أنه ينبغي أن يستدل عليه الصلاة والسلام باستئذانهم
~~على حالهم ولا يأذن لهم أي ليس من شأن المؤمنين وعادتهم أن يستأذنوك في {
~~أن يجهدوا بأمولهم وأنفسهم } / فإن الخلص منهم
~~يبادرون إليه من غير توقف على الإذن فضلا عن أن يستأذنوك في التخلف عنه،
~~أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم قال:

# " من خير معاش الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه
~~كلما سمع هيعة أو فزعا طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانه "

# ونفي العادة مستفاد من نفي الفعل المستقبل الدال على الاستمرار نحو فلان
~~يقري الضيف ويحمي الحريم، فالكلام محمول على نفي الاستمرار، ولو حمل على
~~استمرار النفي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فيكون المعنى عادتهم عدم
~~الاستئذان لم يبعد، ومثل هذا قول الحماسي:

# لا يسألون أخاهم حين يندبهم

# في النائبات على ما قال برهانا

# قيل: وهذا الأدب يجب أن يقتفي مطلقا فلا يليق بالمرء أن يستأذن أخاه في
~~أن يسدي إليه معروفا ولا بالمضيف أن يستأذن ضيفه في أن يقدم إليه طعاما
~~فإن الاستئذان في مثل هذه المواطن أمارة التكلف والتكره، ولقد بلغ من كرم
~~الخليل صلوات الله تعالى وسلامه عليه وأدبه مع ضيوفه أنه لا يتعاطى شيئا
~~من أسباب التهيىء للضيافة بمرأى منهم فلذلك مدحه الله تعالى على لسان
~~رسوله عليه الصلاة والسلام بهذه الخلة الجميلة والآداب الجليلة فقال
~~سبحانه:

# فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين

# [الذريات: 26] أي ذهب على خفاء منهم كيلا يشعروا به، وجوز أن يكون متعلق
~~الاستئذان محذوفا و { أن يجهدوا } بتقدير كراهة أن يجاهدوا،
~~والمحذوف قيل: التخلف ms03790 عليه، والمعنى لا يستأذنك المؤمنون في التخلف كراهة
~~الجهاد، والنفي متوجه للاستئذان والكراهة معا، وقال بعض: إنه متوجه إلى
~~القيد وبه يمتاز المؤمن من المنافق وهو وإن كان في نفسه أمرا خفيا لا
~~يوقف عليه بادىء الأمر لكن عامة أحوالهم لما كانت منبئة عن ذلك جعل أمرا
~~ظاهرا مقررا. وقيل: الجهاد أي لا يستأذنك المؤمنون في الجهاد كراهة أن
~~يجاهدوا، وتعقب بأنه مبني على أن الاستئذان في الجهاد بما يكون لكراهة،
~~ولا يخفى أن الاستئذان في الشيء لكراهته مما لا يقع بل لا يعقل، ولو سلم
~~وقوعه فالاستئذان لعلة الكراهة مما لا يمتاز بحسب الظاهر من الاستئذان
~~لعلة الرغبة، لو سلم فالذي نفي عن المؤمنين يجب أن يثبت للمنافقين وظاهر
~~أنهم لم يستأذنوا في الجهاد لكراهتهم له بل إنما استأذنوا في التخلف
~~فتدبر.

# { والله عليم بالمتقين } شهادة لهم بالتقوى لوضع المظهر
~~فيه موضع المضمر أو إرادة جنس المتقين ودخولهم فيه دخولا أوليا وعدة
~~لهم بالثواب الجزيل، فإن قولنا: أحسنت إلي فأنا أعلم بالمحسن وعد بأجزل
~~الثواب وأسأت إلي فأنا أعلم بالمسيء وعيد بأشد العقاب، قيل: وفي ذلك
~~تقرير لمضمون ما سبق كأنه قيل: والله عليم بأنهم كذلك وإشعار بأن ما صدر
~~عنهم معلل بالتقوى.

### || [9.45]

# { إنما يستأذنك } أي في التخلف { الذين لا يؤمنون
~~بالله واليوم الأخر } تخصيص الإيمان بهما في الموضعين
~~للإيذان بأن الباعث على الجهاد والمانع عنه الإيمان بهما وعدم الإيمان
~~بهما فمن آمن بهما قاتل في سبيل دينه وتوحيده وهان عليه القتل فيه لما
~~يرجوه في اليوم الآخر من النعيم المقيم ومن لم يؤمن بمعزل عن ذلك، على أن
~~الإيمان بهما مستلزم للإيمان بسائر ما يجب الإيمان به { وارتابت
~~قلوبهم } عطف على الصلة، وإيثار صيغة الماضي للدلالة على تحقق الريب
~~وتقرره { فهم فى ريبهم } وشكهم المستمر في قلوبهم {
~~يترددون } أي يتحيرون، وأصل معنى التردد الذهاب والمجيء وأريد به
~~هنا التحير مجازا أو كناية لأن المتحير لا يقر في مكان. والآية نزلت كما
~~/ روي عن ابن عباس رضي الله ms03791 تعالى عنهما في المنافقين حين استأذنوا في
~~القعود عن الجهاد بغير عذر وكانوا على ما في بعض الروايات تسعة وثلاثين
~~رجلا. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وغيرهما عنه أن قوله تعالى:

# لا يستأذنك

# [التوبة: 44] الخ نسخته الآية التي في النور [62]

# إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله

# إلى

# إن الله غفور رحيم

# فجعل الله النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى النظرين في ذلك من غزا غزا
~~في فضيلة ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء.

### || [9.46]

# { ولو أرادوا الخروج لاعدوا له عدة } أي أهبة من
~~الزاد والراحلة وسائر ما يحتاج إليه المسافر في السفر الذي يريده. وقرىء
~~{ عده } بضم العين وتشديد الدال والإضافة إلى ضمير الخروج، قال ابن
~~جني: سمع محمد بن عبد الملك يقرأ بها، وخرجت على أن الأصل عدته إلا أن
~~التاء سقطت كما في إقام الصلاة وهو سماعي وإلى هذا ذهب الفراء، والضمير
~~على ما صرح به غير واحد عوض عن التاء المحذوفة، قيل: ولا تحذف بغير عوض
~~وقد فعلوا مثل ذلك في عدة بالتخفيف بمعنى الوعد كما في قول زهير:

# إن الخليط أجدوا البين فانجردوا

# وأخلفوك عدى الأمر الذي وعدوا

# وقرىء { عده } بكسر العين بإضافة وغيرها.

# { ولكن كره الله انبعاثهم } أي خروجهم كما روي عن
~~الضحاك أو نهوضهم للخروج كما قال غير واحد { فثبطهم } أي حبسهم
~~وعوقهم عن ذلك. والاستدراك قيل عما يفهم من مقدم الشرطية فإن انتفاء
~~إرادة الخروج يستلزم انتفاء خروجهم وكراهة الله تعالى انبعاثهم يستلزم
~~تثبطهم عن الخروج فكأنه قيل: ما خرجوا لكن تثبطوا عن الخروج، فهو استدراك
~~نفي الشيء بإثبات ضده كما يستدرك نفي الاحسان بإثبات الإساءة في قولك: ما
~~أحسن إلي لكن أساء، والاتفاق في المعنى لا يمنع الوقوع بين طرفي لكن
~~بعد تحقق الاختلاف نفيا وإثباتا في اللفظ، وبحث فيه بعضهم بأن { لكن
~~} تقع بين ضدين أو نقيضين أو مختلفين على قول ووقعت فيما نحن فيه بين
~~متفقين على هذا التقرير فالظاهر أنها للتأكيد كما أثبتوا مجيئها لذلك
~~وفيه نظر. ms03792 واستظهر بعض المحققين كون الاستدراك من نفس المقدم على نهج ما
~~في الأقيسة الاستثنائية، والمعنى لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن ما
~~أرادوه لما أنه تعالى كره انبعاثهم [لما فيه] من المفاسد فحبسهم بالجبن
~~والكسل فتثبطوا عنه ولم يستعدوا له.

# { وقيل اقعدوا مع القعدين } تمثيل لخلق الله تعالى
~~داعية القعود فيهم وإلقائه سبحانه كراهة الخروج في قلوبهم بالأمر بالقعود
~~أو تمثيل لوسوسة الشيطان بذلك فليس هناك قول حقيقة، ونظير ذلك قوله
~~سبحانه:

# فقال لهم الله موتوا ثم أحيهم

# [البقرة: 243] أي أماتهم، ويجوز أن يكون حكاية قول بعضهم لبعض أو أذن
~~الرسول صلى الله عليه وسلم لهم في القعود فالقول على حقيقته، والمراد
~~بالقاعدين الذين شأنهم القعود والجثوم في البيوت كالنساء والصبيان
~~والزمنى أو الرجال الذين يكون لهم عذر يمنعهم عن الخروج، وفيه على بعض
~~الاحتمالات من الذم ما لا يخفى فتدبر.

### || [9.47]

# { لو خرجوا فيكم } بيان لكراهة الله تعالى انبعاثهم أي لو خرجوا
~~مخالطين لكم { ما زادوكم } شيئا من الأشياء { إلا خبالا }
~~أي شرا وفسادا. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عجزا وجبنا. وعن
~~الضحاك غدرا ومكرا، وأصل الخبال كما قال الخازن: اضطراب ومرض يؤثر في
~~العقل كالجنون، وفي «مجمع البيان» أنه ((الاضطراب في الرأي))، والاستثناء
~~مفرغ متصل والمستثنى منه ما علمت / ولا يستلزم أن يكون لهم خبال حتى لو
~~خرجوا زادوه لأن الزيادة باعتبار أعم العام الذي وقع منه الاستثناء. وقال
~~بعضهم: توهما منه لزوم ما ذكر هو مفرغ منقطع والتقدير ما زادوكم قوة
~~وخيرا لكن شرا وخبالا، واعترض بأن المنقطع لا يكون مفرغا وفيه بحث
~~لأنه مانه منه إذا دلت القرينة عليه كما إذا قيل: ما أنيسك في البادية
~~فقلت: ما لي بها إلا اليعافير أي ما لي بها أنيس إلا ذلك، وأنت تعلم أن
~~في وجود القرينة ههنا مقالا. وقال أبو حيان: ((إنه كان في تلك الغزوة
~~منافقون [كثيرو] لهم [لا شك] خبال فلو خرج هؤلاء أيضا واجتمعوا بهم زاد
~~الخبال)) فلا فساد في ذلك ms03793 الاستلزام لو ترتب. { ولأوضعوا
~~خللكم } الإيضاع سير الإبل يقال: أوضعت الناقة تضع إذا أسرعت
~~وأوضعتها أنا إذا حملتها على الإسراع، والخلال جمع خلل وهو الفرجة استعمل
~~ظرفا بمعنى بين ومفعول الإيضاع مقدر أي النمائم بقرينة السياق، وفي
~~الكلام استعارة مكنية حيث شبهت النمائم بالركائب في جريانها وانتقالها
~~وأثبت لها الإيضاع على سبيل التخييل، والمعنى ولسعوا بينكم بالنميمة
~~وإفساد ذات البين. وقال العلامة الطيبي: فيه استعارة تبعية حيث شبه سرعة
~~إفسادهم ذات البين بالنمائم بسرعة سير الراكب ثم استعير لها الإيضاع وهو
~~للإبل والأصل ولأوضعوا ركائب نمائمهم خلالكم ثم حذف النمائم وأقيم المضاف
~~إليه مقامه فقيل لأوضعوا ركائبهم ثم حذفت الركائب. ومنع الأخفش في كتاب
~~الغايات أن يقال: أوضعت الركائب ووضع البعير بمعنى أسرع وإنما يستعمل ذلك
~~بدون قيد، وجوز ذلك غيره واستدل له بقوله:

# فلم أر سعدى بعد يوم لقيتها

# غداة بها أجمالها صاح توضع

# وقرىء { ولأرقصوا } من رقصت الناقة إذا أسرعت وأرقصتها ومنه قوله:

# يا عام لو قدرت عليك رماحنا

# والراقصات إلى منى فالغبغب

# وقرىء { لأوفضوا } والمراد لأسرعوا أيضا يقال: أوفض واستوفض إذا استعجل
~~وأسرع والوفض العجلة، وكتب قوله تعالى: { لأوضعوا } في الامام بألفين
~~الثانية منهما هي فتحة الهمزة والفتحة ترسم لها ألف كما ذكره الداني، وفي
~~«الكشاف» ((كانت الفتحة تكتب ألفا قبل الخط العربي اخترع قريبا من نزول
~~القرآن وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفا
~~وفتحتها ألفا أخرى ومثل ذلك

# أو لأذبحنه

# [النمل: 21])).

# { يبغونكم الفتنة } أي يطلبون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما
~~بينكم وتهويل أمر العدو عليكم وإلقاء الرعب في قلوبكم وهذا هو المروي عن
~~الضحاك وعن الحسن أن الفتنة بمعنى الشرك أي يريدون أن تكونوا مشركين،
~~والجملة في موضع الحال من ضمير أوضعوا أي باغين لكم الفتنة، ويجوز أن
~~تكون استئنافا { وفيكم سمعون لهم } أي نمامون يسمعون
~~حديثكم لأجل نقله إليهم كما روي عن مجاهد وابن زيد أو فيكم أناس من
~~المسلمين ضعفة يسمعون قولهم ويطيعونهم كما روي عن قتادة وابن ms03794 اسحق
~~وجماعة. واللام على التفسير الأول للتعليل وعلى الثاني للتقوية كما في
~~قوله تعالى:

# فعال لما يريد

# [البروج: 16]، والجملة حال من مفعول { يبغونكم } أو من فاعله
~~لاشتمالها على ضميرهما أو مستأنفة.

# قال بعض المحققين: ولعل هؤلاء لم يكونوا في كمية العدد وكيفية الفساد
~~بحيث يخل مكانهم فيما بين المؤمنين بأمر الجهاد إخلالا عظيما ولم يكن
~~فساد خروجهم معادلا لمنفعته ولذلك لم تقتض الحكمة عدم خروجهم فخرجوا مع
~~المؤمنين، ولكن حيث كان انضمام المنافقين القاعدين إليهم مستتبعا لخلل
~~كلي كره الله تعالى انبعاثهم فلم / يتسن اجتماعهم فاندفع فسادهم انتهى،
~~والاحتياج إليه على التفسير الأول أظهر منه على التفسير الثاني لأن
~~الظاهر عليه أن القوم لم يكونوا منافقين، ووجه العتاب على الإذن في
~~قعودهم مع ما قص الله تعالى فيهم أنهم لو قعدوا بغير إذن منه عليه الصلاة
~~والسلام لظهر نفاقهم فيما بين المسلمين من أول الأمر ولم يقدروا على
~~مخالطتهم والسعي فيما بينهم بالأراجيف ولم يتسن لهم التمتع بالعيش إلى أن
~~يظهر حالهم بقوارع الآيات النازلة.

# { والله عليم بالظلمين } علما محيطا بظواهرهم وبواطنهم
~~وأفعالهم الماضية والمستقبلة فيجازيهم على ذلك، ووضع المظهر موضع المضمر
~~للتسجيل عليهم بالظلم والتشديد في الوعيد والإشعار بترتبه على الظلم،
~~ويجوز أن يراد بالظالمين الجنس ويدخل المذكورون دخولا أوليا، والمراد
~~منهم إما القاعدون أو هم والسماعون.

### || [9.48]

# { لقد ابتغوا الفتنة } تشتيت شملك وتفرق أصحابك { من قبل
~~} أي من قبل هذه الغزوة، وذلك كما روي عن الحسن يوم أحد حين انصرف عبد
~~الله بن أبي بن سلول بأصحابه المنافقين، وقد تخلف بهم عن هذه الغزوة
~~أيضا بعد أن خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى قريب من ثنية الوداع،
~~وروي عن سعيد بن جبير وابن جريج أن المراد بالفتنة الفتك برسول الله صلى
~~الله عليه وسلم ليلة العقبة، وذلك أنه اجتمع اثنا عشر رجلا من المنافقين
~~ووقفوا على الثنية ليفتكوا به عليه الصلاة والسلام فردهم الله تعالى
~~خاسئين { وقلبوا لك الأمور } أي المكايد تقليبها مجاز عن
~~تدبيرها أو ms03795 الآراء وهو مجاز عن تفتيشها، أي دبروا لك المكايد والحيل أو
~~دوروا الآراء في إبطال أمرك. وقرىء { وقلبوا } بالتخفيف { حتى جاء
~~الحق } أي النصر والظفر الذي وعده الله تعالى { وظهر أمر
~~الله } أي غلب دينه وعلا شرعه سبحانه { وهم كرهون } أي في
~~حال كراهتهم لذلك أي على رغم منهم، والإتيان كما قالوا لتسلية رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن تخلف المتخلفين وبيان ما ثبطهم الله
~~تعالى لأجله وهتك أستارهم وإزاحة أعذارهم تداركا لما عسى يفوت بالمبادرة
~~إلى الإذن وإيذانا بأن ما فات بها ليس مما لا يمكن تلافيه تهوينا
~~للخطب.

### || [9.49]

# { ومنهم من يقول ائذن لي } في القعود عن الجهاد { ولا
~~تفتني } أي لا توقعني في الفتنة بنساء الروم. أخرج ابن المنذر
~~والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما

# " لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك قال لجد بن
~~قيس: يا جد بن قيس ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟ فقال: يا رسول الله إني
~~امرأ صاحب نساء ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن فائذن لي ولا تفتني فنزلت
~~"

# ، وروي نحوه عن عائشة وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أو لا
~~توقعني في المعصية والإثم بمخالفة أمرك في الخروج إلى الجهاد، وروي هذا
~~عن الحسن وقتادة واختاره الجبائي، وفي الكلام على هذا إشعار بأنه لا
~~محالة متخلف أذن له صلى الله عليه وسلم أو لم يأذن. وفسر بعضهم الفتنة
~~بالضرر أي لا توقعني في ذلك فاني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي لعدم من
~~يقوم بمصالحهم، وقال أبو مسلم: أي لا تعذبني بتكليف الخروج في شدة الحر،
~~وقرىء { ولا تفتني } من أفتنه بمعنى فتنة.

# { ألا فى الفتنة } أي في نفسها وعينها وأكمل أفرادها الغني عن
~~الوصف بالكمال الحقيق باختصاص اسم الجنس به { سقطوا } لا في شيء
~~مغاير لها فضلا عن أن يكون مهربا ومخلصا عنها، وذلك بما فعلوا من
~~العزيمة على التخلف والجراءة على هذا الاستئذان والقعود بالإذن ms03796 المبني
~~عليه وعلى الاعتذارات الكاذبة، وفي / مصحف أبي { سقط } بالإفراد مراعاة
~~للفظ { من } ولا يخفى ما في تصدير الجملة بأداة التنبيه من التحقيق،
~~وفي التعبير عن الافتتان بالسقوط في الفتنة تنزيل لها منزلة المهواة
~~المهلكة المفصحة عن ترديهم في دركات الردى أسفل سافلين، وتقديم الجار
~~والمجرور لا يخفى وجهه.

# { وإن جهنم لمحيطة بالكفرين } وعيد لهم على ما
~~فعلوا وهو عطف على الجملة السابقة داخل تحت التنبيه، أي جامعة لهم من كل
~~جانب لا محالة وذلك يوم القيامة، فالمجاز في اسم الفاعل حيث استعمل في
~~الاستقبال بناء على أنه حقيقة في الحال، ويحتمل أن يكون المراد أنها حيطة
~~بهم الآن بأن يراد من جهنم أسبابها من الكفر والفتنة التي سقطوا فيها
~~ونحو ذلك مجازا.

# وقد يجعل الكلام تمثيلا بأن تشبه حالهم في إحاطة الأسباب بحالهم عند
~~إحاطة النار، وكون الأعمال التي هم فيها هي النار بعينها لكنها ظهرت
~~بصورة الأعمال في هذه النشأة وتظهر بالصورة النارية في النشأة الأخرى كما
~~قيل نظيره في قوله تعالى:

# إن الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما إنما
~~يأكلون فى بطونهم نارا

# [النساء: 10] منزع صوفي، والمراد بالكافرين إما المنافقون المبحوث عنهم،
~~وإيثار وضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالكفر والإشعار بأنه معظم
~~أسباب الإحاطة المذكورة وإما جميع الكافرين ويدخل هؤلاء دخولا أوليا.

### || [9.50]

# { إن تصبك } في بعض مغازيك { حسنة } من الظفر والغنيمة {
~~تسؤهم } تلك الحسنة أي تورثهم مساءة وحزنا لفرط حسدهم - لعنهم الله
~~تعالى - وعداوتهم { وإن تصبك } في بعضها { مصيبة } كانكسار جيش
~~وشدة { يقولوا } متبجحين بما صنعوا حامدين لآرائهم { قد أخذنا
~~أمرنا } أي تلافينا ما يهمنا من الأمير يعنون به التخلف والقعود عن
~~الحرب والمداراة مع الكفرة وغير ذلك من أمور الكفر والنفاق قولا وفعلا
~~{ من قبل } أي من قبل إصابة المصيبة حيث ينفع التدارك، يشيرون بذلك
~~إلى أن نحو ما صنعوه إنما يروج عند الكفرة بوقوعه حال قوة الإسلام لا بعد
~~إصابة المصيبة { ويتولوا } أي وينصرفوا عن متحدثهم ومحل اجتماعهم
~~إلى أهليهم وخاصتهم أو يتفرقوا وينصرفوا ms03797 عنك يا رسول الله { وهم
~~فرحون } بما صنعوا وبما أصابك من السيئة.

# والجملة في موضع الحال من الضمير في { يقولوا } و { ويتولوا
~~} فإن الفرح مقارن للأمرين معا، وإيثار الجملة الإسمية للدلالة على دوام
~~السرور، وإنما لم يؤت بالشرطية الثانية على طرز الأولى بأن يقال: وإن
~~تصبك مصيبة تسرهم بل أقيم ما يدل على ذلك مقامه مبالغة في فرط سرورهم مع
~~الإيذان بأنهم في معزل عن إدراك سوء صنيعهم لاقتضاء المقام ذلك، وقيل: إن
~~إسناد المساءة إلى الحسنة والمسرة إلى أنفسهم للإيذان باختلاف حالهم
~~حالتي عروض المساءة والمسرة بأنهم في الأولى مضطرون وفي الثانية مختارون،
~~وقوبل هنا الحسنة بالمصيبة ولم تقابل بالسيئة كما قال سبحانه في سورة آل
~~عمران: [120]

# وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها

# لأن الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو هناك للمؤمنين وفرق بين
~~المخاطبين فإن الشدة لا تزيده صلى الله عليه وسلم إلا ثوابا فإنه
~~المعصوم في جميع أحواله عليه الصلاة والسلام، وتقييد الإصابة في بعض
~~الغزوات لدلالة السياق عليه، وليس المراد به بعضا معينا هو هذه الغزوة
~~التي استأذنوا في التخلف عنها وهو ظاهر. نعم سبب النزول يوهم ذلك، فقد
~~أخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: جعل المنافقون الذين تخلفوا
~~في المدينة يخبرون عن النبي صلى الله عليه وسلم / أخبار السوء يقولون:
~~إن محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا فبلغهم
~~تكذيب حديثهم وعافية النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه فأنزل الله
~~تعالى الآية فتأمل.

### || [9.51]

# { قل } تبكيتا لهم { لن يصيبنآ } أبدا { إلا ما كتب
~~الله لنا } أي ما اختصنا بإثباته وإيجابه من المصلحة الدنيوية أو
~~الأخروية كالنصرة أو الشهادة المؤدية للنعيم الدائم، فالكتب بمعنى
~~التقدير، واللام للاختصاص، وجوز أن يكون المراد بالكتب الخط في اللوح
~~واللام للتعليل والأجل، أي لن يصيبنا إلا ما خط الله تعالى لأجلنا في
~~اللوح ولا يتغير بموافقتكم ومخالفتكم، فتدل الآية على أن الحوادث كلها
~~بقضاء الله تعالى وروي هذا عن الحسن. وادعى بعضهم ms03798 أنه غير مناسب للمقام
~~وأن قوله تعالى: { هو مولانا } أي ناصرنا ومتولي أمورنا يعين الأول
~~لأنه يبين أن معنى اللام الاختصاص ويخصص الموصول بالنصر والشهادة أي لن
~~يصيبنا إلا ذلك دون الخذلان والشقاوة كما هو مصير حالكم لأنا مؤمنون وأن
~~الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم، وقد يقال: هو تعليل لما
~~يستفاد من القول السابق من الرضا أي لن يصيبنا إلا ما كتب من خير أو شر
~~فلا يضرنا ما أنتم عليه ونحن بما فعل الله تعالى راضون لأنه سبحانه
~~مالكنا ونحن عبيده. وقرأ ابن مسعود { هل يصيبنا } وطلحة { هل يصيبنا }
~~بتشديد الياء من صيب الذي وزنه فيعل لا فعل بالتضعيف لأن قياسه صوب لأنه
~~من الواوي فلا وجه لقلبها ياء بخلاف ما إذا كان صيوب على وزن فيعل لأنه
~~إذا اجتمعت الواو والياء والأول منهما ساكن قلبت الواو ياءا وهو قياس
~~مطرد، وجوز الزمخشري كونه من التفعيل على لغة من قال صاب يصيب، ومنه قول
~~الكميت:

# واستبى الكاعب العقيلة إذ

# أسهمي الصائبات والصيب

# { وعلى الله } وحده { فليتوكل المؤمنون } بأن
~~يفوضوا الأمر إليه سبحانه، ولا ينافي ذلك التشبث بالأسباب العادية إذا لم
~~يعتمد عليها، وظاهر كلام جمع أن الجملة من تمام الكلام المأمور به،
~~وتقديم المعمول لإفادة التخصيص كما أشرنا إليه، وإظهار الاسم الجليل في
~~مقام الإضمار لإظهار التبرك والاستلذاذ به. ووضع المؤمنين موضع ضمير
~~المتكلم ليؤذن بأن شأن المؤمنين اختصاص التوكل بالله تعالى، وجيء بالفاء
~~الجزائية لتشعر بالترتب أي إذا كان لن يصيبنا إلا ما كتب الله أي خصنا
~~الله سبحانه به من النصر أو الشهادة وأنه متولي أمرنا فلنفعل ما هو حقنا
~~من اختصاصه جل شأنه بالتوكل، قال الطيبي: وكأنه قوبل قول المنافقين

# قد أخذنآ أمرنا

# [التوبة: 50] بهذه الفاصلة، والمعنى دأب المؤمنين أن لا يتكلوا على
~~حزمهم وتيقظ أنفسهم كما أن دأب المنافقين ذلك بل أن يتكلوا على الله
~~تعالى وحده ويفوضوا أمورهم إليه، ولا يبعد تفرع الكلام على قوله سبحانه:
~~{ هو مولنا } كما لا ms03799 يخفى، ويجوز أن تكون هذه الجملة مسوقة من
~~قبله تعالى أمرا للمؤمنين بالتوكل إثر أمره صلى الله عليه وسلم بما ذكر،
~~وأمر وضع الظاهر موضع الضمير في الموضعين حينئذ ظاهر وكذا إعادة الأمر في
~~قوله تعالى: { قل هل تربصون بنا }.

### || [9.52]

# { قل هل تربصون بنا } لانقطاع حكم الأمر الأول بالثاني وإن
~~كان أمرا لغائب، وأما على كلام الجماعة فالإعادة لإبراز كمال العناية
~~بشأن المأمور به، والتربص الانتظار والتمهل وإحدى التاءين محذوفة، والباء
~~للتعدية أي ما تنتظرون بها { إلا إحدى الحسنيين } أي إحدى
~~العاقبتين اللتين / كل منهما أحسن من جميع العواقب غير الأخرى أو أحسن من
~~جميع عواقب الكفرة أو كل منهما أحسن مما عداه من جهة، والمراد بهما
~~النصرة والشهادة، والحاصل أن ما تنتظرونه لا يخلو من أحد هذين الأمرين
~~وكل منهما عاقبته حسنى لا كما تزعمون من أن ما يصيبنا من القتل في الغزو
~~سوء ولذلك سررتم به. وصح من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال:

# " تكفل الله تعالى لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في
~~سبيله وتصديق كلمته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع
~~ما نال من أجر وغنيمة "

# { ونحن نتربص بكم } إحدى السوأيين من العواقب إما { أن
~~يصيبكم الله بعذاب من عنده } فيهلككم كما فعل بالأمم
~~الخالية قبلكم، والظرف صفة { عذاب } وكونه من عنده تعالى كناية عن
~~كونه منه جل شأنه بلا مباشرة البشر، ويظهر ذلك المقابلة بقوله سبحانه: {
~~أو بأيدينا } أي أو بعذاب كائن بأيدينا كالقتل بكونه على الكفر
~~لأنه بدونه شهادة، وفيه إشارة إلى أنهم لا يقتلون حتى يظهروا الكفر
~~ويصروا عليه لأنهم منافقون والمنافق لا يقتل ابتداء { فتربصوا }
~~الفاء فصيحة أي إذا كان الأمر كذلك فتربصوا بنا ما هو عاقبتنا { إنا
~~معكم متربصون } ما هو عاقبتكم فإذا لقي كل منا ومنكم ما
~~يتربصه لا نشاهد إلا ما يسؤوكم ولا تشاهدون إلا ما يسرنا، وما ذكرناه من
~~مفعول التربص هو الظاهر، ولعله ms03800 يرجع إليه ما روي عن الحسن أي فتربصوا
~~مواعيد الشيطان إنا متربصون مواعد الله تعالى من إظهار دينه واستئصال من
~~خالفه، والمراد من الأمر التهديد.

### || [9.53]

# { قل أنفقوا } أموالكم في مصالح الغزاة { طوعا أو كرها }
~~أي طائعين أو كارهين، فهما مصدران وقعا موقع الحال وصيغة { أنفقوا }
~~وإن كانت للأمر إلا أن المراد به الخبر، وكثيرا ما يستعمل الأمر بمعنى
~~الخبر كعكسه، ومنه قول كثير عزة:

# أسيئى بنا أو أحسني لا ملومة

# لدينا ولا مقلية ان تقلت

# وهو كما قال الفراء والزجاج في معنى الشرط أي إن أنفقتم على أي حال ف {
~~لن يتقبل منكم }.

# وأخرج الكلام مخرج الأمر للمبالغة في تساوي الأمرين في عدم القبول،
~~كأنهم أمروا أن يجربوا فينفقوا في الحالين فينظروا هل يتقبل منهم
~~فيشاهدوا عدم القبول، وفيه كما قال بعض المحققين: استعارة تمثيلية شبهت
~~حالهم في النفقة وعدم قبولها بوجه من الوجوه بحال من يؤمر بفعل ليجربه
~~فيظهر له عدم جدواه، فلا يتوهم أنه إذا أمر بالإنفاق كيف لا يقبل. والآية
~~نزلت كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما

# " جوابا عما في قول الجد بن قيس حين قال له رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: " هل لك في جلاد بني الأصفر؟ إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى
~~أفتتن لكن أعينك بمالي "

# ، ونفي التقبل يحتمل أن يكون بمعنى عدم الأخذ منهم، ويحتمل أن يكون
~~بمعنى عدم الإثابة عليه، وكل من المعنيين واقع في الاستعمال، فقبول الناس
~~له أخذه وقبول الله تعالى ثوابه عليه ويجوز الجمع بينهما، وقوله سبحانه:
~~{ إنكم كنتم قوما فسقين } تعليل لرد إنفاقهم، والمراد
~~بالفسق العتو التمرد فلا يقال: كيف علل مع الكفر بالفسق الذي هو دونه
~~وكيف صح ذلك مع التصريح بتعليله بالكفر في قوله تعالى: { وما
~~منعهم أن تقبل منهم نفقتهم إلا أنهم... }.

### || [9.54]

# { وما منعهم أن تقبل منهم نفقتهم إلا
~~أنهم كفروا بالله وبرسوله } وقد يراد به ما هو الكامل
~~وهو الكفر ويكون هذا منه تعالى بيانا وتقريرا ms03801 لذلك، والاستثناء من أعم
~~الأشياء أي ما منعهم أن تقبل نفقاتهم شيء من الأشياء إلا كفرهم، ومنه
~~يتعدى إلى مفعولين بنفسه وقد يتعدى إلى الثاني بحرف الجر وهو  من  أو 
~~عن ، وإذا عدي بحرف صح أن يقال: منعه من حقه ومنع حقه منه لأنه يكون
~~بمعنى الحيلولة بينهما والحماية، ولا قلب فيه كما يتوهم، وجاز فيما نحن
~~فيه أن يكون متعديا للثاني بنفسه وأن يقدر حرف وحذف حرف الجر مع إن وأن
~~مقيس مطرد. وجوز أبو البقاء أن يكون { أن تقبل } بدل اشتمال من  هم
~~ في { منعهم } وهو خلاف الظاهر، وفاعل منع ما في حيز الاستثناء،
~~وجوز أن يكون ضمير الله تعالى (وأنهم كفروا) بتقدير لأنهم كفروا. وقرأ
~~حمزة والكسائي { يقبل } بالتحتانية لأنه تأنيث النفقات غير حقيقي مع كونه
~~مفصولا عن الفعل بالجار والمجرور. وقرىء { نفقتهم } على التوحيد. وقرأ
~~السلمي { أن يقبل منهم نفقاتهم } ببناء { يقبل } للفاعل ونصب النفقات؛
~~والفاعل إما ضمير الله تعالى أو ضمير الرسول عليه الصلاة والسلام بناء
~~على أن القبول بمعنى الأخذ.

# { ولا يأتون الصلاة } المفروضة في حال من الأحوال { إلا
~~وهم كسالى } أي إلا حال كونهم متثاقلين { ولا ينفقون إلا
~~وهم كرهون } الإنفاق لأنهم لا يرجون بهما ثوابا ولا يخافون على
~~تركهما عقابا، وهاتان الجملتان داخلتان في حيز التعليل. واستشكل بأن
~~الكفر سبب مستقل لعدم القبول فما وجه التعليل بمجموع الأمور الثلاثة وعند
~~حصول السبب المستقل لا يبقى لغيره أثر. وأجاب الإمام بأنه ((إنما يتوجه
~~على المعتزلة القائلين بأن الكفر لكونه كفرا يؤثر في هذا الحكم وأما على
~~أهل السنة فلا لأنهم يقولون: هذه الأسباب معرفات غير موجبة للثواب ولا
~~للعقاب واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد محال، والقول بأنه
~~إنما جيء بهما لمجرد الذم وليستا داخلتين في حيز التعليل وإن كان يندفع
~~به الإشكال على رأي المعتزلة خلاف الظاهر كما لا يخفى)).

# { فإن قيل } الكراهية خلاف الطواعية وقد جعل هؤلاء المنافقون فيما
~~تقدم طائعين ووصفوا ههنا بأنهم لا ينفقون إلا وهم كارهون وظاهر ذلك ms03802
~~المنافاة. أجيب بأن المراد بطوعهم أنهم يبذلون من غير إلزام من رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم لا أنهم يبذلون رغبة فلا منافاة. وقال بعض المحققين
~~في ذلك: إن قوله سبحانه:

# أنفقوا طوعا أو كرها

# [التوبة: 53] لا يدل على أنهم ينفقون طائعين بل غايته أنه ردد حالهم بين
~~الأمرين وكون الترديد ينافي القطع محل نظر، كما إذا قلت: إن أحسنت أو
~~أسأت لا أزورك مع أنه لا يحسن قطعا، ويكون الترديد لتوسع الدائرة وهو
~~متسع الدائرة.

### || [9.55]

# { فلا تعجبك أمولهم ولا أولدهم } أي لا يروقك
~~شيء من ذلك فإنه استدراج لهم ووبال عليهم حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: {
~~إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة
~~الدنيا } والخطاب يحتمل أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم وأن يكون
~~لكل من يصلح له على حد ما قيل في نحو قوله تعالى:

# لا تشرك بالله

# [لقمان: 13] ومفعول الإرادة قيل: التعذيب واللام زائدة وقيل: محذوف
~~واللام تعليلية، أي يريد إعطاءهم لتعذيبهم، وتعذيبهم بالأموال والأولاد
~~في الدنيا لما أنهم يكابدون بجمعها وحفظها المتاعب ويقاسون فيها الشدائد
~~والمصائب وليس عندهم من الاعتقاد بثواب الله تعالى ما يهون عليهم ما
~~يجدونه، وقيل: تعذيبهم في الدنيا بالأموال لأخذ الزكاة منهم والنفقة في
~~سبيل الله / تعالى مع عدم اعتقادهم الثواب على ذلك، وتعذيبهم فيها
~~بالأولاد أنهم قد يقتلون في الغزو فيجزعون لذلك أشد الجزع حيث لا يعتقدون
~~شهادتهم وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون وأن الاجتماع بهم قريب ولا كذلك
~~المؤمنون فيما ذكر، وقيل: تعذيبهم بالأموال بأن تكون غنيمة للمسلمين
~~وبالأولاد بأن يكونوا سببا لهم إذا أظهروا الكفر وتمكنوا منهم. وأخرج
~~ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة أن في الآية تقديما
~~وتأخيرا أي لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد
~~الله ليعذبهم بها في الآخرة { وتزهق أنفسهم } أي يموتون وأصل
~~الزهوق الخروج بصعوبة { وهم كفرون } في موضع الحال أي حال كونهم
~~كافرين، والفعل عطف على ما قبله داخل معه في حيز الإرادة.

# واستدل بتعليق ms03803 الموت على الكفر بإرادته تعالى على أن كفر الكافر بإرادته
~~سبحانه وفي ذلك رد على المعتزلة. وأجاب الزمخشري بأن المراد إنما هو
~~إمهالهم ((وإدامة النعم عليهم إلى أن يموتوا على الكفر مشتغلين بما هم
~~فيه عن النظر في العاقبة))، والإمهال والإدامة المذكورة مما يصح أن يكون
~~مرادا له تعالى. واعترضه الطيبي بأن ذلك لا يجديه شيئا لأن سبب السبب
~~سبب في الحقيقة، وحاصله أن ما يؤدي إلى القبح ويكون سببا له حكمه حكمه
~~في القبح وهو في حيز المنع، وأجاب الجبائي بأن معنى الآية أن الله تعالى
~~أراد زهوق أنفسهم في حال الكفر وهو لا يقتضي كونه سبحانه مريدا للكفر
~~فإن المريض يريد المعالجة في وقت المرض ولا يريد المرض والسلطان يقول
~~لعسكره: اقتلوا البغاة حال هجومهم ولا يريد هجومهم. ورده الإمام بأنه
~~((لا معنى لما ذكر من المثال إلا إرادة إزالة المرض وطلب إزالة هجوم
~~البغاة وإذا كان المراد إعدام الشيء امتنع أن يكون وجوده مرادا بخلاف
~~أرادة زهوق نفس الكافر فإنها ليست عبارة عن إرادة إزالة الكفر فلما أراد
~~الله تعالى زهوق أنفسهم حال كونهم كافرين وجب أن يكون مريدا لكفرهم،
~~وكيف لا يكون كذلك والزهوق حال الكفر يمتنع حصوله إلا حال حصول الكفر،
~~وإرادة الشيء تقتضي إرادة ما هو من ضرورياته فيلزم كونه تعالى مريدا
~~للكفر)). وفيه أن الظاهر أن إرادة المعالجة شيء غير إرادة إزالة المرض
~~وكذا إرادة القتل غير إرادة إزالة الهجوم ولهذا يعلل إحدى الإرادتين
~~بالأخرى فكيف تكون نفسها، وأما أن كون إرادة ضروريات الشيء من لوازم
~~إرادته فغير مسلم؛ فكم من ضروري لشيء لا يخطر بالبال عند إرادته فضلا
~~عما ادعاه، فالاستدلال بالآية على ما ذكر غير تام.

### || [9.56]

# { ويحلفون بالله إنهم لمنكم } أي في الدين والمراد
~~أنهم يحلفون أنهم مؤمنون مثلكم { وما هم منكم } في ذلك لكفر قلوبهم
~~{ ولكنهم قوم يفرقون } أي يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما
~~تفعلوا بالمشركين فيظهرون الإسلام تقية ويؤيدونه بالأيمان الفاجرة، وأصل
~~الفرق انزعاج النفس بتوقع الضرر، ms03804 قيل: وهو من مفارقة الأمن إلى حال
~~الخوف.

### || [9.57]

# { لو يجدون ملجأ } أي حصنا يلجأون إليه كما قال قتادة { أو
~~مغرات } أي غيران يخفون فيها أنفسهم وهو جمع مغارة بمعنى الغار،
~~ومنهم من فرق بينهما بأن الغار في الجبل والمغارة في الأرض. وقرىء {
~~مغارات } بضم الميم من أغار الرجل إذا دخل الغور، وقيل: هو تعدية غار
~~الشيء وأغرته أنا أي أمكنة يغيرون فيها أشخاصهم، ويجوز أن تكون من أغار
~~الثعلب إذا أسرع بمعنى مهارب / ومغار { أو مدخلا } أي نفقا كنفق
~~اليربوع ينجحرون فيه، وهو مفتعل من الدخول فأدغم بعد قلب تائه دالا.
~~وقرأ يعقوب وسهل { مدخلا } بفتح الميم اسم مكان من دخل الثلاثي وهي قراءة
~~ابن أبي اسحاق والحسن، وقرأ سلمة بن محارب { مدخلا } بضم الميم وفتح
~~الخاء من أدخل المزيد أي مكانا يدخلون فيه أنفسهم أو يدخلهم الخوف فيه،
~~وقرأ أبي بن كعب { متدخلا } اسم مكان من تدخل تفعل من الدخول، وقرىء {
~~مندخلا } من اندخل، وقد ورد في شعر الكميت

# ولا يدي في حميت السمن تندخل

# وأنكر أبو حاتم هذه القراءة وقال: إنما هي بالتاء بناء على إنكار هذه
~~اللغة وليس بذاك { لولوا } أي لصرفوا وجوههم وأقبلوا. وقرىء {
~~لوألوا } أي لالتجأوا {  إليه } أي إلى أحد ما ذكر { وهم
~~يجمحون } أي يسرعون في الذهاب إليه بحيث لا يردهم شيء كالفرس الجموح
~~وهو النفور الذي لا يرده لجام، وروى الأعمش عن أنس بن مالك أنه قرأ {
~~يجمزون } بالزاي وهو بمعنى يجمحون ويشتدون، ومنه الجمازة الناقة الشديدة
~~العدو، وأنكر بعضهم كون ما ذكر قراءة وزعم أنه تفسير وهو مردود.

# والجملة الشرطية استئناف مقرر لمضمون ما سبق من أنهم ليسوا من المسلمين
~~وأن التجاءهم إلى الانتماء إليهم إنما هو للتقية اضطرارا، وإيثار صيغة
~~الاستقبال في الشرط وإن كان المعنى على المضي لإفادة استمرار عدم الوجدان
~~حسبما يقتضيه المقام، ونظير ذلك  لو تحسن إلي لشكرتك  نعم كثيرا ما
~~يكون المضارع المنفي الواقع موقع الماضي لإفادة انتفاء استمرار الفعل لكن
~~ذلك غير مراد ههنا.

### || [9.58] ms03805

# { ومنهم من يلمزك في الصدقت } أي يعيبك في شأنها.
~~وقرأ يعقوب { يلمزك } بضم الميم وهي قراءة الحسن والأعرج، وقرأ ابن كثير
~~{ يلامزك } هو من الملامزة بمعنى اللمز، والمشهور أنه مطلق العيب كالهمز،
~~ومنهم من فرق بينهما بأن اللمز في الوجه والهمز في الغيب وهو المحكي عن
~~الليث وقد عكس أيضا وأصل معناه الدفع { فإن أعطوا منها } بيان
~~لفساد لمزهم وأنه لا منشأ له إلا حرصهم على حطام الدنيا أي إن أعطيتهم من
~~تلك الصدقات قدر ما يريدون { رضوا } بما وقع في القسمة واستحسنوا علك
~~{ وإن لم يعطوا منها } ذلك المقدار { إذا هم يسخطون
~~} أي يفاجئون السخط، و { إذا } نابت مناب فاء الجزاء وشرط لنيابتها عنه
~~كون الجزاء جملة اسمية، ووجه نيابتها دلالتها على التعقيب كالفاء، وغاير
~~سبحانه بين جوابي الجملتين إشارة إلى أن سخطهم ثابت لا يزول ولا يفنى
~~بخلاف رضاهم. وقرأ أياد بن لقيط { إذا هم يسخطون } و

# " الآية نزلت في ذي الخويصرة واسمه حرقوص بن زهير التميمي جاء ورسول
~~الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم هوازن يوم حنين فقال: يا رسول الله
~~اعدل فقال عليه الصلاة والسلام: " ومن يعدل إذا لم أعدل " فقال عمر بن
~~الخطاب: يا رسول الله ائذن لي أضرب عنقه فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
~~" دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم
~~يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية "

# الحديث. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: لما قسم النبي صلى الله
~~عليه وسلم غنائم حنين سمعت رجلا يقول: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه
~~الله تعالى فأتيت النبي عليه الصلاة والسلام فذكرت ذلك له فقال:

# " رحمة الله تعالى على موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر "

# ونزلت الآية. / وأخرج ابن جرير وغيره عن داود بن أبي عاصم قال: «أوتي
~~النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة فقسمها ههنا وههنا حتى ذهبت ووراءه
~~رجل من الأنصار فقال: ما هذا بالعدل فنزلت»، وعن الكلبي أنها نزلت في
~~أبي ms03806 الجواظ المنافق قال: ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقسم صدقاتكم في رعاء
~~الغنم ويزعم أنه يعدل. وتعقب هذا ولي الدين العراقي بأنه ليس في شيء من
~~«كتب الحديث»، وأنت تعلم أن أصح الروايات الأولى إلا أن كون سبب النزول
~~قسمته صلى الله عليه وسلم للصدقة على الوجه الذي فعله أوفق بالآية من كون
~~ذلك قسمته للغنية فتأمل.

### || [9.59]

# { ولو أنهم رضوا ما ولو أنهم رضوا مآ
~~آتاهم الله ورسوله } أي ما أعطاهم الرسول صلى الله عليه وسلم
~~من الصدقات طيبي النفوس به وان قل  فما  وإن كانت من صيغ العموم إلا
~~أن ما قبل وما بعد قرينة على التخصيص، وبعض أبقاها على العموم أي ما
~~أعطاهم من الصدقة أو الغنيمة قيل لأنه الأنسب، وذكر الله عز وجل للتعظيم
~~وللتنبيه على أن ما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام كان بأمره سبحانه {
~~وقالوا حسبنا الله } أي كفانا فضله وما قسمه لنا كما يقتضيه
~~المعنى { سيؤتينا الله من فضله ورسوله } بعد هذا حسبما
~~نرجو ونأمل { إنا إلى الله رغبون } في أن يخولنا فضله جل
~~شأنه، والآية بأسرها في حيز الشرط والجواب محذوف بناء على ظهوره أي لكان
~~خيرا لهم وأعود عليهم، وقيل: إن جواب الشرط { قالوا } والواو زائدة
~~وليس بذلك، ثم إنه سبحانه لما ذكر المنافقين وطعنهم وسخطهم بين أن فعله
~~عليه الصلاة والسلام لإصلاح الدين وأهله لا لأغراض نفسانية كأغراضهم فقال
~~جل وعلا: { إنما الصدقات للفقرآء والمساكين }.

### || [9.60]

# { إنما الصدقات للفقرآء والمساكين } الخ يعني أن
~~الذي ينبغي أن يقسم مال الله عليه من اتصف بإحدى هذه الصفات دون غيره إذ
~~القصد الصلاح والمنافقون ليس فيهم سوى الفساد فلا يستحقونه وفي ذلك حسم
~~لأطماعهم الفارغة ورد لمقالتهم الباطلة، والمراد من الصدقات الزكوات
~~فيخرج غيرها من التطوع، والفقير على ما روي عن الإمام أبي حنيفة رضي
~~الله تعالى عنه من له أدنى شيء وهو ما دون النصاب أو قدر نصاب غير نام
~~وهو مستغرق في الحاجة، والمسكين من لا شيء له فيحتاج للمسألة لقوته ms03807 وما
~~يواري بدنه ويحل له ذلك بخلاف الأول حيث لا تحل له المسألة فإنها لا تحل
~~لمن يملك قوت يومه بعد ستر بدنه، وعند بعضهم لا تحل لمن كان كسوبا أو
~~يملك خمسين درهما. فقد أخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن ابن مسعود
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " من سألنا وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش
~~أو كدوح قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: خمسون درهما أو قيمتها من
~~الذهب "

# وإلى هذا ذهب الثوري وابن المبارك وأحمد واسحاق، وقيل: من ملك أربعين
~~درهما حرم عليه السؤال لما أخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف "

# وكان الأوقية في ذلك الزمان أربعين درهما. ويجوز صرف الزكاة لمن لا تحل
~~له المسألة بعد كونه فقيرا، ولا يخرجه عن الفقر ملك نصب كثيرة غير نامية
~~إذا كانت مستغرقة للحاجة، ولذا قالوا: يجوز للعالم وإن كانت له كتب تساوي
~~نصبا كثيرة إذا كان محتاجا إليها للتدريس ونحوه أخذ الزكاة بخلاف
~~العامي وعلى هذا جميع آلات المحترفين.

# وعلى ما نقل عن الإمام يكون المسكين أسوأ حالا من الفقير، واستدل بقوله
~~تعالى:

# أو مسكينا ذا متربة

# [البلد: 16] أي / ألصق جلده بالتراب في حفرة استتر بها مكان الإزار
~~وألصق بطنه به لفرط الجوع فإنه يدل على غاية الضرر والشدة ولم يوصف
~~الفقير بذلك، وبأن الأصمعي وأبا عمرو بن العلاء وغيرهما من أهل اللغة
~~فسروا المسكين بمن لا شيء له، والفقير بمن له بلغة من العيش. وأجيب بأن
~~تمام الاستدلال بالآية موقوف على أن الصفة كاشفة وهو خلاف الظاهر، وأن
~~النقل عن بعض أهل اللغة معارض بالنقل عن البعض الآخر. وقال الشافعي عليه
~~الرحمة: الفقير من لا مال له ولا كسب يقع موقعا من حاجته، والمسكين من
~~له مال أو كسب لا يكفيه، فالفقير عنده أسوأ حالا من المسكين، واستدل له
~~بقوله تعالى:

# أما ms03808 السفينة فكانت لمسكين

# [الكهف: 79] فأثبت للمسكين سفينة، وبما رواه الترمذي عن أنس وابن ماجه
~~والحاكم عن أبي سعيد قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين "

# مع ما رواه أبو داود عن أبي بكرة أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعو
~~بقوله:

# " اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر "

# وخبر «الفقر فخري» كذب لا أصل له. وبأن الله تعالى قدم الفقير في الآية
~~ولو لم تكن حاجته أشد لما بدأ به، وبأن الفقير بمعنى المفقور أي مكسور
~~الفقار أي عظام الصلب فكان أسوأ. وأجيب عن الأول بأن السفينة لم تكن
~~ملكا لهم بل هم أجراء فيها أو كانت عارية معهم أو قيل لهم مساكين ترحما
~~كما في الحديث

# " مساكين أهل النار "

# وقوله:

# مساكين أهل الحب حتى قبورهم

# عليها تراب الذل بين المقابر

# وهذا أولى، وعن الثاني بأن الفقر المتعوذ منه ليس إلا فقر النفس لما روي
~~أنه صلى الله عليه وسلم كان يسأل العفاف والغنى والمراد به غنى النفس لا
~~كثرة الدنيا، وعن الثالث بأن التقديم لا دليل فيه إذ له اعتبارات كثيرة
~~في كلامهم، وعن الرابع بأنا لا نسلم أن الفقير مأخوذ من الفقار لجواز
~~كونه من فقرت له فقرة من مالي إذا قطعتها فيكون له شيء، وأيا ما كان
~~فهما صنفان، وقال الجبائي: إنهما صنف واحد والعطف للاختلاف في المفهوم،
~~وروي ذلك عن محمد وأبي يوسف، وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أوصى بثلث
~~ماله مثلا لفلان وللفقراء والمساكين فمن قال: إنهما صنف واحد جعل لفلان
~~النصف ومن قال: إنهما صنفان جعل له الثلث من ذلك.

# { والعملين عليها } وهم الذين يبعثهم الإمام لجبايتها، وفي
~~«البحر» أن العامل يشمل العاشر والساعي. والأول من نصبه الإمام على
~~الطريق ليأخذ الصدقات من التجار المارين بأموالهم عليه. والثاني هو الذي
~~يسعى في القبائل ليأخذ صدقة المواشي في أماكنها، ويعطي العامل ما يكفيه
~~وأعوانه بالوسط مدة ذهابهم وإيابهم ما دام المال باقيا إلا إذا استغرقت
~~كفايته ms03809 الزكاة فلا يزاد على النصف لأن التنصيف عين الإنصاف. وعن الشافعي
~~أنه يعطى الثمن لأن القسمة تقتضيه وفيه نظر، وقيد بالوسط لا يجوز أن يتبع
~~شهوته في المأكل والمشرب والملبس لكونه إسرافا محضا، وعلى الإمام أن
~~يبعث من يرضى بالوسط من غير إسراف ولا تقتير، وببقاء المال لأنه لو أخذ
~~الصدقة وضاعت من يده بطلت عمالته ولا يعطى من بين المال شيئا وما يأخذه
~~صدقة، ومن هنا قالوا: لا تحل العمالة لهاشمي لشرفه، وإنما حلت للغني مع
~~حرمة الصدقة عليه لأنه فرغ نفسه لهذا العمل فيحتاج إلى الكفاية، والغنى
~~لا يمنع من تناولها عند الحاجة كابن السبيل كذا في «البدائع»، والتحقيق
~~أن في ذلك شبها بالأجرة وشبها بالصدقة، فبالاعتبار الأول حلت للغني
~~ولذا لا يعطى لو أداها صاحب المال إلى الإمام، وبالاعتبار الثاني لا تحل
~~للهاشمي.

# وفي «النهاية» رجل من بني هاشم استعمل على الصدقة فأجري له منها / رزق
~~فإنه لا ينبغي له أن يأخذ من ذلك، وإن عمل فيها ورزق من غيرها فلا بأس
~~به، وهو يفيد صحة توليته وأن أخذه منها مكروه لا حرام، وصرح في «الغاية»
~~بعدم صحة كون العامل هاشميا أو عبدا أو كافرا، ومنه يعلم حرمة تولية
~~اليهود على بعض الأعمال وقد تقدمت نبذة من الكلام على ذلك.

# { والمؤلفة قلوبهم } وهم كانوا ثلاثة أصناف. صنف كان
~~يؤلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا. وصنف أسلموا لكن على ضعف
~~كعيينة بن حصن والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس السلمي فكان عليه الصلاة
~~والسلام يعطيهم لتقوى نيتهم في الإسلام. وصنف كانوا يعطون لدفع شرهم عن
~~المؤمنين، وعد منهم من يؤلف قلبه بإعطاء شيء من الصدقات على قتال الكفار
~~ومانعي الزكاة. وفي «الهداية» ((أن هذا الصنف من الأصناف الثمانية قد سقط
~~وانعقد إجماع الصحابة على ذلك في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه. روي
~~أن عيينة والأقرع جاءا يطلبان أرضا من أبي بكر فكتب بذلك خطا فمزقه
~~عمر رضي الله تعالى عنه وقال: هذا شيء يعطيكموه رسول ms03810 الله صلى الله عليه
~~وسلم تأليفا لكم فأما اليوم فقد أعز الله تعالى الإسلام وأغنى عنكم فإن
~~ثبتم على الإسلام وإلا فبيننا وبينكم السيف. فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا:
~~أنت الخليفة أم عمر؟ بذلت لنا الخط ومزقه عمر، فقال رضي الله تعالى عنه:
~~هو إن شاء ووافقه، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع
~~احتمال أن فيه مفسدة كارتداد بعض منهم وإثارة ثائرة)).

# ((واختلف كلام القوم في وجه سقوطه بعد النبي صلى الله عليه وسلم بعد
~~ثبوته بالكتاب إلى حين وفاته  بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام 
~~فمنهم من ارتكب جواز نسخ ما ثبت بالكتاب بالإجماع بناء على أن الإجماع
~~حجة قطعية كالكتاب وليس بصحيح من المذهب؛ ومنهم من قال: هو من قبيل
~~انتهاء الحكم بانتهاء علته كانتهاء جواز الصوم بانتهاء وقته وهو النهار.
~~ورد بأن الحكم في البقاء لا يحتاج إلى علة كما في الرمل والاضطباع في
~~الطواف فانتهاؤها [قد] لا يستلزم انتهاءه وفيه بحث. وقال علاء الدين عبد
~~العزيز: والأحسن أن يقال: هذا تقرير لما كان في زمن النبي صلى الله عليه
~~وسلم من حيث المعنى، وذلك أن المقصود بالدفع إليهم كان إعزاز الإسلام
~~لضعفه في ذلك الوقت لغلبة أهل الكفر وكان الإعزاز بالدفع، ولما تبدلت
~~الحال بغلبة أهل الإسلام صار الإعزاز في المنع، وكان الإعطاء في ذلك
~~الزمان والمنع في هذا الزمان بمنزلة الآلة لإعزاز الدين والإعزاز هو
~~المقصود وهو باق على حاله فلم يكن ذلك نسخا، كالمتيمم وجب عليه استعمال
~~التراب للتطهير لأنه آلة متعينة لحصول التطهير عند عدم الماء فإذا تبدلت
~~حاله فوجد الماء سقط الأول ووجب استعمال الماء لأنه صار متعينا لحصول
~~المقصود ولا يكون هذا نسخا للأول فكذا هذا وهو نظير إيجاب الدية على
~~العاقلة فإنها كانت واجبة على العشيرة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم،
~~وبعده على أهل الديوان لأن الإيجاب على العاقلة بسبب النصرة والاستنصار
~~في زمنه صلى الله عليه وسلم كان بالعشيرة وبعده عليه الصلاة ms03811 والسلام بأهل
~~الديوان، فإيجابها عليهم لم يكن نسخا بل كان تقريرا للمعنى الذي وجبت
~~الدية لأجله وهو الاستنصار))ا ه.

# واستحسنه في «النهاية».

# وتعقبه ابن الهمام ((بأن هذا لا ينفي النسخ لأن إباحة الدفع إليهم حكم
~~شرعي كان ثابتا وقد ارتفع))، وقال بعض المحققين: إن ذلك نسخ ولا يقال:
~~نسخ الكتاب بالإجماع لا يجوز على الصحيح لأن الناسخ دليل الإجماع لا هو
~~بناء على أنه لا إجماع إلا عن مستند فإن ظهر وإلا وجب الحكم بأنه ثابت،
~~على أن الآية التي أشار إليها عمر رضي الله تعالى عنه وهي قوله سبحانه:

# وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء
~~فليكفر

# [الكهف: 29] يصلح لذلك وفيه نظر، فإنه إنما يتم لو ثبت نزول هذه الآية
~~بعد هذه ولم يثبت، وقال قوم: لم يسقط سهم هذا الصنف، وهو قول الزهري
~~وأبي جعفر / محمد بن علي وأبي ثور، وروي ذلك عن الحسن، وقال أحمد:
~~يعطون أن احتاج المسلمون إلى ذلك. وقال البعض: إن المؤلفة قلوبهم مسلمون
~~وكفار والساقط سهم الكفار فقط. وصحح أنه عليه الصلاة والسلام كان يعطيهم
~~من خمس الخمس الذي كان خاص ماله صلى الله عليه وسلم.

# { وفي الرقاب } أي للصرف في فك الرقاب بأن يعان المكاتبون بشيء
~~منها على أداء نجومهم، وقيل: بأن يبتاع منها الرقاب فتعتق، وقيل: بأن
~~يفدي الأسارى، وإلى الأول ذهب النخعي والليث والزهري والشافعي، وهو
~~المروي عن سعيد بن جبير وعليه أكثر الفقهاء، وإلى الثاني ذهب مالك وأحمد
~~وإسحق، وعزاه الطيبي إلى الحسن، وفي «تفسير الطبري» أن الأول هو المنقول
~~عنه. { والغرمين } أي الذين عليهم دين، والدفع إليهم كما في
~~«الظهيرية» أولى من الدفع إلى الفقير وقيدوا الدين بكونه في غير معصية
~~كالخمر والإسراف فيما لا يعنيه، لكن قال النووي في «المنهاج» قلت: والأصح
~~أن من استدان للمعصية يعطى إذا تاب وصححه في «الروضة»، والمانع مطلقا
~~قال: إنه قد يظهر التوبة للأخذ، واشترط أن لا يكون لهم ما يوفون به دينهم
~~فاضلا عن حوائجهم ومن يعولونه، وإلا ms03812 فمجرد الوفاء لا يمنع من الاستحقاق،
~~وهو أحد قولين عند الشافعية وهو الأظهر.

# وقيل: لا يشترط لعموم الآية. وأطلق القدوري. وصاحب «الكنز» من أصحابنا
~~المديون في باب المصرف، وقيده في «الكافي» بأن لا يملك نصابا فضلا عن
~~دينه ووذكر في «البحر» أنه المراد بالغارم في الآية إذ هو في اللغة من
~~عليه دين ولا يجد قضاء كما ذكره العتبي. واعتذر عن عدم التقييد بأن
~~الفقر شرط في الأصناف كلها إلا العامل وابن السبيل إذا كان له في وطنه
~~مال فهو بمنزلة الفقير، وهل يشترط حلول الدين أولا قولان للشافعية. ويعطى
~~عندهم من استدان لإصلاح ذات البين كأن يخاف فتنة بين قبيلتين تنازعتا في
~~قتيل لم يظهر قاتله أو ظهر فأعطي الدية تسكينا للفتنة، ويعطى مع الغنى
~~مطلقا، وقيل: إن كان غنيا بنقد لا يعطى.

# { وفى سبيل الله }. أريد بذلك عند أبي يوسف منقطعو الغزاة،
~~وعند محمد منقطعو الحجيج. وقيل: المراد طلبة العلم واقتصر عليه في
~~«الفتاوى الظهيرية»، وفسره في «البدائع» ((بجميع القرب فيدخل فيه كل من
~~سعى في طاعة الله تعالى وسبل الخيرات)). قال في «البحر»: ولا يخفى أن قيد
~~الفقر لا بد منه على الوجوه كلها فحينئد لا تظهر ثمرته في الزكاة وإنما
~~تظهر في الوصايا والأوقاف انتهى. وفي «النهاية» فإن قيل: إن قوله سبحانه
~~{ وفي سبيل الله } مكرر سواء أريد منقطع الغزاة أو غيره لأنه إما
~~أن يكون له في وطنه مال أم لا فإن كان فهو ابن السبيل وإن لم يكن فهو
~~فقير، فمن أين يكون العدد سبعة على ما يقول الأصحاب أو ثمانية على ما
~~يقول غيرهم. وأجيب بأنه فقير إلا أنه ازداد فيه شيء آخر سوى الفقر وهو
~~الانقطاع في عبادة الله تعالى من جهاد أو حج فلذا غاير الفقير المطلق فإن
~~المقيد يغاير المطلق لا محالة، ويظهر أثر التغاير في حكم آخر أيضا وهو
~~زيادة التحريض والترغيب في رعاية جانبه وإذا كان كذلك لم تنقص المصارف عن
~~سبعة وفيه تأمل انتهى، ولا يخفي وجهه. ms03813 وذكر بعضهم أن التحقيق ما ذكره
~~الجصاص في «الأحكام» أن من كان غنيا في بلده بداره وخدمه وفرسه وله فضل
~~دراهم حتى لا تحل له الصدقة فإذا عزم على سفر جهاد احتاج لعدة وسلاح لم
~~يكن محتاجا له في إقامته فيجوز أن يعطى من الصدقة وإن كان غنيا في مصره
~~وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم:

# " الصدقة تحل للغازي الغني "

# فافهم / ولا تغفل. { وابن السبيل } وهو المسافر المنقطع عن ماله،
~~والاستقراض له خير من قبول الصدقة على ما في «الظهيرية».

# وفي «فتح القدير» ((أنه لا يحل له أن يأخذ أكثر من حاجته، وألحق به كل
~~من هو غائب عن ماله وان كان في بلده)). وفي «المحيط» وإن كان تاجرا له
~~دين على الناس لا يقدر على أخذه ولا يجد شيئا يحل له أخذ الزكاة لأنه
~~فقير يدا كابن السبيل. وفي «الخانية» تفصيل في هذا المقام قال: والذي له
~~دين مؤجل على إنسان إذا احتاج إلى النفقة يجوز له أن يأخذ من الزكاة قدر
~~كفايته إلى حلول الأجل، وإن كان الدين غير مؤجل فإن كان من عليه الدين
~~معسرا يجوز له أن يأخذ الزكاة في أصح الأقاويل لأنه بمنزلة ابن السبيل،
~~وإن كان المديون موسرا معترفا لا يحل له أخذ الزكاة وكذا إذا كان
~~جاحدا وله عليه بينة عادلة، وإن لم تكن عادلة لا يحل له الأخذ أيضا ما
~~لم يرفع الأمر إلى القاضي فيحلفه فإذا حلفه يحل له الأخذ بعد ذلك ا ه،
~~والمراد من الدين ما يبلغ نصابا كما لا يخفي. وفي «فتح القدير» ولو دفع
~~إلى فقيرة لها مهر دين على زوجها يبلغ نصابا وهو موسر بحيث لو طلبت
~~أعطاها لا يجوز، وإن كان بحيث لا يعطى لو طلبت جاز ا ه. وهو مقيد لعموم
~~ما في «الخانية»، والمراد من المهر ما تعورف تعجيله لأن ما تعورف تأجيله
~~فهو دين مؤجل لا يمنع أخذ الزكاة، ويكون في الأول عدم إعطائه بمنزلة
~~إعساره، ويفرق بينه وبين سائر الديون ms03814 بأن رفع الزوج للقاضي مما لا ينبغي
~~للمرأة بخلاف غيره، لكن في «البزازية» دفع الزكاة إلى أخته وهي تحت زوج
~~إن كان مهرها المعجل أقل من النصاب أو أكثر لكن الزوج معسر له أن يدفع
~~إليها الزكاة وإن كان موسرا والمعجل قدر النصاب لا يجوز عندهما وبه يفتى
~~للاحتياط، وعند الإمام يجوز مطلقا.

# هذا، والعدول عن اللام إلى { في } في الأربعة الأخيرة على ما قال
~~الزمخشري للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق الصدقة ممن سبق ذكره لما أن {
~~في } للظرفية المنبئة عن إحاطتهم بها وكونهم محلها ومركزها وعليه فاللام
~~لمجرد الاختصاص، وفي «الانتصاف» ((أن ثم سرا آخر هو أظهر وأقرب وذلك أن
~~الأصناف [الأربعة] الأوائل ملاك لما عساه أن يدفع إليهم وإنما يأخذونه
~~تملكا فكان دخول اللام لائقا بهم، وأما الأربعة الأواخر فلا يملكون لما
~~يصرف نحوهم بل ولا يصرف إليهم ولكن يصرف في مصالح تتعلق بهم، فالمال الذي
~~يصرف في الرقاب إنما يتناوله السادة المكاتبون أو البائعون فليس نصيبهم
~~مصروفا إلى أيديهم حتى يعبر عن ذلك باللام المشعرة بملكهم لما يصرف
~~نحوهم وإنما هم محال لهذا الصرف ولمصالحه المتعلقة به، وكذلك الغارمون
~~إنما يصرف نصيبهم لأرباب ديونهم تخليصا لذممهم لا لهم، وأما في سبيل
~~الله فواضح فيه ذلك، وأما ابن السبيل فكأنه كان مندرجا في سبيل الله،
~~وإنما أفرد بالذكر تنبيها على خصوصيته مع أنه مجرد من الحرفين جميعا.

# وعطفه على المجرور باللام ممكن ولكن عطفه على القريب [منه] أقرب))، وما
~~أشار إليه من أن المكاتب لا يملك وإنما يملك المكاتب هو الذي أشار إليه
~~بعض أصحابنا. ففي «المحيط» قالوا: إنه لا يجوز إعطاء الزكاة لمكاتب هاشمي
~~لأن الملك يقع للمولى من وجه والشبهة ملحقة بالحقيقة في حقهم وفي
~~«البدائع» ما هو ظاهر في أن الملك يقع للمكاتب وحينئذ فبقية الأربعة
~~بالطريق الأولى.

# والمشهور أن اللام للملك عند الشافعية وهو الذي يقتضيه مذهبهم حيث
~~قالوا: لا بد من صرف الزكاة إلى جميع الأصناف إذا وجدت ولا تصرف إلى صنف
~~مثلا ms03815 ولا إلى أقل من ثلاثة من كل صنف بل إلى ثلاثة أو أكثر إذا وجد ذلك،
~~وعندنا يجوز للمالك أن يدفع الزكاة إلى كل واحد منهم وله أن يقتصر على
~~صنف واحد / لأن المراد بالآية بيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم لا
~~تعيين الدفع لهم، ويدل له قوله تعالى:

# وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم

# [البقرة: 271] وأنه صلى الله عليه وسلم أتاه مال من الصدقة فجعله في صنف
~~واحد وهو المؤلفة قلوبهم ثم أتاه مال آخر فجعله في الغارمين فدل ذلك على
~~أنه يجوز الاقتصار على صنف واحد، ودليل جواز الاقتصار على شخص واحد منه
~~أن الجمع المعرف بأل مجاز عن الجنس، فلو حلف لا يتزوج النساء ولا يشتري
~~العبيد يحنث بالواحد؛ فالمعنى في الآية أن جنس الصدقة لجنس الفقير، فيجوز
~~الصرف إلى واحد لأن الاستغراق ليس بمستقيم، إذ يصير المعنى إن كل صدقة
~~لكل فقير وهو ظاهر الفساد، وليس هناك معهود ليرتكب العهد، ولا يرد 
~~خالعني على ما في يدي من الدراهم ولا شيء في يدها  فإنه يلزمها ثلاثة،
~~ولو حلف لا يكلمه الأيام أو الشهور فإنه يقع على العشرة عند الإمام وعلى
~~الأسبوع والسنة عند الإمامين لأنه أمكن العهد فلا يحمل على الجنس.
~~فالحاصل أن حمل الجمع على الجنس مجاز وعلى العهد أو الاستغراق حقيقة، ولا
~~مساغ للخلف إلا عند تعذر الأصل، وعلى هذا ينصف الموصى به لزيد والفقراء
~~كالوصية لزيد وفقير.

# وما ذهبنا إليه هو المروي عن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم، وبه
~~قال سعيد بن جبير وعطاء وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل ومالك عليهم الرحمة.
~~وذكر ابن المنير ((أن جده أبا العباس أحمد بن فارس كان يستنبط من تغاير
~~الحرفين المذكورين (دليلا) على أن الغرض بيان المصرف واللام لذلك [لام
~~الملك] فيقول: متعلق الجار الواقع خبرا عن الصدقات محذوفا فإما أن يكون
~~التقدير إنما الصدقات مصروفة للفقراء كما يقول مالك (ومن معه) أو مملوكة
~~للفقراء كما يقول الشافعي لكن الأول متعين لأنه تقدير ms03816 يكتفى به في
~~الحرفين جميعا ويصح تعلق اللام به وفي معا فيصح أن يقال: هذا الشيء
~~مصروف في كذا ولكذا بخلاف تقدير مملوكة فإنه إنما يلتئم مع اللام وعند
~~الانتهاء إلى (في) يحتاج إلى تقدير مصروفة ليلتئم بها فتقديره من الأول
~~عام التعلق شامل الصحة متعين)) اه.

# وبالجملة لا يخفى قوة منزع الأئمة الثلاثة في الأخذ. ولذا اختار بعض
~~الشافعية ما ذهبوا إليه، وكان والد العلامة البيضاوي عمر بن محمد  وهو
~~مفتي الشافعية في عصره  يفتى به. { فريضة من الله } مصدر مؤكد
~~لمقدر مأخوذ من معنى الكلام أي فرض لهم الصدقات فريضة، ونقل عن سيبويه
~~أنه منصوب بفعله مقدرا أي فرض الله تعالى ذلك فريضة، واختار أبو البقاء
~~كونه حالا من الضمير المستكن في قوله تعالى: { للفقراء } أي إنما
~~الصدقات كائنة لهم حال كونها فريضة أي مفروضة، قيل: ودخلته التاء لإلحاقه
~~بالأسماء كنطيحة { والله عليم } بأحوال الناس ومراتب استحقاقهم {
~~حكيم } لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة من الأمور الحسنة التي من جملتها
~~سوق الحقوق إلى مستحقيها.

### || [9.61]

# { ومنهم الذين يؤذون النبى ويقولون هو أذن
~~} أخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنها نزلت في جماعة من المنافقين منهم
~~الجلاس بن سويد بن صامت ورفاعة ابن عبد المنذر ووديعة بن ثابت وغيرهم
~~قالوا ما لا ينبغي في حقه عليه الصلاة والسلام فقال رجل منهم: لا تفعلوا
~~فإنا نخاف أن يبلغ محمدا صلى الله عليه وسلم ما تقولون فيقع بنا. فقال
~~الجلاس: بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول فإن محمدا صلى الله
~~عليه وسلم أذن، وفي رواية أذن سامعة، وعن محمد بن إسحاق أنها نزلت في رجل
~~من المنافقين يقال له نبتل بن الحرث، وكان رجلا آدم أحمر العينين أسفع
~~الخدين / مشوه الخلقة وكان ينم حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى
~~المنافقين فقيل له: لا تفعل. فقال: إنما محمد صلى الله عليه وسلم أذن من
~~حدثه شيئا صدقه نقول شيئا ثم نأتيه ونحلف له فيصدقنا، وهو الذي قال فيه ms03817
~~النبي صلى الله عليه وسلم:

# " من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحرث "

# وأرادوا سود الله تعالى وجوههم وأصمهم وأعمى أبصارهم بقولهم أذن أنه
~~عليه الصلاة والسلام يسمع ما يقال له ويصدقه فيكون وصف { أذن } بما
~~يفيد ذلك في كلامهم كشفا له، وهي في الأصل اسم للجارحة، وإطلاقها على
~~الشخص بالمعنى المذكور  كما يؤيده بعض الروايات  من باب المجاز المرسل
~~على ما في «المفتاح» كإطلاق العين على ربيئة القوم حيث كانت العين هي
~~المقصودة منه، وصرح غير واحد أن ذلك من إطلاق الجزء على الكل للمبالغة
~~كقوله:

# إذا ما بدت ليلى فكلي أعين

# وإن هي ناجتني فكلي مسامع

# وقيل: إنه مجاز عقلي كرجل عدل وفيه نظر، والمبالغة هنا على ما قيل في
~~أنه يسمع كل قول باعتبار أنه يصدقه لا في مجرد السماع، وما قيل: إن
~~مرادهم بكونه عليه الصلاة والسلام أذنا تصديقه بكل ما يسمع من غير فرق
~~بين ما يليق بالقبول لمساعدة أمارات الصدق له وبين ما لا يليق به فليس من
~~قبيل إطلاق العين على الربيئة. ولذا جعله بعضهم من قبيل التشبيه بالأذن
~~في أنه ليس فيه وراء الاستماع تمييز حق عن باطل ليس بشيء يعتد به وقيل:
~~إنه على تقدير مضاف أي ذو أذن ولا يخفى أنه مذهب لرونقه، وجوز أن يكون {
~~أذن } صفة مشبهة من أذن يأذن إذنا إذا استمع وأنشد الجوهري لقعنب:

# إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا

# مني وما سمعوا من صالح دفنوا

# صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به

# وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا

# وعلى هذا هو صفة بمعنى سميع ولا تجوز فيه وما تأذى به النبي صلى الله
~~عليه وسلم يحتمل أن يكون ما قالوه في حقه عليه الصلاة والسلام من سائر
~~الأقوال الباطلة فيكون قوله سبحانه: { ويقولون } الخ غير ما تأذى
~~به. ويحتمل أن يكون نفس قولهم { هو أذن } فيكون عطف تفسير و {
~~يؤذون } مضارع آذاه والمشهور في مصدره أذى وأذاة وأذية وجاء أيضا
~~الإيذاء كما أثبته الراغب ms03818 وقول صاحب «القاموس» ولا تقل إيذاء خطأ منه.

# { قل أذن خير لكم } من قبيل رجل صدق فهو من إضافة الموصوف
~~إلى الصفات للمبالغة في الجودة والصلاح كأنه قيل: نعم هو أذن ولكن نعم
~~الأذن، ويجوز أن تكون الإضافة على معنى في أي هو أذن في الخير والحق
~~وفيما يجب سماعه وقبوله وليس بأذن في غير ذلك، ويدل عليه قراءة حمزة {
~~ورحمة } فيما يأتي بالجر عطفا على { خير } فإنه لا يحسن وصف
~~الأذن بالرحمة ويحسن أن يقال أذن في الخير والرحمة، وهذا كما قال ابن
~~المنير أبلغ أسلوب في الرد عليهم لأن فيه إطماعا لهم بالموافقة على
~~مدعاهم ثم كر عليهم بحسم طمعهم وبت أمنيتهم وهو كالقول الموجب. وقرأ نافع
~~{ أذن } بالتخفيف في الموضعين وقرأ { أذن } بالتنوين  فخير  صفة له
~~بمعنى خير المشدد أو أفعل تفضيل أو مصدر وصف به للمبالغة أو بالتأويل
~~المشهور.

# وقوله سبحانه: { يؤمن بالله } تفسير لكونه عليه الصلاة والسلام
~~أذن خير لهم، أي يصدق بالله تعالى لما قام عنده من الأدلة والآيات
~~الموجبة لذلك، وكون ذلك صفة خير للمخاطبين كما أنه خير للعالمين مما لا
~~يخفى { ويؤمن للمؤمنين } أي يصدقهم لما علم فيهم من / الخلوص،
~~والظاهر أن هذا مندرج في حيز التفسير لكن الغالب من المفسرين لم يبينوا
~~وجهه كونه صفة خير للمخاطبين، نعم قال مولانا الشهاب: إن المعنى هو أذن
~~خير يسمع آيات الله تعالى ودلائله فيصدقها ويسمع قول المؤمنين فيسلمه لهم
~~ويصدقهم به، وهو تعريض بأن المنافقين أذن شر يسمعون آيات الله تعالى ولا
~~ينتفعون بها ويسمعون قول المؤمنين ولا يقبلونه، وأنه صلى الله عليه وسلم
~~لا يسمع قولهم إلا شفقة عليهم لا أنه يقبله لعدم تمييزه عليه الصلاة
~~والسلام كما زعموا، وبهذا يصح وجه التفسير فتدبر انتهى، ولا يخفى أن في
~~إرادة هذا المعنى من هذا المقدار من الآية بعدا، وربما يقال: إن المراد
~~أنه عليه الصلاة والسلام يسمع قول المؤمنين الخلص ويصدقهم ولا يصدق
~~المنافقين وإن سمع قولهم، وكون ذلك صفة خير للمخاطبين ms03819 إما باعتبار أنه قد
~~ينجر إلى إخلاصهم لما أن فيه انحطاط مرتبتهم عن مرتبة المخلصين وإما
~~باعتبار أن تصديقه صلى الله عليه وسلم للمؤمنين الخلص فيما يقولونه من
~~الحق من متممات تصديقه آيات الله تعالى ولا شك في خيرية ذلك للمخاطبين بل
~~ولغيرهم أيضا فليفهم.

# والإيمان في قوله تعالى: { يؤمن بالله } بمعنى الاعتراف
~~والتصديق كما أشرنا إليه ولذا عدي بالباء، وأما في قوله سبحانه: {
~~ويؤمن للمؤمنين } فهو بمعنى جعلهم في أمان من التكذيب فاللام
~~فيه مزيدة للتقوية لأنه بذلك المعنى متعد بنفسه كذا قيل، وفيه أن الزيادة
~~لتقوية الفعل المتقدم على معموله قليلة. وقال الزمخشري: ((إنه قصد - من
~~الإيمان في الأول - التصديق بالله تعالى الذي هو نقيض الكفر [به] فعدي
~~بالباء (الذي يتعدى بها الكفر حملا للنقيض على النقيض)، وقصد من الإيمان
~~في الثاني السماع من المؤمنين وأن يسلم لهم ما يقولونه ويصدقهم لكونهم
~~صادقين عنده فعدى باللام ألا ترى إلى قوله سبحانه:

# وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صدقين

# [يوسف: 17] حيث عدى الإيمان فيه باللام لأنه بمعنى التسليم لهم، وظاهر
~~هذا أن اللام ليست مزيدة للتقوية كما في الأول، وكلام بعضهم يشعر ظاهره
~~بزيادتها.

# وقوله سبحانه: { ورحمة } عطف على { أذن خير } أي وهو رحمة،
~~وفيه الأخبار بالمصدر والكلام في ذلك معلوم { للذين آمنوا
~~منكم } أي للذين أظهروا الإيمان حيث يقبله منهم لكن لا تصديقا لهم في
~~ذلك بل رفقا بهم وترحما عليهم ولا يكشف أسرارهم ولا يهتك أستارهم.
~~وظاهر كلام الخازن أن المراد { من الذين آمنوا } المخلصون وذكر
~~{ منكم } باعتبار أن المنافقين كانوا يزعمون أنهم مؤمنون والحق حمل
~~ذلك على المنافقين وإسناد الإيمان إليهم بصيغة الفعل بعد نسبته إلى
~~المؤمنين المخلصين بصيغة الفاعل المنبئة عن الرسوخ والاستمرار للإيذان
~~بأن إيمانهم أمر حادث ماله من قرار ولعل العدول عن  رحمة  لكم إلى ما
~~ذكر للإشارة إلى ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة { رحمة } بالنصب على أنه
~~مفعول له لفعل مقدر دل عليه { أذن خير } أي يأذن لكم ويسمع رحمة
~~وجوز عطفه ms03820 على آخر مقدر أي تصديقا لهم ورحمة لكم.

# { والذين يؤذون رسول الله } أي بأي نوع من الإيذاء كان
~~وفي صيغة الاستقبال المشعرة بترتب الوعيد على الاستمرار على ما هم عليه
~~إشعار بقبول توبتهم { لهم عذاب أليم } أي بسبب ذلك كما ينبىء
~~عنه بناء الحكم على الموصول وجملة الموصول وخبره مسوق من قبله عز وجل على
~~نهج الوعيد غير داخل تحت الخطاب وفي تكرير الإسناد بإثبات العذاب الأليم
~~لهم ثم جعل الجملة خبرا ما لا يخفى من المبالغة وإيراده عليه الصلاة
~~والسلام بعنوان الرسالة مع الإضافة إلى الاسم الجليل لغاية التعظيم
~~والتنبيه على أن أذيته عليه الصلاة والسلام راجعة إلى جنابه عز وجل موجبة
~~لكمال السخط والغضب منه / سبحانه. وذكر بعضهم أن الإيذاء لا يختص بحال
~~حياته صلى الله عليه وسلم بل يكون بعد وفاته صلى الله عليه وسلم أيضا
~~وعدوا من ذلك التكلم في أبويه صلى الله عليه وسلم بما لا يليق وكذا إيذاء
~~أهل بيته رضي الله تعالى عنهم كإيذاء يزيد عليه ما يستحق لهم وليس
~~بالبعيد.

### || [9.62]

# { يحلفون بالله لكم ليرضوكم } الخطاب للمؤمنين وكان
~~المنافقون يتكلمون بما لا يليق ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم ويؤكدون
~~معاذيرهم بالأيمان ليعذروهم ويرضوا عنهم. أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم
~~عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا من المنافقين قال: والله إن هؤلاء
~~لخيارنا وأشرافنا ولئن كان ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم حقا لهم شر
~~من الحمر، فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله إن ما يقول محمد صلى الله
~~عليه وسلم لحق ولأنت شر من الحمار، فسعى بها الرجل إلى نبي الله صلى
~~الله عليه وسلم فأخبره فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال: ما حملك على الذي
~~قلت؟ فجعل يلتعن ويحلف بالله تعالى ما قال ذلك وجعل الرجل المسلم يقول:
~~اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب فأنزل سبحانه في ذلك: { يحلفون } الخ
~~أي يحلفون لكم أنهم ما قالوا ما نقل عنهم مما يورث أذاة النبي صلى الله
~~عليه وسلم ليرضوكم بذلك. وعن مقاتل ms03821 والكلبي أنها نزلت في رهط من
~~المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~منها أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم من تخلفهم ويعتلون ويحلفون. وأنكر
~~بعضهم هذا مقتصرا على الأول ولعله رأى ذلك أوفق بالمقام، وإنما أفرد
~~إرضاءهم بالتعليل مع أن عمدة أغراضهم إرضاء الرسول صلى الله عليه وسلم
~~للإيذان بأن ذلك بمعزل عن أن يكون وسيلة لإرضائه عليه الصلاة والسلام
~~وأنه صلى الله عليه وسلم إنما لم يكذبهم رفقا بهم وسترا لعيوبهم لا عن
~~رضى بما فعلوا وقبول قلبي لما قالوا { والله ورسوله أحق
~~أن يرضوه } أي أحق بالإرضاء من غيره ولا يكون ذلك إلا بالطاعة
~~والموافقة لأمره وإيفاء حقوقه عليه الصلاة والسلام في باب الإجلال
~~والإعظام حضورا وغيبة، وأما الإيمان فإنما يرضى بها من انحصر طريق علمه
~~في الإخبار إلى أن يجيء الحق ويزهق الباطل، والجملة في موضع الحال من
~~ضمير { يحلفون } والمراد ذمهم بالاشتغال فيما لا يعنيهم والاعراض
~~عما يهمهم ويجديهم.

# وتوحيد الضمير في { يرضوه } مع أن الظاهر بعد العطف بالواو التثنية
~~لأن إرضاء الرسول عليه الصلاة والسلام لا ينفك عن إرضاء الله تعالى و

# من يطع الرسول فقد أطاع الله

# [النساء: 80] فلتلازمهما جعلا كشيء واحد فعاد إليهما الضمير المفرد، أو
~~لأن الضمير مستعار لاسم الإشارة الذي يشار به إلى الواحد والمتعدد بتأويل
~~المذكور، وإنما لم يثن تأدبا لئلا يجمع بين الله تعالى وغيره في ضمير
~~تثنية: وقد نهي عنه على كلام فيه، أو لأنه عائد إلى رسوله والكلام جملتان
~~حذف خبر الأولى لدلالة خبر الثانية عليه كما في قوله:

# نحن بما عندنا وأنت بما

# عندك راض والرأي مختلف

# أو إلى الله تعالى على أن المذكور خبر الجملة الأولى وخبر الجملة
~~الثانية محذوف، واختار الأول في مثل ذلك التركيب سيبويه لقرب ما جعل
~~المذكور خبرا له مع السلامة من الفصل بين المبتدأ والخبر، واختار الثاني
~~المبرد للسبق، وقيل: إن الضمير للرسول عليه الصلاة والسلام والخبر له لا
~~غير ولا حذف في الكلام لأن ms03822 الكلام في إيذاء الرسول عليه الصلاة والسلام
~~وإرضائه فيكون ذكر الله تعالى تعظيما له عليه الصلاة والسلام وتمهيدا
~~فلذا لم يخبر عنه وخص الخبر بالرسول صلى الله عليه وسلم، ونظيره قوله
~~تعالى:

# وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم

# [النور: 48] ولا يخفى / أن اعتبار الإخبار عن المعطوف وعدم اعتبار خبر
~~للمبتدأ المعطوف عليه أصلا مع أنه المستقل في الابتداء في غاية الغرابة،
~~والفرق بين الآيتين مثل الشمس ظاهر.

# { إن كانوا مؤمنين } جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله أي إن
~~كانوا مؤمنين إيمانا صادقا في الظاهر والباطن فليرضوا الله تعالى
~~ورسوله عليه الصلاة والسلام بما ذكر فإنهما أحق بالإرضاء.

### || [9.63]

# { ألم يعلموا } أي أولئك المنافقون، والاستفهام للتوبيخ على ما
~~أقدموا عليه من العظيمة مع علمهم بما سمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم
~~بوخامة عاقبتها. وقرىء { تعلموا } بالتاء على الالتفات لزيادة التقريع
~~والتوبيخ إذا كان الخطاب للمنافقين لا للمؤمنين كما قيل به وفي قراءة

# ألم تعلم

# [العلق: 14] والخطاب إما للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل واقف عليه،
~~والعلم يحتمل أن يكون المتعدي لمفعولين وأن يكون المتعدي لواحد { أنه
~~} أي الشأن { من يحادد الله ورسوله } أي يخالف أمر الله
~~وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، وأصل المحادة مفاعلة من الحد بمعنى
~~الجهة والجانب كالمشاقة من الشق والمعاداة من العدوة بمعناه أيضا فإن كل
~~واحد من مباشري كل من الأفعال المذكورة في حد وشق وعدوة غير ما عليه
~~صاحبه، ويحتمل أن تكون من الحد بمعنى المنع، و { من } شرطية جوابها
~~قوله سبحانه: { فأن له نار جهنم } على أن خبره محذوف أي فحق
~~أن له نار جهنم، وقدر ذلك لأن جواب الشرط لا يكون إلا جملة وأن المفتوحة
~~مع ما في حيزها مفرد تأويلا، وقدر مقدما لأنها لا تقع في ابتداء الكلام
~~كالمكسورة، وجوز أن يكون المقدر خبرا أي الأمر أن له الخ، وقيل المراد
~~فله نار جهنم وأن تكرير (أن) في قوله سبحانه: { أنه } توكيدا قيل:
~~وفيه بحث لأنه لو كان المراد ms03823 فله وأن توكيدا لكان نار جهنم مرفوعا ولم
~~يعمل (أن) فيه، ولما فصل بين المؤكد والمؤكد بجملة الشرط، ولما وقع
~~أجنبي بين فاء الجزاء وما في حيزه. وأجيب بأنه ليس من باب التوكيد
~~اللفظي بل التكرير لبعد العهد وهو من باب التطرية ومثل ذلك لا يمنع العمل
~~ودخول الفاء. ونظيره قوله تعالى:

# إن ربك للذين عملوا السوء بجهلة ثم
~~تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها
~~لغفور رحيم

# [النحل: 119] وقوله:

# لقد علم الحي اليمانون أنني

# إذا قلت أما بعد أني خطيبها

# وكم وكم. وجعل الآية من هذا الباب نقله سيبويه في «الكتاب» عن الخليل
~~وهو  هو  وليس زعم في كلامه تمريضا له لأنه عادته في كل ما نقله
~~كما بينه شراحه وجوز أن يكون معطوفا على { أنه } وجواب الشرط محذوف
~~أي ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله يهلك فأن له الخ. وحاصله ألم
~~يعلموا هذا وهذا عقيبه ولا يخفى بعده مع أن أبا حيان قال: ((إنه لا يصح
~~لأنهم نصوا على أن حذف الجواب إنما يكون إذا كان فعل الشرط ماضيا [في
~~اللفظ] أو مضارعا مجزوما بلم وما هنا ليس كذلك)). وتعقبه بعضهم بأن ما
~~ذكره ليس متفقا عليه فقد نص ابن هشام على خلافه فكأنه شرط للأكثرية،
~~والقول بأن حق العطف فيما ذكر أن يكون بالواو قال فيه الشهاب ليس بشيء
~~إلا أن استحقاقه النار بسبب المحادة بلا شبهة، وقرىء { فإن } بالكسر
~~ولا يحتاج إلى توجيه لظهوره.

# وقوله سبحانه: { خالدا فيها } حال مقدرة من الضمير المجرور إن
~~اعتبر في الظرف ابتداء الاستقرار وحدوثه وانه اعتبر مطلق / الاستقرار
~~فالأمر واضح { ذلك } أي ما ذكر من العذاب { الخزى العظيم } أي
~~الذل والهوان المقارن للفضيحة، ولا يخفى ما في الحمل من المبالغة،
~~والجملة تذييل لما سبق.

### || [9.64]

# { يحذر المنفقون أن تنزل } أي من أن تنزل، ويجوز أن
~~يكون { يحذر } متعديا بنفسه كما يدل عليه ما أنشد سيبويه من قوله:

# حذر أمورا لا تضير وآمن

# ما ليس ينجيه من الأقدار ms03824

# وأنكر المبرد كونه متعديا لأن الحذر من هيئات النفس كالفزع، والبيت
~~قيل: إنه مصنوع، ورد ما قاله المبرد بأن من الهيآت ما يتعدى كخاف وخشي
~~فما ذكره غير لازم { عليهم } أي في شأنهم فإن ما نزل في حقهم نازل
~~عليهم، وهذا إنما يحتاج إليه إذا كان الجار والمجرور متعلقا بتنزل، وأما
~~إذا كان متعلقا بمقدر وقع صفة لقوله سبحانه: { سورة } كما قيل أي
~~تنزل سورة كائنة عليهم من قولهم: هذا لك وهذا عليك فلا كما لا يخفى إلا
~~أنه خلاف الظاهر جدا. والظاهر تعلق الجار بما عنده، وصفة سورة بقوله
~~تعالى شأنه: { تنبئهم } أي المنافقين { بما في قلوبهم } من
~~الأسرار الخفية فضلا عما كانوا يظهرونه فيما بينهم خاصة من أقاويل الكفر
~~والنفاق، والمراد أنها تذيع ما كانوا يخفونه من أسرارهم فينتشر فيما بين
~~الناس فيسمعونها من أفواه الرجال مذاعة فكأنها تخبرهم بها وإلا فما في
~~قلوبهم معلوم لهم والمحذور عندهم إطلاع المؤمنين عليه لهم، وقيل: المراد
~~تخبرهم بما في قلوبهم على وجه يكون المقصود منه لازم فائدة الخبر وهو علم
~~الرسول عليه الصلاة والسلام به، وقيل: المراد بالتنبئة المبالغة في كون
~~السورة مشتملة على أسرارهم كأنها تعلم من أحوالهم الباطنة ما لا يعلمونه
~~فتنبئهم بها وتنعى عليهم قبائحهم، وجوز أن يكون الضميران الأولان
~~للمؤمنين والثالث للمنافقين، وتفكيك الضمائر ليس بممنوع مطلقا بل هو
~~جائز عند قوة القرينة وظهور الدلالة عليه كما هنا، أي يحذر المنافقون أن
~~تنزل على المؤمنين سورة تخبرهم بما في قلوب المنافقين وتهتك عليهم
~~أستارهم وتفشي أسرارهم، وفي الأخبار عنهم بأنهم يحذرون ذلك إشعار بأنهم
~~لم يكونوا على بت في أمر الرسول عليه الصلاة والسلام. وقال أبو مسلم: كان
~~إظهار الحذر بطريق الاستهزاء فإنهم كانوا إذا سمعوا رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم يذكر كل شيء ويقول: إنه بطريق الوحي يكذبونه ويستهزئون به
~~لقوله سبحانه: { قل استهزءوا } فإنه يدل على أنه وقع منهم
~~استهزاء بهذه المقالة. والأمر للتهديد والقائلون بما تقدم قالوا: المراد
~~نافقوا لأن المنافق مستهزىء ms03825 وكما جعل قولهم: آمنا وما هم بمؤمنين مخادعة
~~في البقرة جعل هنا استهزاء، وقيل: إن { يحذر } خبر في معنى الأمر أي
~~ليحذر. وتعقب بأن قوله سبحانه: { إن الله مخرج ما
~~تحذرون } ينبو عنه نوع نبوة إلا أن يراد ما يحذرون بموجب هذا الأمر
~~وهو خلاف الظاهر، وكان الظاهر أن يقول: إن الله منزل سورة كذلك أو منزل
~~ما تحذرون لكن عدل عنه إلى ما في النظم الكريم للمبالغة إذ معناه مبرز ما
~~تحذرونه من إنزال السورة، أو لأنه أعم إذ المراد مظهر كل ما تحذرون ظهوره
~~من القبائح، وإسناد الإخراج إلى الله تعالى للإشارة إلى أنه سبحانه يخرجه
~~إخراجا لا مزيد عليه، والتأكيد لدفع التردد أو رد الإنكار.

### || [9.65]

# { ولئن سألتهم } عما قالوه { ليقولن إنما كنا
~~نخوض ونلعب } أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال:

# " بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته إلى تبوك إذ نظر إلى
~~أناس بين يديه من المنافقين يقولون: أيرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور
~~الشام وحصونها هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه عليه الصلاة والسلام على ذلك
~~فقال: احبسوا على هؤلاء الركب فأتاهم فقال صلى الله عليه وسلم / قلتم:
~~كذا وكذا قالوا: يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب. فنزلت "

# وأخرج ابن جرير وابن مردويه وغيرهما عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى
~~عنهما قال: قال رجل في غزوة تبوك ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء لا أرغب
~~بطونا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل: كذبت ولكنك منافق
~~لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم ونزل القرآن، قال عبد الله: فأنا رأيت الرجل متعلقا بحقب ناقة رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكيه وهو يقول: يا رسول الله إنا كنا
~~نخوض ونلعب ورسول الله عليه الصلاة والسلام يقول ما أمره الله تعالى به
~~في قوله سبحانه: { قل أبالله وآياته ورسوله كنتم
~~تستهزءون } وجاء في بعض الروايات أن هذا المتعلق ms03826 عبد الله بن أبي
~~رأس المنافقين وهل أنكروا ما قالوه واعتذروا بهذا العذر الباطل أو لم
~~ينكروه وقالوا ما قالوا؟ فيه خلاف والإمام على الثاني وهو أوفق بظاهر
~~النظم الجليل.

# وأصل الخوض الدخول في مائع مثل الماء والطين ثم كثر حتى صار اسما لكل
~~دخول فيه تلويث وإذاء وأرادوا إنما نلعب ونتلهى لتقصر مسافة السفر
~~بالحديث والمداعبة كما يفعل الركب ذلك لقطع الطريق ولم يكن ذلك منا على
~~طريق الجد، والاستفهام للتوبيخ، وأولى المتعلق إيذانا بأن الاستهزاء
~~واقع لا محالة لكن الخطاب في المستهزأ به، أي قل لهم غير ملتفت إلى
~~اعتذارهم ناعيا عليهم جناياتهم قد استهزأتم بمن لا يصح الاستهزاء به
~~وأخطأتم مواقع فعلكم الشنيع الذي طالما ارتكبتموه، ومن تأمل علم أن قولهم
~~السابق في سبب النزول متضمن للاستهزاء المذكور.

### || [9.66]

# { لا تعتذروا } أي لا تشتغلوا بالاعتذار وتستمروا عليه فليس
~~النهي عن أصله لأنه قد وقع، وإنما نهوا عن ذلك لأن ما يزعمونه معلوم
~~الكذب بين البطلان، والاعتذار قيل: إنه عبارة عن محو أثر الذنب من قولهم:
~~اعتذرت المنازل إذا درست لأن المعتذر يحاول إزالة أثر ذنبه واندراسه.
~~وقيل هو القطع ومنه يقال للقلفة عذرة لأنها تعذر أي تقطع وللبكارة عذرة
~~لأنها تقطع بالافتراع، ويقال: اعتذرت المياه إذا انقطعت فالعذر لما كان
~~سببا لقطع اللوم سمي عذرا، والقولان منقولان عن أهل اللغة وهما على ما
~~قال الواحدي متقاربان { قد كفرتم } أي أظهرتم الكفر بإيذاء الرسول
~~عليه الصلاة والسلام والطعن فيه { بعد إيمنكم } أي إظهاركم
~~الإيمان وهذا وما قبله لأنه القوم منافقون فأصل الكفر في باطنهم ولا
~~إيمان في نفس الأمر لهم. واستدل بعضهم بالآية على أن الجد واللعب في
~~إظهار كلمة الكفر سواء ولا خلاف بين الأئمة في ذلك.

# { إن نعف عن طائفة منكم } لتوبتهم وإخلاصهم على أن
~~الخطاب لجميع المنافقين أو لتجنبهم عن الإيذاء والاستهزاء على أن الخطاب
~~للمؤذين والمستهزئين منهم، والعفو في ذلك عن عقوبة الدنيا العاجلة {
~~نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين } أي مصرين على
~~النفاق وهم ms03827 غير التائبين أو مباشرين له وهم غير المجتنبين. أخرج ابن إسحق
~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن كعب بن مالك قال من خبر فيه طول: كان الذي
~~عفى عنه مخشي بن حمير الأشجعي فتسمى عبد الرحمن وسأل الله تعالى
~~أن يقتل شهيدا لا يعلم مقتله فقتل يوم اليمامة فلم يعلم مقتله ولا قاتله
~~ولم ير له عين ولا أثر. وفي بعض الروايات أنه لما نزلت هذه الآية تاب عن
~~نفاقه وقال: اللهم إني لا أزال أسمع آية تقشعر منها / الجلود وتجب منها
~~القلوب اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت
~~أنا دفنت فأصيب يوم اليمامة واستجيب دعاؤه رضي الله تعالى عنه. ومن هنا
~~قال مجاهد: إن الطائفة تطلق على الواحد إلا الألف، وقال ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما: الطائفة الواحد والنفر، وقرىء { يعف } و { يعذب }
~~بالياء وبناء الفاعل فيهما وهو الله تعالى. وقرىء و { إن تعف } و { تعذب
~~} بالتاء والبناء للمفعول.

# واستشكلت هذه القراءة بأن الفعل الأول مسند فيها إلى الجار والمجرور
~~ومثله يلزم تذكيره ولا يجوز تأنيثه إذا كان المجرور مؤنثا فيقال سير على
~~الدابة ولا يقال سيرت عليها. وأجيب بأن ذلك من الميل مع المعنى والرعاية
~~له فلذا أنث لتأنيث المجرور إذ معنى { تعف عن طائفة } ترحم طائفة وهو من
~~غرائب العربية، وقيل: لو قيل بالمشاكلة لم يبعد، وقيل: إن نائب الفاعل
~~ضمير الذنوب والتقدير ان تعف هي أي الذنوب، ومن الناس من استشكل الشرطية
~~من حيث هي بأنه كيف يصح أن يكون { نعذب طائفة } جوابا للشرط
~~السابق ومن شرط الشرط والجزاء الاتصال بطريق السببية أو اللزوم في الجملة
~~وكلاهما مفقود في الجملة، وقد ذكر ذلك العز بن عبد السلام في «أماليه»
~~ونقله عنه العلامة ابن حجر في «ذيل الفتاوى» وذكر أنه لم ير أحدا نبه
~~على الجواب عنه لكنه يعلم من سبب النزول، وتكلم بعد أن ساق الخبر بما لا
~~يخلو عن غموض، ولقد ذكرت السؤال وأنا في عنفوان الشباب ms03828 مع جوابه للعلامة
~~المذكور لدى شيخ من أهل العلم قد حلب الدهر أشطره وطلبت منه حل ذلك فأعرض
~~عن تقرير الجواب الذي في «الذيل» وأظن أن ذلك لجهله به وشمر الذيل وكشف
~~عن ساق للجواب من تلقاء نفسه فقال: إن الشرطية اتفاقية نحو قولك: إن كان
~~الإنسان ناطقا فالحمار ناهق وشرع في تقرير ذلك بما تضحك منه الثكلى ولا
~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

# وأجاب مولانا سري الدين: بأن الجزاء محذوف مسبب عن المذكور أي فلا ينبغي
~~أن يفتروا أو فلا يفتروا فلا بد من تعذيب طائفة، ثم قال: فإن قيل هذا
~~التقدير لا يفيد سببية مضمون الشرط لمضمون الجزاء. قلت: يحمل على سببيته
~~للأخبار بمضمون الجزاء أو سببيته للأمر بعدم الاغترار قياسا على
~~الإخبار، وقد حقق الكلام في ذلك العلامة التفتازاني عند قوله تعالى: {
~~قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على
~~قلبك } من سورة البقرة: [97] في «حاشية الكشاف».

### || [9.67]

# { المنفقون والمنفقات بعضهم من بعض } أي
~~متشابهون في النفاق كتشابه أبعاض الشيء الواحد، والمراد الاتحاد في
~~الحقيقة والصورة كالماء والتراب، والآية متصلة بجميع ما ذكر من قبائحهم،
~~وقيل: هي متصلة بقوله تعالى:

# يحلفون بالله إنهم لمنكم

# [التوبة: 56] والمراد منها تكذيب قولهم المذكور وإبطال له وتقرير لقوله
~~سبحانه:

# وما هم منكم

# [التوبة: 56] وما بعد من تغاير صفاتهم وصفات المؤمنين كالدليل على ذلك،
~~و { من } على التقريرين اتصالية كما في قوله عليه الصلاة والسلام:

# " أنت مني بمنزلة هرون من موسى "

# والتعرض لأحوال الإناث للإيذان بكمال عراقتهم في الكفر والنفاق {
~~يأمرون بالمنكر } أي بالتكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم {
~~وينهون عن المعروف } أي شهادة أن لا إله إلا الله والإقرار
~~بما أنزل الله تعالى كما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما. وأخرج عن أبي العالية أنه قال: كل منكر ذكر في القرآن المراد منه
~~عبادة الأوثان والشيطان، ولا يبعد أن يراد بالمنكر والمعروف ما يعم ما
~~ذكر وغيره ويدخل فيه المذكور دخولا أوليا، والجملة استئناف ms03829 مقرر /
~~لمضمون ما سبق مفصح عن مضادة حالهم لحال المؤمنين أو خير ثان {
~~ويقبضون أيديهم } عن الإنفاق في طاعة الله ومرضاته كما روي
~~عن قتادة والحسن، وقبض اليد كناية عن الشح والبخل كما أن بسطها كناية عن
~~الجود لأن من يعطي يمد يده بخلاف من يمنع، وعن الجبائي أن المراد يمسكون
~~أيديهم عن الجهاد في سبيل الله تعالى وهو خلاف الشائع في هذه الكلمة.

# { نسوا الله } النسيان مجاز عن الترك وهو كناية عن ترك الطاعة
~~فالمراد لم يطيعوه سبحانه { فنسيهم } منه لطفه وفضله عنهم،
~~والتعبير بالنسيان للمشاكلة { إن المنفقين هم
~~الفسقون } أي الكاملون في التمرد والفسق الذي هو الخروج عن الطاعة
~~والانسلاخ عن كل [خير] حتى كأنهم الجنس كله، ومن هنا صح الحصر المستفاد
~~من الفصل وتعريف الخبر وإلا فكم فاسق سواهم. والإظهار في مقام الإضمار
~~لزيادة التقرير، ولعله لم يذكر المنافقات اكتفاء بقرب العهد، ومثله في
~~نكتة الاظهار قوله سبحانه: { وعد الله المنفقين
~~والمنفقات... }.

### || [9.68]

# { وعد الله المنفقين والمنفقات والكفار } أي
~~المجاهرين فهو من عطف المغار، وقد يكون من عطف العام على الخاص { نار
~~جهنم خلدين فيها } حال مقدرة من مفعول { وعد } أي مقدرين
~~الخلود، قيل: والمراد دخولهم وتعذيبهم بنار جهنم في تلك الحال لما يلوح
~~لهم يقدرون الخلود في أنفسهم فلا حاجة لما قاله بعضهم من أن التقدير
~~مقدري الخلود بصيغة المفعول. والإضافة إلى الخلود لأنهم لم يقدروه وإنما
~~قدره الله تعالى لهم، وقيل: إذا كان المراد يعذبهم الله سبحانه بنار جهنم
~~خالدين لا يحتاج إلى التقدير، والتعبير بالوعد للتهكم نحو قول سبحانه:

# فبشرهم بعذاب أليم

# [آل عمران: 21].

# { هى حسبهم } عقابا وجزاء أي فيها ما يكفي من ذلك، وفيه ما يدل
~~على عظم عقابها وعذابها فإنه إذا قيل للمعذب كفى هذا دل على أنه بلغ غاية
~~النكاية { ولعنهم الله } أي أبعدهم من رحمته وخيره وأهانهم؛ وفي
~~إظهار الاسم الجليل من الإيذان بشدة السخط ما لا يخفى { ولهم عذاب
~~مقيم } أي نوع من العذاب غير عذاب النار دائم لا ms03830 ينقطع أبدا فلا
~~تكرار مع ما تقدم، ولا ينافي ذلك { هى حسبهم } لأنه بالنظر إلى
~~تعذيبهم بالنار، وقيل: في دفع التكرار إن ما تقدم وعيد وهذا بيان لوقوع
~~ما وعدوا به على أنه لا مانع من التأكيد، وقيل: إن الأول عذاب الآخرة
~~وهذا عذاب ما يقاسونه في الدنيا من التعب والخوف في الفضيحة والقتل
~~ونحوه، وفسرت الإقامة بعدم الانقطاع لأنها من صفات العقلاء فلا يوصف بها
~~العذاب فهي مجاز عما ذكر. وجوز أن يكون وصف العذاب بها كما في قوله
~~تعالى:

# عيشة راضية

# [القارعة: 7] فالمجاز حينئذ عقلي.

### || [9.69]

# { كالذين من قبلكم } التفات من الغيبة إلى الخطاب للتشديد،
~~والكاف في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي أنتم مثل الذين من قبلكم من الأمم
~~المهلكة أو في حيز النصب بفعل مقدر أي فعلتم مثل الذين من قبلكم، ونحوه
~~قول النمر يصف ثور وحش وكلابا:

# حتى إذا الكلاب قال لها

# كاليوم مطلوبا ولا طالبا

# فإن أصله لم أر مطلوبا كمطلوب رأيته اليوم ولا طلبة كطلبة رأيتها اليوم
~~فاختصر الكلام فقيل لم أر مطلوبا كمطلوب اليوم لملابسته له ثم حذف
~~المضاف اتساعا وعدم إلباس، وقيل: كاليوم وقدم على الموصوف فصار / حالا
~~للاعتناء والمبالغة وحذف الفعل للقرينة الحالية ووجه الشبه المعمولية
~~لفعل محذوف.

# وقوله سبحانه: { كانوا أشد منكم قوة وأكثر أمولا
~~وأولدا } الخ تفسير للتشبيه وبيان لوجه الشبه بين المخاطبين ومن
~~قبلهم فلا محل لها من الإعراب، وفيه إيذان بأن المخاطبين أولى وأحق بأن
~~يصيبهم ما أصابهم { فاستمتعوا بخلقهم } أي تمتعوا بنصيبهم
~~من ملاذ الدنيا، وفي صيغة الاستفعال ما ليس في التفعل من الاستزادة
~~والاستدامة في التمتع، واشتقاق الخلاق من الخلق بمعنى التقدير وهو أصل
~~معناه لغة { فاستمتعتم بخلقكم كما استمتع
~~الذين من قبلكم بخلقهم } ذم الأولين باستمتاعهم
~~بحظوظهم الخسيسة من الشهوات الفانية والتهائهم فيها عن النظر في العاقبة
~~والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيقية تمهيدا لذم المخاطبين بمشابهتهم
~~واقتفاء أثرهم، ولذلك اختير الإطناب بزيادة { فاستمتعوا
~~بخلقهم } وهذا كما تريد أن تنبه بعض الظلمة على سماجة ms03831 فعله فتقول
~~أنت مثل فرعون كان يقتل بغير جرم ويعذب ويعسف وأنت تفعل مثله، ومحل الكاف
~~النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي استمتعتم استمتاعا كاستمتاع الذين {
~~وخضتم } أي دخلتم في الباطل { كالذي خاضوا } أي كالذين فحذفت
~~نونه تخفيفا كما في قوله:

# إن الذين حانت بفلج دماؤهم

# هم القوم كل القوم يا أم خالد

# ويجوز أن أكون الذي صفة لمفرد اللفظ مجموع المعنى كالفوج والفريق فلوحظ
~~في الصفة اللفظ وفي الضمير المغنى أو هو صفة مصدر محذوف أي كالخوض الذي
~~خاضوه ورجح بعدم التكلف فيه، وقال الفراء: إن الذي تكون مصدرية وخرج هذا
~~عليه أي كخوضهم وهو كما قال أبو البقاء نادر، وهذه الجملة عطف على ما
~~قبلها وحينئذ إما أن يقدر فيها ما يجعلها على طرزه لعطفها عليه أو لا
~~يقدر إشارة إلى الاعتناء بالأول.

# { أولئك } إشارة إلى المتصفين بالصفات المعدودة من المشبهين
~~والمشبه بهم، وكونه إشارة إلى الأخير يقتضي أن يكون حكم المشبهين مفهوما
~~ضمنا ويؤدي إلى خلو تلوين الخطاب عن الفائدة إذ الظاهر حينئد أولئكم
~~والخطاب لسيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام أو لكل من يصلح له أي أولئك
~~المتصفون بما ذكر من القبائح { حبطت أعملهم } أي التي كانوا
~~يستحقون بها أجورا حسنة لو قارنت الإيمان، والحبط السقوط والبطلان
~~والاضمحلال؛ والمراد لم يستحقوا عليها ثوابا وكرامة { في الدنيا
~~والآخرة } أما في الآخرة فظاهر وأما في الدنيا فلأن ما حصل لهم من
~~الصحة والسعة ونحوهما ليس الا بطريق الاستدراج كما نطقت به الآيات دون
~~الكرامة { أولئك } الموصوفون بحبط الأعمال في الدارين { هم
~~الخسرون } أي الكاملون في الخسران الجامعون لمباديه وأسبابه طرا.
~~وإيراد اسم الإشارة في الموضعين للإشعار بعلية الأوصاف المشار إليها
~~للحبط والخسران.

### || [9.70]

# { ألم يأتهم } أي المنافقين { نبأ الذين من قبلهم
~~} أي خبرهم الذي له شأن والاستفهام للتقرير والتحذير { قوم نوح }
~~أغرقوا بالطوفان { وعاد } أهلكوا بالريح { وثمود } أهلكوا
~~بالرجفة، وغير الأسلوب في القومين لأنهم لم يشتهروا بنبيهم، وقيل: لأن
~~الكثير منهم آمن { وقوم إبرهيم } أهلك نمروذ رئيسهم ببعوض ms03832
~~وأبيدوا بعده لكن لا بسبب سماوي كغيرهم { وأصحب مدين } أي
~~أهلها وهم قوم شعيب عليه السلام أهلكوا / بالنار يوم الظلة أو بالصيحة
~~والرجفة أو بالنار والرجفة على اختلاف الروايات { والمؤتفكت }
~~جمع مؤتفكة من الائتفاك وهو الانقلاب بجعل أعلى الشيء أسفل بالخسف،
~~والمراد بها إما قريات قوم لوط عليه السلام فالائتفاك على حقيقته فإنها
~~انقلبت بهم وصار عاليها سافلها وأمطر على من فيها حجارة من سجيل وإما
~~قريات المكذبين المتمردين مطلقا فالائتفاك مجاز عن انقلاب حالها من
~~الخير إلى الشر على طريق الاستعارة كقول ابن الرومي:

# وما الخسف أن تلقى أسافل بلدة

# أعاليها بل أن تسود الأراذل

# لأنها لم يصبها كلها الائتفاك الحقيقي.

# { أتتهم رسلهم بالبينت } استئناف لبيان نبئهم، وضمير
~~الجمع للجميع لا للمؤتفكات فقط { فما كان الله ليظلمهم }
~~أي فكذبوهم فأهلكهم الله تعالى فما كان الخ، فالفاء للعطف على ذلك المقدر
~~الذي ينسحب عليه الكلام ويستدعيه النظام، أي لم يكن من عادته سبحانه ما
~~يشبه ظلم الناس كالعقوبة بلا جرم، وقد يحمل على استمرار النفي أي لا يصدر
~~منه سبحانه ذلك أصلا بل هو أبلغ كما لا يخفى. وقول الزمخشري: أي فما صح
~~منه أن يظلمهم وهو حكيم لا يجوز عليه القبيح مبني على الاعتزال. {
~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } حيث عرضوها بمقتضى
~~استعدادهم للعقاب بالكفر والتكذيب، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل
~~للدلالة على الاستمرار، وتقديم المفعول على ما قرره بعض الأفاضل لمجرد
~~الاهتمام به مع مراعاة الفاصلة من غير قصد إلى قصر المظلومية عليهم على
~~رأي من لا يرى التقديم موجبا للقصر كابن الأثير فيما قيل.

### || [9.71]

# { والمؤمنون والمؤمنات } بيان لحسن حال المؤمنين والمؤمنات
~~حالا ومآلا بعد بيان حال أضدادهم عاجلا وآجلا، وقوله سبحانه: {
~~بعضهم أولياء بعض } يقابل قوله تعالى فيما مر:

# بعضهم من بعض

# [التوبة: 67]، وتغيير الأسلوب للإشارة إلى تناصرهم وتعاضدهم بخلاف
~~أولئك؛ وقوله عز وجل: { يأمرون بالمعروف وينهون عن
~~المنكر } ظاهر المقابلة ليأمرون بالمنكر الخ والكلام في المنكر
~~والمعروف معروف، وقوله جل وعلا: { ويقيمون الصلوة } في مقابلة

# نسوا ms03833 الله

# [التوبة: 67] وقوله تعالى جده: { ويؤتون الزكاة } في مقابلة

# يقبضون أيديهم

# [التوبة: 67] وقوله تبارك وتعالى: { ويطيعون الله ورسوله }
~~أي في سائر الأمور في مقابلة وصف المنافقين بكمال الفسق والخروج عن
~~الطاعة وقيل: هو في مقابلة { نسوا الله } ، وقوله سبحانه: {
~~ويقيمون الصلوة } زيادة مدح، وقوله تعالى شأنه: { أولئك
~~سيرحمهم الله } في مقابلة

# فنسيهم

# [التوبة: 67] المفسر بمنع لطفه ورحمته سبحانه، وقيل: في مقابلة

# إن المنافقين هم الفاسقون

# [التوبة: 67] لأنه بمعنى المتقين المرحومين، والإشارة إلى المؤمنين
~~والمؤمنات باعتبار اتصافهم بما سلف من الصفات الجليلة، والإتيان بما يدل
~~على البعد لما مر غير مرة.

# والسين على ما قال الزمخشري وتبعه غير واحد لتأكيد الوعد وهي كما تفيد
~~ذلك تفيد تأكيد الوعيد، ونظر فيه صاحب «التقريب» ووجه ذلك بأن السين في
~~الإثبات في مقابلة لن في النفي فتكون بهذا الاعتبار تأكيدا لما دخلت
~~عليه ولا فرق في ذلك بين أن يكون وعدا أو وعيدا أو غيرهما. وقال
~~العلامة ابن حجر: ما زعمه الزمخشري من أن السين تفيد القطع بمدخولها
~~مردود بأن القطع إنما فهم من المقام لا من الوضع وهو توطئة / لمذهبه
~~الفاسد في تحتم الجزاء ومن غفل عن هذه الدسيسة وجهه، وتعقبه الفهامة ابن
~~قاسم بأن هذا لا وجه له لأنه أمر نقلي لا يدفعه ما ذكر ونسبة الغفلة
~~للأئمة إنما أوجبه حب الاعتراض، وحينئذ فالمعنى أولئك المنعوتون بما فصل
~~من النعوت الجليلة يرحمهم الله تعالى لا محالة.

# { أن الله عزيز } قوي قادر على كل شيء لا يمتنع عليه ما يريده
~~{ حكيم } يضع الأشياء مواضعها ومن ذلك النعمة والنقمة؛ والجملة تعليل
~~للوعد.

### || [9.72]

# وقوله تعالى: { وعد الله المؤمنين والمؤمنت
~~جنت تجري من تحتها الأنهر خلدين فيها } في
~~مقابلة الوعيد السابق للمنافقين المعبر عنه بالوعد تهكما كما مر، ويفهم
~~من كلام البعض أن قوله سبحانه:

# سيرحمهم

# [التوبة: 71] بيان لإفاضة آثار الرحمة الدنيوية من التأييد والنصر وهذا
~~تفصيل لآثار رحمته سبحانه الأخروية، والإظهار في مقام الإضمار لزيادة
~~التقرير والأشعار بعلية الإيمان لما تعلق به الوعد، ولم ms03834 يضم إليه باقي
~~الأوصاف للإيذان بأنه من لوازمه ومستتبعاته، والكلام في  خالدين  هنا
~~كالكلام فيما مر { ومسكن طيبة } أي تستطيبها النفوس أو يطيب
~~فيها العيش فالإسناد إما حقيقي أو مجازي. وأخرج ابن أبي حاتم وابن
~~مردويه عن الحسن قال: سألت عمران بن حصين وأبا هريرة عن تفسير {
~~ومسكن طيبة } فقالا: على الخبير سقطت سألنا عنها رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فقال:

# " قصر من لؤلؤة في الجنة في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء في
~~كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء في كل بيت سبعون سريرا على كل سرير
~~سبعون فراشا من كل لون على كل فراش امرأة من الحور العين في كل بيت
~~سبعون مائدة في كل مائدة سبعون لونا من كل طعام في كل بيت سبعون وصيفا
~~ووصيفة فيعطى المؤمن من القوة في كل غداة ما يأتي على ذلك كله "

# { في جنت عدن } قيل: هو علم لمكان مخصوص بدليل قوله تعالى:

# جنت عدن التي وعد الرحمن

# [مريم: 61] حيث وصف فيه بالمعرفة، ولما أخرجه البزار والدارقطني في
~~«المختلف والمؤتلف» وابن مردويه من حديث أبي الدرداء قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " عدن دار الله تعالى لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر لا يسكنها غير
~~ثلاثة: النبيون والصديقون والشهداء يقول الله سبحانه طوبى لمن دخلك "

# وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن في الجنة قصرا يقال له عدن حوله
~~البروج والمروج له خمسة آلاف باب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد. وعن
~~ابن مسعود أنها بطنان الجنة وسرتها. وقال عطاء بن السائب: عدن نهر في
~~الجنة جناته على حافاته. وقيل: العدن في الأصل الاستقرار والثبات ويقال:
~~عدن بالمكان إذا أقام. والمراد به هنا الإقامة على وجه الخلود لأنه الفرد
~~الكامل المناسب لمقام المدح أي في جنات إقامة وخلود، وعلى هذا الجنات
~~كلها جنات عدن لا يبغون عنها حولا والتغاير بين المساكن
~~والجنات المشعر به العطف إما ذاتي بناء على أن يراد ms03835 بالجنات غير عدن وهي
~~لعامة المؤمنين وعدن للنبيين عليهم الصلاة والسلام والصديقين والشهداء أو
~~يراد بها البساتين أنفسها وهي غير المساكن كما هو ظاهر، فالوعد حينئذ
~~صريحا بشيئين والمساكن فلكل أحد جنة ومسكن وإما تغاير وصفي فيكون كل
~~منهما عاما ولكن الأول باعتبار اشتمالها على الأنهار والبساتين والثاني
~~لا بهذا الاعتبار، وكأنه وصف ما وعدوا به / أولا بأنه من جنس ما هو أشرف
~~الأماكن المعروفة عندهم من الجنات ذات الأنهار الجارية لتميل إليه طباعهم
~~أول ما يقرع أسماعهم ثم وصفه بأنه محفوف بطيب العيش معرى عن سوائب
~~الكدورات التي لا تكاد تخلو عنها أماكن الدنيا وأهلها وفيها ما تشتهي
~~الأنفس وتلذ الأعين ثم وصف بأنه دار إقامة بلا ارتحال وثبات بلا زوال ولا
~~يعد هذا تكرارا لقوله سبحانه: { خلدين فيها } كما لا يخفى ثم
~~وعدهم جل شأنه كما يفهم من الكلام هو ما أجل وأعلى من ذلك كله بقوله
~~تبارك وتعالى:

# { ورضون من الله } أي وقدر يسير من رضوانه سبحانه { أكبر
~~} ولقصد إفادة ذلك عدل عن رضوان الله الأخصر إلى ما في النظم الجليل،
~~وقيل: إفادة العدول كون ما ذكر أظهر في توجه الرضوان إليهم، ولعله إنما
~~لم يعبر بالرضا تعظيما لشأن الله تعالى في نفسه لأن في الرضوان من
~~المبالغة ما لا يخفى ولذلك لم يستعمل في القرآن إلا في رضاء الله سبحانه،
~~وإنما كان ذلك أكبر لأنه مبدأ لحلول دار الإقامة ووصول كل سعادة وكرامة
~~وهو غاية أرب المحبين ومنتهى أمنية الراغبين.

# وقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال:

# " " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول لأهل الجنة:
~~يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل
~~رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من
~~خلقك. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك يا
~~ربنا؟ فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا "

# ولعل عدم نظم هذا ms03836 الرضوان في سلك الوعد على طرز ما تقدم مع عزته في نفسه
~~لأنه متحقق في ضمن كل موعود ولأنه مستمر في الدارين.

# { ذلك } أي جميع ما ذكر { هو الفوز العظيم } دون ما يعده
~~الناس فوزا من حظوظ الدنيا فإنها مع قطع النظر عن فنائها وتغيرها
~~وتنغصها بالآلام ليست بالنسبة إلى أدنى شيء من نعيم الآخرة إلا بمثابة
~~جناح البعوض، وفي الحديث

# " لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء
~~"

# ولله در من قال:

# تالله لو كانت الدنيا بأجمعها

# تبقى علينا وما من رزقها رغدا

# ما كان من حق حر أن يذل بها

# فكيف وهي متاع يضمحل غدا

# وجوز أن تكون الإشارة إلى الرضوان فهو فوز عظيم يستحقر عنده نعيم الدنيا
~~وحظوظها أيضا أو الدنيا ونعيمها والجنة وما فيها، وعلى الاحتمالين لا
~~ينافي قوله سبحانه:

# أعد الله لهم جنت تجري من تحتها الأنهر
~~خلدين فيها ذلك الفوز العظيم

# [التوبة: 89] فقد فسر فيه  العظيم  بما يستحقر عنده نعيم الدنيا
~~فتدبر.

### || [9.73]

# { يأيها النبى جهد الكفر والمنفقين }
~~ظاهره يقتضي مقاتلة المنافقين وهم غير مظهرين للكفر ولا نحكم بالظاهر
~~لأنا نحكم بالظاهر كما في الخبر ولذا فسر ابن عباس والسدى ومجاهد جهاد
~~الأولين بالسيف والآخرين باللسان وذلك بنحو الوعظ وإلزام الحجة بناء على
~~أن الجهاد بذل الجهد في دفع ما لا يرضى وهو أعم من أن يكون بالقتال أو
~~بغيره فإن كان حقيقة فظاهر وإلا حمل على عموم المجاز. وروي عن الحسن
~~وقتادة أن جهاد المنافقين بإقامة الحدود عليهم. واستشكل بأن إقامتها
~~واجبة على غيرهم أيضا فلا يختص ذلك بهم. وأشار في «الأحكام» إلى دفعه
~~بأن أسباب الحد في زمنه صلى الله عليه وسلم أكثر ما صدرت عنهم، وأما
~~القول بأن المنافق بمعنى / الفاسق عند الحسن فغير حسن. وروي  والعهدة
~~على الراوي  أن قراءة أهل البيت رضي الله تعالى عنهم (جاهد الكفار
~~بالمنافقين) والظاهر أنها لم تثبت ولم يروها إلا الشيعة وهم بيت الكذب.

# { واغلظ عليهم } أي على ms03837 الفريقين في الجهاد بقسميه ولا ترفق
~~بهم. عن عطاء نسخت هذه الآية كل شيء من العغو والصفح { ومأواهم
~~جهنم } استئناف لبيان أجل أمرهم إثر بيان عاجله. وذكر أبو البقاء في
~~هذه الثلاثة أوجه: أحدها أنها واو الحال والتقدير افعل ذلك في حال
~~استحقاقهم جهنم وتلك الحال حال كفرهم ونفاقهم، والثاني أنها جيء بها
~~تنبيها على إرادة فعل محذوف أي واعلم أن مأواهم جهنم، والثالث أن الكلام
~~محمول على المعنى وهو أنه قد اجتمع لهم عذاب الدنيا بالجهاد والغلظة
~~وعذاب الآخرة بجعل جهنم مأواهم { وبئس المصير } تذييل لما قبله
~~والمخصوص بالذم محذوف أي مصيرهم.

### || [9.74]

# { يحلفون بالله ما قالوا } استئناف لبيان ما صدر منهم من
~~الجرائم الموجبة لما مر. أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن
~~قتادة قال: ذكر لنا أن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة والآخر من غفار
~~وكانت جهينة خلفاء الأنصار فظهر الغفاري على الجهيني فقال عبد الله بن
~~أبي للأوس انصروا أخاكم والله ما مثلنا ومثل محمد صلى الله عليه وسلم
~~وحاشاه مما يقول هذا المنافق إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك والله
~~لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فسعى بها رجل من المسلمين
~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه [فسأله] فجعل يحلف بالله
~~تعالى ما قاله فنزلت. وأخرج ابن اسحاق وابن أبي حاتم عن كعب بن مالك
~~قال: لما نزل القرآن فيه ذكر المنافقين الجلاس بن سويد: والله لئن كان
~~هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمير فسمعه عمير بن سعد فقال: والله يا
~~جلاس إنك لأحب الناس إلي وأحسنهم عندي أثرا ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها
~~لتفضحنك ولئن سكت عنها لتهلكني ولاحداهما أشد علي من الأخرى فمشى إلى
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ما قال الجلاس فحلف بالله تعالى
~~ما قال ولقد كذب علي عمير فنزلت.

# وأخرج عبد الرزاق عن ابن سيرين أنها لما نزلت أخذ النبي صلى الله عليه
~~وسلم بأذن عمير قال: «وعت ms03838 أذنك يا غلام وصدقك ربك» وكان يدعو حين حلف
~~الجلاس اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب. وأخرج عن
~~عروة أن الجلاس تاب بعد نزولها وقبل منه، وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ
~~والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «كان رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل شجرة فقال: انه سيأتيكم إنسان ينظر
~~إليكم بعيني شيطان فإذا جاء فلا تكلموه فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق
~~العينين فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: علام تشتمني أنت
~~وأصحابك؟ فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله تعالى ما قالوا حتى تجاوز
~~عنهم وأنزل الله تعالى الآية»، وإسناد الحلف إلى ضمير الجمع على هذه
~~الرواية ظاهر وأما على الروايتين الأوليين فقيل: لأنهم رضوا بذلك واتفقوا
~~عليه فهو من إسناد الفعل إلى سببه أو لأنه جعل الكلام لرضاهم به كأنهم
~~فعلوه ولا حاجة إلى عموم المجاز لأن الجمع بين الحقيقة والمجاز جائز في
~~المجاز العقلي وليس محلا للخلاف، وإيثار صيغة الاستقبال في {
~~يحلفون } على سائر الروايات لاستحضار الصورة أو للدلالة على تكرير
~~الفعل وهو قائم مقام القسم، و { ما قالوا } جوابه.

# { ولقد قالوا كلمة الكفر } / هي ما حكي من قولهم والله
~~ما مثلنا الخ أو والله لئن كان هذا الرجل صادقا الخ أو الشتم الذي وبخ
~~عليه الصلاة والسلام، والجملة مع ما عطف عليها اعتراض { وكفروا
~~بعد إسلمهم } أظهروا ما في قلوبهم من الكفر بعد إظهار الإسلام
~~وإلا فكفرهم الباطن كان ثابتا قبل والإسلام الحقيق لا وجود له {
~~وهموا بما لم ينالوا } من الفتك برسول الله صلى الله عليه
~~وسلم حين رجع من غزوة تبوك.

# أخرج البيهقي في «الدلائل»

# " عن حذيفة بن اليمان قال " كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم أقود به وعمار يسوق أو أنا أسوق وعمار يقود حتى إذا كنا
~~بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكبا قد اعترضوا فيها فأنبهت رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فصرخ بهم فولوا مدبرين ms03839 فقال لنا رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: هل عرفتم القوم؟ قلنا: لا يا رسول الله كانوا متلثمين ولكن قد
~~عرفنا الركاب قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة. هل تدرون ما أرادوا؟
~~قلنا: لا، قال: أرادوا أن يزلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة
~~فيلقوه منها قلنا: يا رسول الله أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث لك كل
~~قوم برأس صاحبهم قال: أكره أن يتحدث العرب عنا أن محمدا عليه الصلاة
~~والسلام قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله تعالى بهم أقبل عليهم يقتلهم، ثم
~~قال: اللهم ارمهم بالدبيلة، قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال: شهاب
~~من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك "

# وكانوا كلهم كما أخرج ابن سعد عن نافع بن جبير من الأنصار أو من حلفائهم
~~ليس فيهم قرشي، ونقل الطبرسي عن الباقر رضي الله تعالى عنه أن ثمانية
~~منهم من قريش وأربعة من العرب لا يعول عليه.

# وقد ذكر البيهقي من رواية ابن إسحق أسماءهم وعد منهم الجلاس بن سويد،
~~ويشكل عليه رواية أنه تاب وحسنت توبته مع قوله عليه الصلاة والسلام في
~~الخبر

# " هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة "

# إلا أن يقال: إن ذلك باعتبار الغالب، وقيل: المراد بالموصول إخراج
~~المؤمنين من المدينة على ما تضمنه الخبر المار عن قتادة، وأخرج ابن أبي
~~حاتم عن السدى وأبو الشيخ عنه وعن أبي صالح أنهم أرادوا أن يتوجوا عبد
~~الله بن أبي بتاج ويجعلوه حكما ورئيسا بينهم وإن لم يرض رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم، وقيل: أرادوا أن يقتلوا عميرا لرده على الجلاس كما مر.

# { وما نقموا } أي ما كرهوا وعابوا شيئا { إلا أن أغناهم
~~الله ورسوله من فضله } فالاستثناء مفرغ من أعم المفاعيل أي
~~وما نقموا الإيمان لأجل شيء إلا لإغناء الله تعالى إياهم فيكون الاستثناء
~~مفرغا من أعم العلل وهو على حد قولهم: مالي عندك ذنب إلا أني أحسنت
~~إليك.

# وقوله:

# ما نقم الناس من أمية إلا

# أنهم يحلمون إن غضبوا

# وهو متصل ms03840 على إدعاء دخوله بناء على القول بأن الاستثناء المفرغ لا يكون
~~منقطعا، وفيه تهكم وتأكيد الشيء بخلافة كقوله:

# ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

# البيت، ((وأصل النقمة كما قال الراغب الإنكار باللسان والعقوبة والأمر
~~على الأول ظاهر وأما على الثاني فيحتاج إلى الاتكاب المجاز بأن يراد
~~وجدان ما يورث النقمة ويقتضيه، وضمير { أغناهم } للمنافقين على ما
~~هو الظاهر، وكان إغناؤهم بأخذ الدية، فقد روي أنه كان للجلاس مولى قتل
~~وقد غلب على ديته فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بها اثني عشر ألفا
~~فأخذها واستغنى، وعن قتادة أن الدية كانت لعبد الله بن أبي وزيادة
~~الألفين كانت على عادتهم في الزيادة على الدية تكرما وكانوا يسمونها
~~شنقا كما في «الصحاح». وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة قال: كان جلاس تحمل
~~حمالة أو كان عليه دين فأدى عنه / رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك
~~قوله سبحانه: { وما نقموا } الآية، ولا يخفى أن الإغناء على الأول
~~أظهر، وقيل: كان إغناؤهم بما من الله تعالى به من الغنائم فقد كانوا كما
~~قال الكلبي قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة محاويج في ضنك
~~من العيش فلما قدم عليه الصلاة والسلام أثروا بها، والضمير على هذا يجوز
~~أن يكون للمؤمنين فيكون الكلام متضمنا ذم المنافقين بالحسد كما أنه على
~~الأول متضمن لذمهم بالكفر وترك الشكر، وتوحيد ضمير فضله لا يخفى وجهه.

# { فإن يتوبوا } عما هم عليه من القبائح { يك } أي التوب، وقيل:
~~أي التوبة ويغتفر مثل ذلك في المصادر. وقد يقال: التذكير باعتبار الخبر
~~أعني قوله سبحانه: { خيرا لهم } أي في الدارين، وهذه الآية على ما
~~في بعض الروايات كانت سببا لتوبته وحسن إسلامه لطفا من الله تعالى به
~~وكرما { وإن يتولوا } أي استمروا على ما كانوا عليه من التولي
~~والإعراض عن إخلاص الإيمان أو أعرضوا عن التوبة. { يعذبهم الله
~~عذابا أليما في الدنيا } بمتاعب النفاق وسوء الذكر ونحو ذلك،
~~وقيل: المراد بعذاب الدنيا عذاب القبر أو ما يشاهدونه عند الموت، ms03841 وقيل:
~~المراد به القتل ونحوه على معنى أنهم يقتلون إن أظهروا الكفر بناءا على
~~أن التولي مظنة الإظهار فلا ينافي ما تقدم من أنهم لا يقتلون وأن الجهاد
~~في حقهم غير ما هو المتبادر. { والآخرة } وعذابهم فيها بالنار وغيرها
~~من أفانين العقاب { وما لهم في الأرض } أي في الدنيا، والتعبير
~~بذلك للتعميم أي ما لهم في جميع بقاعها وسائر أقطارها { من ولي
~~ولا نصير } ينقذهم من العذاب بالشفاعة أو المدافعة، وخص ذلك في
~~الدنيا لأنه لا ولي ولا نصير لهم في الآخرة قطعا فلا حاجة لنفيه.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات:

# عفا الله عنك لم أذنت لهم

# [التوبة: 43] الخ فيه إشارة إلى علو مقامه صلى الله عليه وسلم ورفعة
~~شأنه على سائر الأحباب حيث آذنه بالعفو قبل العتاب، ولو قال له: لم أذنت
~~لهم عفى الله عنك لذاب، وعبر سبحانه بالماضي المشير إلى سبق الاصطفاء
~~لئلا يوحشه عليه الصلاة والسلام الانتظار ويشتغل قلبه الشريف باستمطار
~~العفو من سحاب ذلك الوعد المدرار، وانظر كم بين عتابه جل شأنه لحبيبه
~~عليه الصلاة والسلام على الإذن لأولئك المنافقين وبين رده تعالى على نوح
~~عليه السلام قوله:

# إن ابني من أهلي

# [هود: 45] بقوله سبحانه: { قال ينوح إنه ليس من أهلك
~~} إلى قوله تبارك وتعالى:

# إني أعظك أن تكون من الجهلين

# [هود: 46] ومن ذلك يعلم الفرق  وهو لعمري غير خفي  بين مقام الحبيب
~~ورتبة الصفي، وقد قيل: إن المحب يعتذر عن حبيبه ولا ينقصه عنده كلام
~~معيبه، وأنشد:

# ما حطك الواشون عن رتبة

# كلا وما ضرك مغتاب

# كأنهم أثنوا ولم يعلموا

# عليك عندي بالذي عابوا

# وقال الآخر:

# في وجهه شافع يمحو إساءته

# عن القلوب ويأتي بالمعاذير

# وقال:

# وإذا الحبيب أتى بذنب واحد

# جاءت محاسنه بألف شفيع

# / وقوله سبحانه:

# لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم
~~الأخر

# [التوبة: 44] فيه إشارة إلى أن المؤمن إذا سمع بخبر خير طار إليه وأتاه
~~ولو مشيا على رأسه ويديه ولا يفتح فيه فاه بالاستئذان، وهل يستأذن في
~~شرب الماء ظمآن؟ ms03842 وقال الواسطي: إن المؤمن الكامل مأذون في سائر أحواله إن
~~قام قام بإذن وإن قعد قعد بإذن وإن لله سبحانه عبادا به يقومون وبه
~~يقعدون، ومن شأن المحبة امتثال أمر المحبوب كيفما كان:

# لو قال تيها قف على جمر الغضى

# لوقفت ممتثلا ولم أتوقف

# إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله
~~واليوم الأخر

# [التوبة: 45] الخ أي إنما يستأذنك المنافقون رجاء أن لا تأذن لهم
~~بالخروج فيستريحوا من نصب الجهاد { ولو أرادوا الخروج
~~لأعدوا له عدة } فقد قيل:

# لو صح منك الهوى أرشد للحيل

# ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم

# [التوبة: 46] إشارة إلى خذلانهم لسوء استعدادهم

# وإن جهنم لمحيطة بالكفرين

# [التوبة: 49] لأن الأخلاق السيئة والأعمال القبيحة محيطة بهم وهي النار
~~بعينها غاية الأمر إنها ظهرت في هذه النشأة بصورة الأخلاق والأعمال
~~وستظهر في النشأة الأخرى بالصورة الأخرى، وقوله تعالى:

# ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى

# [التوبة: 54] فيه إشارة إلى حرمانهم لذة طعم العبودية واحتجابهم عن
~~مشاهدة جمال معبودهم وأنهم لم يعلموا أن المصلي يناجي ربه وأن الصلاة
~~معراج العبد إلى مولاه، ومن هنا قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:

# " وجعلت قرة عيني في الصلاة "

# وقال محمد بن الفضل: من لم يعرف الآمر قام إلى الأمر على حد الكسل ومن
~~عرف الآمر قام إلى الأمر على حد الاستغنام والاسترواح، ولذا كان عليه
~~الصلاة والسلام يقول لبلال:

# " ارحنا يا بلال "

# وقول تعالى:

# فلا تعجبك أمولهم ولا أولدهم

# [التوبة: 55] فيه تحذير للمؤمنين أن يستحسنوا ما مع أهل الدنيا من
~~الأموال والزينة فيحتجبوا بذلك عن عمل الآخرة ورؤيتها، وقد ذكروا أن
~~الناظر إلى الدنيا بعين الاستحسان من حيث الشهوة والنفس والهوى يسقط في
~~ساعته عن مشاهدة أسرار الملكوت وأنوار الجبروت، وقوله سبحانه:

# ولو أنهم رضوا ما ءاتهم الله ورسوله

# [التوبة: 59] الخ فيه إرشاد إلى آداب الصادقين والعارفين والمريدين،
~~وعلامة الراضي النشاط بما استقبله من الله تعالى والتلذذ بالبلاء، فكل ما
~~فعل المحبوب محبوب. رؤي أعمى أقطع مطروح على التراب يحمد الله تعالى
~~ويشكره، فقيل له في ms03843 ذلك فقال: وعزته وجلاله لو قطعني إربا إربا ما
~~ازددت له إلا حبا، ولله تعالى در من قال:

# أنا راض بالذي ترضونه

# لكم المنة عفوا وانتقاما

# ثم إنه سبحانه قسم جوائز فضله على ثمانية أصناف من عباده فقال سبحانه: {
~~إنما الصدقت للفقراء } الخ، والفقراء في قول المتجردون
~~بقلوبهم وأبدانهم عن الكونين { والمسكين } هم الذين سكنوا إلى
~~جمال الأنس ونور القدس حاضرين في العبودية بنفوسهم غائبين في أنوار
~~الربوبية بقلوبهم فمن رآهم ظنهم بلا قلوب ولم يدر أنها تسرح في رياض جمال
~~المحبوب، وأنشد:

# مساكين أهل العشق ضاعت قلوبهم

# فهم أنفس عاشوا بغير قلوب

# { والعملين } هم أهل التمكين من العارفين وأهل الاستقامة من
~~الموحدين الذين وقعوا في نور البقاء فأورثهم البسط والانبساط، فيأخذون
~~منه سبحانه ويعطون له، وهم خزان خزائن جوده المنفقون على أوليائه، قلوبهم
~~معلقة بالله سبحانه لا بغيره من العرش إلى الثرى { والمؤلفة
~~قلوبهم } هم المريدون السالكون طريق محبته تعالى برقة قلوبهم وصفاء
~~نياتهم وبذلوا مهجهم في سوق شوقه وهم عند الأقوياء ضعفاء الأحوال { وفي
~~الرقاب } / هم الذين رهنت قلوبهم بلذة محبة الله تعالى وبقيت نفوسهم
~~في المجاهدة في طريقه سبحانه لم يبلغوا بالكلية إلى الشهود فتارة تراهم
~~في لجج بحر الإرادة، وأخرى في سواحل بحر القرب، وطورا هدف سهام القهر،
~~ومرة مشرق أنوار اللطف ولا يصلون إلى الحقيقة ما دام عليهم بقية من
~~المجاهدة والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم والأحرار ما وراء ذلك وقليل ما
~~هم:

# أتمنى على الزمان محالا

# ان ترى مقلتاي طلعة حر

# { والغرمين } هم الذين ما قضوا حقوق معارفهم في العبودية وما
~~أدركوا في إيقانهم حقائق الربوبية، والمعرفة غريم لا يقضي دينه { وفي
~~سبيل الله } هم المحاربون نفوسهم بالمجاهدات والمرابطون بقلوبهم في
~~شهود الغيب لكشف المشاهدات { وابن السبيل }  هم المسافرون بقلوبهم
~~في بوادي الأزل وبأرواحهم في قفار الأبد وبعقولهم في طرق الآيات وبنفوسهم
~~في طلب أهل الولايات { فريضة من الله } على أهل الإيمان أن
~~يعطوا هؤلاء الأصناف من مال الله سبحانه لدفع احتياجهم الطبيعي ms03844 {
~~والله عليم } بأحوال هؤلاء وغيبتهم عن الدنيا

# حكيم

# [التوبة: 60] حيث أوجب لهم ما أوجب، ومن الناس من فسر هذه الأصناف بغير
~~ما ذكر ولا أرى التفاسير بأسرها متكفلة بالجمع والمنع { ومنهم
~~الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن } عابوه عليه
~~الصلاة والسلام وحاشاه من العيب بسلامة القلب وسرعة القبول والتصديق لما
~~يسمع، فصدقهم جل شأنه ورد عليهم بقوله سبحانه: { قل } هو { أذن
~~خير لكم } أي هو كذلك لكن بالنسبة إلى الخير، وهذا من غاية المدح
~~فإن النفس القدسية الخيرية تتأثر بما يناسبها، أي أنه عليه الصلاة
~~والسلام يسمع ما ينفعكم وما فيه صلاحكم دون غيره، ثم بين ذلك بقوله
~~تعالى:

# يؤمن بالله

# [التوبة: 61] الخ، وقد غرهم  قاتلهم الله تعالى حتى قالوا ما قالوا 
~~كرم النبي صلى الله عليه وسلم لم يشافههم برد ما يقولون رحمة منه بهم،
~~وهو عليه الصلاة والسلام الرحمة الواسعة، وعن بعضهم أنه سئل عن العاقل
~~فقال: الفطن المتغافل وأنشد:

# وإذا الكريم أتيته بخديعة

# فرأيته فيما تروم يسارع

# فاعلم بأنك لم تخادع جاهلا

# إن الكريم لفضله متخادع

# { المنفقون والمنفقات بعضهم من بعض } أي هم
~~متشابهون في القبح والرداءة وسوء الاستعداد { يأمرون بالمنكر
~~وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم } أي يبخلون
~~أو يبغضون المؤمنين فهو إشارة إلى معنى قوله سبحانه:

# وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ

# [آل عمران: 119] أو لا ينصرون المؤمنين أو لا يخشعون لربهم ويرفعون
~~أيديهم في الدعوات { نسوا الله } لاحتجابهم بما هم فيه

# فنسيهم

# [التوبة: 67] من رحمته وفضله

# ولهم عذاب مقيم

# [التوبة: 68] وهو عذاب الاحتجاب بالسوى { وعد الله المؤمنين
~~والمؤمنت جنت تجرى من تحتها الأنهر } هي
~~جنات النفوس { ومسكن طيبة } مقامات أرباب التوكل في جناب
~~الأفعال { ورضون من الله أكبر } إشارة إلى جنات الصفات {
~~ذلك } أي الرضوان

# هو الفوز العظيم

# [التوبة: 72] لكرامة أهله عند الله تعالى وشدة قربهم ولا بأس بإبقاء
~~الكلام على ظاهره ويكون في قوله سبحانه: { ومسكن طيبة } إشارة
~~إلى الرؤية فإن المحب لا تطيب له الدار من غير رؤية محبوبه:

# أجيراننا ما أوحش ms03845 الدار بعدكم

# إذا غبتم عنها ونحن حضور

# ولكون الرضوان هو المدار لكل خير وسعادة والمناط لكل شرف وسيادة كان
~~أكبر من / هاتيك الجنات والمساكن.

# إذا كنت عني يا منى القلب راضيا

# أرى كل من في الكون لي يتبسم

# نسأل الله تعالى رضوانه وأن يسكننا جنانه.

### || [9.75]

# بيان لقبائح بعض آخر من المنافقين، والآية نزلت في ثعلب بن حاطب ويقال
~~له ابن أبي حاطب وهو من بني أمية بن زيد، وليس هو البدري لأنه قد استشهد
~~بأحد رضي الله تعالى عنه. أخرج الطبراني والبيهقي في «الدلائل» وابن
~~المنذر وغيرهم عن أبي أمامة الباهلي قال:

# " جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول
~~الله ادع الله تعالى أن يرزقني مالا. فقال عليه الصلاة والسلام: ويحك يا
~~ثعلبة أما تحب أن تكون مثلي فلو شئت أن يسير الله تعالى ربي هذه الجبال
~~معي ذهبا لسارت. قال: يا رسول الله ادع الله تعالى أن يرزقني مالا
~~فوالذي بعثك بالحق أن آتاني الله سبحانه مالا لأعطين كل ذي حق حقه،
~~فقال: ويحك يا ثعلبة قليل تطيق شكره خير من كثير لا تطيقه. قال: يا رسول
~~الله ادع الله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم أرزقه
~~مالا فاتخذ غنما فبورك له فيها ونمت كما ينمو الدود حتى ضاقت به
~~المدينة فتنحى بها فكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم ولا يشهدها بالليل ثم نمت كما ينمو الدود فضاق به مكانه فتنحى بها
~~فكان لا يشهد الصلاة بالليل ولا بالنهار إلا من جمعة إلى جمعة مع رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم ثم نمت كما ينمو الدود فضاق به مكانه فتنحى بها
~~فكان لا يشهد جمعة ولا جنازة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يتلقى
~~الركبان ويسألهم عن الأخبار وفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنه
~~فأخبروه أنه اشترى غنما وأن المدينة ضاقت به. فقال عليه الصلاة والسلام:
~~ويح ثعلبة ms03846 بن حاطب ويح ثعلبة بن حاطب ثم إن الله تعالى أمر رسوله صلى
~~الله عليه وسلم أن يأخذ الصدقات وأنزل { خذ من أمولهم صدقة
~~تطهرهم } [التوبة: 103] الآية فبعث رجلين رجلا من جهينة ورجلا من
~~بني سلمة يأخذان الصدقات وكتب لهما أسنان الإبل والغنم ويكف يأخذانها
~~وأمرهما أن يمرا على ثعلبة ورجل من بني سليم فخرجا فمرا بثعلبة فسألاه
~~الصدقة فقال: أرياني كتابكما؟ فنظر فيه فقال: ما هذا إلا جزية انطلقا حتى
~~تفرغا ثم مرا بي فانطلقا وسمع بهما السليمي فاستقبلهما بخيار إبله
~~فقالا: إنما عليك دون هذا فقال: ما كنت أتقرب إلى الله تعالى إلا بخير
~~مالي فقبلا فلما فرغا مرا بثعلبة فقال: أرياني كتابكما؟ فنظر فيه فقال:
~~ما هذا إلا جزية انطلقا حتى أرى رأيي فانطلقا حتى قدما المدينة فلما
~~رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يكلمهما: ويح ثعلبة بن
~~حاطب ودعا للسليمي بالبركة وأنزل الله تعالى: { ومنهم من
~~عهد الله } الآيات الثلاث فسمع بعض من أقاربه فأتاه فقال: ويحك
~~يا ثعلبة أنزل فيك كذا وكذا فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
~~يا رسول الله هذه صدقة مالي. فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله قد منعني
~~أن أقبل منك فجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه فقال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم: هذا عملك بنفسك أمرتك فلم تطعني فلم يقبل منه رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم حتى مضى، ثم أتى أبا بكر رضي الله تعالى عنه فقال: يا أبا
~~بكر أقبل مني صدقتي فقد عرفت منزلتي من الأنصار. فقال أبو بكر: لم يقبلها
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلها؟ فلم يقبلها أبو بكر، ثم ولى عمر /
~~رضي الله تعالى عنه فأتاه فقال: يا أبا حفص يا أمير المؤمنين اقبل مني
~~صدقتي فقال: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر أقبلها
~~أنا؟ فأبى أن يقبلها، ثم ولي عثمان رضي الله تعالى عنه فلم يقبلها منه
~~وهلك في ms03847 خلافته "

# وفي بعض الروايات أن ثعلبة هذا كان قبل ذلك ملازما لمسجد النبي صلى
~~الله عليه وسلم حتى لقب حمامة المسجد ثم رآه النبي صلى الله عليه وسلم
~~يسرع الخروج منه عقيب الصلاة فقال عليه الصلاة والسلام له: مالك تعمل عمل
~~المنافقين؟ فقال: إني افتقرت ولي ولامرأتي ثوب واحد أجيء به للصلاة ثم
~~أذهب فأنزعه لتلبسه وتصلي به فادع الله تعالى أن يوسع علي رزقي إلى آخر
~~ما في الخبر. والظاهر أن منع الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام عن
~~القبول منه كان بوحي منه تعالى له بأنه منافق والصدقة لا تؤخذ منهم وإن
~~لم يقتلوا لعدم الإظهار، وحثوه للتراب ليس للتوبة من نفاقه بل للعار من
~~عدم قبول زكاته مع المسلمين. ومعنى هذا عملك هذا جزاء عملك وما قلته،
~~وقيل: المراد بعمله طلبه زيادة رزقه وهذا إشارة إلى المنع أي هو عاقبة
~~عملك، وقيل: المراد بالعمل عدم إعطائه للمصدقين. وعن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أن ثعلبة أتى مجلسا من مجالس الأنصار فأشهدهم لئن آتاني
~~الله تعالى من فضله تصدقت منه وآتيت كل ذي حق حقه فمات ابن عم له فورث
~~منه مالا فلم يف بما عاهد الله تعالى عليه فأنزل الله تعالى فيه هذه
~~الآيات. وقال الحسن: إنها نزلت في ثعلبة ومعتب بن قشير خارجا على ملأ
~~قعود فحلفا بالله تعالى لئن آتانا من فضله لنصدقن فلما آتاهما بخلا. وقال
~~السائب: إن حاطب بن أبي بلتعة كان له مال بالشام فأبطأ عليه فجهد لذلك
~~جهدا شديدا فحلف بالله لئن أتانا الله من فضله  يعني ذلك المال 
~~لأصدقن ولأصلن فلما آتاه ذلك لم يف بما عاهد الله تعالى عليه وحكي ذلك عن
~~الكلبي، والأول أشهر وهو الصحيح في سبب النزول، والمراد بالتصدق قيل:
~~إعطاء الزكاة الواجبة وما بعده إشارة إلى فعل سائر أعمال البر من صلة
~~الأرحام ونحوها. وقيل: المراد بالتصدق إعطاء الزكاة وغيرها من الصدقات
~~وما بعده إشارة إلى الحج على ما روي عن ابن عباس رضي ms03848 الله تعالى عنهما أو
~~إلى ما يعمه والنفقة في الغزو كما قيل. وقرىء { لنصدقن ولنكونن } بالنون
~~الخفيفة فيهما.

### || [9.76]

# { فلمآ آتاهم من فضله بخلوا به } أي منعوا حق الله
~~تعالى منه { وتولوا } أي أعرضوا عن طاعة الله سبحانه، { وهم
~~معرضون } أي وهم قوم عادتهم الإعراض عن الطاعات فلا ينكر منهم هذا؛
~~والجملة مستأنفة أو حالية والاستمرار المقتضي للتقدم لا ينافي ذلك،
~~والمراد على ما قيل: تولوا بإجرامهم وهم معرضون بقلوبهم.

### || [9.77]

# { فأعقبهم } أي جعل الله تعالى عاقبة فعلهم ذلك { نفاقا } أي
~~سوء عقيدة وكفرا مضمرا { فى قلوبهم إلى يوم يلقونه }
~~أي الله تعالى، والمراد بذلك اليوم وقت الموت؛ فالضمير المستتر في أعقب
~~لله تعالى وكذا الضمير المنصوب في { يلقونه } ، والكلام على حذف
~~مضاف، والمراد بالنفاق بعض معناه وتمامه إظهار الإسلام وإضماء الكفر،
~~وليس بمراد كما أشرنا إلى ذلك كله، ونقل الزمخشري عن الحسن وقتادة أن
~~الضمير الأول للبخل وهو خلاف الظاهر بل قال بعض المحققين: إنه يأباه قوله
~~تعالى:

# { بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا
~~يكذبون } إذ ليس لقولنا أعقبهم البخل نفاقا بسبب اخلافهم الخ /
~~كثير معنى، ولا يتصور على ما قيل أن يعلل النفاق بالبخل أولا ثم يعلل
~~بأمرين غيره بغير عطف، ألا ترى لو قلت: حملني على إكرام زيد علمه لأجل
~~أنه شجاع وجواد كان خلفا حتى تقول حملني على إكرام زيد علمه وشجاعته
~~وجوده. وقال الإمام: ولأن غاية البخل ترك بعض الواجبات وهو لا يوجب حصول
~~النفاق الذي هو كفر وجهل في القلب كما في حق كثير من الفساق، وكون هذا
~~البخل بخصوصه يعقب النفاق والكفر لما فيه من عدم إطاعة الله تعالى ورسوله
~~صلى الله عليه وسلم وخلف وعده كما قيل لا يقتضي الأرجحية بل الصحة ولعلها
~~لا تنكر، واختيار الزمخشري كان لنزغة اعتزالية هي أنه تعالى لا يقضي
~~بالنفاق ولا يخلقه لقاعدة التحسين والتقبيح، وجوز أن يكون الضمير المنصوب
~~للبخل أيضا، والمراد باليوم يوم القيامة، وهناك مضاف محذوف أي يلقون
~~جزاءه و { ما } مصدرية. ms03849 والجمع بين صيغتي الماضي والمضارع للإيذان
~~بالاستمرار أي بسبب إخلافهم ما وعدوه تعالى من التصدق والصلاح وبسبب
~~كونهم مستمرين على الكذب في جميع المقالات التي من جملتها وعدهم المذكور،
~~وقيل: المراد كذبهم فيما تضمنه خلف الوعد فإن الوعد وإن كان إنشاء لكنه
~~متضمن للخبر فإذا تخلف كان قبيحا من وجهين الخلف والكذب الضمني، وفيه
~~نظر لأن تخصيص بذلك يؤدي إلى تخلية الجمع بين الصيغتين عن المزية.

# وقد اشتملت الآية على خصلتين من خصال المنافقين، فقد أخرج الشيخان
~~وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان "

# ويستفاد من «الصحاح» آية أخرى له

# " إذا خاصم فجر "

# واستشكل ذلك بأن هذه الخصال قد توجد في المسلم الذي لا شك فيه ولا شبهة
~~تعتريه بل كثير من علمائنا اليوم متصفون بأكثرها أو بها كلها، وأجيب بأن
~~المعنى أن هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها يشبه المنافقين في التخلق بها،
~~والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام على ما في بعض الروايات الصحيحة

# " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا "

# أنه كان شديد الشبه بالمنافقين لا أنه كان منافقا حقيقة. وقيل: إن
~~الأخبار الواردة في هذا الباب إنما هي فيمن كانت تلك الخصال غالبة عليه
~~غير مكترث بها ولا نادم على ارتكابها ومثله لا يبعد أن يكون منافقا
~~حقيقة، وقيل: هي في المنافقين الذين كانوا في زمنه عليه الصلاة والسلام
~~فإنهم حدثوا في أيمانهم فكذبوا واؤتمنوا على دينهم فخانوا ووعدوا في
~~النصرة للحق فأخلفوا وخاصموا ففجروا، وروي هذا عن ابن عباس وابن عمر، وهو
~~قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح، وإليه رجع الحسن بعد أن كان على
~~خلافه، قال القاضي عياض: وإليه مال أكثر أئمتنا، وقيل: كان ذلك في رجل
~~بعينه وهو خارج مخرج قوله صلى الله عليه وسلم:

# " ما بال أقوام يفعلون كذا "

# لأناس مخصوصين منعه كرمه عليه الصلاة والسلام أن يواجههم بصريح القول.
~~وحكى الخطابي عن بعضهم أن المقصود ms03850 من الأخبار تحذير المسلم أن يعتاد هذه
~~الخصال ولعله راجع إلى ما أجيب به أولا، وبالجلمة يجب على المؤمن اجتناب
~~هذه الخصال فإنها في غاية القبح عند ذوي الكمال:

# مساو لو قسمن على الغواني

# لما أمهرن إلا بالطلاق

# وقرى { يكذبون } بتشديد الذال.

### || [9.78]

# { ألم يعلموا } أي المنافقون أو من عاهد الله تعالى، وعن علي
~~كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ بالتاء على أنه خطاب للمؤمنين، وقيل:
~~للأولين على الالتفات ويأباه قوله تعالى: / { أن الله يعلم
~~سرهم ونجواهم } وجعله التفاتا آخر تكلف، والمراد من السر على
~~تقدير أن يكون الضمير للمنافقين ما أسروه في أنفسهم من النفاق ومن النجوى
~~ما يتناجون به من المطاعن، وعلى التقدير الآخر المراد من الأول العزم على
~~الإخلاف ومن الثاني تسمية الزكاة جزية، وتقديم السر على النجوى لأن العلم
~~به أعظم في الشاهد من العلم بها مع ما في تقديمه وتعليق العلم به من
~~تعجيل إدخال الروعة أو السرور على اختلاف القراءتين وسيأتي إن شاء الله
~~تعالى ما ينفعك هنا أيضا.

# { وأن الله علم الغيوب } فلا يخفى عليه سبحانه شيء من
~~الأشياء. والهمزة إما للإنكار والتوبيخ والتهديد أي ألم يعلموا ذلك حتى
~~اجترأوا على ما اجترأوا عليه من العظائم أو للتقرير والتنبيه على أن الله
~~سبحانه مؤاخذهم ومجازيهم بما علم من أعمالهم، وإظهار الاسم الجليل لإلقاء
~~الروعة وتربية المهابة أو لتعظيم أمر المؤاخذة والمجازاة، وفي إيراد
~~العلم المتعلق بسرهم ونجواهم الحادثين شيئا فشيئا بصيغة الفعل الدال
~~على الحدوث والتجدد والعلم المتعلق بالغيوب الكثيرة بصيغة الاسم الدال
~~على الدوام والمبالغة من الفخامة والجزالة ما لا يخفى.

### || [9.79]

# { الذين يلمزون } مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين
~~وقيل: أي منهم الذين، وقيل: مبتدأ خبره { فيسخرون } والفاء لما في
~~الموصول من شبه الشرط أو { سخر الله منهم } أو منصوب بفعل
~~محذوف أعني  أعني  أو أذم أو مجرور على البدلية من ضمير

# سرهم

# [التوبة: 78] على أنه للمنافقين مطلقا. وقرىء بضم الميم وهو لغة كما
~~علمت أي يعيبون { المطوعين ms03851 } أي المتطوعين، والمراد بهم من يعطي
~~تطوعا { من المؤمنين } حال من الضمير، وقوله سبحانه: { في
~~الصدقت } متعلق بيلمزون، ولا يجوز كما قال أبو البقاء تعلقه
~~بالمطوعين للفصل، أخرج البغوي في «معجمه» وأبو الشيخ عن الحسن قال «قام
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما للناس فقال:

# " يا أيها الناس تصدقوا يا أيها الناس تصدقوا أشهد لكم بها يوم القيامة
~~ألا لعل أحدكم أن يبيت فصاله رواء وابن له طاو إلى جنبه ألا لعل أحدكم أن
~~يثمر ماله وجاره مسكين لا يقدر على شيء ألا رجل منح ناقة من إبله يغدو
~~برفد ويروح برفد يغدو بصبوح أهل بيته ويروح بغبوقهم ألا إن اجرها لعظيم
~~فقام رجل فقال: يا رسول الله عندي أبعرة عندي أربعة ذود فقام آخر قصير
~~القامة قبيح الشبه يقود ناقة له حسناء جملاء فقال له رجل من المنافقين
~~كلمة خفية لا يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم سمعها ناقته خير منه
~~فسمعها عليه الصلاة والسلام فقال: كذبت هو خير منك ومنها، ثم قام عبد
~~الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله عندي ثمانية آلاف تركت منها أربعة
~~لعيالي وجئت بأربعة أقدمها إلى الله تعالى فتكاثر المنافقون ما جاء به ثم
~~قام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: يا رسول الله عندي سبعون وسقا من تمر
~~فتكاثر المنافقون ما جاء به وقالوا: جاء هذا بأربعة آلاف وجاء هذا بسبعين
~~وسقا للرياء والسمعة فهلا أخفياها فهلا فرقاها، ثم قام رجل من الأنصار
~~اسمه الحبحاب يكنى أبا عقيل فقال: يا رسول الله مالي من مال غير اني آجرت
~~نفسي البارحة من بني فلان أجر الجرير في عنقي على صاعين من تمر فتركت
~~صاعا لعيالي وجئت بصاع أقربه إلى الله تعالى فلمزه المنافقون وقالوا:
~~جاء أهل الإبل بالإبل وجاء أهل الفضة بالفضة وجاء هذا بتميرات يحملها
~~فأنزل الله تعالى الآية "

# ، ولم يبين الآلاف التي ذكرها عبد الرحمن في هذه الرواية وكانت على ما
~~أخرجه ابن المنذر عن / مجاهد  دنانير  وفي رواية أنها ms03852 دراهم، وأخرج ابن
~~أبي حاتم عن الربيع بن أنس أن عبد الرحمن جاء بأربعمائة أوقية من ذهب
~~وهي نصف ما كان عنده وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم بارك له
~~فيما أعطى وبارك له فيما أمسك، وجاء في رواية الطبراني أن الله بارك له
~~حتى صولحت إحدى امرأتيه عن نصف الثمن على ثمانين ألف درهم، وفي «الكشاف»
~~وعزاه الطيبي «للاستيعاب» أن زوجته تماضر صولحت عن ربع الثمن على ثمانين
~~ألفا، فعلى الأول يكون له زوجتان وعلى الثاني يكون له أربع زوجات،
~~ويختلف مجموع المالين على الروايتين اختلافا كثيرا، وفي رواية ابن أبي
~~حاتم عن ابن زيد أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان أحد المطوعين
~~وأنه جاء بمال كثير يحمله فقال له رجل من المنافقين: أترائي يا عمر؟
~~فقال: نعم أرائي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فأما غيرهما فلا.

# وقوله سبحانه: { والذين لا يجدون إلا جهدهم } عطف على
~~{ المطوعين } وهو من عطف الخاص على العام، وقيل: عطف على {
~~المؤمنين }. وتعقبه الأجهوري بأن فيه ايهام أن المعطوف ليس من
~~المؤمنين. وقال أبو البقاء: هو عطف على { الذين يلمزون } وأراه
~~خطأ صرفا. والجهد بالضم الطاقة أي ويلمزون الذين لا يجدون إلا طاقتهم
~~وما تبلغه قوتهم وهم الفقراء كأبي عقيل واسمه ما مر آنفا، وعن ابن
~~إسحق أن اسمه سهل بن رافع، وعن مجاهد أنه فسر الموصول برفاعة بن سعد،
~~ولعل الجمع حينئذ للتعظيم، ويحتمل أن يكون على ظاهره والمذكور سبب
~~النزول، وقرأ ابن هرمز { جهدهم } بالفتح وهو إحدى لغتين في الجهد
~~فمعنى المضموم والمفتوح واحد، وقيل: المفتوح بمعنى المشقة والمضموم بمعنى
~~الطاقة قاله القتبي، وقيل: المضموم شيء قليل يعاش به والمفتوح العمل.

# وقوله تعالى: { فيسخرون منهم } عطف على { يلمزون } أو
~~خبر على ما علمت أي يستهزئون بهم، والمراد بهم على ما قيل الفريق الأخير
~~{ سخر الله منهم } أي جازاهم على سخريتهم، فالجملة خبرية
~~والتعبير بذلك للمشاكلة وليس إنشائية للدعاء عليهم لأن يصيروا ضحكة لأن
~~قوله تعالى ms03853 جده: { ولهم عذاب أليم } جملة خبرية معطوفة عليها
~~فلو كانت دعاء لزم عطف الإخبارية على الإنشائية وفي ذلك كلام، وإنما
~~اختلفتا فعلية واسمية لأن السخرية في الدنيا وهي متجددة والعذاب في
~~الآخرة وهو دائم ثابت، والتنوين في العذاب للتهويل والتفخيم.

### || [9.80]

# { استغفر لهم أو لا تستغفر } الظاهر أن المراد به
~~وبمثله التخيير، ويؤيد إرادته هنا فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما
~~ستعلم إن شاء الله تعالى ذلك منه فكأنه قال سبحانه له عليه الصلاة
~~والسلام: إن شئت فاستغفر لهم وإن شئت فلا، وكلام النسفي تنسفه صحة
~~الأخبار نسفا. واختار غير واحد أن المراد التسوية بين الأمرين كما في
~~قوله تعالى:

# أنفقوا طوعا أو كرها

# [التوبة: 53] والبيت المار:

# أسيئي بنا أو أحسني

# الخ، والمقصود الإخبار بعدم الفائدة في ذلك وفيه من المبالغة ما فيه،
~~وقال بعض المحققين بعد اختياره للتسوية في مثل ذلك: إنها لا تنافي
~~التخيير فإن ثبت فهو بطريق الاقتضاء لوقوعها بين ضدين لا يجوز تركهما ولا
~~فعلهما فلا بد من أحدهما ويختلف الحال فتارة يكون الإثبات كما في قوله
~~تعالى:

# سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا
~~يؤمنون

# [البقرة: 6] وأخرى النفي كما هنا وفي قوله سبحانه:

# سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر
~~لهم

# [المنافقون: 6] { إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن
~~يغفر الله لهم } بيان لعدم المغفرة وإن استغفر لهم حسبما أريد
~~إثر التخيير أو بيان لاستحالة المغفرة بعد المبالغة في الاستغفار اثر
~~بيان الاستواء بين الاستغفار وعدمه. / وسبب النزول على ما روي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لما نزل قوله سبحانه:

# سخر الله منهم

# [التوبة: 79] الخ سأله عليه الصلاة والسلام اللامزون الاستغفار لهم
~~فهم أن يفعل فنزلت فلم يفعل. وقيل: نزلت بعد أن فعل، واختار الإمام
~~[الرازي] عدمه وقال: إنه لا يجوز الاستغفار للكافر فكيف يصدر عنه صلى
~~الله عليه وسلم. ورد بأنه يجوز لأحيائهم بمعنى طلب سبب الغفران، والقول
~~بأن الاستغفار للمصر لا ينفع لا ينفع، لأنه لا قطع بعدم نفعه ms03854 إلا أن يوحى
~~إليه عليه الصلاة والسلام بأنه لا يؤمن كأبي لهب، والقول بأن الاستغفار
~~للمنافق إغراء له على النفاق لا نفاق له أصلا وإلا لامتنع الاستغفار
~~لعصاة المؤمنين ولا قائل به، وقال بعضهم: إنه على تقدير وقوع الاستغفار
~~منه عليه الصلاة والسلام والقول بتقديم النهي المفاد بقوله تعالى:

# ما كان للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا
~~للمشركين

# [التوبة: 113] لا إشكال فيه إذ النهي ليس للتحريم بل لبيان عدم الفائدة
~~وهو كلام واه لأن قصارى ما تدل عليه الآية المنع من الاستغفار للكفار وهو
~~لا يقتضي المنع عن الاستغفار لمن ظاهر حاله الإسلام، والقول بأنه حيث لم
~~يستجب يكون نقصا في منصب النبوة ممنوع لأنه عليه الصلاة والسلام قد لا
~~يجاب دعاؤه لحكمة كما لم يجب دعاء بعض إخوانه الأنبياء عليهم السلام ولا
~~يعد ذلك نقصا كما لا يخفى.

# ومناسبة الآية لما قبلها على هذه الرواية في غاية الوضوح إلا أنه قيل:
~~إن الصحيح المعول عليه في ذلك أن عبد الله وكان اسمه الحباب وكان من
~~المخلصين ابن عبد الله بن أبي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض
~~أبيه أن يستغفر له ففعل فنزلت فقال عليه الصلاة والسلام: لأزيدن على
~~السبعين فنزلت

# سواء عليهم أستغفرت لهم

# [المنافقون: 6] الخ، وفيه رد على الإمام أيضا في اختياره عدم الاستغفار
~~وكذا في إنكاره كون مفهوم العدد حجة كما نقله عنه الإسنوي في «التمهيد»
~~مخالفا في ذلك الشافعي رضي الله تعالى عنه فإنه قائل بحجيته كما نقله
~~الغزالي عنه في «المنخول» وشيخه إمام الحرمين في البرهان وصرح بأن ذلك
~~قول الجمهور. وفي «المطلب» لابن الرفعة أن مفهوم العدد هو العمدة عندنا
~~في عدم تنقيص الحجارة في الاستنجاء على الثلاثة والزيادة على ثلاثة أيام
~~في الخيار، وما نقل عن النووي من أن مفهوم العدد باطل عند الأصوليين
~~محمول على أن المراد باطل عند جمع من الأصوليين كما يدل عليه كلامه في
~~«شرح مسلم» في باب الجنائز وإلا فهو عجيب منه.

# وكلام العلامة البيضاوي ms03855 مضطرب، ففي المنهاج التخصيص بالعدد لا يدل على
~~الزائد والناقص أي انه نص في مدلوله لا يحتمل الزيادة والنقصان، وفي
~~«التفسير» عند هذه الآية بعد سوق خبر سبب النزول أنه عليه الصلاة والسلام
~~فهم من السبعين العدد المخصوص لأنه الأصل فجاز أن يكون ذلك حدا يخالفه
~~حكم ما وراءه فبين عليه الصلاة والسلام أن المراد به التكثير لا التحديد،
~~وذكر في تفسير سورة البقرة [29] عند قوله سبحانه:

# فسواهن سبع سموات

# أنه ليس في الآية نفي الزائد، وإرادة التكثير من السبعين شائع في كلامهم
~~وكذا إرادته من السبعة والسبعمائة، وعلل في «شرح المصابيح» ذلك بأن
~~السبعة مشتملة على جملة أقسام العدد فإنه ينقسم إلى فرد وزوج وكل منهما
~~إلى أول ومركب فالفرد الأول ثلاثة والمركب من خمسة والزوج الأول إثنان
~~والمركب أربعة، وينقسم أيضا إلى منطق كالأربعة وأصم كالستة؛ والسبعة
~~تشتمل على جميع هذه الأقسام، ثم إن أريد المبالغة جعلت آحادها أعشارا
~~وأعشارها مئات، وأريد بالفرد الأول الذي لا يكون مسبوقا بفرد آخر عددي
~~كالثلاثة إذ الواحد ليس بعدد بناء على أنه ما ساوى نصف مجموع حاشيته
~~الصحيحتين، وبالفرد المركب الذي يكون مسبوقا بفرد آخر فإن الخمسة مسبوق
~~بثلاثة، وأريد بالزوج الأول الغير مسبوق بزوج آخر كالاثنين وبالمركب / ما
~~يكون مسبوقا به كالأربعة المسبوقة بالاثنين، وقد يقسم العدد ابتداء إلى
~~أول ومركب ويراد بالأول ما لا يعده إلا الواحد كالثلاثة والخمسة والسبعة
~~وبالمركب ما يعده غير الواحد كالأربعة فإنه يعدها الاثنان والتسعة فإنه
~~يعدها الثلاثة، وللمنطق إطلاقان فيطلق ويراد به ما له كسر صحيح من الكسور
~~التسعة، والأصم الذي يقابله ما لا يكون كذلك كأحد عشر، ويطلق ويراد به
~~المجذور وهو ما يكون حاصلا من ضرب عدد في نفسه كالأربعة الحاصلة من ضرب
~~الاثنين في نفسها والتسعة الحاصلة من ضرب الثلاثة في نفسها والأصم الذي
~~يقابله ما لا يكون كذلك كالاثنين والثلاثة وهذا مراد شارح «المصابيح» حيث
~~مثل الأصم بالستة مع أن لها كسرا صحيحا بل كسران النصف والسدس لكنها
~~ليست ms03856 حاصلة من ضرب عدد في نفسه، ومعنى اشتمال السبعة على هذه الأقسام أنه
~~إذا جمع الفرد الأول مع الزوج المركب أو الفرد المركب مع الزوج الأول كان
~~سبعة، وكذا إذا جمع المنطق كالأربعة مع الأصم كالثلاثة كان الحاصل سبعة
~~وهذه الخاصة لا توجد في العدد قبل السبعة، فمن ظن أن الأنسب بالاعتبار
~~بحسب هذا الاشتمال هو الستة لا السبعة لأنها المشتملة على ما ذكر فهو لم
~~يحصل معنى الاشتمال أو لم يعرف هذه الاصطلاحات لكونها من وظيفة علم
~~الأرتماطيقي.

# ومما ذكرنا من معنى الاشتمال يندفع أيضا ما يتوهم من أن التحقيق أن كل
~~عدد مركب من الوحدات لا من الأعداد التي تحته إذ ليس المراد من الاشتمال
~~التركيب على أن في هذا التحقيق مقالا مذكورا في محله.

# وقال ابن عيسى الربعي: إن السبعة أكمل الأعداد لأن الستة أول عدد تام
~~وهي مع الواحد سبعة فكانت كاملة إذ ليس بعد التمام إلا الكمال، ولذا سمي
~~الأسد سبعا لكمال قوته، وفسر العدد التام بما يساوي مجموع كسوره وكون
~~الستة كذلك ظاهر فإن كسورها سدس وهو واحد وثلث وهو إثنان ونصف وهو ثلاثة
~~ومجموعها ستة، لكن استبعد عدم فهم من هو أفصح الناس وأعرفهم باللسان صلى
~~الله عليه وسلم إرادة التكثير من السبعين هنا، ولذا قال البعض: إنه عليه
~~الصلاة والسلام لم يخف عليه ذلك لكنه خيل بما قال إظهارا لغاية رأفته
~~ورحمته لمن بعث إليه كقول إبراهيم عليه السلام:

# ومن عصاني فإنك غفور

# [إبراهيم: 36] يعني أنه صلى الله عليه وسلم أوقع في خيال السامع أنه فهم
~~العدد المخصوص دون التكثير فجوز الإجابة بالزيادة قصدا إلى إظهار الرأفة
~~والرحمة كما جعل إبراهيم عليه السلام جزاء من عصاني أي لم يمتثل أمر ترك
~~عبادة الأصنام قوله: { فإنك غفور رحيم } دون إنك شديد العقاب
~~مثلا فخيل أنه سبحانه يرحمهم ويغفر لهم رأفة بهم وحثا على الاتباع،
~~وتعقب بأن ذكره للتمويه والتخييل بعدما فهم عليه الصلاة والسلام منه
~~التكثير لا يليق بمقامه الرفيع، وفهم المعنى الحقيقي ms03857 من لفظ اشتهر مجازه
~~لا ينافي الفصاحة والمعرفة باللسان فإنه لا خطأ فيه ولا بعد إذ هو الأصل،
~~ورجحه عنده عليه الصلاة والسلام شغفه بهدايتهم ورأفته بهم واستعطاف من
~~عداهم، ولعل هذا أولى من القول بالتمويه بلا تمويه.

# وأنكر إمام الحرمين صحة ما يدل عليه أنه عليه الصلاة والسلام فهم على أن
~~حكم ما زاد على السبعين بخلافه وهو غريب منه، فقد جاء ذلك من رواية
~~البخاري. ومسلم. وابن ماجه والنسائي وكفى بهم، وقول الطبرسي: إن خبر
~~«لأزيدن» الخ خبر واحد لا يعول عليه لا يعول عليه، وتمسك في ذلك بما هو
~~كحبل الشمس وهو عند القائلين بالمفهوم كجبال القمر، وأجاب المنكرون له
~~بمنع فهم ذلك لأن ذكر السبعين للمبالغة وما زاد عليه مثله في الحكم وهو
~~مبادرة عدم المغفرة فكيف يفهم منه المخالفة، ولعله علم صلى الله عليه
~~وسلم أنه غير مراد ههنا بخصوصه سلمناه لكن لا نسلم فهمه منه، ولعله /
~~باق على أصله في الجواز إذ لو لم يتعرض له بنفي ولا إثبات والأصل جواز
~~الاستغفار للرسول عليه الصلاة والسلام وكونه مظنة الإجابة ففهم من حيث
~~أنه الأصل لا من التخصيص بالذكر، وحاصل الأول منه فهمه منه مطلقا بل
~~إنما فهم من الخارج، وحاصل الثاني تسليم فهمه منه في الجلمة لكن لا بطريق
~~المفهوم بل من جهة الأصل.

# وأنت تعلم أن ظاهر الخبر مع القائلين بالمفهوم غاية الأمر أن الله
~~سبحانه أعلم نبيه عليه الصلاة والسلام بأية المنافقين أن المراد بالعدد
~~هنا التكثير دون التحديد ليكون حكم الزائد مخالفا لحكم المذكور فيكون
~~المراد بالآيتين عند الله تعالى واحدا وهو عدم المغفرة لهم مطلقا، لكن
~~في دعوى نزول آية المنافقين بعد هذه الآية إشكال، أما على القول بأن
~~براءة آخر ما نزل فظاهر وأما على القول بأن أكثرها أو صدرها كذلك وحينئذ
~~لا مانع من تأخر نزول بعض الآيات منها عن نزول بعض من غيرها فلأن صدر ما
~~في سورة المنافقين يقتضي أنها نزلت في غير قصة هذه التي ms03858 سلفت آنفا،
~~وظاهر الأخبار كما ستعلم إن شاء الله تعالى يقتضي أنها نزلت في ابن أبي
~~ولم يكن مريضا، وما تقدم في سبب نزول ما هنا نص في أنه نزل وهو مريض،
~~والقول بأن تلك نزلت مرتين يحتاج إلى النقل ولا يكتفي في مثله بالرأي
~~وأنى به، على أنه يشكل حينئذ قوله عليه الصلاة والسلام

# " لأزيدن على السبعين "

# مع تقدم تزول المبين للمراد منه، والقول بالغفلة لا أراه إلا ناشئا من
~~الغفلة عن قوله تعالى:

# سنقرئك فلا تنسى

# [الأعلى: 6] بل الجهل بمقامه الرفيع عليه الصلاة والسلام ومزيد اعتنائه
~~بكلام ربه سبحانه، ولم أر من تعرض لدفع هذا الإشكال، ولا سبيل إلى دفعه
~~إلا بمنع نزول ما في سورة المنافقين في قصة أخرى ومنع دلالة الصدر على
~~ذلك. نعم ذكروا أن الصدر نزل في ابن أبي ولم يكن مريضا إذ ذاك؛ ولم نقف
~~على نص في أن العجز نزل فيه كذلك، والظاهر نزوله بعد قوله سبحانه:

# ولا تصل على أحد منهم

# [التوبة: 84] الخ وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يؤيد ذلك عند تفسير الآية
~~فافهم.

# { ذلك } أي امتناع المغفرة لهم ولو بعد ذلك الاستغفار { بأنهم
~~} أي بسبب أنهم { كفروا بالله ورسوله } يعني ليس الامتناع
~~لعدم الاعتداد باستغفارك بل بسبب عدم قابليتهم لأنهم كفروا كفرا
~~متجاوزا للحد كما يشير إليه وصفهم بالفسق في قوله سبحانه: { والله
~~لا يهدي القوم الفسقين } فإن الفسق في كل شيء عبارة عن
~~التمرد والتجاوز عن حدوده، والمراد بالهداية الدلالة الموصلة لا الدلالة
~~على ما يوصل لأنها واقعة لكن لم يقبلوها لسوء اختيارهم، والجملة تذييل
~~مؤكد لما قبله من الحكم فإن مغفرة الكفار بالإقلاع عن الكفر والإقبال إلى
~~الحق والمنهمك فيه المطبوع عليه بمعزل من ذلك، وفيه تنبيه على عذر النبي
~~صلى الله عليه وسلم في الاستغفار لهم وهو عدم يأسه من إيمانهم حيث لم
~~يعلم إذ ذاك أنهم مطبوعون على الغي لا ينجع فيهم العلاج ولا يفيدهم
~~الإرشاد، والممنوع هو الاستغفار بعد العلم بموتهم كفارا كما يشهد ms03859 له
~~قوله سبحانه:

# ما كان للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا
~~للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعدما
~~تبين لهم أنهم أصحب الجحيم

# [التوبة: 113] ولعل نزول قوله سبحانه: { بأنهم } الخ متراخ عن
~~نزول قوله سبحانه: { استغفر لهم } الخ كما قيل وإلا لم يكن له
~~صلى الله عليه وسلم عذر في الاستغفار بعد النزول. والقول بأن هذا العذر
~~إنما يصح لو كان الاستغفار للحي كما مر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~فيه نظر.

### || [9.81]

# { فرح المخلفون } أي الذين خلفهم النبي صلى الله عليه وسلم
~~وأذن لهم في التخلف، أو خلفهم الله تعالى بتثبيطه إياهم / لحكمة علمها أو
~~خلفهم الشيطان باغرائه أو خلفهم الكسل والنفاق { بمقعدهم } متعلق
~~بفرح وهو مصدر ميمي بمعنى القعود. وقيل: اسم مكان، والمراد منه المدينة،
~~والأكثرون على الأول أي فرحوا بقعودهم عن الغزو { خلف رسول
~~الله } أي خلفه عليه الصلاة والسلام وبعد خروجه حيث خرج ولم يخرجوا،
~~فهو نصب على الظرفية بمعنى بعد وخلف وقد استعملته العرب في ذلك، والعامل
~~فيه كما قال أبو البقاء (مقعد) وجوز أن يكون { فرح }. وقيل: هو بمعنى
~~المخالفة فيكون مصدر خالف كالقتال وحينئذ يصح أن يكون حالا بمعنى
~~مخالفين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يكون مفعولا له والعامل إما
~~{ فرح } أي فرحوا لأجل مخالفته صلى الله عليه وسلم بالقعود وإما
~~(مقعدهم) أي فرحوا بقعودهم لأجل المخالفة، وجعل المخالفة علة باعتبار أن
~~قصدهم ذلك لنفاقهم ولا حاجة إلى أن يقال قصدهم الاستراحة ولكن لما آل
~~أمرهم إلى ذلك جعل علة كما قالوا في لام العاقبة وجوز أن يكون نصبا على
~~المصدر بفعل دل عليه الكلام.

# { وكرهوا أن يجهدوا بأمولهم وأنفسهم فى
~~سبيل الله } إيثارا للراحة والتنعم بالمآكل والمشارب مع ما في
~~قلوبهم من الكفر والنفاق، وبين الفرح والكراهة مقابلة معنوية لأن الفرح
~~بما يحب.

# وإيثار ما في النظم على أن يقال وكرهوا أن يخرجوا مع رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم إيذان بأن الجهاد في سبيل الله تعالى مع كونه ms03860 من أجل الرغائب
~~التي ينبغي أن يتنافس فيها المتنافسون قد كرهوه كما فرحوا بأقبح القبائح
~~وهو القعود خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الكلام تعريض
~~بالمؤمنين الذين آثروا ذلك وأحبوه ابتغاء لرضا الله تعالى ورسوله {
~~وقالوا } أي لإخوانهم تثبيتا لهم على القعود وتواصيا بينهم بالفساد
~~أو للمؤمنين تثبيطا لهم على الجهاد ونهيا عن المعروف وإظهارا لبعض
~~العلل الداعية لهم إلى ما فرحوا به، والقائل رجال من المنافقين كما روي
~~عن جابر بن عبد الله وهو الذي يقتضيه الظاهر. وأخرج ابن جرير عن محمد بن
~~كعب القرظي أن القائل رجل من بني سلمة، ووجه ضمير الجمع على هذا يعلم بما
~~مر غير مرة { لا تنفروا } لا تخرجوا إلى الغزو { فى الحر }
~~فإنه لا يستطاع شدته.

# { قل } يا محمد ردا عليهم وتجهيلا لهم { نار جهنم } التي هي
~~مصيركم بما فعلتم { أشد حرا } من هذا الحر الذي ترونه مانعا من
~~النفير فما لكم لا تحذرونها وتعرضون أنفسكم لها بإيثار القعود والمخالفة
~~لله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام { لو كانوا يفقهون }
~~تذييل من جهته تعالى غير داخل على القول المأمور به مؤكد لمضمونه، وجواب
~~{ لو } مقدر وكذا مفعول { يفقهون } أي لو كانوا يعلمون أنها كذلك
~~أو أحوالها وأهوالها أو أن مرجعهم إليها لما آثروا راحة زمن قليل على
~~عذاب الأبد، وأجهل الناس من صان نفسه عن أمير يسير يوقعه في ورطة عظيمة،
~~وأنشد الزمخشري لابن أخت خالته:

# مسرة أحقاب تلقيت بعدها

# مساءة يوم أريها شبه الصاب

# فكيف بأن تلقى مسرة ساعة

# وراء تقضيها مساءة أحقاب

# / وقدر بعضهم الجواب لتأثروا بهذا الإلزام وهو خلاف الظاهر، وجوز أن
~~تكون { لو } لمجرد التمني المنبىء عن امتناع تحقق مدخولها، وينزل الفعل
~~المتعدي منزلة اللازم فلا جواب ولا مفعول ويؤول المعنى إلى أنهم ما كانوا
~~من أهل الفطانة والفقه، ويكون الكلام نظير قوله تعالى:

# قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني
~~الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون

# [يونس: 101] وهو خلاف الظاهر أيضا.

### || [9.82]

# { فليضحكوا قليلا وليبكوا ms03861 كثيرا } إخبار عن عاجل
~~أمرهم وآجله من الضحك القليل في الدنيا والبكاء الكثير في الأخرى،
~~وإخراجه في صورة الأمر للدلالة على تحتم وقوع المخبر به وذلك لأن صيغة
~~الأمر للوجوب في الأصل والأكثر فاستعمل في لازم معناه أو لأنه لا يحتمل
~~الصدق والكذب بخلاف الخبر كذا قرره الشهاب ثم قال: فإن قلت: الوجوب لا
~~يقتضي الوجود وقد قالوا: إنه يعبر عن الأمر بالخبر للمبالغة لاقتضائة
~~تحقق المأمور به فالخبر آكد وقد مر مثله فما باله عكس. قلت: لا منافاة
~~بينهما كما قيل لأن لكل مقام مقالا والنكت لا تتزاحم فإذا عبر عن الأمر
~~بالخبر لإفادة أن المأمور لشدة امتثاله كأنه وقع منه ذلك وتحقق قبل الأمر
~~كان أبلغ، وإذا عبر عن الخبر بالأمر لإفادة لزومه ووجوبه كأنه مأمور به
~~أفاد ذلك مبالغة من جهة أخرى، وقيل: الأمر هنا تكويني كما في قوله تعالى:

# إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون

# [يس: 82] ولا يخفى ما فيه.

# والفاء لسببية ما سبق للإخبار بما ذكر من الضحك والبكاء لا لنفسهما إذ
~~لا يتصور في الأول أصلا، وجعل ذلك سببا لاجتماع الأمرين بعيد، ونصب {
~~قليلا } و { كثيرا } على المصدرية أو الظرفية أي ضحكا أو زمانا
~~قليلا وبكاء أو زمانا كثيرا، والمقصود بإفادته في الأول على ما قيل هو
~~وصف القلة فقط وفي الثاني هو وصف الكثرة مع الموضوف، فيروى أن أهل النفاق
~~يبكون في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم.

# وجوز أن يكون الضحك كناية عن الفرح والبكاء كناية عن الغم والأول في
~~الدنيا والثاني في الأخرى أيضا، والقلة على ما يتبادر منها، ولا حاجة
~~إلى حملها على العدم كما حملت الكثرة على الدوام. نعم إذا اعتبر كل من
~~الأمرين في الآخرة احتجنا إلى ذلك إذ لا سرور فيها لهم أصلا، ويفهم من
~~كلام ابن عطية أن البكاء والضحك في الدنيا كما في حديث الشيخين وغيرهما

# " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا "

# أي أنهم بلغوا في سوء ms03862 الحال والخطر مع الله تعالى إلى حيث ينبغي أن يكون
~~ضحكهم قليلا وبكاؤهم من أجل ذلك كثيرا.

# { جزآء بما كانوا يكسبون } أي من فنون المعاصي، والجمع بين
~~صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار التجددي، و { جزآء }
~~مفعول له للفعل الثاني ولك أن تجعله مفعولا له للفعلين أو مصدر من
~~المبني للمفعول حذف ناصبه أي يجزون مما ذكر من البكاء الكثير أو منه ومن
~~الضحك القليل جزاء بما استمروا عليه من المعاصي.

### || [9.83]

# { فإن رجعك الله } أي من سفرك، والفاء لتفريع الأمر الآتي على
~~ما بين من أمرهم و (رجع) هنا متعد بمعنى رد ومصدره الرجع وقد يكون
~~لازما ومصدره الرجوع، وأوثر استعمال المتعدي وإن كان استعمال اللازم
~~كثيرا إشارة إلى أن ذلك السفر لما فيه من الخطر يحتاج الرجوع منه لتأييد
~~إلهي ولذا أوثرت كلمة (إن) على إذا أي فإن ردك الله سبحانه { إلى
~~طائفة منهم } أي إلى المنافقين من المتخلفين بناء على أن منهم
~~من لم يكن منافقا أو إلى من بقي من المنافقين المتخلفين بأن ذهب بعضهم
~~بالموت أو بالغيبة عن البلد أو بأن لم / يستأذنك البعض، وقيل: المراد
~~بتلك الطائفة من بقي من المنافقين على نفاقه ولم يتب وليس بذاك. أخرج ابن
~~المنذر وغيره عن قتادة أنه قال في الآية: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر
~~رجلا من المنافقين وفيهم قيل ما قيل. { فاستأذنوك للخروج }
~~معك إلى غزوة أخرى بعد غزوتك هذه التي ردك الله منها بتأييده { فقل }
~~لهم إهانة لهم على أتم وجه { لن تخرجوا معي أبدا } ما دمت
~~ودمتم { ولن تقتلوا معي عدوا } من الأعداء، وهو إخبار في
~~معنى النهي للمبالغة. وذكر القتال كما قال بعض المحققين لأنه المقصود من
~~الخروج فلو اقتصر على أحدهما لكفى إسقاطا لهم عن مقام الصحبة ومقام
~~الجهاد أو عن ديوان الغزاة وديوان المجاهدين وإظهارا لكراهة صحبتهم وعدم
~~الحاجة إلى عدهم من الجند أو ذكر الثاني للتأكيد لأنه أصرح في المراد
~~والأول لمطابقته للسؤال، ونظير ذلك:

# أقول له ارحل لا ms03863 تقيمن عندنا

# فإن الثاني أدل على الكراهة.

# { إنكم رضيتم بالقعود } عن الخروج معي وفرحتم به {
~~أول مرة } أي من الخروج فنصب أفعل المضاف على المصدرية، وقيل:
~~على الظرفية الزمانية واستبعده أبو حيان، والظاهر أن هذا الاختلاف
~~للاختلاف في { مرة } ونقل عن أبي البقاء أنها في الأصل مصدر مر يمر
~~ثم استعملت ظرفا، واختار القاضي البيضاوي بيض الله غرة أحواله النصب على
~~المصدرية وأشار إلى تأنيث الموصوف حيث قال: وأول مرة هي الخرجة إلى غزوة
~~تبوك وذكر أفعل لأن التذكير هو الأكثر في مثل ذلك. وفي «الكشاف» ((أن {
~~مرة } نكرة وضعت موضع المرات للتفضيل، وذكر اسم التفضيل المضاف إليها
~~وهو دال على واحدة من المرات لأن أكثر اللغتين  هند أكبر النساء وهي
~~أكبرهن ، وهي كبرى مرأة لا تكاد تعثر عليه ولكن هي أكبر امرأة وأول مرة
~~وآخر مرة))، وعلل في «الكشف» عدم العثور على نحو هي كبرى امرأة بأن أفعل
~~فيه مضاف إلى غير المفضل عليه بل إلى العدد المتلبس هو به بيانا له
~~فكأنه قيل: هي امرأة أكبر من كل واحدة واحدة من النساء، وفي مثله لا
~~يختلف أفعل التفضيل، فالتحقيق أنه لا يشبه ما فيه اللام وإنما المطابقة
~~بين موصوفه وما أضيف إليه ولا مدخل لطباقه في اللفظ والمعنى فتدبر،
~~والجملة في موضع التعليل لما سلف فهي مستأنفة استئنافا بيانيا أي لأنكم
~~رضيتم.

# { فاقعدوا مع الخلفين } أي المتخلفين لعدم لياقتهم
~~كالنساء والصبيان والرجال العاجزين، وجمع المذكر للتغليب، واقتصر ابن
~~عباس على الأخير، وتفسير الخالف بالمتخلف هو المأثور عن أكثر المفسرين
~~السلف، وقيل: إنه من خلف بمعنى فسد. ومنه خلوف فم الصائم لتغير رائحته،
~~والظرف متعلق بما عنده أو بمحذوف وقع حالا من ضمير الجمع، والفاء لتفريع
~~الأمر بالقعود بطريق العقوبة على ما صدر منهم من الرضا بالقعود أي إذا
~~رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا من بعد. وقرأ عكرمة { الخلفين } بوزن
~~حذرين ولعله صفة مشبهة مثله، وقيل: هو مقصور من الخالفين إذ لم يثبت
~~استعماله كذلك على أنه صفة مشبهة. ms03864

### || [9.84]

# { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } إشارة إلى
~~إهانتهم بعد الموت. أخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال:

# " لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله
~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه
~~فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه / فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي
~~فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله تصلي
~~عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما
~~خيرني الله فقال: { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن
~~تستغفر لهم سبعين مرة } [التوبة: 80] وسأزيده على
~~السبعين قال: إنه منافق قال فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فأنزل الله سبحانه: { ولا تصل على أحد منهم } الآية ".

# وفي رواية أخرى له

# " عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب أنه لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول
~~دعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فلما قام وثبت إليه
~~فقلت: يا رسول الله أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا كذا وكذا أعدد
~~عليه قوله فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " أخر عني يا عمر "
~~فلما أكثرت عليه قال: " أخر عني لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر له
~~لزدت عليها "

# قال فصلي عليه عليه الصلاة والسلام ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرا حتى
~~نزلت الآيتان من براءة { ولا تصل على أحد منهم } إلى قوله:
~~{ وهم فسقون } فعجبت من جراءتي على رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم، وظاهر هذين الخبرين أنه لم ينزل بين

# استغفر لهم أولا تستغفر لهم

# [التوبة: 80]، وقوله تعالى: { ولا تصل على أحد منهم } شيء
~~ينفع عمر رضي الله تعالى عنه وإلا لذكر، والظاهر أن مراده بالنهي في
~~الخبر الأول ما فهمه من الآية الأولى لا ما يفهم كما قيل من قوله تعالى: ms03865

# ما كان للنبي والذين ءامنوا أن يستغفروا
~~للمشركين

# [التوبة: 113] لعدم مطابقة الجواب حينئذ كما لا يخفى.

# وأخرج أبو يعلى وغيره عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن
~~يصلي على ابن أبي فأخذ جبريل عليه السلام بثوبه فقال: { ولا تصل }
~~الآية، وأكثر الروايات أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليه وأن عمر رضي الله
~~تعالى عنه أحب عدم الصلاة عليه وعد ذلك أحد موافقاته للوحي وإنما لم ينه
~~صلى الله عليه وسلم عن التكفين بقميصه ونهى عن الصلاة عليه لأن الضنة
~~بالقميص كانت مظنة الإخلال بالكرم على أنه كان مكافأة لقميصه الذي ألبسه
~~العباس رضي الله تعالى عنه حين أسر ببدر فإنه جيء به رضي الله تعالى عنه
~~ولا ثوب عليه وكان طويلا جسيما فلم يكن ثوب بقدر قامته غير ثوب ابن
~~أبي فكساه إياه، وأخرج أبو الشيخ عن قتادة أنهم ذكروا القميص بعد نزول
~~الآية فقال عليه الصلاة والسلام:

# " وما يغني عنه قميصي والله إني لأرجو أن يسلم به أكثر من ألف من بني
~~الخزرج "

# وقد حقق الله تعالى رجاء نبيه كما في بعض الآثار، والأخبار فيما كان منه
~~عليه الصلاة والسلام مع ابن أبي من الصلاة عليه وغيرها لا تخلو عن
~~التعارض، وقد جمع بينهما حسبما أمكن علماء الحديث، وفي «لباب التأويل»
~~[للخازن] نبذة من ذلك فليراجع.

# والمراد من الصلاة المنهي عنها صلاة الميت المعروفة وهي متضمنة للدعاء
~~والاستغفار والاستشفاع له قيل: والمنع عنها لمنعه عليه الصلاة والسلام من
~~الدعاء للمنافقين المفهوم من الآية السابقة أو من قوله سبحانه:

# ما كان للنبي

# [التوبة: 113] الخ، وقيل: هي هنا بمعنى الدعاء، وليس بذاك، و { أبدا
~~} ظرف متعلق بالنهي، وقيل: متعلق بمات، والموت الأبدي كناية عن الموت على
~~الكفر لأن المسلم يبعث ويحيا حياة طيبة، والكافر وإن بعث لكنه للتعذيب
~~فكأنه لم يحي، وزعم بعضهم أنه لو تعلق بالنهي لزم أن لا تجوز الصلاة على
~~من تاب منهم ومات على الإيمان مع أنه لا حاجة للنهي عن الصلاة ms03866 عليهم إلى
~~قيد التأبيد، ولا يخفى أنه أخطأ ولم يشعر بأن { منهم } حال من الضمير
~~في { مات } أي مات حال كونه منهم أي متصفا بصفتهم وهي النفاق كقولهم:
~~أنت مني يعني على طريقتي وصفتي كما صرحوا به على أنه لو جعل الجار
~~والمجرور صفة لأحد لا يكاد يتوهم ما ذكر وكيف يتوهم مع قوله تعالى الآتي
~~{ إنهم كفروا } الخ، وقوله: مع أنه لا حاجة إلى النهي الخ لظهور
~~ما فيه لا حاجة إلى ذكره، و { مات } ماض باعتبار / سبب النزول وزمان
~~النهي ولا ينافي عمومه وشموله لمن سيموت، وقيل: إنه بمعنى المستقبل وعبر
~~به لتحققه؛ والجملة في موضع الصفة لأحد.

# { ولا تقم على قبره } أي لا تقف عليه ولا تتول دفنه من
~~قولهم: قام فلان بأمر فلان إذا كفاه إياه وناب عنه فيه، ويفهم من كلام
~~بعضهم أن { على } بمعنى عند، والمراد لا تقف عند قبره للدفن أو
~~للزيارة، والقبر في المشهور مدفن الميت ويكون بمعنى الدفن وجوزوا إرادته
~~هنا أيضا. وفي «فتاوى الجلال السيوطي» هل يفسر القيام هنا بزيارة القبور
~~وهل يستدل بذلك على أن الحكمة في زيارته صلى الله عليه وسلم قبر أمه أنه
~~لإحيائها لتؤمن به بدليل أن تاريخ الزيارة كان بعد النهي؟ الجواب المراد
~~بالقيام على القبر الوقوف عليه حالة الدفن وبعده ساعة، ويحتمل أن يعم
~~الزيارة أيضا أخذا من الإطلاق وتاريخ الزيارة كان قبل النهي لا بعده
~~فإن الذي صح في الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم زارها عام الحديبية
~~والآية نازلة بعد غزوة تبوك، قم الضمير في { منهم } خاص بالمنافقين
~~وإن كان بقية المشركين يلحقون بهم قياسا، وقد صح في حديث الزيارة أنه
~~استأذن ربه في ذلك فأذن له وهذا الإذن عندي يستدل به على أنها من
~~الموحدين لا من المشركين كما هو اختياري، ووجه الاستدلال به أنه نهاه عن
~~القيام على قبور الكفار وأذن له في القيام على قبر أمه فدل على أنها ليست
~~منهم وإلا لما كان يأذن له فيه، واحتمال التخصيص ms03867 خلاف الظاهر ويحتاج إلى
~~دليل صريح، ولعله عليه الصلاة والسلام كان عنده وقفة في صحة توحيد من كان
~~في الجاهلية حتى أوحى إليه صلى الله عليه وسلم بصحة ذلك، فلا يرد أن
~~استئذانه يدل على خلاف ذلك وإلا لزارها من غير استئذان اه.

# وفي كون المراد بالقيام على القبر الوقوف عليه حالة الدفن وبعده ساعة
~~خفاء إذ المتبادر من القيام على القبر ما هو أعم من ذلك نعم كان الوقوف
~~بعد الدفن قدر نحر جزور مندوبا ولعله لشيوع ذلك إذ ذاك أخذ في مفهوم
~~القيام على القبر ما أخذ. وفي جواز زيارة قبور الكفار خلاف وكثير من
~~القائلين بعدم الجواز حمل القيام على ما يعم الزيارة ومن أجاز استدل
~~بقوله صلى الله عليه وسلم:

# " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة "

# فإنه عليه الصلاة والسلام علل الزيارة بتذكير الآخرة ولا فرق في ذلك بين
~~زيارة قبور المسلمين وقبور غيرهم، وتمام البحث في موضعه والاحتياط عندي
~~عدم زيارة قبور الكفار.

# { إنهم كفروا بالله ورسوله } جملة مستأنفة سيقت
~~لتعليل النهي على معنى أن الصلاة على الميت والاحتفال به إنما يكون
~~لحرمته وهم بمعزل عن ذلك لأنهم استمروا على الكفر بالله تعالى ورسوله صلى
~~الله عليه وسلم مدة حياتهم { وماتوا وهم فسقون } أي متمردون
~~في الكفر خارجون عن حدوده.

### || [9.85]

# تأكيد لما تقدم من نظيره والأمر حقيق بذلك لعموم البلوى بمحبة ما ذكر
~~والإعجاب به، وقال الفارسي: إن ما تقدم في قوم وهذا في آخرين فلا تأكيد،
~~وجيء بالواو هنا لمناسبة عطف نهي على نهي قبله أعني قوله سبحانه:

# ولا تصل

# [التوبة: 84] الخ، وبالفاء هناك لمناسبة التعقيب لقوله تعالى: قبل

# ولا ينفقون إلا وهم كرهون

# [التوبة: 54] فإن حاصله لا ينفقون إلا وهم كارهون للإنفاق فهم معجبون
~~بكثرة الأموال والأولاد فنهى عن الإعجاب المتعقب له. / وقيل: هنا {
~~وأولدهم } دون  لا  لأنه نهى عن الإعجاب بهما مجتمعين وهناك
~~بزيادة لا لأنه نهى عن كل واحد واحد فدل مجموع الآيتين على النهي عن
~~الإعجاب ms03868 بهما مجتمعين ومنفردين وهنا { أن يعذبهم } وهناك

# ليعذبهم

# [التوبة: 55] للإشارة إلى أن إرادة شيء لشيء راجعة إلى إرادة ذلك الشيء
~~بناء على أن متعلق الإرادة هناك الإعطاء واللام للتعليل أي إنما يريد
~~إعطاءهم للتعذيب، وأما إذا قلنا: إن اللام فيما تقدم زائدة فالتغاير
~~يحتمل أن يكون لأن التأكيد هناك لتقدم ما يصلح سببا للتعذيب بالأموال
~~أوقع منه هنا لعدم تقدم ذلك وجاء هناك

# في الحياة الدنيا

# وهنا { في الدنيا } تنبيها على أن حياتهم كلا حياة فيها ويشير ذلك
~~هنا إلى أنهم بمنزلة الأموات. وبين ابن الخازن سر تغاير النظمين الكريمين
~~بما لا يخفى ما فيه، وتقديم الأموال على الأولاد مع أنهم أعز منها لعموم
~~مساس الحاجة إليها دون الأولاد، وقيل: لأنها أقدم في الوجود منهم.

### || [9.86]

# { وإذا أنزلت سورة } من القرآن والمراد بها على ما قيل: سورة
~~معينة وهي براءة، وقيل: المراد كل سورة ذكر فيها الإيمان والجهاد وهو
~~أولى وأفيد لأن استئذانهم عند نزول آيات براءة علم مما مر، و { إذا }
~~تفيد التكرار بقرينة المقام وإن لم تفده بالوضع كما نص عليه بعض
~~المحققين، وجوز أن يراد بالسورة بعضها مجازا من باب إطلاق الجزء على
~~الكل، ويوهم كلام «الكشاف» إن إطلاق السورة على بعضها بطريق الاشتراك
~~كإطلاق القرآن على بعضه وليس بذاك، والتنوين للتفخيم أي سورة جليلة الشأن
~~{ أن آمنوا } أي بأن آمنوا فأن مصدرية حذف عنها الجار وجوز أن تكون
~~مفسرة لتقدم الإنزال وفيه معنى القول دون حروفه، والخطاب للمنافقين،
~~والمراد أخلصوا الإيمان { بالله وجهدوا مع رسوله }
~~لإعزاز دينه وإعلاء كلمته، وأما التعميم أو إرادة المؤمنين بمعنى دوموا
~~على الإيمان بالله الخ كما ذهب إليه الطبرسي وغيره فلا يناسب المقام
~~ويحتاج فيه ارتباط الشرط والجزاء إلى تكلف ما لا حاجة إليه كاعتبار ما هو
~~من حال المؤمنين الخلص في النظم الجليل { استأذنك } أي طلب الإذن
~~منك وفيه التفات { أولوا الطول منهم } أي أصحاب الفضل والسعة
~~من المنافقين وهم من له قدرة مالية ويعلم من ذلك البدنية بالقياس وخصوا ms03869
~~بالذكر لأنهم الملومون { وقالوا ذرنا } أي دعنا { نكن مع
~~القعدين } أي الذين لم يجاهدوا لعذر من الرجال والنساء ففيه
~~تغليب، والعطف على { استأذنك } للتفسير مغن عن ذكر ما استأذنوا فيه
~~وهو القعود.

### || [9.87]

# { رضوا بأن يكونوا مع الخولف } أي النساء كما روي عن
~~ابن عباس وقتادة وهو جمع خالفة وأطلق على المرأة لتخلفها عن أعمال الرجال
~~كالجهاد وغيره، والمراد ذمهم وإلحاقهم بالنساء في التخلف عن الجهاد،
~~ويطلق الخالفة على من لا خير فيه، والتاء فيه للنقل للإسمية، وحمل بعضهم
~~الآية على ذلك فالمقصود حينئذ من لا فائدة فيه للجهاد وجمعه على فواعل
~~على الأول ظاهر وأما على الثاني فلتأنيث لفظه لأن فاعلا لا يجمع على
~~فواعل في العقلاء الذكور إلا شذوذا { وطبع على قلوبهم
~~فهم } بسبب ذلك { لا يفقهون } ما ينفعهم وما يضرهم في الدارين.

### || [9.88]

# { لكن الرسول والذين ءامنوا معه جهدوا
~~بأمولهم وأنفسهم } استدراك لما فهم من الكلام، والمعنى إن
~~تخلف هؤلاء ولم يجاهدوا فلا ضير لأنه قد نهض على أتم وجه من هو خير منهم
~~فهو على حد قوله تعالى: /

# فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما
~~ليسوا بها بكفرين

# [الأنعام: 89] وفي الآية تعريض بأن القوم ليسوا من الإيمان بالله تعالى
~~في شيء وإن لم يعرضوا عنه صريحا إعراضهم عن الجهاد باستئذانهم في القعود
~~{ وأولئك } أي المنعوتون بالنعوت الجليلة { لهم } بواسطة ذلك {
~~الخيرات } أي المنافع التي تسكن النفس إليها وترتاح لها، وظاهر اللفظ
~~عمومها هنا لمنافع الدارين كالنصر والغنيمة في الدنيا والجنة ونعيمها في
~~الأخرى، وقيل: المراد بها الحور لقوله تعالى:

# فيهن خيرت حسان

# [الرحمن: 70] فإنها فيه بمعنى الحور فتحمل عليه هنا أيضا. ونص المبرد
~~على أن الخيرات تطلق على الجواري الفاضلات وهي جمع خيرة بسكون الياء مخفف
~~خيرة المشددة تأنيث خير وهو الفاضل من كل شيء المستحسن منه {
~~وأولئك هم المفلحون } أي الفائزون بالمطالب دون من حاز
~~بعضا يفنى عما قليل، وكرر اسم الإشارة تنويها بشأنهم.

### || [9.89]

# { أعد الله لهم } استئناف لبيان كونهم مفلحين، وقيل: يجوز ms03870 أن
~~يكون بيانا لما لهم من المنافع الأخروية ويخص ما قبل بمنافع الدنيا
~~بقرينة المقابلة، والإعداد التهيئة أي هيأ لهم { جنت تجري من
~~تحتها الأنهر خلدين فيها } حال مقدرة من الضمير في {
~~لهم } والعامل { أعد }  { ذلك } إشارة إلى ما فهم من الكلام من
~~نيل الكرامة العظمى { الفوز } أي الظفر { العظيم } الذي لا فوز
~~وراءه.

### || [9.90]

# { وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم } شروع في
~~بيان أحوال منافقي الأعراب إثر بيان أحوال منافقي أهل المدينة.
~~والمعذرون من عذر في الأمر إذا قصر فيه وتوانى ولم يجد، وحقيقته أن يوهم
~~أن له عذرا فيما يفعل ولا عذر له، ويحتمل أن يكون من اعتذر والأصل
~~المعتذون فأدغمت التاء في الذال بعد نقل حركتها إلى العين، ويجوز كسرها
~~لالتقاء الساكنين وضمها إتباعا للميم لكن لم يقرأ بهما، وقرأ يعقوب {
~~المعذرون } بالتخفيف وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فهو من
~~أعذر إذا كان له عذر. وعن مسلمة أنه قرأ { المعذرون } بتشديد العين
~~والذال من تعذر بمعنى اعتذر.

# وتعقب ذلك أبو حيان فقال: ((هذه القراءة إما غلط من القارىء أو عليه لأن
~~التاء لا يجوز إدغامها في العين لتضادهما))، وأما تنزيل التضاد منزلة
~~التناسب فلم يقله أحد من النحاة ولا القراء فالاستغال بمثله عيب، ثم إن
~~هؤلاء الجائين كاذبون على أول احتمالي القراءة الأولى، ويحتمل أن يكونوا
~~كاذبين وإن يكونوا صادقين على الثاني منهما وكذا على القراءة الأخيرة،
~~وصادقون على القراءة الثانية. واختلفوا في المراد بهم فعن الضحاك أنهم

# " رهط عامر بن الطفيل جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:
~~يا نبي الله إنا إن غزونا معك أغارت طي على أهالينا ومواشينا فقال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: قد أنبأني الله من أخباركم وسيغني الله سبحانه
~~عنكم. "

# وقيل: هم أسد وغطفان استأذنوا في التخلف معتذرين بالجهد وكثرة العيال.
~~وأخرج أبو الشيخ عن ابن إسحق أنه قال: ذكر لي أنهم نفر من بني غفار.
~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي ms03871 الله تعالى عنهما أنهم أهل العذر
~~ولم يبين من هم؛ ومما ذكرنا يعلم وقوع الاختلاف في أن هؤلاء الجائين هل
~~كانوا صادقين في الاعتذار أم لا؟ وعلى القول بصدقهم يكون المراد بالموصول
~~في قوله سبحانه: { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله }
~~غيرهم وهم أناس من الأعراب أيضا منافقون والأولون لا نفاق فيهم، وعلى
~~القول بكذبهم يكون المراد به الأولين، والعدول عن الإضمار إلى الإظهار
~~إظهار لذمهم بعنوان الصلة، والكذب على الأول بإدعاء الإيمان وعلى الثاني
~~بالاعتذار، ولعل / القعود مختلف أيضا. وقرأ أبي { كذبوا } بالتشديد.

# { سيصيب الذين كفروا منهم } أي من الأعراب مطلقا وهم
~~منافقوهم أو من المعتذرين، ووجه التبعيض أن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره
~~أي سيصيب المعتذرين لكفرهم { عذاب أليم } وهو عذاب النار في الآخرة
~~ولا ينافي استحقاق من تخلف لكسل، ذلك عندنا لعدم قولنا بالمفهوم ومن قال
~~به فسر العذاب الأليم بمجموع القتل والنار والأول منتف في المؤمن المتخلف
~~للكسل فينتفي المجموع، وقيل: المراد بالموصول المصرون على الكفر.

### || [9.91]

# { ليس على الضعفاء } كالشيوخ ومن فيه نحافة خلقية لا يقوى على
~~الخروج معها وهو جمع ضعيف ويقال: ضعوف وضعفان وجاء في الجمع ضعاف وضعفة
~~وضعفى وضعافى { ولا على المرضى } جمع مريض ويجمع أيضا على
~~مراض ومراضى وهو من عراه سقم واضطراب طبيعة سواء كان مما يزول بسرعة
~~ككثير من الأمراض أو لا كالزمانة وعدوا منه ما لا يزول كالعمى والعرج
~~الخلقيين فالأعمى والأعرج داخلان في المرضى وان أبيت فلا يبعد دخولهما في
~~الضعفاء، ويدل لدخول الأعمى في أحد المتعاطفين ما أخرج ابن أبي حاتم
~~والدارقطني في «الأفراد» عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فنزلت براءة فإني لواضع القلم على أذني إذ أمرنا بالقتال
~~فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه إذ جاءه أعمى فقال:
~~كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى؟ فنزلت { ليس على الضعفاء
~~ولا على المرضى }.

# { ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون } أي الفقراء
~~العاجزين ms03872 عن أهبة السفر والجهاد قيل هم مزينة وجهينة وبنو عذرة { حرج
~~} أي ذنب في التخلف وأصله الضيق وقد تقدم الكلام فيه { إذا نصحوا
~~لله ورسوله } بالإيمان والطاعة ظاهرا وباطنا كما يفعل الموالي
~~الناصح فالنصح مستعار لذلك، وقد يراد بنصحهم المذكور بذل جهدهم لنفع
~~الإسلام والمسلمين بأن يتعهدوا أمورهم وأهلهم وإيصال خبرهم إليهم ولا
~~يكونوا كالمنافقين الذين يشيعون الأراجيف إذا تخلفوا، وأصل النصح في
~~اللغة الخلوص يقال: نصحته ونصحت له، وفي «النهاية» ((النصيحة يعبر بها عن
~~جملة، هي إرادة الخير للمنصوح له وليس يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة
~~واحدة يجمعه غيرها))، والعامل في الظرف على ما قال أبو البقاء معنى
~~الكلام أي لا يخرجون حينئذ.

# { ما على المحسنين من سبيل } أي ما عليهم سبيل فالإحسان
~~النصح لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ ووضع الظاهر موضع ضميرهم
~~اعتناء بشأنهم ووصفا لهم بهذا العنوان الجليل، وزيدت { من } للتأكيد،
~~والجملة استئناف مقرر لمضمون ما سبق على أبلغ وجه وألطف سبك وهو من بليغ
~~الكلام لأن معناه لا سبيل لعاتب عليهم أي لا يمر بهم العاتب ولا يجوز في
~~أرضهم فما أبعد العتاب عنهم وهو جار مجرى المثل، ويحتمل أن يكون تعليلا
~~لنفي الحرج عنهم و { المحسنين } على عمومه أي ليس عليهم حرج لأنه
~~ما على جنس المحسنين سبيل وهم من جملتهم، قال ابن الفرس: ويستدل بالآية
~~على أن قاتل البهيمة الصائلة لا يضمنها { والله غفور رحيم }
~~تذييل مؤيد لمضمون ما ذكر وفيه إشارة إلى أن كل أحد عاجز محتاج للمغفرة
~~والرحمة إذ الإنسان لا يخلو من تفريط ما فلا يقال: إنه نفى عنهم الإثم
~~أولا فما الاحتياج إلى المغفرة المقتضية للذنب فإن أريد ما تقدم من
~~ذنوبهم دخلوا بذلك الاعتبار في المسيء.

### || [9.92]

# { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم } عطف على

# المحسنين

# [التوبة: 91] كما يؤذن به / قوله تعالى الآتي إن شاء الله تعالى

# إنما السبيل

# [التوبة: 93] الخ، وهو من عطف الخاص على العام اعتناء بشأنهم وجعلهم
~~كانهم لتميزهم جنس آخر. ms03873 وقيل: عطف على

# الضعفآء

# [التوبة: 91] وهم  كما قال ابن إسحق وغيره  البكاءون وكانوا سبعة نفر
~~من الأنصار وغيرهم من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير وعلبة بن زيد أخو
~~بني حارث، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن
~~الحمام بن الجموح أخو بني سلمة، وعبد الله بن معقل المزني. وهرمي بن عبد
~~الله أخو بني واقف، وعرباض بن سارية الفزاري أتوا رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فاستحملوه وكانوا أهل حاجة فقال لهم عليه الصلاة والسلام ما
~~قصه الله تعالى بقوله سبحانه:

# { قلت لا أجد ما أحملكم عليه } فتولوا وهم يبكون كما
~~أخبر سبحانه، والظاهر أنه لم يخرج منهم أحد للغزو مع رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم لكن قال ابن إسحق: بلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري
~~لقي أبا ليلى وابن معقل وهم يبكيان فقال: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا
~~ما نتقوى به على الخروج معه فأعطاهما ناضحا له فارتحلا وزودهما شيئا من
~~تمر فخرجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي بعض الروايات أن الباقين
~~أعينوا على الخروج فخرجوا. وعن مجاهد أنهم بنو مقرن: معقل وسويد
~~والنعمان، وقيل: هم أبو موسى الأشعري وأصحابه من أهل اليمن وقيل وقيل:
~~وظاهر الآية يقتضي أنهم طلبوا ما يركبون من الدواب وهو المروي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما. وأخرج ابن المنذر عن علي بن صالح قال: حدثني
~~مشيخة من جهينة قالوا: أدركنا الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~الحملان فقالوا: ما سألناه إلا الحملان على النعال، ومثل هذا ما أخرجه
~~ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم بن أدهم عمن حدثه أنه قال: ما سألوه
~~الدواب ما سألوه إلا النعال، وجاء في بعض الروايات أنهم قالوا: احملنا
~~على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزو معك فقال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم ما قال، ms03874 ومن مال إلى الظاهر المؤيد بما روي عن الحبر قال: تجوز
~~بالخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة عن ذي الخف والحافر فكأنهم قالوا:
~~احملنا على ما يتيسر أو المراد احملنا ولو على نعالنا وأخفافنا مبالغة في
~~القناعة ومحبة للذهاب معه عليه الصلاة والسلام.

# وأنت تعلم أن ظاهر الخبرين السابقين يبعد ذلك على أنه في نفسه خلاف
~~الظاهر، نعم الأخبار المخالفة لظاهر الآية لا يخفى ما فيها على من له
~~اطلاع على مصطلح الحديث، ومغايرة هذا الصنف بناءا على ما يقتضيه الظاهر
~~من أنهم واجدون لما عدا المركب للذين لا يجدون ما ينفقون إذا كان المراد
~~بهم الفقراء الفاقدين للزاد والمركب وغيره ظاهرة وبينهما عموم وخصوص إذا
~~أريد بمن لا يجد النفقة من عدم شيئا لا يطيق السفر لفقده وإلى الأول ذهب
~~الإمام واختاره كثير من المحققين، واختلف في جواب { إذا } فاختار بعض
~~المحققين أنه { قلت } الخ فيكون قوله سبحانه: { تولوا } الخ
~~مستأنفا استئنافا بيانيا، وقيل: هو الجواب و { قلت } مستأنف أو على
~~حذفل حرف العطف أي وقلت أو فقلت وهو معطوف على { أتوك } أو في موضع
~~الحال من الكاف في { أتوك }  وقد  مضمرة كما في

# جاءوكم حصرت صدورهم

# [النساء: 90] وزمان الإتيان يعتبر واسعا كيومه وشهره فيكون مع التولي
~~في زمان واحد ويكفي تسببه له وإن اختلف زمانهما كما ذكره الرضي في قولك:
~~إذا جئتني اليوم أكرمتك غدا أي كان مجيئك سببا لإكرامك غدا؛ وفي إيثار
~~{ لا أجد } على ليس عندي من تلطيف الكلام وتطييب قلوب السائلين ما لا
~~يخفى / كأنه عليه الصلاة والسلام يطلب ما يسألونه على الاستمرار فلا يجده
~~وذلك هو اللائق بمن هو بالمؤمنين رؤوف رحيم صلى الله عليه وسلم.

# وقوله سبحانه: { وأعينهم تفيض من الدمع } في موضع
~~الحال من ضمير { تولوا } والفيض انصباب عن امتلاء وهو هنا مجاز عن
~~الامتلاء بعلاقة السببية، والدمع الماء المخصوص ويجوز إبقاء الفيض على
~~حقيقته ويكون إسناده إلى العين مجازا كجري النهر والدمع مصدر دمعت العين
~~دمعا و { من } للأجل والسبب، وقيل: إنها للبيان ms03875 وهي مع المجرور في محل
~~نصب على التمييز وهو محول عن الفاعل. وتعقبه أبو حيان بأن التمييز الذي
~~أصله فاعل لا يجوز جره بمن وأيضا لا يجيز تعريف التمييز إلا الكوفيون.
~~وأجيب عن الأول بأنه منقوض بنحو قوله: عز من قائل وعن الثاني بأنه كفى
~~إجازة الكوفيين، وذكر القطب أن أصل الكلام أعينهم يفيض دمعها ثم أعينهم
~~تفيض دمعا وهو أبلغ لإسناد الفعل إلى غير الفاعل وجعله تمييزا سلوكا
~~لطريق التبيين بعد الإبهام ولأن العين جعلت كأنها دمع فائض ثم {
~~أعينهم تفيض من الدمع } أبلغ مما قبله بواسطة  من 
~~التجريدية فإنه جعل أعينهم فائضة ثم جرد الأعين الفائضة من الدمع باعتبار
~~الفيض. وتعقب بأن { من } هنا للبيان لما قد أبهم مما قد يبين بمجرد
~~التمييز لأن معنى تفيض العين يفيض شيء من أشياء العين كما أن معنى قولك:
~~طاب زيد طاب شيء من أشياء زيد والتمييز رفع إبهام ذلك الشيء فكذا من
~~الدمع فهو في محل نصب على التمييز وحديث التجريد لا ينبغي أن يصدر ممن له
~~معرفة بأساليب الكلام وقد مر بعض الكلام في المائدة على هذه الجملة
~~فتذكر.

# وقوله تعالى: { حزنا } نصب على العلية والحزن يستند إلى العين كالفيض
~~فلا يقال: كيف ذاك وفاعل الفيض مغاير لفاعل الحزن ومع مغايرة الفاعل لا
~~نصب، وقيل: جاز ذلك نظرا إلى المعنى إذ حاصله تولوا وهم يبكون حزنا
~~وجوز نصبه على الحال من ضمير { تفيض } أي حزينة وعلى المصدرية لفعل
~~دال عليه ما قبله أي لا تحزن حزنا والجملة حال أيضا من الضمير المشار
~~إليه وقد يكون تعلق ذلك على احتمالات بتولوا أي تولوا للحزن أو حزنين أو
~~يحزنون حزنا.

# { ألا يجدوا } على حذف اللام وحذف الجار في مثل ذلك مطرد وهو
~~متعلق بحزنا كيفما كان، وقيل: لا يجوز تعلقه به إذا كان نصبا على
~~المصدرية لأن المصدر المؤكد لا يعمل ولعل من قال بالأول يمنع ذلك ويقول:
~~يتوسع في الظرف ما لا يتوسع في غيره وجوز تعلقه بتفيض وقيل: وهذا ms03876 إذا لم
~~يكن { حزنا } علة له وإلا فلا يجوز لأنه لا يكون لفعل واحد مفعولان
~~لأجله والإبدال خلاف الظاهر أي لئلا يجدوا { ما ينفقون } في شراء
~~ما يحتاجون إليه في الخروج معك إذا لم يجدوه عندك وهذا بحسب الظاهر يؤيد
~~كون هذا الصنف مندرجا تحت قوله سبحانه:

# ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون

# [التوبة: 91].

### || [9.93]

# { إنما السبيل } أي بالمعاتبة والمعاقبة { على الذين
~~يستأذنونك } في التخلف { وهم أغنياء } واجدون للأهبة
~~قادرون على الخروج معك { رضوا } استئناف بياني كأنه قيل: لم استأذنوا
~~أو لم استحقوا ما استحقوا؟ فأجيب بأنهم رضوا { بأن يكونوا مع
~~الخولف } تقدم معناه { وطبع الله على قلوبهم } خذلهم
~~فغفلوا عن سوء العاقبة { فهم } بسبب ذلك { لا يعلمون } أبدا
~~وخامة ما رضوا به وما يستتبعه (آجلا كما لم يعلموا بخساسة شأنه عاجلا).

### || [9.94]

# { يعتذرون إليكم } بيان لما يتصدون له عند الرجوع إليهم،
~~والخطاب قيل للنبي صلى الله عليه وسلم، والجمع للتعظيم، والأولى أن يكون
~~له عليه الصلاة والسلام ولأصحابه لأنهم كانوا يعتذرون للجميع أي يعتذرون
~~إليكم في التخلف { إذا رجعتم } من الغزو منتهين { إليهم }
~~وإنما لم يقل سبحانه إلى المدينة إيذانا بأن مدار الاعتذار هو الرجوع
~~إليهم لا الرجوع إلى المدينة فلعل منهم من بادر إلى الاعتذار قبل الرجوع
~~إليها { قل } خطاب له صلى الله عليه وسلم، وخص بذلك لما أن الجواب
~~وظيفته عليه الصلاة والسلام { لا تعتذروا } أي لا تفعلوا الاعتذار
~~أو لا تعتذروا بما عندكم من المعاذير { لن نؤمن لكم } استئناف
~~لبيان موجب النهي.

# وقوله: { قد نبأنا الله من أخباركم } استئناف لبيان
~~موجب النفي كأنه قيل: لم نهيتمونا عن الاعتذار؟ فقيل: لأنا لم نصدقكم في
~~عذركم فيكون عبثا فقيل: لم لن تصدقونا؟ فقيل: لأن الله تعالى قد أنبأنا
~~بالوحي بما في ضمائركم من الشر والفساد. و (نبأ) عند جمع متعدية إلى
~~مفعولين الأول الضمير والثاني { من أخباركم } إما لأنه صفة
~~المفعول الثاني، والتقدير جملة من أخباركم أو لأنه بمعنى بعض أخباركم،
~~وليست { من } زائدة على مذهب الأخفش ms03877 من زيادتها في الإيجاب. وقال
~~بعضهم: إنها متعدية لثلاثة { ومن أخبركم } ساد مسد مفعولين
~~لأنه بمعنى إنكم كذا وكذا أو المفعول الثالث محذوف أي واقعا مثلا،
~~وتعقب بأن السد المذكور بعيد، وحذف المفعول الثالث إذا ذكر المفعول
~~الثاني في هذا الباب خطأ أو ضعيف، ومعنى { نبأنا } على الأول عرفنا
~~كما قيل وعلى الثاني أعلمنا، وقيل: معناه خبرنا، و { من } بمعنى عن
~~وليس بشيء، وجمع ضمير المتكلم في الموضعين للمبالغة في حسم أطماع
~~المنافقين المعتذرين رأسا ببيان عدم رواج اعتذارهم. عند أحد من المؤمنين
~~أصلا فإن تصديق البعض لهم ربما يطمعهم في تصديق الرسول عليه الصلاة
~~والسلام أيضا وللإيذان بافتضاحهم بين المؤمنين كافة وتعدية { نؤمن }
~~باللام مر بيانها.

# { وسيرى الله عملكم } أي سيعلمه سبحانه علما يتعلق به
~~الجزاء فالرؤية علمية، والمفعول الثاني محذوف أي أتنيبون عما أنتم فيه من
~~النفاق أم تثبتون عليه، وكأنه لمكان السين المفيدة للتنفيس استتابة /
~~وإمهال للتوبة، وتقديم مفعول الرؤية على الفاعل من قوله سبحانه: {
~~ورسوله } للإيذان باختلاف حال الرؤيتين وتفاوتهما وللإشعار بأن مدار
~~الوعيد هو علمه عز وجل بأعمالهم. { ثم تردون } يوم القيامة {
~~إلى علم الغيب والشهدة } للجزاء بما ظهر منكم من
~~الأعمال، ووضع الوصف موضع الضمير لتشديد الوعيد فإن علمه سبحانه بجميع
~~أعمالهم الظاهرة والباطنة وإحاطته بأحوالهم البارزة والكامنة مما يوجب
~~الزجر العظيم. وتقديم الغيب على الشهادة قيل: لتحقيق أن نسبة علمه تعالى
~~المحيط إلى سائر الأشياء السر والعلن واحدة على أبلغ وجه وآكده، كيف لا
~~وعلمه تعالى بمعلوماته منزه عن أن يكون بطريق حصول الصورة بل وجود كل شيء
~~وتحققه في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى، وفي هذا المعنى لا يختلف الحال
~~بين الأمور البارزة والكامنة انتهى.

# ولا يخفى عليك أن هذا قول بكون علمه سبحانه بالأشياء حضوريا لا
~~حصوليا. وقد اعترضوا عليه بشمول علمه جل وعلا الممتنعات والمعدومات
~~الممكنة والعلم الحضوري يختص بالموجودات العينية لأنه حضور المعلوم
~~بصورته العينية عند العالم فكيف لا يختلف الحال فيه بين الأمور البارزة
~~والكامنة مع أن الكامنة ms03878 تشمل المعدومات الممكنة والممتنعة، ولا يتصور
~~فيها التحقق في نفسها حتى يكون علما له تعالى كذا قيل وفيه نظر، وتحقيق
~~علم الواجب سبحانه بالأشياء من المباحث المشكلة والمسائل المعضلة التي كم
~~تحيرت فيها أفهام وزلت من العلماء الأعلام أقدام، ولعل النبوة إن شاء
~~الله تعالى تفضي إلى تحقيق ذلك.

# { فينبئكم } عند ردكم إليه سبحانه ووقوفكم بين يديه { بما
~~كنتم تعملون } أي بما تعملونه على الاستمرار في الدنيا من
~~الأعمال السيئة السابقة واللاحقة على أن (ما) موصولة أو بعملكم المستمر
~~على أن (ما) مصدرية، والمراد من التنبئة بذلك المجازاة عليه، وإيثارها
~~عليها لمراعاة ما سبق من قوله تعالى: { قد نبأنا الله } الخ
~~وللإيذان بأنهم ما كانوا عالمين في الدنيا بحقيقة أعمالهم وإنما يعلمونها
~~يومئذ.

### || [9.95]

# { سيحلفون بالله لكم } تأكيدا لمعاذيرهم الكاذبة وترويجا
~~لها. والسين للتأكيد على ما مر، والمحلوف عليه [محذوف] ما يفهم من الكلام
~~وهو ما اعتذروا به الأكاذيب، والجملة بدل من

# يعتذرون

# [التوبة:94] أو بيان له { إذا انقلبتم } من سفركم { إليهم
~~} والانقلاب هو الرجوع والانصراف مع زيادة معنى الوصول والاستيلاء،
~~وفائدة تقييد حلفهم - كما قال بعض المحققين - به الإيذان بأنه ليس لدفع
~~ما خاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم به من قوله تعالى:

# لا تعتذروا

# [التوبة:94] الخ بل هو أمر مبتدأ { لتعرضوا عنهم } فلا
~~تعاتبوهم وتصفحوا عما فرط منهم صفح رضا كما يفصح عنه قوله تعالى:

# لترضوا عنهم

# [التوبة:96] { فأعرضوا عنهم } لكن لا إعراض رضا كما طلبوا بل
~~إعراض اجتناب ومقت كما ينبىء عنه التعليل بقوله سبحانه: { إنهم
~~رجس } فإنه صريح في أن المراد بالإعراض إما الاجتناب عنهم لما يفهم من
~~القذارة الروحانية وإما ترك استصلاحهم بترك المعاملة المقصود منها
~~التطهير بالحمل على التوبة وهؤلاء أرجاس لا تقبل التطهير، وقيل: إن {
~~لتعرضوا } بتقدير للحذر عن أن تعرضوا على أن الإعراض فيه إعراض مقت
~~أيضا ولا يخفى أنه تكلف لا يحتاج إليه، وقوله تعالى: { ومأواهم
~~جهنم } إما من تمام التعليل فإن كونهم من أهل النار من دواعي
~~الاجتناب عنهم وموجبات ms03879 ترك / استصلاحهم باللوم والعتاب وإما تعليل مستقل
~~أي وكفتهم النار عتابا على حد  عتابه السيف ووعظه الصفع  فلا تتكلفوا
~~أنتم بذلك { جزآء } نصب على أنه مفعول مطلق مؤكد لفعل مقدر من لفظه وقع
~~حالا أي يجزون جزاء أو لمضمون ما قبله فإنه مفيد لمعنى المجازاة كأنه
~~قيل: مجزيون جزاء { بما كانوا يكسبون } أي بما يكسبونه على
~~سبيل الاستمرار من فنون السيآت في الدنيا أو بكسبهم المستمر لذلك. وجوز
~~أن يكون مفعولا له وحالا من الخبر عند من يرى ذلك.

### || [9.96]

# { يحلفون لكم } بدل مما سبق، والمحلوف عليه محذوف لظهوره كما
~~تقدم أي يحلفون به تعالى على ما اعتذروا { لترضوا عنهم }
~~بحلفهم وتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم { فإن ترضوا عنهم
~~} حسبما طلبوا { فإن الله لا يرضى عن القوم
~~الفسقين } أي فرضاكم لا ينتج لهم نفعا لأن الله تعالى ساخط عليهم
~~ولا أثر لرضا أحد مع سخطه تعالى، وجوز بعضهم كون الرضا كناية عن التلبيس
~~أي أن أمكنهم أن يلبسوا عليكم بالأيمان الكاذبة حتى يرضوكم لا يمكنهم أن
~~يلبسوا على الله تعالى بذلك حتى يرضى عنهم فلا يهتك أستارهم ولا يهينهم
~~وهو خلاف الظاهر. ووضع الفاسقين موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالخروج عن
~~الطاعة المستوجبة لما حل بهم، والمراد من الآية نهي المخاطبين عن الرضا
~~عنهم والاغترار بمعاذيرهم الكاذبة على أبلغ وجه وآكده فإن الرضا عمن لا
~~يرضى عنه الله تعالى مما لا يكاد يصدر عن المؤمن، والآية نزلت على ما روي
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في جد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما
~~من المنافقين وكانوا ثمانين رجلا أمر النبي صلى الله عليه وسلم
~~المؤمنين لما رجعوا إلى المدينة أن لا يجالسوهم ولا يكلموهم فامتثلوا،
~~وعن مقاتل أنها نزلت في عبد الله بن أبي حلف للنبي صلى الله عليه وسلم
~~أن لا يتخلف عنه أبدا وطلب أن يرضى فلم يفعل صلى الله عليه وسلم.

### || [9.97]

# { الاعراب } هي صيغة جمع وليست بجمع للعرب على ما روي عن سيبويه
~~لئلا ms03880 يلزم كون الجمع أخص من الواحد، فإن العرب هذا الجيل المعروف مطلقا
~~والإعراب ساكن البادية منهم، ولذا نسب إلى الأعراب على لفظه فقيل
~~أعرابي، وقيل: العرب سكان المدن والقرى والأعراب سكان البادية من هذا
~~الجيل أو مواليهم فهما متباينان، ويفرق بين الجمع والواحد بالياء فيهما
~~فيقال للواحد عربي وأعرابي وللجماعة عرب وأعراب وكذا أعاريب وذلك كما
~~يقال الواحد مجوسي ويهودي ثم تحذف الياء في الجمع فيقال المجوس واليهود،
~~أي أصحاب البدو { أشد كفرا ونفاقا } من أهل الحضر الكفار
~~والمنافقين لتوحشهم وقساوة قلوبهم وعدم مخالطتهم أهل الحكمة وحرمانهم
~~استماع الكتاب والسنة وهم أشبه شيء بالبهائم، وفي الحديث عن الحسن عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " من سكن البادية جفا ومن اتبع الصيد غفل ومن أتى السلطان افتتن "

# وجاء «ثلاثة من الكبائر» وعد منها التعرب بعد الهجرة وهو أن يعود إلى
~~البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرا، وكان من رجع بعد الهجرة
~~إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد، وكان ذلك لغلبة الشر في أهل
~~البادية والطبع سراق أو للبعد عن مجالس العلم وأهل الخير وإنه ليفضي إلى
~~شر كثير. والحكم على الأعراب بما ذكر من باب وصف الجنس بوصف بعض أفراده
~~كما في قوله تعالى:

# وكان الإنسن كفورا

# [الإسراء: 67] إذ ليس كلهم كما ذكر، ويدل عليه قوله تعالى الآتي:

# ومن الأعراب من يؤمن

# [التوبة: 99] الخ، وكان ابن سيرين كما أخرج أبو الشيخ عنه يقول: إذا تلا
~~أحدكم هذه الآية فليتل الآية الأخرى / يعنى بها ما أشرنا إليه، والآية
~~المذكورة كما روي عن الكلبي نزلت في أسد وغطفان، والعبرة بعموم اللفظ لا
~~لخصوص السبب.

# { وأجدر } أي أحق وأخلق، وهو على ما قال الطبرسي ((مأخوذ من جدر
~~الحائط بسكون الدال وهو أصله وأساسه)) ويتعدى بالباء فقوله تعالى: {
~~ألا يعلموا } بتقدير بأن لا يعلموا { حدود ما أنزل
~~الله على رسوله } وهي كما أخرج أبو الشيخ عن الضحاك الفرائض
~~وما أمروا به من الجهاد، وأدرج ms03881 بعضهم السنن في الحدود، والمشهور أنها تخص
~~الفرائض، أو الأوامر والنواهي لقوله تعالى:

# تلك حدود الله فلا تعتدوها

# [البقرة: 229] و

# تلك حدود الله فلا تقربوها

# [البقرة:187]، ولعل ذلك من باب التغليب ولا بعد فيه فإن الأعراب أجدر أن
~~لا يعلموا كل ذلك لبعدهم عمن يقتبس منه، وقيل: المراد منها بقرينة المقام
~~وعيده تعالى على مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم في الجهاد، وقيل:
~~مقادير التكاليف. { والله عليم } يعلم أحوال كل من أهل الوبر
~~والمدر { حكيم } بما سيصيب به مسيئهم ومحسنهم من العقاب والثواب.

### || [9.98]

# { ومن الاعراب } أي من جنسهم الذي نعت بنعت بعض أفراده. وقيل: من
~~الفريق المذكور { من يتخذ } أي يعد { ما ينفق } أي يصرفه في
~~سبيل الله تعالى ويتصدق به كما يقتضيه المقام { مغرما } أي غرامة
~~وخسرانا من الغرام بمعنى الهلاك، وقيل: من الغرم وهو نزول نائبة بالمال
~~من غير جناية، وأصله من الملازمة ومنه قيل لكل من المتداينين غريم، وإنما
~~أعدوه كذلك لأنهم لا ينفقونه احتسابا ورجاء لثواب الله تعالى ليكون لهم
~~مغنما وإنما ينفقونه تقية ورئاء الناس فيكون غرامة محضة. و { ما } في
~~صيغة الاتخاذ من معنى الاختيار والانتفاع بما يتخذ إنما هو باعتبار غرض
~~المنفق من الرياء والتقية لا باعتبار ذات النفقة أعني كونها غرامة {
~~ويتربص بكم الدوائر } أي ينتظر بكم نوب الدهر ومصائبه
~~التي تحيط بالمرء لينقلب بها أمركم ويتبدل بها حالكم فيتخلص مما ابتلي به
~~{ عليهم دائرة السوء } دعاء عليهم بنحو ما يتربصون به، وهو
~~اعتراض بين كلامين كما في قوله تعالى:

# وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم
~~ولعنوا بما قالوا

# [المائدة: 64] الخ، وجوز أن تكون الجملة اخبارا عن وقوع ما يتربصون به
~~عليهم، والدائرة اسم للنائبة وهي في الأصل مصدر كالعافية والكاذبة أو اسم
~~فاعل من دار يدور وقد تقدم تمام الكلام عليها، و { السوء } في الأصل
~~مصدر أيضا ثم أطلق على كل ضرر وشر وقد كان وصفا للدائرة ثم أضيفت إليه
~~فالإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته كما في ms03882 قولك: رجل صدق وفيه من
~~المبالغة ما فيه، وعلى ذلك قوله تعالى:

# ما كان أبوك امرأ سوء

# [مريم:28] وقيل: معنى الدائرة يقتضي معنى السوء فالإضافة للبيان
~~والتأكيد كما قالوا: شمس النهار ولحيا رأسه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {
~~السوء } هنا وفي ثانية الفتح بالضم وهو حينئذ اسم بمعنى العذاب وليس
~~بمصدر كالمفتوح وبذلك فرق الفراء بينهما. وقال أبو البقاء: السوء بالضم
~~الضرر وهو مصدر في الحقيقة يقال: سؤته سوءا ومساءة ومسائية وبالفتح
~~الفساد والرداءة، وكأنه يقول بمصدرية كل منهما في الحقيقة كما فهمه
~~الشهاب من كلامه، وقال مكي: المفتوح معناه الفساد والمضموم معناه الهزيمة
~~والضرر وظاهره كما قيل إنهما اسمان { والله سميع } بمقالاتهم
~~الشنيعة عند الإنفاق { عليم } بنياتهم الفاسدة التي من جملتها أن
~~يتربصوا بكم الدوائر، وفيه من شدة الوعيد / ما لا يخفى.

### || [9.99]

# { ومن الاعراب } أي من جنسهم على الإطلاق { من يؤمن
~~بالله واليوم الاخر } على الوجه المأمور به { ويتخذ }
~~على وجه الاصطفاء والاختيار { ما ينفق } في سبيل الله تعالى {
~~قربت } جمع قربة بمعنى التقرب، وهو مفعول ثان ليتخذ، والمراد اتخاذ
~~ذلك سببا للتقرب على التجوز في النسبة أو التقدير، وقد تطلق القربة على
~~ما يتقرب به والأول اختيار الجمهور، والجمع باعتبار الأنواع والأفراد،
~~وقوله سبحانه: { عند الله } صفة { قربت } أو ظرف ليتخذ. وجوز
~~أبو البقاء كونه ظرفا لقربات على معنى مقربات عند الله تعالى.

# وقوله تعالى: { وصلوت الرسول } عطف على { قربت } أي
~~وسببا لدعائه عليه الصلاة والسلام فإنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو
~~للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم، ولذلك يسن للمتصدق عليه أن يدعو
~~للمتصدق عند أخذ صدقته لكن ليس له أن يصلي عليه، فقد قالوا: لا يصلى على
~~غير الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام إلا بالتبع لأن في الصلاة
~~من التعظيم ما ليس في غيرها من الدعوات وهي لزيادة الرحمة والقرب من الله
~~تعالى فلا تليق بمن يتصور منه الخطايا والذنوب ولاقت عليه تبعا لما في
~~ذلك من تعظيم المتبوع. واختلف هل هي مكروهة تحريما أو ms03883 تنزيها أو خلاف
~~الأولى؟ صحح النووي في «الأذكار» الثاني، لكن في خطبة «شرح الأشباه»
~~للبيري من صلى على غيرهم أثم وكره وهو الصحيح. وما رواه الستة غير
~~الترمذي من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " اللهم صل على آل أبي أوفى "

# لا يقوم حجة على المانع لأن ذلك كما في «المستصفى» حقه عليه الصلاة
~~والسلام فله أن يتفضل به على من يشاء ابتداءا وليس الغير كذلك. وأما
~~السلام فنقل اللقاني في «شرح جوهرة التوحيد» عن الإمام الجويني أنه في
~~معنى الصلاة فلا يستعمل في الغائب، ولا يفرد به غير الأنبياء والملائكة
~~عليهم السلام فلا يقال: علي عليه السلام بل يقال: رضي الله تعالى عنه،
~~وسواء في هذا الأحياء والأموات إلا في الحاضر فيقال: السلام أو سلام عليك
~~أو عليكم، وهذا مجمع عليه انتهى، أقول: ولعل من الحاضر «السلام علينا
~~وعلى عباد الله الصالحين» و «سلام عليكم دار قوم مؤمنين» وإلا فهو مشكل.
~~والظاهر أن العلة في منع السلام ما قاله النووي في علة منع الصلاة من أن
~~ذلك شعار أهل البدع وأنه مخصوص في لسان السلف بالأنبياء والملائكة عليهم
~~السلام كما أن قولنا: عز وجل مخصوص بالله سبحانه فلا يقال محمد عز وجل
~~وإن كان عزيزا جليلا صلى الله عليه وسلم، ثم قال اللقاني: وقال القاضي
~~عياض ((الذي ذهب إليه المحققون وأميل إليه ما قاله مالك وسفيان، [وروي عن
~~ابن عباس] واختاره غير واحد من الفقهاء والمتكلمين أنه يجب تخصيص النبي
~~صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالصلاة
~~والتسليم (كما يختص الله سبحانه عند ذكره بالتقديس والتنزيه ويذكر من
~~سواهم [من الأئمة وغيرهم] بالغفران والرضا كما قال تعالى:

# رضي الله عنهم ورضوا عنه

# [المائدة: 119]

# يقولون ربنا اغفر لنا ولإخوننا الذين سبقونا
~~بالإيمن

# [الحشر: 10] وأيضا (فهو أمر) لم يكن [معروفا] في الصدر الأول وإنما
~~أحدثته الرافضة [والمتشيعة] في بعض الأئمة والتشبيه بأهل البدع منهى عنه
~~فتجب مخالفتهم)) انتهى، ولا يخفى أن مذهب الحنابلة جواز ذلك في غير
~~الأنبياء والملائكة ms03884 عليهم السلام استقلالا عملا بظاهر الحديث السابق،
~~وكراهة التشبه بأهل البدع مقررة عندنا أيضا لكن لا مطلقا بل في المذموم
~~وفيما قصد به التشبه بهم كما ذكره الحصكفي في «الدر المختار» فافهم. ثم
~~التعرض لوصف الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر في هذا الفريق مع أن مساق
~~الكلام / لبيان الفرق بين الفريقين في بيان شأن اتخاذ ما ينفقانه حالا
~~ومآلا وأن ذكر اتخاذه سببا للقربات والصلوات مغن عن التصريح بذلك لكمال
~~العناية بإيمانهم وبيان اتصافهم به وزيادة الاعتناء بتحقق الفرق من أول
~~الأمر، وأما الفريق الأول فاتصافهم بالكفر والنفاق معلوم من سياق النظم
~~الكريم صريحا. وجوز عطف { وصلوت } على { ما ينفق } وعليه اقتصر
~~أبو البقاء أي يتخذ ما ينفق وصلوات الرسول عليه الصلاة والسلام قربات.

# { ألا إنها قربة لهم } شهادة لهم من جناب الله تعالى بصحة
~~ما اعتقدوه وتصديق لرجائهم، والضمير إما للنفقة المعلومة مما تقدم أو 
~~لما  التي هي بمعناها فهو راجع لذلك باعتبار المعنى فلذا أنث أو لمراعاة
~~الخبر. وجوز ابن الخازن رجوعه للصلوات والأكثرون على الأول، وتنوين {
~~قربة } للتفخيم المغني عن الجمع أي قربة لا يكتنه كنهها، وفي إيراد
~~الجملة اسمية بحرفي التنبيه والتحقيق من الجزالة ما لا يخفى. والاقتصار
~~على بيان كونها قربة لهم لأنها الغاية القصوى وصلوات الرسول عليه الصلاة
~~والسلام من ذرائعها وقرىء { قربة } بضم الراء للاتباع.

# { سيدخلهم الله فى رحمته } وعد لهم بإحاطة رحمته سبحانه
~~بهم كما يشعر بذلك { في } الدالة على الظرفية وهو في مقابلة الوعيد
~~للفرقة السابقة المشار إليه بقوله تعالى:

# والله سميع عليم

# [التوبة: 98] وفيه تفسير للقربة أيضا، والسين للتحقيق والتأكيد لما
~~تقدم أنها في الإثبات في مقابلة لن في النفي، وقوله سبحانه: { إن
~~الله غفور رحيم } تقرير لما تقدم كالدليل عليه، والآية كما
~~أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وغيرهم عن مجاهد نزلت في بني مقرن
~~من مزينة. وقال الكلبي: في أسلم. وغفار. وجهينة وقيل: نزلت التي قبلها
~~في أسد وغطفان وبني تميم وهذه في عبد الله ذي البجادين ms03885 بن نهم المزني رضي
~~الله تعالى عنه.

### || [9.100]

# { والسبقون الاولون من المهجرين } بيان لفضائل
~~أشراف المسلمين إثر بيان [فضيلة] طائفة منهم، المراد بهم كما روي عن سعيد
~~وقتادة وابن سيرين وجماعة الذين صلوا إلى القبلتين، وقال عطاء بن رباح:
~~هم أهل بدر، وقال الشعبي: هم أهل بيعة الرضوان وكانت بالحديبية، وقيل:
~~هم الذين أسلموا قبل الهجرة { والانصر } أهل بيعة العقبة الأولى
~~وكانت في سنة إحدى عشرة من البعثة وكانوا على ما في بعض الروايات سبعة
~~نفر وأهل بيعة العقبة الثانية وكانت في سنة اثنتي عشرة وكانوا سبعين
~~رجلا وامرأتين والذين أسلموا حين جاءهم من قبل رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم أبو زرارة مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف وكان قد أرسله عليه
~~الصلاة والسلام مع أهل العقبة الثانية يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين.

# { والذين اتبعوهم بإحسان } أي متلبسين به، والمراد كل
~~خصلة حسنة، وهم اللاحقون بالسابقين من الفريقين على أن { من } تبعيضية
~~أو الذين أتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة فالمراد بالسابقين
~~جميع المهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم، ومعنى كونهم سابقين أنهم
~~أولون بالنسبة إلى سائر المسلمين وكثير من الناس ذهب إلى هذا. روي عن
~~حميد بن زياد أنه قال: قلت يوما لمحمد بن كعب القرظي ألا تخبرني عن
~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان بينهم من الفتن فقال لي: إن
~~الله تعالى قد غفر لجميعهم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم فقلت
~~له: في أي موضع أوجب لهم الجنة؟ فقال: سبحان الله الا تقرأ قوله تعالى: {
~~والسبقون الاولون } الآية فتعلم أنه تعالى أوجب لجيمع أصحاب
~~النبي صلى الله عليه وسلم الجنة والرضوان وشرط على التابعين شرطا قلت:
~~وما ذلك الشرط؟ قال: شرط عليهم أن يتبعوهم باحسان وهو أن يقتدوا بهم في
~~أعمالهم الحسنة ولا يقتدوا بهم في غير ذلك أو يقال: هو أن يتبعوهم /
~~بإحسان في القول وان لا يقولوا فيهم سوءا وأن لا يوجهوا الطعن فيما
~~أقدموا عليه، قال حميد ms03886 بن زياد: فكأني ما قرأت هذه الآية قط، وعلى هذا
~~تكون الآية متضمنة من فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما لم تتضمنه على
~~التقدير الأول.

# واعترض القطب على التفاسير السابقة للسابقين من المهاجرين بأن الصلاة
~~إلى القبلتين وشهود بدر وبيعة الرضوان مشتركة بين المهاجرين والأنصار.
~~وأجيب بأن مراد من فسر تعيين سبقهم لصحبتهم ومهاجرتهم له صلى الله عليه
~~وسلم على من عداهم من ذلك القبيل. واختار الإمام ((أن المراد بالسابقين
~~من المهاجرين السابقون في الهجرة ومن السابقين من الأنصار السابقون في
~~النصرة وادعى أن ذلك هو الصحيح عنده، واستدل عليه بأنه سبحانه ذكر كونهم
~~سابقين ولم يبين أنهم سابقون فيماذا فبقي اللفظ مجملا إلا أنه تعالى لما
~~وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصارا علم أن المراد من السبق السبق في الهجرة
~~والنصرة إزالة للإجمال عن اللفظ، وأيضا كل واحدة من الهجرة والنصرة
~~لكونه فعلا شاقا على النفس طاعة عظيمة فمن أقدم عليه أولا صار قدوة
~~لغيره في هذه الطاعة وكان ذلك مقويا لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم
~~وسببا لزوال الوحشة عن خاطره الشريف عليه الصلاة والسلام فلذلك أثنى
~~الله تعالى على كل من كان سابقا إليهما وأثبت لهم ما أثبت، وكيف لا وهم
~~آمنوا وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وضعف فقوي الإسلام بسببهم
~~وكثر عدد المسلمين بإسلامهم وقوي قلبه صلى الله عليه وسلم بسبب دخولهم في
~~الإسلام واقتداء غيرهم بهم فكان حالهم في ذلك كحال من سن سنه حسنة؛ وفي
~~الخبر «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» ولا
~~يخفى أنه حسن.

# ويجوز عندي أن يراد بالسابقين الذين سبقوا إلى الإيمان بالله واليوم
~~الآخر واتخاذ ما ينفقون قربات والقرينة على ذلك ظاهرة، وأياما كان
~~فالسابقون مبتدأ خبره قوله تعالى: { رضي الله عنهم } أي بقبول
~~طاعتهم وارتضاء أعمالهم { ورضوا عنه } بما نالوه من النعم الجليلة
~~الشأن. وجوز أبو البقاء أن يكون الخبر { الاولون } أو { من
~~المهجرين } وأن يكون { السبقون } معطوفا على

# من يؤمن ms03887

# [التوبة:99] أي ومنهم السابقون وما ذكرناه أظهر الوجوه. وعن عمر رضي
~~الله تعالى عنه انه قرأ { والأنصار } بالرفع على أنه معطوف على {
~~السابقون }.

# وأخرج أبو عبيدة وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن عمرو بن عامر الأنصاري
~~أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يقرأ بإسقاط الواو من { والذين
~~اتبعوهم } فيكون الموصول صفة الأنصار حتى قال له زيد: إنه بالواو
~~فقال ائتوني بأبي بن كعب فأتاه فسأله عن ذلك فقال: هي بالواو فتابعه.
~~وأخرج أبو الشيخ عن أبي أسامة ومحمد بن إبراهيم التيمي قالا: مر عمر بن
~~الخطاب برجل يقرأ { والذين } بالواو فقال: من أقرأك هذه؟ فقال: أبي
~~فأخذ به إليه فقال: يا أبا المنذر أخبرني هذا أنك أقرأته هكذا قال أبي:
~~صدق وقد تلقنتها كذلك من في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: أنت
~~تلقنتها كذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم فأعاد عليه
~~فقال في الثالثة وهو غضبان: نعم والله لقد أنزلها الله على جبريل عليه
~~السلام وأنزلها جبريل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ولم يستأمر فيها
~~الخطاب ولا ابنه فخرج عمر رافعا يديه وهو يقول الله أكبر الله أكبر. وفي
~~رواية أخرجها أبو الشيخ أيضا عن محمد بن كعب أن أبيا رضي الله تعالى
~~عنه: تصديق هذه الآية في أول الجمعة [3]

# وءاخرين منهم

# وفي أوسط الحشر [10]

# والذين جآءوا من بعدهم

# وفي آخر الأنفال[75]

# والذين ءامنوا من بعد

# الخ، ومراده رضي الله تعالى عنه أن هذه الآيات تدل على أن التابعين غير
~~الأنصار، / وفيها أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: لقد كنت أرى أنا رفعنا
~~رفعة لا يبلغها أحد بعدنا وأراد اختصاص السبق بالمهاجرين.

# وظاهر تقديم المهاجرين على الأنصار مشعر بأنهم أفضل منهم وهو الذي يدل
~~عليه قصة السقيفة، وقد جاء في فضل الأنصار ما لا يحصى من الأخبار. ومن
~~ذلك ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق ms03888 بغض الأنصار "

# وأخرج الطبراني عن السائب بن يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم
~~الفيء الذي أفاء الله تعالى بحنين في أهل مكة من قريش وغيرهم فغضب
~~الأنصار فأتاهم فقال: «يا معشر الأنصار قد بلغني من حديثكم في هذه
~~المغانم التي آثرت بها أناسا أتألفهم على الإسلام لعلهم أن يشهدوا بعد
~~اليوم وقد أدخل الله تعالى قلوبهم الإسلام ثم قال: يا معشر الإسلام ألم
~~يمن الله تعالى عليكم بالإيمان وخصكم بالكرامة وسماكم بأحسن الأسماء
~~أنصار الله تعالى وأنصار رسوله عليه الصلاة والسلام ولولا الهجرة لكنت
~~امرءا من الأنصار ولو سلك الناس واديا وسلكتم واديا لسلكت واديكم أفلا
~~ترضون أن يذهب الناس بهذه الغنائم البعير والشاء وتذهبون برسول الله؟
~~فقالوا: رضينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " أجيبوني فيما قلت. قالوا: يا رسول الله وجدتنا في ظلمة فأخرجنا الله
~~بك إلى النور، وجدتنا على شفا حفرة من النار فأنقذنا الله بك، وجدتنا
~~ضلالا فهدانا الله تعالى بك فرضينا بالله تعالى ربا وبالإسلام دينا
~~وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، فقال عليه الصلاة والسلام: لو أجبتموني
~~بغير هذا القول لقلت: صدقتم لو قلتم ألم تأتنا طريدا فآويناك ومكذبا
~~فصدقناك ومخذولا فنصرناك وقبلنا ما رد الناس عليك لصدقتم، قالوا: بل لله
~~تعالى ولرسوله المن والفضل علينا وعلى غيرنا "

# فانظر كيف قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف أجابوه رضي الله
~~تعالى عنهم.

# { وأعد لهم جنت تجري تحتها الانهر } أي هيأ
~~لهم ذلك في الآخرة. وقرأ ابن كثير { من تحتها } وأكثر ما جاء في القرآن
~~موافق لهذه القراءة { خلدين فيها أبدا } من غير انتهاء {
~~ذلك الفوز العظيم } أي الذي لا فوز وراءه، وما في { ذلك }
~~من معنى البعد قيل لبيان بعد منزلتهم في الفضل وعظم الدرجة من مؤمني
~~الأعراب، ولا يخفى أن هذا لا يكاد يصح إلا بتكلف ما إذا أريد من الذين
~~اتبعوهم صنف آخر غير الصحابة لأن الظاهر أن مؤمني الأعراب صحابة ولا يفضل
~~غير صحابي صحابيا ms03889 كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:

# " لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم
~~ولا نصيفه "

# ، وقوله صلى الله عليه وسلم:

# " أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره "

# من باب المبالغة.

### || [9.101]

# { وممن حولكم من الاعراب } شروع في بيان [أحوال] منافقي
~~أهل المدينة ومن حولها من الأعراب بعد بيان حال أهل البادية منهم أي وممن
~~حول بلدكم { منفقون } والمراد بالموصول كما أخرج ابن المنذر عن
~~عكرمة: جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار؛ وكانت منازلهم حول المدينة، وإلى
~~هذا ذهب جماعة من المفسرين كالبغوي والواحدي وابن الجوزي وغيرهم واستشكل
~~ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم مدح هذه القبائل ودعا لبعضها، فقد
~~أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:

# " قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار موالي الله تعالى
~~ورسوله لا موالي لهم غيره "

# ، وجاء عنه أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " أسلم سالمها الله تعالى وغفار غفر الله لها أما إني لم أقلها لكن
~~قالها الله تعالى "

# ، وأجيب بأن ذلك باعتبار الأغلب منهم.

# { ومن أهل المدينة } عطف على { ممن حولكم } فيكون
~~كالمعطوف عليه خبرا عن  المنافقون  كأنه قيل: المنافقون من قوم حولكم
~~ومن أهل المدينة، وهو من عطف مفرد على مفرد ويكون قوله سبحانه: {
~~مردوا على النفاق } جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب مسوقة
~~لبيان غلوهم في النفاق إثر بيان اتصافهم به أو صفة لمنافقون، واستبعده
~~أبو حيان بأن فيه الفصل بين الصفة وموصوفها، وجوز أن يكون { من أهل
~~المدينة } خبر مقدم والمبتدأ بعده محذوف قامت صفته مقامه والتقدير
~~ومن أهل المدينة قوم مردوا، وحذف الموصوف وإقامة صفته مقامه إذا كان بعض
~~اسم مجرور بمن أو في مقدم عليه مقيس شائع نحو  منا أقام ومنا ظعن ، وفي
~~غير ذلك ضرورة أو نادر، ومنه قول سحيم

# :

# أنا ابن جلا وطلاع الثنايا

# متى أضع العمامة تعرفوني

# على أحد التأويلات فيه. وأصل المرود على ما ذكره علي بن ms03890 عيسى الملاسة
~~ومنه صرح ممرد، والأمرد الذي لا شعر على وجهه، والمرداء الرملة التي لا
~~تنبت شيئا، وقال ابن عرفة: أصله الظهور ومنه قولهم: شجرة مرداء إذا
~~تساقط ورقها وأظهرت عيدانها، وفي «القاموس» ((مرد كنصر وكرم مرودا
~~ومرودة ومرادة فهو مارد ومريد ومتمرد أقدم وعتا أو هو أن يبلغ الغاية
~~التي يخرج بها من جملة ما عليه ذلك الصنف)) وفسروه بالاعتياد والتدرب في
~~الأمر حتى يصير ماهرا فيه وهو قريب مما ذكره في «القاموس» من بلوغ
~~الغاية، ولا يكاد يستعمل إلا في الشر. وهو على الوجهين الأولين شامل
~~للفريقين حسب شمول النفاق، وعلى الوجه الأخير خاص بمنافقي أهل المدينة
~~واستظهر ذلك، وقيل: إنه الأنسب بذكر منافقي أهل البادية أولا ثم ذكر
~~منافقي الأعراب المجاورين ثم ذكر منافقي أهل المدينة ويبقى على هذا أنه
~~لم يبين مرتبة المجاورين في النفاق بخلافه على تقدير شموله للفريقين؛ ثم
~~لا يخفى أن التمرد على النفاق إذا اقتضى الأشدية فيه أشكل عليه تفسيرهم
~~المفضل في قوله سبحانه:

# الاعراب أشد كفرا ونفاقا

# [التوبة:97] بأهل الحضر، ولعل المراد تفضيل المجموع على المجموع أو
~~يلتزم عدم الاقتضاء.

# وقوله تعالى: { لا تعلمهم } بيان لتمردهم أي لا تعرفهم أنت
~~بعنوان نفاقهم يعني أنهم بلغوا من المهارة في النفاق والتنوق في مراعاة
~~التقية والتحامي عن مواقع التهم إلى حيث يخفى عليك مع كمال فطنتك وصدق
~~فراستك حالهم، وفي تعليق نفي العلم بهم مع أنه متعلق بحالهم مبالغة في
~~ذلك وإيماء إلى أن ما هم عليه من صفة النفاق لعراقتهم ورسوخهم فيها صارت
~~بمنزلة ذاتياتهم أو مشخصاتهم بحيث لا يعد من لا يعرفهم بتلك الصفة عالما
~~بهم، ولا حاجة في هذا المعنى إلى حمل العلم على المتعدي لمفعولين وتقدير
~~المفعول الثاني أي لا تعلمهم منافقين، وقيل: المراد لا تعرفهم بأعيانهم
~~وإن عرفتهم إجمالا، وما ذكرناه لما فيه من المبالغة ما فيه أولى وحاصله
~~لا تعرف نفاقهم.

# { نحن نعلمهم } أي نعرفهم بذلك العنوان وإسناد العلم بمعنى
~~المعرفة إليه تعالى مما لا ينبغي أن ms03891 يتوقف فيه وإن وهم فيه من وهم لا
~~سيما إذا خرج ذلك مخرج المشاكلة، وقد فسر العلم هنا بالمعرفة ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما كما أخرجه عند أبو الشيخ. نعم لا يمتنع حمله على
~~معناه المتبادر كما لا يمتنع حمله على ذلك فيما تقدم لكنه محوج إلى
~~التقدير وعدم التقدير أولى من التقدير.

# والجملة تقرير لما سبق من مهارتهم في النفاق أي لا يقف على سرائرهم
~~المركوز فيهم إلا من لا تخفى عليه خافية / لما هم عليه من شدة الاهتمام
~~بإبطال الكفر وإظهار الإخلاص، وأمر تعليق العلم هنا كأمر تعليق نفيه فيما
~~مر. واستدل بالآية على أنه لا ينبغي الإقدام على دعوى الأمور الخفية من
~~أعمال القلب ونحوها. وقد أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وغيرهما عن قتادة
~~أنه قال: ما بال أقوام يتكلفون على الناس يقولون فلان في الجنة وفلان في
~~النار فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري لعمري أنت بنفسك أعلم منك
~~بأعمال الناس ولقد تكلفت شيئا ما تكلفه نبي قال نوع عليه السلام و

# ما علمي بما كانوا يعملون

# [الشعراء: 112] وقال شعيب عليه السلام:

# وما أنا عليكم بحفيظ

# [هود: 86] وقال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: { لا
~~تعلمهم نحن نعلمهم } وهذه الآيات ونحوها أقوى دليل في
~~الرد على من يزعم الكشف والاطلاع على المغيبات بمجرد صفاء القلب وتجرد
~~النفس عن الشواغل وبعضهم يتساهلون في هذا الباب جدا.

# { سنعذبهم } ولا بد لتحقيق المقتضى فيهم عادة { مرتين }
~~أخرج ابن أبي حاتم والطبراني في «الأوسط» وغيرهما عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة خطيبا
~~فقال قم يا فلان فاخرج فإنك منافق اخرج يا فلان فإنك منافق فأخرجهم
~~بأسمائهم ففضحهم ولم يك عمر بن الخطاب شهد تلك الجمعة لحاجة كانت له
~~فلقيهم وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم استحياء أنه لم يشهد الجمعة وظن
~~أن الناس قد انصرفوا واختبأوا هم منه وظنوا أنه قد علم بأمرهم فدخل
~~المسجد ms03892 فإذا الناس لم ينصرفوا فقال له رجل: أبشر يا عمر فقد فضح الله
~~تعالى المنافقين اليوم فهذا العذاب الأول والعذاب الثاني عذاب القبر».
~~وفي رواية ابن مردويه عن ابن مسعود الأنصاري أنه صلى الله عليه وسلم أقام
~~في ذلك اليوم وهو على المنبر ستة وثلاثين رجلا. وأخرج ابن المنذر وابن
~~أبي حاتم عن مجاهد أنه فسر العذاب مرتين بالجوع والقتل، ولعل المراد به
~~خوفه وتوقعه، وقيل: هو فرضي إذا أظهروا النفاق وفي رواية أخرى عنه أنهم
~~عذبوا بالجوع مرتين، وعن الحسن أن العذاب الأول أحذ الزكاة والثاني عذاب
~~القبر، وعن ابن إسحق أن الأول غيظهم من أهل الإسلام والثاني عذاب القبر،
~~ولعل تكرير عذابهم لما فيهم من الكفر المشفوع بالنفاق أو النفاق المؤكد
~~بالتمرد فيه. وجوز أن يراد بالمرتين التكثير كما في قوله تعالى:

# ثم ارجع البصر كرتين

# [الملك: 4] لقوله سبحانه:

# أو لا يرون أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو
~~مرتين

# [التوبة: 126].

# { ثم يردون } يوم القيامة الكبرى { إلى عذاب عظيم } هو
~~عذاب النار، وتغيير الأسلوب على ما قيل بإسناد عذابهم السابق إلى نون
~~العظمة حسب إسناد ما قبله من العلم وإسناد ردهم إلى العذاب اللاحق إلى
~~أنفسهم إيذان باختلافهما حالا وإن الأول خاص بهم وقوعا وزمانا يتولاه
~~الله سبحانه وتعالى؛ والثاني شامل لعامة الكفرة وقوعا وزمانا وإن
~~اختلفت طبقات عذابهم، ولا يخفى أنه إذا فسر العذاب العظيم بعذاب الدرك
~~الأسفل من النار لم يكن شاملا لعامة الكفرة نعم هو شامل لعامة المنافقين
~~فقط، وقد يقال: إن في بناء { يردون } لما لم يسم فاعله من التعظيم
~~ما فيه فيناسب العذاب العظيم فلذا غير السبك إليه والله تعالى أعلم.

### || [9.102]

# { وءاخرون } بيان لحال طائفة من المسلمين ضعيفة الهمم في أمر الدين
~~ولم يكونوا منافقين على الصحيح. وقيل: هم طائفة من المنافقين إلا أنهم
~~وفقوا للتوبة فتاب الله عليهم. قيل: وهو مبتدأ خبره جملة { خلطوا }
~~وهي حال بتقدير  قد  والخبر جملة { عسى الله } الخ، والمحققون على
~~أنه معطوف على

# منفقون

# [التوبة:101] أي ms03893 ومنهم يعني ممن حولكم أو من أهل المدينة قوم آخرون {
~~اعترفوا } أي أقروا عن معرفة { بذنوبهم } التي هي تخلفهم عن
~~الغزو وإيثار الدعة عليه / والرضا بسوء جوار المنافقين ولم يعتذروا
~~بالمعاذير الكاذبة المؤكدة بالإيمان الفاجرة وكانوا على ما أخرج البيهقي
~~في «الدلائل» وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عشرة تخلفوا عن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فلما حضر رجوع رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد وكان ممر النبي
~~عليه الصلاة والسلام إذا رجع في المسجد عليهم فلما رآهم قال: من هؤلاء
~~الموثقون أنفسهم؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول
~~الله وقد أقسموا أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم فقال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أقسم بالله تعالى لا أطلقهم ولا أعذرهم
~~حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم فأنزل الله تعالى الآية فأرسل عليه
~~الصلاة والسلام إليهم فأطلقهم وعذرهم. وفي رواية أخرى عنه أنهم كانوا
~~ثلاثة، وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد أنهم كانوا ثمانية، وروي أنهم كانوا
~~خمسة، والروايات متفقة على أن أبا لبابة بن عبد المنذر منهم.

# { خلطوا عملا صلحا } خروجا إلى الجهاد مع رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم { وءاخر سيئا } تخلفا عنه عليه الصلاة والسلام روي
~~هذا عن الحسن والسدي وعن الكلبي أن الأول التوبة والثاني الإثم، وقيل:
~~العمل الصالح يعم جميع البر والطاعة، والسيء ما كان ضده. والخلط المزج
~~وهو يستدعي مخلوطا ومخلوطا به والأول هنا هو الأول والثاني هو الثاني
~~عند بعض، والواو بمعنى الباء كما نقل عن سيبويه في قولهم: بعت الشاء شاة
~~ودرهما، وهو من باب الاستعارة لأن الباء للإلصاق والواو وللجمع وهما من
~~واد واحد، ونقل شارح «اللباب» عن ابن الحاجب أن أصل المثال بعت الشاة
~~بدرهم أي مع درهم ثم كثر ذلك فأبدلوا من باء المصاحبة واوا فوجب أن يعرب
~~ما بعدها بإعراب ما قبلها كما في قولهم: كل ms03894 رجل وضيعته، ولا يخفى ما فيه
~~من التكلف.

# وذكر الزمخشري ((أن كل واحد من المتعاطفين مخلوط ومخلوط به لأن المعنى
~~خلط كل واحد منهما بالآخر كقولك: خلطت الماء واللبن تريد خلطت كل واحد
~~منهما بصاحبه، وفيه ما ليس في قولك: خلطت الماء باللبن لأنك جعلت الماء
~~مخلوطا واللبن مخلوطا به وإذا قلته بالواو وجعلت الماء واللبن مخلوطين
~~ومخلوطا بهما كأنك قلت خلطت الماء باللبن واللبن بالماء)) وحاصله أن
~~المخلوط به في كل واحد من الخلطين هو المخلوط في الآخر لأن الخلط لما
~~اقتضى مخلوطا به فهو إما الآخر أو غيره والثاني منتف بالأصل والقرينة
~~لدلالة سياق الكلام إذا قيل: خلطت هذا وذاك على أن كلا منهما مخلوط
~~ومخلوط به وهو أبلغ من أن يقال خلطت أحدهما بالآخر إذ فيه خلط واحد وفي
~~الواو خلطان.

# واعترض بأن خلط أحدهما بالآخر يستلزم خلط الآخر به ففي كل من الواو
~~والباء خلطان فلا فرق، وأجيب بأن الواو تفيد الخلطين صريحا بخلاف الباء
~~فالفرق متحقق، وفيه تسليم حديث الاستلزام ولا يخفى أن فيه خلطا حيث لم
~~يفرق فيه بين الخلط والاختلاط، والحق أن اختلاط أحد الشيئين بالآخر
~~مستلزم لاختلاط الآخر به وأما خلط أحدهما بالآخر فلا يستلزم خلط الآخر به
~~لأن خلط الماء باللبن مثلا معناه أن يقصد الماء أولا ويجعل مخلوطا
~~باللبن وظاهر أنه لا يستلزم أن يقصد اللبن أولا بل ينافيه، فعلى هذا
~~معنى خلط العمل الصالح بالسيء أنهم أتوا أولا بالصالح ثم استعقبوه سيئا
~~ومعنى خلط السيء بالصالح أنهم أتوا أولا بالسيء ثم أردفوه بالصالح، وإلى
~~هذا يشير كلام السكاكي حيث جعل تقدير الآية خلطوا عملا صالحا بسيء وآخر
~~سيئا بصالح أي تارة أطاعوا واحبطوا الطاعة بكبيرة وأخرى عصوا وتداركوا
~~المعصية بالتوبة وهو ظاهر في أن العمل الصالح / والسيء في أحد الخلطين
~~غيرهما في الخلط الآخر، وكلام الزمخشري ظاهر في اتحادهما وفيه ما فيه،
~~ولذلك رجح ما ذهب إليه السكاكي لكن ما ذكره من الإحباط ميل إلى مذهب
~~المعتزلة. وادعى بعضهم ms03895 أن ما في الآية نوع من البديع يسمى الاحتباك
~~والأصل خلطوا عملا صالحا بآخر سيء وخلطوا آخر سيئا بعمل صالح، وهو
~~خلاف الظاهر.

# واستظهر ابن المنير ((كون الخلط مضمنا معنى العمل والعدول عن الباء
~~لذلك كأنه قيل: عملوا عملا صالحا وآخر سيئا، وأنا اختار أن الخلط
~~بمعنى الجمع هنا وإذا اعتبر السياق وسبب النزول يكون المراد من العمل
~~الصالح الاعتراف بالذنوب من التخلف عن الغزو وما معه من السيء تلك الذنوب
~~أنفسها ويكون المقصود بالجمع المتوجه إليه أولا بالضم هو الاعتراف،
~~والتعبير عن ذلك بالخلط للإشارة إلى وقوع ذلك الاعتراف على الوجه الكامل
~~حتى كأنه تخلل الذنوب وغير صفتها، وإذا لم يعتبر سبب النزول يجوز أن يراد
~~من العمل الصالح الاعتراف بالذنوب مطلقا ومن السيء الذنوب كذلك وتمام
~~الكلام بحاله، ويجوز أن يراد من العمل الصالح والسيء ما صدر من الأعمال
~~الحسنة والسيئة مطلقا، ولعل المتوجه إليه أولى على هذا أيضا ليجمع
~~العمل الصالح إذ بضمه يفتح باب الخير، ففي الخبر «أتبع السيئة بالحسنة
~~تمحها»، وقد حمل بعضهم الحسنة فيه على مطلقها.

# وأخرج ابن سعد عن الأسود بن قيس قال: لقي الحسن بن علي رضي الله تعالى
~~عنهما يوما حبيب بن مسلمة فقال: يا حبيب رب مسير لك في غير طاعة الله
~~تعالى فقال: أما مسيري إلى أبيك فليس من ذلك قال: بلى ولكنك أطعت معاوية
~~على دنيا قليلة زائلة فلئن قام بك في دنياك فلقد قعد بك في دينك ولو كنت
~~إذ فعلت شرا فعلت خيرا كان ذلك كما قال الله تعالى: { خلطوا
~~عملا صلحا وءاخر سيئا } ولكنك كما قال الله تعالى:

# كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون

# [المطففين: 14] والتعبير بالخلط حينئذ يمكن أن يكون لما في ذلك من
~~التغيير أيضا، وربما يراد بالخلط مطلق الجمع من غير اعتبار أولية في
~~البين والتعبير بالخلط لعله لمجرد الإيذان بالتخلل فإن الجمع لا يقتضيه،
~~ويشعر بهذا الحمل ما أخرجه أبو الشيخ والبيهقي عن مطرف قال: إني لأستلقي
~~من الليل ms03896 على فراشي وأتدبر القرآن فأعرض أعمالي على أعمال أهل الجنة فإذا
~~أعمالهم شديدة

# كانوا قليلا من الليل ما يهجعون

# [الذاريات:17]

# يبيتون لربهم سجدا وقياما

# [الفرقان:64]

# أمن هو قانت آنآء اليل ساجدا وقآئما

# [الزمر:9] فلا أراني منهم فأعرض نفسي على هذه الآية

# ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين

# إلى قوله سبحانه:

# نكذب بيوم الدين

# [المدثر: 42-46] فأرى القوم مكذبين فلا أراني فيهم فأمر بهذه الآية {
~~وآخرون اعترفوا بذنوبهم } الخ وأرجو أن أكون أنا وأنتم يا
~~اخوتاه منهم، وكذا ما أخرجاه وغيرهما عن أبي عثمان النهدي قال: ما في
~~القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله سبحانه: { وآخرون } الخ.

# والظاهر أنه لم يفهم منها صدور التوبة من هؤلاء الآخرين بل ثبت لهم
~~الحكم المفهوم من قوله سبحانه: { عسى الله أن يتوب عليهم }
~~مطلقا وإلا فهي وكثير من الآيات التي في هذا الباب سواء وأرجى منها عندي
~~قوله تعالى:

# قل يأهل عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا
~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب
~~جميعا

# [الزمر:53] والمشهور أن الآية يفهم منها ذلك لأن التوبة من الله سبحانه
~~بمعنى قبول التوبة وهو يقتضي صدورها عنهم فكأنه قيل: وآخرون اعترفوا
~~بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فتابوا عسى الخ. وجعل غير واحد
~~الاعتراف دالا على التوبة ولعل ذلك لما بينهما من اللزوم عرفا، وقال
~~الشهاب: لأنه توبة إذا اقترن بالندم والعزم على عدم العود، وفيه أن هذا
~~قول بالعموم والخصوص وقد ذكروا أن العام لا يدل على الخاص بإحدى الدلالات
~~الثلاث، وكلمة { عسى } للإطماع وهو من أكرم الأكرمين إيجاب وأي إيجاب.
~~وقوله تعالى: / { إن الله غفور رحيم } تعليل لما أفادته من
~~وجوب القبول، وليس هو الوجوب الذي يقوله المعتزلة كما لا يخفى أي إنه
~~تعالى كثير المغفرة والرحمة يتجاوز عن التائب ويتفضل عليه.

### || [9.103]

# { خذ من أمولهم صدقة } أخرج غير واحد عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أنهم لما أطلقوا انطلقوا فجاؤا بأموالهم فقالوا: يا
~~رسول الله هذه أموالنا ms03897 فتصدق بها عنا واستغفر لنا فقال عليه الصلاة
~~والسلام: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا فنزلت الآية فأخذ صلى الله
~~عليه وسلم منها الثلث كما جاء في بعض الروايات، فليس المراد من الصدقة
~~الصدقة المفروضة أعني الزكاة لكونها مأمورا بها وإنما هي على ما قيل
~~كفارة لذنوبهم حسبما ينبىء عنه قوله عز وجل: { تطهرهم } أي عما
~~تلطخوا به من أوضار التخلف. وعن الجبائي أن المراد بها الزكاة وأمر صلى
~~الله عليه وسلم بأخذها هنا دفعا لتوهم إلحاقهم ببعض المنافقين فإنها لم
~~تكن تقبل منه كما علمت وأمر التطهير سهل، وأيا ما كان فضمير أموالهم
~~لهؤلاء المعترفين، وقيل: إنه على الثاني راجع لأرباب الأموال مطلقا،
~~وجمع الأموال للإشارة إلى أن الأخذ من سائر أجناس المال، والجار والمجرور
~~متعلق بخذ ويجوز أن يتعلق بمحذوف وقع حالا من { صدقة } والتاء في {
~~تطهرهم } للخطاب. وقرىء بالجزم على أنه جواب الأمر والرفع على أن
~~الجملة حال من فاعل { خذ } أو صفة لصدقة بتقدير بها لدلالة ما بعده
~~عليه أو مستأنفة كما قال أبو البقاء، وجوز على احتمال الوصفية أن تكون
~~التاء للغيبة وضمير المؤنث للصدقة فلا حاجة بنا إلى بها. وقرىء { تطهرهم
~~} من أطهره بمعنى طهره.

# { وتزكيهم بها } بإثبات الياء وهو خبر مبتدأ محذوف والجملة حال
~~من الضمير في الأمر أو في جوابه وقيل استئناف أي وأنت تزكيهم بها أي تنمي
~~بتلك الصدقة حسناتهم وأموالهم أو تبالغ في تطهيرهم - وكون المراد ترفع
~~منازلهم من منازل المنافقين إلى منازل الأبرار المخلصين ظاهر في أن القوم
~~كانوا منافقين والمصحح خلافه - هذا على قراءة الجزم في { تطهرهم } وأما
~~على قراءة الرفع فتزكيهم عطف عليه، وظاهر ما في «الكشاف» يدل على أن
~~التاء هنا للخطاب لا غير لقوله سبحانه: { بها } والحمل على أن الصدقة
~~تزكيهم بنفسها بعيد عن فصاحة التنزيل. وقرأ مسلمة بن محارب { تزكهم }
~~بدون الياء.

# { وصل عليهم } أي ادع لهم واستغفر، وعدى الفعل بعلى لما فيه من
~~معنى العطف لأنه من الصلوين، وإرادة المعنى اللغوي هنا ms03898 هو المتبادر،
~~والحمل على صلاة الميت بعيد وان روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما،
~~ولذا استدل بالآية على استحباب الدعاء لمن يتصدق، واستحب الشافعي في صفته
~~أن يقول للمتصدق آجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهورا وبارك لك فيما
~~أبقيت. وقال بعضهم: يجب على الإمام الدعاء إذا أخذ، وقيل: يجب في صدقة
~~الفرض ويستجب في صدقة التطوع، وقيل: يجب على الإمام ويستحب للفقير والحق
~~الاستحباب مطلقا.

# { إن صلوتك سكن لهم } ذتعليل للأمر بالصلاة، والسكن
~~السكون وما تسكن النفس إليه من الأهل والوطن مثلا وعلى الأول جعل الصلاة
~~نفس السكن، والاطمئنان مبالغة وعلى الثاني يكون المراد تشبيه صلاة عليه
~~الصلاة والسلام في الالتجاء إليها بالسكن والأول أولى أي إن دعاءك تسكن
~~نفوسهم إليه وتطمئن قلوبهم به إلى الغاية ويثقون بأنه سبحانه قبلهم. وقرأ
~~غير واحد من السبعة { صلواتك } بالجمع مراعاة لتعدد المدعو لهم {
~~والله سميع } يسمع الاعتراف بالذنب والتوبة والدعاء { عليم }
~~بما في الضمائر من الندم والغم لما فرط [منهم] وبالإخلاص في التوبة
~~والدعاء / أو سميع يجيب دعاءك لهم عليم بما تقتضيه الحكمة، والجملة حينئذ
~~تذييل للتعليل مقرر لمضمونه وعلى الأول تذييل لما سبق من الآيتين محقق
~~لما فيهما.

### || [9.104]

# { ألم يعلموا } الضمير إما للمتوب عليهم والمراد تمكين قبول
~~توبتهم في قلوبهم والاعتداد بصدقاتهم، وإما لغيرهم والمراد التحضيض على
~~التوبة والصدقة والترغيب فيهما. وقرىء { تعلموا } بالتاء وهو على
~~الأول التفات وعلى الثاني بتقدير قل، وجوز أن يكون الضمير للتائبين
~~وغيرهم على أن يكون المقصود التمكين والتحضيض لا غير، واختار بعضهم كونه
~~للغير لا غير لما روي أنه لما نزلت توبة هؤلاء التائبين قال الذين لم
~~يتوبوا من المتخلفين هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا يجالسون فما
~~لهم اليوم فنزلت، ويشعر صنيع الجمهور باختيار الأول وهو الذي يقتضيه سياق
~~الآية، والخبر لما نقف على سند له يعول عليه أي ألم يعلم هؤلاء التائبون.

# { أن الله هو يقبل التوبة } الصحيحة الخالصة { عن
~~عباده } المخلصين فيها. وتعدية القبول بعن لتضمنه معنى ms03899 التجاوز
~~والعفو أي يقبل ذلك متجاوزا عن ذنوبهم التي تابوا عنها، وقيل: عن بمعنى
~~من. والضمير إما للتأكيد أو له مع التخصيص بمعنى أن الله سبحانه يقبل
~~التوبة لا غيره أي إنه تعالى يفعل ذلك البتة لما قرر أن ضمير الفصل يفيد
~~ذلك والخبر المضارع من مواقعه، وجعل بعضهم التخصيص بالنسبة إلى الرسول
~~صلى الله عليه وسلم أي أنه جل وعلا يقبل التوبة لا رسوله عليه الصلاة
~~والسلام لأن كثرة رجوعهم إليه مظنة لتوهم ذلك. والمراد بالعباد إما أولئك
~~التائبون ووضع الظاهر موضع الضمير للإشعار بعلية ما يشير إليه القبول
~~وإما كافة العباد وهم داخلون في ذلك دخولا أوليا.

# { ويأخذ الصدقت } أي يقبلها قبول من يأخذ شيئا ليؤدي بدله
~~فالأخذ هنا استعارة للقبول، وجوز أن يكون إسناد الأخذ إلى الله تعالى
~~مجازا مرسلا، وقيل: نسبة الأخذ إلى الرسول في قوله سبحانه:

# خذ

# [التوبة:103] ثم نسبته إلى ذاته تعالى إشارة إلى أن أخذ الرسول عليه
~~الصلاة والسلام قائم مقام أخذ الله تعالى تعظيما لشأن نبيه صلى الله
~~عليه وسلم كما في قوله تعالى:

# إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله

# [الفتح: 10] فهو على حقيقته وهو معنى حسن إلا أن في دعوى الحقيقة ما لا
~~يخفى، والمختار عندي أن المراد بأخذ الصدقات الاعتناء بأمرها ووقوعها
~~عنده سبحانه موقعا حسنا، وفي التعبير به ما لا يخفى من الترغيب.

# وقد أخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة «أن الله تعالى يقبل الصدقة إذا كانت
~~من طيب ويأخذها بيمينه وإن الرجل ليتصدق بمثل اللقمة فيربيها له كما
~~يربي أحدكم فصيله أو مهره فتربو في كف الله تعالى حتى تكون مثل أحد»
~~وأخرج الدارقطني في «الأفراد» عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " تصدقوا فإن أحدكم يعطي اللقمة أو الشيء فيقع في يد الله عز وجل قبل أن
~~يقع في يدل السائل ثم تلا هذه الآية "

# وفي بعض الروايات ما يدل على أنه ليس هناك أخذ حقيقة، فقد أخرج ابن
~~المنذر وغيره عن أبي ms03900 هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة طيبة من كسب طيب ولا يقبل الله
~~تعالى إلا طيبا ولا يصعد إلى السماء إلا طيب فيضعها في حق إلا كانت
~~كأنما يضعها في يد الرحمن فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى
~~ان اللقمة أو التمرة لتأتي يوم القيامة مثل الجبل العظيم "

# وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى { ألم يعلموا أن الله
~~هو يقبل التوبة } الآية. وأل في { الصدقات } يحتمل أن
~~تكون عوضا عن المضاف إليه أي صدقاتهم وإن تكون للجنس أي جنس الصدقات
~~المندرج فيه صدقاتهم اندراجا أوليا وهو الذي يقتضيه ظاهر الأخبار.

# { وأن الله هو التواب الرحيم } تأكيد لما عطف عليه
~~وزيادة / تقرير لما يقرره مع زيادة معنى ليس فيه أي ألم يعلموا أنه
~~سبحانه المختص المستأثر ببلوغ الغاية القصوى من قبول التوبة والرحمة وذلك
~~شأن من شؤونه وعادة من عوائده المستمرة، وقيل غير ذلك، والجملتان في حيز
~~النصب ب { يعلموا } يسد كل واحدة منهما مسد مفعوليه.

### || [9.105]

# { وقل اعملوا } ما تشاؤون من الأعمال { فسيرى الله
~~عملكم } خيرا كان أو شرا، والجملة تعليل لما قبله أو تأكيد لما
~~يستفاد منه من الترغيب والترهيب، والسين للتأكيد كما قررنا أي يرى الله
~~تعالى البتة { ورسوله والمؤمنون } عطف على الاسم الجليل،
~~والتأخير عن المفعول للاشعار بما بين الرؤيتين من التفاوت، والمراد من
~~رؤية العمل عند جمع الاطلاع عليه وعلمه علما جليا، ونسبة ذلك للرسول
~~عليه الصلاة والسلام والمؤمنين باعتبار أن الله تعالى لا يخفي ذلك عنهم
~~ويطلعهم عليه أما بالوحي أو بغيره.

# وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في «الاخلاص» عن أبي سعيد عن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا
~~كوة لأخرج الله تعالى عمله للناس كائنا ما كان» وتخصيص الرسول عليه
~~الصلاة والسلام والمؤمنين بالذكر على هذا لأنهم الذين يعبأ المخاطبون
~~باطلاعهم، وفسر بعضهم المؤمنين بالملائكة الذين يكتبون الأعمال ms03901 وليس
~~بشيء، ومثله بل أدهى وأمر ما زعمه بعض الإمامية إنهم الأئمة الطاهرون
~~ورووا أن الأعمال تعرض عليهم في كل اثنين وخميس بعد أن تعرض على النبي
~~صلى الله عليه وسلم.

# وجوز بعض المحققين أن يكون العلم هنا كناية عن المجازاة ويكون ذلك خاصا
~~بالدنيوي من إظهار المدح والإعزاز مثلا وليس بالردىء، وقيل: يجوز إبقاء
~~الرؤية على ما يتبادر منها. وتعقب بأن فيه التزام القول برؤية المعاني
~~وهو تكلف وإن كان بالنسبة إليه تعالى غير بعيد، وأنت تعلم أن من الأعمال
~~ما يرى عادة كالحركات ولا حاجة فيه إلى حديث الالتزام المذكور على أن ذلك
~~الالتزام في جانب المعطوف لا يخفى ما فيه. وأخرج ابن أبي شيبة وغيره عن
~~سلمة بن الأكوع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { فسيرى الله
~~عملكم } أي فسيظهره.

# { وستردون } أي بعد الموت { إلى علم الغيب } ومنه ما
~~سترونه من الأعمال { والشهدة } ومنها ما تظهرونه، وفي ذكر هذا
~~العنوان من تهويل الأمر وتربية المهابة ما لا يخفى. { فينبئكم }
~~بعد الرد الذي هو عبارة عن الأمر الممتد { بما كنتم تعملون }
~~قبل ذلك في الدنيا والإنباء مجاز عن المجازاة أو كناية أي يجازيكم حسب
~~ذلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر ففي الآية وعد ووعيد.

### || [9.106]

# { وآخرون } عطف على

# آخرون

# [التوبة: 102] قبله أي ومنهم قوم آخرون غير المعترفين المذكورين {
~~مرجون } أي مؤخرون وموقوف أمرهم { لامر الله } أي إلى أن يظهر
~~أمر الله تعالى في شأنهم. وقرأ أهل المدينة والكوفة غير أبي بكر {
~~مرجون } بغير همزة والباقون { مرجؤون } بالهمز وهما لغتان
~~يقال: أرجأته وأرجيته كأعطيته، ويحتمل أن يكون الياء بدلا من الهمزة
~~كقولهم: قرأت وقريت وتوضأت وتوضيت وهو في كلامهم كثير، وعلى كونه لغة
~~أصلية هو يائي، وقيل: إنه واوي، ومن هذه المادة المرجئة إحدى فرق أهل
~~القبلة وقد جاء فيه الهمز وتركه، وسموا بذلك لتأخيرهم المعصية عن
~~الاعتبار في استحقاق العذاب حيث / قالوا: لا عذاب مع الإيمان فلم يبق
~~للمعصية عندهم أثر، وفي «المواقف» سموا مرجئة ms03902 لأنهم يرجون العمل عن النية
~~أي يؤخرونه في الرتبة عنها وعن الاعتقاد، أو لأنهم يعطون الرجاء في
~~قولهم: لا يضر مع الإيمان معصية انتهى. وعلى التفسيرين الأولين يحتمل أن
~~يكون بالهمز وتركه، وأما على الثالث فينبغي أن يقال مرجئة بفتح الراء
~~وتشديد الجيم.

# والمراد بهؤلاء المرجون كما في «الصحيحين» هلال بن أمية وكعب بن مالك
~~ومرارة بن الربيع وهو المروي عن ابن عباس وكبار الصحابة رضي الله تعالى
~~عنهم، وكانوا قد تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ما مع الهم
~~باللحاق به عليه الصلاة والسلام فلم يتيسر لهم ولم يكن تخلفهم عن نفاق
~~وحاشاهم فقد كانوا من المخلصين فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وكان
~~ما كان من المتخلفين قالوا: لا عذر لنا إلا الخطيئة ولم يعتذروا له صلى
~~الله عليه وسلم ولم يفعلوا كما فعل أهل السواري وأمر رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم باجتنابهم وشدد الأمر عليهم كما ستعلمه إن شاء الله تعالى إلى
~~أن نزل قوله سبحانه:

# لقد تاب الله على النبى والمهجرين والانصر

# [التوبة:117] الخ، وقد وقف أمرهم خمسين ليلة لا يدرون ما الله تعالى
~~فاعل بهم.

# { إما يعذبهم وإما يتوب عليهم } في موضع الحال أي
~~منهم هؤلاء إما معذبين وإما متوبا عليهم. وقيل: خبر { آخرون } على
~~أنه مبتدأ و { مرجون } صفته، والأول أظهر، و { إما } للتنويع على
~~معنى أن أمرهم دائر بين هذين الأمرين، وقيل: للترديد بالنظر للفساد؛
~~والمعنى ليكن أمرهم عندكم بين الرجاء والخوف، والمقصود تفويض ذلك إلى
~~إرادة الله تعالى ومشيئته إذ لا يجب عليه سبحانه تعذيب العاصي ولا مغفرة
~~التائب. وإنما شدد عليهم مع إخلاصهم، والجهاد فرض كفاية لما نقل عن ابن
~~بطال في «الروض الأنف» وارتضاه أن الجهاد كان على الأنصار خاصة فرض عين
~~لأنهم بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم عليه، ألا ترى قول راجزهم في
~~الخندق:

# نحن الذين بايعوا محمدا

# على الجهاد ما بقينا أبدا

# وهؤلاء من أجلتهم فكان تخلفهم كبيرة، وروي عن الحسن أن ms03903 هذه الآية
~~في المنافقين وحينئذ لا يراد بالآخرين من ذكرنا لأنهم من علمت بل يراد به
~~آخرون منافقون، وعلى هذا ينبغي أن يكون قول من قال في { إما
~~يعذبهم } أي إن أصروا على النفاق، وقد علمت أن ذلك خلاف ما في
~~«الصحيحين»، وحمل النفاق في كلام القائل على ما يشبهه بعيد ودعوى بلا
~~دليل { والله عليم } بأحوالهم { حكيم } فيما فعل بهم من
~~الإرجاء وفي قراءة عبد الله { غفور رحيم }.

### || [9.107]

# { والذين اتخذوا مسجدا } عطف على ما سبق أي ومنهم الذين،
~~وجوز أن يكون مبتدأ خبره

# أفمن أسس

# [التوبة: 109]والعائد محذوف للعلم به أي منهم أو الخبر محذوف أي فيمن
~~وصفنا، وأن يكون منصوبا بمقدر كأذم وأعني. وقرأ نافع وابن عامر بغير
~~واو، وفيه الاحتمالات السابقة إلا العطف، وأن يكون بدلا من

# آخرون

# [التوبة: 106] على التفسير المرجوح. وقوله سبحانه: { ضرارا } مفعول
~~له وكذا ما بعده وقيل: مصدر في موضع الحال أو مفعول ثان لاتخذوا على أنه
~~بمعنى صيروا أو مفعول مطلق لفعل مقدر أي يضارون بذلك المؤمنين ضرارا،
~~والضرار / طلب الضرر ومحاولته. أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أن جماعة
~~من الأنصار قال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدا (واستعدوا) ما استطعتم من قوة
~~وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فأخرج محمدا
~~عليه الصلاة والسلام وأصحابه فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله
~~عليه وسلم فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو
~~بالبركة فنزلت. وأخرج ابن إسحق وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى
~~عنه قال أتى أصحاب مسجد الضرار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز
~~إلى تبوك فقالوا، يا رسول الله أنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة
~~والليلة المطيرة والليلة الشاتية وأنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه فقال
~~صلى الله عليه وسلم: إني على جناح سفر وحال شغل أو كما قال عليه الصلاة
~~والسلام ولو قدمنا إن شاء الله تعالى لاتيناكم فصلينا لكم فيه فلما ms03904 رجع
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ونزل بذي أوان بلد بينه وبين
~~المدينة ساعة من نهار أتاه خبر المسجد فدعا مالك بن الدخشم أخا بني سالم
~~بن عوف ومعن بن عدي أو أخاه عاصم بن عدي أخا بني العجلان فقال: انطلقا
~~إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وأحرقاه فخرجا سريعين حتى أتيا بني
~~سالم بن عوف وهم رهط مالك فقال مالك لصاحبه: أنظرني حتى أخرج لك بنار من
~~أهلي فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان
~~حتى دخلاه وفيه أهله فأحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه ونزل فيهم من القرآن ما
~~نزل. وكان البانون له اثني عشر رجلا: خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد
~~أحد بني عمرو بن عوف ومن داره أخرج المسجد وعباد بن حنيف من بني عمرو بن
~~عوف أيضا وثعلبة بن حاطب ووديعة بن ثابت وهما من بني أمية بن زيد رهط
~~أبي لبابة بن عبد المنذر ومعتب بن قشير وأبو حبيبة بن الأزعر و(جارية)
~~بن عامر وابناه مجمع وزيد ونبتل بن الحرث وبجاد بن عثمان، وبجدح من بني
~~ضبيعة.

# وذكر البغوي من حديث ذكره الثعلبي  كما قال العراقي  بدون سند «أن
~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر بعد حرق المسجد وهدمه أن يتخذ كناسة يلقى
~~فيها الجيف والنتن والقمامة إهانة لأهله لما أنهم اتخذوه ضرارا.

# { وكفرا } أي وليكفروا فيه، وقدر بعضهم التقوية أي وتقوية الكفر
~~الذي يضمرونه، وقيل عليه: إن الكفر يصلح علة فما الحاجة إلى التقدير.
~~واعتذر بأنه يحتمل أن يكون ذلك لما أن اتخاذه ليس بكفر بل مقو له لما
~~اشتمل عليه فتأمل { وتفريقا بين المؤمنين } وهم كما قال
~~السدي أهل قباء فإنهم كانوا يصلون في مسجدهم جميعا فأراد هؤلاء حسدا أن
~~يتفرقوا وتختلف كلمتهم { وإرصادا } أي ترقبا وانتظارا { لمن
~~حارب الله ورسوله } وهو أبو عامر والد حنظلة غسيل الملائكة
~~رضي الله تعالى عنه، وكان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح وتنصر فلما
~~قدم النبي ms03905 صلى الله عليه وسلم المدينة قال له أبو عامر: ما هذا الدين
~~الذي جئت به؟ فقال صلى الله عليه وسلم: الحنيفية البيضاء دين إبراهيم
~~عليه السلام قال: فأنا عليها فقال له عليه الصلاة والسلام: إنك لست عليها
~~فقال: بلى ولكنك أنت أدخلت فيها ما ليس منها فقال النبي صلى الله عليه
~~وسلم: ما فعلت ولكن جئت بها بيضاء نقية فقال أبو عامر: أمات الله تعالى
~~الكاذب منا طريدا وحيدا فأمن النبي صلى الله عليه وسلم فسماه الناس
~~أبا عامر الكذاب وسماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاسق فلما كان يوم
~~أحد قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك
~~معهم فلم يزل كذلك إلى يوم حنين فلما انهزمت هوازن يومئذ / ولى هاربا
~~إلى الشام وأرسل إلى المنافقين يحثهم على بناء مسجد كما ذكرنا آنفا عن
~~الحبر فبنوه وبقوا منتظرين قدومه ليصلي فيه ويظهر على رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فهدم كما مر ومات أبو عامر وحيدا بقنسرين وبقي ما أضمروه حسرة
~~في قلوبهم.

# { من قبل } متعلق بحارب أي حارب الله ورسوله عليه الصلاة والسلام
~~قبل هذا الاتخاذ، أو متعلق باتخذوا أي اتخذوه من قبل أن ينافقوا بالتخلف
~~حيث كانوا بنوه قبل غزوة تبوك كما سمعت، والمراد المبالغة في الذم {
~~وليحلفن إن أردنآ } أي ما أردنا ببناء هذا المسجد { إلا
~~الحسنى } أي إلا الخصلة الحسنى وهي الصلاة وذكر الله تعالى والتوسعة
~~على المصلين؛ فالحسنى تأنيث الأحسن وهو في الأصل صفة الخصلة وقد وقع
~~مفعولا به لأردنا، وجوز أن يكون قائما مقام مصدر محذوف أي الإرادة
~~الحسنى { والله يشهد إنهم لكذبون } فيما حلفوا عليه.

### || [9.108]

# { لا تقم } أي للصلاة { فيه } أي في ذلك المسجد { أبدا } وعن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير { لا تقم } بلا تصل على أن
~~القيام مجاز عن الصلاة كما في قولهم: فلان يقوم الليل، وفي الحديث «من
~~قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له» { لمسجد أسس } أي بنى
~~أساسه { على التقوى } أي تقوى ms03906 الله تعالى وطاعته، و { على }
~~على ما يتبادر منها، ولا يخفى ما في جعل التقوى وهي  هي  أساسا من
~~المبالغة، وقيل: إنها بمعنى مع، وقيل: للتعليل لاعتباره فيما تقدم من
~~الاتخاذ، واللام اما للابتداء أو للقسم أي والله لمسجد. وعلى التقديرين
~~فمسجد مبتدأ والجملة بعده صفته، وقوله تعالى: { من أول يوم }
~~متعلق بأسس و { من } لابتداء الزمان على ما هو الظاهر، وفي ذلك دليل
~~للكوفيين في أنها تكون للابتداء مطلقا ولا تتقيد بالمكان، وخالف في ذلك
~~البصريون ومنعوا دخولها على الزمان وخصوه بمذ ومنذ وتأولوا الآية بأنها
~~على حذف مضاف أي من تأسيس أول يوم. وتعقبه الزجاج وتبعه أبو البقاء بأن
~~ذلك ضعيف لأن التأسيس المقدر ليس بمكان حتى تكون { من } لابتداء الغاية
~~فيه. وأجيب بأن مرادهم من التأويل الفرار من كونها لابتداء الغاية في
~~الزمان وقد حصل بذلك التقدير، وليس في كلامهم ما يدل على أنها لا تكون
~~لابتداء الغاية إلا في المكان، وقال الرضي: لا أرى في الآية ونظائرها
~~معنى الابتداء إذ المقصود منه أن يكون الفعل شيئا ممتدا كالسير والمشي
~~ومجرور  من  منه الابتداء نحو سرت من البصرة أو يكون أصلا لشيء ممتد
~~نحو خرجت من الدار إذ الخروج ليس ممتدا وليس التأسيس ممتدا ولا أصلا
~~لممتد بل هما حدثان واقعان فيما بعد { من } وهذا معنى. في، و { من }
~~في الظروف كثيرا ما تقع بمعنى في انتهى. وفي كون التأسيس ليس أصلا
~~لممتد منع ظاهر. نعم ذهب إلى احتمال الظرفية العلامة الثاني وله وجه
~~وحينئذ يبطل الاستدلال ولا يكون في الآية شاهد للكوفيين، والحق أن كثيرا
~~من الآيات وكلام العرب يشهد لهم والتزام تأويل كل ذلك تكلف لا داعي إليه.

# وقوله تعالى: { أحق أن تقوم فيه } خبر المبتدأ و { أحق }
~~أفعل تفضيل والمفضل عليه كل مسجد أو مسجد الضرار على الفرض والتقدير أو
~~هو على زعمهم، وقيل: إنه بمعنى حقيق أي حقيق ذلك المسجد بأن تصلي فيه.
~~واختلف في المراد منه. فعن ابن عباس رضي الله تعالى ms03907 عنهما والضحاك أنه
~~مسجد قباء، وقد جاءت أخبار في فضل الصلاة فيه، فأخرج ابن أبي شيبة
~~والترمذي والحاكم وصححه وابن ماجه عن أسيد بن ظهير عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم أنه قال: /

# " صلاة في مسجد قباء كعمرة "

# قال الترمذي: لا نعرف لأسيد هذا شيئا يصح غير هذا الحديث، وفي معناه ما
~~أخرجه أحمد والنسائي عن سهل بن حنيف. وأخرج ابن سعد عن ظهير بن رافع
~~الحارثي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " من صلى في مسجد قباء يوم الاثنين والخميس انقلب بأجر عمرة "

# وذهب جماعة إلى أنه مسجد المدينة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم،
~~واستدلوا بما أخرجه مسلم والترمذي وابن جرير والنسائي وغيرهم عن أبي
~~سعيد الخدري قال: اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى فقال
~~أحدهما: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فأتيا رسول الله عليه الصلاة والسلام فسألاه عن ذلك فقال: «هو هذا
~~المسجد» لمسجده صلى الله عليه وسلم وقال في ذلك خير كثير يعني مسجد قباء.
~~وجاء في عدة روايات أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن ذلك فقال: «هو مسجدي
~~هذا» وأيد القول الأول بأنه الأوفق بالسباق واللحاق وبأنه بني قبل مسجد
~~المدينة، وجمع الشريف السمهودي بين الأخبار وسبقه إلى ذلك السهيلي وقال:
~~كل من المسجدين مراد لأن كلا منهما أسس على التقوى من أول يوم تأسيسه،
~~والسر في إجابته صلى الله عليه وسلم السؤال عن ذلك بما في الحديث دفع ما
~~توهمه السائل من اختصاص ذلك بمسجد قباء والتنويه بمزية هذا على ذاك، ولا
~~يخفى بعد هذا الجمع فإن ظاهر الحديث الذي أخرجه الجماعة عن أبي سعيد
~~الخدري بمراحل عنه، ولهذا اختار بعض المحققين القول الثاني وأيده بأن
~~مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أحق بالوصف بالتأسيس على التقوى من أول
~~يوم وبأن التعبير بالقيام عن الصلاة في قوله سبحانه: { أحق أن
~~تقوم فيه } يستدعي المداومة، ويعضده توكيد النهي بقوله تعالى: {
~~أبدا } ومداومة الرسول ms03908 عليه الصلاة والسلام لم توجد إلا في مسجده
~~الشريف عليه الصلاة والسلام.

# وأما ما رواه الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة من أن قوله جل وعلا: {
~~فيه رجال يحبون أن يتطهروا } نزلت في أهل قباء وكانوا
~~يستنجون بالماء فهو لا يعارض نص رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما ما
~~رواه ابن ماجه عن أبي أيوب وجابر وأنس من أن هذه الآية لما نزلت قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " يا معشر الأنصار إن الله تعالى قد أثنى عليكم خيرا في الطهور فما
~~طهوركم هذا؟ قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة قال: فهل مع ذلك غير؟
~~قالوا: لا غير إن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحب أن يستنجي بالماء قال
~~عليه الصلاة والسلام: هو ذاك فعليكموه "

# فلا يدل على اختصاص أهل قباء ولا ينافي الحمل على أهل مسجده صلى الله
~~عليه وسلم من الأنصار، وأنا أقول: قد كثرت الأخبار في نزول هذه الآية في
~~أهل قباء، فقد أخرج أحمد وابن خزيمة والطبراني وابن مردويه والحاكم عن
~~عويم بن ساعدة الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء
~~فقال:

# " إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا
~~الطهور الذي تطهرون به؟ فذكروا أنهم كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط "

# وأخرج أحمد وابن أبي شيبة والبخاري في «تاريخه». والبغوي في «معجمه»
~~وابن جرير والطبراني عن محمد بن عبد الله بن سلام عن أبيه نحو ذلك، وأخرج
~~عبد الرزاق والطبراني عن أبي أمامة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم لأهل قباء: ما هذا الطهور الذي خصصتم به في هذه الآية { فيه
~~رجال يحبون أن يتطهروا }؟ قالوا: يا رسول الله ما منا
~~أحد يخرج من الغائط إلا غسل مقعدته». / وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه عن
~~عبد الله بن الحرث بن نوفل نحوه إلى غير ذلك، وروي القول بنزولها في أهل
~~قباء عن جماعة من الصحابة وغيرهم كابن عمر وسهل الأنصاري وعطاء وغيرهم.

# وأما ms03909 الأخبار الدالة على كون المراد بالمسجد المذكور في الآية مسجد رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فكثيرة أيضا وكذا الذاهبون إلى ذلك كثيرون
~~أيضا، والجمع فيما أرى بين الأخبار والأقوال متعذر، وليس عندي أحسن من
~~التنقير عن حال تلك الروايات صحة وضعفا فمتى ظهر قوة إحداهما على الأخرى
~~عول على الأقوى. وظاهر كلام البعض يشعر بأن الأقوى رواية ما يدل على أن
~~المراد من المسجد مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومعنى تأسيسه على
~~التقوى من أول يوم أن تأسيسه على ذلك كان مبتدأ من أول يوم من أيام وجوده
~~لا حادثا بعده ولا يمكن أن يراد من أول الأيام مطلقا ضرورة. نعم قال
~~الذاهبون إلى أن المراد بالمسجد مسجد قباء: إن المراد من أول أيام الهجرة
~~ودخول المدينة.

# قال السهيلي: ويستفاد من الآية صحة ما اتفق عليه الصحابة رضي الله تعالى
~~عنهم أجمعين مع عمر رضي الله تعالى عنه حين شاورهم في التاريخ فاتفق
~~رأيهم على أن يكون من عام الهجرة لأنه الوقت الذي أعز الله فيه الإسلام
~~والحين الذي أمن فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وبنيت المساجد وعبد الله
~~تعالى كما يجب فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل، وفهمنا الآن بنقلهم أن قوله
~~تعالى: { من أول يوم } أن ذلك اليوم هو أول أيام التاريخ الذي
~~نؤرخ به الآن، فإن كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم أخذوه من هذه الآية
~~فهو الظن بهم لأنهم أعلم الناس بتأويل كتاب الله تعالى وأفهمهم بما فيه
~~من الإشارات، وإن كان ذلك عن رأي واجتهاد فقد علمه تعالى وأشار إلى صحته
~~قبل أن يفعل إذ لا يعقل قول القائل فعلته أول يوم إلا بالإضافة إلى عام
~~معلوم أو شهر معلوم أو تاريخ كذلك وليس ههنا إضافة في المعنى إلا إلى
~~هذا التاريخ المعلوم لعدم القرائن الدالة على غيره من قرينة لفظ أو حال
~~فتدبره ففيه معتبر لمن أدكر وعلم لمن رأى بعين فؤاده واستبصر انتهى.

# ولا يخفى على المطلع على التاريخ أن ما وقع ms03910 كان عن اجتهاد وأن قوله:
~~وليس ههنا إضافة الخ محل نظر. ويستفاد من الآية أيضا على ما قيل النهي
~~عن الصلاة في مساجد بنيت مباهاة أو رياء وسمعت أو لغرض سوى ابتغاء وجه
~~الله تعالى، وألحق بذلك كل مسجد بني بمال غير طيب. وروي عن شقيق ما يؤيد
~~ذلك. وروي عن عطاء لما فتح الله الأمصار على عمر رضي الله تعالى عنه أمر
~~المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما
~~صاحبه، ومن حمل التطهير فيها على ما نطقت به الأخبار السابقة قال: يستفاد
~~منها سنة الاستنجاء بالماء، وجاء من حديث البزار تفسيره بالجمع بين الماء
~~والحجر وهو أفضل من الاقتصار على أحدهما، وفسره بعضهم بالتخلص عن المعاصي
~~والخصال المذمومة وهو معنى مجازي له، وإذا فسر بما يشمل التطهير من الحدث
~~الأكبر والخبث والتنزه من المعاصي ونحوها كان فيه من المدح ما فيه. وجوز
~~في جملة { فيه رجال } ثلاثة أوجه أن تكون مستأنفة مبينة لأحقية
~~القيام في ذلك المسجد من جهة الحال بعد بيان الأحقية من جهة المحل، وأن
~~يكون صفة للمبتدأ جاءت بعد خبره، وأن تكون حالا من الضمير في { فيه }
~~وعلى كل حال ففيها تحقيق وتقرير لاستحقاق القيام فيه. وقرىء { أن يطهروا
~~} بالإدغام.

# { والله يحب المطهرين } أي يرضى عنهم ويكرمهم ويعظم
~~ثوابهم وهو المراد بمحبة الله تعالى عند / الأشاعرة وأشياعهم وذكروا أن
~~المحبة الحقيقية لا يوصف بها سبحانه، وحمل بعضهم التعبير بها هنا على
~~المشاكلة، والمراد من المطهرين إما أولئك الرجال أو الجنس ويدخلون فيه.

### || [9.109]

# { أفمن أسس بنيانه } أي مبنيه فهو مصدر كالغفران واستعمل
~~بمعنى المفعول، وعن أبي علي أن البنيان جمع واحده بنيانة ولعل مراده أنه
~~اسم جنس جمعي واحده ما ذكر وإلا فليس بشيء، والتأسيس وضع الأساس وهو أصل
~~البناء وأوله، ويستعمل بمعنى الإحكام وبه فسره بعضهم هنا، واختار آخرون
~~التفسير الأول لتعديه بعلى في قوله سبحانه: { على تقوى من
~~الله ورضوان } فإن المتبادر تعلقه به، وجوز تعلقه بمحذوف وقع
~~حالا ms03911 من الضمير المستكن في { أسس } وهو خلاف الظاهر كما لا يخفى،
~~والمراد من الرضوان طلبه بالطاعة مجازا وإن شئت قدرت المضاف ليكون
~~المتعاطفان من أعمال العبد، والهمزة للإنكار، والفاء للعطف على مقدر كما
~~قالوا في نظائره أي أبعد ما علم حالهم فمن أسس بنيانه على تقوى وخوف من
~~الله تعالى وطلب مرضاته بالطاعة { خير أم من أسس بنيانه
~~على شفا جرف } أي طرفه، ومنه أشفى على الهلاك أي صار على شفاء
~~وشفى المريض لأنه صار على شفا البرء والسلامة ويثنى على شفوان. والجرف
~~بضمتين البئر التي لم تطو، وقيل: هو الهوة وما يجرفه السيل من الأودية
~~لجرف الماء له أي أكله وإذهابه. وقرأ أبو بكر وابن عامر وحمزة { جرف }
~~بالتخفيف وهو لغة فيه { هار } أي متصدع مشرف على السقوط وقيل ساقط؛ وهو
~~نعت لجرف وأصله هاور أو هاير فهو مقلوب ووزنه فالع، وقيل: إنه حذفت عينه
~~اعتباطا فوزنه قال، والإعراب على رائه كباب، وقيل: إنه لا قلب فيه ولا
~~حذف وأصله هور أو هير على وزن فعل بكسر العين ككتف فلما تحرك حرف العلة
~~وانفتح ما قبله قلب ألفا، والظاهر أنه وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى
~~فيما سبق، وفيه استعارة تصريحية تحقيقية حيث شبه الباطل والنفاق بشفا جرف
~~هار في قلة الثبات ثم استعير لذلك والقرينة المقابلة.

# وقوله تعالى: { فانهار به فى نار جهنم } ترشيح، وباؤه إما
~~للتعدية أو للمصاحبة، ووضع في مقابلة الرضوان تنبيها على أن تأسيس ذلك
~~على أمر يحفظه مما يخاف ويوصله إلى ما أدنى مقتضياته الجنة، وتأسيس هذا
~~على ما هو بصدد الوقوع في النار ساعة فساعة ثم المصير إليها لا محالة،
~~والاستعارة فيما تقدم مكنية حيث شبهت فيه التقوى بقواعد البناء تشبيها
~~مضمرا في النفس ودل عليه ما هو من روادفه ولوازمه وهو التأسيس والبنيان.
~~واختار غير واحد أن معنى الآية أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة محكمة هي
~~التقوى وطلب الرضا بالطاعة خير أم من أسس على قاعدة هي أضعف القواعد
~~وأرخاها فأدى ms03912 به ذلك لخوره وقلة استمساكه إلى السقوط في النار، وإنما
~~اختير ذلك على ما قيل لما أنه أنسب بتوصيف أهل مسجد الضرار بمضارة
~~المسلمين والكفر والتفريق والإرصاد وتوصيف أهل مسجد التقوى بأنهم يحبون
~~أن يتطهروا بناء على أن المراد التطهير عن المعاصي والخصال المذمومة لأنه
~~المقتضي بزعم البعض لمحبة الله تعالى لا التطهير المذكور في الأخبار،
~~وأمر الاستعارة على هذا التوجيه على طرز ما تقدم في التوجيه الأول، وجوز
~~أن يكون في الجملة الأولى تمثيل لحال من أخلص لله تعالى وعمل الأعمال
~~الصالحة / بحال من بنى بناء محكما يستوطنه ويتحصن به، وان يكون البنيان
~~استعارة أصلية والتأسيس ترشيحا أو تبعية وكذا جوز التمثيل في الجملة
~~الثانية وإجراء ذلك فيها ظاهر بعد اعتبار إجرائه في مقابله، وفاعل {
~~أنهار } إما ضمير البنيان وضمير { به } للمؤسس وإما للشفا وضمير 
~~به  للبنيان وإليه يميل ظاهر التفسير المار آنفا.

# وظاهر الأخبار أن ذلك المسجد إذا وقع وقع في النار. فقد أخرج ابن المنذر
~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة أنه قال في الآية: والله ما تناهى أن
~~وقع في النار، وذكر لنا أنه حفرت فيه بقعة فرئي منه الدخان. وأخرج ابن
~~المنذر عن ابن جريج مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال فيها:
~~مضى حين خسف به إلى النار. وعن سفيان بن عيينة يقال: إنه بقعة من نار
~~جهنم. وأنت تعلم أني والحمد لله تعالى مؤمن بقدرته سبحانه على أتم وجه
~~وأنه جل جلاله فعال لما يريد لكني لا أومن بمثل هذه الظواهر ما لم يرد
~~فيها خبر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرأ نافع وابن عامر {
~~أسس } بالبناء للمفعول في الموضعين، وقرىء { أساس بنيانه } و { أس بنيانه
~~} على الإضافة ونسب ذلك إلى علي بن نصر { وأسس } بفتحات ونسبت إلى عاصم و
~~{ إساس } بالكسر، قيل: وثلاثتها جمع أس وفيه نظر، ففي الصحاح الأس أصل
~~البناء وكذلك الأساس والأسس مقصور منه وجمع الأس إساس مثل عس وعساس
~~وجمع الأساس أسس ms03913 مثل قذال وقذل وجمع الأسس أساس مثل سبب وأسباب انتهى.
~~وجوز في أسس أن يكون مصدرا. وقرأ عيسى بن عمرو { وتقوى } بالتنوين، وخرج
~~ذلك ابن جنى على أن الألف للإلحاق كما في أرطى ألحق بجعفر لا للتأنيث
~~كألف تترى في رأي وإلا لم يجز تنوينه. وقرأ ابن مسعود { فانهار به قواعده
~~في نار جهنم }.

# { والله لا يهدى القوم الظلمين } أي لأنفسهم أو
~~الواضعين للأشياء في غير مواضعها أي لا يرشدهم إلى ما فيه صلاحهم إرشادا
~~موجبا له لا محالة.

### || [9.110]

# { لا يزال بنيانهم الذى بنوا } أي بناؤهم الذي بنوه،
~~فالبنيان مصدر أريد به المفعول كما مر، ووصفه بالمفرد ما يرد على مدعي
~~الجمعية وكذا الإخبار عنه بقوله سبحانه: { ريبة فى قلوبهم }
~~واحتمال تقدير مضاف وجعل الصفة وكذا الخبر له خلاف الظاهر. نعم قيل:
~~الإخبار بريبة لا دليل فيه على عدم الجمعية لأنه يقال: الحيطان منهدمة
~~والجبال راسية؛ وجوز بعضهم كون البنيان باقيا على المصدرية و { الذي
~~} مفعوله، والريبة اسم من الريب بمعنى الشك وبذلك فسرها ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما والمراد به شكهم في نبوته صلى الله عليه وسلم المضمر في
~~قلوبهم وهو عين النفاق، وجعل بنيانهم نفس الريبة للمبالغة في كونه سببا
~~لها. قال الإمام: ((وفي ذلك وجوه. أحدها أن المنافقين عظم فرحهم ببنيانه
~~فلما أمر بتخريبه ثقل عليهم وازداد غيظهم وارتيابهم في نبوته صلى الله
~~عليه وسلم. وثانيها: أنه لما أمر بتخريبه ظنوا أن ذلك للحسد فارتفع
~~أمانهم عنه صلى الله عليه وسلم وعظم خوفهم [منه في كل الأوقات] فارتابوا
~~في أنهم هل يتركون على حالهم أو يؤمر بقتلهم ونهب أموالهم؟ وثالثها أنهم
~~اعتقدوا أنهم كانوا محسنين في البناء فلما أمر بتخريبه بقوا شاكين
~~مرتابين في أنه لأي سبب أمر بذلك والصحيح هو الأول)) ويمكن كما قال
~~العلامة الطيبي أن يرجح الثاني بأن تحمل الريبة على أصل موضوعها ويراد
~~منها قلق النفس واضطرابها. وحاصل المعنى لا يزال هدم بنيانهم الذي بنوا
~~سببا للقلق والاضطراب والوجل في القلوب ms03914 ووصف بنيانهم بما وصف للإيذان
~~بكيفية بنائهم له وتأسيسه على ما عليه تأسيسه مما علمت وللإشعار بعلة
~~الحكم، وقيل: وصف بذلك للدلالة على أن المراد بالبنيان ما هو المبني
~~حقيقة لا ما دبروه من الأمور فإن البناء قد يطلق على تدبير الأمر وتقديره
~~/ كما في قولهم كم أبني وتهدم؟ وعليه قوله:

# متى يبلغ البنيان يوما تمامه

# إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

# وحاصله أن الوصف للتأكيد وفائدته دفع المجاز، وهذا نظير ما قالوا في
~~قوله سبحانه:

# وكلم الله موسى تكليما

# [النساء: 164] وفيه بحث.

# والاستثناء في قوله تعالى: { إلا أن تقطع قلوبهم } من أعم
~~الأوقات أو أعم الأحوال وما بعد { إلا } في محل النصب على الظرفية أي
~~لا يزال بنيانهم ريبة في كل وقت إلا وقت تقطع قلوبهم أو في كل حال إلا
~~حال تقطعها أي تفرقها وخروجها عن قابلية الإدراك وهذا كناية عن تمكن
~~الريبة في قلوبهم التي هي محل الإدراك وإضمار الشرك بحيث لا يزول منها ما
~~داموا أحياء إلا إذا تقطعت وفرقت وحينئذ تخرج منها الريبة وتزول، وهو
~~خارج مخرج التصوير والفرض، وقيل: المراد بالتقطع ما هو كائن بالموت من
~~تفرق أجزاء البدن حقيقة وروي ذلك عن بعض السلف.

# وأخرج ابن المنذر وغيره عن أيوب قال: كان عكرمة يقرأ (إلا أن تقطع
~~قلوبهم في القبور) وقيل: المراد إلا أن يتوبوا ويندموا ندامة عظيمة تفتت
~~قلوبهم وأكبادهم فالتقطع كناية أو مجاز عن شدة الأسف. وروى ذلك ابن أبي
~~حاتم عن سفيان، وتقطع من التفعل ب [حذف] إحدى التاءين والبناء للفاعل أي
~~تتقطع. وقرىء { تقطع } على بناء المجهول من التفعيل وعلى البناء للفاعل
~~منه على أن الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أي إلا أن تقطع أنت قلوبهم
~~بالقتل، وقرىء على البناء للمفعول من الثلاثي مذكرا ومؤنثا. وقرأ الحسن
~~{ إلى أن تقطع } على الخطاب، وفي قراءة عبد الله (ولو قطعت
~~قلوبهم) على إسناد الفعل مجهولا إلى قلوبهم. وعن طلحة { ولو قطعت قلوبهم
~~} على خطاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويصح أن ms03915 يعني بالخطاب كل
~~مخاطب، وكذا يصح أن يجعل ضمير { تقطع } مع نصب { قلوبهم }
~~للريبة.

# { والله عليم } بجميع الأشياء التي من جملتها ما ذكر من أحوالهم
~~{ حكيم } في جميع أفعاله التي من جملتها أمره سبحانه الوارد في حقهم.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات:

# ومنهم من عهد الله لئن ءاتنا من فضله
~~لنصدقن ولنكونن من الصلحين

# [التوبة: 75] إشارة إلى وصف المغرورين الذين ما ذاقوا طعم المحبة ولا هب
~~عليهم نسيم العرفان، ومن هنا صححوا لأنفسهم أفعالا فقالوا: لنصدقن

# فلما آتاهم من فضله بخلوا به

# [التوبة: 76] أي أنهم نقضوا العهد لما ظهر لهم ما سألوه، والبخل كما قال
~~أبو حفص: ترك الإيثار عند الحاجة إليه { ألم يعلموا أن
~~الله يعلم سرهم } وهو ما لا يعلمونه من أنفسهم

# ونجوهم

# [التوبة: 78] أي ما يعلمونه منها دون الناس، وقيل: السر ما لا يطلع عليه
~~إلا عالم الأسرار والنجوى ما يطلع عليه الحفظة

# وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد
~~حرا

# [التوبة: 81] أرادوا التثبيط على المؤمنين ببيان بعض شدائد الغزو وما
~~دروا أن المحب يستعذب المر في طلب وصال محبوبه ويرى الحزن سهلا والشدائد
~~لذائذ في ذلك، ولا خير فيمن عاقه الحر والبرد، ورد عليهم بأنهم آثروا
~~بمخالفتهم النار التي هي أشد حرا ويشبه هؤلاء المنافقين في هذا التثبيط
~~أهل البطالة الذين يثبطون السالكين عن السلوك ببيان شدائد السلوك وفوات
~~اللذائذ الدنيوية { لكن الرسول والذين ءامنوا معه
~~جهدوا بأمولهم وأنفسهم } فأفنوا كل ذلك في طلب مولاهم
~~جل جلاله { وأولئك لهم الخيرات } المشاهدات والمكاشفات
~~والقربات

# وأولئك هم المفلحون

# [التوبة: 88] الفائزون بالبغية.

# { ليس على الضعفاء } أي الذين أضعفهم حمل المحبة { ولا
~~على المرضى } بداء الصبابة حتى ذابت أجسامهم / بحرارة الفكر
~~وشدائد الرياضة { ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون }
~~وهم المتجردون من الأكوان { حرج } اثم في التخلف عن الجهاد الأصغر

# إذا نصحوا لله ورسوله

# [التوبة: 91] بأن أرشدوا الخلق إلى الحق

# ومن الاعراب من يتخذ ما ينفق مغرما

# [التوبة: 98] غرامة وخسرانا، قيل: كل من يرى الملك لنفسه ms03916 يكون ما ينفق
~~غرامة عنده وكل من يرى الأشياء لله تعالى وهي عارية عنده يكون ما ينفق
~~غنما عنده { والسبقون الاولون } أي الذين سبقوا إلى الوحدة
~~من أهل الصنف الأول { من المهجرين } وهم الذين هجروا مواطن
~~النفس { والانصر } وهم الذين نصروا القلب بالعلوم الحقيقية على
~~النفس { والذين اتبعوهم } في الاتصاف بصفات الحق {
~~بإحسن } أي بمشاهدة من مشاهدات الجمال والجلال { رضي الله
~~تعالى عنهم } بما أعطاهم من عنايته وتوفيقه { ورضوا عنه }
~~بقبول ما أمر به سبحانه وبذل أموالهم ومهجهم في سبيله عز شأنه {
~~وأعد لهم جنت } من جناب الأفعال والصفات

# تجري من تحتها الانهر

# [التوبة: 100] وهي أنهار علوم التوكل والرضا ونحوهما ووراء هذه الجنات
~~المشتركة بين المتعاطفات جنة الذات وهي مختصة بالسابقين { وآخرون
~~اعترفوا بذنوبهم } وهم الذين لم ترسخ فيهم ملكة الذنب وبقي
~~منهم فيهم نور الاستعداد ولهذا لانت شكيمتهم واعترفوا بذنوبهم ورأوا
~~قبحها وأما من رسخت فيه ملكة الذنب واستولت عليه الظلمة فلا يرى ما يفعل
~~من القبائح إلا حسنا { خلطوا عملا صلحا وءاخر سيئا }
~~حيث كانوا في رتبة النفس اللوامة التي لم يصر اتصالها بالقلب وتنورها
~~بنوره ملكة لها ولهذا تنقاد له تارة وتعمل أعمالا صالحة وذلك إذا استولى
~~القلب عليها وتنفر عنه أخرى وتفعل أفعالا سيئة إذا احتجبت عنه بظلمتها
~~وهي دائما بين هذا وذاك حتى يقوى اتصالها بالقلب ويصير ذلك ملكة لها
~~وحينئذ يصلح أمرها وتنجو من المخالفات، ولعل قوله سبحانه:

# عسى الله أن يتوب عليهم

# [التوبة: 102] إشارة إلى ذلك وقد تتراكم عليها الهيآت المظلمة فترجع
~~القهقرى ويزول استعدادها وتحجب عن أنوار القلب وتهوى إلى سجين الطبيعة
~~فتهلك مع الهالكين، وترجح أحد الجانبين على الآخر يكون بالصحبة فإن
~~أدركها التوفيق صحبت الصالحين فتحلت بأخلاقهم وعملت أعمالهم فكانت منهم،
~~وإن لحقها الخذلان صحبت المفسدين واختلطت بهم فتدنست بخلالهم وفعلت
~~أفاعيلهم فصارت من الخاسرين أعاذنا الله تعالى من ذلك، ولله در من قال:

# عليك بأرباب الصدور فمن غدا

# مضافا لأرباب الصدور تصدرا

# وإياك أن ترضى صحابة ناقص

# فتنحط قدرا ms03917 عن علاك وتحقرا

# فرفع أبو من ثم خفض مزمل

# يبين قولي مغريا ومحذرا

# وقد يكون ترجح جانب الاتصال بأسباب أخر كما يشير إليه قوله سبحانه
~~وتعالى: { خذ من أمولهم صدقة تطهرهم وتزكيهم
~~بها } لأن المال مادة الشهوات فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأخذ
~~من ذلك ليكون أول حالهم التجرد لتنكسر قوى النفس وتضعف أهواؤها وصفاتها
~~فتتزكى من الهيآت المظلمة وتتطهر من خبث الذنوب ورجس دواعي الشيطان {
~~وصل عليهم } بإمداد الهمة وإفاضة أنوار الصحبة

# إن صلوتك سكن لهم

# [التوبة: 103] أي سبب لنزول السكينة فيهم، وفسروا السكينة بنور يستقر في
~~القلب وبه يثبت على التوجه إلى الحق ويتخلص عن الطيش { لمسجد
~~أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه
~~} لأن النفس تتأثر / فيه بصفاء الوقت وطيب الحال وذوق الوجدان بخلاف ما
~~إذا كان مبنيا على ضد ذلك فإنها تتأثر فيه بالكدورة والتفرقة والقبض.
~~وأصل ذلك أن عالم الملك تحت قهر عالم الملكوت وتسخيره فيلزم أن يكون
~~لنيات النفوس وهيأتها تأثير فيما تباشره من الأعمال، ألا ترى الكعبة كيف
~~شرفت وعظمت وجعلت محلا للتبرك لما أنها كانت مبنية بيد خليل الله تعالى
~~عليه الصلاة والسلام بنية صادقة ونفس شريفة، ونحن نجد أيضا أثر الصفاء
~~والجمعية في بعض المواضع والبقاع وضد ذلك في بعضها، ولست أعني إلا وجود
~~ذوي النفوس الحساسة الصافية لذلك وإلا فالنفوس الخبيثة تجد الأمر على عكس
~~ما تجده أرباب تلك النفوس، والصفراوي يجد السكر مرا، والجعل يستخبث
~~رائحة الورد. ومن هنا كان المنافق في المسجد كالسمك في اليبس والمخلص فيه
~~كالسمكة في الماء { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } أي
~~أهل إرادة وسعي في التطهر عن الذنوب، وهو إشارة إلى أن صحبة الصالحين لها
~~أثر عظيم، ويتحصل من هذا وما قبله الإشارة إلى أنه ينبغي رعاية المكان
~~والإخوان في حصول الجمعية، وجاء عن القوم أنه يجب مراعاة ذلك مع مراعاة
~~الزمان في حصول ما ذكر

# والله يحب المطهرين

# [التوبة: 108] ولو محبته إياهم لما أحبوا ذلك. وعن سهل الطهارة ms03918 على
~~ثلاثة أوجه: طهارة العلم من الجهل، وطهارة الذكر من النسيان، وطهارة
~~الطاعة من المعصية. وقال بعضهم: الطهارة على أقسام كثيرة: فطهارة الأسرار
~~من الخطرات، وطهارة الأرواح من الغفلات، وطهارة القلوب من الشهوات وطهارة
~~العقول من الجهالات، وطهارة النفوس من الكفريات، وطهارة الأبدان من
~~الزلات. وقال آخر: الطهارة الكامل طهارة الأسرار من دنس الأغيار والله
~~تعالى هو الهادي إلى سواء السبيل.

### || [9.111]

# { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم
~~بأن لهم الجنة } الخ ترغيب للمؤمنين في الجهاد ببيان [فضيلته
~~إثر بيان] حال المتخلفين عنه ((ولا ترى كما نقل الشهاب ترغيبا في الجهاد
~~أحسن ولا أبلغ مما في هذه الآية لأنه أبرز في صورة عقد عاقده رب العزة
~~جل جلاله، وثمنه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولم
~~يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط بل كونهم قاتلين أيضا لإعلاء كلمة
~~الله تعالى ونصرة دينه سبحانه، وجعله مسجلا في الكتب السماوية وناهيك به
~~من صك، وجعل وعده حقا ولا أحد أوفى من وعده فنسيئته أقوى من نقد غيره،
~~وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم وهو استعارة تمثيلية. صور
~~جهاد المؤمنين وبذل أموالهم وأنفسهم فيه وإثابة الله تعالى لهم على ذلك
~~الجنة بالبيع والشراء، وأتى بقوله سبحانه: { يقاتلون } الخ بيانا
~~لمكان التسليم وهو المعركة، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم:

# " الجنة تحت ظلال السيوف "

# ثم أمضاه جل شأنه بقوله { وذلك هو الفوز العظيم } )) ومن
~~هنا أعظم الصحابة رضي الله تعالى عنهم أمر هذه الآية. فقد أخرج ابن أبي
~~حاتم. وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: نزلت هذه الآية على رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد { إن الله اشترى } الخ
~~فكبر الناس في المسجد فأقبل رجل من الأنصار ثانيا طرفي ردائه على
~~عاتقه فقال: يا رسول الله أنزلت هذه الآية؟ قال: نعم. فقال الأنصاري: بيع
~~ربيح لا نقيل ولا نستقيل. ومن الناس من قرر وجه المبالغة بأنه سبحانه عبر
~~عن ms03919 قبوله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله تعالى
~~وإثباته إياهم بمقابلتها الجنة بالشراء على طريقة الاستعارة التبعية ثم
~~جعل / المبيع الذي هو العمدة والمقصد في العقد أنفس المؤمنين وأموالهم
~~والثمن الذي هو الوسيلة في الصفقة الجنة، ولم يعكس بأن يقال: إن الله باع
~~الجنة من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم ليدل على أن المقصد بالعقد هو الجنة
~~وما بذله المؤمنون في مقابلتها وسيلة إليها بكمال العناية بهم وبأموالهم
~~ثم إنه تعالى لم يقل بالجنة بل قال عز شأنه: { بأن لهم الجنة
~~} مبالغة في تقرير وصول الثمن إليهم واختصاصه بهم كأنه قيل: بالجنة
~~الثابتة لهم المختصة بهم، ومن هنا يعلم أن هذه القراءة أبلغ من قراءة
~~الأعمش - ونسبت أيضا إلى عبد الله رضي الله تعالى عنه - (بالجنة) على
~~أنها أوفق بسبب النزول. فقد أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وغيره
~~أنهم قالوا: «قال عبد الله بن رواحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
~~اشترط لربك ولنفسك ما شئت.

# قال: اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا واشترط لنفسي أن
~~تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم قالوا: فما لنا؟ قال: الجنة
~~قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت { إن الله اشترى }
~~الآية».

# وقيل: عبر بذلك مدحا للمؤمنين بأنهم بذلوا أنفسهم وأموالهم بمجرد الوعد
~~لكمال ثقتهم بوعده تعالى مع أن تمام الاستعارة موقوف على ذلك إذ لو قيل
~~بالجنة لاحتمل كون الشراء على حقيقته لأنها صالحة للعوضية بخلاف الوعد
~~بها، واعترض بأن مناط دلالة ما عليه النظم الجليل على الوعد ليس كونه
~~جملة ظرفية مصدرة ب { إن } فإن ذلك بمعزل من الدلالة على الاستقبال
~~بل هو الجنة التي يستحيل وجودها في عالم الدنيا ولو سلم ذلك يكون العوض
~~الجنة الموعود بها لا نفس الوعد بها، على أن حديث احتمال كون الشراء
~~حقيقة لو قيل (بالجنة) لا يخلو عن نظر كما قيل لأن حقيقة الشراء مما لا
~~يصح منه تعالى لأنه جل شأنه مالك الكل والشراء إنما يكون ممن لا ms03920 يملك،
~~ولهذا قال الفقهار: طلب الشراء يبطل دعوى الملكية، نعم قد لا يبطل في بعض
~~الصور كما إذا اشترى الأب دارا لطفله من نفسه فكبر الطفل ولم يعلم ثم
~~باعها الأب وسلمها للمشتري ثم طلب الابن شراءها منه ثم علم بما صنع أبوه
~~فادعى الدار فإنه تقبل دعواه ولا يبطلها ذلك الطلب كما يقتضيه كلام
~~الاستروشني لكن هذا لا يضرنا فيما نحن فيه، ومن المحققين من وجه دلالة ما
~~في النظم الكريم على الوعد بأنه يقتضي بصريحه عدم التسليم وهو عين الوعد
~~لأنه إذا قلت: اشتريت منك كذا بكذا احتمل النقد بخلاف ما إذا قلت: بأن لك
~~كذا فإنه في معنى لك علي كذا وفي ذمتي، واللام هنا ليست للملك إذ لا
~~يناسب شراء ملكه بملكه كالمهورة إحدى خدمتيها فهي للاستحقاق وفيه إشعار
~~بعدم القبض، وأما كون تمام الاستعارة موقوفا على ذلك فله وجه أيضا حيث
~~كان المراد بالاستعارة الاستعارة التمثيليلة إذ لولاه لصح جعل الشراء
~~مجازا عن الاستبدال مثلا وهو مما لا ينبغي الالتفات إليه مع تأتي
~~التمثيل المشتمل من البلاغة واللطائف على ما لا يخفى، لكن أنت خبير بأن
~~الكلام بعد لا يخلو عن بحث، ومما أشرنا إليه من فضيلة التمثيل يعلم
~~انحطاط القول باعتبار الاستعارة أو المجاز المرسل في { اشترى } وحده
~~كما ذهب إليه البعض.

# وقوله تعالى: { يقتلون فى سبيل الله } قيل بيان لمكان
~~التسليم كما أشير إليه فيما تقدم، وذلك لأن المبيع سلم كما قال الطيبي
~~وغيره، وقيل: بيان لما لأجله الشراء كأنه لما قال سبحانه: { إن
~~الله اشترى } الخ، قيل: لماذا فعل ذلك؟ فقيل: ليقاتلوا في سبيله
~~تعالى وقيل: بيان للبيع الذي يستدعيه الاشتراء المذكور كأنه قيل: كيف
~~يبيعون أنفسهم وأموالهم بالجنة، فقيل: يقاتلون في سبيله عز شأنه وذلك بذل
~~منهم لأنفسهم وأموالهم إلى جهته تعالى وتعريض لهما للهلاك، / وقيل: بيان
~~لنفس الاشتراء وقيل: ذكر لبعض ما شمله الكلام السابق اهتماما به على أن
~~معنى ذلك أنه تعالى اشترى من المؤمنين أنفسهم بصرفها في العمل ms03921 الصالح
~~وأموالهم ببذلها فيما يرضيه وهو في جميع ذلك خبر لفظا ومعنى ولا محل له
~~من الأعراب.

# وقيل: إنه في معنى الأمر كقوله سبحانه:

# وتجهدون [فى سبيل الله] بأمولكم وأنفسكم

# [الصف: 11] ووجه ذلك بأنه أتى بالمضارع بعد الماضي لإفادة الاستمرار
~~كأنه قيل: اشتريت منكم أنفسكم في الأزل وأعطيت ثمنها الجنة فسلموا المبيع
~~واستمروا على القتال، ولا يخفى ما في بعض هذه الأقوال من النظر. وانظر هل
~~ثم مانع من جعل الجملة في موضع الحال كأنه قيل: اشترى منهم ذلك حال
~~كونهم مقاتلين في سبيله فإني لم أقف على من صرح بذلك مع أنه أوفق الأوجه
~~بالاستعارة التمثيلية تأمل.

# وقوله سبحانه: { فيقتلون ويقتلون } بيان لكون القتال في
~~سبيل الله تعالى بذلا للنفس وأن المقاتل في سبيله تعالى باذل لها وإن
~~كانت سالمة غانمة، فإن الإسناد في الفعلين ليس بطريق اشتراط الجمع بينهما
~~ولا اشتراط الاتصاف بأحدهما البتة بل بطريق وصف الكل بحال البعض، فإنه
~~يتحقق القتال من الكل سواء وجد الفعلان أو أحدهما منهم أو من بعضهم بل
~~يتحقق ذلك وإن لم يصدر منهم أحدهما أيضا كما إذا وجد المضاربة ولم يوجد
~~القتل من أحد الجانبين، ويفهم كلام بعضهم أنه يتحقق الجهاد بمجرد العزيمة
~~والنفير وتكثير السواد وإن لم توجد مضاربة وليس بالبعيد لما أن في ذلك
~~تعريض النفس للهلاك أيضا. والظاهر أن أجور المجاهدين مختلفة قلة وكثرة
~~وإن كان هناك قدر مشترك بينهم. ففي «صحيح مسلم» قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم
~~من الآخرة ويبقى لهم الثلث وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم "

# وفي رواية أخرى

# " ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي
~~أجورهم وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا أتم أجورهم "

# وزعم بعضهم أنهم في الأجر سواء ولا ينقص أجرهم بالغنيمة، واستدلوا عليه
~~بما في «الصحيحين» من أن المجاهد يرجع بما نال من أجر وغنيمة، وبأن ms03922 أهل
~~بدر غنموا وهم  هم  ويرد عليه أن خبر «الصحيحين» مطلق وخبر مسلم مقيد
~~فيجب حمله عليه، ((وبأنه لم يجىء نص في أهل بدر أنهم لو لم يغنموا لكان
~~أجرهم على قدر أجرهم وقد غنموا فقط، وكونهم هم  هم  لا يلزم منه أن لا
~~يكون وراء مرتبتهم مرتبة أخرى أفضل منها، والقول بأن في السند أبا هانىء
~~وهو مجهول فلا يعول على خبره غلط فاحش فإنه ثقة مشهور روى عنه الليث بن
~~سعد وحيوة وابن وهب وخلائق من الأئمة، ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به في
~~«صحيحه»، ومثل هذا ما حكاه القاضي عن بعضهم من أن تعجل ثلثي الأجر إنما
~~هو في غنيمة أخذت على غير وجهها إذ لو كانت كذلك لم يكن ثلث الأجر، وكذا
~~ما قيل: من أن الحديث محمول على من خرج بنية الغزو والغنيمة معا فإن ذلك
~~ينقص ثوابه لا محالة، فالصواب أن أجر من لم يغنم أكثر من أجر من غنم
~~لصريح ما ذكرناه الموافق لصرائح الأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة
~~رضي الله تعالى عنهم)).

# ويعلم من ذلك أن أجر من قتل أكثر من أجر من قتل لكون الأول من الشهداء
~~دون الثاني، وظاهر ما أخرجه مسلم من رواية أبي هريرة

# " من قتل في سبيل الله تعالى فهو شهيد ومن مات في سبيل الله تعالى فهو
~~شهيد "

# أن القتل في سبيل الله تعالى والموت فيها سواء في الأجر وهو الموافق
~~لمعنى قوله تعالى:

# ومن يخرج من بيته مهجرا إلى الله ورسوله
~~ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله

# [النساء: 100].

# واستدل له أيضا بعض / العلماء بغير ذلك مما لا دلالة فيه عليه كما نص
~~عليه النووي رحمه الله تعالى، وتقديم حالة القاتلية في الآية على حالة
~~المقتولية للإيذان بعدم الفرق بينهما في كونهما مصداقا لكون القتال
~~بذلا للنفس، وقرأ حمزة والسكائي بتقديم المبني للمفعول رعاية لكون
~~الشهادة عريقة في هذا الباب [و] إيذانا بعدم مبالاتهم بالموت في سبيل
~~الله تعالى بل بكونه أحب إليهم من ms03923 السلامة كما قال كعب بن زهير في حقهم:

# لا يفرحون إذا نالت رماحهم

# قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا

# لا يقع الطعن إلا في نحورهم

# وما لهم عن حياض الموت تهليل

# وفيه على ما قيل دلالة على جراءتهم حيث لم ينكسروا لأن قتل بعضهم، ومن
~~الناس من دفع السؤال بعدم مراعاة الترتيب في هذه القراءة بأن الواو لا
~~تقتضيه. وتعقب بأن ذلك لا يجدي لأن تقديم ما حقه التأخير في أبلغ الكلام
~~لا يكون بسلامة الأمير كما لا يخفى.

# { وعدا عليه } مصدر مؤكد لمضمون الجملة لأن معنى الشراء بأن لهم
~~الجنة وعد لهم بها على الجهاد في سبيله سبحانه، وقوله تعالى: { حقا }
~~نعت له و { عليه } في موضع الحال من { حقا } لتقدمه عليه، وقوله
~~سبحانه: { في التوراة والإنجيل والقرآن } متعلق بمحذوف
~~وقع نعتا لوعدا أيضا أي وعدا مثبتا في التوارة والإنجيل كما هو مثبت
~~في القرآن فالمراد إلحاق ما لا يعرف بما يعرف إذ من المعلوم ثبوت هذا
~~الحكم في القرآن، ثم إن ما في الكتابين إما أن يكون أمة محمد صلى الله
~~عليه وسلم اشترى الله تعالى منهم أنفسهم وأموالهم بذلك أو أن من جاهد
~~بنفسه وماله له ذلك، وفي كلا الأمرين ثبوت موافق لما في القرآن، وجوز
~~تعلق الجار باشترى ووعدا وحقا { ومن أوفى بعهده من
~~الله } اعتراض مقرر لمضمون ما قبله من حقية الوعد، والمقصود من مثل
~~هذا التركيب عرفا نفي المساواة أي لا أحد مثله تعالى في الوفاء بعهده،
~~وهذا كما يقال: ليس في المدينة أفقه من فلان فإنه يفيد عرفا أنه أفقه
~~أهلها، ولا يخفى ما في جعل الوعد عهدا وميثاقا من الاعتناء بشأنه.

# { فاستبشروا } التفات إلى خطابهم لزيادة التشريف والاستبشار
~~إظهارا لسرورهم، وليست السين فيه للطلب، والفاء لترتيبه أو ترتيب الأمر
~~به على ما قبله أي فإذا كان كذلك فاظهروا السرور بما فزتم به من الجنة،
~~وإنما قال سبحانه: { ببيعكم } مع أن الابتهاج به باعتبار أدائه إلى
~~الجنة لأن المراد ترغيبهم في الجهاد الذي عبر ms03924 عنه بالبيع، ولم يذكر العقد
~~بعنوان الشراء لأن ذلك من قبله سبحانه لا من قبلهم والترغيب على ما قيل
~~إنما يتم فيها هو من قبلهم، وقوله تعالى: { الذى بايعتم به }
~~لزيادة تقرير بيعهم وللإشعار بتميزه على غيره فإنه بيع الفاني بالباقي
~~ولأن كلا البدلين له سبحانه وتعالى، ومن هنا كان الحسن إذا قرأ الآية
~~يقول: أنفس هو خلفها وأموال هو رزقها { وذلك } أي البيع الذي أمرتم
~~به { هو الفوز العظيم } الذي لا فوز أعظم منه، وما في (ذلك) من
~~البعد إشارة إلى بعد منزلة المشار إليه وسمو رتبته في الكمال؛ والجملة
~~تذييل مقرر لمضمون الأمر السابق، ويجوز أن يكون تذييلا للآية الكريمة
~~والإشارة إلى الجنة التي جعلت ثمنا بمقابلة ما بذلوا من أنفسهم
~~وأموالهم، وفي ذلك إعظام للثمن ومنه يعلم حال المثمن، ونقل عن الأصمعي
~~أنه أنشد للصادق رضي الله تعالى عنه:

# / أثامن بالنفس النفيسة ربها

# فليس لها في الخلق كلهم ثمن

# بها أشتري الجنات أن أنابعتها

# بشيء سواها إن ذلكم غبن

# إذا ذهبت نفسي بدنيا أصبتها

# فقد ذهبت مني وقد ذهب الثمن

# والمشهور عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة
~~فلا تبيعوها إلا بها، وهو ظاهر في أن المبيع هو الأبدان، وبذلك صرح بعض
~~الفضلاء في «حواشيه على تفسير البيضاوي» حيث قال: إن الله تعالى اشترى من
~~المؤمن الذي هو عبارة عن الجوهر الباقي بدنه الذي هو مركبه وآلته.
~~والظاهر أنه أراد بالجوهر الباقي الجوهر المجرد المخصوص وهو النفس
~~الناطقة، ولا يخفى أن جمهور المتكلمين على نفي المجردات وإنكار النفس
~~الناطقة وأن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، وبذلك أبطل بعض أجلة
~~المتأخرين من أفاضل المعاصرين القول بخلق الأفعال لما يلزم عليه من كون
~~الفاعل والقابل واحدا، وقد قالوا بامتناع اتحادهما؛ والإنصاف إثبات شيء
~~مغاير للبدن والهيكل المحسوس في الإنسان، والمبيع إما ذاك ومعنى بيعه
~~تعريضه للمهالك والخروج عن التعلق الخاص بالبدن وإما البدن ومعنى بيعه
~~ظاهر إلا أنه ربما يدعى أن المتبادر من النفس ms03925 غير ذلك كما لا يخفى على
~~ذوي النفوس الزكية.

### || [9.112]

# { التئبون } نعت للمؤمنين، وقطع لأجل المدح أي هم التائبون ويدل
~~على ذلك قراءة عبد الله. وأبي { التائبين } بالياء على أنه منصوب على
~~المدح أو مجرور على أنه صفة للمؤمنين. وجوز أن يكون { التئبون }
~~مبتدأ والخبر محذوف أي من أهل الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا كقوله تعالى:

# وكلا وعد الله الحسنى

# [النساء: 95] فإن كلا فيه عام، والحسنى بمعنى الجنة. وقيل: الخبر قوله
~~تعالى: { العبدون } وما بعده خبر بعد خبر، وقيل: خبره {
~~الامرون بالمعروف } وقيل: إنه بدل من ضمير

# يقتلون

# [التوبة: 111] والأول أظهر إلا أنه يكون الموعود بالجنة عليه هو المجاهد
~~المتصف بهذه الصفات لا كل مجاهد وبذلك يشعر ما أخرجه ابن أبي شيبة وابن
~~المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: الشهيد من كان فيه
~~الخصال التسع وتلا هذه الآية. وأورد عليه أنه ينافي ذلك ما صح من حديث
~~مسلم من أن من قتل في سبيل الله تعالى وهو صابر محتسب مقبل غير مدبر كفرت
~~خطاياه إلا الدين فإنه ظاهر في أن المجاهد قد لا يكون متصفا بجميع ما في
~~الآية من الصفات وإلا لا يبقى لتكفير الخطايا وجه، وكأنه من هنا اختار
~~الزجاج كونه مبتدأ والخبر محذوف كما سمعت إذ في الآية عليه تبشير مطلق
~~المجاهدين بما ذكر وهو المفهوم من ظواهر الأخبار. نعم دل كثير منها على
~~أن الفضل الوارد في المجاهدين مختص بمن قاتل لتكون كلمة الله تعالى هي
~~العليا وأن من قاتل للدنيا والسمعة استحق النار. وفي «صحيح مسلم» ما
~~يقتضي ذلك فليفهم.

# والمراد من التائبين على ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن
~~الحسن وقتادة الذين تابوا عن الشرك ولم ينافقوا. وأخرج ابن أبي حاتم
~~وأبو الشيخ عن الضحاك أنهم الذين تابوا عن الشرك والذنوب، وأيد ذلك بأن
~~التائبين في تقدير الذين تابوا وهو من ألفاظ العموم يتناول كل تائب
~~فتخصيصه بالتائب عن بعض المعاصي تحكم. وأجيب بأن ذكرهم بعد ذكر المنافقين ms03926
~~ظاهر في حمل التوبة على التوبة عن الكفر والنفاق، وأيضا لو حملت التوبة
~~على التوبة عن المعاصي يكون ما ذكر بعد من الصفات غير تام الفائدة مع أن
~~من اتصف بهذه الصفات الظاهر اجتنابه للمعاصي، والمراد / من العابدين
~~الذين أتوا بالعباد على وجهها، وقال الحسن: هم الذين عبدوا الله تعالى في
~~أحايينهم كلها، أما والله ما هو بشهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين ولكن
~~كما قال العبد الصالح:

# وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا

# [مريم: 31] وقال قتادة: هم قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم.

# { الحمدون } أي الذين يحمدون الله تعالى على كل حال كما روي عن
~~غير واحد من السلف، فالحمد بمعنى الوصف بالجميل مطلقا، وقيل: هو بمعنى
~~الشكر فيكون في مقابلة النعمة أي الحامدون لنعمائه تعالى وأنت تعلم أن
~~الحمد في كل حال أولى وفيه تأس برسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد أخرج
~~ابن مردويه وأبو الشيخ والبيهقي في «الشعب» عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " أول من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون على السراء والضراء "

# وجاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه
~~وسلم إذا أتاه الأمر يسره قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا
~~أتاه الأمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال».

# { السئحون } أي الصائمون، فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود
~~وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن
~~ذلك فأجاب بما ذكر» وإليه ذهب جلة من الصحابة والتابعين. وجاء عن عائشة
~~«سياحة هذه الأمة الصيام»، وهو من باب الاستعارة لأن الصوم يعوق عن
~~الشهوات كما أن السياحة تمنع منها في الأكثر، أو لأنه رياضة روحانية
~~ينكشف بها كثير من أحوال الملك والملكوت فشبه الاطلاع عليها بالاطلاع على
~~البلدان والأماكن النائية إذ لا يزال المرتاض يتوصل من مقام إلى مقام
~~ويدخل من مدائن المعارف إلى مدينة بعد أخرى على مطايا ms03927 الفكر. وأخرج ابن
~~أبي حاتم عن ابن زيد أن السائحين هم المهاجرون ليس في أمة محمد صلى الله
~~عليه وسلم سياحة إلا الهجرة. وأخرج هو وأبو الشيخ عن عكرمة أنهم طلبة
~~العلم لأنهم يسيحون في الأرض لطلبه، وقيل: هم المجاهدون لما أخرج الحاكم
~~وصححه والطبراني وغيرهما «عن أبي أمامة أن رجلا استأذن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم في السياحة فقال: إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله
~~تعالى» والمختار ما تقدم كما أشرنا إليه، وإنما لم تحمل السياحة على
~~المعنى المشهور لأنها نوع من الرهبانية، وقد نهي عنها وكانت كما أخرج ابن
~~جرير عن وهب بن منبه في بني إسرائيل.

# { الركعون السجدون } أي في الصلوات المفروضات كما روي عن
~~الحسن، فالركوع والسجود على معناهما الحقيقي، وجعلهما بعضهم عبارة عن
~~الصلاة لأنهما أعظم أركانها فكأنه قيل: المصلون { الآمرون
~~بالمعروف } أي الإيمان { والناهون عن المنكر } أي الشرك
~~كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الأمرين، ولو أبقي لفظ
~~النظم الجليل على عمومه لكان له وجه بل قيل إنه الأولى. والعطف هنا على
~~ما في «المغني» إنما كان من جهة إن الأمر والنهي من حيث هما أمر ونهي
~~متقابلان بخلاف بقية الصفات [أو] لأن الآمر بالمعروف ناه عن المنكر وهو
~~ترك المعروف والناهي عن المنكر آمر بالمعروف فأشير إلى الاعتداد بكل من
~~الوصفين وأنه لا يكفي فيه ما يحصل في ضمن الآخر، وحاصله على ما قيل: إن
~~العطف لما بينهما من التقابل أو لدفع الايهام.

# ووجه بعض المحققين ذلك بأن بينهما تلازما في الذهن والخارج لأن الأوامر
~~تتضمن النواهي ومنافاة بحسب الظاهر لأن أحدهما طلب فعل والآخر طلب ترك
~~فكانا بين كمال الاتصال والانقطاع المقتضى للعطف بخلاف / ما قبلهما،
~~وقيل: إن العطف للدلالة على أنهما في حكم خصلة واحدة كأنه قيل: الجامعون
~~بين الوصفين، ويرد على ظاهره أن { الركعون السجدون } في حكم
~~خصلة واحدة أيضا فكان ينبغي فيهما العطف على ما ذكر إذ معناه الجامعون
~~بين الركوع والسجود ويدفع ms03928 بأدنى التفات.

# وإما العطف في قوله سبحانه: { والحفظون لحدود الله } أي
~~فيما بينه وعينه من الحقائق والشرائع فقيل للإيذان بأن العدد قد تم
~~بالسباع من حيث أن السبعة هو العدد التام والثامن ابتداء تعداد آخر معطوف
~~عليه ولذلك يسمى واو الثمانية، وإليه مال أبو البقاء وغيره ممن أثبت واو
~~الثمانية وهو قول ضعيف لم يرضه النحاة كما فصله ابن هشام وسيأتي إن شاء
~~الله تعالى تحقيقه، وقيل: إنه للتنبيه على أن ما قبله مفصل الفضائل وهذا
~~مجملها، يعني أنه من ذكر أمر عام شامل لما قبله وغيره، ومثله يؤتى به
~~معطوفا نحو زيد وعمرو وسائر قبيلته كرماء فلمغايرته بالإجمال والتفصيل
~~والعموم والخصوص عطف عليه، وقيل: هو عطف عليه، وقيل: هو عطف على ما قبله
~~من الأمر والنهي لأن من لم يصدق فعله قوله لا يجدي أمره نفعا ولا يفيد
~~نهيه منعا.

# وقال بعض المحققين: إن المراد بحفظ الحدود ظاهره وهي إقامة الحد كالقصاص
~~على من استحقه؛ والصفات الأول إلى قوله سبحانه: { الآمرون } صفات
~~محمودة للشخص في نفسه وهذه له باعتبار غيره فلذا تغاير تعبير الصنفين
~~فترك العاطف في القسم الأول وعطف في الثاني، ولما كان لا بد من اجتماع
~~الأول في شيء واحد ترك فيها العطف لشدة الاتصال بخلاف هذه فإنه يجوز
~~اختلاف فاعلها ومن تعلقت به، وهذا هو الداعي لإعراب { التئبون }
~~مبتدأ موصوفا بما بعده و { الآمرون } خبره فكؤنه قيل: الكاملون في
~~أنفسهم المكملون لغيرهم وقدم الأول لأن المكمل لا يكون مكملا حتى يكون
~~كاملا في نفسه، وبهذا يتسق النظم أحسن اتساق من غير تكلف وهو وجه وجيه
~~للعطف في البعض وترك العطف في الآخر، خلا أن المأثور عن السلف كابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما وغيره تفسير الحافظين لحدود الله بالقائمين على
~~طاعته سبحانه وهو مخالف لما في هذا التوجيه ولعل الأمر فيه سهل والله
~~تعالى أعلم بمراده.

# { وبشر المؤمنين } أي هؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الجليلة،
~~ووضع المؤمنين موضع ضميرهم للتنبيه على أن ملاك الأمر هو الإيمان وان ms03929
~~المؤمن الكامل من كان كذلك، وحذف المبشر به إشارة إلى أنه أمر جليل لا
~~يحيط به نطاق البيان.

### || [9.113]

# { ما كان } أي ما صح في حكم الله عز وجل وحكمته وما استقام {
~~للنبى والذين ءامنوا } بالله تعالى على الوجه المأمور به {
~~أن يستغفروا للمشركين } به سبحانه { ولو كانوا } أي
~~المشركون { أولي قربى } أي ذوي قرابة لهم، وجواب { لو } محذوف
~~لدلالة ما قبله عليه، والجملة معطوفة على جملة أخرى قبلها محذوفة حذفا
~~مطردا أي لو لم يكونوا أولى قربى ولو كانوا كذلك { من بعد ما
~~تبين لهم } أي للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين { أنهم
~~} أي المشركين { أصحب الجحيم } بأن ماتوا على الكفر أو نزل
~~الوحي بأنهم مطبوع على قلوبهم لا يؤمنون أصلا، وفيه دليل على صحة
~~الاستغفار لأحيائهم الذين لا قطع بالطبع على قلوبهم، والمراد منه في حقهم
~~طلب توفيقهم للإيمان، وقيل: إنه يستلزم ذلك بطريق الاقتضاء فلا يقال: إنه
~~لا فائدة في طلب المغفرة للكافر، والآية على الصحيح نزلت في أبي طالب
~~فقد أخرج أحمد، وابن أبي شيبة / والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن
~~المنذر والبيهقي في «الدلائل» وآخرون عن المسيب بن حزن قال: لما حضرت أبا
~~طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله
~~بن أبي أمية فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أي عم قل لا إله إلا الله
~~أحاج لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب
~~أترغب عن ملة عبد المطلب فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه
~~وأبو جهل وعبد الله يعاودانه بتلك المقالة فقال أبو طالب آخر ما كلمهم:
~~هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله فقال النبي صلى
~~الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فنزلت { ما كان للنبي
~~} الآية.

# واستبعد ذلك الحسين بن الفضل بأن موت أبي طالب قبل الهجرة بنحو ثلاث
~~سنين وهذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة. ms03930 قال الواحدي: وهذا الاستبعاد
~~مستبعد فأي بأس أن يقال: كان عليه الصلاة والسلام يستغفر لأبي طالب من
~~ذلك الوقت إلى وقت نزول الآية فإن التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه
~~السورة، وذكر نحوا من هذا صاحب «التقريب»، وعليه لا يراد بقوله: فنزلت
~~في الخبر أن النزول كان عقيب القول بل يراد أن ذلك سبب النزول، فالفاء
~~فيه للسببية لا للتعقيب. واعتمد على هذا التوجيه كثير من جلة العلماء بل
~~يراد أن ذلك سبب النزول، فالفار فيه للسببية لا للتعقيب. واعتمد على هذا
~~التوجيه كثير من جلة العلماء وهو توجيه وجيه، خلا أنه يعكر عليه ما أخرجه
~~ابن سعد وابن عساكر عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: أخبرت رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم بموت أبي طالب فبكى فقال: «اذهب فغسله وكفنه وواره غفر
~~الله له ورحمه ففعلت وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر له أياما
~~ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه جبريل عليه الصلاة والسلام بهذه الآية {
~~ما كان للنبي } الخ» فإنه ظاهر في أن النزول قبل الهجرة لأن عدم
~~الخروج من البيت فيه مغيا به، اللهم إلا أن يقال بضعف الحديث لكن لم نر
~~من تعرض له، والأولى في الجواب عن أصل الاستبعاد أن يقال: إن كون هذه
~~السورة من أواخر ما نزل باعتبار الغالب كما تقدم فلا ينافي نزول شيء منها
~~في المدينة.

# والآية على هذا دليل على أن أبا طالب مات كافرا وهو المعروف من مذهب
~~أهل السنة والجماعة.

# وروى ابن إسحق في «سيرته» عن العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من خبر طويل

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب في مرض موته وقد طمع
~~فيه: أي عم فانت فقلها يعني لا إله إلا الله أستحل بها لك الشفاعة يوم
~~القيامة  وحرض عليه عليه الصلاة والسلام بذلك  فقال: والله يا ابن أخي
~~لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك ms03931 من بعدي وأن تظن قريش أني إنما
~~قلتها جزعا من الموت لقلتها ولا أقولها إلا لأسرك بها فلما تقارب من
~~أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه فأصغى إليه بأذنه فقال: يا
~~ابن أخي لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها فقال له صلى الله عليه
~~وسلم: لم أسمع "

# واحتج بهذا ونحوه - من أبياته المتضمنة للإقرار بحقية ما جاء به صلى
~~الله عليه وسلم وشدة حنوه عليه ونصرته له صلى الله عليه وسلم - الشيعة
~~الذاهبون إلى موته مؤمنا وقالوا: إنه المروي عن أهل البيت وأهل البيت
~~أدرى. وأنت تعلم قوة دليل الجماعة فالاعتماد على ما روي عن العباس دونه
~~مما تضحك منه الثكلى، والأبيات على انقطاع أسانيدها ليس فيها النطق
~~بالشهادتين وهو مدار فلك الإيمان، وشدة الحنو والنصرة مما لا ينكره أحد
~~إلا أنها بمعزل عما نحن فيه، وأخبار الشيعة عن أهل البيت أوهن من بيت
~~العنكبوت وإنه لأوهن البيوت. نعم لا ينبغي للمؤمن الخوض فيه كالخوض في
~~سائر كفار قريش من أبي جهل. وأضرابه / فإن له مزية عليهم بما كان يصنعه
~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من محاسن الأفعال، وقد روى نفع ذلك له
~~في الآخرة أفلا ينفعه في الدنيا في الكف عنه وعدم معاملته معاملة غيره من
~~الكفار.

# فعن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقد ذكر
~~عنده عمه: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار» وجاء
~~في رواية أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عمك أبا طالب كان
~~يحوطك وينصرك فهل ينفعه ذلك؟ فقال: نعم وجدته في غمرات النار فأخرجته إلى
~~ضحضاح من نار. وسبه عندي مذموم جدا لا سيما إذا كان فيه إيذاء لبعض
~~العلويين إذ قد ورد «لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات  ومن حسن إسلام
~~المرء تركه ما لا يعينه».

# وزعم بعضهم أن الآية نزلت في غير ذلك. فقد أخرج البيهقي في «الدلائل»
~~وغيره عن ابن مسعود قال: «خرج ms03932 النبي صلى الله عليه وسلم يوما إلى
~~المقابر فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلا ثم بكى فبكينا لبكائه
~~ثم قام فصلى ركعتين فقام إليه عمر فدعاه ثم دعانا فقال: إليه عمر فدعاه
~~ثم دعانا فقال: ما أبكاكم؟ قلنا: بكينا لبكائك قال: إن القبر الذي جلست
~~عنده قبر آمنة وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي واستأذنته في
~~الاستغفار لها فلم يأذن لي وأنزل علي { ما كان للنبي } الخ
~~فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة فذاك الذي أبكاني» ولا يخفى أن
~~الصحيح في سبب النزول هو الأول. نعم خبر الاستئذان في الاستغفار لأمه
~~عليه الصلاة والسلام وعدم الإذن جاء في رواية صحيحة لكن ليس فيها أن ذلك
~~سبب النزول. فقد أخرج مسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي عن أبي
~~هريرة قال:

# " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال
~~عليه الصلاة والسلام: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنت
~~أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فانها تذكركم الموت "

# واستدل بعضهم بهذا الخبر ونحوه على أن أمه عليه الصلاة والسلام ممن لا
~~يستغفر له، وفي ذلك نزاع شهير بين العلماء، ولعل النوبة تفضي إلى تحقيق
~~الحق فيه إن شاء الله تعالى.

### || [9.114]

# { وما كان أستغفر إبرهيم لأبيه } آزر بقوله {
~~واغفر لأبي } أي بأن توفقه للإيمان وتهديه إليه كما يلوح به تعليله
~~بقوله:

# إنه كان من الضالين

# [الشعراء: 86] والجملة استئناف لتقرير ما سبق ودفع ما يتراءى بحسب
~~الظاهر من المخالفة، وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر من طريق سفيان بن عيينة
~~عن عمرو بن دينار قال: لما مات أبو طالب قال له رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: رحمك الله وغفر لك لا أزال استغفر لك حتى ينهاني الله تعالى فأخذ
~~المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون فأنزل الله تعالى

# ما كان للنبي والذين ءامنوا أن يستغفروا
~~للمشركين

# [التوبة: 113] الآية فقالوا: قد استغفر إبراهيم لأبيه فأنزل سبحانه {
~~وما كان استغفار ms03933 إبرهيم لأبيه }.

# { إلا عن موعدة } وقرأ طلحة { وما استغفر } وعنه { وما يستغفر
~~} على حكاية الحال الماضية لا أن الاستغفار سوف يقع بعد يوم القيامة كما
~~يتوهم مما سيأتي إن شاء الله تعالى، والاستثناء مفرغ من أعم العلل أي لم
~~يكن استغفاره عليه السلام لأبيه ناشئا عن شيء من الأشياء إلا عن موعدة {
~~وعدها } أي إبراهيم عليه السلام { إيه } أي أباه بقوله:

# لاستغفرن لك

# [الممتحنة: 4] وقوله:

# سأستغفر لك ربي

# [مريم: 47] فالوعد كان من إبراهيم عليه السلام. ويدل على ذلك ما روي عن
~~الحسن وحماد الرواية وابن السميقع وابن نهيك ومعاذ القارىء أنهم قرأوا {
~~وعدها أباه } بالموحدة، وعد ذلك أحد الأحرف الثلاث التي صحفها ابن
~~المقفع في القرآن مما / لا يلتفت إليه بعد قراءة غير واحد من السلف به
~~وإن كانت شاذة.

# وحاصل معنى الآية ما كان لكم الاستغفار بعد التبين واستغفار إبراهيم
~~عليه الصلاة والسلام إنما كان عن موعدة قبل التبين، ومآله أن استغفار
~~إبراهيم عليه السلام كان قبل التبين وينبىء عن ذلك قوله تعالى: {
~~فلما تبين له } أي لإبراهيم عليه السلام { أنه } أي أن
~~أباه { عدو لله } أي مستمر على عداوته تعالى وعدم الإيمان به
~~وذلك بأو أوحي إليه عليه السلام أنه مصر على الكفر. وأخرج ابن جرير وابن
~~المنذر وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ذلك التبين كان بموته
~~كافرا وإليه ذهب قتادة، قيل: والأنسب بوصف العداوة هو الأول والأمر فيه
~~هين. { تبرأ منه } أي قطع الوصلة بينه وبينه، والمراد تنزه عن
~~الاستغفار له وتجانب كل التجانب، وفيه من المبالغة ما ليس في تركه
~~ونظائره.

# { إن إبرهيم لأواه } أي لكثير التأوه، وهو عند جماعة كناية
~~عن كمال الرأفة ورقة القلب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما عن
~~عبد الله بن شداد قال: قال رجل: يا رسول الله ما الأواه؟ قال: الخاشع
~~المتضرع الدعاء.

# وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم أنه الدعاء المستكن إلى الله تعالى
~~كهيئة الرميض المتأوه من مرضه وهو قريب مما قبله. ms03934 وعن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما ومجاهد وقتادة وعطاء والضحاك وعكرمة أنه الموقن بلغة الحبشة،
~~وعن عمرو بن شرحبيل أنه الرحيم بتلك اللغة وأطلق ابن مسعود تفسيره بذلك،
~~وعن الشعبي أنه المسبح. وأخرج البخاري في «تاريخه» أنه الذي قلبه معلق
~~عند الله تعالى. وأخرج البيهقي في «شعب الإيمان» وغيره عن كعب أن إبراهيم
~~وصف بالأواه لأنه كان إذا ذكر النار قال أوه من النار أوه. وأخرج أبو
~~الشيخ عن أبي الجوزاء مثله، وإذا صح تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~له لا ينبغي العدول عنه. نعم ما ذهب إليه الجماعة غير مناف له ومناسبته
~~لما نحن فيه ظاهرة كما لا يخفى. وقد صرح غير واحد أنه فعال للمبالغة من
~~التأوه؛ وقياس فعله أن يكون ثلاثيا لأن أمثلة المبالغة إنما يطرد أخذها
~~منه وحكى قطرب له فعلا ثلاثيا فقال: يقال آه يؤوه كقام يقوم أوها
~~وأنكره عليه غيره وقال: لا يقال إلا أوه وتأوه قال المثقب العبدي:

# إذا ما قمت أرحلها بليل

# تأوه آهة الرجل الحزين

# وأصل التأوه قوله آه ونحوه مما يقوله الحزين. وفي «الدرة» للحريري أن
~~الأفصح أن يقال في التأوه أوه بكسر الهاء وضمها وفتحها والكسر أغلب،
~~وعليه قول الشاعر:

# فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها

# ومن بعد أرض بيننا وسماء

# وقد شدد بعضهم الواو وأسكن الهاء فقال أوه، وقلب بعضهم الواو ألفا فقال
~~آه، ومنهم من حذف الهاء وكسر الواو فقال أو ثم ذكر أن تصريف الفعل من ذلك
~~أوه وتأوه وأن المصدر الآهة والأهة وإن من ذلك قول المثقب السابق.

# { حليم } أي صبور على الأذى صفوح عن الجناية، أخرج ابن أبي حاتم عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان من حلمه عليه السلام أنه إذا
~~آذاه الرجل من قومه قال له: هداك الله تعالى، ولعل تفسيره بالسيد على ما
~~روي عن الحبر مجاز. والجملة استئناف لبيان ما حمله عليه الصلاة والسلام
~~على الموعدة بالاستغفار لأبيه مع شكاسته عليه وسوء خلقه معه كما يؤذن ms03935
~~بذلك قوله عليه الصلاة والسلام:

# لئن لم تنته لارجمنك واهجرنى مليا

# [مريم: 46]، وقيل: استئناف لبيان ما حمله على الاستغفار. وأورد عليه أنه
~~يشعر بظاهره أن استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه كان عن وفور الرحمة
~~وزيادة الحلم وهو يخالف صدر الآية حيث دل على أنه كان عن موعدة ليس إلا،
~~ولعل المراد أن سبب الاستغفار ليس إلا الموعدة الناشئة عما ذكر فلا
~~إشكال. وفيها تأكيد لوجوب الاجتناب بعد التبين كأنه قيل: إنه عليه الصلاة
~~والسلام تبرأ منه بعد التبين وهو في كمال رقة القلب والحلم فلا بد أن
~~يكون غيره أكثر منه اجتنابا وتبرؤا، وجوز بعضهم أن يكون فاعل وعد ضمير
~~الأب و { إيه } ضمير إبراهيم عليه الصلاة والسلام أي إلا عن موعدة
~~وعدها إبراهيم أبوه وهي الوعد بالإيمان.

# قال شيخ مشايخنا صبغة الله أفندي الحيدري: لعل هذا هو الأظهر في التفسير
~~فإن ظاهر السياق أن هذه الآية دفع لما يرد على الآية الأولى من النقض
~~باستغفار إبراهيم لأبيه الكافر ويكفي فيه مجرد كونه في يحاة أبيه حيث
~~يحمل ذلك على طلب المغفرة له بالتوفيق للإيمان كما قرر سابقا من غير
~~حاجة إلى حديث الموعدة فيصير { إلا عن موعدة وعدها
~~إياه } كالحشو على التوجيه الأول للضميرين بخلاف هذا التوجيه فإن
~~محصله عليه هو أنه لا يرد استغفار إبراهيم لأبيه نقضا على ما ذكرنا إذ
~~هو إنما صدر عن ظن منه عليه الصلاة والسلام بإيمانه حيث سبق وعده به معه
~~عليه الصلاة والسلام فظن أنه وفى بالوعد وجرى على مقتضى العهد فاستغفر له
~~فلما تبين له أنه لن يفي ولن يؤمن قط أو لم يف ولم يؤمن تبرأ منه. ويمكن
~~أن يوجه ذكر الموعدة على التوجيه الأول أيضا بأن يقال: أراد سبحانه
~~وتعالى تضمين الجواب بكون ذلك الاستغفار في حال حياة المستغفر له وحمله
~~على الطلب المذكور فائدة أخرى هي أنه صلى الله عليه وسلم لغاية تصلبه في
~~الدين وفرط تعصبه على اليقين ما كان يستغفر له وإن كان جائزا لكن تأوه ms03936
~~وتحلم فاستغفر له وفاء بالموعدة التي وعدها إياه فتفطن انتهى.

# وأنت تعلم أنه على التوجيه الثاني لا يستقيم ما قالوه في استئناف الجملة
~~من أنه لبيان الحامل وكان عليه أن يذكر وجه ذلك عليه، وأيضا قوله رحمه
~~الله تعالى في بيان الفائدة: لكنه تأوه وتحلم حيث نسب فيه الحلم إلى
~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام بصيغة التفعل مع وصفه تعالى له عليه الصلاة
~~والسلام بالحليم عثرة لا يقال لصاحبها لعا، وحمل ذلك على المشاكلة مع
~~إرادة فعل مما لا يوافق عرضه وسوق كلامه، فالحق الذي ينبغي أن يعول عليه
~~التفسير الأول للآية وهو الذي يقتضيه ما روي عن الحسن وغيره من سلف الأمة
~~رضي الله تعالى عنهم. وذكر حديث الموعدة لبيان الواقع في نفس الأمر مع ما
~~فيه من الإشارة إلى تأكيد الاجتناب وتقوية الفرق كأنه قيل: فرق بين بين
~~الاستغفار الذي نهيتم عنه واستغفار إبراهيم عليه السلام فإن استغفاره كان
~~قبل التبين وكان عن موعدة دعاه إليها فرط رأفته وحلمه وما نهيتم عنه ليس
~~كذلك.

# بقي أن هذه الآية يخالفها ظاهر ما رواه البخاري في «الصحيح» عن أبي
~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يلقى إبراهيم عليه السلام أباه
~~[آزر] يوم القيامة وعلى وجهه قترة وغبرة فيقول [له] إبراهيم عليه الصلاة
~~والسلام: ألم أقل لك لا تعصني فيقول أبوه اليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم
~~عليه الصلاة والسلام: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فأي خزي
~~أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى إني حرمت الجنة على الكافرين ثم
~~يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه
~~فيلقى في النار».

# ورواه غيره بزيادة فيتبرأ منه فإن الآية ظاهرة في انقطاع رجاء إبراهيم
~~عليه السلام اتصاف أبيه بالإيمان وجزمه بأنه لا يغفر له ولذلك تبرأ منه
~~وترك الاستغفار له فإن الاستغفار له مع الجزم بأنه لا يغفر له مما لا
~~يتصور / وقوعه من العارف لا سيما مثل الخليل عليه الصلاة والسلام، وقد ms03937
~~صرحوا بأن طلب المغفرة للمشرك طلب لتكذيب الله سبحانه نفسه، والحديث ظاهر
~~في أنه عليه الصلاة والسلام يطلب ذلك له يوم القيامة ولا ييأس من نجاته
~~إلا بعد المسخ فإذا مسخ يئس منه وتبرأ.

# وأجاب الحافظ ابن حجر عن المخالفة بجوابين بحث فيهما بعض فضلاء الروم،
~~ومن الغريب قوله في الجواب الثاني: ((إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم
~~يتيقن موت أبيه على الكفر لجواز أن يكون آمن في نفسه ولم يطلع عليه
~~الصلاة والسلام على ذلك ويكون وقت تبريه منه بعد الحالة التي وقعت في
~~الحديث)) فإنه مخالف مخالفة ظاهرة لما يفهم من الآية من أن التبين
~~والتبري كان كل منهما في الدنيا، وأجاب ذلك البعض بأنا لا نسلم التخالف
~~بين الآية والحديث، وإنما يكون بينهما ذلك لو كان في الحديث دلالة على
~~وقوع الاستغفار من إبراهيم لأبيه وطلب الشفاعة له وليس فليس، وقوله: يا
~~رب إنك وعدتني الخ أراد به عليه الصلاة والسلام محض الاستفسار عن حقيقة
~~الحال فإنه اختلج في صدره الشريف أن هذه الحال الواقعة على أبيه خزي له
~~وأن خزي الأب خزي الابن فيؤدي ذلك إلى خلف الوعد المشار إليه بقوله: إنك
~~وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، وأنت خبير بأن الخبر ظاهر في الشفاعة،
~~وهي استغفار كما يدل عليه كلام المتكلمين في ذلك المقام.

# ويزيد ذلك وضوحا أن الحاكم أخرج عن أبي هريرة أيضا وصححه، وقال على
~~شرط مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " يلقى رجل أباه يوم القيامة فيقول: يا أبت أي ابن كنت لك؟ فيقول: خير
~~ابن. فيقول: هل أنت مطيعي اليوم؟ فيقول: نعم. فيقول خذ بإزرتي فيأخذ
~~بإزرته ثم ينطلق حتى يأتي الله تعالى وهو يفصل بين الخلق فيقول: يا عبدي
~~ادخل من أي أبواب الجنة شئت فيقول: أي رب وأبي معي فإنك وعدتني أن لا
~~تخزيني قال فيمسخ أباه ضبعا فيهوي في النار فيأخذ بأنفه فيقول سبحانه:
~~يا عبدي هذا أبوك فيقول: لا وعزتك "

# وقال الحافظ المنذري: إنه في ms03938 «صحيح البخاري» إلا أنه قال:

# " يلقى إبراهيم أباه "

# وذكر القصة إذ يفهم من ذلك أن الرجل في حديث الحاكم هو إبراهيم عليه
~~الصلاة والسلام وطلبه المغفرة لأبيه فيه وإدخاله الجنة أظهر منهما في
~~حديث البخاري وما ذكره الزمخشري مخالفا على ما قيل لما شاع عن المعتزلة
~~أن امتناع جواز الاستغفار للكافر إنما علم بالوحي لا بالعقل لأن العقل
~~يجوز أن يغفر الله تعالى للكافر، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم
~~لأبي طالب:

# " لأستغفرن لك ما لم أنه "

# لا ينفع في هذا الغرض إلا إذا ضم إليه عدم علم إبراهيم عليه الصلاة
~~والسلام ذلك بالوحي إلى يوم القيامة وهو مما لا يكاد يقدم عليه عاقل
~~فضلا عن فاضل.

# وأجاب بعض المعاصرين أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان عالما بكفر
~~أبيه ومتيقنا بأن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به إلا أن الشفقة والرأفة
~~الطبيعية غلبت عليه حين رأى أباه في عرصات يوم القيامة وعلى وجهه قترة
~~فلم يملك نفسه أن طلب ما طلب، ونظير ذلك من وجه قول نوح عليه الصلاة
~~والسلام لربه سبحانه:

# رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق

# [هود: 45] ولا يخفى أنه من الفساد بمكان ومثله ما قيل: إنه ظن استثناء
~~أبيه من عموم

# إن الله لا يغفر أن يشرك به

# [النساء: 48] لأن الله وعده أن لا يخزيه فقدم على الشفاعة له، ولعمري لا
~~يقدم عليه إلا جاهل بجهله أما الأول فلأن الأنبياء عليهم السلام أجل
~~قدرا من أن تغلبهم أنفسهم على الإقدام على ما فيه تكذيب الله تعالى
~~نفسه، وأما الثاني فلأنه لو كان لذلك الظن أصل ما كان يتبرأ منه عليه
~~السلام في الدنيا بعد أن تبين له أنه عدو لله وهو الأواه الحليم.

# / وقيل: إن الأحسن في الجواب التزام أن ما في الخبرين ليس من الشفاعة في
~~شيء ويقال: إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ظن أن خزي أبيه في معنى الخزي
~~له فطلب بحكم وعد الله سبحانه إياه أن لا يخزيه تخليصا ms03939 من ذلك حسبما
~~يمكن فخلصه منه بمسخه ذيخا، ولعل ذلك مما يعده إبراهيم عليه السلام
~~تخليصا له من الخزي لاختلاف النوع وعدم معرفة العارفين لأبيه بعد أنه
~~أبوه فكأن الأبوة انقطعت من البين ويؤذن بذلك أن بعد المسخ يأخذ سبحانه
~~بأنفه فيقول له عليه السلام: يا عبدي هذا أبوك؟ فيقول: لا وعزتك، ولعل
~~المراد من التبري في الرواية السابقة في الخبر الأول هو هذا القول،
~~وتوسيط حديث تحريم الجنة على الكافرين ليس لأن إبراهيم عليه السلام كان
~~طالبا إدخال أبيه فيها بل لإظهار عدم إمكان هذا الوجه من التخليص
~~اقناطا لأبيه وإعلاما له بعظم ما أتى به، ويحمل قوله عليه السلام في
~~خبر الحاكم حين يقال له: يا عبدي أدخل من أي أبواب الجنة شئت أي رب وأبي
~~معي على معنى أأدخل وأبي واقف معي، والمراد لا أدخل وأبي في هذه الحال
~~وإنما أدخل إذا تغيرت، ويكون قوله عليه السلام: فإنك وعدتني أن لا تخزيني
~~تعليلا للنفي المدلول عليه بالاستفهام المقدر وحينئذ يرجع الأمر إلى طلب
~~التخليص عما ظنه خزيا له أيضا فيمسخ ضبعا لذلك.

# ولا يرد أن التخليص ممكن بغير المسخ المذكور لأنا نقول. لعل اختيار ذلك
~~المسخ دون غيره من الأمور الممكنة ما عدا دخول الجنة لحكمة لا يعلمها إلا
~~هو سبحانه، وقد ذكروا أن حكمة مسخه ضبعا دون غيره من الحيوانات أن الضبع
~~أحمق الحيوانات ومن حمقه أنه يغفل عما يجب له التيقظ ولذلك قال علي كرم
~~الله تعالى وجهه: لا أكون كالضبع يسمع الكدم فيخرج له حتى يصاد وآزر لما
~~لم يقبل النصيحة من أشفق الناس عليه زمان إمكان نفعها له وأخذ بإزرته حين
~~لا ينفعه ذلك شيئا كان أشبه الخلق بالضبع فمسخ ضبعا دون غيره لذلك، ولم
~~يذكروا حكمة اختيار المسخ دون غيره وهو لا يخلو عن حكمة والجهل بها لا
~~يضر انتهى.

# ولا يخفى ما في هذا الجواب من التكلف، وأولى منه التزام كون فاعل وعد
~~ضمير الأب وضمير { إيه } راجعا إلى إبراهيم عليه ms03940 الصلاة والسلام
~~وكون التبين والتبري واقعين في الآخرة حسبما تضمنه الخبران السابقان،
~~فحينئذ لا يبعد أن يكون إبراهيم مستغفرا لأبيه بعد وعده إياه بالإيمان
~~طالبا له الجنة لظن أنه وفى بوعده حتى يمسخ ذيخا، لكن لا يساعد عليه
~~ظاهر الآية ولا المأثور عن سلف الأمة وإن صح كون الآية عليه دفعا لما
~~يرد على الآية الأولى من النقض أيضا بالعناية، ولعل أخف الأجوبة مؤنة
~~كون مراد إبراهيم عليه الصلاة والسلام من تلك المحاورة التي تصدر منه في
~~ذلك الموقف إظهار العذر فيه لأبيه وغيره على أتم وجه لا طلب المغفرة
~~حقيقة، وهذا كما قال المعتزلة في سؤال موسى عليه السلام رؤية الله تعالى
~~مع العلم بامتناعها في زعمهم، والقول بأن أهل الموقف الأنبياء عليهم
~~الصلاة والسلام وغيرهم من سائر المؤمنين والكفار سواء في العلم بامتناع
~~المغفرة للمشرك مثلا في حيز المنع، وربما يدعى عدم المساواة لظاهر طلب
~~الكفار العفو والإخراج من النار ونحو ذلك بل في الخبرين السابقين ما يدل
~~على عدم علم الأب بحقيقة الحال وأنه لا يغفر له فتأمل ذاك والله سبحانه
~~يتولى هداك.

# وبقي أيضا أنه استشكل القول بأن استغفار إبراهيم عليه الصلاة والسلام
~~لأبيه حتى تبين له أنه عدو لله كان في حياته بما في سورة الممتحنة [4] من
~~قوله سبحانه:

# قد كانت لكم أسوة حسنة في إبرهيم

# إلى قوله سبحانه:

# إلا قول إبرهيم لأبيه لأستغفرن لك

# [الممتحنة: 4] حيث منع من الاقتداء به فيه ولو كان في حياته لم يمنع منه
~~لأنه يجوز الاستغفار بمعنى طلب الإيمان لأحياء المشركين. وأجيب بأنه إنما
~~منع من الاقتداء بظاهره وظن / أنه جائز مطلقا كما وقع لبعض الصحابة رضي
~~الله تعالى عنهم وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك بإذن الله تعالى
~~الهادي.

### || [9.115]

# { وما كان الله ليضل قوما } أي ما يستقيم من لطف الله
~~تعالى وإفضاله أن يصف قوما بالضلال عن طريق الحق ويذمهم ويجري عليهم
~~أحكامه { بعد إذ هداهم } للإسلام { حتى يبين لهم }
~~بالوحي صريحا أو دلالة { ما يتقون ms03941 } أي ما يجب اتقاؤه من محذورات
~~الدين فلا ينزجروا عما نهوا عنه، وكأنه تسلية للذين استغفروا للمشركين
~~قبل البيان حيث أفاد أنه ليس من لطفه تعالى أن يذم المؤمنين ويؤاخذهم في
~~الاستغفار قبل أن يبين أنه غير جائز لمن تحقق شركه لكنه سبحانه يذم
~~ويؤاخذ من استغفر لهم بعد ذلك. والآية على ما روي عن الحسن نزلت حين مات
~~بعض المسلمين قبل أن تنزل الفرائض فقال إخوانهم: يا رسول الله أخواننا
~~الذين ماتوا قبل نزول الفرائض ما منزلتهم وكيف حالهم؟ وعن مقاتل والكلبي
~~أن قوما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قبل تحريم الخمر وصرف
~~القبلة إلى الكعبة ثم رجعوا إلى قومهم فحرمت الخمر وصرفت القبلة ولم
~~يعلموا ذلك حتى قدموا بعد زمان إلى المدينة فعلموا ذلك فقالوا: يا رسول
~~الله قد كنت على دين ونحن على غيره فنحن في ضلال فأنزل الله تعالى الآية،
~~وحمل الإضلال فيها على ما ذكرنا هو الظاهر وليس من الاعتزال في شيء كما
~~توهم وكأنه لذلك عدل عنه الواحدي حيث زعم أن المعنى ما كان الله ليوقع في
~~قلوبهم الضلالة. واستدل بها على أن الغافل وهو من لم يسمع النص والدليل
~~السمعي غير مكلف، وخص ذلك المعتزلة بما لم يعلم بالعقل كالصدق في الخبر
~~ورد الوديعة فإنه غير موقوف على التوقيف عندهم وهو تفريع على قاعدة الحسن
~~والقبح العقليين ولأهل السنة فيها مقال { أن الله بكل شىء
~~عليم } تعليل لما سبق أي إن الله تعالى عليم بجميع الأشياء التي من
~~جملتها حاجتهم إلى البيان فيبين لهم، وقيل: إنه استئناف لتأكيد الوعيد
~~المفهوم مما قبله، وكذا قوله سبحانه: { أن الله له ملك... }.

### || [9.116]

# { أن الله له ملك السموات والارض } من غير شريك
~~له فيه. { يحيي ويميت وما لكم من دون الله من
~~ولي ولا نصير } وقال غير واحد: إنه سبحانه لما منعهم عن
~~الاستغفار للمشركين وإن كانوا أولي قربى وتضمن ذلك وجوب التبري عنهم
~~رأسا بين لهم أن الله سبحانه مالك كل موجود ومتولي ms03942 أمره والغالب عليه
~~ولا يتأتى لهم ولاية ولا نصر إلا منه تعالى ليتوجهوا إليه جل شأنه
~~بشراشرهم متبرئين عما سواه غير قاصدين إلا إياه.

### || [9.117]

# { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار
~~} قال أصحاب المعاني المراد ذكر التوبة على المهاجرين والأنصار إلا أنه
~~جيء في ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم تشريفا لهم وتعظيما لقدرهم،
~~وهذا كما قالوا في ذكره تعالى في قوله سبحانه:

# فأن لله خمسه وللرسول

# [الأنفال: 41] الخ أي عفا سبحانه عن زلات سبقت منهم يوم أحد ويوم حنين،
~~وقيل: المراد ذكر التوبة عليه عليه الصلاة والسلام وعليهم، والذنب
~~بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم من باب خلاف الأولى نظرا إلى مقامه
~~الجليل، وفسر هنا على ما روي عن ابن عباس بالإذن للمنافقين في التخلف،
~~وبالنسبة إليهم رضي الله تعالى عنهم لا مانع من أن يكون حقيقيا إذ لا
~~عصمة عندنا لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويفسر بما فسر أولا. وجوز
~~أيضا أن يكون من باب خلاف الأولى بناء على ما قيل: إن ذنبهم كان الميل
~~إلى القعود عن غزوة تبوك حيث وقعت في وقت شديد، وقد تفسر التوبة بالبراءة
~~عن الذنب والصون عنه مجازا حيث أنه لا مؤاخذة / في كل، وظاهر الإطلاق
~~الحقيقة، وفي الآية ما لا يخفى من التحريض والبعث على التوبة للناس كلهم.

# { الذين اتبعوه } ولم يتخلفوا عنه صلى الله عليه وسلم { فى
~~ساعة العسرة } أي في وقت الشدة والضيق، والتعبير عنه بالساعة
~~لزيادة تعيينه وكانت تلك الشدة حالهم في غزوة تبوك فإنهم كانوا في شدة من
~~الظهر يعتقب العشرة على بعير واحد وفي شدة من الزاد تزودوا التمر المدود
~~والشعير المسوس والإهالة الزنخة وبلغت بهم الشدة أن قسم التمرة اثنان،
~~وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء كما روي عن قتادة، وفي شدة من
~~الماء حتى تحروا الإبل واعتصروا فروثها كما روي عن عمر بن الخطاب رضي
~~الله تعالى عنه، وفي شدة زمان من حمارة القيظ ومن الجدب والقحط، ومن هنا
~~قيل لتلك الغزوة غزوة ms03943 العسرة ولجيشها جيش العسرة. ووصف المهاجرين
~~والأنصار بالاتباع في هذه الساعة للإشارة إلى أنهم حريون بأن يتوب الله
~~عليهم لذلك وفيه أيضا تأكيد لأمر التحريض السابق.

# { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } بيان لتناهي
~~الشدة وبلوغها الغاية القصوى وهو إشراف بعضهم إلى أن يميلوا إلى التخلف
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو إشراف بعضهم إلى أن يميلوا عن
~~الثبات على الإيمان وحمل ذلك على مجرد الهم والوسوسة، وقيل: كان ميلا من
~~ضعفائهم وحديثي عهدهم بالإسلام. وفي { كاد } ضمير الشأن و { قلوب }
~~فاعل { يزيغ } والجملة في موضع الخبر لكاد ولا تحتاج إلى رابط لكونها
~~خبرا عن ضمير الشأن وهو المنقول عن سيبويه وإضمار الشأن على ما نقل عن
~~الرضي ليس بمشهور في أفعال المقاربة إلا في كاد وفي الناقصة إلا في كان
~~وليس، وجوز أن يكون اسم { كاد } ضمير القوم والجملة في موضع الخبر
~~أيضا والرابط عليه الضمير في { منهم } وهذا على قراءة { يزيغ }
~~بالياء التحتانية وهي قراءة حمزة وحفص والأعمش وأما على قراءة { تزيغ }
~~بالتاء الفوقانية وهي قراءة الباقين فيحتمل أن يكون { قلوب } اسم {
~~كاد } و { تزيغ } خبرها وفيه ضمير يعود على اسمها ولا يصح هذا على
~~القراءة الأولى لتذكير ضمير { يزيغ } ، وتأنيث ما يعود إليه وقد ذكر
~~هذا الوجه منتخب الدين الهمداني وأبو طالب المكي وغيرهما.

# وتعقبه في «الكشف» بأن في جعل القلوب اسم { كاد } خلاف وضعه من جوب
~~تقديم اسمه على خبره كما ذكره الشيخ ابن الحاجب في «شرح المفصل» وفي
~~البحر أن تقديم خبر { كاد } على اسمها مبني على جواز تركيب كان يقوم
~~زيد وفيه خلاف والأصح المنع. وأجاب بعض فضلاء الروم بأن أبا علي جوز ذلك
~~وكفى به حجة، وبأن عليه كلام ابن مالك في «التسهيل» وكذا كلام شراحه
~~ومنهم أبو حيان وجرى عليه في «ارتشافه» أيضا، ولا يعبأ بمخالفته في
~~«البحر» إذ مبنى ذلك القياس على باب كان وهو لا يصادم النص عن أبي علي،
~~على أن في كون أبي حيان ms03944 من أهل القياس منعا ظاهرا فالحق الجواز،
~~ويحتمل أن يكون اسم { كاد } ضميرا يعود على جمع المهاجرين والأنصار أي
~~من بعد ما كاد الجمع، وقدر ابن عطية مرجع الضمير القوم أي من بعد ما كاد
~~القوم. وضعف بأنه اضمر في { كاد } ضمير لا يعود إلا على متوهم، وبأن
~~خبرها يكون قد رفع سببيا وقد قالوا: إنه لا يرفع إلا ضميرا عائدا على
~~اسمها وكذا خبر سائر أخواتها ما عدا عسى في رأي، ولا يخفى ورود هذا أيضا
~~على توجيهي القراءة الأولى لكن الأمر على التوجيه الأول سهل.

# وجوز الرضي تخريج الآية على التنازع وهو ظاهر على القراءة الثانية
~~ويتعين حينئذ أعمال الأول إذ لو أعمل الثاني لوجب أن يقال في الأول
~~(كادت) كما قرأ به أبي رضي الله تعالى عنه. / ولا يجوز كاد إلا عند
~~الكسائي فإنه يحذف الفاعل، وكأن الرضي لم يبال بما لزم على هذا التخريج
~~من تقديم خبر { كاد } على اسمه لما عرفت من أنه ليس بمحذور على ما هو
~~الحق. وذهب أبو حيان إلى ((أن { كاد } زائدة ومعناها مراد ككان ولا عمل
~~لها في اسم ولا خبر ليخلص من القيل والقال، ويؤيده قراءة ابن مسعود { من
~~بعد ما زاغت } بإسقاط كاد، وقد ذهب الكوفيون إلى زيادتها في نحو

# لم يكد

# [النور: 40] مع أنها عاملة معمولة فهذا أولى)).

# وقرأ الأعمش { تزيغ } بضم التاء، وجعلوا الضمير على قراءة ابن مسعود
~~للمتخلفين سواء كانوا من المنافقين أم لا كأبي لبابة.

# { ثم تاب عليهم } تكرير للتأكيد بناء على أن الضمير للنبي
~~صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم، والتأكيد
~~يجوز عطفه بثم كما صرح به النحاة وإن كان كلام أهل المعاني يخالفه
~~ظاهرا، وفيه تنبيه على أن توبته سبحانه في مقابلة ما قاسوه من الشدائد
~~كما دل عليه التعليق بالموصول، ويحتمل أن يكون الضمير للفريق، والمراد
~~أنه تاب عليهم لكيدودتهم وقربهم من الزيغ لأنه جرم محتاج إلى التوبة عليه
~~فلا تكرار لما سبق، وقوله: { إنه بهم رءوف ms03945 رحيم } استئناف
~~تعليلي فإن صفة الرأفة والرحمة من دواعي التوبة والعفو، وجوز كون الأول
~~عبارة عن إزالة الضرر والثاني عن إيصال النفع، وأن يكون أحدهما للسوابق
~~والآخر للواحق.

### || [9.118]

# وعلى الثلثة } عطف على

# النبى

# ،[التوبة:117] وقيل: إن { تاب } مقدر في نظم الكلام لتغاير هذه التوبة
~~السابقة وفيه نظر، أي وتاب على الثلاثة { الذين خلفوا } أي خلف
~~أمرهم وأخر عن أمر أبي لبابة وأصحابه حيث لم يقبل منهم معذرة مثل أولئك
~~ولا ردت ولم يقطع في شأنهم بشيء إلى أن نزل الوحي بهم، فالإسناد إليهم
~~إما ممجاز أو بتقدير مضاف في النظم الجليل، وقد يفسر المتعدي باللازم أي
~~الذين تخلفوا عن الغزو وهم كعب بن مالك من بني سلمة، وهلال بن أمية من
~~بني واقف، ومرارة بن الربيع من بني عمرو بن عوف، ويقال فيه ابن ربيعة،
~~وفي مسلم. وغيره وصفه بالعامري وصوب كثير من المحدثين العمري بدله.

# وقرأ عكرمة. ورزين بن حبيش. وعمرو بن عبيد { خلفوا } بفتح الخاء
~~واللام خفيفة أي خلفوا الغازين بالمدينة أو فسدوا من الخالفة وخلوف الفم،
~~وقرأ علي بن الحسن. ومحمد الباقر. وجعفر الصادق رضي الله تعالى عنهم.
~~وأبو عبد الرحمن السلمي. { *خالفوا } ، وقرأ الأعمش: { وعلى } وظاهر
~~قوله تعالى: { خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الارض } إنه
~~غاية للتخليف بمعنى تأخير الأمر أي أخر أمرهم إلى أن ضاقت عليهم الأرض {
~~بما رحبت } أي برحبها وسعتها لاعراض الناس عنهم وعدم مجالستهم
~~ومحادثتهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بذلك وهو مثل لشدة الحيرة،
~~والمراد أنهم لم يقروا في الدنيا سعتها وهو كما قيل

# كأن بلاد الله وهي فسيحة

# على الخائف المطلوب كفة حابل

# {

# { وضاقت عليهم أنفسهم } أي قلوبهم وعبر عنها بذلك مجازا
~~لأن قيام الذوات بها، ومعنى ضيقها غمها حزنها كأنها لا تسع السرور
~~لضيقها، وفي هذا ترق من ضيق الأرض عليهم إلى ضيقهم في أنفسهم / وهو في
~~غاية البلاغة { وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا
~~إليه } أي علموا أن لا ملجأ من سخطه إلا إلى ms03946 استغفاره والتوبة إليه
~~سبحانه، وحمل الظن على العلم لأنه المناسب لهم { ثم تاب عليهم
~~} أي وفقهم للتوبة { ليتوبوا } أو أنزل قبول توبتهم في القرآن
~~وأعلمهم بها ليعدهم المؤمنون في جملة التائبين أو رجع عليهم بالقبول
~~والرحمة مرة بعد أخرى ليستقيموا على التوبة ويستمروا عليها، وقيل: التوبة
~~ليست هي المقبولة، والمعنى قبل توبتهم من التخلف ليتوبوا في المستقبل إذ
~~صدرت منهم هفوة ولا يقنطوا من كرمه سبحانه { إن الله هو
~~التواب } المبالغ في قبول التوبة لمن تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة
~~{ الرحيم } المتفضل عليهم بفنون الآلاء مع استحقاقهم لأفانين العقاب.

# أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والبيهقي من طريق
~~الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله
~~بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال: «سمعت كعب بن مالك
~~يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة تبوك قال
~~كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة غزاها قط إلا في
~~غزوة تبوك غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها إنما
~~خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله تعالى
~~بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر
~~وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني
~~حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى
~~جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد
~~غزاة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ms03947 ومفاوز، واستقبل عدوا كثيرا
~~فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم وأخبرهم بوجهه الذي يريد
~~والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم كتاب حافظ 
~~يريد الديوان  قال كعب فقال رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له
~~ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل وأنا إليها أصغرهم فتهجز إليها رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع
~~ولا أقضي شيئا فأقول لنفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل ذلك
~~يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا وقلت أتجهز بعد يوم أو يومين
~~ثم ألحقه فغدوت يوم ما فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئا ثم
~~غدوت فرجعت ولم أقض شيئا فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى انتهوا وتفارط
~~الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم وليت أني فعلت ثم لم يقدر ذلك لي وطفقت إذا
~~خرجت في الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أن لا أرى إلا
~~رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذره الله تعالى ولم يذكرني
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم
~~بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ قال رجل / من بني سلمة: حبسه يا رسول الله
~~برداه والنظر في عطفيه فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلت والله يا رسول
~~الله ما علمنا عليه إلا خيرا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما
~~بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضرني شيء
~~فطفقت أتفكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا أستعين على ذلك بكل
~~ذي رأي من أهلي فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما
~~زاح عني الباطل وعرفت أني ms03948 لم أنج منه بشيء أبدا فأجمعت صدقه فأصبح رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع
~~ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاء المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه
~~ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى حتى جئت فلما
~~سلمت عليه عليه الصلاة والسلام تبسم تبسم المغضب ثم قال لي: تعالى فجئت
~~أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: ما خلفك ألم تكن قد اشتريت ظهرك؟ فقلت:
~~يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر
~~لقد أعطيت جدلا ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى عني
~~به ليوشكن الله تعالى بسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه أني
~~لأرجو فيه عقبي من الله تعالى، والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أفرغ
~~ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا
~~فقد صدق فقم حتى يقضي الله تعالى فيك فقمت وبادرني رجال من بني سلمة
~~واتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت
~~أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به
~~المتخلفون ولقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~قال: فوالله ما زالوا يرايبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت: هل
~~لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا ما قلت وقيل لهما مثل
~~ما قيل لك فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية فذكروا لي
~~رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي قال:
~~ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من
~~تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما ms03949 هي
~~بالأرض التي كنت أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا
~~وقعدا في بيوتهما وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم فكنت أشهد الصلاة مع
~~المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم وأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد
~~السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي
~~أقبل إلي فإذا التفت نحوه أعرض حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين
~~مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة  وهو ابن عمي وأحب الناس إلي  فسلمت
~~عليه فوالله ما رد السلام علي فقلت له: أبا قتادة أنشدك الله تعالى هل
~~تعلم أني أحب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فسكت فعدت
~~فنشدته فسكت فعدت فنشدته فقال: الله تعالى ورسوله أعلم ففاضت عيناي
~~وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط
~~الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل علي كعب بن مالك؟ فطفق
~~الناس يشيرون له إلي حتى جاء فدفع إلي كتابا من ملك غسان وكنت كاتبا
~~فإذا فيه: أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله تعالى بدار
~~هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك فقلت حين قرأتها: وهذه أيضا من البلاء
~~فتيممت بها التنور / فسجرته فيها إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا
~~برسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك قلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها
~~ولا تقربها وأرسل إلي صاحبي مثل ذلك فقلت: لامرأتي إلحقي بأهلك لتكوني
~~عندهم حتى يقضي الله تعالى في هذا الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن هلالا شيخ ضائع، وليس
~~له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ فقال: لا ولكن لا يقربنك قالت: وإنه والله ما
~~به حركة إلى شيء والله ما زال ms03950 يبكي من لدن أن كان من أمره ما كان إلى
~~يومه هذا.

# فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك
~~فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم وما أدري ماذا يقول إذا استأذنته وأنا رجل شاب قال: فلبثت
~~عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا ثم صليت صلاة الفجر
~~صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي
~~ذكر الله تعالى عنها قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت
~~صارخا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر فخررت
~~ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة
~~الله تعالى علينا حين صلى الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل
~~صاحبي مبشرون وركض إلي رجل فرسا وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل
~~فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له
~~ثوبي وكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما يؤمئذ فاستعرت ثوبين
~~فلبستهما فانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا
~~بعد فوج يهنؤنني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله تعالى عليك حتى دخلت
~~المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد حوله الناس
~~فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام
~~إلي رجل من المهاجرين غيره قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب:
~~فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من
~~السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قلت: أمن عندك يا رسول الله
~~أم من عند الله؟ قال: لا بل من عند الله تعالى، وكان رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، فلما جلست بين يديه
~~قلت: يا رسول الله إن ms03951 من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلى الله تعالى
~~ورسوله صلى الله عليه وسلم قال: أمسك بعض مالك فهو خير لك قلت: إني أمسك
~~سهمي الذي بخيبر وقلت: يا رسول الله إنما نجاني الله تعالى بالصدق وإن من
~~توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين
~~أبلاه الله تعالى في الصدق بالحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله
~~عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كذبة منذ ذلك إلى
~~يومي هذا وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى فيما بقي قال: وأنزل الله
~~تعالى

# لقد تاب

# [التوبة: 117] الآية والله ما أنعم الله تعالى علي من نعمة قط بعد أن
~~هداني الله سبحانه للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله عليه الصلاة
~~والسلام يومئذ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه فإن الله
~~تعالى قال للذين كذبوه حين نزل الوحي شر ما قال لأحد فقال:

# سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم
~~لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم

# إلى قوله سبحانه:

# الفسقين

# [التوبة:95-96].

# وجاء في رواية عن كعب رضي الله تعالى عنه قال:

# " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبي فلبثت كذلك
~~حتى طال علي الأمر وما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي علي
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم / أو يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلي علي فأنزل
~~الله تعالى توبتنا على نبيه صلى الله عليه وسلم حين بقي الثلث الأخير من
~~الليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة، وكانت محسنة في شأني
~~معينة في أمري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أم سلمة تيب على
~~كعب بن مالك قالت: أفلا أرسل إليه أبشره؟ قال إذا تحطمكم الناس
~~فيمنعونكم النوم سائر الليل حتى إذا صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر آذن
~~بتوبة الله تعالى علينا "

# هذا ms03952 وفي وصفه سبحانه هؤلاء بما وصفهم به دلالة وأية دلالة على قوة
~~إيمانهم وصدق توبتهم، وعن أبي بكر الوراق أنه سئل عن التوبة النصوح
~~فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن
~~مالك وصاحبيه.

### || [9.119]

# { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله } فيما لا يرضاه {
~~وكونوا مع الصدقين } أي مثلهم في صدقهم. وأخرج ابن الأنباري
~~عن ابن عباس أنه كان يقرأ { وكونوا من الصدقين } وكذا روى
~~البيهقي وغيره عن ابن مسعود أنه كان يقرأ كذلك، والخطاب قيل: لمن آمن من
~~أهل الكتاب وروي ذلك عن ابن عباس فيكون المراد بالصادقين الذين صدقوا في
~~إيمانهم ومعاهدتهم الله تعالى ورسوله الله صلى الله عليه وسلم على
~~الطاعة: وجوز أن يكون عاما لهم ولغيرهم فيكون المراد بالصادقين الذين
~~صدقوا في الدين نية وقولا وعملا، وأن يكون خاصا بمن تخلف وربط نفسه
~~بالسواري، فالمناسب أن يراد بالصادقين الثلاثة أي كونوا مثلهم في الصدق
~~وخلوص النية. وأخرج ابن المنذر وابن جرير عن نافع أن الآية نزلت في
~~الثلاثة الذين خلفوا، والمراد بالصادقين محمد صلى الله عليه وسلم
~~وأصحابه، وبذلك فسره ابن عمر كما أخرجه ابن أبي حاتم وغيره، وعن عسيد بن
~~جبير أن المراد كونوا مع أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. وأخرج ابن
~~عساكر وآخرون عن الضحاك أنه قال: أمروا أن يكونوا مع أبي بكر وعمر
~~وأصحابهما. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن عساكر عن أبي جعفر أن
~~المراد كونوا مع علي كرم الله تعالى وجهه.

# وبهذا استدل بعض الشيعة على أحقيته كرم الله تعالى وجهه بالخلافة،
~~وفساده على فرض صحة الرواية ظاهر. وعن السدى أنه فسر ذلك بالثلاثة ولم
~~يتعرض للخطاب، والظاهر عموم الخطاب ويندرج فيه التائبون اندراجا أوليا،
~~وكذا عموم مفعول { اتقوا } ويدخل فيه المعاملة مع رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم في أمر المغازي دخولا أوليا أيضا، وكذا عموم {
~~الصدقين } ويراد بهم ما تقدم على احتمال عموم الخطاب.

# وفي الآية ما لا يخفى من مدح ms03953 الصدق، واستدل بها كما قال الجلال السيوطي
~~من لم يبح الكذب في موضع من المواضع لا تصريحا ولا تعريضا. وأخرج غير
~~واحد عن ابن مسعود أنه قال: لا يصلح الكذب في جد ولا هزل ولا أن يعد
~~أحدكم صبيته شيئا ثم لا ينجزه وتلا الآية، والأحاديث في ذمه أكثر من أن
~~تحصى، والحق أباحته في مواضع. فقد أخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أسماء بنت
~~يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب في خديعة حرب أو إصلاح بين
~~اثنين أو رجل يحدث امرأته ليرضيها "

# ، وكذا إباحة المعاريض فقد أخرج ابن عدي عن عمران بن حصين قال: «قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب».

### || [9.120]

# { ما كان } أي ما صح ولا استقام { لأهل المدينة ومن
~~حولهم من الاعراب } كمزينة وجهينة / وأشجع وغفار وأسلم
~~وأضرابهم { أن يتخلفوا عن رسول الله } عند توجهه عليه
~~الصلاة والسلام إلى الغزو { ولا يرغبوا بأنفسهم عن
~~نفسه } أي لا يصرفوها عن نفسه الكريمة ولا يصونوها عما لم يصنها عنه
~~بل يكابدون ما يكابده من الشدائد، وأصله لا يترفعوا بأنفسهم عن نفسه بأن
~~يكرهوا لأنفسهم المكاره ولا يكرهوها له عليه الصلاة والسلام بل عليهم أن
~~يعكسوا القضية، وإلى هذا يشير كلام الواحدي حيث قال: يقال رغبت بنفسي عن
~~هذا الأمر أي ترفعت عنه. وفي «النهاية» يقال: رغبت بفلان عن هذا الأمر
~~(أي كرهت له ذلك). وجوز في { يرغبوا } النصب بعطفه على {
~~يتخلفوا } المنصوب بأن وإعادة { لا } لتذكير النفي وتأكيده وهو
~~الظاهر والجزم على النهي وهو المراد من الكلام إلا أنه عبر عنه بصيغة
~~النفي للمبالغة، وخص أهل المدينة بالذكر لقربهم منه عليه الصلاة والسلام
~~وعلمهم بخروجه.

# وظاهر الآية وجوب النفير إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
~~الغزو بنفسه. وذكر بعضهم أنه استدل بها على أن الجهاد كان فرض عين في
~~عهده عليه عليه الصلاة والسلام وبه قال ابن بطال ms03954 وعلله بأنهم بايعوه عليه
~~عليه الصلاة والسلام فلا يجب النفير مع أحد من الخلفاء ما لم يلم العدو
~~ولم يمكن دفعه بدونه، وقدر بعضهم في الآية مضافا إلى { رسول } أي أن
~~يتخلفوا عن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خلاف الظاهر؛ وعليه
~~يكون الحكم عاما وفيه بحث.

# وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن زيد أن حكم الآية حين كان الإسلام قليلا
~~فلما كثر وفشا قال الله تعالى:

# وما كان المؤمنون لينفروا كافة

# [التوبة: 122]، وأنت تعلم أن الإسلام كان فاشيا عند نزول هذه السورة،
~~ولا يخفى ما في الآية من التعريض بالمتخلفين رغبة باللذائذ وسكونا إلى
~~الشهوات غير مكترثين بما يكابد عليه الصلاة والسلام، وقد كان تخلف جماعة
~~عنه صلى الله عليه وسلم كما علمت لذلك، وجاء أن أناسا من المسلمين
~~تخلفوا ثم ان منهم من ندم وكره مكانه فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم
~~غير مبال بالشدائد كأبي خيثمة فقد روي

# " أنه رضي الله تعالى عنه بلغ بستانه وكانت له امرأة حسناء فرشت له في
~~الظل وبسطت له الحصير وقربت إليه الرطب والماء البارد فنظر فقال: ظل ظليل
~~ورطب يانع وماء بارد وامرأة حسناء ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح
~~والريح ما هذا بخير مقام فرحل ناقته وأخذ سيفه ورمحه ومر كالريح فمد رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم طرفه إلى الطريق فإذا براكب يزهاه السراب فقال
~~عليه الصلاة والسلام: كن أبا خيثمة فكانه ففرح به رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم واستغفر له "

# { ذلك } إشارة إلى ما دل عليه الكلام من وجوب المشايعة { بأنهم
~~} أي بسبب أنهم { لا يصيبهم ظمأ } أي شيء من العطش. وقرىء بالمد
~~والقصر { ولا نصب } ولا تعب ما { ولا مخمصة } ولا مجاعة ما {
~~في سبيل الله } في جهاد أعدائه أو في طاعته سبحانه مطلقا { ولا
~~يطأون موطئا يغيظ الكفار } أي يغضبهم ويضيق صدورهم
~~والوطء الدوس بالأقدام ونحوها كحوافر الخيل وقد يفسر بالإيقاع والمحاربة
~~ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:

# " آخر ms03955 وطأة وطئها الله تعالى بوج "

# والموطىء اسم مكان على الأشهر الأظهر، وفاعل { يغيظ } ضميره بتقدير
~~مضاف أي يغيظ وطؤه لأن المكان نفسه لا يغيظ، ويحتمل أن يكون ضميرا
~~عائدا إلى / الوطء الذي في ضمنه، وإذا جعل الموطىء مصدرا كالمورد
~~فالأمر ظاهر { ولا ينالون } أي ولا يأخذون { من عدو نيلا
~~} أي شيئا من الأخذ فهو مصدر كالقتل والأسر والفعل نال ينيل. وقيل: نال
~~ينول فأصل نيلا نولا فأبدلت الواو ياء على غير القياس، ويجوز أن يكون
~~بمعنى المأخوذ فهو مفعول به لينالون أي لا ينالون شيئا من الأشياء.

# { إلا كتب لهم به } أي بالمذكور وهو جميع ما تقدم ولذا وحد
~~الضمير، ويجوز أن يكون عائدا على كل واحد من ذلك على البدل. قال النسفي.
~~وحد الضمير لأنه لما تكررت { لا } صار كل واحد منها على البدل مفردا
~~بالذكر مقصودا بالوعد، ولذا قال فقهاؤنا: لو حلف لا يأكل خبزا ولا
~~لحما حنث بواحد منهما ولو حلف لا يأكل لحما وخبزا لم يحنث إلا بالجمع
~~بينهما، والجملة في محل نصب على الحال من { ظمأ } وما عطف عليه أي لا
~~يصيبهم ظمأ ولا كذا إلا مكتوبا لهم به { عمل صالح } أي ثواب ذلك
~~فالكلام بتقدير مضاف، وقد يجعل كناية عن الثواب وأول به لأنه المقصود من
~~كتابة الأعمال، والتنوين للتفخيم، والمراد أنهم يستحقون ذلك استحقاقا
~~لازما بمقتضى وعده تعالى لا بالوجوب عليه سبحانه. واستدل بالآية على أن
~~من قصد خيرا كان سعيه فيه مشكورا من قيام وقعود ومشي وكلام وغير ذلك،
~~وعلى أن المدد يشارك الجيش في الغنيمة بعد انقضاء الحرب لأن وطء ديارهم
~~مما يغيظهم. ولقد أسهم النبي صلى الله عليه وسلم لابني عامر وقد قدما
~~بعض تقضي الحرب، واستدل بها  على ما نقل الجلال السيوطي  أبو حنيفة رضي
~~الله تعالى عنه على جواز الزنا بنساء أهل الحرب في دار الحرب.

# { إن الله لا يضيع أجر المحسنين } على إحسانهم،
~~والجملة في موضع التعليل للكتب، والمراد بالمحسنين إما المبحوث عنهم ووضع
~~المظهر موضع المضمر ms03956 لمدحهم والشهادة لهم بالانتظام في سلك المحسنين وأن
~~أعمالهم من قبيل الإحسان وللإشعار بعلية المأخذ للحكم وإما الجنس وهم
~~دخولا أوليا.

### || [9.121]

# { ولا ينفقون نفقة صغيرة } ولو تمرة أو علاقة سوط { ولا
~~كبيرة } كما أنفق عثمان رضي الله تعالى عنه في جيش العسرة، وذكر
~~الكبيرة بعد الصغيرة وان علم من الثواب على الأولى الثواب على الثانية
~~لأن المقصود التعميم لا خصوص المذكور إذ المعنى ولا ينفقون شيئا ما فلا
~~يتوهم أن الظاهر العكس، وفي «أرشاد العقل السليم» أن الترتيب باعتبار
~~كثرة الوقوع وقلته، وتوسيط { لا } للتنصيص على استبداد كل منهما بالكتب
~~والجزاء لا لتأكيد النفي كما في قوله تعالى شأنه: { ولا يقطعون }
~~أي ولا يتجاوزون في سيرهم لغزو { واديا } وهو في الأصل اسم فاعل من
~~ودى إذا سال فهو بمعنى السيل نفسه ثم شاع في محله وهو المنفرج من الجبال
~~والآكام التي يسيل فيها الماء - ثم صار حقيقة في مطلق الأرض ويجمع على
~~أودية كناد على أندية وناج على أنجية ولا رابع لهذه على ما قيل في كلام
~~العرب { إلا كتب لهم } أي أثبت لهم أو كتب في الصحف أو اللوح
~~ولا يفسر الكتب بالاستحقاق لمكان التعليل بعد، وضمير { كتب } على
~~طرز ما سبق أي المذكور أو كل واحد، وقيل: هو للعمل وليس بذاك وفصل هذا
~~وأخر لأنه أهون مما قبله.

# { ليجزيهم الله } بذلك { أحسن ما كانوا يعملون }
~~أي أحسن جزاء أعمالهم على معنى أن لأعمالهم جزاء حسنا وأحسن وهو سبحانه
~~اختار لهم أحسن جزاء / فانتصاب { أحسن } على المصدرية لإضافته إلى
~~مصدر محذوف. وقال الإمام [الرازي]: ((فيه وجهان: الأول أن الأحسن (صفة
~~عملهم وفيه)الواجب والمندوب والمباح فهو { يجزيهم } على الأولين
~~دون الأخير))، والظاهر أن نصب { أحسن } حينئذ على أنه بدل اشتمال من
~~ضمير (يجزيهم) كما قيل. وأورد عليه أنه ناء عن المقام مع قلة فائدته لأن
~~حاصله أنه تعالى يجزيهم على الواجب والمندوب وأن ما ذكر منه ولا يخفى
~~ركاكته وأنه غير خفي على أحد وكونه كناية عن العفو عما ms03957 فرط منهم في خلاله
~~أن وقع لأن تخصيص الجزاء به يشعر بأنه لا يجازي على غيره خلاف الظاهر، ثم
~~قال: ((الثاني أن الأحسن صفة للجزاء أي ليجزيهم جزاء هو أحسن من أعمالهم
~~[وأجل] وأفضل وهو الثواب)). واعترضه أبو حيان بأنه ((إذا كان الأحسن [من]
~~صفة الجزاء كيف يضاف إلى الأعمال وليس بعضا منها وكيف يفضل عليهم بدون
~~من))، ولا وجه لدفعه بأن أصله مما كانوا الخ فحذف { من } مع بقاء
~~المعنى على حاله كما قيل لأنه لا محصل له. هذا ووصف النفقة بالصغيرة
~~والكبيرة دون القليلة والكثيرة مع أن المراد ذلك قيل حملا للطاعة على
~~المعصية فإنها إنما توصف بالصغيرة والكبيرة في كلامهم دون القليلة
~~والكثيرة فتأمل.

### || [9.122]

# { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } أي ما استقام لهم
~~أن يخرجوا إلى الغزو جميعا. روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أنه تعالى لما شدد على المتخلفين قالوا: لا يتخلف منا أحد عن جيش
~~أو سرية أبدا ففعلوا ذلك وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فنزل {
~~وما كان } الخ والمراد نهيهم عن النفير جميعا لما فيه من الإخلال
~~بالتعلم { فلولا نفر } لولا هنا تحضيضية، وهي مع الماضي تفيد
~~التوبيخ على ترك الفعل ومع المضارع تفيد طلبه والأمر به لكن اللوم على
~~الترك فيما يمكن تلافيه قد يفيد الأمر به في المستقبل أي فهلا نفر { من
~~كل فرقة } أي جماعة كثيرة { منهم } كأهل بلدة أو قبيلة عظيمة {
~~طائفة } أي جماعة قليلة، وحمل الفرقة والطائفة على ذلك مأخوذ من
~~السياق و { من } التبعيضية لأن البعض في الغالب أقل من الباقي وإلا
~~فالجوهري لم يفرق بينهما، وذكر بعضهم أن الطائفة قد تقع على الواحد،
~~وآخرون أنها لا تقع وأن أقلها اثنان، وقيل: ثلاثة { ليتفقهوا فى
~~الدين } أي ليتكلفوا الفقاهة فيه فصيغة التفعل للتكلف، وليس المراد به
~~معناه المتبادر بل مقاساة الشدة في طلب ذلك لصعوبته فهو لا يحصل بدون جد
~~وجهد { ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم
~~لعلهم يحذرون } أي عما ينذرون ms03958 منه وضمير { يتفقهوا } و
~~{ ينذروا } عائد إلى الفرقة الباقية المفهومة من الكلام، وقيل: لا بد
~~من إضمار وتقدير، أي فلولا نفر من كل فرقة طائفة وأقام طائفة ليتفقهوا
~~الخ. وكان الظاهر أن يقال: ليعلموا بدل { لينذروا } ويفقهون بدل {
~~يحذرون } لكنه اختير ما في النظم الجليل للإشارة إلى أنه ينبغي أن
~~يكون غرض المعلم الإرشاد والإنذار وغرض المتعلم اكتساب الخشية لا التبسط
~~والاستكبار.

# قال حجة الإسلام الغزالي عليه الرحمة: ((كان اسم الفقه في العصر الأول
~~اسما لعلم الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال وقوة
~~الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة واستيلاء الخوف على
~~القلب وتدل عليه هذه الآية فما به الإنذار والتخويف هو الفقه دون تعريفات
~~الطلاق واللعان والسلم والإجارات، وسأل فرقد السبخي الحسن عن شيء فأجابه
~~فقال: إن الفقهاء يخالفونك فقال الحسن: ثكلتك أمك هل رأيت / فقيها
~~بعينك؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بدينه
~~المداوم على عبادة ربه الورع الكاف عن أعراض المسلمين العفيف عن أموالهم
~~الناصح لجماعتهم، ولم يقل في جميع ذلك الحافظ لفروع الفتاوى)) اه وهو من
~~الحسن بمكان، لكن الشائع إطلاق الفقيه على من يحفظ الفروع مطلقا سواء
~~كانت بدلائلها أم لا كما في «التحرير». وفي «البحر» عن «المنتقى» ما
~~يوافقه، واعتبر في «القنية» الحفظ مع الأدلة فلا يدخل في الوصية للفقهاء
~~من حفظ بلا دليل.

# وعن أبي جعفر أنه قال: الفقيه عندنا من بلغ في الفقه الغاية القصوى،
~~وليس المتفقه بفقيه وليس له من الوصية نصيب، والظاهر أن المعتبر في
~~الوصية ونحوها العرف وهو الذي يقتضيه كلام كثير من أصحابنا.

# وذكر غير واحد أن تخصيص الإنذار بالذكر لأنه الأهم وإلا فالمقصود
~~الإرشاد الشامل لتعليم السنن والآداب والواجبات والمباحات والإنذار أخص
~~منه، ودعوى أنهما متلازمان وذكر أحدهما مغن عن الآخر غفلة أو تغافل، وذهب
~~كثير من الناس إلى أن المراد من النفر النفر والخروج لطلب العلم فالآية
~~ليست متعلقة بما قبلها من أمر الجهاد بل لما بين سبحانه وجوب الهجرة ms03959
~~والجهاد وكل منهما سفر لعبادة فبعدما فضل الجهاد ذكر السفر الآخر وهو
~~الهجرة لطلب العلم فضمير { يتفقهوا } و { ينذروا } للطائفة
~~المذكورة وهي النافرة وهو الذي يقتضيه كلام مجاهد. فقد أخرج عنه ابن جرير
~~وابن المنذر وغيرهما أنه قال: إن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس معروفا ومن الخصب ما ينتفعون به
~~ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى فقال لهم الناس: ما نراكم إلا قد
~~تركتم أصحابكم وجئتمونا فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرجا وأقبلوا من
~~البادية كلهم حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية {
~~وما كان المؤمنون } الخ أي لولا خرج بعض وقعد بعض يبتغون الخير
~~ليتفقهوا في الدين وليسمعوا ما أنزل ولينذروا الناس إذا رجعوا إليهم.

# واستدل بذلك على أن التفقه في الدين من فروض الكفاية. وما في «كشف
~~الحجاب» عن أبي سعيد «طلب العلم فريضة على كل مسلم» على تضعيف الصغاني
~~له ليس المراد من العلم فيه إلا ما يتوقف عليه أداء الفرائض ولا شك في أن
~~تعلمه فرض على كل مسلم. وذكر بعضهم أن في الآية دلالة على أن خبر الآحاد
~~حجة لأن عموم كل فرقة يقتضي أن ينفر من كل ثلاثة تفردوا بقرية طائفة إلى
~~التفقه لتنذر قومها كي يتذكروا ويحذروا فلو لم يعتبر الإخبار ما لم
~~تتواتر لم يفد ذلك، وقرر بعضهم وجه الدلالة بأمرين. الأول أنه تعالى أمر
~~الطائفة بالإنذار وهو يقتضي فعل المأمور به وإلا لم يكن إنذارا. والثاني
~~أمره سبحانه القوم بالحذر عند الإنذار لأن معنى قوله تعالى: {
~~لعلهم يحذرون } ليحذروا وذلك أيضا يتضمن لزوم العمل بخبر
~~الواحد، وهذه الدلالة قائمة على أي تفسير شئت من التفسيرين، ولا يتوقف
~~الاستدلال بالآية على ما ذكر على صدق الطائفة على الواحد الذي هو مبدأ
~~الإعداد بل يكفي فيه صدقها على ما لم يبلغ حد التواتر وإن كان ثلاثة
~~فأكثر، وكذا لا يتوقف على أن لا يكون الترجي من المنذرين بل ms03960 يكون من الله
~~سبحانه ويراد منه الطلب مجازا كما لا يخفى.

### || [9.123]

# { يأيها الذين ءامنوا قاتلوا الذين يلونكم
~~من الكفار } أي الذين يقربون منكم قربا مكانيا وخص الأمر به مع
~~قوله سبحانه في أول السورة:

# فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم

# [التوبة: 5] ونحوه قيل: لأنه من المعلوم أنه لا يمكن / قتال جميع الكفار
~~وغزو جميع البلاد في زمان واحد فكان من قرب أولى ممن بعد، ولأن ترك
~~الأقرب والاشتغال بقتال الأبعد لا يؤمن معه من الهجوم على الذراري
~~والضعفاء، وأيضا الأبعد لا حد له بخلاف الأقرب فلا يؤمر به، وقد لا يمكن
~~قتال الأبعد قبل قتال الأقرب، وقال بعضهم: المراد قاتلوا الأقرب فالأقرب
~~حتى تصلوا إلى الأبعد فالأبعد وبذلك يحصل الغرض من قتال المشركين كافة،
~~فهذا إرشاد إلى طريق تحصيله على الوجه الأصلح. ومن هنا قاتل صلى الله
~~عليه وسلم أولا قومه ثم انتقل إلى قتال سائر العرب ثم إلى قتال قريظة
~~والنضير وخيبر وأضرابهم ثم إلى قتال الروم فبدأ عليه الصلاة والسلام
~~بقتال الأقرب فالأقرب وجرى أصحابه على سننه صلى الله عليه وسلم إلى أن
~~وصلت سراياهم وجيوشهم إلى ما شاء الله تعالى وعلى هذا فلا نسخ، وروي عن
~~الحسن أن الآية منسوخة بما تقدم والمحققون على أنه لا وجه له، وزعم
~~الخازن تبعا لغيره أن المراد من الولي ما يعم القرب المكاني والنسبي
~~وهو خلاف الظاهر، وقيل: إنه خاص بالنسبي لأنها نزلت لما تحرج الناس من
~~قتل أقربائهم، ولا يخفى ضعفه.

# { وليجدوا فيكم غلظة } أي شدة كما قال ابن عباس وهي مثلثة
~~الغين، وقرىء بذلك لكن السبعة على الكسر، والمراد من الشدة ما يشمل
~~الجراءة والصبر على القتال والعنف في القتل والأسر ونحو ذلك، ومن هنا
~~قالوا: إنها كلمة جامعة والأمر على حد  لا أرينك ههنا  فليس المقصود
~~أمر الكفار بأن يجدوا في المؤمنين ذلك بل أمر المؤمنين بالاتصاف بما ذكر
~~حتى يجدهم الكفار متصفين به { واعلموا أن الله مع
~~المتقين } بالعصمة والنصرة، والمراد بهم إما المخاطبون والإظهار
~~للتنصيص على ms03961 أن الإيمان والقتال على الوجه المذكور من باب التقوى
~~والشهادة بكونهم من زمرة المتقين، وإما الجنس وهم داخلون فيه دخولا
~~أوليا، وأيا ما كان فالكلام تعليل وتأكيد لما قبله.

### || [9.124]

# { وإذا ما أنزلت سورة } من سور القرآن { فمنهم } أي من
~~المنافقين كما روي عن قتادة وغيره { من يقول } على سبيل الإنكار
~~والاستهزاء لإخوانه ليثبتهم على النفاق أو لضعفة المؤمنين ليصدهم عن
~~الإيمان { أيكم زادته هذه } السورة { إيمنا } وقرأ
~~عبيد بن عمير { أيكم } بالنصب على تقدير فعل يفسره المذكور ويقدر
~~مؤخرا لأن الاستفهام له الصدر أي أيكم زادت زادته الخ. واعتبار الزيادة
~~على أول الاحتمالين في المخاطبين باعتبار اعتقاد المؤمنين.

# { فأما الذين آمنوا } جواب من جهته تعالى شأنه وتحقيق للحق
~~وتعيين لحالهم عاجلا وآجلا. وقال بعض المدققين: إن الآية دلت على أنهم
~~مستهزئون وأن استهزاءهم منكر فجاء قوله تعالى:

# وأما الذين فى قلوبهم مرض

# [التوبة:125] الخ تفصيلا لهذين القسمين، وجعل ذلك الطيبي تفصيلا
~~لمحذوف وبينه بما لا يميل القلب إليه، وأيا ما كان فجواب { إذا } جملة
~~{ فمنهم } الخ، وليس هذا وما بعده عطفا عليه؛ أي فأما الذين آمنوا
~~بالله سبحانه وبما جاء من عنده { فزادتهم إيمنا } أي تصديقا
~~لأن ذلك هو المتبادر من الإيمان كما قرر في محله. وقبول التصديق نفسه
~~الزيادة والنقص والشدة والضعف مما قال به جمع من المحققين وبه أقول
~~لظواهر الآيات والأخبار ولو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا، ومن لم يقبل
~~قبوله للزيادة ولم يدخل الأعمال في الإيمان قال: إن زيادته بزيادة متعلقه
~~والمؤمن به، وإليه يشير كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قيل: ويلزمه
~~أن لا يزيد اليوم لإكمال الدين وعدم تجدد متعلق وفيه نظر وإن قاله من
~~تعقد عليه الخناصر وتعتقد بكلامه الضمائر، ومن لم يقبل وأدخل الأعمال
~~فالزيادة وكذا مقابلها ظاهرة عنده { وهم يستبشرون } / بنزولها
~~لأنه سبب لزيادة كمالهم ورفع درجاتهم بل هو لعمري أجدى من تفاريق العصا.

### || [9.125]

# { وأما الذين فى قلوبهم مرض } أي نفاق { فزادتهم
~~رجسا إلى رجسهم } أي نفاقا ms03962 مضموما إلى نفاقهم فالزيادة
~~متضمنة معنى الضم ولذا عديت بإلى، وقيل: إلى بمعنى مع ولا حاجة إليه {
~~وماتوا وهم كفرون } واستحكم ذلك فيهم إلى أن يموتوا عليه.

### || [9.126]

# { أولا يرون } يعني المنافقين، والهمزة للإنكار والتوبيخ،
~~والكلام في العطف شهير. وقرأ حمزة ويعقوب وأبي بن كعب بالتاء الفوقانية
~~على أن الخطاب للمؤمنين والهمزة للتعجيب أي أولا يعلمون وقيل أولا يبصرون
~~{ أنهم } أي المنافقين { يفتنون فى كل عام } من الأعوام {
~~مرة أو مرتين } بأفانين البليات من المرض والشدة مما يذكر
~~الذنوب والوقوف بين يدي علام الغيوب فيؤدي إلى الإيمان به تعالى والكف
~~عما هم عليه، وفي الخبر «إذا مرض العبد ثم عوفي ولم يزدد خيرا قالت
~~الملائكة: هو الذي داويناه فلم ينفعه الدواء» فالفتنة هنا بمعنى البلية
~~والعذاب، وقيل: هي بمعنى الاختبار، والمعنى أولا يرون أنهم يختبرون
~~بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعاينون ما ينزل عليه من
~~الآيات لا سيما الآيات الناعية عليهم قبائحهم { ثم لا يتوبون }
~~عما هم فيه { ولا هم يذكرون } ولا يعتبرون. والجملة على قراءة
~~الجمهور عطف على { يرون } داخل تحت الإنكار والتوبيخ، وعلى القراءة
~~الأخرى عطف على { يفتنون } والمراد من المرة والمرتين على ما صرح به
~~بعضهم مجرد التكثير لا بيان الوقوع على حسب العدد المزبور. وقرأ عبد الله
~~{ أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين وما يتذكرون }.

### || [9.127]

# { وإذا ما أنزلت سورة } بيان لأحوالهم عند نزولها وهم في
~~محفل تبليغ الوحي كما أن الأول بيان لمقالاتهم وهم غائبون عنه { نظر
~~بعضهم إلى بعض } ليتواطؤا على الهرب كراهة سماعها قائلين
~~إشارة: { هل يراكم من أحد } أي هل يراكم أحد من المسلمين إذا
~~قمتم من المجلس أو تغامزوا بالعيون إنكارا وسخرية بها قائلين هل يراكم
~~أحد لننصرف مظهرين أنهم لا يصطبرون على استماعها ويغلب عليهم الضحك
~~فيفتضحون، والسورة على هذا مطلقة، وقيل: إن نظر بعضهم إلى بعض وتغامزهم
~~كان غيظا لما في السورة من مخازيهم وبيان قبائحهم، فالمراد بالسورة سورة
~~مشتملة على ذلك، ms03963 والإطلاق هو الظاهر، وأيا ما كان فلا بد من تقدير القول
~~قبل الاستفهام ليرتبط الكلام، فإن قدر اسما كان نصبا على الحال كما
~~أشرنا إليه، وإن قدر فعلا كانت الجملة في موضع الحال أيضا، ويجوز جعلها
~~مستأنفة، وإيراد ضمير الخطاب لبعث المخاطبين على الحزم فإن المرء بشأنه
~~أكثر اهتماما منه في شأن أصحابه كما في قوله تعالى:

# وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا

# [الكهف: 19].

# { ثم انصرفوا } عطف على { نظر بعضهم } والتراخي باعتبار
~~وجود الفرصة والوقوف على عدم رؤية أحد من المؤمنين، أي ثم انصرفوا جميعا
~~عن محفل الوحي لعدم تحملهم سماع ذلك لشدة كراهتهم أو مخافة الفضيحة بغلبة
~~الضحك أو الاطلاع على تغامزهم أو انصرفوا عن المجلس بسبب الغيظ، وقيل:
~~المراد انصرافهم عن الهداية والأول أظهر. { صرف الله قلوبهم }
~~عن الإيمان حسب انصرافهم عن ذلك المجلس، والجملة تحتمل الإخبار والدعاء،
~~واختار الثاني أبو مسلم وغيره من المعتزلة، ودعاؤه تعالى على عباده وعيد
~~لهم وإعلام بلحوق العذاب بهم؛ وقوله سبحانه: / { بأنهم } قيل متعلق
~~بصرف على الاحتمال الأول وبانصرفوا على الثاني، والباء للسببية أي بسبب
~~أنهم { قوم لا يفقهون } لسوء فهمهم أو لعدم تدبرهم فهم إما
~~حمقى أو غافلون.

### || [9.128]

# { لقد جاءكم } الخطاب للعرب { رسول } أي رسول عظيم القدر {
~~من أنفسكم } أي من جنسكم ومن نسبكم عربي مثلكم، أخرج عبد بن حميد
~~وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ليس من العرب قبيلة إلا
~~وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم مضريها وربيعتها ويمانيها، وقيل:
~~الخطاب للبشر على الإطلاق ومعنى كونه عليه الصلاة والسلام من أنفسهم أنه
~~من جنس البشر، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن محيصن والزهري {
~~أنفسكم } أفعل تفضيل من النفاسة، والمراد الشرف فهو صلى الله عليه
~~وسلم من أشرف العرب، أخرج الترمذي وصححه والنسائي عن المطلب بن ربيعة
~~قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغه بعض ما يقول الناس فصعد
~~المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: «من أنا»؟ قالوا: أنت رسول ms03964 الله
~~قال:

# " أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب إن الله تعالى خلق الخلق فجعلني
~~في خير خلقه، وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة، وجعلهم قبائل فجعلني في
~~خيرهم قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا فأنا خيركم بيتا
~~وخيركم نفسا "

# وأخرج البخاري والبيهقي في «الدلائل» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم قال:

# " بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذي كنت فيه
~~"

# وأخرج مسلم وغيره عن واثلة بن الأسقع قال: «قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم إن الله تعالى اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل
~~بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم،
~~واصطفاني من بني هاشم». وروى البيهقي عن أنس «أن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم قال:

# " ما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله تعالى في خيرهما فأخرجت من بني
~~أبوي فلم يصبني شيء من عهر الجاهلية وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من
~~لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي فأنا خيركم نفسا وخيركم أبا "

# { عزيز عليه } أي شديد شاق من عز عليه بمعنى صعب وشق { ما
~~عنتم } أي عنتكم، وهو بالتحريك ما يكره، أي شديد عليه ما يلحقكم من
~~المكروه كسوء العاقبة والوقوع في العذاب، ورفع { عزيز } على أنه صفة
~~سببية لرسول وبه يتعلق { عليه } ، وفاعله المصدر وهو الذي يقتضيه
~~ظاهر النظم الجليل، وقيل: إن { عزيز عليه } خبر مقدم و { ما
~~عنتم } مبتدأ مؤخر والجملة في موضع الصفة، وقيل: إن (عزيز) نعت
~~حقيقي لرسول وعنده تم الكلام و (عليه ما عنتم) ابتداء كلام أي يهمه ويشق
~~عليكم عنتكم { حريص عليكم } أي على إيمانكم وصلاح شأنكم لأن
~~الحرص لا يتعلق بذواتهم { بالمؤمنين } منكم ومن غيركم { رءوف
~~رحيم } قيل: قدم الأبلغ منهما وهو الرأفة التي هي عبارة عن شدة
~~الرحمة رعاية للفواصل وهو أمر مرعي في القرآن، وهو مبني على ما فسر به
~~الرأفة، وصحح أن الرأفة الشفقة، ms03965 والرحمة الإحسان، وقد يقال: تقديم الرأفة
~~باعتبار أن آثارها دفع المضار وتأخير الرحمة باعتبار أن آثارها جلب
~~المنافع والأول أهم من الثاني ولهذا قدمت في قوله سبحانه:

# رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها

# [الحديد: 27] ولا يجري هنا أمر الرعاية كما لا يخفى، وكأن الرأفة على
~~هذا مأخوذة من رفو الثوب لإصلاح شقه، فيكون في وصفه صلى الله عليه وسلم
~~بما ذكر وصف له بدفع الضرر عنهم وجلب المصلحة لهم، ولم يجمع هذان الإسمان
~~لغيره عليه الصلاة والسلام، وزعم بعضهم أن المراد رؤوف بالمطيعين منهم
~~رحيم بالمذنبين، وقيل: رؤوف / بأقربائه رحيم بأوليائه، وقيل: رؤوف بمن
~~يراه رحيم بمن لم يره ولا مستند لشيء من ذلك.

### || [9.129]

# { فإن تولوا } تلوين للخطاب وتوجيه له إليه صلى الله عليه وسلم
~~تسلية له، أي فإن أعرضوا عن الإيمان بك { فقل حسبي الله } فإنه
~~يكفيك معرتهم ويعينك عليهم { لا إله إلا هو } استئناف
~~كالدليل لما قبله لأن المتوحد بالألوهية هو الكافي المعين { عليه
~~توكلت } فلا أرجو ولا أخاف إلا منه سبحانه { وهو رب
~~العرش } أي الجسم المحيط بسائر الأجسام ويسمى بفلك الأفلاك وهو محدد
~~الجهات { العظيم } الذي لا يعلم مقدار عظمته إلا الله تعالى. وفي
~~الخبر «أن الأرض بالنسبة إلى السماء الدنيا كحلقة في فلاة وكذا السماء
~~الدنيا بالنسبة إلى السماء التي فوقها وهكذا إلى السماء السابعة وهي
~~بالنسبة إلى الكرسي كحلقة في فلاة وهو بالنسبة إلى العرش كذلك» وعن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لا يقدر قدره أحد، وذكر أهل الأرصاد أن
~~بعد مقعر الفلك الأعظم من مركز العالم ثلاثة وثلاثون ألف ألف وخمسمائة
~~وأربعة وعشرون ألفا وستمائة وتسع فراسخ، وأن بعد محدبه منه قد بلغ مرتبة
~~لا يعلمها إلا الله الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء
~~وهو بكل شيء عليم، وقد يفسر العرش هنا بالملك وهو أحد معانيه كما في
~~«القاموس»، وقرىء { العظيم } بالرفع على أنه صفة الرب.

# وختم سبحانه هذه السورة بما ذكر لأنه تعالى ذكر فيها التكاليف ms03966 الشاقة
~~والزواجر الصعبة فأراد جل شأنه أن يسهل عليهم ذلك ويشجع النبي صلى الله
~~عليه وسلم على تبليغه، وقد تضمن من أوصافه صلى الله عليه وسلم الكريمة ما
~~تضمن، وقد بدأ سبحانه من ذلك بكونه من أنفسهم لأنه كالأم في هذا الباب،
~~ولا ينافي وصفه صلى الله عليه وسلم بالرأفة والرحمة بالمؤمنين تكليفه
~~إياهم في هذه السورة بأنواع من التكاليف الشاقة لأن هذا التكليف أيضا من
~~كمال ذلك الوصف من حيث أنه سبب للتخلص من العقاب المؤبد والفوز بالثواب
~~المخلد، ومن هذا القبيل معاملته صلى الله عليه وسلم للثلاثة الذين خلفوا
~~كما علمت، وما أحسن ما قيل

# فقسا ليزدجروا ومن يك حازما

# فليقس أحيانا على من يرحم

# وهاتان الآيتان على ما روي عن أبي بن كعب آخر ما نزل من القرآن. لكن
~~روى الشيخان عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أنه قال: آخر آية نزلت

# يستفتونك قل الله يفتيكم في الكللة

# [النساء: 176] وآخر سورة نزلت براءة. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~آخر آية نزلت

# واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله

# [البقرة: 281] وكان بين نزولها وموته صلى الله عليه وسلم ثمانون يوما،
~~وقيل: تسع ليال، وحاول بعضهم التوفيق بين الروايات في هذا الشأن بما لا
~~يخلو عن كدر.

# ويبعد ما روي عن أبي ما أخرجه ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: لما
~~قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جاءته جهينة فقالوا له: إنك قد
~~نزلت بين أظهرنا فأوثق لنا نأمنك وتأمنا قال: ولم سألتم هذا؟ قالوا: نطلب
~~الأمن فأنزل الله تعالى هذه الآية

# لقد جآءكم

# [التوبة: 128] الخ والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.

# وقد ذكروا لقوله سبحانه: { فإن تولوا } الآية ما ذكروا من
~~الخواص، وقد أخرج أبو داود عن أبي الدرداء موقوفا وابن السني عنه قال:
~~«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال حين يصبح وحين يمسي (حسبي
~~الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) سبع مرات كفاه ms03967 الله
~~تعالى ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة، وأخرج ابن النجار في «تاريخه» عن
~~الحسين رضي الله تعالى عنه قال: «من قال حين يصبح سبع مرات (حسبي الله
~~لا إله إلا هو) الخ لم / يصبه في ذلك اليوم ولا تلك الليلة كرب ولا نكب
~~ولا غرق»، وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب قال: خرجت سرية إلى أرض الروم
~~فسقط رجل منهم فانكسرت فخذه فلم يستطيعوا أن يحملوه فربطوا فرسه عنده
~~ووضعوا عنده شيئا من ماء وزاد فلما ولوا أتاه آت فقال له: مالك ههنا؟
~~قال: انكسرت فخذي فتركني أصحابي فقال: ضع يدك حيث تجد الألم وقل: {
~~فإن تولوا } الآية فوضع يده فقرأها فصح وركب فرسه وأدرك أصحابه،
~~وهذه الآية ورد هذا الفقير ولله الحمد منذ سنين نسأل الله تعالى أن يوفق
~~لنا الخير ببركتها إنه خير الموفقين.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات:

# إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم
~~وأمولهم بأن لهم الجنة

# [التوبة: 111] لما هداهم سبحانه إلى الإيمان العلمي وهم مفتونون بمحبة
~~الأنفس والأموال استنزلهم لغاية عنايته سبحانه بهم عن ذلك بالمعاملة
~~الرابحة بأن أعطاهم بدل ذلك الجنة، ولعل المراد بها جنة النفس ليكون
~~الثمن من جنس المثمن الذي هو مألوفهم ولكن الفرق بين الأمرين، قال ابن
~~عطاء: نفسك موضع كل شهوة وبلية ومالك محل كل إثم ومعصية فاشترى مولاك ذلك
~~منك ليزيل ما يضرك ويعوضك عليه ما ينفعك ولهذا اشترى سبحانه النفس ولم
~~يشتر القلب، وقد ذكر بعض الأكابر في ذلك أيضا أن النفس محل العيب
~~والكريم يرغب في شراء ما يزهد فيه غيره فشراء الله تعالى ذلك مع اطلاعه
~~سبحانه على العيب بالجنة التي لا عيب فيها نهاية الكرم ويرشد إلى ذلك قول
~~القائل:

# ولي كبد مقروحة من يبيعني

# بها كبدا ليست بذات قروح

# أباها جميع الناس لا يشترونها

# ومن يشتري ذا علة بصحيح

# وعن الجنيد قدس سره قال: إنه سبحانه اشترى منك ما هو صفتك وتحت تصرفك
~~والقلب تحت صفته وتصرفه لم تقع المبايعة عليه، ms03968 ويشير إلى ذلك قوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن "

# ، وذكر بعض أرباب التأويل أنه تعالى لما اشترى الأنفس منهم فذاقوا
~~بالتجرد عنها حلاوة اليقين ولذة الترك ورجعوا عن مقام لذة النفس وتابوا
~~عن هواها ولم يبق عندهم لجنة النفس التي كانت ثمنا قدر وصفهم بالتائبين
~~فقال سبحانه: { التئبون } أي الراجعون عن طلب ملاذ النفس وتوقع
~~الأجر إليه تعالى وبلفظ آخر هم قوم رجعوا من غير الله إلى الله واستقاموا
~~بالله تعالى مع الله تعالى. { العبدون } أي الخاضعون المتذللون
~~لعظمته وكبريائه تعالى تعظيما وإجلالا له جل شأنه لا رغبة في ثواب ولا
~~رهبة من عقاب وهذه أقصى درجات العبادة ويسميها بعضهم عبودة {
~~الحمدون } بإظهار الكمالات العملية والعلمية حمدا فعليا حاليا
~~وأقصى مراتب الحمد إظهار العجز عنه. يروى أن داود عليه السلام قال: يا رب
~~كيف أحمدك والحمد من آلائك فأوحى الله تعالى إليه الآن حمدتني يا داود.
~~وما أعلى كلمة نبينا صلى الله عليه وسلم

# " اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك "

# { السائحون } إليه تعالى بالهجرة عن مقام الفطرة ورؤية الكمالات
~~الثابتة لهم في مفاوز الصفات ومنازل السبحات، وقال بعض العارفين:
~~السائحون هم السيارون بقلوبهم في الملكوت الطائرون بأجنحة المحبة في هواء
~~الجبروت، وقد يقال: هم الذين صاموا عن المألوفات حين عاينوا هلال جماله
~~تعالى في هذه النشأة ولا يفطرون حتى يعاينوه مرة أخرى في النشأة الأخرى،
~~وقد امتثلوا ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله:

# " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته "

# { الركعون } في مقام محو الصفات { السجدون } بفناء الذات، وقال
~~بعض العارفين: الراكعون هم العاشقون المنحنون من ثقل أوقار المعرفة على
~~باب العظمة ورؤية الهيبة، والساجدون هم الطالبون / لقربه سبحانه. فقد جاء
~~في الخبر «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» وقد يقال: الراكعون
~~الساجدون هم المشاهدون للحبيب السامعون منه، وما أحسن ما قيل:

# لو يسمعون كما سمعت كلامها

# خروا لعزة ركعا وسجودا

# { الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر } أي
~~الداعون ms03969 الخلق إلى الحق والدافعون لهم عما سواه، فإن المعروف على الإطلاق
~~هو الحق سبحانه والكل بالنسبة إليه عز شأنه منكر { والحفظون
~~لحدود الله } أي المراعون أوامره ونواهيه سبحانه في جوارحهم
~~وأسرارهم وأرواحهم أو الذين حفظوا حدود الله المعلومة فأقاموها على
~~أنفسهم وعلى غيرهم، وقيل: هم القائمون في مقام العبودية بعد كشف صفات
~~الربوبية لهم فلا يتجاوزون ذلك وإن حصل لهم ما حصل فهم في مقام التمكين
~~والصحو لا يقولون ما يقوله سكارى المحبة ولا يهيمون في أودية الشطحات.

# وفي الآية نعي على أناس ادعوا الانتظام في سلك حزب الله تعالى وزمرة
~~أوليائه وهم قد ضيعوا الحدود وخرقوا سفينة الشريعة وتكلموا بالكلمات
~~الباطلة عند المسلمين على اختلاف فرقهم حتى عند السادة الصوفية فإنهم
~~أوجبوا حفظ المراتب، وقالوا: إن تضييعها زندقة

# وقد خالطتهم فرأيت منهم

# خبائث بالمهيمن نستجير

# ولعمري إن المؤمن من ينكر على أمثالهم فإياك أن تغتر بهم

# وبشر المؤمنين

# [التوبة: 112] بالإيمان الحقي المقيمين في مقام الاستقامة واتباع
~~الشريعة

# ما كان للنبي والذين ءامنوا أن يستغفروا
~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما
~~تبين لهم أنهم أصحب الجحيم

# [التوبة: 113] أي ما صح منهم ذلك ولا استقام فإن الوقوف عند القدر من
~~شأن الكاملين. ومن هنا قيل: لا تؤثر همة العارف بعد كمال عرفانه أي إذا
~~تيقن وقوع كل شيء بقدره تعالى الموافق للحكمة البالغة وأن ما شاء الله
~~كان وما لم يشأ لم يكن ولم يتهم الله سبحانه في شيء من الفعل والترك سكن
~~تحت كهف الأقدار وسلم لمدعي الإرادة وأنصت لمنادي الحكمة وترك مراده
~~لمراد الحبيب بل لا يريد إلا ما يريده، وهو الذي يقتضيه مقام العبودية
~~المحضة الذي هو أعلى المقامات ودون ذلك مقام الإدلال، ولقد كان حضرة
~~مولانا القطب الرباني الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره في هذا المقام
~~وله كلمات تشعر بذلك لكن لم يتوف قدس سره حتى انتقل منه إلى مقام
~~العبودية المحضة كما نقل مولانا عبد الوهاب الشعراني في «الدرر
~~واليواقيت»، وقد ذكر أن ms03970 هذا المقام كان مقام تلميذه حضرة مولانا أبي
~~السعود الشبلي قدس سره { وما كان الله ليضل قوما } أي
~~ليصفهم بالضلال عن طريق التسليم والانقياد لأمره والرضا بحكمه { بعد
~~إذ هداهم } إلى التوحيد العلمي ورؤية وقوع كل شيء بقضائه وقدره {
~~حتى يبين لهم ما يتقون } أي ما يجب عليهم اتقاؤه في كل
~~مقام من مقامات سلوكهم وكل مرتبة من مراتب وصولهم فإذا بين لهم ذلك فإن
~~أقدموا في بعض المقامات على ما تبين لهم وجوب اتقائه أضلهم لارتكابهم ما
~~هو ضلال في دينهم وإلا فلا

# أن الله بكل شيء عليم

# [التوبة:115] فيعلم دقائق ذنوبهم وإن لم يتفطن لها أحد.

# لقد تاب الله على النبي والمهجرين والانصر
~~الذين اتبعوه في ساعة العسرة

# [التوبة: 117] لا يخفى أن توبة الله سبحانه على كل من النبي عليه
~~الصلاة والسلام ومن معه بحسب مقامه، وذكر بعضهم أن التوبة إذا نسبت إلى
~~العبد كانت بمعنى الرجوع من الزلات إلى الطاعات وإذا نسبت إلى الله
~~سبحانه كانت بمعنى رجوعه إلى العباد بنعت الوصال وفتح الباب ورفع الحجاب
~~{ وعلى الثلثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت
~~عليهم الارض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم }
~~وذلك لاستشعار سخط المحبوب { وظنوا أن لا ملجأ من الله
~~إلا إليه } أي تحققوا ذلك فانقطعوا إليه سبحانه / ورفعوا الوسائط

# ثم تاب عليهم

# [التوبة:118] حيث رأى سبحانه انقطاعهم إليه وتضرعهم بين يديه، وقد جرت
~~عادته تعالى مع أهل محبته إذا صدر منهم ما ينافي مقامهم بأدبهم بنوع من
~~الحجاب حتى إذا ذاقوا طعم الجناية واحتجبوا عن المشاهدة وعراهم ما عراهم
~~مما أنساهم دنياهم وأخراهم أمطر عليهم وابل سحاب الكرم وأشرق على آفاق
~~أسرارهم أنوار القدم فيؤنسهم بعد يأسهم ويمن عليهم بعد قنوطهم

# وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا

# [الشورى:28 ]، وما أحلى قوله:

# هجروا والهوى وصال وهجر

# هكذا سنت الغرام الملاح

# { أيها الذين ءامنوا اتقوا الله } في جميع الرذائل
~~بالاجتناب عنها

# وكونوا مع الصدقين

# [التوبة: 119] نية وقولا وفعلا أي اتصفوا بما اتصفوا به من الصدق،
~~وقيل: ms03971 خالطوهم لتكونوا مثلهم فكل قرين بالمقارن يقتدي. وفسر بعضهم
~~الصادقين بالذين لم يخلفوا الميثاق الأول فإنه أصدق كلمة، وقد يقال:
~~الأصل الصدق في عهد الله كما قال تعالى:

# رجال صدقوا ما عهدوا الله

# [الأحزاب: 23] ثم في عقد العزيمة ووعد الخليقة كما قال سبحانه في
~~إسماعيل:

# إنه كان صدق الوعد

# [مريم: 54] وإذا روعي الصدق في المواطن كلها كالخاطر والفكر والنية
~~والقول والعمل صدقت المنامات والواردات والأحوال والمقامات والمواهب
~~والمشاهدات فهو أصل شجرة الكمال وبذر ثمرة الأحوال وملاك كل خير وسعادة؛
~~وضده الكذب فهو أسوأ الرذائل وأقبحها وهو منافي المروءة كما قالوا: لا
~~مروءة لكذوب { وما كان المؤمنون لينفروا كافة
~~فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا
~~فى الدين } إشارة إلى أنه يجب على كل مستعد من جماعة سلوك طريق طلب
~~العلم إذ لا يمكن لجميعهم أما ظاهرا فلفوات المصالح وأما باطنا فلعدم
~~الاستعداد للجميع. والفقه من علوم القلب وهي إنما تحصل بالتزكية والتصفية
~~وترك المألوفات واتباع الشريعة، فالمراد من النفر السفر المعنوي وهذا هو
~~العلم النافع، وعلامة حصوله عدم خشية أحد سوى الله تعالى، ألا ترى كيف
~~نفى الله عمن خشي غيره سبحانه الفقه فقال:

# لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك
~~بأنهم قوم لا يفقهون

# [الحشر:13] وعلى هذا فحق لمثلي أن ينوح على نفسه، وقد صرح بعض الأكابر
~~أن الفقه علم راسخ في القلب، ضاربة عروقه في النفس، ظاهر أثره على
~~الجوارح لا يمكن لصاحبه أن يرتكب خلاف ما يقتضيه إلا إذا غلب القضاء
~~والقدر، وقد أنزل الله تعالى كما قيل على بعض أنبياء بني إسرائيل عليهم
~~السلام: لا تقولوا العلم بالسماء من ينزل به ولا في تخوم الأرض من يصعد
~~به ولا من وراء البحر من يعبر ويأتي به، العلم مجعول في قلوبكم تأدبوا
~~بين يدي بآداب الروحانيين وتخلقوا بأخلاق الصديقين، أظهر العلم من قلوبكم
~~حتى يغمركم ويغطيكم.

# وجاء «من اتقى الله أربعين صباحا تفجرت ينابع الحكمة من قلبه» وإذا
~~تحققت ذلك علمت أن دعوى قوم اليوم ms03972 الفقه بالمعنى الذي ذكرناه مع تهافتهم
~~على المعاصي تهافت الفراش على النار وعقدهم الحلقات عليها دعوى كاذبة
~~مصادمة للعقل والنقل وهيهات أن يحصل لهم ذلك الفقه ما داموا على تلك
~~الحال ولو ضربوا رؤوسهم بألف صخرة صماء، وعطف سبحانه قوله: {
~~ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم } على قوله تعالى:
~~{ ليتفقهوا } إشارة إلى أن الإنذار بعد التفقه والتحلي بالفضائل
~~إذ هو الذي يرجى نفعه:

# ابدأ بنفسك فانهها عن غيها

# فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

# فهناك يسمع ما تقول ويقتدي

# بالقول منك وينفع التعليم

# ولذا قال جل وعلا:

# لعلهم يحذرون

# [التوبة: 122] وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا
~~قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } / إشارة إلى الجهاد
~~الأكبر ولعله تعليم لكيفية النفر المطلوب وبيان لطريق تحصيل الفقه أي
~~قاتلوا كفار قوى نفوسكم بمخالفة هواها، وفي الخبر «أعدى عدوك نفسك التي
~~بين جنبيك» { وليجدوا فيكم غلظة } أي قهرا وشدة حتى تبلغوا
~~درجة التقوى

# واعلموا أن الله مع المتقين

# [التوبة: 123] بالولاية والنصر { أولا يرون أنهم
~~يفتنون في كل عام مرة أو مرتين } أي يصيبهم
~~بالبلاء ليتوبوا

# ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون

# [التوبة: 126] وفي الأثر «البلاء سوط من سياط الله تعالى يسوق به عباده
~~إليه» ويرشد إلى ذلك قوله تعالى:

# وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين
~~له الدين

# [لقمان: 32] وقوله تعالى:

# وإذا مس الإنسن الضر دعانا لجنبه أو قاعدا
~~أو قائما

# [يونس: 12] وبالجملة إن البلاء يكسر سورة النفس فيلين القلب فيتوجه إلى
~~مولاه إلا أن من غلبت عليه الشقاوة ذهب منه ذلك الحال إذا صرف عنه البلاء
~~كما يشير إليه قوله تعالى:

# فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون

# [العنكبوت: 65] وقوله سبحانه:

# فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى
~~ضر مسه

# [يونس:12] { لقد جآءكم رسول من أنفسكم } أي من جنسكم
~~لتقع الألفة بينكم وبينه فإن الجنس إلى الجنس يميل وحينئذ يسهل عليكم
~~الاقتباس من أنواره صلى الله عليه وسلم. وقرىء كما قدمنا { من
~~أنفسكم } أي أشرفكم في كل شيء ويكفيه شرفا أنه عليه الصلاة والسلام ms03973
~~أول التعينات وأنه كما وصفه الله تعالى على خلق عظيم:

# وعلى تفنن واصفيه بوصفه

# يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف

# { عزيز عليه ما عنتم } أي يشق عليه عليه الصلاة والسلام
~~مشقتكم فيتألم صلى الله عليه وسلم لما يؤلمكم كما يتألم الشخص إذا عرا
~~بعض أعضائه مكروه، وعن سهل أنه قال: المعنى شديد عليه غفلتكم عن الله
~~تعالى ولو طرفة عين فإن العنت ما يشق ولا شيء أشق في الحقيقة من الغفلة
~~عن المحبوب { حريص عليكم } أي على صلاح شأنكم أو على حضوركم وعدم
~~غفلتكم عن مولاكم جل شأنه { بالمؤمنين رءوف } يدفع عنهم ما
~~يؤذيهم

# رحيم

# [التوبة: 128] يجلب لهم ما ينفعهم، ومن آثار الرأفة تحذيرهم من الذنوب
~~والمعاصي ومن آثار الرحمة إضافته صلى الله عليه وسلم عليهم العلوم
~~والمعارف والكمالات، قال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: علم الله تعالى
~~عجز خلقه عن طاعته فعرفهم ذلك لكي يعلموا أنهم لا ينالون الصفو من خدمته
~~فأقام سبحانه بينه وبينهم مخلوقا من جنسهم في الصورة فقال: { لقد
~~جآءكم رسول من أنفسكم } وألبسه من نعته الرأفة الرحمة
~~وأخرجه إلى الخلق سفيرا صادقا وجعل طاعته طاعته وموافقته موافقته فقال
~~سبحانه:

# من يطع الرسول فقد أطاع الله

# [النساء: 80] ثم أفرده لنفسه خاصة وآواه إليه بشهوده عليه في جميع
~~أنفاسه وسلى قلبه عن إعراضهم عن متابعته بقوله جل شأنه: { فإن
~~تولوا } وأعرضوا عن قبول ما أنت عليه لعدم الاستعداد وزواله {
~~فقل حسبي الله } لا حاجة لي بكم كما لا حاجة للإنسان إلى العضو
~~المتعفن الذي يجب قطعه عقلا فالله تعالى كافي { لا إله إلا
~~هو } فلا مؤثر غيره ولا ناصر سواه { عليه توكلت } لا على
~~غيره من جميع المخلوقات إذ لا أرى لأحد منهم فعلا ولا حول ولا قوة إلا
~~بالله

# وهو رب العرش العظيم

# [التوبة: 129] المحيط بكل شيء، وقد ألبسه سبحانه أنوار عظمته وقواه على
~~حمل تجلياته ولولا ذلك لذاب بأقل من لمحة عين، وإذا قرىء { العظيم }
~~بالرفع فهو صفة للرب سبحانه، وعظمته جل جلاله مما ms03974 لا نهاية لها وما قدروا
~~الله حق قدره نسأله بجلاله وعظمته أن يوفقنا لإتمام تفسير كتابه حسبما
~~يحب ويرضى فلا إله غيره ولا يرجى إلا خيره.

### | [10 - سورة يونس]

### || [10.1]

# { بسم الله الرحمن الرحيم }  { الر } بتفخيم الراء
~~المفتوحة وهو الأصل وأمال أبو عمرو وبعض القراء إجراء لألف الراء مجرى
~~الألف المنقلبة عن الياء فإنهم يميلونها تنبيها على أصلها، وفي الإمالة
~~هنا دفع توهم أن  را  حرف كما ولا فقد صرحوا أن الحروف يمتنع فيها
~~الإمالة، وقرأ ورش بين بين. والمراد من { الر } على ما روى جماعة عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أنا الله أرى، وفي رواية أخرى أنها بعض الرحمن
~~وتمامه حم ون، وعن قتادة أنها بعض الراحم وهو من أسماء القرآن، وقيل: هي
~~أسماء للأحرف المعلومة من حروف التهجي أتى بها مسرودة على نمط التعديد
~~بطريق التحدي وعليه فلا محل لها من الإعراب، والكلام فيها وفي نظائرها
~~شهير. / والأكثرون على أنها اسم للسورة فمحلها الرفع على أنها خبر لمبتدأ
~~محذوف أي هذه السورة مسماة بكذا وهو أظهر من الرفع على الابتداء لعدم سبق
~~العلم بالتسمية بعد فحقها الإخبار بها لا جعلها عنوان الموضوع لتوقفه على
~~علم المخاطب بالانتساب، والإشارة إليها قبل جريان ذكرها لصيرورتها في حكم
~~الحاضر لاعتبار كونها على جناح الذكر كما يقال في الصكوك: هذا ما اشترى
~~فلان، وجوز النصب بتقدير فعل لائق بالمقام كاذكر واقرأ وكلمة { تلك }
~~إشارة إليها أما على تقدير كون { الر } مسرودا على نمط التعديد فقد نزل
~~حضور مادتها منزلة ذكرها فأشير إليها كأنه قيل: هذه الكلمات المؤلفة من
~~جنس هذه الحروف المبسوطة الخ، وأما على تقدير كونها اسما للسورة فقد
~~نوهت بالإشارة إليها بعد تنويهها بتعيين اسمها أو الأمر بذكرها أو
~~بقراءتها.

# وما في اسم الإشارة من معنى البعد للتنبيه على بعد منزلتها في الفخامة
~~ومحله الرفع على أنه مبتدأ خبره قوله عز وجل: { آيت الكتب }
~~وعلى تقدير كون { الر } مبتدأ فهو إما مبتدأ ثان أو بدل من الأول،
~~والمعنى ms03975 هي آيات مخصوصة منه مترجمة باسم مستقل، والمقصود ببيان بعضيتها
~~منه (وصفيتها بما أشير إلى) اتصافه به من النعوت الفاضلة والصفات
~~الكاملة، والمراد بالكتاب إما جميع القرآن العظيم وإن لم ينزل بعد إما
~~باعتبار تعينه وتحققه في العلم أو في اللوح أو باعتبار نزوله جملة إلى
~~بيت العزة من السماء الدنيا، وإما جميع القرآن النازل وقتئذ المتفاهم
~~بين الناس إذ ذاك فإنه كما يطلق على المجموع الشخصي يطلق على مجموع ما
~~نزل في كل [عصر] كذا قال شيخ الإسلام.

# وأنت تعلم أن المشهور عن السلف تفويض معنى { الر } وأمثاله إلى الله
~~تعالى وحيث لم يظهر المراد منها لا معنى للتعرض لإعرابها، وقد ذكروا أنه
~~يجوز في الإشارة أن تكون لآيات هذه السورة وأن تكون لآيات القرآن ويجوز
~~في الكتاب أن يراد به السورة وأن يراد القرآن فتكون الصور أربعا.

# إحداها: الإشارة إلى آيات القرآن والكتاب بمعنى السورة ولا يصح إلا
~~بتخصيص آيات أو تأويل بعيد. وثانيها: عكسه ولا محذور فيه. وثالثها:
~~الإشارة إلى آيات السورة والكتاب بمعنى السورة. ورابعها: الإشارة إلى
~~آيات القرآن والكتاب بمعنى القرآن، ومرجع إفادة الكلام عليهما باعتبار
~~صفة الكتاب الآتية، وجوز الإشارة إلى الآيات لكونها في حكم الحاضر وإن لم
~~تذكر كما في المثال المذكور آنفا. وفي «أمالي ابن الحاجب» أن المشار
~~إليه لا يشترط أن يكون موجودا حاضرا بل يكفي أن يكون موجودا ذهنا.
~~وفي «الكشاف» في تفسير قوله تعالى:

# هذا فراق بيني وبينك

# [الكهف:78] ما يؤيده، وأوثر لفظ { تلك } لما أشار إليه الشيخ ولكونه
~~في حكم الغائب من وجه ولا يخلو ما ذكروه عن دغدغة، وأما حمل الكتاب على
~~الكتب التي خلت قبل القرآن من التوراة والإنجيل وغيرهما كما أخرجه ابن
~~أبي حاتم عن قتادة فهو في غاية البعد فتأمل.

# وقوله تعالى: { الحكيم } صفة للكتاب ووصف بذلك لاشتماله على الحكم
~~فيراد بالحكيم ذو الحكمة على أنه للنسبة كلابن وتامر، وقد يعتبر تشبيه
~~الكتاب بإنسان ناطق بالحكمة على طريق الاستعارة بالكناية وإثبات الحكمة
~~قرينة لها، ms03976 وجوز أن يكون وصفه بذلك لأنه كلام حكيم فالمعنى حكيم قائله
~~فالتجوز في الإسناد كليله قائم ونهاره صائم، وقيل: لأن آياته محكمة لم
~~ينسخ منها شيء أي بكتاب آخر ففعيل بمعنى مفعل وقد تقدم ماله وما عليه.

### || [10.2]

# { أكان للناس عجبا } الهمزة لإنكار تعجبهم ولتعجيب السامعين
~~منه لوقوعه في غير محله، والمراد بالناس كفار العرب، والتعبير عنهم باسم
~~/ الجنس من غير تعرض لكفرهم الذي هو المدار لتعجبهم كما تعرض له فيما بعد
~~لتحقيق ما فيه من الشركة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم وتعيين
~~مدار التعجيب في زعمهم ثم تبيين خطئهم وإظهار بطلان زعمهم بإيراد
~~الإنكار، واللام متعلقة بمحذوف وقع حالا من { عجبا } كما هو القاعدة
~~في نعت النكرة إذا تقدم عليها، وقيل: متعلقة بعجبا بناء على التوسع
~~المشهور في الظروف، وبعضهم جعلها متعلقة به لا على طريق المفعولية كما قي
~~قوله:

# عجبت لسعي الدهر بيني وبينها

# بل على طريق التبيين كما في

# هيت لك

# [يوسف: 23] وسقيا لك ومثل ذلك يجوز تقديمه على المصدر. وأنت تعلم أن
~~هذا قول بالتعلق بمقدر في التحقيق، وقيل: إنها متعلقة به لأنه بمعنى
~~المعجب والمصدر إذا كان بمعنى مفعول أو فاعل يجوز تقديم معمولة عليه،
~~وجوز أيضا تعلقه بكان وإن كانت ناقصة بناء على جوازه، و { عجبا }
~~خبر { كان } قدم على اسمها وهو قوله سبحانه:

# { أن أوحينا } لكونه مصب الإنكار والتعجيب وتشويقا إلى المؤخر
~~ولأن في الاسم ضرب تفصيل ففي تقديمه رعاية للأصل نوع إخلال بتجاوب أطراف
~~النظم الكريم. وقرأ ابن مسعود { عجب } بالرفع على أنه اسم { كان } وهو
~~نكرة والخبر { أن أوحينا } وهو معرفة لأن أن مع الفعل في تأويل
~~المصدر المضاف إلى المعرفة فهو كقول حسان:

# كأن سبيئة من بيت رأس

# يكون مزاجها عسل وماء

# وحمله بعضهم على القلب، وفي قبوله مطلقا أو إذا تضمن لطيفة خلاف
~~والمعول عليه اشتراط التضمن وهو غير ظاهر هنا، وحكي عن ابن جني أنه قال:
~~إنما جاز ذلك في البيت من حيث كان عسل ms03977 وماء جنسين فكأنه قال: يكون مزاجها
~~العسل والماء، ونكرة الجنس تفيد مفاد معرفته، ألا ترى أنك تقول: خرجت
~~فإذا أسد بالباب أي فإذا الأسد بالباب لا فرق بينهما لأنك في الموضعين لا
~~تريد أسدا معينا، ولهذا لم يجز هذا في قولك: كان قائم أخاك وكان جالس
~~أباك لأنه ليس في جالس وقائم معنى الجنسية التي تتلاقى معنى نكرتها
~~ومعرفتها.

# ومعنى الآية على هذا كان الوحي للناس هذا الجنس من الفعل وهو التعجب،
~~ولا يخفى أن المصدر المتحصل هو المصدر المضاف إلى المعرفة كما سمعت
~~فاعتباره محلى بأل الجنسية خلاف الظاهر. وأجاز بعضهم الإخبار عن المعرفة
~~بالنكرة في باب النواسخ خاصة سواء كان هناك نفي أو ما في حكمه أم لا.
~~وابن جني يجوز ذلك إذا كان نفي أو ما في حكمه ولا يجوز إذا لم يكن، وفي
~~الآية قد تقدم الاستفهام الإنكاري على الناسخ وهو في حكم النفي.

# واختار غير واحد كون { كان } تامة. و { عجب } فاعل لها و { أن
~~أوحينا } بتقدير حرف جر متعلق بعجب أي لأن أوحينا أو من أن أوحينا
~~أو هو بدل منه بدل كل من كل أو بدل اشتمال، والإنكار متوجه إلى كونه
~~عجبا لا إلى حدوثه وكون الإبدال في حكم تنحية المبدل منه ليس معناه
~~إهداره بالمرة كما تقرر في موضعه، واقتصر في «اللوامح» على أن {
~~للناس } خبر { كان } ، وتعقب بأنه ركيك معنى لأنه يفيد إنكار صدوره
~~من الناس لا مطلقا وفيه ركاكة ظاهرة فافهم. وإنما قيل: للناس لا عند
~~الناس للدلالة على أنهم اتخذوه أعجوبة لهم وفيه من زيادة تقبيح حالهم ما
~~لا يخفى.

# { إلى رجل منهم } أي إلى بشر من جنسهم كقوله تعالى حكاية:

# أبعث الله بشرا رسولا

# [الإسراء: 94] وقوله سبحانه:

# لو شاء ربنا لأنزل ملئكة

# [فصلت: 14] أو إلى رجل من أفناء رجالهم من حيث المال لا من حيث النسب
~~لأنه صلى الله عليه وسلم كان من مشاهيرهم فيه وكان منه بمكان لا يدفع فهو
~~كقولهم: /

# لولا نزل هذا القرءان على رجل ms03978 من القريتين
~~عظيم

# [الزخرف: 31] وفي بعض الآثار أنهم كانوا يقولون: العجب أن الله تعالى لم
~~يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب والعجب من فرط جهلهم أما
~~في قولهم الأول فحيث لم يعلموا أن بعث الملك إنما يكون عند كون المبعوث
~~إليهم ملائكة كما قال تعالى:

# قل لو كان في الأرض ملئكة يمشون مطمئنين
~~لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا

# [الإسراء: 95] وأما عامة البشر فبمعزل عن استحقاق مفاوضة الملائكة لأنها
~~منوطة بالتناسب فبعث الملك إليهم مزاحم للحكمة التي عليها يدور فلك
~~التكوين والتشريع وإنما الذي تقتضيه الحكمة بعث الملك من بينهم إلى
~~الخواص المختصين بالنفوس الزكية المؤيدين بالقوة القدسية المتعلقين بكلا
~~العالمين الروحاني والجسماني ليتأتى لهم الاستفاضة والإفاضة وهذا تابع
~~للاستعداد الأزلي كما لا يخفى، وأما في قولهم الثاني فلأن مناط الاصطفاء
~~للإيحاء إلى شخص هو التقدم في الاتصاف بما علمت والسبق في إحراز الفضائل
~~وحيازة الملكات السنية جبلة واكتسابا، ولا ريب لأحد في أن للنبي صلى
~~الله عليه وسلم القدح المعلى من ذلك بل له عليه الصلاة والسلام فيه غاية
~~الغايات القاصية ونهاية النهايات النائية يقول رائيه:

# وأحسن منك لم تر قط عيني

# ومثلك قط لم تلد النساء

# خلقت مبرأ من كل عيب

# كأنك قد خلقت كما تشاء

# وكذا يقول:

# ولو صورت نفسك لم تزدها

# على ما فيك من كرم الطباع

# وأما التقدم في الرياسة الدنيوية والسبق في نيل الحظوظ الدنية فلا دخل
~~له في ذلك قطعا بل له إخلال به غالبا، وما أحسن قول الشافعي رضي الله
~~تعالى عنه من أبيات:

# لكن من رزق الحجا حرم الغنى

# ضدان مفترقان أي تفرق

# وما ذكروه من اليتم أن رجع إلى ما في الآية على التوجيه الثاني فبطلانه
~~بطلانه وإن أرادوا أن أصل اليتم مانع من الإيحاء إليه صلى الله عليه وسلم
~~فهو أظهر بطلانا وأوضح هذيانا وما ألطف ما قيل إن أنفس الدر يتيمه،
~~وقيل للحسن: لم جعل الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم يتيما؟ فقال:
~~لئلا ms03979 يكون لمخلوق عليه منة فإن الله سبحانه هو الذي آواه وأدبه ورباه صلى
~~الله عليه وسلم هذا والوجه الثاني من الوجهين السابقين في قوله سبحانه: {
~~إلى رجل منهم } على الوجه الذي ذكرناه هو الذي أراده صاحب
~~«الكشاف» ولم يرتضه الجلال السيوطي وزعم أن التحامي عنه أولى، ثم قال:
~~والذي عندي في تفسير ذلك أن المراد إلى مشهور بينهم يعرفون نسبه وجلالته
~~وأمانته وعفته كما قال سبحانه في آخر السورة التي قبل

# لقد جآءكم رسول من أنفسكم

# [التوبة: 128] فإن هذا هو محل إنكار العجب ويكون هذا وجه مناسبة وضع هذه
~~السورة بعد تلك واعتلاق أول هذه بآخر تلك، ونظيره

# ولقد جآءهم رسول منهم فكذبوه

# [النحل: 113]

# ربنا وابعث فيهم رسولا منهم

# [البقرة: 129] إلى آخر ما قال، وتعقب بأنه غير ظاهر لأنه وإن كان أعظم
~~مما ذكر لكن السياق يقتضي بيان كفرهم وتذليلهم وتحقير من أعزه الله تعالى
~~وعظمه والذي يقتضيه سبب النزول تعين الوجه الأول هنا. فقد أخرج ابن جرير
~~وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما بعث الله تعالى محمدا
~~صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم فقالوا: الله
~~تعالى أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد عليه الصلاة والسلام فأنزل
~~سبحانه { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل
~~منهم } الآية، وقوله تعالى:

# وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا

# [النحل: 43] الآية. / فلما كرر الله سبحانه عليهم الحجج قالوا: وإذا كان
~~بشرا فغير محمد صلى الله عليه وسلم كان أحق بالرسالة فلولا نزل هذا
~~القرآن على رجل من القريتين عظيم فأنزل الله تعالى ردا عليهم

# أهم يقسمون رحمة ربك

# [الزخرف: 32] الآية ومنه يعلم أن ما حكى في الوجه الثاني سبب لنزول آية
~~أخرى.

# { أن أنذر الناس } أي أخبرهم بما فيه تخويف لهم مما يترتب على
~~فعل ما لا ينبغي، والمراد به جميع الناس الذين يمكنه عليه الصلاة والسلام
~~تبليغهم ذلك لا ما أريد بالناس أولا وهو النكتة في إيثار الإظهار على
~~الإضمار، وكون ms03980 الثاني عين الأول عند إعادة المعرفة ليس على الإطلاق، و {
~~أن } هي المفسرة لمفعول الإيحاء المقدر وقد تقدم عليها ما فيه معنى
~~القول دون حروفه وهو الإيحاء أو هي المخففة من المثقلة على أن اسمها ضمير
~~الشأن، والجملة الأمرية خبرها وفي وقوعها خبر ضمير الشأن دون تأويل
~~وتقدير قول اختلاف، فذهب صاحب «الكشف» إلى أنه لا يحتاج إلى ذلك لأن
~~المقصود منها التفسير وخالفه غير واحد في ذلك وذهبوا إلى أنه لا فرق بين
~~خبره وخبر غيره.

# وقال بعضهم: هي المصدرية الخفيفة في الوضع بناء على أنها توصل بالأمر
~~والنهي والكثير على المنع، وذكر أبو حيان هذا الاحتمال هنا مع أنه نقل
~~عنه في «المغني» أن مذهبه المنع لما أنه يفوت معنى الأمر إذا سبك
~~بالمصدر. واعترض بأنه يفوت معنى المضي والحالية والاستقبال المقصود أيضا
~~مع الاتفاق على جواز وصلها بما يدل على ذلك، وأجيب بأنه قد يقال: بأن
~~بينهما فرقا فإن المصدر يدل على الزمان التزاما فقد تنصب عليه قرينة
~~فلا يفوت معناه بالكلية بخلاف الأمر والنهي فإنه لا دلالة للمصدر عليهما
~~أصلا. وقال بعض المدققين: إن المصدر كما يجوز أخذه من جوهر الكلمة يجوز
~~أخذه من الهيئة وما يتبعها فيقدر في هذا ونحوه أوحينا إليه الأمر
~~بالإنذار كما قدر في  أن لا تزني خير  عدم الزنا خير، ولا يخفى أن هذا
~~البحث يجري في أن المخففة من الثقيلة لأنها مصدرية أيضا وأن أقل
~~الاحتمالات مؤنة احتمال التفسير.

# { وبشر الذين آمنوا } بما أوحيناه إليك وصدقوه { أن
~~لهم } أي بأن لهم { قدم صدق } أي سابقة ومنزلة رفيعة { عند
~~ربهم } وأصل القدم العضو المخصوص، وأطلقت على السبق مجازا مرسلا
~~لكونها سببه وآلته وأريد من السبق الفضل والشرف والتقدم المعنوي إلى
~~المنازل الرفيعة مجازا أيضا فالمجاز هنا بمرتبتين، وقيل: المراد تقدمهم
~~على غيرهم في دخول الجنة لقوله صلى الله عليه وسلم:

# " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة "

# وقوله صلى الله عليه وسلم:

# " إن الجنة محرمة على الأنبياء حتى أدخلها أنا وعلى الأمم حتى ms03981 تدخلها
~~أمتي "

# ، وقيل: تقدمهم في البعث وأصل الصدق ما يكون في الأقوال ويستعمل كما قال
~~الراغب في الأفعال فيقال: صدق في القتال إذا وفاه حقه وكذا في ضده يقال:
~~كذب فيه فيعبر به عن كل فعل فاضل ظاهرا وباطنا ويضاف إليه كمقعد صدق
~~ومدخل صدق ومخرج صدق إلى غير ذلك، وصرحوا هنا بأن الإضافة من إضافة
~~الموصوف إلى صفته، والأصل قدم صدق أي محققة مقررة، وفيه مبالغة لجعلها
~~عين الصدق ثم جعل الصدق كأنه صاحبها، ويحتمل أن تكون الإضافة من إضافة
~~المسبب إلى السبب وفي ذلك تنبيه على أن ما نالوه من المنازل الرفيعة كان
~~بسبب صدق القول والنية.

# وقال بعضهم: إن هذا التنبيه قد يحصل على الاعتبار الأول لأن الصدق قد
~~تجوز به عن توفية الأمور الفاضلة حقها للزوم الصدق لها حتى كأنها لا توجد
~~بدونه ويكفي مثله في ذلك التنبيه وهذا كما قالوا: أن أبا لهب / يشير إلى
~~أنه جهنمي وفيه خفاء كما لا يخفى.

# ويجوز إلى يراد بالقدم المقام بإطلاق الحال وإرادة المحل، وعن الأزهري
~~أن القدم الشيء الذي تقدمه قدامك ليكون عدة لك حين تقدم عليه ويشعر بأنه
~~اسم مفعول وبه صرح بعضهم وقال إنه كالنقض، وقيل: إنه اسم للحسنى من العبد
~~كما أن اليد اسم للحسنى من السيد وفعلوا ذلك للفرق بين العبد والسيد وهو
~~من الغرابة بمكان، ولا يكاد يصح في قول ذي الرمة:

# لكم قدم لا ينكر الناس أنها

# مع الحسب العادي طمت على البحر

# وقوله:

# وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة

# لهم قدم معروفة في المفاخر

# والسبق هو الأسبق إلى الذهن في ذلك وكذا في قول حسان:

# لنا القدم العليا إليك وخلفنا

# لأولنا في طاعة الله تابع

# وقول الآخر:

# صل لذي العرش واتخذ قدما

# تنجيك يوم العثار والزلل

# محتمل لسائر المعاني وهل يطلق على سابقة السوء أو لا؟ الظاهر الأول وقد
~~نص على ذلك أبو عبيدة. والكسائي. وقال صاحب «الانتصاف» ((لم يسموا سابقة
~~السوء قدما إما لكون المجاز لا يطرد وإما لأنه ms03982 غلب في العرف على سابقة
~~الخير)) وفيه نظر، وتفسير ابن عباس رضي الله تعالى عنهما له بالأجر وابن
~~مسعود بالعمل لا يخرج عما ذكرنا من معانيه، وكذا تفسير علي كرم الله
~~تعالى وجهه وأبي سعيد الخدري والحسن وزيد بن أسلم له برأس الموجودات
~~محمد صلى الله عليه وسلم يرجع إلى تفسيره بالخير والسعادة كما قاله جمع،
~~وكونه صلى الله عليه وسلم خيرا وسعادة للمؤمنين ما لا يمتري فيه مؤمن،
~~أو يقال: إن المراد شفاعته صلى الله عليه وسلم والأمر في ذلك حينئذ في
~~غاية الظهور وخص التبشير بالمؤمنين لأنه لا يتعلق بالكفار وتبشيرهم أن
~~آمنوا راجع إلى تبشير المؤمنين وهذا بخلاف الإنذار فإنه يتعلق بالمؤمن
~~والكافر ولذلك ذكره سبحانه ولم يذكر جل وعلا المنذر به للتعميم والتهويل،
~~وذكر المبشر به على الوجه الذي ذكره لتقوى رغبة المؤمنين فيما يؤديهم
~~إليه، وقدم الإنذار على التبشير لأن التخلية مقدمة على التحلية وإزالة ما
~~لا ينبغي مقدمة في الرتبة على فعل ما ينبغي.

# { قال الكفرون } هم المتعجبون وإيرادهم بهذا العنوان على بابه،
~~وترك العاطف لجريانه مجرى البيان للجملة التي دخل عليها همزة الإنكار أو
~~لكونه استئنافا مبنيا على السؤال كأنه قيل: ماذا صنعوا بعد التعجب هل
~~بقوا على التردد والاستبعاد أو قطعوا فيه بشيء؟ فقيل: قال الكافرون على
~~طريقة التأكيد { إن هذا } أي ما أوحي إليه صلى الله عليه وسلم من
~~الكتاب المنطوي على الإنذار والتبشير، وزعم الخازن أن في الكلام حذفا أي
~~أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر وبشر فلما جاءهم بالوحي
~~وأنذرهم قال الكافرون إن هذا { لساحر مبين } أي ظاهر.

# وقرأ ابن كثير والكوفيون { لساحر } على أن الإشارة إلى رجل وعنوا به
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي قراءة أبي { ما هذا إلا سحر مبين }
~~وأرادوا بالسحر الحاصل بالمصدر، وفي هذا اعتراف بأن ما عاينوه خارج عن
~~طوق البشر نازل من حضرة خلاق القوى والقدر ولكنهم / يسمونه بما قالوا
~~تماديا في العناد كما هو شنشنة المكابر ms03983 اللجوج ونشنشة المفحم المحجوج.

### || [10.3]

# { إن ربكم } استئناف سيق لإظهار بطلان تعجبهم المذكور وما تبعه
~~من تلك المقالة الباطلة غب الإشارة إليه بالإنكار والتعجيب وحقق فيه حقية
~~ما تعجبوا منه وصحة ما أنكروه بالتنبيه الإجمالي على بعض ما يدل عليها من
~~شؤون الخلق والتقدير وأحوال التكوين والتدبير ويرشدهم إلى معرفتها بأدنى
~~تذكير لاعترافهم به من غير نكير كما يعرب عنه غير ما آية في الكتاب
~~الكريم، والتأكيد لمزيد الاعتناء بمضمون الجملة على ما هو الظاهر أي أن
~~ربكم ومالك أمركم الذي تعجبون من أن يرسل إليكم رجلا منكم بالإنذار
~~والتبشير وتعدون ما أوحي إليه من الكتاب سحرا هو { الله الذى
~~خلق السموات والأرض في ستة أيام } أي أوقات
~~فالمراد من اليوم معناه اللغوي وهو مطلق الوقت. وعن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أن تلك الأيام من أيام الآخرة التي يوم منها كألف سنة مما
~~تعدون، وقيل: هي مقدار ستة أيام من أيام الدنيا وهو الأنسب بالمقام لما
~~فيه من الدلالة على القدرة الباهرة بخلق هذه الأجرام العظيمة في مثل تلك
~~المدة اليسيرة ولأنه تعريف لنا بما نعرفه، ولا يمكن أن يراد باليوم اليوم
~~المعروف لأنه كما قيل عبارة عن كون الشمس فوق الأرض وهو مما لا يتصور
~~تحققه حين لا أرض ولا سماء، واليوم بهذا المعنى يسمى النهار المفرد،
~~ويطلق اليوم أيضا على مجموع ذلك النهار وليلته ومقدار ذلك حينئذ ممكن
~~الإرادة هنا أيضا.

# وقد صرح بعض الأكابر بأن المراد بالسماوات ما عدا المحدد وأن اليوم هنا
~~عبارة عن مدة دورة تامة له، ولا يخفى أن اليوم اللغوي يتناول هذا أيضا
~~إلا أن إرادته كإرادة مقدار مجموع النهار وليلته يحتاج إلى نقل وليس ذلك
~~أمرا معروفا عند المخاطبين ليستغني عن النقل على أن القول به يدور على
~~كون المحدد متحركا بالحركة الوضعية ويحتاج ذلك إلى النقل أيضا، وكذا
~~يدور على كون المحدد خارجا عن السماوات المخلوقة في الأيام الست لكن ذلك
~~لا يضر إذ الآيات والأخبار شاهدة بالخروج كما ms03984 لا يخفى، وفي خلقها مدرجا
~~مع القدرة التامة على إبداعها في طرفة عين اعتبار للنظار وحث لهم على
~~التأني في الأحوال والأطوار، وفيه أيضا على ما صرح به بعض المحققين دليل
~~على الاختيار، وأما تخصيص ذلك بالعدد المعين فقد قيل: إنه أمر قد استأثر
~~بعلم ما يستدعيه علام الغيوب جلت قدرته ودقت حكمته. وقيل: إنه سبحانه جعل
~~لكل من خلق مواد السماوات وصورها وربط بعضها ببعض وخلق مادة الأرض
~~وصورتها وربط إحداهما بالأخرى وقتا فلذا صارت الأوقات ستا وفيه تأمل،
~~وسيأتي إن شاء الله تعالى في الدخان تحقيق هذا المطلب على وجه ينكشف به
~~الغبار عن بصائر الناظرين.

# وإيثار جمع السماوات لما هو المشهور من الإيذان بأنها اجرام مختلفة
~~الطباع متباينة الآثار والأحكام، وتقديمها على الأرض إما لأنها أعظم منها
~~خلقا أو لأنها جارية مجرى الفاعل والأرض جارية مجرى القابل على ما بين
~~في موضعه، وتقديم الأرض عليها في آية طه [4] لكونها أقرب إلى الحس وأظهر
~~عنده وسيأتي أيضا تحقيقه هناك إن شاء الله تعالى.

# { ثم استوى على العرش } على المعنى الذي أراده سبحانه وكف
~~الكيف مشلولة، وقيل: الاستواء على العرش مجاز عن الملك والسلطان متفرع عن
~~الكناية فيمن يجوز عليه القعود على السرير يقال: استوى فلان على سرير
~~الملك ويراد منه ملك وإن لم يقعد على السرير أصلا؛ وقيل: إن الاستواء
~~بمعنى الاستيلاء وأرجعوه إلى صفة القدرة. وأنت تعلم أن هذا وأمثاله من
~~المتشابه وللناس فيه مذاهب / وما أشرنا إليه هو الذي عليه أكثر سلف الأمة
~~رضي الله تعالى عنهم، وقد صرح بعض أن الاستواء صفة غير الثمانية لا يعلم
~~ما هي إلا من هي له والعجز عن درك الإدراك إدارك، واختار كثير من الخلف
~~أن المراد بذلك الملك والسلطان وذكره لبيان جلالة ملكه وسلطانه سبحانه
~~بعد بيان عظمة شأنه وسعة قدرته بما مر من خلق هاتيك الإجرام العظيمة.

# وقوله تعالى: { يدبر الأمر } استئناف لبيان حكمة استوائه جل وعلا
~~على العرش وتقرير عظمته، والتدبير في اللغة النظر في أدبار ms03985 الأمور
~~وعواقبها لتقع على الوجه المحمود والمراد به هنا التقدير الجاري على وفق
~~الحكمة والوجه الأتم الأكمل. وأخرج أبو الشيخ وغيره عن مجاهد أن المعنى
~~يقضي الأمر والمراد بالأمر أمر الكائنات علويها وسفليها حتى العرش فأل
~~فيه للعهد أي يقدر أمر ذلك كله على الوجه الفائق، والنمط اللائق حسبما
~~تقتضيه المصلحة وتستدعيه الحكمة ويدخل فيما ذكر ما تعجبوا منه دخولا
~~ظاهرا، وزعم بعضهم أن المعنى يدبر ذلك على ما اقتضته حكمته ويهيء أسبابه
~~بسبب تحريك العرش وهو فلك الأفلاك عندهم وبحركته يحرك غيره من الأفلاك
~~الممثلة وغيرها لقوة نفسه، وقيل: لأن الكل في جوفه فيلزم من حركته حركته
~~لزوم حركة المظروف لحركة الظرف وهو مبني على أن الظرف مكان طبيعي للمظروف
~~وإلا ففيه نظر. وأنت تعلم أن مثل هذا الزعم على ما فيه مما لا يقبله
~~المحدثون وسلف الأمة إذ لا يشهد له الكتاب ولا السنة وحينئذ فلا يفتى به
~~وإن حكم القاضي، وجوز في الجملة أن تكون في محل النصب على أنها حال من
~~ضمير { استوى } وأن تكون في محل الرفع على أنها خبر ثان لإن، وعلى كل
~~حال فإيثار صيغة المضارع للدلالة على تجدد التدبير واستمراره منه تعالى.

# وقوله سبحانه: { ما من شفيع إلا من بعد إذنه } بيان
~~لاستبداده تعالى في التدبير والتقدير ونفي للشفاعة على أبلغ وجه فإن نفي
~~جميع أفراد الشفيع بمن الاستغراقية يستلزم نفي الشفاعة على أتم الوجوه،
~~فلا حاجة إلى أن يقال: التقدير ما من شفاعة لشفيع، وفي ذلك أيضا تقرير
~~لعظمته سبحانه إثر تقرير.

# والاستثناء مفرغ من أعم الأوقات أي ما من شفيع يشفع لأحد في وقت من
~~الأوقات إلا بعد إذنه تعالى المبني على الحكمة الباهرة وذلك عند كون
~~الشفيع من المصطفين الأخيار والمشفوع له ممن يليق بالشفاعة. وذهب القاضي
~~إلى أن فيه ردا على من زعم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله تعالى. وتعقب
~~بأنه غير تام لأنهم لما ادعوا شفاعتها فقد يدعون الإذن لها فكيف يتم هذا
~~الرد ولا دلالة ms03986 في الآية على أنهم لا يؤذن لهم، وما قيل: إنها دعوى غير
~~مسلمة واحتمالها غير مجد لا فائدة فيه إلا أن يقال: مراده أن الأصنام لا
~~تدرك ولا تنطق فكونها ليس من شأنها أن يؤذن لها بديهي.

# وقوله عز شأنه: { ذلكم الله ربكم } استئناف لزيادة
~~التقرير والمبالغة في التذكير ولتفريع الأمر بالعبادة بقوله سبحانه: {
~~فاعبدوه } والإشارة إلى الذات الموصوف بتلك الصفات المقتضية
~~لاستحقاق ما أخبر به عنه وهو الله و { ربكم } فانهما خبران لذلكم،
~~وحيث كان وجه ثبوت ذلك له ما ذكر مما لا يوجد في غيره اقتضى انحصاره فيه
~~وأفاد أن لا رب غيره ولا معبود سواه، ويجوز أن يكون الاسم الجليل نعتا
~~لاسم الإشارة و { ربكم } خبره وان يكون هو الخبر و { ربكم }
~~بيان له أو بدل منه ولا يخلو الكلام من إفادة الانحصار، وإذا فرع الأمر
~~المذكور على ذلك أفاد الأمر بعبادته / سبحانه وحده، أي فاعبدوه سبحانه من
~~غير أن تشركوا به شيئا من ملك أو نبي فضلا عن جماد لا يبصر ولا يسمع
~~ولا يضر ولا ينفع، وليس الداعي لهذا الحمل أن أصل العبادة ثابت لهم فيحمل
~~الأمر بها على ذلك ليفيد لما قيل: من أن الخطاب للمشركين ولا عبادة مع
~~الشرك.

# { أفلا تذكرون } أي أتعلمون أن الأمر كل فصل فلا تتذكرون ذلك
~~حتى تقفوا على فساد ما أنتم عليه فترتدعوا عنه وتعبدوا الله تعالى وحده،
~~وإيثار { تذكرون } على تفكرون للإيذان بظهور الأمر وأنه كالمعلوم
~~الذي لا يفتقر إلى فكر تام ونظر كامل بل إلى مجرد التفات وإخطار بالبال.

### || [10.4]

# { إليه مرجعكم جميعا } كالتعليل لوجوب العبادة، والجار
~~والمجرور خبر مقدم و { مرجعكم } مبتدأ مؤخر وهو مصدر ميمي لا اسم
~~مكان خلافا لمن وهم فيه، و { جميعا } حال من الضمير المجرور لكونه
~~فاعلا في المعنى أي إليه تعالى رجوعكم مجتمعين لا إلى غيره سبحانه
~~بالبعث { وعد الله } مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة لأنها وعد
~~منه تعالى بالبعث وحيث كانت لا تحتمل غير الوعد كان ذلك من أفراد ms03987 المصدر
~~المؤكد لنفسه عندهم كما في قولك: له علي ألف عرفا، ويجوز أن يكون نصبا
~~على المصدرية لفعل محذوف أي وعد الله وعدا، وأيا ما كان فهو دليل على أن
~~المراد بالمرجوع الرجوع بالبعث لأن ما بالموت بمعزل عن الوعد كما أنه
~~بمعزل عن الاجتماع فما وقع في بعض نسخ القاضي بالموت أو النشور ليس على
~~ما ينبغي. وقرىء { وعد الله } بصيغة الفعل ورفع الاسم الجليل على
~~الفاعلية { حقا } مصدر مؤكد لما دل عليه الأول وهو من قسم المؤكد
~~لغيره لأن الأول ليس نصا فيه فإن الوعد يحتمل الحقية والتخلف. وقيل: إنه
~~منصوب بوعد على تقدير  في  وتشبيه بالظرف كقوله:

# أفي الحق أني هائم بك مغرم

# والأول أظهر.

# وقوله سبحانه: { أنه يبدؤا الخلق ثم يعيده }
~~كالتعليل لما أفاده { إليه مرجعكم } فإن غاية البدء والإعادة
~~هو الجزاء بما يليق. وقرأ أبو جعفر. والأعمش { أنه } بفتح الهمزة على
~~تقدير لأنه، وجوز أن يكون منصوبا بمثل ما نصب { وعد } أي وعد الله
~~سبحانه بدء الخلق ثم إعادته أي إعادته بعد بدئه، ويكون الوعد واقعا على
~~المجموع لكن باعتبار الجزء الأخير لأن البدء ليس موعودا، وأن يكوم
~~مرفوعا بمثل ما نصب { حقا } أي حق بدء الخلق ثم إعادته ويكون نظير قول
~~الحماسي:

# أحقا عباد الله أن لست رائيا

# رفاعة طول الدهر إلا توهما

# وعن المرزوقي أنه خرجه على النصب على الظرفية وهو إما خبر مقدم أو ظرف
~~معتمد وزعم أن ذلك مذهب سيبويه، وجوز أن يكون النصب بوعد الله على أنه
~~مفعول له، والرفع بحقا على أنه فاعل له، وظاهر كلام الكشاف يدل على أن
~~الفعلين العاملين في المصدرين المذكورين هما اللذان يعملان فيما ذكر لا
~~فعلان آخران مثلهما وحينئذ يفوت أمر التأكيد الذي ذكرناه لأن فاعل العامل
~~بالمصدر المؤكد لا بد أن يكون عائدا على ما تقدمه مما أكده، وقرىء { حق
~~أنه يبدأ الخلق } وهو كقولك: حق أن زيدا منطلق. وقرىء { يبدئ } من أبدأ،
~~ولعل المراد من الخلق نحو المكلفين لا ما يعم ms03988 ذلك والجمادات، ويؤيد ذلك
~~ما أخرجه غير واحد عن مجاهد أن معنى الآية يحيى الخلق ثم يميته ثم
~~يحييه.

# { ليجزي الذين ءامنوا وعملوا الصلحات
~~بالقسط } أي بالعدل وهو حال من فاعل { يجزي } أي ملتبسا بالعدل
~~أو متعلق بيجزي أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم / أجورهم، وإنما أجمل ذلك
~~إيذانا بأنه لا يفي به الحصر، ويرشح ذلك جعل ذاته الكريمة هي المجازية
~~أو بقسطهم وعدلهم في أمورهم أو بإيمانهم؛ ورجح هذا بأنه أوفق بقوله
~~تعالى: { والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب
~~أليم بما كانوا يكفرون } فإن معناه ويجزي الذين كفروا بشراب
~~من ماء حار وقد انتهى حره وعذاب أليم بسبب كفرهم فيظهر التقابل بين سببي
~~جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين، مع أنه لا وجه لتخصيص العدل بجزاء
~~المؤمنين بل جزاء الآخرين أولى به كما لا يخفى. وتكرير الإسناد بجعل
~~الجملة الطرفية خبرا للموصول لتقوية الحكم، والجمع بين صيغتي الماضي
~~والمضارع للدلالة على مواظبتهم على الكفر، وتغيير النظم الكريم للمبالغة
~~في استحقاقهم العقاب بجعله حقا مقررا لهم والإيذان بأن التعذيب بمعزل
~~عن الانتظام في سلك العلة الغائية للإعادة بناء على تعلق ليجزي بها أولها
~~وللبدى بناء على تعلقه بهما على التنازع، وإنما المنتظم في ذلك السلك هو
~~الإثابة فهي المقصودة بالذات والعقاب واقع بالعرض.

### || [10.5]

# { هو الذى جعل الشمس ضياء } تنبيه على الاستدلال على
~~وجوده تعالى ووحدته وعلمه وقدرته وحكمته بآثار صنيعه في النيرين بعد
~~التنبيه على الاستدلال بما مر وبيان لبعض أفراد التدبير الذي أشير إليه
~~إشارة إجمالية وإرشاد إلى أنه سبحانه حين دبر أمورهم المتعلقة بمعاشهم
~~هذا التدبر البديع فلأن يدبر مصالحهم المتعلقة بمعادهم بإرسال الرسل
~~وإنزال الكتب أولى وأحرى. و (جعل) إما بمعنى أنشأ وأبدع فضياء حال من
~~مفعوله وإما بمعنى صير فهو مفعوله الثاني، والكلام على حد  ضيق فم
~~القربة  إذ لم تكن الشمس خالية عن تلك الحالة وهي على ما قيل مأخوذة من
~~شمسة القلادة للخرزة الكبيرة وسطها وسميت بذلك لأنها أعظم الكواكب كما
~~تدل عليه الآثار ويشهد له ms03989 الحس وإليه ذهب جمهور أهل الهيئة، ومنهم من
~~قال: سميت بذلك لأنها في الفلك الأوسط بين أفلاك العلوية وبين أفلاك
~~الثلاثة الأخر وهو أمر ظني لم تشهد له الأخبار النبوية كما ستعلمه قريبا
~~إن شاء الله تعالى. والضياء مصدر كقيام، وقال أبو علي في «الحجة»: كونه
~~جمعا كحوض وحياض وسوط وسياط أقيس من كونه مصدرا. وتعقب بأن إفراد النور
~~فيما بعد يرجح الأول، وياؤه منقلبة عن واو لإنكسار ما قبلها. وأصل الكلام
~~جعل الشمس ذات ضياء. ويجوز أن يجعل المصدر بمعنى اسم الفاعل أي مضيئة وأن
~~يبقى على ظاهره من غير مضاف فيفيد المبالغة بجعلها نفس الضياء. وقرأ ابن
~~كثير { ضئاء } بهمزتين بينهما ألف. والوجه فيه كما قال أبو البقاء: أن
~~يكون أخر الياء وقدم الهمزة فلما وقعت الياء طرفا بعد ألف زائدة قلبت
~~همزة عند قوم وعند آخرين قلبت ألفا ثم قلبت الألف همزة لئلا يجتمع ألفان.

# { والقمر نورا } أي ذا نور أو منيرا أو نفس النور على حد ما
~~تقدم آنفا والنور قيل أعم من الضوء بناء على أنه ما قوي من النور والنور
~~شامل للقوي والضعيف، والمقصود من قوله سبحانه:

# الله نور السموات والأرض

# [النور: 35] تشبيه هداه الذي نصبه للناس بالنور الموجود في الليل أثناء
~~الظلام والمعنى أنه تعالى جعل هداه كالنور في الظلام فيهدي قوم ويضل
~~آخرون ولو جعله كالضياء الذي لا يبقى معه ظلام لم يضل أحد وهو مناف
~~للحكمة وفيه نظر، وقيل: هما متباينان فما كان بالذات فهو ضياء وما كان
~~بالعرض فهو نور، ولكون الشمس نيرة بنفسها نسب إليها الضياء ولكون نور
~~القمر مستفادا منها نسب إليه النور. وتعقبه العلامة الثاني بأن ذلك قول
~~الحكماء وليس من اللغة في شيء فإنه شاع نور الشمس ونور النار / ونحن قد
~~بسطنا الكلام على ذلك فيما تقدم وفي كتابنا «الطراز المذهب» وأتينا بما
~~فيه هدى للناطرين.

# بقي أن حديث الاستفادة المذكورة سواء كانت على سبيل الانعكاس من غير أن
~~يصير جوهر القمر مستنيرا كما في المرآة ms03990 أو بأن يستنير جوهره على ما هو
~~الأشبه عند الإمام قد ذكرها كثير من الناس حتى القاضي في «تفسيره» وهو
~~مما لم يجىء من حديث من عرج إلى السماء صلى الله عليه وسلم وإنما جاء عن
~~الفلاسفة. وقد زعموا أن الأفلاك الكلية تسعة أعلاها فلك الأفلاك ثم فلك
~~الثوابت ثم فلك كيوان ثم فلك برجيس ثم فلك بهرام ثم فلك الشمس ثم فلك
~~الزهرة ثم فلك الكاتب ثم فلك القمر، وزعم صاحب «التحفة» أن فلك الشمس تحت
~~فلك الزهرة وما عليه الجمهور هو الأول، واستدل كثير منهم على هذا الترتيب
~~بما يبقى معه الاشتباه بين الشمس وبين الزهرة والكاتب كالكسف والانكساف
~~واختلاف المنظر الذي يتوصل إلى معرفته بذات الشعبتين لأن الأول لا يتصور
~~هناك لأن الزهرة والكاتب يحترقان عند الاقتران في معظم المعمورة والثاني
~~أيضا مما لا يستطاع علمه بتلك الآلة لأنها تنصب في سطح نصف النهار وهذان
~~الكوكبان لا يظهران هناك لكونهما حوالي الشمس بأقل من برجين فإذا بلغا
~~نصف النهار كانت الشمس فوق الأرض شرقية أو غربية فلا يريان أصلا، وجعل
~~الشمس في الفلك الأوسط لما في ذلك من حسن الترتيب كأنها شمسة القلادة أو
~~لأنها بمنزلة الملك في العالم فكما ينبغي للملك أن يكون في وسط العسكر
~~ينبغي لها أن تكون في وسط كرات العالم أمر إقناعي بل هو من قبيل التمسك
~~بجبال القمر، ومثل ذلك تمسكهم في عدم الزيادة على هذه الأفلاك بأنه لا
~~فضل في الفلكيات مع أنه لزم عليه أن يكون ثخن الفلك الأعظم أقل ما يمكن
~~أن يكون للأجسام من الثخانة إذ لا كوكب فيه حتى يكون ثخنه مساويا لقطره
~~فالزائد على أقل ما يمكن فضل. وقد بين في «رسالة الأبعاد والأجرام» أنه
~~بلغ الغاية في الثخن. وقد قدمنا لك ذلك وحينئذ يمكن أن يكون لكل من
~~الثوابت فلك على حدة وأن تكون تلك الأفلاك متوافقة في حركاتها جهة وقطبا
~~ومنطقة وسرعة بل لو قيل بتخالف بعضها لم يكن هناك دليل ينفيه لأن ms03991 المرصود
~~منها أقل قليل فيمكن أن يكون بعض ما لم يرصد متخالفا على أن من الناس من
~~أثبت كرة فوق كرة الئوابت وتحت الفلك الأعظم واستدل على ذلك بما استدل،
~~ومن علم أن أرباب الارصاد منذ زمان يسير وجدوا كوكبا سيارا أبطأ سيرا
~~من زحل وسموه هرشلا وقد رصده لالنت فوجده يقطع البرج في ست سنين شمسية
~~وأحد عشر شهرا وسبعة وعشرين يوما وهو ويوم تحريرنا هذا المبحث وهو
~~اليوم الرابع والعشرون من جمادى الآخرة سنة الألف والمائتين والست
~~والخمسين حيث الشمس في السنبلة قد قطع من الحوت درجة واحدة وثلاث عشرة
~~دقيقة راجعا لا يبقى له اعتماد على ما قاله المتقدمون، ويجوز أمثال ما
~~ظفر به هؤلاء المتأخرون، وأيضا من الجائز أن تكون الأفلاك ثمانية لإمكان
~~كون جميع الثوابت مركوزة في محدب ممثل زحل أي في متممه الحاوي على أنه
~~يتحرك بالحركة البطيئة والفلك الثامن يتحرك بالحركة السريعة وحينئذ تكون
~~دائرة البروج المارة بأوائل البروج منتقلة بحركة الثامن غير منتقلة بحركة
~~الممثل ليحصل انتقال الثوابت بحركة الممثل من برج إلى برج كما هو الواقع.

# وقد صرح البرجندي أن القدماء لم يثبتوا الفلك الأعظم وإنما أثبته
~~المتأخرون، وأيضا يجوز أن تكون سبعة بأن يفرض الثوابت ودائرة البروج على
~~محدب ممثل زحل ويكون هناك نفسان تتصل إحداهما بمجموع السبعة وتحركها إحدى
~~الحركتين الأوليين والأخرى بالكرة السابعة وتحركها الأخرى ولكن بشرط / أن
~~تفرض دوائر البروج متحركة بالسريعة دون البطيئة كتحركها متوهمة على سطوح
~~الممثلات بالسريعة دون البطيئة لينقل الثوابت بالبطيئة من برج إلى برج
~~كما هو الواقع ونحن من وراء المنع فيما يرد على هذا الاحتمال، وأيضا ذكر
~~الإمام أنه لم لا يجوز أن تكون الثوابت تحت فلك القمر فتكون تحت كرات
~~السيارة لا فوقها. وما يقال: من أنا نرى أن هذه السيارة تكسف الثوابت
~~والكاسف تحت المكسوف لا محالة مدفوع بأن هذه السيارات إنما تكسف الثوابت
~~القريبة من المنطقة دون القريبة من القطبين فلم لا يجوز أن يقال: هذه
~~الثوابت القريبة ms03992 من المنطقة مركوز في الفلك الثامن والقريبة من القطبين
~~مركوزة في كرة أخرى تحت كرة القمر. على أنه لم لا يجوز أن يقال: الكواكب
~~تتحرك بأنفسها من غير أن تكون مركوزة في جسم آخر ودون إثبات الامتناع خرط
~~القتاد.

# وذكروا في استفادة نور القمر من ضوء الشمس إنه من الحدسيات لاختلاف
~~أشكاله بحسب قربه وبعده منها وذلك كما قال ابن الهيثم لا يفيد الجزم
~~بالاستفادة لاحتمال أن يكون القمر كرة نصفها مضيء ونصفها مظلم ويتحرك على
~~نفسه فيرى هلالا ثم بدرا ثم ينمحق وهكذا دائما، ومقصوده أنه لا بد من
~~ضم شيء آخر إلى اختلاف الأشكال حسب القرب والبعد ليدل على المدعى وهو
~~حصول الخسوف عند توسط الأرض بينه وبين الشمس. وبعض المحققين كصاحب «حكمة
~~العين» وصاحب «المواقف» نقلوا ما نقلوا عن ابن الهيثم ولم يقفوا على
~~مقصوده منه فقالوا: إنه ضعيف وإلا لما انخسف القمر في شيء من الاستقبالات
~~أصلا وذلك كما قال العاملي عجيب منهم، وأنت تعلم أن لا جزم أيضا وأن ضم
~~ما ضم لجواز أن يكون سبب آخر لاختلاف تلك الأشكال النورية لكنا لا نعلمه
~~كأن يكون كوكب كمد تحت فلك القمر ينخسف به في بعض استقبالاته.

# وإن طعن في ذلك بأنه لو كان لرؤي. قلنا: لم لا يجوز أن يكون ذلك
~~الاختلاف والخسوف من آثار إرادة الفاعل المختار من دون توسط القرب والبعد
~~من الشمس وحيلولة الأرض بينها وبينه بل ليس هناك إلا توسط الكاف والنون
~~وهو كاف عند من سلمت عينه من الغين.

# وللمتشرعين من المحدثين وكذا لساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم
~~كلمات شهيرة في هذا الشأن، ولعلك قد وقفت عليها وإلا فستقف بعد إن شاء
~~الله تعالى. وقد استندوا فيما يقولون إلى أخبار نبوية وأرصاد قلبية وغالب
~~الأخبار في ذلك لم تبلغ درجة الصحيح وما بلغ منها آحاد ومع هذا قابل
~~للتأويل بما لا ينافي مذهب الفلاسفة والحق أنه لا جزم بما يقولونه في
~~ترتيب الأجرام العلوية وما يلتحق بذلك وأن القول ms03993 به مما لا يضر بالدين
~~إلا إذا صادم ما علم مجيئه عن النبي صلى الله عليه وسلم. هذا وسمي
~~القمر قمرا لبياضه كما قال الجوهري، واعتبر هو وغيره كونه قمرا بعد
~~ثلاث.

# { وقدره } أي قدر له وهيأ { منازل } أو قدر مسيره في منازل
~~فمنازل على الأول مفعول به وعلى الثاني نصب على الظرفية، وجوز أن يكون
~~قدر بمعنى جعل المتعدي لواحد و { منازل } حال من مفعوله أي جعله
~~وخلقه متنقلا وإن يكون بمعنى جعل المتعدي لاثنين أي صيره ذا منازل،
~~وإياما كان فالضمير للقمر وتخصيصه بهذا التقدير لسرعة سيره بالنسبة إلى
~~الشمس ولأن منازله معلومة محسوسة ولكونه عمدة في تواريخ العرب ولأن أحكام
~~الشرع منوطة به في الأكثر، وجوز أن يكون الضمير له وللشمس بتأويل كل
~~منهما، والمنازل ثمانية وعشرون وهي الشرطان والبطين والثريا
~~والدبران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرف والجبهة والزبرة
~~والصرفة / والعواء. والسماك الاعزل والعفرة والزباني والإكليل والقلب
~~والشولة والنعائم والبلدة وسعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية
~~وفرغ الدلو المقدم والفرغ المؤخر وبطن الحوت، وهي مقسمة على البروج
~~الاثنى عشر المهشورة فيكون لكل برج منزلان وثلث، والبرج عندهم ثلاثون
~~درجة حاصلة من قسمة ثلثمائة وستين أجزاء دائرة البروج على اثنى عشر،
~~والدرجة عندهم منقسمة بستين دقيقة وهي منقسمة بستين ثانية وهي منقسمة
~~بستين ثالثة وهكذا إلى الروابع والخوامس والسوادس وغيرها، ويقطع القمر
~~بحركته الخاصة في كل يوم بليلته ثلاث عشرة درجة وثلاث دقائق وثلاثا
~~وخمسين ثانية وستا وخمسين ثالثة، وتسمية ما ذكرنا منازل مجاز لأنه عبارة
~~عن كواكب مخصوصة من الثوابت قريبة من المنطقة، والمنزلة الحقيقية للقمر
~~الفراغ الذي يشغله جرم القمر على أحد الأقوال في المكان، فمعنى تزول
~~القمر في هاتيك المنازل مسامتته إياها، وكذا تعتبر المسامتة في نزوله في
~~البروج لأنها مفروضة أولا في الفلك الأعظم.

# وأما تسمية نحو الحمل والثور والجوزة بذلك فباعتبار المسامتة أيضا.

# وكان أول المنازل الشرطين ويقال له النطح وهو لأول الحمل ثم تحركت حتى
~~صار أولها على ما حرره ms03994 المحققون من المتأخرين الفرغ المؤخر ولا يثبت على
~~ذلك لأن للثوابت حركة على التوالي على الصحيح وإن كانت بطيئة وهي حركة
~~فلكها، ومثبتو ذلك اختلفوا في مقدار المدة التي يقطع بها جزأ واحدا من
~~درجات منطقته فقيل هي ست وستون سنة شمسية أو ثمان وستون سنة قمرية، وذهب
~~ابن الأعلم إلى أنها سبعون سنة شمسية أو ثمان وستون سنة قمرية، وذهب ابن
~~الأعلم إلى أنها سبعون سنة شمسية وطابقه الرصد الجديد الذي تولاه نصير
~~الطوسي بمراغة، وزعم محيى الدين أحد أصحابه أنه تولى رصد عدة من الثوابت
~~كعين الثور وقلب العقرب بذلك الرصد فوجدها تتحرك في كل ست وستين سنة
~~شمسية درجة واحدة، وادعى بطليموس أنه وجد الثوابت القريبة إلى المنطقة
~~متحركة في كل مائة سنة شمسية درجة والله تعالى أعلم بحقائق الأحوال وهو
~~المتصرف في ملكه وملكوته حسبما يشاء.

# { لتعلموا عدد السنين } التي يتعلق بها غرض علمي لإقامة
~~مصالحكم الدينية والدنيوية { والحساب } أي ولتعلموا الحساب بالأوقات
~~من الأشهر والأيام وغير ذلك مما نيط به شيء من المصالح المذكورة، واللام
~~على ما يفهم من «أمالي عز الدين بن عبد السلام» متعلقة بقدر. واستشكل هو
~~ذلك بأن علم العدد والحساب لا يفتقر لكون القمر مقدرا بالمنازل بل طلوعه
~~وغروبه كاف. وذكر بعضهم أن حكمة ذلك صلاح الثمار بوقوع شعاع القمر عليها
~~وقوعا تدريجيا، وكونه أدل على وجوده سبحانه وتعالى إذ كثرة اختلاف
~~أحوال الممكن وزيادة تفاوت أوصافه أدعى إلى احتياجه إلى صانع حكيم واجب
~~بالذات وغير ذلك مما يعرفه الواقفون على الأسرار؛ وأجاب مولانا سري الدين
~~بأن المراد من الحساب حساب الأوقات بمعرفة الماضي من الشهر والباقي منه
~~وكذا من الليل ثم قال: وهذا إذا علقت اللام  بقدره منازل  فإن علقته
~~بجعل الشمس والقمر لم يرد السؤال. ولعل الأولى على هذا أن يحمل {
~~السنين } على ما يعم السنين الشمسية والقمرية وإن كان المعتبر في
~~التاريخ العربي الإسلامي السنة القمرية، والتفاوت بين السنتين عشرة أيام
~~وإحدى عشرة ساعة ودقيقة واحدة، فإن السنة ms03995 الأولى عبارة عن ثلثمائة وخمسة
~~وستين يوما وخمس ساعات وتسع وأربعين دقيقة على مقتضى الرصد الايلخاني
~~والسنة الثانية عبارة عن ثلثمائة وأربعة وخمسين يوما وثماني ساعات وثمان
~~وأربعين دقيقة، وينقسم / كل منهما إلى بسيطة وكبيسة وبيان ذلك في محله.

# وتخصيص العدد بالسنين والحساب بالأوقات لما أنه لم يعتبر في السنين
~~المعدودة معنى مغاير لمراتب الأعداد كما اعتبر في الأوقات المحسوبة،
~~وتحقيقه أن الحساب إحصاء ما له كمية انفصالية بتكرير أمثاله من حيث يتحصل
~~بطائفة معينة منها عدد معين له اسم خاص وحكم مستقل كالسنة المتحصلة من
~~اثنى عشر شهرا قد تحصل كل من ذلك من أيام معلومة قد تحصل كل منها من
~~ساعات كذلك والعد مجرد إحصائه بتكرير أمثاله من غير اعتبار أن يتحصل بذلك
~~شيء كذلك، ولما لم يعتبر في السنين المعدودة تحصيل حد معين له اسم خاص
~~غير أسامي مراتب الأعداد وحكم مستقل أضيف إليها العدد، وتحصل مراتب
~~الأعداد من العشرات والمئات والألوف اعتباري لا يجدي في تحصيل المعدود
~~نفعا، وحيث اعتبر في الأوقات المحسوبة تحصيل ما ذكر من المراتب التي لها
~~أسام خاصة وأحكام مستقلة علق بها الحساب المنبىء عن ذلك، والسنة من حيث
~~تحققها في نفسها مما يتعلق به الحساب وإنما الذي يتعلق به العد طائفة
~~منها، وتعلقه في ضمن ذلك بكل واحدة من تلك الطائفة ليس من تلك الحيثية
~~المذكورة  أعني حيثية تحصلها من عدة أشهر  قد تحصل كل واحد منها من عدة
~~أيام قد حصل كل منها من عدة ساعات فإن ذلك وظيفة الحساب - بل من حيث إنها
~~فرد من تلك الطائفة المعدودة من غير أن يعتبر معها شيء غير ذلك.

# وتقديم العدد على الحساب مع أن الترتيب بين متعلقيهما وجودا وعلما على
~~العكس لأن العلم المتعلق بعدد السنين له علم إجمالي بما تعلق به الحساب
~~تفصيلا وإن لم تتحد الجهة أو لأن العدد من حيث إنه لم يعتبر فيه تحصيل
~~أمر آخر حسبما حقق آنفا نازل من الحساب الذي اعتبر فيه ذلك منزلة ms03996 البسيط
~~من المركب قاله شيخ الإسلام.

# { ما خلق الله ذلك } أي ما ذكر من الشمس والقمر على ما حكى
~~سبحانه من الأحوال { إلا بالحق } استثناء من أعم أحوال الفاعل
~~والمفعول، والباء للملابسة أي ما خلق ذلك ملتبسا بشيء من الأشياء إلا
~~ملتبسا بالحق مراعيا فيه الحكمة والمصلحة أو مراعى فيه ذلك فالمراد
~~بالحق هنا خلاف الباطل والعبث { يفصل الآيت } أي الآيات
~~التكوينية المذكورة أو الأعم منها ويدخل المذكور دخولا أوليا أو نفصل
~~الآيات التنزيلية المنبهة على ذلك. وقرىء { نفصل } بنون العظمة وفيه
~~التفات { لقوم يعلمون } الحكمة في إبداع الكائنات فيستدلون بذلك
~~على شؤون مبدعها جل وعلا أو يعلمون ما في تضاعيف الآيات المنزلة فيؤمنون
~~بها. وتخصيص التفصيل بهم على الاحتمالين لأنهم المنتفعون به، والمراد
~~لقوم عقلاء من ذوي العلم فيعم من ذكرنا وغيرهم.

### || [10.6]

# { إن فى اختلف اليل والنهار } تنبيه آخر إجمالي على
~~ما ذكر أي في تعاقبهما وكون كل منهما خلفة للآخر بحسب طلوع الشمس وغروبها
~~التابعين عند أكثر الفلاسفة لحركة الفلك الأعظم حول مركزه على خلاف
~~التوالي فإنه يلزمها حركة سائر الأفلاك وما فيها من الكواكب على ما تقدم
~~مع سكون الأرض وهذا في أكثر المواضع وأما في عرض تسعين فلا يطلع شيء ولا
~~يغرب بتلك الحركة أصلا بل بحركات أخرى وكذا فيما يقرب منه قد يقع طلوع
~~وغروب بغير ذلك وتسمى تلك الحركة الحركة اليومية وجعلها بعضهم بتمامها
~~للأرض وجعل آخرون بعضها للأرض وبعضها للفلك الأعظم، والمشهور عند كثير من
~~المحدثين أن الشمس نفسها تجري مسخرة بإذن الله تعالى في بحر مكفوف فتطلع
~~وتغرب حيث شاء الله تعالى / ولا حركة للسماء وإلى مثل ذلك ذهب الشيخ
~~الأكبر قدس سره.

# ويجوز أن يراد باختلاف الليل والنهار تفاوتهما في أنفسهما بازدياد كل
~~منهما بانتقاص الآخر وانتقاصه بازدياده وهو ناشىء عندهم من اختلاف حال
~~الشمس بالنسبة إلينا قربا وبعدا بسبب حركتها الثانية التي بها تختلف
~~الأزمنة، وتنقسم السنة إلى فصول وقد يتساوى الليل والنهار في بعض الأزمان
~~عند بعض وذلك ms03997 إنما يكون إذا اتفق حلول الشمس نقطة الاعتدال عند الطلوع أو
~~الغروب وكان الأوج في أحد الاعتدالين فإنه إذا تحقق الأول كان قوس النهار
~~كقوس الليل وإذا تحقق الثاني كان الأمر بالعكس وهذا نادر جدا، ولا يمكن
~~على ما ذهب إليه بطليموس من عدم حركة الأوج فلا يتساوى الليل والنهار
~~عنده أصلا. وقد يراد اختلافهما بحسب الأمكنة أما في الطول والقصر فإن
~~البلاد القريبة من القطب الشمالي أيامها الصيفية أطول ولياليها الصيفية
~~أقصر من أيام البلاد البعيدة منه ولياليها، وأما في أنفسهما فإن كرية
~~الأرض على ما قالوا تقتضي أن تكون بعض الأوقات في بعض الأماكن ليلا وفي
~~مقابله نهارا.

# { وما خلق الله فى السموات والارض } من المصنوعات
~~المتقنة والآثار المحكمة { لأيت } عظيمة كثيرة دالة على وجود الصانع
~~تعالى ووحدته وكمال قدرته وبالغ حكمته التي من جملة مقتضياته ما أنكروا
~~من إرسال الرسول وإنزال الكتاب وتبيين طرائق الهدى وتعيين مهاوي الرد {
~~لقوم يتقون } الله تعالى ويحذرون من العاقبة، وخصصهم سبحانه
~~بالذكر لأن التقوى هي الداعية للنظر والتدبر.

### || [10.7]

# { إن الذين لا يرجون لقاءنا } بيان لمآل أمر من كفر
~~بالبعث المشار إليه فيما سبق، وأعرض عن البينات الدالة عليه، والمراد
~~بلقائه تعالى شأنه إما الرجوع إليه بالبعث أو لقاء الحساب، وأياما كان
~~ففيه مع الالتفات إلى ضمير الجلالة من تهويل الأمر ما لا يخفى. والرجاء
~~يطلق على توقع الخير كالأمل وعلى الخوف وتوقع الشر وعلى مطلق التوقع وهو
~~في الأول حقيقة وفي الأخيرين مجاز، واختار بعض المحققين المعنى المجازي
~~الأخير المنتظم للأمل والخوف، فالمعنى لا يتوقعون الرجوع إلينا أو لقاء
~~حسابنا المؤدي إلى حسن الثواب أو إلى سوء العقاب فلا يأملون الأول ولا
~~يخافون الثاني ويشير إلى عدم أملهم قوله سبحانه: { ورضوا
~~بالحيوة الدنيا } فإنه منبىء عن إيثار الأدنى الخسيس على الأعلى
~~النفيس وإلى عدم خوفهم قوله عز وجل { واطمأنوا بها } فإن المراد
~~أنهم سكنوا فيها سكون من لا براح له آمنين من اعتراء المزعجات غير مخطرين
~~ببالهم ما يسوءهم من ms03998 العذاب، وجوز أن يراد بالرجاء المعنى الأول والكلام
~~على حذف مضاف أي لا يؤملون حسن لقائنا بالبعث والاحياء بالحياة الأبدية
~~ورضوا بدلا منها ومما فيها من الكرامات السنية بالحياة الدنيا الفانية
~~الدنية وسكنوا إليها مكبين عليها قاصرين مجامع هممهم على لذائذها
~~وزخارفها من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم، وجوز أن يراد به المعنى
~~الثاني والكلام على حذف المضاف أيضا أي لا يخافون سوء لقائنا الذي يجب
~~أن يخاف، وتعقب بأن كلمة الرضا بالحياة الدنيا تأبى ذلك فإنها منبئة عما
~~تقدم من ترك الأعلى وأخذ الأدنى، وقال الآمام: إن حمل الرجاء على الخوف
~~بعيد لأن تفسير الضد بالضد غير جائز ولا يخفى أنه في حيز المنع فقد ورد
~~ذلك في استعمالهم وذكره الراغب والإمام المرزوقي وأنشدوا شاهدا له قول
~~أبي ذؤيب:

# إذا لسعته النحل لم يرج لسعها

# وحالفها في بيت نوب عوامل

# ووجه ذلك الراغب بأن الرجاء والخوف يتلازمان، وأما الاعتراض على الإمام
~~بأن استعمال الضد في الضد جائز في الاستعارة التهكمية فليس بشيء لأن
~~مقصوده رحمه الله تعالى أن ذلك غير جائز في غير الاستعارة المذكورة كما
~~يشعر به قوله تفسير دون استعارة ثم إنه لا يجوز اعتبار هذه الاستعارة هنا
~~لأن التهكم غير مراد كما لا يخفى، ويعلم مما ذكرنا في تفسير الآية أن
~~الباء للظرفية، وجوز أن تكون للسببية على معنى سكنوا بسبب زينتها
~~وزخارفها، واختيار صيغة الماضي في الخصلتين الأخيرتين للدلالة على التحقق
~~والتقرر كما أن اختيار صيغة المستقبل في الأولى للإيذان بالاستمرار.

# { والذين هم عن ءايتنا } المفصلة في صحائف الأكوان حسبما
~~أشير إلى بعضها أو آياتنا المنزلة المنبهة على الاستدلال بها المتفقة
~~معها في الدلالة على حقية ما لا يرجونه من اللقاء المترتب على البعث وعلى
~~بطلان ما رضوا به واطمأنوا فيه من الحياة الدنيا { غفلون } لا
~~يتفكرون فيها أصلا وإن نبهوا بما نبهوا لانهماكهم بما يصدهم عنها من
~~الأحوال المعدودة، وتكرير الموصول للتوصل به إلى هذه الصلة المؤذنة بدوام
~~غفلتهم واستمرارها والعطف لمغايرة الوصف ms03999 المذكور لما قبله من الأوصاف وفي
~~ذلك تنبيه على أنهم جامعون لهذا وتلك وأن كل واحد منهما متميز مستقل صالح
~~لأن يكون منشأ للذم والوعيد، والقول بأن ذلك لتغاير الوصفين والتنبيه على
~~أن الوعيد على الجمع بين الذهول عن الآيات رأسا والانهماك في الشهوات
~~بحيث لا يخطر ببالهم الآخرة أصلا ليس بشيء إذ يفهم من ظاهره أن كلا
~~منهما غير موجب للوعيد بالاستقلال بل الموجب له المجموع وهو كما ترى،
~~وكونه لتغاير الفريقين بأن يراد من الأولين من أنكر البعث ولم يرد إلا
~~الحياة الدنيا وبالآخرين من ألهاه حب العاجل عن التأمل في الآجل والإعداد
~~له كأهل الكتاب الذين ألهاهم حب الدنيا والرياسة عن الإيمان والاستعداد
~~للآخرة بعيد غاية البعد في هذا المقام.

### || [10.8]

# { أولئك } أي الموصوفون بما ذكر { مأواهم } أي مسكنهم
~~ومقرهم الذي لا براح لهم منه { النار } لا ما اطمأنوا به من الحياة
~~الدنيا ونعيمها { بما كانوا يكسبون } من الأعمال القلبية
~~المعدودة وما يستتبعه من المعاصي أو يكسبهم ذلك، والجمع بين صيغتي الماضي
~~والمضارع للدلالة على الاستمرار، والباء متعلقة بما دل عليه الجملة
~~الأخيرة الواقعة خبرا عن اسم الإشارة وقدره أبو البقاء جوزوا، وجملة {
~~أولئك } الخ خبر إن في قوله سبحانه:

# إن الذين لا يرجون

# [يونس: 7] الخ.

### || [10.9]

# { إن الذين ءامنوا } بما يجب الإيمان به ويندرج فيه الإيمان
~~بالآيات التي غفل عنها الغافلون اندراجا أوليا وقد يخص المتعلق بذلك
~~نظرا للمقام { وعملوا الصلحات } أي الأعمال الصالحة في
~~أنفسها اللائقة بالإيمان وترك ذكر الموصوف لجريان الصفة مجرى الأسماء {
~~يهديهم ربهم بإيمانهم } أي يهديهم بسبب إيمانهم إلى
~~مأواهم ومقصدهم وهي الجنة وإنما لم تذكر تعويلا على ظهورها وانسياق
~~النفس إليها لا سيما مع ملاحظة ما سبق من بيان مأوى الكفرة وما أداهم
~~إليه من الأعمال السيئة ومشاهدة ما لحق من التلويح والتصريح. / والمراد
~~بهذا الإيمان الذي جعل سببا لما ذكر الإيمان الخاص المشفوع بالأعمال
~~الصالحة لا المجرد عنها ولا ما هو الأعم ولا ينبغي أن ينتطح في ذلك
~~كبشان، والآية ms04000 عليه بمعزل عن الدلالة على خلاف ما عليه الجماعة من أن
~~الإيمان الخالي عن العمل الصالح يفضي إلى الجنة في الجملة ولا يخلد صاحبه
~~في النار فإن منطوقها أن الإيمان المقرون بالعمل الصالح سبب للهداية إلى
~~الجنة، وأما إن كل ما هو سبب لها يجب أن يكون كذلك فلا دلالة لها ولا
~~لغيرها عليه كيف لا وقوله سبحانه:

# الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمنهم بظلم
~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون

# [الأنعام: 82] مناد بخلافه بناء على ما أطبقوا عليه من تفسير الظلم
~~بالشرك ولئن حمل على ظاهره أيضا يدخل في الاهتداء من آمن ولم يعمل
~~صالحا ثم مات قبل أن يظلم بفعل حرام أو بترك واجب.

# وإلى حمل الإيمان على ما قلنا ذهب الزمخشري وقال: ((إن الآية تدل على أن
~~الإيمان المعتبر في الهداية إلى الجنة هو الإيمان المقيد بالعمل الصالح،
~~ووجه ذلك بأنه جعل فيها الصلة مجموع الأمرين فكأنه قيل: إن الذين جمعوا
~~بين الإيمان والعمل الصالح ثم قيل: بإيمانهم أي هذا المضموم إليه العمل
~~الصالح)). وزعم بعضهم أن ذلك منه مبني على الاعتزال وخلود غير الصالح في
~~النار، ثم قال إنه لا دلالة في الآية على ما ذكره لأنه جعل سبب الهداية
~~إلى الجنة مطلق الإيمان، وأما أن إضافته إلى ضمير الصالحين يقتضي أخذ
~~الصلاح قيدا في التسبب فممنوع فإن الضمير يعود على الذوات بقطع النظر عن
~~الصفات، وأيضا فإن كون الصلة علة للخبر بطريق المفهوم فلا يعارض السبب
~~الصريح المنطوق على أنه ليس كل خبر عن الموصول يلزم فيه ذلك، ألا ترى أن
~~نحو الذي كان معنا بالأمس فعل كذا خال عما يذكرونه في نحو الذي يؤمن يدخل
~~الجنة، وانتصر للزمخشري بأن الجمع بين الإيمان والعمل الصالح ظاهر في
~~أنهما السبب والتصريح بسببية الإيمان المضاف إلى ضمير { الذين
~~آمنوا وعملوا الصالحات } كالتنصيص على أنه ذلك الإيمان
~~المقرون بما معه لا المطلق لكنه ذكر لأصالته وزيادة شرفه، ولا يلزم على
~~هذا استدراك ذكره ولا استقلاله بالسببية.

# وفيه رد على القاضي ms04001 البيضاوي حيث ادعى أن مفهوم الترتيب وإن دل على أن
~~سبب الهداية الإيمان والعمل الصالح لكن منطوق قوله سبحانه: {
~~بإيمانهم } دل على استقلال الإيمان. ومنع في «الكشف» أيضا كون
~~المنطوق ذلك وفرعه على كون الاستدلال من جعل الإيمان والعمل الصالح
~~واقعين في الصلة ليجريا مجرى العلة ثم لما أعيد الإيمان مضافا كان إشارة
~~إلى الإيمان المقرون لما ثبت أن استعمال ذلك إنما يكون حيث معهود
~~والمعهود السابق هو هذا والأصل عدم غيره، ثم قال: ولو سلم أن المنطوق ذلك
~~لم يضر الزمخشري لأن العمل يعد شرطا حينئذ جمعا بين المنطوق والمفهوم
~~بقدر الإمكان فلم يلغ اقتران العمل ولا دلالة السببية، وهذا فائدة إفراده
~~بالذكر ثانيا مع ما فيه من الأصالة وزيادة الشرف، ولا مخالف له من
~~الجماعة لأن العصاة غير مهديين، وأما أن كل من ليس مهتديا فهو خالد في
~~النار فهو ممنوع غاية المنع انتهى.

# وفي القلب: من هذا المنع شيء والأولى التعويل على ما قدمناه في تقرير
~~كون الآية بمعزل عن الدلالة على خلاف ما عليه الجماعة، والهداية على هذا
~~الوجه يحتمل أن تفسر بالدلالة الموصلة إلى البغية وبمجرد الدلالة
~~والمختار الأول، واختار الثاني من قال: إن المعنى يهديهم طريق الجنة بنور
~~إيمانهم، وذلك أما على تقدير المضاف أو على أن إيمانهم يظهر نورا بين
~~أيديهم، وقيل: إن المعنى يسددهم بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك السبيل
~~المؤدي إلى الثواب والهداية عليه بالمعنى الأول، وقيل: المراد يهديهم إلى
~~إدراك حقائق الأمور فتنكشف لهم بسبب ذلك، وأيا ما كان فالالتفات في /
~~قوله سبحان: { ربهم } لتشريفهم بإضافة الرب إليهم مع الإشعار بعلة
~~الهداية.

# وقوله تعالى: { تجري من تحتهم الأنهر } أي من تحت
~~منازلهم أو من بين أيديهم، استئناف نحوي أو بياني فلا محل له من الإعراب
~~أو خبر ثان لأن فمحله الرفع. وجوز أن يكون في محل النصب على الحال من
~~مفعول { يهديهم } على تقدير كون المهدي إليه ما يريدون في الجنة كما
~~قال أبو البقاء، وإن جعل حالا منتظرة لم ms04002 يحتج إلى القول بهذا التقدير
~~لكنه خلاف الظاهر، والزمخشري لما فسر { يهديهم ربهم } بيسددهم
~~الخ جعل هذه الجملة بيانا له وتفسيرا لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول
~~إليها، ولا يخفى أن سبيل هذا البيان سبيل البدل وبذلك صرح الطيبي
~~وحينئذ فمحلها الرفع لأنه محل الجملة المبدل منها وقوله سبحانه: { في
~~جنت النعيم } خبر آخر أو حال أخرى من مفعول { يهديهم }
~~فتكون حالا مترادفة أو من { الأنهر } فتكون متداخلة أو متعلق
~~بتجري أو بيهدي والمراد على ما قيل بالمهدي إليه إما منازلهم في الجنة أو
~~ما يريدونه فيها.

### || [10.10]

# { دعواهم } أي دعاؤهم وهو مبتدأ، وقوله تعالى شأنه: { فيها }
~~متعلق به، وقوله سبحانه: { سبحنك اللهم } خبره أي دعاؤهم هذا
~~الكلام، والدعوى وإن اشتهرت بمعنى الادعاء لكنها وردت بما ذكرنا أيضا،
~~وكون الخبر من جنس الدعاء يشهد له قوله صلى الله عليه وسلم:

# " أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفات لا إله إلا الله وحده لا شريك
~~له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير "

# والظاهر أن إطلاق الدعاء على ذلك مجاز وهو الذي يفهمه كلام ابن الأثير
~~حيث قال: ((إنما سمى التهليل والتحميد والتمجيد دعاء لأنه بمنزلته في
~~استيجاب ثواب الله تعالى وجزائه. وفي الحديث

# " إذا شغل عبدي ثناؤه علي من مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين "

# )) وجاءت بمعنى العبادة كما في قوله سبحانه:

# وأعتزلكم وما تدعون من دون الله

# [مريم: 48] وجوز إرادته هنا والمراد نفي التكليف أي لا عبادة لهم غير
~~هذا القول وليس ذلك بعبادة وإنما يلهمونه وينطقون به تلذذا لا تكليفا.
~~ونظير ذلك قوله سبحانه:

# وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية

# [الأنفال: 35] وفيه خفاء كما لا يخفى وقد يقال: يأتي نظير هذا في الآية
~~على احتمال أن يراد بالدعوى الدعاء حقيقة فيكون المعنى على طرز ما قرر
~~أنه لا سؤال لهم من الله تعالى سوى ذلك، ومن المعلوم أن ذلك ليس بسؤال
~~فيفيد أنه لا سؤال لهم أصلا.

# والغرض من ذلك الإشارة إلى حصول جميع مقاصدهم بالفعل ms04003 فليس بهم حاجة إلى
~~سؤال شيء إلا أن فيه ما فيه ونصب  سبحان  على المصدرية لفعل محذوف
~~وجوبا وهو بمعنى التسبيح. وقدرت الجملة اسمية أي إنا نسبحك تسبيحا
~~لأنها أبلغ والجمل التي بعدها كذلك، و { اللهم } بتقدير يا الله حذف
~~حرف النداء وعوض عنه الميم وتمام الكلام فيه وفيما قبله قد تقدم لك
~~فتذكر، وكان القياس تقديم الاسم الجليل لأن النداء يقدم على الدعاء لكنه
~~استعمل في التسبيح كذلك قيل لأنه تنزيه عن جميع النقائص وفي النداء ربما
~~يتوهم ترك الأدب.

# { وتحيتهم } أي ما يحيون به { فيها سلم } أي سلامتهم من
~~كل مكروه، وهو خبر { تحيتهم } و { فيها } متعلق بها، والتحية
~~والتكرمة بالحال الجليلة وأصلها أحياك الله تعالى حياة طيبة، وإضافتها
~~هنا إلى المفعول، والفاعل إما الله سبحانه أي تحية الله تعالى إياهم ذلك
~~ويرشد إليه قوله عز وجل:

# سلام قولا من رب رحيم

# [يس: 58] أو الملائكة عليهم السلام ويرشد إليه قوله سبحانه:

# والملئكة يدخلون عليهم من كل باب سلم

# [الرعد: 23]. / وجوز أن تكون الإضافة إلى الفاعل بتقدير مضاف أي تحية
~~بعضهم بعضا آخر ذلك.

# وقد يعتبر البعض المقدر مفعولا فالإضافة إلى المفعول والفعل محذوف،
~~وقيل: يجوز أن يكون مما أضيف فيه المصدر لفاعله ومفعوله معا إذا كان
~~المعنى يحيي بعضهم بعضا، ونظيره في الإضافة إلى الفاعل والمفعول قوله
~~تعالى:

# وكنا لحكمهم شهدين

# [الأنبياء: 78] حيث أضيف حكم إلى ضمير داود وسليمان عليهما السلام وهما
~~حاكمان وغيرهما وهم المحكوم عليهم، وليس ذلك من باب الجمع بين الحقيقة
~~والمجاز المختلف فيه حيث إن إضافة المصدر لفاعله حقيقة ولمفعوله مجاز
~~لأنه لا خلاف في جواز الجمع إذا كان المجاز عقليا إنما الخلاف فيه إذا
~~كان لغويا { وآخر دعواهم } أي خاتمة دعائهم { أن الحمد
~~لله رب العلمين } أي أنه الحمد لله فأن مخففة من الثقيلة
~~واسمها ضمير شأن محذوف والجملة الاسمية خبرها و { أن } ومعمولاها خبر {
~~آخر } ، وليست مفسرة لفقد شرطها، ولا زائدة لأن الزيادة خلاف الأصل ولا
~~داعي إليها، على أنه قد قرأ ms04004 ابن محيصن ومجاهد وقتادة ويعقوب بتشديدها
~~ونصب { الحمد } وفي ذلك دليل لما قلنا، والظاهر أن تحقق مضمون هذه
~~الجمل لكونها اسمية على سبيل الدوام والاستمرار وفي الإخبار ما يؤيده،
~~فلعل القوم لما دخلوا الجنة حصل لهم من العلم بالله تعالى ما لم يحصل لهم
~~قبله على اختلاف مراتبهم.

# وقد صرح مولانا شهاب الدين السهروردي في بعض «رسائله في الكلام» بتفاوت
~~أهل الجنة في المعرفة فقال: إن عوام المؤمنين في الجنة يكونون في العلم
~~كالعلماء في الدنيا والعلماء فيها يكونون كالأنبياء عليهم السلام في
~~الدنيا والأنبياء عليهم السلام يكونون في ذلك كنبينا صلى الله عليه وسلم
~~ويكون لنبينا عليه الصلاة والسلام من العلم بربه سبحانه الغاية القصوى
~~التي لا تكون لملك مقرب ولا لنبي مرسل، ويمكن أن يكون ذلك المقام
~~المحمود. ولا يبعد عندي أنهم مع تفاوتهم في المعرفة لا يزالون يترقبون
~~فيها على حسب مراتبهم، والسير في الله سبحانه غير متناه والوقوف على
~~الكنه غير ممكن، وحينئذ التفاوت في معرفة الصفات وهي كما قيل إما سلبية
~~وتسمى بصفات الجلال لأنها يقال فيها: جل عن كذا جل عن كذا وإما غيرها
~~وتسمى بصفات الإكرام وبذلك فسر قوله تعالى:

# تبرك اسم ربك ذي الجلل والإكرام

# [الرحمن: 78] فلا يزالون يدعون الله تعالى بالتسبيح الذي هو إشارة إلى
~~نعته بنعوت الجلال وبالتحميد الذي هو إشارة إلى وصفه بصفات الإكرام،
~~والدوام عرفي وهو أكثر من أن يحصى، وقوله عليه الصلاة والسلام في وصف أهل
~~الجنة كما في «صحيح مسلم»:

# " يسبحون الله تعالى بكرة وعشيا "

# يؤيد بظاهره ذلك، والمراد بالبكرة والعشية  كما قال النووي  قدرهما،
~~وظاهر الآية أنهم يقدمون نعته تعالى بنعوت الجلال ويختمون دعاءهم بوصفه
~~بصفات الإكرام لأن الأولى متقدمة على الثانية لتقدم التخلية على التحلية،
~~ويرشد إلى ذلك قوله سبحانه:

# ليس كمثله شيء وهو السميع البصير

# [الشورى: 11] والمختار عندي كون فاعل التحية هو الله تعالى أو الملائكة
~~عليهم السلام وحينئذ لا يبعد أن يكون الترتيب الذكري حسب الترتيب
~~الوقوعي وذلك بأن يقال: إنهم حين ms04005 يشرعون بالدعاء يسبحون الله تعالى
~~وينزهونه فيقابلون بالسلام وهو دعاء بالسلامة عن كل مكروه فإن كان من
~~الله سبحانه فهو مجاز لا محالة لاستحالة حقيقة الدعاء عليه تعالى وإن كان
~~من الملائكة عليهم السلام فلا مانع من بقائه على حقيقته لكن يوجه الطلب
~~فيه إلى الدوام لأن أصل السلامة حاصل لهم وإن قلنا: إنها تقبل الزيادة
~~فلا بعد في أن يوجه إلى طلبها، وما ألطف مقابلة التسبيح والتنزيه
~~بالسلامة عن المكروه لقربها من ذلك معنى كما لا يخفى على المنصف ثم
~~يختمون دعاءهم بالحمد لله رب العالمين. وهكذا لا يزال دأبهم بكرة وعشيا
~~كما يشير إليه خبر «الصحيح»، ولعل / عدم ذكر التحميد فيه اكتفاء بما في
~~الآية وهذا ما عندي فيها.

# وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج قال: أخبرت أن أهل
~~الجنة إذا مر بهم الطائر يشتهونه قالوا: (سبحانك اللهم) وذلك دعاؤهم به
~~فيأتيهم الملك بما اشتهوا فإذا جاء الملك به يسلم عليهم فيردون عليه وذلك
~~قوله تعالى: { وتحيتهم فيها سلام } فإذا أكلوا قدر حاجتهم
~~قالوا: الحمد لله رب العالمين وذلك قوله سبحانه: { وآخر دعواهم
~~أن الحمد لله رب العالمين } وهو ظاهر في أن الترتيب
~~الذكرى حسب الترتيب الوقوعي أيضا لكن يدل على أن الدعوى بمعنى الدعاء،
~~ومعنى كون (سبحانك اللهم) دعاء وطلبا لما يشتهون حينئذ أنه علامة
~~للطلب، ونظير ذلك تسبيح المصلى إذا نابه شيء في صلاته وفي بعض الآثار أن
~~هذه الكلمة علامة بين أهل الجنة والخدم في الطعام فإذا قالوها أتوهم بما
~~يشتهون. وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب مرفوعا أنهم إذا قالوا ذلك
~~أتاهم ما اشتهوا من الجنة من ربهم ولا بأس في ذلك. نعم في كون الحمد بعد
~~أكل قدر حاجتهم مدلول قوله سبحانه: { وآخر دعواهم أن الحمد
~~لله رب العالمين } خفاء.

# وقال القاضي بيض الله تعالى غرة أحواله: لعل المعنى أنهم إذا دخلوا
~~الجنة وعاينوا عظمة الله سبحانه وكبرياءه مجدوه ونعتوه بنعوت الجلال ثم
~~حياهم الملائكة بالسلامة عن الآفات ms04006 والفوز بأصناف الكرامات أو الله تعالى
~~فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الإكرام وهو أيضا ظاهر في كون الترتيب الذكري
~~كما قلنا إلا أنه تعقب بأن إضافة { آخر } إلى { دعواهم } يأباه،
~~وكأن وجه الإباء على ما قيل: إن ذلك على هذا آخر الحال وبأن اعتبار الفوز
~~بالكرامات في مفهوم السلام غير ظاهر، ولعل الأمر في ذلك سهل.

# وقال شيخ الإسلام: لعلهم يقولون: { سبحانك اللهم } عندما
~~يعاينون [فيها] من تعاجيب آثار قدرته تعالى ونتائج رحمته ورأفته ما لا
~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر تقديسا لمقامه تعالى عن شوائب
~~العجز والنقصان وتنزيها لوعده الكريم عن سمات الخلف ويكون خاتمة دعائهم
~~أن يقولوا: { الحمد لله رب العالمين } نعتا له تعالى
~~شأنه بصفات الإكرام إثر نعته بصفات الجلال، والمعنى دعاؤهم منحصر فيما
~~ذكر إذ ليس لهم مطلب مترقب حتى ينظموه في سلك الدعاء، ولعل توسيط ذكر
~~تحيتهم عند الحكاية بين دعائهم وخاتمته للتوسل إلى ختم الحكاية بالتحميد
~~تبركا مع أن التحية ليست بأجنبية على الإطلاق انتهى.

# وكأنه أراد بعدم كون التحية أجنبية على الإطلاق كونها دعاء معنى، وكلامه
~~نص في أن الترتيب الوقوعي مخالف للترتيب الذكري، ولا يخفى أن توجيه توسيط
~~ذكر التحية بما ذكره مما لا يكاد يرتضيه منصف على أنه غفل هو وسائر من
~~وقفنا على كلامه من المفسرين عن توجيه اسمية الجمل فافهم، والله تعالى
~~أعلم.

### || [10.11]

# { ولو يعجل الله للناس } هم الذين لا يرجون لقاء الله
~~تعالى المذكورون في قوله سبحانه:

# إن الذين لا يرجون لقاءنا

# [يونس: 7] الخ، والآية متصلة بذلك دالة على استحقاقهم للعذاب وأنه
~~سبحانه إنما يمهلهم استدراجا وذكر المؤمنين وقع في البين تتميما
~~ومقابلة، وجىء بالناس بدل ضميرهم تفظيعا للأمر.

# وفي «إرشاد العقل السليم» إنما أوردوا باسم الجنس لما أن تعجيل الخير
~~لهم ليس دائرا على وصفهم المذكور إذ ليس كل ذلك بطريق الاستدراج،
~~والمراد لو يعجل الله تعالى لهم { الشر } الذي كانوا يستعجلون به
~~تكذيبا واستهزاءا فإنهم كانوا يقولون:

# اللهم إن كان هذا ms04007 هو الحق من عندك فأمطر
~~علينا حجارة / من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم

# ، [الأنفال: 32]

# ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين

# [يونس: 48] ونحو ذلك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال:
~~هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له، وأخرجا عن مجاهد
~~أنه قال: هو قول الإنسان لولده وماله إذا غضب اللهم لا تبارك فيه اللهم
~~العنه، وفيه حمل  الناس  على العموم والمختار الأول، ويؤيده ما قيل: من
~~أن الآية نزلت في النضر بن الحرث حين قال:

# اللهم إن كان هذا هو الحق

# [الأنفال: 32] الخ.

# وقوله سبحانه: { استعجالهم بالخير } نصب على المصدرية،
~~والأصل - على ما قال أبو البقاء  تعجيلا مثل استعجالهم فحذف تعجيلا
~~وصفته المضافة وأقيم المضاف إليه مقامها. وفي «الكشاف» ((وضع {
~~استعجالهم بالخير } موضع تعجيله لهم [الخير] إشعارا بسرعة
~~إجابته سبحانه لهم وإسعافه بطلبتهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل لهم))
~~((وهو كلام رصين يدل على دقة نظر صاحبه كما قال ابن المنير، إذ لا يكاد
~~يوضع مصدر مؤكد مقارنا لغير فعله في الكتاب العزيز بدون مثل هذه الفائدة
~~الجليلة، والنحاة يقولون في ذلك: أجري المصدر على فعل مقدر دل عليه
~~المذكور ولا يزيدون عليه، وإذا راجع الفطن قريحته وناجى فكرته علم أنه
~~إنما قرن بغير فعله لفائدة وهي في قوله تعالى:

# والله أنبتكم من الأرض نباتا

# [نوح: 17] التنبيه على نفوذ القدرة في المقدور وسرعة إمضاء حكمها حتى
~~كأن إنبات الله تعالى لهم نفس نباتهم أي إذا وجد الإنبات وجد النبات
~~حتما حتى كأن أحدهما عين الآخر فقرن به)).

# وقال الطيبي: كان أصل الكلام ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله ثم وضع
~~موضعه الاستعجال ثم نسب إليهم فقيل (استعجالهم بالخير) لأن المراد أن
~~رحمته سبقت غضبه فأريد مزيد المبالغة وذلك أن استعجالهم الخير أسرع من
~~تعجيل الله تعالى لهم ذلك فإن الإنسان خلق عجولا والله تعالى صبور حليم
~~يؤخر للمصالح الجمة التي لا يهتدي إليها عقل الإنسان ومع ذلك يسعفهم
~~بطلبتهم ويسرع إجابتهم.

# وأوجب ms04008 أبو حيان ((كون التقدير تعجيلا مثل استعجالهم أو أن ثم
~~محذوفا يدل علييه المصدر أي لو يعجل الله للناس الشر إذا استعجلوه
~~استعجالهم بالخير قال: لأن مدلول عجل غير مدلول استعجل لأن عجل يدل على
~~الوقوع واستعجل يدل على طلب التعجيل وذلك واقع من الله تعالى وهذا مضاف
~~إليهم فلا يجوز ما قرره الزمخشري وأتباعه)) وأجاب السفاقسي بأن استفعل
~~هنا للدلالة على وقوع الفعل لا على طلبه كاستقر بمعنى أقر، وقوله: وهذا
~~مضاف إليهم مبني على أن المصدر مضاف للفاعل ويحتمل أن يكون مضافا
~~للمفعول ولا يخفى أن كل ذلك ناشئ من قلة التدبر.

# ومعنى قوله سبحانه: { لقضى إليهم أجلهم } لأميتوا وأهلكوا
~~بالمرة يقال: قضى إليه أجله أي أنهى إليه مدته التي قدر فيها موته فهلك.
~~وفي إيثار صيغة المبني للمفعول جري على سنن الكبرياء مع الإيذان بتعين
~~الفاعل. وقرأ ابن عامر ويعقوب { لقضى } على البناء للفاعل، وقرأ عبد الله
~~{ لقضينا } وفيه التفات، واختيار صيغة الاستقبال في الشرط وإن كان المعنى
~~على المضي لإفادة أن عدم قضاء الأجل لاستمرار عدم التعجيل فإن المضارع
~~المنفي الواقع موقع الماضي لي بنص في إفادة انتفاء استمرار الفعل بل قد
~~يفيد استمرار انتفائه أيضا بحسب المقام كما حقق في موضعه.

# وذكر بعض المحققين أن المقدم ههنا ليس نفس التعجيل المذكور بل هو
~~إرادته المستتبعة للقضاء المذكور وجودا وعدما لأن القضاء ليس أمرا
~~مغايرا لتعجيل الشر في نفسه بل هو إما نفسه أو جزئي منه / كسائر جزئياته
~~من غير مزية له على البقية إذ لم يعتبر في مفهومه ما ليس في مفهوم تعجيل
~~الشر من الشدة والهول فلا يكون في ترتبه عليه وجودا أو عدما مزيد فائدة
~~مصححة لجعله تاليا له فليس كقوله تعالى:

# الله لو يطيعكم فى كثير من الأمر لعنتم

# [الحجرات: 7] ولا كقوله سبحانه:

# ولو ترى إذ وقفوا على ربهم

# [الأنعام: 30] وقوله تعالى:

# ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على
~~ظهرها من دآبة

# [فاطر: 45] إذا فسر الجواب بالاستئصال، وأيضا في ترتيب ms04009 التالي على
~~إرادة المقدم ما ليس في ترتيبه على المقدم نفسه من الدلالة على المبالغة
~~وتهويل الأمر والدلالة على أن الأمور منوطة بإرادته تعالى المبنية على
~~الحكم البالغة.

# وقوله سبحانه: { فنذر الذين لا يرجون لقآءنا } أي
~~نتركهم إمهالا واستدراجا { في طغينهم } الذي هو عدم رجاء
~~اللقاء وإنكار البعث والجزاء وما يتفرع على ذلك من الأعمال السيئة
~~والمقالات الشنيعة { يعمهون } أي يترددون ويتحيرون، لا يصح عطفه على
~~شرط { لو } ولا على جوابها لانتفائه وهو مقصود إثباته وليست { لو }
~~بمعنى أن كما قيل فهو إما معطوف على مجموع الشرطية لأنها في معنى لا يعجل
~~لهم وفي قوته فكأنه قيل: لا يعجل بل يذرهم أو معطوف على مقدر تدل عليه
~~الشرطية أي ولكن يمهلهم أو ولكن لا يعجل ولا يقضي فيذرهم وبكل قال بعض،
~~وقيل: الجملة مستأنفة والتقدير فنحن نذرهم، وقيل: إن الفاء واقعة في جواب
~~شرط مقدر والمعنى لو يعجل الله تعالى ما استعجلوه لأبادهم ولكن يمهلهم
~~ليزيدوا في طغيانهم ثم يستأصلهم وإذا كان كذلك فنحن نذر هؤلاء الذين لا
~~يرجون لقاءنا في طغيانهم يترددون ثم نقطع دابرهم.

# وصاحب «الكشف» بعد ما قرر أن اتصال { ولو يعجل } الخ بقوله
~~تعالى:

# إن الذين لا يرجون لقاءنا

# [يونس: 7] الخ وأن ذكر المؤمنين إنما وقع في البين تتميما ومقابلة وليس
~~بأجنبي قال: إنه لا حاجة إلى جعل هذا جواب شرط مقدر. وفي وضع الموصول
~~موضع الضمير نوع بيان للطغيان بما في حيز الصلة وإشعار بعليته للترك
~~والاستدراج.

### || [10.12]

# { وإذا مس الإنسن الضر } أي إذا أصابه جنس الضر من مرض
~~وفقر وغيرهما من الشدائد إصابة يسيرة، وقيل: مطلقا { دعانا } لكشفه
~~وإزالته { لجنبه } في موضع الحال ولذا عطف عليه الحال الصريحة أعني
~~قوله سبحانه: { أو قاعدا أو قآئما } أي دعانا مضطجعا أو ملقى
~~لجنبه، واللام على ظاهرها، وقيل: إنها بمعنى على كما في قوله تعالى:

# يخرون للأذقان

# [الإسراء: 107] ولا حاجة إليه وقد يعبر بعلى وهي تفيد استعلاءه عليه
~~واللام تفيد اختصاص كينونته واستقراره بالجنب إذ لا يمكنه ms04010 الاستقرار على
~~غير تلك الهيئة ففيه مبالغة زائدة.

# واختلف في ذي الحال فقيل: إنه فاعل { دعانا } وقيل: هو مفعول { مس
~~} واستضعف بأمرين: أحدهما تأخر الحال عن محلها من غير داع. الثاني أن
~~المعنى على أنه يدعو كثيرا في كل أحواله إلا أنه خص المعدودات بالذكر
~~لعدم خلو الإنسان عنها عادة لا أن الضر يصيبه في كل أحواله. وأجيب عن هذا
~~بأنه لا بأس به فإنه يلزم من مسه الضر في هذه الأحوال دعاؤه فيها أيضا
~~لأن القيد في الشرط قيد في الجواب فإذا قلت إذا جاء زيد فقيرا أحسنا
~~إليه فالمعنى أحسنا إليه في حال فقره وأنت تعلم أن الأظهر هو الأول،
~~واعتبر بعضهم توزيع هذه الأحوال على أفراد الإنسان على معنى أن من
~~الإنسان من يدعو على هذه الحالة ومنه من يدعو على تلك، وذكر غير واحد أنه
~~يجوز أن يكون المراد بهذه الأحوال تعميم أصناف المضار لأنها إما خفيفة /
~~لا تمنع الشخص القيام أو متوسطة تمنعه القيام دون القعود أو شديدة تمنعه
~~منها وانفهام ذلك منها بمعونة السياق و { إذا } قيل إنها على أصلها
~~وقيل إنها للمضي.

# { فلما كشفنا عنه ضره } الذي مسه غب ما دعانا كما ينبىء
~~عنه الفاء { مر } أي مضى واستمر على ما كان عليه قبل ونسي حالة الجهد
~~والبلاء أو مر عن موقف الدعاء والابتهال ونأى بجانبه، والمرور على الأول
~~مجاز وعلى الثاني باق على حقيقته ويكون كناية عن عدم الدعاء { كأن
~~لم يدعنا } أي كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن، ومثل ذلك
~~قوله:

# ووجه مشرق النحر

# كأن ثدياه حقان

# فإن الأصل فيه كأنه فخفف كأن وحذف ضمير الشأن، لكن صرح ابن هشام في
~~«شواهده» أن ذلك غير متعين إذ يجوز كون الضمير للوجه أو للصدر على رواية
~~ وصدر  وروي كأن ثدييه على إعمال كأن في اسم مذكور ولا يبعد أن يجوز
~~ذلك في الرواية الأولى على بعض اللغات، والجملة التشبيهية في موضع الحال
~~من فاعل { مر } أي مر مشبها بمن لم يدعنا ms04011 { إلى ضر } أي إلى
~~كشفه لأنه المدعو إليه، وقيل: لا حاجة إلى التقدير، وإلى بمعنى اللام أي
~~لضر { مسه } والظاهر أن هذا وصف لجنس الإنسان مطلقا أو الكافر منه
~~باعتبار حال بعض الأفراد ممن هو متصف بهذه الصفات.

# وذكر الشهاب أن للمفسرين في المراد بالإنسان هنا ثلاثة أقوال فقيل:
~~الجنس وقيل: الكافر وقيل: شخص معين وعليه لا حاجة إلى الاعتبار لكن لا
~~اعتبار له.

# { كذلك } أي مثل ذلك التزيين العجيب { زين للمسرفين } أي
~~للموصوفين بما ذكر من الصفات الذميمة { ما كانوا يعملون } من
~~الإعراض عن الذكر والدعاء والانهماك في الشهوات، والإسراف مجاوزة الحد
~~وسموا أولئك مسرفين لما أن الله تعالى إنما أعطاهم القوى والمشاعر
~~ليصرفوها إلى مصارفها ويستعملوها فيما خلقت له من العلوم والأعمال
~~الصالحة وهم قد صرفوها إلى ما لا ينبغي مع أنها رأس مالهم، وفاعل التزيين
~~إما مالك الملك جل شأنه وإما الشيطان عليه اللعنة وقد مر تحقيق ذلك وكذلك
~~فتذكر. وتعلق الآية الكريمة بما قبلها قيل من حيث أن في كل منهما إملاء
~~للكفرة على طريقة الاستدراج بعد الإنقاذ من الشر المقرر في الأولى ومن
~~الضر المقرر في الأخرى.

# وذكر الإمام في وجه الانتظام مع الآية الأولى وجهين ((الأول: أنه تعالى
~~بين في الأولى أنه لو أنزل العذاب على العبد في الدنيا لهلك وأكد ذلك في
~~هذه الآية حيث دلت على غاية ضعفه ونهاية عجزه. والثاني: أنه سبحانه أشار
~~في الأولى إلى أن الكفرة يستعجلون نزول العذاب وبين جل شأنه في هذه أنهم
~~كاذبون في ذلك الطلب حيث أفادت أنه لو نزل بالإنسان أدنى شيء يكرهه فإنه
~~يتضرع إلى الله تعالى في إزالته عنه)) انتهى ولكل وجهة.

# وفي الآية ذم لمن يترك الدعاء في الرخاء ويهرع إليه في الشدة واللائق
~~بحال الكامل التضرع إلى مولاه في السراء والضراء فإن ذلك أرجى للإجابة
~~ففي الحديث

# " تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة "

# وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء قال: ادع الله تعالى يوم سرائك يستجب
~~لك يوم ms04012 ضرائك، وفي حديث للترمذي عن أبي هريرة، ورواه الحاكم عن سلمان
~~وقال صحيح الإسناد

# " من سره أن يستجيب الله تعالى له عند الشدائد والكروب فليكثر الدعاء في
~~الرخاء "

# والآثار في ذلك كثيرة.

### || [10.13]

# { ولقد أهلكنا القرون } مثل / قوم نوح وعاد وثمود وهو جمع
~~قرن بفتح القاف أهل كل زمان مأخوذ من الاقتران كأن أهل ذلك الزمان
~~اقترنوا في أعمالهم وأحوالهم، وقيل: القرن أربعون سنة وقيل: ثمانون وقيل
~~مائة وقيل هو مطلق الزمان، والمراد هنا المعنى الأول وكذا في قوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم "

# وقوله:

# إذا ذهب القرن الذي أنت فيهم

# وخلفت في قرن فأنت غريب

# { من قبلكم } أي من قبل زمانكم، والخطاب لأهل مكة على طريقة
~~الالتفات للمبالغة في تشديد التهديد بعد تأييده بالتوكيد القسمي، والجار
~~والمجرور متعلق بأهلكنا، ومنع أبو البقاء كونه حالا من القرون { لما
~~ظلموا } أي حين فعلوا الظلم بالتكذيب والتمادي في الغي والضلال،
~~والظرف متعلق بأهلكنا وجعل (لما) شرطية بتقدير جواب هو أهلكناهم بقرينة
~~ما قبله تكلف لا حاجة إليه وقوله سبحانه: { وجآءتهم رسلهم } حال
~~من ضمير { ظلموا } بإضمار قد وقوله تعالى: { بالبينت }
~~متعلق بجاءتهم على أن الباء للتعدية أو بمحذوف وقع حال من { رسلهم }
~~دالة على إفراطهم في الظلم وتناهيهم في المكابرة أي ظلموا بالتكذيب وقد
~~جاءتهم رسلهم بالآيات البينة الدالة على صدقهم أو متلبسين بها حين لا
~~مجال للتكذيب، وجوز أبو البقاء وغيره عطفه على { ظلموا } فلا محل له
~~من الإعراب أو محله الجر وذلك عند من يرى إضافة الظرف إلى المعطوف عليه،
~~والترتيب الذكري لا يجب أن يكون حسب الترتيب الوقوعي كما في قوله تعالى:

# ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا

# [يوسف: 100] ولا حاجة إلى هذا الاعتذار بناء على أن الظلم ليس منحصرا
~~في التكذيب بل هو محمول على سائر أنواع الظلم، والتكذيب مستفاد من قوله
~~تعالى: { وما كانوا ليؤمنوا } على أبلغ وجه وآكده لأن اللام
~~لتأكيد النفي. وهذه الجملة على الأول عطف على { ظلموا } وليس ms04013 من
~~العطف التفسيري في شيء على ما قاله صاحب «الكشف» خلافا للطيبي لأن
~~الأولى إخبار بإحداث التكذيب وهذه إخبار بالإصرار عليه، وعلى الثاني عطف
~~على ما عطف عليه، وقيل: اعتراض للتأكيد بين الفعل وما يجري مجرى مصدره
~~التشبيهي أعني قوله سبحانه:

# { كذلك } فإن الجزاء المشار إليه عبارة عن مصدره أي مثل ذلك الجزاء
~~الفظيع أي الإهلاك الشديد الذي هو الاستئصال بالمرة { نجزي القوم
~~المجرمين } أي كل طائفة مجرمة فيشمل القرون، وجعل ذلك عبارة عنهم
~~غير مناسب للسياق. وقرىء { يجزي } بياء الغيبة التفاتا من التكلم في {
~~أهلكنا } إليها. وحاصل المعنى على تقدير العطف أن السبب في إهلاكهم
~~تكذيبهم الرسل وأنهم ما صح وما استقام لهم أن يؤمنوا لفساد استعدادهم
~~وخذلان الله تعالى إياهم، ويقتصر على الأمر الأول في بيان الحاصل على
~~تقدير الاعتراض، وذكر الزمخشري بدل الأمر الثاني علم الله تعالى أنه لا
~~فائدة في إمهالهم بعد أن ألزموا الحجة ببعثة الرسل عليهم السلام وجعل
~~بيانا على التقديرين وفيه ما يحتاج إلى الكشف فتدبره.

# وتعليل عدم الإيمان بالخذلان ونحوه ظاهر، وكلام القاضي صريح في تعليله
~~أيضا بعلم الله تعالى أنهم يموتون على الكفر. واعترض بأنه مناف لقولهم:
~~إن العلم تابع للمعلوم، وتكلف بعض الفضلاء في تصحيحه ما تكلف ولم يأت
~~بشيء. وقال بعض المحققين: معنى كون العلم تابعا للمعلوم أن علمه تعالى
~~في الأزل بالمعلوم المعين الحادث تابع لماهيته بمعنى أن خصوصية العلم
~~وامتيازه عن سائر العلوم إنما هو باعتبار أنه علم بهذه الماهية، وأما
~~وجود الماهية وفعليتها فيما لا يزال فتابع لعلمه الأزلي التابع لماهيته
~~بمعنى أنه تعالى لما علمها في الأزل على هذه الخصوصية لزم أن تتحقق وتوجد
~~فيما لا يزال على هذه الخصوصية فنفس موتهم على الكفر وعدم إيمانهم متبوع
~~لعلمه تعالى الأزلي ووقوعه تابع له وهذا مما لا شبهة فيه وهو مذهب أهل
~~السنة رحمهم الله تعالى وبه ينحل إشكالات كثيرة فليحفظ.

# وذكر مولانا الشيخ إبراهيم الكوراني أن معنى كون العلم تابعا للمعلوم
~~أنه متعلق به كاشف ms04014 له على ما هو عليه وبنى على ذلك كون الماهيات ثابتة
~~غير مجعولة في ثبوتها، والقول بالتبعية المذكورة مما ذهب إليه الشيخ
~~الأكبر قدس سره ونازع في ذلك عبد الكريم الجيلي. وقال الشيخ محمد عمر
~~البغدادي عليه الرحمة: إن كون العلم تابعا للمعلوم بالنظر إلى حضرة
~~الأعيان القديمة التي أعطت الحق العلم التفصيلي بها وأما بالنظر إلى
~~العلم الإجمالي الكلي فالمعلوم تابع للعلم لأن الحق تعالى لما تجلى من
~~ذاته لذاته بالفيض الأقدس حصلت الأعيان واستعداداتها فلم تحصل عن جهل
~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - وحينئذ فلا مخالفة بين الشيخ الأكبر
~~قدس سره والجيلي، على أنه إن بقيت هناك مخالفة فالحق مع الشيخ لأن الجيلي
~~بالنسبة إليه نحلت تدندن حول الحمى، والدليل أيضا مع الشيخ كنار على علم
~~لكنه قد أبعد رضي الله تعالى عنه الشوط بقوله: العلم تابع للمعلوم
~~والمعلوم أنت وأنت هو والبحث وعر المسلك صعب المرتقى وتمام الكلام فيه
~~يطلب من محله.

# واستفادة معنى العلم هنا على ما قيل من التأكيد الذي أفادته اللام، وفي
~~الآية وعيد شديد وتهديد أكيد لأهل مكة لأنهم وأولئك المهلكين مشتركون
~~فيما يقتضي الإهلاك، ويعلم مما تقرر أن ضمير { كانوا } للقرون وهو
~~ظاهر، وجوز مقاتل أن يكون الضمير لأهل مكة وهو خلاف الظاهر، وكذا جوز كون
~~المراد بالقوم المجرمين أهل مكة على طريقة وضع الظاهر موضع ضمير الخطاب
~~إيذانا بأنهم أعلام في الإجرام وذكر { القوم } إشارة إلى أن العذاب
~~عذاب استئصال. والتشبيه على هذا ظاهر إذ المعنى يجزيكم مثل جزاء من
~~قبلكم، وأما على الأول فهو على منوال

# وكذلك جعلنكم أمة وسطا

# [البقرة: 143] وأضرابه وفيه بعد أيضا بل قال بعض المحققين: يأباه كل
~~الإباء قوله سبحانه:

### || [10.14]

# { ثم جعلنكم خلئف فى الأرض من بعدهم } فإنه
~~صريح في أنه ابتداء تعرض لأمورهم وإن ما بين فيه مبادي أحوالهم لاختبار
~~كيفية أعمالهم على وجه يشعر باستمالتهم نحو الإيمان والطاعة فمحال أن
~~يكون ذلك إثر بيان منتهى أمرهم وخطابهم ببت القول بإهلاكهم لكمال إجرامهم ms04015
~~والعطف على قوله تعالى:

# ولقد أهلكنا

# [يونس: 13] لا على ما قبله، والمعنى ثم استخلفناكم في الأرض بعد إهلاك
~~أولئك القرون التي تسمعون أخبارها وتشاهدون آثارها { لننظر كيف
~~تعملون } أي لنعلم أي عمل تعملون فكيف مفعول مطلق لتعلمون، وقد صرح
~~في «المغني» بأن كيف تأتي كذلك وأن منه

# كيف فعل ربك

# [الفجر: 6] وليست معمولة { لننظر } لأن الاستفهام له الصدارة فيمنع
~~ما قبله من العمل فيه، ولذا لزم تقديمه على عامله هنا. وقيل: محلها النصب
~~على الحال من ضمير { تعملون } كما هو المشهور فيها إذا كان بعدها
~~فعل نحو كيف ضرب زيد أي على أي حال تعملون الأفعال اللائقة بالاستخلاف من
~~أوصاف الحسن، وفيه من المبالغة في / الزجر عن الأعمال السيئة ما فيه،
~~وقيل: محلها النصب على أنها مفعول به لتعملون أي أي عمل تعملون خيرا أو
~~شرا، وقد صرحوا بمجيئها كذلك أيضا، وجعلوا من ذلك نحو كيف ظننت زيدا،
~~وبما ذكر فسر الزمخشري الآية، وتعقبه القطب بما تعقبه ثم قال: ولعله جعل
~~{ كيف } ههنا مجازا بمعنى أي شيء لدلالة المقام عليه.

# وذكر بعض المحققين أن التحقيق أن معنى كيف السؤال عن الأحوال والصفات لا
~~عن الذوات وغيرها فالسؤال هنا عن أحوالهم وأعمالهم ولا معنى للسؤال عن
~~العمل إلا عن كونه حسنا أو قبيحا وخيرا أو شرا فكيف ليست مجازا بل
~~هي على حقيقتها، ثم إن استعمال النظر بمعنى العلم مجاز حيث شبه بنظر
~~الناظر وعيان المعاين في تحققه، والكلام استعارة تمثيلية مرتبة على
~~استعارة تصريحية تبعية، والمراد يعاملكم معاملة من يطلب العلم بأعمالكم
~~ليجازيكم بحسبها كقوله تعالى:

# ليبلوكم أيكم أحسن عملا

# [الملك: 2] وقيل يمكن أن يقال: المراد بالعلم المعلوم فحينئذ يكون هذا
~~مجازا مرتبا على استعارة، وأيا ما كان فلا يلزم أن لا يكون الله
~~سبحانه وتعالى عالما بأعمالهم قبل استخلافهم، وليس مبني تفسير النظر
~~بالعلم على نفي الرؤية كما هو مذهب بعض القدرية القائلين بأنه جل شأنه لا
~~يرى ولا يرى فأنا ولله تعالى الحمد ممن يقول: إنه تبارك وتعالى ms04016 يرى ويرى
~~والشروط في الشاهد ليست شروطا عقلية كما حقق في موضعه، وان الرؤية صفة
~~مغايرة للعلم وكذا السمع أيضا، وممن يقول أيضا: إن صور الماهيات
~~الحادثة مشهودة لله تعالى أزلا في حال عدمها في أنفسها في مرايا
~~الماهيات الثابتة عنده جل شأنه بل هو مبني على اقتضاء المعنى له فإنك إذا
~~قلت: أكرمتك لأرى ما تصنع فمعناه أكرمتك لأختبرك وأعلم صنعك فأجازيك
~~عليه، ومن هنا يعلم أن حمل النظر على الانتظار والتربص كما هو أحد معانيه
~~ليس بشيء، وبعض الناس حمل كلام بعض الأفاضل عليه وارتكاب شططا وتكلم
~~غلطا. هذا وقرىء { لنظر } بنون واحدة وتشديد الظاء ووجه ذلك أن النون
~~الثانية قلبت ظاءا وأدغمت.

### || [10.15]

# { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينت } التفات من
~~خطابهم إلى الغيبة إعراضا عنهم وتوجيها للخطاب إلى سيد المخاطبين صلى
~~الله عليه وسلم بتعديد جناياتهم المضادة لما أريد منهم بالاستخلاف من
~~التكذيب والكفر بالآيات البينات وغير ذلك كدأب من قبلهم من القرون
~~المهلكة. وصيغة المضارع للدلالة على تحدد جوابهم الآتي حسب تجدد التلاوة.
~~والمراد بالآيات الآيات الدالة على التوحيد وبطلان الشرك. وقيل: ما هو
~~أعم من ذلك. والإضافة لتشريف المضاف والترغيب في الإيمان به والترهيب عن
~~تكذيبه ونصب { بينت } على الحال أي حال كونها واضحات الدلالة على
~~ما تضمنته، وإيراد فعل التلاوة مبنيا للمفعول مسندا إلى الآيات دون
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ببنائه للفاعل للإشعار بعدم الحاجة لتعيين
~~التالي وللإيذان بأن كلامهم في نفس المتلو ولو تلاه رجل من إحدى القريتين
~~عظيم.

# { قال الذين لا يرجون لقآءنا } وضع الموصول موضع الضمير
~~إشعارا بعلية ما في حيز الصلة للعظيمة المحكية عنهم وذما لهم بذلك أي
~~قالوا لمن يتلوها عليهم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم { ائت
~~بقرءان غير هذا } أشاروا بهذا إلى القرآن المشتمل على تلك
~~الآيات لا إلى أنفسها فقط قصدا إلى إخراج الكل من البين أي ائت بكتاب
~~آخر نقرؤه / ليس فيه ما نستبعده من البعث وتوابعه أو ما نكرهه من ذم ms04017
~~آلهتنا والوعيد على عبادتها { أو بدله } بأن تجعل مكان الآية
~~المشتملة على ذلك آية أخرى، ولعلهم إنما سألوا ذلك كيدا وطمعا في
~~إجابته عليه الصلاة والسلام ليتوسلوا [به] إلى الإلزام والاستهزاء وليس
~~مرادهم أنه عليه الصلاة والسلام لو أجابهم آمنوا.

# { قل } أيها الرسول لهم { ما يكون لي أن أبدله } المصدر
~~فاعل { يكون } وهي من كان التامة وتفسر بوجد ونفي الوجود قد يراد به
~~نفي الصحة فإن وجود ما ليس بصحيح كلا وجود، فالمعنى هنا ما يصح لي أصلا
~~تبديله { من تلقآء نفسي } أي من جهتي ومن عندي. وأصل تلقاء مصدر على
~~تفعال التاء ولم يجيء مصدر بكسرها غيره وغير تبيان في المشهور. وقرىء
~~شاذا بالفتح وهو القياس في المصادر الدالة على التكرار كالتطواف
~~والتجوال، وقد خرج هنا من ذلك إلى الظرفية المجازية، والجر بمن لا يخرج
~~الظرف عن ظرفيته ولذا اختصت الظروف الغير المتصرفة كعند بدخولها عليها
~~ومن الناس من وهم في ذلك. وقصر الجواب ببيان امتناع ما اقترحوه على
~~اقتراحهم الثاني للإيذان بأن استحالة ما اقترحوه أولا من الظهور بحيث لا
~~حاجة إلى بيانها ولأن ما يدل على استحالة الثاني يدل على استحالة الأول
~~بالطريق الأولى فهو بحسب المآل والحقيقة جواب عن الأمرين.

# { إن أتبع }  أي ما أتبع فيما آتى وأذر { إلا ما يوحى
~~إلي } من غير تغيير له في شيء أصلا على معنى قصر حاله عليه الصلاة
~~والسلام على اتباع ما يوحى لا قصر اتباعه على ما يوحى إليه كما هو
~~المتبادر من ظاهر العبارة فكأنه قيل: ما أفعل إلا اتباع ما يوحى إلي،
~~والجملة مستأنفة بيانا لما يكون فإن من شأنه اتباع الوحي على ما هو عليه
~~لا يستقل بشيء دونه أصلا، وفي ذلك على ما قيل جواب لنقض مقدر وهو أنه
~~كيف هذا وقد نسخ بعض الآيات ببعض، ورد لما عرضوا له بهذا السؤال من أن
~~القرآن كلامه صلى الله عليه وسلم، وكذا تقييد التبديل في الجواب بقوله: {
~~من تلقآء نفسي } لرد تعريضهم بأنه من عنده ms04018 عليه الصلاة والسلام
~~ولذلك أيضا سماه عصيانا عظيما مستتبعا لعذاب عظيم بقوله عز وجل: {
~~إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } وهو
~~تعليل لمضمون ما قبله من امتناع التبديل واقتصار أمره صلى الله عليه وسلم
~~على أتباع الوحي أي إني أخاف إن عصيته تعالى بتعاطي التبديل والإعراض عن
~~الوحي عذاب يوم عظيم هو يوم القيامة ويوم اللقاء الذي لا يرجونه، وفيه
~~إيماء بأنهم استوجبوا العذاب بهذا الاقتراح لأن اقتراح ما يوجبه يستوجبه
~~أيضا وإن لم يكن كفعله، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره عليه
~~الصلاة والسلام لتهويل أمر العصيان وإظهار كمال نزاهته صلى الله عليه
~~وسلم، وفي إيراد اليوم بالتنوين التفخيمي ووصفه بعظيم ما لا يخفى ما فيه
~~من العذاب وتفظيعه، وجوز العلامة الطيبي كون الجواب المذكور جوابا عن
~~الاقتراحين من غير حاجة إلى شيء وذلك بحمل التبديل فيه على ما يعم تبديل
~~ذات بذات أخرى كبدلت الدنانير دراهم وهو الذي أشاروا إليه بقولهم: {
~~ائت بقرآن غير هذا } وتبديل صفة بصفة أخرى كبدلت الخاتم
~~حلقة وهو الذي أشاروا إليه بقولهم: { أو بدله }.

# وأورد عليه بأن تقييد التبديل بقوله سبحانه: { من تلقآء نفسي }
~~يمنع حمله على الأعم لأنه يشعر بأن ذلك مقدور له صلى الله عليه وسلم ولكن
~~لا يفعله بغير إذنه تعالى والتبديل الذي أشاروا إليه أولا غير مقدور له
~~عليه الصلاة والسلام حتى أن المقترحين يعلمون استحالة ذلك لكن اقترحوه /
~~لما مر وقالوا: لو شئنا لقلنا مثل هذا مكابرة وعنادا، ثم إن الظاهر أنهم
~~اقترحوا التبديل والإتيان بطريق الافتراء قيل: لا مساغ للقول بأنهم
~~اقترحوا ذلك من جهة الوحي فكأنهم قالوا: ائت بقرآن غير هذا أو بدله من
~~جهة الوحي كما أتيت بالقرآن من جهته ويكون معنى قوله: { ما يكون لي
~~} الخ ما يتسهل لي ولا يمكنني أن أبدله لما في «الكشاف» من أن قوله: {
~~إني أخاف إن عصيت ربي } يرد ذلك، ووجه بأنهم لم يطلبوا
~~ما هو عصيان على هذا التقدير حتى يقول في جوابهم ما ذكر، ms04019 ونظر فيه بأن
~~الطلب من غير اذن عصيان فإن لم يحمل ما يتسهل لي على أن ذلك لكونه غير
~~مأذون كان الجواب غير مطابق لسؤالهم لأن السؤال عن تبديل من الله تعالى
~~وهو عليه الصلاة والسلام قال: لا يمكنني التبديل من تلقاء نفسي في الجواب
~~وإن حمل عليه فالعصيان أيضا منزل عليه، وأجيب بأن صاحب «الكشاف» حمل {
~~ما يكون } على أنه لا يمكن ولا يتسهل والعصيان يقع على الممكن
~~المقدور لا أنهم طلبوا ما هو عصيان أو ليس والمطابقة حاصلة بل أشدها لأن
~~الحاصل إما التبديل من تلقاء نفسي فغير ممكن وأما من قبل الوحي فأنا تابع
~~غير متبوع.

# نعم لا ينكر أنه يمكن أن يأتي وجه آخر بأن يحمل على أنه لا يحل لي ذلك
~~دون إذن وصاحب «الكشاف» لم ينفه. وذكر بعض المحققين أنه لا مساغ لحمل
~~مقترحهم على ما هو من جهة الوحي لمكان التعليل بإني أخاف الخ إذ المقصود
~~بما ذكر فيه معصية الافتراء كما يرشد إلى ذلك صريح ما بعده من الآيتين
~~الكريمتين وحينئذ لا يتحقق فيه تلك المعصية، ومعصية استدعاء تبديل ما
~~اقتضته الحكمة التشريعية لا سيما بموجب اقتراح الكفرة ليست مقصودة فلا
~~ينفع تحققها، وهو كلام وجيه يعلم منه ما في الكلام السابق من النظر.

# بقي أنه يفهم من بعض الآثار أنهم طلبوا الإتيان من جهة الوحي فعن مقاتل
~~أن الآية نزلت في خمسة نفر عبد الله بن أمية المخزومي والوليد بن المغيرة
~~ومكرز بن حفص وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري والعاص بن عامر بن
~~هشام قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت تريد أن نؤمن من لك فائت
~~بقرآن ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى ومنات وليس فيه عيبها وإن لم ينزل
~~الله تعالى عليك فقل أنت من نفسك أو بدله فاجعل مكان آية عذاب رحمة ومكان
~~حرام حلالا ومكان حلالا حراما، وربما يقال: إن هذا على تقدير صحته لا
~~يأبى أن يكون ما في الآية ما أشار ms04020 إليه تالي الشرطية الثانية من كلامهم
~~فتدبر.

### || [10.16]

# وقوله تعالى: { قل لو شآء الله ما تلوته عليكم }
~~تحقيق لحقية القرآن وأنه من عنده سبحانه إثر بيان بطلان ما اقترحوه على
~~أتم وجه، وصدر بالأمر المستقل إظهارا لكمال الاعتناء بشأنه وإيذانا
~~باستقلاله مفهوما وأسلوبا فإنه برهان دال على كونه يأمر الله تعالى
~~ومشيئته كما ستعلمه إن شاء الله تعالى، وما سبق مجرد إخبار باستحالة ما
~~اقترحوه، ومفعول المشيئة محذوف ينبىء عنه الجزاء كما هو المطرد في
~~أمثاله، ويفهم من ظاهر كلام بعضهم أنه غير ذلك وليس بذلك وهو ظاهر،
~~والمعنى أن الأمر كله منوط بمشيئته تعالى وليس لي منه شيء أصلا ولو شاء
~~سبحانه عدم تلاوتي له عليكم وعدم إدرائكم به بواسطتي بأن لم ينزله جل
~~شأنه علي ولم يأمرني بتلاوته ما تلوته عليكم.

# { ولا أدراكم به } أي ولا أعلمكم به بواسطتي والتالي وهو عدم
~~التلاوة والإدراء منتف فينتفي المقدم وهو مشيئته العدم وهي مستلزمة لعدم
~~مشيئته الوجود فانتفاؤه مستلزم لانتفائه وهو إنما يكون بتحقق مشيئة
~~الوجود فثبت أن تلاوته عليه الصلاة والسلام للقرآن وإدراءه تعالى بواسطته
~~بمشيئته تعالى. / وتقييد الإدراء بذلك هو الذي يقتضيه المقام وحيث اقتصر
~~بعضهم في تقدير المفعول في الشرط على عدم التلاوة علل التقييد بأن عدم
~~الإعلام مطلقا ليس من لوازم الشرط الذي هو عدم مشيئة تلاوته عليه الصلاة
~~والسلام فلا يجوز نظمه في سلك الجزاء، ولم يظهر وجه الاقتصار على ذلك
~~وعدم ضم عدم الإدراء إليه مع أن العطف ظاهر فيه، وفي إسناد عدم الإدراء
~~إليه تعالى المنبىء عن استناد الإدراء إليه سبحانه أعلام بأنه لا دخل
~~عليه الصلاة والسلام في ذلك حسبما يقتضيه المقام أيضا.

# وفي رواية أبي ربيعة عن ابن كثير { ولأدراكم } بلام التوكيد وهي
~~الواقعة في جواب { لو } أي لو شاء الله ما تلوته عليكم ولأعلمكم به على
~~لسان غيري على معنى أنه الحق الذي لا محيص عنه لو لم أرسل به لأرسل به
~~غيري، وجيء باللام هنا للإيذان بأن إعلامهم به ms04021 على لسان غيره صلى الله
~~عليه وسلم أشد انتفاء وأقوى، ولعل { لا } في القراءة الأولى لأنه يغتفر
~~في التابع ما لا يغتفر في المتبوع وإلا فهي لا تقع في جواب { لو } فلا
~~يقال: لو قام زيد لا قام عمرو بل ما قام، ومن هنا نص السمين على أنها
~~زائدة مؤكدة للنفي. وروي عن ابن عباس والحسن وابن سيرين أنهم قرأوا { ولا
~~أدرأتكم } بإسناد الفعل إلى ضميره صلى الله عليه وسلم كالفعل السابق،
~~والأصل ولا أدريتكم فقلت الياء ألفا على لغة من يقلب الياء الساكنة
~~المفتوح ما قبلها ألفا وهي لغة بلحرث بن كعب وقبائل من اليمن حتى قلبوا
~~ياء التثنية ألفا وجعلوا المثنى في جميع الأحوال على لفظ واحد وحكى ذلك
~~قطرب عن عقيل.

# وأخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن الحسن أنه قرأ { ولا أدرأتكم }
~~بهمزة ساكنة فقيل: إنها مبدلة من الألف المنقلبة عن الياء كما سمعت وقيل:
~~إنها مبدلة من الياء ابتداء كما يقال في لبيت لبئت وعلى القولين هي غير
~~أصلية، وجاء ذلك في بعض اللغات كما نص عليه غير واحد، وجوز أن تكون أصلية
~~على أن الفعل من الدرء وهو الدفع والمنع ويقال أدرأته أي جعلته دارئا أي
~~دافعا، والمعنى ولا جعلتكم بتلاوته خصماء تدرءونني بالجدال. وقرىء { ولا
~~أدراكم } بالهمز وتركه أيضا مع إسناد الفعل إلى ضمير الله تعالى. وأخرج
~~سعيد بن منصور وابن جرير أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان يقرأ {
~~ولا أنذرتكم به }.

# { فقد لبثت فيكم عمرا } نوع تعليل للملازمة المستلزمة لكون
~~ذلك بمشيئة الله عز وجل حسبما مر آنفا. واللبث الإقامة، ونصب { عمرا
~~} على التشبيه بظرف الزمان والمراد منه مدة، وقيل: هو على تقدير مضاف أي
~~مقدار عمر، وهو بضم الميم وقرأ الأعمش بسكونها للتخفيف، والمعنى قد أقمت
~~فيما بينكم مدة مديدة وهي مقدار أربعين سنة تحفظون تفاصيل أحوالي وتحيطون
~~خبرا بأقوالي وأفعالي { من قبله } أي من قبل نزول القرآن أو من قبل
~~وقت نزوله، ورجوع الضمير للتلاوة ليس بشيء لا ms04022 أتعاطى شيئا مما يتعلق
~~بذاك لا من حيث نظمه المعجز ولا من حيث معناه الكاشف عن أسرار الحقائق
~~وأحكام الشرائع.

# { أفلا تعقلون } أي ألا تلاحظون ذلك فلا تعقلون امتناع صدوره عن
~~مثلي ووجوب كونه منزلا من عند الله العزيز الحكيم فإن ذلك غير خاف على
~~من له عقل سليم وذهن مستقيم بل لعمري أن من كان له أدنى مسكة من عقل إذا
~~تأمل في أمره صلى الله عليه وسلم وأنه نشأ فيما بينهم هذا الدهر الطويل
~~من غير مصاحبة العلماء في شأن من الشؤون ولا مراجعة إليهم في فن من
~~الفنون ولا مخالطة / للبلغاء في المحاورة والمفاوضة ولا خوض معهم في
~~إنشاء الخطب والمعارضة ثم أتى بكتاب بهرت فصاحته كل ذي أدب وحيرت بلاغته
~~مصاقع العرب واحتوى على بدائع أصناف العلوم ودقائق حقائق المنطوق
~~والمفهوم وغدا كاشفا عن أسرار الغيب التي لا تنالها الظنون ومعربا عن
~~أقاصيص الأولين وأحاديث الآخرين من القرون ومصدقا لما بين يديه من الكتب
~~المنزلة ومهيمنا عليها في أحكامه المجملة والمفصلة لا يبقى عنده اشتباه
~~في أنه وحي منزل من عند الله جل جلاله وعم أفضاله، هذا هو الذي اتفقت
~~عليه كلمة الجمهور وهو أوفق بالرد عليهم كما لا يخفى على المتأمل.

# وقيل: إن الأنسب ببناء الجواب فيما سلف على امتناع صدور التغيير
~~والتبديل عنه عليه الصلاة والسلام لكونه معصية موجبة للعذاب العظيم
~~واقتصاره صلى الله عليه وسلم على اتباع الوحي وامتناع الاستبداد بالرأي
~~من غير تعرض هناك ولا هنا لكون القرآن في نفسه أمرا خارجا عن طوق البشر
~~ولا لكونه عليه الصلاة والسلام غير قادر على الإتيان بمثله أن يستشهد
~~ههنا بما يلائم ذلك من أحواله صلى الله عليه وسلم المستمرة في تلك المدة
~~المتطاولة من كمال نزاهته عليه الصلاة والسلام عما يوهم شائبة صدور الكذب
~~والافتراء عنه في حق أحد كائنا من كان كما ينبىء عنه تعقيبه بتظليم
~~المفتري على الله تعالى، والمعنى قد لبثت فيما بين ظهرانيكم قبل الوحي لا
~~أتعرض لأحد قط ms04023 بتحكم ولا جدال ولا أحوم حول مقال فيه شائبة شبهة فضلا
~~عما فيه كذب وافتراء ألا تلاحظونه فلا تعقلون أن من هذا شأنه المطرد في
~~هذا العهد البعيد يستحيل أن يفتري على الله عز وجل ويتحكم على كافة الخلق
~~بالأوامر والنواهي الموجبة لسلب الأموال وسفك الدماء وغير ذلك وإن ما أتى
~~به وحي مبين تنزيل من رب العالمين انتهى.

# وأنت تعلم أن هذا غير منساق إلى الذهن وأن الكلام الأول مشير في الجملة
~~إلى كون القرآن أمرا خارجا عن طوق البشر وأنه صلى الله عليه وسلم غير
~~قادر على الإتيان بمثله على أنه بعد لا يخلو عن مقال فتأمل.

### || [10.17]

# وقوله سبحانه: { فمن أظلم ممن افترى على الله
~~كذبا أو كذب بئايته } استفهام إنكاري معناه النفي أي لا
~~أحد أظلم من ذلك، ونفى الأظلمية كما هو المشهور كناية عن نفس المساواة
~~فالمراد أنه أظلم من كل ظالم وقد مر تحقيق ذلك. والآية مرتبطة بما قبلها
~~على أن المقصود منها تفاديه صلى الله عليه وسلم مما لوحوا به من نسبة
~~الافتراء على الله سبحانه إليه عليه الصلاة والسلام وحاشاه وتظليم
~~للمشركين بتكذيبهم للقرآن وكفرهم به، وزيادة { كذبا } مع أن الافتراء
~~لا يكون إلا كذلك للإيذان بأن ما لوحوا به ضمنا وحملوه عليه الصلاة
~~والسلام عليه صريحا مع كونه افتراء على الله سبحانه كذب في نفسه فرب
~~افتراء يكون كذبه في الإسناد فقط كما إذا أسندت ذنب زيد إلى عمرو وهذا
~~للمبالغة منه صلى الله عليه وسلم في التفادي مما ذكر، والفاء لترتيب
~~الكلام على ما سبق من بيان كون القرآن بمشيئته تعالى وأمره أي وإذا كان
~~الأمر كذلك فمن افترى عليه سبحانه بأن يخلق كلاما فيقول: هذا من عند
~~الله تعالى أو يبدل بعض آياته ببعض كما تجوزون ذلك في شأني، وكذلك من كذب
~~بآياته جل شأنه كما تفعلونه أنتم أظلم من كل ظالم، وقيل: المقصود من
~~الآية تظليم المشركين بافترائهم على الله تعالى في قولهم: إنه تعالى عما
~~يقولون ذو ms04024 شريك وذو ولد وتكذيبهم بآياته سبحانه، وهي مرتبطة أما بما
~~قلبها أيضا على معنى أني لم أفتر على الله تعالى ولم أكذب عليه وقد قام
~~الدليل على ذلك وأنتم قد فعلتم ذلك حيث زعمتم أن لله تعالى شريكا وان له
~~/ ولدا وكذبتم نبيه صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عنده سبحانه وأما
~~بقوله تعالى:

# ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا

# [يونس: 13] الخ على أن يكون قوله تعالى:

# ثم جعلنكم خلئف

# [يونس:14] وقوله سبحانه:

# وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينات

# [يونس: 15] إلى هنا إعلاما بأن المشركين الذين بعث إليهم رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم واستنوا بسنن من قبلهم في تكذيب آيات الله تعالى والرسل
~~عليهم الصلاة والسلام ويكون هذا عودا إلى الأول بعد الفراغ من قصة
~~المشركين، وقيل: وجه تعلقها بمت تقدم أنهم إنما سألوه صلى الله عليه وسلم
~~تبديل القرآن لما فيه من ذم آلهتهم الذين افتروا في جعلها آلهة، وقيل: إن
~~الآية توطئة لما بعدها ولا يخفى أن الأول هو الأنسب بالمقام وأوفق بالفاء
~~وأبعد عن التكلف وأقرب انسياقا إلى الذهن السليم

# { أنه } أي الشأن { لا يفلح المجرمون } أي لا ينجون من
~~محذور ولا يفوزون بمطلوب، والمراد جنس المجرمين فيندرج فيه المفتري
~~والمكذب اندراجا أوليا، ولا يخفى ما في اختيار ضمير الشأن من الاعتناء
~~بشأن ما يذكر بعده من أول الأمر.

### || [10.18]

# { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا
~~ينفعهم } حكاية لجناية أخرى لهم وهي عطف على قوله سبحانه:

# وإذا تتلى عليهم

# [يونس:15] الآية عطف قصة على قصة، و { من دون } في موضع الحال من
~~فاعل { يعبدون } أي متجاوزين الله تعالى إما بمعنى ترك عبادته
~~سبحانه بالكلية لأنها لا تصح ولا تقع عبادة مع الشركة أو بمعنى عدم
~~الاكتفاء بها وجعلها قرينا لعبادة غيره سبحانه كما اختاره البعض، و {
~~ما } إما موصولة أو موصوفة، والمراد بها الأصنام، ومعنى كونها لا تضر
~~ولا تنفع أنها لا تقدر على ذلك لأنها جمادات، والمقصود من هذا الوصف نفي ms04025
~~صحة معبوديتها لأن من شأن المعبود القدرة على ما ذكر، وقيل: المعنى لا
~~تضرهم إن تركوا عبادتها ولا تنفعهم إن عبدوها والمقصود أيضا نفي صحة
~~معبوديتها لأن من شأن المعبود أن يثبت عابده ويعاقب من لم يعبده، والفرق
~~بين التفسيرين على ما قاله القطب إطلاق النفع والضر في الأول والتقييد
~~بالعبادة وتركها في الثاني، وقيل: المقصود على الأول من الموصول الأصنام
~~بعينها وعلى الثاني فاقد أوصاف المعبودية، ويجوز أن يدخل فيه غير الأصنام
~~من الملائكة والمسيح عليهم السلام، والظاهر أن المراد هنا الأصنام لأن
~~العرب إنما كانوا يعبدونها وكان أهل الطائف يعبدون اللات وأهل مكة العزى
~~ومناة وهبل وإسافا ونائلة.

# { ويقولون هؤلاء شفعؤنا عند الله } أخرج ابن أبي
~~حاتم عن عكرمة قال: كان النضر بن الحرث يقول: إذا كان يوم القيامة شفعت
~~لي اللات والعزى وفيه نزلت الآية. والظاهر أن سائر المشركين كانوا يقولون
~~هذا القول، ولعل ذلك منهم على سبيل الفرض والتقدير أي إن كان بعث كما
~~زعمتم فهؤلاء يشفعون لنا، فلا يقال: إن المتبادر من الشفاعة عند الله
~~تعالى أنه في الآخرة وهو مستلزم للبعث وهم ينكرونه كما يدل عليه قوله
~~تعالى:

# وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا يبعث الله
~~من يموت

# [النحل:38] وكذا ما تقدم آنفا من قوله سبحانه:

# قال الذين لا يرجون لقآءنا

# [يونس: 15] فيلزم المنافاة بين مفاهيم الآيات، وكأنه لذلك قال الحسن
~~عليه الرحمة: إنهم أرادوا من هذه الشفاعة الشفاعة في الدنيا لإصلاح
~~المعاش، وحينئذ لا منافاة والجمهور على الأول، ومن سبر حال القوم رآهم
~~مترددين ولذلك اختلفت كلماتهم، ونسبة الشفاعة للأصنام قيل باعتبار
~~السببية وذلك لأنهم كما هو المشهور وضعوها على صور رجال صالحين ذوي خطر
~~عندهم وزعموا / أنهم متى اشتغلوا بعبادتها فإن أولئك الرجال يشفعون لهم،
~~وقيل: إنهم كانوا يعتقدون أن المتولي لكل إقليم روح معين من أرواح
~~الأفلام فعينوا لذلك الروح صنما من الأصنام واشتغلوا بعبادتها قصدا إلى
~~عبادة الكواكب وقيل: غير ذلك، والحق أن من الأصنام ما وضع على الوجه
~~الأول ومنها ms04026 ما وضع لكونها كالهياكل للروحانيات.

# { قل } تبكيتا لهم { أتنبئون الله بما لا يعلم } أي
~~أتخبرونه سبحانه بما لا وجود له ولا تحقق أصلا وهو كون الأصنام شفعاءهم
~~عنده جل شأنه فإن ما لا يعلمه علام الغيوب المحيط علمه بالكليات
~~والجزئيات لا يكون له تحقق بالكلية، وذكروا أن مثل ذلك لا يسمى شيئا
~~بناء على أنه كما قال سيبويه ما يصح أن يعلم ويخبر عنه وهو يشمل الموجود
~~والمعدوم كما حققه بعض أصحابنا كالمعتزلة وسموا ما لا يعلم بالمنفي
~~كالشريك وكاجتماع الضدين، وحقق ذلك الشيخ إبراهيم الكوراني في رسالة
~~مستقلة أتى فيها بالعجب العجاب، ويجوز أن يراد بالموصول أن له سبحانه
~~شريكا والمقصود على الوجهين من ذكر إنباء الله تعالى بما لا تحقق له ولم
~~يتعلق به علمه التهكم والهزء بهم وإلا فلا إنباء.

# وقوله سبحانه: { في السموات ولا فى الأرض } في موضع الحال
~~من العائد المحذوف أي بما لا يعلمه كائنا في ذلك، والمقصود منه تأكيد
~~النفي المدلول عليه بما قبله فإنه قد جرى في العرف أن يقال عند تأكيد
~~النفي للشيء ليس هذا في السماء ولا في الأرض لاعتقاد العامة أن كل ما
~~يوجد إما في السماء وإما في الأرض كما هو رأى المتكلمين في كل ما سوى
~~الله تعالى إذ هو سبحانه المعبود المنزه عن الحلول في المكان، والآيات
~~التي ظاهرها ذلك من المتشابه والمذاهب فيه شهيرة، وهذا إذا أريد بالسماء
~~والأرض جهتا العلو والسفل، وقيل: الكلام إلزامي لزعم المخاطبين الكافرين
~~أن الأمر كذلك، وقيل: إن معنى الآية أتخبرونه تعالى بشريك أو شفيع لا
~~يعلم شيئا في السماوات ولا في الأرض كما في قوله تعالى:

# ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من
~~السموات والأرض

# [النحل: 73] وليس بشيء.

# { سبحانه وتعالى عما يشركون } أي عن إشراكهم المستلزم
~~لتلك المقالة الباطلة أو عن شركائهم الذين يعتقدونهم شركاء، وقرىء {
~~أتنبئون } بالتخفيف، وقرأ حمزة والكسائي { تشركون } بتاء الخطاب على
~~أنه من جملة القول المأمور به، وعلى الأول هو اعتراض تذييلي ms04027 من جهته
~~سبحانه وتعالى.

### || [10.19]

# { وما كان الناس إلا أمة واحدة } أي وما كان الناس
~~كافة من أول الأمر إلا متفقين على الحق والتوحيد من غير اختلاف، وروي هذا
~~عن ابن عباس والسدي ومجاهد والجبائي وأبي مسلم، ويؤيده قراءة ابن مسعود
~~رضي الله تعالى عنه { وما كان الناس إلا أمة واحدة على هدى } وذلك من عهد
~~آدم عليه الصلاة والسلام إلى أن قتل قابيل هابيل، وقيل: إلى زمن إدريس
~~عليه الصلاة والسلام، وقيل: إلى زمن نوح عليه الصلاة والسلام، وكانوا
~~عشرة قرون، وقيل: كانوا كذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام بعد أن لم يبق
~~على الأرض من الكافرين ديار إلى أن ظهر بينهم الكفر، وقيل: من لدن
~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى أن أظهر عمرو بن لحي عبادة الأصنام وهو
~~المروي عن عطاء، وعليه فالمراد من { الناس } العرب خاصة وهو الأنسب
~~بإيراد الآية الكريمة إثر حكاية ما حكى منهم من الهنات وتنزيه ساحة
~~الكبرياء عن ذلك. / { فاختلفوا } بأن كفر بعضهم وثبت الآخرون على
~~ما هم عليه فخالف كل من الفريقين الآخر، والفاء للتعقيب وهي لا تنافي
~~امتداد زمان الاتفاق إذ المراد بيان وقوع الاختلاف عقيب انصرام مدة
~~الاتفاق لا عقيب حدوثه.

# { ولولا كلمة سبقت من ربك } بتأخير القضاء بينهم أو
~~العذاب الفاصل بينهم إلى يوم القيامة فإنه يوم الفصل والجزاء { لقضي
~~بينهم } عاجلا { فيما فيه يختلفون } بأن ينزل عليهم آيات
~~ملجئة إلى اتباع الحق ورفع الاختلاف أو بأن يهلك المبطل ويبقى المحق،
~~وصيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية والدلالة على الاستمرار. ووجه
~~ارتباط الآية بما قبلها أنها كالتأكيد لما أشار إليه من أن التوحيد هو
~~الدين الحق حيث أفادت أنه ملة قديمة اجتمعت عليها الأمم قاطبة وأن الشرك
~~وفروعه جهالات ابتدعها الغواة خلافا للجمهور وشقا لعصا الجماعة، وقيل:
~~وجه ذلك أنه سبحانه بين فيما قبل فساد القوم بعبادة الأصنام وبين في هذه
~~أن هذا المذهب ليس مذهبا للعرب من أول الأمر بل كانوا على الدين الحق
~~الخالي عن عبادة الأصنام وإنما ms04028 حدثت فيهم عبادتها بتسويل الشياطين. قيل:
~~والغرض من ذلك أن العرب إذا علموا أن ما هم عليه اليوم لم يكن من قبل
~~فيهم وإنما حدث بعد أن لم يكن لم يتعصبوا لنصرته ولم يتأذوا من تزييفه
~~وإبطاله. وعن الكلبي أن معنى كونهم أمة واحدة اتفاقهم على الكفر وذلك في
~~زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وروي مثله عن الحسن إلا أنه قال: كانوا
~~كذلك من لدن وفاة آدم إلى زمن نوح عليهما السلام ثم آمن من آمن وبقي من
~~بقي على الكفر.

# وفائدة إيراد هذا الكلام في هذا المقام تسليته صلى الله عليه وسلم كأنه
~~قيل: لا تطمع في أن يصير كل من تدعوه إلى الإيمان والتوحيد مجيبا لك
~~قابلا لدينك فإن الناس كلهم كانوا على الكفر وإنما حدث الإيمان في بعضهم
~~بعد ذلك فكيف تطمع في اتفاق الكل عليه.

# واعترض بأنه يلزم على هذا خلو الأرض في عصر عن مؤمن بالله تعالى عارف به
~~وقد قالوا: إن الأرض في كل وقت لا تخلو عن ذلك. وأجيب بأن عدم الخلو في
~~حيز المنع فقد ورد في بعض الآثار أن الناس قبل يوم القيامة ليس فيهم من
~~يقول الله الله، وعلى تقدير التسليم المراد بالاتفاق على الكفر اتفاق
~~الأكثر. والحق أن هذا القول في حد ذاته ضعيف فلا ينبغي التزام دفع ما يرد
~~عليه، وأضعف منه بل لا يكاد يصح كون المراد أنهم كانوا أمة واحدة
~~فاختلفوا بأن أحدث كل منهم ملة على حدة من ملل الكفر مخالفة لملة الآخر
~~لأن الكلام ليس في ذلك الاختلاف إذ كل من الفريقين مبطل حينئذ فلا
~~يتصوران يقضي بينهما بإبقاء المحق وإهلاك المبطل أو بإلجاء أحدهما إلى
~~اتباع الحق ليرتفع الاختلاف كما لا يخفى.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات:

# الر

# [يونس: 1] إشارة إلى الذات الذي هو أول الوجود و (ل) إشارة إلى العقل
~~المسمى جبريل عليه السلام وهو أوسط الوجود الذي يستفيض من المبدأ ويفيض
~~إلى المنتهى، و (ر) إشارة إلى الرحمة التي هي ms04029 الذات المحمدية وهي في
~~الحقيقة أول ووسط وآخر لكن الاعتبارات مختلفة، وكأن ذلك قسم منه تعالى
~~بالحقيقة المحمدية على أن ما تضمنته السورة أو القرآن من الآي آيات
~~الكتاب المتقن وقيل: المعنى ما أشير إليه بهذه الأحرف أركان كتاب الكل ذي
~~الحكمة أو المحكم ومعظم تفاصيله { أكان للناس عجبا أن
~~أوحينآ إلى رجل منهم } إنكار لتعجبهم من سنة الله الجارية
~~وهي الإيحاء إلى رجل، وكان ذلك لبعدهم عن مقامهم وعدم مناسبة حالهم لحاله
~~ومنافاة ما جاء به لما اعتقدوه { أن أنذر الناس } أي خوفهم / من
~~أن يشركوا بي شيئا { وبشر الذين ءامنوا أن لهم
~~قدم صدق عند ربهم } سابقة عظيمة وقربة ليس لأحد مثلها، وقيل:
~~سابقة رحمة أودعها في محمد صلى الله عليه وسلم { قال الكفرون }
~~أي المحجوبون عن الله تعالى { إن هذا } أي الكتاب الذي جاء به محمد
~~صلى الله عليه وسلم

# لساحر مبين

# [يونس: 2] لما رأوه خارجا عن قدرهم واحتجبوا بالشيطنة عن الوقوف على
~~حقيقة الحال قالوا ذلك { إن ربكم الله الذى خلق
~~السموات والأرض في ستة أيام } أي أوقات مقدار كل يوم
~~منها دورة الفلك الأعظم مرة واحدة كما نص عليه الشيخ الأكبر والستة عدد
~~تام واختاره الله تعالى لما فيه من الأسرار { ثم استوى على
~~العرش } أي الملك { يدبر الأمر } على وفق حكمته بيد قدرته،
~~وقد يفسر العرش بقلب الكامل فالكلام إشارة إلى خلق الإنسان الذي انطوى
~~فيه العالم بأسره { ما من شفيع } يشفع لأحد بدفع ما يضره أو جلب ما
~~ينفعه { إلا من بعد إذنه } بموهبة الاستعداد ثم بتوفيق
~~الأسباب { ذلكم } الموصوف بهذه الصفات الجليلة { الله ربكم }
~~الذي يريكم ويدبر أمركم { فاعبدوه } فخصوه بالعبادة واعرفوه بهذه
~~الصفات ولا تعبدوا الشيطان ولا تحتجبوا عنه تعالى فتنسبوا قوله وفعله إلى
~~الشيطان

# أفلا تذكرون

# [يونس: 3] آياته التي خطها بيد قدرته في صحائف الآفاق والأنفس فتتفكروا
~~فيها وتنزجروا عن الشرك به سبحانه { إليه مرجعكم جميعا }
~~بالعود إلى عين الجمع المطلق في القيامة الصغرى أو إلى عين جمع الذات
~~بالفناء ms04030 فيه تعالى عند القيامة الكبرى كذا قيل، وقال بعض العارفين: إن
~~مرجع العاشقين جماله ومرجع العارفين جلاله ومرجع الموحدين كبرياؤه ومرجع
~~الخائفين عظمته ومرجع المشتاقين وصاله ومرجع المحبين دنوه ومرجع أهل
~~العناية ذاته، وقال الجنيد قدس سره في الآية: إنه تعالى منه الابتداء
~~وإليه الانتهاء وما بين ذلك مرابع فضله وتواتر نعمه { وعد الله
~~حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده } أي يبدؤه في النشأة
~~الأولى ثم يعيده في النشأة الثانية أو يبدأ الخلق باختفائه وإظهارهم ثم
~~يعيده بإفنائهم وظهوره

# ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط
~~والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم
~~بما كانوا يكفرون

# [يونس: 4] أي يفعل ذلك ليجزي المؤمن والكافر على حسب ما يقتضيه عمل كل،
~~{ هو الذى جعل الشمس ضياء } أي جعل شمس الروح ضياء الوجود
~~{ والقمر } أي قمر القلب { نورا وقدره منازل } أي
~~مقامات { لتعلموا عدد السنين } أي سني مراتبكم وأطواركم في
~~المسير إليه وفيه تعالى:

# والحساب

# [يونس: 5] أي حساب درجاتكم ومواقع أقدامكم في كل مقام ومرتبة، ويقال:
~~جعل شمس الذات ضياء للأرواح العارفة وجعل قمر الصفات نورا للقلوب
~~العاشقة ففنيت الأرواح بصولة الذات في عين الذات وبقيت القلوب بمشاهدة
~~الصفات في عين الصفات وهذه الشمس المشار إليها لا تغيب أصلا عن بصائر
~~الأرواح ومن هنا قال قائلهم:

# هي الشمس إلا أن للشمس غيبة

# وهذا الذي نعنيه ليس يغيب

# { إن فى اختلف اليل } أي غلبة ظلمة النفس على القلب {
~~والنهار } أي نهار إشراق ضوء الروح عليه { وما خلق الله فى
~~السموات } أي سماوات الأرواح { والأرض } أي أرض الأجساد

# لأيت لقوم يتقون

# [يونس: 6] حجب صفات النفس الأمارة { إن الذين ءامنوا
~~وعملوا الصلحات يهديهم ربهم بإيمانهم } أي
~~يوصلهم إلى الجنات الثلاث بحسب نور إيمانهم فقوله سبحانه:

# تجري من تحتهم الأنهر في جنت النعيم

# [يونس: 9] كالبيان لذلك { دعواهم } الاستعدادي { فيها } أي في
~~تلك الجنات { سبحنك اللهم } إشارة إلى تنزيهه تعالى والتنزيه
~~في الأولى عن الشرك في الأفعال بالبراءة عن حولهم وقوتهم وفي الثانية عن
~~الشرك في الصفات بالانسلاخ ms04031 عن صفاتهم وفي الثالثة / عن الشرك في الوجود
~~بفنائهم { وتحيتهم } أي تحية بعضهم لبعض أو تحية لله تعالى {
~~فيها سلم } أي إفاضة أنوار التزكية وإمداد التصفية أو إشراق أنوار
~~التجليات وإمداد التجريد وإزالة الآفات

# وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين

# [يونس: 10] أي آخر ما يقتضيه استعدادهم قيامهم بالله تعالى في ظهور
~~كمالاته وصفات جلاله وجماله عليهم وهو الحمد الحقيقي منه وله سبحانه {
~~وإذا مس الإنسن الضر دعانا لجنبه أو قاعدا
~~أو قائما } أو استغرق أوقاته في الدعاء

# فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى
~~ضر مسه

# [يونس: 12] هذا وصف الذين لم يدركوا حقائق العبودية في مشاهد الربوبية
~~فإنهم إذا أظلم عليهم ليل البلاء قاموا إلى إيقاد مصباح التضرع فإذا
~~انجلت عنهم الغياهب بسطوع أنوار فجر الفرج نسوا ما كانوا فيه ومروا كأن
~~لم يدعوا مولاهم إلى كشف ما عناهم.

# كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى

# ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا

# ولو كانوا عارفين لم يبرحوا دارة التضرع وإظهار العبودية بين يديه تعالى
~~في كل حين { وما كان الناس إلا أمة واحدة } على الفطرة
~~التي فطر الله الناس عليها متوجهين إلى التوحيد متنورين بنور الهداية
~~الأصلية { فاختلفوا } بمقتضيات النشأة واختلاف الأمزجة والأهوية
~~والعادات والمخالطات { ولولا كلمة سبقت من ربك } وهو
~~قضاؤه سبحانه الأزلي بتقدير الآجال والأرزاق

# لقضى بينهم فيما فيه يختلفون

# [يونس: 19] بإهلاك المبطل وإبقاء المحق، والمراد أن حكمة الله تعالى
~~اقتضت أن يبلغ كل منهم وجهته التي ولى وجهه إليها بأعماله التي يزاولها
~~هو وإظهار ما خفي في نفسه وسبحان الحكيم العليم.

### || [10.20]

# { ويقولون } حكاية لجناية أخرى لهم، وفي «الكشاف» تفسير المضارع
~~بالماضي أي وقالوا وجعل ذلك إشارة إلى أن العطف ليس على

# ويقولون هؤلآء شفعؤنا

# [يونس: 18] كما يقتضيه ظاهر اللفظ وإنما هو على قوله سبحانه:

# قال الذين لا يرجون لقآءنا ائت بقرءان غير
~~هذا

# [يونس: 15] وما بينهما اعتراض وأوثر المضارع على الماضي ليؤذن باستمرار
~~هذه المقالة وأنها من دأبهم وعادتهم مع ما في ذلك ms04032 من استحضار صورتها
~~الشنيعة. وجوز العطف على

# يعبدون

# [يونس:18] وهو الذي اقتصر عليه بعض المحققين، وأبقى بعضهم الفعل على
~~ظاهره وله وجه، والقائل كفار مكة.

# { لولآ أنزل عليه ءاية من ربه } أرادوا آية من الآيات
~~التي اقترحوها كآية موسى وعيسى عليهما السلام، ومعنى إنزالها عليه إظهار
~~الله تعالى لها على يده صلى الله عليه وسلم، وطلبوا ذلك تعنتا وعنادا
~~وإلا فقد أتى صلى الله عليه وسلم بآيات ظاهرة ومعجزات باهرة تعلو على
~~جميع الآيات وتفوق سائر المعجزات لا سيما القرآن العظيم الباقي إعجازه
~~على وجه الدهر إلى يوم القيامة، ولعمري لو أنصفوا لاستغنوا عن كل آية
~~غيره عليه الصلاة والسلام فإنه الآية الكبرى ومن رآه وسبر أحواله لم يكد
~~يشك في أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

# { فقل } لهم في الجواب { إنما الغيب لله فانتظروا
~~إنى معكم من المنتظرين } وهو جواب على ما قرره الطيبي
~~على الأسلوب الحكيم فإنهم حين طلبوا ما طلبوا مع وجود الآيات المتكاثرة
~~دل على أن سؤالهم للتعنت كما علمت آنفا فأجيبوا بما أجيبوا ليؤذن بأن
~~سؤالهم سؤال المقترحين يستحقون به نقمة الله تعالى وحلول عقابه، يعني أنه
~~لا بد أن يستأصل شأفتكم لكن لا أعلم متى يكون وأنتم كذلك لأن ذلك من
~~الغيب وهو مختص به تعالى لا يعلمه أحد غيره جل شأنه وإذا كان كذلك
~~فانتظروا ما يوجبه اقتراحكم إني معكم من المنتظرين إياه، وقيل: إن المراد
~~أنه تعالى هو المختص بعلم الغيب والصارف عن إنزال الآيات المقترحة أمر
~~مغيب فلا يعلمه إلا هو، واعترض عليه بأنه معين وهو عنادهم قال تعالى:

# وما يشعركم أنها إذا جآءت لا يؤمنون

# [الأنعام: 109]. / وأجيب بأنا لا نسلم أن عنادهم هو الصارف وقد يجاب
~~المعاند والآية وإن دلت على بقائهم على العناد وإن جاءت لم تدل على أن
~~العناد هو الصارف.

# واختار بعض المحققين أن ما اقترحتموه وزعمتم أنه من لوازم النبوة وعلقتم
~~إيمانكم بنزوله من الغيوب المختصة به سبحانه لا وقوف لي عليه فانتظروا
~~نزوله إني ms04033 معكم من المنتظرين لما يفعل الله تعالى بكم لاجترائكم على مثل
~~هذه العظيمة من جحود الآيات، واقتراح غيرها، واعترض على ما قيل بأنه
~~يأباه ترتيب الأمر بالانتظار على اختصاص الغيب به تعالى، والذي يخطر
~~بالبال أن سؤال القوم قاتلهم الله تعالى متضمن لدعوى أن الصلاح في إنزال
~~آية مما اقترحوا حيث لم يعتبروا ما نزل ولم يلتفتوا إليه فكأنهم قالوا:
~~لا صلاح في نزول ما نزل وإنما الصلاح في إنزال آية مما نقترح فلولا نزلت
~~وفي ذلك دعوى الغيب بلا ريب فأجيبوا بأن الغيب مختص بالله فهو الذي يعلم
~~ما به الصلاح لا أنتم ولا غيركم ثم قال سبحانه: { فانتظروا } الخ
~~على معنى وإذا كان علم الغيب مختصا بالله تعالى وقد ادعيتم من ذلك ما
~~ادعيتم وطعنتم فيما طعنتم فانتظروا نزول العذاب بكم إني معكم من
~~المنتظرين إياه، ولا يرد على هذا ما أورد على غيره ولا ما عسى أن يورد
~~أيضا فتأمل.

### || [10.21]

# { وإذا أذقنا الناس رحمة } كالصحة والسعة { من بعد
~~ضراء مستهم } أي خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم، وإسناد
~~المساس إلى الضراء بعد إسناد الإذاقة إلى ضمير الجلالة من الآداب
~~القرآنية كما في قوله تعالى:

# وإذا مرضت فهو يشفين

# [الشعراء: 80] ونظائره وينبغي التأدب في ذلك ففي الخبر «اللهم إن الخير
~~بيديك والشر ليس إليك» والمراد بالناس كفار مكة على ما قيل لما روي أن
~~الله تعالى سلط عليهم القحط سبع سنين حتى كادوا يهلكون فطلبوا منه صلى
~~الله عليه وسلم أن يدعو لهم بالخصب ووعدوه بالإيمان فلما دعا لهم ورحمهم
~~الله تعالى بالحيا طفقوا يطعنون في آياته تعالى ويعاندونه عليه الصلاة
~~والسلام ويكيدونه وذلك قوله سبحانه: { إذا لهم مكر فى
~~آيتنا } أي بالطعن فيها وعدم الاعتداد بها والاحتيال في دفعها،
~~والظاهر أن المراد بالآيات الآيات القرآنية، وقيل: المراد بها الآيات
~~التكوينية كإنزال الحياء، ومكرهم فيها إضافتها إلى الأصنام والكواكب.
~~وقيل: إن { الناس } عام لجميع الكفار، ولا يجوز حمله على ما يشمل
~~العصاة كما لا يخفى، وكانت العرب ms04034 تضيف الأمطار وكذا الرياح والحر والبرد
~~إلى الأنواء، وهو جميع نوء مصدر ناء ينوء إذا نهض بجهد ومشقة ويقال ذلك
~~أيضا إذا سقط فهو من الأضداد، ويطلق على النجم الذي هو أحد المنازل
~~الثمانية والعشرين التي ذكرناها فيما سبق وهو المراد في كلامهم إلا أن
~~الإضافة إليه باعتبار سقوطه مع الفجر وغروبه كما هو المشهور أو باعتبار
~~طلوعه ذلك الوقت كما قال الأصمعي.

# وقد عد القائل بتأثير الأنواء كافرا فقد روى الشيخان وأبو داود
~~والنسائي عن زيد بن خالد قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " قال الله تعالى أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكوكب وكافر بي ومؤمن
~~بالكوكب فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب
~~وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب "

# ولعل كون ذلك من الكفر بالله تعالى مبني على زعم أن للكواكب تأثيرا
~~اختياريا ذاتيا في ذلك وإلا فاعتقاد أن التأثير عندها لا بها كما هو
~~المشهور من مذهب الأشاعرة في سائر الأسباب ليس بكفر كما نص عليه العلامة
~~ابن حجر، وكذا اعتقاد أن التأثير بها على معنى / أن الله تعالى أودع فيها
~~قوة مؤثرة بإذنه فمتى شاء سبحانه أثرت ومتى لم يشأ لم تؤثر كما هو مذهب
~~السلف في الأسباب على ما قرره الشيخ إبراهيم الكوراني في «مسلك السداد»،
~~ولو كان نسبة التأثير مطلقا إلى الأنواء ونحوها من العلويات كفرا لاتسع
~~الخرق ولزم إكفار كثير من الناس حتى أفاضلهم لقولهم بنسبة الكثير من عالم
~~الكون والفساد إلى العلويات ويسمونها بالآباء العلوية، وقد صرح الشيخ
~~الأكبر قدس سره بأن للكواكب السيارات وغيرها تأثيرا في هذا العالم إلا
~~أن الوقوف على تعيين جزئياته مما لا يطلع عليه إلا أرباب الكشف والأرصاد
~~القلبية، وليس مراده قدس سره وكذا مراد من أطلق التأثير إلا ما ذهب إليه
~~أحد الفريقين في الأسباب وحاشا ثم حاشا أن يكون أولئك الأفاضل ممن يعتقد
~~أن في الوجود مؤثرا غير الله تعالى بل ms04035 من وقف على حقيقة كلام الحكماء
~~الذين هم بمعزل عن الشريعة الغراء وجدهم متفقين على أن الوجود معلول له
~~تعالى على الإطلاق.

# قال بهمنيار في «التحصيل»: فإن سئلت الحق فلا يصح أن يكون علة الوجود
~~إلا ما هو برىء من كل وجه من معنى ما بالقوة وهذا هو المبدأ الأول لا
~~غير، وما نقل عن أفلاطون من قوله: إن العالم كرة والأرض مركز والإنسان
~~هدف والأفلاك قسي والحوادث سهام والله تعالى هو الرامي فأين المفر يشعر
~~بذلك أيضا. نعم إنهم قالوا بالشرائط العقلية وهي المراد بالوسائط في
~~كلام بعضهم وهو خلاف المذهب الحق، وبالجملة لا يكفر من قال: إن الكواكب
~~مؤثرة على معنى أن التأثير عندها أو بها بإذن الله تعالى بل حكمه حكم من
~~قال: إن النار محرقة والماء مرو مثلا، ولا فرق بين القولين إلا بما عسى
~~أن يقال: إن التأثير في نحو النار والماء أمر محسوس مشاهد والتأثير في
~~الكواكب ليس كذلك والقول به رجم بالغيب لكن ذلك بعد تسليمه لا يوجب كون
~~أحد القولين كفرا دون الآخر كما لا يخفى على المنصف، ومع هذا الأحوط عدم
~~إطلاق نسبة التأثير إلى الكواكب والتجنب عن التلفظ بنحو ما أكفر الله
~~سبحانه المتلفظ به هذا { وإذا } الأولى شرطية والثانية فجائية رابطة
~~للجواب، وتنكير { مكر } للتفخيم، و { في } متعلقة بالاستقرار الذي
~~تتعلق به اللام.

# { قل الله أسرع مكرا } أي منكم فأسرع أفعل تفضيل وهو مأخوذ
~~إما من سرع الثلاثي كما حكاه الفارسي أو من أسرع المزيد إلا أن في أخذ
~~أفعل من المزيد خلافا فمنهم من منعه مطلقا ومنهم من جوزه مطلقا ومنهم
~~من قال: إن كانت الهمزة للتعدية امتنع وإلا جاز ومثله في ذلك بناء
~~التعجب، ووصف المفضل عليه بالسرعة دل عليه المفاجأة على أن صحة استعمال
~~أسرع في ذلك لا يتوقف على دلالة الكلام على ما ذكر خلافا لما يقتضيه
~~ظاهر كلام الزمخشري، وأصل المكر إخفاء الكيد والمضرة، والمراد به الجزاء
~~والعقوبة على المكر مجازا مرسلا أو مشاكلة ms04036 وهي لا تنافيه كما في «شرح
~~المفتاح»، وقد شاع أنه لا يستعمل فيه تعالى إلا على سبيل المشاكلة وليس
~~بذاك كما حقق في موضعه.

# { إن رسلنا } الحفظة من قبلنا على أعمالكم { يكتبون ما
~~تمكرون } أي مكركم أو ما تمكرونه، وكيفية كتابة ذلك مما لا يلزم
~~العلم به ولا حاجة إلى جعل ذلك مجازا عن العلم، وهذا تحقيق للانتقام
~~منهم وتنبيه على أن ما دبروا في إخفائه غير خاف على الكتبة فضلا عن منزل
~~الكتاب الذي لا تخفى عليه خافية. وفي ذلك تجهيل لهم كما لا يخفى، والظاهر
~~أن الجملة ليست داخلة في الكلام الملقن كقوله تعالى:

# ولو جئنا بمثله مددا

# [الكهف: 109] وهي تعليل لأسرعية مكره سبحانه وتعالى، وجوز أن تكون داخلة
~~في ذلك وفي / { إن رسلنا } التفاتا إذ لو أجرى على قوله سبحانه:
~~{ قل الله } لقيل إن رسله فلا إشكال فيه من حيث أنه لا وجه لأمر
~~الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم إن رسلنا إذ الضمير لله تعالى لا
~~له عليه الصلاة والسلام بتقدير مضاف أي رسل ربنا أو بالإضافة لأدنى
~~ملابسة كما قيل. وقال بعضهم في الجواب: إنه حكاية ما قال الله تعالى على
~~كون المراد أداء هذا المعنى لا بهذه العبارة.

# وقرأ الحسن ومجاهد { يمكرون } على لفظ الغيبة، وروي ذلك أيضا عن
~~نافع ويعقوب وفيه الجري على ما سبق من قوله سبحانه: { مستهم } و {
~~لهم } والمناسب الخطاب كما قرأ الباقون إذا كانت الجملة داخلة في حيز
~~القول إذ المعنى قل لهم، ومناسبة الخطاب حينئذ ظاهرة وفيه أيضا مبالغة
~~في الإعلام بمكرهم، وجعلها بعض المحققين على تلك القراءة وعدم دخولها في
~~حيز القول تعليلا للأسرعية أو للأمر المذكور. وصيغة الاستقبال في
~~الفعلين للدلالة على الاستمرار والتجدد وكذا في قوله سبحانه: { هو
~~الذي يسيركم في البر... }

### || [10.22]

# { هو الذى يسيركم فى البر والبحر } وهو على ما قيل
~~كلام مستأنف مسوق لبيان جناية أخرى لهم مبنية على ما مر آنفا من اختلاف
~~حالهم بحسب اختلاف ما يعتريهم من ms04037 الضراء. وعن أبي مسلم أنه تفسير لبعض
~~ما أجمل في قوله سبحانه:

# وإذآ أذقنا الناس

# [يونس:21] الخ، وهو قريب من قول الإمام أنه تعالى لما قال: { وإذآ
~~أذقنا } الآية وهو كلام كلي ضرب لهم مثلا بهذا ليتضح ويظهر ما هم
~~عليه. وزعم بعضهم أنه متصل بما تقدم من دلائل التوحيد فكأنه قيل: إلهكم
~~الذي جعل الشمس ضياءا والقمر نورا و { هو الذي يسيركم }
~~الخ، وأول التيسير بالحمل على السير والتمكين منه، والداعي لذلك قيل: عدم
~~صحة جعل قوله سبحانه: { حتى إذا كنتم فى الفلك } غاية
~~للتسيير في البحر مع أنه مقدم عليه وغاية الشيء لا بد أن تكون متأخرة
~~عنه، وبعد التأويل لا إشكال في جعل ما ذكر غاية لما قبله.

# وقيل: هو دفع لزوم الجمع بين الحقيقة والمجاز وذلك لأن المسير في البحر
~~هو الله تعالى إذ هو سبحانه المحدث لتلك الحركات في الفلك بالريح ولا دخل
~~للعبد فيه بل في مقدماته، وأما سير البر فمن الأفعال الاختيارية الصادرة
~~من المخاطبين أنفسهم إن كانوا مشاة أو من دوابهم إن كانوا ركبانا وتسيير
~~الله تعالى فيه إعطاء الآلات والأدوات ولزوم الجمع عليه ظاهر. ووجه الدفع
~~أن المراد من التسيير ما ذكر وهو معنى مجازي شامل للحقيقة والمجاز. وادعى
~~بعضهم اتحاد التسيير في البر والبحر واستدل بالآية على أن أفعال العباد
~~مخلوقة لله تعالى. وتعقب بأنه تكلف. والزمخشري لم يؤول التسيير بما ذكرنا
~~وجعل الغاية مضمون الجملة الشرطية الواقعة بعد (حتى) بما في حيزها كأنه
~~قيل: يسيركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة وكانت كيت وكيت من مجىء الريح
~~العاصف وتراكم الأمواج والظن للهلاك والدعاء بالإنجاء دون الكون في
~~البحر.

# وتعقب ذلك القطب بأنه لو جعل الكون (في الفلك) مع ما عطف عليه من قوله
~~تعالى: { وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها } كفى
~~ولم يحتج إلى اعتبار مجموع الشرط والجزاء، ثم قال: والتحقيق أن الغاية إن
~~فسرت بما ينتهي إليه الشيء بالذات فهي ليس إلا ما وقع شرطا في مثل ذلك
~~وإن ms04038 فسرت بما ينتهي إليه الشيء مطلقا سواء كان بالذات أو بالواسطة فهي
~~مجموع الشرط والجزاء، واستوضح ذلك من قولك: مشيت حتى إذا بلغت البلد
~~اتجرت فإن ما انتهى إليه المشي بالذات الوصول إلى البلد وأما الاتجار /
~~فأمر مترتب على ذلك فيكون مما انتهى إليه المشي بالواسطة والتضعيف في
~~يسير للتعدية تقول سار الرجل وسيرته، وقال الفارسي: إن سار متعد كسير لأن
~~العرب تقول سرت الرجل وسيرته بمعنى، ومنه قول الهذلي:

# فلا تجزعن من سنة أنت سرتها

# فأول راض سنة من يسيرها

# وقال في «الصحاح»: سارت الدابة وسارها صاحبها يتعدى ولا يتعدى وأنشد له
~~هذا البيت، وأوله النحويون حيث لم يرتضوا ذلك.

# و { الفلك } السفن ومفرده وجمعه واحد وتغاير الحركات بينهما
~~اعتباري، وفي «الصحاح» أنه واحد وجمع يذكر ويؤنث وكأن ذلك باعتبار المركب
~~والسفينة، وكان سيبويه يقول: الفلك التي هي جمع تكسير للفلك الذي هو واحد
~~وليست مثل الجنب الذي هو واحد وجمع والطفل وما أشبههما من الأسماء لأن
~~فعلا وفعلا يشتركان في الشيء الواحد مثل العرب والعرب والعجم والعجم
~~والرهب والرهب فحيث جاز أن يجمع فعل على فعل مثل أسد وأسد لم يمتنع أن
~~يجمع فعل على فعل، وضمير { جرين } للفلك وضمير { بهم } لمن فيها
~~وهو التفات للمبالغة في تقبيح حالهم كأنه أعرض عن خطابهم وحكى لغيرهم سوء
~~صنيعهم، وقيل: لا التفات بل معنى قوله سبحانه: { حتى إذا كنتم
~~في الفلك } حتى إذا كان بعضكم فيها إذ الخطاب للكل ومنهم المسيرون
~~في البر فالضمير الغائب عائد إلى ذلك المضاف المقدر كما في قوله تعالى:

# أو كظلمت في بحر لجي يغشه موج

# [النور: 40] فإنه في تقدير أو كذي ظلمات يغشاه موج، والباء الأولى
~~للتعدية والثانية وكذا الثالثة للسببية فلذا تعلق الحرفان بمتعلق واحد،
~~وإلا فقد منعوا تعلق حرفين بمعنى بمتعلق واحد، واعتبار تعلق الثاني بعد
~~تعلق الأول به وملاحظته معه يزيل اتحاد المتعلق. وجوز أن تكون الثانية
~~للحال أي جرين بهم ملتبسة بريح فتتعلق بمحذوف كما في البحر، وقد تجعل
~~الأولى ms04039 للملابسة أيضا { وفرحوا } عطف على { جرين } هو عطف على
~~{ كنتم } وقد تجعل حالا بتقدير قد وضمير { بها } للريح ونقل
~~الطبرسي القول برجوعه للفلك ولا يكاد يجري به القلم، والمراد بطيبة حسبما
~~يقتضيه المقام لينة الهبوب موافقة المقصد. وظاهر الآية  على ما نقل عن
~~الإمام  يقتضي أن راكب السفينة متحرك بحركتها خلافا لمن قال: إنه ساكن،
~~ولا وجه كما قال بعض المحققين لهذا الخلاف فإنه ساكن بالذات سائر
~~بالواسطة.

# وقرأ ابن عامر { ينشركم } بالنون والشين المعجمة والراء المهملة من
~~النشر ضد الطي أي يفرقكم ويبثكم، وقرأ الحسن { ينشركم } من أنشر بمعنى
~~أحيا. وقرأ بعض الشاميين { ينشركم } بالتشديد للتكثير من النشر أيضا،
~~وعن أم الدرداء أنها قرأت { في } بزيادة ياءي النسب، ووجه ذلك بأنهما
~~زائدتان كما في الخارجي والأحمري ولا اختصاص لذلك في الصفات لمجىء دودوي
~~وأنا الصلتاني في قول الصلتان، ويجوز أن يراد به اللج والماء الغمر الذي
~~لا تجري الفلك إلا فيه.

# وقوله سبحانه: { جآءتها } جواب { إذا } والضمير المنصوب للفلك أو
~~للريح الطيبة على معنى تلقتها واستولت عليها من طرف مخالف لها فإن الهبوب
~~على وفقها لا يسمى على ما قيل مجيئا لريح أخرى عادة بل هو اشتداد للريح
~~الأولى، ورجح الثاني بأنه الأظهر لاستلزامه للأول من غير عكس لأن الهبوب
~~على طريقة الريح اللينة يعد مجيئا بالنسبة إلى الفلك دون الريح اللينة
~~مع أنه لا يستتبع تلاطم لأمواج الموجب لمجيئها من كل مكان ولأن التهويل
~~في بيان استيلائها على ما فرحوا به وعلقوا به حبال / رجائهم أكثر وفيه
~~تأمل { ريح عاصف } أي ذات عصف فهو من باب النسب كلابن وتامر، ويستوي
~~فيه المذكر والمؤنث كما صرحوا به فلذا لم يقل عاصفة مع أن الريح مؤنثة لا
~~تذكر بدون تأويل.

# وقيل: لم يقل عاصفة لأن العصوف مختص بالريح كحائض فلا حاجة إلى الفارق
~~أو أنه اعتبر التذكير في الريح كما اعتبر فيها التأنيث والأولى ما
~~قدمناه، وأصل العصف الكسر والنبات المتكسر والمراد شديدة الهبوب.

# { وجآءهم الموج } وهو ما علا وارتفع ms04040 من اضطراب الماء، وقيل: هو
~~اضطراب البحر والأول هو المشهور { من كل مكان } أي من أمكنة مجىء
~~الموج عادة وقد يتفق مجيئه من جهات حسب أسباب تتفق لذلك { وظنوا
~~أنهم أحيط بهم } أي أهلكوا كما رواه ابن المنذر عن ابن جريج،
~~ففي الكلام استعارة تبعية، وقيل: إن الإحاطة استعارة لسد مسالك الخلاص
~~تشبيها له بإحاطة العدو بإنسان ثم كنى بتلك الاستعارة عن الهلاك لكونها
~~من روادفها ولوازمها. وقيل: إن ذلك مثل في الهلاك، والظن على ما يتبادر
~~منه، وجوز أن يكون بمعنى اليقين بناء على تحقق وقوعه في اعتقادهم أو كون
~~الكناية عن القرب من الهلاك.

# { دعوا الله } جعله غير واحد بدل اشتمال من { ظنوا } لأن
~~دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك فبينهما ملابسة تصحح البدلية، وقيل: هو جواب
~~ما اشتمل عليه المعنى من معنى الشرط أي لما ظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله
~~الخ. وجعله أبو حيان استئنافا بيانيا كأنه قيل: فماذا كان حالهم إذ
~~ذاك؟ فقيل: دعوا الخ، ورجح القول بالبدل عليه بأنه أدخل في اتصال الكلام،
~~والدلالة عن كونه المقصود مع إفادته ما يستفاد من الاستئناف مع الاستغناء
~~عن تقدير السؤال. وأنت تعلم أن تقدير السؤال ليس تقديرا حقيقيا بل أمر
~~اعتباري وفيه من الإيجاز ما فيه وليس بأبعد مما تكلف للبدلية، ويشعر كلام
~~بعضهم جواز كونه جواب الشرط و { جآءتها } في موضع الحال كقوله تعالى:

# فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله

# [العنكبوت: 65] الآية، وتعقب بأن الاحتياج إلى الجواب يقتضي صرف ما يصلح
~~له إليه لا إلى الحال الفضلة المفتقرة إلى تقدير قد مع أن عطف {
~~وظنوا } على { جآءتها } يأبى الحالية والفرح بالريح الطيبة لا
~~يكون حال مجىء العاصفة والمعنى على تحقق المجىء لا على تقديره ليجعل
~~حالا مقدرة ولا يخلو عن حسن، والظاهر أن ما عده مانعا من الحالية غير
~~مشترك بينه وبين كونه جواب { إذا } لأنه يقتضي أنهما في زمان واحد كما
~~لا يخفى على من له أدنى معرفة بأساليب الكلام.

# وقوله سبحانه: { مخلصين له الدين ms04041 } حال من ضمير { دعوا } و
~~{ له } متعلق بمخلصين و { الدين } مفعوله أي دعوه تعالى من غير
~~إشراك لرجوعهم من شدة الخوف إلى الفطرة التي جبل عليها كل أحد من التوحيد
~~وأنه لا متصرف إلا الله سبحانه المركوزفي طبائع العالم وروي ذلك عن ابن
~~عباس ومن حديث أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال:
~~«لما كان يوم الفتح فر عكرمة بن أبي جهل فركب البحر فأصابتهم عاصف فقال
~~أصحاب السفينة لأهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا فقال
~~عكرمة: لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجيني في البر غيره اللهم
~~أن لك عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا حتى أضع يدي / في
~~يده فلأجدنه عفوا كريما قال فجاء فأسلم» وفي رواية ابن سعد عن أبي
~~مليكة «أن عكرمة لما ركب السفينة وأخذتهم الريح فجعلوا يدعون الله تعالى
~~ويوحدونه قال: ما هذا؟ فقالوا: هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله تعالى قال:
~~فهذا إله محمد صلى الله عليه وسلم الذي يدعونا إليه فارجعوا بنا فرجع
~~وأسلم».

# وظاهر الآية أنه ليس المراد تخصيص الدعاء فقط به سبحانه بل تخصيص
~~العبادة به تعالى أيضا لأنهم بمجرد ذلك لا يكونون مخلصين له الدين.
~~وأيا ما كان فالآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك
~~الحال، وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير وخطب جسيم في بر
~~أو بحر دعوا من لا يضر ولا ينفع ولا يرى ولا يسمع فمنهم من يدعو الخضر
~~وإلياس ومنهم من ينادي أبا الخميس والعباس ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة
~~ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة ولا ترى فيهم أحدا يخص مولاه
~~بتضرعه ودعاه ولا يكاد يمر له ببال أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من
~~هاتيك الأهوال فبالله تعالى عليك قل لي أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى
~~سبيلا وأي الداعيين أقوم قيلا؟ وإلى الله تعالى المشتكى من زمان عصفت ms04042
~~فيه ريح الجهالة وتلاطمت أمواج الضلالة وخرقت سفينة الشريعة واتخذت
~~الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة وتعذر على العارفين الأمر
~~بالمعروف وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف.

# هذا وقوله تعالى: { لئن أنجيتنا من هذه لنكونن
~~من الشكرين } في محل نصب بقول مقدر عند البصريين وهو حال من
~~الضمير السابق، ومذهب الكوفيين إجراء الدعاء مجرى القول لأنه من أنواعه
~~وجعل الجملة محكية به والأول هو الأولى هنا، واللام موطئة لقسم مقدر و {
~~لنكونن } جوابه. والمشار إليه بهذه الحال التي هم فيها أي والله
~~لئن أنجيتنا مما نحن فيه من الشدة لنكونن البتة بعد ذلك أبدا شاكرين
~~لنعمك التي من جملتها هذه النعمة المسؤولة، والعدول عن لنشكرن إلى ما فيي
~~النظم الجليل للمبالغة في الدلالة على الثبوت في الشكر والمثابرة عليه.

### || [10.23]

# { فلمآ أنجاهم } مما نزل بهم من الشدة والكربة، والفاء للدلالة
~~على سرعة الإجابة { إذا هم يبغون في الأرض } أي فاجأوا
~~الفساد فيها وسارعوا إليه مترامين في ذلك ممعنين فيه من قولهم: بغى الجرح
~~إذا ترامى في الفساد، وزيادة { في الأرض } للدلالة على شمول بغيهم
~~لأقطارها، وصيغة المضارع للدلالة على التجدد والاستمرار، وقوله سبحانه
~~وتعالى: { بغير الحق } تأكيدا لما يفيده البغي إذ معناه أنه
~~بغير الحق عندهم أيضا بأن يكون ظلما ظاهرا لا يخفى قبحه على كل أحد
~~كما قيل نحو ذلك في قوله تعالى:

# ويقتلون النبيين بغير الحق

# [البقرة: 61].

# وقد فسر البغي بإفساد صورة الشيء وإتلاف منفعته وجعل { بغير
~~الحق } للاحتراز مما يكون من ذلك بحق كتخريب الغزاة ديار الكفرة وقطع
~~أشجارهم وحرق زروعهم كما فعل صلى الله عليه وسلم ببني قريظة. وتعقب بأنه
~~مما لا يساعده النظم الكريم لأن البغي بالمعنى الأول هو اللائق بحال
~~المفسدين فينبغي بناء الكلام عليه. والزمخشري اختار كون ذلك للاحتراز عما
~~ذكر. وذكر في «الكشف» أنه أشار بذلك إلى أن الفساد اللغوي خروج الشيء من
~~الانتفاع فلا كل بغي  أي فساد في الأرض واستطالة فيها  كذلك كما علمت
~~وإن كان موضوعه العرفي للاستطالة ms04043 بغير حق لكن النظر إلى موضوعه الأصلي،
~~وقيل: إن البغي الذي يتعدى بفي بمعنى الإتلاف والإفساد وهو يكون حقا
~~وغيره والذي يتعدى بعلى بمعنى الظلم، وتقييد الأول بغير / الحق للاحتراز
~~وتقييد الثاني به للتأكيد، ولعل من يجعل البغي هنا بمعنى الظلم يقول: إن
~~المعنى يبغون على المسلمين مثلا فافهم.

# { يأيها الناس } توجيه الخطاب إلى أولئك الباغين للتشديد في
~~التهديد والمبالغة في الوعيد { إنما بغيكم } الذي تتعاطونه وهو
~~مبتدأ خبره قوله سبحانه: { على أنفسكم } أي عليكم في الحقيقة لا
~~على الذين تبغون عليهم وإن ظن كذلك، وقوله تعالى: { متاع الحيوة
~~الدنيا } نصب على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر بطريق الاستئناف أي
~~تتمتعون متاع الحياة الدنيا، والمراد من ذلك بيان كون ما في البغي من
~~المنفعة العاجلة شيئا غير معتد به سريع الزوال دائم الوبال، وقيل: إنه
~~منصوب على أنه مصدر واقع موقع الحال أي متمتعين، والعامل هو الاستقرار
~~الذي في الخبر ولا يجوز أن يكون نفس البغي لأنه لا يجوز الفصل بين المصدر
~~ومعموله بالخبر، وأيضا لا يخبر عن المصدر إلا بعد تمام صلاته ومعمولاته.
~~وتعقب بأنه ليس في تقييد كون بغيهم على أنفسهم بحال تمتعهم بالحياة
~~الدنيا معنى يعتد به.

# وقيل: على أنه ظرف زمان كمقدم الحاج أي زمان متاع الحياة الدنيا والعامل
~~فيه الاستقرار أيضا وفيه ما في سابقه، وقيل: على أنه مفعول لفعل دل عليه
~~المصدر أي تبغون متاع الحياة الدنيا.

# واعترض بأن هذا يستدعي أن يكون البغي بمعنى الطلب لأنه الذي يتعدى بنفسه
~~والمصدر لا يدل عليه، وجعل المصدر أيضا بمعناه مما يخل بجزالة النظم
~~الكريم لأن الاستئناف لبيان سوء عاقبة ما حكى عنهم من البغي المفسر على
~~المختار بالفساد المفرط اللائق بحالهم وحينئذ تنتفي المناسبة ويفوت
~~الانتظام، وجعل الأول أيضا بمعناه مما يجب تنزيه ساحة التنزيل عنه.

# وقيل: على أنه مفعول له أي لأجل متاع الحياة الدنيا والعامل فيه
~~الاستقرار. وتعقب بأن المعلل بما ذكر نفس البغي لا كونه على أنفسهم،
~~وقيل: العامل فيه فعل مدلول ms04044 عليه بالمصدر أي تبغون لأجل متاع الحياة
~~الدنيا على أن الجملة مستأنفة، وقيل: على أنه مفعول صريح للمصدر و {
~~على أنفسكم } متعلق به لا خبر لما مر والمراد بالأنفس الجنس
~~والخبر محذوف لطول الكلام، والتقدير إنما بغيكم على أبناء جنسكم متاع
~~الحياة الدنيا مذموم أو منهي عنه أو ضلال أو ظاهر الفساد أو نحو ذلك.
~~وفيه الابتناء على أن البغي بمعنى الطلب وقد علمت ما فيه. نعم لو جعل
~~نصبه على العلة أي إنما بغيكم على أبناء جنسكم لأجل متاع الحياة الدنيا
~~مذموم كما اختاره بعضهم لكان له وجه في الجملة لكن الحق الذي يقتضيه
~~جزالة النظم هو الأول.

# وقرأ الجمهور { متاع } بالرفع. قال صاحب المرشد: وفيه وجهان، أحدهما:
~~كونه الخبر والظرف صلة المصدر. والثاني: كونه خبر مبتدأ محذوف أي هو أو
~~ذلك متاع، وزيد وجه آخر وهو كونه خبرا بعد خبر لبغيكم، والمختار بل
~~المتعين على الوجه الأول كون المراد بأنفسكم أبناء جنسكم أو أمثالكم على
~~سبيل الاستعارة، والتعبير عنهم بذلك للتشفيق والحث على ترك إيثار التمتع
~~المذكور على ما ينبغي من الحقوق، ولا مانع على الوجهين الأخيرين من الحمل
~~على الحقيقة كما بين ذلك مولانا شيخ الإسلام. وقرىء بنصب المتاع والحياة
~~وخرج نصب الأول على ما مر ونصب الثاني على أنه بدل اشتمال من الأول.
~~وقيل: على أنه مفعول به له إذا لم يكن انتصابه على المصدرية لأن المصدر
~~المؤكد لا يعمل، وذكر أبو البقاء أنه قرىء بجرهما على أن الثاني مضاف
~~إليه والأول نعت للأنفس أي ذات متاع، وجوز أن يكون / المصدر بمعنى اسم
~~الفاعل أي متمتعات، وضعف كونه بدلا إذ قد أمكن كونه صفة.

# هذا وفي الآية من الزجر عن البغي ما لا يخفى. وقد أخرج أبو الشيخ وأبو
~~نعيم والخطيب والديلمي وغيرهم عن أنس قال؛

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث هن رواجع على أهلها المكر
~~والنكث والبغي ثم تلا عليه الصلاة والسلام { يأيها الناس
~~إنما بغيكم على أنفسكم }  { ولا يحيق المكر
~~السيىء ms04045 إلا بأهله } [فاطر: 43] { فمن نكث فإنما
~~ينكث على نفسه } [الفتح: 10] "

# وأخرج البيهقي في «الشعب» عن أبي بكرة قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من ذنب أجدر أن يعجل لصاحبه
~~العقوبة من البغي وقطيعة الرحم "

# وأخرج أيضا من طريق بلال بن أبي بردة عن أبيه عن جده عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال:

# " لا يبغي على الناس إلا ولد بغى أو فيه عرق منه "

# وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم قالا:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو بغى جبل على جبل لدك الباغي
~~منهما "

# وكأن المأمون يتمثل بهذين البيتين لأخيه.

# يا صاحب البغي إن البغي مصرعة

# فاربع فخير فعال المرء أعدله

# فلو بغى جبل يوما على جبل

# لاندك منه أعاليه وأسفله

# وعقد ذلك الشهاب فقال:

# إن يعد ذو بغي عليك فخله

# وارقب زمانا لانتقام باغي

# واحذر من البغي الوخيم فلو بغى

# جبل على جبل لدك الباغي

# { ثم إلينا مرجعكم } عطف على ما مر من الجملة المستأنفة
~~المقدرة كأنه قيل: تتمتعون متاع الحياة الدنيا ثم ترجعون إلينا، وإنما
~~غير السبك إلى ما في النظم الكريم للدلالة على الثبات والقصر. {
~~فننبئكم بما كنتم تعملون } في الدنيا على الاستمرار من
~~البغي فهو وعيد وتهديد بالجزاء والعذاب وقد تقدم الكلام في نظيره.

### || [10.24]

# { إنما مثل الحيوة الدنيا } كلام مستأنف لبيان شأن
~~الحياة الدنيا وقصر مدة التمتع فيها، وأصل المثل ما شبه مضربه بمورده
~~ويستعار للأمر العجيب المستغرب، أي إنما حالها في سرعة تقضيها وانصرام
~~نعيمها بعد إقبالها واغترار الناس بها { كمآء أنزلناه من
~~السمآء فاختلط به } أي فكثر بسببه { نبات الأرض } حتى
~~التف بعضه ببعض، فالباء للسببية ومنهم من أبقاها على المصاحبة، وجعل
~~الاختلاط بالماء نفسه فإنه كالغذاء للنبات فيجري فيه ويخالطه والأول هو
~~الذي يقتضيه كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { مما يأكل
~~الناس والأنعم } كالبقول والزروع والحشيش والمراعي، والجار
~~والمجرور في موضع الحال من النبات { حتى إذا أخذت الأرض }
~~أي ms04046 استوفت واستكملت { زخرفها } أي حسنها وبهجتها { وازينت }
~~بأصناف النبات وأشكالها وألوانها المختلفة.

# كأذيال خود أقبلت في غلائل

# مصبغة والبعض أقصر من بعض

# وقد ذكر غير واحد أن في الكلام استعارة بالكناية حيث شبهت الأرض بالعروس
~~وحذف المشبه به وأقيم المشبه مقامه وإثبات أخذ الزخرف لها تخييل وما بعده
~~ترشيح، وقيل: الزخرف الذهب استعير للنضارة / والمنظر الشار. وأصل ازينت
~~تزينت فأدغمت التاء في الزاي وسكنت فاجتلبت همزة وصل للتوصل للابتداء
~~بالساكن، وبالأصل قرأ عبد الله، وقرأ الأعرج والشعبي وأبو العالية ونصر
~~بن عاصم والحسن بخلاف { وازينت } بوزن أفعلت كأكرمت، وكان قياسه
~~أن يعل فيقلب ياؤه ألفا فيقال أزانت لأنه المطرد في باب الأفعال المعتل
~~العين لكنه ورد على خلافه كأغيلت المرأة إذا سقت ولدها الغيل وهو لبن
~~حملها عليه وقد جاء أغالت على القياس.

# ومعنى الأفعال هناك هنا الصيرورة أي صارت ذات زينة أو صيرت نفسها كذلك،
~~وقرأ أبو عثمان النهدي { أزيأنت } بهمزة وصل بعدها زاي ساكنة وياء مفتوحة
~~وهمزة كذلك ونون مشددة وتاء تأنيث، وأصله ازيانت بوزن احمارت بألف صريحة
~~فكرهوا اجتماع ساكنين فقلبوا الألف همزة مفتوحة كما قرىء { الضألين }
~~[الفاتحة:7] وجاء أيضا احمأرت بالهمزة كقوله:

# إذا ما الهوادي بالعبيط احمأرت

# وقرأ عوف بن جميل { ازيانت } بألف من غير إبدال، وقرىء { ازاينت }
~~لقصد المبالغة.

# { وظن أهلهآ أنهم قادرون عليها } أي على الأرض،
~~والمراد ظنوا أنهم متمكنون من منفعتها محصلون لثمرتها رافعون لغلتها،
~~وقيل: الكناية للزروع، وقيل: للثمرة، وقيل: للزينة لانفهام ذلك من الكلام
~~{ أتاها أمرنا } جواب { إذا } أي نزل بها ما قدرناه من العذاب
~~وهو ضرب زرعها ما يجتاحه من الآفات والعاهات كالبرد والجراد والفأر
~~والصرصر والسموم وغير ذلك { ليلا أو نهارا } أي في ليل أو في
~~نهار، ولعل المراد الإشارة إلى أنه لا فرق في إتيان العذاب بين زمن
~~غفلتهم وزمن يقظتهم إذ لا يمنع منه مانع ولا يدفع عنه دافع {
~~فجعلناها } أي فجعلنا نباتها { حصيدا } أي شبيها بما حصد من
~~أصله، والظاهر أن هذا من التشبيه لذكر الطرفين ms04047 فيه فإن المحذوف في قوة
~~المذكور، وجوز أن يكون هناك استعارة مصرحة والأصل جعلنا نباتها هالكا
~~فشبه الهالك بالحصيد وأقيم اسم المشبه به مقامه، ولا ينافيه تقدير المضاف
~~كما توهم لأنه لم يشبه الزرع بالحصيد بل الهالك به.

# وذهب السكاكي إلى أن في الكلام استعارة بالكناية حيث شبهت الأرض
~~المزخرفة والمزينة بالنبات الناضر المونق الذي ورد عليه ما يزيله ويفنيه
~~وجعل الحصيد تخيلا ولا يخفى بعده.

# { كأن لم تغن } أي كأن لم يغن نباتها أي لم يمكث ولم يقم، فتغن
~~من غنى بالمكان إذا أقام ومكث فيه ومنه قيل للمنزل مغني، وقد حذف المضاف
~~في هذا وفيما قبله فانقلب الضمير المجرور منصوبا في أولهما ومرفوعا
~~مستترا في الثاني، واختير الحذف للمبالغة حيث أفاد ظاهر الكلام جعل
~~الأرض نفسها حصيدا وكأنها نفسها لم تكن لتغيرها بتغير ما فيها، وقد عطف
~~بعضهم عليهما { عليها } لما أن التقدير فيه على نباتها فحذف المضاف
~~وجر الضمير بعلى وليس بالبعيد خلا أن في كون الحذف للمبالغة أيضا
~~ترددا، وقيل: ضمير { تغن } وما قبله يعودان على الزرع كما قيل في
~~ضمير { عليها } وقيل: يعودان على الأرض ولا حذف بل يجعل التجوز في
~~الإسناد. وأنت تعلم أن إرجاع الضمائر كلها للأرض ولو مع ارتكاب التجوز في
~~الإسناد أولى من إرجاعها لغيرها كائنا ما كان. نعم إنه لا يمكن إرجاع
~~الضمير إليها في قراءة الحسن { يغني } بالياء التحتية وجعل ذلك من قبيل
~~ولا أرض أبقل أبقالها كما ترى فينبغي أن يرجع للنبات أو للزرع مثلا ومآل
~~المعنى كأن لم يكن نابتا.

# { بالأمس } أي فيما قبل إتيان أمرنا بزمان قريب فإن الأمس مثل في
~~ذلك، والجملة التشبيهية جوز أن تكون في محل النصب على أنها حال وأن تكون
~~مستأنفة لا محل لها من الإعراب جوابا لسؤال مقدر، والممثل / به في الآية
~~ما يفهم من الكلام وهو زوال خضرة النبات فجأة وذهابه حطاما لم يبق له
~~أثر بعد ما كان غضا طريا قد التف بعضه ببعض وازينت الأرض بألوانه حتى ms04048
~~طمع الناس وظنوا أنه قد سلم من الجوائح لا الماء وإن دخلته كاف التشبيه
~~فإنه من التشبيه المركب مع اشتمال الكلام نفسه على أمور حقيقية وأمور
~~مجازية فيها من اللطافة ما لا يخفى. وعن أبي أنه قرأ { كأن لم تغن
~~بالأمس وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها }.

# { كذلك } أي مثل ذلك التفصيل البديع { نفصل الآيت } أي
~~القرآنية التي من جملتها هذه الآية الجليلة الشأن المنبهة على أحوال
~~الحياة الدنيا أي نوضحها ونبينها { لقوم يتفكرون } في معانيها
~~ويقفون على حقائقها، وتخصيصهم بالذكر لأنهم المنتفعون، وجوز أن يراد
~~بالآيات ما ذكر في أثناء التمثيل من الكائنات والفاسدات وبتفصيلها
~~تصريفها على الترتيب المحكي إيجادا وإعداما فإنها آيات ما ذكر في أثناء
~~التمثيل من الكائنات والفاسدات وبتفصيلها تصريفها على الترتيب المحكي
~~إيجادا وإعداما فإنها آيات وعلامات يستدل بها المتفكر فيها على أحوال
~~الحياة الدنيا حالا ومآلا والأول هو الظاهر. وعن أبي مجلز أنه قال:
~~كان مكتوبا إلى جنب هذه الآية فمحى (ولو أن لابن آدم واديين من مال
~~لتمنى واديا ثالثا ولا يشبع نفس ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من
~~تاب).

### || [10.25]

# { والله يدعوا إلى دار السلم } ترغيب للناس في الحياة
~~الأخروية الباقية إثر ترغيبهم عن الحياة الدنيوية الفانية أي يدعو الناس
~~جميعا إلى الجنة حيث يأمرهم بما يفضي إليها، وسميت الجنة بذلك لسلامة
~~أهلها عن كل ألم وآفة أو لأن الله تعالى يسلم عليهم أو لأن خزنتها يقولون
~~لهم سلام عليكم طبتم أو لأن بعضهم يسلم فيها على بعض. فالسلام إما بمعنى
~~السلامة أو بمعنى التسليم، أو لأن السلام من أسمائه تعالى ومعناه هو الذي
~~منه وبه السلامة أو ذو السلامة عن جميع النقائص فأضيفت إليه سبحانه
~~للتشريف كما في بيت الله تعالى للكعبة ولأنه لا ملك لغيره جل شأنه فيها
~~ظاهرا وباطنا وللتنبيه على أن من فيها سالم عما مر للنظر إلى معنى
~~السلامة في أصله، ويدل على قصده تخصيصه بالإضافة إليه دون غيره من أسمائه
~~تعالى { ويهدي من يشآء } هدايته ms04049 { إلى صرط مستقيم }
~~موصل إلى تلك الدار وهو الدين الحق.

# وفي الآية دلالة على أن الهداية غير الدعوة إلى ذلك وعلى أن الأمر مغاير
~~للإرادة حيث عمم سبحانه الدعوة إذ حذف مفعولها وخص الهداية بالمشيئة
~~المساوية للإرادة على المشهور إذ قيدها بها وهو الذي ذهب إليه الجماعة،
~~وقال المعتزلة: إن المراد بالهداية التوفيق والإلطاف ومغايرة الدعوة
~~والأمر لذلك ظاهرة فإن الكافر مأمور وليس بموفق وأن من يشاء هو من علم
~~سبحانه أن اللطف ينفع فيه لأن مشيئته تعالى شأنه تابعة للحكمة فمن علم
~~أنه لا ينفع فيه اللطف لم يوفقه ولم يلطف به إذ التوفيق لمن علم الله
~~تعالى أنه لا ينفعه عبث والحكمة منافية للعبث فهو جل وعلا يهدي من ينفعه
~~اللطف وإن أراد اهتداء الكل.

### || [10.26]

# { للذين أحسنوا } أي العمل بأن فعلوا المأمور به واجتنبوا
~~المنهي عنه، وفسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الإحسان بقوله عليه
~~الصلاة والسلام:

# " أن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "

# { الحسنى } أي المنزلة الحسنى وهي الجنة { وزيادة } وهي النظر
~~إلى وجه ربهم الكريم جل جلاله وهو التفسير المأثور عن أبي بكر وعلي كرم
~~الله تعالى وجهه وابن عباس وحذيفة وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وخلق
~~آخرين، وروي مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق شتى، وقد
~~أخرج الطيالسي وأحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر
~~وابن أبي حاتم / وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ والدارقطني في
~~«الرؤية» وابن مردويه والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن صهيب

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية { للذين
~~أحسنوا } الخ فقال إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى
~~مناد يا أهل الجنة أن لكم عند الله تعالى موعدا يريد أن ينجزكموه
~~فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا
~~عن النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه سبحانه فوالله ما أعطاهم
~~الله تعالى شيئا أحب إليهم من النظر إليه ms04050 ولا أقر لأعينهم "

# فحكاية هذا التفسير بقيل كما فعل البيضاوي عفا الله تعالى عنه مما لا
~~ينبغي، وقول الزمخشري عامله الله تعالى بعدله: إن الحديث مرقوع  بالقاف
~~ أي مفترى لا يصدر إلا عن رقيع فإنه متفق على صحته وقد أخرجه حفاظ ليس
~~فيهم ما يقال.

# نعم جاء في تفسير ذلك غير ما ذكر لكن ليس في هذه الدرجة من الصحة ولا
~~رفع فيه صريحا، فقد أخرج ابن جرير عن مجاهد قال: الزيادة المغفرة
~~والرضوان، وأخرج عن الحسن أنها تضعيف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة
~~ضعف، وأخرج عن ابن زيد أنها أن لا يحاسبهم على ما أعطاهم في الدنيا،
~~وأخرج عن الحكم بن عتيبة عن علي كرم الله تعالى وجهه أنها غرفة من لؤلؤة
~~واحدة لها أربعة أبواب. وتعقبه ابن الجوزي بأنه لا يصح، وقيل: الزيادة أن
~~تمر السحابة بهم فتقول: ما تريدون أن أمطركم فلا يريدون شيئا إلا
~~أمطرتهم. وجمع بعضهم بين الروايات بأنه لا مانع من أن يمن الله تعالى
~~عليهم بكل ما ذكر ويصدق عليه أنه زيادة على ما من به عليهم من الجنة،
~~وأيد ذلك بما أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي عن سفيان أنه
~~قال: ليس في تفسيرالقرآن اختلاف إنما هو كلام جامع يراد به هذا وهذا،
~~والذي حمل الزمخشري على عدم الاعتماد على الروايات الناطقة بحمل الزيادة
~~على رؤية الله تعالى زعمه الفاسد كأصحابه أن الله تعالى لا يرى وقد علمت
~~منشأ ذلك الزعم وقد رده أهل السنة بوجوه.

# { ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة } أي لا يغشاها غبرة
~~ما فيها سواد ولا أثر هوان ما وكسوف بال، والمعنى لا يعرض عليهم ما يعرض
~~لأهل النار أو لا يعرض لهم ما يوجب ذلك من الحزن وسوء الحال، والكلام على
~~الأول حقيقة وعلى الثاني كناية لأن عدم غشيان ذلك لازم لعدم غشيان ما
~~يوجبهما فذكر اللازم لينتقل منه إلى الملزوم، ورجح هذا بأنه أمدح،
~~والمقصود بيان خلوص نعيمهم من شوائب المكاره إثر بيان ما من ms04051 سبحانه به
~~عليهم من النعيم، وقيل: إن ذكر ذلك لتذكيرهم بما ينقذهم منه فإنهم إذا
~~ذكروا ذلك زاد ابتهاجهم ومسرتهم كما أن أهل النار فإن الإنسان متى علم أن
~~عدوه في الهوان وسوء الحال ازداد سرورا، وقد شاهدنا من يكتفي بمضرة عدوه
~~عن حصول المنفعة له بل من يسره ضرر عدوه وإن تضرر هو. وتقديم المفعول على
~~الفاعل للاهتمام ببيان أن المصون من الرهق أشرف أعضائهم وللتشويق إلى
~~المؤخر ولأن في الفاعل ضرب تفصيل.

# { أولئك } أي المذكورون باعتبار اتصافهم بما تقدم { أصحب
~~الجنة هم فيها خلدون } دائمون بلا زوال ويلزم ذلك عدم
~~زوال نعيمها.

### || [10.27]

# { والذين كسبوا السيئت } أي الشرك والمعاصي، وهو مبتدأ
~~بتقدير المضاف خبره قوله سبحانه: { جزآء سيئة بمثلها }
~~والباء متعلقة بجزاء وهو مصدر المبني للمفعول لا اسم للعوض كما في بعض
~~الأوجه الآتية / على ما قيل أي جزاء الذين كسبوا السيئات أن تجازى سيئة
~~واحدة بسيئة مثلها على معنى عدم الزيادة بمقتضى العدل وإلا فلا مانع عن
~~العفو بمقتضى الكرم لكن ذلك في غير الشرك ويجوز أن يكون (جزاء سيئة
~~بمثلها) جملة من مبتدأ وخبر هي خبر المبتدأ وحينئذ لا حاجة إلى تقدير
~~المضاف لكن العائد محذوف أي جزاء سيئة منهم بمثلها على حد  السمن منوان
~~بدرهم .

# وأجاز أبو الفتح أن يكون (جزاء) مبتدأ محذوف الخبر أي لهم جزاء سيئة
~~بمثلها وحذف لهم لقرينة

# للذين أحسنوا

# [يونس: 26]والجملة خبر { الذين كسبوا } وحينئذ لا حاجة إلى
~~تقدير عائد كما لا حاجة إلى تقدير مضاف، وجوز غير واحد أن يكون {
~~الذين } عطفا على

# للذين

# [يونس:26] المجرور الذي هو مع جاره خبر و { جزآء سيئة } معطوف
~~على

# الحسنى

# [يونس:26] الذي هو المبتدأ، وفي ذلك العطف على معمولي عاملين مختلفين
~~وفيه مذاهب المنع مطلقا وهو مذهب سيبويه والجواز مطلقا وهو مذهب الفراء
~~والتفصيل بين أن يتقدم المجرور نحو في الدار زيد والحجرة عمرو فيجوز أو
~~لا فيمتنع، والمانعون يحملون نحو هذا المثال على إضمار الجار ويجعلونه
~~مطردا كقوله:

# أكل امرىء تحسبين ms04052 امرأ

# ونار توقد بالليل نارا

# وقيل: هو مبتدأ والخبر جملة { ما لهم من الله من عاصم }
~~أو { كأنما أغشيت } أو { أولئك أصحب النار }
~~وما في البين اعتراض، وفي تعدد الاعتراض خلاف بين النحويين و { جزآء
~~سيئة } حينئذ مبتدأ و { بمثلها } متعلق به والخبر محذوف أي
~~واقع أو { بمثلها } هو الخبر على أن الباء زائدة أو الجار والمجرور
~~في موضع الخبر على أن الباء غير زائدة، والأولى تقدير المتعلق خاصا
~~كمقدر ويصح تقديره عاما، والقول بأنه لا معنى له حاصل وهم ظاهر، وأيا
~~ما كان لا دلالة في الآية على أن الزيادة هي الفضل دون الرؤية وقد علمت
~~أن تفسيرها بذلك هو المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وجملة من السلف
~~الصالح فلا ينبغي العدول عنه لما يتراءى منه خلافه لا سيما وقد أتى
~~الإمام وغيره بدلائل جمة على أن المراد بها ذلك ولم يؤت بالآيتين على
~~أسلوب واحد لمراعاة ما بين الفريقين من كمال التنائي والتباين، وإيراد
~~الكسب للإيذان بأن ذلك إنما هو بسوء صنيعهم وجنايتهم على أنفسهم.

# { وترهقهم ذلة } أي هوان عظيم، فالتنوين هنا للتفخيم على عكس
~~التنوين فيما قبل كما أشرنا إليه، وفي إسناد الرهق إلى أنفسهم دون وجوههم
~~إيذان بأنها محيطة بهم غاشية لهم.

# وقرىء { يرهقهم } بالياء التحتانية لكون الفاعل ظاهرا وتأنيثه غير
~~حقيقي، وقيل: التذكير باعتبار أن المراد من الذلة سببها مجازا، ولا
~~يحتاج إليه كما لا يخفى لأن التذكير في مجازي التأنيث لا سيما المفصول
~~كثير جدا. والواو على ما قال غير واحد للعطف وما بعده معطوف على {
~~كسبوا } وضعفه أبو البقاء بأن المستقبل لا يعطف على الماضي. وأجيب
~~بالمنع، وفي العطف ههنا ما لا يخفى من المبالغة حيث أخرج نسبة الرهق
~~إليهم يوم القيامة مخرج المعلوم حيث جعل ذلك بواسطة العطف صلة الموصول،
~~وقيل: إنه عطف على ما قبله بحسب المعنى كأنه قيل: والذين كسبوا السيئات
~~تجازى سيئتهم بمثلها وترهقهم ذلة ولعله أولى من الأول، وأما جعل الواو
~~حالية والجملة في موضع الحال ms04053 من ضمير { كسبوا } فلا يخفى حاله.

# { ما لهم من الله من عاصم } أي ما لهم أحد يعصمهم
~~ويمنعهم من سخط الله تعالى وعذابه فمن الأولى متعلقة بعاصم والكلام على
~~حذف مضاف و { من } الثانية زائدة لتعميم النفي، أو ما لهم من جهته
~~وعنده تعالى من يعصمهم كما يكون للمؤمنين فمن الأولى متعلقة بمحذوف وقع /
~~حالا من { عاصم } وقيل متعلقة بالاستقرار المفهوم من الظرف وليس في
~~الكلام مضاف محذوف، و { من } الثانية على حالها والجملة مستأنفة أو حال
~~من ضمير { ترهقهم } وفي نفي العاصم من المبالغة في نفي العصمة ما
~~لا يخفى.

# { كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل } أي
~~كأنما ألبست ذلك لفرط سوادها وظلمتها، والجار والمجرور صفة { قطعا }
~~وقوله سبحانه: { مظلما } حال من { اليل } والعامل فيه متعلق
~~الجار والمجرور فعلا كان أو اسما. وجوز أبو البقاء كونه حالا من {
~~قطعا } أو صفة له، وكان الواجب الجمع لأن { قطعا } جمع قطعة إلا
~~أنه أفردت حاله أو صفته لتأويل ذلك بكثير ولا يخفى أنه تكلف مستغنى عنه،
~~والظاهر أن { من } للتبعيض، وقال بعض المحققين: لليل معنيان زمان تخفى
~~فيه الشمس قليلا أو كثيرا كما يقال دخل الليل والآن ليل وما بين غروب
~~الشمس إلى طلوعها أو قربها من الطلوع، فمن إما تبعيضية على الأول وبيانية
~~على الثاني، وجوز الزمخشري أن يكون العامل في الحال { أغشيت } من
~~قبل أن { الليل } صفة لقطعا فكان إضفاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى
~~الصفة.

# قال صاحب «التقريب»: وفيه نظر لأن { من الليل } ليس صلة (أغشيت)
~~حتى يكون عاملا في المجرور بل التقدير أنه صفة فيكون العامل فيه
~~الاستقرار، وأيضا الصفة { من اليل } وذو الحال هو  الليل  فلا
~~يكون { أغشيت } عاملا في ذي الحال مع أنه المقصود وقد يقال: إن {
~~من } للتبيين والتقدير كائنة من الليل فأغشيت عامل في الصفة وهي كائنة
~~فكأنه عامل في { اليل } وهو مبني على أن العامل في العامل في الشيء
~~عامل فيه وهو فاسد فالوجه أن يقال: إن { من } للتبعيض أي بعض الليل
~~ويكون ms04054 بدلا من { قطعا } ويجعل { مظلما } حالا من البعض لا {
~~من اليل } فيكون العامل في ذي الحال { أغشيت } ولا يخفى أنه
~~وجه أغشى قطعا من ليل التكلف والتعسف مظلما.

# وأجاب الإمام أمين الدين بأنه نسبة { أغشيت } إلى { قطعا } إنما
~~هي باعتبار ذاتها المبهمة المفسرة بالليل لا باعتبار مفهوم القطع في
~~نفسها وإنما ذكرت لبيان مقدار ما أغشيت به وجوههم وهو الليل مظلما
~~فإفضاء الفعل إلى { قطعا } باعتبار ما لا يتم معناها المراد إلا به
~~كافضاء الفعل إليه كما إذا قيل: اشتريت أرطالا من الزيت صافيا فإن
~~المشترى فيه الزيت والأرطال مبينة لمقدار ما اشترى صافيا فالعامل في
~~الحال إنما هو العامل اللفظي ولا يلاحظ معنى الفعل في الجار والمجرور من
~~جهة العمل لغلبة العامل اللفظي عليه بالظهور ولا يخفى ما فيه.

# وقال في «الكشف»: إن الزمخشري ذهب إلى أن { أغشيت } له اتصال بقوله
~~تعالى: { من اليل } من قبل أن الصفة والموصوف متحدان لا سيما
~~والقطع بعض الليل فجاز أن يكون عاملا في الصفة بذلك الاعتبار وكأنه قيل
~~أغشيت الليل مظلما وهذا كما جوز في نحو

# ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا

# [الحجر:47] أن يكون حالا من الضمير باعتبار اتحاده بالمضاف وكأنه قيل:
~~ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا وكما جوز في

# ملة إبرهيم حنيفا

# [البقرة: 135] لأن الملة كالجزء كأنه قيل: اتبعوا إبراهيم حنيفا وهذا
~~الذي ذهب إليه الزمخشري وهو سر هذا الموضع لا ما طوله كثيرون لا سيما حمل
~~{ من } على التجريد فإنه مع أن المعنى على التبعيض لا البيان وليس كل
~~بيان تجريدا لا يتم مقصوده انتهى. وقد عرض في ذلك بشيخه العلامة الطيبي
~~فإنه عليه الرحمة قد تكلف ما تكلف والإنصاف أن ما جوزه الزمخشري هنا مما
~~لا ينبغي والسعي في إصلاحه مع وجود الوجه الواضح الذي لا ترهقه قترة يقرب
~~من أن يكون عبثا.

# وقرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب وسهل { قطعا } بسكون الطاء وهو اسم
~~مفرد معناه طائفة من الليل أو ظلمة آخره أو اسم جنس ms04055 لقطعة وأنشدوا:

# / افتحي الباب وانظري في النجوم

# كم علينا من قطع ليل بهيم

# وعلى هذا يجوز أن يكون { مظلما } صفة له أو حالا منه بلا تكلف
~~تأويل. وقرىء { كأنما يغشى وجوههم قطع من الليل مظلم } والكلام فيه ظاهر،
~~والجملة كالتي قبلها مستأنفة أو حال من ضمير { ترهقهم }  {
~~أولئك } أي الموصوفون بما ذكر من الصفات الذميمة { أصحب
~~النار هم فيها خلدون } لا يخرجون منها أبدا.

# واحتجت الوعيدية بهذه الآية على قولهم الفاسد بخلود أهل الكبائر. وأجيب
~~بأن السيآت شاملة للكفر وسائر المعاصي وقد قامت الأدلة على أنه لا خلود
~~لأصحاب المعاصي فخصصت الآية بمن عداهم، وأيضا قد يقال إنهم داخلون في
~~(الذين أحسنوا) بناء على ما أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن ابن
~~عباس وأبو الشيخ عن قتادة أنهم الذين شهدوا أن لا إله إلا الله أي
~~المؤمنون مطلقا فلا يدخلون في القسم الآخر لتنافي الحكمين، وقيل: إن أل
~~في { السيئات } للاستغراق فالمراد من عمل جميع ذلك؛ والقول بخلوده
~~في النار مجمع عليه وليس بذاك.

### || [10.28]

# { ويوم نحشرهم } كلام مستأنف مسوق لبيان بعض آخر من أحوالهم
~~الفظيعة، وتأخيره في الذكر مع تقدمه في الوجود على بعض أحوالهم المحكية
~~سابقا كما قال بعض المحققين للإيذان باستقلال كل من السابق واللاحق
~~بالاعتبار ولو روعي الترتيب الخارجي لعد الكل شيئا واحدا ولذلك فصل عما
~~قبله، وزعم الطبرسي أنه تعالى لما قدم ذكر الجزاء بين بهذا وقت ذلك،
~~وعليه فالآية متصلة بما ذكر آنفا لكن لا يخفى أن ذلك لم يخرج مخرج
~~البيان، وأولى منه أن يقال: وجه اتصاله بما قبله أن فيه تأكيدا لقوله
~~سبحانه:

# ما لهم من الله من عاصم

# [يونس: 27] من حيث دلالته على عدم نفع الشركاء لهم. و { يوم } منصوب
~~بفعل مقدر كذكرهم وخوفهم، وضمير { نحشرهم } لكلا الفريقين من الذين
~~أحسنوا الحسنى والذين كسبوا السيآت لأنه المتبادر من قوله تعالى: {
~~جميعا } ومن إفراد الفريق الثاني بالذكر في قوله سبحانه:

# { ثم نقول للذين أشركوا } أي للمشركين من بينهم ولأن
~~توبيخهم وتهديدهم ms04056 على رؤوس الأشهاد أفظع، والأخبار بحشر الكل في تهويل
~~اليوم أدخل، وإلى هذا ذهب القاضي البيضاوي وغيره، وكون مراده بالفريقين
~~فريقي الكفار والمشركين خلاف الظاهر جدا. وقيل: الضمير للفريق الثاني
~~خاصة فيكون (الذين أشركوا) من وضع الموصول موضع الضمير. والنكتة في تخصيص
~~وصف إشراكهم في حيز الصلة من بين سائر ما اكتسبوه من السيئات ابتناء
~~التوبيخ والتقريع عليه مع ما فيه من الإيذان بكونه معظم جناياتهم وعمدة
~~سيئاتهم، وهو السر في الاظهار في مقام الإضمار على القول الأخير {
~~مكانكم } ظرف متعلق بفعل حذف فسد هو مسده وهو مضاف إلى الكاف،
~~والميم علامة الجمع أي الزموا مكانكم. والمراد انتظروا حتى تنظروا ما
~~يفعل بكم. وعن أبي علي الفارسي أن مكان اسم فعل وحركته حركة بناء. وهل
~~هو اسم فعل لالزم أو لأثبت ظاهر كلام بعضهم الأول والمنقول عن «شرح
~~التسهيل» الثاني لأنه على الأول يلزم أن يكون متعديا كالزم مع أنه لازم،
~~وأجيب بمنع اللزوم، وقال السفاقسي: في كلام الجوهري ما يدل على أن الزم
~~يكون لازما ومتعديا فلعل ما هو اسم له اللازم. وذكر الكوفيون / أنه
~~يكون متعديا وسمعوا من العرب مكانك زيدا أي انتظره. واختار الدماميني
~~في «شرح التسهيل» عدم كونه اسم فعل فقال: لا أدري ما الداعي إلى جعل هذا
~~الظرف اسم فعل إما لازما وإما متعديا وهلا جعلوه ظرفا على بابه ولم
~~يخرجوه عن أصله أي أثبت مكانك أو انتظر مكانك. وإنما يحسن دعوى اسم الفعل
~~حيث لا يمكن الجمع بين ذلك الاسم وذلك الفعل نحوصه وعليك وإليك، وأما إذا
~~أمكن فلا كوراءك وأمامك وفيه منع ظاهر.

# وقوله تعالى: { أنتم } توكيد للضمير المنتقل إلى الظرف من عامله على
~~القول الأول وللضمير المستتر في اسم الفعل على القول الثاني، وقوله
~~سبحانه: { وشركآؤكم } عطف على ذلك، وقيل: إن { أنتم } مبتدأ
~~خبره محذوف أي مهانون أو مجزيون وهو خلاف الظاهر مع ما فيه من تفكيك
~~النظم، قيل: ولأنه يأباه قراءة { وشركاءكم } بالنصب إذ يصير حينئذ مثل 
~~كل رجل وضيعته  ومثله ms04057 لا يصح فيه ذلك لعدم ما يكون عاملا فيه، والعامل
~~على التوجيه الأول ظاهر لمكان { مكانكم }.

# { فزيلنا بينهم } أي ففرقنا، وهو من زلت الشيء عن مكانه
~~أزيله أي أزلته، والتضعيف للتكثير لا للتعدية، وهو يائي ووزنه فعل بدليل
~~زايل، وقد قرىء به وهو بمعناه نحو كلمته وكالمته وصعر خده وصاعر خده.
~~وقال أبو البقاء: إنه واوي لأنه من زال يزول، وإنما قلبت الواو ياءا
~~لأنه فيعل، والأول أصح لما علمت ولأن مصدره التزييل لا الزيولة مع أن فعل
~~أكثر من فيعل، ونصب  بين  على الظرفية لا على أنه مفعول به كما توهم،
~~والمراد بالتفريق قطع الأقران والوصل التي كانت بينهم وبين الشركاء في
~~الدنيا. وقيل: التفريق الجسماني وظاهر النظم الجليل لا يساعده، والعطف
~~على { نقول } وإيثار صيغة الماضي للدلالة على التحقق [المورث] لزيادة
~~التوبيخ والتحسير، والفاء للدلالة على وقوع التزييل ومباديه عقيب الخطاب
~~من غير مهملة إيذانا بكمال رخاوة ما بين الفريقين من العلاقة والوصلة.

# وقوله سبحانه: { وقال شركآؤهم } عطف على ما قبله، وجوز أن يكون
~~في موضع الحال بتقدير قد أو بدونها على الخلاف، والإضافة باعتبار أن
~~الكفار هم الذين اتخذوهم شركاء لله سبحانه وتعالى: وقيل: لأنهم جعلوا لهم
~~نصيبا من أموالهم فصيروهم شركاء لأنفسهم في ذلك، والمراد بهؤلاء الشركاء
~~قيل: الأصنام فإن أهل مكة إنما كانوا يعبدونها وهم المعنيون بأكثر هذه
~~الآيات، ونسبة القول لها غير بعيد من قدرته سبحانه فينطقها الله الذي
~~أنطق كل شيء في ذلك الموقف فتقول لهم { ما كنتم إيانا
~~تعبدون } والمراد من ذلك تبريهم من عبادتهم وأنهم إنما عبدوا في
~~الحقيقة أهواءهم الداعية لهم وما أعظم هذا مكان الشفاعة التي كانوا
~~يتوقعونها منهم. وقيل: المراد بهم الملائكة والمسيح عليهم السلام لقوله
~~تعالى:

# ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة
~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون

# [سبأ: 40] وقوله سبحانه:

# أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين

# [المائدة: 116] الآية، والمراد من ذلك القول ما أريد منه أولا أيضا
~~لأن نفي العبادة لا يصح لثبوتها في الواقع والكذب لا يقع ms04058 في القيامة ممن
~~كان، وقيل: إن قول الشركاء مجرى على حقيقته بناء على أن ذلك الموقف موقف
~~الدهشة والحيرة فذلك الكذب يكون جاريا مجرى كذب الصبيان والمجانين
~~المدهوشين، ويمكن أن / يقال أيضا: أنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزنا
~~وجعلوها لبطلانها كالعدم فلذا نفوا عبادتهم إياهم أو يقال: إن المشركين
~~لما تخيلوا فيما عبدوه أوصافا كثيرة غير موجودة فيه في نفس الأمر كانوا
~~في الحقيقة إنما عبدوا ذوات موصوفة بتلك الصفات ولما كانت ذوات الشركاء
~~خالية عن تلك الصفات صدق أن يقال: إن المشركين ما عبدوا الشركاء وهذا
~~أولى من الأولين بل لا يكاد يلتفت إليهما وكأن حاصل المعنى عليه أنكم
~~عبدتم من زعمتم أنه يقدر على الشفاعة لكم وتخليصكم من العذاب وانه موصوف
~~بكيت وكيت فاطلبوه فأنا لسنا كذلك.

# والمراد من ذلك قطع عرى أطماعهم وإيقاعهم في اليأس الكلي من حصول ما
~~كانوا يرجونه ويعتقدونه فيهم ولعل اليأس كان حاصلا لهم من حين الموت
~~والابتلاء بالعذاب ولكن يحصل بما ذكر مرتبة فوق تلك المرتبة. وقيل:
~~المراد بهم الشياطين وقطع الوصل عليه من الجانبين لا من جانب العبدة فقط
~~كما يقتضيه ما قبل، والمراد من قولهم ذلك على طرز ما تقدم.

# وأورد على القول بأن المراد الملائكة والمسيح عليهم السلام بأنه لا
~~يناسب قوله سبحانه: { مكانكم أنتم وشركآؤكم } حيث أن
~~المراد منه الوعيد والتهديد، وظاهر العطف انصراف ذلك إلى الشركاء أيضا،
~~وتهديد أولئك الكرام عليهم الصلاة والسلام مما لا يكاد يقدم على القول
~~به. واعترض بأن هذا مشترك الإلزام فإنه يرد على القول الأول أيضا إذ لا
~~معنى للوعيد والتهديد في حق الأصنام مع عدم صدور شيء منها يوجب ذلك، ولا
~~مخلص إلا بالتزام أن التهديد والوعيد للمخاطبين فقط أو للمجموع
~~باعتبارهم. وأجيب بجواز كون تهديد الأصنام نظير ادخالها النار مع عبدتها
~~كما يدل عليه قوله تعالى:

# إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم

# [الأنبياء: 98] وكذا قوله سبحانه:

# فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة

# [البقرة: 24] على ما عليه جمع من ms04059 المفسرين، ودعوى الفرق بين التهديد
~~والإدخال في النار تحتاج إلى دليل. نعم قالوا: يجب على القول بأن المراد
~~الملائكة عليهم السلام أن تحمل الغفلة في قوله سبحانه: { فكفى
~~بالله شهيدا بيننا وبينكم... }.

### || [10.29]

# على عدم الارتضاء لا على عدم الشعور لأن عدم شعور الملائكة بعبادتهم غير
~~ظاهر بل لو قيل بوجوب هذا الحمل على القول بأن المراد المسيح عليه السلام
~~أيضا لم يبعد لأن عدم شعوره بعبادتهم مع أنه سينزل ويكسر الصليب كذلك،
~~ولا يكاد يصح الحمل على الظاهر إلا إذا كان المراد الأصنام فإن عدم
~~شعورهم بذلك ظاهر، وتعقب بأنه لا دليل على شعور الملائكة عليهم السلام
~~بعبادتهم ليصرف له اللفظ عن حقيقته، وليس هؤلاء المعبودون هم الحفظة أو
~~الكتبة بل ملائكة آخرون ولعلهم مشغلون بأداء ما أمروا به عن الالتفات إلى
~~ما في هذا العالم ونحن لا ندعي في الملائكة عليهم السلام ما يدعيه
~~الفلاسفة فإنهم الذين قالوا يوم استنبئوا عن الأسماء:

# سبحنك لا علم لنآ إلا ما علمتنا

# [البقرة: 32] وهذا جبريل عليه السلام من أجلهم قدرا كان كثيرا ما
~~يسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء فيقول: لا أعلم وسوف أسأل
~~ربي، وكذا لا دليل على شعور المسيح عليه السلام بعبادة هؤلاء المخاطبين
~~عند إيقاعها وكونه سينزل ويكسر الصليب لا يستدعي الشعور بها كذلك كما لا
~~يخفى، وقد يستأنس لعدم شعوره بما حكى الله تعالى عنه في الجواب عن سؤاله
~~له عليه السلام من قوله:

# ما قلت لهم إلا مآ أمرتنى به أن اعبدوا الله
~~ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم
~~فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت
~~على كل شيء شهيد

# [المائدة: 117].

# واعترض على القول الأخير بأنه لا يصح مع هذا القول / مطلقا لأن
~~الشياطين هم الذين زينوا لهم هذه الشنيعة الشنعاء وأغروهم عليها فكيف
~~يتأتى القول بأنهم غافلون حقيقة عنها أو أنهم غير مرتضين لها، ولعل من
~~ذهب إلى ذلك يلتزم الكذب ويقول بجواز وقوعه يوم القيامة. وقيل: إن القول
~~الأول ms04060 لا يصح مع هذا القول أيضا مطلقا لأن الأوثان لا تتصف بالغفلة
~~حقيقة لأنها كما يفهم من «القاموس» اسم لترك الشيء وذهاب القلب عنه إلى
~~غيره وهذا شأن ذوي القلوب والأوثان ليست من ذلك وكذا لا تتصف بها مجازا
~~عن عدم الارتضاء إذ الظاهر أن مرادهم من عدم الارتضاء السخوط والكراهة
~~وظاهر أن الأوثان لا تتصف بسخط ولا ارتضاء إذ هما تابعان للإدراك ولا
~~إدراك لها ومن أثبته للجمادات حسب عالمها فالأمر عنده سهل ومن لا يثبته
~~يقول: إنها مجاز عن عدم الشعور، وقد يقال: إن المراد بغفلتهم عن عبادة
~~المشركين عدم طلبهم الاستعدادي لها ويرجع ذلك بالآخرة إلى نفي استحقاق
~~العبادة عن أنفسهم وإثبات الظلم لعابديهم. وحينئذ فالأظهر أن يراد
~~بالشركاء جميع ما عبد من دون الله تعالى من ذوي العقول وغيرهم والكل صادق
~~في قوله ذلك، وقد يراد من عدم الطلب ما يشمل عدم الطلب الحالي والقالي
~~إذا اعتبر كون القائل ممن يصح نسبة ذلك له كالملائكة عليهم السلام وهذا
~~الوجه لا يتوقف على شعور الشركاء بعبادتهم ولا على عدمه فيجوز أن يكون
~~لهم شعور بذلك ويجوز أن لا يكون لهم شعور، والظاهر أن تفسير الغفلة بعدم
~~الارتضاء المراد منهم على ما قيل السخط والكراهة يستدعي الشعور إذ كراهة
~~الشيء مع عدم الشعور به مما لا يكاد يعقل وإثباته لجميع الشركاء ولو
~~إجمالا في وقت من الأوقات الدنيوية غير مسلم، ولعل التعبير بالغفلة أكثر
~~تهجينا للمخاطبين ولعبادتهم من التعبير بعدم الطلب مثلا فتأمل

# .

# والباء في { بالله } صلة و { شهيدا } تمييز، و { إن } مخففة من
~~إن واللام هي الفارقة بين المخففة والنافية والظرف متعلق بغافلين،
~~والتقديم لرعاية الفاصلة، أي كفى الله شهيدا فإنه العليم الخبير المطلع
~~على كنه الحال انا كنا غافلين عن عبادتكم. والظاهر من كلام بعض المحققين
~~أن { فكفى } الخ استشهاد على النفي السابق لا على الإثبات اللاحق.

### || [10.30]

# { هنالك } أي في ذلك المقام الدحض والمكان الدهش وهو مقام الحشر
~~فهنالك باق على أصله وهو الظرفية المكانية، ms04061 وقيل: إنه استعمل ظرف زمان
~~مجازا أي في ذلك الوقت { تبلوا } أي تختبر { كل نفس } مؤمنة
~~كانت أو كافرة { مآ أسلفت } من العمل فتعاين نفعه وضره أتم
~~معاينة. وقرأ حمزة والكسائي { تتلو } من التلاوة بمعنى القراءة، والمراد
~~قراءة صحف ما أسلفت، وقيل: إن ذلك كناية عن ظهور الأعمال. وجوز أن يكون
~~من التلو على معنى أن العمل يتجسم ويظهر فيتبعه صاحبه حتى يرد به الجنة
~~أو النار أو هو تمثيل. وقرأ عاصم في رواية عنه { نبلو } بالباء الموحدة
~~والنون ونصب { كل } على أن فاعل  نبلو  ضميره تعالى و { كل }
~~مفعوله و { ما } بدل منه بدل إشتمال، والكلام استعارة تمثيلية أي هنالك
~~نعامل كل نفس معاملة من يبلوها ويتعرف أحوالها من السعادة والشقاوة
~~باختبار ما أسلفت من العمل، ويجوز أن يراد نصيب بالبلاء أي العذاب كل نفس
~~عاصية بسبب ما أسلفت من الشر فتكون (ما) منصوبة بنزع الخافض وهو الباء
~~السببية.

# { وردوا إلى الله } عطف على

# فزيلنا

# [يونس: 28] والضمير

# للذين أشركوا

# [يونس: 28] وما في البين اعتراض في أثناء الحكاية مقرر لمضمونها،
~~والمعنى ردوا إلى جزائه وعقابه أو إلى موضع ذلك، فالرد إما معنوي أو حسي.
~~وقال الإمام: المعنى جعلوا ملجئين إلى الإقرار بألوهيته سبحانه وتعالى {
~~مولهم } أي ربهم { الحق } أي المتحقق الصادق في ربوبيته لا ما
~~اتخذوه / ربا باطلا. وقرىء { الحق } بالنصب على المدح، والمراد به الله
~~تعالى وهو من أسمائه سبحانه أو على المصدر المؤكد والمراد به ما يقابل
~~الباطل، ولا منافاة بين هذه الآية وقوله سبحانه:

# ذلك بأن الله مولى الذين ءامنوا وأن
~~الكفرين لا مولى لهم

# [محمد: 11] لاختلاف معنى المولى فيهما. وأخرج أبو الشيخ عن السدي أن
~~الأولى منسوخة بالثانية ولا يخفى ما فيه.

# { وضل } أي ضاع وذهب { عنهم ما كانوا يفترون } من أن
~~آلهتهم تشفع لهم أو ما كانوا يدعون أنها شركاء لله عز وجل، و { ما }
~~يحتمل أن تكون موصولة وأن تكون مصدرية والجملة معطوفة على قوله سبحانه: {
~~ردوا } ومن الناس من جعلها عطفا على 

# زيلنا ms04062

# [يونس: 28]  وجملة  { ردوا }  معطوفة على جملة  { تبلوا } 
~~الخ داخلة في الاعتراض وضمير الجمع للنفوس المدلول عليها بكل نفس،
~~والعدول إلى الماضي للدلالة على التحقق والتقرر، وإيثار صيغة الجمع
~~للإيذان بأن ردهم إليه سبحانه يكون على طريق الاجتماع وما ذكرناه أولى
~~لفظا ومعنى. وتعقب شيخ الإسلام جعل الضمير للنفوس وعطف { ردوا } على
~~{ تبلوا } الخ بأنه لا يلائمه التعرض لوصف الحقية في قوله سبحانه: {
~~مولهم الحق } فإنه للتعريض بالمردودين ثم قال: ولئن اكتفى فيه
~~بالتعريض ببعضهم أو حمل { الحق } على معنى العدل في الثواب والعقاب أي
~~مع تفسير المولى بمتولي الأمور فقوله سبحانه: { وضل } الخ مما لا
~~مجال فيه للتدارك قطعا فإن ما فيه من الضمائر الثلاثة للمشركين فيلزم
~~التفكيك حتما، وتخصيص كل نفس بالنفوس المشركة مع عموم البلوي للكل يأباه
~~مقام تهويل المقام انتهى، والظاهر أنه اعتبر عطف { وضل عنهم } الخ
~~على { ردوا } مع رجوع ضميره للنفوس وهو غير ما ذكرناه فلا تغفل.

### || [10.31]

# { قل } أي لأولئك المشركين الذين حكيت أحوالهم وبين ما يؤدي إليه
~~أفعالهم التي هي أفعى لهم احتجاجا على حقية التوحيد وبطلان ما هم عليه
~~من الإشراك. { من يرزقكم من السمآء والأرض } أي منهما
~~جميعا فإن الأرزاق تحصل بأسباب سماوية كالمطر وحرارة الشمس المنضجة وغير
~~ذلك ومواد أرضية والأولى بمنزلة الفاعل والثانية بمنزلة القابل أو من كل
~~واحد منهما بالاستقلال كالأمطار والمن والأغذية الأرضية توسعة عليكم 
~~فمن  على هذا لابتداء الغاية، وقيل: هي لبيان من على تقدير المضاف،
~~وقيل: تبعيضية على ذلك التقدير أي من أهل السماء والأرض { أمن
~~يملك السمع والأبصر } (أم) منقطعة بمعنى بل والإضراب
~~انتقالي لا إبطالي وفيه تنبيه على كفاية هذا الاستفهام فيما هو المقصود
~~أي من يستطيع خلقهما وتسويتهما على هذه الفطرة العجيبة ومن وقف على
~~تشريحهما وقف على ما يبهر العقول أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها
~~وسرعة انفعالهما عن أدنى شيء يصيبهما أو من يتصرف بهما إذهابا وإبقاء،
~~والملك على كل مجاز، قيل: والمعنى الأول أوفق لنظم الخالقية مع الرازقية ms04063
~~كقوله تعالى:

# هل من خلق غير الله يرزقكم من السماء
~~والأرض

# [فاطر: 3].

# { ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من
~~الحي } أي ومن ينشىء الحيوان من النطفة مثلا والنطفة من الحيوان أو
~~من يحيي أو يميت بأن يكون المراد بالإخراج التحصيل من قولهم: الخارج كذا
~~أي الحاصل أي من يحصل الحي من الميت بأن يفيض عليه الحياة ويحصل الميت من
~~الحي بأن يفيض عليه الموت ويسلب عنه الحياة والمآل ما علمت، ومن الناس من
~~فسر الحي والميت هنا بالمؤمن والكافر والأول أولى { ومن يدبر
~~الامر } أي ومن يلي تدبير أمر العالم جميعا وهو تعميم بعد تخصيص ما
~~اندرج تحته من الأمور الظاهرة بالذكر، وفيه إشارة إلى أن الكل منه سبحانه
~~وإليه وأنه لا يمكنكم علم تفاصيله.

# { فسيقولون } / بلا تلعثم ولا تأخير { الله } إذ لا مجال
~~للمكابرة والعناد في شيء من ذلك لغاية وضوحه، والاسم الجليل مبتدأ والخبر
~~محذوف أي الله يفعل ما ذكر من الأفاعيل لا غيره { هذا } وربما يستدل
~~بالآية على تقدير أن لا تكون { من } لابتداء الغاية على جواز أن يقال
~~الله سبحانه انه من أهل السماء والأرض، وكون المراد هناك غير الله تعالى
~~لا يناسب الجواب ومن لم ير الجواز تعني ومن رآه بناء على ظواهر الآيات
~~المفيدة لكونه تعالى في السماء وقوله صلى الله عليه وسلم في الجارية التي
~~أشارت إلى السماء حين قيل لها: اين الله؟

# " أعتقها فإنها مؤمنة "

# وإقراره حصينا حين قال له عليه الصلاة والسلام:

# " كم تعبد يا حصين؟ فقال: سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء فقال صلى
~~الله عليه وسلم: فمن الذي أعددته لرغبتك ورهبتك؟ فقال حصين: الإله الذي
~~في السماء "

# أبقى الآية على ما يقتضيه ظاهرها. وأنت تعلم إنه لم يرد صريحا كونه
~~تعالى من أهل السماء والأرض وان ورد كونه جل وعلا في السماء على المعنى
~~اللائق بجلاله جل جلاله فلا أرى جواز ذلك، ولا داعي لإخراج { من } عن
~~ابتداء الغاية ليحتاج إلى العناية في رد الاستدلال كما لا ms04064 يخفى.

# وفي «الانتصاف» ((أن هذه الآية كافحة لوجوه القدرية الزاعمين أن الارزاق
~~منقسمة فمنها ما رزقه الله تعالى للعبد وهو الحلال ومنها ما رزقه العبد
~~لنفسه وهو الحرام فهي ناعية عليهم هذا الشرك الخفي لو سمعوا

# أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون

# [يونس: 42] وكذا فيما قيل تكفح في وجوه أناس يزعمون أن الذي يدبر الأمر
~~في كل عصر قطبه وهو عماد السماء عندهم ولولاه لوقعت على الأرض فكأني بك
~~إذا سألتهم من يدبر الأمر يقولون القطب، وقد يعتذر عنهم بأن مرادهم أنه
~~المدبر بإذن الله تعالى وجاء اطلاق المدبر بهذا المعنى على غيره تعالى في
~~قوله سبحانه:

# فالمدبرت أمرا

# [النازعات: 5].

# وربما يقال إنه لا فرق عندهم بين الله تعالى وبين القطب إلا بالاعتبار
~~لأنه الذي فاز بقربي النوافل والفرائض على أتم وجه فارتفعت الغيرية،
~~فالقول بأن القطب هو المدبر كالقول بأن الله سبحانه هو المدبر بلا فرق.
~~واعترض هذا بأنه ذهاب إلى القول بوحدة الوجود وأكثر المتكلمين وبعض
~~الصوفية كالإمام الرباني قدس سره ينكرون ذلك، والأول بأنه هلا قال
~~المشركون في جواب ذلك: الملائكة أو عيسى عليهم السلام مثلا على معنى أنهم
~~المدبرون للأمر بإذن الله تعالى فيكون المذكورون عندهم بمنزلة الأقطاب
~~عند أولئك، وأجيب بأن السؤال إنما هو عمن ينتهي إليه الأمر فلا يتسنى لهم
~~إلا الجواب المذكور، ولعل غير أهل الوحدة لو سئلوا كذلك ما عدلوا في
~~الجواب عنه سبحانه، وأما أهل الوحدة قدس الله تعالى أسرارهم فلهم كلمات
~~لا يقولها المشركون وهي لعمري فوق طور العقل ولذا أنكرها أهل الظاهر
~~عليهم.

# { فقل } لهم { أفلا تتقون } الهمزة لإنكار عدم الاتقاء بمعنى
~~إنكار الواقع كما في قولك: أتضرب إياك لا بمعنى إنكار الوقوع كما في
~~قولك: أأضرب أبي، والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه النظم الكريم أي
~~أتعلمون ذلك فلا تتقون، والخلاف في مثل هذا التركيب شهير وما ذكرناه هو
~~ما عليه البعض، ومفعول { تتقون } محذوف وهو متعد لواحد أي أفلا
~~تتقون عذابه الذي لكم بما تتعاطونه من ms04065 إشراككم به سبحانه ما لا يشاركه في
~~شيء مما ذكر من خواص الأولوهية، وكلام القاضي يوهم أنه متعد إلى مفعولين
~~وليس بذاك.

### || [10.32]

# { فذلكم الله ربكم الحق } فذلكة لما تقرر والإشارة
~~إلى المتصف بالصفات السابقة حسبما اعترفوا به، وهي مبتدأ والاسم الجليل
~~صفة له و { ربكم } خبر و { الحق } خبر بعد خبر أو صفة أو خبر
~~مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون الاسم / الجليل هو الخبر و { ربكم }
~~بدل منه أو بيان له و { الحق } صفة الرب أي مالككم ومتولي أموركم
~~الثابت، ربوبيته والمتحقق ألوهيته تحققا لا ريب فيه { فماذا بعد
~~الحق إلا الضلال } أي لا يوجد غير الحق شيء يتبع إلا الضلال
~~فمن تخطى الحق وهو عبادة الله تعالى وحده لا بد وإن يقع في الضلال وهو
~~عبادة غيره سبحانه على الانفراد أو الاشتراك لأن عبادته جل شأنه مع
~~الاشتراك لا يعتد بها  فما  اسم استفهام و  ذا  موصول، ويجوز أن يكون
~~الكل اسما واحدا قد غلب فيه الاستفهام على اسم الإشارة، وهو مبتدأ خبره
~~{ بعد الحق } على ما في «النهر» والاستفهام إنكاري بمعنى إنكار
~~الوقوع ونفيه، و { بعد } بمعنى غير مجاز والحق ما علمت، وهو غير الأول
~~ولذا أظهر، وإطلاق  الحق  على عبادته سبحانه وكذا إطلاق  الضلال  على
~~عبادة غيره تعالى لما أن المدار في العبادة الاعتقاد، وجوز أن يكون 
~~الحق  عبارة عن الأول والإظهار لزيادة التقرير ومراعاة كمال المقابلة
~~بينه وبين الضلال والمراد به هو الأصنام، والمعنى فماذا بعد الرب الحق
~~الثابت ربوبيته إلا الضلال أي الباطل الضائع المضمحل وإنما سمي بالمصدر
~~مبالغة كأنه نفس الضلال والضياع، وقيل: المراد بالحق والضلال ما يعم
~~التوحيد وعبادة غيره سبحانه وغير ذلك ويدخل ما يقتضيه المقام هنا دخولا
~~أوليا، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن أشهب قال: سئل مالك عن شهادة
~~اللعاب بالشطرنج والنرد فقال أما من أدمن فما أرى شهادتهم طائلة يقول
~~الله تعالى: { فماذا بعد الحق إلا الضلال } فهذا كله من
~~الضلال.

# { فأنى تصرفون } أي فكيف تصرفون عن ms04066 الحق إلى الضلال والاستفهام
~~إنكاري بمعنى إنكار الواقع واستبعاده والتعجب منه، وفيه من المبالغة ما
~~ليس في توجيه الإنكار إلى نفس الفعل فإنه لا بد لكل موجود من أن يكون
~~وجوده على حال من الأحوال فإذا انتفى جميع أحوال وجوده فقد انتفى وجوده
~~على الطريق البرهاني والفاء لترتيب الإنكار والتعجب على ما قبله، ولعل
~~ذلك الإنكار والتعجب متوجهان في الحقيقة إلى منشأ الصرف وإلا فنفس الصرف
~~منه تعالى على ما هو الحق فلا معنى لإنكاره والتعجب منه مع كونه فعله جل
~~شأنه، وإنما لم يسند الفعل إلى الفاعل لعدم تعلق غرض به. وذهب المعتزلة
~~أن فاعل الصرف نفسه المشركون فهم الذين صرفوا أنفسهم وعدلوا بها عن الحق
~~إلى الضلال بناء على أن العباد هم الخالقون لأفعالهم، وأمر الإنكار
~~والتعجب عليه ظاهر، وإنما لم يسند الفعل إلى ضميرهم على جهة الفاعلية
~~إشارة إلى أنه بلغ من الشناعة إلى حيث أنه لا ينبغي أن يصرح بوقوعه منهم
~~فتدبر.

### || [10.33-34]

# { كذلك } أي كما حقت كلمة الربوبية لله سبحانه وتعالى أو كما أنه
~~ليس بعد الحق إلا الضلال أو كما أنهم مصرفون عن الحق { حقت كلمت
~~ربك } أي حكمه { على الذين فسقوا } أي تمردوا في الكفر
~~وخرجوا إلى أقصى حدوده، والمراد بهم أولئك المخاطبون، ووضع الموصول موضع
~~ضميرهم للتوصل إلى ذمهم بعنوان الصلة وللإشعار بالعلية { أنهم لا
~~يؤمنون } بدل من الكلمة بدل كل من كل أو بدل اشتمال بناء على أن
~~الحكم بالمعنى المصدري أو بمعنى المحكوم به، وقد تفسر الكلمة بالعدة
~~بالعذاب فيكون هذا في موضع التعليل لحقيتها أي لأنهم الخ، واعترض بأن
~~محصل الآية حينئذ على ما تقرر في { الذين فسقوا } أن كلمة العذاب
~~حقت على أولئك المتمردين لتمردهم في كفرهم ولأنهم لا يؤمنون وهو تكرار لا
~~طائل تحته، وأجيب بأنه لو سلم أن في الآية تكرارا مطلقا فهو تصريح بما
~~علم ضمنا، وفيه دلالة على شرف الإيمان بأن عذاب المتمردين في الكفر بسبب
~~انتفاء الإيمان.

# { قل هل من شركآئكم من يبدؤا ms04067 الخلق ثم
~~يعيده } احتجاج آخر على حقية التوحيد / وبطلان الإشراك، ولم يعطف
~~إيذانا باستقلاله في إثبات المطلوب، والسؤال للتبكيت والإلزام، وجعل
~~سبحانه الإعادة لسطوع البراهين القائمة عليها بمنزلة البدء في إلزامهم
~~ولم يبال بإنكارهم لها لأنهم مكابرون فيه والمكابر لا يلتفت إليه فلا
~~يقال: إن مثل هذا الاحتجاج إنما يتأتى على من اعترف بأن من خواص الإلهية
~~بدء الخلق ثم إعادته ليلزم من نفيه عن الشركاء نفي الإلهية وهم غير مقرين
~~بذلك، ففي الآية الإشارة إلى أن الإعادة أمر مكشوف ظاهر بلغ في الظهور
~~والجلاء بحيث يصح أن يثبت فيه دعوى أخرى، وجعل ذلك الطيبي من صنعة
~~الادماج كقول ابن نباتة:

# فلا بد لي من جهلة في وصاله

# فمن لي بخل أودع الحلم عنده

# فقد ضمن الغزل الفخر بكونه حليما والفخر شكاية الإخوان.

# { قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده } قيل هو أمر له
~~صلى الله عليه وسلم بأن يبين لهم من يفعل ذلك أي قل لهم الله سبحانه هو
~~يفعلهما لا غيره كائنا ما كان لا بأن ينوب عليه الصلاة والسلام عنهم في
~~الجواب كما قاله غير واحد لأن المقول المأمور به غير ما أريد منهم من
~~الجواب وإن كان مستلزما له إذ ليس المسؤول عنه من يبدأ الخلق ثم يعيده
~~كما في قوله سبحانه:

# قل من رب السموات والأرض قل الله

# [الرعد: 16] حتى يكون القول المأمور به عين الجواب الذي أريد منهم ويكون
~~صلى الله عليه وسلم نائبا عنهم في ذلك بل إنما هو وجود من يفعل البدء
~~والإعادة من شركائهم فالجواب المطلوب منهم لا لا غير.

# نعم أمر صلى الله عليه وسلم بأن يضمنه مقالته إيذانا بتعينه وتحتمه
~~وإشعارا بأنهم لا يجترئون على التصريح به مخافة التبكيت وإلقام الحجر لا
~~مكابرة ولجاجا انتهى، وقد يقال: المراد من قوله سبحانه: { هل من
~~شركآئكم } الخ هل المبدىء المعيد الله أم الشركاء؟، والمراد من
~~قوله سبحانه جل شأنه: { الله } الخ الله يبدأ ويعيد لا غيره من
~~الشركاء وحينئذ ينتظم السؤال والجواب ms04068 وانفهام الحصر بدلالة الفحوى فإنك
~~إذا قلت: من يهب الألوف زيد أم عمرو فقيل: زيد يهب الألوف أفاد الحصر بلا
~~شبهة. وبما ذكر يعلم ما في الكلام السابق في الرد على ما قاله الجمع وكذا
~~رد ما قاله القطب من أن هذا لا يصلح جوابا عن ذلك السؤال لأن السؤال عن
~~الشركاء وهذا الكلام في الله تعالى بل هو الاستدلال على إلهيته تعالى
~~وإنه الذي يستحق العبادة بأنه المبدىء المعيد بعد الاستدلال على نفي
~~إلهية الشركاء فتأمل، وفي إعادة الجملة في الجواب بتمامها غير محذوفة
~~الخبر كما في الجواب السابق لمزيد التأكيد والتحقيق.

# { فأنى تؤفكون } الإفك الصرف والقلب عن الشيء يقال: أفكه
~~عن الشيء يأفكه أفكا إذا قلبه عنه وصرفه، ومنه قول عروة بن أذينة:

# إن تك عن أحسن الصنيعة مأ

# فوكا ففي آخرين قد أفكوا

# وقد يخص كما في «القاموس» بالقلب عن الرأي ولعله الأنسب بالمقام أي كيف
~~تقلبون من الحق إلى الباطل والكلام فيه كما تقدم في { فأنى
~~تصرفون } [يونس: 32].

### || [10.35]

# { قل هل من شركآئكم من يهدي إلى الحق } احتجاج
~~آخر على ما ذكر جىء به إلزاما غب إلزام وإفحاما إثر إفحام. وفصله
~~إيذانا بفضله واستقلاله في إثبات المطلوب كما في سابقه.

# والمراد هل من يهدي إلى الحق بإعطاء العقل وبعثة الرسل وإنزال الكتب
~~والتوفيق إلى النظر والتدبر بما نصب في الآفاق والأنفس إلى غير ذلك آلله
~~سبحانه أم الشركاء؟. ومنهم من يبقى الكلام على ما يتبادر منه كما سمعت
~~فيما قبل، ومن الناس من خصص طريق الهداية، والتعميم أوفق بما يقتضيه
~~المقام من كمال التبكيت والإلزام كما لا يخفى { قل الله يهدي
~~للحق } أي هو سبحانه يهدي له دون غيره جل شأنه، والكلام في / الأمر
~~على طرز ما سبق، وفعل الهداية يتعدى إلى اثنين ثانيهما بواسطة وهي إلى أو
~~اللام وقد يتعدى لهما بنفسه وهو لغة على ما قيل كاستعماله قاصرا بمعنى
~~اهتدى، والمبرد أنكر هذا حيث قال: إن هدى بمعنى اهتدى لا يعرف لكن لم
~~يتابعه ms04069 على ذلك الحفاظ كالفراء وغيره، وقد جمع هنا بين صلتيه إلى واللام
~~تفننا وإشارة بإلى إلى معنى الانتهاء وباللام للدلالة على أن المنتهى
~~غاية للهداية وأنها لم تتوجه إليه على سبيل الاتفاق بل على قصد من الفعل
~~وجعله ثمرة له ولذلك عدى بها ما أسند إليه سبحانه كما ترى.

# وأما قوله تعالى: { أفمن يهدي إلى الحق } فالمقصود به
~~التعميم وإن كان الفاعل في الواقع هو الله جل شأنه. وقيل: اللام هنا
~~للاختصاص والجمهور على الأول، والمفعول محذوف في المواضع الثلاثة، وجواز
~~اللزوم في الأول مما لا يلتفت إليه، ويقدر فيها على طرز واحد كالشخص
~~ونحوه، وقيل: التقدير قل هل من شركائكم من يهدي غيره إلى الحق قل الله
~~يهدي من يشاء إلى الحق أفمن يهدي غيره إلى الحق { أحق أن يتبع
~~أمن لا يهدي } بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال وهي قراءة
~~يعقوب. وحفص، وأصله يهتدي وكسر الهاء لالتقاء الساكنين. وقرأ حماد ويحيى
~~عن أبي بكر عن عاصم بكسر الياء والهاء والتشديد وكسرت الياء اتباعا
~~للهاء، وكان سيبويه يرى جواز كسر حرف المضارعة لغة إلا الياء لثقل الكسرة
~~عليها وهذه القراءة حجة عليه. وقرأ ابن كثير وورش عن نافع وابن عامر بفتح
~~الياء والهاء والتشديد والأصل يهتدي فنقلت فتحة التاء إلى الهاء قبلها ثم
~~قلبت دالا لقرب مخرجهما وأدغمت فيها. وقرأ أبو عمرو وقالون عن نافع كذلك
~~لكنه اختلس فتحة الهاء تنبيها على أن الحركة فيها عارضة، وفي بعض الطرق
~~عن أبي عمرو أنه قرأ بالإدغام المجرد عن نقل الحركة إلى ما قبلها أو
~~التحريك بالكسر لالتقاء الساكنين.

# واستشكل ذلك بأن فيه الجمع بين الساكنين ولذا قال المبرد: من رام هذا لا
~~بد أن يحرك حركة خفيفة قال ابن النحاس إذ بدونه لا يمكن النطق، وذكر
~~القاضي أنه لم يبال بالتقاء الساكنين لأن المدغم في حكم المتحرك، وأنكر
~~بعضهم هذه القراءة وادعى أنه إنما قرأ بالاختلاس، والحق أنه قرأ بهما
~~وروي ذلك عن نافع أيضا وتفصيله في «لطائف الإشارات والطيبة». ms04070

# وقرأ حمزة والكسائي { يهدي } كيرمي، وهو إما لازم بمعنى يهتدي كما هو
~~أحد استعمالات فعل الهداية على المعول عليه كما علمت آنفا أو متعد أي لا
~~يهدي غيره، ورجح هذا بأنه الأوفق بما قبل فإن المفهوم منه نفي الهداية لا
~~الاهتداء، وقد يرجح الأول بأن فيه توافق القراءات معنى وتوافقها خير من
~~تخالفها، وإنما نفى الاهتداء مع أن المفهوم مما سبق نفي الهداية كما ذكر
~~لما أن نفيها مستتبع لنفيه غالبا فإن من اهتدى إلى الحق لا يخلو عن
~~هداية غيره في الجملة وأدناها كونه قدوة له بأن يراه فيسلك مسلكه، والفاء
~~لترتيب الاستفهام على ما سبق كأنه قيل: إذا كان الأمر كذلك فأنا أسألكم
~~أمن يهدي إلى الحق الخ.، والمقصود من ذلك الإلزام، والهمزة على هذا
~~متأخرة في الاعتبار وإنما قدمت في الذكر لإظهار عراقتها في اقتضاء
~~الصدارة كما هو المشهور عند الجمهور. وصيغة التفضيل إما على حقيقتها
~~والمفضل عليه محذوف كما اختاره مكي والتقدير أفمن يهدي إلى الحق أحق أن
~~يتبع ممن لا يهدي أم من لا يهدي أحق، وإما بمعنى حقيق كما اختاره أبو
~~حيان، وهو خبر عن الموصول، والفصل بالخبر بين أم وما عطفت عليه هو الأفصح
~~كما قال السمين، وقد لا يفصل كما في قوله سبحانه:

# أقريب أم بعيد / ما توعدون

# [الأنبياء: 109] والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقرير، و { أن
~~يتبع } في حيز النصب أو الجر بعد حذف الجار على الخلاف المعروف في
~~مثله أو بأن يتبع.

# { إلا أن يهدى } استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا يهتدي أو لا
~~يهدي غيره في حال من الأحوال إلا حال هدايته تعالى له إلى الاهتداء أو
~~إلى هداية الغير، وهذا على ما قاله جمع حال أشراف شركائهم كالمسيح وعزير
~~والملائكة عليهم السلام دون الأوثان لأن الاهتداء الذي هو قبول الهداية
~~وهداية الغير مختصان بذوي العلم فلا يتصور فيها. وأخرج ابن أبي حاتم
~~وأبو الشيخ وغيرهما أن المراد الأوثان؛ ووجه ذلك بأنه جار على تنزيلهم
~~لها منزلة ذوي ms04071 العلم، وقيل: المعنى أم من لا يهتدي من الأوثان إلى مكان
~~فينقل إليه إلا أن ينقل إليه أو إلا أن ينقله الله تعالى من حاله إلى أن
~~يجعله حيوانا مكلفا فيهديه وهو من قولك: هديت المرأة إلى زوجها وقد
~~هديت إليه وقيل: الآية الأولى

# قل هل من شركآئكم من يبدأ الخلق ثم يعيده

# [يونس: 34] في الأصنام أو فيما يعمهم ونحو الملائكة عليهم السلام وهذه
~~في رؤساء الضلالة كالأحبار والرهبان الذين اتخذوا أربابا من دون الله
~~وليس بالعيد فيما أرى، ويؤيده التعبير بالاتباع فإنه يقتضي العمل
~~بأوامرهم والاجتناب عن نواهيهم وهذا لا يعقل في الأوثان إلا بتكلف، وهو
~~وإن عقل في أشراف شركائهم لكنهم لا يدعون إلا إلى خير واتباعهم في ذلك لا
~~ينعى على أحدهم اللهم إلا أن يقال: إن المشركين تقولوا عليهم أوامر
~~ونواهي فنعى عليهم اتباعهم لهم في ذلك، وعبر بالاتباع ولم يعبر بالعبادة
~~بأن يقال: أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يعبد أم من لا يهدي إلا أن يهدى مع
~~أن الآية متضمنة إبطال صحة عبادتهم من حيث أنهم لا يهدون وأدنى مراتب
~~العبودية هداية المعبود لعبدته إلى ما فيه صلاح أمرهم مبالغة في تفظيع
~~حال عبادتهم لأنه إذا لم يحسن الاتباع لم تحسن العبادة بالطريق الأولى
~~وإذا قبح حال ذاك فحال هذه أقبح والله تعالى أعلم. وقرىء { إلا أن يهدى }
~~مجهولا مشددا دلالة على المبالغة في الهداية.

# { فمالكم } أي أي شيء لكم في اتخاذ هؤلاء العاجزين شركاء لله
~~سبحانه وتعالى، والكلام مبتدأ وخبر والاستفهام للإنكار والتعجب. وعن بعض
~~النحاة أن مثل هذا التركيب لا يتم بدون حال بعده نحو قوله تعالى:

# فما لكم عن التذكرة معرضين

# [المدثر: 49] فلعل الحال هنا محذوف لظهوره كأنه قيل: فما لكم متخذين
~~هؤلاء شركاء ولا يصح أن يكون قوله عز وجل: { كيف تحكمون } في
~~موضع الحال لأن الجملة الاستفهامية لا تقع حالا بل هو استفهام آخر
~~للإنكار والتعجب أيضا أي كيف تحكمون بالباطل الذي يأباه صريح العقل
~~ويحكم ببطلانه من اتخاذ ms04072 الشركاء لله جل وعلا، والفاء لترتيب الإنكار على
~~ما ظهر من وجوب اتباع الهادي.

### || [10.36]

# { وما يتبع أكثرهم إلا ظنا } كلام مبتدأ غير داخل في
~~حيز الأمر مسوق من جهته تعالى لبيان سوء إدراكهم وعدم فهمهم لمضمون ما
~~أفحمهم من البراهين النيرة الموجبة للتوحيد أي ما يتبع أكثرهم في
~~معتقداتهم ومحاوراتهم إلا ظنا واهيا مستند إلى خيالات فارغة وأقيسة
~~باطلة كقياس الغائب على الشاهد وقياس الخالق على المخلوق بأدنى مشاركة
~~موهومة ولا يلتفتون إلى فرد من أفراد العلم فضلا عن أن يسلكوا مسالك
~~الأدلة الصحيحة الهادية إلى الحق فيفهموا مضمونها ويقفوا على صحتها
~~وبطلان ما يخالفها، فالمراد بالاتباع مطلق الانقياد الشامل لما يقارن
~~القبول والانقياد وما لا يقارنه وبالقصر ما أشير إليه من أن لا يكون لهم
~~في أثنائه اتباع لفرد من أفراد العلم والتفات إليه. وتنكير { ظنا }
~~للنوعية، وفي تخصيص هذا الاتباع بالأكثر الإشارة إلى أن منهم من قد يتبع
~~فيقف / على حقيقة التوحيد لكن لا يقبله مكابرة وعنادا، ومقتضى ما ذكروه
~~في وجه أمره صلى الله عليه وسلم بأن ينوب عنهم في الجواب من أنه الإشارة
~~إلى أن لجاجهم وعنادهم يمنعهم من الاعتراف بذلك أن فيهم من علم وكان
~~معاندا، ولعل النيابة حينئذ عن الجميع باعتبار هذا البعض، وجوز أن يكون
~~المعنى ما يتبع أكثرهم مدة عمره إلا ظنا ولا يتركونه أبدا، فإن حرف
~~النفي الداخل على المضارع يفيد استمرار النفي بحسب المقام فالمراد
~~بالاتباع هو الإذعان والانقياد والقصر باعتبار الزمان، وفي التخصيص تلويح
~~بما سيكون من بعضهم من اتباع الحق والتوبة، وقيل: المعنى وما يتبع أكثرهم
~~في إقرارهم بالله تعالى إلا ظنا لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم،
~~وقيل: المعنى وما يتبع أكثرهم في قولهم للأصنام أنها آلهة وأنها شفعاء
~~عند الله إلا الظن، والأكثر بمعنى الجميع وهذا كما ورد القليل بمعنى
~~العدم في قوله تعالى:

# فقليلا ما يؤمنون

# [البقرة: 88] وفي قوله:

# قليل التشكي في المصيبات حافظ

# من اليوم أعقاب الأحاديث في غد

# وحمل النقيض على ms04073 النقيض حسن وطريقة مسلوكة، ولا يخفى أنه لا يتعين على
~~هذين القولين حمل الأكثر على الجميع بل يمكن حمله على ما يتبادر منه
~~أيضا. ومن الناس من جعل ضمير { أكثرهم } للناس وحينئذ يجب الحمل
~~على المتبادر بلا كلفة.

# { إن الظن } مطلقا { لا يغني من الحق شيئا } فكيف
~~الظن الفاسد والمراد من الحق العلم والاعتقاد الصحيح المطابق للواقع،
~~والجار متعلق بما قبله و { شيئا } نصب على أنه مفعول مطلق أي إغناء
~~ما، ويجوز أن يكون مفعولا به والجار والمجرور في موضع الحال منه،
~~والجملة استئناف لبيان شأن الظن وبطلانه، وفيه دليل لمن قال: إن تحصيل
~~العلم في الاعتقاديات واجب وإن إيمان المقلد غير صحيح، وإنما لم يؤخذ
~~عاما للعمليات لقيام الدليل على صحة التقليد والاكتفاء بالظن فيها كما
~~قرر في موضعه.

# { إن الله عليم بما يفعلون } وعيد لهم على أفعالهم
~~القبيحة ويندرج فيها ما حكى عنهم من الإعراض عن البراهين القاطعة واتباع
~~الظنون الفاسدة اندراجا أوليا. وقرىء { تفعلون } بالالتفات إلى الخطاب
~~لتشديد الوعيد.

### || [10.37]

# { وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله }
~~شروع في بيان حالهم من القرآن إثر بيان حالهم مع الأدلة المندرجة في
~~تضاعيفه أو استئناف لبيان ما يجب اتباعه والبرهان عليه غب المنع مع اتباع
~~الظن، وقيل: إنه متعلق بما قصه الله تعالى من قولهم:

# ائت بقرآن غير هذا

# [يونس: 15] وقيل: بقوله سبحانه:

# ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه

# [يونس: 20] الخ ولا يخفى ما في ذلك من البعد { وكان } هنا ناقصة عند
~~كثير من الكاملين { وهذا } اسمها { والقرآن } نعت له أو عطف
~~بيان و { أن يفترى } بتأويل المصدر أي افتراء خبر { كان } وهو
~~في تأويل المفعول أي مفترى كما ذكره ابن هشام في قاعدة أن اللفظ قد يكون
~~على تقدير وذلك المقدر على تقدير آخر، ومنه قوله:

# لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى

# وذهب بعض المعربين أن { ما كان } بمعنى ما صح وأن في الكلام لاما
~~مقدرة لتأكيد النفي، والأصل ما كان هذا القرآن لأن يفترى ms04074 كقوله تعالى:

# وما كان المؤمنين لينفروا كافة

# [التوبة: 122] و { أن يفترى } خبر كان { ومن دون الله }
~~خبر ثان وهو بيان للأول، أي ما صح ولا استقام أن يكون هذا القرآن المشحون
~~بفنون الهدايات المستوجبة للاتباع التي من جملتها هاتيك الحجج البينة
~~الناطقة بحقية التوحيد وبطلان الشرك صادرا من غير الله تعالى كيف كان،
~~وقيل عليه ما قيل لكنه لا ينبغي العدول عما قاله في محل { من دون
~~الله } وما ذكر في حاصل المعنى أمر مقبول كمالا يخفى، وجوز البدر /
~~الدماميني أن تكون { كان } تامة و { أن يفترى } بدل اشتمال من {
~~هذا القرآن } وتعقب بأنه لا يحسن قطعا لأن ما وجد القرآن يوهم
~~من أول الأمر نفي وجوده وأيضا لا بد من الملابسة بين البدل والمبدل منه
~~في بدل الاشتمال فيلزم أن يبتني الكلام على الملابسة بين القرآن العظيم
~~والافتراء وفي التزام كل ما ترى، وأجيب عن ذلك بما لا أراه مثبتا للحسن
~~أصلا، واقتصر بعضهم على اعتبار المصدر من غير تأويله باسم المفعول
~~اعتبارا للمبالغة على حد ما قيل في زيد عدل، والظاهر عندي أن المبالغة
~~حينئذ راجعة إلى النفي نظير ما قيل في قوله تعالى:

# وما ربك بظلم للعبيد

# [آل عمران: 182] لا أن النفي راجع إلى المبالغة كما لا يخفى، ومن هنا
~~يعلم ما في قول بعض المحققين: إن قول الزمخشري في بيان معنى الآية: ((وما
~~صح وما استقام وكان محالا أن يكون مثله في علو أمره وإعجازه مفترى))
~~ربما يشعر بأنه على حذف اللام إذ مجرد توسيط  كان  لا يفيد ذلك
~~والتعبير بالمصدر لا تعلق له بتأكيد معنى النفي من النظر، ثم إنهم فيما
~~رأينا لم يعتبروا المصدر هنا إلا نكرة، والمشهور اتفاق النحاة على أن أن
~~والفعل المؤول بالمصدر معرفة ولذلك لا يخبر به عن النكرة، وكأنه مبني على
~~ما قاله ابن جني في «الخاطريات» من أنه يكون نكرة وذكر أنه عرضه على أبي
~~علي فارتضاه.

# واستشكل بعضهم هذه الآية بأن (أن) تخلص المضارع للاستقبال كما نص ms04075 على
~~ذلك النحويون، والمشركون إنما زعموا كون القرآن مفترى في الزمان الماضي
~~كما يدل عليه ما يأتى إن شاء الله تعالى فكيف ينبغي كونه مفترى في الزمان
~~المستقبل. وأجيب عنه بأن الفعل فيها مستعمل في مطلق الزمان وقد نص على
~~جواز ذلك في الفعل ابن الحاجب وغيره ونقله البدر الدماميني في شرحه
~~«لمغني اللبيب»، ولعل ذلك من باب المجاز، وحينئذ يمكن أن يكون نكتة
~~العدول عن المصدر الصريح مع أنه المستعمل في كلامهم عند عدم ملاحظة أحد
~~الأزمنة نحو أعجبني قيامك أن المجاز أبلغ من الحقيقة، وقيل: لعل النكتة
~~في ذلك استقامة الحمل بدون تأويل للفرق بين المصدر الصريح والمؤول على ما
~~أشار إليه شارح «اللباب». وغيره، ولا يخفى أن فيه مخالفة لما مرت الإشارة
~~إليه من أن أن والفعل في تأويل المصدر وهو في تأويل المفعول.

# قيل: وقد يجاب أيضا عن أصل الإشكال بأنه إنما نفى في الماضي إمكان تعلق
~~الافتراء به في المستقبل وكونه محلا لذلك فينتفي تعلق الافتراء بالفعل
~~من باب أولى، وفي ذلك سلوك طريق البرهان فيكون في الكلام مجاز أصلي أو
~~تبعي، وقد نص أبو البقاء على جواز كون الخبر محذوفا وأن التقدير وما كان
~~هذا القرآن ممكنا أن يفترى، وقال العلامة ابن حجر: إن الآية جواب عن
~~قولهم:

# ائت بقرآن غير هذا أو بدله

# [يونس: 15] وهو طلب للافتراء في المستقبل، وأما الجواب عن زعمهم أنه
~~عليه الصلاة والسلام افتراه وحاشاه فسيأتي عند حكاية زعمهم ذلك فلا
~~إشكال، على أن عموم تخليص أن المضارع للاستقبال في حيز المنع، لم لا يجوز
~~أن يكون ذلك فيما عدا خبر (كان) المنفية كما يرشد إليه قوله سبحانه:

# ما كان للنبي والذين ءامنوا أن يستغفروا
~~للمشركين

# [التوبة: 113] فإنه نزل عن استغفار سبق منهم للمشركين كما قاله أئمة
~~التفسير، وقد أطال الكلام على ذلك في «ذيل فتاويه» فتبصر.

# { ولكن تصديق الذي بين يديه } أي من الكتب الإلهية
~~كالتوراة والإنجيل، فالمراد من الموصول الجنس، وعنى بالتصديق بيان الصدق
~~وهو مطابقة الواقع ms04076 وإظهاره وإضافته إما لفاعله أو مفعوله، وتصديق الكتب
~~له بأن ما فيه من العقائد الحقة مطابق لما فيها وهي مسلمة عند أهل الكتاب
~~وما عداهم إن اعترف بها وإلا فلا عبرة به. / وفي جعل الإضافة للمفعول
~~مبالغة في نفي الافتراء عنه لأن ما يثبت ويظهر به صدق غيره فهو أولى
~~بالصدق، ووجه كونه مصدقا لها أنه دال على نزولها من عند الله تعالى
~~ومشتمل على قصص الأولين حسبما ذكر فيها وهو معجز دونها فهو الصالح لأن
~~يكون حجة وبرهانا لغيره لا بالعكس، وزعم بعضهم أن المراد من { الذي
~~بين يديه } أخبار الغيوب والإضافة للفاعل، وتصديقها له مجيئها على
~~وفق ما أخبر به وليس بشيء، ونصب  التصديق  على العطف على خبر  كان 
~~أو على أنه خبر لكان مقدرة، وقيل: على أنه مفعول لأجله لفعل مقدر.

# أي أنزل لتصديق ذلك، وجعل العلة هنا ما ذكر مع أنه أنزل لأمور لأنه
~~المناسب لمقام رد دعوى افترائه، وقيل: نصب على المصدرية لفعل مقدر أي
~~يصدق تصديق الخ، وقرأ عيسى بن عمرو الثقفي. برفعه على أنه خبر مبتدأ
~~محذوف أي ولكن هو تصديق الخ وكذا قرأ بالرفع في قوله تعالى:

# { وتفصيل الكتاب } أي ما كتب وأثبت من الحقائق والشرائع،
~~والعطف نصبا أو رفعا على { تصديق } وقوله سبحانه: { لا ريب
~~فيه } خبر آخر للكن أو للمبتدأ المقدر، وفصل لأنه جملة مؤكدة لما
~~قبلها، وجوز أن يكون حالا من الكتاب وإن كان مضافا إليه فإنه مفعول في
~~المعنى وأن يكون استئنافا نحويا لا محل له من الإعراب أو بيانيا
~~جوابا للسؤال عن حال الكتاب والأول أظهر، والمعنى لا ينبغي لعاقل أن
~~يرتاب فيه لوضوح برهانه وعلو شأنه { من رب العلمين } خبر آخر
~~لكان أو المبتدأ المقدر كما مر في سابقه أو متعلق بتصديق أو بتفصيل أو
~~بالفعل المعلل بهما أو متعلق بمحذوف وقع حالا من الكتاب و { لا ريب
~~فيه } اعتراض لئلا يلزم الفصل بالأجنبي بين المتعلق والمتعلق أو الحال
~~وذيها. وجوز أن يكون حالا من الضمير ms04077 المجرور في { فيه }.

### || [10.38]

# { أم يقولون افتراه } أم منقطعة وهي مقدرة ببل والهمزة عند
~~سيبويه والجمهور أي بل أيقولون، وبل انتقالية والهمزة لإنكار الواقع
~~واستبعاده أي ما كان ينبغي ذلك، وجوز أن تكون للتقرير لإلزام الحجة
~~والمعنيان على ما قيل متقاربان، وقيل: إن (أم) متصلة ومعادلها مقدر أي
~~أتقرون به أم تقولون افتراه، وقيل: هي استفهامية بمعنى الهمزة، وقيل:
~~عاطفة بمعنى الواو والصحيح الأول، وأيا ما كان فالضمير المستتر للنبي
~~صلى الله عليه وسلم وإن لم يذكر لأنه معلوم من السياق.

# { قل } تبكيتا لهم وإظهارا لبطلان مقالتهم الفاسدة إن كان الأمر كما
~~تقولون { فأتوا بسورة } طويلة كانت أو قصيرة { مثله } في
~~البلاغة وحسن الارتباط وجزالة المعنى على وجه الافتراء، وحاصله على ما
~~قيل: إن كان ذاك افتراء مني فافتروا سورة مثله فإنكم مثلي في العربية
~~والفصاحة وأشد تمرنا واعتيادا في النظم والنثر، وعلى هذا فالمراد
~~بإتيان المخاطبين بذلك إنشاؤهم له والتكلم به من عند أنفسهم لا ما يعم
~~ذلك وإيراده من كلام الغير ممن تقدم، وجوز أن يكون المراد ما ذكر ولعله
~~السر في العدول عن قولوا سورة مثله مثلا إلى ما في النظم الكريم، أي إن
~~كان الأمر كما زعمتم فأتوا من عند أنفسكم أو ممن تقدمكم من فصحاء العرب
~~وبلغائها كامرىء القيس وزهير وأضرابهما بسورة مماثلة له في صفاته الجليلة
~~فحيث عجزتم عن ذلك مع شدة تمرنكم ولم يوجد في كلام أولئك وهم الذين نصبت
~~لهم المنابر في عكاظ الفصاحة والبلاغة وبهم دارت رحا النظم والنثر وتصرمت
~~أيامهم في الإنشاء والإنشاد دل على أنه ليس من كلام البشر بل هو من كلام
~~خالق القوى والقدر. وقرىء { بسورة مثله } على الإضافة أي بسورة كتاب
~~مثله.

# { وادعوا } للمعاونة والمظاهرة. { من استطعتم } دعاءه
~~والاستعانة به من آلهتكم التي تزعمون إنها ممدة لكم في المهمات والملمات
~~والمداراة الذين / تلجؤون إليهم في كل ما تأتون وتذرون { من دون
~~الله } متعلق بادعوا كما قيل و { من } ابتدائية على معنى أن الدعاء
~~مبتدأ من غيره ms04078 تعالى لا ملابسة له معه جل شأنه بوجه، وجوز أن يكون
~~متعلقا بما عنده و { من } بيانية أي ادعوا من استطعتم من خلقه ولا
~~يخلو عن حسن. وفائدة هذا القيد قيل: التنصيص على براءتهم منه تعالى
~~وكونهم في عدوة المضادة والمشاقة، وليس المراد به إفادة استبداده تعالى
~~بالقدرة على ما كلفوه فإن ذلك مما يوهم أنهم لو دعوه لأجابهم إليه، وقد
~~يقال: لا بأس بإفادة ذلك لأن الاستبداد المذكور مما يؤيد المقصود وهو كون
~~ما أتى به صلى الله عليه وسلم لم يكن من عند نفسه بل هو منه تعالى،
~~والإيهام مما لا يلتفت إليه فإن دعاءهم إياه تعالى بمعنى طلبهم منه
~~سبحانه وتعالى أن يأتي بما كلفوه مستبدا به مما لا يكاد يتصور لأنه
~~ينافي زعمهم السابق كما لا يخفى فتأمل { إن كنتم صدقين } في
~~أني افتريته فإن ذلك مستلزم لإمكان الإتيان بمثله وهو أيضا مستلزم
~~لقدرتكم عليه وجواب { إن } محذوف لدلالة المذكور عليه.

# وفي هذه الآية دلالة على إعجاز القرآن لأنه عليه الصلاة والسلام تحدي
~~مصاقع العرب بسورة ما منه فلم يأتوا بذلك وإلا لنقل إلينا لتوفر الدواعي
~~إلى نقله. وزعم بعض الملاحدة أنه لا يلزم من عجزهم عن الإتيان بذلك كونه
~~من عند الله تعالى قطعا فإنه قد يتفق في الشخص خصوصية لا توجد في غيره
~~فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا بهذه المرتبة من الفصاحة
~~والبلاغة ممتازا بها عن سائر العرب فأتى بما أتى دونهم، وقد جاء من بعض
~~الطرق أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " أنا أفصح العرب بيد أني من قريش "

# وأجيب بأنه صلى الله عليه وسلم وإن كان في أقصى الغايات من الفصاحة حتى
~~كأن الله تعالى شأنه وعزت قدرته مخض اللسان العربي وألقى زبدته على
~~لسانه صلى الله عليه وسلم فما من خطب يقاومه إلا نكص متفكك الرجل وما من
~~مصقع يناهزه إلا رجع فارغ السجل إلا أن كلامه صلى الله عليه وسلم لا يشبه
~~ما جاء به من القرآن ms04079 وكلام شخص واحد متشابه كما لا يخفى على ذوي الأذواق
~~الواقفين على كلام البلغاء قديما وحديثا.

# وتعقب بأنه لا يدفع ذلك الزعم لما فيه ظاهرا من تسليم كون كلامه عليه
~~الصلاة والسلام معجزا لا تستطاع معارضته وحينئذ العجز عن معارضة القرآن
~~يجعله دائرا بين كونه كلامه تعالى وكونه كلامه صلى الله عليه وسلم ولا
~~يثبت كونه كلام الله عز وجل إلا بضم امتيازه على كلامه صلى الله عليه
~~وسلم والزاعم لم يدع إلا عدم لزوم كونه من عند الله تعالى قطعا من عجزهم
~~عن الإتيان بذلك، وأيضا ينافي هذا التسليم ما تقدم في بيان حاصل {
~~فأتوا بسورة مثله } حيث علل بأنكم مثلي في العربية والفصاحة
~~الخ، ومن هنا قيل: الأوجه في الجواب أن يلتزم عدم إعجاز كلامه صلى الله
~~عليه وسلم مع كونه عليه الصلاة والسلام أفصح العرب ولا منافاة بينهما كما
~~لا يخفى على المتأمل. وأطال بعضهم الكلام في هذا المقام، وبعض أدرج مسألة
~~خلق الأفعال في البين وجعل مدار الجواب مذهب الأشعري فيها ولعل الأمر غني
~~عن الإطالة عند من انجاب عن عين بصيرته الغين.

### || [10.39]

# { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه } قيل: هو إضراب
~~وانتقال عن إظهار بطلان ما قالوا في حق القرآن العظيم بالتحدي إلى إظهاره
~~ببيان أنه كلام ناشىء عن عدم علمهم بكنه أمره والاطلاع على شأنه الجليل
~~فما عبارة عن القرآن وهو المروي عن الحسن وعليه محققو المفسرين، وقيل: هي
~~عبارة عما ذكر فيه مما يخالف دينهم كالتوحيد والبعث والجزاء وليس بذاك
~~سواء كانت الباء للتعدية كما هو المتبادر أم للسببية، والمراد أنهم
~~سارعوا إلى تكذيبه من غير أن يتدبروا ما فيه ويقفوا على ما في تضاعيفه من
~~الشواهد الدالة على كونه كما وصف آنفا ويعلموا أنه ليس مما يمكن أن /
~~يؤتى بسورة مثله، والتعبير عنه بهذا العنوان دون أن يقال: بل كذبوا به من
~~غير أن يحيطوا بعلمه أو نحوه للإيذان بكمال جهلهم به وأنهم لم يعلموه إلا
~~بعنوان عدم العلم به وبأن ms04080 تكذيبهم به إنما هو بسبب عدم إحاطتهم بعلمه لما
~~أن تعليق الحكم بالموصول مشعر بعلية ما في حيز الصلة له، وأصل الكلام بما
~~لم يحيطوا به علما إلا أنه عدل عنه إلى ما في النظم الكريم لأنه أبلغ.

# { ولما يأتهم تأويله } عطف على الصلة أو حال من الموصول
~~أي ولم يقفوا بعد على معانيه الوضعية والعقلية المنبئة عن علو شأنه وسطوع
~~برهانه، فالتأويل نوع من التفسير، والإتيان مجاز عن المعرفة والوقوف،
~~ولعل اختياره للإشعار بأن تلك المعاني متوجهة إلى الأذهان منساقة إليها
~~بنفسها، وجوز أن يراد بالتأويل وقوع مدلوله وهو عاقبته وما يؤول إليه وهو
~~المعنى الحقيقي عند بعض فإتيانه حينئذ مجاز عن تبينه وانكشافه، أي ولم
~~يتبين لهم إلى الآن تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب حتى يظهر أنه صدق أم
~~كذب. والمعنى أن القرآن معجز من جهة النظم. والمعنى ومن جهة الإخبار
~~بالغيب وهم فاجؤوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه ويتفكروا في معناه أو
~~ينتظروا وقوع ما أخبر به من الأمور المستقبلة، ونفي إتيان التأويل بكلمة
~~{ لما } الدالة على توقع منفيها بعد نفي الإحاطة بعلمه بكلمة  لم 
~~لتأكيد الذم وتشديد التشنيع فإن الشناعة في تكذيب الشيء قبل علمه المتوقع
~~إتيانه أفحش منها في تكذيبه قبل علمه مطلقا.

# وادعى بعضهم أن الإضراب عن التكذيب عنادا المدلول عليه بقوله سبحانه:

# قل فأتوا

# [يونس: 38] الخ فإن الإلزام إنما يأتي بعد ظهور العجز، ومعنى هذا
~~الإضراب ذمهم على التقليد وترك النظر مع التمكن منه وهو أدخل في الذم من
~~العناد من وجه، وذلك لأن التقليد اعتراف من صاحبه بالقصور في الفطنة ثم
~~لا يعذر فيه فلا يرتضي ذو عقل أن يقلد رجلا مثله من غير تقدم عليه بفطنة
~~وتجربة وأما العناد فقد يحمده بعض النفوس الأبية بل في أشعارهم ما يدل
~~على أنهم مفتخرون بذلك كقولهم

# : فعاند من تطيق له عنادا

# ولا رد أن العناد لما كان بعد العلم كان أدخل في الذم فلا نسلم أنه أدخل
~~فيه من التقليد بل من ms04081 الجهل قبل التدبر دون اقتران التقليد به، وإن سلم
~~فهذا أيضا أدخل من وجه، وقد جعل مصب الإنكار على جمعهم بين الأمرين
~~والجمع على كل حال أدخل من التفرد بواحد صح الإضراب فكأنه قيل: دع تحديهم
~~وإلزامهم فإنهم لا يستأهلون الخطاب لأنهم مقلدون متهافتون في الأمر لا عن
~~خبر وحجى.

# وقد ذكر الزمخشري في هذا المقام ثلاثة أوجه، الوجه الأول أن التقدير أم
~~كذبوا وقالوا هو مفترى بعد العلم بإعجازه عنادا بل كذبوا به قبل أن
~~يأتيهم العلم بوجه إعجازه أيضا فهم مستمرون على التكذيب في الحالين
~~مذمومون به موسومون برذيلتي التقليد والعناد جامعون بينهما بالنسبة إلى
~~وقتين، ووجه ذلك بأن { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه
~~} صريح في تكذيبهم قبل العلم بوجه الإعجاز { ولما يأتهم
~~تأويله } يدل على امتداد هذا التكذيب إلى مجىء التأويل المنتظر
~~بالنسبة إلى تكذيبهم قبل لا بالنسبة إلى زمان الإخبار فإن التأويل أيضا
~~واقع، وحينئذ إما أن يكون التكذيب قد زال فلا يتوجه عليهم الذم بالتكذيب
~~الأول وإما أن يكون مستمرا وهو الواجب ليصح كونه واردا ذما لهم
~~بالتسرع إلى التكذيب الذي هو منطوق النص فيجب أن يكون العطف على قوله
~~سبحانه:

# أم يقولون افتراه

# [يونس: 38] ويكون ذلك لبيان أنهم كذبوا عن علم وهذا لبيان تكذيبهم قبله
~~أيضا ويكون الجهتان منظورتين وأنهم مذمومون فيهما. والحاصل أن

# أم يقولون افتراه

# [يونس: 38] لا مرية فيه أنه تكذيب بعد العلم لمكان الأمر بعده. لكن لما
~~جعل التوقع / المفاد بلما لعلم الإعجاز لزم أن يكون بالنسبة إلى حالهم
~~الأولى وهو التكذيب قبل العلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوقع
~~زواله بالعلم ويكون معنى المبالغة في { لما } الإشعار باستغراق الوقت
~~للتكذيب إلى زمان التأويل المنتظر الواقع الذي كذبوا فيه عنادا وبغيا.

# الوجه الثاني: حمل التأويل على المعنى الثاني الذي ذكرناه. والمعنى بل
~~سارعوا إلى التكذيب قبل الإحاطة بعلمه ليعرفوا إعجاز نظمه، وقيل: إتيان
~~التأويل المنتظر وهو ما يؤول إليه من الصدق في الإخبار بالمغيبات،
~~والمقصود من هذا ذمهم ms04082 بالتسارع إلى التكذيب من الوجهين لكن لما كان مع
~~الوجهين علم ما يتضمنه لو يدبروا لم يكن فيه شيء منتظر والثاني لما لم
~~يكن كذلك كان فيه أمر منتظر، وأتى بحرف التوقع دليلا عن أن هذا المنتظر
~~كائن وسيظهر أنهم مبطلون فيه أيضا كالأول ولا نظر إلى أنهم مذمومون
~~حالتي العناد والتقليد بل المقصود كمال إظهار الإلزام بأنه مفروغ عنه مع
~~أمثالهم للتهافت المذكور.

# الوجه الثالث أن

# أم يقولون افتراه

# [يونس: 38] ذم لطائفة كذبوا عن علم وهذا ذم لأخرى كذبت عن شك ولما وجد
~~فيما بينهم القسمات أسند الكل إلى الكل وليس بدعا في القرآن، والغرض من
~~الإضراب تعميم التكذيب وانه كان الواجب على الشاك التوقف لا التسرع إلى
~~التكذيب ومعنى التوقع أنه سيزول شكهم فسيعلم بعضهم ويبقى بعض على ما هو
~~عليه، والآية ساكتة عن التفصيل ناطقة بزوال الشك ولا خفاء أن الشاك ينتظر
~~وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يتوقع زوال شكهم انتهى.

# ولا يخفى أن ما نقلنا أولا أولى بالقبول عند ذوي العقول. وأورد على
~~دعوى أن

# أم يقولون افتراه

# [يونس: 38] تكذيب بعد العلم أنها ناشئة من عدم العلم وما سيق لاثباتها
~~في حيز المنع فإن الإلزام بعد التحدي وذلك القول قبله، وكونه مسبوقا
~~بالتحدي الوارد في سورة البقرة يرده أنها مدنية وهذه مكية.

# نعم ربما يقال في الاستدلال على كون ذلك القول بعد العلم بوقوع حكايته
~~في النظم الكريم بعد حكاية الإشارة إلى مضمونه بقوله تعالى:

# قال الذين لا يرجون لقآءنا ائت بقرآن غير
~~هذا أو بدله

# [يونس: 15] ورده بما سمعته هناك حسبما قرره الجمهور، وبيان ذلك أنهم نقل
~~عنهم أولا الإشارة إلى نسبة الافتراء إلى سيد الصادقين صلى الله عليه
~~وسلم ثم نقل عنهم التصريح بذلك، والظاهر أن الأمر حسبما نقل لكثرة وقوع
~~التصريح بعد الإشارة، وقد تخلل رد ماأشاروا إليه في البين فيحتمل أنهم
~~عقلوه وعلموا الحق لكنهم لم يقروا به عنادا وبغيا فصرحوا بما صرحوا
~~فيكون ذلك منهم بعد العلم ولترقيهم من الإشارة ms04083 إلى التصريح ترقى في
~~إلزامهم فإن هذا التحدي أظهر في الإلزام مما تقدم كما هو ظاهر، لكن
~~للمناقشة في هذا مجال. ويخطر بالبال أنه يحتمل أن يكون الاضراب عن ذمهم
~~بالتكذيب بالقرآن إلى ذمهم بالمسارعة إلى تكذيب ما لم يحيطوا به علما
~~وأن الوقوف على العلم به متوقع سواء كان قرآنا أو غيره  فما  عامة
~~للأمرين ويدخل القرآن في العموم دخولا أوليا ولعله أولى مما قيل: إنه
~~اضراب عن مقدر وينبغي أن تسمى  بل  هذه فصيحة فإن المعنى فما أجابوا أو
~~ما قدروا أن يأتوا بل كذبوا الخ.

# { كذلك } أي مثل تكذيبهم من غير تدبر وتأمل { كذب الذين من
~~قبلهم } أي فعلوا التكذيب أو كذبوا أنبياءهم فيما أتوا به {
~~فانظر كيف كان عقبة الظلمين } خطاب لسيد المخاطبين
~~صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون عاما لكل من يصلح له، والمراد
~~بالظالمين الذين من قبلهم، ووضع المظهر موضع المضمر للإيذان بكون التكذيب
~~ظلما / وبعليته لإصابة ما أصابهم من سوء العاقبة وبدخول هؤلاء الذين حكى
~~عنهم ما حكى في زمرتهم جرما ووعيدا دخولا أوليا، والفاء لترتيب ما
~~بعدها على محذوف ينساق إليه الكلام أي فأهلكناهم فانظر الخ، و(كيف) في
~~موضع نصب خبر { كان } ، وقد يتصرف فيها فتوضع موضع المصدر وهو كيفية
~~ويخلع عنها معنى الاستفهام بالكلية، وهي هنا تحتمل ذلك، وكذا قول البخاري
~~رضي الله تعالى عنه:  كيف كان بدء الوحي  كما قال السمين؛ ونقل عنه أن
~~فعل النظر معلق عن العمل لمكان كيف لأنهم عاملوها في كل موضع معاملة
~~الاستفهام المحض.

### || [10.40]

# { ومنهم من يؤمن به } وصف لحالهم بعد إتيان التأويل المتوقع
~~كما قيل، إذ حينئذ يمكن تنويعهم إلى المؤمن به وغير المؤمن به ضرورة
~~امتناع الإيمان بشيء من غير علم به واشتراك الكل في التكذيب قبل ذلك
~~فالضمير للمكذبين، ومعنى الإيمان به إما الاعتقاد بحقيته فقط أي منهم من
~~يصدق به في نفسه أنه حق عند الإحاطة بعلمه وإتيان تأويله لكنه يعاند
~~ويكابر وإما الإيمان الحقيقي أي منهم من سيؤمن ms04084 به ويتوب عن الكفر {
~~ومنهم من لا يؤمن به } أي لا يصدق به في نفسه كما لا يصدق
~~به ظاهرا لفرط غباوته المانعة عن الإحاطة بعلمه كما ينبغى أو لسخافة
~~عقله واختلال تمييزه وعجزه عن تخليص علومه عن معارضة الظنون والأوهام
~~التي ألفها فيبقى على ما كان عليه من الشك أولا يؤمن به فيما سيأتي بل
~~يموت على كفره معاندا كان أو شاكا { وربك أعلم
~~بالمفسدين } أي بكلا الفريقين على الوجه الأول من التفسير لا
~~بالمعاندين فقط لاشتراكهما في أصل الإفساد المستدعي لاشتراكهما في الوعيد
~~المراد من الكلام أو بالمصرين الباقين على الكفر على الوجه الثاني منه.

### || [10.41]

# { وإن كذبوك } أي أصروا على تكذيبك بعد إلزام الحجة، وأول بذلك
~~لأن أصل التكذيب حاصلا فلا يصح فيه الاستقبال المفاد بالشرط، وأيضا
~~جوابه وهو قوله سبحانه: { فقل لي عملي ولكم عملكم }
~~المراد منه التبرؤ والتخلية إنما يناسب الإصرار على التكذيب واليأس من
~~الإجابة، والمعنى لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم كيفما كانا، وتوحيد العمل
~~المضاف إليهم باعتبار الاتحاد النوعي ولمراعاة كمال المقابلة كما قيل،
~~وقوله سبحانه: { أنتم بريئون ممآ أعمل وأنا بريء
~~مما تعملون } تأكيد لما أفاده لام الاختصاص من عدم تعدي جزاء
~~العمل إلى غير عامله أن لا تؤاخذون بعملي ولا أؤاخذ بعملكم، وعلى هذا
~~فالآية محكمة غير منسوخة بآية السيف لما أن مدلولها اختصاص كل بأفعاله
~~وثمراتها من الثواب والعقاب وآية السيف لم ترفع ذلك، وعن مقاتل والكلبي
~~وابن زيد أنها منسوخة بها وكأن ذلك لما فهموا منها الإعراض وترك التعرض
~~بشيء، ولعل وجه تقديم حكم المتكلم أولا وتأخيره ثانيا والعكس في حكم
~~المخاطبين ظاهر مما ذكرناه في معنى الآية فافهم.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { وإذآ أذقنا الناس رحمة
~~من بعد ضرآء مستهم إذا لهم مكر في ءايتنا }
~~وهو احتجابهم عن قبول صفات الحق وذلك لأنه بتوفر النعم الظاهرة والمرادات
~~الجسمانية يقوي ميل النفس إلى الجهة السفلية فتحتجب عن قبول ذلك كما أنه
~~بأنواع البلاء تنكسر سورة النفس ms04085 ويتلطف القلب ويحصل الميل إلى الجهة
~~العلوية والتهيؤ لقبول ذلك { قل الله أسرع مكرا } بإخفاء
~~القهر الحقيقي في هذا اللطف الصوري

# إن رسلنا يكتبون ما تمكرون

# [يونس: 21] في ألواح الملكوت { هو الذى يسيركم في البر
~~والبحر } أي يسير نفوسكم في بر المجاهدات وقلوبكم في بحر المشاهدات،
~~وقيل: يسير عقولكم في بر الأفعال وأرواحكم في بحر الصفات والذات / {
~~حتى إذا كنتم في الفلك } أي فلك العناية الإزلية {
~~وجرين بهم بريح طيبة } وهي ريح صبا وصاله سبحانه {
~~وفرحوا بها } لإيذانها بذلك وتعطرها بشذا ديار الأنس ومرابع
~~القدس:

# ألا يا نسيم الريح مالك كلما

# تقربت منا زاد نشرك طيبا

# أظن سليمى خبرت بسقامنا

# فأعطتك رياها فجئت طبيبا

# { جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من كل مكان }
~~وذلك عاصف القهر وأمواج صفات الجلال، وهذه سنة جارية في العاشقين لا
~~يستمر لهم حال ولا يدوم لهم وصال، ولله در من قال:

# فبتنا على رغم الحسود وبيننا

# شراب كريح المسك شيب به الخمر

# فوسدتها كفي وبت ضجيعها

# وقلت لليلي طل فقد رقد البدر

# فلما أضاء الصبح فرق بيننا

# وأي نعيم لا يكدره الدهر

# { وظنوا أنهم أحيط بهم } أي أنهم من الهالكين في تلك
~~الأمواج { دعوا الله مخلصين له الدين } بالتبري من غير
~~الله تعالى قائلين

# لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشكرين

# [يونس: 22] لك بك { فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في
~~الأرض بغير الحق } وهو تجاوزهم عن حد العبودية بسكرهم في جمال
~~الربوبية، وذلك مثل ما عرا الحلاج وأضرابه ثم إنه سبحانه نبههم بعد
~~رجوعهم من السكر إلى الصحو على أن الأمر وراء ذلك بقوله جل وعلا:

# يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم

# [يونس: 23] أي أنه يرجع إليكم ما ادعيتم لا إليه تعالى فإنه سبحانه
~~الموجود المطلق حتى عن قيد الإطلاق كذا قالوا. وقال ابن عطاء في الآية:
~~حتى إذا ركبوا مراكب المعرفة وجرت بهم رياح العناية وطابت نفوسهم وقلوبهم
~~بذلك وفرحوا بتوجههم إلى مقصودهم { جآءتها ريح عاصف } أفنتهم عن
~~أحوالهم وإرادتهم { وجآءهم الموج من كل مكان ms04086 وظنوا
~~أنهم أحيط بهم } أي تيقنوا أنهم مأخوذون عنهم ولم يبق لهم ولا
~~عليهم صفة يرجعون إليها وأن الحق خصهم من بين عباده بأن سلبهم عنهم

# دعوا الله مخلصين له الدين

# [يونس: 22] حيث صفى سبحانه أسرارهم وطهرها مما سواه { فلمآ
~~أنجاهم } أي ردهم إلى أوصافهم وأشباحهم ورجعوا إلى ما عليه عوام
~~الخلق من طلب المعاش للنفوس انتهى. وكأنه حمل البغي على الطلب وضمنه معنى
~~الاشتغال أي يطلبون في الأرض مشتغلين بغير الحق سبحانه وهو المعاش الذي
~~به قوام أبدانهم، ويشكل أمر الوعيد المنبىء به

# فننبئكم

# [يونس: 23] الخ على هذا التأويل وما قبله لأن ما يقع في السكر لا وعيد
~~عليه وكذا طلب المعاش، وانظر هل يصح أن يقال: إن الأمر من باب حسنات
~~الأبرار سيآت المقربين؟ ثم أنه سبحانه مثل الحياة في سرعة زوالها وانصرام
~~نعيمها غب اقبالها واغترار صاحبها بها بما أشار إليه سبحانه بقوله جل
~~وعلا:

# كمآ أنزلنه

# [يونس: 24] الخ وفيه إشارة إلى ما يعرض والعياذ بالله تعالى لمن سبقت
~~شقاوته في الأزل من الحور بعد الكور فبينما تراه وأحواله حالية وأعوامه
~~عن شوائب الكدر خالية وغصون أنسه متدلية ورياض قربه مونقة قلب الدهر له
~~ظهر المجن وغزاه بجيوش المحن وهبت على هاتيك الرياض عاصفات القضاء وضاقت
~~عليه فسيحات الفضاء وذهب السرور والأنس وجعل حصيدا كأن لم يغن بالأمس
~~وأنشد لسان حاله:

# قف بالديار فهذه آثارهم

# نبكي الأحبة حسرة وتشوقا

# كم قد وقفت بها أسائل مخبرا

# عن أهلها أو صادقا أو مشفقا

# فأجابني داعي الهوى في رسمها

# فارقت من تهوى فعز الملتقى

# { والله يدعو إلى دار السلام } وهو العالم الروحاني
~~السليم من الآفات

# ويهدي من يشآء إلى صراط مستقيم

# [يونس: 25] لا شعوب فيه وهو طريق الوحدة. وقد يقال: يدعو الجميع إلى
~~داره ويهدي خواص العارفين إلى وصاله أو يدعو السالكين إلى الجنة ويبدي
~~المجذوبين إلى المشاهدة { للذين أحسنوا } وهم خواص الخواص {
~~الحسنى } وهي رؤية الله تعالى { وزيادة } وهي دوام الرؤية، أو
~~للذين جاؤا بما يحسن به حالهم من ms04087 خير قلبي أو قالبي، المثوبة الحسنة من
~~الكمال الذي يفاض عليهم وزيادة في استعداد قبول الخير إلى ما كانوا عليه
~~قبل، وقد يقال: الحسنى ما يقتضيه قرب النوافل والزيادة ما يقتضيه قرب
~~الفرائض { ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة } أي لا
~~يصيبهم غبار الخجالة ولا ذل الفرقة { أولئك أصحب الجنة
~~} التي تقتضيها أفعالهم

# هم فيها خلدون

# [يونس: 26] ثم ذكر سبحانه حال الذين أساءوا بقوله جل شأنه:

# والذين كسبوا السيئات

# [يونس: 27] الخ وأشار إلى أنه على عكس حال أولئك الكرام {
~~الظلمون ويوم نحشرهم جميعا } في المجمع الأكبر {
~~ثم نقول للذين أشركوا } منهم وهم المحجوبون الواقفون مع
~~الغير بالمحبة والطاعة { مكانكم أنتم وشركآؤكم } قفوا
~~جميعا وانتظروا الحكم { فزيلنا بينهم } أي قطعنا الأسباب
~~التي كانت بينهم

# وقال شركآؤهم ما كنتم إيانا تعبدون

# [يونس: 28] بل كنتم تعبدون أشياء اخترعتموها في أوهامكم الفاسدة

# فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن
~~عبادتكم لغفلين

# [يونس: 29] لم نطلبها منكم لا بلسان حال ولا بلسان قال { هنالك } أي
~~في ذلك الموقف { تبلوا كل نفس } أي تذوق وتختبر { ما
~~أسلفت } في الدنيا { وردوا إلى الله مولهم الحق
~~} المتولي لجزائهم بالعدل والقسط

# وضل عنهم ما كانوا يفترون

# [يونس: 30] من اختراعاتهم وتوهماتهم الكاذبة وأمانيهم الباطلة. ثم ذكر
~~سبحانه مما يدل على التوحيد ما ذكر، والرزق من السماء عند العارفين هو
~~رزق الأرواح ومن الأرض رزق الأشباح، والحي عندهم العارف والميت الجاهل

# وما يتبع أكثرهم إلا ظنا

# [يونس: 36] ذم لهم بعدم العلم بما يجب لمولاهم وما يمتنع وما يجوز ولا
~~يكاد ينجو من هذا الذم إلا قليل، ومنهم الذين عرفوه جل شأنه به لا بالفكر
~~بل قد يكاد يقصر العلم عليهم فإن أدلة أهل الرسوم من المتكلمين وغيرهم
~~متعارضة وكلماتهم متجاذبة فلا تكاد ترى دليلا سالما من قيل وقال ونزاع
~~وجدال، والوقوف على علم من ذلك مع ذلك أمر أبعد من العيوق وأعز من بيض
~~الأنوق:

# لقد طفت في تلك المعاهد كلها

# وسرحت طرفي بين تلك المعالم

# فلم أر إلا واضعا كف ms04088 حائر

# على ذقن أو قارعا سن نادم

# فمن أراد النجاة فليفعل ما فعل القوم ليحصل له ما حصل لهم أولا فليتبع
~~السلف الصالح فيما كانوا عليه في أمر دينهم غير مكترث بمقالات الفلاسفة
~~ومن حذا حذوهم من المتكلمين التي لا تزيد طالب الحق إلا شكا { ما كان
~~هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن
~~تصديق الذي بين يديه } من اللوح المحفوظ

# وتفصيل الكتاب

# [يونس: 37] الذي هو الأم، أي كيف يكون مختلقا وقد أثبت قبله في كتابين
~~مفصلا ومجملا

# بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم
~~تأويله

# [يونس: 39] ذم لهم بالمسارعة إلى تكذيب الحق قبل التأمل والتدبر
~~والاطلاع على الحقيقة وهذه عادة المنكرين أهل الحجاب مع كلمات القوم حيث
~~أنهم يسارعون إلى إنكارها قبل التأمل فيها وتدبر مضامينها والوقوف على
~~الاصطلاحات التي بنيت عليها وكان الحري بهم التثبت والتدبر والله تعالى
~~ولي التوفيق.

### || [10.42]

# { ومنهم من يستمعون إليك } بيان لكونهم مطبوعا على
~~قلوبهم بحيث لا سبيل إلى إيمانهم و(من) مبتدأ خبره مقدم عليه، وهو إما
~~موصول أو نكرة موصوفة والجملة بعده إما صلة أو صفة. وجمع الضمير الراجع
~~إليه رعاية لجانب المعنى كما أفرد فيما بعد رعاية لجانب اللفظ، ولعل ذلك
~~للإيماء إلى كثرة المستمعين بناء على عدم توقف الاستماع على ما يتوقف
~~عليه النظر من الشروط العادية أو العقلية، والمعنى ومن المكذبين الذين أو
~~أناس يصغون إلى القرآن أو إلى كلامك إذا علمت الشرائع وتصل الألفاظ
~~لآذانهم ولكن لا ينتفعون بها ولا يقبلونها كالصم الذين لا يسمعون.

# { أفأنت تسمع الصم } أي تقدر على إسماعهم { ولو كانوا
~~لا يعقلون } أي ولو انضم إلى صممهم عدم عقلهم لأن الأصم العاقل
~~ربما تفرس إذا وصل إلى صماخه دوي وأما إذا اجتمع فقدان السمع والعقل فقد
~~تم الأمر، وإنما جعلوا كالصم الذين لا عقل لهم مع كونهم عقلاء لأن عقولهم
~~قد أصيبت بآفة معارضة الوهم لها وداء متابعة الألف والتقليد، ومن هنا
~~تعذر عليهم فهم معاني القرآن والأحكام الدقيقة وإدراك الحكم الرشيقة ms04089
~~الأنيقة فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما تنتفع به البهائم من كلام
~~الناعق. وتقديم المسند إليه في { أفأنت } للتقوية عند السكاكي وجعله
~~العلامة للتخصيص. ففي تقديم الفاعل المعنوي وإيلائه همزة الإنكار الدلالة
~~على أن نبي لله صلى الله عليه وسلم تصور في نفسه من حرصه على إيمان
~~القوم أنه قادر على الإسماع أو نزل منزلة من تصور أنه قادر عليه وأنه
~~تعالى شأنه نفى ذلك عنه صلى الله عليه وسلم وأثبته لنفسه سبحانه على
~~الاختصاص كأنه قيل: أنت لا تقدر على إسماع أولئك بل نحن القادرون عليه
~~كذا قيل وفي القلب منه شيء، ولذا اختير هنا مذهب السكاكي، وجعل إنكار
~~الإسماع متفرعا على المقدمة الاستدراكية المطوية المفهومة من المقام
~~حسبما أشير أليه، وفيه اعتبار كون الهمزة مقدمة من تأخير لاقتضائها
~~الصدارة وهو مذهب لبعضهم.

# وقيل: إنها في موضعها، وأدخلت الفاء لإنكار ترتب الإسماع على الاستماع
~~لكن لا بطريق العطف على فعله المذكور الواقع صلة أو صفة للزوم اختلال
~~المعنى على ذلك بل بطريق العطف على فعل مثله مفهوم من فحوى النظم غير
~~واقع موقعه كأنه قيل: أيستمعون إليك فأنت تسمعهم، وقد يراد إنكار إمكان
~~وقوع الإسماع عقيب ذلك وترتبه عليه كما ينبىء عنه وضع الصم موضع ضميرهم
~~ووصفهم بعدم العقل، وجواب { لو } محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة
~~معطوفة على جملة مقدرة مقابلة لها، والكل في موضع الحال من مفعول الفعل
~~السابق، أي أفأنت تسمع الصم لو كانوا يعقلون ولو كانوا لا يعقلون على
~~معنى أفأنت تسمعهم على كل حال مفروض  ويقال  للو  هذه وصلية وذلك أمر
~~مشهور.

# واستشكل الإتيان بها هنا بأن الأصل فيها أن يكون الحكم على تقدير تحقق
~~مدخولها ثابتا كما أنه ثابت على تقدير عدمه إلا أنه على تقدير عدمه أولى
~~والأمر هنا بالعكس. وأجيب بأن اتصال الوصل بالإثبات جار على المعروف فإن
~~تقديره تسمعهم ولو كانوا لا يعقلون وظاهر أن إسماعهم مع العقل بطريق
~~الأولى، والاستفهام إثبات بحسب الظاهر فإن نظر إليه فذاك وإن ms04090 نظر إلى
~~الإنكار وأنه نفى بحسب المعنى اعتبر أنه داخل على المجموع بعد ارتباطه
~~وكذا يقال فيما بعد فتأمل فيه ولا تغفل.

### || [10.43]

# { ومنهم من ينظر إليك } ويعاين دلائل نبوتك الواضحة ولكن
~~لا يهتدي / بها كالأعمى { أفأنت تهدي العمي } تقدر على
~~هدايتهم { ولو كانوا لا يبصرون } أي وان انضم إلى عدم البصر
~~عدم البصيرة فإن المقصود من الأبصار هو الاعتبار والاستبصار والعمدة في
~~ذلك هي البصيرة ولذلك يحدس الأعمى المستبصر ويتفطن لما لا يدرك البصير
~~الأحمق، فلا يقال: كيف أثبت لهم النظر والابصار أولا ونفى عنهم ثانيا.

### || [10.44]

# { إن الله لا يظلم الناس } أي لا ينقصهم { شيئا } مما
~~نيطت به مصالحهم وكمالاتهم من مبادىء الإدراكات وأسباب العلوم والإرشاد
~~إلى الحق بإرسال الرسل عليهم السلام ونصب الأدلة بل يوفيهم ذلك فضلا منه
~~جل شأنه وكرما { ولكن الناس أنفسهم يظلمون } أي
~~ينقصون ما ينقصون من ذلك لعدم استعمال مشاعرهم فيما خلقت له وإعراضهم عن
~~قبول الحق وتكذيبهم للرسل وترك النظر في الأدلة  فشيئا  مفعول ثان 
~~ليظلم  بناء على أنه مضمن معنى ينقص كما قيل أو أنه بمعناه من غير حاجة
~~إلى القول بالتضمين كما نقول وان النقص يتعدى لاثنين كما يكون لازما
~~ومتعديا لواحد، ولم يذكر ثاني مفعولي الثاني لعدم تعلق الغرض به، وتقديم
~~المفعول الأول يحتمل أن يكون لمجرد الاهتمام مع مراعاة الفاصلة من غير
~~قصد إلى قصر المظلومية عليهم على رأي من لا يرى التقديم موجبا للقصر
~~كابن الأثير ومن تبعه كما في قوله سبحانه:

# وما ظلمنهم ولكن ظلموا أنفسهم

# [هود: 101] ويحتمل أن يكون لقصر المظلومية على رأي من يرى التقديم
~~موجبا لذلك كالجمهور ومن تبعهم، ولعل إيثار قصرها على قصر الظالمية
~~عليهم للمبالغة في بطلان أفعالهم وسخافة عقولهم على أن قصر الأولى عليهم
~~مستلزم كما قيل لما يقتضيه ظاهر الحال من قصر الثانية عليهم فاكتفى
~~بالقصر الأول عن الثاني مع رعاية ما ذكر من الفائدة. وجوز بعضهم كون {
~~أنفسهم } تأكيدا للناس والمفعول حينئذ محذوف فيكون بمنزلة ضمير
~~الفصل في ms04091 قوله تعالى:

# وما ظلمنهم ولكن كانوا هم الظلمين

# [الزخرف: 76] في قصر الظالمية عليهم، والتعبير عن فعلهم ذلك بالنقص مع
~~كونه تفويتا بالكلية لمراعاة جانب قرينه، وصيغة المضارع للاستمرار نفيا
~~وإثباتا أما الثاني فظاهر وأما الأول فلأن حرف النفي إذا دخل على
~~المضارع يفيد بحسب المقام استمرار النفي لا نفي الاستمرار كما مر غير
~~مرة.

# وقيل: المعنى إن الله لا يظلم الناس بتعذيبهم يوم القيامة شيئا من
~~الظلم ولكن الناس أنفسهم يظلمون ظلما مستمرا فإن مباشرتهم المستمرة
~~للسيئات الموجبة للتعذيب عين ظلمهم لأنفسهم فالظلم على معناه المشهور، و
~~{ شيئا } مفعول مطلق والمضارع المنفي للاستقبال والمثبت للاستمرار،
~~ومساق الآية الكريمة على الأول لإلزام الحجة وعلى الثاني للوعيد وعلى
~~الوجهين هي تذييل لما سبق، وجعلها على الأول تذييلا لجميع التكاليف
~~والأقاصيص المذكورة من أول السورة وإن كان متجها خلاف الظاهر لا سيما
~~وما بعد ليس ابتداء مشروع في قصة آخرين. وقيل: معنى الآية إن الله لا
~~يظلم الناس شيئا بسلب حواسهم وعقولهم إن سلبها لأنه تصرف في خالص ملكه
~~ولكن الناس أنفسهم يظلمون بإفساد ذلك وصرفه لما لا يليق، وهي جواب لسؤال
~~نشأ من الآية السابقة والظلم فيها على ظاهره أيضا.

# واستدل بها على أن للعبد كسبا وليس مسلوب الاختيار بالكلية كما ذهب
~~إليه الجبرية والمختار عند كثير من المحققين أن نفي ظلم الناس عنه تعالى
~~شأنه لأنه سبحانه جواد حكيم يفيض على القوابل حسب استعدادها الأزلي
~~الثابت في العلم فما من كمال أو نقص في العبد الا هو كماله أو نقصه الذي
~~اقتضاه / استعداده كما يرشد إلى ذلك قوله جل وعلا:

# أعطى كل شيء خلقه

# [طه: 50] وقوله سبحانه:

# فألهمها فجورها وتقواها

# [الشمس: 8] وأن اثبات ظلم الناس لأنفسهم باعتبار اقتضاء استعدادهم
~~الثابت في العلم الأزلي ما أفيض عليهم مما استحقوا به التعذيب. وقد ذكروا
~~أن هذا الاستعداد غير مجعول ضرورة أن الجعل مسبوق بتعلق القدرة المسبوق
~~بتعلق الإرادة المسبوق بتعلق العلم والاستعداد ليس كذلك لأنه لم يثبت
~~العلم إلا وهو متعلق به بل ms04092 بسائر الأشياء أيضا لأن التعلق بالمعلوم من
~~ضروريات العلم والتعلق بما لا ثبوت له أصلا مما لا يعقل ضرورة أنه نسبة
~~وهي لا تتحقق بدون ثبوت الطرفين، ولا يرد على هذا أنه يلزم منه استغناء
~~الموجودات عن المؤثر لأنا نقول: إن كان المراد استغناءها عن ذلك نظرا
~~إلى الوجود العلمي القديم فالأمر كذلك ولا محذور فيه وإن كان المراد
~~استغناءها عن ذلك نظرا إلى وجودها الخارجي الحادث فلا نسلم اللزوم
~~وتحقيق ذلك بما له وما عليه في محله. وفي الآية على هذا تنبيه على أن كون
~~أولئك المكذبين كما وصفوا إنما نشأ عن اقتضاء استعدادهم له ولذلك ذموا به
~~لا عن محض تقديره عليهم من غير أن يكون منهم طلب له باستعدادهم ولعل
~~تسمية التصرف على خلاف ما يقتضيه الاستعداد لو كان ظلما من باب المجاز
~~وتنزيل المقتضى منزلة الملك وإلا فحقيقة الظلم مما لا يصح إطلاقه على
~~تصرف من تصرفاته تعالى كيف كان إذ لا ملك حقيقة لأحد سواه في شيء من
~~الأشياء، ووضع الظاهر في الجملة الاستداركية موضع الضمير لزيادة التعيين
~~والتقرير. وقرأ حمزة والكسائي بتخفيف { لكن } ورفع { الناس }.

### || [10.45]

# { ويوم يحشرهم } بالياء وهي قراءة حمزة عن عاصم وقرأ الباقون
~~بالنون على الالتفات و { يوم } عند الأكثرين منصوب بمضمر أي اذكر لهم
~~أو أنذرهم يوم نجمعهم لموقف الحساب { كأن لم يلبثوا } أي كأنهم
~~أناس لم يلبثوا { إلا ساعة من النهار } أي شيئا قليلا منه
~~فإنها مثل في غاية القلة وتخصيصها بالنهار لأن ساعاته أعرف حالا من
~~ساعات الليل والجملة في موقع الحال من مفعول { نحشرهم } أي نحشرهم
~~مشبهين بمن لم يلبث في الدنيا أو في البرزخ إلا ذلك القدر اليسير، وليس
~~المراد من التشبيه ظاهره على ما قيل، وقد صرح في «شرح المفتاح» أن
~~التشبيه كثيرا ما يذكر ويراد به معان أخر تترتب عليه، فالمراد إما
~~التأسف على عدم انتفاعهم بأعمارهم أو تمني أن يطول مكثهم قبل ذلك حتى لا
~~يشاهدوا ما شاهدوه من الأهوال فمآل الجملة في ms04093 الآخرة نحشرهم متأسفين أو
~~متمنين طول مكثهم قبل ذلك. ويجوز أن يراد نحشرهم مشبهين في أحوالهم
~~الظاهرة للناس بمن لم يلبث في الدنيا ولم يتقلب في نعيمها إلا يسيرا فإن
~~من أقام بها دهرا وتمتع بمتاعها لا يخلو عن بعض آثار نعمة وأحكام بجهة
~~منافية لما بهم من رثاثة الهيئة وسوء الحال وإليه ذهب بعضهم، والظاهر أنه
~~تكلف لإبقاء التشبيه على ظاهره والأول أولى كما لا يخفى، وأيا ما كان
~~ففائدة التشبيه كنار على علم، والعجب ممن لم يرها فقال الظاهر أن { كأن
~~} للظن، وادعى البعض أن فائدة التقييد على تقدير أن يراد اللبث في البرزخ
~~بيان كمال يسر الحشر بالنسبة إلى قدرته تعالى ولو بعد دهر طويل وإظهار
~~بطلان استبعادهم وإنكارهم بقولهم:

# أءذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا لمبعوثون

# [المؤمنون: 82] ونحو ذلك أو بيان تمام الموافقة بين النشأتين في الأشكال
~~والصور فإن قلة اللبث في البرزخ من موجبات عدم التبدل والتغير، ولعل مآل
~~الحال على هذا ويوم نحشرهم على صورهم وأشكالهم غير متغيرين، وجوز أبو علي
~~كون الجملة في موضع الصفة  ليوم  والعائد محذوف تقديره كأن لم يلبثوا
~~قبله أو لمصدر محذوف والعائد كذلك أي / حشرا كأن لم يلبثوا قبله، ورد
~~بأن مثل هذا الرابط لا يجوز حذفه والأول بأن المراد بالظرف المضاف وهو
~~الموصوف يوم القيامة وهو يوم معين وتقدير الكلام يوم حشره أو يوم حشرنا
~~فيكون الموصوف معرفة والجمل نكرات ولا تنعت المعرفة بالنكرة. وأجيب بأن
~~المنع من جواز حذف مثل ذلك الرابط في حيز المنع وبأن الجمل التي تضاف
~~إليها أسماء الزمان قد يقدر حلها إلى معرفة فيكون ما أضيف إليها معرفة
~~وقد يقدر حلها إلى نكرة فيكون ذلك نكرة، ولعل أبا علي يتكلف لاعتبار حلها
~~إلى نكرة ويكون الموصوف هنا نكرة عنده فيرتفع محذور نعت المعرفة بالنكرة.

# وأنت تعلم أن الجواب إنما يدفع البطلان لا غير فالحق ترجيح الحالية.

# وقوله سبحانه: { يتعارفون بينهم } أي يعرف بعضهم بعضا كأنهم
~~لم يتفارقوا إلا قليلا يحتمل أن يكون ms04094 استئنافا وأن يكون بيانا للجملة
~~التشبيهية واستدلالا عليها كما قيل، وذلك أنه لو طال العهد لم يبق
~~التعارف لأن طول العهد منس مفض إلى التناكر لكن التعارف باق فطول العهد
~~منتف وهو معنى { لم يلبثوا إلا ساعة } وفية دغدغة. وزعم
~~أبو البقاء كونه حالا مقدرة ولا داعي لاعتبار كونها مقدرة لأن الظاهر
~~عدم تأخر التعارف عن الحشر بزمان طويل ليحتاج إليه، وقد صرحوا بأن
~~التعارف بينهم يكون أول خروجهم من القبور ثم ينقطع لشدة الأهوال المذهلة
~~واعتراء الأحوال المعضلة المغيرة للصور والأشكال المبدلة لها من حال إلى
~~حال، وعندي أن لا قطع بالانقطاع فالمواقف مختلفة والأحوال متفاوتة فقد
~~يتعارفون بعد التناكر في موقف دون موقف وحال دون حال، وفي بعض الآثار ما
~~يؤيد ذلك. وزعم بعضهم المنافاة بين ما تدل عليه هذه الآية وما يدل عليه
~~قوله سبحانه:

# فلآ أنسب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون

# [المؤمنون: 101] وقوله تعالى:

# ولا يسئل حميم حميما

# [المعارج: 10] من عدم التعارف لولا اعتبار الزمانين.

# وقيل: لا منافاة بناء على أن المثبت تعارف تقريع وتوبيخ والمنفي تعارف
~~تواصل وشفقة، ولمانع أن يمنع دلالة ما ذكر من الآيات على نفي التعارف،
~~وقصارى ما يدل عليه نفي نفع الأنساب وسؤال بعضهم بعضا، والتعارف الذي
~~تدل عليه هذه الآية لا ينافي ذلك، فقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن
~~الحسن أنه قال فيها: يعرف الرجل صاحبه إلى جنبه فلا يستطيع أن يكلمه ثم
~~أن حمل التعارف على معرفة بعضهم بعضا هو المعروف عند المفسرين، وقيل:
~~المراد به التعريف أي يعرف بعضهم بعضا ما كانوا عليه من الخطأ والكفر
~~وفيه ما فيه. وجوز بعضهم أن يكون الظرف السابق متعلقا  بيتعارفون  قيل
~~فيعطف على ما سبق ولا يظهر له وجه.

# وقوله تعالى: { قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله }
~~جملة مستأنفة سيقت للشهادة منه تعالى على خسرانهم والتعجيب منه وهي خبرية
~~لفظا إنشائية معنى، وقيل: مقول لقول مقدر وقع حالا من ضمير {
~~يتعارفون } أو من ضمير { يحشرهم } إن كانت جملة {
~~يتعارفون } حالا ms04095 أيضا لئلا يفصل بين الحال وذيها أجنبي
~~والاستئناف أظهر، والتعبير عنهم بالموصول مع أن المقام مقام إضمار لذمهم
~~بما في حيز الصلة وللإشعار بعليته لما أصابهم، والظاهر أن المراد بلقاء
~~الله تعالى مطلق الحساب والجزاء وبالخسران الوضيعة أي قد وضعوا في
~~تجارتهم ومعاملتهم واشترائهم الكفر بالإيمان، وجوز أن يراد بالأول سوء
~~اللقاء وبالثاني الهلاك والضلال، أي قد ضلوا وهلكوا بتكذيبهم بذلك {
~~وما كانوا مهتدين } أي لطرق التجارة عارفين بأحوالها أو ما
~~كانوا مهتدين إلى طريق النجاة، والجملة عطف على جملة { قد خسر }
~~الخ، وجوز أن تكون معطوفة على صلة الموصول على أنها كالتأكيد لها.

### || [10.46]

# { وإما نرينك } / أصله إن نرينك و { ما } مزيد لتأكيد معنى
~~الشرط ومن ثمت أكد الفعل بالنون والرؤية بصرية أي اما نرينك بعينك {
~~بعض الذى نعدهم } من العذاب بأن نعذبهم في حياتك { أو
~~نتوفينك } قبل ذلك { فإلينا مرجعهم } جواب للشرط وما
~~عطف عليه، والمعنى إن عذابهم في الآخرة مقرر عذبوا في الدنيا أولا، وقيل:
~~هو جواب { نتوفينك } كأنه قيل: إنا نتوفينك فإلينا مرجعهم
~~فنريكه في الآخرة وجواب الأول محذوف أي إما نرينك فذاك المراد أو المتمني
~~أو نحو ذلك، وقال الطيبي: أي فذاك حق وصواب أو واقع أو ثابت واختار
~~الأول أبو حيان، والاعتراض عليه بأن الرجوع لا يترتب على تلك الإراءة
~~فيحتاج إلى التزام كون الشرطية اتفاقية ناشىء من الغفلة عن المعنى
~~المراد، والمراد من { نعدهم } وعدناهم إلا أنه عدل إلى صيغة
~~الاستقبال لاستحضار الصورة أو للدلالة على التجدد والاستمرار أن نعدهم
~~وعدا متجددا حسبما تقتضيه الحكمة من إنذار غب إنذار. وفي تخصيص البعض
~~بالذكر قيل رمز إلى أن العدة بإراءة بعض الموعود وقد أراه صلى الله عليه
~~وسلم ذلك يوم بدر.

# { ثم الله شهيد على ما يفعلون } من الأفعال السيئة
~~التي حكيت عنهم، والمراد من الشهادة لازمها مجازا وهو المعاقبة والجزاء
~~فكأنه قيل: ثم الله تعالى معاقب على ما يفعلون، وجوز أن يراد منها
~~إقامتها وأداؤها بإنطاق الجوارح وإلا فشهادة الله سبحانه بمعنى كونه ms04096
~~رقيبا وحافظا أمر دائم في الدارين و { ثم } لا تناسب ذلك، والظاهر
~~أنها على هذين الوجهين على ظاهرها. وفي «الكشف» وغيره هي على الأول
~~للتراخي الرتبي وعلى الثاني على الظاهر وظاهر كلام البعض استحسان حملها
~~على التراخي الرتبي مطلقا ولا أرى لارتكاب خلاف الظاهر بعد ذلك
~~الارتكاب داعيا، وأن العطف بها على الجزاء لا على مجموع الشرطية، وأنت
~~تعلم أن العطف على ذاك يمنع من إرادة التعذيب منه أو إراءته أو نحو ذلك
~~مما لا يصح أن يكون المعنى المعطوف بثم بعده ومترتبا عليه، ولعل ما
~~اعتبروه هناك ليس تفسيرا للرجوع بل هو بيان للمقصود من الكلام، وإظهار
~~اسم الجلالة لإدخال الروعة وتربية المهابة وتأكيد التهديد. وقرأ ابن أبي
~~عبلة { ثم } بالفتح أي هنالك.

### || [10.47]

# { ولكل أمة } يوم القيامة { رسول } تنسب إليه وتدعى به {
~~فإذا جآء رسولهم } الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان {
~~قضي بينهم } أي بعد أن يشهد { بالقسط } بالعدل وحكم بنجاة
~~المؤمن وعقاب الكافر { وهم لا يظلمون } أصلا والجملة قيل تذييل
~~لما قبلها مؤكدة له. وقيل: في موضع الحال أي مستمرا عدم ظلمهم، ونظير
~~هذه الآية على هذا قوله سبحانه:

# وجيء بالنبيين والشهدآء وقضي بينهم

# [الزمر: 69] أو لكل أمة من الأمم الخالية رسول يبعث إليهم بشريعة
~~اقتضتها الحكمة ليدعوهم إلى الحق فإذا جاء رسولهم فبلغهم ودعاهم فكذبوه
~~وخالفوه قضى بينهم أي بين كل أمة ورسولها بالعدل وحكم بنجاة الرسول
~~والمؤمنين به وهلاك المكذبين والأول مما رواه ابن جرير. وغيره عن مجاهد،
~~والاستقبال عليه على ظاهره ولا يحتاج إلى تقدير مثل ما احتيج في التفسير
~~الثاني وقد رجح بقوله تعالى.

### || [10.48]

# بناء على أن الظاهر أن المراد بالوعد الذي أشاروا إليه العذاب الدنيوي
~~الموعود كما يرشد إله ما بعد. واستشكل ما يقتضيه ظاهر الآية من أن الله
~~تعالى لم يهمل أمة من / الأمم قط بل بعث إلى كل واحدة منهم رسولا بأن
~~أهل الفترة ليس فيهم رسول كما يشهد له قوله سبحانه:

# لتنذر قوما مآ أنذر ءاباؤهم

# [يس: 6] وأجيب بأن ms04097 عموم الآية لا يقتضي أن يكون الرسول حاضرا مع كل أمة
~~منهم لأن تقدمه على بعض منهم لا يمنع من كونه رسولا إلى ذلك البعض كما
~~لا يمنع تقدم رسولنا صلى الله عليه وسلم من كونه مبعوثا إلينا إلى آخر
~~الأبد غاية ما في الباب أن ما وقع من تخليط القوم في زمن الفترة يكون
~~مؤديا إلى ضعف أثر دعوة الأنبياء عليهم السلام انتهى وهو كما ترى. وقد
~~يقال: إن المراد من كل أمة كل جماعة أراد الله تعالى تكليفها حسبما سبق
~~به علمه أو أراد سبحانه تنفيذ كلمته فيها أو نحو ذلك من المخصصات التي لا
~~يلغو معها الحكم لا كل جماعة من الناس مطلقا فلا إشكال أصلا فتدبر.

# ثم إن هذا القول من المكذبين استعجال لما وعدوا به وغرضهم منه على ما
~~قيل استبعاد الموعود وأنه مما لا يكون وقد يراد بالاستفهام الاستبعاد
~~ابتداء إذ المقام يقتضيه ولا مانع عنه والقول بأن ذلك إنما يكون ابتداء
~~بأين وأنى ونحوهما دون متى غير مسلم كيف وهو معنى مجازي والمجاز لا حجر
~~فيه والخطاب لسيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام والمؤمنين الذين يتلون
~~عليهم الآيات المتضمنة لذلك، وجواب { إن } محذوف اعتمادا على ما تقدمه
~~أي إن كنتم صادقين في أنه يأتينا فليأتنا عجلة، ولكونه صلى الله عليه
~~وسلم هو الواسطة في إتيان ذلك ومنه نشأ الوعد دون المؤمنين أمر صلى الله
~~عليه وسلم بالجواب بقوله سبحانه: { قل لا أملك لنفسي ضرا
~~ولا نفعا }.

### || [10.49]

# { قل لآ أملك لنفسي ضرا ولا نفعا } أي لا أقدر على شيء
~~منهما بوجه من الوجوه وتقديم الضر لما أن مساق النظم الكريم لإظهار العجز
~~عنه وأما ذكر النفع فللتعميم إظهارا لكمال العجز، وقيل: إنه استطرادي
~~لئلا يتوهم اختصاص ذلك بالضر والأول أولى، وما وقع في سورة الأعراف من
~~تقديم النفع فللإشعار بأهميته والمقام مقامه، والمعنى لا أملك شيئا من
~~شؤوني ردا وإيرادا مع أن ذلك أقرب حصولا فكيف أملك شؤونكم حتى أتسبب
~~في إتيان عذابكم الموعود ms04098 حسبما تريدون.

# { إلا ما شآء الله } استثناء منقطع عند جمع أي ولكن ما شاء الله
~~تعالى كائن، وقيل: متصل على معنى إلا ما شاء الله تعالى أن أملكه، وتعقب
~~بأنه يأباه مقام التبرىء عن أن يكون له صلى الله عليه وسلم دخل في إتيان
~~الوعد فإن ذلك يستدعي بيان كون المتنازع فيه مما لا يشاء أن يملكه عليه
~~الصلاة والسلام. والمعتزلة قالوا باتصال الاستثناء واستدلوا بذلك على أن
~~العبد مستقل بأفعاله من الطاعات والمعاصي، وأنت تعلم أن ذلك بمراحل عن
~~إثبات مدعاهم. نعم استدل بها بعض من يرى رأي السلف من أن للعبد قدرة
~~مؤثرة بإذن الله تعالى لا أنه ليس له قدرة أصلا كما يقوله الجبرية، ولا
~~أن له قدرة لكنها غير مؤثرة كما هو المشهور عن الأشاعرة، ولا أن له قدرة
~~مؤثرة إن شاء الله تعالى وإن لم يشأ كما هو رأي المعتزلة وقال: المعنى لا
~~أقدر على شيء من الضر والنفع إلا ما شاء الله تعالى أن أقدر عليه منهما
~~فإني أقدر عليه بمشيئته سبحانه، وقال بعضهم: إذا كان الملك بمعنى
~~الاستطاعة يكون الاستثناء متصلا وإذا أبقي على ظاهره تعين الانقطاع، ولا
~~يخفى أن الأصل الاتصال ولا ينبغي العدول عنه حيث أمكن من دون تعسف، وأيا
~~ما كان فظاهر كلامهم أن الاستثناء من المفعول إلا أنه على تقدير الانقطاع
~~ليس المعنى على إخراج المستثنى من حكم المستثنى منه ولذا جعل الحكم على
~~ذلك التقدير أنه كائن دون أملكه مثلا فلا تدافع في كلام من حكم
~~بالانقطاع وقال / في بيان المعنى أي ولكن ما شاء الله تعالى من ذلك كائن
~~مشيرا بذلك إلى النفع والضر فإنه صريح في كون المستثنى من جنس المستثنى
~~منه المقتضي للاتصال لأن المدار عند المحققين في الأمرين على الإخراج من
~~الحكم وعدمه. ومما يقضي منه العجب زعم أن الاستثناء من فاعل { لآ
~~أملك } وجعل المعنى لا أملك أنا ولكن الله سبحانه هو المالك لكل ما
~~يشاء يفعله بمشيئته.

# { لكل أمة } من الأمم الذين ms04099 أصروا على تكذيب رسلهم { أجل }
~~لعذابهم يحل بهم عند حلوله لا يتعدى إلى أمة أخرى { إذا جآء
~~أجلهم } أي أجل كل أمة على ما هو الظاهر، ووضع الظاهر موضع الضمير
~~لزيادة التقرير، والإضافة لإفادة كمال التعين، وجوز أن يكون الضمير للأمم
~~المدلول عليه بكل أمة، ووجه إظهار الأجل مضافا لذلك بأنه لإفادة المعنى
~~المقصود الذي هو بلوغ كل أمة أجلها الخاص بها ومجيئه إياها بعينها من بين
~~الأمم بواسطة اكتساب الأجل بإضافته عموما يفيده معنى الجمعية كأنه قيل:
~~(إذا جاءتهم آجالهم) بالجمع كما قرأ به ابن سيرين بأن يجىء كل واحد من
~~تلك الأمم أجلها الخاص بها، ويفسر الأجل بحد معين من الزمان والمجىء عليه
~~ظاهر وبما امتد إليه من ذلك فمجيئه حينئذ عبارة عن انقضائه إذ هناك
~~يتحقق مجيئه بتمامه أي إذا تم وانقضى أجلهم الخاص بهم.

# { فلا يستأخرون } عنه { ساعة } أي شيئا قليلا من الزمان {
~~ولا يستقدمون } عليه، والاستفعال عند جمع على أصله، ونفي طلب
~~التأخر والتقدم أبلغ، وقال آخرون: إنه بمعنى التفعل أي لا يتأخرون ولا
~~يتقدمون، والجملة الثانية إما مستأنفة أو معطوفة على القيد والمقيد
~~ومنعوا عطفها على { لا يستأخرون } لئلا يرد أنه لا يتصور التقدم
~~بعد مجىء الأجل فلا فائدة في نفيه، وأجازه غير واحد والفائدة عنده في ذلك
~~المبالغة في انتفاء التأخر لأنه لما نظم في سلكه أشعر بأنه بلغ في
~~الاستحالة إلى مرتبته فهو مستحيل مثله للتقدير الإلهي وإن أمكن في نفسه،
~~قيل: وهذا هو السر في إيراد صيغة الاستفعال أي أنه بلغ في الاستحالة إلى
~~أنه لا يطلب إذ المحال لا يطلب. ودفع بعضهم ذلك بأن { جآء } بمعنى قارب
~~المجىء نحو قولك: إذا جاء الشتاء فتأهب له. وتعقب بأنه ليس في تقييد عدم
~~الاستئخار بالقرب والدنو مزيد فائدة، وأشار الزمخشري إلى جواب آخر وهو أن
~~لا يتأخر ولا يتقدم كناية عن كونه له حد معين وأجل مضروب لا يتعداه بقطع
~~النظر عن التقدم والتأخر كقول الحماسي:

# وقف الهوى بى حيث أنت فليس ms04100 لي

# متقدم عنه ولا متأخر

# فإنه أراد كما قال المرزوقي حبسني الهوى في موضع تستقرين فيه فألزمه ولا
~~أفارقه وأنا معك مقيمة وظاعنة لا أعدل عنك ولا أميل إلى سواك، ووجه تقديم
~~بيان انتفاء الاستئخار على بيان انتفاء الاستقدام قد تقدم في آية الأعراف
~~[34] مع بسط كلام فيها؛ ثم لا يخفى أن هذه الآية داخلة في حيز الجواب ولم
~~تعطف على ما قبلها إيذانا باستقلالها فيه. قال العلامة الطيبي طيب الله
~~تعالى ثراه: إن الجواب بقوله سبحانه: { قل لآ أملك } الخ وارد على
~~الأسلوب الحكيم لأنهم ما أرادوا بالسؤال إلا استبعاد أن الموعود من الله
~~تعالى وأنه صلوات الله تعالى وسلامه عليه هو الذي يدعي أن ذلك منه فطلبوا
~~منه تعيين الوقت تهكما وسخرية فقيل في الجواب هذا التهكم إنما يتم إذا
~~ادعيت بأني أنا الجالب لذلك الموعود وإذا كنت مقرا بأني مثلكم في أني لا
~~أملك لنفسي ضرا ولا نفعا كيف أدعي ما ليس لي بحق؟ ثم شرع في الجواب
~~الصحيح ولم يلتفت صلى الله عليه وسلم إلى تهكمهم واستبعادهم فقال: {
~~لكل أمة أجل } الخ.

# وحاصله على ما في «الكشاف» ((إن عذابكم له أجل مضروب / عند الله تعالى
~~وحد محدود من الزمان إذا جاء ذلك الوقت أنجز وعدكم لا محالة فلا
~~تستعجلوا، ومن هنا يعلم سر إسقاط الفاء من { إذا جآء أجلهم }
~~وزيادتها في { فلا يستأخرون } على عكس آية الأعراف حيث أتى بها
~~أولا ولم يؤت بها ثانيا، وذلك أنه لما سيقت الآية جوابا عن استعجالهم
~~العذاب الموعود حسبما علمت آنفا اعتنى بأمر الشرطية ولزومها كمال
~~الاعتناء فأتى بها غير متفرعة على شيء كأنها من الأمور الثابتة في نفسها
~~الغير المتفرعة على غيرها وقوي لزوم التالي فيها للمقدم بزيادة الفاء
~~التي بها يؤتى للربط في أمثال ذلك ولا كذلك آية الأعراف كما لا يخفى إلا
~~على الأنعام فاحفظه فإنه من الأنفال، ولا يأباه ما مر في تقرير الاستفهام
~~في صدر الكلام كما هو ظاهر لدى ذوي الأفهام، وكذا لا ms04101 يأباه ما قيل في ربط
~~هذه الآية بما قبلها من أنها بيان لما أبهم في الاستثناء وتقييد لما في
~~القضاء السابق من الإطلاق المشعر بكون المقضي به أمرا منجزا غير متوقف
~~على شيء غير مجىء الرسول وتكذيب الأمة لأنه على ما فيه ما فيه إنكار
~~المدخلية في الجواب، ولعل الغرض يتم بمجرد ذلك لحصول التغاير بين مساقي
~~الآيتين به أيضا، وقد يقال: إن إسقاط الفاء أولا لتكون الجملة في موضع
~~الصفة  لأجل  تهويلا لأمره وتنويها بشأنه حسبما يقتضيه المقام، أي
~~لكل أمة أجل موصوف بأنه إذا جاء لا يستأخرون عنه ولا يستقدمون عليه
~~البتة، والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقرير مثل ما مر آنفا وليس
~~بذاك.

# ومما تضحك منه الموتى ما قاله بعض العظاميين بعد أن كاد يقضى عليه فكرا
~~من أن السر في اختلاف الآيتين الإشارة منه تعالى إلى جواز الأمرين عربية
~~ولم يعلم عافاه الله تعالى أن القرآن الكريم لم ينزل معلما للعربية
~~مبينا لقواعدها وشارحا لما يجوز فيها وما لا يجوز، بل نزل معجزا
~~بفصاحته وبلاغته وما تضمنه من الأسرار أقواما كل منهم في ذلك الشأن 
~~الجذيل المحكك والعذيب المرجب . وذكر بعض من أحيا ميت الفضل علمه وصفا
~~عن تخليط أبناء العصر فهمه صفاء الدين عيسى البندنيجي أن مساق هذه الآية
~~لتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وشرح صدره عليه الصلاة والسلام عما عسى
~~يضيق به بحسب البشرية من قولهم:

# متى هذا الوعد إن كنتم صدقين

# [يونس: 48] ولتلقينه صلى الله عليه وسلم رد قولهم ذلك كما يشعر به
~~السباق فناسب قطع كل من الجملتين عن الأخرى ليستقل كل منهما في إفادة
~~التثبيت والرد للتأكيد والمبالغة فيها ولذا لم يؤت بالفاء في صدر الشرطية
~~وجىء بها في الجواب زيادة في ذلك لإفادتها تحقق ما بعدها عقيب ما يقتضيه
~~بلا مهلة، وآية الأعراف سيقت وعيدا لأهل مكة، ومن البين أن محط الفائدة
~~في إشعار أنه وعيد وأن ما هو أدخل في التخويف الجملة الشرطية، لأنها النص
~~في نزول العذاب ms04102 عند حلول الأجل وأنه لا محيص لهم عن ذلك عنده دون {
~~لكل أمة أجل } فقط فكان المقام مقام ربط ووصل فجىء بالفاء لتدل
~~على ذلك وتؤذن باتحاد الجملتين في كونهما وعيدا ولمسامحته سبحانه في
~~الوعيد لم يؤت بالفاء في الجواب انتهى. ولعل ما قدمناه ليس بالبعيد عنه
~~من وجه وإن خالفه من وجه آخر ولكل وجهة والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.

### || [10.50]

# { قل } لهم بعد ما بينت لهم كيفية حالك وجريان سنة الله تعالى فيما
~~بين الأمم على الإطلاق ونبهتهم على أن عذابهم أمر مقرر محتوم لا يتوقف
~~إلا على مجىء أجله المعلوم إيذانا بكمال دنوه وتنزيلا له منزلة إتيانه
~~حقيقة { أرأيتم إن أتاكم عذابه } الذي تستعجلون به ولعل
~~استعمال { إن } من باب المجاراة { بياتا } أي وقت بيات { أو
~~نهارا } أي عند اشتغالكم بمشاغلكم وإنما لم يقل ليلا ونهارا ليظهر
~~التقابل لأن المراد الإشعار بالنوم والغفلة والبيات متكفل بذلك لأنه
~~الوقت الذي يبيت فيه العدو ويوقع فيه ويغتنم فرصة / غفلته وليس في مفهوم
~~الليل هذا المعنى ولم يشتهر شهرة النهار بالاشتغال بالمصالح والمعاش حتى
~~يحسن الاكتفاء بدلالة الالتزام كما في النهار، وقد يقال: النهار كله محل
~~الغفلة لأنه إما زمان اشتغال بمعاش أو زمان قيلولة بخلاف الليل فإن محل
~~الغفلة فيه ما قارب وسطه وهو وقت البيات فلذا خص بالذكر، والبيات جاء
~~بمعنى البيتوتة وبمعنى التبييت كالسلام بمعنى التسليم والمعنى المراد هنا
~~مبني على هذا.

# { ماذا يستعجل منه المجرمون } أي أي شيء يستعجلون من
~~العذاب وليس شيء منه يوجب الاستعجال لما أن كله مكروه مر المذاق موجب
~~للنفار، فمن للتبعيض والضمير للعذاب والتنكير في شيء للفردية، وجوز أن
~~يكون المعنى على التعجب وهو مستفاد من المقام كأنه قيل: أي هول شديد
~~يستعجلون منه، فمن بيانية وتجريدية بناء على عد الزمخشري لها منها،
~~وقيل: الضمير لله تعالى، وعليه فالمعنى على الثاني ولكن تزول فائدة
~~الإبهام والتفسير وما فيه من التفخيم. وما قيل: إنه أبلغ على معنى هل
~~تعرفون ما العذاب المعذب ms04103 به هو الله سبحانه فهو مشترك على التقديرين ألا
~~ترى إلى قوله تعالى: { عذابه } ، و { ماذا } بمعنى أي شيء منصوب
~~المحل مفعولا مقدما وهو أولى من جعله مبتدأ، ومن فعل قدر العائد، ومن
~~قال: إن ضمير { منه } هو الرابط مع تفسيره بالعذاب جنح إلى أن
~~المستعجل من العذاب فهو شامل للمبتدأ فيقوم مقام رابطه لأن عموم الخبر في
~~الاسم الظاهر يكون رابطا على المشهور ففي الضمير أولى. وزعم أبو البقاء
~~أن الضمير عائد إلى المبتدأ وهو الرابط وجعل ذلك نظير قولك: زيد أخذت منه
~~درهما وليس بشيء كما لا يخفى.

# والمراد من { المجرمون } المخاطبون، وعدل عن الضمير إليه للدلالة
~~على أنهم لجرمهم ينبغي أن يفزعوا من إتيان العذاب فضلا عن أن يستعجلوه،
~~وقيل: النكتة في ذلك إظهاره تحقيرهم وذمهم بهذه الصفة الفظيعة، والجملة
~~متعلقة  بأرأيتم  على أنها استئناف بياني أو في محل نصب على المفعولية
~~وعلق عنها الفعل للاستفهام، وهو في الأصل استفهام عن الرؤية البصرية أو
~~العلمية ثم استعمل بمعنى أخبروني لما بين الرؤية والإخبار من السببية
~~والمسببية في الجملة فهو مجاز فيما ذكر وإليه ذهب الكثير، وذهب أبو حيان
~~إلى أن ذلك بطريق التضمين ولم يستعمل إلا في الأمر العجيب، وجواب الشرط
~~محذوف أي إن أتاكم عذابه في أحد ذينك الوقتين تندموا أو تعرفوا الخطأ أو
~~فأخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون؟ وزعم أبو حيان تعين الأخير لأن
~~الجواب إنما يقدر مما تقدمه لفظا أو تقديرا ولم يدر أن تقديره من غير
~~جنس المذكور إذا قامت قرينة عليه ليس بعزيز، ولئن سلم صحة الحصر الذي
~~ادعاه فما ذكر غير خارج عنه بناء على أن المقصود من { أرأيتم }  {
~~ماذا يستعجل منه } الخ تنديمهم أو تجهيلهم كما نص عليه بعض
~~المحققين.

# وفي «الكشف» تقريرا لأحد الأوجه المذكورة في «الكشاف» أن { ماذا }
~~الخ متعلق الاستخبار والشرط مع جوابه المحذوف مقرر لمضمون الاستخبار
~~ولهذا وسط بينهما، ولما كان في الاستفهام تجهيل وتنديم قدر الجواب تندموا
~~أو تعرفوا الخطأ، ولا مانع من تقديرهما معا ms04104 أو ما يفيد المعنيين ولهذا
~~حذف الجواب ووسط تأكيدا على تأكيد انتهى. وجوز كون { ماذا
~~يستعجل } جوابا للشرط كقولك: إن أتيتك ماذا تطعمني والمجموع
~~بتمامه متعلق بأرأيتم ورد بأن جواب الشرط إذا كان استفهاما فلا بد فيه
~~من الفاء تقول إن زارنا فلان فأي رجل هو ولا تحذف إلا ضرورة، وقد صرح في
~~المفصل بأن الجملة إذا كانت إنشائية لا بد من الفاء معها، والاستفهام وإن
~~لم يرد به حقيقته لم يخرج عن الإنشائية، والمثال مصنوع فلا يعول عليه. /
~~وأجيب بأن الرضي صرح بأن وقوع الجملة الاستفهامية جوابا بدون الفاء ثابت
~~في كثير من الكلام الفصيح، ولو سلم ما ذكر فيقدر القول وحذفه كثير مطرد
~~بلا خلاف، وأورد أيضا على هذا الوجه أن استعجال العذاب قبل إتيانه فكيف
~~يكون مرتبا عليه وجزاء له، وأجيب بأنه حكاية عن حال ماضية أي ماذا كنتم
~~تستعجلون، ويشهد لهذا التصريح  بكنتم  فيما بعد والقرآن يفسر بعضه
~~بعضا، وأنت تعلم أن مجرد ذلك لا يجوز كونه جوابا لأن الاستعجال الماضي
~~لا يترتب على إتيان العذاب فلا بد من تقدير نحو تعلموا أي تعلموا ماذا
~~الخ، وقيل: إن { أتاكم } بمعنى إن قارب إتيانه إياكم أو المراد إن
~~أتاكم أمارات عذابه، وقيل: حيث إن المراد إنكار الاستعجال بمعنى نفيه
~~رأسا صح كونه جوابا، واعترض على جعل مجموع الشرطية متعلقا بأرأيتم
~~بأنه لا يصح أن يكون مفعولا به له بناء على أنه بمعنى أخبروني وهو متعد
~~بعن ولا تدخل الجملة إلا أنها إذا اقترنت بالاستفهام وقلنا بجواز تعليقها
~~وفيه كلام في العربية جاز، ودفع بأن مراد القائل بالتعلق التعلق اللغوي
~~لأن المعنى أخبروني عن صنيعكم إن أتاكم الخ.

### || [10.51]

# والمراد بقوله سبحانه: { أثم إذا ما وقع آمنتم به }
~~زيادة التنديم والتجهيل، والمعنى أئذا وقع العذاب وحل بكم حقيقة آمنتم به
~~وعاد استهزاؤكم وتكذيبكم تصديقا وإذعانا، وجىء بثم دلالة على زيادة
~~الاستبعاد، وفيه إن هذا الثاني أبعد من الأول وأدخل في الإنكار. وجوز أن
~~يكون هذا جواب الشرط والاستفهامية ms04105 الأولى اعتراض، والمعنى أخبروني أن
~~أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، وأصل الكلام على
~~ما قيل: إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ووقع وتحقق آمنتم ثم جىء بحرف
~~التراخي بدل الواو دلالة على الاستبعاد ثم زيد أداة الشرط دلالة على
~~استقلاله بالاستبعاد وعلى أن الأول كالتمهيد له وجىء  بإذا  مؤكدا 
~~بما  ترشيحا لمعنى الوقوع والتحقيق وزيادة للتجهيل وأنهم لم يؤمنوا إلا
~~بعد إن لم ينفعهم البتة، وهذا الوجه مما جوزه الزمخشري.

# وتعقب بأنه في غاية البعد لأن ثم حرف عطف لم يسمع تصدير الجواب به
~~والجملة المصدرة بالاستفهام لا تقع جوابا بدون الفاء وأجيب عن هذا بما
~~مر. وأما الجواب عنه بأنه أجرى { ثم } مجرى الفاء فكما أن الفاء في
~~الأصل للعطف والترتيب وقد ربطت الجزاء فكذلك هذه فمخالف لإجماع النحاة،
~~وقياسه على الفاء غير جلي ولهذه الدغدغة قيل: مراد الزمخشري أنه يدل على
~~الجواب والتقدير إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه وما في النظم الكريم
~~معطوف عليه للتأكيد نحو

# كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون

# [التكاثر:3-4] وتعقب بأنه لا يخفى تكلفه فإن عطف التأكيد بثم مع حذف
~~المؤكد مما لا ينبغي ارتكابه ولو قيل: المراد إن { آمنتم } هو الجواب
~~و { أثم إذا ما وقع } معترض فالاعتراض بالواو والفاء وأما 
~~بثم  فلم يذهب إليه أحد، وبالجملة قد كثر الجرح والتعديل لهذا الوجه ولا
~~يصلح العطار ما أفسد الدهر. وقرىء { ثم } بفتح الثاء بمعنى هنالك.

# وقوله سبحانه: { الئن } على تقدير القول وهو الأظهر والأقوى معنى أي
~~قيل لهم عند إيمانهم بعد وقوع العذاب آلآن آمنتم به. فالآن في محل نصب
~~على أنه ظرف لآمنتم مقدرا، ومنع أن يكون ظرفا للمذكور لأن الاستفهام له
~~صدر الكلام. وقرىء بدون همزة الاستفهام والظاهر عندي على هذا تعلقه بمقدر
~~أيضا لأن الكلام على الاستفهام، وبعض جوز تعلقه بالمذكور وليس بذاك. وعن
~~نافع أنه قرىء { آلان } بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على
~~اللام.

# وقوله سبحانه: / { وقد كنتم به ms04106 تستعجلون } في موضع الحال
~~من فاعل { آمنتم } المقدر، والكلام على ما قيل مسوق من جهته تعالى غير
~~داخل تحت القول الملقن لتقرير مضمون ما سبق من إنكار التأخير والتوبيخ
~~عليه، وفائدة الحال تشديد التوبيخ والتقريع وزيادة التنديم والتحسير. قال
~~العلامة الطيبي: إن آلآن آمنتم به يقتضي أن يقال بعده: وقد كنتم به
~~تكذبون لا { تستعجلون } إلا أنه وضع موضعه لأن المراد به
~~الاستعجال السابق وهو ما حكاه سبحانه عنهم بقوله تعالى:

# متى هذا الوعد

# [يونس: 48] وكان ذلك تهكما منهم وتكذيبا واستبعادا، وفي العدول
~~استحضار لتلك المقالة الشنيعة فيكون أبلغ من تكذبون، وتقديم الجار
~~والمجرور على الفعل لمراعاة الفواصل.

### || [10.52]

# وقوله تعالى: { ثم قيل } الخ عطف على قيل المقدر قبل { الئن }
~~لتوكيد التوبيخ. { للذين ظلموا } أي وضعوا ما نهوا عنه من الكفر
~~والتكذيب موضع ما أمروا به من الإيمان والتصديق أو ظلموا أنفسهم بتعريضها
~~للهلاك والعذاب، ووضع الموصول موضع الضمير لذمهم بما في حيز الصلة
~~والإشعار بعليته لإصابة ما أصابهم { ذوقوا عذاب الخلد } أي
~~المؤلم على الدوام { هل تجزون } أي ما تجزون اليوم { إلا بما
~~كنتم تكسبون } أي إلا ما استمررتم على كسبه في الدنيا من أصناف
~~الكفر التي من جملتها ما مر من الاستعجال، وزاد غير واحد في البيان سائر
~~أنواع المعاصي بناء أن الكفار مكلفون بالفروع فيعذبون على ذلك لكن هل
~~العذاب عليه مستمر تبعا للكفر أو منته كعذاب غيرهم من العصاة؟ قيل:
~~الظاهر الثاني وبه جمع بين النصوص الدالة على تخفيف عذاب الكفار وما
~~يعارضها فقالوا: إن المخفف عذاب المعاصي والذي لا يخفف عذاب الكفر.

### || [10.53]

# { ويستنبؤنك } أي يستخبرونك { أحق هو } أي العذاب الموعود
~~كما هو الأنساب بالسياق دون ادعاء النبوة الذي جوزه بعضهم، ورجح عليه
~~أيضا بأنه لا يتأتى إثبات النبوة لمنكريها بالقسم. وأجيب بأنه ليس
~~المراد منه إثباتها بل كون تلك الدعوى جدا لا هزلا أو أنه بالنسبة لمن
~~يقنع بالإثبات بمثله، وقد يقال: ما ذكر مشترك الإلزام لأن العذاب الموعود
~~لا يثبت عند الزاعمين أنه ms04107 افتراء قبل وقوعه بمجرد القسم أيضا فلا يصلح
~~ما ذكر مرجحا، والحق أن القسم لم يذكر للإلزام بل توكيد لما أنكروه،
~~والاستفهام للإنكار، والاستنباء على سبيل التهكم والاستهزاء كما هو
~~المعلوم من حالهم فلا يقتضي بقاءه على أصله، وربما يقال: إن الاستنباء
~~بمعنى طلب النبأ حقيقة لكن لا عن الحقبة ومقابلها بالمعنى المتبادر لأنهم
~~جازمون بالثاني بل المراد من ذلك الجد والهزل كأنهم قالوا: إنا جازمون
~~بأن ما تقوله كذب لكنا شاكون في أنه جد منك أم هزل فأخبرنا عن حقيقة ذلك،
~~ونظير هذا قولهم:

# أفترى على الله كذبا أم به جنة

# [سبأ: 8] على ما قرره الجماعة إلا أن ذلك خلاف الظاهر، و (حق) خبر قدم
~~على المبتدأ الذي هو { هو } ليلي الهمزة المسؤول عنه، وجوز أن يكون
~~مبتدأ وهو مرتفع به ساد مسد الخبر لأنه بمعنى ثابت فهو حينئذ صفة وقعت
~~بعد الاستفهام فتعمل ويكتفى بمرفوعها عن الخبر إذا كان اسما ظاهرا أو
~~في حكمه كالضمير المنفصل هنا، والمشهور أن استنبأ تتعدى إلى اثنين أحدهما
~~بدون واسطة والآخر بواسطة  عن  فالمفعول الأول على هذا ليستنبؤون الكاف
~~والثاني قامت مقامه هذه الجملة، على معنى يسألونك عن جواب هذا السؤال إذ
~~الاستفهام لا يسأل عنه وإنما يسأل عن جوابه. والزمخشري لما رأى أن الجملة
~~هنا لا تصلح أن تكون مفعولا ثانيا معنى لما عرفت ولفظا / لأنه لا يصح
~~دخول  عن  عليها جعل الفعل مضمنا معنى القول أي يقولون لك هذا،
~~والجملة في محل نصب مفعول القول.

# وقرأ الأعمش { الحق هو } بالتعريف مع الاستفهام وهي تؤيد كون الاستفهام
~~للإنكار لما فيها من التعريض لبطلانه المقتضي لإنكاره لإفادة الكلام
~~عليها القصر وهو من قصر المسند على المسند إليه على المشهور، والمعنى أن
~~الحق ما تقول أم خلافه؟ وجعله الزمخشري من قصر المسند إليه على المسند
~~حيث قال كأنه قيل: أهو الحق لا الباطل أو أهو الذي سميتموه الحق؟ وأشار
~~بالترديد إلى أن الغرض من هذا الوجه لا يختلف جعل الحصر حقيقيا تحكما
~~أو ms04108 ادعائيا. واعترض ذلك بأنه مخالف لما عليه علماء المعاني في مثل هذا
~~التركيب. وفي «الكشف» أنه يتخايل أن الحصر على معنى أهو الحق لا غيره لا
~~معنى أهو الحق لا الباطل على ما قرروه في قولهم: زيد المنطلق والمنطلق
~~زيد، فعلى هذا لا يسد ما ذكره الزمخشري ولكنه يضمحل بما حققناه في قوله
~~تعالى:

# وقودها الناس والحجارة

# [البقرة: 24] وأن انحصار أحدهما في الآخر يلاحظ بحسب المقام وحينئذ لا
~~يبالي قدم أو أخر، وههنا المعنى على حصر العذاب في الحقية لا على حصر
~~الحقية في العذاب. وقد قال هناك: إن التحقيق أن نحو زيد المنطلق وعكسه
~~إنما يحكم فيه بقصر الثاني أعني الانطلاق على الأول لأن المناسب قصر
~~العام على الخاص، وكذلك نحو الناس هم العلماء والعلماء هم الناس وإن كان
~~بينهما عموم وخصوص من وجه لأن المقصود بين، وأما في نحو قولنا: الخاشعون
~~هم العلماء والعلماء هم الخاشعون فالحكم مختلف تقديما وتأخيرا وأحد
~~القصرين غير الآخر، فينبغي أن ينظر إلى مقتضى المقام إن تعين أحدهما لذلك
~~حكم به قدم أو أخر وإلا روعي التقديم والتأخير، وقد يكون القصر متعاكسا
~~نحو زيد المنطلق إذا أريد المعهود وهذا ذاك، وكذلك الجنسان إذا اتحدا
~~موردا كقولك: الضاحك الكاتب إلى آخر ما قال، وكون المعنى ههنا على حصر
~~العذاب في الحقية دون العكس هو المناسب، ومخالفة علماء المعاني ليست بدعا
~~من صاحب «الكشاف» وأمثاله، والحق ليس محصورا بما هم عليه كما لا يخفى
~~فتدبر.

# { قل إي وربي إنه لحق } أي قل لهم غير مكترث باستهزائهم
~~مغضيا عما قصدوا بانيا للأمر على أساس الحكمة: نعم إن ذلك العذاب
~~الموعود ثابت البتة، فضمير { إنه } للعذاب أيضا و { إي } حرف جواب
~~وتصديق بمعنى نعم قيل: ولا تستعمل كذلك إلا مع القسم خاصة كما أن هل
~~بمعنى قد في الاستفهام خاصة، ولذلك سمع من كلامهم وصلها بواو القسم إذا
~~لم يذكر المقسم به فيقولون  إيو  ويوصلون به هاء السكت أيضا فيقولون:
~~ إيوه  وهذه اللفظة شائعة اليوم في لسان ms04109 المصريين وأهل ذلك الصقع.
~~وادعى أبو حيان أنه يجوز استعمالها مع القسم وبدونه إلا أن الأول هو
~~الأكثر قال: وما ذكر من السماع ليس بحجة لأن اللغة فسدت بمخالطة غير
~~العرب فلم يبق وثوق بالسماع، وحذف المجرور بواو القسم والاكتفاء بها لم
~~يسمع من موثوق به وهو مخالف للقياس، وأكد الجواب بأتم وجوه التأكيد حسب
~~شدة إنكارهم وقوته وقد زيد تقريرا وتحقيقا بقوله جل شأنه: { ومآ
~~أنتم بمعجزين } أي بفائتين العذاب على أنه من فاته الأمر إذا ذهب
~~عنه، ويصح جعله من أعجزه بمعنى وجده عاجزا أي ما أنتم بواجدي العذاب أو
~~من يوقعه بكم عاجزا عن إدراككم وإيقاعه بكم، وأيا ما كان فالجملة إما
~~معطوفة على جواب القسم أو مستأنفة سيقت لبيان عجزهم عن الخلاص مع ما فيه
~~من التقرير المذكور.

### || [10.54]

# { ولو أن لكل نفس ظلمت } أي بالكفر أو بالتعدي على
~~الغير أو غير ذلك من أصناف الظلم كذا / قيل، وربما يقتصر على الأول لأنه
~~الفرد الكامل مع أن الكلام في حق الكفار و { لو } قيل بمعنى أن وقيل
~~على ظاهرها واستبعد ولا أراه بعيدا { ما في الأرض } أي ما في
~~الدنيا من خزائنها وأموالها ومنافعها قاطبة { لافتدت به } أي
~~لجعلته فدية لها من العذاب من افتداه بمعنى فداه فالمفعول محذوف أي
~~لافتدت نفسها به. وجوز أن يكون افتدى لازما على أنه مطاوع فدى المتعدي
~~يقال فداه فافتدى، وتعقب بأنه غير مناسب للسياق إذ المتبادر منه أن غيره
~~فداه لأن معناه قبلت الفدية والقابل غير الفاعل، ونظر فيه بأنه قد يتحد
~~القابل والفاعل إذا فدى نفسه نعم المتبادر الأول.

# { وأسروا } أي النفوس المدلول عليها بكل نفس، والعدول إلى صيغة
~~الجمع لإفادة تهويل الخطب بكون الإسرار بطريق المعية والاجتماع، وإنما لم
~~يراع ذلك فيما سبق لتحقيق ما يتوخى من فرض كون جميع ما في الأرض لكل
~~واحدة من النفوس، وإيثار صيغة جمع المذكر لحمل لفظ النفس على الشخص أو
~~لتغليب ذكور مدلوله على إناثه، والإسرار الإخفاء أي أخفوا { الندامة ms04110
~~} أي الغم والأسف على ما فعلوا من الظلم، والمراد إخفاء آثارها كالبكاء
~~وعض اليد وإلا فهي من الأمور الباطنة التي لا تكون إلا سرا وذلك لشدة
~~حيرتهم وبهتهم { لما رأوا العذاب } أي عند معاينتهم من فظاعة
~~الحال وشدة الأهوال ما لم يمر لهم ببال، فأشبه حالهم حال المقدم للصلب
~~يثخنه ما دهمه من الخطب ويغلب حتى لا يستطيع التفوه ببنت شفة ويبقى
~~جامدا مبهوتا، وقيل: المراد بالإسرار الإخلاص أي أخلصوا الندامة وذلك
~~إما لأن إخفاءها إخلاصها وإما من قولهم: سر الشيء لخالصه الذي من شأنه أن
~~يخفى ويصان ويضن به وفيه تهكم بهم. وقال أبو عبيدة والجبائي: إن الأسرار
~~هنا بمعنى الإظهار. وفي «الصحاح» أسررت الشيء كتمته وأعلنته أيضا وهو من
~~الأضداد، والوجهان جميعا يفسران في قوله تعالى: { وأسروا
~~الندامة } وكذلك في قول امرىء القيس:

# لو يسرون مقتلي

# انتهى وفي «القاموس» أيضا ((أسره كتمه وأظهره ضد))، وفيه اختلاف
~~اللغويين فإن الأزهري منهم ادعى أن استعمال أسر بمعنى أظهر غلط وأن
~~المستعمل بذلك المعنى هو أشر بالشين المعجمة لا غير. ولعله قد غلط في
~~التغليط، وعليه فالإظهار أيضا باعتبار الآثار على ما لا يخفى. وجوز
~~بعضهم أن يكون المراد بالإسرار الإخفاء إلا أن المراد من ضمير الجمع
~~الرؤساء أي أخفى رؤساؤهم الندامة من سفلتهم الذين أضلوهم حياء منهم
~~وخوفا من توبيخهم، وفيه أن ضمير { أسروا } عام لا قرينة على تخصيصه
~~على أن هول الموقف أشد من أن يتفكر معه في أمثال ذلك، وجملة { أسروا
~~} مستأنفة على الظاهر وقيل: حال بتقدير قد، و { لما } على سائر
~~الأوجه بمعنى حين منصوب بأسروا، وجوز أن يكون للشرط والجواب محذوف على
~~الصحيح لدلالة ما تقدم عليه أي لما رأوا العذاب أسروا الندامة.

# { وقضي } أي حكم وفصل { بينهم } أي بين النفوس الظالمة {
~~بالقسط } أي بالعدل { وهم لا يظلمون } أصلا لأنه لا يفعل
~~بهم إلا ما يقتضيه استعدادهم، وقيل: ضمير { بينهم } للظالمين
~~السابقين في قوله سبحانه: { ولو أن لكل نفس ظلمت }
~~والمظلومين الذين ظلموهم وإن لم يجر ms04111 لهم ذكر لكن الظلم يدل بمفهومه عليهم
~~وتخصيص الظلم بالتعدي، والمعنى وقعت الحكومة بين الظالمين والمظلومين
~~وعومل كل منهما بما يليق به. وأنت تعلم أن المقام لا يساعد / على ذلك
~~لأنه إن لم يقتض حمل الظلم على أعظم أفراده وهو الشرك فلا أقل من أنه
~~يقتضي حمله على ما يدخل ذلك فيه دخولا أوليا، والظاهر أن جملة { قضي
~~} مستأنفة، وجوز أن تكون معطوفة على جملة { رأوا } فتكون داخلة في
~~حيز { لما }.

### || [10.55]

# { ألا إن لله ما فى السموات والأرض } أي إن له
~~سبحانه لا لغيره تعالى ما وجد في هذه الأجرام العظيمة داخلا في حقيقتها
~~أو خارجا عنها متمكنا فيها، وكلمة { ما } لتغليب غير العقلاء على
~~العقلاء، وهو تذييل لما سبق وتأكيد واستدلال عليه بأن من يملك جميع
~~الكائنات وله التصرف فيها قادر على ما ذكر وقيل: إنه متصل بقوله سبحانه:

# ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به

# [يونس: 54] كأنه بيان لعقدهم ما يفتدون به وعدم ملكهم شيئا حيث أفاد أن
~~جميع ما في السماوات والأرض ملكه لا ملك لأحد فيه سواه جل وعلا وليس بشيء
~~وإن ذكره بعض الأجلة واقتصر عليه.

# { ألا إن وعد الله } أي جميع ما وعد به كائنا ما كان فيندرج
~~فيه العذاب الذي استعجلوه وما ذكر في أثناء بيان حاله اندراجا أوليا،
~~فالمصدر بمعنى اسم المفعول، ويجوز أن يكون باقيا على معناه المصدري أي
~~وعده سبحانه بجميع ما ذكر { حق } أي ثابت واقع لا محالة أو مطابق
~~للواقع، والظاهر أن حمل الوعد على العموم بحيث يندرج فيه العذاب المذكور
~~والعقاب للعصاة أو الوعد بهما يستدعي اعتبار التغليب في الكلام، وبعضهم
~~حمل الوعد على ما وعد به صلى الله عليه وسلم من نصره وعقاب من لم يتبعه
~~وقال: إن اعتبار التغليب توهم وليس بالمتعين. وإظهار الاسم الجليل لتفخيم
~~شأن الوعد والإشعار بعلة الحكم. وتصدير الجملتين بحرفي التنبيه والتحقيق
~~للتسجيل على تحقق مضمونها المقرر لمضمون ما سلف من الآيات الكريمة
~~والتنبيه على وجوب استحضاره ms04112 والمحافظة عليه.

# وذكر الإمام في توجيه ذكر أداة التنبيه في الجملة الأولى ((أن أهل هذا
~~العالم مشغولون بالنظر إلى الأسباب الظاهرة فيضيفون الأشياء إلى ملاكها
~~الظاهرة المجازية ويقولون مثلا الدار لزيد والغلام لعمرو والسلطنة
~~للخليفة والتصرف للوزير فكانوا مستغرقين في نوم الجهل والغفلة حيث يظنون
~~صحة تلك الإضافات فلذلك زادهم سبحانه بقوله عز اسمه: { ألا إن لله
~~} الخ، واستناد جميع ذلك إليه جل شأنه بالمملوكية لما ثبت من وجوب وجوده
~~لذاته سبحانه وأن جميع ما سواه ممكن لذاته وأن الممكن لذاته مستند إلى
~~الواجب لذاته إما ابتداء أو بواسطة وذلك يقتضي أن الكل مملوك له تعالى،
~~والكلام في ذكر الأداة في الجملة الثانية على هذا النمط لا يخلو عن تكلف،
~~والحق ما أشرنا إليه في وجه التصدير، ووجه اتصال هذه الجملة بما تقدم
~~ظاهر مما قررنا وللطبرسي في توجيه ذلك كلام ليس بشيء.

# { ولكن أكثرهم } لسواء استعداداتهم وقصور عقولهم واستيلاء
~~الغفلة عليهم { لا يعلمون } فيقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون.

### || [10.56]

# { هو يحيي ويميت } في الدنيا من غير دخل لأحد في ذلك، وهذا
~~على ما يفهم من كلام البعض استدلال على البعث والنشور على معنى أنه تعالى
~~يفعل الإحياء والإماتة في الدنيا فهو قادر عليهما في العقبى لأن القادر
~~لذاته لا تزول قدرته والمادة القابلة بالذات للحياة والموت قابلة لهما
~~أبدا، ولا يخفى أن ذكر القدرة على الإماتة استطرادي لا دخل له في
~~الاستدلال على ذلك، والظاهر عندي أنه كالذي قبله تذييل لما سبق {
~~وإليه ترجعون } في الآخرة بالبعث والحشر.

### || [10.57]

# التفات ورجوع إلى / استمالتهم نحو الحق واستنزالهم إلى قبوله واتباعه غب
~~تحذيرهم من غوائل الضلال بما تلا عليهم من القوارع وإيذان بأن جميع ذلك
~~مسوق لمصالحهم وهذا وجه الربط بما تقدم. وقال أبو حيان في ذلك: ((أنه
~~تعالى لما ذكر الأدلة على الألوهية والوحدانية والقدرة ذكر الدلائل
~~الدالة على صحة النبوة والطريق المؤدي إليها وهو [القرآن و] المتصف بهذه
~~الأوصاف [الشريفة هو القرآن])) والأول أولى ولا يأباه عموم الخطاب ms04113 كما هو
~~الظاهر واختاره الطبري خلافا لمن جعله خاصا بقريش. والموعظة كالوعظ
~~والعظة تذكير ما يلين القلب من الثواب والعقاب، وقيل: زجر مقترن بتخويف،
~~والشفاء الدواء ويجمع على أشفية وجمع الجمع أشافي، والهدى معلوم مما مر
~~غير مرة، والرحمة الإحسان أو إرادته أو صفة غيرهما لائقة بمن قامت به، و
~~{ من ربكم } متعلق بجاء و { من } ابتدائية أو بمحذوف وقع صفة
~~لموعظة و { من } تبعيضية والكلام على حذف مضاف أي موعظة من مواعظ ربكم
~~و { لما } إما متعلق بما عنده واللام مقوية وأما متعلق بمحذوف وقع
~~نعتا له وكذا يقال على ما قيل فيما بعد، والمراد قد جاءكم كتاب جامع
~~لهذه الفوائد والمنافع كاشف عن أحوال الأعمال حسناتها وسيآتها مرغب في
~~الأولى ورادع عن الأخرى ومبين للمعارف الحقة المزيلة لأدواء الشكوك وسوء
~~مزاج الاعتقاد وهاد إلى طريق الحق واليقين بالإرشاد إلى الاستدلال
~~بالدلائل الآفاقية والأنفسية ورحمة للمؤمنين حيث نجوا به من ظلمات الكفر
~~والضلال إلى نور الإيمان وتخلصوا من دركات النيران وارتقوا إلى درجات
~~الجنان. قال بعض المحققين: إن في ذلك إشارة إلى أن للنفس الإنسانية مراتب
~~كمال من تمسك بالقرآن فاز بها. أحدها: تهذيب الظاهر عن فعل ما لا ينبغي
~~وإليه الإشارة بالموعظة بناء على أن فيها الزجر عن المعاصي وثانيها:
~~تهذيب الباطن عن العقائد الفاسدة والملكات الردية وإليه الإشارة بشفاء
~~لما في الصدور وثالثها: تحلي النفس بالعقائد الحقة والأخلاق الفاضلة ولا
~~يحصل ذلك إلا بالهدى. ورابعها: تجلي أنوار الرحمة الإلهية وتختص بالنفوس
~~الكاملة المستعدة بما حصل لها من الكمال الظاهر والباطن لذلك.

# وقال الإمام: ((الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو
~~الشريعة، والشفاء إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة
~~وهو الطريقة، والهدى إلى ظهور [نور] الحق في قلوب الصديقين وهو الحقيقة،
~~والرحمة إلى بلوغ الكمال والإشراق حتى يكمل غيره ويفيض عليه وهو النبوة
~~والخلافة فهذه درجات لا يمكن فيها تقديم ولا تأخير))، ولا يخفى أن هذا
~~خلاف الظاهر جدا والذي يقتضيه الظاهر كون ms04114 المذكورات أوصافا للقرآن
~~باعتبار كونه سببا وآلة لها، وجعلت عينه مبالغة وبينها تلازم في الجملة،
~~والتنكير فيها للتفخيم، والهداية إن أخذت بمعنى الدلالة مطلقا فعامة أو
~~بمعنى الدلالة الموصولة فخاصة وحينئذ يكون { للمؤمنين } قيد
~~الأمرين، ويؤيد تقييد الهدى بذلك قوله سبحانه:

# هدى للمتقين

# [البقرة: 2] فالقرآن واعظ بما فيه من الترهيب والترغيب أو بما فيه من
~~الزجر عن المعاصي كيفما كانت المقترن بالتخويف فقط بناء على التفسير
~~الثاني للموعظة، وشاف لما في الصدور من الأدواء المفضية إلى الهلاك
~~كالجهل والشك والشرك والنفاق وغيرها، ومرشد ببيان ما يليق وما لا يليق
~~إلى ما فيه النجاة والفوز بالنعيم الدائم أو موصل إلى ذلك، وسبب الرحمة
~~للمؤمنين الذين آمنوا به وامتثلوا ما فيه من الأحكام، وأما إذا ارتكب
~~خلاف الظاهر فيقال غير ما قيل أيضا مما ستراه إن شاء الله تعالى في باب
~~الإشارة.

# واستدل كما قال الجلال السيوطي بالآية على أن القرآن يشفي من الأمراض
~~البدنية كما يشفي من الأمراض القلبية فقد أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد
~~الخدري قال:

# " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: / إني أشتكي صدري فقال
~~عليه الصلاة والسلام: «اقرأ القرآن يقول الله تعالى { شفآء لما في
~~الصدور } » "

# وأخرج البيهقي في «الشعب» عن واثلة بن الأسقع أن رجلا شكا إلى النبي
~~صلى الله عليه وسلم وجع حلقه فقال:

# " عليك بقراءة القرآن "

# وأنت تعلم أن الاستدلال بها على ذلك مما لا يكاد يسلم، والخبر الثاني لا
~~يدل عليه إذ ليس فيه أكثر من أمره صلى الله عليه وسلم الشاكي بقراءة
~~القرآن إرشادا له إلى ما ينفعه ويزول به وجعه ونحن لا ننكر أن لقراءة
~~القرآن بركة قد يذهب الله تعالى بسببها الأمراض والأوجاع وإنما ننكر
~~الاستدلال بالآية على ذلك؛ والخبر الأول وإن كان ظاهرا في المقصود لكن
~~ينبغي تأويله كأن يقال: لعله صلى الله عليه وسلم اطلع على أن في صدر
~~الرجل مرضا معنويا قلبيا قد صار سببا للمرض الحسي البدني فأمره عليه
~~الصلاة والسلام بقراءة القرآن ms04115 ليزول عنه الأول فيزول الثاني، ولا يستبعد
~~كون بعض الأمراض القلبية قد يكون سببا لبعض الأمراض القالبية فإنا نرى
~~أن نحو الحسد والحقد قد يكون سببا لذلك، ومن كلامهم لله تعالى در الحسد
~~ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله وهذا أولى من إخراج الكلام مخرج الأسلوب
~~الحكيم. والحسن البصري ينكر كون القرآن شفاء للأمراض، فقد أخرج أبو الشيخ
~~عنه أنه قال: إن الله تعالى جعل القرآن شفاء لما في الصدور ولم يجعله
~~شفاء لأمراضكم، والحق ما ذكرنا.

### || [10.58]

# { قل } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~ليأمر الناس بأن يغتنموا ما في القرآن العظيم من الفضل والرحمة أي قل لهم
~~{ بفضل الله وبرحمته } متعلق بمحذوف، وأصل الكلام ليفرحوا
~~بفضل الله تعالى وبرحمته ثم قدم الجار والمجرور على الفعل لإفادة اختصاصه
~~بالمجرور ثم أدخل عليه الفاء لإفادة معنى السببية فصار بفضل الله وبرحمته
~~فليفرحوا ثم جىء بقوله سبحانه: { فبذلك فليفرحوا } للتأكيد
~~والتقرير ثم حذف الفعل الأول لدلالة الثاني عليه، والفاء الأولى قيل
~~جزائية والثانية زائدة للتأكيد، والأصل إن فرحوا بشيء فبذلك ليفرحوا لا
~~بشيء آخر ثم زيدت الفاء لما ذكر ثم حذف الشرط، وقيل: إن الأولى هي
~~الزائدة لأن جواب الشرط في الحقيقة فليفرحوا  وبذلك  مقدم من تأخير لما
~~أشير إليه، وزيدت فيه الفاء للتحسين، ولذلك جوز أن يكون بدلا من قوله
~~سبحانه: { بفضل الله وبرحمته } وحينئذ لا يحتاج إلى القول
~~بحذف متعلقه ونظير ذلك في الاختلاف في تعيين الزائد فيه قول النمر بن
~~تولب:

# لا تجزعي إن منفسا أهلكته

# فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي

# ومن غريب العربية ما أشار إليه بعضهم أن الآية من باب الاشتغال وقد أقيم
~~اسم الإشارة مقام ضمير المعمول وتوحيده باعتبار ما ذكر ونحوه كما هو شائع
~~فيه، ووجه غرابته أن المعروف في شرط الباب اشتغال العامل بضمير المعمول
~~ولم يذكر أحد من النحاة اشتغاله باسم الإشارة إليه، وجوز أن يقدر متعلق
~~الجار والمجرور فليعتنوا أي بفضل الله ورحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا،
~~والقرينة ms04116 على تقدير ذلك أن ما يفرح به يكون مما يعتني ويهتم بشأنه، أو
~~تقديم الجار والمجرور على ما قيل، وقال الحلبي: الدلالة عليه من السباق
~~واضحة وليس شرط الدلالة أن تكون لفظية، فقول أبي حيان: إن ذلك إضمار لا
~~دليل عليه مما لا وجه له، وأن يقدر جاءتكم بعد { قل } مدلولا عليه بما
~~قبل أي قل جاءتكم موعظة وشفاء وهدى ورحمة بفضل الله وبرحمته ولا يجوز
~~تعلقه بجاءتكم المذكور لأن { قل } تمنع من ذلك،  وذلك  على هذا إشارة
~~إلى المصدر المفهوم من / الفعل وهو المجىء أي فبمجىء المذكورات فليفرحوا،
~~وتكرير الباء في { برحمته } على سائر الأوجه للإيذان باستقلالها في
~~استيجاب الفرح.

# والمراد بالفضل والرحمة إما الجنس ويدخل فيه ما في مجىء القرآن من الفضل
~~والرحمة دخولا أوليا وإما ما في مجيئه من ذلك، ويؤيده ما روي عن مجاهد
~~أن المراد بالفضل والرحمة القرآن. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس
~~قال

# " قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم
~~من أهله "

# وروي ذلك عن البراء وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما موقوفا.
~~وجاء عن جمع جم أن الفضل القرآن والرحمة الإسلام وهو في معنى الحديث
~~المذكور. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الفضل
~~العلم والرحمة محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج الخطيب وابن عساكر عنه
~~تفسير الفضل بالنبي عليه الصلاة والسلام والرحمة بعلي كرم الله تعالى
~~وجهه، والمشهور وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة كما يرشد إليه
~~قوله تعالى:

# ومآ أرسلنك إلا رحمة للعلمين

# [الأنبياء: 107] دون الأمير كرم الله تعالى وجهه، وإن كان رحمة جليلة
~~رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقيل: المراد بهما الجنة والنجاة من النار.
~~وقيل غير ذلك.

# ولا يجوز أن يراد بالرحمة على الوجه الأخير من أوجه الإعراب ما أريد بها
~~أولا بل هي فيه غير الأولى كما لا يخفى. وروى رويس عن يعقوب أنه قرأ {
~~فلتفرحوا } بتاء الخطاب ولام الأمر على أصل المخاطب المتروك ms04117 بناء على
~~القول بأن أصل صيغة الأمر الأمر باللام فحذفت مع تاء المضارعة واجتلبت
~~همزة الوصل للتوصل إلى الابتداء بالساكن لا على القول بأنها صيغة أصلية،
~~وقد وردت هذه القراءة في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد
~~أخرجه جماعة منهم أبو داود وأحمد والبيهقي من طرق عن أبي بن كعب رضي
~~الله تعالى عنه مرفوعا، وقرأ بها أيضا ابن عباس وقتادة وغيرهما. وفي
~~تعليقات الزمخشري على «كشافه» كأنه صلى الله عليه وسلم إنما آثر القراءة
~~بالأصل لأنه أدل على الأمر بالفرح وأشد تصريحا به إيذانا بأن الفرح
~~بفضل الله تعالى وبرحمته بليغ التوصية به ليطابق التقرير والتكرير وتضمين
~~معنى الشرط لذلك، ونظيره مما انقلب فيه ما ليس بفصيح فصيحا قوله سبحانه:

# ولم يكن له كفوا أحد

# [الصمد: 4] من تقديم الظرف اللغو ليكون الغرض اختصاص التوحيد انتهى، وهو
~~مأخوذ من كلام ابن جني في توجيه ذلك، ونقل عن «شرح اللب» في توجيهه أنه
~~لما كان النبي صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى الحاضر والغائب جمع بين
~~اللام والتاء قيل: وكأنه عنى أن الأمر لما كان لجملة المؤمنين حاضرهم
~~وغائبهم غلب الحاضرون في الخطاب على الغائبين وأتى باللام رعاية لأمر
~~الغائبين، وهي نكتة بديعة إلا أنه أمر محتمل، وما نقل عن صاحب «الكشاف»
~~أولى بالقبول. وقرىء { فافرحوا } وهي تؤيد القراءة السابقة لأنها أمر
~~المخاطب على الأصل. وقرىء { فليفرحوا } بكسر اللام.

# { هو خير مما يجمعون } من الأموال والحرث والإنعام وسائر
~~حطام الدنيا فإنها صائرة إلى الزوال مشرفة عليه وهو راجع إلى لفظ ذلك
~~باعتبار مدلوله وهو مفرد فروعي لفظه وإن كان عبارة عن الفضل والرحمة.
~~ويجوز إرجاع الضمير إليهما ابتداء بتأويل المذكور كما فعل في ذلك أو
~~جعلهما في حكم شيء واحد، ولك أن تجعله راجعا إلى المصدر أعني المجىء
~~الذي أشير إليه و { ما } تحتمل الموصولية والمصدرية.

# وقرأ ابن عامر { تجمعون } بالخطاب لمن خوطب ب

# يآ أيها الناس

# [يونس: 57] سواء كان عاما أو خاصا بكفار قريش، وضمير {
~~فليفرحوا } للمؤمنين ms04118 أي فبذلك فليفرح المؤمنون فهو خير مما تجمعون
~~أيها المخاطبون وعلى قراءة { فلتفرحوا } و { افرحوا } / يكون الخطاب على
~~ما قيل للمؤمنين، وجوز أن يكون لهم على قراءة الغيبة أيضا التفاتا،
~~وتعقب بأن الجمع أنسب بغيرهم وإن صح وصفهم به في الجملة فلا ينبغي أن
~~يلتزم القول بما يستلزمه ما دام مندوحة عنه.

### || [10.59]

# { قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق } أي ما
~~قدر لانتفاعكم من ذلك وإلا فالرزق ليس كله منزلا، واستعمال أنزل فيما
~~ذكر مجاز من إطلاق المسبب على السبب، وجوز أن يكون الإسناد مجازيا بأن
~~أسند الإنزال إلى الرزق لأن سببه كالمطر منزل، وقيل: إن هناك استعارة
~~مكنية تخييلية وهو بعيد، وجعل الرزق مجازا عن سببه أو تقدير لفظ سبب مما
~~لا ينبغي و { ما } إما موصولة في موضع النصب على أنها مفعول أول 
~~لأرأيتم  والعائد محذوف أي أنزله والمفعول الثاني ما ستراه إن شاء الله
~~تعالى قريبا و { ما } استفهامية في موضع النصب على أنه مفعول { أنزل
~~} وقدم عليه لصدارته، وهو معلق لما قبله إن قلنا بالتعليق فيه أي أي شيء
~~أنزل الله تعالى من رزق { فجعلتم منه حراما وحلالا } أي
~~فبعضتموه وقسمتموه إلى حرام وحلال وقلتم،

# هذه أنعم وحرث حجر

# [الأنعام: 138] و

# ما في بطون هذه الأنعم خالصة لذكورنا
~~ومحرم على أزوجنا

# [الأنعام: 139] إلى غير ذلك.

# { قل ءآلله أذن لكم } في جعل البعض منه حراما والبعض الآخر
~~حلالا { أم على الله تفترون }  { أم } والهمزة متعادلتان
~~والجملة في موضع المفعول الثاني  لأرأيتم  و { قل } مكرر للتأكيد فلا
~~يمنع من ذلك، والعائد على المفعول الأول مقدر، والمعنى أرأيتم الذي أنزله
~~الله تعالى لكم من رزق ففعلتم فيه ما فعلتم أي الأمرين كائن فيه الإذن
~~فيه من الله تعالى بجعله قسمين أم الافتراء منكم، وكان أصل { ءآلله
~~أذن لكم } الخ آلله أذن أم غيره فعدل إلى ما في النظم الجليل دلالة
~~على أن الثابت هو الشق الثاني وهم نسبوا ذلك إليه سبحانه فهم مفترون عليه
~~جل شأنه لا ms04119 على غيره وفيه زجر عظيم كما لا يخفى، ولعل هذا مراد من قال:
~~إن الاستفهام للاستخبار ولم يقصد به حقيقته لينافي تحقق العلم بانتفاء
~~الإذن وثبوت الافتراء بل قصد به التقرير والوعيد وإلزام الحجة.

# وجوز أن يكون الاستفهام لإنكار الإذن وتكون { أم } منقطعة بمعنى بل
~~الإضرابية، والمقصود الإضراب عن ذلك لتقرير افترائهم، والجملة على هذا
~~معمولة للقول وليست متعلقة  بأرأيتم  وهو قد اكتفى بالجملة الأولى كما
~~أشرنا إليه، ومن الناس من جوز كون { أم } متصلة وكونها منفصلة على
~~تقدير تعلق الجملة بفعل القول وأوجب الاتصال على تقدير تعلقها  بأرأيتم
~~ وجعل الاسم الجليل مبتدأ مخبرا عنه بالجملة للتخصيص عند بعض ولتقوية
~~الحكم عند آخر، والإظهار بعد في مقام الإضمار للإيذان بكمال قبح
~~افترائهم، وتقديم الجار والمجرور للقصر مطلقا في رأي ولمراعاة الفواصل
~~على الوجه الأول وللقصر على الوجه الثاني في آخر.

# واستدل المعتزلة بالآية على أن الحرام ليس برزق ولا دليل لهم فيها على
~~ما ذكرناه لأن المقدر للانتفاع هو الحلال فيكون المذكور هنا قسما من
~~الرزق وهو شامل للحلال والحرام والكفرة إنما أخطأوا في جعل بعض الحلال
~~حراما، ومن جعل أهل السنة نظيرا لهم في جعلهم الرزق مطلقا منقسما إلى
~~قسمين فقد أعظم الفرية.

### || [10.60]

# { وما ظن الذين يفترون على الله الكذب } كلام
~~مسوق من جهته تعالى لبيان هول ما سيلقونه غير داخل تحت القول المأمور به،
~~والتعبير عنهم بالموصول لقطع احتمال الشق الأول من الترديد والتسجيل
~~عليهم بالافتراء، وزيادة الكذب مع أن الافتراء لا يكون إلا كذلك لإظهار /
~~كمال قبح ما افتعلوا وكونه كذبا في اعتقادهم أيضا، و { ما } استفهامية
~~مبتدأ و { ظن } خبرها هو مصدر مضاف إلى فاعله ومفعولاه محذوفان.

# وقوله سبحانه: { يوم القيمة } ظرف لنفس الظن لا بيفترون لعدم
~~صحته معنى ولا بمقدر لأن التقدير خلاف الظاهر، أي أي شيء ظنهم في ذلك
~~اليوم أني فاعل بهم، والمقصود التهديد والوعيد، ويدل على تعلقه بالظن
~~قراءة عيسى ابن عمر { وما ظن } بصيغة الماضي و { ما } في هذه القراءة ms04120
~~بمعنى الظن في محل نصب على المصدرية، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع
~~وأكثر أحوال القيامة يعبر عنها بذلك في القرآن لما ذكر، والعمل في الظرف
~~المستقبل لا يمنع لتصييره الفعل نصا في الاستقبال التجوز المذكور لأنه
~~يقدر لتحققه أيضا ماضيا، وقيل: الظرف متعلق بما يتعلق به ظنهم اليوم من
~~الأمور التي ستقع يوم القيامة تنزيلا له ولما يقع فيه من الأهوال لمكان
~~وضوح أمره في التحقق والتقرر منزلة المسلم عندهم، أي أي شيء ظنهم لما
~~سيقع يوم القيامة أيحسبون أنهم لا يسألون عن افترائهم أو لا يجازون عليه
~~أو يجازون جزاء يسيرا ولذلك يفعلون ما يفعلون كلا إنهم لفي أشد العذاب
~~لأن معصيتهم أشد المعاصي، والآية السابقة قيل متصلة بقوله سبحانه:

# قل من يرزقكم من السمآء والأرض

# [يونس: 31] الخ كأنه قيل: حيث أقروا أنه سبحانه الرازق قل لهم أرأيتم ما
~~أنزل الله الخ ونقل ذلك عن أبي مسلم، وقيل: بقوله تعالى

# يأيها الناس

# [يونس: 57] الخ، وذلك أنه جل شأنه لما وصف القرآن بما وصفه وأمر نبيه
~~صلى الله عليه وسلم أن يرغب باغتنام ما فيه عقب ذلك بذكر مخالفتهم لما
~~جاء به وتحريمهم ما أحل، وقيل: إنها متصلة بالآيات الناعية عليهم سوء
~~اعتقادهم كأنه سبحانه بعد أن نعى عليهم أصولهم بين بطلان فروعهم، ولعل
~~خير الثلاثة وسطها.

# { إن الله لذو فضل } أي عظيم لا يقدر قدره ولا يكتنه كنهه {
~~على الناس } جميعا حيث أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بإرسال الرسل
~~وإنزال الكتب وبين لهم ما لا تستقل عقولهم بإدراكه وأرشدهم إلى ما يهمهم
~~من أمر المعاش والمعاد ورغبهم ورهبهم وشرح لهم الأحوال وما يلقاه الحائد
~~عن الرشاد من الأهوال. { ولكن أكثرهم لا يشكرون } ذلك
~~الفضل فلا ينتفعون به، ولعل الجملة تذييل لما سبق مقرر لمضمونه.

### || [10.61]

# { وما تكون فى شأن } أي في أمر معتنى به، من شأنه بالهمز كسأله
~~إذا قصده وقد تبدل همزته ألفا، وهو في الأصل مصدر وقد أريد المفعول {
~~وما تتلوا منه } الضمير المجرور للشأن؛ والتلاوة أعظم شؤونه صلى ms04121
~~الله عليه وسلم ولذا خصت بالذكر أو للتنزيل، والإضمار قبل الذكر لتفخيم
~~شأنه أو لله عز وجل، و { من } قيل تبعيضية على الاحتمالين الأولين
~~وابتدائية على الثالث والتي في قوله سبحانه: { من قرآن } زائدة
~~لتأكيد النفي على جميع التقادير وإلى ذلك ذهب القطب. وقال الطيبي: إن {
~~من } الأولى على الاحتمال الأخير ابتدائية والثانية مزيدة، وعلى
~~الاحتمال الأول الأولى للتبعيض والثانية للبيان، وعلى الثاني الأولى
~~ابتدائية والثانية للبيان.

# وفي «إرشاد العقل السليم» ((أن الضمير الأول للشأن والظرف صفة لمصدر
~~محذوف أي تلاوة كائنة من الشأن أو للتنزيل و { من } ابتدائية أو
~~تبعيضية أو لله تعالى شأنه و { من } ابتدائية و { من } الثانية مزيدة
~~وابتدائية على الوجه الأول وبيانية أو تبعيضية على الوجه الثاني
~~والثالث)). وأنت تعلم أنه قد يكون الظرف متعلقا بما عنده، والتزام تعلقه
~~بمحذوف وقع صفة لمصدر كذلك في جميع الاحتمالات مما لا حاجة إليه. نعم
~~اللازم بناء على المشهور أن لا يتعلق حرفان بمعنى بمتعلق / واحد، وذهب
~~أبو البقاء إلى أن الضمير الأول للشأن و { من } الأولى للأجل كما في
~~قوله سبحانه:

# مما خطيئتهم أغرقوا

# [نوح: 25] و { من } الثانية مزيدة وما بعدها مفعول به  لتتلو  وله
~~وجه، ومما يقضي منه العجب ما قاله بعضهم إنه يحتمل أن يكون ضمير { منه
~~} للشأن إما على تقدير ما تتلو حال كون القراءة بعض شؤونك وإما أن يحمل
~~الكلام على حذف المضاف أي وما تتلو من أجل الشأن بأن يحدث لك شأن فتتلو
~~القرآن من أجله فإن الحالية مما لا تكاد تخطر ببال من له أدنى ذوق في
~~العربية ولم نر القول بتقدير مضاف في الكلام إذا كان فيه { من }
~~الأجلية أو نحوها، وما في كلام غير واحد من الأفاضل في أمثال ذلك تقدير
~~معنى لا تقدير إعراب، ويبعد حمل هذا البعض على ذلك كما لا يخفى. هذا ثم
~~إن القرآن عام للمقروء كلا وبعضا وهو حقيقة في كل كما حقق في موضعه،
~~والقول بأنه مجاز في البعض بإطلاق الكل وإرادة الجزء ms04122 مما لا يلتفت إليه.

# { ولا تعملون من عمل } أي أي عمل كان، والخطاب الأول خاص
~~برأس النوع الإنساني وسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم وهذا عام ويشمل
~~سائر العباد برهم وفاجرهم لا الأخيرين فقط، وقد روعي في كل من المقامين
~~ما يليق به فعبر في مقام الخصوص في الأول بالشأن لأن عمل العظيم عظيم وفي
~~الثاني بالعمل العام للجليل والحقير، وقيل: الخطاب الأول عام للأمة أيضا
~~كما في قوله تعالى:

# يأيها النبي إذا طلقتم النسآء

# [الطلاق: 1] { إلا كنا عليكم شهودا } استثناء مفرغ من أعم
~~أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة أي وما تلابسون بشيء منها في حال من
~~الأحوال إلا حال كوننا رقباء مطلعين عليه حافظين له كذا قالوا، ويفهم منه
~~أن الجار والمجرور متعلق بما بعده، ولعل تقديمه للاهتمام بتخويف من أريد
~~تخويفه من المخاطبين، وكأنه للمبالغة فيه جىء بضمير العظمة، وأن المقصود
~~من الاطلاع عليهم الاطلاع على عملهم { إذ تفيضون فيه } أي تشرعون
~~فيه وتتلبسون به، وأصل الإفاضة الاندفاع بكثرة أو بقوة، وحيث أريد
~~بالأفعال السابقة الحالة المستمرة الدائمة المقارنة للزمان الماضي أيضا
~~أوثر في الاستثناء صيغة الماضي، وفي الظرف كلمة { إذ } التي تفيد
~~المضارع معنى الماضي كذا قيل، ولم أر من تعرض لبيان وجه اختيار النفي 
~~بما  التي تخلص المضارع للحال عند الجمهور عند انتفاء قرينة خلافه في
~~الجملتين الأوليين والنفي  بلا  التي تخلص المضارع للاستقبال عند
~~الأكثرين خلافا لابن مالك في الجملة الثالثة، ولعل ذلك من آثار اختلاف
~~الخطاب خصوصا وعموما فتأمله فإنه دقيق جدا.

# { وما يعزب عن ربك } أي ما يبعد وما يغيب، ومنه يقال: الروض
~~العازب وروض عزيب إذا كان بعيدا من الناس، والكلام على حذف مضاف أي وما
~~يعزب عن علم ربك عز وجل أو هو كناية عن ذلك. وفي التعرض لعنوان الربوبية
~~مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من الإشعار باللطف ما لا يخفى.
~~وقرأ الكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب بكسر الزاي { من مثقال ذرة }  { من
~~} مزيدة لتأكيد النفي، والمثقال اسم لما ms04123 يوازن الشيء ويكون في ثقله وهو
~~في الشرع أربعة وعشرون قيراطا. وأخرج ذلك ابن أبي حاتم في «تفسيره» عن
~~أبي جعفر، والصحيح أنه لم يختلف جاهلية وإسلاما فقد نقل الجلال السيوطي
~~عن الرافعي أنه قال: أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن وهو أن
~~الدرهم ستة دوانيق وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل ولم يتغير المثقال في
~~الجاهلية ولا في الإسلام. والذرة واحدة الذر وهو النمل الأحمر الصغير،
~~وسئل / ثعلب عنها فقال: إن مائة نملة وزن حبة والذرة واحدة منها، وقيل:
~~الذرة ليس لها وزن ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في النافذة {
~~في الأرض ولا في السمآء } أي في جهتي السفل والعلو أو في دائرة
~~الوجود والإمكان لأن العامة لا تعرف سواهما ممكنا ليس فيهما ولا متعلقا
~~بهما، والكلام شامل لهما أنفسهما أيضا كما لا يخفى. وتقديم الأرض على
~~السماء مع أنها قدمت عليها في كثير من المواضع ووقعت أيضا في سبأ [3] في
~~نظير هذه الآية مقدمة لأن الكلام في حال أهلها والمقصود إقامة البرهان
~~على إحاطة علمه سبحانه بتفاصيلها، وذكر السماء لئلا يتوهم اختصاص إحاطة
~~علمه جل وعلا بشيء دون شيء، وحاصل الاستدلال أنه سبحانه لا يغيب عنه شيء
~~ومن يكون هذا شأنه كيف لا يعلم حال أهل الأرض وما هم عليه مع نبيه صلى
~~الله عليه وسلم.

# وقوله سبحانه: { ولآ أصغر من ذلك ولآ أكبر إلا في
~~كتاب مبين } جملة مستقلة ليست معطوفة على ما قبلها، و { لا }
~~نافية للجنس و { أصغر } اسمها منصوب لشبهه بالمضاف وكذا { أكبر }
~~لتقدير عمله، وقول السمين: إنهما مبنيان على الفتح ضعيف وهو مذهب
~~البغداديين، وزعم أنه سبق قلم متأخر عن حيز القبول، و { في كتب }
~~متعلق بمحذوف وقع خبرا. وقرأ حمزة ويعقوب وخلف وسهل بالرفع على الابتداء
~~والخبر، و { لا } يجوز إلغاؤها إذا تكررت، وأما قولهم: إن الشبيه بالمضاف
~~يجب نصبه فالمراد منه المنع من البناء لا المنع من الرفع والإلغاء كما
~~توهمه بعضهم، وجوز أن يكون ذلك على ms04124 جعل { لا } عاملة عمل ليس، وقيل: إن {
~~أصغر } على القراءة الأولى عطف على { مثقال } أو { ذرة }
~~باعتبار اللفظ، وجيء بالفتح بدلا عن الكسر لأنه لا ينصرف للوصف ووزن
~~الفعل، وعلى القراءة الأخرى معطوف على { مثقال } باعتبار محله لأنه
~~فاعل. و { من } كما عرفت مزيد.

# واستشكل بأنه يصير التقدير ولا يعزب عنه أصغر من ذلك ولا أكبر منه إلا
~~في كتاب فيعزب عنه ومعناه غير صحيح. وأجيب بأن هذا على تقدير اتصال
~~الاستثناء وأما على تقدير انقطاعه فيصير التقدير لكن لا أصغر ولا أكبر
~~إلا هو في كتاب مبين، وهو مؤكد لقوله سبحانه:

# لا يعزب عنه

# [سبأ: 3] الخ، وأجاب بعضهم على تقدير الاتصال بأنه على حد

# لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى

# [الدخان: 56]

# وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف

# [النساء: 23] في رأي، فالمعنى لا يبعد عن علمه شيء إلا ما في اللوح الذي
~~هو محل صور معلوماته تعالى شأنه بناء على تفسير الكتاب المبين به أو إلا
~~ما في علمه بناء على ما قيل: إن الكتاب العلم، فإن عد ذلك من العزوب فهو
~~عازب عن علمه وظاهر أنه ليس من العزوب قطعا فلا يعزب عن علمه شيء قطعا.

# ونقل عن بعض المحققين في دفع الإشكال أن العزوب عبارة عن مطلق البعد،
~~والمخلوقات قسمان قسم أوجده الله تعالى من غير واسطة كالأرض والسماء
~~والملائكة عليهم السلام وقسم أوجده بواسطة القسم الأول مثل الحوادث في
~~العالم وقد تتباعد سلسلة العلية والمعلولية عن مرتبة وجود واجب الوجود
~~سبحانه، فالمعنى لا يبعد عن مرتبة وجوده تعالى ذرة في الأرض ولا في
~~السماء إلا وهو في كتاب مبين أثبت فيه سبحانه تلك المعلومات، فهو استثناء
~~مفرغ من أعم الأحوال، وإثبات العزوب بمعنى البعد عنه تعالى في سلسلة
~~الإيجاد لا محذور فيه وهو وجه دقيق إلا أنه أشبه بتدقيقات الحكماء وإن
~~خالف ما هم عليه في الجملة.

# وقال الكواشي: معنى يعزب يبين وينفصل، أي لا يصدر عن ربك شيء من خلقه
~~إلا وهو في ms04125 اللوح وتلخيصه / أن كل شيء مكتوب فيه. واعترض بأن تفسيره
~~بيبين وينفصل غير معروف، وقيل: المراد بالبعد عن الرب سبحانه البعد
~~والخروج عن غيبه أي لا يخرج عن غيبه إلا ما كان في اللوح فيعزب عن الغيب
~~ويبعد إذ لا يبقى ذلك غيبا حينئذ لاطلاع الملائكة عليهم السلام وغيرهم
~~عليه فيفيد إحاطة علمه سبحانه بالغيب والشهادة. ومن هنا يظهر وجه آخر
~~لتقديم الأرض على السماء، وقيل: إن { إلا } عاطفة بمنزلة الواو كما قال
~~بذلك الفراء في قوله تعالى:

# لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم

# [النحل: 1011] والأخفش في قوله سبحانه:

# لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين
~~ظلموا منهم

# [البقرة: 150] وقوم في قوله جل شأنه:

# الذين يجتنبون كبئر الإثم والفوحش إلا
~~اللمم

# [النجم: 32] وهو مقدر بعدها، والكلام قد تم عند قوله سبحانه: { ولا
~~أكبر } ثم ابتدأ بقوله تعالى: { إلا فى كتب } أي وهو في
~~كتاب ونقل ذلك مكي عن أبي علي الحسن بن يحيى الجرجاني ثم قال: وهو قول
~~حسن لولا أن جميع البصريين لا يعرفون { إلا } بمعنى الواو، والانصاف أنه
~~لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى العزيز على ذلك ولو اجتمع الخلق إنسهم
~~وجنهم على مجيء إلا بمعنى الواو، وقيل: إن الاستثناء من محذوف دل عليه
~~الكلام السابق أي ولا شيء إلا في كتاب؛ ونظيره

# ما فرطنا في الكتب من شيء

# [الأنعام: 38] ويكون من مجموع ذلك إثبات العلم لله تعالى في كل معلوم
~~وإن كل شيء مكتوب في الكتاب، ويشهد لهذا على ما قيل كثير من أساليب كلام
~~العرب.

# ونقل عن صاحب كتاب «تبصرة المتذكر» أنه يجوز أن يكون الاستثناء متصلا
~~بما قبل قوله تعالى: { ولا يعزب } ويكون في الآية تقديم وتأخير،
~~وترتيبها وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا في
~~كتاب مبين إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه إلي ولا أكبر، وتلخيصه
~~وما من شيء إلا وهو في اللوح المحفوظ ونحن نشاهده في كل آن. ونظر فيه
~~البلقيني في رسالته ms04126 المسماة «بالاستغناء بالفتح المبين في الاستثناء» في
~~{ ولآ أكبر إلا فى كتاب مبين } بأنه على ما فيه من
~~التكلف يلزم عليه القول بتركيب في الكلام المجيد لم يوجد في كلام العرب
~~مثله أعني إلا في كتاب مبين إلا كنا عليكم شهودا وليس ذلك نظير. أمرر
~~بهم الا الفتى إلا العلا. كما لا يخفى. وأنت تعلم أن أقل الأقوال تكلفا
~~القول بالانقطاع، وأجلها قدرا وأدقها سرا القول بالاتصال وإخراج الكلام
~~مخرج

# إلا ما قد سلف

# [النساء: 23] ونظائره الكثيرة نثرا ونظما، ولا عيب فيه إلا أن الآية
~~عليه أبلغ فليفهم، ثم إنه تعالى لما عمم وعده ووعيده في حق كافة من أطاع
~~وعصى أتبعه سبحانه بشرح أحوال أوليائه تعالى المخلصين فقال عز من قائل: {
~~ألا إن أوليآء الله لا خوف... }.

### || [10.62]

# { ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم
~~يحزنون } وفي «إرشاد العقل السليم» أنه بيان على وجه التبشير والوعد
~~لما هو نتيجة لأعمال المؤمنين وغاية لما ذكر قبله من كونه سبحانه مهيمنا
~~على نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته في كل ما يأتون ويذرون وإحاطة علمه جل
~~وعلا بعد ما أشير إلى فظاعة حال المفترين على الله تعالى يوم القيامة وما
~~سيعتريهم من الهول إشارة إجمالية على طريق التهديد والوعيد، وصدرت الجملة
~~بحرفي التنبيه والتحقيق لزيادة تقرير مضمونها. والأولياء جمع ولي من
~~الولي بمعنى القرب والدنو يقال: تباعد بعد ولي أي قرب، والمراد بهم خلص
~~المؤمنين لقربهم الروحاني منه سبحانه كما يفصح عنه تفسيرهم الآتي، ويفسر
~~الولي بالمحب وبين المعنيين تلازم، وسيأتي تمام الكلام على ذلك قريبا إن
~~شاء الله تعالى، وجاء بمعنى النصير ويشير كلام البعض إلى صحة اعتبار هذا
~~المعنى هنا، والمراد من الجملتين المنفيتين المتعاطفتين دوام انتفاء
~~مدلولهما كما مر تحقيقه غير مرة، قيل: والمعنى لا خوف عليه من لحوق مكروه
~~ولا هم يحزنون من فوات مطلوب في جميع الأوقات أي لا يعتريهم / ما يوجب
~~ذلك أصلا لا أنه يعتريهم لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا أنه ms04127 لا يعتريهم
~~خوف وحزن أصلا بل يستمرون على النشاط والسرور، كيف لا واستشعار الخوف
~~استعظاما لجلال الله تعالى واستقصارا للجد والسعي في إقامة حقوق
~~العبودية من خصائص الخواص والمقربين بل كلما ازداد العبد قربا من ربه
~~سبحانه ازداد خوفا وخشية منه سبحانه، ويرشد إلى ذلك غير ما خبر وقوله
~~تعالى:

# إنما يخشى الله من عباده العلمآء

# [فاطر: 28] وإنما لا يعتريهم ذلك لأن مقصدهم ليس إلا الله تعالى ونيل
~~رضوانه المستتبع للكرامة والزلفى وذلك مما لا ريب في حصوله ولا احتمال
~~لفواته بموجب الوعد الإلهي، وأما ما عدا ذلك من الأمور الدنيوية المترددة
~~بين الحصول والفوات فهي عندهم أحقر من تبالة عن الحجاج بل الدنيا بأسرها
~~في أعينهم أقذر من ذراع خنزير ميت بال عليه كلب في يد مجذوم فهيهات أن
~~تنتظم في سلك مقصدهم وجودا وعدما حتى يخافوا من حصول ضارها أو يحزنوا
~~من فوات نافعها.

# وقيل: المراد بانتفاء الخوف والحزن أمنهم من ذلك يوم القيامة بعد تحقق
~~مالهم من القرب والسعادة وإلا فالخوف والحزن يعرضان لهم قبل ذلك سواء كان
~~سببهما دنيويا أو أخرويا، ولا يجوز أن يراد أمنهم مما ذكر في الدنيا أو
~~فيما يعمها والآخرة لأن في ذلك أمنا من مكر الله تعالى ولا يأمن مكر
~~الله إلا القوم الخاسرون وهذا مبني على أن الخوف المنفي مسند إليهم وليس
~~بالمتعين، فقد ذهب بعض الجلة إلى أنه مسند إلى غيرهم أي غيرهم لا يخاف
~~عليهم ولا يلزم من ذلك أنهم لا يخافون ليجيء حديث لزوم الأمن، وجعل ذلك
~~نكتة اختلاف أسلوب الجملتين، والعدول عن لا هم يخافون الأنسب  بلا هم
~~يحزنون  إلى ما في النظم الجليل، وقد يقال: إذا كان المراد أنهم لا
~~يعتريهم ما يوجب الخوف والحزن لا يبقى لحديث لزوم الأمن من مكر الله
~~تعالى مجال على ما لا يخفى على المتدبر لكن لا يظهر عليه نكتة اختلاف
~~أسلوب الجملتين وكونها اختلاف شأن الخوف والحزن بشيوع وصف الأخير بعدم
~~الثبات كما قيل:

# فلا حزن يدوم ولا ms04128 سرور

# دون الأول ولذا ناسب أن يعبر بالاسم في الأول وبالفعل المفيد للحدوث
~~والتجدد في الثاني كما ترى. وقيل: إن المراد نفي استيلاء الخوف عليهم
~~ونفي الحزن أصلا ومفاد ذلك اتصافهم بالخوف في الجملة، ففيه إشارة إلى
~~أنهم بين الرجاء والخوف غير آيسين ولا آمنين، ولهذا لم يؤت بالجملتين على
~~طرز واحد، وكذا لم يقل لا خوف لهم مثلا، والأوجه عندي ما نقل عن بعض
~~الجلة من أن معنى { لا خوف عليهم } لا يخاف عليهم غيرهم ويجعل
~~الجملة الأولى عليه كناية عن حسن حالهم، وأنت في الجملة الثانية بالخيار،
~~والخوف على ما قال الراغب توقع المكروه وضده الأمن، والحزن من الحزن
~~بالفتح وهو خشونة في النفس لما يحصل من الغم ويضاده الفرح، وعلى هذا
~~قالوا في بيان المعنى لا خوف عليهم من لحوق مكروه ولا هم يحزنون من فوات
~~مأمول.

### || [10.63]

# { الذين آمنوا } أي بكل ما جاء من عند الله تعالى { وكانوا
~~يتقون } عما يحق الاتقاء منه من الأفعال والتروك اتقاء دائما حسبما
~~يفيده الجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل والموصول في محل الرفع على أنه
~~خبر لمبتدأ محذوف، والجملة استئناف بياني كأنه قيل: من أولئك وما سبب
~~فوزهم بما أشار إليه الكلام السابق؟ فقيل: هم الذين جمعوا بين الإيمان
~~والتقوى المفضيين إلى كل خير المجنبين عن كل شر. ولك أن تقصر في السؤال
~~على من أولئك؟ فيكون ذلك بيانا وتفسيرا للمراد من الأولياء فقط، وعلى
~~الأول هذا مع الإشارة إلى ما به نالوا مالوا، وقيل: محله النصب أو الرفع
~~على المدح أو على أنه وصف للأولياء. ورد بأن في ذلك الفصل بين الصفة
~~والموصوف بالخبر. وقد / أباه النحاة. نعم جوزه الحفيد، وجوز فيه البدلية
~~أيضا.

# والمراد من التقوى عند جمع المرتبة الثالثة منها وهي التقوى المأمور بها
~~في قوله تعالى:

# اتقوا الله حق تقاته

# [آل عمران: 102] وفسرت بتنزه الإنسان عن كل ما يشغل سره عن الحق والتبتل
~~إليه بالكلية، وبذلك يحصل الشهود والحضور والقرب الذي يدور إطلاق الاسم
~~عليه، وهكذا ms04129 كان حال [كل] من دخل معه صلى الله عليه وسلم تحت الخطاب
~~بقوله سبحانه وتعالى:

# ولا تعملون من عمل

# [يونس: 61] الخ خلا أن لهم في شأن التبتل والتنزه درجات متفاوتة حسبما
~~درجات تفاوت استعداداتهم، وأقصى الدرجات ما انتهى إليه همم الأنبياء
~~عليهم الصلاة والسلام حتى جمعوا بذلك بين رياسة النبوة والولاية ولم
~~يعقهم التعلق بعالم الأشباح عن الاستغراق في عالم الأرواح ولم تصدهم
~~الملابسة بمصالح الخلق عن التبتل إلى جناب الحق سبحانه عز وجل لكمال
~~استعداد نفوسهم الزكية المؤيدة بالقوة القدسية كذا قيل.

# وفي كون حال كل من دخل معه صلى الله عليه وسلم تحت الخطاب مرادا به
~~جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما أشار إليه من التقوى الحقيقية
~~المأمور بها في الآية التي بها يحصل الشهود والحضور والقرب بحث، وقصارى
~~ما تحقق بعد نزاع طويل ذكرناه في جوابنا لسؤال أهل  لاهور  أن الصحابة
~~كلهم عدول من لابس منهم الفتنة ومن لم يلابسها ودعوى أن العدالة تستلزم
~~الولاية بالمعنى السابق إن تمت تم المقصود وإلا فلا، والآية ظاهرة في أن
~~الأولياء هم المؤمنون المتقون وأقل ما يكفي في إطلاق الولي التقرب إليه
~~سبحانه بالفرائض من امتثال الأوامر واجتناب الزواجر، والأكمل التقرب إليه
~~جل شأنه بكل ما يمكن من القرب، وفي «المبين المعين» الولي هو من يتولى
~~الله تعالى بذاته أمره فلا تصرف له أصلا إذ لا وجود له ولا ذات ولا فعل
~~ولا وصف، والتركيب يدل على القرب فكأنه قريب منه عز وجل لاستدامة عباداته
~~واستقامة طاعاته أو لاستغراقه في بحر معرفته ومشاهدة طلعة عظمته انتهى.

# وفيه القول بأن الولي فعيل بمعنى مفعول، وجوز أن يكون بمعنى فاعل، وفسر
~~بأنه من يتولى عبادة الله تعالى وطاعته على التوالي من غير تخلل معصية،
~~وعن القشيري أن كلا الوصفين تولي الله تعالى أمره وتولية عبادة الله
~~تعالى وطاعته شرط في الولاية غير أن الوصف الأول غالب على المجذوب المراد
~~والثاني على السالك المريد، ولا يخفى أن هذا الكلام وكذا ما قبله ms04130 يدل على
~~أن تخلل المعصية مناف للولاية وهو الذي يشير إليه كلام غير واحد من
~~الفضلاء، وليس في ذلك قول بالعصمة التي لم يثبتها الجماعة إلا للأنبياء
~~عليهم الصلاة والسلام بل قصارى ما فيه القول بالحفظ، وقد قيل: الأولياء
~~محفوظون وفسر بعدم صدور الذنب مع إمكانه، والقيد لإخراج العصمة. نعم جاءت
~~العصمة بمعنى الحفظ المفسر بما ذكر، وعلى ذلك خرج قول صاحب «حزب البحر»
~~اللهم اعصمني في الحركات والسكنات لأن الدعاء بما هو من خواص الأنبياء
~~عليهم السلام لا يجوز كالدعاء بسائر المستحيلات كما حقق في محله. وأطلق
~~بعضهم القول بأن تخلل ذلك غير مناف احتجاجا بما حكي عن الجنيد قدس سره
~~أنه سئل هل يزني العارف؟ فقال: نعم

# وكان أمر الله قدرا مقدورا

# [الأحزاب: 38]، وتعقب بأنه محمول على الإمكان سؤالا وجوابا ولا كلام
~~فيه وإنما الكلام في أن الوقوع مناف أو غير مناف، وقال بعضهم: لا شبهة في
~~عدم بقاء وصف الولاية حال التلبس بالمعصية إذ لا تقوى حينئذ بالإجماع
~~ومدار هذا الوصف عليها وكذا على الإيمان، وهو غير كامل إذ ذاك عند أهل
~~الحق وغير متحقق أصلا بل المتحقق الفسق المعنى بالواسطة أو الكفر عند
~~آخرين، وكذا لا شبهة في عدم منافاة وقوع المعصية الاتصاف بالولاية بعده
~~بأن يعود من ابتلي بذلك إلى تقوى الله تعالى ويتصف بما تتوقف الولاية
~~عليه، وهو نظير من يتصف بالإيمان أو بالعدالة مثلا بعد أن لم / يكن
~~متصفا بذلك.

# بقي الكلام في منافاة الوقوع الاتصاف قبل، فإن قيل: إنه مناف له بمعنى
~~أنه لذلك لم يكن متصفا قبل بما هو إيمان وتقوى عند الناس فلا شبهة أيضا
~~في عدم المنافاة بهذا المعنى وهو ظاهر وإن قيل: إنه مناف له بمعنى أنه لم
~~يكن لذلك متصفا بما ذكر عند الله تعالى بناء على أن المراد بالتقوى التي
~~هي شرط الولي التقوى الكاملة التي يترتب عليها حب الله تعالى المترتب
~~عليه الحفظ كما أشير إليه فيما رواه البخاري من حديث أبي هريرة قال:

# " قال ms04131 رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى قال من عادى لي
~~وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت
~~عليه ولا زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه
~~الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها
~~"

# الحديث. وقد قال غير واحد في معنى الشرطية فإذا أحببته كنت حافظا حواسه
~~وجوارحه فلا يسمع ولا يبصر ولا يأخذ ولا يمشي إلا فيما أرضى وأحب وينقلع
~~عن الشهوات ويستغرق في الطاعات، وقريب منه قول الخطابي: المراد من ذلك
~~توفيقه في الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء، يعني ييسر عليه فيها سبيل
~~ما يحبه ويعصمه عن مواقعة ما يكرهه من إصغاء إلى لهو بسمعه ونظر إلى ما
~~نهى عنه ببصره وبطش بما لا يحل بيده وسعي في باطل برجله، وكذا قول بعضهم
~~المعنى أجعل سلطان حبي غالبا عليه حتى أسلب عنه الاهتمام بشيء غير ما
~~يقربه إلي فيصير متخليا عن اللذات متجنبا عن الشهوات متى ما يتقلب
~~وأينما يتوجه لقي الله تعالى بمرأى فيه ومسمع منه ويأخذ حب الله تعالى
~~مجامع قلبه فلا يسمع ولا يرى ولا يفعل إلا ما يحبه ويكون له في ذلك عونا
~~ومؤيدا ووكيلا يحمي جوارحه وحواسه فله وجه لأنه إذا وقعت المعصية يعلم
~~أنه لم يكن محفوظا وبه يعلم أنه لم يكن محبوبا وبذلك يعلم أنه لم يكن
~~متقربا إليه تعالى شأنه ومتقيا إياه حق تقاته وان ظنه الناس كذلك فهو
~~ليس من أوليائه سبحانه في نفس الأمر.

# نعم من اتصف بصفات الأولياء ظاهرا يجب تعظيمه واحترامه والتأدب معه
~~والكف عن إيذائه بشيء من أنواع الإيذاء التي لا مسوغ لها شرعا كالإنكار
~~عليه عنادا أو حسدا دون المنازعة في محاكمة أو خصومة راجعة لاستخراج حق
~~أو كشف غامض ونحو ذلك لما دل عليه الحديث السابق المشتمل من تهديد المؤذي
~~على الغاية القصوى والحكم على من ذكره لولاية إذا لم يكن هناك نص ms04132 من
~~معصوم على ما يدل على تحققها في نفس الأمر إنما هو بالنظر إلى الظاهر لا
~~إلى ما عند الله تعالى لما أن من الذنوب ما لا يمكن أن يطلع عليه إلا
~~علام الغيوب ومنها الذنوب القلبية التي هي أدواء قاتلة وسموم ناقعة من أن
~~الأعمال بخواتيمها وهي مجهولة إلا للمبدىء المعيد جل جلاله هذا وهو تحقيق
~~يلوح عليه مخايل القبول.

# ومن الناس من قسم الولاية إلى صغرى قد يقع فيها الذنب على الندرة لكن
~~يبادر للتنصل منه فورا وعد العلامة ابن حجر عليه الرحمة من وقع منه
~~الذنب كذلك فبادر للتنصل منه محفوظا فالوقوع عنده على الندرة مع
~~المبادرة للتنصل لا ينافي الحفظ وإنما ينافيه تكرر الوقوع وكثرته وكذا
~~ندرته مع عدم المبادرة للتنصل، وكبرى لا يقع فيها الذنب أصلا مع إمكان
~~الوقوع ولو قيل أو مع استحالته كما في ولاية الأنبياء عليهم السلام وادعى
~~أن ذلك من خصوصيات ولايتهم فيكون الحفظ أعم من العصمة لم يبعد.

# وأنت تعلم أن قولهم الأنبياء معصومون ظاهر في كون العصمة من توابع
~~النبوة ومعللة بها وهو مخالف لتلك الدعوى كما لا يخفى، وما ذكر من
~~التقسيم حسن ويعلم منه أن الكثير ممن يدعي الولاية في زماننا أو تدعى له
~~ليس له منها سوى الدعوى لإصراره والعياذ بالله تعالى على كبائر تقع منه
~~في اليوم مرارا عافانا الله تعالى والمسلمين من ذلك.

# وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير / الأولياء ما يظن أنه
~~مخالف لما دلت عليه الآية في ذلك. فقد أخرج ابن المبارك والترمذي في
~~«نوادر الأصول» وأبو الشيخ وابن مردويه وآخرون عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما قال: قيل: يا رسول الله من أولياء الله؟ قال:

# " والذين إذا رؤا ذكر الله تعالى "

# أي لحسن سمتهم وأخباتهم.

# وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والبيهقي وجماعة عن أبي مالك الأشعري قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله تعالى عبادا ليسوا بأنبياء
~~ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء على ms04133 مجالسهم وقربهم من الله تعالى.
~~قال أعرابي: يا رسول الله انعتهم لنا قال: «هم أناس من أفناء الناس
~~ونوازع القبائل لم تصل بينهم أرحام متقاربة تحابوا في الله وتصافوا في
~~الله يضع الله تعالى لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسون عليها يفزع
~~الناس وهم لا يفزعون وهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون "

# ولا مخالفة في الحقيقة فإن ما أشير إليه من حسن السمات والإخبات والتحاب
~~في الله تعالى من الأحكام اللازمة للإيمان والتقوى والآثار الخاصة بهما
~~الحقيقة بالتخصيص بالذكر لظهورها وقربها من أفهام الناس، وقد أورد رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم كلا من ذلك حسبما يقتضيه مقام الإرشاد والتذكير
~~ترغيبا لسائل أو حاضر فيما خصه بالذكر من أحكامهما، وأريد بوصفهم بأنهم
~~يغبطهم النبيون على مجالسهم وقربهم الإشارة إلى راحتهم مما يعتري
~~الأنبياء عليهم السلام من الاشتغال بأممهم، والمراد أنهم يغبطونهم على
~~مجموع الأمرين، وعن الكواشي أن ذلك خارج مخرج المبالغة، والمعنى أنه لو
~~فرض قوم بهذه الصفة لكانوا هؤلاء. وقال بعض المحققين: إن ذلك تصوير لحسن
~~حالهم على طريقة التمثيل.

# وأيا ما كان فلا دليل فيه على أن الولاية أفضل من النبوة وقد كفر معتقد
~~ذلك، وقد يؤول له بحمل ذلك على أن ولاية النبي أفضل من نبوته كما حمل ما
~~قاله العز بن عبد السلام المخالف للأصح من أن النبوة أفضل من الرسالة على
~~نحو ذلك.

# وكذا لنظير ما ذكرنا لا يخالف ما دلت الآية عليه تفسير عيسى عليه السلام
~~لذلك. فقد أخرج أحمد في «الزهد» وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب قال:
~~قال الحواريون: يا عيسى من أولياء الله تعالى الذين لا خوف عليهم ولا هم
~~يحزنون؟ فقال عليه السلام: الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس
~~إلى ظاهرها والذين نظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها
~~وأماتوا منها ما يخشون أن يميتهم وتركوا ما علموا أن سيتركهم فصار
~~استكثارهم منها استقلالا وذكرهم إياها فواتا وفرحهم بما أصابوا منها ms04134
~~حزنا وما عارضهم من نائلها رفضوه وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه،
~~خلقت الدنيا عندهم فليسوا يجددونها وخربت بينهم فليسوا يعمرونها وماتت في
~~صدورهم فليسوا يحيونها، يهدمونها فيبنون بها آخرتهم ويبيعونها فيشترون
~~بها ما يبقى لهم، رفضوها فكانوا برفضها هم الفرحين، باعوها فكانوا ببيعها
~~هم الرابحين ونظروا إلى أهلها صرعى قد خلت فيهم المثلات فأحيوا ذكر الموت
~~وأماتوا ذكر الحياة، يحبون الله سبحانه وتعالى ويستضيؤون بنوره ويضيؤون
~~به لهم خبر عجيب وعندهم الخبر العجيب، بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق
~~الكتاب وبه نطقوا وبهم علم الكتاب وبه علموا، ليس يرون نائلا مع ما
~~نالوا ولا أمانا دون ما يرجون ولا خوفا دون ما يحذرون.

### || [10.64]

# { لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفي الآخرة }
~~استئناف جيء به في موضع التعليل لنفي حزنهم والخوف عليهم في قول، وفي آخر
~~جيء به بيانا لما أولاهم سبحانه من خيرات الدارين بعد أن أخبر جل وعلا
~~بانجائهم / من شرورهما ومكارههما وكأنه على هذا قيل: هل لهم وراء ذلك من
~~نعمة وكرامة؟ فقيل: لهم البشرى الخ، وتقديم الأول لما أن التخلية سابقة
~~على التحلية مع ما فيه من رعاية حق المقابلة بين حسن حال المؤمنين وسوء
~~حال المفترين وتعجيل إدخال المسرة بتبشير الخلاص عن الأهوال، وتوسيط
~~البيان السابق بين التخلية والتحلية لإظهار كمال العناية به مع الإيذان
~~بأن انتفاء ما تقدم لإيمانهم واتقائهم عما يؤدي إليه من الأسباب، ومن
~~الناس من فسر الأولياء بالذين يتولونه تعالى بالطاعة ويتولاهم بالكرامة
~~وجعل

# الذين آمنوا

# [يونس: 63] الخ تفسيرا لتوليهم إياه تعالى، وهذه الجملة تفسيرا
~~لتوليته تعالى إياهم.

# وتعقب بأنه لا ريب في أن اعتبار القيد الأخير في مفعوم الولاية غير
~~مناسب لمقام ترغيب المؤمنين في تحصيلها والثبات عليها وبشارتهم بآثارها
~~ونتائجها بل مخل بذلك إذ التحصيل إنما يتعلق بالمقدور والاستبشار لا يحصل
~~إلا بما علم وجود سببه والقيد المذكور ليس بمقدور لهم حتى يحصلوا الولاية
~~بتحصيله ولا بمعلوم لهم عند حصوله حتى يعرفوا حصول الولاية لهم ويستبشروا
~~بمحاسن ms04135 آثارها بل التولي بالكرامة عين نتيجة الولاية فاعتباره في عنوان
~~الموضوع ثم الإخبار بعدم الخوف والحزن مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل
~~انتهى، وأنت تعلم أن ما ارتكبه ذلك البعض تكلف وعدول عن الظاهر فلا ينبغي
~~العدول إليه وإن كان ما ذكره المتعقب لا يخلو عن نظر. وجوز كون الموصول
~~مبتدأ وهذه الجملة خبره، وفي بعض الأخبار ما يؤيده.

# و { البشرى } في الأصل الخبر بما يظهر السرور في بشرة الوجه ومثلها
~~البشارة وتطلق على المبشر به من ذلك وإلى إرادة كل ذهب بعض، والظرفان
~~بعده على الأول متعلقان به وعلى الثاني في موضع الحال منه، والعامل ما في
~~الخبر من معنى الاستقرار أي لهم البشرى حال كونها في الدنيا وحال كونها
~~في الآخرة أي عاجلة وآجلة؛ أو من الضمير المجرور أي حال كونهم في الحياة
~~الدنيا وفي الآخرة، والثابت في أكثر الروايات أن البشرى في الحياة الدنيا
~~هي الرؤيا الصالحة التي هي جزء من ستة وأربعين جزأ من النبوة كما هو
~~المشهور، أو جزء من سبعين جزأ منها كما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عمر
~~وأبي هريرة وهو وابن ماجه عن الأول فقد أخرج الطيالسي وأحمد والدارمي
~~والترمذي وابن ماجه والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن عبادة بن
~~الصامت قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله سبحانه: { لهم
~~البشرى في الحيوة الدنيا } قال: هي

# " الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له "

# وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
~~ذلك فأجيب بما ذكر أيضا، وأخرج من طريق أبي سفيان عن جابر مثل ذلك،
~~وأخر ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ وأبو القاسم بن منده من طريق أبي جعفر
~~عن جابر المذكور قال: أتى رجل من أهل البادية رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فقال: يا رسول الله أخبرني عن قول الله تعالى: { الذين آمنوا
~~وكانوا يتقون لهم البشرى } الخ فقال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " أما قوله تعالى: { لهم ms04136 البشرى في الحيوة الدنيا }
~~فهي الرؤيا الحسنة ترى للمؤمن فيبشر بها في دنياه وأما قوله سبحانه: {
~~وفي الآخرة } فإنها بشارة المؤمن عند الموت أن الله قد غفر لك ولمن
~~حملك إلى قبرك "

# وجاء مرفوعا وموقوفا عن غير واحد تفسيرها بما ذكر، وأخرج ابن جرير
~~وابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن البشرى في الحياة
~~الدنيا هي قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:

# وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا

# [الأحزاب: 47] وعن الزجاج والفراء أنها هذا وما يشاكله من قوله تعالى:

# وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم

# [يونس: 2] وقوله سبحانه:

# يبشرهم ربهم برحمة منه

# [التوبة: 21]، وقوله جل وعلا:

# وبشر الصبرين

# [البقرة: 155] إلى غير ذلك، وأخرج ابن أبي شيبة وغيره عن الضحاك أنه
~~قال في ذلك: إنهم يعلمون أين هم قبل أن يموتوا. وجاء في تفسير البشرى في
~~الآخرة ما سمعت في الخبر عن جابر الأخير. وأخرج ابن جرير وغيره عن أبي
~~هريرة مرفوعا أنها الجنة، وعن عطاء أن البشرى في الدنيا أن تأتيهم
~~الملائكة عند الموت بالرحمة قال الله تعالى:

# تتنزل عليهم الملئكة ألا تخافوا ولا
~~تحزنوا وأبشروا بالجنة

# [فصلت: 30] وأما البشرى في الآخرة فتلقى الملائكة إياهم مسلمين مبشرين
~~بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما
~~يقرأون منها وغير ذلك من البشارات، وقيل: المراد بالبشرى العاجلة نحو
~~النصر والفتح والغنيمة والثناء الحسن والذكر الجميل ومحبة الناس وغير
~~ذلك، وأما البشرى الآجلة فغنية عن البيان، وأنت تعلم أنه لا ينبغي العدول
~~عما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير ذلك إذا صح وحيث عدل
~~من عدل لعدم وقوفه على ذلك فيما أظن، فالأولى أن يحمل البشرى في الدارين
~~على البشارة بما يحقق نفي الخوف والحزن كائنا ما كان، ويرشد إلى ذلك
~~السباق، ومن أجل ذلك بشرى الملائكة لهم بذلك وقتا فوقتا حتى يدخلوا
~~الجنة، وقد نطق الكتاب العزيز في غير موضع بهذه البشرى من الله ms04137 تعالى
~~علينا بها برحمته وكرمه.

# { لا تبديل لكلمت الله } أي لا تغيير لأقواله التي من
~~جملتها مواعيده الواردة بشارة للمؤمنين المتقين فيدخل فيها البشارات
~~الواردة ههنا دخولا أوليا ويثبت امتناع الاخلاف فيها لطفا وكرما
~~ثبوتا قطعيا، وأريد من عدم تبديل كلماته سبحانه على تقدير أن يراد من
~~البشرى الرؤيا الصالحة عدم الخلف بينها وبين ما دل على ثبوتها ووقوعها
~~فيما سيأتي بطريق الوعد من قوله تبارك اسمه: { لهم البشرى } لا
~~عدم الخلف بينها وبين نتائجها الدنيوية والأخروية ولم يظهر لي وجهه بعد
~~التدبر، والمشهور أن الرؤيا الصالحة لا يتخلف ما تدل عليه. وقد جاء من
~~حديث الحكيم الترمذي وغيره عن عبادة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله
~~عليه وسلم قال له في الرؤيا الصالحة

# " كلام يكلم به ربك عبده في المنام "

# { ذلك } أي ما ذكر من أن لهم البشرى في الدارين { هو الفوز
~~العظيم } الذي لا فوز وراءه، وجوز أن تكون الإشارة إلى البشرى بمعنى
~~التبشير وقيل: إن ذلك إشارة إلى النعيم الذي وقعت به البشرى وجعل غير
~~واحد الجملة الأولى وهذه الجملة اعتراضا جيء به لتحقيق المبشر به لتعظيم
~~شأنه وهو مبني على جواز تعدد الاعتراض وعلى أنه يجوز أن يكون في آخر
~~الكلام. ولذا قال العلامة الطيبي: لو جعلت الأولى معترضة والثانية
~~تذييلا للمعترض والمعترض فيه ومؤكدة لهما كان أحسن بناء على أن ما في
~~آخر الكلام يسمى تذييلا لا اعتراضا وهو مجرد اصطلاح.

### || [10.65]

# ومن جعل قوله سبحانه: { ولا يحزنك قولهم } معطوفا على
~~الجملة قبل أي: إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فلا يحزنك قول
~~أعداء الله تعالى فالاعتراض عنده بين متصلين لا في آخر الكلام لكنه ليس
~~بشيء، والذي عليه الجمهور أنه استئناف سيق تسلية للرسول صلى الله عليه
~~وسلم عما كان يلقاه من جهة الأعداء من الأذية الناشئة من مقالاتهم
~~الرديئة الوحشية وتبشيرا له عليه الصلاة والسلام بالنصر والعز إثر بيان
~~أن له ولأتباعه أمنا من كل محذور وفوزا بكل مطلوب ms04138 فهو متصل بقوله
~~سبحانه:

# ألا إن أوليآء الله

# [يونس: 62] الخ معنى. وقيل: إنه / متصل بقوله سبحانه:

# وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم

# [يونس: 41] الآية واختاره على ما فيه من البعد الطبرسي.

# وقرأ نافع { ولا يحزنك } من أحزن وهو في الحقيقة نهي له صلى الله
~~عليه وسلم عن الحزن كأنه قيل: لا تحزن بقولهم ولا تبال بكل ما يتفوهون به
~~في شأنك مما لا خير فيه، وإنما عدل عنه إلى ما في النظم الجليل للمبالغة
~~في النهي عن الحزن لما أن النهي عن التأثير نهي عن التأثر بأصله ونفي له
~~بالمرة، ونظير ذلك كما مر غير مرة قولهم  لا أرينك ههنا  ولا يأكلك
~~السبع  ونحوه، وقد وجه فيه النهي إلى اللازم والمراد هو النهي عن
~~الملزوم، قيل: وتخصيص النهي عن الحزن بالإيراد مع شمول النفي السابق
~~للخوف أيضا لما أنه لم يكن فيه صلى الله عليه وسلم شائبة خوف حتى ينهى
~~عنه وربما كان يعتريه صلى الله عليه وسلم في بعض الأوقات حزن فسلي عنه،
~~ولا يخفى أنه إذا قلنا أن الخوف والحزن متقاربان فإذا اجتمعا افترقا وإذا
~~افترقا اجتمعا كما علمت آنفا كان النهي عن الحزن نهيا عن الخوف أيضا
~~إلا أن الأولى عدم اعتبار ما فيه توهم نسبة الخوف إلى ساحته عليه الصلاة
~~والسلام وإن لم يكن في ذلك نقص فقد جاء نهي الأنبياء عليهم السلام عن
~~الخوف كنهيهم عن الحزن بل قد ثبت صريحا نسبة ذلك إليهم وهو مما لا يخل
~~بمرتبة النبوة إذ ليس كل خوف نقصا لينزهوا عنه كيف كان.

# { إن العزة لله جميعا } كلام مستأنف سيق لتعليل النهي،
~~وقيل: جواب سؤال مقدر كأنه قيل: لم لا يحزنه؟ فقيل: لأن الغلبة والقهر
~~لله سبحانه لا يملك أحد شيئا منها أصلا لا هم ولا غيرهم فلا يقهر ولا
~~يغلب أولياءه بل يقهرهم ويغلبهم ويعصمك منهم. وقرأ أبو حيوة { أن }
~~بالفتح على صريح التعليل أي لأن، وحمل قتيبة بن مسلم ذلك على البدل ثم
~~أنكر القراءة لذلك ms04139 لأنه يؤدي إلى أن يقال: فلا يحزنك أن العزة لله جميعا
~~وهو فاسد.

# وذكر الزمخشري أنه لو حمل على البدل لكان له وجه أيضا على أسلوب

# فلا تكونن ظهيرا للكفرين

# [القصص: 86]

# ولا تدع مع الله إلها آخر

# [القصص: 88] فيكون للتهييج والإلهاب والتعريض بالغير وفيه بعد.

# { هو السميع العليم } يسمع أقوالهم في حقك ويعلم ما يضمرونه
~~عليك فيكافؤهم على ذلك وما ذكرناه في الآية هو الظاهر المتبادر. وأخرج
~~أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لما لم ينتفعوا بما
~~جاءهم من الله تعالى وأقاموا على كفرهم كبر ذلك على رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فجاءه من الله سبحانه فيما يعاتبه { ولا يحزنك
~~قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم
~~} يسمع ما يقولون ويعلمه فلو شاء بعزته لانتصر منهم ولا يخفى أنه خلاف
~~الظاهر جدا مع ما فيه من تعليق العلم بما علق بالسمع، ولعل روايته عن
~~الحبر غير معول عليها.

### || [10.66]

# { ألا إن لله من فى السموت ومن فى الأرض } أي من
~~الملائكة والثقلين كما يدل عليه التعبير  بمن  الشائع في العقلاء،
~~والتغليب غير مناسب هنا، ووجه تخصيصهم بالذكر الإيذان بعدم الحاجة إلى
~~التصريح بغيرهم فإنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم إذا كانوا عبيدا لله مملوكين
~~له سبحانه فما عداهم من الموجودات أولى بذلك، والجملة مع ما فيها من
~~التأكيد لما سبق من اختصاص العزة به جل شأنه الموجب لسلوته عليه الصلاة
~~والسلام وعدم مبالاته بمقالات المشركين تمهيد لما لحق من قوله سبحانه: {
~~وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركآء }
~~ودليل على بطلان ظنونهم وأعمالهم المبنية عليها والاقتصار على أحد
~~الأمرين قصور فلا تكن من القاصرين، و { ما } نافية و { شركآء }
~~مفعول { يتبع } ومفعول { يدعون } محذوف لظهوره، أي ما يتبع
~~الذين يدعون من دون الله شركاء شركاء في / الحقيقة وإن سموها شركاء
~~لجهلهم فالمراد سلب الصفة في الحقيقة ونفس الأمر فما ذكره أبو البقاء من
~~عدم جواز هذا الوجه من الإعراب لأنه يدل على نفي ms04140 اتباعهم الشركاء مع أنهم
~~اتبعوهم ناشىء من الغفلة عما ذكرنا، وجوز أن يكون { شركآء } المذكور
~~مفعول { يدعون } ويكون مفعول { يتبع } محذوفا لانفهامه من قوله
~~سبحانه:

# { إن يتبعون إلا الظن } أي ما يتبعون يقينا وإنما يتبعون
~~ظنهم الباطل أو ظنهم أنها شركاء بتقدير معمول الظن أو تنزيله منزلة
~~اللازم، وقدر بعضهم مفعول { يتبعون } شركاء ميلا إلى إعمال الثاني
~~في التنازع، وتعقب بأنه لا يصح أن يكون من ذلك الباب لأن مفعول الفعل
~~الأول مقيد دون الثاني فلا يتحد المعمول والاتحاد شرط في ذلك، وكون
~~التقييد عارضا بعد الإعمال بقرينة عاملة فلا ينافي ما شرط في الباب
~~بالباب كما لا يخفى، وجوز أيضا أن تكون { ما } استفهامية منصوبة 
~~بيتبع  و { شركآء } مفعول { يدعون } أي أي شيء يتبع المشركون أي
~~ما يتبعونه ليس بشيء، وأن تكون موصولة معطوفة على { من } أي وله تعالى
~~ما يتبعه المشركون خلقا وملكا فكيف يكون شريكا له سبحانه، وتخصيص ذلك
~~بالذكر مع دخوله فيما سبق عبارة أو دلالة للمبالغة في بيان بطلان الاتباع
~~وفساد ما بنوه عليه من الظن الذي هو من الفساد بمكان، وجوز على احتمال
~~الموصولية أن تكون مبتدأ خبره محذوف أي باطل ونحوه أو الخبر قوله سبحانه:
~~{ إن يتبعون } والعائد محذوف أي في عبادته أو اتباعه.

# وقرأ السلمي { تدعون } بالتاء الخطابية، وروي ذلك عن علي كرم الله وجهه
~~وهي قراءة متجهة خلافا لزاعم خلافه فإن { ما } فيها استفهامية للتبكيت
~~والتوبيخ والعائد على { الذين } محذوف و { شركاء } حال منه،
~~والمراد من { الذين } الملائكة والمسيح وعزير عليهم الصلاة والسلام
~~فكأنه قيل: أي شيء يتبع الذين تدعونهم حال كونهم شركاء في زعمكم من
~~الملائكة والنبيين تقريرا لكونهم متبعين لله تعالى مطيعين له وتوبيخا
~~لهم على عدم اقتدائهم بهم في ذلك كقوله سبحانه:

# أولئك الذين تدعون يبتغون إلى ربهم
~~الوسيلة

# [الإسراء: 57] وحاصله أن الذين تعبدونهم يعبدون الله تعالى ولا يعبدون
~~غيره فما لكم لا تقتدون بهم ولا تتبعونهم في ذلك ثم صرف الكلام عن الخطاب
~~إلى الغيبة فقيل: إن ms04141 يتبع هؤلاء إلا الظن ولا يتبعون ما يتبعه الملائكة
~~والنبيون عليهم السلام من الحق { وإن هم إلا يخرصون } أي
~~يحزرون ويقدرون أنهم شركاء تقديرا باطلا أو يكذبون فيما ينسبونه إليه
~~سبحانه وتعالى على أن الخرص إما بمعنى الحزر والتخمين كما هو الأصل
~~الشائع فيه وإما بمعنى الكذب فإنه جاء استعماله في ذلك لغلبته في مثله.

### || [10.67]

# { هو الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه
~~والنهار مبصرا } تنبيه على تفرده تعالى بالقدرة الكاملة والنعمة
~~الشاملة ليدلهم على توحده سبحانه باستحقاق العبادة فتعريف الطرفين للقصر
~~وهو قصر تعيين، وفي ذلك أيضا تقرير لما سلف من كون جميع الموجودات
~~الممكنة تحت قدرته وملكته المفصح عن اختصاص العزة به سبحانه. والجعل إن
~~كان بمعنى الإبداع والخلق  فمبصرا  حال وإن كان بمعنى التصيير  فلكم
~~ المفعول الثاني أو حال كما فيي الوجه الأول فالمفعول الثاني {
~~لتسكنوا فيه } أو هو محذوف يدل عليه المفعول الثاني من الجملة
~~الثانية كما أن العلة الغائية منها محذوفة اعتمادا على ما في الأولى،
~~والتقدير: هو الذي جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه والنهار مبصرا
~~لتتحركوا فيه لمصالحكم فحذف من كل ما ذكر في الآخر اكتفاء بالمذكور عن
~~المتروك؛ وفيه على هذا صنعة الاحتباك والآية شائعة في التمثيل بها لذلك
~~وهو الظاهر فيها وإن كان أمرا غير ضروري، ومن هنا ذهب جمع إلى أنه لا
~~احتباك فيها، والعدول عن لتبصروا فيه الذي يقتضيه ما قبل إلى ما في النظم
~~الجليل / للتفرقة بين الظرف المجرور والظرف الذي هو سبب يتوقف عليه في
~~الجملة وإسناد الإبصار إلى النهار مجازي كالذي في قول جرير:

# لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى

# ونمت وما ليل المطي بنائم

# وقولهم:  نهاره صائم  وغير ذلك مما لا يحصى كثرة وإلى هذا ذهب ابن
~~عطية وجماعة، وقيل: إن { مبصرا } للنسب كلابن وتامر أي ذا إبصار.

# { إن في ذلك } أي في الجعل المذكور أو في الليل والنهار، وما في
~~اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان ببعد منزلة المشار إليه وعلو رتبته {
~~لآيت ms04142 } أي حججا ودلالات على توحيد الله تعالى كثيرة أو آيات أخر غير
~~ما ذكر { لقوم يسمعون } أي الحجج مطلقا سماع تدبر واعتبار أو
~~يسمعون هذه الآيات المتلوة ونظائرها المنبهة على تلك الآيات التكوينية
~~الآمرة بالتأمل فيها ذلك السماع فيعملون بمقتضاها، وتخصيص هؤلاء بالذكر
~~مع أن الآيات منصوبة لمصلحة الكل لما أنهم المنتفعون بها.

### || [10.68]

# { قالوا اتخذ الله ولدا } شروع في ذكر ضرب آخر من أباطيل
~~المشركين وبيان بطلانه، والمراد بهؤلاء المشركين على ما قيل: كفار قريش
~~والعرب فإنهم قالوا: الملائكة بنات الله تعالى، واليهود والنصارى
~~القائلون: عزير وعيسى عليهما السلام ابناه عز وجل والاتخاذ صريح في
~~التبني، وظاهر الآية يدل على أن ذلك قول كل المشركين وإذا ثبت أن منهم من
~~يقول بالولادة والتوليد حقيقة كان ما هنا قول البعض ولينظر هل يجري فيه
~~احتمال إسناد ما للبعض للكل لتحقق شرطه أم لا يجري لفقد ذلك والولد
~~يستعمل مفردا وجمعا. وفي «القاموس» ((الولد محركة وبالضم والكسر والفتح
~~واحد وجمع وقد يجمع على أولاد وولدة وإلدة (بالكسر فيهما) وولد
~~بالضم)) وهو يشمل الذكر والأنثى { سبحنه } تنزيه وتقديس له تعالى
~~عما نسبوا إليه على ما هو الأصل في معنى سبحانه وقد يستعمل للتعجب مجازا
~~ويصح إرادته هنا، والمراد التعجب من كلمتهم الحمقى، وجمع بعضهم بين
~~التنزيه والتعجب ولعله مبني على أن التعجب معنى كنائي وأنه يصح إرادة
~~المعنى الحقيقي في الكناية وهو أحد قولين في المسألة، وقيل: إنه لا يلزم
~~استفادة معنى التعجب منه باستعمال اللفظ فيه بل هو من المعاني الثواني،
~~وقوله سبحانه: { هو الغني } أي عن كل شيء في كل شيء [وهو] علة
~~لتنزهه تعالى وتقدس عن ذلك وإيذان بأن اتخاذ الولد مسبب عن الحاجة وهي
~~التقوى أو بقاء النوع مثلا.

# وقوله تعالى: { له ما في السموت وما في الأرض } أي من
~~العقلاء وغيرهم تقرير لمعنى الغني لأن المالك لجميع الكائنات هو الغني
~~وما عداه فقير، وقيل: هو علة أخرى للتنزه عن التبني لأنه ينافي المالكية،
~~وقوله جل شأنه: { إن ms04143 عندكم من سلطان } أي حجة { بهذا }
~~أي بما ذكر من القول الباطل توضيح لبطلانه بتحقيق سلامة ما أقيم من
~~البرهان الساطع عن المعارض والمنافي  فإن  نافية و { من } زائدة
~~لتأكيد النفي ومجرورها مبتدأ والظرف المقدم خبره أو مرتفع على أنه فاعل
~~له لاعتماده على النفي و { بهذا } متعلق إما  بسلطان  لأنه بمعنى
~~الحجة كما سمعت وإما بمحذوف وقع صفة له، وقيل: وقع حالا من الضمير
~~المستتر في الظرف الراجع إليه وإما بما في { عندكم } من معنى
~~الاستقرار، ويتعين على هذا كون { سلطن } فاعلا للظرف لئلا يلزم
~~الفصل بين العامل المعنوي ومتعلقه بأجنبي، والالتفات إلى الخطاب لمزيد
~~المبالغة في الإلزام والإفحام وتأكيد ما في قوله تعالى: / { أتقولون
~~على الله ما لا تعلمون } من التوبيخ والتقريع على جهلهم
~~واختلاقهم.

# وفي الآية دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة وأن العقائد لا بد
~~لها من قاطع وأن التقليد بمعزل من الاهتداء ولا تصلح متمسكا لنفي القياس
~~والعمل بخبر الآحاد لأن ذلك في الفروع وهي مخصوصة بالأصول لما قام من
~~الأدلة على تخصيصها وإن عم ظاهرها.

### || [10.69]

# { قل } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم
~~ليبين سوء مغبتهم ووخامة عاقبتهم وفي ذلك إنذار لهم عن الاستمرار على ما
~~هم فيه ولغيرهم عن الوقوع في مثله { إن الذين يفترون على
~~الله الكذب } في كل أمر ويدخل الافتراء بنسبة الولد والشريك إليه
~~تعالى دخولا أوليا وهو أولى من الاقتصار على ما الكلام فيه، وحينئذ
~~فالمراد بالموصول ما يعم أولئك المخاطبين وغيرهم، أي إن من تكون هذه
~~صفتهم كائنا ما كانوا { لا يفلحون } لا ينجون من مكروه ولا يفوزون
~~بمطلوب أصلا ويندرج في ذلك عدم النجارة من النار وعدم الفوز بالجنة
~~والاقتصار عليه في مقام المبالغة في الزجر عن الافتراء عليه سبحانه دون
~~التعميم في المناسبة.

### || [10.70]

# { متع فى الدنيا } خبر مبتدأ محذوف أي هو أو ذلك متاع،
~~والتنوين للتحقير والتقليل، والظرف متعلق بما عنده أو بمحذوف وقع نعتا
~~له، ms04144 والجملة كلام مستأنف سيق جوابا لسؤال مقدر عما يتراءى فيهم بحسب
~~الظاهر من نيل المطالب والفوز بالحظوظ الدنيوية على الإطلاق أو في ضمن
~~افترائهم وبيانا لأن ذلك بمعزل من أن يكون من جنس الفلاح كأنه قيل: كيف
~~لا يفلحون وهم في غبطة ونعيم؟ فقيل: هو أو ذلك متاع حقير قليل في الدنيا
~~وليس بفوز بالمطلوب، ثم أشير إلى انتفاء النجاة عن المكروه أيضا بقوله
~~سبحانه: { ثم إلينا مرجعهم } أي إلى حكمنا رجوعهم بالموت
~~فيلقون الشقاء المؤبد { ثم نذيقهم العذاب الشديد بما
~~كانوا يكفرون } أي بسبب كفرهم المستمر أو بكفرهم في الدنيا فأين
~~هم من الفلاح.

# وما ذكرنا من كون { متع } خبر مبتدأ محذوف هو الذي ذهب إليه غير
~~واحد من المعربين، غير أن أبا البقاء وآخرين منهم قدروا المبتدأ حياتهم
~~أو تقلبهم أو افتراؤهم، واعترض على تقدير الأخير بأن المتاع إنما يطلق
~~على ما يكون مطبوعا عند النفس مرغوبا فيه في نفسه يتمتع به وينتفع
~~وإنما عدم الاعتداد به لسرعة زواله، ونفس الافتراء عليه سبحانه أقبح
~~القبائح عند النفس فضلا عن أن يكون مطبوعا عندها. وأجيب بأن إطلاق
~~المتاع على ذلك باعتبار أنه مطبوع عند نفوسهم الخبيثة وفيه انتفاع لهم به
~~حسبما يرونه انتفاعا وإن كان من أقبح القبائح وغير منتفع به في نفس
~~الأمر، ولا يخفى أن الوجه الأول مع هذا أوجه، وقيل: إن المذكور مبتدأ
~~محذوف الخبر أي لهم متاع الخ وليس ببعيد، والآية إما مسوقة من جهته
~~سبحانه لتحقيق عدم إفلاحهم غير داخلة في الكلام المأمور به وهو الذي
~~يتقضيه ظاهر قوله سبحانه: { ثم إلينا مرجعهم } وقوله تعالى:
~~{ ثم نذيقهم } وإما داخلة فيه على أن النبي صلى الله عليه وسلم
~~مأمور بنقله وحكايته عنه تعالى شأنه وله نظائر في الكتاب العزيز.

### || [10.71]

# { واتل عليهم } أي على المشركين من أهل مكة وغيرهم لتحقيق ما
~~سبق من عدم إفلاح المفترين وكون ما يتمتعون به على جناح الفوات وأنهم
~~مشرفون على الشقاء المؤبد والعذاب الشديد { نبأ نوح } أي خبره الذي ms04145
~~له شأن وخطر مع قومه الذين هم أضراب قومك في الكفر والعناد / ليتدبروا ما
~~فيه مما فيه مزدجر فلعلهم ينزجرون عما هم عليه أو تنكسر شدة شكيمتهم ولعل
~~بعض من يسمع ذلك منك ممن أنكر صحة نبوتك أن يعترف بصحتها فيؤمن بك بأن
~~يكون قد ثبت عنده ما يوافق ما تضمنه المتلو من غير مخالفة له أصلا
~~فيستحضر أنك لم تسمع ذلك من أحد ولم تستفده من كتاب فلا طريق لعلمك به
~~إلا من جهة الوحي وهو مدار النبوة. وفي ذلك من تقرير ما سبق من كون الكل
~~لله سبحانه، واختصاص العزة به تعالى، وانتفاء الخوف على أوليائه وحزنهم،
~~وتشجيع النبي صلى الله عليه وسلم وحمله على عدم المبالاة بهم وبأقوالهم
~~وأفعالهم ما لا يخفى، والاقتصار على بعض ذلك قصور؛ وقد تقدم الكلام في
~~نوح عليه السلام { إذ قال لقومه } اللام للتبليغ أو التعليل و {
~~إذ } بدل من { نبأ } بدل اشتمال أو معمولة له لا  لأتل  لفساد
~~المعنى، وجوز أبو البقاء تعلقه بمحذوف وقع حالا من { نبأ } وأيا ما
~~كان فالمراد بعض نبئه عليه الصلاة والسلام لا كل ما جرى بينه وبين قومه
~~وكانوا على ما قال الأجهوري من بني قابيل { يقوم إن كان كبر }
~~أي عظم وشق { عليكم مقامي } أي نفسي على أنه في الأصل اسم مكان
~~وأريد منه النفس بطريق الكناية الإيمائية كما يقال المجلس السامي، ويجوز
~~أن يكون مصدرا ميميا بمعنى الإقامة يقال: قمت بالمكان وأقمت بمعنى أي
~~إقامتي بين ظهرانيكم مدة مديدة، وكونها ما ذكر الله تعالى ألف سنة إلا
~~خمسين عاما يقتضي أن يكون القول في آخر عمره ومنتهى أمره ويحتاج ذلك إلى
~~نقل، أو المراد قيامه بدعوتهم وقريب منه قيامه لتذكيرهم ووعظهم لأن
~~الواعظ كان يقوم بين من يعظهم لأنه أظهر وأعون على الاستماع كما يحكى عن
~~عيسى عليه السلام أنه كان يعظ الحواريين قائما وهم قعود، وكثيرا ما كان
~~نبينا صلى الله عليه وسلم يقوم على المنبر فيعظ الجماعة وهم قعود فيجعل
~~القيام ms04146 كناية أو مجازا عن ذلك أو هو عبارة عن ثبات ذلك وتقرره {
~~وتذكيري } إياكم { بآيات الله } الدالة على وحدانيته المبطلة
~~لما أنتم عليه من الشرك { فعلى الله توكلت } لا على غيره،
~~والجملة جواب الشرط وهو عبارة عن عدم مبالاته والتفاته إلى استثقالهم،
~~ويجوز أن تكون قائمة مقامه، وقيل: الجواب محذوف وهذا عطف عليه أي فافعلوا
~~ما شئتم، وقيل: المراد الاستمرار على تخصيص التوكل به تعالى، ويجوز أن
~~يكون المراد إحداث مرتبة مخصوصة من مراتب التوكل وإلا فهو عليه السلام
~~متوكل عليه سبحانه لا على غيره دائما.

# وقوله سبحانه: { فأجمعوا أمركم } عطف على الجواب المذكور
~~عند الجمهور والفاء لترتيب الأمر بالإجماع على التوكل لا لترتيب نفس
~~الإجماع عليه، وقيل: إنه الجواب وما سبق اعتراض وهو يكون بالفاء.

# فاعلم فعلم المرء ينفعه

# ولعله أقل غائلة مما تقدم لما سمعته مع ما فيه من ارتكاب عطف الإنشاء
~~على الخبر وفيه كلام. و { أجمعوا } بقطع الهمزة وهو كما قال أبو
~~البقاء من أجمعت على الأمر إذا عزمت عليه إلا أنه حذف حرف الجر فوصل
~~الفعل، وقيل: إن أجمع متعد بنفسه واستشهد له بقول الحرث بن حلزة:

# أجمعوا أمرهم بليل فلما

# أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء

# ونص السدوسي على أن عدم الإتيان بعلى كأجمعت الأمر أفصح من الإتيان بها
~~كأجمعت على الأمر، وقال أبو الهيثم: معنى أجمع أمره جعله مجموعا بعد ما
~~كان متفرقا وتفرقته أن يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل / كذا فإذا عزم فقد
~~جمع ما تفرق من عزمه ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بعلى وأصله التعدية
~~بنفسه، ولا فرق بين أجمع وجمع عند بعض، وفرق آخرون بينهما بأن الأول
~~يستعمل في المعاني والثاني في الأعيان فيقال: أجمعت أمري وجمعت الجيش
~~ولعله أكثري لا دائمي، والمراد بالأمر هنا نحو المكر والكيد.

# { وشركآءكم } أي التي زعمتم أنها شركاء لله سبحانه وتعالى، وهو
~~نصب على أنه مفعول معه من الفاعل لأن الشركاء عازمون لا معزوم عليهم،
~~ويؤيد ذلك قراءة الحسن وابن أبي إسحاق وأبي عبد ms04147 الرحمن السلمي وعيسى
~~الثقفي بالرفع فإن الظاهر أنه حينئذ معطوف على الضمير المرفوع المتصل
~~ووجود الفاصل قائم مقام التأكيد بالضمير المنفصل. وقيل: إنه مبتدأ محذوف
~~الخبر أي وشركاؤكم يجمعون ونحوه. وقيل: إن النصب بالعطف على { أمركم
~~} بحذف المضاف أي وأمر شركائكم بناء على أن أجمع تتعلق بالمعاني والكلام
~~خارج مخرج التهكم بناء على أن المراد بالشركاء الأصنام، وقيل: إنه على
~~ظاهره والمراد بهم من على دينهم. وجوز أن لا يكون هناك حذف والكلام من
~~الإسناد إلى المفعول المجازي على حد ما قيل في

# واسئل القرية

# [يوسف: 82]، وقيل: إن ذاك على المفعولية به لمقدر كما قيل في قوله:

# علفتها تبنا وماء باردا

# أي (وادعوا شركاءكم) كما قرأ به أبي رضي الله تعالى عنه، وقرأ نافع {
~~فأجمعوا } بوصل الهمزة وفتح الميم من جمع، وعطف الشركاء على الأمر
~~في هذه القراءة ظاهر بناء على أنه يقال: جمعت شركائي كما يقال: جمعت
~~أمري، وزعم بعضهم أن المعنى ذوي أمركم وهو كما ترى، والمعنى أمرهم بالعزم
~~والإجماع على قصده والسعي في إهلاكه على أي وجه يمكنهم من المكر ونحوه
~~ثقة بالله تعالى وقلة مبالاة بهم، وليس المراد حقيقة الأمر.

# { ثم لا يكن أمركم } ذلك { عليكم غمة } أي مستورا
~~من غمه إذا ستره، ومنه حديث وائل ابن حجر «لا غمة في فرائض الله تعالى»
~~أي لا تستر ولا تخفى وإنما تظهر وتعلن، والجار والمجرور متعلق  بغمة 
~~والمراد نهيهم عن تعاطي ما يجعل ذلك غمة عليهم فإن الأمر لا ينهى ويستلزم
~~ذلك الأمر بالإظهار، فالمعنى أظهروا ذلك وجاهروني به فإن الستر إنما يصار
~~إليه لسد باب تدارك الخلاص بالهرب أو نحوه فحيث استحال ذلك في حقي لم يكن
~~للستر وجه، وكلمة { ثم } للتراخي في الرتبة، وإظهار الأمر في مقام
~~الإضمار لزيادة التقرير، وقيل: أظهر لأن المراد به ما يعتريهم من جهته
~~عليه السلام من الحال الشديدة عليهم المكروهة لديهم لا الأمر الأول،
~~والمراد بالغمة الغم كالكربة والكرب، والجار والمجرور متعلق بمقدر وقع
~~حالا منها، و { ثم } للتراخي ms04148 في الزمان، والمعنى ثم لا يكن حالكم
~~غما كائنا عليكم وتخلصوا بهلاكي من ثقل مقامي وتذكيري بآيات الله
~~تعالى.

# واعترض عليه بأنه لا يساعده قوله تعالى شأنه: { ثم اقضوا إلي
~~ولا تنظرون } أي أدوا إلي ذلك الأمر الذي تريدون ولا تمهلوني على
~~أن القضاء من قضى دينه إذا أداه، ومفعوله محذوف كما أشرنا إليه وفيه
~~استعارة مكنية والقضاء تخييل وقد يفسر القضاء بالحكم أي احكموا بما تؤدوه
~~إلي ففيه تضمين واستعارة مكنية أيضا لأن توسيط ما يحصل بعد الإهلاك
~~بين الأمر بالعزم على مباديه وبين الأمر بقضائه من قبيل الفصل بين الشجر
~~ولحائه، والوجه الأول سالم عن ذلك وهو ظاهر، وقيل: المراد بالغمة المعنى
~~الأول وبالأمر ما تقدم وبالنهي الأمر بالمشاورة أي أجمعوا أمركم ثم
~~تشاوروا فيه وفيه بعد لعدم ظهور كلا الترتيبين الدالة عليهما (ثم) سواء
~~اعتبرت قراءة الجماعة أو قراءة نافع في { أجمعوا } وقرىء { أفضوا
~~إلي } بالفاء أي انتهوا إلى بشركم أو ابرزوا إلي من أفضى إذا خرج إلى
~~الفضاء كأبرز إذا خرج إلى البراز وهو المكان الواسع.

### || [10.72]

# { واحذروا فإن توليتم } أي بقيتم على إعراضكم عن تذكيري
~~أو أحدثتم إعراضا / مخصوصا عن ذلك بعد وقوفكم على أمري ومشاهدتكم مني
~~ما يدل على صحة قولي { فما سألتكم } بمقابلة تذكيري ووعظي { من
~~أجر } تؤدونه إلي حتى يؤدي ذلك إليكم إلى توليكم إما لاتهامكم إياي
~~بالطمع أو لثقل دفع المسؤول عليكم أو حتى يضرني توليكم المؤدي إلى
~~الحرمان فالأول لإظهار بطلان التولي ببيان عدم ما يصححه والثاني لإظهار
~~عدم مبالاته عليه السلام بوجوده وعدمه، وعلى التقديرين فالفاء الأولى
~~لترتب هذا الشرط على الجزاء قبله والفاء الثانية لسببية الشرط للإعلام
~~بمضمون الجزاء بعده كما ذكره بعض المحققين، أي إن توليتم فاعلموا أن ليس
~~في مصحح له أو لا تأثر منه على حد ما قيل في قوله تعالى:

# وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير

# [الأنعام: 17]. وذهب بعضهم إلى أن جواب الشرط محذوف أقيم ما ذكر وهو
~~علته مقامه أي فلا ms04149 باعث لكم على التولي ولا موجب له أو فلا ضير علي بذلك،
~~وكلام البعض مشعر بأنه مع اعتبار الحذف والإقامة المذكورين يجىء حديث
~~اعتبار سببية الشرط للإعلام وهو الذي يميل إليه الذوق و { من } زائدة
~~للتأكيد أي فما سألتكم أجرا.

# وقوله تعالى: { إن أجري إلا على الله } تأكيد لما قبله
~~على المعنى الأول وتعليل لاستغنائه عليه السلام على المعنى الثاني أي ما
~~ثوابي على العظة والتذكير إلا عليه تعالى يثبني بذلك آمنتم أو توليتم،
~~وقوله سبحانه: { وأمرت أن أكون من المسلمين } تذييل
~~على ما قيل لمضمون ما قبله مقرر له، والمعنى وأمرت بأن أكون منتظما في
~~عداد المسلمين الذين لا يأخذون على تعليم الدين شيئا ولا يطلبون به
~~دنيا، وفيه حمل الإسلام على ما يسارق الإيمان واعتبار التقييد، وعدل عنه
~~بعضهم لما فيه من نوع تكلف فحمل الإسلام على الاستسلام والانقياد ولم
~~يقيد، أي وأمرت بأن أكون من جملة المنقادين لحكمه تعالى لا أخالف أمره
~~ولا أرجو غيره، وفيه على هذا المعنى أيضا من تأكيد ما تقدم وتقرير
~~مضمونه ما لا يخفى، ولا يظهر أمر التأكيد على تقدير أن يكون المعنى من
~~المستسلمين لكل ما يصيب من البلاء في طاعة الله تعالى ظهوره على
~~التقديرين السابقين، وبالجملة أنه عليه السلام لم يقصر في إرشادهم بهذا
~~الكلام وبلغ الغاية القصوى فيه.

# وذكر بعضهم وجه نظمه على هذا الأسلوب على بعض الأوجه المحتملة فقال: إنه
~~عليه الصلاة والسلام قال في أول الأمر:

# فعلى الله توكلت

# [يونس: 71] فبين وثوقه بربه سبحانه أي إني وثقت به فلا تظنوا بي أن
~~تهديدكم إياي بالقتل والإيذاء يمنعني من الدعاء إلى الله تعالى، ثم أورد
~~عليهم ما يدل على صحة دعواه فقال:

# فأجمعوا أمركم

# [يونس: 71] كأنه يقول: أجمعوا كل ما تقدرون عليه من الأشياء التي توجب
~~حصول مطلوبكم ثم لم يقتصر على ذلك بل أمرهم أن يضيفوا إلى أنفسهم شركاءهم
~~الذين كانوا يزعمون أن حالهم يقوى بمكانهم وبالتقرب إليهم ثم لم يقتصر
~~على هذين بل ضم إليهما ms04150 ثالثا وهو قوله:

# ثم لا يكونوا أمركم عليكم غمة

# [يونس: 71] فأراد أن يسعوا في أمره غاية السعي ويبالغوا فيه غاية
~~المبالغة حتى يطيب عيشهم، ثم لم يقتصر على ذلك حتى ضم إليه رابعا فقال:

# ثم اقضوا إلي

# [يونس: 71] آمرا لهم بأداء ذلك كله إليه، ثم ضم إلى ذلك خامسا

# ولا تنظرون

# [يونس: 71] فنهاهم عن الإمهال وفي ذلك من الدلالة على أنه عليه الصلاة
~~والسلام قد بلغ الغاية في التوكل على الله سبحانه وأنه كان قاطعا بأن
~~كيدهم لا يضره ولا يصل إليه وأن مكرهم لا ينفذ فيه ما هو أظهر من الشمس
~~وأبين من أمس، ثم إنه عليه السلام أراد أن يجعل الحجة لازمة عليهم ويبرىء
~~ساحته فنفى سؤاله إياهم شيئا من الأجر وأكد ذلك بأن أجره على الله
~~سبحانه لا على غيره مشيرا إلى مزيد / كرمه جل جلاله وأنه يثيبه على فعله
~~سأله أو لم يسأله ولذا لم يقل إن سؤالي الأجر إلا من الله تعالى، ثم لم
~~يكتف بذلك حتى ضم إليه أنه مأمور بما يندرج فيه عدم سؤالهم والالتفات إلى
~~ما عندهم وأن يتصف به على أتم وجه لأن { من المسلمين } أبلغ من
~~مسلما كما تحقق في محله وفي ذلك قطع ما عسى أن يحول بينهم وبين إجابة
~~دعوته والاتعاظ بعظته إلا أن القوم قد بلغوا الغاية في العناد والتمرد.

### || [10.73]

# { فكذبوه } أي فأصروا بعد أن لم يبق عليهم عليه السلام في قوس
~~الإلزام منزعا وفي كأس بيان أن لا سبب لتوليهم غير التمرد مكرعا على ما
~~هم عليه من التكذيب الدال عليه السباق واللحاق وهو عطف على جملة قوله
~~تعالى:

# قال لقومه

# [يونس: 71] والفاء في قوله تعالى: { فنجينه } فصيحة في رأي أي
~~فحقت عليهم كلمة العذاب فأنجيناه، وأنكر ذلك الشهاب وادعى أن ذكر ما يشير
~~إليه في عبارة بعض المفسرين توطئة للتفريع لا إشارة إلى أن الفاء فصيحة،
~~وأنا لا أرى فيه بأسا إلا أن تقدير فعاملنا كلا بما تقتضيه الحكمة
~~ونحوه عندي أولى، ومتعلق الإنجاء ms04151 محذوف أي من الغرق كما يدل عليه المقام،
~~وقيل: من أيدي الكفار أي فخلصناه من ذلك { ومن معه } من المؤمنين
~~به وكانوا في المشهور أربعين رجلا وأربعين امرأة وقيل دون ذلك { في
~~الفلك } أي السفينة وهو مفرد ههنا، والجار كما قال الأجهوري وغيره
~~متعلق بأنجيناه أي وقع الإنجاء في الفلك، ويجوز أن يتعلق بالاستقرار الذي
~~تعلق به الظرف قبله الواقع صلة أي والذين استقروا معه في الفلك {
~~وجعلناهم خلآئف } عمن هلك بالإغراق بالطوفان وهو جمع خليفة {
~~فكذبوه فأنجينه والذين معه } وهم الباقون من قومه،
~~والتعبير عنهم بالموصول للإيذان بعلية مضمون الصلة للإغراق وتأخير ذكره
~~عن ذكر الإنجاء والاستخلاف لإظهار كمال العناية بشأن المقدم ولتعجيل
~~المسرة للسامعين وللإيذان بسبق الرحمة التي هي من مقتضيات الربوبية على
~~الغضب الذي هو من مستتبعات جرائم المجرمين.

# { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } المخوفين بالله
~~تعالى وعذابه والمراد بهم المكذبين، والتعبير عنهم بذلك للإشارة إلى
~~إصرارهم على التكذيب حيث لم ينجع الإنذار فيهم ولم يفدهم شيئا وقد جرت
~~عادة الله تعالى أن لا يهلك قوما بالاستئصال إلا بعد الإنذار لأن من
~~أنذر فقد أعذر، والنظر كما قال الراغب يكون بالبصر والبصيرة والثاني أكثر
~~عند الخاصة وسيق الكلام لتهويل ما جرى عليهم وتحذير من كذب بالرسول عليه
~~الصلاة والسلام والتسلية له صلى الله عليه وسلم، والمراد اعتبر ما أخبر
~~الله تعالى به لأنه لا يمكن أن ينظر إليه هو صلى الله عليه وسلم ولا من
~~أنذره.

### || [10.74]

# { ثم بعثنا } أي أرسلنا { من بعده } أي من بعد نوح عليه
~~الصلاة والسلام { رسلا } أي كراما ذوي عدد كثير فالتنكير للتفخيم
~~والتكثير { إلى قومهم } قيل أي إلى أقوامهم على معنى أرسلنا كل
~~رسول [إلى قومه] خاصة مثل هود إلى عاد وصالح إلى ثمود وغير ذلك ممن قص
~~منهم ومن لم يقص لا على معنى أرسلنا كل رسول منهم إلى أقوام الكل أو إلى
~~قوم أي قوم كانوا، وفيه إشارة إلى أن عموم الرسالة إلى البشر لم يثبت
~~لأحد من أولئك ms04152 الرسل عليهم الصلاة والسلام، وظاهر كلامهم الإجماع على أن
~~ذلك مخصوص بنبينا صلى الله عليه وسلم ولم يثبت لأحد ممن أرسل بعد نوح،
~~واختلف فيه عليه السلام هل بعث إلى أهل الأرض كافة أو إلى أهل / صقع
~~منها؟ وعليه يبنى النظر في الغرق هل عم جميع أهل الأرض أو كان لبعضهم وهم
~~أهل دعوته المكذبيين به كما هو ظاهر كثير من الآيات والأحاديث، قال ابن
~~عطية: الراجح عند المحققين هو الثاني، وكثير من أهل الأرض كأهل الصين
~~وغيرهم ينكرون عموم الغرق، والأول لا ينافي القول باختصاص عموم الرسالة
~~على العموم المشهور بين الخصوص والعموم بنبينا صلى الله عليه وسلم لأنها
~~لمن بعده إلى يوم القيامة.

# وزعم بعضهم أن الغرق كان عاما مع خصوص البعثة ولا مانع من أن يهلك الله
~~تعالى من لا جناية له مع من له جناية ولا اعتراض عليه سبحانه فيما ذكر إذ
~~هو تصرف في خالص ملكه ولا يسئل عما يفعل. وفي قوله سبحانه:

# واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم
~~خآصة

# [الأنفال: 25] نوع إشارة إلى ذلك. نعم قد ثبت لنون عليه السلام عموم
~~الرسالة انتهاء حيث لم يبق على وجه الأرض بعد الطوفان سوى من كان معهم
~~وهم جميع أهل الأرض إذ ذاك فالفرق بين رسالته عليه السلام ورسالة نبينا
~~صلى الله عليه وسلم ظاهر فإن رسالة نبينا عليه الصلاة والسلام عامة
~~ابتداء وانتهاء ورسالته عليه السلام عامة انتهاء لا ابتداء ولا يخلو عن
~~نظر، والأولى أن يعتبر في اختصاص عموم رسالة نبينا عليه الصلاة والسلام
~~كونها لمن بعده إلى يوم القيامة فإن عدم ثبوت ذلك لأحد من الرسل عليهم
~~السلام قبل نوح وبعده مما لا يتنازع فيه، وهذا كله إذا لم يلاحظ في
~~العموم الجن وكذا الملائكة إذا لوحظ كما يفيده قوله سبحانه:

# ليكون للعلمين نذيرا

# [الفرقان: 1] فأمر الاختصاص أظهر وأظهر.

# { فجآءوهم } أي فأتى كل رسول قومه المخصوصين به { بالبينت }
~~أي بالمعجزات الواضحة الدالة على صدق ما يقولون، والباء إما متعلقة بما
~~عندها على ms04153 أنها للتعدية أو بمحذوف وقع حالا من الضمير المرفوع أي متلبسين
~~بالبينات لكن لا بأن يأتي كل رسول ببينة فقط بل بأن يأتي ببينة أو ببينات
~~كثيرة خاصة به معينة له حسب اقتضاء الحكمة، وإلى نفي إرادة الإتيان ببينة
~~وإرادة الإتيان ببينات كثيرة ذهب شيخ الإسلام، ثم قال: فإن مراعاة انقسام
~~الآحاد على الآحاد إنما هي في ضميري { جآءوهم } كما أشير إليه، ولعل
~~صنيعنا أحسن من صنيعه، ويفهم من كلام بعض المحققين أن انفهام إرسال كل
~~رسول إلى قومه من إشافة القوم إلى ضمير { رسلا } وليس ذلك من مقابلة
~~الجمع بالجمع المقتضي لانقسام الآحاد على الآحاد، ولا شك أن انفهام مجيء
~~كل رسول قومه المخصوصين به تابع لذلك.

# وبعد هذا كله إذا اعتبر مقابلة الجمع بالجمع في جاؤوهم بالبينات، وقيل
~~بانقسام الآحاد على الآحاد لا يلزم أن يكون لكل رسول بينة جاء بها كما أن
~~ باع القوم دوابهم  لا يقتضي أن يكون لكل واحد من القوم دابة واحدة
~~باعها فإن معناه باع كل من القوم ما له من الدواب وهو يعم الدابة الواحدة
~~وغيرها، وهذا بخلاف ركب القوم دوابهم فإنه يتعين فيه إرادة كل واحدة من
~~الدواب لاستحالة ركوب الشخص دابتين مثلا. وقد نص العلامة أبو القاسم
~~السمرقندي في «حواشيه على المطول» أنه لا يشترط في مقابلة الجمع بالجمع
~~انقسام الآحاد على الآحاد بمعنى أن يكون لكل واحد من أحد الجمعين واحد من
~~الجمع الآخر وهو ظاهر فيما قلنا، والمعول عليه في كون الآية من قبيل
~~المثال الأول أمر خارج، فإن من المعلوم أن الرسول الواحد من الرسل عليهم
~~السلام قد جاء قومه ببينات فوق الواحدة.

# { فما كانوا ليؤمنوا } بيان / لاستمرار عدم إيمانهم في
~~الزمان الماضي أي فما صح ولا استقام لهم في وقت من الأوقات أن يؤمنوا
~~لشدة شكيمتهم ومزيد عنادهم، وضمير الجمع هنا للقوم المبعوث إليهم وكذا في
~~قوله تعالى: { بما كذبوا به من قبل } والباء فيه صلة 
~~يؤمنوا  و (ما) موصولة والمراد بها جميع الشرائع التي جاء ms04154 بها كل رسول
~~أصولها وفروعها، والمراد بعدم إيمانهم بها إصرارهم على ذلك بعد اللتيا
~~والتي وبتكذيبهم من قبل تكذيبهم من حين مجيء الرسل عليهم السلام إلى زمان
~~الإصرار والعناد، وهذا بناء على أن المحكي آخر أحوالهم حسبما يشير إليه
~~حكاية قوم نوح عليه السلام، ولم يجعل التكذيب مقصودا بالذات كما جعل عدم
~~إيمانهم كذلك إيذانا بأنه بين في نفسه غني عن البيان، وإنما المحتاج
~~إليه عدم إيمانهم بعد تواتر البينات وتظاهر المعجزات التي كانت تضطرهم
~~إلى القبول لو كانوا من أهل العقول، وإذا كان المحكي جميع أحوال أولئك
~~الأقوام فالمراد بعدم إيمانهم المفاد بالنفي السابق كفرهم المستمر من حين
~~مجيء الرسل عليهم السلام إلى زمان إصرارهم وبعدم إيمانهم المفهوم من جملة
~~الصلة كفرهم قبل مجيء الرسل عليهم السلام، ويراد حينئذ من الموصول أصول
~~الشرائع التي أجمعت عليها الرسل قاطبة ودعوا أممهم إليها كالتوحيد
~~ولوازمه مما يستحيل تبدله وتغيره ومعنى تكذيبهم بذلك قبل مجيء رسلهم أنهم
~~ما كانوا أهل جاهلية بحيث لم يسمعوا بذلك قط بل كان كل قوم يتسامعون به
~~من بقايا من قبلهم فيكذبونه ثم كانت حالهم بعد مجيء الرسل كحالهم قبل ذلك
~~كأن لم يبعث إليهم أحد، وقيل: المراد أنهم لم ينتفعوا بالبعثة وكانت
~~حالهم بعد البعثة كحالهم قبلها في كونهم أهل جاهلية والأول أولى، وتخصيص
~~التكذيب وعدم الإيمان بما ذكر من الأصول لظهور حال الباقي بدلالة النص،
~~فإنهم حين لم يؤمنوا بما اجتمعت عليه الكافة فلأن لا يؤمنوا بما تفرد به
~~البعض أولى، وعدم جعل هذا التكذيب مقصودا بالذات لأن ما عليه يدور أمر
~~العذاب عند اجتماع التكذيبين هو التكذيب الواقع بعد البعثة والدعوة حسبما
~~يعرب عنه قوله تعالى:

# وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا

# [الإسراء: 15] وإنما ذكر ما وقع قبل بيانا لعراقتهم في الكفر والتكذيب،
~~وفكك بعضهم بين الضمائر فقيل: ضمير { كانوا } و { يؤمنوا } لقوم
~~الرسل وضمير { كذبوا } لقوم نوح عليه السلام أي ما كان قوم الرسل
~~ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح أي بمثله، والمراد ms04155 به ما بعث الرسل عليهم
~~السلام لإبلاغه.

# وجوز على هذا القول أن يراد بالموصول نوح نفسه أي ما كان قوم الرسل
~~ليؤمنوا بنوح عليه السلام إذ لو آمنوا به آمنوا بأنبيائهم عليهم السلام
~~ولا يخفى ما في ذلك، ومن الناس من جعل الباء سببية و(ما) مصدرية والمعنى
~~كذبوا رسلهم فكان عقابهم من الله تعالى أنهم لم يكونوا ليؤمنوا بسبب
~~تكذيبهم من قبل وأيده بالآية الآتية، وفيه مخالفة الجمهور من جعل { ما }
~~المصدرية إسما كما هو رأي الأخفش وابن السراج ليرجع الضمير إليها، وفي
~~إرجاعه إلى الحق بادعاء كونه مركوزا في الأذهان ما لا يخفى من التعسف،
~~وقيل: (ما) موصوفة والباء للسببية أيضا أو للملابسة أي بشيء كذبوا به
~~وهو العناد والتمرد وهو كما ترى.

# { كذلك } أي مثل ذلك الطبع المحكم { نطبع } فالإشارة على حد ما
~~قرر في قوله سبحانه:

# وكذلك جعلنكم أمة وسطا

# [البقرة: 143] ونظائره مما مر، وجعل الإشارة إلى الإغراق كما فعل الخازن
~~ليس بشيء، والطبع يطلق على تأثير الشيء بنقش الطابع وعلى الأثر الحاصل عن
~~النقش والختم مثله في ذلك على ما ذكره الراغب أيضا، وذكر أنه تصور الشيء
~~بصورة ما كطبع السكة وطبع الدراهم وأنه أعم من الختم وأخص من النقش،
~~والأكثرون على تفسيره بالختم مرادا به المنع أي نختم / { على قلوب
~~المعتدين } أي المتجاوزين عن الحدود المعهودة في الكفر والعناد
~~ونمنعها لذلك عن قبول الحق وسلوك سبيل الرشاد، وقد جاء الطبع بمعنى الدنس
~~ومنه طبع السيف لصدئه ودنسه، وبعضهم حمل ما في الآية على ذلك، وفسره
~~المعتزلة حيث وقع منسوبا إليه تعالى بالخذلان تطبيقا له على مذهبهم،
~~ومن هنا قال الزمخشري: إنه جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم)) لأن من
~~عاند وثبت على اللجاج خذله الله تعالى ومنعه التوفيق واللطف فلا يزال
~~كذلك حتى يتراكم الرين والطبع على قلبه، ومراده كما قيل أن { نطبع }
~~بمعنى نخذل على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية لكن لما كان الطبع الذي
~~هو الخذلان تابعا لعنادهم ولجاجهم لازما لهما أجري مجرى الكناية ms04156 عنهما.

# وقرىء { يطبع } بالياء على أن الضمير لله سبحانه وتعالى.

### || [10.75]

# { ثم بعثنا } عطف على

# ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم

# [يونس: 74] عطف قصة على قصة { من بعدهم } أي من بعد أولئك الرسل
~~عليهم السلام { موسى وهرون } أوثر التنصيص على بعثتهما عليهما
~~السلام مع ضرب تفصيل إيذانا بخطر شأن القصة وعظم وقعها { إلى
~~فرعون وملئه } أي أشراف قومه الذين يجتمعون على رأي فيملأون
~~العين رواء والنفوس جلالة وبهاء، وتخصيصهم بالذكر لأصالتهم في إقامة
~~المصالح والمهمات ومراجعة الكل إليهم في النوازل والملمات، وقيل: المراد
~~بهن هنا مطلق القوم من استعمال الخاص في العام { بآياتنا } أي أدلتنا
~~ومعجزاتنا وهي الآيات المفصلات في الأعراف والباء للملابسة أي متلبسين
~~بها { فاستكبروا } أي تكبروا وأعجبوا بأنفسهم وتعظموا عن الاتباع،
~~والفاء فصيحة أي فأتياهم فبلغاهم الرسالة فاستكبروا، وأشير بهذا
~~الاستكبار إلى ما وقع منهم أول الأمر من قول اللعين لموسى عليه السلام:

# ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك
~~سنين

# [الشعراء: 18] وغير ذلك { وكانوا قوما مجرمين } جملة
~~معترضة تذييلية وجوز فيها الحالية بتقدير قد، وعلى الوجهين تفيد اعتيادهم
~~الإجرام وهو فعل الذنب العظيم، أي وكانوا قوما شأنهم ودأبهم ذلك. وقد
~~يؤخذ مما ذكر تعليل استكبارهم، والحمل على العطف الساذج لا يناسب البلاغة
~~القرآنية ولا يلائمها فمعلوم هذا القدر من سوابق أوصافهم.

### || [10.76]

# { فلما جآءهم الحق من عندنا } الفاء فصيحة أيضا معربة
~~عما صرح به في مواضع أخر كأنه قيل: قال موسى: قد جئتكم ببينة من ربكم إلى
~~قوله تعالى:

# فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده
~~فإذا هي بيضاء للنظرين

# [الأعراف:107108] فلما جاءهم الحق { قالوا } من فرط عنادهم وعتوهم
~~مع تناهي عجزهم:

# { إن هذا لسحر مبين } أي ظاهر كونه سحرا أو واضح في
~~بابه فائق فيما بين أضرابه  فمبين  من أبان بمعنى ظهر واتضح لا بمعنى
~~أظهر وأوضح كما هو أحد معنييه، والإشارة إلى الحق الذي جاءهم، والمراد به
~~كما قال غير واحد الآيات، وقد أقيم مقام الضمير للإشارة إلى ظهور حقيته
~~عند ms04157 كل أحد، ونسبة المجيء إليه على سبيل الاستعارة تشير أيضا إلى غاية
~~ظهوره وشدة سطوعه بحيث لا يخفى على من له أدنى مسكة، ومن هنا قيل في
~~المعنى: فلما جاءهم الحق من عندنا وعرفوه قالوا الخ، فالاعتراض عليه بأنه
~~لا دلالة في الكلام على هذه المعرفة وإنما تعلم من موضع آخر كقوله
~~سبحانه:

# وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم

# [النمل: 14] من قلة المعرفة لظهور دلالة ما علمت، وكذا ما قالوا بناء
~~على ما قيل من دلالته على الاعتراف وتناهي العجز عليها، وقرىء { لساحر }
~~/ وعنوا به موسى عليه السلام لأنه الذي ظهر على يده ما أعجزهم.

### || [10.77-78]

# { قال موسى } استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال لهما موسى عليه
~~السلام؟ فقيل: قال لهم على سبيل الاستفهام الإنكاري التوبيخي {
~~أتقولون للحق } الذي هو أبعد شيء من السحر الذي هو الباطل البحت
~~{ لما جآءكم } أي حين مجيئه إياكم ووقوفكم عليه وهو الذي يقتضيه
~~ما أشير إليه آنفا، أو من أول الأمر من غير تأمل وتدبر كما قيل، وإيا
~~ما كان فهو مما ينافي القول الذي في حيز الاستفهام، والمقول محذوف ثقة
~~بدلالة ما قبل وما بعد عليه وإيذانا بأنه مما لا ينبغي أن يتفوه به ولو
~~على نهج الحكاية، أي أتقولون له ما تقولون من أنه سحر مبين؟ يعني به أنه
~~مما لا يمكن أن يقوله قائل ويتكلم به متكلم، وجوز أن يكون مقول القول
~~قوله عز وجل:

# { أسحر هذا } على أن مقصودهم بالاستفهام تقريره عليه السلام لا
~~الاستفهام الحقيقي لأنهم قد بتوا القول بأنه سحر فكيف يستفهمون عنه،
~~والمحكي في أحد الموضعين مفهوم قولهم ومعناه وإلا فالقصة واحدة والصادر
~~فيها بحسب الظاهر إحدى المقالتين ولا يخفى ضعفه، وأن يكون القول بمعنى
~~العيب والطعن من قولهم: فلان يخاف القالة وبين الناس تقاول إذا قال بعضهم
~~لبعض ما يسوءه، ونظيره الذكر في قوله تعالى:

# سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبرهيم

# [الأنبياء: 60] وحينئذ يستغنى عن المفعول، واللام لبيان المطعون فيه كما
~~في قوله تعالى:

# هيت لك

# [يوسف: 23] أي ms04158 أتعيبونه وتطعنون فيه، وعلى هذا الوجه وكذا الوجه الأول
~~يكون قول سبحانه: { أسحر هذا } إنكارا مستأنفا من جهة موسى
~~عليه السلام لكونه سحرا وتكذيب لقولهم وتوبيخ لهم عليه إثر توبيخ وتجهيل
~~إثر تجهيل، أما على الوجه المتقدم فظاهر، وأما على الوجه الأخير فوجه
~~إيثار إنكار كونه سحرا على إنكار كونه معيبا بأن يقال: أفيه عيب؟ حسبما
~~يقتضيه ظاهر الإنكار السابق التصريح بالرد عليهم في خصوصية ما عابوه به
~~بعد التنبيه بالإنكار الأول على أنه ليس فيه شائبة عيب ما، وتقديم الخبر
~~للإيذان بأنه مصب الإنكار، وما في اسم الإشارة من معنى القرب لزيادة
~~تعيين المشار إليه واستحضار ما فيه من الصفات الدالة على كونه آية باهرة
~~من آيات الله تعالى المنادية على امتناع كونه سحرا، أي أسحر هذا الذي
~~أمره واضح مكشوف وشأنه مشاهد معروف بحيث لا يرتاب فيه أحد ممن له عين
~~مبصرة.

# وقوله سبحانه: { ولا يفلح السحرون } تأكيد للإنكار السابق
~~وما فيه من التوبيخ والتجهيل، وقد استلزم القول بكونه سحرا القول بكون
~~من أتى به ساحرا، والجملة في موضع الحال من ضمير المخاطبين والرابط
~~الواو بلا ضمير كما في قوله:

# جاء الشتاء ولست أملك عدة

# وقولك: جاء زيد ولم تطلع الشمس، أي أتقولون للحق إنه سحر والحال أنه لا
~~يفلح فاعله أي لا يظفر بمطلوب ولا ينجو من مكروه وأنه قد أفلحت وفزت
~~بالحجة ونجوت من الهلكة، وجملة { أسحر هذا } معترضة بين الحال
~~وذيها لتأكيد الإنكار السابق ببيان استحالة كونه سحرا بالنظر إلى ذاته
~~قبل بيان استحالته بالنظر إلى صدوره منه عليه السلام. ومن جعلها مقول
~~القول أبقى الحالية على حالها ولا اعتراض عنده، وكان المعنى على ذلك
~~أتحملوني على الإقرار بأنه سحر وما أنا عليه من الفلاح دليل على أن بينه
~~وبين السحر أبعد مما بين المشرق والمغرب، وقيل: يجوز أن تكون هذه الجملة
~~كالتي قبلها في حيز قولهم وهي حالية أيضا لكن على نمط آخر والاستفهام
~~مصروف إليها، والمعنى أجئتنا بسحر تطلب به الفلاح والحال أنه ms04159 لا يفلح
~~الساحر، أو هم يتعجبون من فلاحه وهو ساحر، ولا يخفى أن السباق والسياق
~~يأبيان / هذا التجويز فلا ينبغي حمل النظم الجليل على ذلك.

# وفي «إرشاد العقل السليم» أن تجويز أن يكون الكل مقول القول مما لا
~~يساعده النظم الكريم أصلا، أما أولا فلأن ما قالوا هو الحكم بأنه سحر
~~من غير أن يكون فيه دلالة على ما تعسف فيه من المعنى بوجه من الوجوه،
~~فصرف جوابه عليه السلام عن صريح ما خاطبوه به إلى ما لا يفهم منه [أصلا]
~~مما يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله؛ (وكون ذلك اعراضا عن رد الإنكار
~~السابق إلى رد ما هو أبلغ منه في الإنكار لا أراه يحسن الالتفات هنا إلى
~~قبول ذلك التجويز في كلام الله تعالى العزيز). وأما ثانيا فلأن التعرض
~~لعدم افلاح السحرة على الإطلاق من وظائف من يتمسك بالحق المبين دون
~~الكفرة المتشبثين بأذيال بعض منهم في معارضته عليه السلام ولو كان ذلك من
~~كلامهم لناسب تخصيص عدم الإفلاح بمن زعموه ساحرا بناء على غلبة من يأتون
~~به من السحرة، (والاعتذار بأن التشبث بأذيال بعض السحرة لا ينافي التعرض
~~لعدم إفلاحهم على الإطلاق لجواز أن يكون اعتقادهم عدم الإفلاح مطلقا
~~وتشبثهم بعد بما تشبثوا به من باب تلقي الباطل بالباطل لا أراه إلا من
~~باب تشبث الغريق بالحشيش)، وأما ثالثا فلأن قوله عز وجل: { قالوا
~~أجئتنا لتلفتنا... }.

### || [10.79]

# { وقال فرعون } أسند الفعل إليه وحده لأن الأمر من وظائفه دون
~~الملأ وهذا بخلاف الأفعال السابقة من الاستكبار ونحوه فإنها مما تسند
~~إليه وإلى ملئه، لكن الظاهر أنه غير داخل في القائلين

# قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه
~~آباءنا

# [يونس: 78] لأنه عليه اللعنة لم يكن يظهر عبادة أحد كما كان يفعله ملؤه
~~وسائر قومه، أي قال لملئه يأمرهم بترتيب مبادي الالزام بالفعل بعد اليأس
~~عن الالزام بالقول { ائتوني بكل سحر عليم } بفنون السحر
~~حاذق ماهر فيه. وقرأ حمزة والكسائي { سحار }.

### || [10.80]

# { فلما جآء السحرة } عطف على مقدر يستدعيه المقام قد حذف ms04160
~~إيذانا بسرعة امتثالهم للأمر كما هو شأن الفاء الفصيحة، وقد نص على نظير
~~ذلك في قوله سبحانه:

# فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت

# [البقرة: 60] أي فأتوا به فلما جاؤوا { قال لهم موسى ألقوا
~~مآ أنتم ملقون } أي ما ثبتم واستقر رأيكم على إلقائه كائنا ما
~~كان من أصناف السحر، وأصل الإلقاء طرح الشيء حيث تلقاه أي تراه ثم صار في
~~العرف اسما لكل طرح، وكان هذا القول منه عليه السلام بعد ما قالوا له ما
~~حكى عنهم في السور الأخر من قولهم:

# إما أن تلقي وإمآ أن نكون نحن الملقين

# [الأعراف: 115] ونحو ذلك ولم يكن في إبتداء مجيئهم، و (ما) موصولة
~~والجملة بعدها صلة والعائد محذوف أي ملقون إياه، ولا يخفى ما في الإبهام
~~من التحقير والاشعار بعدم المبالاة، والمراد أمرهم بتقديم ما صمموا على
~~فعله ليظهر إبطاله وليس المراد الأمر بالسحر والرضا به.

### || [10.81]

# { فلمآ ألقوا } ما ألقوا من العصي والحبال واسترهبوا الناس
~~وجاؤوا بسحر عظيم { قال } لهم { موسى } غير مكترث بهم وبما صنعوا {
~~ما جئتم به السحر }  { ما } موصولة وقعت مبتدأ و { السحر
~~} خبر وأل فيه للجنس والتعريف لإفادة القصر إفرادا أي الذي جئتم به هو
~~السحر لا الذي سماه فرعون وملؤه من آيات الله تعالى سحرا وهو للجنس،
~~ونقل عن الفراء أن أل للعهد، لتقدم السحر في قوله تعالى:

# إن هذا لسحر

# [يونس: 76] ورد بأن شرط كونها للعهد اتحاد المتقدم والمتأخر ذاتا كما
~~في

# أرسلنآ إلى فرعون رسولا * فعصى فرعون
~~الرسول

# [المزمل: 1516] ولا اتحاد فيما نحن فيه فإن السحر المتقدم ما جاء به
~~موسى عليه السلام وهذا ما جاء به السحرة. ومن الناس من منع اشتراط
~~الاتحاد الذاتي مدعيا أن الاتحاد في الجنس كاف فقد قالوا في قوله تعالى:

# والسلم علي

# [مريم: 33] إن أل للعهد مع أن السلام الواقع على عيسى عليه السلام غير
~~السلام الواقع على يحيى عليه السلام ذاتا، والظاهر اشتراط ذلك وعدم
~~كفاية الاتحاد في الجنس وإلا لصح في رأيت رجلا وأكرمت الرجل إذا كان ms04161
~~الأول زيدا والثاني عمرا مثلا أن يقال: إن أل للعهد، لأن الاتحاد في
~~الجنس ظاهر ولم نجد من يقوله بل لا أظن أحدا تحدثه نفسه بذلك وما في
~~الآية من هذا القبيل بل المغايرة بين المتقدم والمتأخر أظهر إذ الأول سحر
~~ادعائي والثاني حقيقي، و { السلم } فيما نقلوا متحد وتعدد من وقع
~~عليه لا يجعله متعددا في العرف والتدقيق الفلسفي لا يلتفت إليه في مثل
~~ذلك.

# وقد ذكر بعض المحققين أن القول يكون التعريف للعهد مع دعوى استفادة
~~القصر منه مما يتنافيان لأن / القصر إنما يكون إذا كان التعريف للجنس.
~~نعم إذا لم يرد بالنكرة المذكورة أولا معين ثم عرفت لا ينافي التعريف
~~الجنسية لأن النكرة تساوي تعريف الجنس فحينئذ لا ينافي تعريف العهد القصر
~~وإن كان كلامهم يخالفه ظاهرا فليحرر انتهى. وأقول: دعوى الفراء العهد
~~هنا مما لا ينبغي أن يلتفت إليه، ولعله أراد الجنس وأن عبر بالعهد بناء
~~على ما ذكره الجلال السيوطي في «همع الهوامع» نقلا عن ابن عصفور أنه
~~قال: لا يبعد عندي أن يسمى الألف واللام اللتان لتعريف الجنس عهديتين لأن
~~الأجناس عند العقلاء معلومة مذ فهموها والعهد تقدم المعرفة. وادعى أبو
~~الحجاج يوسف بن معزوز أن أل لا تكون إلا عهدية وتأوله بنحو ما ذكر إلا أن
~~ظاهر التعليل لا يساعد ذلك.

# وقرأ عبد الله { سحر } بالتنكير، وأبي { ما آتيتم به سحر } والكلام
~~على ذلك مفيد للقصر أيضا لكن بواسطة التعريض لوقوعه في مقابلة قولهم:

# إن هذا لسحر مبين

# [يونس: 76] وجوز في { ما } في جميع هذا القراآت أن تكون استفهامية و {
~~السحر } خبر مبتدأ محذوف. وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر { آلسحر } بقطع
~~الألف ومدها على الاستفهام  فما  استفهامية مرفوعة على الابتداء و {
~~جئتم به } خبرها و { السحر } خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره
~~محذوف، أي شيء جسيم جئتم به أهو السحر أو السحر هو، وقد يجعل السحر بدلا
~~من { ما } كما تقول ما عندك أدينار أم درهم، وقد تجعل { ما } نصبا
~~بفعل محذوف يقدر ms04162 بعدها أي أي شيء أتيتم به و { جئتم به } مفسر له
~~وفي { السحر } الوجهان الأولان. وجوز أن تكون موصولة مبتدأ والجملة
~~الاسمية أي أهو السحر أو السحر هو خبره، وفيه الإخبار بالجملة الإنشائية،
~~ولا يجوز أن تكون على هذا التقدير منصوبة بفعل محذوف يفسره المذكور لأن
~~ما لا يعمل لا يفسر عاملا.

# { إن الله سيبطله } أي سيمحقه بالكلية بما يظهره على يدي من
~~المعجزة فلا يبقى له أثر أصلا أو سيظهر بطلانه وفساده للناس، والسين
~~للتأكيد { إن الله لا يصلح عمل المفسدين } أي جنسهم
~~على الإطلاق فيدخل فيه السحرة دخولا أوليا، ويجوز أن يراد بالمفسدين
~~المخاطبون فيكون من وضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالإفساد
~~والإشعار بعلة الحكم، والجملة تذييل لتعليل ما قبلها وتأكيده، والمراد
~~بعدم إصلاح ذلك عدم إثباته أو عدم تقويته بالتأييد الإلهي لا عدم جعل
~~الفاسد صالحا لظهور أن ذلك مما لا يكون أي أنه سبحانه لا يثبت عمل
~~المفسدين ولا يديمه بل يزيله ويمحقه أو لا يقويه ولا يؤيده بل يظهر
~~بطلانه ويجعله معلوما.

# واستدل بالآية على أن السحر إفساد وتمويه لا حقيقة له. وأنت تعلم أن في
~~إطلاق القول بأن السحر لا حقيقة له بحثا، والحق أن منه ما له حقيقة ومنه
~~ما هو تخيل باطل ويسمى شعبذة وشعوذة.

### || [10.82]

# { ويحق الله الحق } أي يثبته ويقويه وهو عطف على قوله
~~سبحانه:

# سيبطله

# [يونس: 81] وإظهار الاسم الجليل في المقامين لإلقاء الروعة وتربية
~~المهابة { بكلمته } أي بأوامره وقضاياه، وعن الحسن أي بوعده
~~النصر لمن جاء به وهو سبحانه لا يخلف ذلك، وعن الجبائي أي بما ينزله
~~مبينا لمعاني الآيات التي أتى بها نبيه عليه السلام. وقرىء { بكلمته }
~~وفسرت بالأمر واحد الأوامر حسبما فسرت الكلمات بالأوامر وأريد منها الجنس
~~فيتطابق القراءتان، وقيل: يحتمل أن يراد بها قول كن وأن يراد بها الأمر
~~واحد الأمور ويراد بالكلمات الأمور والشؤون { ولو كره
~~المجرمون } ذلك، والمراد بهم كل من اتصف بالإجرام من السحرة
~~وغيرهم.

### || [10.83]

# { فمآ آمن لموسى } عطف على مقدر ms04163 فصل في موضع آخر أي فألقى /
~~عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون الخ، وإنما لم يذكر تعويلا على ذلك وإيثار
~~للإيجاز وإيذانا بأن قوله تعالى:

# إن الله سيبطله

# [يونس: 81] مما لا يحتمل الخلف أصلا، ولعل عطفه على ذلك بالفاء باعتبار
~~الإيجاب الحادث الذي هو أحد مفهومي الحصر، فإنهم قالوا: معنى ما قام إلا
~~زيد قام زيد ولم يقم غيره، وبعضهم لم يعتبر ذلك وقال: إن عطفه بالفاء على
~~ذلك مع كونه عدما مستمرا من قبيل ما في قوله تعالى:

# فاتبعوا أمر فرعون

# [هود: 97] وما في قولك: وعظته فلم يتعظ  وصحت به فلم ينزجر، والسر في
~~ذلك أن الإتيان بالشيء بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه وإن كان استمرارا
~~عليه لكنه بحسب العنوان فعل جديد وضع حادث أي فما آمن عليه السلام في
~~مبدأ أمره.

# { إلا ذرية من قومه } أي إلا أولاد بعض بني إسرائيل دعا
~~عليه السلام الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون وأجابته طائفة من شبانهم،
~~فالمراد من الذرية الشبان لا الأطفال. و { من } للتبعيض، وجوز أن تكون
~~للابتداء والتبعيض مستفاد من التنوين، والضمير لموسى عليه السلام كما هو
~~إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأخرج ابن جرير عنه أن
~~الضمير لفرعون وبه قال جمع، فالمؤمنون من غير بني إسرائيل ومنهم زوجته
~~آسية وماشطة ومؤمن آل فرعون والخازن وامرأته، وفي إطلاق الذرية على هؤلاء
~~نوع خفاء. ورجح بعضهم إرجاع الضمير لموسى عليه السلام بأنه المحدث عنه
~~وبأن المناس على القول الآخر الإضمار فيما بعد، ورجح ابن عطية إرجاع
~~الضمير لفرعون بأن المعروف في القصص أن بني إسرائيل كانوا في قهر فرعون
~~وكانوا قد بشروا بأن خلاصهم على يد مولود يكون نبيا صفته كذا كذا فلما
~~ظهر موسى عليه السلام اتبعوه ولم يعرف أن أحدا منهم خالفه فالظاهر القول
~~الثاني، وما ذكر من أن المحدث عنه موسى عليه السلام لا يخلو عن شيء، فإن
~~لقائل أن يقابل ذلك بأن الكلام في قوم فرعون لأنهم القائلون إنه ساحر ms04164
~~ولأن وعظ أهل مكة وتخويفهم المسوق له الآيات قاض بأن المقصود هنا شرح
~~أحوالهم. وأنت تعلم أن للبحث في هذا مجالا والمعروف بعد تسليم كونه
~~معروفا لا يضر القول الأول لأن المراد حينئذ فما أظهر إيمانه وأعلن به
~~إلا ذرية من بني إسرائيل دون غيرهم فإنهم أخفوه ولم يظهروه.

# { على خوف } حال من { ذرية } و { على } بمعنى مع كما قيل
~~في قوله تعالى:

# وءاتى المال على حبه

# [البقرة: 177] والتنوين للتعظيم أي كائنين مع خوف عظيم { من فرعون
~~وملئهم } الضمير لفرعون، والجمع عند غير واحد على ما هو المعتاد في
~~ضمائر العظماء.

# ورد بأن الوارد في كلام العرب الجمع في ضمير المتكلم كنحن وضمير المخاطب
~~كما في قوله تعالى:

# رب ارجعون

# [المؤمنون: 99] وقوله:

# ألا فارحموني يا إله محمد

# ولم ينقل في ضمير الغائب كما نقل عن الرضي، وأجيب بأن الثعالبي
~~والفارسي نقلاه في الغائب أيضا والمثبت مقدم على النافي، وبأنه لا يناسب
~~تعظيم فرعون فإن كان على زعمه وزعم قومه فإنما يحسن في كلام ذكر أنه محكي
~~عنهم وليس فليس. ويجاب بأن المراد من التعظيم تنزيله منزلة المتعدد،
~~وكونه لا يناسب في حيز المنع، لم لا يجوز أن يكون مناسبا لما فيه من
~~الإشارة إلى مزيد عظم الخوف المتضمن زيادة مدح المؤمنين؟ وقيل: إن ذلك
~~وارد على عادتهم في محاوراتهم في مجرد جمع ضمير العظماء وإن لم يقصد
~~التعظيم أصلا فتأمله، وجوز أن يكون الجمع لأن المراد من فرعون آله كما
~~يقال: ربيعة ومضر واعترض عليه بأن هذا إنما عرف في القبيلة وأبيها إذ
~~يطلق اسم الأب عليهم وفرعون ليس من هذا القبيل، على أنه قد قيل: إن اطلاق
~~أبي نحو القبيلة عليها لا يجوز ما لم يسمع ويتحقق جعله علما لها، ألا
~~تراهم لا يقولون: / فلان من هاشم ولا من عبد المطلب بل من بني هاشم وبني
~~عبد المطلب فكيف يراد من فرعون آله ولم يتحقق فيه جعله علما لهم، ودعوى
~~التحقق هنا أول المسألة فالقول بأن الجمع لأن المراد ms04165 به آله كربيعة ليس
~~بشيء إلا أن يراد أن فرعون ونحوه من الملوك إذا ذكر خطر بالباب خطر
~~أتباعه معه فعاد الضمير على ما في الذهن، وتمثيله بما ذكر لأنه نظيره في
~~الجملة، ثم إنه لا يخفى أنه إذا أريد من فرعون آله ينبغي أن يراد من آل
~~فرعون فرعون وآله على التغليب، وقيل: إن الكلام على حذف مضاف أي آل فرعون
~~فالضمير راجع إلى ذلك المحذوف، وفيه أن الحذف يعتمد القرينة ولا قرينة
~~هنا، وضميير الجمع يحتمل رجوعه لغير ذلك المحذوف كما ستعلمه قريبا إن
~~شاء الله تعالى فلا يصلح لأن يكون قرينة، وأما أن المحذوف لا يعود إليه
~~ضمير كما قال أبو البقاء فليس بذاك لأنه إن أريد أنه لا يعود إليه مطلقا
~~فغير صحيح؛ وإن أريد إذا حذف لقرينة فممنوع لأنه حينئذ في قوة المذكور،
~~وقد كثير عود الضمير إليه كذلك في كلام العرب، وقريب من هذا القيل زعم أن
~~هناك معطوفا محذوفا إليه يعود الضمير أي على خوف من فرعون وقومه
~~وملئهم، ويرد عليه أيضا ما قيل: إن هذا الحذف ضعيف غير مطرد. وقيل:
~~الضمير للذرية أو للقوم أي على خوف من فرعون ومن أشراف بني إسرائيل حيث
~~كانوا يمنعونهم خوفا من فرعون عليهم أو على أنفسهم، أو من أشراف القبط
~~ورؤسائهم حيث كانوا يمنعونهم انتصارا لفرعون، ولعل المنساق إلى الذهن
~~رجوعه إلى الذرية والجمع باعتبار المعنى، ويؤول المعنى إلى أنهم آمنوا
~~على خوف من فرعون ومن أشراف قومهم.

# { أن يفتنهم } أي يبتليهم ويعذبهم، وأصل الفتن كما قال الراغب
~~إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته واستعمل في إدخال الإنسان النار
~~كما في قوله سبحانه:

# يوم هم على النار يفتنون

# [الذاريات: 13] ويسمي ما يحصل منه العذاب فتنة ويستعمل في الاختبار
~~وبمعنى البلاء والشدة وهو المراد هنا، و { أن } وما بعدها في تأويل مصدر
~~وقع بدلا من فرعون بدل اشتمال أي على خوف من فرعون فتنته، ويجوز أن يكون
~~مفعول { خوف } لأنه مصدر منكر كثر إعماله، وقيل: ms04166 إنه مفعول له والأصل
~~لأن يفتنهم فحذف الجار وهو مما يطرد فيه الحذف، ولا يضر في مثل هذا عدم
~~اتحاد فاعل المصدر والمعلل به على أن مذهب بعض الأئمة عدم اشتراط ذلك في
~~جواز النصب وإليه مال الرضي وأيده بما ذكرناه في «حواشينا على شرط
~~القطر» للمصنف، وإسناد الفعل إلى فرعون خاصة لأنه مدار أمر التعذيب، وفي
~~الكلام استخدام في رأي حيث أريد من فرعون أولا آله وثانيا هو وحده وأنت
~~تعلم ما فيه.

# { وإن فرعون لعال في الأرض } أي لغالب قاهر في أرض مصر،
~~واستعمال العلو بالغلبة والقهر مجاز معروف { وإنه لمن
~~المسرفين } أي المتجاوزي الحد في الظلم والفساد بالقتل وسفك الدماء
~~أو في الكبر والعتو حتى ادعى الربوبية واسترق أسباط الأنبياء عليهم
~~السلام، والجملتان اعتراض تذييلي مؤكد لمضمون ما سبق وفيهما من التأكيد
~~ما لا يخفى.

### || [10.84]

# { وقال موسى } لما رأى تخوف المؤمنين { يقوم إن كنتم
~~ءامنتم بالله } أي صدقتم به وبآياته { فعليه توكلوا }
~~أي اعتمدوا لا على أحد سواه فإنه سبحانه كافيكم كل شر وضر. / { إن
~~كنتم مسلمين } أي مستسلمين لقضاء الله تعالى مخلصين له، وليس
~~هذا من تعليق الحكم بشرطين بل من تعليق شيئين بشرطين لأنه علق وجوب
~~التوكل المفهوم من الأمر وتقديم المتعلق بالإيمان فإنه المقتضي له وعلق
~~نفس التوكل ووجوده بالإسلام والإخلاص لأنه لا يتحقق مع التخليط، ونظير
~~ذلك  إن دعاك زيد فأجبه إن قدرت عليه  فإن وجوب الإجابة معلق بالدعوة
~~ونفس الدعوة معلقة بالقدرة، وحاصله إن كنتم آمنتم بالله فيجب عليكم
~~التوكل عليه سبحانه فافعلوه واتصفوا به إن كنتم مستسلمين له تعالى. وهذا
~~النوع على ما في «الكشف» يفيد مبالغة في ترتب الجزاء على الشرط على نحو 
~~إن دخلت الدار فأنت طالق إن كنت زوجتي  وجعله بعضهم من باب التعليق
~~بشرطين المقتضى لتقدم الشرط الثاني على الأول في الوجود حتى لو قال: إن
~~كلمت زيدا فأنت طالق إن دخلت الدار لم تطلق ما لم تدخل قبل الكلام لأن
~~الشرط الثاني شرط للأول فيلزم ms04167 تقدمه عليه، وقرره بأن ههنا ثلاثة أشياء:
~~الإيمان والتوكل والإسلام، والمراد بالإيمان التصديق وبالتوكل إسناد
~~الأمور إليه عز وجل، وبالإسلام تسليم النفس إليه سبحانه وقطع الأسباب
~~فعلق التوكل بالتصديق بعد تعليقه بالإسلام لأن الجزاء معلق بالشرط الأول
~~وتفسير للجزاء الثاني كأنه قيل: إن كنتم مصدقين بالله تعالى وآياته فخصوه
~~سبحانه بإسناد جميع الأمور إليه وذلك لا يتحصل إلا بعد أن تكونوا مخلصين
~~لله تبارك وتعالى مستسلمين بأنفسكم له سبحانه ليس للشيطان فيكم نصيب وإلا
~~فاتركوا أمر التوكل. ويعلم منه أن ليس لكل أحد من المؤمنين الخوض في
~~التوكل بل للآحاد منهم وأن مقام التوكل دون مقام التسليم والأكثر على
~~الأول ولعله أدق نظرا.

### || [10.85]

# { فقالوا } مجيبين له عليه السلام من غير تلعثم وبلع ريق في ذلك {
~~على الله توكلنا } لا على غيره سبحانه ويؤخذ من هذا القصر
~~والتعبير بالماضي دون نتوكل أنهم كانوا مؤمنين مخلصين، قيل: ولذا أجيب
~~دعاؤهم { ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظلمين }
~~أي موضع فتنة وعذاب لهم بأن تسلطهم علينا فيعذبونا أو يفتنونا عن ديننا
~~أو يفتنوا بنا ويقولوا: لو كان هؤلاء على الحق لما أصيبوا.

### || [10.86]

# { ونجنا برحمتك من القوم الكفرين } دعاء
~~بالإنجاء من سوء جوارهم وسوء صنيعهم بعد الإنجاء من ظلمهم، ولذا عبر عنهم
~~بالكفر بعدما وصفوا بالظلم ففيه وضع المظهر موضع المضمر، وجوز أن يراد من
~~القوم الظالمين الملأ الذين تخوفوا منهم ومن القوم الكافرين ما يعمهم
~~وغيرهم، وفي تقديم التوكل على الدعاء وإن كان بيانا لامتثال أمر موسى
~~عليه السلام لهم به تلويح بأن الداعي حقه أن يبني دعاءه على التوكل على
~~الله تعالى فإنه أرجى للإجابة ولا يتوهمن أن التوكل مناف للدعاء لأنه أحد
~~الأسباب للمقصود والتوكل قطع الأسباب لأن المراد بذاك قطع النظر عن
~~الأسباب العادية وقصره على مسببها عز وجل واعتقاد أن الأمر مربوط بمشيئته
~~سبحانه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وقد صرحوا أن الشخص إذا تعاطى
~~الأسباب معتقدا ذلك يعد متوكلا أيضا، ومثل التوكل في عدم ms04168 المنافاة
~~للدعاء على ما تشعر به الآية الاستسلام. نعم في قول بعضهم: إن الاستسلام
~~من صفات إبراهيم عليه السلام وكان من آثاره ترك الدعاء حين ألقي في النار
~~واكتفاؤه عليه السلام بالعلم المشار إليه بقوله: حسبي من سؤالي علمه
~~بحالي ما يشعر بالمنافاة ومن عرف المقامات وأمعن النظر هان عليه أمر
~~الجمع.

### || [10.87]

# { وأوحينآ إلى موسى وأخيه أن تبوءا }  { أن }
~~مفسرة لأن في الوحي معنى القول، ويحتمل أن / تكون مصدرية؛ والتبوؤ اتخاذ
~~المباءة أي المنزل كالتوطن اتخاذ الوطن، والجمهور على تحقيق الهمزة ومنهم
~~من قرأ { تبويا }  { لقومكما بمصر بيوتا } فجعلها ياء وهي
~~مبدلة من الهمزة تخفيفا، والفعل على ما قيل مما يتعدى لواحد فيقال: تبوأ
~~زيد كذا لكن إذا أدخلت اللام على الفاعل فقيل: تبوأ لزيد كذا تعدى لما
~~كان فاعلا باللام فيتعدى لاثنين، وخرجت الآية على ذلك  فلقومكما  أحد
~~المفعولين، وقيل: هو متعد لواحد و { لقومكما } متعلق بمحذوف وقع
~~حالا من البيوت، واللام على الوجهين غير زائدة. وقال أبو علي: هو متعد
~~بنفسه لاثنين واللام زائدة كما في

# ردف لكم

# [النمل: 72] وفعل وتفعل قد يكونان بمعنى مثل علقتها وتعلقتها، والتقدير
~~بوئا قومكما بيوتا يسكنون فيها أو يرجعون إليها للعبادة. و { مصر }
~~غير منصرف لأنه مؤنث معرفة ولو صرفته لخفته كما صرفت هندا لكان جائزا،
~~والجار متعلق  بتبوآ  وجوز أن يكون حالا من { بيوتا } أو من 
~~قومكما  أو من ضمير الفاعل في { تبوآ } وفيه ضعف.

# { واجعلوا } أنتما وقومكما ففيه تغليب المخاطب على غيره {
~~بيوتكم } تلك فالإضافة للعهد { قبلة } أي مصلى، وقيل: مساجد
~~متوجهة نحو القبلة يعني الكعبة فإن موسى عليه السلام كان يصلي إليها،
~~وعلى التفسيرين تكون القبلة مجازا فيما فسرت به بعلاقة اللزوم أو الكلية
~~والجزئية، والاختلاف في المراد هنا ناظر للاختلاف في أن تلك البيوت
~~المتخذة هل للسكنى أو للصلاة؟ فإن كان الأول فالقبلة مجاز عن المصلى وإن
~~كان الثاني فهي مجاز عن المساجد. واعترض القول بحمل القبلة على المساجد
~~المتوجهة إلى الكعبة بأن المنصوص عليه في الحديث ms04169 الصحيح أن اليهود تستقبل
~~الصخرة والنصارى مطلع الشمس ولم يشتهر أن موسى عليه السلام كان يستقبل
~~الكعبة في صلاته فالقول به غريب، وأغرب منه ما قاله العلائي من أن
~~الأنبياء عليهم السلام كانت قبلتهم كلهم الكعبة، قيل: وجعل البيوت مصلى
~~ينافيه ما في الحديث

# " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا "

# من أن الأمم السالفة كانوا لا يصلون إلا في كنائسهم، وأجيب عن هذا بأن
~~محله إذا لم يضطروا فإذا اضطروا جازت لهم الصلاة في بيوتهم كما رخص لنا
~~صلاة الخوف، فإن فرعون لعنه الله تعالى خرب مساجدهم ومنعهم من الصلاة
~~فأوحى إليهم أن صلوا في بيوتكم كما روي عن ابن عباس وابن جبير، وقد يقال:
~~إنه لا منافاة أصلا بناء على أن المراد تعيين البيوت للصلاة وعدم صحة
~~الصلاة في غيرها فيكون حكمها إذ ذاك حكم الكنائس اليوم وما هو من الخصائص
~~صحة الصلاة في أي مكان من الأرض وعدم تعين موضع منها لذلك فلا حاجة إلى
~~ما يقال: من أن اعتبار جعل الأرض كلها مسجدا خصوصية بالنظر إلى ما
~~استقرت عليه شريعة موسى عليه السلام من تعين الصلاة في الكنائس وعدم
~~جوازها في أي مكان أراده المصلي من الأرض، وما تقدم من استقبال اليهود
~~الصخرة فالمشهور أنه كان في بيت المقدس وأما قبل بعد نزول التوراة فكانوا
~~يستقبلون التابوت وكان يوضع في قبة موسى عليه السلام، على أنه قد قيل: إن
~~الاستقبال في بيت المقدس كان للتابوت أيضا وكانوا يضعونه على الصخرة
~~فيكون استقباله استقبالها، وأما استقبالهم في مصر فيحتمل أنه كان للكعبة
~~كما روي عن الحسن وما في الحديث محمول على آخر أحوالهم، ويحتمل أنه كان
~~للصخرة حسبما هو اليوم ويحتمل غير ذلك والله تعالى أعلم بحقيقة الحال،
~~وقيل: معنى { قبلة } متقابلة ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أي اجعلوا بيويتكم يقابل بعضها بعضا.

# { وأقيموا الصلاة } فيها، قيل: أمروا بذلك في أول أمرهم لئلا
~~يظهر عليهم الكفرة فيؤذونهم ويفتنونهم / في دينهم، وهو مبني على ms04170 أن
~~المراد بالبيوت المساكن أما لو أريد بها المساجد فلا يصح كما لا يخفى،
~~ولعل التوجيه على ذلك هو أنهم أمروا بالصلاة ليستعينوا ببركتها على
~~مقصودهم فقد قال سبحانه:

# واستعينوا بالصبر والصلوة

# [البقرة: 45] وهي في المساجد أفضل فتكون أرجى للنفع { وبشر
~~المؤمنين } بحصول مقصودهم، وقيل: بالنصرة في الدنيا إجابة لدعوتهم
~~والجنة في العقبى، وإنما ثنى الضمير أولا لأن التبوأ للقوم واتخاذ
~~المعابد مما يتولاه رؤساء القوم بتشاور، ثم جمع ثانيا لأن جعل البيوت
~~مساجد والصلاة فيها مما يفعله كل أحد مع أن في إدخال موسى وهارون عليهما
~~السلام مع القوم في الأمرين المذكورين ترغيبا لهم في الامتثال، ثم وحد
~~ثالثا لأن بشارة الأمة وظيفة صاحب الشريعة وهي من الأعظم أسر وأوقع في
~~النفس، ووضع المؤمنين موضع ضمير القوم لمدحهم بالإيمان وللإشعار بأنه
~~المدار في التبشير.

### || [10.88]

# { وقال موسى ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه
~~زينة } أي ما يتزين به من اللباس والمراكب ونحوها وتستعمل مصدرا {
~~وأموالا } أنواعا كثيرة من المال كما يشعر به الجمع والتنوين، وذكر
~~ذلك بعد الزينة من ذكر العام بعد الخاص للشمول، وقد يحمل على ما عداه
~~بقرينة المقابلة، وفسر بعضهم الزينة بالجمال وصحة البدن وطول القامة
~~ونحوه { في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك
~~} أي لكي يضلوا عنها وهو تعليل للإيتاء السابق، والكلام إخبار من موسى
~~عليه السلام بأن الله تعالى إنما أمدهم بالزينة والأموال استدراجا
~~ليزدادوا إثما وضلالة كما أخبر سبحانه عن أمثالهم بقوله سبحانه:

# إنما نملي لهم ليزدادوا إثما

# [آل عمران: 178] وإلى كون اللام للتعليل ذهب الفراء والظاهر أنه حقيقة
~~فيكون ذلك الضلال مراد الله تعالى، ولا يلزم ما قاله المعتزلة من أنه إذا
~~كان مرادا يلزم أن يكونوا مطيعين به بناء على أن الإرادة أمر أو مستلزم
~~له لما أنه قد تبين بطلان هذا المبنى في الكلام، وقدر بعضهم حذرا من ذلك
~~لئلا يضلوا كما قدر في

# شهدنآ أن تقولوا

# [الأعراف: 172] شهدنا أن لا تقولوا ولا حاجة إليه، وقال الأخفش: اللام
~~للعاقبة فيكون ذلك ms04171 إخبارا منه عليه السلام لممارسته لهم وتفرسه بهم أو
~~لعلمهم بالوحي على ما قيل بأن عاقبة ذلك الإيتاء الضلال.

# والفرق بين التعليل المجازي وهذا إن قلنا بأنه معنى مجازي أيضا أن في
~~التعليل ذكر ما هو سبب لكن لم يكن إيتاؤه لكونه سببا وفي لام العاقبة لم
~~يذكر سبب أصلا وهي كاستعارة أحد الضدين للآخر، وقال ابن الأنباري: إنها
~~للدعاء ولا مغمز على موسى عليه السلام في الدعاء عليهم بالضلال إما لأنه
~~عليه السلام علم بالممارسة أو نحوها أنه كائن لا محالة فدعا به وحاصله
~~أنه دعاء بما لا يكون إلا ذلك فهو تصريح بما جرى قضاء الله تعالى به،
~~ونحوه لعن الله تعالى الشيطان وإما لأنه ليس بدعاء حقيقة، وليس النظر إلى
~~تنجيز المسؤول وعدمه بل النظر إلى وصفهم بالعتو وإبلاء عذره عليه السلام
~~في الدعوة فهو كناية إيمائية على هذا، وما قيل: هذا شهادة بسوء حالهم
~~بطريق الكناية في الكناية لأن الضلال رديف الإضلال وهو منع اللطف فكنى
~~بالضلال عن الإضلال والإضلال رديف كونهم كالمطبوع عليهم فكان هذا كشفا
~~وبيانا لحالهم بطريق الكناية فهو على ما فيه شيء عنه غني لأن الطبع مصرح
~~به بعد بل النظر ههنا إلى الزبدة والخلاصة من هذه المطالب كلها، ويشعر
~~كلام الزمخشري باختيار كونها للدعاء، وفي «الانتصاف» ((أنه اعتزال [خفي
~~الذي هو] أدق من دبيب النمل يكاد الاطلاع عليه [أن] يكون كشفا، والظاهر
~~أنها للتعليل، وقال صاحب «الفرائد»: لولا التعليل لم يتجه قوله: {
~~إنك آتيت فرعون وملأه زينة } ولم ينتظم.

# / وأورد عليه أيضا أنه ينافي غرض البعثة وهو الدعوة إلى الإيمان
~~والهدى، ولا يخفى أن دفع هذا يعلم مما قدمنا آنفا. وأما وجه انتظام
~~الكلام فهو كما قال غير واحد: إن موسى عليه السلام ذكر قوله: { إنك
~~آتيت } الخ تمهيدا للتخلص إلى الدعاء عليهم أي إنك أوليتهم هذه
~~النعمة ليعبدوك ويشكروك فما زادهم ذلك إلا طغيانا وكفرا وإذا كانت
~~الحال هذه فليضلوا عن سبيلك ولو دعا ابتداء لم يحسن إذ ربما لم ms04172 يعذر
~~فقذم الشكاية منهم والنعي بسوء صنيعهم ليتسلق منه إلى الدعاء مع مراعاة
~~تلازم الكلام من إيراد الأدعية منسوقة نسقا واحدا وعدم الاحتياج إلى
~~الاعتذار عن تكرير النداء كما احتاج القول بالتعليل إلى الاعتذار عنه
~~بأنه للتأكيد وللإشارة إلى أن المقصود عرض ضلالهم وكفرانهم تقدمة للدعاء
~~عليهم بعد. وادعى الطيبي أنه لا مجال للقول بالاعتراض لأنه إنما يحسن
~~موقعه إذا التذت النفس بسماعه، ولذا عيب قول النابغة:

# لعل زيادا لا أبا لك غافل

# وفي كلامه ميل إلى القول بأن اللام للدعاء وهو لدى المنصف خلاف الظاهر،
~~وما ذكروه له لا يفيده ظهورا. وقرىء { ليضلوا } بضم الياء وفتحها.

# { ربنا اطمس على أمولهم } أي أهلكها كما قال مجاهد،
~~فالطمس بمعنى الإهلاك، وفعله من باب ضرب ودخل، ويشهد له قراءة { اطمس }
~~بضم الميم، ويتعدى ولا يتعدى، وجاء بمعنى محو الأثر والتغيير وبهذا فسره
~~أكثر المفسرين قالوا: المعنى ربنا غيرها عن جهة نفعها إلى جهة لا ينتفع
~~بها. وأنت تعلم أن تغييرها عن جهة نفعها إهلاك لها أيضا فلا ينافي ما
~~أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك أنه بعد هذا الدعاء صارت
~~دراهمهم ودنانيرهم ونحاسهم وحديدهم حجارة منقوشة. وعن محمد القرظي قال:
~~سألني عمر بن عبد العزيز عن هذه الآية فأخبرته أن الله تعالى طمس على
~~أموال فرعون وآل فرعون حتى صارت حجارة فقال عمر: مكانك حتى آتيك فدعا
~~بكيس مختوم ففكه فإذا فيه البيضة مشقوقة وهي حجارة وكذا الدراهم
~~والدنانير وأشباه ذلك. وفي رواية عنه أنه صار سكرهم حجارة وأن الرجل
~~بينما هو مع أهله إذ صارا حجرين وبينما المرأة قائمة تخبز إذ صارت كذلك،
~~وهذا مما لا يكاد يصح أصلا وليس في الآية ما يشير إليه بوجه، وعندي أن
~~أخبار تغيير أموالهم إلى الحجارة لا تخلو عن وهن فلا يعول عليها، ولعل
~~الأولى أن يراد من طمسها إتلافها منهم على أتم وجه، والمراد بالأموال ما
~~يشمل الزينة من الملابس والمراكب وغيرها.

# { واشدد على قلوبهم } أي اجعلها قاسية واطبع عليها حتى ms04173 لا
~~تنشرح للإيمان كما هو قضية شأنهم { فلا يؤمنوا } جواب للدعاء أعني
~~{ اشدد } دون { اطمس } فهو منصوب، ويحتمل أن يكون دعاء بلفظ النهي
~~نحو إلهي لا تعذبني فهو مجزوم، وجوز أن يكون عطفا على { ليضلوا }
~~وما بينهما دعاء معترض فهو حينئذ منصوب أو مجزوم حسبما علمت من الخلاف
~~في اللام { حتى يروا العذاب الاليم } أي يعاينوه ويوقنوا
~~به بحيث لا ينفعهم ذلك إذ ذاك، والمراد به جنس العذاب الأليم.

# وأخرج غير واحد عن ابن عباس تفسيره بالغرق.

# واستدل بعضهم بالآية على أن الدعاء على شخص بالكفر لا يعد كفرا إذا لم
~~يكن على وجه الاستيجاز والاستحسان للكفر بل كان على وجه التمني لينتقم
~~الله تعالى من ذلك الشخص أشد انتقام، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام خواهر
~~زاده، فقولهم: الرضا بكفر الغير كفر ليس على إطلاقه عنده بل هو مقيد بما
~~إذا / كان على وجه الاستحسان، لكن قال صاحب «الذخيرة»: قد عثرنا على
~~رواية عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أن الرضا بكفر الغير كفر من غير
~~تفصيل، والمنقول عن علم الهدى أبي منصور الماتريدي التفصيل ففي المسألة
~~اختلاف، قيل: والمعول عليه أن الرضا بالكفر من حيث أنه كفر كفر وأن الرضا
~~به لا من هذه الحيثية بل من حيثية كونه سببا للعذاب الأليم أو كونه
~~أثرا من آثار قضاء الله تعالى وقدره مثلا ليس بكفر وبهذا يندفع التنافي
~~بين قولهم: الرضا بالكفر كفر، وقولهم: الرضا بالقضاء واجب بناء على حمل
~~القضاء فيه على المقضي، وعلى هذا لا يتأتى ما قيل: إن رضا العبد بكفر
~~نفسه كفر بلا شبهة على إطلاقه بل يجري فيه التفصيل السابق في الرضا بكفر
~~الغير أيضا، ومن هذا التحقيق يعلم ما في قولهم: إن من جاءه كافر ليسلم
~~فقال له: اصبر حتى أتوضأ أو أخره يكفر لرضاه بكفره في زمان من النظر،
~~ويؤيده ما في الحديث الصحيح في فتح مكة أن ابن أبي سرح أتى به عثمان رضي
~~الله تعالى عنه إلى النبي صلى الله ms04174 عليه وسلم وقال: يا رسول الله بايعه
~~فكف صلى الله عليه وسلم يده عن بيعته ونظر إليه ثلاث مرات كل ذلك يأبى
~~أن يبايعه فبايعه بعد الثلاث ثم أقبل صلى الله عليه وسلم على أصحابه
~~فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته
~~فيقتله؟ قالوا: وما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك ألا أومأت إلينا
~~بعينك فقال عليه الصلاة والسلام: إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة
~~أعين، وقد أخرجه ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن سعد بن
~~أبي وقاص وهو معروف في السير فإنه ظاهر في أن التوقف مطلقا ليس كما
~~قالوه كفرا فليتأمل.

### || [10.89]

# { قال قد أجيبت دعوتكما } هو خطاب لموسى وهارون عليهما
~~السلام، وظاهره أن هارون عليه السلام دعا بمثل ما دعا موسى عليه السلام
~~حقيقة لكن اكتفى بنقل دعاء موسى عليه السلام لكونه الرسول بالاستقلال عن
~~نقل دعائه وأشرك بالبشارة إظهارا لشرفه عليه السلام، ويحتمل أنه لم يدع
~~حقيقة لكن أضيفت الدعوة إليه أيضا بناء على أن دعوة موسى في حكم دعوته
~~لمكان كونه تابعا ووزيرا له، والذي تضافرت به الآثار أنه عليه السلام
~~كان يؤمن لدعاء أخيه والتأمين دعاء، فإن معنى آمين استجب وليس اسما من
~~أسمائه تعالى كما يروونه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قيل: ولكونه
~~دعاء استحب الحنفية الإسرار به، وفيه نظر لأن الظاهر أن مدار استحباب
~~الإسرار والجهر ليس كونه دعاء فإن الشافعية استحبوا الجهر به مع أن
~~المشهور عنهم أنهم قائلون أيضا بكونه دعاء، وظاهر كلام بعض المحققين أن
~~إضافة الرب إلى ضمير المتكلم مع الغير في المواقع الثلاثة تشعر بأنه عليه
~~السلام كان يؤمن لدعاء موسى عليه السلام ولا يخفى ما في ذلك الإشعار من
~~الخفاء. وقرىء { دعواتكما } بالجمع ووجهه ظاهر { فاستقيما } فامضيا
~~لأمري واثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة وإلزام الحجة ولا تستعجلا فإن
~~ما طلبتماه كائن في وقته لا محالة. أخرج ابن المنذر ms04175 عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما قال: يزعمون أن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة، وأخرج
~~ابن جرير عن ابن جريج مثله، وأخرج الترمذي عن مجاهد أن الدعوة أجيبت بعد
~~أربعين سنة ولم يذكر الزعم.

# { ولا تتبعآن سبيل الذين لا يعلمون } بعادات الله
~~تعالى في تعليق الأمور بالحكم والمصالح أو سبيل الجهلة في عدم الوثوق
~~بوعد الله سبحانه، والنهي لا يقتضي صحة وقوع المنهي عنه فقد كثر نهي
~~الشخص عما يستحيل وقوعه منه، ولعل الغرض منه هنا مجرد تأكيد أمر الوعد
~~وإفادة أن في تأخير إنجازه / حكما إلهية. وعن ابن عامر أنه قرأ { ولا
~~تتبعآن } بالنون الخفيفة المكسورة لالتقاء الساكنين، ووجه ذلك ابن
~~الحاجب بأن { لا } نافية والنون علامة الرفع، والجملة إما في موضع الحال
~~من الضمير المرفوع في  استقيما  كأنه قيل: استقيما غير متبعين، والجملة
~~المضارعية المنفية  بلا  الواقعة حالا يجوز اقترانها بالواو وعدمه
~~خلافا لمن زعم وجوب عدم الاقتران بالواو إلا أن يقدر مبتدأ، وإما معطوفة
~~على الجملة الطلبية التي قبلها وهي وإن كانت خبرية لفظا إلا أنها طلبية
~~معنى لأن المراد منها النهي كما في قوله تعالى:

# تؤمنون بالله ورسوله

# [الصف: 11] و

# لا تعبدون إلا الله

# [البقرة: 83] والنهي المخرج بصورة الخبر أبلغ من النهي المخرج بصورته،
~~ويجوز أن تعتبر الجملة مستأنفة للإخبار بأنهما لا يتبعان سبيل الجاهلين،
~~ومن الناس من جعل { لا } في قراءة العامة نافية أيضا وهو ضعيف لأن النفي
~~لا يؤكد على الصحيح، وقيل: { لا } ناهية والنون نون التوكيد الخفيفة كسرت
~~لالتقاء الساكنين وهو تخريج لين فإن الكسائي وسيبويه لا يجيزانه لأنهما
~~يمنعان وقوع الخفيفة بعد الألف سواء كانت ألف التثنية أو الألف الفاصلة
~~بين نون الإناث ونون التوكيد نحو هل تضربنان يا نسوة، وأيضا النون
~~الخفيفة إذا لقيها ساكن لزم حذفها عند الجمهور ولا يجوز تحريكها، لكن
~~يونس والفراء أجازا ذلك وفيه عنهما روايتان إبقاؤها ساكنة لأن الألف
~~لخفتها بمنزلة الفتحة وكسرها على أصل التقاء الساكنين وعلى هذا يتم ذاك
~~التخريج.

# وقيل: ms04176 إن هذه النون هي نون التوكيد الثقيلة إلا أنها خففت وهو كما ترى،
~~وعنه أيضا { ولا تتبعآن } بتخفيف التاء الثانية وسكونها
~~وبالنون المشددة من تبع الثلاثي، وأيضا { ولا تتبعآن } وهي
~~كالأولى إلا أن النون ساكنة على إحدى الروايتين عمن تقدم في تسكين النون
~~الخفيفة بعد الألف على الأصل واغتفار التقاء الساكنين إذا كان الأول
~~ألفا كما في محياي. ثم اعلم أنه اشتهر في تعليل كسر النون في قراءة
~~العامة بأنه لالتقاء الساكنين وظاهره أنه بذلك زال التقاء الساكنين وليس
~~كذلك إذ الساكنان هما الألف والنون الأولى ولا شيء منهما بمتحرك وإنما
~~المتحرك النون الثانية، ومن هنا قال بعض محققي النحاة: إن أصل التحريك
~~ليتأتى الإدغام وكونه بالكسر تشبيها بنون التثنية، والتقاء الساكنين
~~أعني الألف والنون الأولى غير مضر لما قالوا من جوازه إذا كان الأول حرف
~~مد والثاني مدغما في مثله كما في  دابة  لارتفاع اللسان بهما معا
~~حينئذ وقد حقق ذلك في موضعه فليراجع هذا والله تعالى أعلم.

# ومن باب الإشارة في الآيات:

# ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم
~~ولو كانوا لا يعقلون

# [يونس: 42] أشار سبحانه إلى أنهم يستمعون لكن حكمهم حكم الأصم في عدم
~~الانتفاع وذلك لعدم استعدادهم حقيقة أو حكما بأن كان ولكن حجب نوره رسوخ
~~الهيآت المظلمة؛ وكذا يقال فيما بعد، ثم إنه تعالى رفع ما يتوهم من أن
~~كونهم في تلك الحالة ظلم منه سبحانه لهم بقوله جل شأنه: { إن الله
~~لا يظلم الناس شيئا } بسلب حواسهم وعقولهم مثلا

# ولكن الناس أنفسهم يظلمون

# [يونس: 44] حيث طلب استعدادهم الغير المجعول ذلك { ويوم
~~نحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار }
~~لذهولهم بتكاثف ظلمات المعاصي على قلوبهم { يتعارفون بينهم }
~~بحكم سابقة الصحبة وداعية الهوى اللازمة للجنسية الأصلية، وهذا التعارف
~~قد يبقى إذا اتحذوا في الوجهة واتفقوا في المقصد وقد لا يبقى وذلك إذا
~~اختلفت الأهواء وتباينت الآراء فحينئذ تتفاوت الهيئات المستفادة من
~~لواحق النشأة فيقع التناكر وعوارض العادة

# قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله وما كانوا ms04177
~~مهتدين

# [يونس: 45] / لما ينتفعون به { ولكل أمة رسول } من جنسهم
~~ليتمكنوا من الاستفاضة منه { فإذا جآء رسولهم قضي بينهم
~~} بإنجاء من اهتدى به وإثابته وإهلاك من أعرض عنه وتعذيبه لظهور أسباب
~~ذلك بوجوده

# وهم لا يظلمون

# [يونس: 47] فيعاملوا بخلاف ما يستحقون

# ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صدقين

# [يونس: 48] إنكار للقيامة لاحتجابهم بما هم فيه من الكثافة

# قل لآ أملك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ما شآء
~~الله

# [يونس: 49] سلب لاستقلاله في التأثير وبيان لأنه لا يملك إلا ما أذن
~~الله تعالى فيه، وهذا نوع من توحيد الأفعال وفيه إرشاد لهم بأنه لا يملك
~~استعجال ما وعدهم به { يأيها الناس قد جآءتكم موعظة
~~من ربكم } أي تزكية لنفوسكم بالوعد والوعيد والزجر عن الذنوب
~~المتسببة للعقاب والتحريض على الطاعة الموجبة بفضل الله تعالى للثواب {
~~وشفآء لما في الصدور } أي دواء للقلوب من أمراضها التي هي أشد
~~من أمراض الأبدان كالشك والنفاق والحسد والحقد وأمثال ذلك بتعليم الحقائق
~~والحكم الموجبة لليقين والتصفية والتهيء لتجليات الصفات الحقة { وهدى
~~} لأرواحكم إلى الشهود الذاتي

# ورحمة

# [يونس: 57] بإفاضة الكمالات اللائقة بكل مقام من المقامات الثلاثة بعد
~~حصول الاستعداد في مقام النفس بالموعظة ومقام القلب بالتصفية ومقام الروح
~~بالهداية للمؤمنين بالتصديق أولا ثم باليقين ثانيا ثم بالعيان ثالثا.
~~وذكر بعضهم الموعظة للمريدين والشفاء للمحبين والهدى للعارفين والرحمة
~~للمستأنسين والكل مؤمنون إلا أن مراتب الإيمان متفاوتة والخطاب في الآية
~~لهم وفيها إقامة الظاهر مقام المضمر، ويقال: إنه سبحانه بدأ بالموعظة
~~لمريض حبه لأنها معجون لإسهال شهواته فإذا تطهر عن ذلك يسقيه شراب ألطافه
~~فيكون ذلك شفاء له مما به فإذا شفي يغذيه بهدايته إلى نفسه فإذا كمل
~~بصحبته يطهره بمياه رحمته من وسخ المرض ودرن الامتحان { قل بفضل
~~الله } بتوفيقه للقبول في المقامات { وبرحمته } بالمواهب
~~الخلقية والعملية والكشفية فيها { فبذلك فليفرحوا } لا
~~بالأمور الفانية القليلة المقدار الدنية القدر

# هو خير مما يجمعون

# [يونس: 58] من الخسائس والمحقرات، وفسر بعضهم الفضل بانكشاف صباح الأزل
~~لعيون أرواح المريدين وزيادة وضوحه في ms04178 لحظة حتى تطلع شموس الصفات. وأقمار
~~الذات فيطيرون في أنوار ذلك بأجنحة الجذبات إلى حيث شاء الله تعالى
~~والرحمة بتتابع مواجيد الغيوب للقلوب بنعت التفريد بلا انقطاع، ومن هنا
~~قال ضرغام أجمة التصوف أبو بكر الشبلي قدس سره: وقتي سرمد وبحري بلا
~~شاطىء؛ وقيل: فضله الوصال ورحمته الوقاية عن الانفصال، وقيل: فضله إلقاء
~~نيران المحبة في قلوب المريدين ورحمته جذبه أرواح المشتاقين، وقيل: فضله
~~سبحانه على العارفين كشف الذات وعلى المحبين كشف الصفات وعلى المريدين
~~كشف أنوار الآيات ورحمته جل شأنه على العارفين العناية وعلى المحبين
~~الكفاية وعلى المريدين الرعاية.

# وقال الجنيد: فضل الله تعالى في الابتداء ورحمته في الانتهاء وهو مناسب
~~لما قلنا، وقال الكتاني: فضل الله تعالى النعم الظاهرة ورحمته النعم
~~الباطنة وقيل غير ذلك، { قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم
~~} أي أخبروني ما أنزل الله سبحانه من رزق معنوي كالمعارف الحقانية
~~وكالآداب الشرعية { فجعلتم منه حراما } كالقسم الأول حيث
~~أنكرتموه على أهله ورميتموه بالزندقة { وحلالا } كالقسم الثاني حيث
~~قبلتموه { قل ءآلله أذن لكم } في الحكم بالتحليل والتحريم

# أم على الله تفترون

# [يونس: 59] في ذلك، ثم أنه سبحانه أوعد المفترين بقوله عز من قائل: {
~~وما ظن الذين يفترون } الخ، ففي الآية إشارة إلى سوء حال
~~المنكرين على من تحلى بالمعارف الإلهية، ولعل منشأ ذلك زعمهم انحصار
~~العلم / فيما عندهم ولم يعلموا أن وراء علومهم علوما لا تحصى يمن الله
~~تعالى بها على من يشاء، وفي قوله تعالى:

# وقل رب زدني علما

# [طه: 114] إشارة إلى ذلك فما أولاهم بأن يقال لهم:

# مآ أوتيتم من العلم إلا قليلا

# [الإسراء: 85] ومن العجيب أنهم إذا سمعوا شيئا من أهل الله تعالى
~~مخالفا لما عليه مجتهدوهم ردوه وقالوا: زيغ وضلال واعتمدوا في ذلك على
~~مجرد تلك المخالفة ظنا منهم أن الحق منحصر فيما جاء به أحد أولئك
~~المجتهدين مع أن الاختلاف لم يزل قائما بينهم على ساق. على أنه قد يقال
~~لهم: ما يدريكم أن هذا القائل الذي سمعتم منه ما سمعتم وأنكرتموه ms04179 أنه
~~مجتهد أيضا كسائر مجتهديكم؟ فإن قالوا: إن للمجتهد شروطا معلومة وهي
~~غير موجودة فيه قلنا: هذه الشروط التي وضعت للمجتهد في دين الله تعالى هل
~~هي منقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صريحا أو صنعتموها أنتم من
~~تلقاء أنفسكم أو صنعها المجتهد؟ فإن كانت منقولة عن الرسول عليه الصلاة
~~والسلام فأتوا بها واتلوها وصححوا نقلها إن كنتم صادقين وهيهات ذاك، وإن
~~كان الواضع لها أنتم  وأنتم أجهل من ابن يوم  فهي رد عليكم ولا حبا
~~ولا كرامة على أن في اعتبارها أخذا بكلام من ليس مجتهدا وأنتم لا
~~تجوزونه، وإن كان الواضع لها المجتهد فإثبات كونه مجتهدا متوقف على
~~اعتبار تلك الشروط واعتبار تلك الشروط متوقف على إثبات كونه مجتهدا وهل
~~هذا إلا دور وهو محال لو تعقلونه، وأيضا لم لا يجوز أن تكون تلك الشروط
~~شروطا للمجتهد النقلي وهناك مجتهد آخر شرطه تصفية النفس وتزكيتها
~~وتخلقها بالخلق الرباني وتهيؤها واستعدادها لقبول العلم من الله تعالى؟
~~وأي مانع من أن يخلق الله تعالى العلم فيمن صفت نفسه وتهيأت بالفقر
~~واللجأ إلى الله تعالى وصدق عزمه في الأخذ ولم يتكل على حوله وقوته كما
~~يخلقه فيمن استوفى شروط الاجتهاد عندكم فاجتهد وصرف فكره ونظره؟ والقول
~~بأنه سبحانه إنما يخلق العلم في هذا دون ذاك حجر على الله تعالى وخروج عن
~~الإنصاف كما لا يخفى، فلا ينبغي للمصنف العارف بأن الفضل بيد الله يؤتيه
~~من يشاء من عباده إلا أن يسلم لمن ظهرت فيه آثار التصفية والتهىء وسطعت
~~عليه أنوار التخلق بالخلق الرباني ما أتى به ولو لم يأت به مجتهد ما لم
~~يخالف ما علم مجيئه من الدين بالضرورة، ويأبى الله تعالى أن يأتي ذلك
~~بمثل ما ذكر.

# لكن ذكر مولانا الإمام الرباني ومجدد الألف الثاني قدس سره في بعض
~~«مكتوباته» الفارسية أنه لا يجوز تقليد أهل الكشف في كشفهم لأن الكشف لا
~~يكون حجة على الغير وملزما له، وقد يقال: ليس في هذا أكثر من منع تقليد ms04180
~~أهل الكشف، ومحل النزاع الإنكار عليهم ورميهم والعياذ بالله تعالى
~~بالزندقة وليس في الكلام أدنى رائحة منه كما لا يخفى { إن الله
~~لذو فضل على الناس } [البقرة: 243] بصنفي العلمين وإفاضتهما
~~بعد تهيئة الاستعداد لقبولهما

# ولكن أكثرهم لا يشكرون

# [يونس: 60] ذلك ولا يعرفون قدره فيمنعون عن الزيادة { وما تكون في
~~شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من
~~عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه } إخبار
~~منه تعالى بعظيم اطلاعه سبحانه على الخواطر وما يجري في الضمائر فلا يخفى
~~عليه جل شأنه خاطر ولا ضمير

# ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير

# [الملك: 14] ثم أخبر جل وعلا عن سلطان إحاطته على كل ذرة من العرش إلى
~~ما تحت الثرى بقوله تبارك اسمه:

# وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا
~~في السمآء

# [يونس: 61] أي إن علمه سبحانه محيط بما في العالم السفلي والعلوي فكل
~~ذرة من ذراته داخلة في حيطة علمه كيف لا وكلها قائمة به جل شأنه ينظر إلى
~~كل في كل آن / نظر الحفظ والرعاية ولولا ذلك لهلكت الذرات واضمحلت سائر
~~الموجودات { ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم } إذ
~~لم يبق منهم بقية يخاف بسببها من حرمان

# ولا هم يحزنون

# [يونس: 62] لامتناع فوات شيء من الكمالات واللذات منهم { الذين
~~آمنوا } الإيمان الحقيقي

# وكانوا يتقون

# [يونس: 63] بقاياهم وظهور تلوناتهم { لهم البشرى في الحيوة
~~الدنيا } بوجود الاستقامة والأخلاق المبشرة بجنة النفوس { وفي
~~الآخرة } بظهور أنوار الصفات والحقائق عليهم المبشرة بجنة القلوب؛
~~والظاهر أن الموصول بيان للأولياء، فالولي هو المؤمن المتقي على الكمال
~~ولهم في تعريفه عبارات شتى تقدم بعضها. وفي «الفتوحات»: هو الذي تولاه
~~الله تعالى بنصرته في مقام مجاهدته الأعداء الأربعة الهوى والنفس
~~والشيطان والدنيا، وفيها تقسيم الأولياء إلى عدة أقسام منها الأقطاب
~~والأوتاد والأبدال والنقباء والنجباء وقد ورد ذلك مرفوعا وموقوفا من
~~حديث عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأنس وحذيفة بن اليمان وعبادة بن
~~الصامت وابن عباس وعبد الله بن عمر وابن ms04181 مسعود وعوف بن مالك ومعاذ بن جبل
~~وواثلة بن الأسقع وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وأبي الدرداء وأم سلمة،
~~ومن مرسل الحسن وعطاء وبكر بن خنيس ومن الآثار عن التابعين ومن بعدهم ما
~~لا يحصى.

# وقد ذكر ذلك الجلال السيوطي في «رسالة» مستقلة له وشيد أركانه، وأنكره 
~~كما قدمنا  بعضهم والحق مع المثبتين، وأنا والحمد لله تعالى منهم وإن
~~كنت لم أشيد قبل أركان ذلك، والأئمة والحواريون والرجبيون والختم
~~والملامية والفقراء وسقيط الرفرف ابن ساقط العرش والأمناء والمحدثون إلى
~~غير ذلك، وعد الشيخ الأكبر قدس سره منهم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة
~~والسلام، والبيان الذي في الآية صادق عليهم عليهم السلام على أتم وجه،
~~ونسب إليه رضي الله تعالى عنه القول بتفضيل الولي على النبي والرسول وخاض
~~فيه كثير من المنكرين حتى كفروه وحاشاه بسبب ذلك، وقد صرح في غير موضع من
~~«فتوحاته» وكذا من سائر تأليفاته بما ينافي هذا القول حسبما فهمه
~~المنكرون، وقد ذكر في كتاب القربة أنه ينبغي لمن سمع لفظة من عارف متحقق
~~مبهمة كأن يقول الولاية هي النبوة الكبرى أو الولي العارف مرتبته فوق
~~مرتبة الرسول أن يتحقق المراد منها ولا يبادر بالطعن، ثم ذكر في بيان ما
~~ذكر ما نصه: اعلم أنه لا اعتبار للشخص من حيث ما هو إنسان فلا فضل ولا
~~شرف في الجنس بالحكم الذاتي وإنما يقع التفاضل بالمراتب، فالأنبياء صلوات
~~الله تعالى عليهم ما فضلوا الخلق إلا بها، فالنبي صلى الله عليه وسلم له
~~مرتبة الولاية والمعرفة والرسالة ومرتبة الولاية والمعرفة دائمة الوجود
~~ومرتبة الرسالة منقطعة فإنها تنقطع بالتبليغ والفضل للدائم الباقي،
~~والولي العارف مقيم عنده سبحانه والرسول خارج وحالة الإقامة أعلى من حالة
~~الخروج، فهو صلى الله عليه وسلم من حيثية كونه وليا وعارفا أعلى وأشرف
~~من حيثية كونه رسولا وهو صلى الله عليه وسلم الشخص بعينه واختلفت مراتبه
~~لا أن الولي منا أرفع من الرسول نعوذ بالله تعالى من الخذلان، فعلى هذا
~~الحد يقول تلك الكلمة أصحاب الكشف والوجود ms04182 إذ لا اعتبار عندنا إلا
~~للمقامات ولا نتكلم إلا فيها لا في الأشخاص، فإن الكلام في الأشخاص قد
~~يكون بعض الأوقات غيبة، والكلام على المقامات والأحوال من صفات الرجال،
~~ولنا في كل حظ شرب معلوم ورزق مقسوم انتهى، وهو صريح في أنه قدس سره لا
~~يقول هو ولا غيره من الطائفة بأن الولي أفضل من النبي حسبما ينسب إليه،
~~وقد نقل الشعراني عنه أنه قال: فتح لي قدر خرم إبرة من مقام النبوة
~~تجليا لا دخولا فكدت أحترق، فينبغي تأويل جميع ما يوهم القول بذلك
~~كإخباره في كتابه «التجليات» وغيره باجتماعه ببعض الأنبياء عليهم السلام
~~وإفادته لهم من العلم ما ليس / عندهم.

# وكقول الشيخ عبد القادر الجيلي قدس سره وقد تقدم: يا معاشر الأنبياء
~~أوتيتم الألقاب وأوتينا ما لم تؤتوه إلى غير ذلك، فإن اعتقاد أفضلية ولي
~~من الأولياء على نبي من الأنبياء كفر عظيم وضلال بعيد، ولو ساغ تفضيل
~~ولي على نبي لفضل الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه على أحد من الأنبياء
~~لأنه أرفع الأولياء قدرا كما ذهب إليه أهل السنة ونص عليه الشيخ قدس سره
~~في كتاب «القربة» أيضا مع أنه لم يفضل كذلك بل فضل على من عداهم كما نطق
~~به «ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين أفضل من أبي بكر
~~الصديق» فمتى لم يفضل الصديق وهو الذي وقر في صدره ما وقر ونال من الكمال
~~ما لا يحصر فكيف يفضل غيره؟. وفضل كثير من الشيعة عليا كرم الله تعالى
~~وجهه وكذا أولاده الأئمة الطاهرين رضي الله تعالى عنهم أجمعين على كثير
~~من الأنبياء والمرسلين من أولي العزم وغيرهم ولا مستند لهم في ذلك إلا
~~أخبار كاذبة وأفكار غير صائبة.

# وبالجملة متى رأينا الشخص مؤمنا متقيا حكمنا عليه بالولاية نظرا
~~لظاهر الحال ووجب علينا معاملته بما هو أهله من التوقير والاحترام غير
~~غالين فيه بتفضيله على رسول أو نبي أو نحو ذلك مما عليه العوام اليوم في
~~معاملة من يعتقدونه وليا التي هي ms04183 أشبه شيء بمعاملة المشركين من يعتقدونه
~~إلها نسأل الله تعالى العفو والعافية، ولا يشترط فيه صدور كرامة على يده
~~كما يشترط في الرسول صدور معجزة، ويكفيه الاستقامة كرامة كما يدل عليه ما
~~اشتهر عن أبي يزيد قدس سره، بل الولي الكامل لا التفات له إليها ولا يود
~~صدورها على يده إلا إذا تضمنت مصلحة للمسلمين خاصة أو عامة. وفي «الجواهر
~~والدرر» للشعراني سمعت شيخنا يقول: إذا زل الولي ولم يرجع لوقته عوقب
~~بالحجاب، وهو أن يحبب إليه إظهار خرق العوائد المسماة في لسان العامة
~~كرامات فيظهر بها ويقول: لو كنت مؤاخذا بهذه الذلة لقبض عني التصريف
~~وغاب عنه أن ذلك استدراج بل ولو سلم من الزلة فالواجب خوفه من المكر
~~والاستدراج، وقال بعضهم: الكرامة حيض الرجال ومن اغتر بالكرامات بالكرى
~~مات. وأضر الكرامات للولي ما أوجب الشهرة فإن الشهرة آفة، وقد نقل عن
~~الخواص أنها تنقص مرتبة الكمال، وأيد ذلك بالأثر المشهور «خص بالبلاء من
~~عرفه الناس». نعم ذكر في «أسرار القرآن» أن الولاية لا تتم إلا بأربع
~~مقامات. الأول: مقام المحبة. والثاني: مقام الشوق. والثالث: مقام العشق.
~~والرابع: مقام المعرفة، ولا تكون المحبة إلا بكشف الجمال ولا يكون الشوق
~~إلا باستنشاق نسيم الوصال ولا يكون العشق إلا بدنو الأنوار ولا تكون
~~المعرفة إلا بالصحبة، وتتحقق الصحبة بكشف الألوهية مع ظهور أنوار الصفات،
~~ولحصول ذلك آثار وعلامات مذكورة فيه فليراجعه من أرادها؛ والكلام في هذا
~~المقام كثير وكتب القوم ملأى منه وما ذكرناه كفاية لغرضنا.

# وأحسن ما يعتمد عليه في معرفة الولي اتباع الشريعة الغراء وسلوك المحجة
~~البيضاء فمن خرج عنها قيد شبر بعد عن الولاية بمراحل فلا ينبغي أن يطلق
~~عليه اسم الولي ولو أتى بألف ألف خارق، فالولي الشرعي اليوم أعز من
~~الكبريت الأحمر ولا حول ولا قوة إلا بالله.

# أما الخيام فإنها كخيامهم

# وأرى نساء الحي غير نسائها

# لا تبديل لكلمات الله

# [يونس: 64] أي لما سبق لهم في الأزل من حسن العناية، أولا تبديل
~~لحقائقه سبحانه الواردة ms04184 عليهم وأسمائه تعالى المنكشفة لهم وأحكام تجلياته
~~جل وعلا النازلة بهم، أو لا تبديل لفطرهم التي فطرهم عليها، ويقال لكل
~~محدث  كلمة  لأنه أثر الكلمة { ولا يحزنك قولهم } أي لا
~~تتأثر به { إن العزة لله جميعا } لا يملك أحد سواه منها
~~شيئا فسيكفيكهم الله تعالى ويقهرهم و { هو السميع } لأقوالهم

# العليم

# [يونس: 65] بما ينبغي أن يفعل بهم. { ألا إن لله من في
~~السموات ومن في الأرض } أي إن كل من في ذلك تحت ملكه سبحانه
~~وتصرفه وقهره لا يقدرون على شيء من غير إذنه فهو كالتأكيد لما أفادته
~~الآية السابقة أو أن من فيها الملائكة والثقلين الذين هم أشرف الممكنات
~~عبيد له سبحانه لا يصلح أحد منهم للربوبية فما لا يعقل أحق بأن لا يصلح
~~لذلك فهو كالدليل على قوله سبحانه:

# وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركآء إن
~~يتبعون

# [يونس: 66] إلا ما يتوهمونه ويتخيلونه شريكا ولا شركة له في الحقيقة {
~~هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه } إشارة إلى
~~سكون العشاق والمشتاقين في الليل إذا مد أطنابه ونشر جلبابه وميلهم إلى
~~مناجاة محبوبهم وانجذابهم إلى مشاهدة مطلوبهم وتلذذهم بما يرد عليهم من
~~الواردات الإلهية واستغراقهم بأنواع التجليات الربانية، ومن هنا قال
~~بعضهم: لولا الليل لما أحببت البقاء في الدنيا، وهذه حالة عشاق الحضرة
~~وهم العشاق الحقيقيون نفعنا الله تعالى بهم، وأنشد بعض المجازيين:

# أقضي نهاري بالحديث وبالمنى

# ويجمعني بالليل والهم جامع

# نهاري نهار الناس حتى إذا بدا

# لي الليل هزتني إليك المضاجع

# { والنهار مبصرا } أي ألبسه سربال أنوار القدرة لتقضوا فيها
~~حاجاتكم الضرورية، وقيل: الإشارة بذلك إلى ليل الجسم ونهار الروح أي جعل
~~لكم ليل الجسم لتسكنوا فيه ونهار الروح لتبصروا به حقائق الأشياء وما
~~تهتدون به

# إن في ذلك لآيت لقوم يسمعون

# [يونس: 67] كلام الله تعالى فيقيمون بواطنه وحدوده ويطلعون به على صفاته
~~وأسمائه سبحانه { وقالوا اتخذ الله ولدا } أي معلولا
~~يجانسه { سبحنه } أي أنزهه جل وعلا من ذلك { هو الغني }
~~الذي وجوده بذاته وبه وجود كل ms04185 شيء وذلك ينافي الغني وأكد غناه جل شأنه
~~بقوله تعالى:

# له ما في السموات

# [يونس: 68] الخ، وقوله سبحانه:

# واتل عليهم نبأ نوح

# [يونس: 71] الخ أمر له صلى الله عليه وسلم أن يتلو عليهم نبأ نوح عليه
~~السلام في صحة توكله على الله تعالى ونظره إلى قومه وشركائهم بعين الغنى
~~وعدم المبالاة بهم وبمكايدهم ليعتبروا به حاله عليه الصلاة والسلام فإن
~~الأنبياء عليهم السلام في ملة التوحيد والقيام بالله تعالى وعدم الالتفات
~~إلى الخلق سواء، أو أمر له صلى الله عليه وسلم بأن يتلو نبأ نوح مع قومه
~~ليتعظ قومه وينزجروا عما هم عليه مما يفضي إلى إهلاكهم { وقال موسى
~~يقوم أن كنتم ءامنتم بالله } أي إيمانا حقيقيا

# فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين

# [يونس: 84] أي منقادين، أي إن صح إيمانكم يقينا فعليه توكلوا بشرط أن
~~لا يكون لكم فعل ولا تروا لأنفسكم ولا لغيركم قوة ولا تأثيرا بل تكونوا
~~منقادين كالميت بين يدي مغسله، فإن شرط صحة التوكل فناء بقايا الأفعال
~~والقوى

# قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما

# [يونس: 89] أي على ما أنتما عليه من الدعوة شكرا لتلك الإجابة، وقيل:
~~أي استقيما على معرفتكما مقام السؤال وهو مقام الرضوان والبسط ليستجاب
~~لكما بعد إذا دعوتما فإن من لم يعرف مقام السؤال قد يوقعه في غير مقامه
~~فيسىء الأدب فلا يستجاب له، وقيل: إن هذا عتاب لهما عليهما السلام أي قد
~~أجيب دعوتكما لضعفكما عن تحمل وارد امتحاني فاستقيما بعد ذلك على تحمل
~~بلائي والصبر فيه فإنه اللائق بشأنكما، وقد قيل: المعرفة تقتضي الرضا
~~بالقضاء والسكون في البلاء، وقيل: أي استقيما في دعائكما والاستقامة في
~~الدعاء على ما قال ذو النون المصري أن لا يغضب الداعي لتأخير الإجابة ولا
~~يسأل سؤال خصوص نسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى.

### || [10.90]

# { وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر } من جاوز المكان إذا
~~قطعه وتخطاه، وهو متعد إلى المفعول الأول الذي كان فاعلا في الأصل
~~بالباء وإلى الثاني بنفسه، والمعنى / جعلناهم مجاوزين البحر بأن جعلناه
~~يبسا وحفظناهم ms04186 حتى بلغوا الشط. وقرأ الحسن { وجوزنا } بالتضعيف، وفعل
~~بمعنى فاعل فهو من التجويز المرادف للمجاوزة بالمعنى السابق وليس بمعنى
~~نفذ لأنه لا يحتاج إلى التعدية بالباء ويتعدى إلى المفعول الثاني بفي كما
~~في قوله:

# ولا بد من جار يجيز سبيلها

# كما جوز السكي في الباب فيتق

# فكان الواجب هنا من حيث اللغة أن يقال: وجوزنا بني إسرائيل البحر أي
~~نفذناهم وأدخلناهم فيه؛ وفي الآية إشارة إلى انفصالهم عن البحر وإلى
~~مقارنة العناية الإلهية لهم عند الجواز كما هو المشهور في الفرق بين
~~أذهبه وذهب به.

# { فأتبعهم } قال الراغب: ((يقال تبعه واتبعه إذا قفا
~~أثره إما بالجسم أو بالارتسام والائتمار)) وظاهره أن الفعلين بمعنى. وقال
~~بعض المحققين: يقال تبعته حتى أتبعته إذا كان سبقك فلحقته، فالمعنى هنا
~~أدركهم ولحقهم { فرعون وجنوده } حتى تراءت الفئتان وكاد يجتمع
~~الجمعان { بغيا وعدوا } أي ظلما واعتداء، وهما مصدران منصوبان
~~على الحال بتأويل اسم الفاعل أي باغين وعادين أو على المفعولية لأجله أي
~~للبغي والعدوان. وقرأ الحسن { وعدوا } بضم العين والدال وتشديد الواو،
~~وذلك أن الله سبحانه وتعالى لما أخبر موسى وهارون عليهما السلام بإجابة
~~دعوتهما أمر موسى عليه السلام بإخراج بني إسرائيل من مصر ليلا وكانوا
~~كما ذكره غير واحد ستمائة ألف فخرج بهم على حين غفلة من فرعون وملئه فلما
~~أحس بذلك خرج هو وجنوده على أثرهم مسرعين فالتفت القوم فإذا الطامة
~~الكبرى وراءهم فقالوا: يا موسى هذا فرعون وجنوده وراءنا وهذا البحر
~~أمامنا فكيف الخلاص فأوحى الله تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه
~~فانفلق اثني عشر فرقا كل فرق كالطود العظيم وصار لكل سبط طريق فسلكوا
~~ووصل فرعون ومن معه إلى الساحل وهم قد خرجوا من البحر ومسلكهم باق على
~~حاله فسلكه بمن معه أجمعين فلما دخل آخرهم وهم أولهم بالخروج غشيهم من
~~اليم ما غشيهم.

# { حتى إذآ أدركه الغرق } أي لحقه، والمراد بلحوقه إياه
~~وقوعه فيه وتلبسه بأوائله، وقيل: معنى أدركه قارب إدراكه كجاء الشتاء
~~فتأهب لأن حقيقة اللحوق تمنعه ms04187 من القول الذي قصه سبحانه بقوله جل شأنه: {
~~قال آمنت } الخ، ومن الناس من أبقى الإدراك على ظاهره وحمل القول على
~~النفسي وزعم أن الآية دليل على ثبوت الكلام النفسي، ونظر فيه بأن قيام
~~الاحتمال يبطل صحة الاستدلال، وأيا ما كان فليس المراد الإخبار بإيمان
~~سابق كما قيل بل إنشاء إيمان { أنه لآ إله إلا الذي
~~ءامنت به بنوا إسرءيل } أي بأنه، وقدر الجار لأن الإيمان وكذا
~~الكفر متعد بالباء ومحل مدخوله بعد حذفه الجر أو النصب فيه خلاف شهير
~~وجعله متعديا بنفسه فلا تقدير لأنه في أصل وضعه كذلك مخالفة للاستعمال
~~المشهور فيه.

# وقرأ حمزة والكسائي { إنه } بالكسر على إضمار القول أي وقال إنه أو
~~على الاستئناف لبيان إيمانه أو الإبدال من جملة { آمنت }؛ والجملة
~~الاسمية يجوز إبدالها من الفعلية، والاستئناف على البدلية باعتبار المحكي
~~لا الحكاية لأن الكلام في الأول، والجملة الأولى في كلامه مستأنفة
~~والمبدل من المستأنف مستأنف والضمير للشأن، وعبر عنه تعالى بالموصول وجعل
~~صلته إيمان بني إسرائيل به تعالى ولم يقل كما قال السحرة:

# ءامنا برب العلمين رب موسى / وهرون

# [الأعراف: 121-122] للإشعار برجوعه عن الاستعصاء واتباعه لمن كان
~~يستتبعهم طمعا في القبول والانتظام معهم في سلك النجاة.

# { وأنا من المسلمين } أي الذين أسلموا نفوسهم لله تعالى أي
~~جعلوها خالصة سالمة له سبحانه، وأراد بهم أما بني إسرائيل خاصة وإما
~~الجنس وهم إذ ذاك داخلون دخولا أوليا، والظاهر أن الجملة على التقديرين
~~معطوفة على جملة { آمنت } وإيثار الاسمية لادعاء الدوام والاستمرار.
~~وقيل: إنها على الأول معطوفة وعلى الثاني تحتمل الحالية أيضا من ضمير
~~المتكلم أي آمنت مخلصا لله تعالى منتظما في سلك الراسخين في ذلك، ولقد
~~كرر المعنى الواحد بثلاث عبارات وبالغ ما بالغ حرصا على القبول المقتضي
~~للنجاة وليت بعض ذلك قد كان حين ينفعه الإيمان وذلك قبل اليأس، فإن إيمان
~~اليأس غير مقبول كما عليه الأئمة الفحول.

### || [10.91]

# { آلآن } الاستفهام للإنكار والتوبيخ، والظرف متعلق بمحذوف يقدر مؤخرا
~~أي الآن تؤمن حين يئست من ms04188 الحياة وأيقنت بالممات، وقدر مؤخرا ليتوجه
~~الإنكار والتوبيخ إلى تأخير الإيمان إلى حد يمتنع قبوله فيه، والكلام على
~~تقدير القول أي فقيل له ذلك وهو معطوف على

# قال

# [يونس: 90] وهذا إلى

# آية

# [يونس: 92] حكاية لما جرى منه سبحانه من الغضب على المحذوف ومقابلة ما
~~أظهره بالرد الشنيع وتقريعه بالعصيان والإفساد إلى غير ذلك، وفي حذف
~~الفعل المذكور وإبراز الخبر المحكي في صورة الإنشاء من الدلالة على عظم
~~السخط وشدة الغضب ما لا يخفى. والقائل له ذلك قيل: هو الله تعالى، وقيل:
~~هو جبريل عليه السلام، وقيل: إنه ميكائيل عليه السلام. فقد أخرج أبو
~~الشيخ عن أبي أمامة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " قال لي جبريل عليه السلام: «ما أبغضت شيئا من خلق الله تعالى ما
~~أبغضت إبليس يوم أمر بالسجود فأبى أن يسجد وما أبغضت شيئا أشد بغضا من
~~فرعون فلما كان يوم الغرق خفت أن يعتصم بكلمة الإخلاص فينجو فأخذت قبضة
~~من حمأة فضربت بها في فيه فوجدت الله تعالى عليه أشد غضبا مني فأمر
~~ميكائيل فأتاه فقال { آلآن } الخ "

# وما تضمنه هذا الخبر من فعل جبريل عليه السلام جاء في غير ما خبر. ومن
~~ذلك ما أخرجه الطيالسي وابن حبان وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه
~~والبيهقي في الشعب والترمذي والحاكم وصححاه عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي جبريل: لو رأيتني وأنا آخذ
~~من حال البحر فأدسه في في فرعون مخافة أن تدركه الرحمة "

# واستشكل هذا التعليل.

# وفي «الكشاف» ((أن ذلك من زيادات الباهتين لله تعالى وملائكته عليهم
~~السلام: وفيه جهالتان: إحداهما: أن الإيمان يصح بالقلب كإيمان الأخرس
~~فحال البحر لا يمنعه. والأخرى: أن من كره إيمان الكافر وأحب بقاءه على
~~الكفر فهو كافر لأن الرضا بالكفر كفر))، وارتضاه ابن المنير قائلا:
~~((لقد أنكر منكرا وغضب لله تعالى وملائكته عليهم السلام كما يجب لهم))،
~~والجمهور على خلافه لصحة الحديث عند الأئمة الثقات كالترمذي المقدم ms04189 على
~~المحدثين بعد مسلم وغيره. وقد خاضوا في بيان المراد منه بحيث لا يبقى فيه
~~إشكال.

# ففي «إرشاد العقل السليم» أن المراد بالرحمة الرحمة الدنيوية أي النجاة
~~التي هي طلبة المخذول وليس من ضرورة إدراكها صحة الإيمان كما في إيمان
~~قوم يونس عليه السلام حتى يلزم من كراهته ما لا يتصور في شأن جبريل عليه
~~السلام من الرضا بالكفر إذ لا استحالة في ترتب هذه الرحمة على مجرد
~~التفوه بكلمة الإيمان وإن كان ذلك في حالة البأس واليأس فيحمل دسه عليه
~~السلام على سد باب الاحتمال البعيد لكمال الغيظ وشدة الحرد انتهى.

# / ولا يخفى أن حمل الرحمة على الرحمة الدنيوية بعيد ويكاد يأبى عنه ما
~~أخرجه ابن جرير. والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " قال لي جبريل عليه السلام: لو رأيتني يا محمد وأنا أغط فرعون بإحدى
~~يدي وأدس من الحال في فيه مخافة أن تدركه رحمة الله تعالى فيغفر له "

# فإنه رتب فيه المغفرة على إدراك الرحمة وهو ظاهر في أنه ليس المراد بها
~~الرحمة الدنيوية لأن المغفرة لا تترتب عليها وإنما يترتب عليها النجاة.

# وقال بعض المحققين: إنما فعل جبريل عليه السلام ما فعل غضبا عليه لما
~~صدر منه وخوفا أنه إذا كرر ذلك ربما قبل منه على سبيل خرق العادة لسعة
~~بحر الرحمة الذي يستغرق كل شيء، وأما الرضا بالكفر فالحق أنه ليس بكفر
~~مطلقا بل إذا استحسن وإنما الكفر رضاه بكفر نفسه كما في «التأويلات»
~~لعلم الهدى انتهى، وقد تقدم آنفا ما يتعلق بهذه المسألة فتذكره فما في
~~العهد من قدم، نعم قيل: إن الرضا بكفر نفسه إنما يكون وهو كافر فلا معنى
~~لعده كفرا والكفر حاصل قبله، وهو على ما له وما عليه بحث آخر لا يضر
~~فيما نحن فيه.

# والطيبي بعد أن أجاب بما أجاب أردف ذلك بقوله: على أنه ليس للعقل مجال
~~في مثل هذا النقل الصحيح إلا التسليم ونسبة القصور إلى النفس، ms04190 وقد يقال:
~~إن الخبر متى خالف صريح العقل أو تضمن نسبة ما لا يتصور شرعا في حق شخص
~~إليه ولم يمكن تأويله على وجه يوافق حكم العقل ويندفع به نسبة النقص لا
~~يكون صحيحا، واتهام الراوي بما يوهن أمر روايته أهون من اتهام العقل
~~الصريح ونسبة النقص إليه دون نسبة النقص إلى من شهد الله تعالى ورسوله
~~صلى الله عليه وسلم بعصمته وكماله فتأمل والله تعالى الموفق.

# وقوله سبحانه: { وقد عصيت قبل } في موضع الحال من فاعل الفعل.
~~العامل في الظرف جىء به لتشديد التوبيخ والتقريع على تأخير الإيمان إلى
~~هذا الآن ببيان أنه لم يكن تأخيره لما عسى يعد عذرا بل كان ذلك على
~~طريقة الرد والاستعصاء والإفساد فإن قوله تعالى: { وكنت من
~~المفسدين } عطف على { عصيت } داخل في حيز الحال والتحقيق أي
~~وقد كنت من المفسدين الغالين في الضلال والإضلال عن الإيمان فهذا عبارة
~~عن فساده الراجع إلى نفسه والساري إلى غيره من الظلم والتعدي وصد بني
~~إسرائيل عن السبيل والأول عن عصيانه الخاص به.

### || [10.92]

# { فاليوم ننجيك ببدنك } تهكم به وتخييب له وحسم لأطماعه
~~بالمرة، والمراد فاليوم نخرجك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ونجعلك
~~طافيا ملابسا ببدنك عاريا عن الروح إلا أنه عبر عن ذلك بالتنجية
~~مجازا، وجعل الجار والمجرور في موضع الحال من ضمير المخاطب لذلك مع ما
~~فيه من التلويح بأن مراده بالإيمان هو النجاة، وقيل: معنى الحال عاريا
~~عن اللباس أو تام الأعضاء كاملها.

# وجعل بعض الأفاضل الكلام على التجريد، وجوز أن يكون الباء زائدة  وبدنك
~~ بدل بعض من ضمير المخاطب كأنه قيل: ننجي بدنك، وجعل الباء للآلة ليكون
~~على وزان قولك  أخذته بيدك  ونظرته بعينك  إيذانا بحصول هذا المطلوب
~~البعيد التناول وجه لكنه غير وجيه كما لا يخفى، وقيل: التنجية الإلقاء
~~على النجوة وهي المكان المرتفع، قيل: وسمي به لنجاته عن السيل، وإلى هذا
~~ذهب يونس بن حبيب النحوي، فقد أخرج ابن الأنباري وأبو الشيخ عنه أنه قال:
~~المعنى نجعلك على ms04191 نجوة من الأرض كي يراك بنو إسرائيل فيعرفوا أنك قد مت،
~~وجاء تفسير البدن بالدرع، وروي ذلك عن محمد بن كعب وأبي، وكانت له درع
~~من / ذهب يعرف بها، وفي رواية أنها كانت من لؤلؤ. وأخرج ابن أبي حاتم
~~وأبو الشيخ عن أبي جهضم موسى بن سالم أنه كان لفرعون شيء يلبسه يقال له
~~البدن يتلألأ، وقرأ يعقوب { ننجيك } من باب الأفعال وهو بمعنى
~~التفعيل بمعنييه السابقين، وأخرج ابن الأنباري عن محمد بن السميقع
~~اليماني ويزيد البربري أنهما قرآ { ننحيك } بالحاء المهملة ونسبت إلى
~~أبي بن كعب وأبي السمال أي نجعلك في ناحية ونلقيك على الساحل. وقرأ أبو
~~حنيفة رضي الله تعالى عنه { بأبدانك } على صيغة الجمع بجعل كل عضو بمنزلة
~~البدن فأطلق الكل على الجزء مجازا وعلى هذا جمع الإجرام في قوله

# : وكم موطن لولاي طحت كما هوى

# بأجرامه من قلة النيق منهوي

# أو بإرادة دروعك بناء على أن المخذول كان لابسا درعا على درع. وأخرج
~~ابن الأنباري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قرأ { بندائك } أي
~~بدعائك.

# { لتكون لمن خلفك آية } أي لتكون لمن يأتي بعدك من الأمم
~~إذا سمعوا حال أمرك ممن شاهد حالك وما عراك عبرة ونكالا من الطغيان أو
~~حجة تدلهم على أن الإنسان وإن بلغ الغاية القصوى من عظم الشأن وعلو
~~الكبرياء وقوة السلطان فهو مملوك مقهور بعيد عن مظان الألوهية والربوبية،
~~وقيل: المراد بمن خلفه من بقي بعده من بني إسرائيل فهو مملوك مقهور بعيد
~~عن مظان الألوهية والربوبية، وقيل: المراد بمن خلفه من بقي بعده من بني
~~إسرائيل أي لتكون لهم علامة على صدق موسى عليه السلام إذ كان في نفوسهم
~~من عظمته ما خيل إليهم أنه لا يهلك فكذبوا لذلك خبر موسى عليه السلام
~~بهلاكه حتى عاينوه على ممرهم من الساحل أحمر قصيرا كأنه ثور وروي هذا عن
~~مجاهد.

# وقرىء { لمن خلفك } فعلا ماضيا أي حل مكانك، ونسب إلى ابن السميقع
~~وأبي السمال أنهما أيضا قرآ { لمن خلقك } بفتح ms04192 اللام والقاف أي لتكون
~~لخالقك آية كسائر الآيات فإن إفراده سبحانه إياك بالإلقاء إلى الساحل
~~دليل على أنه قصد منه جل شأنه لكشف تزويرك وإماطة الشبهات في أمرك وبرهان
~~نير على كمال علمه وقدرته وحكمته وإرادته وهو معنى لا بأس به يصح أن توجه
~~به الآية على القراءة المشهورة أيضا. ذكر في «النشر» أن مما لا يوثق
~~بنقله قراءة ابن السميقع وأبي السمال { ننحيك } بالحاء و { لمن خلقك }
~~بالقاف، وفي تعليل تنجيته بما ذكر كما قاله بعض المحققين إيذان بأنها
~~ليست لإعزازه أو لفائدة أخرى عائدة إليه بل لكمال الاستهانة به وتفضيحه
~~على رؤوس الأشهاد وزيادة تفظيع حاله كمن يقتل ثم يجر جسده في الأسواق
~~ويطرح جيفة في الميدان أو يدار برأسه في النواحي والبلدان، واللام الأولى
~~متعلقة بالفعل قبلها والثانية بمحذوف وقع حالا من { آية } أي كائنة
~~لمن خلفك، وجاد الرد على هذا المحذوف على طرز ما أتى به في قوله:

# آمنت أنه

# [يونس: 90] الخ في اشتماله على المبالغة كما لا يخفى على من تفكر في
~~الآية.

# وقد قرر فحوى المحكي بقوله سبحانه: { وإن كثيرا من الناس
~~عن آيتنا لغفلون } أي لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها،
~~وهو اعتراض تذييلي جىء به عند الحكاية لذلك. ولهذه الآية وأشباهها وقع
~~الإجماع على كفر المخذول وعدم قبول إيمانه، ويشهد لذلك أيضا ما رواه ابن
~~عدي والطبراني من أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " خلق الله تعالى يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا وخلق فرعون في بطن
~~أمه كافرا "

# فهو من أهل النار المخلدين فيها بلا ريب وبذلك قال الشيخ الأكبر قدس سره
~~في أول كتابه «الفتوحات» في الباب الثاني والستين منه حيث ذكر ((أن الذين
~~خذلهم الله تعالى من العباد جعلهم طائفتين، طائفة لا تضرهم الذنوب التي
~~وقعت منهم وإليهم الإشارة بقوله تعالى:

# والله يعدكم مغفرة منه وفضلا

# [البقرة: 268] وهؤلاء لا تمسهم النار بما / تاب الله تعالى عليه
~~واستغفار الملأ الأعلى ودعائهم لهم. وقسم الطائفة الأخرى إلى قسمين قسم
~~أخرجهم ms04193 من النار بالشفاعة وهم طائفة من المؤمنين وأهل التوحيد ماتوا ولم
~~تكفر عنهم خطاياهم، وقسم آخر أبقاهم في النار وهم المجرمون خاصة الذين
~~يقال لهم يوم القيامة:

# وامتازوا اليوم أيها المجرمون

# [يس: 59] ولهم يقال: أهل النار لأنهم الذين يعمرونها، وهم على أربع
~~طوائف كلهم في النار لا يخرجون منها. الطائفة الأولى المتكبرون على الله
~~تعالى كفرعون وأشباهه ممن ادعى الربوبية لنفسه ونفاها عن الله تعالى
~~فقال:

# ما علمت لكم من إله غيري

# [القصص: 38] وقال:

# أنا ربكم الأعلى

# [النازعات: 24] يريد به ما في السماء غيري وكذلك نمروذ وغيره. والثانية
~~المشركون وهم الذين أثبتوا الله تعالى إلا أنهم جعلوا معه آلهة أخرى
~~وقالوا:

# ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى

# [الزمر: 3] والثالثة المعطلة وهم الذين نفوا الإله جملة واحدة فلم
~~يثبتوا للعالم إلها أصلا. والرابعة المنافقون وهم الذين أظهروا الإيمان
~~للقهر الذي حكم عليهم وهم في نفوسهم على ما هم عليه من اعتقاد إحدى هذه
~~الطوائف الثلاث فهؤلاء الأصناف الأربعة هم أهل النار الذين لا يخرجون
~~منها من الجن والإنس)) انتهى.

# وهو صريح فيما قلنا إلا أنه ذهب في موضع آخر من الكتاب المذكور إلى
~~خلافه فقال في الباب السابع والستين ومائة ما حاصله: إن الله تعالى لما
~~علم أنه قد طبع على كل قلب مظهر للجبروت والكبرياء وأن فرعون في نفسه أذل
~~الاذلاء أمر موسى وهرون عليهما السلام أن يعاملاه بالرحمة واللين
~~لمناسبة باطنه واستنزال ظاهره من جبروته وكبريائه فقال سبحانه:

# فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى

# [طه: 44] ولعل وعسى من الله تعالى واجبتان فتذكر بما يقابله من اللين
~~والمسكنة ما هو عليه في باطنه ليكون الظاهر والباطن على السواء فما زالت
~~تلك الخميرة معه تعمل في باطنه مع الترجي الإلهي الواجب فيه وقوع المترجى
~~ويتقوى حكمها إلى حين انقطاع يأسه من أتباعه وحال الغرق بينه وبين أطماعه
~~لجأ إلى ما كان مستترا في باطنه من الذلة والافتقار ليتحقق عند المؤمنين
~~وقوع الرجاء الإلهي فقال:

# آمنت أنه لا إله ms04194 إلا الذي آمنت به بنوا
~~إسرائيل وأنا من المسلمين

# [يونس: 90] فرفع الإشكال من الأشكال كما قالت السحرة لما آمنت:

# آمنا برب العلمين رب موسى وهرون

# [الأعراف: 121-122] أي الذي يدعوان إليه فجاءت بذلك لدفع الارتياب ورفع
~~الإشكال، وقوله: { وأنا من المسلمين } خطاب منه للحق تعالى
~~لعلمه أنه سبحانه يسمعه ويراه فخاطبه الحق بلسان الغيب وسمعه { آلآن }
~~أظهرت ما قد كنت تعلمه

# وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين

# [يونس: 91] لأتباعك، وما قال له وأنت من المفسدين فهي كلمة بشرى له
~~عرفنا بها لنرجو رحمته مع إسرافنا وإجرامنا ثم قال سبحانه: { فاليوم
~~ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية } يعني لتكون
~~النجاة لمن يأتي بعدك آية أي علامة إذا قال ما قلته تكون له النجاة مثل
~~ما كانت لك، وما في الآية أن بأس الآخرة لا يرتفع وأن إيمانه لم يقبل
~~وإنما فيها أن بأس الدنيا لا يرتفع عمن نزل به إذا آمن في حال نزوله إلا
~~قوم يونس عليه السلام فقوله سبحانه: { فاليوم ننجيك ببدنك
~~} بمعنى أن العذاب لا يتعلق إلا بظاهرك وقد أريت الخلق نجاته من العذاب
~~فكان ابتداء الغرق عذابا فصار الموت فيه شهادة خالصة بريئة لم يتخللها
~~معصية فقبض على أفضل عمل وهو التلفظ بالإيمان كل ذلك حتى لا يقنط أحد من
~~رحمة الله تعالى والأعمال بخواتيمها فلم يزل الإيمان بالله تعالى يجول في
~~باطنه وقد حال الطابع الإلهي الذاتي في الخلق بين الكبرياء واللطائف
~~الإنسانية فلم يدخلها قط كبرياء، وأما قوله تعالى:

# فلم يك ينفعهم إيمنهم لما رأوا بأسنا

# [غافر: 85] فكلام محقق في غاية الوضوح فإن النافع هو الله تعالى فما
~~نفعهم إلا / هو سبحانه، وقوله عز وجل:

# سنة الله التى قد خلت فى عباده

# [غافر: 85] فيعنى بذلك الإيمان عند رؤية البأس الغير المعتاد، وقد قال
~~تعالى:

# ولله يسجد من فى السموات والأرض طوعا وكرها

# [الرعد: 15] فغاية هذا الإيمان أن يكون كرها وقد أضافه الحق سبحانه
~~إليه والكراهة محلها القلب والإيمان كذلك والله تعالى لا يأخذ العبد
~~بالأعمال ms04195 الشاقة عليه من حيث ما يجده من المشقة فيها بل يضاعف له فيها
~~الأجر، وأما في هذا الموطن فالمشقة منه بعيدة بل جاء طوعا في إيمانه وما
~~عاش بعد ذلك بل قبض ولم يؤخر لئلا يرجع إلى ما كان عليه من الدعوى ولو
~~قبض ركاب البحر الذين قال سبحانه فيهم:

# ضل من تدعون إلآ إياه

# [الإسراء: 67] عند نجاتهم لماتوا موحدين وقد حصلت لهم النجاة، ثم قوله
~~تعالى في تتميم قصته هذه: { وإن كثيرا من الناس عن
~~آياتنا لغافلون } على معنى قد ظهرت نجاتك آية أي علامة على حصول
~~النجاة فغفل أكثر الناس عن هذه الآية فقضوا على المؤمن بالشقاء، وأما
~~قوله تعالى:

# فأوردهم النار

# [هود: 98] فليس فيه أنه يدخلها معهم بل قال جل وعلا:

# أدخلوا آل فرعون أشد العذاب

# [غافر: 46] ولم يقل أدخلوا فرعون وآله، ورحمة الله تعالى أوسع من أن لا
~~يقبل إيمان المضطر وأي اضطرار أعظم من اضطرار فرعون في حال الغرق؟ والله
~~تبارك وتعالى يقول:

# أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء

# [النمل: 62] فقرن للمضطر إذ دعاه بالإجابة وكشف السوء عنه، وهذا آمن لله
~~تعالى خالصا وما دعاه في البقاء في الحياة الدنيا خوفا من العوارض وأن
~~يحال بينه وبين هذا الإخلاص الذي جاءه في هذه الحال فرجح جانب لقاء الله
~~تعالى على البقاء بالتلفظ بالإيمان وجعل ذلك الغرق نكال الآخرة والأولى
~~فلم يكن عذابه أكثر من غم الماء الأجاج وقبضه على أحسن صفة، وهذا هو الذي
~~يعطيه ظاهر اللفظ وهو معنى قوله تعالى:

# إن في ذلك لعبرة لمن يخشى

# [النازعات: 26] يعني في أخذه نكال الآخرة والأولى.

# وقدم سبحانه: ذكر الآخرة على الأولى ليعلم أن ذلك العذاب أعني عذاب
~~الغرق هو نكال الآخرة وهذا هو الفصل العظيم انتهى.

# وهو نص في إيمانه بل في كونه من الشهداء بناء على أن الموت غرقا شهادة
~~للمؤمنين كما أجمع عليه أئمة الدين على خلاف في موت من قصر في تعلم
~~السباحة غريقا هل يعد شهادة أم لا؟ فإن بعض ms04196 الشافعية ذهب إلى أن المقصر
~~المذكور إذا مات غريقا مات عاصيا لا شهيدا، وإنما الشهيد من مات كذلك
~~وكان عارفا بالسباحة أو غير مقصر في تعلمها لكن لم يتعلم وكأن الشيخ قدس
~~سره لا يقول بهذا التفصيل أو كان يعلم أن فرعون كان ممن يعلم السباحة أو
~~ممن لم يقصر في تعلمها أو أنه يقول: إن الإيمان كفر عنه كل معصية قبله
~~ومن جملة ذلك معصية التقصير مثلا التي هي دون قوله:

# أنا ربكم الأعلى

# [النازعات: 24] و

# ما علمت لكم من إله غيرى

# [القصص: 38] بألف ألف مرتبة لكن لا أدري هل الغريق شهيد في شريعة موسى
~~عليه السلام كما هو كذلك في شريعتنا أم هذا الأمر من خواص هذه الشريعة
~~التي أنعم الله تعالى على أهلها بما أنعم كرامة لنبيها صلى الله عليه
~~وسلم؟ وقد ذهب قدس سره في كتابه «فصوص الحكم» إلى نحو ما ذهب إليه أخيرا
~~في كتابه «الفتوحات»، وقد اعترض عليه بذلك غير واحد وهو عندي ليس بأعظم
~~من قوله قدس سره بإيمان قوم نوح عليه السلام وكثير من أضرابهم ونجاتهم
~~يوم القيامة وقد نص على ذلك في الفصوص، والعجب أنه لم يكثر معترضوه في
~~ذلك كثرتهم في القول بإيمان فرعون؛ وقد انتصر له بعض الناس ومنهم في
~~المشهور الجلال الدواني وله «رسالة» في ذلك أتى فيها بما لا يعد شيئا
~~عند أصاغر الطلبة، لكن في «تاريخ حلب» للفاضل الحلبي كما قال مولانا
~~الشهاب أنها ليست للجلال وإنما هي لرجل يسمى محمد بن هلال النحوي وقد
~~ردها القزويني / وشنع عليه وقال: إنما مثله مثل رجل خامل الذكر لما قدم
~~مكة بال في زمزم ليشتهر بين الناس، وفي المثل خالف تعرف، ويؤيد كونها
~~ليست للجلال أنه شافعي المذهب كما يشهد لذلك «حاشيته على الأنوار». وفي
~~«فتاوى ابن حجر» أن بعض فقهائنا كفر من ذهب إلى إيمان فرعون مع ما عليه
~~تلك الرسالة من اختلال العبارة وظهور الركاكة وعدم مشابهتها لسائر
~~تأليفاته، ولولا خوف الاطالة لسردتها عليك.

# وبالجملة ظواهر ms04197 الآي صريحة في كفر فرعون وعدم قبول إيمانه، ومن ذلك قوله
~~سبحانه:

# وعادا وثمودا وقد تبين لكم من مساكنهم
~~وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن
~~السبيل وكانوا مستبصرين * وقارون وفرعون
~~وهامان ولقد جآءهم موسى بالبينات
~~فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين * فكلا
~~أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا
~~ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا
~~به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله
~~ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون

# [العنكبوت:38-40] فإنه ظاهر في استمرار فرعون على الكفر والمعاصي
~~الموجبة لما حل به كما يدل عليه التعبير بكان والفعل المضارع ومع الإيمان
~~لا استمرار، على أن نظمه في سلك من ذكر معه ظاهر أيضا في المدعى. وألحق
~~بعضهم بذلك قوله تعالى:

# يأخذه عدو لي وعدو له

# [طه: 39] بناء على أن { عدو } صفة مشبهة وهي للثبوت فيدل على ثبوت
~~عداوته لله تعالى وعداوته لرسوله عليه السلام وثبوت إحدى العداوتين كاف
~~في سوء حاله خلافا لمن وهم، وقد صرحوا أيضا بأن إيمان البأس واليأس غير
~~مقبول ولا شك أن إيمان المخذول كان من ذلك القبيل وإنكاره مكابرة، وقد
~~حكى إجماع الأئمة المجتهدين على عدم القبول ومستندهم فيه الكتاب والسنة،
~~وما ينقل عن الإمام مالك من القبول لم يثبت عند المطلعين على أقوال
~~المجتهدين واختلافاتهم. نعم صرح الإمام القاضي عبد الصمد من ساداتنا
~~الحنفية في «تفسيره» بأن مذهب الصوفية أن الإيمان ينتفع به ولو عند
~~معاينة العذاب، وهذا الإمام متقدم على الشيخ الأكبر قدس سره بنحو مائة
~~سنة، وحينئذ تشكل حكاية الإجماع إلا أن يقال: بعدم تسليم صحة ذلك عن
~~الصوفية الذين هم من أهل الاجتهاد المعول عليهم لما فيه من المخالفة
~~للأدلة الظاهرة في عدم النفع فلا يخل ذلك بالإجماع بالإجماع. وفي
~~«الزواجر» أنه على تقدير التسليم لا يضرنا ذلك في دعوى إجماع الأمة على
~~كفر فرعون لأنا لم نحكم بكفره لأجل إيمانه عند البأس فحسب بل لما انضم
~~إليه من أنه لم يؤمن بالله تعالى إيمانا صحيحا بل كان تقليدا محضا
~~بدليل ms04198 قوله:

# إلا الذي آمنت به بنو إسرءيل

# [يونس: 90] فكأنه اعترف بأنه لا يعرف الله تعالى وإنما سمع من بني
~~إسرائيل أن للعالم إلها فآمن بذلك الإله الذي سمع بني إسرائيل يقرون
~~بوجوده وهذا هو محض التقليد الذي لا يقبل لا سيما من مثل فرعون الذي كان
~~دهريا منكرا لوجود الصانع فإنه لا بد له من برهان قطعي يزيل ما هو عليه
~~من الاعتقاد الخبيث البالغ نهاية القبح والفحش، وأيضا لا بد في إسلام
~~الدهري ونحوه ممن كان قد دان بشيء أن يقر ببطلان ذلك الشيء الذي كفر به
~~فلو قال: آمنت بالذي لا إله غيره لم يكن مسلما، وفرعون لم يعترف ببطلان
~~ما كان كفر به من نفى الصانع وادعاء الإلهية لنفسه الخبيثة، وقوله:

# إلا الذي آمنت به بنو إسرءيل

# [يونس: 90] لا يدري ما الذي أراد به فلذا صرح الأئمة بأن آمنت بالذي لا
~~إله غيره لا يحصل الإيمان للاحتمال فكذا ما قاله، وعلى التنزل فالإجماع
~~منعقد على أن الإيمان بالله تعالى مع عدم الإيمان بالرسول لا يصح فلو
~~سلمنا أن فرعون آمن بالله تعالى إيمانا صحيحا فهو لم يؤمن بموسى عليه
~~السلام ولا تعرض له أصلا فلم يكن إيمانه نافعا، ألا ترى أن الكافر لو
~~قال ألوفا من المرات أشهد أن لا إله إلا الله أو إلا الذي آمن به
~~المسلمون لا يكون مؤمنا حتى يقول وأن محمدا رسول الله.

# / والسحرة تعرضوا في إيمانهم للإيمان بموسى عليه السلام بقولهم:

# آمنا برب العلمين * رب موسى وهرون

# [الأعراف: 121-122] فلا يقال: إن إيمان فرعون على طرز إيمانهم لذلك على
~~أن إيمانهم حين آمنوا كان بمعجزة موسى عليه السلام والإيمان بالله تعالى
~~مع الإيمان بمعجزة الرسول إيمان بالرسول فهم آمنوا بموسى عليه السلام
~~بخلاف فرعون فإنه لم يتعرض للإيمان به عليه السلام أصلا بل في ذكره بني
~~إسرائيل دونه مع أنه الرسول العارف بالإله وما يليق به والهادي إلى طريقه
~~إشارة ما إلى بقائه على كفره به. وما ذكره الشيخ الأكبر قدس ms04199 سره في توجيه
~~آية

# حتى إذآ أدركه الغرق

# [يونس: 90] الخ خارج عن ذوق الكلام العربي وتجشم تكلف لا معنى له،
~~ويرشد إلى بعض ذلك أنه قدس سره حمل قوله تعالى:

# آلآن وقد عصيت

# [يونس: 91] الخ على العتب والبشرى، مع أنه لا يخفى أنه لو صح إيمانه
~~وإسلامه لكان الأنسب بمقام الفضل الذي إليه طمح نظر الشيخ أن يقال له:
~~الآن نقبلك ونكرمك لاستلزام صحة إيمانه رضا الحق عنه ومن وقع له الرضا لا
~~يخاطب بمثل ذلك الخطاب كما لا يخفى على من له وقوف على أساليب كلام العرب
~~ومحاوراتهم، وأيضا كيف يخاطب من محا الإيمان عصيانه وإفساده بما هو ظاهر
~~في التأنيب المحض والتقريع الصرف والتوبيخ البحت فما ذلك إلا لإقامة أعظم
~~نواميس الغضب عليه وتذكيره بقبائحه التي قدمها وإعلامه بأنها هي التي
~~منعته عند النطق بالإيمان إلى حيث لا ينفعه وكذا تأويله

# فلم يك ينفعهم إيمنهم

# [غافر: 85] بأن النافع هو الله تعالى مع أن اصطلاح الكتاب والسنة نسبة
~~الأشياء إلى أسبابها إيجابا وسلبا، فإذا قيل: لا ينفع الإيمان فليس
~~معناه الشرعي إلا الحكم عليه بأنه باطل لا يعتد به؛ وأي معنى سوغ تخصيص
~~نفع الله تعالى بهذه الحالة التي هي حالة وقوع العذاب مع النظر إلى ما هو
~~الواقع من أن الله تعالى هو النافع حقيقة في كل وقت ولو نفعهم لما
~~استأصلهم بالعذاب، وقوله تعالى:

# وخسر هنالك المبطلون

# [غافر: 78] دليل واضح على أن المراد

# فلم يك ينفعهم إيمنهم

# [غافر: 85] أنهم باقون مع ذلك الإيمان على الكفر إلى غير ذلك مما لا
~~يخفى على الناظر في كلامه قدس سره، فالذي ينبغي أن يعول عليه ما ذهب
~~أولا إليه، وقد قالوا: إذا اختلف كلام إمام يؤخذ منه بما يوافق الأدلة
~~الظاهرة ويعرض عما خالفها، ولا شك أن ما ذهب إليه أولا هو الموافق لذلك،
~~على أنه لو لم يكن له قدس سره إلا القول بقبول إيمانه لا يلزمنا اتباعه
~~في ذلك والأخذ به لمخالفته ما دل عليه الكتاب والسنة وشهدت ms04200 به أئمة
~~الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المجتهدين، وجلالة قائله لا توجب القبول،
~~فقد قال مالك وغيره: ما من أحد إلا مأخوذ من قوله ومردود عليه إلا صاحب
~~هذا القبر يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وعن علي كرم الله تعالى وجهه:
~~لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال، وكأن الشيخ قدس سره قال ذلك من
~~طريق النظر والنظر يخطىء ويصيب، ومن علم أن للنبي عليه الصلاة والسلام
~~اجتهادا جاء الوحي بخلافه لم يستعظم ما قيل في الشيخ وإن كان هو  هو 
~~على أنه لو كان قال ذلك من طريق الكشف إلا أنه أبدى الاستدلال تفهيما
~~وإرشادا إلى أن فهمه لم يخالف ما يدل عليه الكتاب لم يلزمنا أيضا
~~تقليده بل قد مر عن الإمام الرباني قدس سره أنه لا يجوز تقليد [أهل]
~~الكشف، وصرح غير واحد بأنه ليس بحجة على الغير كالإلهام ولا يثبت به حكم
~~شرعي.

# وأنت تعلم أنه لو كان كل من القولين من طريق الكشف يلزم انقسام الكشف
~~إلى صواب وخطأ كالنظر ضرورة عدم اجتماع الإيجاب والسلب على الكذب ولا على
~~الصدق وهو ظاهر، وقد قال بعضهم: بالانقسام ويخفى وجهه، ومن الناس من أول
~~كلام الشيخ المثبت لقبول الإيمان بأن المراد بفرعون فيه النفس / الأمارة
~~وبموسى وهرون المأمورين بالقول اللين موسى الروح وهرون القلب وأخذ يقرر
~~الكلام على هذا السنن، ولا يخفى أن ارتكاب ذلك على ما فيه من التكلف
~~الظاهر الكلف في كلام الشيخ ما يأباه، ولعله خلاف مطمح نظره ولذلك لم
~~يرتكبه أجلة أصحابه بل أبقوا كلامه على ظاهره وهو الظاهر، وإكفار بعض
~~المنكرين له فيه ضلال وأي ضلال وظلم عظيم موجب للنكال، فإن له قدس سره في
~~ذلك مستندا كغيره المقابل له وإن اختلفا في القوة والضعف، على أن الوقوف
~~على حقيقة هذه المسألة ليس مما كلفنا به فلا يضر الجهل بها في الدين
~~والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

### || [10.93]

# { ولقد بوأنا بني إسرءيل } كلام مستأنف سيق لبيان النعم
~~الفائضة ms04201 عليهم أثر نعمة الإنجاء على وجه الإجمال وإخلالهم بشكرها، وبوأ
~~بمعنى أنزل كأباء والاسم منه البيئة بالكسر كما في «القاموس»، وجاء بوأه
~~منزلا وبوأه في منزل وكذا بوأت له مكانا إذا سويته، وهو مما يتعدى لواحد
~~ولاثنين أي أنزلناهم بعد أن أنجيناهم وأهلكنا أعداءهم { مبوأ صدق
~~} أي منزلا صالحا مرضيا وهو اسم مكان منصوب على الظرفية، ويحتمل
~~المصدرية بتقدير مضاف أي مكان مبوأ وبدونه، وقد يجعل مفعولا ثانيا،
~~وأصل الصدق ضد الكذب لكن جرت عادة العرب على أنهم إذا مدحوا شيئا أضافوه
~~إلى الصدق فقالوا: رجل صدق مثلا إذا كان كاملا في صفته صالحا للغرض
~~المطلوب منه كأنهم لاحظوا أن كل ما يظن به فهو صادق، والمراد بهذا المبوأ
~~كما رواه ابن المنذر وغيره عن الضحاك الشام ومصر، فإن بني إسرائيل الذين
~~كانوا في زمان موسى عليه السلام وهم المرادون هنا ملكوا ذلك حسبما ذهب
~~إليه جمع من الفضلاء. وأخرج أبو الشيخ وغيره عن قتادة أن المراد به الشام
~~وبيت المقدس واختاره بعضهم بناء على أن أولئك لم يعودوا إلى مصر بعد ذلك،
~~وأنت تعلم أنه ينبغي أن يراد ببني إسرائيل عن القولين ما يشمل ذريتهم
~~بناء على أنهم ما دخلوا الشام في حياة موسى عليه السلام وإنما دخلها
~~أبناؤهم وقد تقدم لك ما يتعلق بهذا المقام فتذكره. وقيل: المراد به أطراف
~~المدينة إلى جهة الشأم، وببني اسرائيل بنو إسرائيل الذي كانوا على عهد
~~نبينا عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام.

# { ورزقناهم من الطيبت } أي اللذائذ؛ قيل: وقد يفسر
~~بالحلال { فما اختلفوا } في أمور دينهم بل كانوا متبعين أمر
~~رسولهم عليه السلام { حتى جآءهم العلم } أي إلا بعد ما علموا
~~بقراءة التوراة والوقوف على أحكامها، وقيل: المعنى ما اختلفوا في أمر
~~محمد صلى الله عليه وسلم إلا بعد ما علموا صدق نبوته بنعوته المذكورة في
~~كتابهم وتظاهر معجزاته، وهو ظاهر على القول الأخير في المراد من بني
~~إسرائيل المبوئين، وأما على القول الأول ففيه خفاء لأن أولئك المبوئين
~~الذين كانوا في ms04202 عصر موسى عليه السلام لم يختلفوا في أمر نبيا صلى الله
~~عليه وسلم ضرورة لينسب إليهم ذلك الاختلاف حقيقة، وليس هذا نظير قوله
~~تعالى:

# وإذ أنجينكم من آل فرعون

# [الأعراف: 141] الآية ولا قوله سبحانه:

# فلم تقتلون أنبيآء الله

# [البقرة: 91] ليعتبر المجاز، وزعم الطبرسي أن المعنى أنهم كانوا جميعا
~~على الكفر لم يختلفوا فيه حتى أرسل إليهم موسى عليه السلام ونزلت التوراة
~~فيها حكم الله تعالى فمنهم من آمن ومنهم من أصر على كفره وليس بشيء أصلا
~~كما لا يخفى.

# { إن ربك يقضي بينهم يوم القيمة فيما
~~كانوا فيه يختلفون } فيميز بين المحق والمبطل بالإثابة
~~والعقوبة.

### || [10.94]

# { فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك } أي في شك ما يسير،
~~والخطاب قيل: له صلى الله عليه وسلم والمراد إن كنت في ذلك على سبيل
~~الفرض والتقدير لأن الشك لا يتصور منه عليه الصلاة والسلام لانكشاف
~~الغطاء له ولذا عبر  بأن  التي تستعمل غالبا فيما لا تحقق له حتى
~~تستعمل في المستحيل عقلا وعادة كما في قوله سبحانه:

# قل إن كان للرحمن ولد

# [الزخرف: 81] وقوله تعالى:

# فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض

# [الأنعام: 35] وصدق الشرطية لا يتوقف على وقوعها كما هو ظاهر؛ والمراد
~~بالموصول القصص، أي إن كنت في شك من القصص المنزلة إليك التي من جملتها
~~قصة فرعون وقومه وأخبار بني إسرائيل.

# { فاسأل الذين يقرءون الكتب من قبلك } فإن ذلك
~~محقق عندهم ثابت في كتبهم حسبما أنزلناه إليك، وخصت القصص بالذكر لأن
~~الأحكام المنزلة إليه عليه الصلاة والسلام ناسخة لأحكامهم مخالفة لها فلا
~~يتصور سؤالهم عنها، والمراد بالكتاب جنسه فيشمل التوراة والإنجيل وهو
~~المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ويؤيده أنه قرىء { الكتب }
~~بالجمع، وفسر الموصول بمن لم يؤمن من أهل الكتاب لأن إخبارهم بما يوافق
~~ما أنزل المترتب على السؤال أجدى في المقصود، وفسره بعضهم بالمؤمنين منهم
~~كعبد الله بن سلام وتميم الداري ونسب ذلك إلى ابن عباس والضحاك ومجاهد
~~وتعقب بأن ابن سلام وغيره إنما أسلموا بالمدينة ms04203 وهذه السورة مكية، وينبغي
~~أن يكون المراد الاستدلال على حقية المنزلة والاستشهاد بما في الكتب
~~المتقدمة على ما ذكر وأن القرآن مصدق لها، ومحصل ذلك أن الفائدة دفع الشك
~~إن طرأ لأحد غيره صلى الله عليه وسلم بالبرهان أو وصف أهل الكتاب بالرسوخ
~~في العلم بصحة نبوته صلى الله عليه وسلم وتوبيخهم على ترك الإيمان أو
~~تهييج الرسول عليه الصلاة والسلام وزيادة تثبيته، وليس الغرض إمكان وقوع
~~الشك له صلى الله عليه وسلم أصلا، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام حين
~~جاءته الآية على ما أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة: «لا أشك ولا
~~أسأل».

# وزعم الزجاج أن { إن } نافية وقوله سبحانه: { فاسأل } جواب شرط مقدر
~~أي ما كنت في شك مما أنزلنا إليك فإن أردت أن تزداد يقينا فاسأل وهو
~~خلاف الظاهر وفيما ذكر غنى عنه، ومثله ما قيل: إن الشك بمعنى الضيق
~~والشدة بما يعاينه صلى الله عليه وسلم من تعنت قومه وأذاهم أي إن ضقت
~~ذرعا بما تلقى من أذى قومك وتعنتهم فاسأل أهل الكتاب كيف صبر الأنبياء
~~عليهم السلام على أذى قومهم وتعنتهم فاصبر كذلك بل هو أبعد جدا من ذلك،
~~وقيل: الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته أو لكل من يسمع أي
~~إن كنت أيها السامع في شك مما أنزلنا على لسان نبينا إليك فاسأل، {
~~فأنزلنآ إليك } على هذا نظير قوله سبحانه:

# وأنزلنآ إليكم نورا مبينا

# [النساء: 174] وفي جعل القراءة صلة الموصول إشارة إلى أن الجواب لا
~~يتوقف على أكثر منها، وفي الآية تنبيه على أن من خالجته شبهة في الدين
~~ينبغي له مراجعة من يزيلها من أهل العلم بل المسارعة إلى ذلك حسبما تدل
~~عليه الفاء الجزائية بناء على أنها تفيد التعقيب.

# { لقد جآءك الحق } الواضح الذي لا محيد عنه ولا ريب في حقيته {
~~من ربك } القائم بما يصلح شأنك { فلا تكونن من
~~الممترين } أي بالتزلزل عما أنت عليه من الحزم واليقين ودم على ذلك
~~كما كنت من قبل، والامتراء الشك ms04204 والتردد وهو أخف من التكذيب فلذا ذكر
~~أولا، وعقب بقوله سبحانه: { ولا تكونن من الذين كذبوا
~~بآيت الله }.

### || [10.95]

# { ولا تكونن من الذين كذبوا بآيت الله } أي
~~بشيء منها { فتكون } بذلك { من الخسرين } أنفسا وأعمالا،
~~والتعبير بالخاسرين أظهر في التحذير من التعبير بالكافرين، وفائدة النهي
~~في الموضعين التهييج والإلهاب نظير ما مر، والمراد بذلك إعلام أن
~~الامتراء والتكذيب قد بلغا في القبح والمحذورية إلى حيث ينبغي أن ينهى
~~عنهما من لا يمكن أن يتصف بهما فكيف بمن يكن اتصافه وفيه قطع لأطماع
~~الكفرة.

### || [10.96]

# { إن الذين حقت عليهم } الخ بيان لمنشأ إصرار الكفرة
~~على ما هم عليه من الكفر والضلال إلى حيث لا ينتفعون بالإيمان أي إن
~~الذين ثبتت عليهم { كلمت ربك } أي حكمه وقضاؤه المفسر عند
~~الأشاعرة بإرادته تعالى الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما
~~لا يزال بأنهم يموتون على الكفر أو يخلدون في النار { لا يؤمنون }
~~إذ لا يمكن أن ينتقض قضاؤه سبحانه وتتخلف إرادته جل جلاله.

### || [10.97]

# { ولو جآءتهم كل آية } واضحة المدلول مقبولة لدى العقول {
~~حتى يروا العذاب الأليم } الإغراق ونحوه وحينئذ يقال لهم
~~ الصيف ضيعت اللبن  وفسر الزمخشري الكلمة بقول الله تعالى الذي كتبه في
~~اللوح وأخبر سبحانه به الملائكة أنهم يموتون كفارا وجعل تلك كتابة معلوم
~~لا كتابة مقدر ومراد، ولا ضير في تفسير الكلمة بذلك إلا أن جعل الكتابة
~~كتابة معلوم لا كتابة مقدر ومراد مبني على مذهب الاعتزال، والذي عليه أهل
~~السنة أن أفعال العباد بأسرها معلومة له تعالى ومرادة ولا يكون إلا ما
~~أراده سبحانه، وعلمه عز شأنه وإرادته متوافقان ولا تجوز المخالفة بينهما
~~ولا يتعلق علمه سبحانه إلا بما عليه الشيء في نفسه ولا يريد إلا ما علم
~~ولا يقدر إلا ما يريد ولا جبر هناك ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين، وفسره
~~المولى الكوراني في «شرحه للمقدمات الأربع» المذكورة في «توضيح الأصول»
~~بأن العبد مجبور باختياره وفصله بما لا مزيد عليه، وبإثبات الاستعداد
~~وانه غير مجعول تتضح ms04205 الحجة البالغة وبسط الكلام في علم الكلام، وقد تقدم
~~بعض ما ينفع في هذا المقام، وإن أردت ما يطمئن به الخاطر وتنشرح له
~~الضمائر فعليك برسائل ذلك المولى في هذا الشأن فإنها واضحة المسالك في
~~تحصيل الإيقان.

### || [10.98]

# { فلولا كانت } كلام مستأنف لتقرير هلاكهم و { لولا } هنا
~~تحضيضية فيها معنى التوبيخ كهلا ومثلها ما في قول الفرزدق:

# تعدون عقر النيب أفضل مجدكم

# بني ضوطرى لولا الكمى المقنعا

# ويشهد لذلك قراءة أبي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما { فهلا } ،
~~والتوبيخ على ما نقل عن السفاقسي على ترك الإيمان المذكور بعد؛ { وكان
~~} كما اختاره بعض المحققين ناقصة، وقوله تعالى: { قرية } اسمها،
~~وجملة قوله سبحانه: { آمنت } خبرها، وقوله جل شأنه: { فنفعها
~~إيمانها } معطوف على الخبر، أي فهلا كانت قرية من القرى التي أهلكت
~~هلاك الاستئصال آمنت قبل معاينة العذاب ولم تؤخر إيمانها إلى حين معاينته
~~كما أخر فرعون إيمانه فنفعها ذلك بأن يقبله الله تعالى منها ويكشف بسببه
~~العذاب عنها، وذهب السمين وغيره إلى أنها تامة و { قرية } فاعلها
~~وجملة { آمنت } صفة و (نفعها) معطوفة عليها. وتعقب بأنه يلزم حينئذ أن
~~يكون التحضيض والتوبيخ على الوجود مع أنه ليس بمراد. وأجيب بأنه لا مانع
~~من أن يكون التحضيض على الصفة وحينئذ لا غبار على ما قيل، وأيا ما كان
~~فالمراد بالقرية أهلها مجازا شائعا والقرينة هنا أظهر من أن تخفى.

# وقوله تبارك وتعالى: { إلا قوم يونس } استثناء منقطع كما قال
~~الزجاج وسيبويه والكسائي وأكثر النحاة أي لكن قوم يونس { لمآ آمنوا
~~} عندما رأوا أمارات العذاب ولم يؤخروا إلى حلوله { كشفنا عنهم
~~ذلك الخزي } أي الذل والهوان { في الحياة الدنيا } بعد
~~ما أظلهم وكاد / ينزل بهم { ومتعنهم } بمتاع الدنيا بعد كشف
~~العذاب عنهم { إلى حين } أي زمان من الدهر مقدر لهم في علم الله
~~تعالى. ونقل عن ابن عباس أن المراد إلى يوم القيامة فهم اليوم أحياء إلا
~~أن الله تعالى سترهم عن الناس على حد ما يقال في الخضر عليه السلام،
~~ورأيت في ms04206 بعض الكتب ما يوافقه إلا أنه ذكر فيه أنهم يظهرون أيام المهدي
~~ويكونون من جملة أنصاره ثم يموتون والكل مما لا صحة له. وقال آخرون:
~~الاستثناء متصل، ويراد من القرية أهلها المشرفون على الهلاك. وقيل:
~~العاصون ويعتبر النفي الذي يشعر به التحضيض وهو مشعر بالأمر أيضا ولذا
~~جعلوه في حكمه إلا أنه لا يصح اعتباره على تقدير الاتصال لما يلزمه من
~~كون الإيمان من المستثنين غير مطلوب وهو غير مطلوب بل فاسد، وقيل: لا
~~مانع من ذلك على ذلك التقدير لأن أهل القرى محضوضون على الإيمان النافع
~~وليس قوم يونس محضوضين عليه لأنهم آمنوا، والذوق يأبي إلا اعتبار النفي
~~فقط حال اعتبار الاتصال، ويكون قوله سبحانه: { لمآ آمنوا }
~~استئنافا لبيان نفع إيمانهم. وقرىء { إلا قوم } بالرفع على البدل
~~من { قرية } المراد بها أهلها، وأيد بذلك القول بالاتصال واعتبار
~~النفي لأن البدل لا يكون إلا في غير الموجب، وخرج بعضهم هذه القراءة على
~~أن { إلا } بمعنى غير وهي صفة ظهر إعرابها فيما بعدها كما في قوله على
~~رأي.

# وكل أخ مفارقه أخوه

# لعمر أبيك إلا الفرقدان

# وظاهر كلامهم ان الاستثناء مطلقا من { قرية } ، وعن الزمخشري أنه
~~على الأول من القرية لا من الضمير في { آمنت } وعلل بأن المنقطع بمعنى
~~لكن فيتوسط بين الكلامين المتغايرين فلا يعتمد ما لا يستقل ولأنه لا مدخل
~~للوصف أعني الإيمان في المستثنى منه فالاستثناء عن أصل الكلام، وأما على
~~الثاني فهو استثناء من الضمير من حيث المعنى جعل في اللفظ منه أو من
~~القرية إذ لا فرق في قولك: كان القوم منطلقين إلا زيدا بين جعله من
~~الاسم أو من الضمير في الخبر لأن الحكم إنما يتم بالخبر، وإنما الفرق في
~~نحو ضربت القوم العالمين إلا زيدا، ثم قال: ونظير هذا في الوجهين قوله
~~تعالى:

# إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين * إلآ آل لوط

# [الحجر: 58-59] ووجه ذلك ظاهر. وفي الكشف أن وجه الشبه اختلاف معنى
~~الهلاك على الوجهين كاختلاف معنى الإرسال هنالك على الوجهين، وكأنه عني ms04207
~~بالهلاك المأخوذ قيدا في قوله فهلا كانت قرية من القرى التي أهلكناها
~~فتدبر. وفي { يونس } لغات تثليث النون مهموزا وغير مهموز والمتواتر
~~منها الضم بلا همز.

# وكانت من قصة هؤلاء القوم على ما روي عن غير واحد أن يونس عليه السلام
~~بعث إلى أهل نينوي من أرض الموصل وكانوا أهل كفر وشرك فدعاهم إلى الإيمان
~~بالله تعالى وحده وترك ما يعبدون من الأصنام فأبوا عليه وكذبوه فأخبرهم
~~أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث فلما كانت الليلة الثالثة ذهب عنهم من جوف
~~الليل فلما أصبحوا تغشاهم العذاب فكان فوق رؤوسهم ليس بينهم وبينه إلا
~~قدر ثلثي ميل، وجاء أنه غامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا
~~فهبط حتى غشى مدينتهم واسودت أسطحتهم فلما أيقنوا بالهلاك طلبوا نبيهم
~~فلم يجدوه فخرجوا إلى الصحراء بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم ولبسوا
~~المسوح وأظهروا الإيمان والتوبة وفرقوا بين الوالدة وولدها من الناس
~~والدواب فحن البعض إلى البعض وعلت الأصوات / وعجوا جميعا وتضرعوا إليه
~~تعالى وأخلصوا النية فرحمهم ربهم واستجاب دعاءهم وكشف عنهم ما نزل بهم من
~~العذاب وكان ذلك يوم عاشوراء وكان يوم الجمعة.

# قال ابن مسعود: إنه بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم فيما بينهم حتى إن
~~كان الرجل ليأتي إلى الحجر قد وضع أساس بنيانه عليه فيلعه ويرده إلى
~~صاحبه، وجاء في رواية عن قتادة أنهم عجوا إلى الله تعالى أربعين صباحا
~~حتى كشف ما نزل بهم، وأخرج أحمد في «الزهد» وابن جرير وغيرهم عن ابن
~~غيلان قال: لما غشي قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم
~~فقالوا: ما ترى؟ قال: قولوا: يا حي حين لا حي ويا حي محيي الموتى ويا حي
~~لا إله إلا أنت فقالوها فكشف عنهم العذاب، وقال الفضيل بن عياض: قالوا:
~~اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم وأجل فافعل بنا ما أنت أهله ولا
~~تفعل بنا ما نحن أهله، وكان يونس عليه السلام إذ ذهب عنهم قعد في الطريق
~~يسأل الخبر كما جاء مرفوعا فمر ms04208 به رجل فقال له: ما فعل قوم يونس؟ فحدثه
~~بما صنعوا فقال: لا أرجع إلى قوم قد كذبتهم وانطلق مغاضبا حسبما قصه
~~الله تعالى في غير هذا الموضع مما سيأتي إن شاء الله تعالى، وظاهر الآية
~~يستدعي أن القوم شاهدوا العذاب لمكان { كشفنا } وهو الذي يقتضيه أكثر
~~الإخبار وإليه ذهب كثير من المفسرين، ونفع الإيمان لهم بعد المشاهدة من
~~خصوصياتهم فإن إيمان الكفار بعد مشاهدة ما وعدوا به إيمان بأس غير نافع
~~لارتفاع التكليف حينئذ وعادة الله إهلاكهم من غير إمهال كما أهلك فرعون،
~~والقول بأنه بقي حيا إلى ما شاء الله تعالى وسكن أرض الموصل من مفتريات
~~اليهود.

### || [10.99]

# { ولو شآء ربك لآمن من في الأرض } تحقيق لدوران إيمان
~~جميع المكلفين وجودا وعدما على قطب مشيئته سبحانه مطلقا بعد بيان
~~تبعية كفر الكفرة لكلمته، ومفعول المشيئة هنا محذوف حسب المعهود في
~~نظائره أي لو شاء سبحانه إيمان من في الأرض من الثقلين لآمن { كلهم
~~} بحيث لا يشذ منهم أحد { جميعا } أي مجتمعين على الإيمان لا يختلفون
~~فيه لكنه لم يشأ ذلك لأنه سبحانه لا يشاء إلا ما يعلم ولا يعلم إلا ما له
~~ثبوت في نفسه فيما لا ثبوت له أصلا لا يعلم وما لا يعلم لا يشاء، وإلى
~~هذا التعليل ذهب الكوراني عليه الرحمة وأطال الكلام في تحريره والذب عنه
~~في غير ما رسالة، والجمهور على أنه سبحانه لا يشاؤه لكونه مخالفا للحكمة
~~التي عليها بناء أساس التكوين والتشريع.

# والآية حجة على المعتزلة الزاعمين أن الله تعالى شاء الإيمان من جميع
~~الخلق فلم يؤمن إلا بعضهم، والمشيئة عندهم قسمان تفويضية يجوز تخلف الشيء
~~عنها وقسرية لا يجوز التخلف عنها وحملوا ما في الآية على هذا الأخير،
~~فالمعنى عندهم لو شاء ربك مشيئة الجاء وقسر إيمان الثقلين لآمنوا لكنه
~~سبحانه لم يشأ كذلك بل أمرهم بالإيمان وخلق لهم اختيارا له ولضده وفوض
~~الأمر إليهم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وهذا ديدنهم في كل ما ورد
~~عليهم من الآيات ms04209 الظاهرة في إبطال ما هم عليه.

# وفيه أنه لا قرينة على التقييد مع أن قوله سبحانه: { أفأنت تكره
~~الناس } يأباه فيما قيل، فإن الهمزة للإنكار وهي لصدارتها مقدمة من
~~تأخير على ما عليه الجمهور والفاء للتفريع والمقصود تفرع الإنكار على ما
~~قبل ولا / فائدة بل لا وجه لاعتبار مشيئة القسر والإلجاء خاصة في تفرع
~~الإنكار، وقيل: إن الهمزة في موضعها والعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام
~~كأنه قيل: أربك لا يشاء ذلك فأنت تكرههم { حتى يكونوا
~~مؤمنين } والإنكار متوجه إلى ترتيب الإكراه المذكور على عدم مشيئته
~~تعالى والإباء هو الإباء فلا بد من حمل المشيئة على إطلاقها، والمراد
~~بالناس من طبع عليهم أو الجميع مبالغة، وجوز في (أنت) أن يكون فاعلا
~~بمقدر يفسره ما بعده وأن يكون مبتدأ خبره الجملة بعده ويعدونه فاعلا
~~معنويا، وتقديمه لتقوية حكم الإنكار كما ذهب إليه الشريف قدس سره في
~~«شرح المفتاح» وذكر فيه أن المقصود إنكار صدور الفعل من المخاطب لا إنكار
~~كونه هو الفاعل مع تقرر أصل الفعل، وقيل: إن التقديم للتخصيص ففيه إيذان
~~بأن الإكراه أمر ممكن لكن الشأن في المكره من هو وما هو إلا سبحانه وحده
~~لا يشارك فيه لأنه جل شأنه القادر على أن يفعل في قلوبهم ما يضطرهم إلى
~~الإيمان وذلك غير مستطاع للبشر.

### || [10.100]

# { وما كان لنفس } بيان لتبعية إيمان النفوس التي علم الله تعالى
~~إيمانها لمشيئته تعالى وجودا وعدما بعد بيان الدوران الكلي عليها كذلك،
~~وقيل: هو تقرير لما يدل عليه الكلام السابق من أن خلاف المشيئة مستحيل أي
~~ما صح وما استقام لنفس من النفوس التي علم الله تعالى أنها تؤمن { أن
~~تؤمن إلا بإذن الله } أي بمشيئته وإرادته سبحانه، والأصل
~~في الإذن بالشيء الإعلام بإجازته والرخصة فيه ورفع الحجر عنه، وجعلوا ما
~~ذكر من لوازمه كالتسهيل الذي ذكره بعضهم في تفسيره، وخصصت النفس بالصفة
~~المذكورة ولم تجعل من قبيل قوله تعالى:

# وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله

# [آل عمران: 145] قيل لأن الاستثناء ms04210 مفرغ من أعم الأحوال أي ما كان لنفس
~~أن تؤمن في حال من أحوالها إلا حال كونها ملابسة بإذنه سبحانه فلا بد من
~~كون الإيمان مما يؤول إليه حالها كما أن الموت مآل لكل نفس لا محيص لها
~~عنه فلا بد من التخصيص بما ذكر، فإن النفوس التي علم الله تعالى أنها لا
~~تؤمن ليس لها حال تؤمن فيها حتى تستثني تلك الحال من غيرها انتهى.

# وقد يقال: إن هذا الاستثناء بالنظر إلى النفس التي علم الله تعالى أنها
~~لا تؤمن مفيد لعدم إيمانها على أتم وجه على حد ما قيل في قوله تعالى:

# وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف

# [النساء: 23] فكأنه قيل: ما كان لنفس علم الله تعالى أنها لا تؤمن أن
~~تؤمن في حال من الأحوال كسلامة العقل وصحة البدن وغيرهما إلا في حال
~~ملابستها إذن الله تعالى وإرادته أن تؤمن وهي تابعة لعلمه بذلك وعلمه به
~~محال لأنه قد علم نقيضه فيلزم انقلاب العلم جهلا فتكون إرادته ذلك
~~محالا فيكون إيمانها محالا إذ الموقوف على المحال محال. وفي «الحواشي
~~الشهابية» أن { ما كان } إن كان بمعنى ما وجد احتاج إلى تقييد النفس
~~بمن علم أنها تؤمن وإن كان بمعنى ما صح لا يحتاج إليه ولذا ذكره من ذكره
~~وتركه من تركه وفيه خفاء فتأمل.

# { ويجعل الرجس } أي الكفر كما في قوله تعالى:

# فزادتهم رجسا إلى رجسهم

# [التوبة: 125] بقرينة ما قبله، وأصله الشيء الفاسد المستقذر وعبر عنه
~~بذلك لكونه علما في الفساد والاستقذار، وقيل: المراد به العذاب وعبر عنه
~~بذلك لاشتراكهما في الاستكراه والتنفر، وأن إرادة الكفر منه باعتبار أنه
~~نقل أولا عن المستقذر إلى العذاب للاشتراك فيما ذكر ثم أطلق على الكفر
~~لأنه سببه فيكون مجازا في المرتبة الثانية، واختار الإمام [الرازي]
~~التفسير الأول تحاشيا مما في إطلاق المستقذر على عذاب الله تعالى من
~~الاستقذار وبعض الثاني لما أن كلمة { على } في قوله تعالى: { على
~~الذين لا يعقلون } أي لا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج ms04211
~~والآيات أو لا يعقلون دلائله / وأحكامه لما على قلوبهم من الطبع تأبى
~~الأول.

# وتعقب بأن المعنى يقدره عليهم فلا إباء، ويفسر { الذين لا
~~يعقلون } بما يكون به تأسيسا كما سمعت في تفسيره، ومنه تعلم أن
~~الفعل منزل منزلة اللازم أوله مفعول مقدر، وقد يفرق بين التفسيرين بأنهم
~~على الأول لم يسلبوا قوة النظر لكنهم لم يوفقوا لذلك وعلى الثاني بخلافه
~~والأمر الآتي ظاهر في الأول، والجملة معطوفة على مقدر كأنه قيل: فيأذن
~~لهم بالإيمان ويجعل الخ أو فيأذن لبعضهم بذلك ويجعل الخ. وقرىء { الرجز }
~~بالزاي؛ وقرأ حماد ويحيى عن أبي بكر { ونجعل } بالنون.

### || [10.101]

# { قل انظروا } خطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم أن يأمر
~~الكفرة الذين هو عليه الصلاة والسلام بين ظهرانيهم بالتفكر في ملكوت
~~السماوات والأرض وما فيهما من عجائب الآيات الآفاقية والأنفسية ليتضح له
~~صلى الله عليه وسلم أنهم من الذين لا يعقلون؛ وكأنه متعلق بما عنده،
~~وتعليقه بقوله سبحانه:

# أفأنت تكره الناس

# [يونس: 99] الخ على معنى لا تكره الناس على الإيمان ولكن اؤمرهم بما
~~يتوصل به إليه عادة من النظر لا يخلو عن النظر، وقيل: إنه تعالى لما أفاد
~~فيما تقدم أن الإيمان بخلقه سبحانه وأنه لا يؤمن من يؤمن إلا من بعد إذنه
~~وأن الذين حقت عليهم الكلمة لا يؤمنون أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن
~~يأمر بالنظر لئلا يزهد فيه بعد تلك الإفادة، وأرى الأول أولى، وجاء ضم
~~لام { قل } وكسرها وهما قراءتان سبعيتان.

# وقوله سبحانه: { ماذا في السموات والارض } في محل نصب
~~بإسقاط الخافض لأن الفعل قبله معلق بالاستفهام لأن { ما } استفهامية وهي
~~مبتدأ و { ذا } بمعنى الذي والظرف صلته وهو خبر المبتدأ، ويجوز أن يكون
~~{ ماذا } كله اسم استفهام مبتدأ والظرف خبره أي أي شيء بديع في
~~السماوات والأرض من عجائب صنعته تعالى الدالة على وحدته وكمال قدرته جل
~~شأنه. وجوز أن يكون { ماذا } كله موصولا بمعنى الذي وهو في محل نصب
~~بالفعل قبله، وضعفه السمين بأنه لا يخلو حينئذ من أن ms04212 يكون النظر قلبيا
~~كما هو الظاهر فيعدى بفي وأن يكون بصريا فيعدى بإلى.

# { وما تغني الأيت والنذر عن قوم لا يؤمنون }
~~أي ما تكفيهم وما تنفعهم، وقرىء بالتذكير. والمراد بالآيات ما أشير إليه
~~بقوله سبحانه: { ماذا في السموات والأرض } ففيه إقامة
~~الظاهر مقام المضمر { والنذر } جمع نذير بمعنى منذر أي الرسل
~~المنذرون أو بمعنى إنذار أي الإنذارات، وجمع لإرادة الأنواع، وجوز أن
~~يكون { النذر } نفسه مصدرا بمعنى الإنذار، والمراد بهؤلاء القوم
~~المطبوع على قلوبهم أي لا يؤمنون في علم الله تعالى وحكمه و { ما }
~~نافية والجملة اعتراضية، وجوز أن تكون في موضع الحال من ضمير { قل }
~~وفي القلب من جعلها حالا من ضمير { انظروا } شيء فانظروا، ويتعين
~~كونها اعتراضية إذا جعلت { ما } استفهامية إنكارية، وهي حينئذ في موضع
~~النصب على المصدرية للفعل بعدها أو على أنه مفعول به له، والمفعول على
~~هذا وكذا على احتمال النفي محذوف إن لم ينزل الفعل منزلة اللازم أي ما
~~تغني شيئا.

### || [10.102]

# { فهل ينتظرون } أي هؤلاء المأمورون بالنظر من مشركي مكة
~~وأشرافهم { إلا مثل أيام الذين خلوا } أي مثل وقائعهم
~~ونزول بأس الله تعالى بهم إذ لا يستحقون غير ذلك، وجاء استعمال الأيام في
~~الوقائع كقولهم: أيام العرب، وهو مجاز مشهور من التعبير بالزمان عما وقع
~~فيه كما يقال: المغرب للصلاة الواقعة فيه، والمراد بالموصول المشركون من
~~الأمم الماضية { من قبلهم } متعلق  بخلوا  جىء به للتأكيد
~~والإيماء بأنهم سيخلون كما خلوا { قل } تهديدا / لهم { فانتظروا
~~} ذلك { إني معكم من المنتظرين } إياه فمتعلق الانتظار واحد
~~بالذات وهو الظاهر وجوز أن يكون مختلفا بالذات متحدا بالجنس أي
~~فانتظروا إهلاكي إني معكم من المنتظرين هلاككم.

### || [10.103]

# { ثم ننجي رسلنا } بالتشديد، وعن الكسائي ويعقوب بالتخفيف،
~~وهو عطف على مقدر يدل عليه قوله سبحانه:

# مثل أيام الذين خلوا

# [يونس: 102] وما بينهما اعتراض جىء به مسارعة إلى التهديد ومبالغة في
~~تشديد الوعيد كأنه قيل: نهلك الأمم ثم ننجي المرسل إليهم { والذين
~~ءامنوا } بهم، وعبر بالمضارع لحكاية الحال الماضية لتهويل أمرها ms04213
~~باستحضار صورها، وتأخير حكاية التنجية عن حكاية الإهلاك على عكس ما جاء
~~في غير موضع ليتصل به قوله سبحانه: { كذلك حقا علينا ننج
~~المؤمنين } أي ننجيهم إنجاء كذلك الإنجاء الذي كان لمن قبلهم على
~~أن الإشارة إلى الإنجاء، والجار والمجرور متعلق بمقدر وقع صفة لمصدر
~~محذوف. وجوز أن يكون الكاف في محل نصب بمعنى مثل سادة مسد المفعول
~~المطلق. ويحتمل عند بعض أن يكون في موقع الحال من الإنجاء الذي تضمنه {
~~ننجي } بتأويل نفعل الإنجاء حال كونه مثل ذلك الإنجاء وأن يكون في
~~موضع رفع خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك، و { حقا } نصب بفعله المقدر
~~أي حق ذلك حقا، والجملة اعتراض بين العامل والمعمول على تقدير أن يكون {
~~كذلك } معمولا للفعل المذكور بعد، وفائدتها الاهتمام بالإنجاء وبيان
~~أنه كائن لا محالة وهو المراد بالحق، ويجوز أن يراد به الواجب، ومعنى كون
~~الإنجاء واجبا أنه كالأمر الواجب عليه تعالى وإلا فلا وجوب حقيقة عليه
~~سبحانه، وقد صرح بأن الجملة اعتراضية غير واحد من المعربين ويستفاد منه
~~أنه لا بأس الجملة الاعتراضية إذا بقي شيء من متعلقاتها، وجوز أن يكون
~~بدلا من الكاف التي هي بمعنى مثل أو من المحذوف الذي نابت عنه.

# وقيل: إن { كذلك } منصوب  بننجي  الأول و { حقا } منصوب
~~بالثاني وهو خلاف الظاهر، والمراد بالمؤمنين إما الجنس المتناول للرسل
~~عليهم السلام وأتباعهم وإما الأتباع فقط، وإنما لم يذكر إنجاء الرسل
~~إيذانا بعدم الحاجة إليه، وأيا ما كان ففيه تنبيه على أن مدار الإنجاء
~~هو الإيمان، وجىء بهذه الجملة تذييلا لما قبلها مقررا لمضمونه.

### || [10.104]

# { قل } لجميع من شك في دينك وكفر بك { يذهبكم أيها الناس
~~} أوثر الخطاب باسم الجنس مصدرا بحرف التنبيه تعميما للتبليغ وإظهارا
~~لكمال العناية بشأن ما بلغ إليهم { إن كنتم في شك من دينى }
~~الذي أعبد الله تعالى به وأدعوكم إليه ولم تعلموا ما هو ولا صفته حتى
~~قلتم إنه صبأ. { فلآ أعبد الذين تعبدون من دون الله
~~} في وقت من الأوقات { ولكن أعبد الله ms04214 الذي
~~يتوفكم } ثم يفعل بكم ما يفعل من فنون العذاب، وجعل هذه الجملة
~~باعتبار مضمونها جوابا بتأويل الإخبار وإلا فلا ترتب لها على الشرط بحسب
~~الظاهر، فالمعنى إن كنتم في شك من ذلك فأخبركم أنه تخصيص العبادة به
~~تعالى ورفض عبادة ما سواه من الأصنام وغيرها مما تعبدونه جهلا، وقد كثر
~~جعل الإخبار بمفهوم الجملة جزاء نحو إن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس،
~~وعلى هذا الطرز قوله تعالى:

# وما بكم من نعمة فمن الله

# [النحل: 53] فإن استقرار النعمة ليس سببا لحصولها من الله تعالى بل
~~الأمر بالعكس، وإنما سبب للإخبار بحصولها منه تعالى كما قرره ابن الحاجب.

# / وقد يكون المعنى إن كنتم في شك من صحة ديني وسداده فأخبركم أن خلاصته
~~العبادة لإله هذا شأنه دون ما تعبدونه مما هو بمعزل عن ذلك الشأن فأعرضوا
~~ذلك على عقولكم وأجيلوا فيه أفكاركم وانظروا بعين الإنصاف لتعلموا صحته
~~وحقيته، وذكر بعضهم أنه لا يحتاج على هذا إلى جعل المسبب الإخبار
~~والإعلام بل يعتبر الجزاء الأمر بعرض ما ذكر على عقولهم والتفكر فيه،
~~والأظهر اعتبار كون الإخبار جزاء كما في المعنى الأول، والتعبير عما هم
~~عليه بالشك مع كونهم قاطعين بعدم الصحة للإيذان بأن أقصى ما يمكن عروضه
~~للعاقل في هذا الباب هو الشك في الصحة وأما القطع بعدمها فما لا سبيل
~~إليه، وقيل: لا نسلم أنهم كانوا قاطعين بل كانوا في شك واضطراب عند رؤية
~~المعجزات. وجىء  بإن  للإشارة إلا أنه مما لا ينبغي أن يكون لوجود ما
~~يزيله.

# وجوز أن يكون المعنى إن كنتم في شك من ديني ومما أنا عليه أأثبت عليه أم
~~أتركه وأوافقكم فلا تحدثوا أنفسكم بالمحال ولا تشكوا في أمري واقطعوا عني
~~أطماعكم واعلموا أني لا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولا أختار الضلالة
~~على الهدى كقوله تعالى:

# قل يأيها الكفرون * لا أعبد ما تعبدون

# [الكافرون: 1-2] ولا يخفى أن ما قبل أوفق بالمقام. وتقديم ترك عبادة غير
~~الله تعالى على عبادته سبحانه لتقدم التخلية على ms04215 التحلية كما في كلمة
~~التوحيد والإيذان بالمخالفة من أول الأمر، وتخصيص التوفي من بين سائر
~~صفات الأفعال بالذكر متعلقا بهم للتخويف فإنه لا شيء أشد عليهم من
~~الموت، وقيل: المراد أعبد الله الذي خلقكم ثم يتوفاكم ثم يعيدكم وفيه
~~إيماء إلى الحشر الذي ينكرونه وهو من أمهات أصول الدين ثم حذف الطرفان
~~وأبقى الوسط ليدل عليهما فإنهما قد كثر اقترانهما به في القرآن.

# { وأمرت أن أكون من المؤمنين } أي أوجب الله تعالى
~~على ذلك فوجوب الإيمان بالله تعالى شرعي كسائر الواجبات، وذكر المولى صدر
~~الشريعة أن للشرعي معنيين ما يتوقف على الشرع كوجوب الصلاة والصوم، وما
~~ورد به الشرع ولا يتوقف على الشرع كوجوب الإيمان بالله سبحانه ووجوب
~~تصديقه صلى الله عليه وسلم فإنه لا يتوقف على الشرع فهو ليس بشرعي
~~بالمعنى الأول، وذلك لأن ثبوت الشرع موقوف على الإيمان بوجود الباري
~~تعالى وعلمه وقدرته وكلامه، وعلى التصديق بنبوة النبي عليه الصلاة
~~والسلام بدلالة معجزاته فلو توقف شيء من هذه الأحكام على الشرع لزم
~~الدور، ولقائل أن يمنع توقف الشرع على وجوب الإيمان ونحوه سواء أريد
~~بالشرع خطاب الله تعالى أو شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وتوقف
~~التصديق بثبوت شرع النبي صلى الله عليه وسلم على الإيمان بالله تعالى
~~وصفاته وعلى التصديق بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ودلالة معجزاته لا
~~يقتضي توقفه على وجوب الإيمان والتصديق ولا على العلم بوجوبهما غايته أنه
~~يتوقف على نفس الإيمان والتصديق وهو غير مفيد لتوقفه على وجوب الإيمان
~~والتصديق ولا مناف لتوقف وجوب الإيمان ونحوه على الشرع كما هو المذهب
~~عندهم من أن لا وجوب إلا بالسمع، وقول الزمخشري هنا: إنه عليه الصلاة
~~والسلام أمر بالعقل والوحي لا يخلو عن نزغة اعتزالية كما هو دأبه في كثير
~~من المواضع، ومن قال من المفسرين منا: إنه وجب على ذلك بالعقل والسمع
~~أراد بالعقل التابع لما سمع بالشرع فلا تبعية، والكلام على حذف الجار أي
~~أمرت بأن أكون، وحذفه من أن وأن مطرد وإن ms04216 قطع النظر عن ذلك فالحذف بعد
~~أمر مسموع عن العرب كقوله:

# / أمرتك الخير فافعل ما أمرت به

# فقد تركتك ذا مال وذا نشب

# وأدخل بعضهم هذه الجملة في الجزاء وليس بمتعين.

### || [10.105]

# { وأن أقم وجهك للدين } عطف كما قال غير واحد على

# أن أكون

# [يونس: 104] واعترض بأن { أن } في المعطوف عليه مصدرية بلا كلام لعملها
~~النصب والتي في جانب المعطوف لا يصح أن تكون كذلك لوقوع الأمر بعدها،
~~وكذا لا يصح أن تكون مفسرة لعطفها على المصدرية ولأنه يلزم دخول الباء
~~المقدرة عليها والمفسرة لا يدخل عليها ذلك، ودفع ذلك باختيار كونها
~~مصدرية ووقوع الأمر بعدها لا يضر في ذلك، فقد نقل عن سيبويه أنه يجوز
~~وصلها به، ولا فرق في صلة الموصول الحرفي بين الطلب والخبر لأنه إنما منع
~~في الموصول الإسمي لأنه وضع للتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل والجمل
~~الطلبية لا تكون صفة، والمقصود من أن هذه يذكر بعدها ما يدل على المصدر
~~الذي تأول به وهو يحصل بكل فعل، وكون تأويله يزيل معنى الأمر المقصود منه
~~مدفوع بأنه يؤول كما أشرنا إليه فيما مر بالأمر بالإقامة إذ كما يؤخذ
~~المصدر من المادة قد يؤخذ من الصيغة مع أنه لا حاجة إليه هنا لدلالة قوله
~~تعالى:

# أمرت

# [يونس: 104] عليه، وفي «الفرائد» أنه يجوز أن يقدر وأوحى إلي أن أقم،
~~وتعقبه الطيبي بأن هذا سائغ إعرابا إلا أن في ذلك العطف فائدة معنوية
~~وهي أن { وأن أقم } الخ كالتفسير 

# لأن أكون

# [يونس: 104]  الخ على أسلوب  أعجبني زيد وكرمه  داخل معه في حكم
~~المأمور فلو قدر ذلك فات غرض التفسير وتكون الجملة مستقلة معطوفة على
~~مثلها، وفيه تأمل لجواز أن تكون هذه الجملة مفسرة للجملة المعطوفة هي
~~عليها، وقدر أبو حيان ذلك وزعم أن { أن } حينئذ يجوز أن تكون مصدرية وأن
~~تكون مفسرة لأن في الفعل المقدر معنى القول دون حروفه وأنه على ذلك يزول
~~قلق العطف ويكون الخطاب في { وجهك } في محله، ورد بأن الجملة المفسرة
~~لا يجوز ms04217 حذفها، وأما صحة وقوع المصدرية فاعلا أو مفعولا فليس بلازم ولا
~~قلق في العطف الذي عناه، وأمر الخطاب سهل لأنه لملاحظة المحكي والأمر
~~المذكور معه.

# وإقامة الوجه للدين كناية عن توجيه النفس بالكلية إلى عبادته تعالى
~~والإعراض عمن سواه، فإن من أراد أن ينظر إلى شيء نظر استقصاء يقيم وجهه
~~في مقابلته بحيث لا يلتفت يمينا ولا شمالا إذ لو التفت بطلت المقابلة،
~~والظاهر أن الوجه على هذا على ظاهره ويجوز أن يراد به الذات، والمراد
~~اصرف ذاتك وكليتك للدين واجتهد بأداء الفرائض والانتهاء عن القبائح،
~~فاللام صلة { أقم } وقيل: الوجه على ظاهره وإقامته توجيهه للقبلة أي
~~استقبل القبلة ولا تلتفت إلى اليمين أو الشمال، فاللام للتعليل وليس
~~بذاك، ومثله القول بأن ذلك كناية عن صرف العقل بالكلية إلى طلب الدين.

# { حنيفا } أي مائلا عن الأديان الباطلة، وهو حال إما من الوجه أو من
~~الدين، وعلى الأول: تكون حالا مؤكدة لأن إقامة الوجه تضمنت التوجه إلى
~~الحق والإعراض عن الباطل، وعلى الثاني: قيل تكون حالا منتقلة وفيه نظر،
~~ويجوز أن يكون حالا من الضمير في { أقم }  { ولا تكونن من
~~المشركين } عطف على { أقم } داخل تحت الأمر وفيه تأكيد له أي لا
~~تكونن منهم اعتقادا ولا عملا.

### || [10.106]

# { ولا تدع من دون الله } استقلالا ولا اشتراكا { ما لا
~~ينفعك } بنفسه إذا دعوته بدفع مكروه أو جلب محبوب { ولا يضرك
~~} إذا تركته بسلب المحبوب دفعا أو رفعا أو بإيقاع المكروه، والجملة قيل
~~معطوفة على جملة النهي قبلها، واختار بعض المحققين عطفها على قوله
~~سبحانه:

# قل ي أيها الناس

# [يونس: 104] فهي غير داخلة / تحت الأمر لأن ما بعدها من الجمل إلى آخر
~~الآيتين متسقة لا يمكن فصل بعضها عن بعض ولا وجه لإدراج الكل تحت الأمر.
~~وأنت تعلم أنه لو قدر فعل الإيحاء في

# وأن أقم

# [يونس: 105] كما فعل أبو حيان وصاحب «الفرائد» لا مانع من العطف كما هو
~~الظاهر على جملة النهي المعطوفة على الجملة الأولى وإدراج جميع المتسقات
~~تحت الإيحاء، وقد ms04218 يرجح ذلك التقدير بأنه لا يحتاج معه إلى ارتكاب خلاف
~~الظاهر من العطف على البعيد، وقيل: لا حاجة إلى تقدير الإيحاء والعطف كما
~~قيل والأمر السابق بمعنى الوحي كأنه قيل: وأوحي إلي أن أكون الخ
~~والاندراج حينئذ مما لا بأس به وهو كما ترى ولا أظنك تقبله.

# { فإن فعلت فإنك إذا من الظلمين } أي معدودا في
~~عدادهم، والفعل كناية عن الدعاء كأنه قيل: فإن دعوت ما لا ينفع ولا يضر،
~~وكنى عن ذلك على ما قيل تنويها لشأنه عليه الصلاة والسلام وتنبيها على
~~رفعة مكانه صلى الله عليه وسلم من أن ينسب إليه عبادة غير الله تعالى ولو
~~في ضمن الجملة الشرطية. والكلام في فائدة نحو النهي المذكور قد مر آنفا،
~~وجواب الشرط على ما في النهي جملة { فإنك } وخبرها أعني { من
~~الظلمين } وتوسطت { إذا } بين الاسم والخبر مع أن رتبتها بعد
~~الخبر رعاية للفاصلة. وفي «الكشاف» أن { إذا } جزاء للشرط وجواب لسؤال
~~مقدر كأن سائلا سأل عن تبعة عبادة الأوثان فجعل من الظالمين لأنه لا ظلم
~~أعظم من الشرك

# إن الشرك لظلم عظيم

# [لقمان: 13] وهذه عبارة النحويين، وفسرت كما قال الشهاب: بأن المراد
~~أنها تدل على أن ما بعدها مسبب عن شرط محقق أو مقدر وجواب عن كلام محقق
~~أو مقدر. وقد ذكر الجلال السيوطي عليه الرحمة في «جمع الجوامع»  بعد أن
~~بين أن  إذا الظرفية قد يحذف جزء الجملة التي أضيفت هي إليها أو كلها
~~فيعوض عنه التنوين وتكسر للساكنين لا للإعراب خلافا للأخفش وقد تفتح 
~~أن شيخه الكافيجي ألحق بها { إذن } ، ثم قال في شرحه «همع الهوامع»:
~~وقد أشرت بقولي: وألحق شيخنا بها في ذلك { أذن } إلى مسألة غريبة قل
~~من تعرض لها؛ وذلك أني سمعت شيخنا عليه الرحمة يقول في قوله تعالى:

# ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخسرون

# [المؤمنون: 34] ليست (إذن) هذه الكلمة المعهودة وإنما هي إذا الشرطية
~~حذفت جملتها التي يضاف إليها وعوض عنها التنوين كما في يومئذ وكنت
~~أستحسن هذا جدا وأظن أن ms04219 الشيخ لا سلف له في ذلك حتى رأيت بعض المتأخرين
~~جنح إلى ما جنح إليه الشيخ، وقد أوسعت الكلام في ذلك في «حاشية المغني»
~~انتهى.

# وأنت تعلم أن الآية التي ذكرها كالآية التي نحن فيها وما ذكره مما يميل
~~إليه القلب ولا أرى فيه بأسا ولعله أولى مما قاله صاحب «الكشاف» ومتبعوه
~~فليحمل ما في الآية عليه، وكان كثيرا ما يخطر لي ذلك إلا أني لم أكد
~~أقدم على إثباته حتى رأيته لغيري ممن لا ينكر فضله فأثبته حامدا لله
~~تعالى.

### || [10.107]

# { وإن يمسسك الله بضر } تقرير لما أورد في حيز الصلة من
~~سلب النفع من المعبودات الباطلة وتصوير لاختصاصه به سبحانه أي وإن يصبك
~~بسوء ما { فلا كشف له } عنك كائنا من كان وما كان { إلا
~~هو } وحده فثبت عدم كشف الأصنام بالطريق البرهاني، وهو بيان لعدم النفع
~~برفع المكروه المستلزم لعدم النفع بجلب المحبوب استلزاما ظاهرا، فإن
~~رفع المكروه أدنى مراتب النفع فإذا انتفى انتفى النفع بالكلية { وإن
~~يردك بخير } تحقيق لسلب الضرر الوارد في حيز الصلة أي إن يرد أن
~~يصيبك بخير { فلا رآد لفضله } الذي من جملته ما أرادك به من
~~الخير، فهو دليل على جواب الشرط لا نفس / الجواب، وفيه إيذان بأن فيضان
~~الخير منه تعالى بطريق التفضل والكرم من غير استحقاق عليه سبحانه أي لا
~~أحد يقدر على رده كائنا من كان فيدخل فيه الأصنام دخولا أوليا، وهو
~~بيان لعدم ضرها بدفع المحبوب قبل وقوعه المستلزم لعدم ضرها برفعه أو
~~بإيقاع المكروه استلزاما جليا؛ ولعل ذكره الإرادة مع الخير والمس مع
~~الضر مع تلازم الأمرين لأن ما يريده سبحانه يصيب وما يصيب لا يكون إلا
~~بإرادته تعالى للإيذان بأن الخير مقصود لله تعالى بالذات والضر إنما يقع
~~جزاء على الأعمال وليس مقصودا بالذات، ويحتمل أنه أريد معنى الفعلين في
~~كل من الخير والضر لاقتضاء المقام تأكيد كل من الترغيب والترهيب إلا أنه
~~قصد الإيجاز في الكلام فذكر في أحدهما المس وفي الآخر الإرادة ليدل ms04220 بما
~~ذكر في كل جانب على ما ترك في الجانب الآخر، ففي الآية نوع من البديع
~~يسمى احتباكا وقد تقدم في غير آية، ولم يستثن سبحانه في جانب الخير
~~إظهارا لكمال العناية به وينبىء عن ذلك قوله تعالى:

# { يصيب به من يشآء من عباده } حيث صرح جل شأنه بالإصابة
~~بالفضل المنتظم لما أراد من الخير، وقيل: إنما لم يستثن جل وعلا في ذلك
~~لأنه قد فرض فيه أن تعلق الخير به واقع بإرادته تعالى وصحة الاستثناء
~~تكون بإرادة ضده في ذلك الوقت وهو محال، وهذا بخلاف مس الضر فإن إرادة
~~كشفه لا تستلزم المحال وهو تعلق الإرادتين بالضدين في وقت واحد، وفي
~~العدول عن يرد بك الخير إلى ما في النظم الجليل إيماء كما قيل إلى أن
~~المقصود هو الإنسان وسائر الخيرات مخلوقة لأجله، وما أشرنا إليه من رجوع
~~ضمير { به } إلى الفضل هو الظاهر المناسب، وجوز رجوعه لما ذكر وليس
~~بذاك، وحمل الفضل على العموم أولا وآخرا حسبما علمت هو الذي ذهب إليه
~~بعض المحققين رادا على من جعله عبارة عن ذلك الخير بعينه على أن يكون
~~الإتيان به أولا ظاهرا من باب وضع المظهر موضع المضمر إظهارا لما ذكر
~~من الفائدة بأن قوله سبحانه: { من يشآء من عباده } يأبى ذلك
~~لأنه ينادي بالعموم، ويجوز عندي أن يكون الكلام من باب  عندي درهم ونصفه
~~، وقوله سبحانه: { وهو الغفور الرحيم } تذييل لقوله تعالى: {
~~يصيب به } الخ مقرر لمضمونه والكل تذييل للشرطية الأخيرة مقرر
~~لمضمونها.

# وذكر الإمام في هذه الآيات ((أن قوله تعالى:

# ولا تكونن من المشركين

# [يونس: 105] لا يمكن أن يكون نهيا عن عبادة الأوثان لأن ذلك مذكور في
~~قوله سبحانه أول الآية:

# فلآ أعبد الذين تعبدون من دون الله

# [يونس: 104] فلا بد من حمل هذا الكلام على ما فيه فائدة زائدة وهي أن من
~~عرف مولاه لو التفت بعد ذلك إلى غيره كان ذلك شركا وهو الذي يسميه أصحاب
~~القلوب بالشرك الخفي، ويجعل قوله سبحانه:

# ولا تدع من دون ms04221 الله ما لا ينفعك ولا يضرك

# [يونس: 106] (إشارة إلى مقام هو آخر درجات العارفين) لأن ما سوى الحق
~~ممكن لذاته موجود بإيجاده والممكن لذاته معدوم بالنظر إلى ذاته وموجود
~~بإيجاب الحق وحينئذ فلا نافع إلا الحق ولا ضار إلا هو وكل شيء هالك إلا
~~وجهه وإذا كان كذلك فلا رجوع إلا إليه عز شأنه في الدارين.

# ومعنى

# فإن فعلت

# [يونس: 106] الخ فإن اشتغلت بطلب المنفعة والمضرة من غير الله تعالى
~~فأنت من الظالمين أي الواضعين للشيء في غير موضعه إذ ما سوى الله تعالى
~~معزول عن التصرف فإضافة التصرف إليه وضع للشيء في غير موضعه وهو الظلم،
~~وطلب الانتفاع بالأشياء التي خلقها الله تعالى للانتفاع بها من الطعام
~~والشراب ونحوهما لا ينافي الرجوع بالكلية إلى الله تعالى بشرط أن يكون
~~بصر العقل عند التوجه إلى شيء / من ذلك مشاهدا لقدرة الله تعالى وجوده
~~وإحسانه في إيجاد تلك الموجودات وإيداع تلك المنافع فيها مع الجزم بأنها
~~في أنفسها وذواتها معدومة وهالكة ولا وجود لها ولا بقاء ولا تأثير إلا
~~بإيجاد الله تعالى وإبقائه وإفاضة ما فيها من الخواص عليها بجوده
~~وإحسانه، وقوله تبارك وتعالى: { وإن يمسسك الله } الخ تقرير
~~لأن جميع الممكنات مستندة إليه سبحانه وتعالى وإنه لا معول إلا عليه عز
~~شأنه))، وهو كلام حسن بيد أن زعمه أن قوله تعالى:

# ولا تكونن من المشركين

# [يونس: 105] لا يمكن أن يكون نهيا عن عبادة الأوثان الخ لا يخفى ما
~~فيه.

# وقد ذكر نحو هذا الكلام في الآيات ساداتنا الصوفية، ففي «أسرار القرآن»
~~أنه سبحانه خوف نبيه صلى الله عليه وسلم من الالتفات إلى غيره في إقباله
~~عليه سبحانه بقوله: { ولا تكونن من المشركين } أي من
~~الطالبين غيري والمؤثرين على جمال مشاهدتي ما لا يليق من الحدثان، وقد
~~ذكروا أن إقامة الملة الحنيفية بتصحيح المعرفة وهو لا يكون إلا بترك
~~النظر إلى ما سوى الحق جل جلاله، ثم إنه تعالى زاد تأكيدا للإقبال عليه
~~والإعراض عما سواه بقوله جل شأنه:

# ولا تدع ms04222

# [يونس: 106] الخ حيث أشار فيه إلى أن من طلب النفع أو الضر من غيره
~~تعالى فهو ظالم أي واضع للربوبية في غير موضعها. ومن هنا قال شقيق
~~البلخي: الظالم من طلب نفعه ممن لا يملك نفع نفسه واستدفع الضر ممن لا
~~يملك الدفاع عن نفسه ومن عجز عن إقامة نفسه كيف يقيم غيره، وقرر ذلك
~~بقوله تعالى: { وإن يمسسك } الخ.

# ومن ذلك قال ابن عطاء: إنه تعالى قطع على عباده الرهبة والرغبة إلا منه
~~وإليه بإعلامه أنه الضار النافع؛ وقد يكون الضر إشارة إلى الحجاب والخير
~~إشارة إلى كشف الجمال أي إن يمسسك الله بضر الحجاب فلا كاشف لضرك إلا هو
~~بظهور أنوار وصاله وإن يردك بكشف جماله فلا راد لفضل وصاله من سبب وعلة
~~فإن المختص في الأزل بالوصال لا يحتجب بشيء من الأشياء لأنه في الفضل
~~السابق مصون من جريان القهر. هذا ولعله مغن عن الكلام من باب الإشارة في
~~الآيات حسبما هو العادة في الكتاب.

### || [10.108]

# { قل } يا أيها الرسول مخاطبا لأولئك الكفرة بعد ما بلغتهم ما أوحي
~~إليك أو للمكلفين مطلقا كما قال الطبرسي { قل يأيها الناس
~~قد جآءكم الحق من ربكم } وهو القرآن العظيم الظاهر
~~الدلالة المشتمل على محاسن الأحكام التي من جملتها ما مر آنفا من أصول
~~الدين واطلعتم على ما في تضاعيفه من البينات والهدى ولم يبق لكم عذر،
~~وقيل: المراد من الحق النبي صلى الله عليه وسلم وفيه من المبالغة ما لا
~~يخفى. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد أن { الحق } هو ما دل عليه قوله
~~تعالى:

# وأن يمسك

# [يونس: 107] الخ وهو كما ترى { فمن اهتدى } بالإيمان والمتابعة {
~~فإنما يهتدى لنفسه } أي منفعة اهتدائه لها { ومن ضل }
~~بالكفر والإعراض { فإنما يضل عليها } أي فوبال ضلاله عليها،
~~قيل: والمراد تنزيه ساحة الرسالة عن شائبة غرض عائد إليه عليه الصلاة
~~والسلام من جلب نفع ودفع ضر، ويلوح إليه إسناد المجيء إلى (الحق) من غير
~~إشعار بكون ذلك بواسطته صلى الله عليه وسلم { ومآ أنا عليكم ms04223
~~بوكيل } أي بحفيظ موكول إلى أمركم وإنما أنا بشير ونذير، وفي الآية
~~إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام لا يجبرهم على الإيمان ولا يكرههم
~~عليه وإنما عليه البلاغ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها منسوخة
~~بآية السيف.

### || [10.109]

# { واتبع } في جميع شؤونك / من الاعتقاد والعمل والتبليغ { ما
~~يوحى إليك } على نهج التجدد والاستمرار، والتعبير عن بلوغ الحق
~~المفسر بالقرآن إليهم بالمجيء وإليه صلى الله عليه وسلم بالوحي تنبيه على
~~ما بين المرتبتين من التنافي، وإذا أريد من الحق ما قيل فالأمر ظاهر جدا
~~{ واصبر } على ما يعتريك من مشاق التبليغ وأذى من ضل { حتى
~~يحكم الله } بالنصرة عليه أو بالأمر بالقتال { وهو خير
~~الحكمين } إذ لا يمكن الخطأ في حكمه تعالى لاطلاعه على السرائر
~~كاطلاعه على الظواهر، وغيره جل شأنه من الحاكمين إنما يطلع على الظواهر
~~فيقع الخطأ في حكمه، ولا يخفى ما في هذه الآيات من الموعظة الحسنة وتسلية
~~النبي صلى الله عليه وسلم ووعد للمؤمنين والوعيد للكافرين والحمد لله
~~تعالى رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين الذي يؤنس ذكره قلوب
~~الموحدين وعلى آله وصحبه أجمعين.

### | [11 - سورة هود]

### || [11.1]

# { بسم الله الرحمن الرحيم }  { الر } اسم للسورة على
~~ما ذهب إليه الخليل وسيبويه وغيرهما أو للقرآن على ما روي عن الكلبي
~~والسدي، وقيل: إنها إشارة إلى اسم من أسمائه تعالى أو صفة من صفاته
~~سبحانه، وقيل: هي إقسام منه تعالى بما هو من أصول اللغات ومبادي كتبه
~~المنزلة ومباني أسمائه الكريمة، وقايل وقيل، وقد تقدم الكلام فيما ينفعك
~~هنا على أتم تفصيل، واختار غير واحد من المتأخرين كونها اسما للسورة
~~وأنها خبر مبتدأ محذوف أي هذه السورة مسماة  بالر  وقيل: محلها الرفع
~~على الابتداء أو النصب بتقدير فعل يناسب المقام نحو اذكر أو اقرأ، وقوله
~~سبحانه: { كتاب } خبر لها على تقدير ابتدائيتها أو لمبتدأ محذوف على
~~غيره من الوجوه، والتنوين فيه للتعظيم أي كتاب عظيم الشأن جليل القدر.

# { أحكمت آياته } أي نظمت نظما محكما لا يطرأ ms04224 عليه اختلال فلا
~~يكون فيه تناقض أو مخالفة للواقع والحكمة أو شيء مما يخل بفصاحته وبلاغته
~~فالإحكام مستعار من إحكام البناء بمعنى اتقانه أو منعت من النسخ لبعضها
~~أو لكلها بكتاب آخر كما وقع للكتب السالفة فالإحكام من أحكمه إذا منعه؛
~~ويقال: أحكمت السفيه إذا منعته من السفاهة، ومنه قول جرير:

# أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم

# إني أخاف عليكم إن أغضبا

# / وقيل: المراد منعت من الفساد أخذا من أحكمت الدابة إذا جعلت في فمها
~~الحكمة وهي حديدة تجعل في فم الدابة تمنعها من الجماح، فكأن ما فيها من
~~بيان المبدأ والمعاد بمنزلة دابة منعها الدلائل من الجماح، ففي الكلام
~~استعارة تمثيلية أو مكنية. وتعقب بأن تشبيهها بالدابة مستهجن لا داعي
~~إليه، ولعل الذوق يفرق بين ذلك وبين تشبيهها بالجمل الأنوف الوارد في بعض
~~الآثار لانقيادها مع المتأولين لكثرة وجوه احتمالاتها الموافقة لأغراضهم.
~~واعترض بعضهم على إرادة المنع من الفساد بأن فيه إيهام ما لا يكاد يليق
~~بشأن الآيات الكريمة من التداعي إلى الفساد لولا المانع، فالأول إذ يراد
~~معنى المنع أن يراد المنع من النسخ ويراد من الكتاب القرآن وعدم نسخه
~~كلا أو بعضا على حسب ما أشرنا إليه؛ وكون ذلك خلاف الظاهر في حيز
~~المنع.

# وادعى بعضهم أن المراد بالآيات آيات هذه السورة وكلها محكمة غير منسوخة
~~بشيء أصلا، وروي ذلك عن ابن زيد وخولف فيه. وادعى أن فيها من المنسوخ
~~أربع آيات قوله سبحانه:

# إنمآ أنت نذير والله على كل شيء وكيل

# [هود: 12]

# وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم
~~إنا عاملون

# [هود: 121] والتي تليها ونسخت جميعا بآية السيف و { من كان يريد
~~الحيوة الدنيا وزينتها } [هود: 51] الآية ونسخت بقوله
~~سبحانه

# من كان يريد العجلة عجلنا له فيها ما نشآء
~~لمن نريد

# [الإسراء: 18] ولا يخلو عن نظر، ويجوز أن يكون المعنى منعت من الشبه
~~بالحجج الباهرة وأيدت بالأدلة الظاهرة أو جعلت حكمية أي ذات حكمة
~~لاشتمالها على أصول العقائد والأعمال الصالحة والنصائح والحكم، والفعل
~~على هذا منقول من حكم ms04225 بالضم إذا صار حكيما، ومنه قول نمر بن تولب:

# وأبغض بغيضك بغضا رويدا

# إذا أنت حاولت أن تحكما

# فقد قال الأصمعي: إن المعنى إذا حاولت أن تكون حكيما، وفي إسناد
~~الإحكام على الوجوه المذكورة إلى الآيات دون الكتاب نفسه لا سيما إذا
~~أريد ما يشمل كل آية آية من حسن الموقع والدلالة على كونه في أقصى غاياته
~~ما لا يخفى.

# { ثم فصلت } أي جعلت مفصلة كالعقد المفصل بالفرائد التي تجعل بين
~~اللآلىء، ووجه جعلها كذلك اشتمالها على دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ
~~والقصص أو فصل فيها مهمات العباد في المعاش والمعاد على الإسناد المجازي
~~أو جعلت فصلا فصلا من السور ويراد بالكتاب القرآن، وقيل: يصح أن يراد
~~به هذه السورة أيضا على أن المعنى جعلت معاني آياتها في سور ولا يخفى
~~أنه تكلف لا حاجة إليه. أو فرقت في التنزيل فلم تنزل جملة بل نزلت نجما
~~نجما على حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، و { ثم } على هذا ظاهرة في
~~التراخي الزماني لما أن المتبادر من التنزيل المنجم فيه التنزيل المنجم
~~بالفعل، وإن أريد جعلها في نفسها بحيث يكون نزولها منجما حسب الحكمة فهو
~~رتبي لأن ذلك وصف لازم لها حقيق بأن يرتب على وصف أحكامها، وهي على
~~الأوجه الأول للتراخي الرتبي لا غير، وقيل: للتراخي بين الأخبارين.
~~واعترض بأنه لا تراخي هناك إلا أن يراد بالتراخي الترتيب مجازا أو يقال
~~بوجوده باعتبار ابتداء الخبر الأول وانتهاء الثاني. وأنت تعلم أن القول
~~بالتراخي في الرتبة أولى خلا أن تراخى رتبة التفصيل بأحد المعنيين
~~الأولين عن رتبة الأحكام أمر ظاهر وبالمعنى الثالث فيه نوع خفاء، ولا
~~يخفى عليك أن الاحتمالات في الآية الحاصلة من ضرب معاني الأحكام الأربعة
~~في معاني التفصيل كذلك وضرب المجموع في احتمالات المراد  بثم  تبلغ
~~اثنين وثلاثين أو ثمانية وأربعين احتمالا ولا حجر.

# والزمخشري ذكر للأحكام على ما في «الكشف» ثلاثة أوجه. / أخذه من أحكام
~~البناء نظرا إلى التركب البالغ حد الإعجاز، أو من الأحكام جعلها حكيمة،
~~أو جعلها ms04226 ذات حكمة فيفيد معنى المنع من الفساد، وللتفصيل أربعة: جعلها
~~كالقلائد المفصلة بالفرائد لما فيها من دلائل التوحيد وأخواتها، وجعلها
~~فصولا سورة سورة وآية آية. وتفريقها في التنزيل، وتفصيل ما يحتاج إليه
~~العباد وبيانه فيها روي هذا عن مجاهد، وقال: إن معنى { ثم } ليس
~~التراخي في الوقت ولكن في الحال كما تقول هي محكمة أحسن الإحكام ثم مفصلة
~~أحسن التفصيل، وفلان كريم الأصل ثم كريم الفعل.

# والظاهر أنه أراد أنها في جميع الاحتمالات كذلك، وفيه أيضا أنه إذا
~~أريد بالإحكام أحد الأولين وبالتفصيل أحد الطرفين فالتراخي رتبي لأن
~~الأحكام بالمعنى الأول راجع إلى اللفظ والتفصيل إلى المعنى، وبالمعنى
~~الثاني وإن كان معنويا لكن التفصيل إكمال لما فيه من الإجمال، وان أريد
~~أحد الأوسطين فالتراخي على الحقيقة لأن الإحكام بالنظر إلى كل آية في
~~نفسها وجعلها فصولا بالنظر إلى بعضها مع بعض أو لأن كل آية مشتملة على
~~جمل من الألفاظ المرصفة وهذا تراخ وجودي، ولما كان الكلام من السائلات
~~كان زمانيا أيضا، ولكن الزمخشري آثر التراخي في الحال مطلقا حملا على
~~التراخي في الإخبار في هذين الوجهين ليطابق اللفظ الوضع وليظهر وجه
~~العدول من الفاء إلى ثم، وإن أريد الثالث وبالتفصيل أحد الطرفين فرتبي
~~وإلا فإخباري، والأحسن أن يراد بالإحكام الأول وبالتفصيل أحد الطرفين
~~وعليه ينطبق المطابقة بين { حكيم } و { خبير } و { أحكمت } و {
~~فصلت } ثم قال: ومنه ظهر أن التراخي في الحال يشمل التراخي الرتبي
~~والإخباري انتهى فليتأمل. وقرىء { أحكمت } بالبناء للفاعل المتكلم و
~~{ فصلت } بفتحتين مع التخفيف وروي هذا عن ابن كثير، والمعنى ثم فرقت
~~بين الحق والباطل، وقيل: { فصلت } هنا مثلها في قوله تعالى:

# ولما فصلت العير

# [يوسف: 94] أي انفصلت وصدرت.

# { من لدن حكيم خبير } صفة لكتاب وصف بها بعد ما وصف بإحكام
~~آياته وتفصيلها الدالين على علو مرتبته من حيث الذات إبانة لجلالة شأنه
~~من حيث الإضافة أو خبر ثان للمبتدأ الملفوظ أو المقدر أو هو معمول لأحد
~~الفعلين على التنازع مع تعلقه بهما معنى أي ms04227 من عنده أحكامها وتفصيلها
~~واختار هذا في «الكشف». وفي «الكشاف» أن فيه طباقا حسنا لأن المعنى
~~أحكمها حكيم وفصلها أي بينها وشرحها خبير عالم بكيفيات الأمور ففي الآية
~~اللف والنشر، وأصل الكلام على ما قال الطيبي: أحكم آياته الحكيم وفصلت
~~الخبير ثم عدل عنه إلى أحكمت حكيم وفصلت خبير على حد قوله تعالى:

# يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال

# [النور: 36-37] على قراءة البناء للمفعول، وقوله:

# لبيك يزيد ضارع لخصومة

# ومختبط مما تطيح الطوائح

# ثم إلى ما في النظم الجليل لما في الكناية من الحسن مع إفادة التعظيم
~~البالغ الذي لا يصل إلى كنهه وصف الواصف لا سيما وقد جيء بالاسمين
~~الجليلين منكرين بالتنكير التفخيمي.

# و { لدن } من الظروف المبنية وهي لأول غاية زمان أو مكان، والراد
~~هنا الأخير مجازا، وينبت لشبهها بالحرف في لزومها استعمالا واحدا وهي
~~كونها مبدأ غاية وامتناع الإخبار بها وعنها ولا يبنى عليها المبتدأ بخلاف
~~عند و  لدي  فإنهما لا يلزمان استعمالا واحدا بل يكونان لابتداء
~~الغاية وغيرها ويبنى عليهما المبتدأ كما في قوله سبحانه:

# وعنده مفاتح الغيب

# [الأنعام: 59]

# ولدينا مزيد

# [ق: 35] قيل: ولقوة شبهها بالحرف وخروجها عن نظائرها لا تعرب إذا أضيفت.
~~نعم جاء عن قيس إعرابها تشبيها / بعند وعلى ذلك خرجت قراءة عاصم

# بأسا شديدا من لدنه

# [الكهف: 2] بالجر وإشمام الدال الساكنة الضم واقترانها بمن كما في
~~الآية، وكذا إضافتها إلى مفرد كيفما كان هو الغالب وقد تتجرد عن  من 
~~وقد تضاف إلى جملة اسمية كقوله:

# وتذكر نعماه لدن أنت يافع

# وفعلية كقوله:

# صريح غوان راقهن ورقنه

# لدن شب حتى شاب سود الذوائب

# ومنع ابن الدهان من إضافتها إلى الجملة وأول ما ورد من ذلك على تقدير أن
~~المصدرية بدليل ظهورها معها في قوله:

# وليت فلم تقطع لدن ان وليتنا

# قرابة ذي قربى ولاحق مسلم

# ولا يخفى ما في التزام ذلك من التكلف لا سيما في مثل  لدن أنت يافع 
~~وتتمحض للزمان إذا أضيفت إلى الجملة، وجاء نصب غدوة بعدها في قوله:

# لدن ms04228 غدوة حتى دنت لغروب

# وخرج على التمييز، وحكى الكوفيون رفعها بعدها وخرج على إضماء كان، وفيها
~~ثمان لغات. فمنهم من يقول { لدن } بفتح اللام وضم الدال وسكون النون وهي
~~اللغة المشهورة، وتخفف بحذف الضمة كما في عضد وحينئذ يتلقى ساكنان. فمنهم
~~من يحذف النون لذلك فيبقى  لد  بفتح اللام وسكون الدال. ومنهم من لا
~~يحذف ويحرك الدال فتحا فيقول { لدن } بفتح اللام والدال وسكون النون.
~~ومنهم من لا يحذف ويحرك الدال كسرا فيقول { لدن } بفتح اللام وكسر الدال
~~وسكون النون ومنهم من لا يحذف ويحرك النون بالكسر فيقول { لدن } بفتح
~~اللام وسكون الدال وكسر النون، وقد يخفف بنقل ضمة الدال إلى اللام كما
~~يقال في عضد عضد بضم العين وسكون الضاد على قلة، وحينئذ يلتقي ساكنان
~~أيضا. فمنهم من يحذف النون لذلك فيقول  لد  بضم اللام وسكون الدال.
~~ومنهم من لا يحذف ويحرك النون بالكسر فيقول { لدن } بضم اللام وسكون
~~الدال وكسر النون فهذه سبع لغات. وجاء  لد  بحذف نون { لدن } التي هي
~~أم الجميع وبذلك تتم الثمانية، ويدل على أن أصل  لد  لدن إنك إذا أضفته
~~لمضمر جئت بالنون فتقول: من لدنك ولا يجوز من  لدك  كما نبه عليه
~~سيبويه، وذكر لها في «همع الهوامع» عشر لغات ما عدا اللغة القيسية
~~فليراجع.

### || [11.2]

# { ألا تعبدوا إلا الله } في موضع العلة للفعلين السابقين
~~على جعل { أن } مصدرية وتقدير اللام معها كأنه قيل: كتاب أحكمت آياته ثم
~~فصلت لئلا تعبدوا إلا الله أي لتتركوا عبادة غيره عز وجل وتتمحضوا
~~لعبادته سبحانه، فإن الأحكام والتفصيل مما يدعوهم إلى الإيمان والتوحيد
~~وما يتفرع عليه من الطاعات قاطبة. وجوز أن تكون مفسرة لما في التفصيل من
~~معنى القول دون حروفه كأنه قيل: فصل وقال: لا تعبدوا إلا الله أو أمر أن
~~لا تعبدوا إلا الله، وقيل: إن هذا كلام منقطع عما قبله غير متصل به
~~اتصالا لفظيا بل هو ابتداء كلام قصد به الاغراء على التوحيد على لسانه
~~صلى الله عليه وسلم و { أن ms04229 } وما بعدها في حيز المفعول به لمقدر كأنه
~~قيل: الزموا ترك عبادة غيره تعالى، واحتمال أن يكون ما قبل أيضا مفعولا
~~به بتقدير قل أول الكلام خلاف الظاهر، ومثله احتمال كون { أن } والفعل في
~~موقع المفعول المطلق، وقد صرح بعض المحققين أن ذلك مما لا يحسن أو لا
~~يجوز فلا ينبغي أن يلتفت إليه.

# { إنني لكم منه نذير وبشير } ضمير الغائب المجرور لله
~~تعالى و { من } لابتداء الغاية، والجار والمجرور في الأصل صفة النكرة
~~فلما قدم عليها صار حالا كما هو المعروف في أمثاله أي إني لكم من جهته
~~تعالى نذير أنذركم عذابه أن لم تتركوا ما أنتم عليه من عبادة غيره سبحانه
~~وبشير / أبشركم ثوابه إن آمنتم وتمحضتم في عبادته عز وجل، وجوز كون {
~~من } صلة النذير والضمير إما له تعالى أيضا، والمعنى حينئذ على ما قال
~~أبو البقاء نذير من أجل عذابه وإما للكتاب على معنى إني لكن نذير من
~~مخالفته وبشير لمن آمن به.

### || [11.3]

# { وأن استغفروا ربكم } عطف على

# ألا تعبدوا إلا الله

# [هود: 2] سواء كان نهيا أو نفيا وفي { أن } الاحتمالان السابقان وقد
~~علمت أن الحق أن أن المصدرية توصل بالأمر والنهي كما توصل بغيرهما، وفي
~~توسيط جملة

# إني لكم

# [هود: 2] الخ بين المتعاطفين ما لا يخفى من الإشارة إلى علو شأن التوحيد
~~ورفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روعي في تقديم الانذار على
~~التبشير ما روعي في الخطاب من تقديم النفي على الإثبات والتخلية على
~~التحلية لتتجاوب الأطراف، والتعرض لوصف الربوبية تلقين للمخاطبين وإرشاد
~~لهم إلى طريق الابتهال في السؤال وترشيح لما يذكر من التمتيع وإيتاء
~~الفضل.

# وقوله سبحانه: { ثم توبوا إليه } عطف على { استغفروا }
~~واختلف في توجيه توسيط { ثم } بينهما مع أن الاستغفار بمعنى التوبة في
~~العرف فقال الجبائي: إن المراد بالاستغفار هنا التوبة عما وقع من الذنوب
~~وبالتوبة الاستغفار عما يقع منها بعد وقوعه أي استغفروا ربكم من ذنوبكم
~~التي فعلتموها ثم توبوا إليه من ذنوب تفعلونها، فكلمة { ثم } على ms04230
~~ظاهرها من التراخي في الزمان، وقال الفراء: إن { ثم } بمعنى الواو كما
~~في قوله:

# بهز كهز الرديني

# جرى في الأنابيب ثم اضطرب

# والعطف تفسيري، وقيل: لا نسلم أن الاستغفار هو التوبة بل هو ترك المعصية
~~والتوبة هي الرجوع إلى الطاعة ولئن سلم أنهما بمعنى  فثم  للتراخي في
~~الرتبة، والمراد بالتوبة الإخلاص فيها والاستمرار عليها وإلى هذا ذهب
~~«صاحب الفرائد». وقال بعض المحققين: الاستغفار هو التوبة إلا أن المراد
~~بالتوبة في جانب المعطوف التوصل إلى المطلوب مجازا من إطلاق السبب على
~~المسبب، و { ثم } على ظاهرها وهي قرينة على ذلك. وأنت تعلم أن أصل
~~معنى الاستغفار طلب الغفر أي الستر ومعنى التوبة الرجوع، ويطلق الأول على
~~طلب ستر الذنب من الله تعالى والعفو عنه والثاني على الندم عليه مع العزم
~~على عدم العود فلا اتحاد بينهما بل ولا تلازم عقلا، لكن اشترط شرعا
~~لصحة ذلك الطلب وقبوله الندم على الذنب مع العزم على عدم العود إليه،
~~وجاء أيضا استعمال الأول في الثاني، والاحتياج إلى توجيه العطف على هذا
~~ظاهر، وأما على ذاك فلأن الظاهر أن المراد من الاستغفار المأمور به
~~الاستغفار المسبوق بالتوبة بمعنى الندم فكأنه قيل: استغفروا ربكم بعد
~~التوبة ثم توبوا إليه ولا شبهة في ظهور احتياجه إلى التوجيه حينئذ،
~~والقلب يميل فيه إلى حمل الأمر الثاني على الإخلاص في التوبة والاستمرار
~~عليها، والتراخي عليه يجوز أن يكون رتبيا وأن يكون زمانيا كما لا يخفى.

# { يمتعكم متاعا حسنا } مجزوم بالطلب، ونصب { متعا }
~~على أنه مفعول مطلق من غير لفظه كقوله تعالى:

# أنبتكم من الأرض نباتا

# [نوح: 17] ويجوز أن يكون مفعولا به على أنه اسم لما ينتفع به من منافع
~~الدنيا من الأموال والبنين وغير ذلك، والمعنى كما قيل يعشكم في أمن
~~وراحة، ولعل هذا لا ينافي كون «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» ولا كون
~~«أشد الناس بلاء الامثل فالأمثل» لأن المراد بالأمن أمنه من غير الله
~~تعالى

# ومن يتوكل على الله فهو حسبه

# [الطلاق: 3] وبالراحة طيب عيشه برجاء الله ms04231 تعالى والتقريب إليه حتى يعد
~~المحنة منحة:

# / وتعذيبكم عذب لدي وجوركم

# علي بما يقضي الهوى لكم عدل

# وقال الزجاج: المراد يبقيكم ولا يستأصلكم بالعذاب كما استأصل أهل القرى
~~الذين كفروا، والخطاب لجميع الأمة بقطع النظر عن كل فرد فرد.

# { إلى أجل مسمى } مقدر عند الله تعالى وهو آخر أعماركم أو
~~آخر أيام الدنيا كما يقتضيه كلام الزجاج، ولا دلالة في الآية على أن
~~للإنسان أجلين كما زعمه المعتزلة { ويؤت } أي يعط { كل ذي فضل
~~} أي زيادة في العمل الصالح { فضله } أي جزاء فضله في الدنيا أو في
~~الآخرة لأن العمل لا يعطى، وقد يقال: لا حاجة إلى تقدير المضاف، والمراد
~~المبالغة على حد

# سيجزيهم وصفهم

# [الأنعام: 139] والضمير لكل، ويجوز أن يعود إلى الرب، والمراد بالفضل
~~الأول ما أريد به أولا وبالثاني زيادة الثواب بقرينة أن الإعطاء ثواب
~~وحينئذ يستغنى عن التأويل.

# واختار بعض المحققين التفسير الأول ثم قال: وهذه تكملة لما أجمل من
~~التمتيع إلى أجل مسمى وتبيين لما عسى أن يعسر فهم حكمته من بعض ما يتفق
~~في الدنيا من تفاوت الحال بين العاملين فرب إنسان له فضل طاعة وعمل لا
~~يمتع في الدنيا أكثر مما متع آخر دونه في الفضل وربما يكون المفضول أكثر
~~تمتيعا فقيل: ويعط كل فاضل جزاء فضله أما في الدنيا كما يتفق في بعض
~~المواد وإما في الآخرة وذلك مما لا مراد له انتهى.

# ويفهم من كلام بعضهم عدم اعتبار الانفصال على أنه سبحانه ينعم على ذي
~~الفضل في الدنيا والآخرة ولا يختص إحسانه بإحدى الدارين، ولا شك أن كل ذي
~~عمل صالح منعم عليه في الآخرة بما يعلمه الله تعالى وكذا في الدنيا
~~بتزيين العمل الصالح في قلبه والراحة حسب تعليق الرجاء بربه ونحو ذلك ولا
~~إشكال في ذلك كما هو ظاهر للمتأمل، وقيل: في الآية لف ونشر فإن التمتيع
~~مرتب على الاستغفار وإيتاء الفضل مرتب على التوبة انتهى.

# وايا ما كان ففي الكلام ضرب تفصيل لما أجمل فيما سبق من البشارة، ثم ms04232
~~شرع في الإنذار بقوله سبحانه: { وإن تولوا } أي تستمروا على
~~الإعراض عما ألقي إليكم من التوحيد والاستغفار والتبوة، وأصله تتولوا فهو
~~مضارع مبدء بتاء الخطاب لأن ما بعده يقتضيه وحذفت منه إحدى التاءين كما
~~فعل في أمثاله، وقيل: إن { تولوا } ماض غائب فلا حذف ويقدر فيما
~~بعد فقل لهم وهو خلاف الظاهر، وأخر الإنذار عن البشارة جريا على سنن
~~تقدم الرحمة على الغضب أو لأن العذاب قد علق بالتولي عما ذكر من التوحيد
~~وما معه وذلك يستدعي سابقة ذكره.

# وقرأ عيسى بن عمر واليماني { تولوا } بضم التاء وفتح الواو وضم اللام
~~وهو مضارع  ولى  من قولهم: ولى هاربا أي أدبر.

# { فإني أخاف عليكم } بمقتضى الشفقة والرأفة أو أتوقع {
~~عذاب يوم كبير } هو يوم القيامة وصف بذلك لكبر ما يكون فيه ولذا
~~وصف بالثقل أيضا، وجوز وصفه بالكبر لكونه كذلك في نفسه، وقيل: المراد به
~~زمان ابتلاهم الله تعالى فيه في الدنيا، وقد روي أنهم ابتلوا بقحط عظيم
~~أكلوا فيه الجيف، وأيا ما كان ففي إضافة العذاب إليه تهويل وتفظيع له.

### || [11.4]

# { إلى الله مرجعكم } مصدر ميمي وكان قياسه فتح الجيم لأنه من
~~باب ضرب وقياس مصدره الميمي ذلك كما علم من محله، أي إليه تعالى رجوعكم
~~بالموت ثم البعث للجزاء في مثل ذلك اليوم لا إلى غيره جميعا لا يتخلف
~~منكم أحد { وهو على كل شيء قدير } فيندرج في تلك الكلية
~~قدرته سبحانه على إماتتكم ثم بعثكم وجزائكم فيعذبكم بأفانين العذاب، وهذا
~~تقرير وتأكيد لما سلف من كبر اليوم وتعليل للخوف.

### || [11.5]

# { ألآ إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه } كأنه
~~جواب سؤال مقدر، وذلك أنه لما ألقى إليهم ما ألقى وسيق إليهم ما سيق من
~~الترغيب والترهيب وقع في ذهن السامع أنهم بعد ما سمعوا مثل هذا المقال
~~الذي تخر له صم الجبال هل قابلوه بالإقبال أم تمادوا فيما كانوا عليه من
~~الإعراض والضلال؟ فقيل: مصدرا بكلمة التنبيه إشعارا بأن ما بعدها من
~~هناتهم أمر ينبغي أن يفهم ويتعجب منه { ألآ ms04233 إنهم } الخ، فضمير {
~~إنهم } للمشركين المخاطبين فيما تقدم و { يثنون } بفتح الياء
~~مضارع ثنى الشيء إذا لواه وعطفه، ومنه على ما قيل الاثنان، لعطف أحدهما
~~على الآخر والثناء لعطف المناقب بعضها على بعض وكذا الاستثناء للعطف على
~~المستثنى منه بالإخراج، وأصله يثنيون فأعل الإعلال المعروف في نحو يرمون،
~~وفي المراد منه احتمالات: منها أن الثني كناية أو مجاز عن الإعراض عن
~~الحق لأن من أقبل على شيء واجهه بصدره ومن أعرض صرفه عنه، أي إنهم يثنون
~~صدورهم عن الحق ويتحرفون عنه، والمراد استمرارهم على ما كانوا عليه من
~~التولي والإعراض المشار إليه بقوله سبحانه:

# فإن تولوا

# [هود: 3] الخ. ومنها أنه مجاز عن الإخفاء لأن ما يجعل داخل الصدر فهو
~~خفي أي إنهم يضمرون الكفر والتولي عن الحق وعداوة النبي صلى الله عليه
~~وسلم. ومنها أنه باق على حقيقته، والمعنى أنهم إذا رأوا النبي عليه
~~الصلاة والسلام فعلوا ذلك وولوه ظهورهم، والظاهر أن اللام متعلقة 
~~بيثنون  على سائر الاحتمالات، وكأن بعضهم رأى عدم صحة التعلق على
~~الاحتمال الأول لما أن التولي عن الحق لا يصلح تعليله بالاستخفاء لعدم
~~السببية فقدر لذلك متعلقا فعل الإرادة على أنه حال أو معطوف على ما
~~قبله، أي ويريدون ليستخفوا من الله تعالى فلا يطلع رسوله عليه الصلاة
~~والسلام والمؤمنين على أغراضهم، وجعله في قود المعنى إليه من قبيل
~~الإضمار في قوله تعالى:

# اضرب بعصاك البحر فانفلق

# [الشعراء: 63] أي فضرب فانفلق، لكن لا يخفى أن انسياق الذهن إلى توسيط
~~الإرادة بين ثني الصدور والاستخفاء ليس بمثابة انسياقه إلى توسيط الضرب
~~بين الأمر والانفلاق كما ذكره العلامة القسطلاني وغيره، وقيل: إنه لا
~~حاجة إلى التقدير في الاحتمالين الأولين لأن انحرافهم عن الحق بقلوبهم
~~وعطف صدورهم على الكفر والتولي وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم وعدم
~~إظهارهم ذلك يجوز أن يكون للاستخفاء من الله تعالى لجهلهم بما لا يجوز
~~على الله تعالى، وأما على الاحتمال الثالث فالظاهر أنه لا بد من التقدير
~~إلا أن يعاد الضمير منه إلى ms04234 الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذي يقتضيه
~~سبب النزول على ما ذكره أبو حيان من أن الآية نزلت في بعض الكفار الذين
~~كانوا إذا لقيهم النبي صلى الله عليه وسلم تطامنوا وثنوا صدورهم
~~كالمستتر وردوا إليه ظهورهم وغشوا وجوههم بثيابهم تباعدا منه وكراهة
~~للقائه عليه الصلاة والسلام وهم يظنون أنه يخفى عليه صلى الله عليه وسلم،
~~لكن ظاهر قوله تعالى الآتي: { يعلم ما يسرون وما يعلنون
~~} يقتضي عود الضمير إليه تعالى.

# واختار بعض المحققين الاحتمال الثاني من الاحتمالات الثلاث، وأمر
~~التعليل والضمير عليه ظاهر، وأيده بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أنها نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلا حلو المنطق حسن السياق
~~للحديث يظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة ويضمر في قلبه ما
~~يضادها لكنه ليس بمجمع عليه لما سمعت عن أبي حيان.

# / وقيل: إنه كان الرجل من الكفار يدخل بيته ويرخي ستره ويحني ظهره
~~ويتغشى بثوبه ويقول: هل يعلم الله ما في قلبي فنزلت، وأخرج ابن جرير،
~~وغيره عن عبد الله بن شداد أنها نزلت في المنافقين كان أحدهم إذا مر
~~بالنبي صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وتغشى لئلا يراه، وهو في معنى ما
~~تقدم عن أبي حيان إلا أن فيه بعض الكفار دون المنافقين، فلا يرد عليه ما
~~أورد على هذا من أن الآية مكية والنفاق إنما حدث بالمدينة فكيف يتسنى
~~القول بأنها نزلت في المنافقين؟ وقد أجيب عن ذلك بأنه ليس المراد بالنفاق
~~ظاهره بل ما كان يصدر من بعض المشركين الذين كان لهم مداراة تشبه النفاق،
~~وقد يقال: إن حديث حدوث النفاق بالمدينة ليس إلا غير مسلم بل ظهوره إنما
~~كان فيها والامتياز إلى ثلاث طوائف، ثم لو سلم فلا إشكال بل يكون على
~~أسلوب قوله سبحانه:

# كمآ أنزلنا على المقتسمين

# [الحجر: 90] إذا فسر باليهود ويراد به ما جرى على بني قريظة فإنه إخبار
~~عما سيقع، وجعله كالواقع لتحققه وهو من الإعجاز لأنه وقع كذلك فكذا ما
~~نحن ms04235 فيه.

# نعم الثابت في «صحيح البخاري» وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن
~~مردويه من طريق محمد بن عباد بن جعفر أنه سمع ابن عباس يقرأ الآية فسأله
~~عنها فقال: أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا
~~نساءهم فيفضوا إلى السماء فنزل ذلك فيهم، وليس في الروايات السابقة ما
~~يكافىء هذه الرواية في الصحة، وأمر { يثنون } عليها ظاهر خلا أنه إذا
~~كان المراد بالأناس جماعة من المسلمين كما صرح به الجلال السيوطي أشكل
~~الأمر، وذلك لأن الظاهر من حال المسلم إذا استحيا من ربه سبحانه فلم يكشف
~~عورته مثلا في خلوة كان مقصوده مجرد إظهار الأدب مع الله تعالى مع علمه
~~بأنه جل شأنه لا يحجب بصره حاجب ولا يمنع علمه شيء ومثل هذا الحياء أمر
~~لا يكاد يذمه أحد بل في الآثار ما هو صريح في الأمر به وهو شعار كثير من
~~كبار الأمة، والقول بأن استحياء أولئك المسلمين كان مقرونا بالجهل
~~بصفاته عز وجل فظنوا أن الثني يحجب عن الله سبحانه فرد عليهم بما رد لا
~~أظنك تقبله؛ وبالجملة الأمر على هذه الرواية لا يخلو عن إشكال ولا يكاد
~~يندفع بسلامة الأمر، والذي يقتضيه السياق ويستدعيه ربط الآيات كون الآية
~~في المشركين حسبما تقدم فتدبر والله تعالى أعلم.

# وقرأ الحبر رضي الله تعالى عنه ومجاهد وغيرهما { تثنوني } بالتاء لتأنيث
~~الجمع وبالياء التحتية لأن التأنيث غير حقيقي، وهو مضارع اثنوني كأحلولي
~~فوزنه تفعوعل بتكرير العين وهو من أبنية المزيد الموضوعة للمبالغة لأنه
~~يقال حلي فإذا أريد المبالغة قيل احلولي وهو لازم  فصدورهم  فاعله،
~~ويراد منه ما أريد من المعاني في قراءة الجمهور إلا أن المبالغة ملحوظة
~~في ذلك فيقال: المعنى مثلا تنحرف صدورهم انحرافا بليغا. وعن الحبر
~~أيضا وعروة وغيرهما أنهم قرأوا { تثنون } بفتح التاء المثناة من فوق
~~وسكون الثاء وفتح النون وكسر الواو وتشديد النون الأخيرة، والأصل تثنونن
~~بوزن تفعوعل من الثن بكسر الثاء وتشديد النون وهو ما هش وضعف من الكلأ
~~أنشد أبو زيد: ms04236

# يا أيها المفضل المعني

# إنك ريان فصمت عني

# تكفي اللقوح أكلة من ثن

# ولزم الإدغام لتكرير العين إذا كان غير ملحق و { صدورهم } على هذه
~~مرفوع أيضا على الفاعلية، والمعنى على وصف قلوبهم بالسخافة والضعف كذلك
~~النبت الضعيف، فالصدور مجاز عما فيها من القلوب، وجوز أن يكون مطاوع ثناه
~~فإنه يقال: ثناه فانثنى واثنوني كما صرح به ابن مالك في «التسهيل» فقال:
~~وافعوعل للمبالغة وقد يوافق استفعل ويطاوع فعل ومثلوه بهذا الفعل،
~~فالمعنى أن صدورهم قبلت الثني ويؤول إلى معنى انحرفت / كما فسر به قراءة
~~الجمهور. وعن مجاهد وكذا عروة الأعشى أنه قرأ { تثنئن } كتطمئن وأصله
~~يثنان فقلبت الألف همزة مكسورة رغبة في عدم التقاء الساكنين وإن كان على
~~حده، ويقال في ماضيه اثنأن كاحمأر وابيأض، وقيل: أصله تثنون بواو مكسورة
~~فاستثقلت الكسرة على الواو فقلبت همزة كما قيل في وشاح إشاح وفي وسادة
~~إسادة فوزنه على هذا تفوعل وعلى الأول تفعال، ورجح باطراده وهو من الثن
~~الكلأ الضعيف أيضا، وقرىء { تثنوي } كترعوي ونسب ذلك إلى ابن عباس
~~أيضا، وغلط النقل بأنه لا حظ للواو في هذا الفعل إذ لا يقال: ثنوته
~~فانثوى كرعوته فارعوى ووزن ارعوى من غريب الأوزان، وفي «الصحاح» تقديره
~~افعول ووزنه افعلل، وإنما لم يدغم لسكون الياء وتمام الكلام فيه يطلب من
~~محله، وقرىء بغير ذلك، وأوصل بعضهم القراءات إلى ثلاث عشرة وفصلها في
~~«الدر المصون»، ومن غريبها أنه قرىء { يثنون } بالضم.

# واستشكل ذلك ابن جني بأنه لا يقال: أثنيته بمعنى ثنيته ولم يسمع في غير
~~هذه القراءة، وقال أبو البقاء: لا يعرف ذلك في اللغة إلا أن يقال: معناه
~~عرضوها للانثناء كما تقول: أبعت الفرس إذا عرضته للبيع.

# { ألا حين يستغشون ثيابهم } أي يجعلونها أغشية، ومنه قول
~~الخنساء:

# أرعى النجوم وما كلفت رعيتها

# وتارة أتغشى فضل اطماري

# وحاصله حين يأوون إلى فراشهم ويلتحفون بما يلتحف به النائم، وهو وقت
~~كثيرا ما يقع فيه حديث النفس عادة، وعن ابن شداد حين يتغطون بثيابهم
~~للاستخفاء، وأيا ما ms04237 كان فالمراد من الثياب معناه الحقيقي وقيل: المراد
~~به الليل وهو يستر كما تستر الثياب، ومن ذلك قولهم: الليل أخفى للويل،
~~والظرف متعلق بقوله سبحانه: { يعلم } أي ألا يعلم { ما يسرون
~~وما يعلنون } حين يستغشون ثيابهم؛ ولا يلزم منه تقييد علم الله
~~تعالى بذلك الوقت لأن من يعلم فيه يعلم في غيره بالطريق الأولى، وجوز
~~تعلقه بمحذوف وقدره السمين وأبو البقاء يستخفون وبعضهم يريدون، و { ما }
~~في الموضعين إما مصدرية أو موصولة عائدها محذوف أي الذي يسرونه في قلوبهم
~~والذي يعلنونه أي شيء كان ويدخل ما يقتضيه السياق دخولا أوليا، وخصه
~~بعضهم به، وقدم هنا السر على العلن نعيا عليهم من أول الأمر ما صنعوا
~~وإيذانا بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه وتحقيقا للمساواة بين العلمين على
~~أبلغ وجه فكأن علمه سبحانه بما يسرونه أقدم منه بما يعلنونه، وحاصل
~~المعنى يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سرهم وعلنهم فكيف يخفى عليه سبحانه
~~ما عسى أن يظهروه؟.

# وقرأ ابن عباس { على حين يستغشون } قال ابن عطية: ومن هذا
~~الاستعمال قول النابغة:

# على حين عاتبت المشيب على الصبا

# { إنه عليم بذات الصدور } تعليل لما سبق وتقرير له،
~~والمراد  بذات الصدور  الأسرار المستكنة فيها أو القلوب التي في
~~الصدور، وأيا ما كان فليست الذات مقحمة كما في ذات غدوة ولا من إضافة
~~المسمى إلى اسمه كما توهم، أي أنه تعالى مبالغ في الإحاطة بمضمرات جميع
~~الناس وأسرارهم أو بالقلوب وأحوالها فلا يخفى عليه سر من أسرارها فكيف
~~يخفى عليه ما يسرون وما يعلنون، وكان التعبير بالجملة الاسمية للإشارة
~~إلى أنه سبحانه لم يزل عالما بذلك.

# وفيه دليل على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل وجودها الخارجي، وهذا مما لا
~~ينكره أحد سوى شرذمة من المعتزلة قالوا: إنه تعالى إنما يعلم الأشياء بعد
~~حدوثها تعالى عن ذلك علوا كبيرا، ولا يلزم هذا بعض المتكلمين المنكرين
~~للوجود الذهني / لأنهم إذا لم يقولوا به مع إنكار الوجود الذهني يلزمهم
~~القول بتعلق العلم بالمعدوم الصرف، وامتناعه من أجل البديهيات، والإنكار
~~مكابرة ms04238 أو جهل بمعنى التعلق بالمعدوم الصرف، وقد أورد ذلك عليهم المحقق
~~الدواني، وهو ناشىء على ما قيل عن الذهول عن معنى إنكار الوجود الذهني
~~وبعد تحقيق المراد منه يندفع ذلك.

# وبيانه أنه ليس معنى إنكارهم ذلك أنه لا يحصل صورة عند العقل إذا تصورنا
~~شيئا أو صدقنا به لأن حصولها عنده في الواقع بديهي لا ينكره إلا مكابر،
~~وكيف ينكره الجمهور والعلم الحادث مخلوق عندهم والخلق إنما يتعلق بأعيان
~~الموجودات بل هو بمعنى أن ذلك الحصول ليس نحوا آخر من وجود الماهية
~~المعلومة بأن يكون لماهية واحدة كالشمس مثلا وجودان، أحدهما خارجي
~~والآخر ذهني كما يقول به مثبتوه، فهم لا ينكرون الوجود عن صور الأشياء
~~وأشباحها وهي موجودات خارجية وكيفيات نفسانية وهي المخلوقة عندهم، وإنما
~~ينكرون الوجود الذهني عن أنفس تلك الأشياء وذلك بشهادة أدلتهم حيث قالوا:
~~لو حصلت النار في الأذهان لاحترقت الأذهان بتصورها واللازم باطل فإنه كما
~~ترى إنما ينفي الوجود عن نفس النار لا عن شبحها ومثالها، فالحق أن
~~الجمهور إنما أنكروا ما ذهب إليه محققو الحكماء من أن الحاصل في الأذهان
~~أنفس ماهيات الأشياء ولم ينكروا ما ذهب إليه أهل الأشباح، وحينئذ يقال:
~~علم الواجب عندهم إما تعلقه بأشباح الأشياء أو صفة ذات ذلك التعلق فلا
~~يلزمهم القول بما قاله الشرذمة، ولا يتجه عليهم أن التعلق بتلك الأشباح
~~الموجودة في الأزل لكونه نسبة بينها وبينه تعالى متأخر عنها فيلزم إيجاد
~~تلك الأشباح بلا علم وهو محال، لأنا نقول لما كان الواجب تعالى موجبا في
~~علمه وسائر صفاته الذاتية كان وجود تلك الصور الإدراكية التي هي تلك
~~الأشباح مقتضى ذاته تعالى فلا بأس في كونها سابقة على العلم بالذات وإنما
~~المسبوق بالعلم هو أفعاله الاختيارية، ثم ينبغي أن يعلم أنه ليس معنى
~~قولهم: إن علم الواجب تبارك وتعالى بالأشياء أزلي وتعلقه بها حادث أنه
~~ليس هناك إلا تعلق حادث لأنه يلزم حدوث نفس العلم فيعود ما ارتكبه
~~الشرذمة للقطع بأنه لا يصير المعلوم معلوما قبل تعلق العلم ms04239 به وهو من
~~الفساد بمكان، بل معناه أن التعلق الذي لا تقتضيه حقيقة العلم حادث وهناك
~~تعلق تقتضيه تلك الحقيقة وهو قديم، وذلك لأن الأشباح والأمثال معلومة
~~بالذات وبواسطتها تعلم الأشياء، فتعلق العلم عندهم أعم من تعلقه بذات
~~الشيء المعلوم أو بمثاله وشبحه، ولما لم يمكن وجود الحوادث في الأزل كان
~~العلم الممكن بالنسبة إليها بالتعلق بأمثالها وأشباحها وبعد حدوثها يتجدد
~~التعلق بأن يكون بذات تلك الحوادث. وبالجملة تعلق العلم بأمثال الحوادث
~~وأشباحها أزلي وبأنفسها وذواتها حادث ولا إشكال فيه أصلا، وبهذا التحقيق
~~يندفع شبهات كثيرة كما قيل، لكن أورد عليه أن برهان التطبيق جار في هاتيك
~~الأشباح لما أنها متميزة الآحاد في نفس الأمر فيلزم أحد المحذورين. وفي
~~المقام أبحاث طويلة الذيل وقد بسط الكلام في ذلك مولانا إسماعيل أفندي
~~الكلنبوي في «حواشيه على شرح العضدية»، وللمولى الشيخ إبراهيم الكوراني
~~تحقيق على طرز آخر ذكره في كتابه «مطلع الجود» فارجع إليه. وبالجملة لا
~~تخفى صعوبة هذه المسألة وهي مما زلت فيها أقدام أقوام، ولعل الله سبحانه
~~يرزقك تحقيقها بمنه سبحانه، وقد قال به أفضل المتأخرين مولانا إسماعيل
~~أفندي الكلنبوي.

### || [11.6]

# { من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها } الدابة
~~اسم لكل حيوان ذي روح ذكرا كان أو أنثى عاقلا أو غيره، مأخوذ من الدبيب
~~وهو في الأصل المشي الخفيف ومنه قوله:

# زعمتني شيخا ولست بشيخ

# إنما الشيخ من يدب دبيبا

# واختصت في العرف بذوات القوائم الأربع وقد تخص بالفرس، والمراد بها هنا
~~المعنى اللغوي باتفاق المفسرين أي وما من حيوان يدب على الأرض إلا على
~~الله تعالى غذاؤه ومعاشه، والمراد أن ذلك كالواجب عليه تعالى إذ لا وجوب
~~عليه سبحانه عند أهل الحق كما بين في الكلام، فكلمة { على } المستعملة
~~للوجوب مستعارة استعارة تبعية لما يشبهه ويكون من المجاز بمرتبتين، وذكر
~~الإمام ((أن الرزق واجب بحسب الوعد والفضل والإحسان)) على معنى أنه باق
~~على تفضله لكن لما وعده سبحانه وهو جل شأنه لا يخل بما وعد صوره بصورة
~~الوجوب ms04240 لفائدتين: التحقيق لوصوله وحمل العباد على التوكل فيه، ولا يمنع
~~من التوكل مباشرة الأسباب مع العلم بأنه سبحانه المسبب لها ففي الخبر
~~«اعقل وتوكل» وجاء «لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله
~~تعالى وأجملوا في الطلب» ولا ينبغي أن يعتقد أنه لا يحصل الرزق بدون
~~مباشرة سبب فإنه سبحانه يرزق الكثير من دون مباشرة سبب أصلا، وفي بعض
~~الآثار «إن موسى عليه السلام عند نزول الوحي تعلق قلبه بأحوال أهله فأمره
~~الله تعالى بأن يضرب بعصاه صخرة فضرب فانشقت الصخرة وخرجت صخرة ثانية
~~فضربها فخرجت ثالثة فضربها فانشقت عن دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى
~~الغذاء لها وسمعها تقول: سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني
~~ولا ينساني» وما أحسن قول ابن أذينة:

# لقد علمت وما الإشراف من خلقي

# إن الذي هو رزقي سوف يأتيني

# أسعى إليه فيعييني تطلبه

# ولو أقمت أتاني لا يعنيني

# وقد صدقه الله تعالى في ذلك يوم وفد على هشام فقرعه بقوله هذا فرجع إلى
~~المدينة فندم هشام على ذلك وأرسل بجائزته إليه، ويقرب من قصته قصة الثقفي
~~مع عبيد الله بن عامر خال عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وهي مشهورة
~~حكاها ابن أبي الدنيا ونقلها غير واحد، وقد ألغى أمر الأسباب جدا من
~~قال:

# مثل الرزق الذي تطلبه

# مثل الظل الذي يمشي معك

# أنت لا تدركه متبعا

# وإذا وليت عنه تبعك

# / وبالجملة ينبغي الوثوق بالله تعالى وربط القلب به سبحانه فما شاء كان
~~وما لم يشأ لم يكن.

# واحتج أهل السنة بالآية على أن الحرام رزق وإلا فمن لم يأكل طول عمره
~~إلا من الحرام يلزم أن لا يكون مرزوقا، وأجيب بأن هذا مجرد فرض إذ لا
~~أقل من التغذي بلبن الأم مثلا وهو حلال على أن المراد أن كل حيوان يحتاج
~~إلى الرزق إذا رزق فإنما رزقه من الله تعالى وهو لا ينافي أن يكون هناك
~~من لا رزق له كالمتغذي بالحرام، وكذا من لم يرزق أصلا حتى ms04241 مات جوعا،
~~وروي هذا عن مجاهد وقد تقدم الكلام في ذلك.

# { ويعلم مستقرها } موضع قرارها في الأصلاب {
~~ومستودعها } موضعها في الأرحام وما يجري مجراها من البيض ونحوه،
~~فالمستقر والمستودع اسما مكان، وجوز فيهما أن يكونا مصدرين وأن يكون
~~المستودع اسم مفعول لتعدي فعله، ولا يجوز في المستقر ذلك لأن فعله لازم،
~~والأول هو الظاهر، وإنما خص كل من الاسمين بما خص به من المحلين  كما
~~قال بعض الفضلاء  لأن النطفة مثلا بالنسبة إلى الأصلاب في حيزها
~~الطبيعي ومنشئها الخلقي، وأما بالنسبة إلى الأرحام مثلا فهي مودعة فيها
~~إلى وقت معين، وعن عطاء تفسير المستقر بالأرحام والمستودع بالأصلاب وكأنه
~~أخذ تفسير الأول بذلك من قوله سبحانه:

# ونقر في الأرحام ما نشآء

# [الحج: 5]، وجوز أن يكون المراد بالمستقر مساكنها من الأرض حيث وجدت
~~بالفعل، وبالمستودع محلها من المواد والمقار حين كانت بعد بالقوة، وهذا
~~عام لجميع الحيوانات بخلاف الأول إذ من الحيوانات ما لم يستقر في صلب
~~كالمتكون من عفونة الأرض مثلا، ولعل تقديم محلها باعتبار حالتها الأخيرة
~~لرعاية المناسبة بينها وبين عنوان كونها دابة في الأرض، والمعنى على ما
~~قيل: ما من دابة في الأرض إلا يرزقها الله تعالى حيث كانت من أماكنها
~~يسوقه إليها ويعلم موادها المتخالفة المندرجة في مراتب الاستعدادات
~~المتفاوتة المتطورة في الأطوار المتباينة ومقارها المتنوعة ويفيض عليها
~~في كل مرتبة ما يليق بها من مبادىء وجودها وكمالاتها المتفرعة عليها، ولا
~~يخلو عن حسن إلا أن فيه بعدا، وأخرج عبد الرزاق وجماعة عن ابن عباس رضي
~~الله عنهما أن مستقرها حيث تأوي ومستودعها حيث تموت، وتعقب بأن تفسير
~~المستودع بذلك لا يلائم مقام التكفل بأرزاقها، وقد يقال: لعل ذلك إشارة
~~إلى نهاية أمد ذلك التكفل، وفي خبر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه إشارة
~~إلى ما هو كالمبدأ له أيضا، فقد أخرج عنه ابن جرير والحاكم وصححه أنه
~~قال: مستقرها الأرحام ومستودعها حيث تموت، فكأنه قيل: إنه سبحانه متكفل
~~برزق كل دابة ويعلم مكانها أول ما تحتاج إلى ms04242 الرزق ومكانها آخر ما تحتاج
~~إليه فهو سبحانه يسوقه إليها ولا بد إلى أن ينتهي أمد احتياجها، وجوز في
~~هذه الجملة أن تكون استئنافا بيانيا وأن تكون معطوفة على جملة { على
~~الله رزقها } داخلة في حيز { إلا } وعليه اقتصر الأجهوري.

# { كل في كتب مبين } أي كل واحد من الدواب ورزقها ومستقرها
~~ومستودعها، أو كل ما ذكر وغيره مثبت في اللوح المحفوظ البين لمن ينظر فيه
~~من الملائكة عليهم السلام، أو المظهر لما أثبت فيه للناظرين، والجملة 
~~على ما قال الطيبي  كالتتميم لمعنى وجوب تكفل الرزق كمن أقر بشيء في
~~ذمته ثم كتب عليه صكا، وفي «الكشف» أن الأظهر أنها تحقيق للعلم وكأنه
~~تعالى لما ذكر أنه يعلم ما يسرون وما يعلنون أردفه بما يدل على عموم
~~علمه، ثم أتى سبحانه بما يدل على عظيم قدرته جل شأنه من قوله تبارك
~~وتعالى: { وهو الذى خلق السموت... }.

### || [11.7]

# { وهو الذى خلق السموت والأرض في ستة أيام
~~} تقريرا للتوحيد لأن من شمل علمه وقدرته هو الذي / يكون إلها لا غيره
~~مما لا يعلم ولا يقدر على ضر ونفع وتأكيدا لما سبق من الوعد والوعيد لأن
~~العالم القادر يرجى ويخشى، وجوز أن تكون الآية تقريرا لقوله سبحانه:

# يعلم ما يسرون وما يعلنون

# [هود: 5] وما بعدها تقريرا لقوله سبحانه:

# وهو على كل شيء قدير

# [هود: 4] وفيه بعد، وكأن المراد بخلق السماوات والأرض الخ خلقهما وما
~~فيهما، أو تجعل السماوات مجازا عن العلويات فتشملها وما فيها، وتجعل
~~الأرض مجازا بمعنى السفليات فتشملها وما فيها من غير تقدير، واحتيج لذلك
~~لاقتضاء المقام إياه وإلا فخلقهما في تلك المدة لا ينافي خلق غيرهما
~~فيها، والمراد باليوم الوقت مطلقا لا المتعارف إذ لا يتصور ذلك حين لا
~~شمس ولا أرض، وقيل: أريد به مدة زمان دور المحدد المسمى بالعرش دورة
~~تامة، وإليه ذهب الشيخ الأكبر قدس سره، وقد علمت حاله فيما تقدم، وقيل:
~~غير ذلك.

# وفي عدم خلقهما دفعة كما علمت دليل  كما قال غير واحد  على كونه
~~سبحانه ms04243 قادرا مختارا مع ما فيه من الاعتبار للنظار والحث على التأني في
~~الأمور، وقد تقدم ما قيل في وجه تخصيص هذا العدد دون الزائد عليه كالسبعة
~~أو الناقص عنه كالخمسة للخلق، ولعلنا نحقق ذلك في موضع آخر، وإيثار صيغة
~~الجمع في السماوات لاختلافها بالأصل والذات دون الأرض، وإن قيل: إنها مثل
~~السماء في كونها سبعا طباقا بين كل أرض وأرض مسافة وفيها مخلوقات،
~~وبذلك فسر قوله سبحانه:

# ومن الأرض مثلهن

# [الطلاق: 12] والكثير على أن الأرض كرة واحدة منقسمة إلى سبعة أقاليم
~~وحملوا الآية على ذلك.

# { وكان عرشه على المآء } عطف على جملة { خلق } مع ضميره
~~المستتر أو حال من الضمير بتقدير قد على ما هو المشهور في الجملة الحالية
~~الماضوية من اشتراط قد ظاهرة أو مقدرة؛ والمضي المستفاد  من { كان }
~~بالنسبة للحكم لا للتكلم أي كان عرشه على الماء قبل خلقهما وهو الذي
~~يقتضيه كلام مجاهد، وبه صرح القاضي البيضاوي، ثم قال: لم يكن حائل بينهما
~~أي العرش والماء لا أنه كان موضوعا على متن الماء، واستدل به على إمكان
~~الخلاء وأن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم انتهى، وكذا
~~صرح به العلامة أبو السعود مفتي الديار الرومية لكنه قال: ليس تحته 
~~يعني العرش  شيء غيره أي الماء سواء كان بينهما فرجة، أو موضوعا على
~~متنه كما ورد في الأثر فلا دلالة فيه على إمكان الخلاء كيف لا ولو دل لدل
~~على وجوده لا على إمكانه فقط ولا على كون الماء أول ما حدث في العالم بعد
~~العرش وإنما يدل على أن خلقهما أقدم من خلق السماوات والأرض من غير تعرض
~~للنسبة بينهما انتهى، ولا يخفى ما بين القاضي والمفتي من المخالفة،
~~والأكثرون على أن الحق مع المفتي كما ستعلمه إن شاء الله تعالى.

# وانتصر بعضهم للقاضي بأنه لو كان موضوعا على متن الماء للزم قبل خلق
~~تمام العالم أحد الأمور الستة: إما خروج الماء عن حيزه الطبيعي، أو خروج
~~العرش عن حيزه الطبيعي، أو تخلخل الماء ms04244 أو نموه أو تخلخل العرش، أو نموه،
~~وحين خلق العالم أحد الأمور الخمسة: إما حركة العرش بالاستقامة إلى حيزه
~~الطبيعي، أو تكاثف الماء، أو ذبوله، أو تكاثف العرش، أو ذبوله، وهذه
~~الأمور باطلة كما لا يخفى على من تدرب في الحكمة، ويحمل الإمكان في كلامه
~~على الإمكان الوقوعي، أو يراد به الإمكان الذاتي وبالخلاء الخلاء في
~~عالمنا هذا فإنه المتنازع فيه فكأنه قيل واستدل به على أن الخلاء في
~~عالمنا ممكن بالإمكان الذاتي وتوجيه الاستدلال به حينئذ على ذلك هو أن
~~الخلاء قبل عالمنا هذا كان واقعا ووقوع شيء في وقت من الأوقات دليل على
~~إمكانه الذاتي في جميع الأوقات فإن ثبوت الإمكان للممكن واجب فالممكن في
~~وقت ممكن في وقت آخر كما حققه «شارح حكمة العين»، ووجه الدلالة على أن
~~الماء أول / حادث بعد العرش أن كل جسم بسيط فله مكان طبيعي وأن المكان من
~~لوازم وجود الجسم فإن الفاعل إذا أوجد الجسم أوجده لا محالة في مكان كما
~~صرحوا به، والمكان للخفيف من الأجسام هو الفوق، وللثقيل التحت على حسب
~~الثقل والخفة وتحددهما إنما هو بالفلك الأعظم فوجود الماء في جوف العرش
~~يتوقف على وجود مكانه المتوقف على وجود العرش فيتأخر عنه حدوثا ولا يخفى
~~ما في هذا الوجه من النظر، ولا أقل من أن يقال لم لا يجوز أن يخلق الله
~~تعالى العرش والماء معا؟ على أنه قد جاء في بعض الآثار ما هو ظاهر في أن
~~الماء كان مخلوقا قبل العرش فقد أخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وحسنه
~~وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في «الأسماء والصفات» وغيرهم

# " عن أبي رزين العقيلي قال: «قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن
~~يخلق السماوات والأرض؟ قال: كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء وخلق
~~عرشه على الماء "

# وقال بعض في بيان وجه ذلك: إنه لما كان معنى كون العرش على الماء أنه
~~موضوع فوقه لا مماسه وأن خلق السماوات والأرض إنما كان بعدهما اقتضى ms04245 ذلك
~~أن العرش مخلوق قبل وأن الماء أول حادث بعده وهو من فحوى الخطاب، وقوله:
~~لا أنه كان موضوعا الخ لأن سياقه لبيان قدرته تعالى يقتضيه وفيه ما فيه
~~كما لا يخفى، وتعقب بعض فضلاء الروم ما ذكر أولا بأن حاصله أن الشق
~~الثاني من الشقين المذكورين في كلام العلامة الثاني مستلزم لأحد أمور
~~تقرر في علم الحكمة بطلانها فيتعين الأول منهما، وهو الذي ذهب إليه
~~العلامة الأول، وهو إنما يتم أن لو كانت المقدمات المذكورة في إبطال تلك
~~الأمور يقينية وهو ممنوع فإن أكثرها مبني على أصول الفلاسفة، وقد بين
~~القاضي نفسه بطلان أكثرها في «الطوالع» وهو إنما يراعي القواعد الحكمية
~~إذا لم تكن مخالفة للقواعد الإسلامية على أن في كلام ذلك المنتصر خللا
~~من وجوه: الأول: أن قوله: يلزم إما خروج الماء عن حيزه الطبيعي الخ يقال
~~في جوابه: أنه يجوز أن يخرج الماء عن حيزه الطبيعي وذلك غير محال وإن كان
~~خروجه بنفسه بطريق السيلان عن حيزه الطبيعي محالا، ويشهد لذلك أنهم
~~ذكروا أن الماء لثقله الإضافي يقتضي أن يكون فوق الأرض والأرض لثقلها
~~الحقيقي تقتضي أن تكون مغمورة بأسرها فيه بحيث يمكن أن يفرض في جوفها
~~نقطة تكون الخطوط الخارجة منها إلى سطح الماء متساوية من جميع الجهات مع
~~أن الأمر اليوم ليس كذلك لانكشاف ربع شمالي من الأرض، وانحسار الماء عنه
~~إما بسبب قرب الشمس في الجنوب إلى الأرض عند كونها في الحضيض بقدر ثخن
~~المتمم المحوى كما قيل أو لأمر آخر يعلمه الله تعالى، الثاني: أن ما ذكره
~~من استحالة تخلخل الماء ممنوع عندهم أيضا، وما يقال: إن القول بالتخلخل
~~لا يتصور في البسائط الحقيقية للزوم تركيب ما فيه مدفوع.

# فقد صرح في «حكمة العين» و«شرحها» بأن التخلخل الحقيقي  وهو أن يزداد
~~مقدار الجسم من غير أن يزاد عليه شيء من خارج  ممكن، وحققه سيد المحققين
~~في حواشيه بأن الجسم سواء كان مركبا من الهيولى والصورة أو لم يكن يمكن
~~التخلخل والتكاثف فيه لأن ms04246 مقدار الجسم زائد عليه والجسم من حيث هو لا
~~مقدار له في ذاته فنسبته إلى جميع المقادير على السواء فأمكن أن يتصف
~~بأكبر مما هو متصف به أو أصغر، وأيضا الجسم متصل واحد والمقدار زائد
~~عليه والجسم البسيط جزؤه يساوي كله فإذا اتصف الكل بمقدار خاص فجزؤه إذا
~~انفرد وجب أن يكون قابلا للاتصاف بذلك المقدار والكل بالعكس ضرورة تساوي
~~المتماثلات في الأحكام، وحينئذ يتحقق إمكان ذلك، والثالث: أن التوجيه
~~بحمل الإمكان على الإمكان الذاتي الخ منظور فيه إذ لا يلزم من وقوع شيء
~~في وقت من الأوقات إلا إمكان وجوده في ذلك الوقت وإن كان ذلك الإمكان
~~مستمرا واجبا في جميع الأوقات، فقوله: إن ثبوت الإمكان للممكن واجب،
~~فالممكن في وقت ممكن في كل وقت / إن أراد به أن إمكانه أمر ثابت له في كل
~~وقت على أن قوله في كل وقت ظرف للإمكان فهو مسلم لكن اللازم منه أن يكون
~~ذلك الشيء متصفا بالإمكان إمكانا مستمرا دائما غير مسبوق بعدم
~~الاتصاف ولا سابق عليه ولا يلزم منه أن يكون وجوده في كل وقت ممكنا
~~لجواز أن يكون وجود الشيء في الجملة ممكنا إمكانا مستمرا ولا يكون
~~وجوده في كل وقت ممكنا بل ممتنع؛ ولا يلزم من هذا أن يكون الشيء من قبيل
~~الممتنعات دون الممكنات فإن إمكان الشيء ليس معناه جواز اتصافه بجميع
~~أنحاء الوجود بل معناه جواز اتصافه بوجود ما في الجملة فيكفي في إمكان
~~الشيء جواز اتصافه بالوجود الواقع في وقت، والممتنع هو الذي لا يقبل
~~الوجود بوجه من الوجوه، وإن أراد أنه ممكن الوجود في كل وقت على أن يكون
~~في كل وقت ظرفا للوجود فهو ممنوع ولا يتفرع على كون ثبوت الإمكان للممكن
~~واجبا، فإنه قد حقق المحقق الدواني في بعض تصانيفه أن إمكان الممكن وإن
~~كان مستمرا في جميع الأزمنة لا يستلزم إمكان وجود ذلك الممكن في تلك
~~الأزمنة، وعلى هذا اعتمد المتكلمون في الجواب عن استدلال الفلاسفة على
~~قدم العالم بأنه ممكن ms04247 الوجود في الأزل وإلا لزم الانقلاب وهو محال
~~بالضرورة، وقدرة الباري تعالى أزلية بالاتفاق فلو كان العالم حادثا لزم
~~ترك الجود وهو إفاضة الوجود وما يتبعه من الكمالات على الممكنات مدة غير
~~متناهية وهو محال على الجواد الحق الكريم وحاصل الجواب: أن قولكم العالم
~~ممكن الوجود في الأزل إن أردتم به أنه يمكن له الوجود الأزلي على أن يكون
~~في الأزل متعلقا بالوجود فهو ممنوع لجواز أن يكون وجوده في الأزل
~~ممتنعا، وإن أردتم به أن إمكان وجوده في الجملة مستمر في الأزل على أن
~~يكون الظرف متعلقا بالإمكان فمسلم، ولا يلزم أن يكون وجود العالم في
~~الأزل ممكنا لجواز أن يكون وجوده في الأزل مستحيلا مع أنه في الأزل
~~متصف بإمكان وجوده فيما لا يزال، وهذا ما يقال إن أزلية الإمكان لا
~~تستلزم إمكان الأزلية، وما قيل في إثبات الاستلزام إن إمكانه إذا كان
~~مستمرا في الأزل لم يكن هو في ذاته مانعا من قبول الوجود في شيء من
~~أجزاء الأزل فيكون عدم منعه منه أمرا مستمرا في جميع تلك الأجزاء، فإذا
~~نظر إلى ذاته من حيث هو لم يمنع من اتصافه بالوجود في شيء منها بل جاز
~~اتصافه به في كل منها بدلا فقط بل معا أيضا، وجواز اتصافه في كل منها
~~هو إمكان اتصافه بالوجود المستمر في جميع أجزاء الأزل بالنظر إلى ذاته
~~فأزلية الإمكان مستلزمة لإمكان الأزلية صحيح إلى قوله: لم يمنع من اتصافه
~~بالوجود في شيء منها فإنه إن أراد أن ذاته لا تمنع في شيء من أجزاء الأزل
~~من الاتصاف بالوجود في الجملة بأن يكون قوله في شيء منها متعلقا بعدم
~~المنع فيكون معناه أنه لا يمنع في شيء من أجزاء الأزل من الوجود بعده فهو
~~بعينه أزلية الإمكان ولا يلزم منه عدم منعه من الوجود الأزلي الذي هو
~~إمكان الأزلية، وإن أراد به أن ذاته لا تمنع من الوجود في شيء من أجزاء
~~الأزل بأن يكون الجار متعلقا بالوجود فهو بعينه إمكان الأزلية، ms04248 والنزاع
~~إنما وقع فيه فهو مصادرة على المطلوب، وليت شعري كيف صدر هذا الكلام من
~~قائله مع أن من الموجودات ما هو إني الوجود كبعض الحروف ومع التصريح بأن
~~ماهية الزمان تقتضي لذاتها عدم اجتماع أجزائها وتقدم بعضها على بعض إذ
~~يلزم منه إمكان وجود كل من تلك الأجزاء في الأزل نظرا إلى ذاته، وتمام
~~الكلام في ذلك يطلب من «شرح المواقف» و«حواشيه».

# وأورد على كون المراد بالخلاء الخلاء في عالمنا لأنه المتنازع فيه أنه
~~صرح غير واحد بأن المتنازع فيه إنما هو الخلاء داخل العالم وحقيقته أن
~~يكون الجسمان بحيث لا يتماسان وليس بينهما ما يماسهما بناءا على كونه
~~متقدرا / قطعا، وأما الخلاء خارج العالم فمتفق عليه إذ لا تقدر هناك
~~بحسب نفس الأمر، فالنزاع إنما هو في التسمية بالبعد، فالفلاسفة يقولون
~~حقه أن لا يسمى بعدا ولا خلاءا، والمتكلمون يسمونه بعدا موهوما ولا
~~شك أن عالم كون العرش على الماء من داخل العالم فالخلاء فيه داخل في
~~المتنازع فيه، وقد نص عليه أيضا بعض المتأخرين.

# ومن الناس من اعترض على قوله: إنه لو كان موضوعا على متن الماء للزم
~~الخ بأن الأمور التي يلزم أحدها ذلك التقدير  وهي فاسدة  أكثر مما ذكر
~~وسود وجه القرطاس ببيان ذلك وهو مما لا يحتاج إليه بل ولا يعول عليه،
~~وزعم البعض أن ما راعاه القاضي في هذا الفصل ليس شيء منه مخالفا للقواعد
~~الإسلامية، ووسوست له نفسه أن خروج الماء عن حيزه مما لا يجوز لأن الله
~~سبحانه إن كان موجبا بالذات فلا يتصور الإخراج منه سبحانه لأن نسبته
~~إليه على السوية بحسب الأوقات فلا يمكن كونه قاصرا في بعض دون بعض، وإن
~~كان مختارا يقال: إن ذلك الخروج ممتنع في نفسه وهو سبحانه لا يفعل
~~الممتنع ولا تتعلق قدرته به، وكذا يقال في التخلخل والتكاثف، ويجوز أن
~~يكون بالطبع وإلا لكانا دائمين لأن مقتضى الذات لا يتخلف عنه، وممن ذهب
~~إلى امتناعهما الأصفهاني في «شرح حكمة المطالع» ثم تكلم منتصرا ms04249 لنفسه
~~وللقاضي بما لا يسمن ولا يغني.

# وقال ابن صدر الدين بعد نقل كلام العلامتين: قد تقرر في علم الأبعاد
~~والأجرام أن ليس لمجموع كرات العناصر بالنسبة إلى الفلك الأعظم الذي هو
~~المراد بالعرش قدر محسوس فلا يتصور كونه موضوعا على متن كرة الماء فإن
~~ذلك إنما يكون إذا كان عظم كرة الماء بحيث يملأ جوف العرش مماسا محد به
~~مقعره وإلا لم يكن موضوعا على متنه الذي هو عبارة عن السطح المحدب بل
~~إما أن لا يتماسا أصلا أو يتماسا بنقطة على ما يشهد به التخيل الصحيح،
~~وكيف يتصور كونه مالئا له وهو الآن لم يمتلىء إلا بالسماوات والأرض
~~والكرسي والعناصر بجملتها، وليس لك أن تقول: لعل الماء في ابتداء الخلقة
~~قد كان على هذا المقدار الصغير الذي الآن عليه فتخلخل إلى حيث ملأ جوفه
~~لامتناع الخلاء، فلما خلق سائر الأجرام العلوية والسفلية عاد بطبعه إلى
~~ما تراه لأنا نقول: التخلخل عبارة عن ازدياد مقدار الجسم من غير أن ينضم
~~إليه شيء فيستدعي حركة أينية وهي تستدعي وجود فضاء خال عن الشاغل وهو
~~المراد بالخلاء، وكذا ليس لك أن تقول: فليكن في ابتداء الخلقة عظيم
~~المقدار بحيث يملأ جوف العرش وتكاثف بعد خلق سائر الأجرام إلى هذا
~~المقدار الصغير لأنا نقول أيضا: التكاثف الذي هو عبارة عن انتقاص مقدار
~~الجسم من غير أن ينقص منه شيء سببه على ما تقرر عندهم أمران: أحدهما:
~~التخلخل السابق العارض له بما يوجبه فإذا زال ذلك العارض عاد بطبعه إلى
~~مقداره الأول كما في المد والجزر، وفي الصورة المذكورة لا يتصور هذا لأن
~~المفروض أنه خلق ابتداءا عظيم المقدار بحيث يملأ جوف العرش فكيف يتصور
~~أن يتخلخل بعارض حتى يعود عند زواله إلى مقداره الطبيعي الصغير وهو ظاهر؛
~~وثانيهما: الانجماد باستيلاء البرودة الشديدة، وهذا أيضا لا يتصور ههنا
~~أما أولا فلأن الماء المنعقد جمدا وإن كان أصغر مقدارا منه غير منعقد
~~لكنه لا إلى مرتبة لا يكون له قدر محسوس بالنسبة إلى مقداره ms04250 الأول بل
~~يقرب منه في الحس كما يشاهد في المياه المنعقدة ولا قدر لكرة الماء
~~الموجود الآن بالنسبة إلى المالىء جوف العرش وهذا مثل أن ينعقد البحر
~~فيصير كالعدسة ولا يلتزمه عاقل. وأما ثانيا فلأن كرة الماء على ما يشاهد
~~غير متجمدة بل باقية على طبعها من الذوبان، فإن قلت: بقي على تقدير كون
~~الماء في ابتداء الخلقة عظيم المقدار مالئا لجوف العرش احتمال آخر وهو
~~أن يفرز بعض أجزاء هذه الكرة العظيمة ويجعل مادة لسائر الأجرام السماوية
~~والأرضية كما في سورة انقلاب بعض العناصر إلى بعض. / ويؤيده ما ورد في
~~الأثر من أن العرش كان قبل خلق السماوات والأرض على الماء، ثم إنه تعالى
~~أحدث في الماء اضطرابا فأزبد فارتفع منه دخان وبقي الزبد على وجه الماء
~~فخلق فيه اليبوسة فصار أرضا، وخلق من الدخان السماوات، وإلى ذلك يشير
~~قوله سبحانه:

# ثم استوى إلى السمآء وهي دخان

# [فصلت: 11] قلنا: إن هذا الاحتمال غير واقع أما على تقدير تركب الجسم من
~~الهيولى والصورة على ما ذهب إليه المشاؤون من الفلاسفة فلأن هيولى
~~العناصر وإن كانت واحدة بالشخص قابلة لأن يتوارد عليها صور العناصر
~~بواسطة استعدادات متعاقبة تعرض إلا أن هيولى كل فلك مخالفة لهيولى فلك
~~آخر لا تقبل إلا الصورة التي حصلت فيها، وأما على تقدير تركبه من الجواهر
~~الفردة على ما هو مذهب أهل الحق فلأنها متخالفة الحقائق عند محققي
~~المتأخرين على ما صرحوا به، فما يتركب منه الماء لا يجوز أن يتركب منه
~~سائر الأجسام، وأما ما ورد في الأثر وأشارت إليه الآية من جعل الدخان
~~المرتفع من الماء مادة للسماوات فمصروف عن ظاهره إذ الدخان أجزاء نارية
~~خالطتها أجزاء صغار أرضية تلطفت بالحرارة ولا تمايز بينهما في الحس لغاية
~~الصغر، فقبل خلق السماوات والأرض بما فيهما لم تكن نار وأرض، فمن أين
~~يتولد الدخان؟ وكذا إن أريد بالدخان البخار لأنه أجزاء هوائية مازجتها
~~أجزاء صغار مائية تلطفت بالحرارة بحيث لا تمايز بينهما في الحس أيضا
~~فحيث لا ms04251 هواء لا بخار، ولهذا قال القاضي في تفسير

# وهي دخان

# [فصلت: 11]: أمر ظلماني، ولعله أراد به مادتها أو الأجزاء المتصغرة التي
~~ركبت منها، ومن هنا ظهر أن ما في الأثر لا يؤيد كون العرش موضوعا على
~~متن الماء ملتصقا به بل يؤيد أن لا يكون بينهما حائل إذ ارتفاع الدخان
~~والبخار يستدعي وجود فضاء تتحرك فيه تلك الأجزاء، وفي صورة الالتصاق لا
~~يمكن ذلك كما لا يخفى على من له تخيل سليم.

# ويعلم مما ذكر أنه يجب تفسير الآية بما فسرها به القاضي ولا مجال للقول
~~بالوضع على المتن فيتم الاستدلال، وأما قول أبي السعود: إنه لو دل الخ
~~ففيه أن الوقوع أدل دليل على إمكان الشيء، ومثل هذا الاستدلال شائع ذائع
~~في كلامهم، وأما أن المراد بالإمكان الإمكان الوقوعي فكلا إذ النزاع في
~~الإمكان لا الوقوع، وما ينقل عن الأصمعي من أن هذا كقولهم السماء على
~~الأرض مع أن أحدهما ليس ملتصقا بالآخر، وحينئذ يكون معنى قول القاضي:
~~لم يكن حائل بينهما أنه لم يكن حائل محسوس بينهما وكان حائل غير محسوس
~~وهو الهواء ليس بشيء ولا يصلح ما ذكر معنى لذلك إذ الفوقية كانت قبل خلق
~~جميع أجرام هذا العالم فعلى تقدير عدم الالتصاق لا يتصور حائل أصلا، ثم
~~بين وجه دلالة الآية على أن الماء أول حادث بعد العرش بنحو ما قدمنا ذكره
~~انتهى المراد منه.

# وأقول: إن هذا الاحتمال الذي أجاب عنه بزعمه قوي جدا، وما ذكره عن
~~محققي المتأخرين صرح الجمهور بخلافه، وقد حقق ذلك في موضعه فلا مانع من
~~أن يخلق الله تعالى من الماء الأجرام السماوية والأرضية بل وكل شيء، وما
~~ذكره في حيز تعليل صرف الأثر عن ظاهره ليس بشيء أصلا إذ يجوز أن يحيل
~~سبحانه بعض ذلك الماء المالىء أجزاء نارية وبعضه أجزاء أرضية ويجعل
~~المجموع دخانا، وكذا يجوز أن يحيل البعض أجزاء هوائية فتمازج أجزاء
~~صغارا مائية متلطفة بحرارة يخلقها حيث شاء فيتكون البخار، وفي الأثر عن
~~وهب بن منبه ms04252 أنه جل شأنه قبض قبضة من الماء ثم فتح القبضة فارتفع الدخان
~~ثم قضاهن سبع سماوات في يومين ويؤول حديث الارتفاع بما لا يستدعي الفضاء
~~نحو أن يكون المعنى فوجد بعضه دخانا مرتفعا، وقد يقال: يجوز أن يكون
~~الماء في ابتداء الخلقة مالئا للعرش ثم إنه سبحانه لما أراد أن يخلق ما
~~يخلق أفنى منه ما أراد وخلق بلا فاصل يتحقق معه الخلاء بدله ما خلق لا من
~~شيء، والقول باستحالة هذا الخلق مفض إلى فساد عظيم وخطب جسيم لا يكاد
~~يستسهله أحد من المسلمين وهو ظاهر، / وما ذكره في دفع قول شيخ الإسلام:
~~أنه لو دل لدل الخ غير ظاهر فيه، قيل: إذ الاعتراض بطريق أنه لو دل لدل
~~على وجود الخلاء لا على إمكانه الصرف لأن الشيء إذا كان موجودا كان
~~وجوده ضروريا لا ممكنا صرفا على ما بين في محله، وينادي على أن
~~الاعتراض كذلك تقييد الإمكان في عبارته بقيد فقط مع القول بالدلالة على
~~الوجود.

# وأورد بعضهم على قوله: قد تقرر في علم الأبعاد والأجرام الخ أن ذلك مبني
~~على ظن أن الماء في الآية هو الماء العنصري وأنه من بعض الظن إذ ذاك إنما
~~خلق بعد خلق الأرض فكيف يتصور أن يكون العرش الذي خلق قبل السماوات
~~والأرض عليه فضلا عن أن يكون موضوعا على متنه أو غير موضوع عليه من غير
~~حائل بينهما، وإنما هو الماء الطبيعي النوري العمائي الذي تكون العرش
~~منه، وفيه صرف اللفظ عن ظاهره، ونظير ذلك ما قاله الكامل ابن الكمال: ليس
~~المراد من العرش تاسع الأفلاك، ولا من الماء أحد العناصر لما شهد بذلك
~~شهادة صحيحة لا مرد لها ما أخرجه مسلم في «صحيحه» من قوله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " كان الله تعالى ولم يكن معه شيء وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل
~~شيء ثم خلق السماوات والأرض "

# فلا وجه للاستدلال به على إمكان الخلاء، وأن الماء أول حادث بل عرشه
~~سبحانه عبارة عن قيوميته بناء على ms04253 أنه في الأصل سرير الملك وهو مظهر
~~سلطانه، والماء إشارة إلى صفة الحياة باعتبار أن منه كل شيء حي، فمعنى {
~~وكان عرشه على الماء } وكان حيا قيوما، وفي لفظة { على
~~} تنبيه على ترتب أحدهما على الآخر فتدبر انتهى.

# ولعل وجه شهادة الخبر بذلك النفي تضمنه على تقدير الإثبات ما ينافي ما
~~تضمنه النفي فيه إذ يكون حينئذ شيآن معه سبحانه فضلا عن شيء، ولا يخفى
~~أن هذا إنما يتم لو كانت الجملة الماضوية في موضع الحال، والظاهر أنها
~~كغيرها معطوفة على الجملة المستأنفة، وليس في الكلام ما يقتضي أن المعنى
~~{ وكان عرشه على المآء } مع وجوده تعالى بدون معية شيء له
~~ليضطر إلى حمل الماء والعرش على ما علمت من صفتيه تعالى، ولا أرى في
~~الحديث أكثر من إفادة ثبوت ما تضمنته المتعاطفات قبل خلق السماوات
~~والأرض، وأما أن كونه تعالى ولم يكن معه شيء  وكون عرشه سبحانه على
~~الماء، وكتابته في الذكر ما كتب كلها في وقت واحد هو وقت وجوده تعالى
~~الواقع بعده خلق السماوات والأرض بمهلة وتراخ  فلا أراه، وقد جاء في بعض
~~الروايات عطف الخلق على ما قبله بالواو كسائر المعطوفات. أخرج أحمد
~~والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم عن عمران بن حصين قال:

# " قال أهل اليمن: يا رسول الله أخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال:
~~كان الله تعالى قبل كل شيء وكان عرشه على الماء وكتب في اللوح المحفوظ
~~ذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض "

# الخبر، ثم إنه لا يتم أمر الشهادة بمجرد ما تقدم بل لا بد أيضا من حمل
~~الكتابة في الذكر على التقدير، ونفى أن يكون هناك كتابة ومكتوب فيه حسبما
~~يتبادر منهما، ويلتزم هذا في الخبر الثاني أيضا، ومع ذلك يعكر على القول
~~بكون زمن التقدير متحدا كزمن قيوميته وحياته تبارك وتعالى مع زمن وجوده
~~سبحانه ما أخرج مسلم والترمذي والبيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إن الله تعالى قدر مقادير ms04254 الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين
~~ألف سنة وعرشه على الماء "

# لأن أجزاء الزمان الموهوم الفاصل بين زمان وجوده تعالى ووجود صفاته
~~وزمان وجود الخلق غير متناهية، فكيف تقدر بخمسين ألف سنة وضربها في نفسها
~~وضرب الحاصل من ذلك بنفسه ألف ألف مرة أقل قليل بل لا شيء يذكر بالنسبة
~~إلى غير المتناهي؛ ويعارض هذه / الشهادة أيضا ما تقدم في حديث أبي رزين
~~العقيلي من قوله عليه الصلاة والسلام:

# " وخلق عرشه على الماء "

# فإنه نص في أن العرش مخلوق، ولا يجوز أن تكون القيومية مخلوقة، وكذا ما
~~روي عن كعب من أنه سبحانه خلق ياقوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة فصارت
~~ماءا، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها، ثم وضع العرش على الماء، وجاء
~~حديث كون الماء على متن الريح عن ابن عباس، وقد أخرج ذلك عنه ابن جرير
~~وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم، وإباء ما ذكر عن كون الماء
~~بمعنى صفة الحياة له تعالى ظاهر، ومثله ما أخرجه ابن أبي حاتم وأبو
~~الشيخ عن الربيع بن أنس أنه قال: كان عرشه سبحانه على الماء فلما خلق
~~السماوات والأرض قسم ذلك الماء قسمين فجعل نصفا تحت العرش  وهو البحر
~~المسجور  فلا تقطر منه قطرة حتى ينفخ في الصور فينزل منه مثل الطل فتنبت
~~منه الأجسام، وجعل النصف الآخر تحت الأرض السفلى، ولعل وجه الأمر بالتدبر
~~في كلام هذا الفاضل الإشارة إلى ما ذكرنا.

# وبالجملة لا شك أن المتبادر من الماء ما هو أحد العناصر ومن العرش الجسم
~~الذي جاء في الأخبار من وصفه ما يبهر العقول وشهادة الخبر السابق مع
~~كونها شهادة نفي عارضتها شهادات إثبات غير نص في المطلوب كما علمت، ومن
~~كون العرش على الماء ما يعم الشقين كونه موضوعا على متنه مماسا له وكونه
~~فوقه من غير أن يكون بينهما ما يماسهما، وتخصيصه بالشق الثاني مما لا يتم
~~له دليل ولا يصفو عن القال والقيل، وأن الآية لا تصلح دليلا على كون
~~الماء أول حادث ms04255 بعد العرش، ومن رجع إلى الأخبار المعول عليها رأى بعضها
~~كخبر أبي رزين الذي حسنه الترمذي ظاهرا في أن الماء قبل العرش، وقصارى
~~ما يقال في هذا المقام: إن الحق مع شيخ الإسلام وأن نصرة القاضي  وإن
~~كان ناصر الدين  نصرة خارجة عن الطريق المستبين، فلا تلتفت هداك الله
~~سبحانه إلى من أطال في ذلك بلا طائل، وأتى بكلام لا يشبه كلام عاقل، وزعم
~~أن ذاك من الحكمة وهو عنها  علم الله بمراحل، ولولا الوقوع في العبث
~~لنقلناه ونبهنا على ما فيه، وإن كان حال ظاهره مؤذنا بحال خافيه، نعم قد
~~يقال: إن البيضاوي إنما ذكر أنه استدل بالآية على كذا وكذا، ولم يدع أن
~~فيها دليلا على ذلك، فما يتوجه من الاعتراضات إنما يتوجه على المستدل
~~دونه وكأنه من وجه إليه ذلك ادعى ارتضاءه للاستدلال بدليل ما وطأه له من
~~المقال، وزعم الجبائي أن في الآية دلالة على أنه كان قبل خلق السماوات
~~والأرض حي مكلف لأن خلق العرش على الماء لا وجه لحسنه إلا أن يكون فيه
~~لطف بمكلف يمكنه الاستدلال به، ورده علي ابن عيسى بأنه لا يلزم ذلك
~~ويكتفي بكون الأخبار به نافعا للمكلفين واختاره المرتضى، ومنشأ ذلك
~~الاعتزال، والله تعالى الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.

# { ليبلوكم } اللام للتعليل مجازا متعلقة ب { خلق } أي خلق
~~السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات التي من جملتها أنتم، ورتب فيهما
~~جميع ما تحتاجون إليه من مبادي وجودكم وأسباب معاشكم وأودع في تضاعيفهما
~~ما تستدلون به من تعاجيب الصنائع والعبر على مطالبكم الدينية ليعاملكم
~~معاملة من يختبركم. { أيكم أحسن عملا } فيجازيكم حسب
~~أعمالكم، وقيل: متعلق بفعل مقدر أي أعلم بذلك ليبلوكم وقيل: التقدير
~~وخلقكم ليبلوكم وقيل: في الكلام جملة محذوفة أي وكان خلقه لهما لمنافع
~~يعود عليكم نفعها في الدنيا دون الآخرة وفعل ذلك ليبلوكم والكل كما ترى.
~~والابتلاء في الأصل الاختبار والكلام خارج مخرج التمثيل / والاستعارة،
~~ولا يصح إرادة المعنى الحقيقي لأنه إنما يكون لمن لا يعرف عواقب الأمور. ms04256

# وقيل: إنه مجاز مرسل عن العلم للتلازم بين العلم والاختبار، وهو محوج
~~إلى تكلف أن يراد ليظهر تعلق علمه الأزلي وإلا فالعلم القديم الذاتي ليس
~~متفرعا على غيره، وما تقدم لا تكلف فيه، وهو مع بلاغته مصادف محزه،
~~والمراد بالعمل ما يشمل عمل القلب وعمل القالب، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن
~~جرير وابن أبي حاتم والحاكم في «التاريخ» وابن مردويه عن ابن عمر رضي
~~الله تعالى عنهما قال:

# " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { ليبلوكم } الخ
~~فقلت: ما معنى ذلك يا رسول الله؟ قال: ليبلوكم أيكم أحسن عقلا، ثم قال:
~~وأحسنكم عقلا أورعكم عن محارم الله تعالى وأعملكم بطاعة الله تعالى "

# لكن ذكر الحافظ السيوطي أن سنده واه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان أن
~~معنى { أحسن عملا } أزهد في الدنيا، وعن مقاتل أتقى لله تعالى،
~~وعن الضحاك أكثرهم شكرا، ولعل أخذ العمل شاملا للأمرين أولى، وأفضلها
~~ما كان عمل القلب كيف لا ومدار العبادة القالبية الواجبة على العباد
~~معرفة الله تعالى التي تحل القلب، وقد يرفع به للعبد في يوم مثل عمل أهل
~~الأرض. وفي بعض الآثار «تفكر ساعة يعدل عبادة سبعين سنة» واعتبار خلق
~~السماوات في ضمن المفرع عليه لما أن في السماوات مما هو من مبادي النظر
~~وتهيئة أسباب المعاش الأرضية التي بها قوام القالب ما لا يخفى، وقريب من
~~هذا أن ذكر السماوات وخلقها لتكون أمكنة الكواكب والملائكة العاملين فيها
~~لأجل الإنسان. وقال بعض المحققين. إن كون خلق الأرض وما فيها للابتلاء
~~ظاهر، وأما خلق السماوات فذكر تتميما واستطرادا مع أن السموات مقر
~~الملائكة الحفظة وقبلة الدعاء ومهبط الوحي إلى غير مما له دخل في
~~الابتلاء في الجملة، ولعل ما أشير إليه أولا أولى.

# وجملة الاستفهام في موضع المفعول الثاني لفعل البلوى على المشهور، وجعل
~~في «الكشاف» الفعل هنا معلقا لما فيه من معنى العلم، ومنع في سورة الملك
~~تسمية ذلك تعليقا مدعيا أنه إنما يكون إذا وقع بعد الفعل ما يسد مسد ms04257
~~المفعولين جميعا  كعلمت أيهما فعل كذا.

# وعلمت أزيد منطلق  وبين كلاميه في السورتين اضطراب بحسب الظاهر، وأجاب
~~عنه في «الكشف» بما حاصله أن للتعليق معنيين: مصطلح ويعدى بعن وهو المنفى
~~في تلك السورة ولغوي ويعدى بالباء وعلى، وهو خاص بفعل القلب من غير تخصيص
~~بالسبعة المتعدية إلى مفعولين ولا يكون إلا في الاستفهام خاصة دون ما فيه
~~لام الابتداء ونحوه، ومعنى تعليق الفعل على ما فيه ذلك أن يرتبط به معنى
~~وإعرابا سواء كان لفظا أو محلا وهو المثبت ههنا، وقال الطيبي: يمكن
~~أن يكون ما هنا على إضمار العلم كأنه قيل: ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملا
~~والتعليق فيه ظاهر، وما هناك على تضمين الفعل معنى العلم كأنه قيل:
~~ليعلمكم أيكم الخ فيصح النفي، ولا يخفى على من راجع كلامه أن فيه ما
~~يأبى ذلك، وقد يقال: إن التعليق لا يختص بما كان من الأفعال بمعنى العلم
~~كما ذهب إليه ثعلب والمبرد وابن كيسان، وإن وجهه أويس بما في «همع
~~الهوامع»، ورجحه الشلوبين، ولا بالفعل القلبي مطلقا بل يكون فيه وفي
~~غيره مما ألحق به لكن من الاستفهام خاصة، واقتصر بعضهم في الملحق على بصر
~~وتفكر وسأل  وزاد ابن خروف نظر  ووافقه ابن عصفور وابن مالك، وزاد
~~الأخير نسي كما في قوله:

# ومن أنتم إنا نسينا من أنتم

# ونازعه أبو حيان بأن  من  تحتمل الموصولية والعائد محذوف أي من هم
~~أنتم، وكذا زاد أيضا ما قارب المذكورات من الأفعال التي لها تعلق بفعل
~~القلب  كترى البصرية  في قوله: أما ترى أي برق هنالك، وكيستنبئون في
~~قوله تعالى: /

# ويستنبئونك أحق هو

# [يونس: 53] وكنبلو فيما نحن فيه، ونازعه أبو حيان بأن ترى في الأول
~~علمية، وأيكم في الأخير موصولة حذف صدر صلتها فبنيت وهي بدل من ضمير
~~الخطاب بدل بعض، ونقل ذلك عنه الجلال السيوطي ولم أجده في «بحره»، وفي
~~الرضي أن جميع أفعال الحواس تعلق عن العمل، وفي «التسهيل» ما يؤيده،
~~وأجاز يونس تعليق كل فعل غير ما ذكر، وخرج عليه ms04258

# ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد

# [مريم: 69] والجمهور لم يوافقوه على ذلك، وقد ذكر بعض الفضلاء أن الفعل
~~القلبي وما جرى مجراه إما متعد إلى واحد أو اثنين، فالأول يجوز تعليقه
~~سواء تعدى بنفسه كعرف، أو بحرف كتفكر لأن معموله لا يكون إلا مفردا،
~~وبالتعليق بطل عمله في المفرد الذي هو مقتضاه وتعلق بالجملة، ولا معنى
~~للتعليق إلا إبطال العمل لفظا لا محلا وإن تعدى لاثنين، فإما أن يجوز
~~وقوع الثاني جملة كما في باب علم أو لا، فإن جاز علق عن المفعولين نحو
~~علمت لزيد قائم لا عن الثاني لأنه يكون جملة بدون تعليق فلا وجه لعده منه
~~إذ لا فرق بين أداة التعليق وعدمها فالتعليق لا يبطل عمل الفعل أصلا كما
~~في علمت زيدا أبوه قائم، وعلمت زيدا لا أبوه قائم، فإن عمله في محل
~~الجملة لا فرق فيه بين وجود حرف التعليق وعدمه وإن لم يجز، وورد فيه كلمة
~~تعليق كان منه نحو

# يسئلونك ماذا ينفقون

# [البقرة: 215] فإن المسؤول عنه لا يكون إلا مفردا. والفعل فيما نحن فيه
~~يحتمل أن يكون عاملا فيما بعده وهو المختبر به غير متضمن علما، وفعل
~~البلوى إذا كان كذلك يتعدى بالباء إلى المختبر به ولا يكون إلا مفردا
~~كما في قوله تعالى:

# ولنبلونكم بشيء

# [البقرة: 155] والاستفهام قد أبطل مقتضاه لفظا وهو التعليق، ويحتمل أن
~~يكون متضمنا معنى العلم ويكون العلم عاملا فيه وهو مفعوله الثاني،
~~وحينئذ لا تعليق، ومن هنا يظهر أن تعليق الفعل في الآية إنما هو على
~~تقدير إعمال فعل البلوى، وعدم تعليقه على تقدير إعمال العلم فلا منافاة
~~بين الكلامين انتهى وهو تفصيل حسن، وفي «الهمع» أن الجملة بعد المعلق في
~~باب علم وأخواتها في موضع المفعولين فإن كان التعليق بعد استيفاء المفعول
~~الأول فهي في موضع المفعول الثاني، وأما في غير هذا الباب فإن كان الفعل
~~مما يتعدى بحرف الجر فالجملة في موضع نصب باسقاطه نحو فكرت أهذا صحيح أم
~~لا، وجعل ابن مالك منه

# فلينظر ms04259 أيهآ أزكى طعاما

# [الكهف: 19] وإن كان مما يتعدى لواحد فهي في موضعه نحو عرفت أيهم زيد،
~~فإن كان مفعوله مذكورا نحو عرفت زيدا أبو من هو، فالجملة بدل منه على
~~ما اختاره السيرافي وابن مالك، وهو بدل كل من كل بتقدير مضاف أي قصة زيد
~~أو أمره عند ابن عصفور، والتزم ذلك ليكون المبدل منه جملة في المعنى،
~~وبدل اشتمال ولا حاجة إلى التقدير عند ابن الصائغ، وذهب المبرد والأعلم
~~وابن خروف وغيرهم إلى أن الجملة في موضع نصب على الحال، وذهب الفارسي إلى
~~أنها في موضع المفعول الثاني لعرفت على تضمينه معنى علمت، واختاره أبو
~~حيان وفيه نوع مخالفة في الظاهر لما تقدم تظهر بالتأمل إلا أنه اعترض
~~القول بأن ما بعد فعل البلوي مختبر به بأن المختبر به إنما هو خلق
~~السماوات والأرض، وأجيب بأن ذلك وإن كان في نفس الأمن مختبرا عنه
~~والمختبر به ما ذكر إلا أنه جعل مختبرا به باعتبار ترتبه على ذلك، ولا
~~يحفى ما فيه. وقال بعض أرباب التحقيق في دفع المخالفة: إن الزمخشري جعل
~~قوله سبحانه هنا: { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } بجملته
~~استعارة تمثيلية فتكون مفرداته مستعملة في معناها الحقيقي معطاة ما
~~تستحقه، وفعل البلوى يعلق عن المفعول الثاني لأنه لا يكون جملة إذ هو
~~يتعدى له بالباء وحرف الجر لا يدخل على الجمل، وجرى التعليق فيه بناء
~~على أنه مناسب لفعل القلوب معنى، وقد صرح غير واحد بجريانه في ذلك وجعله
~~ثمة مستعارا لمعنى العلم، والفعل إذ تجوز به عن معنى فعل آخر عمل عمله
~~وجرى عليه حكمه، وعلم لا يعلق عن المفعول الثاني فكذا / ما هو بمعناه
~~فيكون قد سلك في كل من الموضعين مسلكا تفننا، وكثيرا ما يفعل ذلك في
~~كتابه، ولعله لم يعكس الأمر لأن ما فعله في كل أنسب بما قبله من خلق
~~السماوات والأرض وما فيها من النعم والمنافع وخلق الموت والحياة، ولا
~~يخفى أن هذا قريب مما تقدم وفيه ما فيه.

# والإتيان بصيغة التفضيل الدالة ms04260 على الاختصاص بالمختبرين الأحسنين
~~أعمالا مع شمول الاختبار لفرق المكلفين وتتفاوت أعمال الكفار منهم إلى
~~حسن شرعي وقبيح لا إلى حسن وأحسن كما في أعمال المؤمنين للتحريض على
~~أحاسن المحاسن، والتحضيض على الترقي دائما لدلالته على أن الأصل المقصود
~~بالاختبار ذلك الفريق ليجازيهم أكمل الجزاء فكأنه قيل: المقصود أن يظهر
~~أفضليتكم لأفضلكم فإن ذلك مفروغ عنه لا يحيد عنه ذو لب، وجوز أن يكون من
~~باب الزيادة المطلقة وأن يكون من باب

# أي الفريقين خير مقاما

# [مريم: 73] وأيا ما كان فالخطاب ليس خاصا بالمؤمنين لأن إظهار حال
~~غيرهم مقصود أيضا لكنه لا بالذات على الوجه الأول.

# { ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت
~~ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين
~~}. أي مثله في الخديعة والبطلان، فالتركيب من التشبيه البليغ، والإشارة
~~إلى القول المذكور، وجوز أن تكون للقرآن كأنه قيل: لو تلوت عليهم من
~~القرآن ما فيه إثبات البعث لقالوا هذا المتلو سحر، والمراد إنكار البعث
~~بطريق الكناية الايمائية لأن إنكار البعث إنكار للقرآن، وقيل: إن الإخبار
~~عن كونهم مبعوثين وإن لم يجب عن كونه بطريق الوحي المتلو إلى أنهم عند
~~سماعهم ذلك تخلصوا إلى القرآن لإنبائه عنه في كل موضع وكونه علما عندهم
~~في ذلك فعمدوا إلى تكذيبه وتسميته سحرا تماديا منهم في العناد وتفاديا
~~عن سنن الرشاد وهو خلاف الظاهر، وقيل: الإشارة إلى نفس البعث، وتعقب بأنه
~~لا يلائمه التسمية بالسحر فإنه إنما يطلق على شيء موجود ظاهرا لا أصل له
~~في الحقيقة، ونفس البعث عندهم معدوم بحت، وفيه بحث لجواز أنهم أرادوا من
~~السحر الأمر الباطل والشيء الذي لا أصل له ولا حقيقة لشيوعه فيما بينهم
~~بذلك حتى كأنه علم له.

# وجوز أن تكون الإشارة إلى القائل، والإخبار عنه بالسحر للمبالغة،
~~والخطاب في { إنكم } إن كان لجميع المكلفين فالموصول مع صلته
~~للتخصيص أي ليقولن الكافرون منهم، وإن كان للكافرين فذكر الموصول ليتوصل
~~به إلى ذمهم بعنوان الصلة.

# وتعلق الآية الكريمة بما قبلها إما من حيث أن البعث ms04261 من تتمات الابتلاء
~~المذكور فيه كأنه قيل: الأمر كما ذكر، ومع ذلك إن أخبرتهم بمقدمة فذة من
~~مقدماته وقضية فردة من تتماته يقولون ما يقولون فضلا عن أنهم يصدقون بما
~~وقع هذا تتمة له، وإما من حيث أن البعث خلق جديد فكأنه قيل: وهو الذي خلق
~~جميع المخلوقات ليترتب عليها ما يترتب، ومع ذلك إن أخبرتهم بأنه سبحانه
~~يعيدهم تارة أخرى وهو أهون عليه يعدون ذلك ما يعدون فسبحان الله عما
~~يصفون.

# وقرأ عيسى الثقفي { ولئن قلت } بضم التاء على أن الفعل مسند إليه تعالى
~~أي ولئن قلت ذلك في كتابي المنزل عليك ليقولن الذين كفروا الخ، وفي
~~«البحر» ((أن المعنى على ذلك ولئن قلت مستدلا على البعث من بعد الموت إذ
~~في قوله تعالى:

# وهو الذي خلق

# [الحديد: 4] الخ دلالة على القدرة العظيمة، فمتى أخبر بوقوع ممكن وقع لا
~~محالة وقد أخبر بالبعث فوجب قبوله وتيقن وقوعه)) انتهى وهو لدى الذوق
~~السليم كماء البحر. وقرأ الأعمش { أنكم } بفتح الهمزة على تضمين { قلت }
~~معنى ذكرت ولئن قلت ذاكرا أنكم مبعوثون فأن وما بعدها في تأويل مصدر
~~مفعول للذكر، واستظهر بعضهم كون القول بمعنى الذكر مجازا، وتعقب بأن
~~الذكر والقول مترادفان فلا معنى للتجوز حينئذ، ولما كان القول باقيا في
~~التضمين جاء الخطاب على مقتضاء. وجوز أن تكون أن بمعنى عل، ونقل ذلك عن
~~سيبويه، وجاء ائت السوق علك تشتري لحما وأنك تشتري لحما، وهي لتوقع
~~المخاطب لكن لا على سبيل الإخبار فإنهم لا يتوقعون البعث بل على سبيل
~~الأمر كأنه قيل: توقعوا بعثكم ولا تبتوا القول بإنكاره، وبذلك يندفع ما
~~يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قاطع بالبعث فكيف يقول لعلكم
~~مبعوثون، وأيضا القراءة المشهورة صريحة في القطع والبت، وهذه صريحة في
~~خلافه فيتنافيان، ومنهم من قال: يجوز أن يكون هذا من الكلام المنصف
~~والاستدراج فربما ينتبهون إذا تفكروا ويقطعون بالبعث إذا نظروا. وقرأ
~~حمزة والكسائي { إلا ساحر } والإشارة إلى القائل، ولا مبالغة في الإخبار
~~كما كانت على هذا ms04262 الاحتمال في قراءة الجمهور، ويجوز أن تكون للقول أو
~~للقرآن، وفيه من المبالغة ما في قولهم: شعر شاعر.

### || [11.8]

# { ولئن أخرنا عنهم العذاب } أي المترتب على بعثهم أو
~~الموعود بقوله سبحانه:

# وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير

# [هود: 3] وقيل: عذاب يوم بدر، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه
~~قتل جبريل عليه السلام المستهزئين وهم خمسة نفر أهلكوا قبل بدر، والظاهر
~~أن المراد العذاب الشامل للكفرة، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن المنذر وابن
~~أبي حاتم عن قتادة قال: لما نزل

# اقترب للناس حسبهم

# [الأنبياء: 1] قال ناس: إن الساعة قد اقتربت فتناهوا فتناهى القوم
~~قليلا ثم عادوا إلى أعمالهم أعمال السوء فأنزل الله سبحانه

# أتى أمر الله فلا تستعجلوه

# [النحل: 1] فقال أناس من أهل الضلالة: هذا أمر الله تعالى قد أتى فتناهى
~~القوم ثم عادوا إلى عكرهم عكر السوء فأنزل الله تعالى هذه الآية.

# { إلى أمة معدودة } أي طائفة من الأيام قليلة لأن ما يحصره
~~العد قليل. وقيل: المراد من الأمة الجماعة من الناس أي ولئن أخرنا عنهم
~~العذاب إلى جماعة يتعارفون ولا يكون فيهم مؤمن؛ ونقل هذا عن علي بن عيسى،
~~وعن الجبائي أن المعنى إلى أمة بعد هؤلاء نكلفهم فيعصون فتقتضي الحكمة
~~إهلاكهم وإقامة القيامة، وروى الإمامية  وهم بيت الكذب  عن أبي جعفر
~~وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن المراد بالأمة المعدودة أصحاب
~~المهدي في آخر الزمان وهم ثلثمائة وبضعة عشر رجلا كعدة أهل بدر {
~~ليقولن ما يحبسه } أي أي شيء يمنعه من المجيء فكأنه يريده
~~ويمنعه مانع، وكانوا يقولون ذلك بطريق الاستعجال وهو كناية عن الاستهزاء
~~والتكذيب لأنهم لو صدقوا به لم يستعجلوه وليس غرضهم الاعتراف بمجيئه
~~والاستفسار عن حابسه كما يرشد إليه ما بعد.

# { ألا يوم يأتيهم } ذلك العذاب الأخروي أو الدنيوي { ليس
~~مصروفا عنهم } أي أنه لا يرفعه رافع أبدا، أو لا يدفعه عنهم
~~دافع بل هو واقع بهم، والظاهر أن { يوم } منصوب  بمصروفا  الواقع
~~خبر { ليس } ، واستدل بذلك جمهور البصريين ms04263 على جواز تقديم خبرها عليها
~~كما يجوز تقديمه على اسمها بلا خلاف معتد به لأن تقديم المعمول يؤذن
~~بتقديم العامل بطريق الأولى وإلا لزم مزية الفرع على أصله، وذهب الكوفيون
~~والمبرد إلى عدم الجواز وادعوا أن الآية لا تصلح حجة لأن القاعدة المشار
~~إليها غير مطردة ألا ترى قوله سبحانه:

# فأما اليتيم فلا تقهر

# [الضحى: 9] كيف تقدم معمول الفعل مع امتناع تقديمه لأن الفعل لا يلي
~~أما، وجاء عن الحجازيين أنهم يقولون ما اليوم زيد ذاهبا مع أنه لا يجوز
~~تقديم خبر ما اتفاقا، وأيضا المعمول فيها ظرف والأمر فيه مبني على
~~التسامح مع أنه قيل: إنه متعلق بفعل محذوف دل عليه ما بعده، والتقدير ألا
~~يصرف عنهم العذاب أو يلازمهم يوم يأتيهم، ومنهم من جعله متعلقا 
~~بيخافون  محذوفا أي ألا يخافون يوم الخ، وقيل: هو مبتدأ لا متعلق 
~~بمصروفا  ولا بمحذوف، وبني على الفتح لإضافته للجملة، ونظير ذلك قوله
~~سبحانه:

# هذا يوم ينفع الصدقين

# [المائدة: 119] على قراءة الفتح، وأنت تعلم أن في بناء الظرف المضاف
~~لجملة صدرها مضارع معرف خلافا بين النحاة، وأن الظاهر تعلقه  بمصروفا 
~~نعم عدم صلاحية الآية للاحتجاج مما لا ريب فيه، وفي «البحر» ((قد تتبعت
~~جملة من دواوين العرب فلم أظفر بتقديم خبر ليس عليها ولا بتقديم معموله
~~إلا ما دل عليه ظاهر هذه الآية الكريمة، وقول الشاعر:

# فيأبى فما يزداد إلى لجاجة

# وكنت أبيا في الخنى لست أقدم))

# { وحاق بهم } أي نزل وأحاط، وأصله حق فهو  كزل وزال وذم وذام 
~~والمراد يحيق بهم. { ما كانوا به يستهزءون } إلا أنه عبر
~~بالماضي لتحقق الوقوع، والمراد بالموصول العذاب وعبر به عنه تهويلا
~~لمكانه، وإشعارا بعلية ما ورد في حيز الصلة من استهزائهم به لنزوله
~~وإحاطته ووضع الاستهزاء موضع الاستعجال لأنه كان استهزاء.

### || [11.9]

# { ولئن أذقنا الإنسن منا رحمة } أي أعطيناه نعمة
~~من صحة وأمن وجدة وغيرها وأوصلناها إليه بحيث يجد لذتها فالإذاقة مجاز عن
~~هذا الإعطاء { ثم نزعناها } أي سلبنا تلك الرحمة { منه } صلة
~~النزع، والتعبير ms04264 به للإشعار بشدة تعلقه بها وحرصه عليه { إنه
~~ليئوس } شديد اليأس كثيره قطوع رجاءه من عود مثل تلك النعمة عاجلا
~~أو آجلا بفضل الله تعالى لعدم صبره وتوكله عليه سبحانه وثقته به. {
~~كفور } كثير الكفران لما سلف لله تعالى عليه من النعم، وتأخير هذا
~~الوصف عن وصف يأسهم لرعاية الفواصل على أن اليأس من باب الكفران للنعمة
~~السالفة أيضا.

### || [11.10]

# { ولئن أذقنه نعمآء } كصحة وأمن وجدة { بعد ضرآء
~~مسته } كسقم وخوف وعدم، وفي إسناد الإذاقة إليه تعالى دون المس
~~إشعار بأن إذاقة النعمة مقصودة بالذات دون مس الضر بل هو مقصود بالعرض،
~~ومن هنا قال بعضهم: إنه ينبغي أن تجعل  من  في قوله سبحانه:

# منه

# [هود: 9] للتعليل أي نزعناها من أجل شؤمه وسوء صنيعه وقبح فعله ليكون
~~منا، و { منه } مشيرا إلى هذا المعنى ومنطبقا عليه كما قال سبحانه:

# مآ أصبك من حسنة فمن الله ومآ أصبك من
~~سيئة فمن نفسك

# [النساء: 79] ولا يخفى أن تفسير { منه } بذلك خلاف الظاهر المتبادر
~~ولا ضرورة تدعو إليه، وإنما لم يؤت ببيان تحول النعمة إلى الشدة وبيان
~~العكس على طرز واحد بل خولف التعبير فيهما حيث بدىء في الأول باعطاء
~~النعمة وإيصال الرحمة ولم يبدأ في الثاني بإيصال الضر على نمطه تنبيها
~~على سبق الرحمة على الغضب واعتناءا بشأنها. وفي التعبير عن ملابسة
~~الرحمة والنعماء بالذوق المؤذن على ما قيل بلذتهما وكونهما مما يرغب فيه
~~وعن ملابسة الضراء بالمس المشعر بكونها في أدنى ما يطلق عليه اسم
~~الملاقاة من مراتبها من اللطف ما لا يخفى، ولعله يقوي عظم شأن الرحمة.
~~وذكر البعض أن في لفظ الإذاقة والمس - بناءا على أن الذوق ما يختبر به
~~الطعوم، والمس أول الوصول - تنبيها على أن ما يجد الإنسان في الدنيا من
~~المنح والمحن نموذج لما يجده في الآخرة، وأنه يقع في الكفران والبطر
~~بأدنى شيء.

# { ليقولن ذهب السيئات عني } أي المصائب التي تسوؤني ولن
~~يعتريني بعد أمثالها { إنه لفرح } / بطر بالنعمة مغتر بها، وأصله
~~فارح إلا أنه ms04265 حول لما ترى للمبالغة، وفي «البحر» أن فعلا بكسر العين هو
~~قياس اسم الفاعل من فعل اللازم، وقرىء { فرح } بضم الراء كما تقول: ندس.
~~ونطس، وأكثر ما ورد الفرح في القرآن للذم فإذا قصد المدح قيد كقوله
~~سبحانه:

# فرحين بمآ آتاهم الله من فضله

# [آل عمران: 170] { فخور } متعاظم على الناس بما أوتي من النعم مشغول
~~بذلك عن القيام بحقها، واللام في { لئن } في الآيات الأربع موطئة
~~للقسم، وجوابه ساد مسد جواب الشرط كما في قوله:

# لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها

# وأمكنني منها إذن لا أقيلها

### || [11.11]

# { إلا الذين صبروا } استثناء من

# الإنسان

# [هود: 9] وهو متصل إن كانت أل فيه لاستغراق الجنس، وهو الذي نقله
~~الطبرسي مخالفا لابن الخازن عن الفراء، ومنقطع إن كانت للعهد إشارة إلى
~~الإنسان الكافر مطلقا، وعن ابن عباس أن المراد منه كافر معين وهو الوليد
~~بن المغيرة، وقيل: هو عبد الله بن أمية المخزومي، وذكره الواحدي، وحديث
~~الانقطاع على الروايتين متصل، ونسب غير مقيد بهما إلى الزجاج والأخفش
~~وأيا ما كان فالمراد صبروا على ما أصابهم من الضراء سابقا أو لاحقا
~~إيمانا بالله تعالى واستسلاما لقضائه تعالى:

# { وعملوا الصلحت } شكرا على نعمه سبحانه السابقة
~~واللاحقة، قال المدقق في «الكشف»: لما تضمن اليأس عدم الصبر والكفران عدم
~~الشكر كان المستنثى من ذلك ضده ممن اتصف بالصبر والشكر فلما قيل: {
~~إلا الذين } الخ كان بمنزلة إلا الذين صبروا وشكروا وذلك من صفات
~~المؤمن، فكني بهما عنه فلذا فسره الزمخشري بقوله: إلا الذين آمنوا، فإن
~~عادتهم إذا أتتهم رحمة أن يشكروا وإذا زالت عنهم نعمة أن يصبروا فلذا
~~حسنت الكناية به عن الإيمان، ثم عرض بشيخه الطيبي بقوله: وأما دلالة {
~~صبروا } على أن العمل الصالح شكر لأنه ورد في الأثر «الإيمان نصفان:
~~نصف صبر ونصف شكر، ودلالة { عملوا } على أن الصبر إيمان لأنهما
~~ضميمتان في الأكثر فغير مطابق لما نحن فيه إلا أن يراد وجه آخر كأنه قيل:
~~إلا المؤمن الصالح الصابر الشاكر وهو وجه لكن القول ما ms04266 قالت حذام لأن
~~الكناية تفيد ذلك مع ما فيها من الحسن والمبالغة.

# { أولئك } إشارة إلى الموصول باعتبا اتصافه بما في حيز الصلة وما
~~فيه من معنى البعد لما مر غير مرة أي أولئك الموصوفون بتلك الصفات
~~الحميدة { لهم مغفرة } عظيمة لذنوبهم ما كانت { وأجر } ثواب
~~لأعمالهم الحسنة { كبير } وصف بذلك لما احتوى عليه من النعيم السرمدي
~~ورفع التكاليف والأمن من العذاب ورضا الله سبحانه عنهم والنظر إلى وجهه
~~الكريم في جنة عرضها السماوات والأرض، ووجه تعلق الآيات الثلاث بما قبلهن
~~على ما في «البحر» أنه تعالى لما ذكر أن عذاب الكفار وإن تأخر لا بد أن
~~يحيق بهم ذكر ما يدل على كفرهم وكونهم مستحقين العذاب لما جبلوا عليه من
~~كفر نعماء الله تعالى وما يترتب على إحسانه تعالى إليهم مما لا يليق بهم
~~من البطر والفخر، قيل: وهو إشارة إلى أن الوجه تضمن الآيات تعليل الحيق
~~ويبعده تعليله بما في حيز الصلة قبل، واختار بعضهم أنه الاشتراك في الذم
~~فما تضمنه الآيات قبل بيان بعض هناتهم وما تضمنته هذه بيان بعض آخر.

# وقال بعض المحققين: إن وجه التعلق من حيث أن إذاقة النعماء ومساس الضراء
~~فصل من باب الابتلاء واقع موقع التفصيل من الإجمال في قوله سبحانه:

# ليبلوكم أيكم أحسن عملا

# [هود: 7] والمعنى أن كلا من إذاقة النعماء ونزعها مع كونه ابتلاء
~~للإنسان أيشكر أم يكفر لا يهتدي إلى سنن الصواب بل يحيد في كلتا الحالتين
~~عنه إلى مهاوي الضلال / فلا يظهر منه حسن عمل إلا من الصابرين الصالحين،
~~أو من حيث أن إنكارهم البعث واستهزاءهم بالعذاب بسبب بطرهم وفخرهم كأنه
~~قيل: إنما فعلوا ما فعلوا لأن طبيعة الإنسان مجبولة على ذلك انتهى، ولا
~~يخفى ما في الأول من البعد والثاني أقرب، والله تعالى أعلم.

# ومن باب الإشارة في الآيات: { الر } إشارة إلى ما مرت الإشارة إليه {
~~أحكمت آياته } أي حقائقه وأعيانه في العالم الكلي فلا تتبدل ولا
~~تتغير { ثم فصلت } في العالم الجزئي وجعلت مبنية معينة بقدر معلوم ms04267
~~{ من لدن حكيم } فلذا أحكمت

# خبير

# [هود: 1] فلذا فصلت، وقد يقال: الإشارة إلى آيات القرآن قد أحكمت في
~~قلوب العارفين ثم فصلت أحكامها على أبدان العاملين، وقيل: أحكمت
~~بالكرامات ثم فصلت بالبينات { ألا تعبدوا إلا الله } أي أن
~~لا تشركوا في عبادته سبحانه وخصصوه عز وجل بالعبادة { إنى لكم
~~منه نذير } عقاب الشرك وتبعته

# وبشير

# [هود: 2] بثواب التوحيد وفائدته، وقيل: { نذير } بعظائم قهره {
~~وبشير } بلطائف وصله { وأن استغفروا ربكم } اطلبوا منه
~~سبحانه أن يستركم عن النظر إلى الغير حتى أفعالكم وصفاتكم { ثم
~~توبوا إليه } ارجعوا بالفناء ذاتا، وقيل: { استغفروا
~~ربكم } من الدعاوي { وتوبوا إليه } من الخطرات المذمومة {
~~يمتعكم متاعا حسنا } بتوفيقكم لاتباع الشريعة حال البقاء
~~بعد الفناء، ويقال: المتاع الحسن صفاء الأحوال وسناء الأذكار وحلاوة
~~الأفكار وتجلي الحقائق وظهور اللطائف والفرح برضوان الله تعالى وطيب
~~العيش بمشاهدة أنواره سبحانه، والمتاع كل المتاع مشاهدة المحب حبيبه،
~~ولله در من قال:

# مناي من الدنيا لقاؤك مرة

# فإن نلتها استوفيت كل منائيا

# { إلى أجل مسمى } هو وقت وفاتكم { ويؤت كل ذي فضل
~~} بالسعي والاجتهاد وبذل النفس { فضله } في الدرجات والقرب إليه
~~سبحانه؛ ويقال: { يؤت كل ذي فضل } في الاستعداد { فضله }
~~في الكمال، وسئل أبو عثمان عن معنى ذلك فقال: يحقق آمال من أحسن به ظنه {
~~وإن تولوا } أي تعرضوا عن امتثال الأمر والنهي

# فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير

# [هود: 3] وهو يوم الرجوع إلى الله تعالى الذي يظهر فيه عجز ما سواه
~~تعالى ويتبين قبح مخالفة ما أمر به وفظاعة ارتكاب ما نهى عنه { ألآ
~~إنهم يثنون } يعطفون صدورهم على ما فيها من الصفات المذمومة {
~~ليستخفوا منه } تعالى وذلك لمزيد جهلهم بما يجوز عليه جل شأنه
~~وما لا يجوز

# ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما
~~يعلنون

# [هود: 5] من الأقوال والأفعال وسائر الأحوال، وقيل: { ما يسرون }
~~من الخطرات { وما يعلنون } من النظرات، وقيل: { ما يسرون }
~~بقلوبهم { وما يعلنون } بأفواههم، وقيل: ما يسرون بالليل
~~وما يعلنون بالنهار، والتعميم أولى ومن الناس من جعل ms04268 ضمير منه
~~للرسول صلى الله عليه وسلم وقد علمت أنه يبعده ظهور أن ضمير { يعلم }
~~له تعالى لكن ذكر في «أسرار القرآن» أنه تعالى كسا أنوار جلاله أفئدة
~~الصديقين فيرون بأبصار قلوبهم ما يجري في صدور الخلائق من المضمرات
~~والخطرات كما يرون الظواهر بالعيون الظاهرة، وقد جاء «اتقوا فراسة المؤمن
~~فإنه ينظر بنور الله تعالى» وعلى هذا فيمكن أن يكون ضمير { يعلم }
~~للرسول عليه الصلاة والسلام، وأيا ما كان فالآية نازلة في غير المؤمنين
~~حسبما يقتضيه الظاهر، وقد تقدم لك أن الأمر على ما روي عن الحبر رضي الله
~~تعالى عنه مشكل.

# وقال بعض أرباب الذوق: إن الآية عليه إشارة إلى أن أولئك الأناس لم
~~يصلوا إلى مقام الجمع ولم يتحققوا بأعلى مراتب التوحيد وفيه خفاء أيضا
~~فتفطن { وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها
~~} أي ما تتغذى به / شبحا وروحا، ويقال: لكل رزق عليه تعالى بقدر حوصلته
~~فرزق الظاهر للأشباح، ورزق المشاهدة للأرواح، ورزق الوصلة للأسرار؛ ورزق
~~الرهبة للنفوس، ورزق الرغبة للعقول، ورزق القربة للقلوب، وهذا بالنظر إلى
~~الإنسان، وأما بالنظر إلى سائر الحيوانات فلها أيضا رزق محسوس ورزق
~~معقول يعلمه الله تعالى:

# ويعلم مستقرها ومستودعها

# [هود: 6] فمستقر الجميع أصلاب العدم ومستودعها أرحام الحدوث { وهو
~~الذي خلق السموات والأرض } وما في كل { في ستة
~~أيام وكان عرشه على الماء } أي كان حيا قيوما  كما قال
~~ابن الكمال . وقيل: الماء إشارة إلى المادة الهيولانية، والمعنى {
~~وكان عرشه } قبل خلق السماوات والأرض بالذات لا بالزمان مستعليا
~~على المادة فوقها بالرتبة، وقيل: غير ذلك، وإن شئت التطبيق على ما في
~~تفاصيل وجودك فالمعنى على ما قيل: خلق سماوات قوى الروحانية، وأرض الجسد
~~في الأشهر الستة التي هي أقل مدة الحمل، وكان عرشه الذي هو قلب المؤمن
~~على ماء مادة الجسد مستوليا عليه متعلقا به تعلق التصوير والتدبير

# ليبلوكم أيكم أحسن عملا

# [هود: 7] قيل: جعل غاية الخلق ظهور الأعمال أي خلقنا ذلك لنعلم العلم
~~التفصيلي التابع للوجود الذي يترتب عليه الجزاء ms04269 أيكم أحسن عملا

# ولئن أذقنا الإنسن منا رحمة

# [هود: 9] الخ تضمن الإشارة إلى أنه ينبغي للعبد أن يكون في السراء
~~والضراء واثقا بربه تعالى متوكلا عليه غير محتجب عنه برؤية الأسباب
~~لئلا يحصل له اليأس والكفران والبطر والفخر بذلك وجودا وعدما، فإن آتاه
~~رحمة شكره أولا: برؤية ذلك منه جل شأنه بقلبه. وثانيا: باستعمال جوارحه
~~في مراضيه وطاعاته والقيام بحقوقه تعالى فيها، وثالثا: بإطلاق لسانه
~~بالحمد والثناء على الله تعالى وبذلك يتحقق الشكر المشار إليه بقوله
~~تعالى:

# وقليل من عبادي الشكور

# [سبأ: 13] وإلى ذلك أشار من قال:

# أفادتكم النعماء مني ثلاثة

# يدي ولساني والضمير المحجبا

# وبالشكر تزداد النعم كما قال تعالى:

# لئن شكرتم لأزيدنكم

# [إبراهيم: 7]، وعن علي كرم الله تعالى وجهه إذا وصلت إليكم أطراف النعم
~~فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر، ثم إن نزعها منه فليصبر ولا يتهم الله
~~تعالى بشيء فإنه تعالى أبر بالعبد وأرحم وأخبر بمصلحته وأعلم، ثم إذا
~~أعادها عليه لا ينبغي أن يبطر ويغتر ويفتخر بها على الناس فإن الاغترار
~~والافتخار بما لا يملكه من الجهل بمكان، وقد أفاد سبحانه أن من سجايا
~~الإنسان في الشدة بعد الرحمة اليأس والكفران وبالنعماء بعد الضراء الفرح
~~والفخر { إلا الذين صبروا } مع الله تعالى في حالتي النعماء
~~والضراء والشدة والرخاء، فالفقر والغنى مثلا عندهم مطيتان لا يبالون
~~أيهما امتطوا { وعملوا الصلحات } ما فيه صلاحهم في كل
~~أحوالهم { أولئك لهم مغفرة } من ذنوب ظهور النفس باليأس
~~والكفران والفرح والفخر

# وأجر كبير

# [هود: 11] من ثواب تجليات الأفعال والصفات وجنانهما، والله تعالى ولي
~~التوفيق.

### || [11.12]

# { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } أي تترك تبليغ بعض
~~ما يوحى إليك وهو ما يخالف رأي المشركين مخافة ردهم واستهزائهم به، فاسم
~~الفاعل للمستقبل ولذا عمل. و  لعل  للترجي وهو يقتضي التوقع ولا يلزم
~~من توقع الشيء وقوعه ولا ترجح وقوعه لجواز أن يوجد ما يمنع منه، فلا يشكل
~~بأن توقع ترك التبليغ منه صلى الله عليه وسلم مما لا يليق بمقام النبوة،
~~والمانع من ذلك ms04270 فيه عليه الصلاة والسلام عصمته كسائر الرسل الكرام عليهم
~~السلام عن كتم الوحي المأمور بتبليغه والخيانة فيه وتركه تقية، والمقصود
~~من ذلك تحريضه صلى الله عليه وسلم وتهييج داعيته لأداء الرسالة، ويقال
~~نحو ذلك في كل توقع نظير هذا التوقع، وقيل: إن التوقع تارة يكون للمتكلم
~~وهو الأصل / لأن المعاني الإنشانئية قائمة به، وتارة للمخاطب، وأخرى
~~لغيره ممن له تعلق وملابسة به، ويحتمل أن يراد هنا هذا الأخير ويجعل
~~التوقع للكفار، والمعنى أنك بلغ بك الجهد في تبليغهم ما أوحى إليك أنهم
~~يتوقعون منك ترك التبليغ لبعضه، وقيل: إن  لعل  هنا ليست للترجي بل هي
~~للتبعيد، وقد تستعمل لذلك كما تقول العرب: لعلك تفعل كذا لمن لا يقدر
~~عليه، فالمعنى لا تترك. وقيل: إنها للاستفهام الإنكاري كما في الحديث

# " لعلنا أعجلناك "

# واختار السمين وغيره كونها للترجي بالنسبة إلى المخاطب على ما علمت
~~آنفا، ولا يجوز أن يكون المعنى كأني بك ستترك بعض ما أوحي إليك مما شق
~~عليك بإذني ووحي مني، وهو أن يرخص لك فيه كأمر الواحد بمقاومة عشرة إذ
~~أمروا بمقاومة الواحد لاثنين وغير ذلك من التخفيفات لأنه وإن زال به
~~الإشكال إلا أن قوله تعالى بعد { أن يقولوا } يأباه، نعم قيل: لو
~~أريد ترك الجدال بالقرآن إلى الجلاد والضرب والطعان  لأن هذه السورة
~~مكية نازلة قبل الأمر بالقتال  صح لكن في «الكشف» بعد كلام: إعلم لو
~~أخذت التأمل لاستبان لك أن مبنى هذا السورة الكريمة على إرشاده تعالى
~~كبرياؤه نبيه صلى الله عليه وسلم إلى كيفية الدعوة من مفتتحها إلى
~~مختتمها وإلى ما يعتري لمن تصدى لهذه الرتبة السنية من الشدائد واحتماله
~~لما يترتب عليه في الدارين من العوائد لا على التسلي له عليه الصلاة
~~والسلام فإنه لا يطابق المقام، وانظر إلى الخاتمة الجامعة أعني قوله
~~سبحانه:

# وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه

# [هود: 123] تقض العجب وهو يبعد هذه الإرادة إن قلنا: إن ذلك من باب
~~التخفيف المؤذن بالتسلي فتأمله.

# والضمير في قوله سبحانه: { وضآئق به ms04271 } ل { ما يوحى } أن
~~للبعض وهو الظاهر عند أبي حيان، وقيل: للتبليغ أو للتكذيب، وقيل: هو
~~مبهم يفسره { أن يقولوا } ، والواو للعطف { وضآئق } قيل: عطف
~~على { تارك } وقوله تعالى: { صدرك } فاعله، وجوز أن يكون الوصف
~~خبرا مقدما و { صدرك } مبتدأ والجملة معطوفة على { تارك } ،
~~وقيل: يتعين أن تكون الواو للحال، والجملة بعدها حالية لأن هذا واقع لا
~~متوقع فلا يصح العطف، ونظر فيه بأن ضيق صدره عليه الصلاة والسلام بذلك إن
~~حمل على ظاهره ليس بواقع، وإنما يضيق صدره الشريف لما يعرض له في تبليغه
~~من الشدائد، وعدل عن ضيق الصفة المشبهة إلى  ضائق  اسم الفاعل ليدل على
~~أن الضيق مما يعرض له صلى الله عليه وسلم أحيانا، وكذا كل صفة مشبهة إذا
~~قصد بها الحدوث تحول إلى فاعل فتقول في سيد وجواد وسمين مثلا: سائد
~~وجائد وسامن، وعلى ذلك قول بعض اللصوص يصف السجن ومن سجن فيه:

# بمنزلة أما اللئيم (فسامن)

# بها وكرام الناس باد شحوبها

# وظاهر كلام البحر أن ذلك مقيس فكل ما يبنى من الثلاثي للثبوت والاستقرار
~~على غير وزن فاعل يرد إليه إن أريد معنى الحدوث من غير توقف على سماع،
~~وقيل: إن العدول لمشاركة { تارك } وليس بذلك.

# { أن يقولوا لولآ أنزل عليه كنز } أي مال كثير، وعبروا
~~بالإنزال دون الإعطاء لأن مرادهم التعجيز بكون ذلك على خلاف العادة لأن
~~الكنوز إنما تكون في الأرض ولا تنزل من السماء، ويحتمل أنهم أرادوا
~~بالإنزال الإعطاء من دون سبب عادي كما يشير إليه سبب النزول أي لولا أعطي
~~ذلك ليتحقق عندنا صدقه. { أو جآء معه ملك } يصدقه لنصدقه، روي
~~أنهم قالوا: اجعل لنا جبال مكة ذهبا أو ائتنا بملائكة يشهدون بنبوتك إن
~~كنت رسولا فنزلت، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن كلا من
~~القولين قالته طائفة / فقال عليه الصلاة والسلام: لا أقدر على ذلك فنزلت،
~~وقيل: القائل لكل عبد الله بن أمية المخزومي، ووجه الجمع عليه يعلم مما
~~مر غير مرة، ومحل { أن يقولوا } نصب ms04272 أو جر وكان الأصل كراهة أو
~~مخافة أن يقولوا أو لئلا أو لأن أو بأن يقولوا، ولوقوع القول قالوا: إن
~~المضارع بمعنى الماضي، و { أن } المصدرية خارجة عن مقتضاها، ورجحوا
~~تقدير الكراهة على المخافة لذلك، وقد يراد عند تقديرها مخافة أن يكرروا
~~هذا القول؛ واختار بعض أن يكون المعنى على الجميع أن يقولوا مثل قولهم
~~لولا الخ  فإن  على مقتضاها، ولا يرد شيء.

# { إنمآ أنت نذير } أي ليس عليك إلا الإنذار بما أوحي [إليك]
~~غير مبال بما يصدر عنهم { والله على كل شيء وكيل } أي
~~قائم به وحافظ له فيحفظ أحوالك وأحوالهم فتوكل عليه في جميع أمورك فإنه
~~فاعل بهم ما يليق بحالهم، والاقتصار على النذير في أقصى غاية من إصابة
~~المحز، والآية قيل: منسوخة، وقيل: محكمة.

### || [11.13]

# { أم يقولون افتراه } إضراب بأم المنقطعة عن ذكر ترك اعتدادهم
~~ب

# ما يوحى

# [هود: 12] وعدم اكتفائهم بما فيه من المعجزات الظاهرة الدالة على صدق
~~الدعوى، وشروع في ذكر ارتكابهم لما هو أشد منه وأعظم، وتقدر ببل والهمزة
~~الإنكارية أي بل أيقولون، وذهب ابن القشيري إلى أن { أم } متصلة،
~~والتقدير أيكتفون بما أوحينا إليك أم يقولون إنه ليس من عند الله، والأول
~~أظهر، وأيا ما كان فالضمير البارز في { افتراه } ل { ما يوحى
~~}.

# { قل } إن كان الأمر كما تقولون { فأتوا } أنتم أيضا { بعشر
~~سور مثله } في البلاغة وحسن النظم وهو نعت  لسور  وكان الظاهر
~~مطابقته لها في الجمع لكنه أفرد باعتبار مماثلة كل واحدة منها إذ هو
~~المقصود لا مماثلة المجموع، وقيل: مثل وإن كان مفردا يجوز فيه المطابقة
~~وعدمها فيوصف به الواحد وغيره نظرا إلى أنه مصدر في الأصل كقوله تعالى:

# أنؤمن لبشرين مثلنا

# [المؤمنون: 47] وقد يطابق كقوله سبحانه:

# ثم لا يكونوا أمثلكم

# [محمد: 38]، وقيل: إنه هنا صفة لمفرد مقدر أي قدر عشر سور مثله، وقيل:
~~إنه وصف لمجموع العشر لأنها كلام وشيء واحد، وأيضا  عشر  ليس بصيغة
~~جمع فيعطى حكم المفرد  ك

# نخل منقعر

# [القمر:20].

# وقوله سبحانه: { مفتريت } نعت آخر  لسور ms04273  قيل: أخر عن نعتها
~~بالمماثلة ل

# ما يوحى

# [هود: 12] لأنه النعت المقصود بالتكليف إذ به قعودهم على العجز عن
~~المعارضة، وأما نعت الافتراء فلا يتعلق به غرض يدور عليه شيء في مقام
~~التحدي، وإنما ذكر على نهج المساهلة وإرخاء العنان ولأنه لو عكس الترتيب
~~لربما توهم أن المراد هو المماثلة له في الافتراء، والمعنى فأتوا بعشر
~~سور مماثلة له في البلاغة مختلقات من عند أنفسكم إن صح أني اختلقته من
~~عند نفسي فإنكم عرب فصحاء بلغاء ومبادي ذلك فيكم من ممارسة الخطب
~~والأشعار ومزاولة أساليب النظم والنثر وحفظ الوقائع والأيام أتم.

# والكثير على أن هذا التحدي وقع أولا فلما عجزوا تحداهم { بسورة من
~~مثله } كما نطقت به سورة البقرة[23] ويونس[38]، وهو وإن تأخر تلاوة
~~متقدم نزولا وأنه لا يجوز العكس إذ لا معنى للتحدري بعشر لمن عجز عن
~~التحدي بواحدة وأنه ليس المراد تعجيزهم عن الإتيان بعشر سور مماثلات لعشر
~~معينة من القرآن. وروي عن ابن عباس أن المراد ذلك، وجعل العشر ما تقدم من
~~السور إلى هنا، واعترضه أبو حيان ((بأن أكثر ما ذكر مدني وهذه السورة
~~حسبما علمت مكية فكيف تصح الحوالة بمكة على ما لم ينزل بعد، ثم قال: ولعل
~~هذا لا يصح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما))، وذهب ابن عطية إلى أن
~~هذا التحدي إنما وقع بعد التحدي بسورة، وروي هذا عن المبرد وأنكر تقدم
~~نزول هذه السورة على نزول تينك السورتين وقال: بل نزلت سورة يونس أولا
~~ثم نزلت سورة هود.

# / وقد أخرج ذلك ابن الضريس في «فضائل القرآن» عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما. ووجه ذلك بأن ما وقع أولا هو التحدي بسورة مثله في البلاغة
~~والاشتمال على ما اشتمل عليه من الإخبار عن المغيبات والأحكام وأخواتها،
~~فلما عجزوا عن ذلك أمرهم بأن يأتوا بعشر سور مثله في النظم وإن لم تشتمل
~~على ما اشتمل عليه، وضعفه في «الكشف»، وقال: إنه لا يطرد في كل سورة من
~~سور القرآن، وهب أن ms04274 السورة متقدمة النزول إلا أنها لما نزلت على التدريج
~~جاز أن تتأخر تلك الآية عن هذه، ولا ينافي تقدم السورة على السورة انتهى.

# وتعقبه الشهاب بأن قوله لا يطرد مما لا وجه له لأن مراد المبرد اشتماله
~~على شيء من الأنواع السبعة ولا يخلو شيء من القرآن عنها، وادعاء تأخر
~~نزول تلك الآية خلاف الظاهر، ومثله لا يقال بالرأي، وادعى أن الحق ما
~~قاله المبرد من أنه عليه الصلاة والسلام وتحداهم أولا بسورة مثله في
~~النظم والمعنى، ثم تنزل فتحداهم بعشر سور مثله في النظم من غير حجر في
~~المعنى، ويشهد له توصيفها بمفتريات، وأيد بعضهم نظر المبرد بأن التكليف
~~في آية البقرة إنما كان بسبب الريب ولا يزيل الريب إلا العلم بأنهم لا
~~يقدرون على المماثلة التامة، وهو في هذه الآية ليس إلا بسبب قولهم: {
~~افتراه } فكلفوا نحو ما قالوا، وفيه أن الأمر في سورة يونس كالأمر
~~هنا مسبوق بحكاية زعمهم الافتراء قاتلهم الله تعالى مع أنهم لم يكلفوا
~~إلا بنحو ما كلفوا به في آية البقرة على أن في قوله: ولا يزيل الريب الخ
~~منعا ظاهرا، وللعلامة الطيبي ههنا كلام زعم أنه الذي يقتضيه المقام
~~وهو على قلة جدواه لا وجه لما أسسه عليه كما بين ذلك صاحب «الكشف».

# هذا ونقل الإمام ((أنه استدل بهذه الآية على أن إعجاز القرآن بفصاحته لا
~~باشتماله على المغيبات وكثرة العلوم إذ لو كان كذلك لم يكن لقوله سبحانه:
~~{ مفتريات } معنى أما إذا كان وجه الإعجاز الفصاحة صح ذلك لأن
~~فصاحة الكلام تظهر إن صدقا وإن كذبا))، واعترض عليه الفاضل الجلبي بما
~~هو مبني على الغفلة عن معنى الافتراء والاختلاق، نعم ما ذكر إنما يدل على
~~صحة كون وجه الإعجاز ذلك ولا يمنع احتمال كونه الأسلوب الغريب وعدم
~~اشتماله على التناقض كما قيل به.

# { وادعوا من استطعتم } أي استعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا
~~به من آلهتكم التي تزعمون أنها ممدة لكم في كل ما تأتون وما تذرون
~~والكهنة الذين تلجأون إلى آرائهم ms04275 في الملمات ليسعدوكم في ذلك. { من
~~دون الله } متعلق  بادعوا  أي متجاوزين الله تعالى، وفيه على ما
~~قال غير واحد إشارة إلى أنه لا يقدر على مثله إلا الله عز وجل { إن
~~كنتم صدقين } في أني افتريته، فإن ذلك يستلزم الإتيان بمثله وهو
~~أيضا يستلزم قدرتكم عليه، وجواب { إن } محذوف دل عليه المذكور قبل.

### || [11.14]

# { فإلم يستجيبوا لكم } الخطاب  على ما روي عن الضحاك 
~~للمأمورين بدعاء من استطاعوا، وضمير الجمع الغائب عائد إلى { من } أي فإن
~~لم يستجب لكم من تدعونه من دون الله تعالى إلى الإسعاد والمظاهرة على
~~المعارضة لعلمهم بالعجز عنه وأن طاقتهم أقصر من أن تبلغه { فاعلموا
~~أنمآ أنزل بعلم الله } أي ما أنزل إلا ملتبسا بعلمه تعالى
~~لا بعلم غيره على ما تقتضيه كلمة { إنما } فإنها تفيد الحصر
~~كالمكسورة على الصحيح، قيل: وهو معنى قول من قال: أي ملتبسا بما لا
~~يعلمه إلا الله تعالى ولا يقدر عليه سواه.

# وادعى بعضهم أن الحصر إنما أفادته الإضافة كما في قوله تعالى:

# لا يظهر على غيبه أحدا

# [الجن: 26] والمراد بما / لا يعلمه غيره تعالى الكيفيات والمزايا التي
~~بها الإعجاز والتحدي، وذكر عدم قدرة غيره سبحانه مما يقتضيه السياق وإلا
~~فالمذكور في النظم الكريم العلم دون القدرة، وقيل: ذاك لأن نفي العلم
~~بالشيء يستلزم نفي القدرة لأنه لا يقدر أحد على ما لا يعلم، والجملة
~~الشرطية داخلة في حيز القول. وإيراد كلمة الشك مع الجزم بعدم الاستجابة
~~من جهة من يدعونه تهكم بهم وتسجيل عليهم بكمال سخافة العقل، وترتيب الأمر
~~بالعلم على مجرد عدم الاستجابة من حيث أنه مسبوق بالدعاء المسبوق
~~بتعجيزهم واضطرارهم فكأنه قيل: فإن لم يستجيبوا لكم عند التجائكم إليهم
~~بعد ما اضطررتم إلى ذلك وضاعت عليكم الحيل وعيت بكم العلل فاعلموا الخ أو
~~من حيث أن من يدعونهم إلى المعارضة أقوى منهم في اعتقادهم فإذا ظهر عجزهم
~~بعدم استجابتهم وإن كان ذلك قبل ظهور عجز أنفسكم يكون عجزهم أظهر وأوضح.
~~وبمجموع ما ذكرنا يظهر أن لا ms04276 إشكال في الآية.

# ومما يقضي منه العجب قول العز بن عبد السلام في «أماليه»: إن ترتيب هذا
~~المشروط يعني العلم على ذلك الشرط يعني عدم الاستجابة مشكل، وكذا قوله
~~سبحانه: { أنزل بعلم الله } مشكل أيضا إذ لا تصلح الباء
~~للسببية إذ ليس العلم سببا في إنزاله ولا للمصاحبة إذ العلم لا يصحبه في
~~إنزاله، وأن الجواب أنه ليس المراد بالعلم إلا علمنا نحن، وأضيف إليه عز
~~وجل لأنه مخلوق له تعالى، ونظير ذلك ما في قوله جل وعلا:

# ولا نكتم شهدة الله

# [المائدة: 106] حيث أضيفت الشهادة إلى الله سبحانه باعتبار أنه تعالى
~~شرعها، والقرآن قد نزل بأدلة العلم بأحكام الله تبارك اسمه، فعبر
~~بالمدلول عن الدليل، والتقدير { فاعلموا أنمآ أنزل } مصحوبا
~~بانتشار علم الأحكام، وهي الأدلة، ولا شك أنه يناسب إذا عجزوا عن معارضته
~~أن يعلموا أن هذه الآيات أدلة أحكام الله تعالى انتهى، وليت شعري كيف غفل
~~هذا العالم الماهر عن ذلك التفسير الظاهر، ولعله كما قيل: من شدة الظهور
~~الخفاء.

# { وأن لا إله إلا هو } أي واعلموا أيضا أنه تعالى المختص
~~بالألوهية وأحكامها وأن آلهتكم بمعزل عن رتبة الشركة له تعالى في ذلك {
~~فهل أنتم مسلمون } أي داخلون في الإسلام إذ لم يبق بعد شائبة
~~شبهة في حقيته وفي بطلانه ما أنتم فيه من الشرك، فيدخل فيه الإذعان بكون
~~القرآن من عند الله تعالى دخولا أوليا، أو منقادون للحق الذي هو كون
~~القرآن من عند الله تعالى وتاركون ما أنتم عليه من المكابرة والعناد، وفي
~~هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطلب والتنبيه على قيام
~~الموجب وزوال المانع، ولهذا جىء بالفاء. وفي التعبير  بمسلمون  دون
~~تسلمون تأييد لما يقتضيه ترتيب ما ذكر على ما قبل بها من وجوبه بلا مهلة،
~~قيل: وفي ذلك أيضا إقناط لهم من أن يجيرهم آلهتهم من بأس الله تعالى
~~شأنه وعز سلطانه، وجوز أن يكون الضمير في { لكم } للرسول صلى الله
~~عليه وسلم، ويؤيده أنه جاء في آية أخرى

# فإن لم ms04277 يستجيبوا لك

# [القصص: 50]، وروي ذلك عن مجاهد، وكان المناسب للأمر بقل الإفراد لكنه
~~جمع للتعظيم، وهو لا يختص بضمير المتكلم كما قاله الرضى، ومن ذلك:

# وإن شئت حرمت النساء سواكم

# والجملة غير داخلة في حيز القول بل هي من قبله تعالى للحكم بعجزهم كقوله
~~سبحانه:

# فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا

# [البقرة: 24] وعبر بالاستجابة إيماء إلى أنه صلى الله عليه وسلم على
~~كمال الأمن من أمره كأن أمره عليه الصلاة والسلام لهم بالإتيان بمثله
~~دعاء لهم إلى أمر يريد وقوعه، ويجوز أن يكون الضمير له صلى الله عليه
~~وسلم وللمؤمنين لأنهم أتباع له صلى الله عليه وسلم في الأمر بالتحدي،
~~وفيه تنبيه لطيف على أن حقهم أن لا ينفكوا عنه / عليه الصلاة والسلام
~~ويناصبوا معه لمعارضة المعاندين كما كانوا يفعلونه في الجهاد؛ وإرشاد إلى
~~أن ذلك مما يفيد الرسوخ في الإيمان، ولذلك رتب عليه ما ترتب.

# والمراد بالعلم المأمور به ما هو في المرتبة العليا التي كأن ما عداها
~~من مراتب العلم ليس بعلم لكن لا للإشعار بانحطاط تلك المراتب بل بارتفاع
~~هذه المرتبة، ويعلم من ذلك سر إيراد كلمة الشك مع القطع بعدم الاستجابة،
~~فإن تنزيل سائر المراتب منزلة العدم مستتبع لتنزيل الجزم بعدم الاستجابة
~~منزلة الشك، ويجوز أن يكون المأمور به الاستمرار على ما هم عليه من العلم
~~ومعنى { مسلمون } مخلصون في الإسلام أو ثابتون عليه، والكلام من
~~باب التثبيت والترقية إلى معارج اليقين، واختار تفسير الآية بذلك
~~الجبائي. وغيره، وذكر شيخ الإسلام ((أنه أنسب بما سلف من قوله تعالى:

# وضآئق به صدرك

# [هود: 12] ولما سيأتي إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه:

# فلا تك في مرية منه

# [هود: 17] وأشد بما يعقبه))، وقد يؤيد أيضا بما أشرنا إليه لكن لا يخفى
~~أن الكلام على التفسير الأول موافق لما قبله لأن ضمير الجمع في الآية
~~المتقدمة للكفار والضمير في هذه ضمير الجمع فليكن لهم أيضا، ولأن الكفار
~~أقرب المذكورين فرجوع الضمير إليهم أولى، ولأن في التفسير الثاني تأويلات
~~لا يحتاج ms04278 إليها في الأول. ومن هنا استظهره أبو حيان واستحسنه الزمخشري،
~~ولعل مرجحاته أقوى من مرجحات الأخير عند من تأمل فلذا قدمناه، وإن قيل:
~~إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك، ويكتب  فإلم  في المصحف  على ما قال
~~الأجهوري  بغير نون، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { نزل } بفتح
~~النون والزاي وتشديدها، وفي «البحر» أن  ما  يحتمل أن تكون مصدرية أي
~~أن التنزيل، وأن تكون موصولة بمعنى الذي أي أن الذي نزله، وحذف العائد
~~المنصوب في مثل ما ذكر شائع، وفاعل  نزل  ضميره تعالى، وجوز بعضهم كون
~~ ما  موصولة على قراءة الجمهور أيضا، ويبعد ذلك بحسب المعروف في مثله
~~أنها موصولة فافهم.

### || [11.15]

# { من كان يريد } أي بأعماله الصالحة بحسب الظاهر { الحيوة
~~الدنيا وزينتها } أي ما يزينها ويحسنها من الصحة والأمن وكثرة
~~الأموال والأولاد والرياسة وغير ذلك، وإدخال { كان } للدلالة على
~~الاستمرار أي من يريد ذلك بحيث لا يكاد يريد الآخرة أصلا { نوف
~~إليهم أعملهم فيها } أي نوصل إليهم أجور أعمالهم في
~~الدنيا وافية، فالكلام على حذف مضاف، وقيل: الأعمال عبارة عن الأجور
~~مجازا، وإليه يشير كلام شيخ الإسلام والأول أولى، و { نوف } متضمن
~~معنى نوصل ولذا عدي بإلى، وإلا فهو مما يتعدى بنفسه، وقيل: إنه مجاز عن
~~ذلك، وقرأ طلحة بن ميمون  يوف  بالياء، وإسناد الفعل إلى الله تعالى،
~~وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما  يوف  بالياء مخففا مضارع أوفى،
~~وقرىء  توف  بالتاء مبنيا للمفعول، ورفع { أعملهم } والفعل في
~~كل ذلك مجزوم على أنه جواب الشرط كما انجزم في قوله سبحانه:

# من كان يريد حرث الأخرة نزد له في حرثه

# [الشورى: 20] وحكى الفراء أن { كان } زائدة ولذا جزم الجواب، وتعقبه
~~أبو حيان بأنه لو كانت زائدة لكان فعل الشرط { يريد } وكان يكون
~~مجزوما، وأجيب بأنه يحتمل أنه أراد بكونها زائدة أنها غير لازمة في
~~المعنى، وقرأ الحسن  نوفي  بالتخفيف وإثبات الياء، وذلك إما على لغة من
~~يجزم المنقوص بحذف الحركة المقدرة كما في قوله:

# ألم يأتيك والأنباء ms04279 تنمي

# أو على ما سمع في كلام العرب إذا كان الشرط ماضيا من عدم جزم الجزاء
~~وإما لأن الأداة لما لم تعمل في الشرط القريب ضعفت عن العمل في لفظ
~~الجزاء البعيد فعملت في محله. / ونقل عن عبد القاهر أنها لا تعمل فيه
~~أصلا لضعفها، والمشهور فيه عن النحاة مذهبان: كون الجزاء في نية
~~التقديم. وكونه على تقدير الفاء والمبتدأ، ويمكن أن يرد ذلك إلى هذا،
~~وليس هذا مخصوصا فيما إذا كان الشرط كان على الصحيح لمجيئه في غيره
~~كثيرا، ومنه:

# وإن أتاه خليل يوم مسغبة

# يقول: لا غائب مالي ولا حرم

# { وهم فيها لا يبخسون } أي لا ينقصون، والظاهر أن الضمير
~~المجرور  للحياة الدنيا  وقيل: الأظهر أن يكون للأعمال لئلا يكون
~~تكرارا بلا فائدة، ورد بأن فائدته إفادته من أول الأمر أن عدم البخس
~~ليس إلا في الدنيا فلو لم يذكر توهم أنه مطلق على أنه لا يجوز أن يكون
~~للتأكيد ولا ضرر فيه، وإنما عبر عن ذلك بالبخس الذي هو نقص الحق، ولذلك
~~قال الراغب: هو نقص الشيء على سبيل الظلم مع أنه ليس لهم شائبة حق فيما
~~أوتوه كما عبر عن إعطائه بالتوفية التي هي إعطاء الحقوق مع أن أعمالهم
~~بمعزل من كونها مستوجبة لذلك  كما قال بعض المحققين  بناءا للأمر على
~~ظاهر الحال ومحافظة على صور الأعمال ومبالغة في نفي النقص كأن ذلك نقص
~~لحقوقهم فلا يدخل تحت الوقوع والصدور عن الكريم أصلا لكن ينبغي أن يعلم
~~أن هذا ليس على إطلاقه بل الأمر دائر على المشيئة الجارية على قضية
~~الحكمة كما نطق به قوله سبحانه:

# من كان يريد العجلة عجلنا له فيها ما نشآء
~~لمن نريد

# [الإسراء: 18]. وأخرج النحاس في «ناسخه» عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أن هذه الآية نسخت الآية التي نحن فيها، وأنت تعلم أنه لا نسخ في
~~الأخبار، ولعل هذا إن صح محمول على المسامحة.

### || [11.16]

# { أولئك } إشارة إلى المذكورين باعتبار استمرارهم على إرادة
~~الحياة الدنيا، أو باعتبار توفيتهم أجورهم ms04280 فيها من غير بخس، أو
~~باعتبارهما معا، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في سوء
~~الحال { الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار } لأن
~~هممهم كانت مصروفة إلى اقتناص الدنيا وأعمالهم كانت ممدودة ومقصورة على
~~تحصيلها؛ وقد ظفروا بما يترتب على ذلك ولم يريدوا به شيئا آخر فلا جرم
~~لم يكن لهم في الآخرة إلا النار وعذابها المخلد.

# { وحبط ما صنعوا فيها } أي في الآخرة كما هو الظاهر، فالجار
~~متعلق  بحبط  و { ما } تحتمل المصدرية والموصولية أي ظهر في الآخرة
~~حبوط صنعهم، أو الذي صنعوه من الأعمال التي كانت تؤدي إلى الثواب الأخروي
~~لو كانت معمولة للآخرة، ويجوز أن يعود الضمير إلى الدنيا فيكون الجار
~~متعلقا بصنعوا  و { ما } على حالها، والمراد بحبوط الأعمال عدم
~~مجازاتهم عليها لفقد الاعتداد بها لعدم الإخلاص الذي هو شرط ذلك، وقيل:
~~لجزائهم عليها في الدنيا.

# { وبطل ما كانوا يعملون } قال أبو حيان: هو تأكيد لقوله
~~سبحانه: { حبط } الخ، والظاهر أنه حمل { ما كانوا يعملون }
~~على معنى { ما صنعوا } والبطلان على عدم النفع وهو راجع إلى معنى
~~الحبوط. ولما رأى بعضهم أن التأسيس أولى من التأكيد أبقى ما يعملون على
~~ذلك المعنى، وحمل بطلان ذلك على فساده في نفسه لعدم شرط الصحة، وقال: كأن
~~كلا من الجملتين علة لما قبلها على معنى ليس لهم في الآخرة إلا النار
~~لحبوط أعمالهم وعدم ترتب الثواب عليها لبطلانها وكونها ليست على ما
~~ينبغي، والأولى ما صنعه المولى / أبو السعود عليه الرحمة حيث حمل البطلان
~~على الفساد في نفسه، و { ما كانوا يعملون } على أعمالهم في
~~أثناء تحصيل المطالب الدنيوية، ثم قال: ولأجل أن الأول من شأنه استتباع
~~الثواب والأجر وأن عدمه لعدم مقارنته للإيمان والنية الصحيحة، وأن الثاني
~~ليس له جهة صالحة قط علق بالأول الحبوط المؤذن بسقوط أجره بصيغة الفعل
~~المنبىء عن الحدوث، وبالثاني البطلان المفصح عن كونه بحيث لا طائل تحته
~~أصلا بالاسمية الدالة على كون ذلك وصفا لازما له ثابتا فيه، وفي
~~زيادة ms04281  كان  في الثاني دون الأول إيماء إلى أن صدور أعمال البر منهم
~~وإن كان لغرض فاسد ليس في الاستمرار والدوام كصدور الأعمال التي هي
~~مقدمات مطالبهم الدنيئة انتهى.

# ويحتمل عندي على بعد أن يراد  بما كانوا يعملون  هو ما استمروا عليه
~~من إرادة الحياة الدنيا وهو غير ما صنعوه من الأعمال التي نسب إليها
~~الحبوط وإطلاق مثل ذلك على الإرادة مما لا بأس به لأنها من أعمال القلب،
~~ووجه الإتيان  بكان  فيه موافقته لما أشار هو إليه، وفي الجملة تصريح
~~باستمرار بطلان تلك الإرادة وشرح حالها بعد شرح حال المريد وشرح أعماله
~~أراد بها الحياة الدنيا وزينتها، وأيا ما كان فالظاهر أن { باطل }
~~خبر مقدم و { ما كانوا } هو المبتدأ، وجوز في «البحر» كون { باطل }
~~خبرا بعد خبر، و { ما } مرتفعة به على الفاعلية.

# وقرىء  وبطل  بصيغة الفعل أي ظهر بطلانه حيث علم هناك أن ذاك وما
~~يستتبعه من الحظوظ الدنيوية مما لا طائل تحته أو انقطع أثره الدنيوي فبطل
~~مطلقا، وقرأ أبي وابن مسعود  وباطلا  بالنصب ونسب ذلك إلى عاصم
~~وخرجه صاحب «اللوامح» على أن { ما } سيف خطيب  وباطل  مفعول  ليعلمون
~~ وفيه تقديم معمول { كان } وفيه  كتقديم الخبر  خلاف، والأصح الجواز
~~لظاهر قوله تعالى:

# أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون

# [سبأ: 40] ومن منع تأول، وجوز أن يكون منصوبا  بيعملون  و { ما }
~~إبهامية صفة له أي باطلا أي باطل، ونظير ذلك حديث ما على قصره ولأمر ما
~~جدع قصير أنفه، وأن يكون مصدرا بوزن فاعل، وهو منصوب بفعل مقدر، و { ما
~~} اسم موصول فاعله أي بطل بطلانا الذي كانوا يعملونه، ونظيره خارجا في
~~قول الفرزدق:

# ألم ترني عاهدت ربي وأنني

# لبين رتاج قائما ومقام

# علي حلفة لا أشتم الدهر مسلما

# ولا (خارجا) من في زور كلام

# فإنه أراد ولا يخرج من في زور كلام خروجا، وفي ذلك على ما في «البحر»
~~إعمال المصدر الذي هو بدل من الفعل في غير الاستفهام والأمر هذا، والظاهر
~~أن الآية في مطلق الكفرة الذين يعملون البر ms04282 لا على الوجه الذي ينبغي،
~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما عن أنس رضي الله تعالى عنه أنها
~~نزلت في اليهود والنصارى، ولعل المراد  كما قال ابن عطية  أنهم سبب
~~النزول فيدخلون فيها لا أنها خاصة بهم ولا يدخل فيها غيرهم، وقال
~~الجبائي: هي في الذين جاهدوا من المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم جعل الله تعالى حظهم من ذلك سهمهم في الغنائم، وفيه أن ذلك إنما كان
~~بعد الهجرة والآية مكية، وقيل: في أهل الرياء يقال لقارىء القرآن منهم:
~~أردت أن يقال: فلان قارىء، فقد قيل اذهب فليس لك عندنا شيء، وهكذا لغيره
~~من المتصدق والمقتول في الجهاد وغيرهما ممن عمل من أعمال البر لا لوجه
~~الله تعالى، وربما يؤيد ذلك ما روي عن معاوية حين حدثه أبو هريرة بما
~~تضمن ذلك فبكى، وقال: صدق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم { من كان
~~يريد الحيوة الدنيا وزينتها }  إلى قوله سبحانه:

# وبطل ما كانوا يعملون

# [هود: 61] وعليه فلا بد من / تقييد قوله عز وجل: { ليس لهم في
~~الآخرة إلا النار } بأن ليس لهم بسبب أعمالهم الريائية إلا ذلك
~~وهو خلاف الظاهر، والسياق يقتضي أنها في الكفرة مطلقا وبرهم كما قلنا،
~~ومن هنا اشتهر أن الكافر يعجل له ثواب أعماله في الدنيا بتوسعة الرزق
~~وصحة البدن وكثرة الولد ونحو ذلك وليس لهم في الآخرة من نصيب لكن ذهب
~~جماعة إلى أنه يخفف بها عنه عذاب الآخرة، ويشهد له قصة أبي طالب، وذهب
~~آخرون إلى أن ما يتوقف على النية من الأعمال لا ينتفع الكافر به في
~~الآخرة أصلا لفقدان شرطه إذ لم يكن من أهل النية لكفره، وما لا ينتفع به
~~ويخفف به عذابه، وبذلك يجمع بين الظواهر المقتضي بعضها للانتفاع في
~~الجملة وبعضها لعدمه أصلا فتدبر.

# ووجه ارتباط هذه الآية بما قبلها على ما في «مجمع البيان» ((أنه سبحانه
~~لما قال: { فهل أنتم مسلمون } [هود: 14]؟ فكأن قائلا قال:
~~إن أظهرنا الإسلام لسلامة النفس والمال يكون ماذا؟ فقيل: ms04283

# من كان يريد الحيوة الدنيا

# )) [هود: 15] الخ، أو يقال: إن فيما قبل ما يتضمن إقناط الكفرة من أن
~~يجيرهم آلهتهم من بأس الله عز سلطانه كما تقدم، وذكره بعض المحققين فلا
~~يبعد أن يكون سماعهم ذلك سببا لعزمهم على إظهار الإسلام، أو فعل بعض
~~الأعمال الصالحة ظنا منهم أن ذلك مما يجيرهم وينفعهم فشرح لهم حكم مثل
~~ذلك بقوله سبحانه:

# من كان يريد

# [هود: 15] الخ لكن أنت تعلم أن هذا يحتاج إلى ادعاء أن ذلك العزم من باب
~~الاحتياط. وفي «البحر» في بيان المناسبة أنه سبحانه لما ذكر شيئا من
~~أحوال الكفار في القرآن ذكر شيئا من أحوالهم الدنيوية وما يؤولون إليه
~~في الآخرة، وأبو السعود بين ذلك على وجه يقوي به ما ادعاه من أنسبية كون
~~الخطاب فيما سلف له عليه الصلاة والسلام والمؤمنين، فقال: والذي يقتضيه
~~جزالة النظم الكريم أن المراد مطلق الكفرة بحيث يندرج فيهم القادحون في
~~القرآن العظيم اندراجا أوليا فإنه عز وجل لما أمر نبيه صلى الله عليه
~~وسلم والمؤمنين بأن يزدادوا علما ويقينا بأن القرآن منزل بعلم الله
~~سبحانه وبأن لا قدرة لغيره سبحانه على شيء أصلا وهيجهم على الثبات على
~~الإسلام والرسوخ فيه عند ظهور عجز الكفرة وما يدعون من دون الله تعالى عن
~~المعارضة وتبين أنهم ليسوا على شيء أصلا اقتضى الحال أن يتعرض لبعض
~~شؤونهم الموهمة لكونهم على شيء في الجملة من نيلهم الحظوظ العاجلة
~~واستوائهم على المطالب الدنيوية، وبيان أن ذلك بمعزل عن الدلالة عليه،
~~ولقد بين ذلك أي بيان انتهى، ولا يخفى أنه يمكن أن يقرر هذا على وجه لا
~~يحتاج فيه إلى توسط حديث جعل الخطاب السابق له صلى الله عليه وسلم
~~والمؤمنين فليفهم.

# واستدل في الأحكام بالآية على أن ما سبيله أن لا يفعل إلا على وجه
~~القربة لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأن الأجرة من حظوظ الدنيا فمن أخذ عليه
~~الأجرة خرج من أن يكون قربة بمقتضى الكتاب والسنة، وادعى إلكيا أنها مثل
~~قوله صلى الله ms04284 عليه وسلم:

# " إنما الأعمال بالنيات "

# وتدل على أن من صام في رمضان لا عن رمضان لا يقع عن رمضان، وعلى أن من
~~توضأ للتبرد أو التنظف لا يصح وضوؤه، وفي ذلك خلاف مبسوط بما له وعليه في
~~محله.

### || [11.17]

# { أفمن كان على بينة من ربه } تدل على الحق والصواب
~~فيما يأتيه ويذره، ويدخل في ذلك الإسلام دخولا أوليا، واقتصر عليه
~~بعضهم بناء على أنه المناسب لما بعد، وأصل  البينة  كما قيل: الدلالة
~~الواضحة عقلية كانت أو محسوسة، وتطلق على الدليل مطلقا، وهاؤها
~~للمبالغة، أو النقل، وهي وإن قيل: إنها من بان بمعنى تبين واتضح لكنه
~~اعتبر فيها دلالة الغير والبيان له، وأخذها بعضهم من صيغة المبالغة،
~~والتنوين فيها / هنا للتعظيم أي بينة عظيمة الشأن، والمراد بها القرآن
~~وباعتبار ذلك أو البرهان ذكر الضمير الراجع إليها في قوله سبحانه: {
~~ويتلوه } أي يتبعه { شاهد } عظيم يشهد بكونه من عند الله تعالى
~~شأنه وهو  كما قال الحسين بن الفضل  الإعجاز في نظمه، ومعنى كون ذلك
~~تابعا له أنه وصف له لا ينفك عنه حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها
~~فلا يستطيع أحد من الخلق جيلا بعد جيل معارضته ولو كان بعضهم لبعض
~~ظهيرا. وكذا الضمير في { منه } وهو متعلق بمحذوف وقع صفة لشاهد،
~~ومعنى كونه منه أنه غير خارج عنه. وجوز أن يكون هذا الضمير راجعا إلى
~~الرب سبحانه، ومعنى كونه منه تعالى أنه وارد من جهته سبحانه للشاهد، وعلى
~~هذا يجوز أن يراد بالشاهد المعجزات الظاهرة على يد رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فإنها من الشواهد التابعة للقرآن الواردة من قبله عز وجل، وأمر
~~التبعية فيها ظاهر، والمراد بالموصول كل من اتصف بتلك الكينونة من
~~المؤمنين. وعن أبي العالية أنه النبي عليه الصلاة والسلام ولا يخفى أن
~~قوله سبحانه الآتي: { أولئك } الخ لا يلائمه إلا أن يحمل على
~~التعظيم، وأيضا إن السياق كما ستعلم إن شاء الله تعالى للفرق بين
~~الفريقين المؤمنين ومن يريد الحياة الدنيا لا بينهم وبين النبي ms04285 صلى الله
~~عليه وسلم، وفسر أبو مسلم وغيره البينة بالدليل العقلي، والشاهد بالقرآن
~~وضمير { منه } لله تعالى، و(من) ابتدائية، أو للقرآن فقد تقدم ذكره،
~~و(من) حينئذ إما بيانية وإما تبعيضية بناءا على أن القرآن ليس كله
~~شاهدا وليس من التجريد على ما توهم الطيبي، فيكون في الآية إشارة إلى
~~الدليلين العقلي والسمعي، ومعنى كون الثاني تابعا للأول على ما قيل: إنه
~~موافق له لا يخالفه أصلا، ومن هنا قالوا: إن النقل الصحيح لا يخالف
~~العقل الصريح، ولذا أولوا الدليل السمعي إذا خالف ظاهره الدليل العقلي،
~~ولعل في التعبير عن الأول بالبينة التي جاء إطلاقها في كلام الشارع على
~~شاهدين، وعن الثاني بالشاهد الإيماء إلى أن الدليل العقلي أقوى دلالة من
~~الدليل السمعي لأن دلالة الأول قطعية ودلالة الثاني ظنية غالبا
~~للاحتمالات الشهيرة التي لا يمكن القطع معها، وقد يقال: إن التعبير عن
~~الثاني بالشاهد لمكان التلو.

# وعن ابن عباس ومجاهد والنخعي والضحاك وعكرمة وأبي صالح وسعيد بن جبير
~~أن البينة القرآن، والشاهد هو جبريل عليه السلام  ويتلو  من التلاوة لا
~~التلو، وضمير { منه } لله تعالى، وفي رواية عن مجاهد أن الشاهد ملك
~~يحفظ القرآن وليس المراد الحفظ المتعارف لأنه  كما قال ابن حجر  خاص
~~بجبريل عليه السلام، وضمير { منه } كما في سابقه إلا أن يتلو من التلو
~~والضمير المنصوب للبينة، وقيل: لمن كان عليها، وعن الفراء أن الشاهد هو
~~الإنجيل، { ويتلوه } وضمير { منه } على طرز ما روي عن مجاهد سوى
~~أن ضمير  يتلوه  للقرآن. وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن الحنفية أن الشاهد
~~لسانه صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر أهل اللغة ذلك؛ وكذا الملك من معانيه،
~~و  يتلو  حينئذ من التلاوة، والإسناد مجازي ومفعوله للبينة، وضمير {
~~منه } للرسول صلى الله عليه وسلم بناءا على أنه المراد بالموصول،
~~و(من) تبعيضية، وقيل: الشاهد صورته عليه الصلاة والسلام ومخايله لأن كل
~~عاقل يراه يعلم أنه عليه الصلاة والسلام رسول الله.

# وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه ms04286 قال: «ما
~~من رجل من قريش إلا نزل / فيه طائفة من القرآن، فقال له رجل: ما نزل فيك؟
~~قال: أما تقرأ سورة هود { أفمن كان على بينة من ربه
~~} الآية من كان على بينة من ربه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شاهد
~~منه»، وأخرج المنهال عن عبادة بن عبد الله مثله، وأخرج ابن مردويه بوجه
~~آخر عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " { أفمن كان على بينة من ربه } أنا { ويتلوه
~~شاهد } علي "

# وأخرج الطبرسي نحو ذلك عن بعض أهل البيت رضي الله تعالى عنهم وتعلق به
~~بعض الشيعة في أن عليا كرم الله تعالى وجهه هو خليفة رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم لأن الله تعالى سماه شاهدا كما سمى نبيه عليه الصلاة والسلام
~~كذلك في قوله سبحانه:

# إنآ أرسلنك شاهدا ومبشرا ونذيرا

# [الفتح: 8] والمراد شاهدا على الأمة كما يشهد له عطف { مبشرا
~~ونذيرا } عليه فينبغي أن يكون مقامه كرم الله تعالى وجهه بين الأمة
~~كمقامه عليه الصلاة والسلام بينهم، وحيث أخبر سبحانه أنه يتلوه أي يعقبه
~~ويكون بعده دل على أنه خليفته، وأنت تعلم أن الخبر مما لا يكاد يصح،
~~وفيما سيأتي في الآية إن شاء الله تعالى إباء عنه، ويكذبه ما أخرجه ابن
~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني في «الأوسط» عن
~~محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنه قال: قلت لأبي كرم الله تعالى وجهه:
~~إن الناس يزعمون في قول الله تعالى: { ويتلوه شاهد منه } أنك
~~أنت التالي؟ قال: وددت أني هو ولكنه لسان محمد صلى الله عليه وسلم، على
~~أن في تقرير الاستدلال ضعفا وركاكة بلغت الغاية القصوى كما لا يخفى على
~~من له أدنى فطنة.

# ونقل أبو حيان أن هذا الشاهد هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وفيه
~~ما فيه.

# وفي عطف  يتلوه  احتمالان: الأول: أن يكون على ما وقع صفة لبينة،
~~والثاني: أن يكون على جملة { كان } ومرفوعها، وقوله ms04287 سبحانه: { ومن
~~قبله كتاب موسى } عطف على { شاهد } والضمير المجرور له، وقد
~~توسط الجار والمجرور بينهما، والظاهر أنه متعلق بمحذوف وقع حالا من
~~الكتاب أي: ويتلوه في التصديق كتاب موسى منزلا من قبله، وحاصله أفمن كان
~~على بينة من ربه ويشهد لصدقه شاهد منه وشاهد آخر من قبله وهو كتاب موسى،
~~قيل: وإنما قدم في الذكر المؤخر في النزول لكونه وصفا لازما له غير
~~مفارق عنه ولعراقته في وصف التلو، وهذا على تقدير أن يكون المراد بالشاهد
~~الإعجاز  كما اختاره بعض المحققين  وقد يقال: إن تأخير بيان شهادة هذا
~~الشاهد عن بيان شهادة الشاهد الأول لأنها ليست في الظهور عند الأمة
~~كشهادة الأول وهو جار على غير ذلك التقدير أيضا، وتخصيص كتاب موسى عليه
~~السلام بالذكر بناء على عدم إرادة الإنجيل فيما تقدم لأن الملتين
~~مجتمعتان على أنه من عند الله تعالى بخلاف الإنجيل فإن اليهود مخالفون
~~فيه فكان الاستشهاد بما تقوم به الحجة على الفريقين أولى.

# وأوجب بعضهم كون { ومن قبله كتاب موسى } جملة مبتدأة غير
~~داخلة في حيز شيء مما قبلها وهو مبني على كثير من الاحتمالات السابقة في
~~الشاهد، وقرأ محمد بن السائب الكلبي وغيره { كتاب } بالنصب على أنه
~~معطوف على مفعول  يتلوه  أو منصوب بفعل مقدر أي ويتلو كتاب موسى،
~~والأول أولى لأن الأصل عدم التقدير و { يتلو } في هذه القراءة من
~~التلاوة، والضمير المنصوب للقرآن والمجرور لمن، و { من } تبعيضية لا
~~تجريدية، والمعنى على ما يقتضيه كلام «الكشاف» أفمن كان على بينة على أن
~~القرآن حق لا مفترى، والمراد به أهل الكتاب ممن كان يعلم أن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم على الحق وأن كتابه هو الحق لما كانوا وجدوه في
~~التوراة، ويقرأ القرآن شاهد من هؤلاء، ويقرأ من قبل القرآن كتاب موسى،
~~والمراد بهذا الشاهد ما أريد به / في قوله سبحانه:

# وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله

# [الأحقاف: 10] وهو عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه، ففي الآية مدح
~~أهل الكتاب ms04288 وخص من بينهم تالي الكتابين وشاهدهم بالذكر دلالة على مزيد
~~فضله وتنبيها على أنهم مشايعوه في اتباع الحق وإن لم يبلغوا رتبة
~~الشاهد، وفي قوله تعالى: { يتلوه } استحضار للحال ودلالة على استمرار
~~التلاوة، وهو كما قيل في غاية التطابق للكلام { إماما } أي مؤتما به
~~في الدين ومقتدى، وفي التعرض لهذا الوصف مع بيان تلو الكتاب ما لا يخفى
~~من تفخيم شأن المتلو والتنوين فيه للتعظيم، وكذا في قوله سبحانه: {
~~ورحمة } أي نعمة عظيمة على من أنزل إليهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة
~~باعتبار أحكامه الباقية المؤيدة بالقرآن العظيم وهما حالان من الكتاب.

# { أولئك } أي الموصوفون بتلك الصفة الحميدة وهي الكون على بينة {
~~يؤمنون به } أي يصدقون بالقرآن حق التصديق حسبما يشهد به تلك
~~الشواهد الحقة المعربة عن حقيته ولا يقلدون أحدا من عظماء الدين؛
~~فالضمير للقرآن، وقيل: إنه لكتاب موسى عليه السلام لأنه أقرب ولا يناسب
~~ما بعد، وإن لم يك خاليا عن الفائدة، وقيل: إنه للنبي صلى الله عليه
~~وسلم { ومن يكفر به } أي بالقرآن ولم يعتد بتلك الشواهد الحقة ولم
~~يصدق بها { من الأحزاب } من أهل مكة ومن تحزب معهم على رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم قاله بعضهم، وأخرج عبد الرزاق عن قتادة أن الأحزاب
~~الكفار مطلقا فإنهم تحزبوا على الكفر، وروي ذلك عن ابن جبير، وفي رواية
~~أبي الشيخ عن قتادة أنهم اليهود والنصارى، وقال السدي: هم قريش، وقال
~~مقاتل: هم بنو أمية وبنو المغيرة بن عبد الله المخزومي وآل أبي طلحة بن
~~عبيد الله { فالنار موعده } أي يردها لا محالة حسبما نطق به
~~قوله سبحانه:

# ليس لهم في الآخرة إلا النار

# [هود: 16] وآيات أخر، والموعد اسم مكان الوعد كما في قول حسان:

# أوردتموها حياض الموت ضاحية

# فالنار موعدها والموت لاقيها

# وفي جعل النار موعدا إشعار بأن له فيها ما لا يوصف من أفانين العذاب.

# { فلا تك في مرية منه } أي في شك من أمر القرآن وكونه من
~~عند الله تعالى غب ما شهدت به الشواهد ms04289 وظهر فضل من تمسك به، أو لا تك
~~في شك من كون النار موعدهم، وادعى بعضهم أنه الأظهر وليس كذلك، وأيا ما
~~كان فالخطاب إن كان عاما لمن يصلح له فالمراد التحريض على النظر الصحيح
~~المزيل للشك، وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم فهو بيان لأنه ليس محلا
~~للشك تعريضا بمن شك فيه ولا يلزم من نهيه عليه الصلاة والسلام عنه وقوعه
~~ولا توقعه منه صلى الله عليه وسلم، وقرأ السلمي وأبو رجاء وأبو الخطاب
~~السدوسي والحسن { مرية } بضم الميم وهي لغة أسد وتميم، والكسر لغة أهل
~~الحجاز.

# { أنه الحق من ربك } أي الذي يربيك في دينك ودنياك {
~~ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } بذلك إما لقصور أنظارهم
~~واختلال أفكارهم وإما لاستكبارهم وعنادهم و { الناس } على ما روي عن
~~ابن عباس أهل مكة، قال صاحب «الفينان»: جميع الكفار، هذا والهمزة في {
~~أفمن } قيل: للتقرير و  من  مبتدأ والخبر محذوف أي أفمن كان كذا
~~كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها، وحذف معادل الهمزة ومثله كثير، واختار
~~هذا أبو حيان، والذي يقتضيه كلام الزمخشري  ولعله الأولى  خلافه حيث
~~قال: المعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كمن كان على بينة أي لا يعقبونهم
~~ولا يقاربونهم في المنزلة إلى آخر ما قال، وحاصله على ما في «الكشف» أن
~~الفاء عاطفة / للتعقيب مستدعية ما يعطف عليه وهو الدال عليه قوله سبحانه:

# من كان

# [هود: 15] الآية، فالتقدير أمن كان يريد الحياة الدنيا على أنها موصولة
~~فمن كان على بينة من ربه، والخبر محذوف لدلالة الفاء أي يعقبونهم أو
~~يقربونهم، والاستفهام للإنكار فيفيد أن لا تقارب بين الفريقين فضلا عن
~~التماثل فلذلك صار أبلغ من نحو قوله تعالى:

# أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا

# [السجدة: 18] وأما إنها عطف على قوله تعالى:

# من كان يريد الحيوة الدنيا

# [هود: 15] فلا وجه له لأنه يصير من عطف الجملة، ولا يدل على إنكار
~~التماثل، ولا معنى لتقدير الاستفهام في الأول فإن الشرط والجزاء لا إنكار
~~عليه انتهى، وهو جار على أحد مذهبين ms04290 للنحاة في مثله، ويعلم مما تقرر أن
~~الآية مرتبطة بقوله سبحانه:

# من كان

# [هود: 15] الخ، ومساقها عند شيخ الإسلام للترغيب أيضا فيما ذكر من
~~الإيمان بالقرآن والتوحيد والإسلام، وادعى الطبرسي أنها مرتبطة بقوله
~~تعالى:

# قل فأتوا بعشر سور مثله

# [هود: 13] وأن المراد أنهم إذا لم يأتوا بذلك فقل لهم: أفمن كان على
~~بينة ولا بينة له على ذلك.

### || [11.18]

# { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } بأن نسب
~~إليه ما لا يليق به كقولهم: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك علوا
~~كبيرا، وقولهم لآلهتهم:

# هؤلآء شفعؤنا عند الله

# [يونس: 18] والمراد من الآية ذم أولئك الكفرة بأنهم مع كفرهم بآيات الله
~~تعالى مفترون عليه سبحانه، ويجوز أن تكون لنوع آخر من الدلالة على أن
~~القرآن ليس بمفترى، فإن من يعلم حال من يفتري على الله سبحانه كيف
~~يرتكبه، وأن تكون من الكلام المنصف أي لا أحد أظلم مني أن أقول لما ليس
~~بكلام الله تعالى إنه كلامه كما زعمتم، أو منكم إن كنتم نفيتم أن يكون
~~كلامه سبحانه مع تحقق أنه كلامه جل وعلا، وفيه من الوعيد والتهويل ما لا
~~يخفى، ويجوز عندي إذا كان ما قبل في مؤمني أهل الكتاب أن يكون هذا في
~~بيان حال كفرتهم الذين أسندوا إليه سبحانه ما لم ينزله من المحرف الذي
~~صنعوه ونفوا عنه سبحانه ما أنزله من القرآن أو من نعت النبي صلى الله
~~عليه وسلم، وأيا ما كان فالمراد نفي أن يكون أظلم من ذلك أو مساويا في
~~الظلم على ما تقدم.

# { أولئك } أي الموصوفون بالظلم البالغ وهو الافتراء {
~~يعرضون } من حيث أنهم موصوفون بذلك { على ربهم } أي مالكهم
~~الحق والمتصرف فيهم حسبما يريد، وفيه على ما قيل: إيماء إلى بطلان رأيهم
~~في اتخاذهم أربابا من دونه سبحانه وتعالى، وجعل بعضهم الكلام على تقدير
~~المضاف أي تعرض أعمالهم، أو على ارتكاب المجاز ولا يحتاج إلى ذلك على ما
~~أشير إليه لأن عرضهم من تلك الحيثية وبذلك العنوان عرض لأعمالهم على وجه ms04291
~~أبلغ فإن عرض العامل بعمله أفظع من عرض عمله مع غيبته، والظاهر أنه لا
~~حذف في قوله سبحانه: { على ربهم } ويفوض من يقف على الله. وقيل:
~~هناك مضاف محذوف أي على ملائكة ربهم وأنبياء ربهم وهم المراد بالأشهاد في
~~قوله تعالى: { ويقول الأشهد } وتفسيرهم بالملائكة مطلقا هو
~~المروي عن مجاهد، وعن ابن جريج تفسيرهم بالحفظة من الملائكة عليهم
~~السلام، وقيل: المراد بهم الملائكة والأنبياء والمؤمنون، وقيل: جوارحهم،
~~وعن مقاتل وقتادة هم جميع أهل الموقف، وهو جمع شاهد بمعنى حاضر كصاحب
~~وأصحاب بناءا على جواز جمع فاعل على أفعال، أو جمع شهيد بمعناه كشريف
~~وأشراف أي ويقول الحاضرون عند العرض أو في موقف القيامة.

# { هؤلآء الذين كذبوا على ربهم } ويحتمل أن يكون
~~شهادة على تعيين من صدر منه الكذب كأن وقوعه / أمر واضح غني عن الشهادة،
~~وإنما المحتاج إليها ذلك ولذا لم يقولوا: هؤلاء كذبوا بدون الموصول،
~~ويحتمل أن يكون ذما لهم بتلك الفعلة الشنيعة لا شهادة عليهم كما يشعر به
~~قوله تعالى: { ويقول } دون ويشهد، وتوطئة لما يعقبه من قوله تعالى: {
~~ألا لعنة الله على الظلمين } أي بالافتراء المذكور،
~~والظاهر أن هذا من كلام الأشهاد على الاحتمالين، ويؤيده ما أخرجه الشيخان
~~وخلق كثير عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم يقول:

# " إن الله تعالى يدني المؤمن حتى يضع كنفه عليه ويستره من الناس ويقرره
~~بذنوبه ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: رب أعرف حتى إذا
~~قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا
~~وأنا أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول
~~الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين "

# وجوز على الاحتمال الأول أن يكون من كلام الله تعالى، وحينئذ يجوز أن
~~يراد بالظالمين ما يعم الظالمين بالافتراء. والظالمين بغير ذلك، ويدخل
~~فيه الأولون دخولا أوليا، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ميمون بن ms04292
~~مهران قال: إن الرجل ليصلي ويلعن نفسه في قراءته فيقول: ألا لعنة الله
~~على الظالمين وهو ظالم. وربما يجوز ذلك على الاحتمال الثاني أيضا، وأيا
~~ما كان  فهؤلاء الذين  مبتدأ وخبر، واحتمال أن يكون { هؤلآء }
~~مبتدأ، و { الذين } تابع له، وجملة { ألا لعنة الله على
~~الظلمين } خبره، وقد أقيم الظاهر مقام المضمر أي عليهم لذمهم
~~بمبدأ الاشتقاق مع الإشارة إلى علة الحكم كما ترى، وجملة  يقول الأشهاد
~~ قيل: مستأنفة على أنها جواب سؤال مقدر كأن سائلا سأل إذ سمع أنهم
~~يعرضون على ربهم ماذا يكون إذ ذاك؟ فأجيب بما ذكر، وقيل  وهو الظاهر 
~~إنها معطوفة على جملة { يعرضون } على معنى أولئك يعرضون ويقول
~~الأشهاد في حقهم، أو ويقول أشهادهم والحاضرون عند عرضهم { هؤلاء }
~~الخ، وكأن هذا لبيان أنها مرتبطة في التقدير بالمبتدأ كارتباط الجملة
~~المعطوفة هي عليها به، وقيل: كفى اسم الإشارة القائم مقام الضمير للتحقير
~~رابطا فتدبر.

### || [11.19]

# { الذين يصدون } أي كل من يقدرون على صده أو يفعلون الصد { عن
~~سبيل الله } أي دينه القويم وإطلاق ذلك عليه كالصراط المستقيم مجاز
~~{ ويبغونها عوجا } أي يطلبون لها انحرافا، والمراد أنهم
~~يصفونها بذلك وهي أبعد شيء عنه، وإطلاق الطلب على الوصف مجاز من إطلاق
~~السبب على المسبب، ويجوز أن يكون الكلام على حذف مضاف أي يبغون أهلها أن
~~ينحرفوا عنها ويرتدوا، وقيل: المعنى يطلبونها على عوج ونصب { عوجا }
~~على أنه مفعول به، وقيل: على أنه حال ويؤول بمعوجين { وهم
~~بالاخرة هم كفرون } أي والحال أنهم لا يؤمنون بالآخرة،
~~وتكرير الضمير لتأكيد كفرهم واختصاصهم به لأنه بمنزلة الفصل فيفيد
~~الاختصاص وضربا من التأكيد، والاختصاص ادعائي مبالغة في كفرهم بالآخرة
~~كأن كفر غيرهم بها ليس بكفر في جنبه، وقيل: إن التكرير للتأكيد وتقديم {
~~بالآخرة } للتخصيص، والأولى كون تقديمه لرؤوس الآي.

### || [11.20]

# { أولئك } الموصوفون بما يوجب التدمير { لم يكونوا
~~معجزين } لله تعالى مفلتين أنفسهم من أخذه لو أراد ذلك / { في
~~الأرض } مع سعتها وإن هربوا منها كل مهرب وجعلها بعضهم كناية عن
~~الدنيا { وما ms04293 كان لهم من دون الله من أوليآء }
~~ينصرونهم من بأسه ولكن أخر ذلك لحكمة تقتضيه، و { من } زائدة لاستغراق
~~النفي، وجمع { أوليآء } إما باعتبار أفراد الكفرة كأنه قيل: وما كان
~~لأحد منهم من ولي، أو باعتبار تعدد ما كانوا يدعون من دون الله تعالى
~~فيكون ذلك بيانا لحال آلهتهم من سقوطها عن رتبة الولاية { يضعف
~~لهم العذاب } جملة مستأنفة بين فيها ما يكون لهم ويحل بهم، وادعى
~~أنها تتضمن حكمة تأخير المؤاخذة، وزعم بعضهم أنها من كلام الأشهاد، وهي
~~دعائية ليس بشيء. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب  يضعف  بالتشديد.

# { ما كانوا يستطيعون السمع } أي أنهم كانوا يستثقلون سماع
~~الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ويستكرهونه إلى أقصى الغايات
~~حتى كأنهم لا يستطيعونه، وهو نظير قول القائل: العاشق لا يستطيع أن يسمع
~~كلام العاذل، ففي الكلام استعارة تصريحية تبعية، ولا مانع من اعتبار
~~الاستعارة التمثيلية بدلها وإن قيل به، وبالجملة لا ترد الآية على
~~المعتزلة وكذا على أهل السنة لأنهم لا ينفون الاستطاعة رأسا وإن منعوا
~~إيجاد العبد لشيء ما، وكأنه لما كان قبح حالهم في عدم إذعانهم للقرآن
~~الذي طريق تلقيه السمع أشد منه في عدم قبولهم سائر الآيات المنوطة
~~بالأبصار بالغ سبحانه في نفي الأول عنهم حسبما علمت واكتفى في الثاني
~~بنفي الإبصار فقال عز قائلا: { وما كانوا يبصرون } أي أنهم
~~كانوا يتعامون عن آيات الله تعالى المبسوطة في الأنفس والآفاق، وكأن
~~الجملة جواب سؤال مقدر عن علة مضاعفة العذاب كأنه قيل: ما لهم استوجبوا
~~تلك المضاعفة؟ فقيل: لأنهم كرهوا الحق أشد الكراهة واستثقلوا سماعه أعظم
~~الاستثقال وتعاموا عن آيات الملك المتعال، ولا يشكل على هذا قوله سبحانه:

# من جآء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا
~~يظلمون

# [الأنعام: 160] بناءا على أن المراد بمثل السيئة ما تقتضيه من العقاب
~~عند الله تعالى فلعل ما فعلوه من السيئات يقتضي تلك المضاعفة فتكون هي
~~المثل كما أن مثل سيئة الكفر هو الخلود في النار، وقيل: إن المضاعفة ms04294
~~لافترائهم وكذبهم على ربهم وصدهم عن سبيل الله تعالى وبغيهم إياها العوج
~~وكفرهم بالآخرة  على ما يدل عليه نسبة مضاعفة العذاب إلى هؤلاء
~~الموصوفين بتلك الصفات  وبه جمع بين ما هنا وقوله سبحانه:

# من جآء بالسيئة

# [الأنعام:160] الآية، ولعل التعليل بما تفيده الجملة على هذا لأنه الأصل
~~الأصيل لسائر قبائحهم ومعاصيهم.

# وزعم بعضهم أن المضاعفة لحفظ الأصل إذ لولا ذلك لارتفع ولم يبق عذابا
~~للإلف بطول الأمد وفيه ما فيه، وقيل: إن الجملة بيان لما نفى من ولاية
~~الآلهة فإن ما لا يسمع ولا يبصر بمعزل عن الولاية وقوله سبحانه: {
~~يضعف } الخ اعتراض وسط بينهما نعيا عليهم من أول الأمر بسوء
~~العاقبة، وفيه أنه مخالف للسياق ومستلزم تفكيك الضمائر، وجوز أبو البقاء
~~أن تكون { ما } مصدرية ظرفية أي يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع
~~وإبصارهم، والمعنى أن العذاب وتضعيفه دائم لهم متماد، وأجاز الفراء أن
~~تكون مصدرية وحذف حرف الجر منها كما يحذف من أن وأن، وفيه بعد لفظا
~~ومعنى.

### || [11.21]

# { أولئك } الموصوفون بتلك القبائح.

# { الذين خسروا أنفسهم } باشتراء عبادة الآلهة بعبادة الله
~~تعالى شأنه، وقيل: خسروا بسبب تبديلهم الهداية بالضلالة والآخرة بالدنيا
~~وضاع عنهم ما حصلوه بذلك التبديل من متاع الحياة الدنيا والرياسة. وفي
~~«البحر» أنه على حذف مضاف أي: { خسروا } سعادة أنفسهم وراحتها فإن
~~أنفسهم باقية معذبة. / وتعقب بأن إبقاءه على ظاهره أولى لأن البقاء في
~~العذاب كلا بقاء { وضل عنهم ما كانوا يفترون } من
~~الآلهة وشفاعتها

### || [11.22]

# { لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون } أي لا أحد
~~أبين أو أكثر خسرانا منهم، فأفعل للزيادة إما في الكم أو الكيف، وتعريف
~~المسند بلام الجنس لإفادة الحصر، وإن جعل { هم } ضمير فصل أفاد تأكيد
~~الاختصاص، وإن جعل مبتدأ وما بعده خبره والجملة خبر أن أفاد تأكيد الحكم،
~~وفي { لا جرم } أقوال: ففي «البحر» عن الزجاج أن  لا  نافية
~~ومنفيها محذوف أي لا ينفعهم فعلمهم مثلا، و  جرم  فعل ماض بمعنى كسب
~~يقال: جرمت الذنب إذا كسبته؛ وقال الشاعر:

# نصبنا ms04295 رأسه في جذع نخل

# بما جرمت يداه وما اعتدينا

# وما بعده مفعوله، وفاعله ما دل عليه الكلام أي كسب ذلك أظهرية أو أكثرية
~~خسرانهم، وحكي هذا عن الأزهري، ونقل عن سيبويه أن  لا  نافية حسبما نقل
~~عن الزجاج، و  جرم  فعل ماض بمعنى حق، وما بعد فاعله كأنه قيل: لا
~~ينفعهم ذلك الفعل حق أنهم في الآخرة الخ.

# وذكر أبو حيان أن مذهب سيبويه وكذا الخليل أيضا كون مجموع { لا جرم
~~} بمعنى حق وأن ما بعده رفع به على الفاعلية، وقيل: { لا } صلة و {
~~جرم } فعل بمعنى كسب أو حق، وعن الكسائي أن { لا } نافية { وجرم }
~~اسمها مبني معها على الفتح نحو لا رجل، والمعنى لا ضد ولا منع، والظاهر
~~أن الخبر على هذا محذوف وحذف حرف الجر من أن ويقدر حسبما يقتضيه المعنى،
~~وقيل: إن { لا جرم } اسم { لا } ومعناه القطع من جرمت الشيء أي
~~قطعته، والمعنى لا قطع لثبوت أكثرية خسرانهم أي إن ذلك لا ينقطع في وقت
~~فيكون خلافه.

# ونقل السيرافي عن الزجاج أن { لا جرم } في الأصل بمعنى لا يدخلنكم
~~في الجرم أي الإثم كإثمه أي أدخله في الاثم، ثم كثر استعماله حتى صار
~~بمعنى لا بد، ونقل هذا المعنى عن الفراء، وفي البحر أن { جرم } عليه
~~اسم { لا } ، وقيل: إن { جرم } بمعنى باطل إما على أنه موضوع له، وإما
~~أنه بمعنى كسب والباطل محتاج له، ومن هنا يفسر { لا جرم } بمعنى حقا
~~لأن الحق نقيض الباطل، وصار لا باطل يمينا كلا كذب في قول النبي صلى
~~الله عليه وسلم:

# " أنا النبي لا كذب "

# وفي «القاموس» أنه يقال: { لا جرم } ولاذا جرم، ولا أن ذا جرم ولا
~~عن ذا جرم ولا جرم ككرم، و { لا جرم } بالضم أي لا بد أو حقا أو لا
~~محالة وهذا أصله ثم كثر حتى تحول إلى معنى القسم فلذلك يجاب عنه باللام،
~~فيقال: { لا جرم } لآتينك انتهى، وفيه مخالفة لما نقله السيرافي عن
~~الزجاج، وما ذكره من { لا جرم } بالضم ms04296 عن أناس من العرب، ولكن قال
~~الشهاب: إن في ثبوت هذه اللغة في فصيح كلامهم ترددا، وجرم فيها يحتمل أن
~~يكون اسما وأن يكون فعلا مجهولا سكن للتخفيف، وحكى بعضهم لا ذو جرم
~~ولا عن جرم ولا جر بحذف الميم لكثرة الاستعمال كما حذفت الفاء من سوف
~~لذلك في قولهم: سو ترى.

# والظاهر أن المقحمات بين { لا } و { جرم } زائدة، وإليه يشير كلام
~~بعضهم، وحكى بغير لا جرم أنك أنت فعلت ذاك، ولعل المراد أن كونك الفاعل
~~لا يحتاج إلى أن يقال فيه لا جرم فليراجع ذاك والله تعالى يتولى هداك.

# ثم إنه تعالى لما ذكر طريق الكفار وأعمالهم وبين مصيرهم وما لهم، شرع في
~~شرح حال أضدادهم وهم المؤمنون وبيان ما لهم من العواقب الحميدة تكملة لما
~~سلف من محاسن المؤمنين المذكورة عند جمع في قوله سبحانه: /

# أفمن كان على بينة من ربه

# [هود: 17] الآية ليتبين ما بينهما من التباين البين حالا ومآلا فقال
~~عز من قائل: { إن الذين آمنوا }.

### || [11.23]

# { إن الذين آمنوا } أي صدقوا بكل ما يجب التصديق به من القرآن
~~وغيره ولا يكون ذلك إلا باستماع الحق ومشاهدة الآيات الآفاقية والأنفسية
~~والتدبر فيها، أو المعنى فعلوا الإيمان واتصفوا به كما في فلان يعطى
~~ويمنع { وعملوا الصلحت } أي الأعمال الصالحات ولعل المراد
~~بها ما يشمل الترغيب في سلوك سبيل الله عز وجل ونحوه مما على ضده فريق
~~الكفار { وأخبتوا إلى ربهم } أي اطمؤنوا إليه سبحانه
~~وخشعوا له، وأصل الإخبات نزول الخبت وهو المنخفض من الأرض، ثم أطلق على
~~اطمئنان النفس والخشوع تشبيها للمعقول بالمحسوس ثم صار حقيقة فيه، ومنه
~~الخبيت بالتاء المثناة للدنيء، وقيل: إن التاء بدل من الثاء المثلثة {
~~أولئك } المنعوتون بتلك النعوت الجليلة الشأن { أصحب
~~الجنة هم فيها خلدون } دائمون أبدا وليس المراد حصر
~~الخلود فيهم لأن العصاة من المؤمنين يدخلون الجنة عند أهل الحق ويخلدون
~~فيها، ولعل من يدعي ذلك يريد بنفي الخلود عن العصاة نقصه من أوله كما قيل
~~به فيما ستسمعه إن ms04297 شاء الله تعالى.

### || [11.24]

# { مثل الفريقين } المذكورين من المؤمنين والكفار أي حالهما
~~العجيب، وأصل المثل كالمثل النظير، ثم استعير لقول شبه مضربه بمورده ولا
~~يكون إلا لما فيه غرابة وصار في ذلك حقيقة عرفية، ومن هنا يستعار للقصة
~~والحال والصفة العجيبة. { كالأعمى والأصم والبصير
~~والسميع } أي كحال من جمع بين العمى والصمم، ومن جمع بين البصر
~~والسمع فهناك تشبيهان: الأول تشبيه حال الكفرة الموصوفين بالتعامي
~~والتصام عن آيات الله تعالى بحال من خلق أعمى أصم لا تنفعه عبارة ولا
~~إشارة، والثاني تشبيه حال الذين آمنوا وعملوا الصالحات فانتفعوا بأسماعهم
~~وأبصارهم اهتداءا إلى الجنة وانكفاءا عما كانوا خابطين فيه من ضلال
~~الكفر والدجنة بحال من هو بصير سميع يستضيء بالأنوار في الظلام ويستفيء
~~بمغانم الإنذار والإبشار فوزا بالمرام، والعطف لتنزيل تغاير الصفات
~~منزلة تغاير الذوات كما في قوله:

# يا لهف زيابة للحرث الص

# ابح فالغانم فالآيب

# ويحتمل أن يكون هناك أربع تشبيهات بأن يعتبر تشبيه حال كل من الفريقين،
~~الفريق الكافر والفريق المؤمن بحال اثنين أي مثل الفريق الكافر كالأعمى
~~ومثله أيضا كالأصم، ومثل الفريق المؤمن كالبصير ومثله أيضا كالسميع،
~~وقد يعتبر تنويع كل من الفريقين إلى نوعين فيشبه نوع من الكفار بالأعمى.
~~ونوع منهم بالأصم ويشبه نوع من المؤمنين بالبصير، ونوع منهم بالسميع،
~~واستبعد ذلك إذ تقسيم الكفار إلى مشبه بالأول ومشبه بالثاني وكذلك
~~المؤمنون غير مقصود البتة بدليل نظائره في الآيات الأخر كقوله سبحانه:

# وما يستوي الأعمى والبصير

# [فاطر: 19] وكقوله تعالى:

# ختم الله على قلوبهم

# [البقرة: 7] في الكفار الخلص، وقوله تبارك وتعالى:

# صم بكم عمي

# [البقرة: 18] في المنافقين، وللآية على احتمالاتها شبه في الجملة بقول
~~أمرىء القيس:

# كأن قلوب الطير رطبا ويابسا

# لدى وكرها العناب والحشف البالي

# فتدبره، وقد يعتبر التشبيه تمثيليا بأن ينتزع من حال الفريق الأول في
~~تصامهم وتعاميهم المذكورين ووقوعهم بسبب ذلك في العذاب المضاعف والخسران
~~الذي لا خسران فوقه هيئة منتزعة ممن فقد مشعري البصر والسمع / فتخطب في
~~مسلكه فوقع في مهاوي الردى ولم يجد ms04298 إلى مقصده سبيلا، وينتزع من حال
~~الفريق الثاني في استعمال مشاعرهم في آيات الله تعالى حسبما ينبغي وفوزهم
~~بدار الخلود هيئة تشبه بهيئة منتزعة ممن له بصر وسمع يستعملهما في مهماته
~~فيهتدي إلى سبيله وينال مرامه، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر. ولعل أظهر
~~الاحتمالات ما أشير إليه أولا، والكلام من باب اللف والنشر، واللف إما
~~تقديري إن اعتبر في الفريقين لأنه في قوة الكافرين والمؤمنين، أو تحقيقي
~~إن اعتبر فيما دل عليه قوله تعالى:

# ومن أظلم ممن افترى

# [هود: 18] الخ، وقوله سبحانه:

# إن الذين آامنوا

# [هود: 23] الآية، وأمر النشر ظاهر، ولا يخفى ما فيه من الطباق بين
~~الأعمى والبصير وبين الأصم والسميع، وقدم ما للكافرين قيل: مراعاة لما
~~تقدم ولأن السياق لبيان حالهم، وقدم الأعمى على الأصم لكونه أظهر وأشهر
~~في سوء الحال منه.

# وفي «البحر» ((إنما لم يجيء التركيب كالأعمى والبصير والأصم والسميع
~~ليكون كل من المتقابلين على إثر مقابله لأنه تعالى لما ذكر انسداد العين
~~أتبعه بانسداد السمع، ولما ذكر انفتاح البصر أتبعه بانفتاح السمع وذلك هو
~~الأسلوب في المقابلة والأتم في الاعجاز، وسيأتي إن شاء الله تعالى نظير
~~ذلك في قوله سبحانه:

# إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا
~~تظمؤا فيها ولا تضحى

# [طه: 118-119] ثم الظاهر مما تقدم أن الكلام على حذف مضاف وهو مجرور
~~بالكاف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبرا عن { مثل } وجوز أن تكون
~~الكاف نفسها خبر المبتدأ ويكون معناها معنى المثل، ولا حاجة إلى تقدير
~~مضاف أي مثل الفريقين مثل الأعمى والأصم والبصير والسميع)).

# { هل يستويان } يعني الفريقين المذكورين، والاستفهام إنكاري
~~مذكر على ما قيل: لما سبق من إنكار المماثلة في قوله سبحانه:

# أفمن كان على بينة من ربه

# [هود: 17] الخ { مثلا } أي حالا وصفة ونصبه على التمييز المحول عن
~~الفاعل، والأصل هل يستوي مثلهما. وجوز ابن عطية أن يكون حالا، وفيه بعد

# . { أفلا تذكرون } أي أتشكون في عدم الاستواء وما بينهما من
~~التباين أو أتغفلون عنه فلا تتذكرونه ms04299 بالتأمل فيما ذكر لكم من المثل،
~~فالهمزة للاستفهام الإنكاري وهو وارد على المعطوفين معا أو أتسمعون هذا
~~فلا تتذكرون فيكون الإنكار واردا على عدم التذكر بعد تحقق ما يوجب وجوده
~~وهو المثل المضروب أي أفلا تفعلون التذكر، أو أفلا تعقلون، ومعنى إنكار
~~عدم التذكر استبعاده من المخاطبين وأنه مما لا يصح أن يقع، وليس من قبيل
~~الإنكار في

# أفمن كان على بينة من ربه

# [هود: 17] و { هل يستويان } فإن ذلك لنفي المماثلة ونفي
~~الاستواء.

# ثم إنه تعالى شرع في ذكر قصص الأنبياء الداعين إلى الله تعالى وبيان
~~حالهم مع أممهم ليزداد صلى الله عليه وسلم تشميرا في الدعوة وتحملا لما
~~يقاسيه من المعاندين فقال عز من قائل: { ولقد أرسلنا نوحا
~~إلى قومه }.

### || [11.25]

# { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } الواو ابتدائية واللام
~~واقعة في جواب قسم محذوف ويقدر حرفه ياء لا واو وإن كان هو الشائع لئلا
~~يجتمع واوان، وبعضهم يقدرها ولا يبالي بذلك. ونوح في المشهور ابن لمك بن
~~متوشلخ بن إدريس عليه السلام وأنه أول نبي بعث بعده، قال ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما: بعث عليه السلام على رأس أربعين من عمره ولبث يدعو
~~قومه ما قص الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عاما؛ وعاش بعد الطوفان ستين
~~سنة وكان عمره ألفا وخمسين سنة. وقال مقاتل: بعث وهو ابن مائة سنة، وقيل:
~~ابن خمسين، وقيل: ابن مائتين وخمسين ومكث يدعو قومه ما قص سبحانه وعاش
~~بعد / الطوفان مائتين وخمسين سنة فكان عمره ألفا وأربعمائة وخمسين سنة.

# { إني لكم نذير } بالكسر على إرادة القول أي فقال أو قائلا.
~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالفتح على إضمار حرف الجر أي ملتبسا
~~بذلك الكلام وهو { إني لكم نذير } فلما اتصل [به] الجار فتح كما فتح في
~~كأن، والمعنى على الكسر وهو قولك: إن زيدا كالأسد بناء على أن كان
~~مركبة وليست حرفا برأسه، وليس في ذلك خروج من الغيبة إلى الخطاب خلافا
~~لأبي علي، ولعل الاقتصار على ذكر كونه عليه ms04300 السلام نذيرا لأنهم لم
~~يغتنموا مغانم إبشاره عليه السلام { مبين } أي موضح لكم موجبات
~~العذاب ووجه الخلاص منه.

### || [11.26]

# { أن لا تعبدوا إلا الله } أي بأن لا تعبدوا إلا الله على
~~أن { أن } مصدرية والباء متعلقة بظ

# أرسلنا

# [هود: 25] و { لا } ناهية أي أرسلناه ملتبسا بنهيهم عن الإشراك إلا أنه
~~وسط بينهما بيان بعض أوصافه ليكون أدخل في القبول ولم يفعل ذلك في صدر
~~السورة لئلا يكون من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه، وجوز كون { أن } وما
~~بعدها في تأويل مصدر مفعولا ل { مبين } [هود: 25] أي مبينا النهي عن
~~الإشراك، ويجوز أن تكون { أن } مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير أو بمبين
~~أي أرسلناه بشيء أو نذير بشيء أو مبين شيئا هو { أن لا تعبدوا
~~إلا الله } لكن قيل: الإنذار في هذا غير ظاهر وهذا على قراءة الكسر
~~فيما مر، وأما على قراءة الفتح فإن { لا } الخ بدل من

# إني لكم

# [هود: 25] الخ ويقدر القول بعد { أن } فيكون التقدير أرسلناه بقوله إني
~~لكم نذير، وبقوله لا تعبدوا فهو بدل البعض أو الكل على المبالغة، وادعاء
~~أن الإنذار كله هو، وجاز أن لا يقدر القول، فالأظهر حينئذ بدل الاشتمال،
~~ومن زعم أنه كذلك مطلقا إذ لا علاقة بينهما بجزئية أو كلية فقد غفل عن
~~أنه على تقدير القول يكون قوله تعالى: { إني أخاف عليكم
~~عذاب يوم أليم } المعلل به النهي من جملة المقول، وهو إنذار خاص
~~فيكون ذلك بعضا له أو كلا على الادعاء، والظاهر أن المراد باليوم يوم
~~القيامة، وجوز أن يكون يوم الطرفان ووصفه بالأليم أي المؤلم على الإسناد
~~المجازي لأن المؤلم هو الله سبحانه نزل الظرف منزلة الفاعل نفسه لكثرة
~~وقوع الفعل فيه، فجعل كأنه وقع الفعل منه، وكذا وصف العذاب بذلك في غير
~~موضع القرآن العظيم ويمكن اعتباره هنا أيضا، وجعل الجر للجوار، ووجه
~~التجوز حينئذ أنه جعل وصف الشيء لقوة تلبسه به كأنه عينه فأسند إليه ما
~~يسند إلى الفاعل، ونظير ذلك على الوجهين نهاره صائم وجد ms04301 جده، وقد يقال:
~~إن وصف العذاب بالإيلام حقيقة عرفية ومثله يعد فاعلا في اللغة، فيقال:
~~آلمه العذاب من غير تجوز، قيل: وهذه المقالة  وكذا ما في معناها مما قص
~~في غير آية لما لم تصدر عنه عليه السلام مرة واحدة بل كان يكررها في مدته
~~المتطاولة حسبما نطق به قوله تعالى حكاية عنه:

# رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا

# [نوح: 5] الآيات عطف على فعل الإرسال المقارن لها أو القول المقدر بعده
~~جوابهم المتعرض لأحوال المؤمنين الذين اتبعوه بعد اللتيا والتي بالفاء
~~التعقيبية فقال سبحانه: { فقال الملأ الذين كفروا... }

### || [11.27]

# { فقال الملأ الذين كفروا } أي الأشراف منهم  وهو كما
~~قال غير واحد  من قولهم: فلان مليء بكذا إذا كان قادرا عليه لأنهم
~~ملئوا بكفاية الأمور وتدبيرها، أو لأنهم متمالئون أن متظاهرون متعاونون،
~~أو لأنهم يملأون القلوب جلالا والعيون جمالا والأكف نوالا، أو لأنهم
~~مملؤون بالآراء الصائبة والأحلام الراجحة على أنه من الملأ لازما،
~~ومتعديا / ووصفهم بالكفر لذمهم والتسجيل عليهم بذلك من أول الأمر لا لأن
~~بعض أشرافهم ليسوا بكفرة.

# { ما نراك إلا بشرا مثلنا } أرادوا ما أنت إلا بشر مثلنا
~~ليس فيك مزية تخصك من بيننا بالنبوة ولو كان ذلك لرأيناه لا أن ذلك محتمل
~~لكن لا نراه، وكذا الحال في { وما نراك اتبعك إلا الذين
~~هم أراذلنا بادي الرأي } فالفعلان من رؤية العين و { بشرا
~~} و { اتبعك } حالان من المفعول بتقدير قد في الثاني أو بدونه على
~~الخلاف؛ ويجوز أن يكونا من رؤية القلب وهو الظاهر فهما حينئذ المفعول
~~الثاني، وتعلق الرأي في الأول بالمثلية لا البشرية فقط، ويفهم من
~~«الكشاف» أن في الآية وجهين: الأول أنهم أرادوا التعريض بأنهم أحق
~~بالنبوة كأنهم قالوا: هب أنك مثلنا في الفضيلة والمزية من كثرة المال
~~والجاه فلم اختصصت بالنبوة من دوننا، والثاني أنهم أرادوا أنه ينبغي أن
~~يكون ملكا لا بشرا، وتعقب هذا بأن فيه اعتزالا خفيا، وقد بينه
~~العلامة الطيبي، ونوزع في ذلك ففي «الكشف» أن قولهم { مثلنا } علية
~~لتحقيق البشرية، ms04302 وقولهم { وما نراك اتبعك } الخ استدلال بأنهم
~~ضعفاء العقول لا تمييز لهم، فجوزوا أن يكون الرسول بشرا وقولهم الآتي {
~~وما نرى لكم علينا من فضل } تسجيل بأن دعوى النبوة باطلة
~~ لإدخاله عليه السلام والأراذل في سلك على أسلوب يدل أنهم أنقص البشر
~~فضلا عن الارتقاء، وليسس في هذا الكلام اعتزال خفي ولا المقام عنه أبى
~~انتهى.

# وفي الانتصاف يجوز أن يكونوا قد أرادوا الوجهين جميعا كأنهم قالوا: من
~~حق الرسول أن يكون ملكا لا بشرا وأنت بشر، وإن جاز أن يكون الرسول
~~بشرا فنحن أحق منك بالرسالة، ويشهد لإرادتهم الأول قوله في الجواب

# ولآ أقول إني ملك

# [هود: 31] ويشهد لأرادتهم الثانية { وما نرى لكم } الخ، والظاهر
~~أن مقصودهم ليس إلا إثبات أنه عليه السلام مثلهم وليس فيه مزية يترتب
~~عليها النبوة ووجوب الإطاعة والاتباع، ولعل قولهم { وما نراك
~~اتبعك } الخ جواب عما يرد عليهم من أنه عليه السلام ليس مثلهم حيث
~~اتبعه من وفق لاتباعه، فكأنهم قالوا: إنه لم يميزك اتباع من اتبعك فيوجب
~~علينا اتباعك لأنه لم يتبعك إلا الذين هم أراذلنا أي أخساؤنا وأدانينا،
~~وهو جمع أرذل والأغلب الأقيس في مثله إذا أريد جمعه أن يجمع جمع سلامة
~~كالأخسرون جمع أخسر لكنه كسر هنا لأنه صار بالغلبة جاريا مجرى الاسم،
~~ولذا جعل في «القاموس» الرذل والأرذل بمعنى وهو الخسيس الدنيء، ومعنى
~~جريانه مجرى الاسم أنه لا يكاد يذكر الموصوف معه كالأبطح والأبرق.

# وجوز أن يكون جمع أرذل جمع رذل فهو جمع الجمع ونظير ذلك أكالب وأكلب
~~وكلب وكونه جمع رذل مخالف للقياس وإنما لم يقولوا: إلا أراذلنا مبالغة في
~~استرذالهم وكأنهم إنما استرذلوهم لفقرهم لأنهم لما لم يعلموا إلا ظاهرا
~~من الحياة الدنيا كان الأشرف عندهم الأكثر منها حظا والأرذل من حرمها
~~ولم يفقهوا أن الدنيا بحذافيرها لا تعدل عند الله تعالى جناح بعوضة وأن
~~النعيم إنما هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به والأرذل من حرمه، ومثل
~~هؤلاء في الجهل كثير من أهل هذا الزمان عافانا الله ms04303 سبحانه مما هم فيه من
~~الخذلان والحرمان وكان القوم على ما في بعض الأخبار حاكة وأساكفة
~~وحجامين.

# وأرادوا بقولهم { بادي الرأي } ظاهره وهو ما يكون من غير تعمق،
~~والرأي من رؤية الفكر والتأمل، وقيل: من رؤية العين وليس بذاك. وجوز أن
~~يكون البادي بمعنى الأول، وهو على الأول من البدو، وعلى الثاني من البدء،
~~والياء مبدلة / من الهمزة لانكسار ما قبلها وقد قرأ أبو عمرو وعيسى
~~الثقفي بها، وانتصابه على القراءتين على الظرفية  لاتبعك  على معنى
~~اتبعوك في ظاهر رأيهم أو أوله ولم يتأملوا ولم يتثبتوا ولو فعلو ذلك لم
~~يتبعوك وغرضهم من هذا المبالغة في عدم اعتبار ذلك الاتباع وجعل ذلك بعضهم
~~علة الاسترذال وليس بشيء، وقيل: المعنى إنهم اتبعوك في أول رأيهم أو
~~ظاهره وليسوا معك في الباطن.

# واستشكل هذا التعلق بأن ما قبل { إلا } لا يعمل فيما بعدها إلا إذا كان
~~مستنثى منه نحو ما قام إلا زيدا القوم أو مستثنى نحو جاء القوم إلا
~~زيدا أو تابعا للمستنثى منه نحو ما جاءني أحد إلا زيدا خير من عمرو، و
~~{ بادي الرأي } ليس واحدا من هذه الثلاثة في بادي الرأي؛ وأجيب
~~بأنه يغافر ذلك في الظرف لأنه يتسع فيه ما لا يتسع في غيره، واستشكل أمر
~~الظرفية بأن فاعلا ليس بظرف في الأصل. وقال مكي: إنما جاز في فاعل أن
~~يكون ظرفا كما جاز في فعيل كقريب ومليء لإضافته إلى الرأي وهو كثيرا ما
~~يضاف إلى المصدر الذي يجوز نصبه على الظرفية نحو جهد رأيي أنك منطلق.

# وقال الزمخشري: وتابعه غيره ((إن الأصل وقت حدوث أول أمرهم أو وقت حدوث
~~ظاهر رأيهم فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه))، ولعل تقدير الوقت ليكون
~~نائبا عن الظرف فينتصب على الظرفية، واعتبار الحدوث بناءا على أن اسم
~~الفاعل لا ينوب عن الظرف وينتصب والمصدر ينوب عنه كثيرا فأشاروا بذكره
~~إلى أنه متضمن معنى الحدوث بمعنييه فلذا جاز فيه ذلك، وليس مرادهم أنه
~~محذوف إذ لا داعي لذلك في المعنى على ms04304 التفسيرين، وما ذكروه هنا من أن
~~الصفات لا ينوب منها عن الظرف إلا فعيل من الفوائد الغريبة  كما قال
~~الشهاب  لكن استدركه بالمنع لأن فاعلا وقع ظرفا كثيرا كفعيل، وذلك
~~مثل خارج الدار وباطن الأمر وظاهره وغير ذلك مما هو كثير في كلامهم،
~~وقيل: هو ظرف لنراك أي ما نراك في أول رأينا أو فيما يظهر منه، وقيل:
~~لأراذلنا أي أنهم أراذل في أول النظر أو ظاهره لأن رذالتهم مكشوفة لا
~~تحتاج إلى تأمل.

# وقيل: هو نعت لبشرا وقيل: منصوب على أنه حال من ضمير نوح في {
~~اتبعك } أي وأنت مكشوف الرأي لا حصافة فيك، وقيل: انتصب على النداء
~~لنوح عليه السلام أي يا بادي الرأي أي ما في نفسك من الرأي ظاهر لكل أحد،
~~وقيل: هو مصدر على فاعل منصوب على المفعولية المطلقة والعامل فيه ما تقدم
~~على تقدير الظرفية.

# { وما نرى لكم } خطاب له عليه السلام ولمتبعيه جميعا على سبيل
~~التغليب أي وما نرى لك ولمتبعيك { علينا من فضل } أي زيادة
~~تؤهلكم لاتباعنا لكم، وعن ابن عباس تفسير ذلك بالزيادة في الخلق والخلق،
~~وعن بعضهم تفسيره بكثرة الملك والملك، ولعل ما ذكرناه أولى، وكأن مرادهم
~~نفي رأية فضل بعد الاتباع أي ما نرى فيك وفيهم بعد الاتباع فضيلة علينا
~~لنتبع وإلا فهم قد نفوا أولا أفضليته عليه السلام في قولهم { ما
~~نراك } الخ وصرحوا بأن متبعيه  وحاشاهم  أراذل، وهو مستلزم لنفي
~~رؤية فضل لهم عليهم، وقيل: إن هذا تأكيد لما فهم أولا، وقيل: الخطاب
~~لأتباعه عليه السلام فقط فيكون التفاتا أي ما نرى لكم علينا شرف في تلك
~~التبعية لنوافقكم فيها، وحمل الفضل على التفضل والإحسان في احتمالي
~~الخطاب على أن يكون مراد الملأ من جوابهم له عليه السلام حين دعاهم إلى
~~ما دعاهم إليه أنا لانتبعك ولا نترك ما نحن عليه لقولك لأنك بشر مثلنا
~~ليس فيك / ما يستدعي نبوتك وكونك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا
~~بذلك وأتباعك أراذل اتبعوك من غير تأمل وتثبت فلا ms04305 يدل اتباعهم على أن فيك
~~ما يستدعي ذلك وخفي عنا، وأيضا لست ذا تفضل علينا ليكون تفضلك داعيا
~~لنا لموافقتك كيفما كنت ولا أتباعك ذوو تفضل علينا لنوافقهم وإن كانوا
~~أراذل مراعاة لحق التفضل، فإن الإنسان قد يوافق الرذيل لتفضله ولا يبالي
~~بكونه رذيلا لذلك مما يدور في الخلد إلا أن في القلب منه شيئا.

# { بل نظنكم كذبين } جميعا لكون كلامكم واحدا ودعوتكم
~~واحدة أو إياك في دعوى النبوة وإياهم في تصديقك، قيل: واقتصروا على الظن
~~احترازا منهم عن نسبتهم إلى المجازفة كما أنهم عبروا بما عبروا أولا
~~لذلك مع التعريض من أول الأمر برأي المتبعين ومجاراة معه عليه السلام
~~بطريق الإراءة على نهج الإنصاف.

### || [11.28]

# { قال } استئناف بياني { يقوم أرءيتم } أي أخبروني، وفيه
~~إيماء إلى ركاكة رأيهم المذكور { إن كنت على بينة } حجة ظاهرة
~~{ من ربى } وشاهد يشهد لي بصحة دعواي { وآتاني رحمة من
~~عنده } هي النبوة على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وجوز
~~أن تكون هي البينة نفسها جيء بها إيذانا بأنها مع كونها بينة من الله
~~تعالى رحمة ونعمة عظيمة منه سبحانه، ووجه إفراد الضمير في قوله تعالى: {
~~فعميت عليكم } أي أخفيت على هذا ظاهر، وإن أريد بها النبوة
~~وبالبينة البرهان الدال على صحتها فالإفراد لإرادة كل واحدة منهما، أو
~~لكون الضمير للبينة والاكتفاء بذلك لاستلزام خفاء البينة خفاء المدعى،
~~وجملة { وآتاني رحمة } على هذا معترضة أو لكونه للرحمة، وفي
~~الكلام مقدر أي أخفيت الرحمة بعد إخفاء البينة وما يدل عليها وحذف
~~للاختصار. وقيل: إنه معتبر في المعنى دون تقدير، أو لتقدير عميت غير
~~المذكور بعد لفظ البينة وحذف اختصارا، وفيه تقدير جملة قبل الدليل.

# وقرأ أكثر السبعة { فعميت } بفتح العين وتخفيف الميم مبنيا للفاعل، وهو
~~من العمى ضد البصر، والمراد به هنا الخفاء مجازا يقال: حجة عمياء كما
~~يقال: مبصرة للواضحة، وفي الكلام استعارة تبعية من حيث إنه شبه خفاء
~~الدليل بالعمى في أن كلا منهما يمنع الوصول إلى المقاصد، ثم فعل ms04306 ما لا
~~يخفى عليك، وجوز أن يكون هناك استعارة تمثيلية بأن شبه الذي لا يهتدي
~~بالحجة لخفائها عليه بمن سلك مفازة لا يعرف طرقها واتبع دليلا أعمى
~~فيها، وقيل: الكلام على القلب، والأصل فعميتم عنها كما تقول العرب: أدخلت
~~القلنسوة في رأسي، ومنه قول الشاعر:

# ترى الثور فيها يدخل الظل رأسه

# وقوله سبحانه:

# فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله

# [إبراهيم: 47] وتعقبه أبو حيان ((بأن القلب عند أصحابنا مطلقا لا يجوز
~~إلا في الضرورة، وقول الشاعر ليس منه بل من باب الاتساع في الظرف، وكذا
~~الآية ليست منه أيضا لأن أخلف يتعدى إلى مفعولين، والوصف منه كذلك ولك
~~أن تضيفه إلى أيهما شئت على أنه لو كان ما ذكر من القلب لكان التعدي بعن
~~دون على، ألا ترى أنك تقول: عميت عن كذا ولا تقول: عميت على كذا)). وروى
~~الأعمش عن وثاب  وعميت  بالواو الخفيفة، وقرأ أبي والسلمي والحسن
~~وغيرهم (فعماها عليكم) على أن الفعل لله تعالى، وقرىء بالتصريح به وظاهر
~~ذلك مع أهل السنة القائلين بأن الحسن والقبيح منه تعالى، ولذا أوله
~~الزمخشري حفظا لعقيدته.

# { أنلزمكموها } أي أنكرهكم على الاهتداء بها وهو جواب {
~~أرأيتم } وساد مسد جواب الشرط. / وفي «البحر» أنه في موضع المفعول
~~الثاني له ومفعوله الأول البينة مقدرا وجواب الشرط محذوف دل عليه {
~~أرأيتم } أي: إن كنت الخ فأخبروني وحيث اجتمع ضميران منصوبان وقد
~~قدم أعرفهما وهو ضمير المخاطب الأعرف من ضمير الغائب  جاز في الثاني
~~الوصل والفصل فيجوز في غير القرآن أنلزمكم إياها وهو الذي ذهب إليه ابن
~~مالك في «التسهيل» ووافقه عليه بعضهم، وقال ابن أبي الربيع: يجب الوصل
~~في مثل ذلك ويشهد له قول سيبويه في «الكتاب»: فإذا كان المفعولان اللذان
~~تعدى إليهما فعل الفاعل مخاطبا وغائبا فبدأت بالمخاطب قبل الغائب فإن
~~علامة الغائب العلامة التي لا يقع موقعها إياه وذلك نحو أعطيتكه وقد
~~أعطاكه، قال الله تعالى: { أنلزمكموها } فهذا كهذا إذ بدأت
~~بالمخاطب قبل الغائب انتهى، ولو قدم الغائب وجب الانفصال على الصحيح
~~فيقال: ms04307 أنلزمها إياكم.

# وأجاز بعضهم الاتصال، واستشهد بقول عثمان رضي الله تعالى عنه: أراهمني،
~~ولم يقل: أراهم إياي، وتمام الكلام على ذلك في محله.

# وجيء بالواو تتمة لميم الجمع. وحكى عن أبي عمرو إسكان الميم الأولى
~~تخفيفا، ويجوز مثل ذلك عند الفراء، وقال الزجاج: أجمع النحويون البصريون
~~على أنه لا يجوز إسكان حركة الإعراب إلا في ضرورة الشعر كقوله:

# فاليوم أشرب غير مستحقب

# إثما من الله ولا واغل

# وقوله:

# وناع يخبرنا بمهلك سيد

# تقطع من وجد عليه الأنامل

# وأما ما روي عن أبي عمرو من الإسكان فلم يضبطه عنه الراوي، وقد روى عنه
~~سيبويه أنه كان يخفف الحركة ويختلسها وهذا هو الحق، وذكر نحو ذلك
~~الزمخشري، وقال: ((إن الإسكان الصريح لحن عند الخليل وسيبويه وحذاق
~~البصريين)) وفي قراءة أبي (أنلزمكموها من شطر أنفسنا)، وروي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ (من شطر قلوبنا) أي من تلقائها
~~وجهتها، وفي «البحر» أن ذلك على جهة التفسير لا على أنه قرآن لمخالفته
~~سواد المصحف.

# { وأنتم لها كرهون } أي لا تختارونها ولا تتأملون فيها،
~~والجملة في موضع الحال قال السمين: إما من الفاعل أو من أحد المفعولين،
~~واختير أنها في موضع الحال من ضمير المخاطبين، وقدم الجار رعاية للفواصل
~~((ومحصول الجواب أخبروني إن كنت على حجة ظاهرة الدلالة على صحة دعواي إلا
~~أنها خافية عليكم غير مسلمة لديكم أيمكننا أن نكرهكم على قبولها وأنتم
~~معرضون عنها غير متدبرين فيها أي لا يكون ذلك  كذا قرره شيخ الإسلام 
~~ثم قال: وظاهره مشعر بصدوره عنه عليه السلام بطريق إظهار اليأس عن
~~إلزامهم والقعود عن محاجتهم كقوله:

# ولا ينفعكم نصحي

# [هود: 34] الخ لكنه محمول على أن مراده عليه السلام ردهم عن الإعراض
~~عنها وحثهم على التدبر فيها بصرف الإنكار المستفاد من الهمزة إلى الإلزام
~~حال كراهتهم لا إلى الإلزام مطلقا)) وقال مولانا سعدي جلبي: إن المراد
~~من الإلزام هنا الجبر بالقتل ونحوه لا الإيجاب لأنه واقع فليفهم.

# وجوز أن يراد بالبينة دليل العقل الذي هو ms04308 ملاك الفضل وبحسبه يمتاز أفراد
~~البشر بعضها عن بعض وبه تناط الكرامة عند الله عز وجل والاجتباء للرسالة
~~وبالكون عليها التمسك به والثبات عليه وبخفائها على الكفرة على أن يكون
~~الضمير للبينة عدم إدراكهم لكونه عليه السلام عليها وبالرحمة النبوة التي
~~أنكروا اختصاصه عليه السلام بها بين ظهرانيهم ويكون المعنى إنكم زعمتم أن
~~عهد النبوة لا يناله إلا من له فضيلة على سائر الناس مستتبعة لاختصاصه به
~~دونهم أخبروني إن امتزت عليكم بزيادة مزية وحيازة فضيلة من ربي وآتاني /
~~بحسبها نبوة من عنده فخفيت عليكم تلك البينة ولم تصيبوها ولم تنالوها ولم
~~تعلموا حيازتي لها وكوني عليها إلى الآن حتى زعمتم أني مثلكم وهي متحققة
~~في نفسها أنلزمكم قبول نبوتي التابعة لها والحال أنكم كارهون لذلك، ثم
~~قيل: فيكون الاستفهام للحمل على الإقرار وهو الأنسب بمقام المحاجة،
~~وحينئذ يكون كلامه عليه السلام جوابا عن شبهتهم التي أدرجوها في خلال
~~مقالهم من كونه عليه السلام بشرا قصارى أمره أن يكون مثلهم من غير فضل
~~له عليهم وقطعا لشأفة آرائهم الركيكة انتهى، وفيه أن كون معنى 
~~أنلزمكموها  أنلزمكم قبول نبوتي التابعة لها غير ظاهر على أن في أمر
~~التبعية نظرا كما لا يخفى، ولعل الإتيان بما أتى به من الشرط من باب
~~المجاراة وإسناد الإلزام لضمير الجماعة إما للتعظيم أو لاعتبار متبعيه
~~عليه السلام معه في ذلك.

### || [11.29]

# { ويقوم } ناداهم بذلك تلطفا بهم واستدراجا لهم { لآ
~~أسئلكم عليه } أي التبليغ المفهوم مما تقدم، وقيل: الضمير
~~للإنذار، وأفرد الله سبحانه بالعبادة، وقيل: للدعاء إلى التوحيد، وقيل:
~~غير ذلك، وكلها أقوال متقاربة أي لا أطلب منكم على ذلك { مالا } تؤدونه
~~إلي بعد إيمانكم، وأجرا لي في مقابلة اهتدائكم { إن أجري إلا
~~على الله } فهو سبحانه يثيبني على ذلك في الآخرة ولا بد حسب وعده
~~الذي لا يخلف، فالمراد بالأجر الأجر على التبليغ، وجوز أن يراد الأجر على
~~الطاعة مطلقا، ويدخل فيه ذلك دخولا أوليا، وفي التعبير بالمال أولا
~~وبالأجر ثانيا ما لا يخفى من ms04309 مزية ما عند الله تعالى على ما عندهم.

# { ومآ أنا بطارد الذين ءامنوا } قيل: هو جواب عما
~~لوحوا به بقولهم:

# وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا

# [هود: 27] من أنه لو اتبعه الأشراف لوافقوهم وأن اتباع الفقراء مانع لهم
~~عن ذلك كما صرحوا به في قولهم:

# أنؤمن لك واتبعك الأرذلون

# [الشعراء: 111] فكان ذلك التماسا منهم لطردهم وتعليقا لإيمانهم به
~~عليه السلام بذلك أنفة من الانتظام معهم في سلك واحد انتهى. والمروي عن
~~ابن جريج أنهم قالوا له يا نوح: إن أحببت أن نتبعك فاطرد هؤلاء وإلا فلن
~~نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء، وذلك كما قال قريش للنبي صلى الله
~~عليه وسلم في فقراء الصحابة رضي الله تعالى عنهم: اطرد هؤلاء عنك ونحن
~~نتبعك فأنا نستحي أن نجلس معهم في مجلسك فهو جواب عما لم يذكر في النظم
~~الكريم لكن فيه نوع إشارة إليه. وقرىء { بطارد } بالتنوين قال
~~الزمخشري: على الأصل يعني أن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال أو
~~الاستقبال فأصله أن يعمل ولا يضاف، وهو ظاهر كلام سيبويه، واستدرك عليه
~~أبو حيان بأنه قد يقال: إن الأصل الإضافة لأنه قد اعتوره شبهان: أحدهما
~~شبهه بالمضارع وهو شبه بغير جنسه، والآخر شبهه بالأسماء إذا كانت فيها
~~الإضافة، وإلحاقه بجنسه أولى من إلحاقه بغير جنسه انتهى، وربما يقال: إن
~~أولوية إلحاقه بالأسماء إنما يتم القول بها إذا كانت الإضافة في الأسماء
~~هي الأصل وليس فليس.

# { إنهم ملقوا ربهم } تعليل للامتناع من طردهم كأنه قيل:
~~لا أطردهم ولا أبعدهم عن مجلسي لأنهم من أهل الزلفى المقربون الفائزون
~~عند الله تعالى؛ وانفهام الفوز بمعونة المقام وإلا فملاقاة الله تعالى
~~تكون للفائز وغيره، أو أنهم ملاقوا ربهم فيخاصمون طاردهم عنده فيعاقبه
~~على ما فعل. وحمله على أنهم مصدقون في الدنيا بلقاء ربهم موقنون به
~~عالمون أنهم ملاقوه لا محالة فكيف أطردهم خلاف الظاهر على أن هذا التصديق
~~من توابع الإيمان، وقيل: المعنى إنهم يلاقونه تعالى فيجازيهم على ما في
~~قلوبهم من ms04310 إيمان صحيح ثابت كما ظهر لي أو على خلاف ذلك مما تعرفونهم به
~~من بناء أمرهم على بادىء الرأي من غير تعمق في الفكر، وما علي أن أشق
~~عن قلوبهم وأتعرف سر ذلك منهم حتى أطردهم إن كان الأمر كما تزعمون، وفيه
~~أنه مع كونه / مبنيا على أن سؤال الطرد لعدم إخلاصهم لا لاسترذالهم
~~وحاله أظهر من أن يخفى يأباه الجزم بترتب غضب الله تعالى على طردهم كما
~~سيأتي إن شاء الله تعالى.

# { ولكني أركم قوما تجهلون } أي بكل ما ينبغي أن
~~يعلم، ويدخل فيه جهلهم بمنزلتهم عند الله تعالى وبما يترتب من المحذور
~~على طردهم وبركاكة رأيهم في التماس ذلك، وتوقف إيمانهم عليه وغير ذلك.
~~وإيثار صيغة الفعل للدلالة على التجدد والاستمرار، وعبر بالرؤية موافقة
~~لتعبيرهم، وجوز أن يكون الجهل بمعنى الجناية على الغير وفعل ما يشق عليه
~~لا بمعنى عدم العلم المذموم وهو معنى شائع كما في قوله:

# ألا لا يجهلن أحد علينا

# فنجهل فوق جهل الجاهلينا

# أي ولكني أراكم قوما تتسفهون على المؤمنين بنسبتهم إلى الخساسة.

### || [11.30]

# { ويقوم من ينصرني من الله } أي من يصونني منه تعالى
~~ويدفع عني حلول سخطه، والاستفهام للإنكار أي لا ينصرني أحد من ذلك { إن
~~طردتهم } وأبعدتهم عني وهم بتلك المثابة والزلفى منه تعالى، وفي
~~الكلام ما لا يخفى من تهويل أمر طردهم { أفلا تذكرون } أي
~~أتستمرون على ما أنتم عليه من الجهل فلا تتذكرون ما ذكر من حالهم حتى
~~تعرفوا أن ما تأتونه بمعزل عن الصواب، قيل: ولكون هذه العلة مستقلة بوجه
~~مخصوص ظاهر الدلالة على وجوب الامتناع عن الطرد أفردت عن التعليل السابق
~~وصدرت بياقوم.

### || [11.31]

# { ولآ أقول لكم عندي خزآئن الله } شروع  على ما قال
~~غير واحد  في دفع الشبه التي أوردوها تفصيلا وذلك من قبيل النشر المشوش
~~ثقة بعلم السامع وتخلل ما تخلل بين شبههم وجوابها  على ما قال العلامة
~~الطيبي  لأنه مقدمة وتمهيد للجواب، وبينه بأن قوله:

# يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي
~~وآتاني رحمة ms04311 من عنده

# [هود: 28] إثبات لنبوته يعني ما قلت لكم

# إني لكم نذير مبين * أن لا تعبدوا إلا الله

# [هود: 25-26] إلا عن بينة على إثبات نبوتي وصحة دعوتي لكن خفيت عليكم
~~وعميت حتى أوردتم تلك الشبه الواهية ومع ذلك ليس نظري فيما ادعيت إلا إلى
~~الهداية وإني لا أطمع بمال حتى ألازم الأغنياء منكم وأطرد الفقراء وأنتم
~~تجهلون هذا المعنى حيث تقولون: اطرد الفقراء وأن الله سبحانه ما بعثني
~~إلا للترغيب في طلب الآخرة ورفض الدنيا فمن ينصرني إن كنت أخالف ما جئت
~~به، ثم شرع فيما شرع، وفي «الكشف» إن قوله:

# أرأيتم

# [هود: 28] الآية جواب إجمالي عن الشبه كلها مع التعبير بأنهم لا يرجعون
~~فما يرمون إلى أدنى تدبر وقوله:

# ويا قوم لآ أسئلكم

# [هود: 27] تتميم للتعبير وحث على ما ضمنه من التشويق إلى ما عنده،
~~وقوله:

# مآ أنا بطارد

# [هود: 29] تصريح بجواب ما ضمنوه في قولهم:

# وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا

# [هود: 27] من خسة الشركاء وأنه لولا مكانهم لكان يمكن الاتباع إظهارا
~~للتصلب فيما هو فيه وأن ما يورده ويصدره عن برهان من الله تعالى يوافيه
~~وأنى يدع الحق الأبلج بالباطل اللجلج، ثم شرع في الجواب التفصيلي بقوله:
~~{ ولآ أقول } الخ، وهو أحسن مما ذكره الطيبي، وجعلوا هذا ردا
~~لقولهم:

# وما نرى لكم

# [هود: 27] الخ كأنه يقول: عدم اتباع وتكذيبي إن كان لنفيكم عني فضل
~~المال والجاه فأنا لم أدعه ولم أقل لكم إن خزائن رزق الله تعالى وماله
~~عندي حتى أنكم تنازعوني في ذلك وتنكرونه وإنما كان مني دعوى الرسالة
~~المؤيدة بالمعجزات، ولعل جوابه عليه السلام عن ذلك من حيث أنه معنى به
~~مستتبع للجواب عنه من حيث أنه عنى به متبعوه عليه السلام أيضا، وجعله
~~جوابا عن قولهم:

# ما نراك إلا بشرا مثلنا

# [هود: 27] كما جوزه الطبرسي ليس بشيء، وحمل الخزائن على ما أشرنا إليه
~~هو المعول عليه. / وقال الجبائي وأبو مسلم: إن المراد بها مقدورات الله
~~تعالى أي لا أقول لكم حين أدعي ms04312 النبوة عندي مقدورات الله تعالى فأفعل ما
~~أشاء وأعطي ما أشاء وأمنع ما أشاء وليس بشيء، ومثله  بل أدهى وأمر  قول
~~ابن الأنباري: إن المراد بها غيوب الله تعالى وما انطوى عن الخلق، وجعل
~~ابن الخازن هذه الجملة عطفا على

# لآ أسئلكم

# [هود: 29] الخ، والمعنى عنده لا أسألكم عليه مالا ولا أقول لكم عندي
~~خزائن الله التي لا يفنيها شيء فأدعوكم إلى اتباعي عليها لأعطيكم منها.

# { ولآ أعلم الغيب } عطف على { عندي خزآئن الله }
~~المقول للقول، وذكر معه النفي مع أن العطف على مقول القول المنفي منفي
~~أيضا من غير أن يذكر معه أداة نفي لتأكيد النفي السابق والتذكير به ودفع
~~احتمال أن لا يقول هذا المجموع فلا ينافي أن يقول أحدهما أي ولا أقول أنا
~~أعلم الغيب حتى تكذبوني لاستبعاد ذلك وما ذكرت من دعوى النبوة والإنذار
~~بالعذاب إنما هو بوحي وإعلام من الله تعالى مؤيد بالبينة والغيب ما لم
~~يوح به ولم يقم عليه دليل، ولعله إنما لم ينف عليه السلام القول بعلم
~~الغيب على نحو ما فعل في السابق واللاحق مبالغة في نفي هذه الصفة التي
~~ليس لأحد سوى الله تعالى منها نصيب أصلا، ويجوز عطفه على { أقول } أي
~~لا أقول لكم ذلك ولا أدعي علم الغيب في قولي

# إني لكم نذير مبين

# [هود: 25]

# إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم

# [هود: 26] حتى تسارعوا إلى الإنكار والاستبعاد، وقيل: هو معطوف على هذا
~~أو ذاك إلا أن المعنى لا أعلم الغيب حتى أعلم أن هؤلاء اتبعوني بادي
~~الرأي من غير بصيرة وعقد قلب ولا يخفى حاله، واعترض على الأول بأنه غير
~~ملائم للمقام، ثم قيل: والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم حين ادعى النبوة
~~سألوه عن المغيبات، وقالوا له: إن كنت صادقا أخبرنا عنها فقال: أنا أدعي
~~النبوة بآية من ربي ولا أعلم الغيب إلا بإعلامه سبحانه، ولا يلزم أن
~~يذكر ذلك في النظم الكريم كما أن سؤال طردهم كذلك انتهى، وفيه أن زعم عدم
~~الملاءمة ليس على ما ms04313 ينبغي، وأيضا لا يخفى أنه لا قرينة تدل على وقوعه
~~جوابا لما لم يذكر، وأما سؤال طردهم فإن الاستحقار قرينة عليه في
~~الجملة، وقد صرح بعض السلف به ومثله لا يقال من قبل الرأي.

# { ولآ أقول إني ملك } رد لقولهم:

# ما نراك إلا بشرا مثلنا

# [هود: 27] أي لا أقول ترويجا لما أدعيه من النبوة إني ملك حتى تقولوا
~~لي ذلك وتكذبوني فإن البشرية ليست من موانع النبوة بل من مباديها يعني
~~كما قيل: إنكم اتخذتم فقدان هذه الأمور الثلاثة ذريعة إلى تكذيبي،
~~والحال أني لا أدعي شيئا من ذلك ولا الذي يتعلق بشيء منها، وإنما الذي
~~أدعيه يتعلق بالفضائل التي تتفاوت بها مقادير البشر، وقيل: أراد بهذا لا
~~أقول إني روحاني غير مخلوق من ذكر وأنثى بل إنما أنا بشر مثلكم فلا معنى
~~لردكم علي بقولكم

# ما نراك إلا بشرا مثلنا

# [هود: 27] وعلى القولين لا دليل فيه على أن الملائكة أفضل من الأنبياء
~~عليهم السلام خلافا لمن استدل به، وجعل ذلك كلاما آخر ليس ردا لما
~~قالوه سابقا مما لا وجه له فتدبر.

# { ولآ أقول للذين تزدري أعينكم } أي تستحقرهم
~~والأصل تزتري بالتاء إلا أنها قلبت دالا لتجانس الزاي في الجهر لأنها من
~~المهموسة، وأصل الازدراء الإعابة يقال: ازدراه إذا عابه، والتعبير
~~بالمضارع للاستمرار، أو لحكاية الحال لأن الازدراء قد وقع، وإسناده إلى
~~الأعين مجاز للمبالغة في رأي من حيث أنه إسناد إلى الحاسة التي لا يتصور
~~منها تعييب أحد فكأن من لا يدرك ذلك يدركه، وللتنبيه على أنهم استحقروهم
~~بادي الرؤية وبما عاينوا من رثاثة حالهم وقلة منالهم دون تأمل وتدبر في
~~معانيهم وكمالاتهم، وعائد الموصول محذوف كما أشرنا إليه، واللام للأجل لا
~~للتبليغ وإلا لقيل فيما بعد يؤتيكم أي لا أقول مساعدة لكم ونزولا على
~~هواكم في شأن الذين استرذلتموهم واستحقرتموهم لفقرهم من المؤمنين / { لن
~~يؤتيهم الله خيرا } في الدنيا أو في الآخرة فعسى الله سبحانه
~~يؤتيهم خيري الدارين.

# { الله أعلم بما في أنفسهم } مما يستعدون به لإيتاء ms04314
~~ذلك، وفي «إرشاد العقل السليم» من الإيمان، وفيه توجيه لعطف نفي هذا
~~القول الذي ليس مما يستنكره الكفرة ولا مما يتوهمون صدوره عنه عليه
~~السلام أصالة واستتباعا على نفي هاتيك الأقوال التي هي مما يستنكرونه
~~ويتوهمون صدوره عنه عليه السلام إن ذلك من جهة أن كلا النفيين رد لقياسهم
~~الباطل الذي تمسكوا به فيما سلف فإنهم زعموا أن النبوة تستتبع الأمور
~~المذكورة من ادعاء الملكية وعلم الغيب وحيازة الخزائن وأن العثور على
~~مكانها واغتنام مغانمها ليس من دأب الأراذل، فأجاب عليه السلام بنفي ذلك
~~جميعا فكأنه قال: لا أقول وجود تلك الأشياء من مواجب النبوة ولا عدم
~~المال والجاه من موانع الخير. ((واقتصر عليه السلام على نفي القول
~~المذكور مع أنه عليه السلام جازم بأن الله سبحانه سيؤتيهم خيرا عظيما
~~في الدارين وأنهم على يقين راسخ في الإيمان جريا على سنن الإنصاف مع
~~القوم واكتفاءا بمخالفة كلامهم وإرشادا لهم إلى مسلك الهداية بأن
~~اللائق لكل أحد أن لا يبت القول إلا فيما يعلمه يقينا ويبني أموره على
~~الشواهد الظاهرة ولا يجازف فيما ليس فيه على بينة)) انتهى. وأنت تعلم أنه
~~عليه السلام قد بت القول بفوز هؤلاء في قوله:

# ومآ أنا بطارد الذين ءامنوا إنهم ملقوا
~~ربهم

# [هود: 29] بناءا على أنهم المعنيون بالذين آمنوا، وأن المراد من كونهم
~~ملاقوا ربهم أنهم مقربون في حضرة القدس  كما قال به غير واحد  وكذا
~~الحكم إذا كان المعنى بالموصول من اتصف بعنوان الصلة مطلقا إذ يدخلون
~~فيه دخولا أوليا لما أن المسؤول صريحا أو تلويحا طردهم، ولعل البت
~~تارة وعدمه أخرى لاقتضاء المقام ذلك وأن في كون الكفرة قد زعموا أن
~~العثور على مكان النبوة واغتنام مغانمها ليس من دأب الأراذل خفاءا مع
~~دعوى أنهم لوحوا بقولهم:

# وما نراك اتبعك

# [هود: 27] الخ الذي هو مظنة ذلك الزعم إلى التماس طردهم وتعليق إيمانهم
~~به عليه السلام بذلك أنفة من الانتظام معهم في سلك واحد.

# وفي «البحر» ((أن معنى { ولآ أقول للذين } الخ ليس احتقاركم ms04315
~~إياهم ينقص ثوابهم عند الله تعالى ولا يبطل أجورهم ولست أحكم عليهم بشيء
~~من هذا، وإنما الحكم بذلك للذي يعلم ما في أنفسهم فيجازيهم عليه، وقيل:
~~إن هذا رد لقولهم:

# وما نراك اتبعك

# [هود: 27] الخ على معنى لست أحكم عليهم بأن لا يكون لهم خير لظنكم بهم
~~أن بواطنهم ليست كظواهرهم الله أعلم بما في نفوسهم)) انتهى، ولا يخفى ما
~~فيه.

# وقد أخرج أبو الشيخ عن السدي أنه فسر الخير بالإيمان أي لا أقول للذين
~~تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله إيمانا  واستشكل بأن الظاهر أن المراد
~~بالموصول أولئك المتبعون المسترذلون وهم مؤمنون عندهم فلا معنى لنفي
~~القول بإيتاء الله تعالى إياهم الإيمان مساعدة لهم ونزولا على هواهم.
~~وأجيب بأن المراد من هذا الإيمان هو المعتد به الذي لا يزول أصلا كما
~~ينبىء عن ذلك التعبير عنه بالخير وهم إنما أثبتوا لهم الاتباع بادي
~~الرأي وأرادوا بذلك أنهم آمنوا إيمانا لا ثبات له، ويجعل ذلك ردا لذلك
~~القول، ويراد من { لن يؤتيهم } ما آتاهم فكأنهم قالوا: إنهم
~~اتبعوك وآمنوا بك بلا تأمل ومثل ذلك الإيمان في معرض الزوال، فهم لا
~~يثبتون عليه ويرتدون فرد عليهم عليه السلام بأني لا أحكم على أولئك بأن
~~الله تعالى ما آتاهم إيمانا لا يزول وأنهم سيرتدون كما زعمتم ويكون قوله
~~عليه السلام: { الله أعلم بما في أنفسهم } تفويضا للحكم
~~بذلك إليه تعالى؛ أو إشارة إلى جلالة ما آتاهم الله تعالى إياه من
~~الإيمان كما يقال الله تعالى: / أعلم بما يقاسي زيد من عمرو إذا كان ما
~~يقاسيه منه أمرا عظيما لا يستطاع شرحه، فكأنه قيل: إن إيمانهم عظيم
~~القدر جليل الشأن فكيف أقول لن يؤتيهم الله تعالى إيمانا ثابتا، وفيه
~~من التكلف والتعسف ما الله تعالى به أعلم، وحمل الموصول على أناس
~~مسترذلين جدا غير أولئك ولم يؤمنوا بعد أي لا أقول للذين تزدريهم أعينكم
~~ولم يؤمنوا بعد لن يوفقهم الله تعالى للإيمان حيث كانوا في غاية من رثاثة
~~الحال والدناءة التي تزعمونها مانعة من ms04316 الخير الله أعلم بما في نفوسهم
~~مما يتأهلون به لإفاضة التوفيق عليهم وهو المدار لذلك لا الأحوال الظاهرة
~~مما لا أقول به.

# { إني إذا } أي إذا قلت ذلك { لمن الظلمين } لهم بحط
~~مرتبتهم ونقص حقوقهم، أو من الظالمين لأنفسهم بذلك، وفيه تعريض بأنهم
~~ظالمون في ازدرائهم واسترذالهم. ويجوز أن يكون إذا قلت شيئا مما ذكر من
~~حيازة الخزائن وادعاء علم الغيب والملكية، ونفي إيتاء الله تعالى أولئك
~~الخير والقوم لمزيد جهلهم محتاجون لأن يعلل لهم نحو الأقوال الأول بلزوم
~~الانتظام في زمرة الظالمين.

### || [11.32]

# { قالوا ينوح قد جادلتنا } أي خاصمتنا ونازعتنا، وأصله من
~~جدلت الحبل أي أحكمت فتله ومنه الجديل وجدلت البناء أحكمته، ودرع مجدولة،
~~والأجدل الصقر المحكم البنية، والمجدل القصر المحكم البناء، وسميت
~~المنازعة جدالا لأن المتجادلين كأنهما يفتل كل واحد منهما الآخر عن
~~رأيه، وقيل: الأصل في الجدال الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة،
~~وهي الأرض الصلبة { فأكثرت جدالنا } عطف على ما قبله على معنى
~~شرعت في جدالنا فأطلته أو أتيت بنوع من أنواع الجدال فأعقبته بأنواع أخر
~~فالفاء على ظاهرها، ولا حاجة إلى تأويل { جادلتنا } بأردت جدالنا
~~كما قاله الجمهور في قوله تعالى:

# فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله

# [النحل: 98] ونظير ذلك جادل فلان فأكثر، وجعل بعضهم مجموع ذلك كناية عن
~~التمادي والاستمرار. وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (جدلنا)، وهو 
~~كما قال ابن جني  اسم بمعنى الجدال.

# ولما حجهم عليه السلام وأبرز لهم ما ألقمهم به الحجر ضاقت عليهم الحيل
~~وعيت بهم العلل. وقالوا: { فأتنا بما تعدنا } من العذاب
~~المعجل، وجوز أن يكون المراد به العذاب الذي أشير إليه في قوله:

# إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم

# [هود: 26] بناء على أن لا يكون المراد باليوم يوم القيامة، و { ما }
~~موصولة والعائد محذوف أي بالذي تعدنا به، وفي «البحر» تعدناه، وجوز أن
~~تكون مصدرية وفيه نوع تكلف { إن كنت من الصدقين } في حكمك
~~بلحوق العذاب إن لم نؤمن بك.

### || [11.33]

# { قال إنما يأتيكم به الله إن شآء ms04317 } أي إن ذلك ليس
~~إلي ولا مما هو داخل تحت قدرتي وإنما هو لله عز وجل الذي كفرتم به
~~وعصيتم أمره يأتيكم به عاجلا أو آجلا إن تعلقت به مشيئته التابعة
~~للحكمة، وفيه كما قيل: ما لا يخفى من تهويل الموعود، فكأنه، قيل: الإتيان
~~به أمر خارج عن دائرة القوى البشرية وإنما يفعله الله تعالى وفي الإتيان
~~بالاسم الجليل الجامع تأكيد لذلك التهويل { ومآ أنتم بمعجزين }
~~بمصيريه سبحانه وتعالى عاجزا بدفع العذاب أو الهرب منه، والباء زائدة
~~للتأكيد، والجملة الاسمية للاستمرار، والمراد استمرار النفي وتأكيده لا
~~نفي الاستمرار والتأكيد وله نظائر.

### || [11.34]

# { ولا ينفعكم نصحي } النصح تحري قول أو فعل فيه صلاح وهو كلمة
~~جامعة، وقيل: هو إعلام مواقع الغي ليتقى ومواضع الرشد ليقتفى، وهو من
~~قولهم: نصحت له الود أي أخلصته، / وناصح العسل خالصه، أو من قولهم نصحت
~~الجلد خطته، والناصح الخياط، والنصاح الخيط، وقرأ عيسى ابن عمر الثقفي {
~~نصحي } بفتح النون وهو مصدر، وعلى قراءة الجماعة  على ما قال أبو حيان 
~~يحتمل أن يكون مصدرا كالشكر، وأن يكون اسما { إن أردت أن
~~أنصح لكم } شرط حذف جوابه لدلالة ما سبق عليه وليس جوابا له
~~لامتناع تقدم الجواب على الشرط على الأصح الذي ذهب إليه البصريون أي إن
~~أردتم أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي، والجملة كلها دليل جواب قوله سبحانه:
~~{ إن كان الله يريد أن يغويكم } والتقدير إن كان الله
~~يريد أن يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي، وجعلوا الآية من
~~باب اعتراض الشرط على الشرط، وفي «شرح التسهيل» لابن عقيل أنه إذا توالى
~~شرطان مثلا كقولك: إن جئتني إن وعدتك أحسنت إليك، فالجواب للأول،
~~واستغنى به عن جواب الثاني، وزعم ابن مالك أن الشرط للثاني مقيد للأول
~~بمنزلة الحال، فكأنه قيل في المثال: إني جئتني في حال وعدي لك أحسنت
~~إليك، والصحيح في المسألة أن الجواب للأول، وجواب الثاني محذوف لدلالة
~~الشرط الثاني وجوابه عليه، فإذا قلت: إن دخلت الدار إن كلمت زيدا إن ms04318 جاء
~~إليك فأنت حر، فأنت حر جواب إن دخلت وهو وجوابه دليل جواب إن كلمت وإن
~~كلمت وجوابه دليل جواب إن جاء، والدليل على الجواب جواب في المعنى،
~~والجواب متأخر، فالشرط الثالث مقدم وكذا الثاني، فكأنه قيل إن جاء فإن
~~كلمت فإن دخلت فأنت حر فلا يعتق إلا إذا وقع هكذا مجىء ثم كلام ثم دخول،
~~وهو مذهب الشافعي عليه الرحمة، وذكر الجصاص أن فيها خلافا بين محمد
~~وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، وليس مذهب الإمام الشافعي فقط. وقال بعض
~~الفقهاء: إن الجواب للأخير. والشرط الأخير وجوابه جواب الثاني، والشرط
~~الثاني وجوابه جواب الأول، وعلى هذا لا يعتق حتى يوجد هكذا دخول ثم كلام
~~ثم مجىء. وقال بعضهم: إذا اجتمعت حصل العتق من غير ترتيب وهذا إذا كان
~~التوالي بلا عاطف فإن عطف بأو فالجواب لهما وإن كان بالفاء فالجواب
~~للثاني وهو وجوابه جواب الأول فتخرج الفاء عن العطف. وادعى ابن هشام أن
~~في كون الآية من ذلك الباب نظرا قال: إذ لم يتوال شرطان وبعدهما جواب
~~كما فيما سمعت من الأمثلة، وكما في قول الشاعر

# إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا

# منا معاقل عز زانها كرم

# إذ لم يذكر فيها جواب وإنما تقدم على الشرطين ما هو جواب في المعنى
~~للأول فينبغي أن يقدر إلى جانبه ويكون الأصل إن أردت أن أنصح لكم فلا
~~ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم، وأما أن يقدر الجواب بعدهما ثم
~~يقدر بعد ذلك مقدما إلى جانب الشرط الأول فلا وجه له انتهى. وقد ألف في
~~المسألة «رسالة» كما قال الجلال السيوطي وأوردها في «حاشيته على المغني»
~~حسنة، ولا يخفى عليك أن المقدر في قوة المذكور، والكثير في توالي شرطين
~~بدون عاطف تأخره سماعا فيقدر كذلك ويجري عليه حكمه.

# والكلام على ما تقدم متضمن لشرطين مختلفين: أحدهما جواب للآخر وقد جعل
~~المتأخر في الذكر متقدما في المعنى على ما هو المعهود في المسألة، وهو
~~عند الزمخشري على ما قيل شرطية واحدة مقيدة ms04319 حيث جعل { لا ينفعكم }
~~دليل الجواب لأن كان، وجعل { إن أردت } قيدا لذلك نظير إن أحسنت
~~إلي أحسنت إليك إن أمكنني فتأمل ((والكلام متعلق بقولهم:

# قد جادلتنا فأكثرت جدالنا

# [هود: 32] صدر عنه عليه السلام إظهارا للعجز عن ردهم / عما هم عليه من
~~الضلال بالحجج والبينات لفرط تماديهم في العناد وإيذانا بأن ما سبق منه
~~إنما كان بطريق النصيحة لهم والشفقة عليهم وأنه لم يأل جهدا في إرشادهم
~~إلى الحق وهدايتهم إلى سبيله المستبين ولكن لا ينفعهم ذلك عند إرادته
~~سبحانه لإغوائهم، وتقييد عدم نفع النصح بإرادته مع أنه محقق لا محالة
~~للإيذان بأن ذلك النصح مقارن للإرادة والاهتمام به، ولتحقيق المقابلة بين
~~ذلك وبين ما وقع بإزائه من إرادته تعالى لإغوائهم، وإنما تقصر في ذلك على
~~مجرد إرادة الإغواء دون نفسه حيث لم يقل إن كان الله يغويكم مبالغة في
~~بيان غلبة جنابه جل جلاله حيث دل ذلك على أن نصحه المقارن للاهتمام به لا
~~يجديهم نفعا عند مجرد إرادة الله تعالى إغواءهم فكيف عند تحققه وخلقه
~~فيهم، وزيادة { كان } للإشعار بتقدم إرادته تعالى زمانا كتقدمه رتبة،
~~وللدلالة على تجددها واستمرارها، وقدم على هذا الكلام ما يتعلق بقولهم:

# فأتنا بما تعدنا

# [هود: 32] من قوله:

# إنما يأتيكم به الله إن شآء

# [هود: 33] ردا عليهم من أول الأمر وتسجيلا عليهم بحلول العذاب مع ما
~~فيه من اتصال الجواب بالسؤال)) قال ذلك مولانا شيخ الإسلام. ثم إن { إن
~~أردت } إن أبقى على الاستقبال لا ينافي كونه نصحهم في الزمن الماضي،
~~وقيل: إنه مجاراة لهم لاستظهار الحجة لأنهم زعموا أن ما فعله ليس بنصح إذ
~~لو كان نصحا قبل منه، واللام في { لكم } ليست للتقوية كما قد يتوهم
~~لتعدي الفعل بنفسه كما في قوله:

# نصحت بني عوف فلم يتقبلوا

# رسولي ولم تنجح لديهم رسائلي

# لما في «الصحاح» أنه باللام أفصح.

# وفي الآية دليل على أن إرادة الله تعالى مما يصح تعلقها بالإغواء وأن
~~خلاف مراده سبحانه محال، وإلا لم تصدق الشرطية الدالة على لزوم ms04320 الجواب
~~للشرط، والمعتزلة وقعوا في حيص بيص منها واختلفوا في تأويلها، فقيل: إن {
~~يغويكم } بمعنى يهلككم من غوى الفصيل إذا بشم من كثرة شرب اللبن
~~فهلك، وقد روى مجىء الغوى بمعنى الهلاك الفراء. وغيره، وأنكره مكي. وقيل:
~~إن الإغواء مجاز عن عقوبته أي إن كان الله يريد عقوبة إغوائكم الخلق
~~وإضلالكم إياهم. وقيل: إن قوم نوح كانوا يعتقدون أن الله تعالى أراد
~~إغوائهم فأخرج عليه السلام ذلك مخرج التعجب والإنكار أي إن نصحي لا
~~ينفعكم إن كان الأمر كما تزعمون، وقيل: سمي ترك إلجائهم وتخليتهم وشأنهم
~~إغواء مجازا، وقيل: { إن } نافية أي ما كان الله يريد أن يغويكم، ونفى
~~ذلك دليل على نفي الإغواء، ويكون { لا ينفعكم نصحي } الخ
~~إخبارا منه عليه السلام لهم وتعزية لنفسه عنهم لما رأى من إصرارهم
~~وتماديهم على الكفر، ولا يخفى ما في ذلك من مخالفة الظاهر المعروف في
~~الاستعمال وارتكاب ما لا ينبغي ارتكاب مثله في كلام الملك المتعال. ومن
~~الناس من اعترض الاستدلال بأن الشرطية لا تدل على وقوع الشرط ولا جوازه
~~فلا يتم ولا يحتاج إلى التأويل ولا إلى القال والقيل، ودفع بأن المقام
~~ينبو عنه لعدم الفائدة في مجرد فرض ذلك فإن أرادوا إرجاعه إلى قياس
~~استثنائي فإما أن يستثنى عين المقدم فهو المطلوب أو نقيض التالي فخلاف
~~الواقع لعدم حصول النفع. وبالجملة الآية ظاهرة جدا فيما ذهب إليه أهل
~~السنة، والله سبحانه الموفق.

# { هو ربكم } أي خالقكم ومالك أمركم { وإليه ترجعون }
~~فيجازيكم على أفعالكم لا محالة.

### || [11.35]

# { أم يقولون } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يعني نوحا
~~عليه السلام أي بل أيقول قوم نوح أن نوحا افترى ما جاء به مسندا إلى
~~الله تعالى عز وجل { قل } يا نوح { إن افتريته } بالفرض البحت.
~~/ { فعلي إجرامي } أي وباله فهو على تقدير مضاف، أو على التجوز
~~بالسبب عن المسبب، وفسر الإجرام بكسب الذنب وهو مصدر أجرم، وجاء على قلة
~~جرم، ومن ذلك قوله:

# طريد عشيرة ورهين ذنب

# بما (جرمت) يدي وجنى ms04321 لساني

# وقرىء { أجرامي } بفتح الهمزة على أنه كما قال النحاس: جمع جرم، واستشكل
~~العز بن عبد السلام الشرطية بأن الافتراء المفروض هنا ماض والشرط يخلص
~~للاستقبال بإجمال أئمة العربية، وأجاب أن المراد  كما قال ابن السراج 
~~إن ثبت أني افتريته فعلي إجرامي على ما قيل في قوله تعالى:

# إن كنت قلته فقد علمته

# [المائدة: 116].

# { وأنا بريء مما تجرمون } أي من إجرامكم في إسناد
~~الافتراء إلي، قيل: والأصل إن افتريته فعلي عقوبة افترائي ولكنه فرض
~~محال وأنا برىء من افترائكم أي نسبتكم إياي إلى الافتراء، وعدل عنه
~~إدماجا لكونهم مجرمين، وأن المسألة معكوسة، وحملت (ما) على المصدرية لما
~~في الموصولية من تكلف حذف العائد مع أن ذلك هو المناسب لقوله: {
~~إجرامي } فيما قبل، وما يقتضيه كلام ابن عباس من أن الآية من تتمة
~~قصة نوح عليه السلام وفي شأنه هو الظاهر، وعليه الجمهور. وعن مقاتل أنها
~~في شأن النبي صلى الله عليه وسلم مع مشركي مكة أي بل أيقول مشركو مكة
~~افترى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر نوح، قيل: وكأنه إنما جيء به في
~~تضاعيف القصة عند سوق طرف منها تحقيقا لحقيقتها وتأكيدا لوقوعها
~~وتشويقا للسامعين إلى استماعها لا سيما وقد قص منها طائفة متعلقة بما
~~جرى بينه عليه السلام وبين قومه من المحاجة، وبقيت طائفة مستقلة متعلقة
~~بعذابهم، ولا يخفى أن القول بذلك بعيد وإن وجه بما وجه. وقال في «الكشف»:
~~إن كونها في شأن النبي صلى الله عليه وسلم أظهر وأنسب من كونها من تتمة
~~قصة نوح عليه السلام لأن { أم يقولون افتراه } كالتكرير لقوله
~~سبحانه: { أم يقولون افتراه } دلالة على كمال العناد وأن مثله
~~بعد الإتيان بالقصة على هذا الأسلوب المعجز مما لا ينبغي أن ينسب إلى
~~افتراء فجاء زيادة إنكار على إنكار كأنه قيل: بل أمع هذا البيان أيضا
~~يقولون افتراه وهو نظير اعتراض قوله سبحانه في سورة العنكبوت [18] {
~~وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم } بين قصة
~~إبراهيم عليه السلام في أحد الوجهين انتهى، ms04322 ولا أراه معولا عليه.

### || [11.36]

# { وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من
~~قد آمن } إقناط له عليه السلام من إيمانهم وإعلام بأنه لم يبق فيهم
~~من يتوقع إيمانه. أخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال: إن
~~نوحا عليه السلام كان يضرب ثم يلف في لبد فيلقى في بيته يرون أنه قد مات
~~ثم يخرج فيدعوهم، واتفق أن جاءه رجل ومعه ابنه وهو يتوكأ على عصا فقال:
~~يا بني انظر هذا الشيخ لا يغرنك قال: يا أبت أمكني من العصا فأخذ العصا
~~ثم قال: ضعني على الأرض فوضعه فمشى إليه فضربه فشجه موضحة في رأسه وسالت
~~الدماء فقال نوح عليه السلام: رب قد ترى ما يفعل بي عبادك فإن يك لك في
~~عبادك حاجة فاهدهم وإن يكن غير ذلك فصبرني إلى أن تحكم وأنت خير الحاكمين
~~فأوحى الله تعالى إليه وآيسه من إيمان قومه وأخبره أنه لم يبق في أصلاب
~~الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن وقال سبحانه يا نوح إنه لن يؤمن الخ.

# والمراد بمن آمن قيل: من استمر على الإيمان وللدوام حكم الحدوث، ولذا لو
~~حلف لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه فلم ينزعه في الحال حنث، وقيل: المراد
~~إلا من قد استعد للإيمان وتوقع منه ولا يراد ظاهره وإلا كان المعنى إلا
~~من آمن فإنه يؤمن، وأورد عليه أنه مع بعده / يقتضي أن من القوم من آمن
~~بعد ذلك، وهو ينافي تقنيطه من إيمانهم، وقد يقال: المراد ما هو الظاهر،
~~والاستثناء على حد الاستثناء في قوله تعالى:

# وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف

# [النساء: 23] على ما قاله غير واحد، فيفيد الكلام الإقناط على أتم وجه
~~وأبلغه أي لن يحدث من قومك إيمانا ويحصله بعد إلا من قد أحدثه وحصله
~~قبل، وذلك مما لا يمكن لما فيه من تحصيل الحاصل وإحداث المحدث، فإحداث
~~الإيمان وتحصيل بعد مما لا يكون أصلا، وفي «الحواشي الشهابية» لو قيل:
~~إن الاستثناء منقطع وأن المعنى لا ms04323 يؤمن أحد بعد ذلك غير هؤلاء لكان معنى
~~بليغا فتدبر، وقرأ أبو البرهسم { وأوحى } مبنيا للفاعل و (إنه) بكسر
~~الهمزة على إضمار القول على مذهب البصريين وعلى إجراء { أوحى } مجرى قال
~~على مذهب الكوفيين، واستدل بالآية من أجاز التكليف بما لا يطاق.

# { فلا تبتئس بما كانوا يفعلون } أي لا تلتزم البؤس ولا
~~تحزن بما كانوا يتعاطونه من التكذيب والاستهزاء والإيذاء في هذه المدة
~~الطويلة فقد حان وقت الانتقام منهم.

### || [11.37]

# { واصنع الفلك بأعيننا } عطف على

# فلا تبتئس

# [هود: 36] والأمر قيل: للوجوب إذ لا سبيل إلى صيانة الروح من الغرق إلا
~~به فيجب كوجوبها، وقيل: للإباحة وليس بشيء. وأل في { الفلك } إما
~~للجنس أو للعهد بناءا على أنه أوحي إليه عليه السلام من قبل أن الله
~~سبحانه سيهلكهم بالغرق وينجيه ومن معه بشيء يصنعه بأمره تعالى من شأنه
~~كيت وكيت واسمه كذا. والباء للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال من
~~الفاعل، والأعين حقيقة في الجارحة وهي جارية مجرى التمثيل كأن لله سبحانه
~~أعينا تكلؤه من تعدى الكفرة ومن الزيغ في الصنعة، والجمع للمبالغة، وقد
~~انسلخ عنه لإضافته على ما قيل معنى القلة وأريد به الكثرة، وحينئذ يقوى
~~أمر المبالغة، وزعم بعضهم أن الأعين بمعنى الرقباء وأن في ذلك ما هو من
~~أبلغ أنواع التجريد، وذلك أنهم ينتزعون من نفس الشيء آخر مثله في صفته
~~مبالغة بكمالها كما أنشد أبو علي:

# أفات بنو مروان ظلما دماءنا

# وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل

# وقد جرد ههنا من ذات المهيمن جماعة الرقباء وهو سبحانه الرقيب نفسه،
~~وقيل: إن ملابسة العين كناية عن الحفظ وملابسة الأعين لمكان الجمع كناية
~~عن كمال الحفظ والبمالغة فيه، ونظير ذلك بسط اليد وبسط اليدين، فإن الأول
~~كناية عن الجود والثاني عن المبالغة فيه، وجوز أن يكون المراد الحفظ
~~الكامل على طريقة المجاز المرسل لما أن الحفظ من لوازم الجارحة، وقيل:
~~المراد من أعيننا ملائكتنا الذين جعلناهم عيونا على مواضع حفظك ومعونتك،
~~والجمع حينئذ على حقيقته لا للمبالغة، ويفهم ms04324 من صنيع بعضهم أن هذا من
~~المتشابه، والكلام فيه شهير، ففي «الدر المنثور» عند الكلام على هذه
~~الآية. ((أخرج البيهقي عن سفيان بن عيينة قال: ما وصف الله تبارك وتعالى
~~به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره بالعربية ولا
~~بالفارسية)). وقرأ أبو طلحة بن مصرف (بأعينا) بالادغام.

# { ووحينا } إليك كيف تصنعها وتعليمنا، أخرج إسحق بن بشر وابن عساكر
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه عليه السلام لم يعلم كيف صنعة
~~الفلك فأوحى الله تعالى إليه أن اجعل رأسها كرأس الديك. وجؤجؤها كجؤجؤ
~~الطير وذنبها كذنب الديك، واجعل لها أبوابا في جنبها وشدها بدسر وأمره
~~أن يطليها بالقار ولم يكن في الأرض قار ففجر الله تعالى له عين القار حيث
~~ينحتها يغلي غليانا حتى طلاها الخبر، وفيه أن الله تعالى بعث جبريل عليه
~~السلام فعلمه صنعتها، وقيل: كانت الملائكة عليهم السلام تعلمه.

# / { ولا تخطبنى في الذين ظلموا } أي لا تراجعني فيهم
~~ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم وفيه من المبالغة ما ليس فيما لو قيل:
~~ولا تدعني فيهم، وحيث كان فيه ما يلوح بما يستتبعه أكد التعليل فقيل: {
~~إنهم مغرقون } أي محكوم عليهم بالإغراق؛ وقد جرى به القضاء
~~وجف القلم فلا سبيل إلى كفه، والظاهر أن المراد من الموصول من لم يؤمن من
~~قومه مطلقا، قيل: المراد واعلة زوجته وكنعان ابنه وليس بشيء.

### || [11.38]

# { ويصنع الفلك } حكاية حال ماضية لاستحضار صورتها العجيبة.
~~وقيل: تقديره وأخذ أو أقبل يصنع الفلك. وكانت على ما روي عن قتادة وعكرمة
~~والكلبي من خشب الساج وقد غرسه بنفسه ولم يقطعه حتى صار طوله أربعمائة
~~ذراع والذراع إلى المنكب في أربعين سنة على ما روي عن سلمان الفارسي،
~~وقيل: أبقاه عشرين سنة، وقيل: مكث مائة سنة يغرس ويقطع وييبس، وقال عمرو
~~بن الحرث: لم يغرسه بل قطعه من جبل لبنان. وعن ابن عباس أنها كانت من خشب
~~الشمشاد وقطعه من جبل لبنان، وقيل: إنه ورد في التوراة أنها كانت من
~~الصنوبر، وروي أنه ms04325 كان سام وحام ويافث ينحتون معه، وفي رواية أنه عليه
~~السلام كان معه أيضا أناس استأجرهم ينحتون، وذكر أن طولها ثلثمائة ذراع
~~وعرضها خمسون وارتفاعها في السماء ثلاثون. وأخرج ابن جرير وغيره عن الحسن
~~قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي وعرضها ستمائة ذراع وصنع لها بابا في
~~وسطها، وأتم صنعها على ما روي عن مجاهد في ثلاث سنين. وعن كعب الأحبار في
~~أربعين سنة، وقيل: في ستين، وقيل: في مائة سنة، وقيل: في أربعمائة سنة.
~~واختلف في أنه في أي موضع صنعها، فقيل: في الكوفة، وقيل: في الهند، وقيل:
~~في أرض الجزيرة، وقيل: فى أرض الشام، وسفينة الأخبار في تحقيق الحال فيما
~~أرى لا تصلح للركوب فيها إذ هي غير سالمة عن عيب، فالحرى بحال من لا يميل
~~إلى الفضول أن يؤمن بأنه عليه السلام صنع الفلك حسبما قص الله تعالى في
~~كتابه ولا يخوض في مقدار طولها وعرضها وارتفاعها ومن أي خشب صنعها وبكم
~~مدة أتم علمها إلى غير ذلك مما لم يشرحه الكتاب ولم تبينه السنة الصحيحة.

# وهذا وفي التعبير  بيصنع  على ما قيل: ملاءمة للاستمرار المفهوم من
~~الجملة الواقعة حالا من ضميره أعني قوله تعالى: { وكلما مر
~~عليه ملأ من قومه سخروا منه } أي استهزأوا به لعمله
~~السفينة إما لأنهم ما كانوا يعرفونها ولا كيفية استعمالها فتعجبوا من ذلك
~~وسخروا منه، ويشهد لعدم معرفتهم ما روي عن ابن عباس أنه عليه السلام حين
~~قال الله تعالى له:

# اصنع الفلك

# [هود: 37] قال: يا رب وما الفلك؟ قال: بيت من خشب يجري على وجه الماء
~~قال يا رب: وأين الماء؟ قال: إني على ما أشاء قدير، وإما لأنه عليه
~~السلام كان يصنعها في برية بعيدة عن الماء وكانوا يتضاحكون، ويقولون: يا
~~نوح صرت نجارا بعد ما كنت نبيا، وهذا مبني على أن السفينة كانت معروفة
~~بينهم، ويشهد له ما أخرجه ابن جرير والحاكم وصححه  وضعفه الذهبي  عن
~~عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " كان نوح قد ms04326 مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم حتى كان آخر
~~زمانه غرس شجرة فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعها ثم جعل يعملها سفينة فيرونه
~~ويسألونه فيقول اعملها سفينة فيسخرون منه ويقولون: تعمل سفينة في البر
~~وكيف تجري؟ فيقول: سوف تعلمون "

# الحديث والأكثرون  كما قال ابن عطية  على أنهم لم يكونوا رأوا سفينة
~~قط ولا كانت إذ ذاك، وقد ذكر في «كتب / الأوليات» أن نوحا عليه السلام
~~أو من عمل السفينة، والحق أنه لا قطع بذلك، و  كل  منصوب على الظرفية و
~~{ ما } مصدرية وقتية أي كل وقت مرور، والعامل فيه جوابه وهو { سخروا
~~}.

# وقوله سبحانه: { قال إن تسخروا منا فإنا نسخر
~~منكم } استئناف بياني كأن سائلا سأل فقال: فما صنع نوح عليه السلام
~~عند بلوغهم منه هذا المبلغ؟ فقيل: قال: إن تسخروا منا لهذا العمل ومباشرة
~~أسباب الخلاص من العذاب فإنا نسخر منكم لما أنتم فيه من الإعراض عن
~~استدفاعه بالإيمان والطاعة ومن الاستمرار على الكفر والمعاصي، والتعرض
~~لأسباب حلول سخط الله تعالى التي من جملتها سخريتكم منا واستهزاؤكم بنا،
~~وإطلاق السخرية عليهم حقيقة، وعليه عليه السلام للمشاكلة لأنها لا تليق
~~بالأنبياء عليهم السلام، وفسرها بعضهم بالاستجهال؛ وهو مجاز لأنه سبب
~~للسخرية، فأطلقت السخرية وأريد سببها. وقيل: إنها منه عليه السلام لما
~~كانت لجزائهم من جنس صنيعهم لم تقبح فلا حاجة لارتكاب خلاف الظاهر، وجمع
~~الضمير في { منا } إما لأن سخريتهم منه عليه السلام سخرية من المؤمنين
~~أيضا أو لأنهم كانوا يسخرون منهم أيضا إلا أنه اكتفى بذكر سخريتهم منه
~~عليه السلام ولذلك تعرض الجميع للمجازاة في قوله: { نسخر منكم }
~~فتكافأ الكلام من الجانبين.

# والتشبيه في قوله سبحانه: { كما تسخرون } إما في مجرد التحقق
~~والوقوع، وإما في التجدد والتكرر حسبما صدر عن ملأ بعد ملأ، وقيل: لا
~~مانع من أن يراد الظاهر ولا ضرر في ذلك لحديث الجزاء، ومن هنا قال بعضهم:
~~إن في الآية دليلا على جواز مقابلة نحو الجاهل والأحمق بمثل فعله ويشهد
~~له قوله تعالى: ms04327

# فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما
~~اعتدى

# [البقرة: 194]

# وجزآء سيئة سيئة مثلها

# [الشورى: 40]

# وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به

# [النحل: 126] إلى غير ذلك، والظاهر أن كلا الفعلين واقع في الحال. وقال
~~ابن جريج: المعنى إن تسخروا منا في الدنيا فإنا نسخر منكم في الآخرة،
~~وقيل: في الدنيا عند الغرق وفي الآخرة عند الحرق، قال الطبرسي: إن المراد
~~من { نسخر منكم } على هذا نجازيكم على سخريتكم أو نشمت بكم عند
~~غرقكم وحرقكم، وفيه خفاء. هذا وجوز أن يكون عامل { كلما }  { قال }
~~، وهو الجواب، وجملة { سخروا } صفة لملأ أو بدل من { مر } بدل
~~اشتمال ون مرورهم للسخرية فلا يضر كون السخرية ليست بمعنى المرور ولا
~~نوعا منه، وأبو حيان جعل ذلك مبعدا للبدلية وليس بذلك، ويلزم على هذا
~~التجويز استمرار هذا القول منه عليه السلام وهو ظاهر، وعلى الإعراب قيل:
~~لا استمرار وإنما أجابهم به في بعض المرات، ورجح بأن المقصود بيان
~~تناهيهم في إيذائه عليه السلام وتحمله لأذيتهم لا مسارعته عليه السلام
~~إلى الجواب كلما وقع منهم ما يؤذيه من الكلام، وقد يقال: إن في ذلك إشارة
~~إلى أنه عليه السلام بعد أن يئس من إيمانهم لم يبال بإغضابهم ولذا هددهم
~~التهديد البليغ بقوله: { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب
~~يخزيه.

# .. }.

### || [11.39]

# { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } أي يفضحه أو
~~يذله أو يهلكه، وهي أقوال متقاربة، والمراد بذلك العذاب الغرق {
~~ويحل عليه } حلول الدين المؤجل { عذاب مقيم } أي دائم
~~وهو عذاب النار، و { من } عبارة عنهم، وهي موصولة في محل نصب مفعول
~~للعلم، وهو بمعنى المعرفة فيتعدى إلى واحد. وجوز ابن عطية أن يراد العلم
~~المتعدي إلى مفعولين لكنه اقتصر على واحد، وتعقبه في «البحر» ((بأنه لا
~~يجوز حذف الثاني اقتصارا لأن أصله خبر مبتدأ، ولا اختصارا هنا لأنه لا
~~دليل على حذفه)). / وقيل: إن { من } استفهامية مبتدأ، والجملة بعدها
~~خبر، وجملة المبتدأ والخبر معلق عنها سادة مسد المفعول أو المفعولين.
~~قيل: ولما كان مدار سخريتهم استجهالهم إياه عليه ms04328 السلام في مكابدة المشاق
~~الفادحة لدفع ما لا يكاد يدخل تحت الصحة على زعمهم من الطوفان ومقاساة
~~الشدائد في عمل السفينة وكانوا يعدونه عذابا قيل: بعد استجهالهم {
~~فسوف } الخ يعني أن ما أباشره ليس فيه عذاب لاحق بي فسوف تعلمون من
~~يعذب، ولقد أصاب العلم بعد استجهالهم محزه انتهى وهو ظاهر على تقدير حمل
~~السخرية المنسوبة إليه عليه السلام على الاستجهال. ولعله يمكن إجراؤه على
~~تقدير حملها على ظاهرها أيضا بأدنى عناية فافهم، ووصف العذاب بالإخزاء
~~لما في الاستهزاء والسخرية من لحوق الخزي والعار عادة والتعرض لحلول
~~العذاب المقيم للمبالغة في التهديد، وفيه من المجاز ما لا يخفى، وتخصيصه
~~بالمؤجل وإيراد الأول بالإتيان غاية الجزالة. وحكى الزهراوي أنه قرىء
~~(يحل) بضم الحاء.

### || [11.40]

# { حتى إذا جآء أمرنا } غاية لقوله سبحانه:

# يصنع الفلك

# [هود: 38] و { حتى } إما جارة متعلقة به، و { إذا } لمجرد
~~الظرفية، وإما ابتدائية داخلة على الشرط وجوابه، والجملة لا محل لها من
~~الإعراب، وحال ما وقع في البين قد مرت الإشارة إليه، والأمر إما واحد
~~الأوامر أي الأمر بركوب السفينة أو بالفوران أو للسحاب بالارسال أو
~~للملائكة عليهم السلام بالتصرف فيما يراد أو نحو ذلك، وإما واحد الأمور
~~وهو الشأن أعني نزول العذاب بهم { وفار التنور } أي نبع منه
~~الماء وارتفع بشدة كما تفور القدر بغليانها وفيه من الاستعارة ما لا
~~يخفى. والمراد من التنور تنور الخبز عند الجمهور، وكان على ما روي عن
~~الحسن ومجاهد تنورا لحواء تخبز فيه ثم صار لنوح عليه السلام وكان من
~~حجارة، وقيل: هو تنور في الكوفة في موضع مسجدها عن يمين الداخل مما يلي
~~باب كندة، وجاء ذلك في رواية عن علي كرم الله تعالى وجهه، وقيل: تنور
~~بالهند، وقيل: بعين وردة من أرض الجزيرة العمرية أو من أرض الشام، وقيل:
~~ليس المراد به تنورا معينا بل الجنس، والمراد فار الماء من التنانير،
~~وفي ذلك من عجيب القدرة ما لا يخفى. ولا تنافي بين هذا وقوله سبحانه:

# وفجرنا الأرض عيونا

# [القمر: ms04329 12] إذ يمكن أن يكون التفجير غير الفوران فحصل الفوران للتنور
~~والتفجير للأرض، أو يراد بالأرض أماكن التنانير، ووزنه تفعول من النور،
~~وأصله تنوور فقلبت الواو الأولى همزة لانضمامها، ثم حذفت تخفيفا، ثم
~~شددت النون عوضا عما حذف، ونقل هذا عن ثعلب، وقال أبو علي الفارسي: وزنه
~~فعول، وقيل: على هذا أنه أعجمي ولا اشتقاق له، ومادته تنر، وليس في
~~كلام العرب نون قبل راء، ونرجس معرب أيضا، والمشهور أنه مما اتفق فيه
~~لغة العرب والعجم كالصابون والسمور. وعن ابن عباس وعكرمة والزهري أن {
~~التنور } وجه الأرض هنا، وعن قتادة أنه أشرف موضع منها أي أعلاه
~~وأرفعه، وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وغيرهما عن علي كرم الله تعالى وجهه
~~أنه تنوير الصبح، والظاهر أنه لم يستعمل في اللغة العجمية بهذه المعاني
~~الأخيرة، وجوز أن يكون فوران التنور مجازا عن ظهور العذاب وشدة الهول،
~~وهذا كما جاء في الخبر «حمى الوطيس» مجازا عن شدة الحرب وليس بين
~~الجملتين كثير فرق في المعنى وهو معنى حسن لكنه بعيد عما جاءت به
~~الأخبار.

# { قلنا احمل فيها } أي في الفلك، وأنث الضمير لأنه بمعنى
~~السفينة، والجملة استئناف أو جواب { إذا }  { من كل } أي من كل نوع من
~~الحيوانات ينتفع به الذين ينجون من الغرق وذراريهم بعد، ولم تكن العادة
~~جارية بخلقه من غير ذكر وأنثى، / والجار والمجرور متعلق  باحمل  أو
~~بمحذوف وقع حالا من مفعوله أعني قوله سبحانه: { زوجين } وهو تثنية
~~زوج، والمراد به الواحد المزدوج بآخر من جنسه، فالذكر زوج للأنثى كما هي
~~زوج له، وقد يطلق على مجموعهما، وليس بمراد، وإلا لزم أن يحمل من كل صنف
~~أربعة، ولئلا يراد ذلك وصف بقوله تعالى: { اثنين } وحاصل المعنى احمل
~~ذكرا وأنثى من كل نوع من الحيوانات.

# وقرأ الأكثرون { من كل زوجين } بالإضافة فإثنين على هذا مفعول 
~~احمل  و { من كل زوجين } حال منه، ولو أخر لكان صفة له أي احمل
~~اثنين من كل زوجين أي صنف ذكر وصنف أنثى، وقيل: { من } زائدة وما بعدها ms04330
~~مفعول { احمل } ، و { اثنين } نعت لزوجين بناءا على جواز زيادة {
~~من } في الموجب ثم ما ذكرناه في تفسير العموم هو الذي مال إليه البعض
~~وأدرج فيه أناس الهوام والطير. وذكر أنه روي أنه عليه السلام جعل للسفينة
~~ثلاثة بطون وحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن
~~الأوسط الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج
~~إليه من الزاد، وحمل معه جسد آدم عليه السلام وجعله معترضا بين الرجال
~~والنساء، وكان حمله بوصية منه عليه السلام توارثها ولده حتى وصلت إلى نوح
~~عليه السلام، ويعارض هذا التقسيم ما روي أن الطبقة السفلى للوحش والوسطى
~~للطعام والعليا له عليه السلام ولمن آمن، وتوسع بعضهم في العموم فأدرج
~~فيه ما ليس من جنس الحيوان، وأيد بما أخرجه إسحاق بن بشر وغيره عن علي
~~كرم الله تعالى وجهه مرفوعا أن نوحا عليه السلام حمل معه في السفينة من
~~جميع الشجر، وبما أخرجه أبو الشيخ عن جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما
~~قال: أمر نوح عليه السلام أن يحمل معه من كل زوجين اثنين فحمل من التمر
~~العجوة واللون.

# وأخرج النسائي عن أنس بن مالك أن نوحا عليه السلام نازعه الشيطان في
~~عود الكرم، فقال: هذا لي، وقال نوح: هو لي فاصطلحا على أن لنوح ثلثها
~~وللشيطان ثلثيها ولا يكاد يعول على مثل هذه الأخبار عند التنقير، ومما
~~يحمل معها في سفينة ما أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~قال: تأذى أهل السفينة بالفأر فعطس الأسد فخرج من منخريه سنوران ذكر
~~وأنثى فأكلا الفأر إلا ما أراد الله تعالى أن يبقى منه، وتأذوا بأذى أهل
~~السفينة فعطس الفيل فخرج من منخريه خنزيران ذكر وأنثى فأكلا أذى أهل
~~السفينة، وفي رواية الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» وابن جرير وغيرهما
~~عنه أن نوحا عليه السلام شكا إلى الله تعالى قرض الفأر حبال السفينة
~~فأوحى الله إليه فمسح جبهة الأسد فخرج سنوران، وشكا عذرة في السفينة
~~فأوحى ms04331 إليه سبحانه، فمسح ذنب الفيل فخرج خنزيران فأكلا العذرة.

# وأخرج ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم عن أبيه مرفوعا أن أهل
~~السفينة شكوا الفأرة فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا فأوحى
~~الله تعالى إلى الأسد فعطس فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها، ولم يذكر
~~فيه بحث الخنزير، ويفهم منها على ما فيها أن الهرة لم تكن عند الحمل، ومن
~~الأولين أنها والخنزير لم يكونا، وفي بعض الآثار ما يخالفه، فقد أخرج
~~أحمد في «الزهد» وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال لما أمر الله تعالى نوحا
~~عليه السلام بالحمل قال: كيف أصنع بالأسد والبقرة وكيف أصنع بالعناق
~~والذئب، وكيف أصنع بالحمام والهر؟ فقال الله تعالى: من ألقى بينهما
~~العداوة؟ قال: أنت يا رب قال: فإني أؤلف بينهم حتى لا يتضارون، ولا يخفى
~~ما بين هذا وبين التقسيم الأول أيضا، وجاء في شأن الأسد روايات مختلفة:
~~ففي رواية أن أصحابه عليه السلام قالوا: كيف نطمئن ومعنا الأسد؟ فسلط
~~الله تعالى عليه الحمى، وكانت أولى حمى نزلت الأرض.

# / وفي رواية أنه كان يؤذيهم في السفينة فألقيت عليه الحمى ليشتغل بنفسه،
~~وفي أخرى أنه عليه السلام حين أمر بالحمل قال: يا رب كيف بالأسد والفيل؟
~~فقال له سبحانه: سألقي عليهما الحمى وهي ثقيلة؛ وفي أخرى عن أبي عبيدة
~~أنه عليه السلام حين أمر بالحمل لم يستطع أن يحمل الأسد حتى ألقيت عليه
~~الحمى فحمله فأدخله، ولا يخفى أنها مع دلالة بعضها على أن إلقاء الحمى
~~قبل الدخول، وبعضها على أنه بعده، وكان يغني عن إلقائها بعد دفعا لأذاء
~~التأليف بينه وبين الإنسان كما ألف بين ما مر بعضه مع بعض، ولعل لدفع
~~الأذى بالحمى دون التأليف إن صح ذلك حكمة لكنها غير ظاهرة لنا، وجاء في
~~بعض الآثار ما يفهم منه أنه كان معه عليه السلام في السفينة من الجن ما
~~كان، وفي بعضها أن إبليس عليه اللعنة كان أيضا. فعن ابن عباس أنه لما
~~أراد الله تعالى أن يدخل الحمار ms04332 السفينة أخذ نوح بأذني الحمار وأخذ إبليس
~~بذنبه فجعل نوح يجذبه وجعل إبليس يجذبه فقال نوح عليه السلام: ادخل شيطان
~~فدخل الحمار ودخل إبليس معه فلما سارت السفينة جلس في ذنبها يتغنى فقال
~~له نوح: ويلك من أذن لك؟ قال: أنت قال: متى؟ قال: إذ قلت للحمار ادخل
~~شيطان فدخلت بإذن منك، وفي رواية أخرى عنه أن نوحا عليه السلام قال
~~للحمار: ويحك ادخل وإن كان الشيطان معك كلمة جرت على لسانه فدخل ودخل معه
~~الشيطان. وأخرج ابن عساكر عن عطاء أن اللعين جاء ليركب السفينة فدفعه نوح
~~عليه السلام فقال: يا نوح إني منظور ولا سبيل لك علي فعرف أنه صادق فأمره
~~أن يجلس على خيزران السفينة، وهو بظاهره مخالف لما روي عن ابن عباس.

# واختلفوا في أنه كيف جمعت الحيوانات على تفرقها في أكناف الأرض، فقيل:
~~إنها أحست بالعذاب فاجتمعت؛ وعن الزهري أن الله تعالى بعث ريحا فحمل
~~إليه من كل زوجين اثنين من الطير والسباع والوحش والبهائم. وعن جعفر بن
~~محمد رضي الله تعالى عنهما أن الله تعالى بعث جبريل عليه السلام فحشرها
~~فجعل عليه السلام يضرب بيديه على الزوجين فتقع يده اليمنى على الذكر
~~واليسرى على الأنثى فيدخلهما السفينة حتى أدخل عدة ما أمر الله تعالى به،
~~وروى إسحاق بن بشر وغيره عن زيد بن ثابت أنه استعصت عليه عليه السلام
~~الماعزة فدفعها في ذنبها فمن ثم انكسر وبدا حياها ومضت النعجة حتى دخلت
~~فمسح على ذنبها فستر حياها. وفي «كتب الأخبار» كثير من هذه الآثار التي
~~يقضي منها العجب، وأنا لا أعتقد سوى أن الله عزت قدرته خلق الماعزة
~~والنعجة من قبل على ما هما عليه اليوم وأنه سبحانه لم يخلق الهرة من
~~الأسد وإن أشبهته صورة ولا الخنزير من الفيل وإن كان بينهما شبه ما كما
~~شاهدناه عام مجيء الفيل إلى بغداد ولو كلف الفيل أكل العذرة لكان أحب إلى
~~أهل السفينة من زيادة خنزير فيها وأحب من ذلك كله إليهم أن لا يكون ms04333 في
~~السفينة غيرهم أو يكون حيوان واحد يخلق لهم من عطاسه ما يريدونه من
~~الحيوانات ويحتاجون إليه بعد.

# والذي يميل القلب إليه أن الطوفان لم يكن عاما  كما قال به البعض 
~~وأنه عليه السلام لم يؤمر بحمل ما جرت العادة بتكونه من عفونة الأرض
~~كالفأر والحشرات بل أمر بحمل ما يحتاج إليه إذا نجا ومن معه من الغرق
~~لئلا يغتموا لفقده ويتكلفوا مشقة جلبه من الأصقاع النائية التي لم يصلها
~~الغرق فكأنه قيل: قلنا احمل فيها من كل ما تحتاجونه إذا نجوتم زوجين
~~اثنين، وإن قلنا بعموم الغرق نقول أيضا: إنه عليه السلام لم يكلف بحمل
~~شيء من المتكونات من العفونة بل كلف بالحمل مما يتناسل من الحيوانات
~~لمصلحة بقاء النوع، وكانت السفينة بحيث / تسع ذلك عادة أو معجزة وقدرة
~~الله تعالى أجل من أن تضيق عن ذلك، وإن قيل بالعموم على وجه يبقى معه بعض
~~الجبال جاز أن يقال: إنه عليه السلام لم يحمل إلا مما لا مهرب له ويضر
~~فقده بجماعته، ولو قيل: إن العموم على إطلاقه وأنه عليه السلام لم يحمل
~~في السفينة إلا ما تتسع له عادة مما يحتاج إليه لئلا يضيق أصحابه ذرعا
~~بفقده بالكلية حسبما تقتضيه الطباع البشرية وغرق ما عدا ذلك لكن الله
~~تعالى جلت قدرته خلق نظير ما غرق بعد على الوجه الذي فعل قبل لم يكن ذلك
~~بدعا ممن أمره بين الكاف والنون جل شأنه وعظم سلطانه.

# هذا وإنما قدم ذلك على أهله وسائر المؤمنين قيل: لكونه عريقا بالحمل
~~المأمور به لأنه يحتاج إلى مزاولة الأعمال منه عليه السلام في تمييز بعض
~~عن بعض وتعيين الأزواج، وأما البشر فإنما يدخل الفلك باختياره فيخف فيه
~~معنى الحمل، أو لأن ذلك إنما يحمل بمباشرة البشر وهم إنما يدخلونها بعد
~~حملهم إياه، ويجوز أن يكون التقديم حفظا للنظم الكريم عن الانتشار،
~~وأيا ما كان فقوله سبحانه: { وأهلك } عطف على { زوجين } أو
~~على { اثنين } والمراد بأهله على ما في بعض الآثار امرأته المسلمة
~~وبنوه منها ms04334 وهم سام عليه السلام وهو أبو العرب وأصله على ما قال البكري:
~~بالشين المعجمة، وحام وهو أبو السودان قيل: إنه أصاب زوجته في السفينة
~~فدعا نوح عليه السلام أن تغير نطفته فغيرت، وأخرجه ابن المنذر وابن أبي
~~حاتم من طريق ابن جريج عن أبي صالح، ويافث كصاحب وهو أبو الترك ويأجوج
~~ومأجوج وزوجة كل منهم.

# { إلا من سبق عليه القول } بأنه من المغرقين لظلمهم،
~~وذلك في قوله سبحانه:

# ولا تخطبني في الذين ظلموا

# [هود: 37] الآية، والمراد زوجة له أخرى تسمى واعلة بالعين المهملة، وفي
~~رواية والقة وابنه منها كنعان وكان اسمه فيما قيل: يام وهذا لقبه عند أهل
~~الكتاب وكانا كافرين، وفي هذا دلالة على أن الأنبياء عليهم السلام يحل
~~لهم نكاح الكافرة بخلاف نبينا صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى:

# يأيها النبي إنآ أحللنا لك

# [الأحزاب: 50] الآية، والاستثناء جوز أن يكون متصلا إن أريد بالأهل
~~الأهل إيمانا، وأن يكون منقطعا إن أريد به الأهل قرابة، ويكفي في صحة
~~الاستثناء المعلومية عند المراجعة إلى أحوالهم والتفحص عن أعمالهم، وجيء
~~بعلى لكون السابق ضارا لهم كما جيء باللام فيما هو نافع في قوله تعالى:

# ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين

# [الصافات: 171] وقوله سبحانه:

# إن الذين سبقت لهم منا الحسنى

# [الأنبياء: 101].

# { ومن آمن } عطف على الأهل أي والمؤمنين من غيرهم وإفراد أولئك
~~منهم للاستثناء المذكور، وإيثار صيغة الإفراد في { آمن } محافظة على
~~لفظ { من } للإيذان بالقلة كما أفصح عن ذلك قوله تعالى: { وما آمن
~~معه إلا قليل } قيل: كانوا سبعة زوجته وأبناؤه الثلاثة وكنائنه
~~الثلاث، وروي هذا عن قتادة والحكم بن عقبة وابن جريج ومحمد بن كعب، ويرده
~~عطف { ومن آمن } على الأهل إلا أن يكون الأهل بمعنى الزوج فإنه قد
~~ثبت بهذا المعنى لكن قيل: إنه خلاف الظاهر، والاستثناء عليه منقطع أيضا،
~~وعن ابن إسحاق أنهم كانوا عشرة خمسة رجال وخمس نسوة، وعنه أنهم كانوا مع
~~نوح عليه السلام عشرين نصفهم رجال ونصفهم الآخر نساؤهم، وقيل: كانوا
~~ثمانية وسبعين نصفهم ذكور ونصفهم ms04335 إناث، وقيل: كانوا ثمانين رجلا وثمانين
~~امرأة وقيل: وقيل. والرواية الصحيحة أنهم كانوا تسعة وسبعين، زوجته وبنوه
~~الثلاثة ونساؤهم واثنان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم من بني شيث.
~~واعتبار المعية في الإيمان للإيماء إلى المعية في مقر الأيمان والنجاة.

### || [11.41]

# { وقال } أي نوح عليه السلام لمن معه من المؤمنين كما ينبىء عنه قوله
~~تعالى: { إن ربي لغفور رحيم } / وقيل: الضمير لله تعالى،
~~وفيه أنه لو كان كذلك لكان المناسب إن ربكم الخ، ولعل هذا القول بعد
~~إدخال ما أمر بحمله في الفلك من الأزواج كأنه قيل: فحمل الأزواج حسبما
~~أمر أو أدخلها في الفلك، وقال للمؤمنين { اركبوا فيها } أي صيروا
~~فيها، وجعل ذلك ركوبا لأنها في الماء كالمركوب في الأرض ففيه استعارة
~~تبعية من حيث تشبيه الصيرورة فيها بالركوب، وقيل: استعارة مكنية والتعدية
~~بفي لاعتبار الصيرورة وإلا فالفعل يتعدى بنفسه، وإلى هذا ذهب القاضي
~~البيضاوي، وقيل: التعدية بذلك لأنه ضمن معنى ادخلوا، وقيل: تقديره اركبوا
~~الماء فيها، وقيل: في زائدة للتوكيد، وكأن الأول أولى. وقال بعض
~~المحققين: الركوب العلو على شيء متحرك ويتعدى بنفسه واستعماله ههنا بفي
~~ليس لأن المأمور به كونهم في جوفها لا فوقها كما ظن فإن أظهر الروايات
~~أنه عليه السلام ركب هو ومن معه في الأعلى بل لرعاية جانب المحلية
~~والمكانية في الفلك والسر فيه أن معنى الركوب العلو على شيء له حركة إما
~~إرادية كالحيوان أو قسرية كالسفينة والعجلة ونحوهما فإذا استعمل في الأول
~~توفر له حظ الأصل فيقال: ركبت الفرس، وعليه قوله تعالى:

# والخيل والبغال والحمير لتركبوها

# [النحل: 8] وإن استعمل في الثاني يلوح بمحلية المفعول بكلمة في فيقال:
~~ركبت في السفينة، وعليه الآية الكريمة، وقوله سبحانه:

# فإذا ركبوا في الفلك

# [العنكبوت: 65] و

# حتى إذا ركبا في السفينة خرقها

# [الكهف: 71] انتهى، وظاهره أن الركوب ههنا حقيقي، وصرح بعضهم أنه ليس
~~به. وقال الراغب: ((الركوب في الأصل كون الإنسان على ظهر حيوان، وقد
~~يستعمل في السفينة))، وفيه تأكيد لما صرح به البعض.

# { بسم الله } حال من ms04336 فاعل { اركبوا } والباء للملابسة ولما
~~كانت ملابسة اسم الله عز اسمه بذكره قالوا: المعنى اركبوا مسمين الله،
~~وجوزوا أن تكون الحال محذوفة وهذا معمول لها ساد مسدها ولذلك سموه
~~حالا، والأصل: اركبوا قائلين بسم الله { مجرها ومرسها } نصب
~~على الظرفية أي وقت إجرائها وإرسائها على أنهما اسما زمان أو مصدران
~~ميميان بمعنى الإجراء والإرساء، ويقدر مضاف محذوف وهو وقت كما في قولك:
~~أتيتك خفوق النجم فإن التقدير وقت خفوقه إلا أنه لما حذف المضاف سد
~~المضاف إليه مسده وانتصب انتصابه وهو كثير في المصادر، ويجوز أن يكونا
~~اسمي مكان وانتصابهما بالاستقرار الذي تعلق به الجار والمجرور أو
~~بقائلين، ولا يجوز أن يكون  باركبوا  إذ ليس المعنى على { اركبوا }
~~في وقت الإجراء والإرساء، أو في مكانهما وإنما المعنى متبركين أو قائلين
~~فيهما، وتعقب القول بانتصابهما مطلقا بأنهما محدودان ومحدود المكان لا
~~بد له من في، وبعضهم يجوز النصب في مثل ذلك بما فيه من الإبهام، وجوز
~~رفعهما فاعلين بالظرف لاعتماده على ذي الحال أو على أنهما مبتدأ ومعطوف
~~عليه؛ و { بسم الله } خبرا والخبر محذوف تقديره متحققان ونحوه وهو
~~صلة لهما، والجملة إما مقتضية منقطعة عما قبلها لاختلافهما خبرا وطلبا
~~على أن نوحا عليه السلام أمرهم بالركوب في السفينة ثم أخبرهم بأن
~~إجراءها وإرساءها بسم الله تعالى أو بأن إجراءها وإرساءها باسمه تعالى
~~متحققان لا يشك فيهما، وفي ذلك حث على الركوب وإزالة لما عسى يختلج في
~~قلوبهم من خوف الغرق ونحوه، ويروى عن الضحاك أنه عليه السلام كان إذا
~~أراد أن يجريها، يقول بسم الله فتجري، وإذا أراد / أن يرسيها قال: بسم
~~الله فترسو، وإما في موضع الحال من ضمير الفلك أي اركبوا فيها مجراة
~~ومرساة باسم الله وهي حال مقدرة إذ لا إجراء ولا إرساء وقت الركوب كذا
~~قيل، وتعقبه في «التقريب» بأن الحال إنما تكون مقدرة إذا كانت مفردة
~~كمجراة أما إذا كانت جملة فلا لأن معنى الجملة اركبوا وإجراؤها بسم الله
~~وهذا واقع حال الركوب انتهى.

# وأجاب ms04337 عنه في «الكشف» بأنه لا فرق بين قوله تعالى:

# فادخلوها خالدين

# [الزمر: 73] وقول القائل: ادخلوها وأنتم مخلدون في عدم المقارنة والرجوع
~~إلى الحال المقدرة فكذلك ما نحن فيه، واعترض على المجيب بأن مراد ذلك
~~القائل إجراؤها مجرى المفرد على نحو كلمته فوه إلى في بأنه تكلف لا حاجة
~~إليه، وهو غير مسلم في المستشهد به أيضا، وإنما ذلك في قول القائل كلمته
~~فاه إلى في انتهى، وكأنه لم ينكشف له مراد صاحب «التقريب» فإنهم ذكروا أن
~~الفرق بين الحال إذا كانت مفردة وإذا كانت جملة أن الثانية تقتضي التحقق
~~في نفسها والتلبس بها، وربما أشعرت بوقوعها قبل العامل واستمرارها معه
~~كما إذا قلت: جاءني وهو راكب فإنه يقتضي تلبسه بالركوب واستمراره عليه،
~~وهذا ينافي كونها منتظرة ولا أقل من أن لا يحسن الحمل عليه حيث تيسر
~~الإفراد فافهم، وجوز أن تكون حالا مقدرة أيضا من فاعل { اركبوا } ،
~~واعترض بأنه لا عائد على ذي الحال، وضمير { بسم الله } للمبتدأ
~~وتقديره أي فإجراؤها معكم أو بكم كائن بسم الله تكلف، والقول بأن الرضي
~~قد ذكر أن الجملة الحالية إذا كانت اسمية قد تخلو من الرابطين عند ظهور
~~الملابسة نحو خرجت زيد على الباب ليس بشيء لضعف ما ذكر في العربية فلا
~~ينبغي التخريج عليه نعم كون الاسمية لا بد فيها من الواو والقول بأن
~~الحال المقدرة لا تكون جملة مطلقا كل منهما في حيز المنع كما لا يخفى.
~~وجوز أن يكون الاسم مقحما كما في قول لبيد:

# فقوما وقولا بالذي قد عرفتما

# ولا تخمشا وجها ولا تحلقا الشعر

# إلى الحول ثم اسم السلام عليكما

# ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر

# ويراد بالله إجراؤها وإرساؤها أي بقدرته أو بأمره أو بإذنه، ويقدر ذلك
~~أو يراد معنى، وخص بعضهم هذا الجواز بما إذا لم يقدر مسمين أو قائلين إذ
~~لا يظهر المعنى حينئذ، ويجري على تقديري الكلام الواحد والكلامين، وكذا
~~على تقدير الزمان والمكان في رأي، ويعتبر الإسناد مجازيا من قبيل نهاره
~~صائم وطريق ms04338 بر.

# وقرىء  مجراها ومرساها  بفتح الميم مصدرين أو زمانين أو مكانين على
~~أنهما من جرى ورسا الثلاثيين، وقرأ مجاهد  مجريها ومرسيها  بصيغة اسم
~~الفاعل، وخرج ذلك أبو البقاء على أنهما صفتان للاسم الجليل، وقيل عليه:
~~إن إضافة اسم الفاعل إذا كان بمعنى المستقبل لفظية فهو نكرة لا يصح توصيف
~~المعرفة به فالحق البدلية، والقول بأن مراد المعرب الصفة المعنوية لا
~~النعت النحوي فلا ينافي البدلية بعيد لكن عن الخليل إن ما كانت إضافته
~~غير محضة قد يصح أن تجعل محضة فتعرف إلا ما كان من الصفة المشبهة فلا
~~تتمحض إضافتها فلا تعرف، والرسو الثبوت والاستقرار، ومنه قول الشاعر:

# فصبرت نفسا عند ذلك حرة

# (ترسو) إذا نفس الجبان تطلع

# { إن ربي لغفور رحيم } قيل: الجملة مستأنفة لبيان الموجب
~~أي لولا مغفرته لفرطانكم ورحمته إياكم لما أنجاكم من هذه الطامة إيمانكم،
~~وفيه دلالة على أن نجاتهم لم تكن عن استحقاق بسبب أنهم كانوا مؤمنين بل
~~بمحض رحمة الله تعالى وغفرانه على ما عليه أهل السنة، ومنع صلاحية كونها
~~علة  لاركبوا  لعدم المناسبة / فيقدر ما يصح به الكلام بأن يقال:
~~امتثلوا هذا الحكم لينجيكم من الهلاك بمغفرته ورحمته، أو يقال: {
~~اركبوا فيها } ذاكرين الله تعالى ولا تخافوا الغرق لما عسى فرط
~~منكم من التقصير لأن الله تعالى شأنه غفور للخطايا والذنوب رحيم بعباده،
~~وجعلها بعضهم تعليلا بالنظر إلى ما فيها من الإشارة إلى النجاة فكأنه
~~قيل: اركبوا لينجيكم الله سبحانه.

### || [11.42]

# وقوله سبحانه: { وهى تجري بهم في موج كالجبال } جوز
~~فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون مستأنفا، الثاني: أن يكون حالا من
~~الضمير المستتر في

# بسم الله

# [هود:41] أي جريانها استقر بسم الله حال كونها جارية، الثالث: أنه حال
~~من شيء محذوف دل عليه السياق أي فركبوا فيها جارية، والفاء المقدرة
~~للعطف، و { بهم } متعلق  بتجري  أو بمحذوف أي ملتبسة والمضارع
~~لحكاية الحال الماضية ولا معنى للحالية من الضمير المستتر في الحال
~~الأولى كما لا يخفى، والموج ما ارتفع من الماء عند اضطرابه، ms04339 واحده موجة و
~~{ كالجبال } في موضع الصفة لموج أي في موج مرتفع متفاوت في الارتفاع
~~متراكم، قيل: إنها جرت بهم في موج كذلك وقد بقي منها فوق الماء ستة أذرع،
~~واستشكل هذا الجريان مع ما روي أن الماء طبق ما بين السماء والأرض وأن
~~السفينة كانت تجري في داخله كالسمك، وأجيب بأن الرواية مما لا صحة لها
~~ويكاد العقل يأبى ذلك، نعم أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن عساكر
~~وعبد بن حميد من طريق مجاهد عن عبيد بن عمير قال: إن الماء علا رأس كل
~~جبل خمسة عشر ذراعا على أنه لو سلم صحة ما ذكر فهذا الجريان كان في
~~ابتداء الأمر قبل أن يتفاقم الخطب كما يدل عليه قوله سبحانه:

# { ونادى نوح ابنه } الخ فإن ذلك إنما يتصور قبل أن تنقطع
~~العلاقة بين السفينة والبر إذ حينئذ يمكن جريان ما جرى بين نوح عليه
~~السلام وبين ابنه من المفاوضة والاستدعاء إلى السفينة، والجواب بالاعتصام
~~بالجبل. وقال بعض المحققين: إن هذا النداء إنما كان قبل الركوب في
~~السفينة والواو لا تدل على الترتيب. وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ
~~(ابنها) على أن ضمير التأنيث لامرأته، وفي إضافته إليها إشعار بأنه ربيبه
~~لأن الإضافة إلى الأم مع ذكر الأب خلاف الظاهر وإن جوزوه، ووجه بأنه نسب
~~إليها لكونه كافرا مثلها. وما يقال من أنه كان لغير رشدة لقوله سبحانه:

# فخانتاهما

# [التحريم:10] فارتكاب عظيمة لا يقادر قدرها فإن الله تعالى قد طهر
~~الأنبياء عليهم السلام عما هو دون ذلك من النقص بمراحل فحاشاهم ثم حاشاهم
~~أن يشار إليهم بأصبع الطعن وإنما المراد بالخيانة الخيانة في الدين،
~~ونسبة هذا القول إلى الحسن ومجاهد  كما زعم الطبرسي  كذب صريح. وقرأ
~~محمد بن علي وعروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهم { ابنه } بهاء مفتوحة
~~دون ألف اكتفاءا بالألف عنها وهو لغة  كما قال ابن عطية  ومن ذلك
~~قوله:

# أما تقود بها شاة فتأكلها

# أو أن تبيعه في بعض الأراكيب

# قيل: وهو ضعيف ms04340 في العربية حتى خصه بعضهم بالضرورة والضمير للأم أيضا،
~~وقرأ ابن عباس (ابنه) بسكون الهاء، وهي على ما قال ابن عطية وأبو الفضل
~~الرازي لغة أزد فإنهم يسكنون هاء الكناية من المذكر، ومنه قوله:

# ونضواي مشتاقان له أرقان

# وقيل: إنها لغة لبني كلاب وعقيل، ومن النحويين من يخص هذا السكون
~~بالضرورة وينشد:

# / وأشرب الماء ما بي نحوه عطش

# إلا لأن عيونه سيل واديها

# وقرأ السدي  ابناه  بألف وهاء سكت، وخرج ذلك على الندبة، واستشكل بأن
~~النحاة صرحوا بأن حرف النداء لا يحذف في الندبة، وأجيب بأن هذا حكاية،
~~والذي منعوه في الندبة نفسها لا في حكايتها، وعن ابن عطية  أبناه  بفتح
~~همزة القطع التي للنداء، وفيه أنه لا ينادي المندوب بالهمزة، وأن الرواية
~~بالوصل فيها والنداء بالهمزة لم يقع في القرآن، ويبعد القول بالندبة أنها
~~لا تلائم الاستدعاء إلى السفينة بعد كما لا يخفى ولو قيل: إن ابناه على
~~هذه القراءة مفعول  نادى  أيضا كما في غيرها من القراءات، والألف
~~للإشباع والهاء الساكنة هاء الضمير في بعض اللغات لم يكن هناك محذور من
~~جهة المعنى وهو ظاهر، نعم يتوقف القول بذلك على السماع في مثله؛ ومتى ثبت
~~تعين عندي تخريج القراءة إن صحت عليه، وقرأ الجمهور { ابنه } بالإضافة
~~إلى ضمير { نوح } ووصلوا بالهاء واوا وتوصل في الفصيح، وتنوين { نوح }
~~مكسور عند الجمهور دفعا لالتقاء الساكنين، وقرأ وكيع بضمه اتباعا لحركة
~~الإعراب. وقال أبو حاتم: هي لغة سوء لا تعرف.

# { وكان في معزل } أي مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وإخوته ومن آمن
~~من قومه، والمراد بعده عنهم إما حسا أو معنى، وحاصله المخالفة لهم في
~~الدين فمعزل بالكسر اسم مكان العزلة، وهي إما حقيقية أو مجازية، وقد يكون
~~اسم زمان، وإذا فتح كان مصدرا، وقيل: المراد كان في معزل عن الكفار قد
~~انفرد عنهم، وظن نوح عليه السلام أنه يريد مفارقتهم ولذلك دعاه إلى
~~السفينة، وقيل: إنما ناداه لأنه كان ينافقه فظن أنه مؤمن، واختاره كثير
~~من المحققين كالماتريدي وغيره، ms04341 وقيل: كان يعلم أنه كافر إلى ذلك الوقت
~~لكنه عليه السلام ظن أنه عند مشاهدة تلك الأهوال وبلوغ السيل الزبى
~~ينزجر عما كان عليه ويقبل الإيمان، وقيل: لم يجزم بدخوله في الاستثناء
~~لما أنه كان كالمجمل فحملته شفقة الأبوة على أن ناداه:

# { يبني } بفتح الياء التي هي لام الكلمة اجتزاءا بالفتحة عن الألف
~~المبدلة من ياء الإضافة في قوله يا بنيا، وقيل: إنها سقطت لالتقائها
~~ساكنة مع الراء الساكنة بعدها، ويؤيد الأول أنه قرىء كذلك حيث لا ساكن
~~بعد. ومن الناس من قال: فيه ضعف على ما حكاه يونس من ضعف يا أب ويا أم
~~بحذف الألف والاجتزاء عنها بالفتحة.

# وقرأ الجمهور بالكسر اقتصارا عليه من ياء الإضافة، وقيل: إنها حذفت
~~لالتقاء الساكنين كما قيل ذلك في الألف، ونداؤه بالتصغير من باب التحنن
~~والرأفة، وكثيرا ما ينادي الوالد ولده كذلك { اركب معنا } أي في
~~السفينة ولتعينها وللإيذان بضيق المقام حيث حال الجريض دون القريض مع
~~إغناء المعية عن ذكرها لم تذكر، وأطلق الركوب وتخفيف الباء وإدغامها في
~~الميم قراءتان سبعيتان ووجه الإدغام التقارب في المخرج { ولا تكن
~~مع الكفرين } تأكيد للأمر وهو نهي عن مشايعة الكفرة والدخول في
~~غمارهم، وقطع بأن الدخول فيه يوجب الغرق على الطريق البرهاني.

### || [11.43]

# { قال سآوي } أي سأنضم { إلى جبل } من الجبال، وقيل: عنى طور
~~زيتا { يعصمني } أي يحفظني بارتفاعه { من المآء } فلا يصل إلي،
~~قال ذلك زعما منه أن ذلك كسائر المياه في أزمنة السيول المعتادة التي
~~ربما يتقى منها بالصعود إلى مرتفع، وجهلا منه بأن ذلك إنما كان لإهلاك
~~الكفرة فلا بد أن يدركهم ولو كانوا في قلل الجبال / { قال } مبينا له
~~حقيقة الحال وصارفا له عن ذلك الفكر المحال { لا عاصم اليوم
~~من أمر الله } نفي لجنس العاصم المنتظم لنفي جميع أفراده ذاتا
~~وصفة للمبالغة في نفي كون الجبل عاصما، وزاد { اليوم } للتنبيه على
~~أنه ليس كسائر الأيام التي تقع فيها الوقائع وتلم فيها الملمات المعتادة
~~التي ربما يتخلص منها بالالتجاء إلى ms04342 بعض الأسباب العادية، وعبر عن الماء
~~في محل إضماره بأمر الله أي عذابه الذي أشير إليه أولا بقوله سبحانه:

# حتى إذا جآء أمرنا

# [هود: 40] تفخيما لشأنه وتهويلا لأمره وتنبيها لابنه على خطئه في
~~تسميته ماء وتوهمه أنه كسائر المياه التي يتخلص منها بالهرب إلى بعض
~~المهارب المعهودة، وتعليلا للنفي المذكور فإن أمر الله سبحانه لا يغالب
~~وعذابه لا يرد، وتمهيدا لحصر العصمة في جناب الله تعالى عز جاره
~~بالاستثناء كأنه قيل: لا عاصم من أمر الله تعالى إلا هو تعالى.

# وإنما قيل: { إلا من رحم } تفخيما لشأنه الجليل جل شأنه
~~وإشعارا بعلية رحمته بموجب سبقها غضبه كل ذلك لكمال عنايته عليه السلام
~~بتحقيق ما يتوخاه من نجاة ابنه ببيان شأن الداهية وقطع أطماعه الفارغة
~~وصرف عنانه عن التعلل بما لا يغني عنه شيئا وإرشاده إلى العياذ بالمعاذ
~~الحق عز حماه، ولذا عدل عما يقتضيه الظاهر من الجواب بقوله: لا يعصمك
~~الجبل منه كذا ذكره بعض المحققين وهو أحد أوجه في الآية وأقواها. والوجه
~~الثاني: أن عاصما صيغة نسبة، والمراد بالموصول المرحوم أي لا ذا عصمة أي
~~معصوم إلا من رحمه الله تعالى، وأيد ذلك بأنه قرىء { إلا من رحم
~~} بالبناء للمفعول، واعترضه في «الكشف» بأن فاعلا بمعنى النسبة قليل،
~~وأجيب بأنه إن أراد قلته في نفسه فممنوع وإن بالنسبة إلى الوصف فلا يضر.
~~والثالث: أن  عاصما  على ظاهره، و { من رحم } بمعنى المرحوم
~~والاستثناء منقطع لا متصل كما في الوجهين الأولين أي لا عاصم من أمر الله
~~لكن من رحمه الله تعالى فهو معصوم، وأورد عليه بأن مثل هذا المنقطع قليل
~~لأنه في الحقيقة جملة منقطعة تخالف الأولى لا في النفي والإثبات فقط بل
~~في الاسمية والفعلية أيضا، والأكثر فيه مثل ما جاءني القوم إلا حمارا،
~~والرابع: أن عاصما بمعنى معصوم كدافق بمعنى مدفوق وفاتن بمعنى مفتون في
~~قوله:

# بطيء القيام رخيم الكلا

# م أمسى فؤادي به (فاتنا)

# و { من رحم } بمعنى الراحم، والاستثناء منقطع أيضا أي لا معصوم
~~إلا ms04343 الراحم على معنى لكن الراحم يعصم من أراد، والخامس: أن الكلام على
~~إضمار المكان والاستثناء متصل أي لا عاصم إلا مكان من رحمه الله من
~~المؤمنين وهو السفينة، قيل: وهو وجه حسن فيه مقابلة لقوله: { يعصمنى
~~} وهو المرجح بعد الأول، والعاصم على هذا حقيقة لكن إسناده إلى المكان
~~مجازي، وقيل: إنه مجاز مرسل عن مكان الاعتصام، والمعنى لا مكان اعتصام
~~إلا مكان من رحمه الله، وادعى أنه أرجح من الكل لأنه ورد جوابا عن قوله:
~~{ سآوي إلى جبل } الخ وليس بمسلم، والسادس: ما أبداه صاحب
~~«الكشف» من عنده وهو أن المعنى لا معصوم إلا مكان من رحمه الله تعالى،
~~ويراد به عصمة من فيه على الكناية فإن السفينة إذا عصمت عصم من فيها،
~~والسابع: أن الاستثناء مفرغ، والمعنى لا عاصم اليوم أحدا أو لأحد إلا من
~~رحمه الله أو لمن رحمه الله سبحانه، وعده بعضهم أقربها، ولا أظنك تعدل
~~بالوجه الأول وجها وهو الذي اختاره. والظاهر على ما قال أبو حيان: أن
~~خبر (لا) محذوف للعلم به أي لا عاصم موجود، والأكثر الحذف في مثل ذلك عند
~~الحجازيين، والتزم الحذف فيه بنو تميم / ويكون { اليوم } منصوبا على
~~إضماره فعل يدل عليه { عاصم } أي: لا عاصم يعصم اليوم؛ والجار
~~والمجرور متعلق بذلك الفعل ومنع جواز أن يكون { اليوم } منصوبا باسم
~~ لا  وأن يكون الجار متعلقا به لأنه يلزم حينئذ أن يكون معربا
~~منونا للطول. وجوز الحوفي أن يكون { اليوم } متعلقا بمحذوف وقع
~~خبرا  للا  والجار متعلق بذلك المحذوف أيضا، وأن يكون متعلقا بمحذوف
~~هو الخبر، و { اليوم } في موضع النعت لعاصم، ورد أبو البقاء خبرية
~~(اليوم) بأنه ظرف زمان وهو لا يكون خبرا عن الجثة، والتزم كونه معمول {
~~من أمر الله } وكون الخبر هو الجار والمجرور، ورد أبو حيان جواز
~~النعتية بأن ظرف الزمان لا يكون نعتا للجثث كما لا يكون خبرا عنها.

# { وحال بينهما الموج } أي بين نوح عليه السلام وابنه فانقطع
~~ما بينهما من المجاوبة، قيل: كانا يتراجعان الكلام ms04344 فما استتمت المراجعة
~~حتى جاءت موجة عظيمة وكان راكبا على فرس قد بطر وأعجب بنفسه فالتقمته
~~وفرسه، وليس في الآية هنا إلا إثبات الحياة له، وأما علمه عليه السلام
~~بغرقه فلم يحصل إلا بعد، وقال الفراء: { بينهما } أي بين ابن نوح
~~عليه السلام والجبل، وأخرج ذلك ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن القاسم بن
~~أبي بزة، وتعقبه العلامة أبو السعود بأن قوله تعالى: { فكان من
~~المغرقين } إنما يتفرع على حيلولة الموج بينه عليه السلام وبين
~~ابنه لا بينه وبين الجبل لأنه بمعزل عن كونه عاصما وإن لم يحل بينه وبين
~~الملتجأ إليه موج، وأجيب بأن التفريع لا ينافي ذلك لأن المراد فكان من
~~غير مهلة أو هو بناء على ظنه أن الماء لا يصل إليه. وفي الآية دلالة على
~~غرق سائر الكفرة على أبلغ وجه، فكأن ذلك أمر مقرر الوقوع غير مفتقر إلى
~~البيان، وفي إيراد  كان  دون صار مبالغة في كونه منهم.

### || [11.44]

# { وقيل يأرض ابلعي } أي انشفي استعير من ازدراد الحيوان ما
~~يأكله للدلالة على أن ذلك ليس كالنشف المعتاد التدريجي، وتخصيص البلع بما
~~يؤكل هو المشهور عن اللغويين، وقال الليث: يقال: بلع الماء إذا شربه وهو
~~ظاهر في أنه غير خاص بالمأكول، وذكر السيد أن ذلك مجاز، وأخرج ابن المنذر
~~وغيره عن وهب بن منبه أن البلع بمعنى الازدراد لغة حبشية، وأخرج أبو
~~الشيخ عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه بمعنى الشرب لغة هندية { مآءك } أي
~~ما على وجهك من ماء الطوفان وعبر عنه بالماء بعد ما عبر عنه فيما سلف
~~بأمر الله تعالى لأن المقام مقام النقص والتقليل لا مقام التفخيم
~~والتهويل { ويسمآء أقلعي } أي أمسكي عن إرسال المطر يقال: أقلعت
~~السماء إذا انقطع مطرها؛ وأقلعت الحمى إذا كفت، والظاهر أن المطر لم
~~ينقطع حتى قيل للسماء ما قيل، وهل فوران الماء كان مستمرا حتى قيل للأرض
~~ما قيل أم لا؟ لم أر فيه شيئا، والآية ليست نصا في أحد الأمرين {
~~وغيض المآء } أي نقص ms04345 يقال: غاضه إذا نقصه وجميع معانيه راجعة إليه.
~~وقول الجوهري: غاض الماء إذا قل ونضب، وغيض الماء فعل به ذلك لا يخالفه
~~فإن القلة عين النقصان، وتفسير ذلك بالنقص مروي عن مجاهد { وقضي
~~الأمر } أي أنجز ما وعد الله تعالى نوحا عليه السلام من إهلاك كفار
~~قومه وإنجائه بأهله المؤمنين، وجوز أن يكون المعنى أتم الأمر.

# { واستوت } استقرت يقال: استوى على السرير إذا استقر عليه { على
~~الجودي } بتشديد الياء، وقرأ الأعمش وابن أبي عبلة بتخفيفها وهما
~~لغتان كما قال ابن عطية وهو جبل بالموصل أو بالشام أو بآمل  بالمد وضم
~~الميم - والمشهور الأول. / وجاء في بعض الآثار أن الجبال تشامخت إذ ذاك
~~وتواضع هو لله تعالى شأنه فأكرمه سبحانه باستواء السفينة عليه، ومن تواضع
~~لله سبحانه رفعه، وكان استواؤها عليه يوم عاشوراء، فقد أخرج أحمد وغيره
~~عن أبي هريرة قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم بأناس من اليهود وقد
~~صاموا يوم عاشوراء فقال:

# " ما هذا الصوم؟ "

# فقيل: هذا اليوم الذي أنجى الله تعالى فيه موسى عليه السلام وبني
~~إسرائيل من الغرق وغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي
~~فصامه نوح وموسى عليهما السلام شكرا لله تعالى، فقال النبي صلى الله
~~عليه وسلم:

# " أنا أحق بموسى عليه السلام وأحق بصوم هذا اليوم فصامه وأمر أصحابه
~~بالصوم "

# وأخرج الأصبهاني في «الترغيب» عنه رضي الله تعالى عنه أنه اليوم الذي
~~ولد فيه عيسى عليه السلام أيضا وأن صيامه يعدل سنة مبرورة.

# وكان ركوبه عليه السلام فيما روي عن قتادة في عشر خلون من رجب. وأخرج
~~ابن جرير عن عبد العزيز بن عبد الغفور عن أبيه مرفوعا أنه عليه السلام
~~ركب في أول يوم من رجب فصام هو ومن معه وجرت بهم السفينة ستة أشهر فانتهى
~~ذلك إلى المحرم فأرست السفينة على الجودي يوم عاشوراء فصام نوح عليه
~~السلام وأمر جميع من معه من الوحش والدواب فصاموا شكرا لله. وفي بعض
~~الآثار أنها طافت بهم الأرض كلها ولم تدخل الحرم ms04346 لكنها طافت به أسبوعا
~~وأن الحجر الأسود خبىء في جبل أبي قبيس وأن البيت رفع إلى السماء، وفي
~~رواية ابن عساكر عن مجاهد أنه لم يدخل الحرم من الماء شيء، والظاهر على
~~هذا أنه لا خبء كما أنه لا رفع، وعندي أن رواية ثبوتهما جميعا مما لا
~~تكاد تصح، وبفرض صحتها لا يظهر لي سر رفع البيت بلا حجر وخبء الحجر بلا
~~بيت بل عندي في رفع البيت مطلقا تردد، وإن كنت ممن لا يتردد في أن الله
~~تعالى على كل شيء قدير.

# { وقيل بعدا للقوم الظلمين } أي هلاكا لهم، واللام
~~صلة المصدر، وقيل: متعلق بقيل وأن المعنى قيل لأجلهم بعدا وهو خلاف
~~الظاهر. والتعرض لوصف الظلم للإشعار بعليته للهلاك ولتذكير ما سبق في
~~قوله سبحانه:

# ولا تخطبني في الذين ظلموا

# [هود: 37] ولا يخفى ما في هذه الآية أيضا من الدلالة على عموم هلاك
~~الكفرة، ويشهد لذلك آيات أخر وأخبار كثيرة بل فيها ما هو على علاته ظاهر
~~في عموم هلاك من على الأرض ما عدا أهل السفينة فعن عبيد بن عمير أن فيمن
~~أصاب الغرق امرأة معها صبي لها فوضعته على صدرها فلما بلغها الماء وضعته
~~على منكبها فلما بلغها الماء وضعته على يديها فقال الله سبحانه: لو رحمت
~~أحدا من أهل الأرض لرحمتها ولكن حق القول مني.

# وزعم بعضهم أنه لم ينج أحد من الكفار سوى عوج بن عوق وكان الماء يصل إلى
~~حجزته، وسبب نجاته أن نوحا عليه السلام احتاج إلى خشب ساج فلم يمكنه
~~نقله فحمله عوج من الشام إليه عليه السلام فنجاه الله تعالى من الغرق
~~لذلك، وظاهر كلام «القاموس» يقتضي نجاته. فقد ذكر فيه ((عوج بن عوق 
~~بضمهما  رجل ولد في منزل آدم عليه السلام فعاش إلى زمن موسى عليه
~~السلام))، والحق أنه لم ينج أحد من الكفار أصلا، وخبر عوج يرويه هيان بن
~~بيان فلا تعج إلى القول به ولا يشكل إغراق الأطفال الذين لا ذنب لهم لما
~~أنه مجرد سبب للموت بالنسبة ms04347 إليهم وأي محذور في إماتة من لا ذنب له وفي
~~كل وقت يميت الله سبحانه من ذلك ما لا يحصى وهو جل شأنه المالك الحق
~~والمتصرف المطلق يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يحتاج في الجواب إلى ما
~~أخرجه إسحاق بن بشر وابن عساكر عن عبد الله بن زياد بن سمعان عن رجال
~~سماهم أن الله تعالى أعقم رجالهم قبل الطوفان بأربعين عاما وأعقم نساءهم
~~فلم يتوالدوا أربعين عاما منذ دعا نوح عليه السلام حتى أدرك الصغير فبلغ
~~الحنث وصارت لله تعالى / عليهم الحجة ثم أنزل السماء عليهم بالطوفان إذ
~~يبقى عليه مع ضعفه والتعارض بينه وبين الخبر السابق آنفا أمر إهلاك ما
~~لم يكن في السفينة من الحيوانات وقد جاء عن جعفر الصادق رضي الله تعالى
~~عنه أن نوحا عليه السلام لما حمل من حمل في السفينة رأت البهائم والوحش
~~والسباع العذاب فجعلت تلحس قدمه عليه السلام وتقول: احملنا معك فيقول:
~~إنما أمرت أن أحمل من كل زوجين اثنين ولم يحملها وكذا لا يحتاج إلى
~~الجواب بأن الله تعالى إنما أهلك أولئك الأطفال لعلمه جل شأنه بما كانوا
~~فاعلين وذلك كما يقال في وجه إدخال أطفال الكفار النار يوم القيامة على
~~قول من يراه لما أن فيه ما فيه، وبالجملة إماتة الأحياء بأي سبب كان دفعة
~~أو تدريجا مما لا محذور فيه ولا يسئل عنه.

# هذا واعلم أن هذه الآية الكريمة قد بلغت من مراتب الإعجاز أقاصيها
~~واستدلت مصاقع العرب فسفعت بنواصيها وجمعت من المحاسن ما يضيق عنه نطاق
~~البيان وكانت من سمهري البلاغة مكان السنان. يروى أن كفار قريش قصدوا
~~أن يعارضوا القرآن فعكفوا على لباب البر ولحوم الضأن وسلاف الخمر أربعين
~~يوما لتصوف أذهانهم فلما أخذوا فيما قصدوه وسمعوا هذه الآية قال بعضهم
~~لبعض: هذا الكلام لا يشبه كلام المخلوقين فتركوا ما أخذوا فيه وتفرقوا،
~~ويروى أيضا أن ابن المقفع  وكان كما في «القاموس» فصيحا بليغا، بل
~~قيل: إنه أفصح أهل وقته  رام أن يعارض القرآن ms04348 فنظم كلاما وجعله مفصلا
~~وسماه سورا فاجتاز يوما بصبي يقرؤها في مكتب فرجع ومحا ما عمل، وقال:
~~أشهد أن هذا لا يعارض أبدا وما هو من كلام البشر، ولا يخفى أن هذا لا
~~يستدعي أن لا يكون سائر آيات القرآن العظيم معجزا لما أن حد الإعجاز هو
~~المرتبة التي يعجز البشر عن الإتيان بمثلها ولا تدخل على قدرته قطعا،
~~وهي تشتمل على شيئين: الأول: الطرف الأعلى من البلاغة أعني ما ينتهي إليه
~~البلاغة ولا يتصور تجاوزها إياه، والثاني: ما يقرب من ذلك الطرف أعني
~~المراتب العلية التي تتقاصر القوى البشرية عنها أيضا؛ ومعنى إعجاز آيات
~~الكتاب المجيد بأسرها هو كونها مما تتقاصر القوى البشرية عن الإتيان
~~بمثلها سواء كانت من القسم الأول أو الثاني، فلا يضر تفاوتها في البلاغة
~~وهو الذي قاله علماء هذا الشأن، وأنشد بعض الفرس في ذلك:

# در بيان ودر فصاحت كي بود يكسان سخن

# ورجه كوينده بودوجون حافظ وجون أصمعي

# در كلام ايزد بيجون كه وحى منزلست

# كي بود تيت يداجون قيل: يا أرض ابلعي

# وقد فصل بعض مزايا هذه الآية المهرة المتقنون وتركوا من ذلك ما لا يكاد
~~يصفه الواصفون، ولا بأس بذكر شيء مما ذكر إفادة لجاهل وتذكير لفاضل غافل،
~~فنقول: ذكر العلامة السكاكي أن النظر فيها من أربع جهات: من جهة علم
~~البيان، ومن جهة علم المعاني وهما مرجعا البلاغة، ومن جهة الفصاحة
~~المعنوية ومن جهة الفصاحة اللفظية، أما النظر فيها من جهة علم البيان وهو
~~النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بذلك من القرينة
~~والترشيح والتعريض فهو أنه عز سلطانه لما أراد أن يبين معنى أردنا أن
~~نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد وأن نقطع طوفان السماء فانقطع
~~وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض وأن نقضي أمر نوح عليه السلام وهو
~~إنجاز ما كنا وعدناه من إغراق قومه فقضي وأن نسوي السفينة على الجودي
~~فاستوت وأبقينا الظلمة غرقى، بنى سبحانه الكلام على تشبيه المراد منه
~~بالمأمور ms04349 الذي لا يتأتى منه لكمال هيبته من الآمر العصيان، وتشبيه تكوين
~~المراد بالأمر الجزم النافذ في تكون المقصود تصويرا لاقتداره سبحانه
~~العظيم، وأن هذه الأجرام العظيمة من السماوات والأرض تابعة لإرادته تعالى
~~إيجادا وإعداما ولمشيئته فيها تغييرا وتبديلا / كأنها عقلاء مميزون
~~قد عرفوه جل شأنه حق معرفته وأحاطوا علما بوجوب الانقياد لأمره والإذعان
~~لحكمه وتحتم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده وتصوروا مزيد اقتداره
~~فعظمت مهابته في نفوسهم وضربت سرادقها في أفنية ضمائرهم فكما يلوح لهم
~~إشارته سبحانه كان المشار إليه مقدما، وكما يرد عليهم أمره تعالى شأنه
~~كان المأمور به متمما لا تلقي لإشارته بغير الإمضاء والانقياد ولا
~~لأمره بغير الإذعان والامتثال، ثم بنى على مجموع التشبيهين نظم الكلام
~~فقال جل وعلا: { قيل } على سبيل المجاز عن الإرادة من باب ذكر المسبب
~~وإرادة السبب لأن الإرادة تكون سببا لوقوع القول في الجملة وجعل قرينة
~~هذا المجاز خطاب الجماد وهو { يأرض }  { ويسمآء } إذ يصح أن
~~يراد حصول شيء متعلق بالجماد ولا يصح القول له ثم قال سبحانه كما ترى: {
~~يأرض }  { ويسمآء } مخاطبا لهما على سبيل الاستعارة للشبه
~~المذكور، والظاهر أنه أراد أن هناك استعارة بالكناية حيث ذكر المشبه أعني
~~السماء والأرض المراد منهما حصول أمر وأريد المشبه به أعني المأمور
~~الموصوف بأنه لا يتأتى منه العصيان ادعاء بقرينة نسبة الخطاب إليه ودخول
~~حرف النداء عليه  وهما من خواص المأمور المطيع  ويكون هذا تخييلا.

# وقد يقال: أراد أن الاستعارة ههنا تصريحية تبعية في حرف النداء بناء
~~على تشبيه تعلق الإرادة بالمراد منه بتعلق النداء والخطاب بالمنادى
~~المخاطب وليس بشيء إذ لا يحسن هذا التشبيه ابتداءا بل تبعا للتشبيه
~~الأول فكيف يجعل أصلا لمتبوعه؟! على أن قوله للشبه المذكور يدفع هذا
~~الحمل.

# ثم استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو إعمال الجاذبة في المطعوم
~~للشبه بينهما وهو الذهاب إلى مقر خفي. وفي «الكشاف» جعل البلع مستعارا
~~لنشف الأرض الماء وهو أولى، فإن النشف دال على جذب من أجزاء الأرض لما
~~عليها ms04350 كالبلع بالنسبة إلى الحيوان، ولأن النشف فعل الأرض والغور فعل
~~الماء مع الطباق بين الفعلين تعديا، ثم استعار الماء للغذاء استعارة
~~بالكناية تشبيها له بالغذاء لتقوي الأرض بالماء في الإنبات للزروع
~~والأشجار تقوي الآكل بالطعام، وجعل قرينة الاستعارة لفظة { ابلعي }
~~لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء. ولا يخفى عليك أنه إذا
~~اعتبر مذهب السلف في الاستعارة يكون { ابلعي } استعارة تصريحية ومع
~~ذلك يكون بحسب اللفظ قرينة للاستعارة بالكناية في الماء على حد ما قالوا
~~في

# ينقضون عهد الله

# [البقرة: 27] وأما إذا اعتبر مذهبه فينبغي أن يكون البلع باقيا على
~~حقيقته كالإنبات في أنبت الربيع البقل وهو بعيد، أو يجعل مستعارا لأمر
~~متوهم كما في نطقت الحال، فيلزمه القول بالاستعارة التبعية كما هو
~~المشهور، ثم إنه تعالى أمر على سبيل الاستعارة للتشبيه الثاني وخاطب في
~~الأمر ترشيحا لاستعارة النداء.

# والحاصل أن في لفظ { ابلعي } باعتبار جوهره استعارة لغور الماء
~~وباعتبار صورته أعني كونه صورة أمر استعارة أخرى لتكوين المراد وباعتبار
~~كونه أمر خطاب ترشيح للاستعارة المكنية التي في المنادى فإن قرينتها
~~النداء وما زاد على قرينة المكنية يكون ترشيحا لها، وأما جعل النداء
~~استعارة تصريحية تبعية حتى يكون خطاب الآمر ترشيحا لها فقد عرفت ما فيه،
~~ثم قال جل وعلا: { مآءك } بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز
~~تشبيها لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك، واختار ضمير الخطاب
~~لأجل الترشيح، وحاصله أن هناك مجازا لغويا في الهيئة الإضافية الدالة
~~على الاختصاص الملكي ولهذا جعل الخطاب ترشيحا لهذه الاستعارة من حيث أن
~~الخطاب يدل على صلوح الأرض للمالكية فما قيل: إن المجاز عقلي والعبارة
~~مصروفة عن الظاهر ليس بشيء، ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك
~~الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان من المطر أو الفعل ففي {
~~أقلعي } / استعارة باعتبار جوهره وكذا باعتبار صيغته أيضا وهي مبنية
~~على تشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ، والخطاب فيه أيضا ترشيح
~~لاستعارة النداء، والحاصل أن الكلام فيه مثل ما مر في ms04351 { ابلعي } ثم
~~قال سبحانه: { وغيض المآء وقضي الأمر واستوت على
~~الجودي وقيل بعدا } فلم يصرح جل وعلا بمن غاض الماء ولا بمن
~~قضى الأمر وسوى السفينة وقال بعدا كما لم يصرح سبحانه بقائل { يأرض
~~}  { ويسمآء } في صدر الآية سلوكا في كل واحد من ذلك لسبيل الكناية
~~لأن تلك الأمور العظام لا تصدر إلا من ذي قدرة لا يكتنه قهار لا يغالب
~~فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون غيره جلت عظمته قائلا: يا أرض ويا
~~سماء ولا غائض مثل ما غاض ولا قاضي مثل ذلك الأمر الهائل، أو أن يكون
~~تسوية السفينة وإقرارها بتسوية غيره.

# والحاصل أن الفعل إذا تعين لفاعل بعينه استتبع لذلك أن يترك ذكره ويبني
~~الفعل لمفعوله، أو يذكر ما هو أثر لذلك الفعل على صيغة المبني للفاعل،
~~ويسند إلى ذلك المفعول فيكون كناية عن تخصيص الصفة التي هي الفعل
~~بموصوفها، وهذا أولى مما قيل في تقرير الكناية هنا: إن ترك ذكر الفاعل
~~وبناء الفعل للمفعول من لوازم العلم بالفاعل وتعينه لفاعلية ذلك الفعل
~~فذكر اللازم وأريد الملزوم لما أن { واستوت } غير مبني للمفعول 
~~كقيل وغيض  ثم إنه تعالى ختم الكلام بالتعريض تنبيها لسالكي مسلك أولئك
~~القوم في تكذيب الرسل عليهم السلام ظلما لأنفسهم لا غير ختم إظهار لمكان
~~السخط ولجهة استحقاقهم إياه وأن قيامه الطوفان وتلك الصورة الهائلة ما
~~كانت إلا لظلمهم كما يؤذن بذلك الدعاء بالهلاك بعد هلاكهم والوصف بالظلم
~~مع تعليق الحكم به، وذكر بعضهم أن البعد في الأصل ضد القرب وهو باعتبار
~~المكان ويكون في المحسوس، وقد يقال في المعقول نحو

# ضلوا ضللا بعيدا

# [النساء: 167] واستعماله في الهلاك مجاز، قال ناصر الدين: يقال بعد
~~بعدا بضم فسكون وبعدا بالتحريك إذا بعد بعدا بعيدا بحيث لا يرجى
~~عوده، ثم استعير للهلاك وخص بدعاء السوء ولم يفرق في «القاموس» بين صيغتي
~~الفعل في المعنيين حيث قال: ((البعد معروف والموت وفعلهما 
~~ككرم وفرح  بعدا وبعدا)) فافهم. وزعم بعضهم أن الأرض
~~والسماء أعطيتا ما يعقلان به الأمر ms04352 فقيل لهما حقيققة ما قيل، وأن القائل
~~{ بعدا } نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين، ولا يخفى أن هذا خلاف
~~الظاهر ولا أثر فيه يعول عليه، والكلام على الأول أبلغ.

# وأما النظر فيها من جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة فيها
~~وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها فذلك أنه اختير { يا } دون سائر
~~أخواتها لكونها أكثر في الاستعمال وأنها دالة على بعد المبادى الذي
~~يستدعيه مقام إظهار العظمة وإبداء شأن العزة والجبروت، وهو تبعيد المنادى
~~المؤذن بالتهاون به ولم يقل يا أرضي بالكسر لأن الإضافة إلى نفسه جل شأنه
~~تقتضي تشريفا للأرض وتكريما لها فترك إمدادا للتهاون لم يقل يا أيتها
~~الأرض مع كثرته في نداء أسماء الأجناس قصدا إلى الاختصار والاحتراز عن
~~تكلف التنبيه المشعر بالغفلة التي لا تناسب ذلك المقام، واختير لفظ الأرض
~~والسماء على سائر أسمائهما كالمقلة والغبراء وكالمظلة والخضراء لكونهما
~~أخصر وأورد في الاستعمال وأوفى بالمطابقة، فإن تقابلهما إنما اشتهر بهذين
~~الاسمين، واختير لفظ { ابلعي } على ابتعلي لكونه أخصر وأوفر تجانسا 
~~باقلعي  لأن همزة الوصل إن اعتبرت تساويا في عدد الحروف وإلا تقاربا
~~فيه بخلاف ابتلعي، وقيل: { مآءك } بالإفراد دون الجمع لما فيه من صورة
~~الاستكثار المتأبى عنها مقام إظهار الكبرياء وهو الوجه في إفراد الأرض
~~والسماء وإنما لم يقل { ابلعي } بدون المفعول لئلا يستلزم تركه ما ليس
~~بمراد من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وساكنات الماء بأسرهن
~~نظرا إلى / مقام عظمة الآمر المهيب وكمال انقياد المأمور، ولما علم أن
~~المراد بلع الماء وحده علم أن المقصود بالاقلاع إمساك المساء عن إرسال
~~الماء فلم يذكر متعلق { أقلعي } اختصارا واحترازا عن الحشو
~~المستغنى عنه وهذا هو السبب في ترك ذكر حصول المأمور به بعد الأمر فلم
~~يقل قيل يا أرض ابلعي فبلعت ويا سماء اقعلي فأقلعت لأن مقام الكبرياء
~~وكمال الانقياد يغني عن ذكره الذي ربما أوهم إمكان المخالفة، واختير {
~~غيض } على غيض المشدد لكونه أخصر.

# وقيل: { المآء } دون ماء طوفان السماء، وكذا ms04353 { الأمر } دون أمر
~~نوح وهو إنجاز ما وعد لقصد الاختصار، والاستغناء بحرف التعريف عن ذلك
~~لأنه إما بدل من المضاف إليه كما هو مذهب الكوفية، وإما لأنه يغني غناء
~~الإضافة في الإشارة إلى المعهود، واختير { واستوت } على سويت أي
~~أقرت مع كونه أنسب بأخواته المبنية للمفعول اعتبارا لكون الفعل المقابل
~~للاستقرار أعني الجريان منسوبا إلى السفينة على صيغة المبني للفاعل في
~~قوله تعالى:

# وهي تجري بهم

# [هود: 42] مع أن { واستوت } أخصر من سويت، واختير المصدر أعني {
~~بعدا } على ليبعد القوم طلبا لتأكيد معنى الفعل بالمصدر مع الاختصار
~~في العبارة وهو نزول { بعدا } وحده منزلة ليبعدوا بعدا مع فائدة أخرى
~~هي الدلالة على استحقاق الهلاك بذكر اللام، وإطلاق الظلم عن مقيداته في
~~مقام المبالغة يفيد تناول كل نوع فيدخل فيه ظلمهم على أنفسهم لزيادة
~~التنبيه على فظاعة سوء اختيارهم في التكذيب من حيث أن تكذيبهم للرسل ظلم
~~على أنفسهم لأن ضرره يعود إليهم، هذا من حيث النظر إلى تركيب الكلم.

# وأما من حيث النظر إلى ترتيب الجمل فذلك أنه قدم النداء على الأمر فقيل:
~~{ يأرض ابلعي... ويسماء أقلعي } دون أن يقال: ابلعي يا
~~أرض، واقلعي يا سماء جريا على مقتضى اللازم فيمن كان مأمورا حقيقة من
~~تقديم التنبيه ليتمكن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى قصدا بذلك
~~لمعنى الترشيح للاستعارة المكنية في الأرض والسماء، ثم قدم أمر الأرض على
~~أمر السماء لكونها الأصل نظرا إلى كون ابتداء الطوفان منها حيث فار
~~تنورها أولا، ثم جعل قوله سبحانه: { وغيض المآء } تابعا لأمر
~~الأرض والسماء لاتصاله بقصة الماء وأخذه بحجزتها، ألا ترى أصل الكلام:
~~قيل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ماءها ويا سماء أقعلي عن إرسال الماء فأقلعت
~~عن إرساله وغيض الماء النازل من السماء فغاض.

# وقيد الماء بالنازل وإن كان في الآية مطلقا لأن ابتلاع الأرض ماءها فهم
~~من قوله سبحانه: { ابلعي مآءك }. واعترض بأن الماء المخصوص بالأرض
~~إن أريد به ما على وجهها فهو يتناول القبيلين الأرضي والسمائي وإن أريد
~~به ms04354 ما نبع منها فاللفظ لا يدل عليه بوجه، ولهذا حمل الزمخشري الماء على
~~مطلقه، وأشعر كلامه بأن غيض الماء إخبار عن الحصول المأمور به من قوله
~~سبحانه: { يأرض ابلعي مآءك ويسمآء أقلعي } فالتقدير قيل
~~لهما ذلك فامتثلا الأمر ونقص الماء.

# ورجح الطيبي ما ذهب إليه السكاكي زاعما أن معنى الغيض حينئذ ما قاله
~~الجوهري، وهو عنده مخالف للمعنى الذي ذكره الزمخشري فقال: إن إضافة الماء
~~إلى الأرض لما كانت ترشيحا للاستعارة تشبيها لاتصاله بها باتصال الملك
~~بالمالك ولذا جيء بضمير الخطاب اقتضت إخراج سائر المياه سوى الذي بسببه
~~صارت الأرض مهيأة للخطاب بمنزلة المأمور المطيع وهو المعهود في قوله
~~تعالى:

# وفار التنور

# [هود: 40] وبهذا الاعتبار يحصل التواغل في تناسي التشبيه والترشيح، ولو
~~أجريت الإضافة على غير هذا تكون كالتجريد وكم بينهما، هذا ولو حمل على
~~العموم / لاستلزم تعميم ابتلاعه المياه بأسرها لورود الأمر من مقام
~~العظمة كما علمت من كلام السكاكي، وليس بذاك، وتعقبه في «الكشف» بأنه
~~دعوى بلا دليل ورد يمين إذ لا معهود، والظاهر ما على وجه الأرض من الماء
~~ولا ينافي الترشيح وإضافة المالكية، ثم الظاهر من تنزيل الماء منزلة
~~الغذاء أن تجعل الإضافة من باب إضافة الغذاء إلى المغتذي في النفع
~~والتقوية وصيرورته جزءا منه ولا نظر فيه إلى كونه مملوكا أو غير ذلك،
~~وأما التعميم فمطلوب وحاصل على التفسيرين لانحصار الماء في الأرض
~~والسمائي، وقد قلتم بنضوبهما من قوله سبحانه فبلعت وقوله تعالى: {
~~وغيض } ولا شك أن ما عندنا من الماء غير ماء الطوفان. هذا والمطابق
~~تفسير الزمخشري، ألا ترى إلى قوله جل وعلا:

# فالتقى المآء

# [القمر: 12] أي الأرضي والسمائي، وههنا تقدم الماءان في قوله سبحانه: {
~~مآءك ويسمآء أقلعي } لأن تقديره عن إرسال الماء على زعمهم،
~~فإذا قيل: وغيض الماء رجع إليهما لا محالة لتقدمهما، ثم إذا جعل من توابع
~~{ أقلعي } خاصة لم يحسن عطفه على أصل القصة أعني { وقيل يأرض
~~ابلعي } كيف وفي إيثار هذا التفسير الإشارة إلى أنه زال كونه طوفانا
~~لأن نقصان ms04355 الماء غير الإذهاب بالكلية، وإلى أن الأجزاء الباطنة من الأرض
~~لم تبق على ما كانت عليه من قوة الإنباع ورجعت إلى الاعتدال المطلوب وليس
~~في الاختصاص بالنضوب هذا المعنى البتة انتهى.

# وزعم الطبرسي أن أئمة البيت رضي الله تعالى عنهم على أن الماء المضاف هو
~~ما نبع وفار وأنه هو الذي ابتلع وغاض لا غير، وأن ماء السماء صار بحارا
~~وأنهارا. وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن ابن عباس ما يؤيده، وهذا
~~مخالف لما يقتضيه كلام السكاكي مخالفة ظاهرة، وفي القلب من صحته ما فيه،
~~ثم إنه تعالى أتبع غيض الماء ما هو المقصود الأصلي من القصة، وهو قوله
~~جلت عظمته: { وقضي الأمر } ثم أتبع ذكر المقصود حديث السفينة
~~لتأخره عنه في الوجود، ثم ختمت القصة بالتعريض الذي علمته، هذا كله نظر
~~في الآية من جانبي البلاغة.

# وأما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهي كما ترى نظم للمعاني لطيف
~~وتأدية لها ملخصة مبينة لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد ولا التواء
~~يشيك الطريق إلى المرتاد بل إذا جربت نفسك عند استماعها وجدت ألفاظها
~~تسابق معانيها ومعانيها تسابق ألفاظها فما من لفظة فيها تسبق إلى أذنك
~~إلا ومعناها أسبق إلى قلبك، وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية
~~فألفاظها على ما ترى عربية مستعملة جارية على قوانين اللغة سليمة عن
~~التنافر بعيدة عن البشاعة عذبة على العذبات سلسة على الاسلات كل منها
~~كالماء في السلالة وكالعسل في الحلاوة وكالنسيم في الرقة، ولله تعالى در
~~التنزيل ماذا جمعت آياته:

# وعلى تفنن واصفيه بحسنه

# يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف

# وما ذكر في مزايا هذه الآية بالنسبة إلى ما فيها قطرة من حياض وزهرة من
~~رياض، وقد ذكر ابن أبي الإصبع أن فيها عشرين ضربا من البديع من أنها
~~سبع عشرة لفظة وذلك المناسبة التامة في { ابلعي } و { أقلعي }
~~والاستعارة فيهما والطباق بين الأرض والسماء والمجاز في { يسمآء } فإن
~~الحقيقة يا مطر السماء، والإشارة في { وغيض المآء } فإنه عبر به ms04356 عن
~~معان كثيرة لأن الماء لا يغيض حتى يقلع مطر السماء وتبلع الأرض ما يخرج
~~منها فينقص ما على وجه الأرض، والإرداف في { واستوت } والتمثيل في {
~~وقضي الأمر } والتعليل فإن غيض الماء علة للاستواء وصحة التقسيم
~~فإنه استوعب أقسام الماء حال نقصه والاحتراس في الدعاء لئلا يتوهم أن
~~الغرق / لعمومه شمل من لا يستحق الهلاك فإن عدله تعالى يمنع أن يدعو على
~~غير مستحق، وحسن النسق وائتلاف اللفظ مع المعنى والإيجاز فإنه سبحانه قص
~~القصة مستوعبة بأخصر عبارة، والتسهيم لأن أول الآية يدل على آخرها،
~~والتهذيب لأن مفرداتها موصوفة بصفات الحسن، وحسن البيان من جهة أن السامع
~~لا يتوقف في فهم معنى الكلام ولا يشكل عليه شيء منه، والتمكين لأن
~~الفاصلة مستقرة من محلها مطمئنة في مكانها، والانسجام، وزاد الجلال
~~السيوطي بعد أن نقل هذا عن ابن أبي الأصبع الاعتراض، وزاد آخرون أشياء
~~كثيرة إلا أنها ككلام ابن أبي الأصبع قد أشير إليها بأصبع الاعتراض، وقد
~~ألف شيخنا علاء الدين  أعلى الله تعالى درجته في أعلى عليين  «رسالة»
~~في هذه الآية الكريمة جمع فيها ما ظهر له ووقف عليه من مزاياها فبلغ ذلك
~~مائة وخمسين مزية، وقد تطلبت هذه الرسالة لأذكر شيئا من لطائفها فلم
~~أظفر بها وكأن طوفان الحوادث أغرقها، ولعل فيما نقلناه سدادا من عوز،
~~والله تعالى الموفق للصواب وعنده علم الكتاب.

### || [11.45]

# { ونادى نوح ربه } أي أراد ذلك بدليل تفريع قوله سبحانه: {
~~فقال رب إن ابني من أهلي } عليه، وقيل: النداء على حقيقته
~~والعطف بالفاء لكون حق التفصيل يعقب الإجمال { وإن وعدك الحق
~~} أي وإن وعدك ذلك أو كل وعد تعده حق لا يتطرق إليه خلف فيدخل فيه الوعد
~~المعهود دخولا أوليا. { وأنت أحكم الحكمين } لأنك أعلمهم
~~وأعدلهم، وقد ذكر أنه إذا بني أفعل من الشيء الممتنع من التفضيل والزيادة
~~يعتبر فيما يناسب معناه معنى الممتنع. وقال العز بن عبد السلام في
~~«أماليه»: إن هذا ونحوه من أرحم الراحمين وأحسن الخالقين مشكل لأن أفعل
~~لا يضاف إلا ms04357 إلى جنسه، وهنا ليس كذلك لأن الخلق من الله سبحانه بمعنى
~~الإيجاد ومن غيره بمعنى الكسب وهما متباينان - يعني على المشهور من مذهب
~~الأشاعرة - والرحمة من الله تعالى إن حملت على الإرادة أو جعلت من مجاز
~~التشبيه صح وإن أريد إيجاد فعل الرحمة كان مشكلا أيضا إذ لا موجد سواه
~~سبحانه. وأجاب الآمدي بأنه بمعنى أعظم من يدعى بهذا الاسم، واستشكل بأن
~~فيه جعل التفاضل في غير ما وضع اللفظ بإزائه وهو يناسب مذهب المعتزلة
~~فافهم.

# وقيل: المعنى هنا أنك أكثر حكمة من ذوي الحكم على أن الحاكم من الحكم
~~كالدارع من الدرع، واعترض عليه بأن الباب ليس بقياسي وأنه لم يسمع حاكم
~~بمعنى حكيم وأنه لا يبنى منه أفعل إذا لأنه ليس جاريا على الفعل لا
~~يقال: ألبن وأتمر من فلان إذ لا فعل بذلك المعنى، والجواب بأنه قد كثر في
~~كلامهم فجوز على أن يكون وجها مرجوحا وبأنه من قبيل أحنك الشاتين لا
~~يخلو عن تعسف كما في «الكشف»، وتعقب بأن للحكمة فعلا ثلاثيا وهو حكم،
~~وأفعل من الثلاثي مقيس، وأيضا سمع احتنك الجراد وألبن وأتمر فغايته أن
~~يكون من غير الثلاثي ولا يخفى ما فيه، ومنهم من فسره على هذا بأعلمهم
~~بالحكمة كقولهم؛ آبل من أبل بمعنى أعلم وأحذق بأمر الإبل. وأيا ما كان
~~فهذا النداء منه عليه السلام يقطر منه الاستعطاف، وجميل التوسل إلى من
~~عهده منعا مفضلا في شأنه أولا وآخرا وهو على طريقة دعاء أيوب عليه
~~السلام

# إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم
~~الراحمين

# [الأنبياء: 83] فيكون ذلك قبل الغرق، والواو لا تقتضي الترتيب، وقيل: إن
~~النداء إنما كان بعده والمقصود منه الاستفسار عن سبب عدم إنجائه مع سبق
~~وعده تعالى بإنجاء أهله وهو منهم، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبا تمام
~~الكلام في ذلك.

### || [11.46]

# { قال } استئناف بياني كأنه قيل، ما قال له ربه سبحانه حين ناداه
~~بذلك؟ فقيل: قال: { قال ينوح إنه ليس من أهلك } أي ليس
~~منهم / أصلا لأن مدار ms04358 الأهلية هو القرابة الدينية وقد انقطعت بالكفر فلا
~~علاقة بين مسلم وكافر ولذا لم يتوارثا، وقد ذكروا أن قرابة الدين أقرب من
~~قرابة النسب كما أشار إلى ذلك أبو فراس بقوله:

# كانت مودة سلمان له نسبا

# ولم يكن بين نوح وابنه رحم

# أو { ليس من أهلك } الذين أمرتك بحملهم في الفلك لخروجه عنهم
~~بالاستثناء، وحكى هذا عن ابن جرير وعكرمة والأول عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما؛ وعلى القولين ليس هو من الذين وعد بإنجائهم، وكأنه لما كان
~~دعاؤه عليه السلام بتذكير وعده جل ذكره مبنيا على كون كنعان من أهله نفى
~~أولا كونه منهم، ثم علل عدم كونه منهم على طريقة الاستئناف التحقيقي
~~بقوله سبحانه: { إنه عمل غير صلح } وأصله إنه ذو عمل فاسد
~~فحذف ذو للمبالغة بجعله عين عمله لمداومته عليه، ولا يقدر المضاف لأنه
~~حينئذ تفوت المبالغة المقصودة منه، ونظير ذلك ما في قول الخنساء ترثي
~~أخاها صخرا:

# ما أم سقب على بو تحن له

# قد ساعدتها على التحنان آظار

# ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت

# فإنما هي إقبال وإدبار

# يوما بأوجع مني حين فارقني

# صخر وللعيش إحلاء وإمرار

# وأبدل فاسد بغير  صالح  إما لأن الفاسد ربما يطلق على ما فسد ومن شأنه
~~الصلاح فلا يكون نصا فيما هو من قبيل الفاسد المحض كالمظالم، وإما
~~للتلويح بأن نجاة من نجا إنما هو لصلاحه.

# وقرأ الكسائي ويعقوب { إنه عمل غير صالح } على صيغة الفعل الماضي، ونصب
~~{ غير } وهي قراءة علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وأنس وعائشة وقد
~~روتها هي وأم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والأصل (عمل عملا غير
~~صالح) وبه قرىء أيضا كما روي عن عكرمة فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه،
~~وذلك شائع مطرد عند انكشاف المعنى وزوال اللبس، وضعفه بعضهم هنا بأن
~~العرب لا تكاد تقول: عمل غير صالح وإنما تقول عمل عملا غير صالح، وليس
~~بشيء، وأيد بهذه القراءة كون ضمير (إنه) في القراءة الأولى لابن نوح لأنه
~~فيها له ms04359 قطعا فيضعف ما قيل: (إنه) في الأولى لترك الركوب معهم والتخلف
~~عنهم أي إن ذلك الترك عمل غير صالح على أنه خلاف الظاهر في نفسه كما لا
~~يخفى. ومثله في ذلك ما قيل: (إنه) لنداء نوح عليه السلام أي: إن نداءك
~~هذا عمل غير صالح وتخرج بذلك الجملة عن أن تكون تعليلا لما تقدم ويفوتما
~~في ذاك من الفائدة ولا يكون الكلام على مساق واحد، نعم روي عن ابن عباس
~~ما يقتضيه فقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه أنه قال: إن نساء
~~الأنبياء عليهم السلام لا يزنين، ومعنى الآية مسألتك إياي يا نوح عمل غير
~~صالح لا أرضاه لك.

# وفي رواية ابن جرير عنه سؤالك ما ليس لك به علم عمل غير صالح، ولعل ذلك
~~لم يثبت عن هذا الحبر لأن الظاهر من الرواية الأولى أنه إنما جعل الضمير
~~للمسألة دون ابن نوح لما في ذلك من نسبة الزنا إلى من لا ينسب إليه وهو
~~رضي الله تعالى عنه أجل قدرا من أن يخفى عليه أنه لا يلزم من ذلك هذا
~~المحذور.

# ((ثم إنه لما كان دعاؤه عليه السلام مبنيا على كون كنعان من أهله وقد
~~نفى ذلك وحقق ببيان علته فرع على ذلك النهي عن سؤال إنجائه إلا أنه جيء
~~بالنهي على وجه عام يندرج فيها ما ذكر اندراجا أوليا فقال سبحانه: {
~~فلا تسئلن } / أي إذا وقفت على جلية الحال فلا تطلب مني { ما
~~ليس لك به علم } أي مطلبا لا تعلم يقينا أن حصوله صواب
~~وموافق للحكمة على تقدير كون { ما } عبارة عن المسؤول الذي هو مفعول
~~للسؤال أو طلبا لا تعلم أنه صواب على تقدير كونه عبارة عن المصدر الذي
~~هو مفعول مطلق فيكون النهي واردا بصريحه في كل من معلوم الفساد ومشتبه
~~الحال)) قاله شيخ الإسلام، وجوز أن يكون ما ليس لك علم بأنه صواب أو غير
~~صواب وهو الذي ذهب إليه القاضي فيكون النهي واردا في مشتبه الحال ويفهم
~~منه حال معلوم الفساد ms04360 بالطريق الأولى، وأيا ما كان فهو عام يندرج تحته
~~ما نحن فيه كما ذكرنا. وسمي النداء سؤال لتضمنه إياه وإن لم يصرح به كما
~~لا يخفى، و(به) على ما نقل عن أبي علي إما متعلق بما يدل عليه العلم
~~المذكور وإن لم يتسلط عليه كقوله:

# ربيته حتى إذا تمعددا

# كان جزائي بالعصا أن أجلدا

# وإما أن يتعلق بالمستقر في ذلك وكذا الكلام فيما سيأتي إن شاء الله
~~تعالى.

# والآية ظاهرة في أن نداءه عليه السلام لم يكن استفسارا عن سبب عدم
~~إنجائه مع تحقق سبب الإنجاء فيما عنده كما جوزه القاضي بناءا على أنه
~~كان بعد الغرق بل هو دعاء منه عليه السلام لإنجاء ابنه حين حال الموج
~~بينهما ولم يعلم بهلاكه بعد إما بتقريبه إلى الفلك بتلاطم الأمواج مثلا
~~أو بتقريبها إليه، وقيل: أو بإنجائه بسبب آخر ويأباه تذكير الوعد في
~~الدعاء فإنه مخصوص بالإنجاء في الفلك، ومجرد حيلولة الموج لا يستوجب
~~الهلاك فضلا عن العلم به لظهور إمكان عصمة الله تعالى عليه إياه برحمته،
~~وقد وعده بإنجاء أهله ولم يعتقد أن فيه مانعا من الانتظام في سلكهم
~~لمكان النفاق وعدم المجاهرة بالكفر لما في ذلك لفظا من الاحتياج إلى
~~القول بالحذف والإيصال، ومعنى من أن النهي عن الاستفسار عما لا يعلم غير
~~موافق للحكمة إذ عدم العلم بالشيء داع إلى الاستفسار عنه لا إلى تركه.

# وقيل: إن السؤال عن موجب عدم النجاة مع ما فيه من الجرأة، وشبه الاعتراض
~~فيه أنه تعين له عليه السلام أنه من المستثنين بهلاكه فهو غير سديد كيف
~~ونداؤه ذاك مما يقطر منه الاستعطاف. وقيل: إن النهي إنما هو عن سؤال ما
~~لا حاجة إليه إما لأنه لا يهم أو لأنه قامت القرائن على حاله لا عن
~~السؤال للاسترشاد فلا ضير إذن في كلام القاضي وهو كما ترى.

# ولا يصلح العطار ما أفسد الدهر

# فالحق أن ذلك مسألة الإنجاء، وكان قبل تحقق الغرق عند رؤية المشارفة
~~عليها ولم يكن عالما بكفره إذ ذاك ms04361 لأنه لم يكن مجاهرا به وإلا لم يدع
~~له بل لم يدعه أيضا

# ولا تكن مع الكفرين

# [هود: 42] لا يدل على أنه كافر عنده بل هو نهي عن الدخول في غمارهم،
~~وقطع بأن ذلك يوجب الغرق على الطريق البرهاني كما قدمنا، وكأنه عليه
~~السلام حمل مقاولته على غير المكابرة والتعنت لغلبة المحبة وذهوله عن
~~إعطاء التأمل حقه فلذلك طلب ما طلب، فعوتب بأن مثله في معرض الإرشاد
~~والقيام بأعباء الدعوة تلك المدة المتطاولة لا ينبغي أن يشتبه عليه كلام
~~المسترشد والمعاند، ويرجع هذا إلى ترك الأولى، وهو المراد بقوله سبحانه:

# { إني أعظك أن تكون من الجهلين }. وذكر شيخ الإسلام
~~((أن اعتزاله وقصده الالتجاء إلى الجبل ليس بنص في الإصرار على الكفر
~~لظهور جواز أن يكون ذلك لجهله بانحصار النجاة في الفلك، وزعمه أن الجبل
~~أيضا يجري مجراه أو لكراهة الاحتباس في الفلك بل قوله:

# سأوي إلى جبل يعصمني من المآء

# [هود: 43] بعد ما قال له نوح { ولا تكن مع الكفرين } ربما
~~يطمعه عليه السلام في إيمانه حيث لم يقل أكون معهم أو سنأوي أو يعصمنا
~~فإن إفراد نفسه بنسبة الفعلين المذكورين / ربما يشعر بانفراده من
~~الكافرين واعتزاله عنهم وامتثاله ببعض ما أمره به نوح عليه السلام إلا
~~أنه عليه السلام لو تأمل في شأنه حق التأمل وتفحص عن أحواله في كل ما
~~يأتي وما يذر لما اشتبه عليه أنه ليس بمؤمن وأنه مستثنى من أهله ولذلك
~~قيل له: { إني } الخ))، وهو ظاهر في أن مدار العتاب الاشتباه كما
~~ذكرنا، وإليه ذهب الزمخشري قال: ((إن الله تعالى قدم إليه عليه السلام
~~الوعد بانجاء أهله مع استثناء من سبق عليه القول منهم فكان عليه أن يعتقد
~~أن في الجملة من هو مستوجب للعذاب لكونه غير صالح وأن كلهم ليسوا بناجين
~~وأن لا تخالجه شبهة حين شارف ولده الغرق في أنه من المستثنين لا من
~~المستثنى منهم فعوتب على أن اشتبه عليه ما يجب أن لا يشتبه))، وكأنه أراد
~~أن الاستثناء دل على ms04362 أن المعنى المعتبر الصلاح لا القرابة فكان ينبغي أن
~~يجعله الأصل ويتفحص في الأهل عن وجوده، وأن يجعل كلهم سواسية في استحقاق
~~العذاب إلا من علم صلاحه وإيمانه لا أن يجعل كونه من الأهل أصلا فيسأل
~~إنجاءه مع الشك في إيمانه فقد قصر فيما كان عليه بعض التقصير وأولى العزم
~~مؤاخذون بالنقير والقطمير وحسنات الأبرار سيئات المقربين، وابن المنير لم
~~يرض كون ذلك عتابا قال: ((وفي كلام الزمخشري ما يدل على أنه يعتقد أن
~~نوحا عليه السلام صدر منه ما أوجب نسبة الجهل إليه ومعاتبته على ذلك
~~وليس الأمر كما تخيله، ثم قال: ونحن نوضح أن الحق في الآية منزلا على
~~نصها مع تبرئة نوح عليه السلام مما توهم الزمخشري نسبته إليه فنقول: لما
~~وعد عليه السلام [أولا] بتنجية أهله إلا من سبق عليه القول منهم ولم يكن
~~كاشفا لحال ابنه ولا مطلعا على باطن أمره بل كان معتقدا بظاهر الحال
~~أنه مؤمن بقي على التمسك بصيغة العموم للأهلية الثابتة ولم يعارضها يقين
~~في كفر ابنه حتى يخرج من الأهل ويدخل في المستثنين فسأل الله تعالى فيه
~~بناءا على ذلك فبين له أنه في علمه من المستثنين وأنه هو لا علم له بذلك
~~فلذلك سأل فيه، وهذا بأن يكون إقامة عذر أولى منه من أن يكون عتبا فإن
~~نوحا عليه السلام لا يكلفه الله تعالى علم ما استأثر به غيبا؛ وأما
~~قوله سبحانه: { إني أعظك } الخ فالمراد النهي عن وقوع السؤال في
~~المستقبل بعد أن أعلمه سبحانه باطن أمره وأنه إن وقع في المستقبل في
~~السؤال كان من الجاهلين، والغرض من ذلك تقديم ما يبقيه عليه السلام على
~~سمت العصمة، والموعظة لا تستدعي وقوع ذنب بل المقصد منها أن لا يقع الذنب
~~في الاستقبال ولذلك امتثل عليه السلام ذلك واستعاذ بالله سبحانه أن يقع
~~منه ما نهى عنه)) كما يدل عليه قوله سبحانه: { قال رب إني
~~أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم }.

### || [11.47]

# { قال رب إني أعوذ ms04363 بك أن أسألك ما ليس لي به
~~علم } ولا يخفي سقوطه على ما علمت وهو خلاف الظاهر جدا، وقد جاء عن
~~الفضيل بن عياض أنه قال: بلغني أن نوحا عليه السلام بكى عن قول الله
~~تعالى له ما قال أربعين يوما، وأخرج أحمد في «الزهد» عن وهيب بن الورد
~~الحضرمي قال: لما عاتب الله تعالى نوحا في ابنه وأنزل عليه

# إني أعظك

# [هود: 46] بكى ثلثمائة عام حتى صار تحت عينيه مثل الجدول من البكاء.
~~وزعم الواحدي أن السؤال قبل الغرق ومع العلم بكفره، وذلك أن نوحا عليه
~~السلام لم يعلم أن سؤاله ربه نجاة ولده محظور عليه مع إصراره على الكفر
~~حتى أعلمه الله تعالى ذلك، واعترض بأنه إذا كان عالما بكفره مع التصريح
~~بأن في أهله من يستحق العذاب كان طلب النجاة منكرا من المناكير فتدبر،
~~والظاهر على ما قررنا أن قوله: { رب } الخ توبة مما وقع منه عليه
~~السلام وما هنا أيضا عبارة إما عن المسؤول أو عن السؤال أي أعوذ بك ((أن
~~أطلب منك من بعد مطلوبا لا أعلم أن حصوله مقتضى الحكمة أو طلبا لا أعلم
~~أنه صواب سواء كان معلوم الفساد أو مشتبه الحال، أولا أعلم أنه صواب أو
~~غير صواب، ولم يقل أعوذ بك منك أو من ذلك مبالغة في التوبة / وإظهارا
~~للرغبة والنشاط فيها وتبركا بذكر ما لقنه الله تعالى وهو أبلغ من أن
~~يقول: أتوب إليك أن أسألك لما فيه من الدلالة على كون ذلك أمرا هائلا
~~محذورا لا محيص منه إلا بالعوذ بالله تعالى وأن قدرته عليه السلام قاصرة
~~عن النجاة من المكاره إلا بذلك)) كما في «إرشاد العقل السليم»، واحتمال
~~أن يكون فيه رد وإنكار نظير ما في البقرة [67] من قول موسى عليه السلام {
~~أعوذ بالله أن أكون من الجهلين } مما لا يكاد يمر
~~بفكر أحد من الجاهلين.

# هذا وفي مصحف ابن مسعود (إنه عمل غير صالح أن تسألني)، ورجح به كون ضمير
~~{ إنه } في القراءة المتواترة للنداء المتضمن للسؤال، ms04364 وقرأ ابن كثير
~~{ فلا تسألن } بفتح اللام وتشديد النون مفتوحة وهي قراءة ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما، وكذا قرأ نافع وابن عامر غير أنهما كسرا النون على أن
~~أصله تسألنني فحذفت نون الوقاية لاجتماع النونات وكسرت الشديدة للياء ثم
~~حذفت الياء اكتفاءا بالكسرة، وقرأ أبو جعفر وشيبة وزيد بن علي رضي الله
~~تعالى عنهما كذلك إلا أنهم أثبتوا الياء بعد النون وأمره ظاهر، وقرأ
~~الحسن. وابن أبي مليكة { تسألني } من غير همز من سال يسال فهما يساولان،
~~وهي لغة سائرة، وقرأ باقي السبعة بالهمز وإسكان اللام وكسر النون
~~وتخفيفها.

# وأثبت الياء في الوصل ورش وأبو عمرو، وحذفها الباقون.

# { وإلا تغفر لي } ما صدر عني من السؤال المذكور {
~~وترحمني } بقبول توبتي { أكن من الخسرين } أعمالا بسبب
~~ذلك. وتأخير ذكر هذا [النداء] عن حكاية الأمر الوارد على الأرض والسماء
~~وما يتلوه مع أن حقه أن يذكر عقيب قوله سبحانه:

# فكان من المغرقين

# [هود: 43] حسبما وقع في الخارج على ما علمت من أن النداء كان لطلب
~~الإنجاء قبل العلم بالهلاك قيل: ليكون على أسلوب قصة البقرة في سورتها
~~دلالة على استقلال هذا المعنى بالغرض لما فيه من النكت *****من جعل قرابة
~~الدين غامرة لقرابة النسب وأن لا يقدم في الأمور الدينية الأصولية إلا
~~بعد اليقين، وتعقب بالفرق بين ما هنا وما هناك عند من كان ذا قلب، وما
~~ذكر من جعل قرابة الدين غامرة لقرابة النسب الخ لا يفوت على تقديرسوق
~~الكلام على ترتيب الوقوع أيضا.

# واختار بعض المحققين أن ذلك لأن ذكر هذا النداء كما ترى مستدع لما مر من
~~الجواب المستدعي لذكر توبته عليه السلام المؤدي إلى ذكر قبولها في ضمن
~~الأمر بهبوطه عليه السلام من الفلك بالسلام والبركات الفائضة عليه وعلى
~~المؤمنين حسبما يجيء إن شاء الله تعالى، ولا ريب أن هذه المعاني آخذ
~~بعضها بحجرة بعض بحيث لا تكاد تفرق الآيات الكريمة المنطوية عليها بعضها
~~من بعض وأن ذلك إنما يتم بتمام القصة، وذلك إنما يكون بتمام الطوفان ms04365 فلا
~~جرم اقتضى الحال ذكر تمامها قبل هذا النداء وهو إنما يكون عند ذكر كون
~~كنعان من المغرقين، ولهذه النكتة ازداد حسن موقع الإيجاز البليغ، وفيه
~~فائدة أخرى هي التصريح بهلاكه من أول الأمر ولو ذكر النداء بعد

# فكان من المغرقين

# [هود: 43] لربما توهم من أول الأمر إلى أن يرد أنه ليس من أهلك الخ أنه
~~ينجو بدعائه فنص على هلاكه، ثم ذكر القصة على وجه أفحم مصاقع البلغاء، ثم
~~تعرض لما وقع في تضاعيف ذلك مما جرى بين نوح عليه السلام ورب العزة جلت
~~حكمته وعلت كلمته، ثم ذكر بعد توبته عليه السلام قبولها بقوله عز وجل: {
~~قيل ينوح اهبط }.

### || [11.48]

# { قيل ينوح اهبط } الخ وهو من الحسن بمكان، وبنى الفعل لما لم
~~يسم فاعله لظهور أن القائل هو الله تعالى، وقيل: القائل الملائكة عليهم
~~السلام والهبوط النزول قيل: أي انزل من الفلك، وقيل: من الجبل إلى الأرض
~~وذلك أنه روي أن السفينة استوت على الجودي في عاشر ذي الحجة فأقام بمن
~~معه هناك / شهرا، ثم قيل له: اهبط فهبط بأرض الموصل وبنى قرب الجبل قرية
~~يقال لها: قرية الثمانين عدد من في السفينة، وفي رواية عن ابن عباس أنه
~~بنى كل منهم بيتا فسميت سوق الثمانين. وأخرج ابن مردويه عن عمر رضي الله
~~تعالى عنه قال: لما استقرت السفينة على الجودي لبث نوح عليه السلام ما
~~شاء الله تعالى، ثم إنه أذن له بالهبوط فهبط على الجبل فدعا الغراب فقال:
~~ائتني بخبر الأرض، فانحدر إلى الأرض وفيها الغرقى من قوم نوح فوقع على
~~جيفة منهم فأبطأ عليه فلعنه، ودعا الحمامة فوقفت على كفه فقال: اهبطي
~~فأتني بخبر الأرض فانحدرت فلم تلبث قليلا حتى جاءت تنفض ريشها بمنقارها
~~فقالت: اهبط فقد أنبتت الأرض فقال نوح: بارك الله تعالى فيك وفي بيت
~~يأويك وحببك إلى الناس ولولا أن يغلبك الناس على نفسك لدعوت الله سبحانه
~~أن يجعل رأسك من الذهب، والظاهر عندي أن الهبوط من الجودي الذي استقرت
~~عليه السفينة ms04366 إلى الأرض، وليس في الكلام ما يستدعي أن يكون بعد الاستقرار
~~بلا مهلة ليقال: إن ما تحت الجبل مغمور إذ ذاك بالماء، والتعبير بالهبوط
~~على هذا في غاية الظهور، ولعل ذلك على أن يكون المراد من السفينة لمكان
~~الركوب، وخبر الحمامة. والغراب قد طار في الآفاق وأولع به القصاصون،
~~والله تعالى أعلم بصحته، وغالب الظن أنه لم يصح، وكذا اشتهر خبر قرية
~~الثمانين في أرض الموصل وأنها لما ضاقت عليهم تحولوا إلى باب فبنوها.
~~وأخرج ابن عساكر عن كعب الأحبار أنه قال: أول حائط وضع على وجه الأرض بعد
~~الطوفان حائط حران ودمشق ثم بابل. وقرىء { اهبط } بضم الباء.

# { بسلم } أي ملتبسا بسلامة مما تكره كائنة { منا } أي من
~~جهتنا، ويجوز أن يكون السلام بمعنى التسليم والتحية أي مسلما عليك من
~~جهتنا { وبركت عليك } أي خيرات نامية في نسلك وما يقوم به
~~معاشك ومعاشهم من أنواع الأرزاق، أو مباركا عليك أي مدعوا لك بالبركة
~~بأن يقال: بارك الله تعالى فيك وهو مناسب لكون السلام بمعنى التسليم
~~فيكون كقوله: السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، ((وأصل البرك 
~~كما قال الراغب  صدر البعير يقال: برك البعير إذا ألقى ركبه، واعتبر
~~منه [معنى] اللزوم ولذا سمي محبس الماء بركة، والبركة ثبوت الخير الإلهي
~~في الشيء سمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة.

# ولما كان الخير الإلهي يصدر على وجه لا يحس ولا يحصى قيل لكل ما يشاهد
~~فيه زيادة غير محسوسة: هو مبارك وفيه بركة، ولما في ذلك من الإشعار
~~باللزوم وكونه غير محسوس اختص تبارك بالاستعمال في الله تبارك وتعالى))
~~كما قيل، وفي «الكشف» كل شيء ثبت وأقام فقد برك وأخذ بروك البعير منه، ثم
~~البرك بمعنى الصدر من الثاني لأنه آلة بروكه أظهر، وحكى عبد العزيز بن
~~يحيى عن الكسائي أنه قرأ  وبركة  بالتوحيد، وفي الآية على القراءتين
~~صنعة الاحتباك لأنه حذف من الثاني ما ذكر في الأول، وذكر فيه ما حذف من
~~الأول، والتقدير سلام منا عليك وبركات، ms04367 أو وبركة منا عليك، وهذا منه
~~تعالى إعلام وبشارة بقبول توبته عليه السلام وخلاصة من الخسران مع
~~الإشارة إلى عود الأرض إلى حالها من الإنبات وغيره.

# { وعلى أمم } ناشئة { ممن معك } متشعبة منهم  فمن 
~~ابتدائية، والمراد الأمم المؤمنة المتناسلة ممن معه إلى يوم القيامة،
~~والمراد ممن معه أولاده من إطلاق العام وإرادة الخاص بناء على ما قيل:
~~إنه لم يعقب غيرهم، فالناس كلهم على هذا من نسل نوح عليه السلام؛ ومن هنا
~~سمي عليه السلام آدم الثاني وآدم الأصغر، واستدل لذلك بقوله تعالى:

# وجعلنا ذريته / هم البقين

# [الصافات: 77] وقد يقال ببقاء  من  على عمومه بناءا على ما عليه أكثر
~~المفسرين من عدم اختصاص النسل بأولاده عليه السلام بل لمن معه نسل باق
~~أيضا، والكلام في استدلال الأولين سيأتي إن شاء الله تعالى.

# وقوله سبحانه: { وأمم } بالرفع وهو على ما ذهب إليه الزمخشري مبتدأ،
~~وجملة قوله تعالى: { سنمتعهم } صفته، والخبر محذوف أي ومنهم أمم،
~~وساغ ذلك لدلالة ما سبق عليه فإن إيراد الأمم المبارك عليهم المتشعبة
~~منهم نكرة يدل على أن بعض من يتشعب منهم ليسوا على صفتهم، والمعنى ليس
~~جميع من يتشعب منهم مشاركا له في السلام والبركات بل منهم أمم يمتعون في
~~الدنيا { ثم يمسهم } فيها أو في الآخرة أو فيهما { منا
~~عذاب أليم } وجوز أبو حيان أن يكون { أمم } مبتدأ محذوف الصفة
~~وهي المسوغة للابتداء بالنكرة، والتقدير وأمم منهم، وجملة {
~~سنمتعهم } هو الخبر كما قالوا: السمن منوان بدرهم، وأن يكون مبتدأ
~~ولا يقدر له صفة والخبر أيضا { سنمتعهم } ومسوغ الابتداء كون
~~المكان مكان تفصيل فكان مثل قول الشاعر:

# إذا ما بكى من خلفها انحرفت له

# بشق وشق عندنا لم يحول

# وقول القرطبي: ((إنه ارتفع { أمم } على معنى ويكون أمم)) إن أراد به
~~تفسير معنى فحسن وإن أراد الإعراب فليس بجيد لأن هذا ليس من مواضع إضمار
~~يكون، وقال الأخفش: هذا كما تقول: كلمت زيدا وعمرو جالس يحتمل أن يكون
~~من باب العطف، ويحتمل أن يكون الواو للحال وتكون ms04368 الجملة هنا حالا مقدرة
~~لأن وقت الأمر بالهبوط لم تكن تلك الأمم موجودة.

# وقال أبو البقاء: إن { أمم } معطوف على الضمير في { اهبط }
~~والتقدير اهبط أنت وأمم وكان الفصل بينهما مغنيا عن التأكيد، و {
~~سنمتعهم } نعت لأمم، وفيه إن الذين كانوا مع نوح عليه السلام في
~~السفينة كلهم مؤمنون لقوله تعالى:

# ومن آمن

# [هود: 40] ولم يكونوا قسمين كفارا ومؤمنين ليؤمر الكفار بالهبوط معه
~~اللهم إلا أن يلتزم أن من أولئك المؤمنين من علم الله سبحانه أنه يكفر
~~بعد الهبوط فأخبر عنهم بالحالة التي يؤولون إليها وفيه بعد. وجوز أن تكون
~~ من  في { ممن معك } بيانية أي وعلى أمم هم الذين معك، وسموا
~~أمما لأنهم أمم متحزبة وجماعات متفرقة أو لأن جميع الأمم إنما تشعبت
~~منهم فهم أمم مجازا فحينئذ يكون المراد بالأمم المشار إليهم في قوله
~~سبحانه: { وأمم سنمتعهم } بعض الأمم المتشعبة منهم وهي الأمم
~~الكافرة المتناسلة منهم إلى يوم القيامة.

# وفي «الكشاف» إن الوجه هو الأول قيل: ليقابل قوله تعالى: { وأمم
~~سنمتعهم } ولأنه أشمل ولأن  من  الابتدائية لا سيما في المنكر
~~أكثر وللنكتة في إدخال الناشئين في المسلم عليهم، وقطع الممتعين عنهم من
~~الدلالة على ما صرح به في قوله سبحانه:

# إنه عمل غير صلح

# [هود: 46] ولهذه النكتة حذف منهم في الثاني، واكتفى بسلام نوح عليه
~~السلام عن سلام مؤمني قومه لأن النبي زعيم أمته وكفاهم هذا التعظيم
~~والاتحاد معه عليه السلام، فلا يرد أن الحمل على البيانية أرجح لئلا يلزم
~~أن لا يكون مسلما عليهم على أن لفظ الأمم في الإطلاق على من معه بأحد
~~الاعتبارين لا فخامة فيه لأن تسمية الجماعة القليلة بالأمة لا يناسب فكيف
~~بالأمم، ولا مبالغة في هذا المقام فيه فلا يعدل عن الحقيقة، وإن جعل من
~~باب

# إن إبرهيم كان أمة

# [النحل: 120] لم يلائم تفخيم نوح عليه السلام، وقد ذكر أنه يبقى على
~~البيانية أمر الأمم المؤمنة الناشئة من الذين معه عليه السلام مبهما غير
~~متعرض له ولا مدلول عليه إلا أن يقال: ms04369 حيث كان المراد بمن معك المؤمنين
~~يعلم أن المشاركين لهم في وصف الإيمان مثلهم / فيما تقدم، نعم قيل: إن في
~~دلالة المذكور على الخبر المحذوف على ذلك الوجه خفاءا لأن (من)
~~المذكورة بيانية، والمحذوفة تبعيضية أو ابتدائية، وربما يجاب عنه أيضا
~~بإلزام أن لا حذف أصلا كما هو أحد الأوجه التي ذكرناها آنفا فتدبر جميع
~~ما ذكر.

# والمأثور عدم تخصيص الأمم في الموضعين بمؤمنين معينين وكافرين كذلك، فقد
~~أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن محمد القرظي قال: دخل في ذلك
~~السلام والبركات كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة ودخل في ذلك المتاع
~~والعذاب الأليم كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة، وأخرج أبو الشيخ عن
~~الحسن أنه قال في الآية ما زال الله تعالى يأخذ لنا بسهمنا وحظنا ويذكرنا
~~من حيث لا نذكر أنفسنا كلما هلكت أمة خلقنا في أصلاب من ينجو بلطفه حتى
~~جعلنا في خير أمة أخرجت للناس، وقيل: المراد بالأمم الممتعة قوم هود
~~وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام، وبالعذاب ما نزل بهم، وبالغ بعضهم في
~~عموم الأمم في الأول فجعلها شاملة لسائر الحيوانات التي كانت معه عليه
~~السلام فإن الله تعالى جعل فيها البركة وليس بشيء كما لا يخفى.

# وههنا لطيفة وهي أنه قد تكرر في هذه الآية حرف واحد مرات مع غاية الخفة
~~ولم تتكرر الراء مثله في قوله:

# وقبر حرب بمكان قفر

# وليس قرب قبر حرب قبر

# ومع ما ترى فيه من غاية الثقل وعسر النطق، ولله تعالى شأن التنزيل ما
~~أكثر لطائفه.

### || [11.49]

# { تلك } إشارة إلى قصة نوح عليه السلام وهي لتقضيها في حكم البعيد،
~~ويحتمل أنه أشير بأداة البعد إلى بعد منزلتها، وقيل: إن الإشارة إلى آيات
~~القرآن وليس بذاك؛ وهي في محل الرفع على الابتداء، وقوله سبحانه: { من
~~أنبآء الغيب } أي بعض أخباره التي لها شأن وكونها بعض ذلك باعتبار
~~أنها على التفصيل لم تبق لطول العهد معلومة لغيره تعالى حتى إن المجوس
~~على ما قيل: ينكرونها رأسا، وقيل: إن كونها من ms04370 الغيب لغير أهل الكتاب،
~~وقد ذكر غير واحد أن الغيب قسمان: ما لا يتعلق به علم مخلوق أصلا وهو
~~الغيب المطلق، وما لا يتعلق به علم مخلوق معين وهو الغيب المضاف بالنسبة
~~إلى ذلك المخلوق، وهو مراد الفقهاء في تكفير الحاكم على الغيب، وقوله
~~سبحانه: { نوحيها } خبر ثان  لتلك  والضمير لها أي موحاة { إليك
~~} أو هو الخبر، و { من أنبآء } متعلق به، وفائدة تقديمه نفى أن يكون
~~علم ذلك بكهانة أو تعلم من الغير، والتعبير بصيغة المضارع لحكاية الحال
~~الماضية، أو { من أنبآء } هو الخبر، و { هذا } في موضع الحال من
~~{ أنبآء } والمقصود من ذكر كونها موحاة إلجاء قومه صلى الله عليه
~~وسلم للتصديق بنبوته عليه الصلاة والسلام وتحذيرهم مما نزل بالمكذبين.

# وقوله تعالى: { ما كنت تعلمهآ أنت ولا قومك } خبر آخر
~~أي مجهولة عندك وعند قومك { من قبل هذا } أي الإيحاء إليك
~~المعلوم مما مر، وقيل: أي الوقت، وقيل: أي العلم المكتسب بالوحي. وفي
~~مصحف ابن مسعود  من قبل هذا القرآن  ويحتمل أن يكون حالا من الهاء في
~~{ نوحيها } أو الكاف من { إليك } أي غير عالم أنت ولا قومك بها،
~~وذكر القوم معه صلى الله عليه وسلم من باب الترقي كما تقول: هذا الأمر لا
~~يعلمه زيد ولا أهل بلده لأنهم مع كثرتهم إذا لم يعلموا ذلك فكيف يعلمه
~~واحد منهم، وقد علم أنه لم يخالط غيرهم.

# { فاصبر } متفرع على الإيحاء أو على العلم المستفاد منه المدلول
~~عليه بما تقدم { من قبل هذا } أي وإذ قد أوحيناها إليك أو علمتها
~~بذلك فاصبر على مشاق تبليغ الرسالة وأذية قومك كما صبر نوح عليه السلام
~~على ما سمعته من أنواع / البلايا في هذه المدة المتطاولة، قيل: وهذا ناظر
~~إلى ما سبق من قوله سبحانه:

# فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك

# [هود: 12] الخ { إن العقبة } بالظفر في الدنيا وبالفوز
~~بالآخرة { للمتقين } كما سمعت ذلك في نوح عليه السلام وقومه، قيل:
~~وهو تعليل للأمر بالصبر وتسلية له صلى الله عليه وسلم، والمراد بالتقوى ms04371
~~الدرجة الأولى منها، وجوز أن يراد بها الدرجة الثالثة وهي بذلك المعنى
~~منطوية على الصبر فكأنه قيل: فاصبر فإن العاقبة للصابرين، وقيل: الآية
~~فذلكة لما تقدم وبيان للحكمة في إيحاء ذلك من إرشاده صلى الله عليه وسلم
~~وتهديد قومه المكذبين له والله تعالى أعلم.

# ومن باب الإشارة في الآيات: { فلعلك تارك بعض ما يوحى
~~إليك } الخ لما كان مقتضى الطباع البشرية عدم نشاط المتكلم إذا لم
~~يجد محلا قابلا لكلامه وضيق صدره من ذلك هيج جل شأنه نشاط نبيه صلى
~~الله عليه وسلم بما أنزل عليه من هذه الآية الكريمة، وقال سبحانه: {
~~إنمآ أنت نذير } ولا يخلو الإنذار عن إحدى فائدتين: رفع الحجاب
~~عمن وفق وإلزام الحجة لمن خذل

# والله على كل شيء وكيل

# [هود: 12] فكل الهداية إليه { من كان يريد } بعمله الذي هو بظاهره
~~من أعمال الآخرة { الحياة الدنيا } كالجاه والمدح { نوف
~~إليهم أعمالهم } أي جزاءها { فيها } إن شئنا

# وهم فيها لا يبخسون

# [هود: 15] أي لا ينقصون شيئا منها { أولئك الذين ليس
~~لهم في الآخرة إلا النار } لتعذب قلوبهم بالحجب الدنيوية

# وحبط ما صنعوا فيها

# [هود: 16] من أعمال البر فلم ينتفعوا بها، وجاء

# " إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى "

# الحديث { أفمن كان على بينة من ربه } أي يقين برهاني
~~عقلي أو وجداني كشفي { ويتلوه شاهد منه } وهو القرآن المصدق
~~لذلك، ومن هنا تؤيد الأدلة العقلية بالآيات النقلية القرآنية ويحكم بكون
~~الكشف صحيحا إذا شهدت له ووافقته، ولذا قالوا: كل كشف خالف ما جاء عن
~~الله تعالى ليس بمعتبر { ومن قبله كتاب موسى } أي يتبع
~~البرهان من قبل هذا الكتاب كتاب موسى عليه السلام في حالة كونه {
~~إماما } يؤتم به في تحقيق المطالب

# ورحمة

# [هود: 17] لمن يهتدي به، وهذا وجه في الآية ذكره بعضهم، وقد قدمنا ما
~~فيها من الاحتمالات؛ وقد ذكروا أن المراد بيان بعدما بين مرتبتي من يريد
~~الحياة الدنيا ومن هو على بينة من ربه. وللصوفية قدست أسرارهم عبارات شتى
~~في البينة فقال رويم: هي الإشراف ms04372 عن القلوب والحكم على الغيوب، وقال سيد
~~الطائفة: هي حقيقة يؤيدها ظاهر العلم، وقيل: غير ذلك، وعن أبي بكر بن
~~طاهر أن من كان على بينة من ربه كانت جوارحه وقفا على الطاعات
~~والموافقات ولسانه مشغولا بالذكر ونشر الآلاء والنعماء وقلبه منورا
~~بأنوار التوفيق وضياء التحقيق وسره وروحه مشاهدين للحق في جميع الأوقات
~~وكان عالما بما يبدو من مكنون الغيوب ورؤيته يقين لا شك فيه وحكمه على
~~الخلق كحكم الحق لا ينطق إلا بالحق ولا يرى إلا الحق لأنه مستغرق به فأنى
~~يرى سواه

# ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا

# [هود: 18] الخ جعله بعضهم إشارة إلى المثبتين لغيره سبحانه وجودا وهم
~~أهل الكثرة والحجاب، وفسر الإشهاد بالموحدين الذين لا يشهدون في الدار
~~غيره سبحانه ديارا.

# ومن الناس من عكس الأمر وجعلها ردا على أهل الوحدة القائلين: إن كل ما
~~شاهدته بعينك أو تصورته بفكرك فهو الله سبحانه بمعنى كفر النصارى إيمان
~~بالنسبة إليه وحاشا أهل الله تعالى من القول به على ما يشعر به ظاهره،
~~ومنهم من جعلها مشيرة إلى حال من يزعم أنه ولي الله ويتزيا بزي السادات
~~ويتكلم بكلماتهم وهو في الباطن أفسق من فرد وأجهل من حمار تومه { مثل
~~الفريقين كالأعمى والاصم والبصير والسميع }
~~قيل: البصير من عاين ما يراد به وما يجري له وعليه في جميع أوقاته
~~والسميع من يسمع ما يخاطب به من تقريع وتأديب وحث وندب لا يغفل عن الخطاب
~~في حال من الأحوال، وقيل: البصير الناظر إلى الأشياء بعين الحق فلا ينكر
~~شيئا ولا يتعجب / من شيء والسميع من يسمع من الحق فيميز الإلهام من
~~الوسواس، وقيل: البصير هو الذي يشهد أفعاله بعلم اليقين وصفاته بعين
~~اليقين وذاته بحق اليقين فالغائبات له حضور والمستورات له كشف والسميع من
~~يسمع من دواعي العلم شرعا، ثم من خواطر التعريف قدرا، ثم يكاشف بخطاب
~~من الحق سرا، وقيل السميع من لا يسمع إلا كلام حبيبه، والبصير من لا
~~يشاهد إلا أنواره فهو في ضيائها ليلا ms04373 ونهارا، وإلى هذا يشير قول
~~قائلهم:

# ليلي من وجهك شمس الضحى

# وإنما السدفة في الجو

# الناس في الظلمة من ليلهم

# ونحن من وجهك في الضو

# وفسر كل من  الأعمى والأصم  بضد ما فسر به البصير والسميع والمراد من
~~قوله سبحانه:

# هل يستويان

# [هود: 24] أنهما لا يستويان لما بينهما من التقابل والتباعد إلى حيث لا
~~تتراءى ناراهما، ثم إنه تعالى ذكر من قصة نوح عليه السلام مع قومه ما فيه
~~إرشاد وتهديد وعظة ما عليها مزيد { فقال الملأ الذين كفروا
~~من قومه } أي الأشراف المليؤون بأمور الدنيا الذين حجبوا بما هم فيه
~~عن الحق { ما نراك إلا بشرا مثلنا } لكونهم واقفين عند حد
~~العقل المشوب بالوهم فلا يرون لأحد طورا وراء ما بلغوا إليه ولم يشعروا
~~بمقام النبوة ومعناها { وما نراك اتبعك إلا الذين هم
~~أراذلنا بادي الرأي } وصفوهم بذلك لفقرهم حيث كانوا لا يعلمون
~~إلا ظاهرا من الحياة الدنيا ولم يعلموا أن الشرف بالكمال لا بالمال. {
~~وما نرى لكم علينا من فضل } وتقدم يؤهلكم لما تدعونه

# بل نظنكم كذبين

# [هود: 27] فلا نبوة لك ولا علم لهم { قال ياقوم أرأيتم إن
~~كنت على بينة من ربي } يجب عليكم الإذعان بها { وآتاني
~~رحمة } هداية خاصة كشفية متعالية عن درجة البرهان { من عنده }
~~فوق طور عقولكم من العلوم اللدنية ومقام النبوة { فعميت عليكم
~~} لاحتجابكم بالظاهر عن الباطن وبالخليقة عن الحقيقة {
~~أنلزمكموها } ونجبركم عليها

# وأنتم لها كرهون

# [هود: 28] لا تلتفتون إليها كأنه عليه السلام أراد أنه لا يكون إلزام
~~ذلك مع الكراهة لكن إن شئتم تلقيه فزكوا أنفسكم واتركوا إنكاركم حتى يظهر
~~عليكم أثر نور الإرادة فتقبلوا ذلك، وفيه إشارة إلى أن المنكر لا يمكن له
~~الاستفاضة من أهل الله تعالى ولا يكاد ينتفع بهم ما دام منكرا ومن لم
~~يعتقد لم ينتفع { ويقوم لا أسألكم عليه مالا } أي ليس
~~لي مطمح في شيء من أموالكم التي ظننتم أن الشرف بها { إن أجري
~~إلا على الله } فهو يثيبني بما هو خير وأبقى { ومآ أنا ms04374
~~بطارد الذين ءامنوا إنهم ملقوا ربهم } أي
~~إنهم أهل الزلفى عنده تعالى وهم حمائم أبراج الملكوت وبزاة معارج الجبروت

# ولكني أراكم قوما تجهلون

# [هود: 29] تسفهون عليهم وتؤذونهم { ويقوم من ينصرني من
~~الله إن طردتهم } كما تريدون وهم بتلك المثابة

# أفلا تذكرون

# [هود: 30] لتعرفوا التماس طردهم ضلال، وفيه إشارة إلى أن الإعراض عن
~~فقراء المؤمنين مؤد إلى سخط رب العالمين. قال أبو عثمان في الآية: ما أنا
~~بمعرض عمن أقبل على الله تعالى، فإن من أقبل على الله تعالى بالحقيقة
~~أقبل الله تعالى عليه، ومن أعرض عمن أقبل الله تعالى عليه فقد أعرض عن
~~الله سبحانه { ولآ أقول لكم عندي خزآئن الله } الخ أي
~~أنا لا أدعي الفضل بكثرة المال ولا بالاطلاع على الغيب ولا بالملكية حتى
~~تنكروا فضلي بفقدان ذلك وبمنافاة البشرية لما أنا عليه { ولآ أقول
~~للذين } تنظرون إليهم بعين الحقارة { لن يؤتيهم الله
~~خيرا } كما تقولون أنتم إذ الخير عندي ما عند الله تعالى لا المال {
~~الله أعلم بما في أنفسهم } من الخير مني ومنكم وهو أعلم
~~بقدرهم / وخطرهم { إني إذا } أي إذ نفيت

# لمن الظلمين

# [هود: 31] مثلكم { واصنع الفلك بأعيننا } قيل: فيه إشارة
~~إلى عين الجمع المشار إليه بخبر

# " لا زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل "

# الحديث. وقيل: أي كن في أعين رعايتنا وحفظنا ولا تكن في رؤية عملك
~~والاعتماد عليه، فإن من نظر إلى غيري احتجب به عني، وقال بعضهم: أي أسقط
~~عن نفسك تدبيرك واصنع ما أنت صانع من أفعالك على مشاهدتنا دون مشاهدة
~~نفسك أو أحد من خلقي، وقيل: أي اصنع الفلك ولا تعتمد عليه فإنك بأعيننا
~~رعاية وكلاءة فإن اعتمدت على الفلك وكلت إليه وسقطت من أعيننا

# ولا تخطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون

# [هود: 37] فيه إشارة إلى رقة قلبه عليه السلام بعد احتمال جفوتهم
~~وأذيتهم، وهكذا شأن الصديقين، والكلام في باقي الآية ظاهر، ولا يخفى أنه
~~يجب الإيمان بظاهرها والتصديق بوقوع الطوفان حسبما قص الله سبحانه وإنكار
~~ذلك كفر صريح، لكن ذكر بعض ms04375 السادة أنه بعد الإيمان بذلك يمكن احتمال
~~التأويل على أنه حظ الصوفي من الآية وذلك بأن يؤول الفلك بشريعة نوح التي
~~نجا بها هو ومن آمن معه، والطوفان باستيلاء بحر الهيولى وإهلاك من لم
~~يتجرد عنها بمتابعة نبي وتزكية نفس كما جاء في مخاطبات إدريس عليه
~~السلام لنفسه ما معناه إن هذه الدنيا بحر مملوء ماءا فإن اتخذت سفينة
~~تركبها عند خراب البدن نجوت منها إلى عالمك وإلا غرقت فيها وهلكت، وعلى
~~هذا يقال: معنى { يصنع الفلك } يتخذ شريعة من ألواح الأعمال
~~الصالحة ودسر العلوم تنتظم بها الأعمال وتحكم { وكلما مر
~~عليه ملأ من قومه سخروا منه } كما هو المشاهد في أرباب
~~الخلاعة الممطتين غارب الهوى يسخرون من المتشرعين المتقيدين بقيود الطاعة
~~{ قال إن تسخروا منا } بجهلكم { فإنا نسخر منكم }
~~عند ظهور وخامة عاقبتكم

# كما تسخرون

# [هود: 38] { فسوف تعلمون } عند ذلك { من يأتيه عذاب
~~يخزيه } في الدنيا من حلول ما لا يلائم غرضه وشهوته

# ويحل عليه عذاب مقيم

# [هود: 39] في الآخرة من استيلاء نيران الحرمان وظهور هيئات الرذائل
~~المظلمة { حتى إذا جآء أمرنا } بإهلاك أمته { وفار
~~النور } باستيلاء الأخلاط الفاسدة والرطوبات الفضلية على الحرارة
~~الغريزية وقوة طبيعة ماء الهيولى على نار الروح الحيوانية، أو {
~~أمرنا } بإهلاكهم المعنوي { وفار التنور } باستيلاء ماء هوى
~~الطبيعة على القلب وإغراقه في بحر الهيولى الجسماني { قلنا احمل
~~فيها من كل زوجين } أي من كل صنفين من نوع اثنين هما صورتاهما
~~النوعية والصنفية الباقيتان عند فناء الأشخاص. ومعنى حملهما فيها علمه
~~ببقائهما مع بقاء الأرواح الإنسية فإن علمه جزء من السفينة المتركبة من
~~العلم والعمل فمعلوميتهما محموليتهما وعالميته بهما حامليته إياهما فيها
~~{ وأهلك } ومن يتصل بك في سيرتك من أقاربك { إلا من سبق
~~عليه القول } أي الحكم بإهلاكه في الأزل لكفره

# ومن آمن

# [هود: 40] من أمتك { وقال اركبوا فيها بسم الله
~~مجراها ومرساها } أي بسم الله تعالى الأعظم الذي هو وجود كل
~~عارف كامل من أفراد نوع الإنسان إجراء أحكامها وترويجها في بحر العالم
~~الجسماني وإثباتها ms04376 وأحكامها كما ترى من إجراء كل شريعة وأحكامها بوجود
~~الكامل ممن ينسب إليها { إن ربي لغفور } لهيآت نفوسكم البدنية
~~المظلمة وذنوب ملابس الطبيعة المهلكة إياكم المغرقة في بحرها وذلك
~~بمتابعة الشريعة

# رحيم

# [هود: 41] بإفاضة المواهب العلمية والكشفية والهيآت النورانية التي
~~ينجيكم بها { وهي تجري بهم في موج } من بحر الطبيعة
~~الجسمانية { كالجبال } الحاجبة للنظر المانعة من السير وهم لا
~~يبالون بذلك محفوظون من أن يصيبهم شيء من ذلك الموج، وهذا الجريان يعرض
~~للسالك في ابتداء أمره ولولا أنه محفوظ في لزوم سفينة الشرع لهلك. / ولعل
~~في الآية على هذا تغليبا { ونادى نوح ابنه } المحجوب بالعقل
~~المشوب بالوهم { وكان في معزل } لذلك الحجاب عن الدين والشريعة {
~~يبني اركب معنا } أي ادخل في ديننا

# ولا تكن مع الكفرين

# [هود: 42] المحجوبين الهالكين بأمواج هوى النفس المغرقين في بحر الطبع {
~~قال سآوي إلى جبل يعصمني من المآء } أي سألتجىء إلى
~~الدماغ وأستعصم بالعقل المشرق هناك ليحفظني من استيلاء بحر الهيولى فلا
~~أغرق فيه { قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من
~~رحم } وهو الله الذي رحم أهل التوحيد وأفاض عليهم من شآبيب لطفه ما
~~عرفوا به دينه الحق { وحال بينهما الموج } أي موج هوى النفس
~~واستيلاء ماء بحر الطبيعة وحجب عن الحق

# فكان من المغرقين

# [هود: 43] في بحر الهيولى الجسمانية، وقيل: من جهة الحق على لسان الشرع
~~لأرض الطبيعة { يأرض ابلعي مآءك } وقفي على حد الاعتدال، ولسماء
~~العقل المحجوبة بالعادة والحس المشوبة بالوهم المغيمة بغيم الهوى {
~~ويسمآء أقلعي } عن إمداد الأرض { وغيض المآء } أي ماء قوة
~~الطبيعة الجسمانية ومدد الرطوبة الحاجبة لنور الحق المانعة للحياة
~~الحقيقية { وقضي الأمر } بإنجاء من نجا وإهلاك من هلك {
~~واستوت } أي سفينة شريعته { على } وهو جبل وجود نوح

# الجودي وقيل بعدا للقوم الظلمين

# [هود: 44] الذين عبدوا الهوى دون الحق ووضعوا الطبيعة مكان الشريعة

# ونادى نوح ربه

# [هود: 45] الخ الكلام على هذا الطرز فيه ظاهر { قيل ينوح اهبط }
~~من محل الجمع وذروة مقام الولاية والاستغراق في التوحيد إلى مقام ms04377 التفصيل
~~وتشريع النبوة بالرجوع إلى الخلق ومشاهدة الكثرة في عين الوحدة غير معطل
~~للمراتب { بسلم منا } أي سلامة عن الاحتجاب بالكثرة {
~~وبركت } من تقنين قوانين الشرع { عليك وعلى أمم } ناشئة
~~{ ممن معك } على دينك إلى آخر الزمان { وأمم } أي وينشأ ممن
~~معك أمم { سنمتعهم } في الدنيا { ثم يمسهم منا } في
~~العقبى

# عذاب أليم

# [هود: 48] بإحراقهم بنار الآثار وتعذيبهم بالهيآت المظلمة. هذا ثم ذكر
~~أنه إذا شئت التطبيق على ما في الأنفس أولت نوحا بروحك والفلك بكمالك
~~العلمي والعملي الذي به نجاتك عند طوفان بحر الهيولى والتنور بتنور البدن
~~وفورانه استيلاء الرطوبة الغريبة والأخلاط الفاسدة، وما أشار إليه

# من كل زوجين اثنين

# [هود: 40] بجيوش القوى الحيوانية والطبيعية وطيور القوى الروحانية،
~~وأولت ما جاء في القصة من البنين الثلاثة والزوجة بحام القلب وسام العقل
~~النظري ويافث العقل العملي وزوجة النفس المطمئنة والابن الآخر الوهم
~~والزوجة الأخرى الطبيعة الجسمانية التي يتولد منها الوهم والجبل بالدماغ
~~واستواءها على الجودي وهبوطه بمثل نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان
~~انتهى، ومن نظر بعين الإنصاف لم يعول إلا على ظاهر القصة وكان له به غنى
~~عن هذا التأويل، واكتفى بما أشار إليه من أن النسب إذا لم يحط بالصلاح
~~كان غريقا في بحر العدم.

# فما ينفع الأصل من هاشم

# إذا كانت النفس من بأهله

# ومن أنه ينبغي للإنسان التحري بالدعاء وأن لا تشغله الشفقة عن ذلك إلى
~~غير ما ذكر، والآية نص في كفر قوم نوح عليه السلام الذين أغرقهم الله
~~تعالى، وفي «فصوص الحكم» للشيخ الأكبر قدس سره ما هو نص في إيمانهم
~~ونجاتهم من العذاب يوم القيامة وذلك أمر لا نفهمه من كتاب ولا سنة وفوق
~~كل ذي علم عليم والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

### || [11.50]

# { وإلى عاد } متعلق بمحذوف معطوف على قوله سبحانه:

# أرسلنا

# [هود: 25] في قصة نوح وهو الناصب لقوله تعالى: { أخهم } أي
~~وأرسلنا إلى عاد أخاهم أي واحدا منهم في النسب كقولهم: / يا أخا العرب،
~~وقدم المجرور ليعود الضمير عليه، ms04378 وقيل: إن { إلى عاد أخاهم }
~~عطف على قوله تعالى:

# نوحا إلى قومه

# [هود: 25] المنصوب على المنصوب. والجار والمجرور على الجار والمجرور،
~~وهو من العطف على معمولي عامل واحد وليس من المسألة المختلف فيها، نعم
~~الأول أقرب  كما في «البحر»  لطول الفصل بالجمل الكثيرة بين المفردات
~~المتعاطفة، وقوله سبحانه: { هودا } عطف بيان  لأخاهم  وجوز أن يكون
~~بدلا منه وكان عليه السلام ابن عم أبي عاد وأرسل إليه من هو منهم ليكون
~~ذلك أدعى إلى اتباعه.

# { قال } استئناف بياني حيث كان إرساله عليه السلام مظنة للسؤال عما
~~قال لهم ودعاهم كأنه قيل: فما قال لهم حين أرسل إليهم؟ فقيل: قال: {
~~يقوم } ناداهم بذلك استعطافا لهم، وقرأ ابن محيصن { يقوم }
~~بالضم وهي لغة في المنادى المضاف إلى الياء حكاها سيبويه وغيره {
~~اعبدوا الله } أي وحده وكانوا مشركين يعبدون الأصنام؛ ويدل على أن
~~المراد ذلك قوله تعالى: { ما لكم من إله غيره } فإنه
~~استئناف يجري مجرى البيان للعبادة المأمور بها، والتعليل للأمر بها كأنه
~~قيل: أفردوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئا إذ ليس لكم إله غيره سبحانه
~~على أنه لا اعتداد بالعبادة مع الإشراك، فالأمر بها يستلزم الأمر بإفراده
~~سبحانه بها و { غيره } بالرفع صفة  لإله  باعتبار محله لأنه فاعل
~~للظرف لاعتماده على النفي، وقرأ الكسائي بالجر على أنه صفة له جار على
~~لفظه { إن أنتم } ما أنتم بجعلكم الألوهية لغيره تعالى كما قال
~~الحسن  أو بقولكم: إن الله تعالى أمرنا بعبادة الأصنام { إلا
~~مفترون } عليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

### || [11.51]

# { مفترون يقوم لآ أسألكم عليه أجرا إن أجري
~~إلا على الذي فطرنى } خاطب به كل رسول قومه إزاحة لما عسى أن
~~يتوهموه وتمحيضا للنصيحة فإنها ما دامت مشوبة بالمطامع بمعزل عن
~~التأثير؛ وإيراد الموصول للتفخيم، وجعل الصلة فعل الفطر الذي هو الإيجاد
~~والإبداع لكونه أبعد من أن يتوهم نسبته إلى شركائهم

# ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض
~~ليقولن الله

# [لقمان: 25] مع كونه أقدم النعم الفائضة من جناب الله تعالى المستوجبة
~~للشكر الذي ms04379 لا يتأتى إلا بالجريان على موجب أمره سبحانه الغالب معرضا عن
~~المطالب الدنيوية التي من جملتها الأجر، ولعل فيه إشارة إلى أنه عليه
~~السلام غني عن أجرهم الذي إنما يرغب فيه للاستعانة به على تدبير الحال
~~وقوام العيش بالله تعالى الذي أوجده بعد أن لم يكن وتكفل له بالرزق كما
~~تكفل لسائر من أوجده من الحيوانات.

# { أفلا تعقلون } أي أتغفلون عن ذلك فلا تعقلون نصيحة من لا يطلب
~~عليها أجرا إلا من الله تعالى ولا شيء أنفى للتهمة من ذلك فتنقادون لما
~~يدعوكم إليه؛ أو تجهلون كل شيء فلا تعقلون شيئا أصلا فإن الأمر مما لا
~~ينبغي أن يخفى على أحد من العقلاء.

### || [11.52]

# { ويقوم استغفروا ربكم } من الشرك { ثم توبوا
~~إليه } أي ارجعوا إليه تعالى بالطاعة أو توبوا إليه سبحانه وأخلصوا
~~التوبة واستقيموا عليها، وقيل: الاستغفار كناية عن الإيمان لأنه من
~~روادفه، وحيث أن الإيمان بالله سبحانه لا يستدعي الكفر بغيره لغة قيل: {
~~ثم توبوا } فكأنه قيل: آمنوا به ثم توبوا إليه تعالى من عبادة
~~غيره، وتعقب بأن قوله سبحانه:

# اعبدوا الله

# [هود:50] دل على اختصاصه تعالى بالعبادة فلو حمل { استغفروا } على
~~ما ذكر لم يفد فائدة زائدة سوى ما علق عليه، وقد كان يمكن تعليقه بالأول،
~~والحمل على غير الظاهر مع قلة الفائدة مما يجب الاحتراز عنه في كلام الله
~~تعالى المعجز، وقيل: المراد بالاستغفار التوبة عن الشرك وبالتوبة التوبة
~~عما صدر منهم / غير الشرك، وأورد عليه أيضا أن الإيمان يجب ما قبله،
~~وقيل: المراد بالأول طلب المغفرة بالإيمان وبالثاني التوسل إليه سبحانه
~~بالتوبة عن الشرك، وأورد عليه أن التوسل المذكور لا ينفك عن طلب المغفرة
~~بالإيمان لأنه من لوازمه فلا يكون بعده كما تؤذن به { ثم }  وقيل
~~وقيل  وقد تقدم بعض الكلام في ذلك أول السورة.

# { يرسل السمآء } أي المطر كما في قوله:

# إذا (نزل السماء) بأرض قوم

# رعيناه وإن كانوا غضابا

# { عليكم مدرارا } كثير الدر متتابعة من غير إضرار فمفعال
~~للمبالغة كمعطار ومقدام.

# { ويزدكم قوة إلى ms04380 قوتكم } أي عزا مضموما إلى عزكم
~~أو مع عزكم ويرجع هذا إلى قوله تعالى:

# ويمددكم بأمول وبنين

# [نوح: 12] لأن العز الدنيوي بذلك، وعن الضحاك تفسير القوة بالخصب، وعن
~~عكرمة تفسيرها بولد الولد، وقيل: المراد بها قوة الجسم، ورغبهم عليه
~~السلام بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وبساتين
~~وعمارات، وقيل: حبس الله تعالى عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين
~~فوعدهم هود عليه السلام على الاستغفار والتوبة كثرة الأمطار وتضاعف القوة
~~بالتناسل، وقيل: القوة الأولى في الإيمان والثانية في الأبدان أي يزدكم
~~قوة في إيمانكم إلى قوة في أبدانكم { ولا تتولوا } أي لا تعرضوا
~~عما دعوتكم إليه { مجرمين } مصرين على ما أنتم عليه من الإجرام،
~~وقيل: مجرمين بالتولي وهو تكلف.

### || [11.53]

# { قالوا يهود ما جئتنا ببينة } أي بحجة واضحة تدل على
~~صحة دعواك، وإنما قالوه لفرط عنادهم أو لشدة عماهم عن الحق وعدم نظرهم في
~~الآيات فاعتقدوا أن ما هو آية ليس بآية وإلا فهو وغيره من الأنبياء عليهم
~~السلام جاؤوا بالبينات الظاهرة والمعجزات الباهرة وإن لم يعين لنا بعضها،
~~ففي الخبر

# " ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر "

# { وما نحن بتاركي ءالهتنا } أي بتاركي عبادتها { عن
~~قولك } أي بسبب قولك المجرد عن البينة  فعن  للتعليل كما قيل في
~~قوله تعالى:

# إلا عن موعدة وعدهآ إياه

# [التوبة: 114] وإلى هذا يشير كلام ابن عطية وغيره، فالجار والمجرور
~~متعلق بتاركي. وذهب بعض المحققين إلى أنه متعلق بمحذوف وقع حالا من
~~الضمير المستتر فيه أي صادرين وهو من الصدر مقابل الورد بمعنى الرجوع عن
~~الماء، وقد شاع في كلامهم استعمال الصدر والورد كناية عن العمل والتصرف،
~~ومنه قوله:

# ما أمس الزمان حاجا إلى من

# يتولى الإيراد والإصدارا

# أي يتصرف في الأمور بصائب رأيه، وقد يكتفى بالصدر في ذلك لاستلزامه
~~للورد فيقولون: لا يصدر إلا عن رأيه، والمعنى هنا حينئذ ما نحن {
~~بتاركي آلهتنا } عاملين بقولك، والنفي فيه راجع إلى القيد
~~والمقيد جميعا لأنهم لا يتركون آلهتهم ms04381 ولا يعملون بقوله عليه السلام،
~~وقيل: إن صادرين بمعنى معرضين وهو قيد للنفي، والمعنى انتفى تركنا عبادة
~~آلهتنا معرضين عن قولك ويكون هذا جوابا لقوله:

# لا تتولوا

# [هود: 52] وجعل بعضهم إرادة ذلك من باب التضمين لا من باب تقدير المتعلق
~~بقرينة { عن } وجعله كناية كما علمت، وكلام الزمخشري ظاهر في هذا كما
~~يكشف عنه كلام «الكشف».

# { وما نحن لك بمؤمنين } أي بمصدقين فيما جئت به أو في كل
~~ما تأتي وتذر ويندرج فيه ذلك، وقد بالغوا في الإباء عن الإجابة فأنكروا
~~الدليل على نبوته عليه السلام، / ثم قالوا مؤكدين لذلك { وما نحن
~~بتاركي } الخ، ثم كرروا ما دل عليه الكلام السابق من عدم إيمانهم
~~بالجملة الإسمية مع زيادة الباء، وتقديم المسند إليه المفيد للتقوي دلالة
~~على أنهم لا يرجى منهم ذلك بوجه من الوجوه، وفي ذلك من الدلالة على
~~الإقناط ما فيه.

### || [11.54]

# { إن نقول إلا اعتراك } أي أصابك من عراه يعروه، وأصله من
~~اعتراه بمعنى قصد عراه أي محله وناحيته { بعض ءالهتنا بسوء }
~~أرادوا به  قاتلهم الله تعالى  الجنون، والباء للتعدية والتنكير فيه
~~قيل: للتقليل كأنهم لم يبالغوا في العتو كما ينبىء عنه نسبة ذلك إلى بعض
~~آلهتهم دون كلها، وقيل: للتكثير إشارة إلى أن ما قاله لا يصدر إلا عمن
~~أصيب بكثير سوء مبالغة في خروجه عن قانون العقل، وذكر البعض تعظيما لأمر
~~آلهتهم وأن البعض منها له من التأثير ما له. والجملة مقول القول و (إلا)
~~لغو لأن الاستثناء مفرغ، وأصله أن نقول قولا إلا قولنا هذا فحذف
~~المستثنى منه وحذف القول المستثنى وأقيم مقوله مقامه، أو { اعتراك }
~~هو المستثنى لأنه أريد به لفظه فلا حاجة إلى تقدير قول بعد { إلا } وليس
~~مما استثنى فيه الجملة، ومعنى هذا أنه أفسد عقلك بعض آلهتنا لسبك إياها
~~وصدك عن عبادتها وحطك لها عن رتبة الألوهية بما مر من قولك:

# ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون

# [هود: 50] وغرضهم من هذا على ما قيل: بيان سبب ما صدر ms04382 عن هود عليه
~~السلام بعد ما ذكروا من عدم التفاتهم لقوله عليه السلام، وقيل ((هو مقرر
~~لما مر من قولهم: { وما نحن بتاركي } الخ

# وما نحن لك

# [هود: 53] الخ فإن اعتقادهم بكونه عليه السلام كما قالوا  وحاشاه عن
~~ذلك  يوجب عدم الاعتداد بقوله، وعده من قبيل الخرافات فضلا عن التصديق
~~والعمل بمقتضاه يعنون أنا لا نعتقد كلامك إلا ما لا يحتمل الصدق من
~~الهذيانات الصادرة عن المجانين فكيف نؤمن به ونعمل بموجبه؟! ولقد سلكوا
~~طريق المخالفة والعناد إلى سبيل الترقي من السيء إلى الأسوأ حيث أخبروا
~~أولا عن عدم مجيئه بالبينة مع احتمال كون ما جاء به حجة في نفسه وإن لم
~~تكن واضحة الدلالة على المراد، وثانيا عن ترك الامتثال لقوله عليه
~~السلام: بقولهم:

# وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك

# [هود: 53] مع إمكان تحقق ذلك بتصديقهم له في كلامه، ثم نفوا عنه تصديقهم
~~له عليه السلام بقولهم:

# وما نحن لك بمؤمنين

# [هود: 53] مع كونه كلامه عليه السلام مما يقبل التصديق، ثم نفوا عنه تلك
~~المرتبة أيضا حيث قالوا ما قالوا قاتلهم الله أنى يؤفكون انتهى. وللبحث
~~فيه مجال، ولعل الإتيان بهذه الجملة غير مقترنة بالعاطف كالجملتين
~~الأوليين يؤيد كونها ليست مسوقة للتأكيد مثلهما، نعم تضمنها لتقرير ما
~~تقدم مما لا يكاد ينكر فتدبر. { قال إني أشهد الله
~~واشهدوا أني بريء مما تشركون }.

### || [11.55]

# { من دونه } أي مما أنتم تجعلونه شريكا وهو سبحانه لم يجعله شريكا
~~ولم ينزل به سلطانا  فما موصولة، و { من دونه } متعلق  بتشركون 
~~لا حال من فاعله أي تشركون مجاوزين الله تعالى في هذا الحكم إذ لا فائدة
~~في التقييد به، وجوز أن تكون مصدرية أيضا أي من إشراككم، وقد جوز كلا
~~الاحتمالين الزمخشري فقال ((أي من إشراككم آلهة من دونه أو مما تشركونه
~~آلهة من دونه)) وأمر تعلق الجار فيهما واحد، وتقدير آلهة لإيضاح المعنى
~~والإشارة إلى أن المفعول مراد لسوق الكلام ولا يصلح أن يكون الظرف صفة له
~~على الوجهين لأن بيانه حاصلهما بنحو ms04383 ما ذكرناه في بيان حاصل الأول إنما
~~يستقيم إذا تعلق بالفعل المذكور وليس المعنى على آلهة غير الله على ذلك
~~التفسير، وللطيبي ما يخالف ذلك وليس بذاك،

# وإني بريء

# [هود: 54] متنازع فيه للفعلين قبله وقد يتنازع المختلفان في التعدي
~~الاسم الذي يكون صالحا لأن يعملا فيه تقول: أعطيت ووهبت لعمرو درهما
~~كما يتنازع اللازم والمتعدي نحو قام وضربت زيدا.

# / وقد أجاب عليه السلام بهذا عن مقالتهم الشنعاء المبنية على اعتقاد كون
~~آلهتهم تضر وتنفع. ولما كان ما وقع أولا منه عليه السلام في حقها من
~~كونها بمعزل عن الألوهية إنما وقع في ضمن الأمر بعبادة الله تعالى
~~واختصاصه بها وقد شق ذلك عليهم وعدوه مما يورث شينا حتى زعموا ما زعموا
~~صرح عليه السلام بالحق وصدع به حيث أخبر ببراءته القديمة عنها بالجملة
~~الاسمية المصدرة  بأن  وأكد ذلك  بأشهد الله  فإنه كالقسم في إفادة
~~التأكيد وأمرهم بأن يسمعوا ذلك ويشهدوا به، والمقصود منه الاستهانة
~~والاستهزاء كما يقول الرجل لخصمه إذا لم يبال به: أشهد علي أني قائل لك
~~كذا، وكأنه غاير بين الشهادتين لذلك، وعطف الإنشاء على الأخبار جائز عند
~~بعض، ومن لم يجوزه قدر قولا أي: وأقول اشهدوا ويحتمل أن يكون إشهاد الله
~~تعالى إنشاء أيضا وإن كان في صورة الخبر، وحينئذ لا قيل ولا قال، وجوز
~~أن يكون إشهاده عليه السلام لهم حقيقة إقامة للحجة عليهم. وعدل عن الخبر
~~فيه تمييزا بين الخطابين فهو خبر في المعنى كما هو المشهور في الأول لكن
~~الأولى الحمل على المجاز، ثم أمرهم بالاجتماع والاحتشاد مع آلهتهم جميعا
~~دون بعض منها حسبما يشعر به قولهم

# بعض آلهتنا

# [هود: 54] والتعاون في إيصال الكيد إليه عليه السلام، ونهاهم عن الإنظار
~~والإمهال في ذلك فقال:

# { فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون } أي إن صح ما لوحتم به من
~~كون آلهتكم مما يقدرون على إضرار من ينال منها ويصد عن عبادتها ولو بطريق
~~ضمني فإني بريء منها فكونوا أنتم معها جميعا وباشروا كيدي ثم لا تمهلوني
~~ولا ms04384 تسامحوني في ذلك، فالفاء لتفريع الأمر على زعمهم من قدرة آلهتهم على
~~ما قالوا وعلى البراءة كليهما.

# والخطاب للقوم وآلهتهم، ويفهم من كلام بعض أنه للقوم فقط، وفيه نفي قدرة
~~آلهتهم على ضره بطريق برهاني فإن الأقوياء الأشداء إذا لم يقدروا مع
~~اجتماعهم واحتشادهم على الضر كان عدم قدرة الجمادات عليه معلوما من باب
~~أولى. وأيا ما كان فذاك من أعظم المعجزات بناء على ما قيل: إنه كان
~~عليه السلام مفردا بين جمع عتاة جبابرة عطاش إلى إراقة دمه يرمونه عن
~~قوس واحدة، وقد خاطبهم بما خاطبهم وحقرهم وآلهتهم وهيجهم على ما هيجهم
~~فلم يقدروا على مباشرة شيء مما كلفوه، وظهر عجزهم عن ذلك ظهورا بينا،
~~وفي ذلك دلالة على مزيد ثقته بالله سبحانه وكمال عنايته به وعصمته له،
~~وقد قرر ذلك بإظهار التوكل على من كفاه ضرهم في قوله: { إني
~~توكلت على الله ربي وربكم }.

### || [11.56]

# { إني توكلت على الله ربي وربكم } وفيه تعليل لنفي
~~ضرهم بطريق برهاني يعني أنكم وإن لم تبقوا في القوس منزعا وبذلتم في
~~مضادتي مجهودكم لا تقدرون على شيء مما تريدون بي فإني متوكل على الله
~~تعالى واثق بكلاءته وهو مالكي ومالككم لا يصدر عنكم شيء ولا يصيبني أمر
~~إلا بإرادته، وجىء بلفظ الماضي لأنه أدل على الإنشاء المناسب للمقام. ثم
~~إنه عليه السلام برهن على عدم قدرتهم على ضره مع توكله عليه سبحانه
~~بقوله: { ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتها } أي إلا
~~هو مالك لها قادر عليها يصرفها كيف يشاء غير مستعصية عليه سبحانه،
~~والناصية مقدم الرأس وتطلق على الشعر النابت عليها، واستعمال الأخذ
~~بالناصية في القدرة والتسلط مجاز أو كناية، وفي «البحر» أنه صار عرفا في
~~القدرة على الحيوان، وكانت العرب تجز الأسير الممنون عليه علامة على أنه
~~قد قدر عليه وقبض على ناصيته. وقوله: { إن ربي على صرط
~~مستقيم } مندرج في البرهان وهو تمثيل واستعارة لأنه تعالى مطلع على
~~أمور العباد مجاز لهم بالثواب والعقاب كاف لمن اعتصم به كمن ms04385 وقف على
~~الجادة فحفظها ودفع ضرر السابلة بها، وهو كقوله سبحانه:

# إن ربك لبالمرصاد

# [الفجر: 14]، وقيل: معناه إن مصيركم / إليه تعالى للجزاء وفصل القضاء،
~~ولعل الأول أولى. وفي «الكشف» إن في قوله: { إني توكلت } الآية
~~من اللطائف ما يبهرك تأمله من حسن التعليل، وما يعطيه أن من توكل عليه لم
~~يبال بهول ما ناله ثم التدرج إلى تعكيس التخويف بقوله: { ربي
~~وربكم } فكيف يصاب من لزم سدة العبودية وينجو من تولى مع ما يعطيه
~~من وجوب التوكل عليه سبحانه إذا كان كذلك وترشيخه بقوله: { ما من
~~دابة } إلى تمام التمثيل فإنه في الاقتدار على المعرض أظهر منه في
~~الرأفة على المقبل خلاف الصفة الأولى، وما فيه من تصوير ربوبيته واقتداره
~~تعالى وتصوير ذل المعبودين بين يدي قهره أيا ما كان، والختم بما يفيد
~~الغرضين على القطع كفاية من إياه تولى وخزاية من أعرض عن ذكره وتولى
~~بناءا على أن معناه أنه سبحانه على الحق والعدل لا يضيع عنده معتصم ولا
~~يفوته ظالم، وفي قوله: { ربي } من غير إعادة { وربكم } كما في
~~الأول نكتة سرية بعد اختصار المعنى عن الحشو فيه ما يدل على زيادة
~~اختصاصه به وأنه رب الكل استحقاقا وربه دونهم تشريفا وإرفاقا.

### || [11.57]

# { فإن تولوا } أي تتولوا فهو مضارع حذف منه إحدى التاءين وحمل
~~على ذلك لاقتضاء أبلغتكم له وجوز ابن عطية كونه ماضيا، وفي الكلام
~~التفات ولا يظهر حسنه ولذا قدر غيره ممن جعله كذلك فقل أبلغتكم لكنه لا
~~حاجة إليه، ويؤيد ذلك قراءة الأعرج وعيسى الثقفي { تولوا } بضم
~~التاء واللام مضارع ولى، والمراد فإن تستمروا على ما كنتم عليه من التولي
~~والإعراض لوقوع ذلك منهم فلا يصلح للشرط، وجوز أن يبقى على ظاهره بحمله
~~على التولي الواقع بعدما حجهم، والظاهر أن الضمير لقوم هود والخطاب معهم،
~~وهو من تمام الجمل المقولة قبل، وقال التبريزي: إن الضمير لكفار قريش وهو
~~من تلوين الخطاب، وقد انتقل من الكلام الأول إلى الإخبار عمن بحضرة
~~الرسول صلى الله عليه وسلم، ms04386 وكأنه قيل: أخبرهم عن قصة قوم هود وادعهم إلى
~~الإيمان بالله تعالى لئلا يصيبهم كما أصاب قوم هود عليه السلام { فإن
~~تولوا } فقل لهم قد أبلغتكم الخ وهو من البعد بمكان كما لا يخفى.

# وقوله سبحانه: { فقد أبلغتكم مآ أرسلت به إليكم
~~} دليل جواب الشرط أي إن تتولوا لم أعاتب على تفريط في الإبلاغ فإن ما
~~أرسلت به إليكم قد بلغكم فأبيتم إلا تكذيب الرسالة وعداوة الرسول، وقيل:
~~التقدير إن تتولوا فما علي كبير هم منكم فإنه قد برئت ساحتي بالتبليغ
~~وأنتم أصحاب الذنب في الإعراض عن الإيمان، وقيل: إنه الجزاء باعتبار لازم
~~معناه المستقبل باعتبار ظهوره أي فلا تفريط مني ولا عذر لكم، وقيل: إنه
~~جزاء باعتبار الإخبار لأنه كما يقصد ترتب المعنى يقصد ترتب الإخبار كما
~~في

# وما بكم من نعمة فمن الله

# [النحل: 53] على ما مر وكل ذلك لما أن الإبلاغ واقع قبل توليهم، والجزاء
~~يكون مستقبلا بالنظر إلى زمان الشرط. وزعم أبو حيان ((أن صحة وقوعه
~~جوابا لأن في إبلاغه إليهم رسالته تضمن ما يحل بهم من العذاب المستأصل
~~فكأنه قيل: فإن تتولوا استؤصلتم بالعذاب، ويدل على ذلك الجملة الخبرية،
~~وهي قوله سبحانه:

# { ويستخلف ربي قوما غيركم } وفيه منع ظاهر. وهذا كما
~~قال غير واحد: استئناف بالوعيد لهم بأن الله تعالى يهلكهم ويستخلف قوما
~~آخرين في ديارهم وأموالهم وهو استئناف نحوي عند بعض بناءا على جواز
~~تصديره بالواو. وقال الطيبي: المراد به أن الجملة ليست بداخلة في الجملة
~~الشرطية جزاء بل تكون جملة برأسها معطوفة على الجملة الشرطية وهو خلاف
~~الظاهر من العبارة، وعليه تكون مرتبة على قوله سبحانه:

# إن ربي على صرط مستقيم

# [هود: 56] والمعنى أنه على العدل ينتقم منكم ويهلككم، وقال الجلبي: لا
~~مانع عندي من حمله على الاستئناف / البياني جوابا عما يترتب على التولي
~~وهو الظاهر كأنه قيل: ما يفعل بهم إذا تولوا؟ فقيل: { يستخلف }
~~الخ.

# وتعقبه بعضهم بأن الاستئناف البياني لا يقترن بالواو، وجوز أن يكون
~~عطفا على الجواب لكن على ما ms04387 بعد الفاء لأنه الجواب في الحقيقة، والفاء
~~رابطة له ودخول الفاء على المضارع هنا لأنه تابع يتسامح فيه. وقيل:
~~تقديره فقل: { يستخلف } الخ، وقرأ حفص برواية هبيرة { ويستخلف }
~~بالجزم وهو عطف على موضع الجملة الجزائية مع الفاء كأنه قيل: فإن تولوا
~~يعذرني ويهلككم ويستخلف مكانكم آخرين. وجوز أبو البقاء كون ذلك تسكينا
~~لتوالي الحركات، وقرأ عبد الله كذلك، ويجزم قوله سبحانه: { ولا
~~تضرونه شيئا } ، وقيل: إن من جزم الأول جزم هذا لعطفه عليه وهو
~~الظاهر، والمعنى لا تضرونه بهلاككم شيئا أي لا ينتقص ملكه ولا يختل
~~أمره، ويؤيد هذا ما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قرأ (ولا
~~تنقصونه شيئا)، ونصب { شيئا } على أنه مفعول مطلق لتضرون أي شيئا من
~~الضرر لأنه لا يتعدى لاثنين، وجعله بعضهم مفعولا ثانيا مفسرا له بما
~~يتعدى لهما لمكان الرواية، وجوز ابن عطية أن يكون المعنى إنكم لا تقدرون
~~إذا أهلككم على إضراره بشيء ولا على الانتصار منه ولا تقابلون فعله بشيء
~~يضره تعالى عن ذلك علوا كبيرا، والأول أظهر، وقدر بعضهم التولي بدل
~~الإهلاك أي ولا تضرونه بتوليكم شيئا من الضرر لاستحالة ذلك عليه سبحانه:

# { إن ربي على كل شيء حفيظ } أي رقيب محيط بالأشياء علما
~~فلا يخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مؤاخذتكم، فالحفظ كناية عن المجازاة،
~~ويجوز أن يكون الحفيظ بمعنى الحافظ بمعنى الحاكم المستولي أي أنه سبحانه
~~حافظ مستول على كل شيء، ومن شأنه ذلك كيف يضره شيء.

### || [11.58]

# { ولما جآء أمرنا } أي نزل عذابنا على أن الأمر واحد الأمور،
~~قيل: أو المأمور به. وفي التعبير عنه بذلك مضافا إلى ضمير جل جلاله، وعن
~~نزوله بالمجيء ما لا يخفى من التفخيم والتهويل. وجوز أن يكون واحد
~~الأوامر أي وورد أمرنا بالعذاب، والكلام على الحقيقة إن أريد أمر
~~الملائكة عليهم السلام، ويجوز أن يكون ذلك مجازا عن الوقوع على سبيل
~~التمثيل { نجينا هودا والذين ءامنوا معه } قيل: كانوا
~~أربعة آلاف، وقيل: ثلاثة آلاف، ولعل الانتصار للأنبياء عليهم السلام ms04388 لم
~~يكن مأذونا به للمؤمنين إذ ذاك فلا ينافي ما تقدم نقله من أنه عليه
~~السلام كان وحده، ولذا عد مواجهته للجم الغفير معجزة له صلى الله عليه
~~وسلم لكن لا بد لهذا من دليل كدعوى انفراده عنهم حين المقاولة؛ وفي
~~«الحواشي الشهابية» أنه لا مانع من ذلك باعتبار حالين وزمانين فتأمل،
~~والظاهر أن ما كان من المقاولة إنما هو في ابتداء الدعوة ومجىء الأمر كان
~~بعد بكثير وإيمان من آمن كان في البين فترتفع المنافاة { برحمة }
~~عظيمة كائنة { منا } وهي الإيمان الذي أنعمنا به عليهم. وروي هذا عن
~~ابن عباس والحسن، وذكره الزمخشري ولشم بعضهم منه رائحة الاعتزال لم يلتفت
~~إليه ولا بأس بأن تحمل الرحمة عن الفضل فيفيد أن ذلك بمحض فضل الله تعالى
~~إذ له سبحانه تعذيب المطيع كما أن له جل وعلا إثابة العاصي. والجار
~~والمجرور الأول متعلق  بنجينا  وهو الظاهر الذي عليه كثير من المفسرين.
~~وجوز أبو حيان كونه متعلقا بآمنوا أي إن إيمانهم بالله تعالى ورسوله
~~عليه السلام برحمة من الله تعالى إذ وفقهم إليه، ولعل ترتيب الإنجاء على
~~النزول باعتبار ما تضمنه من تعذيب الكفار فيكون قد صرح / بالإنجاء
~~اهتماما، ورتب باعتبار الآخر إشارة إلى أنه مقصود منه، ويجوز أن تكون
~~(لما) لمجرد الحين.

# { ونجيناهم من عذاب غليظ } تكرير لأجل بيان ما نجاهم
~~عنه وهي الريح التي كانت تحمل الظعينة وتهدم المساكن وتدخل في أنوف أعداء
~~الله تعالى وتخرج من أدبارهم فتقطعهم إربا إربا، أو المراد بهذا
~~الإنجاء من عذاب الآخرة وبالأول الإنجاء من عذاب الدنيا، ورجح الأول بأنه
~~أوفق لمقتضى المقام، وحاصله أن الأول إخبار بأن الإيمان الذي وفقوا له
~~صار سبب إنجائهم، والثاني بأن ذلك الإنجاء كان من عذاب أي عذاب دلالة على
~~كمال الامتنان وتحريضا على الإيمان وليس من أسلوب  أعجبني زيد وكرمه 
~~في شيء كما ظنه العلامة الطيبي.

# وقد أورد على الثاني إن إنجاءهم من عذاب الآخرة ليس في وقت نزول العذاب
~~في الدنيا ولا مسببا عنه إلا أن ms04389 يجاب بأنه عطف على القيد والمقيد كما
~~قيل في قوله سبحانه:

# لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون

# [سبأ: 30] قيل: ولا يخفى ما فيه من التكلف من غير داع لأن الموافق
~~للتعبير بالماضي المفيد لتحققه حتى كأنه وقع أن يجعل باعتبار ذلك واقعا
~~في وقت النزول تجوزا أو المعنى حكمنا بذلك وتبين ما يكون لهم لأن الدنيا
~~أنموذج الآخرة وأيا ما كان فالمراد بغلظ العذاب تضاعفه، وقد يقال على
~~الاحتمال الأول في وصف العذاب الذي كان بالريح: بالغلظ الذي هو ضد الرقة
~~التي هي صفة الريح ما لا يخفى من اللطف، وفيه أيضا مناسبة لحالهم فإنهم
~~كانوا غلاظا شدادا.

### || [11.59]

# { وتلك عاد } أنث اسم الإشارة باعتبار القبيلة على ما قيل،
~~فالإشارة إلى ما في الذهن وصيغة البعيد لتحقيرهم أو لتنزيلهم منزلة
~~البعيد لعدمهم، أو الإشارة إلى قبورهم ومصارعهم، وحينئذ الإشارة للبعيد
~~المحسوس والإسناد مجازي أو هو من مجاز الحذف أي تلك قبور عاد، وجوز أن
~~يكون بتقدير أصحاب تلك عاد، والجملة مبتدأ وخبر، وكان المقصود الحث على
~~الاعتبار بهم والاتعاظ بأحوالهم.

# وقوله سبحانه: { جحدوا بآيت ربهم } الخ استئناف لحكاية بعض
~~قبائحهم أي كفروا بآيات ربهم التي أيد بها رسوله الداعي إليه ودل بها على
~~صدقه وأنكروها فقالوا: (يا هود ما جئتنا ببينة)، أو أنكروا آياته سبحانه
~~في الآفاق والأنفس الدالة عليه تعالى حسبما قال لهم هود عليه السلام.
~~وجوز أن يراد بها الآيات التي أتى بها هود وغيره من الرسل عليهم الصلاة
~~والسلام، ويلائمه جمع الرسل الآتي على قول. وعدى  جحد  بالباء حملا له
~~على كفر لأنه المراد، أو بتضمينه معناه كما أن كفر يجري مجرى جحد فيعدى
~~بنفسه نحو قوله سبحانه:

# ألا إن عادا كفروا ربهم

# [هود: 60]، وقيل: كفر كشكر يتعدى بنفسه وبالباء، وظاهر كلام «القاموس»
~~أن جحد كذلك.

# { وعصوا رسله } قيل: المراد بالرسل هود عليه السلام والرسل
~~الذين كانوا معه من قبله وهو خلاف الظاهر، وقيل: المراد بهم هود عليه
~~السلام وسائر الرسل من قبله تعالى للأمم من قبله ms04390 ومن بعده عليه السلام
~~بناءا على أن عصيانه عليه السلام وكذا عصيان كل رسول بمنزلة عصيان الرسل
~~جميعهم لأن الجميع متفقون على التوحيد فعصيان واحد عصيان للجميع فيه، أو
~~على أن القوم أمرهم كل رسول من قبل بطاعة الرسل والإيمان بهم إن أدركوهم
~~فلم يمتثلوا ذلك الأمر.

# { واتبعوا أمر كل جبار } متعال عن قبول الحق، وقال
~~الكلبي: هو الذي يقتل على الغضب ويعاقب على المعصية. وقال الزجاج: هو
~~الذي يجبر الناس على ما يريد، وذكر ابن الأنباري أنه العظيم في نفسه
~~المتكبر على العباد / { عنيد } أي طاغ من عند بتثليث النون عندا
~~بالإسكان وعندا بالتحريك وعنودا بضم العين إذا طغا وجاوز الحد في
~~العصيان، وفسره الراغب بالمعجب بما عنده، والجوهري بمن خالف الحق ورده
~~وهو يعرفه، وكذا عاند، ويطلق الأخير على البعير الذي يجور عن الطريق
~~ويعدل عن القصد، وجمعه عند كراكع وركع، وجمع العنيد عند كرغيف ورغف،
~~والعنود قيل: بمعنى العنيد.

# وزعم بعضهم أنه يقال: بعير عنود ولا يقال: عنيد، ويجمع الأول على عندة
~~والثاني على عند، وآخر أن العنود العادل عن الطريق المحسوس والعنيد
~~العادل عن الطريق في الحكم؛ وكلاهما من عند وأصل معناه على ما قيل: اعتزل
~~في جانب لأن العند بالتحريك الجانب يقال: يمشي وسطا لا عندا، ومنه عند
~~الظرفية، ويقال للناحية أيضا: العند مثلثة.

# وهذا الحكم ليس كالحكمين السابقين من جحود الآيات وعصيان الرسل في
~~الشمول لكل فرد فرد منهم فإن اتباع الأمر من أحكام الأسافل دون الرؤساء.
~~وقيل: هو مثل ذلك في الشمول. والمراد بالأمر الشأن  وبكل جبار عنيد  من
~~هذه صفته من الناس لا أناس مخصوصون من عاد متصفون بذلك. والمراد باتباع
~~الأمر ملازمته أو الرضا به على أتم وجه، ويؤول ذلك إلى الاتصاف أي إن
~~كلا منهم اتصف بصفة كل جبار عنيد، ولا يخفى ما فيه من التكلف الظاهر،
~~وقد يدعي العموم من غير حاجة إلى ارتكاب مثله، والمراد على ما تقدم أنهم
~~عصوا من دعاهم إلى سبيل الهدى وأطاعوا من حداهم ms04391 إلى مهاوي الردى.

### || [11.60]

# { وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة } أي إبعادا عن
~~الرحمة وعن كل خير أي جعلت اللعنة لازمة لهم، وعبر عن ذلك بالتبعية
~~للمبالغة فكأنها لا تفارقهم وإن ذهبوا كل مذهب بل تدور معهم حسبما داروا،
~~و لوقوعه في صحبة اتباعهم، وقيل: الكلام على التمثيل بجعل اللعنة كشخص
~~تبع آخر ليدفعه في هوة قدامه، وضمير الجمع لعاد مطلقا كما هو الظاهر.
~~وجوز أن يكون للمتبعين للجبارين منهم، وما حال قوم قدامهم الجبارون أهل
~~النار وخلفهم اللعنة والبوار، ويعلم من لعنة هؤلاء لعنة غيرهم المتبوعين
~~على ما قيل بالطريق الأولى { ويوم القيمة } أي واتبعوا يوم
~~القيامة أيضا لعنة وهي عذاب النار المخلد حذف ذلك لدلالة الأول عليه
~~وللإيذان بأن كلا من اللعنين نوع برأسه لم يجتمعا في قرن واحد بأن يقال:
~~وأتبعوا في هذه الدنيا ويوم القيامة لعنة، ونظير هذا قوله تعالى:

# واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة

# [الأعراف: 156] وعبر  بيوم القيامة  بدل الآخرة هنا للتهويل الذي
~~يقتضيه المقام.

# { ألا إن عادا كفروا ربهم } أي بربهم أو كفروا نعمته ولم
~~يشكروها بالإيمان أو جحدوه { ألا بعدا لعاد } دعاء عليهم بالهلاك
~~مع أنهم هالكون أي هلاك تسجيلا عليهم باستحقاق ذلك والاستئهال له،
~~ويقال في الدعاء بالبقاء واستحقاقه: لا يبعد فلان، وهو في كلام العرب
~~كثير، ومنه قوله:

# لا يبعدن قومي الذين هم

# سم العداة وآفة الجزر

# وجوز أن يكون دعاء باللعن كما في «القاموس»: البعد والبعاد اللعن،
~~واللام للبيان كما في قولهم: سقيا لك، وقيل: للاستحقاق وليس بذاك.
~~وتكرير حرف التنبيه وإعادة عاد للمبالغة في تفظيع حالهم والحث على
~~الاعتبار بقصتهم، وقوله سبحانه: { قوم هود } عطف بيان على { عاد }
~~وفائدته الإشارة إلى أن عادا كانوا فريقين: عادا الأولى وعادا
~~الثانية، وهي عاد إرم في قول، وذكر الزمخشري في الفجر ((أن عقب عاد بن
~~عوص / ابن إرم بن سام بن نوح قيل لهم: عاد كما يقال لبني هاشم: هاشم، ثم
~~قيل للأولين منهم عاد الأولى وإرم تسمية لهم باسم ms04392 جدهم، ولمن بعدهم عاد
~~الأخيرة، وأنشد لابن الرقيات:

# مجدا تليدا بناه أوله

# أدرك عادا وقبلها إرما ))

# ولعله الأوفق للنقل مع الإيماء إلى أن استحقاقهم للبعد بسبب ما جرى
~~بينهم وبين هود عليه السلام وهم قومه، وليس ذلك لدفع اللبس إذ لا لبس في
~~أن عادا هذه ليست إلا قوم هود عليه السلام للتصريح باسمه وتكريره في
~~القصة، وقيل: ذكر ليفيد مزيد تأكيد بالتنصيص عليهم مع ما في ذلك من تناسب
~~فواصل الآي.

### || [11.61]

# { وإلى ثمود أخاهم صلحا قال يقوم اعبدوا
~~الله ما لكم من إله غيره } الكلام فيه كالكلام في نظيره
~~السابق آنفا. وجمهور القراء على منع صرف ثمود ذهابا إلى القبيلة، وقرأ
~~ابن وثاب والأعمش بالصرف على إرادة الحي { هو أنشأكم من
~~الأرض } أي ابتدأ خلقكم منها فإنها المادة الأولى وآدم الذي هو أصل
~~البشر خلق منها، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي أنشأ أباكم، وقيل: { من
~~} بمعنى في، وليس بشيء، والمراد الحصر كما يفهمه كلام بعض الأجلة كأن
~~القول لعدم أدائهم حقه سبحانه قد اعتقدوا أن الفاعل لذلك غيره تعالى، أو
~~هو مع غيره فخوطبوا على وجه قصر القلب أو قصر الإفراد بذلك، واحتمال أنهم
~~كانوا يعتقدون أحد الأمرين حقيقة لا تنزيلا يستدعي القول بأنهم كانوا
~~طبيعية أو ثنوية وإلا فالوثنية وإن عبدوا معه سبحانه غيره لا يعتقدون
~~خالقية غيره لهم بوجه من الوجوه، وأخذ الحصر على ما قيل: من تقديم الفاعل
~~المعنوي، وقيل: إنه مستفاد من السياق لأنه لما حصر الإلهية فيه تعالى
~~اقتضى حصر الخالقية أيضا، فبيان ما خلقوا منه بعد بيان أنه الخالق لا
~~غيره يقتضي هذا فتدبر. والظاهر أن من يقول بالحصر هنا يقول به في قوله
~~سبحانه: { واستعمركم فيها } لمكان العطف وكونه معطوفا بعد
~~اعتبار التقديم فلا ينسحب على ما بعده مما لا فائدة في التزامه أي وهو
~~الذي جعلكم عمارها وسكانها فالاستفعال بمعنى الإفعال يقال: أعمرته الأرض
~~واستعمرته إذا جعلته عامرها وفوضت إليه عمارتها، وإلى هذا ذهب الراغب
~~وكثير من المفسرين، وقال ms04393 زيد بن أسلم: المعنى أمركم بعمارة ما تحتاجون
~~إليه من بناء مساكن وحفر أنهار وغرس أشجار وغير ذلك، فالسين للطلب، وإلى
~~هذا ذهب إلكيا، واستدل بالآية على أن عمارة الأرض واجبة لها الطلب،
~~وقسمها في «الكشاف» إلى واجب كعمارة القناطر اللازمة والمسجد الجامع
~~ومندوب كعمارة المساجد ومباح كعمارة المنازل وحرام كعمارة الحانات، وما
~~يبنى للمباهاة أو من مال حرام كأبنية كثير من الظلمة. واعترض على إلكيا
~~بأنه لم يكن هناك طلب حقيقة ولكن نزل جعلهم محتاجين لذلك  وإقدارهم عليه
~~وإلهامهم كيف يعمرون  منزلة الطلب، وقال الضحاك: المعنى عمركم فيها
~~واستبقاكم وكان أحدهم يعمر طويلا حتى أن منهم من يعمر ألف سنة، والمشهور
~~أن الفعل من العمر وهو مدة الحياة بالتشديد ومن العمارة نقيض الخراب
~~بالتخفيف ففي أخذ ذلك من العمر تجوز. وعن مجاهد أن استعمر من العمرى بضم
~~فسكون مقصور، وهي  كما قال الراغب  في العطية أن تجعل له شيئا مدة
~~عمرك أو عمره، والمعنى أعمركم فيها ورباكم أي أعطاكم ذلك ما دمتم أحياء
~~ثم هو سبحانه وارثها منكم، أو المعنى جعلكم معمرين دياركم فيها لأن الرجل
~~إذا ورث داره من بعده فكأنما أعمره إياها لأنه يسكنها عمره ثم يتركها
~~لغيره.

# { فاستغفروه ثم توبوا إليه } تفريع على ما تقدم فإن ما
~~ذكر من صنوف إحسانه / سبحانه داع إلى الاستغفار والتوبة. وقوله: { إن
~~ربي قريب } أي قريب الرحمة لقوله سبحانه:

# إن رحمة الله قريب من المحسنين

# [الأعراف: 56] والقرآن يفسر بعضه بعضا { مجيب } لمن دعاه وسأله
~~زيادة في بيان ما يوجب ذلك، والأول علة باعثة، وهذا علة غائية وما ألطف
~~التقديم والتأخير، وصرح بعضهم أن { قريب } ناظر  لتوبوا  و {
~~مجيب }  لاستغفروا  كأنه، قيل: ارجعوا إلى الله تعالى فإنه سبحانه
~~قريب منكم أقرب من حبل الوريد واسألوه المغفرة فإنه جلا وعلا مجيب
~~السائلين ولا يخلو عن حسن.

### || [11.62]

# { قالوا يصلح قد كنت فينا } أي فيما بيننا { مرجوا
~~} فاضلا خيرا نقدمك على جميعنا على ما روي عن ابن عباس. وقال ابن عطية
~~مشورا نأمل ms04394 منك أن تكون سيدا سادا مسد الأكابر، وقال كعب: كانوا
~~يرجونه للملك بعد ملكهم لأنه كان ذا حسب وثروة. وقال مقاتل: كانوا يرجون
~~رجوعه إلى دينهم إذ كان يبغض أصنامهم ويعدل عن دينهم { قبل هذا }
~~أي الذي باشرته من الدعوة إلى التوحيد وترك عبادة الآلهة فلما سمعنا منك
~~ما سمعناه انقطع عنك رجاؤنا، وقيل: كانوا يرجون دخوله في دينهم بعد دعواه
~~إلى الحق ثم انقطع رجاؤهم  فقبل هذا  قبل هذا الوقت لا قبل الذي بشاره
~~من الدعوة، وحكى النقاش عن بعضهم أن { مرجوا } بمعنى حقيرا وكأنه
~~فسره أولا بمؤخرا غير معتنى به ولا مهتم بشأنه، ثم أراد منه ذلك وإلا 
~~فمرجوا  بمعنى حقير لم يأت في كلام العرب.

# وجاء قولهم: { أتنهانا أن نعبد ما يعبد ءابآؤنا }
~~على جهة التوعد والاستبشاع لتلك المقالة منه والتعبير  بيعبد  لحكاية
~~الحال الماضية. وقرأ طلحة { مرجوءا } بالمد والهمز { وإننا لفي
~~شك مما تدعونآ إليه } من التوحيد وترك عبادة الآلهة وغير
~~ذلك من الاستغفار والتوبة { مريب } اسم فاعل من أرابه المتعدي بنفسه
~~إذا أوقعه في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين، أو من
~~أراب الرجل اللازم إذا كان ذا ريبة، والإسناد على الوجهين مجازي إلا أن
~~بينهما  كما قال بعض المحققين  فرقا، وهو أن الأول منقول من الأعيان
~~إلى المعنى والثاني منقول من صاحب الشك إلى الشك كما تقول: شعر شاعر،
~~فعلى الأولى هو من باب الإسناد إلى السبب لأن وجود الشك سبب لتشكيك
~~المشكك ولولاه لما قدر على التشكيك، والتنوين في { مريب } وفي { شك
~~} للتفخيم. { وإننا } بثلاث نونات، ويقال: إنا بنونين وهما لغتان
~~لقريش. قال الفراء: من قال: إننا أخرج الحرف على أصله لأن كناية
~~المتكلمين  نا  فاجتمعت ثلاث نونات، ومن قال: إنا استثقل اجتماعها
~~فأسقط الثالثة وأبقى الأوليين. واختار أبو حيان أن المحذوف النون الثانية
~~لا الثالثة لأن في حذفها إجحافا بالكلمة إذ لا يبقى منها إلا حرف واحد
~~ساكن دون حذف الثانية لظهور بقاء حرفين بعده على أنه قد عهد حذف النون ms04395
~~الثانية من إن مع غير ضمير المتكلمين ولم يعهد حذف نون  نا  ولا ريب في
~~أن ارتكاب المعهود أولى من ارتكاب غير المعهود.

### || [11.63]

# { قال يقوم أرءيتم } أخبروني { إن كنت على بينة }
~~حجة ظاهرة وبرهان وبصيرة { من ربي } مالكي ومتولي أموري {
~~وءاتني منه } من قبله سبحانه { رحمة } نبوة، وهذا من الكلام
~~المنصف، والاستدراج / إذ لا يتصور منه عليه السلام شك فيما في حيز { إن }
~~وأصل وضعها أنها لشك المتكلم { فمن ينصرني من الله } أي فمن
~~يمنعني من عذابه، ففي الكلام مضاف مقدر والنصرة مستعملة في لازم معناها
~~أو أن الفعل مضمن معنى المنع، ولذا تعدى بمن. والعدول إلى الإظهار
~~لزيادة التهويل والفاء لترتيب إنكار النصر على ما سبق من كونه على بينة
~~وإيتاء الرحمة على تقدير العصيان حسبما يعرب عنه قوله: { إن عصيته
~~} أي في المساهلة في تبليغ الرسالة والمنع عن الشرك به تعالى والمجاراة
~~معكم فيما تشتهون فإن العصيان ممن ذلك شأنه أبعد والمؤاخذة عليه ألزم
~~وإنكار نصرته أدخل { فما تزيدونني } إذن باستتباعكم إياي أي لا
~~تفيدونني إذ لم يكن فيه أصل الخسران حتى يزيدوه { غير تخسير } أي
~~غير أن تجعلوني خاسرا بإبطال أعمالي وتعريضي لسخط الله تعالى، أو فما
~~تزيدونني بما تقولون غير أن أنسبكم إلى الخسران وأقول لكم: إنكم لخاسرون
~~لا أن أتبعكم. وروي هذا عن الحسن بن الفضل، فالفاعل على الأول هم
~~والمفعول صالح، وعلى الثاني بالعكس والتفعيل كثيرا ما يكون للنسبة
~~كفسقته وفجرته، والزيادة على معناها والفاء لترتيب عدم الزيادة على
~~انتفاء الناصر المفهوم من إنكاره على تقدير العصيان مع تحقق ما ينفيه من
~~كونه عليه السلام على بينة من ربه وإيتائه النبوة.

# وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المعنى: فما تزيدونني غير مضارة
~~في خسرانكم، فالكلام على حذف مضاف، وعن مجاهد ما تزدادون أنتم باحتجاجكم
~~بعبادة آبائكم إلا خسارا، وأضاف الزيادة إلى نفسه لأنهم أعطوه ذلك وكان
~~قد سألهم الإيمان، وقال ابن عطية ((المعنى فما تعطوني فيما اقتضيه منكم
~~من الإيمان غير ms04396 تخسير لأنفسكم، وأضاف الزيادة إلى نفسه من حيث أنه مقتض
~~لأقوالهم موكل بإيمانهم كما تقول لمن توصيه: أنا أريد بك خيرا وأنت تريد
~~بي سوءا وكان الوجه البين أن تقول: وأنت تريد شرا لكن من حيث كنت مريد
~~خير ومقتضى ذلك حسن أن تضيف الزيادة إلى نفسك)) وقيل: المعنى فما
~~تزيدونني غير تخسيري إياكم حيث أنكم كلما ازددتم تكذيبا إياي ازدادت
~~خسارتكم، وهي أقوال كما ترى.

### || [11.64]

# { ويقوم هذه ناقة الله } الإضافة للتشريف والتنبيه على
~~أنها مفارقة لسائر ما يجانسها خلقا وخلقا { لكم ءاية } معجزة دالة
~~على صدقي في دعوى النبوة، وهي حال من { ناقة الله } ، والعامل ما
~~في اسم الإشارة من معنى الفعل.

# وقيل: معنى التنبيه، والظاهر أنها حال مؤسسة، وجوز فيها أن تكون مؤكدة
~~كهذا أبوك عطوفا لدلالة الإضافة على أنها آية، و { لكم } كما في
~~«البحر» وغيره حال منها فقدمت عليها لتنكيرها ولو تأخرت لكانت صفة لها،
~~واعترض بأن مجيء الحال من الحال لم يقل به أحد من النحاة لأن الحال تبين
~~هيئة الفاعل أو المفعول وليست الحال شيئا منهما، وأجيب بأنها في معنى
~~المفعول للإشارة لأنها متحدة مع المشار إليه الذي هو مفعول في المعنى ولا
~~يخفى ما فيه من التكلف، وقيل: الأولى أن يقال: إن هذه الحال صفة في
~~المعنى لكن لم يعربوها صفة لأمر تواضع النحويون عليه من منع تقدم ما
~~يسمونه تابعا على المتبوع فحديث  إن الحال تبين الهيئة  مخصوص بغير
~~هذه الحال، واعترض بأن هذا ونحوه لا يحسم مادة الاعتراض لأن المعترض نفى
~~قول أحد من النحاة بمجىء الحال من الحال، وبما ذكر لا يثبت القول وهو
~~ظاهر، نعم قد يقال: إن اقتصار أبي حيان والزمخشري /  وهما من تعلم في
~~العربية  على هذا النحو من الإعراب كاف في الغرض على أتم وجه، وأراد
~~الزمخشري بالتعلق في كلامه التعلق المعنوي لا النحوي فلا تناقض فيه على
~~أنه بحث لا يضر. وقيل: { لكم } حال من { ناقة } و { آية } حال من
~~الضمير فيه فهي متداخلة، ms04397 ومعنى كون الناقة للمخاطبين أنها نافعة لهم
~~ومختصة بهم وهي ومنافعها فلا يرد أنه لا اختصاص لذات الناقة بهم، وإنما
~~المختص كونها آية لهم، وقيل: { لكم } حال من الضمير في { آية }
~~لأنها بمعنى المشتق، والأظهر كون { لكم } بيان من هي آية له، وجوز كون
~~{ ناقة } بدلا أو عطف بيان من اسم الإشارة، و { لكم } خبره، و {
~~آية } حال من الضمير المستتر فيه.

# { فذروها } دعوها { تأكل في أرض الله } فليس عليكم
~~مؤنتها والفعل مجزوم لوقوعه في جواب الطلب، وقرىء بالرفع على الاستئناف
~~أو على الحال  كما في «البحر»  والمتبادر من الأكل معناه الحقيقي لكن
~~قيل: في الآية اكتفاءا أي تأكل وتشرب، وجوز أن يكون مجازا عن التغذي
~~مطلقا والمقام قرينة لذلك. { ولا تمسوها بسوء } أي بشيء منه
~~فضلا عن العقر والقتل، والنهي هنا على حد النهي في قوله تعالى:

# ولا تقربوا مال اليتيم

# [الأنعام: 152] الخ { فيأخذكم } لذلك { عذاب قريب } عاجل
~~لا يستأخر عن مسكم إياها بسوء إلا يسيرا وذلك ثلاثة أيام ثم يقع عليكم،
~~وقيل: أراد من وصفه بالقرب كونه في الدنيا، وإلى الأول ذهب غير واحد من
~~المفسرين وكان الإخبار عن وحي من الله تعالى.

### || [11.65]

# { فعقروها } أي فخالفوا ما أمروا به فعقروها، والعقر قيل: قطع عضو
~~يؤثر في النفس. وقال الراغب: يقال: عقرت البعير إذا نحرته، ويجيء بمعنى
~~الجرح أيضا كما في «القامومس». وأسند العقر إليهم مع أن الفاعل واحد
~~منهم وهو قدار  كهمام  في قول، ويقال له: أحمر ثمود، وبه يضرب المثل في
~~الشؤم لرضاهم بفعله، وقد جاء أنهم اقتسموا لحمها جميعا { فقال } لهم
~~صالح عليه السلام { تمتعوا } عيشوا. { في داركم } ((أي بلدكم،
~~وتسمى البلاد الديار لأنها بدار فيها أي يتصرف يقال: ديار بكر لبلادهم،
~~وتقول العرب الذي حوالى مكة: نحن من عرب الدار يريدون من عرب البلد))،
~~وإلى هذا ذهب الزمخشري، وقال ابن عطية: ((هو جمع دارة كساحة وساح وسوح،
~~ومنه قول أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان:

# له داع بمكة مشمعل

# وآخر فوق ms04398 (دارته) ينادي

# ويمكن أن يسمى جميع مسكن الحي دارا)) وتطلق الدار على الدنيا أيضا،
~~وبذلك فسرها بعضهم هنا، وفسر الطبرسي التمتع بالتلذذ أي تلذذوا بما
~~تريدون.

# { ثلثة أيام } ثم يأخذكم العذاب، قيل: إنهم لما عقروا الناقة
~~صعد فصيلها الجبل ورغا ثلاث رغوات فقال صالح عليه السلام: لكل رغوة أجل
~~يوم. وابتداء الأيام على ما في بعض الروايات الأربعاء، وروي أنه عليه
~~السلام قال لهم: تصبح وجوهكم غدا مصفرة وبعد غد محمرة واليوم الثالث
~~مسودة ثم يصبحكم العذاب فكان كما قال: { ذلك } إشارة إلى ما يدل عليه
~~الأمر بالتمتع ثلاثة أيام من نزول العذاب عقيبها وما فيه من معنى البعد
~~للتفخيم { وعد غير مكذوب } أي غير مكذوب فيه فحذف الجار وصار
~~المجرور مفعولا على التوسع لأن الضمير لا يجوز نصبه على الظرفية والجار
~~لا يعمل بعد حذفه، ويسمون هذا الحذف والإيصال، وهو كثير في كلامهم ويكون
~~في الاسم  كمشترك  وفي الفعل كقوله:

# / ويوم شهدناه سليما وعامرا

# قليل سوى طعن النهال نوافله

# أو (غير مكذوب) على المجاز كأن الواعد قال له: أفي بك فإن وفى به صدقه
~~وإلا كذبه فهناك استعارة مكنية تخييلية، وقيل: مجاز مرسل بجعل {
~~مكذوب } بمعنى باطل ومتخلف، أو وعد غير كذب على أن مكذوب مصدر على
~~وزن مفعول كمجلود ومعقول بمعنى عقل وجلد فإنه سمع منهم ذلك لكنه نادر،
~~ولا يخفى ما في تسمية ذلك وعدا من المبالغة في التهكم.

### || [11.66]

# { فلما جآء أمرنا } أي عذابنا أو أمرنا بنزوله، وفيه ما لا
~~يخفى من التهويل { نجينا صلحا والذين ءامنوا معه }
~~متعلق بنجينا أو بآمنوا { برحمة منا } أي بسببها أو ملتبسين بها،
~~وفي التنوين والوصف نوعان من التعظيم { ومن خزي يومئذ } أي
~~نجيناهم من خزي يومئذ وهو الهلاك بالصيحة وهذا كقوله تعالى:

# ونجيناهم من عذاب غليظ

# [هود: 58] على معنى إنا نجيناهم، وكانت تلك التنجية من خزي يومئذ، وجوز
~~أن يراد ونجيناهم من ذل وفضيحة يوم القيامة أي من عذابه، فهذه الآية كآية
~~هود سواء بسواء. وتعقب أبو حيان هذا ms04399 بأنه ليس بجيد إذ لم تتقدم جملة ذكر
~~فيها يوم القيامة ليكون التنوين عوضا عن ذلك، والمذكور إنما هو جاء
~~أمرنا فليقدر يوم إذ جاء أمرنا وهو جيد، والدفع بأن القرينة قد تكون غير
~~لفظية كما هنا فيه نظر، وقيل: القرينة قوله سبحانه فيما مر:

# عذاب غليظ

# [هود: 58] وفيه ما فيه. وقيل: الواو زائدة فيتعلق { من }  بنجينا 
~~المذكور، وهذا لا يجوز عند البصريين لأن الواو لا تزاد عندهم فيوجبون هنا
~~التعلق بمحذوف وهو معطوف على ما تقدم، وقرأ طلحة وأبان { ومن خزي }
~~بالتنوين ونصب { يومئذ } على الظرفية معمولا لخزي وعن نافع
~~والكسائي أنهما قرآ بالإضافة وفتح  يوم  لأنه مضاف إلى إذ وهو غير
~~متمكن، وهذا كما فتح حين في قوله النابغة:

# على (حين) عاتبت المشيب على الصبا

# فقلت: ألما أصح والشيب وازع

# { إن ربك } خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم { هو القوي
~~العزيز } أي القادر على كل شيء والغالب عليه في كل وقت ويندرج في ذلك
~~الإنجاء والإهلاك في ذلك اليوم.

### || [11.67]

# { وأخذ الذين ظلموا } قوم صالح، وعدل عن الضمير إلى الظاهر
~~تسجيلا عليهم بالظلم وإشعارا بعليته لنزول العذاب بهم { الصيحة }
~~أي صيحة جبريل أو صيحة من السماء فيها كل صاعقة وصوت مفزع، وهي على ما في
~~«البحر» فعلة للمرة الواحدة من الصياح، يقال: صاح يصيح إذا صوت بقوة،
~~وأصل ذلك  كما قال الراغب  تشقيق الصوت من قولهم: إنصاح الخشب أو الثوب
~~إذا انشق فسمع منه صوت، وصيح الثوب كذلك، وقد يعبر بالصيحة عن الفزع، وفي
~~الأعراف

# فأخذتهم الرجفة

# [الأعراف: 78-91] قيل: ولعلها وقعت عقيب الصيحة المستتبعة لتموج الهواء،
~~وقد تقدم الكلام منا في ذلك { فأصبحوا في ديرهم } أي
~~منازلهم ومساكنهم، وقيل: بلادهم { جثمين } هامدين موتى لا يتحركون،
~~وقد مر تمام الكلام في ذلك معنى وإعرابا.

### || [11.68]

# { كأن لم يغنوا } أي كأنهم لم يقيموا { فيها } أي في
~~ديارهم، والجملة قيل: في موضع الحال أي أصبحوا { جثمين } مماثلين
~~لمن لم يوجد ولم يقم في مقام قط { إلا إن ثمودا } وضع ms04400 موضع
~~المضمر لزيادة البيان، ومنعه من الصرف حفص وحمزة نظرا إلى القبيلة،
~~وصرفه أكثر السبعة نظرا إلى الحي كما قدمنا آنفا، وقيل: نظرا إلى الأب
~~الأكبر يعني يكون المراد به الأب الأول وهو مصروف / وحينئذ يقدر مضاف
~~كنسل وأولاد ونحوه، وقيل: المراد أنه صرف نظرا لأول وضعه وإن كان المراد
~~به هنا القبيلة { كفروا ربهم } صرح بكفرهم مع كونه معلوما مما
~~سبق من أحوالهم تقبيحا لحالهم وتعليلا لاستحقاقهم الدعاء عليهم بالبعد
~~والهلاك في قوله سبحانه: { ألا بعدا لثمود } ، وقرأ الكسائي لا
~~غير بالتنوين، وقد تقدم الكلام في شرح قصتهم على أتم وجه.

### || [11.69]

# { ولقد جآءت رسلنا إبرهيم } وهم الملائكة؛ روي عن ابن
~~عباس أنهم كانوا اثني عشر ملكا. وقال السدي: أحد عشر على صورة الغلمان
~~في غاية الحسن والبهجة، وحكى صاحب " الفينان " أنهم عشرة منهم جبريل،
~~وقال الضحاك: تسعة، وقال محمد بن كعب: ثمانية، وحكى الماوردي أنهم أربعة
~~ولم يسمهم. وجاء في رواية عن عثمان بن محيصن أنهم جبريل وإسرافيل
~~وميكائيل ورفائيل عليهم السلام، وفي رواية عن ابن عباس وابن جبير أنهم
~~ثلاثة الأولون فقط، وقال مقاتل: جبرائيل وميكائيل وملك الموت عليهم
~~السلام، واختار بعضهم الاقتصار على القول بأنهم ثلاثة لأن ذلك أقل ما يدل
~~عليه الجمع وليس هناك ما يعول عليه في الزائد وإنما أسند إليهم المجىء
~~دون الإرسال لأنهم لم يكونوا مرسلين إليه عليه السلام بل إلى قوم لوط
~~لقوله تعالى:

# إنآ أرسلنآ إلى قوم لوط

# [هود: 70] وإنما جاءوه لداعية البشرى، قيل: ولما كان المقصود في السورة
~~الكريمة ذكر صنيع الأمم السالفة مع الرسل المرسلة إليهم ولحوق العذاب بهم
~~ولم يكن جميع قوم إبراهيم عليه السلام من لحق بهم العذاب بل إنما لحق
~~بقوم لوط منهم خاصة غير الأسلوب المطرد فيما سبق من قوله تعالى:

# وإلى عاد أخاهم هودا

# [هود:50 ]

# وإلى ثمود أخاهم صلحا

# [هود: 61] ثم رجع إليه حيث قيل:

# وإلى مدين أخهم شعيبا

# [هود: 84].

# والباء في قوله تعالى: { بالبشرى } للملابسة أي ملتبسين بالبشرى،
~~والمراد بها قيل: مطلق ms04401 البشارة المنتظمة بالبشارة بالولد من سارة لقوله
~~تعالى:

# فبشرنها بإسحق

# [هود: 71] الآية، وقوله سبحانه:

# فبشرنه بغلم حليم

# [الصافات: 101] إلى غير ذلك، وللبشارة بعدم لحوق الضرر به لقوله تعالى:

# فلما ذهب عن إبرهيم الروع وجآءته البشرى

# [هود: 74] لظهور تفرع المجادلة على مجيئها، وكانت البشارة الأولى على ما
~~قيل: من ميكائيل والثانية من إسرافيل عليهما السلام، وقيل: المراد بها
~~البشارة بهلاك قوم لوط عليه السلام فإن هلاك الظلمة من أجل ما يبشر به
~~المؤمن. واعترض بأنه يأباه مجادلته عليه السلام في شأنهم، واستظهر
~~الزمخشري أنها البشارة بالولد وهي المرادة بالبشرى فيما سيأتي، وسر تفرع
~~المجادلة عليها سيذكر إن شاء الله تعالى، وعلل في «الكشف» استظهار ذلك
~~بقوله: لأنه الأنسب بالإطلاق، ولقوله سبحانه في الذاريات [28]:

# وبشروه بغلم عليم

# ثم قال بعده:

# فما خطبكم أيها المرسلون

# [الذاريات: 31] ثم قال: وقوله تعالى:

# فلما ذهب عن إبرهيم

# [هود: 74] الخ، وإن كان يحتمل أن ثمة بشارتين فيحمل في كل موضع على
~~واحدة لكنه خلاف الظاهر انتهى.

# ولما كان الإخبار بمجيء الرسل عليهم السلام مظنة لسؤال السامع بأنهم ما
~~قالوا أجيب بأنهم { قالوا سلما } أي سلمنا أو نسلم عليك سلاما
~~فهو منصوب بفعل محذوف، والجملة مقول القول قال ابن عطية: ((ويصح أن يكون
~~مفعول { قالوا } على أنه حكاية لمعنى ما قالوا لا حكاية للفظهم.

# وروي ذلك عن مجاهد والسدي، ولذلك عمل فيه القول، وهذا كما تقول لرجل
~~قال: لا إله إلا الله: قلت حقا وإخلاصا)) وقيل: إن النصب بقالوا لما
~~فيه من معنى الذكر كأنه قيل: ذكروا سلاما { قال سلم } أي عليكم
~~سلام / أو سلام عليكم، والابتداء بنكرة مثله سائغ كما قرر في النحو، وقد
~~حياهم عليه السلام بأحسن من تحيتهم لأنها بجملة اسمية دالة على الدوام
~~والثبات فهي أبلغ، وأصل معنى السلام السلامة مما يضر. وقرأ حمزة والكسائي
~~(سلم) في الثاني بدون ألف مع كسر السين وسكون اللام وهو على ما قيل: لغة
~~في { سلم } كحرم وحرام، ومنه قوله:

# مررنا فقلنا: إيه (سلم) فسلمت

# كما اكتل بالبرق ms04402 الغمام اللوائح

# وقال ابن عطية: ((ويحتمل أن يراد بالسلم ضد الحرب))، ووجه بأنهم لما
~~امتنعوا من تناول طعامه وخاف منهم قاله أي أنا مسالم لا محارب لأنهم
~~كانوا لا يأكلون طعام من بينهم وبينه حرب، واعترض بأنه يدل على أن قوله
~~هذا بعد تقديم الطعام وقوله سبحانه: { فما لبث } الخ صريح في خلافه.
~~وذكر في «الكشاف» أن حمزة والكسائي قرءا بكسر السين وسكون اللام في
~~الموضعين وهو مخالف للمنقول في كتب القراءات، وقرأ ابن أبي عبلة  قال
~~سلاما  بالنصب كالأول، وعنه أنه قرأ بالرفع فيهما.

# { فما لبث } أي فما أبطأ إبراهيم عليه السلام { أن جآء بعجل
~~حنيذ } أي في مجيئه به أو عن مجيئه به فما نافية، وضمير { لبث }
~~لإبراهيم، و { أن جآء } بتقدير حرف جر متعلق بالفعل وحذف الجار قبل أن
~~وأن مطرد، وحكى ابن العربي أن { أن } بمعنى حتى، وقيل: { أن } وما بعدها
~~فاعل { لبث } أي فما تأخر مجيئه، وروي ذلك عن الفراء، واختاره أبو
~~حيان وقيل: ما مصدرية والمصدر مبتدأ أو هي اسم موصول بمعنى الذي كذلك، و
~~{ أن جآء } على حذف مضاف أي قدر وهو الخبر أي فلبثه أو الذي لبثه قدر
~~مجيئه وليس بشيء. والعجل ولد البقرة، ويسمى الحسيل والخبش بلغة أهل
~~السراة، والباء فيه للتعدية أو الملابسة، والحنيذ السمين الذي يقطر ودكه
~~من حنذت الفرس إذا عرقته بالجلال كأنه ودكه كالجلال عليه، أو كأن ما يسيل
~~منه عرق الدابة المجللة للعرق، واقتصر السدي على السمين في تفسيره لقوله
~~تعالى:

# بعجل سمين

# ،[الذاريات: 26] وقيل: هو المشوي بالرضف في أخدود، وجاء ذلك في رواية عن
~~ابن عباس ومجاهد وقتادة، وفي رواية عن مجاهد تفسيره بالمطبوخ، وإنما جاء
~~عليه السلام بالعجل لأن ماله كان البقر وهو أطيب ما فيها، وكان من دأبه
~~عليه السلام إكرام الضيف، ولذا عجل القرى، وذلك من أدب الضيافة لما فيه
~~من الاعتناء بشأن الضيف، وفي مجيئه بالعجل كله مع أنهم بحسب الظاهر
~~يكفيهم بعضه دليل على أنه من الأدب أن يحضر للضيف ms04403 أكثر مما يأكل. واختلف
~~في هذا العجل هل كان مهيئا قبل مجيئهم أو أنه هيىء بعد أن جاؤوا؟ قولان
~~اختار أبو حيان أولهما لدلالة السرعة بالإتيان به على ذلك، ويختار الفقير
~~ثانيهما لأنه أزيد في العناية وأبلغ في الإكرام، وليست السرعة نصا في
~~الأول كما لا يخفى.

### || [11.70]

# { فلما رءآ أيديهم لا تصل إليه } كناية عن أنهم لا
~~يمدون إليه أيديهم ويلزمه أنهم لا يأكلون، وقيل: { لا } كناية بناءا على
~~ما روي أنهم كانوا ينكتون اللحم بقداح في أيديهم وليس بشيء، وفي القلب من
~~صحة هذه الرواية شيء إذ هذا النكت أشبه شيء بالعبث، والملائكة عليهم
~~السلام يجلون عن مثله. و { رأى } قيل: علمية فجملة { لا تصل }
~~مفعول ثان، والظاهر أنها بصرية. والجملة في موضع الحال ففيه دليل على أن
~~من أدب الضيافة النظر إلى الضيف هل يأكل أولا لكن ذكروا أنه ينبغي أن
~~يكون بتلفت ومسارقة لا بتحديد النظر / لأن ذلك مما يجعل الضيف مقصرا في
~~الأكل أي لما شاهد منهم ذلك { نكرهم } أي نفرهم { وأوجس } أي
~~استشعر وأدرك، وقيل: أضمر { منهم } أي من جهتهم { خيفة } أي
~~خوفا، وأصلها الحالة التي عليها الإنسان من الخوف، ولعل اختيارها بالذكر
~~للمبالغة حيث تفرس لذلك مع جهالته لهم من قبل وعدم معرفته من أي الناس
~~يكونون كما ينبىء عنه ما في الذاريات [25] من قوله سبحانه حكاية عنه:

# قال سلم قوم منكرون

# أنهم ملائكة، وظن أنهم أرسلوا لعذاب قومه أو لأمر أنكره الله تعالى
~~عليه.

# { قالوا } حين رأوا أثر ذلك عليه عليه السلام، أو أعلمهم الله تعالى
~~به، أو بعد أن قال لهم ما في الحجر [52]

# إنا منكم وجلون

# فإن الظاهر منه أن هناك قولا بالفعل لا بالقوة كما هو احتمال فيه على
~~ما ستراه إن شاء الله تعالى، وجوز أن يكون ذلك لعلمهم أن علمه عليه
~~السلام أنهم ملائكة يوجب الخوف لأنهم لا ينزلون إلا بعذاب، وقيل: إن الله
~~تعالى جعل للملائكة مطلقا ما لم يجعل لغيرهم من الاطلاع كما قال تعالى: ms04404

# يعلمون ما تفعلون

# [الإنفطار: 12] وفي «الصحيح»

# " قالت الملائكة رب عبدك هذا يريد أن يعمل سيئة "

# الحديث، وهو قول بأن الملائكة يعلمون الأمور القلبية. وفي الأخبار
~~الصحيحة ما هو صريح بخلافه، والآية. والخبر المذكوران لا يصلحان دليلا
~~لهذا المطلب، وإسناد القول إليهم ظاهر في أن الجميع قالوا { لا تخف }
~~ويحتمل أن القائل بعضهم، وكثيرا ما يسند فعل البعض إلى الكل في أمثال
~~ذلك.

# وظاهر قوله سبحانه: { أنآ أرسلنا } أنه استئناف في معنى التعليل
~~للنهي المذكور كما أن قوله سبحانه:

# إنا نبشرك

# [الحجر: 53] استئناف كذلك فإن إرسالهم إلى قوم آخرين يوجب أمنهم من
~~الخوف أي { أرسلنا } بالعذاب { إلى قوم لوط } خاصة، ويعلم
~~مما ذكرنا أنه عليه السلام أحس بأنهم ملائكة، وإليه ذهب ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما، وقد يستدل له بقولهم: { لا تخف إنآ أرسلنا
~~} فإنه كما لا يخفى على من له أدنى ذوق إنما يقال لمن عرفهم ولم يعرف فيم
~~أرسلوا فخاف، وأن الإنكار المدلول عليه بنكرهم غير المدلول عليه بما في
~~الذاريات فلا إشكال في كون الإنكار هناك قبل إحضار الطعام وهنا بعده.

# وأصل الإنكار ضد العرفان، ونكرت وأنكرت واستنكرت بمعنى، وقيل: إن أنكر
~~فيما لا يرى من المعاني ونكر فيما يرى بالبصر، ومن ذلك قول الشاعر

# : وأنكرتني وما كان الذي نكرت

# من الحوادث إلا الشيب والصلعا

# فإنه أراد في الأول على ما قيل: أنكرت مودتي، وقال الراغب: إن أصل ذلك
~~أن يرد على القلب ما لا يتصوره وذلك ضرب من الجهل وبه فسر ما في الآية،
~~وفرق بعضهم بين ما هنا وبين ما وقع في الذاريات بأن الأول راجح إلى حالهم
~~حين قدم إليهم العجل والثاني متعلق بأنفسهم ولا تعلق له برؤية عدم أكلهم
~~بل وقع عند رؤيته عليه السلام لهم لعدم كونهم من جنس ما يعهده من الناس،
~~ويحتاج هذا إلى اعتبار حذف المضاف أو ملاحظة الحيثية، واعترض ما قدمناه
~~بأن فيه ارتكاب مجاز، ولعل الأمر فيه سهل.

# وذهب بعضهم إلى أنه عليه السلام لم يعرف أنهم ms04405 ملائكة حتى قالوا له: {
~~لا تخف إنآ أرسلنا } وكأن سبب خوفه منهم أنهم لم يتحرموا
~~بطعامه فظن أنهم يريدون به سوءا إذ كانت العادة إذ ذاك كذلك، وكان عليه
~~السلام نازلا في طرف من الأرض منفردا عن قومه، وهي رواية عن ابن عباس
~~أخرجه إسحاق بن بشر/ وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عنه، وقيل: كان
~~سبب خوفه أنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت.

# وقال العلامة الطيبي: الحق أن الخوف إنما صدر عن مجموع كونهم منكرين
~~وكونهم ممتنعين من الطعام كما يعلم من الآيات الواردة في هذه القصة ولأنه
~~لو عرفهم بأنهم ملائكة لم يحضر بين أيديهم الطعام ولم يحرضهم على الأول
~~وإنما عدلوا إلى قولهم: { إنآ أرسلنا إلى قوم لوط }
~~ليكون جامعا للمعاني بحيث يفهم منه المقصود أيضا انتهى.

# وفيه إشارة إلى الرد على الزمخشري، وقد اختلف كلامه في تعليل الخوف
~~فعلله تارة بعرفانه أنهم ملائكة وأخرى بأنهم لم يتحرموا طعامه، ولعله
~~أراد بذلك العرفان العرفان بعد إحضار الطعام، وما ذكره الطيبي من أنه لو
~~عرفتهم بأنهم ملائكة لم يحضر الخ غير قادح إذ يجوز أن يخافهم بعد الإحضار
~~أولا لعدم التحرم ثم بعد تفرس أنهم ملائكة خافهم لأنهم ملائكة أرسلوا
~~للعذاب، والزمخشري حكى أحد الخوفين في موضع والآخر في آخر.

# قال بعض المحققين والتعليل بأنهم ملائكة هو الوجه لينتظم قوله سبحانه:

# لا توجل إنا نبشرك بغلم عليم

# [الحجر: 53] مع ما قبله إذ لو كان الوجل لكونهم على غير زي من عرف ونحوه
~~لم يحسن التعليل بقوله تعالى: { إنا نبشرك } فإنه إنما هو تعليل
~~للنهي عن الوجل من أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب كأنهم قالوا: لا توجل إنا
~~نبشرك بغلام عليم وإنا أرسلنا إلى قوم لوط فجاء على اختصارات القرآن بذكر
~~أحد التعليلين في أحد الموضعين والآخر في الآخر، ولا شك أن في الحجر
~~اختصارا لطي حديث الرواع، والتعجيل بالعجل الحنيذ وعدم تحرمهم بطعامه
~~لما أن المقصود من سوق القصة هنالك الترغيب والترهيب للاعتبار بحال
~~إبراهيم عليه السلام وما ms04406 لقي من البشرى والكرامة، وحال قوم لوط عليه
~~السلام وما منوا به من السوأى والملامة، ألا ترى إلى قوله سبحانه:

# نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم

# إلى قوله جل وعلا:

# عن ضيف إبراهيم

# [الحجر: 49-51] فاقتصر على ما يفيد ذلك الغرض، وأما في هذه السورة فجيء
~~بها للإرشاد الذي بنى عليه السورة الكريمة مع إدماج التسلية ورد ما رموه
~~به عليه الصلاة والسلام من الافتراء، وفي كل من أجزاء القصة ما يسد من
~~هذه الأغراض فسرد على وجهها، وفي سورة الذاريات للأخيرين فقط فجىء بما
~~يفيد ذلك فلا عليك إن رأيت اختصارا أن تنقل إليه من المبسوط ما يتم به
~~الكلام بعد أن تعرف نكتة الاختصار، وهذا من خواص كتاب الله تعالى الكريم
~~انتهى ولا يخلو عن حسن، وفيه ذهاب إلى كون جملة { إنآ أرسلنآ
~~إلى قوم لوط } استئنافا في موضع التعليل كما هو الظاهر.

# وقال شيخ الإسلام عليه الرحمة: الظاهر ما ذكر إلا أنه ليس كذلك فإن قوله
~~تعالى:

# قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنآ
~~أرسلنآ إلى قوم مجرمين

# [الحجر: 57-58] صريح في أنهم قالوه جوابا عن سؤاله عليه السلام، وقد
~~أوجز الكلام اكتفاءا بذلك انتهى.

# وتعقب بأنه قد يقال: إن ذلك لا يقدح في الحمل على الظاهر لجواز أن
~~يكونوا قالوا ذلك على معنى التعليل للنهي عن الخوف، ولكنه وإن أريد منه
~~الإرسال بالعذاب لقوم لوط عليه السلام مجمل لم يؤت به على وجه يظهر منه
~~ما نوع هذا العذاب هل هو استئصال أم لا؟ فسأل عليه السلام لتحقيق ذلك
~~فكأنه قال: أيها المرسلون إلى قوم لوط ما هذا الأمر العظيم الذي أرسلتم
~~به؟ فأجابوه بما يتضمن بيان ذلك مع الإشارة إلى علة نزول ذلك الأمر بهم
~~وهو قولهم:

# إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين * إلآ ءال لوط
~~إنا لمنجوهم أجمعين

# [الحجر: 58-59] الآية فإن انفهام عذاب الاستئصال لقوم لوط عليه السلام
~~من ذلك ظاهر، وكذا الإشارة إلى العلة.

# / والحاصل أن السؤال في تلك الآية عن الخطب وهو ms04407 في الأصل الأمر العظيم
~~الذي يكثر فيه التخاطب، ويراد من السؤال عنه تحقيق أمر لم يعلمه عليه
~~السلام من كلامهم قبل إما لأنه لم يعلم ذلك منه أو لأنه كان مشغولا عن
~~كمال التوجه ليعلم عليه السلام منه ذلك، وفي خطابه عليه السلام لهم عليهم
~~السلام بعنوان الرسالة ما يؤيد تقدم قولهم: { أنآ أرسلنا } على
~~هذا السؤال لكنه أسقط هناك تعويلا على ما هنا ولا بدع في الإسقاط من
~~المتأخر تعويلا على المتقدم، وتأخر الحجر والذاريات عن هود تلاوة مما لا
~~كلام فيه، وتأخرهما نزولا مما رواه ابن ضريس في «فضائل القرآن» عن محمد
~~بن عبد الله بن أبي جعفر الرازي عن عمر بن هرون عن عثمان بن عطاء
~~الخراساني عن أبيه عن ابن عباس، وذكر أنها كلها نزلت بمكة وأن بين هود
~~والحجر سورة واحدة، وبين الحجر والذاريات ثلاث عشرة سورة فليتأمل في هذا
~~المقام، ويفهم من كلام بعضهم أنه عليه السلام لم يتحقق كونهم ملائكة إلا
~~بعد أن مسح جبريل عليه السلام العجل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه
~~فحينئذ عرفهم وأمن منهم، ولم يتحقق صحة الخبر عندي، والذي أميل إليه أنه
~~عليه السلام عرفهم قبل ذلك وأن خوفه منهم لكونهم ملائكة لم يدر لأي شيء
~~نزلوا، ويبعد عند من عرف حال إبراهيم عليه السلام القول بأنه خاف بشرا
~~وبلغ منه الخوف حتى قال

# إنا منكم وجلون

# [الحجر: 52] لا سيما إذا قلنا: إنا من خافهم كانوا ثلاثة وأنه عليه
~~السلام لم يكن في طرف من الأرض بل كان بين أصحابه، أو كان هناك لكن بين
~~خدمه وغلمانه.

### || [11.71]

# { وامرأته } سارة بنت هاران بن ناحور وهي بنت عمه { قآئمة }
~~في الخدمة كما أخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد وكانت نساؤهم لا تحتجب لا
~~سيما العجائز منهم، وكانت رضي الله تعالى عنها عجوزا، وقال وهب: كانت
~~قائمة وراء الستر تسمع محاورتهم، وأخذ منه بعضهم أن تستر النساء كان
~~لازما، والظاهر أنه لم يكن كذلك لتأخر آية الحجاب، ويجوز أن يقال: ms04408 إن
~~القيام وراء الستر كان اتفاقيا، وعن ابن إسحاق أنها كانت قائمة تصلي،
~~وقال المبرد: كانت قائمة عن الولد وهو خلاف المشهور في الاستعمال، وأخرج
~~ابن المنذر عن المغيرات قال في مصحف ابن مسعود: (وامرأته قائمة وهو
~~جالس)، وفي «الكشاف» بدل وهو جالس (وهو قاعد)، وعن ابن عطية بدل {
~~وامرأته قائمة } (وهي قائمة) ففيه الإضمار من غير تقدم ذكر،
~~وكأن ذلك إن صح للتعويل على انفهام المرجع من سياق الكلام. والجملة إما
~~في موضع الحال من ضمير { قالوا } [70] وإما مستأنفة للإخبار {
~~فضحكت } من الضحك المعروف والمراد به حقيقته عند الكثير، وكان ذلك
~~عند بعضهم سرورا بزوال الخوف عن إبراهيم عليه السلام، والنساء لا يملكن
~~أنفسهم كالرجال إذا غلب عليهن الفرح، وقيل: كان سرورا بهلاك أهل الفساد،
~~وقيل: بمجموع الأمرين، وقال ابن الأنباري: إن ضحكها كان سرورا بصدق ظنها
~~لأنها كانت تقول لإبراهيم: اضمم إليك لوطا فإني أرى العذاب سينزل بقومه
~~وكان لوط ابن أخيه وقيل: ابن خالته وقيل: كان أخا سارة وقد مر آنفا أنها
~~بنت عم إبراهيم عليه السلام، وعن ابن عباس أنها ضحكت من شدة خوف إبراهيم
~~وهو في أهله وغلمانه، والذين جاؤوه ثلاثة وهي تعهده يغلب الأربعين، وقيل:
~~المائة، وقال قتادة: كان ذلك من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، وقال
~~السدي: ضحكت من إمساك الأضياف عن الأكل وقالت: عجبا لأضيافنا نخدمهم
~~بأنفسنا وهم لا يأكلون طعامنا، وقال وهب بن منبه: وروي أيضا عن ابن عباس
~~أنها ضحكت من البشارة بإسحاق، وفي الكلام على ذلك تقديم وتأخير، وقيل:
~~ضحكت من المعجز الذي تقدم نقله عن جبريل عليه السلام، / ولعل الأظهر ما
~~ذكرناه أولا عن البعض، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالضحك التبسم ويستعمل
~~في السرور المجرد نحو

# مسفرة * ضاحكة

# ، [عبس: 38-39] ومنه قولهم: روضة تضحك. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ
~~وغيرهما عن ابن عباس أن ضحكت بمعنى حاضت، وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله
~~تعالى عنهما ومجاهد وعكرمة، وقولهم: ضحكت الأرنب بهذا المعنى أيضا،
~~وأنكر ms04409 أبو عبيدة وأبو عبيد والفراء مجيء ضحك بمعنى حاض، وأثبت ذلك جمهور
~~اللغويين، وأنشدوا له قوله:

# وضحك الأرانب فوق الصفا

# كمثل دم الجوف يؤم اللقا

# وقوله:

# وعهدي بسلمى ضاحكا في لبابة

# ولم يعد حقا ثديها أن تحلما

# وقوله:

# إني لآتي العرس عند طهورها

# وأهجرها يوما إذا تك ضاحكا

# والمثبت مقدم على النافي ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. نعم قال ابن
~~المنير ((إنه يبعد الحمل على ذلك هنا قولها:

# أألد وأنا عجوز

# [هود: 72] الخ فإنه لو كان الحيض قبل البشارة لما تعجبت إذ لا عجب في
~~حمل من تحيض، والحيض في العادة معيار على إمكان الحمل)) ودفع بأن الحيض
~~في غير أوانه مؤكد للتعجب أيضا، ولأنه يجوز أن تظن أن دمها ليس بحيض بل
~~استحاضة فلذا تعجبت. وقرأ محمد بن زياد الأعرابي من قراء مكة { فضحكت }
~~بفتح الحاء، وزعم المهدوي أنه غير معروف وأن ضحك بالكسر هو المعروف،
~~ومصدره ضحكا وضحكا بسكون الحاء وفتح الضاد وكسرها، وضحكا وضحكا بكسر
~~الحاء مع فتح الضاد وكسرها، والظاهر أن هذه مصادر ضحك بأي معنى كان،
~~ويفهم من «مجمع البيان» أن مصدر ضحك بمعنى حاضت إنما هو ضحكا بفتح الضاد
~~وسكون الحاء، ولم نر هذا التخصيص في غيره، وعن بعضهم أن فتح الحاء في
~~الماضي خصوص بضحك بمعنى حاض، وعليه فالقراءة المذكورة تؤيد تفسير ضحكت
~~على قراءة الجمهور بحاضت.

# { فبشرنها بإسحق } قيل: أي عقبنا سرورها بسرور أتم منه
~~على ألسنة رسلنا { ومن ورآء إسحق يعقوب } بالنصب، وهي
~~قراءة ابن عامر وحمزة وحفص وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما على أنه
~~منصوب بتقدير فعل يفسره ما يدل عليه الكلام أي ووهبنا لها من وراء إسحاق
~~يعقوب، ورجع ذلك أبو علي، واعترضه البعض بأنه حينئذ لا يكون ما ذكر
~~داخلا تحت البشارة، ودفع بأن ذكر هذه الهبة قبل وجود الموهوب بشارة
~~معنى، وقيل: هو معطوف على محل { بإسحق } لأنه في محل نصب، واعترض
~~أنه إنما يتأتى العطف على المحل إذا جاز ظهور المحل في ms04410 فصيح الكلام
~~كقوله:

# ولسنا بالجبال ولا الحديدا

# وبشر لا تسقط باؤه من المبشر به في الفصيح. وزعم بعضهم أن العطف على {
~~بإسحق } على توهم نصبه لأنه في معنى وهبنا لها إسحاق فيكون كقوله:

# (مشائيم) ليسوا مصلحين عشيرة

# ولا ناعب إلا ببين غرابها

# إلا أنه توهم في هذا وجود الباء في المعطوف عليه على عكس ما في الآية
~~الكريمة، ويقال لمثل هذا: عطف التوهم، ولا يخفى ما في هذه التسيمة هنا من
~~البشاعة على أن هذا العطف شاذ لا ينبغي التخريج عليه مع وجود غيره، وبهذا
~~اعترض على الزمخشري من حمل كلامه حيث قال: ((وقرىء بالنصب كأنه قيل:
~~وهبنا لها إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب على طريقة قوله:

# مشائيم ))

# البيت عليه لما أنه الظاهر منه، وقال في الكشف أراد أنه عطف معنوي ومثله
~~شائع مستفيض في العطف والإضمار على شريطة التفسير وغيرهما، وإنما شبهه
~~بقوله:

# ولا ناعب

# تنبيها على أن ذلك مع بعده لما كان واقعا فهذا أجدر، والغرض من
~~التشبيه أن غير الموجود في اللفظ جعل بمنزلته وأعمل، ولا يخفى أنه خلاف
~~المتبادر من عبارته، وقيل: إنه معطوف على لفظ { إسحق } وفتحته للجر
~~لأنه غير مصروف للعلمية والعجمة، وعلى هذا دخوله في البشارة ظاهر إلا أنه
~~قيل عليه: إنه يلزمه الفصل بين نائب الجار ومجروره وهو أبعد منه بين
~~الجار ومجروره، وفي «البحر» ((أن من ذهب إلى أنه معطوف على ما ذكر فقوله
~~ضعيف لأنه لا يجوز الفصل بالظرف أو المجرور بين حرف العطف ومعطوفه
~~المجرور، فلا يجوز مررت بزيد اليوم وأمس عمرو فإن جاء ففي شعر، فإن كان
~~المعطوف منصوبا أو مرفوعا ففي جواز ذلك خلاف نحو قام زيد واليوم عمرو
~~وضربت زيدا واليوم عمرا))، وقرأ الحرميان والنحويان وأبو بكر { يعقوب }
~~بالرفع على الابتداء، { ومن ورآء } الخبر كأنه قيل ومن وراء إسحاق
~~يعقوب كائن أو موجود أو مولود  قال النحاس: والجملة حال داخلة في
~~البشارة أي فبشرناها بإسحاق متصلا به يعقوب.

# وأجاز أبو علي أن يرتفع بالجار والمجرور كما ms04411 أجازه الأخفش، وقيل: إنه
~~جائز على مذهب الجمهور أيضا لاعتماده على ذي الحال، وتعقب بأنه وهم لأنه
~~الجار والمجرور إذا كان حالا لا يجوز اقترانه بالواو فليتدبر. وجوز
~~النحاس أيضا أن يكون فاعلا بإضمار فعل تقديره ويحدث من وراء إسحاق
~~يعقوب. قال ابن عطية: وعلى هذا لا يدخل في البشارة، وقد مر ما يعلم منه
~~الجواب، و { ورآء } هنا بمعنى خلف وبذلك فسرها الراغب وغيره هنا، وهو
~~رواية عن ابن عباس، وفي رواية أخرى عنه تفسيرها بولد الولد وهو أحد
~~معانيها كما في «الصحاح»، و«القاموس»، وبذلك قال الشعبي، واختاره أبو
~~عبيدة. واستشكل بأن يعقوب ولد إسحاق عليه السلام لصلبه لا ولد ولده،
~~ولدفع ذلك قال الزمخشري فيما نقل عنه: إن وجه هذا التفسير أن يراد بيعقوب
~~أولاده كما يقال: هاشم ويراد أولاده فكأنه قيل: من ولد ولد إسحاق أولاد
~~يعقوب، ويتضمن ذلك البشارة بيعقوب من طريق الأولى، وقيل: وجه ذلك أنه سمي
~~ولد إسحاق وراء بالنسبة إليها أي وراؤها من إسحاق كأنهم بشروها بأن تعيش
~~حتى ترى ولد ولدها، أو بأن يولد لولدها ولد، قيل: وهذا أقرب، والمنقول عن
~~الزمخشري أظهر، والمعول عليه تفسيره بمعنى خلف إذ في كلا الوجهين تكلف لا
~~يخفى، والاسمان يحتمل وقوعهما في البشارة كما في قوله تعالى:

# نبشرك بغلم اسمه يحيى

# [مريم: 7] وهو الأظهر. وروي عن السدي. ويحتمل أنها بشرت بولد وولد ولد
~~من غير تسمية ثم سميا بعد الولادة، وتوجيه البشارة إليها مع أن الأصل في
~~ذلك إبراهيم عليه السلام، وقد وجهت إليه في آيتي الحجر والذاريات للإيذان
~~بأن ما بشر به يكون منهما ولكونها عقيمة حريصة على الولد وكانت قد تمنته
~~حينما ولد لهاجر إسماعيل عليه السلام.

### || [11.72]

# { قالت } استئناف بياني كأن سائلا سأل ما فعلت حين بشرت؟ فقيل:
~~قالت: { يويلتى } من الويل وأصله الخزي، ويستعمل في كل أمر فظيع،
~~والمراد هنا التعجب وقد كثرت هذه الكلمة على أفواه النساء إذ طرأ عليهن
~~ما يتعجبن منه. والظاهر أن الألف بدل من ياء المتكلم، ms04412 ولذا أمالها أبو
~~عمرو وعاصم في رواية، وبهذا يلغز فيقال: ما ألف هي ضمير مفرد متكلم؟ وقرأ
~~الحسن { يا ويلتي } بالياء على الأصل. وقيل: إنها ألف الندبة ولذا
~~يلحقونها الهاء فيقولون: يا ويلتاه { ءألد وأنا عجوز } ابنة
~~تسعين سنة على ما روي عن ابن إسحاق، أو تسع وتسعين على ما روي عن مجاهد.
~~/ { وهذا } الذي تشاهدونه { بعلي } أي زوجي، وأصل البعل القائم
~~بالأمر فأطلق على الزوج لأنه يقوم بأمر الزوجة، وقال الراغب: ((هو الذكر
~~من الزوجين وجمعه بعولة نحو فحل وفحولة، ولما تصوروا من الرجل استعلاءا
~~على المرأة فجعل سائسها والقائم عليها؛ وسمي به شبه كل مستعل على غيره به
~~فسمي باسمه، ومن هنا سمي العرب معبودهم الذي يتقربون به إلى الله تعالى
~~بعلا لاعتقادهم ذلك فيه)) { شيخا } ابن مائة سنة أو مائة وعشرين، وهو
~~من شاخ يشيخ، وقد يقال: للأنثى شيخة كما قال:

# وتضحك مني (شيخة) عبشمية

# ويجمع على أشياخ وشيوخ وشيخان ونصبه على الحال عند البصريين، والعامل
~~فيه ما في { هذا } من معنى الإشارة أو التنبيه. قال الزجاج: ومثل هذه
~~الحال من لطيف النحو وغامضه إذ لا تجوز إلا حيث يعرف الخبر؛ ففي قولك:
~~هذا زيد قائما لا يقال إلا لمن يعرفه فيفيده قيامه ولو لم يكن كذلك لزم
~~أن لا يكون زيدا عند عدم القيام وليس بصحيح فهنا بعليته معروفة،
~~والمقصود بيان شيوخته وإلا لزم أن لا يكون بعلها قبل الشيخوخة قاله
~~الطيبي، ونظر فيه بأنه إنما يتوجه إذا لم تكن الحال لازمة غير منفكة أما
~~في نحو هذا أبوك عطوفا فلا يلزم المحذور، والحال هوهنا مبينة هيئة
~~الفاعل أو المفعول لأن العامل فيها ما أشير إليه وبذلك التأويل يتحد عامل
~~الحال وذيها، وذهب الكوفيون إلى أن هذا يعمل عمل كان و { شيخا } خبره
~~وسموه تقريبا.

# وقرأ ابن مسعود وهو في مصحفه والأعمش  شيخ  بالرفع على أنه خبر محذوف
~~أي هو شيخ، أو خبر بعد خبر، وفي «البحر» إن الكلام على هذا كقولهم: هذا
~~حلو حامض، أو ms04413 هو الخبر، و { بعلي } بدل من اسم الإشارة أو بيان له،
~~وجوز أن يكون { بعلي } الخبر، و  شيخ  تابعا له، وكلتا الجملتين
~~وقعت حالا من الضمير في { أألد } لتقرير ما فيه من الاستبعاد
~~وتعليله أي أألد وكلانا على حالة منافية لذلك ((وإنما قدمت بيان حالها
~~على بيان حاله عليه السلام لأن مباينة حالها لما ذكر من الولادة أكثر إذ
~~ربما يولد للشيوخ من الشواب أما العجائز داؤهن عقام، ولأن البشارة متوجهة
~~إليها صريحا ولأن العكس في البيان ربما يوهم من أول الأمر نسبة المانع
~~عن الولادة إلى جانب إبراهيم عليه السلام وفيه ما لا يخفى من المحذور،
~~واقتصارها في الاستبعاد على ولادتها من غير تعرض لحال النافلة لأنها
~~المستبعدة وأما ولادة ولدها فلا يتعلق بها استبعاد)) قاله شيخ الإسلام.

# { إن هذا } أي ما ذكر من حصول الولد من هرمين مثلنا، وقيل: هو
~~إشارة إلى الولادة أو البشارة بها، والتذكير لأن المصدر في تأويل { إن }
~~مع الفعل ولعل المآل أن هذا الفعل { لشيء عجيب } أي من سنة الله
~~تعالى المسلوكة في عباده. والجملة تعليل بطريق الاستئناف التحقيقي
~~ومقصدها كما قيل: استعظام نعمة الله تعالى عليها في ضمن الاستعجاب العادي
~~لا استبعاد ذلك من حيث القدرة.

### || [11.73]

# { قالوا أتعجبين من أمر الله } أي قدرته وحكمته أو
~~تكوينه أو شأنه سبحانه أنكروا عليها تعجبها لأنها كانت ناشئة في بيت
~~النبوة ومهبط الوحي ومحل الخوارق فكان حقها أن تتوقر ولا يزدهيها ما
~~يزدهي سائر النساء من أمثال هذه الخوارق من ألطاف الله سبحانه الخفية
~~ولطائف صنعه الفائضة على كل أحد ممن يتعلق بإفاضته عليه مشيئته تعالى
~~الأزلية لا سيما أهل بيت النبوة الذين هم هم وأن تسبح الله تعالى وتمجده
~~وتحمده، وإلى ذلك أشاروا بقوله تعالى: { رحمت الله } المستتبعة كل
~~خير / ووضع المظهر موضع المضمر لزيادة تشريفها والإيماء إلى عظمتها {
~~وبركته } أي خيراته النامية المتكاثرة التي من جملتها هبة
~~الأولاد، وقيل: الرحمة النبوة والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن
~~الأنبياء عليهم السلام منهم وكلهم ms04414 من ولد إبراهيم عليه السلام؛ وقيل:
~~رحمته تحيته وبركاته فواضل خيره بالخلة والإمامة.

# { عليكم أهل البيت } نصب على المدح أو الاختصاص كما ذهب
~~إليه كثير من المعربين، قال أبو حيان: وبينهما فرق ولذلك جعلهما سيبويه
~~في بابين وهو أن المنصوب على المدح لفظ يتضمن بوضعه المدح كما أن المنصوب
~~على الذم يتضمن بوضعه الذم والمنصوب على الاختصاص يقصد به المدح أو الذم
~~لكن لفظه لا يتضمن بوضعه ذلك كقول رؤية:

# بنا تميما يكشف الضباب ))

# انتهى، وفي «الهمع» أن النصب في الاختصاص بفعل واجب الإضمار وقدره
~~سيبويه  بأعني  ويختص بأن الواقعة بعد ضمير المتكلم كأنا أفعل كذا أيها
~~الرجل وكاللهم اغفر لنا أيتها العصابة، وحكمها في هذا الباب  إلا عند
~~السيرافي والأخفش  حكمها في باب النداء ويقوم مقامها في الأكثر كما 
~~قال سيبويه  بنو نحو قوله:

# نحن بني ضبة أصحاب الجمل

# ومنه قوله:

# نحن بنات طارق

# نمشي على النمارق

# ومعشر كقوله:

# لنا معشر الأنصار مجد مؤثل

# بإرضائنا خير البرية أحمدا

# وفي الحديث

# " نحن معاشر الأنبياء لا نورث "

# وآل وأهل، وأبو عمرو لا ينصب غيرهما وليس بشيء، وقل كون ذلك علما كما
~~في بيت رؤبة السابق في كلام أبي حيان، ولا يكون اسم إشارة ولا غيره ولا
~~نكرة البتة ولا يجوز تقديم اسم الاختصاص على الضمير، وقل وقوع الاختصاص
~~بعد ضمير المخاطب كسبحانك الله العظيم، وبعد لفظ غائب في تأويل المتكلم
~~أو المخاطب نحو على المضارب الوضيعة أيها البائع، فالمضرب لفظ غيبة لأنه
~~ظاهر لكنه في معنى على أو عليك، ومنع ذلك الصفار البتة لأن الاختصاص شبه
~~النداء فكما لا ينادى الغائب فكذلك لا يكون فيه الاختصاص انتهى مع أدنى
~~زيادة وتغيير، ومنه يعلم بعض ما في كلام أبي حيان وأن حمل ما في الآية
~~الكريمة على الاختصاص انتهى مع أدنى زيادة وتغيير، ومنه يعلم بعض ما في
~~كلام أبي حيان وأن حمل ما في الآية الكريمة على الاختصاص من ارتكاب ما
~~قل في كلامهم، وجوز في «الكشاف» نصبه على النداء، وقدمه ms04415 على احتمال النصب
~~على الاختصاص، ولعله أشار بذلك إلى ترجيحه على الاحتمال الثاني لكن ذكر
~~بعض الأفاضل إن في ذلك فوات معنى المدح المناسب للمقام.

# والمراد من البيت  كما في «البحر»  بيت السكنى، وأصله مأوى الإنسان
~~بالليل، ثم قد يقال من غير اعتبار الليل فيه، ويقع على المتخذ من حجر ومن
~~مدر ومن صوف ووبر، وعبر عن مكان الشيء بأنه بيته ويجمع على بيوت وأبيات،
~~وجمع الجمع أباييت وبيوتات وأبياوات، ويصغر على بييت وبييت بالكسر،
~~ويقال: بويت كما تقوله العامة، وصرف الخطاب من صيغة الواحدة إلى الجمع
~~ليكون جوابهم عليهم السلام لها جوابا لمن يخطر بباله مثل ما خطر ببالها
~~من سائر أهل البيت.

# والجملة كلام مستأنف علل به إنكار تعجبها فهي جملة خبرية، واختاره جمع
~~من المحققين، وقيل: هي دعائية وليس بذاك، واستدل بالآية على دخول الزوجة
~~في أهل البيت، وهو الذي ذهب إليه السنيون، ويؤيده ما في سورة الأحزاب،
~~وخالف في ذلك الشيعة فقالوا: لا تدخل إلا إذا كانت قريب الزوج ومن نسبه
~~فإن المراد من البيت بيت النسب لا بيت الطين والخشب، ودخول سارة رضي الله
~~تعالى عنها هنا لأنها بنت عمه، وكأنهم حملوا البيت على الشرف كما هو أحد
~~معانيه، وبه فسر في قول العباس رضي الله تعالى عنه يمدح النبي صلى الله
~~عليه وسلم:

# / حتى احتوى (بيتك) المهيمن من

# خندف علياء تحتها النطف

# ثم خصوا الشرف بالشرف النسبي وإلا فالبيت بمعنى النسب مما لم يشع عند
~~اللغويين، ولعل الذي دعاهم لذلك بغضهم لعائشة رضي الله تعالى عنها فراموا
~~إخراجها من حكم

# يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت
~~ويطهركم تطهيرا

# [الأحزاب: 33]، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل الكلام في هذا المقام.

# واستدل بالآية على كراهة الزيادة في التحية على السلام عليكم ورحمة الله
~~وبركاته، وروي ذلك عن غير واحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. أخرج
~~البيهقي في «الشعب» عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رجلا قال له:
~~سلام عليك ورحمة الله وبركاته ms04416 ومغفرته فانتهره ابن عمر وقال: حسبك ما قال
~~الله تعالى، وأخرج عن ابن عباس أن سائلا قام على الباب وهو عند ميمونة
~~فقال: السلام عليكم أهل البيت ما قال الله تعالى، وأخرج عن ابن عباس أن
~~سائلا قام على الباب وهو عند ميمونة فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة
~~الله وبركاته وصلواته ومغفرته، فقال: انتهوا بالتحية إلى ما قال الله
~~سبحانه، وفي رواية عن عطاء قال: كنت جالسا عند ابن عباس فجاء سائل فقال:
~~السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه فقال: ما هذا السلام؟!
~~وغضب حتى احمرت وجنتاه إن الله تعالى حد للسلام حدا ثم انتهى ونهى عما
~~وراء ذلك ثم قرأ { رحمة الله وبركاته عليكم أهل
~~البيت }.

# { إنه حميد } قال أبو الهيثم: أي تحمد أفعاله، وفي «الكشاف» أي
~~فاعل ما يستوجب به الحمد من عباده ففعيل بمعنى مفعول، وجوز الراغب أن
~~يكون { حميد } هنا بمعنى حامد ولعل الأول أولى { مجيد } أي كثير
~~الخير والإحسان، وقال ابن الأعرابي: هو الرفيع يقال: مجد كنصر وكرم
~~مجدا ومجادة أي كرم وشرف؛ وأصله من مجدت الإبل إذا وقعت في مرعى كثير
~~واسع، وقد أمجدها الراعي إذا أوقعها في ذلك، وقال الأصمعي: يقال: أمجدت
~~الدابة إذا أكثرت علفها، وقال الليث: أمجد فلان عطاءه ومجده إذا كثره،
~~ومن ذلك قول أبي حية النميري:

# تزيد على صواحبها وليست

# (بماجدة) الطعام ولا الشراب

# أي ليست بكثيرة الطعام ولا الشراب، ومن أمثالهم في كل شجر نار، واستمجد
~~المرخ والعفار أي استكثر من ذلك، وقال الراغب: أي تحري السعة في بذل
~~الفضل المختص به، وقال ابن عطية: مجد الشيء إذا حسنت أوصافه، والجملة على
~~ما في «الكشف» تذييل حسن لبيان أن مقتضى حالها أن تحمد مستوجب الحمد
~~المحسن إليها بما أحسن وتمجده إذ شرفها بما شرف، وقيل: هي تعليل لما سبق
~~من قوله سبحانه: { رحمة الله وبركاته عليكم }.

### || [11.74]

# { فلما ذهب عن إبرهيم الروع } أي الخوف والفزع، قال
~~الشاعر:

# إذا أخذتها هزة (الروع) أمسكت

# بمنكب مقدام على الهول ms04417 أروعا

# والفعل راع، ويتعدى بنفسه كما في قوله:

# (ما راعني) إلا حمولة أهلها

# وسط الديار تسف حب الخمخم

# والروع بضم الراء النفس وهي محل الروع. والفاء لربط بعض أحوال إبراهيم
~~عليه السلام ببعض غب انفصالها بما ليس بأجنبي من كل وجه بل له مدخل في
~~السياق والسباق، وتأخر الفاعل عن الظرف لكونه مصب الفائدة، والمعنى لما
~~زال عنه ما كان أوجسه منهم من الخيفة وأطمأنت نفسه بالوقوف على جلية
~~أمرهم { وجآءته البشرى يجدلنا في قوم لوط } أي
~~يجادل رسلنا في حالهم وشأنهم، ففيه مجاز في الإسناد. وكانت مجادلته عليه
~~السلام لهم ما قصه الله سبحانه في قوله سبحانه في سورة العنكبوت:

# ولما جآءت رسلنآ إبرهيم بالبشرى قالوا إنا
~~مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا
~~ظلمين قال إن فيها لوطا

# [العنكبوت: 31-32] فقوله عليه السلام: { إن فيها لوطا } مجادلة
~~وعد ذلك مجادلة لأن مآله على ما قيل: كيف تهلك قرية فيها من هو مؤمن غير
~~مستحق للعذاب؟ ولذا أجابوه بقولهم:

# نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا
~~امرأته

# [العنكبوت: 32] وهذا القدر من القول هو المتيقن.

# وعن حذيفة أنهم لما قالوا له عليه السلام ما قالوا، قال: أرأيتم إن كان
~~فيها خمسون من المسلمين أتهلكونها؟ وقالوا: لا، قال: فثلاثون؟ قالوا: لا،
~~قال: فعشرون، قالوا: لا، قال: فإن كان فيهم عشرة أو خمسة  شك الراوي ؟
~~قالوا: لا، قال: أرأيتم إن كان فيها رجل واحد من المسلمين أتهلكونها؟
~~قالوا: لا، فعند ذلك قال:

# إن فيها لوطا

# [العنكبوت: 32] فأجابوه بما أجابوه، وروي نحو ذلك عدة روايات الله تعالى
~~أعلم بصحتها، وفسر بعضهم المجادلة بطلب الشفاعة، وقيل: هي سؤاله عن
~~العذاب هل هو واقع بهم لا محالة أم على سبيل الإخافة ليرجعوا إلى الطاعة؟
~~وأيا ما كان  فيجادلنا  جواب  لما  وكان الظاهر جادلنا إلا أنه عبر
~~بالمضارع لحكاية الحال الماضية واستحضار صورتها، وقيل: إن  لما  كلو
~~تقلب المضارع ماضيا كما أن  أن  تقلب الماضي مستقبلا، وقيل: الجواب
~~محذوف. وهذه الجملة في موضع الحال من فاعله ms04418 أي أخذ أو أقبل مجادلا لنا،
~~وآثر هذا الوجه الزجاج ولكنه جعله مع حكاية الحال وجها واحدا لأنه قال:
~~ولم يذكر في الكلام أخذ لأن الكلام إذا أريد به حكاية حال ماضية قدر فيه
~~أخذ وأقبل لأنك إذا قلت: قام زيد دل على فعل ماض، وإذا قلت: أخذ زيد يقوم
~~دل على حال ممتدة من أجلها ذكر أخذ وأقبل، وصنيع الزمخشري يدل على أنهما
~~وجهان، وتحقيقه على ما في «الكشف» أنه إذا أريد استمرار الماضي فهو كما
~~ذكره الزجاج، وإن أريد التصوير المجرد فلا، وقيل: الجواب محذوف.

# والجملة مستأنفة استئنافا نحويا أو بيانيا وهي دليل عليه، والتقدير
~~اجترأ على خطابنا أو فطن بمجادلتنا وقال: كيت وكيت، واختاره في «الكشاف»،
~~وقيل: إن هذه الجملة  وكذا الجملة التي قبلها  في موضع الحال من {
~~إبراهيم } على الترادف أو التداخل وجواب (لما) قلنا يقدر قبل

# يآإبرهيم أعرض عن هذا

# [هود: 76]، وأقرب الأقوال أولها ((والبشرى إن فسرت بقولهم:

# لا تخف

# [هود: 70] فسببية ذهاب الخوف ومجيء السرور للمجادلة ظاهرة، وأما إن فسرت
~~ببشارة الولد  كما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن قتادة واختاره
~~جمع أو بما يعمها  فلعل سببيتها لها من حيث أنها تفيد زيادة اطمئنان
~~قلبه عليه السلام بسلامته وسلامة أهله كافة كذا قاله مولانا شيخ الإسلام،
~~ثم قال: إن قيل: إن المتبادر من هذا الكلام أن يكون إبراهيم عليه السلام
~~قد علم أنهم مرسلون لإهلاك قوم لوط قبل ذهاب الروع عن نفسه ولكن لم يقدر
~~على مجادلتهم في شأنهم لاشتغاله بشأن نفسه، فلما ذهب عنه الروع فرغ لها
~~مع أن ذهاب الروع إنما هو قبل العلم بذلك لقوله سبحانه:

# قالوا لا تخف إنآ أرسلنآ إلى قوم لوط

# [هود: 70] قلنا: كان لوط عليه السلام على شريعة إبراهيم عليه السلام
~~وقومه مكلفين بها فلما رأى من الملائكة عليهم السلام ما رأى خاف على نفسه
~~وعلى كافة أمته التي من جملتهم قوم لوط، ولا ريب في تقدم هذا الخوف على
~~قولهم:

# لا تخف

# [هود: 70] وأما الذي ms04419 علمه عليه السلام بعد النهي فهو اختصاص قوم لوط
~~بالهلاك لا دخول لهم تحت العموم فتأمل)) انتهى.

# وفيه أن كون الكل أمته في حيز المنع، وما أشار إليه من اتحاد الشريعتين
~~إن أراد به الاتحاد في الأصول كاتحاد شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم مع
~~شريعة إبراهيم عليه السلام فمسلم لكن لا يلزم منه ذلك، وإن أراد به
~~الاتحاد في الأصول والفروع فغير مسلم ولو سلم ففي لزوم كون الكل أمته له
~~تردد على أنه لو سلمنا كل ذلك / فلقائل أن يقول: سلمنا أنه عليه السلام
~~لما رأى من الملائكة عليهم السلام ما رأى حصل له خوف على نفسه وعلى كافة
~~أمته التي من جملتهم قوم لوط عليه السلام لكن لا نسلم أن هذا الخوف كان
~~عن علم بأن أولئك الملائكة كانوا مرسلين لإهلاك الكل المندرج فيه قوم لوط
~~بل عن تردد وتحير في أمرهم، وحينئذ لا ينحل السؤال بهذا الجواب كما لا
~~يخفى على المتبصر، وكأنه لذلك أمر بالتأمل.

# وقد يقال: المفهوم من الكلام تحقق المجادلة بعد تحقق مجموع الأمرين ذهاب
~~الروع ومجيء البشارة، وهو لا يستدعي إلا سبق العلم بأنهم مرسلون لإهلاك
~~قوم لوط على تحقق المجموع، ويكفي في ذلك سبقه على تحقق البشارة، وهذا
~~العلم مستفاد من قولهم له:

# لا تخف إنآ أرسلنآ إلى قوم لوط

# [هود: 70] وكأنه عليه السلام إنما لم يجادل بعد هذا العلم، وأخر
~~المجادلة إلى مجيء البشارة ليرى ما ينتهى إليه كلام الملائكة عليهم
~~السلام، أو لأنه لم يقع فاصل سكوت في البين ليجادل فيه إلا أن هذا لا يتم
~~إلا أن يكون الإخبار بالإرسال إلى قوم لوط سابقا على البشارة بالولد،
~~وفيه تردد. وفي بعض الآيات ما هو ظاهر في سبق البشارة على الإخبار بذلك،
~~نعم يمكن أن يلتزم سبق الإخبار على البشارة، ويقال: إنهم أخبروه أولا ثم
~~بشروه ثانيا، ثم بعد أن تحقق مجموع الأمرين قال:

# فما خطبكم أيها المرسلون

# [الحجر: 57] ويقال: الرماد منه السؤال عن حال العذاب هل هو واقع ms04420 بهم لا
~~محالة أم هو على سبيل الإخافة ليرجعوا إلى الإيمان؟ وتفسير المجادلة به
~~كما مر عن بعض فتدبر ذاك والله سبحانه يتولى هداك.

### || [11.75]

# { إن إبرهيم لحليم } غير عجول على الانتقام إلى المسيء إليه
~~{ أوه } كثير التأوه من الذنوب والتأسف على الناس { منيب } راجع
~~إلى الله تعالى، والمقصود من وصفه عليه السلام بهذه الصفات المنبئة عن
~~الشفقة ورقة القلب بيان ما حمله على ما صدر عنه من المجادلة، وحمل الحلم
~~على عدم العجلة والتأني في الشيء مطلقا، وجعل المقصود من الوصف بتلك
~~الصفات بيان ما حمله على المجادلة وإيقاعها بعد أن تحقق ذهاب الروع ومجيء
~~البشرى لا يخفى حاله.

### || [11.76]

# { يإبراهيم } على تقدير القول ليرتبط بما قبل أي قالت الملائكة
~~أو قلنا يا إبراهيم { أعرض عن هذا } الجدال { إنه } أي
~~الشأن { قد جآء أمر ربك } أي قدره تعالى المقضي بعذابهم، وقد
~~يفسر بالعذاب، ويراد بالمجيء المشارفة فلا يتكرر مع قوله سبحانه: {
~~وإنهم آتيهم عذاب غير مردود } أي لا بجدال ولا بدعاء
~~ولا بغيرهما إذ حاصل ذلك حينئذ شارفهم ثم وقع بهم، وقيل: لا حاجة إلى
~~اعتبار المشارفة، والتكرار مدفوع بأن ذاك توطئة لذكر كونه غير مردود.
~~وقرأ عمرو بن هرم  وإنهم أتاهم  بلفظ الماضي، و { عذاب } فاعل به،
~~وعبر بالماضي لتحقيق الوقوع.

### || [11.77]

# { ولما جآءت رسلنا لوطا } عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما قال: انطلقوا من عند إبراهيم عليه السلام وبين القريتين أربعة
~~فراسخ ودخلوا عليه في صورة غلمان مرد حسان الوجوه فلذلك { سيء بهم
~~} أي أحدث له عليه السلام مجيئهم المساءة لظنه أنهم أناس فخاف أن يقصدهم
~~قومه ويعجز عن مدافعتهم، وقيل: كان بين القريتين ثمانية أميال فأتوها
~~عشاءا، وقيل نصف النهار ووجدوا لوطا في حرث له. وقيل: وجدوا بنتا له
~~تستقي ماءا من نهر سدوم وهي أكبر محل للقوم فسألوها الدلالة على من
~~يضيفهم ورأت هيأتهم فخافت عليهم من قوم أبيها فقالت لهم: مكانكم وذهبت
~~إلى أبيها فأخبرته فخرج إليهم فقالوا: / إنا نريد أن تضيفنا الليلة، ms04421
~~فقال: أو ما سمعتم بعمل هؤلاء القوم؟ فقالوا: وما عملهم؟ فقال: أشهد
~~بالله تعالى أنهم شر قوم في الأرض، وقد كان الله تعالى قال للملائكة لا
~~تعذبوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما قال هذه قال جبريل عليه
~~السلام: هذه واحدة وتكرر القول منهم حتى كرر لوط الشهادة فتمت الأربع ثم
~~دخل المدينة فدخلوا معه منزله.

# { وضاق بهم ذرعا } أي طاقة وجهدا، وهو في الأصل مصدر ذرع
~~البعير بيديه يذرع في مسيره إذا سار مادا خطوه مأخوذ من الذراع وهي
~~العضو المعروف، ثم توسع فيه فوضع موضع الطاقة والجهد، وذلك أن اليد كما
~~تجعل مجازا عن القوة فالذراع المعروفة كذلك، وفي «الصحاح» ((يقال: ضقت
~~بالأمر ذرعا إذا لم تطقه ولم تقو عليه، وأصل الذرع بسط اليد فكأنك تريد
~~مددت يدي إليه فلم تنله، وربما قالوا: ضقت به ذراعا، قال حميد بن ثور
~~يصف ذئبا:

# وإن بات وحشا ليلة لم يضق بها

# (ذراعا) ولم يصبح لها وهو خاشع ))

# وفي «الكشاف» ((جعلت العرب ضيق الذراع والذرع عبارة عن فقد الطاقة كما
~~قالوا: رحب الذراع بكذا إذا كان مطيقا له، والأصل فيه أن الرجل إذا طالت
~~ذراعه نال ما لا يناله القصير الذراع فضرب ذلك مثلا في العجز والقدرة،
~~ونصبه على أنه تمييز محول عن الفاعل أي ضاق بأمرهم وحالهم ذرعه، وجوز أن
~~يكون الذرع كناية عن الصدر والقلب، وضيقه كناية عن شدة الانقباض للعجز عن
~~مدافعة المكروه والاحتيال فيه، وهو على ما قيل: كناية متفرعة على كناية
~~أخرى مشهورة؛ وقيل: إنه مجاز لأن الحقيقة غير مرادة هنا؛ وأبعد بعضهم في
~~تخريج هذا الكلام فخرجه على أن المراد أن بدنه ضاق قدر عن احتمال ما وقع.

# { وقال هذا } اليوم { يوم عصيب } أي شديد، وأصله من العصب
~~بمعنى الشد كأنه لشدة شره عصب بعضه ببعض، وقال أبو عبيدة: سمي بذلك لأنه
~~يعصب الناس بالشر، قال الراجز:

# يوم عصيب يعصب الأبطالا

# عصب القوي السلم الطوالا

# وفي معناه العصبصب والعصوصب.

### || [11.78]

# { وجآءه } أي لوطا وهو ms04422 في بيته مع أضيافه { قومه يهرعون
~~إليه } قال أبو عبيدة: أي يستحثون إليه كأنه يحث بعضهم بعضا، أو
~~يحثهم كبيرهم ويسوقهم، أو الطمع في الفاحشة، والعامة على قراءته مبنيا
~~للمفعول، وقرأ جماعة { يهرعون } بفتح الياء مبنيا للفاعل من هرع، وأصله
~~من الهرع وهو الدم الشديد السيلان كأن بعضه يدفع بعضا، وجاء أهرع القوم
~~إذا أسرعوا، وفسر بعضهم الإهراع بالمشي بين الهرولة والجمز، وعن ابن عباس
~~أنه سئل عما في الآية، فقال: المعنى يقبلون إليه بالغضب، ثم أنشد قول
~~مهلهل:

# فجاءوا يهرعون وهم أسارى

# نقودهم على رغم الأنوف

# وفي رواية أخرى عنه أنه فسر ذلك بيسرعون وهو بيان للمراد ويستقيم على
~~القرائتين، وجملة { يهرعون } في موضع الحال من (قومه) أي جاؤوا
~~مهرعين إليه. روي أنه لما جاء لوط بضيفه لم يعلم ذلك أحد إلا أهل بيته
~~فخرجت امرأته حتى أتت مجالس قومها فقالت: إن لوطا قد أضاف الليلة فئة ما
~~رؤي مثلهم جمالا فحينئذ جاؤوا يهرعون إليه { ومن قبل } أي من قبل
~~وقت مجيئهم، وقيل: من قبل بعث لوط رسولا إليهم { كانوا يعملون
~~السيئات } قيل: المراد سيئة إتيان الذكور إلا أنها جمعت باعتبار
~~تكررها أو باعتبار فاعليها. وقيل: المراد ما يعم ذلك، وإتيان النساء في
~~محاشهن والمكاء والصفير واللعب بالحمام والقمار والاستهزاء / بالناس وغير
~~ذلك، والمراد من ذكر عملهم السيئات من قبل بيان أنهم اعتادوا المنكر فلم
~~يستحيوا فلذلك أسرعوا لطلب الفاحشة من ضيوفه مظهرين غير مكترثين، فالجملة
~~معترضة لتأكيد ما قبلها. وقيل: إنها بيان لوجه ضيق صدره لما عرف من
~~عادتهم، وجعلها شيخ الإسلام في موضع الحال كالتي قبلها أي جاؤوا مسرعين،
~~والحال أنهم كانوا منهمكين في عمل السيئات.

# { قال يقوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم }
~~فتزوجوهن وكانوا يطلبونهن من قبل ولا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءتهم لا لعدم
~~مشروعية تزويج المؤمنات من الكفار فإنه كان جائزا، وقد زوج النبي صلى
~~الله عليه وسلم ابنته زينب لأبي العاص بن الربيع وابنته رقية لعتبة بن
~~أبي لهب قبل الوحي وكانا كافرين إلا ms04423 أن عتبة لم يدخل بها وفارقها بطلب
~~أبيه حين نزلت

# تبت يدآ أبى لهب

# [المسد: 1] فتزوجها عثمان رضي الله تعالى عنه، وأبا العاص كان قد دخل
~~بها لكن لما أسر يوم بدر وفادى نفسه أخذ النبي صلى الله عليه وسلم العهد
~~عليه أن يردها إذا عاد فأرسل عليه الصلاة والسلام زيد بن حارثة ورجلا من
~~الأنصار في طلبها فجاءا بها ثم أنه أسلم وأتى المدينة فردها عليه الصلاة
~~والسلام إليه بنكاح جديد أو بدونه على الخلاف.

# وقال الحسن بن الفضل: إنه عليه السلام عرض بناته عليهم بشرط الإسلام،
~~وإلى ذلك ذهب الزجاج، وهو مبني على أن تزويج المسلمات من الكفار لم يكن
~~جائزا إذ ذاك، وقيل: كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه ولم
~~يكن له عليه السلام سواهما، واسم إحداهما  على ما في بعض الآثار 
~~زعوراء والأخرى زيتاء، وقيل: كان له عليه السلام ثلاث بنات، وأخرجه
~~الحاكم وصححه عن ابن عباس، ويؤيده ظاهر الجمع وإن جاء إطلاقه على اثنين،
~~وأيا ما كان فقد أراد عليه السلام بذلك وقاية ضيفه وهو غاية الكرم فلا
~~يقال: كيف يليق به عليه السلام أن يعرض بناته على أعدائه ليزوجهن إياهم؟!
~~نعم استشكل عرض بناته  بناءا على أنهن اثنتان كما هو المشهور، أو ثلاث
~~كما قيل  على أولئك المهرعين ليتزوجوهن مع القول بأنهم أكثر منهن إذ لا
~~يسوغ القول بحل تزوج الجماعة بأقل منهم في زمان واحد، ومن هنا قال بعض
~~أجلة المفسرين: إن ذلك القول لم يكن منه عليه السلام مجريا على الحقيقة
~~من إرادة النكاح بل كان ذلك مبالغة في التواضع لهم وإظهارا لشدة امتعاضه
~~مما أوردوا عليه طمعا في أن يستحيوا منه ويرقوا له إذا سمعوا ذلك
~~فيتركوا ضيوفه مع ظهور الأمر واستقرار العلم عنده وعندهم أن لا مناكحة
~~بينه وبينهم وهو الأنسب بجوابهم الآتي. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس وابن
~~أبي حاتم عن ابن جبير ومجاهد وابن أبي الدنيا وابن عساكر عن السدي أن
~~المراد ببناته عليه السلام ms04424 نساء أمته، والإشارة بهؤلاء لتنزيلهن منزلة
~~الحاضر عنده وإضافتهن إليه لأن كل نبي أب لأمته، وفي قراءة ابن مسعود
~~رضي الله تعالى عنه (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه
~~أمهاتهم) وقرأ أبي رضي الله تعالى عنه مثل ذلك لكنه قدم

# وأزوجه أمهتهم

# [الأحزاب: 6] على  وهو أب لهم  وأراد عليه السلام بقوله: { هن
~~أطهر لكم } أنظف فعلا، أو أقل فحشا كقولك: الميتة أطيب من
~~المغصوب وأحل منه، ويراد من الطهارة على الأول الطهارة الحسية وهي
~~الطهارة عما في اللواطة من الأذى والخبث، وعلى الثاني الطهارة المعنوية
~~وهو التنزه عن الفحش والإثم، وصيغة أفعل في ذلك مجاز، والظاهر أن {
~~هؤلاء بناتي } مبتدأ وخبر، وكذلك { هن أطهر لكم }
~~وجوز أبو البقاء كون { بناتي } بدلا أو عطف بيان { وهن } ضمير
~~فصل، و { أطهر } هو الخبر، وكون { هن } مبتدأ ثانيا، و {
~~أطهر } خبره، والجملة خبر { هؤلاء }.

# / وقرأ الحسن وزيد بن علي وعيسى الثقفي وسعيد بن جبير والسدي { أطهر }
~~بالنصب، وقد خفي وجهه حتى قال عمرو بن العلاء: إن من قرأ { أطهر } بالنصب
~~فقد تربع في لحنه وذلك لأن انتصابه على أن يجعل حالا عمل فيها ما في {
~~هؤلاء } من الإشارة أو التنبيه أو ينصب { هؤلاء } بفعل مضمر كأنه
~~قيل: خذوا هؤلاء و { بناتي } بدل، ويعمل هذا المضمر في الحال و {
~~هن } في الصورتين فصل وهذا لا يجوز لأن الفصل إنما يكون بين المسند
~~والمسند إليه، ولا يكون بين الحال وذيها كذا قيل، وهذا المنع هو المروي
~~عن سيبويه وخالف في ذلك الأخفش فأجاز توسط الفصل بين الحال وصاحبها
~~فيقول: جاء زيد هو ضاحكا، وجعل من ذلك هذه الآية على هذه القراءة، وقيل
~~بوقوعه شذوذا كما في قولهم: أكثر أكلي التفاحة هي نضيجة، ومن منع ذلك
~~خرج هذا على إضمار كان، والآية الكريمة على أن { هن } مبتدأ و {
~~لكم } الخبر، و { أطهر } حال من الضمير في الخبر، واعترض بأن فيه
~~تقديم الحال على عاملها الظرفي، والأكثرون على منعه أو على أن يكون {
~~هؤلاء ms04425 } مبتدأ و { بناتي هن } جملة في موضع خبر المبتدأ
~~كقولك: هذا أخي هو، ويكون { أطهر } حالا وروي هذا عن المبرد وابن
~~جني، أو على أن يكون { هؤلاء } مبتدأ و { بناتي } بدلا منه أو
~~عطف بيان و { هن } خبر و { أطهر } على حاله.

# وتعقب بأنه ليس فيه معنى طائل، ودفع بأن المقصود بالإفادة الحال كما في
~~قولك: هذا أبوك عطوفا، وادعى في «الكشف» أن الأوجه أن يقدروا خذوا هؤلاء
~~أطهر لكم، وقوله: { بناتي هن } جملة معترضة تعليلا للأمر وكونهن
~~أولى قدمت للاهتمام كأنه قيل خذوا هؤلاء العفائف أطهر لكم إن بناتي هن
~~وأنتم تعلمون طهارتي وطهارة بناتي؛ ويجوز أن يقال { هن } تأكيد
~~للمستكن في { بناتي } لأنه وصف مشتق لا سيما على المذهب الكوفي فافهم
~~ولا تغفل.

# { فاتقوا الله } بترك الفواحش أو بإيثارهن عليهم { ولا
~~تخزون في ضيفي } أي لا تفضحوني في شأنهم فإن إخزاء ضيف الرجل
~~إخزاء له، أو لا تخجلوني فيهم، والمصدر على الأول الخزي وعلى الثاني
~~الخزاية، وأصل معنى خزي لحقه انكسار إما من نفسه وهو الحياء المفرط، وإما
~~من غيره وهو الاستخفاف والتفضيح، والضيف في الأصل مصدر، ولذا إذا وصف به
~~المثنى أو المجموع لم يطابق على المشهور، وسمع فيه ضيوف، وأضياف، وضيفان،
~~{ ولا } ناهية، والفعل مجزوم بحذف النون، والموجودة نون الوقاية،
~~والياء محذوفة اكتفاءا بالكسرة، وقرىء بإثباتها على الأصل.

# { أليس منكم رجل رشيد } يهتدي إلى الحق الصريح ويرعوي عن
~~الباطل القبيح. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أنه قال: يأمر بمعروف أو
~~ينهى عن منكر، وهو إما بمعنى ذو رشد أو بمعنى مرشد كالحكيم بمعنى المحكم.
~~والاستفهام للتعجب، وحمله على الحقيقة لا يناسب المقام.

### || [11.79]

# { قالوا } معرضين عما نصحهم به من الأمر بالتقوى والنهي عن الإخزاء
~~عن أول كلامه { لقد علمت ما لنا في بناتك من حق } أي
~~حق وهو واحد الحقوق، وعنوا به قضاء الشهوة أي ما لنا حاجة في بناتك، وقد
~~يفسر بما يخالف الباطل أي ما لنا في بناتك نكاح حق لأنك لا ترى ms04426 جواز
~~نكاحنا للمسلمات، وما هو إلا عرض سابري كذا قيل، وهو ظاهر في أنه كان من
~~شريعته عليه السلام عدم حل نكاح الكافر المسلمة. وقيل: إنما نفوا أن يكون
~~لهم حق في بناته لأنهم كانوا قد خطبوهن فردهم وكان من سنتهم أن من رد في
~~خطبة امرأة لم تحل له أبدا، وقيل: إنهم لما اتخذوا إتيان الذكور مذهبا
~~كان عندهم هو الحق وأن نكاح الإناث من الباطل فقالوا ما قالوا، وقيل:
~~قالوا ذلك لأن عادتهم كانت أن لا يتزوج الرجل منهم إلا واحدة وكانوا /
~~كلهم متزوجين { وإنك لتعلم ما نريد } أي من إتيان الذكور،
~~والظاهر أن { ما } مفعول لتعلم، وهو بمعنى تعرف، وهي موصولة والعائد
~~محذوف أي الذي نريده، وقيل: إنها مصدرية فلا حذف أي إرادتنا. وجوز أن
~~تكون استفهامية وقعت مفعولا لنريد وهي حينئذ معلقة لتعلم. ولما يئس
~~عليه السلام من إرعوائهم عما هم عليه من الغي.

### || [11.80]

# { قال لو أن لي بكم قوة } أي لو ثبت أن لي قوة ملتبسة
~~بكم بالمقاومة على دفعكم بنفسي لفعلت  فلو  شرطية وجوابها محذوف كما
~~حذف في قوله سبحانه:

# ولو أن قرآنا سيرت به الجبال

# [الرعد: 31] وجوز أن تكون للتمني، و { بكم } حال من { قوة } كما
~~هو المعروف في صفة النكرة إذا قدمت عليها، وضعف تعلقه بها لأن معمول
~~المصدر لا يتقدم عليه في المشهور. وقوله: { أو ءاوي إلى ركن
~~شديد } عطف على ما قبله بناءا على ما علمت من معناه الذي يقتضيه مذهب
~~المبرد، والمضارع واقع موقع الماضي، واستظهر ذلك أبو حيان، وقال الحوفي:
~~إنه عطف على ما تقدم باعتبار أن المراد أو أني آوي، وجوز ذلك أبو البقاء،
~~وكذا جوز أن تكون الجملة مستأنفة، و  الركن  في الأصل الناحية من البيت
~~أو الجبل، ويقال: ركن بضم الكاف، وقد قرىء به ويجمع على أركان، وأراد
~~عليه السلام به القوى شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته أي أو أنضم إلى قوي
~~أتمنع به عنكم وأنتصر به عليكم، وقد عد رسول الله صلى ms04427 الله عليه وسلم هذا
~~القول منه عليه السلام بادرة واستغربه، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي
~~هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " رحم الله تعالى أخي لوطا كان يأوي إلى ركن شديد "

# يعني عليه الصلاة والسلام به الله تعالى فإنه لا ركن أشد منه عز وجل:

# إذا كان غير الله للمرء عدة

# أتته الرزايا من وجوه الفوائد

# وجاء أنه سبحانه لهذه الكلمة لم يبعث بعد لوط نبيا إلا في منعة من
~~عشيرته، وفي «البحر» ((أنه يجوز على رأي الكوفيين أن تكون { أو } بمعنى
~~بل ويكون عليه السلام قد أضرب عن الجملة السابقة، وقال: بل آوي في حالي
~~معكم إلى ركن شديد وكني به عن جناب الله تعالى)) ولا يخفى أنه يأبى
~~الحمل على هذه الكناية تصريح الأخبار الصحيحة بما يخالفها، وقرأ شيبة
~~وأبو جعفر { أوي } بالنصب على إضمار أن بعد { أو } فيقدر بالمصدر
~~عطفا على { قوة } ونظير ذلك قوله:

# ولولا رجال من رزام أعزة

# وآل سبيع أو أسوأك علقما

# أي لو أن لي بكم قوة أو أويا، روي أنه عليه السلام أغلق بابه دون
~~أضيافه وأخذ يجادل قومه عنهم من وراء الباب فتسوروا الجدار فلما رأت
~~الملائكة عليهم السلام ما على لوط من الكرب قالوا: { يلوط إنا
~~رسل ربك... }.

### || [11.81]

# { قالوا يلوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك } بضرر
~~ولا مكروه فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل
~~عليه السلام رب العزة في عقوبتهم فأذن له فلما دنوا طمس أعينهم فانطلقوا
~~عميا يركب بعضهم بعضا وهم يقولون: النجاء النجاء فإن في بيت لوط قوما
~~سحرة، وفي رواية أنه عليه السلام أغلق الباب على ضيفه فجاؤوا فكسروا
~~الباب فطمس جبريل أعينهم فقالوا: يا لوط جئتنا بسحرة وتوعدوه فأوجس في
~~نفسه خيفة قال: يذهب هؤلاء ويذروني فعندها قال جبريل عليه السلام: { لا
~~تخف إنا رسل ربك }.

# { فأسر بأهلك } بالقطع من الإسراء، وقرأ ابن كثير ونافع بالوصل
~~حيث جاء في القرآن من السرى، وقد جاء سرى ms04428 / وهما بمعنى واحد عند أبي
~~عبيدة والأزهري، وعن الليث أسرى سار أول الليل وسرى سار آخره، ولا يقال
~~في النهار: إلا سار وليس هو مقلوب سرى. والفاء لترتيب الأمر بالإسراء على
~~الإخبار برسالتهم المؤذنة بورود الأمر والنهي من جنابه عز وجل إليه عليه
~~السلام، والباء للتعدية أو للملابسة أي سر ملابسا بأهلك { بقطع من
~~اليل } قال ابن عباس: بطائفة منه، وقال قتادة: بعد مضي صدر منه،
~~وقيل: نصفه، وفي رواية أخرى عن الحبر آخره وأنشد قول مالك بن كنانة:

# ونائحة تقوم بقطع ليل

# على رحل أهانته شعوب

# وليس من باب الاستدلال، وإلى هذا ذهب محمد بن زياد لقوله سبحانه:

# نجينهم بسحر

# [القمر: 34] وتعقبه ابن عطية بأنه يحتمل أنه أسرى بأهله من أول الليل
~~حتى جاوزوا البلد المقتلع، ووقعت نجاتهم بسحر، وأصل القطع القطعة من
~~الشيء لكن قال ابن الأنباري: إن ذلك يختص بالليل فلا يقال: عندي قطع من
~~الثوب. وفسر بعضهم القطع من الليل بطائفة من ظلمته، وعن الحبر أيضا
~~تفسيره بنفس السواد، ولعله من باب المساهلة.

# { ولا يلتفت منكم أحد } أي لا يتخلف كما روي عن ابن عباس،
~~أو لا ينظر إلى ورائه كما روي عن قتادة، قيل: وهذا هو المعنى المشهور
~~الحقيق للالتفات، وأما الأول فلأنه يقال: لفته عن الأمر إذا صرفته عنه
~~فالتفت أي انصرف، والتخلف انصراف عن المسير، قال تعالى:

# أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا

# [يونس: 78] أي تصرفنا كذا قال الراغب. وفي «الأساس» أنه معنى مجازي،
~~والنهي في اللفظ لأحد، وفي المعنى للوط عليه السلام على ما نقل عن
~~المبرد، وهذا كما تقول لخادمك: لا يقم أحد في أن النهي في الظاهر لأحد،
~~وهو في الحقيقة للخادم أن لا يدع أحدا يقوم، فالمعنى هنا فأسر بأهلك ولا
~~تدع أحدا منهم يلتفت؛ ولا يخفى أنه على هذا تتم المناسبة بين المعطوف
~~عليه والمعطوف لأن الأول لأمره عليه السلام والثاني لنهيه، ويعلم من هذا
~~أن ضمير { منكم } للأهل.

# وقد صرح بذلك شهاب فلك الفضل الخفاجي، فقال: وههنا ms04429 لطيفة وهو أن
~~المتأخرين من أهل البديع اخترعوا نوعا من البديع سموه تسمية النوع، وهو
~~أن يؤتى بشيء من البديع ويذكر اسمه على سبيل التورية كقوله في البديعية
~~في الاستخدام:

# واستخدموا العين مني فهي جارية

# وكم سمحت بها في يوم بينهم

# وتبجحوا باختراعه، وأنا بمن الله تعالى أقول: إنه وقع في القرآن في هذه
~~الآية لأن قوله سبحانه: { فأسر بأهلك } الخ وقع فيه ضمير {
~~منكم } للأهل فقوله جل وعلا: { لا يلتفت } من تسمية النوع وهذا
~~من بديع النكات انتهى، وسر النهي عن الالتفات بمعنى التخلف ظاهر، وأما
~~سره إذا كان بمعنى النظر إلى وراء فهو أن يجدوا في السير فإن من يلتفت
~~إلى ورائه لا يخلو عن أدنى وقفة أو أن لا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب
~~فيرقوا لهم. وذكر بعضهم أن النهي وكذا الضمير للوط عليه السلام ولأهله أي
~~لا يلتفت أحد منك ومن أهلك.

# { إلا امرأتك } بالنصب وهو قراءة أكثر السبعة. وقرأ ابن كثير
~~وأبو عمرو بالرفع؛ وقد كثر الكلام في ذلك فقال الزمخشري: ((إنه سبحانه
~~استثناها من قوله: { فأسر بأهلك } ويدل عليه قراءة عبد الله 
~~(فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك) ويجوز أن ينتصب / من { لا
~~يلتفت } على أصل الاستثناء، وإن كان الفصيح هو البدل أعني قراءة من
~~قرأ بالرفع فأبدلها من { أحد } ، وفي إخراجها مع أهله روايتان: روي أنه
~~أخرجها معهم وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي فلما سمعت هدة العذاب
~~التفتت وقالت: يا قوماه فأدركها حجر فقتلها. وروي أنه لما أمر أن يخلفها
~~مع قومها فان هواها إليهم فلم يسر بها، واختلاف القراءتين لاختلاف
~~الروايتين)) انتهى. وأورد عليه ابن الحاجب ما خلاصته أنه إما أن يسري بها
~~فالاستثناء من { أحد } متعين أو لا فيتعين من { فأسر بأهلك }
~~والقصة واحدة فأحد التأويلين باطل قطعا، والقراءتان الثابتتان قطعا لا
~~يجوز حملهما على ما يوجب بطلان أحدهما، فالأولى أن يكون { إلا
~~امرأتك } رفعا ونصبا مثل

# ما فعلوه إلا قليل منهم

# [النساء: 66] ولا يبعد أن ms04430 يكون بعض القراء على الوجه الأقوى، وأكثرهم
~~على ما دونه بل جوز بعضهم أن تتفق القراء على القراءة بغير الأقوى.

# وأجاب عنه بعض المغاربة بما أشار إليه في «الكشف» من منع التنافي لأن
~~الاستثناء من الأهل يقتضي أن لا يكون لوط عليه السلام مأمورا بالإسراء
~~بها، ولا يمنع أنها سرت بنفسها، ويكفي لصحة الاستثنائين هذا المقدار كيف
~~ولم ينه عن إخراجها ولكنه أمر بإخراج غيرها، نعم يرد على قوله: واختلاف
~~القراءتين لاختلاف الروايتين أنه يلزم الشك في كلام لا ريب فيه من رب
~~العالمين، ويجاب بأن معناه اختلاف القراءتين جالب وسبب لاختلاف الروايتين
~~كما تقول: السلاح للغزو أي أداة وصالح مثلا له، ولم يرد أن اختلاف
~~القراءتين لأجل اختلاف الروايتين قد حصل، ولا شك أن كل رواية تناسب قراءة
~~وإن أمكن الجمع، وأما قوله: وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي فنقل
~~للرواية لا تفسير للفظ القرآن، وإنما الكائن فيه استثناؤها عن الحكم الذي
~~للاستصلاح إذ لم يعن بها، وإلى معنى ما أشار إليه صاحب «الكشف» في منع
~~التنافي أشار أبو شامة فقال: وقع في تصحيح ما أعربه النحاة معنى حسن،
~~وذلك أن يكون في الكلام اختصار نبه عليه اختلاف القراءتين فكأنه قيل:
~~فأسر بأهلك إلا امرأتك كما قرأ به عبد الله ورواه أبو عبيدة عن مصحفه،
~~فهذا دليل على أن استثناءها من السري بهم، ثم كأنه قال سبحانه: فإن خرجت
~~معكم وتبعتكم من غير أن تكون أنت سريت بها فإنه أهلك عن الالتفات غيرها
~~فإنها ستهلك ويصيبها ما يصيب قومها، فكانت قراءة النصب دالة على المعنى
~~المتقدم، وقراءة الرفع دالة على هذا المعنى المتأخر ومجموعهما دال على
~~جملة المعنى المشروح، ولا يخفى ما في ذلك من التكلف كما قال ابن مالك،
~~ولذا اختار أن الرفع على أن الاستثناء منقطع، و { امرأتك } مبتدأ،
~~والجملة بعدها خبره و { إلا } بمعنى لكن.

# وقال ابن هشام في «المغني» في الجهة الثامنة من الباب الخامس: إن ما
~~ذكره الزمخشري وقد سبقه إليه غيره ms04431 في الآية خلاف الظاهر، والذي حمل
~~القائلين عليه أن النصب قراءة الأكثرين فإذا قدر الاستثناء من { أحد }
~~كانت قراءتهم على الوجه المرجوح، وقد التزم بعضهم جواز مجيء الأمرين
~~مستدلا بقوله تعالى:

# إنا كل شيء خلقنه بقدر

# [القمر: 49] فإن النصب في ذلك عند سيبويه على حد قولهم: زيدا ضربته،
~~ولم ير خوف إلباس المفسر بالصفة مرجحا كما رآه بعض المتأخرين، ثم قال:
~~والذي أجزم به أن قراءة الأكثرين لا تكون مرجوحة وأن الاستثناء على
~~القراءتين من جملة الأمر بدليل سقوط { ولا يلتفت } الخ في قراءة
~~ابن مسعود، والاستثناء منقطع بدليل سقوطه في آية الحجر، ولأن المراد
~~بالأهل المؤمنون وإن لم يكونوا من أهل بيته لا أهل بيته وإن لم يكونوا /
~~مؤمنين كما في قوله تعالى لنوح عليه السلام:

# إنه ليس من أهلك

# [هود: 46] ووجه الرفع أنه على الابتداء، وما بعده الخبر والمستثنى
~~الجملة، ونظيره

# لست عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر *
~~فيعذبه الله

# [الغاشية: 22-24]. واختار أبو شامة ما اخترته من أن الاستثناء منقطع
~~لكنه قال: وجاء النصب على اللغة الحجازية والرفع على التميمية، وهذا يدل
~~على أنه جعل الاستثناء من جملة النهي، وما قدمته أولى لضعف اللغة
~~التميمية، ولما قدمت من سقوط جملة النهي في قراءة عبد الله انتهى.

# واستظهر ذلك الحمصي في «حواشيه على التصريح» واستحسنه غير واحد. وقد نقل
~~أبو حيان القول بالانقطاع على القراءتين وتخريج النصب على اللغة الحجازية
~~والرفع عن الأخرى، ثم قال إنه كلام لا تحقيق فيه فإنه إذا لم يقصد
~~إخراجها من المأمور بالإسراء بهم ولا من المنهيين عن الالتفات وكان
~~المعنى لكن امرأتك يجري عليها كذا وكذا كان من الاستثناء الذي لا يتوجه
~~إليه العامل، وهذا النوع من الاستثناء المنقطع يجب فيه النصب بإجماع
~~العرب، وإنما الخلاف في المنقطع الذي يمكن توجه العامل إليه وفيه نظر،
~~ففي التوضيح لابن مالك حق المستثنى بإلا من كلام تام موجب مفردا كان أو
~~مكملا معنى بما بعده كقوله تعالى:

# إنا لمنجوهم أجمعين * إلا امرأته قدرنآ
~~إنها ms04432 لمن الغبرين

# [الحجر: 59-60] النصب، ولا يعرف أكثر المتأخرين من البصريين إلا النصب،
~~وقد غفلوا عن وروده مرفوعا بالابتداء ثابت الخبر كقول أبي قتادة:
~~أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم، ومحذوفه نحو لا تدري نفس بأي أرض
~~تموت إلا الله، وإلا في ذلك بمعنى لكن أي لكن أبو قتادة لم يحرم ولكن
~~الله يعلم انتهى، وما نحن فيه من قبيل هذا. وفي «حاشيتي البدر الدماميني
~~وتقي الدين الشمني» أن الرضى قد أجاب بما يقتضي أن الاستثناء متصل ولا
~~تناقض، وذلك أنه قال: ولما تقرر أن الأتباع هو الوجه مع الشرائط المذكورة
~~وكان أكثر القراء على النصب في { ولا يلتفت } الخ تكلف الزمخشري
~~لئلا تكون قراءة الأكثر محمولة على وجه غير مختار بما تكلف، واعترضه ابن
~~الحاجب بلزوم التناقض لأن الاستثناء من  أسر بأهلك  يقتضي كونها غير
~~مسرى بها، ومن { لا يلتفت منكم أحد } يقتضي كونها مسرى بها
~~لأن الالتفات بالإسراء، والجواب أن الإسراء وإن كان مطلقا في الظاهر إلا
~~أنه في المعنى مقيد بعدم الالتفات فمآله أسر بأهلك إسراءا لا التفات فيه
~~إلا امرأتك فإنك تسري بها إسراءا مع الالتفات فاستثن على هذا إن شئت من
~~ أسر  أو  لا يلتفت  ولا تناقض وهذا كما تقول: امش ولا تتبختر أي امش
~~مشيا لا تتبختر فيه فكأنه قيل: ولا يلتفت منكم أحد في الإسراء، وكذا امش
~~ولا تتبختر في المشي فحذف الجار والمجرور للعلم به انتهى.

# وأورد عليه السيد السند في «حواشيه» أن الاستثناء إذا رجع إلى القيد كان
~~المعنى فأسر بجميع أهلك إسراءا لا التفات فيه إلا من امرأتك فيكون
~~الإسراء بها داخلا في المأمور به وإذا رجع إلى المقيد لم يكن الإسراء
~~بها داخلا في المأمور به فيكون المحذور باقيا بحاله ولا مخلص عنه إلا
~~بأن يقال: إن تناول العام إياها ليس قطعيا لجواز أن يكون مخصوصا فلا
~~يلزم من رجوع الاستثناء إلى قوله تعالى: { ولا يلتفت } كونه عليه
~~السلام مأمورا بالإسراء بها، وحينئذ يوجه الاستثناء بما ذكر من ms04433 أنها
~~تبعتهم أو أسرى بها مع كونه غير مأمور بذلك إذ لا يلزم من عدم الأمر به
~~النهي عنه فتأمل انتهى.

# وبحث فيه الشهاب ولم يرتض احتمال التخصيص لما أنه لا دليل عليه ويفهم
~~صنيعه ارتضاء كلام الرضى، ثم قال: ومراده بالتقييد أنه ذكر شيآن
~~متعاطفان، فالظاهر أن المراد الجمع بينهما لا أن الجملة حالية فلا يرد /
~~عليه أن الحمل على التقييد مع كون الواو للنسق ممنوع، وكذا جعلها للحال
~~مع لا الناهية، وأيضا القراءة بإسقاطها تدل على عدم اعتبار ذلك التقييد
~~ولا يخلو عن شيء. هذا وقد ألفت في تحقيق هذا الاستثناء عدة رسائل: منها
~~«رسالة للحمصي» وأخرى للعلامة الكافيجي ألفها لبعض سلاطين آل عثمان غمرهم
~~الله سبحانه بصنوف الفضل والإحسان حين طلب منه لبحث وقع في مجلسه ذلك.

# وبالجملة القول بالانقطاع أقل تكلفا فيما يظهر، والقول بأنه حينئذ لا
~~يبقى ارتباط لقوله سبحانه: { إنه مصيبها مآ أصابهم } ناشىء
~~من عدم الالتفات فلا ينبغي أن يلتفت إليه كما لا يخفى على من أحاط خبرا
~~بما تقدم نقله فتأمل، وضمير { إنه } للشأن، و { مآ أصبهم }
~~مبتدأ، و { مصيبها } خبره، والجملة خبر  إن  الذي اسمه ضمير الشأن،
~~وفي «البحر» إن { مصيبها } مبتدأ، و { مآ أصبهم } خبره،
~~والجملة خبر إن، ويجوز على مذهب الكوفيين أن يكون { مصيبها } خبر 
~~إن  و { ما } فاعل به لأنهم يجوزون أنه قائم أخواك، ومذهب البصريين أن
~~ضمير الشأن لا يكون خبره إلا جملة مصرحا بجزأيها فلا يجوز هذا الإعراب
~~عندهم، والأولى ما ذكر أولا؛ والجملة إما تعليل على طريقة الاستئناف أو
~~خبر  لامرأتك  على قراءة الرفع، والمراد من { ما } العذاب، ومن {
~~أصابهم } يصيبهم والتعبير به دونه للإيذان بتحقق الوقوع، وفي
~~الإبهام وإسمية الجملة والتأكيد ما لا يخفى.

# { إن موعدهم الصبح } أي موعد عذابهم وهلاكهم ذلك، وكأن هذا
~~على ما قيل: تعليل للأمر بالإسراء والنهي عن الالتفات المشعر بالحث على
~~الإسراع، وقوله سبحانه: { أليس الصبح بقريب } تأكيد للتعليل،
~~فإن قرب الصبح داع إلى الإسراع للتباعد عن مواقع العذاب، ms04434 وروي أنه عليه
~~السلام سأل الملائكة عليهم السلام عن وقت هلاكهم فقالوا: موعدهم الصبح،
~~فقال: أريد أسرع من ذلك، فقالوا له: { أليس الصبح بقريب }.
~~ولعله إنما جعل ميقات هلاكهم الصبح لأنه وقت الدعة والراحة فيكون حلول
~~العذاب حينئذ أفظع ولأنه أنسب بكون ذلك عبرة للناظرين. وقرأ عيسى بن عمر
~~{ الصبح } بضم الباء قيل: وهي لغة فلا يكون ذلك اتباعا.

### || [11.82]

# { فلما جآء أمرنا } أي عذابنا أو الأمر به، فالأمر على الأول
~~واحد الأمور، وعلى الثاني واحد الأوامر، قيل: ونسبة المجيء إليه
~~بالمعنيين مجازية، والمراد لما حان وقوعه ولا حاجة إلى تقدير الوقت مع
~~دلالة (لما) عليه. وقيل: إنه يقدر على الثاني أي جاء وقت أمرنا لأن الأمر
~~نفسه ورد قبله، ونحن في غنى عن ادعاء تكراره، ورجح تفسير الأمر بما هو
~~واحد الأوامر  أعني ضد النهي  بأنه الأصل فيه لأنه مصدر أمره، وأما
~~كونه بمعنى العذاب فيخرجه عن المصدرية الأصلية وعن معناه المشهور الشائع،
~~وبجعل التعذيب مسببا عنه بقوله سبحانه: { جعلنا عليها
~~سافلها } فإنه جواب { لما } والتعذيب نفس إيقاع العذاب فلا يحسن
~~جعله مسببا عن ذلك بل العكس أولى إلا أن يؤول المجىء بإرادته، وضمير {
~~عليها } و { سافلها } لمدائن قوم لوط المعلومة من السياق وهي
~~المؤتفكات، وهي خمس مدائن: ميعة وصعره وعصره ودوما وسدوم وقيل: سبع
~~أعظمها سدوم، وهي القرية التي كان فيها لوط عليه السلام، وكان فيها على
~~ما روي عن قتادة أربعة آلاف ألف إنسان أو ما شاء الله تعالى من ذلك،
~~وقيل: إن هذا العدد إنما كان في المدائن كلها، وقيل: إن ما كان في
~~المدائن أكثر من ذلك بكثر، والله تعالى أعلم.

# / ونصب { عاليها } و { سافلها } على أنهما مفعولان للجعل، والمراد
~~قلبناها على تلك الهيئة وهو جعل العالي سافلا، وإنما قلبت كذلك ولم يعكس
~~تهويلا للأمر وتفظيعا للخطب لأن جعل عاليها الذي هو مقرهم ومسكنهم
~~سافلها أشق من جعل سافلها عاليها وإن كان مستلزما له. روي أن لوطا عليه
~~السلام سرى بمن معه قبل الفجر وطوى ms04435 الله تعالى له الأرض حتى وصل إلى
~~إبراهيم عليه السلام، ثم إن جبريل عليه السلام اقتلع المدائن بيده، وفي
~~رواية أدخل جناحه تحت المدائن فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة
~~ونباح الكلاب ثم قلبها، وما أعظم حكمة الله تعالى في هذا القلب الذي هو
~~أشبه شيء بما كانوا عليه من إتيان الأعجاز والإعراض عما تقتضيه الطباع
~~السليمة؛ ولا ينبغي أن يجعل الكلام كناية عن إنزال أمر عظيم فيها كما
~~يقول القائل: اليوم قلبت الدنيا على فلان لما فيه من العدول عن الظاهر
~~والانحراف عما نطقت به الآثار من غير داع سوى استبعاد مثل ذلك وما ذلك
~~ببعيد، وإسناد الجعل إلى ضميره تعالى باعتبار أنه المسبب فهو إسناد مجازي
~~باعتبار اللغة وإن كان سبحانه هو الفاعل الحقيقي، والنكتة في ذلك تعظيم
~~الأمر وتهويله فإن ما يتولاه العظيم من الأمور فهو عظيم، ويقوي ذلك ضمير
~~العظمة أيضا وعلى هذا الطرز قوله سبحانه:

# { وأمطرنا عليها } أي على المدائن أو شذاذ أهلها { حجارة
~~من سجيل } وكان ذلك زيادة في تفظيع حالهم أو قطعا لشأفتهم
~~واستئصالا لهم.

# روي أن رجلا منهم كان بالحرم فبقي حجر معلق بالهواء حتى خرج منه فوقع
~~عليه وأهلكه. والسجيل الطين المتحجر لقوله تعالى في الآية الأخرى:

# حجارة من طين

# [الذاريات: 33] والقرآن يفسر بعضه بعضا، ويتعين إرجاع بعضه لبعض في قصة
~~واحدة، وهو كما أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ومجاهد معرب سنك كل. وقال
~~أبو عبيدة: السجيل  كالسجين  الشديد من الحجارة، وقيل: هو من أسجله إذا
~~أرسله أو أدر عطيته، والمعنى حجارة كائنة من مثل الشيء المرسل أو مثل
~~العطية في الإدرار وهو على هذا خارج مخرج التهكم، وقيل: من السجل بتشديد
~~اللام وهو الصك، ومعنى كونه من ذلك أنه مما كتب الله تعالى عليهم أن
~~يعذبهم به، وقيل: أصله من سجين وهو اسم لجهنم أو لواد فيها، فأبدلت نونه
~~لاما. وقال أبو العالية وابن زيد: السجيل اسم لسماء الدنيا. قال أبو
~~حيان: وهو ضعيف لوصفه بقوله سبحانه: ms04436

# { منضود } أي نضد وضع بعضه على بعض معدا لعذابهم، أو نضد في
~~الإرسال يرسل بعضه إثر بعض كقطار الأمطار، ولا يخفى أن هذه المعاني كما
~~تأبى ما قال أبو العالية وابن زيد تأبى بحسب الظاهر ما قيل: إن المراد
~~به جهنم، وتكلف بعضهم فقال: يمكن وصف جهنم بذلك باعتبار المعنى الأول
~~بناءا على أنه دركات بعضها فوق بعض أو أن الأصل منضود فيه فاتسع، وقد
~~يتكلف بنحو هذا لما قاله أبو العالية وابن زيد. وجوز أن يكون {
~~منضود } صفة حجارة على تأويل الحجر وجره للجوار، وعليه فالأمر ظاهر
~~إلا أنه من التكلف بمكان.

### || [11.83]

# { مسومة } أي عليها سيما يعلم بها أنها ليست من حجارة الأرض قاله
~~ابن جريح، وقيل: معلمة ببياض وحمرة، وروي ذلك عن ابن عباس والحسن، وجاء
~~في رواية أخرى عن ابن عباس أنه كان بعضها أسود فيه نقطة بيضاء وبعضها
~~أبيض فيه نقطة سوداء. وعن الربيع أنها كانت معلمة باسم من يرمي بها، وكان
~~بعضها كما قيل: مثل رؤوس الإبل وبعضها مثل مباركها وبعضها مثل قبضة الرجل
~~{ عند ربك } أي في خزائنه التي لا يملكها غيره سبحانه ولا يتصرف بها
~~سواه عز وجل، والظرف قيل: منصوب  بمسومة  أو متعلق بمحذوف وقع صفة له،
~~والمروي عن مقاتل / أن المعنى أنها جاءت من عند ربك، وعن أبي بكر الهذلي
~~أنها معدة عنده سبحانه. وقال ابن الأنباري: المراد ألزم هذا التسويم
~~للحجارة عنده تعالى إيذانا بقدرته وشدة عذابه فليفهم.

# { وما هي } أي الحجارة الموصوفة بما ذكر { من الظلمين }
~~من كل ظالم { ببعيد } فانهم بسبب ظلمهم مستحقون لها، وفيه وعيد لأهل
~~الظلم كافة، وروي هذا عن الربيع. وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أن
~~المراد من الظالمين ظالمو هذه الأمة، وجاء في خبر ذكره الثعلبي، وقال فيه
~~العراقي: لم أقف له على إسناد أنه صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عليه
~~السلام عن ذلك فقال: يعني ظالمي أمتك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر
~~يسقط عليه من ساعة إلى ms04437 ساعة. وقيل: المراد بالظالمين قوم لوط عليه
~~السلام، والمعنى لم تكن الحجارة لتخطئهم. وعن ابن عباس أن المعنى وما
~~عقوبتهم ممن يعمل عملهم ببعيد، وظاهره أن الضمير للعقوبة المفهومة من
~~الكلام، و { الظلمين } من يشبههم من الناس، ويمكن أن يقال: إن
~~مراده بيان حاصل المعنى لا مرجع الضمير. وذهب أبو حيان إلى أن الظاهر أن
~~يكون ضمير { هي } للقرى التي جعل عاليها سافلها والمراد من {
~~الظلمين } ظالمو مكة، وقد كانت قريبة إليهم يمرون عليها في
~~أسفارهم إلى الشام. وتذكير  البعيد  يحتمل أن يكون على تأويل الحجارة
~~بالحجر المراد به الجنس، أو إجرائه على موصوف مذكر أي بشيء بعيد، أو
~~بمكان بعيد فإنها وإن كانت في السماء وهي في غاية البعد من الأرض إلا
~~أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقا بهم فكأنها بمكان قريب منهم، أو
~~لأنه على زنة المصدر  كالزفير والصهيل  والمصادر يستوي في الوصف بها
~~المذكر والمؤنث.

### || [11.84]

# { وإلى مدين } أي أولاد مدين بن إبراهيم عليه السلام فحذف المضاف
~~أو جعل اسما بالغلبة للقبيلة وكثيرا ما تسمى القبيلة باسم أبيهم كمضر
~~وتميم ولعل هذا أولى، وجوز أن يراد بمدين المدينة التي بناها مدين فسميت
~~به فيقدر حينئذ مضاف أي وإلى أهل مدين { أخهم } نسيبهم { شعيبا
~~} قد مر ما قيل في نسبه عليه السلام، والجملة معطوفة على قوله سبحانه:

# وإلى ثمود أخاهم صلحا

# [هود: 61] أي وأرسلنا إلى مدين شعيبا.

# { قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره
~~} أمر بالتوحيد على وجه أكيد ولما كان ملاك الأمر قدمه على النهي عما
~~اعتادوه من البخس المنافي للعدل المخل بحكمة التعاوض، وإيصال الحقوق
~~لأصحابها بقوله: { ولا تنقصوا المكيال والميزان } قيل:
~~أي لا تنقصوا الناس من المكيال والميزان يعني مما يكال ويوزن على ذكر
~~المحل وإرادة الحال، واستظهر أن المراد لا تنقصوا حجم المكيال عن المعهود
~~وكذا الصنجات، وقد تقدم في الأعراف [85]

# الكيل

# بدل { المكيال } فتذكر وتأمل.

# { إني أراكم بخير } أي ملتبسين بثروة واسعة تغنيكم عن ذلك أو
~~بنعمة من الله ms04438 تعالى حقها أن تقابل بغير ما أنتم عليه بأن تتفضلوا على
~~الناس شكرا عليها، فإن أجل شكر النعم الإحسان والتفضل على عباد الله
~~تعالى، أو أراكم بخير وغنى فلا تزيلوه بما تأتونه من الشر، وعلى كل حال
~~الجملة في موضع التعليل للنهي؛ وعقب بعلة أخرى أعني قوله تعالى:

# { وإني أخاف عليكم } إن لم تنتهوا عن ذلك { عذاب يوم
~~محيط } وجوز أن يكون تعليلا للأمر والنهي جميعا. وفسر المحيط بما
~~لا يشذ منه أحد منهم ((وفسره الزمخشري بالمهلك أخذا من قوله تعالى:

# / وأحيط بثمره

# [الكهف: 42] وأصله من إحاطة العدو، وادعى أن وصف اليوم بالإحاطة أبلغ من
~~وصف العذاب لأن اليوم زمان يشتمل على الحوادث فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع
~~للمعذب ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط بنعيمه)) يعني أن اليوم لما كان
~~زمانا مشتملا على الحوادث الكائنة فيه عذابا أو غيره فإذا أحاط
~~بالمعذب ملتبسا بعذابه لأنه حادثة فقد اجتمع للمعذب الأمر الذي يشتمل
~~عليه اليوم وهو العذاب كما إذا أحاط ملتبسا بنعيمه.

# والحاصل أن إحاطة اليوم تدل على إحاطة كل ما فيه من العذاب، وأما إحاطة
~~العذاب على قوم فقد يكون بأن يصيب كل فرد منهم فردا من أفراد العذاب،
~~وأما فيما نحن فيه فيدل على إحاطة أنواع العذاب المشتمل عليها اليوم بكل
~~فرد، ولا شك في أبلغية هذا كذا في «الكشف» وتمام الكلام فيه. وقال بعض
~~المحققين في بيان الأبلغية: إن اليوم زمان لجميع الحوادث فيوم العذاب
~~زمان جميع أنواع العذاب الواقعة فيه فإذا كان محيطا بالمعذب فقد اجتمع
~~أنواع العذاب له، وهذا كقوله:

# إن المروءة والسماحة والندى

# في قبة ضربت على ابن الحشرج

# فإن وقوع العذاب في اليوم كوجود الأوصاف في القبة، وجعل اليوم محيطا
~~بالمعذب كضرب القبة على الممدوح فكما أن هذا كناية عن ثبوت تلك الأوصاف
~~له كذلك ذاك كناية عن ثبوت أنواع العذاب للمعذب، وأما وصف العذاب
~~بالإحاطة ففيه استعارة إحاطته لاشتماله على المعذب فكما أن المحيط لا
~~يفوته شيء من أجزاء المحاط لا ms04439 يفوت العذاب شيء من أجزاء المعذب، وهذه
~~الاستعارة تفيد أن العذاب لكل المعذب؛ وتلك الكناية تفيد أن كل العذاب
~~له، ولا يخفى ما بينهما من التفاوت في الأبلغية. وجوز أن يكون { محيط
~~} نعتا  لعذاب  وجر للجوار، وقيل: هو نعت  ليوم  جار على غير من هو
~~له، والتقدير عذاب يوم محيط عذابه وليس بشيء كما لا يخفى. وأيا ما كان
~~فالمراد عذاب يوم القيامة أو عذاب الاستئصال في الدنيا. وأخرج ابن جرير
~~وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسر الخير برخص السعر
~~والعذاب بغلائه.

### || [11.85]

# { ويقوم أوفوا المكيال والميزان } أي أتموهما،
~~وفائدة التصريح بذلك مع أن الانتهاء المطلوب من النهي السابق لا يتحقق
~~بدون الاتمام فيكون مطلوبا تبعا، وهذا مسلم على المذاهب جعل النهي عن
~~الشيء عين الأمر بالضد أو مستلزما له تضمنا أو التزاما لأن الخلاف في
~~مقتضى اللفظ لا أن التحريم أو الوجوب ينفك عن مقابلة الضد غير واحدة
~~النعي بما كانوا عليه من القبيح وهو النقص مبالغة في الكف، ثم الأمر
~~بالصد مبالغة في الترغيب وإشعارا بأنه مطلوب أصالة وتبعا مع الأشعار
~~بتبعية الكف عكسا، وتقييده بقوله سبحانه: { بالقسط } أي بالعدل من
~~غير زيادة ولا نقصان. ثم إدماج أن المطلوب من الاتمام العدل، ولهذا قد
~~يكون الفضل محرما كما في الربويات، وإلى هذا يشير كلام الزمخشري. وظاهره
~~حمل المكيال والميزان على ما يكال ويوزن، وحملهما بعضهم في الموضعين على
~~الآلتين المعروفتين، وفسر القسط بما ذكرنا ثم قال: إن الزيادة في الكيل
~~والوزن وإن كانت تفضلا مندوبا إليه لكنها في الآلة محظورة كالنقص فلعل
~~الزائد للاستعمال عن الاكتيال والناقص للاستعمال عند الكيل.

# وفائدة الأمر بتسوية الآلتين وتعديلهما بعد النهي عن نقصهما المبالغة في
~~الحمل على الإيفاء والمنع من البخس، والتنبيه على أنه لا يكفيهم مجرد
~~الكف عن النقص والبخس بل يجب عليهم إصلاح ما أفسدوه وجعلوه معيارا /
~~لظلمهم وقانونا لعدوانهم، وفيه حمل اللفظ على المتبادر منه، فإن الحمل
~~على المعنى الآخر مجاز كما أشرنا إليه، ms04440 وادعى الفاضل الجلبي أن هذا
~~الأمر بعد النهي السابق ليس من باب التكرار في شيء، فقال: إن النهي قد
~~كان عن نقص حجم المكيال وصنجات الميزان، والأمر بإيفاء المكيال والميزان
~~حقهما بأن لا ينقص في الكيل والوزن، وهذا الأمر بعد مساواة المكيال
~~والميزات للمعهود فلا تكرار كيف ولو كان تكريرا للتأكيد والمبالغة لم
~~يكن موضع الواو لكمال الاتصال بين الجملتين انتهى.

# وتعقب بأن حمل هذين اللفظين  وقد تكررا  في أحد الموضعين على أحد
~~معنيين متغايرين خلاف الظاهر، وأن في التكرار من الفوائد ما جعله أقوى من
~~التأسيس فلا ينبغي الهرب منه، وأما العطف فلأن اختلاف المقاصد في ذينك
~~المتعاطفين جعلهما كالمتغايرين فحسن لذلك، وقد صرح به أهل المعاني في
~~قوله سبحانه:

# يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبنآءكم

# [إبراهيم: 6] انتهى. وفي ورود ما تعقب به أولا تأمل فتأمل.

# وقوله تعالى: { ولا تبخسوا الناس أشيآءهم } يحتمل أن
~~يكون تعميما بعد تخصيص فإنه يشمل الجودة والرداءة وغير المكيل والموزون
~~أيضا فهو تذييل وتتميم لما تقدم، وكذا قوله سبحانه: { ولا تعثوا
~~في الارض مفسدين } فإن العثي يعم تنقيص الحقوق وغيره لأنه عبارة
~~عن مطلق الفساد، وفعله من باب رمى وسعى ورضى، وجاء واويا ويائيا،
~~ويحتمل أن يكون نهيا عن بخس المكيل والموزون بعد النهي عن نقص المعيار
~~والأمر بإيفائه أي لا تنقصوا الناس بسبب نقص المكيال والميزان وعدم
~~اعتدالهما أشيآءهم التي يشترونها بهما، والتصريح بهذا النهي بعد ما علم
~~في ضمن النهي، والأمرين السابقين للاهتمام بشأنه والترغيب في إيفاء
~~الحقوق بعد الترهيب والزجر عن نقصها، وإلى كل من الاحتمالين ذهب بعض، وهو
~~مبني على ما علمت من الاختلاف السابق في تفسير ما سبق.

# وقيل: المراد بالبخس المكس كأخذ العشور على نحو ما يفعل اليوم، و 
~~العثى  السرقة وقطع الطريق والغارة. و { مفسدين } حال من ضمير {
~~تعثوا } ، وفائدة ذلك إخراج ما يقصد به الإصلاح كما فعل الخضر عليه
~~السلام من قتل الغلام وخرق السفينة فهو حال مؤسسة، وقيل: ليس الفائدة
~~الإخراج المذكور فإن المعنى لا تعثوا ms04441 في الأرض بتنقيص الحقوق مثلا
~~مفسدين مصالح دينكم وأمر آخرتكم ومآل ذلك على ما قيل: إلى تعليل النهي
~~كأنه قيل: لا تفسدوا في الأرض فإنه مفسد لدينكم وآخرتكم.

### || [11.86]

# { بقيت الله } قال ابن عباس: أي ما أبقاه سبحانه من الحلال بعد
~~الإيفاء { خير لكم } مما تجمعون بالبخس فإن ذلك هباء منثور بل هو
~~شر محض وإن زعمتم أنه خير { إن كنتم مؤمنين } أي بشرط أن تؤمنوا
~~إذ مع الكفر لا خير في شيء أصلا، أو إن كنتم مصدقين بي في مقالتي لكم،
~~وفي رواية أخرى عن الحبر أنه فسر البقية بالرزق. وقال الربيع هي وصيته
~~تعالى، وقال مقاتل: ثوابه في الآخرة، وقال الفراء: مراقبته عز وجل، وقال
~~قتادة: ذخيرته، وقال الحسن: فرائضه سبحانه. وزعم ابن عطية أن كل هذا لا
~~يعطيه لفظ الآية وإنما معناه الإبقاء وهو مأخوذ مما روي عن ابن جريج أنه
~~قال: المعنى إبقاء الله تعالى النعيم عليكم خير لكم مما يحصل من النقص
~~بالتطفيف، وأيا ما كان فجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله على ما ذهب
~~إليه جمهور البصريين وهو الصحيح. وقرأ إسماعيل بن جعفر عن أهل المدينة {
~~بقية } / بتخفيف الياء قال ابن عطية: وهي لغة، قال أبو حيان: إن حق وصف
~~فعل اللازم أن يكون على وزن فاعل نحو شجيت المرأة فهي شجية فإذا شددت
~~الياء كان على وزن فعيل للمبالغة، وقرأ الحسن  تقية الله  بالتاء
~~والمراد تقواه سبحانه ومراقبته الصارفة عن المعاصي.

# { ومآ أنا عليكم بحفيظ } أحفظكم من القبائح أو أحفظ عليكم
~~أعمالكم وأجازيكم بها وإنما أنا ناصح مبلغ وقد أعذرت إذ أنذرت ولم آل
~~جهدا أو ما أنا بحافظ عليكم نعم الله تعالى لو لم تتركوا سوء صنيعكم.

### || [11.87]

# { قالوا يشعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما
~~يعبد ءابآؤنا } من الأصنام أجابوا بذلك أمره عليه السلام إياهم
~~بعبادة الله تعالى وحده المتضمن لنهيهم عن عبادة الأصنام وغرضهم منه
~~إنكار الوحي الآمر لكنهم بالغوا في ذلك إلى حيث أنكروا أن يكون هناك آمر
~~من ms04442 العقل وزعموا أن ذلك من أحكام الوسوسة والجنون قاتلهم الله أنى
~~يؤفكون، وعلى هذا بنوا استفهامهم وأخرجوا كلامهم وقالوا بطريق الاستهزاء:
~~أصلاتك التي هي من نتائج الوسوسة وأفاعيل المجانين تأمرك بأن نترك ما
~~استمر على عبادته آباؤنا جيلا بعد جيل من الأوثان والتماثيل. وإنما
~~جعلوه عليه السلام مأمورا مع أن الصادر عنه إنما هو الأمر بعبادة الله
~~تعالى وغير ذلك من الشرائع لأنه عليه السلام لم يكن يأمرهم من تلقاء نفسه
~~بل من جهة الوحي وأنه كان يعلمهم بأنه مأمور بتبليغه إليهم، وتخصيصهم
~~إسناد الأمر إلى الصلاة من بين سائر أحكام النبوة لأنه عليه السلام كان
~~كثير الصلاة معروفا بذلك، بل أخرج ابن عساكر عن الأحنف أنه عليه السلام
~~كان أكثر الأنبياء صلاة، وكانوا إذا رأوه يصلي يتغامزون ويتضاحكون فكانت
~~هي من بين شعائر الدين ضحكة لهم، وقيل: إن ذلك لأنه عليه السلام كان يصلي
~~ويقول لهم: إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وروي هذا
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وإلى الأول ذهب غير واحد، وهذا
~~الإسناد حقيقي لا مجازي غاية ما في الباب أنهم قصدوا الحقيقة تهكما.
~~واختيار المضارع ليدل على العموم بحسب الزمان، وقوله سبحانه: { أن
~~نترك } على تقدير بتكليف أن نترك فحذف المضاف وهو تكليف، فدخل الجار
~~على { أن } ثم حذف وحذفه قبلها مطرد، وعرف التخاطب في مثله يقتضي ذلك،
~~وقيل: إن الداعي إليه أن الشخص لا يكلف بفعل غيره لأنه غير مقدور له
~~أصلا، وقيل: لا تقدير، والمعنى أصلاتك تأمرك بما ليس في وسعك وعهدتك من
~~أفاعيل غيرك وغرضهم من ذلك التعريض بركاكة رأيه وحاشاه عليه السلام،
~~والاستهزاء به من تلك الجهة. وتعقب بأنه يأباه دخول الهمزة على الصلاة
~~دون الأمر، ويستدعي أن يصدر عنه عليه السلام في أثناء الدعوة ما يدل على
~~ذلك أو يوهمه، وأنى ذلك؟ فتأمل، وقرأ أكثر السبعة  أصلواتك  بالجمع،
~~وأمر الجمع بين القراءتين سهل.

# وقوله تعالى: { أو أن نفعل في أمولنا ما نشآء }
~~أجابوا به أمره عليه ms04443 السلام بإيفاء الحقوق ونهيه عن البخس والنقص وهو عطف
~~على { ما } وأو بمعنى الواو أي وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا من
~~التطفيف وغيره، ولا يصح عطفه على { أن نترك } لاستحالة المعنى إذ
~~يصير حينئذ  تأمرك بفعلنا في أموالنا ما نشاء من التطفيف وغيره  وهم
~~منهيون عن ذلك لا مأمورون به، وحمل { ما } على ما أشرنا إليه هو الظاهر،
~~وقيل: كانوا يقرضون الدراهم والدنانير ويجرونها مع الصحيحة على جهة
~~التدليس فنهوا عن ذلك فقالوا ما قالوا، وروي هذا عن محمد بن كعب، وأدخل
~~بعضهم ذلك الفعل في العثي في الأرض فيكون النهي عنه نهيا عنه ولا مانع
~~من اندراجه في عموم { ما }.

# وقرأ الضحاك بن قيس. وابن أبي عبلة وزيد بن علي بالتاء في الفعلين على
~~الخطاب فعالعطف على مفعول / { تأمرك } أي  أصلاتك تأمرك أن تفعل في
~~أموالنا ما تشاء أي من إيفاء المكيال والميزان كما هو الظاهر، وقيل: من
~~الزكاة، فقد كان عليه السلام يأمرهم بها كما روي عن سفيان الثوري، قيل:
~~وفي الآية على هذا مع حمل الصلاة على ما يتبادر منها دليل على أنه كان في
~~شريعته عليه السلام صلاة وزكاة، وأيد بما روي عن الحسن أنه قال: لم يبعث
~~الله تعالى نبيا إلا فرض عليه الصلاة والزكاة، وأنت تعلم أن حمل { ما
~~تشآء } على الزكاة غير متعين بل هو خلاف ظاهر السوق، وحمل الصلاة على
~~ذلك وإن كان ظاهرا إلا أنه روى ابن المنذر وغيره عن الأعمش تفسيرها
~~بالقراءة، ونقل عن غيره تفسيرها بالدعاء الذي هو المعنى اللغوي لها. وعن
~~أبي مسلم تفسيرها بالدين لأنها من أجل أموره، وعلى تقدير أن يراد منها
~~الصلاة بالمعنى الآخر لا تدل الآية على أكثر من أن يكون له عليه السلام
~~صلاة، ولا تدل على أنها من الأمور المكلف بها أحد من أمته فيمكن أن يكون
~~ذلك من خصوصياته عليه السلام، وما روي عن الحسن ليس نصا في الغرض كما لا
~~يخفى. هذا وجوز أن يكون العطف على هذه ms04444 القراءة على { ما } وتعقب بأنه
~~يستدعي أن يحمل الترك على معنيين مختلفين ولا يترك على ما يتبادر منه.
~~وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة بالنون في الأول والتاء في الثاني، والعطف على
~~مفعول { تأمرك } والمعنى ظاهر مما تقدم.

# { إنك لأنت الحليم الرشيد } وصفوه عليه السلام بهذين
~~الوصفين الجليلين على طريقة الاستعارة التهكمية، فالمراد بهما ضد
~~معناهما، وهذا هو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وإليه ذهب
~~قتادة والمبرد. وجوز أن يكونوا وصفوه بذلك بناءا على الزعم، والجملة
~~تعليل لما سبق من استبعاد ما ذكروه كأنهم قالوا: كيف تكلفنا بما تكلفنا
~~مع أنك أنت الحليم الرشيد بزعمك؛ وقيل: يجوز أن يكون تعليلا باقيا على
~~ظاهره بناءا على أنه عليه السلام كان موصوفا عندهم بالحلم والرشد، وكان
~~ذلك بزعمهم مانعا من صدور ما صدر منه عليه السلام، ورجح الأول بأنه
~~الأنسب بما قبله لأنه تهكم أيضا، ورجح الأخير بأنه يكون الكلام عليه
~~نظير ما مر في قصة صالح عليه السلام من قوله له:

# قد كنت فينا مرجوا قبل هذا

# [هود: 62] وتعقيبه بمثل ما عقب به ذلك حسبما تضمنه قوله سبحانه: { قال
~~يقوم أرأيتم إن كنت على بينة }.

### || [11.88]

# { قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة } حجة ظاهرة {
~~من ربي } ومالك أموري { ورزقني منه } من لدنه سبحانه {
~~رزقا حسنا } هو النبوة والحكمة يدل على ذلك، والجواب عليه من باب
~~إرخاء العنان والكلام المنصف كأنه عليه السلام قال: صدقتم فيما قلتم إني
~~لم أزل مرشدا لكم حليما فيما بينكم لكن ما جئت به ليس غير الإرشاد
~~والنصيحة لكم، انظروا بعين الإنصاف وأنتم ألباء إن كنت على حجة واضحة
~~ويقين من ربي وكنت نبيا على الحقيقة أيصح لي وأنا مرشدكم والناصح لكم
~~أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي والأنبياء لا يبعثون
~~إلا لذلك؟ ثم إنه عليه السلام أكد معنى الإرشاد، وأدرج معنى الحلم فيما
~~سيأتي من كلامه صلى الله عليه وسلم كذا قرره العلامة الطيبي.

# واختار شيخ الإسلام عدم كونه باقيا ms04445 على الظاهر لما أن مقام الاستهزاء
~~آب عنه، وذكر قدس سره أن المراد بالبينة والرزق الحسن النبوة والحكمة،
~~وأن التعبير عنهما بذلك للتنبيه على أنهما مع كونهما بينة رزق حسن كيف لا
~~وذلك مناط الحياة الأبدية له عليه السلام ولأمته؟ وأن هذا الكلام منه
~~عليه السلام رد على / مقالتهم الشنعاء المتضمنة زعم عدم استناد أمره
~~ونهيه إلى سند، ثم قال: وجواب الشرط محذوف يدل عليه فحوى الكلام أي
~~أتقولون والمعنى أنكم عددتم ما صدر عني من الأوامر والنواهي من قبيل ما
~~لا يصح أن يتفوه به عاقبل وجعلتموه من أحكام الوسوسة والجنون واستهزأتم
~~بي وبأفعالي وقلتم، فأخبروني إن كنت من جهة ربي ومالك أموري ثابتا على
~~النبوة والحكمة التي ليس وراءها غاية للكمال ولا مطمح لطامح ورزقني لذلك
~~رزقا حسنا أتقولون في شأني وشأن أفعالي ما تقولون مما لا خير فيه ولا
~~شر وراءه؟! وادعى أن هذا هو الجواب الذي يستدعيه السياق ويساعده النظم
~~الكريم.

# وفسر القاضي الرزق الحسن بما آتاه الله تعالى من المال الحلال، ومعنى
~~كون ذلك منه تعالى أنه من عنده سبحانه وبإعانته بلا كد في تحصيله، وقدر
~~جواب الشرط فهل يسع لي مع هذا الإنعام الجامع للسعادة الروحانية
~~والجسمانية أن أخون في وحيه وأخالفه في أمره ونهيه، وذكر أن هذا الكلام
~~منه عليه السلام اعتذار عما أنكروا عليه من تغيير المألوف والنهي عن دين
~~الآباء. وقدر بعضهم ما قدره العلامة الطيبي. وزعم شيخ الإسلام أن ذينك
~~التقديرين بمعزل عما يستدعيه السياق، وأنهما إنما يناسبان إن حمل كلامهم
~~على الحقيقة وأريد بالصلاة الدين حسبما نقل عن أبي مسلم وعطاء، ويكون
~~المراد بالرزق الحسن على ذلك ما آتاه الله تعالى من الحلال فقط كما روي
~~عن الضحاك ويكون المعنى حينئذ أخبروني إن كنت نبيا من عند الله تعالى
~~ورزقني مالا حلالا أستغني به عن العالمين أيصح أن أخالف أمره أو
~~أوافقكم فيما تأتون وما تذرون انتهى.

# وأقول: لا يخفى أن المناسب للمقام حمل الرزق الحسن على ما آتاه ms04446 الله
~~تعالى من الحلال الخالي عن التطفيف والبخس، وتقدير جواب الشرط نحو ما
~~قدره القاضي ليس في الكلام ما يأبى عنه، ولا يتوقف على حمل الكلام على
~~الحقيقة والصلاة على الدين بل يتأتى تقدير ذلك، ولو كان الكلام على سبيل
~~التهكم والصلاة بالمعنى المتبادر بأن يقال: إنهم قاتلهم الله تعالى لما
~~قالوا في ظلال الضلال وقالوا ما قالوا في حق نبيهم وما صدر منه من
~~الأفعال لم يكن لهم مقصود إلا ترك الدعوة وتركهم وما يفعلون، ولم يتعرض
~~عليه السلام صريحا لرد قولهم المتضمن لرميه وحاشاه بالوسوسة والجنون
~~والسفه والغواية إيذانا بأن ذلك مما لا يستحق جوابا لظهور بطلانه وتعرض
~~لجوابهم عما قصدوه بكلامهم ذلك بما يكون فيه قطع أطماعهم من أول الأمر مع
~~الإشارة إلى رد ما تضمنته مقالتهم الشنعاء فكأنه عليه السلام قال لهم: يا
~~قوم إنكم اجترأتم على هذه المقالة الشنيعة وضمنتموها ما هو ظاهر البطلان
~~لقصد أن أترككم وشأنكم من عبادة الأوثان ونقص المكيال والميزان فأخبروني
~~إن كنت نبيا من عند الله تعالى ومستتنيا بما رزقني من المال الحلال عنكم
~~وعن غيركم أيصح أن أخالف وحيه وأوافق هواكم لا يكون ذلك من أصلا فإذن لا
~~فائدة لكم في هذا الكلام الشنيع. وربما يقال: إن في هذا الجواب إشارة إلى
~~وصفهم بنحو ما وصفوه به عليه السلام كأنه قال: إن طلبكم مني ترك الدعوة
~~وموافقة الهوى مع أني مأمور بدعوتكم وغني عنكم مما لا يصدر عن عاقل ولا
~~يرتكبه إلا سفيه غاو، وكأن التعرض لذكر الرزق مع الكون على بينة للإشارة
~~إلى وجود المقتضي وارتفاع ما يظن مانعا، ولا يخفى ما في إخراج الجواب
~~على هذا الوجه من الحسن فتأمل. بقي أن الذي ذكره النحاة على ما قال أبو
~~حيان في مثل هذا الكلام أعني { أرأيتم إن كنت } الخ أن تقدر /
~~الجملة الاستفهامية على أنها في موضع المفعول الثاني لأرأيتم المتضمنة
~~معنى أخبروني المتعدية إلى مفعولين والغالب في الثاني أن يكون جملة
~~استفهامية، وجواب الشرط ما يدل ms04447 عليه الجملة السابقة مع متعلقها، والتقدير
~~ إن كنت على بينة من ربي فأخبروني هل يسع لي الخ فافهم ولا تغفل.

# { ومآ أريد } بنهيي إياكم عما أنهاكم عنه من البخس والتطفيف { أن
~~أخالفكم إلى مآ أنهكم عنه } أي أقصده بعد ما وليتم
~~عنه فأستبد به دونكم كما هو شأن بعض الناس في المنع عن بعض الأمور يقال:
~~خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه، وخالفني عنه إذا ولى عنه
~~وأنت قاصده.

# قال في «البحر»: والظاهر على ما ذكروه أن { أن أخالفكم } في
~~موضع المفعول به  لأريد  أي وما أريد مخالفتكم، ويكون خالف بمعنى خلف
~~نحو جاوز وجاز، ويكون المعنى وما أريد أن أكون خلفا منكم، و { إلى }
~~متعلقة بأخالف أو بمحذوف أي مائلا إلى ما أنهاكم عنه، وقيل: في الكلام
~~فعل محذوف معطوف على المذكور أي وأميل إلى الخ، ويجوز أن يبقى أخالف على
~~ظاهره من المخالفة، ويكون { أن } وما بعدها في موضع المفعول به  لأريد 
~~ويقدر مائلا إلى كما تقدم، أو يكون { أن } وما بعدها في موضع المفعول
~~له، و { إلى ما } متعلقا  بأريد  أي وما أقصد لأجل مخالفتكم إلى
~~ما أنهاكم عنه، وقال الزجاج في معنى ذلك: أي ما أقصد بخلافكم إلى ارتكاب
~~ما أنهاكم عنه.

# { إن أريد } أي ما أريد بما أقول لكم { إلا الإصلح } أي
~~إلا أن أصلحكم بالنصيحة والموعظة { ما استطعت } أي مدة استطاعتي
~~ذلك وتمكني منه لا آلو فيه جهدا  فما  مصدرية ظرفية. وجوز فيها أن
~~تكون موصولة بدلا من { الإصلح } أي المقدار الذي استطعته أو {
~~إلا الإصلح } إصلاح ما استطعت، وهي إما بدل بعض أو كل لأن
~~المتبادر من الإصلاح ما يقدر عليه، وقيل: بدل اشتمال، وعليه وعلى الأول
~~يقدر ضمير أي منه لأنه في مثل ذلك لا بد منه؛ وجوز أيضا أن تكون مفعولا
~~به للمصدر المذكور كقوله:

# ضعيف النكاية أعداءه

# يخال الفرار يراخي الأجل

# أي ما أريد إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم، والأبلغ الأظهر ما
~~قدمناه لأن ms04448 في احتمال البدلية إضمارا وفوات المبالغة؛ وفي الاحتمال
~~الأخير إعمال المصدر المعروف في المفعول به، وفيه  مع أنه لا يجوز عند
~~الكوفيين ويقل عند البصريين  فواتها، وزيادة إضمار مفعول { استطعت
~~}.

# { وما توفيقي } أي ما كوني موفقا لتحقيق ما أتوخاه من إصلاحكم {
~~إلا بالله } أي بتأييده سبحانه ومعونته. واختار بعضهم أن يكون
~~المراد وما توفيقي لإصابة الحق والصواب في كل ما آتي وأذر إلا بهدايته
~~تعالى ومعونته والظاهر أن المراد وما كل فرد من أفراد توفيقي لما صرحوا
~~به من أن المصدر المضاف من صيغ العموم، ويؤول إلى هذا ما قيل: إن المعنى
~~ما جنس توفيقي لأن انحصار الجنس يقتضي انحصار أفراده لكن على الأول بطريق
~~المفهوم وعلى الثاني بطريق المنطوق، وتقدير المضاف بعد الباء مما التزمه
~~كثير، وفيه على ما قيل: دفع الاستشكال بأن فاعل التوفيق هو الله تعالى،
~~وأهل العربية يستقبحون نسبة الفعل إلى الفاعل بالباء لأنها تدخل على
~~الآلة فلا يحسن ضربي بزيد، وإنما يقال: من زيد، فالاستعمال الفصيح
~~بناءا على هذا وما توفيقي إلا من عند الله / ووجه الدفع بذلك التقدير
~~ظاهر لأن الدخول ليس على الفاعل حينئذ.

# وجوز أن يكون ذلك التقدير لما أن التوفيق وهو كون فعل العبد موافقا لما
~~يحبه الله تعالى ويرضاه لا يكون إلا بدلالة الله تعالى عليه، ومجرد
~~الدلالة لا يجدي بدون المعونة منه عز شأنه.

# { عليه توكلت } في ذلك، أو في جميع أمور لا على غيره فإنه
~~سبحانه القادر المتمكن من كل شيء، وغيره سبحانه عاجز في حد ذاته بل معدوم
~~ساقط عن درجة الاعتبار كما أشار إليه الكتاب وعاينه أولو البصائر
~~والألباب { وإليه أنيب } أي أرجع فيما أنا بصدده، أو أقبل
~~بشراشري في مجامع أموري لا إلى غيره، والجملة معطوفة على ما قبلها، وكأن
~~إيثار صيغة الاستقبال فيها على الماضي الأنسب للتقرر والتحقق كما في
~~التوكل لاستحضار الصورة والدلالة على الاستمرار، ولا يخفى ما في جوابه
~~عليه السلام مما لا يكاد يوجد في كلام خطيب إلا أن يكون نبيا. ms04449

# وفي «أنوار التنزيل» أن لأجوبته عليه السلام الثلاثة يعني { يقوم
~~أرأيتم } الخ { ومآ أريد أن أخالفكم } الخ و { إن
~~أريد } الخ على هذا النسق شأنا، وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن
~~يراعي في كل ما يأتيه ويذره ثلاثة حقوق أهمها وأعلاها حق الله تعالى، فإن
~~الجواب الأول: متضمن بيان حق الله تعالى من شكر نعمته والاجتهاد في
~~خدمته. وثانيها: حق النفس، فإن الجواب الثاني متضمن بيان حق نفسه من كفها
~~عما ينبغي أن ينتهي عنه غيره. وثالثها: حق الناس فإن الجواب الثالث متضمن
~~للإشارة إلى أن حق الغير عليه إصلاحه وإرشاده؛ وإنما لم يعطف قوله: {
~~إن أريد } الخ على ما قبله لكونه مؤكدا ومقررا له لأنه لو أراد
~~الاستئثار بما نهى عنه لم يكن مريدا للإصلاح، ولا ينافي هذا كونه
~~متضمنا لجواب آخر، وكأن قوله: { وما توفيقي } الخ إزاحة لما عسى
~~أن يوهمه إسناد الاستطاعة إليه بإرادته من استبداده بذلك، ونظير ذلك

# إياك نعبد وإياك نستعين

# [الفاتحة: 5] وفيه مع ما بعده إشارة إلى محض التوحيد. وقال غير واحد:
~~إنه قد اشتمل كلامه عليه السلام على مراعاة لطف المراجعة ورفق الاستنزال
~~والمحافظة على حسن المجاراة والمحاورة، وتمهيد معاقد الحق بطلب التوفيق
~~من جانبه تعالى والاستعانة به عز شأنه في أموره وحسم أطماع الكفار وإظهار
~~الفراغ عنهم وعدم المبالاة بمعاداتهم، قيل: وفيه أيضا تهديدهم بالرجوع
~~إلى الله تعالى للجزاء، وذلك من قوله: { وإليه أنيب } لأن الرجوع
~~إليه سبحانه يكنى به عن الجزاء وهو وإن كان هنا مخصوصا به لاقتضاء
~~المقام له لكنه لا فرق فيه بينه وبين غيره، وفيه مع خفاء وجه الإشارة أن
~~الإنابة إنما هي الرجوع الاختياري بالفعل إليه سبحانه لا الرجوع
~~الاضطراري للجزاء وما يعمه، وقد يقال: إن في قوله: { عليه
~~توكلت } إشارة أيضا إلى تهديدهم لأنه عز وجل الكافي المعين لمن
~~توكل عليه لكن لا يتعين أن يكون ذلك تهديدا بالجزاء يوم القيامة.

### || [11.89]

# { ويقوم لا يجرمنكم } أي لا يكسبنكم { شقاقي } أي
~~معاداتي، وأصلها أن أحد المتعاديين ms04450 يكون في عدوة وشق والآخر في آخر، وروي
~~هذا عن السدي، وعن الحسن ضراري، وعن بعض فراقي، والكل متقارب، وهو فاعل 
~~يجرمنكم  والكاف مفعوله الأول، وقوله سبحانه: { أن يصيبكم }
~~مفعوله الثاني، وقد جاء تعدي  جرم  إلى مفعولين كما جاء تعديها لواحد
~~وهي مثل كسب في ذلك، ومن الأول قوله:

# ولقد طعنت أبا عيينة طعنة

# (جرمت) فزارة بعدها أن يغضبوا

# وإضافة  شقاق  إلى ياء المتكلم من إضافة المصدر إلى مفعوله أي لا
~~يكسبنكم شقاقكم إياي أن يصيبكم / { مثل مآ أصاب قوم نوح } من
~~الغرق { أو قوم هود } من الريح { أو قوم صلح } من
~~الرجفة والصيحة، ونهى الشقاق مجاز أو كناية عن نهيهم وهو أبلغ من توجيه
~~النهي إليهم لأنه إذا نهى وهو لا يعقل علم نهي المشاقين بالطريق الأولى.
~~وقرأ ابن وثاب والأعمش { يجرمنكم } بضم الياء، وحكى أيضا عن ابن كثير
~~وهو حينئذ من أجرمته ذنبا إذا جعلته جارما له أي كاسبا، والهمزة
~~للنقل من جرم المتعدي إلى مفعول واحد، ونظيره في النقل كذلك كسب المال
~~فإنه قال فيه أكسبه المال والقراءتان سواء في المعنى إلا أن المشهورة
~~جارية على ما هو الأكثر استعمالا في كلام الفصحاء من العرب الموثوق
~~بعربيتهم. وقرأ مجاهد والجحدري وابن أبي إسحاق { مثل } بالفتح، وروي
~~ذلك عن نافع، وخرجه جمع على أن { مثل } فاعل أيضا إلا أنه بني على
~~الفتح لإضافته إلى غير متمكن، وقد جوز فيه وكذا في غير مع  ما وأن 
~~المخففة والمشددة ذلك كالظروف المضافة للمبنى، وعلى هذا جاء قوله:

# لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت

# حمامة في غصون ذات أوقال

# وبعض على أنه نعت لمصدر محذوف والفتحة إعراب أي إصابة مثل إصابة قوم
~~نوح، وفاعل { يصيبكم } ضمير مستتر يعود على العذاب المفهوم من
~~السياق وفيه تكلف.

# { وما قوم لوط منكم ببعيد } زمانا كما روي عن قتادة أو
~~مكانا كما روي عن غيره ومراده عليه السلام أنكم إن لم تعتبروا بمن قبل
~~لقدم عهد أو بعد مكان فاعتبروا بهؤلاء فإنهم بمرأى ومسمع ms04451 منكم وكأنه إنما
~~غير أسلوب التحذير بهم واكتفى بذكر قربهم إيذانا بأن ذلك مغن عن ذكر ما
~~أصابهم لشهرة كونه منظوما في سمط ما ذكر من دواهي الأمم المرقومة، وجوز
~~أن يراد بالبعد البعد المعنوي أي ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمساوي،
~~فاحذروا أن يحل بكم ما حل بهم من العذاب، وقد أخذ هذا المعنى بعض
~~المتأخرين فقال:

# فإن لم تكونوا قوم لوط بعينهم

# فما قوم لوط منكم ببعيد

# وإفراد { بعيد } وتذكيره مع كون المخبر عنه وهو قوم اسم جمع، ومؤنثا
~~لفظا على ما نص عليه الزمخشري، واستدل له بتصغيره على قويمة وذلك يقتضي
~~أن يقال: ببعيدة موافقة للفظ وببعداء موافقة للمعنى لأن المراد: وما
~~إهلاكهم أو وما هم بشيء بعيد، أو وما هم في زمان بعيد أو مكان بعيد، وجوز
~~أن يكون ذلك لأنه يستوي في بعيد المذكر والمؤنث لكونه على زنة المصادر
~~كالنهيق والصهيل. وفي «الكشف» عن الجوهري أن القوم يذكر ويؤنث لأن أسماء
~~الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت للآدميين تذكر وتؤنث مثل رهط
~~ونفر وقوم وإذا صغرت لم تدخل فيه الهاء، وقلت: قويم ورهيط ونفير، ودخل
~~الهاء فيما يكون لغير الآدميين مثل الإبل والغنم لأن التأنيث لازم وبينه
~~وبين ما نقل عن الزمخشري بون بعيد، وعليه فلا حاجة إلى التأويل، هذا ثم
~~إنه عليه السلام لما أنذرهم سوء عاقبة صنيعهم عقبة طمعا في اروعائهم عما
~~هم فيه من الضلال بالحمل على الاستغفار والتوبة فقال: { واستغفروا
~~ربكم ثم توبوا إليه }.

### || [11.90]

# { واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه } مر تفسير مثله
~~{ إن ربي رحيم } عظيم الرحمة فيرحم من يطلب منه المغفرة {
~~ودود } أي كثير الود والمحبة فيحب من يتوب ويرجع إليه، والمشهور جعل
~~الودود مجازا باعتبار الغاية أي مبالغ في فعل ما يفعل البليغ المودة بمن
~~يوده من اللطف والإحسان. / وجوز أن يكون كناية عند من لم يشترط إمكان
~~المعنى الأصلي، والداعي لارتكاب المجاز أو الكناية على ما قيل: إن المودة
~~بمعنى الميل القلبي وهو مما ms04452 لا يصح وصفه تعالى به، والسلفي يقول: المودة
~~فينا الميل المذكور، وفيه سبحانه وراء ذلك مما يليق بجلال ذاته جل جلاله،
~~وقيل: معنى { ودود } متحبب إلى عباده بالإحسان إليهم، وقل: محبوب
~~المؤمنين، وتفسيره هنا بما تقدم أولى. والجملة في موضع التعليل للأمر
~~السابق ولم يعتبر الأكثر ما أشرنا إليه من نحو التوزيع، فقال: عظيم
~~الرحمة للتائبين مبالغ في اللطف والإحسان بهم، وهو مما لا بأس به.

### || [11.91]

# { قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول } أي ما
~~نفهم ذلك كأنهم جعلوا كلامه المشتمل على فنون الحكم والمواعظ وأنواع
~~العلوم والمعارف إذ ضاقت عليهم الحيل وعيت بهم العلل ولم يجدوا إلى
~~محاورته عليه السلام سبيلا من قبيل التخليط والهذيان الذي لا يفهم معناه
~~ولا يدرك فحواه، وقيل: قالوا ذلك استهانة به عليه السلام كما يقول الرجل
~~لمن لا يعبأ به: لا أدري ما تقول، وليس فيه كثير مغايرة للأول، ويحتمل أن
~~يكون ذلك لعدم توجههم إلى سماع كلامه عليه السلام لمزيد نفرتهم عنه أو
~~لغباوتهم وقصور عقولهم، قيل: وقولهم { كثيرا } للفرار عن المكابرة ولا
~~يصح أن يراد به الكل وإن ورد في اللغة لأن مما تقول يأبى ذلك كما أن {
~~كثيرا } نفسه يأبى حمل كلامهم هذا على أنه كناية عن عدم القبول، وزعم
~~بعضهم أنهم إنما لم يفقهوا كثيرا مما يقول لأنه عليه السلام كان ألثغ،
~~وأظن أنه لم يفصح بذلك خبر صحيح على أن ظاهر ما جاء من وصفه عليه السلام
~~بأنه خطيب الأنبياء يأبى ذلك. ولعل صيغة المضارع للإيذان بالاستمرار.

# { وأنا لنريك فينا } أي فيما بيننا { ضعيفا } لا قوة لك
~~ولا قدرة على شيء من الضر والنفع والإيقاع والدفع. وروي عن ابن عباس وابن
~~جبير وسفيان الثوري وأبي صالح تفسير الضعيف بالأعمى وهي لغة أهل اليمن،
~~وذلك كما يطلقون عليه ضريرا وهو من باب الكناية على ما نص عليه البعض،
~~وإطلاق البصير عليه كما هو شائع من باب الاستعارة تمليحا، وضعف هذا
~~التفسير بأن التقييد بقولهم: فينا بصير لغوا لأن ms04453 من كان أعمى يكون أعمى
~~فيهم وفي غيرهم وإرادة لازمه وهي الضعف بين من ينصره ويعاديه لا يخفى
~~تكلفه، ومن هنا قال الإمام: جوز بعض أصحابنا العمى على الأنبياء عليهم
~~السلام لكن لا يحسن الحمل عليه هنا، وأنت تعلم أن المصحح عند أهل السنة
~~أن الأنبياء عليهم السلام ليس فيهم أعمى، وما حكاه الله تعالى عن يعقوب
~~عليه السلام كان أمرا عارضا وذهب. والأخبار المروية عمن ذكرنا في شعيب
~~عليه السلام لم نقف على تصحيح لها سوى ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما فإن الحاكم صحح بعض طرقه لكن تصحيح الحاكم كتضعيف ابن الجوزي غير
~~معول عليه، وربما يقال فيه نحو ما قيل في يعقوب عليه السلام، فقد أخرج
~~الواحدي وابن عساكر عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " بكى شعيب عليه السلام من حب الله تعالى حتى عمي فرد الله تعالى عليه
~~بصره وأوحى إليه يا شعيب ما هذا البكاء أشوقا إلى الجنة أم خوفا من
~~النار، فقال: لا ولكن اعتقدت حبك بقلبي فإذا نظرت إليك فلا أبالي ما
~~الذي تصنع بي، فأوحى الله تعالى إليه يا شعيب إن يكن ذلك حقا فهنيئا
~~لك لقائي يا شعيب لذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي "

# وذهب بعض المعتزلة إلى أنه لا يجوز استنباء الأعمى لكونه صفة منفرة لعدم
~~الاحتراز معه عن النجاسات ولأنه يخل بالقضاء والشهادة فإخلاله بمقام
~~النبوة أولى، / وأجيب بأنا لا نسلم عدم الاحتراز معه عن النجاسات فإن
~~كثيرا ممن نشاهده من العميان أكثر احترازا عنها من غيره، وبأن القاضي،
~~والشاهد يحتاجان إلى التمييز بين المدعي والمدعى عليه، والنبي لا يحتاج
~~لتمييز من يدعوه مع أنه معصوم فلا يخطىء كغيره كذا قيل، فلينظر.

# { ولولا رهطك } أي جماعتك قال الراغب: هم ما دون العشرة. وقال
~~الزمخشري: من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى السبعة، وقيل: بل يقال: إلى
~~الأربعين، ولا يقع فيما قيل  كالعصبة والنفر  إلا على الرجال، ومثله
~~الراهط وجمعه أرهط وجمع ms04454 الجمع أراهط، وأصله على ما نقل عن الرماني الشد،
~~ومنه الرهيط لشدة الأكل، والراهطاء لحجر اليربوع لأنه يتوثق به ويخبأ فيه
~~ولده. والظاهر أن مرادهم لولا مراعاة جانب رهطك { لرجمنك } أي
~~لقتلناك برمي الأحجار، وهو المروي عن ابن زيد، وقيل: ذلك كناية عن نكاية
~~القتل كأنهم قالوا: لقتلناك بأصعب وجه؛ وقال الطبري: أرادوا لسببناك كما
~~في قوله تعالى:

# لأرجمنك واهجرني مليا

# [مريم: 46]، وقيل: لأبعدناك وأخرجناك من أرضنا، ولم يجوزوا أن يكون
~~المراد لولا ممانعة رهطك ومدافعتهم لأن ممانعة الرهط وهم عدد نزر لألوف
~~مؤلفة مما لا يكاد يتوهم؛ ومعنى { ومآ أنت علينا بعزيز } ما
~~أنت بمكرم محترم حتى نمتنع من رجمك وإنما نكف عنك للمحافظة على حرمة رهطك
~~الذين ثبتوا على ديننا ولم يختاروك علينا، والجار الأول متعلق {
~~بعزيز } وجاز لكون المعمول ظرفا والباء مزيدة، ولك أن تجعله متعلقا
~~بمحذوف يفسره الظاهر وهو خبر { أنت } وقد صرح السكاكي في «المفتاح»
~~أنه قصد بتقديم هذا الضمر الذي هو فاعل معنوي وإن لم يكن الخبر فعلا بل
~~صفة مشبهة وإيلائه النفي الحصر والاختصاص أي اختصاص النفي بمعنى أن عدم
~~العزة مقصور عليك لا يتجاوزك إلى رهطك لا بمعنى نفي الاختصاص بمعنى لست
~~منفردا بالعزة وهو ظاهر، قاله العلامة الثاني، وقال السيد السند: إنه
~~قصد فيه نفي العزة عن شعيب عليه السلام وإثباتها لرهطه فيكون تخصيصا
~~للعزة بهم ويلزمه تخصيص عدمها به إلا أن المتبادر كما يشهد به الذوق
~~السليم هو القصد إلى الأول، واستدل السكاكي على كون ذلك للاختصاص بقوله
~~عليه السلام في جواب هذا الكلام ما حكى بقوله عز شأنه: { قال يقوم
~~أرهطي أعز عليكم من الله }.

### || [11.92]

# { قال يقوم أرهطي أعز عليكم من الله } أي من
~~نبي الله على ما قال عليه الرحمة، ووجه الاستدلال كما قال العلامة
~~وغيره: إنه لو لم يكن قصدهم اختصاصه بنفي العزة بل مجرد الإخبار بعدم
~~عزته عليهم لم يستقم هذا الجواب ولم يكن مطابقا لمقالهم إذ لا دلالة
~~لنفي العزة عنه على ثبوتها للغير، ms04455 وإنما يدل على ذلك اختصاصه بنفي العزة.
~~واعترض صاحب «الإيضاح» بأن هذا من باب أنا عارف وهو لا يفيد الاختصاص
~~وفاقا وإنما يفيده التقديم على الفعل مثل أنا عرفت، وكون المشتقات قريبة
~~من الأفعال في التقوي لا يقتضي كونها كالأفعال في الاختصاص والتمسك
~~بالجواب ضعيف لجواز أن يكون جوابا لقولهم:

# لولا رهطك لرجمنك

# [هود: 91] فإنه يدل على أن رهطه هم الأعزة حيث كان الامتناع عن رجمه
~~بسببهم لا بسببه ومعلوم بحسب الحال والمقام أن ذلك لعزتهم لا لخوفهم،
~~وتعقبه السيد السند بأن صاحب «الكشاف صرح» بالتخصيص في قوله تعالى:

# كلآ إنها كلمة هو قآئلها

# [المؤمنون: 100] فكيف يقال: باب أنا عارف لا يفيد الاختصاص اتفاقا وإن
~~جعله جوابا لما أنت عليهم بعزيز هو الظاهر بأن يجعل التنوين للتعظيم
~~فيدل على ثبوت أصل العزة له عليه السلام ولا دلالة لقولهم:

# ولولا رهطك لرجمنك

# [هود: 91] على اشتراك العزة فلا يلائمه أرهطى أعز عليكم، ثم قال: فإن
~~قيل: شرط التخصيص عند السكاكي أن يكون المقدم / بحيث إذا أخر كان فاعلا
~~معنويا ولا يتصور ذلك فيما نحن فيه قلنا: إن الصفة بعد النفي تستقل مع
~~فاعلها كلاما فجاز أن يقال: ما عزيز أنت على أن يكون أنت تأكيدا
~~للمستتر ثم يقدم ويدخل الباء على { عزيز } بعد تقديم { أنت } وجعله
~~مبتدأ وكذلك قوله سبحانه:

# ومآ أنا بطارد الذين ءامنوا

# [هود: 29]

# ومآ أنت عليهم بوكيل

# [الأنعام: 107] مما لي حرف النفي وكان الخبر صفة، وقد صرح صاحب «الكشاف»
~~وغيره بإفادة التقديم الحصر في ذلك كله، وأما صورة الإثبات نحو أنا عارف
~~فلا يجري فيها ذلك فلا يفيد عنده تخصيصا، وإن كان مفيدا إياه عند من لا
~~يشترط ذلك.

# وأجاب صاحب «الكشف» عما قاله صاحب «الإيضاح» بعد نقل خلاصته: بأن ما فيه
~~الخبر وصفا كما يقارب ما فيه الخبر فعلا في إفادة التقوي على ما سلمه
~~المعترض يقاربه في إفادة الحصر لذلك الدليل بعينه، وأن قولهم:

# ولولا رهطك لرجمنك

# [هود: 91] كفى به دليلا أن حق الكلام أن يفاد التخصيص ms04456 لا أصل العز
~~ففهمه من ذلك لا ينافي كونه جوابا لهذا الكلام بل يؤكده، وقد صرح
~~الزمخشري بإفادة نحو هذا التركيب الاحتمالين في أنها كلمة هو قائلها.
~~وقال العلامة الطيبي: إن قوله تعالى:

# لولا رهطك لرجمنك

# [هود: 91] وقوله سبحانه:

# ومآ أنت علينا بعزيز

# [هود: 91] من باب الطرد والعكس عنادا منهم فلا بد من دلالتي المنطوق،
~~والمفهوم في كل من اللفظين انتهى.

# ويعلم من جميع ما ذكر ضعف اعتراض صاحب «الإيضاح» والعجب من العلامة حيث
~~قال: إنه اعتراض قوي؛ وأشار السكاكي بتقدير المضاف إلى دفع الإشكال بأن
~~كلامهم إنما وقع في شعيب عليه السلام وفي رهطه وأنهم هم الأعزة دونه من
~~غير دلالة على أنهم أعز من الله تعالى. وأجيب أيضا بأن تهاونهم بنبي
~~الله تعالى تهاون به سبحانه فحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم
~~من الله تعالى أو بأن المعنى أرهطى أعز عليكم من الله تعالى حتى كان
~~امتناعكم عن رجمي بسبب انتسابي إليهم وأنهم رهطى لا بسبب انتسابي إلى
~~الله تعالى وأني رسوله. ثم ما ذكره السيد قدس سره من جعل التنوين في 
~~عزيز  للتعظيم وحينئذ يدل الكلام على ثبوت أصل العزة له عليه السلام
~~فيلائمه أرهطي أعز؟ الخ صحيح في نفسه إلا أن ذلك بعيد جدا من حال القوم،
~~فإن الظاهر أنهم إنما قصدوا نفي العزة عنه عليه السلام مطلقا وإثباتها
~~لرهطه لا نفي العزة العظيمة عنه وإثباتها لهم ليدل الكلام على اشتراكهما
~~في أصل العزة وزيادتها فيهم، وذلك لأن العزة وإن لم تكن عظيمة تمنع من
~~القتل بالحجارة الذي هو من أشر أنواع القتل، ولا أظن إنكار ذلك إلا
~~مكابرة، وكأنه لهذا لم يعتبر مولانا أبو السعود عليه الرحمة جعل التنوين
~~للتعظيم لتتأتى المشاركة فيظهر وجه إنكار الأعزية فاحتاج للكشف عن ذلك مع
~~عدم المشاركة، فقال: وإنما أنكر عليه السلام عليهم أعزية رهطه منه تعالى
~~مع أن ما أثبتوه إنما هو مطلق عزة رهطه لا أعزيتهم منه عز وجل مع
~~الاشتراك في أصل العزة ms04457 لتثنية التقريع وتكرير التوبيخ حيث أنكر عليهم
~~أولا ترجيح جنبة الرهط على جنبة الله تعالى وثانيا نفي العزة بالمرة،
~~والمعنى أرهطي أعز عليكم من الله فإنه مما لا يكاد يصح، والحال أنكم لم
~~تجعلوا له تعالى حظا من العزة أصلا { واتخذتموه } بسبب عدم
~~اعتدادكم بمن لا يرد ولا يصدر إلا بأمره { ورآءكم ظهريا } شيئا
~~منبوذا وراء الظهر منسيا انتهى.

# وأنا أقول: قد ذكر الرضي أن المجرور بمن التفضيلية لا يخلو من مشاركة
~~المفضل في المعنى إما تحقيقا كما في زيد أحسن من عمرو أو تقديرا كقول
~~علي كرم الله تعالى وجهه: لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر
~~يوما من رمضان وذلك لأن إفطار يوم الشك الذي يمكن أن يكون من رمضان
~~محبوب عند المخالف فقدره علي كرم الله تعالى وجهه محبوبا إلى نفسه
~~أيضا، ثم فضل صوم شعبان عليه فكأنه قال: هب أنه محبوب عندي أيضا أليس
~~صوم يوم من شعبان أحب منه انتهى.

# وما في الآية يمكن تخريجه على طرز الأخير فيكون إنكاره عليه السلام
~~عليهم أعزية رهطه منه تعالى على تقدير أن يكون عز وجل عزيزا عندهم
~~أيضا، ويعلم من ذلك إنكار ما هم عليه بطريق الأولى، وكأن هذا هو الداعي
~~لاختيار هذا الأسلوب من الإنكار، ووقوعه في الجواب لا يأبى ذلك، وإن قيل
~~بجواز خلو المجرور  بمن  من مشاركة المفضل وإرادة مجرد المبالغة من
~~أفعل المقرون بها بناء على مجىء ذلك بقلة  كما قال الجلال السيوطي في
~~«همع الهوامع»  نحو العسل أحلى من الخل والصيف أحر من الشتاء، واعتمد
~~هنا على قرينة السباق والسياق فالأمر واضح، واستحسن كون قوله تعالى: {
~~واتخذتموه } الخ اعتراضا وفائدته تأكيد تهاونهم بالله تعالى
~~ببيان أنهم قوم عادتهم أن لا يعبأوا بالله تعالى ويجعلوه كالشيء المنبوذ،
~~وجوز بعض كونه عطفا على ما قبله على معنى أفضلتم رهطى على الله سبحانه
~~وتهاونتم به تعالى ونسيتموه ولم تخشوا جزاءه عز وجل، وقال غير واحد: إنه
~~يحتمل أن يكون الغرض من قوله ms04458 عليه السلام { أرهطي } الخ الرد
~~والتكذيب لقومه فإنهم لما ادعوا أنهم لا يكفون عن رجمه عليه السلام لعزته
~~بل لمراعاة جانب رهطه رد عليهم ذلك بأنكم ما قدرتم الله تعالى حق قدره
~~ولم تراعوا جنابه القوي فكيف تراعون رهطي الأذلة، وأيا ما كان فضمير {
~~اتخذتموه } عائد إلى الله تعالى وهو الذي ذهب إليه جمهور
~~المفسرين، وروي عن ابن عباس والحسن وغيرهما. و  الظهري  منسوب إلى
~~الظهر، وأصله المرمي وراء الظهر، والكسر من تغييرات النسب كما قالوا في
~~النسبة إلى أمس: أمسي بالكسر وإلى الدهر دهري بالضم، ثم توسعوا فيه
~~فاستعملوه للمنسي المتروك، وذكروا أنه حتمل أن يكون في الكلام استعارة
~~تصريحة وأن يكون استعارة تمثيلية.

# وزعم بعضهم أن الضمير له تعالى، و  الظهري  العون وما يتقوى به،
~~والجملة في موضع الحال، والمعنى أفضلتم الرهط على الله تعالى ولم تراعوا
~~حقه سبحانه والحال أنكم تتخذونه سند ظهوركم وعماد آمالكم. ونقل ابن عطية
~~هذا المعنى عن جماعة، وقيل: الظهري المنسي، والضمير عائد على الشرع الذي
~~جاء به شعيب عليه السلام وإن لم يذكر صريحا، وروي عن مجاهد أو على أمر
~~الله، ونقل عن الزجاج، وقيل: الظهري بمعنى المعين، والضمير لله تعالى،
~~وفي الكلام مضاف محذوف أي عصيانه والمعنى على ما قرره أبو حيان واتخذتم
~~عصيانه تعالى عونا وعدة لدفعي، وقيل: لا حذف والضمير للعصيان وهو الذي
~~يقتضيه كلام المبرد، ولا يخفى ما في هذه الأقوال من الخروج عن الظاهر من
~~غير فائدة، ومما ينظم في سلكها تفسير العزيز بالملك زعما أنهم كانوا
~~يسمعون الملك عزيزا على أن من له أدنى ذوق لا يكاد يسلم صحة ذلك فتفطن.
~~ونصب { ظهريا } على أنه مفعول ثان  لاتخذتموه  والهاء مفعوله الأول، و
~~{ ورآئكم } ظرف له أو حال من { ظهريا }.

# { إن ربي بما تعملون محيط } تهديد عظيم لأولئك الكفرة
~~الفجرة أي أنه سبحانه قد أحاط علما بأعمالكم السيئة التي من جملتها
~~رعايتكم جانب الرهط دون رعاية جنابه جل جلاله في فيجازيكم على ذلك وكذا
~~قوله: { ويقوم اعملوا ms04459 على مكانتكم }.

### || [11.93]

# { ويقوم اعملوا على مكانتكم } أي غاية تمكنكم من
~~أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، وهو مصدر مكن يقال: مكن مكانة إذا تمكن
~~أبلغ تمكن، والميم على هذا أصلية، وفي «البحر» يقال: المكان والمكانة
~~مفعل ومفعلة / من الكون والميم حينئذ زائدة، وفسر ابن زيد المكانة
~~بالحال يقال: على مكانتك يا فلان إذا أمرته أن يثبت على حاله كأنك قلت:
~~اثبت على حالك التي أنت عليها لا تنحرف، وهو من استعارة العين للمعنى كما
~~نص عليه غير واحد، وحاصل المعنى ههنا اثبتوا على ما أنتم عليه من الكفر
~~والمشاقة لي وسائر ما لا خير فيه. وقرأ أبو بكر  مكاناتكم  على الجمع
~~وهو باعتبار جمع المخاطبين كما أن الإفراد باعتبار الجنس، والجار
~~والمجرور كما قال بعضهم: يحتمل أن يكون متعلقا بما عنده على تضمين الفعل
~~على معنى البناء ونحوه كما تقول: عمل على الجد وعلى القوة ونحوهما، وأن
~~يكون في موضع الحال أي اعملوا قارين وثابتين على مكانتكم.

# { إني عمل } على مكانتي حسبما يؤيدني الله تعالى ويوفقني بأنواع
~~التأييد والتوفيق، وكأنه حذف على مكانتي للاختصار ولما فيه من زيادة
~~الوعيد، وقوله سبحانه: { سوف تعلمون } استئناف وقع جواب سؤال
~~مقدرنا شيء من تهديده عليه السلام إياهم بقوله: { اعملوا } الخ كأن
~~سائلا منهم سأل فماذا يكون بعد ذلك؟ فقيل: { سوف تعلمون } ولذا
~~سقطت الفاء وذكرت في آية الأنعام للتصريح بأن الوعيد ناشىء ومتفرع على
~~إصرارهم على ما هم عليه والتمكن فيه، وما هنا أبلغ في التهويل للإشعار
~~بأن ذلك مما يسئل عنه ويعتنى به، والسؤال المقدر يدل على ما دلت عليه
~~الفاء مع ما في ذلك من تكثير المعنى بتقليل اللفظ، وكأن الداعي إلى
~~الإتيان بالأبلغ هنا دون ما تقدم أن القوم قاتلهم الله تعالى بالغوا في
~~الاستهانة به عليه السلام وبلغوا الغاية في ذلك فناسب أن يبالغ لهم في
~~التهديد ويبلغ فيه الغاية وإن كانوا في عدم الانتفاع كالأنعام، وما فيها
~~نحو ذلك.

# وقال بعض أجلة الفضلاء: إن اختيار إحدى الطريقين ثمة والأخرى ms04460 هنا وإن
~~كان مثله لا يسئل عنه لأنه دوري لأن أول الذكرين يقتضي التصريح فيناسب في
~~الثاني خلافه انتهى، وهو دون ما قلناه.

# و { من } في قوله سبحانه: { من يأتيه عذاب يخزيه } قيل:
~~موصولة مفعول العلم وهو بمعنى العرفان، وجملة { يأتيه عذاب } صلة
~~الموصول، وجملة { يخزيه } صفة { عذاب } ووصفه بالإخزاء تعريضا
~~بما أوعدوه عليه السلام من الرجم فإنه مع كونه عذابا فيه خزي ظاهر،
~~وقوله تعالى: { ومن هو كاذب } عطف على { من يأتيه } و {
~~من } أيضا موصولة، وجوز أن تكون { من } في الموضعين استفهامية،
~~والعلم على بابه وهي معلقة له عن العمل.

# واستظهر أبو حيان الموصولية، وليس هذا العطف من عطف القسيم على قسيمه
~~كما في  سيعلم الصادق والكاذب إذ ليس القصد إلى ذكر الفريقين، وإنما
~~القصد إلى الرد على القوم في العزم على تعذيبه بقولهم:

# لرجمنك

# [هود: 91] والتصميم على تكذيبه بقولهم:

# أصلوتك تأمرك

# [هود: 87] الخ فكأنه قيل: سيظهر لكم من المعذب أنتم أم نحن ومن الكاذب
~~في دعواه أنا أم أنتم؛ وفيه إدراج حال الفريقين أيضا.

# وفي الإرشاد أن فيه تعريضا بكذبهم في ادعائهم القوة والقدرة على رجمه
~~عليه السلام، وفي نسبته إلى الضعف والهوان وفي ادعائهم الإبقاء عليه
~~لرعاية جانب الرهط، وقال الزمخشري: إنه كان القياس، ومن هو صادر بدل هذا
~~المعطوف لأنه قد ذكر عملهم على مكانتهم وعمله على مكانته، ثم أتبعه ذكر
~~عاقبة العاملين منه ومنهم فحينئذ ينصرف { من يأتيه } الخ إلى
~~الجاحدين ومن هو صادق إلى النبي المبعوث ولكنهم لما كانوا يدعونه عليه
~~السلام كاذبا قال: { ومن هو كاذب } بمعنى في زعمكم ودعواكم
~~تجهيلا لهم يعني أنه عليه السلام جرى في الذكر / على ما اعتادوه في
~~تسميته كاذبا تجهيلا لهم، والمعنى ستعلمون حالكم وحال الصادق الذي
~~سميتموه كاذبا لجهلكم، وليس المراد ستعلمون أنه كاذب في زعمكم فلا يرد
~~ما توهم من أن كذبه في زعمهم واقع معلوم لهم الآن فلا معنى لتعليق علمه
~~على المستقبل، وقال ابن المنير: ((الظاهر أن الكلامين جميعا لهم  فمن
~~يأتيه ms04461  الخ متضمن ذكر (جزائهم، { ومن هو كاذب } متضمن ذكر)
~~جرمهم الذي يجازون به وهو الكذب، وهو من عطف الصفة على الصفة والموصوف
~~واحد كما تقول لمن تهدده: ستعلم من يهان ومن يعاقب، وأنت تعني المخاطب في
~~الكلامين فيكون في ذكر كذبهم تعريض لصدقه وهو أبلغ وأوقع من التصريح،
~~ولذلك لم يذكر عاقبة شعيب عليه السلام استغناءا بذكر عاقبتهم، وقد مر
~~مثل ذلك أول السورة في قوله سبحانه:

# فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل
~~عليه عذاب مقيم

# [هود: 39] حيث اكتفى بذلك عن أن يقول: ومن هو على خلاف ذلك، ونظيره

# فسوف تعلمون من تكون له عقبة الدار

# [الأنعام: 135] حيث ذكر فيه إحدى العاقبتين لأن المراد بهذه العاقبة
~~عاقبة الخير لأنها متى أطلقت لا يعني إلا ذلك نحو

# والعاقبة للمتقين

# [الأعراف: 128] (ولأن اللام في { له } يدل على أنها ليست عليه)،
~~واستغنى عن ذكر مقابلها)) انتهى، وتعقبه الطيبي بما رده عليه الفاضل
~~الجلبي.

# { وارتقبوا } أي انتظروا ما أقول لكم من حلول ما أعدكم به وظهور
~~صدقه { إني معكم رقيب } أي منتظر ذلك، وقيل: المعنى انتظروا
~~العذاب إني منتظر النصرة والرحمة، وروي ذلك عن ابن عباس، و { رقيب }
~~إما بمعنى مرتقب كالرفيع بمعنى المرتفع أو راقب كالصريم بمعنى الصارم أو
~~مراقب كعشير بمعنى معاشر، والأنسب على ما قيل بقوله: { ارتقبوا }: الأول
~~وإن كان مجىء فعيل بمعنى اسم الفاعل المزيد غير كثير وفي زيادة {
~~معكم } إظهار منه عليه السلام لكمال الوثوق بأمره.

### || [11.94]

# { ولما جآء أمرنا } أي عذابنا كما ينبىء عنه قوله سبحانه:

# سوف تعلمون

# [هود: 93] الخ أو وقته فإن الارتقاب يؤذن بذلك { نجينا شعيبا
~~والذين ءامنوا معه برحمة منا } وهو الإيمان الذي
~~وفقناهم له أو بمرحمة كائنة منا لهم. وإنما جيء بالفاء في قصتي ثمود ولوط
~~حيث قيل:

# فلما جآء أمرنا

# [هود: 82] وبالواو ههنا وفي قصة عاد حيث قيل:

# ولما جآء

# [66] لأنه قد سبق هناك سابقة الوعد بقوله سبحانه:

# ذلك وعد غير مكذوب

# [هود: 65] وقوله تعالى:

# إن موعدهم الصبح

# [هود: 81] وهو يجري مجرى ms04462 السبب المقتضي لدخول الفاء في معلوله، وأما
~~ههنا وفي قصة عاد فلم يسبق مثل ذلك بل ذكر مجيء العذاب على أنه قصة
~~بنفسه وما قبله قصة أخرى لكنهما متعلقان بقوم واحد فهما متشاركان من وجه
~~مفترقان من آخر، وذلك مقام الواو كذا قيل.

# وتعقب بأن في الكلام ههنا ذكر الوعد أيضا، وهو قوله سبحانه: {
~~يقوم اعملوا على مكانتكم } إلى قوله عز وجل:

# رقيب

# [هود: 93] غاية الأمر أنه لم يذكر بلفظ الوعد ومثله لا يكفي في الفرق،
~~وقيل: إن ذكر الفاء في الموضعين لقرب عذاب قوم صالح ولوط للوعد المذكور
~~فإن بين الأولين والعذاب ثلاثة أيام، وبين الآخرين وبينه ما بين قول
~~الملائكة:

# إن موعدهم الصبح

# [هود: 81] والصبح: وهي سويعات يسيرة ولا كذلك عذاب قومي شعيب وهود
~~عليهما السلام بل في قصة قوم شعيب عليه السلام ما يشعر بعدم تضييق زمان
~~مجيء العذاب بناء على الشائع في استعمال { سوف } على أن من أنصف من
~~نفسه لم يشك في الفرق بين الوعد في قصتي صالح ولوط عليهما السلام والوعد
~~في غيرهما، فإن الإشعار بالمجيء فيهما ظاهر فحسن تفريعه بالفاء ولا كذلك
~~في غيرهما كذا قيل، وفيه ما لا يخفى. ولعل الاقتصار على التفرقة بالقرب /
~~وعدمه أقل غائلة مما قيل، وكذا مما يقال: من أن الإتيان بالفاء لتقدم
~~الوعد وتركها وإن كان هناك وعد للإشارة إلى سوء حال أولئك القومين ومزيد
~~فظاعته حتى أن العذاب حل بهم لا لسبب سبق الوعد بل لمجرد ظلمهم وكأن وجه
~~اعتبار ذلك فيهم دون قومي لوط وصالح عليهما السلام أنهم امتازوا عنهم
~~برمي ذينك النبيين بالجنون ومشافهتهما بما لم يشافه به كل من قومي صالح
~~ولوط نبيه فيما قص عنهما في هذه السورة الكريمة فإن في ذلك ما لا يكاد
~~يخفى عليك فتدبر.

# { وأخذت الذين ظلموا } عدل عن الضمير تسجيلا عليهم بالظلم
~~وإشعارا بالعلية أي وأخذت أولئك الظالمين بسبب ظلمهم الذي فصل {
~~الصيحة } قيل: صاح بهم جبريل عليه السلام فهلكوا وكانت صيحة على
~~الحقيقة، وجوز البلخي أن ms04463 يكون المراد بها نوعا من العذاب، والعرب تقول:
~~صاح بهم الزمان إذا هلكوا، وقال امرؤ القيس:

# فدع عنك نهبا (صيح) في حجراته

# ولكن حديث ما حديث الرواحل

# والمعول عليه الأول، وقد سبق في الأعراف [78-91]

# الرجفة

# أي الزلزلة بدلها، ولعلها كانت من مباديها فلا منافاة، وقيل: غير ذلك
~~فتذكر.

# { فأصبحوا في ديارهم جثمين } أي ميتين من جثم الطائر
~~إذا ألصق بطنه بالأرض، ولذا خص الجثمان بشخص الإنسان قاعدا، ثم توسعوا
~~فاستعملوا الجثوم بمعنى الإقامة، ثم استعير من هذا الجاثم للميت لأنه لا
~~يبرح مكانه ((ولما لم يجعل متعلق العلم في قوله سبحانه:

# سوف تعلمون من يأتيه عذاب

# [هود:93 ] الخ نفس مجيء العذاب بل من يجيئه ذلك جعل مجيئه بعد أمرا
~~مسلم الوقوع غنيا عن الإخبار به حيث جعل شرطا، وجعل تنجية شعيب عليه
~~السلام والمؤمنين وإهلاك الكفرة الظالمين جوابا له ومقصود الإفادة،
~~وإنما قدم التنجية اهتماما بشأنها وإيذانا بسبق الرحمة على الغضب))
~~قاله شيخ الإسلام. و  أصبح  إما ناقصة أو تامة أي صاروا جاثمين أو
~~دخلوا في الصباح حال كونهم جاثمين.

### || [11.95]

# { كأن لم يغنوا } أي لم يقيموا { فيها } متصرفين في أطرافها
~~متقلبين في أكنافها، والجملة إما خبر بعد خبر أو حال بعد حال. { ألا
~~بعدا لمدين كما بعدت ثمود } العدول عن الإضمار إلى
~~الإظهار للمبالغة في تفظيع حالهم وليكون أنسب بمن شبه هلاكهم بهلاكهم،
~~وإنما شبه هلاكهم بهلاكهم لأن عذاب كل كان بالصيحة غير أنه روى الكلبي
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن صيحة ثمود كانت من تحتهم وصيحة مدين
~~كانت من فوقهم. وقرأ السلمي وأبو حيوة (بعدت) بضم العين، والجمهور بكسرها
~~على أنه من بعد يبعد بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع بمعنى هلك،
~~ومنه قوله:

# يقولون: (لا تبعد) وهم يدفونني

# وأين مكان البعد إلا مكانيا

# وأما بعد يبعد بالضم فهو البعد ضد القرب قاله ابن قتيبة، قيل: أرادت
~~العرب بهذا التغيير الفرق بين المعنيين، وقال ابن الأنباري: من العرب من
~~يسوي بين الهلاك وبعد ms04464 الذي هو ضد القرب، وفي «القاموس» البعد المعروف
~~والموت، وفعلهما  ككرم وفرح  بعدا وبعدا بفتحتين، وقال المهدوي: إن
~~بعد بالضم يستعمل في الخير والشر. وبعد بالكسر في الشر خاصة، وكيفما كان
~~الأمر فالمراد ببعدت على تلك القراءة أيضا هلكت غاية الأمر أنه في ذلك
~~إما حقيقة أو مجاز، ومن هلك فقد بعد ونأى كما قال الشاعر:

# من كان بينك في التراب وبينه

# شهران فهو في غاية (البعد)

# وفي الآية ما يسمى الاستطراد، قيل: ولم يرد في القرآن من هذا النوع إلا
~~ما في هذا الموضع وقد استعملته العرب في أشعارها، ومن ذلك قول حساب رضي
~~الله عنه تعالى عنه:

# إن كنت كاذبة الذي حدثتني

# فنجوت منجى الحرث بن هشام

# ترك الأحبة أن يقاتل دونهم

# ونجا برأس طمرة ولجام

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: قوله سبحانه في قصة هود عليه السلام:

# ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على
~~صرط مستقيم

# [هود: 56] فيه إشارة إلى أن كل ذي نفس تحت قهره سبحانه وسلطانه أسير في
~~يد تصرفه وملكته عاجز عن الفعل إلا بإذنه وأنه عز وجل لا يسلط أحدا على
~~أحد إلا عن استحقاق ذنب أو رفع درجة وإعلاء منزلة لأنه تبارك وتعالى على
~~طريق العدل الذي لا إعوجاج فيه، وذكر الشيخ الأكبر قدس سره في «فصوصه»:
~~إن كل ما سوى الحق فهو دابة فإنه ذو روح وما ثم من يدب بنفسه وإنما يدب
~~بغيره بحكم التبعية للذي هو على صراط مستقيم فكل ماش فهو على الصراط
~~المستقيم وحينئذ فلا مغضوب عليه ولا ضال من هذا الوجه، نعم إن الناس على
~~قسمين: أهل الكشف وأهل الحجاب، فالأولون يمشون على طريق يعرفونها ويعرفون
~~غايتها فهي في حقهم صراط مستقيم كما أنها في نفس الأمر كذلك، والآخرون
~~يمشون على طريق يجهلونها ولا يعرفون غايتها وأنها تنتهي إلى الحق فهي في
~~حقهم ليست صراطا مستقيما وإن كانت عند العارف ونفس الأمر صراطا
~~مستقيما، واستنبط قدس سره من الآية أن مآل الخلق ms04465 كلهم إلى الرحمة التي
~~وسعت كل شيء، وهي الرحمة السابقة على الغضب، وادعى أن فيها بشارة للخلق
~~أي بشارة.

# وقال القيصري في تفسيرها: أي ما من شيء موجود إلا هو سبحانه آخذ بناصيته
~~وإنما جعل دابة لأن الكل عند صاحب الشهود وأهل الوجود حي، فالمعنى مامن
~~حي إلا والحق آخذ بناصيته ومتصرف فيه بحسب أسمائه يسلك به أي طريق شاء من
~~طرقه وهو على صراط مستقيم؛ وأشار بقوله سبحانه: { آخذ } إلى هوية الحق
~~الذي مع كل من الأسماء ومظاهرها، وإنما قال: { إن ربي على صرط
~~مستقيم } بإضافة الرب إلى نفسه، وتنكير الصراط تنبيها على أن كل
~~رب على صراطه المستقيم الذي عين له من الحضرة الآلهية، والصراط المستقيم
~~الجامع للطرق هو المخصوص بالاسم الإلهي ومظهره لذلك قال في الفاتحة
~~المختصة بنبينا صلى الله عليه وسلم:

# اهدنا الصراط المستقيم

# [الفاتحة: 6] بلام العهد أو الماهية التي منها تتفرع جزئياتها، فلا
~~يقال: إذا كان كل أحد على الصراط المستقيم فما فائدة الدعوة؟ لأنا نقول:
~~الدعوة إلى الهادي من المضل وإلى العدل من الجائر كما قال سبحانه:

# يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا

# [مريم: 85] انتهى بحروفه، وأعظم من هذا إشكالا التكليف مع القول
~~بالوحدة وكذا التنعيم والتعذيب فإن الظاهر من التقرير لكلام المحققين من
~~الصوفية أن المكلف عبارة عن موجود هو حصة من الوجود المطلق المفاض على
~~حقائق الممكنات المتعين بتعينات مختلفة اقتضتها الاستعدادات الذاتية
~~للحقائق التي هي المعدومات المتميزة في نفس الأمر المستعدة باستعدادات
~~ذاتية غير مجعولة، فالمكلف مقيد من مقيدات الوجود المطلق المفاض، والمقيد
~~لا يوجد بدون المطلق لأنه قيومه، والمطلق من حيث الإطلاق عين الحق، ولا
~~شك أن قاعدة التكليف تقتضي أن يكون بينهما مغايرة ومباينة حقيقية ذاتية
~~حتى يصح التكليف وما يترتب عليه من التعذيب والتنعيم.

# وأجيب بأن حقيقة الممكن أمر معدوم متميز في نفسه بتميز ذاتي غير مجعول
~~ووجوده خاص مقيد بخصوصية / ما اقتضاها استعداده الذاتي لماهيته العدمية
~~فهو مركب من الوجود والعدم وحقيقته مغايرة لوجوده تعقلا لتمايزهما ذهنا، ms04466
~~ولا ينافي ذلك قول الأشعري: وجود كل شيء عين حقيقته لما بين في محله
~~وحقيقة الحق تعالى لا تغاير وجوده ووجوده سبحانه هو الوجود المطلق
~~بالإطلاق الحقيقي حسبما حققه محققو الصوفية، فالمغايرة الذاتية بين
~~المكلف والمكلف في غاية الظهور لأن المكلف هو المعدوم اللابس لحصة من
~~الوجود المتعين بمقتضى حقيقته، والمكلف سبحانه هو الحق عز وجل الذي هو
~~عين الوجود المطلق الغير المقترن بماهية عدمية، وبعبارة أخرى: إن حقيقة
~~الممكن أمر معدوم وحقيقة الواجب سبحانه الوجود المطلق حتى عن قيد الإطلاق
~~وقد وقع في البين تجلي الهوية في العبد وذلك التجلي هو الجامع للقدرة
~~وغيرها من الكمالات التي يتوقف عليها التلكيف بمقتضى الحكمة ومحقق
~~للمغايرة.

# وحاصل ذلك أن حقيقة المزج بين تجلي الهوية والصورة الخلقية المتعينة
~~بمقتضى الحقيقة العدمية هي التي أحدثت ما به يصح التكليف وما يترتب عليه،
~~وكون الحق سبحانه قيوما للوجود المقيد غير قادح في ذلك بل القيومية هي
~~المصححة له لما تبين من النصوص أنه لا تكليف إلا بالوسع ولا وسع للممكن
~~إلا بقيوميته تعالى بنص

# ما شآء الله لا قوة إلا بالله

# [الكهف: 39] وما هو بالله فهو لله تعالى، والبحث في ذلك طويل، وبعض
~~كلماتهم يتراءى منها عدم المغايرة بين المكلف والمكلف من ذلك ما قيل:

# لقد كنت دهرا قبل أن يكشف الغطا

# إخالك أني ذاكر لك شاكر

# فلما أضاء الليل أصبحت شاهدا

# بأنك مذكور وذكر وذاكر

# لكن ينبغي أن لا يبادر سمعها بالإنكار، ويرجع في المراد منها إلى
~~العارفين بدقائق الأسرار. هذا وقد تقدم الكلام في ناقة صالح عليه السلام،
~~وفيما قص الله تعالى ههنا عن إبراهيم عليه السلام إشارة إلى بعض آداب
~~الفتوة، فقد قالوا: إن من آدابها إذا نزل الضيف أن يبدأ بالكرامة في
~~الإنزال؛ ثم يثني بالكرامة بالطعام، وإنما أوجس عليه السلام في نفسه خيفة
~~لأنه ظن الغضب، والخليل يخشى غضب خليله ومناه رضاه، ولله در من قال:

# لعلك غضبان ولست بعالم

# سلام على الدارين إن كنت راضيا

# وفي هذه القصة ms04467 دليل على أنه قد ينسد باب الفراسة على الكاملين لحكم
~~يريدها الله تعالى، ومن ذلك لم يعرف إبراهيم وكذا لوط عليهما السلام
~~الملائكة عليهم السلام في أول الأمر، وكانت مجادلته عليه السلام من آثار
~~مقام الإدلال على ما قيل، وقوله تعالى عن لوط عليه السلام:

# لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد

# [هود: 80] قيل: يشير بالقوة إلى الهمة وهي عندهم القوة المؤثرة في
~~النفوس لأن القوة منها جسمانية ومنها روحانية وهذه المسماة بالهمة وهي
~~أقوى تأثيرا لأنها قد تؤثر في أكثر العالم أوكله بخلاف الجسمانية، وقصد
~~عليه السلام بالركن الشديد القبيلة لأنه يعلم أن أفعال الله تعالى لا
~~تظهر في الخارج إلا على أيدي المظاهر فتوجه إلى الله سبحانه وطلب منه أن
~~يجعل له أنصارا ينصرونه على أعداء الله تعالى، وردد الأمر بين ذلك وأن
~~يجعل له همة مؤثرة من نفسه ليقاوم بها الأعداء، وقد علمت ما روى عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم من قوله:

# " يرحم الله تعالى أخي لوطا "

# الخبر. وذكر الشيخ الأكبر قدس سره أنه عليه الصلاة والسلام نبه بذلك
~~الخبر أن لوطا كان مع الله تعالى من أنه سبحانه / ركن شديد والإشارة في
~~قصة شعيب عليه السلام إلى أنه ينبغي لمن كان في حيز أن لا يعصى الله
~~تعالى، وللواعظ أن لا يخالف فعله قوله:

# لا تنه عن خلق وتأتي مثله

# عار عليك إذا فعلت عظيم

# وأنه لا ينبغي أن يكون شيء عند العبد أعز عليه من الله تعالى إلى غير
~~ذلك، والله تعالى الهادي إلى سبيل الرشاد.

### || [11.96]

# { ولقد أرسلنا موسى بئايتنا } وهي الآيات التسع
~~العصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والنقص من
~~الثمرات والأنفس. والباء متعلقة بمحذوف وقع حالا من مفعول { أرسلنا
~~} أو نعتا لمصدره المؤكد أي أرسلناه حال كونه ملتبسا بآياتنا أو
~~أرسلناه إرسالا ملتبسا بها. { وسلطن مبين } هو المعجزات
~~الباهرة منها وهو العصا والإفراد بالذكر لإظهار شرفها لكونها أبهرها،
~~والمراد بالآيات ما عداها، ويجوز أن يراد بهما ms04468 واحد، والعطف باعتبار
~~التغاير الوصفي أي أرسلناه بالجامع بين كونه آياتنا وكونه سلطانا له على
~~نبوته واضحا في نفسه أو موضحا إياها من أبان لازما بمعنى تبين
~~ومتعديا بمعنى بين، وجعل بعضهم الآيات والسلطان شيئا واحدا في نفس
~~الأمر إلا أن في ذلك تجريدا نحو مررت بالرجل الكريم والنسمة المباركة
~~كأنه جرد من الآيات الحجة وجعلها غيرها وعطفت عليها لذلك، وجوز أن يكون
~~المراد بالآيات ما سمعت وبالسلطان ما بينه عليه السلام في تضاعيف دعوته
~~حين قال له فرعون:

# من ربكما

# [طه: 49]

# فما بال القرون الأولى

# [طه: 51] من الحقائق الرائقة. والدقائق اللائقة، أو هو الغلبة
~~والاستيلاء كما في قوله سبحانه:

# ونجعل لكما سلطنا

# [القصص: 35 ] وجعله عبارة عن التوراة، أو إدراجها في جملة الآيات يرده
~~كما قال أبو حيان قوله عز وجل: { إلى فرعون وملإيه }.

### || [11.97]

# { إلى فرعون وملإيه } فإن نزولها إنما كان بعد مهلك فرعون
~~وقومه قاطبة ليعمل بها بنو إسرائيل فيما يأتون ويذرون، وأما فرعون وقومه
~~فإنما كانوا مأمورين بعبادة رب العالمين وترك العظيمة الشنعاء التي كان
~~يدعيها الطاغية وتقلبها منه فئته الباغية وبإرسال بني إسرائيل من الأسر
~~والقسر، ومن هذا يعلم ما في عند النقص من الثمرات والنقص من الأنفس آية
~~واحدة من الآيات التسع، وعد إظلال الجبل منها لأن ذلك إنما كان لقبول
~~التوراة حين أباه بنو إسرائيل فهو متأخر أيضا ضرورة. ومثل ذلك عد فلق
~~البحر وإظلال الغمام بدلهما لأن هذا الإظلال أيضا متأخر عن مهلك فرعون
~~وقومه.

# وأجاب بعض الأفاضل عن الاعتراض على جعل التوراة من الآيات بأن التصحيح
~~ممكن، أما أولا: فبما صرحوا به من جواز إرجاع الضمير وتعلق الجار ونحوه
~~بالمطلق الذي في ضمن المقيد فقوله سبحانه: { إلى فرعون } يجوز أن
~~يتعلق بالإرسال المطلق لا المقيد بكونه بالتوراة، وأما ثانيا: فبأن
~~يقال: إن موسى عليه السلام كما أرسل إلى الفراعنة أرسل إلى بني إسرائيل
~~أيضا فيجب أن يحمل ملأ فرعون على ما يشملهم فيجيء الكلام على التوزيع
~~على معنى أرسلناه إلى فرعون ms04469 بسلطان مبين وإلى ملائه بالتوراة فيكون لفا
~~ونشرا غير مرتب، ويقال نحو هذا على تقدير عد إظلال الجبل أو الغمام من
~~الآيات، وفي «مجموعة سرى الدين المصري» أن هذا السؤال مما أورد الحافظ
~~الطاشكندي على مخدوم الملك فأجاب بأن قوله سبحانه:

# بآيتنا

# [هود: 96] حال مقدرة أي مقدرين تلبسه أو نصرته بالآيات والسلطان إلى
~~فرعون وملائه فلا يقدح فيه ظهور بعضها بعد هلاك فرعون كالتوراة. وانفجار
~~الماء وغير ذلك، وبأنه قيل: إن إعطاء التوراة مجموعا مرتبا مكتوبا في
~~الألواح بعد غرق فرعون، / وأوحى بها إلى موسى عليه السلام في حياة فرعون
~~وكان يأمر بها قومه ويبلغها إلى فرعون وملائه، ويؤيده ما قيل: إن بعض
~~الألواح كان منزلا قبل نزول التوراة بتمامها وكانت تلك الألواح من خشب
~~والألواح التي كانت فيها التوراة بتمامها كانت من زمرد أو من ياقوت أحمر
~~أو من صخرة صماء انتهى. ولا يخفى أن الذهاب إلى كون الحال مقدرة مما لا
~~يكاد يقبله الذوق السليم، وما حكى من أن إعطاء التوراة مجموعا كان بعض
~~والإيحاء بها كان قبل الخ مما لا مستند له من الأخبار الصحيحة، وما ذكر
~~أولا: من حديث التعلق بالمطلق وثانيا: من حمل الملأ على ما يشمل بني
~~إسرائيل الخ مما ينبغي أن ينزه ساحة التنزيل عنه، وكيف يحمل  الملأ 
~~على ما يشمل بني إسرائيل مع الإضافة إليه وجعلهم من أهل النار، ولا أظنك
~~في مرية من القول بعدم صحة ذلك؛ وقيل: لو جعل { إلى فرعون }
~~متعلقا ب

# سلطن مبين

# [هود: 96] لفظا أو معنى على تقدير وسلطان مرسل به إلى فرعون لم يبعد مع
~~المناسبة بينه وبين السلطان، وفيه ما لا يخفى فتأمل.

# وتخصيص  الملأ  بالذكر مع عموم رسالة موسى عليه السلام للقوم كافة
~~لأصالتهم في الرأي وتدبير الأمور واتباع الغير لهم في الورود والصدور،
~~ولم يصرح بكفر فرعون بالآيات وانهماكه فيما كان عليه من الضلال والإضلال
~~بل اقتصر على ذكر شأنه ملائه فقيل: { فاتبعوا أمر فرعون }
~~أي أمره بالكفر بما جاء به موسى عليه ms04470 السلام من الحق للإيذان بوضوح حاله
~~فكأن كفره وأمر ملائه بذلك أمر متحقق الوجود غير محتاج إلى الذكر صريحا،
~~وإنما المحتاج إلى ذلك شأن ملائه المترددين بين هاد إلى الحق  وهو موسى
~~عليه السلام  وداع إلى الضلال  وهو فرعون  فنعى عليهم سوء اختيارهم.
~~وإيراد الفاء للإشعار بمفاجأتهم في الاتباع ومسارعة فرعون إلى الكفر
~~والأمر به، فكأن ذلك لم يتراخ عن الإرسال والتبليغ.

# وجوز أن يراد من الأمر الطريقة والشأن، قيل: ومعنى { فاتبعوا }
~~فاستمروا على الاتباع، والفاء مثل ما في قولك: وعظته فلم يتعظ وزجرته فلم
~~ينزجر، فإن الإتيان بالشيء بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه وإن كان
~~استمرارا عليه لكنه بحسب العنوان فعل جديد وصنع حادث، ويجوز أن يكون
~~المراد فاتصفوا بما اتصف به فرعون من الكفر بما جاء به موسى عليه السلام
~~والتكذيب له ووافقوه في ذلك، وإيراد الفاء للإشعار بمفاجأتهم في الموافقة
~~لفرعون في الكفر ومسارعته إليه فكأنه حين حصل الإرسال والتبليغ حصل كفر
~~فرعون بما جاء به موسى عليه السلام ووقع على أثره الموافقة منهم، ولا
~~تتوهمن أن هذه الموافقة كانت حاصلة لهم قبل لأنها تتوقف على اتصاف فرعون
~~بالكفر بما جاء به موسى عليه السلام، وذلك إنما تجدد له بعد الإرسال
~~والتبليغ فلا ضرورة إلى الحمل على الاستمرار، وجعل الفاء كما في قوكل:
~~زجرته فانزجر فتأمل.

# وعدل عن أمره إلى (أمر فرعون) لدفع توهم رجوع الضمير إلى موسى عليه
~~السلام من أول الأمر ولزيادة تقبيح حال المتبعين فإن فرعون علم في الفساد
~~والإفساد والضلال والإضلال، فاتباعه لفرط الجهالة وعدم الاستبصار، وكذا
~~الحال في قوله تعالى: { وما أمر فرعون برشيد } أي براشد أو
~~بذي رشد، والرشد ضد الغي وإسناده إلى الأمر مجازي وكأن في العدول عن وأمر
~~فرعون غي وضلال إلى ما في النظم الكريم زيادة في تقبيح فعلهم وتحسيرا
~~لهم على فوات ما فيه صلاح الدارين أعني الرشد. ويجوز أن يجعل الرشد كناية
~~عن المحمودية والإسناد حقيقي أي وما أمر فرعون بصالح حميد العاقبة.

### || [11.98]

# / وقوله ms04471 سبحانه { يقدم قومه يوم القيمة
~~فأوردهم النار } على الأول: استئناف وقع جوابا لمن سأل عن حال
~~المتبوع والتابع مآلا، وعلى الثاني: تفسير وإيضاح لعدم صلاح عاقبته أي
~~كيف يرشد أمر من هذه عاقبته. وجملة

# ومآ أمر

# [هود: 97] الخ جوز أن تكون حالا من فاعل  اتبعوا  وأن تكون حالا من
~~مفعوله قيل: وهو مختار الزمخشري، والمراد بالقوم ما يشمل الملأ وغيرهم. و
~~{ يقدم } كينصر من قدم كنصر بمعنى تقدم، ومنه قادمة الرحل، وهذا كما
~~يقال: قدمه بمعنى تقدمه، ومنه مقدمة الجيش وأقدم بمعنى تقدم، ومنه مقدم
~~العين فإنه بالكسر لا غير كما قاله المرزوقي، ومثله مؤخر العير كما في
~~«المزهر». والمراد من أوردهم يوردهم، والتعبير به دونه للإيذان بتحقق
~~وقوعه لا محالة، والقول: بأنه باق على حقيقته والمراد فأوردهم في الدنيا
~~النار أي موجبها وهو الكفر ليس بشيء. ونصب النار على أنه مفعول ثان 
~~لأوردهم  وهي استعارة مكنية تهكمية للضد وهو الماء، وفي قرينتها
~~احتمالا كما شاع في

# ينقضون عهد الله

# [البقرة: 27] وعلى احتمال المجاز يكون الإيراد مستعارا استعارة تبعية
~~لسوقهم إلى النار. وجوز أن يقال: إنه شبه فرعون بالفارط وهو الذي يتقدم
~~القوم للماء ففيه استعارة مكنية، وجعل اتباعه واردة وإثبات الورود لهم
~~تخييل، وجوز أيضا جعل المجموع تمثيلا. وجوز بعضهم كون { يقدم }
~~وأورد متنازعين في النار إلا أنه أعمل الثاني وحذف مفعول الأول وليس
~~بذلك.

# { وبئس الورد المورود } أي بئس الورد الذي يردونه النار
~~لأن الورد إنما يورد لتسكين العطش وتبريد الأكباد وفي النار تقطع الأكباد
~~واشتعالها كذا قيل، فالورد على هذا بمعنى النصيب من الماء والمورود صفته،
~~والمخصوص بالذم محذوف وهو النار. وتعقب بأنه لا بد من تصادق فاعل {
~~بئس } ومخصوصها ولا تصادق على هذا، وأيضا في جواز وصف فاعل  نعم
~~وبئس  خلاف، وابن السراج، والفارسي على عدم الجواز. وجوز ابن عطية كون
~~المورود صفة والمخصوص الناس إلا أنه جعل الكلام على حذف المضاف وإقامة
~~المضاف إليه مقامه، فالتصادق حاصل في الحقيقة أي بئس مكان الورود المورود
~~النار ms04472 ومنهم من يجعل { المورود } هو المخصوص بالذم، والمراد به
~~النار، ويقدر المضاف ليحصل التصادق أيضا أي  بئس مكان الورد النار ومن
~~يجعل الورد فاعل { بئس } ويفسره بالجمع الوارد. و { المورود }
~~صفة لهم والمخصوص بالذم ضميرهم المحذوف أي  بئس القوم المورود بهم هم
~~فيكون ذما للواردين لا لموضع الورود.

### || [11.99]

# { واتبعوا } أي الملأ الذين اتبعوا أمر فرعون، وقيل: القوم
~~مطلقا { في هذه } أي في الدنيا { لعنة } عظيمة حيث يلعنهم من
~~بعدهم من الأمم { ويوم القيمة } أيضا حيث يلعنهم أهل الموقف
~~قاطبة فهي تابعة لهم حيثما ساروا ودائرة أينما داروا فكما اتبعوا أمر
~~فرعون اتبعتهم اللعنة في الدارين جزاءا وفاقا. وقال الكلبي: اللعنة في
~~الدنيا من المؤمنين أو بالغرق، ويوم القيامة من الملائكة أو بالنار.

# { بئس الرفد المرفود } أي بئس العون المعان كما نقل عن أبي
~~عبيدة، والمخصوص بالذم محذوف أي رفدهم، ويكون { الرفد } بمعنى العطية
~~كما يكون بمعنى العون. قال أبو حيان: يقال: رفد الرجل يرفده رفدا ورفدا
~~إذا أعطاه وأعانه من رفد الحائط دعمه، وعن الأصمعي الرفد بالفتح القدح
~~والرفد بالكسر ما فيه من الشراب، وقال الليث: أصل الرفد العطاء والمعونة،
~~ومنه / رفادة قريش وهي معاونتهم للحاج بشيء يخرجونه للفقراء، ويقال رفده
~~رفدا ورفدا بكسر الراء وفتحها، ويقال: بالكسر الاسم وبالفتح المصدر،
~~وفسره هنا بالعطاء غير واحد وزعم أن المقام لا يلائمه ليس بشيء؛ نعم
~~تفسيره بالعون جاء في «صحيح البخاري»، والمراد به على التفسيرين اللعنة
~~وتسميتها عونا على التفسير الأول من باب الاستعارة التهكمية، وأما كونها
~~معانا فلأنها أرفدت في الأخرة بلعنة أخرى لتكونا هاديتين إلى صراط
~~الجحيم، وكان القياس أن يسند المرفود إليهم لأن اللعنة في الدنيا تتبعهم
~~وكذا في الآخرة لقوله سبحانه: { واتبعوا } الخ، ولكن أسند إلى
~~الرفد الذي هو اللعنة على الإسناد المجازي نحو جد جده. وجنونك مجنون،
~~وكذا يعتبر الاستعارة والمجاز المذكوران على التفسير الثاني كذا قيل.

# وقال بعض المدققين: إن في قول الزمخشري في بيان الآية على المعنى الأول
~~المنقول عن أبي عبيدة وذلك ms04473 أن اللعنة في الدنيا رفد للعذاب ومدد له، وقد
~~رفدت باللعنة في الآخرة ما يشعر بأنه ليس من الاستعارة التهكمية في شيء
~~إذ لو كان رفدا للمعذبين لكان من ذلك القبيل، ثم قال: وجعله من باب جد
~~جده أبعد وأبعد لأنه ذكر أنه رفد أعين برد أما لو فسر بالتفسير الثاني
~~ففيه الأول لا الثاني لأنه ليس مصدرا وإنما العطاء بمعنى ما يعطى
~~فكثيرا ما يطلق عليه انتهى وفيه نظر لا يخفى. ثم إن القول بأن هناك
~~لعنتين رفدت إحداهما بالأخرى هو المروي عن مجاهد وغيره فيوم معطوف على
~~محل في الدنيا.

# وذهب قوم إلى أن التقسيم هو أن لهم في الدنيا لعنة ويوم القيامة بئس ما
~~يرفدون به فهي لعنة واحدة أولا وقبح إرفاد آخرا انتهى، وتعقبه في
~~«البحر» بأن هذا لا يصح لأنه يدل على أن { يوم }  معمول { بئس }
~~وهي لا تتصرف فلا يتقدم معمولها عليها، ولو كان { يوم } متأخرا صح
~~ذلك كما قال الشاعر:

# ولنعم حشو الدرع أنت إذا

# دعيت نزال ولج في الذعر

# وهو كلام وجيه. والآية ظاهرة في سوء حال فرعون يوم القيامة لأنه إذا كان
~~حال الأتباع ما قص الله سبحانه فما ظنك بحال من أغواهم وألقاهم في هذا
~~الضلال البعيد؟ وهذا يعكر على من ذهب إلى أنه قبض طاهرا مطهرا بل قال
~~بعضهم: إنها نص في رد ذلك لأنه تعالى سلب عنه فيها الرشاد بعد موته
~~والمؤمن الطاهر المطهر لا يسلب عنه الرشاد بعد الموت، ولعل من ذهب إلى
~~ذلك يقول: باب التأويل واسع وباب الرحمة أوسع منه.

### || [11.100]

# { ذلك } إشارة إلى ما قص من أنباء الأمم وبعده باعتبار تقضيه أو
~~باعتبار ما قيل في غير موضع، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
~~مبتدأ خبره { من أنبآء القرى } المهلكة بما جنته أيدي أهلها فأل
~~فيها للعهد السابق تقديرا بذكر أربابها { نقصه عليك } خبر بعد
~~خبر أي ذلك النبأ بعض أنباء القرى مقصوص عليك؛ وجوز أن يكون من {
~~أنبآء } في موضع الحال ms04474 وهذا هو الخبر، وجوز أيضا عكس ذلك { منها }
~~أي من تلك القرى { قائم وحصيد } أي ومنها حصيد، فالعطف من عطف
~~الجملة على الجملة وهو الذي يقتضيه المعنى كما لا يخفى، وقد شبه ما بقي
~~منها بالزرع القائم على ساقه وما عفا وبطل بالحصيد، فالمعنى منها باق
~~ومنها عاف، وهو المروي عن قتادة، ونحوه ما روي عن الضحاك { قائم } لم
~~يخسف { وحصيد } قد خسف، قيل: { وحصيد } الزرع جاء في كلامهم
~~بمعنى الفناء كما في قوله:

# والناس في قسم المنية بينهم

# (كالزرع منه قائم وحصيد)

# / وصيغة فعيل بمعنى مفعول أي محصول كما قال الأخفش، وجمعه حصدي وحصاد
~~مثل مرضى ومراض. وجملة { منها قآئم } الخ مستأنفة استئنافا نحويا
~~للتحريض على النظر في ذلك والاعتبار به، أو بيانيا كأنه سئل لما ذكرت ما
~~حالها؟ فأجيب بذلك، وقال أبو البقاء: هي في موضع الحال من الهاء في {
~~نقصه } ، وجوز الطيبي كونها حالا من { القرى } ، وادعى صاحب
~~«الكشف» أن جعلها حالا من ضمير { نقصه } فاسد لفظا ومعنى، ومن {
~~القرى } كذلك، وفي «الحواشي الشهابية» أراد بالفساد اللفظي في الأول
~~خلو الجملة من الواو والضمير وفي الثاني مجيء الحال من المضاف إليه في
~~غير الصور المعهودة، وبالفساد المعنوي أنه يقتضي أنه ليس من المقصوص بل
~~هو حال خارجة عنها وليس بمراد، ولا يسوغ جعل ما بعده ابتداء المقصوص،
~~وفيه فساد لفظي أيضا.

# وزعم بعض أنه أراد بالفساد الأول في الأول ما ذكر وفي الثاني وقوع
~~الجملة الاسمية حالا بالضمير وحده وبالضمير تخصيص كونها مقصوصة بتلك
~~الحالة فإن المقصوصية ثابتة لها وللنبأ وقت قيام بعضها أيضا، وقد أصاب
~~بعضا وأخطأ بعضا، ووجه الجلبي الخلو عن الواو والضمير بأن المقصود من
~~الضمير الربط وهو حاصل لارتباط ذلك بمتعلق ذي الحال وهي القرى، فالمعنى
~~نقص عليك بعض أنباء القرى وهي على هذه الحالة تشاهدون فعل الله تعالى
~~بها. وتعقب بأن الاكتفاء في الربط بما ذكر مع خفائه مذهب تفرد به الأخفش
~~ولم يذكره في الحال وإنما ذكره في خبر المبتدأ، وقول ms04475 أبي حيان: إن الحال
~~أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين مع ما سمعت نفعا والحق أنه لا وجه
~~لما ذكره أبو البقاء يعول عليه إلا الذهول.

### || [11.101]

# { وما ظلمنهم } قيل: الضمير للقرى مرادا بها أهلها وقد أريد
~~منها أولا حقيقتها، ففي الكلام استخدام، وقيل: الضمير لأهل القرى لأن
~~هناك مضافا مقدرا أي ذلك من أنباء أهل القرى؛ والضمائر منها ما يعود
~~إلى المضاف ومنها ما يعود إلى المضاف إليه، ومتى وضح الأمر جاز مثل ذلك.
~~وقيل: القرى على ظاهرها وإسناد الأنباء إليها مجاز، وضمير { منها }
~~لها وضمير { ظلمنهم } للأهل المفهوم منها، وقيل: القرى مجاز عن
~~أهلها، والضميران راجعان إليها بذلك الاعتبار، أو يقدر المضاف والضميران
~~له أيضا، وعلى هذا خرج ما حكي عن بعضهم من أن معنى

# منها قآئم وحصيد

# [هود: 100] منها باق نسله ومنها منقطع نسله. وأيا ما كان ففي الكلام
~~إيذان بإهلاك الأهل فيكون المعنى هنا وما ظلمناهم بإهلاكنا إياهم.

# { ولكن ظلموا أنفسهم } حيث اقترفوا بسوء استعدادهم ما
~~يترتب عليه ذلك بمقتضى الحكمة { فمآ أغنت عنهم } أي ما نفعتهم
~~ولا دفعت بأس الله تعالى عنهم { آلهتهم التى يدعون } أي
~~يعبدونها { من دون الله } أوثر صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية
~~أو للدلالة على استمرار عبادتهم لها { من شيء } أي شيئا من الإغناء
~~أو شيئا من الأشياء  فما  نافية لا استفهامية  وإن جوزه السمين 
~~وتعلق (عن) بما عنده لما فيه من معنى الدفع، و { من } الأخيرة صلة
~~ومجرورها مفعول مطلق أو مفعول به للدفع. وقوله سبحانه: { لما جآء
~~أمر ربك } أي حين مجيء عذابه منصوب  بأغنت  وهذا  على ما في
~~«البحر»  بناءا على خلاف مذهب سيبويه لأن مذهبه أن { لما } حرف
~~وجوب لوجوب. وقرىء  آلهتهم اللاتي  و { يدعون } بالبناء للمفعول وهو
~~وصف للآلهة كالتي في المشهورة، وفيه مطابقة / للموصوف ليست في { التي
~~} لكن قيل  كما في «جمع الجوامع» للجلال السيوطي  إن التي في جمع غير
~~عالم أكثر من اللاتي، نعم إن الآلهة قد عوملت في الآية معاملة العقلاء
~~لأن عبدتها ms04476 نزلوها منزلة العقلاء في اعتقادهم فيها أنها تنفع وتضر، فقيل:
~~{ وما زادوهم غير تتبيب } ومن هنا قيل: إن (اللاتي) في تلك
~~القراءة واقع موقع الألى أو الذين. و التتبيب على ما في «البحر» التخسير،
~~يقال: تب خسر وتببه خسره. وذكر الجوهري أن التب الخسران والهلاك والتتبيب
~~الإهلاك، وفي «القاموس» التب والتبب والتباب والتتبيب النقص والخسار.
~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عمر ومجاهد تفسير ذلك بالتخسير، وكذا
~~أخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه عنهما إلا أنه استشهد عليه
~~بقول بشر بن أبي خازم

# : هم جدعوا الأنواف فأذهبوها

# وهم تركوا بني سعد (تبابا)

# وحينئذ فالمعنى فما زادوهم غير تخسير أو خسارة لنفوسهم حيث استحقوا
~~العذاب الأليم على عبادتهم لها نسأل الله تعالى العفو والعافية.

### || [11.102]

# { وكذلك } أي مثل ذلك الأخذ والإهلاك الذي مر بيانه، وهو على ما
~~قال السمين: خبر مقدم، وقوله سبحانه: { أخذ ربك } مبتدأ مؤخر،
~~وقيل: بالعكس، والكاف يحتمل أن تكون اسمية وأن تكون حرفية وقد يجعل
~~المشار إليه الأخذ المذكور بعد كما تحقق قبل، وفي قراءة عبد الله (كذلك)
~~بغير واو. { إذا أخذ القرى } أي أهلها وإنما أسند إليها للإشعار
~~بسريان أثره، وقرأ الجحدري وأبو رجاء { وكذلك أخذ ربك إذا
~~أخذ } على أن { أخذ ربك } فعل وفاعل، والظرف لما مضى، وهو إخبار
~~عما جرت به عادة الله تعالى في إهلاك من تقدم من الأمم (وكذلك) على هذا
~~ساد مسد المصدر النوعي ولا مانع من تقدمه على الفعل والقرى متنازع للمصدر
~~والفعل، وقوله سبحانه: { وهي ظلمة } في موضع الحال من {
~~القرى } ولذا أنث الضمير و { ظلمة } إلا أن وصف القرى بالظلم
~~مجاز وهو في الحقيقة صفة أهلها وجعله حالا من المضاف المقدر أولا
~~وتأنيثه مكتسب من المضاف إليه تكلف، وفائدة هذه الحال الإشعار بأن أخذهم
~~بسبب ظلمهم، وفي ذلك من إنذار الظالم ما لا يخفى، والمراد بالظلم إما
~~الكفر أو ما هو أعم، وظاهر صنيع بعضهم أخذا من إطلاقه أنه شامل لظلم
~~المرء نفسه وغيره ms04477 { إن أخذه أليم } وجيع { شديد } لا يرجى
~~منه الخلاص وهذا مبالغة في التهديد والتحذير. أخرج الشيخان في «صحيحيهما»
~~والترمذي والنسائي وابن ماجه وآخرون عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم:

# " إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ {
~~وكذلك أخذ ربك } إلى قوله تعالى: { إن أخذه أليم
~~شديد } ".

### || [11.103]

# { إن في ذلك } أي أخذه سبحانه للأمم المهلكة أو فيما قص من
~~أخبارهم { لآية } أي لعلامة، وفسرها بعضهم بالعبرة لما أنها تلزمها وهو
~~حسن؛ والتنوين للتعظيم أي لعبرة عظيمة { لمن خاف عذاب الآخرة
~~} فإنه إذا رأى ما وقع في الدنيا بالمجرمين من العذاب الأليم اعتبر به
~~حال العذاب الموعود فإنه عصا من عصية وقليل من كثير، وانزجر بذلك عن
~~المعاصي التي يترتب عليها العذاب وأكب على التقوى والخشية من الله تعالى،
~~وقد أقيم (من خاف) الخ مقام من صدق بذلك لما بينهما / من اللزوم ولأن
~~الاعتبار إنما ينشأ من الخوف، وذكر هذا القيد لأن من أنكر الآخرة وأحال
~~فناء هذا العالم أسند الحوادث إلى أسباب فلكية وأوضاع مخصوصة فلم يعتبر
~~بذلك أصل ولم ينزجر عن الضلالة قطعا، وقال: إن ما وقع إنما وقع لهاتيك
~~الأسباب والأوضاع لا للمعاصي التي اقترفتها الأمم المهلكة. وقيل: المراد
~~إن فيما ذكر دليلا على عذاب المجرمين في الآخرة لأنهم إذا عذبوا في
~~الدنيا لإجرامهم  وهي دار العمل  فلأن يعذبوا في الآخرة عليه  وهي دار
~~الجزاء  أولى. وقيل: المراد إن فيه دليلا على البعث والجزاء، وذلك أن
~~الأنبياء عليهم السلام قد أخبروا باستئصال من كذبهم وأشرك بالله ووقع ما
~~أخبروا به وفق إخبارهم، وذلك أحد الشواهد على صدقهم فيكونون صادقين فيما
~~يخبرون به من البعث والجزاء فلا بد أن يقع لا محالة. والتقييد بما ذكر
~~هنا كالتقييد في قوله سبحانه:

# هدى للمتقين

# [البقرة: 2] وهو كما ترى.

# { ذلك } إشارة إلى يوم القيامة المدلول عليه بذكر الآخرة { يوم
~~مجموع له الناس } أي يجمع له الناس للمحاسبة والجزاء، فالناس
~~نائب فاعل ms04478 { مجموع } وأجاز ابن عطية أن يكون مبتدأ و { مجموع }
~~خبره، وفيه بعد إذ الظاهر حينئذ أن يكون مجموعا وعدل عن الفعل  وكان
~~الظاهر  ليدل الكلام على ثبوت معنى الجمع وتحقق وقوعه لا محالة وأن
~~الناس لا ينفكون عنه فهو أبلغ من قوله تعالى:

# يوم يجمعكم ليوم الجمع

# [التغابن: 9] وإيضاحه أن في هذا دلالة على لزوم الوصف ولزوم الإسناد،
~~وفي ذلك على حدوث تعلق الجمع بالمخاطبين واختصاصه باليوم ولهذا استدركه
~~بقوله: الجمع فأضاف اليوم إليه ليدل على لزومه له وإنما الحادث جمع
~~الأولين والآخرين دفعة { وذلك } أي يوم القيامة مع ملاحظة عنوان جمع
~~الناس له { يوم مشهود } أي مشهود فيه فاتسع في الجار والمجرور
~~ووصل الفعل إلى الضمير إجراء له مجرى المفعول به كما في قوله:

# ويوما (شهدناه) سليما وعامرا

# قليل سوى طعن الدراك نوافله

# أي يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد وإنما لم يجعل نفس اليوم
~~مشهودا بل جعل مشهودا فيه ولم يذكر المشهود تهويلا وتعظيما أن يجري
~~على اللسان وذهابا إلى أن لا مجال لالتفات الذهن إلى غيره.

# وقد يقال: المشهود هو الذي كثر شاهدوه، ومنه قولهم: لفلان مجلس مشهود
~~وطعام محضور، ولأم قيس الضبية:

# ومشهد قد كفيت الناطقين به

# في محفل من نواصي الناس (مشهود)

# واعتبروا كثرة شاهديه نظرا إلى أنه الذي يستحق أن يطلق اسم المشهود على
~~الإطلاق عليه، ولو جعل اليوم نفسه مشهودا من غير هذا الاعتبار لم يحصل
~~الغرض من تعظيم اليوم وتمييزه فإن سائر الأيام كذلك لكن جاء الامتياز من
~~ذلك لما أضيف إليه من الكثرة المهولة المميزة، وبما ذكر يعلم سقوط ما
~~قبل: الشهود الحضور واجتماع الناس حضورهم فمشهود بعد { مجموع }
~~مكرر.

### || [11.104]

# { وما نؤخره } أي ذلك اليوم الملحوظ بعنوان الجمع والشهود، ونقل
~~الجو في رجوع الضمير للجزاء. وقرأ الأعمش ويعقوب  يؤخره  بالياء. {
~~إلا لأجل معدود } أي لانتهاء مدة قليلة، فالعد كناية عن
~~القلة، وقد يجعل كناية عن التناهي، والأجل عبارة عن جميع المدة المعينة
~~للشيء، وقد يطلق على نهايتها، ومنع ms04479 إرادة ذلك هنا لأنه لا يوصف بالعد /
~~في كلامهم بوجه، وجوزها بعضهم بناءا على أن الكناية لا يشترط فيها إمكان
~~المعنى الأصلي، وتعقب بأنه عدول عن الظاهر، وتقدير المضاف أسهل منه
~~واللام للتوقيت، وفي «المجمع» أنها تدل على الغرض وأن الحكمة اقتضت
~~التأخير ولذا عدل عن إلى إليها. وفي الآية رد على الدهرية. والفلاسفة
~~الزاعمين أنه لا انقضاء لمدة الدنيا، وهو بحث مفروغ منه.

### || [11.105]

# { يوم يأت } أي ذلك اليوم المؤخر بانقضاء أجله المضروب حسبما
~~تقتضيه الحكمة وهو المروي عن ابن جريج، وقيل: الضمير للجزاء أيضا، وقيل:
~~لله تعالى، وفيه من تفخيم شأن اليوم ما لا يخفى، ويعضده قراءة  وما
~~يؤخره  بالياء، ونسبة الإتيان ونحوه إليه سبحانه أتت في غير ما آية،
~~واعترض الأول بأن التقدير عليه يوم إتيان ذلك اليوم ولا يصح لأن تعرف
~~اليوم بالإتيان يأبى تعرف الإتيان به، ولأن إتيان اليوم لا ينفك عن يوم
~~الإتيان فيكفي الإسناد وتلغو الإضافة، ونقل العلامة الطيبي نصا على عدم
~~جوازه كما لا تقول: جئتك يوم بشرك، وأجيب أن كل زمان له شأن يعتبر تجدده
~~كالعيد والنيروز والساعة مثلا، يجري مجرى الزماني وإن كان في نفسه
~~زمانا فباعتبار تغاير الجهتين صحت الإضافة والإسناد كما يصح أن يقال:
~~يوم تقوم الساعة ويوم يأتي العيد والعيد في يوم كذا، فالأول زمان وضميره
~~أعني فاعل الفعل زماني، وإذا حسن مثل قوله:

# فسقى الغضى والساكنيه وإن هم

# شبوه بين جوانحي وضلوعي

# فهذا أحسن. وقرأ النحويان ونافع { يأتي } بإثبات الياء وصلا وحذفها
~~وقفا، وابن كثير بإثباتها وصلا ووقفا وهي ثابتة في مصحف أبي، وقرأ
~~باقي السبعة بحذفها وصلا ووقفا، وسقطت في مصحف عثمان رضي الله تعالى
~~عنه، وإثباتها وصلا ووقفا هو الوجه، ووجه حذفها في الوقف التشبيه
~~بالفواصل، ووصلا ووقفا التخفيف كما قالوا: لا أدر ولا أبال، وذكر
~~الزمخشري ((أن الاجتزاء بالكسرة عن الياء كثير في لغة هذيل)) ومن ذلك
~~قوله:

# كفاك ما تليق درهما

# جودا وأخرى تعط بالسف الدما

# وقرأ الأعمش  يوم يأتون  بواو الجمع، ms04480 وكذا في مصحف عبد الله أي يوم
~~يأتي الناس أو أهل الموقف.

# { لا تكلم نفس } أي لا تتكلم بما ينفع وينجي من جواب أو شفاعة،
~~وهذا الفعل على الأظهر هو الناصب للظرف السابق. وجوز أن يكون منصوبا
~~بالانتهاء المضاف إلى الأجل وأن يكون مفعولا به  لا ذكر  محذوفا،
~~وهذه الجملة في موضع الحال من ضمير اليوم، وأجاز الحوفي وابن عطية كونها
~~نعتا ليوم، وتعقب بأنه يقتضي أن إضافته لا تفيده تعريفا وهو ممنوع ولعل
~~من يدعي ذلك يقول: إن الجمل بمنزلة النكرات حتى أطلقوا عليها ذلك
~~فالاضافة إليها كالإضافة إليها { إلا بإذنه } أي إلا باذن الله
~~تعالى شأنه وعز سلطانه في التكلم كقوله سبحانه:

# لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن

# [النبأ: 38] وهذا في موقف من مواقف ذلك اليوم، وقوله تبارك وتعالى:

# هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون

# [المرسلات: 35-36] في موقف آخر من مواقفه كما أن قوله تعالى:

# يوم تأتي كل نفس تجدل عن نفسها

# [النحل: 111] في آخر منها، وروي هذا عن الحسن.

# وقد ذكر غير واحد أن المأذون فيه الأجوبة الحقة والممنوع منه الأعذار
~~الباطلة، نعم قد يؤذن فيها / أيضا لإظهار بطلانها كما في قول الكفرة:

# والله ربنا ما كنا مشركين

# [الأنعام: 32] ونظائره، والقول بأن هذا ليس من قبيل الأعذار وإنما هو
~~إسناد الذنب إلى كبرائهم وأنهم أضلوهم ليس بشيء كما لا يخفى. وفي «الدرر
~~والغرر» للسيد المرتضى أن بين قوله سبحانه: { يوم يأت لا
~~تكلم نفس إلا بإذنه } وقوله سبحانه:

# هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون

# [المرسلات: 35-36] وكذا قوله جل وعلا:

# وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون

# [الصافات: 27] اختلافا بحسب الظاهر، وأجاب قوم من المفسرين عن ذلك بأن
~~يوم القيامة يوم طويل ممتد فيجوز أن يمنعوا النطق في بعضه ويؤذن لهم في
~~بعض آخر منه، ويضعف هذا الجواب أن الإشارة إلى يوم القيامة بطوله فكيف
~~يجوز أن تكون الآيات فيه مختلفة، وعلى ما ذكروه يكون معنى { هذا
~~يوم لا ينطقون } هذا يوم لا ms04481 ينطقون في بعضه وهو خلاف الظاهر،
~~والجواب السديد عن ذلك أن يقال: إنما أريد نفي النطق المسموع المقبول
~~الذي ينتفعون به ويكون لهم في مثله إقامة حجة وخلاص لا نفي النطق مطلقا
~~بحيث يعم ما ليس له هذه الحالة، ويجري هذا المجرى قولهم: خرس فلان عن
~~حجته وحضرنا فلانا يناظر فلانا فلم نره قال شيئا وإن كان الذي وصف
~~بالخرس والذي نفى عنه القول قد تكلم بكلام كثير إلا أنه من حيث لم يكن
~~فيه حجة ولم يتضمن منفعة جاز إطلاق ما حكيناه عليه، ومثله قول الشاعر:

# أعمى إذا ما جارتي خرجت

# حتى يوارى جارتي الخدر

# ويصم عما كان بينهما

# سمعي وما بي غيره وقر

# وعلى هذا فلا اختلاف لأن التساؤل والتلاؤم مثلا لا حجة فيه، وأما قوله
~~سبحانه:

# ولا يؤذن لهم فيعتذرون

# [المرسلات: 36] فقد قيل فيه: إنهم غير مأمورين بالاعتذار فكيف يعتذرون،
~~ويحمل الإذن على الأمر وإنما لم يؤمروا به لأن تلك الحالة لا تكليف فيها
~~والعبادة ملجأون عند مشاهدة الأهوال إلى الاعتراف والإقرار، وأحسن من هذا
~~أن يحمل { يؤذن لهم } أنه لا يسمع لهم ولا يقبل عذرهم انتهى.

# وأنت تعلم أن تضعيفه لما أجاب به القوم من امتداد يوم القيامة وجواز كون
~~المنع من النطق في بعض منه والإذن في بعض آخر ليس بمرتضى عند ذي الفكر
~~الرضى لظهور صحة وقوع الزمان الممتد ظرفا للنقيضين فيما إذا لم يقتض كل
~~منهما أو أحدهما جميع ذلك الزمان، وقد شاع دفع التناقض بين الكلامين بمثل
~~ما فعلوا ومرجعه إلى القول باختلاف الزمان كما أن مرجع ما روي عن الحسن
~~إلى القول باختلاف المكان، واتحاد الزمان والمكان من شروط تناقض القضيتين
~~وليس هذا الذي فعلوه بأبعد مما فعله المرتضى على أن في كلامه بعد ما لا
~~يخفى.

# وقال بعض الفضلاء: لا منافاة بين هذه الآية والآيات التي تدل على التكلم
~~يوم القيامة لأن المراد من (يوم يأتي) حين يأتي، والقضية المشتملة على
~~ذلك وقتية حكم فيها بسلب المحمول عن جميع أفراد ms04482 الموضوع في وقت معين وهذا
~~لا ينافي ثبوت المحمول للموضوع في غير ذلك الوقت، وقال ابن عطية: لا بد
~~من أحد أمرين: إما أن يقال: إن ما جاء في الآيات من التلاوم والتساؤل
~~والتجادل ونحو ذلك مما هو صريح في التكلم كان عن إذن، وإما أن يحمل
~~التكلم هنا على تكلم شفاعة أو إقامة حجة وكلا القولين كما ترى.
~~والاستثناء قيل: من أعم الأسباب أي لا تكلف نفس بسبب من الأسباب إلا بسبب
~~إذنه تعالى وهو متصل، وجوز أن يكون منقطعا ويقدر ما لا يتناول المستثنى
~~أي لا تكلم نفس باقتدار من عندها إلا باذنه تعالى، ولا يخفى أن هذا
~~استثناء مفرغ، وقد طرق سمعك ما هو الأصح فيه. وقرىء كما في «المصاحف»
~~لابن الأنباري  يوم يأتون لا تكلم دابة إلا بإذنه .

# { فمنهم } أي / أهل الموقف المدلول عليه بقوله سبحانه: { لا
~~تكلم نفس } أو الجميع الذي تضمنه { نفس } إذ هو اسم جنس أريد
~~به الجميع على ما نقله أبو حيان عن ابن عطية، أو الناس المذكور في قوله
~~سبحانه:

# مجموع له الناس

# [هود: 103] ونقل ابن الأنباري أن الضمير لأمة محمد صلى الله عليه وسلم
~~وهو من الغرابة بمكان وكأنه قصد هذا القائل بذلك تمهيدا لتوجيه
~~الاستثناء الآتي وهو ولله الحمد غني عن ذلك، والظاهر أن { من } للتبعيض
~~والجار والمجرور خبر مقدم، وقوله سبحانه: { شقي } مبتدأ، وقوله
~~تعالى: { وسعيد } بتقدير ومنهم سعيد، وحذف منهم لدلالة الأول عليه.
~~والسعادة على ما قال الراغب: معاونه الأمور الإلهية للإنسان على نيل
~~الخير ويضادها الشقاوة. وفسر في «البحر» الشقاوة بنكد العيش وسوئه، ثم
~~قال: والسعادة ضدها. وفي «القاموس» ما يقرب من ذلك، فالشقي والسعيد هما
~~المتصفان بما ذكر، وفسر غير واحد الأول بمن استحق النار بمقتضى الوعيد
~~والثاني بمن استحق الجنة بموجب الوعد، وهذا هو المتعارف بين الشرعيين.
~~وتقديم الشقى على السعيد لأن المقام مقام الإنذار والتحذير.

### || [11.106]

# { فأما الذين شقوا } أي سبقت لهم الشقاوة { ففي النار }
~~أي مستقرون فيها { لهم فيها زفير وشهيق } قال ms04483 أهل اللغة من
~~الكوفية والبصرية: الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار والشهيق بمنزلة آخر
~~نهيقه، قال رؤبة:

# حشرج في الصدر صهيلا أو شهق

# حتى يقال ناهق وما نهق

# وقال ابن فارس: الزفير إخراج النفس والشهيق رده، قال الشماخ في حمار
~~وحش:

# بعيد مدى التطريب أول صوته

# زفير ويتلوه شهيق محشرج

# وقال الراغب: ((الزفير ترديد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه من زفر فلان
~~إذا حمل حملا بمشقة فتردد فيه نفسه، ومنه قيل: للإماء الحاملات الماء:
~~زوافر والشهيق طول الزفير وهو رد النفس، والزفير مده، وأصله من جبل شاهق
~~أي متناه في الطول)). وعن السائب أن الزفير للحمير والشهيق للبغال وهو
~~غريب. ويراد بهما الدلالة على كربهم وغمهم وتشبيه حالهم بحال من استولت
~~على قلبه الحرارة وانحصر فيه روحه، أو تشبيه أصواتهم بأصوات الحمير ففي
~~الكلام استعارة تمثيلية أو استعارة مصرحة، والمأثور عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أنه قال: يريد ندامة ونفسا عاليا وبكاءا لا ينقطع. وقرأ
~~الحسن { شقوا } بضم الشين فاستعمل متعديا لأنه يقال شقاه الله تعالى
~~كما يقال أشقاه. وجملة { لهم فيها زفير } الخ مستأنفة كأن سائلا
~~قال: ما شأنهم فيها؟ فقيل لهم فيها كذا وكذا، وجوز أن تكون منصوبة المحل
~~على الحالية من النار أو من الضمير في الجار والمجرور كقوله عز وجل: {
~~خلدين فيها }.

### || [11.107]

# { خلدين فيها } خلا أنه إن أريد حدوث كونهم في النار فالحال
~~مقدرة { ما دامت السموات والأرض } أي مدة دوامهما، وهذا
~~عبارة عن التأبيد ونفي الانقطاع على منهاج قول العرب: لا أفعل كذا ما لاح
~~كوكب وما أضاء الفجر وما اختلف الليل والنهار وما بل بحر صوفة وما تغنت
~~حمامة إلى غير ذلك من كلمات التأبيد عندهم لا تعليق قرارهم فيها بدوام
~~هذه السماوات والأرض، فإن النصوص القاطعة دالة على تأبيد قرارهم فيها
~~وانقطاع دوامهما، وروي هذا عن ابن جرير. وجوز أن يحمل ذلك على التعليق
~~والمراد بالسماوات والأرض سماوات الآخرة وأرضها، وهي دائمة للأبد، قال
~~الزمخشري: والدليل على أن لها سماوات وأرضا ms04484 قوله سبحانه:

# يوم تبدل الأرض غير الأرض

# [إبراهيم: 48] وقوله سبحانه:

# وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء

# [الزمر: 74] ولأنه لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم إما سماء يخلقها
~~الله تعالى أو يظلهم العرش، وكل ما أظلك فهو سماء انتهى.

# قال القاضي: وفيه نظر لأنه تشبيه بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده ودوامه
~~ومن عرفه فإنما عرفه بما يدل على دوام الثواب والعقاب فلا يجدي له
~~التشبيه. وأجاب عنه صاحب «الكشف» بأنه إذا أريد ما يظلهم وما يقلهم فهو
~~ظاهر السقوط لأن هذا القدر معلوم الوجود لكل عاقل وأما الدوام فليس
~~مستفادا من دليل دوام الثواب والعقاب بل مما يدل على دوام الجنة والنار
~~سواء عرف أنهما دار الثواب والعقاب وأن أهلهما السعداء والأشقياء من
~~الناس أولا على أنه ليس من تشبيه ما يعرف بما لا يعرف بل العكس انتهى.

# وتعقبه الجلبي بأن قوله: لكل عاقل غير صحيح فانه لا يعترف بذلك إلا
~~المؤمنون بالآخرة، وقوله الدوام مستفاد مما يدل على دوام الجنة والنار لا
~~يدفع ما ذكره القاضي لأنه يريد أن المشبه به ليس أعرف من المشبه لا عند
~~المتدين لأنه يعرف كليهما من قبل الأنبياء عليهما السلام وليس فيه ما
~~يوجب أعرفية دوام سماوات الآخرة وأرضها وليس مراده أن دوامهما مستفاد من
~~خصوص الدليل الدال على الثواب والعقاب بعينه فإنه لا يهمه ليمنع ولا عند
~~غير المتدين فانه لا يعترف به ولا بها ولا يعرفه، وقوله: على أنه ليس من
~~تشبيه الخ مبني على أنه تشبيه تلك الدار بهذه الدار وليس بذلك، وإنما
~~المراد التشبيه الضمني لدوامهم بدوامهما انتهى، وفيه بحث.

# والحق أن صحة إرادة ذلك مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان، وفي الأخبار
~~عن ابن عباس والحسن والسدي وغيرهم ما يقتضيه، ومن تأمل منصفا بعد تسليم
~~أن هناك تشبيها يظهر له أن المشبه به أعرف من المشبه وأقرب إلى الذهن،
~~واتحاد طريق العلم بهما لا يضر في ذلك شيئا بداهة أن ثبوت الحيز أعرف
~~وأقرب إلى ms04485 الذهن من ثبوت ما تحيز فيه وإن وردا من طرق السمع كما لا يخفى
~~على أن اشتراط كون المشبه به أعرف في كل تشبيه غير مسلم عند الناظر في
~~المعاني، نعم المتبادر من السماوات والأرض هذه الأجرام المعهودة عندنا،
~~فالأولى أن تبقى على ظاهرها ويجعل الكلام خارجا مخرج ما اعتادته العرب
~~في محاوراتهم عند إرادة التبعيد والتأبيد، وهو أكثر من أن يحصى، ولعل هذا
~~أولى أيضا مما في «تفسير ابن كثير» من حمل السماوات والأرض على الجنس
~~الشامل لما في الدنيا والآخرة أي المظل والمقل في كل دار.

# وفي «الدرر» أنه يمكن أن يكون المراد أنهم خالدون بمقدار مدة بقاء
~~السماوات والأرض التي يعلم انقطاعها ثم يزيدهم سبحانه على ذلك ويخلدهم
~~ويؤبد مقامهم، ولعله أراد مدة بقائهما منذ خلقهما الله تعالى إلى أن
~~يبدلهما لا مدة بقائهما بعد دخولهم النار يوم القيامة لأنهما يبدلان قبل
~~دخولهم، والآية على هذا من قبيل قوله سبحانه:

# لبثين فيهآ أحقابا

# [النبأ: 23].

# { إلا ما شآء ربك } قيل: هو استثناء من الضمير المستكن في {
~~خلدين } وتكون { ما } واقعة على نوع من يعقل كما في قوله سبحانه:

# فانكحوا ما طاب لكم من النسآء

# [النساء: 3] أو واقعة على من يعقل على مذهب من يرى وقوعها عليه مطلقا.
~~والمراد بمن شاء فساق الموحدين فإنهم يخرجون منها كما نطقت به الأخبار،
~~وذلك كاف في صحة الاستثناء لأن زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض
~~وهم المراد بالاستثناء الثاني فإنهم مفارقون عن الجنة أيام عذابهم،
~~والتأبيد من مبدأ معين ينتقض باعتبار الابتداء كما ينتقض باعتبار
~~الانتهاء، ألا ترى أنك إذا قلت: مكثت يوم الخميس في البستان إلا ثلاث
~~ساعات جاز أن يكون ذلك الزمان الواقع فيه عدم المكث من أوله ومن آخره،
~~وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم، ولا يقال: فعلى هذا لا
~~يكون قوله سبحانه:

# فمنهم شقي وسعيد

# [هود: 105] تقسيما صحيحا لأن من شرطه أن تكون صفة كل قسم منفية عن
~~قسيمه لأن ذلك الشرط حيث الانفصال حقيقي ms04486 أو مانع من الجمع، وههنا المراد
~~أن أهل الموقف لا يخرجون من القسمين وأن حالهم لا تخلو عن السعادة
~~والشقاوة، وذلك لا يمنع اجتماع الأمرين في شخص واحد باعتبارين انتهى، وهو
~~ما ذكره الإمام وآثره القاضي.

# واعترض بأنه لا دلالة في اللفظ على المبدأ المعين ولو سلم فالاستثناء
~~يقتضي إخراجا عن حكم الخلود وهو لا محالة بعد الدخول، فكيف ينتقض بما
~~سبق عليه؟ كيف وقد سبق قوله تعالى: { في الجنة }؟ ثم قيل: فإن قلت:
~~زمان تفرقهم عن الموقف هو الابتداء وهو آخر يوم يأتي قلت: إن ادعي أن
~~الابتداء من ابتداء ذلك الزمان جاز أن يسلم دلالة اللفظ عليه ولا ينفع
~~لأن الكل في الدارين غير خالدين على هذا التقدير، وأما جعل ابتداء المدة
~~من انتهائه فلا، وبأن تقابل الحكمين يدل على تقابل القسمين بمعنى منع
~~الجمع مطلقا؛ وأجيب  بعد غمض العين عما في ذلك من الخروج عن آداب
~~المناظرة  بأن مبدأ زمان خلود أهل الجنة من زمان دخول أهل النار في
~~النار، ويدل على ذلك اتحاد معيار الخلودين، وهو { ما دامت
~~السموات والأرض } فإنه يدل على زمان خلودهما ولا اتحاد مع
~~الاختلاف في المبدأ، والاستثناء عن حكم الخلود من مبدأ معين يكون
~~بالإخراج عن حكم الدخول الذي يتضمنه الخلود فيها لا محالة.

# وخلاصة المعنى على هذا أن السعداء كلهم خالدون في الجنة من زمان دخول
~~أهل النار في النار إلا العصاة منهم الذين أراد الله سبحانه دخولهم في
~~النار مدة معينة علمها عنده جل وعلا، وما ذكر من حديث تقابل الحكمين إن
~~أريد تقابلهما بمعنى منع الجمع فلا تقابل فيهما بهذا المعنى لاجتماعهما
~~في العصاة، وإن أريد مطلقا فلا دلالة على تقابل القسمين بذلك المعنى
~~انتهى.

# ولا يخفى على المنصف ما في ذلك القول من التكلف ومخالفة الظاهر
~~والانتصار له بما ذكر لا يجديه نفعا، وقيل: هو استثناء من الضمير
~~المتقدم إلا أن الحكم الخلود في عذاب النار، وكذا يقال فيما بعد: إن
~~الحكم فيه الخلود في نعيم الجنة ms04487 وأهل النار ينقلون منها إلى الزمهرير
~~وغيره من العذاب أحيانا وكذلك أهل الجنة ينعمون بما هو أعلى منها
~~كالاتصال بجناب القدس والفوز برضوان الله تعالى الذي هو أكبر وما يتفضل
~~به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه إلا هو سبحانه وتعالى، وإلى
~~هذا ذهب الزمخشري سالا سيف البغي والاعتزال، وقد رده العلامة الطيبي
~~وأطال الكلام في ذلك.

# وقال «صاحب الكشف»: إن ذلك في أهل النار ظاهر لأنهم ينقلون من حر النار
~~إلى برد الزمهرير، والرد بأن النار عبارة عن دار العقاب غير وارد لأنا لا
~~ننكر استعمال النار فيها تغليبا أما دعوى الغلبة حتى يهجر الأصل فكلا،
~~ألا ترى إلى قوله تعالى:

# نارا تلظى

# [الليل: 14]

# نارا وقودها الناس والحجارة

# [التحريم: 6] وكم وكم، وأما رضوان الله تعالى عن أهل الجنة وهم فيها
~~فيأبى الاستثناء كيف وقوله سبحانه: { خلدين فيها } لا يدل بظاهره
~~على أنهم منعمون بها فضلا عن انفرادها بتنعمهم إلا أن يخصص بجنة الثواب
~~لا محض التفضل، وكفاه بطلانا التخصيص من غير دليل، واعترض بأن لك أن
~~تقول: هجر الأصل في الآيتين اللتين ذكرتا علم من الوصف، وفي هذه الآية
~~ذكرها في مقابلة الجنة يعضد أن المراد بها دار العقاب مطلقا.

# وقيل: إن الاستثناء مفرغ من أعم الأوقات و { ما } على أصلها لما لا
~~يعقل وهو الزمان والحكم الكون في النار، والمعنى أما الذين شقوا ففي
~~النار في كل زمان بعد إتيان ذلك اليوم إلا زمانا شاء الله تعالى فيه عدم
~~/ كونهم فيها وهو زمان موقف الحساب، واعترض بأن عصاة المؤمنين الداخلين
~~النار إما سعداء فيلزم أن يخلدوا في الجنة فيما سوى الزمان المستثنى وليس
~~كذلك أو أشقياء فيلزم أن يخلدوا في النار وهو خلاف مذهب أهل السنة،
~~وأيضا تأخره عن الحال  ولا مدخل لها في الاستثناء  لا يفصح، والإبهام
~~بقوله سبحانه: { إلا ما شآء ربك } والتفخيم الذي يعطيه لا يبقى
~~له رونق، وأجيب بأنه قد يقال: إن القائل بذلك يخص الأشقياء بالكفار
~~والسعداء بالأتقياء ويكون العصاة مسكوتا ms04488 عنهم هنا فلا يرد عليه شيء إن
~~كان سنيا وإن كان معتزليا فقد وافق سنن طبعه، ويجاب عما بعد بالمنع،
~~وقيل: أمر الاستثناء ما علمت إلا أن المستثنى مدة لبثهم في الدنيا أو
~~البرزخ ويقطع النظر عن

# يوم يأت

# [هود: 105] والمعنى أنهم في النار جميع أزمان وجودهم إلا زمانا شاء
~~الله تعالى لبثهم في الدنيا أو البرزخ، والمراد مع زمان الموقف إذ ليسوا
~~في زمانه أيضا في النار إلا أن يراد بالنار العذاب فلا يحتاج للمعية لكن
~~يرد أنهم معذبون في البرزخ أيضا إلا أن يقال: لا يعتد بذلك لأنه عذاب
~~غير تام لعدم تمام حياتهم فيه، وأورد عليه ما أورد على ما قبله، وأجيب
~~بأنه إنما يرد لو كان المستثنى في الاستثناء الثاني هو ذلك الزمان
~~المستثنى في الاستثناء الأول وهو غير مسلم فليكن المستثنى منه زمان لبثهم
~~في النار مع ذلك الزمان المستثنى في الآية الأولى فإن المستثنى ليس فيه
~~ما يدل على تعيين زمان حتى لا يمكن الزيادة عليه وهو كما ترى.

# وقيل: هو استثناء من قوله سبحانه:

# لهم فيها زفير وشهيق

# [هود: 106] ورد بأن المقابل لا يجري فيه هذا ويبقى الإشكال، وأجيب بأن
~~المراد ذكر ما تحتمله الآية والإطراد ليس بلازم، وتعقب بأنه ليس المراد
~~إلا بيان ضعف هذا الوجه وكفى بعدم الإطراد ضعفا، وقيل: { إلا } بمعنى
~~سوى كقولك: لك علي ألفان إلا الألف التي كانت يعني سواها، ونقل ذلك عن
~~الزجاج والفراء والسجاوندي، والمعنى سوى ما شاء ربك من الزيادة التي لا
~~آخر لها على مدة بقاء السماوات والأرض، والاستثناء في ذلك منقطع، ويحتمل
~~أن يريدوا أن { إلا } بمعنى غير صفة لما قبلها والمعنى يخلدون فيها
~~مقدار مدة السماوات والأرض سوى ما شاء الله تعالى مما لا يتناهى، وضعف
~~هذا القيل بأنه يلزم حمل السماوات والأرض على هذين الجسمين المعروفين من
~~غير نظر إلى معنى التأييد وهو فاسد، وقيل: { إلا } بمعنى الواو أي وما
~~شاء ربك زائدا على ذلك، واستشهد على مجيئها بمعنى الواو بقوله: ms04489

# وكل أخ مفارقه أخوه

# لعمر أبيك (إلا) الفرقدان

# وفيه أن هذا قول مردود عند النحاة، وقال العلامة الطيبي: الحق الذي لا
~~محيد عنه أن يحمل { ما } على من لإرادة الوصفية وهي المرحومية، و {
~~خلدين } حال مقدرة من ضمير الاستقرار أن في النار، والمعنى وأما
~~الذين شقوا ففي النار مقدرين الخلود إلا المرحوم الذي شاء الله تعالى أن
~~لا يستقر مخلدا فيفيد أن لا يستقر فيها مطلقا أو يستقر غير مخلد،
~~وأحوال العصاة على هذا النهج كما علم من النصوص، وفي ذلك إيذان بأن
~~إخراجهم بمحض رحمة الله تعالى فينطبق عليه قوله سبحانه: { إن ربك
~~فعال لما يريد } وتعقب بأنه لا يجري في المبال إلا بتأويل
~~الإمام وقد مر ما فيه، أو بجعله من أصل الحكم ويقتضي أن لا يدخلوا أصلا،
~~وإذا أول بمقدرين فلو جعل استثناء من مقدرين لم يتجه، ومن قوله تعالى: {
~~في النار } فلا يكون لهم دخول أصلا، ودلالة { ما } لإبهامها إما
~~على التفخيم أو التحقير ولا يطابق المقام، وقيل: وقيل، والأوجه أن يقال:
~~إن الاستثناء في الموضعين مبني على الفرض والتقدير فمعنى إلا ما شاء إن
~~شاء لو فرض أن الله تعالى شاء إخراجهم من النار أو الجنة في زمان لكان
~~مستثنى من مدة خلودهم لكن ذلك لا يقع لدلالة القواطع على عدم وقوعه، /
~~وهذا كما قال الطيبي من أسلوب

# حتى يلج الجمل في سم الخياط

# [الأعراف: 40]

# ولا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى

# [الدخان: 56] وذكر أنه وقف على نص من قبل الزجاج يوافق ذلك.

# وفي «المعالم» عن الفراء أيضا ما يوافقه حيث نقل عنه أنه قال: هذا
~~استثناء استثناه سبحانه ولا يفعله كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير
~~ذلك وعزيمتك أن تضربه، وحذو القذة بالقذة ما نقله قبل عن بعضهم أن المعنى
~~لو شاء لأخرجهم لكنه لا يشاء لأنه سبحانه حكم لهم بالخلود.

# وفي «البحر» عن ابن عطية نقلا عن بعض ما هو بمعناه أيضا حيث قال:
~~((وأما قوله تعالى: { إلا ما شآء ربك } فقيل ms04490 فيه: إنه على طريق
~~الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام فهو على نحو قوله جل
~~وعلا:

# لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله ءامنين

# [الفتح: 27] استثناء في واجب، وهذا الاستثناء في حكم الشرط كأنه قيل: إن
~~شاء ربك فليس يحتاج أن يوصف بمتصل ولا منقطع)) وممن ذهب إلى ذلك أيضا
~~الفاضل ميرزاجان الشيرازي في «تعليقاته على تفسير القاضي» ونص على أنه من
~~قبيل التعليق بالمحال حتى يثبت محالية المعلق ويكون كدعوى الشيء مع بينة،
~~وهو أحد الأوجه التي ذكرها السيد المرتضى في «درره».

# وتفسير الاستثناء الأول بالشرط أخرجه ابن مردويه عن جابر عن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم كما ذكر ذلك الجلال السيوطي في الدر المنثور، ولعل
~~النكتة في هذا الاستثناء على ما قيل: إرشاد العبد إلى تفويض الأمور إليه
~~جل شأنه وإعلامهم بأنها منوطة بمشيئته جل وعلا يفعل ما يشاء ويحكم ما
~~يريد لاحق لأحد عليه ولا يجب عليه شيء كما قال تبارك وتعالى: { إن
~~ربك فعال لما يريد }.

# وذكر بعض الأفاضل أن فائدته دفع توهم كون الخلود أمرا واجبا عليه
~~تعالى لا يمكن له سبحانه نقضه كما ذهب إليه المعتزلة حيث أخبر به جل وعلا
~~مؤكدا، والمراد  بالذين شقوا  على هذا الوجه الكفار فقط فإنهم الأحقاء
~~بهذا الاسم على الحقيقة  وبالذين سعدوا  المؤمنون كافة مطيعهم وعاصيهم
~~فيكون التقسيم في قوله سبحانه:

# فمنهم شقي وسعيد

# [هود: 105] للانفصال الحقيقي ولا ينافيه قوله تعالى:

# ففي الجنة

# [هود: 108] لأنه يصدق بالدخول في الجملة.

# وفي «الكشف» بعد نقل أن الاستثناء من باب

# حتى يلج الجمل

# [الأعراف: 40] فإن قلت: فقد حصل مغزى الزمخشري من خلود الفساق، قلت: لا
~~كذلك لأنهم داخلون في السعداء، والآية تقتضي خلود السعيد وذلك بعد دخوله
~~فيها لا محالة، ولا تنفي كينونته في النار قبل دخوله في الجنة فإن اللفظ
~~لا يقتضي أن يدخلوا  أعني السعداء  كلهم في الجنة معا كيف والقاطع يدل
~~على دخولهم أولا فأولا عى حسب مراتبهم انتهى فتأمل، فإن الآية من
~~المعضلات. وإنما ms04491 لم يضمر في { إن ربك } الخ كما هو الظاهر لتربية
~~المهابة وزيادة التقرير، واللام في { لما } قيل: للتقوية أي فعال ما
~~يريده سبحانه لا يتعاصى عليه شيء بوجه من الوجوه.

### || [11.108]

# { وأما الذين سعدوا ففي الجنة خلدين فيها
~~دامت السموت والأرض إلا ما شآء ربك } الكلام فيه
~~ما علمت خلا أنه لم يذكر ههنا أن لهم بهجة وسرورا كما ذكر في أهل النار

# لهم فيها زفير وشهيق

# [هود: 106] لأن المقام مقام التحذير والإنذار، و { سعدوا } بالبناء
~~للمفعول قراءة حمزة والكسائي وحفص، ونسبت إلى ابن مسعود وطلحة بن مصرف
~~وابن وثاب والأعمش، وقرأ جمهور السبعة { سعدوا } بالبناء للفاعل،
~~واختار ذلك علي بن سليمان، وكان يقول: عجبا من الكسائي كيف قرأ {
~~سعدوا } مع علمه بالعربية، وهذا عجيب منه فإنه ما قرأ / إلا ما صح
~~عنده ولم يقرأ بالرأي ولم يتفرد بذلك، وروي عنه أنه احتج لذلك بقولهم:
~~مسعود، وتعقب بأنه لا حجة فيه لاحتمال أنه كان مسعود فيه، وذكر أن الفراء
~~حكى أن هذيلا تقول: سعده الله تعالى بمعنى أسعده، وقال الجوهري ((سعد
~~بالكسر فهو سعيد مثل قولهم: سلم فهو سليم، وسعد فهو مسعود)) وقال أبو نصر
~~عبد الرحيم القشيري: ورد سعده الله تعالى فهو مسعود وأسعده الله تعالى
~~فهو مسعد. وما ألطف الإشارة في  شقوا وسعدوا  على قراءة البناء للفاعل
~~في الأول والبناء للمفعول في الثاني، فمن وجد ذلك فليحمد الله تعالى ومن
~~لم يجد فلا يلومن إلا نفسه.

# { عطآء غير مجذوذ } أي غير مقطوع عنهم ولا مخترم، ومصدره
~~الجذ، وقد جاء جذذت وجددت بالذال المعجمة والدال كما قال ابن قتيبة،
~~وبالمعجمة أكثر. ونصب { عطآء } على المصدرية من معنى الجملة لأن قوله
~~سبحانه: { ففي الجنة خلدين فيها } يقتضي إعطاء وإنعاما
~~فكأنهم قيل: يعطيهم إعطاء وهو إما اسم مصدر هو الاعطاء أو مصدر بحذف
~~الزوائد كقوله تعالى:

# أنبتكم من الأرض نباتا

# [نوح: 17]، وقيل: هو نصب على الحالية من المفعول المقدر للمشيئة. أو
~~تمييز، فإن نسبة مشيئة الخروج إلى الله تعالى تحتمل أن ms04492 تكون على جهة عطاء
~~مجذوذ، وعلى جهة عطاء غير مجذوذ فهو رافع للإبهام عن النسبة، ولعل النصب
~~على المصدرية أولى وكأنه جيء بذلك اعتناء ومبالغة في التأبيد ودفعا لما
~~يتوهم من ظاهر الاستثناء من الانقطاع، وقيل: إن ذلك لبيان أن ثواب أهل
~~الجنة  وهو إما نفس الدخول أو ما هو كاللازم البين له  لا ينقطع فيعلم
~~منه أن الاستثناء ليس للدلالة على الانقطاع كما في العقاب بل للدلالة على
~~ترادف نعم ورضوان من الله تعالى؛ أو لبيان النقص من جانب المبدأ ولهذا
~~فرق في النظم بين التأبيد من حيث تمم الأول بقوله سبحانه:

# إن ربك فعال لما يريد

# [هود: 107] للدلالة على أنه ينعم بعض من يعذبه ويبقى غيره كما يشاء
~~ويختار؛ والثاني بقوله تعالى: { عطآء } الخ بيانا لأن إحسانه لا
~~ينقطع، ومن الناس من تمسك بصدر الآية أنه لا يبقى في النار أحد ولم يقل
~~بذلك في الجنة، وتقوى مطلبه ذاك بما أخرجه ابن المنذر عن الحسن قال: قال
~~عمر: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه،
~~وبما أخرج إسحاق بن راهويه عن أبي هريرة قال: سيأتي على جهنم يوم لا
~~يبقى فيها أحد، وقرأ

# فأما الذين شقوا

# [هود: 106] الآية، وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم قال: ما في
~~القرآن آية أرجى لأهل النار من هذه الآية { خلدين فيها ما
~~دامت السموات والأرض إلا ما شآء ربك } قال: وقال
~~ابن مسعود: ليأتين عليها زمان تصفق فيه أبوابها، وأخرج ابن جرير عن
~~الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمرانا وأسرعهما خرابا إلى غير ذلك من
~~الآثار.

# وقد نص ابن الجوزي على وضع بعضها كخبر عن عبد الله بن عمرو بن العاص
~~يأتي على جهنم يوم ما فيها من ابن آدم أحد تصفق أبوابها كأنها أبواب
~~الموحدين، وأول البعض بعضها؛ ومر شيء من الكلام في ذلك، وأنت تعلم أن
~~خلود الكفار مما أجمع عليه المسلمون ولا عبرة بالمخالف، والقواطع أكثر من
~~أن تحصى، ولا يقاوم ms04493 واحدا منها كثير من هذه الأخبار، ولا دليل في الآية
~~على ما يقوله المخالف لما علمته من الوجوه فيها ولا حاجة إلى دعوى النسخ
~~فيها كما روي عن السدي بل لا يكاد يصح القول بالنسخ في مثل ذلك، هذا وقد
~~ذكر أن في الآية صيغة الجمع مع التفريق والتقسيم أما الجمع ففي قوله
~~تعالى:

# يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه

# [هود: 105] فإن النفس كما تقرر عامة لكونها نكرة في سياق النفي، وأما
~~التفريق ففي قوله تعالى:

# فمنهم شقى وسعيد

# [هود: 105] وأما التقسيم ففي قوله سبحانه:

# فأما الذين شقوا

# [هود: 106] الخ ونظيرها في ذلك قول الشريف القيرواني:

# / لمختلفي الحاجات جمع ببابه

# فهذا له فن وهذا له فن

# فللخامل العليا وللمعدم الغني

# وللمذنب العتبى وللخائف الأمن

# ومن هنا يعلم حال الفاءين فاء { فمنهم } وفاء { فأما } الخ،
~~قيل: وفي العدول عن فأما الشقي ففي النار خالدا فيها الخ وأما السعيد 
~~أو المسعود  ففي الجنة خالدا فيها الخ إلى ما في النظم الجليل إشارة
~~إلى سبق هذه الشقاوة والسعادة وأن ذلك أمر قد فرغ منه كما يدل عليه ما
~~أخرجه أحمد والترمذي والنسائي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال:

# " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال: أتدرون
~~ما هذان الكتابان؟ قلنا: لا يا رسول الله أما تخبرنا؟ فقال للذي في يده
~~اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وآبائهم وقبائلهم
~~أجلهم على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، ثم قال للذي في
~~شماله: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وآبائهم وقبائلهم ثم
~~أجملهم على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، فقال أصحابه: ففيم
~~العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه؟ فقال: سددوا وقاربوا فإن
~~صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وأن صاحب النار يختم
~~له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال صلى الله عليه وسلم ms04494 بيده
~~فنبذهما وقال: فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة وفريق في السعير "

# وجاء في حديث

# " الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه "

# وحمل ذلك بعضهم على ظهور الأمر للملك الموكل بالنطفة وإلا فالأمر قبل
~~ذلك، وبعضهم فسر الأمر بالثبوت العلمي الذي يظهر المعلوم منه إلى هذا
~~الوجود الخارجي وهو ضرب من التأويل كما لا يخفى، ولا يأبى هذه الإشارة
~~عند التأمل ما أخرجه الترمذي وحسنة وأبو يعلى وابن مردويه وغيرهم عن عمر
~~بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال:

# " لما نزلت { فمفمنهم شقي وسعيد } قلت: يا رسول الله
~~فعلام نعمل على شيء قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال: بل على شيء
~~قد فرغ وجرت به الأقلام يا عمر ولكن كل ميسر لما خلق له "

# وقيل: كان الظاهر هنا التعبير بالمضارع إلا أنه عبر بالماضي إشارة إلى
~~تحقق الوقوع وأتى بالموصول جمعا إيذانا بأن المراد  بشقي وسعيد  فريق
~~شقي وفريق سعيد، ولم يقل أشقياء وسعداء لأن الإفراد أوفق بما قبل، وقيل:
~~الإفراد أولا للاشارة إلى أن كل فريق من حيث اتصافه بالشقاوة أو السعادة
~~كشيء واحد، وجمع ثانيا لما أن دخول كل فريق في الجنة والنار ليس جملة
~~واحدة بل جمعا جمعا وزمرة وله شواهد من الكتاب والسنة.

### || [11.109]

# { تك في مرية } أي في شك، والفاء لترتيب النهي على ما قص من
~~القصص وبين في تضاعيفها من العواقب الدنيوية والأخروية أي فلا تك في شك
~~بعد أن بين لك ما بين { مما يعبد هؤلاء } أي من عبادة هؤلاء
~~المشركين في أنها ضلال مؤد إلى مثل ما حل بمن قبلهم ممن قصصت عليك سوء
~~عاقبة عبادتهم  فمن  ابتدائية، وجوز أن تكون بمعنى في، و { ما }
~~مصدرية، وجوز أن تكون موصولة وفي الكلام مضاف محذوف أي من حال ما يعبدونه
~~من أنه لا يضر ولا ينفع إذ لا معنى للمرية في أنفسهم { ما يعبدون
~~إلا كما يعبد ءاباؤهم من قبل } استئناف في بياني ms04495 وقع
~~تعليلا في المعنى للنهي عن المرية، والاستثناء إما من مصدر مقدر أو
~~مفعول محذوف أي هم وآباؤهم سواء في الشرك ما يعبدون عبادة إلا كعبادة
~~آبائهم أو ما يعبدون شيئا إلا مثل الذي عبدوه من الأوثان وقد بلغك ما
~~لحق آباؤهم بسبب ذلك فيلحقهم مثله لأنه التماثل في الأسباب يقتضي التماثل
~~في المسببات، ومعنى { كما يعبد } كما كان عبد / فحذف لدلالة {
~~قبل } عليه، وكأن اختيار هذا للإشارة إلى أن ذلك كان عادة مستمرة لهم.

# { وإنا لموفوهم } يعني هؤلاء الكفرة { نصيبهم } حظهم من
~~العذاب كما وفينا آباءهم حظوظهم أو من الرزق فيكون عذرا لتأخر العذاب
~~عنهم مع قيام ما يوجبه، وفي هذا من الإشارة إلى مزيد فضل الله تعالى
~~وكرمه ما لا يخفى حيث لم يقطع رزقهم مع ما هم عليه من عبادة غيره، وفي
~~التعبير  بالنصيب  على الأول تهكم لأنه ما يطلب ويراد والعذاب بمعزل عن
~~ذلك، وتفسيره بما ذكر مروي عن ابن زيد، و  بالرزق  عن أبي العالية،
~~وعن ابن عباس أن المراد به ما قدر من خير أو شر. وقرأ ابن محيصن {
~~لموفوهم } مخففا من أوفى { غير منقوص } حال مؤكدة من النصيب كقوله
~~تعالى:

# ثم وليتم مدبرين

# [التوبة: 25]وفائدته دفع توهم التجوز، وإلى هذا ذهب العلامة الطيبي،
~~وقال: إنه الحق.

# وفي «الكشاف» أنه جيء بهذه الحال عن النصيب الموفى لأنه ((يجوز أن يوفى
~~وهو ناقص ويوفى وهو كامل ألا تراك تقول: وفيته شطر حقه وثلث حقه وحقه
~~كاملا وناقصا)) انتهى، وتعقبه أبو حيان ((بأن هذه مغلطة لأنه إذا قيل:
~~وفيته شطر حقه فالتوفية إنما وقعت في الشطر وكذا ثلث حقه، والمعنى أعطيته
~~الشطر أو الثلث كاملا لم أنقصه منه شيئا، وأما قولك: وفيته حقه كاملا
~~فالحال فيه مؤكدة لأن التوفية تقتضي الإكمال، وأما قولك: وفيته حقه
~~ناقصا فغير صحيح للمنافاة)) انتهى.

# وقال ابن المنير: إنه وهم لأن التوفية تقتضي عدم نقصان الموفى كاملا
~~كان أو بعضا فقولك: وفيته نصف حقه يستلزم عدم نقصان النصف الموفى،
~~فالسؤال عن ms04496 وجه انتصاب هذه الحال قائم بعد، والأوجه أن يقال: استعملت
~~التوفية بمعنى الإعطاء كما استعمل التوفي بمعنى الأخذ، ومن قال: أعطيت
~~فلانا حقه كان جديرا أن يؤكده بقوله: { غير منقوص } انتهى، وفي
~~«الكشف» أقول في تعليق التوفية بالنصف مع أن الكل حقه ما يدل على مطلوبه
~~إذ لا فرق بين قولك: نصف حقه وحقه منصفا، فجاز وفيته نصيبه منصفا
~~ونصيبه ناقصا، ويحسن فائدة التأكيد ويظهر أن الواهم من هو فتأمل.

### || [11.110]

# { ولقد آتينا موسى الكتب } أي التوراة { فاختلف
~~فيه } أي في شأن الكتاب وكونه من عند الله تعالى فآمن به قوم وكفر به
~~آخرون فلا تبال باختلاف قومك فيما آتيناك من القرآن، وقولهم:

# لولآ أنزل عليه كنز أو جآء معه ملك

# [هود: 12] وزعمهم أنك افتريته. وجوز رجوع الضمير إلى موسى وهو خلاف
~~الظاهر، وإن كان الاختلاف فيه عليه السلام هل هو نبي أم لا؟ مستلزما
~~للاختلاف في كتابه هل هو من الله تعالى أم لا، وقيل: إن  في  على هذا
~~الاحتمال بمعنى على أي فاختلف قومه عليه وتعنتوا كما فعل قومك معك {
~~ولولا كلمة سبقت من ربك } وهي كلمة القضاء بتأخير
~~العذاب إلى الأجل المعلوم على حسب الحكمة الداعية إلى ذلك { لقضي
~~بينهم } أي لأوقع القضاء بين المختلفين من قومك بإنزال العذاب الذي
~~يستحقه المبطلون ليتميزوا به عن المحقين. وفي «البحر» إن الظاهر عود
~~الضمير على قوم موسى، قيل: وليس بذاك. وقال ابن عطية: عوده على القومين
~~أحسن عندي، وتعقب بأن قوله سبحانه:

# وإن كلا

# [هود: 111] الخ ظاهر في التعميم بعد التخصيص وفيه نظر، والأولى عندي
~~الأول { وإنهم } أي وإن كفار قومك أريد بالضمير بعض من رجع إليهم
~~ضمير { بينهم } للأمن من الإلباس { لفي شك } عظيم { منه } أي
~~من القرآن وإن لم / يجر له ذكر فان ذكر إيتاء كتاب موسى ووقوع الاختلاف
~~فيه لا سيما بصدد التسلية يناديه نداء غير خفي. وقيل: الضمير للوعيد
~~المفهوم من الكلام { مريب } أي موقع في الريبة، وجوز أن يكون من أراب
~~إذا صار ذا ms04497 ريبة.

### || [11.111]

# { وإن كلا } التنوين عوض عن المضاف إليه كما هو المعروف في
~~تنوين كل عند قوم من النحاة، وقيل: إنه تنوين تمكين لكنه لا يمنع تقدير
~~المضاف إليه أيضا أي وإن كل المختلفين المؤمنين والكافرين. وقال مقاتل:
~~يعني به كفار هذه الأمة { لما ليوفينهم ربك
~~أعملهم } أي أجزية أعمالهم، ولام { ليوفينهم } واقعة في
~~جواب القسم أي والله ليوفينهم، و { لما } بالتشديد وهو مع تشديد أن
~~قراءة ابن عامر وحمزة وحفص وأبي جعفر وتخريج الآية على هذه القراءة مشكل
~~حتى قال المبرد: إنها لحن وهو من الجسارة بمكان لتواتر القراءة وليته
~~قال: ما أدري ما وجه هذه القراءة. واختلفوا في تخريجها فقال أبو عبيدة:
~~إن أصل { لما } هذه لما منونا، وقد قرىء كذلك ثم بنى على فعلى وهو
~~مأخوذ من لممته إذا جمعته، ولا يقال: إنها { لما } المنونة وقف عليها
~~بالألف، وأجري الوصل مجرى الوقف لأن ذلك على ما قال أبو حيان: إنما يكون
~~في الشعر واستبعد هذا التخريج بأنه لا يعرف بناء فعلى من لم، وبأنه يلزم
~~لمن أمال فعلى أن يميلها ولم يملها أحد بالإجماع وبأنه كان القياس أن
~~تكتب بالياء ولم تكتب بها، وسيعلم إعراب الآية على هذا مما سيأتي إن شاى
~~الله تعالى. وقيل: { لما } المخففة وشددت في الوقف ثم أجري الوصل
~~مجرى الوقف وحينئد فالإعراب ما ستعرفه أيضا إن شاء الله تعالى وهو بعيد
~~جدا، وقيل: إنها بمعنى إلا، وإلا تقع زائدة كما في قوله:

# حلفت يمينا غير ذي مثنوية

# يمين امرىء إلا بها غير آثم

# فلا يبعد أن { لما } التي بمعناها زائدة وهو وجه ضعيف مبني على وجه
~~ضعيف في إلا، وعن المازني أن (إن) المشددة هن نافية، و { لما } بمعنى
~~إلا غير زائدة وهو باطل لأنه لم يعهد تثقيل (إن) النافية، ولنصب  كل 
~~والنافية لا تنصب. وقال الحوفي: { إن } على ظاهرها و { لما } بمعنى
~~إلا كما في قولك: نشدتك بالله إلا فعلت، وضعفه أبو علي بأن { لما }
~~هذه لا تفارق القسم قبلها وليس ms04498 كما ذكر فقد تفارق؛ وإنما يضعف ذلك بل
~~يبطله كما قال أبو حيان: إن الموضع ليس موضع دخول إلا ألا ترى أنك لو
~~قلت: إن زيدا إلا ضربت لم يكن تركيبا عربيا؛ وقيل: إن { لما } هذه
~~أصلها لمن ما فهي مركبة من اللام ومن الموصولة أو الموصوفة وما الزائدة
~~فقلبت النون ميما للادغام فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الوسطى منها ثم أدغم
~~المثلان، وإلى هذا ذهب المهدوي. وقال الفراء وتبعه جماعة منهم نصر
~~الشيرازي: إن أصلها لمن ما بمن الجارة وما الموصولة أو الموصوفة وهي على
~~الاحتمالين واقعة على من يعقل فعمل بذلك نحو ما عمل على الوجه الذي قبله،
~~وقد جاء هذا الأصل في قوله:

# وانا لمن ما تضرب الكبش ضربة

# على رأسه تلقى اللسان من الفم

# واللام على هذين الوجهين قيل: موطئة للقسم، ونقل عن الفارسي  وهو مخالف
~~لما اشتهر عن النحاة  من أن الموطئة هي الداخلة على شرط مقدم على جواب
~~قسم تقدم لفطا أو تقديرا لتؤذن بأن الجواب له نحو والله لئن أكرمتني
~~لأكرمتك وليس ما دخلت عليه جواب القسم بل ما يأتي بعدها وكان مذهبه كمذهب
~~الأخفش أنه لا يجب دخولها على الشرط، وإنما هي ما دلت على أن ما بعدها
~~صالح لأن يكون جوابا للقسم مطلقا. وقيل: إنها اللام الداخلة في خبر
~~(إن)، ومن موصولا أو موصوفا على الوجه الأول من الوجهين هو الخبر
~~والقسم وجوابه صلة أو صفة، والمعنى وإن كلا للذين أو الخلق والله
~~ليوفينهم ربك، ومن ومجرورها على الوجه الثاني / في موضع الخبر لإن
~~والجملة القسمية وجوابها صلة أو صفة أيضا لكن لما، والمعنى وإن كلا لمن
~~الذين أو لمن خلق والله ليوفينهم ربك، قال في «البحر»: وهذان الوجهان
~~ضعيفان جدا ولم يعهد حذف نون من وكذا حذف نون من الجارة إلا في الشعر
~~إذا لقيت لام التعريف أو شبهها غير المدغمة نحو قولهم: ملمال يريدون من
~~المال. وفي «تفسير القاضي» وغيره إن الأصل لمن ما بمن الجارة قلبت النون
~~ميما فاجتمعت ms04499 ثلاث ميمات فحذفت أولاهن، وفيه أيضا ما فيه ففي «المغني»
~~إن حذف هذه الميم استثقالا لم يثبت انتهى، وقال الدماميني: كيف يستقيم
~~تعليل الحدف بالاستثقال وقد اجتمعت في قوله تعالى:

# على أمم ممن معك

# [هود: 48] ثماني ميمات انتهى، وأنشد الفراء على ما ذهب إليه قول الشاعر:

# وإني لما أصدر الأمر وجهه

# إذا هو أعيا بالسبيل مصادره

# وزعم بعضهم أن (لما) بمعنى حين وف الكلام حدف أي لما عملوا ما عملوا أو
~~نحو ذلك والحذف في الكلام كثير نحو قوله:

# إذا قلت: سيروا إن ليلى لعلها

# جرى دون ليلى مائل القرن أعضب

# أراد لعلها تلقاني أو تصلني أو نحو ذلك وهو كما ترى، وقال أبو حيان بعد
~~أن ذكر أن هذه التخريجات مما تنزه ساحة التنزيل عن مثلها: كنت قد ظهر لي
~~وجه جار على قواعد العربية عار من التكلف وهو أن { لما } هذه هي
~~الجازمة حذف فعلها المجزوم لدلالة المعنى عليه كما حذفوه في قولهم: قاربت
~~المدينة ولما يريدون ولما أدخلها، والتقدير هنا وإن كلا لما ينقص من جزاء
~~عمله ويدل عليه ليوفينهم ربك أعمالهم، وكنت أعتقد أني ما سبقت إلى ذلك
~~حتى تحققت أن ابن الحاجب وفق لذلك فرأيت في كتاب «التحرير» نقلا عنه أنه
~~قال: { لما } هذه هي الجازمة حدف فعلها للدلالة عليه، وقد ثبت الحذف
~~في قولهم: خرجت ولما وسافرت ولما ونحوه وهو سائغ فصيح فيكون التقدير ولما
~~يتركوا أو لما يهملوا ويدل عليه تفصيل المجموعين ومجازاتهم، ثم قال: وما
~~أعرف وجها أشبه من هذا وإن كانت النفوس تستبعده من جهة أن مثله لم يقع
~~في القرآن انتهى، ولا يخفى عليك أن الأولى أن يقدر لما يوفوا أعمالهم أي
~~إلى الآن لم يوفوها وسيوفونها، وإلى ذلك ذهب ابن هشام لما يلزم على
~~التقديرات السابقة على ما هو المشهور في معنى لما أنهم سينقصون من جزاء
~~أعمالهم وأنهم سيتركون ويهملون، وذلك بمعزل عن أن يراد وهو ظاهر، وهذا
~~وجه النظر الذي عناه ابن هشام في قوله معترضا على ms04500 ابن الحاجب: وفي هذا
~~التقدير نظر.

# قال الجلبي: وجهه أن الدال على المحذوف سابق عليه بكثير من أن ذلك
~~المحذوف ليس من لفظ هذا الذي قيل: إنه دال عليه وليس بذاك، ثم المرجح عند
~~كثير من المفسرين ما ذهب إليه الفراء. وقرأ نافع وابن كثير (إن) و (لما)
~~بالتخفيف وخرجت هذه القراءة على أن (إن) عاملة وإن خففت اعتبارا للأصل
~~في لعمل وهو شبه الفعل ولا يضر زوال الشبه اللفظي، وإلى ذلك ذهب
~~البصريون، وذكر أبو حيان أن مذهبهم جواز أعمالها إذا خففت لكن على قلة
~~إلا مع المضمر فلا يجوز إلا إن ورد في شعر، ونقل عن سيبويه منهم أنه قال:
~~أخبرني الثقة أنه سمع يعض العرب يقول: إن عمرا لمنطلق.

# وزعم بعض من النحويين أن المكسورة إذا خففت لا تعمل، وتأول الآية بجعل {
~~كلا } منصوبا بفعل مقدر أي إن أرى كلا مثلا وليس بشيء، وجعل هذا في
~~«البحر» مذهب الكوفيين، وفي «الارتشاف» إن الكوفيين / لا يجوزون تخفيف
~~المسكورة لا مهملة ولا معملة، وذكر بعضهم مثله وأن ما يعدها البصريون
~~مخففة يعدها الكوفيون نافية، واستثنى منهم الكسائي فإنه وافق البصريين
~~ومذهبهم في ذلك هو الحق، و { كلا } اسمها واللام هي الداخلة على خبر
~~إن وما موصولة خبر إن، والجملة القسمية وجوابها صلة، وإلى هذا ذهب
~~الفراء، واختار الطبري في اللام مذهبه، وفي { ما } كونها نكرة موصوفة،
~~والجملة صفتها أي وإن كلا لخلق أو لفريق موفى عمله، واختار أبو علي في
~~اللام ما اختاراه؛ وجعل الجملة القسمية خبرا وما مزيدة بين اللامين وقد
~~عهدت زيادتها في غير ما موضع. وقرأ أبو بكر عن عاصم بتخفيف (إن) وتشديد
~~(لما) وقرأ الكسائي وأبو عمرو بعكس ذلك وتخريج القراءتين لا يخفى على من
~~أحاط خبرا بما ذكر في تخريج القراءتين قبل. وقرأ أبي والحسن بخلاف عنه
~~وأبان بن تغلب، و(إن) بالتخفيف (كل) بالرفع (لما) بالتشديد، وخرجت على أن
~~إن نافية وكل مبتدأ والجملة القسمية وجوابها خبره، و { لما } بمعنى
~~إلا أي ما كل ms04501 إلا أقسم والله ليوفينهم، وأنكر أبو عبيدة مجيء { لما }
~~بمعنى إلا في كلام العرب، وقال الفراء: إن جعلها هنا بمعنى الأوجه لا
~~نعرفه، وقد قالت العرب مع اليمين بالله: لما قمت عنا وإلا قمت عنا، وأما
~~في غير ذلك فلم نسمع مجيئها بمعنى إلا لا في نثر ولا في شعر؛ ويلزم
~~القائل أن يجوز قام الناس لما زيدا على معنى إلا زيدا ولا التفات إلى
~~إنكارهما، والقراءة المتواترة في

# وإن كل لما جميع لدينا محضرون

# [يس: 32]

# إن كل نفس لما عليها حافظ

# [الطارق: 4] تثبت ما أنكراه. وقد نص الخليل وسيبويه والكسائي على مجيء
~~ذلك، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وكون العرب خصصت مجيئها كذلك ببعض
~~التراكيب لا يضر شيئا فكم من شيء خص بتركيب دون ما أشبه.

# وقرأ الزهري وسليمان بن أرقم { وإن كلا لما } بتشديد الميم
~~والتنوين ولم يتعرضوا في النقل عنهما لتشديد (إن) ولا لتخفيفها، وهي في
~~هذه القراءة مصدر من قولهم: لممت الشيء إذا جمعته كما مر ونصبها على
~~الحالية من ضمير المفعول في { ليوفينهم } عند أبي البقاء
~~وضعفه. وقال أبو علي: إنها صفة لكل ويقدر مضافا إلى نكرة ليصح وصفه
~~بالنكرة، وكان المصدر حينئذ بمعنى اسم المفعول، وذكر الزمخشري في معنى
~~الآية على هذه القراءة أنه وإن كلا ملمومين بمعنى مجموعين كأنه قيل: وآن
~~كلا جميعا كقوله تعالى:

# فسجد الملئكة كلهم أجمعون

# [الحجر: 30] وجعل ذلك الطيبي منه ميلا إلى القول بالتأكيد. وقال ابن
~~جنى: إنها منصوبة  بليوفينهم  على حد قولهم: قياما لا أقومن، والتقدير
~~توفية جامعة لأعمالهم وخبر { إن في ذلك } جملة القيم وجوابه، وروى
~~أبو حاتم أن في مصحف أبي (وإن من كل إلا ليوفينهم) وخرج على أن إن نافية
~~ومن زائدة. وقرأ الأعمش نحو ذلك إلا أنه أسقط من هو حرف ابن مسعود رضي
~~الله تعالى عنه والوجه ظاهر. قيل: وقد تضمنت هذه الجملة عدة مؤكدات من
~~(إن) واللام وما إذا كانت زائدة والقسم ونون التأكيد وذلك للمبالغة في
~~وعد الطائعين ووعيد ms04502 العاصين.

# { إنه بما يعملون خبير } أي أنه سبحانه بما يعمله كل فرد
~~من المختلفين من الخير والشر عليم على أتم وجه بحيث لا يخفى عليه شيء من
~~جلائله ودقائقه، والجملة قيل: توكيد للوعد والوعيد فانه سبحانه لما كان
~~عالما بجميع المعلومات كان عالما بمقادير الطاعات والمعاصي وما يقتضيه
~~كل فرد منها من الجزاء بمقتضى الحكمة وحينئد تتأتى توفية كل ذي حق حقه إن
~~خيرا فخير وإن شرا فشر. / وقرأ ابن هرمز { تعلمون } على الالتفات
~~من الغيبة إلى الخطاب.

### || [11.112]

# { فاستقم كمآ أمرت } لما بين أمر المختلفين في التوحيد
~~والنبوة، وأطنب سبحانه في شرح الوعد والوعيد أمر رسوله صلى الله عليه
~~وسلم بالاستقامة مثل الاستقامة التي أمر بها وهذا يقتضي أمره صلى الله
~~عليه وسلم بوحي أخر ولو غير متلو كما قاله غير واحد. والظاهر أن هذا أمر
~~بالدوام على الاستقامة وهي لزوم المنهج المستقيم وهو المتوسط بين الإفراط
~~والتفريط وهي كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل وسائر الأخلاق فتشمل
~~العقائد والأعمال المشتركة بينه صلى الله عليه وسلم وبين سائر المؤمنين
~~والأمور الخاصة به عليه الصلاة والسلام من تبليغ الأحكام والقيام بوظائف
~~النبوة وتحمل أعباء الرسالة وغير ذلك، وقد قالوا: إن التوسط بين الإفراط
~~والتفريط بحيث لا يكون ميل إلى أحد الجانبين قيد عرض شعرة مما لا يحصل
~~إلا بالافتقار إلى الله تعالى ونفي الحول والقوة بالكلية، ومثلوا الأمر
~~المتوسط بين ذينك الطرفين بخط يكون بين الشمس والظل لس بشمس ولا ظل بل هو
~~أمر فاصل بينهما ولعمري إن ذلك لدقيق، ولهذا قالوا: لا يطيق الاستقامة
~~إلا من أيد بالمشاهدات القوية والأنوار السنية ثم عصم بالتشبث بالحق

# ولولآ أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا
~~قليلا

# [الإسراء: 74] وجعل بعض العارفين الصراط الذي هو أدق من الشعرة وأحد م
~~السيف إشارة إلى هذا المنهج المتوسط. ومما يدل على شدة هذا الأمر ما أخرج
~~ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية صلى الله
~~عليه وسلم:

# " شمروا ms04503 شمروا "

# وما رؤي بعدها ضاحكا. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ما
~~نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية أشد من هذه الآية ولا أشق.

# وأستدل بعض المفسرين على عسر الاستقامة بما شاع من قوله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " شيبتني هود "

# وأنت تعلم أن الأخبار متضافرة بضم سور أخرى إليها وإن اختلفت في تعيين
~~المضموم كما مر أول السورة، وحينئذ لا يخفى ما في الاستدلال من الخفاء،
~~ومن هنا قال صاحب «الكشف»: التخصيص بهود لهذه الآية غير لائح إذ ليس في
~~الأخوات ذكر الاستقامة. وذكر في «قوت القلوب» أنه لما كان القريب الحبيب
~~صلى الله عليه وسلم شيبه ذكر البعد وأهله ثم قال: ولعل الأظهر أنه عليه
~~الصلاة والسلام شبيه ذكر أهوال القيامة، وكأنه  بأبي هو وأمي  شاهد
~~منه يوما يجعل الوالدان شيبا انتهى.

# وبعضهم استدل للتخصيص برؤيا أبي علي الشتري السابقة وفيه بعد تسليم صحة
~~الرواية أن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت حقا حيث أن الشيطان
~~لا يتمثل به عليه الصلاة والسلام إلا أنه من أين يجزم بضبط الرائي
~~وتحقيقه ما رأى على أن مما يوهن أمر هذه الرؤيا ويقوي ظن عدم ثبوتها ما
~~أخرجه ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم قال:

# " شيبتني هود وأخواتها وما فعل بالأمم قبلي "

# وذكر الشهاب ما يقوي اعتراض صاحب «الكشف» من أنه ليس في الطرق المروية
~~في هذا الباب الاقتصار على هود بل ذكر معها أخواتها وليس فيها الأمر
~~المذكور مع أنه وقع في غيرها من آل حميم، ثم ذكر أنه لاح له ما يدفع
~~الإشكال؛ وذلك أن مبنى هذه السورة الكريمة على إرشاده تعالى شأنه نبيه
~~صلى الله عليه وسلم إلى كيفية الدعوة من مفتتحها إلى مختتمها وإلى ما
~~يعتري من تصدي لهذه المرتبة السنية من الشدائد واحتماله لما يترتب عليه
~~من الفوائد لا على التسلية إذ لا يطابق المقام حسبما تقدم لك عن صاحب ms04504
~~«الكشف». ولما كانت هذه السورة جامعة لإرشاده من أول أمره إلى آخره وهذه
~~الآية فذلكة لها فحينما نزلت هذه السورة هاله ما فيها من الشدائد وخاف من
~~عدم القيام بأعبائها / حتى إذا لقى الله تعالى في يوم الجزاء ربما مسه
~~نصب من السؤال عنها فذكر القيامة في تلك السور يخوفه هولها لاحتمال
~~تفريطه فيما أرشده الله تعالى له في هذه، وهذا لا ينافي عصمته عليه
~~الصلاة والسلام وقربه لكونه الأعلم بالله تعالى والأخوف منه، فالخوف منها
~~يذكره بما تضمنته هذه السورة فكأنها هي المشيبة صلى الله عليه وسلم من
~~بينها ولذا بدأ بها في جميع الروايات، ولما كانت تلك الآية فذلكة لها
~~كانت هي المشيبة في الحقيقة فلا منافاة بين نسبة التشييب لتلك السور ولا
~~لهذه السورة وحدها كما فعله من فعله ولا لتلك الآية كما وقع في تلك
~~الرؤيا انتهى، وسيأتي إن شاء الله تعالى وجه آخر لنسبة التشييب لهذه
~~السورة فليتأمل.

# وذهب بعض المحققين إلى كون الكاف في { كما } بمعنى على كما في قولهم:
~~كن كما أنت عليه أي على ما أنت عليه، ومن هنا قال ابن عطية وجماعة:
~~المعنى استقم على القرآن، وقال مقاتل: امض على التوحيد، وقال جعفر الصادق
~~رضي الله تعالى عنه: استقم على الإخبار عن الله تعالى بصحة العزم،
~~والأظهر إبقاء (ما) على العموم أي استقم على جميع ما أمرت به، والكلام في
~~حذف مثل هذا الضمير أمر شائع، وقد مر التنبيه عليه، ومال بعضهم إلى كون
~~الكاف للتشبيه حسبما هو الظاهر منها إلا أنه قال: إنها في حكم مثل في
~~قولهم: مثلك لا يبخل فكأنه قيل: استقم الاستقامة التي أمرت بها فرارا من
~~تشبيه الشيء بنفسه، ولا يخفى أنه ليس بلازم.

# ومن الغريب ما نقل عن أبي حيان أنه قال في «تذكرته»: فإن قلت: كيف جاء
~~هذا التشبيه للاستقامة بالأمر؟ قلت: هو على حذف مضاف تقديره مثل مطلوب
~~الأمر أي مدلوله، فإن قلت: الاستقامة المأمور بها هي مطلوب الأمر فكيف
~~يكون مثلا لها؟ ms04505 قلت مطلوب الأمر كلي والمأمور جزئي فحصلت المغايرة وصح
~~التشبيه كقولك: صل ركعتين كما أمرت، وأبعد بعضهم فجعل الكاف بمعنى على
~~واستفعل للطلب كاستغفر الله تعالى أي اطلب الغفران منه، وقال: المعنى
~~اطلب الإقامة على الدين.

# { ومن تاب معك } أي تاب من الشرك وآمن معك فالمعية باعتبار
~~اللازم من غير نظر إلى ما تقدمه وغيره. وقد يقال: يكفي الاشتراك في
~~التوبة والمعية فيها مع قطع النظر عن المثوب عنه، وقد كان صلى الله عليه
~~وسلم يستغفر الله تعالى في اليوم أكثر من سبعين مرة، واستظهر ذلك
~~الجلبي. و { من } على ما اختاره أبو حيان وجماعة عطف على الضمير
~~المستكن في { واستقم } وأغنى الفصل بالجار والمجرور عن تأكيده بضمير
~~منفصل لحصول الغرض به، وفي الكلام تغليب لحكم الخطاب على الغيبة في لفظ
~~الأمر، واختار كثير أنه فاعل لفعل محذوف أي وليستقم من الخ لأن الأمر لا
~~يرفع الظاهر، وحينئذ فالجملة معطوفة على الجملة الأولى، ومن ذهب إلى
~~الأول رجحه بعدم احتياجه إلى التقدير ودفع المحذور بأنه يغتفر في التابع
~~ما لا يغتفر في المتبوع. وجوز أبو البقاء كونه منصوبا على أنه مفعول
~~معه، والمعنى استقم مصاحبا لمن تاب، قيل: وهو في المعنى أتم وإن كان في
~~اللفظ نوع نبوة عنه. وقيل: إنه مبتدأ والخبر محذوف أي فليستقم، وجوز كون
~~الخبر { معك }.

# { ولا تطغوا } أي لا تنحرفوا عما حد لكم بافراط أو تفريط فإن
~~كلا طرفي قصد الأمور ذميم، وسمي ذلك طغيانا وهو مجاوزة الحد تغليظا أو
~~تغليبا لحال سائر المؤمنين على حاله صلى الله عليه وسلم، وعن ابن عباس
~~أن المعنى لا تطغوا في القرآن فتحلوا وتحرموا ما لم تأمروا به. وقال ابن
~~زيد: لا تعصوا ربكم، وقال مقاتل: لا تخلطوا التوحيد بالشرك، ولعل الأول
~~أولى. { إنه بما تعملون بصير } فيجازيكم على ذلك وهو تعليل
~~للأمر والنهي السابقين كأنه قيل: استقيموا ولا تطغوا / لأن الله تعالى
~~ناظر لأعمالكم فيجازيكم عليها، وقيل: إنه تتميم للأمر بالاستقامة، والأول
~~أحسن وأتم فائدة. وقرأ الحسن ms04506 والأعمش  يعملون  بياء الغيبة، وروي ذلك
~~عن عيسى الثقفي أيضا.

# وفي الآية  على ما قال غير واحد  دليل على وجوب اتباع المنصوص عليه من
~~غير انحراف بمجرد التشهي وإعمال العقل الصرف فإن ذلك طغيان وضلال، وأما
~~العمل بمقتضى الاجتهاد التابع لعلل النصوص فذلك من باب الاستقامة كما أمر
~~على موجب النصوص الآمرة بالاجتهاد، وقل الإمام: وعندي لا يجوز تخصيص النص
~~بالقياس لأنه لما دل عموم النص على حكم وجب الحكم بمقتضاه لقوله تعالى: {
~~فاستقم كمآ أمرت } والعمل بالقياس انحراف عنه، ولذا لما ورد
~~القرآن بالامر بالوضوء وجيء بالاعضاء مرتبة في اللفظ وجب الترتيب فيها،
~~ولما ورد الأمر في الزكاة بأداء الإبل من الإبل والبقر من البقر وجب
~~اعتبارها، وكذا القول في كل ما ورد أمر الله تعالى به كل ذلك للأمر
~~بالاستقامة كما أمر انتهى.

# وأنت تعلم أن إيجاب الترتيب في الوضوء لذلك ليس بشيء ويلزمه أن يوجب
~~الترتيب في الأوامر المتعاطفة بالواو مثل

# وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة

# [البقرة: 43] وكذا في نحو

# واستعينوا بالصبر والصلوة

# [البقرة: 45] بعين ما ذكر في الوضوء وهو كما ترى، وكأنه عفا الله تعالى
~~عنه يجزم بأن الحنفية الذين لا يوجبون الترتيب في أعمال الوضوء طاغون
~~خارجون عما حد الله تعالى احتمال للقول بأنهم مستقيمون وهو من الظلم
~~بمكان.

### || [11.113]

# { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا } أي لا تميلوا إليهم
~~أدنى ميل، والمراد بهم المشركون كما روى ذلك ابن جرير وابن أبي حاتم عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفسر الميل بميل القلب إليهم بالمحبة،
~~وقد يفسر بما هو أعم من ذلك كما يفسر { الذين ظلموا } بمن وجد
~~منه ما يسمى ظلما مطلقا، وقيل: ولإرادة ذلك لم يقل إلى الظالمين؛ ويشمل
~~النهي حينئذ مداهنتهم وترك التغيير عليهم مع القدرة والتزيي بزيهم وتعظيم
~~ذكرهم ومجالستهم من غير داع شرعي وكذا القيام لهم ونحو ذلك، ومدار النهي
~~على الظلم والجمع باعتبار جمعية المخاطبين، وقيل: إن ذلك للمبالغة في
~~النهي من حيث أن كونهم جماعة مظنة الرخصة في مداهنتهم ms04507 مثلا، وتعقب بأنه
~~إنما يتم أن لو كان المراد النهي عن الركون إليهم من حيث أنهم جماعة وليس
~~فليس.

# { فتمسكم } أي فتصيبكم بسبب ذلك كما تؤذن به الفاء الواقعة في
~~جواب النهي { النار } وهي نار جهنم، وإلى التفسير الثاني  وما أصعبه
~~على الناس اليوم بل في غالب الأعاصير من تفسير  ذهب أكثر المفسرين،
~~قالوا: وإذا كان حال الميل في الجملة إلى من وجد منه ظلم ما في الإفضاء
~~إلى مساس الناس النار فما ظنك بمن يميل إلى الراسخين في الظلم كل الميل،
~~ويتهالك على ما مصاحبتهم ومنادمتهم ويتعب قلبه وقالبه في إدخال السرور
~~عليهم، ويستنهض الرجل والخيل في جلب المنافع إليهم ويبتهج بالتزيي بزيهم
~~والمشاركة لهم في غيهم ويمد عينيه إلى ما متعوا به من زهرة الدنيا
~~الفانية ويغبطهم بما أوتوا من القطوف الدانية غافلا عن حقيقة ذلك ذاهلا
~~عن منتهى ما هنالك؟! وينبغي أن يعد مثل ذلك من الذين ظلموا لا من
~~الراكنين إليهم بناءا على ما روي أن رجلا قال لسفيان: إني أخيط للظلمة
~~فهل أعد من أعوانهم، فقال له: لا أنت منهم والذي يبيعك الإبرة من
~~أعوانهم، وما أحسن ما كتبه بعض الناصحين للزهري حين خالط السلاطين، وهو
~~عافانا الله تعالى وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك
~~أن يدعو لك الله تعالى ويرحمك أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله
~~تعالى تعالى بما فهمك من كتابه وعلمك من سنة نبيك صلى الله عليه وسلم
~~وليس / كذلك أخذ الله تعالى الميثاق على العلماء، قال سبحانه:

# لتبيننه للناس ولا تكتمونه

# [آل عمران: 187] واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت إنك آنست وحشة
~~الظالم وسهلت سبيل الغي بدنوك ممن لم يؤد حقا ولم يترك باطلا حين أدناك
~~اتخذوك قطبا تدور عليك رحى باطلهم وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم وسلما
~~يصعدون فيك إلى ضلالهم يدخلون الشك بك على العلماء ويقتادون بك قلوب
~~الجهلاء فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك وما أكثر ms04508 ما أخذوا
~~منك فيما أفسدوا عليك من دينك فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله تعالى
~~فيهم:

# فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا
~~الشهوت فسوف يلقون غيا

# [مريم: 59] فإنك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل فداو دينك فقد
~~دخله سقم وهيىء زادك فقد حضر السفر البعيد،

# وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في
~~السمآء

# [إبراهيم: 38] والسلام. وعن الأوزاعي ما من شيء أبغض إلى الله تعالى من
~~عالم يزور عاملا، وعن محمد بن مسلمة: الذباب على العذرة أحسن من قارىء
~~على باب هؤلاء، وفي الخبر «من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله
~~تعالى في أرضه»، ولعمري إن الآية أبلغ شيء في التحذير عن الظلمة والظلم،
~~ولذا قال الحسن: جمع الدين في لاءين يعني 

# لا تطغوا

# [هود: 112] و { ولا تركنوا }. ويحكى أن الموفق أبا أحمد طلحة
~~العباب صلى خلف الإمام فقرأ هذه الآية فغشي عليه فلما أفاق قيل له، فقال:
~~هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف الظالم.

# هذا وخطاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين بهذين النهيين
~~بعد الأمر بالاستقامة للتثبيت عليها، وقد تجعل تأكيدا لذلك إذا كان
~~المراد به الدوام والثبات، وعن أبي عمرو أنه قرأ { تركنوا } بكسر
~~التاء على لغة تميم. وقرأ قتادة وطلحة والأشهب، ورويت عن أبي عمرو {
~~تركنوا } بضم الكاف مضارع ركن بفتحها وهي على ما في البحر لغة قيس
~~وتميم وقال الكسائي: إنها لغة أهل نجد وشذ  تركن  بالفتح مضارع ركن
~~كذلك، وقرأ ابن أبي عبلة { ولا تركنوا } مبنيا للمفعول من أركنه
~~إذا أماله، وقراءة الجمهور { تركنوا } بفتح الكاف، والماضي  ركن 
~~بكسرها وهي لغة قريش، وهي الفصحى  على ما قال الأزهري  وقرأ ابن وثاب
~~وعلقمة والأعمش وابن مصرف. وحمزة فيما يروى عنه { فتمسكم } بكسر
~~التاء على لغة تميم أيضا.

# { وما لكم من دون الله من أوليآء } من أنصار يمنعون
~~العذاب عنكم، والمراد نفي أن يكون لكل نصير، والمقام قرينة على ذلك.
~~والجملة في موضع ms04509 الحال من ضمير { تمسكم }  { ثم لا تنصرون
~~} من جهته تعالى إذ قد سبق في حكم تعالى أن يعذبكم بركونكم إليهم ولا
~~يبقي عليكم، و { ثم } قيل: لاستبعاد نصره سبحانه إياهم وقد أوعدهم
~~العذاب على ذلك وأوجبه لهم، وتعقب بأن أثر الحرف إنما هو في مدخوله
~~ومدخول { ثم } عدم النصرة وليس بمستبعد، وإنما المستبعد نصر الله
~~تعالى لهم، فالظاهر أنها للتراخي في الرتبة لأن عدم نصر الله تعالى أشد
~~وأفظع من عدم نصرة غيره، وأجيب بما لا يخلو عن تكلف، وأيا ما كان
~~فالمقام مقام الواو إلا أنه عدل عنها لما ذكر.

# وجوز القاضي أن تكون منزلة الفاء بمعنى الاستبعاد فإنه سبحانه لما بين
~~أنه معذبهم وأن أحدا لا يقدر على نصرهم أنتج ذلك أنهم لا ينصرون أصلا،
~~ووجه ذلك بأنه كان الظاهر أن يؤتى بالفاء التفريعية المقارنة / للنتائج
~~إذا المعنى أن الله تعالى أوجب عليكم عقابه ولا مانع لكم منه فإذن أنتم
~~لا تنصرون فعدل عنه إلى العطف  بثم  الاستبعادية إلى الوجه الذي ذكره،
~~واستبعاد الوقوع يقتضي النفي، والعدم الحاصل الآن فهو مناسب لمعنى تسبب
~~النفي، ودفع بذلك ما قيل عليه: إن الداخل على النتائج هي الفاء السببية
~~لا الاستبعادية ولا يخفى قوة الاعتراض، وفرق بين وجهي الاستبعاد السابق
~~والتنزيل المذكور بأن المنفي على الأول نصرة الله تعالى لهم، وعلى الثاني
~~مطلق النصرة.

### || [11.114]

# { وأقم الصلوة } أي المكتوبة، ومعنى إقامتها أداؤها على تمامها
~~وقيل: المداومة عليها، وقيل: فعلها في أول وقتها { طرفي النهار }
~~أي أوله وآخره وانتصابه على الظرفية  لأقم  ويضعف كونه ظرفا للصلاة
~~ووجه انتصابه على ذلك إضافته إلى الظرف { وزلفا من اليل } أي
~~ساعات منه قريبة من النهار فإنه من أزلفه إذا قربه. وقال الليث: هي طائفة
~~من أول الليل، وكذا قال ثعلب، وقال أبو عبيدة والأخفش وابن قتيبة: هي
~~مطلق ساعات وآناؤه وكل ساعة زلفة، وأنشدوا للعجاج:

# ناج طواه الأين مما وجفا

# طي الليالي زلفا فزلفا

# سماوة الهلال حتى احقوقفا

# وهو عطف على { طرفي النهار } ، و { من ms04510 اليل } في موضع
~~الصفة له. والمراد بصلاة الطرفين قيل: صلاة الصبح والعصر، وروي ذلك عن
~~الحسن وقتادة والضحاك، واستظهر ذلك أبو حيان بناء على أن طرف الشيء
~~يقتضي يكون من الشيء، والتزم أن أول النهار من الفجر، وقد يطلق طرف الشيء
~~على الملاصق لأوله وآخره مجازا فيمكن اعتبار النهار من طلوع الشمس مع
~~صحة ما ذكروه في صلاة الطرف الأول بجعل التثنية هنا مثلها في قولهم:
~~القلم أحد اللسانين إلا أنه قيل بشذوذ ذلك.

# وروي عن ابن عباس  واختاره الطبري  أن المراذ صلاة الصبح والمغرب فإن
~~كان النهار من أول الفجر إلى غروب الشمس فالمغرب طرف مجازا وهو حقيقة
~~طرف الليل، وإن كان من طلوع الشمس إلى غروبها فالصبح كالمغرب طرف مجازي،
~~وقال مجاهد ومحمد بن كعب القرظي: الطرف الأول الصبح والثاني الظهر
~~والعصر، واختار ذلك ابن عطية، وأنت تعلم أن في جعل الظهر من الطرف الثاني
~~خفاء وإنما الظهر نصف النهار والنصف لا يسمى طرفا إلى بمجاز بعيد،
~~والمراد بصلاة الزلف عند الأكثر صلاة المغرب والعشاء. وروى الحسن في ذلك
~~خبرا مرفوعا، وعن ابن عباس أنه فسر صلاة الزلف بصلاة العتمة وهي ثلث
~~الليل الأول بعد غيبوبة الشفق وقد تطلق على وقت صلاة العشاء الآخرة،
~~وأغرب من قال: صلاة الطرفين صلاة الظهر والعصر، وصلاة الزلف صلاة المغرب
~~والعشاء والصبح، وقيل: معنى (زلفا) قربا، وحقه على هذا  كما في
~~«الكشاف»  أن يعطف على (الصلاة) أي أقم الصلاة طرفي النهار وأقم زلفا من
~~الليل أي صلوات تتقرب بها إلى الله عز وجل انتهى. قيل: والمراد بها على
~~هذا صلاة العشاء والتهجد وقد كان واجبا عليه عليه الصلاة والسلام، أو
~~العشاء. والوتر على ما ذهب إليه أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، أو
~~المجموع كما يقتضيه ظاهر الجمع، وقد تفسر بصلاة المغرب والعشاء  واختاره
~~البعض  وقد جاء إطلاق الجمع على الاثنين فلا حاجة إلى التزام أن ذلك
~~باعتبار أن كل ركعة قربة فتحقق قرب الثلاث فيما ذكر.

# وقرأ طلحة وابن أبي اسحاق ms04511 وأبو جعفر { زلفا } بضم اللام إما على أنه
~~جمع زلفة أيضا ولكن ضمت / عينه اتباعا لفائه أو على أنه اسم مفرد كعنق
~~أو جمع زليف بمعنى زلفة كرغيف ورغف، وقرأ مجاهد. وابن محيصن باسكان اللام
~~كبسر بالضم والسكون في بسرة، وهو على هذا  على ما في «البحر»  اسم جنس،
~~وفي رواية عنهما أنهما قرآ  زلفى  كحبلى وهو بمعنى زلفة فإن تاء
~~التأنيث وألفه قد يتعاقبان نحو قربى وقربة، وجوز أن تكون هذه الألف
~~بدلا من التنوين إجراءا للوصل مجرى الوقف.

# { إن الحسنت يذهبن السيئات } أي يكفرنها ويذهبن
~~المؤاخذة عليها وإلا فنفس السيئات أعراض وجدت فانعدمت، وقيل: يمحينها من
~~صحائف الأعمال، ويشهد له بعض الآثار، وقيل: يمنعن من اقترافها كقوله
~~تعالى:

# إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر

# [العنكبوت: 45] وهو مع بعده في نفسه مخالف للمأثور عن الصحابة والتابعين
~~رضي الله تعالى عنهم فلا ينبغي أن يعول عليه. والظاهر أن المراد من
~~الحسنات ما يعم الصلوات المفروضة وغيرها من الطاعات المفروضة وغيرها،
~~وقيل: المراد الفرائض فقط لرواية

# " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن "

# وفيه أنه قد صح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " «إذا أمن الإمام فأمنوا فإن الملائكة تؤمن فمن وافق تأمينه تأمين
~~الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه "

# وفي رواية تفرد بها يحيى بن نصير  وهو من الثقات  بزيادة

# " وما تأخر "

# وصح أن صيام يوم عرفة تكفر السنة الماضية والمستقبلة، وأخرج أبو داود في
~~«السنن» بإسناد حسن عن سهل بنمعاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم قال:

# " من أكل طعاما ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من
~~غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن لبس ثوبا وقال: الحمد
~~لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من
~~ذنبه وما تأخر "

# إلى غير ذلك ms04512 من الأخبار الواردة في تكفير أفعال ليست بمفروضة ذنوبا
~~كثيرة، وقيل: المراد بها الصلوات المفروضة لما في بعض طرق خبر سبب النزول
~~من

# " أن أبا اليسر من الأنصار قبل امرأة ثم ندم فأتى رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فأخبره بما فعل فقال عليه الصلاة والسلام: «أنتظر أمر ربي
~~فلما صلى صلاة قال: صلى الله عليه وسلم نعم اذهب بها فانها كفارة لما
~~عملت "

# وروي هذا القول عن ابن عباس وابن مسعود وابن المسيب، والظاهر أن ذلك
~~منهم اقتصار على بعض مهم من أفراد ذلك العام، وسبب النزول لا يأبى
~~العموم كما لا يخفى، وفي رواية عن مجاهد أنها قول: سبحان الله والحمد لله
~~ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،
~~وفيه ما فيه.

# والمراد بالسيآت عند الأكثرين الصغائر لأن الكبائر لا يكفرها على ما
~~قالوا: إلا التوبة، واستدلوا لذلك بما رواه مسلم من رواية العلاء

# " الصلوات الخمس كفارة لما بينها ما اجتنبت الكبائر "

# واستشكل بأن الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر بنص

# إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم
~~سيئتكم

# [النساء: 31] فما الذي تكفوه الصلوات الخمس؟ وأجاب البلقيني بأن ذلك غير
~~وارد لأن المراد بالآية أن تجتنبوا في جميع العمر ومعناه الموافاة على
~~هذه الحالة من وقت الإيمان أو التكليف إلى الموت، والذي في الحديث

# " إن الصلوات تكفر ما بينها "

# أي في يومها إذا اجتنبت الكبائر في ذلك اليوم فلا تعارض، وتعقبه
~~السمهودي بقوله: ولك أن تقول: لا يتحقق اجتناب الكبائر في جميع العمر إلا
~~مع الإتيان بالصلوات الخمس فيه كل يوم فالتكفير حاصل بما تضمنه الحديث
~~فما فائدة الاجتناب المذكور في الآية ثم قال: ولك أن تجيب بأن ذلك من باب
~~فعل شيئين كل منهما مكفر، وقد قال بعض العلماء: إنه إذا اجتمعت مكفرات
~~فحكمها أنها إذا ترتبت فالمكفر السابق وإن وقعت معا فالمكفر واحد منها
~~يشاؤه الله تعالى، وأما / البقية فثوابها باق له وذلك الثواب على كل منها
~~يكون بحيث يعدل ms04513 تكفير الصغائر لو وجدت، وكذا إذا فعل واحدا من الأمور
~~المكفرة ولم يكن قد ارتكب ذنبا. وفي «شرح مسلم للنووي» نحو ذلك غير أنه
~~ذكر أنه لو صادف فعل المكفر كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة رجونا أن
~~يخفف من الكبائر، ويرد على قوله: إن المراد { إن تجتنبوا } في
~~جميع العمر منع ظاهر، والظاهر أن المران من ذلك أن ثواب اجتناب الكبائر
~~في كل وقت يكفر الصغائر الواقعة فيه، وفي تفسير القاضي ما يؤيده، وكذا ما
~~ذكره الإمام حجة الإسلام في الكلام على التوبة ((من أن حكم الكبيرة أن
~~الصلوات الخمس لا تكفرها وأن اجتناب الكبائر يكفر الصغائر بموجب قوله
~~سبحانه:

# إن تجتنبوا كبائر ما

# [النساء: 31] الخ، ولكن اجتناب الكبيرة إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها
~~مع القدرة والإرادة كمن يتمكن من امرأة ومن مواقعتها فيكف نفسه عن الوقوع
~~ويقتصر على النظر أو اللمس فإن مجاهدته نفسه في الكف عن الواقع أشد
~~تأثيرا في تنوير قلبه من إقدامه على النظر في اظلامه فهذا معنى تكفيره
~~فإن كان عنينا أو لم يكن امتناعه إلا بالضرورة للعجز أو كان قادرا ولكن
~~امتنع لخوف من آخر فهذا لا يصلح للتكفير أصلا فكل من لا يشتهي الخمر
~~بطبعه ولو أبيح له ما شربه فاجتنابه لا يكفر عنه الصغائر التي هي من
~~مقدماته كسماع الملاهي والأوتار)) وهذا ظاهر يدل عليه { إن
~~الحسنات يذهبن السيئات } ، ولا شك أن اجتناب الكبائر
~~إذا قارن القصد حسنة وإنما قيدنا بذلك وإن كان الخروج عن عهدة النهي لا
~~يتوقف عليه لأنه لا يثاب على الاجتناب بدون ذلك، فالأولى في الجواب عن
~~الأشكال أن يقال: «ما اجتنبت الكبائر» في الخبر ليس قيدا لأصل التكفير
~~بل لشمول التكفير سائر الذنوب التي بين الصلوات الخمس فهو بمثابة استثناء
~~الكبائر من الذنوب، وكأنه قيل: الصلوات الخمس كفارة لجميع الذنوب التي
~~بينها وتكفيرها للجميع في المدة التي اجتنبت فيها الكبائر أو مقيد
~~باجتناب الكبائر وإلا فليست الصلوات كفارة لجميع الذنوب بل للصغائر فقط،
~~وهذا وإن كان ms04514 خلاف الظاهر من عود القيد لأصل التكفير لكن قرينة الآية دعت
~~للعدول عنه إلى ذلك جمعا بين الأدلة، ولا بد في هذا من اعتبار ما قالوا
~~في اجتماع الأمور المكفرة الصغائر، وذكر الحافظ ابن حجر بعد نقله لكلام
~~البلقيني ما لفظه: وعلى تقدير ورود السؤال فالتخلص عنه سهل وذلك لأنه لا
~~يتم اجتناب الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس فمن لم يفعلها لم يعد مجتنبا
~~للكبائر لأن تركها من الكبائر فيتوقف التكفير على فعلها انتهى ولا يخلو
~~عن بحث، وممن صرح بأن «ما اجتنبت» الخ بمعنى الاستثناء نقلا عن بعضهم
~~المحب الطبري، فقد قال في «أحكامه»: اختلف العلماء في أمر تكفير الصغائر
~~بالعبادات هل هو مشروط باجتناب الكبائر؟ على قولين: أحدهما نعم وهو ظاهر
~~قوله صلى الله عليه وسلم:

# " ما اجتنبت الكبائر "

# فإن ظاهره الشرطية كما يقتضيه «إذا اجتنبت» الآتي في بعض الروايات، فإذا
~~اجتنبت الكبائر كانت مكفرة لها وإلا فلا، وإليه ذهب الجمهور على ما ذكره
~~ابن عطية، وقال بعضهم: لا يشترط، والشرط في الحديث بمعنى الاستثناء
~~والتقدير مكفرات لما بينها إلا الكبائر وهو الأظهر.

# هذا وقد ذكر الزركشي أنهم اختلفوا في أن التفكير هل يشترط فيه التوبة أم
~~لا؟ فذهب إلى الاشتراط طائفة وإلى عدمه أخرى، وفي «البحر» أن الاشتراط نص
~~حذاق الأصوليين، ولعل الخلاف مبني على الخلاف في اشتراط الاجتناب وعدمه
~~فمن جعل اجتناب الكبائر شرطا في تكفير الصغائر لم يشترط التوبة وجعل هذه
~~خصوصية لمجتنب الكبائر ولم يشترطه إلا من اشترطها، ويدل عليه خبر أبي
~~اليسر فإن الروايات متضافرة / على أنه جاء نادما والندم توبة، وإن
~~إخباره صلى الله عليه وسلم له بأن صلاة العصر كفرت عنه ما فعله إنما وقع
~~بعد ندمه لكن ظاهر إطلاق الحديث يقتضي أن التكفير كان بنفس الصلاة فإن
~~التوبة بمجردها تجب ما قبلها فلو اشترطناها مع العبادات لم تكن العبادات
~~مكفرة، وقد ثبت أنها مكفرات فيسقط اعتبار التوبة معها انتهى ملخصا مع
~~زيادة، ولا يخفى أن هذا يحتاج إلى التزام القول ms04515 بأن ندم أبي اليسر لم
~~يكن توبة صحيحة وإلا لكان التكفير به لأنه السابق، وبعض التزم القول
~~بكونه توبة صحيحة إلا أنه توبة لم تقبل ولم تكفر الذنب، وأنت تعلم أن في
~~عدم تكفير التوبة الذنب مقالا، والمنقول عن السبكي أنه قال: إن قبول
~~التوبة عن الكفر مقطوع به تفضلا، وفي القطع بقبول توبة العاصي قولان
~~لأهل السنة، والمختار عند إمام الحرمين أن تكفير التوبة للذنب مظنون،
~~وادعى النووي أنه الأصح، وفي «شرح البرهان»: الصحيح عندنا القطع
~~بالتكفير، وقال الحليمي: لا يجب على الله تعالى قبول التوبة لكنه لما
~~أخبر عن نفسه أنه يقبل التبوة عن عباده ولم يجز أن يخلف وعده علمنا أنه
~~سبحانه وتعالى لا يرد التوبة الصحيحة فضلا منه تعالى.

# ومثل هذا الخلاف الخلاف في التكفير باجتناب الكبائر ونحوه هل هو قطعي أو
~~ظني، وفي كلام العلامة نجم الدين النسفي وصدر الشريعة وغيرهما أن العقاب
~~على الصغائر جائز الوقوع سواء اجتنب مرتكبها الكبائر أم لا لدخولها تحت
~~قوله تعالى:

# يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء

# [المائدة: 18] ولقوله تعالى:

# لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلآ أحصاها

# [الكهف: 49] والإحصاء إنما يكون للسؤال والمجازاة إلى غير ذلك من الآيات
~~والأحاديث، وخالفت المعتزلة في ذلك فلم يجيزوا وقوع التعذيب إذا اجتنبت
~~الكبائر واستدلوا بآية

# إن تجتنبوا

# [النساء: 31] الخ، ويجاب بأن المراد بالكبائر الكفر والجمع لتعدد أنواعه
~~أو تعدد من اتصف به، ومعنى الآية إن تجتنبوا الكفر نجعلكم صالحين لتفكير
~~سيآتكم، ولا يخفى ما في استدلالهم من الوهن، وجوابهم عن استدلال المعتزلة
~~لعمري أوهن منه.

# وذهب صاحب «الذخائر» إلى أن من الحسنات ما يكفر الصغائر والكبائر إذ قد
~~صح في عدة أخبار من فعل كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وفي بعضها
~~خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ومتى حملت الحسنات في الآية على الاستغراق
~~فالمناسب حمل السيئات عليه أيضا، والتخصص خلاف الظاهر وفضل الله تعالى
~~واسع، وإلى هذا مال ابن المنذر، وحكاه ابن عبد البر عن بعض المعاصرين ms04516 له
~~وعني به فيما قيل: أبا محمد المحدث لكن رد عليه، فقال بعضهم: يقول: إن
~~الكبائر والصغائر تكفرها الطهارة والصلاة لظاهر الأحاديث وهو جهل بين
~~وموافقة للمرجئة في قولهم، ولو كان كما زعم لم يكن للأمر بالتوبة معنى،
~~وقد أجمع المسلمون على أنها فرض، وقد صح أيضا من حديث أبي هريرة

# " الصلوات كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر "

# انتهى.

# وفيه أن دعوى أن ذلك جهل لا يخلو عن الإفراط إذا الفرق بين القول بعموم
~~التكفير ومذهب المرجئة في غاية الوضوح، ولو صح أن ذلك ذهاب إلى قولهم
~~للزمه مثله بالنسبة إلى التوبة فإنه يسلم أنها تكفر الصغائر والكبائر وهي
~~من جملة أعمال العبد فكما جاز أن يجعل الله سبحانه هذا العمل سببا
~~لتكفير الجميع يجوز أن يجعل غيره من الأعمال كذلك، وقوله: ولو كان كما
~~زعم الخ مردود لأنه لا يلزم من تكفير الذنوب الحاصلة عدم الأمر بالتوبة
~~وكونها فرضا إذا تركها من الذنوب المتجددة التي لا يشملها التكفير
~~السابق بفعل الوضوء مثلا ألا ترى أن التوبة من الصغائر واجبة على ما نقل
~~عن الأشعري، وحكى إمام الحرمين وتلميذه الأنصاري الإجماع عليه / ومع ذلك
~~فجميع الصغائر مكفرة بنص الشارع وإن لم يتب على ما سمعت من الخلاف،
~~وتحقيق ذلك أن التوبة واجبة في نفسها على الفور ومن أخرها تكرر عصيانه
~~بتكرر الأزمنة كما صرح به الشيخ عز الدين بن عبد السلام، ولا يلزم من
~~تكفير الله تعالى ذنوب عبده سقوط التكليف بالتوبة التي كلف بها تكليفا
~~مستمرا، وقريب من هذا ارتفاع الإثم عن النائم إذا أخرج الصلاة عن وقتها
~~مع الأمر بقضائها، وما روي من حديث أبي هريرة إنما ورد في أمر خاص فلا
~~يتعداه إذ الأصل بقاء ما عداه على عمومه وهذا مما لا مجال للقياس فيه حتى
~~يخص بالقياس على ذلك فلا يليق نسبة ذلك القائل إلى الجهل، والرجاء بالله
~~تعالى شأنه قوي كذا قيل، وفي المقام بعد أبحاث تركنا ذكرها خوف الإملال
~~فإن أردتها فعليك بالنظر في ms04517 الكتب المفصلة في علم الحديث.

# { ذلك ذكرى للذكرين } أي عظمة للمتعظين، وخصهم بالذكر لأنه
~~المنتفعون بها، والإشارة إلى ما تقدم من الوصية بالاستقامة والنهي عن
~~الطغيان والركون إلى الذين ظلموا وإقامة الصلوات في تلك الأوقات بتأويل
~~المذكور، وإلى هذا ذهب الزمخشري، واستظهر أبو حيان كون ذلك إشارة إلى
~~إقامة الصلاة وأمر التذكير سهل، وقيل: هي إشارة إلى الإخبار بأن الحسنات
~~يذهبن السيآت، وقال الطبري: إشارة إلى الأوامر والنواهي في هذه السورة،
~~وقيل: إلى القرآن، وبعض من جعل الإشارة إلى الإقامة فسر الذكرى بالتوبة.

### || [11.115]

# { واصبر } أي على مشاق امتثال ما كلفت به، في «الكشاف» إن هذا كرور
~~منه تعالى إلى التذكير بالصبر بعد ما جاء بما هو خاتمة للتذكير لفضل
~~خصوصية ومزية وتنبيه على مكان الصبر ومحله كأنه قال: وعليك بما هو أهم
~~مما ذكرت به وأحق بالتوصية وهو الصبر على امتثال ما أمرت به والانتهاء
~~عما نهيت عنه فلا يتم شيء منه إلا به انتهى. ووجه كونه كريرا إلى ما ذكر
~~بأن الأمر بالاستقامة أمر بالثبات قولا وفعلا وعقدا وهو الصبر على
~~طاعة الله تعالى ويتضمن الصبر عن معصيته ضرورة على أن ما ذكره سبحانه كله
~~لا يتم إلا بالصبر ففي ضمن الأمر به أمر بالصبر، واعترض اعتبار الانتهاء
~~عما نهى عنه من متعلقات الصبر إذ لا مشقة في ذلك، واعتذر عن ذلك بأنه
~~يمكن أن يراد بما نهى عنه من الطغيان والركون ما لا يمكن عادة خلو البشر
~~عنه من أدنى ميل بحكم الطبيعة من الاستقامة المأمور بها ومن يسير ميل
~~بحكم البشرية إلى من وجد منه ظلم فإن في الاحتراز عن أمثاله من المشقة ما
~~لا يخفى. وتعقب بأن ما هو من توابع الطبيعة لا يكون من متعلقات النهي،
~~ولهذا ذكروا أن حب المسلم لولده الكافر مثلا لا إثم فيه، فالأولى أن
~~يقال: إن وجود المشقة في امتثال مجموع ما كلف به يكفي في الغرض، وقيل:
~~المراد من الصبر المأمور به المداومة على الصلاة كأنه قيل: أقم ms04518 الصلاة أي
~~أدها تامة ودوام عليها نظير قوله تعالى:

# وأمر أهلك بالصلوة واصطبر عليها

# [طه: 132].

# { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } أي يوفيهم ثواب
~~أعمالهم من غير بخس أصلا، وعبر ذلك بنفي الإضاعة بيانا لكمال نزاهته
~~تعالى عن حرمانهم شيئا من ثوابهم. وعدل عن الضمير ليكون كالبرهان على
~~المقصود مع إفادة فائدة عامة لكل من يتصف بذلك وهو تعليل للأمر بالصبر،
~~وفيه إيماء إلى أن الصبر على ما ذكر من باب الإحسان، وعن مقاتل أنه فسر
~~الإحسان هنا بالإخلاص. وعن ابن عباس أنه قال: المحسنون المصلون وكأنه نظر
~~إلى سياق الكلام، هذا ومن البلاغة القرآنية أن الأوامر بأفعال الخير
~~أفردت للنبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت عامة في المعنى، والمناهي جمعت
~~للأمة، وما أعظم شأن الرسول عليه الصلاة والسلام عند ربه جل وعلا.

### || [11.116]

# { فلولا كان } تحضيض فيه معنى التفجع مجازا أي فهلا / كان { من
~~القرون } أي الأقوام المقترنة في زمان واحد { من قبلكم
~~أولوا بقية } أي ذوو خصلة باقية من الرأي والعقل أو ذوو فضل على
~~أن يكون  البقية  اسما للفضل والهاء للنقل، وأطلق عليه ذلك على سبيل
~~الاستعارة من البقية التي يصطفيها المرء لنفسه ويدخرها مما ينفعه، ومن
~~هنا يقال: فلان من بقية القوم أي من خيارهم، وبذلك فسر بيت «الحماسة»:

# إن تذنبوا ثم يأتيني (بقيتكم)

# فما علي بذنب عندكم فوت

# ومنه قولهم: في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا، وجوز أن تكون البقية
~~بمعنى البقوى كالتقية بمعنى التقوى أي فهلا كان منهم ذوو إبقاء لأنفسهم
~~وصيانة لها عما يوجب سخط الله تعالى وعقابه، والظاهر أنها على هذا مصدر،
~~وقيل: اسم مصدر، ويؤيد المصدرية أنه قرىء { بقية } بزنة المرة وهو
~~مصدر بقاه يبقيه كرماه يرميه بمعنى انتظره وراقبه، وفي الحديث عن معاذ بن
~~جبل قال: «بقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تأخر صلاة العشاء حتى
~~ظن الظان أنه ليس بخارج» الخبر أراد معاذ انتظرناه، وأما الذي من البقاء
~~ضد الفناء ففعله بقي يبقى كرضى يرضى، والمعنى ms04519 على هذه القراءة فهلا كان
~~منهم ذوو مراقبة لخشية الله تعالى وانتقامه، وقرىء { بقية } بتخفيف الياء
~~اسم فاعل من بقي نحو شجيت فهي شجية. وقرأ أبو جعفر وشيبة { بقية } بضم
~~الباء وسكون القاف.

# { ينهون عن الفساد في الأرض } الواقع فيما بينهم حسبما
~~ذكر في قصصهم، وفسر الفساد في «البحر» بالكفر وما اقترن به من المعاصي {
~~إلا قليلا ممن أنجينا منهم } استثناء منقطع أي ولكن
~~قليلا منهم أنجيناهم لكونهم كانوا ينهون، وقيل أي: ولكن قليلا ممن
~~أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم تاركون للنهي، و { من }
~~الأولى بيانية لا تبعيضية لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم بدليل قوله
~~سبحانه:

# أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين
~~ظلموا

# [الأعراف: 165] وإلى ذلك ذهب الزمخشري، ومنع اتصال الاستثناء على ما
~~عليه ظاهر الكلام لاستلزامه فساد المعنى لأنه يكون تحضيضا  لأولي
~~البقية  على النهي عن الفساد إلا للقليل من الناجين منهم، ثم قال: ((وإن
~~قلت: في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل: ما كان
~~من القرون أولو بقية إلا قليلا كان استثناءا متصلا ومعنى صحيحا وكان
~~انتصابه على أصل الاستثناء وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل))، والحاصل
~~أن في الكلام اعتبارين: التحضيض والنفي، فإن اعتبر التحضيض لا يكون
~~الاستثناء متصلا لأن المتصل يسلب ما للمستثنى منه عن المستثنى أو يثبت
~~له ما ليس له، والتحضيض معناه لم ما نهوا، ولا يجوز أن يقال: إلا قليلا
~~فانهم لا يقال لهم: لم ما نهوا لفساد المعنى لأن القليل ناهون وإن اعتبر
~~النفي كان متصلا لأنه يفيد أن القليل الناجين ناهون.

# وأورد على ذلك القطب أن صحة السلب أو الإثبات بحسب اللفظ لازم في الخبر
~~وأما في الطلب فيكون بحسب المعنى فإنك إذا قلت: اضرب القوم إلا زيدا
~~فليس المعنى على أنه ليس أضرب بل على أن القوم مأمور بضربهم إلا زيدا
~~فإنه غير مأمور به فكذا هنا يجوز أن يقال: أولو بقية محضوضون على النهي
~~إلا قليلا فإنهم ليسوا محضوضين عليه ms04520 لأنهم نهوا فالاستثناء متصل قطعا
~~كما ذهب إليه بعض السلف، وقد يدفع ما أورده بأن مقتضى الاستثناء أنهم غير
~~محضوضين، وذلك إما لكونهم نهوا أو لكونهم لا يحضون عليه لعدم توقعه منهم،
~~فإما أن يكون قد جعل احتمال الفساد إفسادا أو ادعى أنه هو المفهوم من
~~السياق. ثم إن المدقق «صاحب» الكشف قال: إن ظاهر تقرير / كلام الزمخشري
~~يشعر بأن { ينهون } خبر { كان } جعل { من القرون } خبرا
~~آخر أو حالا قدمت لأن تحضيض  أولي البقية  على النهي على ذلك التقدير
~~حتى لو جعل صفة، و { من القرون } خبرا كان المعنى تنديم أهل
~~القرون على أن لم يكن فهم أولو بقية ناهون وإذا جعل خبرا لا يكون معنى
~~الاستثناء ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلا بل كان ما كان منهم أولو
~~بقية ناهين إلا قليلا فإنهم نهوا وهو فاسد، والانقطاع على ما أثره
~~الزمخشري أيضا يفسد لما يلزم منه أن يكون أولو بقية غير ناهين لأن في
~~التحضيض والتنديم دلالة على نفيه عنهم، فالوجه أن يؤول بأن المقصد من
~~ذكر الاسم الخبر وهو كالتمهيد له كأنه قيل: فلولا كان من القرون من قبلكم
~~ناهون إلا قليلا، وفي كلامه إشارة إلى أنه لا يختلف نفي الناهي، وأولو
~~البقية، وإنما عدل إلى المنزل مبالغة لأن أصحاب فضلهم وبقاياهم إذا حضضوا
~~على النهي وندموا على الترك فهم أولي بالتحضيض والتنديم، وفيه مع ذلك
~~الدلالة على خلوهم عن الاسم لخلوهم عن الخبر لأن ذا البقية لا يكون إلا
~~ناهيا فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم وهو من باب.

# ولا ترى الضب بها ينجحر

# وقولك: ما كان شجعانهم يحمون عن الحقائق في معرض الذم تريد أن لا شجاع
~~ولا حماية لكن بالغت في الذم حتى خيلت أنه لو كان لهم شجاع كان كالعدم
~~فهذا هو الوجه الكريم والمطابق لبلاغة القرآن العظيم انتهى، وهو تحقيق
~~دقيق أنيق. وادعى بعضهم أن الظاهر أن { كان } تامة، و { أولو
~~بقية } فاعلها، وجملة { ينهون } صفته، و { من القرون }
~~حال متقدمة ms04521 عليه، و { من } تبعيضية، و { من قبلكم } حال من {
~~القرون } ، ويجوز أن يكون صفة لها أي الكائنة بناءا على رأي من جوز
~~حذف الموصول مع بعض صلته، واعترض بأنه يلزم منه كون التحضيض على وجود
~~أولئك فيهم وكذا يلزم كون المنفي ذلك وليس بذاك بل المدار على النهي
~~تحضيضا ونفيا، والتزام توجه الأمرين إليه لكون الصفة قيدا في الكلام؛
~~والاستعمال الشائع توجه نحو ما ذكر إلى القيد كما قيل زيادة نغمة في
~~الطنبور من غير طرب، ومثله يعد من النصب.

# { واتبع الذين ظلموا } وهم تاركو النهي عن الفساد. { مآ
~~أترفوا فيه } ما أنعموا فيه من الثروة والعيش الهنيء والشهوات
~~الدنيوية، وأصل الترف التوسع في النعمة. وعن الفراء معنى أترف عود الترفة
~~وهي النعمة، وقيل: { أترفوا } أي طغوا من أترفته النعم إذا أطغته 
~~ففي  إما سببية أو ظرفية مجازية، وتعقب بأن هذا المعنى خلاف المشهور وإن
~~صح هنا؛ ومعنى اتباع ذلك الاهتمام به وترك غيره أي اهتموا بذلك {
~~وكانوا مجرمين } أي مرتكبي جرائم غير ذلك، أو كافرين متصفين بما
~~هو أعظم الاجرام، ولكل من التفسيرين ذهب بعض، وحمل بعضهم { الذين
~~ظلموا } على ما يعم تاركي النهي عن الفساد والمباشرين له، ثم قال:
~~وأنت خبير بأنه يلزم من التحضيض بالأولين عدم دخول مباشري الفساد في
~~الظلم والإجرام عبارة، ولعل الأمر في ذلك هين فلا تغفل، والجملة عند أبي
~~حيان مستأنفة لخبار عن حال هؤلاء الذين ظلموا وبيان أنهم مع كونهم تاركي
~~النهي عن الفساد كانوا ذوي جرائم غير ذلك. وجوز بعض المحققين أن تكون
~~عطفا على مقدر دل عليه الكلام أي لم ينهوا واتبع الخ. وقيل: التقدير إلا
~~قليلا ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد واتبع الذين الخ، وأن تكون
~~استئنافا يترتب على قوله سبحانه: { إلا قليلا } أي إلا قليلا ممن
~~أنجينا منهم نهوا عن الفساد واتبع الذين ظلموا من مباشري الفساد وتاركي
~~النهي عنه، وجعل الإظهار على هذا مقتضى الظاهر، وعلى الأول لإدراج
~~المباشرين مع التاركين / في الحكم والتسجيل عليهم بالظلم ms04522 وللإشعار بعلية
~~ذلك لما حاق بهم من العذاب.

# وفي «الكشاف» ما يقضي ظاهره بأن العطف على { نهوا } الواقع خبر لكن
~~فيلزم أن يكون المعطوف خبرا أيضا مع خلوه عن الرابط، وأجيب تارة بأنه
~~في تأويل سائرهم أو مقابلوهم وأخرى بأن { نهوا } جملة مستأنفة استؤنفت
~~بعد اعتبار الخبر فعطف عليها، وفي ذلك ما فيه، وقوله تعالى: { وكانوا
~~مجرمين } عطف على { اتبع الذين } الخ مع المغايرة بينهما،
~~وجوز أن يكون العطف تفسيريا على معنى: وكانوا مجرمين بذلك الاتباع، وفيه
~~بعد، وأن يكون على { أترفوا } على معنى اتبعوا الإتراف وكونهم
~~مجرمين لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام، أو أريد بالإجرام إغفالهم للشكر،
~~وتعقبه صاحب «التقريب» بقوله: وفيه نظر لأن ما في { مآ أترفوا }
~~موصولة لا مصدرية لعود الضمير من { فيه } إليه، فكيف يقدر { كانوا }
~~مصدرا إلا أن يقال: يرجع الضمير إلى الظلم بدلالة { ظلموا } فتكون {
~~ما } مصدرية وأن تكون الجملة اعتراضا بناءا على أنه قد يكون في آخر
~~الكلام عند أهل المعاني.

# وقرأ أبو جعفر والعلاء بن سيابة وأبو عمرو وفي رواية الجعفي {
~~واتبع } بضم الهمزة المقطوعة وسكون التاء وكسر الباء على البناء
~~للمفعول من الاتباع، قيل: ولا بد حينئذ من تقدير مضاف أي اتبعوا جزاء ما
~~أترفوا و { ما } إما مصدرية أو موصولة والواو للحال، وجعلها بعضهم للعطف
~~على لم ينهوا المقدر، والمعنى على الأول إلا قليلا نجيناهم وقد هلك
~~سائرهم. وأما قوله سبحانه: { وكانوا مجرمين } فقد قالوا: إنه لا
~~يحسن جعله قيدا للإنجاء إلا من حيث أنه يجري مجرى العلة لإهلاك السائر
~~فيكون اعتراضا أو حالا من { الذين ظلموا } والحال الأول من
~~مفعول { أنجينا } المقدر وجوز أن يفسر بذلك القراءة المشهورة، وتقدم
~~الإنجاء للناهين يناسب أن يبين هلاك الذين لم ينهوا، والواو للحال أيضا
~~في القول الشائع كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاءهم
~~فهلكوا، وإذا فسرت المشهورة بذلك فقيل: فاعل { واتبع }  { مآ
~~أترفوا } أو الكلام على القلب فتدبر.

### || [11.117]

# { وما كان ربك ليهلك القرى } أي ما صح وما استقام ms04523 بل
~~استحال في الحكمة أن يهلك القرى التي أهلكها وبلغتك أنباؤها أو ما يعمها
~~وغيرها من القرى الظالم أهلها، واللام في مثل ذلك زائدة لتأكيد النفي عند
~~الكوفية، وعند البصرية متعلقة بمحذوف توجه إليه النفي. وقوله سبحانه: {
~~بظلم } أي ملتبسا به قيل: هو حال من الفاعل أي ظالما لها والتنكير
~~للتفخيم والإيذان بأن إهلاك المصلحين ظلم عظيم، والمراد تنزيه الله تعالى
~~عن ذلك على أبلغ وجه وإلا فلا ظلم منه تعالى فيما يفعله بعباده كائنا ما
~~كان لما علم من قاعدة أهل السنة، وقوله جل وعلا: { وأهلها
~~مصلحون } حال من المفعول والعامل فيه عامله، ولكن لا باعتبار تقييده
~~بالحال السابقة لدلالته على تقييد نفي الإهلاك ظلما بحال كون أهلها
~~مصلحين، وفيه من الفساد على ما قيل ما فيه بل مطلقا عن ذلك، وهذا ما
~~اختاره ابن عطية، ونقل الطبري أن المراد بالظلم الشرك والباء للسببية أي
~~لا يهلك القرى بسبب إشراك أهلها وهم مصلحون في أعمالهم يتعاطون الحق فيما
~~بينهم بل لا بد في إهلاكهم من أن يضموا إلى شركهم فسادا وتباغيا وذلك
~~لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه سبحانه، ومن ذلك قدم الفقهاء  عند تزاحم
~~الحقوق  حقوق العباد في الجملة ما لم يمنع منه مانع. قال ابن عطية: وهذا
~~ضعيف، وكأنه ذهب قائله إلى ما قيل: الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع
~~الظلم والجور، ولعل وجه ضعفه ما ذكره بعض المحققين من أن مقام النهي عن
~~المنكرات التي أقبحها الإشراك بالله تعالى لا يلائمه فإن الشرك داخل في
~~الفساد في الأرض دخولا أوليا ولذلك كان ينهي كل من الرسل عليهم السلام
~~أمته عنه / ثم عن سائر المعاصي، فالوجه كما قال: حمل الظلم على مطلق
~~الفساد الشامل لسائر القبائح والآثام وحمل الإصلاح على إصلاحه والإقلاع
~~عنه بكون البعض متصديا للنهي. والبعض الآخر متوجها إلى الاتعاظ غير مصر
~~على ما هو عليه من الشرك وغيره من أنواع الفساد انتهى، لكن أخرج الطبراني
~~وابن مردويه وأبو الشيخ والديلمي عن جرير قال: «سمعت ms04524 رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم يسئل عن تفسير هذه الآية { وما كان ربك ليهلك
~~القرى بظلم وأهلها مصلحون } فقال عليه الصلاة والسلام:

# " وأهلها ينصف بعضهم بعضا "

# وأخرجه ابن أبي حاتم والخرائطي في «مساوي الأخلاق» عن جرير موقوفا،
~~وهو ظاهر في المعنى الذي نقله الطبري، ولعله لم يثبت عن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم وإلا فالأمر مشكل، وجعل التصدي للنهي من بعض والاتعاظ من
~~بعض آخر من إنصاف البعض كما ترى فافهم.

### || [11.118]

# { ولو شآء ربك لجعل الناس أمة وحدة } مجتمعين على
~~الدين الحق بحيث لا يقع من أحد منهم كفر لكنه لم يشأ سبحانه ذلك فلم
~~يكونوا مجتمعين على الدين الحق، ونظير ذلك قوله سبحانه:

# ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها

# [السجدة: 13] وروي هذا عن ابن عباس وقتادة، وروي عن الضحاك أن المراد لو
~~شاء لجمعهم على هدى أو ضلالة { ولا يزالون مختلفين } بعضهم
~~على الحق وبعضهم على الباطل. أخرج ذلك ابن أبي جاتم عن ابن عباس، ولعل
~~المراد الاختلاف في الحق والباطل من العقائد التي هي أصول الدين بقرينة
~~المقام، وقيل: المراد ما يشمل الاختلاف في العقائد والفروع وغيرهما من
~~أمور الدين لعدم ما يدل على الخصوص في النظم فالاستثناء في قوله سبحانه:
~~{ إلا من رحم ربك }.

### || [11.119]

# { إلا من رحم ربك } متصل على الأول وهو الذي اختاره أبو
~~حيان وجماعة، وعلى الثاني منقطع حيث لم يخرج من رحمه الله تعالى من
~~المختلفين كأئمة أهل الحق فإنهم أيضا مختلفون فيما سوى أصول الدين من
~~الفروع، وإلى هذا ذهب الحوفي ومن تبعه. { ولذلك خلقهم } أي
~~الناس، والإشارة  كما روي عن الحسن وعطاء  إلى المصدر المفهوم من

# مختلفين

# [هود: 118] ونظيره.

# إذا نهى السفيه جرى إليه

# كأنه قيل: وللاختلاف خلق الناس على معنى لثمرة الاختلاف من كون فريق في
~~الجنة وفريق في السعير خلقهم، واللام لام العاقبة والصيرورة لأن حكمة
~~خلقهم ليس هذا لقوله سبحانه:

# وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

# [الذاريات: 56] ولأنه لو خلقهم له لم يعذبهم على ارتكاب ms04525 الباطل كذا قال
~~غير واحد، وروي عن الإمام مالك ما يقتضيه، وعندي أنه لا ضير في الحمل على
~~الظاهر ولا منافاة بين هذه الآية والآية التي ذكروها لما ستعلمه إن شاء
~~الله تعالى من تفسيرها في الذاريات، وما يروى فيها من الآثار وأن الخلق
~~من توابع الإرادة التابعة للعلم التابع للمعلوم في نفسه والتعذيب أو
~~الإثابة ليس إلا لأمر أفيض على المعذب والمثاب بحسب الاستعداد الأصلي،
~~وربما يرجع هذا بالآخرة إلى أن التعذيب والإثابة من توابع ذلك الاستعداد
~~الذي عليه المعذب أو المثاب في نفسه، ومن هنا قالوا: إن المعصية والطاعة
~~أمارتان على الشقاوة والسعادة لا مقتضيتان لهما، وبذلك يندفع قولهم:
~~ولأنه لو خلقهم له لم يعذبهم، ولما قررناه شواهد كثيرة من الكاتب والسنة
~~لا تخفى على المستعدين لإدراك الحقائق، وقيل: ضمير { خلقهم } لمن
~~باعتبار معناه، والإشارة للرحمة المفهومة من { رحم } ، والتذكير
~~لتأويلها بأن والفعل أو لكونها بمعنى الخير، وروي ذلك عن مجاهد وقتادة.
~~وروي عن ابن عباس أن الضمير للناس والإشارة للرحمة والاختلاف أي لاختلاف
~~الجميع ورحمة بعضهم خلقهم، وجاءت الإشارة لاثنين كما في قوله تعالى:

# عوان بين ذلك

# [البقرة: 68] واللام على هذا قيل: بمعنى / مجازي عام للمعنى الظاهر
~~والصيرورة وعلى ما قبله على معناها، وأظهر الأقوال في الإشارة والضمير ما
~~قدمناه، والقولان الآخران دونه، وأما القول بأن الاشارة لما بعد، وفي
~~الكلام تقديم وتأخير أي وتمت كلمة ربك لأملان جهنم الخ ولذلك أي لملء
~~جهنم خلقهم فبعيد جدا من تراكيب كلام العرب ومن هذا الطرز ما قيل: إن
~~(ذلك) إشارة إلى شهود ذلك اليوم المشهود وكذا ما قيل: إنه إشارة إلى قوله
~~تعالى:

# فمنهم شقي وسعيد

# [هود: 105] أو إلى الشقاوة والسعادة المفهومتين من (ذلك) أو إلى أن يكون
~~فريق في الجنة وفريق في السعير أو إلى النهي المفهوم من قوله سبحانه:

# ينهون عن الفساد في الأرض

# [هود: 116] أو إلى الجنة والنار أو إلى العبادة إلى غير ذلك من الأقوال
~~التي يتعجب منها.

# وذهب بعض المحققين في معنى الآية ms04526 إلى أن المراد من الوحدة الوحدة في
~~الدين الحق، ومن الاختلاف الاختلاف فيه على معنى المخالفة له كما في قوله
~~تعالى:

# وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما
~~جآءتهم البينت بغيا بينهم

# [البقرة: 213] والمراد  بمن رحم  الذين هداهم الله تعالى ولم يخالفوا
~~الحق، والإشارة للاختلاف بمعنى المخالفة، وضمير { خلقهم } للذين
~~بقوا بعد الثنيا وهم المختلفون المخالفون، واللام للعاقبة كأنه قيل: ولو
~~شاء ربك لجعل الناس على الحق ودين الإسلام لكنه لم يشأ فلم يجعل، ولا
~~يزالون مخالفين للحق إلا قوما هداهم سبحانه بفضله فلم يخالفوا الحق،
~~ولما ذكر من الاختلاف خلق المختلفين المخالفين ولا يخفى ما فيه من ارتكاب
~~خلاف الظاهر وإن أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد ما يقتضي بعضه.

# ومن الغريب ما روي عن الحسن أن المراد من الاختلاف الاختلاف في الأرزاق
~~والأحوال وتسخير بعضهم بعضا، وقال ابن بحر: المراد أن بعضهم يخلف بعضا
~~فيكون الآتي خلفا للماضي، ومنه ما اختلف الجديدان أي ما خلف أحدهما
~~صاحبه، وإلى هذا ذهب أبو مسلم إلا أنه قال: يخلف بعضهم بعضا في الكفر
~~تقليدا، وفي ذلك ما فيه، وأيا ما كان فالظاهر من (الناس) العموم
~~وليتأمل هذه الآية مع قوله تعالى:

# وما كان الناس إلا أمة واحدة

# [يونس: 19] وليراجع تفسير ذلك. وقال الفاضل الجلبي: ليس في هذه الآية
~~ما يدل على عموم الناس حتى تخالف { وما كان الناس } الخ، وفيه
~~نظر، والجار والمجرور أعني { ولذلك } متعلق  بخلق  بعده، والظاهر
~~أن الحصر المستفاد من التقديم إذا قلنا: إن التقديم له إضافي والمضاف هو
~~إليه مختلف حسب اختلاف الأقوال في تعيين المشار إليه، وهو على الأول
~~الاتفاق وعلى ما عداه يظهر أيضا بأدنى التفات.

# هذا واستدل بالآية على أن الأمر غير الإرادة وأنه تعالى لم يرد الإيمان
~~من كل وإن ما أراده سبحانه يجب وقوعه. وذكر بعض العارفين أن منشأ تشييب
~~سورة هود له صلى الله عليه وسلم اشتمالها على أمره عليه الصلاة والسلام
~~بالاستقامة على الدعوة مع إخباره أنه ms04527 سبحانه إنما خلق الناس للاختلاف
~~وأنه لا يشاء اجتماعهم على الدين الحق وهو كما ترى.

# { وتمت كلمت ربك } أي نفذ قضاؤه وحق أمره، وقد تفسر الكلمة
~~بالوعيد مجازا وقد يراد منها الكلام الملقى على الملائكة عليهم السلام؛
~~والأول أولى، والجملة متضمنة معنى القسم، ولذا جيء باللام في قوله
~~سبحانه: { لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين }
~~والجنة والجن بمعنى واحد؛ وفي «تفسير ابن عطية» أن الهاء في الجنة
~~للمبالغة وإن كان الجن يقع على الواحد، فالجنة جمعه انتهى، فيكون من
~~الجموع التي / يفرق بينها بين مفردها بالهاء ككمء وكمأة على ما ذكرناه في
~~«تعليقاتنا على الألفية»، وفي الآية سؤال مشهور وهو أنها تقتضي بظاهرها
~~دخول جميع الفريقين في جهنم والمعلوم من الآيات والأخبار خلافه، وأجاب عن
~~ذلك القاضي بما حاصله أن المراد  بالجنة والناس  إما عصاتهما على أن
~~التعريف للعهد والقرينة عقلية لما علم من الشرع أن العذاب مخصوص بهم وأن
~~الوعيد ليس إلا لهم، وفي معنى ذلك ما قيل: المراد  بالجنة والناس 
~~أتباع إبليس لقوله سبحانه في الأعراف و ص [58] { لأملأن جهنم
~~منك وممن تبعك منهم أجمعين } فاللازم دخول جميع
~~تابعيه في جهنم ولا محذور فيه، والقرآن يفسر بعضه بعضا، ولا حاجة إلى
~~تقدير عصاة مضافا إلى الفريقين كما قيل  فأجمعين  لاستغراق الأفراد
~~المرادة حسبما علمت، وأما ما يتبادر منهما ويراد من التأكيد بيان أن ملء
~~جهنم من الصنفين لا من أحدهما فقط وهذا لا يقتضي شمول أفراد كلا الفريقين
~~ويكون الداخلوها منهما مسكوتا عنه موكولا إلى شيء آخر، واعترض الأخير
~~بأنه مبني على وقوع { أجمعين } تأكيدا للمثنى وهو خلاف ما صرحوا
~~به، وفيه أن ذلك إذا كان لمثنى حقيقي لا إذا كان كل فرد منه جمعا فانه
~~حينئذ تأكيد للجمع في الحقيقة فلا ورود لما ذكر.

# نعم يرد على الشق الأول أن التأكيد يقتضي دخول جميع العصاة في النار
~~والمعلوم من النصوص خلافه اللهم إلا أن يقال: المراد العصاة الذين قدر
~~الله تعالى أن يدخلوها، وأجاب بعضهم بأن ذلك ms04528 لا يقتضي دخول الكل بل قدر
~~ما يملأ جهنم كما إذا قيل: ملأت الكيس من الدراهم ولا يقتضي دخول جميع
~~الدراهم في الكيس، ورده الجلال الدواني بأنه نظير أن يقال: ملأت الكيس من
~~جميع الدراهم وهو بظاهره يقتضي دخول جميع الدراهم فيه، والسؤال عليه كما
~~في الآية باق بحاله، ثم قال: والحق في الجواب أن يقال: المراد بلفظ {
~~أجمعين } تعميم الأصناف، وذلك لا يقتضي دخول جميع الأفراد كما إذا
~~قلت: ملأت الجراب من جميع أصناف الطعام لا يقتضي ذلك إلا أن يكون فيه شيء
~~من كل صنف من الأصناف لا أن يكون فيه جميع أفراد الطعام، وكقولك: امتلأ
~~المجلس من جميع أصناف الناس فإنه لا يقتضي أن يكون في المجلس جميع أفراد
~~الناس بل أن يكون فيه من كل صنف فرد وهو ظاهر، وعلى هذا يظهر فائدة لفظ {
~~أجمعين } إذ فيه رد على اليهود وغيرهم ممن زعم أنهم لا يدخلون النار
~~انتهى، وتعقبه ابن الصدر بقوله: فيه بحث لأنهم صرحوا بأن فائدة التأكيد 
~~بكل وأجمعين  دفع توهم عدم الشمول والإحاطة بجميع الأفراد، وما ذكره من
~~المثالين فإنما نشأ شمول الأصناف فيه من إضافة لفظ الجميع إلى الأصناف
~~كيف ولو قيل: ملأت الجراب من جميع الطعام بإسقاط لفظ الأصناف كان الكلام
~~فه كالكلام فيما نحن فيه، وأيضا ما ذكره من أن في ذلك ردا على اليهود
~~الخ غير صحيح لأن اليهود قالوا

# لن تمسنا النار إلآ أياما معدودة

# [البقرة:80] فكيف يزعمون أنهم لا يدخلونها أصلا فتدبر ذاك والله سبحانه
~~يتولى هداك.

# وأجاب بعضهم بمنزع صوفي وهو أن المراد من { الجنة والناس }
~~الذين بقوا في مرتبة الجنية والانسية حيث انغمسوا في ظلمات الطبيعة
~~وانتكبوا في مقر الأجرام العنصرية ولم يرفعوا إلى العالم الأعلى واطمأنوا
~~بالحياة الدنيا ورضوا بها وانسلخوا عن عالم المجردات وهم المشركون الذين
~~قيل في حقهم:

# إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد
~~الحرام

# [التوبة: 28] الخ فإنهم لا يستأهلون دار الله تعالى وقربه، ثم قال:
~~ولهذا ترى الله تعالى شأنه يذم ms04529 الإنسان ويدعو عليه في غير ما موضع.

### || [11.120]

# { وكلا } أي وكل نبأ فالتنوين للتعويض عن المضاف إليه المحذوف، ونصب
~~ كل  على أنه مفعول به لقوله سبحانه: { نقص عليك } أي نخبرك
~~به، وقوله تعالى: / { من أنبآء الرسل } صفة لذلك المحذوف لا 
~~لكلا  لأنها لا توصف في الفصيح كما في «إيضاح المفصل»، و { من }
~~تبعيضية، وقيل: بيانية، وقوله عز وجل: { ما نثبت به فؤادك }
~~قيل: عطف بيان  لكلا  بناءا على عدم اشتراط توافق البيان والمبين
~~تعريفا وتنكيرا، والمعنى هو ما نثبت الخ. وجوز إن يكون بدلا منه بدل
~~كل أو بعض، وفائدة ذلك التنبيه على أن المقصود من الاقتصاص زيادة يقينه
~~صلى الله عليه وسلم وطمأنينة قلبه وثبات نفسه على أداء الرسالة واحتمال
~~أذى الكفار، وجوز أيضا أن يكون مفعول { نقص }  { وكلا } حينئذ
~~منصوب إما على المصدرية أي كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك الذي دنثبت
~~به فؤادك من أنباء الرسل، وإما على الحالية من { ما } أو من الضمير
~~المجرور في { به } على مذهب من يرى جواز تقديم حال المجرور بالحرف
~~عليه، وهو حينئذ نكرة بمعنى جميعا أي نقص عليك من أنباء الرسل الأشياء
~~التي نثبت بها فؤادك جميعا. واستظهر أبو حيان كون { كلا } مفعولا له
~~لنقص، و { من أنبآء } في موضع الصفة له وهو مضاف في التقدير إلى
~~نكرة، و { ما } صلة كما هي في قوله تعالى:

# قليلا ما تذكرون

# [الأعراف: 3] ولا يخفى ما فيه.

# { وجآءك في هذه الحق } أي الأمر الثابت المطابق للواقع،
~~والإشارة بهذه إلى السورة كما جاء ذلك من عدة طرق عن ابن عباس وأبي موسى
~~الأشعري وقتادة وابن جبير. وقيل: الإشارة إليها مع نظائرها وليس بذاك
~~ككونها إشارة إلى دار الدنيا، وإن جاء في رواية عن الحسن، وقيل: إلى
~~الأنباء المقتصة، وهو مما لا بأس به { وموعظة وذكرى
~~للمؤمنين } عطف على { الحق } أي جاءك الجامع المتصف بكونه حقا
~~في نفسه وكونه موعظة وذكرى للمؤمنين، ولعل تحلية الوصف الأول باللام دون
~~الأخيرين لما قيل: من أن الأول ms04530 حال للشيء في نفسه والأخيران وصفان له
~~بالقياس إلى غيره. وقال الشهاب: الظاهر أن يقال إنما عرف الأول لأن
~~المراد منه ما يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم من إرشاده إلى الدعوة
~~وتسليته بما هو معروف معهود عنده، وأما الموعظة والتذكير فأمر عام لم
~~ينظر فيه لخصوصية، ففرق بين الوصفين للفرق بين الموصوفين، وفي التخصيص
~~بهذه السورة ما يشهد له لأن مبناها على إرشاده صلى الله عليه وسلم على ما
~~سمعت عن صاحب «الكشف»، وتقديم الظرف على الفاعل ليتمكن المؤخر عنه وروده
~~أفضل تمكن ولأن في المؤخر نوع طول يخل تقديمه بتجاوب النظم الكريم.

### || [11.121]

# { وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم }
~~أي جهتكم وحالكم التي أنتم عليها { أنا عملون } على جهتنا
~~وحالنا التي نحن عليها.

### || [11.122]

# { وانتظروا } بنا الدوائر { إنا منتظرون } أي ينزل بكم
~~نحو ما نزل بأمثالكم من الكفرة، وصيغة الأمر في الموضعين للتهديد
~~والوعيد، والآيتان محكمتان. وقيل: المراد الموادعة فهما منسوختان.

### || [11.123]

# { ولله غيب السموات والأرض } أي أنه سبحانه يعلم كل
~~ما غاب في السماوات والأرض ولا يعلم ذلك أحد سواه جل وعلا { وإليه }
~~لا إلى غيره عز شأنه { يرجع الامر } أي الشأن { كله } فيرجع
~~لا محالة أمرك وأمرهم إليه. وقرأ أكثر السبعة { يرجع } بالبناء
~~للفاعل من رجع رجوعا { فاعبده وتوكل عليه } فانه سبحانه
~~كافيك، والفاء لترتيب الأمر بالعبادة والتوكل على كون مرجع / الأمور كلها
~~إليه، وقيل: على ذلك، وكونه تعالى عالما بكل غيب أيضا، وفي تأخير الأمر
~~بالتوكل عن الأمر بالعبادة تنبيه على أن التوكل لا ينفع دونها وذلك لان
~~تقدمه في الذكر يشعر بتقدمه في الرتبة أو الوقوع. وقيل: التقديم والتأخير
~~لأن المراد من العبادة امتثال سائر الأوامر من الإرشاد والتبليغ وغير
~~ذلك؛ ومن التوكل التوكل فيه كأنه قيل: امتثل ما أمرت به وداوم على الدعوة
~~والتبليغ وتوكل عليه في ذلك ولا تبال بالذين لا يؤمنون ولا يضق صدرك
~~منهم.

# { وما ربك بغفل عما تعملون } بتاء الخطاب على تغليب
~~المخاطب، وبذلك قرأ نافع وأبو عامر ms04531 وحفص وقتادة والأعرج وشيبة وأبو جعفر
~~والجحدري أي وما ربك بغافل عما تعمل أنت وما يعملون هم فيجازي كلا منك
~~ومنهم بموجب الاستحقاق، وقرأ الباقون من السبعة بالياء على الغيبة وذلك
~~ظاهر، هذا وفي «زوائد الزهد» لعبد الله بن أحمد بن حنبل و«فضائل القرآن»
~~لابن الضريس عن كعب أن فاتحة التوراة فاتحة الأنعام وخاتمتها خاتمة هود {
~~ولله غيب السموات والأرض } إلى آخر السورة، والله
~~تعالى أعلم.

# ومن باب الإشارة في الآيات: { يوم يأت لا تكلم نفس
~~إلا بإذنه فمنهم شقي } كامل الشقاوة { و } منهم

# سعيد

# [هود: 105] كامل السعادة

# فأما الذين شقوا ففي النار

# [هود: 106] أي نار الحرمان عن المراد وآلام ما اكتسبوه من الآثام وهو
~~عذاب النفس { خلدين فيها ما دامت السموات والأرض
~~إلا ما شآء ربك } فيخرجون من ذلك إلى ما هو أشد منه من نيران
~~القلب وذلك بالسخط والاذلال ونيران الروح وذلك بالحجب واللعن والقهر

# إن ربك فعال لما يريد

# [هود: 107] لا حجر عليه سبحانه { وأما الذين سعدوا ففي
~~الجنة } أي جنة حصول المرادات واللذات وهي جنة النفس

# خلدين فيها دامت السموت والأرض إلا ما شآء
~~ربك

# [هود: 108] فيخرجون من ذلك إلى ما هو أعلى وأعلى من جنات القلب في مقام
~~تجليات الصفات وجنات الروح في مقام الشهود وهناك ما لا عين رأت ولا أذن
~~سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقد يحمل التنوين على النوعية ويؤول الاستثناء
~~بخروج الشقي من النار بالترقي من مقامه إلى الجنة بزكاء نفسه عما حال
~~بينه وبينها { فاستقم كما أمرت }  أي في القيام بحقوق الحق
~~والخلق وذلك بالمحافظة على حقوقه تعالى والتعظيم لأمره والتسديد لخلقه مع
~~شهود الكثرة في الوحدة والوحدة في الكثرة من غير إخلال ما بشرط من شرائط
~~التعظيم { ومن تاب } عن إنيته وذنب وجوده { معك } من المؤمنين
~~الموحدين إلى مقام البقاء بعد الفناء، وقيل: إن الاستقامة المأمور بها
~~صلى الله عليه وسلم فوق الاستقامة المأمور بها من معه عليه الصلاة
~~والسلام والعطف لا يقتضي أكثر من المشاركة في مطلق ms04532 الفعل كما يرشد إليه
~~قوله تعالى مطلق الفعل كما يرشد إليه قوله تعالى:

# شهد الله أنه لآ إله إلا هو والملئكة
~~وأولوا العلم

# [آل عمران: 18] على قول، ومن هنا قال الجنيد قدس سره: الاستقامة مع
~~الخوف والرجاء حال العابدين والاستقامة مع الهيبة والرجاء حال المقربين
~~والاستقامة مع الغيبة عن رؤية الاستقامة حال العارفين

# ولا تطغوا

# [هود: 112] ولا تخرجوا عما حد لكم من الشريعة فإن الخروج عنها زندقة {
~~ولا تركنوا } أي لا تميلوا أدنى ميل { إلى الذين ظلموا
~~} وهي النفوس المظلمة المائلة إلى الشرور في أصل الخلقة كما قيل:

# الظلم من شيم النفوس فإن تجد

# ذا عفة فلعلة لم يظلم

# وروي ذلك عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر رضي الله تعالى عنهم،
~~وقيل: المعنى لا تقتدوا بالمرائين والجاهلين وقرناء السوء، وقيل: لا
~~تصحبوا الأشرار ولا تجالسوا أهل البدع { وأقم الصلوة طرفي
~~النهار وزلفا من اليل } أمر بإقامة الصلاة المفروضة على
~~ما علمت، وقد ذكروا أن الصلاة معراج المؤمن، وفي الأخبار / ما يدل على
~~علو شأنها والأمر غني عن البيان

# إن الحسنت يذهبن السيئت

# [هود: 114] قال الواسطي: أنوار الطاعات تذهب بظلم المعاصي. وقال يحيى
~~بن معاذ: إن الله سبحانه لم يرض للمؤمن بالذنب حتى ستر ولم يرض بالستر
~~حتى غفر ولم يرض بالغفران حتى بدل فقال سبحانه: { إن الحسنت
~~يذهبن السيئت } [هود: 114] وقال تعالى:

# فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنت

# [الفرقان: 70] ذلك الذي ذكر من إقامة الصلاة في الأوقات المشار إليها
~~وإذهاب الحسنات السيآت ذكرى للذاكرين تذكير لمن يذكر حاله عند الحضور مع
~~الله تعالى في الصفاء والجمعية والأنس والذوق { واصبر } بالله سبحانه
~~في الاستقامة ومع الله تعالى بالحضور في الصلاة وعدم الركون إلى الغير

# فإن الله لا يضيع أجر المحسنين

# [هود: 115] الذين يشاهدونه في حال القيام بالحقوق

# فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية
~~ينهون عن الفساد في الأرض

# [هود: 116] فيه حض على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

# وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها
~~مصلحون

# [هود: 117] قيل: ms04533 القرى فيه إشارة إلى القلوب { وأهلها } إشارة إلى
~~القوى { ولو شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة }
~~متساوية في الاستعداد متفقة على دين التوحيد

# ولا يزالون مختلفين

# [هود: 118] في الوجهة والاستعداد { إلا من رحم ربك }
~~بهدايته إلى التوحيد وتوفيقه للكمال فإنهم متفقون في المذهب والمقصد
~~متوافقون في السيرة والطريقة قبلتهم الحق ودينهم التوحيد والمحبة وإن
~~اختلفت عباراتهم كما قيل:

# عباراتنا شتى وحسنك واحد

# وكل إلى ذاك الجمال يشير

# { ولذلك } الاختلاف { خلقهم } وذلك ليكونوا مظاهر جماله
~~وجلاله ولطفه وقهره، وقيل: ليتم نظام العالم ويحصل قوام الحياة الدنيا {
~~وتمت كلمة ربك } أي أحكمت وأبرمت

# لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين

# [هود: 119] لأن جهنم رتبة من مراتب الوجود لا يجوز في الحكمة تعطيلها
~~وإبقاؤها في كتم العدم مع إمكانها { وكلا نقص عليك من
~~أنبآء الرسل ما نثبت به فؤادك } لما اشتملت عليه من
~~مقاساتهم الشدائد من أممهم مع ثباتهم وصبرهم وإهلاك أعدائهم { وجآءك
~~في هذه } السورة { الحق } الذي لا ينبغي المحيد عنه

# وموعظة وذكرى للمؤمنين

# [هود: 120] وتخصيص هذه السورة بالذكر لما أشرنا إليه، وقيل: للتشريف،
~~وإلا فالقرآن كله كذلك، والكل يغرف من بحره على ما يوافق مشربه، ومن هنا
~~قيل: العموم متعلقون بظاهره والخصوص هائمون بباطنه وخصوص الخصوص مستغرقون
~~في تجلي الحق سبحانه فيه { ولله غيب السموات } على اختلاف
~~معانيها { والأرض } كذلك { وإليه يرجع الامر كله } أي
~~كل شأن من الشؤون فإن الكل منه { فاعبده } أسقط عنك حظوظ نفسك وقف
~~مع الأمر بشرط الأدب { وتوكل عليه } لا تهتم بما قد كفيته
~~واهتم بما ندبت إليه

# وما ربك بغفل عما تعملون

# [هود: 123] فيجازي كلا حسبما تقتضيه الحكمة والله تعالى ولي التوفيق
~~وبيده أزمة التحقيق لا رب غيره ولا يرجى إلا خيره.

# انتهى ما وفقنا له من تفسير سورة هود بمن من بيده الكرم والجود، ونسأله
~~سبحانه أن ييسر لنا إتمام ما قصدناه، ويوفقنا لفهم معاني كلامه على ما
~~يحبه ويرضاه، والحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على من لا نبي من
~~بعده، وعلى آله وصحبه ms04534 وجنده وحزبه، ما غردت الأقلام في رياض التحرير،
~~ووردت الأفهام من حياض التفسير.

### | [12 - سورة يوسف]

### || [12.1]

# { بسم الله الرحمن الرحيم }  { الر } الكلام فيه وفي
~~نظائره شهير وقد تقدم لك منه ما فيه إقناع. والإشارة في قوله سبحانه: {
~~تلك آيات الكتاب } إليه في قول، وإلى آيات هذه السورة في آخر،
~~وأشير إليها مع أنها لم تذكر بعد لتنزيلها لكونها مترقبة منزلة المتقدم
~~أو لجعل حضورها في الذهن بمنزلة الوجود الخارجي والإشارة بما يشار به
~~للبعيد. أما على الثاني فلأن ما أشير إليه لما لم يكن محسوسا نزل منزلة
~~البعيد لبعده عن حيز الإشارة أو العظمة وبعد مرتبته وعلى غيره لذلك، أو
~~لأنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه صار كالمتباعد. وزعم بعضهم أن
~~الإشارة إلى ما في اللوح وهو بعيد، وأبعد من ذلك كون الإشارة إلى التوراة
~~والإنجيل أو الآيات التي ذكرت في سورة هود. والمراد بالكتاب إما هذه
~~السورة أو القرآن، وقد تقدم لك في يونس ما يؤنسك تذكره هنا فتذكر.

# { المبين } من أبان بمعنى بان أي ظهر فهو لازم أي الظاهر أمره في
~~كونه من / عند الله تعالى وفي إعجازه أو الواضح معانيه للعرب بحيث لا
~~تشتبه عليهم حقائقه ولا تلتبس عليهم دقائقه وكأنه على المعنيين حذف
~~المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع واستتر ولا يعد هذا من حذف الفاعل
~~المحظور فلا حاجة إلى القول بأن الإسناد مجازي فرارا منه. أو بمعنى بين
~~بمعنى أظهر فهو متعد والمفعول مقدر أي المظهر ما فيه هدى ورشد أو ما سألت
~~عنه اليهود أو ما أمرت أن تسئل عنه من السبب الذي أحل بني إسرائيل بمصر
~~أو الأحكام والشرائع وخفايا الملك والملكوت وأسرار النشأتين وغير ذلك من
~~الحكم والمعارف والقصص. وعن ابن عباس ومجاهد الاقتصار على الحلال والحرام
~~وما يحتاج إليه في أمر الدين، وأخرج ابن جرير عن خالد بن معدان عن معاذ
~~رضي الله تعالى عنه أنه قال في ذلك: بين الله تعالى فيه الحروف التي سقطت
~~عن ألسن ms04535 الأعاجم، وهي ستة أحرف: الطاء والظاء والصاد والضاد والعين
~~والحاء المهملتان، والمذكور في «الفرهنك» وغيره من الكتب المؤلفة في
~~اللغة الفارسية أن الأحرف الساقطة ثمانية، ونظم ذلك بعضهم فقال:

# هشت حرفست أنكه أندر فارسي نايدهمي

# تاينا موزى بناشى أندرين معنى معاف

# بشنوا كنون تاكدام أست أن حروف ويا دكير

# ثا وحا وصاد ضاد وطا وظا وعين وقاف

# ومع هذا فالأمر مبني على الشائع الغالب وإلا فبعض هذه الأحرف موجود في
~~بعض كلماتهم كما لا يخفى على المتتبع، ولعل الوصف على الأقوال الأول أمدح
~~منه على القول الأخير، والظاهر أن ذلك وصف له باعتبار الشرف الذاتي.

### || [12.2]

# { إنآ أنزلنه قرآنا عربيا } وصف له باعتبار الشرف
~~الإضافي. وضمير الغائب للكتاب السابق ذكره فإن كان المراد به القرآن كله
~~كما هو الظاهر المناسب للحال فذاك وإن كان المراد به هذه السورة فتسميته
~~قرآنا لأنه اسم جنس يقع على الكثير والقليل فكما يطلق على الكل يطلق على
~~البعض، نعم إنه غلب على الكل عند الإطلاق معرفا لتبادره. وهل وصل
~~بالغلبة إلى حد العلمية أولا؟ فيه خلاف، وإلى الأول ذهب البيضاوي قدس سره
~~فتلزمه الألف واللام ومع ذلك لم يهجر المعنى الأول، ووقع في كتب الأصول
~~أنه وضع تارة للكل خاصة وأخرى لما يعمه، والبعض أعني الكلام المنقول في
~~المصحف تواترا، ونظر فيه بأن الغلبة ليس لها وضع ثان وإنما هي تخصيص
~~لبعض أفراد الموضوع له، ولذا لزمت العلم بها اللام أو الإضافة إلا أن
~~يدعى أن فيها وضعا تقديريا كذا قيل؛ وممن صرح  بأن التعيين بالغلبة
~~قسيم للتعيين بالوضع  العلامة الزرقاني وغيره لكن تعقبه الحمصي فقال: إن
~~دلالة الأعلام بالغلبة على تعيين مسماها بالوضع وإن كان غير الوضع الأول
~~فليتأمل.

# وعن الزجاج وابن الأنباري أن الضمير لنبأ يوسف وإن لم يذكر في النظم
~~الكريم، وقيل: هو للإنزال المفهوم من الفعل، ونصبه على أنه مفعول مطلق، و
~~{ قرآنا } هو المفعول به، والقولان ضعيفان كما لا يخفى، ونصب {
~~قرآنا } على أنه حال وهو بقطع النظر عما ms04536 بعده وعن تأويله بالمشتق حال
~~موطئة للحال التي هي { عربيا } وإن أول بالمشتق أي مقروءا فحال فير
~~موطئة؛ و { عربيا } إما صفته على رأي من يجوز وصف الصفة، وإما حال
~~من الضمير المستتر فيه على رأي من يقول بتحمل المصدر الضمير إذا كان
~~مؤولا باسم المفعول مثلا، وقيل: { قرآنا } بدل من الضمير، و {
~~عربيا } صفته، وظاهر صنيع أبي حيان يقتضي اختياره.

# ومعنى كونه / { عربيا } أنه منسوب إلى العرب باعتبار أنه نزل
~~بلغتهم وهي لغة قديمة. أخرج ابن عساكر في «التاريخ» عن ابن عباس أن آدم
~~عليه السلام كان لغته في الجنة العربية فلما أكل من الشجرة سلبها فتكلم
~~بالسريانية فلما تاب ردها الله تعالى عليه، وقال عبد الملك بن حبيب: كان
~~اللسان الأول الذي هبط به آدم عليه السلام من الجنة عربيا إلى أن بعد
~~وطال العهد حرف وصار سريانيا وهو منسوب إلى أرض سورية وهي أرض الجزيرة
~~وبها كان نوح عليه السلام وقومه قبل الغرق، وكان يشاكل اللسان العربي
~~إلا أنه محرف وكان أيضا لسان جميع من في السفينة إلا رجلا واحدا يقال
~~له: جرهم فإنه كان لسانه العربي الأول فلما خرجوا من السفينة تزوج إرم
~~بن سام بعض بناته وصار اللسان العربي في ولده عوص أبي عاد وعبيل وجاثر
~~أبي ثمود وجديس، وسميت عاد باسم جرهم لأنه كان جدهم من الأم وبقي
~~اللسان السرياني في ولد أرفخشد بن سام إلى أن وصل إلى قحطان من ذريته
~~وكان باليمن فنزل هناك بنوا إسماعيل عليه السلام فتعلم منهم بنو قحطان
~~اللسان العربي.

# وقال ابن دحية: العرب أقسام: الأول عاربة وعرباء وهم الخلص وهم تسع
~~قبائل من ولد إرم بن سام بن نوح، وهي عاد، وثمود وأميم وعبيل وطسم وجديس
~~وعمليق وجرهم ووبار، ومنهم تعلم إسماعيل عليه السلام العربية، والثاني
~~المتعربة قال في «الصحاح»: وهم الذين ليسوا بخلص وهم بنو قحطان، والثالث
~~المستعربة وهم الذين ليسوا بخلص أيضا وهم بنو إسماعيل وهم ولد معد بن
~~عدنان بن أدد اه.

# وقال ابن ms04537 دريد في «الجمهرة» العرب العاربة سبع قبائل: عاد وثمود وعمليق
~~وطسم وجديس وأميم وجاسم وقد انقرض أكثرهم إلا بقايا متفرقين في القبائل،
~~وأول من انعدل لسانه عن السريانية إلى العربية يعرب بن قحطان وهو مراد
~~الجوهري بقوله: إنه أول من تكلم بالعربية، واستدل بعضهم على أنه أول من
~~تكلم بها بما أخرجه ابن عساكر في «التاريخ» بسند رواه عن أنس بن مالك
~~موقوفا ولا أراه يصح ذكر فيه تبلبل الألسنة ببابل وأنه أول من تكلم
~~بالعربية.

# وأخرج الحاكم في «المستدرك» وصححه والبيهقي في «شعب الإيمان» من طريق
~~سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر رضي الله تعالى عنهم أن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية { إنآ أنزلناه
~~قرآنا عربيا } الخ ثم قال:

# " ألهم إسمعيل عليه السلام هذا اللسان العربي إلهاما "

# وقال الشيرازي في كتاب «الألقاب»: أخبرنا أحمد بن إسمعيل المداني
~~أخبرنا محمد بن أحمد بن إسحاق الماشي حدثنا محمد بن جابر حدثنا أبو يوسف
~~بن السكيت قال: حدثني الأثرم عن أبي عبيدة حدثنا مسمع بن عبد الملك عن
~~محمد بن علي بن الحسين عن آبائه رضي الله تعالى عنهم أجمعين عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم قال:

# " أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسمعيل عليه السلام وهو ابن أربع
~~عشرة سنة "

# وروي أيضا عن ابن عباس أن إسمعيل عليه السلام أول من تكلم بالعربية
~~المحضة، وأريد بذلك  على ما قاله بعض الحفاظ  عربية قريش التي نزل بها
~~القرآن وإلا فاللغة العربية مطلقا كانت قبل إسمعيل عليه السلام وكانت
~~لغة حمير وقحطان، وقال محمد بن سلام: أخبرني يونس عن أبي عمرو بن العلاء
~~قال: العرب كلها ولد إسماعيل إلا حميرا وبقايا جرهم وقد جاورهم وأصهر
~~إليهم، وذكر ابن كثير أن من العرب من ليس من ذريته كعاد وثمود وطسم وجديس
~~وأميم وجرهم والعماليق وأمم غيرهم لا يعلمهم / إلا الله سبحانه كانوا قبل
~~الخليل عليه السلام وفي زمانه وكان عرب الحجاز من ذريته وأما عرب اليمن ms04538 
~~وهم حمير  فالمشهور كما قال ابن ماكولا: إنهم من قحطان واسمه مهزم وهو
~~ابن هود، وقيل: أخوه، وقيل: من ذريته، وقيل: قحطان هو هود، وحكى ابن
~~إسحاق وغيره أنه من ذرية إسماعيل، والجمهور على أن العرب القحطانية من
~~عرب اليمن وغيرهم ليسوا من ذريته عليه السلام وأن اللغة العربية مطلقا
~~كانت قبله وهى إحدى اللغات التي علمها آدم عليه السلام وكان يتكلم بها
~~وبغيرها أيضا وكثر تكلمه فيما قيل: بالسريانية، وادعى بعضهم أنها أول
~~اللغات وأن كل لغة سواها حدثت بعدها إما توقيفا أو اصطلاحا، واستدلوا
~~على أسبقيتها وجودا بأن القرآن كلام الله تعالى وهو عربي وفيه ما فيه.

# وهي أفضل اللغات حتى حكى شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام أبي يوسف
~~عليه الرحمة كراهة التكلم بغيرها لمن يحسنها من غير حاجة، وبعدها في
~~الفضل على ما قيل: الفارسية الدرية حتى روي عن الإمام أبي حنيفة رضي
~~الله تعالى عنه جواز قراءة القرآن بها سواء في ذلك ما كان ثناءا
~~كالإخلاص وغيره وسواء كانت عن عجز عن العربية أم لا. وروي عن صاحبيه جواز
~~القراءة في الصلاة بغير العربية لمن لا يحسنها، وفي «النهاية» و«الدارية»
~~أن أهل فارس كتبوا إلى سلمان الفارسي أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية فكتب
~~فكانوا يقرأون ما كتب في الصلاة حتى لانت ألسنتهم. وقد عرض ذلك على
~~النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينكر عليه، نعم الصحيح أن الإمام رجع عن
~~ذلك، وفي «النفحة القدسية في أحكام قراءة القرآن وكتابته بالفارسية»
~~للشرنبلالي ما ملخصه: حرمة كتابة القرآن بالفارسية إلا أن يكتبه بالعربية
~~ويكتب تفسير كل حرف وترجمته وحرمة مسه لغير الطاهر اتفاقا كقراءته وعدم
~~صحة الصلاة بافتتاحها بالفارسية وعدم صحتها بالقراءة بها إذا كانت ثناء
~~واقتصاره عليها مع القدرة على العربية وعدم الفساد بما هو ذكر وفسادها
~~بما ليس ذكرا بمجرد قراءته ولا يخرج عن كونه أميا وهو يعلم الفارسية
~~فقط وتصح الصلاة بدون قراءة للعجز عن العربية على الصحيح عند الإمام
~~وصاحبيه، وأطال الكلام في ذلك. ms04539 وفي «معراج الدراية» من تعمد قراءة القرآن
~~أو كتابته بالفارسية فهو مجنون أو زنديق والمجنون يداوى والزنديق يقتل،
~~وروي ذلك عن أبي بكر محمد بن الفضل البخاري ومع هذا لا ينكر فضل
~~الفارسية، ففي الحديث

# " لسان أهل الجنة العربي والفارسي الدري "

# وقد اشتهر ذلك لكن ذكر الذهبي في «تاريخه» عن سفيان أنه قال: بلغنا أن
~~الناس يتكلمون يوم القيامة بالسريانية فإذا دخلوا الجنة تكلموا بالعربية.

# وأخرج الطبراني والحاكم والبيهقي وآخرون عن ابن عباس قال: قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " أحبوا العرب لثلاث لأني عربي والقرآن عربي وكلام أهل الجنة عربي ".

# وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة ما يعضده، ولا يخفى على
~~الخبير بمزايا الكلام أن في الكلام العربي من لطائف المعاني ودقائق
~~الأسرار ما لا يستقل بأدائه لسان ويليه في ذلك الكلام الفارسي فإن كان
~~هذا مدار الفضل فلا ينبغي أن يتنازع اثنان في أفضلية العربي ثم الفارسي
~~مما وصل إلينا من اللغات وإن كان شيئا آخر فالظاهر وجوده في العربي
~~الذي اختار سبحانه إنزال القرآن به لا غير، وقد قسم لنبينا / صلى الله
~~عليه وسلم من هذا اللسان ما لم يقسم لأحد من فصحاء العرب، فقد أخرج ابن
~~عساكر في «تاريخه»

# " عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: «يا رسول الله مالك
~~أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ قال: كانت لغة إسماعيل قد درست فجاء بها
~~جبريل عليه السلام فحفظنيها فحفظته. ا "

# وأخرج البيهقي من طريق يونس عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي عن أبيه
~~من حديث فيه طول قال رجل:

# " يا رسول الله ما أفصحك ما رأينا الذي هو أعرب منك؟ قال: حق لي فإنما
~~أنزل القرآن علي بلسان عربي مبين "

# ، هذا وجوز أن يكون العربي منسوبا إلى عربة وهي ناحية دار إسماعيل
~~عليه السلام قال الشاعر:

# (وعربة) أرض ما يحا حرامها

# من الناس إلا اللوذعي الحلاحل

# والمراد لغة أهل هذه الناحية.

# واستدل جماعة منهم الشافعي رضي الله تعالى عنه ms04540 وابن جرير وأبو عبيدة
~~والقاضي أبو بكر بوصف القرآن بكونه عربيا على أنه لا معرب فيه، وشدد
~~الشافعي النكير على من زعم وقوع ذلك فيه، وكذا أبو عبيدة فإنه قال: من
~~زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول. ووجه ابن جرير ما ورد عن ابن
~~عباس وغيره في تفسير ألفاظ منه أنها بالفارسية أو الحبشية أو النبطية كذا
~~بأن ذلك مما اتفق فيه توارد اللغات، وقال غيره: بل كان للعرب التي نزل
~~القرآن بلغتهم بعض مخالطة لأهل سائر الألسنة في أسفار لهم فعلقت من
~~لغاتهم ألفاظ غيرت بعضها بالنقص من حروفها واستعملتها في أشعارها
~~ومحاورتها حتى جرت مجرى العربي الفصيح ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد
~~نزل بها القرآن. وقال آخرون: كل تلك الألفاظ عربية صرفة ولكن لغة العرب
~~متسعة جدا ولا يبعد أن تخفى على الأكابر الأجلة، وقد خفي على ابن عباس
~~معنى فاطر وفاتح، ومن هنا قال الشافعي في الرسالة (ص 42): لا يحيط باللغة
~~إلا نبي.

# وذهب جمع إلى وقوع غير العربي فيه، وأجابوا عن الآية بأن الكلمات
~~اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن العربية، فالقصيدة الفارسية لا تخرج عن
~~كونها فارسية بلفظة عربية.

# وقال غير واحد: المراد أنه عربي الأسلوب، واستدلوا باتفاق النحاة على
~~أن منع صرف نحو إبراهيم للعلمية والعجمة، ورد بأن الأعلام ليست محل خلاف
~~وإنما الخلاف في غيرها، وأجيب بأنه إذا اتفق على وقوع الأعلام فلا مانع
~~من وقوع الأجناس ونظر فيه، واختار الجلال السيوطي القول بالوقوع، واستدل
~~عليه بما صح عن أبي ميسرة التابعي الجليل أنه قال: في القرآن من كل
~~لسان، وروي مثله عن سعيد بن جبير ووهب بن منبه. وذكر أن حكمة وقوع تلك
~~الألفاظ فيه أنه حوى علوم الأولين والآخرين ونبأ كل شيء فلا بد أن تقع
~~فيه الإشارة إلى أنواع اللغات لتتم إحاطته بكل شيء فاختير له من كل لغة
~~أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالا للعرب وأيضا لما كان النبي صلى الله
~~عليه وسلم مرسلا إلى كل أمة ناسب ms04541 أن يكون في كتابه المبعوث به من لسان
~~كل قوم شيء، وقد أشار إلى الوجه الأول ابن النقيب. وقال أبو عبد الله
~~القاسم بن سلام بعد أن حكى القول بالوقوع عن الفقهاء والمنع عن أهل
~~العربية الصواب تصديق القولين جميعا وذلك أن هذه الأحرف أصولها عجمية
~~كما قال الفقهاء لكنها وقعت للعرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ
~~العجم إلى ألفاظها فصارت عربية ثم نزل القرآن، وقد اختلطت هذه الأحرف
~~بكلام العرب فمن قال: إنها عربية فهو صادق، ومن قال: إنها عجمية فهو
~~صادق، ومال إلى هذا القول الجواليقي وابن الجزري وآخرون، وسيأتي إن شاء
~~الله تعالى في سورة إبراهيم عليه السلام [الآية: 4] ما يتعلق بهذا المبحث
~~أيضا فليتفطن وليتأمل.

# / واحتج الجبائي بالآية على كون القرآن مخلوقا من أربعة أوجه: الأول
~~وصفه بالإنزال، والقديم لا يجوز عليه ذلك، الثاني وصفه بكونه عربيا،
~~والقديم لا يكون عربيا ولا فارسيا، الثالث أن قوله تعالى: { إنآ
~~أنزلناه قرآنا عربيا } يدل على أنه سبحانه قادر على إنزاله
~~غير عربي وهو ظاهر الدلالة على حدوثه. الرابع أن قوله عز شأنه:

# تلك آيت الكتب

# [يوسف: 1] يدل على تركبه من الآيات والكلمات وكل ما كان مركبا كان
~~محدثا ضرورة أن الجزء الثاني غير موجود حال وجود الجزء الأول. وأجاب
~~الأشاعرة عن ذلك كله بأن قصارى ما يلزم منه أن المركب من الحروف والكلمات
~~محدث وذلك مما لا نزاع لنا فيه، والذي ندعي قدمه شيء آخر نسميه الكلام
~~النفسي وهو مما لا يتصف بالإنزال ولا بكونه عربيا ولا غيره ولا بكونه
~~مركبا من الحروف ولا غيرها، وقد تقدم لك في المقدمات ما ينفعك هنا فلا
~~تغفل.

# { لعلكم تعقلون } أي لكي تفهموا معانيه وتحيطوا بما فيه من
~~البدائع أو تستعملوا فيه عقولكم فتعلموا أنه خارج عن طوق البشر مشتمل على
~~ما يشهد له أنه منزل من عند خلاق القوى والقدر، وهذا بيان لحكمة إنزاله
~~بتلك الصفة، وصرح غير واحد أن لعل مستعملة بمعنى لام التعليل على طريق
~~الاستعارة التبعية، ومرادة ms04542 من ذلك ظاهر، وجعلها للرجاء من جانب المخاطبين
~~وإن كان جائزا لا يناسب المقام.

# وزعم الجبائي أن المعنى أنزله لتعقلوا معانيه في أمر الدين فتعرفوا
~~الأدلة الدالة على توحيده وما كلفكم به. وفيه دليل على أنه تعالى أراد من
~~الكل الإيمان والعمل الصالح من حصل منه ذلك ومن لم يحصل، وفيه أنه بمعزل
~~عن الاستدلال به على ما ذكر كما لا يخفى.

### || [12.3]

# { نحن نقص عليك } أي نخبرك ونحدثك من قص أثره إذا اتبعه كأن
~~المحدث يتبع ما حدث به وذكره شيئا فشيئا ومثل ذلك تلى { أحسن
~~القصص } أي أحسن الاقتصاص فنصبه على المصدرية إما لاضافته إلى المصدر
~~أو لكونه في الأصل صفة مصدر أي قصصا أحسن القصص، وفيه مع بيان الواقع
~~إيهام لما في اقتصاص أهل الكتاب من القبح والخلل، والمفعول به محذوف أي
~~مضمون هذا القرآن، والمراد به هذه السورة، وكذا في قوله عز وجل: { بمآ
~~أوحينا } أي بسبب إيحائنا. { إليك هذا القرآن } والتعرض
~~لعنوان قرآنيتها لتحقيق أن الاقتصاص ليس بطريق الإلهام أو الوحي غير
~~المتلو، ولعل كلمة { هذا } للإيماء إلى تعظيم المشار إليه. وقيل:
~~فيها إيماء إلى مغايرة هذا القرآن لما في قوله تعالى:

# قرآنا عربيا

# [يوسف: 2] بأن يكون المراد بذلك المجموع وفيه تأمل، وأحسنيته لأنه قد قص
~~على أبدع الطرائق الرائعة الرائقة، وأعجب الأساليب الفائقة اللائقة كما
~~لا يكاد يخفى على من طالع القصة من كتب الأولين وإن كان لا يميز الغث من
~~السمين ولا يفرق بين الشمال واليمين، وجوز أن يكون هذا المذكور مفعول {
~~نقص }.

# وصرح غير واحد أن الآية من باب تنازع الفعلين، والمذهب البصري أولى هنا
~~أما لفظا فظاهر وأما معنى فلأن القرآن كما سمعت السورة وإيقاع الإيحاء
~~عليها أظهر من أيقاع { نقص } باعتبار اشتمالها على القصة وما هو أظهر
~~أولى بإعمال صريح الفعل فيه، وفيه من تفخيم القرآن وإحضار ما فيه من
~~الإعجاز وحسن البيان ما ليس في إعمال { نقص } صريحا، وجوز تنزيل أحد
~~الفعلين منزلة اللازم، ويجوز أن يكون { أحسن } مفعولا ms04543 به لنقص، والقصص:
~~إما فعل بمعنى مفعول كالنبأ والخبر أو مصدر سمي به المفعول كالخلق والصيد
~~أي نقص / عليك أحسن ما يقص من الأنباء وهو قصة آل يعقوب عليه السلام،
~~ووجه أحسنيتها اشتمالها على حاسد ومحسود ومالك ومملوك وشاهد ومشهود وعاشق
~~ومعشوق وحبس وإطلاق وخصب وجدب وذنب وعفو وفراق ووصال وسقم وصحة وحل
~~وارتحال وذل وعز، وقد أفادت أنه لا دافع لقضاء الله تعالى ولا مانع من
~~قدره وأنه سبحانه إذا قضى لإنسان بخير ومكرمة فلو أن أهل العالم اجتمعوا
~~على دفع ذلك لم يقدروا وأن الحسد سبب الخذلان والنقصان وأن الصبر مفتاح
~~الفرج وأن التدبير من العقل وبه يصلح أمر المعاش إلى غير ذلك مما يعجز عن
~~بيانه بنان التحرير.

# وقيل: إنما كانت { أحسن } لأن غالب من ذكر فيها كان مآله إلى السعادة،
~~وقيل: المقصوص أخبار الإمام السالفة والقرون الماضية لا قصة آل يعقوب
~~فقط، والمراد بهذا القرآن ما اشتمل على ذلك، و { أحسن } ليس أفعل
~~تفضيل بل هو بمعنى حسن كأنه قيل: حسن القصص من باب إضافة الصفة إلى
~~الموصوف أي القصص الحسن، والقول عليه عند الجمهور ما ذكرنا، قيل: ولكونها
~~بتلك المثابة من الحسن تتوفر الدواعي إلى نقلها ولذا لم تتكرر كغيرها من
~~القصص، وقيل: سبب ذلك من افتتان امرأة ونسوة بأبدع الناس جمالا، ويناسب
~~ذلك عدم التكرار لما فيه من الأعضاء والستر، وقد صحح الحاكم في «مستدركه»
~~حديث النهي عن تعليم النساء سورة يوسف، وقال الإستاذ أبو إسحاق: إنما كرر
~~الله تعالى قصص الأنبياء وساق هذه القصة مساقا واحدا إشارة إلى عجز
~~العرب كأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: إن كان من تلقاء نفسي
~~فافعلوا في قصة يوسف ما فعلت في سائر القصص وهو وجه حسن إلا أنه يبقى
~~عليه أن تخصيص سورة يوسف لذلك يحتاج إلى بيان فإن سوق قصة آدم عليه
~~السلام مثلا مساقا واحدا يتضمن الإشارة إلى ذلك أيضا بعين ما ذكر.

# وقال الجلال السيوطي: ظهر لي وجه في سوقها كذلك ms04544 وهو أنها نزلت بسبب طلب
~~الصحابة أن يقص عليهم فنزلت مبسوطة تامة ليحصل لهم مقصود القصص من
~~الاستيعاب وترويح النفس بالإحاطة ولا يخفى ما فيه، وكأنه لذلك قال: وأقوى
~~ما يجاب به أن قصص الأنبياء إنما كررت لأن المقصود بها إفادة إهلاك من
~~كذبوا رسلهم والحاجة داعية إلى ذلك كتكرير تكذيب الكفار للرسول صلى الله
~~عليه وسلم فكلما كذبوا أنزلت قصة منذرية بحلول العذاب كما حل بالمكذبين،
~~ولهذا قال سبحانه في آيات:

# فقد مضت سنت الأولين

# [الأنفال: 38]

# ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن

# [الأنعام: 6] وقصة يوسف لم يقصد منها ذلك، وبهذا أيضا يحصل الجواب عن
~~عدم تكرير قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين وقصة موسى مع الخضر وقصة
~~الذبيح، ثم قال: فإن قلت: قد تكررت قصة ولادة يحيى وولادة عيسى عليهما
~~السلام مرتين وليست من قبيل ما ذكرت { قلت } الأولى في سورة

# كهيعص

# [مريم: 1] وهي مكية أنزلت خطابا لأهل مكة، والثانية في سورة آل عمران
~~وهي مدنية أنزلت خطابا لليهود ولنصارى نجران حين قدموا ولهذا اتصل بهذا
~~ذكر المحاجة والمباهلة اه. واعترض بأن قصة آدم عليه السلام كررت مع أنه
~~ليس المقصود بها إفادة إهلاك من كذبوا رسلهم، وأجيب بأنها وإن لم يكن
~~المقصود بها إفادة ما ذكر إلا أن فيها من الزجر عن المعصية ما فيها فهي
~~أشبه قصة بتلك القصص التي كررت لذلك فافهم.

# { وإن كنت من قبله } أي قبل إيحائنا إليك ذلك { لمن
~~الغفلين } عنه لم يخطر ببالك ولم يقرع سمعك، وهذا تعليل لكونه
~~موحى كما ذكره بعض المحققين والأكثر في مثله ترك / الواو، والتعبير عن
~~عدم العلم بالغفلة لا جلال شأن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا العدول عن
~~ لغافلا  إلى ما في النظم الجليل عند بعض، ويمكن أن يقال: إن الشيء إذا
~~كان بديعا وفيه نوع غرابة إذا وقف عليه قيل للمخاطب: كنت عن هذا غافلا
~~فيجوز أن يقصد الإشارة إلى غرابة تلك القصة فيكون كالتأكيد لما تقدم إلا
~~أن فيه ما لا ms04545 يخفى و(إن) مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن واللام
~~فارقة، وجملة { كنت } الخ خبر (إن).

### || [12.4]

# { إذ قال يوسف } نصب بإضمار  اذكر  بناء على تصرفها، وذكر
~~الوقت كناية عن ذكر ما حدث فيه والكلام شروع في إنجاز ما وعد سبحانه،
~~وحكى مكي أن العامل في { إذ }

# الغافلين

# [يوسف: 3]. وقال ابن عطية: يجوز أن يكون العامل فيها

# نقص

# [يوسف: 3]، وروي ذلك عن الزجاج على معنى نقص عليك الحال إذ الخ وهي
~~للوقت المطلق المجرد عن اعتبار المضي، وفي كلا الوجهين ما فيه. واستظهر
~~أبو حيان بقاءها على معناها الأصلي وأن العامل فيها

# قال يبني

# [يوسف: 5] كما تقول: إذ قام زيد قام عمرو، ولا يخلو عن بعد، وجوز
~~الزمخشري كونها بدلا من

# أحسن القصص

# [يوسف: 3] على تقدير جعله مفعولا به وهو بدل اشتمال، وأورد أنه إذا كان
~~بدلا من المفعول يكون الوقت مقصوصا ولا معنى له، وأجيب بأن المراد
~~لازمه وهو اقتصاص قول يوسف عليه السلام فإن اقتصاص وقت القول ملزوم
~~لاقتصاص القول. واعترض بأنه يكون بدل بعض أو كل لا اشتمال، وأجيب بأنه
~~إنما يلزم ما ذكر لو كان الوقت بمعنى القول وهو إما عين المقصوص أو بعضه،
~~أما لو بقي على معناه وجعل مقصوصا باعتبار ما فيه فلا يرد الاعتراض.

# هذا ولم يجوزوا البدلية على تقدير نصب

# أحسن القصص

# [يوسف: 3] على المصدرية، وعلل ذلك بعدم صحة المعنى حينئذ وبقيام المانع
~~عربية، أما الأول فلأن المقصوص في ذلك الوقت لا الاقتصاص، وأما الثاني
~~فلأن أحسن الاقتصاص مصدر فلو كان الظرف بدلا وهو المقصود بالنسبة لكان
~~مصدرا أيضا وهو غير جائز لعدم صحة تأويله بالفعل، وأورد على هذا أن
~~المصدر كما يكون ظرفا نحو أتيتك طلوع الشمس يكون الظرف أيضا مصدرا
~~ومفعولا مطلقا لسده مسد المصدر كما في قوله:

# لم تغتمض عيناك ليلة أرمد

# فإنهم صرحوا  كما في «التسهيل» و«شروحه»  أن ليلة مفعول مطلق أي
~~اغتماض ليلة، وما ذكر من حديث التأويل بالفعل فهو من الأوهام الفارغة،
~~نعم إذا ناب عن المصدر ms04546 ففي كونه بدل اشتمال شبهة وهو شيء آخر غير ما ذكر،
~~وعلى الأول أنه وإن لم يشتمل الوقت على الاقتصاص فهو مشتمل على المقصوص
~~فلم لم تجز البدلية بهذه الملابسة؟ ورد بأن مثل هذه الملابسة لا تصحح
~~البدلية، ونقل عن الرضي أن الاشتمال ليس كاشتمال الظرف على المظروف بل
~~كونه دالا عليه إجمالا ومتقاضيا له بوجه ما بحيث تبقى النفس عند ذكر
~~الأول متشوقة إلى الثاني منتظرة له فيجيء الثاني مبينا لما أجمل فيه فإن
~~لم يكن كذلك يكن بدل غلط وعلى هذا يقال في عدم صحة البدلية: إن النفس
~~إنما تتشوق لذكر وقت الشيء لا لذكر وقت لازمه ووقت القول ليس وقتا
~~للاقتصاص.

# ويوسف علم أعجمي لا عربي مشتق من الأسف وسمي به لأسف أبيه عليه، أو
~~أسفه على أبيه. أو أسف من يراه على مفارقته لمزيد حسنه كما قيل، وإلا
~~لانصرف لأنه ليس فيه غير العلمية ولا يتوهمن أن فيه وزن الفعل أيضا إذ
~~ليس لنا فعل مضارع مضموم الأول والثالث، وكذا يقال في يونس، وقرىء بفتح
~~السين وكسرها على ما هو الشائع في الأسماء الأعجمية من التغيير لا على
~~أنه مضارع بني للمفعول أو للفاعل من آسف لأن القراءة المشهورة شهدت
~~بعجميته ولا يجوز أن يكون أعجميا وغير أعجمي قاله غير واحد لكن / في
~~«الصحاح» أن يعفر ولد الأسود الشاعر إذا قلته بفتح الياء لم تصرفه لأنه
~~مثل يقتل. وقال يونس: سمعت رؤبة يقول: أسود بن يعفر بضم الياء وهذا ينصرف
~~لأنه قد زال عنه شبه الفعل ا ه. وصرحوا بأن هذا مذهب سيبويه، وأن الأحفش
~~خالفه فمنه صرفه لعروض الضم للاتباع، وعلى هذا يحتمل أن يقال: إنه عربي
~~ومنع من الصرف على قراءة الفتح والكسر للعلمية ووزن الفعل، وكذا على
~~قراءة الضم بناءا على ما يقوله الأخفش ويلتزم كون ضم ثالثه اتباعا لضم
~~أوله، وأجيب بأنه لو كان عربيا لوقع فيه الخلاف كما وقع في يعفر،
~~والظاهر أن أعجميته متحققة عندهم ولذا التزموا منعه من الصرف ms04547 لها
~~وللعلمية ولا التفات لذلك الاحتمال. وقرأ طلحة بن مصرف  يؤسف  بالهمز
~~وفتح السين، وقد جاء فيه الضم والكسر مع الهمز أيضا فيكون فيه ست لغات.

# { لأبيه } يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وفي «الصحيح» عن ابن عمر رضي
~~الله تعالى عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن
~~إبراهيم ".

# نسب كأن عليه من شمس الضحى

# نورا ومن ضوء الصباح عمودا

# { يأبت } أصلح يا أبي فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما في كون
~~كل منهما من حروف الزيادة ويضم إلى الإسم في آخره ولهذا قلبها هاءا في
~~الوقف ابن كثير وابن عامر، وخالف الباقون فأبقوها تاءا في الوقف وكسرت
~~لأنها عوض عن الياء التي هي أخت الكسرة فحركت بحركة تناسب أصلها لا لتدل
~~على الياء ليكون ذلك كالجمع بين عوضين أو بين العوض والمعوض، وجعل
~~الزمخشري هذه الكسرة كسرة الياء زحلقت إلى التاء لما فتح ما قبلها للروم
~~فتح ما قبل تاء التأنيث، وقرأ ابن عامر وأبو جعفر والأعرج بفتحها لأن
~~أصلها وهو الياء إذا حرك حرك بالفتح، وقيل: لأن أصل { يأبت } يا أبتا
~~بأن قلبت الياء ألفا ثم حذفت وأبقيت فتحتها دليلا عليها، وتعقب بأن يا
~~أبتا ضعيف كيا أبتي حتى قيل: إنه يختص بالضرورة كقوله:

# يا أبتا علك أو عساكا

# وقال الفراء وأبو عبيدة: وأبو حاتم: إن الألف المحذوفة من يا أبتا
~~للندبة، ورد بأن الموضع ليس موض ندبة، وعن قطرب أن الأصل  يا أبة 
~~بالتنوين فحذف والنداء باب حذف، ورد بأن التنوين لا يحذف من المنادى
~~المنصوب نحو يا ضاربا رجلا، وقرىء بضم التاء إجراءا لها مجرى الأسماء
~~المؤنثة بالتاء من غير اعتبار التعويض، وأنت تعلم أن ضم المنادي المضاف
~~شاذ وإنما لم تسكن مع أن الباء التي وقعت هي عوضا عنها تسكن لأنها حرف
~~صحيح منزل منزلة الاسم فيجب تحريكها ككاف الخطاب. وزعم بعضهم أن الياء
~~أبدلت تاءا لأنها تدل على المبالغة والتعظيم ms04548 في نحو علامة ونسابة والأب
~~والأم مظنة التعظيم فعلى هذا لا حذف ولا تعويض، والتاء حينئد اسم، فقد
~~صرحوا أن الاسم إذا كان على حرف واحد وأبدل لا يخرج عن الاسمية، وقال
~~الكوفيون: إن التاء لمجرد التأنيث وياء الإضافة مقدرة، ويأباه عدم سماع
~~يا أبتي في السعة، وكذا سماع فتحها على ما قيل، وتعقب بأن تاء لات
~~للتأنيث عند الجمهور وكذا تاء ربت وثمت / وهي مفتوحة { إنى رأيت }
~~أي في المنام كما يقتضيه كلام ابن عباس وغيره، وكذا قوله سبحانه:

# لا تقصص رؤياك

# [يوسف: 5] و

# هذا تأويل رؤياي

# [يوسف: 100]، فإن مصدر رأى الحلمية الرؤيا ومصدر البصرية الرؤية في
~~المشهور، ولذا خطىء المتنبي في قوله:

# ورؤياك أحلى في العيون من الغمض

# وذهب السهيلي وبعض اللغويين إلى أن الرؤيا سمعت من العرب بمعنى الرؤيا
~~ليلا ومطلقا، واستدل بعضهم لكون رأى حلمية بأن ذلك لو وقع يقظة وهو أمر
~~خارق للعادة لشاع وعد معجزة ليعقوب عليه السلام أو إرهاصا ليوسف عليه
~~السلام، وأجيب بأنه يجوز أن يكون في زمان يسير من الليل والناس غافلون،
~~والحق أنها حلمية، ومثل هذا الاحتمال مما لا يلتفت إليه. وقرأ أبو جعفر {
~~إني } بفتح الياء { أحد عشر كوكبا } وهي جريان والطارق والذيال
~~وقابس وعمودان والفيلق والمصبح والفرغ ووثاب وذو الكتفين والضروح، فقد
~~روي عن جابر أن سنانا اليهودي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فقال: أخبرني يا محمد عن النجوم التي رآهن يوسف فسكت فنزل جبريل عليه
~~السلام فأخبره بذلك فقال عليه الصلاة والسلام: هل أنت مؤمن إن أخبرتك؟
~~قال: نعم فعد صلى الله عليه وسلم ما ذكر فقال اليهودي: أي والله إنها
~~لأسماؤها. وأخرج السهيلي عن الحرث بن أبي أسامة نحو ذلك إلا أنه ذكر
~~النطح بدل المصبح، وأخرج الخبر الأول جماعة من المفسرين وأهل الأخبار
~~وصححه الحاكم، وقال: إنه على شرط مسلم، وقال أبو زرعة وابن الجوزي: إنه
~~منكر موضوع. وقرأ الحسن وطلحة بن سليمان وغيرهما { أحد عشر } بسكون العين
~~لتاولي الحركات وليظهر جعل ms04549 الاسمين إسما واحدا.

# { والشمس والقمر } عطف على ما قبل. وزعم بعضهم أن الواو
~~للمعية وليس بذاك وتخصيصهما بالذكر وعدم الاندراج في عموم الكواكب
~~لاختصاصهما بالشرف وتأخيرهما لأن سجودهما أبلغ وأعلى كعبا فهو من باب لا
~~يعرفه فلان ولا أهل بلده، وتقديم الشمس على القمر لما جرت عليه عادة
~~القرآن إذا جمع الشمس والقمر، وكان ذلك إما لكونها أعظم جرما وأسطع
~~نورا وأكثر نفعا من القمر وإما لكونها أعلى مكانا منه وكون فلكها أبسط
~~من فلكه على ما زعمه أهل الهيئة وكثير من غيرهم، وإما لأنها مفيضة النور
~~عليه كما ادعاه غير واحد، واستأنس له بقوله سبحانه:

# هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا

# [يونس: 5] وإنما أورد الكلام على هذا الأسلوب ولم يطو ذكر العدد لأن
~~المقصود الأصلي أن يتطابق المنام ومن هو في شأنهم وبترك العدد يفوت ذلك.

# { رأيتهم لي سجدين } استظهر في «البحر» أن { رأيتهم
~~} تأكيد لما تقدم تطرية للعهد كما في قوله تعالى:

# أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظما
~~أنكم مخرجون

# [المؤمنون: 35] واختار الزمخشري التأسيس وأن الكلام جواب سؤال مقدر كأن
~~يعقوب عليه السلام قال له عند قوله: { رأيت أحد عشر كوكبا
~~والشمس والقمر } كيف رأيتها؟ سائلا عن حال رؤيتها فقال: {
~~رأيتهم لي ساجدين } وكأنه لا يرى أن رأي الحلمية مما تتعدى
~~إلى مفعولين كالعلمية ليلتزم كون المفعول الثاني للفعل الأول محذوفا،
~~ويرى أنه تتعدى لواحد كالبصرية فلا حذف، و { سجدين } حال عنده كما
~~يشير إليه كلامه، والمشهور عند الجمهور أنه تتعدى إلى مفعولين ولا يحذف
~~ثانيهما اقتصارا. وجوز أن يكون مذهبه القول بالتعدي إلى ما ذكر إلا أنه
~~يقول بجواز ما منعوه من الحذف، وأنت تعلم / أن استظهره في «البحر» سالم
~~عن المخالفة والنظرية أمر معهود في الكتاب الجليل وإنما أجريت هذه
~~المتعاطفات مجرى العقلاء في الضمير جمع الصفة لوصفها بصفة العقلاء أعني
~~السجود سواء كان المراد منه التواضع أو السجود الحقيقي وءعطاء الشيء
~~الملابس لآخر من بعض الوجوه حكما من أحكامه إظهارا لأثر الملابسة
~~والمقاربة ms04550 شائع في الكلام القديم والحديث. وفي الكلام على ما قيل:
~~استعارة مكنية بتشبيه المذكورات بقوم عقلاء ساجدين والضمير والسجود قرينة
~~أو أحدهما قرينة تخييلية والآخر ترشيح.

# وذهب جماعة من الفلاسفة إلى أن الكواكب أحياء ناطقة، واستدل لهم بهذه
~~الآية ونظائرها وكثير من ظواهر الكتاب والسنة يشهد لهم، وليس في القول
~~بذلك إنكار ما هو من ضروريات الدين، وتقديم الجار والمجرور لإظهار
~~العناية والاهتمام مع ما في ضمنه على ما قيل: من رعاية الفواصل، وكانت
~~هذه الرؤية فيما قيل: ليلة الجمعة، وأخرج أبو الشيخ عن ابن منبه أنها
~~كانت ليلة القدر، ولعله لا منافاة لظهور إمكان كون ليلة واحدة ليلة القدر
~~وليلة الجمعة، واستشكل كونها في ليلة القدر بأنها من خواص هذه الأمة،
~~وأجيب بأن ما هو من الخواص تضعيف ثواب العمل فيها إلى ما قص الله سبحانه
~~وكان عمره عليه السلام حين رأى ذلك اثنتي عشرة سنة فيما يروى عن وهب.

# وقيل: سبع عشرة سنة، وكان قد رأى قبل وهو ابن سبع سنين أن إحدى عشرة عصا
~~طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة وإذا عصا صغيرة تثب عليها حتى
~~اقتلعتها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك، وتعبير
~~هذه العصي لإحدى عشرة هو بعينه تعبيرا لأحد عشر كوكبا فإن كلا منهما
~~إشارة إلى إخوته، وليس في الرؤيا الأولى ما يشير إلى ما يشير إليه الشمس
~~والقمر في الرؤية الثانية، ولا ضرورة إلى التزام القول باتحاد المنامين
~~بأن يقال: إنه عليه السلام رأى في كل أحد عشر شيثا إلا أن ذلك في الأول
~~عصي وفي الثاني كواكب، ويكون عطف الشمس والقمر على ما قبله من قبيل عطف
~~ميكائيل وجبريل عليهما السلام على الملائكة كما يوهمه كلام بعضهم، وعبرت
~~الشمس بأبيه والقمر بأمه اعتبارا للمكان والمكانة. وروي ذلك عن قتادة
~~وعن السدي أن القمر خالته لأن أمه راحيل قد ماتت، والقول: بأن الله تعالى
~~أحياها بعد لتصديق رؤياه لا يخفى حاله، وعن ابن جريج أن الشمس أمه
~~والقمر ms04551 أبوه وهو اعتبار للتأنيث والتذكير، وقد تعبر الشمس بالملك وبالذهب
~~وبالزوجة الجميلة، والقمر بالأمير، والكواكب بالرؤساء وكذا بالعلماء
~~أيضا.

# وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أن رؤية القمر تؤول على أحد سبعة
~~عشر وجها، ملك أو وزير أو نديم الملك أو رئيس أو شريف أو جارية أو غلام
~~أو أمر باطل أو وال أو عالم مفسد أو رجل معظم أو والد أو والدة أو زوجة
~~أو بعل لها أو ولد أو عظمة، ولعل ذلك مبني على اختلاف الرائي وكيفية
~~الرؤية، وزعم بعضهم أنه عليه السلام لم يكن رأى الكواكب ولا الشمس والقمر
~~وإنما رأى إخوته وأبويه إلا أنه عبر عنهم بذلك على طريقة الاستعارة
~~التصريحة وهو خلاف الظاهر جدا ويكاد يعد من كلام النائم، ويؤيد ظاهر ما
~~نقله كثير من المفسرين أنه عليه السلام رأى الكواكب والشمس والقمر قد
~~نزلت فسجدت له فقص ذلك على أبيه.

### || [12.5]

# { قال يبني } صغره للشفقة ويسمي النحاة مثل هذا تصغير التحبيب،
~~وما ألطف قول بعض المتأخرين:

# / قد صغر الجوهر في ثغره

# لكنه تصغير تحبيب

# ويحتمل أن يكون لذلك ولصغر السن، وفتح الياء قراءة حفص، وقرأ الباقون
~~بكسرها، والجملة استئناف مبني على سؤال كأنه قيل: فماذا قال الأب بعد
~~سماع هذه الرؤية العجيبة من ابنه؟ فقيل: قال: { يبني }  { لا
~~تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا } أي
~~فيحتالوا لإهلاكك حيلة عظيمة لا تقدر على التقصي عنها أو خفية لا تتصدى
~~لمدافعتها، وإنما قال له ذلك لما أنه عليه السلام عرف من رؤياه أن سيبلغه
~~الله تعالى مبلغا جليلا من الحكمة ويصطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف
~~الدارين فخاف عليه حسد الإخوة وبغيهم فقال له ذلك صيانة لهم من الوقوع
~~فيما لا ينبغي في حقه وله من معاناة المشاق ومقاساة الأحزان وإن كان
~~واثقا بأنهم لا يقدرون على تحويل ما دلت عليه الرؤيا وأنه سبحانه سيحقق
~~ذلك لا محالة وطمعا في حصوله بلا مشقة وليس ذلك من الغيبة المحظورة في
~~شيء.

# والرؤيا مصدر رأى الحلمية الدالة ms04552 على ما يقع في النوم سواء كان مرئيا
~~أم لا على ما هو المشهور، والرؤية مصدر رأى البصرية الدالة على إدراك
~~مخصوص، وفرق بين مصدر المعنيين بالتأنيثين، ونظير ذلك القربة للتقرب
~~المعنوي بعبادة ونحوها، والقربى للتقرب النسبي ((وحقيقتها عند أهل السنة
~~كما قال محي الدين النووي نقلا عن المازني: أن الله سبحانه يخلق في قلب
~~النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان وهو سبحانه يخلق ما يشاء لا
~~يمنعه نوم ولا يقظة، وقد جعل سبحانه تلك الاعتقادات علما على أمور أخر
~~يخلقها في ثاني الحال، ثم إن ما يكون علما على ما يسر يخلقه بغير حضرة
~~الشيطان وما يكون علما على ما يضر يخلقه بحضرته، ويسمى الأول رؤيا وتضاف
~~إليه تعالى إضافة تشريف، والثاني حلما وتضاف إلى الشيطان كما هو الشائع
~~من إضافة الشيء المكروه إليه، وإن كان الكل منه تعالى، وعلى ذلك جاء قوله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " الرؤيا من الله تعالى والحلم من الشيطان "

# وفي الصحيح عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنها من الله تعالى فليحمد الله تعالى
~~وليحدث بها وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله
~~تعالى من الشيطان الرجيم ومن شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لن تضره "

# وصح عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فيبصق عن يساره ثلاثا وليستعذ بالله
~~تعالى من الشيطان الرجيم وليتحول عن جنبه الذي كان عليه "

# ولا يبعد جعل الله تعالى ما ذكر سببا للسلامة عن المكروه كما جعل الله
~~الصدقة سببا لدفع البلاء وإن لم نعرف وجه مدخلية البصق عن اليسار
~~والتحول عن الجنب الذي كان عليه مثلا في السببية، وقيل: هي أحاديث الملك
~~الموكل بالأرواح إن كانت صادقة ووسوسة الشيطان والنفس إن كانت كاذبة،
~~ونسب هذا إلى المحدثين، وقد يجمع بين القولين بأن مقصود القائل بأنها
~~اعتقادات يخلقها الله تعالى في قلب الخ أنها ms04553 اعتقادات تخلق كذلك بواسطة
~~حديث الملك أو بواسطة وسوسة الشيطان مثلا، والمسببات في المشهور عن
~~الأشاعرة مخلوقة له تعالى عند الأسباب لا بها فتدبر.

# وقال غير واحد من المتفلسفة هي انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة
~~إلى الحس المشترك، والصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما
~~بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ فتتصور بما فيها
~~مما يليق بها من المعاني الحاصلة هناك، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة
~~تناسبها فترسلها إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة، ثم إن كانت شديدة
~~المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية استغنت
~~عن التعبير وإلا احتاجت إليه.

# / وذكر بعض أكابر الصوفية ما يقرب من هذا، وهو: أن الرؤيا من أحكام حضرة
~~المثال المقيد المسمى بالخيال وهو قد يتأثر من العقول السماوية والنفوس
~~الناطقة المدركة للمعاني الكلية والجزئية فيظهر فيه صور مناسبة لتلك
~~المعاني وقد يتأثر من القوى الوهمية المدركة للمعاني الجزئية فقط فيظهر
~~فيه صورة تناسبها، وهذا قد يكون بسبب سوء مزاج الدماغ وقد يكون بسبب توجه
~~النفس بالقوة الوهمية إلى إيجاد صورة من الصور كمن يتخيل صورة محبوبه
~~الغائب عنه تخيلا قويا فتظهر صورته في خياله فيشاهده، وهي أول مبادي
~~الوحي الإلهي في أهل العناية لأن الوحي لا يكون إلا بنزول الملك وأول
~~نزوله في الحضرة الخيالية ثم الحسية، وقد صح عن عائشة رضي الله تعالى
~~عنها أنها قالت:

# " أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة
~~فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح "

# والمرئي على ما قال بعضهم: سواء كان على صورته الأصلية أو لا يكون
~~بإرادة المرئي وقد يكون بإرادة الرائي، وقد يكون بإرادتهما معا وقد يكون
~~لا بإرادة من شيء منهما، فالأول كظهور الملك على نبي من الأنبياء عليهم
~~السلام في صورة من الصور وظهور الكمل من الأناسي على بعض الصالحين في
~~صورة غير صورهم، والثاني كظهور روح من الأرواح الملكية أو الإنسانية
~~باستنزال الكامل إياه ms04554 إلى عالمه ليكشف معنى ما مختصا علمه به، والثالث
~~كظهور جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم باستنزاله إياه وبعث
~~الحق سبحانه إياه إليه صلى الله عليه وسلم، والرابع كرؤية زيد مثلا صورة
~~عمرو في النوم من غير قصد وإرادة منهما، وكانت رؤيا يوسف عليه السلام من
~~هذا القسم لظهور أنها لو كانت بإرادة الإخوة لعلموا فلم يكن للنهي عن
~~الاقتصاص معنى، ويشير إلى أنها لم تكن بقصده قوله بعد:

# قد جعلها ربي حقا

# [يوسف: 100].

# هذا والمنقول عن المتكلمين أنها خيالات باطلة وهو من الغرابة بمكان بعد
~~شهادة الكتاب والسنة بصحتها، ووجه ذلك بعض المحققين بأن مرادهم أن كون ما
~~يتخيله النائم إدراكا بالبصر رؤية، وكون ما يتخيله إدراكا بالسمع
~~باطلا فلا ينافي حقيقة ذلك بمعنى كونه أمارة لبعض الأشاء كذلك الشيء
~~نفسه أو ما يضاهيه ويحاكيه، وقد مر الكلام في ذلك فتيقظ.

# والمشهور الذي تعاضدت فيه الروايات أن الرؤيا الصادقة جزء من ستة
~~وأربعين جزءا من النبوة، ووجه ذلك عند جمع أنه صلى الله عليه وسلم بقي
~~حسبما أشارت عائشة رضي الله تعالى عنها ستة أشهر يرى الوحي مناما ثم
~~جاءه الملك يقظة وستة أشهر بالنسبة إلى ثلاث وعشرين سنة جزء من ست
~~وأربعين جزءا. وذكر الحليمي أن الوحي كان يأتيه عليه الصلاة والسلام على
~~ستة وأربعين نوعا مثل النفث في الروع وتمثل الملك له بصورة دحية رضي
~~الله تعالى عنه مثلا. وسماعه مثل صلصلة الجرس إلى غير ذلك، ولذا قال صلى
~~الله عليه وسلم ما قال، وذكر الحافظ العسقلاني أن كون الرؤيا الصادقة جزء
~~من كذا من النبوة إنما هو باعتبار صدقها لا غير وإلا لساغ لصاحبها أن
~~يسمى نبيا وليس كذلك، وقد تقدم لك أن في بعض الروايات ما فيه مخالفة لما
~~في هذه الروايات من عدة الأجزاء، ولعل المقصود من كل ذلك على ما قيل: مدح
~~الرؤيا الصادقة والتنويه برفعة شأنها لا خصوصية العدد ولا حقيقة الجزئية.
~~وقال ابن الأثير في «جامع الأصول»: روى قليل ms04555 أنها جزء من خمسة وأربعين
~~جزءا وله وجه مناسبة بأن عمره صلى الله عليه وسلم لم يستكمل ثلاثا
~~وستين بأن يكون توفي عليه الصلاة والسلام بأثناء السنة الثالثة والستين /
~~ورواية أنها جزء من أربعين جزءا تكون محمولة على كون عمره عليه الصلاة
~~والسلام ستين وهو رواية لبعضهم، وروي أنها جزء من سبعين جزءا ولا أعلم
~~لذلك وجها ا ه. وأنت تعلم أن سبعين كثيرا ما يستعمل في التكثير فلعله
~~هو الوجه، والغرض الإشارة إلى كثرة أجزاء النبوة فتدبر.

# والمراد بإخوته ههنا على ما قيل: الإخوة الذين يخشى غوائلهم ومكايدهم
~~من بني علاته الأحد عشر، وهم يهوذا، وروبيل وشمعون ولاوي وريالون ويشجر
~~ودينه بنو يعقوب من ليا بنت ليان بن ناهر وهي بنت خالته، ودان وتفتالي
~~وجاد وآشر بنوه عليه السلام من سريتين له زلفة وبلهة وهم المشار إليهم
~~بالكواكب، وأما بنيامين الذي هو شقيق يوسف عليه السلام وأمهما راحيل التي
~~تزوجها يعقوب عليه السلام بعد وفات أختها ليا أو في حياتها إذ لم يكن جمع
~~الأختين إذ ذاك محرما فليس بداخل تحت هذا النهي إذ لا تتوهم مضرته ولا
~~تخشى معرته ولم يكن معهم في الرؤيا إذ لم يكن معهم في السجود.

# وتعقب بأن المشهور أن بني علاته عليه السلام عشرة وليس فيهم من اسمه
~~دينه، ومن الناس من ذكر ذلك في عداد أولاد يعقوب إلا أنه قال: هي أخت
~~يوسف، وبناء الكلام عليه ظاهر الفساد بل لا تكاد تدخل في الإخوة إلا
~~باعتبار التغليب لأنه جمع أخ فهو مخصوص بالذكور، فلعل المختار أن المراد
~~من الإخوة ما يشمل الأعيان والعلات، ويعد بنيامين بدل دينه إتماما لأحد
~~عشر عدة الكواكب المرئية، والنهي عن الاقتصاص عليه  وإن لم يكن ممن تخشى
~~غوائله  من باب الاحتياط وسد باب الاحتمال، ومما ذاع كل سر جواز الاثنين
~~شاع، ويلتزم القول بوقوع السجود منه كسائر أهله وإسناد الكيد إلى الإخوة
~~باعتبار الغالب فلا إشكال كذا قيل، وهو على علاته أولى مما قيل: إن
~~المراد بإخوته ms04556 ما لا يدخل تحته بنيامين ودينه لأنهما لا تخشى معرتهما ولا
~~يتوهم مضرتهما فهم حينئذ تسعة وتكمل العدة بأبيه وأمه أو خالته ويكون عطف
~~الشمس والقمر من قبيل عطف جبريل وميكائيل على الملائكة [البقرة: 98]،
~~وفيه من تعظيم أمرهما ما فيه لما أن في ذلك ما فيه.

# ونصب { يكيدوا } بأن مضمرة في جواب النهي وعدي باللام مع أنه مما
~~يتعدى بنفسه كما في قوله تعالى:

# فكيدوني

# [هود: 55] لتضمينه ما يتعدى بها وهو الاحتيال كما أشرنا إليه، وذلك
~~لتأكيد المعنى بإفادة معنى الفعلين المتضمن والمضمن جميعا ولكون القصد
~~إلى التأكيد والمقام مقامه أكد الفعل بالمصدر وقرر بالتعليل بعد، وجعل
~~اللام زائدة كجعله مما يتعدى بنفسه وبالحرف خلاف الظاهر، وقيل: إن الجار
~~والمجرور من متعلقات التأكيد على معنى فيكيدوا كيدا لك وليس بشيء؛ وجعل
~~بعضهم اللام للتعليل على معنى فيفعلوا لأجلك وإهلاكك كيدا راسخا أو
~~خفيا؛ وزعم أن هذا الأسلوب آكد من أن يقال: فيكيدوك كيدا إذ ليس فيه
~~دلالة على كونه نفس الفعل مقصود الإيقاع وفيه نوع مخالفة للظاهر أيضا
~~فافهم. وقرأ الجمهور { رؤياك } بالهمز من غير إمالة، والكسائي { روياك }
~~بالإمالة وبغير همز وهي لغة أهل الحجاز.

# { إن الشيطن للإنسن } إي لهذا النوع { عدو مبين }
~~ظاهر العداوة فلا يألو جهدا في تسويل إخوتك وإثارة الحسد فيهم حتى
~~يحملهم على ما لا خير فيه وإن كانوا ناشئين في بيت النبوة، والظاهر أن
~~القوم كانوا بحيث يمكن أن يكون للشيطان عليهم سبيل، ويؤيد هذا أنهم لم
~~يكونوا أنبياء، والمسألة خلافية ((فالذي عليه الأكثرون سلفا وخلفا أنهم
~~لم يكونوا أنبياء أصلا، أما السلف فلم ينقل عن الصحابة منهم أنه قال
~~بنبوتهم ولا يحفظ عن أحد من التابعين أيضا، وأما أتباع التابعين فنقل عن
~~ابن زيد أنه قال بنبوتهم وتابعه شرذمة قليلة، وأما الخلف فالمفسرون فرق
~~فمنهم من قال بقول ابن زيد كالبغوي، ومنهم من بالغ في رده كالقرطبي وابن
~~كثير، ومنهم من حكى القولين بلا ترجيح كابن الجوزي، ومنهم من لم يتعرض
~~للمسألة لكن ذكر ms04557 ما يشعر بعدم كونهم أنبياء كتفسيره الأسباط بمن نبىء من
~~بني إسرائيل والمنزل إليهم بالمنزل إلى أنبيائهم كأبي الليث السمرقندي
~~والواحدي، ومنهم من لم يذكر شيئا من ذلك ولكن فسر الأسباط بأولاد يعقوب
~~فحسبه ناس قولا بنبوتهم وليس نصا فيه لاحتمال أن يريد بالأولاد ذريته
~~لا بنيه لصلبه، وذكر الشيخ ابن تيمية في مؤلف له خاص في هذه المسألة ما
~~ملخصه: الذي يدل عليه القرآن واللغة والاعتبار أن إخوة يوسف عليه السلام
~~ليسوا بأنبياء وليس في القرآن ولا عن النبي صلى الله عليه وسلم بل ولا
~~عن أحد من أصحابه رضي الله تعالى عنهم خبر بأن الله تعالى نبأهم وإنما
~~احتج من قال: بأنهم نبئوا بقوله تعالى في آيتي البقرة [136، 140] والنساء
~~[163]: { والأسباط } وفسر ذلك بأولاد يعقوب والصواب أنه ليس المراد بهم
~~أولاده لصلبه بل ذريته كما يقال لهم: بنو إسرائيل، وكما يقال لسائر
~~الناس: بنو آدم، وقوله تعالى:

# ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون

# [الأعراف: 159]

# وقطعنهم اثنتي عشرة أسباطا أمما

# [الأعراف: 160] صريح في أن الأسباط هم الأمم من بني إسرائيل وكل سبط
~~أمة، وقد صرحوا بأن الأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من بني إسماعيل،
~~وأصل السبط كما قال أبو سعيد الضرير: شجرة واحدة ملتفة كثيرة الأغصان فلا
~~معنى لتسمية الأبناء الاثني عشر أسباطا قبل أن ينتشر عنهم الأولاد،
~~فتخصيص الأسباط في الآية ببنيه عليه السلام لصلبه غلط لا يدل عليه اللفظ
~~ولا المعنى ومن ادعاه فقد أخطأ خطأ بينا والصواب أيضا أنهم إنما سموا
~~أسباطا من عهد موسى عليه السلام، ومن حينئذ كانت فيهم النبوة فانه لم
~~يعرف فيهم نبي قبله إلا يوسف، ومما يؤيد ذلك أنه سبحانه لما ذكر
~~الأنبياء من ذرية إبراهيم قال:

# ومن ذريته داوود وسليمن

# [الأنعام: 84] الآيات فذكر يوسف ومن معه ولم يذكر الأسباط ولو كان إخوة
~~يوسف قد نبئوا كما نبىء لذكروا كما ذكر، وأيضا إن الله تعالى ذكر
~~للأنبياء عليهم السلام من المحامد والثناء ما يناسب النبوة وإن كان
~~قبلها؛ وجاء في ms04558 الحديث

# " أكرم الناس يوسف بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم نبي ابن نبي "

# فلو كان إخوته أنبياء كانوا قد شاركوه في هذا الكرم، وهو سبحانه لما قص
~~قصتهم وما فعلوا بأخيهم ذكر اعترافهم بالخطيئة وطلبهم الاستغفار من أبيهم
~~ولم يذكر من فضلهم ما يناسب النبوة وإن كان قلبها، بل ولا ذكر عنهم توبة
~~باهرة كما ذكر عمن ذنبه دون ذنبهم، ولم يذكر سبحانه عن أحد من الأنبياء
~~قبل النبوة ولا بعدها أنه فعل مثل هذه الأمور العظيمة من عقوق الوالد
~~وقطيعة الرحم وإرقاق المسلم وبيعه إلى بلاد الكفر والكذب البين إلى غير
~~ذلك مما حكاه عنهم، بل لو لم يكن دليل على عدم نبوتهم سوى صدور هذه
~~العظائم منهم لكفى لأن الأنبياء معصومون عن صدور مثل ذلك قبل النبوة
~~وبعدها عند الأكثرين، وهي أيضا أمور لا يطيقها من هو دون البلوغ فلا يصح
~~الاعتذار بأنها صدرت منهم قبله وهو لا يمنع الاستنباء بعد، وأيضا ذكر
~~أهل السير أن إخوة يوسف كلهم ماتوا بمصر وهو أيضا مات بها لكن أوصى
~~بنقله إلى الشام فنقله موسى عليه السلام ولم يذكر في القرآن أن أهل مصر
~~قد جاءهم نبي قبل موسى غير يوسف ولو كان منهم نبي لذكر، وهذا دون ما
~~قبله في الدلالة كما لا يخفى. / والحاصل أن الغلط في دعوى نبوتهم إنما
~~جاء من ظن أنهم هم الأسباط وليس كذلك إنما الاسباط أمة عظيمة، ولو كان
~~المراد بالأسباط أبناء يعقوب لقال سبحانه ويعقوب وبنيه فإنه أبين وأوجز
~~لكنه عبر سبحانه بذلك إشارة إلى أن النبوة حصلت فيهم من حين تقطيعهم
~~أسباطا من عهد موسى عليه السلام فليحفظ.

# هذا ولما نبهه عليه السلام على أن لرؤياه شأنا عظيما وحذره مما حذره
~~شرع في تعبيرها وتأويلها على وجه إجمالي فقال: { وكذلك يجتبيك
~~ربك... }.

### || [12.6]

# { وكذلك يجتبيك ربك } أي يصطفيك ويختارك للنبوة كما روي
~~عن الحسن، أو للسجود لك كما روي عن مقاتل، أو لأمور عظام كما قال
~~الزمخشري، فيشمل ما تقدم وكذا يشمل ms04559 إغناء أهله ودفع القحط عنهم ببركته
~~وغير ذلك، ولعل خير الأقوال وسطها؛ وأصل الاجتباء من جبيت الشيء إذا
~~حصلته لنفسك وفسره بالاختيار لأنه إنما يجتبي ما يختار. وذكر بعضهم أن
~~اجتباء الله تعالى العبد تخصيصه أياه بفيض الهي يتحصل منه أنواع من
~~المكرمات بلا سعي من العبد وذلك مختص بالأنبياء عليهم السلام، ومن
~~يقاربهم من الصديقين والشهداء والصالحين. والمشار إليه بذلك إما الاجتباء
~~لمثل تلك الرأيا فالمشبه والمشبه به متغايران، وإما لمصدر الفعل المذكور
~~وهو المشبه والمشبه به، و { كذلك } في محل نصب صفة لمصدر مقدر وقدم
~~تحقيق ذلك، وقيل هنا: إن الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك
~~وليس الأمر كذلك، ولا يخفى ما في ذكر الرب مضافا إلى ضمير المخاطب من
~~اللطف، وإنما لم يصرح عليه السلام بتفاصيل ما تدل عليه الرؤيا حذرا من
~~إذاعته على ما قيل.

# { ويعلمك } ذهب جمع إلى أنه كلام مبتدأ غير داخل تحت التشبيه أراد
~~به عليه السلام تأكيد مقالته وتحقيقها وتوطين نفس يوسف عليه السلام بما
~~أخبر به على طريق التعبير والتأويل أي وهو يعلمك { من تأويل
~~الأحاديث } أي ذلك الجنس من العلوم، أو طرفا صالحا منه فتطلع على
~~حقيقة ما أقول ولا يخفى ما فيه من تأكيد ما سبق والبعث على تلقي ما سيأتي
~~بالقبول، وعلل عدم دخوله تحت التشبيه بأن الظاهر أن يشبه الاجتباء
~~بالاجتباء والتعليم غير الاجتباء فلا يشبه به، ونظر فيه بأن التعليم نوع
~~من الاجتباء والنوع يشبه بالنوع، وقيل: العلة في ذلك أنه يصير المعنى
~~ويعلمك تعليما مثل الاجتباء بمثل هذه الرؤيا ولا يخفى سماجته فإن
~~الاجتباء وجه الشبه بين المشبه والمشبه به ولم يلاحظ في التعليم ذلك.

# وقال بعض المحققين: لا مانع من جعله داخلا تحت التشبيه على أن المعنى
~~بذلك الإكرام بتلك الرؤيا أي كما أكرمك بهذه المبشرات يكرمك بالاجتباء
~~والتعليم ولا يحتاج في ذلك إلى جعله تشبيهين وتقدير كذلك، وأنت تعلم أن
~~المنساق إلى الفهم هو العطف ولا بأس فيما قرره هذا المحقق ms04560 لتوجيهه، نعم
~~للاستئناف وجه وجيه وإن لم يكن المنساق إلى الفهم. والظاهر أن المراد من
~~تأويل الأحاديث تعبير الرؤيا إذ هي إخبارات غيبية يخلق الله تعالى
~~بواسطتها اعتقادات في قلب النائم حسبما يشاؤه ولا حجر عليه تعالى أو
~~أحاديث الملك إن كانت صادقة أو النفس أو الشيطان إن لم تكن كذلك، وذكر
~~الراغب أن التأويل من الأول وهو الرجوع، وذلك رد الشيء إلى الغاية
~~المرادة منه علما كان أو فعلا، فالأول كقوله سبحانه:

# وما يعلم تأويله إلا الله

# [آل عمران: 7] والثاني كقوله:

# وللنوى قبل يوم البين تأويل

# وجاء الأول بمعنى السياسة التي يراعى مآلها يقال: ألنا وإيل علينا اه.
~~وشاع التأويل في إخراج الشيء عن ظاهر.

# و { الأحاديث } جمع تكسير لحديث على غير قياس كما قالوا: / باطل
~~وأباطيل، وليس باسم جمع له لأن النحاة قد شرطوا في اسم الجمع أن لا يكون
~~على وزن يختص بالجمع كمفاعيل، وممن صرح بانه جمع الزمخشري في «المفصل»،
~~وهو مراده من اسم الجمع في «الكشاف» فانه كغيره كثيرا ما يطلق اسم الجمع
~~على الجمع المخالف للقياس فلا مخالفة بين كلاميه، وقيل: هو جمع أحدوثة،
~~ورد بأن الأحدوثة الحديث المضحك كالخرافة فلا يناسب هنا، ولا في أحاديث
~~الرسول عليه الصلاة والسلام أن يكون جمع أحدوثة، وقال ابن هشام: الأحدوثة
~~من الحديث ما يتحدث به ولا تسعمل إلا في الشر، ولعل الأمر ليس كما ذكروا،
~~وقد نص المبرد على أنها ترد في الخير، وأنشد قول جميل وهو مما سار وغار:

# وكنت إذا ما جئت سعدى أزورها

# أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها

# من الخفرات البيض ود جليسها

# إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها

# وقيل: إنهم جمعوا حديثا على أحدثة ثم جمعوا الجمع على أحاديث كقطيع أو
~~أقطعة وأقاطيع. وكون المراد من تأويل الأحاديث تعبير الرؤيا هو المروي عن
~~مجاهد والسدي، وعن الحسن أن المراد عواقب الأمور، وعن الزجاج أن المراد
~~بيان معاني أحاديث الأنبياء والأمم السالفة والكتب المنزلة. وقيل: المراد
~~بالأحاديث الأمور المحدثة من الروحانيات والجسميانيات، ms04561 وبتأويلها كيفية
~~الاستدلال بها على قدرة الله تعالى وحكمته وجلالته والكل خلاف الظاهر
~~فيما أرى.

# { ويتم نعمته عليك } بأن يصل نعمة الدنيا بنعمة الآخرة،
~~أو بأن يضم إلى النبوة المستفادة من الاجتباء الملك ويجعله تتمة لها، أو
~~بأن يضم إلى التعليم الخلاص من المحن والشدائد وتوسيط ذكر التعليم لكونه
~~من لوازم النبوة والاجتباء ولرعاية ترتيب الوجود الخارجي ولأن التعليم
~~وسيلة إلى إتمام النعمة فإن تعبيره لرؤيا صاحبي السجن ورؤيا الملك صار
~~ذريعة إلى الخلاص من السجن والاتصال بالرياسة العظمى. وفسر بعضهم
~~الاجتباء باعطاء الدرجات العالية كالملك والجلالة في قلوب الخلق وإتمام
~~النعمة بالنبوة، وأيد بأن إتمام النعمة عبارة عما تصير به النعمة تامة
~~كاملة خالية عن جهات النقصان وما ذاك في حق البشر إلا النبوة فإن جميع
~~مناصب الخلق ناقصة بالنسبة إليها. وجوز أن تعد نفس الرؤيا من نعم الله
~~تعالى عليه فيكون جميع النعم الواصلة إليه بحسبها مصداقا لها تماما
~~لتلك النعمة ولا يخلو عن بعد. وقيل: المراد من الاجتباء إفاضة ما يستعد
~~به لكل خير ومكرمة، ومن تعليم تأويل الأحاديث تعليم تعبير الرؤيا، ومن
~~إتمام النعمة عليه تخليصه من المحن على أتم وجه بحيث يكون مع خلاصه منها
~~ممن يخضع له، ويكون في تعليم التأويل إشارة إلى استنبائه لأن ذلك لا يكون
~~إلا بالوحي وفيه أن تفسير الاجتباء بما ذكر غير ظاهر، وكون التعليم فيه
~~إشارة إلى الاستنباء في حيز المنع وما ذكر من الدليل لا يثبته، فإن
~~الظاهر أن إخوته كانوا يعلمون التأويل وإلا لم ينهه أبوه عليه السلام عن
~~اقتصاص رؤياه عليهم خوف الكيد، وكونهم أنبياء إذ ذاك مما لم يذهب إليه
~~ذاهب ولا يكاد يذهب إليه أصلا، نعم ذكروا أنه لا يعرف التعبير كما ينبغي
~~إلا من عرف المناسبات التي بين الصور ومعانيها وعرف مراتب النفوس التي
~~تظهر في حضرة خيالاتهم بحسبها فإن أحكام الصورة الواحدة تختلف بالنسبة
~~إلى الأشخاص المختلفة المراتب وهذا عزيز الوجود، وقد تثبت الخطأ في
~~التعبير من علماء أكابر، فقد روى ms04562 أبو هريرة أن رجلا أتى رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فقال:

# " إني رأيت ظلة ينطف منها السمن والعسل وأرى الناس يتكففون في أيديهم
~~فالمستكثر والمستقل وأرى سببا واصلا من السماء إلى الأرض فأراك يا رسول
~~الله أخذت به فعلوت ثم أخذ به رجل آخر فعلا ثم أخذ به رجل آخر فعلا ثم
~~أخذ به رجل آخر فانقطع به ثم وصل له فعلا فقال أبو بكر رضي الله تعالى:
~~أي رسول الله لتدعني فلأعبرها فقال عليه الصلاة والسلام: عبرها، فقال:
~~أما الظلة فظلة الإسلام وأما ما ينطف من السمن والعسل فهو القرآن لينه
~~وحلاوته وأما المستكثر والمستقل فالمستكثر من القرآن والمستقل منه وأما
~~السبب الواصل من السماء إلى الأرض فهو الحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك
~~الله تعالى ثم يأخذ به رجل بعدك فيعلو به ثم آخر بعده فيعلو به ثم آخر
~~بعده فيعلو به ثم آخر فينقطع به ثم يوصل له فيعلو به أي رسول الله
~~لتحدثني أصبت أم أخطأت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أصبت بعضا
~~وأخطأت بعضا، فقال: أقسمت بأبي أنت وأمي لتحدثني يا رسول الله ما الذي
~~أخطأت؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا تقسم "

# ا ه اللهم إلا أن يدعي أن المراد التعليم على الوجه الأكمل بحيث لا
~~يخطىء من يخطىء به، وهو يستدعي كون الرجل بحيث يعرف المناسبات ومراتب
~~النفوس ويلتزم القول بأن ذلك لا يكون إلا نبيا، واختير أن المراد
~~بالاجتباء الاصطفاء للنبوة وبتعليم التأويل ما هو الظاهر وبإتمام النعمة
~~تخليصه من المكاره، ويكون قوله عليه السلام:

# يبني لا تقصص رءياك على إخوتك

# [يوسف: 5] إشارة إجمالية منه إلى تعبير الرؤيا كما لا يخفى على من له
~~ذوق وهو أيضا متضمن للبشارة، وهذا أرداف لها بما هو أجل في نظر يوسف
~~عليه السلام ووجه توسيط التعليم عليه لا يخفى.

# وحاصل المعنى كما أكرمك بهذه المبشرة الدالة على سجود إخوتك لك ورفعة
~~شأنك عليهم يكرمك بالنبوة والعلم الذي تعرف به تأويل أمثال ما رأيت ms04563
~~وإتمام نعمته عليك.

# { وعلى ءال يعقوب } بالخلاص من المكاره وهي في حق يوسف عليه
~~السلام مما لا يخفى وفي حق آل يعقوب، والمراد بهم أهله من بنيه وغيرهم
~~وأصله أهل، وقيل: أول، وقد حققناه في غير ما كتاب؛ ولا يستعمل إلا فيمن
~~له خطر مطلقا ولا يضاف لما لا يعقل ولو كان ذا خطر بخلاف أهل فلا يقال:
~~آل الحجام ولا آل الحرم، ولكن أهل الحجام وأهل الحرم، نعم قد يضاف لما
~~نزل منزلة العاقل كما في قول عبد المطلب:

# وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك

# وفيه رد على أبي جعفر الزبيدي حيث زعم عدم جواز إضافته إلى الضمير لعدم
~~سماعه مضافا إليه، ويعقوب كابنه اسم أعجمي لا اشتقاق له فما قيل: من أنه
~~إنما سمي بذلك لأنه خرج من بطن أمه عقب أخيه العيص غير مرضي عند الجلة
~~الفاقة والقحط وتفرق الشمل، وغير ذلك ما يعم أو يخص، ومنهم من فسر الآل
~~بالبنين وإتمام النعمة بالاستنباء، وجعل حاصل المعنى يمن عليك وعلى سائر
~~أبناء يعقوب بالنبوة، واستدل بذلك على أنهم صاروا بعد أنبياء.

# وفي «إرشاد العقل السليم» ((أن رؤية يوسف عليه السلام إخوته كواكب يهتدي
~~بأنوارها من نعم الله تعالى عليهم لدلالتها على مصير أمرهم إلى النبوة
~~فيقع كل ما يخرج من القوة إلى الفعل من كمالاتهم بحسب ذلك تماما لتلك
~~النعمة لا محالة))، وأنت تعلم أن ما ذكر لا يصلح دليلا على أنهم صاروا
~~أنبياء لما علمت من الاحتمالات، / والدليل إذا طرقه الاحتمال بطل به
~~الاستدلال ورؤيتهم كواكب يهتدى بأنوارها بمعزل عن أن تكون دليلا على أن
~~مصيرهم إلى النبوة، وإنما تكون دليلا على أن مصيرهم إلى كونهم هادين
~~للناس وهو مما لا يلزمه النبوة فقد قال صلى الله عليه وسلم:

# " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "

# ونحن لا ننكر أن القوم صاروا هادين بعد أن من الله تعالى عليهم بالتوبة
~~بل هم لعمري حينئذ من أجلة أصحاب نبيهم، وقد يقال أيضا: إنه لو دل
~~رؤيتهم كواكب على ms04564 أن مصيرهم إلى النبوة لكانت رؤية أمه قمرا أدل على ذلك
~~ولا قائل به.

# وقال بعضهم: لا مانع من أن يراد  بآل يعقوب  سائر بنيه، و  بإتمام
~~النعمة  إتمامها بالنبوة لكن لا يثبت بذلك نبوتهم بعد لجواز أن يراد:
~~يتم نعمته عليك بالنبوة وعلى آل يعقوب بشيء آخر كالخلاص من المكروه
~~مثلا، وهذا كقولك: أنعمت على زيد.

# وعلى عمرو وهو لا يقتضي أن يكون الانعام عليهما من نوع واحد لصدق الكلام
~~بأن يكون قد أنعمت على زيد بمنصب وعلى عمرو باعطائه ألف دينار، أو
~~بتخليصه من ظالم مثلا وهو ظاهر. ورجح بعضهم حمل الآل على ما يعم الأبناء
~~بأنه لو كان المراد الأبناء لكان الأظهر الأخصر وعلى إخوتك بدل ما في
~~النظم الجليل، وقيل: إنما اختار ذلك عليه لأنه يتبادر من الإخوة الإخوة
~~الذي نهي عن الاقتصاص عليهم فلا يدخل بنيامين، والمراد إدخاله، وقيل:
~~المراد  بآل يعقوب  أتباعه الذين على دينه. وقيل: يعقوب خاصة على أن
~~الآل بمعنى الشخص ولا يخفى ما في القولين من البعد، وأبعدهما الأخير ومن
~~جعل إتمام النعمة إشارة إلى الملك جعل العطف باعتبار أنهم يغتنمون آثاره
~~من العز والجاه والمال هذا.

# { كما أتمها على أبويك من قبل إبرهيم
~~وإسحق } أي إتماما كائنا كإتمام نعمته على أبويك من قبل هذا
~~الوقت أو من قبلك، والإسمان الكريمان عطف بيان  لأبويك  والتعبير عنهما
~~بالأب مع كونهما أبا جده وأبا أبيه للإشعار بكمال ارتباطه بالأنبياء
~~عليهم اللام وتذكير معنى " الولد سر أبيه " ليطمئن قلبه بما أخبر به،
~~وإتمام النعمة على إبراهيم إما بالنبوة. وإما باتخاذه خليلا وإما
~~بانجائه من نار عدوه وإما من ذبح ولده وإما بأكثر من واحد من هذه، وعلى
~~إسحاق إما بالنبوة. أو باخراج يعقوب من صلبه أو بإنجائه من الذبح وفدائه
~~بذبح عظيم على رواية أنه الذبيح، وذهب إليه غير واحد، وسيأتي إن شاء الله
~~تعالى تحقيقه، وأمر التشبيه على سائر الاحتمالات سهل إذ لا يجب أن يكون
~~من كل وجه والاقتصار في المشبه به ms04565 على ذكر إتمام النعمة من غير تعرض
~~للاجتباء من باب الاكتفاء كما قيل فإن إتمام النعمة يقتضي سابقة النعمة
~~المستدعية للاجتباء لا محالة ومعرفته عليه السلام لما أخبر به مما لم تدل
~~عليه الرؤيا إما بفراسة، وكثيرا ما تصدق فراسة الوالد بولده كيفما كان
~~الوالد، فما ظنك بفراسته إذا كان نبيا أو بوحي؟ وقد يدعى أنه استدل
~~بالرؤيا على كل ذلك.

# { إن ربك عليم } بكل شيء فيعلم من يستحق المذكورات { حكيم
~~} فاعل لكل شيء حسبما تقتضيه الحكمة فيفعل ما يفعل جريا على سنن علمه
~~وحكمته، والجملة استئناف لتحقيق الجمل المذكورة.

### || [12.7]

# { لقد كان في يوسف وإخوته } أي في قصصهم، والظاهر أن
~~المراد بالإخوة هنا ما أريد بالإخوة فيما مر، وذهب جمع إلى أنهم هناك بنو
~~علاته، وجوز أن يراد بهم ههنا ما يشمل من كان من الأعيان لأن لبنيامين
~~أيضا حصة من القصة، ويبعده على ما قيل:

# قالوا

# [يوسف: 8] الآتي { ءايت } علامات عظيمة الشأن دالة على عظيم قدرة /
~~الله تعالى القاهرة وحكمته الباهرة { للسائلين } لكل من سأل عن
~~قصتهم وعرفها أو للطالبين للآيات المعتبرين بها فإنهم الواقفون عليها
~~المنتفعون بها دون من عداهم ممن اندرج تحت قوله تعالى:

# وكأين من ءاية في السموات والأرض يمرون
~~عليها وهم عنها معرضون

# [يوسف: 105] فالمراد بالقصة نفس المقصوص أو على نبوته عليه الصلاة
~~والسلام الذين سألوه عن قصتهم حسبما علمت في بيان سبب النزول فأخبرهم صلى
~~الله عليه وسلم بذلك على ما هو عليه من غير سماع من أحد ولا قراءة كتاب،
~~فالمراد بالقصة اقتصاصها، وجمع  الآيات  حينئذ قيل: للإشعار بأن اقتصاص
~~كل طائفة من القصة آية بينة كافية في الدلالة على نبوته صلى الله عليه
~~وسلم، وقيل: لتعدد جهة الإعجاز لفظا ومعنى، وزعم بعض الجلة أن الآية من
~~باب الاكتفاء، والمراد آيات للذين يسألون والذين لا يسألون، ونظير ذلك
~~قوله سبحانه:

# سوآء للسآئلين

# [فصلت: 10] وحسن ذلك لقوة دلالة الكلام على المحذوف، وقال ابن عطية: إن
~~المراد من السائلين الناس إلا أنه عدل عنه ms04566 تحضيضا على تعلم مثل هذه
~~القصة لما فيها من مزيد العبر، وكلا القولين لا يخلو عن بعد. وقرأ أهل
~~مكة وابن كثير ومجاهد  آية  على الإفراد، وفي مصحف أبي  عبرة
~~للسائلين .

### || [12.8]

# { إذ قالوا ليوسف وأخوه } بنيامين وتخصيصه بالإضافة
~~لاختصاصه بالأخوة من جانبي الأم والأب وهي أقوى من الأخوة من أحدهما،
~~ولم يذكروه باسمه إشعارا بأن محبة يعقوب عليه السلام له لأجل شقيقه يوسف
~~عليه السلام، ولذا لم يتعرضوه بشيء مما أوقع بيوسف عليه السلام واللام
~~للابتداء، و { يوسف } مبتدأ و { أخوه } عطف عليه، وقوله سبحانه: {
~~أحب إلى أبينا منا } خبر ومتعلق به وهو أفعل تفضيل من
~~المبني للمفعول شذوذا ولذا عدي بإلى حسبما ذكروا من أن أفعل من الحب
~~والبغض يعدى إلى الفاعل معنى بإلى وإلى المفعول باللام وفي تقول: زيد أحب
~~إلي من بكر إذا كنت تكثر محبته؛ ولي وفي إذا كان يحبك أكثر من غيره، ولم
~~يثن مع أن المخبر عنه به إثنان لأن أفعل من كذا لا يفرق فيه بين الواحد
~~وما فوقه ولا بين المذكر وما يقابله بخلاف أخويه فإن الفرق واجب في
~~المحلى جائز في المضاف إذا أريد تفضيله على المضاف إليه وإذا أريد تفضيله
~~مطلقا فالفرق لازم، وجيء بلام الابتداء لتحقيق مضمون الجملة وتأكيده أي
~~كثرة حبه لهما أمر ثابت لا شبهة فيه.

# { ونحن عصبة } أي والحال أنا جماعة قادرون على خدمته والجد في
~~منفعته دونهما، والعصبة والعصابة على ما نقل عن الفراء: العشرة فما زاد
~~سموا بذلك لأن الأمور تعصب بهم أي تشد فتقوى. وعن ابن عباس أن العصبة ما
~~زاد على العشرة وفي رواية عنه أنها ما بين العشرة والأربعين، وعن مجاهد
~~أنها من عشرة إلى خمسة عشر. وعن مقاتل هي عشرة، وعن ابن جبير ستة أو
~~سبعة، وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة، وقيل: إلى خمسة عشر، وعن ابن زيد
~~والزجاج وابن قتيبة هي الجماعة مطلقا ولا واحد لها من لفظها كالنفر
~~والرهط، وقيل: الثلاثة نفر وإذا زادوا فهم رهط ms04567 إلى التسعة فإذا زادوا فهم
~~عصبة، ولا يقال لأقل من عشرة عصبة، وروى النزال بن سبرة عن علي كرم الله
~~تعالى وجهه أنه قرأ بنصب { عصبة } فيكون الخبر محذوفا، و { عصبة } حال
~~من الضمير فيه أي نجتمع عصبة، وقدر ذلك ليكون في الحال دلالة على الخبر
~~المحذوف لما فيها من معنى الاجتماع.

# / وزعم ابن المنير أن الكلام على طريقة:

# أنا أبو النجم وشعري شعري

# والتقدير ونحن نحن عصبة، وحذف الخبر لمساواته المبتدأ وعدم زيادته عليه
~~لفظا ففي حذفه خلاص من تكرار اللفظ بعينه مع دلالة السياق على المحذوف،
~~ولا غرو في وقوع الحال بعد نحن لأنه بالتقدير المذكور كلام تام فيه من
~~الفخامة ما فيه وقدر في

# هن أطهر لكم

# [هود: 78] على قراءة النصب مثل ذلك، وفيه أن الفخامة إنما تجيء من
~~التكرار فلا يجوز الحذف على أن الدلالة على المحذوف غير بينة.

# وعن ابن الأنباري أن ذلك كما تقول العرب: إنما العامري عمته أي يتعهد
~~ذلك، والدال على المحذوف فيه عمته فإن الفعلة للحالة التي يستمر عليها
~~الشخص فيلزم لا محالة تعهده لها، والأولى أن يعتبر نظير قول الفرزدق:

# يا لهذم حكمك مسمطا

# فإنه أراد كما قال المبرد: حكمك لك مسمطا أي مثبت نافذ غير مردود، وقد
~~شاع هذا فيما بينهم لكن ذكروا أن فيه شذوذا من وجهين، والآية على قراءة
~~الأمير كرم الله تعالى وجهه أكثر شذوذا منه كما لا يخفى على المتدرب في
~~علم العربية.

# { إن أبانا } أي في ترجيحهما علينا في المحبة مع فضلنا عليهما
~~وكونهما بمعزل عن كفاية الأمور { لفي ضلل } أي خطأ في الرأي وذهاب
~~عن طريق التعديل اللائق من تنزيل كل منا منزلته { مبين } ظاهر الحال،
~~وجعل الضلال ظرفا لتمكنه فيه، ووصفه بالمبين إشارة إلى أن ذلك غير مناسب
~~له بزعمهم والتأكيد لمزيد الاعتناء، يروى أنه عليه السلام كان أحب إليه
~~لما يرى فيه من أن المخايل وكانت إخوته يحسدونه فلما رأى الرؤيا تضاعفت
~~له المحبة فكان لا يصبر عنه ويضمه كل ساعة ms04568 إلى صدره ولعله أحس قلبه
~~بالفراق فتضاعف لذلك حسدهم حتى حملهم على ما قص الله تعالى عنهم، وقال
~~بعضهم: إن سبب زيادة حبه عليه السلام ليوسف وأخيه صغرهما وموت أمهما، وحب
~~الصغير أمر مركوز في فطرة البشر فقد قيل لابنة الحسن: أي بنيك أحب إليك؟
~~قالت: الصغير حتى يكبر والغائب حتى يقدم والمريض حتى يشفى، وقد نظم بعض
~~الشعراء في محبة الولد الصغير قديما وحديثا، ومن ذلك ما قاله الوزير
~~أبو مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري من قصيدة بعث بها إلى أولاده وهو
~~في السجن:

# وصغيرهم عبد العزيز فإنني

# أطوى لفرقته جوى لم يصغر

# ذاك المقدم في الفؤاد وإن غدا

# كفأ لكم في المنتمى والعنصر

# إن البنان الخمس أكفاء معا

# والحلي دون جميعها للخنصر

# وإذا الفتى فقد الشباب سماله

# حب البنين ولا كحب الأصغر

# وفيه أن منشأ زيادة الحب لو كانت ما ذكر لكان بنيامين أوفر حظا في ذلك
~~لأنه أصغر من يوسف عليه السلام كما يدل عليه قولهم: إن أمهما ماتت في
~~نفاسه، والآية كما أشرنا إليه مشيرة إلى أن محبته لأجل شقيقه يوسف فالذي
~~ينبغي أن يعول عليه أنه عليه السلام إنما أحبه أكثر منهم لما رأى فيه من
~~مخايل الخير ما لم ير فيهم وزاد ذلك الحب بعد الرؤيا لتأكيدها تلك
~~الأمارات عنده ولا لوم على الوالد في تفضيله بعض ولده على بعض في المحبة
~~لمثل ذلك، وقد صرح غير واحد أن المحبة ليست مما تدخل تحت وسع البشر
~~والمرء معذور فيما لم يدخل تحته، نعم ظن أبناؤه أن ما كان منه عليه
~~السلام إنما كان عن اجتهاد وأنه قد أخطأ في ذلك والمجتهد يخطىء ويصيب وإن
~~كان نبيا، وبهذا ينحل ما قيل: إنهم إن كانوا قد آمنوا بكون أبيهم رسولا
~~حقا من عند الله تعالى فكيف اعترضوا / وكيف زيفوا طريقته وطعنوا فيما هو
~~عليه، وإن كانوا مكذبين بذلك فهو يوجب كفرهم والعياذ بالله تعالى وهو مما
~~لم يقل به أحد ووجه الانحلال ظاهر.

### || [12.9]

# { اقتلوا ms04569 يوسف أو اطرحوه أرضا } الظاهر أن هذا من جملة
~~ما حكى بعد قوله سبحانه:

# إذ قالوا

# [يوسف: 8] وقد قاله بعض منهم مخاطبا للباقين وكانوا راضين بذلك إلا من
~~قال:

# لا تقتلوا

# [يوسف: 10] الخ، ويحتمل أنه قاله كل منهم مخاطبا للبقية، والاستثناء هو
~~الاستثناء، وزعم بعضهم أن القائل رجل غيرهم شاوروه في ذلك وهو خلاف
~~الظاهر ولا ثبت له، والظاهر أن القائل خيرهم بين الأمرين القتل والطرح.
~~وجوز أن يكون المراد قال بعض: اقتلوا يوسف وبعض اطرحوه والطرح رمي الشيء
~~وإلقاؤه، ويقال: طرحت الشيء أبعدته، ومنه قول عروة بن الورد:

# ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا

# من المال يطرح نفسه كل مطرح

# ونصب { أرضا } على إسقاط حرف الجر كما ذهب إليه الحوفي وابن عطية أي
~~ألقوه في أرض بعيدة عن الأرض التي هو فيها، وقيل: نصب على أنه مفعول ثان
~~ لاطرحوه  لتضمينه معنى أنزلوه فهو كقوله تعالى:

# أنزلني منزلا مباركا

# [المؤمنون: 29]، وقيل: منصوب على الظرفية، ورده ابن عطية وغيره بأن ما
~~ينتصب على الظرفية المكانية لا يكون إلا مبهما وحيث كان المراد أرضا
~~بعيدة عن أرضه لم يكن هناك إبهام، ودفع بما لا يخلو عن نظر، وحاصل المعنى
~~اقتلوه أو غربوه فإن التغريب كالقتل في حصول المقصود مع السلامة من إثمه،
~~ولعمري لقد ذكروا أمرين مرين فإن الغربة كربة أية كربة؛ ولله تعالى در من
~~قال:

# حسنوا القول وقالوا غربة

# إنما الغربة للأحرار ذبح

# { يخل لكم وجه أبيكم } بالجزم جواب الأمر، والوجه الجارحة
~~المعروفة، وفي الكلام كناية تلويحية عن خلوص المحبة، ومن هنا قيل: أي
~~يقبل عليكم إقبالة واحدة لا يلتفت عنكم إلى غيركم، والمراد سلامة محبته
~~لهم ممن يشاركهم فيها وينازعهم إياها، وقد فسر الوجه بالذات والكناية
~~بحالها خلا أن الانتقال إلى المقصود بمرتبتين على الأول وبمرتبة على هذا،
~~وقيل: الوجه بمعنى الذات، وفي الكلام كناية عن التوجه والتقيد بنظم
~~أحوالهم وتدبير أمورهم لأن خلوه لهم يدل على فراغه عن شغل يوسف عليه
~~السلام فيشتغل بهم وينظم أمورهم، ولعل الوجه ms04570 الأوجه هو الأول {
~~وتكونوا } بالجزم عطفا على جواب الأمر. وبالنصب بعد الواو بإضمار
~~أن أي يجتمع لكم خلو وجهه والكون { من بعده } أي بعد يوسف على معنى بعد
~~الفراغ من أمره أو من بعد قتله أو طرحه، فالضمير إما ليوسف أو لأحد
~~المصدرين المفهومين من الفعلين. { قوما صلحين } بالتوبة والتنصل
~~إلى الله تعالى عما جئتم به من الذنب كما روي عن الكلبي وإليه ذهب
~~الجمهور، فالمراد بالصلاح الصلاح الديني بينهم وبين الله تعالى، ويحتمل
~~أن المراد ذلك لكن بينهم وبين أبيهم بالعذر وهو وإن كان مخالفا للدين
~~لكونه كذبا لكنه موافق له من جهة أنهم يرجون عفو أبيهم وصفحه / به
~~ليخلصوا من العقوق على ما قيل، ويحتمل أن يراد الصلاح الدنيوي أن صالحين
~~في أمر دنياكم فإنه ينتظم لكم بعده بخلو وجه أبيكم، وإيثار الخطاب في {
~~لكم } وما بعده للمبالغة في حملهم على القبول فإن اعتناء المرء بشأن
~~نفسه واهتمامه بتحصيل منافعه أتم وأكمل.

### || [12.10]

# { قال قائل منهم } هو يهوذا وكان رأيه فيه أهون شرا من رأي
~~غيره وهو القائل:

# فلن أبرح الأرض

# [يوسف: 80] الخ قاله السدي. وقال قتادة وابن إسحاق: هو روبيل، وعن مجاهد
~~أنه شمعون، وقيل: دان، وقال بعضهم: إن أحد هذين هو القائل:

# اقتلوا يوسف

# [يوسف: 9] الخ، وأما القائل: { لا تقتلوا يوسف } فغيره، ولعل
~~الأصح أنه يهوذا. قيل: وإنما لم يذكر أحد منهم باسمه سترا على المسيء
~~وكل منهم لم يخل عن الإساءة وإن تفاوتت مراتبها، والقول بأنه على هذا لا
~~ينبغي لأحد أن يعين أحدا منهم باسمه تأسيا بالكتاب ليس بشيء لأن ذلك
~~مقام تفسير وهو فيه أمر مطلوب. والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا كأن
~~سائلا سأل اتفقوا على ما عرض عليهم من خصلتي الصنيع أم خالفهم في ذلك
~~أحد؟ فقيل: قال قائل منهم: لا تقتلوا الخ، والإتيان  بيوسف  دون ضميره
~~لاستجلاب شفقتهم عليه واستعظام قتله وهو هو فإنه يروى أنه قال لهم: القتل
~~عظيم ولم يصرح بنهيهم عن الخصلة الأخرى، وأحاله على أولوية ما عرضه عليهم ms04571
~~بقوله: { وألقوه في غيابة الجب } أي في قعره وغوره سمي به
~~لغيبته عن عين الناظر، ومنه قيل للقبر: غيابة، قال المنخل السعدي:

# إذا أنا يوما غيبتني (غيابتي)

# فسيروا بسيري في العشيرة والأهل

# وقال الهروي: الغيابة في الجب شبه كهف أو طاق في البئر فوق الماء يغيب
~~ما فيه عن العيون، والجب الركية التي لم تطو فإذا طويت فهي بئر قال
~~الأعشى:

# لئن كنت في جب ثمانين قامة

# ورقيت أسباب السماء بسلم

# ويجمع على جبب وجباب وأجباب، وسمي جبا لأنه جب من الأرض أي قطع، وسيأتي
~~قريبا إن شاء الله تعالى الكلام في تأنيثه وتذكيره.

# وقرأ نافع - في غيابات  في الموضعين كأن لتلك الجب غيابات، ففيه إشارة
~~إلى سعتها، أو أراد بالجب الجنس أي في بعض غيابات الجب، وقرأ ابن هرمز 
~~غيابات  بتشديد الياء التحتية وهو صيغة مبالغة، ووزنه على ما نقل صاحب
~~«اللوامح» يجوز أن يكون فعالات كحمامات، ويجوز أن يكون فيعالات كشيطانات
~~في جمع شيطانة، وقرأ الحسن (غيبة) بفتحات على أنه في الأصل مصدر كالغلبة،
~~ويحتمل أن يكون جمع غائب كصانع وصنعة، وفي حرف أبي رضي الله تعالى عنه
~~(غيبة) بسكون الياء التحتية على أنه مصدر أريد به الغائب.

# { يلتقطه } أي يأخذه على وجه الصيانة عن الضياع والتلف فإن
~~الالتقاط أخذ شيء مشرف على الضياع كذا قيل، وفي «مجمع البيان» هو أن يجد
~~الشيء ويأخذه من غير أن يحسبه، ومنه قوله:

# ومنهل وردته التقاطا

# { بعض السيارة } أي بعض جماعة تسير في الأرض وأل في السيارة
~~كما في الجب وما فيهما، وفي  البعض  من الإبهام لتحقيق ما يتوخاه من
~~ترويج كلامه بموافقته لغرضهم الذي هو تنائي يوسف عليه السلام عنهم بحيث
~~لا يدرى أثره ولا يروى خبره، وقرأ الحسن  تلتقطه  على التأنيث باعتبار
~~المعنى كما في قوله:

# إذا بعض السنين (تعرفتنا)

# كفى الأيتام فقد أبى اليتيم

# / وجاء قطعت بعض أصابعه وجعلوا هذا من باب اكتساب المضاف من المضاف إليه
~~التأنيث كقوله:

# كما شرقت صدر القناة من الدم

# { إن كنتم فعلين ms04572 } أي إن كنتم عازمين مصرين على أن تفعلوا به
~~ما يفرق بينه وبين أبيه أو إن كنتم فاعلين بمشورتي ورأيي فألقوه الخ،
~~ولم يبت القول لهم بل عرض عليهم ذلك تأليفا لقلوبهم وتوجيها لهم إلى
~~رأيه وحذرا من سوء ظنهم به؛ ولما كان هذا مظنة لسؤال سائل يقول: فما
~~فعلوا بعد ذلك هل قبلوا رأيه أم لا؟ فأجيب على سبيل الاستئناف على وجه
~~أدرج في تضاعيفه قبولهم له بما سيجيء إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه:

# وأجمعوا أن يجعلوه في غيبت الجب

# [يوسف: 15]

### || [12.11]

# { قالوا يأبانا } خاطبوه عليه السلام بذلك تحريكا لسلسلة النسب
~~وتذكيرا لرابطة الأخوة ليتسببوا بذلك استنزاله عن رأيه في حفظه منهم لما
~~أحس بحسدهم فكأنهم قالوا: { ما لك } أي أي شيء لك { لا تأمنا }
~~لا تجعلنا أمناء { على يوسف } مع أنك أبونا ونحن بنوك وهو أخونا {
~~وإنا له لنصحون } مريدون له الخير ومشفقون عليه ليس فينا ما
~~يخل بذلك، وجملة { لا تأمنا } في موضع الحال، وكذا جملة { وإنا
~~له لنصحون } والاستفهام  بمالك  فيه معنى التعجب، والكلام
~~ظاهر في أنه تقدم منهم سؤال أن يخرج عليه السلام معهم فلم يرض أبوهم
~~بذلك.

# وقرأ الجمهور { لا تأمنا } بالادغام والإشمام، وفسر بضم الشفتين
~~من انفراج بينهما إشارة إلى الحركة مع الادغام الصريح كما يكون في الوقف
~~وهو المعروف عندهم وفيه عسر هنا، ويطلق على إشراب الكسرة شيئا من الضمة
~~كما قالوا في قيل، وعلى إشمام أحد حرفين شيئا من حرف آخر كما قالوا في
~~الصراط، وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما وأبو جعفر والزهري وعمرو بن عبيد
~~بالادغام من غير إشمام، وإرادة النفي ظاهرة، وقرأ ابن هرمز بضم الميم مع
~~الإدغام، وهذه الضمة منقولة إلى الميم من النون الأولى بعد سلب حركتها.
~~وقرأ أبي والحسن وطلحة بن مصرف والأعمش  لا تأمننا  بالإظهار وضم النون
~~على الأصل، وهو خلاف خط المصحف لأنه بنون واحدة، وقرأ ابن وثاب وأبو رزين
~~ لا تيمنا  بكسر حرف المضارعة على لغة تميم؛ وسهل الهمزة ms04573 بعد الكسرة
~~ابن وثاب، ولم يسهل أبو رزين. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن عاصم أنه
~~قرأ بذلك بمحضر عبيد بن فضلة فقال له: لحنت، فقال أبو رزين: ما لحن من
~~قرأ بلغة قومه.

### || [12.12]

# { أرسله معنا غدا } نصب على الظرفية الزمانية وهو يطلق على
~~اليوم الذي يلي يومك، وعلى الزمن المستقبل مطلقا، وأصله غدو فحذفت لامه
~~وقد جاء تاما أي ابعثه معنا غدا إلى الصحراء { يرتع } أي يتسع في
~~أكل الفواكه ونحوها، وأصل معنى الرتع أن تأكل وتشرب ما تشاء في خصب وسعة،
~~ويقال: رتع أقام في خصب وتنعم، ويسمى الخصب رتعة بسكون التاء وفتحها،
~~وذكر الراغب أن الرتع حقيقة في أكل البهائم ويستعار للإنسان إذا أريد به
~~الأكل الكثير، وعلى ذلك قوله:

# وإذ يخلو له الحمى رتع

# > { ويلعب } بالاستباق والانتضال ونحوهما مما يتدرب به لقتال
~~العدو، وليس المراد لعب لهو وإلا لم يقرهم عليه يعقوب عليه السلام وإنما
~~عبروا عن ذلك به لكونه على هيئته تحقيقا لما راموه من استصحاب يوسف عليه
~~السلام بتصويرهم له بصورة ما يلائم حاله عليه السلام من صغر السن، وقرأ
~~الجمهور { يرتع ويلعب } بالياء / والجزم، والابنان وأبو عمرو
~~بالنون والجزم، وكسر العين الحرميان، واختلف عن قنبل في إثبات الياء
~~وحذفها، ويروى عن ابن كثير  نرتع  بالنون { ويلعب } بالياء، وهي قراءة
~~جعفر بن محمد، وقرأ العلاء بن سيابة { يرتع } بالياء وكسر العين مجزوما
~~محذوف اللام { ويلعب } بالياء أيضا وضم الباء على أنه مستأنف أو خبر
~~مبتدأ محذوف أي وهو يلعب. وقرأ مجاهد وقتادة وابن محيصن  نرتع  بنون
~~مضمونة وعين ساكنة من أرتعنا  ونلعب  بالنون أيضا، وكذلك أبو رجاء إلا
~~أنه بالياء التحتية فيهما، والقراءتان على حذف المفعول أي نرتع المواشي
~~أو غيرها، والفعلان في هذه القراآت كلها مبنيان للفاعل. وقرأ زيد بن علي
~~رضي الله عنهما { يرتع ويلعب } بالياء والبناء للمفعول فيهما، وخرج ذلك
~~على أن نائب الفاعل ضمير غد، والأصل يرتع فيه ويلعب فيه، ثم حذف الجار
~~واتسع فعدي الفعل للضمير فصار يرتعه ms04574 ويلعبه، ثم بنى للمفعول فاستتر
~~الضمير الذي كان منصوبا لكونه نائبا عن الفاعل، ومن كسر العين من الفعل
~~الأول فهو عنده من المراعاة على ما روي عن مجاهد أي يراعي بعضنا بعضا
~~ويحرسه. وقال ابن زيد: من رعى الإبل أن نتدرب في الرعي وحفظ المال، أو من
~~رعى النبات والكلأ، والمراد نرعى مواشينا إلا أنه أسند ذلك إليهم مجازا،
~~أو تجوز عن أكلهم بالرعي، وضعف ابن عطية القراءة بإثبات الياء، وقال: إن
~~إثباتها في مثل هذا الموضع لا يجوز إلا في الشعر كقوله:

# ألم يأتيك والأنباء تنمي

# بما لاقت لبون بني زياد

# وقيل: إن تقدير حذف الحركة في الياء ونحوها للجازم لغة وليس من الضرورة
~~في شيء، وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل بن حيان أنه كان يقرأ (نلهو ونعلب).

# { وإنا له لحفظون } أي من أن يناله مكروه، والجملة في موضع
~~الحال والعامل فيها فعل الأمر أو الجواب وليس ذلك من باب الأعمال كما قال
~~أبو حيان لان الحال لا تضمر، وذلك الباب لا بد فيه من الإضمار إذا أعمل
~~الأول، وقد أكدوا مقالتهم بأصناف التأكيد من إيراد الجملة اسمية وتحليتها
~~بأن واللام، وإسناد الحفظ إلى كلهم وتقديم { له } على الخبر احتيالا
~~في تحصيل مقصدهم.

### || [12.13]

# { قال } استئناف بياني كأن سائلا يقول: فماذا قال أبوهم لهم؟ فقيل:
~~قال: { إني ليحزنني أن تذهبوا به } لشدة مفارقته علي
~~وقلة صبري عنه، واللام الداخلة على خبر إن إذا كان مضارعا قيل: تقصره
~~على الحال وهو ظاهر كلام سيبويه، وقيل: تكون له ولغيره، واستدلوا بقوله
~~تعالى:

# إن ربك ليحكم بينهم يوم القيمة

# [النحل: 124]، وقيل: إنها للحال إن خلت عن قرينة ومعها تكون لغيره،
~~وجعلوا من ذلك ما في الآية، وبعضهم جعلها هنا للحال، واستشكل بأن الذهاب
~~مستقبل فيلزم تقدم الفعل على فاعله وهو غير جائز لأنه أثره ولا يعقل تقدم
~~الأثر على المؤثر. وأجيب بأن التقدير قصد أو توقع أن تذهبوا به، فالكلام
~~على تقدير المضاف وهو الفاعل وليس ذاك أمرا مستقبلا بل حال، ولا ms04575 يمتنع
~~في مثل ذلك حذف الفاعل لما صرحوا به أنه إنما يمتنع إذا لم يسد مسده
~~شيء وهنا قد سد، ولا يجب أن يكون الساد هو المضاف إليه كما ظن بل لو
~~سد غيره كان الحذف جائزا أيضا، ومن هنا كان تقدير قصدكم أن تذهبوا
~~صحيحا، ويحتمل أن يكون ذلك تقدير معنى لا تقدير إعراب، وقال بعضهم: /
~~إنه يمكن دفع الإشكال من غير حاجة إلى تقدير المضاف بأن يقال: إن الذهاب
~~يحزنه باعتبار تصوره كما قيل نظيره في العلة الغائية، وقال شهاب: ذلك
~~التحقيق أظن أن ما قالوه في توجيه الاشكال مغلطة لا أصل لها فان لزوم كون
~~الفاعل موجودا عند وجود الفعل إنما هو في الفاعل الحقيقي لا النحوي
~~واللغوي فإن الفعل قد يكون قبله سواء كان حالا كما فيما نحن فيه أو
~~ماضيا كما أنه يصح أن يكون الفاعل في مثله أمرا معدوما كما في قوله:

# ومن سره أن لا يرى ما يسوءه

# فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا

# ولم يقل أحد في مثله إنه محتاج إلى التأويل فإن الحزن والغم كالسرور
~~والفرح يكون بالشيء قبل وقوعه كما صرح به ابن هلال في «فروقه»، ولا حاجة
~~إلى تأويل أو تقدير أو تنزيل للوجود الذهني منزلة الخارجي على القول به،
~~أو الاكتفاء به فإن مثله لا يعرفه أهل العربية أو اللسان فإن أبيت إلا
~~اللجاج فيه فليكن من التجوز في النسبة إلى ما يستقبل لكونه سببا للحزن
~~الآن اه.

# وأنت تعلم أنهم صرحوا بأن فعل الفاعل الاصطلاحي إما قائم به أو واقع
~~منه، وقيام الشيء بما لم يوجد بعد ووقوعه منه غير معقول، وحينئذ فالتأويل
~~بما يصح القيام أو الوقوع في فاقد ذلك بحسب الظاهر واجب كذا قيل فتدبر.
~~وقرأ ابن هرمز وابن محيصن  ليحزني  بالإدغام، وبذلك قرأ زيد بن علي رضي
~~الله عنهما، وقرأ أيضا (تذهبوا به) من أذهب رباعيا، ويخرج كما قال أبو
~~حيان على زيادة الباء في { به } كما خرج بعضهم

# تنبت بالدهن

# [المؤمنون: 20] في قراءة ms04576 من ضم التاء وكسر الباء الموحدة على ذلك أي 
~~ليحزني أن تذهبوه .

# { وأخاف أن يأكله الذئب } هو حيوان معروف وخصه بالذكر لأن
~~الأرض على ما قيل: كانت مذئبة، وقيل: لأنه سبع ضعيف حقير فنبه عليه
~~السلام بخوفه عليه السلام عليه منه على خوفه عليه مما هو أعظم منه
~~افتراسا من باب أولى، ولحقارة الذئب خصه الربيع بن ضبع الفزاري في كونه
~~يخشاه لما بلغ من السن ما بلغ في قوله:

# (والذئب) أخشاه إن مررت به

# وحدي وأخشى الرياح والمطرا

# وقيل: لأنه عليه السلام رأى في المنام أن ذئبا قد شد عليه فكان يحذره،
~~ولعل هذا الحذر لأن الأنبياء عليهم السلام لمناسبتهم التامة بعالم
~~الملكوت تكون واقعاتهم بعينها واقعة، وإلا فالذئب في النوم يؤول بالعدو.
~~وادعى بعضهم أنه عليه السلام ورى بالذئب عن واحد منهم فانه عليه السلام
~~أجل قدرا من أن لا يعلم أن رأياه تلك من أي أقسام الرؤيا هي، فإن منها
~~ما يحتاج للتعبير ومنها ما لا يحتاج إليه، والكامل يعرف ذلك. وتعقب بأنه
~~يحتمل أن يكون الأمر قد خفي عليه كما قد خفي مثل ذلك على جده إبراهيم
~~عليه السلام وهو بناء على ما ذكره شيخنا ابن العربي قدس سره من أن رؤياه
~~عليه السلام ذبح ولده من الرؤيا المعبرة بذبح كبش لكنه خفي عليه ذلك ولا
~~يخفى ما فيه، والمذكور في بعض الروايات أنه عليه السلام رأى في منامه
~~كأنه على ذروة جبل وكأن يوسف في بطن الوادي فإذا عشرة من الذئاب قد
~~احتوشته تريد أكله فدرأ عنه واحد ثم انشقت الأرض فتوارى يوسف فيها ثلاثة
~~أيام، وأنا لم أجد لرواية الرؤيا مطلقا سندا يعول عليه ولا حاجة بنا
~~إلى اعتبارها لتكلف الكلام فيها، وبالجملة ما وقع منه عليه السلام من هذا
~~القول كان تلقينا للجواب من غير قصد وهو على أسلوب قوله سبحانه:

# ما غرك بربك الكريم

# [الإنفطار: 6] والبلاء موكل بالمنطق. / وأخرج أبو الشيخ وغيره عن ابن
~~عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ms04577 صلى الله عليه وسلم:

# " لا تلقنوا الناس فيكذبوا فان بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الناس
~~فلما لقنهم أبوهم كذبوا فقالوا: أكله الذئب "

# والحزن ألم القلب لفوت المحبوب والخوف انزعاج النفس لنزول المكروه،
~~ولذلك أسند الأول إلى الذهاب به المفوت لاستمرار مصاحبته ومواصلته ليوسع
~~عليه السلام، والثاني إلى ما يتوقع نزوله من أكل الذئب. والذئب أصله
~~الهمزة وهي لغة الحجاز، وبها قرأ غير واحد.

# وقرأ الكسائي وخلف وأبو جعفر وورش والأعشى وغيرهم بإبدالها ياء لسكونها
~~وانكسار ما قبلها وهو القياس في مثل ذلك، وذكر بعضهم أنه قد همزه على
~~الأصل ابن كثير ونافع في رواية قالون وأبو عمرو وقفا، وابن عامر وحمزة
~~درجا وأبدلا وقفا، ولعل ذلك لأن التقاء الساكنين في الوقف وإن كان
~~جائزا إلا أنه إذا كان الأول حرف مد يكون أحسن. وقال نصر: سمعت أبا عمرو
~~لا يهمزه، والظاهر أنه أراد مطلقا فيكون ما تقدم رواية وهذه أخرى، ويجمع
~~على أذؤب وذئاب وذؤبان، واشتقاقه عند الزمخشري من تذاءبت الريح إذا هبت
~~من كل جهة. وقال الأصمعي: إن اشتقاق تذاءبت من الذب لأن الذئب يفعله في
~~عدوه، قيل: وهو أنسب ولذا عد تذاءبت الريح من المجاز في «الأساس» لكن قيل
~~عليه: إن أخذ الفعل من الأسماء الجامدة  كإبل  قليل مخالف للقياس.

# { وأنتم عنه غفلون } لاشتغالكم بالرتع واللعب أو لقلة
~~اهتمامكم بحفظه.

### || [12.14]

# { قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة } أي والحال أنا
~~جماعة جديرة بأن تعصب بنا الأمور وتكفى بآرائنا وتدبيراتنا الخطوب،
~~واللام الداخلة على الشرط موطئة للقسم، وقوله سبحانه: { إنا إذا
~~لخسرون } جواب مجزىء عن الجزاء، والخسار إما بمعنى الهلاك تجوزا
~~عن الضعف أو استحقاقه، أو عن استحقاق الدعاء به أي بضعفاء عاجزون أو
~~مستحقون للهلاك لا غناء عندنا ولا نفع في حياتنا، أو مستحقون لأن يدعى
~~علينا بالخسار والدمار فيقال: خسرهم الله تعالى ودمرهم إذ أكل الذئب
~~أخاهم وهم معه، وجوز أن يكون بمعناه الحقيقي أي إن لم نقدر على حفظه وهو
~~أعز شيء عندنا فقد ms04578 هلكت مواشينا وخسرناها وإنما اقتصروا على جواب خوف
~~أبيهم عليه السلام من أكل الذئب - مع أنه ذكر في وجه عدم مفارقته أمرين:
~~حزنه لمفارقته. وخوفه عليه من الذئب - لأنه السبب القوي في المنع دون
~~الحزن لقصر زمانه بناءا على سرعة عودهم به، أو لأن حزنه بالذهاب به إنما
~~هو للخوف عليه، فنفي الثاني يدل على نفي الأول، أو لكراهتهم لذلك لأنه
~~سبب حسدهم له فلذلك أعاروه أذنا صماء.

### || [12.15]

# { فلما ذهبوا به وأجمعوا } أي عزموا عزما مصمما على {
~~أن يجعلوه في غيابة الجب } قيل: هو بئر على ثلاث فراسخ من
~~مقام يعقوب عليه السلام بكنعان التي هي من نواحي الأردن، وقيل: هو بين
~~مصر ومدين، وقيل: بنفس أرض الأردن، وزعم بعضهم أنها بئر بيت المقدس،
~~وتعقب بأنه يرده التعليل بالتقاط بعض السيارة ومجيئهم عشاء ذلك اليوم فإن
~~بين منزل يعقوب عليه السلام وبيت المقدس مراحل وجواب  لما  محذوف
~~إيذانا بظهوره وإشعارا بأن تفصيله مما لا يحويه فلك العبارة ومجمله
~~فعلوا ما فعلوا، وقدره بعضهم عظمت فتنتهم وهو أولى من تقدير وضعوه فيها،
~~وقيل: لا حذف والجواب أوحينا، والواو زائدة وليس بشيء.

# قال وهب وغيره من أهل السير والأخبار: إن إخوة يوسف عليه السلام قالوا:
~~أما تشتاق أن تخرج معنا / إلى مواشينا فنتصيد ونستبق؟ فقال عليه السلام:
~~بلى قالوا: فسل أباك أن يرسلك معنا، فقال عليه السلام: أفعل فدخلوا
~~بجماعتهم على يعقوب فقالوا: يا أبانا إن يوسف قد أحب أن يخرج معنا إلى
~~مواشينا، فقال يعقوب: ما تقول يا بني؟ قال: نعم يا أبت إني أرى من إخوتي
~~من اللين واللطف فأحب أن تأذن لي وكان يعقوب يكره مفارقته ويحب مرضاته
~~فأذن له وأرسله معهم فلما خرجوا به جعلوا يحملونه على رقابهم ويعقوب ينظر
~~إليهم فلما بعدوا عنه وصاروا به إلى الصحراء ألقوه إلى الأرض وأظهروا له
~~ما في أنفسهم من العداوة وبسطوا له القول وجعلوا يضربونه فجعل كلما جاء
~~إلى واحد منهم واستغاث به ضربه فلما فطن لما عزموا عليه ms04579 جعل ينادي يا
~~أبتا لو رأيت يوسف وما نزل به من إخوته لأحزنك ذلك وأبكاك يا أبتاه ما
~~أسرع ما نسوا عهدك وضيعوا وصيتك وجعل يبكي بكاءا شديدا فأخذه روبيل
~~فجلد به الأرض ثم جثم على صدره وأراد قتله، فقال له يوسف: مهلا يا أخي
~~لا تقتلني، فقال له: يا ابن راحيل أنت صاحب الأحلام قل لرؤياك تخلصك من
~~أيدينا ولوى عنقه فاستغاث بيهوذا وقال له: اتق الله تعالى في وحل بيني
~~وبين من يريد قتلي فأدركته رحمة الأخوة ورق له فقال: يا إخواتاه ما على
~~هذا عاهدتموني ألا أدلكم على ما هو أهون لكم وأرفق به؟ قالوا: وما هو؟
~~قال: تلقونه في هذا الجب فإما أن يموت أو يلتقطه بعض السيارة فانطلقوا به
~~إلى بئر هناك واسع الأسفل ضيق الرأس فجعلوا يدلونه فيها فتعلق بشفيرها
~~فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال: يا إخوتاه ردوا علي قميصي لأستتر به في
~~الجب فلم يفعلوا ثم ألقوه فيها، فقال لهم: يا إخواتاه أتدعوني وحيدا؟
~~قالوا: أدع الشمس والقمر والكواكب تؤنسك.

# وقيل: جعلوه في دلو ثم أدلوه فلما بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت وكان
~~في البئر ماء فسقط فيه ثم قام على صخرة فيها.

# وروي أنهم لما ألقوه في الجب جعل يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم
~~فأجابهم فأرادوا رضخه بصخرة ليقتلوه فمنعهم يهوذا وكان عند يعقوب قميص
~~إبراهيم عليه السلام الذي كساه الله تعالى إياه من الجنة حين ألقى في
~~النار وكان قد جعله في قصبة من فضة وعلقة في عنق يوسف لما خرج مع إخوته
~~فلما صار في البئر أخرجه ملك وألبسه أياه فأضاء له الجب، وعن الحسن أنه
~~لما ألقي فيها عذب ماؤها وكان يغنيه عن الطعام والشراب ونزل عليه جبريل
~~عليه السلام يؤنسه فلما أمسى نهض ليذهب فقال له: إني أستوحش إذا ذهبت،
~~فقال: إذا رمت شيئا فقل: يا صريخ المستصرحين ويا غوث المستغيثين ويا
~~مفرج كرب المكروبين قد ترى مكاني وتعلم حالي ولا يخفى عليك شيء من أمري ms04580
~~فلما قالها يوسف عليه السلام حفتة الملائكة عليهم السلام واستأنس بهم.

# وقال محمد بن مسلم الطائفي: إنه عليه السلام لما ألقي في الجب قال: يا
~~شاهدا غير غائب ويا قريبا غير بعيد ويا غالبا غير مغلوب اجعل لي فرجا
~~مما أنا فيه، وقيل: كان يقول: يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ارحم ضعفي
~~وقلة حيلتي وصغر سني، وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " لما ألقي يوسف في الجب أتاه جبريل عليه السلام فقال: يا غلام من ألقاك
~~في هذا الجب؟ قال: إخوتي قال: ولم؟ قال: لمودة أبي إياي حسدوني، قال:
~~تريد الخروج من ههنا؟ قال: ذاك إلى إله يعقوب، قال: قل: اللهم إني أسألك
~~باسمك المكنون المخزون يا بديع السماوات والأرض ياذا الجلال والإكرام أن
~~تغفر لي وترحمني وأن تجعل من أمري فرجا ومخرجا وأن ترزقني من حيث أحتسب
~~ومن حيث لا أحتسب فقالها فجعل الله تعالى له من أمره فرجا / ومخرجا
~~ورزقه ملك مصر من حيث لا يحتسب ثم قال عليه الصلاة والسلام: ألظوا بهؤلاء
~~الكلمات فإنهن دعاء المصطفين الأخيار "

# وروى غير ذلك، والروايات في كيفية إلقائه وما قال وما قيل له كثيرة، وقد
~~تضمنت ما يلين له الصخر لكن ليس فيها ما له سند يعول عليه، والله تعالى
~~أعلم.

# { وأوحينا إليه } الضمير ليوسف أي أعلمناه عند ذلك تبشيرا له
~~بما يؤول إليه أمره وإزالة لوحشته وتسلية له، وكان ذلك على ما روي عن
~~مجاهد بالإلهام؛ وقيل: بالإلقاء في مبشرات المنام، وقال الضحاك وقتادة:
~~بإرسال جبريل عليه السلام إليه والموحى إليه ما تضمنه قوله سبحانه: {
~~لتنبئنهم بأمرهم هذا } وهو بشارة له بالخلاص أيضا أي
~~لتخلصن مما أنت فيه من سوء الحال وضيق المجال ولتخبرن إخوتك بما فعلوا بك
~~{ وهم لا يشعرون } بأنك يوسف لتباين حاليك: حالك هذا وحالك
~~يومئذ بعلو شأنك وكبرياء سلطانك وبعد حالك من أوهامهم، وقيل: لبعد العهد
~~المبدل للهيآت المغير للاشكال والأول أدخل في التسلية، أخرج ابن جرير
~~وابن ms04581 أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما دخل إخوة يوسف على يوسف فعرفهم وهم
~~له منكرون جيء بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن، فقال: إنه ليخبرني هذا
~~الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف يدنيه دونكم وأنكم انطلقتم
~~به فألقيتموه في غيابة الجب فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله وجئتم على
~~قميصه بدم كذب، فقال بعضهم لبعض: إن هذا الجام ليخبره بخبركم، ثم قال ابن
~~عباس: فلا نرى هذه الآية: { لتنبئنهم بأمرهم } الخ نزلت
~~إلا في ذلك، وجوز أن يتعلق { وهم لا يشعرون } بالإيحاء على معنى
~~أنا آنسناه بالوحي وأزلنا عن قلبه الوحشة التي أورثوه إياها وهم لا
~~يشعرون بذلك ويحسبون أنه مستوحش لا أنيس له.

# وروي ذلك عن قتادة، وكان هذا الإيحاء وهو عليه السلام ابن ست عند الضحاك
~~واثنتي عشرة سنة أو ثماني عشرة سنة عند الحسن وسبع عشرة سنة عند ابن
~~السائب  وهو الذي يزعمه اليهود  وقيل غير ذلك، ومن نظر في الآيات ظهر
~~له أن الراجح كونه عليه السلام لم يبلغ الحلم إذ ذاك، وعلى جميع الأقوال
~~أنه عليه السلام لم يكن بالغا الأربعين عند الايحاء إليه، نعم أكثر
~~الأنبياء عليهم السلام نبئوا في سن الأربعين وقد أوحي إلى بعضهم  كيحيى
~~وعيسى عليهما السلام  قبل ذلك بكثير. وزعم بعضهم أن ضمير { إليه }
~~يعود على يعقوب عليه السلام وليس بشيء كما لا يخفى.

# وقرأ ابن عمر رضي الله عنهما (لينبئنهم) بياء الغيبة وكذا في مصاحف
~~البصرة. وقرأ سلام بالنون على أنه وعيد لهم، فقوله سبحانه: { وهم لا
~~يشعرون } متعلق  بأوحينا  لا غير على ما قاله الزمخشري ومن تبعه،
~~ونظر فيه بأنه يجوز أن يتعلق أيضا بقوله تعالى: { لننبئنهم } وأن يراد
~~بإنباء الله تعالى إيصال فعلهم به عليه السلام وهم لا يشعرون بذلك، ودفع
~~بأنه بناءا على الظاهر وأنه لا يجتمع إنباء الله تعالى مع عدم شعورهم
~~بما أنبأهم به إلا بتأويل كتقدير لنعلمنهم بعظيم ما ارتكبوه قبل وهم لا
~~يشعرون بما فيه.

### || [12.16] ms04582

# { وجآءوا أباهم عشآء } أي في ذلك الوقت وهو  كما قال الراغب 
~~من صلاة المغرب إلى العتمة والعشاآن: المغرب والعتمة. وعن الحسن أنه قرأ
~~ عشيا  بضم العين وفتح الشين وتشديد الياء منونا وهو تصغير عشي وهو
~~من / زوال الشمس إلى الصباح، وعنه أنه قرأ  عشى  بالضم والقصر كدجى
~~فنصبه على الحال وهو جمع أعشى عند بعض وعاش عند آخرين، وأصله عشاة كماش
~~ومشاة فحذفت الهاء تخفيفا، وأورد عليهما بأنه لا جواز لمثل هذا الحذف
~~وأنه لا يجمع أفعل فعلاء على فعل بضم الفاء وفتح العين بل فعل بسكون
~~العين، ولذا قيل: كان أصله عشوا فنقلت حركة الواو إلى ما قبلها لكونه
~~حرفا صحيحا ساكنا ثم حذفت بعد قلبها ألفا لالتقاء الساكنين وإن قدر
~~ما بكوا به في ذلك اليوم لا يعشو منه الإنسان؛ وأجيب عن هذا بأن المقصود
~~المبالغة في شدة البكاء والنحيب لا حقيقته أي كان يضعف بصرهم لكثرة
~~البكاء، وقيل: هو جمع عشوة مثلث العين وهي ركوب أمر على غير بصيرة يقال:
~~أوطأه عشوة أي أمرا ملتبسا يوقعه في حيرة وبلية فيكون تأكيدا لكذبهم
~~وهو تمييز أو مفعول له، وجوز أن يكون جمع عشوة بالضم بمعنى شعلة النار
~~عبارة عن سرعتهم لابتهاجهم بما فعلوا من العظيمة وافتعلوا من العضيهة،
~~وجوز أن يكون { عشآء } في قراءة الجمهور جمع عاش مثل راع ورعاء ويكون
~~نصبه على الحال، والظاهر الأول، وإنما  جاءوا عشاء  إما لأنهم لم يصلوا
~~من مكانهم إلا في ذلك الوقت، وإما ليكونوا أقدر على الاعتذار لمكان
~~الظلمة التي يرتفع فيها الحياء، ولذا قيل: لا تطلب الحاجة بالليل فإن
~~الحياء في العينين ولا تعتذر في النهار من ذنب فتلجلج في الاعتذار وهل
~~جاءوا في عشاء اليوم الذي ذهبوا فيه أو في عشاء يوم آخر؟ ظاهر كلام بعضهم
~~الأول، وذهب بعضهم إلى الثاني بناءا على ما روي أنه عليه السلام مكث في
~~الجب ثلاثة أيام وكان إخوته يرعون حواليه وكان يهوذا يأتيه بالطعام. وفي
~~الكلام  على ما في البحر  حذف والتقدير: ms04583 وجاءوا أباهم دون يوسف عشاءا.

# { يبكون } أي متباكين أي مظهرين البكاء بتكلف لأنه لم يكن عن جزن
~~لكنه يشبهه، وكثيرا ما يفعل بعض الكذابين كذلك، أخرج ابن المنذر عن
~~الشعبي قال: جاءت امرأة إلى شريح تخاصم في شيء فجعلت تبكي فقالوا: يا
~~أيا أمية أما تراها تبكي؟! فقال: قد جاء إخوة يوسف أباهم عشاءا يبكون،
~~وقال الأعمش: لا يصدق باك بعد إخوة يوسف، وفي بعض الآثار أن يعقوب عليه
~~السلام لما سمع بكاءهم قال: ما بالكم أجرى في الغنم شيء؟ قالوا: لا قال:
~~فما أصابكم وأين يوسف؟.

### || [12.17]

# { قالوا يأبانآ إنا ذهبنا نستبق } أي متسابقين في
~~العدو على الأقدام على ما روي عن السدي، أو في الرمي بالسهام كما قال
~~الزجاج، أو في أعمال نتوزعها من سقي ورعي واحتطاب أو في الصيد وأخذه كما
~~قيل، ورجح ما قاله الزجاج بقراءة عبد الله  إنا ذهبنا ننتضل  وأورد على
~~الأول أنه كيف ساغ لهم الاستباق في العدو وهو من أفعال الصبيان التي لا
~~ثمرة فيها، وأجيب باملنع وثمرته التدرب في العدو لمحاربة العدو ومدافعة
~~الذئب مثلا؛ وبالجملة { نستبق } بمعنى نتسابق ((وقد يشترك الافتعال
~~والتفاعل فيكونان بمعنى كالانتضال والتناضل ونظائرهما { وتركنا
~~يوسف عند متعنا } أي ما يتمتع به من الثياب والازواد وغيرهما
~~{ فأكله الذئب } عقيب ذلك من غير مضي زمان يعتاد فيه التفقد
~~والتعهد وحيث لا يكاد يطرح المتاع عادة إلا في مقام يؤمن فيه الغوائل لم
~~يعهد تركه عليه السلام عنده ن باب الغفلة وترك الحفظ الملتزم لا سيما إذ
~~لم يغيبوا عنه فكأنهم قالوا: إنا لم نقصر في محافظته ولم نغفل عن مراقبته
~~بل تركناه في مأمننا ومجمعنا بمرأى منا وما فارقناه إلا ساعة يسيرة بيننا
~~وبينه مسافة قصيرة فكان ما كان)) قاله شيخ الإسلام، والظاهر أنهم لم
~~يريدوا / إلا أن الذئب أكل يوسف ولم يقصدوا بذلك تعريضا فما قيل: إنهم
~~عرضوا وأرادوا أكل الذئب المتاع لا يلتفت إليه لما فيه من الخروج عن
~~الجادة من غير موجب.

# { ومآ أنت بمؤمن ms04584 لنا } أي ما أنت مصدق لنا في هذه المقالة {
~~ولو كنا } عندك وفي اعتقادك { صدقين } أي موصوفين بالصدق
~~والثقة لفرط محبتك فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا، قيل: ولا بد
~~من هذا التأويل إذ لو كان المعنى ولو كنا صادقين في نفس الأمر لكان
~~تقديره فكيف إذا كنا كاذبين فيه فيلزم اعترافهم بكذبهم فيه، وقد تقدم أن
~~المراد في مثل ذلك تحقيق الحكم السابق على كل حال فكأنه قيل هنا: وما أنت
~~بمؤمن لنا في حال من الأحوال فتذكر وتأمل.

### || [12.18]

# { وجآءوا على قميصه بدم كذب } أي ذي كذب أو وصف بالمصدر
~~مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه كما يقال للكذاب: هو الكذب بعينه والزور
~~بذاته، ومن ذلك ما في قوله:

# أفيضوا على عزابكم من بناتكم

# فما في كتاب الله أن يحرم الفضل

# وفيهن فضل قد عرفنا مكانه

# فهن به (جود) وأنتم به (بخل)

# > وبعضهم يؤول كذب بمكذوب فيه فإن المصدر قد يؤول بمثل ذلك، وقرأ زيد
~~بن علي رضي الله عنهما (كذبا) بالنصب وخرج على أنه في موضع الحال من
~~فاعل { جآءوا } بتأويل كاذبين، وقيل: من دم على تأويل مكذوبا فيه،
~~وفيه أن الحال من النكرة على خلاف القياس، وجوز أن يكون مفعولا من أجله
~~أي جاءوا بذلك لأجل الكذب، وقرأت عائشة رضي الله تعالى عنها والحسن  كدب
~~ بالدال المهملة وليس من قلب الذال دالا بل هو لغة أخرى بمعنى كدر أو
~~طرى أو يابس فهو من الأضداد، وقال صاحب «اللوامح»: المعنى ذي كدب أي أثر
~~لأن الكدب بياض يخرج في أظافير الشبان ويؤثر فيها فهو كالنقش ويسمى ذلك
~~الفوق ولم يعتبر بعض المحققين تقدير المضاف وجعل ذلك من التشبيه البليغ
~~أو الاستعارة فإن الدم في القميص يشبه الكدب من جهة مخالفة لونه لون ما
~~هو فيه.

# وقوله سبحانه: { على قميصه }  على ما ذهب إليه أبو البقاء  حال
~~من دم، وفي جواز تقديم الحال على صاحبها المجرور بالحرف غير الزائد خلاف،
~~والحق كما قال السفاقسي: الجواز لكثرة ذلك ms04585 في كلامهم، وفي «اللباب» ولا
~~تتقدم على صاحبها المجرور على الأصح نحو مررت جالسة بهند إلا أن يكون
~~الحال ظرفا على أن الحق ما اختاره ابن مالك من جواز التقديم مطلقا،
~~وقال الزمخشري ومن تبعه: إنه في موضع النصب على الظرفية أي جاءوا فوق
~~قميصه كما تقول: جاء على جماله بأحمال، وأراد على ما في «الكشف» أن { على
~~} على حقيقة الاستعلاء وهو ظرف لغو، ومنع في «البحر» كون العامل فيه
~~المجيء لأنه يقتضي أن الفوقية ظرف للجائين، وأجيب بأن الظرفية ليست
~~باعتبار الفاعل بل باعتبار المفعول. وفي بعض «الحواشي» أن الأولى أن
~~يقال: جاءوا مستولين على قميصه، وقوله سبحانه: { بدم } حال من القميص،
~~وجعل المعنى استولوا على القميص ملتبسا بدم جائين، وهو على ما قيل: أولى
~~من جاءوا مستولين لما تقرر في التضمين، والأمر في ذلك سهل فإن جعل المضمن
~~أصلا والمذكور حالا وبالعكس كل منهما جائز وإذا اقتضى المقام أحدهما
~~رجح، واستظهر كونه ظرفا للمجيء المتعدي، والمعنى أتوا بدم كذب فوق قميصه
~~ولا يخفي استقامته.

# هذا ثم إن ذلك الدم كان دم سخلة ذبحوها ولطخوا بدمها القميص كما روي عن
~~ابن عباس ومجاهد.

# وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة أنهم أخذوا ظبيا فذبحوه
~~فلطخوا بدمه القميص، ولما جاءوا / به جعل يقلبه فيقول: ما أرى به أثر ناب
~~ولا ظفر إن هذا السبع رحيم، وفي رواية أنه أخذ القميص وألقاه على وجهه
~~وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص، وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من
~~هذا أكل ابني ولم يمرق عليه قميصه، وجاء أنه بكى وصاح وخر مغشيا عليه
~~فأفاضوا عليه الماء فلم يتحرك ونادوه فلم يجب ووضع يهوذا يده على مخارج
~~نفسه فلم يحس بنفس ولا تحرك له عرق، فقال: ويل لنا من ديان يوم الدين
~~ضيعنا أخانا وقتلنا أبانا فلم يفق إلا ببرد السحر.

# { قال بل سولت لكم أنفسكم } أي زينت وسهلت { أمرا }
~~من الأمور منكرا لا يوصف ولا يعرف، وأصل التسويل تقدير شيء في ms04586 النفس مع
~~الطمع في إتمامه. وقال الراغب: هو تزيين النفس لما تحرص عليه وتصوير
~~القبيح بصورة الحسن. وقال الأزهري: كأن التسويل تفعيل من سوال الإنسان
~~وهو أمنيته التي يطلبها فتزين لطالبها الباطل وغيره وأصله مهموز، وقيل:
~~من السول بفتحتين وهو استرخاء في العصب ونحوه كأن المسول لمزيد حرصه
~~استرخى عصبه، وفي الكلام حذف على ما في البحر أي لم يأكله الذئب { بل
~~سولت } الخ، وعلمه عليه السلام بكذبهم قيل: حصل من سلامة القميص عن
~~التمزيق وهي إحدى ثلاثة آيات في القميص: ثانيتها عود يعقوب بصيرا
~~بالقائه على وجهه، وثالثتها قده من دبر فإنه كان دليلا على براءة يوسف،
~~وينضم إلى ذلك وقوفه بالرؤيا الدالة على بلوغه مرتبة علياء تنحط عنها
~~الكواكب، وقيل: من تناقضهم فإنه يروى أنه عليه السلام لما قال: ما تقدم
~~عن قتادة قال بعضهم: بل قتله اللصوص فقال: كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم
~~إلى قميصه أحوج منهم إلى قتله؟! ولعله مع هذا العلم إنما حزن عليه السلام
~~لما خشيي عليه من المكروه والشدائد غير الموت، وقيل: إنما حزن لفراقه
~~وفراق الأحبة مما لا يطاق، ولذلك قيل:

# لولا مفارقة الأحباب ما وجدت

# لها المنايا إلى أرواحنا سبلا

# ولا بأس بأن يقال: إنه أحزنه فراقه وخوف أن يناله مكروه.

# { فصبر جميل } أي فأمري صبر جميل، أو فصبري صبر جميل كما قال
~~قطرب، أو فالذي أفعله ذلك كما قال الخليل أو فهو صبر الخ كما قال الفراء،
~~وصبر في كل ذلك خبر مبتدأ محذوف أو فصبر جميل أمثل وأجمل على أنه مبتدأ
~~خبره محذوف، وهل الحذف في مثل ذلك واجب أو جائز؟ فيه خلاف، وكذا اختلفوا
~~فيما إذا صح في كلام واحد اعتبار حذف المبتدأ وإبقاء الخبر واعتبار العكس
~~هل الاعتبار الأول أولى أم الثاني؟.

# وقرأ أبي والأشهب وعيسى بن عمر  فصبرا جميلا  بنصبهما وكذا في مصحف
~~أنس بن مالك، وروي ذلك عن الكسائي، وخرج على أن التقدير فاصبر صبرا على
~~أن اصبر مضارع مسند لضمير المتكلم، وتعقب بأنه لا ms04587 يحسن النصب في مثل ذلك
~~إلا مع الأمر، والتزم بعضهم تقديره هنا بأن يكون عليه السلام قد رجع إلى
~~مخاطبة نفسه فقال: صبرا جميلا على معنى فاصبري يا نفس صبرا جميلا،
~~والصبر الجميل على ما روى الحسن عنه صلى الله عليه وسلم  ما لا شكوى فيه
~~أي إلى الخلق وإلا فقد قال يعقوب عليه السلام:

# إنما أشكو بثي وحزني إلى الله

# [يوسف: 86]، وقيل: إنه عليه السلام سقط حاجباه على عينيه فكان يرفعهما
~~بعصابة فسئل عن سبب ذلك فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان فأوحى الله تعالى
~~إليه أتشكو إلى غيري، فقال يا رب خطيئة فاغفرها. وقيل: المراد من قوله: {
~~فصبر جميل } أني أتجمل لكم في صبري فلا أعاشركم على كآبة الوجه
~~وعبوس / الجبين بل أبقى على ما كنت عليه معكم وهو خلاف الظاهر جدا.

# { والله المستعان } أي المطلوب منه العون وهو إنشاء منه عليه
~~السلام للاستعانة المستمرة { على ما تصفون } متعلق بالمستعان
~~والوصف ذكر الشيء بنعمته وهو قد يكون صدقا وقد يكون كذبا، والمراد به
~~هنا الثاني كما في قوله سبحانه:

# سبحن ربك رب العزة عما يصفون

# [الصافات: 180] بل قيل: إن الصيغة قد غلبت في ذلك ومعنى استعانته عليه
~~السلام بالله تعالى على كذبهم طلبه منه سبحانه إظهار كونه كذبا بسلامة
~~يوسف عليه السلام والاجتماع معه فيكون ذكر الاستعانة هنا نظير

# عسى الله أن يأتيني بهم جميعا

# [يوسف: 83] بعد قوله فيما بعد: { فصبر جميل } ، وفي بعض الآثار
~~أن عائشة رضي الله عنها قالت يوم الإفك: والله لئن حلفت لا تصدقوني ولئن
~~اعتذرت لا تعذروني فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وولده والله المستعان على ما
~~تصفون فأنزل الله تعالى في عذرها ما أنزل، وقيل: المراد إنه تعالى
~~المستعان على احتمال ما تصفونه من هلاك يوسف كأنه عليه السلام بعد أن
~~قال: صبر جميل طلب الإعانة منه تعالى على الصبر وذلك لأن الدواعي
~~النفسانية تدعو إلى إظهار الجزع وهي قوية والدواعي الروحانية الصبر
~~الجميل فكأنه وقعت المحاربة بين الصفتين فما لم تحصل المعونة منه ms04588 جل وعلا
~~لا تحصل الغلبة، فقوله: { فصبر جميل } يجرى مجرى

# إياك نعبد

# [الفاتحة: 5] { والله المستعان على ما تصفون }
~~يجرى مجرى

# وإياك نستعين

# [الفاتحة: 5] ولعل الأول أسلم من القال والقيل، وللإمام الرازي عليه
~~الرحمة في هذا المقام بحث، وهو: أن الصبر على قضاء الله تعالى واجب وأما
~~الصبر على ظلم الظالمين ومكر الماكرين فغير واجب بل الواجب إزالته لاسيما
~~في الضرر العائد إلى الغير فكان اللائق بيعقوب عليه السلام التفتيش
~~والسعي في تخليص يوسف عليه السلام من البلية والشدة إن كان حيا، وفي
~~إقامة القصاص إن صح أنهم قتلوه بل قد يقال: إن الواجب المتعين عليه السعي
~~في طلبه وتخليصه لأن الظاهر أنه كان عالما بأنه حي سليم لقوله:

# وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل
~~الأحاديث

# [يوسف: 6] فإن الظاهر أنه إنما قاله عن وحي، وأيضا إنه عليه السلام كان
~~عظيم القدر جليل الشأن معظما في النفوس مشهورا في الآفاق فلو بالغ في
~~الطلب والتفحص لظهر ذلك واشتهر ولزال وجه التلبيس فما السبب في تركه عليه
~~السلام الفحص مع نهاية رغبته في حضور يوسف وغاية محبته له، وهل الصبر في
~~هذا المقام إلا مذموم عقلا وشرعا؟ ثم قال: والجواب أن نقول: لا جواب عن
~~ذلك إلا أن يقال: إنه سبحانه وتعالى منعه عن الطلب تشديدا للمحنة
~~وتغليظا للأمر، وأيضا لعله عرف بقرائن الأحوال أن أولاده أقوياء وأنهم
~~لا يمكنونه من الطلب والتفحص وأنه لو بالغ في البحث ربما أقدموا على
~~إيذائه وقتله، وأيضا لعله عليه السلام علم أن الله تعالى يصون يوسف عن
~~البلاء والمحنة وأن أمره سيعظم بالآخرة ثم لم يرد هتك ستر أولاده وما رضي
~~بإلقائهم في ألسنة الناس، وذلك لأن أحد الولدين إذا ظلم الآخر وقع الأب
~~في العذاب الشديد لأنه إن لم ينتقم يحترق قلبه على الولد المظلوم وإن
~~أنتقم يحترق على الولد الذي ينتقم منه، ونظير ذلك ما أشار إليه الشاعر
~~بقوله:

# قومي هم قتلوا أميم أخي

# فإذا رميت يصيبني سهمي

# ولئن عفوت لأعفون جللا

# ولئن سطوت ms04589 لموهن عظمي

# فلما وقع يعقوب عليه السلام في هذه البلية رأى أن الأصوب الصبر والسكوت
~~وتفويض الأمر بالكلية إلى الله تعالى لا سيما إن قلنا: إنه عليه السلام
~~كان عالما بأن ما وقع لا يمكن تلافيه حتى يبلغ الكتاب أجله.

### || [12.19]

# { وجآءت } شروع فيما جرى على يوسف عليه السلام في الجب بعد الفراغ عن
~~ذكر ما وقع بين إخوته وبين أبيه أي وجاءت إلى الجب { سيارة } رفقة
~~تسير من جهة مدين إلى مصر وكان ذلك بعد ثلاثة أيام مضت من زمن إلقائه في
~~قول، وقيل: في اليوم الثاني، والظاهر أن الجب كان في طريق سيرهم المعتاد.
~~وقيل: إنه كان في قفرة بعيدة من العمران فأخطأوا الطريق فأصابوه {
~~فأرسلوا } إليه { واردهم } الذي يريد الماء ويستقي لهم وكان
~~ذلك مالك بن ذعر الخزاعي. وقال ابن عطية: الوارد هنا يمكن أن يقع على
~~الواحد وعلى الجماعة اه والظاهر الأول، والتأنيث في { جآءت } والتذكير
~~في { أرسلوا } و { واردهم } باعتبار اللفظ والمعنى، وفي
~~التعبير بالمجيء إيماء إلى كرامة يوسف عليه السلام عند ربه سبحانه، وحذف
~~متعلقة وكذا متعلق الإرسال لظهوره ولذا حذف المتعلق في قوله سبحانه: {
~~فأدلى دلوه } أي أرسلها إلى الجب ليخرج الماء، ويقال: دلا الدلو
~~إذا أخرجها ملأى، والدلو من المؤنثات السماعية فتصغر على دلية وتجمع على
~~أدل. ودلاء ودلي. وقال ابن الشحنة: إن الدلو التي يستقي بها مؤنثة وقد
~~تذكر، وأما الدلو مصدر دلوت وضرب من السير فمذكر ومثلها في التذكير
~~والتأنيث الجب عند الفراء على ما نقله عنه محمد بن الجهم، وعن بعضهم أنه
~~مذكر لا غير وأما البئر مؤنثة فقط في المشهور، ويقال في تصغيرها: بويرة؛
~~وفي جمعها آبار وأبآر وأبؤر وبئار، وفي الكلام حذف أي فأدلى دلوه فتدلى
~~بها يوسف فخرج.

# { قال } استئناف مبني على سؤال يقتضيه الحال. { يبشرى هذا
~~غلم } نادى البشرى بشارة لنفسه أو لقومه ورفقته كأنه نزلها منزلة
~~شخص فناداه فهو استعارة مكنية وتخييلية أي يا بشرى تعالي فهذا أوان
~~حضورك، وقيل: المنادى محذوف كما في ms04590 ياليت أي يا قومي انظروا واسمعوا
~~بشراي، وقيل: إن هذه الكلمة تستعمل للتبشير من غير قصد إلى النداء. وزعم
~~بعضهم أن بشرى اسم صاحب له ناداه ليعينه على إخراجه، وروي هذا عن السدي 
~~وليس بذاك  وقرأ غير الكوفيين  يا بشراي  بالإضافة، وأمال فتحة الراء
~~حمزة والكسائي، وقرأ وريش بين اللفظين. وروي عن نافع أنه قرأ  يا بشراي
~~ بسكون ياء الإضافة ويلزمه التقاء الساكنين على غير حده، واعتذر بأنه
~~أجري الوصل مجرى الوقف ونظائر ذلك كثيرة في القرآن وغيره، وقيل: جاز ذلك
~~لأن الألف لمدها تقوم مقام الحركة، وقرأ أبو الطفيل والحسن وابن أبي
~~إسحاق والجحدري { يبشرى } بقلب الألف ياء وإدغامها في ياء الاضافة
~~وهي لغة لهذيل ولناس غيرهم ومن ذلك قول أبي ذؤيب:

# سبقوا (هوي) وأعنقوا لهواهم

# فتخرموا ولكل جنب مصرع

# ويقولون: يا سيدي ومولى. و  الغلام  كثيرا ما يطلق على ما بين
~~الحولين إلى البلوغ، وقد يطلق على الرجل الكامل كما في قول ليلى الأخيلية
~~في الحجاج بن يوسف الثقفي:

# غلام إذا هز القناة سقاها

# والظاهر أن التنوين فيه للتفخيم، وحق له ذلك فقد كان عليه من أحسن
~~الغلمان، وذكر البغوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " أعطي يوسف شطر الحسن. "

# وقال محمد بن إسحاق: ذهب يوسف وأمه بثلثي الحسن، وحكى الثعلبي عن كعب
~~الأحبار أنه قال: كان / يوسف حسن الوجه جعد الشعر ضخم العينين مستوي
~~الخلق أبيض اللون غليظ الساعدين والساقين خميص البطن صغير السرة وكان إذا
~~تبسم رأيت النور في ضواحكه وإن تكلم رأيت شعاع النور من ثناياه ولا
~~يستطيع أحد وصفه وكان حسنه كضوء النهار عند الليل وكان يشبه آدم عليه
~~السلام يوم خلقه قبل أن يصيب الخطيئة، ويحكى أن جوانب الجب بكت عليه حين
~~خرج منها، ولعله من باب بكت الدار لفقد فلان، والظاهر أن قول الوارد {
~~يبشرى هذا غلام } كان عند رؤيته، وقيل: إنه حين وروده على
~~أصحابه صاح بذاك.

# { وأسروه } أي أخفاه الوارد وأصحابه عن بقية الرفقة حتى لا تراه
~~فتطمع فيه، ms04591 وقيل: أخفوا أمره وكونه وجد في البئر، وقالوا لسائر القافلة:
~~دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر، وقيل: الضمير لإخوة يوسف، وذلك أن
~~بعضهم رجع ليتحقق أمره فرآه عند السيارة فأخبر إخوته فجاءوا إليهم
~~فقالوا: هذا غلام أبق لنا فاشتروه منا فاشتروه وسكت يوسف مخافة أن
~~يقتلوه، وفي رواية أنهم قالوا بالعبرانية: لا تنكر العبودية نقتلك فأقر
~~بها واشتروه منهم، وقيل: كان يهوذا يأتيه بالطعام فأتاه يوم أخرج فلم
~~يجده في الجب ووجده عند الرفقة فأخبر إخوته فأتوهم فقالوا ما قالوا، وروي
~~كون الضمير للإخوة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قيل: وهو المناسب
~~لإفراد { قال } وجمع ضمير  أسروا  وللوعيد الآتي قريبا إن شاء الله
~~تعالى، وليس فيه اختلاف في النظم، ولا يخفى أن الظاهر ما أشير إليه
~~أولا. ونصب قوله سبحانه: { بضعة } على الحال أي أخفوه حال كونه
~~متاعا للتجارة، وفي «الفرائد» أنه ضمن (أسروه) معنى جعلوه أي جعلوه
~~بضاعة مسرين إياه فهو مفعول به. وقال ابن الحاجب: يحتمل أن يكون مفعولا
~~له أي لأجل التجارة وليس شرطه مفقودا لاتحاد فاعله وفاعل الفعل المعلل
~~به إذ المعنى كتموه لأجل تحصيل المال به، ولا يجوز أن يكون تمييزا. وهو
~~من البضع بمعنى القطع وكأن البضاعة إنما سميت بذلك لأنها تقطع من المال
~~وتجعل للتجارة، ومن ذلك البضع بالكسر بما بين الثلاث إلى العشرة أو لما
~~فوق الخمس ودون العشرة، والبضيعة للجزيرة المنقطعة عن البر، واعتبر
~~الراغب في البضاعة كونها قطعة وافرة من المال تقتني للتجارة ولم يعتبر
~~الكثير كونها وافرة.

# { والله عليم بما يعملون } لم يخف عليه سبحانه إسرارهم،
~~وصرح غير واحد أن هذا وعيد لإخوة يوسف عليه السلام على ما صنعوا بأبيهم
~~وأخيهم وجعلهم إياه، وهو هو عرضة للابتذال بالبيع والشراء.

### || [12.20]

# { وشروه } الضمير المرفوع إما للإخوة فشرى بمعنى باع، وإما للسيارة
~~فهو بمعنى اشترى كما في قوله:

# (وشريت) بردا ليتني

# من بعد برد كنت هامه

# وقوله:

# ولو أن هذا الموت يقبل فدية

# (شريت) أبا زيد بما ملكت ms04592 يدي

# وجوز أن يكون على هذا الوجه بمعنى باع بناءا على أنهم باعوه لما
~~التقطوه من بعضهم { بثمن بخس } أي نقص وهو مصدر أريد به اسم
~~المفعول أي منقوص، وجوز الراغب أن يكون بمعنى باخس أي ناقص عن القيمة
~~نقصانا ظاهرا، وقال مقاتل: زيف ناقص العيار، وقال قتادة: بخس ظلم لأنه
~~ظلموه في بيعه، وقال ابن عباس والضحاك في آخرين: البخس الحرام وكان ذلك
~~حراما لأنه ثمن الحر وسمي الحرام بخسا لأنه مبخوس البركة أي منقوصها،
~~وقوله سبحانه: { درهم } بدل من ثمن أي لا دنانير { معدودة } أي
~~قليلة وكنى بالعد عن القلة لأن الكثير يوزن عندهم وكان عدة هذه الدراهم
~~في كثير من الروايات عشرين درهما، وفي رواية / عن ابن عباس اثنين
~~وعشرين، وفي أخرى عنه عشرين وحلة ونعلين، وقيل: ثلاثين وحلة ونعلين،
~~وقيل: ثمانية عشر اشتروا بها أخفافا ونعالا، وقيل: عشرة، وعن عكرمة
~~أنها كانت أربعين درهما، ولا يأبى هذا ما ذكره غير واحد من أن عادتهم
~~أنهم لا يزنون إلا ما بلغ أوقية وهي أربعون درهما إذ ليس فيه نفي أن
~~الأربعين قد تعد.

# { وكانوا فيه } أي في يوسف كما هو الظاهر { من الزهدين } أي
~~الراغبين عنه، والضمير في { وكانوا } إن كان للإخوة فظاهر وإن كان
~~للرفقة وكانوا بائعين فزهدهم فيه لأنهم التقطوه والملتقط للشيء متهاون به
~~لا يبالي بما باعه ولأنه يخاف أن يعرض له مستحق ينتزعه من يده فيبيعه من
~~أول مساوم بأوكس الثمن وإن كان لهم وكانوا مبتاعين بأن اشتروه من بعضهم
~~أو من الإخوة فزهدهم لأنهم اعتقدوا فيه أنه آبق فخافوا أن يخاطروا بما
~~لهم فيه، وقيل: ضمير { فيه } للثمن وزهدهم فيه لرداءته أو لأن مقصودهم
~~ليس إلا إبعاد يوسف عليه السلام وهذا ظاهر على تقدير أن يكون ضمير {
~~كانوا } للإخوة، والجار  على ما نقل عن ابن مالك  متعلق بمحذوف يدل
~~عليه  الزاهدين  أي كانوا زاهدين فيه من الزاهدين، وذلك أن اللام في
~~الزاهدين اسم موصول ولا يتقدم ما في صلة الموصول عليه، ولأن ms04593 ما بعد الجار
~~لا يعمل فيما قبله، وهل { من الزهدين } حينئذ صفة لزاهدين المحذوف
~~مؤكدة كما تقول: عالم من العلماء. أو صفة مبينة أي زاهدين بلغ بهم الزهد
~~إلى أن يعدوا في الزاهدين لأن الزاهد قد لا يكون عرقيا في الزاهدين حتى
~~يعد فيهم إذا عدوا أو يكون خبرا ثانيا؟ كل ذلك محتمل، وليس بدلا من
~~المحذوف لوجود { من } معه، وقدر بعضهم المحذوف أعنى وأنا فيه من
~~الزاهدين، وقال ابن الحاجب في «أماليه»: إنه متعلق بالصلة والمعنى عليه
~~بلا شبهة وإنما فروا منه لما فهموا من أن صلة الموصول لا تعمل فيما قبل
~~الموصول مطلقا، وبين صلة  أل  وغيرها فرق فان هذه على صورة الحرف
~~المنزل منزلة الجزء من الكلمة فلا يمتنع تقديم معمولها عليها فلا حاجة
~~إلى القول بأن تعلقه بالمذكور إنما هو على مذهب المازني الذي جعل  أل 
~~في مثل ذلك حرف تعريف وكأنه لا يرى تقدم معمول المجرور ممتنعا وإلا لم
~~يتم بما ذكره ارتفاع المحذور.

# وزعم بعضهم أنه يلزم بعد عمل اسم الفاعل من غير اعتماد من الغفلة بمكان
~~لأن محل الخلاف عمله في الفاعل والمفعول به الصريح لا في الجار والمجرور
~~الذي يكفيه رائحة الفعل؛ وقال بعض المتأخرين: إن الصفة هنا معتمدة على
~~اسم (كانوا) وهو مبتدأ في الأصل، والاعتماد على ذلك معتبر عندهم، ففي
~~الرضى عند قول ابن الحاجب: والاعتماد على صاحبه ويعني بصاحبه المبتدأ إما
~~في الحال نحو زيد ضارب أخواه أو في الأصل نحو كان زيد ضاربا أخواه
~~وظننتك ضاربا أخواك وإن زيدا ضارب غلاماه، وعلى هذا لا يحتاج في الجواب
~~إلى إخراج الجار والمجرور عن حكم الفاعل والمفعول به الصريح وإن كان له
~~وجه وجيه خلافا لمن أنكره، ومن الناس من يتمسك بعموم يتوسع في الظرف
~~والجار والمجرور ما لا يتوسع في غيرهما في دفع ما يورد على تعلق الجار
~~هنا بالصفة المجرور الواقعة صلة لأل كائنا ما كان فليفهم.

# هذا والشائع أن الباعة إخوته والزاهدين هم، وفي بعض الآثار أنهم ms04594 حين
~~باعوه قالوا للتاجر: إنه لص آبق فقيده ووكل به عبدا أسود فلما جاء وقت
~~ارتحالهم بكى عليه السلام فقال له التاجر: مالك تبكى؟ فقال: أريد أن أصل
~~إلى الذين باعوني لأودعهم وأسلم عليهم سلام من لا يرجع إليهم، فقال
~~التاجر للعبد: خذه واذهب به إلى مواليه ليودعهم ثم ألحقه بالقافلة فما
~~رأيت غلاما أبر من هذا بمواليه ولا قوما أجفى منهم فتقدم العبد به إلى
~~إخوته وكان واحد منهم مستيقظا يحرس الأغنام فلما وصل إليه يوسف وهو يعثر
~~في قيده انكب / عليه وبكى، فقال له: لماذا جئت؟ فقال: جئت لأودعكم وأسلم
~~عليكم فصاح عليهم أخوهم قوموا إلى من أتاكم يسلم عليكم سلام من لا يرجو
~~أن يراكم أبدا فويل لكم من هذا الوداع فقاموا فجعل يوسف ينكب على كل
~~واحد منهم ويقبله ويعانقه، ويقول: حفظكم الله تعالى وإن ضيعتموني آواكم
~~الله تعالى وإن طرتموني رحمكم الله تعالى وإن لم ترحموني.

# قيل: إن الأغنام ألقت ما في بطونها من هول هذا التوديع، ثم أخذه العبد
~~وطلب القافلة فبينما هو على الراحلة إذ مر بقبر أمه راحيل في مقابر كنعان
~~فلما أبصر القبر لم يتمالك أن رمى بنفسه عليه فاعتنقه وجعل يبكي ويقول:
~~يا أماه ارفعي رأسك من التراب حتى تري ولدك مقيدا يا أماه إخوتي في الجب
~~طرحوني ومن أبي فرقوني وبأبخس الأثمان باعوني ولم يرقوا لصغر سني ولم
~~يرحموني فأنا أسأل الله تعالى أن يجمع بيني وبين والدي في مستقر رحمته
~~إنه أرحم الراحمين. فالتفت العبد فلم يره فرجع رآه على القبر فقال: والله
~~لقد صدق مواليك إنك عبد آبق ثم لطمه لطمة شديده فغشي عليه ثم أفاق فقال
~~له: لا تؤاخذني هذا قبر أمي نزلت أسلم عليها ولا أعود بعد لما تكرهه
~~أبدا ثم رفع عينيه إلى السماء وقد تمرغ بالتراب والدموع في وجهه فقال:
~~اللهم إن كانت لي خطيئة أخلقت وجهي عندك فبحرمة آبائي الكرام إبراهيم
~~وإسحاق ويعقوب أن تعفو عني وترحمني يا أرحم الراحمين فضجت الملائكة ms04595 إلى
~~الله تعالى عند ذلك فقال تبارك وتعالى: يا ملائكتي هذا نبي وابن أنبيائي
~~وقد استغاث بي وأنا مغيثه ومغيث المستغيثين يا جبريل أدركه فنزل جبريل
~~عليه السلام فقال: يا صديق الله ربك يقرئك السلام ويقول لك: مهلا عليك
~~فقد أبكيت ملائكة السماوات السبع أتريد أن أطبق السماء على الأرض؟ فقال:
~~لا يا جبريل ارفق بخلق ربي فإنه حليم لا يعجل فضرب الأرض بجناحه فهبت
~~ريح حمراء وكسفت الشمس وأظلمت الغبراء فلم ير أهل القافلة بعضهم بعضا،
~~فقال التاجر: انزلوا قبل أن تهلكوا إن لي سنين عديدة أمر بهذا الطريق فما
~~رأيت كاليوم فمن أصاب منكم ذنبا فليتب منه فما أصابنا هذا إلا بذنب
~~اقترفناه فأخبره العبد بما فعل مع يوسف، وقال يا سيدي: إني لما ضربته رفع
~~عينيه إلى السماء وحرك شفتيه فقال له التاجر: ويحك أهلكتنا وأهلكت نفسك
~~فتقدم إليه التاجر وقال: يا غلام إنا ظلمناك حين ضربناك فإن شئت أن تقتص
~~منها فها نحن بين يديك؟ فقال يوسف: ما أنا من قوم إذا ظلموا يقتصون ولكني
~~من أهل بيت إذا ظلموا عفوا وغفروا ولقد عفوت عنكم رجاء أن يعفوا الله
~~تعالى عني فانجلت الظلمة وسكنت الريح وأسفرت الشمس وأضاءت مشارق الأرض
~~ومغاربها فساروا حتى دخلوا مصر آمنين وكان هذا التاجر فيما قيل: مالك بن
~~ذعر الذي أخرجه من الجب، وقيل: غيره. وروي أنه حين ورد به مصر باعه
~~بعشرين دينارا وزوجي نعل وثوبين أبيضين، وقيل: أدخل السوق للبيع
~~فترافعوا في ثمنه حتى بلغ وزنه مسكا ووزنه ورقا ووزنه حريرا فاشتراه
~~بذلك العزيز الذي كان على خزائن مصر عند ملكها، وقيل: كان خباز الملك
~~وصاحب شرابه ودوابه صاحب السجن المشهور، والمعول عليه هو الأول، واسمه
~~قطفير أو اطفير أو قنطورا، والأول مروي عن ابن عباس، وهو المراد في قوله
~~سبحانه: { وقال الذي اشتراه... }.

### || [12.21]

# { وقال الذى اشتراه من مصر } فهذا الشراء غير الشراء
~~السابق الذي كان بثمن بخس، وزعم اتحادهما ضعيف جدا وإلا لا يبقى لقوله:
~~{ من مصر ms04596 } كثير جدوى. وكان الملك يومئذ الريان بن الوليد العمليقي
~~ومات في حياة / يوسف عليه السلام بعد أن آمن به فملك بعده قابوس بن مصعب
~~فدعاه إلى الايمان فأبى. وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى عليه
~~السلام عاش أربعمائة سنة بدليل قوله تعالى:

# ولقد جآءكم يوسف من قبل بالبينات

# [غافر: 34]، وقيل: فرعون موسى عليه السلام من أولاد فرعون يوسف عليه
~~السلام، والآية من قبيل خطاب الأولاد بأحوال الآباء وهو الصحيح، وظاهر
~~أمر العزيز أنه كان كافرا واستدل في «البحر» على ذلك بكون الصنم في بيته
~~حسبما يذكر في بعض الروايات. وقال مجاهد: كان مؤمنا، ولعل مراده أنه آمن
~~بعد ذاك وإلا فكونه مؤمنا يوم الاشتراء مما لا يكاد يسلم، نعم إنه اعتنى
~~بأمر يوسف عليه السلام ولذا قال: { لامرأته } راعيل بنت رعابيل،
~~وهو المروي عن مجاهد. وقال السدي: زليخا بنت تمليخا، وقيل: اسمها راعيل
~~ولقبها زليخا، وقيل: بالعكس، والجار الأول كما قال أبو البقاء: متعلق 
~~باشتراه  كقولك. اشتريته من بغداد أي فيها أو بها، أو متعلق بمحذوف وقع
~~حالا من { الذي }. أو من الضمير في  اشترى  أي كائنا من أهل مصر،
~~والجار الثاني متعلق  بقال  كما أشرنا إليه لا  باشتراه  ومقول
~~القول: { أكرمي مثوه } أي اجعلي محل ثوائه وإقامته كريما أي
~~حسنا مرضيا، وهذا كناية عن إكرامه عليه السلام نفسه على أبلغ وجه وأتمه
~~لأن من أكرم المحل بتنظيفه وفرشه ونحو ذلك فقد أكرم ضيفه بسائر ما يكرم
~~به، وقيل: المثوى مقحم يقال: الملجس العالي والمقام السامي، والمعنى
~~أحسني تعهده والنظر فيما يقتضيه إكرام الضيف { عسى أن ينفعنا }
~~في قضاء مصالحنا إذا تدرب في الأمور وعرف مجاريها { أو نتخذه
~~ولدا } أي نتبناه ونقيمه مقام الولد، وكان فيما يروى عقيما، ولعل
~~الانفصال لمنع الخلو. وزعم بعضهم أنه لمنع الجمع على معنى عسى أن نبيعه
~~فننتفع بثمنه وليس بشيء، وكان هذا القول من العزيز لما تفرس فيه من مخايل
~~الرشد والنجابة، ومن ذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه فيما أخرجه سعيد ms04597 بن
~~منصور والحاكم وصححه وجماعة: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف
~~فقال لامرأته: { أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا } الخ
~~والمرأة التي أتت موسى فقالت لأبيها:

# يأبت استئجره

# [القصص: 26] وأبو بكر حين استخلف عمر.

# { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } أي جعلنا له فيها
~~مكانا يقال: مكنه فيه أي أثبته فيه.

# ومكن له فيه أي جعل له مكانا فيه، ولتقاربهما وتلازمهما يستعمل كل
~~منهما في مقام الآخر قال سبحانه:

# وكم أهلكنا من قبلهم من قرن مكنهم في
~~الأرض ما لم نمكن لكم

# [الأنعام: 6] والمراد بالمكان هنا المكانة والمنزلة لا البعد المجرد أو
~~السطح الباطن من الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوى أو غير ذلك مما
~~ذهب إليه من ذهب من الفلاسفة إن حقا وإن باطلا، والإشارة إلى ما يفهم
~~مما تقدم من الكلام وما فيه من معنى البعد لتفخيمه، والكاف نصب على
~~المصدرية أي كما جعلنا له مثوى كريما في منزل العزيز أو مكانا عليا في
~~قلبه حتى أمر امرأته دون سائر حواشيه بإكرام مثواه جعلنا له مكانة رفيعة
~~في أرض مصر، وفسر الجعل المذكور بجعله وجيها فيما بين أهل مصر ومحببا
~~في قلوبهم بناء على أنه الذي يؤدي إلى الغاية المذكورة في قوله تعالى: {
~~وعلمتنى من تأويل الأحاديث } / أي بعض تعبير الرؤيا التي
~~عمدتها رؤيا الملك. وصاحبي السجن، وروي هذا المعنى عن مجاهد، وهو الظاهر
~~كما يرشد إليه قوله عليه السلام:

# ذلك مما علمني ربي

# [يوسف: 37] سواء جعل معطوفا على غاية مقدرة ينساق إليها الكلام
~~ويستدعيها النظام كأنه قيل: ومثل ذلك التمكين البديع مكنا ليوسف في الأرض
~~وجعلنا قلوب أهلها كافة محال محبته ليترتب على ذلك ما يترتب مما جرى بينه
~~وبين امرأة العزيز ولنعلمه بعض تأويل الأحاديث فيؤدي ذلك إلى الرتبة
~~العليا والرياسة العظمى، ولعل ترك المعطوف عليه للإشعار بعدم كونه مرادا
~~أو جعل علة لمحذوف كأنه قيل: ولهذه الحكمة البالغة فعلنا ذلك التمكين لا
~~لشيء غيرها مما ليس له عاقبة حميدة.

# واختار بعض المحققين كون ذلك إشارة ms04598 إلى مصدر الفعل المذكور بعده، والكاف
~~مقحمة للدلالة على تأكيد فخامة شأن المشار إليه على ما ذكروا في

# وكذلك جعلنكم أمة وسطا

# [البقرة: 143] والمراد به التمكين في قلب العزيز أو في منزله وكون ذلك
~~تمكينا في الأرض بملابسة أنه عزيز فيها لما أن الذي عليه يدور تلك
~~الأمور إنما هو التمكين في جانب العزيز، وأما التمكين في جانب الناس كافة
~~فتأديته إليها إنما هي باعتبار اشتماله على ذلك التمكين، ولا يخفى أن حمل
~~التمكين في الأرض على التمكين في قلب العزيز أو في منزله خلاف الظاهر،
~~وكذا حمله على ما تقدم، ولعل الظاهر حمله على جعله ملكا يتصرف في أرض
~~مصر بالأمر والنهي إلا أن في جعل التعليم المذكور غاية له خفاء لأن ذلك
~~الجعل من آثاره ونتائجه المتفرعة عليه دون العكس ولم يعهد منه عليه
~~السلام في تضاعيف قضاياه العمل بموجب الرؤيا المنبهة على الحوادث قبل
~~وقوعها عهدا مصححا لجعله غاية لذلك وما وقع من التدارك في أمر السنين
~~فإنما هو عمل بموجب الرؤيا السابقة المعهودة وإرادة ليظهر تعليمنا له كما
~~ترى، وكأن من ذهب إلى ذلك  لأنه الظاهر  أراد بتعليم تأويل الأحاديث
~~تفهيم غوامض أسرار الكتب الإلهية ودقائق سنن الأنبياء عليهم السلام فيكون
~~المعنى حينئذ مكنا له في أرض مصر ليتصرف فيها بالعدل ولنعلمه معاني كتب
~~الله تعالى وأحكامها ودقائق سنن الأنبياء عليهم السلام فيقضي بها بين
~~أهلها، والتعليم الإجمالي لتلك الأحاديث وإن كان غير متأخر عن تمكينه
~~بذلك المعنى إلا أن تعليم كل معنى شخصي يتفق في ضمن الحوادث والإرشاد إلى
~~الحق في كل نازلة من النوازل متأخر عن ذلك صالح لأن يكون غاية له، وأدرج
~~بعضهم الإنجاء تحت الاشارة بذلك، وفيه بحث فتدبر.

# { والله غالب على أمره } لا يمنع عما يشاء ولا ينازع فيما
~~يريد بل إنما أمره لشيء إذا أراد أن يقول له كن فيكون، ويدخل في عموم
~~المصدر المضاف شؤونه سبحانه المتعلقة بيوسف عليه السلام دخولا أوليا أو
~~متول على أمر يوسف عليه السلام ms04599 فيدبره ولا يكله إلى غيره، وإلى رجوع ضمير
~~أمره إلى الله تعالى ذهب ابن جبير، وإلى رجوعه إلى يوسف عليه السلام ذهب
~~القرطبي، وأيا ما كان فالكلام على ما في «الكشف» تذييل أما على الأول
~~فلجريه مجرى قوله تعالى:

# إن البطل كان زهوقا

# [الإسراء: 81] من سابقه لأنه لما كان غالبا على جميع أموره لا يزاحمه
~~أحد ولا يمتنع عليه مراد كانت إرادته تمكين يوسف وكيت وكيت، والوقوع
~~رضيعي لبان، وأما على الثاني فلأن معناه أنه الغالب على أمره يتولاه
~~بلطيف صنعه وجزيل إحسانه وإذا جاء نهر الله تعالى بطل نهر معقل فأين يقع
~~كيد الإخوة وغيرهم كامرأة العزيز موقعه فهو كقوله:

# وعلام أركبه إذا لم أنزل

# من سابقه أعني

# فدعوا نزال فكنت أول نازل

# / والآية على الأول صريحة في مذهب أهل السنة.

# { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أن الأمر كذلك فيما
~~يأتون ويذرون زعما منهم أن لهم من الأمر شيئا، وأنى لهم ذلك؟! وأن
~~الأمر كله لله عز وجل، أو لا يعلمون لطائف صنعه وخفايا فضله، والمراد 
~~بأكثر الناس  قيل: الكفار، ونقل ذلك عن ابن عطية. وقيل: أهل مصر، وقيل:
~~أهل مكة، وقيل: الأكثر بمعنى الجميع، والمراد أن جميع الناس لا يطلعون
~~على غيبه تعالى، والأولى أن يبقى على ما يتبادر منه ولا يقتصر في تفسيره
~~على ما تضمنته الأقوال قبل، بل يراد به من نفى عنه العلم بما تقدم كائنا
~~ما كان، ولا يبعد أن يندرج في عمومه أهل الاعتزال.

### || [12.22]

# { ولما بلغ أشده } أي بلغ زمان انتهاء اشتداد جسمه وقوته
~~وهو سن الوقوف عن النمو المعتد به أعني ما بين الثلاثين والأربعين، وسئل
~~(الفاضل النحوي مهذب الدين محمد بن علي بن علي بن أبي طالب الخيمي) عنه،
~~فقال: هو خمس وثلاثون سنة وتمامه أربعون. وقال الزجاج: هو سبعة عشر عاما
~~إلى نحو الأربعين، وعن مجاهد وقتادة ورواه ابن جبير عن ابن عباس أنه
~~ثلاثة وثلاثون أو ثلاثون أو أحد وعشرون، وقال الضحاك: عشرون، وحكى ابن
~~قتيبة أنه ثمان ms04600 وثلاثون. وقال الحسن: أربعون، والمشهور أن الإنسان يقف
~~جسمه عن النمو إذا بلغ ذلك، وإذا وقف الجسم وقفت القوى والشمائل والأخلاق
~~ولذا قيل:

# إذا المرء وفي الأربعين ولم يكن

# له دون ما يهوى حياء ولا ستر

# فدعه ولا تنفس عليه الذي مضى

# وإن جر أسباب الحياة له العمر

# وقيل: أقصى الأشد إثنان وستون، وإلى كون الأشد منتهى الشباب والقوة قبل
~~أن يؤخذ في النقصان ذهب أبو عبيدة وغيره من ثقات اللغويين، واستظهره بعض
~~المحققين، وهو عند سيبويه جمع واحده شدة  كنعمة وأنعم  وقال الكسائي
~~والفراء: إنه جمع شد نحو صك وأصك وفلس وأفلس وهذا على ما ذكر أبو حاتم
~~يوجب أن يكون مؤنثا لأن كل جمع على أفعل مؤنث. وزعم أبو عبيدة أنه لا
~~واحد له من لفظه عند العرب، وقال الفراء: أهل البصرة يزعمون أنه اسم واحد
~~لكنه على بناء ندر في المفردات وقلما رأينا اسما على أفعل إلا وهو جمع.

# { ءاتينه حكما } أي حكمة وهي في لسان العشر العلم النافع
~~المؤيد بالعمل لأنه بدونه لا يعتد به، والعمل بخلاف العلم سفه، أو حكما
~~بين الناس { وعلما } يعني علم تأويل الرؤيا، وخص بالذكر لأنه غير
~~داخل فيما قبله، أو أفرد بالذكر لأنه مما له شأن وليوسف عليه السلام به
~~اختصاص تام كذا قيل، وفسر بعضهم الحكمة بالنبوة والعلم بالتفقه في الدين،
~~وقيل: الحكمة حبس النفس عن هواها وصونها عما لا ينبغي والعلم هو العلم
~~النظري، وقيل: أراد بالحكمة الحكم بين الناس. وبالعلم العلم بوجوه
~~المصالح فإن الناس كانوا إذا تحاكموا إلى العزيز أمره بأن يحكم بينهم لما
~~رأى من عقله وإصابته في الرأي. وعن ابن عباس أن الحكم النبوة. والعلم
~~الشريعة وتنكيرهما للتفخيم أي حكما وعلما لا يكتنه كنههما ولا يقادر
~~قدرهما.

# وتعقب كون المراد بالعلم العلم بتأويل الأحاديث بأن قوله سبحانه: {
~~وكذلك } أي مثل ذلك الجزاء العجيب { نجزى المحسنين } أي كل
~~من يحسن في عمله يأباه لأن ذلك لا يصلح أن يكون جزاء لأعماله الحسنة
~~التي من جملتها ms04601 معاناة الأحزان والشدائد إلا أن يخص بعلم تأويل رؤيا
~~الملك فإن ذلك / حيث كان عند تناهي أيام البلاء صح أن يعد إيتاءه من جملة
~~الجزاء؛ وأما رؤيا صاحبي السجن فقد لبث عليه السلام بعد تعبيرها في
~~السجن بضع سنين، وفي تعليق الجزاء المذكور بالمحسنين إشعار بعلية الإحسان
~~له وتنبيه على أنه تعالى إنما آتاه ما آتاه لكونه محسنا في أعماله
~~متقنا في عنفوان أمره، ومن هنا قال الحسن: من أحسن عبادة الله سبحانه في
~~شبيبته آتاه الله تعالى الحكمة في اكتهاله، واستشكل ما أفاده تعليق الحكم
~~بالمشتق من العلية على تقدير أن يراد من الحكمة العلم المؤيد بالعمل
~~مثلا بأن إحسان العمل لا يكون إلا بعد العلم به فلو كان العلم المؤيد به
~~مثلا علة للإحسان بذلك لزم الدور.

# وأجيب بأن إحسان العمل يمكن أن يكون بطريق آخر كالتقليد والتوفيق
~~الإلهي فيكون سببا للعلم به عن دليل عقلي أو سمعي، أو المراد الأعمال
~~الغير المتوقفة على السمع فيكون ذلك السبب للعلم بما شرع له من الأعمال.
~~وقال بعض المحققين: الظاهر تغاير العلمين كما في الأثر

# " من عمل بما علم يسر الله تعالى له علم ما لم يعلم "

# ، وعن الضحاك تفسير (المحسنين) بالصابرين على النوائب.

### || [12.23]

# { وراودته التي هو في بيتها } رجوع إلى شرح ما جرى عليه
~~عليه السلام في منزل العزيز بعدما أمر امرأته بإكرام مثواه، وقوله
~~سبحانه:

# وكذلك مكنا ليوسف

# [يوسف: 21] إلى هنا اعتراض جيء به أنموذجا للقصة ليعلم السامع من أول
~~الأمر أن ما لقيه عليه السلام من الفتن التي ستحكي بتفاصيلها له غاية
~~جميلة وعاقبة حميدة وأنه عليه السلام محسن في أعماله لم يصدر عنه ما يخل
~~بنزاهته. والمراودة المطالبة برفق من راد يرود إذا ذهب وجاء لطلب شيء،
~~ومنه الرائد لطالب الكلأ والماء، وباعتبار الرفق قيل: رادت الإبل في
~~مشيتها ترود رودانا، ومنه بني المرود؛ ويقال: أرود يرود إذا رفق، ومنه
~~بني رويد، والإرادة منقولة من راد يرود إذا سعى في طلب شيء وهي مفاعلة من ms04602
~~واحد نحو مطالبة الدائن ومماطلة المديون ومداواة الطبيب وغير ذلك مما
~~يكون من أحد الجانبين الفعل ومن الآخر سببه فإن هذه الأفعال وإن كانت
~~صادرة عن أحد الجانبين لكن لما كانت أسبابها صادرة عن الجانب الآخر جعلت
~~كأنها صادرة عنهما. قال شيخ الإسلام: وهذا باب لطيف المسلك مبني على
~~اعتبار دقيق تحقيقه أن سبب الشيء يقوم مقامه ويطلق عليه اسمه كما في
~~قولهم: كما تدين تدان أي كما تجزي تجزى، فإن فعل البادىء وإن لم يكن جزاء
~~لكنه لكونه سببا للجزاء أطلق عليه اسمه، وكذلك إرادة القيام إلى الصلاة
~~وإرادة قراءة القرآن حيث كانتا سببا للقيام والقراءة عبر عنهما بهما
~~فقيل:

# إذا قمتم إلى الصلاة

# [المائدة: 6]

# فإذا قرأت القرآن

# [النحل: 98] وهذه قاعدة مطردة مستمرة، ولما كانت أسباب الأفعال المذكورة
~~فيما نحن فيه صادرة عن الجانب المقابل لجانب فاعلها فإن مطالبة الدائن
~~للمماطلة التي هي من جانب الغريم وهي منه للمطالبة التي من جانب الدائن،
~~وكذا مداواة الطبيب للمرض الذي هو من جانب المريض، وكذلك مراودتها فيما
~~نحن فيه لجمال يوسف عليه السلام نزل صدورها عن محالها بمنزلة صدور
~~مسبباتها التي هي تلك الأفعال فبنى الصيغة على ذلك وروعي جانب الحقيقة
~~بأن أسند الفعل إلى الفاعل وأوقع على صاحب السبب فتأمل اه.

# وكأنه أشار بالأمر بالتأمل إلى ما فيه مما لا يخفى على ذويه، وفي
~~«الكشف» المراودة منازعة في الرود بأن يكون له مقصد مجيئا وذهابا
~~وللمفاعل مقصد آخر يقابله فيهما، ومعنى المفاعلة ههنا إما المبالغة في
~~رودها أو الدلالة على اختلافهما فيه فإنها طلبت منه الفعل وهو طلب منها
~~الترك وهذا أبلغ ولما كان منازعة جيء  بعن  في قوله / تعالى: { عن
~~نفسه } كما تقول: جاذبته عن كذا دلالة على الأبعاد وتحصيل الجذب
~~البالغ، ولهذا قال في «الأساس»: ومن المجاز راوده عن نفسه خادعه عنها.

# وقال الزمخشري هنا: أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه عن الشيء الذي لا
~~يريد أن يخرجه من يده، ولا شك أن هذا إنما يحصل من المنازعة ms04603 في الرود،
~~ولهذه النكتة جعل كناية عن التمحل لمواقعته إياها، والعدول عن التصريح
~~باسمها للمحافطة على الستر ما أمكن. أو للاستهجان بذكره، وإيراد الموصول
~~دون امرأة العزيز مع أنه أخصر وأظهر لتقرير المراودة فإن كونه في بيتها
~~مما يدعو إلى ذلك ولإظهار كمال نزاهته عليه السلام فإن عدم ميله إليها مع
~~دوام مشاهدته لمحاسنها واستعصائه عليها مع كونه تحت يدها ينادي بكونه
~~عليه السلام في أعلى معارج العفة، وإضافة البيت إلى ضميرها لما أن العرب
~~تضيف البيوت إلى النساء باعتبار أنهن القائمات بمصالحه أو الملازمات له،
~~وخرج على ذلك قوله تعالى:

# وقرن في بيوتكن

# [الأحزاب: 33] وكثر في كلامهم صاحبة البيت. وربة البيت للمرأة، ومن ذلك:

# يا ربة البيت قومي غير صاغرة

# { وغلقت الابوب } أي أبواب البيت، وتشديد الفعل للتكثير في
~~المفعول إن قلنا: إن الأبواب كانت سبعة كما قيل، فإن لم نقل به فهو
~~لتكثير الفعل فكأنه غلق مرة بعد مرة أو بمغلاق بعد مغلاق، وجمع {
~~الابوب } حينئذ إما لجعل كل جزء منه كأنه باب أو لجعل تعدد إغلاقه
~~بمنزلة تعدده، وزعم بعضهم أنه لم يغلق إلا بابان: باب الدار، وباب الحجرة
~~التي هما فيها. وادعى بعض المتأخرين أن التشديد للتعدية وأن كونه للتكثير
~~وهم معللا ذلك بأن غلقت الأبواب غلقا لغة رديئة متروكة حسبما ذكره
~~الجوهري، ورد بأن إفادة التعدية لا تنافي إفادة التكثير معها فإن مجرد
~~التعدية يحصل بباب الأفعال فاختيار التفعيل عليه لأحد الأمرين، ولذا قال
~~الجوهري أيضا: { وغلقت الابوب } شدد للتكثير اه. وفي
~~«الحواشي الشهابية» أنه لم يتنبه الراد لأن ما نقله عليه لا له لأن
~~الردىء الذي ذكره اللغويون إنما هو استعمال الثلاثي منه لا أن له ثلاثيا
~~لازما حتى يتعين كون التفعيل للتعدية فتعديه لازم في الثلاثي وغيره سواء
~~كان رديئا أو فصيحا فتعين أنه للتكثير، وقد قال بذلك غير واحد، فالواهم
~~ابن أخت خالة الموهم فافهم.

# { وقالت هيت لك } أي أسرع فهي اسم فعل أمر مبني على الفتح
~~كأين، وفسرها الكسائي والفراء بتعال، ms04604 وزعما أنها كلمة حورانية وقعت إلى
~~أهل الحجاز فتكلموا بها؛ وقال أبو زيد: هي عبرانية، وعن ابن عباس والحسن
~~هي سريانية، وقال السدي: هي قبطية. وقال مجاهد وغيره هي عربية تدعوه بها
~~إلى نفسها وهي كلمة حث وإقبال، واللام للتبيين كالتي في سقيا لك فهي
~~متعلقة بمحذوف أي إرادتي كائنة لك أو أقول لك، وجوز كونها اسم فعل خبري
~~كهيهات، واللام متعلقة بها والمعنى تهيأت لك، وجعلها بعضهم على هذا
~~للتبيين متعلقة بمحذوف أيضا لأن اسم الفعل لا يتعلق به الجار، والتاء
~~مطلقا من بنية الكلمة، وليس تفسيرها بتهيأت لكون الدال على التكلم التاء
~~ليرد أنها / إذا كانت بمعنى تهيأت لا تكون اسم فعل بل تكون فعلا مسندا
~~إلى ضمير المتكلم بل لأنه لما بينت التهيؤ بأنه له لزم كونها هي المتهيأة
~~كما إذا قيل لك: قربني منك فقلت: هيهات فإنه يدل على معنى بعدت بالقرينة.

# وقرأ ابن كثير وأهل مكة { هيت } بفتح الهاء وسكون الياء وضم التاء
~~تشبيها له بحيث. وقرأ أبو الأسود وابن أبي إسحاق وابن محيصن وعيسى
~~البصرة وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { هيت } بفتح الهاء
~~وسكون الياء وكسر التاء تشبيها له بجير، والكلام فيها على هاتين
~~القراءتين كالكلام فيها على القراءة السابقة. وقرأ نافع وابن عامر وابن
~~ذكوان والأعرج وشيبة وأبو جعفر { هيت } بكسر الهاء بعدها ياء ساكنة وتاء
~~مفتوحة، وحكى الحلواني عن هشام أنه قرأ كذلك إلا أنه همز، وتعقب ذلك
~~الداني تبعا لأبي علي الفارسي في الحجة، وقد تبعه أيضا جماعة بأن فتح
~~التاء فيما ذكر وهم من الراوي لأن الفعل حينئذ من التهيؤ، ويوسف عليه
~~السلام لم يتهيأ لها بدليل { وراودته } الخ فلا بد من ضم التاء،
~~ورد ذلك صاحب النشر بأن المعنى على ذلك تهيأ لي أمرك لأنها لم يتيسر لها
~~الخلوة به قبل أو حسنت هيئتك، و { لك } على المعنيين للبيان، والرواية
~~عن هشام صحيحة جاءت من عدة طرق، وروي عنه أيضا أنه قرأ بكسر الهاء
~~والهمزة ms04605 وضم التاء، وهي رواية أيضا عن ابن عباس وابن عامر وأبي عمرو
~~أيضا، وقرأ كذلك أبو رجاء وأبو وائل وعكرمة ومجاهد وقتادة وطلحة وآخرون.
~~وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما وابن أبي إسحاق كذلك إلا أنهما
~~سهلا الهمزة، وذكر النحاس أنه قرىء بكسر الهاء بعدها ياء ساكنة وكسر
~~التاء، وقرىء أيضا (هيا) بكسر الهاء وفتحها وتشديد الياء، وهي على ما
~~قال ابن هشام: لغة في { هيت } ، وقال بعضهم: إن القراءات كلها لغات
~~وهي فيها اسم فعل بمعنى هلم، وليست التاء ضميرا؛ وقال آخر: إنها لغات
~~والكلمة عليها اسم فعل إلا على قراءة ضم التاء مع الهمز وتركه فإن الكلمة
~~عليها تحتمل أن تكون فعلا رافعا لضمير المتكلم من هاء الرجل يهيء كجاء
~~يجيء إذا حسنت هيئته أو بمعنى تهيأت، يقال: هئت وتهيأت بمعنى، وإذا كانت
~~فعلا تعلقت اللام بها، ونقل عن ابن عباس أيضا أنه قرأ هييت مثل حببت
~~وهي في ذلك فعل مبني للمفعول مسهل الهمزة من هيأت الشيء كأن أحدا هيأها
~~له عليه السلام.

# { قال معاذ الله } نصب على المصدر يقال: عذت عوذا وعياذا
~~وعياذة ومعاذا أي أعوذ بالله عز وجل معاذا مما تريدين مني، وهذا اجتناب
~~منه عليه السلام على أتم الوجوه وإشارة إلى التعليل بأنه منكر هائل يجب
~~أن يعاذ بالله جل وعلا للخلاص منه، وما ذلك إلا لأنه قد علم بما أراه
~~الله تعالى ما هو عليه في حد ذاته من غاية القبح ونهاية السوء.

# وقوله تعالى: { إنه ربي أحسن مثواي } تعليل ببعض الأسباب
~~الخارجية مما عسى يكون مؤثرا عندها وداعيا لها إلى اعتباره بعد التنبيه
~~على سببه الذاتي التي لا تكاد تقبله لما سولته لها نفسها، والضمير للشأن،
~~وفي تصدير الجملة به من الإيذان بفخامة مضمونها ما فيه مع زيادة تقريره
~~في الذهن أي إن الشأن الخطير هذا أي هو ربي أي سيدي العزيز أحسن تعهدي
~~حيث أمرك بإكرامي على أكمل وجه فكيف يمكن أن أسيء إليه بالخيانة في
~~حرمه؟! وفيه إرشاد ms04606 لها إلى رعاية حق العزيز بألطف وجه، وإلى هذا المعنى
~~ذهب مجاهد والسدي / وابن أبي إسحاق، وتعقب بأن فيه إطلاق الرب على غيره
~~تعالى فإن أريد به الرب بمعنى الخالق فهو باطل لأنه لا يمكن أن يطلق نبي
~~كريم على مخلوق ذلك، وإذا أريد به السيد فهو عليه السلام في الحقيقة
~~مملوك له، ومن هنا  وإن كان فيما ذكر نظر ظاهر  اختار في «البحر» أن
~~الضمير لله تعالى، و { ربي } خبر إن، و { أحسن مثواي } خبر
~~ثان، أو هو الخبر، والأول بدل من الضمير أي إنه تعالى خالقي أحسن مثواي
~~بعطف قلب من أمرك بإكرامي علي فكيف أعصيه بارتكاب تلك الفاحشة الكبيرة؟!
~~وفيه تحذير لها عن عقاب الله تعالى، وجوز على تقدير أن يكون الرب بمعنى
~~الخالق كون الضمير للشأن أيضا، وأيا ما كان ففي الاقتصار على ذكر هذه
~~الحالة من غير تعرض لاقتضائها الامتناع عما دعته إليه إيذان بأن هذه
~~المرتبة من البيان كافية في الدلالة على استحالته وكونه مما لا يدخل تحت
~~الوقوع أصلا.

# وقوله تعالى: { إنه لا يفلح الظلمون } تعليل غب تعليل
~~للامتناع المذكور، والفلاح الظفر وإدراك البغية، وذلك ضربان: دنيوي
~~وأخروي، فالأول: الظفر بالسعادات التي تطيب بها حياة الدنيا وهو البقاء
~~والغنى والعز، والثاني: أربعة أشياء: بقاء بلا فناء وغنى بلا فقر وعز بلا
~~ذل وعلم بلا جهل، ولذلك قيل: لا عيش إلا عيش الآخرة، ومعنى أفلح دخل في
~~الفلاح كأصبح وأخواته، ولعل المراد به هنا الفلاح الأخروي، وبالظالمين كل
~~من ظلم كائنا من كان فيدخل في ذلك المجازون للإحسان بالإساءة والعصاة
~~لأمر الله تعالى دخولا أوليا، وقيل: الزناة لأنهم ظالمون لأنفسهم،
~~وللمزني بأهله، وقيل: الخائنون لأنهم ظالمون لأنفسهم أيضا ولمن خانوه.

### || [12.24]

# { ولقد همت به } أي بمخالطته إذ الهم سواء استعمل بمعنى القصد
~~والإرادة مطلقا أو بمعنى القصد الجازم والعقد الثابت كما هو المراد
~~ههنا لا يتعلق بالأعيان. والمعنى أنها قصدت المخالطة وعزمت عليها عزما
~~جازما لا يلويها عنه صارف بعد ما باشرت مباديها وفعلت ms04607 ما فعلت مما قص
~~الله تعالى، ولعلها تصدت هنالك لأفعال أخر من بسط يدها إليه وقصد
~~المعانقة وغير ذلك مما اضطره عليه السلام إلى الهرب نحو الباب، والتأكيد
~~لدفع ما عسى يتوهم من احتمال إقلاعها عما كانت عليه بما في مقالته عليه
~~السلام من الزواجر { وهم بها } أي مال إلى مخالطتها بمقتضى الطبيعة
~~البشرية كميل الصائم في اليوم الحار إلى الماء البارد، ومثل ذلك لا يكاد
~~يدخل تحت التكليف لا أنه عليه السلام قصدها قصدا اختياريا لأن ذلك أمر
~~مذموم تنادي الآيات على عدم اتصافه عليه السلام به، وإنما عبر عنه بالهم
~~لمجرد وقوعه في صحبة همها في الذكر بطريق المشاكلة لا لشبهه به كما قيل،
~~وقد أشير إلى تغايرهما كما قال غير واحد: حيث لم يلزا في قرن واحد من
~~التعبير بأن قيل: ولقد هما بالمخالطة أو هم كل منهما بالآخر وأكد الأول
~~دون الثاني.

# { لولا أن رأى برهن ربه } أي حجته الباهرة الدالة على
~~كمال قبح الزنا وسوء سبيله، والمراد برؤيته لها كمال إيقانه بها ومشاهدته
~~لها مشاهدة واصلة إلى مرتبة عين اليقين، وقيل: المراد برؤية البرهان حصول
~~الأخلاق وتذكر الأحوال الرادعة عن الإقدام على المنكر، وقيل: رؤية

# ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا

# [الإسراء: 32] مكتوبا في السقف، وجواب { لولا } محذوف يدل عليه
~~الكلام أي لولا مشاهدته البرهان لجرى على موجب ميله الجبلي لكنه حيث كان
~~مشاهدا له استمر على ما هو عليه من قضية البرهان، هذا ما ذهب إليه بعض
~~المحققين في معنى الآية وهو قول بإثبات هم له عليه السلام إلا أنه هم غير
~~مذموم.

# وفي «البحر» ((أنه لم يقع منه عليه السلام هم بها ألبتة بل هو منفي
~~لوجود رؤية البرهان كما تقول: قارفت الذنب / لولا أن عصمك الله تعالى ولا
~~نقول: إن جواب { لولا } متقدم عليها وإن كان لا يقوم دليل على امتناع
~~ذلك بل صريح أدوات الشرط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها، وقد
~~ذهب إلى الجواز الكوفيون ومن أعلام ms04608 البصريين أبو زيد الأنصاري وأبو
~~العباس المبرد بل نقول: إن جواب { لولا } محذوف لدلالة ما قبله عليه
~~كما يقول جمهور البصريين في قول العرب: أنت ظالم إن فعلت كذا فيقدرونه إن
~~فعلت فأنت ظالم، ولا يدل قولهم: أنت ظالم على ثبوت الظلم بل هو مثبت على
~~تقدير وجود الفعل، وكذلك ههنا التقدير لولا أن رأى برهان ربه لهم بها
~~فكان موجد الهم على تقدير انتفاء رؤية البرهان لكنه وجد رؤية البرهان
~~فانتفى الهم، والمراد بالبرهان ما عنده عليه السلام من العلم الدال على
~~تحريم ما همت به وأنه لا يمكن الهم فضلا عن الوقوع فيه، ولا التفات إلى
~~قول الزجاج: ولو كان الكلام ولهم بها كان بعيدا فكيف مع سقوط اللام لأنه
~~يوهم أن قوله تعالى: { هم بها } هو جواب { لولا } ونحن لم نقل
~~بذلك، وإنما قلنا إنه دليل الجواب على أنه على تقدير أن يكون نفس الجواب
~~قد يقال: إن اللام ليست بلازمة بل يجوز أن يأتي جواب { لولا } إذا
~~كانت بصيغة الماضي باللام وبدونها فيقال: لولا زيد لأكرمتك ولولا زيد
~~أكرمتك، فمن ذهب إلى أن المذكور هو نفس الجواب لم يبعد، وكذا لا التفات
~~أيضا لقول ابن عطية: إن قول من قال إن الكلام قد تم في قوله تعالى: {
~~ولقد همت به } وأن جواب { لولا } في قوله سبحانه: { وهم
~~بها } وأن المعنى { لولا أن رأى برهان ربه } لهم بها فلم
~~يهم يوسف عليه السلام [قال وهذا قول] يرده لسان العرب وأقوال السلف لما
~~في قوله: يرده لسان العرب من البحث.

# وقد استدل من ذهب إلى الجواز بوجوده في لسان العرب فقد قال سبحانه:

# إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها

# [القصص: 10] فقوله سبحانه: { إن كادت } الخ إما أن يكون هو الجواب
~~على ما ذهب إليه ذلك القائل، وإما أن يكون دليل الجواب على ما قررناه،
~~وأما أقوال السلف فالذي نعتقده أنه لم يصح منها شيء عنهم لأنها أقوال
~~متكاذبة يناقض بعضها بعضا مع كونها قادحة في ms04609 بعض فساق المسلمين فضلا عن
~~المقطوع لهم بالعصمة على أن ما روي لا يساعد عليه كلام العرب لأنه يقتضي
~~كون الجواب محذوفا لغير دليل لأنهم لم يقدروا بناءا على ذلك لهم بها
~~وكلام العرب لا يدل إلا على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط لأنه
~~الدليل عليه)).

# هذا وممن ذهب إلى تحقق الهم القبيح منه عليه السلام الواحدي فإنه قال
~~في كتاب «البسيط»: قال المفسرون الموثوق بعلمهم المرجوع إلى روايتهم
~~الآخذون للتأويل عمن شاهد التنزيل: هم يوسف عليه السلام أيضا بهذه
~~المرأة هما صحيحا وجلس منها مجلس الرجل من المرأة فلما رأى البرهان من
~~ربه زال كل شهوة عنه. قال أبو جعفر الباقر رضي الله تعالى عنه بإسناده عن
~~علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: طمعت فيه وطمع فيها وكان طمعه فيها أن
~~هم أن يحل التكة. وعن ابن عباس أنه حل الهميان وجلس منها مجلس الخاتن،
~~وعنه أيضا أنها استلقت له وقعد بين رجليها ينزع ثيابه، ورووا في البرهان
~~روايات شتى: منها ما أخرجه أبو نعيم في «الحلية» عن علي كرم الله تعالى
~~وجهه أنها قامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في ناحية البيت فسترته بثوب
~~أبيض بينها وبينه، فقال عليه السلام: أي شيء تصنعين؟ فقالت: أستحي من
~~إلهي أن يراني على هذه السوأة فقال: تستحين من صنم لا يأكل ولا يشرب ولا
~~أستحي أنا من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت؟! ثم قال: لا
~~تناليها مني أبدا وهو البرهان الذي رأى، ومنها ما أخرجه ابن جرير وغيره
~~عن ابن عباس أنه عليه السلام مثل له يعقوب عليه السلام فضرب / بيده على
~~صدره، ومنها ما أخرجه عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أنه مثل له يعقوب عاضا
~~على إصبعيه وهو يقول: يا يوسف أتهم بعمل السفهاء وأنت مكتوب من الأنبياء،
~~ومنها ما أخرجه عن القاسم بن أبي بزة قال: نودي يا ابن يعقوب لا تكونن
~~كالطير له ريش فإذا زنى قعد ليس له ms04610 ريش فلم يعرض للنداء وقعد فرفع رأسه
~~فرأى وجه يعقوب عاضا على إصبعه فقام مرعوبا استحياءا من أبيه إلى غير
~~ذلك.

# وتعقب الإمام الرازي ما ذكر بأن هذه المعصية التي نسبوها إلى يوسف 
~~وحاشاه  من أقبح المعاصي وأنكرها، ومثلها لو نسب إلى أفسق خلق الله
~~تعالى وأبعدهم عن كل خير لاستنكف منه، فكيف يجوز إسناده إلى هذا الصديق
~~الكريم؟ وأيضا إن الله سبحانه شهد بكون ماهية السوء وماهية الفحشاء
~~مصروفتين عنه، ومع هذه الشهادة كيف يقبل القول بنسبة أعظم السوء والفحشاء
~~إليه عليه السلام، وأيضا إن هذا الهم القبيح لو كان واقعا منه عليه
~~السلام كما زعموا وكانت الآية متضمنة له لكان تعقيب ذلك بقوله تعالى: {
~~كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء } خارجا عن الحكمة
~~لأنا لو سلمنا أنه لا يدل على نفي المعصية فلا أقل من أن يدل على المدح
~~العظيم، ومن المعلوم أنه لا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي إقدامه على
~~معصية عظيمة ثم إنه يمدحه ويثني عليه بأعظم المدائح والأثنية، وأيضا إن
~~الأكابر كالأنبياء متى صدرت عنهم زلة أو هفوة استعظموا ذلك وأتبعوه
~~بإظهار الندامة والتوبة والتخضع والتنصل فلو كان يوسف عليه السلام أقدم
~~على هذه الفاحشة المنكرة لكان من المحال أن لا يتبعها بذلك، ولو كان قد
~~أتبعها لحكى وحيث لم يكن علمنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب أصلا،
~~وأيضا جميع من له تعلق بهذه الواقعة قد أفصح ببراءة يوسف عليه السلام عن
~~المعصية كما لا يخفى على من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ومن نظر في
~~قوله سبحانه: { إنه من عبادنا المخلصين } رآه أفصح شاهد
~~على براءته عليه السلام، ومن ضم إليه قول إبليس:

# فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك
~~منهم المخلصين

# [ص:82-83] وجد إبليس مقرا بأنه لم يغوه ولم يضله عن سبيل الهدى كيف وهو
~~عليه السلام من عباد الله تعالى المخلصين بشهادة الله تعالى، وقد
~~استثناهم من عموم { لأغوينهم أجمعين } وعند هذا يقال للجهلة
~~الذين نسبوا إلى يوسف عليه ms04611 السلام تلك الفعلة الشنيعة: إن كانوا من أتباع
~~الله سبحانه فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته عليه السلام، وإن
~~كانوا من أتباع إبليس فليقبلوا شهادته، ولعلهم يقولون كنا في أول الأمر
~~من تلامذته إلى أن تخرجنا فزدنا عليه في السفاهة كما قال الحريري:

# وكنت امرءا من جند إبليس فانتهى

# بي الحال حتى صار إبليس من جندي

# فلو مات قبلي كنت أحسن بعده

# طرائق فسق ليس يحسنها بعدي

# ومن أمعن النظر في الحجج وأنصف جزم أنه لم يبق في يد الواحدي ومن وافقه
~~إلا مجرد التصلف وتعديد أسماء المفسرين ولم يجد معهم شبهة في دعواهم
~~المخالفة لما شهد له الآيات البينات سوى روايات واهيات.

# وقد ذكر الطيبي طيب الله تعالى ثراه بعد أن نقل ما حكاه محي السنة عن
~~بعض أهل الحقائق من أن الهم همان: هم ثابت وهو ما كان معه عزم وعقد ورضا
~~مثل هم امرأة العزيز وهم عارض وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا
~~عزم مثل هم يوسف عليه السلام أن هذا التفسير هو الذي يجب أن نذهب إليه
~~ونتخذه مذهبا، وإن نقل المفسرون ما نقلوا لأن متابعة النص القاطع وبراءة
~~المعصوم عن تلك الرذيلة وإحالة التقصير على الرواة أولى بالمصير إليه على
~~أن أساطين النقل المتقنين لم يرووا في ذلك شيئا مرفوعا في كتبهم، وجل
~~تلك الروايات بل كلها مأخوذ من مسألة أهل الكتاب اه، نعم قد صحح الحاكم
~~بعضا من الروايات التي استند إليها / من نسب تلك الشنيعة إليه عليه
~~السلام لكن تصحيح الحاكم محكوم عليه بعدم الاعتبار عند ذوي الاعتبار. وفي
~~«إرشاد العقل السليم» بعد نقل نبذة منها إن كل ذلك إلا خرافات وأباطيل
~~تمجها الآذان وتردها العقول والأذهان ويل لمن لاكها ولفقها أو سمعها
~~وصدقها.

# ثم إن الإمام عليه الرحمة ذكر في تفسير الآية الكريمة بعد أن منع
~~دلالتها على الهم ما حاصله: إنا سلمنا أن الهم قد حصل إلا أنا نقول: لا
~~بد من إضمار فعل مخصوص يجعل متعلق الهم إذ ms04612 الذوات لا تصلح له ولا يتعين
~~ما زعموه من إيقاع الفاحشة بها بل نضمره شيئا آخر يغاير ما أضمروه،
~~فنقول: المراد هم بدفعها عن نفسه ومنعها عن ذلك القبيح لأنه الذي يستدعيه
~~حاله عليه السلام، وقد جاء هممت بفلان أي قصدته ودفعته ويضمر في الأول
~~المخالطة والتمتع ونحو ذلك لأنه اللائق بحالها، فإن قالوا: لا يبقى
~~حينئذ لقوله سبحانه: { لولا أن رأى برهان ربه } فائدة؟
~~قلنا: بل فيه أعظم الفوائد وبيانه من وجهين: الأول: أنه تعالى أعلم يوسف
~~أنه لو هم بدفعها لفعلت معه ما يوجب هلاكه فكان في الامتناع عن ذلك صون
~~النفس عن الهلاك، الثاني: أنه لو اشتغل بدفعها فلربما تعلقت به فكان
~~يتمزق ثوبه من قدام؛ وكان في علم الله تعالى أن الشاهد يشهد بأن ثوبه لو
~~كان متمزقا من قدام لكان هو الجاني ولو كان متمزقا من خلف لكانت هي
~~الجانية فأعلمه هذا المعنى فلا جرم لم يشتغل بدفعها وفرعنها حتى صارت
~~الشهادة حجة له على براءته عن المعصية.

# وإلى تقدير الدفع ذهب بعض السادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم ففي
~~«الجواهر والدرر» للشعراني: سألت شيخنا عن قوله تعالى: { ولقد
~~همت به وهم بها } ما هذا الهم الذي أبهم فقد تكلم الناس فيه
~~بما لا يليق برتب الأنبياء عليهم السلام؟ فقال: لا أعلم، قلت: قد ذكر
~~الشيخ الأكبر قدس سره أن مطلق اللسان يدل على أحدية المعنى، ولكن ذلك
~~أكثري لا كلي فالحق أنها همت به عليه السلام لتقهره على ما أرادته منه،
~~وهم هو بها ليقهرها في الدفع عما أرادته منه فالاشتراك في طلب القهر منه
~~ومنها والحكم مختلف، ولهذا قالت:

# أنا رودته عن نفسه

# [يوسف: 51] وما جاء في السورة أصلا أنه راودها عن نفسها اه. وجوز
~~الإمام أيضا تفسير الهم بالشهوة، وذكر أنه مستعمل في اللغة الشائعة فإنه
~~يقول القائل فيما لا يشتهيه: لا يهمني هذا، وفيما يشتهيه: هذا أهم
~~الأشياء إلي، وهو ما أشرنا إليه أولا إلا أنه عليه الرحمة حمل الهم في ms04613
~~الموضعين على ذلك فقال بعد: فمعنى الآية ولقد اشتهته واشتهاها ولولا أن
~~رأى برهان ربه لفعل وهو مما لا داعي إليه إذ لا محذور في نسبة الهم
~~المذموم إليها، والظاهر أن الهم بهذا المعنى مجاز كما نص عليه السيد
~~المرتضى في «درره» لا حقيقة كما يوهمه ظاهر كلام الإمام، وقد ذهب إلى هذا
~~التأويل أبو علي الجبائي وغيره، وروي ذلك عن الحسن، وبالجملة لا ينبغي
~~التعويل على ما شاع في الأخبار والعدول عما ذهب إليه المحققون الأخيار،
~~وإياك والهم بنسبة تلك الشنيعة إلى ذلك الجناب بعد أن كشف الله سبحانه عن
~~بصر بصيرتك فرأيت برهان ربك بلا حجاب.

# { كذلك لنصرف عنه السوء } قيل: خيانة السيد {
~~والفحشاء } الزنا لأنه مفرط القبح، وقيل: السوء مقدمات الفحشاء من
~~القبلة والنظر بشهوة. وقيل: هو الأمر السيء مطلقا فيدخل فيه الخيانة
~~المذكورة وغيرها، والكاف على ما قيل: في محل نصب، والإشارة إلى التثبيت
~~اللازم للإراءة المدلول عليها بقوله سبحانه: { لولا أن رأى
~~برهان ربه } أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه لنصرف الخ.

# وقال ابن عطية: إن الكاف متعلقة بمضمر تقديره جرت أفعالنا وأقدارنا كذلك
~~لنصرف، وقدر أبو البقاء نراعيه كذلك، والحوفي أريناه البراهين كذلك، وجوز
~~الجميع كونه في موضع رفع فقيل: أي الأمر أو عصمته مثل ذلك / لكن قال
~~الحوفي: إن النصب أجود لمطالبة حروف الجر للأفعال أو معانيها، واختار في
~~«البحر» كون الإشارة إلى الرؤية المفهومة من رأى أو الرأي المفهوم، وقد
~~جاء مصدر الرأي كالرؤية كما في قوله:

# ورأى عيني الفتى أباكا

# يعطي الجزيل فعليك ذاكا

# والكاف في موضع نصب بما دل عليه قوله سبحانه: { لولا أن رأى }
~~الخ، وهو أيضا متعلق { لنصرف } أي مثل الرؤية أو الرأي يرى
~~براهيننا لنصرف الخ، وقيل غير ذلك. ومما لا ينبغي أن يلتفت إليه ما قيل:
~~إن الجار والمجرور متعلق بهم، وفي الكلام تقديم وتأخير وتقديره ولقد همت
~~به وهم بها كذلك لولا أن رأى برهان ربه لنصرف عنه الخ، ولا يخفى ما في
~~التعبير بما في ms04614 النظم الجليل دون لنصرفه عن السوء والفحشاء من الدلالة
~~على رد من نسب إليه ما نسب والعياذ بالله تعالى. وقرأ الأعمش  ليصرف 
~~بياء الغيبة وإسناد الصرف إلى ضمير الرب سبحانه.

# { إنه من عبادنا المخلصين } تعليل لما سبق من مضمون
~~الجملة بطريق التحقيق، والمخلصون هم الذين أخلصهم الله تعالى واختارهم
~~لطاعته بأن عصمهم عما هو قادح فيها، والظاهر أن المراد الحكم عليه بأنه
~~مختار لطاعته سبحانه، ويحتمل على ما قيل: أن يكون المراد أنه من ذرية
~~إبراهيم عليه السلام الذين قال فيهم جل وعلا:

# إنا أخلصنهم بخالصة

# [ص: 46]. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر (المخلصين) إذا كان فيه أل
~~حيث وقع بكسر اللام وهم الذين أخلصوا دينهم لله تعالى، ولا يخفى ما في
~~التعبير بالجملة الاسمية من الدلالة على انتظامه عليه السلام في سلك
~~أولئك العباد الذين هم هم من أول الأمر لا أنه حدث له ذلك بعد أن لم يكن،
~~وفي هذا عند ذوي الألباب ما ينقطع معه عذر أولئك المتشبثين بأذيال هاتيك
~~الأخبار التي ما أنزل الله تعالى بها من كتاب.

### || [12.25]

# { واستبقا الباب } متصل بقوله سبحانه:

# ولقد همت به وهم بها

# [يوسف: 24] الخ، وقوله تعالى:

# كذلك

# [يوسف: 24] الخ اعتراض جيء به بين المعطوفين تقريرا لنزاهته عليه
~~السلام، والمعنى لقد همت به وأبى هو واستبقا أي تسابقا إلى الباب على
~~معنى قصد كل من يوسف عليه السلام وامرأة العزيز سبق الآخر إليه فهو ليخرج
~~وهي لتمنعه من الخروج؛ وقيل: المراد من السبق في جانبها الإسراع إثره إلا
~~أنه عبر بذلك للمبالغة، ووحد (الباب) هنا مع جمعه أولا لأن المراد الباب
~~البراني الذي هو المخلص؛ واستشكل بأنه كيف يستبقان إليه ودونه أبواب
~~جوانيه بناءا على ما ذكروا من أن الأبواب كانت سبعة. وأجيب بأنه روي عن
~~كعب أن أقفال هاتيك الأبواب كانت تتناثر إذا قرب إليها يوسف عليه السلام
~~وتتفتح له؛ ويحتمل أنه لم تكن تلك الأبواب المغلقة على الترتيب بابا
~~فبابا بل كانت في جهات مختلفة كلها منافذ ms04615 للمكان الذي كانا فيه فاستبقا
~~إلى باب يخرج منه، ونصب (الباب) على الاتساع لأن أصل استبق أن يتعدى بإلى
~~لكن جاء كذلك على حد

# وإذا كالوهم

# [المطففين: 3]

# واختار موسى قومه سبعين رجلا

# [الأعراف: 155]، وقيل: إنه ضمن الاستباق معنى الابتدار فعدى تعديته.

# { وقدت قميصه من دبر } يحتمل أن يكون معطوفا على { استبقا
~~} ، ويحتمل أن يكون في موضوع الحال كما قال أبو حيان أي وقد قدت. والقد
~~القطع والشق وأكثر استعماله فيما كان طولا وهو / المراد هنا بناء على
~~ما قيل: إنها جذبته من وراء فانخرق القميص إلى أسفله، ويستعمل القط فيما
~~كان عرضا، وعلى هذا جاء ما قيل في وصف علي كرم الله تعالى وجهه: إنه كان
~~إذا اعتلى قد وإذا اعترض قط، وقيل، القد هنا مطلق الشق، ويؤيده ما نقل
~~عن ابن عطية أنه قرأت فرقة  وقط  وقد وجد ذلك في مصحف المفضل بن حرب.
~~وعن يعقوب تخصيص القد بما كان في الجلد والثوب الصحيحين. والقميص معروف،
~~وجمعه أقمصة وقمص وقمصان، وإسناد القد بأي معنى كان إليها خاصة مع أن
~~لقوة يوسف عليه السلام أيضا دخلا فيه إما لأنها الجزء الأخير للعلة
~~التامة، وإما للإيذان بمبالغتها في منعه عن الخروج وبذل مجهودها في ذلك
~~لفوت المحبوب أو لخوف الافتضاح.

# { وألفيا } أي وجدا، وبذلك قرأ عبد الله { سيدها } أي زوجها
~~وهو فيعل من ساد يسود، وشاع إطلاقه على المالك وعلى الرئيس، وكانت المرأة
~~إذ ذاك على ما قيل: تقول لزوجها سيدي، ولذا لم يقل سيدهما، وفي «البحر»
~~إنما لم يضف إليهما لأنه لم يكن مالكا ليوسف حقيقة لحريته { لدا
~~الباب } أي عند الباب البراني، قيل: وجداه يريد أن يدخل مع ابن عمر
~~لها { قالت } استئناف مبني على سؤال يقول؛ فماذا كان حين ألفيا السيد
~~عند الباب؟ فقيل.

# قالت: { ما جزآء من أراد بأهلك سوءا } من الزنا ونحوه {
~~إلا أن يسجن أو عذاب أليم } الظاهر أن { ما } نافية، و {
~~جزآء } مبتدأ، و { من } موصولة أو موصوفة مضاف إليه، والمصدر المؤول
~~خبر، و ms04616 { أو } للتنويع خبر المبدأ وما بعد معطوف على ذلك المصدر أي ليس
~~جزاؤه إلا السجن أو العذاب الأليم، والمراد به على ما قيل: الضرب بالسوط،
~~وعن ابن عباس أنه القيد، وجوز أن تكون { ما } استفهامية  فجزاء  مبتدأ
~~أو خبر أي أي شيء جزاؤه غير ذاك أو ذلك، ولقد أتت في تلك الحالة التي
~~يدهش فيها الفطن اللوذعي حيث شاهدها زوجها على تلك الهيئة بحيلة جمعت
~~فيها غرضيها وهما تبرئة ساحتها مما يلوح من ظاهر الحال واستنزال يوسف
~~عليه السلام عن رأيه في استعصائه عليها وعدم مواتاته لها على مرادها
~~بإلقاء الرعب في قلبه من مكرها طمعا في مواقعته لها مكرها عند يأسها عن
~~ذلك مختارا كما قالت:

# لئن لم يفعل ما ءامره ليسجنن وليكونا من
~~الصغرين

# [يوسف: 32] ثم إنها جعلت صدور الإرادة المذكورة عن يوسف عليه السلام
~~أمرا محققا مفروغا عنه غنيا عن الأخبار بوقوعه وإن ما هي عليه من
~~الأفاعيل لأجل تحقيق جزائها. ولم تصرح بالاسم بل أتت بلفظ عام تهويلا
~~للأمر ومبالغة في التخويف كأن ذلك قانون مطرد في حق كل أحد كائنا من
~~كان، وذكرت نفسها بعنوان أهلية العزيز إعظاما للخطب وإغراءا له على
~~تحقيق ما يتوخاه بحكم الغضب والحمية كذا قرره غيره واحد.

# وذكر الإمام في تفسيره ما فيه نوع مخالف لذلك حيث قال: إن في الآية
~~لطائف: أحدها: أن حبها الشديد ليوسف عليه السلام حملها على رعاية دقيقتين
~~في هذا الموضوع وذلك لأنها بدأت بذكر السجن وأخرت ذكر العذاب لأن المحب
~~لا يسعى في إسلام المحبوب، وأيضا إنها لم تذكر أن يوسف عليه السلام يجب
~~أن يقابل بأحد هذين الأمرين بل ذكرت ذلك ذكرا كليا صونا للمحبوب عن
~~الذكر بالشر والألم، وأيضا قالت: { إلا أن يسجن } والمراد منه أن
~~يسجن يوما أو أقل على سبيل التخفيف، فأما الحبس الدائم فإنه لا يعبر عنه
~~بهذه العبارة بل يقال: يجب أن يجعل من المسجونين، ألا ترى أن فرعون كيف
~~قال حين هدد موسى عليه السلام:

# لئن اتخذت ms04617 إلها / غيري لأجعلنك من
~~المسجونين

# [الشعراء: 29]. وثانيها: أنها لما شاهدت من يوسف عليه السلام أنه استعصم
~~منها مع أنه كان في عنفوان الشباب وكمال القوة ونهاية الشهوة عظم
~~اعتقادها في طهارته ونزاهته فاستحيت أن تقول: إن يوسف قصدني بسوء وما
~~وجدت من نفسها أن ترميه بهذا الكذب على سبيل التصريح بل اكتفت بهذا
~~التعريض، وليت الحشوية كانوا يكتفون بمثل ما اكتفت به، ولكنهم لم يفعلوه
~~ووصفوه بعد قريب من أربعة آلاف سنة بما وصفوه من القبيح وحاشاه.

# وثالثها: أن يوسف عليه السلام أراد أن يضربها ويدفعها عن نفسه وكان ذلك
~~بالنسبة إليها جاريا مجرى السوء فقولها { ما جزآء } الخ جار مجرى
~~التعريض فلعلها بقلبها كانت تريد إقدامه على دفعها ومنعها، وفي ظاهر
~~الأمر كانت توهم أنه قصدني بما لا ينبغي انتهى المراد منه، وفيه من
~~الانظار ما فيه.

# وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما (أو عذابا أليما) بالنصب على
~~المصدرية كما قال الكسائي: أي أو يعذب عذابا أليما إلا أنه حذف ذلك
~~لظهوره، وهذه القراءة أوفق بقوله تعالى: { أن يسجن } ولم يظهر لي في
~~سر اختلاف التعبير على القراءة المشهورة ما يعول عليه، والله تعالى أعلم
~~بأسرار كتابه فتدبر.

### || [12.26]

# { قال } استئناف وجواب عما يقال: فماذا قال يوسف عليه السلام حينئذ؟
~~فقيل: قال: { هي راودتني عن نفسي } أي طالبتني للمواتاة لا
~~أني أردت بها سوءا كما زعمت وإنما قاله عليه السلام لتنزيه نفسه عن
~~التهمة ودفع الضرر عنها لا لتفضيحها. وفي التعبير عنها بضمير الغيبة دون
~~الخطاب أو اسم الإشارة مراعاة لحسن الأدب مع الإيماء إلى الإعراض عنها
~~كذا قالوا - وفي هذا الضمير ونحو كلام فقد ذكر ابن هشام في بعض «حواشيه»
~~على قول ابن مالك في «ألفيته»:

# فما الذي غيبة أو حضور

# الخ لينظر إلى نحو { هي راودتني } فإن { هي } ضمير باتفاق،
~~وليس هو للغائب بل لمن بالحضرة، وكذا

# يأبت استئجره

# [القصص: 26] وهذا في المتصل وذاك في المنفصل، وقول من يخاطب شخصا في
~~شأن آخر حاضر معه ms04618 قلت له: اتق الله تعالى وأمرته بفعل الخير، وقد يقال:
~~إنه نزل الضمير فيهن منزلة الغائب وكذا في عكس ذلك يبلغك عن شخص غائب شيء
~~فنقول: ويحك يا فلان أتفعل كذا؟ تنزلا له منزلة من بالحضرة، وحينذ يقال:
~~الحد المستفاد مما ذكر إنما هو للضمير باعتبار وضعه اه.

# وقال السراج البلقيني في رسالته المسماة «نشر العبير لطي الضمير» المفسر
~~لضمير الغائب إما مصرح به أو مستغنى بحضور مدلوله حسا أو علما فالحس
~~نحو قوله تعالى: { هي راودتني } و

# يأبت استئجره

# [القصص: 26] كما ذكره ابن مالك، وتعقبه شيخنا أبو حيان بأنه ليس كما مثل
~~به لأن هذين الضميرين عائدان على ما قبلهما فضمير { هي راودتني }
~~عائد على الأهل في قولها:

# ما جزآء من أراد بأهلك سوءا

# [يوسف: 25] ولما كنت عن نفسها بذلك ولم تقل بي بدل { بأهلك } كنى
~~هو عليه السلام عنها بضمير الغيبة فقال: { هي راودتني } ولم
~~يخاطبها بأنت راودتيني، ولا أشار إليها بهذه راودتني وكل هذا على سبيل
~~الأدب في الألفاظ والاستيحاء في الخطاب الذي لا يليق بالأنبياء عليهم
~~السلام، فأبرز الاسم في صورة ضمير الغائب تأدبا مع العزيز وحياءا منه،
~~وضمير { استجره } [القصص: 26] عائد على موسى فمفسره مصرح بلفظه،
~~وكأن ابن مالك تخيل أن هذا موضع إشارة لكون صاحب الضمير حاضرا عند
~~المخاطب فاعتقد أن المفسر يستغني عنه بحضور مدلوله حسا فجرى الضمير مجرى
~~اسم الإشارة، والتحقيق ما ذكرناه هذا كلامه.

# وعندي أن الذي قاله ابن مالك أرجح مما قاله الشيخ، وذلك أن الإثنين إذا
~~وقعت بينهما خصومة عند حاكم فيقول المدعي للحاكم: لي على هذا كذا: فيقول
~~المدعى عليه: هو يعلم أنه لا حق له علي، فالضمير في هو إنما / هو لحضور
~~مدلوله حسا لقوله: لي كما هو المتبادر إلى الأفهام، وأيضا يرد على ما
~~ذكره في ضمير

# استئجره

# [القصص: 26] أن موسى عليه السلام لم يسبق له ذكر عند حضوره مع بنت شعيب
~~عليه السلام، وقد قالت:

# إحداهما يأبت استئجره

# [القصص: 26] وقصدها بالضمير الرجل الحاضر الذي بان ms04619 لها من قوته وأمانته
~~الأمر العظيم، ثم إن من خاصم زوجته فقال للحاضرين من أهلها أو من غيرهم:
~~هي طالق تطلق زوجته لوجود ما قرره ابن مالك، ولا يتمشى على ما قرره الشيخ
~~كما لا يخفى، وبالجملة إن التأويل الذي ذكره في الآيتين وإن سلم فيهما
~~لكن لا يكاد يتمشى معه في غيرهما هذا فليفهم.

# { وشهد شاهد من أهلها } ذهب جمع إلى أنه كان ابن خالها،
~~وكان طفلا في المهد أنطقه الله تعالى ببراءته عليه السلام، فقد ورد عنه
~~صلى الله عليه وسلم:

# " تكلم أربعة في المهد وهم صغار: ابن ماشطة ابنة فرعون وشاهد يوسف عليه
~~السلام وصاحب جريج وعيسى ابن مريم عليهما السلام "

# وتعقب ذلك الطيبي بقوله: يرده دلالة الحصر في حديث «الصحيحين» عن أبي
~~هريرة رضي الله تعالى عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم وصاحب جريج وصبي كان
~~يرضع من أمه فمر راكب حسن الهيئة فقالت: أمه اللهم اجعل ابني مثل هذا
~~فترك الصبي الثدي، وقال اللهم لا تجعلني مثله "

# اه، ورده الجلال السيوطي فقال: هذا منه على جاري عادته من عدم الإطلاع
~~على طرق الأحاديث، والحديث المتقدم صحيح أخرجه أحمد في «مسنده» وابن حبان
~~في «صحيحه» والحاكم في «مستدركه» وصححه من حديث ابن عباس، ورواه الحاكم
~~أيضا من حديث أبي هريرة، وقال صحيح على شرط الشيخين، وفي حديث
~~«الصحيحين» المشار إليه آنفا زيادة على الأربعة

# " الصبي الذي كان يرضع من أمه فمر راكب "

# الخ فصاروا خمسة وهم أكثر من ذلك، ففي «صحيح مسلم» تكلم الطفل في قصة
~~أصحاب الأخدود، وقد جمعت من تكلم في المهد فبلغوا أحد عشر، ونظمتها فقلت:

# تكلم في المهد النبي محمد

# ويحيى وعيسى والخليل ومريم

# ومبرى جريج ثم شاهد يوسف

# وطفل لذي الأخدود يرويه مسلم

# وطفل عليه مر بالأمة التي

# يقال لها تزني ولا تتكلم

# وماشطة في عهد فرعون طفلها

# وفي زمن الهادي المبارك يختم

# اه، وفيه أنه لم يرد الطيبي الطعن ms04620 على الحديث الذي ذكر كما توهم،
~~وإنما أراد أن بين الحديث الدال على الحصر وغيره تعارضا يحتاج إلى
~~التوفيق؛ وفي «الكشف» بعد ذكره حديث الأربعة، وما تعقب به مما تقدم عن
~~الطيبي أنه نقل الزمخشري في سورة البروج خامسا فإن ثبتت هذه أيضا
~~فالوجه أن يجعل في المهد قيدا وتأكيدا لكونه في مبادى الصبا، وفي هذه
~~الرواية يحمل على الإطلاق أي سواء كان في المبادي أو بعيدها بحيث يكون
~~تكلمه من الخوارق، ولا يخفى أنه توفيق بعيد.

# وقيل: كان ابن عمها الذي كان مع زوجها لدى الباب وكان رجلا ذا لحية ولا
~~ينافي هذا قول قتادة: إنه كان رجلا حكيما من أهلها ذا رأي يأخذ الملك
~~برأيه ويستشيره، وجوز أن يكون بعض أهلها وكان معهما في الدار بحيث لم
~~يشعرا به فبصر بما جرى بينهما فأغضبه الله تعالى ليوسف فقال الحق، وعن
~~مجاهد أن الشاهد هو القميص / المقدود وليس بشيء كما لا يخفى، وجعل الله
~~تعالى الشاهد من أهلها قيل: ليكون أدل على نزاهته عليه السلام وأنفى
~~للتهمة وألزم لها، وخص هذا بما إذا لم يكن الشاهد الطفل الذي أنطقه الله
~~تعالى الذي أنطق كل شيء، وأما إذا كان ذلك فذكر كونه من أهلها لبيان
~~الواقع فإن شهادة الصبي حجة قاطعة ولا فرق فيها بين الأقارب وغيرهم،
~~وتعقب بأن كون شهادة القريب مطلقا أقوى مما لا ينبغي أن يشك فيه، وسمي
~~شاهدا لأنه أدى تأديته في أن ثبت بكلامه قول يوسف وبطل قولها، وقيل: سمي
~~بذلك من حيث دل على الشاهد وهو تخريق القميص، وفسر مجاهد فيما أخرجه عنه
~~ابن جرير الشهادة بالحكم أي وحكم حاكم من أهلها.

# { إن كان قميصه قد من قبل } أي من قدام يوسف عليه السلام
~~أو من قدام القميص؛ و { إن } شرطية، و { كان } فعل الشرط وقوله
~~سبحانه: { فصدقت } جواب الشرط وهو بتقدير قد، وإلا فالفاء لا تدخل
~~في مثله، وعن ابن خروف أن مثل هذا على إضمار المبتدا، والجملة جواب الشرط
~~لا الماضي وحده، ms04621 وفي «الكشاف» ((إن الشرطية هنا نظير قولك: إن أحسنت
~~إلي فقد أحسنت إليك من قبل لمن يمتن عليك بإحسانه فإنه على معنى إن
~~تمتن علي أمتن عليك)) وكذا هنا المراد أن يعلم أنه كان قميصه قد ونحوه
~~وإلا فبين (إن) الذي للاستقبال و { كان } تناف قيل: وهو مبني على ما
~~ذهب إليه البعض من أن { كان } قوية في الدلالة على الزمان فحرف الشرط
~~لا يقلب ماضيها مستقبلا وإلا فكل ماض دخل عليه الشرط قلبه مستقبلا من
~~غير حاجة إلى التأويل، وتعقب بأنه لا بد من التأويل ههنا وجعل حدوث
~~العلم ونحوه جزئي الشرطية كأن يقال: إن يعلم أو يظهر كونه كذلك فقد ظهر
~~الصدق، ويقال نظيره في الشرطية الأخرى الآتية: وإن كانت { كان } مما
~~يقلب حرف الشرط ماضيها مستقبلا كسائر الأفعال الماضية لأن المعنى ليس
~~على تعليق الصدق أو الكذب في المستقبل على كون القميص كذا أو كذا كذلك بل
~~على تعليق ظهور أحد الأمرين الصدق والكذب على حدوث العلم بكونه كذلك وهو
~~ظاهر، وهل هذا التأويل من باب التقدير أو من غيره؟ فيه خلاف، والذي يشير
~~إليه كلام بعض المدققين أنه ينزل في مثل ذلك العلم بالشيء منزلة استقباله
~~لما بينهما من التلازم كما قيل: أي شيء يخفى؟ فقيل: ما لا يكون فليفهم،
~~ثم إن متعلق الصدق ما دل كلامها عليه من أن يوسف أراد بها سوءا وهو
~~متعلق الكذب المسند إليها فيما بعد، وهما كما يتعلقان بالنسبة التي
~~يتضمنها الكلام باعتبار منطوقه يتعلقان بالنسبة التي يتضمنها باعتبار ما
~~يستلزمه فكأنه قيل: إن كان قميصه قد من قبل فصدقت في دعواها أن يوسف أراد
~~بها سوءا { وهو من الكذبين } في دعواه أنها راودته عن نفسه.

### || [12.27]

# { وإن كان قميصه قد من دبر } أي من خلف يوسف عليه
~~السلام أو خلف القميص { فكذبت } في دعواها { وهو من
~~الصدقين } في دعواه، والشرطيتان محكيتان: إما بقول مضمر أي شهد
~~قائلا أو فقال إن كان الخ كما هو مذهب البصريين، وإما يشهد لأن ms04622 الشهادة
~~قول من الأقوال فجاز أن تعمل في الجمل كما هو مذهب الكوفيين، والإظهار في
~~موضع الإضمار في الشرطية الثانية ليدل على الاستقلال مع رعاية زيادة
~~الإيضاح، وجملتا

# وهو من الكاذبين

# [يوسف: 26] { وهو من الصادقين } مؤكدتان لأن من قوله:

# فصدقت

# [يوسف: 26] يعلم كذبه، ومن قوله: { فكذبت } يعلم صدقه، ووجه دلالة
~~قد القميص من دبر على كذبها أنها تبعته وجذبت ثوبه فقدته، وأما دلالة
~~قده من قبل على صدقها فمن وجهين: أحدهما: أنه إذا كان تابعها وهي دافعته
~~عن نفسه قدت قميصه من قدام بالدفع، وثانيهما: أن يسرع إليها ليلحقها
~~فيتعثر في مقام قميصه فيشقه كذا في «الكشاف». / وتعقب ابن المنير الوجه
~~الأول ((بأن ما قرر في اتباعه لها يحتمل مثله في اتباعها له فإنها إنما
~~تقد قميصه من قبل بتقدير أن يكون عليه السلام أخذ بها حتى صارا متقابلين
~~فدفعته عن نفسها، وهذا بعينه يحتمل إذا كانت هي التابعة بأن تكون اجتذبته
~~حتى صارا متقابلين ثم جذبت قميصه إليها من قبل بل هذا أظهر لأن الموجب
~~لقد القميص غالبا الجذب لا الدفع، والوجه الثاني بأن ما ذكر بعينه
~~محتمل لو كانت هي التابعة وهو فار منها بأن ينقد قميصه في إسراعه
~~للفرار)) اه.

# وأجيب عما ذكره أولا: بأنه غير وارد لأن تلك الحالة السريعة لا تحتمل
~~إلا أيسر ما يمكن وأسرعه، وعلى تقدير اتباعها له تعين القد من دبر لأنه
~~أهون الجذبين، ثم لا نفرض كر الفار ليدفعها أو كما لحقت جذبت فهذا الفرض
~~لا وجه له هنالك فإذا ثبت دلالته في الجملة على هذا القسم تعينت، وعما
~~ذكره ثانيا: بأن الظاهر على تقدير أن تكون تابعة أنه إذا تعثر الفار
~~يتعلق به التابع متشبثا وإذا كانا منفلتين بعد ذلك الاحتمال.

# وذكر الفاضل المتعقب أن الحق في هذا الفصل أن يقال: إن الشاهد المذكور
~~إن كان صبيا أنطقه الله تعالى في المهد كما ورد في بعض الأحاديث فالآية
~~في مجرد كلامه قبل أوانه حتى لو قال صدق يوسف وكذبت لكفى ms04623 برهانا على
~~صدقه عليه السلام كما كان مجرد إخبار عيسى عليه السلام في المهد برهانا
~~على صدق مريم، فلا تنبغي المناسبة بين الأمارة المنصوبة وما رتب عليها
~~لأن العمدة في الدلائل نصبها لا مناسبتها، وإن كان قريبا لها قد بصر بها
~~من حيث لا تشعر فهذا  والله تعالى أعلم  كان من حقه أن يصرح بما رأى
~~فيصدق يوسف عليه السلام ويكذبها ولكنه أراد أن لا يكون هو الفاضح لها،
~~ووثق بأن قد قميصه إنما كان من دبر فنصبه أمارة لصدقه وكذبها، ثم ذكر
~~القسم الآخر وهو قده من قبل على علم بأنه لم ينقد كذلك حتى ينفي عن نفسه
~~التهمة في الشهادة وقصد الفضيحة وينصفهما جميعا فلذا ذكر أمارة على
~~صدقها المعلوم نفيه كما ذكر أمارة على صدقه المعلوم وجوده، وأخرجهما
~~مخرجا واحدا وبنى { قد } لما لم يسم فاعله في الموضعين سترا على من
~~قده، وقدم أمارة صدقها في الذكر إزاحة للتهمة ووثوقا بأن الأمارة
~~الثانية هي الواقعة فلا يضره تأخيرها.

# والحاصل أن عمدة هذا الشاهد الأمارة الأخير فقط والمناسبة فيها محققه،
~~وأما الأمارة الأولى فليست مقصودة وإنما هي كالغرض ذكرت توطئة للثانية
~~فلم يلتمس لها مناسبة مثل تلك المناسبة، وأما إن كان الحكيم الذي كان
~~الملك يرجع إلى رأيه فلا بد من التماس المناسبة في الطرفين لأنها عمدة
~~الحكيم، وأقرب وجه في المناسبة أن قد القميص من دبر دليل على إدباره
~~عنها، وقده من قبل دليل على إقباله عليها بوجهه، ولا يخفى أن مثل هذا
~~الوجه لا يصلح أن يكون مطمح نظر الحكيم الذي لا يلتفت إلا لليقينيات،
~~فالأولى أن يقال: يحتمل أن ذلك الحكيم كان واقفا على حقيقة الحال بطريق
~~من الطرق الممكنة، ويسهل أمر ذلك إذا قلنا: إنه كان ابن عم لها فهو متيقن
~~بعدم مقدم الشرطية الأولى وبوجود مقدم الشرطية الثانية، ومن ضروريات ذلك
~~الجزم بانتفاء تالي الأولى ووقوع تالي الثانية فإذا هو إخبار بكذبها
~~وصدقه عليه السلام لكنه ساق شهادته مساقا مأمونا من الجرح والطعن ms04624 حيث
~~صورها بصورة الشرطية المترددة ظاهرا بين نفعها ونفعه، وأما حقيقة فلا
~~تردد فيها قطعا كما أشير إليه وإلى كون الشرطية الأولى غير مقصودة
~~بالذات ذهب العلامة ابن الكمال معرضا بغفلة القاضي البيضاوي حيث قال: إن
~~قوله تعالى:

# إن كان قميصه قد من قبل

# [يوسف: 26] الخ من قبيل المسامحة في أحد شقي الكلام لتعين الآخر / عند
~~القائل تنيزلا للمحتمل منزلة الظاهر لأن الشق بالجذب في هذا الشق أيضا
~~محتمل، ومن غفل عن هذا قال: لأنه يدل على أنه قصدها فدفعت عن نفسها إلى
~~آخر عبارة البيضاوي، وحاصل ذلك على ما قرره بعض مشايخنا عليهم الرحمن أن
~~القائل يعلم يقينا وقوع الشق من دبر لكنه ذكر الشق من القبل مع أنه
~~محتمل أن يكون بجذبها إياه إلى طرفها كما أن كونه من دفعها إياه من بعض
~~محتملاته تنزيلا لهذا المحتمل منزلة الظاهر تأكيدا ومبالغة لثبوت ما
~~دلت عليه الشرطية الثانية من صدقه وكذبها يعني أنا نحكم بصدقها وكذبه
~~بمجرد وقوع الشق في القبل، وإن كان محتملا لأسباب أخر غير دفعها لكنه ما
~~وقع هذا الشق أصلا فلا صدق لها وذلك كما إذا قيل لك: بلغت إلى زيد
~~الكلام الفلاني في هذا اليوم؟ فقلت: إن كنت تكلمت في هذا اليوم مع زيد
~~فقولكم هذا صادق مع أن تكلمك معه في هذا اليوم مطلقا لا يدل على صدق
~~دعواهم لاحتمال أنك تكلمت معه بكلام غير ذلك الكلام لكنك قلت ذلك تحقيقا
~~لعدم تبليغك ذلك الكلام إليه.

# هذا وذكر شيخ مشايخنا العلامة صبغة الله الحيدري طيب الله تعالى ثراه أن
~~الظاهر أن دلالة كل من الشقين في الشقين على ما يدل عليه من حيث موافقته
~~لما ادعاه صاحبه فإنها كانت تقول: هو طلبني مقبلا علي فخلصت نفسي عنه
~~بالدفع أو الفرار وهو كان يقول: هي الطالبة ففرت منها وتبعتني واجتذبت
~~ثوبي فقدته فوقوع الشق في شق الدبر يدل على كونه مدبرا عنها لا مقبلا
~~عليها وعكسه على عكسه، ثم فرع على هذا أن ما ms04625 ذكره ابن الكمال غفلة عن
~~المخاصمة بالمقاولة وهو توجيه لطيف للآية الكريمة، بيد أن دعوى وقوع
~~المخاصمة بالمقاولة على الطرز الذي ذكره رحمه الله تعالى مما لا شاهد
~~لها، وعلى المدعي البيان على أنه يبعد عقلا أن تقول هو طلبني مقبلا
~~فخلصت نفسي منه فانقد قميصه من قبل وهو الذي تقتضيه دعواه أن الظاهر أن
~~دلالة كل من الشقين الخ لظهور أن ظهور كذبها حينئذ أسرع ما يكون،
~~وبالجملة قيل: إن الاحتمالات المضعفة لهذه المشاهدة كثيرة: منها ما علمت
~~ومنها ما تعلمه بأدنى التفات، ومن هنا قالوا: إن ذلك من باب اعتبار
~~الأمارة، ولذلك احتج بالآية كما قال ابن الفرس: من يرى الحكم من العلماء
~~بالأمارات والعلامات فيما لا تحضره البينات كاللقطة والسرقة والوديعة
~~ومعاقد الحيطان والسقوف وغير ذلك. وذكر الإمام أن علامات كذب المرأة كانت
~~كثيرة بالغة مبلغ اليقين فضموا إليها هذه العلامة الأخرى لا لأجل أن
~~يعولوا في الحكم عليها بل لأجل أن يكون ذلك جاريا مجرى المقويات
~~والمرجحات والله تعالى أعلم.

# وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية { من قبل } و { ومن دبر } بسكون
~~الباء فيهما والتنوين وهي لغة الحجاز وأسد، وقرأ أبو يعمر وابن أبي
~~إسحاق والعطاردي وأبو الزناد وآخرون { من قبل } و { من دبر } بثلاث ضمات،
~~وقرأ الأولان والجارود في رواية عنهم بإسكان الباء فيهما مع بنائهما على
~~الضم جعلوهما كقبل وبعد بعد حذف المضاف إليه ونية معناه، وتعقب ذلك أو
~~حاتم بأن هذا رديء في العربية وإنما يقع بعد البناء في الظروف، وهذان
~~اللفظان اسمان متمكنان وليسا بظرفين، وعن ابن إسحاق أنه قرأ (من قبل) و
~~(من دبر) بالفتح قيل: كأنه جعلهما علمين للجهتين فمنعهما الصرف للعلمية
~~والتأنيث باعتبار الجهة.

### || [12.28]

# { فلما رءاه } أي السيد، وقيل: الشاهد، والفعل من الرؤية البصرية
~~أو القبلية أي فلما علم { قميصه قد من دبر قال إنه } /
~~أي هذا القد والشق كما قال الضحاك { من كيدكن } أي ناشئ من
~~احتيالكن أيتها النساء ومكركن ومسبب عنه، وهذا تكذيب لها وتصديق له ms04626 عليه
~~السلام على ألطف وجه كأنه قيل: أنت التي راودتيه فلم يفعل وفر فاجتذبتيه
~~فشققت قميصه فهو الصادق في إسناد المراودة إليك وأنت الكاذبة في نسبة
~~السوء إليه، وقيل: الضمير للأمر الذي وقع فيه التشاجر وهو عبارة عن إرادة
~~السوء التي أسندت إلى يوسف عليه السلام وتدبير عقوبته بقولها

# ما جزآء من أراد بأهلك سوءا

# [يوسف: 25] الخ أي إن ذلك من جنس مكركن واحتيالكن، وقيل: هو للسوء وهو
~~نفسه وإن لم يكن احتيالا لكنه يلازمه، وقال الماوردي: هو لهذا الأمر وهو
~~طمعها في يوسف عليه السلام؛ وجعله من الحيلة مجاز أيضا كما في الوجه
~~الذي قبله، وقال الزجاج: هو لقولها:

# ما جزآء

# [يوسف: 25] الخ فقط، واختار العلامة أبو السعود القيل الأول وتكلف له
~~بما تكلف واعترض على ما بعده من الأقوال بما اعترض. ولعل ما ذكرناه أقرب
~~للذوق وأقل مؤنة مما تكلف له؛ وأيا ما كان فالخطاب عام للنساء مطلقا
~~وكونه لها ولجواريها  كما قيل  ليس بذاك، وتعميم الخطاب للتنبيه على أن
~~الكيد خلق لهن عريق:

# ولا تحسبا هندا لها الغدر وحدها

# سجية نفس كل غانية هند

# { إن كيدكن عظيم } فإنه ألطف وأعلق بالقلب وأشد تأثيرا في
~~النفس ولأن ذلك قد يورث من العار ما لا يورثه كيد الرجال، ولربات القصور
~~منهن القدح المعلى من ذلك لأنهن أكثر تفرغا من غيرهن مع كثرة اختلاف
~~الكيادات إليهن فهن جوامع كوامل، ولعظم كيد النساء اتخذهن إبليس عليه
~~اللعنة وسائل لإغواء من صعب عليه إغواؤه، ففي الخبر

# " ما أيس الشيطان من أحد إلا أتاه من جهة النساء "

# وحكي عن بعض العلماء أنه قال: أنا أخاف من النساء ما لا أخاف من الشيطان
~~فإنه تعالى يقول:

# إن كيد الشيطن كان ضعيفا

# [النساء: 76] وقال للنساء: { إن كيدكن عظيم } ولأن الشيطان
~~يوسوس مسارقة وهن يواجهن به، ولا يخفى أن استدلاله بالآيتين مبني على
~~ظاهر إطلاقهما، ومثله ما تنقبض له النفس وتنبسط يكفي فيه ذلك القدر فلا
~~يضر كون ضعف كيد الشيطان إنما هو في مقابلة كيد ms04627 الله تعالى، وعظيم كيدهن
~~إنما هو بالنسبة إلى كيد الرجال، وما قيل: إن ما ذكر لكونه محكيا عن
~~قطفير لا يصلح للاستدلال به بوجه من الوجوه ليس بشيء لأنه سبحانه قصه من
~~غير نكير فلا جناح في الاستدلال به كما لا يخفى.

### || [12.29]

# { يوسف } حذف منه حرف النداء لقربه وكمال تفطنه للحديث، وفي ندائه
~~باسمه تقريب له عليه السلام وتلطيف. وقرأ الأعمش { يوسف } بالفتح،
~~والأشبه على ما قال أبو البقاء: أن يكون أخرجه على أصل المنادى كما جاء
~~في الشعر:

# يا عديا لقد وقتك الأواقي

# وقيل: لم تضبط هذه القراءة عن الأعمش، وقيل: إنه أجرى الوقف مجرى الوصل
~~ونقل إلى الفاء حركة الهمزة من قوله تعالى: { أعرض عن هذا } أي
~~عن هذا الأمر واكتمه ولا تتحدث به فقد ظهر صدقك وطهارة ثوبك، وهذا كما
~~حكى الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله بالوصل والفتح، وقرىء { أعرض }
~~بصيغة الماضي فيوسف حينئذ مبتدأ والجملة بعده خبر، ولعل المراد الطلب
~~على أتم وجه فيؤول إلى معنى { أعرض }  { واستغفرى } أنت أيتها
~~المرأة، وضعف أبو البقاء هذه القراءة بأن الأشبه عليها أن / يقال:
~~فاستغفري { لذنبك } الذي صدر عنك وثبت عليك.

# { إنك كنت } بسبب ذلك { من الخطئين } أي من جملة القوم
~~المتعمدين للذنب، أو من جنسهم يقال: خطىء يخطىء خطأ وخطأ إذا أذنب
~~متعمدا، وأخطأ إذا أذنب من غير تعمد، وذكر الراغب أن الخطأ العدول عن
~~الجهة وهو أضرب: الأول: أن يريد غير ما تحسن إرادته فيفعله، وهذا هو
~~الخطأ التام المأخوذ به الإنسان، والثاني أن يريد ما يحسن فعله ولكن يقع
~~منه خلاف ما يريد وهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل، ومن ذلك قوله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " من اجتهد فأخطأ فله أجر "

# الثالث: أن يريد ما لا يحسن فعله ويتفق منه خلافه فهذا مخطىء في الإرادة
~~مصيب في الفعل، ولا يخفى أن المعنى الذي ذكرناه راجع إلى الضرب الأول من
~~هذه الضروب، والجملة المؤكدة في موضع التعليل للأمر والتذكير لتغليب
~~الذكور ms04628 على الإناث واحتمال أن يقال: المراد إنك من نسل الخاطئين فمنهم
~~سرى ذلك العرق الخبيث فيك بعيد جدا، وهذا النداء قيل: من الشاهد الحكيم
~~وروي ذلك عن ابن عباس، وحمل الاستغفار على طلب المغفرة والصفح من الزوج،
~~ويحتمل أن يكون المراد به طلب المغفرة من الله تعالى ويقال: إن أولئك
~~القوم وإن كانوا يعبدون الأوثان إلا أنهم مع ذلك يثبتون الصانع ويعتقدون
~~أن للقبائح عاقبة سوء من لديه سبحانه إذا لم يغفرها، واستدل على أنهم
~~يثبتون الصانع أيضا بأن يوسف عليه السلام قال لهم:

# أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار

# [يوسف: 39]، والظاهر أن قائل ذلك هو العزيز، ولعله كما قيل: كان رجلا
~~حليما، وروي ذلك عن الحسن، ولذا اكتفى بهذا القدر من مؤاخذتها، وروي أنه
~~كان قليل الغيرة وهو لطف من الله تعالى بيوسف عليه السلام، وفي «البحر»
~~((أن تربة إقليم قطفير اقتضت ذلك، وأين هذا مما جرى لبعض ملوك المغرب أنه
~~كان مع ندمائه المختصين به في مجلس أنس وجارية تغنيهم من وراء ستر
~~فاستعاد بعض خلصائه بيتين من الجارية كانت قد غنت بهما فما لبث أن جيء
~~برأس الجارية مقطوعا في طست، وقال له الملك: استعد البيتين من هذا الرأس
~~فسقط في يد ذلك المستعيد ومرض مدة حياة الملك)).

### || [12.30]

# { وقال نسوة } المشهور  وإليه ذهب أبو حيان  أنه جمع تكسير
~~للقلة كصبية وغلمة، وليس له واحد من لفظه بل من معناه وهو امرأة. وزعم
~~ابن السراج أنه اسم جمع، وعلى كل فتأنيثه غير حقيقي ولا التفات إلى كون
~~ذلك المفرد مؤنثا حقيقا لأنه مع طرو ما عارض ذلك ليس كسائر المفردات
~~ولذا لم يؤنث فعله، وفي نونه لغتان: الكسر وهي المشهورة والضم وبه قرأ
~~المفضل والأعمش والسلمي كما قال القرطبي فلا عبرة بمن أنكر ذلك، وهو إذ
~~ذاك اسم جمع بلا خلاف، ويكسر للكثرة على نساء ونسوان، وكن فيما روي عن
~~مقاتل خمسا: امرأة الخباز وامرأة الساقي وامرأة البواب وامرأة السجان
~~وأمرأة صاحب الدواب. وروى الكلبي أنهن ms04629 كن أربعا بإسقاط امرأة البواب {
~~في المدينة } أريد بها مصر، والجار والمجرور في موضع الصفة  لنسوة
~~ على ما استظهره بعضهم، ووصفن بذلك لأن إغاظة كلامهن بهذا الاعتبار
~~لاتصافهن بما يقوى جانب الصدق أكثر فإن كلام البدويات لبعدهن عن مظان
~~الاجتماع والاطلاع على حقيقة أحوال الحضريات القصريات لا يلتفت إلى
~~كلامهن فلا يغيظ تلك الإغاظة، والكثير على اختيار تعلقه بقال ومعنى كون
~~قولهن في المدينة إشاعته وإفشاؤه فيها، وتعقب بأن ذلك خلاف الظاهر.

# { امرأت العزيز } هو في الأصل الذي يقهر ولا يقهر كأنه مأخوذ من
~~عز أي حصل في عزاز وهي الأرض الصلبة التي يصعب وطؤها / ويطلق على الملك،
~~ولعلهم كانوا يطلقونه إذ ذاك فيما بينهم على كل من ولاه الملك على بعض
~~مخصوص من الولايات التي لها شأن فكان من خواصه ذوي القدر الرفيع والمحل
~~المنيع، وهو بهذا المعنى مراد هنا لأنه أريد به قطفير، وهو في المشهور
~~كما علمت إنما كان على خزائن الملك  وكان الملك الريان بن الوليد 
~~وقيل: المراد به الملك، وكان قطفير ملك مصر واسكندرية، وإضافتهن لها إليه
~~بهذا العنوان دون أن يصرحن باسمها أو اسمه ليظهر كونها من ذوات الأخطار
~~فيكون عونا على إشاعة الخبر بحكم أن النفوس إلى سماع أخبار ذوي الأخطار
~~أميل، وقيل  وهو الأولى  إن ذاك لقصد المبالغة في لومها بقولهن.

# { تراود فتاها عن نفسه } أي تطلب مواقعته إياها وتتمحل في
~~ذلك، وإيثارهن صيغة المضارع للدلالة على دوام المراودة كأنها صارت سجية
~~لها، والفتى من الناس الطري من الشبان، وأصله فتى بالياء لقولهم في
~~التثنية  وهي ترد الأشياء إلى أصولها  فتيان، فالفتوة على هذا شاذ،
~~وجمعه فتية وفتيان، وقيل: إنه يائي وواوي ككنوت وكنيت، وله نظائر كثيرة،
~~ويطلق على المملوك والخادم لما أن جل الخدمة شبان.

# وفي الحديث

# " لا يقل أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي "

# وأطلق على يوسف عليه السلام هنا لأنه كان يخدمها، وقيل: لأن زوجها وهبه
~~لها فهو مملوكها بزعم النسوة، وتعبيرهن عنه عليه السلام بذلك مضافا إليه
~~لا ms04630 إلى العزيز لإبانة ما بينهما من التباين البين الناشيء عن الخادمية
~~والمخدومية أو المالكية والمملوكية؛ وكل ذلك لتربية ما مر من المبالغة في
~~اللوم فإن من لا زوج لها من النساء أو لها زوج دنىء قد تعذر في مراودة
~~الأخدان لا سيما إذا كان فيهم علو الجناب، وأما التي لها زوج وأي زوج
~~فمراودتها لغيره لا سيما لمن لم يكن بينها وبينه كفاءة لها وتماديها في
~~ذلك غاية الغي ونهاية الضلال.

# { قد شغفها حبا } أي شق حبه شغاف قلبها وهو حجابه. وقيل: هو
~~جلدة رقيقة يقال لها: لسان القلب حتى وصل إلى فؤادها، وبهذا يحصل
~~المبالغة في وصفها بالحب له، وقيل: الشغاف سويداء القلب، فالمبالغة حينئذ
~~ظاهرة، وإلى هذا يرجع ما روي عن الحسن من أن الشغاف باطن القلب، وما حكي
~~عن أبي علي من أنه وسط والفعل مفتوح الغين المعجمة عند الجمهور. وقرأ
~~ثابت البناني بكسرها وهي لغة تميم، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وعلي بن
~~الحسين وابنه محمد وابنه جعفر رضي الله تعالى عنهما والشعبي وعوف
~~الأعرابي  شعفها  بفتح العين المهملة، وهي رواية عن قتادة وابن هرمز
~~ومجاهد وحميد والزهري، وروي عن ثابت البناني أنه قرأ كذلك أيضا إلا أنه
~~كسر العين، وهو من شعف البعير إذ هنأه فأحرقه بالقطران، فالمعنى وصل حبه
~~إلى قلبها فكاد يحترق، ومن هذا قول الأعشى:

# يعصى الوشاة وكان الحب آونة

# مما يزين للمشعوف ما صنعا

# وذكر الراغب أنه من شعفة القلب وهي رأسه عند معلق النياط، ويقال: لأعلى
~~الجبل شعفة أيضا، وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس أن الشغف
~~الحب القاتل والشعف حب دون ذلك، وأخرجا عن الشعبي أن الشغف الحب، والشعف
~~الجنون، وأخرجا أيضا عن ابن زيد أن الشغف في الحب، والشعف في البغض،
~~وهذا المعنى ممتنع الإرادة هنا على هذه القراءة، وفي كتاب «أسرار
~~البلاغة» في فصل ترتيب الحب / أن أول مراتب الحب الهوى ثم العلاقة وهي
~~الحب اللازم للقلب ثم الكلف وهو شدة الحب ثم ms04631 العشق وهو اسم لما فضل عن
~~المقدار المسمى بالحب ثم الشعف بالمهملة وهو احتراق القلب مع لذة يجدها،
~~وكذلك اللوعة واللاعج ثم الشغف بالمعجمة وهو أن يبلغ الحب شغاف القلب ثم
~~الجوى وهو الهوى الباطن ثم التيم هو أن يستعبده الحب ثم التبل وهو أن
~~يسقمه الحب ثم التدله وهو ذهاب العقل من الحب ثم الهيوم وهو أن يذهب
~~الرجل على وجهه لغلبة الهوى عليه اه.

# ورتب بعضهم ذلك على طرز آخر والله تعالى أعلم. وأيا ما كان فالجملة
~~إما خبر ثان أو حال من فاعل { تراود } أو من مفعوله، والمقصود منها
~~تكرير اللوم وتأكيد العذل ببيان اختلاف أحوالها القلبية كأحوالها
~~القالبية، وجوز أبو البقاء كونها استئنافية فهي حينئذ على ما قيل: في
~~موضع التعليل لدوام المراودة، وليس بذاك لأنه إن اعتبر من حيث الإنية كان
~~مصيره إلى الاستدلال بالأخفى على الأجل، وإن اعتبر من حيث اللمية كان فيه
~~ميل إلى تمهيد العذر من قبلها وليس المقام له، وانتصاب { حبا } على
~~التمييز وهو محول عن الفاعل إذ الأصل قد شغفها حبه كما أشير إليه. وأدغم
~~النحويان وحمزة وهشام وابن محيصن دال { قد } في شين (شغفها).

# { إنا لنراها } أي نعلمها، فالرؤية قلبية واستعمالها بمعنى العلم
~~حقيقة كاستعمالها بمعنى الإحساس بالبصر، وإذا أريد منها البصرية ثم تجوز
~~بها عن العلمية كان أبلغ في إفادة كونها فيما صنعت من المراودة والمحبة
~~المفرطة مستقرة { لنراك في ضلل } عظيم عن طريق الرشد والصواب
~~أو سنن العقل { مبين } واضح لا يخفى كونه ضلالا على أحد، أو مظهر
~~لأمرها بين الناس، فالتنوين للتفخيم والجملة مقررة لمضمون الجملتين
~~السابقتين المسوقتين للوم والتشنيع، وتسجيل عليها بأنها في أمرها على خطأ
~~عظيم، وإنما لم يقلن: إنها لفي ضلال مبين إشعارا كما قيل: بأن ذلك الحكم
~~غير صادر منهن مجازفة بل عن علم ورأي مع التلويح بأنهن متنزهات عن أمثال
~~ما هي عليه، وصح اللوم على الشغف قيل: لأنه اختياري باعتبار مباديه كما
~~يشير إليه قوله:

# مازحته فعشقته

# والعشق أوله مزاح ms04632

# وإلا فما ليس باختياري لا ينبغي اللوم عليه كما أشار إليه البوصيري
~~بقوله:

# يا لائمي في الهوى العذري معذرة

# مني إليك ولو أنصفت لم تلم

# وقيل: اللوم عليه باعتبار الاسترسال معه وترك علاجه فإنهم صرحوا بأن ذلك
~~من جملة الإدواء، وذكروا له من المعالجة ما ذكروا، ومن أحسن ما ذكر له من
~~ذلك تذكر مساوي المحبوب والتفكر في عواقبه فقد قيل:

# لو فكر العاشق في منتهى

# حسن الذي يسبيه لم يسبه

# وتمام الكلام في هذ المقام يطلب في محله.

### || [12.31]

# { فلما سمعت بمكرهن } أي باغتيابهن وسوء مقالتهن، وتسمية
~~ذلك مكرا لشبهه له في الإخفاء، وقيل: كانت استكتمتهن سرها فأفشينه
~~وأطلعن أمرها، وقيل: إنهن قصدن بتلك المقالة إغضابها حتى تعرض عليهن يوسف
~~لتبدي عذرها فيفزن بمشاهدته، والمكر على هذين القولين حقيقة { أرسلت
~~إليهن } تدعوهن، قيل: دعت أربعين امرأة منهن الخمس أو الأربع
~~المذكورات، وروي ذلك عن وهب، والظاهر عود الضمير على تلك النسوة القائلة
~~ما قلن عنها { وأعتدت } أي هيأت { لهن متكئا } / أي ما
~~يتكئن عليه من النمارق والوسائد كما روي عن ابن عباس، وهو من الاتكاء
~~الميل إلى أحد الشقين، وأصله موتكأ لأنه من توكأت فأبدلت الواو تاءا
~~وأدغمت في مثلها، وروي عن الحبر أيضا أن المتكأ مجلس الطعام لأنهم كانوا
~~يتكؤن له كعادة المترفين المتكبرين، ولذلك نهي عنه، فقد أخرج ابن أبي
~~شيبة عن جابر رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى
~~أن يأكل الرجل بشماله وأن يأكل متكئا، وقيل: أريد به نفس الطعام قال
~~العتبي: يقال: اتكأنا عند فلان أي أكلنا؛ ومن ذلك قول جميل:

# فظللنا بنعمة واتكأنا

# وشربنا الحلال من قلله

# وهو على هذا اسم مفعول أي متكئا له أو مصدر أي اتكاء، وعبر بالهيئة
~~التي يكون عليها الآكل المترف عن ذلك مجازا، وقيل: هو من باب الكناية.
~~وعن مجاهد أنه الطعام يحز حزا بالسكين واختلفوا في تعيينه، فقيل: كان
~~لحما وكانوا لا ينهشون اللحم وإنما يأكلونه حزا بالسكاكين، وقيل: كان
~~أترجا ms04633 وموزا وبطيخا، وقيل: الزماورد وهو الرقاق الملفوف باللحم وغيره
~~أو شيء شبيه بالأترج، وكأنه إنما سمي ما يقطع بالسكين بذلك لأن عادة من
~~يقطع شيئا أن يعتمد عليه فيكون متكأ عليه. وقرأ الزهري وأبو جعفر وشيبة
~~ متكى  مشدد التاء من غير همز بوزن متقى وهو حينئذ إما أن يكون من
~~الاتكاء وفيه تخفيف الهمزة كما قالوا في توضأت: توضيت، أو يكون مفتعلا
~~من أوكيت السقاء إذا شددته بالوكاء، والمعنى أعتدت لهن ما يشتد عليه
~~بالاتكاء أو بالقطع بالسكين، وقرأ الأعرج (متكأ) على وزن مفعلا من تكاء
~~يتكأ إذا اتكأ، وقرأ الحسن وابن هرمز (متكاء) بالمد والهمز وهو مفتعل من
~~الاتكاء إلا أنه أشبع الفتحة فتولدت منها الألف وهو كثير في كلامهم، ومنه
~~قوله:

# وأنت من الغوائل حين ترمى

# وعن ذم الرجال بمنتزاح

# وقوله:

# ينباع من ذفرى غضوب جسرة

# زيافة مثل الفنيق المكرم

# وقرأ ابن عباس وابن عمر ومجاهد وقتادة وآخرون (متكا) بضم الميم وسكون
~~التاء وتنوين الكاف، وجاء ذلك عن ابن هرمز أيضا، وهو الأترج عند الأصمعي
~~وجماعة والواحد متكة، وأنشد:

# فأهدت (متكة) لبني أبيها

# تخب بها العثمثمة الوقاح

# وقيل: هو اسم يعم جميع ما يقطع بالسكين  كالأترج وغيره من الفواكه،
~~وأنشد:

# نشرب الاثم بالصواع جهارا

# ونرى (المتك) بيننا مستعارا

# وهو من متك الشيء بمعنى بتكه أي قطعه، وعن الخليل تفسير المتك مضموم
~~الميم بالعسل، وعن أبي عمرو تفسيره بالشراب الخالص، وحكى الكسائي تثليث
~~ميمه، وفسره بالفالوذج، وكذا حكى التثليث المفضل لكن فسره بالزماورد،
~~وذكر أنه بالضم المائدة أو الخمر في لغة كندة، وبالفتح قرأ عبد الله
~~ومعاذ رضي الله تعالى عنهما. وفي الآية على سائر القراآت حذف أي فجئن
~~وجلسن.

# { وءاتت كل واحدة منهن سكينا }. وقال بعض المحققين:
~~لا يبعد أن تسم هذه الواو فصيحة، وإنما أعطت كل واحدة ذلك لتستعمله في
~~قطع ما يعهد قطعه مما قدم بين أيديهن وقرب إليهن، وغرضها من ذلك ما سيقع
~~من تقطيع أيديهن لتبكتهن بالحجة. وقيل: غرضها ذاك والتهويل على يوسف
~~عليه ms04634 السلام من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في / أيديهن
~~الخناجر توهمه أنهن يثبن عليه فيكون خائفا من مكرها دائما فلعله يجيبها
~~إلى مرادها. والسكين مذكر عند السجستاني قال: وسألت أبا زيد الأنصاري
~~والأصمعي وغيرهم ممن أدركناه فكلهم يذكره وينكر التأنيث فيه، وعن الفراء
~~أنه يذكر ويؤنث وذلك حكى عن اللحياني ويعقوب، ومنع بعضهم أن يقال: سكينة،
~~وأنشد عن الكسائي ما يخالف ذلك وهو قوله:

# الذئب سكينته في شدقه

# ثم قرابا نصلها في حلقه

# { وقالت } ليوسف عليه السلام وهن مشغولات بمعالجة السكاكين وإعمالها
~~فيما بأيدهن، والعطف بالواو ربما يشير إلى أن قولها: { اخرج
~~عليهن } أي ابرز لهن لم يكن عقيب ترتيب أمورهن ليتم غرضها بهن.
~~والظاهر أنها لم تأمره بالخروج إلا لمجرد أن يرينه فيحصل مرامها، وقيل:
~~أمرته بالخروج عليهن للخدمة أو للسلام، وقد أضمرت مع ذلك ما أضمرت يحكى
~~أنها ألبسته ثيابا بيضا في ذلك اليوم لأن الجميل أحسن ما يكون في
~~البياض { فلما رأينه } عطف على مقدر يستدعيه الأمر بالخروج
~~وينسحب عليه الكلام أي فخرج عليهن فرأينه، وإنما حذف على ما قيل: تحقيقا
~~لمفاجأة رؤيتهن كأنها تفوت عند ذكر خروجه عليهن، وفيه إيذان بسرعة
~~امتثاله عليه السلام بأمرها فيما لا يشاهد مضرته من الأفاعيل ونظير هذا
~~آت كما مر آنفا { أكبرنه } أي أعظمنه ودهشن برؤية جماله الفائق
~~الرائع الرائق، فإن فضل جماله على جمال كل جميل كان كفضل القمر ليلة
~~البدر على سائر الكواكب. وأخرج ابن جرير وغيره عن أبي سعيد الخدري عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " رأيت يوسف ليلة المعراج كالقمر ليلة البدر "

# ، وحكى أنه عليه السلام كان إذا سار في أزقة مصر تلألأ وجهه على الجدران
~~كما يرى نور الشمس، وجاء عن الحسن أنه أعطى ثلث الحسن، وفي رواية عن أنس
~~مرفوعا أنه عليه السلام أعطى هو وأمه شطر الحسن وتقدم خبر أنه عليه
~~السلام كان يشبه آدم عليه السلام يوم خلقه ربه، وعن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أن معنى ms04635 أكبرن حضن، ومن ذلك قوله:

# نأتي النساء على أطهارهن ولا

# نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا

# وكأنه إنما سمي الحيض إكبارا لكون البلوغ يعرف به فكأنه يدخل الصغار سن
~~الكبر فيكون في الأصل كناية أو مجازا، والهاء على هذا إما ضمير المصدر
~~فكأنه قيل: أكبرن إكبارا وإما ضمير يوسف عليه السلام على أسقاط الجار أي
~~حضن لأجله من شدة شبقهن، والمرأة كما زعم الواحدي إذا اشتد شبقها حاضت
~~ومن هنا أخذ المتنبي قوله:

# خف الله واستر ذا الجمال ببرقع

# إذا لحت حاضت في الخدور العواتق

# وقيل: إن الهاء للسكت، ورد بأنها لا تحرك ولا تثبت في الوصل، وإجراء
~~الوصل مجرى الوقف وتحريكها تشبيها لها بالضمير كما في قوله:

# واحر قلباه ممن قلبه شبم

# على تسليم صحته ضعيف في العربية واعترض في «الكشف» التخريجين الأولين
~~فقال: إن نزع الخافض ضعيف لأنه إنما يجري في الظروف / والصفات والصلات،
~~وذلك لدلالة الفعل على مكان الحذف، وأما في مثل هذا فلا، والمصدر ليس من
~~مجازه إذ ليس المقام للتأكيد، وزعم أن الوجه هو الأخير، وكل ما ذكره في
~~حيز المنع كما لا يخفى. وأنكر أبو عبيدة مجيء أكبرن بمعنى حضن، وقال: لا
~~نعرف ذلك في اللغة، والبيت مصنوع مختلق لا يعرفه العلماء بالشعر، ونقل
~~مثل ذلك عن الطبري. وابن عطية وغير واحد من المحققين، ورواية ذلك عن ابن
~~عباس إنما أخرجها ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبد
~~الصمد، وهو  وإن روى ذلك عن أبيه علي عن أبيه ابن عباس  لا يعول عليه
~~فقد قالوا: إنه عليه الرحمة ليس من رواة العلم. وعن الكميت الشاعر تفسير
~~أكبرن بأمنين، ولعل الكلام في ذلك كالكلام فيما تقدم تخريجا وقبولا،
~~وأنا لا أرى الكميت من خيل هذا الميدان وفرسان ذلك الشأن.

# { وقطعن أيديهن } أي جرحنها بما في أيديهن من السكاكين
~~لفرط دهشتهن وخروج حركات جوارحهن عن منهاج الاختيار حتى لم يعلمن بما
~~عملن ولم يشعرن بما ألم ما نالهن، وهذا كما تقول: كنت أقطع اللحم ms04636 فقطعت
~~يدي، وهو معنى حقيقي للتقطيع عند بعض. وفي «الكشف» إنه معنى مجازي على
~~الأصح، والتضعيف للتكثير إما بالنسبة لكثرة القاطعات. وإما بالنسبة لكثرة
~~القطع في يد كل واحدة منهن. وأخرج ابن المنذر وغيره عن مجاهد أنه فسر
~~التقطيع بالإبانة، والمعنى الأول أسرع تبادرا إلى الذهن، وحمل الأيدي
~~على الجوارح المعلومة مما لا يكاد يفهم خلافه، ومن العجيب ما روي عن
~~عكرمة من أن المراد بها الأكمام، وأظن أن منشأ هذا محض استبعاد وقوع
~~التقطيع على الأيدي بالمعنى المتبادر؛ ولعمري لو عرض ما قاله على أدنى
~~الأفهام لاستبعدته.

# { وقلن } تنزيها لله سبحانه عن صفات التقصير والعجز وتعجبا من
~~قدرته جل وعلا على مثل ذلك الصنع البديع { حش لله } أصله حاشا الله
~~بالألف كما قرأ أبو عمرو في الدرج فحذفت ألفه الأخيرة تخفيفا، وهو على
~~ما قيل: حرف وضع للاستثناء والتنزيه معا ثم نقل وجعل اسما بمعنى
~~التنزيه وتجرد عن معنى الاستثناء ولم ينون مراعاة لأصله المنقول عنه،
~~وكثيرا ما يراعون ذلك ألا تراهم قالوا: جلست من عن يمينه؟ فجعلوا  عن 
~~اسما ولم يعربوه، وقالوا: غدت من عليه فلم يثبتوا ألف على مع المضمر كما
~~أثبتوا ألف فتى في فتاه كل ذلك مراعاة للأصل، واللام للبيان فهي متعلقة
~~بمحذوف، ورد في «البحر» دعوى إفادته التنزيه في الاستثناء بأن ذلك غير
~~معروف عند النحاة، ولا فرق بين قام القوم إلا زيدا وحاشا زيدا، وتعقب
~~بأن عدم ذكر النحاة ذلك لا يضر لأنه وظيفة اللغويين لا وظيفتهم، واعترض
~~بعضهم حديث النقل بأن الحرف لا يكون اسما إلا إذا نقل وسمى به وجعل
~~علما، وحينئذ يجوز فيه الحكاية والإعراب، ولذا جعله ابن الحاجب اسم فعل
~~بمعنى برىء الله تعالى من السوء، ولعل دخول اللام كدخولها في

# هيهات هيهات لما توعدون

# [المؤمنون: 36] وكون المعنى على المصدرية لا يرد عليه لأنه قيل: إن
~~أسماء الأفعال موضوعة لمعاني المصادر وهو المنقول عن الزجاج، نعم ذهب
~~المبرد وأبو علي وابن عطية وجماعة إلى أنه فعل ماض بمعنى جانب، ms04637 وأصله من
~~حاشية الشيء وحشيه أي جانبه وناحيته، وفيه ضمير يوسف واللام للتعليل
~~متعلقة به أي جانب يوسف ما قرف به لله تعالى أي لأجل خوفه ومراقبته،
~~والمراد تنزيهه وبعده كأنه صار في جانب عما اتهم به لما رؤي فيه من آثار
~~العصمة وأبهة النبوة عليه الصلاة والسلام، ولا يخفى أنه على هذا يفوت
~~معنى التعجب، واستدل على اسميتها بقراءة أبي السمال / { حش لله }
~~بالتنوين، وهو في ذلك على حد: سقيا لك، وجوز أن يكون اسم فعل والتنوين
~~كما في صه، وكذا بقراءة أبي وعبد الله رضي الله تعالى عنهما  حاشا
~~الله  بالإضافة كسبحان الله، وزعم الفارسي أن { حش } في ذلك حرف جر
~~مرادا به الاستثناء كما في قوله:

# (حاشا) أبي ثوبان إن أبا

# ثوبان ليس ببكمة فدم

# ورد بأنه لم يتقدمه هنا ما يستثنى منه، وجاء في رواية عن الحسن أنه قرأ
~~ حاش لله  بسكون الشين وصلا ووقفا مع لام الجر في الاسم الجليل على
~~أن الفتحة اتبعت الألف في الإسقاط لأنها كالعرض اللاحق لها، وضعفت هذه
~~القراءة بأن فيها التقاء الساكنين على غير حده، وفي رواية أخرى عنه أنه
~~قرأ  حاش الإله  وقرأ الأعمش  حشا لله  بحذف الألف الأولى.

# هذا واستدل المبرد وابن جني والكوفيون على أن  حاش  قد تكون فعلا
~~بالتصرف فيها بالحذف كما علمت في هذه القراآت، وبأنه قد جاء المضارع منها
~~كما في قول النابغة:

# ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه

# ولا  أحاشي  من الأقوام من أحد

# ومقصودهم الرد على  س  وأكثر البصرية حيث أنكروا فعليتها، وقالوا:
~~إنها حرف دائما بمنزلة إلا لكنها تجر المستنثى، وكأنه لم يبلغهم النصب
~~بها كما في قوله:

# حاشا قريشا فإن الله فضلهم

# وربما يجيبون عن التصرف بالحذف بأن الحذف قد يدخل الحرف كقولهم: أما
~~والله وأم والله، نعم رد عليهم أيضا بأنها تقع قبل حرف الجر، ويقابل
~~هذا القول ما ذهب إليه الفراء من أنها لا تكون حرفا أصلا بل هي فعل
~~دائما ولا فاعل لها، والجر الوارد بعدها ms04638 كما في:

# حاشاي إني مسلم معذور

# والبيت المار آنفا بلام مقدرة، والحق أنها تكون فعلا تارة فينصب ما
~~بعدها ولها فاعل وهو ضمير مستكن فيها وجوبا يعود إما على البعض المفهوم
~~من الكلام أو المصدر المفهوم من الفعل، ولذا لم يثن ولم يجمع ولم يؤنث،
~~وحرفا أخرى ويجر ما بعدها، ولا تتعلق بشيء كالحروف الزائدة عند ابن هشام،
~~أو تتعلق بما قبلها من فعل أو شبهه عند بعض، ولا تدخل عليها إلا كما إذا
~~كانت فعلا خلافا للكسائي في زعمه جواز ذلك إذا جرت، وأنها إذا وقعت قبل
~~لام الجر كانت اسم مصدر مرادفا للتنزيه، وتمام الكلام في محله.

# { ما هذا بشرا } نفين عنه البشرية لما شاهدن من جماله الذي لم
~~يعهد مثاله في النوع الإنساني، وقصرهن على الملكية بقولهن: { إن هذا
~~} أي ما هذا { إلا ملك كريم } أي شريف كثير المحاسن بناء على
~~ما ركز في الطباع من أنه لا حي أحسن من الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من
~~الشيطان، ولذا لا يزال يشبه بهما كل متناه في الحسن والقبح وإن لم يرهما
~~أحد، وأنشدوا لبعض العرب:

# فلست لأنسي ولكن لملأك

# تنزل من جو السماء يصوب

# وكثر في شعر المحدثين ما هو من هذا الباب، ومنه قوله:

# ترك إذا قوبلوا كانوا ملائكة

# حسنا وإن قوتلوا كانوا عفاريتا

# وغرضهن من هذا وصفه بأنه في أقصى مراتب الحسن والكمال الملائم لطباعهن،
~~ويعلم مما قرر أن الآية لا تقوم دليلا على أن الملك أفضل من بني آدم كما
~~ظن أبو علي الجبائي وأتباعه، وأيده الفخر - ولا فخر له  بما أيده، وذهب
~~غير واحد إلى أن الغرض تنزيهه عليه السلام عما رمى به على أكمل وجه،
~~وافتتحوا ذلك  بحاشا لله  / على ما هو الشائع في مثل ذلك، ففي «شرح
~~التسهيل» الاستعمال على أنهم إذا أرادوا تبرئة أحد من سوء ابتدأوا تبرئة
~~الله سبحانه من السوء ثم يبرئون من أرادوا تبرئته على معنى أن الله تعالى
~~منزه عن أن لا يطهره مما ms04639 يضيمه فيكون آكد وأبلغ، والمنصور ما أشير إليه
~~أولا وهو الذي يقتضيه السياق والسباق، نعم هذا الاستعمال ظاهر فيما يأتي
~~إن شاء الله تعالى من قوله تعالى عن النسوة:

# حاش لله ما علمنا عليه من سوء

# [يوسف: 51] و { ما } عاملة عمل ليس وهي لغة للحجازيين لمشابهتها لها في
~~نفي الحال على ما هو المشهور في ليس من أنها لذلك أو في مطلق النفي
~~بناءا على ما قال الرضي من أنها ترد لنفي الماضي والمستقبل، والغالب على
~~لغتهم جر الخبر بالباء حتى أن النحويين لم يجدوا شاهدا على النصب في
~~أشعارهم غير قوله:

# وأنا النذير بحرة مسودة

# تصل الجيوش إليكم قوادها

# أبناؤها متكنفون أباهم

# حنقوا الصدور وما هم أولادها

# والزمخشري يسمى هذه اللغة: اللغة القدمى الحجازية، ولغة بني تميم في مثل
~~ذلك الرفع، وعلى هذا جاء قوله:

# ومهفهف الأعطاف قلت له انتسب

# فأجاب ما قتل المحب حرام

# وبلغتهم قرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وزعم ابن عطية أنه لم يقرأ
~~بها أحد هنا، وقرأ الحسن وأبو الحويرث الحنفي ما هذا بشرى بالباء الجارة
~~وكسر الشين على أن شرى  كما قال صاحب «اللوائح» مصدر أقيم مقام المفعول
~~به أي ما هذا بمشرى أي ليس ممن يشتري بمعنى أنه أعز من أن يجري عليه ذلك.
~~وروى هذه القراءة عبد الوارث عن أبي عمرو أيضا إلا أنه روى عنه أنه مع
~~ذلك كسر اللام من ملك، وروى الكسر ابن عطية عن الحسن وأبي الحويرث
~~أيضا، والمراد إدخاله في حيز الملوك بعد، ففي كونه مما يصلح للملوكية
~~فبين الجملتين تناسب ظاهر، وكأن بعضهم لم ير أن من قرأ بذلك قرأ أيضا {
~~ملك } بكسر اللام فقال: لتحصيل التناسب بينهما في تفسير ذلك أي ما هذا
~~بعبد مشتري لئيم، وعلى التقديرين لا يقال: إن هذه القراءة مخالفة لمقتضى
~~المقام، نعم إنها مخالفة لرسم المصحف لأنه لم يكتب ذلك بالياء فيه.

### || [12.32]

# { قالت فذلكن } الفاء فصيحة والخطاب للنسوة والإشارة  حسبما
~~يقتضيه الظاهر  إلى يوسف عليه السلام بالعنوان ms04640 الذي وصفته به الآن من
~~الخروج في الحسن والكمال عن المراتب البشرية، والاقتصار على الملكية، أو
~~بعنوان ما ذكر مع الأخبار وتقطيع الأيدي بسببه أيضا، فاسم الإشارة مبتدأ
~~والموصول خبره، والمعنى إن كان الأمر كما قلتن فذلكن الملك الكريم الخارج
~~في الحسن عن المراتب البشرية، أو الذي قطعتن أيدين بسببه وأكبرتنه
~~ووصفتنه بما وصفتنه هو { الذى لمتنني فيه } أي عيرتنني في
~~الافتنان فيه أو بالعنوان الذي وصفنه به فيما سبق بقولهن: امرأة العزيز
~~عشقت عبدها الكنعاني، فاسم الإشارة خبر لمبتدأ محذوف دخلت الفاء عليه بعد
~~حذفه، والموصول صفة اسم الإشارة أي فهو ذلكن العبد الكنعاني الذي صورتن
~~في أنفسكن وقلتن فيه وفي ما قلتن، فالآن قد علمتن من هو وما قولكن فينا،
~~وقيل: أرادت هذا ذلك العبد الكنعاني / الذي صورتن في أنفسكن ثم لمتنني
~~فيه على معنى أنكن لم تصورنه بحق صورته ولو صورتنه بما عاينتن لعذرتنني
~~في الافتتان به، والإشارة بما يشار به إلى البعيد مع قرب المشار إليه
~~وحضوره قيل: رفعا لمنزلته في الحسن واستبعادا لمحله فيه، وإشارة إلى
~~أنه لغرابته بعيد أن يوجد مثله. وقيل: إن يوسف عليه السلام كان في وقت
~~اللوم غير حاضر وهو عند هذا الكلام كان حاضرا فإن جعلت الإشارة إليه
~~باعتبار الزمان الأول كانت على أصلها، وإن لوحظ الثاني كان قريبا، وكانت
~~الإشارة بما ذكر لتنزيله لعلو منزلته منزلة البعيد، واحتمال أنه عليه
~~السلام أبعد عنهن وقت هذا الكلام لئلا يزددن دهشة وفتنة ولذا أشير إليه
~~بذلك بعيد. وجوز ابن عطية كون الإشارة إلى حب يوسف عليه السلام، وضمير {
~~فيه } عائد إليه، وجعل الإشارة على هذا إلى غائب على بابها ويبعده على ما
~~فيه.

# { ولقد راودته عن نفسه } وهو إباحة منها ببقية سرها بعد أن
~~أقامت عليهن الحجة وأوضحت لديهن عذرها وقد أصابهن من قبله ما أصابها أي
~~والله لقد راودته حسبما قلتن وسمعتن { فاستعصم } قال ابن عطية: أي
~~طلب العصمة وتمسك بها وعصاني. وفي " الكشاف " أن الاستعصام بناء مبالغة
~~يدل على ms04641 الامتناع البليغ والتحفظ الشديد كأنه في عصمة وهو مجتهد في
~~الاستزادة منها، ونحوه استمسك واستوسع الفتق واستجمع الرأي واستفحل الخطب
~~اه. وفي " البحر " ((والذي ذكره الصرفيون في { استعصم } أنه موافق
~~لاعتصم، وأما استمسك واستوسع واستجمع فاستفعل فيه أيضا موافقة لافتعل،
~~والمعنى امتسك واتسع واجتمع، وأما استفحل فاستفعل فيه موافقة لتفعل أي
~~تفحل نحو استكبر وتكبر)) فالمعنى فامتنع عما أرادت منه؛ وبالامتناع فسرت
~~العصمة على إرادة الطلب لأنه هو معناها لغة، قيل: وعنت بذلك فراره عليه
~~السلام منها فإنه امتنع منها أولا بالمقال ثم لما لم يفده طلب ما يمنعه
~~منها بالفرار، وليس المراد بالعصمة ما أودعه الله تعالى في بعض أنبيائه
~~عليهم السلام مما يمنع عن الميل للمعاصي فإنه معنى عرفي لم يكن قبل بل لو
~~كان لم يكن مرادا كما لا يخفى.

# وتأكيد الجملة بالقسم مع أن مضمونها من مراودتها له عن نفسه مما تحدث به
~~النسوة لإظهار ابتهاجها بذلك. وقيل: إنه باعتبار المعطوف وهو الاستعصام
~~كأنها نظمته لقوة الداعي إلى خلافه من كونه عليه السلام في عنفوان الشباب
~~ومزيد اختلاطه معها ومراودتها إياه مع ارتفاع الموانع فيما تظن في سلك ما
~~ينكر ويكذب المخبر به فأكدته لذلك وهو كما ترى. وفي الآية دليل على أنه
~~عليه السلام لم يصدر منه ما سود به القصاص وجوه الطروس، وليت السدي لو
~~كان قد سد فاه عن قوله: فاستعصم بعد حل سراويله.

# ثم إنها بعد أن اعترفت لهن بما سمعنه وتحدثهن به وأظهرت من إعراضه عنها
~~واستعصامه ما أظهرت ذكرت أنها مستمرة على ما كانت عليه لا يلويها عنها
~~لوم ولا إعراض فقالت { ولئن لم يفعل ما ءامره } أي الذي
~~آمره به فيما سيأتي كما لم يفعل فيما مضى - فما - موصولة والجملة بعدها
~~صلة والعائد الهاء، وقد حذف حرف الجر منه فاتصل بالفعل وهذا أمر شائع مع
~~أمر كقوله:

# أمرتك الخير فافعل ما أمرت به

# ومفعول (آمر) الأول إما متروك لأن مقصودها لزوم امتثال ما أمرت به
~~مطلقا كما قيل، وإما ms04642 محذوف لدلالة { يفعل } عليه وهو ضمير يعود على يوسف
~~أي ما آمره به. / وجوز أن يكون الضمير الموجود هو العائد على يوسف
~~والعائد على الموصول محذوف أي به، ويعتبر الحذف تدريجا لاشتراطهم في حذف
~~العائد المجرور بالحرف كونه مجرورا بمثل ما جر به الموصول لفظا ومعنى
~~ومتعلقا، وإذا اعتبر التدريج في الحذف يكون المحذوف منصوبا، وكذا يقال
~~في أمثال ذلك. وقال ابن المنير في " تفسيره ": إن هذا الجار مما أنس حذفه
~~فلا يقدر العائد إلا منصوبا مفصولا كأنه قيل: أمر يوسف إياه لتعذر
~~اتصال ضميرين من جنس واحد، ويجوز أن تكون { ما } مصدرية فالضمير المذكور
~~ليوسف أي لئن لم يفعل أمري إياه، ومعنى فعل الأمر فعل موجبه ومقتضاه فهو
~~إما على الإسناد المجازي أو تقدير المضاف، وعبرت عن مراودتها بالأمر
~~إظهار لجريان حكومتها عليه واقتضاءا للامتثال لأمرها.

# { ليسجنن } بالنون الثقيلة آثرت بناء الفعل للمفعول جريا على
~~رسم الملوك. وجوز أن يكون إيهاما لسرعة ترتب ذلك على عدم امتثاله لأمرها
~~كأنه لا يدخل بينهما فعل فاعل.

# { وليكونا } بالمخففة { من الصاغرين } أي الأذلاء المهانين،
~~وهو من صغر كفرح، ومصدر صغر بفتحتين، وصغرا بضم فسكون، وصغار بالفتح،
~~وهذا في القدر، وأما في الجثة والجرم فالفعل صغر ككرم، ومصدره صغر كعنب،
~~وجعل بعضهم الصغار مصدرا لهذا أيضا وكذا الصغربالتحريك، والمشهور
~~الأول، وأكدت السجن بالنون الثقيلة قيل: لتحققه، وما بعده بالنون الخفيفة
~~لأنه غير متحقق. وقيل: لأن ذلك الكون من توابع السجن ولوازمه، فاكتفت في
~~تأكيده بالنون الخفيفة بعد أن أكدت الأول بالثقيلة، وقرأت فرقة بالتثقيل
~~فيهما وهو مخالف لرسم المصحف لأن النون رسمت فيه بالألف ك

# نسفعا

# [العلق: 15] على حكم الوقف وهي يوقف عليها بالألف كما في قول الأعشى:

# ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا

# وذلك في الحقيقة لشبهها بالتنوين لفظا لكونها نونا ساكنة مفردة تلحق
~~الآخر، واللام الداخلة على حرف الشرط موطئة للقسم وجوابه ساد مسد
~~الجوابين، ولا يخفى شدة ما توعدت به كيف وأن للذل تأثيرا عظيما في نفوس
~~الأحرار وقد يقدمون الموت ms04643 عليه وعلى ما يجر إليه. قيل: ولم تذكر العذاب
~~الأليم الذي ذكرته في

# ما جزآء من أراد بأهلك سوءا

# [يوسف: 25] الخ لأنها إذ ذاك كانت في طراوة غيظها ومتنصلة من أنها هي
~~التي راودته فناسب هناك التغليظ بالعقوبة، وأما هنا فإنها في طماعية
~~ورجاء، وإقامة عذرها عند النسوة فرقت عليه فتوعدته بالسجن وما هو من
~~فروعه ومستتبعاته. وقيل: إن قولها { وليكونا من الصاغرين }
~~إنما أتت به بدل قولها هناك:

# عذاب أليم

# [يوسف: 25] ذله بالقيد أو بالضرب أو بغير ذلك، لكن يحتمل أنها أرادت
~~بالذل والعذاب الأليم ما يكون بالضرب بالسياط فقط أو ما يكون به أو
~~بغيره، أو أرادت بالذل ما يكون بالضرب وبالعذاب الأليم ما يكون به أو
~~بغيره أو بالعكس، وكيفما كان الأمر فما طلبته هنا أعظم ما لوحت بطلبه
~~هناك لمكان الواو هنا و (أو) هناك، ولعلها إنما بالغت في ذلك بمحضر من
~~تلك النسوة لمزيد غيظها بظهور كذبها وصدقه وإصراره على عدم بل غليلها،
~~ولتعلم يوسف عليه السلام أنها ليست في أمرها على خيفة ولا خفية من أحد،
~~فيضيق عليه الحيل ويعيى به العلل وينصحن له ويرشدنه إلى موافقتها فتدبر.

### || [12.33]

# { قال } استئناف بياني كأن سائلا يقول: فماذا صنع يوسف حينئذ؟ فقيل:
~~قال مناجيا لربه عز وجل: { رب السجن } الذي وعدتني بالإلقاء فيه،
~~وهو اسم للمحبس. وقرأ عثمان ومولاه طارق وزيد بن علي والزهري وابن أبي
~~إسحاق وابن هرمز ويعقوب { السجن } بفتح السين على أنه مصدر / سجنه أي
~~حبسه، وهو في القراءتين مبتدأ خبره ما بعده، وقرأ { رب } بالضم و { السجن
~~} بكسر السين والجر على الإضافة - فرب - حينئذ مبتدأ و الخبر هو الخبر.
~~والمعنى على ما قيل: لقاء صاحب السجن أو مقاساة أمره { أحب إلي }
~~أي آثر عندي لأن فيه مشقة قليلة نافدة إثرها راحات كثيرة أبدية { مما
~~يدعونني إليه } من مواتاتها التي تؤدي إلى الشقاوة والعذاب الأليم.
~~وصيغة التفضيل ليست على بابها إذ ليس له عليه السلام شائبة محبة لما
~~يدعونه إليه وإنما هو والسجن ms04644 شران أهونهما وأقربهما إلى الإيثار السجن.
~~والتعبير عن الإيثار بالمحبة لحسم مادة طمعها عن المساعدة لها على
~~مطلوبها خوفا من الحبس، والاقتصار على السجن لكون الصغار من مستتبعاته
~~على ما قيل. وقيل: اكتفى عليه السلام بذكر السجن عن ذكره لوفائه بالغرض
~~وهو قطع طمعها عن المساعدة خوفا مما توعدته به لأنها تظن أن السجن أشد
~~عليه من الصغار بناء على زعمها أنه فتاها حقيقة وأن الفتيان لا يشق
~~عليهم ذلك مشقة السجن، ومتى كان الأشد أحب إليه مما يدعونه إليه كان غير
~~الأشد أحب إليه من باب أولى، وفيه منع ظاهر. وإسناد الدعوة إليهن لأنهن
~~خوفنه عن مخالفتها وزين له مطاوعتها، فقد روي أنهن قلن له: أطع مولاتك
~~واقض حاجتها لتأمن من عقوبتها فإنها المظلومة وأنت الظالم، وروي أن كلا
~~منهن طلبت الخلوة لنصيحته فلما خلت به دعته إلى نفسها، وعن علي بن
~~الحسين رضي الله تعالى عنهما أن كل واحدة منهن أرسلت إليه سرا تسأله
~~الزيارة، فإسناد ذلك إليهن لأنهن أيضا دعونه إلى أنفسهن صريحا أو
~~إشارة. وفي أثر ذكره القرطبي أنه عليه السلام لما قال: { رب السجن
~~أحب إلي } الخ أوحى الله تعالى إليه: يا يوسف أنت جنيت على نفسك
~~ولو قلت: العافية أحب إلي عوفيت، ولذلك رد رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم على من كان يسأل الصبر، فقد روى الترمذي عن معاذ بن جبل

# " عنه عليه الصلاة والسلام أنه سمع رجلا وهو يقول: " اللهم إني أسألك
~~الصبر فقال صلى الله عليه وسلم: سألت الله تعالى البلاء فاسأله العافية "

# { وإلا تصرف } أي وإن لم تدفع { عني كيدهن } في تحبيب
~~ذلك إلي وتحسينه لدي بأن تثبتني على ما أنا عليه من العصمة والعفة {
~~أصب إليهن } أي أمل على قضية الطبيعة وحكم القوة الشهوية إلى
~~إجابتهن بمواتاتها أو إلى أنفسهن وهو كناية عن مواتاتهن ((وهذا فزع منه
~~عليه السلام إلى ألطاف الله تعالى جريا على سنن الأنبياء عليهم السلام
~~والصالحين في قصر نيل الخيرات والنجاة عن الشرور على جناب ms04645 الله تعالى
~~وسلب القوى والقدر عن أنفسهم ومبالغة في استدعاء لطفه سبحانه في صرف
~~كيدهن بإظهار أنه لا طاقة له بالمدافعة كقول المستغيث: أدركني وإلا هلكت،
~~لا أنه عليه السلام يطلب الإجبار [و] الإلجاء إلى العصمة والعفة وفي نفسه
~~داعية تدعوه إلى السوء)) كذا قرره المولى أبو السعود وهو معنى لطيف وقد
~~أخذه من كلام الزمخشري لكن قال القطب وغيره: إنه فرار إلى الاعتزال
~~وإشارة إلى جواب استدلال الأشاعرة بهذه الآية على أن العبد لا ينصرف عن
~~المعصية إلا إذا صرفه الله تعالى، وقد قرر ذلك الإمام بما قرره فليراجع
~~وليتأمل.

# وأصل { إلا } إن لا فهي مركبة من إن الشرطية ولا النافية كما أشرنا
~~إليه، وقد أدغمت فيه النون باللام و { أصب } من صبا يصبو صبوا وصبوة
~~إذا مال إلى الهوى، ومنه الصبا للريح المخصوصة لأن النفوس تميل إليها
~~لطيب نسيمها وروحها مضارع مجزوم على أنه جواب الشرط، والجملة الشرطية عطف
~~على قوله: { السجن أحب } وجيء بالأولى اسمية دون الثانية لأن
~~أحبيته السجن مما يدعونه إليه كانت ثابتة مستمرة ولا كذلك الصرف المطلوب.
~~وقرئ { أصب } من صبيت صبابة / إذا عشقت، وفي " البحر " الصبابة إفراط
~~الشوق كأن صاحبها ينصب فيما يهوى، والفعل مضمن معنى الميل أيضا ولذا عدي
~~بإلى أي أصب مائلا إليهن { وأكن من الجاهلين } أي الذين لا
~~يعملون بما يعلمون لأن من لا جدوى لعلمه فهو ومن لا يعلم سواء، أو من
~~السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه من القبائح لأن الحكيم لا يفعل القبيح،
~~فالجهل بمعنى السفاهة ضد الحكمة لا بمعنى عدم العلم، ومن ذلك قوله:

# ألا لا يجهلن أحد علينا

# فنجهل فوق جهل الجاهلينا

### || [12.34]

# { فاستجاب له ربه } أي أجاب له على أبلغ وجه دعاءه الذي
~~تضمنه قوله:

# وإلا تصرف عني كيدهن

# [يوسف: 33] الخ فإنه في قوة قوله: اصرفه عني بل أقوى منه في استدعاء
~~الصرف على ما علمت. وفي إسناد الاتسجابة إلى الرب مضافا إلى ضميره عليه
~~السلام ما لا يخفى من إظهار اللطف، وزاد حسن موقع ms04646 ذلك افتتاح كلامه عليه
~~السلام بندائه تعالى بعنوان الربوبية { فصرف عنه كيدهن }
~~حسب دعائه بأن ثبته على العصمة والعفة وحال بينه وبين المعصية { إنه
~~هو السميع } لدعاء المتضرعين إليه { العليم } بأحوالهم وما انطوت
~~عليه نياتهم وبما يصلحهم لا غيره سبحانه.

### || [12.35]

# { ثم بدا لهم } أي ظهر للعزيز وأصحابه المتصدين للحل والعقد
~~ريثما اكتفوا بأمر يوسف عليه السلام بالكتمان والإعراض عن ذلك { من
~~بعد ما رأوا الآيات } الصارفة لهم عن ذلك البداء وهي الشواهد
~~الدالة على براءته عليه السلام وطهارته من قد القميص وقطع النساء أيديهن،
~~وعليهما اقتصر قتادة فيما أخرجه عنه ابن جرير، وفيه إطلاق الجمع على
~~اثنين والأمر فيه هين، وعن مجاهد الاقتصار على القد فقط لأن القطع ليس من
~~الشواهد الدالة على البراءة في شيء حينئذ للتعظيم، ويحمل الجمع حينئذ على
~~التعظيم أو أل على الجنسية وهي تبطل معنى الجمعية كذا قيل، وهو كما ترى.
~~ووجه بعضهم عد القطع من الشواهد بأن حسنه عليه الصلاة والسلام الفاتن
~~للنساء في مجلس واحد، وفي أول نظرة يدل على فتنتها بالطريق الأولى وأن
~~الطلب منها لا منه، وعد بعضهم استعصامه عليه السلام عن النسوة إذ دعونه
~~إلى أنفسهن فإن العزيز وأصحابه قد سمعوه وتيقنوا به حتى صار كالمشاهد
~~لهم، ودلالة ذلك على البراءة ظاهرة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن
~~عكرمة قال: سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن الآيات فقال: ما سألني
~~عنها أحد قبلك من الآيات: قد القميص وأثرها في جسده وأثر السكين فعد
~~رضي الله تعالى عنه الأثر من الآيات ولم يذكر فيما سبق، ومن هنا قيل:
~~يجوز أن يكون هناك آيات غير ما ذكر ترك ذكرها كما ترك ذكر كثير من معجزات
~~الأنبياء عليهم السلام. وفاعل { بدا } ضمير يعود إما للبداء مصدر الفعل
~~المذكور أو بمعنى الرأي كما في قوله:

# لعلك والموعود حق لقاؤه

# (بدا) لك في تلك القلوص بداء

# وإما للسجن بالفتح المفهوم من قوله سبحانه: { ليسجننه } وجملة
~~القسم وجوابه إما مفعول لقول مضمر ms04647 وقع حالا من ضميرهم وإلى ذلك ذهب
~~المبرد، وإما مفسرة للضمير المستتر في { بدا } فلا موضع لها. وقيل: إن
~~جملة { ليسجننه } جواب - لبدا - لأنه من أفعال القلوب، والعرب
~~تجريها مجرى القسم وتتلقاها بما يتلقى به، وزعم بعضهم أن مضمون الجملة هو
~~فاعل { بدا } كما قالوا في قوله سبحانه:

# أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من /
~~القرون

# [السجدة: 26] وقوله تعالى:

# وتبين لكم كيف فعلنا بهم

# [إبراهيم: 45] أن الفاعل مضمون الجملة أي كثرة إهلاكنا وكيفية فعلنا،
~~وظاهر كلام ابن مالك في " شرح التسهيل " أن الفاعل في ذلك الجملة
~~لتأويلها بالمفرد حيث قال: وجاز الإسناد في هذا الباب باعتبار التأويل
~~كما جاز في باب المبتدأ نحو

# سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم

# [البقرة: 6] وجمهور النحاة لا يجوزون ذلك كما حقق في موضعه.

# واختار المازني في الفاعل الوجه الأول. قيل: وحسن بدا لهم بداء وإن لم
~~يحسن ظهر لهم ظهور لأن البداء قد استعمل في غير المصدرية كما علمت،
~~واختار أبو حيان الوجه الأخير وكونه ضمير السجن السابق على قراءة من فتح
~~السين، والأولى كونه ضمير السجن المفهوم من الجملة أي بدا لهم سجنه
~~المحتوم قائلين: والله ليسجننه. وكان ذلك البداء باستنزال المرأة لزوجها
~~ومطاوعته لها وحبه إياها وجعله زمام أمره بيدها. روي أنه عليه السلام لما
~~استعصم عنها ويئست منه قالت للعزيز: إن هذا الغلام العبراني قد فضحني في
~~الناس يخبرهم بأني راودته عن نفسه فأبى ويصف الأمر حسبما يختار، وأنا
~~محبوسة محجوبة فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر إلى الناس وأكذبه وإما أن
~~تحبسه كما أني محبوسة فحبس، قال ابن عباس: إنه أمر به عليه السلام فحمل
~~على حمار وضرب معه الطبل ونودي عليه في أسواق مصر أن يوسف العبراني راود
~~سيدته فهذا جزاؤه، وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما قال أبو صالح:
~~كلما ذكر هذا بكى. وأرادت بذلك تحقيق وعيدها لتلين به عريكته وتنقاد لها
~~قرونته لما انصرمت حبال رجائها عن استتباعه بعرض الجمال بنفسها
~~وبأعوانها. وقرأ الحسن ms04648 - لتسجننه - على صيغة الخطاب بأن خاطب بعضهم
~~العزيز ومن يليه أو العزيز وحده على وجه التعظيم، أو خاطب به العزيز ومن
~~عنده من أصحاب الرأي المباشرين للسجن والحبس.

# { حتى حين } قال ابن عباس: إلى انقطاع المقال وما شاع في المدينة من
~~الفاحشة، وهذا بادي الرأي عند العزيز، وأما عندها فحتى يذلله السجن
~~ويسخره لها ويحسب الناس أنه المجرم، وقيل: الحين ههنا خمس سنين، وقيل بل
~~سبع. وقال مقاتل: إنه عليه السلام حبس اثنتي عشرة سنة، والأولى أن لا
~~يجزم بمقدار، وإنما يجزم بالمدة الطويلة، والحين عند الأكثرين وقت من
~~الزمان غير محدود يقع على القصير منه والطويل، وقد استعمل في غير ذلك كما
~~ذكرناه في " شرح القادرية ". وقرأ ابن مسعود - عتى - بإبدال حاء { حتى }
~~عينا وهي لغة هذيل، وقد أقرأ رضي الله تعالى عنه بذلك إلى أن كتب إليه
~~عمر رضي الله تعالى عنه أن يقرئ بلغة قريش { حتى } بالحاء.

### || [12.36]

# { ودخل معه السجن فتيان } غلامان كانا للملك الأكبر
~~الريان بن الوليد أحدهما خبازه وصاحب طعامه والآخر ساقيه وصاحب شرابه،
~~وكان قد غضب عليهما الملك بسبب أن جماعة من أشراف مصر أرادوا المكر
~~بالملك واغتياله فضمنوا لهما مالا على أن يسماه في طعامه وشرابه فأجابا
~~إلى ذلك ثم إن الساقي ندم فرجع عن ذلك وقبل الخباز الرشوة وسم الطعام
~~فلما حضر بين يدي الملك قال الساقي: لا تأكل أيها الملك فإن الطعام
~~مسموم، وقال الخباز: لا تشرب فإن الشراب مسموم، فقال للساقي: اشربه فشربه
~~فلم يضره، وقال للخباز: كل من طعامك فأبى فأطعم من ذلك لدابة فهلكت فأمر
~~الملك بحبسهما فاتفق أن أدخلا معه السجن، ولعله إنما عبر - بدخل - الظاهر
~~في كون الدخول / بالاختيار مع أنه لم يكن كذلك للإشارة على ما قيل: إلى
~~أنهما لما رأيا يوسف هان عليهما أمر السجن لما وقع في قلوبهما من محبته:

# وهوى كل نفس حيث حل حبيبها

# فقد أخرج غير واحد عن ابن إسحاق أنهما لما رأياه قالا له: يا فتى لقد
~~والله ms04649 أحببناك حين رأيناك، فقال لهما عليه السلام: أنشدكما الله تعالى أن
~~لا تحباني فوالله ما أحبني أحد قط الا دخل علي من حبه بلاء، لقد أحبتني
~~عمتي فدخل علي من حبها بلاء، ثم أحبني أبي فدخل علي من حبه بلاء، ثم
~~أحبتني زوجة صاحبي هذا فدخل علي بحبها إياي بلاء فلا تحباني بارك الله
~~تعالى فيكما فأبيا إلا حبه والله حيث كان. وقيل: عبر بذلك لما أن ذكر {
~~معه } يفيد اتصافه عليه السلام بما ينسب إليهما، والمناسب في حقه نسبة
~~الدخول لمكان قوله عليه السلام:

# رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه

# [يوسف: 33] لا الادخال المفيد لسلب الاختيار، ولو عبر بأدخل لأفاد ذلك
~~نسبة الإدخال إليه فلم يكن بد من التعبير بالدخول ترجيحا لجانبه عليه
~~السلام. والظاهر أن - مع - تدل على الصحبة والمقارنة لفاعل الفعل في
~~ابتداء تلبسه بالفعل، فتفيد أن دخولهما مصاحبين له وأنهم سجنوا الثلاثة
~~في ساعة واحدة، وتعقب بأن هذا منتقض بقوله سبحانه:

# وأسلمت مع سليمان

# [النمل: 44] حكاية عن بلقيس إذ ليس إسلامها مقارنا لابتداء إسلام
~~سليمان عليه السلام، وأجيب بأن الحمل على المجاز هنالك للصارف ولا صارف
~~فيما نحن فيه فيحمل على الحقيقة، ويشهد لذلك ما ذكره الزمخشري في قوله
~~سبحانه:

# فلما بلغ معه السعي

# [الصافات: 102] من أنه بيان متعلق بمحذوف لتعذر التعلق - ببلغ - أو
~~السعي معنى أو لفظا.

# وقال صاحب " الكشف ": إنه لا يتعين المحكي عنها لمعية الفاعل فجاز أن
~~يراد أسلمت لله ولرسوله مثلا، وتقديم مع للإشعار بأنها كانت تظن أنها
~~على دين قبل وأنها كانت مسلمة فيما كانت تعبد من الشمس فدل على أنه إسلام
~~يعتد به من أثر متابعة نبيه لا إسلام كالأول فاسد، وهذا معنى صحيح حمل
~~الآية عليه أولى، وإن حمل على معية الفاعل لم يكن بد من محذوف نحو مع
~~بلوغ دعوته وإظهار معجزته لأن فرق ما بين المعية ومطلق الجمع معلوم
~~بالضرورة اه.

# وفرق بعضهم بين الفعل الممتد كالإسلام وغيره كالدخول بأن الأول لا
~~يقتضي مقارنتهما في ابتدائه ms04650 بخلاف الثاني، وهو على ما قيل: راجع إلى
~~الجمع وليس من المعية في شيء على أنه حينئذ لا يحتاج إلى تأويل في آية

# فلما بلغ معه السعي

# [الصافات: 102] واختير أن المقارنة هي الأصل ولا يعدل عنها ما أمكنت
~~فتأمل.

# وتأخير الفاعل عن المفعول لما مر غير مرة من الاهتمام بالمقدم والتشويق
~~إلى المؤخر ليتمكن عند النفس حين وروده فضل تمكن، ولعل تقديم الظرف على
~~السجن لأن الاهتمام بأمر المعية أشد من الاهتمام بأمره لما أنها المنشأ
~~لما كان، وقيل: إنما قدم لأن تأخيره يوهم أن يكون خبرا مقدما على
~~المبتدأ، وتكون الجملة حالا من فاعل - دخل - وتعقب بأن حاصل التركيب
~~الأول مصاحبة الفتيين له عند دخولهما، وحاصل الثاني مصاحبة الفتيين له
~~عند دخوله، ويؤول الأمران إلى دخولهما ودخوله متصاحبين فافهم. والجملة
~~على ما قيل: معطوف على محذوف ينساق إليه الذهن كأنه قيل: فلما بدا لهم
~~ذلك سجنوه ودخل معه الخ. وقرأ { السجن } بفتح السين على معنى موضع السجن.

# { قال } استئناف مبني على سؤال من يقول: ما صنعا بعدما دخلا؟ فأجيب
~~بأنه قال { أحدهما } وهو الشرابي واسمه بنو { إني أراني } أي
~~رأيتني في المنام والتعبير بالمضارع لاستحضار الصور الماضية { أعصر
~~خمرا } أي عنبا. روي أنه قال: رأيت حبلة / من كرم حسنة لها ثلاثة
~~أغصان فيها عناقيد عنب فكنت أعصرها وأسقي الملك. وسماه بما يؤول إلى
~~الخمر وكون الذي يؤول إليه ماؤه لا جرمه لا يضر لأنه المقصود منه فما
~~عداه غير منظور إليه فليس فيه تجوزان بالنظر إلى المتعارف فيه. وقيل:
~~الخمر بلغة غسان اسم للعنب، وقيل: في لغة أزدعمان. وقرأ أبي وعبد الله -
~~أعصر عنبا - قال في " البحر ": وينبغي أن يحمل ذلك على التفسير لمخالفته
~~لسواد المصحف والثابت عنهما بالتواتر قراءتهما { أعصر خمرا } انتهى، وقد
~~أخرج القراءة كذلك عن الثاني البخاري في " تاريخه " وابن جرير وابن
~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق، وذكروا أنه قال:
~~والله لقد أخذتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا ms04651 فافهم. وقال ابن
~~عطية ((يجوز أن يكون وصف الخمر بأنها معصورة لأن العصر من أجلها)) فليس
~~ذلك من مجاز الأول، والمشهور أنه منه كما قال الفراء: مؤنثة وربما ذكرت،
~~وعن السجستاني أنه سمع التذكير ممن يوثق به من الفصحاء.

# ورأى الحلمية جرت مجرى أفعال القلوب في جواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين
~~متحدي المعنى، ولا يجوز ذلك في غير ما ذكر، فلا يقال: أضربني ولا أكرمني،
~~وحاصله أرى نفسي أعصر خمرا.

# { وقال الآخر } وهو الخباز واسمه مجلث { إني أراني أحمل
~~فوق رأسي خبزا } ، وفي مصحف ابن مسعود - ثريدا. { تأكل
~~الطير منه } وهذا كما قيل أيضا: تفسير لا قراءة، روي أنه قال:
~~رأيت أني أخرج من مطبخة الملك وعلى رأسي ثلاث سلال فيها خبز والطير تأكل
~~من أعلاه. والخبز معروف، وجمعه أخباز وهو مفعول (أحمل) والظرف متعلق -
~~بأحمل - وتأخيره عنه لما مر، وقيل: متعلق بمحذوف وقع حالا منه، وجملة {
~~تأكل } الخ صفة له أو استئناف مبني على السؤال { نبئنا } أي أخبرنا
~~{ بتأويله } بتعبيره وما يؤول إليه أمره، والضمير للرؤيتين بتأويل ما
~~ذكر أو ما رؤي وقد أجري الضمير مجرى ذلك بطريق الاستعارة فإن اسم الإشارة
~~يشار به إلى متعدد كما مرت الإشارة إليه غير مرة؛ هذا إذا قالاه معا أو
~~قاله أحدهما من جهتهما معا، وأما إذا قاله كل منهما إثر ما قص ما رآه
~~فالمرجع غير متعدد ولا يمنع من هذا الاحتمال صيغة المتكلم مع الغير
~~لاحتمال أن تكون واقعة في الحكاية دون المحكي على طريقة قوله تعالى:

# يأيها الرسل كلوا من الطيبات

# [المؤمنون: 51] فإنهم لم يخاطبوا دفعة بل خوطب كل منهم في زمان بصيغة
~~مفردة خاصة به.

# { إنا نراك } تعليل لعرض رؤياهما عليه واستفسارهما منه عليه
~~السلام أي إنا نعتقدك { من المحسنين } اي من الذين يحسنون تأويل
~~الرؤيا لما رأياه يقص عليه بعض أهل السجن رؤياه فيؤولها لهم تأويلا
~~حسنا، وكان عليه السلام حين دخل السجن قد قال: إني أعبر الرؤيا وأجيد /
~~أو من العلماء كما في قول علي كرم ms04652 الله تعالى وجهه: قيمة كل امرئ ما
~~يحسنه وذلك لما سمعاه يذكر للناس ما يدل على علمه وفضله. أخرج ابن أبي
~~حاتم وغيره عن قتادة قال: لما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قوما قد
~~انقطع رجاؤهم واشتد بلاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول: أبشروا واصبروا تؤجروا
~~إن لهذا لأجرا فقالوا: يا فتى بارك الله تعالى فيك ما أحسن وجهك وأحسن
~~خلقك وخلقك لقد بورك لنا في جوارك ما نحب أنا كنا في غير هذا منذ جئتنا
~~لما تخبرنا من الأجر والكفارة والطهارة، فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف
~~ابن صفي الله تعالى يعقوب ابن ذبيح الله تعالى إسحاق ابن خليل الله تعالى
~~إبراهيم فقال له عامل السجن: يا فتى لو استطعت خليت سبيلك ولكن سأحسن
~~جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت، أو من المحسنين إلى أهل السجن أي فأحسن
~~إلينا بكشف غمتنا إن كنت قادرا على ذلك، وإلى هذا ذهب الضحاك، أخرج سعيد
~~بن منصور والبيهقي وغيرهما عنه أنه سئل ما كان إحسان يوسف؟ فقال: كان إذا
~~مرض إنسان في السجن قام عليه، وإذا ضاق عليه مكان أوسع له، وإذا احتاج
~~جمع له.

### || [12.37]

# { قال لا يأتيكما طعام ترزقانه } في الحبس حسب عادتكما
~~المطردة { إلا نبأتكما بتأويله } استثناء مفرغ من أعم الأحوال
~~أي لا يأتيكما طعام في حال من الأحوال إلا حال ما نبأتكما به بأن بينت
~~لكما ماهيته وكيفيته وسائر أحواله { قبل أن يأتيكما } ، وحاصله
~~لا يأتيكما طعام إلا أخبرتكما قبل إتيانه إياكما بأنه يأتيكما طعام من
~~صفته كيت وكيت. وإطلاق التأويل على ذلك - مع أن حقيقته في المشهور تفسير
~~الألفاظ المراد منها خلاف الظاهر ببيان المراد - بطريق الاستعارة فإن ذلك
~~يشبه تفسير المشكل، أو أنه بالنسبة إلى الطعام المبهم بمنزلة التأويل
~~بالتأويل بالنسبة إلى ما رؤي في المنام وشبيه له. ويحسن هذه الاستعارة ما
~~في ذلك من المشاكلة لما وقع في عبارتهما من قولهما:

# نبئنا بتأويله

# [يوسف: 36] وكون المراد بالتأويل الأمر الآيل لا المآل بناءا على ms04653 أنه
~~في الأصل جعل شيء آيلا إلى شيء آخر وكما يجوز أن يراد به الثاني يجوز أن
~~يراد به الأول، ويكون المعنى إلا نبأتكما بما يؤول إليه من الكلام
~~والخبر المطابق للواقع، في غاية البعد بل لا يكاد يلتفت إليه كما لا
~~يخفى على المنصف. وكأنه عليه السلام أراد أن يعرض عليهما التوحيد ويزينه
~~لهما ويقبح لهما الشرك بالله تعالى قبل أن يجيبهما عما سألاه من تعبير
~~رؤياهما ثم يجيبهما عن ذلك.

# وهذه طريقة على كل ذي عقل أن يسلكها مع الجهلة والفسقة إذا استفتاه واحد
~~منهم أن يقدم الإرشاد والنصيحة أولا ويدعوه إلى ما هو أولى به وأوجبه
~~عليه مما استفتى فيه ثم يفتيه، ولعل ذلك كان مفترضا عليه عليه السلام
~~فوصف نفسه أولا بما هو فوق علم العلماء وهو الإخبار بالمغيبات وجعله
~~تخلصا لما أراد كالتخلصات المعروفة عندهم فإن الإخبار بالغيب يناسب ما
~~سألاه من تأويل رؤياهما وأن من كان هكذا لا محالة يكون بغيره صادقا،
~~ويقوي أمر المناسبة تخصيص الطعام بالذكر من بين سائر المغيبات كما لا
~~يخفى، ويناسب ما أراده من الدعوة إلى التوحيد لأنه ثبت صدقه ونبوته وكونه
~~من المرتضين عند الله تعالى الصادقين في أقوالهم وأفعالهم، وفي حكاية
~~الله تعالى ذلك إرشاد لمن كان له قلب، وقد أدمج فيه أن وصف العالم نفسه
~~لينتفع به لا يحرم ولا يعد ذلك من التزكية المحظورة. وإلى ما ذكرنا من
~~حمل الإتيان على الإتيان في اليقظة ذهب غير واحد من الأجلة وروي عن ابن
~~جريج، وحمله بعضهم على الإتيان مناما. قال السدي وابن إسحاق: إنه عليه
~~السلام لما علم من رؤية الخباز أنه يقتل أخذ في حديث آخر تنسية لهما أمر
~~المنام وطماعية في إيمانهما ليأخذ المقتول / بحظه من الإيمان وتسلم له
~~آخرته فقال بعظيم علمه بالتعبير: إنه لا يجيئكما طعام في نومكما تريان
~~أنكما ترزقانه إلا أعلمتكما بما يؤول إليه أمره في اليقظة قبل أن يظهر
~~ذلك.

# ولا يخفى أن حديث الطماعية المذكورة مما لا بأس ms04654 إلا أن حديث التنسية لا
~~يخلو عن منع. وجاء في رواية أخرى عن ابن جريج أخرجها ابن جرير وابن
~~المنذر وغيرهما عنه ما يقرب من هذا الحديث من وجه فإنه قال: إنه عليه
~~السلام كره العبارة لهما فأجابهما بأن له علما بما يأتيهما من الطعام
~~ولم يصرح بما تدل عليه رؤياهما شفقة على الهالك منهما، وكان الملك إذا
~~أراد قتل إنسان صنع له طعاما معلوما فأرسل به إليه فلما لم يكتفيا بذلك
~~وطلبا منه التعبير أيضا دعاهما إلى التوحيد كراهة للعبارة أيضا، فلما
~~لم يكتفيا عبر لهما وأوضح ما تدل عليه رؤياهما وهو كما ترى. وأيا ما
~~كان فالضمير في (تأويله) يعود على الطعام، وجوز عوده على ما قصاه عليه من
~~الرؤيتين على معنى لا يأتيكما طعام ترزقانه حسب عادتكما إلا أخبرتكما
~~بتأويل ما قصصتما علي قبل أن يأتيكما ذلك الطعام الموقت، والمراد
~~الإخبار بالاستعجال بالتنبئة وفيه أنه خلاف الظاهر مع أن الإخبار
~~بالاستعجال مما ليس فيه كثير مناسبة لما هو بصدده. وقد يقال: يجوز عود
~~الضمير إلى ما قصاه ويكون المراد من الطعام المرزوق ما رأياه في النوم،
~~ولا يخفى ما فيه أيضا لكن التأويل على هذين الوجهين لا يحتاج إلى
~~التأويل بل يراد منه ما أريد من تأويله في كلامهما، وكذا الضمير المستتر
~~في { يأتيكما } يعود على الطعام وعوده على التأويل وإن كان أقرب
~~بعيد.

# ثم إنه عليه السلام أخبرهما بأن علمه ذلك ليس من علوم الكهنة والمنجمين
~~بل هو فضل إلهي يؤتيه من يشاء فقال: { ذلكما } ويروى أنهما قالا له:
~~من أين لك ما تدعيه من العلم وأنك لست بكاهن ولا منجم؟! وقيل: قالا إن
~~هذا كهانة أو تنجيم فقال: أي ذلك التأويل والكشف عن المغيبات، ومعنى
~~البعد في (ذلك) للإشارة إلى بعد منزلته وعلو درجته { مما علمني
~~ربي } بالوحي أو بنحو ذلك مما يحصل به العلم كما يكون للأولياء أهل
~~الكشف رضي الله تعالى عنهم، واقتصر بعضهم على الأول وادعى أن الآية دليل
~~على أنه عليه ms04655 السلام كان إذ ذاك نبيا، وأيا ما كان فالمراد أن ذلك بعض
~~مما علمنيه الله تعالى أو من ذلك الجنس الذي لا يناله إلا الأصفياء، ولقد
~~دلهما بذلك على أن له علوما جمة ما سمعاه قطرة من تيارها وزهرة من
~~أزهارها.

# وقوله: { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله } استئناف
~~وقع جوابا عن سؤال نشأ مما تقدم وتعليلا له كأنه قيل: لماذا علمك ربك
~~تلك العلوم الجليلة الشأن؟ فقال: لأني تركت دين الكفر الذي اجتمعوا عليه
~~من الشرك وعبادة الأوثان.

# وقيل: تعليل للتعليم الواقع صلة وهو يؤدي إلى معنى أنه مما علمني ربي
~~لهذا السبب دون غيره وليس بمراد. وقيل: لمضمون الجملة الخبرية. وفيه أن
~~ما ذكر ليس بعلة لكون التأويل المذكور بعضا مما علمه ربه أو لكونه من
~~جنسه بل لنفس التعليم. والمراد بالترك الامتناع فإنه لم يتلوث بتلك قط
~~كما يفصح عنه ما يأتي من كلامه عليه السلام قريبا إن شاء الله تعالى لكن
~~عبر به عن ذلك استجلابا لهما لأن يتركا تلك الملة التي هم عليها على
~~أحسن وجه. والتعبير عن كفرهم بالله تعالى بسلب الإيمان به سبحانه للتنصيص
~~على أن / عبادتهم له تعالى مع عبادة الأوثان ليست بإيمان به تعالى كما
~~يزعمونه. وأراد بأولئك القوم المتصفين بعنوان الصلة حيث كانوا، وقيل: أهل
~~مصر فإنهم كانوا عبدة إذ ذاك { وهم بالأخرة } وما فيها من الجزاء {
~~هم كافرون } أي على الخصوص دون غيرهم من الكنعانيين الذين هم على
~~ملة إبراهيم عليه السلام على ما يفيده توسيط ضمير الفصل هنا عند البعض،
~~وذكر أن تقديم الضمير للتخصيص وتكريره للتأكيد، ولعله إنما أكد إنكارهم
~~للمعاد لأنه كان أشد من إنكارهم للمبدأ فتأمل.

### || [12.38]

# { واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب
~~} داخل في حيز التعليل كأنه قال: إنما فزت بما فزت بسبب أني لم أتبع ملة
~~قوم كفروا بالمبدأ والمعاد واتبعت ملة آبائي الكرام المؤمنين بذلك، وإنما
~~قاله عليه السلام ترغيبا لصاحبيه في الإيمان والتوحيد وتنفيرا لهما عما
~~كانا عليه من الشرك ms04656 والضلال، وقدم ذكر تركه لملتهم على ذكر اتباعه لملة
~~آبائه عليهم السلام لأن التخلية مقدمة على التحلية. وجوز بعضهم أن لا
~~يكون هناك تعليل وإنما الجملة الأولى مستأنفة ذكرت تمهيدا للدعوة
~~والثانية إظهارا لأنه من بيت النبوة لتقوى الرغبة فيه، وفي كلام أبي
~~حيان ما يقتضي أنه الظاهر وليس بذاك. وقرأ الأشهب العقيلي والكوفيون {
~~آبائي } بإسكان الياء وهي مروية عن أبي عمرو { ما كان } ما صح وما
~~استقام فضلا عن الوقوع { لنا } معاشر الأنبياء لقوة نفوسنا، وقيل: أي
~~أهل هذا البيت لوفور عناية الله تعالى بنا { أن نشرك بالله من شيء
~~} أي شيئا أي شيء كان من ملك أو جني أو إنسي فضلا عن الصنم الذي لا
~~يسمع ولا يبصر - فمن - زائدة في المفعول به لتأكيد العموم، ويجوز أن يكون
~~المعنى شيئا من الإشراك قليلا كان أو كثيرا فيراد من { شيء } المصدر
~~وأمر العموم بحاله، ويلزم من عموم ذلك عموم المتعلقات.

# { ذلك } أي التوحيد المدلول عليه بنفي صحة الشرك { من فضل الله
~~علينا } أي ناشئ من تأييده لنا بالنبوة والوحي بأقسامه، والمراد أنه
~~فضل علينا بالذات { وعلى الناس } بواسطتنا { ولكن أكثر
~~الناس لا يشكرون } أي لا يوحدون، وحيث عبر عن ذلك بذلك العنوان
~~عبر عن التوحيد الذي يوجبه بالشكر لأنه مع كونه من آثار ما ذكر من
~~التأييد شكر لله عز وجل. ووضع الظاهر موضع الضمير الراجع إلى الناس
~~لزيادة التوضيح والبيان ولقطع توهم رجوعه إلى مجموع الناس وما كنى عنه -
~~بنا - الموهم لعدم اختصاص غير الشاكر بالناس، وفيه من الفساد ما فيه.
~~وجوز أن يكون المعنى ذلك التوحيد ناشئ من فضل الله تعالى علينا حيث نصب
~~لنا أدلة ننظر فيها ونستدل بها على الحق، وقد نصب مثل تلك الأدلة لسائر
~~الناس أيضا من غير تفاوت ولكن أكثرهم لا ينظرون ولا يستدلون بها اتباعا
~~لأهوائهم فيبقون كافرين غير شاكرين، والفضل على هذا عقلي وعلى الأول
~~سمعي. وجوز المولى أبو السعود أن يقال: المعنى ذلك التوحيد من فضل الله
~~تعالى علينا ms04657 حيث أعطانا عقولا ومشاعر نستعملها في دلائل التوحيد التي
~~مهدها في الأنفس والآفاق، وقد أعطى سائر الناس أيضا مثلها ولكن أكثرهم
~~لا يشكرون أي لا يصرفون تلك القوى والمشاعر إلى ما خلقت هي له ولا
~~يستعملونها فيما ذكر من أدلة التوحيد الآفاقية والأنفسية والعقلية
~~والنقلية انتهى.

# ولك أن تقول: يجوز أن تكون الإشارة إلى ما اشير إليه / ب

# ذلكما

# [يوسف: 37] ويراد منه ما يفهم مما قبل من علمه بتأويل الرؤيا.

# و { من } في قوله { من فضل الله } تبعيضية، ويكون قد أخبر عنه أولا
~~بأنه مما علمه إياه ربه وثانيا بأنه بعض فضل الله تعالى عليه وعلى آبائه
~~بالذات وعلى الناس بواسطتهم لأنهم يعبرون لهم رؤياهم فيكشفون لهم ما أبهم
~~عليهم ويزيلون عنهم ما أشغل أذهانهم مع ما في ذلك من النفع الذي لا ينكره
~~إلا نائم أو متناوم، ومن وقف على ما ترتب على تعبير رؤيا الملك من النفع
~~الخاص والعلم لم يشك في أن علم التعبير من فضل الله تعالى على الناس ولكن
~~أكثرهم لا يشكرون فضل الله تعالى مطلقا أو فضله عليهم بوجود من يرجعون
~~إليه في تعبير رؤياهم، ويكون ذلك نظير قولك لمن سألك عن زيد: ذلك أخي ذلك
~~حبيبي، لكنه وسط ههنا ما وسط وتفنن في التعبير فأتى باسم الإشارة أولا
~~مقرونا بخطابهما ولم يأت به ثانيا كذلك وأتى بالرب مضافا إلى ضميره
~~أولا وبالاسم الجليل ثانيا، ويجوز أن يكون المشار إليه في الموضعين
~~الإخبار بالمغيبات مطلقا، والكلام في سائر الآية عليه لا أظنه مشكلا،
~~وعلى الوجهين لا ينافي تعليل نيل تلك الكرامة - بتركه ملة الكفرة واتباعه
~~ملة آبائه الكرام - الإخبار بأن ذلك من فضل الله تعالى عليه وعلى من معه
~~كما لا يخفى، نعم إن حمل الإشارة على ما ذكر وتوجيه الآية عليه بما وجهت
~~لا يخلو عن بعد. ومن الناس من جعل الإشارة إلى النبوة وفيه ما فيه أيضا.

# هذا أوجب الإمام كون المراد في قوله: { لا يشكرون } لا يشكرون
~~الله تعالى على نعمة ms04658 الإيمان، ثم قال: وحكي أن واحدا من أهل السنة دخل
~~على بشر بن المعتمر فقال: هل تشكر الله تعالى على الإيمان أم لا؟ فإن
~~قلت: لا فقد خالفت الإجماع، وإن شكرته فكيف تشكره على ما ليس فعلا له؟!
~~فقال بشر: إنا نشكره على أن أعطانا القدرة والعقل والآلة، وأما أن نشكره
~~على الإيمان مع أنه ليس فعلا له فذلك باطل، وصعب الكلام على بشر فدخل
~~عليهم ثمامة بن الأشرس، فقال: إنا لا نشكر الله تعالى على الإيمان بل
~~الله تعالى يشكره علينا كما قال سبحانه:

# فأولئك كان سعيهم مشكورا

# [الإسراء: 19] فقال بشر: لما صعب الكلام سهل، وتعقب ذلك عليه الرحمة بأن
~~الذي التزمه ثمامة باطل (وهو على طرف الثمام) بنص هذه الآية لأنه سبحانه
~~بين فيها أن عدم الإشراك من فضل الله تعالى، ثم بين أن أكثر الناس لا
~~يشكرون هذه النعمة، وقد ذكر سبحانه ذلك على سبيل الذم فدل على أنه يجب
~~على [كل] مؤمن أن يشكر الله تعالى على الإيمان لئلا يدخل في الذم وحينئذ
~~تقوى الحجة وتكمل الدلالة اه. ولعل الوجه في الآية ما تقدم فليفهم.

### || [12.39]

# { يا صاحبي السجن } أي يا صاحبي فيه إلا أنه أضيف إلى الظرف
~~توسعا كما في قولهم: يا سارق الليلة أهل الدار؛ ولعله إنما ناداهما
~~بعنوان الصحبة في مدار الأشجان ودار الأحزان التي تصفو فيها المودة
~~وتتمحض النصيحة ليقبلا عليه ويقبلا مقالته؛ ويجوز أن يراد بالصحبة السكنى
~~كما يقال: أصحاب النار وأصحاب الجنة لملازمتهم لهما، والإضافة من باب
~~إضافة الشيء إلى شبه المفعول عند أبي حيان وإلى المفعول عند غيره ولا
~~اتساع في ذلك، وقيل: بل هناك اتساع أيضا، وأنه أضافهما إلى السجن دونه
~~لكونهما كافرين وفيه نظر، ولعل في ندائهما بذلك على هذا الوجه حثا لهما
~~على الإقرار بالحق كأنه قال لهما: يا ساكني هذا المكان الشاق والمحل
~~الضنك إني ذاكر لكم أمرا فقولوا الحق فيه ولا تزيغوا عن ذلك فأنتم تحت
~~شدة ولا ينبغي لمن كان كذلك أن يزيغ ms04659 عن الحق، وإنما حمل الصاحب على ما
~~سمعت لأن صاحب السجن في الاستعمال المشهور السجان أو الملك، والنداء -
~~بيا - بناء على الشائع من أنها للبعيد للإشارة / إلى غفلتهما وهيمانهما
~~في أودية الضلال.

# وقد تلطف عليه السلام بهما في ردهما إلى الحق وإرشادهما إلى الهدى حيث
~~أبرز لهما ما يدل على بطلان ما هما عليه بصورة الاستفهام حتى لا تنفر
~~طباعهما من المفاجأة بإبطال ما ألفاه دهرا طويلا ومضت عليه أسلافهما
~~جيلا فجيلا فقال: { ءأرباب متفرقون } متعددون متكثرون
~~يستعبدكما منهم هذا وهذا، والكلام على ما صرح به أبو حيان على حذف مضاف
~~أي أعبادة أرباب متفرقين { خير } لكما { أم الله } أي أم عبادة الله
~~سبحانه { الواحد } المنفرد بالألوهية { القهار } الغالب الذي لا
~~يغالبه أحد جل وعلا، وهو أولى مما قاله الخطابي من أنه الذي قهر الجبابرة
~~بالعقوبة والخلق بالموت.

# وذكر الزمخشري أن هذا مثل ضرب لعبادة الله تعالى وحده ولعبادة الأصنام،
~~واعترضه القطب بأن ذلك إنما يصح لو نسبا تارة إلى أرباب شتى وأخرى إلى رب
~~واحد كما في قوله تعالى:

# ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء

# [الزمر: 29] الآية لكنهما نسبا إلى أرباب وإلى الله تعالى، فكيف يكون
~~مثلا؟! وأجاب بأنه يفسر الله تعالى برب واحد لأنه في مقابلة أرباب،
~~وإنما عبر عن رب واحد بالله تعالى لانحصاره فيه جل جلاله. وقال الطيبي
~~أيضا: إن في ذلك إشكالا لأن الظاهر من الآية نفي استواء الأصنام
~~وعبادتها بالله تعالى وعبادته فأين المثل؟ ثم قال: لكن التقدير أسادات
~~شتى تستعبد مملوكا واحدا خير من سيد واحد قهار فوضع موضع الرب، والسيد
~~الله لكونه مقابلا لقوله: { ءأرباب } فيكون كقوله تعالى:

# ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء

# [الزمر: 29] الآية.

# وقرر في " الكشف " ما ادعى معه ظهور كونه مثلا ظهورا لا إشكال فيه،
~~والحق أنه ظاهر في نفي الاستواء وإن جعله مثلا يحتاج إلى تأويل حسبما
~~سمعت عن الطيبي إلا أنه لا يخلو عن لطف؛ ولعله الأولى وإن أحوج إلى ما
~~أحوج. وحمل التفرق على التفرق ms04660 في العدد والتكاثر مما ذهب إليه غير واحد،
~~وحمله بعضهم على الاختلاف في الكبر والصغر والشكل ونحو ذلك مما يحصل لها
~~بواسطة تأثير الغير فيها، وجعله إشارة إلى كونها مقهورة عاجزة. وأما
~~التعدد فيشير إليه جمع أرباب باعتبار أنه جمع فيكون ذكر الواحد على هذا
~~في مقابلة ما أشير إليه من التعدد، والقهار في مقابلة ما أشير إليه من
~~المقهورية والعجز، والمعنى أمتعددون سميتموهم أربابا عجز مقهورون
~~متأثرون من غيرهم خير أم الله أي صاحب هذا الاسم الجليل الواحد الذي
~~يستحيل عليه التكثر بوجه من الوجوه القهار الذي لا موجود إلا وهو مسخر
~~تحت قهره وقدرته عاجز في قبضته. وقيل: المراد من { متفرقون }
~~مختلفو الأجناس والطبائع كالملك والجن والجماد مثلا، ويجوز أن يراد منه
~~من لا ارتباط بينهم ولا اتفاق، وكثيرا ما يكنى بذلك عن العجز واختلال
~~الحال، وقد استنبط الإمام من الآية غير ما حجة على بطلان عبادة الأصنام،
~~وظاهر كلامه أنه لم يعتبرها مثلا فليتأمل.

# ثم إنه عليه السلام زاد في الإرشاد ببيان سقوط آلهتهما عن درجة الاعتبار
~~رأسا فضلا عن الألوهية، وأخرج ذلك على أتم وجه فقال معمما للخطاب لهما
~~ولمن على دينهما من أهل مصر كما هو الظاهر، وقيل: مطلقا، وقيل: من معهما
~~من أهل السجن: { ما تعبدون من دونه }.

### || [12.40]

# { ما تعبدون من دونه } أي من دون الله تعالى شيئا { دونه
~~إلآ أسمآء } أي ألفاظا فارغة لا مطابق لها في الخارج لأن ما ليس
~~فيه مصداق إطلاق الاسم عليه لا وجود له أصلا فكانت عبادتهم لتلك الألفاظ
~~فقط { سميتموها } جعلوها أسماء { أنتم وءاباؤكم } بمحض
~~الجهل والضلالة { مآ أنزل الله بها } أي بتلك التسمية / المستتبعة
~~للعبادة { من سلطان } أي حجة تدل على صحتها، قيل: كانوا يطلقون على
~~معبوداتهم الباطلة اسم الآلهة ويزعمون الدليل على ذلك فردوا بأنكم سميتم
~~ما لم يدل على استحقاقه هذا الاسم عقل ولا نقل ثم أخذتم تعبدون ذلك
~~باعتبار ما تطلقونه عليه، وإنما لم يذكر المسميات تربية لما يقتضيه
~~المقام من إسقاطها ms04661 عن مرتبة الوجود وإيذانا بأن تسميتهم في البطلان حيث
~~كانت بلا مسمى كعبادتهم حيث كانت بلا معبود، ويلحق بهؤلاء الذين يزعمون
~~أنهم يعبدون الله تعالى وهم يتخيلونه سبحانه جسما عظيما جالسا فوق
~~العرش أو نحو ذلك مما ينزهه العقل والنقل عنه تعالى - تعالى الله عما
~~يقول الظالمون - علوا كبيرا لأن ما وضع له الاسم الجليل في نفس الأمر
~~ليس هو الذي تخيلوه بل هو أمر وراء ذلك وهو المستحق للعبادة وما وضعوه هم
~~له ليس بإله في نفس الأمر ولا مستحق للعبادة وهو الذي عبدوه فما عبدوا في
~~الحقيقة إلا اسما لا مطابق له في الخارج لأن ما في الخارج أمر وما وضعوا
~~الاسم له أمر آخر.

# { إن الحكم } أي ما الحكم في شأن العبادة المتفرعة على تلك التسمية
~~وفي صحتها { إلا لله } عز سلطانه لأنه المستحق لها بالذات إذ هو
~~الواجب بالذات الموجد للكل والمالك لأمره { أمر ألا تعبدوا } أي
~~بأن لا تعبدوا أحدا { إلآ إياه } حسبما يقتضي به قضية العقل أيضا.
~~والجملة استئناف مبني على سؤال ناشئ من الجملة السابقة كأنه قيل: فماذا
~~حكم الله سبحانه في هذا الشأن؟ فقيل: أمر الخ، وقيل: في موضع التعليل
~~لمحذوف كأنه قيل: حيث لم يكن الحكم في أمر العبادة إلا له فلا تكون
~~العبادة إلا له سبحانه أو لمن يأمر بعبادته وهو لا يأمر بذلك ولا يجعله
~~لغيره لأنه سبحانه أمر أن لا تعبدوا إلا إياه، وهو خلاف الظاهر. وجوز أن
~~يكون سرد هذه الجمل على هذا الطرز لسد الطرق في توجيه صحة عبادة الأصنام
~~عليهم أحكم سد فإنهم إن قالوا: إن الله تعالى قد أنزل حجة في ذلك ردوا
~~بقوله: { مآ أنزل الله بها من سلطان } وإن قالوا: حكم لنا
~~بذلك كبراؤنا ردوا بقوله: { إن الحكم إلا لله } وإن قالوا: حيث لم ينزل
~~حجة في ذلك ولم يكن حكم لغيره بقي الأمر موقوفا إذ عدم إنزال حجة تدل
~~على الصحة لا يستلزم إنزال حجة على البطلان ردوا بقوله: { لله أمر ms04662
~~ألا تعبدوا إلا إياه }.

# { ذلك } أي تخصيصه تعالى بالعبادة { الدين القيم } الثابت الذي
~~دلت عليه البراهين العقلية والنقلية { ولكن أكثر الناس لا
~~يعلمون } أن ذلك هو الدين القيم لجهلهم تلك البراهين أو لا يعلمون
~~شيئا أصلا فيعبدون أسماء سموها من عند أنفسهم معرضين عما يقتضيه العقل
~~ويسوق إليه سائق النقل، ومنشأ هذا الإعراض الوقوف عند المألوفات والتقيد
~~بالحسيات وهو مركوز في أكثر الطباع ومن ذلك جاء التشبيه والتجسيم ونسبة
~~الحوادث الكونية إلى الشمس والقمر وسائر الكواكب ونحو ذلك.

# ثم إنه عليه السلام بعد تحقيق الحق وبيانه لهما مقدار علمه الواسع شرع
~~في إنبائهما عما استنبآه عنه، ولكونه بحثا مغايرا لما سبق فصله عنه
~~بتكرير الخطاب فقال: { يصاحبي السجن أمآ أحدكما }.

### || [12.41]

# { يصاحبي السجن أمآ أحدكما } أراد به الشرابي، وإنما
~~لم يعينه عليه السلام ثقة بدلالة التعبير مع ما فيه من رعاية حسن الصحبة
~~{ فيسقي ربه } أي سيده { خمرا } روي أنه عليه السلام قال له:
~~ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة
~~فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه. وقرئ {
~~فيسقى } بضم الياء والبناء للفاعل من أسقى قال صاحب " اللوامح ": يقال:
~~سقى وأسقى بمعنى، وقرئ في السبعة وأسقاه جعل له سقيا، ونسب ضم الياء
~~لعكرمة والجحدري، وذكر بعضهم أن عكرمة قرأ { فيسقى } بالبناء للمفعول، و
~~- ريه - بالياء المثناة والراء المكسورة، والمراد به ما يروى به وهو
~~مفعول ثان - ليسقى - والمفعول الأول الضمير النائب عن الفاعل العائد على
~~(أحد)، ونصب { خمرا } حينئذ على التمييز { وأما الأخر } وهو
~~الخباز { فيصلب فتأكل الطير من رأسه } روي أنه عليه السلام
~~قال له: ما رأيت من السلال الثلاث ثلاثة أيام تمر ثم تخرج فتصلب.

# { قضي } أتم وأحكم { الأمر الذي فيه تستفتيان } وهو ما يؤول
~~إليه حالكما وتدل عليه رؤياكما من نجاة أحدكما وهلاك الآخر، ومعنى
~~استفتائهما فيه سؤالهما عنه، أخرج جماعة منهم الحاكم وصححه عن ابن مسعود
~~رضي الله تعالى عنه قال: ما رأى ms04663 صاحبا يوسف شيئا إنما تحالما ليجريا
~~علمه فلما أول رؤياهما قالا: إنما كنا نلعب ولم نر شيئا، فقال عليه
~~السلام قضي الأمر الخ يقول: وقعت العبارة اه. وقيل: المراد بالأمر ما
~~اتهما به، والكلام حينئذ على حذف مضاف أي عاقبة ذلك. وذهب بعض المحققين
~~إلى أن المراد به ما رأياه من الرؤيتين، ونفى أن يكون المراد ما يؤول
~~إليه أمرهما، قال: لأن الاستفتاء إنما يكون في الحادثة لا في حكمها يقال:
~~استفتي الفقيه في الحادثة أي طلب منه بيان حكمها ولا يقال: استفتاه في
~~حكمها وكذا الإفتاء، يقال: أفتى في الواقعة الفلانية بكذا ولا يقال: أفتى
~~في حكمها بكذا، ومما هو علم في ذلك قوله تعالى:

# يأيها الملأ أفتوني في رؤياي

# [يوسف: 43] ومعنى استفتائهما فيه طلبهما لتأويله بقولهما

# نبئنا بتأويله

# [يوسف: 36] وعبر عن ذلك بالأمر وعن طلب تأويله بالاستفتاء تهويلا لأمره
~~وتفخيما لشأنه إذ الاستفتاء إنما يكون في النوازل المشكلة الحكم المبهمة
~~الجواب. وإيثار صيغة المضارع لما أنهما بصدد الاستفتاء إلى أن يقضي عليه
~~السلام من الجواب وطره وإسناد القضاء إليه مع أنه من أحوال مآله لأنه في
~~الحقيقة عين ذلك المآل، وقد ظهر في عالم المثال بتلك الصورة، وأما توحيده
~~مع تعدد رؤياهما فوارد على حسب ما وحداه في قولهما:

# نبئنا بتأويله

# [يوسف: 36] لا لأن الأمر ما اتهما به وسجنا لأجله من سم الملك فإنهما لم
~~يستفتيا فيه ولا فيما هو صورته بل فيما هو صورة لمآله وعاقبته فتأمل اه.

# وتعقب بأنه لا مانع من أن يراد بالأمر المآل كما يقتضيه ظاهر إسناد
~~القضاء إليه وإليه ذهب الكثير، وتجعل - في - للسببية مثلها في قوله عليه
~~الصلاة والسلام:

# " دخلت امرأة النار في هرة "

# ويكون معنى الاستفتاء فيه الاستفتاء بسببه أي طلب بيان حكم الرؤييين
~~لأجله، وهما إنما طلبا ذلك لتعرف حالهما ومآل أمرهما. وإن أبيت ذلك فأي
~~مانع من أن يكون الاستفتاء في الأمر مع أن الاستفتاء إنما يكون في
~~الحادثة، وهي هنا الرؤييان لما أن بين الأمر وتلك الحادثة ms04664 اتحادا كما
~~ادعاه هو، ووجه به إسناد القضاء إلى الأمر بالمعنى الذي حمله عليه مع أنه
~~من أحوال مآله، وليس له أن يقول بصحة اعتبار العينية في إسناد القضاء
~~وعدم صحة اعتبارها في تعلق الاستفتاء إذ بعد اعتبارالعينية بين شيئين
~~يكون صحة نسبة ما هو من أحوال أحدهما إلى الآخر دون صحة نسبة ما هو من
~~أحوال ذلك الآخر إليه ترجيحا بلا مرجح، ومنع ذلك مكابرة، ويرجح ما ذهب
~~إليه الكثير أن فيه سلامة من نزع الخف قبل الوصول إلى الماء كما لا يخفى
~~على من تيمم كعبة الإنصاف، وبأن ما ذكره في تعليل عدم صحة تفسير الأمر
~~بما اتهما به وسجنا لأجله لا يخلو عن دغدغة على أن ذلك كان تعريضا بصاحب
~~" الكشاف " / وهو على ما قال الطيبي: ما عنى بالأمر إلا العاقبة، نعم صدر
~~كلامه ظاهر فيما ذكر والأمر فيه سهل، ولعل وجه الأمر بالتأمل في كلام هذا
~~المحقق مجموع ما ذكرناه فتأمل. ثم إن هذا الإخبار كما يحتمل أن يكون للرد
~~عليهما حسبما ورد في الأثر يحتمل أن يكون تحقيقا لتعبيره وتأكيدا له،
~~ولا يشكل على الأول أنه لا داعي لجحود الشرابي لأنا نقول على تقدير
~~كذبهما في ذلك يحتمل أن يكون لمراعاة جانب صاحبه الخباز. وجاء في بعض
~~الآثار أن الذي جحد هو الخباز. فحينئذ الأمر واضح. واستدل بذلك على ما هو
~~المشهور من أ ن الرؤيا تقع كما تعبر، ولذا قيل: المنام على جناج طائر إذا
~~قص وقع.

### || [12.42]

# { وقال } أي يوسف عليه السلام. { للذي ظن أنه ناج } أوثر
~~على صيغة المضارع مبالغة في الدلالة على تحقيق النجاة حسبما يفيده قوله:

# قضي الأمر

# [يوسف: 41] الخ، وهو السر في إيثار ما عليه النظم الكريم على أن يقال:
~~للذي ظنه ناجيا { منهما } أي من صاحبيه، وإنما ذكر بوصف النجاة
~~تمهيدا لمناط التوصية بالذكر بما يدور عليه الامتياز بينه وبين صاحبه
~~المذكور بوصف الهلاك. والظان هو يوسف عليه السلام لا صاحبه، وإن ذهب
~~إليه بعض السلف لأن التوصية ms04665 لا تدور على ظن الناجي بل على ظن يوسف عليه
~~السلام وهو بمعنى اليقين كما في قوله تعالى:

# الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم

# [البقرة: 46] ونظائره. ولعل التعبير به من باب إرخاء العنان والتأدب مع
~~الله تعالى، فالتعبير على هذا بالوحي كما ينبئ عنه قوله:

# قضي الأمر

# [يوسف: 41] الخ، وقيل: هو بمعناه، والتعبير بالاجتهاد والحكم بقضاء
~~الأمر أيضا اجتهادي. واستدل به من قال: إن تعبير الرؤيا ظني لا قطعي،
~~والجار والمجرور إما في موضع الصفة - لناج - أو الحال من الموصول ولا
~~يجوز أن يكون متعلقا - بناج - لأنه ليس المعنى عليه { اذكرني } بما
~~أنا عليه من الحال والصفة. { عند ربك } سيدك، روي أنه لما انتهى
~~بالناجي في اليوم الثالث إلى باب السجن قال له: أوصني بحاجتك، فقال عليه
~~السلام: حاجتي أن تذكرني عند ربك وتصفني بصفتي التي شاهدتها {
~~فأنساه الشيطان } أي أنسى ذلك الناجي بوسوسته وإلقائه في قلبه
~~أشغالا حتى يذهل عن الذكر، وإلا فالإنساء حقيقة لله تعالى، والفاء
~~للسببية فإن توصيته عليه السلام المتضمنة للاستعانة بغيره سبحانه وتعالى
~~كانت باعثة لما ذكر من إنسائه { ذكر ربه } أي ذكر يوسف عليه السلام
~~عند الملك، والإضافة لأدنى ملابسة، ويجوز أن تكون من إضافة المصدر إلى
~~المفعول بتقدير مضاف أي ذكر إخبار ربه.

# { فلبث } أي فمكث يوسف عليه السلام بسبب ذلك القول أو الإنساء { في
~~السجن بضع سنين } البضع ما بين الثلاث إلى التسع كما روي عن قتادة،
~~وعن مجاهد أنه من الثلاث إلى دون المائة والألف، وهو مأخوذ من البضع
~~بمعنى القطع؛ والمراد به هنا في أكثر الأقاويل سبع سنين وهي مدة لبثه
~~كلها فيما صححه البعض، وسنتان منها كانت مدة لبثه بعد ذلك القول، ولا
~~يأبى ذلك فاء السببية لأن لبث هذا المجموع مسبب عما ذكر، وقيل: إن هذه
~~السبع مدة لبثه بعد ذلك القول، وقد لبث قبلها خمسا فجميع المدة اثنتا
~~عشرة سنة، ويدل عليه خبر

# " رحم الله تعالى أخي يوسف لو لم يقل: { اذكرني عند ربك } لما
~~لبث في السجن ms04666 سبعا بعد / خمس ".

# وتعقب بأن الخبر لم يثبت بهذا اللفظ وإنما الثابت في عدة روايات

# " ما لبث في السجن طول ما لبث "

# وهو لا يدل على المدعى. وروى ابن أبي حاتم عن طاوس والضحاك تفسير البضع
~~ههنا بأربع عشرة سنة وهو خلاف المعروف في تفسيره، والأولى أن لا يجزم
~~بمقدار معين كما قدمنا. وكون هذا اللبث مسببا عن القول هو الذي تظافرت
~~عليه الأخبار كالخبر السابق والخبر الذي روي عن أنس قال: " أوحى الله
~~تعالى إلى يوسف عليه السلام من استنقذك من القتل حين هم إخوتك أن يقتلوك،
~~قال: أنت يا رب، قال: فمن استنقذك من الجب إذ ألقوك فيه، قال: أنت يا رب،
~~قال: فمن استنقذك من المرأة إذ همت بك، قال: أنت يا رب، قال: فما بالك
~~نسيتني وذكرت آدميا، قال: يا رب كلمة تكلم بها لساني، قال: وعزتي
~~لأدخلنك في السجن بضع سنين " وغير ذلك من الأخبار. ولا يشكل على هذا أن
~~الاستعانة بالعباد في كشف الشدائد مما لا بأس به، فقد قال سبحانه:

# وتعاونوا على البر والتقوى

# [المائدة: 2] فكيف عوتب عليه السلام في ذلك لأن ذلك مما يختلف باختلاف
~~الأشخاص، واللائق بمناصب الأنبياء عليهم السلام ترك ذلك والأخذ بالعزائم،
~~واختار أبو حيان أن يوسف عليه السلام إنما قال للشرابي ما قال ليتوصل
~~بذلك إلى هداية الملك وإيمانه بالله تعالى كما توصل إلى إيضاح الحق
~~لصاحبيه، وإن ذلك ليس من باب الاستعانة بغير الله تعالى في تفريج كربه
~~وخلاصه من السجن، ولا يخفى أن ذلك خلاف الظاهر، وموجب للطعن في غير ما
~~خبر، نعم إنه اللائق بمنصبه عليه الصلاة والسلام. وجوز بعضهم كون ضمير -
~~أنساه - و { ربه } عائدين على يوسف عليه السلام، وإنساء الشيطان ليس
~~من الإغواء في شيء بل هو ترك الأولى بالنسبة لمقام الخواص الرافعين
~~للأسباب من البين، وأنت تعلم أن الأول هو المناسب لمكان الفاء، ولقوله
~~تعالى الآتي:

# وادكر بعد أمة

# [يوسف: 45].

### || [12.43]

# { وقال الملك } وهو الريان وكان كافرا، ففي إطلاق ذلك عليه دلالة ms04667
~~على ما قيل: على جواز تسمية الكافر ملكا، ومنعه بعضهم، وكذا منع أن يقال
~~له أمير احتجاجا بأنه صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل " عظيم الروم "
~~ولم يكتب ملك الروم أو أميرهم لما فيه من إيهام كونه على الحق، وجعل هذا
~~حكاية اسم مضى حكمه وتصرم وقته، ومثله لا يضر أي قال لمن عنده: { إني
~~أرى } أي رأيت، وإيثار صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية { سبع
~~بقرات سمان } ممتلئات لحما وشحما من سمن كسمع سمانة بالفتح
~~وسمنا كعنبا فهو سامن وسمين، وذكر أن سمينا وسمينة تجمع على سمان، فهو
~~ككرام جمع كريم وكريمة، يقال: رجال كرام ونسوة كرام { يأكلهن } أي
~~أكلهن، والعدول إلى المضارع لاستحضار الصورة تعجيبا. والجملة حال من
~~البقرات أو صفة لها { سبع عجاف } أي سبع بقرات مهزولة جدا من
~~قولهم: نصل أعجف أي دقيق وهو جمع عجفاء على خلاف القياس، والقياس عجف
~~كحمراء وحمر، فإن فعلاء وأفعل لا يجمع على فعال لكنهم بنوه على سمان وهم
~~قد يبنون الشيء على ضده كقولهم: عدوة بالهاء لمكان صديقة، وفعول بمعنى
~~فاعل لا تدخله الهاء، وأجري (سمان) على المميز فجر على أنه وصف له، ولم
~~ينصب على أن يكون صفة للعدد المميز لأن وصف تمييزه وصف له معنى، وقد
~~ذكروا أنه إذا وصف التمييز كان التمييز بالنوع وإذا وصف المميز كان
~~التمييز بالجنس، ولا شك أن الأول أولى وأبلغ لاشتمال النوع على الجنس فهو
~~أزيد في رفع الإبهام المقصود من التمييز، فلهذا رجح ما في النظم الكريم
~~على غيره. ولم يقل: / { سبع عجاف } بالإضافة، وجعله صفة للتمييز
~~المقدر على قياس ما قبله لأن التمييز لبيان الجنس والحقيقة والوصف لا يدل
~~عليه بل على شيء ما له حال وصفة، فلذا ذكروا أن التمييز يكون باسم الجنس
~~الجامد ولا يكون بالوصف المشتق في فصيح الكلام، فتقول: عندي ثلاثة قرشيون
~~ولا تقول قرشيين بالإضافة، وأما قولك: ثلاثة فرسان وخمسة ركبان فلجريان
~~الفارس والراكب مجرى الأسماء لاستعمالها في الأغلب من غير موصوف.

# واعترض صاحب ms04668 " الفرائد " بأن الأصل في العدد التمييز بالإضافة فإذا وصف
~~السبع بالعجاف فلا بد من تقدير المضاف إليه، وكل واحد من الوصف وتقدير
~~المضاف إليه خلاف الأصل أما إذا أضيف كانت الصفة قائمة مقام الموصوف
~~فقولنا: { سبع عجاف } في قوة قولنا: سبع بقرات عجاف، فالتمييز
~~المطلوب بالإضافة حاصل بالإضافة إلى الصفة لقيامها مقام الموصوف، فكما
~~يجوز سبع بقرات عجاف يجوز سبع عجاف، وإنما لم يضف لأنه قائم مقام البقرات
~~وهي موصوفة بعجاف فكانت من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة وهي غير جائزة
~~إلا بتأويل.

# وتعقب ذلك القطب بأنه هب أن الأصل في العدد التمييز بالإضافة لكن لما
~~سبق ذكر { سبع بقرات سمان } تبين أن السبع العجاف بقرات فهذا
~~السبع مميز بما تقدم فقد حصل التمييز بالإضافة فلو أضيف إلى العجاف لكان
~~العجاف قائما مقام البقرات في التمييز فيكون التمييز بالوصف وهو خلاف
~~الأصل، وأما أن السبع قائم مقام البقرات فإنما يكون إذا وصف بالعجاف أما
~~إذا أضيف بكون العجاف قائمة مقام البقرات فلا يلزم إضافة الموصوف إلى
~~الصفة اه وفيه تأمل.

# وذكر العلامة الطيبي في هذا المقام أنه يمكن أن يقال: إن المميز إذا وصف
~~ثم رفع به الإبهام والإجمال من العدد آذن بأنهما مقصودان في الذكر بخلافه
~~إذا ميز ثم وصف بل الوصف أدعى لأن المميز إنما استجلب للوصف، ومن ثم ترك
~~التمييز في القرائن الثلاث والمقام يقتضي ذلك لأن المقصود بيان الابتلاء
~~بالشدة بعد الرخاء، وبيان الكمية بالعدد والكيفية بالبقرات تابع فليفهم،
~~ويعلم من ذلك وجه العدول إلى ما في النظم الكريم عن أن يقال: إني أرى سبع
~~بقرات عجاف يأكلن سبعا سمانا الأخصر منه. وقيل: إن التعبير بذلك بأنه
~~أول ما رأى السمان، فقد روي أنه رأى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس ثم
~~خرج عقيبهن سبع بقرات عجاف فابتلعت السمان ولم يتبين عليها منهن شيء.

# { وسبع سنبلات خضر } قد انعقد حبها { وأخر } أي وسبعا
~~أخر { يابسات } قد أدركت والتوت على الخضر حتى غلبتها ولم يبق من ms04669
~~خضرتها شيء على ما روي، ولعل عدم التعرض لذكر العدد للاكتفاء بما ذكر من
~~حال البقرات، ولا يجوز عطف أخر على سنبلات لأن العطف على المميز يقتضي أن
~~يكون المعطوف والمعطوف عليه بيانا للمعدود سواء قيل: بالانسحاب أو
~~بتكرير العامل لأن المعنى على القولين لا يختلف؛ وإنما الاختلاف في
~~التقدير اللفظي؛ وحينئذ يلزم التدافع في الآية لأن العطف يقتضي أن تكون
~~السنبلات خضرها ويابسها سبعا، ولفظ { وأخر } يقتضي أن يكون غير
~~السبع وذلك لأن تباينها في الوصف أعني الخضرة واليبس منطوق، واشتراكهما
~~في السنبلية فيكون مقتضى لفظ { أخر } تغايرهما في العدد ولزم التدافع،
~~وعلى هذا يصح أن تقول: عندي سبعة رجال قيام وقعود بالجر لأنك ميزت سبعة
~~رجال موصوفين بالقيام والقعود على أن بعضهم كذا وبعضهم كذا، ولا يصح سبعة
~~رجال قيام وآخرين قعود لما علمت، فالآية والمثال في هذا المبحث على وزان
~~واحد كما يقتضيه كلام " الكشاف " ، ونظر في ذلك صاحب " الفرائد " فقال:
~~إن الصحيح / أن العطف في حكم تكرير العامل لا الانسحاب فلو عطف آخرين على
~~رجال قيام لكان سبعة مكررة في المعطوف أي وسبعة آخرين أي رجال آخرين
~~قعود، ويفسد المعنى لأن المفروض أن الرجال سبعة، وأما الآية فلو كرر فيها
~~وقيل: وسبع أخر أي وسبع سنبلات أخر استقام لأن الخضر سبع واليابسات سبع،
~~نعم لو خرج ذلك على المرجوح وهو الانسحاب أدى إلى أن السبع المذكورة
~~مميزة بسنبلات خضر وسنبلات أخر يابسات، وفسد إذ المراد أن كلا منهما
~~سبعة لا أنها سبعة، فالمثال والآية ليسا على وزان إذ هو على تكرير العامل
~~يفسد وعلى الانسحاب يصح، والآية بالعكس، ثم بنى على ما زعمه من أن الصحيح
~~قول التكرير جواز العطف.

# وادعى أن الأولى أن يكون العطف على { خضر } لا على { يابسات }
~~ليدل على موصوف آخر، وهو سنبلات ولا يقدر موصوفها بقرينة السياق، ولا
~~يخفى أن الكلام إنما هو على تقدير أن يكون مميز السبع ما علمت، وعلى ذلك
~~يلزم التدافع، ولا يبنى على فرض أنهم سبعة ms04670 أو أربعة عشر فيصح في الآية
~~ولا يصح في المثال فإنه وهم. ومن ذلك يظهر أنه لا مدخل للتكرير والانسحاب
~~في هذا الفرض، ثم إن المختار قول الانسحاب على ما نص عليه الشيخ ابن
~~الحاجب وحققه في غير موضع، وأما الاستدلال بالآية على الانسحاب لا
~~التقدير وإلا لكان لفظ { أخر } تطويلا يصان كلام الله تعالى المعجز
~~عنه فغير سديد على ما في " الكشف " لأن القائل بالتقدير يدعي الظهور في
~~الاستقلال، وكذلك القائل بالانسحاب يدعي الظهور في المقابل على ما نص
~~عليه أئمة العربية فلا يكون التأكيد - بأخر - لإرادة النصوص تطويلا بل
~~إطنابا يكون واقعا في حاق موقعه هذا.

# { يأيها الملأ } خطاب للأشراف ممن يظن به العلم. يروى أنه جمع
~~السحرة والكهنة والمعبرين فقال لهم يا أيها الملأ { أفتوني في
~~رؤياي } هذه أي عبروها وبينوا حكمها وما تؤول إليه من العاقبة. وقيل:
~~هو خطاب لجلسائه وأهل مشورته، والتعبير عن التعبير بالإفتاء لتشريفهم
~~وتفخيم أمر رؤياه { إن كنتم للرؤيا تعبرون } أي تعلمون
~~عبارة جنس الرؤيا علما مستمرا وهي الانتقال من الصورة المشاهدة في
~~المنام إلى ما هي صورة ومثال لها من الأمور الآفاقية والأنفسية الواقعة
~~في الخارج من العبور وهو المجاوزة، تقول: عبرت النهر إذا قطعته وجاوزته،
~~ونحوه أولتها أي ذكرت ما تؤول إليه وعبرت الرؤيا بالتخفيف عبارة أقوى
~~وأعرف عند أهل اللغة من عبرت بالتشديد تعبيرا حتى أن بعضهم أنكر
~~التشديد، ويرد عليه ما أنشده المبرد في " الكامل " لبعض الأعراب وهو:

# رأيت رؤيا ثم عبرتها

# وكنت للأحلام عبارا

# والجمع بين الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار كما أشير إليه.
~~واللام قيل: متعلقة بمحذوف والمقصود بذاك البيان كأنه لما قيل: {
~~تعبرون } قيل: لأي شيء؟ فقيل: للرؤيا فهي للبيان كما في سقيا له إلا
~~أن تقديم البيان على المبين لا يخلو عن شيء.

# وقيل - واختاره أبو حيان - إنها لتقوية الفعل المذكور لأنه ضعف
~~بالتأخير، ويقال لها: لام التقوية وتدخل في الفصيح على المعمول إذا تقدم
~~على عامله مطلقا وعلى معمول غير الفعل إذا تأخر ms04671 كزيد ضارب لعمرو، وفي
~~كونها زائدة أو لا خلاف، وقيل: إنه جئ بها لتضمين الفعل المتعدي معنى فعل
~~قاصر يتعدى باللام أي إن كنتم تنتدبون لعبارتها، وجوز أن يكون {
~~للرؤيا } خبر كان كما تقول: كان / فلان لهذا الأمر إذا كان مستقبلا
~~به متمكنا منه، وجملة { تعبرون } خبر آخر أو حال، ولا يخفى ما في
~~ذلك من التكلف، وكذا فيما قبله. وقرأ أبو جعفر بالإدغام في الرؤيا وبابه
~~بعد قلب الهمزة واوا ثم قلب الواو ياء لسبقها إياها ساكنة، ونصوا على
~~شذوذ ذلك لأن الواو بدل غير لازم.

### || [12.44]

# { قالوا } استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال الملأ للملك إذ قال لهم
~~ذلك؟ فقيل: قالوا: هي { أضغاث أحلام } أي هي أضغاث الخ، وهي جمع
~~ضغث وهو أقل من الحزمة وأكثر من القبضة من أخلاط النبات، وقد يطلق على ما
~~كان من جنس واحد كما في قوله:

# خود كأن فراشها وضعت به

# أضغاث ريحان غداة شمال

# وجعل من ذلك ما في قوله تعالى:

# وخذ بيدك ضغثا فاضرب به

# [ص: 44] فقد روي أن أيوب عليه السلام أخذ عثكالا من النخل فضرب به. وفي
~~" الكشاف " ((أن أضغاث الأحلام تخاليطها وأباطيلها وما يكون منها من حديث
~~نفس أو وسوسة شيطان، وقد استعيرت لذلك، وأصلها ما جمع من أخلاط النبات
~~وحزم وإضافتها على معنى من أي أضغاث من أحلام)) وأورد عليه أن الأضغاث
~~إذا استعيرت للأحلام الباطلة والأحلام مذكورة، ولفظ هي المقدر عبارة عن
~~رؤيا مخصوصة فقد ذكر المستعار والمستعار له، وذلك مانع من الاستعارة على
~~الصحيح عندهم، وقد أجاب الكثير عن ذلك بما لا يخلو عن بحث. وذكر بعض
~~المحققين في تقرير ذاك وجهين: الأول: أنه يريد أن حقيقة الأضغاث أخلاط
~~النبات فشبه به التخاليط والأباطيل مطلقا سواء كانت أحلاما أم غيرها،
~~ويشهد له قول " الصحاح " و " الأساس ": ضغث الحديث خلطه، ثم أريد هنا
~~بواسطة الإضافة أباطيل مخصوصة فطرفا الاستعارة أخلاط النبات والأباطيل
~~الملفقات، فالأحلام ورؤيا الملك خارجان عنهما فلا يضر ذكرهما كما إذا
~~قلت: رايت ms04672 أسد قريش فهو قرينة أو تجريد، وقوله: تخاليطها تفسير له بعد
~~التخصيص، وقوله: وقد استعيرت لذلك إشارة إلى التخاليط. الثاني: أن
~~الأضغاث استعيرت للتخاليط الواقعة في الرؤيا الواحدة فهي أجزاؤها لا
~~عينها فالمستعار منه حزم النبات والمستعار له أجزاء الرؤيا، وهذا كما إذا
~~استعرت الورد للخد، ثم قلت: شممت ورد هند مثلا فإنه لا يقال: إنه ذكر
~~فيه الطرفان اه، ولا يخفى ما فيه من التكلف وارتكاب غير الظاهر. واستظهر
~~بعضهم كون { أضغاث أحلام } من قبيل لجين الماء، ولا يخفى أنه
~~سالم عما أورد على الزمخشري إلا أن صاحب " الأساس " قد صرح بأن ذلك من
~~المجاز، والمتبادر منه المجاز المتعارف الذي لا يطلق على ما ذكر، ولعل
~~الأمر في ذلك سهل.

# والأحلام جمع حلم بضمة وبضمتين المنامات الباطلة على ما نص عليه جمع،
~~وقال بعضهم: الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم مطلقا لكن غلبت الرؤيا
~~على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على خلافه، وفي الحديث

# " الرؤيا من الله تعالى والحلم من الشيطان "

# وقال التوربشتي: الحلم عند العرب يستعمل استعمال الرؤيا والتفريق من
~~الاصطلاحات التي سنها الشارع صلى الله عليه وسلم للفصل بين الحق والباطل
~~كأنه كره أن يسمى ما كان من الله وما كان من الشيطان باسم واحد فجعل
~~الرؤيا عبارة عن القسم الصالح لما فيها من الدلالة على مشاهدة الشيء
~~بالبصر والبصيرة، وجعل الحلم عبارة عما كان من الشيطان لأن أصل / الكلمة
~~لم تستعمل إلا فيما يخيل للحالم في منامه من قضاء الشهوة بما لا حقيقة له
~~اه وهو كلام حسن.

# ومما يشهد له في دعوى كون الحلم يستعمل عند العرب استعمال الرؤيا البيت
~~السابق الذي أنشده المبرد كما لا يخفى. وإنما قالوا { أضغاث
~~أحلام } بالجمع مع أن الرؤيا ما كانت إلا واحدة للمبالغة في وصف ذلك
~~بالبطلان، وهذا كما يقال: فلان يركب الخيل ويلبس عمائم الخز لمن لا يركب
~~إلا فرسا واحدا وما له إلا عمامة فردة.

# وفي " الفرائد " لما كانت { أضغاث أحلام } مستعارة لما ms04673 ذكر وهي
~~تخاليطها وأباطيلها وهي متحققة في رؤيا واحدة بحسب أنها متركبة من أشياء
~~كل منها حلم فكانت أحلاما، قال الشهاب: وهو واه وإن استحسنه العلامة
~~الطيبي، نعم ليس هذا من إطلاق الجمع على الواحد لوجود ذلك في هذا الجنس
~~إذ الإضافة على معنى في، ثم نقل عن الرضي أنه قال في " شرح الشافية " إن
~~جمع القلة ليس بأصل في الجمع لأنه لا يذكر إلا حيث يراد بيان القلة فلا
~~يستعمل لمجرد الجمعية والجنسية كما يستعمل له جمع الكثرة، يقال: فلان حسن
~~الثياب في معنى حسن الثوب ولا يحسن حسن الثوب وكم عندك من الثوب أو من
~~الثياب ولا يحسن من الأثواب اه، ثم قال: وقد ذكره الشريف في " شرح
~~المفتاح " وهو مخالف لما ذكروه هنا فتأمله، ولعل ما ذكر بعد تسليمه إنما
~~هو في جمع القلة الذي معه جمع كثرة كما ذكره في المثال لا في ذلك وجمع
~~القلة الذي ليس معه جمع كثرة كما هنا، فإنا لم نجد في " كتب اللغة "
~~جمعا لمفرد هذا الجمع غير هذا الجمع، وقد ذكر غير واحد أن جمع القلة إذا
~~لم يوجد معه جمع كثرة يستعمل استعمال جمع الكثرة، ثم لا يخفى حسن موقع
~~الأضغاث مع السنابل، فيالله در شأن التننزيل ما أبدع رياض بلاغته.

# { وما نحن بتأويل الأحلام } أي المنامات الباطلة { بعالمين
~~} لأنها لا تأويل لها وإنما التأويل للمنامات الصادقة، وهذا إما لشيوع
~~الأحلام في أباطيلها وإما لكون اللام للعهد والمعهود الأضغاث منها،
~~والكلام وارد على أسلوب:

# على لا حب لا يهتدى بمناره

# وهو إشارة إلى كبرى قياس ساقوه للعذر عن جهلهم كأنهم قالوا هذه رؤيا
~~باطلة وكل رؤيا كذلك لا نعلم تأويلها أي لا تأويل لها حتى نعلمه ينتج هذه
~~رؤيا لا تأويل لها.

# وجوز أن يكون المراد من الأحلام الرؤى مطلقا، وأل فيه للجنس، والكلام
~~اعتراف منهم بقصور علمهم وأنهم ليسوا بنحارير في تأويل الرؤى مع أن لها
~~تأويلا، واختاره ابن المنير وادعى أنه الظاهر، وأن قول الملك لهم ms04674 أولا

# إن كنتم للرؤيا تعبرون

# [يوسف: 43] دليل على أنهم لم يكونوا في علمه عالمين بها لأنه أتى بكلمة
~~الشك فجاء اعترافهم بالقصور مطابقا لشك الملك الذي أخرجه مخرج استفهامهم
~~عن كونهم عالمين، وأن قول الفتى:

# أنا أنبئكم بتأويله

# [يوسف: 45] إلى قوله:

# لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون

# [يوسف: 46] دليل على ذلك أيضا.

# وذكر بعض المحققين أنه يشعر به عدولهم عما وقع في كلام الملك من العبارة
~~المعربة عن مجرد الانتقال من الدال إلى المدلول حيث لم يقولوا بتعبير
~~الأحلام أو عبارتها إلى التأويل المنبئ عن التصرف، والتكلف في ذلك لما
~~بين الآيل والمآل من البعد. واعترض بأنه على هذا يبقى قولهم: { أضغاث
~~أحلام } ضائعا إذ لا دخل له في العذر، وأجيب بأنه يمكن أن يكون
~~المقصود منه إزالة خوف الملك من تلك الرؤيا فلا يبقى ضائعا.

# وقال صاحب " الكشف ": إن وجه ذلك أن يجعل الأول جوابا مستقلا والثاني
~~كذلك أي ههنا أمران: أحدهما من جانب الرائي والثاني من جانب المعبر،
~~ووجه تقديم الظرف على عامله أنا أصحاب الآراء والتدابير / وعلمنا بذلك
~~رصين لا بتأويل الرؤى، ووجهه على الأول ظاهر، وادعى أن المقام يطابقه،
~~ووروده على ذلك الأسلوب مقوله لا موهن خلافا لما في " الانتصاف " ويقوى
~~عند اختيار الوجه الثاني إذا كان الخطاب لجلسائه وأهل مشورته من أهل الحل
~~والعقد لأن الأغلب على أمثالهم الجهل بمثل هذا العلم الذي لا يعلمه إلا
~~أفراد من الناس.

### || [12.45]

# { وقال الذي نجا منهما } أي صاحبي يوسف عليه السلام وهو
~~الشرابي { وادكر } بالدال غير المعجمة عند الجمهور، وأصله اذتكر
~~أبدلت التاء دالا وأدغمت الدال فيها. وقرأ الحسن - اذكر - بإبدال التاء
~~ذالا معجمة وإدغام الذال المعجمة فيها، والقراءة الأولى أفصح، والمعنى
~~على كليهما تذكر ما سبق له مع يوسف عليه السلام { بعد أمة } أي
~~طائفة من الزمان ومدة طويلة. وقرأ الأشهب العقيلي { إمة } بكسر الهمزة
~~وتشديد الميم أي نعمة عليه بعد نعمة، والمراد بذلك خلاصه من القتل والسجن
~~وإنعام ملكه عليه، وعلى هذا جاء قوله:

# ألا ms04675 لا أرى ذا (إمة) أصبحت به

# فتتركه الأيام وهي كما هي

# وقال ابن عطية ((المراد بعد نعمة أنعم الله تعالى بها على يوسف عليه
~~السلام وهي تقريب إطلاقه)) ولا يخفى بعده. وقرأ ابن عباس وزيد بن علي رضي
~~الله تعالى عنهم - وأمة - وأمه بفتح الهمزة والميم المخففة وهاء منونة من
~~أمه يأمه أمها إذا نسي، وجاء في المصدر - أمه - بسكون الميم أيضا فقد
~~روي عن مجاهد وعكرمة وشبيل بن عزرة الضبعي أنهم قرأوا بذلك ولا عبرة بمن
~~أنكر. والجملة اعتراض بين القول والمقول، وجوز أن تكون حالا من الموصول
~~أو من ضميره في الصلة، ويحتاج ذلك إلى تقدير قد على المشهور، وقيل:
~~معطوفة على (نجا) وليس بشيء - كما قال بعض المحققين - لأن حق كل من الصلة
~~والصفة أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصول والموصوف عند المخاطب كما
~~عند المتكلم، ومن هنا قيل: الأوصاف قبل العلم بها أخبار والأخبار بعد
~~العلم بها أوصاف، وأنت تعلم أن تذكره بعد أمة إنما علم بهذه الجملة فلا
~~معنى لنظمه مع نجاته المعلومة من قبل في سلك الصلة.

# { أنا أنبئكم بتأويله } أي أخبركم بتأويل ذلك الذي خفي
~~أمره بالتلقي ممن عنده علمه لا من تلقاء نفسي ولذلك لم يقل أفتيكم في
~~ذلك، وعقبه بقوله: { فأرسلون } إلى من عنده علمه، وأراد به يوسف عليه
~~السلام وإنما لم يصرح به حرصا على أن يكون هو المرسل إليه فإنه لو ذكره
~~فلربما أرسلوا غيره وضمير الجمع إما لأنه أراد الملك وحده لكن خاطبه بذلك
~~على سبيل التعظيم كما هو المعروف في خطاب الملوك، ويؤيده ما روي أنه لما
~~سمع مقالة القوم جثى بين يدي الملك وقال: إن في السجن رجلا عالما يعبر
~~الرؤيا فابعثوني إليه فبعثوه وكان السجن - على ما روي عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما - في غير مدينة الملك، وقيل: كان فيها، قال أبو حيان
~~((ويرسم الناس اليوم سجن يوسف عليه السلام في موضع على النيل بينه وبين
~~الفسطاط ثمانية أميال)) والله تعالى أعلم بحقيقة ms04676 الحال. وأخرج ابن أبي
~~حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه كان يقرأ - أنا آتيكم - مضارع أتى من
~~الإتيان فقيل له: إنما هو أنا أنبئكم فقال: أهو كان ينبئهم؟!، وأخرج ابن
~~المنذر وغيره عن أبي أنه قرأ أيضا كذلك. / وفي " البحر " أنه كذا في
~~الإمام أيضا.

### || [12.46]

# { يوسف أيها الصديق } في الكلام حذف اي فأرسلوه فأتاه فقال:
~~يا يوسف. ووصفه بالمبالغة في الصدق حسبما علمه وجرب أحواله في مدة إقامته
~~معه في السجن لكونه بصدد اغتنام آثاره واقتباس أنواره، فهو من باب براعة
~~الاستهلال. وفيه إشارة إلى أنه ينبغي للمستفتي أن يعظم المفتي، واستدل
~~بذلك على أنهما لم يكذبا على يوسف في منامهما وأنهما كذبا في قولهما:
~~كذبنا إن ثبت.

# { أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف
~~وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات } أي في رؤيا ذلك، وإنما
~~لم يصرح به لوضوح مرامه بقرينة ما سبق من معاملتهما ولدلالة مضمون
~~الحادثة عليه حيث إن مثله لا يقع في عالم الشهادة، والمعنى بين لنا مآل
~~ذلك وحكمه. وعبر عن ذلك بالإفتاء ولم يقل كما قال هو وصاحبه أولا

# نبئنا بتأويله

# [يوسف: 36] تفخيما لشأنه عليه السلام حيث عاين رتبته في الفضل، ولم
~~يقل: أفتني مع أنه المستفتي وحده إشعارا بأن الرؤيا ليست له بل لغيره
~~ممن له ملابسة بأمور العامة وأنه في ذلك معبر وسفير، ولذا لم يغير لفظ
~~الملك، ويؤذن بهذا قوله: { لعلي أرجع إلى الناس } أي إلى
~~الملك ومن عنده أو إلى أهل البلد فأنبئهم بما أفتيت { لعلهم
~~يعلمون } ذلك ويعملون بمقتضاه أو يعلمون فضلك ومكانك مع ما أنت فيه
~~من الحال فتتخلص منه. والجملة عند أبي حيان على الأول كالتعليل للرجوع
~~وعلى الثاني كالتعليل لأفتنا - وإنما لم يبت القول بل قال: { لعلي
~~} و { لعلهم } مجاراة معه عليه السلام على نهج الأدب واحترازا عن
~~المجازفة إذ لم يكن على يقين من الرجوع:

# فبينما المرء في الأحياء مغتبط

# إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير

# ولا من علمهم بذلك فربما لم يعلموه إما لعدم ms04677 فهمهم أو لعدم اعتمادهم.

### || [12.47]

# { قال } مستأنف على قياس ما مر غير مرة { تزرعون سبع سنين
~~دأبا } قرأ حفص بفتح الهمزة والجمهور بإسكانها، وقرئ - دابا - بألف
~~من غير همز على التخفيف، وهو في كل ذلك مصدر لدأب وأصل معناه التعب،
~~ويكنى به عن العادة المستمرة لأنها تنشأ من مداومة العمل اللازم له
~~التعب، و انتصابه على الحال من ضمير { تزرعون } أي دائبين أو ذوي
~~دأب، وأفرد لأن المصدر الأصل فيه الإفراد أو على أنه مفعول مطلق لفعل
~~محذوف أي تدأبون دأبا. والجملة حالة أيضا، وعند المبرد مفعول مطلق -
~~لتزرعون - وذلك عنده نظير قعد القرفصاء وليس بشيء. وقد أول عليه السلام
~~البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب والعجاف واليابسات بسنين
~~مجدبة، فأخبرهم بأنهم يوظبون على الزراعة سبع سنين ويبالغون فيها إذ بذلك
~~يتحقق الخصب الذي هو مصداق البقرات السمان وتأويلها، وقيل: المراد الأمر
~~بالزراعة كذلك، فالجملة خبر لفظا أمر معنى، وأخرج على صورة الخبر مبالغة
~~في إيجاب إيجاده حتى كأنه وقع وأخبر عنه.

# وأيد بأن قوله تعالى: { فما حصدتم } أي في كل سنة { فذروه في
~~سنبله } ولا تذروه كيلا يأكله السوس كما هو شأن غلال مصر ونواحيها إذا
~~مضى عليها نحو عامين، ولعله استدل على ذلك بالسنبلات الخضر يناسب كونه
~~أمرا مثله، قيل: لأنه لو لم يؤول ذلك بالأمر لزم عطف الإنشاء على الخبر
~~لأن - ما - إما شرطية أو موصولة متضمنة لمعنى الشرط، وعلى كل حال فلكون
~~الجزاء إنشاء / تكون إنشائية معطوفة على خبرية. وأجيب بأنا لا نسلم أن
~~الجملة الشرطية ا لتي جوابها إنشائي إنشائية، ولو سلم فلا نسلم العطف بل
~~الجملة مستأنفة لنصحهم وإرشادهم إلى ما ينبغي أن يفعلوه حيث لم يكن
~~معتادا لهم كما كان الزرع كذلك، أو هي جواب شرط مقدر أي إن زرعتم فما
~~حصدتم الخ، وأيضا يحتمل الأمر عكس ما ذكروه بأن يكون ذروه بمعنى تذروه،
~~وأبرز في صورة الأمر لأنه بإرشاده فكأنهم أمرهم به. والتحقيق ما في "
~~الكشف " من أن الأظهر أن { تزرعون } على ms04678 أصله لأنه تأويل المنام
~~بدليل قوله الآتي:

# ثم يأتي

# [يوسف: 48] وقوله: { فما حصدتم فذروه } اعتراض اهتماما منه
~~عليه السلام بشأنهم قبل تتميم التأويل، وفيه ما يؤكد أمر السابق واللاحق
~~كأنه قد كان فهو يأمرهم بما فيه صلاحهم وهذا هو النظم المعجز انتهى. وذكر
~~بعضهم أن - ما حصدتم - الخ على تقدير كون { تزرعون } بمعنى ازرعوا
~~داخل في العبارة فإن أكل السبع العجاف السبع السمان وغلبة السنبلات
~~اليابسات الخضر دال على أنهم يأكلون في السنين المجدبة ما حصل في السنين
~~المخصبة، وطريق بقائه تعلموه من يوسف عليه السلام فبقي لهم في تلك المدة.
~~وقيل: إن تزرعون على هذا التقدير وكذا ما بعده خارج عن العبارة، والكل
~~كما ترى.

# { إلا قليلا مما تأكلون } أي اتركوا ذلك في السنبل إلا ما
~~لا غنى عنه من القليل الذي تأكلونه في تلك السنين، وفيه إرشاد إلى
~~التقليل في الأكل. وقرأ السلمي (مما يأكلون) بالياء على الغيبة أي يأكل
~~الناس، والاقتصار على استثناء المأكول دون البذر لكون ذلك معلوما من
~~قوله عليه السلام: { تزرعون سبع سنين }

### || [12.48]

# { ثم يأتي من بعد ذلك } أي من بعد السنين السبع المذكورات،
~~وإنما لم يقل من بعدهن قصدا إلى تفخيم شأنهن { سبع شداد } اي سبع
~~سنين صعاب على الناس، وحذف التمييز لدلالة الأول عليه { يأكلن ما
~~قدمتم لهن } أي ما ادخرتم في تلك السنين من الحبوب المتروكة في
~~سنابلها لأجلهن. وإسناد الأكل إليهن مع أنه حال الناس فيهن مجازي كما في
~~قوله تعالى:

# والنهار مبصرا

# [يونس: 67] واللام في { لهن } ترشيح لذلك، وكان الداعي إليه التطبيق
~~بين المعبر والمعبر به، ويجوز أن يكون التعبير بذلك للمشاكلة لما وقع في
~~الواقعة. وفسر بعضهم الأكل بالإفناء كما في قولهم: أكل السير لحم الناقة
~~أي أفناه وذهب به { إلا قليلا مما تحصنون } أي تحرزونه
~~وتخبئونه لبزور الزراعة مأخوذ من الحصن وهو الحرز والملجأ.

### || [12.49]

# { ثم يأتي من بعد ذلك } أي السنين الموصوفة بما ذكر من الشدة
~~وأكل المدخر من الحبوب { عام } هو كالسنة لكن كثيرا ms04679 ما يستعمل فيما
~~فيه الرخاء والخصب، والسنة فيما فيه الشدة والجدب ولهذا يعبر عن الجدب
~~بالسنة، وكأنه تحاشيا عن ذلك وتنبيها من أول الأمر على اختلاف الحال
~~بينه وبين السوابق عبر به دون السنة { فيه يغاث الناس } أي يصيبهم
~~غيث أي مطر كما قال ابن عباس ومجاهد والجمهور فهو من غاث الثلاثي اليائي،
~~ومنه قول الأعرابية: / غثنا ما شئنا؛ وقول بعضهم أذى البراغيث إذا
~~البر أغيث، وقيل: هو من الغوث أي الفرج، يقال: أغاثنا الله تعالى إذا
~~أمدنا برفع المكاره حين أظلتنا فهو رباعي واوي { وفيه يعصرون } من
~~العصر المعروف أي يعصرون ما من شأنه أن يعصر من العنب والقصب والزيتون و
~~السمسم ونحوها من الفواكه لكثرتها. والتعرض لذكره كما قال بعض المحققين
~~مع جواز الاكتفاء عنه بذكر الغيث المستلزم له عادة كما اكتفى به عن ذكر
~~تصرفهم في الحبوب: إما لأن استلزام الغيث له ليس كاستلزامه للحبوب إذ
~~المذكورات يتوقف صلاحها على أمور أخرى غير المطر، وإما لمراعاة جانب
~~المستفتي باعتبار حالته الخاصة به بشارة له، وهي التي يدور عليها حسن
~~موقع تغليبه على الناس في قراءة حمزة والكسائي بالفوقانية. وعن ابن عباس
~~تفسير ذلك بيحلبون وكأنه مأخوذ من العصر المعروف لأن في الحلب عصر الضرع
~~ليخرج الدر. وتكرير (فيه) إما كما قيل: للإشعار باختلاف [أوقات] ما يقع
~~فيه زمانا وعنوانا، وإما لأن المقام مقام تعداد منافع ذلك العام،
~~ولأجله قدم في الموضعين على العامل فإن المقام بيان أنه يقع في ذلك العام
~~هذا وذاك لا بيان أنهما يقعان في ذلك العام كما يفيده التأخير، وجوز أن
~~يكون التقديم للقصر على معنى أن غيثهم في تلك السنين كالعدم بالنسبة إلى
~~عامهم ذلك وأن يكون ذلك في الأخير لمراعاة الفواصل، وفي الأول لرعاية
~~حاله.

# وقرأ جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما والأعرج وعيسى البصرة (يعصرون)
~~على البناء للمفعول، وعن عيسى - تعصرون - بالفوقانية مبنيا للمفعول
~~أيضا من عصره الله تعالى إذا أنجاه أي ينجيهم الله سبحانه مما هم فيه من ms04680
~~الشدة، وهو مناسب لقوله: { يغاث الناس } وعن أبي عبيدة وغيره أخذ
~~المبني للفاعل من العصر بمعنى النجاة أيضا، وفي " البحر " تفسير العصر
~~والعصرة بالضم بالمنجاة وأنشد قول أبي زبيد في عثمان رضي الله تعالى عنه:

# صاديا يستغيث غير مغاث

# ولقد كان عصرة المنجود

# وقال ابن المستنير معناه يمطرون من أعصرت السحابة عليهم أي حان وقت عصر
~~الرياح لها لتمطر فعلى صلة الفعل كما في عصرت الليمون على الطعام فحذفت
~~وأوصل الفعل بنفسه أو تضمن أعصرت معنى مطرت فتعدى تعديته.

# وفي " الصحاح " عصر القوم أي أمطروا، ومنه قراءة بعضهم { وفيه
~~يعصرون } وظاهره أن اللفظ موضوع لذلك فلا يحتاج إلى التضمين عليه.
~~وحكى النقاش أنه قرئ { يعصرون } بضم الياء وكسر الصاد وتشديدها من
~~عصر مشددا للتكثير، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { وفيه
~~يعصرون } بكسر التاء والعين والصاد وتشديدها، وأصله تعتصرون فأدغم
~~التاء في الصاد ونقل حركتها إلى العين، وأتبع حركة التاء لحركة العين،
~~واحتمل أن يكون من اعتصر العنب ونحوه أو من اعتصر بمعنى نجا، ومن ذلك
~~قوله:

# لو بغير الماء حلقي شرق

# كنت كالغصان بالماء اعتصاري

# ثم إن أحكام هذا العام المبارك كما أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة علم
~~آتاه الله تعالى علمه لم يكن فيما سئل عنه، وروي مثل ذلك عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما، وعنيا أن ذلك بالوحي وهو الظاهر. ولقد أتى عليه السلام
~~بما يدل على فضله في آخر فتواه على عكس ما فعل أولا عند الجواب عن رؤيا
~~صاحبيه حيث أتى بذلك في أولها ووجه ذلك ظاهر. وقيل: إن هذه البشارة منه
~~عليه السلام لم تكن عن وحي بل لأن العادة جارية بأن انتهاء الجدب الخصب،
~~أو لأن السنة الإلهية على أن يوسع على عباده سبحانه بعد ما ضيق عليهم، /
~~وفيه أنه لو كان كذلك لأجمل في البشارة، وإن حصر الجدب يقتضي تغييره بخصب
~~ما لا على ما ذكره خصوصا على ما تقتضيه بعض القراءات من إغاثة بعضهم
~~بعضا فإنها لا ms04681 تعلم إلا بالوحي. ثم إنه عليه السلام بعد أن أفتاهم
~~وأرشدهم وبشرهم كان يتوقع وقوع ما أخبر به، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن زيد
~~بن أسلم أنه عليه السلام كان بعد ذلك يصنع لرجل طعام اثنين فيقربه إلى
~~الرجل فيأكل نصفه ويدع نصفه حتى إذا كان يوم قربه له فأكله كله، فقال
~~عليه السلام: هذا أول يوم من الشداد، واستدل البلخي بتأويله لذلك على
~~بطلان قول من يقول: إن الرؤيا على ما عبرت أولا فإنهم كانوا قد قالوا:

# أضغاث أحلام

# [يوسف: 44] فلو كان ما قالوه مؤثرا شيئا لأعرض عليه السلام عن تأويلها
~~وفيه بحث، فقد روى أبو داود وابن ماجه عن أبي رزين " الرؤيا على جناح
~~طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت، ولا تقصها إلا على واد وذي رأي " ،
~~ولعله إذا صح هذا يلتزم القول بأن الحكم على الرؤيا بأنها أضغاث أحلام
~~وأنها لا ذيل لها ليس من التعبير في شيء، وإلا فالجمع بين ما هنا وبين
~~الخبر مشكل.

# وقال ابن العربي: إنه ينبغي أن يخص ذلك بما يحتمل من الرؤيا وجوها
~~فيعبر بأحدها فيقع عليه. واستدلوا بذلك أيضا على صحة رؤيا الكافر وهو
~~ظاهر. وقد ذكروا للاستفتاء عن الرؤيا آدابا: منها أن لا يكون ذلك عند
~~طلوع الشمس أو عند غروبها أو في الليل، وقالوا: إن تعبيرها مناما هو
~~تعبيرها في نفس الأمر فلا تحتاج إلى تعبير بعد، وأكثروا القول فيما يتعلق
~~بها، وأكثر ما قيل مما لا يظهر لي سره ولا أرى بعض ذلك إلا كأضغاث أحلام.

### || [12.50]

# { وقال الملك } بعد ما جاء السفير المعبر بالتعبير وسمع منه ما
~~سمع من نقير وقطمير. { ائتوني به } لما رأى من علمه وفضله وإخباره
~~عما لا يعلمه إلا اللطيف الخبير { فلما جآءه } أي يوسف عليه
~~السلام { الرسول } وهو صاحبه الذي استفتاه، وقال له: إن الملك يريد
~~أن تخرج إليه. { قال ارجع إلى ربك } أي سيدك وهو الملك {
~~فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن }
~~أي فتشه عن شأنهن وحالهن، ms04682 وإنما لم يقل فاسأله أن يفتش عن ذلك حثا للملك
~~على الجد في التفتيش لتتبين براءته وتتضح نزاهته فإن السؤال عن شيء ما
~~يهيج الإنسان ويحركه للبحث لأنه يأنف من الجهل، ولو قال: سله أن يفتش
~~لكان تهييجا له عن الفحص عن ذلك، وفيه جراءة عليه فربما امتنع منه ولم
~~يلتفت إليه. وإنما لم يتعرض عليه السلام لامرأة العزيز مع أنها الأصل
~~الأصيل لما لاقاه تأدبا وتكرما، ولذا حملها ذلك على الاعتراف بنزاهته
~~وبراءة ساحته، وقيل: احترازا عن مكرها حيث اعتقدها باقية في ضلالها
~~القديم، وأما النسوة فقد كان يطمع في صدعهن بالحق وشهادتهن بإقرارها
~~بأنها راودته عن نفسه فاستعصم، ولذلك اقتصر على وصفهن بتقطيع الأيدي ولم
~~يصرح بمراودتهن له واكتفى بالإيماء إلى ذلك بقوله:

# { إن ربي بكيدهن عليم } مجاملة معهن واحترازا عن سوء
~~مقالتهن وانتصابهن عند رفعهن إلى الملك للخصومة عن أنفسهن متى سمعن
~~بنسبته لهن إلى الفساد. وفي " الكشاف " أنه عليه السلام أراد بهذا أنه
~~كيد عظيم لا يعلمه إلا الله تعالى، أو استشهد بعلم الله تعالى على أنهن
~~كدنه وأنه برئ مما قرف به، أو أراد الوعيد لهن أي عليم بكيدهن فمجازيهن
~~عليه انتهى. وكان الحصر على الأول من قربه من زيد يعلم وصلوحه لإفادته
~~عنده أو من اقتضاء المقام لأنه إذا / حمله على السؤال ثم أضاف علمه إلى
~~الله تعالى دل به على عظمته، وأن الكنه غير مأمول الوصول لكن ما لا يدرك
~~كله لا يترك كله، وهذا هو الوجه، وفيه زيادة تشويق وبعث إلى تعرف الأمر،
~~فالجملة عليه تتميم لقوله: { فاسأله } الخ والكيد اسم لما كدنه به،
~~وعلى الوجه الثاني تكون تذييلا كأنه قيل: احمله على التعرف يتبين له
~~براءة ساحتي فإن الله سبحانه يعلم أن ذلك كان كيدا منهن وإذا كان كيدا
~~يكون لا محالة بريئا، والكيد هو الحدث؛ وعلى الثالث تحتملهما؛ والمعنى
~~بعث الملك على الغضب له والانتقام منهن، وإلا لم يتلاءم الكلام ولا يطابق
~~كرم يوسف عليه السلام الذي عجب منه نبينا ms04683 عليه الصلاة والسلام؛ فقد أخرج
~~غير واحد عن ابن عباس وابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله تعالى يغفر له حين سئل عن البقرات
~~العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى اشترطت أن يخرجوني ولقد عجبت
~~منه حين أتاه الرسول فقال: { قال ارجع إلى ربك } ولو كنت
~~مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت
~~العذر أن كان حليما ذا أناة "

# ودعاؤه له صلى الله عليه وسلم قيل: إشارة إلى ترك العزيمة بالرخصة وهي
~~تقديم حق الله تعالى بتبليغ التوحيد والرسالة على براءة نفسه، وجعله
~~العلامة الطيبي من قبيل قولك لمن تعظمه: رضي الله تعالى عنك ما جوابك عن
~~كلامي. وقيل: يمكن أن يقال: إن في براءته النفس من حق الله تعالى ما فيها
~~فإنها إذا تحققت عندهم وقع ما تلاها موقع القبول. وقد ذكر أن الاجتهاد في
~~نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها، فقد قال صلى الله عليه
~~وسلم:

# " من كان يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم "

# وأخرج مسلم من رواية أنس

# " أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان مع إحدى نسائه فمر به رجل
~~فدعاه، وقال: هذه زوجتي، فقال: يا رسول الله من كنت أظن به فلم أكن أظن
~~بك؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان يجري من ابن آدم
~~مجرى الدم "

# وكأنه لهذا كان الزمخشري وكان ساقط الرجل قد أثبت على القضاة أن رجله لم
~~تقطع في جناية ولا فساد بل سقطت من ثلج أصابها في بعض الأسفار، وكان يظهر
~~مكتوب القضاة في كل بلد دخله خوفا من تهمة السوء، فلعله عليه السلام خشي
~~أن يخرج ساكتا عن أمر ذنبه غير متضحة براءة ساحته عما سجن فيه وقرف به
~~من أن يتسلق به الحاشدون إلى تقبيح أمره ويجعلوه سلما إلى حط قدره ونظر
~~الناس إليه بعين الاحتقار فلا يعلق كلامه في قلوبهم ولا يترتب على ms04684 دعوته
~~قبولهم، وفي ذلك من تعري التبليغ عن الثمرة ما فيه، وما ذكره صلى الله
~~عليه وسلم

# " ولو كنت مكانه "

# الخ كان تواضعا منه عليه الصلاة والسلام لا أنه لو كان مكانه بادر وعجل
~~وإلا فحلمه صلى الله عليه وسلم وتحمله واهتمامه بما يترتب عليه قبول
~~الخلق أوامر الحق سبحانه وتعالى أمر معلوم لدى الخواص والعموم. وزعم ابن
~~عطية أنه يحتمل أن يكون عليه السلام أراد بالرب العزيز كما قيل في قوله:

# إنه ربي أحسن مثواي

# [يوسف: 23] ففي ذلك استشهاد به وتقريع له وليس بشيء، ومثله ما قيل: إن
~~ضمير (كيدهن) ليس عائدا على النسوة المذكورات بل عائد على الجنس فافهم.
~~وقرأ أبو حيوة وأبو بكر عن عاصم في رواية { النسوة } بضم النون، وقرأت
~~فرقة اللائي - بالياء وهو كاللاء / جمع التي.

### || [12.51]

# { قال } استئناف مبني على السؤال كما سبق كأنه قيل: فما كان بعد ذلك؟
~~فقيل: قال الملك إثر ما بلغه الرسول الخبر وأحضرهن: { ما خطبكن }
~~أي شأنكن، وأصله الأمر العظيم الذي يحق لعظمته أن يكثر فيه التخاطب ويخطب
~~له { إذ راودتن يوسف } وخادعتنه { عن نفسه } ورغبتنه في
~~طاعة مولاته هل وجدتن فيه ميلا إليكن؟ { قلن حش لله } تنزيها
~~له وتعجيبا من نزاهته عليه السلام وعفته { ما علمنا عليه من
~~سوء } بالغن في نفي جنس السوء عنه بالتنكير وزيادة { من }. وفي "
~~الكشف " في توجيه كون السؤال المقدر في نظم الكلام عن وجدانهن فيه الميل،
~~وذلك لأنه سؤال عن شأنهن معه عند المراودة، وأوله الميل ثم ما يترتب
~~عليه، وحمله على السؤال يدعي النزاهة الكلية فيكون سؤال الملك منزلا
~~عليه إذ لا يمكن ما بعده إلا إذا سلم الميل، وجوابهن عليه ينطبق لتعجبهن
~~عن نزاهته بسبب التعجب من قدرة الله تعالى على خلق عفيف مثله ليكون
~~التعجب منها على سبيل الكناية فيكون أبلغ وأبلغ، ثم نفيهن العلم مطلقا
~~وطرفا أي طرف دهم من سوء أن سوء فضلا عن شهود الميل معهن اه، وهو من
~~الحسن بمكان. وما ذكره ابن عطية - من ms04685 أن النسوة قد أجبن بجواب جيد يظهر
~~منه براءة أنفسهن جملة وأعطين يوسف عليه السلام بعض براءة وذلك أن الملك
~~لما قررهن أنهن راودنه قلن جوابا عن ذلك وتنزيها لأنفسهن: { حاش
~~لله } ويحتمل أن يكون في جهته عليه السلام، وقولهن: { ما علمنا }
~~الخ ليس بإبرام تام، وإنما هو شرح القصة على وجهها حتى يتقرر الخطأ في
~~جهتهن - ناشئ عن الغفلة عما قرره المولى صاحب " الكشف ". { قالت
~~امرأت العزيز } وكانت حاضرة المجلس، قيل: أقبلت النسوة عليها
~~يقررنها، وقيل: خافت أن يشهدن عليها بما قالت يوم قطعن أيديهن فأقرت
~~قائلة: { الآن حصحص الحق } أي ظهر وتبين بعد خفاء قاله الخليل،
~~وهو مأخوذ من الحصة وهي القطعة من الجملة أي تبينت حصة الحق من حصة
~~الباطل، والمراد تميز هذا عن هذا، وإلى ذلك ذهب الزجاج أيضا، وقيل: هو
~~من حص شعره إذا استأصله بحيث ظهرت بشرة رأسه، وعلى ذلك قوله:

# قد حصت البيضة رأسي فما

# أطعم نوما غير تهجاع

# ويرجع هذا إلى الظهور أيضا، وقيل: هو من حصحص البعير إذا ألقى مباركه
~~ليناخ، قال حميد بن ثور الهلالي يصف بعيرا:

# فحصحص في صم الصفا ثفناته

# وناء بسلمى نوءة ثم صمما

# والمعنى الآن ثبت الحق واستقر. وذكر الراغب وغيره أن حص وحصحص ككف وكفكف
~~وكب وكبكب. وقرئ بالبناء للمفعول على معنى أقر الحق في مقره ووضع في
~~موضعه.

# و { الآن } من الظروف المبنية في المشهور وهو اسم للوقت الحاضر جميعه
~~كوقت فعل الإنشاء حال النطق به أو الحاضر بعضه كما في هذه الآية وقوله
~~سبحانه:

# الآن خفف الله عنكم

# [الأنفال: 66] وقد يخرج عند ابن مالك عن الظرفية كخبر " فهو يهوي في
~~النار الآن حين انتهى إلى مقرها " فإن الآن فيه في موضع رفع على
~~الابتداء، و " حين " خبره وهو مبني لإضافته إلى جملة صدرها ماض وألفه
~~منقلبة عن واو لقولهم في معناه: الأوان، وقيل: عن ياء لأنه من / آن يئين
~~إذا قرب، وقيل: أصله أوان قلبت الواو ألفا ثم حذفت لالتقاء الساكنين،
~~ورد بأن ms04686 الواو قبل الألف لا تقلب كالجواد والسواد، وقيل: حذفت الألف
~~وغيرت الواو إليها كما في راح ورواح استعملوه مرة على فعل وأخرى على فعال
~~كزمن وزمان. واختلفوا في علة بنائه فقال الزجاج: بني لتضمنه معنى الإشارة
~~لأن معناه هذا الوقت، ورد بأن المتضمن معنى الإشارة بمنزلة اسم الإشارة
~~وهو لا تدخله أل، وقال أبو علي: لتضمنه معنى لام التعريف لأنه استعمل
~~معرفة وليس علما وأل فيه زائدة، وضعف بأن تضمن اسم معنى حرف اختصارا
~~ينافي زيادة ما لا يعتد به هذا مع كون المزيد غير المضمن معناه فكيف إذا
~~كان إياه، وقال المبرد وابن السراج: لأنه خالف نظائره إذ هو نكرة في
~~الأصل استعمل من أول وضعه باللام، وبابها أن تدخل على النكرة وإليه ذهب
~~الزمخشري، ورده ابن مالك بلزوم بناء الجماء الغفير ونحوه مما وقع في أول
~~وضعه باللام، وبأنه لو كانت مخالفة الاسم لسائر الأسماء موجبة لشبه الحرف
~~واستحقاق البناء لوجب بناء كل اسم خالف الأسماء بوزن أو غيره وهو باطل
~~بإجماع، واختار أنه بني لشبه الحرف في ملازمة لفظ واحد لأنه لا يثنى ولا
~~يجمع ولا يصغر بخلاف حين ووقت وزمان ومدة، ورده أبو حيان بما رد هو به
~~على من تقدم، وقال الفراء: إنما بني لأنه نقل من فعل ماض وهو آن بمعنى
~~حان فبقي على بنائه استصحابا على حد " أنهاكم عن قيل وقال " ورد بأنه
~~لو كان كذلك لم تدخل عليه أل كما لا تدخل على ما ذكر، وجاز فيه الإعراب
~~كما جاز فيه. وذهب بعضهم إلى أنه معرب منصوب على الظرفية، واستدل بقوله:

# كأنهما ملآن لم يتغيرا

# بكسر النون أي من الآن فحذفت النون والهمزة وجر فدل على أنه معرب وضعف
~~باحتمال أن تكون الكسرة كسرة بناء ويكون في بناء الآن لغتان: الفتح
~~والكسر كما في شتان إلا أن الفتح أكثر وأشهر، وفي " شرح الألفية " لابن
~~الصائغ أن الذي قال: إن أصله أوان يقول بإعرابه كما أن وأنا معرب.

# واختار الجلال السيوطي القول بإعرابه ms04687 لأنه لم يثبت لبنائه علة معتبرة
~~فهو عنده منصوب على الظرفية، وإن دخلت من جر وخروجه عن الظرفية غير
~~ثابت، وفي الاستدلال بالحديث السابق مقال، وأيا ما كان فهو هنا متعلق -
~~بحصحص - أي حصحص الحق في هذا الوقت.

# { أنا راودته عن نفسه } لا أنه راودني عن نفسي، وإنما
~~قالت ذلك بعد اعترافها تأكيدا لنزاهته عليه السلام، وكذا قولها: {
~~وإنه لمن الصادقين } أي في قوله حين افتريت عليه

# هي راودتني عن نفسي

# [يوسف: 26]. قيل: إن الذي دعاها لذلك كله التوخي لمقابلة الاعتراف حيث
~~لا يجدي الإنكار بالعفو، وقيل: إنها لما تناهت في حبه لم تبال بانتهاك
~~سترها وظهور سرها. وفي " إرشاد العقل السليم " أنها لم ترد بقولها: {
~~الآن } الخ مجرد ظهور ما ظهر بشهادة النسوة من مطلق نزاهته عليه السلام
~~فيما أحاط به علمهن من غير تعرض لنزاهته في سائر المواطن خصوصا فيما وقع
~~فيه التشاجر بمحضر العزيز ولا بحث عن حال نفسها وما صنعت في ذلك بل أرادت
~~ظهور ما هو متحقق في نفس الأمر وثبوته من نزاهته عليه السلام في محل
~~النزاع وخيانتها، ولهذا قالت: { أنا راودته } الخ، وأرادت -
~~بالآن - زمان تكلمها بهذا الكلام لا زمان شهادتهن اه فافهم وتأمل هل ترى
~~فوق هذه المرتبة نزاهة حيث لم يتمالك الخصماء من الشهادة بها على أتم
~~وجه.

# والفضل ما شهدت به الخصماء

# وليت من نسب إليه السوء - وحاشاه - كان عنده عشر معشار ما كان / عند
~~أولئك النسوة الشاهدات من الإنصاف.

### || [12.52]

# { ذلك ليعلم } الذي ذهب إليه غير واحد أن (ذلك) إشارة إلى التثبت
~~مع ما تلاه من القصة أجمع فهو من كلام يوسف عليه السلام جعله فذلكة منه
~~لما نهض له أولا من التشمر لطهارة ذيله وبراءة ساحته، وقد حكى الله
~~تعالى ما وقع من ذلك طبق الوجود مع رعاية ما عليه دأب القرآن من الإيجاز
~~كحذف فرجع إلى ربه فأنهاه مقالة يوسف فأحضرهن سائلا قال: ما خطبكن الخ؛
~~وكذلك كما قيل في

# قالت امرأت العزيز

# [يوسف: 51] الخ، وكذلك هذا ms04688 أيضا لأن المعنى فرجع إليه الرسول قائلا
~~فتش الملك عن كنه الأمر وبان له جلية الحق من عصمتك وأنك لم ترجع في ذلك
~~المقام الدحض بمس ملام فعند ذلك قال عليه السلام: ذلك ليعلم العزيز {
~~أني لم أخنه } في حرمته { بالغيب } أي بظهر الغيب، وقيل:
~~ضمير { يعلم } للملك، وضمير { أخنه } للعزيز، وقيل: للملك أيضا
~~لأن خيانة وزيره خيانة له، والباء إما للملابسة أو للظرفية، وعلى الأول
~~هو حال من فاعل { أخنه } أي تركت خيانته وأنا غائب عنه، أو من مفعوله
~~أي وهو غائب عني وهما متلازمان، وجوز أن يكون حالا منهما وليس بشيء،
~~وعلى الثاني فهو ظرف لغو لما عنده أي لم أخنه بمكان الغيب وراء الأستار
~~والأبواب المغلقة، ويحتمل الحالية أيضا.

# { وأن الله } اي وليعلم أن الله تعالى { لا يهدي كيد
~~الخائنين } أي لا ينفذه ولا يسدده بل يبطله ويزهقه فهداية الكيد
~~مجاز عن تنفيذه، ويجوز أن يكون المراد لا يهدي الخائنين بسبب كيدهم فأوقع
~~الهداية المنفية على الكيد وهي واقعة عليهم تجوزا للمبالغة لأنه إذا لم
~~يهد السبب علم منه عدم هداية مسببه بالطريق الأولى. وفيه تعريض بامرأة
~~العزيز في خيانتها أمانته وبه في خيانته أمانة الله تعالى حين ساعدها على
~~حبسه بعدما رأوا الآيات الدالة على نزاهته عليه السلام، ويجوز أن يكون مع
~~ذلك تأكيدا لأمانته عليه السلام على معنى لو كنت خائنا لما هدى الله
~~تعالى كيدي ولا سدده، وتوهم عبارة بعضهم عدم اجتماع التأكيد والتعريض،
~~والحق أنه لا مانع من ذلك؛ وأراد بكيده تشمره وثباته ذلك، وتسميته كيدا
~~على فرض الخيانة على بابها حقيقة كما لا يخفى، فما في " الكشف " من أنه
~~سماه كيدا استعارة أو مشاكلة ليس بشيء. وقيل: إن ضمير { ليعلم } و
~~{ لم أخنه } لله تعالى أي ذلك ليعلم الله تعالى أني لم أعصه أي
~~ليظهر أني غير عاص ويكرمني به ويصير سبب رفع منزلتي وليظهر أن كيد الخائن
~~لا ينفذ وأن العاقبة للمطيع لا للعاصي فهو نظير قوله تعالى:

# لنعلم من يتبع ms04689 الرسول ممن ينقلب

# [البقرة: 143] وله نظائر أخر في القرآن كثيرة إلا أن الله تعالى أخبر عن
~~نفسه بذلك وأما غيره فلم يرد في الكتاب العزيز، وفيه نوع إيهام التحاشي
~~عنه أحسن على أن المقام لما تقدم أدعى.

### || [12.53]

# { وما أبرىء نفسى } أي لا أنزهها عن السوء قال ذلك عليه السلام:
~~هضما لنفسه البرية عن كل سوء وتواضعا لله تعالى وتحاشيا عن التزكية
~~والإعجاب بحالها على أسلوب قوله صلى الله عليه وسلم:

# " أنا سيد ولد آدم ولا فخر "

# أو تحديثا بنعمة الله تعالى وإبرازا لسره المكنون في شأن أفعال العباد
~~أي لا أنزهها من حيث هي  هي  ولا أسند هذه الفضيلة إليها بمقتضى طبعها
~~من غير توفيق من الله سبحانه بل إنما ذلك بتوفيقه جل شأنه ورحمته، وقيل:
~~إنه أشار بذلك إلى أن عدم التعرض لم يكن لعدم الميل الطبيعي بل لخوف الله
~~تعالى: { أن النفس } البشرية التي من جملتها نفسي في حد ذاتها {
~~لامارة } لكثيرة الأمر { بالسوء } أي بجنسه، والمراد أنها كثيرة
~~الميل إلى الشهوات مستعملة في تحصيلها القوى والآلات. وفي كثير من
~~التفاسير أنه عليه السلام حين قال:

# ليعلم أنى لم أخنه بالغيب

# [يوسف: 52] قال له جبريل عليه السلام: ولا حين هممت؟ فقال: { وما
~~أبرىء نفسى } الخ، وقد أخرجه الحاكم في " تاريخه " وابن مردويه
~~بلفظ قريب من هذا عن أنس مرفوعا، وروي ذلك عن ابن عباس وحكيم بن جابر
~~والحسن وغيرهم، وهو إن صح يحمل الهم فيه على الميل الصادر عن طريق الشهوة
~~البشرية لا عن طريق العزم والقصد، وقيل: لا مانع من أن يحمل على الثاني
~~ويقال: إنه صغيرة وهي تجوز على الأنبياء عليهم السلام قبل النبوة، ويلتزم
~~أنه عليه السلام لم يكن إذ ذاك نبيا. والزمخشري جعل ذلك وما أشبهه من
~~تلفيق المبطلة وبهتهم على الله تعالى ورسوله، وارتضاه وهو الحري بذلك ابن
~~المنير وعرض بالمعتزلة بقوله: وذلك شأن المبطلة من كل طائفة.

# { إلا ما رحم ربى } قال ابن عطية: الجمهور على أن الاستثناء
~~منقطع و { ما ms04690 } مصدرية أي لكن رحمة ربي هي التي تصرف عنها السوء على حد
~~ما جوز في قوله سبحانه:

# ولا هم ينقذون * إلا رحمة منا

# [يس: 43-44] وجوز أن يكون استثناء من أعم الأوقات و { ما } مصدرية
~~ظرفية زمانية أي هي أمارة بالسوء في كل وقت إلا في وقت رحمة ربي وعصمته،
~~والنصب على الظرفية لا على الاستثناء كما توهم، لكن فيه التفريغ في
~~الإثبات والجمهور على أنه لا يجوز إلا بعد النفي أو شبهه. نعم أجازه
~~بعضهم في الإثبات إن استقام المعنى كقرأت إلا يوم الجمعة. وأورد على هذا
~~بأنه يلزم عليه كون نفس يوسف وغيره من الأنبياء عليهم السلام مائلة إلى
~~الشهوات في أكثر الأوقات إلا أن يحمل ذلك على ما قبل النبوة بناءا على
~~جواز ما ذكر قبلها أو يراد جنس النفس لا كل واحدة.

# وتعقب بأن الأخير غير ظاهر لأن الاستثناء معيار العموم ولا يرد ما ذكر
~~رأسا لأن المراد هضم النوع البشري اعترافا بالعجز لولا العصمة على أن
~~وقت الرحمة قد يعم العمر كله لبعضهم اه، ولعل الأولى الاقتصار على ما في
~~حيز العلاوة فتأمل، وأن يكون استثناء من النفس أو من الضمير المستتر في
~~ أمارة  الراجع إليها/ أي كل نفس أمارة بالسوء إلا التي رحمها الله
~~تعالى وعصمها عن ذلك كنفسي أو من مفعول  أمارة  المحذوف أي أمارة
~~صاحبها إلا ما رحمه الله تعالى، وفيه وقوع { ما } على من يعقل وهو خلاف
~~الظاهر، ولينظر الفرق في ذلك بينه وبين انقطاع الاستثناء.

# { إن ربى غفور رحيم } عظيم المغفرة فيغفر ما يعتري النفس
~~بمقتضى طباعها ومبالغ في الرحمة فيعصمها من الجريان على موجب ذلك،
~~والإظهار في مقام الإضمار مع التعرض لعنوان الربوبية لتربية مبادىء
~~المغفرة والرحمة، ولعل تقديم ما يفيد الأولى على ما يفيد الثانية لأن
~~التخلية مقدمة على التحلية، وذهب الجبائي واستظهره أبو حيان إلى أن

# ذلك ليعلم

# [يوسف: 52] إلى هنا من كلام امرأة العزيز، والمعنى ذلك الإقرار
~~والاعتراف بالحق ليعلم يوسف إني لم أخنه ولم أكذب ms04691 عليه في حال غيبته وما
~~أبرىء نفسي مع ذلك من الخيانة حيث قلت ما قلت وفعلت به ما فعلت إن كل نفس
~~أمارة بالسوء إلا نفسا رحمها الله تعالى بالعصمة كنفس يوسف عليه السلام
~~إن ربي غفور لمن استغفر لذنبه واعترف به رحيم له. وتعقب ذلك صاحب "
~~الكشف " بأنه ليس موجبه إلا ما توهم من الاتصال الصوري وليس بذاك، ومن
~~أين لها أن تقول: { وما أبرىء نفسى } بعد ما وضح ولا كشية الأبلق
~~أنها أمها يرجع إليها طمها ورمها.

# ومن الناس من انتصر له بأن أمر التعليل ظاهر عليه، وهو على تقدير جعله
~~من كلامه عليه السلام غير ظاهر لأن علم العزيز بأنه لم يكن منه ما قرف به
~~إنما يستدعي التفتيش مطلقا لا خصوص تقديمه على الخروج حين طلبه الملك
~~والظاهر على ذلك التقدير جعله له. وأجيب بأن المراد ليظهر علمه على أتم
~~وجه وهو يستدعي الخصوص، ويساعد على إرادة ظهور العلم أن أصل العلم كان
~~حاصلا للعزيز قبل حين شهد شاهد من أهلها وفيه نظر، ويمكن أن يقال: إن في
~~التثبت وتقديم التفتيش على الخروج من مراعاة حقوق العزيز ما فيه حيث لم
~~يخرج من جنسه قبل ظهور بطلان ما جعله سببا له مع أن الملك دعاه إليه،
~~ويترتب على ذلك علمه بأنه لم يخنه في شيء من الأشياء أصلا فضلا عن
~~خيانته في أهله لظهور أنه عليه السلام إذا لم يقدم على ما عسى أن يتوهم
~~أنه نقض لما أبرمه مع قوة الداعي وتوفر الدواعي فهو بعدم الإقدام على
~~غيره أجدر وأحرى، فالعلة للتثبت مع ما تلاه من القصة هي قصد حصول العلم
~~بأنه عليه السلام لم يكن منه ما يخون به كائنا ما كان مع ما عطف عليه،
~~وذلك العلم إنما يترتب على ما ذكر لا على التفتيش ولو بعد الخروج كما لا
~~يخفى، أو يقال: إن المراد ليجري على موجب العلم بما ذكر بناء على التزام
~~أنه كان قبل ذلك عالما به لكنه لم يجر ms04692 على موجب علمه وإلا لما حبسه عليه
~~السلام فيتلافى تقصيره بالإعراض عن تقبيح أمره أو بالثناء عليه ليحظى عند
~~الملك ويعظمه الناس فتينع من دعوته أشجارها وتجري في أودية القلوب
~~أنهارها، ولا شك أن هذا مما يترتب على تقديم التفتيش كما فعل، وليس ذلك
~~مما لا يليق بشأنه عليه السلام بل الأنبياء عليهم السلام كثيرا ما
~~يفعلون مثل ذلك في مبادي أمرهم؛ وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يعطي
~~الكافر إذا كان سيد قومه ما يعطيه ترويجا لأمره، وإذا حمل قوله عليه
~~السلام لصاحبه الناجي

# اذكرنى عند ربك

# [يوسف: 42] على مثل هذا كما فعل أبو حيان تناسب طرفا الكلام أشد تناسب،
~~وكذا لو حمل ذاك على ما اقتضاه ظاهر الكلام وتظافرت عليه الأخبار. وقيل:
~~هنا: إن ذلك لئلا يقبح العزيز أمره عند الملك تمحلا لإمضاء ما قضاه،
~~ويكون ذلك من قبيل السعي في تحقيق المقتضى لخلاصه وهذا من قبيل التشمير
~~لرفع المانع لكنه مما لا يليق بجلالة شأنه عليه السلام.

# / ولعل الدعاء بالمغفرة في الخبر السالف على هذا إشارة إلى ما ذكر،
~~ويقال: إنه عليه السلام إنما لم يعاتب عليه كما عوتب على الأول لكونه
~~دونه مع أنه قد بلغ السيل الزبى، ولا يخفى أن عوده عليه السلام لما
~~يستدعي أدنى عتاب بالنسبة إلى منصبه بعد أن جرى ما جرى في غاية البعد،
~~ومن هنا قيل: الأولى أن يجعل ما تقدم كما تقدم ويحمل هذا على أنه عليه
~~السلام أراد به تمهيد أمر الدعوة إلى الله تعالى جبرا لما فعل قبل
~~واتباعا لخلاف الأولى بالنظر إلى مقامه بالأولى، وقيل: في وجه التعليل
~~غير ذلك، وأخرج ابن جرير عن ابن جريج أن هذا من تقديم القرآن وتأخيره
~~وذهب إلى أنه متصل بقوله:

# فاسأله ما بال النسوة التى قطعن أيديهن

# [يوسف: 50] الخ ويرد على ظاهره ما لا يخفى فتأمل جميع ما ذكرناه لتكون
~~على بصيرة من أمرك. وفي رواية البزي عن ابن كثير. وقالون عن نافع أنهما
~~قرآ { بالسو } على قلب ms04693 الهمزة واوا والإدغام.

### || [12.54]

# { وقال الملك ائتونى به أستخلصه } أجعله خالصا {
~~لنفسى } وخاصا بي { فلما كلمه } في الكلام إيجاز أي فأتوا
~~به فلما الخ، وحذف ذلك للإيذان بسرعة الإتيان فكأنه لم يكن بينه وبين
~~الأمر بإحضاره عليه السلام والخطاب معه زمان أصلا، ولم يكن حاضرا مع
~~النسوة في المجلس كما زعمه بعض وجعل المراد من هذا الأمر قربوه إلي،
~~والضمير المستكن في { كلمه } ليوسف عليه السلام والبارز للملك أي
~~فلما كلم يوسف عليه السلام الملك إثر ما أتاه فاستنطقه ورأى حسن منطقه
~~بما صدق الخبر الخبر، واستظهر في " البحر " كون الضمير الأول للملك
~~والثاني ليوسف أي فلما كلمه الملك ورأى حسن جوابه ومحاورته.

# { قال إنك اليوم لدينا مكين } ذو مكانة ومنزلة رفيعة {
~~أمين } مؤتمن على كل شيء، وقيل: آمن من كل مكروه، والوصف بالأمانة هو
~~الأبلغ في الإكرام، و { اليوم } ليس بمعيار للمكانة والأمانة بل هو
~~آن التكلم، والمراد تحديد مبدئهما احترازا عن [احتمال] كونهما بعد حين،
~~وفي اختيار  لدى  على عند ما لا يخفى من الاعتناء بشأنه عليه السلام،
~~وكذا في اسمية الجملة وتأكيدها. روي أن الرسول جاءه فقال له: أجب الملك
~~الآن بلا معاودة وألق عنك ثياب السجن واغتسل والبس ثيابا جددا ففعل
~~فلما قام ليخرج دعا لأهل السجن اللهم عطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم
~~عليهم الأخبار فهم أعلم الناس بالأخبار في كل بلد ثم خرج فكتب على الباب
~~هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء، فلما
~~وصل إلى باب الملك قال: حسبي ربي من دنياي وحسبي ربي من خلقه عز جارك
~~وجل ثناؤك ولا إله غيرك، فلما دخل على الملك قال: اللهم إني أسألك بخيرك
~~من خيره وأعوذ بك من شره وشر غيره ثم سلم عليه بالعربية فقال له الملك:
~~ما هذا اللسان؟ فقال: لسان عمي إسماعيل، ثم دعا له بالعبرانية فقال له:
~~وما هذا اللسان أيضا؟ فقال: هذا لسان آبائي، وكان الملك يعرف سبعين
~~لسانا فكلمه بها فأجابه بجميعها فتعجب منه وقال: أيها ms04694 الصديق إني أحب أن
~~أسمع رؤياي منك فحكاها عليه السلام له طبق ما رأى لم يخرم منها حرفا،
~~فقال الملك: أعجب من تأويلك إياها معرفتك لها فأجلسه معه على السرير وفوض
~~إليه أمره؛ وقيل: إنه أجلسه قبل أن يقص الرؤيا. وأخرج ابن جرير عن ابن
~~إسحاق قال: ذكروا أن قطفير هلك في تلك الليالي وأن الملك زوج يوسف امرأته
~~راعيل فقال لها حين أدخلت عليه: أليس هذا خيرا مما كنت تريدين؟ فقالت:
~~أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جملاء ناعمة في ملك
~~ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء وكنت كما جعلك الله تعالى في حسنك
~~وهيئتك فغلبتني نفسي على ما رأيت فيزعمون أنه وجدها عذراء فأصابها فولدت
~~له رجلين أفراثيم وميشا.

# أخرج الحكيم الترمذي عن وهب قال: أصابت امرأة العزيز حاجة فقيل لها: لو
~~أتيت يوسف بن يعقوب فسألتيه فاستشارت الناس في ذلك فقالوا: لا تفعلي فإنا
~~نخافه عليك قالت: كلا إني لا أخاف ممن يخاف الله تعالى فأدخلت عليه فرأته
~~في ملكه فقالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته ثم نظرت إلى
~~نفسها فقالت: الحمد لله الذي جعل الملوك عبيدا بمعصيته فقضى لها جميع
~~حوائجها ثم تزوجها فوجدها بكرا الخبر. وفي رواية أنها تعرضت له في
~~الطريق فقالت ما قالت فعرفها فتزوجها فوجدها بكرا وكان زوجها عنينا،
~~وشاع عند القصاص أنها عادت شابة بكرا إكراما له عليه السلام بعدما كانت
~~ثيبا غير شابة، وهذا مما لا أصل له، وخبر تزوجها أيضا مما لا يعول عليه
~~عند المحدثين؛ وعلى فرض ثبوت التزوج فظاهر خبر الحكيم أنه إنما كان بعد
~~تعيينه عليه السلام لما عين له من أمر الخزائن، قيل: ويعرب عنه قوله
~~تعالى: { قال اجعلنى على خزائن الأرض }.

### || [12.55]

# { قال اجعلنى على خزائن الأرض } أي أرض مصر، وفي معناه
~~قول بعضهم أي أرضك التي تحت تصرفك، وقيل: أراد بالأرض الجنس وبخزائنها
~~الطعام الذي يخرج منها، و { على } متعلقة على ما قيل  بمستول  مقدر،
~~والمعنى ولني ms04695 على أمرها من الإيراد والصرف { إنى حفيظ } لها ممن لا
~~يستحقها { عليم } بوجوه التصرف فيها، وقيل: بوقت الجوع، وقيل: حفيظ
~~للحساب عليم بالألسن، وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه بالحق إذا جهل
~~أمره، وجواز طلب الولاية إذا كان الطالب ممن يقدر على إقامة العدل وإجراء
~~أحكام الشريعة وإن كان من يد الجائر أو الكافر، وربما يجب عليه الطلب إذا
~~توقف على ولايته إقامة واجب مثلا وكان متعينا لذلك، وما في «الصحيحين»
~~من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " يا عبد الرحمن لا تسأل الامارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها
~~وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها "

# وارد في غير ما ذكر. وعن مجاهد أنه أسلم الملك على يده عليه السلام،
~~ولعل إيثاره عليه السلام لتلك الولاية خاصة إنما كان للقيام بما هو أهم
~~أمور السلطنة إذ ذاك من تدبير أمر السنين لكونه من فروع تلك الولاية لا
~~لمجرد عموم الفائدة كما قيل. وجاء في رواية أن الملك لما كلمه عليه
~~السلام وقص رؤياه وعبرها له قال: ما ترى أيها الصديق؟ قال: تزرع في سني
~~الخصب زرعا كثيرا فإنك لو زرعت فيها على حجر نبت وتبني الخزائن وتجمع
~~فيها الطعام بقصبه وسنبله فإنه أبقى له ويكون القصب علفا للدواب فإذا
~~جاءت السنون بعت ذلك فيحصل لك مال عظيم، فقال الملك: ومن لي بهذا ومن
~~يجمعه ويبيعه لي ويكفيني العمل فيه؟ فقال: { اجعلنى على خزائن
~~الأرض } الخ، والظاهر أنه أجابه لذلك حين سأله، وإنما لم يذكر إجابته
~~له عليه السلام إيذانا بأن ذلك أمر لا مرد له غني عن التصريح به لا
~~سيما بعد تقديم ما تندرج تحته أحكام السلطنة جميعها. وأخرج الثعلبي عن
~~ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " يرحم الله تعالى أخي يوسف لو لم يقل: { اجعلنى على خزائن
~~الأرض } لاستعمله من ساعته ولكنه أخر ذلك سنة "

# ثم أنه كما روي عن ابن عباس وغيره توجه ms04696 وختمه بخاتمه ورداه بسيفه ووضع
~~له سريرا من ذهب مكللا بالدر والياقوت طوله ثلاثون ذراعا وعرضه عشرة
~~أذرع ووضع عليه الفرش وضرب عليه حلة من استبرق فقال عليه السلام: أما
~~السرير فأشد به ملكك وأما الخاتم فأدبر به أمرك وأما التاج فليس من لباسي
~~ولا لباس آبائي فقال: قد وضعته إجلالا لك وإقرارا بفضلك، فجلس على
~~السرير ودانت له الملوك وفوض إليه الملك أمره وأقام العدل بمصر وأحبته
~~الرجال والنساء، وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام في السنة الأولى
~~بالدراهم والدنانير حتى لم يبق منها شيء، وفي الثانية بالحلي والجواهر،
~~وفي الثالثة بالدواب والمواشي، وفي الرابعة بالعبيد والجواري، وفي
~~الخامسة بالضياع والعقار، وفي السادسة بالأولاد، وفي السابعة بالرقاب حتى
~~استرقهم جميعا وكان ذلك مما يصح في شرعهم.

# فقالوا: ما رأينا كاليوم ملكا أجل وأعظم منه فقال للملك: كيف رأيت صنع
~~الله تعالى فيما خولني فما ترى في هؤلاء؟ فقال الملك: الرأي رأيك ونحن لك
~~تبع فقال: إني أشهد الله تعالى وأشهدك إني قد أعتقتهم ورددت إليهم
~~أملاكهم. ولعل الحكمة في ذلك إظهار قدرته وكرمه وانقيادهم بعد ذلك لأمره
~~حتى يخلص إيمانهم ويتبعوه فيما يأمرهم به فلا يقال: ما الفائدة في تحصيل
~~ذلك المال العظيم ثم إضاعته؟ وكان عليه السلام في تلك المدة فيما يروى لا
~~يشبع من الطعام فقيل له: أتجوع وخزائن الأرض بيدك؟ فقال: أخاف إن شبعت
~~أنسى الجائع وأمر عليه السلام طباخي الملك أن يجعلوا غذاءه نصف النهار
~~وأراد بذلك أن يذوق طعم الجوع فلا ينسى الجياع، قيل: ومن ثم جعل الملوك
~~غذاءهم نصف النهار، وقد أشار سبحانه إلى ما آتاه من الملك العظيم بقوله
~~جل وعلا: { وكذلك مكنا ليوسف... }.

### || [12.56]

# { وكذلك } أي مثل التمكين البديع { مكنا ليوسف } أي جعلنا
~~له مكانا { فى الأرض } أي أرض مصر، روى أنها كانت أربعين فرسخا في
~~أربعين، وفي التعبير عن الجعل المذكور بالتمكين في الأرض مسندا إلى
~~ضميره تعالى من تشريفه عليه السلام والمبالغة في كمال ولايته والإشارة
~~إلى ms04697 حصول ذلك من أول الأمر لا أنه حصل بعد السؤال ما لا يخفى، واللام في
~~{ ليوسف } على ما زعم أبو البقاء يجوز أن تكون زائدة أي مكنا يوسف
~~وأن لا تكون كذلك والمفعول محذوف أي مكنا له الأمور، وقد مر لك ما يتضح
~~منه الحق { يتبوأ منها } ينزل من قطعها وبلادها { حيث يشاء
~~} ظرف ليتبوأ، وجوز أن يكون مفعولا به كما في قوله تعالى:

# الله أعلم حيث يجعل رسالته

# [الأنعام:124] و { منها } متعلق بما عنده، وقيل: بمحذوف وقع حالا من
~~{ حيث } وتعقب بأن { حيث } لا يتم إلا بالمضاف إليه وتقديم الحال
~~على المضاف إليه لا يجوز، والجملة في موضع الحال من يوسف وضمير { يشاء
~~} له، وجوز أن يكون لله تعالى ففيه التفات، ويؤيده أنه قرأ ابن كثير
~~والحسن وبخلاف عنهم أبو جعفر وشيبة ونافع { نشاء } بالنون فإن الضمير
~~على ذلك لله تعالى قطعا.

# { نصيب برحمتنا } بنعمتنا وعطائنا في الدنيا من الملك والغنى
~~وغيرهما من النعم، وقيل: المراد بالرحمة النبوة وليس بذاك { من نشاء
~~} بمقتضى الحكمة الداعية للمشيئة { ولا نضيع أجر المحسنين
~~} بل نوفي لهم أجورهم في الدنيا لإحسانهم، والمراد به على ما قيل:
~~الإيمان والثبات على التقوى فإن قوله سبحانه: { ولأجر الآخرة
~~خير... }

### || [12.57]

# قد وضع فيه الموصول موضع ضمير

# المحسنين

# [يوسف: 56] وجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل تنبيها على ذلك، والمعنى
~~ولأجرهم في الآخرة خير، والإضافة/ فيه للملابسة، وجعل في تعقيب الجملة
~~المثبتة بالجملة المنفية إشعار بأن مدار المشيئة المذكورة إحسان من تصيبه
~~الرحمة المذكورة، وفي ذكر الجملة الثالثة المؤكدة بعد دفع توهم انحصار
~~ثمرات الإحسان فيما ذكر من الأجر العاجل، ويفهم من ذلك أن المراد  ممن
~~نشاء  من نشاء أن نصيبه بالرحمة من عبادنا الذين آمنوا واستمروا على
~~التقوى. وتعقب بأنه خلاف الظاهر، ولعل الظاهر حمل

# من

# [يوسف: 56] على ما هو أعم مما ذكر وحينئذ لا يبعد أن يراد بالرحمة
~~النعمة التي لا تكون في مقابلة شيء من الأعمال وبالأجر ما كان في مقابلة
~~شيء من ذلك، ويبقى أمر ms04698 وضع الموصول موضع الضمير على حاله كأنه قيل: نتفضل
~~على من نشاء من عبادنا كيف كانوا وننعم عليهم بالملك والغنى وغيرهما لا
~~في مقابلة شيء ونوفي أجور المؤمنين المستمرين على التقوى منهم ونعطيهم في
~~الدنيا ما نعطيهم في مقابلة إيمانهم واستمرارهم على التقوى وما نعطيهم في
~~مقابلة ذلك في الآخرة من النعيم العظيم المقيم خير لهم مما نعطيهم في
~~الدنيا لعظمه ودوامه.

# واعترض بأن فيه إطلاق الرحمة على ما يصيب الكافر من نحو الملك والغنى مع
~~أنه ليس برحمة كما يشعر به كثير من الآيات ويقتضيه قولهم: ليس لله تعالى
~~نعمة على كافر. وأجيب بأن قولهم: في (الرحمن) أنه الذي يرحم المؤمن
~~والكافر في الدنيا ظاهر في صحة إطلاق الرحمة على ما يصيب الكافر من ذلك،
~~وكذا قوله تعالى:

# وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين

# [الأنبياء: 107] ظاهر في صحة القول بكون الكافر مرحوما في الجملة وأمر
~~الإشعار سهل، وقولهم: ليس لله تعالى نعمة على كافر إنما قاله البعض
~~بناءا على أخذ  يحمد عاقبتها  في تعريفها. وإن أبيت ولا أظن فلم لا
~~يجوز أن يقال: إنه عبر عما ذكر بالرحمة رعاية لجانب من اندرج في عموم

# من

# [يوسف: 56] من المؤمنين.

# نعم يرد على تفسير الرحمة هنا بالنعمة التي لا تكون في مقابلة شيء من
~~الأعمال والأجر بما كان ما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: المؤمن يثاب
~~على حسناته في الدنيا والآخرة والفاجر يعجل له الخير في الدنيا وما له في
~~الآخرة من خلاق وتلا الآية فإنه ظاهر في أن ما يصيب الكافر مما تقدم في
~~مقابلة عمل له وأن في الآية ما يدل على ذلك وليس هو إلا

# نصيب برحمتنا من نشاء

# [يوسف: 56] وقد يجاب بأنه لعله حمل

# المحسنين

# [يوسف: 56] على ما يشمل الكفار الفاعلين لما يحسن كصلة الرحم ونصرة
~~المظلوم وإطعام الفقير ونحو ذلك، فحصر الدلالة فيما ذكر ممنوع نعم إن هذا
~~الأثر يعكر على التفسير السابق عكرا بينا إذ الآية عليه لا تعرض فيها
~~للكافر أصلا فلا معنى ms04699 لتلاوتها إثر ذلك الكلام.

# وعمم بعضهم الأوقات في { نصيب - ولا نضيع } فقال نصيب في الدنيا والآخرة
~~ولا نضيع أجر المحسنين بل نوفي أجورهم عاجلا وآجلا، وأيد بأنه لا موجب
~~للتخصيص وأن خبر سفيان يدل على العموم وتعقب بأن من خص ذلك بالدنيا فإنما
~~خصه ليكون ما بعده تأسيسا وبأنه لا دلالة للخبر على ذلك لأنه مأخوذ من
~~مجموع الآية وفيه ما فيه. وعن ابن عباس تفسير { المحسنين }
~~بالصابرين، ولعله رضي الله تعالى عنه على تقدير صحة الرواية رأى ذلك أوفق
~~بالمقام. وأيا ما كان في الآية إشارة إلى أن ما أعد الله تعالى ليوسف
~~عليه السلام من الأجر والثواب في الآخرة أفضل مما أعطاه في الدنيا من
~~الملك.

### || [12.58]

# { وجاء إخوة يوسف } ممتارين لما أصاب أرض كنعان وبلاد الشام ما
~~أصاب مصر، وقد كان حل بآل يعقوب عليه السلام ما حل بأهلها فدعا أبناءه ما
~~عدا بنيامين فقال لهم: يا بني بلغني أن بمصر ملكا صالحا يبيع/ الطعام
~~فتجهزوا إليه واقصدوه تشتروا منه ما تحتاجون إليه فخرجوا حتى قدموا مصر {
~~فدخلوا عليه } عليه السلام وهو في مجلس ولايته { فعرفهم }
~~لقوة فهمه وعدم مباينة أحوالهم السابقة أحوالهم يوم المفارقة لمفارقته
~~إياهم وهم رجال وتشابه هيآتهم وزيهم في الحالين، ولكون همته معقودة بهم
~~وبمعرفة أحوالهم لا سيما في زمن القحط، ولعله عليه السلام كان مترقبا
~~مجيئهم إليه لما يعلم من تأويل رؤياه. وروى أنهم انتسبوا في الاستئذان
~~عليه فعرفهم وأمر بإنزالهم، ولذلك قال الحسن: ما عرفهم حتى تعرفوا إليه.
~~وتعقب ذلك في " الانتصاف " بأن توسيط الفاء بين دخولهم عليه ومعرفته لهم
~~يأبى كلام الحسن ويدل على أن مجرد دخولهم عليه استعقبه المعرفة بلا مهلة
~~وفيه تأمل.

# { وهم له منكرون } أي والحال أنهم منكرون له لنسيانهم له بطول
~~العهد وتباين ما بين حاليه في نفسه ومنزلته وزيه ولاعتقادهم أنه هلك،
~~وقيل: إنما لم يعرفوه لأنه عليه السلام أوقفهم موقف ذوي الحاجات بعيدا
~~منه وكلمهم بالواسطة؛ وقيل: إن ذلك لمحض أنه سبحانه لم يخلق ms04700 العرفان في
~~قلوبهم تحقيقا لما أخبر أنه سينبئهم بأمرهم وهم لا يشعرون فكان ذلك
~~معجزة له عليه السلام، وقابل المعرفة بالإنكار على ما هو الاستعمال
~~الشائع، فعن الراغب المعرفة والعرفان معرفة الشيء بتفكر في أثره فهو أخص
~~من العلم، وأصله من عرفت أي أصبت عرفه أي رائحته ويضاد المعرفة الإنكار
~~والعلم والجهل، وحيث كان إنكارهم له عليه السلام أمرا مستمرا في حالتي
~~المحضر والمغيب أخبر عنه بالجملة الاسمية بخلاف عرفانه عليه السلام
~~إياهم.

### || [12.59]

# { ولما جهزهم بجهازهم } أصلحهم بعدتهم وأوقر ركائبهم بما
~~جاؤوا لأجله، ولعله عليه السلام إنما باع كل واحد منهم حمل بعير لما روى
~~أنه عليه السلام كان لا يبيع أحدا من الممتارين أكثر من ذلك تقسيطا بين
~~الناس وفيما يأتي إن شاء الله تعالى من قولهم:

# ونزداد كيل بعير

# [يوسف: 65] ما يؤيده، وأصل الجهاز ما يحتاج إليه المسافر من زاد ومتاع،
~~وجهاز العروس ما تزف به إلى زوجها، والميت ما يحتاج إليه في دفنه. وقرىء
~~بكسر الجيم { قال ائتونى بأخ لكم من أبيكم } ولم يقل
~~بأخيكم مبالغة في إظهار عدم معرفته لهم كأنه لا يدري من هو ولو أضافه
~~اقتضى معرفته لإشعار الإضافة به، ومن هنا قالوا في أرسل غلاما لك:
~~الغلام غير معروف وفي أرسل غلامك معروف بينك وبين مخاطبك عهد فيه، ولعله
~~عليه السلام إنما قال ذلك لما قيل: من أنهم سألوه حملا زائدا على
~~المعتاد لبنيامين فأعطاهم ذلك وشرط عليهم أن يأتوه به مظهرا لهم أنه
~~يريد أن يعلم صدقهم، وقيل: إنهم لما رأوه فكلموه بالعبرية قال لهم: من
~~أنتم فإني أنكركم؟ فقالوا: نحن قوم من أهل الشام رعاة أصابنا الجهد فجئنا
~~نمتار فقال: لعلكم جئتم عيونا تنظرون عورة بلادي قالوا: معاذ الله نحن
~~إخوة بنو أب واحد وهو شيخ صديق نبي من الأنبياء اسمه يعقوب قال: كم
~~أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر فهلك منا واحد، فقال: كم أنتم ههنا؟ قالوا:
~~عشرة. قال: فأين الحادي عشر؟، قالوا: هو عند أبيه يتسلى به عن الهالك. ms04701
~~قال: فمن يشهد لكم أنكم لستم عيونا وإن ما تقولون حق؟ قالوا: نحن ببلاد
~~لا يعرفنا فيها أحد فيشهد لنا قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة وائتوني
~~بأخيكم من أبيكم وهو يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم فاقترعوا فأصاب
~~القرعة شمعون، وقيل: إنه عليه السلام هو الذي اختاره لأنه كان أحسنهم
~~رأيا فيه، والمشهور أن الأحسن يهوذا فخلفوه عنده، ومن هذا يعلم سبب هذا
~~القول. وتعقب بأنه لا يساعده ورود الأمر بالإتيان به/ عند التجهيز ولا
~~الحث عليه بإيفاء الكيل ولا الإحسان في الإنزال ولا الاقتصار على منع
~~الكيل من غير ذكر الرسالة على أن استبقاء شمعون لو وقع لكان ذلك طامة
~~ينسى عندها كل قيل، وقال بعضهم: إنه يضعف الخبر اشتماله على بهت إخوته
~~بجعلهم جواسيس إلا أن يقال: إن ذلك كان عن وحي. وقال ابن المنير: إن ذلك
~~غير صحيح لأنه إذا ظنهم جواسيس كيف يطلب منهم واحدا من إخوتهم وما في
~~النظم الكريم يخالفه وأطال في ذلك. وتعقب بأنه ليس بشيء لأنهم لما قالوا
~~له: إنهم أولاد يعقوب عليه السلام طلب أخاهم وبه يتضح الحال.

# وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أنهم لما دخلوا عليه عليه السلام
~~فعرفهم وهم له منكرون جاء بصواع الملك الذي كان يشرب فيه فوضعه على يده
~~فجعل ينقره ويطن وينقره ويطن فقال: إن هذه الجام ليخبرني خبرا هل كان
~~لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف وكان أبوه يحبه دونكم وإنكم انطلقتم به
~~فالقيتموه في الجب وأخبرتم أباكم أن الذئب أكله وجئتم على قميصه بدم كذب؟
~~قال: فجعل بعضهم ينظر إلى بعض ويعجبون أن الجام يخبر بذلك، وفيه مخالفة
~~للخبر السابق، وفي الباب أخبار أخر وكلها مضطربة فليقصر على ما حكاه الله
~~تعالى مما قالوا ليوسف عليه السلام وقال:

# { ألا ترون أنى أوفى الكيل } أتمه لكم، وإيثار صيغة
~~الاستقبال مع كون هذا الكلام بعد التجهيز للدلالة على أن ذلك عادة مستمرة
~~{ وأنا خير المنزلين } جملة حالية أي ألا ترون أني أوف
~~الكيل ms04702 لكم إيفاء مستمرا والحال أني في غاية الإحسان في إنزالكم وضيافتكم
~~وكان الأمر كذلك، ويفهم من كلام بعضهم التعميم في الجملتين بحيث يندرج
~~حينئذ في ذلك المخاطبون، وتخصيص الرؤية بالإيفاء لوقوع الخطاب في أثنائه،
~~وأما الإحسان في الإنزال فقد كان مستمرا فبما سبق ولحق ولذلك أخبر عنه
~~بالجملة الاسمية، ولم يقل ذلك عليه السلام بطريق الامتنان بل لحثهم على
~~تحقيق ما أمرهم به، والاقتصار في الكيل على ذكر الإيفاء لأن معاملته عليه
~~السلام معهم في ذلك كمعاملته مع غيرهم في مراعاة مواجب العدل، وأما
~~الضيافة فليس للناس فيها حق فخصهم في ذلك بما يشاء قاله شيخ الإسلام.

### || [12.60]

# { فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى } إيعاد لهم
~~على عدم الإتيان به، والمراد لا كيل لكم في المرة الأخرى فضلا عن إيفائه
~~{ ولا تقربون } أي لا تقربوني بدخول بلادي فضلا عن الإحسان في
~~الإنزال والضيافة، وهو إما نهي أو نفي معطوف على التقديرين على الجزاء،
~~وقيل: هو على الأول استئناف لئلا يلزم عطف الإنشاء على الخبر. وأجيب بأن
~~العطف مغتفر فيه لأن النهي يقع جزاء، وفيه دليل على أنهم كانوا على نية
~~الامتيار مرة بعد أخرى وأن ذلك كان معلوما له عليه السلام، والظاهر أن
~~ما فعله معهم كان بوحي وإلا فالبر يقتضي أن يبادر إلى أبيه ويستدعيه لكن
~~الله سبحانه أراد تكميل أجر يعقوب في محنته وهو الفعال لما يريد في
~~خليقته.

### || [12.61]

# { قالوا سنرود عنه أباه } أي سنخادعه ونستميله برفق
~~ونجتهد في ذلك، وفيه تنبيه على عزة المطلب وصعوبة مناله { وإنا
~~لفعلون } أي إنا لقادرون على ذلك لا نتعايا به أو إنا لفاعلون ذلك
~~لا محالة ولا نفرط فيه ولا نتوانا، والجملة على الأول تذييل يؤكد مضمون
~~الجملة الأولى ويحقق حصول الموعود من إطلاق المسبب  أعني الفعل  على
~~السبب  أعني/ القدرة، وعلى الثاني هي تحقيق للوفاء بالوعد وليس فيه ما
~~يدل على أن الموعود يحصل أولا.

### || [12.62]

# { وقال } يوسف عليه السلام { لفتيانه } لغلمانه الكيالين كما
~~قال قتادة وغيره ms04703 أو لأعوانه الموظفين لخدمته كما قيل، وهو جمع فتى أو اسم
~~جمع له على قول وليس بشيء، وقرأ أكثر السبعة (لفتيته) وهو جمع قلة له،
~~ورجحت القراءة الأولى بأنها أوفق بقوله: { اجعلوا بضعتهم فى
~~رحالهم } فإن الرحال فيه جمع كثرة ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي
~~انقسام الآحاد على الآحاد فينبغي أن يكون في مقابلة صيغة جمع الكثرة،
~~وعلى القراءة الأخرى يستعار أحد الجمعين للآخر. روي أنه عليه السلام وكل
~~بكل رحل رجلا يعبي فيه بضاعتهم التي اشتروا بها الطعام وكانت نعالا
~~وأدما؛ وأصل البضاعة قطعة وافرة من المال تقتني للتجارة والمراد بها هنا
~~ثمن ما اشتروه. والرحل ما على ظهر المركوب من متاع الراكب وغيره كما في "
~~البحر " ، وقال الراغب: ((هو ما يوضع على البعير للركوب ثم يعبر به تارة
~~عن البعير وأخرى عما يجلس عليه في المنزل)) ويجمع في القلة على أرحلة،
~~والظاهر أن هذا الأمر كان بعد تجهيزهم، وقيل: قبله ففيه تقديم وتأخير ولا
~~حاجة إليه، وإنما فعل عليه السلام ذلك تفضلا عليهم وخوفا أن لا يكون
~~عند أبيه ما يرجعون به مرة أخرى وكل ذلك لتحقيق ما يتوخاه من رجوعهم
~~بأخيهم كما يؤذن به قوله: { لعلهم يعرفونها } أي يعرفون حق
~~ردها والتكرم بذلك  فلعل  على ظاهرها وفي الكلام مضاف مقدر، ويحتمل أن
~~يكون المعنى لكي يعرفوها فلا يحتاج إلى تقدير وهو ظاهر التعلق بقوله: {
~~إذا انقلبوا } أي رجعوا { إلى أهلهم } فإن معرفتهم لها
~~مقيدة بالرجوع وتفريغ الأوعية قطعا، وأما معرفة حق التكرم في ردها وإن
~~كانت في ذاتها غير مقيدة بذلك لكن لما كان ابتداؤها حينئذ قيدت به.

# { لعلهم يرجعون } حسبما طلبت منهم، فإن التفضل بإعطاء
~~البدلين ولا سيما عند إعواز البضاعة من أقوى الدواعي إلى الرجوع، وقيل:
~~إنما فعله عليه السلام لما أنه لم ير من الكرم أن يأخذ من أبيه وإخوته
~~ثمنا وهو الكريم ابن الكريم وهو كلام حق في نفسه ولكن يأباه التعليل
~~المذكور، ومثل في هذا ما زعمه ابن عطية من وجوب صلتهم وجبرهم ms04704 عليه عليه
~~السلام في تلك الشدة إذ هو ملك عادل وهم أهل إيمان ونبوة، وأغرب منه ما
~~قيل: إنه عليه السلام فعل ذلك توطئة لجعل السقاية في رحل أخيه بعد ذلك
~~ليتبين أنه لم يسرق لمن يتأمل القصة، ووجه بعضهم علية الجعل المذكور
~~للرجوع بأن ديانتهم تحملهم على رد البضاعة لاحتمال أنه لم يقع ذلك قصدا
~~أو قصدا للتجربة  فيرجعون  على هذا إما لازم وإما متعد، والمعنى
~~يرجعونها أي يردونها، وفيه أن هيئة التعبية تنادي بأن ذلك بطريق التفضل
~~فاحتمال غيره في غاية البعد، أنهم كيف جزموا بذلك حين رأوها وجعلوا ذلك
~~دليلا على التفضلات السابقة كما ستحيط به خبرا إن شاء الله تعالى.

### || [12.63]

# { فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يأبانا منع منا
~~الكيل } أي حكم بمنعه بعد اليوم إن لم نذهب بأخينا بنيامين حيث قال
~~لنا الملك

# فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى

# [يوسف: 60] والتعبير بذلك عما ذكر مجاز والداعي لارتكابه أنه لم يقع منع
~~ماض، وفيه دليل على كون الامتيار مرة بعد أخرى كان معهودا بينهم وبينه
~~عليه السلام، وقيل: إن الفعل على حقيقته والمراد منع أن يكال لأخيهم
~~الغائب حملا آخر ورد بغيره غير محمل بناء على رواية أنه عليه السلام لم
~~يعط له وسقا { فأرسل معنا أخانا } بنيامين إلى مصر، وفيه
~~إيذان بأن مدار المنع على عدم/ كونه معهم { نكتل } أي من الطعام ما
~~نحتاج إليه، وهو جواب الطلب، قيل: والأصل يرفع المانع ونكتل فالجواب هو
~~يرفع إلا أنه رفع ووضع موضع يكتل لأنه لما علق المنع من الكيل بعدم إتيان
~~أخيهم كان إرساله رفعا لذلك المانع، ووضع موضعه ذلك لأنه المقصود،
~~وقيل: إنه جيء بآخر الجزأين ترتبا دلالة على أولهما مبالغة، وأصل هذا
~~الفعل نكتيل على وزن نفعيل قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم
~~حذفت لالتقاء الساكنين. ومن الغريب أنه نقل السجاوندي أنه سأل المازني
~~ابن السكيت عند الواثق عن وزن نكتل فقال: نفعل فقال المازني: فإذا ماضيه
~~كتل فخطأه على ms04705 أبلغ وجه. وقرأ حمزة والكسائي { يكتل } بياء الغيبة على
~~إسناده للأخ مجازا لأنه سبب للاكتيال أو يكتل أخونا فينضم اكتياله إلى
~~اكتيالنا، وقوى أبو حيان بهذه القراءة القول ببقاء { منع } على حقيقته
~~ومثله الإمام.

# { وإنا له لحفظون } من أن يصيبه مكروه، وهذا سد لباب
~~الاعتذار وقد بالغوا في ذلك كما لا يخفى، وفي بعض الأخبار  ولا يخفى
~~حاله  أنهم لما دخلوا على أبيهم عليه السلام سلموا عليه سلاما ضعيفا
~~فقال لهم: يا بني ما لكم تسلمون علي سلاما ضعيفا وما لي لا أسمع فيكم
~~صوت شمعون فقالوا: يا أبانا جئناك من عند أعظم الناس ملكا ولم ير مثله
~~علما وحكما وخشوعا وسكينة ووقارا ولئن كان لك شبه فإنه يشبهك ولكنا
~~أهل بيت خلقنا للبلاء إنه اتهمنا وزعم أنه لا يصدقنا حتى ترسل معنا
~~بنيامين برسالة منك تخبره عن حزنك وما الذي أحزنك وعن سرعة الشيب إليك
~~وذهاب بصرك وقد منع منا الكيل فيما يستقبل إن لم نأته بأخينا فأرسله معنا
~~نكتل وإنا له لحافظون حتى نأتيك به.

### || [12.64]

# { قال هل آمنكم عليه } استفهام إنكاري و { آمنكم }
~~بالمد وفتح الميم ورفع النون مضارع من باب علم وأمنه وائتمنه بمعنى أي ما
~~ائتمنكم عليه { إلا كما أمنتكم } أي إلا ائتمانا مثل ائتماني
~~إياكم { على أخيه } يوسف { من قبل } وقد قلتم أيضا في حقه ما
~~قلتم ثم فعلتم به ما فعلتم فلا أثق بكم ولا بحفظكم وإنما أفوض أمري إلى
~~الله تعالى { فالله خير حفظا وهو أرحم الرحمين }
~~فأرجو أن يرحمني بحفظه ولا يجمع علي مصيبتين، وهذا كما ترى ميل منه
~~عليه السلام إلى الإذن والإرسال لما رأى فيه من المصلحة، وفيه أيضا من
~~التوكل على الله تعالى ما لا يخفى، ولذا روي أن الله تعالى قال: وعزتي
~~وجلالي لأردهما عليك إذ توكلت علي، ونصب { حفظا } على التمييز نحو
~~لله دره فارسا، وجوز غير واحد أن يكون على الحالية. وتعقبه أبو حيان
~~بأنه ليس بجيد لما فيه من تقييد الخيرية بهذه الحالة. ورد ms04706 بأنها حال
~~لازمة مؤكدة لا مبينة ومثلها كثير مع أنه قول بالمفهوم وهو غير معتبر ولو
~~اعتبر ورد على التمييز وفيه نظر، وقرأ أكثر السبعة { حفظا } ونصبه على
~~ما قال أبو البقاء على التمييز لا غير. وقرأ الأعمش { خير حافظ } على
~~الإضافة وإفراد { حافظ } وقرأ أبو هريرة { خير الحافظين } على
~~الإضافة والجمع، ونقل ابن عطية عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قرأ
~~{ فالله خيرحافظا وهو خير الحافظين } قال أبو حيان: وينبغي أن تجعل جملة
~~{ وهو خير } الخ تفسيرا للجملة التي قبلها لا أنها قرآن وقد مر
~~تعليل ذلك.

### || [12.65]

# { ولما فتحوا متعهم } قال الراغب: ((المتاع كل ما ينتفع
~~به على وجه، وهو في الآية الطعام، وقيل: الوعاء وكلاهما متاع وهما
~~متلازمان فإن الطعام كان في الوعاء))، والمعنى على أنهم لما فتحوا أوعية
~~طعامهم { وجدوا بضعتهم } التي كانوا أعطوها ثمنا للطعام {
~~ردت إليهم } أي تفضلا وقد علموا ذلك بما مر من دلالة الحال،
~~وقرأ علقمة ويحيى بن وثاب والأعمش/ { ردت } بكسر الراء، وذلك أنه نقلت
~~حركة الدال المدغمة إلى الراء بعد توهم خلوها من الضمة وهي لغة لبني ضبة
~~كما نقلت العرب في قيل وبيع، وحكى قطرب النقل في الحرف الصحيح غير المدغم
~~نحو ضرب زيد.

# { قالوا } استئناف بياني كأنه قيل: ماذا قالوا حينئذ؟ فقيل: قالوا
~~لأبيهم ولعله كان حاضرا عند الفتح { يأبانا ما نبغي } إذا فسر
~~البغي بمعنى الطلب كما ذهب إليه جماعة  فما  يحتمل أن تكون استفهامية
~~منصوبة المحل على أنها مفعول مقدم  لنبغي  فالمعنى ماذا نطلب وراء ما
~~وصفنا لك من إحسان الملك إلينا وكرمه الداعي إلى امتثال أمره والمراجعة
~~إليه في الحوائج وقد كانوا أخبروه بذلك على ما روي أنهم قالوا له عليه
~~السلام: إنا قدمنا على خير رجل وأنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلا من آل
~~يعقوب ما أكرمنا كرامته.

# وقوله تعالى: { هذه بضعتنا ردت إلينا } جملة
~~مستأنفة موضحة لما دل عليه الإنكار من بلوغ اللطف غايته كأنهم قالوا: كيف
~~لا وهذه بضاعتنا ردها ms04707 إلينا تفضلا من حيث لا ندري بعدما من علينا بما
~~يثقل الكواهل من الممنن العظام وهل من مزيد على هذا فنطلبه، ومرادهم به
~~أن ذلك كاف في استيجاب الامتثال لأمره والالتجاء إليه في استجلاب المزيد،
~~ولم يريدوا أنه كاف مطلقا فينبغي التقاعد عن طلب نظائره وهو ظاهر. وجملة
~~{ ردت } في موضع الحال من { بضعتنا } بتقدير قد عند من يرى
~~وجوبها في أمثال ذلك والعامل معنى الإشارة، وجعلها خبر { هذه } و 
~~بضاعتنا  بيانا له ليس بشيء، وإيثار صيغة البناء للمفعول قيل: للإيذان
~~بكمال الإحسان الناشيء عن كمال الإخفاء المفهوم من كمال غفلتهم عنه بحيث
~~لم يشعروا به ولا بفاعله، وقيل: للإيذان بتعين الفاعل وفيه من مدحه أيضا
~~ما فيه.

# وقوله تعالى: { ونمير أهلنا } أي نجلب لهم الميرة، وهي بكسر
~~الميم وسكون الياء طعام يمتاره الإنسان أي يجلبه من بلد إلى بلد، وحاصله
~~نجلب لهم الطعام من عند الملك معطوف على مقدر ينسحب عليه رد البضاعة أي
~~فنستظهر بها ونمير أهلنا { ونحفظ أخانا } من المكاره حسبما
~~وعدنا، وتفرعه على ما تقدم باعتبار دلالته على إحسان الملك فإنه مما يعين
~~على الحفظ { ونزداد } أي بواسطته ولذلك وسط الإخبار به بين الأصل
~~والمزيد { كيل بعير } أي وسق بعير زائدا على أوساق أباعرنا على
~~قضية التقسيط المعهود من الملك، والبعير في المشهور مقابل الناقة، وقد
~~يطلق عليها وتكسر في لغة باؤه ويجمع على أبعرة وبعران وأباعر، وعن مجاهد
~~تفسيره هنا بالحمار وذكر أن بعض العرب يقول للحمار بعير وهو شاذ.

# وقوله تعالى: { ذلك كيل } أي مكيل { يسير } أي قليل لا يقوم
~~بأودنا يحتمل أن يكون إشارة إلى ما كيل لهم أولا، والجملة استئناف جيء
~~بها للجواب عما عسى أن يقال لهم: قد صدقتم فيما قلتم ولكن ما الحاجة إلى
~~التزام ذلك وقد جئتم بالطعام؟ فكأنهم قالوا: إن ما جئنا به غير كاف لنا
~~فلا بد من الرجوع مرة أخرى وأخذ مثل ذلك مع زيادة ولا يكون ذلك بدون
~~استصحاب أخينا، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ms04708 ما تحمله أباعرهم، والجملة
~~استئناف وقع تعليلا لما سبق من الازدياد كأنه قيل: أي حاجة إلى
~~الازدياد؟ فقيل: إن ما تحمله أباعرنا قليل لا يكفينا، وقيل: المعنى أن
~~ذلك الكيل الزائد قليل لا يضايقنا فيه الملك أو سهل عليه لا يتعاظمه،
~~وكأن الجملة على هذا استئناف جيء به لدفع ما يقال: لعل الملك لا يعطيكم
~~فوق العشرة شيئا/ ويرى ذلك كثيرا أو صعبا عليه وهو كما ترى، وجوز أن
~~يكون ذلك إشارة إلى الكيل الذي هم بصدده وتضمنه كلامهم وهو المنضم إليه
~~كيل البعير الحاصل بسبب أخيهم المتعهد بحفظه كأنهم لما ذكروا ما ذكروا
~~صرحوا بما يفهم منه مبالغة في استنزال أبيهم فقالوا: ذلك الذي نحن بصدده
~~كيل سهل لا مشقة فيه ولا محنة تتبعه، وقد يبقى الكيل على معناه المصدري
~~والكلام على هذا الطرز إلا يسيرا.

# وجوز بعضهم كون ذلك من كلام يعقوب عليه السلام والإشارة إلى كيل البعير
~~أي كيل بعير واحد شيء قليل لا يخاطر لمثله بالولد، وكان الظاهر على هذا
~~ذكره مع كلامه السابق أو اللاحق، وقيل: معنى { ما نبغى } أي مطلب
~~نطلب من مهماتنا، والجمل الواقعة بعده توضيح وبيان لما يشعر به الإنكار
~~من كونهم فائزين ببعض المطالب أو متمكنين من تحصيله فكأنهم قالوا: هذه
~~بضاعتنا حاضرة فنستظهر بها ونمير أهلنا ونحفظ أخانا من المكروه ونزداد
~~بسببه غير ما نكتاله لأنفسنا كيل بعير فأي شيء نبغي وراء هذه المباغي،
~~وما ذكرنا من العطف على المقدر هو المشهور. وفي «الكشف» لك أن تقول: إن {
~~نمير } وما تلاه معطوف على مجموع { ما نبغى } والمعنى اجتماع هذين
~~القولين منهم في الوجود ولا يحتاج إلى جامع وراء ذلك لكونهما محكيين
~~قولا لهم على أنه حاصل لاشتراك الكل في كونه لاستنزال يعقوب عليه السلام
~~عن رأيه وأن الملك إذا كان محسنا كان الحفظ أهون شيء، والاستفهام لرجوعه
~~إلى النفي لا يمنع العطف ووافقه في ذلك بعضهم.

# وقرأ ابن مسعود وأبو حيوة { ما تبغي } بتاء الخطاب؛ وروت عائشة رضي الله
~~تعالى ms04709 عنها ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، والخطاب ليعقوب عليه
~~السلام، والمعنى أي شيء وراء هذه المباغي المشتملة على سلامة أخينا وسعة
~~ذات أيدينا أو وراء ما فعل معنا الملك من الإحسان داعيا إلى التوجه
~~إليه، والجملة المستأنفة موضحة أيضا لذلك أو أي شيء تبغي شاهدا على
~~صدقنا فيما وصفنا لك من إحسانه، والجملة المذكورة عبارة عن الشاهد
~~المدلول عليه بفحوى الإنكار، ويحتمل أن تكون { ما } نافية ومفعول {
~~نبغى } محذوف أن ما نبغي شيئا غير ما رأيناه من إحسان الملك في وجوب
~~المراجعة إليه أو ما نبغي غير هذه المباغي، والقول بأن المعنى ما نبغي
~~منك بضاعة أخرى نشتري بها ضعيف، والجملة المستأنفة على كل تقدير تعليل
~~للنفي، وإما إذا فسر البغي بمجاوزة الحد  فما  نافية فقط، والمعنى ما
~~نبغي في القول ولا نكذب فيما وصفنا لك من إحسان الملك إلينا وكرمه الموجب
~~لما ذكر، والجملة المستأنفة لبيان ما ادعوا من عدم البغي، وقوله: {
~~ونمير } الخ عطف على { ما نبغى } أي لا نبغي فيما نقول ونمير
~~ونفعل كيت وكيت فاجتمع أسباب الإذن في الإرسال، والأول كالتمهيد والمقدمة
~~للبواقي والتناسب من هذا الوجه لأن الكل متشاركة في أن المطلوب يتوقف
~~عليها بوجه ما، على أنه لو لم يكن غير الاجتماع في المقولية لكفى على ما
~~مر آنفا عن " الكشف ".

# وجوز كونه كلاما مبتدأ أي جملة تذييلية اعتراضية كقولك: فلان ينطق
~~بالحق والحق أبلج كأنه قيل: وينبغي أن نمير، ووجه التأكيد الذي يقتضيه
~~التذييل أن المعنى أن الملك محسن ونحن محتاجون ففيم التوقف في الإرسال
~~وقد تأكد موجباه؟، وقال العلامة الطيبي: إنما صح التأكيد والتذييل لأن
~~الكلام في الامتيار وكل من الجمل بمعناه أو المعنى: { ما نبغى } في
~~الرأي وما نعدل عن الصواب فيما نشير به عليك من إرسال/ أخينا معنا،
~~والجمل كلها للبيان أيضا إلا أن ثم محذوفا ينساق إليه الكلام أي
~~بضاعتنا حاضرة نستظهر بها ونمير أهلنا ونصنع كيت وذيت وهو على ما قيل:
~~وجه واضح حسن يلائم ما ms04710 كانوا فيه مع أبيهم فتأمل هذا. وقرأت عائشة وأبو
~~عبد الرحمن { ونمير } بضم النون، وقد جاء مار عياله وأمارهم بمعنى كما في
~~" القاموس ".

### || [12.66]

# { قال لن أرسله معكم } بعد أن عاينت منكم ما أجرى المدامع
~~{ حتى تؤتون موثقا من الله } أي حتى تعطوني ما أتوثق به
~~من جهته، فالموثق مصدر ميمي بمعنى المفعول، وأراد عليه السلام أن يحلفوا
~~له بالله تعالى وإنما جعل الحلف به سبحانه موثقا منه لأنه مما تؤكد
~~العهود به وتشدد وقد أذن الله تعالى بذلك فهو إذن منه تعالى بذلك فهو إذن
~~منه تعالى شأنه { لتأتننى به } جواب قسم مضمر إذ المعنى حتى
~~تحلفوا بالله وتقولوا والله لنأتينك به. وفي " مجمع البيان " نقلا عن
~~ابن عباس أنه عليه السلام طلب منهم أن يحلفوا بمحمد صلى الله عليه وسلم
~~خاتم النبيين وسيد المرسلين، والظاهر عدم صحة الخبر. وذكر العمادي أنه
~~عليه السلام قال لهم: قولوا بالله رب محمد صلى الله عليه وسلم لنأتينك
~~به.

# { إلا أن يحاط بكم } أي إلا أن تغلبوا فلا تطيقوا ذلك أو إلا
~~أن تهلكوا جميعا وكلاهما مروي عن مجاهد، وأصله من إحاطة العدو واستعماله
~~في الهلاك لأن من أحاط به العدو فقد هلك غالبا، والاستثناء قيل مفرغ من
~~أعم الأحوال والتقدير لتأتنني به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم. ورد
~~بأن المصدر من { أن } والفعل لا يقع موقع الحال كالمصدر الصريح فيجوز
~~جئتك ركضا أي راكضا دون جئتك أن تركض وإن كان في تأويله لما أن الحال
~~عندهم نكرة و { أن } مع ما في حيزها معرفة في رتبة الضمير. وأجيب بأنه
~~ليس المراد بالحال الحال المصطلح عليها بل الحال اللغوية، ويؤل ذلك إلى
~~نصب المصدر المؤول على الظرفية وفيه نظر. وفي «البحر» أنه لو قدر كون {
~~أن } والفعل في موقع المصدر الواقع ظرف زمان أي لتأتنني به في كل وقت إلا
~~إحاطة بكم أي إلا وقت إحاطة بكم لم يجز عند ابن الأنباري لأنه يمنع وقوع
~~المصدر المؤول ظرفا ويشترط المصدر ms04711 الصريح فيجوز خرجنا صياح الديك دون
~~خرجنا أن يصيح الديك أو ما يصيح الديك، وجاز عند ابن جني المجوز لذاك كما
~~في قول أبي ذؤيب الهذلي:

# وتالله ما إن شهلة أم واحد

# بأوجد مني أن يهان صغيرها

# وقيل: من أعم العلل على تأويل الكلام بالنفي الذي ينساق إليه أي لتأتنني
~~ولا تمتنعن من الإتيان به إلا للإحاطة بكم كقولهم: أقسمت عليك إلا فعلت
~~أي ما أطلب إلا فعلك، والظاهر اعتبار التأويل على الوجه الأول أيضا فإن
~~الاستثناء فيه مفرغ كما علمت، وهو لا يكون في الإثبات إلا إذا صح وظهر
~~إرادة العموم فيه نحو قرأت إلا يوم الجمعة لإمكان القراءة في كل يوم غير
~~الجمعة وهنا غير صحيح لأنه لا يمكن لإخوة يوسف عليه السلام أن يأتوا
~~بأخيهم في كل وقت وعلى كل حال سوى وقت الإحاطة بهم لظهور أنهم لا يأتون
~~به له وهو في الطريق أو في مصر اللهم إلا أن يقال: إنه من ذلك القبيل وأن
~~العموم والاستغراق فيه عرفي أي في كل حال يتصور الإتيان فيها، وتعقب
~~المولى أبو السعود تجويز الأول بلا تأويل بقوله: وأنت تدري أنه حيث لم
~~يكن الإتيان من الأفعال الممتدة الشاملة للأحوال على سبيل المعية كما في
~~قولك: لألزمنك إلا أن تقضيني حقي ولم يكن مراده عليه السلام مقارنته على
~~سبيل البدل لما عدا الحال المستثناة كما إذا قلت: صل إلا أن تكون محدثا/
~~بل مجرد تحققه ووقوعه من غير إخلال به كما في قولك: لأحجن العام إلا أن
~~أحصر فإن مرادك إنما هو الإخبار بعدم منع ما سوى حال الإحصار عن الحج لا
~~الإخبار بمقارنته لتلك الأحوال على سبيل البدل كما هو مرادك في مثال
~~الصلاة كان اعتبار الأحوال معه من حيث عدم منعها منه، فآل المعنى إلى
~~التأويل المذكور اه.

# وبحث فيه واحد من الفضلاء بثلاثة أوجه. الأول: أنه لو كان المراد من
~~قوله: { لتأتننى به } الإخبار بمجرد تحقق الإتيان ووقوعه من غير
~~إخلال به لم يحتج إلى التأويل ms04712 المذكور  أعني التأويل بالنفي  كما لا
~~يخفى على المتأمل فكلامه يفيد خلاف مراده. الثاني: أنا سلمنا أن ليس مراد
~~القائل من قوله: لأحجن الخ الإخبار بمقارنة الحج لما عدا حال الإحصار على
~~سبيل البدل لكن لا نسلم أن ليس مراده منه إلا الإخبار بعدم منع ما سوى
~~حال الإحصار عنه غايته أن بينهما ملازمة وذاك لا يستلزم الاحتياج إلى
~~التأويل بالنفي. الثالث: أنه إن أراد من قوله: كان اعتبار الأحوال الخ أن
~~الاتيان به لم يكن معه اعتبار الأحوال كما هو الظاهر فممنوع، وإن أراد أن
~~اعتبار الأحوال معه يستلزم حيثية عدم منعها منه فمسلم لكن لا يلزم منه
~~الاحتياج إلى التأويل المذكور أيضا وليس المدعى إلا ذاك اه وهو كما ترى
~~فتبصر، ثم إنهم أجابوه عليه السلام إلى ما أراد.

# { فلما ءاتوه موثقهم } عهدهم من الله تعالى حسبما أراد
~~عليه السلام { قال } عرضا لثقته بالله تعالى وحثا لهم على مراعاة
~~حلفهم به عز وجل { الله على ما نقول } في أثناء طلب الموثق
~~وإيتائه من الجانبين، وإيثار صيغة الاستقبال لاستحضار الصورة المؤدي إلى
~~تثبتهم ومحافظتهم على تذكره ومراقبته { وكيل } أي مطلع رقيب، فإن
~~الموكل بالأمر يراقبه ويحفظه، قيل: والمراد أنه سبحانه مجاز على ذلك.

### || [12.67]

# { وقال } ناصحا لهم لما عزم على إرسالهم جميعا { يبني لا
~~تدخلوا } مصر { من باب واحد } نهاهم عليه السلام عن ذلك حذرا
~~من إصابة العين فإنهم كانوا ذوي جمال وشارة حسنة وقد اشتهروا بين أهل مصر
~~بالزلفى والكرامة التي لم تكن لغيرهم عند الملك فكانوا مظنة لأن يعانوا
~~إذا دخلوا كوكبة واحدة، وحيث كانوا مجهولين مغمورين بين الناس لم يوصهم
~~بالتفرق في المرة الأولى، وجوز أن يكون خوفه عليه السلام عليهم من العين
~~في هذه الكرة بسبب أن فيهم محبوبه وهو بنيامين الذي يتسلى به عن شقيقه
~~يوسف عليه السلام ولم يكن فيهم في المرة الأولى فأهمل أمرهم ولم يحتفل
~~بهم لسوء صنيعهم في يوسف، والقول أنه عليه السلام نهاهم عن ذلك أن يستراب
~~بهم لتقدم ms04713 قول أنتم جواسيس ليس بشيء أصلا، ومثله ما قيل: إن ذلك كان
~~طمعا أن يتسمعوا خبر يوسف عليه السلام؛ والعين حق كما صح عن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم وصح أيضا بزيادة

# " ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين "

# و

# " إذا استغسلتم فاغتسلوا "

# وقد ورد أيضا: «إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر» وقد كان صلى
~~الله عليه وسلم يعوذ الحسنين رضي الله عنهما بقوله:

# " أعوذ بكلمات الله تعالى التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة "

# وكان يقول:

# " كان أبوكما يعوذ بهما إسماعيل وإسحق عليهم السلام "

# ولبعضهم في هذا المقام كلام مفصل مبسوط لا بأس بإطلاعك عليه، وهو أن
~~تأثير شيء في آخر إما نفساني أو جسماني وكل منهما إما في نفساني أو
~~جسماني، فالأنواع أربعة يندرج تحتها ضروب الوحي والمعجزات/ والكرامات
~~والإلهامات والمنامات وأنواع السحر والأعين والنيرنجات ونحو ذلك. أما
~~النوع الأول: أعني تأثير النفساني في مثله  فكتأثير المبادى العالية في
~~النفوس الإنسانية بإفاضة العلوم والمعارف، ويندرج في ذلك صنفان: أحدهما:
~~ما يتعلق بالعلم الحقيقي بأن يلقى إلى النفس المستعدة لذلك كمال العلم من
~~غير واسطة تعليم وتعلم حتى تحيط بمعرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه
~~بحسب الطاقة البشرية كما ألقي إلى نبينا صلى الله عليه وسلم علوم الأولين
~~والآخرين مع أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يتلو من قبل كتابا ولا يخطه
~~بيمينه.

# وثانيهما: ما يتعلق بالتخيل القوي بأن يلقى إلى من يكون مستعدا له ما
~~يقوى به على تخيلات الأمور الماضية والإطلاع على المغيبات المستقبلة،
~~والمنامات والإلهامات داخلة أيضا تحت هذا النوع، وقد يدخل تحته نوع من
~~السحر وهو تأثير النفوس البشرية القوية فيها قوتا التخيل والوهم في نفوس
~~بشرية أخرى ضعيفة فيها هاتان القوتان كنفوس البله والصبيان والعوام الذين
~~لم تقو قوتهم العقلية فتتخيل ما ليس بموجود في الخارج موجودا فيه وما هو
~~موجود فيه على ضد الحال الذي هو عليها؛ وقد يستعان في هذا القسم من السحر
~~بأفعال وحركات يعرض منها ms04714 للحس حيرة وللخيال دهشة ومن ذلك الاستهتار في
~~الكلام والتخليط فيه.

# وأما النوع الثاني:  أعني تأثير النفساني في الجسماني  فكتأثير النفوس
~~الإنسانية في الأبدان من تغذيتها وإنمائها وقيامها وقعودها إلى غير ذلك
~~ومن هذا القبيل صنف من المعجزات وهو ما يتعلق بالقوة المحركة للنفس بأن
~~تبلغ قوتها إلى حيث تتمكن من التصرف في العالم تمكنها من التصرف في بدنها
~~كتدمير قوم بريح عاصفة أو صاعقة أو زلزلة أو طوفان وربما يستعان فيه
~~بالتضرع والابتهال إلى المبادي العالية كأن يستسقي للناس فيسقون ويدعو
~~عليهم فيهلكون ولهم فينجون، ويندرج في هذا صنف من السحر أيضا كما في بعض
~~النفوس الخبيثة التي تقوى فيها القوة الوهمية بسبب من الأسباب كالرياضة
~~والمجاهدة مثلا فيسلطها صاحبها على التأثير فيمن أراده بتوجه تام وعزيمة
~~صادقة إلى أن يحصل المطلوب الذي هو تأثره بنحو مرض وذبول جسم ويصل ذلك
~~إلى الهلاك.

# وأما النوع الثالث: وهو تأثير الجسماني في الجسماني فكتأثير الأدوية
~~والسموم في الأبدان ويدخل فيه أنواع النيرنجات والطلسمات فإنها بتأثير
~~بعض المركبات الطبيعية في بعض بسبب خواص فيها كجذب المغناطيس للحديد
~~واختطاف الكهرباء التبن، وقد يستعان في ذلك بتحصين المناسبات بالأجرام
~~العلوية المؤثرة في عالم الكون والفساد كما يشاهد في أشكال موضوعة في
~~أوقات مخصوصة على أوضاع معلومة في مقابلة بعض الجهات ومسامتة بعض الكواكب
~~يستدفع بها كثير من أذية الحيوانات.

# وأما النوع الرابع: وهو تأثير الجسماني في النفساني فكتأثير الصور
~~المستحسنة أو المستقبحة في النفوس الإنسانية من استمالتها إليها وتنفيرها
~~عنها وعد من ذلك تأثير أصناف الأغاني والرقص والملاهي في بعض النفوس
~~وتأثير البيان فيمن له ذوق كما يشير إليه قوله عليه الصلاة السلام:

# " إن من البيان لسحرا "

# إذا تمهد هذا فاعلم أنهم اختلفوا في إصابة العين فأبو علي الجبائي
~~أنكرها إنكارا بليغا ولم يذكر لذلك شبهة فضلا عن حجة وأثبتها غيره من
~~أهل السنة والمعتزلة وغيرهم إلا أنهم اختلفوا في كيفية ذلك فقال الجاحظ:
~~إنه يمتد من العين أجزاء فتصل بالشخص المستحسن فتؤثر فيه ms04715 تأثير السم في
~~الأبدان فالتأثير عنده من تأثير الجسماني في الجسماني.

# وضعف ذلك القاضي بأنه لو كان الأمر كما قال لوجب أن تؤثر العين في الشخص
~~الذي لا يستحسن كتأثيرها فيما يستحسن. وتعقبه الإمام بأنه تضعيف ضعيف،
~~وذلك لأنه إذا استحسن العائن شيئا فأما أن/ يحب بقاءه كما استحسن ولده
~~مثلا وإما أن يكره ذلك كما إذا أحس بذلك المستحسن عند عدوه الحاسد هو
~~له، فإن كان الأول فإنه يحصل عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله وهو
~~يوجب انحصار الروح في داخل القلب، فحينئذ يسخن القلب والروح جدا ويحصل
~~في الروح الباصر كيفية قوية مسخنة، وإن كان الثاني فإنه يحصل عند ذلك
~~الاستحسان هم شديد وحزن عظيم بسبب حصول ذلك المستحسن لعدوه، وذلك أيضا
~~يوجب انحصار الروح وحصول الكيفية القوية المسخنة، وفي الصورتين يسخن شعاع
~~العين فيؤثر ولا كذلك في عدم الاستحسان فبان الفرق، ولذلك السبب أمر رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم العائن بالوضوء ومن أصيب بالاغتسال ا ه.

# وما أشار إليه من أن العائن قد يصيب ولده مثلا مما شهدت له التجربة،
~~لكن أخرج الإمام أحمد في " مسنده " عن أبي هريرة، وقال الهيثمي: رجاله
~~رجال الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " العين حق يضرها الشيطان وحسد ابن آدم "

# وظاهره يقتضي خلاف ذلك، وأما ما ذكره من الأمر بالوضوء والاغتسال فقد
~~جاء في بعض الروايات، وكيفية ذلك أن يغسل العائن وجهه ويديه ومرفقيه
~~وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره أي ما يلي جسده من الإزار، وقيل وركيه:
~~وقيل: مذاكيره ويصب الغسالة على رأس المعين وقد مر

# " إذا استغسلتم فاغسلوا "

# وهو خطاب للعائنين أي إذا طلب منكم ما اعتيد من الغسل فافعلوا والأمر
~~للندب عند بعض، وقال الماوردي تبعا لجماعة: للوجوب فيجب على العائن أن
~~يغسل ثم يعطي الغسالة للمعين لأنه الذي يقتضيه ظاهر الأمر ولأنه قد جرب
~~ذلك وعلم البرء به ففيه تخليص من الهلاك كإطعام المضطر، وذكر أن ذلك أمر
~~تعبدي وهو مخالف لما أشار إليه الإمام ms04716 من كون الحكمة فيه تبريد تلك
~~السخونة، وهو مأخوذ من كلام ابن القيم حيث قال في تعليل ذلك: لأنه كما
~~يؤخذ درياق لسم الحية من لحمها يؤخذ علاج هذا الأمر من أثر الشخص العائن،
~~وأثر تلك العين كشعلة نار أصابت الجسد ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشعلة،
~~وهو على علاته أوفى من كلام الإمام.

# ويرد على ما قرره في الانتصار للجاحظ أنه لا يسد عنه باب الاعتراض على
~~ما ذكره في كيفية إصابة العين، إذ يرد عليه ما ثبت من أن بعض العائنين قد
~~يصيب ما يوصف له ويمثل ولو كان بينه وبينه فراسخ، والتزام امتداد تلك
~~الأجزاء إلى حيث المصاب مما لا يكاد يقبل كما لا يخفى على ذي عين. ((وقال
~~الحكماء واختاره بعض المحققين من أهل السنة: إن ذلك من تأثير النفساني
~~بالجسماني وبنوه على أنه ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه
~~الكيفيات المحسوسة أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة بل قد يكون
~~التأثير نفسيا محضا كما يدل عليه أن اللوح الذي يكون قليل عرض إذا كان
~~موضوعا على الأرض يقدر كل إنسان على المشي عليه ولو كان موضوعا بين
~~جدارين مرتفعين لم يقدر كل أحد على المشي عليه وما ذاك إلا لأن الخوف من
~~السقوط منه يوجب السقوط وأيضا إن الإنسان إذا تصور أن فلانا مؤذيا له
~~حصل في قلبه غضب وتسخن مزاجه، فمبدأ ذلك ليس إلا التصور النفساني بل مبدأ
~~الحركات البدنية مطلقا ليس إلا التصورات النفسانية، ومتى ثبت أن تصور
~~النفس/ يوجب تغير بدنه الخاص لم يبعد أيضا أن يكون بعض النفوس بحيث
~~تتعدى تأثيراتها إلى سائر الأبدان، وأيضا جواهر النفوس مختلفة فلا يمتنع
~~أن يكون بعض النفوس بحيث تؤثر في تغير بدن حيوان آخر بشرط أن تراه أو ترى
~~مثاله على ما نقل وتتعجب منه، ومتى ثبت أن ذلك غير ممتنع وكانت التجارب
~~شاهدة بوقوعه وجب القول به من غير تلعثم))، ولأن وقوع ذلك أكثري عند
~~أعمال العين والنظر بها إلى الشيء نسب ms04717 التأثير إلى العين وإلا فالمؤثر
~~إنما هو النفس، ونسبة التأثير إليها كنسبة الإحراق إلى النار والري إلى
~~الماء ونحو ذلك، والفاعل للآثار في الحقيقة هو الله عز سلطانه بالإجماع،
~~لكن جرت عادته تعالى على خلقها بالأسباب من غير توقف عقلي عليها كما يظن
~~جهلة الفلاسفة على ما نقل عن السلف أو عند الأسباب من غير مدخلية لها
~~بوجه من الوجوه على ما شاع عن الأشعري.

# فمعنى قوله عليه الصلاة والسلام:

# " العين حق "

# أن اصابة النفس بواسطتها أمر كائن مقضى به في الوضع الإلهي لا شبهة في
~~تحققه وهو كسائر الآثار المشاهدة لنحو النار والماء والأدوية مثلا. وأنت
~~تعلم أن مدار كل شيء المشيئة الإلهية فما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ
~~لم يكن، وحكمة خلق الله تعالى التأثير في مسألة العين أمر مجهول لنا.
~~وزعم أبو هاشم وأبو القاسم البلخي أن ذلك مما يرجع إلى مصلحة التكليف
~~قالا: لا يمتنع أن تكون العين حقا على معنى أن صاحب العين إذا شاهد
~~الشيء وأعجب به استحسانا كان المصلحة له في تكليفه أن يغير الله تعالى
~~ذلك الشيء حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف متعلقا به، ثم لا يبعد أيضا أنه
~~لو ذكر ربه عند تلك الحالة وعدل عن الإعجاب وسأل ربه سبحانه بقاء ذلك
~~تتغير المصلحة فيبقيه الله تعالى ولا يفنيه وهو كما ترى.

# ثم ان ما أشار إليه من نفع ذكر الله تعالى والالتجاء إليه سبحانه حق،
~~فقد صرحوا بأن الأدعية والرقي من جملة الأسباب لدفع أذى العين بل إن من
~~ذلك ما يكون سببا لرد سهم العائن إليه.

# فقد أخرج ابن عساكر أن سعيد الساحي قيل له: احفظ ناقتك من فلان العائن
~~فقال: لا سبيل له إليها فعانها فسقطت تضطرب فأخبر الساحي فوقف عليها
~~فقال: حبس حابس وشهاب قابس رددت عين العائن عليه وعلى أحب الناس إليه
~~وعلى كبده وكليتيه رشيق وفي ماله يليق

# فارجع البصر هل ترى من فطور

# [الملك: 3] الآية فخرجت حدقتا العائن وسلمت الناقة. ويدل ms04718 على نفع الرقية
~~من العين مشروعيتها كما تدل عليه الآثار، وقد جاء في بعضها أنه صلى الله
~~عليه وسلم قال:

# " لا رقية إلا من عين أو حمة "

# والمراد منه أنه لا رقية أولى وأنفع من رقية العين والحمة وإلا فقد رقى
~~صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه من غيرهما. وينبغي لمن علم من نفسه أنه ذو
~~عين أن لا ينظر إلى شيء نظر إعجاب وأن يذكر الله تعالى عند رؤية ما
~~يستحسن. فقد ذكر غير واحد من المجربين أنه إذا فعل ذلك لا يؤثر، ونقل
~~الأجهوري أنه يندب أنه يعوذ المعين فيقول اللهم بارك فيه ولا تضره ما شاء
~~الله لا قوة إلا بالله، وفي " تحفة المحتاج " أن من أدويتها أي العين
~~المجربة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها أن يتوضأ العائن إلى آخر
~~ما ذكرناه آنفا وأن يدعو للمعين وأن يقول المعين ما شاء الله لا قوة إلا
~~بالله حصنت نفسي بالحي القيوم الذي لا يموت أبدا ودفعت عنها السوء بألف
~~لا حول ولا قوة إلا بالله، ويسن عند القاضي لمن رأى نفسه سليمة وأحواله
~~معتدلة أن يقول ذلك. وفي " شرح مسلم " ((عن العلماء أنه على السلطان منع
~~من عرف بذلك من مخالطة الناس ويرزقه من بيت المال إن كان فقيرا فإن ضرره
~~أشد من ضرر المجذوم الذي منعه عمر رضي الله تعالى عنه من مخالطة الناس)).
~~ورأيت لبعض أصحابنا أيضا القول بندب/ ذلك، وأنه لا كفارة على عائن قيل:
~~لأن العين لا تعد مهلكا عادة على أن التأثير يقع عندها لا بها حتى
~~بالنظر للظاهر، وهذا بخلاف الساحر فإنهم صرحوا بأنه يقتل إذا أقر أن
~~سحره يقتل غالبا. ونقل عن المالكية أنه لا فرق بين الساحر والعائن
~~فيقتلان إذا قتلا؛ ثم إن العين على ما نقل عن الرازي لا تؤثر ممن له نفس
~~شريفة لما في ذلك من الاستعظام للشيء. وفيما أخرجه الإمام أحمد في "
~~مسنده " ما يؤيد المدعى، واعترض بما رواه القاضي أن نبيا استكثر ms04719 قومه
~~فمات منهم في ليلة مائة ألف فشكا ذلك إلى الله تعالى فقال له سبحانه
~~وتعالى: إنك استكثرتهم فعنتهم هلا حصنتهم إذا استكثرتهم فقال: يا رب كيف
~~أحصنهم؟ قال: تقول حصنتكم بالحي القيوم إلى آخر ما تقدم وقد يجاب بأن ما
~~ذكر الرازي هو الأغلب بل يتعين تأويل هذا إن صح بأن ذلك النبي عليه
~~السلام لما غفل عن الذكر عند الاستكثار عوتب فيهم ليسأل فيعلم فهو
~~كالإصابة بالعين لا أنه عان حقيقة هذا والله تعالى أعلم.

# ثم إنه عليه السلام لم يكتف بالنهي عن الدخول من باب واحد بل ضم إليه
~~قوله: { وادخلوا من أبواب متفرقة } بيانا للمراد به
~~وذلك لأن عدم الدخول من باب واحد غير مستلزم للدخول من أبواب متفرقة وفي
~~دخولهم من بابين أو ثلاثة بعض ما في الدخول من باب واحد من نوع اجتماع
~~مصحح لوقوع المحذور، وإنما لم يكتف بهذا الأمر مع كونه مستلزما للنهي
~~السابق إظهارا لكمال العناية به وإيذانا بأنه المراد بالأمر المذكور لا
~~تحقيق شيء آخر { وما أغنى عنكم } أي لا أنفعكم ولا أدفع عنكم
~~بتدبيري { من الله من شىء } أي من قضائه تعالى عليكم شيئا فإنه
~~لا يغني حذر من قدر، ولم يرد بهذا عليه السلام  كما قيل  الغاء الحذر
~~بالمرة كيف وقد قال سبحانه:

# خذوا حذركم

# [النساء: 71] وقال عز قائلا:

# ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة

# [البقرة: 195] بل أراد بيان أن ما وصاهم به ليس مما يستوجب المراد لا
~~محالة بل هو تدبير وتشبث بالأسباب العادية التي لا تؤثر إلا بإذنه تعالى
~~وإن ذلك ليس بمدافعة للمقدر بل هو استعانة بالله تعالى وهرب منه إليه.

# { إن الحكم } أي ما الحكم مطلقا { ألا لله } لا يشاركه أحد
~~ولا يمانعه شيء { عليه } سبحانه دون غيره { توكلت } في كل ما
~~آتى به وأذر، وفيه دلالة على أن ترتيب الأسباب غير مخل بالتوكل، وفي
~~الخبر

# " اعقلها وتوكل "

# { وعليه } عز سلطانه دون غيره { فليتوكل المتوكلون
~~} أي المريدون للتوكل، قيل: جمع بين الواو والفاء في عطف ms04720 الجملة على
~~الجملة مع تقديم الصلة للاختصاص ليفيد بالواو عطف فعل غيره من تخصيص
~~التوكل بالله تعالى شأنه على فعل نفسه وبالفاء سببية فعله لكونه نبيا
~~لفعل غيره من المقتدين به، وهي على ما صرح به بعضهم زائدة حيث قال: ولا
~~بد من القول بزيادة الفاء وإفادتها السببية، ويلتزم أن الزائد قد يدل على
~~معنى غير التوكيد، وذكر أنه لو اكتفى بالفاء وحدها وقيل: فعليه فليتوكل
~~الخ أفاد تسبب الاختصاص لا أصل التوكل وهو المقصود، وكل ذلك لا يخلو عن
~~بحث. واختار بعضهم أنه جيىء بالفاء إفادة للتأكيد فقط كما هو الأمر
~~الشائع في الحروف الزائدة فتدبر، وأيا ما كان فيدخل بنوه عليه السلام في
~~عموم الأمر دخولا أوليا، وفي هذا الأسلوب ما لا يخفى من حسن هدايتهم
~~وإرشادهم إلى التوكل فيما هم بصدده على الله تعالى شأنه غير معتمدين على
~~ما وصاهم به من التدبير.

### || [12.68]

# { ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم } من الأبواب
~~المتفرقة من البلد، قيل: كانت له أربعة أبواب فدخلوا منها، وإنما اكتفى
~~بذكره لاستلزامه الانتهاء عما نهوا عنه،/ وحاصله لما دخلوا متفرفين { ما
~~كان } ذلك الدخول { يغنى عنهم من الله } من جهته سبحانه {
~~من شىء } أي شيئا مما قضاه عليهم جل شأنه، والجملة قيل: جواب { لما
~~} والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل لتحقق المقارنة الواجبة بين جواب {
~~لما } ومدخولها، فإن عدم الإغناء بالفعل إنما يتحقق عند نزول المحذور
~~لا وقت الدخول وإنما المتحقق حينئذ ما أفاده الجمع المذكور من عدم كون
~~الدخول مغنيا فيما سيأتي، وليس المراد بيان سببية الدخول المذكور لعدم
~~الإغناء كما في قوله تعالى:

# فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا

# [فاطر: 42] فإن مجيء النذير هناك سبب لزيادة نفورهم بل بيان عدم سببيته
~~للإغناء مع كونها متوقعة في بادىء الرأي حيث أنه وقع حسبما وصاهم به عليه
~~السلام، وهو نظير قولك: حلف أن يعطيني حقي عند حلول الأجل فلما حل لم
~~يعطيني شيئا، فإن المراد بيان عدم سببية حلول الأجل للإعطاء مع كونها ms04721
~~مرجوة بموجب الحلف لا بيان سببيته لعدم الإعطاء، فالمآل بيان عدم ترتب
~~الغرض المقصود على التدبير المعهود مع كونه مرجو الوجود لا بيان ترتب
~~عدمه عليه، ويجوز أن يراد ذلك أيضا بناء على ما ذكره عليه السلام في
~~تضاعيف وصيته من أنه لا يغنى عنهم تدبيره من الله تعالى شيئا فكأنه قيل:
~~ولما فعلوا ما وصاهم به لم يفدهم ذلك شيئا ووقع الأمر حسبما قال عليه
~~السلام فلقوا ما لقوا فيكون من باب وقوع المتوقع اه.

# وإلى كون الجواب ما ذكر ذهب أبو حيان وقال: إن فيه حجة لمن زعم أن  لما
~~ حرف وجوب لوجوب لا ظرف زمان بمعنى حين إذ لو كان كذلك ما جاز أن يكون
~~معمولا لما بعد { ما } النافية، ولعل من يذهب إلى ظرفيتها يجوز ذلك
~~بناء على أن الظرف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره، وقال أبو البقاء: في
~~جواب (لما) وجهان. أحدهما أنه

# آوى

# [يوسف: 69] وهو جواب (لما) الأولى والثانية كقولك: لما جئتك وكلمتك
~~أجبتني وحسن ذلك أن دخولهم على يوسف عليه السلام تعقب دخولهم من الأبواب.
~~والثاني أنه محذوف أي امتثلوا أو قضوا حاجة أبيهم وإلى الوجه الأخير ذهب
~~ابن عطية أيضا ولا يخفى أنه عليه وعلى ما قبله ترتفع غائلة توجيه أمر
~~الترتب، وما أشار إليه صاحب القيل في ثاني وجهيه هو الذي يقتضيه ظاهر
~~كلام كثير من المفسرين حيث ذكروا أن هذا منه تعالى تصديق لما أشار إليه
~~يعقوب عليه السلام في قوله:

# وما أغنى عنكم من الله من شيء

# [يوسف: 67].

# واعترض القول بعدم ترتب الغرض على التدبير بأن الغرض ليس إلا دفع إصابة
~~العين لهم وقد تحقق بدخولهم متفرقين وهو وارد أيضا على ما ذكر في الوجه
~~الأخير كما لا يخفى. وأجيب بأن المراد بدفع العين أن لا يمسهم سوء ما،
~~وإنما خصت إصابة العين لظهورها، وقيل: إن ما أصابهم من العين أيضا فلم
~~يترتب الغرض على التدبير بل تخلف ما أراده عليه السلام عن تدبيره، وتعقب
~~بأنه تكلف، ms04722 واستظهر أن المراد أنه عليه السلام خشي عليهم شر العين
~~فأصابهم شر آخر لم يخطر بباله فلم يفد دفع ما خافه شيئا، وحينئذ يدعي أن
~~دخولهم من حيث أمرهم أبوهم كان مفيدا لهم من حيث إنه دفع العين عنهم إلا
~~أنه لما أصابهم ما أصابهم من إضافة السرقة إليهم وافتضاحهم بذلك مع أخيهم
~~بوجدان الصواع في رحله وتضاعف المصيبة على أبيهم لم يعد ذلك فائدة فكأن
~~دخولهم لم يفدهم شيئا. واعترض أيضا ما ذكر في توجيه الجمع بين صيغتي
~~الماضي والمستقبل بأن المشهور أن الغرض منه إفادة الاستمرار كما مرت
~~الإشارة إليه غير مرة وظاهر ذلك لا يدل عليه، قيل: وإذا كان الغرض هنا
~~ذاك احتمل الكلام وجهين نفي استمرار الإغناء واستمرار نفيه وفيه/ تأمل
~~فتأمل جدا. هذا وما أشرنا إليه من زيادة { من } في المنصوب هو أحد
~~وجهين ذكرهما الرازي في الآية. ثانيهما جواز كونها زائدة في المرفوع
~~وحينئذ ليس في الكلام ضمير الدخول كما لا يخفى، قيل: ولو اعتبر على هذا
~~الوجه كون مرفوع { كان } ضمير الشأن لم يبعد أي ما كان الشأن يغني عنهم
~~من الله تعالى شيء.

# { إلا حاجة } استثناء منقطع أي ولكن حاجة { فى نفس يعقوب
~~قضاها } أي أظهرها ووصاهم بها دفعا للخطرة غير معتقد أن للتدبير
~~تأثيرا في تغيير التقدير، والمراد بالحاجة شفقته عليه السلام وحرازته من
~~أن يعانوا. وذكر الراغب أن الحاجة إلى الشيء الفقر إليه مع محبته و(جمعه
~~حاج و) حاجات وحوائج، وحاج يحوج احتاج ثم ذكر الآية. وأنكر بعضهم مجيء
~~الحوائج جمعا لها وهو محجوج بوروده في الفصيح، وفي التصريح باسمه عليه
~~السلام إشعار بالتعطف والشفقة والترحم لأنه عليه السلام قد اشتهر بالحزن
~~والرقة، وجوز أن يكون ضمير { قضاها } للدخول على معنى أن ذلك الدخول
~~قضى حاجة في نفس يعقوب عليه السلام وهي إرادته أن يكون دخولهم من أبواب
~~متفرقة، فالمعنى ما كان ذلك الدخول يغني عنهم من جهة الله تعالى شيئا
~~لكن قضى حاجة حاصلة في نفس يعقوب لوقوعه حسب ms04723 إرادته، والاستثناء منقطع
~~أيضا، وجملة { قضاها } صفة { حاجة } وجوز أن يكون خبر { إلا }
~~لأنها بمعنى لكن وهي يكون لها اسم وخبر فإذا أولت بها فقد يقدر خبرها وقد
~~يصرح به كما نقله القطب وغيره عن ابن الحاجب، وفيه أن عمل إلا بمعنى لكن
~~عملها مما لم يقل به أحد من أهل العربية.

# وجوز الطيبي كون الاستثناء متصلا على أنه من باب.

# ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

# فالمعنى ما أغني عنهم ما وصاهم به أبوهم شيئا إلا شفقته التي في نفسه،
~~ومن الضرورة أن شفقة الأب مع قدر الله تعالى كالهباء فإذن ما أغنى عنهم
~~شيئا أصلا.

# { وإنه لذو علم } جليل { لما علمناه } أي لتعليمنا
~~إياه بالوحي ونصب الأدلة حيث لم يعتقد أن الحذر يدفع القدر حتى يتبين
~~الخلل في رأيه عند تخلف الأثر أو حيث بت القول بأنه لا يغني عنهم من الله
~~تعالى شيئا فكانت الحال كما قال، فاللام للتعليل و { ما } مصدرية
~~والضمير المنصوب ليعقوب عليه السلام، وجوز كون { ما } موصولا اسميا
~~والضمير لها واللام صلة علم والمراد به الحفظ أي إنه لذو حفظ ومراقبة
~~للذي علمناه إياه، وقيل: المعنى إنه لذو علم لفوائد الذي علمناه وحسن
~~إثارة، وهو إشارة إلى كونه عليه السلام عاملا بما علمه وما أشير إليه
~~أولا هو الأولى، ويؤيد التعليل قراءة الأعمش { مما علمناه } وفي تأكيد
~~الجملة بإن واللام وتنكير { علم } وتعليله بالتعليم المسند إلى ضمير
~~العظة من الدلالة على جلالة شأن يعقوب عليه السلام وعلو مرتبة علمه
~~وفخامته ما لا يخفى.

# { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } سر القدر ويزعمون
~~أنه يغني عنه الحذر، وقيل: المراد { لا يعلمون } إيجاب الحذر مع
~~أنه لا يغني شيئا من القدر. وتعقب بأنه يأباه مقام بيان تخلف المطلوب عن
~~المبادي. وقيل: المراد { لا يعلمون } أن يعقوب عليه السلام بهذه
~~المثابة من العلم، ويراد  بأكثر الناس  حينئذ المشركون فإنهم لا يعلمون
~~أن الله تعالى كيف أرشد أولياءه إلى العلوم التي تنفعهم في الدنيا
~~والآخرة، وفيه أنه بمعزل ms04724 عما نحن فيه./ وجعل المفعول سر القدر هو الذي
~~ذهب إليه غير واحد من المحققين وقد سعى في بيان المراد منه وتحقيق إلغاء
~~الحذر بعض أفاضل المتأخرين المتشبثين بأذيال الصوفية قدس الله تعالى
~~أسرارهم فقال: إن لنا قضاء وقدرا وسر قدر وسر سره، وبيانه أن الممكنات
~~الموجودة، وإن كانت حادثة باعتبار وجودها العيني لكنها قديمة باعتبار
~~وجودها العلمي وتسمى بهذا الاعتبار مهيئات الأشياء والحروف العالية
~~والأعيان الثابتة، ثم إن تلك الأعيان الثابتة صور نسبية وظلال شؤنات
~~ذاتية لحضرة الواجب تعالى، فكما أن الواجب تعالى والشؤون الذاتية له
~~سبحانه مقدسة عن قبول التغير أزلا وأبدا كذلك الأعيان الثابتة التي هي
~~ظلالها وصورها يمتنع عليها أن تتغير عن الأحكام التي هي عليها في حد
~~نفسها، فالقضاء هو الحكم الكلي على أعين الموجودات بأحوال جارية وأحكام
~~طارئة عليها من الأزل إلى الأبد، والقدر تفصيل هذا الحكم الكلي بتخصيص
~~إيجاد الأعيان وإظهارها بأوقات وأزمان يقتضي استعدادها الوقوع فيها
~~وتعليق كل حال من أحوالها بزمان معين وسبب مخصوص، وسر القدر هو أن يمتنع
~~أن يظهر عين من الأعيان إلا على حسب ما يقتضيه استعداده، وسر سر القدر هو
~~أن تلك الاستعدادات أزلية غير مجعولة بجعل الجاعل لكون تلك الأعيان ظلال
~~شؤنات ذاتية مقدسة عن الجعل والانفعال، ولا شك أن الحكم الكلي على
~~الموجودات تابع لعلمه تعالى بأعيانها الثابتة، وعلمه سبحانه بتلك الأعيان
~~تابع لنفس تلك الأعيان إذ لا أثر للعلم الأزلي في المعلوم بإثبات أمر له
~~لا يكون ثابتا أو بنفي أمر عنه يكون ثابتا بل علمه تعالى بأمر ما إنما
~~يكون على وجه يكون هو في حد ذاته على ذلك الوجه، وأما الأعيان فقد عرفت
~~أنها ظلال لأمور أزلية مقدسة عن شوائب التغير فكانت أزلا، فالله تعالى
~~علم بها كما كانت وقضى وحكم كما علم وقدر وأوجد كما قضى وحكم، فالقدر
~~تابع للقضاء التابع للمعلوم التابع لما هو ظل له فإليه سبحانه يرجع الأمر
~~كله فيمتنع أن يظهر خلاف ما علم فلذا يلغو الحذر، ms04725 لكن أمر به رعاية
~~للأسباب فإن تعطيلها مما يفوت انتظام أمر هذه النشأة، ولذا ورد أن نبيا
~~من الأنبياء عليهم السلام ترك تعاطي أسباب تحصيل الغذاء وقال: لا أسعي في
~~طلب شيء بعد أن كان الله تعالى هو المتكفل برزقي ولا آكل ولا أشرب ما لم
~~يكن سبحانه وهو الذي يطعمني ويسقيني فبقي أياما على ذلك حتى كادت تغيظ
~~نفسه مما كابده فأوحى إليه سبحانه يا فلان لو بقيت كذلك إلى يوم القيامة
~~ولم تتعاط سببا ما رزقتك أتريد أن تعطل أسبابي؟

# وقال بعض المحققين: إن سبب إيجاب الحذر أن كثيرا من الأمور قضى معلقا
~~ونيط تحصيله بالأفعال الاختيارية للبشر بترتيب أسبابه ودفع موانعه فيمكن
~~أن يكون الحفظ عن المكروه من جملة ما نيط بفعل اختياري وهو الحذر وهو لا
~~يأبى ما قلناه كما لا يخفى.

# وذكر الشيخ الأكبر قدس سره أن القدر مرتبة بين الذات والمظاهر ومن علم
~~الله تعالى علمه ومن جهله سبحانه جهله والله تعالى شأنه لا يعلم فالقدر
~~أيضا لا يعلم، وإنما طوى علمه حتى لا يشارك الحق في علم حقائق الأشياء
~~من طريق الإحاطة بها إذ لو علم أن معلوم كان بطريق الإحاطة من جميع وجوهه
~~كما يعلمه الحق لما تميز علم الحق عن علم العبد بذلك الشيء ولا يلزمنا
~~على هذا الاستواء فيما علم منه، فإن الكلام فيما علم كذلك، فإن العبد
~~جاهل بكيفية تعلق العلم مطلقا بمعلومه فلا يصح أن يقع الاشتراك مع الحق
~~في العلم بمعلوم ما، ومن المعلومات العلم بالعلم، وما من وجه من
~~المعلومات إلا وللقدر فيه حكم لا يعلمه إلا هو سبحانه/ فلو علم القدر
~~علمت أحكامه ولو علمت أحكامه لاستقل العبد في العلم بكل شيء وما احتاج
~~إليه سبحانه في شيء وكان له الغنى على الإطلاق، وسر القدر عين تحكمه في
~~الخلائق، وأنه لا ينكشف لهم هذا السر حتى يكون الحق بصرهم.

# وقد ورد النهي عن طلب علم القدر وفي بعض الآثار أن عزيرا عليه السلام
~~كان كثير ms04726 السؤال عنه إلى أن قال الحق سبحانه له: يا عزير لئن سألت عنه
~~لأمحون اسمك من ديوان النبوة، ويقرب من ذلك السؤال عن علل الأشياء في
~~مكنوناتها، فإن أفعال الحق لا ينبغي أن تعلل؛ فإن ما ثم علة موجبة لتكوين
~~شيء إلا عين وجود الذات وقبول عين الممكن لظهور الوجود، والأزل لا يقبل
~~السؤال عن العلل، والسؤال عن ذلك لا يصدر إلا عن جاهل بالله تعالى فافهم
~~ذاك والله سبحانه يتولى هداك.

### || [12.69]

# { ولما دخلوا على يوسف ءاوى } أي ضم { إليه أخاه
~~} بنيامين، قال المفسرون: إنهم لما دخلوا عليه عليه السلام قالوا: أيها
~~الملك هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به قد جئناك به فقال لهم: أحسنتم
~~وأصبتم وستجدون ذلك عندي، وبلغوه رسالة أبيهم، فإنه عليه السلام لما
~~ودعوه قال لهم: بلغوا ملك مصر سلامي وقولوا له: إن أبانا يصلي عليك ويدعو
~~لك ويشكر صنيعك معنا، وقال أبو منصور المهراني: إنه عليه السلام خاطبه
~~بذلك في كتاب فلما قرأه يوسف عليه السلام بكى ثم أنه أكرمهم وأنزلهم
~~وأحسن نزلهم ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة فبقي بنيامين
~~وحيدا فبكى وقال: لو كان أخى يوسف حيا لأجلسني معه فقال يوسف عليه
~~السلام: بقى أخوكم وحده فقالوا له: كان له أخ فهلك قال: فأنا أجلسه معي
~~فأخذه وأجلسه معه على مائدة وجعل يؤاكله، فلما كان الليل أمرهم بمثل ذلك
~~وقال: ينام كل اثنين منكم على فراش فبقي بنيامين وحده فقال: هذا ينام
~~عندي على فراشي فنام مع يوسف عليه السلام على فراشه فجعل يوسف عليه
~~السلام يضمه إليه ويشم ريحه حتى أصبح وسأله عن ولده فقال: لي عشرة بنين
~~اشتققت أسماءهم من اسم أخ لي هلك فقال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك
~~الهالك؟ قال: من يجد أخا مثلك أيها الملك؟ ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل
~~فبكى يوسف عليه السلام وقام إليه وعانقه وتعرف إليه عند ذلك.

# { قال إنى أنا أخوك } يوسف { فلا تبتئس } أي فلا تحزن
~~{ بما ms04727 كانوا يعملون } بنا فيما مضى فإن الله تعالى قد أحسن
~~إلينا وجمعنا على خير ولا تعلمهم بما أعلمتك، والقول بأنه عليه السلام
~~تعرف إليه وأعلمه بأنه أخوه حقيقة هو الظاهر. وروي عن ابن عباس وابن
~~إسحاق وغيرهما إلا أن ابن اسحق قال: إنه عليه السلام قال له بعد أن تعرف
~~إليه: لا تبال بكل ما تراه من المكروه في تحيلي في أخذك منهم، قال ابن
~~عطية: وعلى هذا التأويل يحتمل أن يشير { بما كانوا يعملون }
~~إلى ما يعمله فتيانه عليه السلام من أمر السقايه ونحو ذلك، وهو لعمري مما
~~لا يكاد يقول به من له أدنى معرفة بأساليب الكلام، وقال وهب: إنما أخبر
~~عليه السلام أنه قائم مقام أخيه الذاهب في الود ولم يكشف إليه الأمر،
~~ومعنى { لا تبتئس } الخ لا تحزن بما كنت تلقاه منهم من الحسد والأذى
~~فقد أمنتهم، وروي أنه قال ليوسف عليه السلام: أنا لا أفارقك قال: قد علمت
~~اغتمام والدي فإذا حبستك ازداد غمه ولا سبيل إلى ذلك إلا أن أنسبك إلى ما
~~لا يجمل قال: لا أبالي فافعل ما بدا لك قال: فإني أدس صاعي في/ رحلك ثم
~~أنادي عليك بأنك سرقته ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك معهم قال: افعل.

### || [12.70]

# { فلما جهزهم بجهازهم } ووفى لهم الكيل وزاد كلا منهم
~~على ما روي حمل بعير { جعل السقاية } هي إناء يشرب به الملك وبه
~~كان يكال الطعام للناس، وقيل: كانت تسقى بها الدواب ويكال بها الحبوب،
~~وكانت من فضة مرصعة بالجواهر على ما روي عن عكرمة أو بدون ذلك كما روى عن
~~ابن عباس والحسن وعن ابن زيد أنها من ذهب، وقيل: من فضة مموهة بالذهب،
~~وقيل: كانت إناء مستطيلة تشبه المكوك الفارسي الذي يلتقي طرفاه يستعمله
~~الأعاجم، يروى أنه كان للعباس مثله يشرب به في الجاهلية ولعزة الطعام في
~~تلك الأعوام قصر كيله على ذلك، والظاهر أن الجاعل هو يوسف عليه السلام
~~نفسه، ويظهر من حيث كونه ملكا أنه عليه السلام لم يباشر الجعل ms04728 بنفسه بل
~~أمر أحدا فجعلها { فى رحل أخيه } بنيامين من حيث يشعر أو لا
~~يشعر. وقرىء { وجعل } بواو، وفي ذلك احتمالان الأول أن تكون الواو زائدة
~~على مذهب الكوفيين وما بعدها هو جواب { لما } والثاني أن تكون عاطفة
~~على محذوف وهو الجواب أي فلما جهزهم أمهلهم حتى انطلقوا وجعل.

# { ثم أذن مؤذن } نادى مسمع كما في " مجمع البيان " ، وفي "
~~الكشاف " وغيره نادى مناد. وأورد عليه أن النحاة قالوا: لا يقال قام قائم
~~لأنه لا فائدة فيه. وأجيب بأنهم أرادوا أن ذلك المنادي من شأنه الإعلام
~~بما نادى به بمعنى أنه موصوف بصفة مقدرة تتم بها الفائدة أي أذن رجل معين
~~للأذان { أيتها العير إنكم لسارقون } وقد يقال: قياس
~~ما في النظم الجليل على المثال المذكور ليس تتم في محله وكثيرا ما تتم
~~الفائدة بما ليس من أجزاء الجملة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:

# " لا يزن الزاني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر وهو مؤمن "

# والعير الإبل التي عليها الأحمال سميت بذلك لأنها تعير أي تذهب وتجيء،
~~وهو اسم جمع لذلك لا واحد له، والمراد هنا أصحاب العير كما في قوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " يا خيل الله اركبي "

# وذلك اما من باب المجاز أو الإضمار إلا أنه نظر إلى المعنى في الآية ولم
~~ينظر إليه في الحديث وقيل: العير قافلة الحمير ثم توسع فيها حتى قيلت لكل
~~قافلة كأنها جمع عير بفتح العين وسكون الياء وهو الحمار، وأصلها عير بضم
~~العين والياء استثقلت الضمة على الياء فحذفت ثم كسرت العين لثقل الياء
~~بعد الضمة كما فعل في بيض جمع أبيض وغيد جمع أغيد، وحمل العير هنا على
~~قافلة الإبل هو المروي عن الأكثرين، وعن مجاهد أنها كانت قافلة حمير،
~~والخطاب ب { إنكم لسارقون } ان كان بأمر يوسف عليه السلام
~~فلعله أريد بالسرقة أخذهم له من أبيه على وجه الخيانة كالسراق؛ ودخول
~~بنيامين فيه بطريق التغليب أو أريد سرقة السقاية، ولا يضر لزوم الكذب
~~لأنه إذا تضمن مصلحة رخص فيه.

# وإما ms04729 كونه برضا أخيه فلا يدفع ارتكاب الكذب وإنما يدفع تأذى الأخ منه،
~~أو يكون المعنى على الاستفهام أي أئنكم لسارقون ولا يخفى ما فيه من البعد
~~وإلا فهو من قبل المؤذن بناء على زعمه قيل والأول هو الأظهر الأوفق
~~للسياق. وفي " البحر " الذي يظهر أن هذا التحيل ورمي البرآء بالسرقة
~~وإدخال الهم على يعقوب عليه/ السلام بوحي من الله تعالى لما علم سبحانه
~~في ذلك من الصلاح ولما أراد من محنتهم بذلك، ويؤيده قوله سبحانه:

# وكذلك كدنا ليوسف

# [يوسف: 76] وقرأ اليماني { إنكم سارقون } بلا لام.

### || [12.71]

# { قالوا } أي الإخوة { وأقبلوا عليهم } أي على طالبي
~~السقاية المفهوم من الكلام أو على المؤذن إن كان أريد منه جمع كأنه عليه
~~السلام جعل مؤذنين ينادون بذلك على ما في «البحر»، والجملة في موضع الحال
~~من ضمير { قالوا } جيء بها للدلالة على انزعاجهم مما سمعوه لمباينته
~~لحالهم أي قالوا مقبلين عليهم { ماذا تفقدون } أي أي شيء تفقدون
~~أو ما الذي تفقدونه؟ والفقد كما قال الراغب: ((عدم الشيء بعد وجوده فهو
~~أخص من العدم فإنه يقال له ولما لم يوجد أصلا))، وقيل: هو عدم الشيء بأن
~~يضل عنك لا بفعلك، وحاصل المعنى ما ضاع منكم؟ وصيغة المستقبل لاستحضار
~~الصورة. وقرأ السلمي { تفقدون } بضم التاء من أفقدته إذا وجدته
~~فقيدا نحو أحمدته إذا وجدته محمودا. وضعف أبو حاتم هذه القراءة ووجهها
~~ما ذكر، وعلى القراءتين فالعدول عما يقتضيه الظاهر من قولهم: ماذا سرق
~~منكم على ما قيل لبيان كمال نزاهتهم بإظهار أنه لم يسرق منهم شيء فضلا
~~عن أن يكونوا هم السارقين له، وإنما الممكن أن يضيع منهم شيء فيسألونهم
~~ماذا؟، وفيه إرشاد لهم إلى مراعاة حسن الأدب والاحتراز عن المجازفة ونسبة
~~البرآء إلى ما لا خير فيه لا سيما بطريق التأكيد فلذلك غيروا كلامهم حيث
~~قالوا في جوابهم: { قالوا نفقد صواع الملك... }.

### || [12.72]

# { قالوا نفقد صواع الملك } ولم يقولوا سرقتموه أو سرق،
~~وقيل: كان الظاهر أن يبادروا بالإنكار ونفي أن يكونوا سارقين ولكنهم
~~قالوا ذلك ms04730 طلبا لإكمال الدعوى إذ يجوز أن يكون فيها ما تبطل به فلا
~~تحتاج إلى خصام، وعدلوا عن ماذا سرق منكم؟ إلى ما في النظم الجليل لما
~~ذكر آنفا، والصواع بوزن غراب المكيال وهو السقاية ولم يعبر بها مبالغة
~~في الإفهام والإفصاح؛ ولذا أعاد الفعل، وصيغة المستقبل لما تقدم أو
~~للمشاكلة. وقرأ الحسن وأبو حيوة وابن جبير فيما نقل ابن عطية كما قرأ
~~الجمهور إلا أنهم كسروا الصاد، وقرأ أبو هريرة ومجاهد { صاع } بغير واو
~~على وزن فعل فالألف فيه بدل من الواو المفتوحة. وقرأ أبو رجاء { صوع }
~~بوزن قوس. وقرأ عبد الله بن عون بن أبي أرطبان { صوع } بضم الصاد وكلها
~~لغات في الصاع، وهو مما يذكر ويؤنث وأبو عبيدة لم يحفظ التأنيث، وقرأ
~~الحسن وابن جبير فيما نقل عنهما صاحب " اللوامح " ، { صواغ } بالغين
~~المعجمة على وزن غراب أيضا، وقرأ يحيى بن يعمر كذلك إلا أنه حذف الألف
~~وسكن الواو، وقرأ زيد بن علي { صوغ } على أنه مصدر من صاغ يصوغ أريد به
~~المفعول، وكذا يراد من صواغ وصوغ في القراءتين أي نفقد مصوغ الملك.

# { ولمن جاء به } أي أتى به مطلقا ولو من عند نفسه، وقيل: من دل
~~على سارقه وفضحه { حمل بعير } أي من الطعام جعلا له، والحمل على
~~ما في «مجمع البيان» بالكسر لما انفصل وبالفتح لما اتصل، وكأنه أشار إلى
~~ما ذكره الراغب من أن الحمل بالفتح يقال في الأثقال المحمولة في الباطن
~~كالولد في البطن والماء في السحاب والثمرة في الشجرة { وأنا به
~~زعيم } أي كفيل أؤديه إليه وهو قول المؤذن.

# واستدل بذلك كما في " الهداية وشروحها " على جواز تعليق الكفالة بالشروط
~~لأنه مناديه علق الالتزام/ بالكفالة بسبب وجوب المال وهو المجىء بصواع
~~الملك وندائه بأمر يوسف عليه السلام، وشرع من قبلنا شرع لنا إذا مضى من
~~غير إنكار، وأورد عليه أمران الأول: ما قاله بعض الشافعية من أن هذه
~~الآية محمولة على الجعالة لما يأتي به لا لبيان الكفالة فهي كقول من أبق
~~عبده ms04731 من جاء به فله عشرة دراهم وهو ليس بكفالة لأنها إنما تكون إذا التزم
~~عن غيره وهنا قد التزم عن نفسه. الثاني: أن الآية متروكة الظاهر لأن فيها
~~جهالة المكفول له وهي تبطل الكفالة. وأجيب عن الأول بأن الزعم حقيقة في
~~الكفالة والعمل بها مهما أمكن واجب فكأن معناه قول المنادي للغير: إن
~~الملك قال: لمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم فيكون ضامنا عن الملك لا
~~عن نفسه فتتحقق حقيقة الكفالة.

# وعن الثاني بأن في الآية ذكر أمرين الكفالة مع الحمالة للمكفول له،
~~وإضافتها إلى سبب الوجوب، وعدم جواز أحدهما بدليل لا يستلزم عدم جواز
~~الآخر.

# وفي كتاب " الأحكام " [للجصاص] أنه روي عن عطاء الخراساني { زعيم }
~~بمعنى كفيل فظن بعض الناس أن ذلك كفالة إنسان وليس كذلك لأن قائله جعل
~~حمل بعير أجرة لمن جاء بالصاع وأكده بقوله: { وأنا به زعيم } أي
~~ضامن فألزم نفسه ضمان الأجرة لرد الصاع، وهذا أصل في جواز قول القائل: من
~~حمل هذا المتاع لموضع كذا فله درهم وأنه إجارة جائزة وإن لم يشارط رجلا
~~بعينه وكذا قال محمد بن الحسن في " السير الكبير " ، ولعل حمل البعير كان
~~قدرا معلوما، فلا يقال: إن الإجارة لا تصح إلا بأجر معلوم كذا ذكره بعض
~~المحققين.

# وقال الإمام: ((إن الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم، وقد
~~حكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:

# " الزعيم غارم "

# وليست كفالة بشيء مجهول لأن حمل بعير من الطعام كان معلوما عندهم فصحت
~~الكفالة به إلا أن هذه كفالة مال لرد السرقة وهي كفالة لما لم يجب لأنه
~~لا يحل للسارق أن يأخذ شيئا على رد السرقة. ولعل مثل هذه الكفالة كانت
~~تصح عندهم))، وتعقب بأنه لا دليل على أن الراد هو من علم أنه الذي سرق
~~ليحتاج إلى التزام القول بصحة ذلك في دينهم وتمام البحث في محله.

### || [12.73]

# { قالوا تالله } أكثر النحويين على أن التاء بدل من الواو كما
~~أبدلت في تراث وتوراة ms04732 عند البصريين، وقيل هي بدل من الباء، وقال السهيلي:
~~إنها أصل برأسها، وقال الزجاج: إنها لا يقسم بها إلا في الله خاصة. وتعقب
~~بالمنع لدخولها على الرب مطلقا أو مضافا للكعبة وعلى الرحمن وقالوا
~~تحياتك أيضا. وأيا ما كان ففي القسم بها معنى التعجب كأنهم تعجبوا من
~~رميهم بما ذكر مع ما شاهدوه من حالهم، فقد روي أنهم كانوا يعكمون أفواه
~~إبلهم لئلا تنال من زروع الناس وطعامهم شيئا واشتهر أمرهم في مصر بالعفة
~~والصلاح والمثابرة على فنون الطاعات، ولذا قالوا: { لقد علمتم }
~~علما جازما مطابقا للواقع { ما جئنا لنفسد فى الأرض }
~~أي لنسرق فإن السرقة من أعظم أنواع الإفساد أو لنفسد فيها أي إفساد كان
~~فضلا عما نسبتمونا إليه من السرقة، ونفى المجىء للإفساد وإن لم يكن
~~مستلزما لما هو مقتضى المقام من نفي الإفساد مطلقا لكنهم جعلوا المجىء
~~الذي يترتب عليه ذلك ولو بطريق الاتفاق مجيئا لغرض الإفساد مفعولا
~~لأجله ادعاء إظهارا لكمال قبحه عندهم وتربية لاستحالة/ صدوره عنهم
~~فكأنهم قالوا: إن صدر عنا إفساد كان مجيئنا لذلك مريدين به تقبيح حاله
~~وإظهار كمال نزاهتهم عنه كذا قيل. وقيل: إنهم أرادوا نفي لازم المجىء
~~للإفساد في الجملة وهو تصور الإفساد مبالغة في نزاهتهم عن ذلك فكأنهم
~~قالوا: ما مر لنا الإفساد ببال ولا تعلق بخيال فضلا عن وقوعه منا ولا
~~يخفى بعده { وما كنا سرقين } أي ما كنا نوصف بالسرقة قط،
~~والظاهر دخول هذا في حيز العلم كالأول، ووجهه أن العلم بأحوالهم المشاهدة
~~يستلزم العلم بأحوالهم الفائتة، والحلف في الحقيقة على الأمرين اللذين في
~~حيز العلم لا على علم المخاطبين بذلك إلا أنهم ذكروه للاستشهاد وتأكيد
~~الكلام، ولذا أجرت العرب العلم مجرى القسم كما في قوله:

# ولقد علمت لتأتين منيتي

# إن المنايا لا تطيش سهامها

# وفي ذلك من إلزام الحجة عليهم وتحقيق أمر التعجب المفهوم من تاء القسم
~~من كلامهم كما فيه، وذكر بعضهم أنه يجوز أن يكون كما جئنا الخ متعلق
~~العلم وأن يكون جواب القسم أو ms04733 جواب العلم لتضمنه معناه وهو لا يأبى ما
~~تقدم.

### || [12.74]

# { قالوا } أي أصحاب يوسف عليه السلام { فما جزاؤه } أي الصواع،
~~والكلام على حذف مضاف أي ما جزاء سرقته، وقيل: الضمير لسرق أو للسارق
~~والجزاء يضاف إلى الجناية حقيقة وإلى صاحبها مجازا، وقد يقال: يحذف
~~المضاف فافهم والمراد فما جزاء ذلك عندكم وفي شريعتكم { إن كنتم
~~كذبين } أي في ادعاء البراءة كما هو الظاهر، وفي التعبير  بإن 
~~مراعاة لجانبهم.

### || [12.75]

# { قالوا } أي الإخوة { جزاؤه من وجد } أي أخذ من وجد الصواع {
~~فى رحله } واسترقاقه، وقدر المضاف لأن المصدر لا يكون خبرا عن
~~الذات ولأن نفس ذات من وجد في رحله ليست جزاء في الحقيقة، واختاروا عنوان
~~الوجدان في الرحل دون السرقة مع أنه المراد لأن كون الأخذ والاسترقاق سنة
~~عندهم ومن شريعة أبيهم عليه السلام إنما هو بالنسبة إلى السارق دون من
~~وجد عنده مال غيره كيفما كان إشارة إلى كمال نزاهتهم حتى كأن أنفسهم لا
~~تطاوعهم وألسنتهم لا تساعدهم على التلفظ به مثبتا لأحدهم بأي وجه كان
~~وكأنهم تأكيدا لتلك الإشارة عدلوا عمن وجد عنده إلى من وجد في رحله {
~~فهو جزاؤه } أي فأخذه جزاؤه وهو تقدير للحكم السابق بإعادته كما
~~في قولك: حق الضيف أن يكرم فهو حقه وليس مجرد تأكيد، فالغرض من الأول
~~إفادة الحكم ومن الثاني إفادة حقيته والاحتفاظ بشأنه كأنه قيل: فهذا ما
~~تلخص وتحقق للناظر في المسألة لا مرية فيه، قيل: وذكر الفاء في ذلك
~~لتفرعه على ما قبله ادعاء وإلا فكان الظاهر تركها لمكان التأكيد، ومنه
~~يعلم أن الجملة المؤكدة قد تعطف لنكتة وإن لم يذكره أهل المعاني، وجوز
~~كون { من } موصولة مبتدأ وهذه الجملة خبره والفاء لتضمن المبتدأ معنى
~~الشرط وجملة المبتدأ وخبره خبر { جزاؤه }. وأن تكون { من } شرطية
~~مبتدأ { ووجد فى رحله } فعل الشرط وجزاؤه فهو جزاؤه والفاء
~~رابطة والشرط وجزاؤه خبر أيضا كما في احتمال الموصولة. واعترض على ذلك
~~بأنه يلزم خلو الجملة الواقعة خبرا للمبتدأ عن عائد إليه لأن الضمير ms04734
~~المذكور  لمن  لا له. وأجيب بأنه جعل الاسم الظاهر وهو الجزاء الثاني
~~قائما مقام الضمير والربط كما يكون بالضمير يكون بالظاهر والأصل جزاؤه
~~من وجد في رحله فهو  هو  أي فهو الجزاء، وفي العدول ما علم من التقرير
~~السابق وإزالة اللبس والتفخيم لا سيما في مثل هذا الموضع فهو كاللازم،
~~وقد/ صرح الزجاج بأن الإظهار هنا أحسن من الإضمار وعلله ببعض ما ذكر
~~وأنشد:

# لا أرى الموت يسبق الموت شيء

# نغص الموت ذا الغنى والفقيرا

# وبذلك يندفع ما في «البحر» اعتراضا على هذا الجعل من أن وضع الظاهر
~~موضع الضمير للربط إنما يفصح إذا كان المقام مقام تعظيم كما قال سيبويه
~~فلا ينبغي حمل النظم الجليل على ذلك، وأن يكون جزاؤه خبر مبتدأ محذوف
~~تقديره المسؤول عنه جزاؤه فهو حكاية قول السائل ويكون { من وجد } الخ
~~بيانا وشروعا في الفتوى، وهذا على ما قيل كما يقول من يستفتي في جزاء
~~صيد المحرم: جزاء صيد المحرم، ثم يقول:

# ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من
~~النعم

# [المائدة: 95] فإن قول المفتي: جزاء صيد الحرم بتقدير ما استفتيت فيه أو
~~سألت عنه ذلك وما بعده بيان للحكم وشرح للجواب، وليس التقدير ما أذكره
~~جزاء صيد الحرم لأن مقام الجواب والسؤال ناب عنه. نعم إذا ابتدأ العالم
~~بإلقاء مسألة فهنالك يناسب هذا التقدير.

# وتعقب ذلك أبو حيان بأنه ليس في الإخبار عن المسؤول عنه بذلك كثير فائدة
~~إذ قد علم أن المسؤول عنه ذلك من قولهم: { فما جزاؤه } وكذا يقال
~~في المثل، وأجيب بأنه يمكن أن يقال: إن فائدة ذلك إعلام المفتي المستفتي
~~أنه قد أحاط خبره بسؤاله ليأخذ فتواه بالقبول ولا يتوقف في ذلك لظن
~~الغفلة فيها عن تحقيق المسؤول وهي فائدة جليلة. وزعم بعضهم أن الجملة من
~~الخبر والمبتدأ المحذوف على معنى الاستفهام الإنكاري كأن المسؤول ينكر أن
~~يكون المسؤول عنه ذلك لظهور جوابه ثم يعود فيجيب وهو كما ترى.

# { كذلك } أي مثل ذلك الجزاء الأوفى { نجزى الظلمين }
~~بالسرقة، والظاهر ms04735 أن هذا من تتمة كلام الإخوة فهو تأكيد للحكم المذكور غب
~~تأكيد وبيان لقبح السرقة وقد فعلوا ذلك ثقة بكمال براءتهم عنها وهم عما
~~فعل بهم غافلون، وقيل: هو من كلام أصحاب يوسف عليه السلام، وقيل: كلامه
~~نفسه أي مثل الجزاء الذي ذكرتموه نجزي السارقين.

### || [12.76]

# { فبدأ } قيل المؤذن ورجح بقرب سبق ذكره، وقيل: يوسف عليه السلام
~~فقد روي أن إخوته لما قالوا ما قالوا قال لهم أصحابه: لا بد من تفتيش
~~رحالكم فردوهم بعد أن ساروا منزلا أو بعد أن خرجوا من العمارة إليه عليه
~~السلام فبدأ { بأوعيتهم } أي بتفتيش أوعية الإخوة العشرة ورجح
~~ذلك بمقاولة يوسف عليه السلام فإنها تقتضي ظاهرا وقوع ما ذكر بعد ردهم
~~إليه ولا يخفى أن الظاهر أن إسناد التفتيش إليه عليه السلام مجازي
~~والمفتش حقيقة أصحابه بأمره بذلك { قبل } تفتيش { وعاء أخيه }
~~بنيامين لنفي التهمة. روي أنه لما بلغت النوبة إلى وعائه قال: ما أظن هذا
~~أخذ شيئا فقالوا: والله لا تتركه حتى تنظر في رحله فإنه أطيب لنفسك
~~وأنفسنا ففعل { ثم استخرجها } أي السقاية أو الصواع لأنه كما
~~علمت مما يؤنث ويذكر عند الحفاظ، وقيل: الضمير للسرقة المفهومة من الكلام
~~أي ثم استخرج السرقة { من وعاء أخيه } لم يقل منه على رجع الضمير
~~إلى الوعاء أو من وعائه على رجعه إلى أخيه قصدا إلى زيادة كشف وبيان،
~~والوعاء الظرف الذي يحفظ فيه الشيء وكأن المراد به هنا ما يشمل الرحل
~~وغيره لأنه الأنسب بمقام التفتيش ولذا لم يعبر بالرحال على ما قيل، وعليه
~~يكون عليه السلام قد فتش كل ما يمكن أن يحفظ الصواع فيه مما كان معهم/ من
~~رحل وغيره. وقولهم: مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد
~~كما قال المدقق أبو القاسم السمرقندي لا يقتضي أن يلزم في كل مقابلة
~~مقارنة الواحد للواحد لأن انقسام الآحاد على الآحاد كما يجوز أن يكون على
~~السواء كما في ركب القوم دوابهم يجوز أن يكون على التفاوت كما في باع
~~القوم دوابهم ms04736 فإنه يفهم معه أن كلا منهم باع ما له من دابة وقد مر
~~التنبيه على هذا فيما سبق وحينئذ يحتمل أن يراد من وعاء أخيه الواحد
~~والمتعدد. وقرأ الحسن { وعاء } بضم الواو وجاء كذلك عن نافع وقرأ ابن
~~جبير { إعاء } بإبدال الواو المكسورة همزة كما قالوا في وشاح إشاح وفي
~~وسادة إسادة وقلب الواو المكسورة في أول الكلمة همزة مطرد في لغة هذيل.

# { كذلك } أي مثل ذلك الكيد العجيب وهو إرشاد الأخوة إلى الإفتاء
~~المذكور بإجرائه على ألسنتهم وحملهم عليه بواسطة المستفتين من حيث لم
~~يحتسبوا { كدنا ليوسف } أي صنعنا ودبرنا لأجل تحصيل غرضه من
~~المقدمات التي رتبها من دس السقاية وما يتلوه فالكيد مجاز لغوي في ذلك
~~وإلا فحقيقته وهي أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه وتريده على ما قالوا محال
~~عليه تعالى، وقيل: إن ذلك محمول على التمثيل، وقيل: إن في الكيد إسنادين
~~بالفحوى إلى يوسف عليه السلام وبالتصريح إليه سبحانه والأول حقيقي
~~والثاني مجازي، والمعنى فعلنا كيد يوسف وليس بذاك، وفي «درر المرتضى» إن
~~كدنا بمعنى أردنا وأنشد:

# كادت وكدت وتلك خير إرادة

# لو عاد من لهو الصبابة ما مضى

# واللام للنفع لا كاللام في قوله تعالى:

# فيكيدوا لك كيدا

# [يوسف: 5] فإنها للضرر على ما هو الاستعمال الشائع.

# { ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك } أي في سلطانه على
~~ما روي عن ابن عباس أو في حكمه وقضائه كما روي عن قتادة، والكلام استئناف
~~وتعليل لذلك الكيد كأنه قيل: لماذا فعل ذلك؟ فقيل: لأنه لم يكن ليأخذ
~~أخاه جزاء وجود الصواع عنده في دين الملك في أمر السارق إلا بذلك الكيد
~~لأن جزاء السارق في دينه على ما روي عن الكلبي وغيره أن يضاعف عليه
~~الغرم. وفي رواية ويضرب دون أن يؤخذ ويسترق كما هو شريعة يعقوب عليه
~~السلام فلم يكن يتمكن بما صنعه من أخذ أخيه بما نسب إليه من السرقة بحال
~~من الأحوال.

# { إلا أن يشاء الله } أي إلا حال مشيئته تعالى التي هي عبارة ms04737
~~عن ذلك الكيد أو إلا حال مشيئته تعالى للأخذ بذلك الوجه، وجوز أن يكون
~~المراد من ذلك الكيد الإرشاد المذكور ومباديه المؤديه إليه جميعا من
~~إرشاد يوسف عليه السلام وقومه إلى ما صدر عنهم من الأفعال والأقوال حسبما
~~شرح مرتبا، وأمر التعليل كما هو بيد أن المعنى على هذا الاحتمال مثل ذلك
~~الكيد البالغ إلى هذا الحد كدنا ليوسف عليه السلام ولم نكتف ببعض من ذلك
~~لأنه لم يكن يأخذ أخاه في دين الملك به إلا حال مشيئتنا له بإيجاد ما
~~يجري مجرى الجزاء الصوري من العلة التامة وهو إرشاد إخوته إلى الإفتاء
~~المذكور فالقصر المستفاد من تقديم المجرور مأخوذ بالنسبة إلى البعض، وكذا
~~يقال في تفسير من فسر { كدنا ليوسف } بقوله علمنا إياه وأوحينا به
~~إليه أي مثل ذلك التعليم المستتبع لما شرح علمناه دون بعض من ذلك فقط
~~الخ، والاستثناء على كل حال من أعم الأحوال وجوز أن يكون من أعم العلل
~~والأسباب أي لم يكن ليأخذ أخاه في دين الملك لعلة من العلل/ وسبب من
~~الأسباب إلا لعلة مشيئته تعالى، وأيا ما كان فهو متصل لأن أخذ السارق
~~إذا كان ممن يرى ذلك ويعتقده دينا لا سيما عند رضاه وإفتائه به ليس
~~مخالفا لدين الملك فلذلك لم ينازعه الملك وأصحابه في مخالفة دينهم بل لم
~~يعدوه مخالفة. وقيل: إن جملة ما كان الخ في موضع البيان والتفسير للكيد
~~وأن معنى الاستثناء إلا أن يشاء الله تعالى أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك
~~وفيه بحث، وجوز أن يكون الاستثناء منقطعا أي لكن أخذه بمشيئة الله
~~سبحانه وإذنه في دين غير دين الملك { نرفع درجت } أي رتبا
~~كثيرا عالية من العلم، وانتصابها على ما نقل عن أبي البقاء على الظرفية
~~أو على نزع الخافض أي إلى درجات، وجوز غير واحد النصب على المصدرية،
~~وأيا ما كان فالمفعول به قوله تعالى: { من نشاء } أي نشاء رفعه
~~حسبما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة كما رفعنا يوسف عليه السلام،
~~وإيثار صيغة الاستقبال للإشعار ms04738 بأن ذلك سنة مستمرة غير مختصة بهذه المادة
~~والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب.

# { وفوق كل ذى علم } من أولئك المرفوعين { عليم } لا ينالون
~~شأوه. قال المولى المحقق شيخ الإسلام قدس سره في بيان ربط الآية بما قبل:
~~إنه إن جعل الكيد عبارة عن إرشاد الإخوة إلى الإفتاء وحملهم عليه أو
~~عبارة عن ذلك مع مباديه المؤديه إليه فالمراد برفع يوسف عليه السلام ما
~~اعتبر فيه بالشرطية أو الشطرية من إرشاده عليه السلام إلى ما يتم من قبله
~~من المبادىء المفضية إلى استبقاء أخيه، والمعنى أرشدنا إخوته إلى الإفتاء
~~لأنه لم يكن متمكنا من غرضه بدونه أو أرشدنا كلا منهم ومن يوسف وأصحابه
~~إلى ما صدر عنهم ولم نكتف بما تم من قبل يوسف [فقط] لأنه لم يكن متمكنا
~~من غرضه بمجرد ذلك. وحينئذ يكون قوله تعالى: { نرفع } إلى { عليم
~~} توضيحا لذلك على معنى أن الرفع المذكور لا يوجب تمام مرامه إذ ليس ذلك
~~بحيث لا يغيب عن علمه شيء بل إنما نرفع كل من نرفع حسب استعداده وفوق كل
~~واحد منهم عليم لا يقادر قدره يرفع كلا منهم إلى ما يليق به من معارج
~~العلم وقد رفع يوسف إلى ذلك وعلم أن ما حواه دائرة علمه لا يفي بمرامه
~~فأرشد إخوته إلى الإفتاء المذكور فكان ما كان وكأنه عليه السلام لم يكن
~~على يقين من صدور ذلك منهم وإن كان على طمع منه فإن ذلك إلى الله تعالى
~~شأنه وجودا وعدما، والتعرض لوصف العلم لتعيين جهة الفوقية، وفي صيغة
~~المبالغة مع التنكير والالتفات إلى الغيبة من الدلالة على فخامة شأنه عز
~~شأنه وجلالة مقدار علمه المحيط جل جلاله ما لا يخفى. وإن جعل عبارة عن
~~التعليم المستتبع للإفتاء فالرفع عبارة عن ذلك التعليم، والإفتاء وإن كان
~~لم يكن داخلا تحت قدرته عليه السلام لكنه كان داخلا تحت علمه بواسطة
~~الوحي والتعليم، والمعنى مثل ذلك التعليم البالغ إلى هذا الحد علمناه ولم
~~نقتصر على تعليم ما عدا الإفتاء الذي ms04739 سيصدر عن إخوته إذ لم يكن متمكنا
~~من غرضه في أخيه إلا بذلك، وحينئذ يكون قوله تعالى: { نرفع
~~درجت من نشاء } توضيحا لقوله سبحانه: { كدنا } وبيانا
~~لأن ذلك من باب الرفع إلى الدرجات العالية من العلم ومدحا ليوسف عليه
~~السلام برفعه إليها { وفوق } الخ تذييلا له أي نرفع درجات عالية من
~~نشاء رفعه وفوق كل منهم عليم هو أعلى درجة، قال ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما: فوق كل عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى، والمعنى أن
~~إخوة يوسف كانوا علماء إلا أن يوسف أفضل منهم اه.

# والذي اختاره الزمخشري على ما قيل حديث التذييل إلا أنه أوجز في كلامه
~~حتى خفي مغزاه وعد ذلك من المداحض حيث قال: وفوق كل ذي علم عليم فوقه
~~أرفع درجة منه في علمه أو فوق العلماء كلهم عليم/ هم دونه في العلم وهو
~~الله عز وعلا، وبيان ذلك على ما في «الكشف» أن غرضه أن يبين وجه التذييل
~~بهذه الجملة فأفاد أنه إما على وجه التأكيد لرفع درجة يوسف عليه السلام
~~على إخوته في العلم أي فاقهم علما لأن فوق كل ذي علم عليم أرفع درجة
~~منه، وفيه مدح له بأن الذين فاقهم علماء أيضا وإما على تحقيق أن الله
~~تعالى رفعه درجات وهو إليه لا منازع له فيه فقال: وفوق العلماء كلهم عليم
~~هم دونه يرفع من يشاء يقربه إليه بالعلم كما رفع يوسف عليه السلام، وذكر
~~أن ما يقال: من أن الكل على الثاني مجموعي وعلى الأول بمعنى كل واحد كلام
~~غير محصل لأن الداخل على النكرة لا يكون مجموعيا، وأصل النكتة في
~~الترديد أنه لو نظر إلى العلم ولا تناهيه كان الأول فيرتقي إلى ما لا
~~نهاية لعلمه بل جل عن النهاية من كل الوجوه، ولا بد من تخصيص في لفظ {
~~كل } والمعنى وفوق كل واحد من العلماء عالم وهكذا إلى أن ينتهي، ولو
~~نظر إلى العالم وإفادته إياه كان الثاني، والمعنى وفوق كل واحد واحد عالم ms04740
~~واحد فأولى أن يكون فوق كلهم لأن الثاني معلول الأول، ولظهور المعنى عليه
~~قدر وفوق العلماء كلهم وكلا الوجهين يناسب المقام اه. ولعل اعتبار كون
~~الجملة الأولى مدحا ليوسف عليه السلام وتعظيما لشأن الكيد وكون الثانية
~~تذييلا هو الأظهر فتأمل.

# وقد استدل بالآية من ذهب إلى أنه تعالى شأنه عالم بذاته لا بصفة علم
~~زائدة على ذلك، وحاصل استدلالهم أنه لو كان له سبحانه صفة علم زائدة على
~~ذاته كان ذا علم لاتصافه به وكل ذي علم فوقه عليم للآية فيلزم أن يكون
~~فوقه وأعلم منه جل وعلا عليم آخر وهو من البطلان بمكان. وأجيب بأن المراد
~~بكل ذي علم المخلوقات ذوو العلم لأن الكلام في الخلق ولأن العليم صيغة
~~مبالغة معناه أعلم من كل ذي علم فيتعين أن يكون المراد به الله تعالى فما
~~يقابله يلزم كونه من الخلائق لئلا يدخل فيما يقابله، وكون المراد من
~~العليم ذلك هو إحدى روايتين عن الحبر، فقد أخرج عبد الرزاق وجماعة عن
~~سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فحدث بحديث
~~فقال رجل عنده: { وفوق كل ذى علم عليم } فقال ابن عباس:
~~بئسما قلت الله العليم وهو فوق كل عالم، وإلى ذلك ذهب الضحاك، فقد أخرج
~~أبو الشيخ عنه أنه قال بعد أن تلا الآية يعني الله تعالى بذلك نفسه، على
~~أنه لو صح ما ذكره المستدل لم يكن الله تعالى عالما بناءا على أن
~~الظاهر اتفاقه معنا في صحة قولنا فوق كل العلماء عليم، وذلك أنه يلزم على
~~تسليم دليله إذا كان الله تعالى عالما أن يكون فوقه من هو أعلم منه، فإن
~~أجاب بالتخصيص في المثال فالآية مثله.

# وقرأ غير واحد من السبعة { درجات من نشاء } بالإضافة، قيل: والقراءة
~~الأولى أنسب بالتذييل حيث نسب فيها الرفع إلى من نسب إليه الفوقية لا إلى
~~درجته والأمر في ذلك هين. وقرأ يعقوب بالياء في { يرفع } و { يشاء }.
~~وقرأ عيسى البصرة { نرفع } بالنون و { درجات } منونا و { من ms04741 يشاء }
~~بالياء، قال صاحب " اللوامح ": وهذه قراءة مرغوب عنها ولا يمكن إنكارها.
~~وقرأ عبد الله الحبر { وفوق كل ذي عالم عليم } فخرجت كما في «البحر» على
~~زيادة ذي أو على أن { عالم } مصدر بمعنى علم كالباطل أو على أن التقدير
~~كل ذي شخص عالم، والذي في «الدر المنثور» أنه رضي الله تعالى عنه قرأ {
~~وفوق كل عالم عليم } بدون { ذى } ولعله الأثبت والله تعالى العليم.

### || [12.77]

# { قالوا } أي الإخوة { إن يسرق } يعنون بنيامين { فقد سرق
~~أخ له من قبل } يريدون به يوسف عليه السلام وما جرى عليه من جهة
~~عمته، فقد أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان أول
~~ما دخل على يوسف عليه السلام من البلاء فيما بلغني أن عمته كانت تحضنه
~~وكانت أكبر ولد إسحق عليه السلام وكانت إليها منطقة أبيها وكانوا
~~يتوارثونها بالكبر فكانت لا تحب أحدا كحبها إياه حتى إذا ترعرع وقعت نفس
~~يعقوب إليه فأتاها فقال: يا أختاه سلمي إلي يوسف فوالله ما أقدر على أن
~~يغيب عني ساعة فقالت، والله ما أنا بتاركته فدعه عندي أياما أنظر إليه
~~لعل ذلك يسليني، فلما خرج يعقوب عليه السلام من عندها عمدت إلى تلك
~~المنطقة فحزمتها على يوسف عليه السلام من تحت ثيابه ثم قالت: فقدت منطقة
~~أبي إسحق فانظروا من أخذها فالتمست ثم قالت: اكشفوا أهل البيت فكشفوهم
~~فوجودها مع يوسف عليه السلام فقالت: والله إنه لسلم لي أصنع فيه ما شئت
~~فأتاها يعقوب فأخبرته الخبر فقال لها: أنت وذاك إن كان فعل فأمسكته فما
~~قدر عليه حتى ماتت. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم أنه قال في الآية:

# " سرق يوسف عليه السلام صنما لجده أبي أمه من ذهب وفضة فكسره وألقاه
~~على الطريق فعيره إخوته بذلك "

# ، وأخرج غير واحد عن زيد بن أسلم قال: كان يوسف عليه السلام غلاما
~~صغيرا مع أمه عند خال له وهو يلعب مع الغلمان فدخل كنيسة لهم فوجد
~~تمثالا ms04742 صغيرا من ذهب فأخذه وذلك الذي عنوه بسرقته. وقال مجاهد: إن
~~سائلا جاءه يوما فأخذ بيضة فناولها إياه: وقال سفيان بن عيينة: أخذ
~~دجاجة فأعطاها السائل. وقال وهب: كان عليه السلام يخبأ الطعام من المائدة
~~للفقراء وقيل وقيل. وعن ابن المنير أن ذلك تصلف لا يسوغ نسبة مثله إلى
~~بيت النبوة بل ولا إلى أحد من الأشراف فالواجب تركه وإليه ذهب مكي وقال
~~بعضهم: المعنى إن يسرق فقد سرق مثله من بني آدم وذكر له نظائر في الحديث،
~~قيل: وهو كلام حقيق بالقبول. وأنت تعلم أن في عد كل ما قيل في بيان
~~المراد من سرقة الأخ تصلفا تصلف فإن فيه ما لا بأس في نسبته إلى بيت
~~النبوة، وإن ادعى أن دعوى نسبتهم السرقة إلى يوسف عليه السلام مما لا
~~يليق نسبة مثله إليهم لأن ذلك كذب إذ لا سرقة في الحقيقة وهم أهل بيت
~~النبوة الذين لا يكذبون جاء حديث أكله الذئب وهم غير معصومين أولا
~~وآخرا وما قاله البعض.

# وقيل: إنه كلام حقيق بالقبول مما يأباه ما بعد كما لا يخفى على من له
~~ذوق، على أن ذلك في نفسه بعيد ذوقا وأتوا بكلمة { إن } لعدم جزمهم
~~بسرقته بمجرد خروج السقاية من رحله، فقد وجدوا من قبل بضاعتهم في رحالهم
~~ولم يكونوا سارقين. وفي بعض الروايات أنهم لما رأوا إخراج السقاية من
~~رحله خجلوا فقالوا: يا ابن راحيل كيف سرقت هذه السقاية؟ فرفع يده إلى
~~السماء فقال: والله ما فعلت فقالوا: فمن وضعها في رحلك؟ قال: الذي وضع
~~البضاعة في رحالكم، فإن كان قولهم: { إن يسرق } الخ بعد هذه
~~المقاولة فالظاهر أنها هي التي دعتهم لإن وأما قولهم:

# إن ابنك سرق

# [يوسف:81] فبناء على الظاهر ومدعى القوم وكذا علمهم مبني على ذلك؛
~~وقيل: إنهم جزموا بذلك { وإن } لمجرد الشرط ولعله الأولى لظاهر ما
~~يأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه و { يسرق } لحكاية الحال الماضية، والمعنى
~~إن كان سرق فليس ببدع لسبق مثله من أخيه وكأنهم أرادوا بذلك ms04743 دفع المعرة
~~عنهم واختصاصها بالشقيقين، وتنكير { أخ } لأن الحاضرين لا علم لهم به.
~~وقرأ أحمد بن جبير الأنطاكي وابن أبي سريج عن الكسائي والوليد بن حسان
~~وغيرهم { فقد سرق } بالتشديد مبنيا للمفعول أي نسب إلى السرقة.

# { فأسرها يوسف } الضمير لما يفهم من الكلام والمقام أي أضمر
~~الحزازة التي حصلت له عليه السلام مما قالوا، وقيل: أضمر مقالتهم أو نسبة
~~السرقة إليه فلم يجبهم عنها { فى نفسه } لا أنه أسرها لبعض أصحابه
~~كما في قوله تعالى:

# وأسررت لهم إسرارا

# [نوح: 9] / { ولم يبدها } أي يظهرها { لهم } لا قولا ولا
~~فعلا صفحا لهم وحلما وهو تأكيد لما سبق { قال } أي في نفسه، وهو
~~استئناف مبني على سؤال نشأ من الإخبار بالإسرار المذكور كأنه قيل: فماذا
~~قال في نفسه في تضاعيف ذلك؟ فقيل: قال: { أنتم شر مكانا } أي
~~منزلة في السرق، وحاصله أنكم أثبت في الاتصاف بهذا الوصف وأقوى فيه حيث
~~سرقتم أخاكم من أبيكم ثم طفقتم تفترون على البرىء، وقال الزجاج: إن
~~الإضمار هنا على شريطة التفسير لأن: { قال أنتم } الخ بدل من
~~الضمير، والمعنى فأسر يوسف في نفسه قوله: { أنتم شر مكانا }
~~والتأنيث باعتبار أنه جملة أو كلمة. وتعقب ذلك أبو علي بأن الإضمار على
~~شريطة التفسير على ضربين. أحدهما: أن يفسر بمفرد نحو نعم رجلا زيد وربه
~~رجلا. وثانيهما: أن يفسر بجملة كقوله تعالى:

# قل هو الله أحد

# [الصمد: 1] وأصل هذا أن يقع في الابتداء ثم يدخل عليه النواسخ نحو:

# إنه من يأت ربه مجرما

# [طه: 74]

# فإنها لا تعمى الأبصار

# [الحج: 46] وليس منها  شفاء النفس مبذول  وغير ذلك، وتفسير المضمر في
~~كلا الموضعين متصل بالجملة التي قبلها المتضمنة لذلك المضمر ومتعلق بها
~~ولا يكون منقطعا عنها والذي ذكره الزجاج منقطع فلا يكون من الإضمار على
~~شريطة التفسير.

# وفي «أنوار التنزيل» أن المفسر بالجملة لا يكون إلا ضمير الشأن، واعترض
~~عليه بالمنع. وفي «الكشف» أن هذا ليس من التفسير بالجمل في شيء حتى يعترض
~~بأنه من خواص ضمير الشأن الواجب التصدير وإنما ms04744 هو نظير

# ووصى بها إبرهيم بنيه ويعقوب يبنى

# [البقرة: 132] الخ.

# وتعقب بأن في تلك الآية تفسير جملة وهذه فيها تفسير ضمير بجملة. وفي
~~«الكشاف» جعل { أنتم شر مكانا } هو المفسر وفيه خفاء لأن ذلك
~~مقول القول.

# واستدل بعضهم بالآية على إثبات الكلام النفسي بجعل { قال } الخ بدلا
~~من  أسر  ولعل الأمر لا يتوقف على ذلك لما أشرنا إليه من أن المراد قال
~~في نفسه، نعم قال أبو حيان: إن الظاهر أنه عليه السلام خاطبهم وواجههم به
~~بعد أن أسر كراهية مقالتهم في نفسه وغرضه توبيخهم وتكذيبهم، ويقويه أنهم
~~تركوا أن يشفعوا بأنفسهم وعدلوا إلى الشفاعة له بأبيه وفيه نظر. وقرأ عبد
~~الله وابن أبي عبلة { فأسره } بتذكير الضمير.

# { والله أعلم بما تصفون } أي عالم علما بالغا إلى أقصى
~~المراتب بأن الأمر ليس كما تصفون من صدور السرقة منا، فصيغة أفعل لمجرد
~~المبالغة لا لتفضيل علمه تعالى على علمهم كيف لا وليس لهم بذلك من علم
~~قاله غير واحد. وقال أبو حيان: إن المعنى أعلم بما تصفون به منكم لأنه
~~سبحانه عالم بحقائق الأمور وكيف كانت سرقة أخيه الذي أحلتم سرقته عليه
~~فأفعل حينئذ على ظاهره. واعترض بأنه لم يكن فيهم علم والتفضيل يقتضي
~~الشركة، وأجيب بأنه تكفي الشركة بحسب زعمهم فإنهم كانوا يدعون العلم
~~لأنفسهم، ألا ترى قولهم: { فقد سرق أخ له من قبل } جزما.

### || [12.78]

# { قالوا } عندما شاهدوا مخايل أخذ بنيامين مستعطفين { يأيها
~~العزيز إن له أبا شيخا كبيرا } طاعنا في السن لا يكاد
~~يستطيع فراقه وهو علالة به يتعلل عن شقيقه الهالك، وقيل: أرادوا مسنا
~~كبيرا في القدر، والوصف على القولين محط الفائدة وإلا فالإخبار بأن له
~~أبا معلوم مما سبق { فخذ أحدنا مكانه } بدله فلسنا عنده
~~بمنزلته من المحبة والشفقة { إنا نراك من المحسنين } إلينا
~~فأتم إحسانك فما الإنعام إلا بالإتمام أو من/ عادتك الإحسان مطلقا فاجر
~~على عادتك ولا تغيرها معنا فنحن أحق الناس بذلك، فالإحسان على الأول خاص
~~وعلى الثاني عام، والجملة على الوجهين اعتراض ms04745 تذييلي على ما ذهب إليه بعض
~~المدققين، وذهب بعض آخر إلى أنه إذا أريد بالإحسان الإحسان إليهم تكون
~~مستأنفة لبيان ما قبل إذ أخذ البدل إحسان إليهم وإذا أريد أن عموم ذلك من
~~دأبك وعادتك تكون مؤكدة لما قبل وذكر أمر عام على سبيل التذييل أنسب
~~بذلك.

### || [12.79]

# { قال معاذ الله } أي نعوذ بالله تعالى معاذا من { أن
~~نأخذ } فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه مضافا إلى المفعول به وحذف
~~حرف الجر كما في أمثاله { إلا من وجدنا متعنا عنده }
~~لأن أخذنا له إنما هو بقضية فتواكم فليس لنا الإخلال بموجبها { إنا
~~إذا } أي إذا أخذنا غير من وجدنا متاعنا عنده ولو برضاه {
~~لظلمون } في مذهبكم وشرعكم وما لنا ذلك، وإيثار صيغة المتكلم مع
~~الغير مع كون الخطاب من جهة إخوته على التوحيد من باب السلوك إلى سنن
~~الملوك وللإشعار بأن الأخذ والإعطاء ليس مما يستبد به بل هو منوط بآراء
~~أهل الحل والعقد، وإيثار { من وجدنا متعنا عنده } على من
~~سرق متاعنا الأخصر لأنه أوفق بما وقع في الاستفتاء والفتوى أو لتحقيق
~~الحق والاحتراز عن الكذب في الكلام مع تمام المرام فإنهم لا يحملون وجدان
~~الصواع عنده على محمل غير السرقة، والمتاع اسم لما ينتفع به وأريد به
~~الصواع، وما ألطف استعماله مع الأخذ المراد به الاسترقاق والاستخدام
~~وكأنه لهذا أوثر على الصواع، والظاهر أن الأخذ في كلامهم محمول على هذا
~~المعنى أيضا حقيقة.

# وجوز ابن عطية أن يكون ذلك مجازا لأنهم يعلمون أنه لا يجوز استرقاق حر
~~غير سارق بدل من قد أحكمت السنة رقه فقولهم ذلك كما تقول لمن تكره فعله:
~~اقتلني ولا تفعل كذا وأنت لا تريد أن يقتلك ولكنك تبالغ في استنزاله، ثم
~~قال: وعلى هذا يتجه قول يوسف عليه السلام: { معاذ الله } لأنه تعوذ
~~من غير جائز، ويحتمل أن لا يريدوا هذا المعنى، وبعيد عليهم وهم أنبياء أن
~~يريدوا استرقاق حر فلم يبق إلا أن يريدوا بذلك الحمالة أي خذ أحدنا وأبقه
~~عندك حتى ينصرف ms04746 إليك صاحبك ومقصدهم بذلك أن يصل بنيامين إلى أبيه فيعرفه
~~جلية الحال اه وهو كلام لا يعول عليه أصلا كما لا يخفى؛ ولجواب يوسف
~~عليه السلام معنى باطن هو أن الله عز وجل إنما أمرني بالوحي أن آخذ
~~بنيامين لمصالح علمها سبحانه في ذلك فلو أخذت غيره كنت ظالما لنفسي
~~وعاملا بخلاف الوحي.

### || [12.80]

# { فلما استيأسوا منه } أي يئسوا من يوسف عليه السلام
~~وإجابته لهم إلى مرادهم، فاستفعل بمعنى فعل نحو سخر واستسخر وعجب واستعجب
~~على ما في «البحر»، وقال غير واحد: إن السين والتاء زائدتان للمبالغة أي
~~يئسوا يأسا كاملا لأن المطلوب المرغوب مبالغ في تحصيله، ولعل حصول هذه
~~المرتبة من اليأس لهم لما شاهدوه من عوذه بالله تعالى مما طلبوه الدال
~~على كون ذلك عنده في أقصى مراتب الكراهة وأنه مما يجب أن يحترز عنه ويعاذ
~~بالله تعالى منه، ومن تسميته ذلك ظلما بقوله:

# إنا إذا لظلمون

# [يوسف:79]. وفي بعض الآثار أنهم لما رأوا خروج الصواع من رحله وكانوا قد
~~أفتوا بما أفتوا تذكروا عهدهم مع أبيهم استشاط من بينهم روبيل غضبا وكان
~~لا يقوم لغضبه شيء ووقف شعره حتى خرج من ثيابه فقال: أيها الملك لتتركن
~~أخانا أو لأصيحن صيحة لا يبقين بها في مصر حامل إلا وضعت فقال يوسف عليه
~~السلام لولد له صغير: قم إلى هذا فمسه أو خذ بيده، وكان إذا مسه أحد من
~~ولد يعقوب عليه السلام يسكن غضبه، فلما فعل الولد سكن غضبه فقال لإخوته:
~~من مسني منكم؟ فقالوا: ما مسك أحد منا فقال: لقد مسني ولد من آل يعقوب
~~عليه السلام، ثم قال لإخوته كم عدد الأسواق بمصر؟ قالوا: عشرة قال:
~~اكفوني أنتم الأسواق وأنا أكفيكم الملك أو اكفوني أنتم الملك وأنا أكفيكم
~~الأسواق فلما أحس يوسف عليه السلام بذلك قام إليه وأخذ بتلابيبه وصرعه
~~وقال: أنتم يا معشر العبرانيين تزعمون أن لا أحد أشد منكم قوة فعند ذلك
~~خضعوا وقالوا:

# يا أيها العزيز

# [يوسف: 78] الخ، ويمكن على هذا أن يكون ms04747 حصول اليأس الكامل لهم من مجموع
~~الأمرين. وجوز بعضهم كون ضمير { منه } لبنيامين، وتعقب بأنهم لم
~~ييأسوا منه بدليل تخلف كبيرهم لأجله وروى أبو ربيعة عن البزي عن ابن كثير
~~أنه قرأ { استأيسوا } من أيس مقلوب يئس، ودليل القلب على ما في «البحر»
~~عدم انقلاب ياء أيس ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وحاصل المعنى لما
~~انقطع طمعهم بالكلية.

# { خلصوا } انفردوا عن غيرهم واعتزلوا الناس. وقول الزجاج: انفرد
~~بعضهم عن بعض فيه نظر { نجيا } أي متناجين متشاورين فيما يقولون
~~لأبيهم عليه الصلاة والسلام، وإنما وحده وكان الظاهر جمعه لأنه حال من
~~ضمير الجمع لأنه مصدر بحسب الأصل كالتناجي أطلق على المتناجين مبالغة أو
~~لتأويله بالمشتق والمصدر ولو بحسب الأصل يشمل القليل والكثير أو لكونه
~~على زنة المصدر لأن فعيلا من أبنية المصادر هو فعيل بمعنى مفاعل كجليس
~~بمعنى مجالس وكعشير بمعنى معاشر، أي مناج بعضهم بعضا فيكونون متناجين
~~وجمعه أنجية قال لبيد:

# وشهدت أنجية الخلافة عاليا

# كعبي وارادف الملوك شهود

# وأنشد الجوهري:

# إني إذا ما القول كانوا أنجيه

# واضطربوا مثل اضطراب الأرشيه

# هناك أوصيني ولا توصي بيه

# وهو على خلاف القياس إذ قياسه في الوصف افعلاء كغني وأغنياء.

# { قال كبيرهم } أي رئيسهم وهو شمعون قاله مجاهد، أو كبيرهم في
~~السن وهو روبيل قاله قتادة، أو كبيرهم في العقل وهو يهوذا قاله وهب
~~والكلبي، وعن محمد بن إسحق أنه لاوى { ألم تعلموا } كأنهم
~~أجمعوا عند التناجي على الانقلاب جملة ولم يرض به فقال منكرا عليهم: {
~~ألم تعلموا }. { أن أباكم قد أخذ عليكم
~~موثقا من الله } عهدا يوثق به وهو حلفهم بالله تعالى وكونه
~~منه تعالى لأنه بإذنه فكأنه صدر منه تعالى أو هو من جهته سبحانه  فمن 
~~ابتدائية { ومن قبل } أي من قبل هذا، والجار والمجرور متعلق بقوله
~~تعالى: { ما فرطتم فى يوسف } أي قصرتم في شأنه ولم تحفظوا عهد
~~أبيكم فيه وقد قلتم ما قلتم. و { ما } مزيدة والجملة حالية، وهذا على ما
~~قيل أحسن الوجوه في الآية وأسلمها، وجوز أن ms04748 تكون { ما } مصدرية ومحل
~~المصدر النصب عطفا على مفعول { تعلموا } أي ألم تعلموا أخذ أبيكم
~~موثقا عليكم وتفريطكم السابق في شأن يوسف عليه السلام، وأورد عليه
~~أمران: الفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف، وتقديم معمول صلة الموصول
~~الحرفي عليه وفي جوازهما خلاف للنحاة والصحيح الجواز خصوصا بالظرف
~~المتوسع فيه، وقيل:/ بجواز العطف على اسم { أن } ويحتاج حينئذ إلى خبر
~~لأن الخبر الأول لا يصح أن يكون خبرا له فهو { فى يوسف } أو { من
~~قبل } على معنى ألم تعلموا أن تفريطكم السابق وقع في شأن يوسف عليه
~~السلام أو أن تفريطكم الكائن أو كائنا في شأن يوسف عليه السلام وقع من
~~قبل.

# واعترض بأن مقتضى المقام إنما هو الإخبار بوقوع ذلك التفريط لا يكون
~~تفريطهم السابق واقعا في شأن يوسف عليه السلام كما هو مفاد الأول، ولا
~~يكون تفريطهم الكائن في شأنه واقعا من قبل كما هو مفاد الثاني. وفيه
~~أيضا ما ذكره أبو البقاء وتبعه أبو حيان من أن الغايات لا تقع خبرا ولا
~~صلة ولا صفة ولا حالا وقد صرح بذلك سيبويه سواء جرت أم لم تجر فتقول:
~~يوم السبت يوم مبارك والسفر بعده ولا تقول والسفر بعد، وأجاب عند في
~~«الدر المصون» بأنه إنما امتنع ذلك لعدم الفائدة لعدم العلم بالمضاف إليه
~~المحذوف فينبغي الجواز إذا كان المضاف إليه معلوما مدلولا عليه كما في
~~الآية الكريمة، ورد بأن جواز حذف المضاف إليه في الغايات مشروط بقيام
~~القرينة على تعيين ذلك المحذوف على ما صرح به الرضي فدل على أن الامتناع
~~ليس معللا بما ذكر.

# وقال الشهاب: أن ما ذكروه ليس متفقا عليه فقد قال الإمام المرزوقي في "
~~شرح الحماسة ": إنها تقع صفات وأخبارا وصلات وأحوالا ونقل هذا الإعراب
~~المذكور هنا عن الرماني وغيره واستشهد له بما يثبته من كلام العرب، ثم إن
~~في تعرفها بالإضافة باعتبار تقدير المضاف إليه معرفة يعينه الكلام السابق
~~عليها اختلافا والمشهور أنها معارف، وقال بعضهم: نكرات وإن التقدير من
~~قبل شيء كما في ms04749 «شرح التسهيل». والفاضل صاحب " الدر " سلك مسلكا حسنا
~~وهو أن المضاف إليه إذا كان معلوما مدلولا عليه بأن يكون مخصوصا
~~معينا صح الإخبار لحصول الفائدة فإن لم يتعين بأن قامت قرينة العموم دون
~~الخصوص وقدر من قبل شيء لم يصح الإخبار ونحوه إذ ما شيء إلا وهو قبل شيء
~~ما فلا فائدة في الإخبار فحينئذ يكون معرفة ونكرة، ولا مخالفة بين كلامه
~~وكلام الرضي مع أن كلام الرضي غير متفق عليه انتهى، وهو كما قال تحقيق
~~نفيس، وقيل: محل المصدر الرفع على الإبتداء والخبر { من قبل } وفيه
~~البحث السابق، وقيل: { ما } موصولة ومحلها من الإعراب ما تقدم من الرفع
~~أو النصب وجملة { فرطتم } صلتها والعائد محذوف، والتفريط بمعنى
~~التقديم من الفرط لا بمعنى التقصير أي ما قدمتموه من الجناية. وأورد عليه
~~أنه يكون قوله تعالى: { من قبل } تكرارا فإن جعل خبرا يكون الكلام
~~غير مفيد وإن جعل متعلقا بالصلة يلزم مع التكرار تقديم متعلق الصلة على
~~الموصول وهو غير جائز، وقيل: { ما } نكرة موصوفة ومحلها ما تقدم وفيه ما
~~فيه.

# { فلن أبرح الأرض } مفرع على ما ذكره وذكر به، و برح تامة
~~وتستعمل إذا كان كذلك بمعنى ذهب وبمعنى ظهر كما في قولهم: برح الخفاء،
~~وقد ضمنت هنا معنى فارق فنصبت { الأرض } على المفعولية ولا يجوز أن
~~تكون ناقصة لأن الأرض لا يصح أن تكون خبرا عن المتكلم هنا وليست منصوبة
~~على الظرفية ولا بنزع الخافض؛ وعنى بها أرض مصر أي فلن أفارق أرض مصر
~~جريا على قضية الميثاق { حتى يأذن لى أبي } / في البراح
~~بالانصراف إليه { أو يحكم الله لى } بالخروج منها على وجه لا
~~يؤدي إلى نقض الميثاق أو بخلاص أخي بسبب من الأسباب، قال في «البحر» إنه
~~غيا ذلك بغايتين خاصة وهي إذن أبيه وعامة وهي حكم الله تعالى له وكأنه
~~بعد أن غيا بالأولى رجع وفوض الأمر إلى من له الحكم حقيقة جل شأنه، وأراد
~~حكمه سبحانه بما يكون عذرا له ولو الموت، والظاهر أن أحب ms04750 الغايتين إليه
~~الأولى فلذا قدم { لى } فيها وأخره في الثانية فليفهم { وهو خير
~~الحكمين } إذ لا يحكم سبحانه إلا بالحق والعدل.

### || [12.81]

# { ارجعوا إلى أبيكم فقولوا } له { يأبانا إن
~~ابنك سرق } الظاهر أن هذا القول من تتمة كلام كبيرهم وقيل: هو من
~~كلام يوسف عليه السلام وفيه بعد كما أن الظاهر أنهم أرادوا أنه سرق في
~~نفس الأمر. { وما شهدنا } عليه { إلا بما علمنا } من
~~سرقته وتبقيناه حيث استخرج صواع الملك من رحله. { وما كنا
~~للغيب حفظين } وما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الميثاق أو ما
~~علمنا أنك ستصاب به كما أصبت بيوسف. وقرأ الضحاك { سارق } باسم الفاعل.
~~وقرأ ابن عباس وأبو رزين والكسائي في رواية { سرق } بتشديد الراء مبنيا
~~للمفعول أي نسب إلى السرقة فمعنى { وما شهدنا } الخ وما شهدنا إلا
~~بقدر ما علمنا من التسريق وما كنا للأمر الخفي بحافظين أسرق بالصحة أم دس
~~الصواع في رحله ولم يشعر. واستحسنت هذه القراءة لما فيها من التنزيه كذا
~~قالوا، والظاهر أن القول باستفادة اليقين من استخراج الصواع من رحله مما
~~لا يصح فكيف يوجب اليقين، واحتمال أنه دس فيه من غير شعور قائم جعل مجرد
~~وجود الشيء في يد المدعى عليه بعد إنكاره موجبا للسرق في شرعهم أولا،
~~قيل: فالوجه أن الظن البين قائم مقام العلم، ألا ترى أن الشهادة تجوز
~~بناء على الاستصحاب ويسمى علما كقوله تعالى:

# فإن علمتموهن مؤمنت

# [الممتحنة: 10] وإنما جزموا بذلك لبعد الاحتمالات المعارضة عندهم، وإذا
~~جعل الحكم بالسرقة وكذا علمهم أيضا مبنيا على ما شاهدوا من ظاهر الأمر
~~اتحدت القراءتان ويفسر { وما كنا } الخ بما فسر به على القراءة
~~الأخيرة، وقيل: معنى { ما شهدنا } الخ ما كانت شهادتنا في عمرنا على
~~شيء إلا بما علمنا وليست هذه شهادة منا إنما هي خبر عن صنيع ابنك بزعمهم
~~{ وما كنا } الخ كما هو وهو ذهاب أيضا إلى أنهم غير جازمين.

# وفي «الكشف» الذي يشهد له الذوق أنهم كانوا جازمين وقولهم:

# إن يسرق فقد سرق

# [يوسف:77] تمهيد ms04751 بين، وادعاء العلم لا يلزم العلم فإن كان لبعد
~~الاحتمالات المعارضة فلا يكون كذبا محرما وإلا فغايته الكذب في دعوى
~~العلم وليس بأول كذباتهم، وكان قبل أن تنبؤا ولهذا خونهم الأب في هذه
~~أيضا، على أن قولهم:

# جزاؤه من وجد فى رحله

# [يوسف: 75] مؤكدا ذلك التأكيد يدل على أنهم جعلوا الوجدان في الرحل
~~قاطعا وإلا كان عليهم أن يقولوا: جزاؤه من وجد في رحله متعديا أو
~~سارقا ونحوه، فإن يحتمل عنهم الجزم هنالك فلم لا يحتمل ههنا اه وفيه
~~مخالفة لبعض ما نحن عليه، وكذا لما ذكرناه في تفسير

# جزاؤه

# [يوسف:75] الخ، ولعل الأمر في هذا هين. ومن غريب التفسير أن معنى قولهم:
~~{ للغيب } لليل وهو بهذا المعنى في لغة حمير وكأنهم قالوا: وما
~~شهدنا إلا بما علمنا  من ظاهر حاله  وما كنا لليل حافظين أي لا ندري ما
~~يقع فيه فلعله سرق فيه أو دلس عليه، وأنا لا أدري ما الداعي إلى هذا
~~التفسير المظلم مع تبلج صبح المعنى المشهور؛ وأيا ما كان/ فلام {
~~للغيب } للتقوية والمراد حافظين الغيب.

### || [12.82]

# { واسئل القرية التى كنا فيها } يعنون كما روى عن ابن
~~عباس وقتادة والحسن مصر، وقيل: قرية بقربها لحقهم المنادى بها، والأول:
~~ظاهر على القول بأن المفتش لهم يوسف عليه السلام والثاني: الظاهر على
~~القول بأنه المؤذن، وسؤال القرية عبارة عن سؤال أهلها إما مجازا في
~~القرية لإطلاقها عليها بعلاقة الحالية والمحلية أو في النسبة أو يقدر فيه
~~مضاف وهو مجاز أيضا عند سيبويه وجماعة وفي المحصول وغيره أن الإضمار
~~والمجاز متباينان ليس أحدهما قسما من الآخر والأكثرون على المقابلة،
~~وأيا ما كان فالمسؤول عنه محذوف للعلم به، وحاصل المعنى أرسل من تثق به
~~إلى أهل القرية واسألهم عن القصة { والعير التى أقبلنا
~~فيها } أي أصحابها الذين توجهنا فيهم وكنا معهم فإن القصة معروفة فيما
~~بينهم وكانوا قوما من كنعان من جيران يعقوب عليه السلام، وقيل: من أهل
~~صنعاء، والكلام هنا في التجوز والإضمار كالكلام سابقا. وقيل: لا تجوز
~~ولا ms04752 إضمار في الموضعين والمقصود إحالة تحقيق الحال والإطلاع على كنه
~~القصة على السؤال من الجمادات والبهائم أنفسها بناء على أنه عليه السلام
~~نبي فلا يبعد أن تنطق وتخبره بذلك على خرق العادة. وتعقب بأنه مما لا
~~ينبغي أن يكون مرادا ولا يقتضيه المقام لأنه ليس بصدد إظهار المعجزة،
~~وقال بعض الأجلة: الأول إبقاء { القرية والعير } على ظاهرهما
~~وعدم إضمار مضاف إليهما ويكون الكلام مبنيا على دعوى ظهور الأمر بحيث أن
~~الجمادات والبهائم قد علمت به وقد شاع مثل ذلك في الكلام قديما وحديثا
~~ومنه قول ابن الدمينة:

# سل القاعة الوعسا من الأجرع الذي

# به البان هل حييت إطلال دارك

# وقوله:

# سلوا مضجعي عني وعنها فإننا

# رضينا بما يخبرن عنا المضاجع

# وقوله:

# واسأل نجوم الليل هل زار الكرى

# جفني وكيف يزور من لم يعرف

# ولا يخفى أن مثل هذا لا يخلو عن ارتكاب مجاز. نعم هو معنى لطيف بيد أن
~~الجمهور على خلافه وأكثرهم على اعتبار مجاز الحذف.

# { وإنا لصدقون } فيما أخبرناك به، وليس المراد إثبات صدقهم
~~بما ذكره حتى يكون مصادرة بل تأكيد صدقهم بما يفيد ذلك من الاسمية وإن
~~واللام وهو مراد من قال: إنه تأكيد في محل القسم، ويحتمل على ما قيل أن
~~يريد أن هنا قسما مقدرا، وقيل: المراد الإثبات ولا مصادرة على معنى أنا
~~قوم عادتنا الصدق فلا يكون ما أخبرناك به كذبا ولا نظنك في مرية من عدم
~~قبوله.

### || [12.83]

# { قال } أي أبوهم عليه السلام وهو استئناف مبنى على سؤال نشأ مما سبق
~~فكأنه قيل: فماذا كان عند قول ذلك القائل للإخوة ما قال؟ فقيل: قال أبوهم
~~عندما رجعوا إليه فقالوا له ما قالوا: { بل سولت لكم
~~أنفسكم أمرا } وإنما حذف للإيذان بأن مسارعتهم إلى قبول كلام ذلك
~~القائل ورجوعهم به إلى أبيهم أمر مسلم غني عن البيان وإنما المحتاج إليه
~~جوابه. يروى أنهم لما عزموا على الرجوع إلى أبيهم قال لهم يوسف عليه
~~السلام: إذا أتيتم أباكم فاقرؤا عليه السلام وقولوا له: إن ملك ms04753 مصر يدعو
~~لك أن لا تموت حتى ترى ولدك يوسف ليعلم أن في أرض مصر صديقين مثله،
~~فساروا حتى وصلوا إليه فأخبروه بجميع ما كان فبكى وقال ما قال، { وبل }
~~للإضراب/ وهو على ما قيل إضراب لا عن صريح كلامهم فإنهم صادقون فيه بل
~~عما يتضمنه من ادعاء البراءة عن التسبب فيما نزل به وأنه لم يصدر عنهم ما
~~أدى إلى ذلك من قول أو فعل كأنه لم يكن الأمر كذلك بل زينت وسهلت لكم
~~أنفسكم أمرا من الأمور فأتيتموه يريد بذلك فتياهم بأخذ السارق بسرقته
~~وليس ذلك من دين الملك.

# وقال أبو حيان إن هنا كلاما محذوفا وقع الإضراب عنه والتقدير ليس
~~حقيقة كما أخبرتم بل سولت الخ وهو عند ابن عطية وادعى أنه الظاهر على حد
~~ما قال في قصة يوسف عليه السلام ظن سوء بهم خلا أنه عليه السلام صدق ظنه
~~هناك ولم يتحقق هنا. وذكر ابن المنير في توجيه هذا القول ههنا مع أنهم
~~لم يتعمدوا في حق بنيامين سوأ ولا أخبروا أباهم إلا بالواقع على جليته
~~وما تركوه بمصر إلا مغلوبين عن استصحابه أنهم كانوا عند أبيهم عليه
~~السلام حينئذ متهمين وهم قمن باتهامه لما أسلفوه في حق يوسف عليه السلام
~~وقامت عنده قرينة تؤكد التهمة وتقويها وهو أخذ الملك له في السرقة ولم
~~يكن ذلك إلا من دينه لا من دينه ولا من دين غيره من الناس فظن أنهم الذين
~~أفتوه بذلك بعد ظهور السرقة التي ذكروها تعمدا ليتخلف دونهم، واتهام من
~~هو بحيث يتطرق إليه التهمة لا جرح فيه لا سيما فيما يرجع إلى الوالد مع
~~الولد، ثم قال: ويحتمل أن يكون الوجه الذي سوغ له هذا القول في حقهم أنهم
~~جعلوا مجرد وجود الصواع في رحل من يوجد في رحله سرقة من غير أن يحيلوا
~~الحكم على ثبوت كونه سارقا بوجه معلوم، وهذا في شرعنا لا يثبت السرقة
~~على من ادعيت عليه فإن كان في شرعهم أيضا كذلك ففي عدم تحرير الفتوى ms04754
~~إشعار بأنهم كانوا حراصا على أخذه وهو من التسويل وإن اقتضى ذلك في
~~شرعهم فالعمدة على الجواب الأول هذا، والتنوين في { أمرا } للتعظيم أي
~~أمرا عظيما.

# { فصبر جميل } أي فأمري ذلك أو فصبر جميل أجمل وقد تقدم تمام
~~الكلام فيه فتذكر. { عسى الله أن يأتينى بهم جميعا }
~~بيوسف وأخيه بنيامين والمتوقف بمصر { إنه هو العليم } بحالي
~~وحالهم { الحكيم } الذي يبتلى ويرفع البلاء حسب الحكمة البالغة، قيل:
~~إنما ترجى عليه السلام للرؤية التي رآها يوسف عليه السلام فكان ينتظرها
~~ويحسن ظنه بالله تعالى لا سيما بعد أن بلغ الشظاظ الوركين وجاوز الحزام
~~الطبيين فإنه قد جرت سنته تعالى أن الشدة إذا تناهت يجعل وراءها فرجا
~~عظيما، وانضم إلى ذلك ما أخبر به عن ملك مصر أنه يدعو له أن لا يموت حتى
~~يرى ولده.

### || [12.84]

# { وتولى } أي أعرض { عنهم } كراهة لما جاؤا به { وقال يا
~~أسفى على يوسف } الأسف أشد الحزن على ما فات، والظاهر أنه عليه
~~السلام أضافه إلى نفسه، والألف بدل من ياء المتكلم للتخفيف، والمعنى يا
~~أسفى تعال فهذا أوانك، وقيل: الألف ألف الندبة والهاء محذوفة والمعول
~~عليه الأول، وإنما تأسف على يوسف مع أن الحادث مصيبة أخوية لأن رزأه كان
~~قاعدة الإرزاء عنده وإن تقادم عهده أخذا بمجامع قلبه لا ينساه ولا يزول
~~عن فكره أبدا:

# ولم تنسني أو في المصيبات بعده

# ولكن نكاء القرح بالقرح أوجع

# ولا يرد أن هذا مناف لمنصب النبوة إذ يقتضي ذلك معرفة الله تعالى ومن
~~عرفه سبحانه أحبه ومن أحبه لم يتفرغ قلبه لحب ما سواه لما قيل: إن هذه
~~محبة طبيعية ولا تأبى الاجتماع مع حبه تعالى، وقال الإمام: إن مثل هذه
~~المحبة الشديدة تزيل عن القلب الخواطر ويكون صاحبها كثير الرجوع إليه
~~تعالى كثير الدعاء والتضرع/ فيصير ذلك سببا لكمال الاستغراق، وسيأتي إن
~~شاء الله تعالى ما للصوفية قدس الله تعالى أسرارهم في هذا المقام في باب
~~الإشارة، وقيل: لأنه عليه السلام كان واثقا بحياتها عالما بمكانهما
~~طامعا بإيابهما ms04755 وأما يوسف فلم يكن في شأنه ما يحرك سلسلة رجائه سوى رحمة
~~الله تعالى وفضله وفيه بحث. وأخرج الطبراني وابن مردوية والبيهقي في "
~~شعب الإيمان " عن سعيد بن جبير: " لم تعط أمة من الأمم

# إنا لله وإنا إليه راجعون

# [البقرة:156] إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم " أي لم يعلموه ولم
~~يوفقوا له عند نزول المصيبة بهم، ألا يرى إلى يعقوب عليه السلام حين
~~أصابه ما أصابه لم يسترجع وقال ما قال، وفي { أسفا } و { يوسف } تجنيس
~~نفيس من غير تكلف وخو مما يزيد الكلام الجليل بهجة.

# { وابيضت عيناه من الحزن } أي بسببه وهو في الحقيقة سبب
~~للبكاء والبكاء سبب لابيضاض عينه فإن العبرة إذا كثرت محقت سواد العين
~~وقلبته إلى بياض كدر فأقيم سبب السبب مقامه لظهوره، والابيضاض قيل إنه
~~كناية عن العمى فيكون قد ذهب بصره عليه السلام بالكلية واستظهره أبو حيان
~~لقوله تعالى:

# فارتد بصيرا

# [يوسف: 96] وهو يقابل بالأعمى، وقيل: ليس كناية عن ذلك والمراد من الآية
~~أنه عليه السلام صارت في عينيه غشاوة بيضتهما وكان عليه السلام يدرك
~~إدراكا ضعيفا، وقد تقدم الكلام في حكم العمى بالنسبة إلى الأنبياء
~~عليهم السلام، وكان الحسن ممن يرى جوازه. فقد اخرج عبد الله بن أحمد في "
~~زوائده " وابن جرير وأبو الشيخ عنه قال: كان منذ خرج يوسف من عند يعقوب
~~عليهما السلام إلى يوم رجع ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه ودموعه تجري
~~على خديه ولم يزل يبكي حتى ذهب بصره وما على الأرض يومئذ والله أكرم على
~~الله تعالى منه، والظاهر أنه عليه السلام لم يحدث له هذا الأمر عند
~~الحادث الأخير، ويدل عليه ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ليث بن أبي
~~سليم أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف عليه السلام في السجن فعرفه فقال
~~له أيها الملك الكريم على ربه هل لك علم بيعقوب؟ قال: نعم.

# قال: ما فعل؟ قال: ابيضت عيناه من الحزن عليك قال: فما بلغ من الحزن؟
~~قال: حزن سبعين ms04756 مشكلة قال: هل له على ذلك من أجر؟ قال: نعم أجر مائة شهيد
~~وقرأ ابن عباس ومجاهد { من الحزن } بفتح الحاء والزاي وقرأ قتادة بضمهما.

# واستدل بالآية على جواز التأسف والبكاء عند النوائب، ولعل الكف عن أمثال
~~ذلك لا يدخل تحت التكليف فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد.

# وقد روى الشيخان من حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم بكى على ولده
~~إبراهيم وقال:

# " إن العين تدمع والقلب يخشع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك يا
~~إبراهيم لمحزونون "

# وإنما المنهي عنه ما يفعله الجهلة من النياحة ولطم الخدود والصدور وشق
~~الجيوب وتمزيق الثياب. ورويا أيضا من حديث أسامة

# " أنه صلى الله عليه وسلم رفع إليه صبي لبعض بناته يجود بنفسه فأقعده في
~~حجره ونفسه تتقعقع كأنها في شن ففاضت عيناه عليه الصلاة والسلام فقال
~~سعد: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: هذه رحمة جعلها الله تعالى فيمن شاء من
~~عباده وإنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء "

# وفي " الكشاف " أنه قيل له عليه الصلاة والسلام: تبكي وقد نهيتنا عن
~~البكاء؟ قال. ما نهيتكم عن البكاء وإنما نهيتكم عن صوتين أحمقين صوت عند
~~الفرح وصوت عند الترح. وعن الحسن أنه بكى على ولد أو غيره فقيل له في ذلك
~~فقال: ما رأيت الله تعالى جعل الحزن عارا على يعقوب عليه السلام.

# { فهو كظيم } / أي مملوء من الغيظ على أولاده ممسك له في قلبه لا
~~يظهره، وقيل: مملوء من الحزن ممسك له لا يبديه، وهو من كظم السقاء إذا
~~شده بعد ملئه، ففعيل بمعنى مفعول أي مكظوم فهو كما جاء في يونس عليه
~~السلام

# إذ نادى وهو مكظوم

# [ القلم: 48] ويجوز أن يكون بمعنى فاعل كقوله تعالى:

# والكاظمين

# [آل عمران: 134] من كظم الغيظ إذا تجرعه أي شديد التجرع للغيظ أو الحزن
~~لأنه لم يشكه إلى أحد قط، وأصله من كظم البعير جرته إذا ردها في جوفه
~~فكأنه عليه السلام يرد ذلك في جوفه مرة بعد أخرى من غير أن يطلع ms04757 أحدا
~~عليه. وفي الكلام من الاستعارة على الوجهين ما لا يخفى، ورجح الأخير
~~منهما بأن فعيلا بمعنى فاعل مطرد ولا كذلك فعيلا بمعنى مفعول.

### || [12.85]

# { قالوا } أي الإخوة وقيل غيرهم من أتباعه عليهم السلام { تالله
~~تفتؤا } أي لا تفتأ ولا تزال { تذكر يوسف } تفجعا عليه فحذف
~~حرف النفي كما في قوله:

# فقلت يمين الله أبرح قاعدا

# ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي

# لأن القسم إذا لم يكن معه علامة الإثبات كان على النفي وعلامة الإثبات
~~هي اللام ونون التأكيد وهما يلزمان جواب القسم المثبت فإذا لم يذكرا دل
~~على أنه منفي لأن المنفى لا يقارنهما ولو كان المقصود ههنا الإثبات لقيل
~~لتفتأن، ولزوم اللام والنون مذهب البصريين، وقال الكوفيون والفارسي: يجوز
~~الاقتصار على أحدهما وجاء الحذف فيما إذا كان الفعل حالا كقراءة ابن كثير

# لأقسم بيوم القيمة

# [القيامة: 1] وقوله:

# لأبغض كل أمرىء

# يزخرف قولا ولا يفعل

# ويتفرع على هذا مسألة فقهية وهي أنه إذا قال: والله أقوم يحنث إذا قام
~~وإن لم يقم لا، ولا فرق بين كون القائل عالما بالعربية أو لا على ما
~~أفتى به خير الدين الرملي، وذكر أن الحلف بالطلاق كذلك فلو قال: علي
~~الطلاق بالثلاث تقومين الآن تطلق إن قامت ولا تطلق إن لم تقم، وهذه
~~المسألة مهمة لا بأس بتحقيق الحق فيها وإن أدى إلى الخروج عما نحن بصدده
~~فنقول: قال غير واحد: إن العوام لو أسقطوا اللام والنون في جواب القسم
~~المثبت المستقبل فقال أحدهم: والله أقوم مثلا لا يحنث بعدم القيام فلا
~~كفارة عليه، وتعقبه المقدسي بأنه ينبغي أن تلزمهم الكفارة لتعارفهم الحلف
~~كذلك، ويؤيده ما في " الظهيرية " أنه لو سكن الهاء أو نصب في بالله يكون
~~يمينا مع أن العرب ما نطقت بغير الجر، وقال أيضا: إنه ينبغي أن يكون
~~ذلك يمينا وإن خلا من اللام والنون، ويدل عليه قوله في " الولوالجية ":
~~سبحان الله أفعل لا إله إلا الله أفعل كذا ليس بيمين إلا أن ينويه،
~~واعترضه الخير الرملي بأن ما نقله ms04758 لا يدل لمدعاه، أما الأول فلأنه تغيير
~~إعراب لا يمنع المعنى الموضوع فلا يضر التسكين والرفع والنصب لما تقرر من
~~أن اللحن لا يمنع الانعقاد، وأما الثاني فلأنه ليس من المتنازع فيه إذ هو
~~الإثبات والنفي لا أنه يمين، وقد نقل ما ذكرناه عن المذهب والنقل يجب
~~اتباعه، ونظر فيه. أما أولا فبأن اللحن كما في " المصباح " وغيره الخطأ
~~في العربية، وأما ثانيا فبأن ما في " الولوالجية " من المتنازع فيه فإنه
~~أتى بالفعل المضارع مجردا من اللام والنون وجعله يمينا مع النية ولو
~~كان على النفي لوجب أن يقال: إنه مع النية يمين على عدم الفعل كما لا
~~يخفى، وإنما اشترط في ذلك النية لكونه غير متعارف.

# وقال الفاضل الحلبي: إن بحث المقدسي وجيه، والقول بأنه يصادم المنقول
~~يجاب عنه بأن المنقول في/ المذهب كان على عرف صدر الإسلام قبل أن تتغير
~~اللغة، وأما الآن فلا يأتون باللام والنون في مثبت القسم أصلا ويفرقون
~~بين الإثبات والنفي بوجود لا ولا وجودها، وما اصطلاحهم على هذا إلا
~~كاصطلاح الفرس ونحوهم في أيمانهم وغيرها اه، ويؤيد هذا ما ذكره العلامة
~~قاسم وغيره من أنه يحمل كلام كل عاقد وحالف وواقف على عرفه وعادته سواء
~~وافق كلام العرب أم لا، ومثله في " الفتح " ، وقد فرق النحاة بين بلى
~~ونعم في الجواب أن بلى لإيجاب ما بعد النفي ونعم للتصديق فإذا قيل: ما
~~قام زيد فإن قلت: بلى كان المعنى قد قام وإن نعم كان ما قام، ونقل في "
~~شرح المنار " عن " التحقيق " أن المعتبر في أحكام الشرع العرف حتى يقام
~~كل واحد منهما مقام الآخر، ومثله في " التلويح " ، وقول " المحيط "
~~والحلف بالعربية أن يقول في الإثبات والله لأفعلن إلى آخر ما قال بيان
~~للحكم على قواعد العربية، وعرف العرب وعادتهم الخالية عن اللحن وكلام
~~الناس اليوم إلا ما ندر خارج عن هاتيك القواعد فهو لغة اصطلاحية لهم
~~كسائر اللغات الأعجمية التي تصرف فيها أهلها بما تصرفوا فلا يعاملون بغير
~~لغاتهم وقصدهم إلا من ms04759 التزم منهم الإعراب أو قصد المعنى فينبغي أن يدين،
~~ومن هنا قال السائحاني: إن أيماننا الآن لا تتوقف على تأكيد فقد وضعناها
~~نحن وضعا جديدا واصطلحنا عليها اصطلاحا حادثا وتعارفناها تعارفا
~~مشهورا فيجب معاملتنا على قدر عقولنا ونياتنا كما أوقع المتأخرون الطلاق
~~بعلي الطلاق ومن لم يدر بعرف أهل زمانه فهو جاهل اه، ونظير هذا ما
~~قالوه: من أنه لو أسقطت الفاء الرابطة لجواب الشرط فهو تنجيز لا تعليق
~~حتى لو قال: إن دخلت الدار أنت طالق تطلق في الحال وهو مبني على قواعد
~~العربية أيضا وهو خلاف المتعارف الآن فينبغي بناؤه على العرف فيكون
~~تعليقا وهو المروي عن أبي يوسف. وفي " البحر " أن الخلاف مبني على جواز
~~حذفها اختيارا وعدمه فأجازه أهل الكوفة وعليه فرع أبو يوسف ومنعه أهل
~~البصرة وعليه تفرع المذهب. وفي " شرح نظم الكنز " للمقدسي أنه ينبغي
~~ترجيح قول أبي يوسف لكثرة حذف الفاء في الفصيح ولقولهم: العوام لا يعتبر
~~منهم اللحن في قولهم: أنت واحدة بالنصب الذي لم يقل به أحد اه هذا ثم إن
~~ما ذكر إنما هو في القسم بخلاف التعليق وهو وإن سمي عند الفقهاء حلفا
~~ويمينا لكنه لا يسمى قسما فإن القسم خاص باليمين بالله تعالى كما صرح
~~به القهستاني فلا يجري فيه اشتراط اللام والنون في المثبت منه لا عند
~~الفقهاء ولا عند اللغويين، ومنه الحرام يلزمني وعلي الطلاق لا أفعل كذا
~~فإنه يراد به في العرف إن فعلت كذا فهي طالق فيجب امضائه عليهم كما صرح
~~به في " الفتح " وغيره قال الحلبي: وبهذا يندفع ما توهمه بعض الأفاضل من
~~أن في قول القائل: علي الطلاق أجيء اليوم إن جاء في اليوم وقع الطلاق
~~وإلا فلا لعدم اللام والنون.

# وأنت خبير بأن النحاة إنما اشترطوا ذلك في جواب القسم المثبت لا في جواب
~~الشرط؛ وكيف يسوغ لعاقل فضلا عن فاضل أن يقول إن إن قام زيد أقم على
~~معنى إن قام زيد لم أقم، على أن أجيء ليس جواب الشرط ms04760 بل هو فعل الشرط لأن
~~المعنى إن لم أجيء اليوم فانت طالق، وقد وقع هذا الوهم لكثير من المفتين
~~كالخير الرملي وغيره، وقال السيد أحمد الحموي في " تذكرته الكبرى ": رفع
~~إلي سؤال صورته رجل اغتاظ من ولد زوجته فقال: علي الطلاق بالثلاث إني
~~أصبح أشتكيك من النقيب فلما أصبح تركه ولم يشتكه ومكث مدة فهل والحالة
~~هذه يقع عليه الطلاق أم لا؟ الجواب إذا ترك شكايتة ومضت مدة بعد حلفه لا
~~يقع عليه الطلاق لأن الفعل المذكور وقع في جواب اليمين وهو مثبت فيقدر
~~النفي حيث لم يؤكد/ ثم قال: فأحببت أنا بعد الحمد لله تعالى ما أفتي به
~~هذا المجيب من عدم وقوع الطلاق معللا بما ذكر فمنبىء عن فرط جهله وحمقه
~~وكثرة مجازفته في الدين وخرقه إذ ذاك في الفعل إذا وقع جوابا للقسم
~~بالله تعالى نحو تفتأ لا في جواب اليمين بمعنى التعليق بما يشق من طلاق
~~وعتاق ونحوهما وحينئذ إذا أصبح الحالف ولم يشتكه وقع عليه الطلاق الثلاث
~~وبانت زوجته منه بينونة كبرى اه. ولنعم ما قال. ولله تعالى در القائل

# من الدين كشف الستر عن كل كاذب

# وعن كل بدعي أتى بالعجائب

# فلولا رجال مؤمنون لهدمت

# صوامع دين الله من كل جانب

# وفتىء هذه من أخوات كان الناقصة كما أشرنا إليه ويقال فيها: فتأ كضرب
~~وأفتأ كأكرم، وزعم ابن مالك أنها تكون بمعنى سكن وفتر فتكون تامة وعلى
~~ذلك جاء تفسير مجاهد  للا تفتأ  بلا تفتر عن حبه، وأوله الزمخشري بأنه
~~عليه الرحمة جعل الفتوء والفتور أخوين أي متلازمين لا أنه بمعناه فإن
~~الذي بمعنى فتر وسكن هو فثأ بالمثلثة كما في " الصحاح " من فثأت القدر
~~إذا سكن غليانها والرجل إذا سكن غضبه، ومن هنا خطأ أبو حيان ابن مالك
~~فيما زعمه وادعى أنه من التصحيف.

# وتعقب بأن الأمر ليس كما قاله فإن ابن مالك نقله عن الفراء وقد صرح به
~~السرقسطى ولا يمتنع اتفاق مادتين في معنى وهو كثير، وقد جمع ذلك ابن مالك ms04761
~~في كتاب سماه  " ما اختلف إعجامه واتفق إفهامه "  ونقله عنه صاحب "
~~القاموس ". واستدل بالآية على جواز الحلف بغلبة الظن، وقيل: إنهم علموا
~~ذلك منه ولكنهم نزلوه منزلة المنكر فلذا أكدوه بالقسم أي نقسم بالله
~~تعالى لا تزال ذاكر يوسف متفجعا عليه.

# { حتى تكون حرضا } مريضا مشفيا على الهلاك، وقيل: الحرض من
~~أذابه هم أو مرض وجعله مهزولا نحيفا، وهو في الأصل مصدر حرض فهو حرض
~~بكسر الراء، وجاء أحرضني كما في قوله:

# إني أمرؤ لج بي حب فأحرضني

# حتى بليت وحتى شفني السقم

# ولكونه كذلك في الأصل لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع لأن المصدر يطلق على
~~القليل والكثير، وقال ابن إسحق: الحرض الفاسد الذي لا عقل له. وقرىء {
~~حرضا } بفتح الحاء وكسر الراء. وقرأ الحسن البصري { حرضا } بضمتين
~~ونحوه من الصفات رجل جنب وغرب { أو تكون من الهالكين } أي
~~الميتين، و { أو } قيل: يحتمل أن تكون بمعنى بل أو بمعنى إلى، فلا يرد
~~عليه أن حق هذا التقديم على { حتى تكون حرضا } فإن كانت
~~للترديد فهي لمنع الخلو والتقديم على ترتيب الوجود كما قيل في قوله
~~تعالى:

# لا تأخذه سنة ولا نوم

# [البقرة: 255] أو لأنه أكثر وقوعا.

### || [12.86]

# { قال إنما أشكو بثى } البث في الأصل إثارة الشيء وتفريقه
~~كبث الريح التراب واستعمل في الغم الذي لا يطيق صاحبه الصبر عليه كأنه
~~ثقل عليه فلا يطيق حمله وحده فيفرقه على من يعينه، فهو مصدر بمعنى
~~المفعول وفيه استعارة تصريحية. وجوز أن يكون بمعنى الفاعل أي الغم الذي
~~بث الفكر وفرقه، وأيا ما كان فالظاهر أن القوم قالوا ما قالوا بطريق
~~التسلية والإشكاء فقال في جوابهم: إني لا أشكو ما بي إليكم أو إلى غيركم
~~حتى تتصدوا لتسليتي وإنما أشكو غمي { وحزنى إلى الله } تعالى
~~متلجئا إلى جنابه متضرعا في دفعه لدى بابه فإنه القادر على ذلك. وفي
~~الخبر عن ابن عمر قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كنوز البر اخفاء الصدقة وكتمان
~~المصائب والأمراض ومن بث لم ms04762 يصبر "

# وقرأ الحسن وعيسى { حزني } بفتحتين وقرأ قتادة بضمتين.

# / { وأعلم من الله } من لطفه ورحمته { ما لا تعلمون }
~~فأرجو أن يرحمني ويلطف بي ولا يخيب رجائي، فالكلام على حذف مضاف و {
~~من } بيانية قدمت على المبين وقد جوزه النحاة. وجوز أن تكون ابتدائية
~~أي أعلم وحيا أو الهاما أو بسبب من أسباب العلم من جهته تعالى ما لا
~~تعلمون من حياة يوسف عليه السلام. قيل: إنه عليه السلام علم ذلك من
~~الرؤيا حسبما تقدم، وقيل إنه رأى ملك الموت في المنام فأخبره أن يوسف حي
~~ذكره غير واحد ولم يذكروا له سندا والمروي عن ابن أبي حاتم عن النضر
~~أنه قال: بلغني أن يعقوب عليه السلام مكث أربعة وعشرين عاما لا يدري
~~أيوسف عليه السلام حي أم ميت حتى تمثل له ملك الموت عليه السلام فقال له:
~~من أنت؟ قال: أنا ملك الموت فقال: أنشدك بإله يعقوب هل قبضت روح يوسف؟
~~قال: لا فعند ذلك قال عليه السلام: { يبني اذهبوا
~~فتحسسوا من يوسف وأخيه... }

### || [12.87]

# { يبني اذهبوا فتحسسوا } أي فتعرفوا، وهو تفعل من الحس
~~وهو في الأصل الإدراك بالحاسة، وكذا أصل التحسس طلب الإحساس، واستعماله
~~في التعرف استعمال له في لازم معناه وقريب منه التجسس بالجيم، وقيل: إنه
~~به في الشر وبالحاء في الخير ورد بأنه، قرىء هنا { فتجسسوا } بالجيم
~~أيضا، وقال الراغب: ((أصل الجس مس العرق وتعرف نبضه للحكم به على الصحة
~~والمرض وهو أخص من الحس فإنه تعرف ما يدركه الحس والجس تعرف حال ما من
~~ذلك)). { من يوسف وأخيه } أي من خبرهما، ولم يذكر الثالث لأن
~~غيبته اختيارية لا يعسر إزالتها، وعلى فرض ذلك الداعية فيهم للتحسس منه
~~لكونه أخاهم قوية فلا حاجة لأمرهم بذلك، والجار متعلق بما عنده وهو بمعنى
~~عن بناء على ما نقل عن ابن الأنباري أنه لا يقال: تحسست من فلان، وإنما
~~يقال: تحسست عنه، وجوز أن تكون للتبعيض على معنى تحسوا خبرا من أخبار
~~يوسف وأخيه.

# { ولا تايئسوا من روح الله } أي ms04763 لا تقنطوا من فرجه
~~سبحانه وتنفيسه، وأصل معنى الروح بالفتح كما قال الراغب التنفس يقال:
~~أراح الإنسان إذا تنفس ثم استعير للفرج كما قيل: له تنفيس من النفس. وقرأ
~~عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة { روح } بالضم، وفسر بالرحمة على أنه
~~استعارة من معناها المعروف لأن الرحمن سبب الحياة كالروح وإضافتها إلى
~~الله تعالى لأنها منه سبحانه، وقال ابن عطية كأن معنى هذه القراءة لا
~~تيأسوا من حي معه روح الله الذي وهبه فإن كل من بقيت روحه يرجى، ومن هذا
~~قوله:

# وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع

# وقول عبيد بن الأبرص:

# وكل ذي غيبة يؤب

# وغائب الموت لا يؤب

# وقرأ أبي { من رحمة الله } وعبد الله { من فضل الله } وكلاهما عند أبي
~~حيان تفسير لا قراءة. وقرىء { تأيسوا }. وقرأ الأعرج { تيئسوا } بكسر
~~التاء والأمر والنهي على ما قيل إرشاد لهم إلى بعض ما أبهم في قوله:

# وأعلم من الله ما لا تعلمون

# [يوسف: 86].

# ثم إنه عليه السلام حذرهم عن ترك العمل بموجب نهيه بقوله: { إنه }
~~أي الشأن { لا يايئس من روح الله إلا القوم
~~الكفرون } لعدم علمه بالله تعالى وصفاته فإن العارف لا يقنط في
~~حال من الأحوال أو تأكيدا لما يعلمونه من ذلك، قال ابن عباس: إن المؤمن
~~من الله تعالى على خير يرجوه/ في البلاء ويحمده في الرخاء. وذكر الإمام
~~أن اليأس لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أن الإله غير قادر على الكمال أو
~~غير عالم بجميع المعلومات أو ليس بكريم، واعتقاد كل من هذه الثلاث يوجب
~~الكفر فإذا كان اليأس لا يحصل إلا عند حصول أحدها وكل منها كفر ثبت أن
~~اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافرا، واستدل بعض أصحابنا بالآية على أن
~~اليأس من رحمة الله تعالى كفر، وادعى أنها ظاهرة في ذلك.

# وقال الشهاب: ليس فيها دليل على ذلك بل هو ثابت بدليل آخر، وجمهور
~~الفقهاء على أن اليأس كبيرة ومفاد الآية أنه من صفات الكفار لا أن من
~~ارتكبه كان ms04764 كافرا بارتكابه، وكونه لا يحصل إلا عند حصول أحد المكفرات
~~التي ذكرها الإمام مع كونه في حيز المنع لجواز أن ييأس من رحمة الله
~~تعالى إياه مع إيمانه بعموم قدرته تعالى وشمول علمه وعظم كرمه جل وعلا
~~لمجرد استعظام ذنبه مثلا واعتقاده عدم أهليته لرحمة الله تعالى من غير
~~أن يخطر له أدنى ذرة من تلك الاعتقادات السيئة الموجبة للكفر لا يستدعي
~~أكثر من اقتضائه سابقية الكفر دون كون ارتكابه نفسه كفرا كذا قيل، وقيل:
~~الأولى التزام القول بأن اليأس قد يجامع الايمان وأن القول بأنه لا يحصل
~~إلا بأحد الاعتقادات المذكورة غير بين ولا مبين.

# نعم كونه كبيرة مما لا شك فيه بل جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه تعالى
~~عنه أنه أكبر الكبائر، وكذا القنوط وسوء الظن، وفرقوا بينها بأن اليأس
~~عدم أمل وقوع شيء من أنواع الرحمة له، والقنوط هو ذاك مع انضمام حالة هي
~~أشد منه في التصميم على عدم الوقوع، وسوء الظن هو ذاك مع انضمام أنه مع
~~عدم رحمته له يشدد له العذاب كالكفار. وذكر ابن نجيم في بعض " رسائله "
~~ما به يرجع الخلاف بين من قال: إن اليأس كفر ومن قال: إنه كبيرة لفظيا
~~فقال: قد ذكر الفقهاء من الكبائر الأمن من مكر الله تعالى واليأس من
~~رحمته وفي " العقائد " واليأس من رحمة الله تعالى كفر فيحتاج إلى
~~التوفيق. والجواب أن المراد باليأس إنكار سعة الرحمة للذنوب، ومن الأمن
~~الاعتقاد أن لا مكر، ومراد الفقهاء من اليأس اليأس لاستعظام ذنوبه
~~واستبعاد العفو عنها، ومن الأمن الأمن لغلبة الرجاء عليه بحيث دخل في حد
~~الأمن ثم قال: والأوفق بالسنة طريق الفقهاء لحديث الدارقطني عن ابن عباس
~~مرفوعا حيث عدها من الكبائر وعطفها على الإشراك بالله تعالى اه وهو
~~تحقيق نفيس فليفهم.

### || [12.88]

# { فلما دخلوا عليه } أي على يوسف عليه السلام بعد ما رجعوا
~~إلى مصر بموجب أمر أبيهم، وإنما لم يذكر إيذانا بمسارعتهم إلى ما أمروا
~~به وإشعارا بأن ذلك أمر محقق لا ms04765 يفتقر إلى الذكر والبيان. وأنكر اليهود
~~رجوعهم بعد أخذ بنيامين إلى أبيهم ثم عودهم إلى مصر وزعموا أنهم لما جاؤا
~~أولا للميرة اتهمهم بأنهم جواسيس فاعتذروا وذكروا أنهم أولاد نبي الله
~~تعالى يعقوب وأنهم كانوا اثني عشر ولدا هلك واحد منهم وتخلف أخوه عند
~~أبيهم يتسلى به عن الهالك حيث إنه كان يحبه كثيرا فقال: ائتوني به
~~لأتحقق صدقكم وحبس شمعون عنده حتى يجيؤا فلما أتوا به ووقع من أمر السرقة
~~أظهروا الخضوع والانكسار فلم يملك عليه السلام نفسه حتى تعرف إليهم ثم
~~أمرهم بالعود إلى أبيهم ليخبروه الخبر ويأتوا به وهو الذي تضمنته توراتهم
~~اليوم وما بعد الحق إلا الضلال.

# { قالوا يأيها العزيز } خاطبوه بذلك تعظيما له على حد
~~خطابهم السابق به على ما هو الظاهر، وهل كانوا يعرفون اسمه أم لا، لم أر
~~من تعرض/ لذلك فإن كانوا يعرفون ازداد أمر جهالتهم غرابة، والمراد على ما
~~قال الإمام وغيره يا أيها الملك القادر المنيع { مسنا وأهلنا
~~الضر } الهزال من شدة الجوع، والمراد بالأهل ما يشمل الزوجة وغيرها {
~~وجئنا ببضاعة مزجاة } مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها
~~واحتقارا، من أزجيته إذا دفعته وطردته والريح تزجي السحاب، وأنشدوا
~~لحاتم:

# ليبك على ملحان ضيف مدفع

# وأرملة تزجى مع الليل أرملا

# وكنى بها عن القليل أو الردىء لأنه لعدم الاعتناء يرمى ويطرح، وقيل:
~~كانت بضاعتهم من متاع الأعراب صوفا وسمنا، وقيل: الصنوبر وحبة الخضراء
~~وروى ذلك عن أبي صالح. وزيد بن أسلم، وقيل: سويق المقل والأقط، وقيل:
~~قديد وحش، وقيل: حبالا وإعدالا وأحقابا، وقيل: كانت دراهم زيوفا لا
~~تؤخذ إلا بوضيعة، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والمروي عن
~~الحسن تفسيرها بقليلة لا غير، وعلى كل  فمزجاة  صفة حقيقية للبضاعة،
~~وقال الزجاج: هي من قولهم: فلان يزجى العيش أي يدفع الزمان بالقليل،
~~والمعنى إنا جئنا ببضاعة يدفع بها الزمان وليس مما ينتفع بها، والتقدير
~~على هذا ببضاعة مزجاة بها الأيام أي تدفع بها ويصبر عليها حتى تنقضي كما
~~قيل: ms04766

# درج الأيام تندرج

# وبيوت الهم لا تلج

# وما ذكر أولا هو الأولى، وعن الكلبي أن { مزجاة } من لغة العجم،
~~وقيل: من لغط القبط. وتعقب ذلك ابن الأنباري بأنه لا ينبغي أن يجعل لفظ
~~معروف الاشتقاق والتصريف منسوبا إلى غير لغة العرب فالنسبة إلى ذلك
~~مزجاة. وقرأ حمزة والكسائي { مزجية } بالإمالة لأن أصلها الياء.

# والظاهر أنهم إنما قدموا هذا الكلام ليكون ذريعة إلى إسعاف مرامهم ببعث
~~الشفقة وهز العطف والرأفة وتحريك سلسلة الرحمة ثم قالوا: { فأوف
~~لنا الكيل } أي أتمه لنا ولا تنقصه لقلة بضاعتنا أو رداءتها،
~~واستدل بهذا على أن الكيل على البائع ولا دليل فيه { وتصدق
~~علينا } ظاهره بالإيفاء أو بالمسامحة وقبول المزجاة أو بالزيادة على
~~ما يساويها. وقال الضحاك وابن جريج إنهم أرادوا تصدق علينا برد أخينا
~~بنيامين على أبيه، قيل: وهو الأنسب بحالهم بالنسبة إلى أمر أبيهم وكأنهم
~~أرادوا تفضل علينا بذلك لأن رد الأخ ليس بصدقة حقيقة، وقد جاءت الصدقة
~~بمعنى التفضل كما قيل، ومنه تصدق الله تعالى على فلان بكذا، وأما قول
~~الحسن لمن سمعه يقول: اللهم تصدق علي إن الله تعالى لا يتصدق إنما
~~يتصدق من يبغي الثواب قل: اللهم أعطني أو تفضل علي أو ارحمني فقد رد
~~بقوله صلى الله عليه وسلم:

# " صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم فاقبلوا صدقته "

# وأجيب عنه مجازا ومشاكلة، وإنما رد الحسن على القائل لأنه لم يكن
~~بليغا كما في قصة المتوفي، وادعى بعضهم تعين الحمل على المجاز أيضا إذا
~~كان المراد طلب الزيادة على ما يعطي بالثمن بناء على أن حرمة أخذ الصدقة
~~ليست خاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم كما ذهب إليه سفيان بن عيينة بل هي
~~عامة له عليه الصلاة والسلام ولمن قبله من الأنبياء عليهم السلام وآلهم
~~كما ذهب إليه البعض، والسائلون من إحدى الطائفتين لا محالة، وتعقب بأنا
~~لو سلمنا العموم لا نسلم أن المحرم/ أخذ الصدقة مطلقا بل المحرم إنما هو
~~أخذ الصدقة المفروضة وما هنا ليس منها.

# والظاهر كما قال الزمخشري: ms04767 أنهم تمسكنوا له عليه السلام بقولهم: {
~~مسنا } الخ وطلبوا إليه يتصدق عليهم بقولهم: { وتصدق علينا
~~} فلو لم يحمل على الظاهر لما طابقه ذلك التمهيد ولا هذا التوطيد أعني {
~~إن الله يجزى المتصدقين } بذكر الله تعالى وجزائه
~~الحاملين على ذلك وإن فاعله منه تعالى بمكان. قال النقاش: وفي العدول عن
~~إن الله تعالى يجزيك بصدقتك إلى ما في النظم الكريم مندوحة عن الكذب فهو
~~من المعاريض، فإنهم كانوا يعتقدونه ملكا كافرا وروي مثله عن الضحاك،
~~ووجه عدم بدءهم بما أمروا به على القول بخلاف الظاهر في متعلق التصدق بأن
~~فيما سلكوه استجلابا للشفقة والرحمة فكأنهم أرادوا أن يملأوا حياض قلبه
~~من نميرها ليسقوا به أشجار تحسسهم لتثمر لهم غرض أبيهم، ووجهه بعضهم بمثل
~~هذا ثم قال: على أن قولهم { وتصدق } الخ كلام ذو وجهين فإنه يحتمل
~~الحمل على المحملين فلعله عليه السلام حمله على طلب الرد ولذلك: { قال
~~هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه... }

### || [12.89]

# { قال } مجيبا عما عرضوا به وضمنوه كلامهم من ذلك: { هل علمتم
~~ما فعلتم بيوسف وأخيه } وكان الظاهر على هذا الاقتصار على
~~التعرض بما فعل مع الأخ إلا أنه عليه السلام تعرض لما فعل به أيضا
~~لاشتراكهما في وقوع الفعل عليهما، فإن المراد بذلك إفرادهم له عنه
~~وإذلاله بذلك حتى كان لا يستطيع أن يكلمهم إلا بعجز وذلة، والاستفهام ليس
~~عن العلم بنفس ما فعلوه لأن الفعل الإرادي مسبوق بالشعور لا محالة بل هو
~~عما فيه من القبح بدليل قوله: { إذ أنتم جهلون } أي هل علمتم
~~قبح ما فعلتموه زمان جهلكم قبحه وزال ذلك الجهل أم لا؟ وفيه من إبداء
~~عذرهم وتلقينهم إياه ما فيه كما في قوله تعالى:

# ما غرك بربك الكريم

# [الإنفطار: 6] والظاهر لهذا أن ذلك لم يكن تشفيا بل حث على الإقلاع
~~ونصح لهم لما رأى من عجزهم وتمسكنهم ما رأى مع خفي معاتبة على وجود الجهل
~~وأنه حقيق الانتفاء في مثلهم، فلله تعالى هذا الخلق الكريم كيف ترك حظه
~~من التشفي إلى حق ms04768 الله تعالى على وجه يتضمن حق الأخوتين أيضا والتلطف في
~~اسماعه مع التنبيه على أن هذا الضر أولى بالكشف، قيل: ويجوز أن يكون هذا
~~الكلام منه عليه السلام منقطعا عن كلامهم وتنبيها لهم عما هو حقهم
~~ووظيفتهم من الإعراض عن جميع المطالب والتمحض لطلب بنيامين، بل يجوز أن
~~يقف عليه السلام بطريق الوحي أو الإلهام على وصية أبيه عليه السلام
~~وإرساله إياهم للتحسس منه ومن أخيه فلما رآهم قد اشتغلوا عن ذلك قال ما
~~قال، والظاهر أنه عليه السلام لما رأى ما رأى منهم وهو من أرق خلق الله
~~تعالى قلبا وكان قد بلغ الكتاب أجله شرع في كشف أمره فقال ما قال.

# روى عن ابن إسحق أنهم لما استعطفوه رق لهم ورحمهم حتى أنه ارفض دمعه
~~باكيا ولم يملك نفسه فشرع في التعرف لهم، وأراد بما فعلوه به جميع ما
~~جرى وبما فعلوه بأخيه أذاهم له وجفاءهم إياه وسوء معاملتهم له وإفرادهم
~~له كما سمعت، ولم يذكر لهم ما آذوا به أباهم على ما قيل تعظيما لقدره
~~وتفخيما لشأنه أن يذكره مع نفسه وأخيه مع أن ذلك من فروع ما ذكر، وقيل:
~~إنهم أدوا إليه كتابا من أبيهم وصورته كما في «الكشاف» من يعقوب إسرائيل
~~الله بن إسحق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد فإنا
~~أهل بيت موكل بنا البلاء، أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمى به في النار
~~ليحرق فنجاه الله تعالى وجعلت النار عليه بردا وسلاما، وأما/ أبي فوضع
~~على قفاه السكين ليقتل ففداه الله تعالى، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب
~~الأولاد إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم
~~وقالوا: قد أكله الذئب فذهبت عيناي من بكائي عليه ثم كان لي ابن كان أخاه
~~من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا: إنه سرق وإنك حبسته
~~لذلك وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا فإن رددته علي وإلا دعوت عليك
~~دعوة تدرك السابع ms04769 من ولدك والسلام.

# وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي روق نحوه، فلما قرأ يوسف عليه السلام
~~الكتاب لم يتمالك وعيل صبره فقال لهم ذلك. وروى أنه لما قرأ الكتاب بكى
~~وكتب الجواب اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا.

# هذا، وما أشرنا إليه من كون المراد إثبات الجهل لهم حقيقة هو الظاهر،
~~وقيل: لم يرد نفي العلم عنهم لأنهم كانوا علماء ولكنهم لما لم يفعلوا ما
~~يقتضيه العلم وترك مقتضى العلم من صنيع الجهال سماهم جاهلين، وقيل:
~~المراد جاهلون بما يؤل إليه الأمر، وعن ابن عباس والحسن { جهلون }
~~صبيان قبل أن تبلغوا أوان الحلم والرزانة، وتعقب بأنه ليس بالوجه لأنه لا
~~يطابق الوجود وينافي

# ونحن عصبة

# [يوسف:8] فالظاهر عدم صحة الإسناد، وزعم في " التحرير " أن قول الجمهور:
~~إن الاستفهام للتقرير والتوبيخ ومراده عليه السلام تعظيم الواقعة أي ما
~~أعظم ما ارتكبتم في يوسف وأخيه كما يقال: هل تدري من عصيت، وقيل: هل
~~بمعنى قد كما في

# هل أتى على الإنسن حين من الدهر

# [الإنسان: 1] والمقصود هو التوبيخ أيضا وكلا القولين لا يعول عليه
~~والصحيح ما تقدم. ومن الغريب الذي لا يصح البتة ما حكاه الثعلبي أنه
~~عليه السلام حين قالوا له ما قالوا غضب عليهم فأمر بقتلهم فبكوا وجزعوا
~~فرق لهم وقال: { هل علمتم } الخ.

### || [12.90]

# { قالوا أإنك لأنت يوسف } استفهام تقرير ولذلك أكد بإن
~~واللام لأن التأكيد يقتضي التحقق المنافي للاستفهام الحقيقي، ولعلهم
~~قالوه استغرابا وتعجبا، وقرأ ابن كثير وقتادة وابن محيصن { إنك } بغير
~~همزة استفهام، قال في «البحر»: والظاهر أنها مرادة ويبعد حمله على الخبر
~~المحض، وقد قاله بعضهم لتعارض الاستفهام والخبر أن اتحد القائلون وهو
~~الظاهر، فإن قدر أن بعضا استفهم وبعضا أخبر ونسب كل إلى المجموع أمكن
~~وهو مع ذلك بعيد، و أنت في القراءتين مبتدأ و { يوسف } خبره والجملة
~~في موضع الرفع خبر إن، ولا يجوز أن يكون أنت تأكيدا للضمير الذي هو اسم
~~ إن  لحيلولة اللام، وقرأ أبي { أئنك أو أنت يوسف } وخرج ذلك ابن ms04770 جني
~~في كتاب " المحتسب " على حذف خبر إن وقدره أئنك لغير يوسف أو أنت يوسف،
~~وكذا الزمخشري إلا أنه قدره أئنك يوسف أو أنت يوسف ثم قال: وهذا كلام
~~متعجب مستغرب لما يسمع فهو يكرر الاستيثاق، قال في «الكشف» وما قدره أولى
~~لقلة الإضمار وقوة الدلالة على المحذوف وإن كان الأول أجري على قانون
~~الاستفهام، ولعل الأنسب أن يقدر أئنك أنت أو أنت يوسف تجهيلا لنفسه أن
~~يكون مخاطبه يوسف أي أئنك المعروف عزيز مصر أو أنت يوسف، استبعدوا أن
~~يكون العزيز يوسف أو يوسف عزيزا، وفيه قلة الإضمار أيضا مع تغاير
~~المعطوف والمعطوف عليه وقوة الدلالة على المحذوف والجري على قانون
~~الاستفهام مع زيادة الفائدة من إيهام البعد بين الحالتين.

# فإن قيل: ذاك أوفق للمشهور لقوة الدلالة على أنه هو، يجاب بأنه يكفي في
~~الدلالة على الأوجه كلها أن الاستفهام غير جار على الحقيقة، على أن عدم
~~التنافي بين كونه مخاطبهم المعروف وكونه يوسف شديد الدلالة أيضا مع
~~زيادة إفادة ذكر موجب استبعادهم وهو كلام يلوح عليه مخايل التحقيق،
~~واختلفوا في/ تعيين سبب معرفتهم إياه عليه السلام فقيل: عرفوه بروائه
~~وشمائله وكان قد أدناهم إليه ولم يدنهم من قبل، وقيل: كان يكلمهم من وراء
~~حجاب فلما أراد التعرف إليهم رفعه فعرفوه، وقيل: تبسم فعرفوه بثناياه
~~وكانت كاللؤلؤ المنظوم وكان يضىء ما حواليه من نور تبسمه، وقيل: إنه عليه
~~السلام رفع التاج عن رأسه فنظروا إلى علامة بقرنه كان ليعقوب وإسحاق.
~~وسارة مثلها تشبه الشامة البيضاء فعرفوه بذلك، وينضم إلى كل ذلك علمهم أن
~~ما خاطبهم به لا يصدر مثله إلا عن حنيف مسلم من سنخ إبراهيم لا عن بعض
~~أعزاء مصر، وزعم بعضهم أنهم إنما قالوا ذلك على التوهم ولم يعرفوه حتى
~~أخبر عن نفسه.

# { قال أنا يوسف } والمعول عليه ما تقدم وهذا جواب عن مساءلتهم
~~وزاد عليه قوله: { وهذا أخى } أي من أبوي مبالغة في تعريف نفسه،
~~قال بعض المدققين: إنهم سألوه متعجبين عن كونه يوسف محققين لذلك ms04771 مخيلين
~~لشدة التعجب أنه ليس إياه فأجابهم بما يحقق ذلك مؤكدا، ولهذا لم يقل
~~عليه السلام: بلى أو أنا هو فأعاد صريح الاسم { وهذا أخى } بمنزلة
~~أنا يوسف لا شبهة فيه على أن فيه ما يبنيه عليه من قوله: { قد من
~~الله علينا } وجوز الطيبي أن يكون ذلك جاريا على الأسلوب الحكيم
~~كأنهم لما سألوه متعجبين أنت يوسف؟ أجاب لا تسألوا عن ذلك فإنه ظاهر ولكن
~~اسألوا ما فعل الله تعالى بك من الامتنان والإعزاز وكذلك بأخي وليس من
~~ذاك في شيء كما لا يخفى.

# وفي " إرشاد العقل السليم " أن في زيادة الجواب مبالغة وتفخيما لشأن
~~الأخ وتكملة لما أفاده قوله:

# هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه

# [يوسف: 89] حسبما يفيده { قد من } الخ فكأنه قال: هل علمتم ما
~~فعلتم بنا من التفريق والإذلال فأنا يوسف وهذا أخي قد من الله تعالى
~~علينا بالخلاص عما ابتلينا به والاجتماع بعد الفرقة والعزة بعد الذلة
~~والأنس بعد الوحشة. ولا يبعد أن يكون فيه إشارة إلى الجواب عن طلبهم لرد
~~بنيامين بأنه أخي لا أخوكم فلا وجه لطلبكم انتهى وفيه ما فيه. وجملة {
~~قد من } الخ عند أبي البقاء مستأنفة، وقيل: حال من { يوسف } و {
~~أخى } وتعقب بأن فيه بعدا لعدم العامل في الحال حينئذ، ولا يصح أن
~~يكون { هذا } لأنه إشارة إلى واحد وعلينا راجع إليهما جميعا.

# { إنه } أي الشأن { من يتق } أي يفعل التقوى في جميع أحواله أو
~~يق نفسه عما يوجب سخط الله تعالى وعذابه { ويصبر } على البلايا
~~والمحن أو على مشقة الطاعات أو عن المعاصي التي تستلذها النفس { فإن
~~الله لا يضيع أجر المحسنين } أي أجرهم، وإنما وضع المظهر
~~موضع المضمر تنبيها على أن المنعوتين بالتقوى والصبر موصوفون بالإحسان،
~~والجملة في موضع العلة للمن. واختار أبو حيان عدم التخصيص في التقوى
~~والصبر، وقال مجاهد: المراد من يتق في ترك المعصية ويصبر في السجن،
~~والنخعي من يتق الزنا ويصبر على العزوبة، وقيل: من يتق المعاصي ويصبر على
~~أذى الناس، وقال الزمخشري: ms04772 المراد من يخف الله تعالى ويصبر عن المعاصي
~~وعلى الطاعات وتعقبه صاحب " الفرائد " بأن فيه حمل من يتق على المجاز ولا
~~مانع من الحمل على الحقيقة والعدول عن ذلك إلى المجاز من غير ضرورة غير
~~جائز فالوجه أن يقال: من يتق من يحترز عن ترك ما أمر به وارتكاب ما نهى
~~عنه ويصبر في/ المكاره وذلك باختياره وهذا بغير اختياره فهو محسن، وذكر
~~الصبر بعد التقوى من ذكر الخاص بعد العام، ويجوز أن يكون ذلك لإرادة
~~الثبات على التقوى كأنه قيل: من يتق ويثبت على التقوى انتهى.

# والوجه الأول: ميل لما ذكره أبو حيان. وتعقب ذلك الطيبي بأن هذه الجملة
~~تعليل لما تقدم وتعريض باخوته بأنهم لم يخافوا عقابه تعالى ولم يصبروا
~~على طاعته عز وجل وطاعة أبيهم وعن المعصية إذ فعلوا ما فعلوا فيكون
~~المراد بالاتقاء الخوف وبالصبر الصبر على الطاعة وعن المعصية ورد بأن
~~التعريض حاصل في التفسير الآخر فكأنه فسره به لئلا يتكرر مع الصبر وفيه
~~نظر. وقرأ قنبل { من يتقي } بإثبات الياء، فقيل: هو مجزوم بحذف الياء
~~التي هي لام الكلمة وهذه ياء إشباع؛ وقيل: جزمه بحذف الحركة المقدرة وقد
~~حكوا ذلك لغة، وقيل: هو مرفوع و { من } موصول وعطف المجزوم عليه على
~~التوهم كأنه توهم أن { من } شرطية و { يتقي } مجزوم، وقيل: أن { يصبر }
~~مرفوع كيتقي إلا أنه سكنت الراء لتوالي الحركات وإن كان ذلك في كلمتين
~~كما سكنت في

# يأمركم

# [البقرة: 67] و

# يشعركم

# [الأنعام: 109] ونحوهما أو للوقف وأجرى الوصل مجرى الوقف، والأحسن من
~~هذه الأقوال كما في «البحر» أن يكون يتقي مجزوما على لغة وإن كانت
~~قليلة، وقول أبي علي: إنه لا يحمل على ذلك لأنه إنما يجىء في الشعر لا
~~يلتفت إليه لأن غيره من رؤساء النحويين حكوه لغة نظما ونثرا.

### || [12.91]

# { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا } أي اختارك
~~وفضلك علينا بالتقوى والصبر، وقيل: بالملك، وقيل: بالصبر والعلم ورويا عن
~~ابن عباس، وقيل: بالحلم والصفح ذكره سليمان الدمشقي، وقال صاحب " الغنيان
~~": بحسن ms04773 الخلق والخلق والعلم والحلم والإحسان والملك والسلطان والصبر على
~~أذانا والأول أولى. { وإن } أي والحال أن الشأن { كنا
~~لخطئين } أي لمتعمدين للذنب إذ فعلنا ما فعلنا ولذلك أعزك وأذلنا،
~~فالواو حالية و { إن } مخففة اسمها ضمير الشأن واللام التي في خبر كان هي
~~المزحلقة { وخاطئين } من خطىء إذا تعمد وأما أخطأ فقصد الصواب ولم يوفق
~~له، وفي قولهم: هذا من الاستنزال لإحسانه عليه السلام والاعتراف بما صدر
~~منهم في حقه مع الإشعار بالتوبة ما لا يخفى ولذلك: { قال لا تثريب
~~عليكم اليوم يغفر الله... }

### || [12.92]

# { قال لا تثريب } أي لا تأنيب ولا لوم { عليكم } وأصله من
~~الثرب وهو الشحم الرقيق في الجوف وعلى الكرش، وصيغة التفعيل للسلب أي
~~إزالة الثرب كالتجليد والتقريع بمعنى إزالة الجلد والقرع، واستعير للوم
~~الذي يمزق الأعراض ويذهب بهاء الوجه لأنه بإزالة الشحم يبدو الهزال وما
~~لا يرضى كما أنه باللوم تظهر العيوب فالجامع بينهما طريان النقص بعد
~~الكمال وإزالة ما به الكمال والجمال وهو اسم { لا } و { عليكم }
~~متعلق بمقدر وقع خبرا، وقوله تعالى: { اليوم } متعلق بذلك الخبر
~~المقدر أو بالظرف أي لا تثريب مستقر عليكم اليوم، وليس التقييد به لإفادة
~~وقوع التثريب في غيره فإنه عليه السلام إذا لم يثرب أول لقائه واشتعال
~~ناره فبعده بطريق الأولى. وقال المرتضى: إن { اليوم } موضوع موضع
~~الزمان كله كقوله:

# اليوم يرحمنا من كان يغبطنا

# واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا

# كأنه أريد بعد اليوم، وجوز الزمخشري تعلقه  بتثريب  وتعقبه أبو حيان
~~قائلا: لا يجوز ذلك لأن التثريب مصدر وقد فصل بينه وبين معموله  بعليكم
~~ وهو إما خبر أو صفة ولا يجوز الفصل بينهما بنحو ذلك لأن/ معمول المصدر
~~من تمامه، وأيضا لو كان متعلقا به لم يجز بناؤه لأنه حينئذ من قبيل
~~المشبه بالمضاف وهو الذي يسمى المطول والممطول فيجب أن يكون معربا
~~منونا، ولو قيل: الخبر محذوف و { عليكم } متعلق بمحذوف يدل عليه
~~تثريب وذلك المحذوف هو العامل في { اليوم } والتقدير لا تثريب يثرب
~~عليكم اليوم ms04774 كما قدروا في

# لا عاصم اليوم من أمر الله

# [هود: 43] أي لا عاصم يعصم اليوم لكان وجها قويا لأن خبر { لا } إذا
~~علم كثر حذفه عند أهل الحجاز ولم يلفظ به بنو تميم، وكذا منع ذلك أبو
~~البقاء وعلله بلزوم الإعراب والتنوين أيضا، واعترض بأن المصرح به في
~~متون النحو بأن شبيه المضاف سمع فيه عدم التنوين نحو لا طالع جبلا ووقع
~~في الحديث

# " لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت "

# باتفاق الرواة فيه وإنما الخلاف فيه هل هو مبني أو معرب ترك تنوينه، وفي
~~" التصريح " نقلا عن " المغني " أن نصب الشبيه بالمضاف وتنوينه هو مذهب
~~البصريين، وأجاز البغداديون لا طالع جبلا بلا تنوين أجروه في ذلك مجرى
~~المضاف كما أجروه مجراه في الإعراب وعليه يتخرج الحديث «لا مانع» الخ.
~~فيمكن أن يكون مبني ما قاله أبو حيان وغيره مذهب البصريين، والحديث
~~المذكور لا يتعين  كما قال الدنوشري أخذا من كلام المغني في الجهة
~~الثانية من الباب الخامس  حمله على ما ذكر لجواز كون اسم { لا } فيه
~~مفردا واللام متعلقة بالخبر والتقدير لا مانع مانع لما أعطيت وكذا فيما
~~بعده.

# وذكر الرضي أن الظرف بعد النفي لا يتعلق بالمنفي بل بمحذوف وهو خبر وأن
~~{ اليوم } في الآية معمول { عليكم } ويجوز العكس، واعترض أيضا
~~حديث الفصل بين المصدر ومعموله بما فيه ما فيه، وقيل: { عليكم }
~~بيان كلك في سقيا لك فيتعلق بمحذوف و { اليوم } خبر.

# وجوز أيضا كون الخبر ذاك و { اليوم } متعلقا بقوله: { يغفر
~~الله لكم } ونقل عن المرتضى أنه قال في «الدرر»: قد ضعف هذا قوم من
~~جهة أن الدعاء لا ينصب ما قبله ولم يشتهر ذلك، وقال ابن المنير: لو كان
~~متعلقا به لقطعوا بالمغفرة بإخبار الصديق ولم يكن كذلك لقولهم:

# يأبانا استغفر لنا ذنوبنآ

# [يوسف: 97] وتعقب بأنه لا طائل تحته لأن المغفرة وهي ستر الذنب يوم
~~القيامة حتى لا يؤاخذوا به ولا يقرعوا إنما يكون ذلك الوقت وأما قبله
~~فالحاصل هو الإعلام به والعلم بتحقق وقوعه ms04775 بخبر الصادق لا يمنع الطلب لأن
~~الممتنع طلب الحاصل لا طلب ما يعلم حصوله، على أنه يجوز أن يكون هضما
~~للنفس واعتبر باستغفار الأنبياء عليهم السلام، ولا فرق بين الدعاء
~~والإخبار هنا انتهى. وقد يقال أيضا: إن الذي طلبوه من أبيهم مغفرة ما
~~يتعلق به ويرجع إلى حقه ولم يكن عندهم علم بتحقق ذلك، على أنه يجوز أن
~~يقال: إنهم لم يعتقدوا إذ ذاك نبوته وظنوه مثلهم غير نبي فإنه لم يمض
~~وقت بعد معرفة أنه يوسف يسع معرفة أنه نبي أيضا وما جرى من المفاوضة لا
~~يدل على ذلك فافهم، وإلى حمل الكلام على الدعاء ذهب غير واحد وذهب جمع
~~أيضا إلى كونه خبرا والحكم بذلك مع أنه غيب قيل: لأنه عليه السلام صفح
~~عن جريمتهم حينئذ وهم قد اعترفوا بها أيضا فلا محالة أنه سبحانه يغفر
~~لهم ما يتعلق به تعالى وما يتعلق به عليه السلام بمقتضى وعده جل شأنه
~~بقبول توبة العباد، وقيل: لأنه عليه السلام قد أوحى إليه بذلك، وأنت تعلم
~~أن أكثر القراء على الوقف على { اليوم } وهو ظاهر في عدم تعلقه 
~~بيغفر  وهو اختيار الطبري وابن إسحاق وغيرهم واختاروا كون الجملة بعد
~~دعائية وهو الذي يميل إليه الذوق والله تعالى أعلم.

# { وهو أرحم الرحمين } فإن كل من يرحم سواه جل وعلا فإنما يرحم
~~برحمته سبحانه مع كون ذلك مبنيا على جلب نفع أو دفع ضر ولا أقل من دفع
~~ما يجده في نفسه من التألم الروحاني مما يجده في المرحوم، وقيل: لأنه
~~تعالى يغفر الصغائر/ والكبائر التي لا يغفرها غيره سبحانه ويتفضل على
~~التائب بالقبول، والجملة إما بيان للوثوق بإجابة الدعاء أو تحقيق لحصول
~~المغفرة لأنه عفا عنهم فالله تعالى أولى بالعفو والرحمة لهم هذا.

# ومن كرم يوسف عليه السلام ما روي أن إخوته أرسلوا إليه إنك تدعونا إلى
~~طعامك بكرة وعشية ونحن نستحي منك بما فرط منا فيك فقال عليه السلام: إن
~~أهل مصر وإن ملكت فيهم كانوا ينظرون إلي بالعين الأولى ويقولون: ms04776 سبحان
~~من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ ولقد شرفت بكم الآن وعظمت في
~~العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي وأني من حفدة إبراهيم عليه السلام،
~~والظاهر أنه عليه السلام أنه حصل بذلك من العلم للناس ما لم يحصل قبل
~~فإنه عليه السلام على ما دل عليه بعض الآيات السابقة والأخبار قد أخبرهم
~~أنه ابن من وممن. وكذا ما أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي
~~حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: قال الملك يوما ليوسف عليه السلام إني
~~أحب أن تخالطني في كل شيء إلا في أهلي وأنا آنف أن تأكل معي فغضب يوسف
~~عليه السلام، فقال: أنا أحق أن آنف أنا ابن إبراهيم خليل الله وأنا ابن
~~إسحاق ذبيح الله وأنا ابن يعقوب نبي الله لكن لم يشتهر ذلك أو لم يفد
~~الناس علما. وفي التوراة التي بأيدي اليهود اليوم أنه عليه السلام لما
~~رأى من إخوته مزيد الخجل أدناهم إليه وقال: لا يشق عليكم أن بعتموني وإلى
~~هذا المكان أوصلتموني فإن الله تعالى قد علم ما يقع من القحط والجدب وما
~~ينزل بكم من ذلك ففعل ما أوصلني به إلى هذا المكان والمكانة ليزيل عنكم
~~بي ما ينزل بكم ويكون ذلك سببا لبقائكم في الأرض وانتشار ذراريكم فيها
~~وقد مضت من سني الجدب سنتان وبقي خمس سنين وأنا اليوم قد صيرني الله
~~تعالى مرجعا لفرعون وسيدا لأهله وسلطانا على جميع أهل مصر فلا يضق
~~عليكم أمركم.

### || [12.93]

# { اذهبوا بقميصى هذا } هو القميص الذي كان عليه حينئذ كما
~~هو الظاهر؛ وعن ابن عباس وغيره أنه القميص الذي كساه الله تعالى إبراهيم
~~عليه السلام حين ألقي في النار وكان من قمص الجنة جعله يعقوب حين وصل
~~إليه في قصبة فضة وعلقه في عنق يوسف وكان لا يقع على عاهة من عاهات
~~الدنيا إلا أبرأها بإذن الله تعالى. وضعف هذا بأن قوله:

# إنى لأجد ريح يوسف

# [يوسف: 94] يدل على أنه عليه السلام كان لابسا له في تعويذته ms04777 كما تشهد
~~به الإضافة إلى ضميره وهو تضعيف ضعيف كما لا يخفى، وقيل: هو القميص الذي
~~قد من دبر وأرسله ليعلم يعقوب أنه عصم من الفاحشة ولا يخفى بعده،
~~وأيا ما كان فالباء إما للمصاحبة أو للملابسة أي اذهبوا مصحوبين أو
~~ملتبسين به أو للتعدية على ما قيل أي اذهبوا قميصي هذا { فألقوه
~~على وجه أبى يأت بصيرا } أي يصر بصيرا ويشهد له

# فارتد بصيرا

# [يوسف:96] أو يأت إلي وهو بصير وينصره قوله: { وأتونى بأهلكم
~~أجمعين } من النساء والذراري وغيرهم مما ينتظمه لفظ الأهل كذا
~~قالوا. وحاصل الوجهين  كما قال بعض المدققين  أن الإتيان في الأول مجاز
~~عن الصيرورة ولم يذكر إتيان الأب إليه لا لكونه داخلا في الأهل فإنه يجل
~~عن التابعية بل تفاديا عن أمر الإخوة بالإتيان لأنه نوع إجبار على من
~~يؤتى به فهو إلى اختياره، وفي الثاني على الحقيقة وفيه التفادي المذكور،
~~والجزم بأنه من الآتين لا محالة وثوقا بمحبته وإن فائدة الإلقاء إتيانه
~~على ما أحب من كونه معافى سليم البصر، وفيه أن صيرورته بصير أمر/ مفروغ
~~عنه مقطوع إنما الكلام في تسبب الإلقاء لإتيانه كذلك فهذا الوجه أرجح وإن
~~كان الأول من الخلافة بالقبول بمنزل، وفيه دلالة على أنه عليه السلام قد
~~ذهب بصره، وعلم يوسف عليه السلام بذلك يحتمل أن يكون بإعلامهم ويحتمل أن
~~يكون بالوحي، وكذا علمه بما يترتب على الإلقاء يحتمل أن يكون عن وحي
~~أيضا أو عن وقوف من قبل على خواص ذلك القميص بالتجربة أو نحوها إن كان
~~المراد بالقميص الذي كان في التعويذة ويتعين الاحتمال الأول إن كان
~~المراد غيره على ما هو الظاهر. وقال الإمام: يمكن أن يقال: لعل يوسف عليه
~~السلام علم أن أباه ما عرا بصره ما عراه إلا من كثرة البكاء وضيق القلب
~~فإذا ألقي عليه قميصه فلا بد وأن ينشرح صدره وأن يحصل في قلبه الفرح
~~الشديد وذلك يقوي الروح ويزيل الضعف عن القوى فحينئذ يقوى بصره ويزول
~~عنه ذلك النقصان فهذا القدر ms04778 مما يمكن معرفته بالعقل فإن القوانين الطبية
~~تدل على صحته وأنا لا أرى ذلك، قال الكلبي: وكان أولئك الأهل نحوا من
~~سبعين إنسانا وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس أنهم اثنان وسبعون
~~من ولده وولد ولده، وقيل: ثمانون، وقيل: تسعون وأخرج ابن المنذر وغيره عن
~~ابن مسعود أنهم ثلاثة وتسعون. وقيل: ست وتسعون وقد نموا في مصر فخرجوا
~~منها مع موسى عليه السلام وهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعون رجلا
~~سوى الذرية والهرمى وكانت الذرية ألف ألف ومائتي ألف على ما قيل.

### || [12.94]

# { ولما فصلت العير } خرجت من عريش مصر قاصدة مكان يعقوب عليه
~~السلام وكان قريبا من بيت المقدس والقول بأنه كان بالجزيرة لا يعول
~~عليه، يقال: فصل من البلد يفصل فصولا إذا انفصل منه وجاوز حيطانه وهو
~~لازم وفصل الشيء فصلا إذا فرقه وهو متعد. وقرأ ابن عباس { ولما انفصل
~~العير }  { قال أبوهم } يعقوب عليه السلام لمن عنده { إنى
~~لأجد ريح يوسف } أي لأشم فهو وجود حاسة الشم أشمه الله تعالى ما
~~عبق بالقميص من ريح يوسف عليه السلام من مسيرة ثمانية أيام على ما روي عن
~~ابن عباس، وقال الحسن وابن جريج من ثمانين فرسخا، وفي رواية عن الحسن
~~أخرى من مسيرة ثلاثين يوما وفي أخرى عنه من مسيرة عشر ليال، وقد استأذنت
~~الريح على ما روي عن أبي أيوب الهروي في إيصال عرف يوسف عليه السلام
~~فأذن الله تعالى لها، وقال مجاهد: صفقت الريح القميص فراحت روائح الجنة
~~في الدنيا واتصلت بيعقوب عليه السلام فوجد ريح الجنة فعلم أنه ليس في
~~الدنيا من ريحها إلا ما كان من ذلك القميص فقال ما قال، ويبعد ذلك
~~الإضافة فإنها حينئذ لأدنى ملابسة وهي فيما قبل وإن كانت كذلك أيضا إلا
~~أنها أقوى بكثير منها على هذا كما لا يخفى.

# { لولا أن تفندون } أي تنسبوني إلى الفند بفتحتين ويستعمل
~~بمعنى الفساد كما في قوله:

# إلا سليمان إذ قال الإله له

# قم في البرية فاحددها عن الفند

# وبمعنى ms04779 ضعف الرأي والعقل من الهرم وكبر السن ويقال: فند الرجل إذا نسبه
~~إلى الفند، وهو على ما قيل مأخوذ من الفند وهو الحجر كأنه جعل حجرا لقلة
~~فهمه كما قيل:

# / إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى

# فكن حجرا من يابس الصخر جلمد

# ثم اتسع فيه فقيل فنده إذا ضعف رأيه ولامه على ما فعل؛ قال
~~الشاعر:

# يا عاذلي دع لومي وتفنيدي

# فليس ما قلت من أمر بمردود

# وجاء أفند الدهر فلانا أفسده، قال ابن مقتل:

# دع الدهر يفعل ما أراد فإنه

# إذا كلف الإفناد بالناس أفندا

# ويقال: شيخ مفند إذا فسد رأيه، ولا يقال: عجوز مفندة لأنها لا رأي لها
~~في شبيبتها حتى يضعف قاله الجوهري وغيره من أهل اللغة، وذكره الزمخشري في
~~«الكشاف» وغيره، واستغربه السمين ولعل وجهه أن لها عقلا وإن كان ناقصا
~~يشتد نقصه بكبر السن فتأمل، وجواب { لولا } محذوف أي لولا تفنيدكم
~~إياي لصدقتموني أو لقلت: إن يوسف قريب مكانه أو لقاؤه أو نحو ذلك،
~~والمخاطب قيل: من بقي من ولده غير الذين ذهبوا يمتارون وهم كثير، وقيل:
~~ولد ولده ومن كان بحضرته من ذوي قرابته وهو المشهور.

### || [12.95]

# { قالوا } أي أولئك المخاطبون { تالله إنك لفى ضللك
~~القديم } أي لفي ذهابك عن الصواب قدما بالإفراط في محبة يوسف
~~والإكثار من ذكره والتوقع للقائه وجعله فيه لتمكنه ودوامه عليه، وأخرج
~~ابن جرير عن مجاهد أن الضلال هنا بمعنى الحب، وقال مقاتل: هو الشقاء
~~والعناء، وقيل: الهلاك والذهاب من قولهم: ضل الماء في اللبن أي ذهب فيه
~~وهلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير تفسيره بالجنون وهو مما لا
~~يليق وكأنه لتفسيره بمثل ذلك قال قتادة: لقد قالوا كلمة غليظة لا ينبغي
~~أن يقولها مثلهم لمثله عليه السلام ولعلهم إنما قالوا ذلك لظنهم أنه مات.

### || [12.96]

# { فلما أن جاء البشير } قال مجاهد: هو يهوذا. روي أنه قال
~~لإخوته قد علمتم أني ذهبت إلى أبي بقميص الترحة فدعوني أذهب إليه بقميص
~~الفرحة فتركوه. وفي رواية ms04780 عن ابن عباس أنه مالك بن ذعر والرواية الشهيرة
~~عنه ما تقدم، و { أن } صلة وقد أطردت زيادتها بعد لما. وقرأ ابن مسعود
~~وعد ذلك قراءة تفسير (وجآء البشير من بين يدي العير) { ألقاه } أي
~~ألقى البشير القميص { على وجهه } أي وجه يعقوب عليه السلام، وقيل:
~~فاعل { ألقى } ضمير يعقوب عليه السلام أيضا والأول أوفق بقوله:

# فألقوه على وجه

# [يوسف: 93] وهو يبعد كون البشير مالكا كما لا يخفى، والثاني قيل: هو
~~الأنسب بالأدب ونسب ذلك إلى فرقد قال: إنه عليه السلام أخذه فشمه ثم وضعه
~~على بصره { فارتد بصيرا } والظاهر أنه أريد بالوجه كله، وقد جرت
~~العادة أنه متى وجد الإنسان شيئا يعتقد فيه البركة مسح به وجهه، وقيل:
~~عبر بالوجه عن العينين لأنهما فيه، وقيل: عبر بالكل عن البعض وارتد عند
~~بعضهم من أخوات كان وهي بمعنى صار  فبصيرا  خبرها وصحح أبو حيان أنها
~~ليست من أخواتها  فبصيرا  حال، والمعنى أنه رجع إلى حالته الأولى من
~~سلامة البصر. وزعم بعضهم أن في الكلام ما يشعر بأن بصره صار أقوى مما كان
~~عليه لأن فعيلا من صيغ المبالغة وما عدل من يفعل إليه إلا لهذا المعنى.
~~وتعقب بأن فعيلا هنا ليس للمبالغة إذ ما يكون لها هو المعدول عن فاعل
~~وأما بصير هنا فهو اسم فاعل من بصر بالشيء فهو جار على قياس فعل نحو ظرف
~~فهو ظريف ولو كان/ كما زعم بمعنى مبصر لم يكن للمبالغة أيضا لأن فعيلا
~~بمعنى مفعل ليس للمبالغة نحو أليم وسميع، وأيا ما كان فالظاهر أن عوده
~~عليه السلام بصيرا بإلقاء القميص على وجهه ليس إلا من باب خرق العادة
~~وليس الخارق بدعا في هذه القصة، وقيل: إن ذاك لما أنه عليه السلام انتعش
~~حتى قوي قلبه وحرارته الغريزية فأوصل نوره إلى الدماغ وأداه إلى البصر،
~~ومن هذا الباب استشفاء العشاق بما يهب عليهم من جهة أرض المعشوق كما قال:

# وإني لأستشفي بكل غمامة

# يهب بها من نحو أرضك ريح

# وقال آخر:

# ألا يا ms04781 نسيم الصبح مالك كلما

# تقربت منا فاح نشرك طيبا

# كأن سليمى نبئت بسقامنا

# فأعطتك رياها فجئت طبيبا

# إلى غير ذلك مما لا يحصى وهو قريب مما سمعته آنفا عن الإمام هذا، وجاء
~~في بعض الأخبار أنه عليه السلام سأل البشير كيف يوسف؟ قال: ملك مصر فقال:
~~ما أصنع بالملك على أي دين تركته؟ قال: على الإسلام قال: الآن تمت
~~النعمة.

# وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: لما جاء البشير إليه عليه السلام قال: ما
~~وجدت عندنا شيئا وما اختبزنا منذ سبعة أيام ولكن هون الله تعالى عليك
~~سكرات الموت، وجاء في رواية أنه قال له: ما أدري ما أثيبك اليوم ثم دعا
~~له بذلك { قال ألم أقل لكم } يحتمل أن يكون خطابا لمن كان
~~عنده من قبل أي ألم أقل لكم إني لأجد ريح يوسف، ويحتمل أن يكون خطابا
~~لبنيه القادمين أي ألم أقل لكم لا تيأسوا من رحمة الله وهو الأنسب بقوله:
~~{ إنى أعلم من الله ما لا تعلمون } فإن مدار النهي
~~العلم الذي أوتيه عليه السلام من جهة الله سبحانه، والجملة على
~~الاحتمالين مستأنفة وعلى الأخير يجوز أن تكون مقول القول أي ألم أقل لكم
~~حين أرسلتكم إلى مصر وأمرتكم بالتحسس ونهيتكم عن اليأس من روح الله تعالى
~~إني أعلم من الله ما لا تعلمون من حياة يوسف عليه السلام، واستظهر في
~~«البحر» كونها مقول القول وهو كذلك.

### || [12.97]

# { قالوا يأبانا استغفر لنا ذنوبنآ } طلبوا منه عليه
~~السلام الاستغفار، ونادوه بعنوان الأبوة تحريكا للعطف والشفقة وعللوا
~~ذلك بقولهم: { إنا كنا خطئين } أي ومن حق المعترف بذنبه أن
~~يصفح عنه ويستغفر له، وكأنهم كانوا على ثقة من عفوه ولذلك اقتصروا على
~~طلب الاستغفار وأدرجوا ذلك في الاستغفار، وقيل: حيث نادوه بذلك أرادوا
~~ومن حق شفقتك علينا أن تستغفر لنا فإنه لولا ذلك لكنا هالكين لتعمد الإثم
~~فمن ذا يرحمنا إذا لم ترحمنا وليس بذاك.

### || [12.98]

# روي عن ابن عباس مرفوعا أنه عليه السلام أخر الاستغفار لهم إلى السحر
~~لأن ms04782 الدعاء فيه مستجاب، وروي عنه أيضا كذلك أنه أخره إلى ليلة الجمعة
~~وجاء ذلك في حديث طويل رواه الترمذي وحسنه، وقيل: سوفهم إلى قيام الليل،
~~وقال ابن جبير وفرقة: إلى الليالي البيض فإن الدعاء فيها يستجاب، وقال
~~الشعبي: أخره حتى يسأل يوسف عليه السلام فإن عفا عنهم استغفر لهم، وقيل
~~أخر ليعلم حالهم في صدق التوبة وتعقب بعضهم بعض هذه الأقوال بأن سوف
~~تأبى ذلك لأنها أبلغ من السين في التنفيس فكان حقه على ذلك السين ورد
~~بما في «المغني» من أن/ ما ذكر مذهب البصريين وغيرهم يسوى بينهما، وقال
~~بعض المحققين: هذا غير وارد حتى يحتاج إلى الدفع لأن التنفيس التأخير
~~مطلقا ولو أقل من ساعة فتأخيره إلى السحر مثلا ومضى ذلك اليوم محل
~~للتنفيس بسوف، وقيل: أراد عليه السلام الدوام على الاستغفار لهم وهو مبني
~~على أن السين وسوف يدلان على الاستمرار في المستقبل وفيه كلام للنحويين.
~~نعم جاء في بعض الأخبار ما يدل على أنه عليه السلام استمر برهة من الزمان
~~يستغفر لهم. أخرج ابن جرير عن أنس بن مالك قال: إن الله تعالى لما جمع
~~شمله ببنيه وأقر عينه خلا ولده نجيا فقال بعضهم لبعض: ألستم قد علمتم ما
~~صنعتم وما لقي منكم الشيخ وما لقى منكم يوسف قالوا بلى قال فيغركم عفوهما
~~عنكم فكيف لكم بربكم واستقام أمرهم على أن أتوا الشيخ فجلسوا بين يديه
~~ويوسف إلى جنبه فقالوا يا أبانا أتيناك في أمر لم نأتك في مثله قط ونزل
~~بنا أمر لم ينزل بنا مثله حتى حركوه والأنبياء عليهم السلام أرحم البرية
~~فقال: ما لكم يا بني؟ قالوا ألست قد علمت ما كان منا إليك وما كان منا
~~إلى أخينا يوسف؟ قالا بلى قالوا أفلستما قد عفوتما؟ قالا بلى قالوا فإن
~~عفوكما لا يغني عنا شيئا إن كان الله تعالى لم يعف عنا قال فما تريدون
~~يا بني؟ قالوا: نريد أن تدعو الله سبحانه فإذا جاءك الوحي من عند الله
~~تعالى بأنه قد عفا ms04783 عما صنعنا قرت أعيننا واطمأنت قلوبنا وإلا فلا قرة عين
~~في الدنيا لنا أبدا قال فقام الشيخ فاستقبل القبلة وقام يوسف عليه
~~السلام خلفه وقاموا خلفهما أذلة خاشعين فدعا وأمن يوسف فلم يجب فيهم
~~عشرين سنة حتى إذا كان رأس العشرين نزل جبريل على يعقوب عليهما السلام
~~فقال: إن الله تعالى بعثني أبشرك بأنه قد أجاب دعوتك في ولدك وأنه قد عفا
~~عما صنعوا وأنه قد عقد مواثيقهم من بعدك على النبوة، قيل: وهذا إن صح
~~دليل على نبوتهم وأن ما صدر منهم كان قبل استنبائهم، والحق عدم الصحة وقد
~~مر تحقيق المقام بما فيه كفاية فتذكر.

# وأخرج أبو الشيخ عن ابن عائشة قال: ما تيب على ولد يعقوب إلا بعد عشرين
~~سنة وكان أبوهم بين يديهم فما تيب عليهم حتى نزل جبريل عليه السلام فعلمه
~~هذا الدعاء «يا رجاء المؤمنين لا تقطع رجاءنا يا غياث المؤمنين أغثنا يا
~~معين المؤمنين أعنا يا محب التوابين تب علينا» فأخره إلى السحر فدعا به
~~فتيب عليهم، وأخرج أبو عبيد وغيره عن ابن جريج أن ما سيأتي إن شاء الله
~~متعلق بهذا وهو من تقديم القرآن وتأخيره والأصل سوف أستغفر لكم ربي إن
~~شاء الله. وأنت تعلم أن هذا مما لا ينبغي الالتفات إليه فإن ذاك من كلام
~~يوسف عليه السلام بلا مرية ولا أدري ما الداعي إلى ارتكابه ولعله محض
~~الجهل.

# واعلم أنه ذكر بعض المتأخرين في الكلام على هذه الآية أن الصحيح أن {
~~أستغفر } متعد إلى مفعولين يقال: استغفرت الله الذنب، وقد نص على
~~ذلك ابن هشام وقد حذف من

# استغفر لنا

# [يوسف: 97] أولهما، وذكر ثانيهما وعكس الأمر في { سوف أستغفر }
~~ولعل السر والله سبحانه أعلم أن حذف الأول من الأول لإرادة التعميم أي
~~استغفر لنا كل من أذنبنا في حقه ليشمله سبحانه وتعالى ويشمل يوسف
~~وبنيامين وغيرهما ولم يحذف الثاني أيضا تسجيلا على أنفسهم باقتراف
~~الذنوب لأن المقام مقام الاعتراف بالخطأ والاستعطاف لما سلف فالمناسب هو
~~التصريح، وأما إثباته في ms04784 الثاني فلأنه الأصل مع التنبيه على أن الأهم
~~الذي ينبغي أن يصرف إليه الهم ويمحض له الوجه هو استغفار الرب واستجلاب
~~رضاه فإنه سبحانه إذا رضي أرضى، على أن يوسف وأخاه قد ظهرت منهما مخايل
~~العفو وأدركتهما رقة الأخوة، وأما حذف الثاني منه فللإيجاز لكونه معلوما
~~من الأول مع قرب العهد بذكره اه، ولعل التسويف على هذا ليزداد انقطاعهم
~~إلى الله تعالى فيكون ذلك أرجى/ لحصول المقصود فتأمل.

### || [12.99]

# { فلما دخلوا على يوسف } روي أنه عليه السلام جهز إلى
~~أبيه جهازا ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه، وفي التوراة أنه عليه
~~السلام أعطى لكل من إخوته خلعة وأعطى بنيامين ثلثمائة درهم وخمس خلع وبعث
~~لأبيه بعشرة حمير موقرة بالتحف وبعشرة أخرى موقرة برا وطعاما. وجاء في
~~بعض الأخبار أنه عليه السلام خرج هو والملك في أربعة آلاف من الجند
~~والعظماء وأهل مصر بأجمعهم لاستقباله فتلقوه عليه السلام وهو يمشي يتوكأ
~~على يهوذا فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا أهذا فرعون مصر قال: لا
~~يا أبت ولكن هذا ابنك يوسف قيل له: إنك قادم فتلقاك بما ترى، فلما لقيه
~~ذهب يوسف عليه السلام ليبدأه بالسلام فمنع ذلك ليعلم أن يعقوب أكرم على
~~الله تعالى منه فاعتنقه وقبله وقال: السلام عليك أيها الذاهب بالأحزان
~~عنى، وجاء أنه عليه السلام قال لأبيه: يا أبت بكيت علي حتى ذهب بصرك ألم
~~تعلم أن القيامة تجمعنا؟ قال: بلى ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني
~~وبينك. وفي الكلام إيجاز والتقدير فرحل يعقوب عليه السلام بأهله وساروا
~~حتى أتوا يوسف فلما دخلوا عليه وكان ذلك فيما قيل يوم عاشوراء { ءاوى
~~إليه أبويه } أي ضمهما إليه واعتنقهما، والمراد بهما أبوه
~~وخالته ليا، وقيل: راحيل وليس بذاك، والخالة تنزل منزلة الأم لشفقتها كما
~~ينزل العم منزلة الأب، ومن ذلك قوله:

# وإله آبائك إبرهيم وإسمعيل وإسحق

# [البقرة: 133] وقيل: إنه لما تزوجها بعد أمه صارت رابة ليوسف عليه
~~السلام فنزلت منزلة الأم لكونها مثلها في زوجية الأب وقيامها مقامها ms04785
~~والرابة تدعى أما وإن لم تكن خالة، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما. وقال بعضهم: المراد أبوه وجدته أم أمه حكاه الزهراوي، وقال الحسن
~~وابن إسحاق: إن أمه عليه السلام كانت بالحياة فلا حاجة إلى التأويل لكن
~~المشهور أنها ماتت في نفاس بنيامين، وعن الحسن وابن إسحاق القول بذلك
~~أيضا إلا أنهما قالا: إن الله تعالى أحياها له ليصدق رؤياه، والظاهر أنه
~~لم يثبت ولو ثبت مثله لاشتهر، وفي مصحف عبد الله { آوى إليه
~~أبويه وإخوته }.

# { وقال ادخلوا مصر } وكأنه عليه السلام ضرب في الملتقى خارج
~~البلد مضربا فنزل فيه فدخلوا عليه فيه فآواهما إليه ثم طلب منهم الدخول
~~في البلدة فهناك دخولان: أحدهما: دخول عليه خارج البلدة، والثاني: دخول
~~في البلدة، وقيل: إنهم إنما دخلوا عليه عليه السلام في مصر وأراد بقوله:
~~{ ادخلوا مصر } تمكنوا منها واستقروا فيها { إن شاء الله
~~آمنين } أي من القحط وسائر المكاره، والاستثناء على ما في التيسير
~~داخل في الأمن لا في الأمر بالدخول لأنه إنما يدخل في الوعد لا في الأمر.

# وفي «الكشاف» أن المشيئة تعلقت بالدخول المكيف بالأمن لأن القصد إلى
~~اتصافهم بالأمن في دخولهم فكأنه قيل: أسلموا وآمنوا في دخولكم إن شاء
~~الله والتقدير ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين فحذف الجزاء
~~لدلالة الكلام ثم اعترض بالجملة الجزائية بين الحال وذي الحال اه، وكأنه
~~أشار بقوله: فكأنه قيل الخ إلى أن في التركيب معنى الدعاء وإلى ذلك ذهب
~~العلامة الطيبي، وقال في «الكشف»: إن فيه إشارة إلى أن الكيفية مقصودة
~~بالأمر كما إذا قلت: ادخل ساجدا كنت آمرا بهما وليس فيه إشارة إلى أن/
~~في التركيب معنى الدعاء فليس المعنى على ذلك، والحق مع العلامة كما لا
~~يخفى، وزعم صاحب " الفرائد " أن التقدير ادخلوا مصر إن شاء الله دخلتم
~~آمنين، فآمنين متعلق بالجزاء المحذوف لا يفتقر إلى التقديم والتأخير وإلى
~~أن يجعل الجزائية معترضة، وتعقب بأنه لا ارتياب أن هذا الاستثناء في
~~أثناء الكلام كالتسمية في ms04786 الشروع فيه للتيمن والتبرك واستعماله مع الجزاء
~~كالشريعة المنسوخة فحسن موقعه في الكلام أن يكون معترضا فافهم.

### || [12.100]

# { ورفع أبويه } عند نزولهم بمصر { على العرش } على
~~السرير كما قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما تكرمة لهما فوق ما فعله بالإخوة
~~{ وخروا له } أي أبواه وإخوته، وقيل: الضمير للإخوة فقط وليس بذاك
~~فإن الرؤيا تقتضي أن يكون الأبوان والإخوة خروا له { سجدا } أي على
~~الجباه كما هو الظاهر، وهو كما قال أبو البقاء حال مقدرة لأن السجود يكون
~~بعد الخرور وكان ذلك جائزا عندهم وهو جار مجرى التحية والتكرمة كالقيام
~~والمصافحة وتقبيل اليد ونحوها من عادات الناس الفاشية في التعظيم
~~والتوقير، قال قتادة: كان السجود تحية الملوك عندهم وأعطى الله تعالى هذه
~~الأمة السلام تحية أهل الجنة كرامة منه تعالى عجلها لهم، وقيل: ما كان
~~ذلك إلا إيماء بالرأس، وقيل: كان كالركوع البالغ دون وضع الجبهة على
~~الأرض، وقيل: المراد به التواضع ويراد بالخرور المرور كما في قوله تعالى:

# والذين إذا ذكروا بئايت ربهم لم يخروا
~~عليها صما وعميانا

# [الفرقان: 73] فقد قيل: المراد لم يمروا عليها كذلك، وأنت تعلم أن اللفظ
~~ظاهر في السقوط، وقيل: ونسب لابن عباس أن المعنى خروا لأجل يوسف سجدا
~~لله شكرا على ما أوزعهم من النعمة، وتعقب بأنه يرده قوله تعالى:

# { وقال يأبت هذا تأويل رؤياي } إذ فيها

# رأيتهم لى ساجدين

# [يوسف: 4]، ودفع بأن القائل به يجعل اللام للتعليل فيهما، وقيل: اللام
~~فيهما بمعنى إلى كما في صلى للكعبة؛ قال حسان:

# ما كنت أعرف أن الدهر منصرف

# عن هاشم ثم منها عن أبي حسن

# أليس أول من صلى لقبلتكم

# وأعرف الناس بالأشياء والسنن

# وذكر الإمام أن القول بأن السجود كان لله تعالى لا ليوسف عليه السلام
~~حسن، والدليل عليه أن قوله تعالى: { ورفع أبويه على العرش
~~وخروا له سجدا } مشعر بأنهم صعدوا ثم سجدوا ولو كان السجود
~~ليوسف عليه السلام كان قبل الصعود والجلوس لأنه أدخل في التواضع بخلاف
~~سجود الشكر لله تعالى، ومخالفة ظاهر الترتيب ظاهر ms04787 المخالفة للظاهر، ودفع
~~ما يرد عليه مما علمت بما علمت، ثم قال: وهو متعين عندي لأنه يبعد من عقل
~~يوسف عليه السلام ودينه أن يرضى بأن يسجد له أبوه مع سابقته في حقوق
~~الولادة والشيخوخة والعلم والدين وكمال النبوة، وأجيب بأن تأخير الخرور
~~عن الرفع ليس بنص في المقصود لأن الترتيب الذكري لا يجب كونه على وفق
~~الترتيب الوقوعي فلعل تأخيره عنه ليتصل به ذكر كونه تعبيرا لرؤياه وما
~~يتصل به، وبأنه يحتمل أن يكون الله تعالى قد أمر يعقوب بذلك لحكمة لا
~~يعلمها إلا هو وكان يوسف عليه السلام عالما بالأمر فلم يسعه إلا السكوت
~~والتسليم، وكأن في قوله: { يا أبت } الخ إشارة إلى ذلك كأنه يقول: يا أبت
~~لا يليق بمثلك على جلالتك في العلم والدين والنبوة أن تسجد لولدك إلا أن
~~هذا أمر أمرت به وتكليف كلفت به فإن رؤيا الأنبياء حق كما أن رؤيا
~~إبراهيم ذبح ولده صار سببا لوجوب الذبح في اليقظة، ولذا جاء عن/ ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أنه عليه السلام لما رأى سجود أبويه وإخوته له
~~هاله ذلك واقشعر جلده منه، ولا يبعد أن يكون ذلك من تمام تشديد الله
~~تعالى على يعقوب عليه السلام كأنه قيل له: أنت كنت دائم الرغبة في وصاله
~~والحزن على فراقه فإذا وجدته فاسجد له.

# ويحتمل أيضا أنه عليه السلام إنما فعله مع عظم قدره لتتبعه الإخوة فيه
~~لأن الأنفة ربما حملتهم على الأنفة منه فيجر إلى ثوران الأحقاد القديمة
~~وعدم عفو يوسف عليه السلام. ولا يخفى أن الجواب عن الأول لا يفيد لما
~~علمت أن مبناه موافقة الظاهر، والاحتمالات المذكورة في الجواب عن الثاني
~~قد ذكرها أيضا الإمام وهي كما ترى، وأحسنها احتمال أن الله تعالى قد
~~أمره بذلك لحكمة لا يعلمها إلا هو. ومن الناس من ذهب إلى أن ذلك السجود
~~لم يكن إلا من الإخوة فرارا من نسبته إلى يعقوب عليه السلام لما علمت،
~~وقد رد بما أشرنا إليه أولا من أن ms04788 الرؤيا تستدعي العموم، وقد أجاب عن
~~ذلك الإمام بأن تعبير الرؤيا لا يجب أن يكون مطابقا للرؤيا بحسب الصورة
~~والصفة من كل الوجوه فسجود الكواكب والشمس والقمر يعبر بتعظيم الأكابر من
~~الناس له عليه السلام، ولا شك أن ذهاب يعقوب وأولاده من كنعان إلى مصر
~~لأجله في نهاية التعظيم له فكفى هذا القدر في صحة الرؤيا فأما أن يكون
~~التعبير كالأصل حذو القذة بالقذة فلم يوجبه أحد من العقلاء اه، والحق أن
~~السجود بأي معنى كان وقع من الأبوين والإخوة جميعا والقلب يميل إلى أنه
~~كان انحناء كتحية الأعاجم وكثير من الناس اليوم ولا يبعد أن يكون ذلك
~~بالخرور ولا بأس في أن يكون من الأبوين وهما على سرير ملكه ولا يأبى ذلك
~~رؤياه عليه السلام { من قبل } أي من قبل سجودكم هذا أو من قبل هذه
~~الحوادث والظرف متعلق  برؤياي  وجوز تعلقها بتأويل  لأنها أولت بهذا
~~قبل وقوعها، وجوز أبو البقاء كونه متعلقا بمحذوف وقع حالا من {
~~رؤيى } وصحة وقوع الغايات حالا تقدم الكلام فيها { قد جعلها
~~ربى حقا } أي صدقا، والرؤيا توصف بذلك ولو مجازا، وأعربه جمع على
~~أنه مفعول ثان لجعل وهي بمعنى صير، وجوز أن يكون حالا أي وضعها صحيحة
~~وأن يكون صفة مصدر محذوف أي جعلا حقا وأن يكون مصدرا من غير لفظ الفعل
~~بل من معناه لأن جعلها في معنى حققها و { حقا } في معنى تحقيق،
~~والجملة على ما قال أبو البقاء حال مقدرة أو مقارنة { وقد أحسن
~~بى } الأصل كما في «البحر» أن يتعدى الإحسان بإلى أو اللام كقوله تعالى:

# وأحسن كما أحسن الله إليك

# [القصص: 77] وقد يتعدى بالباء كقوله تعالى:

# وبالولدين إحسنا

# [البقرة: 83] وكقول كثير عزة

# اسيئي بنا أو أحسني لا ملومة

# لدينا ولا مقلية إن تقلت

# وحمله بعضهم على تضمين { أحسن } معنى لطف ولا يخفى ما فيه من اللطف
~~إلا أن بعضهم أنكر تعدية  لطف  بالباء وزعم أنه لا يتعدى إلا باللام
~~فيقال: لطف الله تعالى له أي أوصل إليه مراده ms04789 بلطف وهذا ما في " القاموس
~~" لكن المعروف في الاستعمال تعديه بالباء وبه صرح في " الأساس " وعليه
~~المعول، وقيل: الباء بمعنى إلى، وقيل: المفعول محذوف أي أحسن صنعه بي
~~فالباء متعلقة بالمعفول المحذوف، وفيه حذف المصدر وإبقاء معموله وهو
~~ممنوع عند البصريين، وقوله: { إذ أخرجنى من السجن } منصوب 
~~بأحسن  أو بالمصدر المحذوف عند من يرى جواز ذلك وإذا كانت تعليلية
~~فالإحسان هو الإخراج من السجن بعد أن ابتلى به/ وما عطف عليه وإذا كانت
~~ظرفية فهو غيرهما، ولم يصرح عليه السلام بقصة الجب حذرا من تثريب إخوته
~~وتناسيا لما جرى منهم لأن الظاهر حضورهم لوقوع الكلام عقيب خرورهم سجدا
~~ولأن الإحسان إنما تم بعد خروجه من السجن لوصوله للملك وخلوصه من الرق
~~والتهمة واكتفاء بما يتضمنه قوله: { وجاء بكم من البدو } أي
~~البادية، وأصله البسيط من الأرض وإنما سمي بذلك لأن ما فيه يبدو للناظر
~~لعدم ما يواريه ثم أطلق على البرية مطلقا، وكان منزلهم على ما قيل:
~~بأطراف الشام ببادية فلسطين وكانوا أصحاب إبل وغنم، وقال الزمخشري: كانوا
~~أهل عمد وأصحاب مواش ينتقلون في المياه والمناجع. وزعم بعضهم أن يعقوب
~~عليه السلام إنما تحول إلى البادية بعد النبوة لأن الله تعالى لم يبعث
~~نبيا من البادية. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كان يعقوب
~~عليه السلام قد تحول إلى بدا وسكنها ومنها قدم على يوسف وله بها مسجد تحت
~~جبلها: قال ابن الأنباري: إن بدا اسم موضع معروف يقال: هو بين شعب وبدا
~~وهما موضعان ذكرهما جميل بقوله:

# وأنت الذي حببت شعبا إلى بدا

# إلي وأوطاني بلاد سواهما

# فالبدو على هذا قصد هذا الموضع يقال: بدا القوم بدوا إذا أتوا بدا كما
~~يقال: أغاروا غورا إذا أتوا الغور، فالمعنى أتى بكم من قصد بدا فهم
~~حينئذ حضريون كذا قاله الواحدي في " البسيط " وذكره القشيري وهو خلاف
~~الظاهر جدا { من بعد أن نزغ الشيطن بينى وبين
~~إخوتى } أي أفسد وحرش، وأصله منه نزغ الرابض الدابة إذا نسخها وحملها ms04790
~~على الجري وأسند ذلك إلى الشيطان مجازا لأنه بوسوسته وإلقائه، وفيه تفاد
~~عن تثريبهم أيضا تعظيما لأمر الإحسان لأن النعمة بعد البلاء أحسن
~~موقعا.

# واستدل الجبائي والكعبي والقاضي بالآية على بطلان الجبر وفيه نظر.

# { إن ربى لطيف لما يشاء } أي لطيف التدبير له إذ ما من صعب
~~إلا وتنفذ فيه مشيئته تعالى ويتسهل دونها كذا قاله غير واحد، وحاصله أن
~~اللطيف هنا بمعنى العالم بخفايا الأمور المدبر لها والمسهل لصعابها،
~~ولنفوذ مشيئته سبحانه فإذا أراد شيئا سهل أسبابه أطلق عليه جل شأنه
~~اللطيف لأن ما يلطف يسهل نفوذه، وإلى هذا يشير كلام الراغب حيث قال:
~~اللطيف ضد الكثيف ويعبر باللطيف عن الحركة الخفيفة وتعاطي الأمور الدقيقة
~~فوصف الله تعالى به لعلمه بدقائق الأمور ورفقه بالعباد، فاللام متعلقة 
~~بلطيف  لأن المراد مدبر لما يشاء على ما قاله غير واحد، وقال بعضهم إن
~~المعنى لأجل ما يشاء، وهو على الأول متعد باللام وعلى الثاني غير متعد
~~بها وقد تقدم آنفا ما في ذلك.

# { إنه هو العليم } بوجوه المصالح { الحكيم } الذي يفعل كل
~~شيء على وجه الحكمة لا غيره. روي أن يوسف طاف بأبيه عليهما السلام في
~~خزائنه فلما أدخله خزينة القرطاس قال: يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس
~~وما كتبت إلي علي ثمان مراحل قال: أمرني جبريل قال: أو ما تسأله؟ قال:
~~أنت أبسط مني إليه فسأله قال: جبريل عليه السلام الله تعالى أمرني بذلك
~~لقولك:

# وأخاف أن يأكله الذئب

# [يوسف: 13] قال: فهلا خفتني/ وهذا عذر واضح ليوسف عليه السلام في عدم
~~إعلام أبيه بسلامته. وقد صرح غير واحد بأنه عليه السلام أوحى إليه بإخفاء
~~الأمر على أبيه إلى أن يبلغ الكتاب أجله، لكن يبقى السؤال بأن يعقوب عليه
~~السلام كان من أكابر الأنبياء نفسا وأبا وجدا وكان مشهورا في أكناف
~~الأرض ومن كان كذلك ثم وقعت له واقعة هائلة في أعز أولاده عليه لم تبق
~~تلك الواقعة خفية بل لا بد وأن تبلغ في الشهرة إلى حيث يعرفها كل أحد ms04791 لا
~~سيما وقد انقضت المدة الطويلة فيها وهو في ذلك الحزن الذي تضرب فيه
~~الأمثال ويوسف عليه السلام ليس بمكان بعيد عن مكانه ولا متوطنا زوايا
~~الخفاء ولا خامل الذكر بل كان مرجع العام والخاص وداعيا إلى الله تعالى
~~في السر والعلن وأوقات السرور والمحن فكيف غم أمره ولم يصل إلى أبيه
~~خبره؟. وأجيب عن ذلك بأنه ليس إلا من باب خرق العادة، واختلفوا في مقدار
~~المدة بين الرؤيا وظهور تأويلها فقيل: ثماني عشرة سنة، وأخرج عبد الله بن
~~أحمد في " زوائد الزهد " عن الحسن أن المدة ثمانون سنة، وأخرج ابن جرير
~~عن ابن جريج أنها سبع وتسعون سنة، وعن حذيفة أنها سبعون سنة، وأخرج ابن
~~أبي حاتم عن قتادة أنها خمس وثلاثون سنة، وأخرج جماعة عن سلمان الفارسي
~~أنها أربعون سنة وهو قول الأكثرين، قال ابن شداد: وإلى ذلك ينتهي تأويل
~~الرؤيا والله تعالى أعلم بحقائق الأمور.

### || [12.101]

# { رب قد آتيتني من الملك } أي بعضا عظيما منه  فمن 
~~للتبعيض ويبعد القول بزيادتها أو جعلها لبيان الجنس والتعظيم من مقتضيات
~~المقام، وبعضهم قدر عظيما في النظم الجليل على أن مفعول به كما نقل أبو
~~البقاء وليس بشيء، والظاهر أنه أراد من ذلك البعض ملك مصر ومن {
~~الملك } ما يعم مصر وغيرها، ويفهم من كلام بعضهم جواز أن يراد من
~~الملك مصر ومن البعض شيء منها وزعم أنه لا ينافي قوله تعالى:

# مكنا ليوسف فى الأرض يتبوأ منها حيث يشاء

# [يوسف: 56] لأنه لم يكن مستقلا فيه وإن كان ممكنا فيه وفيه تأمل،
~~وقيل: أراد ملك نفسه من إنفاذ شهوته، وقال عطاء ملك حساده بالطاعة ونيل
~~الأماني وليس بذاك { وعلمتنى من تأويل الأحاديث } أي
~~بعضا من ذلك كذلك، والمراد بتأويل الأحاديث إما تعليم تعبير الرؤيا وهو
~~الظاهر وإما تفهيم غوامض أسرار الكتب الإلهية ودقائق سنن الأنبياء، وعلى
~~التقديرين لم يؤت عليه السلام جميع ذلك، والترتيب على غير الظاهر ظاهر
~~وأما على الظاهر فلعل تقديم إيتاء الملك على ذلك في الذكر لأنه بمقام ms04792
~~تعداد النعم الفائضة عليه من الله سبحانه والملك أعرق في كونه نعمة من
~~التعليم المذكور وإن كان ذلك أيضا نعمة جليلة في نفسه فتذكر وتأمل. وقرأ
~~عبد الله وابن ذر { آتيتن وعلمتن } بحذف الياء فيهما اكتفاء بالكسرة،
~~وحكى ابن عطية عن الأخير { اتيتنى } بغير { قد }.

# { فاطر السموات والأرض } أي مبدعهما وخالقهما، ونصبه على
~~أنه نعت  لرب  أو بدل أو بيان أو منصوب بأعني أو منادى ثان، ووصفه
~~تعالى به بعد وصفه بالربوبية مبالغة في ترتيب مبادىء ما يعقبه من قوله: {
~~أنت ولي } متولي أموري ومتكفل بها أو موالي لي وناصر { فى
~~الدنيا والآخرة } فالولي إما من الولاية أو الموالاة، وجوز أن
~~يكون بمعنى المولى كالمعطى لفظا ومعنى أي الذي يعطيني نعم الدنيا/
~~والآخرة { توفني } أقبضني { مسلما وألحقنى
~~بالصلحين } من آبائي على ما روي عن ابن عباس أو بعامة الصالحين
~~في الرتبة والكرامة كما قيل، واعترض بأن يوسف عليه السلام من كبار
~~الأنبياء عليهم السلام والصلاح أول درجات المؤمنين فكيف يليق به أن يطلق
~~اللحاق بمن هو في البداية؟ وأجيب بأنه عليه السلام طلبه هضما لنفسه
~~فسبيله سبيل استغفار الأنبياء عليهم السلام، ولا سؤال ولا جواب إذا أريد
~~من الصالحين آباؤه الكرام يعقوب وإسحق وإبراهيم عليه السلام، وقال
~~الإمام: ههنا وههنا مقام آخر في الآية على لسان أصحاب المكاشفات وهو أن
~~النفوس المفارقة إذا أشرقت بالأنوار الإلهية واللوامع القدسية فإذا كانت
~~متناسبة متشاكلة انعكس النور الذي في كل واحد منها إلى الأخرى بسبب تلك
~~الملاءمة والمجانسة فعظمت تلك الأنوار وتقوت هاتيك الأضواء، ومثال ذلك
~~المرايا الصقيلة الصافية إذا وصفت وصفا متى أشرقت الشمس عليها انعكس
~~الضوء من كل واحد منها إلى الأخرى فهناك يقوى الضوء ويكمل النور وينتهي
~~في الإشراق والبريق إلى حد لا تطيقه الأبصار الضعيفة فكذلك ههنا انتهى.

# وهو كما ترى، والحق أن يقال: إن الصلاح مقول بالتشكيك متفاوت قوة وضعفا
~~والمقام يقتضي أنه عليه السلام أراد بالصالحين المتصفين بالمرتبة المعتنى
~~بها من مراتب الصلاح، وقد قدمنا ما عند ms04793 أهل المكاشفات في الصلاح فارجع
~~إليه.

# بقي أن المفسرين اختلفوا في أن هذا هل هو منه عليه السلام تمني للموت
~~وطلب منه أم لا؟ فالكثير منهم على أنه طلب وتمني لذلك، قال الإمام: ولا
~~يبعد من الرجل العاقل إذا كمل عقله أن يتمنى الموت وتعظم رغبته فيه لأنه
~~حينئذ يحس بنقصانه مع شغفه بزواله وعلمه بأن الكمال المطلق ليس إلا لله
~~تعالى فيبقى في قلق لا يزيله إلا الموت فيتمناه، وأيضا يرى أن السعادة
~~الدنيوية سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل عند زوالها أشد من
~~اللذة الحاصلة عند وجدانها مع أنه ليس هناك لذة إلا وهي ممزوجة بما
~~ينغصها بل لو حققت لا ترى لذة حقيقية في هذه اللذائذ الجسمانية وإنما
~~حاصلها دفع الآلام، فلذة الأكل عبارة عن دفع ألم الجوع، ولذة النكاح
~~عبارة عن دفع الألم الحاصل بسبب الدغدغة المتولدة من حصول المني في
~~أوعيته، وكذا الإمارة والرياسة يدفع بها الألم الحاصل بسبب شهوة الانتقام
~~ونحو ذلك، والكل لذلك خسيس وبالموت التخلص عن الاحتياج إليه، على أن عمدة
~~الملاذ الدنيوية الأكل والجماع والرياسة والكل في نفسه خسيس معيب، فإن
~~الأكل عبارة عن ترطيب الطعام بالبزاق المجتمع في الفم ولا شك أنه مستقذر
~~في نفسه؛ ثم حينما يصل إلى المعدة يظهر فيه الاستحالة والتعفن ومع ذا
~~يشارك الإنسان فيه الحيوانات الخسيسة فيلتذ الجعل بالروث التذاذ الإنسان
~~باللوزينج، وقد قال العقلاء: من كان همته ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج
~~من بطنه، والجماع نهاية ما يقال فيه: إنه إخراج فضلة متولدة من الطعام
~~بمعونة جلدة مدبوغة بالبول ودم الحيض والنفاس مع حركات لو رأيتها من غيرك
~~لأضحكتك، وفيه أيضا تلك المشاركة وغاية ما يرجى من ذلك تحصيل الولد الذي
~~يجر إلى شغل البال والتحيل لجمع المال ونحو ذلك، والرياسة إذا لم يكن
~~فيها سوى أنها على شرف الزوال في كل آن لكثرة من ينازع فيها ويطمح نظره
~~إليها فصاحبها لم يزل خائفا وجلا من ذلك لكفاها عيبا، وقد يقال ms04794 أيضا:
~~إن النفس خلقت مجبولة على طلب اللذات والعشق الشديد لها والرغبة التامة
~~في الوصول إليها فما دام في هذه الحياة الجسمانية يكون طالبا لها وما
~~دام كذلك فهو في عين الآفات ولجة الحسرات، وهذا اللازم مكروه والملزوم
~~مثله فلهذا يتمنى العاقل زوال هذه الحياة الجسمانية ليستريح من ذلك
~~النصب، ولله تعالى قول من قال: وقال:

# / ضجعة الموت رقدة يستريح

# الجسم فيها والعيش مثل السهاد

# وقال:

# تعب كلها الحياة فما أعج

# ب إلا من راغب في ازدياد

# إن حزنا في ساعة الفوت أضعا

# ف سرور في ساعة الميلاد

# وقد ذكر غير واحد أن تمني الموت حبا للقاء الله تعالى مما لا بأس به،
~~وقد روى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها:

# " من أحب لقاء الله تعالى أحب الله تعالى لقاءه "

# الحديث. نعم تمنى الموت عند نزول البلاء منهي عنه ففي الخبر

# " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به "

# ، وقال قوم: إنه عليه السلام لم يتمن الموت وإنما عدد نعم الله تعالى
~~عليه ثم دعا بأن تدوم تلك النعم في باقي عمره حتى إذا حان أجله قبضه على
~~الإسلام وألحقه بالصالحين.

# والحاصل أنه عليه السلام إنما طلب الموافاة على الإسلام لا الوفاة، ولا
~~يرد على القولين أنه من المعلوم أن الأنبياء عليهم السلام لا يموتون إلا
~~مسلمين أما لأن الإسلام هنا بمعنى الاستسلام لكل ما قضاه الله تعالى أو
~~لأن ذلك بيان لأنه وإن لم يتخلف ليس إلا بإرادة الله تعالى ومشيئته
~~والذاهبون إلى الأول قالوا إنه عليه السلام لم يأت عليه أسبوع حتى توفاه
~~الله تعالى وكان الحسن يذهب إلى القول الثاني ويقول: إنه عليه السلام عاش
~~بعد هذا القول سنين كثيرة وروى المؤرخون أن يعقوب عليه السلام أقام مع
~~يوسف أربعا وعشرين سنة ثم توفى وأوصى أن يدفن بالشام إلى جنب أبيه فذهب
~~به ودفنه ثمت وعاش بعده ثلاثا وعشرين سنة وقيل: أكثر ثم تاقت نفسه إلى
~~الملك المخلد فتمنى الموت فتوفاه الله تعالى طيبا طاهرا فتخاصم أهل ms04795 مصر
~~في مدفنه حتى هموا بالقتال فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مرمر ويدفنوه في
~~النيل بحيث يمر عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا شرعا فيه ففعلوا ثم
~~أراد موسى عليه السلام نقله إلى مدفن آبائه فأخرجه بعد أربعمائة سنة على
~~ما قيل: من صندوق المرمر لثقله وجعله في تابوت من خشب ونقله إلى ذلك،
~~وكان عمره مائة وعشرين سنة، وقيل: مائة وسبع سنين، وقد ولد له من امرأة
~~العزيز افراثيم وهو جد يوشع عليه السلام وميشا ورحمة زوجة أيوب عليه
~~السلام، ولقد توارثت الفراعنة من العمالقة بعده مصر ولم يزل بنو إسرائيل
~~تحت أيديهم على بقايا دين يوسف وآبائه عليهم السلام إلى أن بعث الله
~~تعالى موسى عليه السلام فكان ما كان.

# وفي التوراة أن يوسف عليه السلام أسكن أباه وإخوته في مكان يقال له عين
~~شمس من أرض السدير وبقي هناك سبع عشرة سنة وكان عمره حين دخل مصر مائة
~~وثلاثين سنة ولما قرب أجله دعا يوسف عليه السلام فجاء ومعه ولداه منشا
~~وهو بكره وافرايم فقدمهما إليه ودعا لهما ووضع يده اليمنى على رأس الأصغر
~~واليسرى على رأس الأكبر وكان يوسف يحب عكس ذلك فكلم أباه فيه فقال: يا
~~بني إني لأعلم أن ما يتناسل من هذا الأصغر أكثر مما يتناسل من هذا الأكبر
~~ودعا ليوسف عليه السلام وبارك عليه وقال: يا بني إني ميت كان الله تعالى
~~معكم وردكم إلى بلد أبيكم يا بني إذا أنا مت فلا تدفنني في مصر وادفني في
~~مقبرة آبائي وقال: نعم يا أبت وحلف له ثم دعا سائر بنيه وأخبرهم بما
~~ينالهم في أيامهم ثم أوصاهم بالدفن عند آبائه في الأرض التي اشتراها
~~إبراهيم عليه السلام من عفرون الختى في أرض الشام وجعلها مقبرة، وبعد أن
~~فرغ من وصيته عليه السلام توفي فانكب يوسف عليه السلام عليه يقبله ويبكى
~~وأقام له حزنا عظيما وحزن عليه أهل مصر كثيرا ثم ذهب به يوسف/ وإخوته
~~وسائر آله سوى الأطفال ومعهم قواد ms04796 الملك ومشايخ أهل مصر ودفنوه في المكان
~~الذي أراد ثم رجعوا، وقد توهم إخوة يوسف منه عليه السلام أن يسيء
~~المعاملة معهم بعد موت أبيهم عليه السلام فلما علم ذلك منهم قال لهم: لا
~~تخافوا إني أخاف الله تعالى ثم عزاهم وجبر قلوبهم ثم أقام هو وآل أبيه
~~بمصر وعاش مائة وعشر سنين حتى رأى لإفرايم ثلاثة بنين وولد بنو ماخير بن
~~منشا في حجره أيضا، ثم لما أحس بقرب أجله قال لإخوته: إني ميت والله
~~سبحانه سيذكركم ويردكم إلى البلد الذي أقسم أن يملكه إبراهيم وإسحق
~~ويعقوب فإذا ذكركم سبحانه وردكم إلى ذلك البلد فاحملوا عظامي معكم ثم
~~توفى عليه السلام فحنطوه وصيروه في تابوت بمصر وبقى إلى زمن موسى عليه
~~السلام فلما خرج حمله حسبما أوصى عليه السلام.

### || [12.102]

# { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من أنباء يوسف عليه السلام، وما فيه من
~~معنى البعد لما مر مرارا، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وهو مبتدأ
~~وقوله تعالى: { من أنباء الغيب } الذي لا يحوم حوله أحد خبره،
~~وقوله سبحانه: { نوحيه إليك } خبر بعد خبر أو حال من الضمير في
~~الخبر، وجوز أن يكون { ذلك } اسما موصولا مبتدأ و { من أنباء
~~الغيب } صلته و { نوحيه إليك } خبره وهو مبني على مذهب مرجوح
~~من جعل سائر أسماء الإشارة موصولات. { وما كنت لديهم } يريد
~~إخوة يوسف عليه السلام { إذ أجمعوا أمرهم } وهو جعلهم إياه
~~في غيابة الجب { وهم يمكرون } به ويبغون له الغوائل، والجملة
~~قيل: كالدليل على كون ذلك من أنباء الغيب وموحى إليه عليه الصلاة
~~والسلام، والمعنى أن هذا النبأ غيب لم تعرفه إلا بالوحي لأنك لم تحضر
~~إخوة يوسف عليه السلام حين عزموا على ما هموا به من أن يجعلوه في غيابة
~~الجب وهم يمكرون به، ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت
~~أحدا سمع ذلك فتعلمته منه، وهذا من المذهب الكلامي على ما نص عليه غير
~~واحد وإنما حذف الشق الأخير مع أن الدال على ما ms04797 ذكر مجموع الأمرين لعلمه
~~من آية أخرى كقوله تعالى:

# ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل

# [هود: 49] وقال بعض المحققين: إن هذا تهكم بمن كذبه وذلك من حيث أنه
~~تعالى جعل المشكوك فيه كونه عليه السلام حاضرا بين يدي أولاد يعقوب عليه
~~السلام ماكرين فنفاه بقوله: { وما كنت لديهم } وإنما الذي يمكن
~~أن يرتاب فيه المرتاب قبل التعرف هو تلقيه من أصحاب هذه القصة، وكان ظاهر
~~الكلام أن ينفي ذلك فلما جعل المشكوك ما لا ريب فيه لأن كونه عليه الصلاة
~~والسلام لم يلق أحدا ولا سمع كان عندهم كفلق الفجر جاء التهكم البالغ
~~وصار حاصل المعنى قد علمتم يا مكابرة أنه لم يكن مشاهدا لمن مضى من
~~القرون الخالية وإنكاركم لما أخبر به يفضي إلى أن تكابروا بأنه قد شاهد
~~من مضى منهم، وهذا كقوله تعالى:

# أم كنتم شهداء إذ وصكم الله بهذا

# [الأنعام: 144] ومنه يظهر فائدة العدول عن أسلوب

# ما كنت تعلمها أنت ولا قومك

# [هود: 49] إلى هذا الأسلوب وهو أبلغ مما ذكر أولا، وذكر لترك ذلك نكتة
~~أخرى أيضا وهي أن المذكور مكرهم/ وما دبروه وهو مما أخفوه حتى لا يعلمه
~~غيرهم فلا يمكن تعلمه من الغير ولا يخلو عن حسن، وأيا ما كان ففي الآية
~~إيذان بأن ما ذكر من النبأ هو الحق المطابق للواقع وما ينقله أهل الكتاب
~~ليس على ما هو عليه.

### || [12.103]

# { وما أكثر الناس } الظاهر العموم، وقال ابن عباس: إنهم أهل
~~مكة { ولو حرصت } أي على إيمانهم وبالغت في إظهار الآيات القاطعة
~~الدالة على صدقك عليهم { بمؤمنين } لتصميمهم على الكفر وإصرارهم
~~على العناد حسبما اقتضاه استعدادهم وحرص من باب ضرب وعلم وكلاهما لغة
~~فصيحة، وجواب { لو } محذوف للعلم به، والجملة معترضة بين المبتدأ
~~والخبر. قال ابن الأنباري: سألت قريش واليهود رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم عن قصة يوسف عليه السلام فنزلت مشروحة شرحا وافيا فأمل عليه
~~الصلاة والسلام أن يكون ذلك سبب اسلامهم، وقيل: إنهم وعدوه أن يسلموا
~~فلما لم ms04798 يفعلوا عزاه تعالى بذلك. وقيل: إنها نزلت في المنافقين، وقيل: في
~~النصارى، وقيل: في المشركين فقط، وقيل: في أهل الكتاب فقط؛ وقيل: في
~~الثنوية.

### || [12.104]

# { وما تسألهم عليه } أي هذا الإنباء أو جنسه أو القرآن،
~~وأيا ما كان فالضمير عائد على ما يفهم مما قبله والمعنى ما تطلب منهم
~~على تبليغه { من أجر } أي جعل ما كما يفعله حملة الأخبار { إن
~~هو إلا ذكر } أي ما هو إلا تذكير وعظة من الله تعالى {
~~للعلمين } كافة، والجملة كالتعليل لما قبلها لأن الوعظ العام
~~ينافي أخذ الأجرة من البعض لأنه لا يختص بهم. وقيل: أريد أنه ليس إلا
~~عظة من الله سبحانه امرت أن أبلغها فوجب على ذلك فكيف أسأل أجرا على
~~أداء الواجب وهو خلاف الظاهر، وعليه تكون الآية دليلا على حرمة أخذ
~~الأجرة على أداء الواجبات. وقرأ مبشر بن عبيد { وما نسألهم }
~~بالنون.

### || [12.105]

# { وكأين من آية } أي وكم من آية قال الجلال السيوطي: إن { كأي }
~~اسم ككم التكثيرية الخبرية في المعنى مركب من كاف التشبيه وأي
~~الاستفهامية المنونة وحكيت، ولهذا جاز الوقف عليها بالنون لأن التنوين
~~لما دخل في التركيب أشبه النون الأصلية ولذا رسم في المصحف نونا، ومن
~~وقف عليها بحذفه اعتبر حكمه في الأصل، وقيل: الكاف فيها هي الزائدة قال
~~ابن عصفور: ألا ترى أنك لا تريد بها معنى التشبيه وهي مع ذا لازمة وغير
~~متعلقة بشيء وأي مجرورها، وقيل: هي اسم بسيط واختاره أبو حيان قال: ويدل
~~على ذلك تلاعب العرب بها في اللغات، وإفادتها للاستفهام نادر حتى أنكره
~~الجمهور، ومنه قول أبي لابن مسعود: كأين تقرأ سورة الأحزاب آية؟ فقال:
~~ثلاثا وسبعين، والغالب وقوعها خبرية ويلزمها الصدر فلا تجر خلافا لابن
~~قتيبة. وابن عصفور ولا يحتاج إلى سماع، والقياس على كم يقتضي أن يضاف
~~إليها ولا يحفظ ولا يخبر عنها إلا بجملة فعلية مصدرة بماض أو مضارع كما
~~هنا، قال أبو حيان: والقياس أن تكون في موضع نصب على المصدر أو الظرف أو
~~خبر كان ms04799 كما كان ذلك في كم. وفي " البسيط " أنها تكون مبتدأ وخبرا
~~ومفعولا ويقال فيها: كائن بالمد بوزن اسم الفاعل من كان ساكنة النون
~~وبذلك، قرأ ابن كثير { وكأ } بالقصر بوزن { عم }  { وكأي } / بوزن
~~رمي، وبه قرأ ابن محيصن { وكيىء } بتقديم الياء على الهمزة. وذكر صاحب "
~~اللوامح " أن الحسن قرأ { وكي } بياء مكسورة من غير همز ولا ألف ولا
~~تشديد و { آية } في موضع التمييز و { من } زائدة، وجر تمييز كأين بها
~~دائمي أو أكثري، وقيل: هي مبينة للتمييز المقدر، والمراد من الآية الدليل
~~الدال على وجود الصانع ووحدته وكمال علمه وقدرته، وهي وإن كانت مفردة
~~لفظا لكنها في معنى الجمع أي آيات لمكان كائن، والمعنى وكأي عدد شئت من
~~الآيات الدالة على صدق ما جئت به غير هذه الآية.

# { في السموت والأرض } أي كائنة فيهما من الأجرام الفلكية
~~وما فيها من النجوم وتغير أحوالها ومن الجبال والبحار وسائر ما في الأرض
~~من العجائب الفائتة للحصر:

# وفي كل شيء له آية

# تدل على أنه واحد

# { يمرون عليها } يشاهدونها { وهم عنها معرضون } غير
~~متفكرين فيها ولا معتبرين بها، وفي هذا من تأكيد تعزيه صلى الله عليه
~~وسلم وذم القوم ما فيه، والظاهر أن { في السموات والأرض } في
~~موضع الصفة  لآية  وجملة { يمرون } خبر { كأين } كما أشرنا إليه
~~سابقا وجوز العكس، وقرأ عكرمة وعمرو بن قائد { والأرض }  بالرفع على أن
~~في السموات هو الخبر  لكأين  { والأرض } مبتدأ خبره الجملة بعده
~~ويكون ضمير { عليها } للأرض لا للآيات كما في القراءة المشهورة، وقرأ
~~السدى { والأرض } بالنصب على أنه مفعول بفعل محذوف يفسره { يمرون }
~~وهو من الاشتغال المفسر بما يوافقه في المعنى وضمير { عليها } كما هو
~~فيما قبل أي ويطؤون الأرض يمرون عليها، وجوز أن يقدر يطؤن ناصبا للأرض
~~وجملة { يمرون } حال منها أو من ضمير عاملها.

# وقرأ عبد الله { والأرض } بالرفع و { ويمشون } بدل  يمرون  والمعنى
~~على القراآت الثلاث أنهم يجيئون ويذهبون في الأرض ويرون آثار الأمم
~~الهالكة وما فيها من الآيات والعبر ولا يتفكرون ms04800 في ذلك.

### || [12.106]

# { وما يؤمن أكثرهم بالله } في إقرارهم بوجوده تعالى
~~وخالقيته { إلا وهم مشركون } به سبحانه، والجملة في موضع
~~الحال من الأكثر أي ما يؤمن أكثرهم إلا في حال إشراكهم. قال ابن عباس
~~ومجاهد وعكرمة والشعبي وقتادة: هم أهل مكة آمنوا وأشركوا كانوا يقولون
~~في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك الا شريكا هو لك تملكه وما
~~ملك، ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم إذا سمع أحدهم يقول: لبيك لا شريك
~~لك يقول له: قط قط أي يكفيك ذلك ولا تزد إلا شريكا الخ. وقيل: هم أولئك
~~آمنوا لما غشيهم الدخان في سني القحط وعادوا إلى الشرك بعد كشفه. وعن ابن
~~زيد وعكرمة وقتادة ومجاهد أيضا أن هؤلاء كفار العرب مطلقا أقروا
~~بالخالق الرازق المميت وأشركوا بعبادة الأوثان والأصنام، وقيل: أشركوا
~~بقولهم: الملائكة بنات الله سبحانه. وعن ابن عباس أيضا أنهم أهل الكتاب
~~أقروا بالله تعالى وأشركوا به من حيث كفروا بنبيه صلى الله عليه وسلم أو
~~من حيث عبدوا عزيزا والمسيح عليهما السلام. وقيل: أشركوا بالتبني
~~واتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا. وقيل: هم الكفار الذين يخلصون في
~~الدعاء عند الشدة ويشركون إذا نجوا منها وروي ذلك عن عطاء، وقيل: هم
~~الثنوية قالوا بالنور والظلمة. وقيل: / هم المنافقون جهروا بالإيمان
~~واخفوا الكفر ونسب ذلك للبلخي، وعن الحبر أنهم المشبهة آمنوا مجملا
~~وكفروا مفصلا. وعن الحسن أنهم المراؤون بأعمالهم والرياء شرك خفي، وقيل:
~~هم المناظرون إلى الأسباب المعتمدون عليها، وقيل: هم الذين يطيعون الخلق
~~بمعصية الخالق، وقد يقال نظرا إلى مفهوم الآية: إنهم من يندرج فيهم كل
~~من أقر بالله تعالى وخالقيته مثلا وكان مرتكبا ما يعد شركا كيفما كان،
~~ومن أولئك عبدة القبور الناذرون لها المعتقدون للنفع والضر ممن الله
~~تعالى أعلم بحاله فيها وهم اليوم أكثر من الدود، واحتجت الكرامية بالآية
~~على أن الإيمان مجرد الإقرار باللسان وفيه نظر.

### || [12.107]

# { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله } أي
~~عقوبة تغشاهم وتشملهم، والاستفهام إنكار فيه معنى التوبيخ ms04801 والتهديد كما
~~في " البحر " ، والكلام في العطف ومحل الاستفهام في الحقيقة مشهور وقد مر
~~غير مرة، والمراد بهذه العقوبة ما يعم الدنيوية والأخروية على ما قيل.
~~وفي " البحر " ما هو صريح في الدنيوية للمقابلة بقوله سبحانه: { أو
~~تأتيهم الساعة بغتة } فجأة من غير سابقة علامة وهو الظاهر
~~{ وهم لا يشعرون } بإتيانها غير مستعدين لها.

### || [12.108]

# { قل هذه سبيلى } أي هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان
~~والتوحيد سبيلي كذا قالوا، والظاهر أنهم أخذوا الدعوة إلى الإيمان من
~~قوله تعالى:

# وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين

# [يوسف: 103] لإفادة أنه يدعوهم إلى الإيمان بجد وحرص وإن لم ينفع فيهم،
~~والدعوة إلى التوحيد من قوله سبحانه:

# وما يؤمن أكثرهم

# [يوسف: 106] لدلالته على أن كونه ذكرا لهم لاشتماله على التوحيد لكنهم
~~لا يرفعون له رأسا كسائر آيات الآفاق والانفس الدالة على توحده تعالى
~~ذاتا وصفات، وفسر ذلك بقوله تعالى: { ادعوا إلى الله } أي أدعو
~~الناس إلى معرفته سبحانه بصفات كماله ونعوت جلاله ومن جملتها التوحيد
~~فالجملة لا محل لها من الإعراب، وقيل: إن الجملة في موضع الحال من الياء
~~والعامل فيها معنى الإشارة. وتعقب بأن الحال في مثله من المضاف إليه
~~مخالفة للقواعد ظاهرا وليس ذلك مثل

# أن اتبع ملة إبرهيم حنيفا

# [النحل: 123] واعترض أيضا بأن فيه تقييد الشيء بنفسه وليس ذاك { على
~~بصيرة } أي بيان وحجة واضحة غير عمياء، والجار والمجرور في موضع
~~الحال من ضمير { أدعو } وزعم أبو حيان أن الظاهر تعلقه  بأدعو 
~~وقوله تعالى: { أنا } تأكيد لذلك الضمير أو للضمير الذي في الحال،
~~وقوله تعالى: { ومن اتبعنى } عطف على ذي الحال، ونسبة { أدعو
~~} إليه من باب التغليب كما قرر في قوله تعالى:

# اسكن أنت وزوجك الجنة

# [البقرة: 35] ومنهم من قدر في مثله فعلا عاملا في المعطوف ولم يعول
~~عليه المحققون، ومنع عطفه على { أنا } لكونه تأكيدا ولا يصح في
~~المعطوف كونه تأكيدا كالمعطوف عليه. واعترض بأن ذلك غير لازم كما يقتضيه
~~كلام المحققين، وجوز كون { من } مبتدأ خبره محذوف أي ومن ms04802 اتبعني كذلك
~~أي داع وأن يكون { على بصيرة } خبرا مقدما { وأنا } مبتدأ {
~~ومن } عطف عليه، وقوله تعالى: { وسبحن الله } أي وأنزهه
~~سبحانه وتعالى تنزيها من الشركاء، وهو داخل تحت القول وكذا { وما
~~أنا من المشركين } في وقت من الأوقات، والكلام مؤكد لما سبق
~~من الدعوة إلى الله تعالى. وقرأ عبد الله { قل هذا سبيلى } على
~~التذكير والسبيل تؤنث وقد تذكر.

### || [12.109]

# { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا } رد لقولهم:

# لو شاء ربنا لأنزل ملئكة

# [فصلت: 14] نفي له، وقيل: المراد نفي استنباء النساء ونسب ذلك إلى ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما. وزعم/ بعضهم أن الآية نزلت في سجاح بنت
~~المنذر المنبئة التي يقول فيها الشاعر:

# أمست نبيتنا أنثى نطوف بها

# ولم تزل أنبياء الله ذكرانا

# فلعنة الله والاقوام كلهم

# على سجاح ومن بالافك أغرانا

# أعني مسيلمة الكذاب لا سقيت

# اصداؤه ماء مزن أينما كانا

# وهو مما لا صحة له لأن ادعاءها النبوة كان بعد النبي صلى الله عليه
~~وسلم وكونه اخبارا بالغيب لا قرينة عليه { نوحى إليهم } كما
~~أوحينا إليك. وقرأ أكثر السبعة { يوحى } بالياء وفتح الحاء مبنيا
~~للمفعول، وقراءة النون وهي قراءة حفص وطلحة وأبي عبد الرحمن موافقة
~~لأرسلنا { من أهل القرى } لأن أهلها كما قال ابن زيد وغيره: وهو
~~مما لا شبهة فيه أعلم وأحلم من أهل البادية ولذا يقال لأهل البادية أهل
~~الجفاء، وذكروا ان التبدي مكروه إلا في الفتن، وفي الحديث

# " من بدا جفا "

# قال قتادة: ما نعلم أن الله تعالى أرسل رسولا قط إلا من أهل القرى،
~~ونقل عن الحسن أنه قال: لم يبعث رسول من أهل البادية ولا من النساء ولا
~~من الجن، وقوله تعالى:

# وجاء بكم من البدو

# [يوسف: 100] قد مر الكلام فيه آنفا.

# { أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان
~~عقبة الذين من قبلهم } من المكذبين بالرسل والآيات من
~~قوم نوح وقوم لوط وقوم صالح وسائر من عذبه الله تعالى فيحذروا تكذيبك
~~وروي هذا عن الحسن، وجوز أن يكون المراد عاقبة الذين ms04803 من قبلهم من
~~المشغوفين بالدنيا المتهالكين عليها فيقلعوا ويكفوا عن حبها وكأنه لاحظ
~~المجوز ما سيذكر، والاستفهام على ما في " البحر " للتقريع والتوبيخ {
~~ولدار الآخرة } من إضافة الصفة إلى الموصوف عند الكوفية أي ولا
~~الدار الآخرة وقدر البصري موصوفا أي ولدار الحال أو الساعة أو الحياة
~~الآخرة وهو المختار عند الكثير في مثل ذلك { خير للذين اتقوا
~~} الشرك والمعاصي: { أفلا تعقلون } فتستعملوا عقولكم لتعرفوا خيرية
~~دار الآخرة فتتوسلوا إليها بالاتقاء، قيل: إن هذا من مقول

# قل

# [يوسف: 108] أي قل لهم مخاطبا أفلا تعقلون فالخطاب على ظاهره، وقوله
~~سبحانه: { وما أرسلنا من قبلك } إلى { من قبلهم } أو {
~~اتقوا } اعتراض بين مقول القول، واستظهر بعضهم كون هذا التفاتا.
~~وقرأ جماعة { يعقلون } بالياء رعيا لقوله سبحانه: { أفلم
~~يسيروا }.

### || [12.110]

# { حتى إذا استيئس الرسل } غاية لمحذوف دل عليه السباق
~~والتقدير عند بعضهم لا يغرنهم تماديهم فيما هم فيه من الدعة والرخاء فإن
~~من قبلهم قد أمهلوا حتى يئس الرسل من النصر عليهم في الدنيا أو من
~~إيمانهم لانهماكهم في الكفر وتماديهم في الطغيان من غير وازع، وقال أبو
~~الفرج بن الجوزي: التقدير وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا فدعوا قومهم
~~فكذبوهم وصبروا وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم حتى إذا استيأس الخ، وقال
~~القرطبي: التقدير وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ثم لم نعاقب أممهم حتى
~~إذا استيأس الخ، وقال الزمخشري: التقدير وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا
~~فتراخى النصر حتى إذا الخ، ولعل الأول أولى وإن كان فيه كثرة حذف،
~~والاستفعال بمعنى المجرد كما أشرنا/ إليه وقد مر الكلام في ذلك {
~~وظنوا أنهم قد كذبوا } بالتخفيف والبناء للمفعول، وهي
~~قراءة علي كرم الله تعالى وجهه وأبي وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وطلحة
~~والأعمش والكوفيين، واختلف في توجيه الآية على ذلك فقيل: الضمائر الثلاثة
~~للرسل والظن بمعنى التوهم لا بمعناه الأصلي ولا بمعناه المجازي أعني
~~اليقين وفاعل { كذبوا } المقدر إما أنفسهم أو رجاؤهم فإنه يوصف
~~بالصدق والكذب أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون أو كذبهم ms04804 رجاؤهم
~~النصر، والمعنى أن مدة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر من الله
~~تعالى قد تطاولت وتمادت حتى استشعروا القنوط وتوهموا أن لا نصر لهم في
~~الدنيا.

# { جاءهم نصرنا } فجأة؛ وقيل: الضمائر كلها للرسل والظن بمعناه
~~وفاعل { كذبوا } المقدر من أخبرهم عن الله تعالى وروي ذلك عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرج الطبراني وغيره عن عبد الله بن أبي
~~مليكة قال: إن ابن عباس قرأ { قد كذبوا } مخففة ثم قال: يقول
~~أخلفوا وكانوا بشرا وتلا

# حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر
~~الله

# [البقرة: 214] قال ابن أبي مليكة: فذهب ابن عباس إلى أنهم يئسوا وضعفوا
~~فظنوا أنهم قد أخلفوا وروى ذلك عنه البخاري في " الصحيح " ، واستشكل هذا
~~بأن فيه ما لا يليق نسبته إلى الأنبياء عليهم السلام بل إلى صالحي الأمة
~~ولذا نقل عن عائشة رضي الله تعالى عنها ذلك، فقد أخرج البخاري والنسائي
~~وغيرهما من طريق عروة أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها عن هذه الآية
~~قال: قلت أكذبوا أم كذبوا فقالت عائشة بل كذبوا يعني بالتشديد قلت: والله
~~لقد استيقنوا ان قومهم كذبوهم فما هو بالظن قالت: أجل لعمري لقد استيقنوا
~~بذلك فقلت: لعله { وظنوا أنهم قد كذبوا } مخففة قالت:
~~معاذ الله تعالى لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها قلت: فما هذه الآية؟ قالت:
~~هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم وطال عليهم البلاء واستأخر
~~عنهم النصر حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنت الرسل أن
~~أتباعهم قد كذبوهم جاء نصر الله تعالى عند ذلك.

# وأجاب بعضهم بأنه يمكن أن يكون اراد رضي الله تعالى عنه بالظن ما يخطر
~~بالبال ويهجس بالقلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية،
~~وذهب المجد بن تيمية إلى رجوع الضمائر جميعها إيضا إلى الرسل مائلا إلى
~~ما روي عن ابن عباس مدعيا أنه الظاهر وأن الآية على حد قوله تعالى:

# إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ
~~الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم ms04805 الله آياته

# [الحج: 52] فإن الإلقاء في قلبه وفي لسانه وفي عمله من باب واحد والله
~~تعالى ينسخ ما يلقي الشيطان، ثم قال: والظن لا يراد به في الكتاب والسنة
~~الاعتقاد الراجح كما هو في اصطلاح طائفة من أهل العلم ويسمون الاعتقاد
~~المرجوح وهما فقد قال صلى الله عليه وسلم:

# " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث "

# وقال سبحانه:

# إن الظن لا يغنى من الحق شيئا

# [النجم: 28] فالاعتقاد المرجوح هو ظن وهو وهم، وهذا قد يكون ذنبا يضعف
~~الإيمان ولا يزيله وقد يكون حديث النفس المعفو عنه كما قال عليه الصلاة
~~والسلام:

# " إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل "

# وقد يكون من باب الوسوسة التي هي صريح الإيمان كما ثبت في " الصحيح " أن
~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا:

# " يا رسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما أن يحرق حتى يصير حمما أو يخر
~~من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به قال صلى الله عليه وسلم أو
~~قد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذلك صريح الإيمان "

# وفي حديث آخر

# " إن أحدنا ليجد ما يتعاظم أن يتكلم به قال: الحمد لله الذي رد كيده إلى
~~الوسوسة "

# ونظير هذا ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " نحن أحق بالشك من إبراهيم عليه السلام إذ قال له ربه: أو لم تؤمن؟
~~قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي "

# فسمى النبي صلى الله عليه وسلم التفاوت بين الإيمان والإطمئنان شكا
~~بإحياء الموتى، وعلى هذا يقال: الوعد بالنصر في الدنيا لشخص قد يكون
~~الشخص مؤمنا بإنجازه ولكن قد يضطرب قلبه فيه فلا يطمئن فيكون فوات
~~الاطمئنان ظنا أنه كذب، فالشك وظن أنه كذب من باب واحد وهذه الأمور لا
~~تقدح في الإيمان الواجب وإن كان فيها ما هو ذنب، فالأنبياء عليهم السلام
~~معصومون من الإقرار على ذلك كما في أفعالهم على ما عرف من أصول السنة
~~والحديث، وفي قص مثل ذلك عبرة للمؤمنين بهم عليهم السلام فإنهم لا ms04806 بد أن
~~يبتلوا بما هو أكثر من ذلك فلا ييأسوا إذا ابتلوا ويعلمون أنه قد ابتلى
~~من هو خير منهم وكانت العاقبة إلى خير فيتيقن المرتاب ويتوب المذنب ويقوي
~~إيمان المؤمن وبذلك يصح الاتساء بالأنبياء، ومن هنا قال سبحانه:

# لقد كان فى قصصهم عبرة

# [يوسف: 111] ولو كان المتبوع معصوما مطلقا لا يتأتى الاتساء فإنه
~~يقول: التابع أنا لست من جنسه فإنه لا يذكر بذنب فإذا أذنب استيأس من
~~المتابعة والاقتداء لما أتى به من الذنب الذي يفسد المتابعة على القول
~~بالعصمة بخلاف ما إذا علم أنه قد وقع شيء وجبر بالتوبة فإنه يصح حينئذ
~~أمر المتابعة كما قيل: أول من أذنب وأجرم ثم تاب وندم أبو البشر آدم. ومن
~~يشابه أبه فما ظلم. ولا يلزم الاقتداء بهم فيما نهوا عنه ووقع منهم ثم
~~تابوا عنه لتحقق الأمر بالاقتداء بهم فيما أقروا عليه ولم ينهوا عنه ووقع
~~منهم ولم يتوبوا منه، وما ذكر ليس بدون المنسوخ من أفعالهم وإذا كان ما
~~أمروا به وأبيح لهم ثم نسخ تنقطع فيه المتابعة فما لم يؤمروا به ووقع
~~منهم وتابوا عنه أحرى وأولى بانقطاع المتابعة فيه اه.

# ولا يخفى أن ما ذكره مستلزم لجواز وقوع الكبائر من الأنبياء عليهم
~~السلام وحاشاهم من غير أن يقروا على ذلك والقول به جهل عظيم ولا يقدم
~~عليه ذو قلب سليم، على أن في كلامه بعد ما فيه؛ وليته اكتفى بجعل الضمائر
~~للرسل وتفسير الظن بالتوهم كما فعل غيره فإنه مما لا بأس به، وكذا لا بأس
~~في حمل كلام ابن عباس على أنه أراد بالظن فيه ما هو على طريق الوسوسة
~~ومثالها من حديث النفس فإن ذلك غير الوسوسة المنزه عنها الأنبياء عليهم
~~السلام أو على أنه أراد بذلك المبالغة في التراخي وطول المدة على طريق
~~الاستعارة التمثيلية بأن شبه المبالغة في التراخي بظن الكذب باعتبار
~~استلزام كل منهما لعدم ترتب المطلوب فاستعمل ما لأحدهما في الآخر، وقيل:
~~إن الضمائر الثلاثة للمرسل إليهم لأن ذكر الرسل متقاض ms04807 ذاك، ونظير ذلك
~~قوله:

# أمنك البرق ارقبه فهاجا

# وبت اخاله دهما خلاجا

# فإن ضمير إخاله للرعد ولم يصرح به بل اكتفى بوميض البرق عنه، وإن شئت
~~قلت: ان ذكرهم قد جرى في قوله تعالى:

# أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عقبة
~~الذين من قبلهم

# [يوسف: 109] فيكون الضمير للذين من قبلهم ممن كذب الرسل عليهم السلام،
~~والمعنى ظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما ادعوه من النبوة وفيما
~~وعدوا به من لم يؤمن من العقاب وروي ذلك عن ابن عباس أيضا، فقد أخرج أبو
~~عبيد وسعيد بن منصور والنسائي وابن جرير وغيرهم من طرق عنه رضي الله
~~تعالى عنه أنه كان يقرأ { كذبوا } مخففة ويقول: حتى إذا يئس الرسل من
~~قومهم أن يستجيوا لهم وظن قومهم ان الرسل قد/ كذبوهم فيما جاؤوا به جاء
~~الرسل نصرنا، وروي ذلك أيضا عن سعيد بن جبير أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن
~~ربيعة بن كلثوم قال: حدثني أبي أن مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبير فقال:
~~يا أبا عبد الله آية قد بلغت مني كل مبلغ { حتى إذا استيئس
~~الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا } فإن الموت أن تظن الرسل
~~أنهم قد كذبوا مثقلة أو تظن أنهم قد كذبوا مخففة فقال سعيد: حتى إذا
~~استيأس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم وظن قومهم أن الرسل كذبتهم جاءهم
~~نصرنا فقام مسلم إليه فاعتنقه وقال: فرج الله تعالى عنك كما فرجت عني،
~~وروي أنه قال ذلك بمحضر من الضحاك فقال له: لو رحلت في هذه إلى اليمن
~~لكان قليلا، وقيل: ضمير { ظنوا } للمرسل إليهم وضمير { أنهم }
~~و { وكذبوا } للرسل عليهم السلام وظنوا أن الرسل عليهم السلام
~~أخلفوا فيما وعد لهم من النصر وخلط الأمر عليهم.

# وقرأ غير واحد من السبعة والحسن وقتادة ومحمد بن كعب وأبو رجاء وابن
~~أبي مليكة والأعرج وعائشة في المشهور { كذبوا } بالتشديد والبناء
~~للمفعول، والضمائر على هذا للرسل عليهم السلام أي ظن الرسل أن أممهم
~~كذبوهم فيما جاؤوا به لطول ms04808 البلاء عليهم فجاءهم نصر الله تعالى عند ذلك
~~وهو تفسير عائشة رضي الله تعالى عنها الذي رواه البخاري عليه الرحمة،
~~والظن بمعناه أو بمعنى اليقين أو التوهم، وعن ابن عباس ومجاهد والضحاك
~~أنهم قرؤوا { كذبوا } مخففا مبنيا للفاعل فضمير { ظنوا } للأمم
~~وضمير { أنهم قد كذبوا } للرسل أي ظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا
~~فيما وعدوهم به من النصر أو العقاب، وجوز أن يكون ضمير { ظنوا } للرسل
~~وضمير { أنهم قد كذبوا } للمرسل إليهم أي ظن الرسل عليهم السلام أن الأمم
~~كذبتهم فيما وعدوهم به من أنهم يؤمنون، والظن الظاهر كما قيل: إنه بمعنى
~~اليقين، وقرىء كما قال أبو البقاء: { كذبوا } بالتشديد والبناء للفاعل،
~~وأول ذلك بأن الرسل عليهم السلام ظنوا أن الأمم قد كذبوهم في وعدهم هذا،
~~والمشهور استشكال الآية من جهة أنها متضمنة ظاهرا على القراءة الأولى،
~~نسبة ما لا يليق من الظن إلى الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام،
~~واستشكل بعضهم نسبة الاستيآس إليهم عليهم السلام أيضا بناء على أن
~~الظاهر أنهم استيأسوا مما وعدوا به وأخبروا بكونه فإن ذلك أيضا مما لا
~~يليق نسبته إليهم. وأجيب بأنه لا يراد ذلك وإنما يراد أنهم استيأسوا من
~~إيمان قومهم.

# واعترض بأنه يبعده عطف { وظنوا أنهم قد كذبوا } الظاهر
~~في أنهم ظنوا كونهم مكذوبين فيما وعدوا به عليه.

# وذكر المجد في هذا المقام تحقيقا غير ما ذكره أولا وهو أن الاستيآس
~~وظن أنهم مكذوبين كليهما متعلقان بما ضم للموعود به اجتهادا، وذلك أن
~~الخبر عن استيآسهم مطلق وليس في الآية ما يدل على تقييده بما وعدوا به
~~وأخبروا بكونه وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن الله تعالى إذا وعد الرسل
~~بنصر مطلق كما هو غالب إخباراته لم يعين زمانه ولا مكانه ولا صفته،
~~فكثيرا ما يعتقد الناس في الموعود به صفات أخرى لم يدل عليها خطاب الحق
~~تعالى بل اعتقدوها بأسباب أخرى كما اعتقد طائفة من الصحابة رضي الله
~~تعالى عنهم إخبار النبي صلى الله عليه وسلم لهم أنهم يدخلون المسجد ms04809
~~الحرام ويطوفون به أن ذلك يكون عام الحديبية، لأن النبي صلى الله عليه
~~وسلم خرج معتمرا ورجا أن يدخل مكة ذلك العام ويطوف ويسعى فلما استيئسوا
~~من ذلك ذلك العام لما صدهم المشركون حتى قاضاهم عليه الصلاة والسلام على
~~الصلح المشهور بقي في قلب بعضهم شيء حتى قال عمر رضي الله تعالى عنه مع
~~أنه كان/ من المحدثين: ألم تخبرنا يا رسول الله انا ندخل البيت ونطوف؟
~~قال: بلى أفاخبرتك إنك تدخله هذا العام؟ قال: لا. قال: إنك داخله ومطوف
~~به، وكذلك قال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه فبين له أن الوعد منه عليه
~~الصلاة والسلام كان مطلقا غير مقيد بوقت، وكونه صلى الله عليه وسلم سعى
~~في ذلك العام إلى مكة وقصدها لا يوجب تخصيصا لوعده تعالى بالدخول في تلك
~~السنة، ولعله عليه الصلاة والسلام إنما سعى بناء على ظن أن يكون الأمر
~~كذلك فلم يكن، ولا محذور في ذلك فليس من شرط النبي صلى الله عليه وسلم
~~أن يكون كل ما قصده، بل من تمام نعمة الله تعالى عليه أن يأخذ به عما
~~يقصده إلى أمر آخر هو أنفع مما قصده إن كان كما كان في عام الحديبية، ولا
~~يضر أيضا خروج الأمر على خلاف ما يظنه عليه الصلاة والسلام، فقد روى
~~مسلم في " صحيحه " أنه عليه الصلاة والسلام قال في تأبير النخل:

# " إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله تعالى
~~شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله تعالى "

# ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين:

# " ما قصرت الصلاة ولا نسيت ثم تبين النسيان "

# وفي قصة الوليد بن عقبة النازل فيها

# إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا

# [الحجر: 6] الآية وقصة بني أبيرق النازل فيها

# إنا أنزلنا إليك الكتب بالحق لتحكم بين
~~الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما

# [النساء: 105] ما فيه كفاية في العلم بأنه صلى الله عليه وسلم قد يظن
~~الشيء فيبينه الله تعالى على وجه ms04810 آخر، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وهو  هو  هكذا فما ظنك بغيره من الرسل الكرام عليهم الصلاة
~~والسلام، ومما يزيد هذا قوة أن جمهور المحدثين والفقهاء على أنه يجوز
~~للأنبياء عليهم السلام الاجتهاد في الأحكام الشرعية ويجوز عليهم الخطأ في
~~ذلك لكن لا يقرون عليه فإنه لا شك أن هذا دون الخطأ في ظن ما ليس من
~~الأحكام الشرعية في شيء، وإذا تحقق ذلك فلا يبعد أن يقال: إن أولئك الرسل
~~عليهم السلام أخبروا بعذاب قومهم ولم يعين لهم وقت له فاجتهدوا وعينوا
~~لذلك وقتا حسبما ظهر لهم كما عين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~عام الحديبية لدخول مكة فلما طالت المدة استيأسوا وظنوا كذب أنفسهم وغلط
~~اجتهادهم وليس في ذلك ظن بكذب وعده تعالى ولا مستلزما له أصلا فلا
~~محذور. وأنت تعلم أن الأوفق بتعظيم الرسل عليهم السلام والأبعد عن الحوم
~~حول حمى ما لا يليق بهم القول بنسبة الظن إلى غيرهم صلى الله عليه وسلم
~~والله تعالى أعلم، والظاهر أن ضمير { جاءهم } على سائر القراآت
~~والوجوه للرسل، وقيل: إنه راجع إليهم وإلى المؤمنين جاء الرسل ومن آمن
~~بهم نصرنا.

# { فنجى من نشاء } انجاءه وهم الرسل والمؤمنون بهم، وإنما لم
~~يعينوا للإشارة إلى أنهم الذين يستأهلون أن يشاء نجاتهم ولا يشاركهم فيه
~~غيرهم. وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب { فنجى } بنون واحدة وجيم مشددة
~~وياء مفتوحة على أنه ماض مبني للمفعول و { من } نائب الفاعل. وقرأ
~~مجاهد والحسن والجحدري وطلحة وابن هرمز كذلك إلا أنهم سكنوا الياء، وخرجت
~~على أن الفعل ماض أيضا كما في القراءة التي قبلها إلا أنه سكنت الياء
~~على لغة من يستثقل الحركة على الياء مطلقا، ومنه قراءة من قرأ { ما
~~تطعمون أهليكم } [المائدة: 89] بسكون الياء، وقيل: الأصل ننجي بنونين
~~فأدغم النون في الجيم ورده أبو حيان بأنها لا تدغم فيها، وتعقب بأن بعضهم
~~قد ذهب إلى جواز ادغامها ورويت هذه القراءة عن الكسائي ونافع، وقرأت فرقة
~~كما قرأ باقي السبعة ms04811 بنونين مضارع أنجى إلا أنهم فتحوا الياء، ورواها
~~هبيرة عن حفص عن عاصم، وزعم ابن عطية أن ذلك غلط من هبيرة إذ لا وجه
~~للفتح، وفيه أن الوجه ظاهر، فقد ذكروا أن الشرط والجزاء يجوز أن يأتي
~~بعدهما المضارع منصوبا بإضمار أن بعد الفاء كقراءة/ من قرأ { وإن تبدوا
~~ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر } [البقرة: 284] بنصب يغفر،
~~ولا فرق في ذلك بين أن تكون أداة الشرط جازمة أو غير جازمة.

# وقرأ نصر بن عاصم وأبو حيوة وابن السميقع وعيسى البصرة وابن محيصن وكذا
~~الحسن ومجاهد في رواية { فنجا } ماضيا مخففا و { من } فاعله. وروي عن
~~ابن محيصن أنه قرأ كذلك إلا أنه شدد الجيم، والفاعل حينئذ ضمير النصر و
~~{ من } مفعوله. وقد رجحت قراءة عاصم ومن معه بأن المصاحف اتفقت على رسمها
~~بنون واحدة. وقال مكي: أكثر المصاحف عليه فأشعر بوقوع خلاف في الرسم،
~~وحكاية الاتفاق نقلت عن الجعبري وابن الجزري وغيرهما، وعن الجعبري أن
~~قراءة من قرأ بنونين توافق الرسم تقديرا لأن النون الثانية ساكنة مخفاة
~~عند الجيم كما هي مخفاة عند الصاد والظاء في لننصر ولننظر والإخفاء لكونه
~~سترا يشبه الإدغام لكونه تغييبا فكما يحذف عند الإدغام يحذف عند
~~الإخفاء بل هو عنده أولى لمكان الاتصال. وعن أبي حيوة أنه قرأ { فنجي من
~~يشاء } بياء الغيبة أي من يشاء الله تعالى نجاته.

# { ولا يرد بأسنا } عذابنا { عن القوم المجرمين }
~~إذا نزل بهم، وفيه بيان لمن تعلق بهم المشيئة لأنه يعلم من المقابلة أنهم
~~من ليسوا بمجرمين. وقرأ الحسن { بأسه } بضمير الغائب أي بأس الله تعالى،
~~ولا يخفى ما في الجملة من التهديد والوعيد لمعاصري النبي صلى الله عليه
~~وسلم.

### || [12.111]

# { لقد كان فى قصصهم } أي قصص الأنبياء عليهم السلام وأممهم،
~~وقيل: قصص يوسف وأبيه وإخوته عليهم السلام وروي ذلك عن مجاهد، وقيل: قصص
~~أولئك وهؤلاء، والقصص مصدر بمعنى المفعول ورجح الزمخشري الأول بقراءة
~~أحمد بن جبير الأنطاكي عن الكسائي وعبد الوارث عن أبي عمرو ms04812 { قصصهم }
~~بكسر القاف جمع قصة. ورد بأن قصة يوسف وأبيه وإخوته مشتملة على قصص
~~وأخبار مختلفة على أنه قد يطلق الجمع على الواحد، وفيه أنه كما قيل إلا
~~أنه خلاف المتبادر المعتاد فإنه يقال في مثله قصة لا قصص، واقتصر ابن
~~عطية على القول الثالث وهو ظاهر في اختياره { عبرة لأولى
~~الألبب } أي لذوي العقول المبرأة عن الأوهام الناشئة عن الألف
~~والحسن. وأصل اللب الخالص من الشيء ثم أطلق على ما زكا من العقل فكل لب
~~عقل وليس كل عقل لبا، وقال غير واحد: إن اللب هو العقل مطلقا وسمي بذلك
~~لكونه خالص ما في الإنسان من قواه، ولم يرد في القرآن إلا جمعا، والعبرة
~~ كما قال الراغب  الحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس
~~بمشاهد، وفي «البحر» أنها الدلالة التي يعبر بها إلى العلم.

# { ما كان } أي القرآن المدلول عليه بما سبق دلالة واضحة. واستظهر أبو
~~حيان عود الضمير إلى القصص فيما قبل، واختار بعضهم الأول لأنه يجري على
~~القراءتين بخلاف عوده إلى المتقدم فإنه لا يجري على قراءة القصص بكسر
~~القاف لأنه كان يلزم تأنيث الضمير، وجوز بعضهم عوده إلى القصص بالفتح في
~~القراءة به وإليه في ضمن المكسور في القراءة به وكذا إلى المكسور نفسه،
~~والتذكير باعتبار الخبر وهو كما ترى { حديثا يفترى } أي يختلق {
~~ولكن تصديق الذى بين يديه } من الكتب السماوية {
~~وتفصيل } أي تبيين { كل شىء } قيل: أي مما يحتاج إليه في الدين
~~إذ ما من أمر ديني إلا وهو يستند إلى القرآن بالذات أو بوسط، وقال ابن
~~الكمال: إن { كل } للتكثير والتفخيم لا للإحاطة والتعميم/ كما في قوله
~~تعالى:

# وأوتيت من كل شيء

# [النمل: 23] ومن لم يتنبه لهذا احتاج إلى تخصيص الشيء بالذي يتعلق
~~بالدين ثم تكلف في بيانه فقال: إذ ما من أمر الخ ولم يدر أن عبارة
~~التفصيل لا تتحمل هذا التأويل، ورد بأنه متى أمكن حمل كلمة { كل } على
~~الاستغراق الحقيقي لا يحمل على غيره، والتخصيص مما لا ms04813 بأس به على أنه
~~نفسه قد ارتكب ذلك في تفسير قوله تعالى:

# وتفصيلا لكل شىء

# [الأنعام: 154] وكون عبارة التفصيل لا تتحمل ذلك التأويل في حيز المنع.
~~ومن الناس من حمل { كل }  على الاستغراق من غير تخصيص ذاهبا إلى أن
~~في القرآن تبيين كل شيء من أمور الدين والدنيا وغير ذلك مما شاء الله
~~تعالى ولكن مراتب التبيين متفاوتة حسب تفاوت ذوي العلم وليس ذلك بالبعيد
~~عند من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وقيل: المراد تفصيل كل شيء واقع
~~ليوسف وأبيه وإخوته عليهم السلام مما يهتم به وهو مبني على أن الضمير في
~~{ كان } لقصصهم.

# { وهدى } من الضلالة { ورحمة } ينال بها خير الدارين {
~~لقوم يؤمنون } يصدقون تصديقا معتدا به، وخصوا بالذكر لأنهم
~~المنتفعون بذلك ونصب { تصديق } على أنه خبر كان محذوفا أي ولكن كان
~~تصديق، والإخبار بالمصدر لا يخفى أمره. وقرأ حمران بن أعين وعيسى الكوفة
~~فيما ذكر صاحب " اللوامح " وعيسى الثقفي فيما ذكر ابن عطية { تصديق }
~~بالرفع وكذا برفع ما عطف عليه على تقدير ولكن هو تصديق الخ، وقد سمع من
~~العرب في مثل ذلك الرفع والنصب، ومنه قول ذي الرمة:

# وما كان مالي من تراث ورثته

# ولا دية كانت ولا كسب مأثم

# ولكن عطاء الله من كل رحلة

# إلى كل محجوب السرداق خضرم

# فإنه روي بنصب  عطاء  ورفعه، هذا والله تعالى الهادي إلى سوء السبيل.

# ومن باب الإشارة في هذه السورة: قال سبحانه:

# نحن نقص عليك أحسن القصص

# [يوسف: 3] وهو اقتصاص ما جرى ليوسف عليه السلام وأبيه وإخوته عليهم
~~السلام، وإنما كان ذلك أحسن القصص لتضمنه ذكر العاشق والمعشوق وذلك مما
~~ترتاح له النفوس أو لما فيه من بيان حقائق محبة المحبين وصفاء سر
~~العارفين والتنبيه على حسن عواقب الصادقين والحث على سلوك سبيل المتوكلين
~~والاقتداء بزهد الزاهدين والدلالة على الانقطاع إلى الله تعالى والاعتماد
~~عليه عند نزول الشدائد، والكشف عن أحوال الخائنين وقبح طرائق الكاذبين،
~~وابتلاء الخواص بأنواع المحن وتبديلها بأنواع الألطاف والمنن مع ذكر ما ms04814
~~يدل على سياسة الملوك وحالهم مع رعيتهم إلى غير ذلك، وقيل: لخلو ذلك من
~~الأوامر والنواهي التي يشغل سماعها القلب

# إذ قال يوسف لأبيه يأبت إنى رأيت أحد عشر
~~كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين

# [يوسف: 4] هذه أول مبادىء الكشوف فقد ذكروا أن أحوال المكاشفين أوائلها
~~المنامات فإذا قوي الحال تصير الرؤيا كشفا، قيل: إنه عليه السلام قد سلك
~~به نحوا مما سلك برسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنه بدىء بالرؤيا
~~الصادقة كما بدىء رسول الله صلى الله عليه وسلم بها فكان لا يرى رؤيا إلا
~~كانت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء على ما يشير إليه قوله:

# رب السجن أحب إلى

# [يوسف: 33] كما حبب ذلك إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فكان يتحنث
~~في غار حراء الليالي ذوات العدد، وفيه أن حديث السجن بعد إيتاء النبوة
~~فتدبر.

# وذكر بعض الكبار أن يوسف عليه السلام كان آدم الثاني لما كان عليه من
~~كسوة الربوبية ما كان/ على آدم عليه السلام وهو مجلي الحق للخلق لو
~~يعلمون فلما رأت الملائكة ما رأت من آدم سجدوا له وههنا سجد ليوسف من
~~سجد وهم الشمس والقمر والكواكب المعدودة المشار بهم إلى أبويه وإخوته
~~الذين هم على القول بنبوتهم خير من الملائكة عليهم السلام، ولا بدع إذ
~~سجدوا لمن يتلألأ من وجهه الأنوار القدسية والأشعة السبوحية:

# لو يسمعون كما سمعت حديثها

# خروا لعزة ركعا وسجودا

# وقد يقال: إن إبراهيم عليه السلام لما رأى في وجنة الكوكب ونقطة خال
~~القمر وأسرة جبين الشمس أمارات الحدثان وصرف وجهه عنها متوجها إلى ساحة
~~القدم المنزهة عن التغير المصونة عما يوجب النقص قائلا:

# إني برىء مما تشركون

# [الأنعام: 78] أسجد الله تعالى الشمس والقمر واسجد بدل الكواكب كواكب
~~لبعض بنيه إعظاما لأمره ومبالغة في تنزيه جلال الكبرياء، وحيث تأخرت
~~البراءة إلى الثالث تأخر أمر الإسجاد إلى ثالث البنين، وليس المقصود من
~~هذا إلا بيان بعض من أسرار تخصيص المذكور بالإراءة مع احتمال أن يكون
~~هناك ما ms04815 يصلح أن يكون رؤياه ساجدا معبرا بسجود أبويه وإخوته له عليهم
~~السلام في عالم الحس فتدبر. { قال يبني لا تقصص رؤياك
~~على إخوتك } فيه إشارة إلى بعض آداب المريدين؛ فقد قالوا: إنه لا
~~ينبغي لهم أن يفشوا سر المكاشفة إلا لشيوخهم وإلا يقعوا في ورطة ويكونوا
~~مرتهنين بعيون الغيرة:

# بالسر إن باحوا تباح دماؤهم

# وكذا دماء البائحين تباح

# فيكيدوا لك كيدا

# [يوسف: 5] هذا من الإلهامات المجملة وهي إنذارات وبشارات، ويجوز أن يكون
~~علم عليه السلام ذلك من الرؤيا؛ قال بعضهم: إن يعقوب دبر ليوسف عليهما
~~السلام في ذلك الوقت خوفا عليه فوكل إلى تدبيره فوقع به ما وقع ولو ترك
~~التدبير ورجع إلى التسليم لحفظ

# لقد كان فى يوسف وإخوته آيت للسائلين

# [يوسف: 7] وذلك كسواطع نور الحق من وجهه وظهور علم الغيب من قلبه ومزيد
~~الكرم من أفعاله وحسن عقبى الصبر من عاقبته، وكسوء حال الحاسد وعدم نقض
~~ما أبرمه الله تعالى وغير ذلك، وقال بعضهم: إن من الآيات في يوسف عليه
~~السلام أنه حجة على كل من حسن الله تعالى خلقه أن لا يشوهه بمعصيته ومن
~~لم يراع نعمة الله تعالى فعصى كان أشبه شيء بالكنيف المبيض والروث
~~المفضض. وقال ابن عطاء: من الآيات أن لا يسمع هذه القصة محزون مؤمن بها
~~إلا استروح وتسرى عنه ما فيه،

# وجاءوا أباهم عشاء يبكون

# [يوسف: 16] قيل: إن ذلك كان بكاء فرح بظفرهم بمقصودهم لكنهم أظهروا أنه
~~بكاء حزن على فقد يوسف عليه السلام، وقيل: لم يكن بكاء حقيقة وإنما هو
~~تباك من غير عبرة؛ وجاؤا عشاء ليكونوا أجرأ في الظلمة على الاعتذار أو
~~ليدلسوا على أبيهم ويوهموه أن ذلك بكاء حقيقة لا تباك فإنهم لو جاؤا ضحى
~~لافتضحوا:

# إذا اشتبكت دموع في خدود

# تبين من بكى ممن تباكى

# فصبر جميل

# [يوسف: 18] وهو السكون إلى موارد القضاء سرا وعلنا، وقال يحيى بن
~~معاذ: الصبر الجميل أن يتلقى البلاء بقلب رحيب ووجه مستبشر، وقال
~~الترمذي: هو أن يلقي العبد عنانه إلى مولاه ويسلم ms04816 إليه نفسه مع حقيقة
~~المعرفة فإذا جاء حكم من أحكامه ثبت له مسلما ولا يظهر لوروده جزعا ولا
~~يرى لذلك مغتما، وأنشد الشبلي في حقيقة الصبر:

# / عبرات خططن في الخد سطرا

# فقراه من لم يكن قط يقرا

# صابر الصبر فاستغاث به الصب

# ر فصاح المحب بالصبر صبرا

# قال يا بشرى هذا غلام

# [يوسف: 19] قال جعفر: كان لله تعالى في يوسف عليه السلام سر فغطى عليهم
~~موضع سره ولو كشف للسيارة عن حقيقة ما أودع في ذلك البدر الطالع من برج
~~دلوهم لما اكتفى قائلهم بذلك ولما اتخذوه بضاعة، ولهذا لما كشف للنسوة
~~بعض الأمر قلن:

# ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم

# [يوسف: 31] ولجهلم أيضا بما أودع فيه من خزائن الغيب باعوه بثمن بخس
~~وهو معنى قوله سبحانه:

# وشروه بثمن بخس

# [يوسف: 20] قال الجنيد قدس سره: كل ما وقع تحت العد والإحصاء فهو بخس
~~ولو كان جميع ما في الكونين فلا يكن حظك البخس من ربك فتميل إليه وترضى
~~به دون ربك جل جلاله، وقال ابن عطاء: ليس ما باع إخوة يوسف من نفس لا يقع
~~عليها البيع بأعجب من بيع نفسك بأدنى شهوة بعد أن بعتها من ربك بأوفر
~~الثمن قال الله تعالى:

# إن الله اشترى من المؤمنين

# [التوبة: 111] الآية فبيع ما تقدم بيعه باطل، وإنما باع يوسف أعداؤه
~~وأنت تبيع نفسك من أعدائك { وقال الذى اشتراه من مصر
~~لامرأته أكرمى مثواه } قيل: أي لا تنظري إليه نظر الشهوة
~~فإن وجهه مرآة تجلى الحق في العالم، أو لا تنظري بنظر العبودية ولكن
~~انظري إليه بنظر المعرفة لتري فيه أنوار الربوبية؛ أو اجعلي محبته في
~~قلبك لا في نفسك فإن القلب موضع المعرفة والطاعة والنفس موضع الفتنة
~~والشهوة

# عسى أن ينفعنا

# قيل: أي بأن يعرفنا منازل الصديقين ومراتب الروحانيين ويبلغنا ببركة
~~صحبته إلى مشاهدة رب العالمين، وقيل: أراد حسني صحبته في الدنيا لعله أن
~~يشفع لنا في العقبى { وراودته التى هو فى بيتها } حيث
~~غلب عليها العشق

# وغلقت الأبواب ms04817

# [يوسف: 23] قطعت الأسباب وجمعت الهمة إليه أو غلقت أبواب الدار غيرة أن
~~يرى أحد أسرارهما { ولقد همت به } قال ابن عطاء: هم شهوة {
~~وهم بها } هم زجر عما همت به بضرب أو نحوه { لولا أن رأى
~~برهان ربه } وهو الواعظ الإلهي في قلبه { كذلك لنصرف
~~عنه السوء } والخواطر الرديئة

# والفحشاء

# [يوسف: 24] الأفعال القبيحة، وقيل: البرهان هو أنه لم يشاهد في ذلك
~~الوقت إلا الحق سبحانه وتعالى، وقيل: هو مشاهدة أبيه يعقوب عليه السلام
~~عاضا على سبابته، وجعل ذلك بعض أجلة مشايخنا أحد الأدلة على أن للرابطة
~~المشهورة عند ساداتنا النقشبندية أصلا أصيلا وهو على فرض صحته بمراحل
~~عن ذلك { واستبقا الباب } فرارا من محل الخطر. قيل: لو فر إلى
~~الله تعالى لكفاه ولما ناله بعد ما عناه

# وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من
~~أراد بأهلك سوءا

# [يوسف: 25] نفت عن نفسها الذنب لأنها علمت إذ ذاك أنها لو بينت الحق
~~لقتلت وحرمت من حلاوة محبة يوسف والنظر إلى وجهه:

# لحبك أحببت البقاء لمهجتي

# فلا طال إن أعرضت عني بقائيا

# وإنما عرضت بنسبة الذنب إليه لعلمها بأنه عليه السلام لم يبق في البؤس
~~ولا يقدر أحد على أن يؤذيه لما أن وجهه سالب القلوب وجالب الأرواح:

# له في طرفه لحظات سحر

# يميت بها ويحيي من يريد

# ويسبي العالمين بمقلتيه

# كأن العالمين له عبيد

# وقال ابن عطاء: إنها إذ ذاك لم تستغرق في محبته بعد فلذا لم تخبر بالصدق
~~وآثرت نفسها عليه ولهذا لما استغرقت في المحبة آثرت نفسه على نفسها
~~فقالت:

# الآن حصحص الحق

# [يوسف: 51] الآية، ثم إنه عليه السلام لم يسعه بعد تهمتها/ له إلا الذب
~~عن ساحة النبوة التي هي أمانة الله تعالى العظمى فقال:

# هى راودتنى عن نفسى

# [يوسف: 26] وإلا فاللائق بمقام الكرم السكوت عن جوابها لئلا يفضحها،
~~وقيل: إنها لما ادعت محبة يوسف وتبرأت منها عند نزول البلاء أراد يوسف
~~عليه السلام أن يلزمها ملامة المحبة فإن الملامة شعار المحبين ومن لم يكن
~~ملوما في العشق ms04818 لم يكن متحققا فيه

# إن كيدكن عظيم

# [يوسف: 28] عظم كيدهن لأنهن إذا ابتلين بالحب أظهرن مما يجلب القلب ما
~~يعجز عنه إبليس مع مساعدة الطبيعة إلى الميل إليهن وقوة المناسبة بين
~~الرجال وبينهن كما يشير إليه قوله تعالى:

# خلقكم من نفس وحدة وخلق منها زوجها

# [النساء: 1] فما في العالم فتنة أضر على الرجال من النساء { قد
~~شغفها حبا } قال الجنيد قدس سره: الشغف أن لا يرى المحب جفاء له
~~جفاء بل يراه عدلا منه ووفاء:

# وتعذيبكم عذب لدي وجوركم

# علي بما يقضي الهوى لكم عدل

# إنا لنراها فى ضلل مبين

# [يوسف: 30] قال ابن عطاء: في عشق مزعج { فلما رأينه
~~أكبرنه } عظمنه لما رأين في وجهه نور الهيبة { وقطعن
~~أيديهن } لاستغراقهن في عظمته وجلاله، ولعله كشف لهن ما لم يكشف
~~لزليخا، قال ابن عطاء: دهشن في يوسف وتحيرن حتى قطعن أيديهن ولم يشعرن
~~بالألم وهذه غلبة مشاهدة مخلوق لمخلوق فكيف بمن يحظى بمشاهدة من الحق
~~فينبغي أن لا ينكر عليه إن تغير وصدر عنه ما صدر، وأعظم من يوسف عليه
~~السلام في هذا الباب عند ذوي الأبصار السليمة النور المحمدي المنقدح من
~~النور الإلهي والمتشعشع في مشكاة خاتم الرسل عليه الصلاة والسلام فإنه
~~لعمري أبو الأنوار، وما نور يوسف بالنسبة إلى نوره عليه الصلاة والسلام
~~إلا النجم وشمس النهار:

# لواحي زليخا لو رأين جبينه

# لآثرن بالقطع القلوب على الإيدي

# وقلن:

# ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم

# [يوسف: 31] قلن ذلك إعظاما له عليه السلام من أن يكون من النوع
~~الإنساني، قال محمد بن علي رضي الله تعالى عنهما: أردن ما هذا بأهل أن
~~يدعى إلى المباشرة بل مثله من يكرم وينزه عن مواضع الشبه والأول أوفق
~~بقولها:

# فذلكن الذى لمتننى فيه

# [يوسف: 32] أرادت أن لومكن لم يقع في محزه وكيف يلام من هذا محبوبه،
~~وكأنها أشارت إلى أنها مجبورة في ذلك الوله معذورة في مزيد حبها له:

# خليلي إني قلت بالعدل مرة

# ومنذ علاني الحب مذهبي الجبر

# وفي ذلك إشارة ms04819 أيضا إلى أن اللوم لا يصدر إلا عن خلي، ولذا لم تعاتبهن
~~حتى رأت ما صنع الهوى بهن وما أحسن ما قيل:

# وكنت إذا ما حدث الناس بالهوى

# ضحكت وهم يبكون في حسرات

# فصرت إذا ما قيل هذا متيم

# تلقيتهم بالنوح والعبرات

# وقال سلطان العاشقين:

# دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى

# فإذا عشقت فبعد ذلك عنف

# قال رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه

# [يوسف: 33] قيل: لأن السجن مقام الأنس والخلوة والمناجاة والمشاهدات
~~والمواصلات وفيما يدعونه إليه ما يوجب البعد عن الحضرة والحجاب عن مشاهدة
~~القربة، وقيل: طلب السجن ليحتجب عن زليخا فيكون ذلك سببا لازدياد عشقها
~~وانقلابه روحانيا قدسيا كعشق أبيه له، وقال ابن عطاء: ما أراد عليه
~~السلام بطلب ذلك إلا الخلاص من الزنا ولعله لو ترك الاختيار لعصم من غير
~~امتحان كما عصم في/ وقت المراودة

# ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس

# [يوسف: 38] قال أبو علي: أحسن الناس حالا من رأى نفسه تحت ظل الفضل
~~والمنة لا تحت ظل العمل والسعي

# يصاحبى السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله
~~الواحد القهار

# [يوسف: 39] دعاء إلى التوحيد على أتم وجه، وحكي أن رجلا قال للفضيل:
~~عظني فقرأ له هذه الآية

# وقال للذى ظن أنه ناج منهما اذكرنى عند
~~ربك

# [يوسف: 42] كان ذلك على ما قيل غفلة منه عليه السلام عما يقتضيه مقامه
~~ويشير إليه كلامه، ولهذا أدبه ربه باللبث في السجن ليبلغ أقصى درجات
~~الكمال والأنبياء مؤاخذون بمثاقيل الذر لمكانتهم عند ربهم، وقد يحمل
~~كلامه هذا على ما لا يوجب العتاب كما ذهب إليه بعض ذوي الألباب

# يوسف أيها الصديق

# [يوسف: 46] قال أبو حفص: الصديق من لا يتغير عليه باطن أمره من ظاهره،
~~وقيل: الذي لا يخالف قاله حاله، وقيل: الذي يبذل الكونين في رضا محبوبه

# وما أبرىء نفسى إن النفس لأمارة بالسوء إلا
~~ما رحم ربى

# [يوسف: 53] إشارة إلى أن النفس بطبعها كثيرة الميل إلى الشهوات؛ قال أبو
~~حفص: النفس ظلمة كلها وسراجها التوفيق فمن لم يصحبه التوفيق ms04820 كان في ظلمة،
~~وقد تخفى دسائس النفس إلى حيث تأمر بخير وتضمر فيه شرا ولا يفطن
~~لدسائسها إلا لوذعي:

# فخالف النفس والشيطان واعصمها

# وإن هما محضاك النصح فاتهم

# وذكر بعض السادة أن النفس تترقى بواسطة المجاهدة والرياضة من مرتبة
~~كونها أمارة إلى مرتبة أخرى من كونها لوامة وراضية ومرضية ومطمئنة وغير
~~ذلك وجعلوا لها في كل مرتبة ذكرا مخصوصا وأطنبوا في ذلك فيرجع إليه

# قال اجعلنى على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم

# [يوسف: 55] قيل: خزائن الأرض رجالها أي اجعلني عليهم أمينا فإني حفيظ
~~لما يظهرونه، عليم بما يضمرونه، وقيل: أراد الظاهر إلا أنه أشار إلى أنه
~~متمكن من التصرف مع عدم الغفلة أي حفيظ للأنفاس بالذكر وللخواطر بالفكر،
~~عليم بسواكن الغيوب وخفايا الأسرار

# وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له
~~منكرون

# [يوسف: 58] قال بعضهم: لما جفوه صار جفاؤهم حجابا بينهم وبين معرفتهم
~~إياه وكذلك المعاصي تكون حجابا على وجه معرفة الله تعالى

# قال ائتونى بأخ لكم من أبيكم

# [يوسف: 59] كأنه عليه السلام أمر بذلك ليكمل لأبيه عليه السلام مقام
~~الحزن الذي هو كما قال الشيخ الأكبر قدس سره: من أعلى المقامات، وقال
~~بعضهم: إن علاقة المحبة كانت بين يوسف ويعقوب عليهما السلام من الجانبين
~~فتعلق أحدهما بالآخر كتعلق الآخر به كما يرى ذلك في بعض العشاق مع من
~~يعشقونه وأنشدوا:

# لم يكن المجنون في حالة

# إلا وقد كنت كما كانا

# لكنه باح بسر الهوى

# وإنني قد ذبت كتمانا

# فغار عليه السلام أن ينظر أبوه إلى أخيه نظره إليه فيكونا شركين في ذلك
~~والمحب غيور فطلب أن يأتوه به لذلك، والحق أن الأمر كان عن وحي لحكمة غير
~~هذه

# وإنه لذو علم لما علمناه

# [يوسف: 68] إشارة إلى العلم اللدني وهو على نوعين. ظاهر الغيب وهو علم
~~دقائق المعاملات والمقامات والحالات والكرامات والفراسات، وباطن الغيب
~~وهو علم بطون الأفعال ويسمى حكمة المعرفة، وعلم الصفات ويسمى المعرفة
~~الخاصة، وعلم الذات ويسمى التوحيد والتفريد والتجريد، وعلم أسرار القدم
~~ويسمى علم الفناء والبقاء، وفي ms04821 الأولين للروح مجال وفي الثالث للسر
~~والرابع لسر السر، وفي المقام تفصيل وبسط يطلب من محله.

# ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه

# [يوسف: 69] كأنه عليه السلام إنما فعل ذلك ليعرفه الحال بالتدريج حتى
~~يتحمل أثقال السرور إذ المفاجأة في مثل ذلك ربما تكون سبب الهلاك، ومن
~~هنا كان كشف سجف الجمال للسالكين على سبيل التدريج

# فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية فى رحل
~~أخيه

# [يوسف: 70] قيل: إن الله تعالى أمره بذلك ليكون شريكا لإخوته في
~~الإيذاء بحسب الظاهر فلا يخجلوا بين يديه إذا كشف الأمر، وحيث طلب قلب
~~بنيامين برؤية يوسف احتمل الملامة، وكيف لا يحتمل ذلك وبلاء العالم محمول
~~بلمحة رؤية المعشوق، والعاشق الصادق يؤثر الملامة ممن كانت في هوى
~~محبوبه:

# أجد الملامة في هواك لذيذة

# حبا لذكرك فليلمني اللوم

# وفي الآية  على ما قيل  إشارة لطيفة إلى أن من اصطفاه الله تعالى في
~~الأزل لمحبته ومشاهدته وضع في رحله صاع ملامة الثقلين، ألا ترى إلى ما
~~فعل بآدم عليه السلام صفيه كيف اصطفاه ثم عرض عليه الأمانة التي لم
~~يحملها السموات والأرض والجبال وأشفقن منها فحملها ثم هيج شهوته إلى حبة
~~حنطة ثم نادى عليه بلسان الأزل

# وعصى آدم ربه فغوى

# [طه: 121] وذلك لغاية حبه له حتى صرفه عن الكون وما فيه ومن فيه إليه
~~ولولا أن كشف جماله له لم يتحمل بلاء الملامة، وهذا كما فعل يوسف عليه
~~السلام بأخيه آواه إليه وكشف جماله له وخاطبه بما خاطبه ثم جعل السقاية
~~في رحله ثم نادى عليه بالسرقة ليبقيه معه

# نرفع درجت من نشاء وفوق كل ذى علم عليم

# [يوسف: 76] أي نرفع درجاتهم في العلم فلا يزال السالكون يترقون في العلم
~~وتشرب أطيار أرواحهم القدسية من بحار علومه تعالى على مقادير حواصلها،
~~وتنتهي الدرجات بعلم الله تعالى فإن علوم الخلق محدودة وعلمه تعالى غير
~~محدود وإلى الله تعالى تصير الأمور

# قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل

# [يوسف: 77] قال بعض السادات: لما كان بينامين بريئا مما ms04822 رمى به من
~~السرقة أنطقهم الله تعالى حتى رموا يوسف عليه السلام بالسرقة وهو برىء
~~منها فكان ذلك من قبيل واحدة بواحدة ليعلم العالمون أن الجزاء واجب. وقال
~~بعض العارفين: إنهم صدقوا بنسبة السرقة إلى يوسف عليه السلام ولكنها سرقة
~~الباب العاشقين وأفئدة المحبين بما أودع فيه من محاسن الأزل

# قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متعنا
~~عنده

# [يوسف: 79] الإشارة في ذلك من الحق عز وجل أن لا نفشي أسرارنا وندني إلى
~~حضرتنا إلا من كان في قلبه استعداد قبول معرفتنا أو لا نختار لكشف جمالنا
~~إلا من كان في قلبه شوق إلى وصالنا، وقال بعض الخراسانيين: الإشارة فيه
~~أنا لا نأخذ من عبادنا أشد أخذ إلا من ادعى فينا أو أخبر عنا ما لم يكن
~~له الإخبار عنه والادعاء فيه، وقال بعضهم: إلا من مد يده إلى ما لنا
~~وادعاه لنفسه، وقال أبو عثمان: الإشارة أنا لا نتخذ من عبادنا وليا إلا
~~من ائتمناه على ودائعنا فحفظها ولم يخن فيها، ولطيفة الواقعة أنه عليه
~~السلام لم يرض أن يأخذ بدل حبيبه إذ ليس للحبيب بديل في شرع المحبة.

# أبى القلب إلا حب ليلى فبغضت

# إلي نساء ما لهن ذنوب

# إن ابنك سرق

# [يوسف: 81] قال بعضهم: إنهم صدقوا بذلك لكنه سرق أسرار يوسف عليه السلام
~~حين سمع منه في الخلوة ما سمع ولم يبده لهم

# عسى الله أن يأتينى بهم جميعا إنه هو العليم
~~الحكيم

# [يوسف: 83] كأنه عليه السلام لما رأى اشتداد البلاء قوي رجاؤه بالفرج
~~فقال ما قال:

# اشتدى أزمة تنفرجي

# قد آذن ليلك بالبلج

# وكان لسان حاله يقول:

# دنا وصال الحبيب واقتربا

# واطربا للوصال واطرابا

# { وقال يأسفى على يوسف } قال بعض العارفين: إن تأسفه على
~~رؤية جمال الله تعالى من مرآة وجه يوسف عليه السلام وقد تمتع بذلك برهة
~~من الزمان حتى حالت بينه وبينه طوارق الحدثان فتأسف عليه السلام لذلك
~~واشتاقت نفسه لما هناك:

# سقى الله أياما لنا ولياليا

# مضت فجرت من ذكرهن دموع

# فياهل ms04823 لها يوما من الدهر أوبة

# وهل لي إلى أرض الحبيب رجوع

# وابيضت عيناه من الحزن

# [يوسف: 84] حيث بكى حتى أضر بعينيه وكان ذلك حتى لا يرى غير حبيبه:

# لما تيقنت أني لست أبصركم

# غمضت عيني فلم أنظر إلى أحد

# قال بعض العارفين: الحكمة في ذهاب بصر يعقوب وبقاء بصر آدم وداود عليهما
~~السلام مع أنهما بكيا دهرا طويلا أن بكاء يعقوب كان بكاء حزن معجون
~~بألم الفراق حيث فقد تجلى جمال الحق من مرآة وجه يوسف ولا كذلك بكاء آدم
~~وداود فإنه كان بكاء الندم والتوبة وأين ذلك المقام من مقام العشق، وقال
~~أبو سعيد القرشي: إنما لم يذهب بصرهما لأن بكاءهما كان من خوف الله تعالى
~~فحفظا وبكاء يعقوب كان لفقد لذة فعوتب، وقيل: يمكن أن يكون ذهاب بصره
~~عليه السلام من غيرة الله تعالى عليه حين بكى لغيره وإن كان واسطة بينه
~~وبينه، ولهذا جاء أن الله تعالى أوحى إليه يا يعقوب أتتأسف على غيري
~~وعزتي لآخذن عينيك ولا أردهما عليك حتى تنساه، واختار بعض العارفين أن
~~ذلك الأسف والبكاء ليسا إلا لفوات ما انكشف له عليه السلام من تجلى الله
~~تعالى في مرآة وجه يوسف عليه السلام، ولعمري إنه لو كان شاهد تجليه تعالى
~~في أول التعنيات وعين أعيان الموجودات صلى الله عليه وسلم لنسي ما رأى
~~ولما عراه ما عرا ولله تعالى در سيدي ابن الفارض حيث يقول:

# لو أسمعوا يعقوب بعض ملاحة

# في وجهه نسي الجمال اليوسفي

# قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا
~~أو تكون من الهلكين

# [يوسف: 85] هذا من الجهل بأحوال العشق وما عليه العاشقون فإن العاشق
~~يتغذى بذكر معشوقه:

# فإن تمنعوا ليلى وحسن حديثها

# فلن تمنعوا مني البكا والقوافيا

# وإذا لم يستطع ذكره بلسانه كان مستغرقا بذكره إياه بجنانه:

# غاب وفي قلبي له شاهد

# يولع إضماري بذكراه

# مثلت الفكرة لي شخصه

# حتى كأني أتراآه

# وكيف يخوف العاشق بالهلاك في عشق محبوبه وهلاكه عين حياته كما قيل:

# ولكن لدى الموت فيه صبابة ms04824

# حياة لمن أهوى علي بها الفضل

# ومن لم يمت في حبه لم يعش به

# ودون اجتناء النحل ما جنت النحل

# قال إنما أشكو بثي وحزنى إلى الله وأعلم من
~~الله ما لا تعلمون

# [يوسف: 86] أي أنا لا أشكو إلى غيره فإني أعلم غيرته سبحانه وتعالى على
~~أحبابه وأنتم لا تعلمون ذلك، وأيضا من انقطع إليه تعالى كفاه ومن أناخ
~~ببابه أعطاه، وأنشد ذو النون:

# / إذا ارتحل الكرام إليك يوما

# ليلتمسوك حالا بعد حال

# فإن رحالنا حطت رضاء

# بحكمك عن حلول وارتحال

# فسسنا كيف شئت ولا تكلنا

# إلى تدبيرنا يا ذا المعالي

# وعلى هذا درج العاشقون إذا اشتد بهم الحال فزعوا إلى الملك المتعال، ومن
~~ذلك:

# إلى الله أشكو ما لقيت من الهجر

# ومن كثرة البلوى ومن ألم الصبر

# ومن حرق بين الجوانح والحشا

# كجمر الغضا لا بل أحر من الجمر

# وقد يقال: إنه عليه السلام إنما رفع قصة شكواه إلى عالم سره ونجواه
~~استرواحا مما يجده بتلك المناجاة كما قيل:

# إذا ما تمنى الناس روحا وراحة

# تمنيت أن أشكو إليه فيسمع

# { يبنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه } كأنه
~~عليه السلام تنسم نسائم الفرج بعد أن رفع الأمر إلى مولاه عز وجل فقال
~~ذلك:

# ولا تايئسوا من روح الله

# [يوسف: 87] من رحمته بإرجاعهما إلي أو من رحمته تعالى بتوفيق يوسف عليه
~~السلام برفع خجالتكم إذا وجدتموه { قالوا يأيها العزيز
~~مسنا وأهلنا الضر } أرادوا ضر المجاعة ولو أنهم علموا
~~وأنصفوا لقصدوا ضر فراقك فإنه قد أضر بأبيهم وبهم وبأهلهم لو يعلمون:

# كفى حزنا بالواله الصب أن يرى

# منازل من يهوى معطلة قفرا

# واعلم أن فيما قاله إخوة يوسف له عليه السلام من هنا إلى {
~~المتصدقين } تعليم آداب الدعاء والرجوع إلى الأكابر ومخاطبة
~~السادات فمن لم يرجع إلى باب سيده بالذلة والافتقار وتذليل النفس وتصغير
~~ما يبدو منها وير أن ما من سيده إليه على طريق الصدقة والفضل لا على طريق
~~الاستحقاق كان مبعدا مطرودا، وينبغي لعشاق جمال القدم إذا دخلوا الحضرة
~~أن ms04825 يقولوا: يا أيها العزيز مسنا وأهلنا من ضر فراقك والبعد عن ساحة وصالك
~~ما لا يحتمله الصم الصلاب:

# خليلي ما ألقاه في الحب إن يدم

# على صخرة صماء ينفلق الصخر

# ويقولوا: { جئنا ببضاعة مزجاة } من أعمال معلولة وأفعال
~~مغشوشة ومعرفة قليلة لم تحط بذرة من أنوار عظمتك وكل ذلك لا يليق بكمال
~~عزتك وجلال صمديتك { فأوف لنا } كيل قربك من بيادر جودك وفضلك

# وتصدق علينا

# [يوسف: 88] بنعم مشاهدتك فإنه إذا عومل المخلوق بما عومل فمعاملة الخالق
~~بذلك أولى { قالوا أءنك لأنت يوسف } خاطبوه بعد المعرفة
~~بخطاب المودة لا بخطاب التكلف، وفيه من حسن الظن فيه عليه السلام ما فيه:

# إذا صفت المودة بين قوم

# ودام ولاؤهم سمج الثناء

# ويمكن أن يقال: إنهم لما عرفوه سقطت عنهم الهيبة وهاجت الحمية فلم
~~يكلموه على النمط الأول، وقوله:

# قال أنا يوسف وهذا أخى

# [يوسف: 90] جواب لهم لكن زيادة { وهذا أخى } قيل: لتهوين حال
~~بديهة الخجل، وقيل: للإشارة إلى أن أخوتهم لا تعد أخوة لأن الأخوة
~~الصحيحة ما لم يكن فيها جفاء، ثم إنه عليه السلام لما رأى/ اعترافهم
~~واعتذارهم قال:

# لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو
~~أرحم الرحمين

# [يوسف: 92] وهذا من شرائط الكرم فالكريم إذا قدر عفا:

# والعذر عند كرام الناس مقبول

# وقال شاه الكرماني: من نظر إلى الخلق بعين الحق لم يعبأ بمخالفتهم ومن
~~نظر إليهم بعينه أفنى أيامه بمخاصمتهم، ألا ترى يوسف عليه السلام لما علم
~~مجاري القضاء كيف عذر إخوته { اذهبوا بقميصى هذا فألقوه
~~على وجه أبى يأت بصيرا } لما علم عليه السلام أن أباه عليه
~~السلام لا يحتمل الوصال الكلي بالبديهة جعل وصاله بالتدريج فأرسل إليه
~~بقميصه، ولما كان مبدأ الهم الذي أصابه من القميص الذي جاؤا عليه بدم كذب
~~عين هذا القميص مبدأ للسرور دون غيره من آثاره عليه السلام ليدخل عليه
~~السرور من الجهة التي دخل عليه الهم منها

# وأتونى بأهلكم أجمعين

# [يوسف: 93] كان كرم يوسف عليه السلام يقتضي أن يسير بنفسه إلى أبيه
~~ولعله ms04826 إنما لم يفعل لعلمه أن ذلك يشق على أبيه لكثرة من يسير معه ولا
~~يمكن أن يسير إليه بدون ذلك أو لأن في ذلك تعطل أمر العامة وليس هناك من
~~يقوم به غيره، ويحتمل أن يكون أوحى إليه بذلك لحكمة أخرى، وقيل: إن
~~المعشوقية اقتضت ذلك، ومن رأى معشوقا رحيما بعاشقه؟، وفيه ما لا يخفى

# ولما فصلت العير قال أبوهم إنى لأجد ريح
~~يوسف

# [يوسف: 94] يقال: إن ريح الصبا سألت الله تعالى فقالت: يا رب خصني أن
~~أبشر يعقوب عليه السلام بابنه فأذن لها بذلك فحملت نشره إلى مشامه عليه
~~السلام وكان ساجدا فرفع رأسه وقال ذلك وكان لسان حاله يقول:

# أيا جبلي نعمان بالله خليا

# نسيم الصبا يخلص إلى نسيمها

# أجد بردها أو تشف مني حرارة

# على كبد لم يبق إلا صميمها

# فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت

# على نفس مهموم تجلت همومها

# وهكذا عشاق الحضرة لا يزالون يتعرضون لنفحات ريح وصال الأزل، وقد قال
~~عليه الصلاة والسلام:

# " إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لنفحات الرحمن "

# ويقال: المؤمن المتحقق يجد نسيم الإيمان في قلبه وروح المعرفة السابقة
~~له من الله تعالى في سره، وإنما وجد عليه السلام هذا الريح حيث بلغ
~~الكتاب أجله ودنت أيام الوصال وحان تصرم أيام الهجر والبلبال وإلا فلم لم
~~يجده عليه السلام لما كان يوسف في الجب ليس بينه وبينه إلا سويعة من نهار
~~وما ذلك إلا لأن الأمور مرهونة بأوقاتها، وعلى هذا كشوفات الأولياء فإنهم
~~آونة يكشف لهم على ما قيل اللوح المحفوظ، وأخرى لا يعرفون ما تحت أقدامهم

# فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد
~~بصيرا

# [يوسف: 96] فيه إشارة إلى أن العاشق الهائم المنتظر لقاء الحق سبحانه
~~إذا ذهبت عيناه من طول البكاء يجىء إليه بشير تجليه فيلقى عليه قميص أنسه
~~في حضرات قدسه فيرتد بصيرا بشم ذلك فهنالك يرى الحق بالحق وينجلي الغين
~~عن العين، ويقال: إنه عليه السلام إنما ارتد بصيرا حين وضع القميص على
~~وجهه لأنه ms04827 وجد لذة نفحة الحق تعالى منه حيث كان يوسف عليه السلام محل
~~تجليه جل جلاله وكان القميص معبقا بريح جنان قدسه فعاد لذلك نور بصره
~~عليه السلام إلى مجاريه فأبصر

# قال سوف أستغفر لكم ربى إنه هو الغفور
~~الرحيم

# [يوسف: 98] وعدهم إلى أن يتعرف منهم صدق التوبة أو حتى يستأذن ربه تعالى
~~في الاستغفار لهم فيأذن سبحانه لئلا يكون مردودا فيه كما رد نوح عليه
~~السلام في ولده بقوله تعالى:

# إنه ليس من أهلك

# [هود: 46] وقال بعضهم: وعدهم الاستغفار لأنه لم يفرغ بعد من استبشاره
~~إلى استغفاره، وقيل: إنما أسرع يوسف بالاستغفار لهم ووعد/ يعقوب عليهما
~~السلام لأن يعقوب كان أشد حبا لهم فعاتبهم بالتأخير ويوسف لم يرهم أهلا
~~للعتاب فتجاوز عنهم من أول وهلة أو اكتفى بما أصابهم من الخجل وكان خجلهم
~~منه أقوى من خجلهم من أبيهم، وفي المثل كفى للمقصر حياء يوم اللقاء

# فلما دخلوا على يوسف ءاوى إليه أبويه

# [يوسف: 99] لأنهما ذاقا طعم مرارة الفراق فخصهما من بينهم بمزيد الدنو
~~يوم التلاق، ومن هنا يتبين أين منازل العاشقين يوم الوصال

# وخروا له سجدا

# [يوسف: 100] حيث بان لهم أنواع جلال الله تعالى في مرآة وجهه عليه
~~السلام وعاينوا ما عاينت الملائكة عليهم السلام من آدم عليه السلام حين
~~وقعوا له ساجدين، وما هو إذ ذاك إلا كعبة الله تعالى التي فيها آيات
~~بينات مقام إبراهيم { رب قد آتيتنى من الملك
~~وعلمتنى من تأويل الأحاديث فاطر السموات
~~والأرض أنت ولي فى الدنيا والآخرة توفنى
~~مسلما } مفوضا إليك شأني كله بحيث لا يكون لي رجوع إلى نفسي ولا إلى
~~سبب من الأسباب بحال من الأحوال

# وألحقنى بالصلحين

# [يوسف: 101] بمن أصلحتهم لحضرتك وأسقطت عنهم سمات الخلق وأزلت عنهم
~~رعونات الطبع، ولا يخفى ما في تقديمه عليه السلام الثناء على الدعاء من
~~الأدب وهو الذي يقتضيه المقام

# وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون

# [يوسف: 106] قال غير واحد من الصوفية: من التفت إلى غير الله تعالى فهو
~~مشرك، وقال قائلهم:

# ولو ms04828 خطرت لي في سواك إرادة

# على خاطري سهوا حكمت بردتي

# { قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة }
~~بيان من الله تعالى وعلم لا معارضة للنفس والشيطان فيه

# أنا ومن اتبعنى

# [يوسف: 108] وذكر بعض العارفين أن البصيرة أعلى من النور لأنها لا تصح
~~لأحد وهو رقيق الميل إلى السوى، وفي الآية إشارة إلى أنه ينبغي للداعي
~~إلى الله تعالى أن يكون عارفا بطريق الإيصال إليه سبحانه عالما بما يجب
~~له تعالى وما يجوز وما يمتنع عليه جل شأنه، والدعاة إلى الله تعالى اليوم
~~من هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم إلى الإرشاد بزعمهم أجهل من حمار الحكيم
~~توما، وهم لعمري في ضلالة مدلهمة ومهامه يحار فيها الخريت وهم يحسبون
~~أنهم يحسنون صنعا ولبئس ما كانوا يصنعون

# لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألبب

# [يوسف: 111] وهم ذوو الأحوال من العارفين والعاشقين والصابرين والصادقين
~~وغيرهم، وفيها أيضا عبرة للملوك في بسط العدل كما فعل يوسف عليه السلام،
~~ولأهل التقوى في ترك ما تراودهم النفس الشهوانية عليه، وللمماليك في حفظ
~~حرم السادة، ولا أحد أغير من الله تعالى ولذلك حرم الفواحش، وللقادرين في
~~العفو عمن أساء إليهم ولغيرهم في غير ذلك ولكن أين المعتبرون؟ أشباح ولا
~~أرواح وديار ولا ديار فإنا لله وإنا إليه راجعون.

# هذا وقد أول بعض الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم يوسف بالقلب المستعد
~~الذي هو في غاية الحسن، ويعقوب بالعقل والإخوة بني العلات بالحواس الخمس
~~الظاهرة والخمس الباطنة والقوة الشهوانية، وبنيامين بالقوة العاقلة
~~العملية، وراحيل أم يوسف بالنفس اللوامة، وليا بالنفس الأمارة، والجب
~~بقعر الطبيعة البدنية، والقميص الذي ألبسه يوسف في الجب بصفة الاستعداد
~~الأصلي والنور الفطري، والذئب بالقوة الغضبية، والدم الكذب بأثرها،
~~وابيضاض عين يعقوب بكلال البصيرة وفقدان نور العقل، وشراؤه من عزيز مصر
~~بثمن بخس بتسليم الطبيعة له إلى عزيز الروح الذي في مصر مدينة القدس بما
~~يحصل للقوة الفكرية من المعاني الفائضة عليها من الروح، وامرأة العزيز
~~بالنفس اللوامة، وقد القميص من دبر بخرقها لباس الصفة النورية التي ms04829 هي من
~~قبل الأخلاق الحسنة والأعمال الصالحة، ووجدان السيد بالباب بظهور نور
~~الروح عند إقبال/ القلب إليه بواسطة تذكر البرهان العقلي وورود الوارد
~~القدسي عليه، والشاهد بالفكر الذي هو ابن عم امرأة العزيز أو بالطبيعة
~~الجسمانية الذي هو ابن خالتها، والصاحبين بقوة المحبة الروحية وبهوى
~~النفس، والخمر بخمر العشق، والخبز باللذات، والطير بطير القوى الجسمانية،
~~والملك بالعقل الفعال، والبقرات بمراتب النفس، والسقاية بقوة الإدراك،
~~والمؤذن بالوهم إلى غير ذلك، وطبق القصة على ما ذكر وتكلف له أشد تكلف
~~وما أغناه عن ذلك والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل لا رب غيره ولا
~~يرجى إلا خيره.

### | [13 - سورة الرعد]

### || [13.1]

# { بسم الله الرحمن الرحيم المر } أخرج ابن جرير وأبو
~~الشيخ عن ابن عباس أن معنى ذلك أنا الله أعلم وأرى وهو أحد أقوال مشهورة
~~في مثل ذلك { تلك ءايت الكتب } جعل غير واحد الكتاب بمعنى
~~السورة وهو بمعنى المكتوب صادق عليها من غير اعتبار تجوز، والإشارة إلى
~~آياتها باعتبار أنها لتلاوة بعضها والبعض الآخر في معرض التلاوة صارت
~~كالحاضرة أو لثبوتها في اللوح أو مع الملك، والمعنى تلك الآيات السورة
~~الكاملة العجيبة في بابها، واستفيد هذا على ما قيل من اللام، وذلك أن
~~الإضافة بيانية فالمآل ذلك الكتاب، والخبر إذا عرف بلام الجنس أفاد
~~المبالغة وأن هذا المحكوم عليه اكتسب من الفضيلة ما يوجب/ جعله نفس الجنس
~~وأنه ليس نوعا من أنواعه. وحيث أنه في الظاهر كالممتنع أريد ذلك. وجوز
~~أن يكون المراد بالكتاب القرآن، و { تلك } إشارة إلى آيات السورة،
~~والمعنى آيات هذه السورة آيات القرآن الذي هو الكتاب العجيب الكامل الغني
~~عن الوصف بذلك المعروف به من بين الكتب الحقيق باختصاص اسم الكتاب،
~~والظاهر أن المراد جميعه. وجوز أن يراد به المنزل حينئذ، ورجح إرادة
~~القرآن بأنه المتبادل من مطلق الكتاب المستغني عن النعت وبه يظهر جميع ما
~~أريد من وصف الآيات بوصف ما أضيفت إليه من نعوت الكمال بخلاف ما إذا جعل
~~عبارة عن السورة فإنها ليست بتلك ms04830 المثابة من الشهرة في الاتصاف بذلك
~~المغنية عن التصريح بالوصف وفيه بحث، وأيا ما كان فلا محذور في حمل آيات
~~الكتاب على تلك كما لا يخفى، وقيل: الإشارة  بتلك  إلى ما قص سبحانه
~~عليه عليه الصلاة والسلام من أنباء الرسل عليهم السلام المشار إليها في
~~آخر السورة المتقدمة بقوله سبحانه:

# ذلك من أنباء الغيب

# [يوسف: 102] وجوز على هذا أن يراد بالكتاب ما يشمل التوراة والإنجيل،
~~وأخرج ذلك ابن جرير عن مجاهد وقتادة. وجوز ابن عطية هذا على تقدير أن
~~تكون الإشارة إلى  المر  مرادا بها حروف المعجم أيضا وجعل ذلك مبتدأ
~~أولا و { تلك } مبتدأ ثانيا و { آيت } خبره والجملة خبر الأول
~~والرابط الإشارة.

# وأما قوله سبحانه وتعالى: { والذى أنزل إليك من ربك
~~الحق } فالظاهر أن الموصول فيه مبتدأ وجملة { أنزل } من الفعل
~~ومرفوعه صلته { ومن ربك } متعلق  بأنزل  { والحق } خبر،
~~والمراد بالموصول عند كثير القرآن كله؛ والكلام استدراك على وصف السورة
~~فقط بالكمال، وفي أسلوبه قول فاطمة الأنمارية وقد قيل لها: أي بنيك أفضل؟
~~ربيع بل عمارة بل قيس بل أنس ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل والله أنهم
~~كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها، وذلك كما أنها نفت التفاضل آخرا
~~بإثبات الكمال لكل واحد دلالة على أن كمال كل لا يحيط به الوصف وهو إجمال
~~بعد التفصيل لهذا الغرض، كذلك لما أثبت سبحانه لهذه السورة خصوصا الكمال
~~استدركه بأن كل المنزل كذلك لا يختص به سورة دون أخرى للدلالة المذكورة،
~~وهو على ما قيل معنى بديع ووجه بليغ ذكره صاحب " الكشاف " ، وقيل: إنه
~~لتقرير ما قبله والاستدلال عليه لأنه إذا كان كل المنزل عليه حقا فذلك
~~المنزل أيضا حق ضرورة أنه من كل المنزل فهو كامل لأنه لا أكمل من الحق
~~والصدق، ولخفاء أمر الاستدلال قال العلامة البيضاوي إنه كالحجة على ما
~~قبله، ولعل الأول أولى ومع ذا لا يخلو عن خفاء أيضا، ولو قيل: المراد
~~بالكمال فيما تقدم الكمال الراجع إلى الفصاحة والبلاغة ويكون ذلك وصفا
~~للمشار ms04831 إليه بالإعجاز من جهة ذلك، ويكون هذا وصفا له بخصوصه على تقدير
~~أن يكون فيه وضع الظاهر موضع الضمير أو لما يشمله وغيره على تقدير أن لا
~~يكون فيه ذلك بكونه حقا مطابقا للواقع إذ لا تستدعي الفصاحة والبلاغة
~~الحقية كما يشهد به الرجوع إلى " المقامات الحريرية " لم يبعد كل البعد
~~فتدبر.

# وجوز الحوفي كون { من ربك } هو الخبر و { الحق } خبر مبتدأ محذوف
~~أي هو الحق أو خبر بعد خبر أو كلاهما خبر واحد كما قيل في الرمان حلو
~~حامض، وهو إعراب متكلف، وجوز أيضا كون الموصول في محل خفض عطفا على {
~~الكتب } و { الحق } حينئذ خبر مبتدأ محذوف لا غير. قيل: والعطف
~~من عطف العام على الخاص أو إحدى الصفتين على الأخرى كما قالوا في قوله:

# / هو الملك القرم وابن الهمام

# البيت، وبعضهم يجعله من عطف الكل على الجزء أو من عطف أحد المترادفين
~~على الآخر، ولكل وجهة، وإذا أريد بالكتاب ما روي عن مجاهد. وقتادة فأمر
~~العطف ظاهر، وجوز أبو البقاء كون { الذى } نعتا للكتاب بزيادة الواو
~~في الصفة كما في أتاني كتاب أبي حفص والفاروق والنازلين والطيبين، وتعقب
~~بأن الذي ذكر في زيادة الواو للإلصاق خصه صاحب " المغني " بما إذا كان
~~النعت جملة، ولم نر من ذكره في المفرد. وأجاز الحوفي أيضا كون الموصول
~~معطوفا على { آيت } وجعل { الحق } نعتا له وهو كما ترى. ثم
~~المقصود على تقدير أن يكون الحق { خبر } مبتدأ مذكور أو محذوف قصر الحقية
~~على المنزل لعراقته فيها وليس في ذلك ما يدل على أن ما عداه ليس بحق
~~أصلا على أن حقيته مستتبعة لحقية سائر الكتب السماوية لكونه مصدقا لما
~~بين يديه ومهيمنا عليه.

# وساق بعض نفاة القياس هذه الآية بناء على تضمنها الحصر في معرض
~~الاستدلال على نفي ذلك فقالوا: الحكم المستنبط بالقياس غير منزل من عند
~~الله تعالى وإلا لكان من يحكم به كافرا لقوله تعالى:

# ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
~~الكفرون

# [المائدة: 44] وكل ما ليس ms04832 منزلا من عند الله تعالى ليس بحق لهذه الآية
~~لدلالتها على أن لا حق إلا ما أنزله الله تعالى، والمثبتون لذلك أبطلوا
~~ما ذكروه في المقدمة الأولى بأن المراد بعدم الحكم بالإنكار وعدم التصديق
~~أو المراد من لم يحكم بشيء أصلا مما أنزله الله تعالى، ولا شك أنه من
~~شأن الكفرة أو المراد بما أنزله هناك التوراة بقرينة ما قبله، ونحن غير
~~متعبدين بها فيختص باليهود ويكون المراد الحكم بكفرهم إذ لم يحكموا
~~بكتابهم، ونحن نقول بموجبه كما بين في " شرح المواقف " ، وما ذكروه في
~~المقدمة الثانية بأن المراد بالمنزل من الله تعالى ما يشمل الصريح وغيره
~~فيدخل فيه القياس لاندراجه في حكم المقيس عليه المنزل من عنده سبحانه وقد
~~جاء في المنزل صريحا

# فاعتبروا يأولى الأبصر

# [الحشر: 2] وهو دال على ما حقق في محله على حسن اتباع القياس على أنك قد
~~علمت المقصود من الحصر. ويحتمل أيضا على ما قيل أن يكون المراد هو الحق
~~لا غيره من الكتب الغير المنزلة أو المنزلة إلى غيره بناء على تحريفها
~~ونسخها، وقد يقال: إن دليلهم منقوض بالسنة والإجماع، والجواب الجواب، ولا
~~يخفى ما في التعبير عن القرآن بالموصول وإسناد الإنزال إليه بصيغة ما لم
~~يسم فاعله، والتعرض لوصف الربوبية مضافا إلى ضميره عليه الصلاة والسلام
~~من الدلالة على فخامة المنزل وتشريف المنزل والإيماء إلى وجه بناء الخبر
~~ما لا يخفى { ولكن أكثر الناس } قيل هم كفار مكة، وقيل:
~~اليهود والنصارى والأولى أن يراد أكثرهم مطلقا { لا يؤمنون } بذلك
~~الحق المبين لإخلالهم بالنظر والتأمل فيه فعدم إيمانهم كما قال شيخ
~~الإسلام متعلق بعنوان حقيته لأنه المرجع للتصديق والتكذيب لا بعنوان كونه
~~منزلا كما قيل ولأنه وارد على سبيل الوصف دون الإخبار.

### || [13.2]

# { الله الذى رفع السموات } أي خلقهن مرتفعات على طريقة
~~سبحان من كبر الفيل وصغر البعوض لا أنه سبحانه رفعها بعد أن لم تكن كذلك
~~{ بغير عمد } أي دعائم، وهو اسم جمع عند الأكثر والمفرد عماد
~~كإهاب وأهب يقال: عمدت الحائط ms04833 أعمده عمدا إذا دعمته فاعتمد واستند،
~~وقيل: المفرد عمود، وقد جاء أديم وأدم وقصيم وقصم، وفعيل وفعول يشتركان
~~في كثير من الأحكام، وقيل: إنه جمع ورجح الأول بما سنشير إليه إن شاء
~~الله تعالى قريبا. / وقرأ أبو حيوة ويحيى بن وثاب { عمد } بضمتين، وهو
~~جمع عماد كشهاب وشهب أو عمود كرسول ورسل ويجمعان في القلة على أعمدة،
~~والجمع لجمع السموات لا لأن المنفي عن كل واحدة منها العمد لا العماد،
~~والجار والمجرور في موضع الحال أي رفعها خالية عن عمد.

# { ترونها } استئناف لا محل له من الإعراب جىء به للاستشهاد على كون
~~السموات مرفوعة كذلك كأنه قيل: ما الدليل على ذلك؟ فقيل: رؤيتكم لها
~~بغير عمد فهو كقولك: أنا بلا سيف ولا رمح تراني. ويحتمل أن يكون
~~الاستئناف نحويا بدون تقدير سؤال وجواب والأول أولى، وجوز أن تكون
~~الجملة في موضع الحال من السموات أي رفعها مرئية لكم بغير عمد وهي حال
~~مقدرة لأن المخاطبين حين رفعها لم يكونوا مخلوقين، وأيا ما كان فالضمير
~~المنصوب للسموات. وجوز كون الجملة صفة للعمد فالضمير لها واستدل لذلك
~~بقراءة أبي { ترونه } لأن الظاهر أن الضمير عليها للعمد وتذكيره حينئذ
~~لائح الوجه لأنه اسم جمع فلوحظ أصله في الإفراد ورجوعه إلى الرفع خلاف
~~الظاهر، وعلى تقدير الوصفية يحتمل توجه النفي إلى الصفة والموصوف على
~~منوال:

# ولا ترى الضب بها ينجحر

# لأنها لو كانت لها عمد كانت مرئية وهذا في المعنى كالاستئناف، ويحتمل
~~توجهه إلى الصفة فيفيد أن لها عمدا لكنها غير مرئية وروي ذلك عن مجاهد
~~وغيره، والمراد بها قدرة الله تعالى وهو الذي يمسك السماء أن تقع على
~~الأرض، فيكون العمد على هذا استعارة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أنه قال: السماء على أربعة أملاك كل زاوية موكل بها
~~ملك. وزعم بعضهم أن العمد جبل قاف فإنه محيط بالأرض والسماء عليه كالقبة،
~~وتعقبه الإمام بأنه في غاية السقوط وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يمكن أن
~~يكون ms04834 مراده في وجه ذلك، وأنا لا أرى ما قبله يصح عن ابن عباس، فالحق أن
~~العمد قدرة الله تعالى، وهذا دليل على وجود الصانع الحكيم تعالى شأنه
~~وذلك لأن ارتفاع السموات على سائر الأجسام المساوية لها في الجرمية كما
~~تقرر في محله واختصاصها بما يقتضي ذلك لا بد وأن يكون لمخصص ليس بجسم ولا
~~جسماني يرجح بعض الممكنات على بعض بإرادته.

# ورجح في «الكشف» استئناف الجملة بأن الاستدلال برفع هذه الأجرام دون عمد
~~كاف، والاستشهاد عليه بكونه مشاهدا محسوسا تأكيد للتحقيق.

# ثم لا يخفى أن الضمير المنصوب في { ترونها } إذا كان راجعا إلى
~~السموات المرفوعة اقتضى ظاهر الآية أن المرئي هو السماء، وقد صرح
~~الفلاسفة بأن المرئي هو كرة البخار وثخنها كما قال صاحب " التحفة " أحد
~~وخمسون ميلا وتسع وخمسون دقيقة، والمجموع سبعة عشر فرسخا وثلث فرسخ
~~تقريبا، وذكروا أن سبب رؤيتها زرقاء أنها مستضيئة دائما بأشعة الكواكب
~~وما وراءها لعدم قبوله الضوء كالمظلم بالنسبة إليها فإذا نفذ نور البصر
~~من الأجزاء المستنيرة بالأشعة إلى الأجزاء التي هي كالمظلم رأى الناظر ما
~~فوقه من المظلم بما يمازجه من الضياء الأرضي والضياء الكوكبي لونا
~~متوسطا بين الظلام والضياء وهو اللون اللازوردي، وذلك كما إذا نظرنا من
~~جسم أحمر مشف إلى جسم أخضر فإنه يظهر لنا لون مركب من الحمرة والخضرة.

# وأجمعوا أن السموات التي هي الأفلاك لا ترى لأنها شفافة لا لون لها
~~لأنها لا تحجب الأبصار عن رؤية ما وراءها من الكواكب وكل ملون فإنه يحجب
~~عن ذلك. وتعقب ذلك الإمام الرازي بأنا لا نسلم أن كل ملون حاجب فإن الماء
~~والزجاج ملونان لأنهما مرئيان ومع ذلك لا يحجبان. فإن قيل: فيهما حجب عن
~~الإبصار الكامل قلنا: وكيف عرفتم أنكم أدركتكم هذه الكواكب إدراكا تاما
~~انتهى، على أن ما ذكروه لا يتمشى في المحدد إذ/ ليس وراءه شيء حتى يرى
~~ولا في الفلك الذي يسمونه بفلك الثوابت أيضا إذ ليس فوقه كوكب مرئي وليس
~~لهم أن يقولوا لو كان كل ms04835 منهما ملونا لوجب رؤيته لأنا نقول جاز أن يكون
~~لونه ضعيفا كلون الزجاج فلا يرى من بعيد ولئن سلمنا وجوب رؤية لونه
~~قلنا: لم لا يجوز أن تكون هذه الزرقة الصافية المرئية لونه وما ذكر أولا
~~فيها دون إثباته كرة النار وما يقال: إنها أمر يحسن في الشفاف إذا بعد
~~عمقه كما في ماء البحر فإنه يرى أزرق متفاوت الزرقة بتفاوت قعره قربا
~~وبعدا فالزرقة المذكورة لون يتخيل في الجو الذي بين السماء والأرض لأنه
~~شفاف بعد عمقه لا يجدي نفعا لأن الزرقة كما تكون لونا متخيلا قد تكون
~~أيضا لونا حقيقيا قائما بالأجساد، وما الدليل على أنها لا تحدث إلا
~~بذلك الطريق التخيلي فجاز أن تكون تلك الزرقة المرئية لونا حقيقيا لأحد
~~الفلكين كذا قال بعض المحققين، وأنت تعلم أنه لا مانع عند المسلمين من
~~كون المرئي هو السماء الدنيا المسماة بفلك القمر عند الفلاسفة بل هو الذي
~~تقتضيه الظواهر، ولا نسلم أن ما يذكرونه من طبقات الهواء مانعا، وهذه
~~الزرقة يحتمل أن تكون لونا حقيقيا لتلك السماء صبغها الله تعالى به
~~حسبما اقتضته حكمته، وعليه الأثريون كما قال القسطلاني، ويؤيده ظاهر ما
~~صح من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء "

# ، وفي رواية

# " الأرض من ذي لهجة أصدق من أبي ذر "

# ويحتمل أن يكون لونا تخيليا في طبقة من طبقات الهواء الشفاف الذي ملأ
~~الله به ما بين السماء والأرض ويكون لها في نفسها لون حقيقي الله تعالى
~~أعلم بكيفيته ولا بعد في أن يكون أبيض وهو الذي يقتضيه بعض الأخبار لكنا
~~نحن نراها من وراء ذلك الهواء بهذه الكيفية كما نرى الشيء الأبيض من وراء
~~جام أخضر أخضر، ومن وراء جام أزرق أزرق وهكذا، وجاء في بعض الآثار أن ذلك
~~من انعكاس لون جبل قاف عليها. وتعقب بأن جبل قاف لا وجود له، وبرهن عليه
~~بما يرده  كما قال العلامة ابن حجر  ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما من طرق ms04836 أخرجها الحفاظ وجماعة منهم ممن التزموا تخريج الصحيح، وقول
~~الصحابي ذلك ونحوه مما لا مجال للرأي فيه حكمه حكم المرفوع إلى النبي
~~صلى الله عليه وسلم، منها أن وراء أرضنا بحرا محيطا ثم جبلا يقال له
~~قاف ثم أرضا ثم بحرا ثم جبلا وهكذا حتى عد سبعا من كل، وخرج بعض
~~أولئك عن عبد الله بن بريدة أنه جبل من زمرد محيط بالدنيا عليه كنفا
~~السماء، وعن مجاهد مثله. ونقل صاحب " حل الرموز " أن له سبع شعب وأن لكل
~~سماء منها شعبة، وفي القلب من صحة ذلك ما فيه، بل أنا أجزم بأن السماء
~~ليست محمولة إلا على كاهل القدرة، والظاهر أنها محيطة بالأرض من سائر
~~جهاتها كما روي عن الحسن، وفي الزرقة الاحتمالان. بقي الكلام في رؤية
~~باقي السموات وظاهر الآية يقتضيه وأظنك لا ترى ذلك وظاهر بعض الآيات
~~يساعدك فتحتاج إلى القول بأن الباقي وإن لم يكن مرئيا حقيقة لكنه في حكم
~~المرئي ضرورة أنه إذا لم يكن لهذا عماد لا يتصور أن يكون لما وراءه عماد
~~عليه بوجه من الوجوه، ويؤل هذا إلى كون المراد ترونها حقيقة أو حكما
~~بغير عمد، وجوز أن يكون المراد ترون رفعها أي السموات جميعا بغير ذلك.
~~وفي «الكشف» ما يشير إليه؛ وإذا جعل الضمير للعمد فالأمر ظاهر فتدبر، ومن
~~البعيد الذي لا نراه زعم بعضهم أن { ترونها } خبر في اللفظ ومعناه
~~الأمر روها وانظروا هل لها من عمد.

# { ثم استوى } سبحانه استواء يليق بذاته { على العرش }  وهو
~~المحدد بلسان الفلاسفة، وقد جاء في الأخبار من عظمه ما يبهر العقول، وجعل
~~غير واحد من الخلف الكلام استعارة/ تمثيلية للحفظ والتدبير، وبعضهم فسر
~~استوى باستولى، ومذهب السلف في ذلك شهير ومع هذا قد قدمنا الكلام فيه،
~~وأيا ما كان فليس المراد به القصد إلى إيجاد العرش كما قالوا في قوله
~~تعالى:

# ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات

# [البقرة: 29] لأن إيجاده قبل إيجاد السموات، ولا حاجة إلى إرادة ذلك مع
~~القول بسبق الإيجاد ms04837 وحمل { ثم } على التراخي في الرتبة، نعم قال
~~بعضهم: إنها للتراخي الرتبي لا لأن الاستواء بمعنى القصد المذكور وهو
~~متقدم بل لأنه صفة قديمة لائقة به تعالى شأنه وهو متقدم على رفع السموات
~~أيضا وبينهما تراخ في الرتبة.

# { وسخر الشمس والقمر } ذللهما وجعلهما طائعين لما أريد
~~منها { كل } من الشمس والقمر { يجرى } يسير في المنازل والدرجات {
~~لأجل مسمى } أي وقت معين، فإن الشمس تقطع الفلك في سنة والقمر
~~في شهر لا يختلف جري كل منهما كما في قوله تعالى:

# والشمس تجرى لمستقر لها * والقمر قدرنه
~~منازل

# [يس: 38-39] وهو المروي عن ابن عباس، وقيل: أي كل يجري لغاية مضروبة
~~ينقطع دونها سيره وهي

# إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت

# [التكوير: 1-2] وهذا مراد مجاهد من تفسير الأجل المسمى بالدنيا، قيل:
~~والتفسير الحق ما روي عن الحبر، وأما الثاني: فلا يناسب الفصل به بين
~~التسخير والتدبير. ثم إن غايتهما متحدة والتعبير  بكل يجري  صريح في
~~التعدد وما للغاية { إلى } دون اللام، ورد بأنه إن أراد أن التعبير
~~بذلك صريح في تعدد ذي الغاية فمسلم لكن لا يجديه نفعا، وإن أراد صراحته
~~في تعدد الغاية فغير مسلم، واللام تجيء بمعنى إلى كما في " المغني "
~~وغيره. وأنت تعلم لا يفيد أكثر من صحة التفسير الثاني فافهم، وما أشرنا
~~إليه من المراد من كل هو الظاهر، وزعم ابن عطية أن ذكر الشمس والقمر قد
~~تضمن ذكر الكواكب فالمراد من كل كل منهما ومما هو في معناهما من الكواكب
~~والحق ما علمت.

# { يدبر الأمر } أي أمر العالم العلوي والسفلي، والمراد أنه
~~سبحانه يقضي ويقدر ويتصرف في ذلك على أكمل الوجوه وإلا فالتدبير بالمعنى
~~اللغوي لاقتضائه التفكر في دبر الأمور مما لا يصح نسبته إليه تعالى. {
~~يفصل الآيت } أي ينزلها ويبينها مفصلة، والمراد بها آيات الكتب
~~المنزلة أو القرآن على ما هو المناسب لما قبل، أو المراد بها الدلائل
~~المشار إليها فيما تقدم وبتفصيلها تبيينها، وقيل إحداثها على ما هو
~~المناسب لما بعد. والجملتان جوز أن ms04838 يكونا مستأنفتين وأن يكونا حالين من
~~ضمير { استوى } و { سخر } من تتمته بناء على أنه جيء به لتقرير
~~معنى الاستواء وتبيينه أو جملة مفسرة له، وجوز أن يكون { يدبر }
~~حالا من فاعل { سخر } و { يفصل } حالا من فاعل { يدبر } ،
~~و { الله الذى } الخ على جميع التقادير مبتدأ وخبر، وجوز أن يكون
~~الاسم الجليل مبتدأ والموصول صفته وجملة { يدبر } خبره وجملة {
~~يفصل } خبرا بعد خبر، ورجح كون ذلك مبتدأ وخبرا في «الكشف» بأن
~~قوله تعالى الآتي:

# وهو الذى مد الأرض

# [الرعد: 3] عطف عليه على سبيل التقابل بين العلويات والسفليات وفي
~~المقابل تتعين الخبرية فكذلك في المقابل ليتوافقا، ولدلالته على أن كونه
~~كذلك هو المقصود بالحكم لا أنه ذريعة إلى تحقيق الخبر وتعظيمه كما في
~~الوجه الآخر، ثم قال: وهو على هذا جملة مقررة لقوله سبحانه:

# والذى أنزل إليك من ربك هو الحق

# [الرعد: 1] وعدل عن ضمير الرب إلى الاسم المظهر الجامع لترشيح التقرير
~~كأنه قيل: كيف لا يكون منزل من هذه أفعاله الحق الذي لا أحق منه، وفي
~~الإتيان بالمبتدأ والخبر/ معرفتين ما يفيد تحقيق إن هذه الأفعال أفعاله
~~دون مشاركة لا سيما وقد جعلت صلات للموصول، وهذا أشد مناسبة للمقام من
~~جعله وصفا مفيدا تحقيق كونه تعالى مدبرا مفصلا مع التعظيم لشأنهما كما
~~في قول الفرزدق:

# إن الذي سمك السماء بنى لنا

# بيتا دعائمه أعز وأطول

# وتقدم ذكر الآيات ناصر ضعيف لأن الآيات في الموضعين مختلفة الدلالة ولأن
~~المناسب حينئذ تأخره عن قوله تعالى:

# وهو الذى مد

# [الرعد: 3] الخ، على أن سوق تلك الصفات أعني رفع السموات وما تلاه
~~للغرض المذكور وسوق مقابلاتها لغرض آخر منافر، وفي الأول روعي لطيفة في
~~تعقيب الأوائل بقوله سبحانه: { يدبر يفصل } للإيقان والثواني
~~بقوله تعالى:

# إن فى ذلك لآيت لقوم يتفكرون

# [الرعد: 3] أي من فضل السوابق لإفادتها اليقين واللواحق ذرائع إلى حصوله
~~لأن الفكر آلته والإشارة إلى تقديم الثواني بالنسبة إلينا مع التأخر رتبة
~~وذلك فائت على الوجه الآخر اه وهو من الحسن بمكان ms04839 فيما أرى.

# ولا تنافي كما قال الشهاب بين الوجهين باعتبار أن الوصفية تقتضي
~~المعلومية والخبرية تقتضي خلافها لأن المعلومية عليهما والمقصود بالإفادة
~~قوله تعالى: { لعلكم بلقاء ربكم توقنون } أي لكم
~~تتفكروا وتحققوا كمال قدرته سبحانه فتعلموا أن من قدر على ذلك قدر على
~~الإعادة والجزاء، وحاصله أنه سبحانه فعل كل ذلك لذلك، وعلى الوجه الآخر
~~فعل الأخيرين لذلك مع أن الكل له ثم قال: وهذ مما يرجح الوجه الأول أيضا
~~كما يرجحه أنه ذكر تبيين الآيات وهي الرفع وما تلاه فإنه ذكرها ليستدل
~~بها على قدرته تعالى وعلمه ولا يستدل بها إلا إذا كانت معلومة فيقتضي
~~كونها صفة. فإن قيل: لا بد في الصلة أن تكون معلومة سواء كانت صفة أو
~~خبرا يقال: إذا كان ذلك صلة دل على انتساب الآيات إلى الله تعالى وإذا
~~كان خبرا دل على انتسابها إلى موجود مبهم وهو غير كاف في الاستدلال
~~فتأمل.

# وقرأ النخعي وأبو رزين وأبان بن تغلب عن قتادة { ندبر. نفصل } بالنون
~~فيهما؛ وكذا روى أبو عمرو الداني عن الحسن ووافق في { نفصل } بالنون
~~الخفاف وعبد الوهاب عن أبي عمرو، وهبيرة عن حفص، وقال صاحب " اللوامح ":
~~جاء عن الحسن والأعمش { نفصل } بالنون، وقال المهدوي: لم يختلف في {
~~يدبر } وليس كما قال لما سمعت، ثم إنه تعالى لما ذكر من الشواهد
~~العلوية ما ذكر أردفها بذكر الدلائل السفلية فقال عز شأنه: { وهو
~~الذى مد الأرض... }.

### || [13.3]

# { وهو الذى مد الأرض } أي بسطها طولا وعرضا، قال الأصم:
~~البسط المد إلى ما لا يرى منتهاه، ففيه دلالة على بعد مداها وسعة
~~أقطارها، وقيل: كانت مجتمعة فدحاها من مكة من تحت البيت، وقيل: كانت
~~مجتمعة عند بيت المقدس فدحاها وقال سبحانه لها: اذهبي كذا وكذا وهو
~~المراد بالمد، ولا يخفى أنه خلاف ما يقتضيه المقام. واستدل بالآية على
~~أنها مسطحة غير كرية، والفلاسفة مختلفون في ذلك فذهب فريق منهم إلى أنها
~~ليست كرية وهؤلاء طائفتان. فواحدة تقول: إنها محدبة من فوق مسطحة من أسفل
~~فهي ms04840 كقدح كب على وجه الماء، وأخرى تقول بعكس ذلك، وذهب الأكثرون منهم إلى
~~أنها كرية أما في الطول فلأن البلاد المتوافقة في العرض أو التي لا عرض
~~لها كلما كانت أقرب إلى الغرب كان طلوع الشمس وسائر الكواكب عليها
~~متأخرا بنسبة واحدة ولا يعقل ذلك إلا في الكرة، وأما في العرض فلأن
~~السالك في الشمال كلما أوغل فيه ازداد القطب ارتفاعا عليه بحسب إيغاله
~~فيه على نسبة واحدة بحيث يراه قريبا من سمت رأسه وكذلك تظهر له الكواكب
~~الشمالية وتخفى عنه الكواكب الجنوبية، والسالك الواغل في الجنوب بالعكس
~~من ذلك، وأما فيما بينهما فلتركب/ الأمرين. وأورد عليهم الاختلاف المشاهد
~~في سطحها فأجابوا عنه بأن ذلك لا يقدح في أصل الكرية الحسية المعلومة بما
~~ذكر، فإن نسبة ارتفاع أعظم الجبال على ما استقر عليه استقراؤهم وانتهت
~~إليه آراؤهم وهو جبل دماوند فيما بين الري وطبرستان أو جبل في سرنديب إلى
~~قطر الأرض كنسبة سبع عرض شعيرة إلى ذراع.

# واعترض ذلك بأنه هب أن ما ذكرتم كذلك فما قولكم فيما هو مغمور في الماء؟
~~فإن قالوا: إذا كان الظاهر كريا فالباقي كذلك لأنها طبيعة واحدة. قلنا:
~~فالمرجع حينئذ إلى البساطة واقتضاؤها الكرية الحقيقية ولا شك أنه يمنعها
~~التضاريس وإن لم تظهر للحس لكونها في غاية الصغر، لكن أنت تعلم أن أرباب
~~التعليم يكتفون بالكرية الحسية في السطح الظاهر فلا يتجه عليهم السؤال عن
~~المغمور ولا يليق بهم الجواب بالرجوع إلى البساطة، والحق الذي لا ينكره
~~إلا جاهل أو متجاهل إن ما ظهر منها كري حسا، ولذلك كرية الفلك تختلف
~~أوقات الصلاة في البلاد فقد يكون الزوال ببلد ولا يكون ببلد آخر وهكذا
~~الطلوع والغروب وغير ذلك، وكرية ما عدا ما ذكر لا يعلمها إلا الله تعالى.
~~نعم إنها لعظم جرمها الظاهر يشاهد كل قطعة وقطر منها كأنه مسطح وهكذا كل
~~دائرة عظيمة؛ وبذلك يعلم أنه لا تنافي بين المد وكونها كرية. وزعم ابن
~~عطية أن ظاهر الشريعة يقتضي أنها مسطحة وكأنه يقول ms04841 بذلك وهو خلاف ما
~~يقتضيه الدليل.

# وهي عندهم ثلاث طبقات الطبقة الصرفة المحيطة بالمركز ثم الطبقة الطينية
~~ثم الطبقة المخالطة التي تتكون فيها المعادن وكثير من النباتات
~~والحيوانات، والصرفة منها غير ملونة عند بعضهم، ومال ابن سينا إلى أنها
~~ملونة، واحتج عليه بأن الأرض الموجودة عندنا وإن كانت مخلوطة بغيرها
~~ولكنا قد نجد فيها ما يكون الغالب عليه الأرضية فلو كانت الأرض البسيطة
~~شفافة لكان يجب أن نرى في شيء من أجزاء الأرض مما ليس متكونا تكونا
~~معدنيا شيئا فيه إشفاف ولكان حكم الأرض في ذلك حكم الماء والهواء
~~فإنهما وإن امتزجا إلا أنهما ما عدما الإشفاف بالكلية. واختلف القائلون
~~بالتلون فمنهم من قال: إن لونها هو الغبرة، ومنهم من زعم أنه السواد وزعم
~~أن الغبرة إنما تكون إذا خالطت الأجزاء الأرضية أجزاء هوائية فبسببها
~~ينكسر ويحصل الغبرة، وأما إذا اجتمعت تلك الأجزاء بحيث لا يخالطها كثير
~~هوائية اشتد السواد وذلك مثل الفحم قبل أن يترمد فإن النار لا عمل لها
~~إلا في تفريق المختلفات فهي لما حللت ما في الخشب من الهوائية واجتمعت
~~الأجزاء الأرضية من غير أن يتخللها شيء غريب ظهر لون أجزائها وهو السواد،
~~ثم إذا رمدته اختلطت بتلك الأجزاء أجزاء هوائية فلا جرم أبيضت مرة أخرى.
~~والذي صح في الخبر وقد سبق، إطلاق الغبراء على الأرض وهو محتمل لأن تكون
~~سائر طبقاتها كذلك ولأن يكون وجهها الأعلى كذلك، نعم جاء في بعض الآثار
~~أن في أسفل الأرض ترابا أبيض وما ذكر من الطبقات مما لا يصادم خبرا
~~صحيحا في ذلك، وكونها سبع طبقات بين كل طبقة وطبقة كما بين كل سماء
~~وسماء خمسمائة عام وفي كل خلق غير مسلم،

# ومن الأرض مثلهن

# [الطلاق: 12] لا يثبته كما ستعلم إن شاء الله تعالى، والخبر في ذلك غير
~~مسلم الصحة أيضا، ومثل ذلك فيما أرى ما روي عن كعب أنه قال لعمر بن
~~الخطاب رضي الله تعالى عنه: أن الله تعالى جعل مسيرة ما بين المشرق
~~والمغرب خمسمائة سنة ms04842 فمائة سنة في المشرق لا يسكنها شيء من الحيوان لا جن
~~ولا إنس ولا دابة وليس في ذلك شجرة ومائة سنة في المغرب كذلك وثلثمائة
~~سنة فيما بين المشرق والمغرب يسكنها الحيوان، وكذا ما أخرجه ابن/ حاتم عن
~~عبد الله بن عمر من أن الدنيا مسيرة خمسمائة عام أربعمائة عام خراب ومائة
~~عمران، والمقرر عند أهل الهندسة والهيئة غير هذا. فقد ذكر القدماء منهم
~~أن محيط دائرة الأرض الموازية لدائرة نصف النهار ثمانية آلاف فرسخ حاصلة
~~من ضرب فراسخ درجة واحدة وهي عندهم اثنان وعشرون فرسخا وتسعا فرسخ في
~~ثلثمائة وستين محيط الدائرة العظمى على الأرض، والمتأخرون أن ذلك ستة
~~آلاف وثمانمائة فرسخ حاصلة من ضرب فراسخ درجة وهي عندهم تسعة عشر فرسخا
~~إلا تسع فرسخ في المحيط المذكور، وعلى القولين التفاوت بين ما يقوله
~~المهندسون ومن معهم وما نسب لغيرهم ممن تقدم أمر عظيم والحق في ذلك مع
~~المهندسين.

# وزعموا أن الموضع الطبيعي للأرض هو الوسط من الفلك وأنها بطبعها تقتضي
~~أن تكون مغمورة بالماءة ساكنة في حاق الوسط منه لكن لما حصل في جانب منها
~~تلال وجبال ومواضع عالية وفي جانب آخر ضد ذلك لأسباب ستسمعها بعد إن شاء
~~الله تعالى وكان من طبع الماء أن يسيل من المواضع العالية إلى المواضع
~~العميقة لا جرم انكشف الجانب المشرف من الأرض وسال الماء إلى الجوانب
~~العميقة منها. وللكواكب في زعمهم تأثير في ذلك بحسب المسامتات التي تتبدل
~~عند حركاتها خصوصا الثوابت والأوجات والحضيضات المتغيرة في أمكنتها.
~~وحكم أصحاب الأرصاد أن طول البر المنكشف نصف دور الأرض وعرضه أحد أرباعها
~~إلى ناحية الشمال، وفي تعيين أي الربعين الشماليين منكشف تعذر أو تعسر
~~كما قال صاحب " التحفة " ، وأما ما عدا ذلك فقال الإمام: لم يقم دليل على
~~كونه مغمورا في الماء ولكن الأشبه ذلك إذ الماء أكثر من الأرض أضعافا
~~لأن كل عنصر يجب أن يكون بحيث لو استحال بكليته إلى عنصر آخر كان مثله،
~~والماء يصغر حجمه عند الاستحالة أرضا ms04843 ومع ذلك لو كان في بعض المواضع في
~~الأرباع الثلاثة عمارة قليلة لا يعتد بها، وأما تحت القطبين فلا يمكن أن
~~يكون عمارة لاشتداد البرد. وإنما حكموا بأن المعمور الربع لأنهم لم يجدوا
~~في إرصاد الحوادث الفلكية كالخسوفات وقرانات الكواكب التي لا اختلاف منظر
~~لها تقدما في ساعات الواغلين في المشرق لتلك الحوادث على ساعات الواغلين
~~في المغرب زائدا على اثنتي عشرة ساعة مستوية وهي نصف الدور لأن كل ساعة
~~خمسة عشر جزءا من أجزاء معدل النهار تقريبا وضرب خمسة عشر في اثني عشر
~~مائة وثمانون. ونحن نقول بوجود الخراب وأنه أكثر من المعمور بكثير وأكثر
~~المعمور شمالي ولا يوجد في الجنوب منه إلا مقدار يسير، لكنا نقول: ما
~~زعموه سببا للانكشاف غير مسلم ونسند كون الأرض بحيث وجدت صالحة لسكنى
~~الحيوانات وخروج النبات إلى قدرته تعالى واختياره سبحانه وإلا فمن أنصف
~~علم أن لا سبيل للعقل إلى معرفة سبب ذلك على التحقيق وقال: إنه تعالى فعل
~~ذلك في الأرض لمجرد مشيئته الموافقة للحكمة.

# { وجعل فيها رواسى } أي جبالا ثوابت في أحيازها من الرسو وهو
~~ثبات الأجسام الثقيلة ولم يذكر الموصوف لإغناء غلبة الوصف بها عن ذلك،
~~وفواعل يكون جمع فاعل إذا كان صفة مؤنث كحائض أو صفة ما لا يعقل مذكر
~~كجمل بازل وبوازل أو اسما جامدا أو ما جرى مجراه كحائط وحوائط وانحصار
~~مجيئه جميعا لذلك في فوارس وهوالك ونواكس إنما هو في صفات العقلاء لا
~~مطلقا، والجمع هنا في صفة ما لا يعقل، قيل: فلا حاجة إلى جعل المفرد هنا
~~راسية صفة لجمع القلة أعني أجبلا ويعتبر في جمع الكثرة أعني جبالا
~~انتظامه لطائفة من جموع القلة وينزل كل منها منزلة مفرده كما قيل، على
~~أنه لا مجال لذلك لأن جمعية كل من صيغتي الجمعين إنما هي/ لشمول الأفراد
~~لا باعتبار شمول جمع القلة للأفراد وجمع الكثرة لجموع القلة فكل منهما
~~جمع جبل لا أن جبالا جمع أجبل اه.

# وتعقب بأنه لعل من قال: إن الرواسي هنا ms04844 جمع راسية صفة أجبل لا يلتزم ما
~~ذكر وأنه إذا صح إطلاق أجبل راسية على جبال قطر مثلا صح إطلاق الجبال
~~على جبال جميع الأقطار من غير اعتبار جعل الجبال جمعا لجموع القلة نعم
~~لا يصح أن يكون جبال جمع أجبل لأنه يصير حينئذ جمع الجمع وهو خلاف ما صرح
~~به أهل اللغة. وجعل راسية صفة جبل لا أجبل والتاء فيه للمبالغة لا
~~للتأنيث كما في  علامة  يرد عليه أن تاء المبالغة في فاعلة غير مطرد.
~~وقال أبو حيان: إنه غلب على الجبال وصفها بالرواسي ولذا استغنوا بالصفة
~~عن الموصوف وجمع جمع الاسم كحائط وحوائط وهو مما لا حاجة إليه لما سمعت،
~~وأورد عليه أيضا أن الغلبة تكون بكثرة الاستعمال والكلام في صحته من أول
~~الأمر ففيما ذكره دور، وأجيب بأن كثرة استعمال الرواسي غير جار على موصوف
~~يكفي لمدعاه وفيه تأمل، وكذا لا حاجة إلى ما قيل: إنه جمع راسية صفة جبل
~~مؤنث باعتبار البقعة وكل ذلك ناشيء من الغفلة عما ذكره محققو علماء
~~العربية، هذا والتعبير عن الجبال بهذا العنوان لبيان تفرع قرار الأرض على
~~ثباتها، وفي «الخبر»

# " لما خلق الله تعالى الأرض جعلت تميد فخلق الله تعالى الجبال عليها
~~فاستقرت فقالت الملائكة: ربنا خلقت خلقا أعظم من الجبال؟ قال: نعم
~~الحديد، فقالوا: ربنا خلقت خلقا أعظم من الحديد؟ قال: نعم النار،
~~فقالوا: ربنا خلقت خلقا أعظم من النار؟ قال: نعم الماء فقالوا: ربنا
~~خلقت خلقا أعظم من الماء؟ قال: نعم الهواء، فقالوا: ربنا خلقت خلقا
~~أعظم من الهواء؟ قال نعم ابن آدم يتصدق الصدقة بيمينه فيخفيها عن شماله "

# وأول جبل وضع على الأرض كما أخرج ابن أبي حاتم عن عطاء أبو قبيس،
~~ومجموع ما يرى عليها من الجبال مائة وسبعة وثمانون جبلا وأبى الفلاسفة
~~كون استقرار الأرض بالجبال واختلفوا في سبب ذلك فالقائلون بالكرية منهم
~~من جعله جذب الفلك لها من جميع الجوانب فيلزم أن تقف في الوسط كما يحكى
~~عن صنم حديدي في بيت مغناطيسي الجوانب ms04845 كلها فإنه وقف في الوسط لتساوي
~~الجذب من كل جانب.

# ورد بأن الأصغر أسرع انجذابا إلى الجاذب من الأكبر فما بال المدرة لا
~~تنجذب إلى الفلك بل تهرب عنه إلى المركز، وأيضا إن الأقرب أولى
~~بالانجذاب من الأبعد فالمدرة المقذوفة إلى فوق أولى بالانجذاب على أصلهم
~~فكان يجب أن لا تعود، ومنهم من جعله دفع الفلك بحركته لها من كل الجوانب
~~كما إذا جعل شيء من التراب في قارورة كرية ثم أديرت على قطبيها إدارة
~~سريعة فإنه يعرض وقوف التراب في وسطها لتساوي الدفع من كل جانب ورد بأن
~~الدفع إذا كانت قوته هذه القوة فما باله لا يحس به، وأيضا ما بال هذا
~~الدفع لا يجعل حركة الرياح والسحب إلى جهة بعينها، وأيضا ما باله لم
~~يجعل انتقالنا إلى المغرب أسهل من انتقالنا إلى المشرق، وأيضا يجب أن
~~تكون حركة الثقيل كلما كان أعظم أيضا لأن اندفاع الأعظم من الدافع أبطأ
~~من اندفاع الأصغر، وأيضا يجب أن تكون حركة الثقيل النازل ابتداء أسرع من
~~حركته انتهاء لأنه عند الابتداء أقرب إلى الفلك، وغير القائلين بها منهم
~~من جعلها غير متناهية من جانب السفل وسبب سكونها عندهم أنها لم يكن لها
~~مهبط تنزل فيه، ويرد دليل تناهي الأجسام، ومنهم من قال بتناهيها وجعل
~~السبب طفوها على الماء إما مع كون محدبها فوق ومسطحها أسفل وأما مع
~~العكس، ورد بأن مجرد الطفو لا يقتضي السكون على أن فيه عند الفلاسفة بعد
~~ما فيه، وذهب/ محققوهم إلى أن سكونها لذاتها لا لسبب منفصل، قال في "
~~المباحث المشرقية ": والوجه المشترك في إبطال ما قالوا في سبب السكون أن
~~يقال: جميع ما ذكرتموه من الجذب والدفع وغيرهما أمور عارضة وغير طبيعية
~~ولا لازمة للماهية فيصح فرض ماهية الأرض عارية عنها فإذا قدرنا وقوع هذا
~~الممكن فأما أن تحصل في حيز معين أو لا تحصل فيه وحينئذ إما أن تحصل في
~~كل الأحياز أو لا تحصل في شيء منها والأخيران ظاهرا الفساد فتعين الأول
~~وهو ms04846 أن تختص بحيز معين ويكون ذلك لطبعها المخصوص ويكون حينئذ سكونها في
~~الحيز لذاتها لا لسبب منفصل، وإذا عقل ذلك فليعقل في اختصاصها بالمركز
~~أيضا، ثم ذكر في تكون الجبال مباحث. الأول: الحجر الكبير إنما يتكون لأن
~~حرا عظيما يصادف طينا لزجا إما دفعة أو على سبيل التدريج. وأما
~~الارتفاع فله سبب بالذات وسبب بالعرض، أما الأول: فكما إذا نقلت الريح
~~الفاعلة للزلزلة طائفة من الأرض وجعلتها تلا من التلال، وأما الثاني:
~~فأن يكون الطين بعد تحجره مختلف الأجزاء في الرخاوة والصلابة وتتفق مياه
~~قوية الجري أو رياح عظيمة الهبوب فتحفر الأجزاء الرخوة وتبقى الصلبة ثم
~~لا تزال السيول والرياح تؤثر في تلك الحفر إلى أن تغور غورا شديدا
~~ويبقى ما تنحرف عنه شاهقا، والأشبه أن هذه المعمورة قد كانت في سالف
~~الدهر مغمورة في البحار فحصل هناك الطين اللزج الكثير ثم حصل بعد
~~الانكشاف وتكونت الجبال، ومما يؤيد هذا الظن في كثير من الأحجار إذا
~~كسرناها أجزاء الحيوانات المائية كالأصداف ثم لما حصلت الجبال وانتقلت
~~البحار حصل الشهوق إما لأن السيول حفرت ما بين الجبال وإما لأن ما كان من
~~هذه المنكشفات أقوى تحجرا وأصلب طينة إذا انهد ما دونه بقي أرفع وأعلى،
~~إلا أن هذه أمور لا تتم في مدة تفي التواريخ بضبطها.

# والثاني: سبب عروق الطين في الجبال يحتمل أن يكون من جهة ما تفتت منها
~~وتترب وسالت عليه المياه ورطبته أو خلطت به طينها الجيد، وأن يكون من جهة
~~أن القديم من طين البحر غير متفق الجوهر منه ما يقوي تحجره ومنه ما يضعف؛
~~وأن يكون من جهة أنه يعرض للبحر أن يفيض قليلا قليلا على سهل وجبل
~~فيعرض للسهل أن يصير طينا لزجا مستعدا للتحجر القوي وللجبل أن يتفتت
~~كما إذا نقعت آجرة وترابا في الماء ثم عرضت الآجرة والطين على النار
~~فإنه حينئذ تتفتت الآجرة ويبقى الطين متحجرا. والثالث: قد نرى بعض
~~الجبال منضودا ساقا فساقا فيشبه أن يكون ذلك لأن طينته قد ترتبت ms04847 هكذا
~~بأن كان ساق قد ارتكم أولا ثم حدث بعده في مدة أخرى ساق آخر فارتكم وكان
~~قد سال على كل ساق من خلاف جوهره فصار حائلا بينه وبين الساق الآخر فلما
~~تحجرت المادة عرض للحائل أن أنتثر عما بين الساقين.

# هذا وتعقب ما ذكروه في سبب التكون بأنه لا يخفى أن اختصاص بعض من أجزاء
~~الأرض بالصلابة وبعض آخر منها بالرخاوة مع استواء نسبة تلك الأجزاء كلها
~~إلى الفلكيات التي زعموا أنها المعدات لها قطعا للمجاورة والملاصقة
~~الحاصلة بين الأجزاء الرخوة والصلبة يستدعي سببا مخصصا وعند هذا
~~الاستدعاء يقف العقل ويحيل ذلك الاختصاص على سبب من خارج هو الفاعل
~~المختار جل شأنه فليت شعري لم لم يفعل ذلك أولا حذفا/ للمؤنة. نعم لا
~~يبعد أن يكون ذلك من أسباب تكونها بإرادة الله تعالى عند من يقول من
~~المليين وغيرهم بالوسائط لا عند الأشاعرة إذ الكل عندهم مستند إليه
~~سبحانه ابتداء فلا يتصور واسطة حقيقة على رأيهم وما ذكر من الأسباب أمور
~~لا تفيد إلا ظنا ضعيفا. وحديث رؤية أجزاء الحيوانات المائية كالأصداف
~~كذلك أيضا فإنا كثيرا ما نرى ذلك في مواضع المطر. وقد أخبرني من أثق به
~~أنه شاهد ضفادع وقعت مع المطر، على أن ذلك لا يتم على تقدير أن يكون
~~المكشوف من الأرض قد انكشف في مبدأ الفطرة ولم يكن مغمورا بالماء ثم
~~انكشف، وهو مما ذهب إليه بعض محققي الفلاسفة أيضا.

# واعترضوا على القائلين بأن الانكشاف قد حصل بعد بأن أقوى أدلته أن حضيض
~~الشمس في جانب الجنوب فقرب الشمس إلى الأرض هناك أكثر من جانب الشمال
~~بقدر ثخن المتمم من ممثلها فتشتد بذلك الحرارة هناك فانجذب الماء من
~~الشمال إلى الجنوب لأن الحرارة جذابة للرطوبة فلذا انكشف الربع الشمالي
~~فإذا انتقل الحضيض إلى جانب الشمال انعكس الأمر. ويرد عليه أنه لوكان
~~كذلك لكان الربع الشمالي الآخر أيضا مكشوفا إذ لا فرق بين الربعين في
~~ذلك وفي التزام ذلك بعد على أنه لم يلتزمه أحد.

# ثم ms04848 إن وجود الجبال في المغمور وجودها في المعمور يستدعي أنه كان معمورا
~~وأن الحضيض كان في غير جهته اليوم وهو قول بأن البر لا يزال يكون بحرا
~~والبحر لا يزال يكون برا بتبدل جهتي الأوج والحضيض فيكون المنكشف تارة
~~جانب الشمال وأخرى جانب الجنوب وحيث إن ذلك إنما يكون على سبيل التدريج
~~يقتضي أن نشاهد اليوم شيئا من جانب الجنوب منكشفا ومن جانب الشمال
~~مغمورا ولا نظن وجود ذلك ولو كان لاشتهر، فإن أوج الشمس اليوم في عاشرة
~~السرطان وحركته في كل سنة دقيقة تقريبا فيكون من الوقت الذي انتقل فيه
~~من الجانب الشمالي إلى اليوم آلاف عديدة من السنين يغمر فيها كثير ويعمر
~~كثير. نعم يحكى أن جزيرة قبرس كانت متصلة بالبر ثم حال البحر بينهما لكنه
~~على تقدير ثبوته ليس مما نحن فيه ولا نسلم أن يكي دنيا مما حدث انكشافها
~~لجواز أن تكون منكشفة من قبل، فالحق أن هذا البر بعد أن وجد لم يصر بحرا
~~وهذا البحر المحيط بعد أن أحاط لم يصر برا وهو الذي تقتضيه الأخبار
~~الإلهية والآثار النبوية. نعم جاء في بعض الآثار ما ظاهره أن الأرض
~~المسكونة كانت مكشوفة في مبدأ الفطرة كأثر الياقوتة، وفي بعض آخر منها ما
~~ظاهره أنها كانت مغمورة كخبر ابن عباس أن الله تعالى لما أراد أن يخلق
~~الخلق أمر الريح فأبدت عن حشفة ومنها دحيت الأرض ما شاء الله تعالى في
~~الطول والعرض فجعلت تميد فجعل عليها الجبال الرواسي، وفي التوراة ما هو
~~نص في ذلك ففي أول سفر الخليقة منها أول ما خلق الله تعالى السماء والأرض
~~وكانت الأرض غامرة مستبحرة وكان هناك ظلام وكانت رياح الإله تهب على وجه
~~الماء فشاء الله تعالى أن يكون نور فكان ثم ذكر فيه أنه لما مضى يوم ثان
~~شاء الله تعالى أن يجتمع الماء من تحت السماء إلى موضع واحد ويظهر اليبس
~~فكان كذلك وسمى الله سبحانه اليبس أرضا ومجتمع الماء بحارا، وفيه أيضا
~~أن خلق النيرين ms04849 كان في اليوم الثالث، وهو آب عن جعل سبب الانكشاف ما سمعت
~~عن قرب من قرب الشمس، وما أشارت إليه هذه الآية ونطق به غيرها من الآيات
~~من كون الجبال سببا لاستقرار الأرض وأنها لولاها لمادت أمر لا يقوم على
~~أصولنا دليل يأباه فنؤمن به وإن لم نعلم ما وجه ذلك على التحقيق، ويحتمل
~~أن يكون وجهه أن الله تعالى خلق الأرض حسبما اقتضته حكمته صغيرة بالنسبة
~~إلى سائر الكرات وجعل لها مقدارا من الثقل معينا ووضعها في المكان الذي
~~وضعها فيه من/ الماء وأظهر منها ما أظهر وليس ذلك إلا بسبب مشيئته تعالى
~~التابعة لحكمته سبحانه لا لأمر اقتضاه ذاتها فجعلت تميد لاضطراب أمواج
~~البحر المحيط بها فوضع عليها من الجبال ما ثقلت به بحيث لم يبق للأمواج
~~سلطان عليها وهذا كما يشاهد في السفن حيث يضعون فيها ما يثقلها من أحجار
~~وغيرها لنحو ذلك، وكون نسبة ارتفاع أعظم الجبال إليها النسبة السابقة لا
~~يضرنا في هذا المقام لأن الحجم أمر والثقل أمر آخر فقد يكون ذو الحجم
~~الصغير أثقل من ذي الحجم الكبير بكثير، لا يقال: إن خلقها ابتداء بحيث لا
~~تزحزحها الأمواج كان ممكنا فلم لم يفعله سبحانه وتعالى بل خلقها بحيث
~~تحركها الأمواج ثم وضع عليها الجبال لدفع ذلك؟ لأنا نقول إنما فعل سبحانه
~~هكذا لما فيه من الحكم التي هو جل شأنه بها أعلم، وهذا السؤال نظير أن
~~يقال: إن خلق الإنسان ابتداء بحيث لا يؤثر فيه الجوع والعطش مثلا شيئا
~~كان ممكنا فلم لم يفعله تعالى بل خلقه بحيث يؤثران فيه ثم خلق له ما
~~يدفع به ذلك ليدفعه به وله نظائر بعد كثيرة، وليس ذلك إلا ناشئا عن
~~الغفلة عما يترتب على ما صدر منه تعالى من الحكم، ولعل الحكمة فيما نحن
~~فيه إظهار مزيد عظمته جلت عظمته للملائكة عليهم السلام فإن ذلك مما يوقظ
~~جفن الاستعظام ألا تراهم كيف قالوا حين رأوا ما رأوا ربنا خلقت خلقا
~~أعظم من الجبال الخ.

# ويقال ms04850 لمن لم يؤمن بهذا بين أنت لنا حكمة تقدم بعض الأشياء على بعض في
~~الخلق كيفما كان التقدم وكذا حكمة خلق الإنسان ونحوه محتاجا وخلق ما
~~يزيل احتياجه دون خلقه ابتداء على وجه لا يحتاج معه إلى شيء، فإن بين
~~شيئا قلنا بمثله فيما نحن فيه، ثم إنا نقول: ليس حكمة خلق الجبال منحصرة
~~في كونها أوتادا للأرض وسببا لاستقرارها بل هناك حكم كثيرة لا يعلمها
~~إلا الله تعالى.

# وقد ذكر الفلاسفة للجبال منافع كثيرة قالوا: إن مادة السحب والعيون
~~والمعدنيات هي البخار فلا تتكون إلا في الجبال أو فيما يقرب منها.

# أما العيون فلأن الأرض إذا كانت رخوة نشفت الأبخرة عنها فلا يجتمع منها
~~قدر يعتد به فإذن لا تجتمع إلا في الأرض الصلبة والجبال أصلب الأرضين فلا
~~جرم كانت أقواها على حبس البخار حتى يجتمع ما يصلح أن يكون مادة للعيون،
~~ويشبه أن يكون مستقر الجبل مملوءا ماء ويكون الجبل في حقنه الأبخرة مثل
~~الأنبيق الصلب المعد للتقطير لا يدع شيئا من البخار يتحلل وقعر الأرض
~~التي تحته كالقرع والعيون كالأذناب التي في الأنابيق والأودية والبخار
~~كالقوابل، ولذلك أكثر العيون إنما تنفجر من الجبال وأقلها في البراري وهو
~~مع هذا لا يكون إلا إذا كانت الأرض صلبة، وأما إن أكثر السحب تكون في
~~الجبال فلوجوه. أحدها: أن في باطن الجبال من النداوات ما لا يكون في باطن
~~الأرضين الرخوة، وثانيها: أن الجبال بسبب ارتفاعها أبرد فلا جرم يبقى على
~~ظاهرها من الانداء والثلوج ما لا يبقى على ظاهر الأرضين، وثالثها: إن
~~الأبخرة الصاعدة تكون في الجبال، وإذا ثبت ذلك ظهر أن أسباب تراكم السحب
~~في الجبال أكثر لأن المادة فيها ظاهرا وباطنا أكثر والاحتقان أشد
~~والسبب المحلل وهو الحر أقل، وأما المعدنيات المحتاجة إلى أبخرة فيكون
~~اختلاطها بالأرضية أكثر وإقامتها في مواضع لا تتفرق فيها أطول ولا شيء في
~~هذا المعنى كالجبال، ومن تأمل علم أن للجبال منافع غير ذلك لا تحصى فلا
~~يضر أن بعضا من الناس ms04851 من وراء المنع لبعض ما ذكر وسمعت من بعض العصريين
~~أن من جملة منافعها كونها سببا لانكشاف هذا المقدار المشاهد من الأرض/
~~وذلك لاحتباس الأبخرة الطالبة لجهة العلو فيها، وهو يقتضي أن الأرض قبلها
~~كانت مغمورة وهو خلاف ما يقتضيه ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام:

# " لما خلق الله تعالى الأرض فجعلت تميد فوضع عليها الجبال فاستقرت "

# على أنه يتراءى المنافاة بين جعلها أوتادا المصرح به في الآيات وكونها
~~جاذبة للأرض إلى جهة العلو ولا يرد على ما ذكر في توجيه كونها سببا
~~لاستقرار الأرض أن كونها فيها كشرع في سفينة ينافيه إذ يقتضي ذلك أن
~~تتحرك الأرض إلى خلاف جهة مهب الهواء لأنا من وراء منع حدوث الهواء على
~~وجه يحركها بسببه كذلك. وهذا كله إذا حكمنا العقل في البين وتقيدنا
~~بالعاديات، وأما إذا أسندنا كل ذلك إلى قدرة الفاعل المختار جل شأنه
~~وقلنا: إنه سبحانه خلق الأرض مائدة وجعل عليها الجبال وحفظها عن الميد
~~لحكم علمها تحار فيها الأفكار ولا يحيط بها إلا من أوتي علما لدنيا من
~~ذوي الأبصار ارتفعت عنا جميع المؤمن وزالت سائر المحن ولا يلزمنا على هذا
~~أيضا القول بأن الأرض وسط العالم كما هو رأي أكثر الفلاسفة المتقدمين
~~والمتأخرين.

# ولم يخالف من الأولين إلا شرذمة زعموا أن كرة النار في الوسط لأنها أشرف
~~من الأرض لكونها مضيئة لطيفة حسنة اللون وكون الأرض كثيفة مظلمة قبيحة
~~اللون وحيز الاشرف يجب أن يكون اشرف الأحياز وهو الوسط فإذن هي في الوسط
~~وهذا من الإقناعات الضعيفة، ومع ذلك يرد عليه أنا لا تسلم شرافة النار
~~على الأرض مطلقا فانها إن ترجحت عليها باللطافة وما معها فالأرض راجحة
~~بأمور. أحدها أن النار مفرطة الكيفية مفسدة والأرض ليست كذلك، وثانيها
~~أنها لا تبقى في المكان الغريب مثل ما تبقى الأرض. وثالثها أن الأرض حيز
~~الحياة والنشوء والنار ليست كذلك، وما ذكر من استحسان الحس البصري للنار
~~يعارضه استحسان الحس اللمسي للأرض بالنسبة إليها، على أنا لو سلمنا
~~الاشرفية فهي ms04852 لا تقتضي إلا الوسط الشرقي لا المقداري إذ لا شرف له وذلك
~~ليس هو إلا حيزها الذي يزعمه جمهور المتقدمين لها لأنه متوسط بين الأجرام
~~العنصرية والأجرام الفلكية، ولم يخالف من الآخرين إلا شر ذمة قليلة هم
~~هرشل وأصحابه زعموا أن الشمس ساكنة في وسط العالم وكل ما عداها يتحرك
~~عليها لأنها جرم عظيم جدا وكل الأجرام دونها لا سيما الأرض فإنها
~~بالنسبة إليها كلا شيء، والحكمة تقتضي سكون الأكبر وتحرك الأصغر، وهذا
~~أيضا من الإقناعات الضعيفة ومع ذلك يرد عليه أن سكون الأصغر لا سيما بين
~~أمواج ورياح وحركة الأكبر لا سيما مثل الحركة التي يثبتها الجمهور للشمس
~~أبلغ في القدرة، وتعليلهم ذلك أيضا بأنا لا نرى للشمس ميلا عما يقال له
~~منطقة البروج فيقتضي أن تكون ساكنة بخلاف غيرها لا يخفى ما فيه، والذي
~~يميل إليه كثير من الناس أن تحت الأرض ماء وانها فيه كبطيخة خضراء في
~~حوض. وجاء في بعض الأخبار أن الأرض على متن ثور والثور على ظهر حوت
~~والحوت في الماء ولا يعلم ما تحت الماء إلا الذي خلقه. وذكر غير واحد أن
~~زيادة كبد ذلك الحوت هو الذي يكون أول طعام أهل الجنة فحملوا الحوت فيما
~~صح من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " أول شيء يأكله أهل الجنة زائدة كبد الحوت "

# على ذلك الحوت وبينوا حكمة ذلك الأكل بأنه اشارة إلى خراب الدنيا وبشارة
~~بفساد أساسها وأمن العود إليها حيث إن الأرض التي كانوا يسكنونها كانت
~~مستقرة عليه، وخص الأكل بالزائدة لما بينه الأطباء من أن العلة إذا وقعت
~~في الكبد دون الزائدة رجي برؤه فإن وقعت في الزائدة هلك العليل فأكلهم من
~~ذلك أدخل في البشرى. ومنع بعضهم صحة الأخبار الدالة على أنها ليست على
~~الماء بلا واسطة لا سيما الخبر الطويل الذي/ ذكره البغوي في سورة (ن) ولم
~~ينكر صحة الخبر في أن أول شيء يأكله أهل الجنة زائدة كبد الحوت إلا أنه
~~قال: المراد بالحوت فيه حوت ما بدليل ما ms04853 رواه سلطان المحدثين البخاري

# " أول ما يأكله أهل الجنة زيادة كبد حوت يأكل منه سبعون ألفا "

# بتنكير لفظ حوت، ونظير ذلك في " صحيح مسلم " حيث ذكر فيه أنه

# " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفأها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم
~~خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة وأن إدامهم ثور ونون يأكل من زائدة
~~كبدهما سبعون ألفا "

# ، وذكر حال الأرض فيه لا يعين مراد الخصم فإنه يجوز أن يكون الجمع بين
~~ذلك للإشارة إلى خراب الدنيا وانقطاع أمر الاستعداد للمعاش وانصرام
~~الحياة العنصرية المائية أما الإشارة إلى الأول فظاهر، وأما إلى الثاني
~~فبالاستيلاء على الثور وأكل زائدة كبده فإنه عمدة عدة الحارث المهتم لأمر
~~معاشه وفي الخبر

# " كلكم حارث وكلكم همام "

# وأما الإشارة إلى الثالث فبالاستيلاء على الحوت وأكل زائدة كبده أيضا
~~فإنه حيوان عنصري مائي لا يمكن أن يحيا سويعة إذا فارق الماء، وبهذا يظهر
~~المناسبة التامة بين ما اشتمل عليه الخبر، ولا يبعد أن يكون ظهور الحياة
~~الدنيوية بصورة الحوت وما يحتاج إليه فيها من أسباب الحراثة الضرورية في
~~أمر المعاش بصورة الثور وكل الصيد في جوف الفرا، ويكون ذلك من قبيل ظهور
~~الموت في صورة الكبش الأملح في ذلك اليوم، وقال بعض العارفين في سر تخصيص
~~الكبد: إنه بيت الدم وهو بيت الحياة ومنه تقع قسمتها في البدن إلى القلب
~~وغيره، وبخار ذلك الدم هو النفس المعبر عنه بالروح الحيواني ففي كونه
~~طعاما لأهل الجنة بشارة بأنهم أحياء لا يموتون. وذكر أنه يستخرج من
~~الثور الطحال وهو في الحيوان بمنزلة الأوساخ في البدن فإنه يجتمع فيه
~~أوساخ البدن مما يعطيه البدن من الدم الفاسد فيعطي لأهل النار يأكلونه،
~~وكان ذلك من الثور لأنه بارد يابس كطبع الموت، وجهنم على صورة جاموس
~~والغذاء لأهل النار من طحاله أشد مناسبة منه فلما فيه من الدمية لا يموت
~~أهل النار ولما أنه من أوساخ البدن ومن الدم الفاسد المؤلم لا يحيون ولا
~~ينعمون فما يزيدهم أكله إلا مرضا وسقما.

# ونقل عن ms04854 الغزالي والعهدة على الناقل أنه صلى الله عليه وسلم سئل تارة ما
~~تحت الأرض؟ فقال: الحوت وسئل أخرى فقال: الثور، وعنى عليه الصلاة والسلام
~~بذلك البرجين الذين هما من البروج الإثني عشر المعلومة وقد كان كل منهما
~~وتد الأرض وقت السؤال ولو كان الوتد إذ ذاك العقرب مثلا لقال عليه
~~الصلاة والسلام العقرب تحت الأرض. وأنت تعلم أن ذلك بمعزل عن مقاصد
~~الشارع صلى الله عليه وسلم، ولا يتم على ما وقفت عليه من أن الأرض على
~~متن الثور والثور على ظهر الحوت والحوت على الماء، والقول بأن المراد أن
~~الأرض فوق الثور باعتبار أنه وتدها حين الإخبار؛ والثور فوق الحوت
~~باعتبار أنه من البروج الشمالية والحوت من البروج الجنوبية والبروج
~~الشمالية في غالب المعمورة تعد فوق البروج الجنوبية والحوت فوق الماء
~~باعتبار أنه ليس بينه وبينه حائل يرى لا يقدم عليه إلا ثور أو حمار.

# وبعضهم يؤول خبر الترتيب بأن المراد منه الإشارة إلى أن عمارة الأرض
~~موقوفة على الحراثة وهي موقوفة على السعي والإضطراب وذلك الثور من مبادىء
~~الحراثة والحوت لا يكاد يسكن عن الحركة في الماء وهو كما ترى، والذي
~~ينبغي أن يعول عليه الإيمان بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
~~صح فليس وراءه عليه الصلاة والسلام حكيم، والترتيب الذي يذكره الفلاسفة
~~لم يأتوا له ببرهان مبين وليس عندهم فيه سوى ما يفيد الظن، وحينئذ فيمكن
~~القول/ بترتيب آخر. نعم لا ينبغي القول بترتيب يكذبه الحس ويأباه العقل
~~الصريح وإن جاء مثل ذلك عن الشارع وجب تأويله كما لا يخفى وذكر بعض
~~الفضلاء أنه لم يجيء في ترتيب الأجرام العلوية والسفلية وشرح أحوالها
~~كما فعل الفلاسفة عن الشارع صلى الله عليه وسلم لما أن ذلك ليس من
~~المسائل المهمة في نظره عليه الصلاة والسلام، وليس المهم إلا التفكر فيها
~~والاستدلال بها على وحدة الصانع وكماله جل شأنه وهو حاصل بما يحس منها،
~~فسبحان من رفع السماء بغير عمد ومد الأرض وجعل فيها رواسي. ms04855

# { وأنهرا } جمع نهر وهو مجرى الماء الفائض وتجمع أيضا على نهر
~~ونهور وأنهر وتطلق على المياه السائلة على الأرض؛ وضمها إلى الجبال وعلق
~~بهما فعلا واحدا من حيث أن الجبال سبب لتكونها على ما قيل. وتعقب بأنه
~~مبني على ما ذهب إليه بعض الفلاسفة من أن الجبال لتركبها من أحجار صلبة
~~إذا تصاعدت إليها الأبخرة احتبست فيها وتكاملت فتنقلب مياها وربما
~~خرقتها فخرجت، وذكر أن الذي تدل عليه الآثار أنها تنزل من السماء لكن لما
~~كان نزولها عليها أكثر كانت كثيرا ما تخرج الأنهار منها، ويكفي هذا
~~لتشريكهما في عامل واحد وجعلهما جملة واحدة، وكأنهم عنوا بالنزول من
~~السماء على الجبال نزول ماء المطر من السماء التي هي أحد الأجرام
~~العلوية عليها، والأكثرون أن النزول من السحاب، والمراد من السماء جهة
~~العلو وهو الذي تحكم به المشاهدة، وقد أسلفنا لك ما يتعلق بذلك أول
~~الكتاب فتذكر.

# والأنهار التي جعلها الله تعالى في الأرض كثيرة، وذكر بعضهم أنها مائة
~~وستة وتسعون نهرا وقيل: هي أكثر من ذلك، وجاء في أربعة منها أنها من
~~الجنة، ففي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم

# " سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة "

# والأولان بالألف بعد الحاء وهما نهران في أرض الأرمن فجيحان نهر المصيصة
~~وسيحان نهر أدنه، وقول الجوهري في " صحاحه " جيحان نهر بالشام غلط أو أنه
~~أراد المجاز من حيث أنه ببلاد الأرمن وهي مجاورة للشام، وهما غير سيحون
~~وجيحون بالواو فإن سيحون نهر الهند وهو يجري من جبال بأقاصيها مما يلي
~~العين إلى أن ينصب في البحر الحبشي مما يلي ساحل الهند، ومقدار جريه
~~أربعمائة فرسخ، وجيحون نهر بلخ يجري من أعين إلى أن يأتي خوارزم فيتفرق
~~بعضه في أماكن ويمضي باقيه إلى البحيرة التي عليها القرية المعروفة
~~بالجرجانية أسفل خوارزم يجري منه إليها السفن طولها مسيرة شهر وعرضها نحو
~~ذلك، وأما قول القاضي عياض هذه الأنهار الأربعة أكبر أنهار بلاد الإسلام
~~فالنيل بمصر والفرات ms04856 بالعراق وسيحان وجيحان ويقال سيحون وجيحون ببلاد
~~خراسان فقد قال النووي: ((إن فيه إنكارا من أوجه. أحدها قوله: الفرات
~~بالعراق وليست بالعراق وإنما هي فاصلة بين الشام والجزيرة. الثاني قوله:
~~سيحان وجيحان ويقال سيحون وجيحون فجعل الأسماء مترادفة وليس كذلك بل
~~سيحان غير سيحون وجيحان غير جيحون باتفاق الناس. والثالث قوله: ببلاد
~~خراسان إنما سيحان وجيحان ببلاد الأرمن بقرب الشام)) انتهى.

# وقد يجاب عن الأول بنحو ما أجيب به عن الجوهري، ولا يخفى أنه بعد زعم
~~الترادف يصح الحكم بأنهما ببلاد خراسان كما يصح الحكم بأنهما ببلاد
~~الأرمن، وفي كون هذه الأنهار من الجنة تأويلان، الأول أن المراد تشبيه
~~مياهها/ بمياه الجنة والإخبار بامتيازها على ما عداها ومثله كثير في
~~الكلام. والثاني ما ذكره القاضي عياض أن الإيمان عم بلادها وأن الأجسام
~~المتغذية منها صائرة إلى الجنة وهذا ليس بشيء، ولو رد إلى اعتبار التشبيه
~~أي أنها مثل أنهار الجنة في أن المتغذين من مائها المؤمنون لكان أوجه،
~~وقال النووي: الأصح أن الكلام على ظاهره وأن لها مادة من الجنة وهي
~~موجودة اليوم عند أهل السنة.

# ويأبى التأويل الأول ما في " صحيح مسلم " أيضا من حديث الإسراء

# " وحدث نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى أربعة أنهار يخرج من
~~أصلها نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت: يا جبريل ما هذه الأنهار؟ فقال:
~~أما النهران الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالفرات والنيل "

# ، وضمير أصلها لسدرة المنتهى كما جاء مبينا في " صحيح البخاري " وغيره.
~~والقاضي عياض قال هنا: إن هذا الحديث يدل على أن أصل سدرة المنتهى في
~~الأرض لخروج النيل والفرات من أصلها. وتعقبه النووي بأن ذلك ليس بلازم بل
~~معناه أن الأنهار تخرج من أصلها ثم تسير حيث أراد الله تعالى حتى تخرج من
~~الأرض وتسير فيها، هذا لا يمنعه عقل ولا شرع وهو ظاهر الحديث فوجب المصير
~~إليه، قيل: ولعل الله تعالى يوصل مياه هاتيك الأنهار بقدرته الباهرة إلى
~~محالها التي يشاهد خروجها منها من حيث لا يراها ms04857 أحد وما ذلك على الله
~~بعزيز، والظاهر أن المراد أصل مياهها الخارجة من محالها لا هي وما ينضم
~~إليها من السيول وغيرها، وكأني أرى بعض الناس ليسنى يلتزم ذلك في جميع ما
~~يجري في هاتيك الأنهار، وبعضهم أيضا يجعل الأخبار في هذا الشأن إشارات
~~إلى أمور أنفسية فقط وليس مما ترتضيه الأنفس المرضية.

# نعم أنا لا أمنع التأويل مع بقاء الأمر آفاقيا وليس عدم اعتقاد الظاهر
~~مما يخل بالدين كما لا يخفى على من لا تعصب عنده.

# وللأخباريين في هذه الأنهار كلام طويل تمجه أسماع ذوي الألباب ولا يجري
~~في أنهار قلوبهم ولا أراه يصلح إلا للالقاء في البحر. وجاء في بعض
~~الأخبار مرفوعا

# " نهران مؤمنان ونهران كافران أما المؤمنان فالنيل والفرات وأما
~~الكافران فدجلة وجيحون "

# وحمل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم شبه النهرين الأولين لنفعهما
~~بسهولة بالمؤمن والنهرين الأخيرين بالكافر لعدم نفعهما كذلك أنهما إنما
~~يخرج في الأكثر ماؤهما بآلة ومشقة وإلا فوصف ذلك بالإيمان والكفر على
~~الحقيقة غير ظاهر، ثم إن أفضل الأنهار كما قال غير واحد النيل وباقيها
~~على السواء. وزاد بعضهم في عداد ما هو من الجنة دجلة وروى في ذلك خبرا
~~عن مقاتل عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وليس مما يعول عليه،
~~والله تعالى أعلم.

# { ومن كل الثمرات } متعلق  بجعل  في قوله تعالى: { جعل
~~فيها زوجين اثنين } أي اثنينية حقيقية وهما الفردان اللذان كل
~~منهما زوج الآخر وأكد به الزوجين لئلا يفهم ان المراد بذلك الشفعان إذ
~~يطلق الزوج على المجموع لكن اثنينية ذلك اعتبارية أي جعل من كل نوع من
~~أنواع الثمرات الموجودة في الدنيا ضربين وصنفين إما في اللون كالأبيض
~~والأسود أو في الطعم كالحلو والحامض أو في القدر كالصغير والكبير أو في
~~الكيفية كالحار والبارد وما أشبه ذلك. وقيل: المعنى خلق في الأرض من جميع
~~أنواع الثمرات زوجين زوجين حين مدها ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوعت، وتعقب أنه
~~دعوى بلا دليل مع أن الظاهر خلافه فإن ms04858 النوع الناطق المحتاج إلى زوجين
~~خلق ذكره/ أولا فكيف في الثمرات وتكون واحد من كل أولا كاف في التكون
~~والوجه ما ذكر أولا، وجوز أن يتعلق الجار  بجعل  الأول ويكون الثاني
~~استئنافا لبيان كيفية الجعل. وزعم بعضهم أن المراد بالزوجين على تقدير
~~تعلق الجار بجعل السابق الشمس والقمر، وقيل: الليل والنهار وكلا القولين
~~ليس بشيء.

# { يغشي الليل النهار } أي يلبسه مكانه فيصير الجو مظلما
~~بعدما كان مضيئا، ففيه إسناد ما لمكان الشيء إليه، وفي جعل الجو مكانا
~~للنهار تجوز لأن الزمان لا مكان له والمكان إنما هو للضوء الذي هو لازمه،
~~وجوز في الآية استعارة كقوله تعالى:

# يكور اليل على النهار

# [الزمر: 5] بجعله مغشيا للنهار ملفوفا عليه كاللباس على الملبوس، قيل:
~~والأول أوجه وأبلغ، واكتفى بذكر تغشية الليل النهار مع تحقق عكسه للعلم
~~به منه مع أن اللفظ يحتملهما إلا أن التغشية بمعنى الستر وهي أنسب بالليل
~~من النهار، وعد هذا في تضاعيف الآيات السفلية وإن كان تعلقه بالآيات
~~العلوية ظاهرا باعتبار ظهوره في الأرض. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر {
~~يغشي } بالتشديد وقد تقدم تمام الكلام في ذلك.

# { إن فى ذلك } أي فيما ذكر من مد الأرض وجعل الرواسي عليها
~~وإجراء الأنهار فيها وخلق الثمرات وإغشاء الليل النهار، وفي الإشارة بذلك
~~تنبيه على عظم المشار إليه في بابه { لآيت } باهرة قيل: هي آثار تلك
~~الأفاعيل البديعة جلت حكمة صانعها - ففي - على معناها فإن تلك الآثار
~~مستقرة في تلك الأفاعيل منوطة بها، وجوز أن يشار بذلك إلى تلك الآثار
~~المدلول عليها بتلك الأفاعيل { لقوم يتفكرون } فإن التفكر
~~فيها يؤدي إلى الحكم بأن يكون كل من ذلك على هذا النمط الرائق والأسلوب
~~اللائق لا بد له من مكون قادر حكيم يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
~~((والفكرة - كما قال الراغب - قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر
~~جولان تلك القوة بحسب نظر العقل وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال: إلا
~~فيما (لا) يمكن أن يحصل له صورة في القلب، ولهذا روي تفكروا في ms04859 آلاء الله
~~تعالى ولا تتفكروا في الله تعالى إذ كان الله سبحانه منزها أن يوصف
~~بصورة. وقال بعض الأدباء: الفكر مقلوب عن الفرك لكن يستعمل الفكر في
~~المعاني وهو فرك الأمور وبحثها طلبا للوصول إلى حقيتها))، والمشهور أنه
~~ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول، وقد تقدم وجه جعل هذا مقطعا في
~~الآية. وذكر الإمام أن الأكثر في الآيات إذا ذكر فيها الدلائل الموجودة
~~في العالم السفلي أن يجعل مقطعها { إن فى ذلك لآيت لقوم
~~يتفكرون } وما يقرب منه وسببه أن الفلاسفة يسندون حوادث العالم
~~السفلي إلى الاختلافات الواقعة في الإشكالات الكوكيبة فرده الله تعالى
~~بقوله: { لقوم يتفكرون } لأن من تفكر فيها علم أنه لا يجوز أن
~~يكون حدوث تلك الحوادث من الاتصالات الفلكية فتفكر.

### || [13.4]

# { وفى الأرض قطع } جملة مستأنفة مشتملة على طائفة أخرى من
~~الآيات أي في الأرض بقاع كثيرة مختلفة في الأوصاف فمن طيبة منبتة ومن
~~سبخة لا تنبت ومن رخوة ومن صلبة ومن صالحة للزرع لا للشجر ومن صالحة
~~للشجر لا للزرع إلى غير ذلك { متجورت } أي متلاصقة والمقصود
~~الإخبار بتفاوت أجزاء الأرض المتلاصقة على الوجه الذي علمت وهذا هو
~~المأثور عن الأكثرين، وأخرج أبو الشيخ عن قتادة أن المعنى وفي الأرض قرى
~~قريب بعضها من بعض، وأخرج عن/ الحسن أنه فسر ذلك بالأهواز وفارس والكوفة
~~والبصرة، ومن هنا قيل في الآية اكتفاء على حد

# سرابيل تقيكم الحر

# [النحل: 81] والمراد قطع متجاورات وغير متجاورات، وفي بعض المصاحف {
~~وقطعا متجورت } بالنصب أي وجعل في الأرض قطعا { وجنت
~~} أي بساتين كثيرة { من أعنب } أي من أشجار الكرم { وزرع }
~~من كل نوع من أنواع الحبوب، وإفراده لمراعاة أصله حيث كان مصدرا، ولعل
~~تقديم ذكر الجنات عليه مع كونه عمود المعاش لما أن في صنعة الأعناب مما
~~يبهر العقول ما لا يخفى، ولو لم يكن فيها إلا أنها مياه متجمدة في ظروف
~~رقيقة حتى أن منها شفافا لا يحجب البصر عن إدراك ما في جوفه لكفى؛ ومن
~~هنا جاء في بعض ms04860 الأخبار القدسية أتكفرون بي وأنا خالق العنب. وفي "
~~إرشاد العقل السليم " تعليل ذلك بظهور حال الجنات في اختلافها ومباينتها
~~لسائرها ورسوخ ذلك فيها.

# وتأخير قوله تعالى: { ونخيل } لئلا يقع بينها وبين صفتها وهي قوله
~~تعالى: { صنون وغير صنون } فاصلة أو يطول الفصل بين
~~المتعاطفين، وصنوان جمع صنو وهو الفرع الذي يجمعه وآخر أصل واحد وأصله
~~المثل، ومنه قيل للعم صنو، وكثر الصاد في الجمع كالمفرد هو اللغة
~~المشهورة وبها قرأ الجمهور، ولغة تميم وقيس { صنوان } بالضم كذئب وذؤبان
~~وبذلك قرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما والسلمي وابن مصرف، ونقله
~~الجعبري في " شرح الشاطبية " عن حفص. وقرأ الحسن وقتادة بالفتح، وهو على
~~ذلك اسم جمع كالسعدان لا جمع تكسير لأنه ليس من أبنيته، وقرأ الحسن {
~~جنات } بالنصب عطفا عند بعض على { زوجين } [الرعد: 3] مفعول {
~~جعل } و { ومن كل الثمرت } [الرعد: 3] حينئذ حال مقدمة لا
~~صلة { جعل } [الرعد: 3] لفساد المعنى عليه أي جعل فيها زوجين حال كونه
~~من كل الثمرات وجنات من أعناب، ولا يجب هنا تقييد العطوف بقيد المعطوف
~~عليه. وزعم بعضهم أن العطف على

# رواسى

# [الرعد: 3] وقال أبو حيان: الأولى إضمار فعل لبعد ما بين المتعاطفين أو
~~بالجر عطفا على { كل الثمرت } على أن يكون هو مفعولا بزيادة {
~~من } في الإثبات و

# زوجين اثنين

# [الرعد: 3] حالا منه، والتقدير وجعل فيها من كل الثمرات حال كونها
~~صنفين، فلعل عدم نظم قوله تعالى: { وفي الأرض قطع متجورت
~~} في هذا السلك من أن اختصاص كل من تلك القطع بما لها من الأحوال والصفات
~~بمحض خلق الخالق الحكيم جلت قدرته حين مد الأرض ودحاها  على ما قيل 
~~الإيماء إلى كون تلك الأحوال صفات راسخة لتلك القطع. وقرأ جمع من السبعة
~~{ وزرع ونخيل } بالجر على أن العطف على { أعنب } وهو كما في "
~~الكشف " من باب  متقلدا سيفا ورمحا  أو المراد أن في الجنات فرجا
~~مزروعة بين الأشجار وإلا فلا يقال للمزرعة وحدها جنة وهذا أحسن منظرا
~~وأنزه. وادعى أبو حيان أن في جعل ms04861 الجنة من الأعناب تجوزا لأن الجنة في
~~الحقيقة هي الأرض التي فيها الأعناب.

# { يسقى } أي ما ذكر من القطع والجنات والزرع والنخيل وقرأ أكثر
~~السبعة بالتأنيث مراعاة للفظ؛ وهي قراءة الحسن وأبي جعفر، قيل: والأول
~~أوفق بمقام بيان اتحاد الكل في حالة السقي { بماء وحد } لا اختلاف
~~في طبعه سواء كان السقي من ماء الأمطار أو من ماء الأنهار، وقيل: إن
~~الثاني أوفق بقوله سبحانه: { ونفضل } أي مع وجود أسباب التشابه بمحض
~~قدرتنا وإحساننا { بعضها على بعض } آخر منها { فى الأكل }
~~لمكان التأنيث، وأمال فتحة القاف حمزة، والكسائي، والأكل بضم الهمزة
~~والكاف وجاء تسكينها ما يؤكل، وهو هنا الثمر والحب، وقول بعضهم: أي في
~~الثمر شكلا وقدرا ورائحة وطعما من باب التغليب، وقرأ حمزة والكسائي {
~~يفضل } بالياء على بناء الفاعل ردا على

# يدبر

# [الرعد: 2] و

# يفصل

# [الرعد: 2] و

# يغشى

# [الرعد: 3] وقرأ يحيى بن يعمر وهو أول من نقط المصحف وأبو حيوة
~~والحلبى عن عبد الوارث بالياء على بناء المفعول ورفع { بعضها } وفيه ما
~~لا يخفى من الفخامة والدلالة على أن عدم احتمال استناد الفعل إلى فاعل
~~آخر مغن عن بناء الفعل للفاعل.

# { إن فى ذلك } الذي فصل من أحوال القطع وغيرها { لآيت }
~~كثيرة عظيمة باهرة { لقوم يعقلون } يعملون على قضية عقولهم فإن
~~من عقل هاتيك الأحوال العجيبة وخروج الثمار المختلفة في الأشكال والألوان
~~والطعوم والروائح في تلك القطع المتباينة المتلاصقة مع اتحاد ما تسقى به
~~بل وسائر أسباب نموها لا يتلعثم في الجزم بأن لذلك صانعا حكيما قادرا
~~مدبرا لها لا يعجزه شيء، وقيل: المراد أن من عقل ذلك لا يتوقف في الجزم
~~بأن من قدر على إبداع ما ذكر قادر على إعادة ما أبداه بل هي أهون في
~~القياس ولعل ما ذكرناه أولى.

# ثم إن الأحوال وإن كانت هي الآيات أنفسها لا أنها فيها إلا أنها قد جردت
~~عنها أمثالها مبالغة في كونه آية  ففي  تجريدية مثلها في قوله تعالى:

# لهم فيها دار الخلد

# [فصلت: 28] على المشهور. وجوز أن ms04862 يكون المشار إليه الأحوال الكلية،
~~والآيات افرادها الحادثة شيئا فشيئا في الأزمنة وآحادها الواقعة في
~~الأقطار والأمكنة المشاهدة لأهلها  ففي  على معناها؛ ومنهم من فسر
~~الآيات بالدلالات لتبقى في على ذلك وهو كما ترى، وحيث كانت دلالة هذه
~~الأحوال على مدلولاتها أظهر مما سبق علق سبحانه كونها آيات بمحض التعقل
~~كما قال أبو حيان وغيره، ولذلك  على ما قيل  لم يتعرض جل شأنه أنه لغير
~~تفضيل بعضها على بعض في الأكل الظاهر لكل عاقل مع تحقق ذلك في الخواص
~~والكيفيات مما يتوقف العثور عليه على نوع تأمل وتفكر كأنه لا حاجة إلى
~~التفكر في ذلك أيضا، وفيه تعريض بأن المشركين غير عاقلين، ولبعض الرجاز
~~فيما تشير إليه الآية:

# والأرض فيها عبرة للمعتبر

# تخبر عن صنع مليك مقتدر

# تسقى بماء واحد أشجارها

# وبقعة واحدة قرارها

# والشمس والهواء ليس يختلف

# وأكلها مختلف لا يأتلف

# لو أن ذا من عمل الطبائع

# أو أنه صنعة غير صانع

# لم يختلف وكان شيئا واحدا

# هل يشبه الأولاد إلا الوالدا

# الشمس والهواء يا معاند

# والماء والتراب شيء واحد

# فما الذي أوجب ذا التفاضلا

# إلا حيكم لم يرده باطلا

# وأخرج ابن جرير عن الحسن في هذه الآية أنه قال: هذا مثل ضربه الله تعالى
~~لقلوب بني آدم كانت الأرض في يد الرحمن طينة واحدة فسطحها وبطحها فصارت
~~قطعا متجاورة فينزل عليها الماء من السماء فتخرج هذه زهرتها وثمرها
~~وشجرها وتخرج نباتها وتخرج هذه سبخها وملحها وخبثها وكلتاهما تسقى بماء
~~واحد فلو كان الماء ملحا قيل إنما استسبخت هذه من قبل الماء، كذلك الناس
~~خلقوا من آدم عليه السلام فينزل عليهم من السماء/ تذكرة فترق قلوب فتخشع
~~وتخضع، وتقسو قلوب فتلهو وتسهو، ثم قال: والله ما جالس القرآن أحد إلا
~~قام من عنده بزيادة أو نقصان قال الله تعالى:

# وننزل من القرءان ما هو شفاء ورحمة
~~للمؤمنين ولا يزيد الظلمين إلا خسارا

# [الإسراء: 82] ا ه قال أبو حيان وهو شبيه بكلام الصوفية.

### || [13.5]

# { وإن تعجب } أي إن يقع منك ms04863 عجب يا محمد { فعجب قولهم }
~~بعد مشاهدة الآيات الدالة على عظيم قدرته تعالى أي فليكن عجبك من قولهم:
~~{ أءذا كنا ترابا } إلى آخره فإنه الذي ينبغي أن يتعجب منه، ورفع
~~{ عجب } على أنه خبر مقدم و { قولهم } مبتدأ مؤخر، وقدم الخبر
~~للقصر والتسجيل من أول الأمر بكون قولهم أمرا عجيبا، وفي " البحر " أنه
~~لا بد من تقدير صفة  لعجب  لأنه لا يتمكن المعنى بمطلق فيقدر والله
~~تعالى أعلم فعجب أي عجب أو فعجب غريب، وإذا قدرناه موصوفا جاز أن يعرب
~~مبتدأ للمسوغ وهو الوصف ولا يضر كون الخبر معرفة، وذلك كما قال سيبويه في
~~ كم مالك  إن كم مبتدأ لوجود المسوغ فيه وهو الاستفهام، وفي نحو اقصد
~~رجلا خير منه أبوه إن خير مبتدأ للمسوغ أيضا وهو العمل، ونقل أبو
~~البقاء القول بأن عجب بمعنى معجب ثم قال: فعلى هذا يجوز أن يرتفع {
~~قولهم } به. وتعقب بأنه لا يجوز ذلك لأنه لا يلزم من كون شيء بمعنى
~~شيء أن يكون حكمه في العمل حكمه فمعجب يعمل و { عجب } لا يعمل، ألا ترى
~~أن فعلا كذبح وفعلة كقبض وفعلة كغرفة بمعنى مفعول ولا يعمل عمله فلا تقول
~~مررت برجل ذبح كبشه أو قبض ماله أو غرفة ماؤه، بمعنى مذبوح كبشه ومقبوض
~~ما له ومغروف ماؤه وقد نصوا على أن هذه تنوب في الدلالة لا العمل عن
~~المفعول، وحصر النحويون ما يرفع الفاعل في أشياء ولم يعدوا المصدر إذا
~~كان بمعنى اسم الفاعل منها.

# والظاهر أن { أئذا كنا } إلى آخره في محل نصب مقول لقول محكي به،
~~والاستفهام إنكاري مفيد لكمال الاستبعاد والاستنكار، وجوز أن يكون في محل
~~رفع على البدلية من { قولهم } على أنه بمعنى المقول وهو على ما قال
~~أبو حيان: إعراب متكلف وعدول عن الظاهر، وعليه فالعجب تكلمهم بذلك وعلى
~~الأول كلامهم ذلك، والعامل في { إذا } ما دل عليه قوله تعالى: {
~~أإنا لفي خلق جديد } وهو نبعث أو نعاد، والجديد ضد الخلق
~~والبالي، ويقال: ثوب جديد أي كما فرغ ms04864 من عمله وهو فعيل بمعنى مفعول كأنه
~~قطع من نسجه، وتقديم الظرف لتقوية الإنكار بالبعث بتوجيهه إليه في حالة
~~منافية له، وتكرير الهمزة في { أئنا } لتأكيد الإنكار، وليس مدار إنكارهم
~~كونهم ثابتين في الخلق الجديد بالفعل عند كونهم ترابا بل كونهم بعرضية
~~ذلك واستعدادهم له، وفيه من الدلالة على عتوهم وتماديهم في النكير ما لا
~~يخفى. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تنتصب { إذا } بكنا لأنها مضافة
~~إليها ولا بجديد لأن ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها وكذا الاستفهام.

# ورد الأول في " المغني " بأن { إذا } عند من يقول بأن العامل فيها
~~شرطها وهو المشهور غير مضافة كما يقوله الجميع إذا جزمت كما في قوله:

# وإذا تصبك خاصة فتحمل

# قيل: فالوجه في رد ذلك أن عمله فيها موقوف على تعيين مدلولها وتعيينه
~~ليس إلا بشرطها فيدور، ونظر فيه الشهاب بأنها عندهم بمنزلة متى وأيان غير
~~معينة بل مبهمة كما ذكره القائلون به وبه صرح في " المغني " أيضا. وقيل:
~~معنى الآية إن تعجب يا محمد من قولهم في إنكار البعث فقولهم عجيب حقيق أن
~~يتعجب منه./ وتعقبه في «البحر» بأنه ليس مدلول اللفظ لأنه جعل فيه متعلق
~~عجبه صلى الله عليه وسلم هو قولهم في إنكار البعث وجواب الشرط هو ذلك
~~القول فيتحد الشرط والجزاء إذ تقديره إن تعجب من إنكارهم البعث فأعجب من
~~قولهم في إنكار البعث وهو غير صحيح. ورد بأن ذلك مما اتحد فيه الشرط
~~والجزاء صورة وتغايرا حقيقة كما في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " من كانت هجرته إلى الله تعالى ورسوله فهجرته إلى الله تعالى ورسوله "

# وقولهم: من أدرك الصمان فقد أدرك المرعى وهو أبلغ في الكلام لأن معناه
~~أنه أمر لا يكتنه كنهه ولا تدرك حقيقته وأنه أمر عظيم. وذهب بعض إلى أن
~~الخطاب في { إن تعجب } عام، والمعنى إن تعجب يا من نظر ما في هذه
~~الآيات وعلم قدرة من هذه أفعاله فازدد تعجبا ممن ينكر مع هذا قدرته على
~~البعث وهو أهون شيء ms04865 عليه، وقيل: المعنى إن تجدد منك التعجب لإنكارهم
~~البعث فاستمر عليه فإن إنكارهم ذلك من الأعاجيب، وقيل: المراد إن كنت
~~تريد أيها المريد عجبا فهلم فإن من أعجب العجب إنكارهم البعث.

# واختلف القراء في الاستفهامين إذا اجتمعا في أحد عشر موضعا هذا وفي
~~المؤمنين والعنكبوت والنمل والسجدة والواقعة والنازعات وبني إسرائيل في
~~موضعين وكذا في الصافات، فقرأ نافع والكسائي بجعل الأول استفهاما
~~والثاني خبرا إلا في العنكبوت والنمل فعكس نافع وجمع الكسائي بين
~~الاستفهامين في العنكبوت وأما في النمل فعلى أصله إلا أنه زاد نونا.
~~وقرأ ابن عامر بجعل الأول خبرا والثاني استفهاما إلا في النمل
~~والنازعات فعكس وزاد في النمل نونا كالكسائي وإلا في الواقعة فقرأ
~~باستفهامين وهي قراءة باقي السبعة في هذا الباب إلا ابن كثير وحفصا
~~فإنهما قرآ في العنكبوت بالخبر في الأول والاستفهام في الثاني وهم على
~~أصولهم في اجتماع الهمزتين من تخفيف وتحقيق وفصل بين الهمزتين.

# { أولئك } مبتدأ والموصول خبره أي أولئك المنكرون للبعث ريثما
~~عاينوا من آيات ربهم الكبرى ما يرشدهم إلى الإيمان لو كانوا يبصرون {
~~الذين كفروا بربهم } وتمادوا في ذلك فإن إنكار قدرته عز وجل
~~إنكار له سبحانه لأن الإله لا يكون عاجزا مع ما في ذلك من تكذيبه جل
~~شأنه وتكذيب رسله المتفقون عليه عليهم السلام { وأولئك } مبتدأ
~~خبره جملة قوله تعالى: { الأغلل فى أعنقهم } وفيه
~~احتمالان: الأول أن يكون المراد وصفهم بذلك في الدنيا فهو تشبيه وتمثيل
~~لحالهم في امتناعهم عن الإيمان وعدم الالتفات إلى الحق بحال طائفة في
~~أعناقهم أغلال وقيود لا يمكنهم الالتفات معها كقوله:

# كيف الرشاد وقد خلفت في نفر

# لهم عن الرشد أغلال وأقياد

# كأنه قيل: أولئك مقيدون بقيود الضلالة لا يرجى خلاصهم. الثاني أن يكون
~~المراد وصفهم به في الآخرة والكلام إما باق على حقيقته كما قال سبحانه:

# إذ الأغلل فى أعنقهم والسلسل

# [غافر: 71] وروي ذلك عن الحسن قال: إن الأغلال لم تجعل في أعناق أهل
~~النار لأنهم أعجزوا الرب سبحانه ولكنما جعلت في أعناقهم ms04866 لكي إذا طغا بهم
~~اللهب أرستهم في النار، وأما مخرج مخرج التشبيه لحالهم بحال من يقدم
~~للسياسة. وقيل: المراد من الأغلال أعمالهم الفاسدة التي تقلدوها
~~كالأغلال، وهو جار على احتمال أن يكون ذلك في الدنيا أو في الآخرة والأول
~~ناظر إلى ما قبل والثاني إلى قوله تعالى: { وأولئك } أي الموصوفون
~~بما ذكر/ { أصحب النار هم فيها خلدون } لا ينفكون
~~عنها، قيل: وتوسيط [ضمير] الفصل ليس لتخصيص الخلود بمنكري البعث خاصة بل
~~بالجميع المدلول عليه بقوله تعالى: { أولئك الذين كفروا
~~بربهم }. وأورد على ذلك أن { هم } ليس ضمير فصل لأن شرطه أن يقع
~~بين مبتدأ وخبر يكون اسما معرفة أو مثل المعرفة في أنه لا يقبل حرف
~~التعريف كأفعل التفضيل وهذا ليس كذلك، وأجيب بأن المراد بالفصل الضمير
~~المنفصل وأنه أتى به وجعل الخبر جملة مع أن الأصل فيه الإفراد لقصد الحصر
~~والتخصيص المذكور كما في هو عارف. وقال بعضهم: لعل القائل بما ذكر لا
~~يتبع النحاة في الاشتراط المذكور كما أن الجرجاني والسهيلي جوزا ذلك إذا
~~كان الخبر مضارعا واسم الفاعل مثله.

### || [13.6]

# { ويستعجلونك بالسيئة } بالعقوبة التي هددوا بها على
~~الإصرار على الكفر استهزاء وتكذيبا { قبل الحسنة } أي العافية
~~والسلامة منها، والمراد بكونها قبلها أن سؤالها قبل سؤالها أو أن سؤالها
~~قبل انقضاء الزمان المقدر لها، وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أنه قال في
~~الآية: هؤلاء مشركو العرب استعجلوا بالشر قبل الخير فقالوا:

# اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر
~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم

# [الأنفال: 32] { وقد خلت من قبلهم المثلت } جمع مثلة
~~كسمرة وسمرات وهي العقوبة الفاضحة، وفسرها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~بالعقوبة المستأصلة للعضو كقطع الأذن ونحوه سميت بها لما بين العقاب
~~والمعاقب به من المماثلة كقوله تعالى:

# وجزاء سيئة سيئة مثلها

# [الشورى: 40] أو هي مأخوذة من المثال بمعنى القصاص يقال: أمثلت الرجل من
~~صاحبه وأقصصته بمعنى واحد أو هي من المثل المضروب لعظمها. والجملة في
~~موضع الحال لبيان ركاكة ms04867 رأيهم في الاستعجال بطريق الاستهزاء أي يستعجلونك
~~بذلك مستهزئين بإنذارك منكرين لوقوع ما أنذرتهم إياه والحال أنه قد مضت
~~العقوبات الفاضحة النازلة على أمثالهم من المكذبين المستهزئين. وقرأ
~~مجاهد والأعمش { المثلات } بفتح الميم والثاء، وعيسى بن عمرو في رواية
~~الأعمش؛ وأبو بكر بضمهما وهو لغة أصلية، ويحتمل أنه اتبع فيه العين
~~للفاء، وابن وثاب بضم الميم وسكون الثاء وهي لغة تميم، وابن مصرف بفتح
~~الميم وسكون الثاء وهي لغة الحجازيين.

# { وإن ربك لذو مغفرة } عظيمة { للناس على
~~ظلمهم } أنفسهم بالذنوب والمعاصي، والجار والمجرور في موضع الحال من
~~الناس والعامل فيها هو العامل في صاحبها وهو { مغفرة } أي أنه تعالى
~~لغفور للناس مع كونهم ظالمين. قيل: وهذه الآية ظاهرة في مذهب أهل السنة
~~وهو جواز مغفرة الكبائر والصغائر بدون توبة لأنه سبحانه ذكر المغفرة مع
~~الظلم أي الذنب ولا يكون معه إلا قبل التوبة لأن التائب من الذنب كمن لا
~~ذنب له، وأول ذلك المعتزلة بأن المراد مغفرة الصغائر لمجتنب الكبائر أو
~~مغفرتها لمن تاب أو المراد بالمغفرة معناها اللغوي وهو الستر بالإمهال
~~وتأخير العقاب إلى الآخرة كأنه قيل: إنه تعالى لا يعجل للناس العقوبة وإن
~~كانوا ظالمين بل يستر عليهم بتأخيرها. واعترض التأويل بالتخصيص بأنه
~~تخصيص للعامل من غير دليل. وأجيب بأن الكفر قد خص بالإجماع فيسري التخصيص
~~إلى ذلك. وتعقب الأخير بأنه في غاية البعد لأنه كما قال الإمام لا يسمى
~~مثله مغفرة وإلا لصح أن يقال: الكفار مغفورون. ورد بأن المغفرة حقيقتها
~~في اللغة الستر وكونهم مغفورين بمعنى/ مؤخر عذابهم إلى الآخرة لا محذور
~~فيه وهو المناسب لاستعجالهم العذاب.

# وأجيب بأن المراد أن ذلك مخالف للظاهر ولإستعمال القرآن، وذكر العلامة
~~الطيبي أنه يجب تأويل الآية بأحد الأوجه الثلاثة لأنها بظاهرها كالحث
~~على الظلم لأنه سبحانه وعد المغفرة البالغة مع وجود الظلم. وتعقب ذلك في
~~«الكشف» فقال: فيه نظر لأن الأسلوب يدل على أنه تعالى بليغ المغفرة لهم
~~مع استحقاقهم لخلافها لتلبسهم بما العقاب أولى بهم عنده، والظاهر أن ms04868
~~التأويل بتاء على مذهب الاعتزال. وأما على مذهب أهل السنة فإنما يؤول لو
~~عم الظلم الكفر، ثم قال: والتأويل بالستر والإمهال أحسن فيكون قوله
~~تعالى:

# { وإن ربك لشديد العقاب } لتحقيق الوعيد بهم وإن كانوا
~~تحت ستره وإمهاله، ففيه إشارة إلى أن ذلك إمهال لا إهمال. والمراد بالناس
~~أما المعهودون وهم المستعجلون المذكورون قبل أو الجنس دلالة على كثرة
~~الهالكين لتناولهم وأضرابهم وهذا جار على المذهبين، وكذا اختار الطيبي
~~هذا التأويل وقال هو الوجه. والآية على وزان قوله تعالى:

# قل أنزله الذى يعلم السر فى السموات والأرض
~~إنه كان غفورا رحيما

# [الفرقان: 6] على ما ذكره الزمخشري في " تفسيره " وأنت قد سمعت ما له
~~وما عليه فتدبر. واختار غير واحد إرادة الجنس من الناس وهو مراد أيضا في
~~{ شديد العقاب }. التخصيص بالكفار غير مختار. ويؤيد ذلك ما أخرجه
~~ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية {
~~وإن ربك } الخ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " لولا عفو الله تعالى وتجاوزه ما هنأ أحد العيش ولولا وعيده وعقابه
~~لاتكل كل أحد ".

### || [13.7]

# { ويقول الذين كفروا } وهم المستعجلون كما روي عن قتادة،
~~وكأنه إنما عبر عنهم بذلك نعيا عليهم كفرهم بآيات الله تعالى التي تخر
~~لها صم الجبال حيث لم يرفعوا لها رأسا ولم يعدوها من جنس الآيات وقالوا:
~~{ لولا أنزل عليه آية من ربه } مثل آيات موسى وعيسى
~~عليهما السلام من قلب العصا حية وإحياء الموتى عنادا أو مكابرة وإلا ففي
~~أدنى آية أنزلت عليه عليه الصلاة والسلام غنية وعبرة لأولي الألباب،
~~والتعبير بالمضارع استحضارا للحال الماضية، وجوز أن يكون إشارة إلى أن
~~ذلك القول ديدنهم، وتنوين { آية } للتعظيم وجوز أن يكون للوحدة. {
~~إنما أنت منذر } مرسل للإنذار من سوء عاقبة ما نهى الله تعالى
~~عنه كدأب من قبلك من الرسل وليس عليك إلا الإتيان بما يعلم به نبوتك وقد
~~حصل بما لا مزيد عليه ولا حاجة إلى إلزامهم والقامهم الحجر بالإتيان بما
~~اقترحوه { ولكل قوم ms04869 هاد } أي نبي داع إلى الحق مرشد إليه بآية
~~تليق به وبزمانه، والتنكير للإبهام وروي هذا عن قتادة أيضا ومجاهد،
~~وعليه فقوله تعالى: { الله يعلم ما تحمل كل أنثى... }.

### || [13.8]

# { الله يعلم ما تحمل كل أنثى } استئناف جوابا عن
~~سؤال من يقول: لماذا لم يجابوا إلى المقترح فتنقطع حجتهم ولعلهم يهتدون؟
~~بأن ذلك أمر مدبر ببالغ العلم ونافذ القدرة لا عن الجزاف واتباع آرائهم
~~السخاف، وجوز أن يراد بالهادي هو الله تعالى وروي ذلك عن ابن عباس
~~والضحاك وابن جبير، فالتنوين فيه للتفخيم والتعظيم، وتوجيه الآية على ذلك
~~أنهم لما أنكروا الآيات عنادا لكفرهم الناشىء عن التقليد ولم يتدبروا
~~الآيات قيل: إنما أنت منذر لا هاد مثبت للإيمان في صدورهم صاد لهم عن
~~جحودهم فإن ذلك إلى الله تعالى وحده وهو سبحانه القادر عليه، وعلى هذا
~~قيل: يجوز أن يكون قوله سبحانه: { الله } خبر مبتدأ محذوف أي هو الله
~~ويكون ذلك تفسيرا  لهاد  و { يعلم } جملة مقررة/ لاستقلاله تعالى
~~بالهداية كالعلة لذلك، ويجوز أن يكون جملة { الله يعلم } مقررة
~~ويكون من باب إقامة الظاهر مقام المضمر كأنه هو تعالى يعلم أي ذلك
~~الهادي، والأول بعيد جدا. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن جرير عن
~~عكرمة وأبي الضحى أن المنذر والهادي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم،
~~ووجه ذلك بأن { هاد } عطف على

# منذر

# [الرعد: 7] و { لكل قوم } متعلق به قدم عليه للفاصلة. وفي ذلك
~~دليل على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم وشمول دعوته، وفيه الفصل بين
~~المعطوف والمعطوف عليه بالجار والمجرور والنحويون في جوازه مختلفون، وقد
~~يجعل { هاد } خبر مبتدأ مقدر أي وهو هاد أو وأنت هاد، وعلى الأول فيه
~~التفات، وقال أبو العالية: الهادي العمل، وقال علي بن عيسى: هو السابق
~~إلى الهدى ولكل قوم سابق سبقهم إلى الهدى. قال أبو حيان: وهذا يرجع إلى
~~أن الهادي هو النبي لأنه الذي يسبق إلى ذلك وعن أبي صالح أنه القائد
~~إلى الخير أو إلى الشر والكل كما ms04870 ترى. وقالت الشيعة: إنه علي كرم الله
~~تعالى وجهه ورووا في ذلك أخبارا، وذكر ذلك القشيري منا. وأخرج ابن جرير
~~وابن مردويه والديلمي وابن عساكر عن ابن عباس قال: لما نزلت

# إنما أنت منذر

# [الرعد:7] الآية

# " وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال: أنا المنذر
~~وأومأ بيده إلى منكب علي كرم الله تعالى وجهه فقال: أنت الهادي يا علي بك
~~يهتدي المهتدون من بعدي "

# وأخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» وابن أبي حاتم والطبراني في
~~" الأوسط " والحاكم وصححه وابن عساكر أيضا عن علي كرم الله تعالى وجهه
~~أنه قال في الآية: رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر وأنا الهادي، وفي
~~لفظ والهادي رجل من بني هاشم  يعني نفسه .

# واستدل بذلك الشيعة على خلافة علي كرم الله تعالى وجهه بعد رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم بلا فصل. وأجيب بأنا لا نسلم صحة الخبر، وتصحيح
~~الحاكم محكوم عليه بعدم الاعتبار عند أهل الأثر، وليس في الآية دلالة على
~~ما تضمنه بوجه من الوجوه، على أن قصارى ما فيه كونه كرم الله تعالى وجهه
~~به يهتدي المهتدون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لا يستدعي إلا
~~إثبات مرتبة الإرشاد وهو أمر والخلافة التي نقول بها أمر لا تلازم بينهما
~~عندنا. وقال بعضهم: إن صح الخبر يلزم القول بصحة خلافة الثلاثة رضي الله
~~تعالى عنهم حيث دل على أنه كرم الله تعالى وجهه على الحق فيما يأتي ويذر
~~وأنه الذي يهتدى به وهو قد بايع أولئك الخلفاء طوعا ومدحهم وأثنى عليهم
~~خيرا ولم يطعن في خلافتهم فينبغي الاقتداء به والجري على سننه في ذلك
~~ودون إثبات خلاف ما أظهر خرط القتاد. وقال أبو حيان: إنه صلى الله عليه
~~وسلم على فرض صحة الرواية إنما جعل عليا كرم الله تعالى وجهه مثالا من
~~علماء الأمة وهداتها إلى الدين فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: يا علي
~~هذا وصفك فيدخل الخلفاء الثلاث وسائر علماء الصحابة رضي الله ms04871 تعالى عنهم
~~بل وسائر علماء الأمة، وعليه فيكون معنى الآية إنما أنت منذر ولكل قوم في
~~القديم والحديث إلى ما شاء الله تعالى هداة دعاة إلى الخير اه وظاهره
~~أنه لم يحمل تقديم المعمول في خبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على
~~الحصر الحقيقي وحينئذ لا مانع من القول بكثرة من يهتدي به، ويؤيد عدم
~~الحصر ما جاء عندنا من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر "

# وأخبار أخر متضمنة لإثبات من يهتدي به غير علي كرم الله تعالى وجهه،
~~وأنا أظنك لا تلتفت إلى التأويل ولا تعبأ بما قيل وتكتفي بمنع صحة الخبر
~~وتقول ليس في الآية مما يدل عليه عين ولا أثر.

# هذا و { ما } يحتمل أن تكون مصدرية أي يعلم حمل كل أنثى من أي الإناث
~~كانت، والحمل على هذا بمعنى المحمول، وأن تكون موصولة والعائد محذوف أي/
~~الذي تحمله في بطنها من حين العلوق إلى زمن الولادة لا بعد تكامل الخلق
~~فقط، وجوز أن تكون نكرة موصوفة و { يعلم } قيل متعدية إلى واحد فهي
~~عرفانية، ونظر فيه بأن المعرفة لا يصح استعمالها في علم الله تعالى وهو
~~ناشىء من عدم المعرفة بتحقيق ذلك وقد تقدم، وجوز أن تكون استفهامية معلقة
~~ ليعلم  وهي مبتدأ أو مفعول مقدم والجملة سادة مسد المفعولين، أي يعلم
~~أي شيء تحمل وعلى أي حال هو من الأحوال المتواردة عليه طورا فطورا، ولا
~~يخفى أن هذا خلاف الظاهر المتبادر، وكما جوز في { ما } هذه الأوجه جوزت
~~في ما بعدها أيضا، ووجه مناسبة الآية لما قبلها قد علم مما سبق، وقيل:
~~وجهها أنه لما تقدم إنكارهم البعث وكان من شبههم تفرق الأجزاء واختلاط
~~بعضها ببعض بحيث لا يتهيأ الامتياز بينها نبه سبحانه بهذه الآية على
~~إحاطة علمه جل شأنه إزاحة لشبهتهم؛ وقيل: وجهها أنهم لما استعجلوا
~~بالسيئة نبه عز وجل على إحاطة علمه تعالى ليفيد أنه جلت حكمته إنما ينزل
~~العذاب حسبما يعلم من المصلحة والحكمة، وفي مصحف ms04872 أبي ومر ما قيل في
~~نظيره { ما تحمل كل أنثى وما تضع }.

# { وما تغيض الأرحام وما تزداد } أي ما تنقصه وما تزداده
~~في الجثة كالخديج والتام وروي ذلك عن ابن عباس، وفي المدة كالمولود في
~~أقل مدة الحمل والمولود في أكثرها وفيما بينهما وهو رواية أخرى عن الحبر،
~~قيل: إن الضحاك ولد لسنتين، وإن هرم بن حيان لأربع ومن ذلك سمي هرما،
~~وإلى كون أقصى مدة الحمل أربع سنين ذهب الشافعي، وعند مالك أقصاها خمس،
~~وعند الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أقصاها سنتان وهو المروي عن
~~عائشة رضي الله تعالى عنها، فقد أخرج ابن جرير عنها لا يكون الحمل أكثر
~~من سنتين قدر ما تتحرك فلكة مغزل، وفي العدد كالواحد فما فوق، قيل:
~~ونهاية ما عرف أربعة فإنه يروى أن شريك بن عبد الله ابن أبي نمير القرشي
~~كان رابع أربعة وهو الذي وقف عليه إمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه،
~~وقال الشافعي عليه الرحمة: أخبرني شيخ باليمن أن امرأته ولدت بطونا في
~~كل بطن خمسة وهذا من النوادر، وقد اتفق مثله لكن ما زاد على اثنين لضعفه
~~لا يعيش إلا نادرا.

# وما يحكى أنه ولد لبعضهم أربعون في بطن واحدة كل منهم مثل الإصبع وأنهم
~~عاشوا كلهم فالظاهر أنه كذب، وقيل: المراد نقصان دم الحيض وازدياده وروي
~~ذلك عن جماعة، وفيه جعل الدم في الرحم كالماء في الأرض يغيض تارة ويظهر
~~أخرى، وغاض جاء متعديا ولازما كنقص وكذا ازداد وهو مما اتفق عليه أهل
~~اللغة، فإن جعلتهما لازمين لا يجوز أن تكون { ما } موصولة أو موصوفة
~~لعدم العائد، وإسناد الفعلين كيفما كانا إلى الأرحام فإنهما على اللزوم
~~لما فيها وعلى التعدي لله جل شأنه وعظم سلطانه.

# { وكل شىء } من الأشياء { عنده } سبحانه { بمقدار } بقدر
~~لا يجاوزه ولا ينقص عنه كقوله تعالى:

# إنا كل شيء خلقنه بقدر

# [القمر: 49] فإن كل حادث من الأعراض والجواهر له في كل مرتبة من مراتب
~~التكوين ومباديها وقت معين وحال مخصوص لا يكاد ms04873 يجاوزه ولعل حال المعدوم
~~معلوم بالدلالة إذا قلنا: إن الشيء هو الموجود و { عند } ظرف متعلق
~~بمحذوف وقع صفة لشيء أو لكل و { بمقدار } خبر { كل } وجوز أن
~~يكون الظرف متعلقا بمحذوف وقع حالا من  مقدار  وهو في الأصل صفة له
~~لكنه لما قدم أعرب حالا وفاء بالقاعدة؛ وأن يكون ظرفا لما يتعلق به
~~الجار، والمراد بالعندية الحضور العلمي بل العلم الحضوري على ما قيل، فإن
~~تحقق الأشياء في أنفسها في أي مرتبة كانت من مراتب الوجود/ والاستعداد
~~لذلك علم بالنسبة إليه تعالى، وقيل: معنى عنده في حكمه.

### || [13.9]

# { علم الغيب } أي الغائب عن الحس { والشهدة } أي
~~الحاضر له عبر عنهما بهما مبالغة. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن
~~الغيب السر والشهادة العلانية، وقيل: الأول المعدوم والثاني الموجود ونقل
~~عن بعضهم أنه قال: إنه سبحانه لا يعلم الغيب على معنى أن لا غيب بالنسبة
~~إليه جل شأنه والمعدومات مشهودة له تعالى بناء على القول برؤية المعدوم
~~كما برهن عليه الكوراني في " رسالة " ألفها لذلك، ولا يخفى ما في ذلك من
~~مزيد الجسارة على الله تعالى والمصادمة لقوله جل شأنه: { علم
~~الغيب } ولا ينبغي لمسلم أن يتفوه بمثل هذه الكلمة التي تقشعر من
~~سماعها أبدان المؤمنين نسأل الله تعالى أن يوفقنا للوقوف عند حدنا ويمن
~~علينا بحسن الأدب معه سبحانه، ورفع { عالم } على أنه خبر مبتدأ محذوف أو
~~خبر بعد خبر. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { عالم } بالنصب على
~~المدح، وهذا الكلام كالدليل على ما قبله من قوله تعالى:

# الله يعلم

# [الرعد:8] الخ.

# { الكبير } العظيم الشأن الذي كل شيء دونه { المتعال }
~~المستعلي على كل شيء في ذاته وعلمه وسائر صفاته سبحانه، وجوز أن يكون
~~المعنى الكبير الذي يجل عما نعته به الخلق من صفات المخلوقين ويتعالى
~~عنه، فعلى الأول المراد تنزيهه سبحانه في ذاته وصفاته عن مداناة شيء منه؛
~~وعلى هذا المراد تنزيهه تعالى عما وصفه الكفرة به فهو رد لهم كقوله جل
~~شأنه:

# سبحن الله ms04874 عما يصفون

# [الصافات: 159] قال العلامة الطيبي: إن معنى { الكبير المتعال
~~} بالنسبة إلى مردوفه وهو { علم الغيب والشهدة } هو
~~العظيم الشأن الذي يكبر عن صفات المخلوقين ليضم مع العلم العظمة والقدرة
~~بالنظر إلى ما سبق من قوله تعالى:

# ما تحمل كل أنثى

# [الرعد: 8] إلى آخر ما يفيد التنزيه عما يزعمه النصارى والمشركون، ورفع
~~{ الكبير } على أنه خبر بعد خبر، وجوز أن يكون { علم } مبتدأ
~~وهو خبره.

### || [13.10]

# { سواء منكم من أسر القول } أخفاه في نفسه ولم يتلفظ
~~به، وقيل: تلفظ به بحيث لم يسمع نفسه دون غيره { ومن جهر به } من
~~يقابل ذلك بالمعنيين { ومن هو مستخف } مبالغ في الاختفاء كأنه
~~مختف { باليل } وطالب للزيادة { وسارب بالنهار } أي ظاهر
~~فيه كما روي عن ابن عباس، وهو على ما قال جمع في الأصل اسم فاعل من سرب
~~إذا ذهب في سربه أي طريقه، ويكون بمعنى تصرف كيف شاء قال الشاعر:

# إني سربت وكنت غير سروب

# وتقرب الأحلام غير قريب

# وقال الآخر:

# وكل أناس قاربوا قيد فحلهم

# ونحن خلعنا قيده فهو سارب

# أي فهو متصرف كيف شاء لا يدفع عن جهة يفتخر بعزة قومه، فما ذكره الحبر
~~لازم معناه، وقرينته وقوعه في مقابلة مستخف، والظاهر من كلام بعضهم أنه
~~حقيقة في الظاهر، ورفع { سوآء } على أنه خبر مقدم و { من } مبتدأ
~~مؤخر، ولم يثن الخبر لأنه في الأصل مصدر وهو الآن بمعنى مستو ولم يجيء
~~تثنيته في أشهر اللغات، وحكى أبو زيد هما سواآن، و { منكم } حال من
~~الضمير المستتر فيه لا في { أسر } و { جهر } لأن ما في حيز الصلة
~~والصفة لا يتقدم على الموصول والموصوف، وجوز أبو حيان كون { سوآء }
~~مبتدأ لوصفه بمنكم وما بعده الخبر، وكذا أعرب سيبويه قول العرب: سواء
~~عليه الخير والشر، وقول ابن عطية: إن سيبويه ضعف ذلك/ بأنه ابتداء بنكرة
~~لا يصح و { سارب } عطف على { من } كأنه قيل: سواء منكم إنسان هو مستخف
~~وآخر سارب، والنكتة في زيادة هو في الأول أنه الدال على كمال ms04875 العلم فناسب
~~زيادة تحقيق وهو النكتة في حذف الموصوف عن سارب أيضا، والوجه في تقديم {
~~أسر } وإعماله في صريح القول على جهره وإعماله في ضميره، وجوز أن
~~يكون على { مستخف } واستشكل بأن سواء يقتضي ذكر شيئين فإذا كان سارب
~~معطوفا على جزء الصلة أو الصفة لا يكون هناك إلا شيء واحد، ولا يجىء هذا
~~على الأول لأن المعنى ما علمت. وأجيب بأن { من } عبارة عن الاثنين كما في
~~قوله:

# تعال فإن عاهدتني لا تخونني

# نكن مثل من يا ذئب يصطحبان

# فكأنه قيل: سواء منكم اثنان مستخف بالليل وسارب بالنهار، قال في
~~«الكشف»: وعلى الوجهين { من } موصوفة لا موصولة فيحمل الأوليان أيضا على
~~ذلك ليتوافق الكل، وإيثارها على الموصولة دلالة على أن المقصود الوصف فإن
~~ذلك متعلق العلم، وأما لو قيل: سواء الذي أسر القول والذي جهر به فإن
~~أريد الجنس من باب:

# ولقد أمر على اللئيم يسبني

# فهو والأول سواء لكن الأول نص، وإن أريد المعهود حقيقة أو تقديرا لزم
~~إيهام خلاف المقصود لما مر، وقيل: في الكلام موصول محذوف والتقدير ومن هو
~~سارب كقول أبي فراس:

# فليت الذي بيني وبينك عامر

# وبيني وبين العالمين خراب

# وقول حسان:

# أمن يهجو رسول الله منكم

# ويمدحه وينصره سواء

# وهو ضعيف جدا لما فيه من حذف الموصول مع صدر الصلة، وقد ادعى الزمخشري
~~أن أحد الحذفين سائغ لكن اجتماعهما منكر من المنكرات بخلاف البيتين، وقال
~~أبو حيان: إن حذف من هنا وإن كان للعلم به لا يجوز عند البصريين ويجوز
~~عند الكوفيين، وزعم بعضهم أن المقصود استواء الحالتين سواء كانتا لواحد
~~أو لاثنين، والمعنى سواء استخفاؤه وسروبه بالنسبة إلى علم الله تعالى فلا
~~حاجة إلى توجيه الآية بما مر، وكذا حال ما تقدمه فعبر بأسلوبين والمقصود
~~واحد. وتعقب بأنه لا تساعده العربية لأن { من } لا تكون مصدرية ولا
~~سابك في الكلام. وزعم ابن عطية جواز أن تكون الآية متضمنة ثلاثة أصناف
~~فالذي يسر طرف والذي يجهر طرف مضاد للأول والثالث متلون يعصي بالليل ms04876
~~مستخفيا ويظهر البراءة بالنهار وهو كما ترى. ومن الغريب ما نقل عن
~~الأخفش وقطرب تفسير المستخفي بالظاهر فإنه وإن كان موجودا في كلامهم
~~بهذا المعنى لكن يمنع عنه في الآية ما يمنع، ثم إن في بيان علمه تعالى
~~بما ذكر بعد بيان شمول علمه سبحانه الأشياء كلها ما لا يخفى من الاعتناء
~~بذلك.

### || [13.11]

# { له } الضمير راجع إلى من تقدم ممن أسر بالقول وجهر به إلى آخره
~~باعتبار تأويله بالمذكور وإجرائه مجرى اسم الإشارة وكذا المذكورة بعده {
~~معقبت } ملائكة تعتقب في حفظه وكلائته جمع معقبة من عقب مبالغة في
~~عقبه إذا جاء على عقبه واصله من العقب وهو مؤخر الرجل ثم تجوز به عن كون
~~الفعل بغير فاصل ومهلة/ كأن أحدهم يطأ عقب الآخر، فالتفعيل للتكثير وهو
~~إما في الفاعل أو في الفعل لا للتعدية لأن ثلاثيه متعد بنفسه، ويجوز أن
~~يكون إطلاق المعقبات على الملائكة عليهم السلام باعتبار أنهم يعقبون
~~أقوال الشخص وأفعاله أي يتبعونها ويحفظونها بالكتابة. وقال الزمخشري: إن
~~أصله معتقبات فهو من باب الافتعال فأدغمت التاء في القاف كقوله تعالى:

# وجاء المعذرون

# [التوبة: 90] أي المعتذرون. وتعقب بأنه وهم فاحش فإن التاء لا تدغم في
~~القاف من كلمة أو كلمتين، وقد نص الصرفيون على أن القاف والكاف كل منهما
~~لا يدغم في الآخر ولا يدغمان في غيرهما، والتاء في معقبة للمبالغة كتاء 
~~نسابة  لأن الملائكة عليهم السلام غير مؤنثين، وقيل: هي للتأنيث بمعنى
~~أن معقبة صفة جماعة منهم، فمعنى معقبات جماعات كل جماعة منها معقبة وليس
~~معقبة جمع معقب، وذكر الطبري أنه جمعه وشبه ذلك برجل ورجال ورجالات وهو
~~كما ترى لكن أوله أبو حيان بأنه أراد بقوله: جمع معقب أنه أطلق من حيث
~~الاستعمال على جمع معقب وإن كان أصله أن يطلق على مؤنث معقب فصار مثل
~~الواردة للجماعة الذين يردون وإن كان أصله أن يطلق على مؤنث وارد؛ وتشبيه
~~ذلك بما ذكر من حيث المعنى لا من حيث صناعة النحو، فبين أن معقبة من حيث
~~أريد ms04877 به الجمع كرجال من حيث وضع للجمع وإن معقبات من حيث استعمل جمعا
~~لمعقبة المستعمل في الجمع كرجالات الذي هو جمع رجال. وقرأ أبي وإبراهيم
~~{ معاقيب } وهو جمع كما قال الزمخشري جمع معقب أو معقبة بتشديد القاف
~~فيهما والياء عوض من حذف إحدى القافين في التكسير، وقال ابن جني: إنه
~~تكسير معقب كمطعم ومطاعيم ومقدم ومقاديم كأنه جمع على معاقبة ثم حذفت
~~الهاء من الجمع وعوضت الياء عنها ولعله الأظهر، وقرىء { معتقبات } من
~~اعتقب { من بين يديه ومن خلفه } متعلق بمحذوف وقع صفة
~~لمعقبات أو حالا من الضمير في الظرف الواقع خبرا له، فالمعنى أن
~~المعقبات محيطة بجميع جوانبه أو هو متعلق بمعقبات و { من } لابتداء
~~الغاية، فالمعنى أن المعقبات تحفظ ما قدم وأخر من الأعمال أي تحفظ جميع
~~أعماله، وجوز أن يكون متعلقا بقوله تعالى: { يحفظونه } والجملة
~~صفة معقبات أو حال من الضمير في الظرف.

# وقرأ أبي { من بين يديه ورقيب من خلفه } وابن عباس { ورقباء من خلفه }
~~وروى مجاهد عنه أنه قرأ { له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه
~~}.

# { من أمر الله } متعلق بما عنده و { من } للسببية أي يحفظونه
~~من المضار بسبب أمر الله تعالى لهم بذلك، ويؤيد ذلك أن عليا كرم الله
~~تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وزيد بن علي وجعفر بن محمد
~~وعكرمة رضي الله تعالى عنهم قرؤا { بأمر الله } بالباء وهي ظاهرة في
~~السببية. وجوز أن يتعلق بذلك أيضا لكن على معنى يحفظونه من بأسه تعالى
~~متى أذنب بالاستمهال أو الاستغفار له أي يحفظونه باستدعائهم من الله
~~تعالى أن يمهله ويؤخر عقابه ليتوب أو يطلبون من الله تعالى أن يغفر له
~~ولا يعذبه أصلا، وقال في «البحر»: إن معنى الكلام يصير على هذا الوجه
~~إلى التضمين أي يدعون له بالحفظ من نقمات الله تعالى. وقال الفراء
~~وجماعة: في الكلام تقديم وتأخير أي له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين
~~يديه ومن/ خلفه، وروى هذا عن مجاهد والنخعي وابن ms04878 جريج فيكون { من
~~أمر الله } متعلقا بمحذوف وقع صفة لمعقبات أي كانئة من أمره
~~تعالى، وقيل: إنه لا يحتاج في هذا المعنى إلى دعوى تقديم وتأخير بأن
~~يقال: إنه سبحانه وصف المعقبات بثلاث صفات. إحداها: كونها كائنة من بين
~~يديه ومن خلفه. وثانيتها: كونها حافظة له. وثالثتها: كونها كائنة من أمره
~~سبحانه، وإن جعل { من بين يديه } متعلقا  بيحفظونه  يكون هناك
~~صفتان الجملة والجار والمجرور، وتقديم الوصف بالجملة على الوصف به سائغ
~~شائع في الفصيح، وكأن الوصف بالجملة الدالة على الديمومة في الحفظ لكونه
~~آكد قدم على الوصف الآخر. وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وأبو الشيخ عن
~~ابن عباس أن المراد بالمعقبات الحرس الذين يتخذهم الأمراء لحفظهم من
~~القتل ونحوه، وروى مثله عن عكرمة، ومعنى { يحفظونه من أمر
~~الله } أنهم يحفظونهم من قضاء الله تعالى وقدره ويدفعون عنه ذلك في
~~توهمه لجهله بالله تعالى. ويجوز أن يكون من باب الاستعارة التهكمية على
~~حد ما اشتهر في قوله تعالى:

# فبشرهم بعذاب أليم

# [آل عمران: 21] فهو مستعار لضده وحقيقته لا يحفظونه. وعلى ذلك يخرج قول
~~بعضهم: إن المراد لا يحفظونه لا على أن هناك نفيا مقدرا كما يتوهم،
~~والأكثرون على أن المراد بالمعقبات الملائكة. وفي «الصحيح»

# " يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح
~~وصلاة العصر "

# وذكروا أن مع العبد غير الملائكة الكرام الكاتبين ملائكة حفظة، فقد أخرج
~~أبو داود وابن المنذر وابن أبي الدنيا وغيرهم عن علي كرم الله تعالى
~~وجهه قال: لكل عبد حفظة يحفظونه لا يخر عليه حائط أو يتردى في بئر أو
~~تصيبه دابة حتى إذا جاء القدر الذي قدر له خلت عنه الحفظة فأصابه ما شاء
~~الله تعالى أن يصيبه.

# وأخرج ابن أبي الدنيا والطبراني والصابوني عن أبي أمامة قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم:

# " وكل بالمؤمن ثلاثمائة وستون ملكا يدفعون عنه ما لم يقدر عليه من ذلك
~~للبصر سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل من الذباب في اليوم ms04879
~~الصائف وما لو بدا لكم لرأيتموه على كل سهل وجبل كلهم باسط يديه فاغر فاه
~~وما لو وكل العبد فيه إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين "

# وأخرج ابن جرير عن كنانة العدوي قال:

# " دخل عثمان رضي الله تعالى عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
~~يا رسول الله أخبرني عن العبد كم معه من ملك؟ فقال: ملك عن يمينك على
~~حسناتك وهو أمير على الذي على الشمال إذا عملت حسنة كتبت عشرا فإذا عملت
~~سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين: أأكتب؟ قال: لا لعله يستغفر
~~الله تعالى ويتوب فإذا قال ثلاثا قال: نعم اكتب أراحنا الله تعالى منه
~~فبئس القرين ما أقل مراقبته لله سبحانه وأقل استحياءه منه تعالى يقول
~~الله جل وعلا: { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب
~~عتيد } [ق: 18] وملكان من بين يديك وملكان من خلفك يقول الله تعالى: {
~~له معقبت من بين يديه ومن خلفه يحفظونه
~~من أمر الله } وملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لله تعالى رفعك
~~وإذا تجبرت على الله تعالى قصمك وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية
~~فيه وملكان على عينك فهؤلاء عشرة أملاك ينزلون على بني آدم في النهار
~~وينزل مثلهم في الليل "

# والأخبار في هذا الباب كثيرة.

# واستشكل أمر الحفظ بأن المقدر لا بد من أن يكون وغير المقدر لا يكون/
~~أبدا فالحفظ من أي شيء. وأجيب بأن من القضاء والقدر ما هو معلق فيكون
~~الحفظ منه ولهذا حسن تعاطي الأسباب وإلا فمثل ذلك وارد فيها بأن يقال: إن
~~الأمر الذي نريد أن نتعاطاه إما أن يكون مقدرا وجوده فلا بد أن يكون أو
~~مقدرا عدمه فلا بد أن لا يكون فما الفائدة في تعاطيه والتشبث بأسبابه.
~~وتعقب هذا بأن ما ذكر إنما حسن منا لجهلنا بأن ما نطلبه من المعلق أو من
~~غيره والمسألة المستشكلة ليست كذلك، وأنت تعلم أن الله تعالى جعل في
~~المحسوسات أسبابا محسوسة وربط بها مسبباتها حسبما تقضيه حكمته ms04880 الباهرة
~~ولو شاء لأوجد المسببات من غير أسباب لغناه جل شأنه الذاتي، ولا مانع من
~~أن يجعل في الأمور الغير المحسوسة أسبابا يربط بها المسببات كذلك،
~~وحينئذ يقال: إنه جلت عظمته جعل أولئك الحفظة أسبابا للحفظ كما جعل في
~~المحسوس نحو الجفن للعين سببا لحفظها مع أنه ليس سببا إلا للحفظ مما لم
~~يبرم من قضائه وقدره جل جلاله، والوقوف على الحكم بأعيانها مما لم نكلف
~~به، والعلم بأن أفعاله تعالى لا تخلو عن الحكم والمصالح على الإجمال مما
~~يكفي المؤمن، ويقال نحو هذا في أمر الكرام الكاتبين فهم موجودون بالنص
~~وقد جعلهم الله تعالى حفظة لأعمال العبد كاتبين لها ونحن نؤمن بذلك وإن
~~لم نعلم ما قلمهم وما مدادهم وما قرطاسهم وكيف كتابتهم وأين محلهم وما
~~حكمة ذلك مع أن علمه تعالى كاف في الثواب والعقاب عليها وكذا تذكر
~~الإنسان لها وعلمه بها يوم القيامة كاف في دفع ما عسى أن يختلج في صدره
~~عند معاينة ما يترتب عليها.

# ومن الناس من خاض في بيان الحكمة وهو أسهل من بيان ما معها.

# وذكر الإمام الرازي في جواب السؤال عن فائدة جعل الملائكة عليهم السلام
~~موكلين علينا كلاما طويلا فقال: ((إعلم أن ذلك غير مستبعد لأن المنجمين
~~اتفقوا على أن التدبير في كل يوم لكوكب على حدة وكذا القول في كل ليلة،
~~ولا شك أن لتلك الكواكب أرواحا عندهم فتلك التدبيرات المختلفة لتلك
~~الأرواح في الحقيقة، وكذا القول في تدبير الهيلاج والكدخداه على ما
~~يقولون. وأما أصحاب الطلسمات فهذا الكلام مشهور على ألسنتهم فإنهم
~~يقولون: أخبرنا الطباع التام بكذا، ومرادهم به أن لكل إنسان روحا فلكية
~~تتولى صلاح مهماته ودفع بلياته وآفاته، وإذا كان هذا متفقا عليه بين
~~قدماء الفلاسفة وأصحاب الأحكام فكيف يستبعد مجيئة في الشرع؟ وتمام
~~التحقيق فيه أن الأرواح البشرية مختلفة في جواهرها وطبائعها فبعضها خيرة
~~وبعضها شريرة وبعضها حرة وبعضها نذلة وبعضها قوية القهر وبعضها ضعيفته،
~~وكما أن الأمر في الأرواح البشرية كذلك فكذلك القول في ms04881 الأرواح الفلكية،
~~ولا شك أن الأرواح الفلكية في كل باب وصفة أقوى من الأرواح البشرية، وكل
~~طائفة من الأرواح البشرية تكون متشاركة في طبيعة خاصة وصفة مخصوصة (وتكون
~~في مرتبة) روح من الأرواح الفلكية مشاكلة لها في الطبيعة والخاصية، فتكون
~~تلك الأرواح البشرية كأنها أولاد لذلك الروح الفلكي وإذا كان الأمر كذلك
~~فإن ذلك الروح الفلكي يكون معينا على مهماتها ومرشدا لها إلى مصالحها
~~وعاصما إياها عن صنوف الآفات، وهذا كلام ذكره محققو الفلاسفة، وبذلك
~~يعلم أن ما وردت به الشريعة أمر مقبول عند الكل فلا يمكن استنكاره)) اه.

# ولعل مقصوده بذلك تنظير أمر الحفظة مع العبد بأمر الأرواح الفلكية معه
~~على زعم الفلاسفة في الجملة، وإلا فما يقوله المسلمون في أمرهم أمر وما
~~يقوله الفلاسفة في أمر تلك الأرواح أمر آخر وهيهات هيهات أن نقول بما
~~قالوا فإنه بعيد عما جاء عن الشارع عليه الصلاة والسلام بمراحل، ثم ذكر
~~عليه الرحمة من فوائد الحفظة للأعمال/ ((أن العبد إذا علم أن الملائكة
~~عليهم السلام يحضرونه ويحصون عليه أعماله وهم  هم  كان أقرب إلى الحذر
~~عن ارتكاب المعاصي، كمن يكون بين يدي أناس أجلاء من خدام الملك موكلين
~~عليه فإنه لا يكاد يحاول معصية بينهم، وقد ذكر ذلك غيره ولا يخلو عن حسن،
~~ثم نقل عن المتكلمين في فائدة الصحف المكتوبة أنها وزنها يوم القيامة فمن
~~ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية، ويظهر
~~كل من الأمرين للخلائق.

# وتعقبه القاضي بأن ذلك بعيد لأن الأدلة قد دلت على أن كل واحد قبل مماته
~~عند المعاينة يعلم أنه من السعداء أو من الأشقياء والعياذ بالله تعالى
~~فلا يجوز توقف حصول المعرفة على الميزان، ثم أجاب بأنه لا يمتنع أيضا ما
~~ذكرناه لأمر يرجع إلى حصول سرور العبد عند الخلق العظيم بظهور أنه من
~~أولياء الله تعالى لهم وحصول ضد ذلك لمن كان من أعداء الله تعالى، ولا
~~يخفى أن هذا مبني على أن الذي يوزن هو الصحف ms04882 وهو أحد أقوال في المسئلة.
~~نعم ذهب إليه جمع من الأجلة لحديث البطاقة والسجلات المشهور، وكذا على أن
~~الكتابة على معناها الظاهر وهو الذي ذهب إليه أهل الحديث بل وغيرهم فيما
~~أعلم ونقل عن حكماء الإسلام: معنى آخر فقال: إن الكتابة عبارة عن نقوش
~~مخصوصة وضعت بالاصطلاح لتعريف بعض المعاني المخصوصة فلو قدرنا كون تلك
~~النقوش دالة على تلك المعاني بأعيانها وذواتها كانت تلك الكتابة أقوى
~~وأكمل، وحينئذ نقول: إن الإنسان إذا أتى بعمل من الأعمال مرات كثيرة
~~متوالية حصل في نفسه بسبب ذلك ملكة قوية راسخة، فإن كانت تلك الملكة ملكة
~~[سارة] في أعمال نافعة في السعادات الروحانية عظم ابتهاجه بعد الموت، وإن
~~كانت تلك الملكة ملكة ضارة في الأحوال الروحانية عظم تضرره بها بعد، ثم
~~قال: إذا ثبت هذا فنقول: إن التكرير الكثير إن كان سببا لحصول تلك
~~الملكة الراسخة كان لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الملكة،
~~وذلك الأثر وإن كان غير محسوس إلا أنه حاصل في الحقيقة، وإذا عرف هذا ظهر
~~أنه لا يحصل للإنسان لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويحصل منه في جوهر نفسه
~~أثر من آثار السعادة وآثار الشقاوة قل أو كثر، وهذا هو المراد من كتب
~~الأعمال عند حكماء الإسلام والله تعالى العالم بحقائق الأمور)) انتهى،
~~وقد رأيت ذلك لبعض الصوفية. وأنت تعلم أنه خلاف ما نطقت به الآيات
~~والأخبار، ونحن في أمثال هذه الأمور لا نعدل عن الظاهر ما أمكن، والحق
~~أبلج وما بعد الحق إلا الضلال.

# هذا ومن الناس من جعل ضمير { له } لمن الأخير والأول أولى، ومنهم من
~~جعله لله تعالى وما بعده  لمن  وفيه تفكيك للضمائر من غير داع، ومنهم
~~من جعله للنبي صلى الله عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام معلوم من
~~السياق وقد تقدم الإخبار عنه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:

# ويقولون لولا أنزل عليه ءاية

# [يونس: 20] الآية. واستدل على ذلك بما أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم
~~والطبراني في " الكبير ms04883 " وابن مردويه، وأبو نعيم في " الدلائل " من طريق
~~عطاء بن يسار عن ابن عباس أن أربد ابن قيس وعامر بن الطفيل قدما المدينة
~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهيا إليه وهو عليه الصلاة والسلام
~~جالس فجلسا بين يديه فقال عامر: ما تجعل لي إن أسلمت؟ فقال النبي صلى
~~الله عليه وسلم لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم قال: أتجعل لي إن أسلمت
~~الأمر بعدك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك
~~أعنة الخيل قال: فاجعل لي الوبر ولك المدر فقال صلى الله عليه وسلم: لا
~~فلما قفى من عنده قال: لأملأنها عليك خيلا ورجلا فقال النبي صلى الله
~~عليه وسلم: يمنعك الله تعالى، وفي رواية وابناء قيلة  يريد الأوس
~~والخزرج  فلما خرجا قال عامر: يا أربد/ أنى سألهي محمدا عنك بالحديث
~~فاضربه بالسيف فإن الناس إذا قتلته لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية
~~ويكرهوا الحرب فسنعطيهم الدية فقال أربد: افعل فأقبلا راجعين فقال عامر:
~~يا محمد قم معي أكلمك فقام عليه الصلاة والسلام معه فخليا إلي الجدار
~~ووقف عامر يكلمه وسل أربد السيف فلما وضع يده عليك يبست على قائمه فلم
~~يستطع سله وأبطأ على عامر فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد
~~وما يصنع فانصرف عنهما وقال عامر لأربد: ما لك؟ قال: وضعت يدي على قائم
~~سيفي فيبست فلما خرجا حتى إذا كانا بالرقم نزلا فخرج إليهما سعد بن معاذ
~~وأسيد بن حضير فوقع بهما أسيد قال: اشخصا يا عدوي الله تعالى لعنكم الله
~~تعالى فقال عامر: من هذا يا سعد؟ فقال: هذا أسيد بن حضير الكتائب فقال:
~~أما والله إن كان حضير صديقا لي، ثم إن الله سبحانه أرسل على أربد صاعقة
~~فقتلته وخرج عامر حتى إذا كان بوادي الجريد أرسل الله تعالى عليه قرحة
~~فأدركه الموت، وفي رواية أنه كان يصيح يا لعامر أغدة كغدة البعير وموت في
~~بيت سلولية فأنزل الله تعالى فيهما:

# الله يعلم ما تحمل كل ms04884 أنثى

# [الرعد: 8] إلى قوله سبحانه: { له معقبت } إلى آخره ثم قال:
~~المعقبات من أمر الله يحفظون محمدا صلى الله عليه وسلم، وجاء في رواية
~~أخرى عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: هذه للنبي عليه الصلاة والسلام
~~خاصة، والأكثرون على اعتبار العموم، وسبب النزول لا يأبى ذلك والله تعالى
~~أعلم.

# ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر إحاطة علمه بالعباد وأن لهم معقبات يحفظونهم
~~من أمره جل شأنه نبه على لزوم الطاعة ووبال المعصية فقال عز من قائل: {
~~إن الله لا يغير ما بقوم } من النعمة والعافية { حتى
~~يغيروا ما بأنفسهم } ما اتصفت به ذواتهم من الأحوال الجميلة
~~لا ما أضمروه ونووه فقط، والمراد بتغيير ذلك تبديله بخلافه لا مجرد تركه،
~~وجاء عن علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعا يقول الله تعالى:

# " وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي ما من أهل قرية ولا أهل بيت ولا رجل
~~ببادية كانوا على ما كرهت من معصيتي ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من
~~طاعتي إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي وما من
~~أهل قرية ولا أهل بيت ولا رجل ببادية كانوا على ما أحببت من طاعتي ثم
~~تحولوا عنها إلى ما كرهت من معصيتي إلا تحولت لهم عما يحبون من رحمتي إلى
~~ما يكرهون من عذابي "

# أخرجه ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه.

# واستشكل ظاهر الآية حيث أفادت أنه لا يقع تغيير النعم بقوم حتى يقع
~~تغيير منهم بالمعاصي مع أن ذلك خلاف ما قررته الشريعة من أخذ العامة
~~بذنوب الخاصة ومنه قوله سبحانه:

# واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم
~~خاصة

# [الأنفال: 25]

# " وقوله عليه الصلاة والسلام وقد سئل: أنهلك وفينا الصالحون؟ نعم إذا
~~كثر الخبث "

# وقوله صلى الله عليه وسلم:

# " إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله سبحانه بعقاب
~~"

# في أشياء كثيرة وأيضا قد ينزل الله تعالى بالعبد مصائب يزيد بها أجره،
~~وقد يستدرج المذنب بترك ذلك. وأولها ابن عطية لذلك بأن ms04885 المراد حتى يقع
~~تغيير ما منهم أو ممن هو منهم كما غير سبحانه بالمنهزمين يوم أحد بسبب
~~تغيير الرماة ما بأنفسهم والحق أن المراد أن ذلك عادة الله تعالى الجارية
~~في الأكثر لا أنه سبحانه لا يصيب قوما إلا بتقدم ذنب منهم فلا إشكال،
~~قيل: ولك أن تقول: إن قوله سبحانه:

# { وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له } تتميم
~~لتدارك ما ذكر وفيه تأمل، والسوء يجمع كل ما يسوء من مرض وفقر وغيرهما من
~~أنواع البلاء، و { مرد } مصدر ميمي أي فلا رد له، والعامل في { إذا
~~} ما دل/ عليه الجواب لأن معمول المصدر وكذا ما بعد الفاء لا يتقدم عليه،
~~والتقدير كما قال أبو البقاء وقع أو لم يرد أو نحو ذلك، والظاهر أن {
~~إذا } للكلية، وقد جاءت كذلك في أكثر الآيات { وما لهم من
~~دونه } سبحانه { من وال } يلي أمورهم من ضرر ونفع ويدخل في ذلك
~~دخولا أوليا دفع السوء عنهم، وقيل: الأول إشارة إلى نفي الدافع بالدال
~~وهذا إشارة إلى نفي الرافع بالراء لئلا يتكرر ولا حاجة إلى ذلك كما لا
~~يخفى.

# واستدل بالآية على أن خلاف مراد الله تعالى محال. واعترض بأنها إنما تدل
~~على أنه تعالى إذا أراد بقوم سوءا وجب وقوعه ولا تدل على أن كل مراد له
~~تعالى كذلك ولا على استحالة خلافه بل على عدم وقوعه، وأجيب بأنه لا فرق
~~بين إرادة السوء وإرادة غيره لكن اقتصر على إرادة الأول لأن الكلام في
~~الانتقام من الكفار وهو أبلغ في تخويفهم فإذا امتنع رد السوء فغيره كذلك،
~~والمراد بالاستحالة عدم الإمكان الوقوعي لا الذاتي ولا يخفى أن هذا خلاف
~~الظاهر، ومن أعجب ما قيل: إن الجمهور احتجوا بالآية على أن المعاصي مما
~~يشملها السوء وأنها بخلقه تعالى، ومن الناس من جعل الآية متعلقة بقوله
~~تعالى:

# ويستعجلونك بالسيئة

# [الرعد: 6] إلى آخره وبين ذلك أبو حيان بما لا يرتضيه إنسان، وقيل: إن
~~فيها إيذانا بأنهم بما باشروه من إنكار البعث واستعجال السيئة واقتراح
~~الآية ms04886 قد غيروا ما في أنفسهم من الفطرة فاستحقوا لذلك حلول غضب الله
~~تعالى.

# هذا ووقف ابن كثير على

# هاد

# [الرعد: 7] وكذا

# واق

# [الرعد: 34] حيث وقع وعلى { وال } هنا و { باق } في النحل [96]
~~بإثبات الياء وباقي السبعة وقفوا بحذفها. وفي " الإقناع " لأبي جعفر ابن
~~الباذش عن ابن مجاهد الوقف في جميع الباب لابن كثير بالياء وهذا لا يعرفه
~~المكيون، وفيه أيضا عن أبي يعقوب الأزرق عن ورش أنه خيره في الوقف في
~~جميع الباب بين أن يقف بالياء وأن يقف بحذفها كذا في «البحر» وفيه أنه
~~أثبت ابن كثير وأبو عمرو في رواية ياء { المتعال } وقفا ووصلا وهو
~~الكثير في لسان العرب وحذفها الباقون وصلا ووقفا لأنها كذلك رسمت في
~~الإمام. واستشهد سيبويه لحذفها في الفواصل والقوافي وأجاز غيره حذفها
~~مطلقا ووجه حذفها مع أنها تحذف مع التنوين وأل معاقبة له إجراء المعاقب
~~مجرى المعاقب.

### || [13.12]

# { هو الذى يريكم البرق خوفا } من الصاعقة { وطمعا }
~~في الغيث قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن
~~أنه قال: خوفا لأهل البحر وطمعا لأهل البر. وعن قتادة خوفا للمسافر من
~~أذى المطر وطمعا للمقيم في نفعه، وعن الماوردي خوفا من العقاب وطمعا
~~في الثواب، والمراد من البرق معناه المتبادر وعن ابن عباس أن المراد به
~~الماء فهو مجاز من باب إطلاق الشيء على ما يقارنه غالبا. ونصب { خوفا
~~وطمعا } على أنهما مفعول له  ليريكم  واتحاد فاعل العلة والفعل
~~المعلل ليس شرطا للنصب مجمعا، ففي " شرح الكافية " للرضي وبعض النحاة
~~لا يشترط تشاركهما في الفاعل وهو الذي يقوي في ظني وإن كان الأغلب هو
~~الأول. واستدل على جواز عدم التشارك بما ذكرناه في " حواشينا على شرح
~~القطر " للمصنف.

# وفي «همع الهوامع» و شرط الأعلم والمتأخرون المشاركة للفعل في الوقت
~~والفاعل ولم يشترط ذلك سيبويه ولا أحد من المتقدمين، واحتاج المشترطون
~~إلى تأويل هذا للاختلاف في الفاعل فإن فاعل الإراءة هو الله تعالى وفاعل
~~الطمع والخوف غيره سبحانه فقيل: في الكلام مضاف ms04887 مقدر وهو إرادة أي يريكم
~~ذلك إرادة أن تخافوا وتطمعوا فالمفعول له المضاف المقدر وفاعله وفاعل
~~الفعل المعلل به واحد، وقيل: الخوف والطمع موضوعان/ موضع الإخافة
~~والإطماع كما وضع النبات موضع الإنبات في قوله تعالى:

# والله أنبتكم من الأرض نباتا

# [نوح: 17] والمصادر ينوب بعضها عن بعض أو هما مصدران محذوفا الزوائد كما
~~في «شرح التسهيل»، وقيل: إنهما مفعول له باعتبار أن المخاطبين رائين لأن
~~إراءتهم متضمنة لرؤيتهم والخوف والطمع من أفعالهم فهم فعلوا الفعل المعلل
~~بذلك وهو الرؤية فيرجع إلى معنى قعدت عن الحرب جبنا وهذا على طريقة قول
~~النابغة الذبياني:

# وحلت بيوتي في يفاع ممنع

# يخال به راعي الحمولة طائرا

# حذارا على أن لا تنال مقادتي

# ولانسوتي حتى يمتن حرائرا

# حيث قيل: إنه على معنى أحللت بيوتي حذارا، ورد ذلك المولى أبو السعود
~~بأنه لا سبيل إليه لأن ما وقع في معرض العلة الغائية لا سيما الخوف لا
~~يصلح علة لرؤيتهم. وتعقبه عزمي زاده وغيره بأنه كلام واه لأن القائل صرح
~~بأنه من قبيل قعدت عن الحرب جبنا ويريد أن المفعول له حامل على الفعل
~~وموجود قبله وليس مما جعل في معرض العلة الغائية كما قالوا في ضربته
~~تأديبا فلا وجه للرد عليه بما ذكر، وقيل: التعليل هنا مثله في لام
~~العاقبة لا أن ذلك من قبيل قعدت عن الحرب جبنا كما ظن لأن الجبن باعث
~~على القعود دونهما للرؤية وهو غير وارد لأنه باعث بلا شبهة، واعترض عليه
~~العزمي بأن اللام المقدرة في المفعول له لم يقل أحد بأنها تكون لام
~~العاقبة ولا يساعده الاستعمال وهو ليس بشيء، كيف وقد قال النحاة كما في "
~~الدر المصون ": إنه كقول النابغة السابق، وقال أيضا: بقي ههنا بحث وهو
~~أن مقتضى جعل الآية نحو قعدت إلى آخره على ما قاله ذلك القائل أن يكون
~~الخوف والطمع مقدمين في الوجود على الرؤية وليس كذلك بل هما إنما يحصلان
~~منها ويمكن أن يقال: المراد بكل من الخوف والطمع على ما قاله ما هو ms04888 من
~~الملكات النفسانية كالجبن في المثال المذكور ويصح تعليل الرؤية من
~~الإراءة بهما يعني أن الرؤية من الإراءة بهما يعني أن الرؤية التي تقع
~~بإراءة الله سبحانه إنما كانت لما فيهم من الخوف والطمع إذ لو لم يكن في
~~جبلتهم ذلك لما كان لتلك الرؤية فائدة اه، ولا يخفى ما فيه من التعسف،
~~وقد علمت أنه غير وارد، وقيل: إن النصب على الحالية من { البرق } أو
~~المخاطبين بتقدير مضاف أو تأويل المصدر باسم المفعول أو الفاعل أو إبقاء
~~المصدر على ما هو عليه للمبالغة كما قيل في زيد عدل.

# { وينشىء السحاب } أي الغمام المنسحب في الهواء { الثقال }
~~بالماء وهي جمع ثقيلة وصف بها السحاب لكونه اسم جنس في معنى الجمع ويذكر
~~ويؤنث فكأنه جمع سحابة ثقيلة لا أنه جمع أو اسم جنس جمعي لإطلاقه على
~~الواحد وغيره.

### || [13.13]

# { ويسبح الرعد } قيل: هو اسم للصوت المعلوم والكلام على حذف
~~مضاف أي سامعو الرعد أو الإسناد مجازي من باب الإسناد للحامل والسبب،
~~والباء في قوله سبحانه: { بحمده } للملابسة، والجار والمجرور في
~~موضع الحال أي يسبح السامعون لذلك الصوت ملتبسين بحمد الله تعالى فيضجون
~~بسبحان الله والحمد لله. وقيل: لا حذف ولا تجوز في الإسناد وإنما التجوز
~~في التسبيح والتحميد حيث شبه دلالة الرعد بنفسه على تنزيهه تعالى عن
~~الشريك والعجز بالتسبيح والتنزيه اللفظي ودلالته على فضله جل شأنه ورحمته
~~بحمد الحامل لما فيهما من الدلالة على صفات الكمال، وقيل: إنه مجاز مرسل
~~استعمل في لازمه، وقيل: الرعد اسم ملك فإسناد التسبيح والتحميد إليه
~~حقيقة./ قال في «الكشف»: والأشبه في الآية الحمل على الإسناد المجازي
~~ليتلاءم الكلام فإن الرعد في المتعارف يقع على الصوت المخصوص وهو الذي
~~يقرن بالذكر مع البرق والسحاب والكلام في إراءة الآيات الدالة على القدرة
~~الباهرة وإيجادها وتسبيح ملك الرعد لا يلائم ذلك، أما حمل الصوت المخصوص
~~للسامعين على التسبيح والحمد فشديد الملائمة جدا، وإذا حمل على الإسناد
~~حقيقة فالوجه أن يكون اعتراضا دلالة على اعتراف الملك الموكل بالسحاب ms04889
~~وسائر الملائكة بكمال قدرته سبحانه جلت قدرته وجحود الإنسان ذلك، وأنت
~~تعلم أن تسبيح الملائكة على ما ادعى أنه الأشبه يبقى كالاعتراض في البين.

# والذي اختاره أكثر المحدثين كون الإسناد حقيقيا بناء على أن الرعد اسم
~~للملك الذي يسوق السحاب، فقد أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وآخرون
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما

# " أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا ما هذا
~~الرعد؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ملك من ملائكة الله تعالى موكل بالسحاب
~~بيديه مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله تعالى قالوا: فما
~~هذا الصوت الذي نسمع؟ قال عليه الصلاة والسلام: صوته فقالوا: صدقت "

# ، والأخبار في ذلك كثيرة، واستشكل بأنه لو كان علما للملك لما ساغ
~~تنكيره وقد نكر في البقرة، وأجيب بأن له إطلاقين ثانيهما إطلاقه على نفس
~~الصوت والتنكير على هذا الإطلاق، وقال ابن عطية: وقيل: إن الرعد ريح تخفق
~~بين السحاب، وروى ذلك عن ابن عباس، وتعقبه أبو حيان بقوله: وهذا عندي لا
~~يصح فإن ذلك من نزغات الطبيعيين وغيرهم. وقال الإمام: ((إن المحققين من
~~الحكماء يذكرون أن هذه الآثار العلوية إنما تتم بقوى روحانية فلكية
~~وللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره وكذا القول في الرياح وسائر
~~الآثار العلوية، وهو عين ما قلنا: من أن الرعد اسم لملك من الملائكة يسبح
~~الله تعالى، فهذا الذي قاله المفسرون بهذه العبارة هو عين ما ذكره
~~المحققون من الحكماء فكيف يليق بالعاقل الإنكار)) اه.

# وتعقبه أبو حيان أيضا بأن غرضه جريان ما يتخيله الفلاسفة على مناهج
~~الشريعة ولن يكون ذلك أبدا، ولقد صدق رحمه الله تعالى في عدم صحة
~~التطبيق بين ما جاءت به الشريعة وما نسجته عناكب أفكار الفلاسفة. نعم إن
~~ذلك ممكن في أقل قليل من ذاك وهذا، والمشهور عن الفلاسفة أن الريح تحتقن
~~في داخل السحاب ويستولي البرد على ظاهره فيتجمد السطح الظاهر ثم أن ذلك
~~الريح يمزقه تمزيقا عنيفا فيتولد من ذلك حركة عنيفة وهي ms04890 موجبة للسخونة
~~وليس البرق والرعد إلا ما حصل من الحركة وتسخينها، وأما السحاب فهو أبخرة
~~متصاعدة قد بلغت في صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء لكن لما لم يقو
~~البرد تكاثفت بذلك القدر من البرد واجتمعت وتقاطرت ويقال للمتقاطر مطر.

# ورد الأول بأنه خلاف المعقول من وجوه. أحدها: أنه لو كان الأمر كما ذكر
~~لوجب أن يكون كلما حصل البرق حصل الرعد وهو الصوت الحادث من تمزيق السحاب
~~ومعلوم أنه كثيرا ما يحدث البرق القوي من غير حدوث الرعد. ثانيها: أن
~~السخونة الحاصلة بسبب قوة الحركة مقابلة بالطبيعة المائية الموجبة للبرد
~~وعند حصول هذا المعارض القوي كيف تحدث النارية بل يقال: النيران العظيمة
~~تنطفىء بصب الماء عليها والسحاب كله ماء فكيف يمكن أن يحدث فيه شعلة
~~ضعيفة نارية. ثالثها: أن من مذهبكم أن النار الصرفة لا لون لها البتة فهب
~~أنه حصلت النارية بسبب قوة المحاكة الحاصلة في أجزاء السحاب لكن من أين
~~حدث ذلك اللون الأحمر؟ ورد الثاني بأن الأمطار مختلفة فتارة تكون قطراتها
~~كبيرة وتارة تكون صغيرة وتارة تكون متقاربة وأخرى تكون متباعدة إلى غير/
~~ذلك من الاختلافات وذلك مع أن طبيعة الأرض واحدة وطبيعة الشمس المسخنة
~~للبخارات واحدة يأبى أن يكون ذلك كما قرروا، وأيضا التجربة دالة على أن
~~للتضرع والدعاء في انعقاد السحاب ونزول الغيث أثرا عظيما وهو يأبى أن
~~يكون ذلك للطبيعة والخاصية فليس كل ذلك إلا بإحداث محدث حكيم قادر بخلق
~~ما يشاء كيف يشاء، وقال بعض المحققين: لا يبعد أن يكون في تكون ما ذكر
~~أسباب عادية كما في الكثير من أفعاله تعالى وذلك لا ينافي نسبته إلى
~~المحدث الحكيم القادر جل شأنه، ومن أنصف لم يسعه إنكار الأسباب بالكلية
~~فإن بعضها كالمعلوم بالضرورة وبهذا أنا أقول، وقد تقدم بعض الكلام في هذا
~~المقام.

# " وكان صلى الله عليه وسلم كما أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة إذا هبت
~~الريح أو سمع صوت الرعد تغير لونه حتى يعرف ذلك في وجهه الشريف ثم يقول ms04891
~~للرعد: " سبحان من سبحت له وللريح اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا "

# وأخرج أحمد والبخاري في " الأدب المفرد " والترمذي والنسائي وغيرهم عن
~~ابن عمر

# " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: "
~~اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك "

# وأخرج أبو داود في مراسيله عن عبيد الله بن أبي جعفر «أن قوما سمعوا
~~الرعد فكبروا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إذا سمعتم الرعد فسبحوا ولا تكبروا "

# وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس

# " أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول إذا سمع الرعد: سبحان الله وبحمده
~~سبحان الله العظيم "

# وأخرج ابن مردويه وابن جرير عن أبي هريرة قال:

# " كان صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد قال سبحان من يسبح الرعد بحمده
~~"

# { والملئكة من خيفته } أي ويسبح الملائكة عليهم السلام
~~من هيبته تعالى وإجلاله جل جلاله، وقيل: الضمير يعود على الرعد، والمراد
~~بالملائكة أعوانه جعلهم الله تعالى تحت يده خائفين خاضعين له وهو قول
~~ضعيف { ويرسل الصوعق } جمع صاعقة وهي كالصاقعة في الأصل الهدة
~~الكبيرة إلا أن الصقع يقال في الأجسام الأرضية والصعق في الأجسام
~~العلوية، والمراد بها هنا النار النازلة من السحاب مع صوت شديد {
~~فيصيب } سبحانه { بها من يشاء } إصابته بها فيهلكه، قيل: وهذه
~~النار قيل تحصل من احتكاك أجزاء السحاب، واستدل بما أخرجه ابن المنذر
~~وابن مردويه عن ابن عباس قال: الرعد ملك اسمه الرعد وصوته هذا تسبيحه
~~فإذا اشتد زجره احتك السحاب واصطدم من خوفه فتخرجه الصواعق من بينه، وقال
~~الفلاسفة: إن الدخان المحتبس في جوف السحاب إذا نزل ومزق السحاب قد يشتعل
~~بقوة التسخين الحاصل من الحركة الشديدة والمصاكة العنيفة وإذا اشتعل
~~فلطيفه ينطفىء سريعا وهو البرق وكثيفه لا ينطفىء حتى يصل إلى الأرض وهو
~~الصاعقة، وإذا وصل إليها فربما صار لطيفا ينفذ في المتخلخل ولا يحرقه بل
~~يبقى منه أثر سواد ويذيب ما يصادمه من الأجسام الكثيفة المندمجة فيذيب
~~الذهب والفضة في الصرة مثلا ولا ms04892 يحرقها إلا ما أحرق من المذوب، وقد أخبر
~~أهل التواتر بأن صاعقة وقعت منذ زمان بشيراز على قبة الشيخ الكبير أبي
~~عبد الله بن خفيف قدس سره فأذابت قنديلا فيها ولم تحرق شيئا منها،
~~وربما كان كثيفا غليظا جدا فيحرق كل شيء أصابه، وكثيرا ما يقع على
~~الجبل فيدكه دكا، وقد يقع على البحر فيغوص فيه ويحرق ما فيه من
~~الحيوانات، وربما كان جرم الصاعقة دقيقا جدا مثل السيف فإذا وصل إلى
~~شيء قطعه بنصفين ولا يكون مقدار الانفراج إلا قليلا، ويحكى أن صبيا كان
~~نائما بصحراء فأصابت الصاعقة ساقيه فسقطت رجلاه ولم يخرج دم لحصول/ الكي
~~من حرارتها، وهذا الذي قالوه في سبب تكونها ليس بالبعيد عما روي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما في ذلك، ومادتها على ما نقل بعضهم عن ابن سينا
~~نارية فارقتها السخونة وصارت لاستيلاء البرودة على جوهرها متكاثفة، وقال
~~الإمام في «شرح الإشارات»: الصواعق على ما نقل عن الشيخ تشبه الحديد تارة
~~والنحاس تارة والحجر تارة وهو ظاهر في أن مادتها ليست كذلك وإلا لما
~~اختلفت، ومن هنا قيل: إن مادتها الأبخرة والأدخنة الشبيهة بمواد هذه
~~الأجسام، وقيل: إنها نار تخرج من فم الملك الموكل بالسحاب إذا اشتد زجره.

# وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي عمران الجوني قال: إن بحورا من
~~نار دون العرش يكون منها الصواعق، وإذا صح ما روي عن الحبر لا يعدل عنه.

# وقد أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عنه رضي الله تعالى أنه قال: «من
~~سمع صوت الرعد فقال سبحانه الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو
~~على كل شيء قدير فإن أصابته صاعقة فعلي ديته». وأخرج ابن أبي حاتم
~~وغيره عن أبي جعفر قال: «الصاعقة تصيب المؤمن والكافر ولا تصيب ذاكرا»
~~وفي خبر مرفوع ما يؤيده، وقد أهلكت أربد كما علمت، وقد أشار إلى ذلك أخوه
~~لأمه لبيد العامري بقوله يرثيه:

# أخشى على أربد الحتوف ولا

# أرهب نوء السماك والأسد

# فجعني البرق والصواعق بالفارس ms04893 يوم الكريهة النجد

# وفي تلك القصة على ما قال ابن جريج وغيره نزلت الآية. وعن مجاهد أن
~~يهوديا ناظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا هو كذلك نزلت صاعقة
~~فأخذت قحف رأسه فنزلت، وقيل: إنه عليه الصلاة والسلام بعث إلى جبار من
~~العرب ليسلم فقال: أخبروني عن إله محمد أمن لؤلؤ هو أم من ذهب أم من
~~نحاس؟ فنزلت عليه صاعقة فأهلكته فنزلت. و { من } مفعول { يصيب }
~~والكلام على ما في «البحر» من باب الإعمال وقد أعمل فيه الثاني إذ كل من
~~{ يرسل } و { يصيب } يطلب { من } ولو اعمل الأول لكان التركيب
~~ويرسل الصواعق فيصيب بها على من يشاء، لكن جاء على الكثير في لسان العرب
~~المختار عند البصريين وهو إعمال الثاني.

# ثم إنه تعالى بعد أن ذكر علمه النافذ في كل شيء واستواء الظاهر والخفي
~~عنده تعالى وما دل على قدرته الباهرة ووحدانيته قال جل شأنه: { وهم }
~~أي الذين كفروا وكذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأنكروا آياته {
~~يجدلون فى الله } حيث يكذبون ما يصفه الصادق به من كمال العلم
~~والقدرة والتفرد بالألوهية وإعادة الناس ومجازاتهم، فالمراد بالمجادلة
~~فيه تعالى المجادلة في شأنه سبحانه وما أخبر به عنه جل شأنه، وهي من
~~الجدل بفتحتين أشد الخصومة، وأصله من الجدل بالسكون وهو فتل الحبل ونحوه
~~لأنه يقوى به ويشد طاقاته.

# وقال الراغب: ((أصل ذلك من جدلت الحبل أي أحكمت فتله كأن المتجادلين
~~يفتل كل واحد منهما الآخر عن رأيه، وقيل: الأصل في الجدال الصراع
~~وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة وهي الأرض الصلبة))، وإلى تفسير الآية
~~بما ذكر ذهب الزمخشري، قال في «الكشف»: وفي كلامه إشارة إلى أن في الكلام
~~التفاتا لأن قوله تعالى:

# سواء منكم

# [الرعد: 10]

# هو الذى يريكم

# [الرعد: 12] فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب وإن شئت فتأمل من قوله
~~تعالى:

# أولئك الذين كفروا بربهم

# إلى قوله سبحانه:

# الكبير المتعال

# [الرعد: 59]. ثم التفت من الخطاب إلى/ الغيبة وحسن موقعهما، أما الأول
~~فما فيه من تخصيص الوعيد المدمج في ms04894

# سواء منكم

# [الرعد: 10] ولهذا ذيل بقوله تعالى:

# إن الله لا يغير ما بقوم

# إلى

# من وال

# [الرعد: 11] وفيه من التهديد ما لا يخفى على ذي بصيرة، والحث على طلب
~~النجاة وزيادة التقريع في قوله تعالى:

# هو الذى يريكم

# [الرعد:12] وفي مجىء

# سواء منكم

# هو الذى يريكم

# [الرعد:12] بعد قوله تعالى:

# الله يعلم

# [الرعد: 8] هكذا من دون حرف النسق لأن الأول مقرر لقوله سبحانه: {
~~الله يعلم } مع زيادة الإدماج المذكور تحقيقا للعلم والثاني مقرر
~~لما ضمن من الدلالة على القدرة في قوله تعالى:

# وكل شىء عنده بمقدار

# [الرعد: 8] مع رعاية نمط التعديد على أسلوب

# الرحمن * علم القرءان

# [الرحمن: 1-2] ما يبهر الألباب ويظهر للمتأمل في وجه الإعجاز التنزيلي
~~العجب العجاب، وأما الثاني فما فيه من الدلالة على أنهم مع وضوح الآيات
~~وتلاوتها عليهم والتنبيه البالغ ترغيبا وترهيبا لم يبالوا بها بالة
~~فكأنه يشكوا جنايتهم إلى من يستحق الخطاب أو كمن يدمدم في نفسه أني أصنع
~~بهم وأفعل كيت وكيت جزاء ما ارتكبوه ليرى ما يريد أن يوقع بهم، وعلى هذا
~~فقوله تعالى: { هم } إلى آخره معطوف على قوله تعالى:

# ويقول الذين كفروا لولا أنزل

# [الرعد: 7] المعطوف على

# ويستعجلونك

# [الرعد: 6] والعدول عن الفعلية إلى الاسمية وطرح رعاية التناسب للدلالة
~~على أنهم ما ازدادوا بعد الآيات إلا عنادا

# وأما الذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجسا
~~إلى رجسهم

# [التوبة: 125] وجاز أن يقال: إنه معطوف على

# هو الذى يريكم

# [الرعد: 12] على معنى هو الذي يريكم هذه الآيات الكوامل الدالة على
~~القدرة والرحمة وأنتم تجادلون فيه سبحانه وهذا أقرب مأخذا والأول أملأ
~~بالفائدة اه ومخايل التحقيق ظاهرة عليه.

# وزعم الطيبي أن الأنسب لتأليف النظم أن يكون هذا تسلية لحبيبه صلى الله
~~عليه وسلم، فإنه تعالى لما نعى على كفار قريش عنادهم في اقتراحهم الآيات
~~كآيات موسى وعيسى عليهما السلام وإنكارهم كون الذي جاء عليه الصلاة
~~والسلام آيات سلاه جل شأنه بما ذكر كأنه قال: هون عليك فإنك لست مختصا
~~بذلك فإنه مع ظهور الآيات البينات ودلائل ms04895 التوحيد يجادلون في الله تعالى
~~باتخاذ الشركاء وإثبات الأولاد ومع شمول علمه تعالى وكمال قدرته جل جلاله
~~ينكرون الحشر والنشر ومع قهر سلطانه وشديد سطوته يقدمون على المكايدة
~~والعناد فلا تذهب نفسك عليهم حسرات فليتأمل، ولا يستحسن العطف على {
~~يرسل الصوعق } لعدم الاتساق، وجوز أن تكون الجملة حالا من
~~مفعول { يصيب } أي يصيب بها من يشاء في حال جداله أو من مفعول {
~~يشاء } على ما قيل وهو كما ترى، ولا يعين سبب النزول الحالية كما لا
~~يخفى.

# { وهو } سبحانه وتعالى { شديد المحال } أي المماحلة وهي
~~المكايدة من محل بفلان بالتخفيف إذا كاده وعرضه للهلاك، ومنه تمحل لكذا
~~إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه فهو مصدر كالقتال، وقيل: هو اسم لا
~~مصدر من المحل بمعنى القوة وحمل على ذلك قول الأعشى:

# فرع نبل يهتز في غصن المج

# د عظيم الندى شديد المحال

# وقول عبد المطلب:

# لا يغلبن صليبهم

# ومحالهم عدوا محالك

# وكأن أصله من المحل بمعنى القحط، وكلا التفسيرين مروي على ابن عباس،
~~وقيل: هو مفعل لا فعال من الحول بمعنى القوة، وقال ابن قتيبة: هو كذلك من
~~الحيلة المعروفة وميمه زائدة كميم مكان، وغلطه الأزهري بأنه لو كان
~~مفعلا لكان كمرود ومحور، واعتذر عن ذلك بأنه أعل على غير قياس، وأيد
~~دعوى الزيادة بقراءة الضحاك والأعرج { المحال } بفتح الميم/ على أنه مفعل
~~من حال يحول إذا احتال لأن الأصل توافق القراءتين، ويقال للحيلة أيضا
~~المحالة؛ ومنه المثل المرء يعجز لا المحالة، وقال أبو زيد: هو بمعنى
~~النقمة وكأنه أخذه من المحل بمعنى القحط أيضا، وقال ابن عرفة: هو الجدال
~~يقال: ما حل عن أمره أي جادل، وقيل: هو بمعنى الحقد وروي عن عكرمة وحملوه
~~على التجوز. وجوز أن يكون { المحال } بالفتح بمعنى الفقار وهو عمود
~~الظهر وقوامه، قال في " الأساس ": يقال فرس قوي المحال أي الفقار الواحدة
~~محالة والميم أصلية، ويكون ذلك مثلا في القوة والقدرة كما جاء في الحديث
~~الصحيح

# " فساعد الله تعالى أسد وموساه أحد "

# لأن الشخص إذا ms04896 اشتد محاله كان منعوتا بشدة القوة والاضطلاع بما يعجز
~~عنه غيره، ألا ترى إلى قولهم: فقرته الفواقر وهو مثل لتوهين القوى، وبهذا
~~الحمل لا يلزم إثبات الجسمية له تعالى، والجملة الاسمية في موضع الحال من
~~الاسم الجليل.

### || [13.14]

# { له } أي لله تعالى { دعوة الحق } أي الدعاء والتضرع الثابت
~~الواقع في محله المجاب عند وقوعه، والإضافة للإيذان بملابسة الدعوة للحق
~~واختصاصها به وكونها بمعزل من شائبة البطلان والضلال والضياع كما يقال:
~~كلمة الحق؛ والمراد أن إجابة ذلك له تعالى دون غيره، ويؤيده ما بعد كما
~~لا يخفى وقيل: المراد بدعوة الحق الدعاء عند الخوف فإنه لا يدعى فيه إلا
~~الله تعالى كما قال سبحانه:

# ضل من تدعون إلا إياه

# [الإسراء: 67] وزعم الماوردي أن هذا أشبه بسياق الآية، وقيل: الدعوة
~~بمعنى الدعاء أي طلب الإقبال، والمراد به العبادة للاشتمال، والإضافة على
~~طرز ما تقدم، وبعضهم يقول: إن هذه الإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة
~~والكلام فيها شهير، وحاصل المعنى أن الذي يحق أن يعبد هو الله تعالى دون
~~غيره.

# ويفهم من كلام البعض  على ما قيل  أن الدعوة بمعنى الدعاء ومتعلقها
~~محذوف أي للعبادة، والمعنى أنه الذي يحق أن يدعى إلى عبادته دون غيره،
~~ولا يخفى ما بين المعنيين من التلازم فإنه إذا كانت الدعوة إلى عبادته
~~سبحانه حقا كانت عبادته جل شأنه حقا وبالعكس، وعن الحسن أن المراد من
~~الحق هو الله تعالى، وهو  كما في «البحر»  ثاني الوجهين اللذين ذكرهما
~~الزمخشري، والمعنى عليه كما قال: له دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب،
~~والأول ما أشرنا إليه أولا وجعل الحق فيه مقابل الباطل.

# وبين صاحب " الكشف " حاصل الوجهين بأن الكلام مسوق لاختصاصه سبحانه بأن
~~يدعى ويعبد ردا لمن يجادل في الله تعالى ويشرك به سبحانه الأنداد ولا بد
~~من أن يكون في الإضافة إشعار بهذا الاختصاص، فإن جعل الحق في مقابل
~~الباطل فهو ظاهر، وإن جعل اسما من أسمائه تعالى كان الأصل لله دعوته
~~تأكيدا للاختصاص من اللام والإضافة ثم زيد ms04897 ذلك بإقامة الظاهر مقام
~~المضمر معادا بوصف ينبىء عن اختصاصها به أشد الاختصاص فقيل: له دعوة
~~المدعو الحق والحق من أسمائه سبحانه يدل على أنه الثابت بالحقيقة وما
~~سواه باطل من حيث هو وحق بتحقيقه تعالى إياه فيتقيد بحسب كل مقام للدلالة
~~على أن مقابله لا حقيقة له، وإذا كان المدعو من دونه بطلانه لعدم
~~الاستجابة فهو الحق الذي يسمع فيجيب انتهى.

# وبهذا سقط ما قاله أبو حيان في الاعتراض على الوجه الثاني من أن مآله
~~إلى الله دعوة الله وهو نظير قولك: لزيد دعوة زيد ولا يصح ذلك، واستغنى
~~عما قال العلامة الطيبي/ في تأويله: من أن المعنى ولله تعالى الدعوة
~~التي تليق أن تنسب وتضاف إلى حضرته جل شأنه لكونه تعالى سميعا بصيرا
~~كريما لا يخيب سائله فيجيب الدعاء فإن ذلك كما ترى قليل الجدوى.

# ويعلم مما في «الكشف» وجه تعلق هذه الجملة بما تقدم، وقال بعضهم: وجه
~~تعلق هذه والجملة التي قبلها أعني قوله تعالى:

# وهو شديد المحال

# [الرعد:13] إن كان سبب النزول قصة أربد وعامر أن إهلاكهما من حيث لم
~~يشعرا به محال من الله تعالى وإجابة لدعوة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد
~~روي أنه عليه الصلاة والسلام قال:

# " اللهم احبسهما عني بما شئت "

# أو دلالة على رسوله صلى الله عليه وسلم على الحق، وإن لم يكن سبب النزول
~~ذلك فالوجه أن ذلك وعيد للكفرة على مجادلتهم الرسول صلى الله عليه وسلم
~~بحلول محاله بهم وتهديدهم بإجابة دعائه عليه الصلاة والسلام أن دعا عليهم
~~أو بيان ضلالتهم وفساد رأيهم في عبادة غير الله تعالى، ويعلم مما ذكر وجه
~~التعلق على بعض التفاسير إذا قلنا: إن سبب النزول قصة اليهودي أو الجبار
~~فتأمل.

# { والذين يدعون } أي الأصنام الذين يدعونهم أي المشركون، وحذف
~~عائد الموصول في مثل ذلك كثير، وجوز أن يكون الموصول عبارة عن المشركين
~~وضمير الجمع المرفوع عائد إليه ومفعول { يدعون } محذوف أي الأصنام وحذف
~~لدلالة قوله تعالى: { من دونه } عليه لأن معناه متجاوزين له ms04898 وتجاوزه
~~إنما هو بعبادتها ويؤيد الوجه الأول قراءة البزدوي عن أبي عمرو {
~~تدعون } بتاء الخطاب، وضمير { لا يستجيبون } عليه عائد على {
~~الذين } وعلى الثاني عائد على مفعول { يدعون } وعلى كل فالمراد لا
~~يستجيب الأصنام { لهم } أي للمشركين { بشىء } من طلباتهم { إلا
~~كبسط كفيه إلى الماء } أي لا يستجيبون شيئا من الاستجابة
~~وطرفا منها إلا استجابة كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه من بعيد يطلبه
~~ويدعوه { ليبلغ } أي الماء بنفسه من غير أن يؤخذ بشيء من إناء ونحوه
~~{ فاه وما هو } أي الماء { ببالغه } أي ببالغ فيه أبدا لكونه
~~جمادا لا يشعر بعطشه وبسط يديه إليه، وجوز أبو حيان كون { هو } ضمير
~~الفم والهاء في { بالغه } ضمير الماء أي وما فوه ببالغ الماء لأن كلا
~~منهما لا يبلغ الآخر على هذه الحال.

# وجوز بعضهم كون الأول ضمير { بسط } والثاني ضمير «الماء» قال أبو
~~البقاء: ولا يجوز أن يكون الأول عائدا على «باسط» والثاني عائدا على
~~الفم لأن اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له لزم إبراز الفاعل فكان يجب
~~على ذلك أن يقال: وما هو ببالغه الماء، والجمهور على ما سمعت أولا،
~~والغرض  كما قال بعض المدققين  نفي الاستجابة على البت بتصوير أنهم
~~أحوج ما يكونون إليها لتحصيل مباغيهم أخيب ما يكون أحد في سعيه لما هو
~~مضطر إليه، والحاصل أنه شبه آلهتهم حين استكفائهم إياهم ما أهمهم بلسان
~~الاضطرار في عدم الشعور فضلا عن الاستطاعة للاستجابة وبقائهم لذلك في
~~الخسار بحال ماء بمرأى من عطشان باسط كفيه إليه يناديه عبارة وإشارة فهو
~~لذلك في زيادة الكباد والبوار، والتشبيه على هذا من المركب التمثيلي في
~~الأصل أبرز في معرض التهكم حيث أثبت أنهما استجابتان زيادة في التخسير
~~والتحسير، فالاستثناء مفرغ من أعم عام المصدر كما أشرنا إليه، والظاهر أن
~~الاستجابة هناك مصدر من المبنى للفاعل وهو الذي يقتضيه الفعل الظاهر،
~~وجوز أن يكون من المبني للمفعول ويضاف إلى الباسط بناءا على استلزام
~~المصدر من المبني للفاعل للمصدر من المبني/ ms04899 للمفعول وجودا وعدما فكأنه
~~قيل: لا يستجيبون لهم بشيء فلا يستجاب لهم استجابة كائنة كاستجابة من بسط
~~كفيه إلى الماء كما في قول الفرزدق:

# وعض زمان يا ابن مروان لم يدع

# من المال إلا مسحت أو مجلف

# أي لم يدع فلم يبق إلا مسحت أو مجلف. وأبو البقاء يجعل الاستجابة مصدر
~~المبني للمفعول وإضافته إلى { بسط } من باب إضافة المصدر إلى مفعوله
~~كما في قوله تعالى:

# لا يسئم الإنسن من دعاء الخير

# [فصلت: 49] والفاعل ضمير { الماء } على الوجه الثاني في الموصول، وقد
~~يراد من بسط الكفين إلى الماء بسطهما أي نشر أصابيعهما ومدها لشربه لا
~~للدعاء، والإشارة إليه كما أشرنا إليه فيما تقدم، وعلى هذا قيل: شبه
~~الداعون لغير الله تعالى بمن أراد أن يغرف الماء بيديه فبسطهما ناشرا
~~أصابعه في أنهما لا يحصلان على طائل، وجعل بعضهم وجه الشبه قلة الجدوى،
~~ولعله أراد عدمها لكنه بالغ بذكر القلة وإرادة العدم دلالة على هضم الحق
~~وإيثار الصدق ولإشمام طرف من التهكم، والتشبيه على هذا من تشبيه المفرد
~~المقيد كقولك لمن لا يحصل من سعيه على شيء: هو كالراقم على الماء؛ فإن
~~المشبه هو الساعي مقيدا بكون سعيه كذلك والمشبه به هو الراقم مقيدا
~~بكونه على الماء كذلك فيما نحن فيه، وليس من المركب العقلي في شيء على ما
~~توهم. نعم وجه الشبه عقلي اعتباري والاستثناء مفرغ عن أعم عام الأحوال أي
~~لا يستجيب الآلهة لهؤلاء الكفرة الداعين إلا مشبهين أعني الداعين بمن بسط
~~كفيه ولم يقبضهما وأخرجهما كذلك فلم يحصل على شيء لأن الماء يحصل بالقبض
~~لا بالبسط. وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه أن ذلك تشبيه بعطشان على
~~شفير بئر بلا رشاء ولا يبلغ قعر البئر ولا الماء يرتفع إليه، وهو راجع
~~إلى الوجه الأول وليس مغايرا له كما قيل، وعن أبي عبيدة أن ذلك تشبيه
~~بالقابض على الماء في أنه لا يحصل على شيء، ثم قال: والعرب تضرب المثل في
~~الساعي فيما لا يدركه بذلك، وأنشد قول ms04900 الشاعر:

# فأصبحت فيما كان بيني وبينها

# من الود مثل القابض الماء باليد

# وقوله:

# وإني وإياكم وشوقا إليكم

# كقابض ماء لم تسعه أنامله

# وهو راجع إلى الوجه الثاني خلا أنه لا يظهر من { بسط } معنى قابض
~~فإن بسط الكف ظاهر في نشر الأصابيع ممدودة كما في قوله:

# تعود بسط الكف حتى لو أنه

# أراد انقباضا لم تطعه أنامله

# وكيفما كان فالمراد  بباسط  شخص باسط أي شخص كان، وما يقتضيه ظاهر ما
~~روي عن بكير بن معروف من أنه قابيل حيث أنه لما قتل أخاه جعل الله تعالى
~~عذابه أن أخذ بناصيته في البحر ليس بينه وبين الماء إلا إصبع فهو يريده
~~ولا يناله مما لا ينبغي أن يعول عليه. وقرىء { كباسط كفيه } بالتنوين أي
~~كشخص يبسط كفيه.

# { وما دعاء الكفرين إلا فى ضلل } أي في ضياع وخسار
~~وباطل، والمراد بهذا الدعاء إن كان دعاء آلهتهم فظاهر أنه كذلك لكنه فهم
~~من السابق وحينئذ يكون مكررا للتأكيد، وإن كان دعاءهم الله تعالى فقد
~~استشكلوا ذلك بأن دعاء الكافرين قد يستجاب وهو المصرح به في الفتاوى،
~~واستجابة دعاء إبليس وهو رأس الكافر/ نص في ذلك. وأجيب بأن المراد دعاؤهم
~~الله تعالى بما يتعلق بالآخرة، وعلى هذا يحمل ما روي عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما من أن أصوات الكفار محجوبة عن الله تعالى فلا يسمع
~~دعاؤهم، وقيل: يجوز أن يراد دعاؤهم مطلقا ولا يقيد بما أجيبوا به.

### || [13.15]

# { ولله } وحده { يسجد } يخضع وينقاد لا لشيء غيره سبحانه
~~استقلالا ولا اشتراكا، فالقصر ينتظم القلب والإفراد { من فى
~~السموات والأرض } من الملائكة والثقلين كما يقتضيه ظاهر
~~التعبير بمن، وتخصيص انقياد العقلاء مع كون غيرهم أيضا كذلك لأنهم
~~العمدة وانقيادهم دليل انقياد غيرهم على أن فيما سيأتي إن شاء الله تعالى
~~بيانا لذلك، وقيل: المراد ما يشمل أولئك وغيرهم، والتعبير بمن للتغليب {
~~طوعا وكرها } نصب على الحال، فإن قلنا بوقوع المصدر حالا من غير
~~تأويل فهو ظاهر وإلا فهو بتأويل طائعين وكارهين أي أنهم خاضعون ms04901 لعظمته
~~تعالى منقادون لإحداث ما أراد سبحانه فيهم من أحكام التكوين والإعدام
~~شاؤوا أو أبوا من غير مداخلة حكم غيره جل وعلا بل غير حكمه تعالى في شيء
~~من ذلك. وجوز أن يكون النصب على العلة فالكره بمعنى الإكراه وهو مصدر
~~المبني للمفعول ليتحد الفاعل بناء على اشتراط ذلك في نصب المفعول لأجله
~~وهو عند من لم يشترط على ظاهره، وما قيل عليه من أن اعتبار العلية في
~~الكره غير ظاهر لأنه الذي يقابل الطوع وهو الإباء ولا يعقل كونه علة
~~للسجود فمدفوع بأن العلة ما يحمل على الفعل أو ما يترتب عليه لا ما يكون
~~غرضا له وقد مر عن قرب فتذكره، وقيل: النصب على المفعولية المطلقة أي
~~سجود طوع وكره.

# { وظللهم } أي وتنقاد له تعالى ظلال من له ذلك منهم وهم الإنس
~~فقط أو ما يعمهم وكل كثيف. وفي «الحواشي الشهابية» ينبغي أن يرجع الضمير
~~لمن في الأرض لأن من في السماء لا ظل له إلا أن يحمل على التغليب أو
~~التجوز، ومعنى انقياد الظلال له تعالى أنها تابعة لتصرفه سبحانه ومشيئته
~~في الامتداد والتقلص والفىء والزوال، وأصل الظل  كما قال الفراء  مصدر
~~ثم أطلق على الخيال الذي يظهر للجرم، وهو إما معكوس أو مستو ويبنى على كل
~~منهما أحكام ذكروها في محلها.

# { بالغدو والآصال } ظرف للسجود المقدر والباء بمعنى في وهو
~~كثير، والمراد بهما الدوام لأنه يذكر مثل ذلك للتأبيد، قيل: فلا يقال لم
~~خص بالذكر؟ وكذا يقال: إذا كانا في موضع الحال من الظلال، وبعضهم يعلل
~~ذلك بأن امتدادها وتقلصها في ذينك الوقتين أظهر. والغدو جمع غداة كقني
~~وقناة، والآصال جمع أصيل وهو ما بين العصر والمغرب، وقيل: هو جمع أصل جمع
~~أصيل، وأصله أأصال بهمزتين فقلبت الثانية ألفا، وقيل: الغدو مصدر وأيد
~~بقراءة ابن مجلز { الإيصال } بكسر الهمزة على أنه مصدر آصلنا بالمد أي
~~دخلنا في الأصيل كما قاله ابن جني هذا، وقيل: إن المراد حقيقة السجود فإن
~~الكفرة حالة الاضطرار وهو المعنى بقوله تعالى: ms04902 { وكرها } يخصون
~~السجود به سبحانه قال تعالى:

# فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له
~~الدين

# [العنكبوت: 65] ولا يبعد أن يخلق الله تعالى في الظلال أفهاما وعقولا
~~بها تسجد لله تعالى شأنه كما خلق جل جلاله ذلك للجبال حتى اشتغلت
~~بالتسبيح وظهرت فيها آثار التجلي كما قاله ابن الأنباري، وجوز أن يراد
~~بسجودها ما يشاهد فيها من هيئة السجود تبعا لأصحابها، وهذا على ما قيل:
~~مبني على ارتكاب عموم المجاز في السجود المذكور في الآية بأن يراد به
~~الوقوع على الأرض فيشمل سجود الظلال بهذا المعنى أو تقدير فعل مؤد ذلك
~~رافع للظلال أو خبر له كذلك أو التزام أن/ إرادة ما ذكر لا يضر في
~~الحقيقة لكونه بالتبعية والعرض أو أن الجمع بين الحقيقة والمجاز جائز ولا
~~يخفى ما في بعض الشقوق من النظر. وعن قتادة أن السجود عبارة عن الهيئة
~~المخصوصة وقد عبر بالطوع عن سجود الملائكة عليهم السلام والمؤمنين
~~وبالكره عن سجود من ضمه السيف إلى الإسلام فيسجد كرها إما نفاقا أو
~~يكون الكره أول حالة فيستمر عليه الصفة وإن صح إيمانه بعد، وقيل: الساجد
~~طوعا من لا يثقل عليه السجود والساجد كرها من يثقل عليه ذلك. وعن ابن
~~الأنباري الأول من طالت مدة إسلامه فألف السجود والثاني من بدأ بالإسلام
~~إلى أن يألف، وأيا ما كان  فمن  عام أريد به مخصوص إذ يخرج من ذلك من
~~لا يسجد، وقيل: هو عام لسائر أنواع العقلاء والمراد  بيسجد  يجب أن
~~يسجد لكن عبر عن الوجوب بالوقوع مبالغة.

# واختار غير واحد في تفسير الآية ما ذكرناه أولا، ففي «البحر» والذي
~~يظهر أن مساق الآية إنما هو أن العالم كله مقهور لله تعالى خاضع لما أراد
~~سبحانه منه مقصور على مشيئته لا يكون منه إلا ما قدر جل وعلا فالذين
~~تعبدونهم كائنا ما كانوا داخلون تحت القهر لا يستطيعون نفعا ولا ضرا،
~~ويدل على هذا المعنى تشريك الظلال في السجود وهي ليست أشخاصا يتصور منها
~~السجود بالهيئة المخصوصة ولكنها داخلة ms04903 تحت مشيئته تعالى يصرفها سبحانه
~~حسبما أراد إذ هي من العالم والعالم جواهره وأعراضه داخلة تحت قهر إرادته
~~تعالى كما قال سبحانه:

# أو لم يروا إلى ما خلق الله من شىء يتفيأ
~~ظلله عن اليمين والشمآئل سجدا لله

# [النحل: 48] وكون المراد بالظلال الأشخاص كما قال بعضهم ضعيف وأضعف منه
~~ما قاله ابن الأنباري، وقياسها على الجبال ليس بشيء لأن الجبل يمكن أن
~~يكون له عقل بشرط تقدير الحياة وأما الظل فعرض لا يتصور قيام الحياة به
~~وإنما معنى سجودها ميلها من جانب إلى جانب واختلاف أحوالها كما أراد
~~سبحانه وتعالى. وفي " إرشاد العقل السليم " بعد نقل ما قيل أولا وأنت
~~خبير بأن اختصاص سجود الكافر حالة الاضطرار والشدة لله تعالى لا يجدي فإن
~~سجوده للصنم حالة الاختيار والرخاء مخل بالقصر المستفاد من تقديم الجار
~~والمجرور، فالوجه حمل السجود على الانقياد ولأن تحقيق انقياد الكل في
~~الإبداع والإعدام له تعالى ادخل في التوبيخ على اتخاذ أولياء من دونه
~~سبحانه وتعالى من تحقيق سجودهم له تعالى اه؛ وفي تلك الأقوال بعد ما لا
~~يخفى على الناقد البصير.

### || [13.16]

# { قل من رب السموت والأرض } تحقيق كما قال بعض
~~المحققين لأن خالقهما ومتولي أمرهما مع ما فيهما على الإطلاق هو الله
~~تعالى، وقيل: إنه سبحانه بعد أن ذكر انقياد المظروف لمشيئته تعالى ذكر ما
~~هو كالحجة على ذلك من كونه جل وعلا خالق هذا الظرف العظيم الذي يبهر
~~العقول ومدبره أي قل يا محمد لهؤلاء الكفار الذين اتخذوا من دونه أولياء
~~من رب هذه الأجرام العظيمة العلوية والسفلية؟ { قل الله } أمر صلى
~~الله عليه وسلم بالجواب إشعارا بأنه متعين للجوابية فهو عليه الصلاة
~~والسلام والخصم في تقريره سواء، ويجوز أن يكون ذلك تلقينا للجواب ليبين
~~لهم ما هم عليه من مخالفتهم لما علموه، وقيل: إنه حكاية لاعترافهم
~~والسياق يأباه. وقال مكي: إنهم جهلوا الجواب فطلبوه من جهته صلى الله
~~عليه وسلم فأمر بإعلامهم به، ويبعده أنه تعالى قد أخبر بعلمهم في قوله
~~سبحانه:

# ولئن ms04904 سألتهم من خلق السموات والأرض
~~ليقولن الله

# [لقمان: 25] وحينئذ كيف يقال: إنهم جعلوا الجواب فطلبوه؟ نعم قال
~~البغوي: روي أنه لما قال صلى الله عليه وسلم ذلك للمشركين عطفوا عليه
~~فقالوا: أجب أنت فأمره الله تعالى بالجواب، وهو بفرض صحته لا يدل على
~~جهلهم كما لا يخفى.

# { قل } الزاما لهم وتبكيتا { أفاتخذتم } لأنفسكم { من
~~دونه أولياء } عاجزين { لا يملكون لأنفسهم } وهي أعز
~~عليهم/ منكم { نفعا } يستجلبونه { ولا ضرا } يدفعونه عنها فضلا
~~عن القدرة على جلب النفع للغير ودفع الضرر عنه، والهمزة للإنكار، والمراد
~~بعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم من دونه أولياء في غاية العجز
~~عن نفعكم فجعلتم ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من علمكم سبب الإشراك،
~~فالفاء عاطفة للتسبب والتفريع دخلت الهمزة عليه لأن المنكر الاتخاذ بعد
~~العلم لا العلم ولا هما معا، ووصف الأولياء بما ذكر مما يقوي الإنكار
~~ويؤكده، ويفهم  على ما قيل  من كلام البعض أن هذا دليل ثان على ضلالهم
~~وفساد رأيهم في اتخاذهم أولياء رجاء أن ينفعوهم، واختلف في الدليل الأول
~~فقيل: هو ما يفهم من قوله تعالى: { قل أفاتخذتم من دونه
~~أولياء } وقيل: هو ما يفهم من قوله سبحانه:

# والذين يدعون من دونه

# [الرعد: 14] الخ فتدبر.

# { قل } تصويرا لآرائهم الركيكة بصورة المحسوس { هل يستوى
~~الأعمى } الذي هو المشرك الجاهل بالعبادة ومستحقها { والبصير }
~~الذي هو الموحد العالم بذلك وإلى هذا ذهب مجاهد، وفي الكلام عليه استعارة
~~تصريحية، وكذا على ما قيل: إن المراد بالأول الجاهل بمثل هذه الحجة
~~وبالثاني العالم بها، وقيل: إن الكلام على التشبيه والمراد لا يستوي
~~المؤمن والكافر كما لا يستوي الأعمى والبصير فلا مجاز.

# ومن الناس من فسر الأول بالمعبود الغافل والثاني بالمعبود العالم بكل
~~شيء وفيه بعد { أم هل تستوي الظلمات } التي هي عبارة عن
~~الكفر والضلال { والنور } الذي هو عبارة عن الإيمان والتوحيد وروي ذلك
~~عن مجاهد أيضا، وجمع الظلمات لتعدد أنواع الكفر ككفر النصارى وكفر
~~المجوس وكفر غيرهم، وكون الكفر كله ملة واحدة أمر ms04905 آخر. و { أم } كما في
~~«البحر» منقطعة وتقدر  ببل  والهمزة على المختار، والتقدير بل أهل
~~تستوي، وهل وإن نابت عن الهمزة في كثير من المواضع فقد جامعتها أيضا كما
~~في قوله:

# أهل رأونا بوادي القف ذي الأكم

# وإذا جامعتها مع التصريح بها فلأن تجامعها مع أم المتضمنة لها أولى،
~~ويجوز فيها بعد { أم } هذه أن يؤتى بها لشبهها بالأدوات الاسمية التي
~~للاستفهام في عدم الأصالة فيه كما في قوله تعالى:

# أمن يملك السمع والأبصر

# [يونس: 31] ويجوز أن لا يؤتى بها لأن { أم } متضمنة للاستفهام، وقد
~~جاء الأمران في قوله:

# هل ما علمت وما استودعت مكتوم

# أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم

# أم هل كبير بكى لم يقض عبرته

# أثر الأحبة يوم البين مشكوم

# وقرأ الإخوان وأبو بكر { أم هل يستوي } بالباء التحتية.

# ثم إنه تعالى أكد ما اقتضاه الكلام السابق من تخطئة المشركين فقال
~~سبحانه: { أم جعلوا } أي بل أجعلوا { لله } جل وعلا { شركاء
~~خلقوا كخلقه } سبحانه وتعالى، والهمزة لإنكار الوقوع وليس
~~المنكر هو الجعل لأنه واقع منهم وإنما هو الخلق كخلقه تعالى، والمعنى
~~أنهم لم يجعلوا لله تعالى شركاء خلقوا كخلقه { فتشابه الخلق
~~عليهم } بسبب ذلك وقالوا: هؤلاء خلقوا كخلق الله تعالى واستحقوا
~~بذلك العبادة كما استحقها سبحانه ليكون ذلك منشأ لخطئهم بل إنما جعلوا له
~~شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلا عما يقدر عليه
~~الخالق، والمقصود بالإنكار والنفي هو القيد والمقيد على ما نص عليه غير
~~واحد من المحققين. وفي " الانتصاف " أن { خلقوا كخلقه } في سياق
~~الإنكار جىء به للتهكم فإن غير الله تعالى لا يخلق شيئا لا مساويا ولا
~~منحطا وقد كان يكفي في الإنكار لولا ذلك أن الآلهة التي اتخذوها لا
~~تخلق.

# وتعقبه الطيبي بأن إثبات التهكم تكلف فإنه ذكر الشيء وإرادة نقيضه
~~استحقارا للمخاطب كما في قوله تعالى:

# فبشرهم بعذاب أليم

# [آل عمران: 21] وههنا { كخلقه } جيء به مبالغة في إثبات العجز
~~لآلهتهم على سبيل الاستدراج وارخاء العنان، فإنه تعالى لما أنكر ms04906 عليهم
~~أولا اتخاذهم من دونه شركاء ووصفها بأنها لا تملك لأنفسها نفعا ولا
~~ضرا فكيف تملك ذلك لغيرها أنكر عليهم ثانيا على سبيل التدرج وصف الخلق
~~أيضا، يعني هب أن أولئك الشركاء قادرون على نفع أنفسهم وعلى نفع عبدتهم
~~فهل يقدرون على أن يخلقوا شيئا، وهب أنهم قادرون على خلق بعض الأشياء
~~فهل يقدرون على ما يقدر عليه الخالق من خلق السموات والأرض ا ه.

# والحق أن الآية ناعية عليهم متهكمة بهم فإن من لا يملك لنفسه شيئا من
~~النفع والضر أبعد من أن يفيدهم ذلك، وكيف يتوهم فيه أنه خالق وأن يشتبه
~~على ذي عقل فينبه على نفيه، وهذا المقدار يكفي في الغرض فافهم.

# { قل } تحقيقا للحق وارشادا لهم { الله خلق كل شىء } من
~~الجواهر والأعراض، ويلزم هذا أن لا خالق سواه لئلا يلزم التوارد وهو
~~المقصود ليدل على المراد وهو نفي استحقاق غيره تعالى للعبادة والألوهية
~~أي لا خالق سواه فيشاركه في ذلك الاستحقاق. وبعموم الآية استدل أهل السنة
~~على أن افعال العباد مخلوقة له تعالى، والمعتزلة تزعم التخصيص بغير
~~أفعالهم. ومن الناس من يحتج أيضا لما ذهب إليه أهل الحق بالآية الأولى
~~وهو كما ترى { وهو الواحد } المتوحد بالألوهية المنفرد بالربوبية
~~{ القهار } الغالب على كل ما سواه ومن جملة ذلك آلهتهم فيكف يكون
~~المغلوب شريكا له تعالى، وهذا على ما قيل كالنتيجة لما قبله، وهو يحتمل
~~أن يكون من مقول القول وأن يكون جملة مستأنفة.

### || [13.17]

# { أنزل من السماء } أي من جهتها على ما هو المشاهد، وقيل: منها
~~نفسها ولا تجوز في الكلام. واستدل له بآثار الله تعالى أعلم بصحتها،
~~وقيل: انزل منها نفسها { ماء } أي كثيرا أو نوعا منه وهو ماء المطر
~~باعتبار أن مباديه منها وذلك لتأثير الأجرام الفلكية في تصاعد البخار
~~فيتجوز في { من }  { فسالت } بذلك { أودية } دافعة في مواقعه
~~لا جميع الأودية إذ الأمطار لا تستوعب الأقطار وهو جمع واد. قال أبو علي
~~الفارسي: ولا يعلم أن فاعلا جمع على أفعلة، ويشبه أن ms04907 يكون ذلك لتعاقب
~~فاعل وفعيل على الشيء الواحد كعالم وعليم وشاهد وشهيد وناصر ونصير. ثم ان
~~وزن فاعل يجمع على أفعال كصاحب وأصحاب وطائر وأطيار. ووزن فعيل بجمع على
~~أفعلة كجريب وأجربة، ثم لما حصلت المناسبة المذكورة بين فاعل وفعيل لا
~~جرم يجمع فاعل جمع فعيل فيقال: واد وأودية ويجمع فعيل جمع فاعل يتيم
~~وأيتام وشريف وأشراف ا ه. ونظير ذلك ناد وأندية وناج وأنجية قيل: ولا
~~رابع لها. وفي شرح التسهيل ما يخالفه. والوادي الموضع الذي يسيل فيه
~~الماء بكثرة، وبه سميت الفرجة بين الجبلين ويطلق على المار الجاري فيه،
~~وهو اسم فاعل من ودى إذا سال فإن أريد الأول فالإسناد مجازي أو الكلام
~~على تقدير مضاف كما قال الإمام أي مياه أودية، وإن أريد الثاني وهو معنى
~~مجازي من باب إطلاق اسم المحل على الحال فالإسناد حقيقي، وإيثار التمثيل
~~بالأودية على/ الأنهار المستمرة الجريان لوضوح المماثلة بين شأنها وما
~~مثل بها كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى { بقدرها } أي بمقدارها
~~الذي عينه الله تعالى واقتضته حكمته سبحانه في نفع الناس، أو بمقدارها
~~المتفاوت قلة وكثرة بحسب تفاوت محالها صغرا وكبرا لا بكونها مالئة لها
~~منطبقة عليها بل بمجرد قلتها بصغرها المستلزم لقلة موارد الماء وكثرتها
~~بكبرها المستدعى لكثرة الموارد، فإن موارد السيل الجاري في الوادي الصغير
~~أقل من موارد السيل الجاري في الوادي الكبير، هذا إذا أريد بالأودية ما
~~يسيل فيها أما إن أريد بها المعنى الحقيقي فالمعنى سالت مياهها بقدر تلك
~~الأودية على نحو ما عرفته آنفا أو يراد بضميرها مياهها بطريق الاستخدام
~~ويراد بقدرها ما ذكر أولا من المعنيين قاله شيخ الإسلام، والجار
~~والمجرور على ما نقل عن الحوفي متعلق بسالت، وقال أبو البقاء: إنه في
~~موضع الصفة لأودية، وجوز أن يكون متعلقا بأنزل. وقرأ زيد بن علي رضي
~~الله تعالى عنهما والأشهب العقيلي وأبو عمرو في رواية { بقدرها } بسكون
~~الدال وهي لغة في ذلك.

# { فاحتمل } أي حمل وجاء افتعل بمعنى المجرد كاقتدر وقدر {
~~السيل ms04908 } أي الماء الجاري في تلك الأودية والتعريف لكونه معهودا
~~مذكورا بقوله تعالى: { أودية } ولم يجمع لأنه كما قال الراغب مصدر
~~بحسب الأصل، وفي " البحر " أنه إنما عرف لأنه عنى به ما فهم من الفعل
~~والذي يتضمن الفعل من المصدر وإن كان نكرة إلا أنه إذا عاد في الظاهر كان
~~معرفة كما كان لو صرح به نكرة، وكذا يضمر إذا عاد على ما دل عليه الفعل
~~من المصدر نحو من كذب كان شرا له أي الكذب، ولو جاء هنا مضمرا لكان
~~جائزا عائدا على المصدر المفهوم من سالت ا ه.

# وأورد عليه أنه كيف يجوز أن يعنى به ما فهم من الفعل وهو حدث والمذكور
~~المعرف عين كما علمت. وأجيب بأنه بطريق الاستخدام ورد بأن الاستخدام أن
~~يذكر لفظ بمعنى ويعاد عليه ضمير بمعنى آخر حقيقيا كان أو مجازيا وهذا
~~ليس كذلك لأن الأول مصدر أي حدث في ضمن الفعل وهذا اسم عين ظاهر يتصف
~~بتلك فكيف يتصور فيه الاستخدام. نعم ما ذكروه أغلبي لا يختص بما ذكر فإن
~~مثل الضمير اسم الإشارة وكذا الاسم الظاهر ا ه. وانظر هل يجوز أن يراد
~~من السيل المعنى المصدري فلا يحتاج إلى حديث الاستخدام أم لا، وعلى
~~الجواز يكون المعنى فاحتمل الماء المنزل من السماء بسبب السيل { زبدا
~~} هو الغثاء الذي يطرحه الوادي إذا جاش مائه واضطربت أمواجه على ما قاله
~~أبو الحجاج الأعلم، وهو معنى قول ابن عيسى: إنه وضر الغليان وخبثه، قال
~~الشاعر:

# وما الفرات إذا جاشت غواربه

# ترمي أواذيه العبرين بالزبد

# { رابيا } أي عاليا منتفخا فوق الماء، ووصف الزبد بذلك قيل:
~~بيانا لما أريد بالاحتمال المحتمل لكون المحمول غير طاف كالأشجار
~~الثقيلة، وإنما لم يدفع ذلك بأن يقال فاحتمل السيل زبدا فوقه للإيذان
~~بأن تلك الفوقية مقتضى شأن الزبد لا من جهة المحتمل تحقيقا للمماثلة
~~بينه وبين ما مثل به من الباطن الذي شأنه الظهور في مبادي الرأي من غير
~~مداخلة في الحق.

# { ومما يوقدون } ابتداء جملة كما روي عن ms04909 مجاهد معطوفة على
~~الجملة الأولى لضرب/ مثل آخر أي ومن الذي يفعلون الإيقاد { عليه }
~~وضمير الجمع للناس أضمر مع عدم السبق لظهوره، وقرأ أكثر السبعة وأبو جعفر
~~والأعرج وشيبة { توقدون } بتاء الخطاب، والجار متعلق بما عنده وكذا قوله
~~تعالى: { فى النار } عند أبي البقاء والحوفي، قال أبو علي: قد يوقد
~~على الشيء وليس في النار كقوله تعالى:

# فأوقد لى يهمن على الطين

# [القصص: 38] فإن الطين الذي أمر بالوقد عليه ليس في النار وإنما يصيبه
~~لهبها، وقال مكي وغيره: إن { فى النار } متعلق بمحذوف وقع حالا من
~~الموصول أي كائنا أو ثابتا فيها، ومنعوا تعلقه  بتوقدون  قالوا: لأنه
~~لا يوقد على شيء إلا وهو في النار والتعليق بذلك يتضمن تخصيص حال من حال
~~أخرى، وقال أبو حيان: لو قلنا: إنه لا يوقد على شيء إلا وهو في النار
~~لجاز أيضا التعليق على سبيل التوكيد كما قالوا في قوله تعالى:

# ولا طائر يطير بجناحيه

# [الأنعام: 38] وقيل: إن زيادة ذلك للإشعار بالمبالغة في الاعتمال
~~للإذابة وحصول الزبد؛ والمراد بالموصول نحو الذهب والفضة والحديد والنحاس
~~والرصاص، وفي عدم ذكرها بأسمائها والعدول إلى وصفها بالإيقاد عليها
~~المشعر بضربها بالمطارق لأنه لأجله وبكونها كالحطب الخسيس تهاون بها
~~إظهارا لكبريائه جل شأنه على ما قيل، وهو لا ينافي كون ذلك ضرب مثل للحق
~~لأن مقام الكبرياء يقتضي التهاون بذلك مع الإشارة إلى كونه مرغوبا فيه
~~منتفعا به بقوله تعالى: { ابتغاء حلية أو متع } فوفى كل
~~من المقامين حقه فما قيل: إن الحمل على التهاون لا يناسب المقام لأن
~~المقصود تمثيل الحق بها وتحقيرها لا يناسبه ساقط فتأمل. ونصب { ابتغاء
~~} على أنه مفعول له كما هو الظاهر، وقال الحوفي: إنه مصدر في موضع الحال
~~أي مبتغين وطالبين اتخاذ حلية وهي ما يتزين ويتجمل به كالحلي المتخذ من
~~الذهب والفضة واتخاذ متاع وهو ما يتمتع به من الأواني والآلات المتخذة من
~~الحديد والرصاص وغير ذلك من الفلزات { زبد } خبث { مثله } أي مثل ما
~~ذكر من زبد الماء في كونه ms04910 رابيا فوقه رفع { زبد } على أنه مبتدأ خبره
~~{ مما توقدون } و { من } لابتداء الغاية دالة على مجرد كونه
~~مبتدأ وناشئا منه. واستظهر أبو حيان كونها للتبعيض لأن ذلك الزبد بعض ما
~~يوقد عليه من تلك المعادن ولم يرتضه بعض المحققين لإخلاله على ما قال
~~بالتمثيل، وإنما لم يتعرص لإخراج ذلك من الأرض كما تعرض لعنوان إنزال
~~الماء من السماء لعدم دخل ذلك العنوان في التمثيل على ما ستعلمه إن شاء
~~الله تعالى كما أن للعنوان السابق دخلا فيه بل له إخلال بذلك.

# { كذلك } أي مثل ذلك الضرب البديع المشتمل على نكت رائقة. {
~~يضرب الله الحق والبطل } أي مثل الحق ومثل الباطل،
~~والحذف للإبناء على كمال التمثال بين الممثل والممثل به كأن المثل
~~المضروب عين الحق والباطل { فأما الزبد } من كل من السيل وما
~~يوقدون عليه، وأفرد ولم يثن وإن تقدم زبدان لاشتراكهما في مطلق الزبدية
~~فهما واحد باعتبار القدر المشترك { فيذهب جفاء } مرميا به يقال:
~~جفا الماء بالزبد إذا قذفه ورمى به، ويقال: أجفأ أيضا بمعناه، وقال ابن
~~الأنباري: جفاء أي متفرقا من جفأت الريح الغيم إذا قطعته وفرقته وجفأت
~~الرجل صرعته، ويقال: جفأ الوادي وأجفأ إذا نشف، وقرىء { جفالا } باللام
~~بدل الهمزة وهو بمعنى متفرقا أيضا أخذا من جفلت الريح الغيم كجفأت
~~ونسبت هذه القراءة إلى رؤبة، قال ابن أبي حاتم: ولا يقرأ بقراءته لأنه
~~كان يأكل الفأر يعني أنه كان أعرابيا جافيا،/ وعنه لا تعتبر قراءة
~~الأعراب في القرآن، والنصب على الحالية.

# { وأما ما ينفع الناس } أي من الماء الصافي الخالص من الغثاء
~~والجوهر المعدني الخالص من الخبث { فيمكث } يبقى { فى الأرض }
~~أما الماء فيبقى بعضه في مناقعه ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون
~~ونحوها؛ وأما الجوهر المعدني فيصاغ من بعضه أنواع الحلى ويتخذ من بعضه
~~أصناف الآلات والأدوات فينتفع بكل من ذلك أنواع الانتفاعات مدة طويلة
~~فالمراد بالمكث في الأرض ما هو أعم من المكث في نفسها ومن البقاء في أيدي
~~المتقلبين فيها، وتغيير ترتيب اللف ms04911 الواقع في الفذلكة الموافق للترتيب
~~الواقع في التمثيل قيل لمراعاة الملاءمة بين حالتي الذهاب والبقاء وبين
~~ذكرهما فإن المعتبر إنما هو بقاء الباقي بعد ذهاب الذاهب لا قبله، وقيل:
~~النكتة في تقديم الزبد على ما ينفع أن الزبد هو الظاهر المنظور أولا
~~وغيره باق متأخر في الوجود لاستمراره، والآية من الجمع والتقسيم كما لا
~~يخفى.

# وحاصل الكلام في الآيتين أنه تعالى مثل الحق وهو القرآن العظيم عند
~~الكثير في فيضانه من جناب القدس على قلوب خالية عنه متفاوتة الاستعداد
~~وفي جريانه عليها ملاحظة وحفظا وعلى الألسنة مذاكرة وتلاوة مع كونه
~~ممدا لحياتها الروحانية وما يتلوها من الملكات السنية والأعمال المرضية
~~بالماء النازل من السماء السائل في أودية يابسة لم تجر عادتها بذلك
~~سيلانا مقدرا بمقدار اقتضته الحكمة في إحياء الأرض وما عليها الباقي
~~فيها حسبما يدور عليه منافع الناس وفي كونه حلية تتحلى بها النفوس وتصل
~~إلى البهجة الأبدية ومتاعا يتمتع به في المعاش والمعاد بالذهب والفضة
~~وسائر الفلزات التي يتخذ منها أنواع الآلات والأدوات وتبقى منتفعا بها
~~مدة طويلة، ومثل الباطل الذي ابتلى به الكفرة لقصور نظرهم بما يظهر فيهما
~~من غير مداخلة له فيهما وإخلال بصفائهما من الزبد الرابي فوقهما المضمحل
~~سريعا. وصح عن أبي موسى الأشعري أنه قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن مثل ما بعثني الله تعالى به من
~~الهدى والعلم مثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء
~~فانبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب اكتسبت الماء نفع الله تعالى
~~بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان
~~لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه ما
~~بعثني الله تعالى به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى
~~الله تعالى الذي أرسلت به "

# وقال ابن عطية: صدر الآية تنبيه على قدرة الله تعالى وإقامة الحجة على
~~الكفرة فلما فرغ من ذلك جعله مثالا للحق ms04912 والباطل والإيمان والكفر
~~واليقين في الشرع والشك فيه، وكأنه أراد بعطف الإيمان وما بعده التفسير
~~للمراد بالحق والباطل. وعن ابن عباس جعل الزبد إشارة إلى الشك والخالص
~~منه إشارة إلى اليقين.

# { كذلك } أي مثل ذلك الضرب العجيب { يضرب الله الأمثال }
~~في كل باب إظهارا لكمال اللطف والعناية في الإرشاد، وفيه تفخيم لشأن هذا
~~التمثيل وتأكيد لقوله سبحانه: { يضرب الله الحق والبطل
~~} إما باعتبار ابتناء هذا على التمثيل الأول أو بجعل ذلك إشارة إليهما
~~جميعا. وبعد ما بين تعالى شأنه شأن كل من الحق والباطل حالا ومآلا
~~أكمل بيان شرع في بيان حال أهل كل منهما مآلا تكميلا للدعوة ترغيبا
~~وترهيبا فقال سبحانه: { للذين استجابوا لربهم... }

### || [13.18]

# { للذين استجابوا لربهم } إذ دعاهم إلى الحق بفنون
~~الدعوة التي من جملتها ضرب الأمثال فإن له لما فيه من تصوير المعقول
~~بصورة المحسوس تأثيرا بليغا في تسخير/ النفوس، والجار والمجرور خبر
~~مقدم، وقوله سبحانه: { الحسنى } أي المثوبة الحسنى وهي الجنة كما
~~قال قتادة وغيره، وعن مجاهد الحياة الحسنى أي الطيبة التي لا يشوبها كدر
~~أصلا. وعن ابن عباس أن المراد جزاء الكلمة الحسنى وهي لا إله إلا الله
~~وفيه من البعد ما لا يخفى مبتدأ مؤخر { والذين لم يستجيبوا
~~له } سبحانه وعاندوا الحق الجلي { لو أن لهم ما فى الأرض
~~} من أصناف الأموال { جميعا } بحيث لم يشذ منه شاذ في أقطارها أو
~~مجموعا غير متفرق بحسب الأزمان { ومثله معه لافتدوا به
~~} أي بالمذكور مما في الأرض ومثله معه جميعا ليتخلصوا عما بهم، وفيه من
~~تهويل ما يلقاهم ما لا يحيط به البيان، والموصول مبتدأ والجملة الشرطية
~~خبره وهي على ما قيل واقعة موقع السوأى المقابلة للحسنى الواقعة في
~~القرينة الأولى فكأنه قيل: وللذين لم يستجيبوا له السوأى. وتعقب بأن
~~الشرطية وان دلت على سوء حالهم لكنها بمعزل عن القيام مقام لفظ السوأى
~~مصحوبا باللام الجارة الداخلة على الموصول أو ضميره وعليه يدور حصول
~~المرام؛ فالذي ينبغي أن يعول عليه أن الواقع في تلك المقابلة ms04913 سوء الحساب
~~في قوله تعالى:

# { أولئك لهم سوء الحسب } وحيث كان اسم الإشارة الواقع
~~مبتدأ في هذه الجملة عبارة عن الموصول الواقع مبتدأ في الجملة السابقة
~~كان خبره أعني الجملة الظرفية خبرا عن الموصول في الحقيقة ومبينا
~~لإبهام مضمون الشرطية الواقعة خبرا عنه أولا ولذلك ترك العطف فكأنه قيل:
~~والذين لم يستجيبوا له لهم سوء الحساب وذلك في قوة أن يقال: وللذين لم
~~يستجيبوا له سوء الحساب مع زيادة تأكيد فتم حسن المقابلة على أبلغ وجه
~~وآكده. واعتذر بأنه يمكن أن يكون المراد أن { لو أن لهم ما فى
~~الأرض جميعا } إلى آخر الآية واقع موقع ذلك على معنى أن رعاية حسن
~~المقابلة لقوله تعالى: { للذين استجابوا لربهم
~~الحسنى } تقتضي أن يقال: وللذين لم يستجيبوا له السوأى ولا يزاد على
~~ذلك لكنه جيء بقوله سبحانه: { لو أن لهم } الخ بدل ما ذكر، ولعل
~~في كلام الطيبي ما يستأنس به لذلك. وإلى اعتبار السوأى في المقابلة ذهب
~~أيضا صاحب " الكشف " قال: إن قوله تعالى: { لو أن لهم } في
~~مقابلة الحسنى بدل السوأى مع زيادة تصوير وتحسير، وأوثر الإجمال في
~~الأول دلالة على أن جزاء المستجيبين لا يدخل تحت الوصف فتدبر، والمراد
~~بسوء الحساب أي الحساب السيء على ما روي عن إبراهيم النخعي والحسن أن
~~يحاسبوا بذنوبهم كلها لا يغفر لهم منها شيء وهو المعنى بالمناقشة.

# وعن ابن عباس هو أن يحاسبوا فلا تقبل حسناتهم ولا تغفر سيآتهم {
~~ومأواهم } أي مرجعهم { جهنم } بيان لمؤدى ما تقدم وفيه نوع
~~تأييد لتفسير الحسنى بالجنة { وبئس المهاد } أي المستقر،
~~والمخصوص بالذم محذوف أي مهادهم أو جهنم.

# وقال الزمخشري: اللام في قوله تعالى: { للذين استجابوا }
~~متعلقة ب

# يضرب الله الأمثال

# [الرعد: 17] وقوله سبحانه: { الحسنى } صفة للمصدر أي استجابوا
~~الاستجابة الحسنى، وقوله عز وجل: { والذين لم يستجيبوا }
~~معطوف على الموصول الأول، وقوله جل وعلا: { لو أن لهم } الخ كلام
~~مستأنف مسوق لبيان ما أعد لغير المستجيبين من العذاب، والمعنى كذلك يضرب
~~الله تعالى الأمثال للمؤمنين المستجيبين والكافرين ms04914 المعاندين أي هما مثلا
~~الفريقين انتهى، قال أبو حيان: والتفسير الأول أولى لأن فيه ضرب الأمثال
~~غير مقيد بمثل هذين، والله تعالى قد ضرب أمثالا كثيرة في هذين وفي
~~غيرهما ولأن فيه ذكر ثواب المستجيبين بخلاف هذا ولأن تقدير الاستجابة
~~الحسنى مشعر بتقييد الاستجابة ومقابلها ليس نفي الاستجابة مطلقا وإنما/
~~هو نفى الاستجابة الحسنى والله تعالى قد نفى الاستجابة مطلقا ولأنه
~~حينئذ يكون { لو أن لهم } الخ كلاما مفلتا أو كالمفلت إذ يصير
~~المعنى كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين والكافرين لو أن لهم الخ، ولو
~~كان هناك حرف يربط { لو } بما قبلها زال التفلت، وأيضا أنه يوهم
~~الإشتراك في الضمير وإن كان تخصيص ذلك بالكافرين معلوما: وتعقب بأنه لا
~~كلام في أولوية التفسير الأول لكن كون ما ذكر وجها لها محل كلام إذ لا
~~مقتضى في التفسير الثاني لتقييد الأمثال عموما بمثل هذين، ألا ترى قوله
~~تعالى: { كذلك } ثم إن فيه تفهيم ثواب المستجيبين أيضا ألا يرى إلى
~~القصر المستفاد من تقديم الظرف، وأيضا قوله تعالى: { الحسنى } صفة
~~كاشفة لا مفهوم لها فإن الاستجابة لله تعالى لا تكون إلا حسنى وكيف يكون
~~قوله سبحانه: { لو أن لهم } الخ مفلتا وقد قالوا: إنه كلام
~~مبتدأ لبيان حال المستجيبين يعنون أنه استئناف بياني جواب للسؤال عن مآل
~~حالهم ثم كيف يتوهم الإشتراك مع كون تخصيصه بالكافرين معلوما انتهى.

# قال بعض المحققين: إن ما ذكر متوجه بحسب بادىء الرأي والنظرة الأولى أما
~~إذا نظر بعين الانصاف بعد تسليم أن ذاك أولى وأقوى علم أن ما قاله أبو
~~حيان وارد فإن قوله تعالى: { كذلك } يقتضي أن هذا شأنه وعادته عز
~~شأنه في ضرب الأمثال فيقتضي أن ما جرت به العادة القرآنية مقيد بهؤلاء
~~وليس كذلك، وما ذكره المتعقب ولو سلم فهو خلاف الظاهر.

# وأما قوله: إن المستجيبين معلوم مما ذكره ففرق بين العلم ضمنا والعلم
~~صراحة، وأما أن الصفة مؤكدة أو لا مفهوم لها فخلاف الأصل أيضا، وكون
~~الجملة غير مرتبطة بما قبلها ظاهر، ms04915 والسؤال عن حال أحد الفريقين مع
~~ذكرهما ملبس، وعود الضمير على ما قبله مطلقا هو المتبادر وما ذكر لا
~~يدفع الإيهام.

# وفي " إرشاد العقل السليم " بعد نقل التفسير الأخير وحمل الأمثال فيه
~~على الأمثال السابقة: ((وأنت خبير بأن عنوان الاستجابة وعدمها لا مناسبة
~~بينه وبين ما يدور عليه أمر التمثيل وأن الاستعمال المستفيض دخول اللام
~~على من يقصد تذكيره بالمثل. نعم قد يستعمل في هذا المعنى أيضا كما في
~~قوله تعالى:

# ضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون

# [التحريم: 11] ونظائره، على أن بعض الأمثال المضروبة لا سيما المثل
~~الأخير الموصول بالكلام ليس مثل الفريقين بل مثل للحق والباطل ولا مساغ
~~لجعل الفريقين مضروبا لهم أيضا بأن يجعل في حكم أن يقال: كذلك يضرب
~~الله الأمثال للناس إذ لا وجه حينئذ لتنويعهم إلى المستجيبين وغير
~~المستجيبين))؛ ويؤيد هذا ما في " الكشف " حيث قال: إن جعل { للذين
~~استجابوا } من تتمة الأمثال لا من صلة

# يضرب

# [الرعد: 17] متكلف لأنهما مثلا الحق والباطل بالاصالة ومن صلة {
~~يضرب } أبعد لأن الأمثال إنما ضربت لمن يعقل. ثم إن كون المراد
~~بالأمثال الأمثال السابقة مبني على أن ما تقدم كان أمثالا والمشهور أنه
~~مثلان، نعم أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أنه قال في الآية: هذه ثلاثة
~~أمثال ضربها الله تعالى في مثل واحد، وبعد هذا كله لا شك في سلامة
~~التفسير الأول من القيل والقال وإنه الذي يستدعيه النظم الجليل لأن تمام
~~حسن الفاصلة أن تكون كاسمها ولهذا انحط قول امرىء القيس:

# ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى

# بصبح وما الإصباح منك بأمثل

# عن قول المتنبي:

# إذا كان مدحا فالنسيب المقدم

# أكل فصيح قال شعرا متيم

# وهو الذي فهمه السلف من الآية، ومن هنا كان أكثر الشيوخ يقفون على
~~الأمثال ويبتدؤن بقوله تعالى: { للذين استجابوا } وقال صاحب "
~~المرشد ": إنه وقف تام والوقف على { الحسنى } حسن وكذا على {
~~لافتدوا به } / والعجب من الزمخشري كيف اختار خلاف ذلك مع وضوحه
~~والله تعالى أعلم.

# ومن باب الإشارة: { المر } أي ms04916 الذات الأحدية واسمه العليم واسمه الأعظم
~~ومظهره الذي هو الرحمة { تلك ءايت } علامات

# الكتب

# [الرعد: 1] الجامع الذي هو الوجود المطلق { الله الذى رفع
~~السموات بغير عمد ترونها } أي بغير عمد مرئية بل بعمد
~~غير مرئية، وجعل الشيخ الأكبر قدس سره عمادها الإنسان الكامل، وقيل:
~~النفس المجردة التي تحركها بواسطة النفس المنطبعة وهي قوة جسمانية سارية
~~في جميع أجزاء الفلك لا يختص بها جزء دون جزء لبساطته وهي بمنزلة الخيال
~~فينا وفيه ما فيه، وقيل: رفع سموات الأرواح بلا مادة تعمدها بل مجردة
~~قائمة بنفسها { ثم استوى على العرش } بالتأثير والتقويم،
~~وقيل: عرش القلب بالتجلي { وسخر الشمس } شمس الروح بإدراك
~~المعارف الكلية واستشراف الأنوار العالية { والقمر } قمر القلب
~~بإدراك ما في العالمين والاستمداد من فوق ومن تحت ثم قبول تجليات الصفات
~~{ كل يجرى لأجل مسمى } وهو كماله بحسب الفطرة {
~~يدبر الأمر } في البداية بتهيئة الاستعداد وترتيب المبادي {
~~يفصل الآيت } في النهاية بترتيب الكمالات والمقامات {
~~لعلكم بلقاء ربكم } عند مشاهدة آيات التجليات

# توقنون

# [الرعد: 2] عين اليقين. وقال ابن عطاء: يدبر الأمر بالقضاء السابق ويفصل
~~الآيات بأحكام الظاهر لعلكم توقنون أن الله تعالى الذي يجري تلك الأحوال
~~لا بد لكم من الرجوع إليه سبحانه { وهو الذى مد الأرض } أي
~~أرض قلوب أوليائه ببسط أنوار المحبة { وجعل فيها رواسى }
~~المعرفة لئلا تتزلزل بغلبة هيجان المواجيد وجعل فيها { أنهارا } من
~~علوم الحقائق { ومن كل الثمرت جعل فيها زوجين
~~اثنين } وهي ثمرات أشجار الحكم المتنوعة { يغشي الليل
~~النهار } تجلي الجلال وتجلي الجمال

# إن فى ذلك لآيت لقوم يتفكرون

# [الرعد: 3] في آيات الله تعالى، قال أبو عثمان: الفكر إراحة القلب من
~~وساوس التدبير، وقيل: تصفيته لوارد الفوائد، وقيل: الإشارة في ذلك إلى مد
~~أرض الجسد وجعل رواسي العظام فيها وأنهار العروق وثمرات الأخلاق من الجود
~~والبخل والفجور والعفة والجبن والشجاعة والظلم والعدل وأمثالها والسواد
~~والبياض والحرارة والبرودة والملاسة والخشونة ونحوها، وتغشية ليل ظلمة
~~الجسمانيات نهار الروحانيات وفي ذلك آيات لقوم يتفكرون في صنع الله تعالى
~~وتطابق عالميه ms04917 الأصغر والأكبر { وفى الأرض قطع متجورت }
~~فقلوب المحبين مجاورة لقلوب المشتاقين وهي لقلوب العاشقين وهي لقلوب
~~الوالهين وهي لقلوب الهائمين وهي لقلوب العارفين وهي لقلوب الموحدين،
~~وقيل: في أرض القلوب قطع متجاورات قطع النفوس وقطع الأرواح وقطع الأسرار
~~وقطع العقول والأولى تنبت شوك الشهوات والثانية زهر المعارف والثالثة
~~نبات كواشف الأنوار والرابعة أشجار نور العلم { و } فيها { جنت من
~~أعنب } أي أعناب العشق { وزرع } أي زرع دقائق المعرفة {
~~ونخيل } أي نخل الإيمان { صنون } في مقام الفرق { وغير
~~صنون } في مقام الجمع، وقيل: صنوان إيمان مع شهود وغير صنوان إيمان
~~بدونه { يسقى بماء وحد } وهو التجلي الذي يقتضيه الجود المطلق

# ونفضل بعضها على بعض فى الأكل

# [الرعد: 4] في الطعم الروحاني، وقيل: أشير أيضا إلى أن في أرض الجسد
~~قطعا متجاورات من العظم واللحم والشحم والعصب وجنات من أشجار القوى
~~الطبيعية والحيوانية والإنسانية من أعناب القوى الشهوانية التي يعصر منها
~~هوى النفس والقوى العقلية التي يعصر منها خمر المحبة والعشق وزرع القوى
~~الإنسانية ونخيل سائر الحواس الظاهرة والباطنة صنوان كالعينين والأذنين
~~وغير صنوان كاللسان وآلة الفكر والوهم يسقى بماء واحد وهو ماء الحياة
~~ونفضل بعضها على بعض في أكل الإدراكات/ والملكات كتفضيل مدركات العقل على
~~الحس والبصر على اللمس وملكة الحكمة على العفة وهكذا { وإن تعجب
~~فعجب قولهم } بعد ظهور الآيات { أإذا كنا ترابا
~~أإنا لفي خلق جديد } ولم يعلموا أن القادر على ذلك قادر على
~~أن يحيي الموتى.

# وقيل: إن منشأ التعجب أنهم أنكروا الخلق الجديد يوم القيامة مع أن
~~الإنسان في كل ساعة في خلق آخر جديد بل العالم بأمره في كل لحظة يتجدد
~~بتبدل الهيآت والأحوال والأوضاع والصور، وإلى كون العالم كل لحظة في خلق
~~جديد ذهب الشيخ الأكبر قدس سره فعنده الجوهر وكذا العرض لا يبقى زمانين
~~كما أن العرض عند الأشعري كذلك، وهذا عند الشيخ قدس سره مبني على أن
~~الجواهر والأعراض كلها شؤنه تعالى عما يقوله الظالمون علوا كبيرا وهو
~~سبحانه كل يوم أي وقت في ms04918 شأن، وأكثر الناس ينكرون على الأشعري قوله بتجدد
~~الأعراض، والشيخ قدس سره زاد في الشطرنج جملا ولا يكاد يدرك ما يقوله
~~بالدليل بل هو موقوف على الكشف والشهود، وقد اغتر كثير من الناس بظاهر
~~كلامه فاعتقدوه من غير تدبر فضلوا وأضلوا { أولئك الذين
~~كفروا بربهم } فلم يعرفوا عظمته سبحانه { وأولئك
~~الأغلل فى أعنقهم } فلا يقدرون أن يرفعوا رؤوسهم المنتكسة
~~إلى النظر في الآيات

# وأولئك أصحب النار هم فيها خلدون

# [الرعد: 5] لعظم ما أتوا به { ويستعجلونك بالسيئة قبل
~~الحسنة } بمناسبة استعدادهم للشر { وقد خلت من قبلهم
~~المثلت } عقوبة أمثالهم { وإن ربك لذو مغفرة
~~للناس على ظلمهم } أنفسهم باكتساب الأمور الحاجبة لهم عن
~~النور ولم ترسخ فيهم

# وإن ربك لشديد العقاب

# [الرعد: 6] لمن رسخت فيه { ويقول الذين كفروا } لعمى
~~بصائرهم عن مشاهدة الآيات الشاهدة بالنبوة { لولا أنزل عليه
~~ءاية } تشهد له صلى الله عليه وسلم بذلك { إنما أنت منذر } ما
~~عليك إلا إنذارهم لا هدايتهم

# ولكل قوم هاد

# [الرعد: 7] هو الله تعالى، وقيل: لكل طائفة شيخ يعرفهم طريق الحق {
~~الله يعلم ما تحمل كل أنثى } فيعلم ما تحمل أنثى النفس
~~من ولد الكمال أي ما في قوة كل استعداد { وما تغيض الأرحام } أي
~~تنقص أرحام الاستعداد بترك النفس وهواها { وما تزداد } بالتزكية
~~وبركة الصحبة { وكل شىء } من الكمالات { عنده } سبحانه

# بمقدار

# [الرعد: 8] معين على حسب القابلية { سواء منكم من أسر
~~القول } في مكمن استعداده { ومن جهر به } بإبرازه إلى الفعل
~~{ ومن هو مستخف باليل } ظلمة ظلمه نفسه

# وسارب بالنهار

# [الرعد: 10] بخروجه من مقام النفس وذهابه في نهار نور الروح { له
~~معقبت من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من
~~أمر الله } إشارة إلى سوابق الرحمة الحافظة له من خاطفات الغضب أو
~~الإمدادات الملكوتية الحافظة له من جن القوى الخيالية والوهمية والسبعية
~~والبهيمية وإهلاكها أياه { إن الله لا يغير ما بقوم } من
~~النعم الظاهرة أو الباطنة { حتى يغيروا ما بأنفسهم } من
~~الاستعداد وقوة القبول؛ قال النصر أبادي: إن هذا الحكم عام لكن مناقشة
~~الخواص ms04919 فوق مناقشة العوام، وعن بعض السلف أنه قال: إن الفأرة مزقت خفي
~~وما أعلم ذلك إلا بذنب أحدثته وإلا لما سلطها علي وتمثل بقول الشاعر:

# لو كنت من مازن لم تستبح إبلي

# بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا

# وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما
~~لهم من دونه من وال

# [الرعد: 11] إذ الكل تحت قهره سبحانه، قال القاسم: إذا أراد الله تعالى
~~هلاك قوم حسن موارده في أعينهم حتى يمشون إليها بتدبيرهم وأرجلهم، ولله
~~تعالى در من قال:

# إذا لم يكن عون من الله للفتى

# فأول ما يجنى عليه اجتهاده

# / { هو الذى يريكم البرق } أي برق لوامع الأنوار القدسية {
~~خوفا } خائفين من سرعة انقضائه أو بطء رجوعه { وطمعا } طامعين في
~~ثباته أو سرعة رجوعه

# وينشىء السحاب الثقال

# [الرعد: 12] بماء العلم والمعرفة، وقيل: يري المحبين برق المكاشفة
~~وينشيء للعارفين سحاب العظمة الثقال بماء الهيبة فيمطر عليهم ما يحييهم
~~به الحياة التي لا تشبهها حياة، وأنشدوا للشبلي:

# أظلت علينا منك يوما غمامة

# أضاءت لنا رقا وأبطا رشاشها

# فلا غيمها يصحو فييأس طامع

# ولا غيثها يأتي فيروي عطاشها

# وعن بعضهم أن البرق إشارة إلى التجليات البرقية التي تحصل لأرباب
~~الأحوال وأشهر التجليات في تشبيهه بالبرق التجلي الذاتي، وأنشدوا:

# ما كان ما أوليت من وصلنا

# إلا سراجا لاح ثم انطفى

# وذكر الإمام الرباني قدس سره في " المكتوبات " أن التجلي الذاتي دائمي
~~للكاملين من أهل الطريقة النقشبندية لا برقى وأطال الكلام في ذلك مخالفا
~~لكبار السادة الصوفية كالشيخ محيى الدين قدس سره وغيره، والحق أن ما
~~ذكره من التجلي الذاتي ليس هو الذي ذكروا أنه برقي كما لا يخفى على من
~~راجع كلامه وكلامهم { ويسبح الرعد } أي رعد سطوة التجليات
~~الجلالية ويمجد الله تعالى عما يتصوره العقل ملتبسا { بحمده }
~~وإثبات ما ينبغي له عز شأنه { والملائكة } وتسبح ملائكة القوى
~~الروحانية { من خيفته } من هيبة جلاله جل جلاله { ويرسل
~~الصوعق } هي صواعق السبحات الإلهية عند تجلي القهر الحقيقي المتضمن
~~للطف الكلى { فيصيب بها من ms04920 يشاء } فيحرقه عن بقية نفسه، وفي
~~الخبر

# " إن لله تعالى سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه
~~ما انتهى إليه بصره من خلقه "

# وقال ابن الزنجاني: الرعد صعقات الملائكة والبرق ذفرات أفئدتهم والمطر
~~بكاؤهم، وجعل الزمخشري هذا من بدع المتصوفة، وكأني بك تقول: إن أكثر ما
~~ذكر في باب الإشارة من هذا الكتاب من هذا القبيل. والجواب إنا لا ندعي
~~إلا الإشارة وأما أن ذلك مدلول اللفظ أو مراد الله تعالى فمعاذ الله
~~تعالى من أن يمر بفكري، واعتقاد ذلك هو الضلال البعيد والجهل الذي ليس
~~عليه مزيد، وقد نص المحققون من الصوفية على أن معتقد ذلك كافر والعياذ
~~بالله تعالى، ولعلك تقول: كان الأولى مع هذا ترك ذلك فنقول: قد ذكر مثله
~~من هو خير منا والوجه في ذكره غير خفي عليك لو أنصفت { وهم
~~يجدلون فى الله } بالتفكر في ذاته والنظر للوقوف على حقيقة
~~صفاته { وهو } سبحانه

# شديد المحال

# [الرعد: 13] في دفع الأفكار والأنظار عن حرم ذاته وحمى صفاته جل جلاله:

# هيهات أن تصطاد عنقاء البقا

# بلعابهن عناكب الأفكار

# { له دعوة الحق } أي الحقة الحقيقة بالإجابة لا لغيره سبحانه {
~~والذين يدعون } الأصنام { لا يستجيبون لهم بشىء
~~إلا كبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه } أي إلا
~~استجابة كاستجابة من ذكر لأن ما يدعونه بمعزل عن القدرة { وما دعاء
~~الكفرين } المحجوبين

# إلا فى ضلل

# [الرعد: 14] أي ضياع لأنهم لا يدعون الإله الحق وإنما يدعون إلها
~~توهموه ونحتوه في خيالهم { ولله يسجد } ينقاد { من فى
~~السموات والأرض } من الحقائق والروحانيات { طوعا وكرها
~~} شاؤا أم أبوا { وظللهم } هياكلهم

# بالغدو والآصال

# [الرعد: 15] أي دائما؛ وقيل: يسجد من في السموات وهو الروح والعقل
~~والقلب وسجودهم طوعا ومن في الأرض النفس وقواها وسجودهم كرها. / وقيل:
~~الساجدون طوعا أهل الكشف والشهود والساجدون كرها أهل النظر والاستدلال
~~{ أنزل من السماء } من سماء روح القدس { ماء } أي ماء العلم {
~~فسالت أودية } أي أودية القلوب { بقدرها } بقدر استعدادها
~~{ فاحتمل السيل زبدا } من خبث صفات أرض ms04921 النفس { رابيا }
~~طافيا على ذلك { ومما يوقدون عليه فى النار } نار العشق
~~من المعارف والكشوف والحقائق والمعاني التي تهيج العشق { ابتغاء
~~حلية } طلب زينة النفس لكونها كمالات لها { أو متع } من
~~الفضال الخلقية التي تحصل بسببها فإنها مما تتمتع به النفس ما { زبد }
~~خبث { مثله } كالنظر إليها ورؤيتها والإعجاب بها وسائر ما يعد من آفات
~~النفس { فأما الزبد فيذهب جفآء } منفيا بالعلم {
~~وأما ما ينفع الناس } من المعاني الحقة والفضائل الخالصة

# فيمكث في الأرض

# [الرعد: 17] أرض النفس، وقال بعضهم: أنه تعالى شبه ما ينزل من مياه بحار
~~ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله إلى قلوب الموحدين والعارفين والمكاشفين
~~والمريدين بما ينزل من السماء إلى الأودية، فكما تحمل الأودية حسب
~~اختلافها ماء المطر تحمل تلك القلوب مياه هاتيك البحار حسب اختلاف
~~حواصلها وأقدار استعداداتها في المحبة والمعرفة والتوحيد، وكما أن قطرات
~~الأمطار تكون في الأودية سيلا فيحتمل السيل زبدا وحثالة وما يكون
~~مانعا من الجريان يكون تواتر أنوار الحق سبحانه سيل المعارف والكشوفات
~~فيسيل في أودية القلوب فيحتمل من أوصاف البشرية وما دون الحق الذي يمنع
~~القلوب من رؤية الغيوب ما يحتمله فيذهب جفاء فتصير حينئذ مقدسة عن زبد
~~الرياء والسمعة والنفاق والخواطر المذمومة وتبقى سائحة في أنوار الأزل
~~والأبد بلا مانع من العرش إلى الثرى، وشبه سبحانه أعمال الظاهر والباطن
~~وما ينفتح بمفاتيحها من الغيب بجواهر الأرض والفضة وغيرهما إذا أذيبا
~~للانتفاع بهما وبين تعالى أن لهما زبدا مثل زبد السيل وأنه يذهب ويمكث
~~أصلهما الصافي، فكذلك أعمال الظاهر والباطن تدخل في بودقة الإخلاص ويوقد
~~عليهما نيران الامتحان فيذهب ما فيه حظ النفس ويبقى ما هو خالص لله
~~تعالى، وهكذا الخواطر يبقى منها خاطر الحق ويضمحل سريعا خاطر الباطل،
~~وعن بعضهم القلوب أوعية وفيها أودية فقلب يسيل فيه ماء التوبة وقلب يسيل
~~فيه ماء الرحمة وقلب يسيل فيه ماء الخوف وقلب يسيل فيه ماء الرجاء وقلب
~~يسيل فيه ماء المعرفة وقلب يسيل فيه ماء الأنس وكل ماء من هذه المياه
~~ينبت في ms04922 القلب نوعا من القربة والقرب من الله عز وجل ومن القلوب ما حرم
~~ذلك والعياذ بالله تعالى، وقال ابن عطية: روى عن ابن عباس أنه قال في
~~قوله تعالى: { أنزل من السماء مآء } الخ يريد بالماء الشرع
~~والدين وبالأودية القلوب ومعنى سيلانها بقدرها أخذ النبيل بحظه والبليد
~~بحظه، ثم قال: وهذا قول لا يصح  والله تعالى أعلم  عن ابن عباس لأنه
~~ينحو إلى قول أصحاب الرموز، وقد تمسك به الغزالي وأهل ذلك الطريق، وفيه
~~إخراج اللفظ عن مفهوم كلام العرب بغير داع إلى ذلك، وإن صح ذلك عن ابن
~~عباس فيقال فيه: إنما قصد رضي الله تعالى عنه أن قوله تعالى:

# كذلك يضرب الله الحق والبطل

# [الرعد: 17] معناه الحق الذي يتقرر في القلوب والباطل الذي يعتريها اه
~~ونحن نقول: إن صح ذلك فمقصود الحبر منه الإشارة وإن كان يريد غير ظاهر
~~فيه، وحجة الإسلام الغزالي عليه الرحمة أشد الناس على أهل الرموز
~~القائلين بأن الظاهر ليس مراد الله تعالى كما لا يخفى على متتبعي كلامه،
~~وسمعت من بعض الناس أن أهل الكيمياء تكلموا في هذه الآية على ما يوافق
~~غرضهم ولم أقف على ذلك { للذين استجابوا لربهم } بتصفية
~~الاستعداد عن كدورات صفات النفس { الحسنى } المثوبة الحسنى وهو
~~الكمال الفائض عليهم عند الصفاء { والذين لم يستجيبوا له
~~} تعالى وبقوا/ في الرذائل البشرية والكدورات الطبيعية { لو أن
~~لهم ما في الأرض } الجهة السفلية من الأموال والأسباب التي
~~انجذبوا إليها بالمحبة فأهلكوا أنفسهم بها { ومثله معه
~~لافتدوا به } ما ينالهم من الحجاب والحرمان { أولئك
~~لهم سوء الحسب } لوقوفهم مع الأفعال في مقام النفس {
~~ومأواهم جهنم } الحرمان { وبئس المهاد } [الرعد: 18]
~~جهنم والعياذ بالله تعالى ونسأله العفو والعافية.

### || [13.19]

# { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك } من القرآن
~~الذي مثل بالماء المنزل من السماء والإبريز الخالص في المنفعة والجدوى هو
~~{ الحق } الذي لا حق وراءه أو الحق الذي أشير إليه بالأمثال المضروبة
~~فيستجيب له { كمن هو أعمى } عمى القلب لا يدركه ولا يقدر قدره
~~وهو ms04923  هو  فيبقى حائرا في ظلمات الجهل وغياهب الضلال ولا يتذكر بما ضرب
~~من الأمثال، والمراد كمن لا يعلم ذلك إلا أنه أريد زيادة تقبيح حاله فعبر
~~عنه بالأعمى، والهمزة للإنكار وإيراد الفاء بعدها لتوجيه الإنكار إلى
~~ترتب توهم المماثلة على ظهور حال كل منهما بما ضرب من الأمثال وما بين من
~~المصير والمآل كأنه قيل: أبعد ما بين حال كل من الفريقين ومآلهما يتوهم
~~المماثلة بينهما. وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما { أومن يعلم }
~~بالواو مكان الفاء.

# { إنما يتذكر } بما ذكر من المذكرات فيقف على ما بينهما من
~~التفاوت والتنائي { أولوا الألبب } أي العقول الخالصة المبرأة
~~من متابعة الألف ومعارضة الوهم، فاللب أخص من العقل وهو الذي ذهب إليه
~~الراغب، وقيل: هما مترادفان والقصد بما ذكر دفع ما يتوهم من أن الكفار
~~عقلاء مع أنهم غير متذكرين ولو نزلوا منزلة المجانين حسن ذلك. والآية على
~~ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في حمزة رضي الله تعالى عنه
~~وأبي جهل وقيل: في عمر رضي الله تعالى عنه وأبي جهل، وقيل: في عمار بن
~~ياسر رضي الله تعالى عنه وأبي جهل، وقد أشرنا إلى وجه اتصالها بما
~~قبلها، والعلامة الطيبي بعد أن قرر وجه الاتصال بأن { فمن يعلم }
~~عطف على جملة

# للذين استجابوا

# [الرعد: 8] الخ والهمزة مقحمة بين المعطوف والمعطوف عليه، وذكر من معنى
~~الآية على ذلك ما ذكر قال: ثم إنك إذا أمعنت النظر وجدتها متصلة بفاتحة
~~السورة يعني بقوله تعالى:

# والذى أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر
~~الناس لا يؤمنون

# [الرعد: 1] وهو كما ترى.

### || [13.20]

# { الذين يوفون بعهد الله } بما عقدوا على أنفسهم من
~~الاعتراف بربوبيته تعالى حين قالوا: بلى، أو بما عهد الله تعالى عليهم في
~~كتبه من الأحكام فالمراد به ما يشمل جميع الأمم، وإضافة العهد إلى الاسم
~~الجليل من باب إضافة المصدر إلى مفعوله على الوجه الأول ومن باب إضافة
~~المصدر إلى الفاعل على الثاني، وإذا أريد بالعهد ما عقده الله تعالى ms04924
~~عليهم يوم قال سبحانه:

# ألست بربكم

# [الأعراف: 172] كانت الإضافة مطلقا من باب إضافة المصدر إلى الفاعل وهو
~~الظاهر كما في «البحر»، وحكى حمل العهد على عهد { ألست } عن قتادة،
~~وحمله على ما عهد في الكتب عن بعضهم، ونقل عن السدي حمله على ما عهد
~~إليهم في القرآن، وعن القفال حمله على ما في جبلتهم وعقولهم من دلائل
~~التوحيد والنبوات إلى غير ذلك واستظهر حمله على العموم.

# { ولا ينقضون الميثق } ما وثقوا من المواثيق بين الله تعالى
~~وبينهم من الإيمان به تعالى والأحكام والنذور وما بينهم وبين العباد
~~كالعقود وما ضاهاها، وهو تعميم بعد تخصيص وفيه تأكيد للاستمرار المفهوم
~~من صيغة المستقبل./ وقال أبو حيان: الظاهر أن هذه الجملة تأكيد للتي
~~قبلها لأن العهد هو الميثاق ويلزم من إيفاء العهد انتفاء نقضه، وقال ابن
~~عطية: المراد بالجملة الأولى يوفون بجميع عهود الله تعالى وهي أوامره
~~ونواهيه التي وصى الله تعالى بها عبيده ويدخل في ذلك التزام جميع الفروض
~~وتجنب جميع المعاصي، والمراد بالجملة الثانية أنهم إذا عقدوا في طاعة
~~الله تعالى عهدا لم ينقضوه اه، وعليه فحديث التعميم بعد التخصيص لا
~~يتأتى كما لا يخفى، وقد تقدم [وعيد] الله سبحانه إلى عباده في نقض
~~الميثاق ونهى عنه بضع وعشرين آية من كتابه كما روى عن قتادة، ومن أعظم
~~المواثيق  على ما قال ابن العربي  أن لا يسأل العبد سوى مولاه جل
~~شأنه. وفي قصة أبي حمزة الخراساني ما يشهد لعظم شأنه فقد عاهد ربه أن لا
~~يسأل أحدا سواه فاتفق أن وقع في بئر فلم يسأل أحدا من الناس المارين
~~عليه إخراجه منها حتى جاء من أخرجه بغير سؤال ولم ير من أخرجه فهتف به
~~هاتف كيف رأيت ثمرة التوكل؟ فينبغي الاقتداء به في الوفاء بالعهد على ما
~~قال أيضا. وقد أنكر ابن الجوزي فعل هذا الرجل وبين خطأه وأن التوكل لا
~~ينافي الاستغاثة في تلك الحال، وذكر أن سفيان الثوري وغيره قالوا: لو أن
~~إنسانا جاع فلم يسأل حتى مات ms04925 دخل النار، ولا ينكر أن يكون الله تعالى قد
~~لطف بأبي حمزة الجاهل. نعم لا ينبغي الاستغاثة بغير الله تعالى على
~~النحو الذي يفعله الناس اليوم مع أهل القبور الذين يتخيلون فيهم ما
~~يتخيلون فآها ثم آها مما يفعلون.

### || [13.21]

# { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } الظاهر
~~العموم في كل ما أمر الله تعالى به في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله
~~عليه وسلم، وقال الحسن: المراد صلة الرسول صلى الله عليه وسلم بالإيمان
~~به، وروي نحوه عن ابن جبير، وقال قتادة: المراد صلة الأرحام، وقيل:
~~الإيمان بالعمل، وقيل: صلة قرابة الإسلام بإفشاء السلام وعيادة المرضى
~~وشهود الجنائز ومراعاة حق الجيران والرفقاء والخدم، ومن ذهب إلى العموم
~~أدخل في ذلك الأنبياء عليهم السلام ووصلهم أن يؤمن بهم جميعا ولا يفرق
~~بين أحد منهم والناس على اختلاف طبقاتهم ووصلهم بمراعاة حقوقهم بل سائر
~~الحيوانات ووصلها بمراعاة ما يطلب في حقها وجوبا أو ندبا، وعن الفضيل
~~بن عياض أن جماعة دخلوا عليه بمكة فقال: من أين أنتم؟ قالوا: من أهل
~~خراسان قالوا: اتقوا الله تعالى وكونوا من حيث شئتم واعلموا أن العبد لو
~~أحسن الإحسان كله وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن محسنا، ومفعول {
~~أمر } محذوف والتقدير ما أمرهم الله به، و { أن يوصل } بدل من
~~الضمير المجرور أي ما أمر الله بوصله.

# { ويخشون ربهم } أي وعيده سبحانه والظاهر أن المراد به
~~مطلقا، وقيل: المراد وعيده تعالى على قطع ما أمروا بوصله { ويخافون
~~سوء الحسب } فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا، وهذا من قبيل ذكر
~~الخاص بعد العام للاهتمام، والخشية والخوف قيل بمعنى، وفي " فروق العسكري
~~" أن الخوف يتعلق بالمكروه ومنزله تقول خفت زيدا وخفت المرض والخشية
~~تتعلق بالمنزل دون المكروه نفسه، ولذا قال سبحانه: { يخشون } أولا
~~{ ويخافون } ثانيا، وعليه فلا يكون اعتبار الوعيد في محله، لكن هذا
~~غير مسلم لقوله تعالى:

# خشية إملق

# [الإسراء: 31] و

# لمن خشى العنت منكم

# [النساء: 25] وفرق الراغب بينهما/ فقال: ((الخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ms04926
~~ما يكون ذلك عن علم [بما يخشى منه] ولذلك خص العلماء بها في قوله تعالى:

# إنما يخشى الله من عباده العلماء

# [فاطر: 28])). وقال بعضهم: الخشية أشد الخوف لأنها مأخوذة من قولهم:
~~شجرة خشية أي يابسة ولذا خصت بالرب في هذه الآية، وفرق بينهما أيضا بأن
~~الخشية تكون من عظم المخشي وإن كان الخاشي قويا والخوف من ضعف الخائف
~~وإن كان المخوف أمرا يسيرا، يدل على ذلك أن تقاليب الخاء والشين والياء
~~تدل على الغفلة وفيه تدبر، والحق أن مثل هذه الفروق أغلبي لا كلي وضعي
~~ولذا لم يفرق كثير بينهما، نعم اختار الإمام أن المراد من { يخشون
~~ربهم } أنهم يخافونه خوف مهابة وجلالة زاعما أنه لولا ذلك يلزم
~~التكرار وفيه ما فيه.

### || [13.22]

# { والذين صبروا } على كل ما تكرهه النفس من المصائب المالية
~~والبدنية وما يخالفه هوى النفس كالانتقام ونحوه ويدخل فيما ذكر التكاليف
~~{ ابتغاء وجه ربهم } طلبا لرضاه تعالى من غير أن ينظروا إلى
~~جانب الخلق رياء أو سمعة ولا إلى جانب أنفسهم زينة وعجبا، وقيل: المراد
~~طالبين ذلك فنصب { ابتغاء } على الحالية وعلى الأول هو منصوب على أنه
~~مفعول له، والكلام في مثل الوجه منسوبا إليه تعالى شهير. وفي «البحر»
~~((أن الظاهر منه ههنا جهة الله تعالى أي الجهة التي تقصد عنده سبحانه
~~بالحسنات ليقع عليها المثوبة كما يقال: خرج زيد لوجه كذا، وفيه أيضا أنه
~~جاءت الصلة هنا بلفظ الماضي وفيما تقدم بلفظ المضارع على سبيل التفنن في
~~الفصاحة لأن المبتدأ في معنى اسم الشرط والماضي كالمضارع في اسم الشرط
~~فكذلك فيما أشبهه، ولذا قال النحويون: إذا وقع الماضي صلة أو صفة لنكرة
~~عامة احتمل أن يراد به المضي وإن يراد به الاستقبال، فمن الأول

# الذين قال لهم الناس

# [آل عمران: 173] ومن الثاني

# إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم

# [المائدة: 34] ويظهر أيضا أن اختصاص هذه الصلة بالماضي وما تقدم
~~بالمضارع أن ما تقدم قصد به الاستصحاب والالتباس وأما هذه فقد قصد بها
~~تقدمها على ذلك ms04927 لأن حصول تلك الصلات إنما هي مترتبة على حصول الصبر
~~وتقدمه عليها ولذا لم يأت صلة في القرآن إلا بصيغة الماضي إذ هو شرط في
~~حصول التكاليف وإيقاعها.)) وفي " إرشاد العقل السليم " حيث كان الصبر
~~ملاك الأمر في كل ما ذكر من الصلات السابقة واللاحقة أورد بصيغة الماضي
~~اعتناء بشأنه ودلالة على وجوب تحققه فإن ذلك مما لا بد منه إما في نفس
~~الصلات كما فيما عدا الأولى والرابعة والخامسة أو في إظهار أحكامها كما
~~في الصلات الثلاث المذكورات فإنها وإن استغنت عن الصبر في أنفسها حيث لا
~~مشقة على النفس في الاعتراف بالربوبية والخشية والخوف لكن إظهار أحكامها
~~والجري على موجبها غير خال عن الاحتياج إليه وهو لا يخلو عن شيء، والأولى
~~على ما قيل الاقتصار في التعليل على الاعتناء بشأنه.

# وعطف قوله سبحانه: { وأقاموا الصلوة } وكذا ما بعده على ذلك
~~على ما نص عليه غير واحد من باب عطف الخاص العام، والمراد بالصلاة قيل
~~الصلاة المفروضة وقيل مطلقا وهو أولى، ومعنى إقامتها إتمام إركانها
~~وهيآتها { وأنفقوا مما رزقناهم } بعض ما أعطيناهم وهو
~~الذي وجب عليهم إنفاقه كالزكاة وما ينفق على العيال والمماليك أو ما يشمل
~~ذلك والذي ندب { سرا } حيث يحسن السر كما في إنفاق من لا يعرف بالمال
~~إذا خشي التهمة في الإظهار أو من عرف به لكن لو أظهره ربما داخله الرياء
~~والخيلاء، وكما في الإعطاء لمن تمنعه المروءة من/ الأخذ ظاهرا {
~~وعلانية } حيث تحسن العلانية كما إذا كان الأمر على خلاف ما ذكر،
~~وقال بعضهم: إن الأول مخصوص بالتطوع والثاني بأداء الواجب، وعن الحسن أن
~~كلا الأمرين في الزكاة المفروضة فإن لم يتهم بترك أداء الزكاة فالأولى
~~أداؤها سرا وإلا فالأولى أداؤها علانية، وقيل: السر ما يؤديه بنفسه
~~والعلانية ما يؤديه إلى الإمام والأولى الحمل على العموم، ولعل تقديم
~~السر للإشارة إلى فضل صدقته، وجاء في " الصحيح " عد المتصدق سرا من
~~الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم القيامة.

# { ويدرءون بالحسنة السيئة } أي يدفعون الشر ms04928 بالخير
~~ويجازون الإساءة بالإحسان على ما أخرجه ابن جرير عن ابن زيد، وعن ابن
~~جبير يردون معروفا على من يسيء إليهم فهو كقوله تعالى:

# وإذا خاطبهم الجهلون قالوا سلاما

# [الفرقان: 63] وقال الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا
~~قطعوا وصلوا. وقيل: يتبعون السيئة بالحسنة فتمحوها. وفي الحديث

# " أن معاذا قال: " أوصني يا رسول الله قال: إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها
~~حسنة تمحها السر بالسر والعلانية بالعلانية "

# وعن ابن كيسان يدفعون بالتوبة معرة الذنب. وقيل: بلا إله إلا الله
~~شركهم، وقيل: بالصدقة العذاب. وقيل: إذا رأوا منكرا أمروا بتغييره، وقيل
~~وقيل، ويفهم صنيع بعض المحققين اختيار الأول فهم كما قيل:

# يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة

# ومن إساءة أهل السوء إحسانا

# وهذا بخلاف خلق بعض الجهلة:

# جريء متى يظلم يعاقب بظلمه

# سريعا وإن لا يبد بالظلم يظلم

# وقال في «الكشف»: الأظهر التعميم أي يدرؤون بالجميل السيء سواء كان
~~لأذاهم أو لا مخصوصا بهم أو لا طاعة أو معصية مكرمة أو منقصة ولعل الأمر
~~كما قال، وتقديم المجرور على المنصوب لإظهار كمال العناية بالحسنة.

# { أولئك } أي المنعوتون بالنعوت الجليلة والملكات الجميلة، وليس
~~المراد بهم أناسا بأعيانهم وإن كانت الآية نازلة  على ما قيل  في
~~الأنصار، واسم الإشارة مبتدأ خبره الجملة الظرفية أعني قول سبحانه: {
~~لهم عقبى الدار } أي عاقبة الدنيا وما ينبغي أن يكون مآل أمر
~~أهلها وهي الجنة، فتعريف الدار للعهد والعاقبة المطلقة تفسر بذلك وفسرت
~~به في قوله تعالى:

# والعقبة للمتقين

# [الأعراف: 128] وفسرها الزمخشري أيضا بالجنة إلا أنه قال: لأنها التي
~~أراد الله تعالى أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها، وفيه على ما قيل
~~شائبة اعتزال. وجوز أن يراد  بالدار  الآخرة أي لهم العقبى الحسنة في
~~الدار الآخرة، وقيل: الجار والمجرور خبر اسم الإشارة و { عقبى } فاعل
~~الاستقرار، وأيا ما كان فليس فيه قصر حتى يرد أن بعض ما في حيز الصلة
~~ليس من العزائم التي يخل إخلالها بالوصول إلى حسن العاقبة.

# وقال بعضهم: إن المراد مآل أولئك الجنة ms04929 من غير تخلل بدخول النار فلا بأس
~~لو قيل بالقصر، ولا يلزم عدم دخول الفاسق المعذب الجنة، والقول إنه موصوف
~~بتلك الصفات في الجملة كما ترى. والجملة خبر للموصولات المتعاطفة إن رفعت
~~بالابتداء أو استئناف نحوي أو بياني في جواب ما بال الموصوفين بهذه
~~الصفات؟ إن جعلت الموصولات المتعاطفة صفات  لأولي الألباب  على طريقة
~~المدح من غير أن يقصد أن يكون للصلات المذكورة مدخل في التذكر، والأول
~~أوجه لما في " الكشف " من رعاية التقابل بين الطائفتين، وحسن العطف في
~~قوله تعالى:

# والذين ينقضون

# [الرعد: 25] وجريهما على استئناف الوصف للعالم ومن هو كأعمى.

### || [13.23]

# وقوله سبحانه:/ { جنت عدن } بدل من

# عقبى الدار

# [الرعد: 22] كما قال الزجاج بدل كل من كل، وجوز أبو البقاء وغيره أن
~~يكون مبتدأ خبره قوله تعالى: { يدخلونها } وتعقب بأنه بعيد عن
~~المقام، والأولى أن يكون مبتدأ محذوف كما ذكر في «البحر» ورد بأنه لا وجه
~~له لأن الجملة بيان لعقبى الدار فهو مناسب للمقام، والعدن الإقامة
~~والاستقرار يقال: عدن بمكان كذا إذا استقر، ومنه المعدن لمستقر الجواهر
~~أي جنات يقيمون فيها، وأخرج غير واحد عن ابن مسعود أنه قال: { جنت
~~عدن } بطنان الجنة أي وسطها، وروي نحو ذلك عن الضحاك إلا أنه قال: هي
~~مدينة وسط الجنة فيها الأنبياء والشهداء وأئمة الهدى، وجاء فيها غير ذلك
~~من الأخبار، ومتى أريد منها مكان مخصوص من الجنة كان البدل بدل بعض من
~~كل. وقرأ النخعي { جنة } بالإفراد، وروي عن ابن كثير وأبي عمرو {
~~يدخلونها } مبنيا للمفعول.

# { ومن صلح من ءابائهم } جمع أبوي كل واحد منهم فكأنه قيل:
~~من آبائهم وأمهاتهم { وأزوجهم وذريتهم } وهو كما قال
~~أبو البقاء عطف على المرفوع في  يدخلون  وإنما ساغ ذلك مع عدم التأكيد
~~للفصل بالضمير الآخر، وجوز أن يكون مفعولا معه. واعترض بأن واو المعية
~~لا تدخل إلا على المتبوع. ورد بأن هذا إنما ذكر في مع لا في الواو وفيه
~~نظر، والمعنى أنه يلحق بهم من صلح من أهليهم وإن لم يبلغ مبلغ ms04930 فضلهم
~~تبعا لهم تعظيما لشأنهم. أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن جرير
~~قال: يدخل الرجل الجنة فيقول: أين أمي أين ولدي أين زوجتي؟ فيقال: لم
~~يعملوا مثل عملك فيقول: كنت أعمل لي ولهم ثم قرأ الآية، وفسر { من صلح }
~~بمن آمن وهو المروي عن مجاهد وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما،
~~وفسر ذلك الزجاج بمن آمن وعمل صالحا، وذكر أنه تعالى بين بذلك أن
~~الأنساب لا تنفع إذا لم يكن معها أعمال صالحة بل الآباء والأزواج والذرية
~~لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة. ورد عليه الواحدي فقال: الصحيح ما
~~روي عن ابن عباس لأن الله تعالى جعل ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في
~~الجنة، وذلك يدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع الآتي بالأعمال الصالحة
~~فلو دخلوها بأعمالهم لم يكن في ذلك كرامة للمطيع ولا فائدة في الوعد به
~~إذ كل من كان مصلحا في عمله فهو يدخل الجنة. وضعف ذلك الإمام بأن
~~المقصود بشارة المطيع بكل ما يزيده سرورا وبهجة فإذا بشر الله تعالى
~~المكلف بأنه إذا دخل الجنة يحضر معه أهله يعظم سروره وتقوى بهجته.

# ويقال: إن من أعظم سرورهم أن يجتمعوا فيتذاكروا أحوالهم في الدنيا ثم
~~يشكرون الله تعالى على الخلاص منها، ولذلك حكى سبحانه عن بعض أهل الجنة
~~أنه يقول:

# قال يليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى وجعلنى
~~من المكرمين

# [يس:26-27] وعلى هذا لا تكون الآية دليلا على أن الدرجة تعلو بالشفاعة.

# ومنهم من استدل بها على ذلك على المعنى الأول لها. وتعقب بأنها أيضا لا
~~دلالة لها على ما ذكر. وأجيب بأنه إذا جاز أن تعلو بمجرد التبعية
~~للكاملين في الإيمان تعظيما لشأنهم فالعلو بشفاعتهم معلوم بالطريق
~~الأولى. وقال بعضهم: إنهم لما كانوا بصلاحهم مستحقين لدخول الجنة كان
~~جعلهم في درجتهم مقتضى طلبهم وشفاعتهم لهم بمقتضى الإضافة. والحق أن
~~الآية لا تصلح دليلا على ذلك خصوصا إذا كانت الواو بمعنى مع فتأمل،
~~والظاهر أنه لا تمييز بين زوجة وزوجة ms04931 وبذلك صرح الإمام ثم قال: ولعل
~~الأولى من مات عنها أو ماتت عنه. وما روي عن سودة أنها لما هم رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في جملة نسائك
~~كالدليل على/ ما ذكر. واختلف في المرأة ذات الأزواج إذا كانوا قد ماتوا
~~عنها فقيل: هي في الجنة لآخر أزواجها. ويؤيده كون أمهات المؤمنين زوجاته
~~صلى الله عليه وسلم فيها مع كون أكثرهن كن قد تزوجن قبل بغيره عليه
~~الصلاة والسلام. وقيل: هي لأول أزواجها كامرأة أخبرها ثقة أن زوجها قد
~~مات ووقع في قلبها صدقه فتزوجت بعد انقضاء عدتها ثم ظهرت حياته فإنها
~~تكون له. وتعقب بأن هذا ليس من هذا القبيل بل هو يشبه ما لو مات رجل
~~وأخبر معصوم كالنبي بموته فتزوجت امرأته بعد انقضاء العدة ثم أحياه الله
~~تعالى وقد قالوا في ذلك: إن زوجته لزوجها الثاني. وقيل: إن الزوجة تخير
~~يوم القيامة بين أزواجها فمن كان منهم أحسنهم خلقا معها كانت له وارتضاه
~~جمع. وقرأ ابن أبي عبلة { صلح } بضم اللام والفتح أفصح؛ وعيسى الثقفي
~~{ ذريتهم } بالتوحيد.

# { والملئكة يدخلون عليهم من كل باب } من أبواب
~~المنازل. أخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك أنه قرأ الآية حتى ختمها ثم
~~قال: " إن المؤمن لفي خيمة من درة مجوفة ليس فيها جذع ولا وصل طولها في
~~الهواء ستون ميلا في كل زاوية منها أهل ومال لها أربعة آلاف مصراع من
~~ذهب يقوم على كل باب منها سبعون ألفا من الملائكة مع كل ملك هدية من
~~الرحمن ليس مع صاحبه مثلها لا يصلون إليه إلا بإذن بينه وبينهم حجاب "
~~وروي عن ابن عباس ما هو أعظم من ذلك. وقال أبو [بكر] الأصم: أريد من كل
~~باب من أبواب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر، وقيل: من أبواب
~~الفتوح والتحف، قيل: فعلى هذا المراد بالباب النوع و { من } للتعليل،
~~والمعنى يدخلون لإتحافهم بأنواع التحف، وتعقب بأن في كون الباب بمعنى
~~النوع ms04932 كالبابة نظرا فإن ظاهر كلام " الأساس " وغيره يقتضي أن يكون
~~مجازا أو كناية عما ذكر لأن الدار التي لها أبواب إذا أتاها الجم الغفير
~~يدخلونها من كل باب فأريد به دخول الأرزاق الكثيرة عليهم وأنها تأتيهم من
~~كل جهة وتعدد الجهات يشعر بتعدد المائتيات فإن لكل جهة تحفة.

### || [13.24]

# { سلم عليكم } أي قائلين ذلك وهو بشارة بدوام السلامة،
~~فالجملة مقول لقول محذوف واقع حالا من فاعل

# يدخلون

# [الرعد: 23] وجوز كونها حالا من غير تقدير أي مسلمين، وهي في الأصل
~~فعلية أي يسلمون سلاما، وقوله تعالى: { بما صبرتم } متعلق كما
~~قال أبو البقاء بما تعلق به { عليكم } أو به نفسه لأنه نائب عن
~~متعلقه، ومنع هذا  كما قال السيوطي  السفاقسي وقال: لا وجه له، والصحيح
~~أنه متعلق بما تعلق به { عليكم } وجوز الزمخشري تعلقه  بسلام  على
~~معنى نسلم عليكم ونكرمكم بصبركم؛ ومنعه أبو البقاء بأن فيه الفصل بين
~~المصدر ومعموله بالأجنبي وهو الخبر، ووجه ذلك في " الدر المصون " بأن
~~المنع إنما هو في المصدر المؤول بحرف مصدري وهذا ليس منه مع أن الرضي جوز
~~ذلك مع التأويل أيضا وقال: لا أراه مانعا لأن كل مؤول بشيء لا يثبت له
~~جميع أحكامه، وجوز لهذه العلة العلامة الثاني تقديم معمول المصدر المؤول
~~بأن والفعل عليه في نحو قوله تعالى:

# ولا تأخذكم بهما رأفة

# [النور: 2] وقال في «الكشف»: إن { عليكم } نظرا إلى الأصل غير
~~أجنبي فلذلك جاز أن يفصل به، على أن الزمخشري لم يصرح بأنه معموله بل من
~~مقتضاه ولذا قال: أي نسلم الخ فدل على أن التعلق معنوي يقدر ما يناسبه،
~~ولو جعل معمولا للظرف المستقر أعني { عليكم } فيكون متعلقا معنى 
~~بسلام  ضرورة لكان وجها خاليا عن التكلف، وجعله أبو حيان خبر مبتدأ
~~محذوف و { ما } مصدرية والباء سببية أو بدلية أي هذا الثواب الجزيل بسبب
~~صبركم في الدنيا على المشاق أو بدله. وعن أبي عمران بما صبرتم على
~~دينكم، وعن الحسن/ عن فضول الدنيا، وعن محمد بن النصر على الفقر،
~~والتعميم ms04933 أولى، وتخصيص الصبر بالذكر من بين الصلات السابقة لما أنه ملاك
~~الأمر والأمر المعتنى به كما علمت.

# { فنعم عقبى الدار } أي فنعم عاقبة الدنيا الجنة، وقيل:
~~المراد بالدار الآخرة، وقال بعضهم: المراد أنهم عقبوا الجنة من جهنم، قال
~~ابن عطية: وهذا مبني على ما ورد من أن كل رجل من أهل الجنة قد كان له
~~مقعد من النار فصرفه الله تعالى عنه إلى النعيم فيعرض عليه ويقال له: هذا
~~مقعدك من النار قد أبدلك الله تعالى بالجنة بإيمانك وصبرك. وقرأ ابن يعمر
~~{ فنعم } بفتح النون وكسر العين وذلك هو الأصل، وابن وثاب { فنعم } بفتح
~~النون وسكون العين وتخفيف فعل لغة تميم، وجاء فيها  كما في «الصحاح»  {
~~نعم } بكسر النون واتباع العين لها؛ وأشهر استعمالاتها ما عليه الجمهور.

# وأخرج ابن جرير عن محمد بن إبراهيم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم
~~يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: { سلم عليكم بما
~~صبرتم فنعم عقبى الدار } وكذا كان يفعل أبو بكر وعمر
~~وعثمان رضي الله تعالى عنهم.

# وتمسك بعضهم بالآية على أن الملك أفضل من البشر فقالوا: إنه سبحانه ختم
~~مراتب سعادات البشر بدخول الملائكة عليهم على سبيل التحية والإكرام
~~والتعظيم والسلام فكانوا أجل مرتبة من البشر لما كان دخولهم عليهم لأجل
~~السلام والتحية موجبا علو درجاتهم وشرف مراتبهم، ولا شك أن من عاد من
~~سفره إلى بيته فإذا قيل في معرض كمال مرتبته أنه يزوره الأمير والوزير
~~والقاضي والمفتي دل على أن درجة المزور أقل وأدنى من درجات الزائرين فكذا
~~ههنا، وهو من الركاكة بمكان. ولم لا يجوز أن يكون ما هنا نظير ما إذا
~~أتى السلطان بشخص من عماله الممتازين عنده قد أطاعه في أوامره ونواهيه
~~إلى محل كرامته ثم بعد أن أنزله المنزل اللائق به أرسل خدمه إليه
~~بالهدايا والتحف والبشارة بما يسره فهل إذا قيل: إن فلانا قد أحله
~~السلطان محل كرامته ودار حكومته وأنزله المنزل اللائق به وأرسل خدمه إليه
~~بما يسره كان ذلك دليلا ms04934 على أن أولئك الخدم أعلى درجة منه؟ لا أظنك تقول
~~ذلك نعم جاء في بعض الأخبار ما يؤيد بظاهره ما تقدم، فقد أخرج أحمد
~~والبزار وابن حبان والحاكم وصححه وجماعة عن عبد الله بن عمرو قال: قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " أول من يدخل الجنة من خلق الله تعالى فقراء المهاجرين الذين تسد بهم
~~الثغور وتتقى بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء
~~فيقول الله تعالى لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم فتقول الملائكة:
~~ربنا نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم
~~فيقول الله تعالى: إن هؤلاء عباد لي كانوا يعبدوني ولا يشركون بي شيئا
~~وتسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع
~~لها قضاء فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم
~~بما صبرتم فنعم عقبى الدار "

# ومن أنصف ظهر له أن هذا لا يدل على أن الملائكة مطلقا أفضل من البشر
~~مطلقا كما لا يخفى.

# وذكر الإمام الرازي في تفسير الآية على الوجه المروي عن الأصم في تفسير
~~دخول الملائكة من كل باب أن الملائكة طوائف منهم روحانيون ومنهم كروبيون
~~فالعبد إذا راض نفسه بأنواع الرياضات كالصبر والشكر والمراقبة والمحاسبة
~~ولكل مرتبة من هذه المراتب جوهر قدسي وروح علوي مختص بتلك الصفة مزيد
~~اختصاص فعند الموت إذا أشرقت تلك الجواهر القدسية تجلت فيها من كل روح من
~~الأرواح السماوية ما يناسبها من الصفات المخصوصة فيفيض عليها من ملائكة
~~الصبر كمالات مخصوصة نفسانية لا تظهر إلا في مقام الصبر ومن ملائكة الشكر
~~كمالات/ روحانية لا تتجلى إلا في مقام الشكر وهكذا القول في جميع المراتب
~~اه. وتعقبه أبو حيان بأنه كلام فلسفي لا تفهمه العرب ولا جاءت به
~~الأنبياء عليهم السلام فهو مطروح لا يلتفت إليه المسلمون. وأنت تعلم أن
~~مثل هذا كلام كثير من الصوفية.

### || [13.25]

# { والذين ينقضون عهد الله } أريد بهم من يقابل الأولين
~~ويعاندهم بالاتصاف بنقائص أوصافهم ms04935 { من بعد ميثقه } الاعتراف
~~به، قيل: المراد بالعهد قوله سبحانه:

# ألست بربكم

# [الأعراف: 172] وبالميثاق ما هو اسم آلة أعني ما يوثق به الشيء وأريد به
~~الاعتراف بقول: { بلى } وقد يسمى العهد من الطرفين ميثاقا لتوثيقه
~~بين المتعاهدين؛ وفسر الإمام ((عهد الله تعالى بما ألزمه عباده بواسطة
~~الدلائل العقلية [والسمعية] لأن ذلك أوكد [من] كل عهد وكل أيمان إذ
~~الأيمان إنما تفيد التوكيد بواسطة الدلائل الدالة على أنها توجب الوفاء
~~بمقتضاها، ثم قال: والمراد من نقضها أن لا ينظر المرء فيها فلا يمكنه
~~حينئذ العمل بموجبها أو بأن ينظر [فيها] ويعلم صحتها ثم يعاند فلا يعمل
~~بعلمه أو بأن ينظر في (الشبه فلا يعتقد الحق)، والمراد بقوله سبحانه: {
~~من بعد ميثقه } من بعد أن أوثق إليه تلك الأدلة وأحكمها لأنه
~~لا شيء أقوى مما دل الله تعالى على وجوبه في أنه ينفع فعله ويضر تركه.
~~وأورد أنه إذا كان العهد لا يكون إلا بالميثاق فما فائدة { من بعد
~~ميثقه }؟ وأجاب بأنه لا يمتنع أن يكون المراد (مفارقة من تمكن من
~~معرفته بالحلف لمن لم يتمكن أو لا يمتنع أن يكون المراد) الأدلة المؤكدة
~~لأنه تعالى: قد يؤكد إليك [العهد] بدلائل أخرى سواء كانت عقلية أو
~~سمعية)) اه ولا يخفى أنه إذا أريد بالعهد ذلك القول وبالميثاق الاعتراف
~~به لم يحتج إلى القيل والقال، وحمل بعضهم العهد هنا على سائر ما وصى الله
~~تعالى به عباده كالعهد فيما سبق والميثاق على الإقرار والقبول. والآية
~~كما روي عن مقاتل نزلت في أهل الكتاب.

# { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } من الإيمان
~~بجميع الأنبياء عليهم السلام المجتمعين على الحق حيث يؤمنون ببعض ويكفرون
~~ببعض ومن حقوق الأرحام وموالاة المؤمنين وغير ذلك، وإنما لم يتعرض  كما
~~قال بعض المحققين  لنفي الخشية والخوف عنهم صريحا لدلالة النقض والقطع
~~على ذلك. وأما عدم التعرض لنفي الصبر المذكور فلأنه إنما اعتبر تحققه في
~~ضمن الحسنات المعدودة ليقعن معتدا بهن فلا وجه لنفيه عمن بينه وبين
~~الحسنات بعد ms04936 المشرقين لا سيما بعد تقييده بكونه ابتغاء وجهه تعالى، كما
~~لا وجه لنفي الصلاة والإنفاق بناء على أن المراد منه إعطاء الزكاة ممن
~~لا يحوم حول الإيمان بالله تعالى فضلا عن فروع الشرائع، وإن أريد
~~بالإنفاق ما يشمل ذلك وغيره فنفيه مندرج تحت قطع ما أمر الله تعالى بوصله
~~بل قد يقال باندراج نفي الصلاة أيضا تحت ذلك، وأما درء السيئة بالحسنة
~~فانتفاؤه عنهم ظاهر مما سبق ولحق فإن من يجازي إحسانه عز وجل بنقض عهده
~~سبحانه ومخالفة الأمر ويباشر الفساد حسبما يحكيه قوله عز وجل: {
~~ويفسدون فى الأرض } بالظلم لأنفسهم وغيرهم وتهييج الفتن
~~بمخالفة دعوة الحق وإثارة الحرب على المسلمين كيف يتصور منه الدرء
~~المذكور.

# على أنه قيل: إن ذلك يشعر بأن له دخلا في الإفضاء إلى العقوبة التي
~~ينبىء عنها قوله سبحانه: { أولئك } الخ أي أولئك الموصوفون بتلك
~~القبائح { لهم } بسبب ذلك { اللعنة } أي الإبعاد من رحمة الله
~~تعالى { ولهم } مع ذلك { سوء الدار } أي سوء عاقبة الدار،
~~والمراد بها الدنيا وسوء عاقبتها عذاب جهنم أو جهنم نفسها، ولم يقل: سوء
~~عاقبة الدار تفاديا أن يجعلها عاقبة حيث جعل العاقبة المطلقة هي الجنة،
~~وجوز أن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها، والأول/ أوجه لرعاية التقابل
~~ولأن المبادر إلى الفهم من الدار الدنيا بقرينة السابق ولأنها الحاضر في
~~أذهانهم ولما ذكر من النكتة السرية وذلك لأن ترتيب الحكم على الموصول
~~يشعر بعلية الصلة له، ولا يخفى أنه لا دخل له في ذلك على أكثر التفاسير
~~فإن مجازاة السيئة بمثلها مأذون فيها، ودفع الكلام السيء بالحسن وكذا
~~الإعطاء عند المنع والعفو عند الظلم والوصل عند القطع ليس مما يورث تركه
~~تبعة؛ وأما ما اعتبر اندراجه تحت الصلة الثانية من الإخلال ببعض الحقوق
~~المندوبة فلا ضير في ذلك لأن اعتباره من حيث إنه من مستتبعات الإخلال
~~بالعزائم كالكفر ببعض الأنبياء عليهم السلام وعقوق الوالدين وترك سائر
~~الحقوق الواجبة، وقيد بالأكثر لأنه على الكثير مما ذكرناه في تفسيره
~~المدخلية ظاهرة، وقيل: إنه سلك ms04937 في وصف الكفرة وذمهم وذكر مالهم في مآلهم
~~ما لم يسلك في وصف المؤمنين ومدحهم وشرح ما أعد لهم وما ينتهي إليه أمرهم
~~فأتى في أحدهما بموصولات متعددة وصلات متنوعة إلى غير ذلك ولم يؤت بنحو
~~ذلك في الآخر تنبيها على مزيد الاعتناء بشأن المؤمنين قولا وفعلا وعدم
~~الاعتناء بشأن أضدادهم فإنهم أنجاس يتمضمض من ذكرهم هذا، مع الجزم بأن
~~مقتضى الحال هو هذا، وقيل: إن المسلكين من آثار الرحمة الواسعة فتأمل،
~~وتكرير { لهم } للتأكيد والإيذان باختلافهما واستقلال كل منهما في
~~الثبوت.

### || [13.26]

# { الله يبسط الرزق } أي يوسعه { لمن يشاء } من عباده {
~~ويقدر } أي يضيق، وقيل: يعطي بقدر الكفاية، والمراد بالرزق الدنيوي
~~لا ما يعم الأخروي لأنه على ما قيل غير مناسب للسياق، وقال صاحب " الكشف
~~": إنه شامل للرزقين الحسي والمعنوي الدنيوي والأخروي وذكر في بيان ربط
~~الآية على ذلك ما ذكر، وهي كما روي عن ابن عباس نزلت في أهل مكة ثم إنها
~~وإن كانت كذلك عامة وكأنها دفع لما يتوهم من أنه كيف يكونون مع ما هم
~~عليه من الضلال في سعة من الرزق فبين سبحانه أن سعة رزقهم ليس تكريما
~~لهم كما أن تضييق رزق بعض المؤمنين ليس لإهانة لهم وإنما كل من الأمرين
~~صادر منه تعالى لحكم إلهية يعلمها سبحانه وربما وسع على الكافر إملاء
~~واستدراجا له وضيق على المؤمن زيادة لأجره.

# وتقديم المسند إليه في مثل هذه الآية للتقوى فقط عند السكاكي، والزمخشري
~~يرى أنه لا مانع من أن يكون للتقوى والتخصيص ولذا قال: أي الله وحده هو
~~يبسط ويقدر دون غيره سبحانه، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {
~~ويقدر } بضم الدال حيث وقع.

# { وفرحوا } استئناف ناع قبح أفعالهم مع ما وسعه عليه. والضمير قيل
~~لأهل مكة وإن لم يسبق ذكرهم واختاره جماعة، وقال أبو حيان: للذين ينقضون،
~~وزعم بعضهم أن الجملة معطوفة على صلة { الذين } وفي الآية تقديم
~~وتأخير ومحل هذا بعد

# يفسدون فى الأرض

# [الرعد: 25] ولا يخفى بعده للاختلاف عموما وخصوصا ms04938 واستقبالا ومضيا
~~أي فرحوا فرح أشر وبطر لا فرح سرور بفضل الله تعالى. { بالحياة
~~الدنيا } أي بما بسط لهم فيها من النعيم لأن فرحهم ليس بنفس الدنيا
~~فنسبة الفرح إليها مجازية أو هناك تقدير أي ببسط الحياة أو الحياة الدنيا
~~مجاز عما فيها.

# { وما الحيوة الدنيا فى الآخرة } أي كائنة في جنب
~~نعيمها، فالجار والمجرور في موضع الحال وليس متعلقا بالحياة ولا بالدنيا
~~كما قال أبو البقاء لأنهما ليسا فيها. و { فى } هذه معناها المقايسة وهي
~~كثيرة في الكلام كما يقال: ذنوب العبد في رحمة الله تعالى كقطرة في بحر
~~وهي الداخلة بين مفضول سابق وفاضل لاحق وهي الظرفية المجازية لأن ما يقاس
~~بشيء يوضع بجنبه، وإسناد { متع } في قوله تعالى: { إلا متع
~~} إلى الحياة الدنيا يحتمل أن يكون مجازيا ويحتمل أن يكون حقيقيا،
~~والمراد أنها ليست إلا شيئا نزرا يتمتع به كعجالة الراكب وزاد الراعي
~~يزوده أهله الكف من التمر أو الشيء من الدقيق أو نحو ذلك، والمعنى أنهم
~~رضوا بحظ الدنيا معرضين عن نعيم الآخرة والحال أن ما أشروا به في جنب ما
~~أعرضوا عنه نزر النفع سريع النفاد، أخرج الترمذي وصححه عن عبد الله بن
~~مسعود قال:

# " نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد أثر في جنبه
~~فقلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك فقال: ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا
~~إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها "

# ، وقيل: معنى الآية كالخبر

# " الدنيا مزرعة الآخرة "

# يعني كان ينبغي أن يكون ما بسط لهم في الدنيا وسيلة إلى الآخرة كمتاع
~~تاجر يبيعه بما يهمه وينفقه في مقاصده لا أن يفرحوا بها ويعدوها مقاصد
~~بالذات والأول أولى وأنسب.

### || [13.27]

# { ويقول الذين كفروا } أي أهل مكة عبد الله بن أبي أمية
~~وأصحابه، وإيثار هذه الطريقة على الإضمار مع ظهور إرادتهم عقيب ذكر فرحهم
~~بناءا على أن ضمير

# فرحوا

# [الرعد:26] لهم لذمهم والتسجيل عليهم بالكفر فيما حكى عنهم من قولهم: {
~~لولا أنزل عليه ءاية من ms04939 ربه } فإن ذلك في أقصى مراتب
~~المكابرة والعناد كأن ما أنزل عليه عليه الصلاة والسلام من الآيات العظام
~~الباهرة ليست عندهم بآية حتى اقترحوا ما لا تقتضيه الحكمة من الآيات
~~كسقوط السماء عليهم كسفا وسير الأخشبين وجعل البطاح محارث ومغترسا
~~كالأردن وإحياء قصي لهم إلى غير ذلك.

# { قل إن الله يضل من يشاء } إضلاله مشيئة تابعة للحكمة
~~الداعية إليها، ((وهو كلام جار مجرى التعجب من قولهم، وذلك أن الآيات
~~الباهرة المتكاثرة التي أوتيها صلى الله عليه وسلم لم يؤتها نبي قبله،
~~وكفى بالقرآن وحده آية فإذا جحدوها ولم يعتدوا بها كان ذلك موضعا للتعجب
~~والإنكار، وكان الظاهر أن يقال في الجواب: ما أعظم عنادكم وما أشد
~~تصميمكم على الكفر ونحوه إلا أنه وضع هذا موضعه للإشارة إلى أن المتعجب
~~منه يقول: { إن الله يضل } الخ أي أنه تعالى يخلق فيمن يشاء
~~الضلال بصرف اختياره إلى تحصيله ويدعه منهمكا فيه لعلمه بأنه لا ينجع
~~فيه اللطف ولا ينفعه الإرشاد لسوء استعداده كمن كان على صفتكم في
~~المكابرة والعناد وشدة الشكيمة والغلو في الفساد فلا سبيل له إلى
~~الاهتداء ولو جاءته كل آية)).

# { ويهدى إليه } أي إلى جنابه العلي الكبير. وقال أبو حيان: أي
~~إلى دينه وشرعه سبحانه هداية مواصلة إليه لا دلالة مطلقة إلى ما يوصل فإن
~~ذلك غير مختص بالمهتدين وفيه من تشريفهم ما لا يوصف، وقيل: الضمير للقرآن
~~أو للرسول عليه الصلاة والسلام وهو خلاف الظاهر جدا { من أناب } أي
~~أقبل إلى الحق وتأمل في تضاعيف ما نزل من دلائله الواضحة وحقيقة الإنابة
~~الرجوع إلى نوبة الخير، وإيثارها في الصلة على إيراد المشيئة كما في
~~الصلة الأولى على ما قال مولانا شيخ الإسلام للتنبيه على الداعي إلى
~~الهداية بل إلى مشيئتها والإشعار بما دعا إلى المشيئة الأولى من
~~المكابرة، وفيه حث للكفرة على الإقلاع عما هم عليه من العتو والعناد،
~~وإيثار صيغة الماضي للإيماء إلى استدعاء الهداية السابقة كما أن إيثار
~~صيغة المضارع في الصلة الأولى للدلالة على استمرار ms04940 المشيئة حسب استمرار
~~مكابرتهم.

# والآية صريحة في مذهب أهل السنة في نسبة الخير والشر إليه عز وجل وأولها
~~المعتزلة فقال أبو علي الجبائي: ((المعنى يضل من يشاء عن ثوابه ورحمته
~~عقوبة له على كفره فلستم ممن يجيبه الله تعالى إلى ما يسأل لاستحقاقكم
~~العذاب والإضلال عن الثواب ويهدي إلى جنته من تاب وآمن، ثم قال: وبهذا
~~تبين أن الهدى هو الثواب من حيث (إنه عقبه) بقوله تعالى: { من أناب
~~} والهدى الذي يفعله سبحانه بالمؤمن هو الثواب لأنه يستحقه على إيمانه،
~~وذلك يدل على أنه تعالى يضل عن الثواب بالعقاب لا عن الدين بالكفر على ما
~~ذهب إليه من خالفنا)) اه ولا يخفى ما فيه.

### || [13.28]

# { الذين ءامنوا } بدل من

# من أناب

# [الرعد: 27] بدل كل من كل فإن أريد بالهداية الهداية المستمرة فالأمر
~~ظاهر لظهور كون الإيمان مؤديا إليها، وإن أريد إحداثها فالمراد بالذين
~~آمنوا الذين صار أمرهم إلى الإيمان كما قالوا في

# هدى للمتقين

# [البقرة: 2] أي الصائرين إلى التقوى وإلا فالإيمان لا يؤدي إلى الهداية
~~نفسها، ويجوز أن يكون عطف بيان على ذلك أو منصوبا على المدح أو خبر
~~مبتدأ محذوف أي هم الذين آمنوا { وتطمئن قلوبهم } أي تستقر
~~وتسكن { بذكر الله } أي بكلامه المعجز الذي لا يأتيه الباطل من
~~بين يديه ولا من خلفه وهو المروي عن مقاتل، وإطلاق الذكر على ذلك شائع في
~~الذكر، ومنه قوله تعالى:

# وهذا ذكر مبارك

# [الأنبياء: 50] و

# إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون

# [الحجر: 9] وسبب اطمئنان قلوبهم بذلك علمهم أن لا آية أعظم ومن ذلك لا
~~يقترحون الآيات التي يقترحها غيرهم، والعدول إلى صيغة المضارع لإفادة
~~دوام الاطمئنان وتجدده حسب تجدد المنزل من الذكر { ألا بذكر
~~الله } وحده { تطمئن القلوب } لله دون غيره من الأمور التي
~~تميل إليها النفوس من الدنياويات، وإذا أريد سائر المعجزات فالقصر من حيث
~~أنها ليست في إفادة الطمأنينة بالنسبة إلى من لم يشاهدها بمثابة القرآن
~~المجيد فإنه معجزة باقية إلى يوم القيامة يشاهدها كل أحد وتطمئن به ms04941
~~القلوب كافة؛ وفيه إشعار بأن الكفرة لا قلوب لهم وأفئدتهم هواء حيث لم
~~يطمئنوا به ولم يعدوه آية وهو أظهر الآيات وأبهرها، وقيل: في الكلام مضاف
~~مقدر أي لتطمئن قلوبهم بذكر رحمته تعالى ومغفرته بعد القلق والاضطراب من
~~خشيته تعالى كقوله تعالى:

# ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله

# [الزمر: 23] وهذا مناسب على ما في «الكشف» للإنابة إليه تعالى، والمصدر
~~عليه مضاف إلى الفاعل؛ وقيل: المراد بذكر الله دلائله سبحانه الدالة على
~~وحدانيته عز وجل والاطمئنان عن قلق الشك والتردد، وهذا مناسب لذكر الكفر
~~ووقوعه في مقابلته، وقيل: المراد بذكره تعالى أنسا به وتبتلا إليه
~~سبحانه فالمراد بالهداية دوامها واستمرارها. قيل: وهذا مناسب أيضا حديث
~~الكفر لأن الكفرة إذا ذكر الله تعالى وحده اشمأزت قلوبهم، والمصدر على
~~القولين مضاف إلى المفعول. والوجه الأول أشد ملاءمة للنظم لا سيما لقوله
~~تعالى:

# لولا أنزل عليه ءاية من ربه

# [الرعد: 27] والمصدر فيه بمعنى المفعول.

# ومن الغريب ما نقل في تفسير الخازن أن هذا في الحلف بالله تعالىوذلك أن
~~المؤمن إذا حلف له بالله تعالى سكن قلبه، وروى نحو ذلك أبو الشيخ عن
~~السدي فإن الحمل عليه هنا مما لا يناسب المقام، وأما ما روي عن أنس من

# " أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه حين نزلت هذه الآية: هل تدرون ما
~~معنى ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: من أحب الله تعالى ورسوله وأحب
~~أصحابي "

# ومثله ما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه من أنه عليه الصلاة والسلام
~~قال حين نزلت:

# " ذاك من أحب الله تعالى ورسوله وأحب أهل بيتي صادقا غير كاذب/ وأحب
~~المؤمنين شاهدا وغائبا "

# فليس المراد منه تفسير المراد بذكر الله بل بيان أن الموصوفين بما ذكر
~~من أحبه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم الخ، وهو كذلك إذ لا يكاد
~~يتحقق الانفكاك بين هاتيك الصفات فليتأمل، ولا تنافي بين هذه الآية على
~~سائر الأوجه وقوله تعالى:

# إذا ذكر الله وجلت قلوبهم

# [الأنفال: 2] لأن المراد هناك وجلت من ms04942 هيبته تعالى واستعظامه جلت عظمته.

# وذكر الإمام في بيان اطمئنان القلب بذكره تعالى وجوها فقال: ((إن
~~الموجودات على ثلاثة أقسام: مؤثر لا يتأثر ومتأثر لا يؤثر وموجود يؤثر
~~ويتأثر فالأول: هو الله تعالى والثاني: هو الجسم فإنه ليس له خاصية إلا
~~القبول للآثار المتنافية والصفات المختلفة. والثالث: الموجودات الروحانية
~~فإنها إذا توجهت إلى الحضرة الإلهية صارت قابلة للآثار الفائضة عليها
~~منها وإذا توجهت إلى أعلام الأجسام اشتاقت إلى التصرف فيها لأن عالم
~~الأرواح مدبر لعالم الأجسام فإذا عرف هذا فالقلب كلما توجه إلى مطالعة
~~عالم الأجسام حصل فيه الاضطراب والقلق والميل الشديد إلى الاستيلاء عليه
~~والتصرف فيه وإذا توجه إلى مطالعة الحضرة الإلهية وحصلت فيه الأنوار
~~الصمدية فهناك يكون ساكنا مطمئنا، وأيضا أن القلب كلما وصل إلى شيء
~~فإنه يطلب الانتقال منه إلى أمر آخر أشرف منه لأنه لا سعادة في عالم
~~الجسم إلا وفوقها مرتبة أخرى أما إذا انتهى إلى الاستسعاد بالمعارف
~~الإلهية والأنوار القدسية ثبت واستقر فلم يقدر على الانتقال من ذلك البتة
~~لأنه ليس هناك درجة أخرى في السعادة أعلى منه وأكمل، وأيضا إن الإكسير
~~إذا وقعت منه ذرة على الجسم النحاسي انقلب ذهبا باقيا على ممر الدهور
~~صابرا على الذوبان الحاصل بالنار فإكسير نور الله تعالى إذا وقع في
~~القلب أولى أن يقلبه جوهرا باقيا صافيا نورانيا لا يقبل التغير
~~والتبدل، ولهذه الأوجه قال سبحانه: { ألا بذكر الله تطمئن
~~القلوب } اه، والأولى أن يقال: إن سبب الطمأنينة نور يفيضه الله
~~تعالى عن قلب المؤمنين بسبب ذكره فيذهب ما فيها من القلق والوحشة ونحو
~~ذلك، وللمناقشة فيما ذكره مجال وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الإشارة
~~ما يشبه ذلك.

### || [13.29]

# { الذين ءامنوا وعملوا الصلحات } بدل من

# القلوب

# [الرعد: 28] أي قلوب الذين آمنوا، والأظهر أنه بدل الكل لأن القلوب في
~~الأول قلوب المؤمنين المطمئنين وكذلك لو عمم القلب على معنى أن قلوب
~~هؤلاء الأجلاء كل القلوب لأن الكفار أفئدتهم هواء، وأما الحمل على بدل
~~البعض ليعمم القلب ms04943 من غير الملاحظة المذكورة واستنباط هذا المعنى من
~~البدل فبعيد، وأما احتماله لبدل الاشتمال وإن استحسنه الطيبي فكلا أو
~~مبتدأ خبره الجملة الدعائية على التأويل أعني قوله سبحانه: { طوبى
~~لهم } أي يقال لهم ذلك، أو لا حاجة إلى التأويل والجملة خبرية أو خبر
~~مبتدأ مضمر أو نصب على المدح  فطوبى لهم  حال مقدرة والعامل فيها
~~الفعلان.

# وقال بعض المدققين: لعل الأشبه وجه آخر وهو أن يتم الكلام عند قوله
~~تعالى:

# من أناب

# [الرعد: 27] ثم قيل:

# الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم

# [الرعد: 28] في مقابلة

# ويقول الذين كفروا لولا أنزل

# [الرعد: 27] وقوله سبحانه:

# ألا بذكر الله

# [الرعد: 28] جملة اعتراضية تفيد كيف لا تطمئن قلوبهم به ولا اطمئنان
~~للقلب بغيره، وقوله عز وجل: { الذين كفروا } بدل من الأول، وفيه
~~إشارة إلى أن ذكر الله تعالى أفضل الأعمال الصالحة بل هو كلها و {
~~طوبى لهم } خبر الأول فيتم التقابل بين القرينتين

# ويقول الذين كفروا

# [الرعد: 27] و

# الذين ءامنوا وتطمئن

# [الرعد: 28] وبين جزئي التذييل:

# يضل من يشاء ويهدى إليه من أناب

# [الرعد: 27] ومن الناس من زعم أن الموصول الأول مبتدأ والموصول الثاني/
~~خبره و

# ألا بذكر الله

# [الرعد: 28] اعتراض و { طوبى لهم } دعاء وهو كما ترى.

# { وطوبى } قيل مصدر من طاب كبشرى وزلفى والواو منقلبة من الياء كموسر
~~وموقن، وقرأ مكوزة الأعرابي { طيبى } ليسلم الياء، وقال أبو الحسن
~~الهنائي: هي جمع طيبة كما قالوا في كيسة كوسى. وتعقبه أبو حيان بأن فعلى
~~ليست من أبنية الجموع فلعله أراد أنه اسم جمع، وعلى الأول فلهم في المعنى
~~المراد عبارات. فأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أن المعنى فرح وقرة عين
~~لهم، وعن الضحاك غبطة لهم، وعن قتادة حسنى لهم. وفي رواية أخرى عنه
~~أصابوا خيرا، وعن النخعي خير كثير لهم. وفي رواية أخرى عنه كرامة لهم،
~~وعن سميط بن عجلان دوام الخير لهم ويرجع ذلك إلى معنى العيش الطيب لهم.
~~وفي رواية عن ابن عباس وابن جبير أن { طوبى } اسم للجنة بالحبشية وقيل
~~بالهندية، وقال القرطبي: ms04944 الصحيح أنها علم لشجرة في الجنة، فقد أخرج أحمد
~~وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والبيهقي في " البعث
~~والنشور " ، وصححه السهيلي وغيره عن عتبة ابن عبد قال:

# " جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أفي
~~الجنة فاكهة؟ قال: نعم فيها شجرة تدعى طوبى هي نطاق الفردوس قال: أي شجر
~~أرضنا تشبه؟ قال: ليس تشبه شيئا من شجر أرضك ولكن أتيت الشام؟ قال: لا
~~قال: فإنها تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة تنبت على ساق واحد ثم ينتشر
~~أعلاها قال: ما عظم أصلها؟ قال: لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحطت
~~بأصلها حتى تنكسر ترقوتاها هرما قال: فهل فيها عنب؟ قال: نعم. قال: ما
~~عظم العنقود منه؟ قال: مسيرة شهر للغراب الأبقع "

# والأخبار المصرحة بأنها شجرة في الجنة منتشرة جدا، وحينئذ فلا كلام في
~~جواز الابتداء بها وإن كانت نكرة فمسوغ الابتداء بها ما ذهب إليه سيبويه
~~من أنه ذهب بها مذهب الدعاء كقولهم: سلام عليك إلا أنه ذهب ابن مالك إلى
~~أنه التزم فيها الرفع على الابتداء، ورد عليه بأن عيسى الثقفي قرأ {
~~وحسن مآب } بالنصب، وخرج ذلك ثعلب على أنه معطوف على { طوبى }
~~وأنها في موضع نصب، وهي عنده مصدر معمول لمقدر أي طاب واللام للبيان كما
~~في سقيا له، ومنهم من قدر جعل { طوبى لهم } وقال صاحب " اللوامح ":
~~إن التقدير يا طوبى لهم ويا حسن مآب  فحسن  معطوف على المنادي وهو
~~مضاف للضمير واللام مقحمة كما في قوله:

# يا بؤس للجهل ضرار الأقوام

# ولذلك سقط التنوين من بؤس وكأنه قيل: يا طوباهم ويا حسن مآبهم أي ما
~~أطيبهم وأحسن مآبهم كما تقول: يا طيبها ليلة أي ما أطيبها ليلة ولا يخفى
~~ما فيه من التكلف. وأجاب السفاقسي عن ابن مالك بأنه يجوز نصب { حسن }
~~بمقدر أي ورزقهم حسن مآب وهو بعيد. وقرىء { حسن مآب } بفتح النون ورفع {
~~مآب } وخرج ذلك على أن { حسن } فعل ماض أصله حسن نقلت ضمة السين ms04945 إلى
~~الحاء ومثله جائز في فعل إذا كان للمدح أو الذم كما قالوا: حسن ذا أدبا.

### || [13.30]

# { كذلك } أي مثل ذلك الإرسال العظيم الشأن المصحوب بالمعجزة
~~الباهرة، ويجوز أن يراد مثل إرسال الرسل قبلك { أرسلناك فى
~~أمة } فيكون قد شبه إرساله صلى الله عليه وسلم بإرسال من قبله وإن لم
~~يجر لهم ذكر لدلالة قوله تعالى: { قد خلت } أي مضت { من قبلها
~~أمم } كثيرة قد أرسل إليهم رسل عليهم وروي هذا عن الحسن، وقيل: الكاف
~~متعلقة بالمعنى الذي في قوله تعالى:

# قل إن الله يضل من يشاء

# [الرعد: 27] الخ أي كما أنفذنا ذلك أرسلناك/ ونقل نحوه عن الحوفي؛ وقال
~~ابن عطية: الذي يظهر أن المعنى كما أجرينا العادة في الأمم السابقة بأن
~~نضل ونهدي بوحي لا بالآيات المقترحة كذلك أيضا فعلنا في هذه الأمة
~~وأرسلناك إليهم بوحي لا بالآيات المقترحة فنضل من نشاء ونهدي من أناب،
~~وقال أبو البقاء: التقدير الأمر كذلك، والحسن ما قدمناه وما روي عن
~~الحسن.

# و { فى } بمعنى إلى كما في قوله تعالى:

# فردوا أيديهم فى أفواههم

# [إبراهيم: 9] وقيل: هي على ظاهرها، وفيها إشارة إلى أنه من جملتهم
~~وناشىء بينهم ولا تكون بمعنى إلى إذ لا حاجة لبيان من أرسل إليهم وفيه
~~نظر ظاهر، وهي متعلقة بالفعل المذكور، وقول الزمخشري: في تفسير الآية
~~((يعني أرسلناك إرسالا له شأن وفضل على [سائر] الإرسالات ثم فسر كيف
~~أرسله بقوله: { فى أمة قد خلت من قبلها أمم } أي
~~أرسلناك في أمة قد تقدمها أمم كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء))
~~لم يرد به أنها لا تتعلق بالمذكور بل أراد أن المشار إليه المبهم لما كان
~~ما بعده تفخيما كان بيانه بصلة ذلك الفعل حتى يزول الإبهام، ويجوز أن
~~يريد ذلك فيقدر أرسلناك ثانيا ويكون قوله: أي أرسلناك في أمة إظهارا
~~للمحذوف أيضا لا بيانا لحاصل الآية وهو الذي آثره العلامة الطيبي،
~~والتعلق بالمذكور هو الظاهر، وجملة { قد خلت } الخ في موضع الصفة 
~~لأمة  وفائدة الوصف بذلك قيل: ما ms04946 أشار إليه الزمخشري.

# واعترض بأنه لا يلزم من تقدم أمم كثيرة قبل أن لا يكون أمة يرسل إليها
~~بعد حتى يلزم أن يكون صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء عليهم السلام،
~~وبحث فيه الشهاب بأن المراد بكون إرساله عليه الصلاة والسلام عجيبا أن
~~رسالته أعظم من كل رسالة فهي جامعة لكل ما يحتاج إليه فيلزم أن لا نسخ إذ
~~النسخ إنما يكون للتكميل والكامل أتم كمال غير محتاج لتكميل كما قال
~~تعالى:

# اليوم أكملت لكم دينكم

# [المائدة: 3] اه ولعمري إن الاعتراض قوي والبحث في غاية الضعف إذ لا
~~يلزم من كون إرساله صلى الله عليه وسلم عجيبا ما ادعاه، ولو سلمنا ذلك
~~لا يلزم منه أيضا كونه عليه الصلاة والسلام خاتما إذ بعثه مقرر دينه
~~الكامل كما بعث كثير من أنبياء بني إسرائيل لتقرير دين موسى عليه السلام
~~لا يأبى ما ذكر من جامعية رسالته عليه الصلاة والسلام ولزوم عدم النسخ
~~لذلك كما لا يخفى، ولعله لهذا اختار بعضهم ما روي عن الحسن وقال: منبها
~~على فائدة الوصف يعني مثل إرسال الرسل قبلك أرسلناك إلى أمم تقدمتها أمم
~~أرسلوا إليهم فليس ببدع إرسالك إليها.

# { لتتلوا } لتقرأ { عليهم الذى أوحينا إليك } أي
~~الكتاب العظيم الشأن، ويشعر بهذا الوصف ذكر الموصول غير جار على موصوف،
~~وإسناد الفعل في صلته إلى ضمير العظمة وكذا الإيصال إلى المخاطب المعظم
~~بدليل سابقه على ما سمعت أولا، وتقديم المجرور على المنصوب من قبيل
~~الإبهام ثم البيان كما في قوله تعالى:

# ووضعنا عنك وزرك

# [الشرح: 2] وفيه ما لا يخفى من ترقب النفس إلى ما سيرد وحسن قبولها له
~~عند وروده عليها، وضمير الجمع للأمة باعتبار معناها كما روعي في ضمير {
~~خلت } لفظها.

# { وهم يكفرون بالرحمن } أي بالبليغ الرحمة الذي أحاطت
~~بهم نعمته ووسعت كل شيء رحمته فلم يشكروا نعمه سبحانه لا سيما ما أنعم به
~~عليهم بإرسالك إليهم وإنزال القرآن الذي هو مدار المنافع الدينية
~~والدنيوية عليهم بل قابلوا رحمته ونعمه بالكفر ومقتضى العقل عكس ذلك،
~~وكان ms04947 الظاهر  بنا  إلا أنه التفت إلى الظاهر وأوثر هذا الاسم الدال على
~~المبالغة في الرحمة للإشارة إلى أن الإرسال ناشيء منها كما قال سبحانه:

# وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين

# [الأنبياء: 107] وضمير الجمع للأمة أيضا، والجملة في موضع الحال من
~~فاعل أرسلنا لا من ضمير { عليهم } إذ الإرسال ليس للتلاوة عليهم حال
~~كفرهم، ومنهم من جوز ذلك والتلاوة عليهم حال الكفر ليقفوا على/ إعجازه
~~فيصدقوا به لعلمهم بأفانين البلاغة ولا ينافي تلاوته عليهم بعد إسلامهم،
~~وجوز في الجملة أن تكون مستأنفة والضمير حسبما علمت، وقيل: إنه يعود على
~~الذين قالوا:

# لولا أنزل عليه ءاية من ربه

# [الرعد: 27] وقيل: يعود على { أمة } وعلى { أمم } ويكون في الآية
~~تسلية له صلى الله عليه وسلم، وعن قتادة وابن جريج ومقاتل أن الآية نزلت
~~في مشركي مكة لما رأوا كتاب الصلح يوم الحديبية وقد كتب فيه علي كرم الله
~~تعالى وجهه بسم الله الرحمن الرحيم فقال: سهيل بن عمرو: ما نعرف الرحمن
~~إلا مسيلمة، وقيل: سمع أبو جهل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا
~~الله يا رحمن فقال إن محمدا ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إلهين
~~فنزلت، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لما قيل لكفار قريش:

# اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن

# [الفرقان: 60]؟ فنزلت، وضعف كل ذلك بأنه غير مناسب لأنه يقتضي أنهم
~~يكفرون بهذا الاسم وإطلاقه عليه سبحانه وتعالى والظاهر أن كفره بمسماه.

# { قل } حين كفروا به سبحانه ولم يوحدوه { هو } أي الرحمن الذي كفرتم
~~به { ربى } خالقي ومتولي أمري ومبلغي إلى مراتب الكمال، وإيراد هذا قبل
~~قوله تعالى: { لا إله إلا هو } أي لا مستحق للعبادة سواه
~~تنبيه على أن استحقاق العبادة منوط بالربوبية، والجملة داخلة في حيز
~~القول وهي خبر بعد خبر عند بعض، وقال بعض آخر: إنه تعالى بعد أن نعى على
~~الكفرة حالهم وعكسهم مقتضى العقل أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن ينبههم
~~على خاصة نفسه ووظيفته من الشكر ومآل أمره تأنيبا لهم فقال: هو ms04948 ربي
~~الذي أرسلني إليكم وأيدني بما أيدني ولا رب لي سواه { عليه } لا على
~~أحد سواه { توكلت } في جميع أموري لا سيما في النصرة عليكم {
~~وإليه } خاصة { متاب } أي مرجعي فيثيبني على مصابرتكم ومجاهدتكم،
~~وقوله سبحانه: { لا إله إلا هو } اعتراض أكد به اختصاص التوكل
~~عليه سبحانه وتفويض الأمور عاجلا وآجلا إليه، ومثله قوله تعالى:

# اتبع ما أوحى إليك من ربك لا إله إلا هو
~~وأعرض عن المشركين

# [الأنعام: 106] اه.

# وإلى القول بالاعتراض ذهب صاحب " الكشف " وحمل على ذلك كلام " الكشاف "
~~حيث ذكر بعد { هو ربى } الواحد المتعالي عن الشركاء فقال: جعله فائدة
~~الاعتراض بلا إله إلا هو أي هذا البليغ الرحمة ولا إله إلا هو فهو بليغ
~~الانتقام كما هو بليغ الرحمة يرحمني وينتقم لي منكم، وهو تمهيد أيضا
~~لقوله: { عليه توكلت } ولم يجعل خبرا بعد خبر إذ ليس المقصود
~~الإخبار بأنه تعالى متوحد بالإلهية بل المقصود أن المتوحد بها ربي وذلك
~~يفيده الاعتراض؛ وأما أن المفهوم من كلامه أنه حال ولذلك أجري مجرى الوصف
~~فكلا إلا أن يجعل حالا مؤكدة ولا يغاير الاعتراض إذا كثير مغايرة لكن
~~الأول أملأ بالفائدة اه ولا يخفى ما في توجيه كلام " الكشاف " بذلك من
~~الخفاء، وفي كون المقصود أن المتوحد بالإلهية ربي دون الإخبار بأنه
~~تعالى متوحد بها على ما قيل تأمل. ولعل مبناه أن ما أثبته أوفق بالغرض
~~الذي يشير كلامه إلى اعتباره مساقا للآية، وفيه من المبالغة في وصفه
~~تعالى بالتوحد ما لا يخفى.

# نعم قيل للقول بالاعتراض وجه وأنه حينئذ لا يبعد أن يقال: إنه تعالى بعد
~~أن ذكر إرساله صلى الله عليه وسلم إليهم وأن حالهم أنهم يكفرون بالبليغ
~~الرحمة ولا يقابلون رحمته بالشكر فيؤمنوا به ويوحدوه أمره بالإخبار
~~بتخصيص توكله واعتماده على ذلك البليغ الرحمة ورجوعه في سائر أموره إليه
~~إيماء إلى أن إصرارهم على الكفر لا يضره/ شيئا وأن له عليه الصلاة
~~والسلام عاقبة محمودة وأنه سبحانه سينصره عليهم، وفي ذلك من تسفيه رأيهم
~~في الإصرار ms04949 على الكفر واستنهاضهم إلى اتباعه ما فيه إلا أنه عز شأنه أمره
~~أولا أن يقول: { هو ربى } توطئة لذلك وجيء بلا إله إلا هو اعتراضا
~~للتأكيد، والذي يميل إليه الطبع بعد التأمل وملاحظة الأسلوب القول
~~بالاعتراض، ثم لا يخفى أن حمل { وإليه متاب } على إليه رجوعي في
~~سائر أموري خلاف الظاهر وأنه على ذلك يكون كالتأكيد لما قبله.

# وقال شيخ الإسلام في " تفسيره ": أي إليه توبتي كقوله تعالى:

# واستغفر لذنبك

# [غافر: 55] أمر عليه الصلاة والسلام بذلك إبانة لفضل التوبة ومقدارها
~~عند الله تعالى وأنها صفة الأنبياء وبعثا للكفرة على الرجوع عما هم عليه
~~بأبلغ وجه وألطفه، فإنه عليه الصلاة والسلام حيث أمر بها وهو منزه عن
~~شائبة اقتراف ما يوجبها من الذنب وإن قل فتوبتهم وهم عاكفون على أنواع
~~الكفر والمعاصي مما لا بد منه أصلا اه. وفيه أن هذا إنما يصلح باعثا
~~للإقلاع عن الذنب على أبلغ وجهه وألطفه لو كان الكلام مع غير الكفرة
~~الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ولعل ذلك ظاهر عند المنصف، وقال العلامة
~~البيضاوي في ذلك: أي إليه مرجعي ومرجعكم وكأنه أراد أيضا فيرحمني وينتقم
~~منكم، والانتقام من الرحمن أشد كما قيل: أعوذ بالله تعالى من غضب الحليم.
~~وتعقب بأنه إنما يتم لو كان المضاف إليه المحذوف ضمير المتكلم ومعه غيره
~~أي متابنا إذ يكون حينئذ مرجعي ومرجعكم تفصيلا لذلك ولا يكاد يقول به
~~أحد مع قوله بكسر الباء فإنه يقتضي أن يكون المحذوف الياء على أن ذلك
~~الضمير لا يناسب ما قبله، ولعل العلامة اعتبر أن في الآية اكتفاء على ما
~~قيل: أي متابي ومتابكم أو أن الكلام دال عليه التزاما وهذا أولى على ما
~~قيل فتأمل.

### || [13.31]

# { ولو أن قرءانا } أي قرآنا ما، والمراد به المعنى اللغوي،
~~وهو اسم { أن } والخبر قوله تعالى شأنه: { سيرت به الجبال }
~~وجواب { لو } محذوف لانسياق الكلام إليه كما في قوله:

# فأقسم لو شيء أتانا رسوله

# سواك ولكن لم نجد لك مدفعا

# والمقصود إما بيان عظم شأن القرآن ms04950 العظيم وفساد رأي الكفرة حيث لم
~~يقدروا قدره ولم يعدوه من قبيل الآيات واقترحوا غيره؛ وإما بيان غلوهم في
~~المكابرة والعناد وتماديهم في الضلالة والفساد، والمعنى على الأول لو أن
~~كتابا سيرت بإنزاله أو بتلاوته الجبال وزعزعت عن مقارها كما فعل ذلك
~~بالطور لموسى عليه السلام { أو قطعت به الأرض } أي شققت وجعلت
~~أنهارا وعيونا كما فعل بالحجر حين ضربه موسى عليه السلام بعصاه أو جعلت
~~قطعا متصدعة { أو كلم به الموتى } أي كلم أحد به الموتى بأن
~~أحياهم بقراءته فتكلم معهم بعد، وذلك كما وقع الإحياء لعيسى عليه السلام
~~لكان ذلك هذا القرآن لكونه الغاية القصوى في الانطواء على عجائب آثار
~~قدرة الله تعالى وهيبته عز وجل كقوله تعالى:

# لو أنزلنا هذا القرءان على جبل لرأيته
~~خشعا متصدعا من خشية الله

# [الحشر: 21] قاله بعض المحققين، وقيل: في التعليل لكونه الغاية في
~~الإعجاز والنهاية في التذكير والإنذار. وتعقب بأنه لا مدخل للإعجاز في
~~هذه الآثار والتذكير والإنذار مختصان بالعقلاء مع أنه لا علاقة لذلك
~~بتكليم الموتى واعتبار فيض العقول إليها مخل بالمبالغة المقصودة، وبحث
~~فيه بأن ما ذكر أولا من مزيد الانطواء على عجائب آثار قدرة الله تعالى
~~أمر يرجع إلى الهيبة وهي أيضا مما لا يترتب عليها تكليم الموتى بل لعلها
~~مانعة من/ ذلك لأنها حيث اقتضت تزعزع الجبال وتقطع الأرض فلأن تقتضي موت
~~الأحياء دون إحياء الأموات الذي يكون التكليم بعده من باب أولى وفيه نظر.

# والباء في المواضع الثلاثة للسببية وجوز في الثالث منها أن تكون صلة ما
~~عندها وتقديم المجرور فيها على المرفوع لقصد الإبهام، ثم التفسير لزيادة
~~التقرير على ما مر غير مرة. و { أو } في الموضعين لمنع الخلو لا الجمع،
~~والتذكير في { كلم } لتغليب المذكر من الموتى على غيره، واقتراحهم
~~وإن كان متعلقا بمجرد ظهور مثل هذه الأفاعيل العجيبة على يده صلى الله
~~عليه وسلم لا بظهورها بواسطة القرآن لكن ذلك حيث كان مبنيا على عدم
~~اشتماله في زعمهم على الخوارق نيط ظهورها به ms04951 مبالغة في بيان اشتماله
~~عليها وأنه حقيق بأن يكون مصدرا لكل خارق وإبانة لركاكة رأيهم في شأنه
~~الرفيع كأنه قيل: لو أن ظهور أمثال ما اقترحوه من مقتضيات الحكمة لكان
~~مظهرها هذا القرآن الذي لم يعدوه آية، وفيه من تفخيم شأنه العزيز ووصفهم
~~بركاكة العقل ما لا يخفى كذا حققه بعض الأجلة وهو من الحسن بمكان، وعلى
~~الثاني لو أن قرآنا فعلت به هذه الأفاعيل العجيبة لما آمنوا به كقوله
~~تعالى:

# ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم
~~الموتى

# [الأنعام: 111] الآية، والكلام على ما استظهره الشهاب على التقديرين
~~حقيقة على سبيل الفرض كقوله:

# ولو طار ذو حافر قبلها

# لطارت ولكنه لم يطر

# وجعله على الأول تمثيلا كالآية المذكورة هناك على ما قال لا وجه له،
~~وتمثيل الزمخشري بها لبيان أن القرآن يقتضي غاية الخشية، وصنيع كثير من
~~المحققين ظاهر في ترجيح التقدير الأول، وفي «الكشف» لو تأملت في هذه
~~السورة الكريمة حق التأمل وجدت بناء الكلام فيها على حقية الكتاب المجيد
~~واشتماله على ما فيه صلاح الدارين وأن السعيد كل السعيد من تمسك بحبله
~~والشقي كل الشقي من أعرض عنه إلى هواه حيث قال تعالى أولا:

# والذى أنزل إليك من ربك الحق

# [الرعد:1] ثم تعجب من إنكارهم ذلك بقوله سبحانه:

# ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية

# [الرعد: 7] ثم قال تعالى:

# له دعوة الحق

# [الرعد: 14] فأثبت حقيته بالحجة، ثم قال جلا وعلا:

# أنزل من السماء مآء

# [الرعد: 17] وهو مثل للحق الذي هو القرآن ومن انتفع به على ما فسره
~~المحققون، ثم صرح تعالى بنتيجة ذلك كله بالبرهان النير في قوله سبحانه:

# أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن
~~هو أعمى

# [الرعد: 19] ثم أعاد جل شأنه قوله:

# ويقول الذين كفروا

# [الرعد: 27] دلالة على إنكارهم أول ما أتاهم وبعد رصانة علمهم بحقيته
~~فهم متمادون في الإنكار، ثم كر إلى بيان الحقية فيما نحن فيه وبالغ
~~المبالغة التي ليس بعدها سواء جعل داخلا في حيز القول أو جعل ابتداء
~~كلام منه تعالى ms04952 تذييلا وهو الأبلغ ليكون مقصودا بذاته في الإفادة
~~المذكورة مؤكدا لمجموع ما دل عليه قوله تعالى:

# كذلك أرسلناك

# [الرعد: 30] من تعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام وما أنزل عليه وشدة
~~إنكارهم وتصميمهم لا علاوة في أن لم يبق إلا التوكل والصبر على مجاهدتكم
~~إذ لا وراء هذا القرآن حتى أجيء به لتسلموا ثم فخمه ونعى عليهم مكابرتهم
~~بقوله تعالى:

# وكذلك أنزلناه حكما عربيا

# [الرعد: 37] وأيد حقية الكتاب فيمن أنزل عليه في خاتمة السورة بقوله جل
~~وعلا: { كفى بالله } إلى قوله سبحانه:

# علم الكتب

# [الرعد: 43] تنبيها على أنه مع ظهور أمره في إفادة الحقائق العرفانية
~~والخلائق الإيمانية لا يعلم حقيقة ما فيه إلا من تفرد به وبإنزاله تبارك
~~وتعالى اه. وفي سبب النزول وستعلمه قريبا إن شاء الله تعالى ما يؤيد
~~الثاني، والظاهر على [ما] حقيقته وأشرنا إليه أولا أن الآية على الأول
~~متعلقة بقوله تعالى:

# ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية

# [الرعد: 27] وهي على الثاني متعلقة بقوله سبحانه

# وهم يكفرون بالرحمن

# [الرعد: 30] بيانا لتصميمهم في كفرهم وإنكارهم الآيات ومن أتى بها لا
~~بذلك لبعد المرمى/ من غير ضرورة.

# وقوله تعالى: { بل لله الأمر جميعا } أي له الأمر الذي يدور
~~عليه فلك الأكوان وجودا وعدما يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد حسبما تقتضيه
~~الحكم البالغة، قيل: إضراب عما تضمنه الشرطية من معنى النفي لا بحسب
~~منطوقه بل باعتبار موجبه ومؤداه أي لو أن قرآنا فعل به ما ذكر لكان ذلك
~~هذا القرآن ولكن لم يفعل سبحانه بل فعل ما عليه الشأن الآن لأن الأمر كله
~~له وحده، فالإضراب ليس بمتوجه إلى كون الأمر لله تعالى بل إلى ما يؤدى
~~إليه ذلك من كون الشأن على ما كان لما تقتضيه الحكمة، وقيل: إن حاصل
~~الإضطراب لا يكون تسيير الجبال مع ما ذكر بقرآن بل يكون بغيره مما أراده
~~الله تعالى فإن الأمر له سبحانه جميعا. وزعم بعضهم أن الأحسن العطف على
~~مقدر أي ليس لك من الأمر شيء بل الأمر لله جميعا. ms04953

# ومعنى قوله سبحانه: { أفلم يايئس الذين ءامنوا } أفلم
~~يعلموا وهي  كما قال القاسم بن معن لغة هوازن، وقال: ابن الكلبي: هي
~~لغة حي من النخع، وأنشدوا على ذلك قول سحيم بن وثيل الرباحي:

# أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني

# ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم

# وقول رباح بن عدي:

# ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه

# وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا

# فإنكار الفراء ذلك وزعمه أنه لم يسمع أحد من العرب يقول يئست بمعنى علمت
~~ليس في محله، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والظاهر أن استعمال اليأس في
~~ذلك حقيقة، وقيل: مجاز لأنه متضمن للعلم فإن الآيس عن الشيء عالم بأنه لا
~~يكون، واعترض بأن اليأس حينئذ يقتضي حصول العلم بالعدم وهو مستعمل في
~~العلم بالوجود، وأجيب بأنه لما تضمن العلم بالعدم تضمن مطلق العلم
~~فاستعمل فيه، ويشهد لإرادة العلم هنا قراءة علي كرم الله تعالى وجهه،
~~وابن عباس وعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم وعكرمة وابن أبي مليكة
~~والجحدري وأبي يزيد المدني وجماعة { أفلم يتبين } من تبينت كذا إذا
~~علمته وهي قراءة مسندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست مخالفة
~~للسواد إذ كتبوا ييئس بغير صورة الهمزة وأما قول من قال: إنما كتبه
~~الكاتب وهو ناعس فسوى أسنان السين فهو قول زنديق ابن ملحد على ما في
~~«البحر»، وعليه فرواية ذلك كما في «الدر المنثور» عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما غير صحيحة، وزعم بعضهم أنها قراءة تفسير وليس بذاك.

# والفاء للعطف على مقدر أي أغفلوا عن كون الأمر جميعه لله تعالى فلم
~~يعلموا { أن لو يشاء الله } بتخفيف أن وجعل اسمها ضمير الشأن
~~والجملة الامتناعية خبرها وأن وما بعدها ساد مسد مفعولي العلم { لهدى
~~الناس جميعا } أي بإظهار أمثال تلك الآثار العظيمة، والإنكار على
~~هذا متوجه إلى المعطوفين جميعا أو أعلموا كون الأمر جميعا لله تعالى
~~فلم يعلموا ما يوجبه ذلك العلم مما ذكر، وحينئذ هو متوجه إلى ترتب
~~المعطوف على المعطوف عليه ms04954 أي تخلف العلم الثاني عن العلم الأول، وأيا ما
~~كان فالإنكار إنكار الوقوع لا الواقع ومناط الإنكار ليس عدم علمهم بمضمون
~~الشرطية فقط بل عدم علمهم بعدم تحقق مقدمها كأنه قيل: ألم يعلموا أن الله
~~تعالى لو شاء هدايتهم لهداهم وأنه سبحانه لم يشأ ذلك، وذلك لما روي عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الكفار لما سألوا الآيات ود المؤمنون
~~أن يظهرها الله تعالى ليجتمعوا على الايمان هذا على التقدير الأول، وأما
~~على التقدير الثاني فالإضراب متوجه إلى ما سلف من اقتراحهم مع كونهم في
~~العناد على ما شرح، والمعنى فليس لهم ذلك بل لله تعالى الأمر إن شاء أتى
~~بما اقترحوا وإن شاء سبحانه لم يأت به حسبما تستدعيه حكمته الباهرة من
~~غير أن يكون لأحد عليه جل جلاله حكم أو اقتراح.

# واليأس بمعنى القنوط كما هو الشائع في معناه أي ألم يعلم الذين آمنوا
~~حالهم هذه فلم يقنطوا من إيمانهم حتى ودوا ظهور مقترحاتهم فالإنكار متوجه
~~إلى المعطوفين أو أعلموا ذلك فلم يقنطوا من إيمانهم فهو متوجه إلى وقوع
~~المعطوف بعد المعطوف عليه أي إلى تخلف القنوط عن العلم المذكور، والإنكار
~~على هذين التقديرين إنكار الواقع لا الوقوع فإن عدم قنوطهم من ذلك مما لا
~~مرد له، وقوله تعالى: { أن لو يشاء الله } إلى آخره مفعول به
~~لعلما محذوف وقع مفعولا له أي أفلم ييأسوا من إيمان الكفار علما منهم
~~بأنه لو يشاء الله لهدى الناس جميعا وأنه لم يشأ ذلك، وقد يجعل العلم في
~~موضع الحال أي عالمين بذلك، ولم يعتبر التضمين لبعده، ويجوز أن يكون
~~متعلقا  بآمنوا  بتقدير الباء أي أفلم يقنط الذين آمنوا وصدقوا بأن لو
~~يشاء الله لهدى الناس جميعا على معنى أفلم ييأس من إيمان هؤلاء الكفرة
~~المؤمنون بمضمون هذه الشرطية وبعدم تحققها المنفهم من مكابرتهم حسبما
~~يحكيه كلمة { لو } فالوصف المذكور من دواعي إنكار يأسهم، وبما أشرنا
~~إليه ينحل ما قيل: من أن تعلق الإيمان بمضمون الشرطية وتخصيصه بالذكر
~~يقتضي ms04955 أن لذلك دخلا في اليأس من الايمان مع أن الأمر بالعكس لأن قدرة
~~الله تعالى على هداية جميع الناس يقتضي رجاء إيمانهم لا اليأس منه وذلك
~~لاعتبار العلم بعدم تحقق المضمون أيضا.

# وقال بعضهم في الجواب عن ذلك: إن وجه تخصيص الإيمان بذلك أن إيمان هؤلاء
~~الكفرة المصممين كأنه محال متعلق بما لا يكون لتوقفه على مشيئة الله
~~تعالى هداية جميع الناس وذلك ما لا يكون بالاتفاق وهو في معنى ما أشير
~~إليه، وذكر أبو حيان احتمالا آخر في الآية وهو أن الكلام قد تم عند قوله
~~سبحانه: { أفلم ييأس الذين آمنوا } وهو تقرير أي قد يئس
~~المؤمنون من إيمان هؤلاء المعاندين و { أن لو يشاء } الخ جواب قسم
~~محذوف أي أقسم لو يشاء الله لهدى الناس جميعا، ويدل على إضمار القسم
~~وجود أن مع لو كقوله:

# أما والله أن لو كنت حرا

# وما بالحر أنت ولا العتيق

# وقوله:

# فأقسم أن لو التقينا وأنتم

# لكان لنا يوم من الشر مظلم

# وقد ذكر سيبويه أن أن تأتي بعد القسم، وجعلها ابن عصفور رابطة للقسم
~~بالجملة المقسم عليها انتهى، وفيه من التكلف ما لا يخفى، ومن الناس من
~~جعل الإضراب مطلقا عما تضمنه { لو } من معنى النفي على معنى بل الله
~~تعالى قادر على الإتيان بما اقترحوا إلا أن إرادته لم تتعلق بذلك لعلمه
~~سبحانه بأنه لا تلين له شكيمتهم، ولا يخفى أنه ظاهر على التقدير الثاني.
~~وأما على التقدير الأول فقد قيل: إن إرادة تعظيم شأن القرآن لا تنافي
~~الرد على المقترحين، وأيد جانب الرد بما أخرجه ابن أبي شيبة وابن المنذر
~~وغيرهما عن الشعبي قال: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن كنت
~~نبيا كما تزعم فباعد جبلي مكة أخشبيها هذين مسيرة أربعة أيام أو خمسة
~~فإنها ضيقة حتى نزرع فيها ونرعى وابعث لنا آباءنا من الموتى حتى يكلمونا
~~ويخبرونا أنك نبي أو احملنا إلى الشام أو إلى اليمن أو إلى الحيرة حتى
~~نذهب ونجيء في ليلة كما ms04956 زعمت أنك فعلته فنزلت هذه الآية.

# وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس أنهم قالوا: سير بالقرآن الجبال،
~~قطع بالقرآن الأرض، أخرج/ به موتانا فنزلت، وعلى هذا لا حاجة إلى
~~الاعتذار في إسناد الأفاعيل المذكورة إلى القرآن كما احتيج إليه فيما
~~تقدم، وعلى خبر الشعبي يراد من تقطيع الأرض قطعها بالسير، ويشهد للتفسير
~~بما قدمنا أولا ما أخرجه أبو نعيم في " الدلائل " وغيره من حديث الزبير
~~بن العوام أنه لما نزلت

# وأنذر عشيرتك الأقربين

# [الشعراء:214] صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي قبيس يا آل
~~عبد مناف أني نذير فجاءته عليه الصلاة والسلام قريش فحذرهم وأنذرهم
~~فقالوا، تزعم أنك نبي يوحى إليك وإن سليمان سخر له الريح والجبال وإن
~~موسى سخر له البحر وإن عيسى كان يحيى الموتى فادع الله تعالى أن يسير
~~عنا هذه الجبال ويفجر لنا الأرض أنهارا فنتخذ محارث فنزرع ونأكل وإلا
~~فادع الله تعالى أن يحيى لنا موتانا فنكلمهم ويكلمونا وإلا فادع الله
~~تعالى أن يجعل هذه الصخرة التي تحتك ذهبا فننحت منها وتغنينا عن رحلة
~~الشتاء والصيف فإنك تزعم أنك كهيئتهم.

# الخبر، وفيه فنزلت:

# وما منعنا أن نرسل بالآيت إلا أن كذب بها
~~الأولون

# [الإسراء: 59] إلى تمام ثلاث آيات، ونزلت { ولو أن قرانا }
~~الآية هذا وعن الفراء أن جواب { لو } مقدم وهو قوله تعالى:

# وهم يكفرون بالرحمن

# [الرعد: 30] وما بينهما اعتراض وهو مبني  كما قيل  على جواز تقديم
~~جواب الشرط عليه، ومن النحويين من يراه، ولا يخفى أن في اللفظ نبوة عن
~~ذلك لكون تلك الجملة اسمية مقترنة بالواو، ولذا أشار السمين إلى أن مراده
~~أن تلك الجملة دليل الجواب والتقدير ولو أن قرآنا فعل به كذا وكذا
~~لكفروا بالرحمن، وأنت تعلم أنه لا فرق بين هذا وتقدير لما آمنوا في
~~المعنى، وجوز جعل { لو } وصلية ولا جواب لها والجملة حالية أو معطوفة
~~على مقدر.

# { ولا يزال الذين كفروا } من أهل مكة على ما روي عن مقاتل
~~{ تصيبهم بما صنعوا } أي بسبب ms04957 ما صنعوه من الكفر والتمادي فيه،
~~وإبهامه إما لقصد تهويله أو استهجانه، وهو تصريح بما أشعر به بناء الحكم
~~على الموصول من علية الصلة له مع ما في صيغة الصنع من الإيذان برسوخهم في
~~ذلك { قارعة } من القرع وأصله ضرب شيء بشيء بقوة، ومنه قوله:

# ولما قرعنا النبع بالنبع بعضه

# ببعض أبت عيدانه أن تكسرا

# والمراد بها الرزية التي تقرع قلب صاحبها، وهي هنا ما كان يصيبهم من
~~أنواع البلايا والمصائب من القتل والأسر والنهب والسلب، وتقديم المجرور
~~على الفاعل لما مر غير مرة من إرادة التفسير إثر الإبهام لزيادة التقرير
~~والأحكام مع ما فيه من بيان أن مدار الإصابة من جهتهم أثر ذي أثير { أو
~~تحل } تلك القارعة { قريبا } مكانا قريبا { من دارهم }
~~فيفزعون منها ويتطاير إليهم شررها، شبه القارعة بالعدو المتوجه إليهم
~~فأسند إليها الإصابة تارة والحلول أخرى ففيه استعارة بالكناية وتخييل
~~وترشيح { حتى يأتى وعد الله } أي موتهم أو القيامة فإن
~~كلا منهما وعد محتوم لا مرد له، وفيه دلالة على أن ما يصيبهم حينئذ من
~~العذاب أشد.

# ثم حقق ذلك بقوله سبحانه: { إن الله لا يخلف الميعاد }
~~أي الوعد كالميلاد والميثاق بمعنى الولادة والتوثقة، ولعل المراد به ما
~~يندرج تحته الوعد الذي نسب إليه الإتيان لا هو فقط، قال القاضي: وهذه
~~الآية تدل على بطلان من يجوز الخلف على الله تعالى في ميعاده وهي وإن
~~كانت واردة في حق الكفار إلا أن العبرة بعموم/ اللفظ لا بخصوص السبب
~~وعمومه يتناول كل وعيد ورد في حق الفساق، وأجاب الإمام بأن الخلف غير
~~وتخصيص العموم غير، ونحن لا نقول بالخلف ولكنا نخصص عمومات الوعيد
~~بالآيات الدالة على العفو، وأنت تعلم أن المشهور في الجواب أن آيات الوعد
~~مطلقة وآيات الوعيد وإن وردت مطلقة لكنها مقيدة حذف قيدها لمزيد التخويف
~~ومنشأ الأمرين عظم الرحمة ونهاية الكرم، والفرق بين الوعد والوعيد أظهر
~~من أن يذكر.

# نعم قد يطلق الوعد على ما هو وعيد في نفس الأمر لنكتة وليتأمل فيما هنا ms04958
~~على الوجه الذي تقرر. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد
~~بالقارعة السرايا التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثها كانوا
~~بين غارة واختطاف وتخويف بالهجوم عليهم في دارهم. فالإصابة والحلول حينئذ
~~من أحوالهم، وجوز على هذا أن يكون قوله تعالى: { أو تحل } خطابا
~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم مرادا به حلول الحديبية، والمراد بوعد
~~الله تعالى ما وعد به من فتح مكة. وعزا ذلك الطبري إلى ابن عباس ومجاهد
~~وقتادة وروي عن مقاتل وعكرمة وذهب ابن عطية إلى أن المراد  بالذين كفروا
~~ كفار قريش والعرب، وفسر القارعة بما ينزل بهم من سرايا رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم. وعن الحسن وابن السائب أن المراد بهم الكفار مطلقا
~~قالا: وذلك الأمر مستمر فيهم إلى يوم القيامة، ولا يتأتى على هذا أن يراد
~~بالقارعة سرايا رسول الله عليه الصلاة والسلام فيراد بها حينئذ ما ذكر
~~أولا، وأنت تعلم أنه إذا أريد جنس الكفرة لا يلزم منه حلول ما تقدم
~~بجميعهم. وقرأ مجاهد وابن جبير { أو يحل } بالياء على الغيبة، وخرج ذلك
~~على أن يكون الضمير عائدا على القارعة باعتبار أنها بمعنى البلاء أو
~~بجعل هائها للمبالغة أو على أن يكون عائدا على الرسول عليه الصلاة
~~والسلام. وقرءا أيضا { من ديارهم } على الجمع.

### || [13.32]

# { ولقد استهزىء برسل من قبلك فأمليت للذين
~~كفروا } أي تركتهم ملاوة أي من الزمان ومنه الملوان في أمن ودعة كما
~~يملي للبهيمة في المرعى، وهذا تسلية للحبيب صلى الله عليه وسلم عما لقي
~~من المشركين من الاستهزاء به عليه الصلاة والسلام وتكذيبه وعدم الاعتداد
~~بآياته واقتراح غيرها وكل ذلك في المعنى استهزاء ووعيد لهم، والمعنى أن
~~ذلك ليس مختصا بك بل هو أمر مطرد قد فعل برسل جليلة كثيرة كائنة من قبلك
~~فأمهلت الذين فعلوه بهم، والعدول في الصلة إلى وصف الكفر ليس لأن المملى
~~لهم غير المستهزئين بل للإشارة إلى أن ذلك الاستهزاء كفر كما قيل. وفي "
~~الإرشاد " لإرادة الجمع بين الوصفين ms04959 أي فأمليت للذين كفروا بكفرهم مع
~~استهزائهم لا باستهزائهم فقط { ثم أخذتهم فكيف كان
~~عقاب } أي عقابي إياهم، والمراد التعجيب مما حل بهم وفيه من الدلالة
~~على شدته وفظاعته ما لا يخفى.

### || [13.33]

# { أفمن هو قائم } أي رقيب ومهيمن { على كل نفس } كائنة
~~ما كانت { بما كسبت } فعلت من خير أو شر لا يخفى عليه شيء من ذلك
~~ولا يفوته ما يستحقه كل من الجزاء وهو الله تعالى شأنه، وما حكاه
~~القرطبي عن الضحاك من أن المراد بذلك الملائكة الموكلون ببني آدم فمما
~~لا يكاد يعرج عليه هنا، و { من } مبتدأ والخبر محذوف أي كمن ليس كذلك،
~~ونظيره قوله تعالى:

# أفمن شرح الله صدره للإسلم فهو على نور من
~~ربه

# [الزمر: 22] وحسن حذفه المقابلة، وقد جاء مثبتا كثيرا كقوله تعالى:

# أفمن يخلق كمن لا يخلق

# [النحل: 17] وقوله سبحانه:

# أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن
~~هو أعمى

# [الرعد: 19] إلى غير ذلك، والهمزة للاستفهام الإنكاري، وإدخال الفاء
~~قيل: لتوجيه الإنكار إلى توهم المماثلة غب ما علم مما فعل سبحانه
~~بالمستهزئين من الإملاء والأخذ ومن/ كون الأمر كله له سبحانه وكون هداية
~~الناس جميعا منوطة بمشيئته جل وعلا ومن تواتر القوارع على الكفرة حتى
~~يأتي وعده تعالى كأنه قيل: أالأمر كذلك فمن هذا شأنه كما ليس في عداد
~~الأشياء حتى يشركوه به فالإنكار متوجه إلى ترتب المعطوف أعني توهم
~~المماثلة على المعطوف عليه القدر أعني كون الأمر كما ذكر لا إلى
~~المعطوفين جميعا وفي «الكشف» أنه ضمن هذا التعقيب الترقي في الإنكار
~~يعني لا عجب من إنكارهم لآياتك الباهرة مع ظهورها إنما العجب كل العجب
~~جعلهم القادر على إنزالها المجازي لهم على إعراضهم عن تدبر معانيها
~~وأمثالها بقوارع تترى واحدة غب أخرى يشاهدونها رأي عين تترامى بهم إلى
~~دار البوار وأهوالها كمن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا فضلا عمن اتخذه
~~ربا يرجو منه دفعا أو جلبا. وزعم بعضهم أن الفاء للتعقيب الذكري أي
~~بعد ما ذكر أقول هذا الأمر ms04960 وليس بذاك.

# { وجعلوا لله شركاء } جملة مستأنفة وفيها دلالة على الخبر
~~المحذوف، وجوز أن تكون معطوفة على { كسبت } على تقدير أن تكون { ما
~~} مصدرية لا موصولة والعائد محذوف، ولا يلزم اجتماع الأمرين حتى يخص كل
~~نفس بالمشركين، وأبعد من قال: إنها عطف على

# استهزئ

# [الرعد:32] وجوز أن تكون حالية على معنى أفمن هذه صفاته كمن ليس كذلك؟
~~وقد جعلوا له شركاء لا شريكا واحدا، وقال صاحب " حل العقد ": المعنى
~~على الحالية أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت موجود والحال أنهم جعلوا
~~له شركاء، وهذا نظير قولك: أجواد يعطي الناس ويغنيهم موجود ويحرم مثلي.
~~ومنهم من أجاز العطف على جملة {  أفمن هو قائم على كل
~~نفس بما كسبت } كمن ليس كذلك لأن الاستفهام الإنكاري بمعنى
~~النفي فهي خبرية معنى، وقدر آخرون الخبر  لم يوحدوه  وجعل العطف عليه
~~أي أفمن هذا شأنه لم يوحدوه وجعلوا له شركاء وظاهر كلامهم اختصاص العطف
~~على الخبر بهذا التقدير دون تقدير كمن ليس كذلك، قال البدر الدماميني:
~~ولم يظهر وجه الاختصاص، ووجه ذلك الفاضل الشمني بأن حصول المناسبة بين
~~المعطوف والمعطوف عليه التي هي شرط قبول العطف بالواو إنما هو على
~~التقدير الأخير دون التقدير الأول.

# ويدل على الاشتراط قول أهل المعاني: زيد يكتب ويشعر مقبول دون يعطي
~~ويشعر. وتعقبه الشهاب بأنه من قلة التدبر فإن مرادهم أنه على التقدير
~~الأول يكون الاستفهام إنكاريا بمعنى لم يكن نفيا للتشابه على طريق
~~الإنكار فلو عطف جعلهم شركاء عليه يقتضي أنه لم يكن وليس بصحيح، وعلى
~~التقدير الأخير الاستفهام توبيخي والإنكار فيه بمعنى لم كان وعدم التوحيد
~~وجعل الشركاء واقع موبخ عليه منكر فيظهر العطف على الخبر، وأما ما ذكر من
~~حديث التناسب فغفلة لأن المناسبة بين تشبيه الله سبحانه بغيره والشرك
~~تامة؛ وعلى الوجه الأخير عدم التوحيد عين الإشراك فليس محلا للعطف عند
~~أهل المعاني على ما ذكره فهو محتاج إلى توجيه آخر. واختار بعض المحققين
~~التقدير الأول، وفي ذلك الحذف تعظيم للقالة وتحقير لمن ms04961 زن بتلك الحالة،
~~وفي العدول عن صريح الاسم في { أفمن هو قائم } تفخيم فخيم
~~بواسطة الإبهام المضمر في إيراده موصولا مع تحقيق أن القيام كائن وهم
~~محققون، وفي وضع الاسم الجليل موضع الراجع إلى { من } تنصيص على
~~وحدانيته تعالى ذاتا واسما وتنبيه على اختصاصه باستحقاق العبادة مع ما
~~فيه من البيان بعد الإبهام، ولعل توجيه الوضع المذكور مما لا يختص به
~~تقدير دون تقدير وخصه بعضهم فيما يحتاج عليه إلى ضمير.

# { قل سموهم } تبكيت/ إثر تبكيت أي سموهم من هم وماذا أسماؤهم؟
~~وفي " البحر " أن المعنى أنهم ليسوا ممن يذكر ويسمى إنما يذكر ويسمى من
~~ينفع ويضر، وهذا مثل أن يذكر لك أن شخصا يوقر ويعظم وهو عندك لا يستحق
~~ذلك فتقول لذاكره: سمه حتى أبين لك زيفه وإنه بمعزل عن استحقاق ذلك،
~~وقريب منه ما قيل: إن ذلك إنما يقال في الشيء المستحقر الذي يبلغ في
~~الحقارة إلى أن لا يذكر ولا يوضع له اسم فيقال سمه على معنى أنه أخس من
~~أن يذكر ويسمى ولكن إن شئت أن تضع له اسما فافعل فكأنه قيل: سموهم
~~بالآلهة على التهديد، والمعنى سواء سميتموهم بذلك أم لم تسموهم به فإنهم
~~في الحقارة بحيث لا يستحقون أن يلتفت إليهم عاقل، وقيل: إن التهديد هنا
~~نظير التهديد لمن نهي عن شرب الخمر ثم قيل له: سم الخمر بعد هذا وهو خلاف
~~الظاهر، وقيل: المعنى اذكروا صفتهم وانظروا هل فيها ما يستحقون به
~~العبادة ويستأهلون الشركة.

# { أم تنبئونه } أي بل أتخبرون الله تعالى { بما لا يعلم
~~فى الأرض } أي بشركاء مستحقين للعبادة لا يعلمهم سبحانه وتعالى،
~~والمراد نفيها بنفي لازمها على طريق الكناية لأنه سبحانه إذا كان لا
~~يعلمها وهو الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فهي
~~لا حقيقة لها أصلا، وتخصيص الأرض بالذكر لأن المشركين إنما زعموا أنه
~~سبحانه له شركاء فيها، والضمير المستقر في { يعلم } على هذا التفسير
~~لله تعالى والعائد على { ما } محذوف كما أشرنا ms04962 إلى ذلك. وجوز أن يكون
~~العائد ضمير { يعلم } والمعنى اتنبؤن الله تعالى بشركة الأصنام التي
~~لا تتصف بعلم البتة، وذكر نفي العلم في الأرض لأن الأرض مقر الأصنام فإذا
~~انتفى علمها في المقر التي هي فيه فانتفاؤه في السموات العلى أحرى، وقرأ
~~الحسن { أتنبئونه } بالتخفيف من الإنباء { أم بظهر من القول
~~} أي بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير معنى متحقق في نفس الأمر
~~كتسمية الزنجي كافورا كقوله تعالى:

# ذلك قولهم بأفوههم

# [التوبة: 30] وروي عن الضحاك وقتادة أن الظاهر من القول الباطل منه،
~~وأنشدوا من ذلك قوله:

# أعيرتنا ألبانها ولحومها

# وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر

# ويطلق الظاهر على الزائل كما في قوله:

# وعيرها الواشون أني أحبها

# وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

# ومن أراد ذلك هنا فقد تكلف، وعن الجبائي أن المراد من  ظاهر من القول 
~~ظاهر كتاب أنزله الله تعالى وسمي به الأصنام آلهة حقه، وحاصل الآية نفي
~~الدليل العقلي والدليل السمعي على حقية عبادتها واتخاذها آلهة، وجوز أن
~~تكون { أم } متصلة والانقطاع هو الظاهر، ولا يخفى ما في الآية من
~~الاحتجاج والأساليب العجيبة ما ينادي بلسان طلق ذلق أنه ليس من كلام
~~البشر كما نص على ذلك الزمخشري، وبين ذلك صاحب " الكشف " بأنه لما كان
~~قوله تعالى: { أفمن هو قائم } كافيا في هدم قاعدة الإشراك
~~للتفرع السابق والتحقق بالوصف اللاحق مع ما ضمن من زيادات النكت وكان
~~إبطالا من طرف الحق وذيل بإبطاله من طرف النقيض على معنى وليتهم إذ
~~اشركوا بمن لا يجوز أن يشرك به اشركوا من يتوهم فيه ادنى توهم وروعي فيه
~~أنه لا أسماء للشركاء فضلا عن المسمى على الكناية الإيمائية ثم بولغ فيه
~~بأنه لا يستأهل السؤال عن حالها بظهور فسادها وسلك فيه مسلك الكناية
~~التلويحية من نفي العلم بنفي المعلوم ثم منه بعدم الاستئهال، والهمزة
~~المضمنة فيها تدل على التوبيخ وتقرير/ أنهم يريدون أن ينبئوا عالم السر
~~والخفيات بما لا يعلمه وهذا محال على محال، وفي جعله اتخاذهم شركاء
~~ومجادلتهم رسول ms04963 الله صلى الله عليه وسلم نكتة سرية بل نكت سرية ثم أضرب
~~عن ذلك.

# وقيل: قد بين الشمس لذي عينين وما تلك التسمية إلا بظاهر من القول من
~~غير أن يكون تحته طائل وما هو إلا مجرد صوت فارغ حق لمن تأمل فيه حق
~~التأمل أن يعترف بأنه كلام مصون عن التعمل، صادر عن خالق القوى والقدر،
~~تتضاءل عن بلوغ طرف من أسراره افهام البشر. وقد ذيل الزمخشري كلامه بقوله
~~فتبارك الله أحسن الخالقين، وهي كما في " الانتصاف " كلمة حق أريد بها
~~باطل يدندن بها من هو عن حلية الإنصاف عاطل هذا.

# { بل زين للذين كفروا } اضراب عن الاحتجاج عليهم، ووضع
~~الموصول موضع المضمر ذما لهم وتسجيلا عليهم بالكفر كأنه قيل: دع هذا
~~فإنه لا فائدة فيه لأنهم زين لهم { مكرهم } كيدهم للإسلام بشركهم أو
~~تمويههم الأباطيل فتكلفوا إيقاعها في الخيال من غير حقيقة ثم بعد ذلك
~~ظنوها شيئا لتماديهم في الضلال، وعلى هذا المراد مكرهم بأنفسهم وعلى
~~الأول مكرهم بغيرهم، وإضافة  مكر  إلى ضميرهم من إضافة المصدر إلى
~~الفاعل، وجوز على الثاني أن يكون مضافا إلى المفعول وفيه بعد. وقرأ
~~مجاهد { بل زين } على البناء للفاعل و { مكرهم } بالنصب { وصدوا عن
~~السبيل } أي سبيل الحق فتعريفه للعهد أو ما عداه كأنه غير سبيل، وفاعل
~~الصد إما مكرهم ونحوه أو الله تعالى بختمه على قلوبهم أو الشيطان بإغوائه
~~لهم، والاحتمالان الأخيران جاريان في فاعل التزيين، وقرأ ابن كثير ونافع
~~وأبو عمرو وابن عامر { وصدوا } على البناء للفاعل وهو كالأول من صده صدا
~~فالمفعول محذوف أي صدوا الناس عن الإيمان، ويجوز أن يكون من صد صدوا فلا
~~مفعول. وقرأ ابن وثاب { وصدوا } بكسر الصاد، وقال بعضهم: إنه قرأ كذلك في
~~المؤمن والكسر هنا لابن يعمر، والفعل على ذلك مجهول نقلت فيه حركة العين
~~إلى الفاء إجراء له مجرى الأجوف. وقرأ ابن أبي اسحق { وصد } بالتنوين
~~عطفا على مكرهم { ومن يضلل الله } أي يخلق فيه الضلال لسوء
~~استعداده { فما له من هاد ms04964 } يوفقه للهدى ويوصله إلى ما فيه
~~نجاته.

### || [13.34]

# { لهم عذاب } شاق { في الحياة الدنيا } بالقتل والأسر
~~وسائر ما يصيبهم من المصائب فإنها إنما تصيبهم عقوبة من الله تعالى على
~~كفرهم، وأما وقوع مثل ذلك للمؤمن فعلى طريق الثواب ورفع الدرجات {
~~ولعذاب الآخرة أشق } من ذلك لشدته ودوامه { وما لهم من
~~الله } أي عذابه سبحانه { من واق } من حافظ يعصمهم من ذلك  فمن 
~~الأولى صلة { واق } والثانية مزيدة للتأكيد، ولا يضر تقديم معمول
~~المجرور عليه لأن الزائد لا حكم له. وجوز أن تكون { من } الأولى ظرفا
~~مستقرا وقع حالا من { واق } وصلته محذوفة، والمعنى ما لهم واق وحافظ
~~من عذاب الله تعالى حال كون ذلك الواقي من جهته تعالى ورحمته و { من }
~~على هذا للتبيين، وجوز أيضا أن تكون لغوا متعلقة بما في الظرف أعني {
~~لهم } من معنى الفعل وهي للابتداء، والمعنى ما حصل لهم من رحمة الله
~~تعالى واق من العذاب.

### || [13.35]

# { مثل الجنة } أي نعتها وصفتها كما أخرجه ابن أبي حاتم وأبو
~~الشيخ عن عكرمة، فهو على ما في " البحر " من مثلت الشيء إذا وصفته وقربته
~~للفهم، ومنه

# وله المثل الأعلى

# [الروم: 27] أي الصفة العليا، وأنكر أبو علي ذلك وقال: إن تفسير المثل
~~بالصفة غير مستقيم لغة ولم يوجد فيها وإنما معناه الشبيه. وقال بعض
~~المحققين: إنه يستعمل في ثلاثة معان. فيستعمل بمعنى الشبيه في أصل اللغة،
~~وبمعنى القول/ السائر المعروف في عرف اللغة، وبمعنى الصفة الغريبة، وهو
~~معنى مجازي له مأخوذ من المعنى العرفي بعلاقة الغرابة لأن المثل إنما
~~يسير بين الناس لغرابته، وأكثر المفسرين على تفسيره هنا بالصفة الغريبة،
~~وهو حينئذ مبتدأ خبره  عند سيبويه  محذوف أي فيما يقص ويتلى عليكم صفة
~~الجنة { التى وعد المتقون } أي عن الكفر والمعاصي، وقدر
~~مقدما لطول ذيل المبتدأ ولئلا يفصل بينه وبين ما يتعلق به معنى.

# وقوله تعالى { تجرى من تحتها الأنهر }  جملة مفسرة 
~~كخلقه من تراب  في قوله سبحانه:

# إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من
~~تراب ms04965

# [آل عمران: 59] أو مستأنفة استئنافا بيانيا أو حال من العائد المحذوف
~~من الصلة أي التي وعدها، وقيل: هي الخبر على طريقة قولك: شأن زيد يأتيه
~~الناس ويعظمونه. واعترض بأنه غير مستقيم معنى لأنه يقتضي أن الأنهار في
~~صفة الجنة وهي فيها لا في صفتها، وفيه أيضا تأنيث الضمير العائد على {
~~مثل } حملا على المعنى، وقد قيل: إنه قبيح. وأجيب بأن ذاك على تأويل
~~أنها تجري، فالمعنى مثل الجنة جريان الأنهار أو أن الجملة في تأويل
~~المفرد فلا يعود منها ضمير للمبتدأ أو المراد بالصفة ما يقال فيه هذا إذا
~~وصف، فلا حاجة إلى الضمير كما في خبر ضمير الشأن. وقال الطيبي: إن تأنيث
~~الضمير لكونه راجعا إلى الجنة لا إلى المثل، وإنما جاز ذلك لأن المقصود
~~من المضاف عين المضاف إليه وذكره توطئة له وليس نحو غلام زيد. وتعقب كل
~~ذلك الشهاب بأنه كلام ساقط متعسف لأن تأويل الجملة بالمصدر من غير حرف
~~سابك شاذ، وكذا التأويل بأنه أريد بالصفة لفظها الموصوف به وليس في اللفظ
~~ما يدل عليه وهو تجوز على تجوز ولا يخفى تكلفه، وقياسه على ضمير الشأن
~~قياس مع الفارق، وأما عود الضمير على المضاف إليه دون المبتدأ في مثل ذلك
~~فأضعف من بيت العنكبوت فالحزم الإعراض عن هذا الوجه، وعن الزجاج أن الخبر
~~محذوف والجملة المذكورة صفة له، والمراد مثل الجنة جنة تجري إلى آخره،
~~فيكون سبحانه قد عرفنا الجنة التي لم نرها بما شاهدناه من أمور الدنيا
~~وعايناه.

# وتعقبه أبو علي  على ما في " البحر "  بأنه لا يصح لا على معنى الصفة
~~ولا على معنى الشبه لأن الجنة التي قدرها جثة ولا تكون صفة ولأن الشبه
~~عبارة عن المماثلة التي بين الشيئين وهو حدث فلا يجوز الإخبار عنه بالجنة
~~الجثة. ورد بأن المراد بالمثل المثيل أو الشبيه فلا غبار في الأخبار،
~~وقيل: إن التشبيه هنا تمثيلي منتزع وجهه من عدة أمور من أحوال الجنان
~~المشاهدة من جريان أنهارها وغضارة أغصانها والتفاف أفنانها ونحوه، ويكون
~~قوله ms04966 تعالى:

# { أكلها دائم وظلها } بيانا لفضل تلك الجنان وتمييزها عن
~~هذه الجنان المشاهدة، وقيل: إن هذه بيان لحال جنان الدنيا على سبيل الفرض
~~وأن فيما ذكر انتشارا واكتفاء في النظير بمجرد جريان الأنهار وهو لا
~~يناسب البلاغة القرآنية وهو كما ترى. ونقل عن الفراء أن الجملة خبر أيضا
~~إلا أن المثل بمعنى الشبه مقحم، والتقدير الجنة التي وعد المتقون تجري من
~~تحتها الأنهار إلى آخره، وقد عهد إقحامه بهذا المعنى، ومنه قوله تعالى:

# ليس كمثله شىء

# [الشورى: 11] وتعقبه أبو حيان بأن إقحام الأسماء لا يجوز، ورد بأنه في
~~كلامهم كثير  كثم اسم السلام عليكما  ولا صدقة إلا عن ظهر غنى  إلى
~~غير ذلك، والأولى بعد القيل والقال الوجه الأول فإنه سالم من التكلف مع
~~ما فيه من الإيجاز والإجمال والتفصيل، والظاهر أن المراد من الأكل ما
~~يؤكل فيها، ومعنى دوامه أنه لا ينقطع أبدا، وقال إبراهيم التيمي: إن
~~لذته دائمة لا تزاد بجوع ولا تمل بشبع وهو خلاف الظاهر.

# / وفسر بعضهم الأكل بالثمرة، فقيل: وجهه أنه ليس في جنة الدنيا غيره وإن
~~كان في الموعودة غير ذلك من الأطعمة، واستظهر أن ذلك لإضافته إلى ضمير
~~الجنة والأطعمة لا يقال فيها أكل الجنة وفيه تردد، ((والظل في الأصل ضد
~~الضح وهو عند الراغب أعم من الفيء فإنه يقال: ظل الليل ولا يقال فيؤه،
~~ويقال لكل موضع لم تصل إليه الشمس ظل ولا يقال الفيء إلا لما زالت عنه))،
~~وفي " القاموس " هو الضح والفيء أو هو بالغداة والفيء بالعشي جمعه ظلال
~~وظلول وإظلال، ويعبر به عن العزة والمنعة وعن الرفاهة، والمشهور تفسيره
~~هنا بالمعنى الأول، وهو مبتدأ محذوف الخبر أي وأكلها كذلك أي دائم،
~~والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، ومعنى دوامه أنه لا ينسخ كما ينسخ
~~في الدنيا بالشمس إذ لا شمس هناك على الشائع عند أهل الأثر أو لأنها لا
~~تأثير لها على ما قيل، ويجوز عندي أن يراد بالظل العزة أو الرفاهة وان
~~يراد المعنى الأول ويجعل الكلام كناية ms04967 عن دوام الراحة، وأكفر خارجة بن
~~معصب كما روي عنه ذلك ابن المنذر وأبو الشيخ القائل بعدم دوام الجنة كما
~~يحكى عن جهم وأتباعه لهذه الآية.

# وبها استدل القاضي على أنها لم تخلق بعد لأنها لو كانت مخلوقة لوجب أن
~~يفنى وينقطع أكلها لقوله تعالى:

# كل شىء هالك إلا وجهه

# [القصص: 88] لكن أكلها لا ينقطع ولا يفنى للآية المذكورة فوجب أن لا
~~تكون مخلوقة بعد، ثم قال: ولا ننكر أن يكون الآن جنان كثيرة في السماء
~~يتمتع بها من شاء الله تعالى من الأنبياء والشهداء وغيرهم إلا أنا نقول:
~~إن جنة الخلد إنما تخلق بعد الإعادة. وأجاب الإمام عن ذلك بأن دليله مركب
~~من شيئين قوله تعالى:

# كل شىء هالك إلا وجهه

# [القصص:88] وقوله سبحانه: { أكلها دائم } فإذا أدخلنا التخصيص في
~~أحد هذين العمومين سقط الدليل فنحن نخصص أحدهما بالدلائل الدالة على أن
~~الجنة مخلوقة كقوله تعالى:

# وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت
~~للذين ءامنوا

# [الحديد: 21] ا ه.

# ويرد على الاستدلال أنه مشترك الإلزام إذ الشيء في قوله تعالى:

# كل شىء هالك إلا وجهه

# [القصص:88] الموجود مطلقا كما في قوله تعالى:

# خلق كل شىء وهو على كل شىء وكيل

# [الزمر: 62] والمعنى أن كل ما يوجد في وقت من الأوقات يصير هالكا بعد
~~وجوده فيصح أن يقال: لو وجدت الجنة في وقت لوجب هلاك أكلها تحقيقا
~~للعموم لكن هلاكه باطل لقوله تعالى: { أكلها دائم } فوجدوها في
~~وقت من الأوقات باطل. وأجيب بأنه لعل المراد من الشيء الموجود في الدنيا
~~فإنها دار الفناء دون الموجود في الآخرة فإنها دار البقاء وهذا كاف في
~~عدم اشتراك الإلزام وفيه أنه إن أريد أن معنى الشيء هو الموجود في الدنيا
~~فهو ظاهر البطلان، وإن أريد أن المراد ذلك بقرينة كونه محكوما عليه
~~بالهلاك وهو إنما يكون في الدنيا لأنها دار الفناء فنقول: إنه تخصيص
~~بالقرينة اللفظية فنحن نخصصه بغير الجنة لقوله تعالى:

# أعدت للمتقين

# [آل عمران: 133] و { أكلها دائم } فلا يتم الاستدلال.

# وأجاب غير الإمام ms04968 بأن المراد هو الدوام العرفي وهو عدم طريان العدم
~~زمانا يقيد به وهذا لا ينافي طريان العدم عليه وانقطاعه لحظة على أن
~~الهلاك لا يستلزم الفناء بل يكفي فيه الخروج عن الانتفاع المقصود، ولو
~~سلم يجوز أن يكون المراد أن كل ممكن فهو هالك في حد ذاته بمعنى أن الوجود
~~الإمكاني بالنظر إلى الوجود الواجبي بمنزلة العدم، وقيل: في الجواب
~~أيضا: إن المراد بالدوام المعنى الحقيقي أعني عدم طريان العدم مطلقا،
~~والمراد بدوام الأكل دوام النوع وبالهلاك هلاك الأشخاص، ويجوز أن لا
~~ينقطع النوع أصلا مع هلاك الأشخاص بأن يكون هلاك كل شخص معين من الأكل
~~بعد وجود مثله، وهذا مبني على ما ذهب إليه الأكثرون من أن الجنة لا يطرأ
~~عليها العدم ولو لحظة، وأما على ما قيل: من جريانه عليها لحظة/ فلا يتم
~~لأنه يلزم منه انقطاع النوع قطعا كما لا يخفى.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن مسعود رضي الله تعالى عنه { مثال
~~الجنة } وفي " اللوامح " عن السلمي { أمثال الجنة } أي صفاتها.

# { تلك } الجنة المنعوتة بما ذكر { عقبى الذين اتقوا }
~~الكفر والمعاصي أي مآلهم ومنتهى أمرهم { وعقبى الكفرين
~~النار } لا غير كما يؤذن به تعريف الخبر، وحمل الاتقاء على اتقاء
~~الكفر والمعاصي لأن المقام مقام ترغيب وعليه يكون العصاة مسكوتا عنهم،
~~وقد يحمل على اتقاء الكفر بقرينة المقابلة فيدخل العصاة في الذين اتقوا
~~لأن عاقبتهم الجنة وإن عذبوا.

### || [13.36]

# { والذين آتينهم الكتب } نزلت  كما قال الماوردي 
~~في مؤمني أهل الكتابين كعبد الله بن سلام وكعب وأضرابهما من اليهود
~~وكالذين أسلموا من النصارى كالثمانين المشهورين وهم أربعون رجلا بنجران
~~وثمانية باليمن واثنان وثلاثون بالحبشة، فالمراد بالكتاب التوراة
~~والانجيل { يفرحون بما أنزل إليك } إذ هو الكتاب الموعود
~~فيما أوتوه { ومن الأحزاب } أي من أحزابهم وهم كفرتهم الذين
~~تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة ككعب بن الأشرف
~~وأصحابه والسيد والعاقب أسقفي نجران وأشياعهما، وأصله جمع حزب بكسر وسكون
~~الطائفة المتحزبة أي المجتمعة لأمر ما كعداوة وحرب ms04969 وغير ذلك، وإرادة
~~جماعة مخصوصة منه بواسطة العهد { من ينكر بعضه } وهو ما لا يوافق
~~كتبهم من الشرائع الحادثة إنشاء أو نسخا وأما ما يوافق كتبهم فلم ينكروه
~~وإن لم يفرحوا به، وعن ابن عباس وابن زيد أنها نزلت في مؤمني اليهود
~~خاصة. فالمراد بالكتاب التوراة وبالأحزاب كفرتهم. وعن مجاهد والحسن
~~وقتادة أن المراد بالموصول جميع أهل الكتاب فإنهم كانوا يفرحون بما يوافق
~~كتبهم. فالمراد  بما أنزل إليك  بعضه وهو الموافق، واعترض عليه بأنه
~~يأباه مقابلة قوله سبحانه: { ومن الأحزاب من ينكر بعضه }
~~لأن إنكار البعض مشترك بينهم، وأجيب بأن المراد من الأحزاب من حظه إنكار
~~بعضه فحسب ولا نصيب له من الفرح ببعض منه لشدة بغضه وعداوته وأولئك
~~يفرحون ببعضه الموافق لكتبهم، وقيل: الظاهر أن المعنى أن منهم من يفرح
~~ببعضه إذا وافق كتبهم وبعضهم لا يفرح بذلك البعض بل يغتم به وان وافقها
~~وينكر الموافقة لئلا يتبع أحد منهم شريعته صلى الله عليه وسلم كما في قصة
~~الرجم، وأنت تعلم أن الجوابين ليسا بشيء، وعلى تفسير الموصول بعامة أهل
~~الكتاب فسر البعض البعض بما لم يوافق ما حرفوه، وبين ذلك بأن منهم من
~~يفرح بما وافق ومنهم من ينكره لعناده وشدة فساده، وإنكارهم لمخالفة
~~المحرف بالقول دون القلب لعلمهم به أو هو بالنسبة لمن لم يحرفه، ولعل نعي
~~الإنكار أوفق بالمقام من نعي التحريف عليهم على ما لا يخفى على المتأمل،
~~وقيل: المراد بالموصول مطلق المسلمين وبالأحزاب اليهود والنصارى والمجوس.
~~وأخرج ذلك ابن جرير عن قتادة، فالمراد بالكتاب القرآن، ومعنى {
~~يفرحون } استمرار فرحهم وزيادته وقالت فرقة: المراد بالأحزاب أحزاب
~~الجاهلية من العرب، وقال مقاتل: هم بنو أمية وبنو المغيرة وآل أبي طلحة.

# { قل } صادعا بالحق غير مكترث بمنكر بعض ما أنزل إليك { إنما
~~أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به } / أي شيئا من
~~الأشياء أو لا أفعل الإشراك به سبحانه، والظاهر أن المراد قصر الأمر على
~~عبادته تعالى خاصة وهو الذي يقتضيه كلام الإمام حيث قال: إن { إنما ms04970 }
~~للحصر ومعناه إني ما أمرت إلا بعبادة الله تعالى وهو يدل على أنه لا
~~تكليف ولا أمر ولا نهي إلا بذلك، وقيل: معناه إنما أمرت بعبادته تعالى
~~وتوحيده لا بما أنتم عليه.

# وفي " إرشاد العقل السليم " أن المعنى إلزاما للمنكرين وردا لإنكارهم
~~إنما أمرت إلى آخره، والمراد قصر الأمر بالعبادة على الله تعالى لا قصر
~~الأمر مطلقا على عبادته سبحانه أي قل لهم: إنما أمرت فيما أنزل إلي
~~بعبادة الله تعالى وتوحيده. وظاهر أن لا سبيل لكم إلى إنكاره لإطباق جميع
~~الأنبياء عليهم السلام والكتب على ذلك لقوله تعالى:

# تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا
~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا

# [آل عمران: 64] فما لكن تشركون به عزيرا والمسيح عليهما السلام، ولا
~~يخفى أن هذا التفسير مبني على كون المراد من الأحزاب كفرة أهل الكتابين
~~وهذا الكلام إلزام لهم، واعترض بأن منهم من ينكر التوحيد وإطباق جميع
~~الأنبياء والكتب عليه كالمثلثة من النصارى.

# وأجيب بأنهم مع التثليث يزعمون التوحيد ولا ينكرونه كما يدل عليه قولهم:
~~باسم الأب والابن وروح القدس إلها واحدا، وأنت تعلم أن هذا مما لا
~~يحتاج إليه والاعتراض ناشيء من الغفلة عن المراد، وقد يقال: المعنى إنما
~~أمرت بعبادة الله تعالى وعدم الإشراك به وذلك أمر تستحسنه العقول وتصرح
~~به الدلائل الآفاقية والأنفسية:

# وفي كل شيء له آية

# تدل على أنه واحد

# فإنكاره دليل الحماقة وشاهد الجهالة لا ينبغي لعاقل أن يلتفت إليه،
~~ويجري هذا على سائر تفاسير الأحزاب. وقرأ أبو خليد عن نافع { ولا أشرك }
~~بالرفع على القطع أي وأنا لا أشرك، وجوز أن يكون حالا أي أن أعبد الله
~~غير مشرك به قيل: وهو الأولى لخلو الاستئناف عن دلالة الكلام على أن
~~المأمور به تخصيص العبادة به تعالى وفيه بحث.

# { إليه } أي إلى الله تعالى خاصة على النهج المذكور من التوحيد أو
~~إلى ما أمرت به من التوحيد { أدعو } الناس لا إلى غيره ولا إلى شيء
~~آخر مما لا يطبق عليه الكتب ms04971 الإلهية والأنبياء عليهم السلام فما وجه
~~انكاركم؟ قاله في " الإرشاد " أيضا، والأولى عود الضمير على الله تعالى
~~كنظيره السابق وكذا اللاحق في قوله سبحانه: { وإليه } أي الله تعالى
~~وحده { مآب } أي مرجعي للجزاء وعلى ذلك اقتصر العلامة البيضاوي وكان
~~قد زاد ومرجعكم فيما تقدم غير بعيد، واعترض بأنه كان عليه أن يزيده هنا
~~أيضا بل هذا المقام أنسب بالتعميم ليدل على ثبوت الحشر عموما وهو
~~المروي عن قتادة، وقد جعل الإمام هذه الآية جامعة لكل ما يحتاج المرء
~~إليه من معرفة المبدأ والمعاد فقوله سبحانه: { قل إنما أمرت
~~أن أعبد الله ولا أشرك به } جامع لكل ما ورد التكليف به
~~وقوله تعالى: { إليه أدعو } مشير إلى نبوته عليه الصلاة والسلام.

# وقوله جل وعلا: { وإليه مآب } إشارة إلى الحشر والبعث والقيامة.
~~وأجاب الشهاب عن ذلك بقوله: إن قول الزمخشري إليه لا إلى غيره مرجعي
~~وأنتم تقولون مثل ذلك فلا معنى لإنكاركم فيه بيان لنكتة التخصيص من أنهم
~~ينكرون حقيقة أو حكما فلا حاجة إلى ما يقال لا حاجة لذكره هنا لدلالة
~~قوله تعالى:

# تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكفرين
~~النار

# [الرعد: 35] انتهى.

# وهو كما ترى، ولعل الاظهر أن يقال: إن دلالة الكلام عليه هنا ليست
~~كدلالته عليه هناك إذ مساق الآية فيه للتخويف اللائق به اعتباره ومساقها
~~هنا لأمر آخر والاقتصار على ذلك كاف فيه. / وأنت تعلم أنه لا مانع من
~~اعتباره ويكون معنى الآية قل في جوابهم: إني إنما أمرني الله تعالى بما
~~هو من معالي الأمور وإليه أدعو وقتا فوقتا وإليه مرجعي ومرجعكم فيثيبني
~~على ما أنا عليه وينتقم منكم على إنكاركم وتخلفكم عن اتباع دعوتي أو
~~فحينئذ يظهر حقية جميع ما أنزل إلي ويتبين فساد رأيكم في إنكاركم شيئا
~~منه، وقد يقال على عدم اعتباره نحو ما قيل فيما قبل: إن المعنى قل في
~~مقابلة إنكارهم إني إنما أمرني الله تعالى بما أمرني به وإليه ادعو وإليه
~~مرجعي فيما يعرض لي في أمر الدعوة وغيره فلا أبالي بإنكاركم ms04972 فإنه سبحانه
~~كاف من رجع إليه، ولعل هذا المعنى هنا من حيث إنه فيه تأسيس محض أولى منه
~~هناك، واقتصر في " الإرشاد " على جعل الكلام إلزاما وجعله نكتة أمره صلى
~~الله عليه وسلم بأن يخاطبهم بذلك، وذكر أن قوله تعالى: { وكذلك
~~أنزلناه حكما عربيا... }

### || [13.37]

# { وكذلك أنزلناه حكما عربيا } شروع في رد إنكارهم
~~لفروع الشرائع الواردة ابتداء أو بدلا من الشرائع المنسوخة ببيان الحكمة
~~في ذلك وأن الضمير راجع  لما أنزل إليك  والإشارة إلى مصدر {
~~أنزلنه } أو

# أنزل إليك

# [الرعد:36] أي مثل ذلك الإنزال البديع الجامع لأصول مجمع عليها وفروع
~~متشعبة إلى موافقة ومخالفة حسبما يقتضيه قضية الحكمة أنزلناه حاكما يحكم
~~في القضايا والواقعات بالحق ويحكم به كذلك، والتعرض لهذا العنوان مع أن
~~بعضه ليس بحكم لتربية وجوب مراعاته وتحتم المحافظة عليه، والتعرض لكونه
~~عربيا أي مترجما بلسان العرب للإشارة إلى أن ذلك إحدى مواد المخالفة
~~للكتب السابقة مع أن ذلك مقتضى الحكمة إذ بذلك يسهل فهمه وإدراك إعجازه
~~يعني بالنسبة للعرب، وأما بالنسبة إلى غيرهم فلعل الحكمة أن ذلك يكون
~~داعيا لتعلم العلوم التي يتوقف عليها ما ذكر. ومنهم من اقتصر على اشتمال
~~الإنزال على أصول الديانات المجمع عليها حسبما يفيده على رأي قوله تعالى:

# قل إنما أمرت

# [الرعد: 36] إلى آخره، وتعقب بأنه يأباه التعرض لاتباع أهوائهم وحديث
~~المحو والإثبات وإنه لكل أجل كتاب فإن المجمع عليه لا يتصور فيه
~~الاستتباع والاتباع، وقيل: إن الإشارة إلى إنزال الكتب السالفة على
~~الأنبياء عليهم السلام، والمعنى كما أنزلنا الكتب على من قبلك أنزلنا هذا
~~الكتاب عليك لأن قوله تعالى:

# والذين ءاتينهم الكتب

# [الرعد:36] يتضمن إنزاله تعالى ذلك وهذا الذي أنزلناه بلسان العرب كما
~~أن الكتب السابقة بلسان من أنزلت عليه

# وما أرسلنا من رسول الله إلا بلسان قومه
~~ليبين لهم

# [إبراهيم: 4] وإلى هذا ذهب الإمام وأبو حيان، وقال ابن عطية: المعنى كما
~~يسرنا هؤلاء للفرح وهؤلاء لإنكار البعض أنزلناه حكما إلى آخره وليته ما
~~قيل، وإلا بلغ الاحتمال الأول مما أشرنا ms04973 إليه، ونصب { حكما } على
~~الحال من منصوب { أنزلنه } وإذا أريد به حاكما كان هناك مجاز في
~~النسبة كما لا يخفى، ونصب { عربيا } على الحال أيضا إما من ضمير {
~~أنزلنه } كالحال الأولى فتكون حالا مترادفة أو من المستتر في
~~الأولى فتكون حالا متداخلة، ويصح أن يكون وصفا  لحكما  الحال وهي
~~موطئة وهي الاسم الجامد الواقع حالا لوصفه بمشتق وهو الحال في الحقيقة،
~~والأول أولى لأن { حكما } مقصود بالحالية هنا والحال الموطئة لا تقصد
~~بالذات. واختار الطبرسي أن معنى { حكما } حكمة كما في قوله تعالى:

# آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة

# [الأنعام: 89] وهو أحد أوجه ذكرها الإمام، ونصبه على الحال أيضا فلا
~~تغفل.

# ((واستدلت المعتزلة بالآية على حدوث القرآن من وجوه: الأول أنه تعالى
~~وصفه بكونه منزلا وذلك لا يليق إلا بالمحدث. الثاني أنه وصفه بكونه
~~عربيا والعربي أمر وضعي وما كان كذلك كان محدثا.

# الثالث أنها دلت على أنه إنما كان حكما عربيا لأن الله تعالى جعله
~~كذلك والمجعول محدث. وأجاب الإمام بأن كل ذلك إنما يدل على أن المركب من
~~الحروف والأصوات محدث ولا نزاع فيه)) / أي بين المعتزلة والأشاعرة وإلا
~~فالحنابلة على ما اشتهر عنهم قائلون بقدم الكلام اللفظي، وقد أسلفنا في
~~المقدمات كلاما نفيسا في مسألة الكلام فارجع إليه ولا يهولنك قعاقع
~~المخالفين لسلف الأمة.

# { ولئن اتبعت أهواءهم } التي يدعونك إليها كالصلاة إلى بيت
~~المقدس بعد تحويل القبلة إلى الكعبة وكترك الدعوة إلى الإسلام { بعد
~~ما جاءك من العلم } العظيم الشأن الفائض عليك من ذلك الحكم
~~العربي أو العلم بمضمونه { ما لك من الله } من جنابه العزيز جل
~~شأنه والالتفات من التكلم إلى الغيبة وإيراد الاسم الجليل لتربية المهابة
~~{ من ولى } يلى أمرك وينصرك على من يبغيك الغوائل { ولا واق }
~~يقيك من مصارع السوء، وحيث لم يستلزم نفي الناصر على العدو نفي الواقي من
~~نكايته أدخل في المعطوف حرف النفي للتأكيد كقولك: ما لي دينار ولا درهم
~~أو مالك من بأس الله تعالى من ناصر وواق لاتباعك أهواءهم بعدما جاءك ms04974 من
~~الحق، وأمثال هذه القوارع إنما هي لقطع أطماع الكفرة وتهييج المؤمنين على
~~الثبات في الدين لا للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه عليه الصلاة والسلام
~~بمكان لا يحتاج فيه إلى باعث أو مهيج، ومن هنا قيل: إن الخطاب لغيره صلى
~~الله عليه وسلم، واللام في لئن موطئة و { من } الثانية مزيدة و {
~~ملك } ساد مسد جوابي الشرط والقسم.

### || [13.38]

# { ولقد أرسلنا رسلا } كثيرة كائنة { من قبلك
~~وجعلنا لهم أزواجا وذرية } أي نساء وأولادا كما
~~جعلناها لك، روي عن الكلبي أن اليهود عيرت رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وقالوا: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح ولو كان نبيا كما زعم
~~لشغله أمر النبوة عن النساء فنزلت ردا عليهم حيث تضمنت أن التزوج لا
~~ينافي النبوة وأن الجمع بينهما قد وقع في رسل كثيرة قبله. ذكر أنه كان
~~لسليمان عليه السلام ثلثمائة امرأة مهرية وسبعمائة سرية وأنه كان لداود
~~عليه السلام مائة امرأة، ولم يتعرض جل شأنه لرد قولهم: ما نرى لهذا الرجل
~~همة إلا النساء للإشارة إلى أنه لا يستحق جوابا لظهور أنه عليه الصلاة
~~والسلام لم يشغله أمر النساء عن شيء ما من أمر النبوة، وفي أدائه صلى
~~الله عليه وسلم للأمرين على أكمل وجه دليل وأي دليل على مزيد كماله ملكية
~~وبشرية. ومما يوضح ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يجوع الأيام حتى يشد
~~على بطنه الشريف الحجر ومع ذا يطوف على جميع نسائه في الليلة الواحدة ولا
~~يمنعه ذاك عن هذا. وفي تكثير نسائه عليه الصلاة والسلام فوائد جمة، ولو
~~لم يكن فيه سوى الوقوف على استواء سره وعلنه لكفى، وذلك لأن النساء من
~~شأنهم أن لا يحفظن سرا كيفما كان فلو كان منه عليه الصلاة والسلام في
~~السر ما يخالف العلن لوقفن عليه مع كثرتهن ولو كن قد وقفن لأفشوه عملا
~~بمقتضى طباع النساء لا سيما الضرائر. ومن وقف على الآثار وأحاط خبرا بما
~~روي عن هاتيك النساء الطاهرات علم أنهن لم ms04975 يتركن شيئا من أحواله الخفية
~~إلا ذكروه، وناهيك ما روي أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في
~~الإيلاج بدون إنزال هل يوجب الغسل أم لا؟ فسألوا عائشة رضي الله تعالى
~~عنها فقالت ولا حياء في الدين: فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فاغتسلنا جميعا؛ وروي أنهم طعنوا في نبوته بالتزوج وبعدم الإتيان بما
~~يقترحونه من الآيات فنزل ذلك.

# وقوله تعالى: { وما كان لرسول أن يأتى بئاية إلا
~~بإذن الله } أي وما صح وما استقام ولم يكن في وسع رسول من الرسل
~~الذين من قبل أن يأتي من أرسل إليهم بآية ومعجزة يقترحونها عليه إلا
~~بتيسير الله تعالى ومشيئته المبنية على الحكم والمصالح التي يدور عليها
~~أمر الكائنات، وقد يراد بالآية الآية الكتابية النازلة بالحكم/ على وفق
~~مراد المرسل إليهم وهو أوفق بما بعد، وجوز إرادة الأمرين باعتبار عموم
~~المجاز أي الدال مطلقا أو على استعمال اللفظ في معنييه بناء على جوازه،
~~والالتفات لما تقدم ولتحقيق مضمون الجملة بالإيماء إلى العلة.

# { لكل أجل } أي لكل وقت ومدة من الأوقات والمدد { كتاب } حكم
~~معين يكتب على العباد حسبما تقتضيه الحكمة، فإن الشرائع كلها لإصلاح
~~أحوالهم في المبدأ والمعاد، ومن قضية ذلك أن تختلف حسب أحوالهم المتغيرة
~~حسب تغير الأوقات كاختلاف العلاج حسب اختلاف أحوال المرضى بحسب الأوقات،
~~وهذا عند بعض رد لما أنكروه عليه عليه الصلاة والسلام من نسخ بعض الأحكام
~~كما أن ما قبله رد لطعنهم بعدم الإتيان بالمعجزات المقترحة.

### || [13.39]

# { يمحو الله ما يشاء } أي ينسخ ما يشاء نسخه من الأحكام لما
~~تقتضيه الحكمة بحسب الوقت { ويثبت } بدله ما فيه الحكمة أو يبقيه
~~على حاله غير منسوخ أو يثبت ما يشاء إثباته مطلقا أعم منهما ومن الإنشاء
~~ابتداء، وقال عكرمة: يمحو بالتوبة جميع الذنوب ويثبت بدل ذلك حسنات كما
~~قال تعالى:

# إلا من تاب وءامن وعمل عملا صلحا فأولئك
~~يبدل الله سيئاتهم حسنت

# [الفرقان: 70] وقال ابن جبير: يغفر ما يشاء من ذنوب عباده ويترك ما يشاء
~~فلا ms04976 يغفره، وقال: يمحو ما يشاء ممن حان أجله ويثبت ما يشاء ممن لم يأت
~~أجله، وقال علي كرم الله تعالى وجهه: يمحو ما يشاء من القرون لقوله
~~تعالى:

# أو لم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون

# [يس: 31] ويثبت ما يشاء منها لقوله سبحانه:

# ثم أنشأنا من بعدهم قرونا ءاخرين

# [المؤمنون: 42] وقال الربيع: هذا في الأرواح حالة النوم يقبضها الله
~~تعالى إليه فمن أراد موته فجأة أمسك روحه فلم يرسلها ومن أراد بقاءه أرسل
~~روحه، بيانه قوله تعالى:

# الله يتوفى الأنفس حين موتها

# [الزمر: 42] الآية، وعن ابن عباس والضحاك يمحو من ديوان الحفظة ما ليس
~~بحسنة ولا بسيئة لأنهم مأمورون بكتب كل قول وفعل ويثبت ما هو حسنة أو
~~سيئة، وقيل: يمحو بعض الخلائق ويثبت بعضا من الأناسي وسائر الحيوانات
~~والنباتات والأشجار وصفاتها وأحوالها، وقيل: يمحو الدنيا ويثبت الآخرة،
~~وقال الحسن وفرقة: ذلك في آجال بني آدم يكتب سبحانه في ليلة القدر، وقيل:
~~في ليلة النصف من شعبان آجال الموتى فيمحو أناسا من ديوان الأحياء
~~ويثبتهم في ديوان الأموات، وقال السدي: يمحو القمر ويثبت الشمس بيانه
~~قوله تعالى:

# فمحونا ءاية اليل وجعلنا ءاية النهار مبصرة

# [الإسراء: 12] وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يمحو الله
~~تعالى ما يشاء من أمور عباده ويثبت إلا السعادة والشقاوة والآجال فإنها
~~لا محو فيها، ورواه عنه مرفوعا ابن مردويه.

# وقيل: هو عام في الرزق والأجل والسعادة والشقاوة ونسب إلى جماعة من
~~الصحابة والتابعين وكانوا يتضرعون إلى الله تعالى أن يجعلهم سعداء، فقد
~~أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» وغيره عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه
~~قال: ما دعا عبد قط بهذه الدعوات إلا وسع عليه في معيشته يا ذا المن ولا
~~يمن عليه يا ذا الجلال والإكرام يا ذا الطول لا إله إلا أنت ظهر اللاجئين
~~وجار المستجيرين ومأمن الخائفين إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقيا
~~فامح عني اسم الشقاوة وأثبتني عندك سعيدا وإن كنت كتبتني عندك في أم
~~الكتاب ms04977 محروما مقترا علي رزقي فامح حرماني ويسر رزقي وأثبتني عندك
~~سعيدا موفقا للخير فإنك تقول في كتابك الذي أنزلت { يمحو الله
~~ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتب }.

# وأخرج عبد بن حميد وغيره عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: وهو يطوف
~~بالبيت: اللهم/ إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه واجعله سعادة
~~ومغفرة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب.

# وأخرج ابن جرير عن شقيق أبي وائل أنه كان يكثر الدعاء بهذه الدعوات
~~اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامحنا واكتبنا سعداء وإن كنت كتبتنا سعداء
~~فاثبتنا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت. واخرج ابن سعد وغيره عن الكلبي أنه
~~قال: يمحو الله تعالى من الرزق ويزيد فيه ويمحو من الأجل ويزيد فيه فقيل
~~له: من حدثك بهذا؟ فقال: أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رئاب الأنصاري
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأبو حيان يقول: إن صح شيء من ذلك ينبغي
~~تأويله فمن المعلوم أن السعادة والشقاوة والرزق والأجل لا يتغير شيء
~~منها، وإلى التعميم ذهب شيخ الإسلام قال بعد نقل كثير من الأقوال:
~~والأنسب تعميم كل من المحو والإثبات ليشمل الكل ويدخل في ذلك مواد
~~الإنكار دخولا أوليا؛ وما أخرجه ابن جرير عن كعب من أنه قال لعمر رضي
~~الله تعالى عنه: يا أمير المؤمنين لولا آية في كتاب الله تعالى لأنبئنك
~~بما هو كائن إلى يوم القيامة قال: وما هي؟ قال قوله تعالى: { يمحو
~~الله ما يشاء } الآية يشعر بذلك، وأنت تعلم أن المحو والإثبات إذا
~~كانا بالنسبة إلى ما في أيدي الملائكة ونحوه فلا فرق بين السعادة
~~والشقاوة والرزق والأجل وبين غيرها في أن كلا يقبل المحو والإثبات، وإن
~~كانا بالنسبة إلى ما في العلم فلا فرق أيضا بين تلك الأمور وبين غيرها
~~في أن كلا لا يقبل ذلك لأن العلم إنما تعلق بها على ما هي عليه في نفس
~~الأمر وإلا لكان جهلا وما في نفس الأمر مما لا يتصور فيه التغير ms04978
~~والتبدل، وكيف يتصور تغير زوجية الأربعة مثلا وانقلابها إلى الفردية مع
~~بقاء الأربعة أربعة هذا مما لا يكون أصلا ولا أظنك في مرية من ذلك، ولا
~~يأبى هذا عموم الأدلة الدالة على أنه ما شاء الله تعالى كان لأن المشيئة
~~تابعة للعلم والعلم بالشيء تابع لما عليه الشيء في نفس الأمر فهو سبحانه
~~لا يشاء إلا ما عليه الشيء في نفس الأمر.

# قيل: ويشير إلى أن ما في العلم لا يتغير قوله سبحانه: { وعنده أم
~~الكتب } بناء على أن { أم الكتب } هو العلم لأن جميع ما
~~يكتب في صحف الملائكة وغيرها لا يقع حيثما يقع إلا موافقا لما ثبت فيه
~~فهو أم لذلك أي أصل له فكأنه قيل: يمحو ما يشاء محوه ويثبت ما يشاء
~~إثباته مما سطر في الكتب وثابت عنده العلم الأزلي الذي لا يكون شيء إلا
~~على وفق ما فيه، وتفسير { أم الكتب } بعلم الله تعالى مما رواه
~~عبد الرزاق وابن جرير عن كعب رضي الله تعالى عنه، والمشهور أنها اللوح
~~المحفوظ قالوا: وهو أصل الكتب إذ ما من شيء من الذاهب والثابت إلا وهو
~~مكتوب فيه كما هو.

# والظاهر أن المراد الذاهب والثابت مما يتعلق بالدنيا لا مما يتعلق بها
~~وبالآخرة أيضا لقيام الدليل العقلي على تناهي الإبعاد مطلقا والنقلي
~~على تناهي اللوح بخصوصه، فقد جاء أنه من درة بيضاء له دفتان من ياقوت
~~طوله مسيرة خمسمائة عام وامتناع ظرفية المتناهي لغير المتناهي ضروري،
~~ولعل من يقول بعموم الذاهب والثابت يلتزم القول بالإجمال حيث يتعذر
~~التفصيل. وقد ذهب بعضهم إلى تفسير { أم الكتب } بما هو المشهور،
~~والتزم القول بأن ما فيه لا يتغير وإنما التغير لما في الكتب غيره، وهذا
~~قائل بعدم تغير ما في العلم لما علمت. ورأيت في نسخة لبعض الأفاضل كانت
~~عندي وفقدت في حادثة بغداد ألفت في هذه المسألة وفيها أنه ما من شيء إلا
~~ويمكن تغييره وتبديله حتى القضاء الأزلي واستدل لذلك بأمور: منها أنه قد
~~صح من

# " دعائه / صلى الله ms04979 عليه وسلم في القنوت: «وقني شر ما قضيت» "

# وفيه طلب الحفظ من شر القضاء الأزلي ولو لم يمكن تغييره ما صح طلب الحفظ
~~منه. ومنها ما صح

# " في حديث التراويح من عذره صلى الله عليه وسلم عن الخروج إليها، وقد
~~اجتمع الناس ينتظرونه لمزيد رغبتهم فيها بقوله: " خشيت أن تفرض عليكم
~~فتعجزوا عنها "

# فإنه لا معنى لهذه الخشية لو كان القضاء الأزلي لا يقبل التغيير، فإنه
~~إن كان قد سبق القضاء بأنها ستفرض فلا بد أن تفرض وإن سبق القضاء بأنها
~~لا تفرض فمحال أن تفرض على ذلك الفرض، على أنه قد جاء في حديث فرض الصلاة
~~ليلة المعراج بعد ما هو ظاهر في سبق القضاء بأنها خمس صلوات مفروضة لا
~~غير فما معنى الخشية بعد العلم بذلك لولا العلم بإمكان التغيير والتبديل.
~~ومنها ما صح

# " أنه صلى الله عليه وسلم كان يضطرب حاله الشريف ليلة الهواء الشديد حتى
~~أنه لا ينام وكان يقول في ذلك: " أخشى أن تقوم الساعة "

# فإنه لا معنى لهذه الخشية أيضا مع إخبار الله تعالى أن بين يديها ما لم
~~يوجود إذ ذاك كظهور المهدي وخروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام وخروج
~~يأجوج ومأجوج ودابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك مما يستدعي
~~تحققه زمانا طويلا فلو لم يكن عليه الصلاة والسلام يعلم أن القضاء يمكن
~~تغييره وإن ما قضى من أشراطها يمكن تبديله ما خشي صلى الله عليه وسلم من
~~ذلك.

# ومنها أن المبشرين بالجنة كانوا من أشد الناس خوفا من النار حتى أن
~~منهم من كان يقول: ليت أمي لم تلدني، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول:
~~لو نادى مناد كل الناس في الجنة إلا واحدا لظننت أني ذلك الواحد، وهذا
~~مما لا معنى له مع إخبار الصادق وتبشيره له بالجنة والعلم بأن القضاء لا
~~يتغير. ومنها أنه لولا إمكان التغيير للغا الدعاء إذ المدعو به إما أن
~~يكون قد سبق القضاء بكونه فلا بد أن يكون وإلا فمحال أن يكون، ms04980 وطلب ما لا
~~بد أن يكون أو محال أن يكون لغو مع أنه قد ورد الأمر به، والقول بأنه
~~لمجرد إظهار العبودية والافتقار إلى الله تعالى وكفى بذلك فائدة يأباه
~~ظاهر قوله تعالى:

# ادعونى أستجب لكم

# [غافر: 60] وأيضا أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: " لا ينفع الحذر
~~من القدر ولكن الله تعالى يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر " ، وأخرج ابن
~~مردويه وابن عساكر

# " عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
~~قوله تعالى: { يمحو الله ما يشاء } الآية فقال له عليه الصلاة
~~والسلام: لأقرن عينك بتفسيرها ولأقرن عين أمتي بعدي بتفسيرها، الصدقة على
~~وجهها وبر الوالدين واصطناع المعروف محول الشقاء سعادة ويزيد في العمر
~~ويقي مصارع السوء "

# وهذا لا يكاد يعقل على تقدير أن القضاء لا يتغير.

# وفي الأخبار والآثار مما هو ظاهر في إمكان التغير ما لا يحصى كثرة، ولعل
~~من ذلك الدعاء المار عن ابن مسعود، ثم إن القضاء المعلق يرجع في المآل
~~إلى القضاء المبرم عند مثبته فلا يفيده التعلق بذلك في دفع ما يرد عليه،
~~ودفع ما يرد على القول بالتغير من أنه يلزم منه التغير في ذاته تعالى لما
~~أنه ينجر إلى تغير العلم وهو يوجب التغير في ذاته تعالى من صفة إلى أخرى
~~أو يلزم من ذلك الجهل، وهذا مأخوذ من الشبهة التي ذكرها جمهور الفلاسفة
~~في نفي علم الله تعالى بالجزئيات المتغيرة فإنهم قالوا: إنه تعالى إذا
~~علم مثلا أن زيدا في الدار الآن ثم خرج عنها فإما أن يزول ذلك العلم
~~ولا يعلم سبحانه أنه في الدار أو يبقى ذلك العلم بحاله، والأول يوجب
~~التغير في ذاته سبحانه، والثاني يوجب الجهل وكلاهما نقص يجب تنزيه الله
~~تعالى عنه بما دفعوا به تلك الشبهة، وهو ما ذكر في " المواقف " و " شرحه
~~" من منع لزوم التغير فيه تعالى بل التغير إنما هو في الإضافات لأن العلم
~~عندنا إضافة مخصوصة وتعلق بين العالم والمعلوم، أو صفة حقيقية ms04981 ذات إضافة،
~~فعلى الأول يتغير نفس العلم، وعلى الثاني يتغير إضافاته فقط، وعلى
~~التقديرين لا يلزم تغير في صفة موجودة/ بل في مفهوم اعتباري وهو جائز.

# وأجاب كثير من الأشاعرة والمعتزلة بأن العلم بأن الشيء وجد والعلم بأنه
~~سيوجد واحد فإن من علم أن زيدا سيدخل البلد غدا فعند حصول الغد يعلم
~~بهذا العلم بأنه دخل البلد الآن إذا كان علمه هذا مستمرا بلا غفلة مزيله
~~له؛ وإنما يحتاج أحدنا إلى علم آخر متجدد يعلم به أنه دخل الآن لطريان
~~الغفلة عن الأول، والباري تعالى يمتنع عليه الغفلة فكان علمه سبحانه بأنه
~~وجد عين علمه بأنه سيوجد فلا يلزم من تغير المعلوم تغير في العلم؛ ونهاية
~~كلامه في هذا المقام أنه يجوز أن يتغير ما في علم الله تعالى وإلا لتعين
~~عليه سبحانه الفعل أو الترك وفيه من الحجر عليه جل جلاله ما لا يخفى، ولا
~~يلزم من ذلك التغير سوى التغير في التعلقات وهو غير ضار، واعترض بأنه على
~~هذا القول لا يبقى وثوق بشيء من الأخبار الغيبية كالحشر والنشر وكذا لا
~~يبقى وثوق بالأخبار بأنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين لجواز أن يكون
~~الله تعالى قد علم ذلك حين أخبر ثم تعلق علمه بخلافه لكنه سبحانه لم يخبر
~~ولا نقص في الإخبار الأول لأنه إخبار عما كان متعلق العلم إذ ذاك، وأيضا
~~يلزم من ذلك نفي نفس الأمر أو نفي كون تعلق العلم على وفقه وكلا النفيين
~~كما ترى. بقي الجواب عما تمسك به وهو عن بعض ظاهر وعن بعض يحتاج إلى تأمل
~~فتأمل. واستدل بالآية بعض الشيعة القائلين بجواز البداء على الله سبحانه
~~وفيه ما فيه.

# هذا ويخطر لي في الآية معنى لم أر من ذكره وهو أن يراد بقوله سبحانه: {
~~يمحو الله ما يشاء ويثبت } ما ذكرناه أولا قبل حكاية
~~الأقوال وهو مما رواه البيهقي في " المدخل " وغيره عن ابن عباس، وابن
~~جرير عن قتادة ويخصص ذلك بالأحكام الفرعية، ويراد بأم الكتاب الأحكام
~~الأصلية فإنها ms04982 مما لا تقبل النسخ وهي أصل لكل كتاب باعتبار أن الأحكام
~~الفرعية التي فيه إنما تصح ممن أتى بها لكن لا يساعد على هذا المأثور عن
~~السلف. نعم هو مناسب للمقام كما لا يخفى، وزعم الضحاك والفراء أن في
~~الآية قلبا والأصل لكل كتاب أجل. وتعقب بأنه لا يجوز ادعاء القلب إلا في
~~ضرورة الشعر على أنه لا داعي إليه هنا بل قد يدعي فساد المعنى عليه؛
~~وأيا ما كان فأل في الكتاب للجنس فهو شامل للكثير، ولهذا فسره غير واحد
~~بالجمع. وقرأ نافع وابن عامر { ويثبت } بالتشديد.

### || [13.40]

# { وإن ما نرينك } أصله إن نريك و { ما } مزيدة لتأكيد معنى
~~الشرط، ومن ثمة ألحقت النون بالفعل، قال ابن عطية: ولو كانت { إن } وحدها
~~لم يجز إلحاق النون، وهو مخالف لظاهر كلام سيبويه، قال ابن خروف: أجاز
~~سيبويه الإتيان  بما  وعدم الإتيان بها والإتيان بالنون مع { ما }
~~وعدم الإتيان بها، والإراءة هنا بصرية والكاف مفعول أول وقوله سبحانه: {
~~بعض الذى نعدهم } مفعول ثان، والمراد بعض الذي وعدناهم من
~~إنزال العذاب عليهم، والعدول إلى صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية أو
~~نعدهم وعدا متجددا حسب ما تقتضيه الحكمة من إنذار عقيب إنذار، وفي
~~إيراد البعض رمز على ما قيل إلى إراءة بعض الموعود { أو
~~نتوفينك } قبل ذلك { فإنما عليك البلغ } أي
~~تبليغ أحكام ما أنزلنا عليك وما تضمنه من الوعد والوعيد لا تحقيق مضمون
~~الوعيد الذي تضمنه ذلك، فالمقصور عليه البلاغ ولهذا قدم الخبر، وهذا
~~الحصر مستفاد من { إنما } لا من التقديم وإلا لانعكس المعنى.

# وقوله تعالى: { وعلينا الحساب } الظاهر أنه معطوف على ما في
~~حيز { إنما } فيصير المعنى إنما علينا محاسبة أعمالهم السيئة
~~والمؤاخذة بها دون جبرهم على اتباعك أو إنزال ما اقترحوه عليك من الآيات.
~~واعتبر الزمخشري عطفه على جملة { إنما عليك البلغ } فيصير
~~المعنى وعلينا لا عليك محاسبة أعمالهم، قيل: وهو الظاهر ترجيحا للمنطوق
~~على المفهوم إذا اجتمع دليلا حصر، وحاصل معنى الآية كيفما دارت الحال
~~أريناك بعض ما وعدناهم ms04983 من العذاب الدنيوي أو لم نركه فعلينا ذلك وما عليك
~~إلا التبليغ فلا تهتم بما وراء ذلك فنحن نكفيكه ونتم ما وعدناك به من
~~الظفر ولا يضجرك تأخره فإن ذلك لما نعلم من المصالح الخفية. وفي «البحر»
~~عن الحوفي أنه قد تقدم في الآية شرطان نرينك ونتوفينك لأن المعطوف على
~~الشرط شرط، وقوله تعالى: { فإنما عليك البلغ } لا يصلح أن
~~يكون جوابا للشرط الأول ولا للشرط الثاني لأنه لا يترتب على شيء منهما
~~وهو ظاهر فيحتاج إلى تأويل، وهو أن يقدر لكل شرط منهما ما يناسب أن يكون
~~جزاء مترتبا عليه، فيقال والله تعالى أعلم: وإما نرينك بعض الذين نعدهم
~~فذلك شافيك من أعدائك ودليل صدقك وإما نتوفينك قبل حلوله بهم فلا لوم
~~عليك ولا عتب، ويكون قوله تعالى: { فإنما } الخ دليلا عليهما،
~~والواقع من الشرطين هو الأول كما في بدر. ثم إنه سبحانه طيب نفسه عليه
~~الصلاة والسلام بطلوع تباشير الظفر فقال جل شأنه: { أولم يروا...
~~}

### || [13.41]

# { أولم يروا } الخ، والاستفهام للإنكار والواو للعطف على مقدر
~~يقتضيه المقام أي أأنكروا نزول ما وعدناهم أو أشكوا أو ألم ينظروا في ذلك
~~ولم يروا { أنا نأتى الأرض } أي أرض الكفرة { ننقصها من
~~أطرافها } من جوانبها بأن نفتحها شيئا فشيئا ونلحقها بدار الإسلام
~~ونذهب منها أهلها بالقتل والأسر والإجلاء أليس هذا مقدمة لذاك. ومثل هذه
~~الآية قوله تعالى:

# أفلا يرون أنا نأتى الارض ننقصها من أطرافها
~~أفهم الغلبون

# [الأنبياء: 44] وروي ذلك عن ابن عباس والحسن والضحاك وعطية والسدي
~~وغيرهم، وروي عن ابن عباس أيضا وأخرجه الحاكم عنه وصححه أن انتقاص الأرض
~~موت أشرافها وكبرائها وذهاب العلماء منها. وفي رواية عن أبي هريرة يرفعه
~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الاقتصار على الأخير، وروي أيضا عن
~~مجاهد، فالمراد من الأرض جنسها، والأطراف كما قيل بمعنى الأشراف، ومجىء
~~ذلك بهذا المعنى محكي عن ثعلب، واستشهد له الواحدي بقول الفرزدق:

# واسأل بنا وبكم إذا وردت مني

# أطراف كل قبيلة من يمنع

# وقريب من ذلك ms04984 قول ابن الأعرابي: الطرف والطرف الرجل الكريم. وقول
~~بعضهم: طرف كل شيء خياره، وجعلوا من هذا قول علي كرم الله تعالى وجهه:
~~العلوم أودية في أي واد أخذت منها خسرت فخذوا من كل شيء طرفا قال ابن
~~عطية: أراد كرم الله تعالى وجهه خيارا؛ وأنت تعلم أن الأظهر جانبا،
~~وادعى الواحدي أن تفسير الآية بما تقدم هو اللائق. وتعقبه الإمام بأنه
~~يمكن القول بلياقة الثاني، وتقرير الآية عليه أو لم يروا أنا نحدث في
~~الدنيا من الاختلافات خرابا بعد عمارة وموتا بعد حياة وذلا بعد عز
~~ونقصا بعد كمال وهذه تغييرات مدركة بالحس فما الذي يؤمنهم أن يقلب الله
~~تعالى الأمر عنهم فيجعلهم أذلة بعد أن كانوا أعزة ومقهورين بعد أن كانوا
~~قاهرين وهو كما ترى، وقيل: نقصها هلاك من هلك من الأمم قبل قريش وخراب
~~أرضهم أي ألم يروا هلاك من قبلهم وخراب ديارهم فكيف يأمنون من حلول ذلك
~~بهم، والأول أيضا أوفق بالمقام منه، ولا يخفى ما في التعبير بالإتيان
~~المؤذن بعظيم الاستيلاء من الفخامة كما في قوله تعالى:

# وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء
~~منثورا

# [الفرقان: 23] وفي «الحواشي الشهابية» أن المعنى يأتيها أمرنا وعذابنا،
~~وجملة { ننقصها } في موضع الحال من فاعل { يأتى } أو من مفعوله؛
~~وقرأ الضحاك { ننقصها } مثقلا من نقص/ عداه بالتضعيف من نقص اللازم على
~~ما في «البحر».

# { والله يحكم } ما يشاء كما يشاء وقد حكم لك ولأتباعك بالعز
~~والإقبال وعلى أعدائك ومخالفيك بالقهر والإذلال حسبما يشاهده ذوو الأبصار
~~من المخائل والآثار، وفي الالتفات من التكلم إلى الغيبة وبناء الحكم على
~~الاسم الجليل من الدلالة على الفخامة وتربية المهابة وتحقيق مضمون الخبر
~~بالإشارة إلى العلة ما لا يخفى، وهي جملة اعتراضية جىء بها لتأكيد فحوى
~~ما تقدمها، وقوله سبحانه: { لا معقب لحكمه } اعتراض أيضا
~~لبيان علو شأن حكمه جل وعلا، وقيل: هو نصب على الحال كأنه قيل: والله
~~تعالى يحكم نافذا حكمه كما تقول: جاء زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة
~~أي ms04985 حاسرا وإليه ذهب الزمخشري، قيل: وإنما أول الجملة الاسمية بالمفرد
~~لأن تجردها من الواو إذا وقعت حالا غير فصيح عنده ولا يخفى عليك أن
~~جعلها معترضة أولى وأعلى، والمعقب من يكر على الشيء فيبطله وحقيقته الذي
~~يعقب الشيء بالإبطال، ومنه يسمى الذي يطلب حقا من آخر معقبا لأن يعقب
~~غريمه ويتبعه للتقاضي، قال لبيد:

# حتى تهجر بالرواح وهاجها

# طلب المعقب حقه المظلوم

# وقد يسمى الماطل معقبا لأنه يعقب كل طلب برد، وعن أبي علي عقبني حقي
~~أي مطلني، ويقال للبحث عن الشيء تعقب، وجوز الراغب أن يراد هذا المعنى
~~هنا على أن يكون الكلام نهيا للناس أن يخوضوا في البحث عن حكمه وحكمته
~~إذا خفيت عليهم، ويكون ذلك من نحو النهي عن الخوض في سر القدر.

# { وهو سريع الحساب } فعما قليل يحاسبهم ويجازيهم في الآخرة
~~بعدما عذبهم بالقتل والأسر والإجلاء في الدنيا حسبما يرى، وكأنه قيل: لا
~~تستبطىء عقابهم فإنه آت لا محالة وكل آت قريب، وقال ابن عباس: المعنى
~~سريع الانتقام.

### || [13.42]

# { وقد مكر } الكفار { الذين } خلوا { من قبلهم } من قبل
~~كفار مكة بأنبيائهم وبالمؤمنين كما فعل هؤلاء، وهذا تسلية لرسول الله صلى
~~الله عليه وسلم بأنه لا عبرة بمكرهم ولا تأثير بل لا وجود له في الحقيقة،
~~ولم يصرح سبحانه بذلك اكتفاء بدلالة القصر المستفاد من تعليله أعني قوله
~~تعالى: { فلله المكر } أي جنس المكر { جميعا } لا وجود
~~لمكرهم أصلا، إذ هو عبارة عن إيصال المكروه إلى الغير من حيث لا يشعر به
~~وحيث كان جميع ما يأتون ويذرون بعلمه وقدرته سبحانه وإنما لهم مجرد الكسب
~~من غير فعل ولا تأثير حسبما يبينه قوله تعالى: { يعلم ما تكسب
~~كل نفس } ومن قضيته عصمة أوليائه سبحانه وعقاب الماكرين بهم توفية
~~لكل نفس جزاء ما كسبت ظهر أن ليس لمكرهم بالنسبة إلى من مكروا بهم عين
~~ولا أثر وإن المكر كله لله تعالى حيث يؤاخذهم بما كسبوا من فنون المعاصي
~~التي من جملتها مكرهم من حيث لا يحتسبون، كذا قاله ms04986 شيخ الإسلام، وقد تكلف
~~قدس سره في ذلك ما تكلف، وحمل الكسب على ما هو الشائع عند الأشاعرة والله
~~تعالى لا يفرق بينه وبين الفعل وكذا رسوله صلى الله عليه وسلم والصحابة
~~رضي الله تعالى عنهم والتابعون واللغويون؛ وقيل: وجه الحصر أنه لا يعتد
~~بمكر غيره سبحانه لأنه سبحانه هو القادر بالذات على إصابة المكروه
~~المقصود منه وغيره تعالى إن قدر على ذلك فبتمكينه تعالى وإذنه فالكل راجع
~~إليه جل وعلا. وفي «الكشاف» ((أن قوله تعالى: { يعلم ما تكسب
~~كل نفس } الخ تفسير لقوله سبحانه: { فلله المكر جميعا
~~} لأن من علم ما تكسب كل نفس وأعد لها جزاءها (فهو له المكر) لأنه
~~يأتيهم من حيث لا يعلمون وهم في غفلة مما يراد بهم))، وقيل: الكلام على
~~حذف مضاف أي فلله جزاء المكر. وجوز في أل أن تكون للعهد أي له/ تعالى
~~المكر الذي باشروه جميعا لا لهم، على معنى أن ذلك ليس مكرا منهم
~~بالأنبياء بل هو بعينه مكر من الله تعالى بهم وهم لا يشعرون حيث لا يحيق
~~المكر السيء إلا بأهله.

# { وسيعلم الكفر } حين يأتيهم العذاب { لمن عقبى
~~الدار } أي العاقبة الحميدة من الفريقين وإن جهل ذلك قبل، وقيل: السين
~~لتأكيد وقوع ذلك وعلمه به حينئذ، والمراد من الكافر الجنس فيشمل سائر
~~الكفار، وهذه قراءة الحرميين وأبي عمرو، وقرأ باقي السبعة { وسيعلم
~~الكفار } بصيغة جمع التكسير. وقرأ ابن مسعود { الكافرون } بصيغة جمع
~~السلامة، وقرأ أبي { الذين كفروا } وقرأ { الكفر } أي أهله، وقرأ جناح
~~بن حبيس { وسيعلم } بالبناء للمفعول من أعلم أي سيخبر واللام للنفع، وجوز
~~أن تكون للملك على معنى سيعلم الكفرة من يملك الدنيا آخرا، وفسر عطاء {
~~الكفر } بالمستهزئين وهم خمسة والمقسمين وهم ثمانية وعشرون، وقال
~~ابن عباس: يريد بالكافر أبا جهل، وما تقدم هو الظاهر، ولعل ما ذكر من باب
~~التمثيل.

### || [13.43]

# { ويقول الذين كفروا لست مرسلا } قيل: قاله رؤساء
~~اليهود. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال:

# " قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ms04987 أسقف من اليمن فقال له عليه
~~الصلاة والسلام: هل تجدني في الإنجيل رسولا؟ قال: لا "

# فأنزل الله تعالى الآية، فالمراد من الذين كفروا على هذا هذا ومن وافقه
~~ورضي بقوله، وصيغة الاستقبال لاستحضار صورة كلمتهم الشنعاء تعجيبا منها
~~أو للدلالة على تجدد ذلك منهم واستمراره { قل كفى بالله
~~شهيدا بيني وبينكم } فإنه جل وعلا قد أظهر على رسالتي من
~~الأدلة والحجج ما فيه غني عن شهادة شاهد آخر، وتسمية ذلك شهادة مع أنه
~~فعل وهي قول مجاز من حيث أنه يغني غناها بل هو أقوى منها.

# { ومن عنده علم الكتب } أي علم القرآن وما عليه من النظم
~~المعجز، قيل: والشهادة إن أريد بها تحملها فالأمر ظاهر وإن أريد أداؤها
~~فالمراد بالموصول المتصف بذلك العنوان من ترك العناد وآمن. وفي «الكشف»
~~أن المعنى كفى هذا العالم شهيدا بيني وبينكم، ولا يلزم من كفايته في
~~الشهادة أن يؤديها فمن أداها فهو شاهد أمين ومن لم يؤدها فهو خائن، وفيه
~~تعريض بليغ بأنهم لو أنصفوا شهدوا، وقيل: المراد بالكتاب التوراة
~~والإنجيل، والمراد بمن عنده علم ذلك الذين أسلموا من أهل الكتابين كعبد
~~الله بن سلام وأضرابه فإنهم يشهدون بنعته عليه الصلاة والسلام في كتابهم
~~وإلى هذا ذهب قتادة، فقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عنه أنه
~~قال في الآية: كان من أهل الكتاب قوم يشهدون بالحق ويعرفونه منهم عبد
~~الله بن سلام والجارود وتميم الداري وسلمان الفارسي، وجاء عن مجاهد وغيره
~~وهي رواية عن ابن عباس أن المراد بذلك عبد الله ولم يذكروا غيره. وأخرج
~~ابن مردويه من طريق عبد الملك بن عمير عن جندب قال: جاء عبد الله بن سلام
~~حتى أخذ بعضادتي باب المسجد ثم قال: أنشدكم بالله تعالى أتعلمون أني الذي
~~أنزلت فيه { ومن عنده علم الكتب }؟ قالوا: اللهم نعم.
~~وأنكر ابن جبير ذلك، فقد أخرج سعيد بن منصور وجماعة عنه أنه سئل أهذا
~~الذي عنده علم الكتاب هو عبد الله بن سلام؟ فقال: كيف وهذه السورة مكية. ms04988
~~والشعبي أنكر أن يكون شيء من القرآن نزل فيه/ وهذا لا يعول عليه فمن حفظ
~~حجة على من لم يحفظ، وأجيب عن شبهة ابن جبير بأنهم قد يقولون: إن السورة
~~مكية وبعض آياتها مدنية فلتكن هذه من ذلك، وأنت تعلم أنه لا بد لهذا من
~~نقل.

# وفي «البحر» أن ما ذكر لا يستقيم إلا أن تكون هذه الآية مدنية والجمهور
~~على أنها مكية، وأجيب بأن ذلك لا ينافي كون الآية مكية بأن يكون الكلام
~~إخبارا عما سيشهد به، ولك أن تقول إذا كان المعنى على طرز ما في «الكشف»
~~وأنه لا يلزم من كفاية من ذكر في الشهادة أداؤها لم يضر كون الآية مكية
~~وعدم إسلام عبد الله بن سلام حين نزولها بل ولا عدم حضوره، ولا مانع أن
~~تكون الآية مكية، والمراد من الذين كفروا أهل مكة وممن عنده علم الكتاب
~~اليهود والنصارى كما أخرجه ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ويكون
~~حاصل الجواب بذلك إنكم لستم بأهل كتاب فاسألوا أهله فإنهم في جواركم.

# نعم قال شيخ الإسلام: إن الآية مدنية بالاتفاق وكأنه لم يقف على الخلاف،
~~وقيل: المراد بالكتاب اللوح و { من } عبارة عنه تعالى؛ وروي هذا عن
~~مجاهد والزجاج، وعن الحسن لا والله ما يعني إلا الله تعالى، والمعنى كما
~~في " الكشاف " كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح
~~إلا هو شهيدا بيني وبينكم، وبهذا التأويل صار العطف مثله في قوله:

# إلى الملك القرم وابن الهمام

# وليث الكتيبة في المزدحم

# فلا محذور في العطف، والحصر إما من الخارج لأن علم ذلك مخصوص به تعالى
~~أو للذهاب إلى أن الظرف خبر مقدم فيفيد الحصر. وقسم الحسن للمبالغة في رد
~~ما زعموا على ما قيل: وفي «الكشف» إنما بالغ الحسن لما قدمنا من بناء
~~السورة الكريمة على ما بنى وجعل السابقة مثل الخاتمة وما في العطف من
~~النكتة، ولهذا فسره الزمخشري بقوله: كفى بالذي الخ عطفه عطف ذات على ذات
~~إشارة إلى الاستقلال ms04989 بالشهادة من كل واحد من الوصفين من غير نظر إلى
~~الآخر فالذي يستحق العبادة قد شهد بما شحن الكتاب من الدعوة إلى عبادته
~~وبما أيد عبده من عنده بأنواع التأييد والذي لا يعلم علم ما في اللوح أي
~~علم كل شيء إلا هو قد شهد بما ضمن الكتاب من المعارف وأنزله على أسلوب
~~فائق على المتعارف، ويعضد ذلك القول أنه قرأ علي كرم الله تعالى وجهه
~~وأبي وابن عباس وعكرمة وابن جبير وعبد الرحمن بن أبي بكرة والضحاك
~~وسالم بن عبد الله بن عمر وابن أبي إسحاق ومجاهد والحكم والأعمش { ومن
~~عنده علم الكتاب } بجعل من حرف جر والجار والمجرور خبر مقدم وعلم مبتدأ
~~مؤخر. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه أيضا وابن السميقع والحسن بخلاف عنه
~~{ ومن عنده } بحرف الجر و { علم الكتاب } على أن علم فعل مبني للمفعول و
~~{ الكتاب } نائب الفاعل فإن ضمير { عنده } على القراءتين راجع لله تعالى
~~كما في القراءة السابقة على ذلك التأويل والأصل توافق القراآت، وقيل:
~~المراد  بالكتاب  اللوح وبمن جبريل عليه السلام.

# وأخرج تفسير { من } بذلك ابن أبي حاتم عن ابن جبير وهو كما ترى.

# وقال محمد بن الحنفية والباقر  كما في «البحر» : المراد بمن علي كرم
~~الله تعالى وجهه، والظاهر أن المراد ب { الكتاب } حينئذ القرآن، ولعمري
~~أن عنده رضي الله تعالى عنه علم الكتاب كملا لكن الظاهر أنه كرم الله
~~تعالى وجهه غير مراد، والظاهر أن { من } في قراءة الجمهور في محل جر
~~بالعطف على لفظ الاسم الجليل، ويؤيده أنه قرىء بإعادة الباء في الشواذ،
~~وقيل: إنه في محل رفع بالعطف على محله لأن الباء زائدة، وقال ابن عطية:/
~~يحتمل أن يكون في موضع رفع على الابتداء والخبر محذوف تقديره أعدل أو
~~أمضى قولا أو نحو هذا مما يدل عليه لفظ { شهيدا } ويراد بذلك الله
~~تعالى، وفيه من البعد ما لا يخفى، والعلم في القراءة التي وقع { عنده
~~} فيها صلة مرفوع بالمقدر في الظرف؛ فيكون فاعلا لأن الظرف إذا وقع ms04990 صلة
~~أوغل في شبه الفعل لاعتماده على الموصول فعمل عمل الفعل كقولك: مررت
~~بالذي في الدار أخوه فأخوه فاعل كما تقول: بالذي استقر في الدار أخوه
~~قاله الزمخشري، وليس بالمتحتم لأن الظرف وشبهه إذا وقعا صلتين أو صفتين
~~أو حالين أو خبرين أو تقدمهما أداة نفي أو استفهام جاز فيما بعدهما من
~~الاسم الظاهر أن يرتفع على الفاعلية وهو الأجود وجاز أن يكون مبتدأ
~~والظرف أو شبهه في موضع الخبر والجملة من المبتدأ والخبر صلة أو صفة أو
~~حال أو خبر، وهذا مبني على اسم الفاعل فكما جاز ذلك فيه وإن كان الأحسن
~~إعماله في الاسم الظاهر فكذلك يجوز فيما ناب عنه من ظرف أو مجرور، وقد نص
~~سيبويه على إجازة ذلك في نحو مررت برجل حسن وجهه فأجاز رفع حسن على أنه
~~خبر مقدم، وقد توهم بعضهم أن اسم الفاعل إذا اعتمد على شيء مما ذكر تحتم
~~إعماله في الظاهر وليس كذلك، وقد أعرب الحوفي { عنده علم
~~الكتب } مبتدأ وخبرا في صلة { من } وهو ميل إلى المرجوح، وفي
~~الآية على القراءتين بمن الجارة دلالة على أن تشريف العبد بعلوم القرآن
~~من إحسان الله تعالى إليه وتوفيقه، نسأل الله تعالى أن يشرفنا بهاتيك
~~العلوم ويوفقنا للوقوف على أسرار ما فيه من المنطوق والمفهوم ويجعلنا ممن
~~تمسك بعروته الوثقى واهتدى بهداه حتى لا يضل ولا يشقى ببركة النبي صلى
~~الله عليه وسلم.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات:

# الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثق

# [الرعد: 20] قيل: عهد الله تعالى مع المؤمنين القيام له سبحانه
~~بالعبودية في السراء والضراء { والذين يصلون ما أمر الله
~~به أن يوصل } فيصلون بقلوبهم محبته وبأسرارهم مشاهدته سبحانه
~~وقربته { ويخشون ربهم } عند تجلي الصفات في مقام القلب
~~فيشاهدون جلالة صفة العظمة ويلزمهم الهيبة والخشية

# ويخافون سوء الحساب

# [الرعد: 21] عند تجلي الأفعال في مقام النفس فينظرون إلى البطش والعقاب
~~فيلزمهم الخوف. وسئل ابن عطاء ما الفرق بين الخشية والخوف؟ فقال: الخشية
~~من السقوط عن درجات الزلفى والخوف ms04991 من اللحوق بدركات المقت والجفا، وقال
~~بعضهم: الخشية أدق والخوف أصلب { والذين صبروا ابتغاء وجه
~~ربهم } صبروا عما دون الله تعالى بالله سبحانه لكشف أنوار وجهه
~~الكريم أو صبروا في سلوك سبيله سبحانه عن المألوفات طلبا لرضاه {
~~وأقاموا الصلاة } صلاة المشاهدة أو اشتغلوا بالتزكية بالعبادات
~~البدنية { وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية }
~~أفادوا مما مننا عليهم من الأحوال والمقامات والكشوف وهذبوا المريدين حتى
~~صار لهم ظاهرا وباطنا أو اشتغلوا بالتزكية بالعبادات المالية أيضا {
~~ويدرءون بالحسنة } الحاصلة لهم من تجلي الصفة الإلهية السنية
~~{ السيئة } التي هي صفة النفس، وقال بعضهم: يعاشرون الناس بحسن
~~الخلق فإن عاملهم أحد بالجفاء قابلوه بالوفاء

# أولئك لهم عقبى الدار

# [الرعد: 22] البقاء بعد الفناء أو العاقبة الحميدة { جنت عدن
~~يدخلونها ومن صلح من ءابائهم وأزوجهم
~~وذرياتهم } قيل: يدخلون جنة الذات ومن صلح من آباء الأرواح
~~ويدخلون جنة الصفات بالقلوب ويدخلون جنة الأفعال ومن صلح من أزواج النفوس
~~وذريات القوى أو يدخلون جنات القرب والمشاهدة والوصال ومن صلح من
~~المذكورين تبع لهم  ولأجل عين ألف/ عين تكرم 

# والملئكة يدخلون عليهم من كل باب

# [الرعد: 23]

# سلم عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار

# [الرعد: 24] يدخل عليهم أهل الجبروت والملكوت من كل باب من أبواب الصفات
~~محيين لهم بتحايا الإشراقات النورية والإمدادات القدسية أو يدخل عليهم
~~الملائكة الذين صحبوهم في الدنيا من كل باب من أبواب الطاعة مسلمين عليهم
~~بعد استقرارهم في منازلهم كما يسلم أصحاب الغائب عليه إذا قدم إلى منزله
~~واستقر فيه { الذين آمنوا } الإيمان العلمي بالغيب { وتطمئن
~~قلوبهم بذكر الله } قالوا: ذكر النفس باللسان والتفكر في
~~النعم، وذكر القلب بالتفكر في الملكوت ومطالعة صفات الجمال، وذكر السر
~~بالمناجاة، وذكر الروح بالمشاهدة، وذكر الخفاء بالمناغاة في العشق، وذكر
~~الله تعالى بالفناء فيه

# ألا بذكر الله تطمئن القلوب

# [الرعد: 28] وذلك أن النفس تضطرب بظهور صفاتها وأحاديثها وتطيش فيتلون
~~القلب ويتغير لذلك فإذا تفكر في الملكوت ومطالعة أنوار الجمال والجبروت
~~استقر واطمأن، وسائر أنواع الذكر إنما يكون بعد الاطمنان، قال الهزجوري:
~~قلوب ms04992 الأولياء مطمئنة لا تتحرك دائما خشية أن يتجلى الله تعالى عليها
~~فجأة فيجدها غير متسمة بالأدب { الذين ءامنوا وعملوا
~~الصلحات } تخلية وتحلية { طوبى لهم } بالوصول إلى الفطرة
~~وكمال الصفات

# وحسن مآب

# [الرعد: 29] بالدخول في جنة القلب وهي جنة الصفات أو طوبى لهم الآن حيث
~~لم يوجد منهم ما يخالف رضاء محبوبهم وحسن مآب في الآخرة حيث لا يجدون من
~~محبوبهم خلاف مأمولهم

# أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت

# [الرعد: 33] أي بحسب كسبها ومقتضاه أي كما تقتضي مكسوباتها من الصفات
~~والأحوال التي تعرض لاستعدادها يفيض عليها من الجزاء

# قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به

# [الرعد: 36] ما أخرج سبحانه أحدا من العبودية حتى سيد أحرار البرية صلى
~~الله عليه وسلم، وفسرها أبو حفص بأنها ترك كل ملك وملازمة المأمور به.
~~وقال الجنيد قدس سره: لا يرتقي أحد في درجات العبودية حتى يحكم فيما بينه
~~وبين الله تعالى أوائل البدايات وهي الفروض والواجبات والسنن والأوراد،
~~ومطايا الفضل عزائم الأمور فمن أحكم على نفسه هذا من الله تعالى عليه بما
~~بعده { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم
~~أزواجا وذرية } فيه على ما قيل إشارة إلى أنه إذا شرف الله
~~تعالى شخصا بولايته لم يضر به مباشرة أحكام البشرية من الأهل والولد ولم
~~يكن بسط الدنيا له قدحا في ولايته، وقوله سبحانه: { وما كان
~~لرسول أن يأتى بئاية إلا بإذن الله } فيه منع
~~طلب الكرامات واقتراحها من المشايخ

# لكل أجل كتاب

# [الرعد: 38] لكل وقت أمر مكتوب يقع فيه ولا يقع في غيره؛ ومن هنا قيل:
~~الأمور مرهونة لأوقاتها، وقيل: لله تعالى خواص في الأزمنة والأمكنة
~~والأشخاص { يمحو الله ما يشاء ويثبت } قيل: يمحو عن ألواح
~~العقول صور الأفكار ويثبت فيها أنوار الأذكار ويمحو عن أوراق القلوب علوم
~~الحدثان ويثبت فيها لدنيات علم العرفان، وقيل: يمحو العارفين بكشف جلاله
~~ويثبتهم في وقت آخر بلطف جماله، وقال ابن عطاء: يمحو أوصافهم ويثبت
~~أسرارهم لأنها موضع المشاهدة، وقيل: يمحو ما يشاء عن ms04993 الألواح الجزئية
~~التي هي النفوس السماوية من النقوش الثابتة فيها فيعدم عن المواد ويفنى
~~ويثبت ما يشاء فيها فيوجد

# وعنده أم الكتب

# [الرعد: 39] العلم الأزلي القائم بذاته سبحانه، وقيل: لوح القضاء السابق
~~الذي هو عقل الكل وفيه كل ما كان ويكون أزلا وأبدا على الوجه الكلي
~~المنزه عن المحو والإثبات، وذكروا أن الألواح أربعة: لوح القضاء السابق
~~العالي عن المحو والإثبات وهو لوح العقل الأول. ولوح القدر وهو لوح النفس
~~الناطقة الكلية التي يفصل فيها كليات اللوح الأول وهو المسمى باللوح
~~المحفوظ. ولوح النفوس الجزئية/ السماوية التي ينتقش فيها كل ما في هذا
~~العالم بشكله وهيئته ومقداره وهو المسمى بالسماء الدنيا وهو بمثابة خيال
~~العالم كما أن الأول بمثابة روحه والثاني بمثابة قلبه. ثم لوح الهيولى
~~القابل للصور في عالم الشهادة اه وهو كلام فلسفي { أو لم يروا
~~أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها } قيل: ذلك بذهاب
~~أهل الولاية الذين بهم عمارة الأرض، وقيل: الإشارة أنا نقصد أرض وقت
~~الجسد الشيخوخة ننقصها من أطرافها بضعف الأعضاء والقوى الظاهرة والباطنة
~~شيئا فشيئا حتى يحصل الموت أو نأتي أرض النفس وقت السلوك ننقصها من
~~أطرافها بإفناء أفعالها بأفعالنا أولا وبإفناء صفاتها بصفاتنا ثانيا
~~وبإفناء ذاتها في ذاتنا ثالثا

# لا معقب لحكمه

# [الرعد: 41] لا راد ولا مبدل لكل ما حكم به نسأل الله تعالى أن يحكم لنا
~~بما هو خير وأولى في الآخرة والأولى بحرمة النبي صلى الله عليه وسلم
~~وشرف وعظم وكرم.

### | [14 - سورة ابراهيم]

### || [14.1]

# { بسم الله الرحمن الرحيم الر } مر الكلام فيما يتعلق
~~به { كتب } جوز فيه أن يكون خبرا  لألر  على تقدير كونه مبتدأ أو
~~لمبتدأ مضمر على تقدير كونه خبرا لمبتدأ محذوف أو مفعولا لفعل محذوف أو
~~مسرودا على نمط التعديد، وجوز أن يكون خبرا ثانيا للمبتدأ الذي أخبر
~~عنه  بألر  وأن يكون مبتدأ وسوغ الابتداء به كونه موصوفا في التقدير
~~أي كتاب عظيم، وقوله تعالى: { أنزلنه إليك } إما في موضع
~~الصفة أو الخبر وهو مع مبتدآته قيل ms04994 في موضع التفسير، وفي إسناد الإنزال
~~إلى ضمير العظمة ومخاطبته عليه الصلاة والسلام مع إسناد الإخراج إليه صلى
~~الله عليه وسلم في قوله سبحانه: { لتخرج الناس من
~~الظلمت إلى النور } ما لا يخفى من التفخيم والتعظيم، واللام
~~متعلقة بأنزلناه، والمراد من الناس جميعهم أي أنزلناه إليك لتخرجهم كافة
~~بما في تضاعيفه من البينات الواضحة المفصحة عن كونه من عند الله تعالى
~~الكاشفة عن العقائد الحقة من عقائد الكفر والضلال وعبادة الله عز وجل من
~~الآلهة المختلفة كالملائكة وخواص البشر والكواكب والأصنام التي كلها
~~ظلمات محضة وجهالات صرفة إلى الحق المؤسس على التوحيد الذي هو نور بحت
~~وقرىء { ليخرج الناس } بالياء التحتانية في { يخرج } ورفع { الناس } به.

# { بإذن ربهم } أي بتيسيره وتوفيقه تعالى وهو مستعار من الإذن
~~الذي يوجب تسهيل الحجاب لمن يقصد الورود، ويجوز أن يكون مجازا مرسلا
~~بعلاقة اللزوم، وقال محي السنة: إذنه تعالى أمره، وقيل: علمه سبحانه
~~وقيل: إرادته جل شأنه وهي على ما قيل متقاربة، ومنع الإمام أن يراد بذلك
~~الأمر أو العلم وعلله بما لا يخلو عن نظر. وفي الكلام على ما ذكر أولا
~~ثلاث استعارات. إحداها ما سمعت في الإذن والأخريان في { الظلمت }
~~و { النور } وقد أشير إلى المراد منهما، وجوز العلامة الطيبي أن تكون
~~كلها استعارة مركبة تمثيلية بتصوير الهدى بالنور والضلال بالظلمة والمكلف
~~المنغمس في ظلمة الكفر بحيث لا يتسهل له الخروج إلى نور الايمان إلا
~~بتفضل الله تعالى بإرسال رسول بكتاب يسهل عليه ذلك كمن وقع في تيه مظلم
~~ليس منه خلاص فبعث ملك توقيعا لبعض خواصه في استخلاصه وضمن تسهيل ذلك
~~على نفسه ثم استعمل هنا ما كان مستعملا هناك فقيل: { كتاب
~~أنزلنه } إلى آخره، وكان الظاهر  بإذننا  إلا أنه وضع ذلك
~~الظاهر موضع الضمير، وقيل: { ربهم } للإشعار بالتربية واللطف
~~والفضل وبأن الهداية لطف محض، وفيه أن الكتاب والرسول والدعوة لا تجدي
~~دون إذن الله تعالى كما قال سبحانه:

# إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من
~~يشاء

# [القصص: 56] اه، ms04995 وما ذكره من الاستعارة التمثيلية مع بلاغته وحسنه لا
~~يخلو عن بعد، وكأنه للإنباء عن كون التيسير والتوفيق منوطين بالإقبال إلى
~~الحق كما يفصح عنه قوله تعالى:

# ويهدى إليه من أناب

# [الرعد: 27] استعير لذلك الإذن الذي هو ما علمت، وأضيف إلى ضمير الناس
~~اسم الرب المفصح عن التربية التي هي عبارة عن تبليغ الشيء إلى كماله
~~المتوجه إليه، وشمول/ الإذن بذلك المعنى للكل واضح وعليه يدور كون
~~الإنزال لإخراجهم جميعا، وعدم تحقق الإذن بالفعل في بعضهم لعدم تحقق
~~شرطه المستند إلى سوء اختيارهم ورداءة استعدادهم غير مخل بذلك، ومن هنا
~~فساد قول الطبرسي: إن اللام لام الغرض لا لام العاقبة والإ لزام أن يكون
~~جميع الناس مؤمنين والواقع بخلافه.

# وذكر الإمام أن المعتزلة استدلوا بهذه الآية على أن أفعال الله تعالى
~~تعلل برعاية المصالح، ثم ساق دليل أصحابه على امتناع ذلك وذكر أنه إذا
~~ثبت الامتناع يلزم تأويل كل ما أشعر بخلافه، وتأويله بحمل اللام على لام
~~العاقبة ونحوها، ونقل عن ابن القيم وغيره القول بالتعليل وأنه مذهب
~~السلف وأن في الكتاب والسنة ما يزيد على عشرة آلاف موضع ظاهرة في ذلك
~~وتأويل الجميع خروج عن الإنصاف، وليس الدليل على امتناع ذلك من المتانة
~~على وجه يضطر معه إلى التأويل، وللشيخ إبراهيم الكوراني في بعض " رسائله
~~" كلام نفيس في هذا الغرض سالم فيما أرى عن العلة إن أردته فارجع إليه،
~~والباء متعلقة  بتخرج  على ما هو الظاهر، وجوز أن يكون متعلقا بمضمر
~~وقع حالا من مفعوله أي ملتبسين بإذن ربهم، ومنهم من جوز كونه حالا من
~~فاعله أي ملتبسا بإذن ربهم. وتعقب بأنه يأباه إضافة الرب إليهم لا إليه
~~صلى الله عليه وسلم. ورد بما رد فتأمل.

# واستدل بالآية القائلون بأن معرفة الله تعالى لا تحصل إلا من طريق
~~التعليم من الرسول صلى الله عليه وسلم حيث ذكر فيها أنه عليه الصلاة
~~والسلام هو الذي يخرج الناس من ظلمات الضلال إلى نور الهدى. وأجيب بأن
~~الرسول عليه الصلاة والسلام كالمنبه ms04996 وأما المعرفة فإنما تحصل من الدليل،
~~واستدل بها أيضا كل من المعتزلة وأهل السنة على مذهبه في أفعال العباد
~~وتفصيل ذلك في " تفسير الإمام " [الرازي].

# { إلى صراط العزيز الحميد } الجار والمجرور بدل من الجار
~~والمجرور فيما تقدم أعني قوله تعالى: { إلى النور } وقال غير واحد:
~~إن { صرط } بدل من { النور } وأعيد عامله وكرر لفظا ليدل على
~~البدلية كما في قوله تعالى:

# للذين استضعفوا لمن آمن منهم

# [الأعراف: 75] ولا يضر الفصل بين البدل والمبدل منه بما قبله لأنه غير
~~أجنبي إذ هو من معمولات العامل في المبدل منه على كل حال. واستشكل هذا
~~مع الاستعارة السابقة بأن التعقيب بالبدل لا يتقاعد عن التعقيب بالبيان
~~في مثل قوله تعالى:

# حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط
~~الأسود من الفجر

# [البقرة: 187] وأجيب بأن الصراط استعارة أخرى للهدى جعل نورا أولا
~~لظهوره في نفسه واستضاءة الضلال في مهواة الهوى به، ثم جعل ثانيا جادة
~~مسلوكة مأمونة لا كبنيات الطرق دلالة على تمام الإرشاد.

# وفي " الإرشاد " ((أن إخلال البيان والبدل بالاستعارة إنما هو في
~~الحقيقة لا في المجاز)) وهو ظاهر، وجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقا
~~بمحذوف على أنه جواب سائل يسأل إلى أي نور؟ فقيل: { إلى صرط } إلى
~~آخره، وإضافة الصراط إليه تعالى لأنه مقصده أو المبين له، وتخصيص الوصفين
~~الجليلين بالذكر للترغيب في سلوكه إذ في ذلك إشارة إلى أنه يعز سالكه
~~ويحمد سابله، وقال أبو حيان: النكتة في ذلك أنه لما ذكر قبل إنزاله تعالى
~~لهذا الكتاب وإخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ناسب ذكر هاتين
~~الصفتين صفة العزة المتضمنة للقدرة والغلبة لإنزاله مثل هذا الكتاب
~~المعجز الذي لا يقدر عليه سواه، وصفة الحمد لإنعامه بأعظم النعم لإخراج
~~الناس من الظلمات إلى النور، ووجه التقديم والتأخير على هذا ظاهر.

# وقال الإمام: ((إنما قدم ذكر { العزيز } على ذكر { الحميد } لأن
~~الصحيح أن أول العلم بالله تعالى العلم بكونه تعالى قادرا ثم بعد ذلك
~~العلم بكونه عالما ثم بعد ذلك العلم بكونه ms04997 غنيا عن الحاجات، والعزيز هو
~~القادر والحميد هو العالم الغني فلما كان العلم بكونه تعالى قادرا
~~متقدما على العلم بكونه عالما بالكل غنيا عنه لا جرم قدم ذكر العزيز
~~على ذكر/ الحميد)) اه ولم نر تفسير { الحميد } بما ذكر لغيره، وفي "
~~المواقف " و " شرح أسماء الله تعالى الحسنى " لحجة الإسلام الغزالي
~~وغيرهما أن { الحميد } هو المحمود المثنى عليه وهو سبحانه محمود
~~بحمده لنفسه أزلا وبحمد عباده له تعالى أبدا، وبين هذا وما ذكره الإمام
~~بعد بعيد، وأما ما ذكره في { العزيز } فهو قول لبعضهم؛ وقيل: هو الذي
~~لا مثل له. وربما يقال على هذا: إن التقديم للاعتناء بالصفات السلبية كما
~~يؤذن به قولهم: التخلية أولى من التحلية وكذا قوله تعالى:

# ليس كمثله شىء وهو السميع البصير

# [الشورى: 11] ولعل كلامه قدس سره بعد لا يخلو عن نظر.

### || [14.2]

# وقوله تعالى: { الله } بالرفع على ما قرأ نافع وابن عامر خبر مبتدأ
~~محذوف أي هو الله والموصول الآتي صفته، وبالجر على قراءة باقي السبعة
~~والأصمعي عن نافع بدل مما قبله في قول ابن عطية: والحوفي وأبي البقاء،
~~وعطف بيان في قول الزمخشري قال: لأنه أجري مجرى الأسماء الأعلام لغلبته
~~واختصاصه بالمعبود (بحق) كما غلب النجم على الثريا، ولعل جعله جاريا
~~مجرى ذلك ليس لاشتراطه في عطف البيان بل لأن عطف البيان شرطه إفادة زيادة
~~إيضاح لمتبوعه وهي هنا بكونه كالعلم باختصاصه بالمعبود بحق وقد خرج عن
~~الوصفية بذلك فليس صفة كالعزيز الحميد. ثم إنه لا يخفى عليك أنه عند
~~الأئمة المحققين علم لا أنه كالعلم، وعن ابن عصفور أنه لا تقدم صفة على
~~موصوف إلا حيث سمع وذلك قليل، وللعرب فيما وجد من ذلك وجهان: أحدهما: أن
~~تقدم الصفة وتبقيها على ما كانت عليه، وفي إعراب مثل هذا وجهان: أحدهما:
~~إعرابه نعتا مقدما. والثاني: أن يجعل ما بعد الصفة بدلا، والوجه
~~الثاني: أن تضيف الصفة إلى الموصوف اه، وعلى هذا يجوز أن يكون

# العزيز الحميد

# [ابراهيم: 1] صفتين متقدمتين ويعرب الاسم الجليل موصوفا متأخرا، ms04998 ومما
~~جاء فيه تقديم ما لو أخر لكان صفة وتأخير ما لو قدم لكان موصوفا قوله:

# والمؤمن العائذات الطير يمسحها

# ركبان مكة بين الغيل والسعد

# فلو جاء على الكثير لكان التركيب والمؤمن الطير العائذات، ومثله قوله:

# لو كنت ذا نبل وذا تشديب

# لم أخش شدات الخبيث الذيب

# وجوز في قراءة الرفع كون الاسم الجليل مبتدأ.

# وقوله تعالى: { الذى له } أي ملكا وملكا { ما في
~~السموات وما في الأرض } خبره وما تقدم أولى، فإن في الوصفية
~~من بيان كمال فخامة شأن الصراط وإظهار تحتم سلوكه على الناس ما ليس في
~~الخبرية، والمراد بما في السموات وما في الأرض ما وجد داخلا فيهما أو
~~خارجا عنهما متمكنا فيهما، ومن الناس من استدل بعموم { ما } على أن
~~أفعال العباد مخلوقة له تعالى كما ذكره الإمام.

# وقوله تعالى: { وويل للكفرين } وعيد لمن كفر بالكتاب ولم
~~يخرج به من الظلمات إلى النور بالويل. وهو عند بعض نقيض الوأل بالهمز
~~بمعنى النجاة فمعناه الهلاك فهو مصدر إلا أنه لا يشتق منه فعل إنما يقال:
~~ويلا له فينصب نصب المصادر ثم يرفع رفعها لإفادة معنى الثبات فيقال: ويل
~~له كسلام عليك، وقال الراغب: ((قال الأصمعي ويل قبح وقد يستعمل للتحسر،
~~وويس استصغار، وويح ترحم، ومن قال: هو واد في جهنم لم يرد أنه في اللغة
~~موضوع لذلك وإنما أراد أن من قال الله تعالى فيه ذلك فقد استحق مقرا من
~~النار وثبت له ذلك)).

# وقوله سبحانه: { من عذاب شديد } في موضع الصفة لويل ولا يضر
~~الفصل على ما في «البحر» وغيره/ بالخبر، وجوز أن يكون في موضع الحال على
~~ما في " الحواشي الشهابية " و { من } بيانية، وجوز أن تكون ابتدائية
~~على معنى أن الويل بمعنى عدم النجاة متصل بالعذاب الشديد وناشئ عنه، وقيل
~~إن الجار متعلق: بويل على معنى أنهم يولولون من العذاب ويضجون منه قائلين
~~يا ويلاه كقوله تعالى:

# دعوا هنالك ثبورا

# [الفرقان: 13] ومنع أبو حيان وأبو البقاء ذلك لما فيه من الفصل بين
~~المصدر ومعموله ms04999 بالخبر وهو لا يجوز، وقد مر قريبا في الرعد ما يتعلق
~~بذلك فتذكر فما في العهد من قدم. وفي «الكشاف» أن { من عذاب } الخ
~~متصل بالويل على معنى أنهم يولولون إلى آخر ما ذكرنا، وهو محتمل لتعلقه
~~به ولتعلقه بمحذوف، واستظهر هذا في «البحر». وفي «الكشف» أن الزمخشري لما
~~رأى أن الويل من الذنوب لا من العذاب كما يرشد إليه قوله تعالى:

# فويل لهم مما كتبت أيديهم

# [البقرة: 79] وأمثاله أشار هنا إلى أن الاتصال معنوي لا من ذلك الوجه
~~فإنه هناك جعل الويل نفس العذاب وهنا جعله تلفظهم بكلمة التلهف من شدة
~~العذاب وكلاهما صحيح، ولم يرد أن هنالك فصلا بالخبر لقرب ما مر في قوله
~~تعالى:

# سلم عليكم بما صبرتم

# [الرعد: 24] اه. واعترض عليه بأنه لا حاجة لما ذكر من التكلف لأن
~~اتصاله به ظاهر لا يحتاج إلى صرفه للتلفظ بتلك الكلمة، و { من } بيانية
~~لا إبتدائية حتى يحتاج إلى ما ذكر، ولا يخفى قوة ذلك وأنه لا يحتاج إلى
~~التكلف ولو جعلت { من } ابتدائية فتأمل، والظاهر أن المراد بالعذاب
~~الشديد عذاب الآخرة، وجوز أن يكون المراد عذابا يقع بهم في الدنيا.

### || [14.3]

# { الذين يستحبون الحيوة الدنيا على الآخرة }
~~أي يختارونها عليها فإن المختار للشيء يطلب من نفسه أن يكون أحب إليه من
~~غيره، فالسين للطلب، والمحبة مجاز مرسل عن الاختيار والإيثار بعلاقة
~~اللزوم في الجملة فلا يضر وجود أحدهما بدون الآخر كاختيار المريض الدواء
~~المر لنفعه وترك ما يحبه ويشتهيه من الأطعمة اللذيذة لضرره، ولاعتبار
~~التجوز عدي الفعل بعلى ويجوز أن يكون استفعل بمعنى أفعل كاستجاب بمعنى
~~أجاب والفعل مضمن معنى الاختيار والتعدية بعلى لذلك { ويصدون عن
~~سبيل الله } يعوقون الناس ويمنعونهم عن دين الله تعالى والإيمان به
~~وهو الصراط الذي بين شأنه، والاقتصار على الإضافة إلى الاسم الجليل
~~المنطوي على كل وصف جميل لزوم الاختصار. وقرأ الحسن { يصدون } من أصد
~~المنقول من صده صدودا إذا تنكب وحاد وهو ليس بفصيح بالنسبة إلى القراءة
~~الأخرى لأن في صده ms05000 مندوحة عن تكلف النقل ولا محذور في كون القراءة
~~المتواترة أفصح من غيرها، ومن مجيء أصد قوله:

# أناس أصدوا الناس بالسيف عنهم

# صدود السواقي عن أنوف الحوائم

# ونظير هذا وقفه وأوقفه { ويبغونها } أي يبغون لها فحذف الجار
~~وأوصل الفعل إلى الضمير أي يطلبون لها { عوجا } أي زيغا واعوجاجا
~~وهي أبعد شيء عن ذلك أي يقولون لمن يريدون صده وإضلاله عن السبيل هي سبيل
~~ناكبة وزائغة غير مستقيمة، وقيل: المعنى يطلبون أن يروا فيها ما يكون
~~عوجا قادحا فيها كقول من لم يصل إلى العنقود وليسوا بواجدين ذلك، وكلا
~~المعنيين أنسب مما قيل: إن المعنى يبغون أهلها أن يعوجوا بالردة. ومحل
~~موصول هذه الصلات الجر على أنه بدل كما قيل من

# الكفرين

# [إبراهيم: 2] فيعتبر كل وصف من أوصافهم بما يناسبه من المعاني المعتبرة
~~في الصراط، فالكفر المنبىء عن الستر بإزاء كونه نورا، واستحباب/ الحياة
~~الدنيا الفانية المفصحة عن وخامة العاقبة بمقابلة كون مسلوكه محمود
~~العاقبة، والصد عنه بإزاء كونه سالكه عزيزا. وقال الحوفي وأبو البقاء:
~~إنه صفة { الكفرين } ورد ذلك أبو حيان بأن فيه الفصل بين الصفة
~~والموصوف بأجنبي وهو

# من عذاب شديد

# [إبراهيم: 2] سواء كان في موضع الصفة  لويل  أو متعلقا بمحذوف، ونظير
~~ذلك على الوصفية قولك: الدار لزيد الحسنة القرشي وهو لا يجوز لأنك قد
~~فصلت بين زيد وصفته بأجنبي عنهما، والتركيب الصحيح فيه أن يقال: الدار
~~الحسنة لزيد القرشي أو الدار لزيد القرشي الحسنة، وقيل إذا جعل

# من عذاب شديد

# [إبراهيم: 2] خبر مبتدأ محذوف والجملة اعتراضية لا يضر الفصل بها وهو
~~كما ترى، وجوز أن يكون محله النصب على الذم أو الرفع عليه بأن يقدر أنه
~~كان نعتا فقطع أي هم الذين، وجوز أن لا يقدر ذلك ويجعل مبتدأ خبره قوله
~~تعالى:

# { أولئك في ضلال } أي بعد عن الحق { بعيد } وهو على غير
~~هذا الوجه استئناف في موضع التعليل، وفيه تأكيد لما أشعر به بناء الحكم
~~على الموصول، والمراد أنهم قد ضلوا عن الحق ووقعوا عنه بمراحل.

# وفي ms05001 الآية من المبالغة في ضلالهم ما لا يخفى حيث أسند فيها إلى المصدر
~~ما هو لصاحبه مجازا  كجد جده  إلا أن الفرق بين ما نحن فيه وذاك أن
~~المسند إليه في الأول مصدر غير المسند وفي ذاك مصدره وليس بينهما بعد.
~~ويجوز أن يقال: إنه أسند فيها ما للشخص إلى سبب إتصافه بما وصف به بناء
~~على أن البعد في الحقيقة صفة له باعتبار بعد مكانه عن مقصده وسبب بعده
~~ضلاله لأنه لو لم يضل لم يبعد عنه، فيكون كقولك: قتل فلانا عصيانه،
~~والإسناد مجازي وفيه المبالغة المذكورة أيضا، وفي «الكشاف» هو من
~~الإسناد المجازي والبعد في الحقيقة للضال فوصف به فعله، ويجوز أن يراد في
~~ضلال ذي بعد أو فيه بعد لأن الضال قد يضل عن الطريق مكانا قريبا
~~وبعيدا، وكتب عليه في «الكشف» أن الإسناد المجازي على جعل البعد لصاحب
~~الضلال لأنه الذي يتباعد عن طريق الضلال فوصف ضلاله بوصفه مبالغة وليس
~~المراد إبعادهم في الضلال وتعمقهم فيه. وأما قوله: فيجوز أن يراد في ضلال
~~ذي بعد فعلى هذا البعد صفة للضلال حقيقة بمعنى بعد غوره وأنه هاوية لا
~~نهاية لها، وقوله: أو فيه بعد على جعل الضلال مستقرا للبعد بمنزلة مكان
~~بعيد عن الجادة وهو معنى بعده في نفسه عن الحق لتضادهما، وإليه الإشارة
~~بقوله: لأن الضال قد يضل مكانا بعيدا وقريبا، والغرض بيان غاية التضاد
~~وأنه بعد لا يوازن وزانه، وعلى جميع التقادير البعد مستفاد من البعد
~~المسافي إلى تفاوت ما بين الحق والباطل أو ما بين أهلهما وجاز أن يكون
~~قوله: ذي بعد أو فيه بعد وجها واحدا إشارة إلى الملابسة بين الضلال
~~والبعد لا بواسطة صاحب الضلال لكن الأول أولى تكثيرا للفائدة، ثم قوله
~~تعالى: { أولئك في ضلال } دون أن يقول سبحانه: أولئك ضالون
~~ضلالا بعيدا للدلالة على تمكنهم فيه تمكن المظروف في الظرف وتصوير
~~اشتمال الضلال عليهم اشتمال المحيط على المحاط وليكون كناية بالغة في
~~إثبات الوصف أعني الضلال على الأوجه فافهم.

### || [14.4] ms05002

# { وما أرسلنا } أي في الأمم الخالية من قبلك كما سيذكر إن شاء
~~الله تعالى إجمالا { من رسول إلا } متلبسا { بلسان
~~قومه } متكلما بلغة من أرسل إليهم من الأمم المتفقة على لغة سواء
~~بعث فيهم أو لا، وقيل: بلغة قومه الذين هو منهم وبعث فيهم، ولا ينتقض
~~الحصر بلوط عليه السلام فإنه تزوج منهم وسكن معهم، وأما يونس عليه السلام
~~فإنه من القوم الذين أرسل إليهم كما قالوه فلا حاجة إلى القول بأن ذلك
~~باعتبار الأكثر/ الأغلب ولعل الأولى ما ذكرنا. وقرأ أبو السمال وأبو
~~الحوراء وأبو عمران الجوني { بلسن } بإسكان السين على وزن ذكر وهي لغة في
~~لسان كريش ورياش، وقال صاحب " اللوامح ": إنه خاص باللغة واللسان يطلق
~~عليها وعلى الجارحة وإلى ذلك ذهب ابن عطية وقرأ أبو رجاء وأبو المتوكل
~~والجحدري { بلسن } بضم اللام والسين وهو جمع لسان كعماد وعمد. وقرىء {
~~بلسن } بضم اللام وسكون السين وهو مخفف لسن كرسل ورسل { ليبين } ذلك
~~الرسول { لهم } لأولئك القوم الذين أرسل إليهم ما كلفوا به فيتلقوه
~~منه بسهولة وسرعة فيمتثلوا ذلك من غير حاجة إلى الترجمة وحيث لم تتأت هذه
~~القاعدة في شأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى إخوانه المرسلين
~~أجمعين لعموم بعثته وشموله رسالته الأسود والأحمر والجن والبشر على
~~اختلاف لغاتهم وكان تعدد نظم الكتاب المنزل إليه صلى الله عليه وسلم عليه
~~حسب تعدد ألسنة الأمم أدعى إلى التنازع واختلاف الكلمة وتطرق أيدي
~~التحريف مع أن استقلال بعض من ذلك بالإعجاز مئنة لقدح القادحين، واتفاق
~~الجميع فيه أمر قريب من الإلجاء المنافي للتكليف، وحصر البيان بالترجمة
~~والتفسير اقتضت الحكمة [اتحاد النظم] المنبىء عن العزة وجلالة الشأن
~~المستتبع لفوائد غنية عن البيان، على أن الحاجة إلى الترجمة تتضاعف عند
~~التعدد إذ لا بد لكل طائفة من معرفة توافق الكل [وتحاذيه] حذو القذة
~~بالقذة من غير مخالفة ولو في خصلة فذة، وإنما يتم ذلك بمن يترجم عن الكل
~~واحدا أو متعددا وفيه من التعذر ما فيه، ثم لما كان أشرف ms05003 الأقوام
~~وأولاهم بدعوته عليه الصلاة والسلام قومه الذين بعث بين ظهرانيهم ولغتهم
~~أفضل اللغات نزل الكتاب المبين بلسان عربي مبين وانتشرت أحكامه بين
~~الأمم أجمعين، كذا قرره شيخ الإسلام والمسلمين وهو من الحسن بمكان، بيد
~~أن بعضهم أبقى الكلام على عمومه بحيث يشمل النبي صلى الله عليه وسلم
~~وأراد بالقوم الذين ذلك الرسول منهم وبعث فيهم، والمراد من قومه صلى الله
~~عليه وسلم العرب كلهم، ونقل ذلك أبو شامة في " المرشد " عن السجستاني
~~واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم:

# " انزل القرآن على سبعة أحرف "

# وفيه نظر ظاهر.

# وقال ابن قتيبة: المراد منهم قريش ولم ينزل القرآن إلا بلغتهم، وقيل:
~~إنما نزل بلغة مضر خاصة لقول عمر رضي الله تعالى عنه: نزل القرآن بلغة
~~مضر، وعين بعضهم فيما حكاه ابن عبد البر سبعا منهم هذيل وكنانة وقيس
~~وضبة وتيم الرباب وأسيد بن خزيمة وقريش، وأخرج أبو عبيد عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أنه قال: نزل بلغة الكعبين كعب قريش وكعب خزاعة فقيل:
~~وكيف؟ فقال: لأن الدار واحدة يعني خزاعة كانوا جيران قريش فسهلت عليهم
~~لغتهم؛ وجاء عن أبي صالح عنه أنه قال: نزل على سبع لغات منها خمس بلغة
~~العجز من هوازن ويقال لهم عليا هوازن، ومن هنا قال أبو عمرو بن العلاء:
~~أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم يعني بني دارم، والذي يذهب مذهب
~~السجستاني يقول: إن في القرآن ما نزل بلغة حمير وكنانة وجرهم وأزد شنوءة
~~ومذحج وخثعم وقيس عيلان وسعد العشيرة وكندة وعذرة وحضرموت وغسان ومزينة
~~ولخم وجذام وحنيفة واليمامة وسبا وسليم وعمارة وطي وخزاعة وعمان وتميم/
~~وأنمار والأشعريين والأوس والخزرج ومدين؛ وقد مثل لكل ذلك أبو القاسم،
~~وذكر أبو بكر الواسطي أن في القرآن من اللغات خمسين لغة وسردها ممثلا
~~لها إلا أنه ذكر أن فيه من غير العربية الفرس والنبط والحبشة والبربر
~~والسريانية والعبرانية والقبط، والذاهب إلى ما ذهب إليه ابن قتيبة يقول:
~~إن ما نسب إلى غير قريش على تقدير صحة نسبته مما ms05004 يوافق لغتهم، ونقل أبو
~~شامة عن بعض الشيوخ أنه قال: إنه نزل أولا بلسان قريش ومن جاورهم من
~~العرب الفصحاء ثم أبيح لسائر العرب أن تقرأه بلغاتهم التي جرت عاداتهم
~~باستعمالها كاختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلف أحد منهم الانتقال
~~من لغتهم إلى لغة أخرى للمشقة. ولما كان فيهم من الحمية ولطلب تسهيل
~~المراد، لكن أنت تعلم أن هذه الإباحة لم تستمر، وكون المتبادر من قومه
~~عليه الصلاة والسلام قريشا مما لا أظن أن أحدا يمتري فيه ويليه في
~~التبادر العرب.

# وفي «البحر» أن سبب نزول الآية أن قريشا قالوا: ما بال الكتب كلها
~~أعجمية وهذا عربي؟ وهذا إن صح ظاهر في العموم، ثم إنه لا يلزم من كون
~~لغته لغة قريش أو العرب اختصاص بعثته صلى الله عليه وسلم بهم، وإن زعمت
~~طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية اختصاص البعثة بالعرب لذلك، وحكمة
~~إنزاله بلغتهم أظهر من أن تخفى، وقيل: الضمير في { قومه } لمحمد صلى
~~الله عليه وسلم المعلوم من السياق فإنه كما أخرج ابن أبي عن سفيان
~~الثوري لم ينزل وحي إلا بالعربية ثم ترجم كل نبي لقومه، وقيل: كان يترجم
~~ذلك جبريل عليه السلام ونسب إلى الكلبي، وفيه أنه إذا لم يقع التبيين
~~إلا بعد الترجمة فات الغرض مما ذكر، وضمير { لهم } للقوم بلا خلاف وهم
~~المبين لهم بالترجمة.

# وفي «الكشاف» أن ذلك ليس بصحيح لأن ضمير { لهم } للقوم وهم العرب
~~فيؤدي إلى أن الله تعالى أنزل التوراة مثلا بالعربية ليبين للعرب وهو
~~معنى فاسد.

# وتكلف الطيبي دفع ذلك بأن الضمير راجع إلى كل قوم بدلالة السياق،
~~والجواب كما في «الكشف» أنه لا يدفع عن الإيهام على خلاف مقتضى المقام.
~~واحتج بعض الناس بهذه الآية على أن اللغات اصطلاحية لا توقيفية قال: لأن
~~التوقيف لا يحصل إلا بإرسال الرسل، وقد دلت الآية على أن إرسال كل من
~~الرسل لا يكون إلا بلغة قومه وذلك يقتضي تقدم حصول اللغات على إرسال
~~الرسول، وإذا كان كذلك امتنع حصول تلك ms05005 اللغات بالتوقيف فوجب حصولها
~~بالاصطلاح انتهى. وأجيب بأنا لا نسلم توقف التوقيف على إرسال الرسل لجواز
~~أن يخلق الله تعالى في العقلاء علما بأن الألفاظ وضعها واضع لكذا وكذا،
~~ولا يلزم من هذا كون العاقل عالما بالله تعالى بالضرورة بل الذي يلزم
~~منه ذلك لو خلق سبحانه في العقلاء علما ضروريا بأنه تعالى الواضع وأين
~~هذا من ذاك، على أنه لا ضرر في التزام خلق الله تعالى هذا العلم الضروري
~~وأي ضرر في كونه سبحانه معلوم الوجود بالضرورة لبعض العقلاء؟ والقول بأنه
~~يبطل التكليف حينئذ على عمومه غير مسلم وعلى تخصيصه بالمعرفة مسلم وغير
~~ضار.

# { فيضل الله من يشاء } إضلاله أي يخلق فيه الضلال لوجود
~~أسبابه المؤدية إليه فيه، وقيل: يخذله فلا يلطف به لما يعلم أنه لا ينجع
~~فيه الالطاف { ويهدى } يخلق الهداية أو يمنح الالطاف { من يشآء }
~~هدايته لما فيه من الأسباب المؤدية إلى ذلك، والالتفات بإسناد الفعلين
~~إلى الاسم الجليل لتفخيم شأنهما وترشيح مناط كل منهما، والفاء قيل فصيحة
~~مثلها في قوله تعالى:

# فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت

# [البقرة: 60] كأنه قيل: فبينوه لهم فأضل الله/ تعالى من شاء إضلاله وهدى
~~من شاء هدايته حسبما اقتضته حكمته تعالى البالغة، والحذف للإيذان بأن
~~مسارعة كل رسول إلى ما أمر به وجريان كل من الفعلين على سننه أمر محقق
~~غني عن الذكر والبيان. وفي «الكشف» وجه التعقيب عن السابق كوجهه في قوله
~~تعالى:

# يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا

# [البقرة: 26] على معنى أرسلنا الكتاب للتبيين فمنهم من نفعناه بذلك
~~البيان ومنهم من جعلناه حجة عليه، والفاء على هذا تفصيلية، والعدول إلى
~~صيغة الاستقبال لاستحضار الصورة أو الدلالة على التجدد والاستمرار حيث
~~تجدد البيان من الرسل عليهم السلام المتعاقبة عليهم، وتقديم الإضلال على
~~الهداية  كما قال بعض المحققين  إما لأنه إبقاء ما كان على ما كان
~~والهداية إنشاء ما لم يكن أو للمبالغة في بيان أنه لا تأثير للتبيين
~~والتذكير من قبل الرسل عليهم السلام وأن مدار الأمر إنما هو مشيئته ms05006 تعالى
~~بإيهام أن ترتيب الضلالة أسرع من ترتب الاهتداء، وهذا محقق لما سلف من
~~تقييد الإخراج من الظلمات إلى النور بإذن ربهم.

# { وهو العزيز } فلا يغالب في مشيئته تعالى { الحكيم } فلا
~~يشاء ما يشاء إلا لحكمة بالغة، وفيه كما في «البحر» وغيره أن ما فوض إلى
~~الرسل عليهم الصلاة والسلام إنما هو التبليغ وتبيين طريق الحق، وأما
~~الهداية والإرشاد إليه فذلك بيد الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
~~ثم إن هذه الآية ظاهرة في مذهب أهل السنة من أن الضلالة والهداية بخلقه
~~سبحانه، وقد ذكر المعتزلة لها عدة تأويلات، وللإمام فيها كلام طويل إن
~~أردته فارجع إليه.

### || [14.5]

# { ولقد أرسلنا موسى } شروع في تفصيل ما أجمل في قوله تعالى:

# وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه

# [إبراهيم: 4] الآية { بئايتنا } أي ملتبسا بها وهي كما أخرج
~~ابن جرير وغيره عن مجاهد وعطاء وعبيد بن عمير الآيات التسع التي أجراها
~~الله تعالى على يده عليه السلام، وقيل: يجوز أن يراد بها آيات التوراة {
~~أن أخرج قومك } بمعنى أي أخرج  فأن  تفسيرية لأن في الإرسال
~~معنى القول دون حروفه أو بأن أخرج فهي مصدرية حذف قبلها حرف الجر لأن
~~أرسل يتعدى بالباء، والجار يطرد حذفه قبل أن وأن، واتصال المصدرية بالأمر
~~أمر مر تحقيقه. وزعم بعضهم أن { أن } هنا زائدة ولا يخفى ضعفه، والمراد
~~من قومه عليه السلام كما هو الظاهر بنو إسرائيل ومن إخراجهم إخراجهم بعد
~~مهلك فرعون { من الظلمت } من الكفر والجهالات التي كانوا فيها
~~وأدت بهم إلى أن يقولوا:

# قالوا يموسى اجعل لنا إلها كما لهم ءالهة

# [الأعراف: 138] { إلى النور } إلى الإيمان بالله تعالى وتوحيده
~~وسائر ما أمروا به، وقيل: أخرجهم من ظلمات النقص إلى نور الكمال {
~~وذكرهم بأيام الله } أي بنعمائه وبلائه كما روي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما، واختاره الطبري لأنه الأنسب بالمقام والأوفق
~~بما سيأتي إن شاء الله تعالى من الكلام، والعطف على { أخرج } وجوز أن
~~تكون الجملة مستأنفة، والالتفات من التكلم إلى ms05007 الغيبة بإضافة الأيام إلى
~~الاسم الجليل للإيذان بفخامة شأنها والإشعار  على ما قيل  بعدم اختصاص
~~ما فيها من المعاملة بالمخاطب وقومه كما يوهمه الإضافة إلى ضمير المتكلم،
~~وحاصل المعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد. وعن ابن عباس أيضا
~~والربيع ومقاتل وابن زيد المراد  بأيام الله  وقائعه سبحانه ونقماته في
~~الأمم الخالية، ومن ذلك أيام العرب لحروبها وملاحمها كيوم ذي قار ويوم
~~الفجار ويوم قضة وغيرها، واستظهره الزمخشري للغلبة العرفية وأن العرب
~~استعملته للوقائع، وأنشد الطبرسي/ لذلك قول عمرو بن كلثوم:

# وأيام لنا غرر طوال

# عصينا الملك فيها إن ندينا

# وأنشده الشهاب للمعنى السابق، وأنشد لهذا قوله:

# وأيامنا مشهورة في عدونا

# وأخرج النسائي وعبد الله بن حمد في «زوائد المسند» والبيهقي في " شعب
~~الإيمان ". وغيرهم عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر
~~الأيام في الآية بنعم الله تعالى وآلائه، وروى ذلك ابن المنذر عن ابن
~~عباس ومجاهد، وجعل أبو حيان من ذلك بيت عمرو، والأظهر فيه ما ذكره
~~الطبرسي.

# وأنت تعلم أنه إن صح الحديث فعليه الفتوى، لكن ذكر شيخ الإسلام في ترجيح
~~التفسير المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أولا على ما روي
~~ثانيا بأنه يرد الثاني ما تصدى له عليه السلام بصدد الامتثال من التذكير
~~بكل من السراء والضراء مما جرى عليهم وعلى غيرهم حسبما يتلى بعد، وهو
~~يبعد صحة الحديث، والقول بأن النقم بالنسبة إلى قوم نعم بالنسبة إلى
~~آخرين كما قيل:

# مصائب قوم عند قوم فوائد

# مما لا ينبغي أن يلتفت إليه عاقل في هذا المقام. نعم إن قوله تعالى:

# اذكروا نعمة الله عليكم

# [إبراهيم: 6] ظاهر في تفسير الأيام بالنعم وما يستدعي غير ذلك ستسمع فيه
~~أقوالا لا يستدعيه على بعضها. وزعم بعضهم أن المراد من قومه عليه السلام
~~القبط { الظلمت والنور } الكفر والإيمان لا غير، وقيل: قومه
~~عليه السلام القبط وبنو إسرائيل وكان عليه السلام مبعوثا إليهم جميعا
~~إلا أنه بعث إلى القبط بالاعتراف بوحدانية الله تعالى وأن لا ms05008 يشركوا به
~~سبحانه شيئا، وإلى بني إسرائيل بذلك وبالتكليف بفروع الشريعة. وقيل: هم
~~بنو إسرائيل فقط إلا أن المراد من { الظلمت، والنور } إن
~~كانوا كلهم مؤمنين ظلمات ذل العبودية ونور عزة الدين وظهور أمر الله
~~تعالى، ونحن نقول: نسأل الله تعالى أن يخرجنا وأهل هذه الأقوال من ظلمات
~~الجهل إلى نور العلم.

# { إن فى ذلك } أي في التذكير بأيام الله تعالى أو في الأيام {
~~لآيات } عظيمة أو كثيرة دالة على وحدانية الله تعالى وقدرته وعلمه
~~وحكمته، وهي على الأول الأيام، ومعنى كون التذكير ظرفا لها كونه مناطا
~~لظهورها، وعلى الثاني كذلك أيضا إلا أن كلمة { فى } تجريدية أو هي عليه
~~كل واحدة من النعماء والبلاء، والمشار إليه المجموع المشتمل عليها من حيث
~~هو مجموع، وجوز أن يراد بالأيام فيما سبق أنفسها المنطوية على النعم
~~والنقم، فإذا كانت الإشارة إليها وحملت الآيات على النعماء والبلاء فأمر
~~الظرفية ظاهر { لكل صبار } كثير الصبر على بلائه تعالى { شكور
~~} كثير الشكر لنعمائه عز وجل. وقيل: المراد لكل مؤمن، فعلى الأول الوصفان
~~عبارتان لمعنيين، وعلى هذا عبارة عن معنى واحد على طريق الكناية كحي
~~مستوي القامة بادي البشرة في الكناية عن الإنسان، والتعبير عن المؤمن
~~بذلك للإشعار بأن الصبر والشكر عنوان المؤمن الدال على ما في باطنه.
~~والمراد على ما قيل لكل من يليق بكمال الصبر والشكر أو الإيمان ويصير
~~أمره إلى ذلك لا لمن اتصف به بالفعل لأن الكلام تعليل للأمر بالتذكير
~~المذكور السابق على التذكير المؤدي إلى تلك المرتبة، فإن من تذكر ما فاض
~~أو نزل عليه أو على ما قبله من النعمة والنقمة وتنبه لعاقبة الصبر والشكر
~~أو الإيمان لا يكاد يفارق ذلك وتخصيص الآيات بالصبار الشكور لأنه المنتفع
~~بها لا لأنها خافية عن غيره فإن التبيين حاصل بالنسبة إلى الكل، وتقديم
~~الصبر على الشكر لما أن الصبر مفتاح/ الفرج المقتضى للشكر، وقيل: لأنه من
~~قبيل التروك يقال: صبرت الدابة إذا حبستها بلا علف والشكر ليس كذلك فإنه
~~ كما قال الراغب  ((تصور ms05009 النعمة وإظهارها، قيل: وهو مقلوب الكشر أي
~~الكشف،.

# .. وقيل: أصله من عين شكرى أي ممتلئة فالشكر على هذا هو الامتلاء من ذكر
~~المنعم عليه، وهو على ثلاثة أضرب: شكر القلب... وشكر اللسان وشكر
~~الجوارح، وذكر أن توفية شكر الله تعالى صعبة، ولذلك لم يثن سبحانه بالشكر
~~على أحد من أوليائه إلا على اثنين نوح وإبراهيم عليهما السلام))، وقد
~~يكون انقسام الشكر على النعمة وعدم انقسام الصبر على النقمة وجها
~~للتقديم والتأخير، وقيل: ذلك لتقدم متعلق الصبر  أعني البلاء  على
~~متعلق الشكر أعني النعماء.

### || [14.6]

# { وإذ قال موسى } شروع في بيان تصديه عليه السلام لما أمر به من
~~التذكير للإخراج المذكور { وإذ } منصوب على المفعولية عند كثير بمضمر
~~خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم، وتعليق الذكر بالوقت مع أن المقصود
~~تذكير ما وقع فيه من الحوادث لما مر غيره مرة أي اذكر لهم وقت قوله عليه
~~السلام { لقومه } الذين أمرناه بإخراجهم من الظلمات إلى النور {
~~اذكروا نعمة الله } تعالى الجليلة { عليكم } وبدأ عليه
~~السلام بالترغيب لأنه عند النفس أقبل وهي إليه أميل، وقيل: بدأ بهذا
~~الأمر لما بينه وبين آخر الكلام السابق من مزيد الربط، ولا يخفى أن هذا
~~إنما هو على تقدير أن يكون عليه السلام مأمورا بالترغيب والترهيب، أما
~~إذا كان مأمورا بالترغيب فقط فلا سؤال، والظرف متعلق بنفس النعمة إن
~~جعلت مصدرا بمعنى الإنعام أو بمحذوف وقع حالا منها إن جعلت اسما أي
~~اذكروا إنعامه عليكم أو نعمته كائنة عليكم.

# و { إذ } في قوله سبحانه: { إذ أنجكم من ءال فرعون }
~~يجوز أن يتعلق بالنعمة أيضا على تقدير جعلها مصدرا أي اذكروا إنعامه
~~عليكم وقت إنجائكم، ويجوز أن يتعلق بكلمة { عليكم } إذا كانت حالا
~~لا ظرفا لغوا للنعمة لأن الظرف المستقر لنيابته عن عامله يجوز أن يعمل
~~عمله أو هو على هذا معمول لمتعلقه كأنه قيل: اذكروا نعمة الله تعالى
~~مستقرة عليكم وقت إنجائكم، ويجوز أن يكون بدل اشتمال من نعمة الله مرادا
~~بها الإنعام أو العطية المنعم ms05010 بها { يسومونكم } يبغونكم من سامه
~~خسفا إذا أولاه ظلما، وأصل السوم  كما قال الراغب  الذهاب في طلب
~~الشيء فهو لفظ لمعنى مركب من الذهاب والطلب فأجري مجرى الذهاب في قولهم:
~~سامت الإبل فهي سائمة، ومجرى الطلب في قولهم: سمته كذا { سوء العذاب
~~} مفعول ثاني  ليسومونكم  والسوء مصدر ساء يسوء، والمراد جنس العذاب
~~السيء أو استعبادهم واستعمالهم في الأعمال الشاقة والاستهانة بهم وغير
~~ذلك. وفي «أنوار التنزيل» أن المراد بالعذاب ههنا غير المراد به في سورة
~~البقرة والأعراف لأنه مفسر بالتذبيح والتقتيل ثم ومعطوف عليه التذبيح
~~المفاد بقوله تعالى: { ويذبحون أبناءكم } ههنا، وفيه إشارة
~~إلى وجه العطف وتركه مع أن القصة واحدة، وحاصل ذلك أنه حيث طرح الواو قصد
~~تفسير العذاب وبيانه فلم يعطف لما بينهما من كمال الاتصال وحيث عطف لم
~~يقصد ذلك، والعذاب إن كان المراد به الجنس فالتذبيح لكونه أشد/ أنواعه
~~عطف عليه عطف جبريل على الملائكة عليهم السلام تنبيها على أنه لشدته
~~كأنه ليس من ذلك الجنس، وإن كان المراد به غيره كالاستعباد فهما متغايران
~~والمحل محل العطف، وقد جوز أهل المعاني أن يكونا بمعنى في الجميع وذكر
~~الثاني للتفسير، وترك العطف في السورتين ظاهر والعطف هنا لعد التفسير
~~لكونه أوفى بالمراد وأظهر منزلة المغاير وهو وجه حسن أيضا، وسبب هذا
~~التذبيح أن فرعون رأى في المنام أو قال له الكهنة أنه سيولد لبني إسرائيل
~~من يذهب بملكه فاجتهدوا في ذلك فلم يغن عنهم من قضاء الله تعالى شيئا.

# وقرأ ابن محيصن { ويذبحون } مضارع ذبح ثلاثيا. وقرأ زيد بن علي رضي
~~الله تعالى عنهما كذلك إلا أنه حذف الواو { ويستحيون نساءكم }
~~أي يبقونهن في الحياة مع الذل، ولذلك عد من جملة البلاء أو لأن إبقاءهن
~~دون البنين رزية في نفسه كما قيل:

# ومن أعظم الرزء فيما أرى

# بقاء البنات وموت البنينا

# والجمل أحوال من آل فرعون أو من ضمير المخاطبين أو منهما جميعا لأن
~~فيها ضمير كل منهما، ولا اختلاف في العامل لأنه وإن كان في آل ms05011 فرعون من
~~في الظاهر لكنه لفظ { أنجاكم } في الحقيقة، والاقتصار على الاحتمالين
~~الأولين هنا وتجويز الثلاثة في سورة البقرة كما فعل البيضاوي بيض الله
~~تعالى غرة أحواله لا يظهر وجهه.

# { وفى ذلكم } أي فيما ذكرنا من الأفعال الفظيعة { بلاء من
~~ربكم } أي ابتلاء منه تعالى لا أن البلاء عين تلك الأفعال اللهم إلا
~~أن تجعل { فى } تجريدية فنسبته إلى الله تعالى إما من حيث الخلق وهو
~~الظاهر أو الإقدار والتمكين، ويجوز أن يكون المشار إليه الإنجاء من ذلك
~~والبلاء الابتلاء بالنعمة فإنه يكون بها كما يكون بالمحنة قال تعالى:

# ونبلوكم بالشر والخير فتنة

# [الأنبياء: 35] وقال زهير:

# جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم

# فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو

# وهو الأنسب بصدر الآية، ويلوح إليه التعرض لوصف الربوبية، وعلى الأول
~~يكون ذلك باعتبار المآل الذي هو الإنجاء أو باعتبار أن بلاء المؤمن تربية
~~له ونفع في الحقيقة { عظيم } لا يطاق حمله أو عظيم الشأن جليل القدر.

### || [14.7]

# { وإذ تأذن ربكم } داخل في مقول موسى عليه السلام لا كلام
~~مبتدأ، وهو معطوف على

# نعمة الله

# [إبراهيم: 6] أي اذكروا نعمة الله تعالى عليكم واذكروا حين تأذن ربكم أي
~~آذن إيذانا بليغا وأعلم إعلاما لا يبقى معه شبهة لما في صيغة التفعل
~~من معنى التكلف المحمول في حقه تعالى لاستحالة حقيقته عليه سبحانه على
~~غايته التي هي الكمال، وجوز عطفه على { إذ أنجاكم } أي اذكروا
~~نعمته تعالى في هذين الوقتين فإن هذا التأذن أيضا نعمة من الله تعالى
~~عليهم لما فيه من الترغيب والترهيب الباعثين إلى ما ينالون به خيري
~~الدنيا والآخرة، وفي قراءة ابن مسعود { وإذ قال ربكم }.

# { لئن شكرتم } ما خولتكم من نعمة الإنجاء من إهلاك وغير ذلك
~~وقابلتموه بالإيمان أو بالثبات عليه أو الإخلاص فيه والعمل الصالح {
~~لأزيدنكم } أي نعمة إلى نعمة فإن زيادة النعمة ظاهرة في سبق نعمة
~~أخرى، وقيل: يفهم ذلك أيضا من لفظ الشكر فإنه دال على سبق النعم فليس
~~الزيادة لمجرد الإحداث، والظاهر  على ما قيل  إن هذه ms05012 الزيادة في
~~الدنيا، وقيل: يحتمل أن تكون في الدنيا وفي الآخرة وليس ببعيد، وعن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما لئن وحدتم وأطعتم/ لأزيدنكم في الثواب، وعن
~~الحسن. وسفيان الثوري أن المعنى لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من طاعتي،
~~والكل خلاف الظاهر. وذكر الإمام ((أن حقيقة الشكر الاعتراف بنعمة المنعم
~~مع تعظيمه، وبيان زيادة النعم به أن النعم منها روحانية ومنها جسمانية
~~والشاكر يكون أبدا في مطالعة أقسام نعم الله تعالى وأنواع فضله وكرمه
~~وذلك يوجب تأكد محبة الله تعالى المحسن عليه بذلك ومقام المحبة أعلى
~~مقامات الصديقين، ثم قد يترقى العبد من تلك الحالة إلى أن يكون حبه
~~للمنعم شاغلا له عن الالتفات إلى النعمة وهذه أعلى وأغلى فثبت من هذا أن
~~الاشتغال بالشكر يوجب زيادة النعم الروحانية، وكونه موجبا لزيادة النعم
~~الجسمانية فللاستقراء الدال على أن كل من كان اشتغاله بالشكر أكثر كان
~~وصول النعم إليه أكثر)) وهو كما ترى.

# { ولئن كفرتم } ذلك وغمطتموه ولم تشكروه كما تدل عليه المقابلة،
~~وقيل: المراد بالكفر ما يقابل الإيمان كأنه قيل: ولئن أشركتم { إن
~~عذابى لشديد } فعسى يصيبكم منه ما يصيبكم، ومن عادة الكرام غالبا
~~التصريح بالوعد والتعريض بالوعيد فما ظنك بأكرم الأكرمين، فلذا لم يقل
~~سبحانه: إن عذابي لكم لأعذبنكم كما قال جل وعلا: { لأزيدنكم }.
~~وجوز أن يكون المذكور تعليلا للجواب المحذوف أي لأعذبنكم، وبين الإمام
~~وجه كون كفران النعم سببا للعذاب أنه لا يحصل الكفران إلا عند الجهل
~~بكون تلك النعمة من الله تعالى؛ والجاهل بذلك جاهل بالله تعالى والجهل به
~~سبحانه من أعظم أنواع العذاب.

# والآية مما اجتمع فيها القسم والشرط فالجواب ساد مسد جوابيهما، والجملة
~~إما مفعول  لتأذن  لأنه ضرب من القول أو مفعول قول مقدر منصوب على
~~الحال ساد معموله مسده أي قائلا لئن شركتم الخ، وهذان مذهبان مشهوران
~~للكوفية والبصرية في أمثال ذلك.

# واستدل بالآية على أن شكر المنعم واجب وهو مما أجمع عليه السنيون
~~والمعتزلة إلا أن الأولين على وجوبه شرعا والآخرين على وجوبه عقلا، ms05013 وهو
~~مبني على قولهم بالحسن والقبح العقليين، وقد هد أركانه أهل السنة، على
~~أنه لو قيل به لم يكد يتم لهم الاستدلال بذلك في هذا المقام كما بين في
~~محله.

### || [14.8]

# { وقال موسى } لهم: { إن تكفروا } نعمه سبحانه ولم تشكروها {
~~أنتم } يا بني إسرائيل { ومن فى الأرض } من الناس وقيل من
~~الخلائق { جميعا } لم يتضرر هو سبحانه وإنما يتضرر من يكفر { فإن
~~الله لغنى } عن شكركم وشكرهم { حميد } مستوجب للحمد بذاته
~~تعالى لكثرة ما يوجبه من أياديه وإن لم يحمده أحد أو محمود تحمده
~~الملائكة عليهم السلام بل كل ذرة من ذرات العالم ناطقة بحمده، والحمد حيث
~~كان بمقابلة النعمة وغيرها من الفضائل كان أدل على كماله جل وعلا، وهو
~~تعليل لما حذف من جواب { إن تكفروا } كما أشرنا إليه، ثم إن موسى
~~عليه السلام بعد أن ذكرهم أولا بنعمائه تعالى عليهم صريحا وضمنه بذكر
~~ما أصابهم من الضراء، وأمرهم ثانيا بذكر ما جرى منه سبحانه من الوعد
~~بالزيادة على الشكر والوعيد بالعذاب على الكفر وحقق لهم مضمون ذلك،
~~وحذرهم من عند نفسه عن الكفران ثالثا لما رأى منهم ما يوجب ذلك شرع في
~~الترهيب بتذكير ما جرى على الأمم الدارجة فقال: { ألم يأتكم
~~نبؤا الذين من قبلكم... }

### || [14.9]

# { ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم } ليتدبروا ما
~~أصاب كل واحد من حزبي المؤمن والكافر فيتم له عليه السلام مقصوده منهم.
~~وجوز أن يكون من تتمة قوله عليه/ السلام:

# إن تكفروا

# [إبراهيم: 8] الخ على أنه كالبيان لما أشير إليه في الجواب من عود ضرر
~~الكفران على الكافر دونه عز وجل، وقيل: هو من كلامه تعالى جىء تتمة لقوله
~~سبحانه:

# لئن شكرتم

# [إبراهيم: 7] الخ وبيانا لشدة عذابه ونقل كلام موسى عليه السلام معترض
~~في البين وهو كما ترى، وقيل: هو ابتداء كلام منه تعالى مخاطبا به أمة
~~محمد صلى الله عليه وسلم بعد ما ذكر إرساله عليه الصلاة والسلام بالقرآن
~~وقص عليهم من قصص موسى عليه الصلاة والسلام مع أمته ولعل تخصيص ms05014 تذكيرهم
~~بما أصاب أولئك المعدودين مع قرب غيرهم إليهم للإشارة إلى أن إهلاكه
~~تعالى الظالمين ونصره المؤمنين عادة قديمة له سبحانه وتعالى، ومن الناس
~~من استبعد ذلك. { قوم نوح } بدل من الموصول أو عطف بيان { وعاد }
~~معطوف على قوم نوح { وثمود والذين من بعدهم } أي من بعد
~~هؤلاء المذكورين عطف على قوم نوح وما عطف عليه، وقوله تعالى: { لا
~~يعلمهم إلا الله } اعتراض أو الموصول مبتدأ وهذه الجملة خبره
~~وجملة المبتدأ وخبره اعتراض، والمعنى على الوجهين أنهم من الكثرة بحيث لا
~~يعلم عددهم إلا الله تعالى، ومعنى الاعتراض على الأول ألم يأتكم أنباء
~~الجم الغفير الذي لا يحصى كثرة فتعتبروا بها إن في ذلك لمعتبرا، وعلى
~~الثاني هو ترق ومعناه ألم يأتكم نبأ هؤلاء ومن لا يحصى عددهم كأنه يقال:
~~دع التفصيل فإنه لا مطمع في الحصر، وفيه لطف لإيهام الجمع بين الإجمال
~~والتفصيل ولذا جعله الزمخشري أول الوجهين، وما روي عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أنه قال: بين عدنان وإسماعيل عليه السلام ثلاثون أبا لا
~~يعرفون، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه إذا قرأ هذه الآية قال:
~~كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله تعالى علمها عن
~~العباد أظهر فيه على ما قيل. ومن هنا يعلم أن ترجيح الطيبي الوجه الأول
~~بما رجحه به ليس في محله: واعترض أبو حيان القول بالاعتراض بأنه لا يكون
~~إلا بين جزئين يطلب أحدهما الآخر وما ذكر ليس كذلك، ومنع بأن بين المعترض
~~بينهما ارتباطا يطلب به أحدهما الآخر لأنه يجوز أن تكون الجملة الآتية
~~حالا بتقدير قد والاعتراض يقع بين الحال وصاحبها، فليس ما ذكر مخالفا
~~لكلام النحاة، ولو سلم أنها ليست بحالية فما ذكروه هنا على مصطلح أهل
~~المعاني وهم لا يشترطون الشرط المذكور، حتى جوزوا أن يكون الاعتراض في
~~آخر الكلام كما صرح به ابن هشام في «المغني»، مع أن الجملة الآتية مفسرة
~~لما في الجملة الأولى فهي مرتبطة بها معنى، واشتراط الارتباط ms05015 الإعرابي
~~عند النحاة غير مسلم أيضا فتأمل.

# وجعل أبو البقاء جملة { لا يعلمهم إلا الله } على تقدير
~~عطف الموصول على ما قبل حالا من الضمير في { من بعدهم } وجوز
~~الاستئناف، ولعله أراد بذلك الضمير المستقر في الجار والمجرور لا الضمير
~~المجرور بالإضافة لفقد شرط مجيء الحال منه، وجوز على تقدير كون الموصول
~~مبتدأ كون تلك الجملة خبرا وكونها حالا والخبر قوله تعالى: {
~~جاءتهم رسلهم } والكثير على أنه استئناف لبيان نبئهم {
~~بالبينت } بالمعجزات الظاهرة، فبين كل رسول منهم لأمته طريق
~~الحق وهداهم إليه ليخرجهم من الظلمات إلى النور { فردوا
~~أيديهم فى أفواههم } أي أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما
~~نطقت به { وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به } أي على
~~زعمكم، وهي البينات التي أظهروها حجة على صحة رسالتهم.

# / ومرادهم بالكفر بها الكفر بدلالتها على صحة رسالتهم أو الكتب
~~والشرائع، وحاصله أنهم أشاروا إلى جوابهم هذا كأنهم قالوا: هذا جوابنا
~~لكم ليس عندنا غيره إقناطا لهم من التصديق، وهذا كما يقع في كلام
~~المخاطبين أنهم يشيرون إلى أن هذا هو الجواب ثم يقررونه أو يقرونه ثم
~~يشيرون بأيديهم إلى أن هذا هو الجواب، فضمير أيديهم وأفواههم إلى الكفار،
~~والأيدي على حقيقتها، والرد مجاز عن الإشارة وهي تحتمل المقارنة والتقدم
~~والتأخر، وقال أبو صالح: المراد أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين
~~بذلك للرسل عليهم السلام أن يكفوا ويسكتوا عن كلامهم كأنهم قالوا: اسكتوا
~~فلا ينفعكم الإكثار ونحن مصرون على الكفر لا نقلع عنه:

# فكم أنا لا أصغي وأنت تطيل

# فالضميران للكفار أيضا وسائر ما في النظم على حقيقته. وأخرج ابن المنذر
~~والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن المراد أنهم
~~عضوا أيديهم غيظا من شدة نفرتهم من رؤية الرسل وسماع كلامهم، فالضميران
~~أيضا كما تقدم، واليد والفم على حقيقتهما، والرد كناية عن العض، ولا
~~ينافي الحقيقة كون المعضوض الأنامل كما في قوله تعالى:

# عضوا عليكم الأنامل من الغيظ

# [آل عمران: 119] فإن من عض موضعا من اليد يقال حقيقة إنه عض ms05016 اليد، وعن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم
~~تعجبا مما جاء به الرسل عليهم السلام، وهذا كما يضع من غلبه الضحك يده
~~على فيه، فالضميران وسائر ما في النظم كما في القول الثاني، وجوز أن يرجع
~~الضمير في { أيديهم } إلى الكفار وفي { أفواههم } إلى الرسل
~~عليهم السلام، وفيه احتمالان. الأول أنهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل
~~عليهم السلام أن اسكتوا، والآخر أنهم وضعوا أيديهم على أفواه الرسل عليهم
~~السلام منعا لهم من الكلام وروي هذا عن الحسن، والكلام يحتمل أن يكون
~~حقيقة ويحتمل أن يكون استعارة تمثيلية بأن يراد برد أيدي القوم إلى أفواه
~~الرسل عليهم السلام عدم قبول كلامهم واستماعه مشبها بوضع اليد على فم
~~المتكلم لإسكاته.

# وظاهر ما في " البحر " يقتضي أنه حقيقة حيث قال: إن ذلك أبلغ في الرد
~~وأذهب في الاستطاله على الرسل عليهم السلام والنيل منهم، وأن يكون الضمير
~~في { أيديهم } للكفار وضمير { أفواههم } للرسل عليهم السلام.

# والأيدي جمع يد بمعنى النعمة أي ردوا نعم الرسل عليهم السلام التي هي
~~أجل النعم من مواعظهم ونصائحهم وما أوحي إليهم من الشرائع والأحكام في
~~أفواههم، ويكون ذلك مثلا لردها وتكذيبها بأن يشبه رد الكفار ذلك برد
~~الكلام الخارج من الفم فقيل: ردوا أيديهم أي مواعظهم في أفواههم والمراد
~~عدم قبولها، وقيل: المراد بالأيدي النعم والضمير الأول للرسل عليهم
~~السلام أيضا لكن الضمير الثاني للكفار على معنى كذبوا ما جاؤوا به
~~بأفواههم أي تكذيبا لا مستند له، { وفى } بمعنى الباء، وقد أثبت
~~الفراء مجيئها بمعناها وأنشد:

# وأرغب فيها عن لقيط ورهطه

# ولكنني عن سنبس لست أرغب

# وضعف حمل الأيدي على النعم بأن مجيئها بمعنى ذلك قليل في الاستعمال حتى
~~أنكره بعض أهل اللغة وإن كان الصحيح خلافه، والمعروف في ذلك الأيادي كما
~~في قوله:

# / سأشكر عمرا إن تراخت منيتي

# أيادي لم تمنن وإن هي جلت

# وبأن الرد والأفواه يناسب إرادة الجارحة، وقال أبو عبيدة الضميران
~~للكفار والكلام ضرب مثل أي لم ms05017 يؤمنوا ولم يجيبوا، والعرب تقول للرجل إذا
~~سكت عن الجواب وأمسك رد يده في فيه، ومثله عن الأخفش. وتعقبه القتبي بأنا
~~لم نسمع أحدا من العرب يقول رد فلان يده في فيه إذا سكت وترك ما أمر به،
~~وفيه أنهما سمعا ذلك ومن سمع حجة على من لم يسمع، قال أبو حيان: وعلى ما
~~ذكراه يكون ذلك من مجاز التمثيل كأن الممسك عن الجواب الساكت عنه وضع يده
~~على فيه. ورده الطبري بأنهم قد أجابوا بالتكذيب لأنهم قالوا: { إنا
~~كفرنا } إلى آخره. وأجيب بأنه يحتمل أن يكون مراد القائل أنهم أمسكوا
~~وسكتوا عن الجواب المرضي الذي يقتضيه مجيء الرسل عليهم السلام إليهم
~~بالبينات وهو الاعتراف والتصديق، وقال ابن عطية: الضميران للكفار ويحتمل
~~أن يتجوز في الأيدي ويراد منها ما يشمل أنواع المدافعة، والمعنى ردوا
~~جميع مدافعتهم في أفواههم أي إلى ما قالوا بأفواههم من التكذيب، وحاصله
~~أنهم لم يجدوا ما يدفعون به كلام الرسل عليهم السلام سوى التكذيب المحض،
~~وعبر عن جميع المدافعة بالأيدي إذ هي موضع أشد المدافعة والمرادة. وقيل:
~~المراد أنهم جعلوا أيديهم في محل ألسنتهم على معنى أنهم آذوا الرسل عليهم
~~السلام بألسنتهم نحو الإيذاء بالأيدي، والذي يطابق المقام وتشهد له بلاغة
~~التنزيل هو الوجه الأول، ونص غير واحد على أنه الوجه القوي لأنهم لما
~~حاولوا الإنكار على الرسل عليهم السلام كل الإنكار جمعوا في الإنكار بين
~~الفعل والقول، ولذا أتى بالفاء تنبيها على أنهم لم يمهلوا بل عقبوا
~~دعوتهم بالتكذيب وصدروا الجملة بإن، ويلي ذلك على ما في " الكشف " الوجه
~~الثاني ولا يخفى ما في أكثر الوجوه الباقية فتأمل.

# { وإنا لفى شك } عظيم { مما تدعوننا إليه } من
~~الإيمان والتوحيد، وبهذا وتفسير { ما أرسلتم به } بما ذكر أولا
~~يندفع ما يتوهم من المنافاة بين جزمهم بالكفر وشكهم هذا، وقيل في دفع ذلك
~~على تقدير كون متعلقي الكفر والشك واحدا: إن الواو بمعنى أو أي أحد
~~الأمرين لازم وهو أنا كفرنا جزما بما أرسلتم به فإن لم نجزم ms05018 فلا أقل من
~~أن نكون شاكين فيه؛ وأيا ما كان فلا سبيل إلى الإقرار والتصديق، وقيل:
~~إن الكفر عدم الإيمان عمن هو من شأنه  فكفرنا  بمعنى لم نصدق وبذلك
~~فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وذلك لا ينافي الشك. وفي " البحر "
~~أنهم بادروا أولا إلى الكفر وهو التكذيب المحض ثم أخبروا أنهم في شك وهو
~~التردد كأنهم نظروا بعض نظر اقتضى أن انتقلوا من التكذيب المحض إلى
~~التردد أو هما قولان من طائفتين طائفة بادرت بالتكذيب والكفر وأخرى شكت،
~~والشك في مثل ما جاءت به الرسل عليهم السلام كفر، وهذا أولى من قرينه،
~~وقرأ طلحة { مما تدعونا } بادغام نون الرفع في نون الضمير كما
~~تدغم في نون الوقاية في نحو

# أتحاجوني

# [الأنعام: 80] { مريب } أي موقع في الريبة من أرابني بمعنى أوقعني في
~~ريبة أو ذي ريبة من أراب صار ذا ريبة، وهي قلق النفس وعدم اطمئنانها
~~بالشيء، وهو صفة توكيدية.

### || [14.10]

# { قالت رسلهم } استئناف مبني على سؤال ينساق إليه المقام كأنه
~~قيل: فماذا قالت لهم رسلهم حين قابلوهم بما قابلوهم به؟ فأجيب بأنهم
~~قالوا منكرين عليهم/ ومتعجبين من مقالتهم الحمقاء: { أفى الله شك
~~} بتقديم الظرف وإدخال الهمزة عليه للإيذان بأن مدار الإنكار ليس نفس
~~الشك بل وقوعه فيمن لا يكاد يتوهم فيه الشك أصلا، ولولا هذا القصد لجاز
~~تقديم المبتدأ، والقول بأنه ليس كذلك خطأ لأن وقوع النكرة بعد الاستفهام
~~مسوغ للابتداء بها وهو مما لا شك فيه، وكون ذلك المؤخر مبتدأ غير متعين
~~بل الأرجح كونه فاعلا بالظرف المعتمد على الاستفهام كما ستعلم إن شاء
~~الله تعالى، والكلام على تقدير مضاف على ما قيل أي أفي وحدانية الله
~~تعالى شك، بناء على أن المرسل إليهم لم يكونوا دهرية منكرين للصانع بل
~~كانوا عبدة أصنام، وقيل: يقدر في شأن الله ليعم الوجود والوحدة لأن فيهم
~~دهرية ومشركين. وقيل: يقدر حسب المخاطبين وتقدير الشأن مطلقا ذو شأن،
~~وفي عدم تطبيق الجواب على كلام الكفرة بأن يقولوا: أأنتم في شك مريب ms05019 من
~~الله تعالى مبالغة في تنزيه ساحة الجلال عن شائبة الشك وتسجيل عليهم
~~بسخافة العقول أي أفي شأنه تعالى شأنه من وجوده ووحدته ووجوب الإيمان به
~~وحده شك ما وهو أظهر من كل ظاهر وأجلى من كل جلي حتى تكونوا من قبله
~~سبحانه في شك عظيم مريب، وحيث كان مقصدهم الأقصى الدعوة إلى الإيمان
~~والتوحيد وكان إظهار البينات وسيلة إلى ذلك لم يتعرضوا للجواب عن قولهم:

# إنا كفرنا

# [إبراهيم: 9] إلى آخره واقتصروا على بيان ما هو الغاية القصوى، وقد
~~يقال: إنهم عليهم السلام قد اقتصروا على إنكار ما ذكر لأنه يعلم منه
~~إنكار وقوع الجزم بالكفر به سبحانه من باب أولى.

# { فاطر السموت والأرض } أي مبدعهما وما فيهما من
~~المصنوعات على نظام أنيق شاهد بتحقق ما أنتم في شك منه. وفي الآية  كما
~~قيل  إشارة إلى دليل التمانع. وجر { فاطر } على أنه بدل من الاسم
~~الجليل أو صفة له. وحيث كان { شك } فاعلا بالظرف وهو كالجزء من عامله
~~لا يعد أجنبيا فليس هناك فصل بين التابع والمتبوع بأجنبي وبهذا رجحت
~~الفاعلية على المبتدئية لأن المبتدأ ليس كذلك. نعم إلى الابتدائية ذهب
~~أبو حيان وقال: إنه لا يضر الفصل بين الموصوف وصفته بمثل هذا المبتدأ
~~فيجوز أن تقول: في الدار زيد الحسنة وإن كان أصل التركيب في الدار الحسنة
~~زيد. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { فاطر } نصبا على المدح.

# ثم إنه بعد أن أشير إلى الدليل الدال على تحقق ما هم في شك منه نبه على
~~عظم كرمه ورحمته تعالى فقيل: { يدعوكم } أي إلى الإيمان بإرساله
~~ايانا لا أنا ندعوكم إليه من تلقاء أنفسنا كما يوهم قولكم

# مما تدعوننا إليه

# [إبراهيم: 9] { ليغفر لكم } بسببه، فالمدعو إليه غير المغفرة.
~~وتقدير الإيمان لقرينة ما سبق. ويحتمل أن يكون المدعو إليه المغفرة لا
~~لأن اللام بمعنى إلى فإنه من ضيق العطن بل لأن معنى الاختصاص ومعنى
~~الانتهاء كلاهما واقعان في حاق الموقع فكأنه قيل: يدعوكم إلى المغفرة
~~لأجلها لا لغرض آخر. ms05020 وحقيقته أن الأغراض غايات مقصودة تفيد معنى الانتهاء
~~وزيادة قاله في " الكشف " ، وهذا نظير قوله:

# دعوت لما نابني مسورا

# فلبى فلبي يدي مسور

# / { من ذنوبكم } أي بعضها وهو ما عدا المظالم وحقوق العباد على ما
~~قيل، وهو مبني على أن الإسلام إنما يرفع ما هو من حقوق الله تعالى
~~الخالصة له دون غيره، والذي صححه المحدثون في شرح ما صح من قوله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " إن الإسلام يهدم ما قبله "

# أنه يرفع ما قبله مطلقا حتى المظالم وحقوق العباد، وأيد ذلك بظاهر قوله
~~تعالى في آية أخرى:

# يغفر لكم ذنوبكم

# [الأحزاب: 71] بدون من، و من هنا ذهب أبو عبيدة والأخفش إلى زيادة {
~~من } فيما هي فيه، وجمهور البصريين لا يجوزون زيادتها في الموجب ولا
~~إذا جرت المعرفة كما هنا فلا يتأتى التوفيق بذلك بين الآيتين، وجعلها
~~الزجاج للبيان ويحصل به التوفيق، وقيل: هي للبدل أي ليغفر لكم بدل ذنوبكم
~~ونسب للواحدي.

# وجوز أيضا أن تكون للتبعيض ويراد من البعض الجميع توسعا. ورد الإمام
~~الأول بأن { من } لا تأتي للبدل، والثاني بأنه عين ما نقل عن أبي
~~عبيدة والأخفش وهو منكر عند سيبويه والجمهور وفيه نظر ظاهر، ولو قال: إن
~~استعمال البعض في الجميع مسلم وأما استعمال من التبعيضية في ذلك فغير
~~مسلم لكان أولى. وفي " البحر " يصح التبعيض ويراد بالبعض ما كان قبل
~~الإسلام وذلك لا ينافي الحديث وتكون الآية وعدا بغفران ما تقدم لا
~~بغفران ما يستأنف ويكون ذاك مسكوتا عنه باقيا تحت المشيئة في الآية
~~والحديث، ونقل عن الأصم القول بالتبعيض أيضا على معنى أنكم إذا آمنتم
~~يغفر لكم الذنوب التي هي الكبائر واما الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها
~~لأنها في نفسها مغفورة، واستطيب ذلك الطيبي قال: والذي يقتضيه المقام
~~هذا لأن الدعوة عامة لقوله سبحانه: { قالت رسلهم أفى الله
~~شك فاطر السموات والأرض يدعوكم ليغفر لكم
~~من ذنوبكم } كأنه قيل: أيها الشاكون الملوثون بأوضار الشرك
~~والمعاصي إن الله تعالى يدعوكم إلى الإيمان والتوحيد ليطهركم من أخباث ms05021
~~أنجاس الذنوب فلا وجه للتخصيص أي بحقوق الله تعالى الخالصة له، وقد ورد

# إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف

# [الأنفال: 38] و { ما } للعموم سيما في الشرط، ومقام الكافر عند ترغيبه
~~في الإسلام بسط لا قبض، والكفار إذا أسلموا إنما اهتمامهم في الشرك ونحوه
~~لا في الصغائر، ويؤيده ما روي أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبد
~~الأوثان وقتل النفس التي حرم الله تعالى لم يغفر له فكيف ولم نهاجر
~~وعبدنا الأوثان وقتلنا النفس التي حرم الله تعالى فنزلت

# قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم

# [الزمر: 53] الآية، وقصة وحشي مشهورة، وجرح ذلك القاضي فقال: إن الأصم
~~قد أبعد في هذا التأويل لأن الكفار صغائرهم ككبائرهم في أنها لا تغفر
~~وإنما تكون الصغيرة مغفورة من الموحدين من حيث إنه يزيد ثوابهم على
~~عقابها وأما من لا ثواب له أصلا فلا يكون شيء من ذنوبه صغيرا ولا يكون
~~شيء منها مغفورا، ثم قال: وفي ذلك وجه آخر وهو أن الكافر قد ينسي بعض
~~ذنوبه في حال توبته وإيمانه فلا يكون المغفور إلا ما ذكره وتاب منه اه.
~~ولو سمع الأصم هذا التوجيه لأخذ ثأره من القاضي فإنه لعمري توجيه غير
~~وجيه؛ ولو أن أحدا سخم وجه القاضي لسخمت وجهه، وقال الزمخشري: إن
~~الاستقراء في الكافرين أن يأتي { من ذنوبكم } وفي المؤمنين {
~~ذنوبكم } وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين ولئلا يسوى في الميعاد بين
~~الفريقين.

# وحاصلة على ما في " الكشف " أن ليس مغفرة بعض الذنوب للدلالة على أن
~~بعضا آخر لا يغفر فإنه من قبيل دلالة مفهوم اللقب ولا اعتداد به، كيف
~~وللتخصيص فائدة أخرى هي التفرقة بين الخطابين بالتصريح بمغفرة الكل
~~وإبقاء البعض في حق الكفرة مسكوتا عنه لئلا يتكلوا على الإيمان. وفيه
~~أيضا أن هذا معنى حسن لا تكلف فيه. واعترض ابن الكمال بأن حديث التفرقة
~~إنما يتم لو لم يجيء خطاب على العموم وقد جاء كذلك في سورة الأنفال [38]
~~/ في قوله سبحانه:

# قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر ms05022 لهم ما قد
~~سلف

# وأجيب بأن هذا غير وارد إذ المراد التفرقة فيما ذكر فيه صيغة ويغفر
~~ذنوبكم لا مطلق ما كان بمعناه ولذا أسند الأمر إلى الاستقراء، ومثل
~~الزمخشري لا يخفى عليه ما أورد ولا يلزم رعاية هذه النكتة في جميع
~~المواد، وذكر البيضاوي في وجه التفرقة بين الخطابين ما حاصله لعل المعنى
~~ذلك أنها لما ترتبت المغفرة في خطاب الكفرة على الإيمان لزم فيه { من
~~} التبعيضية لإخراج المظالم لأنها غير مغفورة، وأما في خطاب المؤمنين
~~فلما ترتبت على الطاعة واجتناب المعاصي التي من جملتها المظالم لم يحتج
~~إلى { من } لإخراجها لأنها خرجت بما رتبت عليه، وهو مبني على خلاف ما
~~صححه المحدثون، وينافيه ما ذكره في تفسير { من ذنوبكم } في سورة
~~نوح عليه السلام [4]؛ ومع ذا أورد عليه قوله تعالى:

# يقوم إنى لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله
~~واتقوه وأطيعون * يغفر لكم من ذنوبكم

# [نوح: 2-4] حيث ذكرت { من } مع ترتيب المغفرة على الطاعة واجتناب
~~المعاصي الذي أفاده { اتقوا } وقوله تعالى:

# يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة

# [الصف: 10] الآية لعدم ذكر { من } مع ترتبها على الإيمان، والجواب
~~بأنه لا ضير إذ يكفي ترتيب ذلك على الإيمان في بعض المواد فيحمل مثله على
~~أن القصد إلى ترتيبه عليه وحده بقرينة ذلك البعض وما ذكر معه يحمل على
~~الأمر به بعد الإيمان أدنى من أن يقال فيه ليس بشيء، وبالجملة توجيه
~~الزمخشري أوجه مما ذكره البيضاوي فتأمل وتذكر.

# { ويؤخركم إلى أجل مسمى } إلى وقت سماه الله تعالى
~~وجعله منتهى أعماركم على تقدير الإيمان ولا يعاجلكم بعذاب الاستئصال، وعن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يمتعكم في الدنيا باللذات والطيبات إلى
~~الموت، ولا يلزم مما ذكر القول بتعدد الأجل كما يزعمه المعتزلة، وقد مر
~~تحقيق ذلك { قالوا } استئناف كما سبق آنفا { إن أنتم } ما أنتم
~~{ إلا بشر مثلنا } من غير فضل يؤهلكم لما تدعون من الرسالة.
~~والزمخشري تهالك في مذهبه حتى اعتقد أن الكفار كانوا يعتقدون تفضيل الملك
~~{ تريدون } صفة ms05023 ثانية  لبشر  حملا على المعنى كقوله تعالى:

# أبشر يهدوننا

# [التغابن: 6] أو كلام مستأنف أي تريدون بما أنتم عليه من الدعوة
~~والإرشاد { أن تصدونا } بما تدعونا إليه من التوحيد وتخصيص العبادة
~~بالله تعالى { عما كان يعبد ءاباؤنا } عما استمر على عبادته
~~آباؤنا من غير شيء يوجبه. وقرأ طلحة { أن تصدونا } بتشديد النون، وخرج
~~على جعل أن مخففة من الثقيلة وتقدير فاصل بينها وبين الفعل أي أنه قد
~~تصدونا، وقد جاء مثل ذلك في قوله:

# علموا أن يؤملون فجادوا

# قبل أن يسألوا بأعظم سؤل

# والأولى أن يخرج على أن { أن } هي الثنائية التي تنصب المضارع لكنها لم
~~تعمل كما قيل: في قوله تعالى:

# لمن أراد أن يتم الرضاعة

# [البقرة: 233] في قراءة الرفع حملا لها على أختها { ما } المصدرية كما
~~عملت { ما } حملا عليها فيما ذكره بعضهم في قوله:

# أن تقرآن على أسماء ويحكما

# مني السلام وأن لا تشعرا أحدا

# { فأتونا بسلطن مبين } أي إن لم يكن الأمر كما قلنا بل
~~كنتم رسلا من قبله تعالى كما تدعون فأتونا بما يدل على صحة ما تدعونه من
~~الرسالة حتى نترك ما لم نزل نعبده أبا عن جد، أو على فضلكم واستحقاقكم
~~لتلك المرتبة. قال ابن عطية: إنهم استبعدوا إرسال البشر فأرادوا حجة
~~عليه، وقيل: بل إنهم اعتقدوا محاليته وذهبوا/ مذهب البراهمة وطلبوا الحجة
~~على جهة التعجيز أي بعثكم محال وإلا فأتوا بسلطان مبين أي إنكم لا تفعلون
~~ذلك أبدا. وهو خلاف الظاهر، وهذا الطلب كان بعد إتيانهم عليهم السلام
~~لهم من الآيات الظاهرة والبينات الباهرة ما تخر له الجبال الصم أقدمهم
~~عليه العناد والمكابرة.

### || [14.11]

# { قالت لهم رسلهم } مجاراة لأول مقالتهم: { إن نحن
~~إلا بشر مثلكم } كما تقولون وهذا كالقول بالموجب لأن فيه
~~إطماعا في الموافقة ثم كر إلى جانبهم بالإبطال بقولهم عليهم السلام: {
~~ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } أي إنما
~~اختصنا الله تعالى بالرسالة بفضل منه سبحانه وامتنان، والبشرية غير مانعة
~~لمشيئته جل وعلا، وفيه دليل على أن الرسالة عطائية ms05024 وأن ترجيح بعض
~~الجائزات على بعض بمشيئته تعالى، ولا يخفى ما في العدول عن ولكن الله من
~~علينا إلى ما في النظم الجليل من التواضع منهم عليهم السلام، وقيل:
~~المعنى ما نحن من الملائكة بل نحن بشر مثلكم في الصورة أو في الدخول تحت
~~الجنس ولكن الله تعالى يمن على من يشاء بالفضائل والكمالات والاستعدادات
~~التي يدور عليها فلك الاصطفاء للرسالة، وفي هذا ذهاب إلى قول بعض حكماء
~~الإسلام: إن الإنسان لو لم يكن في نفسه وبدنه مخصوصا بخواص شريفة علوية
~~قدسية فإنه يمتنع عقلا حصول صفة النبوة فيه، وأجابوا عن عدم ذكر
~~المرسلين عليهم السلام فضائلهم النفسانية والبدنية بأنه من باب التواضع
~~كاختيار العموم، والحق منع الامتناع العقلي وإن كانوا عليهم السلام
~~جميعا لهم مزايا وخواص مرجحة لهم على غيرهم، وإنما قيل لهم كما قيل:
~~لاختصاص الكلام بهم حيث أريد إلزامهم بخلاف ما سلف من إنكار وقوع الشك
~~فيه تعالى فإنه عام وإن اختص بهم ما يعقبه.

# { وما كان لنا } أي ما صح وما استقام { أن تأتيكم
~~بسلطن } أي بحجة ما من الحجج فضلا عن السلطان المبين الذي
~~اقترحتموه بشيء من الأشياء وسبب من الأسباب { إلا بإذن الله }
~~فإنه أمر يتعلق بمشيئته تعالى إن شاء كان وإلا فلا { وعلى الله }
~~وحده دون ما عداه مطلقا { فليتوكل المؤمنون } في الصبر
~~على معاندتكم ومعاداتكم، عمموا الأمر للإشعار بما يوجب التوكل من الإيمان
~~وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا، ويدل على ذلك قولهم: { وما لنا
~~ألا نتوكل على الله... }.

### || [14.12]

# { وما لنا ألا نتوكل على الله } ومحل الخلاف في دخول
~~المتكلم في عموم كلامه حيث لم يعلم دخوله فيه بالطريق الأولى أو تقم عليه
~~قرينة كما هنا. واحتمال أن يراد بالمؤمنين أنفسهم و { ما لنا } التفات
~~لا التفات إليه، والجمع بين الواو والفاء تقدم الكلام فيه و { ما }
~~استفهامية للسؤال عن السبب والعذر و { أن } على تقدير حرف الجر أي أي عذر
~~لنا في عدم التوكل عليه تعالى، والإظهار لإظهار النشاط بالتوكل عليه ms05025 جل
~~وعلا والاستلذاذ باسمه تعالى وتعليل التوكل { وقد هدانا } أي
~~والحال أنه سبحانه قد فعل بنا ما يوجب ذلك ويستدعيه حيث هدانا {
~~سبلنا } أي أرشد كلا منا سبيله ومنهاجه الذي شرع له وأوجب عليه سلوكه
~~في الدين. وقرأ أبو عمرو { سبلنا } بسكون الباء، وحيث كانت أذية
~~الكفار مما يوجب القلق والاضطراب القادح في/ التوكل قالوا على سبيل
~~التوكيد القسمي مظهرين لكمال العزيمة.

# { ولنصبرن على مآ آذيتمونا } و { ما } مصدرية أي
~~إذائكم إيانا بالعناد واقتراح الآيات وغير ذلك مما لا خير فيه، وجوزوا أن
~~تكون موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف أي الذي آذيتموناه، وكان الأصل
~~آذيتمونا به فهل حذف به أو الباء ووصل الفعل إلى الضمير؟ قولان.

# { وعلى الله } خاصة { فليتوكل المتوكلون } أي
~~فليثبت المتوكلون على ما أحدثوه من التوكل، والمراد بهم المؤمنون،
~~والتعبير عنهم بذلك لسبق اتصافهم به، وغرض المرسلين من ذلك نحو غرضهم مما
~~تقدم وربما يتجوز في المسند إليه. فالمعنى وعليه سبحانه فليتوكل مريدو
~~التوكل لكن الأول أولى. وقرأ الحسن بكسر لام الأمر في { ليتوكل } وهو
~~الأصل هذا، وذكر بعضهم أن من خواص هذه الآية دفع أذى البرغوث. فقد أخرج
~~المستغفري في " الدعوات " عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " إذا آذاك البرغوث فخذ قدحا من ماء واقرأ عليه سبع مرات { وما لنا
~~أن لا نتوكل على الله } الآية وتقول: إن كنتم مؤمنين فكفوا
~~شركم وأذاكم عنا ثم ترشه حول فراشك فإنك تبيت آمنا من شرها "

# وأخرج الديلمي في " مسند الفردوس " عن أبي الدرداء مرفوعا نحو ذلك إلا
~~أنه ليس فيه «إن كنتم مؤمنين فكفوا شركم وأذاكم عنا» ولم أقف على صحة
~~الخبر ولم أجرب ذلك إذ ليس للبرغوث ولع بي والحمد لله تعالى، وأظن أن
~~ذلك لملوحة الدم كما أخبرني به بعض الأطباء والله تعالى أعلم بحقيقة
~~الحال.

### || [14.13]

# { وقال الذين كفروا } قيل: لعل هؤلاء القائلين بعض المتمردين
~~في الكفر من أولئك الأمم الكافرة التي نقلت مقالاتهم الشنيعة دون جميعهم
~~كقوم شعيب وأضرابهم ولذلك ms05026 لم يقل: وقالوا، { لرسلهم
~~لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن فى ملتنا }
~~وجوز أن يكون المراد بهم أهل الحل والعقد الذين لهم قدرة على الإخراج
~~والإدخال، ويكون ذلك علة للعدول عن قالوا أيضا، و { أو } لأحد
~~الأمرين، ومرادهم ليكونن أحد الأمرين إخراجكم أو عودكم، فالمقسم عليه في
~~وسع المقسم، والقول بأنها بمعنى حتى أو إلا أن قول من لم يمعن النظر كما
~~في " البحر " فيما بعدها إذ لا يصح تركيب ذلك مع ما ذكر كما يصح في
~~لألزمنك أو تقضيني حقي، والمراد من العود الصيرورة والانتقال من حال إلى
~~أخرى وهو كثير الاستعمال بهذا المعنى، فيندفع ما يتوهم من أن العود يقتضي
~~أن الرسل عليهم السلام كانوا وحاشاهم في ملة الكفر قبل ذلك.

# واعترض في " الفرائد " بأنه لو كان العود بمعنى الصيرورة لقيل إلى ملتنا
~~فتعديته بفي يقتضي أنه ضمن معنى الدخول أي لتدخلن في ملتنا. ورده الطيبي
~~بأنه إنما يلزم ما ذكر لو كان { فى ملتنا } صلة الفعل إما إذا جعل
~~خبرا له لأن صار من أخوات كان فلا يرد كما في نحو صار زيد في الدار. نعم
~~يفهم مما ذكره وجه آخر وهو جعله مجازا بمعنى تدخلن لا تضمينا لأنه على
~~ما قرروه يقصد فيه المعنيان فلا يدفع المحذور. وفي " الكشف " أن { فى }
~~أبلغ من إلى لدلالته على الاستقرار والتمكن كأنهم لم يرضوا بأن يتظاهروا
~~أنهم من أهل ملتهم، وقيل: المراد من العود في ملتهم سكوتهم عنهم وترك
~~مطالبتهم بالإيمان وهو كما ترى، وقيل: هو على معناه المتبادر والخطاب لكل
~~رسول ولمن آمن معه من قومه فغلبوا الجماعة على الواحد، فإن كان الجماعة
~~حاضرين فالأمر ظاهر وإلا فهناك تغليب آخر في الخطاب، وقيل: لا تغليب
~~أصلا والخطاب للرسل وحدهم بناء على زعمهم أنهم كانوا من أهل ملتهم قبل
~~إظهار الدعوة كقول فرعون عليه اللعنة لموسى عليه السلام:

# وفعلت فعلتك التى فعلت وأنت من الكفرين

# [الشعراء: 19] وقد مر الكلام في مثل ذلك فتذكر.

# { فأوحى إليهم } أي إلى الرسل عليهم السلام ms05027 بعد ما قيل لهم ما
~~قيل { ربهم } مالك أمرهم سبحانه { لنهلكن الظلمين }
~~أي المشركين المتناهين في الظلم وهم أولئك القائلون، وقال ابن عطية: خص
~~سبحانه الظالمين من الذين كفروا إذ جائز أن يؤمن من الكفرة الذين قالوا
~~تلك المقالة ناس فالتوعد بإهلاك من خلص للظلم، و { أوحى } يحتمل أن
~~يكون بمعنى فعل الإيحاء فلا مفعول له { ولنهلكن } على إضمار القول أي
~~قائلا لنهلكن، ويحتمل أن يكون جاريا مجرى القول لكونه ضربا منه {
~~ولنهلكن } مفعوله.

### || [14.14]

# { ولنسكننكم الأرض } أي أرضهم وديارهم، فاللام للعهد وعند
~~بعض عوض عن المضاف إليه { من بعدهم } أي من بعد إهلاكهم، وأقسم
~~سبحانه وتعالى في مقابلة قسمهم، والظاهر أن ما أقسم عليه جل وعلا عقوبة
~~لهم على قولهم:

# لنخرجنكم من أرضنا

# [إبراهيم: 13] وفي ذلك دلالة على مزيد شناعة ما أتوا به حيث إنهم لما
~~أرادوا إخراج المخاطبين من ديارهم جعل عقوبته إخراجهم من دار الدنيا
~~وتوريث أولئك أرضهم وديارهم، وفي الحديث

# " من آذى جاره أورثه الله تعالى داره "

# وقرأ أبو حيوة { ليهلكن الظالمين } [إبراهيم: 13] { وليسكننكم الأرض }
~~بياء الغيبة اعتبارا  لأوحى  كقولك: أقسم زيد ليخرجن.

# { ذلك } اشارة إلى الموحى به وهو إهلاك الظالمين وإسكان المخاطبين
~~ديارهم، وبذلك الاعتبار وحد اسم الإشارة مع أن المشار إليه إثنان فلا
~~حاجة إلى جعله من قبيل

# عوان بين ذلك

# [البقرة: 68] وإن صح أي ذلك الأمر محقق ثابت. { لمن خاف مقامى }
~~أي موقفي الذي يقف به العباد بين يدي للحساب يوم القيامة، وإلى هذا ذهب
~~الزجاج فالمقام اسم مكان وإضافته إلى ضميره تعالى لكونه بين يديه سبحانه،
~~وقال الفراء: هو مصدر ميمي أضيف إلى الفاعل أي خاف قيامي عليه بالحفظ
~~لأعماله ومراقبتي إياه، وقيل: المراد إقامتي على العدل والصواب وعدم
~~الميل عن ذلك. وقيل: لفظ مقام مقحم لأن الخوف من الله تعالى أي لمن خافني
~~{ وخاف وعيد } أي وعيدي بالعذاب فياء المتكلم محذوف للاكتفاء
~~بالكسرة عنها في غير الوقف. والوعيد على ظاهره ومتعلقه محذوف، وجوز أن
~~يكون مصدرا من الوعد على وزن فعيل ms05028 وهو بمعنى اسم المفعول أي عذابي
~~الموعود للكفار. وفيه استعارة الوعد للإيعاد، والمراد بمن خاف على ما
~~أشير إليه في " الكشاف " المتقون، ووقوع ذلك إلى آخره بعد {
~~ولنسكننكم الأرض من بعدهم } موقع { والعقبة
~~للمتقين } في قصة موسى عليه السلام حيث قال لقومه:

# استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها
~~من يشاء من عباده والعقبة للمتقين

# [الأعراف: 128].

### || [14.15]

# { واستفتحوا } أي استنصروا الله تعالى على أعدائهم كقوله تعالى:

# إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح

# [الأنفال: 19] ويجوز أن يكون من الفتاحة أي الحكومة أي استحكموا الله
~~تعالى وطلبوا منه القضاء بينهم كقوله تعالى:

# ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق

# [الأعراف: 89] والضمير للرسل عليهم السلام كما روي عن قتادة وغيره،
~~والعطف على { أوحى } ويؤيد ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد وابن محيصن {
~~واستفتحوا } بكسر التاء أمرا للرسل عليهم السلام معطوفا على { ليهلكن }
~~[إبراهيم: 13] فهو داخل تحت الموحى، والواو من الحكاية دون المحكي، وقيل:
~~ما قبله لإنشاء الوعد فلا يلزم عطف الإنشاء على الخبر مع أن مذهب بعضهم
~~تجويزه، وأخر على القراءتين عن قوله تعالى: { لنهلكن } [إبراهيم: 13] أو
~~ أوحى إليهم  على ما " الكشف " / دلالة على أنهم لم يزالوا داعين إلى
~~أن تحقق الموعود من إهلاك الظالمين، وذلك لأن { لنهلكن } [إبراهيم: 13]
~~وعد وإنما حقيقة الإجابة حين الإهلاك، وليس من تفويض الترتيب إلى ذهن
~~السامع في شيء ولا ذلك من مقامه كما توهم. وقال ابن زيد: الضمير للكفار
~~والعطف حينئذ على

# قال الذين كفروا

# [إبراهيم: 13] أي قالوا ذلك واستفتحوا على نحو ما قال قريش:

# عجل لنا قطنا

# [ص: 16] وكأنهم لما قوي تكذيبهم وأذاهم ولم يعاجلوا بالعقوبة ظنوا أن ما
~~قيل لهم باطل فاستفتحوا على سبيل التهكم والاستهزاء كقول قوم نوح:

# فأتنا بما تعدنا

# [الأعراف: 70] وقوم شعيب

# فأسقط علينا كسفا

# [الشعراء: 187] إلى غير ذلك، وقيل: الضمير للرسل عليهم السلام ومكذبيهم
~~لأنهم كانوا كلهم سألوا الله تعالى أن ينصر المحق ويهلك المبطل، وجعل
~~بعضهم العطف على { أوحى } على هذا أيضا بل ظاهر كلام بعض أن العطف
~~عليه على القراءة المشهورة مطلقا، ms05029 وسيأتي إن شاء الله تعالى احتمال آخر
~~في الضمير ذكره الزمخشري.

# { وخاب } أي خسر وهلك { كل جبار } متكبر عن عبادة الله تعالى
~~وطاعته، وقال الراغب: ((الجبار في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصته
~~بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها، ولا يقال إلا على طريق الذم)) {
~~عنيد } معاند للحق مباه بما عنده، وجاء فعيل بمعنى مفاعل كثيرا كخليط
~~بمعنى مخالط ورضيع بمعنى مراضع، وذكر أبو عبيدة أن اشتقاق ذلك من العند
~~وهو الناحية، ولذا قال مجاهد: العنيد مجانب الحق، قيل: والوصف الأول:
~~إشارة إلى ذمه باعتبار الخلق النفساني والثاني: إلى ذمه باعتبار الأثر
~~الصادر عن ذلك الخلق وهو كونه مجانبا منحرفا عن الحق، وفي الكلام إيجاز
~~الحذف بحذف الفاء الفصيحة والمعطوف عليه أي استفتحوا ففتح لهم وظفروا بما
~~سألوا وأفلحوا وخاب كل جبار عنيد وهم قومهم المعاندون؛ فالخيبة بمعنى
~~مطلق الحرمان دون الحرمان عن المطلوب أو ذلك باعتبار أنهم كانوا يزعمون
~~أنهم على الحق، هذا إذا كان ضمير { استفتحوا } للرسل عليهم السلام،
~~وأما إذا كان للكفار فالعطف كما في «البحر» على { استفتحوا } أي
~~استفتح الكفار على الرسل عليهم السلام وخابوا ولم يفلحوا، وإنما وضع {
~~كل جبار عنيد } موضع ضميرهم ذما لهم وتسجيلا عليهم بالتجبر
~~والعناد لا أن بعضهم ليسوا كذلك ولم تصبهم الخيبة، ويقدر إذا كان الضمير
~~للرسل عليهم السلام وللكفرة استفتحوا جميعا فنصر الرسل وخاب كل عات
~~متمرد، والخيبة على الوجهين بمعنى الحرمان غب الطلب، وفي إسناد الخيبة
~~إلى كل منهم ما لا يخفى من المبالغة.

### || [14.16]

# { من ورائه جهنم } أي من قدامه وبين يديه كما قال الزجاج
~~والطبري وقطرب وجماعة، وعلى ذلك قوله:

# أليس ورائي إن تراخت منيتي

# لزوم العصا نحنيي عليها الأصابع

# ومعنى كونها قدامه أنه مرصد لها واقف على شفيرها ومبعوث إليها، وقيل:
~~المراد من خلف حياته وبعدها، ومن ذلك قوله:

# حلفت فلم أترك لنفسك ريبة

# وليس وراء الله للمرء مذهب

# وإليه ذهب ابن الأنباري، واستعمال { وراء } في هذا وذاك بناء على أنها
~~من الأضداد عند أبي ms05030 عبيدة/ والأزهري فهي من المشتركات اللفظية عندهما.
~~وقال جماعة: إنها من المشتركات المعنوية فهي موضوعة لأمر عام صادق على
~~القدام والخلف وهو ما توارى عنك. وقد تفسر بالزمان مجازا فيقال: الأمر
~~من ورائك على معنى أنه سيأتيك في المستقبل من أوقاتك.

# { ويسقى } قيل عطف على متعلق { من ورائه } المقدر، والأكثر
~~على أنه عطف على مقدر جوابا عن سؤال سائل كأنه قيل: فماذا يكون إذن؟
~~فقيل: يلقى فيها ما يلقى ويسقى { من ماء } مخصوص لا كالمياه المعهودة
~~{ صديد } قال مجاهد وقتادة والضحاك هو ما يسيل من أجساد أهل النار،
~~وقال محمد بن كعب والربيع: ما يسيل من فروج الزناة والزواني، وعن عكرمة
~~هو الدم والقيح؛ وأعربه الزمخشري عطف بيان لماء. وفي إبهامه أولا ثم
~~بيانه من التهويل ما لا يخفى، وجواز عطف البيان في النكرات مذهب الكوفيين
~~والفارسي، والبصريون لا يرونه وعلى مذهبهم هو بدل من { ماء } إن اعتبر
~~جامدا أو نعت إن اعتبر فيه الاشتقاق من الصد أي المنع من الشرب كأن ذلك
~~الماء لمزيد قبحه مانع عن شربه، وفي «البحر» قيل: إنه بمعنى مصدود عنه أي
~~لكراهته يصد عنه، وإلى كونه نعتا ذهب الحوفي وكذا ابن عطية قال: وذلك
~~كما تقول: هذا خاتم حديد، وإطلاق الماء على ذلك ليس بحقيقة وإنما أطلق
~~عليه باعتبار أنه بدله، وقال بعضهم: هو نعت على إسقاط مفيد التشبيه كما
~~تقول مررت برجل أسد، والتقدير مثل صديد وعلى هذا فإطلاق الماء عليه
~~حقيقة، وبالجملة تخصيص السقي من هذا الماء بالذكر من بين عذابها يدل على
~~أنه من أشد أنواعه.

### || [14.17]

# { يتجرعه } جوز أبو البقاء كونه صفة لماء أو حالا منه أو
~~استئنافا. وجوز أبو حيان كونه حالا من ضمير

# يسقى

# [إبراهيم: 16] والاستئناف أظهر وهو مبني على سؤال كأنه قيل: فماذا يفعل
~~به؟ فقيل: يتجرعه أي يتكلف جرعه مرة بعد أخرى لغلبة العطش واستيلاء
~~الحرارة عليه { ولا يكاد يسيغه } أي لا يقارب أن يسيغه فضلا عن
~~الإساغة بل يغص به فيشربه بعد اللتيا والتي جرعة ms05031 غب جرعة فيطول عذابه
~~تارة بالحرارة والعطش وأخرى بشربه على تلك الحالة؛ فإن السواغ انحدار
~~الماء انحدار الشراب في الحلق بسهولة وقبول نفس ونفيه لا يفيد نفي ما ذكر
~~جميعا، وقيل: تفعل مطاوع فعل يقال: جرعه فتجرع وقيل: إنه موافق للمجرد
~~أي جرعه كما تقول عدا الشيء وتعداه، وقيل: الإساغة الإدخال في الجوف،
~~والمعنى لا يقارب أن يدخله في جوفه قبل أن يشربه ثم شربه على حد ما قيل
~~في قوله تعالى:

# فذبحوها وما كادوا يفعلون

# [البقرة: 71] أي ما قاربوا قبل الذبح، وعبر عن ذلك بالإساغة لما أنها
~~المعهودة في الأشربة. أخرج أحمد والترمذي والنسائي والحاكم وصححه وغيرهم
~~عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الآية:

# " يقرب إليه فيتكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شربه
~~قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره "

# يقول الله تعالى:

# وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم

# [محمد: 15] وقال سبحانه:

# وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه

# [الكهف: 29] ويسيغه بضم الياء لأنه يقال: ساغ الشراب وأساغه غيره وهو
~~الفصيح وإن ورد ثلاثيه متعديا أيضا على ما ذكره أهل اللغة، وجملة { لا
~~يكاد } إلى آخره في موضع الحال من فاعل { يتجرعه } أو من
~~مفعوله أو منهما جميعا.

# { ويأتيه الموت } أي أسبابه من الشدائد وأنواع العذاب فالكلام
~~على المجاز أو بتقدير مضاف { من كل مكان } أي من كل موضع، والمراد
~~أنه يحيط به من جميع الجهات كما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما،
~~وقال إبراهيم التيمي: من/ كل مكان من جسده حتى من أطراف شعره وروي نحو
~~ذلك عن ميمون بن مهران ومحمد بن كعب، وإطلاق المكان على الأعضاء مجاز،
~~والظاهر أن هذا الإتيان في الآخرة.

# وقال الأخفش: أراد البلايا التي تصيب الكافر في الدنيا سماها موتا
~~لشدتها ولا يخفى بعده لأن سياق الكلام في أحوال الكافر في جهنم وما يلقى
~~فيها { وما هو بميت } أي والحال أنه ليس بميت حقيقة كما هو
~~الظاهر من مجيء أسبابه على أتم ms05032 وجه فيستريح مما غشيه من أصناف الموبقات.

# { ومن ورائه } أي من بين يدي من حكم عليه بما مر { عذاب
~~غليظ } يستقبل كل وقت عذابا أشد وأشق مما كان قبله، وقيل: في {
~~وراء } هنا نحو ما قيل فيما تقدم أمامه، وذكر هذه الجملة لدفع ما يتوهم
~~من الخفة بحسب الاعتياد كما في عذاب الدنيا، وقيل: ضمير ورائه يعود على
~~العذاب المفهوم من الكلام السابق لا على كل جبار، وروي ذلك عن الكلبي،
~~والمراد بهذا العذاب قيل: الخلود في النار وعليه الطبرسي، وقال الفضيل:
~~هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد.

# هذا وجوز في " الكشاف " أن تكون هذه الآية  أعني قوله تعالى:

# واستفتحوا

# [إبراهيم: 15] إلى هنا  منقطعة عن قصة الرسل عليهم السلام نازلة في أهل
~~مكة طلبوا الفتح الذي هو المطر في سنينهم التي أرسلت عليهم بدعوة رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فخيب سبحانه رجاءهم ولم يسقهم ووعدهم أن يسنيهم
~~في جهنم بدل سقياهم صديد أهل النار، والواو على هذا قيل: للاستئناف،
~~وقيل: للعطف إما على قوله تعالى:

# وويل للكفرين من عذاب شديد

# [إبراهيم: 2] أو على خبر

# أولئك في ضلال بعيد

# [إبراهيم: 3] لقربه لفظا ومعنى، والوجه الأول أوجه لبعد العهد وعدم
~~قرينة تخصيص الاستفتاح بالاستمطار ولأن الكلام على ذلك التقدير يتناول
~~أهل مكة تناولا أوليا فإن المقصود من ضرب القصة أن يعتبروا.

### || [14.18]

# { مثل الذين كفروا بربهم } مبتدأ خبره محذوف أي فيما
~~يتلى عليكم صفتهم التي هي في الغرابة كالمثل كما ذهب إليه سيبويه، وقوله
~~سبحانه: { أعمالهم كرماد } جملة مستأنفة لبيان مثلهم، ورجح ابن
~~عطية كونه مبتدأ وهذه الجملة خبره، وتعقبه الحوفي بأنه لا يجوز لخلو
~~الجملة عما يربطها بالمبتدأ وليست نفسه في المعنى لتستغني عن ذلك لظهور
~~أن ليس المعنى مثلهم هذه الجملة. وأجاب عنه السمين بالتزام أنها نفسه لأن
~~مثل الذين في تأويل ما يقال فيهم ويوصفون به إذا وصفوا فلا حاجة إلى
~~الرابط كما في قولك: صفة زيد عرضه مصون وماله مبذول، قيل: ولا يخفى حسنه
~~إلا أن المثل ms05033 عليه بمعنى الصفة، والمراد بالصفة اللفظ الموصوف به كما
~~يقال: صفة زيد أسمر أي اللفظ الذي يوصف به هو هذا، وهذا وإن كان مجازا
~~على مجاز لكنه يغتفر لأن الأول ملحق بالحقيقة لشهرته وليس من الاكتفاء
~~بعود الضمير على المضاف إليه لأن المضاف ذكر توطئة له فإن ذلك أضعف من
~~بيت العنكبوت كما علمت وذهب الكسائي والفراء إلى أن { مثل } مقحم
~~وتقدم ما عليه وله، وقال الحوفي: هو مبتدأ و { كرماد } خبره وأعمالهم
~~بدل من المبتدأ بدل اشتمال كما في قوله:

# ما للجمال مشيها وئيدا

# أجندلا يحملن أم حديدا

# وفيه خفاء، ولعله اعتبر المضاف إليه. وفي «الكشاف»: جواز كونه بدلا من
~~{ مثل الذين كفروا } لكن على تقدير مثل أعمالهم فيكون
~~التقدير مثل الذين كفروا مثل أعمالهم كرماد، قال في «الكشف»: وهو بدل
~~الكل من الكل وذلك لأن مثلهم ومثل أعمالهم متحدان بالذات، وفيه تفخيم
~~اه، وقيل: إنه على هذا التقدير أيضا بدل اشتمال/ لأن مثل أعمالهم كونها
~~كرماد ومثلهم كون أعمالهم كرماد فلا اتحاد لكن الأول سبب للثاني فتأمل،
~~والمراد معروف وعرفه ابن عيسى بأنه جسم يسحقه الإحراق سحق الغبار ويجمع
~~على رمد في الكثرة وأرمدة في القلة وشذ جمعه على أفعلاء قالوا أرمداء كذا
~~في «البحر» وذكر في «القاموس» أن الأرمداء كالأربعاء الرماد ولم يذكر أنه
~~جمع، والمراد بأعمالهم ما هو من باب المكارم كصلة الأرحام وعتق الرقاب
~~وفداء الأسارى وقرى الأضياف وإغاثة الملهوفين وغير ذلك، وقيل: ما فعلوه
~~لأصنامهم من القرب بزعمهم، وقيل: ما يعم هذا وذاك ولعله الأولى، وجيء
~~بالجملة على ما اختاره بعضهم جوابا لما يقال: ما بال أعمالهم التي
~~عملوها حتى آل أمرهم إلى ذلك المآل؟ إذ بين فيها أنها كرماد.

# { اشتدت به الريح } أي حملته وأسرعت الذهاب به فاشتد من شد
~~بمعنى عدا، والباء للتعدية أو للملابسة، وجوز أن يكون من الشدة بمعنى
~~القوة أي قويت بملابسة حمله { في يوم عاصف } العصف اشتداد الريح
~~وصف به زمان هبوبها على الإسناد المجازي كنهاره صائم وليله ms05034 قائم
~~للمبالغة، وقال الهروي: التقدير في يوم عاصف الريح فحذف الريح لتقدم ذكره
~~كما في قوله:

# إذا جاء يوم مظلم الشمس كاسف

# والتنوين على هذا عوض من المضاف إليه، وضعف هذا القول ظاهر، وقيل: إن
~~عاصف صفة الريح إلا أنه جر على الجوار، وفيه أنه لا يصح وصف الريح به
~~لاختلافهما تعريفا وتنكيرا، وقرأ نافع وأبو جعفر { الرياح } على الجمع
~~وبه يشتد فساد الوصفية، وقرأ ابن أبي إسحق وإبراهيم بن أبي بكر عن
~~الحسن { في يوم عاصف } على الإضافة، وذلك عند أبي حيان من حذف
~~الموصوف وإقامة الصفة مقامه والتقدير في يوم ريح عاصف، وقد يقال: إنه من
~~إضافة الموصوف إلى الصفة من غير حاجة إلى حذف عند من يرى جواز ذلك.

# { لا يقدرون } أي يوم القيامة { مما كسبوا } في الدنيا من
~~تلك الأعمال { على شىء } ما أي لا يرون له أثرا من ثواب أو تخفيف
~~عذاب. ويؤيد التعميم ما ورد في «الصحيح»

# " عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله إن ابن جدعان في الجاهلية يصل الرحم
~~ويطعم المسكين هل ذلك نافعه؟ قال: لا ينفعه لأنه لم يقل ربي اغفر لي
~~خطيئتي يوم الدين "

# ، وقيل: الكلام على حذف مضاف إي لا يقدرون من ثواب ما كسبوا على شيء ما
~~والأول أولى، وقدم المتعلق الأول  للا يقدرون  على الثاني وعكس في
~~البقرة لأهمية كل في آيته وذلك ظاهر لمن له أدنى بصيرة، وحاصل التمثيل
~~تشبيه أعمالهم في حبوطها وذهابها هباء منثورا لابتنائها على غير أساس من
~~معرفة الله تعالى والإيمان به وكونها لوجهه برماد طيرته الريح العاصف
~~وفرقته، وهذه الجملة فذلكة ذلك والمقصود منه، قيل: والاكتفاء ببيان عدم
~~رؤية الأثر لأعمالهم للأصنام مع أن لها عقوبات للتصريح ببطلان اعتقادهم
~~وزعمهم أنها شفعاء لهم عند الله تعالى، وفيه تهكم بهم { ذلك } أي ما
~~دل عليه التمثيل دلالة واضحة من ضلالهم مع حسبانهم أنهم على شيء { هو
~~الضلال البعيد } عن طريق الحق والصواب، وقد تقدم تمام الكلام في
~~ذلك غير بعيد.

### || [14.19]

# { ألم ms05035 تر } خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته الذين
~~بعث إليهم، وقيل: خطاب لكل واحد من الكفرة لقوله تعالى: { إن يشأ
~~يذهبكم } والرؤية رؤية القلب، وقوله تعالى: { أن الله خلق
~~السموات والأرض } ساد مسد مفعوليها أي ألم تعلم أنه تعالى
~~خلقهما { بالحق } أي ملتبسة بالحكمة والوجه الصحيح الذي يحق/ أن يخلق
~~عليه. وقرأ السلمي { ألم تر } بسكون الراء ووجهه أنه أجرى الوصل
~~مجرى الوقف، قال أبوحيان: وتوجيه آخر وهو أن { ترى } حذفت العرب ألفها
~~في قولهم: قام القوم ولو تر ما زيد كما حذفت ياء لا أبالي وقالوا لا أبال
~~فلما دخل الجازم تخيل أن الراء هي آخر الكلمة فسكنت للجازم كما قالوا في
~~لا أبال لم أبل، تخيلوا اللام آخر الكلمة، والمشهور التوجيه الأول. وقرأ
~~الأخوان { خالق السموات والأرض } بصيغة اسم الفاعل والإضافة وجر { الأرض
~~}.

# { إن يشأ يذهبكم } يعدمكم أيها الناس كما قاله جماعة أو أيها
~~الكفرة كما روي عن ابن عباس بالمرة { ويأت بخلق جديد } أي
~~يخلق بدلكم خلقا مستأنفا لا علاقة بينكم وبينهم، والجمهور على أنه من
~~جنس الآدميين، وذهب آخرون إلى أنه أعم من أن يكون من ذلك الجنس أو من
~~غيره، أورد سبحانه هذه الشرطية بعد أن ذكر خلقه السموات والأرض إرشادا
~~إلى طريق الاستدلال فإن من قدر على خلق مثل هاتيك الأجرام العظيمة كان
~~على إعدام المخاطبين وخلق آخرين بدلهم أقدر ولذلك قال سبحانه: { وما
~~ذلك... }.

### || [14.20]

# { وما ذلك } أي المذكور من إذهابكم والإتيان بخلق جديد مكانكم {
~~على الله بعزيز } بمتعذر أو متعسر فإنه سبحانه وتعالى قادر
~~بذاته لا باستعانة وواسطة على جميع الممكنات لا اختصاص له بمقدور دون
~~مقدور. وهذه الآية على ما في «الكشاف» بيان لإبعادهم في الضلال وعظم
~~خطبهم في الكفر بالله تعالى لوضوح آياته الشاهدة له الدالة على قدرته
~~الباهرة وحكمته البالغة وأنه هو الحقيق بأن يؤمن به ويرجى ثوابه ويخشى
~~عقابه.

### || [14.21]

# { وبرزوا لله جميعا } أي يبرزون يوم القيامة، وإيثار الماضي
~~لتحقق الوقوع أو لأنه لا مضي ms05036 ولا استقبال بالنسبة إليه سبحانه، والمراد
~~ببروزهم لله ظهورهم من قبورهم للرائين لأجل حساب الله تعالى، فاللام
~~للتعليل وفي الكلام حذف مضاف، وجوز أن تكون اللام صلة البروز وليس هناك
~~حذف مضاف، ويراد أنهم ظهروا له عز شأنه عند أنفسهم وعلى زعمهم فإنهم
~~كانوا يظنون عند ارتكابهم الفواحش سرا أنها تخفى على الله تعالى فإذا
~~كان يوم القيامة انكشفوا له تعالى عند أنفسهم وعلموا أنه لا تخفى عليه جل
~~شأنه خافية، وقال ابن عطية: معنى برزوا صاروا بالبراز وهي الأرض المتسعة
~~فاستعير ذلك لمجمع يوم القيامة، وهذا ميل إلى التعليل والحذف. ونقل
~~الإمام عن الحكماء في تأول البروز أن النفس إذا فارقت الجسد فكأنه زال
~~الغطاء وبقيت مجردة بذاتها عارية عن كل ما سواها وذلك هو البروز لله
~~تعالى وهو كلام تعده العرب من الأحاجي ولذا لم يلتفت إليه المحدثون. وقرأ
~~زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { وبرزوا } مبنيا للمفعول وبتشديد
~~الراء، والمراد أظهرهم الله تعالى وأخرجهم من قبورهم لمحاسبته.

# { فقال الضعفاء } جمع ضعيف، والمراد بهم ضعاف الرأي وهم الأتباع،
~~وكتب في المصحف العثماني بواو قبل الهمزة، ووجه ذلك بأنه على لفظ من يفخم
~~الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو، ونظيره

# علماء بني إسرائيل

# [الشعراء: 197]. ورد ذلك الجعبري قائلا: إنه ليس من لغة العرب ولا
~~حاجة للتوجيه بذلك لأن الرسم سنة متبعة، وزعم ابن قتيبة أنه لغة ضعيفة،
~~ولو وجه بأنه اتباع للفظه في الوقف فإن من القراء من يقف في مثل ذلك
~~بالواو كان حسنا صحيحا كذا ذكر فليراجع. ولعل من أنصف لا يرى أحسن من
~~ترك التوجيه. { للذين استكبروا } أي لرؤسائهم الذين استتبعوهم
~~واستغووهم { إنا كنا } في الدنيا { لكم تبعا } في تكذيب
~~الرسل عليهم السلام والإعراض عن نصائحهم وهو جمع تابع كخادم وخدم وغايب
~~وغيب أو/ اسم جمع لذلك ولم يذكر كونه جمعا في «البحر». أو هو مصدر نعت
~~به مبالغة أو بتأويل أو بتقدير مضاف أي تابعين أو ذوي تبع؛ وبه على سائر
~~الاحتمالات يتعلق الجار ms05037 والمجرور، والتقديم للحصر أي تبعا لكم لا
~~لغيركم. وقيل: المعنى: إنا تبع لكم لا لرأينا ولذا سماهم الله تعالى
~~ضعفاء، ولا يلزم منه كون الرؤساء أقوياء الرأي حيث ضلوا وأضلوا، ولو حمل
~~الضعف على كونهم تحت أيديهم وتابعين لهم كان أحسن وليس بذاك.

# { فهل أنتم مغنون عنا } استفهام أريد به التوبيخ
~~والتقريع، والفاء للدلالة على سببية الاتباع للإغناء، وهو من الغناء
~~بمعنى الفائدة وضمن معنى الدفع ولذا عدي بعن أي إنا اتبعناكم فيما كنتم
~~فيه من الضلال فهل أنتم اليوم دافعون عنا { من عذاب الله من
~~شىء } أي بعض الشيء الذي هو عذاب الله تعالى بناء على ما قيل: إن {
~~من } الثانية للتبعيض واقعة موقع المفعول للوصف السابق والأولى للبيان
~~وهي واقعة موقع الحال من مجرور الثانية لأنها لو تأخرت كانت صفة له وصفة
~~النكرة إذا قدمت أعربت حالا، واعترض هذا الوجه بأن فيه تقديم من
~~البيانية على ما تبينه وهو لا يجوز، وكذا تقديم الحال على صاحبها
~~المجرور.

# وأجيب بأن في كل من هذين الأمرين اختلافا، وقد أجاز جماعة تقديم { من
~~} البيانية وصحح ذلك لأنه إنما يفوت بالتقديم الوصفية لا البيانية، وكذا
~~أجاز كثير كابن كيسان وغيره تقديم الحال على صاحبها المجرور فلعل الذاهب
~~إلى هذا الوجه في الآية يرى رأي المجوزين لكل من التقديمين.

# وقال بعض المدققين: جاز تقديم هذه الحال لأنها في الحقيقة عما سد مسده
~~من شيء أعني بعض لا عن المجرور وحده، وفيه من البعد ما لا يخفى، وجوز أن
~~تكون الأولى والثانية للتبعيض، والمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض
~~عذاب الله تعالى؛ والإعراب كما سبق، واختار بعضهم على هذا كون الحال عما
~~سد مسده من شيء إذ لو جعل حالا عن المجرور لآل الكلام إلى هل أنتم مغنون
~~عنا بعض بعض عذاب الله تعالى ولا معنى له، وفيه أنه يفيد المبالغة في عدم
~~الغناء كقولهم: أقل من القليل فنفي المعنى لا معنى له، ولا يصح الإلغاء
~~إذ لا يصح أن يتعلق ms05038 بفعل ظرفان من جنس دون ملابسة بينهما تصحح التبعية،
~~وجعل الثاني بدلا من الأول يأباه  كما في «الكشف»  اللفظ والمعنى؛ وقد
~~تعقب أبو حيان توجيه التبعيض في المكانين كما سمعت بأن ذلك يقتضي البدلية
~~فيكون بدل عام من خاص لأن { من شىء } أعم من قوله: { من عذاب }
~~وهذا لا يقال: لأن بعضية الشيء مطلقة فلا يكون لها بعض، ومما ذكرنا يعلم
~~ما فيه. وجوز أن تكون الأولى مفعولا والثانية صفة مصدر سادة مسده،
~~والشيء عبارة عن إغناء ما أي فهل أنتم مغنون عنا بعض عذاب الله بعض
~~الإغناء. وتعقب بأنه يلزم على هذا أن يتعلق بعامل ظرفان إلى آخر ما سمعت
~~آنفا، وفيه نظر لأن لكون أحدهما في تأويل المفعول به والآخر في تأويل
~~المفعول المطلق صح التعلق ولم يكونا من جنس واحد، وقد يقال: إن تقييد
~~الفعل بالثاني بعد اعتبار تقييده بالأول فليس العامل واحدا. ونص الحوفي
~~وأبو البقاء على أن { من } الثانية زائدة للتوكيد وسوغ زيادتها تقدم
~~الاستفهام الذي هو هنا في معنى النفي، و { عذاب الله } أما متعلق 
~~بمغنون  أو متعلق بمحذوف وقع حالا من { شىء } أي شيئا كائنا من
~~عذاب الله تعالى أو مغنون من عذاب الله تعالى غناء ما.

# { قالوا } أي المستكبرون جوابا عن توبيخ الضعفاء وتقريعهم واعتذارا
~~عما فعلوا بهم: { لو هدانا الله } إلى الايمان ووفقنا له {
~~لهديناكم } ولكن/ ضللنا فضللناكم أي اخترنا لكم ما اخترنا
~~لأنفسنا، وحاصله على ما قيل: إن ما كان منا في حقكم هو النصح لكن قصرنا
~~في رأينا، وقال الزمخشري: إنهم وركوا الذنب في ضلالهم وإضلالهم على الله
~~تعالى وكذبوا في ذلك، ويدل على وقوع الكذب من أمثالهم يوم القيامة قوله
~~تعالى حكاية عن المنافقين:

# يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما
~~يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شىء

# [المجادلة: 18] وقد خالف في ذلك أصول مشايخه لأنهم لا يجوزون صدور الكذب
~~عن أهل القيامة فلا يقبل منه، وجوز أن يكون المعنى لو كنا من أهل اللطف
~~فلطف بنا ربنا واهتدينا ms05039 لهديناكم إلى الإيمان، ونقل ذلك القاضي وزيفه كما
~~ذكره الإمام، وقيل: المعنى لو هدانا الله تعالى إلى الرجعة إلى الدنيا
~~فنصلح ما أفسدناه لهديناكم وهو كما ترى، وقال الجياني وأبو مسلم: المراد
~~لو هدانا الله تعالى إلى طريق الخلاص من العقاب والوصول إلى النعيم
~~والثواب لهديناكم إلى ذلك، وحاصله لو خلصنا لخلصناكم أيضا لكن لا مطمع
~~فيه لنا ولكم، قال الإمام: والدليل على أن المراد من الهدي هو هذا أنه
~~الذي طلبوه والتمسوه.

# { سواء علينا أجزعنا } مما لقينا { أم صبرنا } على ذلك
~~و { سوآء } اسم بمعنى الاستواء مرفوع على الخبرية للفعل المذكور بعده
~~لأنه مجرد عن النسبة والزمان فحكمه حكم المصدر والهمزة و { أم } قد
~~جردتا عن الاستفهام لمجرد التسوية ولذا صارت الجملة خبرية فكأنه قيل:
~~جزعنا وصبرنا سواء علينا أي سيان، وإنما أفرد الخبر لأنه مصدر في الأصل،
~~وقال الرضي في مثله: إن { سوآء } خبر مبتدأ محذوف أي الأمران سواء ثم
~~بين الأمران بقولهم: { أجزعنا أم صبرنا } وما قيل: من أن {
~~سوآء } خبر مبتدأ والجملة جزاء للجملة المذكورة بعد لتضمنها معنى
~~الشرط، وإفادة همزة الاستفهام معنى إن لاشتراكهما في الدلالة على عدم
~~الجزم، والتقدير إن جزعنا أم صبرنا فالأمران سيان فتكلف كما لا يخفى،
~~والجزع حزن يصرف عما يراد فهو حزن شديد. وفي " البحر " هو عدم احتمال
~~الشدة فهو نقيض الصبر، وإنما أسندوا كلا من الجزع والصبر واستوائهما إلى
~~ضمير المتكلم المنتظم للمخاطبين أيضا مبالغة في النهي عن التوبيخ
~~بإعلامهم أنهم شركاء لهم فيما ابتلوا به وتسلية لهم. وجوز أن يكون هذا من
~~كلام الفريقين فهو مردود إلى ما سيق له الكلام وهم الفريقان، ولا نظر إلى
~~القرب كما قيل في قوله تعالى:

# ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب

# [يوسف: 52] وأيد ذلك بما أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن
~~كعب بن مالك رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما يظن أنه قال:

# " «يقول أهل النار: هلموا فلنصبر فيصبرون خمسمائة عام فلما رأوا ذلك لا
~~ينفعهم قالوا: ms05040 هلموا فلنجزع فيبكون خمسمائة عام فلما رأوا ذلك لا ينفعهم
~~قالوا: { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا } الآية "

# ، وإلى كون هذه المحاورة بين الضعفاء والمستكبرين في النار ذهب بعضهم
~~ميلا لظواهر الأخبار. واستظهر أبو حيان أنها في موضع العرض وقت البروز
~~بين يدي الله تعالى، وقول الأتباع: { فهل أنتم مغنون عنا }
~~جزع منهم، وكذا جواب الرؤساء باعترافهم بالضلال، واحتمال أنه من كلام
~~الأولين فقط خلاف الظاهر جدا.

# وقوله تعالى: { ما لنا من محيص } جملة مفسرة لإجمال ما فيه
~~الاستواء فلا محل لها من الإعراب أو حال مؤكدة أو بدل منه، والمحيص من
~~حاص حاد وفر، وهو إما اسم مكان كالمبيت والمصيف أو مصدر ميمي كالمغيب
~~والمشيب، والمعنى ليس لنا محل ننجوا فيه من عذابه أو لا نجاة لنا من ذلك.

### || [14.22]

# { وقال الشيطن } الذي أضل كلا الفريقين واستتبعهما عندما
~~عتباه وقرعاه على نمط ما قاله الأتباع للرؤساء { لما قضى الأمر
~~} أي/ أحكم وفرغ منه وهو الحساب ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار
~~خطيبا في محفل الأشقياء من الثقلين. أخرج ابن جرير وغيره عن الحسن قال:
~~إذا كان يوم القيامة قام إبليس خطيبا على منبر من نار فقال: { إن
~~الله وعدكم وعد الحق } إلى آخره، وعن مقاتل أن الكفار
~~يجتمعون عليه في النار باللائمة فيرقى منبرا من نار فيقول ذلك، وفي بعض
~~الآثار ما هو ظاهر في أن هذا في الموقف، فقد أخرج الطبراني وابن المبارك
~~في " الزهد " وابن جرير وابن عساكر لكن بسند ضعيف من حديث عقبة بن عامر
~~يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " أن الكفار حين يروا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين يأتون
~~إبليس فيقولون له قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أنت فاشفع لنا فإنك
~~أنت أضللتنا فيقوم فيثور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد فيقول ما قص الله
~~تعالى "

# ومعنى { وعد الحق } وعدا من حقه أن ينجز أو وعدا نجز وهو الوعد
~~بالبعث والجزاء، وقيل: أراد بالحق ما هو صفته تعالى ms05041 أي أن الله تعالى
~~وعدكم وعده الذي لا يخلف، والظاهر أنه صفة الوعد، وفي الآية على الأول
~~إيجاز أي أن الله سبحانه وعدكم وعد الحق فوفاكم وأنجزكم ذلك {
~~ووعدتكم } وعد الباطل وهو أن لا بعث ولا حساب ولئن كانا فالأصنام
~~تشفع لكم { فأخلفتكم } موعدي أي لم يتحقق ما أخبرتكم به وظهر
~~كذبه، وقد استعير الإخلاف لذلك ولو جعل مشاكلة لصح.

# { وما كان لى عليكم من سلطن } أي تسلط أو حجة تدل على
~~صدقي { إلا أن دعوتكم } أي إلا دعائي إياكم إلى الضلالة، وهذا
~~وإن لم يكن من جنس السلطان حقيقة لكنه أبرزه في مبرزه وجعله منه ادعاء
~~فلذا كان الاستثناء متصلا، وهو من تأكيد الشيء بضده كقوله:

# وخيل قد دلفت لها بخيل

# تحية بينهم ضرب وجيع

# وهو من التهكم لا من باب الاستعارة أو التشبيه أو غيرهما على ما حقق في
~~موضعه، فإن لم يعتبر فيه التهكم والادعاء يكون الاستثناء منقطعا على حد
~~قوله:

# وبلدة ليس بها أنيس

# إلا اليعافير وإلا العيس

# وإلى الانقطاع ذهب أبو حيان وقال: إنه الظاهر، وجوز الإمام القول
~~بالاتصال من غير اعتبار الادعاء؛ ووجه ذلك بأن القدرة على حمل الإنسان
~~على الشيء تارة تكون بالقهر من الحامل وتارة تكون بتقوية الداعية في قلبه
~~وذلك بإلقاء الوسواس إليه وهذا نوع من أنواع التسلط فكأنه قال: ما كان لي
~~تسلط عليكم إلا بالوسوسة لا بالضرب ونحوه { فاستجبتم لى } أي
~~أسرعتم إجابتي كما يؤذن بذلك الفاء، وقيل: يستفاد الإسراع من السين لأن
~~الاستجابة وإن كانت بمعنى الإجابة لكن عد ذلك من التجريد وأنهم كأنهم
~~طلبوا ذلك من أنفسهم فيقتضي السرعة وفيه بعد.

# { فلا تلومونى } بوعدي إياكم حيث لم يكن على طريق القسر والإلجاء
~~كما يدل عليه الفاء، وقيل: بوسوستي فإن من صرح بالعداوة وقال:

# لأقعدن لهم صرطك المستقيم

# [الأعراف: 16] لا يلام بأمثال ذلك. وقرىء { فلا يلوموني } بالياء على
~~الالتفات { ولوموا أنفسكم } حيث استجبتم لي باختباركم الناشيء
~~عن سوء استعدادكم حين دعوتكم بلا حجة ولا دليل بل بمجرد تزيين ms05042 وتسويل ولم
~~تستجيبوا لربكم إذ دعاكم دعوة الحق المقرونة بالبينات والحجج، وليس مراد
~~اللعين التنصل عن توجه اللائمة إليه بالمرة بل بيان أنهم أحق بها منه.
~~وفي «الكشاف» أن في هذه الآية دليلا على أن الإنسان هو الذي يختار
~~الشقاوة والسعادة/ ويحصلهما لنفسه وليس من الله تعالى إلا التمكين ولا من
~~الشيطان إلا التزيين، ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقال: فلا تلوموني
~~ولا أنفسكم فإن الله تعالى قد قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، وليس قوله
~~المحكي باطلا لا يصح التعلق به وإلا لبين الله سبحانه بطلانه وأظهر
~~إنكاره، على أنه لا طائل [له] في النطق بالباطل في ذلك المقام، ألا ترى
~~كيف أتى بالصدق الذي لا ريب فيه في قوله: { إن الله وعدكم }
~~إلى آخره. وقوله: { وما كان لى عليكم } إلى آخره اه.

# واعترض قوله: وإلا لبين سبحانه بطلانه بأنه ينقلب عليه في قول
~~المستكبرين

# لو هدانا الله لهديناكم

# [إبراهيم: 21] إذ لم يعقب بالبطلان على وجه التوريك الذي ادعاه، وكذلك
~~قوله: على أنه لا طائل إلى آخره. والجواب أن الأول غير متعين لذلك الوجه
~~كما سمعت، ومع ذلك قد عقب بالبطلان في مواضع عديدة، ويكفي حكاية الكذب
~~عنهم في ذلك الموطن، وذلك في الموطن على توهم أنه نافع كما حكى الله
~~تعالى عنهم، أما بعد قضاء الأمر ودخول أهل الجنة الجنة والنار النار فلا
~~يتوهم لذلك طائل البتة؛ لا سيما والشيطان لا غرض له في ذلك فافترقا
~~قائلا وموطنا وحكما، بل الجواب أن أهل الحق لا ينكرون توجه اللائمة
~~عليهم وأن الله تعالى مقدس عن ذلك وحجته البالغة وقضاؤه سبحانه الحق، حيث
~~أثبتوا للعبد القدرة الكاسبة التي يدور عليها فلك التكليف وجعلوا لها
~~مدخلا في ذلك فإنه سبحانه إنما يخلق أفعاله حسبما يختاره، وسلبهم
~~التأثير الذاتي عن قدرته لا ينفي اللوم عنهم كما بين في محله، وما ذكره
~~من أنه لو كان الأمر إلى آخره مبني على عدم الفرق بين مذهب أهل الحق
~~الملقبين عنده بالمجبرة وبين مسلك المجبرة ms05043 في الحقيقة والفرق مثل الصبح
~~ظاهر.

# هذا واستدل بظاهر الآية على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان أو
~~تعويج أعضائه وجوارحه أو على إزالة عقله لأنه نفى أن يكون له تسلط إلا
~~بالوسوسة. وأجاب من زعم القدرة على نحو ذلك بأن المقصود في الآية نفي أن
~~يكون له تسلط في أمر الإضلال إلا بمحض الوسوسة لا نفي أن يكون له تسلط
~~أصلا والسياق أدل قرينة على ذلك.

# وانتزع بعضهم من الآية إبطال التقليد في الاعتقاد، قال ابن الفرس: وهو
~~انتزاع حسن لأنهم اتبعوا الشيطان بمجرد دعواه ولم يطلبوا منه برهانا
~~فحكى ذلك متضمنا لذمهم، ثم الظاهر أن هذه الدعوة من الشيطان  أعني
~~إبليس  بلا واسطة، وهي إن كانت في وقت واحد لمتعددين مما يعسر تصوره،
~~ولا يبعد أن يقال: إن له أعوانا يفعلون كما يفعل لكن لما كان ذلك بأمره
~~تصدى وحده لما تصدى ونسبت الدعوة إليه، وللإمام الرازي في الآية كلام
~~طويل ساقه لبيان كيفية الدعوة وإلقاء الشيطان الوسوسة في قلب الإنسان،
~~وأكثره عند المحدثين والسلف الصالحين أشبه شيء بوساوس الشياطين، ولعل
~~النوبة تفضي إن شاء الله تعالى إلى تحقيق ذلك بعون الله تعالى القادر
~~المالك.

# { ما أنا بمصرخكم } أي بمغيثكم مما أنتم فيه من العذاب،
~~يقال: استصرخني فأصرخته أي استغاثني فأغثته، وأصله من الصراخ وهو مد
~~الصوت، والهمزة للسلب كأن المغيث يزيل صراخ المستغيث. { وما أنتم
~~بمصرخى } مما أنا فيه، وفي تعرضه لذلك مع أنه لم يكن في حيز
~~الاحتمال مبالغة في بيان عدم إصراخه إياهم وإيذان بأنه أيضا مبتلى بمثل
~~ما ابتلوا به ومحتاج إلى الإصراخ فكيف له بإصراخ الغير ولذلك آثر الجملة
~~الاسمية، والمراد استمرار النفي لا نفي الاستمرار، وكذا يقال في التأكيد
~~فكان ما مضى جوابا منه عن توبيخهم وتقريعهم وهذا جواب استغاثتهم
~~واستعانتهم به في دفع ما دهمهم من العذاب. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش/
~~وحمزة { بمصرخي } بكسر الياء على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين،
~~وذلك أن الأصل بمصرخين لي فأضيف ms05044 وحذفت نون الجمع للإضافة فالتقت ياء
~~الجمع الساكنة وياء المتكلم والأصل فيها السكوت فكسرت لالتقاء الساكنين
~~وأدغمت. وطعن في هذه القراءة كثير من النحاة، قال الفراء: لعلها من زعم
~~القراء فإنه قل من سلم منهم من الوهم. وقال أبو عبيد نراهم غلطوا، وقال
~~الأخفش: ما سمعت هذا الكسر من أحد من العرب ولا من أحد من النحويين، وقال
~~الزجاج: إنها عند الجميع رديئة مرذولة ولا وجه لها إلا وجه ضعيف. وقال
~~الزمخشري: هي ضعيفة، واستشهدوا لها ببيت مجهول:

# قال لها هل لك يا تافي

# قالت له ما أنت بالمرضي

# وكأنهم قدروا ياء الإضافة ساكنة فحركوها بالكسر لما عليه أصل التقاء
~~الساكنين، ولكنه غير صحيح لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها
~~ألف نحو عصاي فما بالها وقبلها ياء والقول بأنه جرت الياء الأولى مجرى
~~الحرف الصحيح لأجل الإدغام فكأنها ياء وقعت ساكنة بعد حرف صحيح ساكن
~~فحركت بالكسر على الأصل ذهاب إلى القياس وهو قياس حسن، ولكن الاستعمال
~~المستفيض الذي هو بمنزلة الخبر المتواتر تتضاءل إليه القياسات اه.

# وقد قلد هؤلاء الطاغين جماعة، وقد وهموا طعنا وتقليدا فإن القراءة
~~متواترة عن السلف والخلف فلا يجوز أن يقال فيها: إنها خطأ أو قبيحة أو
~~رديئة، وقد نقل جماعة من العلماء أنها لغة لكنه قل استعمالها. ونص قطرب
~~على أنها لغة في بني يربوع فإنهم يكسرون ياء المتكلم إذا كان قبلها ياء
~~أخرى ويصلونها بها كعليه ولديه، وقد يكتفون بالكسرة وذلك لغة أهل الموصل
~~وكثير من الناس اليوم، وقد حسنها أبو عمرو وهو إمام لغة وإمام نحو وإمام
~~قراءة وعربي صحيح، ورووا بيت النابغة:

# علي لعمرو نعمة بعد نعمة

# لوالده ليست بذات عقارب

# بكسر ياء  على  فيه، وأنشدوا لذلك أيضا البيت السابق وهو للأغلب
~~العجلي، وجهل الزمخشري به كالزجاج لا يلتفت إليه، وقوله: إن ياء الإضافة
~~لا تكون إلا مفتوحة إلى آخره مردود بأنه روى سكون الياء بعد الألف، وقرأ
~~به القراء في { محياي } [الأنعام: 162] وما ذكره أيضا قياس مع ms05045 الفارق
~~فإنه لا يلزم من كسرها مع الياء المجانسة للكسرة كسرها مع الألف الغير
~~المجانسة لها ولذا فتحت بعدها للمجانسة وكون الأصل في هذه الياء الفتح في
~~كل موضع غير مسلم كيف وهي من المبنيات والأصل في المبنى أن يبني على
~~السكون ومن الناس من وجه القراءة بأنها على لغة من يزيد ياء على ياء
~~الإضافة إجراء لها مجرى هاء الضمير وكافة، فإن الهاء قد توصل بالواو إذا
~~كانت مضمومة كهذا لهو وضربهو، وبالياء إذا كانت مكسورة نحو بهى، والكاف
~~قد تلحقها الزيادة فيقال أعطيتكاه وأعطيتكيه إلا أنه حذفت الياء هنا
~~اكتفاء بالكسرة.

# وقال البصير: كسر الياء ليكون طبقا لكسر الهمزة في قوله: { إنى
~~كفرت } لأنه أراد الوصل دون الوقف والابتداء بذلك والكسر أدل على
~~الوصل من الفتح وفيه نظر، وبالجملة لا ريب في صحة تلك القراءة وهي لغة
~~فصيحة، وقد روي أنه تكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث بدء
~~الوحي وشرح حاله عليه الصلاة والسلام لورقة بن نوفل رضي الله تعالى عنه
~~فإنكارها محض جهالة، وأراد بقوله: { إنى كفرت } إني كفرت اليوم {
~~بما أشركتمون من قبل } أي من قبل هذا اليوم  يعني في
~~الدنيا .

# / و { ما } مصدرية و { من } متعلقة بأشركتموني أي كفرت بإرشراككم
~~إياي لله تعالى في الطاعة لأنهم كانوا يطيعونه في أعمال الشر كما يطاع
~~الله تعالى أعمال الخير، فالإشراك استعارة بتشبيه الطاعة به وتنزيلها
~~منزلته أو لأنهم لما أشركوا الأصنام ونحوها بإيقاعه لهم في ذلك فكأنهم
~~أشركوه، والكفر مجاز عن التبري كما في قوله تعالى:

# ويوم القيمة يكفرون بشرككم

# [فاطر: 14] ومراد اللعين أنه إن كان إشراككم لي بالله تعالى هو الذي
~~أطمعكم في نصرتي لكم وخيل إليكم أن لكم حقا علي فإني تبرأت من ذلك ولم
~~أحمده فلم يبق بيني وبينكم علاقة، وإرادة اليوم حسبما ذكرنا هو الظاهر
~~فيكون الكلام محمولا على إنشاء التبري منهم يوم القيامة. وجوز النسفي أن
~~يكون إخبارا عن أنه تبرأ منهم في الدنيا فيكون { من قبل } متعلقا ms05046 
~~بكفرت  أو متنازعا فيه.

# وجوز غير واحد أن تكون { ما } موصولة بمعنى من كما قيل في قولهم:
~~سبحانه ما سخركن لنا، والعائد محذوف و { من قبل } متعلق  بكفرت  أي
~~إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم عليه السلام بالذي أشركتمونيه أي
~~جعلتموني شريكا له بالطاعة وهو الله عز وجل، فأشرك منقول من شركت زيدا
~~للتعدية إلى مفعول ثان، والكلام على هذا إقرار من اللعين بقدم كفره وبيان
~~لأن خطيئته سابقة عليهم فلا إغاثة لهم منه فهو في المعنى تعليل لعدم
~~إصراخه إياهم. وزعم الإمام أنه لنفي تأثير الوسوسة كأنه يقول: لا تأثير
~~لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت قبل أن وقعتم في الكفر بسبب وسوسة أخرى
~~وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة،
~~وكان الظاهر على هذا تقديمه على قوله: { ما أنا بمصرخكم }
~~إلى آخره ولا يظهر لتأخيره نكتة يهش لها الخاطر. ومنهم من جعله تعليلا
~~لعدم إصراخهم إياه وهو مما لا وجه له إذ لا احتمال لذلك حتى يحتاج إلى
~~التعليل، وقيل: لأن تعليل عدم إصراخهم بكفره يوهم أنهم بسبيل من ذلك لولا
~~المانع من جهته.

# واعترض بأن نحو هذا الإيهام جار في الوجه الأول وهم الكفرة الذين لا
~~تنفعهم شفاعة الشافعين. وتعقب في «البحر» القول بالموصولية بأن فيه إطلاق
~~{ ما } على الله تعالى والأصح فيها أنها لا تطلق على آحاد من يعلم، و {
~~ما } في سبحان ما سخركن يجوز أن تكون مصدرية بتقدير مضاف أي سبحان موجد
~~أو ميسر تسخيركن لنا.

# وقال الطيبي: إن { ما } لا تستعمل في ذي العلم إلا باعتبار الوصفية
~~فيه وتعظيم شأنه والمثال على ذلك أي سبحان العظيم الشأن الذي سخركن
~~للرجال مع مكركن وكيدكن، وكون { ما } موصولة عبارة عن الصنم أي إني كفرت
~~بالصنم الذي إشركتمونيه مما لا ينبغي أن يلتفت إليه.

# { إن الظلمين لهم عذاب أليم } الظاهر أنه من تمام
~~كلام إبليس قطعا لأطماع الكفار من الإغاثة والإعانة، وحكى الله تعالى
~~عنه ما سيقوله ms05047 في ذلك الوقت ليكون تنبيها للسامعين وحثا لهم على النظر
~~في عاقبتهم والاستعداد لما لا بد منه وأن يتصوروا ذلك المقام الذي يقول
~~فيه الشيطان ما يقول فيخافوا ويعملوا ما ينفعهم هناك، وقيل: إنه من كلام
~~الخزنة يوم ذاك، وقيل: إنه ابتداء كلام من جهته تعالى، وأيد بأنه قرأ
~~الحسن وعمرو بن عبيد { أدخل } في قوله تعالى: { وأدخل الذين
~~آمنوا وعملوا الصلحات... }.

### || [14.23]

# { وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصلحات جنت
~~تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها } بصيغة المضارع
~~المسند إلى المتكلم. وأنت تعلم أنه إذا اعتبرت هذه القراءة مؤيدة لهذا
~~القول فلتعتبر قراءة الجمهور { أدخل } بصيغة الماضي المبني للمفعول مؤيدة
~~لما قبله فإن المدخلين الملائكة عليهم السلام فتأمل، وكأن الله تعالى/
~~لما جمع الفريقين في قوله سبحانه:

# وبرزوا لله جميعا

# [إبراهيم: 21] وذكر شيئا من أحوال الكفار ذكر ما آل إليه أمر المؤمنين
~~من إدخالهم الجنة { بإذن ربهم } أي بأمره سبحانه أو بتوفيقه
~~وهدايته جل شأنه، والجار والمجرور متعلق  بأدخل  على قراءة الجمهور.
~~وفي التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم إظهار مزيد اللطف بهم،
~~وعلقه جماعة على القراءة الأخرى بقوله تعالى: { تحيتهم فيها
~~سلم } أي يحييهم الملائكة بالسلام بإذن ربهم. وتعقب ذلك أبو حيان
~~بأن فيه تقديم معمول المصدر المنحل بحرف مصدري وفعل عليه وهو غير جائز
~~لما أن ذلك في حكم تقديم جزء من الشيء المرتب الأجزاء عليه. ورد بأن
~~الظاهر أنه هنا غير منحل إليهما لأنه ليس المعنى المقصود منه أن يحيوا
~~فيها بسلام، ولو سلم فمراد القائل بالتعلق التعلق المعنوي فالعامل فيه
~~فعل مقدر يدل عليه { تحيتهم } أي يحيون بإذن ربهم. وقال العلامة
~~الثاني: الأظهر أن التقديم جائز إذا كان المعمول ظرفا أو شبهه وهو في
~~الكلام كثير، والتقدير تكلف، وليس كل مؤول بشيء حكمه حكم ما أول به، مع
~~أن الظرف مما يكفيه رائحة من الفعل لأن له شأنا ليس لغيره لتنزله من
~~الشيء منزلة نفسه لوقوعه فيه وعدم انفكاكه عنه، ولهذا اتسع في الظروف ما
~~لم ms05048 يتسع في غيرها اه، وبالجواز أقول، وإنما لم يجعله المحققون متعلقا 
~~بأدخل  على تلك القراءة مع أنه سالم من الاعتراض ومشتمل على الالتفات أو
~~التجريد وهو من المحسنات لأن قولك: أدخلته بإذني ركيك لا يناسب بلاغة
~~التنزيل، والالتفات أو التجريد حاصل إذا علق بما بعده أيضا. وفي "
~~الانتصاف " ((الصارف عن هذا الوجه هو أن ظاهر { أدخل } بلفظ المتكلم
~~يشعر بأن إدخالهم الجنة لم يكن بواسطة بل من الله تعالى مباشرة وظاهر
~~الإذن يشعر بإضافة الدخول إلى الواسطة فبينهما تنافر، واستحسن أن يعلق 
~~بخالدين  والخلود غير الدخول فلا تنافر))، وتعقبه في «الكشف» بأن ذلك لا
~~يدفع الركاكة وكأنه لما أن الإذن للدخول لا للاستمرار بحسب الظاهر، وكون
~~المراد بمشيئتي وتيسيري لا يدفع ذلك عند التأمل الصادق، فما ذهب إليه ابن
~~جني واستطيبه الشيخ الطيبي وارتضاه ليس بشيء لمن سلم له ذوقه.

### || [14.24]

# { ألم تر } الخطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم، وقيل: لمن
~~يصلح له والفعل معلق بما بعده من قوله تعالى: { كيف ضرب الله
~~مثلا } أي كيف اعتمله ووضعه في موضعه اللائق به { كلمة طيبة }
~~نصب على البدلية من { مثلا } و { ضرب } متعدية إلى مفعول واحد كما
~~ذهب إلى ذلك الحوفي والمهدوي وأبو البقاء، وهو على ما قيل: بدل اشتمال
~~ولو جعل بدل كل من كل لم يبعد. واعترض عليه بأنه لا معنى لقولك ضرب الله
~~كلمة طيبة إلا بضم { مثلا } إليه فمثلا هو المقصود بالنسبة فكيف يبدل
~~منه غيره، ولا يخفى أن هذا بناءا على ظاهر قول النحاة: إن المبدل في نية
~~الطرح وهو غير مسلم، وقوله سبحانه: { كشجرة طيبة } صفة {
~~كلمة } أو خبر مبتدأ محذوف أي هي كشجرة، وجوز أن يكون كلمة منصوبا
~~بمضمر و { ضرب } أيضا متعدية لواحد أي جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة أي
~~حكم بأنها مثلها والجملة تفسير لقوله سبحانه: { ضرب الله مثلا }
~~كقولك: شرف الأمير زيدا كساه حلة وحمله على فرس. وتعقب ذلك أبو حيان بأن
~~فيه تكلف إضمار لا ضرورة تدعو إليه.

# وأجاب ms05049 عنه السمين بما فيه بحث، وجوز أيضا أن يكون ضرب المذكور متعديا
~~إلى مفعولين إما لكونه/ بمعنى جعل واتخذ أو لتضمينه معناه وكلمة أول
~~مفعوليه قد أخر عن ثانيهما أعني { مثلا } لئلا يبعد عن صفته التي هي {
~~كشجرة } قيل: ولا يرد على هذا بأن المعنى أنه تعالى ضرب لكلمة طيبة
~~مثلا لا كلمة طيبة مثلا لأن المثل عليه بمعنى الممثل به والتقدير ذات
~~مثل أولها مثلا. وقرىء { كلمة } بالرفع على الابتداء لكونها نكرة موصوفة
~~والخبر { كشجرة } ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف و { كشجرة } صفة أخرى.

# { أصلها ثابت } أي ضارب بعروقه في الأرض. وقرأ أنس بن مالك {
~~كشجرة طيبة ثابت أصلها } وقراءة الجماعة على الأصل وذكروا أنها أقوى
~~معنى. قال ابن جني: لأنك إذا قلت ثابت أصلها فقد أجريت الصفة على شجرة
~~وليس الثبات لها إنما هو للأصل، والصفة إذا كانت في المعنى لما هو من سبب
~~الموصوف قد تجري عليه لكنها أخص بما هي له لفظا ومعنى فالأحسن تقديم
~~الأصل عناية به، ومن ثم قالوا: زيد ضربته فقدموا المفعول عناية به حيث إن
~~الغرض ليس ذكر الفاعل وإنما هو ذكر المفعول، ثم لم يقنعوا بذلك حيث
~~أزالوه عن لفظ الفضلة وجعلوه رب الجملة لفظا فرفعوه بالابتداء وصار
~~ضربته ذيلا له وفضلة ملحقة به، وكذلك قولك: مررت برجل أبوه قائم أقوى
~~معنى من قولك: مررت برجل قائم أبوه لأن المخبر عنه بالقيام إنما هو الأب
~~لا الرجل مع ما في التقديم هنا من حسن التقابل والتقسيم إلا أن لقراءة
~~أنس وجها حسنا، وهو أن { ثابت أصلها } صفة الشجرة وأصل الصفة أن تكون
~~اسما مفردا لأن الجملة إذا وقعت صفة حكم على موضعها بإعراب المفرد وذاك
~~لم يبلغ مبلغ الجملة بخلاف { أصلها ثابت } فإنه جملة قطعا، وقال بعضهم:
~~إنها أبلغ ولم يذكر وجه ذلك فزعم من زعم أنه ما أشير إليه من وجه الحسن
~~وهو بمعزل عن الصواب.

# وقال ابن تمجيد: هو أنه كوصف الشيء مرتين مرة صورة ومرة معنى مع ms05050 ما فيه
~~من الإجمال والتفصيل كما في

# ألم نشرح لك صدرك

# [الشرح: 1] فإنه لما قيل: { كشجرة طيبة ثابت } تبادر الذهن
~~من جعل { ثابت } صفة لشجرة صورة أن شيئا من الشجرة متصف بالثبات ثم
~~لما قيل: { أصلها } علم صريحا أن الثبات صفة أصل الشجرة وقيل: كونها
~~أكثر مبالغة لجعل الشجرة بثبات أصولها ثابتة بجميع أغصانها فتدبر {
~~وفرعها } أي أعلاها من قولهم: فرع الجبل إذا علاه، وسمي الأعلى
~~فرعا لتفرعه على الأصل ولهذا أفرد وإلا فكل شجرة لها فروع وأغصان، ويجوز
~~أن يراد به الفروع لأنه مضاف والإضافة حيث لا عهد ترد للاستغراق أو لأنه
~~مصدر بحسب الأصل وإضافته على ما اشتهر تفيد العموم فكأنه قيل: وفروعها {
~~فى السماء } أي في جهة العلو.

### || [14.25]

# { تؤتى أكلها } تعطى ثمرها { كل حين } وقت أقته الله تعالى
~~لإثمارها { بإذن ربها } بإرادة خالقها جل شأنه، والمراد بالكلمة
~~الطيبة شهادة أن لا إله إلا الله على ما أخرجه البيهقي وغيره عن ابن
~~عباس، وعن الأصم أنها القرآن، وعن ابن بحر دعوة الإسلام، وقيل: التسبيح
~~والتنزيه، وقيل: الثناء على الله تعالى مطلقا، وقيل: كل كلمة حسنة،
~~وقيل: جميع الطاعات، وقيل: المؤمن نفسه، وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم
~~عن ابن عباس وهو خلاف الظاهر، وكأن إطلاق الكلمة عليه نظير إطلاقها على
~~عيسى عليه السلام، والمراد بالشجرة المشبه بها النخلة عند الأكثرين، وروي
~~ذلك عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعكرمة والضحاك وابن زيد وأخرج عبد
~~الرزاق والترمذي وغيرهما عن شعيب بن الحبحاب قال: كنا عند أنس فأتينا
~~بطبق/ عليه رطب فقال أنس لأبي العالية: كل يا أبا العالية فإن هذا من
~~الشجرة التي ذكرها الله تعالى في كتابه

# ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها
~~ثابت

# [إبراهيم: 24] وأخرج الترمذي أيضا والنسائي وابن حبان والحاكم وصححه عن
~~أنس قال:

# " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع من بسر فقال: { مثل
~~كلمة طيبة كشجرة طيبة } - حتى بلغ - { كل حين
~~} قال: هي النخلة ".

# وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ms05051 أنها شجرة جوز الهند، وأخرج ابن جرير،
~~وابن أبي حاتم عنه رضي الله تعالى عنه أيضا أنها شجرة في الجنة، وقيل:
~~كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك.
~~وأنت تعلم أنه إذا صح الحديث ولم يتأت حمل ما فيه على التمثيل لا ينبغي
~~العدول عنه. ووجه تشبيه الكلمة الطيبة بمعنى شهادة أن لا إله إلا الله
~~بهذه الشجرة المنعوتة بما ذكر أن أصل تلك الكلمة ومنشأها وهو الإيمان
~~ثابت في قلوب المؤمنين وما يتفرع منها وينبني عليها من الأعمال الصالحة
~~والأفعال الزكية يصعد إلى السماء، وما يترتب على ذلك من ثواب الله تعالى
~~ورضاه هو الثمرة التي تؤتيها كل حين، ويقال نحو هذا على تقدير أن تكون
~~الكلمة بمعنى آخر فتأمل.

# والذاهبون إلى تفسير الشجرة بالنخلة من السلف اختلفوا في مقدار الحين،
~~فأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب أنه شهران قال: إن النخلة إنما يكون
~~فيها حملها شهرين. وأخرج ابن جرير عن مجاهد أنه سنة وقيل غير ذلك،
~~واختلفت الروايات عن ابن عباس والأشهر أنه فسره بستة أشهر وقال: إن
~~النخلة ما بين حملها إلى صرامها ستة أشهر، وأفتى رضي الله تعالى عنه لرجل
~~حلف أن لا يكلم أخاه حينا أنه لو كلمه قبل ستة أشهر حنث وهو الذي قال به
~~الحنيفة، فقد ذكروا أن الحين والزمان معرفين أو منكرين واقعين في النفي
~~أو في الإثبات ستة أشهر، وعللوا ذلك بأن الحين قد جاء بمعنى الساعة
~~وبمعنى أربعين سنة وبمعنى الأبد وبمعنى ستة أشهر فعند عدم النية ينصرف
~~إليه لأنه الوسط ولأن القليل لا يقصد بالمنع لوجود الامتناع فيه عادة
~~والأربعون سنة لا تقصد بالحلف عادة لأنه في معنى الأبد، ولو سكت عن الحين
~~تأبد فالظاهر أنه لم يقصد ذلك ولا الأبد ولا أربعين سنة فيحكم بالوسط في
~~الاستعمال والزمان استعمل استعمال الحين ويعتبر ابتداء الستة أشهر من وقت
~~اليمين في نحو لا أكلم فلانا حينا مثلا، وهذا بخلاف لأصومن حينا فإن
~~له أن يعين ms05052 فيه أي ستة أشهر شاء كما بين في محله، ومتى نوى الحالف
~~مقدارا معينا في الحين وأخيه صدق لأنه نوى حقيقة كلامه لأن كلا منهما
~~للقدر المشترك بين القليل والكثير والمتوسط واستعمل في كل كما لا يخفى
~~على المتتبع فليتذكر.

# { ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون
~~} لأن في ضربها زيادة إفهام وتذكير فإنه تصوير المعاني العقلية بصور
~~المحسوسات وبه يرتفع التنازع بين الحس والخيال.

### || [14.26]

# { ومثل كلمة خبيثة } وهي كلمة الكفر أو الدعاء إليه أو الكذب
~~أو كل كلمة لا يرضاها الله تعالى. وقرىء { ومثل } بالنصب عطفا على

# كلمة طيبة

# [إبراهيم: 24] وقرأ أبي { ضرب الله مثلا كلمة خبيثة }  { كشجرة
~~خبيثة } ولعل تغيير الأسلوب على قراءة الجماعة للإيذان بأن ذلك غير
~~مقصود بالضرب والبيان وإنما ذلك أمر ظاهر يعرفه كل أحد، وفي الكلام مضاف
~~مقدر أي كمثل شجرة خبيثة، والمثل بمعنى الصفة الغريبة { اجتثت } أي
~~اقتلعت من أصلها، وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة وهي شخص الشيء كلها { من
~~فوق الأرض } لكون عروقها قريبة/ من الفوق فكأنها فوق { ما لها
~~من قرار } أي استقرار على الأرض، والمراد بهذه الشجرة المنعوتة
~~الحنظلة. وروي ذلك أيضا مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن
~~الضحاك أنها الكشوث، ويشبه به الرجل الذي لا حسب له ولا نسب كما قال
~~الشاعر:

# فهو الكشوث فلا أصل ولا ورق

# ولا نسيم ولا ظل ولا ثمر

# وقال الزجاج وفرقه شجرة الثوم، وقيل: شجرة الشوك، وقيل: الطحلب، وقيل:
~~الكمأة وقيل: كل شجر لا يطيب له ثمر، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أنها شجرة لم تخلق على الأرض والمقصود التشبيه بما اعتبر فيه
~~تلك النعوت، وقال ابن عطية: الظاهر أن التشبيه وقع بشجرة غير معينة جامعة
~~لتلك الأوصاف وفي رواية عن الحبر أيضا تفسير هذه الشجرة بالكافر. وروى
~~الإمامية  وأنت تعرف حالهم  عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه تفسيرها
~~ببني أمية وتفسير الشجرة الطيبة برسول الله صلى الله عليه وسلم: وعلي كرم
~~الله تعالى وجهه وفاطمة ms05053 رضي الله تعالى عنها وما تولد منهما، وفي بعض
~~روايات أهل السنة ما يعكر على تفسير الشجرة الخبيثة ببني أمية. فقد أخرج
~~ابن مردويه عن عدي بن أبي حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إن الله تعالى قلب العباد ظهرا وبطنا فكان خير عباده العرب وقلب
~~العرب ظهرا وبطنا فكان خير العرب قريشا وهي الشجرة المباركة التي قال
~~الله تعالى في كتابه: { مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة }
~~[إبراهيم: 24] "

# لأن بني أمية من قريش وأخبار الطائفتين في هذا الباب ركيكة وأحوال بني
~~أمية التي يستحقون بها ما يستحقون غير خفية عند الموافق المخالف، والذي
~~عليه الأكثرون في هذه الشجرة الخبيثة أنها الحنظل، وإطلاق الشجرة عليه
~~للمشاكلة وإلا فهو نجم لا شجر، وكذا يقال في إطلاقه على الكشوث ونحوه.

# وللإمام الرازي قدس سره كلام في هذين المثلين لا بأس بذكره ملخصا وهو
~~أنه تعالى ذكر في المثل الأول شجرة موصوفة بأربع صفات ثم شبه الكلمة
~~الطيبة بها.

# الصفة الأولى: كونها طيبة وذلك يحتمل كونها طيبة المنظر وكونها طيبة
~~الرائحة وكونها طيبة الثمرة بمعنى كونها لذيذة مستطابة وكونها طيبة
~~الثمرة بمعنى كثرة الانتفاع بها، ويجب إرادة الجميع إذ به يحصل كمال
~~الطيب. والثانية: كون أصلها ثابتا وهو صفة كمال لها لأن الشيء الطيب إذا
~~كان في معرض الزوال فهو وإن كان يحصل الفرح بوجدانه إلا أنه يعظم الحزن
~~بالخوف من زواله وأما إذ لم يكن كذلك فإنه يعظم السرور به من غير ما ينغص
~~ذلك. والثالثة: كون فرعها في السماء وهو أيضا صفة كمال لها لأنها متى
~~كانت مرتفعة كانت بعيدة عن عفونة الأرض وقاذورات الأبنية فكانت ثمرتها
~~نقية خالصة عن جميع الشوائب. والرابعة: كونها دائمة الثمر لا أن ثمرها
~~حاضر في بعض الأوقات دون بعض وهو صفة كمال أيضا إذ الانتفاع بها غير
~~منقطع حينئذ. ثم إن من المعلوم بالضرورة أن الرغبة في تحصيل مثل هذه
~~الشجرة يجب أن تكون عظيمة، وأن العاقل متى أمكنه تحصيلها ينبغي أن يقوم ms05054
~~له على ساق ولا يتساهل عنه، والمراد من الكلمة المشبهة بذلك معرفة الله
~~تعالى والاستغراق في محبته سبحانه وطاعته، وشبه ذلك للشجرة في صفاتها
~~الأربعة، أما في الأولى فظاهر بل لا لذة ولا طيب في الحقيقة إلا لهذه
~~المعرفة لأنها ملائمة لجوهر النفس النطقية والروح القدسية ولا كذلك لذة/
~~الفواكه إذ هي أمر ملائم لمزاج البدن، ومن تأمل أدنى تأمل ظهر له فروق لا
~~تحصى بين اللذتين، وأما في الصفة الثانية فثبوت الأصل في شجرة معرفة الله
~~تعالى أقوى وأكمل لأن عروقها راسخة في جوهر النفس القدسية وهو جوهر مجرد
~~آمن عن الكون والفساد بعيد عن التغير والفناء، وأيضا مدد هذا الرسوخ
~~إنما هو من تجلي جلال الله تعالى وهو من لوازم كونه سبحانه في ذاته نور
~~النور ومبدأ الظهور وذلك مما يمتنع عقلا زواله وأما في الصفة الثالثة
~~فلأن شجرة المعرفة لها أغصان صاعدة في هواء العالم الإلهي وأغصان صاعدة
~~في هواء العالم الجسماني، والنوع الأول أقسامه كثيرة يجمعها قوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " التعظيم لأمر الله تعالى "

# ويدخل فيه التأمل في دلائل معرفته سبحانه كأحوال العوالم العلوية
~~والسفلية، وكذا محبة الله تعالى والتشوق إليه سبحانه والمواظبة على ذكره
~~جل شأنه والاعتماد عليه وقطع النظر عما سواه جل وعلا إلى غير ذلك، والنوع
~~الثاني أقسامه كذلك ويجمعها قوله عليه الصلاة والسلام،

# " والشفقة على خلق الله تعالى "

# ويدخل فيه الرأفة والرحمة والصفح والتجاوز عن الإساءة والسعي في إيصال
~~الخير إلى عباد الله تعالى ودفع الشرور عنهم ومقابلة الإساءة بالإحسان
~~إلى ما لا يحصى، وهي فروع من شجرة المعرفة فإن الإنسان كلما كان متوغلا
~~فيها كانت هذه الأحوال عنده أكمل وأقوى.

# وأما في الصفة الرابعة فلأن شجرة المعرفة موجبة لما علمت من الأحوال
~~ومؤثرة في حصولها والمسبب لا ينفك عن السبب، فدوام أكل هذه الشجرة أتم من
~~دوام أكل الشجرة المنعوتة فهي أولى بهذه الصفة بل ربما توغل العبد في
~~المعرفة فيصير بحيث كلما لاحظ شيئا لاحظ الحق فيه وربما عظم ms05055 ترقيه فيصير
~~لا يرى شيئا إلا يرى الله تعالى قبله، وأيضا قد يحصل للنفس من هذه
~~المعرفة الهامات نفسانية وملكات روحانية ثم لا يزال يصعد منها في كل حين
~~ولحظة كلام طيب وعمل صالح وخضوع وخشوع وبكاء وتذلل كثمرة هذه الشجرة، وفي
~~قوله سبحانه:

# بإذن ربها

# [إبراهيم: 25] دقيقة عجيبة وذلك لأن الإنسان عند حصول هذه الأحوال
~~السنية والدرجات العلية قد يفرح بها من حيث هي  هي  وقد يترقى فلا يفرح
~~بها كذلك وإنما يفرح بها من حيث أنها من المولى جل جلاله وعند ذلك يكون
~~فرحه في الحقيقة بالمولى تبارك وتعالى ولذلك قال بعض المحققين: من آثر
~~العرفان للعرفان فقد وقف بالساحل ومن آثر العرفان لا للعرفان بل للمعروف
~~فقد خاض لجة الوصول.

# وذكر بعضهم في هذا المثال كلاما لا يخلو عن حسن، وهو أنه إنما مثل
~~سبحانه الإيمان بالشجرة لأن الشجرة لا تستحق أن تسمى شجرة إلا بثلاثة
~~أشياء: عرق راسخ وأصل قائم وأغصان عالية فكذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة
~~أشياء: معرفة في القلب وقول باللسان وعمل بالأركان، ولم يرتض قدس سره
~~تفسير الشجرة بالنخلة ولا الحين بما شاع فقال بعد نقل كلام جماعة: إن
~~هؤلاء وإن أصابوا في البحث عن مفردات ألفاظ الآية إلا أنهم بعدوا عن
~~إدراك المقصود لأنه تعالى وصف شجرة بالصفات المذكورة ولا حاجة بنا إلى أن
~~تلك الشجرة هي النخلة أم غيرها، فإنا نعلم بالضرورة أن الشجرة الكذائية
~~يسعى في تحصيلها وادخارها لنفسه كل عاقل سواء كان لها وجود في الدنيا أو
~~لم يكن لأن هذه الصفة أمر مطلوب التحصيل، واختلافهم في تفسير الحين أيضا
~~من هذا الباب والله تعالى أعلم، وذكر تبارك وتعالى في المثل الثاني شجرة
~~أيضا إلا أنه تعالى وصفها بثلاث صفات. الصفة الأولى: كونها خبيثة وذلك
~~يحتمل أن يكون بحسب الرائحة وأن يكون بحسب الطعم وأن يكون بحسب الصورة
~~وأن يكون بحسب اشتمالها على المضار الكثيرة/ ولا حاجة إلى القول بأنها
~~شجرة كذا أو كذا فإن الشجرة الجامعة لتلك ms05056 الصفات وإن لم تكن موجودة إلا
~~أنها إذا كانت معلومة الصفة كان التشبيه بها نافعا في المطلوب.
~~والثانية: اجتثاثها من فوق الأرض وهذه في مقابلة أصلها ثابت في الأول.
~~والثالثة: نفى أن يكون لها قرار وهذه كالمتممة للصفة الثانية، والمراد
~~بالكلمة المشبهة بذلك الجهل بالله تعالى والإشراك به سبحانه فإنه أول
~~الآفات وعنوان المخافات ورأس الشقاوات فخبثه أظهر من أن يخفى وليس له حجة
~~ولا ثبات ولا قوة بل هو داحض غير ثابت ا ه، وهو كلام حسن لكن فيه مخالفة
~~لظواهر كثير من الآثار فتأمل.

### || [14.27]

# { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } الذي
~~ثبت [بالحجة] عندهم وتمكن في قلوبهم وهو الكلمة الطيبة التي ذكرت صفتها
~~العجيبة، والظاهر أن الجار متعلق  بيثبت  وكذا قوله سبحانه: { في
~~الحياة الدنيا } أي يثبتهم بالبقاء على ذلك مدة حياتهم فلا
~~يزالون إذا قيض لهم من يفتنهم ويحاول زللهم عنه كما جرى لأصحاب الاخدود
~~ولجرجيس وشمسون وكما جرى لبلال وكثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم ورضي الله تعالى عنهم { وفي الآخرة } أي بعد الموت وذلك في
~~القبر الذي هو أول منزل من منازل الآخرة وفي مواقف القيامة فلا يتلعثمون
~~إذا سئلوا عن معتقدهم هناك ولا تدهشهم الأهوال. وأخرج ابن أبي شيبة عن
~~البراء بن عازب أنه قال في الآية: التثبيت في الحياة الدنيا إذا جاء
~~الملكان إلى الرجل في القبر فقالا له: من ربك؟ قال: ربي الله. قالا: وما
~~دينك؟ قال: ديني الإسلام: قال: ومن نبيك؟ قال: نبيي محمد صلى الله عليه
~~وسلم، وعلى هذا فالمراد من الآخرة يوم القيامة. وأخرج الطبراني في "
~~الأوسط " وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: " سمعت رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم يقول في هذه الآية: { يثبت الله } الخ في الآخرة
~~القبر» وعلى هذا فالمراد بالحياة الدنيا مدة الحياة وإلى ذلك ذهب جمهور
~~العلماء واختاره الطبري. نعم اختار بعضهم أن الحياة الدنيا مدة حياتهم
~~والآخرة يوم القيامة والعرض؛ وكأن الداعي لذلك عموم { الذين آمنوا }
~~وشمولهم لمؤمني ms05057 الأمم السابقة مع عدم عموم سؤال القبر، وجوز تعلق الجار
~~الأول  بآمنوا  على معنى آمنوا بالتوحيد الخالص فوحدوه ونزهوه عما لا
~~يليق بجنابه سبحانه، وكذا جوز تعلق الجار الثاني  بالثابت  ومن الناس
~~من زعم أن الثبيت في الدنيا الفتح والنصر وفي الآخرة الجنة والثواب لا
~~يخفى أن هذا مما لا يكاد يقال، وأمر تعلق الجارين ما قدمنا وهذا عند
~~بعضهم مثال إيتاء الشجرة أكلها كل حين.

# { ويضل الله الظلمين } أي يخلق فيهم الضلال عن الحق الذي
~~ثبت المؤمنين عليه حسب إرادتهم واختيارهم الناشىء عن سوء استعدادهم،
~~والمراد بهم الكفرة بدليل مقابلتهم  بالذين آمنوا  ووصفهم بالظلم إما
~~باعتبار وضعهم للشيء في غير موضعه، وإما باعتبار ظلمهم لأنفسهم حيث بدلوا
~~فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها فلم يهتدوا إلى القول الثابت أو
~~حيث قلدوا أهل الضلال وأعرضوا عن البينات الواضحة، واضلالهم  على ما قيل
~~ في الدنيا أنهم لا يثبتون في مواقف الفتن وتزل أقدامهم أول شيء وهم في
~~الآخرة أضل وأزل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي من حديث ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أن الكافر إذا حضره الموت تنزل عليه الملائكة
~~عليهم السلام يضربون وجهه ودبره فإذا دخل قبره أقعد فقيل له: من ربك؟ فلم
~~يرجع إليهم شيئا وأنساه الله تعالى ذكر ذلك، وإذا قيل له: من/ الرسول
~~الذي بعث إليكم؟ لم يهتد له ولم يرجع إليهم شيئا فذلك قوله تعالى: {
~~ويضل الله الظلمين }.

# { ويفعل الله ما يشاء } من تثبيت بعض واضلال بعض آخرين حسبما
~~توجبه مشيئته التابعة للحكم البالغة المقتضية لذلك، وفي إظهار الاسم
~~الجليل في الموضعين من الفخامة وتربية المهابة ما لا يخفى مع ما فيه 
~~كما قيل  من الإيذان بالتفاوت في مبادىء التثبيت والإضلال فإن مبدأ صدور
~~كل منهما عنه سبحانه وتعالى من صفاته العلا غير ما هو مبدأ صدور الآخر،
~~وفي ظاهر الآية من الرد على المعتزلة ما فيها.

### || [14.28]

# { ألم تر } تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد مما
~~صنع ms05058 الكفرة من الأباطيل أي ألم تنظر { إلى الذين بدلوا
~~نعمت الله } أي شكر نعمته تعالى الواجب عليهم ووضعوا موضعه {
~~كفرا } عظيما وغمطا لها، فالكلام على تقدير مضاف حذف وأقيم المضاف
~~إليه مقامه وهو المفعول الثاني و { كفرا } المفعول الأول، وتوهم بعضهم
~~عكس ذلك، وقد لا يحتاج إلى تقدير على معنى أنهم بدلوا النعمة نفسها كفرا
~~لأنهم لما كفروها سلبوها فبقوا مسلوبيها موصوفين بالكفر، وقد ذكر هذا
~~كالأول الزمخشري، والوجهان كما في " الكشف " خلافا لما قرره الطيبي
~~وتابعه عليه غيره متفقان في أن التبديل ههنا تغيير في الذات إلا أنه
~~واقع بين الشكر والكفر أو بين النعمة نفسها والكفر، والمراد بهم أهل مكة
~~فإن الله سبحانه أسكنهم حرمه وجعلهم قوام بيته وأكرمهم بمحمد صلى الله
~~عليه وسلم فكفروا نعمة الله تعالى بدل ما ألزمهم من الشكر العظيم، أو
~~أصابهم الله تعالى بالنعمة والسعة لإيلافهم الرحلتين فكفروا نعمته سبحانه
~~فضربهم جل جلاله بالقحط سبع سنين وقتلوا وأسروا يوم بدر فحصل لهم الكفر
~~بدل النعمة وبقي ذلك طوقا في أعناقهم. وأخرج الحاكم وصححه وابن جرير
~~والطبراني وغيرهم من طرق عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في هؤلاء
~~المبدلين: هما الأفجران من قريش بنو أمية وبنوا المغيرة فأما بنو المغيرة
~~فقطع الله تعالى دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. وأخرج
~~البخاري في " تاريخه " وابن المنذر وغيرهما عن عمر رضي الله تعالى عنه
~~مثل ذلك. وجاء في رواية كما في " جامع الأصول " هم والله كفار قريش.
~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: هم جبلة
~~بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم، ولعله رضي الله تعالى
~~عنه لا يريد أنها نزلت في جبلة ومن معه لأن قصتهم كانت في خلافة عمر رضي
~~الله تعالى عنه وإنما يريد أنها تخص من فعل فعل جبلة إلى يوم القيامة.

# { وأحلوا } أي أنزلوا { قومهم } بدعوتهم إياهم لما هم فيه من
~~الضلال، ولم يتعرض لحلولهم لدلالة الإحلال عليه ms05059 إذ هو فرع الحلول كما
~~قالوا في قوله تعالى في فرعون:

# يقدم قومه يوم القيمة فأوردهم النار

# [هود: 98] { دار البوار } أي الهلاك من بار يبور بوارا وبورا،
~~قال الشاعر:

# فلم أر مثلهم أبطال حرب

# غداة الحرب إذ خيف البوار

# وأصله كما قال الراغب ((فرط الكساد، ولما كان فرط الكساد يؤدي إلى
~~الفساد كما قيل كسد حتى فسد عبر به عن الهلاك)).

### || [14.29]

# { جهنم } عطف بيان للدار، وفي الإبهام ثم البيان ما لا يخفى من
~~التهويل، وأعربه الحوفي وأبو البقاء بدلا منها، وقوله تعالى: {
~~يصلونها } أي يقاسون حرها حال من الدار أو من { جهنم } أو من

# قومهم

# [إبراهيم:28] أو استئناف لبيان كيفية الحلول، وجوز أبو البقاء كون {
~~جهنم } منصوبا على الاشتغال أي يصلون/ جهنم يصلونها وإليه ذهب ابن
~~عطية، فالمراد بالإحلال حينئذ تعريضهم للهلاك بالقتل والأسر، وأيد بما
~~روى عطاء أن الآية نزلت في قتلى بدر، وبقراءة ابن أبي عبلة { جهنم }
~~بالرفع على الابتداء، ويحتمل أن يكون { جهنم } على هذه القراءة خبر مبتدأ
~~محذوف واختاره أبو حيان معللا بأن النصب على الاشتغال مرجوح من حيث إنه
~~لم يتقدم ما يرجحه ولا ما يجعله مساويا، وجمهور القراء على النصب ولم
~~يكونوا ليقرؤوا بغير الراجح أو المساوي، إذ زيد ضربته بالرفع أرجح من
~~زيدا ضربته فلذلك كان ارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف في تلك القراءة
~~راجحا، وأنت تعلم أن قوله تعالى:

# قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار

# [إبراهيم: 30] يرجح التفسير السابق { وبئس القرار } على حذف
~~المخصوص بالذم أي بئس القرار هي أن جهنم أو بئس القرار قرارهم فيها، وفيه
~~بيان أن حلولهم وصليهم على وجه الدوام والاستمرار.

### || [14.30]

# { وجعلوا } عطف على

# أحلوا

# [إبراهيم: 28] أو ما عطف عليه داخل معه في حيز الصلة وحكم التعجيب أي
~~جعلوا في اعتقادهم وحكمهم { لله } الفرد الصمد الذي ليس كمثله شيء
~~وهو الواحد القهار { أندادا } أمثالا في التسمية أو في العبادة، وقال
~~الراغب: ((ند الشيء مشاركة في جوهره وذلك ضرب من المماثلة فإن المثل
~~يقال في أي ms05060 مشاركة كانت فكل ند مثل وليس كل مثل ندا))، ولعل المعول عليه
~~هنا ما أشرنا إليه. { ليضلوا } قومهم الذين يشايعونهم حسبما ضلوا {
~~عن سبيله } القويم الذي هو التوحيد، وقيل: مقتضى ظاهر النظم الكريم
~~أن يذكر كفرانهم نعمة الله تعالى ثم كفرانهم بذاته سبحانه باتخاذ الأنداد
~~ثم إضلالهم لقومهم المؤدي إلى إحلالهم دار البوار، ولعل تغيير الترتيب
~~لتثنية التعجيب وتكريره والإيذان بأن كل واحد من هذه الهنات يقضي منه
~~العجب ولو سيق النظم على نسق الوجود لربما فهم التعجيب من المجموع، وله
~~نظائر في الكتاب الجليل، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب {
~~ليضلوا } بفتح الياء، والظاهر أن اللام في القراءتين مثلها في قوله
~~تعالى:

# فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا

# [القصص: 8] وذلك أنه لما كان الإضلال أو الضلال نتيجة للجعل المذكور شبه
~~بالغرض والعلة الباعثة فاستعمل له حرفه على سبيل الاستعارة التبعية قاله
~~غير واحد وقيل عليه: إن كون الضلال نتيجة للجعل لله سبحانه أندادا غير
~~ظاهر إذ هو متحد معه أو لازم لا ينفك عنه إلا أن يراد الحكم به أو دوامه.
~~ورد بأنهم مشركون لا يعتقدون أنه ضلال بل يزعمون أنه اهتداء فقد ترتب على
~~اعتقادهم ضده، على أن المراد بالنتيجة ما يترتب على الشيء أعم من أن يكون
~~من لوازمه أولا وفيه تأمل.

# { قل } لأولئك الضلال المتعجب منهم { تمتعوا } بما أنتم عليه من
~~الشهوات التي من جملتها تبديل نعمة الله تعالى كفرا واستتباع الناس في
~~الضلال، وجعل ذلك متمتعا به تشبيها له بالمشتهيات المعروفة لتلذذهم به
~~كتلذذهم بها، وفي التعبير بالأمر  كما قال الزمخشري إيذان بأنهم
~~لانغماسهم بالتمتع بما هم عليه وأنهم لا يعرفون غيره ولا يريدونه مأمورون
~~به قد أمرهم آمر مطاع لا يسعهم أن يخالفوه ولا يملكون لأنفسهم أمرا دونه
~~وهو آمر الشهوة؛ وعلى هذا يكون قوله تعالى: { فإن مصيركم إلى
~~النار } جواب شرط ينسحب عليه الكلام على ما أشار إليه بقوله. والمعنى
~~إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لآمر الشهوة ms05061 فإن مصيركم إلى النار،
~~ويجوز أن يكون الأمر مجازا عن التخلية والخذلان وأن ذلك الآمر متسخط إلى
~~غاية، ومثاله أن ترى الرجل قد عزم على أمر وعندك ذلك الأمر خطأ وأنه يؤدي
~~إلى ضرر عظيم فتبالغ في نصحه واستنزاله/ عن رأيه فإذا لم تر منه إلا
~~الإباء والتصميم حردت عليه وقلت: أنت وشأنك فافعل ما شئت فلا تريد بهذا
~~حقيقة الأمر ولكنك كأنك تقول: فإذ قد أبيت قبول النصيحة فأنت أهل ليقال
~~لك افعل ما شئت وتبعث عليه ليتبين لك إذا فعلت صحة رأي الناصح وفساد رأيك
~~انتهى.

# قال صاحب " الكشف ": إن الوجهين مشتركان في إفادة التهديد لكن الأداء
~~إليه مختلف، والأول نظير ما إذا أطاع أحد عبيدك بعض من تنقم طريقته
~~فتقول: اطع فلانا، وهذا صحيح صدر من المنقوم أمر ومن العبد طاعة أو كان
~~منه موافقة لبعض ما يهواه والقسم الأخير هو ما نحن فيه والثاني ظاهر
~~انتهى. وظاهر هذا أن التهديد على الوجهين مفهوم من صيغة الأمر، ويفهم من
~~كلام بعض الأجلة أن ذلك على الوجه الأول من الشرطية وعلى الثاني من الأمر
~~وما في حيز الفاء تعليل له، ولعل النظر الدقيق قاض بما أفتى به ظاهر ما
~~في " الكشف " ، وذكر غير واحد أن هذا كقول الطبيب لمريض يأمره بالاحتماء
~~فلا يحتمي: كل ما تريد فإن مصيرك إلى الموت؛ فإن المقصود  كما قال صاحب
~~" الفرائد "  التهديد ليرتدع ويقبل ما يقول. وجعل الطيبي ما قرر في
~~المثال هو المراد من قول الزمخشري أن في { تمتعوا } إيذانا بأنهم
~~لانغماسهم الخ، وأنت تعلم أنه ظاهر في الوجه الثاني فافهم. والمصير مصدر
~~صار التامة بمعنى رجع وهو اسم إن و { إلى النار } في موضع الخبر،
~~ولا ينبغى أن يقال: إنه متعلق  بمصير  وهو من صار بمعنى انتقل ولذا عدي
~~بإلى لأنه يدعو إلى القول بحذف خبر إن وحذفه في مثل هذا التركيب قليل،
~~والكثير فيما إذا كان الاسم نكرة والخبر جار ومجرور. والحوفي جوز هذا
~~التعلق فالخبر عنده محذوف أي فإن ms05062 مصيركم إلى النار واقع أو كائن لا
~~محالة.

# ثم إنه تعالى لما هدد الكفار وأشار إلى أنهماكهم في اللذة الفانية أمر
~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر خلص عباده بالعبادة البدنية والمالية
~~فقال سبحانه: { قل لعبادى الذين آمنوا... }.

### || [14.31]

# { قل لعبادى الذين آمنوا } وخصهم بالإضافة إليه تعالى
~~رفعا لهم وتشريفا وتنبيها على أنهم المقيمون لوظائف العبودية الموفون
~~بحقوقها، وترك العطف بين الأمرين للإيذان بتباين حالهم تهديدا وغيره،
~~ومقول القول على ما ذهب إليه المبرد والأخفش والمازني محذوف دل عليه {
~~يقيموا } أي قل لهم: أقيموا الصلاة وأنفقوا. { يقيموا الصلوة
~~وينفقوا مما رزقناهم } والفعل المذكور مجزوم على أنه جواب
~~{ قل } عندهم. وأورد أنه لا يلزم من قوله عليه الصلاة والسلام: أقيموا
~~وأنفقوا أن يفعلوا. ورد بأن المقول لهم الخلص وهم متى أمروا امتثلوا، ومن
~~هنا قالوا: إن في ذلك إيذانا بكمال مطاوعتهم وغاية مسارعتهم إلى
~~الامتثال، ويشد عضد ذلك حذف المقول لما فيه من إيهام أنهم يفعلون من غير
~~أمر، على أن مبنى الإيراد على أنه يشترط في السببية التامة وقد منع. وجعل
~~ابن عطية  قل  بمعنى بلغ وأد الشريعة والجزم في جواب ذلك وهو قريب مما
~~تقدم.

# وحكي عن أبي علي وعزي للمبرد أن الجزم في جواب الأمر المقول المحذوف،
~~وتعقبه أبو البقاء بأنه فاسد لوجهين: الأول أن جواب الشرط لا بد أن يخالف
~~فعل الشرط اما في الفعل أو في الفاعل أو فيهما فإذا اتحدا لا يصح كقولك:
~~قم تقم إذ التقدير هنا إن يقيموا يقيموا. والثاني أن الأمر المقدر
~~للمواجهة والفعل المذكور على لفظ الغيبة وهو خطأ إذا كان الفاعل واحدا.
~~وقيل عليه: إن الوجه الأول قريب، وأما الثاني فليس بشيء لأنه يجوز أن
~~تقول: قل لعبدك أطعني يطعك وإن كان للغيبة بعد المواجهة باعتبار حكاية
~~الحال.

# / وعن أبي علي وجماعة أن { يقيموا } خبر في معنى الأمر وهو مقول القول.
~~ورد بحذف النون وهي في مثل ذلك لا تحذف، ومنه قوله تعالى:

# هل أدلكم على تجرة تنجيكم

# إلى ms05063 قوله سبحانه:

# تؤمنون

# [الصف: 10-11] إذ المراد منه آمنوا، والقول بأنه لما كان بمعنى الأمر
~~بني على حذف النون كما بني الاسم المتمكن في النداء على الضم في نحو يا
~~زيد لما شبه بقبل وبعد وما لم يبن إنما لوحظ فيه لفظه مما لا يكاد يلتفت
~~إليه، وذهب الكسائي والزجاج وجماعة إلى أنه مقول القول وهو مجزوم بلام
~~أمر مقدرة أي ليقيموا وينفقوا على حد قول الأعشى:

# محمد تفد نفسك كل نفس

# إذا ما خفت من أمر تبالا

# وأنت تعلم أن إضمار الجازم أضعف من إضمار الجار إلا أن تقدم { قل }
~~نائب منابه؛ كما أن كثرة الاستعمال في أمر المخاطب ينوب مناب ذلك، والشيء
~~إذا كثر في موضع أو تأكد الدلالة عليه جاز حذفه، منه حذف الجار من أنى
~~إذا كانت بمعنى من أين، وبما ذكرنا من النيابة فارق ما هنا ما في البيت
~~فلا يضرنا تصريحهم فيه بكون الحذف ضرورة، وعن ابن مالك أنه جعل حذف هذه
~~اللام على أضرب: قليل وكثير ومتوسط، فالكثير أن يكون قبله قول بصيغة
~~الأمر كما في الآية، والمتوسط ما تقدمه قول غير أمر كقوله:

# قلت لبواب لديه دارها

# تيذن فإني حمها وجارها

# والقليل ما سوى ذلك. وظاهر كلام " الكشف " اختيار هذا الوجه حيث قال
~~المدقق فيه: والمعنى على هذا أظهر لكثرة ما يلزم من الإضمار، وان تقييد
~~الجواب بقوله تعالى: { من قبل أن يأتى } إلى { ولا خلل }
~~ليس فيه كثير طائل إنما المناسب تقييد الأمر به، وقال ابن عطية: ويظهر أن
~~مقول القول

# الله الذى

# [إبراهيم: 32] الخ ولا يخفى ما في ذلك من التفكيك، على أنه لا يصح حينئذ
~~أن يكون { يقيموا } مجزوما في جواب الأمر لأن قول

# الله الذى

# [إبراهيم: 32] الخ لا يستدعي إقامة الصلاة والإنفاق إلا بتقدير بعيد
~~جدا هذا، والمراد بالصلاة قيل ما يعم كل صلاة فرضا كانت أو تطوعا، وعن
~~ابن عباس تفسيرها بالصلاة المفروضة وفسر الإنفاق بزكاة الأموال. ولا يخفى
~~عليك أن زكاة المال إنما فرضت في السنة ms05064 الثانية من الهجرة بعد صدقة الفطر
~~وأن هذه السورة كلها مكية عند الجمهور، والآيتين ليست هذه الآية إحداهن
~~عند بعض، ثم إن لم يكن هذا المأمور به في الآية مأمورا به من قبل فالأمر
~~ظاهر وإن كان مأمورا به فالأمر للدوام فتحقق ذلك ولا تغفل.

# { سرا وعلانية } منتصبان على المصدرية لكن من الأمر المقدر أو
~~من الفعل المذكور على ما ذهب إليه الكسائي ومن معه على ما قيل، والأصل
~~إنفاق سر وإنفاق علانية فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب
~~انتصابه، ويجوز أن يكون الأصل إنفاقا سرا وإنفاقا علانية فحذف الموصوف
~~وأقيمت صفته مقامه، وجوز أن يكونا منتصبين على الحالية أما على التأويل
~~بالمشتق أو على تقدير مضاف أي مسرين ومعلنين أو ذوي سر وعلانية أو على
~~الظرفية أي في سر وعلانية، وقد تقدم الكلام في حكم نفقة السر ونفقة
~~العلانية.

# { من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه } فيبتاع المقصر
~~فيه ما يتلافى به تقصيره أو يفتدي به نفسه، والمقصود  كما قال بعض
~~المحققين  نفي عقد لمعاوضة بالمرة، وتخصيص البيع بالذكر للإيجاز مع
~~المبالغة في نفي العقد إذ انتفاء البيع يستلزم انتفاء الشراء على أبلغ
~~وجه وانتفاؤه ربما يتصور مع تحقق الإيجاب من البائع انتهى، وقيل: إن
~~البيع كما يستعمل في إعطاء المثمن وأخذ الثمن وهو المعنى الشائع يستعمل
~~في إعطاء الثمن وأخذ المثمن وهو معنى الشراء؛ وعلى هذا جاء قوله صلى الله
~~عليه وسلم:/

# " لا يبيعن أحدكم على بيع أخيه "

# ولا مانع من إرادة المعنيين هنا، فإن قلنا بجواز استعمال المشترك في
~~معنييه مطلقا كما قال به الشافعية أو في النفي كما قال به ابن الهمام
~~فذاك وإلا احتجنا إلى ارتكاب عموم المجاز فكأنه قيل: لا معاوضة فيه.

# { ولا خلل } أي مخالة فهو كما قال أبو عبيدة وغيره مصدر خاللته
~~كالخلال، وقال الأخفش: هو جمع خليل كأخلاء وأخلة، والمراد واحد وهو نفي
~~أن يكون هناك خليل ينتفع به بأن يشفع له أو يسامحه بما يفتدي به، ويحتمل
~~أن ms05065 يكون المعنى من قبل أن يأتي يوم لا انتفاع فيه لما لهجوا بتعاطيه من
~~البيع والمخالة ولا انتفاع بذلك وإنما الانتفاع والارتفاق فيه بالإنفاق
~~لوجه الله تعالى، فعلى الأول المنفي البيع والخلال في الآخرة، وعلى هذا
~~المراد نفي البيع والخلال الذين كانا في الدنيا بمعنى نفي الانتفاع بهما،
~~و { فيه } ظرف للانتفاع المقدر حسبما أشرنا إليه، ولا يشكل ما هنا مع
~~قوله تعالى:

# الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين

# [الزخرف: 67] حيث أثبت فيه المخالة وعدم العداوة بين المتقين لأن المراد
~~هنا على ما قيل نفي المخالة النافعة بذاتها في تدارك ما فات ولم يذكر في
~~تلك الآية أن المتقين يتدارك بعضهم لبعض ما فات. وقيل: في التوفيق بين
~~الآيتين: إن المراد لا مخالة بسبب ميل الطبع ورغبة النفس وتلك المخالة
~~الواقعة بين المتقين في الله تعالى، مع أن الاستثناء من الإثبات لا يلزمه
~~النفي وإن سلم لزومه فنفي العداوة لا يلزم منه المخالة وهو كما ترى؛
~~ومثله ما قيل: إن الإثبات والنفي بحسب المواطن. والظرف على ما استظهره
~~غير واحد متعلق بالأمر المقدر، وعلقه بالفعل المذكور من رأى رأي الكسائي
~~ومن معه بل وبعض من رأى غير ذلك إلا أنه لا يخلو عن شيء، وتذكير إتيان
~~ذلك اليوم على ما في " إرشاد العقل السليم " لتأكيد مضمون الأمر من حيث
~~أن كلا من فقدان الشفاعة وما يتدارك به التقصير معاوضة وتبرعا وانقطاع
~~آثار البيع والخلال والواقعين في الدنيا وعدم الانتفاع بهما من أقوى
~~الدواعي إلى الإتيان بما تبقى عوائده وتدوم فوائده من الإنفاق في سبيل
~~الله تعالى أو من حيث أن ادخار المال وترك إنفاقه إنما يقع غالبا
~~للتجارات والمهاداة فحيث لا يمكن ذلك في الآخرة فلا وجه لادخاره إلى وقت
~~الموت. وتخصيص أمر الإنفاق بذلك التأكيد لميل النفوس إلى المال وكونها
~~مجبولة على حبه والضنة به. وفيه أيضا أنه لا يبعد أن يكون تأكيدا
~~لمضمون الأمر بإقامة الصلاة أيضا من حيث أن تركها كثيرا ما يكون
~~للاشتغال بالبياعات والمخاللات ms05066 كما في قوله تعالى:

# وإذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا إليها

# [الجمعة: 11] وأنت تعلم بعده لفظا بناء على تعلق { سرا
~~وعلانية } بالأمر بالإنفاق، ثم إن ما ذكر من الوجهين في الآية هو
~~الذي ذكره بعض المحققين، واقتصر الزمخشري فيها على الوجه الثاني، وكلامه
~~في تقريره ظاهر في أن فائدة التقييد الحث على الإنفاق حسبما بينه في "
~~الكشف " ، وفيه تقرير الحاصل أن قوله تعالى: { لا بيع فيه ولا
~~خلل } أي لا انتفاع بهما كناية عن الانتفاع بما يقابلهما وهو ما
~~أنفق لوجه الله تعالى فهو حث على الإنفاق لوجهه سبحانه كأنه قيل: لينفقوا
~~له من قبل أن يأتي يوم ينتفع بانفاقهم المنفقون له ولا ينفع الندم لمن
~~أمسك، والعدول إلى ما في النظم الجليل ليفيد الحصر وإن ذلك وحده هو
~~المنتفع به، وليفيد المضادة بين ما ينفع عاجليا وما ينفع آجليا، وذكر
~~في آية البقرة [254]

# من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة

# أن المعنى من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من
~~الإنفاق لأنه لا بيع حتى تبتاعوا ما تنفقونه ولا خلة حتى يسامحكم أخلاؤكم
~~به، وبين المدقق وجه اختصاص كل من المعنيين بموضعه مع صحة جريانهما
~~جميعا في/ كل من الموضعين بأن الأول خطاب عام فكان الحث فيه على الإنفاق
~~مطلقا وتصوير أن الإنفاق نفسه هو المطلوب فليغتنم قبل أن يأتي يوم يفوت
~~فيه ولا يدركه الطالب هو الموافق لمقتضى المقام وأن الثاني لما اختص
~~بالخلص كان الموافق للمقام تحريضهم على ما هم عليه من الإنفاق ليدوموا
~~عليه فقيل: دوموا عليه وتمسكوا به تغتبطوا يوم لا ينفع إلا من دام عليه،
~~ولو قيل: دوموا عليه قبل أن يفوتكم ولا تدركوه لم يكن بتلك الوكادة لأن
~~الأول بالحث على طلب أصل الفعل أشبه والثاني بطلب الدوام فتفطن له اه
~~ولا يخلو عن دغدغة. وقرأ أبو عمرو وابن كثير ويعقوب { لا بيع فيها
~~ولا خلل } بفتح الاسمين تنصيصا على استغراق النفي، ودلالة الرفع
~~على ms05067 ذلك باعتبار خطابي هو على ما قيل وقوعه في جواب هل فيه بيع أو خلال؟

# ثم إنه لما ذكر سبحانه أحوال الكافرين لنعمه وأمر المؤمنين بإقامة مراسم
~~الطاعة شكرا لها شرع جل وعلا في تفصيل ما يستوجب على كافة الأنام
~~المثابرة على الشكر والطاعة من النعم العظام والمنن الجسام حثا للمؤمنين
~~عليها وتقريعا للكفرة المخلين أتم إخلال بها فقال عز قائلا: { الله
~~الذى خلق السموات... }.

### || [14.32]

# { الله الذى خلق السموات والأرض } الخ، وهذا أولى
~~مما قيل: إنه تعالى لما أطال الكلام في وصف أحوال السعداء والأشقياء وكان
~~حصول السعادة بمعرفة الله تعالى وصفاته والشقاوة بالجهل بذلك ختم الوصف
~~بالدلائل الدالة على وجوده جل شأنه وكمال علمه وقدرته فقال سبحانه ما قال
~~لظهور اعتبار المذكورات في حيز الصلة نعما لا دلائل، والاسم الجليل
~~مبتدأ والموصول خبره ولا يخفى ما في الكلام من تربية المهابة والدلالة
~~على قوة السلطان، والمراد خلق السموات وما فيها من الأجرام العلوية
~~والأرض وما فيها من أنواع المخلوقات.

# { وأنزل من السماء } أي السحاب { ماء } أي نوعا منه وهو
~~المطر، وسمي السحاب سماء لعلوه وكل ما علاك سماء؛ وقيل: المراد بالسماء
~~الفلك المعلوم فإن المطر منه يتبدى إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض،
~~وعليه الكثير من المحدثين لظواهر الأخبار. واستبعد ذلك الإمام لأن
~~الإنسان ربما كان واقفا على قلة جبل عال ويرى السحاب أسفل منه فإذا نزل
~~رآه ماطرا، ثم قال: وإذا كان هذا أمرا مشاهدا بالبصر كان النزاع فيه
~~باطلا، وأول بعضهم الظواهر لذلك بأن معنى نزول المطر من السماء نزوله
~~بأسباب ناشئة منها، وأيا ما كان فمن ابتدائية وهي متعلقة بأنزل وتقديم
~~المجرور على المنصوب اما باعتبار كونه مبتدأ لنزوله أو لتشريفه كما في
~~قولك: أعطاه السلطان من خزائنه مالا أو لما مر غير مرة من التشويق إلى
~~المؤخر.

# { فأخرج به } أي بذلك الماء { من الثمرت رزقا لكم
~~} تعيشون به وهو بمعنى المرزوق مرادا به المعنى اللغوي وهو كل ما ينتفع
~~به فيشمل المطعوم والملبوس، ونصبه ms05068 على أنه مفعول { أخرج } و { من
~~الثمرت } بيان له فهو في موضع الحال منه، وتقدم { من } البيانية
~~على ما تبينه قد أجازه الكثير من النحاة وقد مر الكلام في ذلك، واستظهر
~~أبو حيان المانع لذلك كون { من } للتبعيض، والجار والمجرور في موضع
~~الحال و { رزقا } مفعول { أخرج } أيضا، وجوز أن تكون { من }
~~بمعنى بعض مفعول أخرج و { رزقا } بمعنى مرزوقا حالا منه فهو بيان
~~للمراد من بعض الثمرات لأن منها ما ينتفع به فهو رزق ومنها ما ليس كذلك،
~~ويجوز أن يكون { رزقا } باقيا على مصدريته، ونصبه على أنه مفعول له
~~أي أخرج به ذلك لأجل الرزق والانتفاع به أو مفعول مطلق  لأخرج  لأن
~~أخرج بعض الثمرات في معنى رزق فيكون في معنى قعدت جلوسا على المشهور،
~~وقيل: من زائدة ولا يرى جواز ذلك هنا إلا الأخفش و { لكم } / صفة 
~~لرزقا  أن أريد به المرزوق ومفعول به إن أريد به المصدر كأنه قيل:
~~رزقا إياكم، والباء للسببية.

# ومعنى كون الإخراج بسببه أن الله تعالى أودع فيه قوة مؤثرة بإذنه في ذلك
~~حسبما جرت به حكمته الباهرة مع غناه الذاتي سبحانه عن الاحتياج إليه في
~~الإخراج، وهذا هو رأي السلف الذي رجع إليه الأشعري كما حقق في موضعه،
~~وزعم من زعم أن المراد أخرج عنده والتزموا هذا التأويل في ألوف من
~~المواضع وضللوا القائلين بأن الله تعالى أودع في بعض الأشياء قوة مؤثرة
~~في شيء ما حتى قالوا: إنهم إلى الكفر أقرب منهم إلى الإيمان، وأولئك عندي
~~أقرب إلى الجنون وسفاهة الرأي. و { الثمرت } يراد بها ما يراد من
~~جمع الكثرة لأن صيغ الجموع يتعاور بعضها موضع بعض أو لأنه أريد بالمفرد
~~جماعة الثمرة التي في قولك: أكلت ثمرة بستان فلان، وقد تقدم لك ما ينفعك
~~تذكره في هذا المقام فتذكر.

# { وسخر لكم الفلك } السفن بأن أقدركم على صنعتها واستعمالها
~~بما ألهمكم كيفية ذلك، وقيل: بأن جعلها لا ترسب في الماء { لتجرى
~~فى البحر } حيث توجهتم { بأمره } بمشيئته التي بها نيط ms05069 كل شيء،
~~وتخصيصه بالذكر على ما ذكره بعض المحققين للتنصيص على أن ذلك ليس بمزاولة
~~الأعمال واستعمال الآلات كما يتراءى من ظاهر الحال، ويندرج في تسخير
~~الفلك كما في " البحر " تسخيره وكذا تسخير الرياح { وسخر لكم
~~الأنهر } جعلها معدة لانتفاعكم حيث تشربون منها وتتخذون جداول
~~تسقون بها زروعكم وجناتكم وما أشبه ذلك، هذا إذا أريد بالأنهار المياه
~~العظيمة الجارية في المجاري المخصوصة وأما إذا أريد بها نفس المجاري
~~فتسخيرها تيسيرها لهم لتجري فيها المياه.

### || [14.33]

# { وسخر لكم الشمس والقمر دائبين } أي دائمين في
~~الحركة لا يفتران إلى انقضاء عمر الدنيا. أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ
~~في " العظمة " عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: الشمس بمنزلة
~~الساقية تجري بالنهار في السماء في فلكها فإذا غربت جرت بالليل في فلكها
~~تحت الأرض حتى حتى تطلع من مشرقها وكذلك القمر، والقول بجريانهما إذا
~~غربا تحت الأرض مروي أيضا عن الحسن البصري وهو الذي يشهد له العقل
~~السليم وللأخباريين غير ذلك، وظاهر الآية إثبات الحركة لهما أنفسهما.
~~والفلاسفة يثبتون لهما حركتين يسمون احداهما الحركة الأولى وهي الحركة
~~اليومية من المشرق إلى المغرب الحاصلة لهما بقسر المحدد لفلكيهما،
~~والأخرى الحركة الثانية وهي الحركة على توالي البروج من المغرب إلى
~~المشرق الحاصلة لهما بحركة فلكيهما حركة ذاتية، ولا يثبتون لهما حركة في
~~ثخن الفلك على نحو حركة السمكة في الماء لصلابة الفلك وعدم قبوله الخرق
~~أصلا عندهم. وأثبت الشيخ الأكبر قدس سره في " فتوحاته " حركتهما على ذلك
~~النحو، والفلك عنده مثل الماء والهواء.

# ذكر بعض الأخباريين أنهما وسائر الكواكب معلقة بسلاسل من نور بأيدي
~~ملائكة يسيرونها كيف شاء الله تعالى وحيث شاء سبحانه، والأفلاك ساكنة عند
~~هذا البعض، وكذا عند الشيخ قدس سره على ما يقتضيه ظاهر كلامه، والأخبار
~~في هذا الباب ليست بحيث تسد ثغر الخصم. وذكر النسفي أنه ليس فيهما ما
~~يعول عليه، وكلام الفلاسفة ما لم يكن فيه مصادمة لما تحقق عن المخبر
~~الصادق صلى الله عليه وسلم مما لا ms05070 بأس به، وفسر بعضهم { دائبين }
~~بمجدين تعبين وهو على التشبيه والاستعارة، وأصل الدأب العادة المستمرة،
~~ونصب الاسم على الحال، وتسخير/ هذين الكوكبين العظيمين جعلهما منيرين
~~مصلحين ما نيط بهما صلاحه من المكونات، ولعمري أن الله سبحانه جعلهما
~~أجدى من تفاريق العصا. وفي كتاب " المشارع " و " المطارحات " للشيخ شهاب
~~الدين السهروردي قتيل حلب أن تأثير الشمس والقمر أظهر الآثار السماوية،
~~وتأثير الشمس أظهر من تأثير القمر، وأظهر الآثار بعد الشعاع التسخين
~~الحاصل منه ولولا ذلك ما كان كون ولا فساد ولا استحالة ولا ليل ولا نهار
~~ولا فصول ولا مزاج ولا حيوانات ولا غيرها، وأطال الكلام في بيان ذلك وما
~~يتعلق به، ولا ضرر عندي في اعتقاد أنهما مؤثران بإذن الله تعالى كسائر
~~الأسباب عند السلف الصالح.

# { وسخر لكم اليل والنهار } يتعاقبان لسباتكم ومعاشكم،
~~وأرجع بعض المحققين التسخير في المواضع الأربعة إلى معنى التصريف، وأصله
~~سياقة الشيء إلى الغرض المختص به قهرا، وذكر أن في التعبير عن ذلك به من
~~الإشعار بما في ذلك من صعوبة المأخذ وعزة المنال والدلالة على عظم
~~السلطان وشدة المحال ما لا يخفى، والظاهر أنه في المعنى المراد به هنا
~~مجاز في تلك المواضع جميعا، ونقل أبو حيان عن المتكلمين أنه مجاز في
~~الأخير منها قال: لأن الليل والنهار عرضان والأعراض لا تسخر وفيه قصور،
~~وفي إبراز كل من هذه النعم في جملة مستقلة تنويه لشأنها وتنبيه على رفعة
~~مكانها وتنصيص على كون كل نعمة جليلة مستوجبة للشكر.

# وتأخير تسخير الشمس والقمر عن تسخير ما تقدم من الأمور مع ما بينه وبين
~~خلق السم وات من المناسبة الظاهرة قيل: لاستتباع ذكرها لذكر الأرض
~~المستدعي لذكر إنزال الماء منها إليها الموجب لذكر إخراج الرزق الذي من
~~جملته ما يحصل بواسطة الفلك والأنهار أو للتفادي عن توهم كون الكل  أعني
~~خلق السم وات والأرض وتسخير الشمس والقمر  نعمة واحدة، وقد تقدم نظيره
~~آنفا، وذكر بعضهم في وجه ذكر هذه المتعاطفات على هذا الأسلوب أنه بدأ
~~بخلق السم وات ms05071 والأرض لأنهما أصلان يتفرع عليهما سائر ما يذكر بعد، وثنى
~~بإنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات به لشدة تعلق النفوس بالرزق فيكون
~~تقديمه من قبيل تعجيل المسرة. ولما كان الانتفاع بما ينبت من الأرض إنما
~~يكمل بوجود الفلك الجواري في البحر وذلك لأنه تعالى خص كل طرف من أطراف
~~الأرض بنوع من ذلك وبالنقل يكثر الربح ذكر سبحانه تسخير الفلك التي ينقل
~~عليها واقتصر عليها اعتناء بشأنها، ولما ذكر أمر الثمرات وما به يكمل
~~الانتفاع بها من حيث النقل ذكر تسخير الأنهار العذبة التي يشرب منها
~~الناس في سائر الأحيان إتماما لأمر الرزق وذكر تسخير الشمس والقمر بعد
~~لأن الانتفاع بهما ليس بالمباشرة كالانتفاع بالفلك والانتفاع بالأنهار،
~~وأخر تسخير الليل والنهار لأنهما عرضان وما تقدمهما جوهر والعرض من حيث
~~هو بعد الجوهر اه، وليس بشيء يعول عليه.

### || [14.34]

# { وآتكم من كل ما سألتموه } أي أعطاكم بعض جميع ما
~~سألتموه حسبما تقتضيه مشيئته التابعة للحكمة والمصلحة  فمن كل  مفعول
~~ثان  لآتى  و { من } تبعيضية، وقال بعض الكاملين: إن { كل }
~~للتكثير والتفخيم لا للإحاطة والتعميم كما في قوله تعالى:

# فتحنا عليهم أبواب كل شىء

# [الأنعام: 44] واعترض على حمل { من } على التبعيض دون ابتداء الغاية
~~بأنه يفضي إلى إخلاء لفظ { كل } عن فائدة زائدة لأن { ما } نص في
~~العموم بل يوهم إيتاء البعض من كل فرد متعلق به السؤال ولا وجه له. ودفع
~~بأنه بعد تسليم كون { ما } نصا في العموم هنا عمومان عموم الأفراد
~~وعموم الأصناف بمعنى كل صنف صنف وهما مقصودان هنا، فالمعنى أعطاكم من
~~جميع أفراد كل صنف سألتموه، فإن الاحتياج بالذات إلى النوع/ والصنف لا
~~لفرد بخصوصه، وفسر { ما سألتموه } بما من شأنه أن يسأل لاحتياج
~~الناس إليه، سواء سئل بالفعل أم لم يسأل، فلا ينفي إيتاء ما لا حاجة إليه
~~مما لا يخطر بالبال، وجعلوا الاحتياج إلى الشيء سؤالا له بلسان الحال
~~وهو من باب التمثيل، وسبيل هذا السؤال سبيل الجواب في رأي في قوله تعالى:

# ألست بربكم ms05072 قالوا بلى

# [الأعراف: 172] وقيل: الأصل وآتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه فحذف
~~الثاني لدلالة ما أبقى على ما ألقى، { وما } يحتمل أن تكون موصولة
~~والضمير المنصوب في { سألتموه } عائد عليها، والتقدير من كل الذي
~~سألتموه إياه؛ ومنع أبو حيان جواز أن يكون راجعا إليه تعالى ويكون
~~العائد على الموصول محذوفا مستندا بأنه لو قدر متصلا لزم اتصال ضميرين
~~متحدي الرتبة من دون اختلاف وهو لا يجوز ولو قدر منفصلا حسبما تقتضيه
~~القاعدة في مثل ذلك لزم حذف العائد المنفصل وقد نصوا على عدم جوازه اه.

# وذهب بعضهم إلى جواز كلا التقديرين مدعيا أن منع اتصال المتحدين رتبة
~~خاص فيما إذا ذكرا معا أما إذا ذكر أحدهما وحذف الآخر فلا منع إذ
~~الاتصال حينئذ محض اعتبار وعلة المنع لا تجري فيه، وأن منع حذف المنفصل
~~خاص أيضا فيما إذا كان الانفصال لغرض معنوي كالحصر في قولك: جاء الذي
~~أباه ضربت إذ بالحذف حينئذ يفوت ذلك الغرض، أما إذا كان لغرض لفظي كدفع
~~اجتماع المثلين فلا منع إذ ليس هناك غرض يفوت، ويحتمل أن تكون موصوفة
~~والكلام في الضمير كما تقدم، وأن تكون مصدرية والضمير لله تعالى والمصدر
~~بمعنى المفعول أي مسؤولكم.

# وقرأ ابن عباس والضحاك والحسن ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وعمرو بن قائد
~~وقتادة وسلام ويعقوب ونافع في رواية { من كل }  بالتنوين أي وآتاكم من كل
~~شيء ما احتجتم إليه وسألتموه بلسان الحال، وجوز على هذه القراءة أن تكون
~~{ ما } نافية والمفعول الثاني { من كل } كما في قوله تعالى:

# وأوتيت من كل شىء

# [النمل: 23] والجملة المنفية في موضع الحال أي أتاكم من كل غير سائليه،
~~وهو إخبار منه تعالى بسبوغ نعمته سبحانه عليهم بما لم يسألوه من النعم؛
~~وروي هذا عن الضحاك، ولا يخفى أن الوجه هو الأول لما أن القراءة على هذا
~~الوجه تخالف القراءة الأولى والأصل توافق القراءتين وإن فهم منها إيتاء
~~ما سألوه بطريق الأولى.

# { وإن تعدوا نعمت الله } أي ما أنعم به عليكم ms05073 كما هو
~~الظاهر. وقال الواحدي: إن { نعمة } هنا اسم أقيم مقام المصدر يقال: أنعم
~~إنعاما ونعمة كما يقال أنفقت إنفاقا ونفقة فالنعمة بمعنى الإنعام ولذا
~~لم تجمع، والمعول عليه ما أشرنا إليه من أنها اسم جنس بمعنى المنعم به،
~~والمراد بها الجمع كأنه قيل: وإن تعدوا نعم الله { لا تحصوها } وقد
~~نص بعضهم على أن المفرد يفيد الاستغراق بالإضافة وما قيل: إن الاستغراق
~~ليس مأخوذا من الإضافة بل من الشرط والجزاء المخصوصين فيه نظر لأن الحكم
~~المذكور يقتضي صحة إرادته منه ولولاه تنافيا، والمراد  بلا تحصوها  لا
~~تطيقوا حصرها ولو إجمالا فإنها غير متناهية، وأصل الإحصاء العد بالحصى
~~فإن العرب كانوا يعتمدونه في العد كاعتمادنا فيه على الأصابع ولذا قال
~~الأعشى:

# ولست بالأكثر منهم حصى

# وإنما العزة للكاثر

# / ثم استعمل لمطلق العد، وقال بعض الأفاضل: إن أصله أن الحاسب إذا بلغ
~~عقدا معينا من عقود الأعداد وضع حصاة ليحفظه بها ففيه إيذان بعدم بلوغ
~~مرتبة معتد بها من مراتبها فضلا عن بلوغ غايتها وهو من الحسن بمكان إلا
~~أنه ذهب إلى الأول الراغب وغيره، وأول الإحصاء بالحصر لئلا يتنافى الشرط
~~والجزاء إذا ثبت في الأول العد ونفي في الثاني ولو أول { إن تعدوا }
~~بأن تريدوا العد يندفع السؤال على ما قيل أيضا والأول أولى، وقال بعض
~~الفضلاء: إن المعنى إن تشرعوا في عد أفراد نعمة من نعمه تعالى لا تطيقوا
~~عدها. وإنما أتى بإن وعدم العد مقطوع به نظرا إلى توهم أنه يطاق، قيل:
~~والكلام عليه أبلغ منه على الأول لما فيه من الإشارة إلى أن النعمة
~~الواحدة لا يمكن عد تفاصيلها، لكن أنت تعلم أن الظاهر هو الأول.

# وقد ذكر الإمام مثالين يستوضح بهما الوقوف على أن نعم الله تعالى لا
~~تحصى ولا يمكن أن تستقصى فقال: الأول: أن الأطباء ذكروا أن الأعصاب قسمان
~~دماغية ونخاعية، والدماغية سبعة وقد أتعبوا أنفسهم في معرفة الحكم
~~الناشئة من كل واحدة منها، ولا شك أن كل واحدة تنقسم إلى شعب كثيرة وكل ms05074
~~واحدة من تلك الشعب تنقسم أيضا إلى شعب أدق من الشعر، ولكل واحد منها
~~ممر إلى الأعضاء، ولو أن واحدة اختلت كيفا أو وضعا أو نحو ذلك لاختلت
~~مصالح البنية، ولكل منها على كثرتها حكم مخصوصة،.

# ..وكما اعتبرت هذا في الشظايا العصبية فاعتبر مثله في الشرايين
~~والأوردة، وفي كل واحد من الأعضاء البسيطة والمركبة بحسب الكمية والوضع
~~والفعل والانفعال حتى ترى أقسام هذا الباب بحرا لا ساحل له، وإذا اعتبرت
~~هذا في بدن الإنسان فاعتبر في نفسه وروحه فإن عجائب عالم الأرواح أكثر من
~~عجائب عالم الأجسام؛ وإذا اعتبرت أحوال عالم الأفلاك والكواكب وطبقات
~~العناصر وعجائب البر والبحر والنبات والمعدن والحيوان ظهر لك أن عقول
~~جميع الخلائق لو ركبت وجعلت عقلا واحدا وتأمل به الإنسان في حكمة الله
~~تعالى في أقل الأشياء لما أدرك منها إلا القليل.

# الثاني: أنه إذا أخذت لقمة من الخبز لتضعها في فمك فانظر إلى ما قبلها
~~وإلى ما بعدها، فأما الأول فأعرف أنها لا تتم إلا إذا كان هذا العالم
~~بكليته قائما على الوجه الأصوب لأن الحنطة لا بد منها ولا تنبت إلا
~~بمعونة الفصول وتركب الطبائع وظهور الأمطار والرياح، ولا يحصل شيء من ذلك
~~إلا بدوران الأفلاك واتصال بعض الكواكب ببعض على وجوه مخصوصة، ثم بعد أن
~~تكون الحنطة لا بد لها من آلات الطحن ونحوه وهي لا تحصل إلا عند تولد
~~الحديد في أرحام الجبال؛ ثم تأمل كيف تكونت على الأشكال المخصوصة، ثم إذا
~~حصلت تلك الآلات فانظر أنه لا بد من اجتماع العناصر حتى يمكن الطبخ، وأما
~~الثاني فتأمل في تركيب بدن الحيوان وهو أنه تعالى كيف خلق ذلك حتى يمكنه
~~الانتفاع بتلك اللقمة، وأنه كيف يتضرر الحيوان بالأكل؛ وفي أي الأعضاء
~~تحدث تلك المضار فلا يمكنك أن تعرف القليل إلا بمعرفة علم التشريح وعلم
~~الطب على الوجه الأكمل، وأنى للعقول بإدراك كل ذلك فظهر بالبرهان الباهر
~~صحة هذه الشرطية اه.

# وقال مولانا أبو السعود قدس سره بعد كلام: وإن رمت العثور ms05075 على حقيقة
~~الحق والوقوف على [كل] ما جل من السر ودق فاعلم أن الإنسان بمقتضى حقيقته
~~الممكنة بمعزل عن استحقاق الوجود وما يتبعه من الكمالات اللائقة والملكات
~~الرائقة بحيث لو انقطع ما بينه وبين العناية الإلهية من العلاقة لما
~~استقر له القرار ولا اطمأنت به الدار إلا في مطمورة العدم والبوار ومهاوي
~~الهلاك والدمار لكن يفيض عليه من الجناب الأقدس تعالى شأنه وتقدس في كل
~~زمان يمضي وكل آن يمر وينقضي من أنواع الفيوض المتعلقة بذاته ووجوده
~~وسائر الصفات الروحانية/ والنفسانية والجسمانية ما لا يحيط به نطاق
~~التعبير ولا يعلمه إلا اللطيف الخبير، وتوضيحه أنه كما لا يستحق الوجود
~~ابتداء لا يستحقه بقاء وإنما ذلك من جناب المبدىء الأول عز شأنه وجل
~~فكما لا يتصور وجوده ابتداء ما لم ينسد عليه جميع أنحاء عدمه الأصلي لا
~~يتصور بقاؤه على الوجود بعد تحققه بعلته ما لم ينسد عليه جميع أنحاء عدمه
~~الطارىء لأن الاستمرار والدوام من خصائص الوجود الواجبي.

# وأنت خبير بأن ما يتوقف عليه وجوده من الأمور الوجودية التي هي علله
~~وشرائطه وإن وجب كونها متناهية لوجوب تناهي ما دخل تحت الوجود لكن الأمور
~~العدمية التي لها دخل في وجوده ليست كذلك إذ لا استحالة في أن يكون لشيء
~~واحد موانع غير متناهية، وإنما الاستحالة في دخولها تحت الوجود وارتفاع
~~تلك الموانع التي لا تتناهى أعني بقاءها على العدم مع إمكان وجودها في
~~أنفسها في كل آن من آنات وجوده، نعم غير متناهية حقيقة لا ادعاء، وكذا
~~الحال في وجودات علله وشرائطه القريبة والبعيدة ابتداء وبقاء، وكذا في
~~كمالاته التابعة لوجوده اه.

# ويتراءى منه أنه قد ترك الإمام في تحقيق هذا المقام وراءه وأنه لو سمع
~~ذلك لاقتدى به في ذكره ولعد من النعم اقتداءه وقريب منه ما يقال في بيان
~~عدم تناهي النعم: إن الوجود نعمة وكذا كل ما يتبعه من الكمالات، وذلك
~~موقوف على وجوده تعالى في الأزمنة الموهومة الغير المتناهية، وتحقق ما
~~يتوقف عليه وجود النعمة نعمة ms05076 فتحققه سبحانه في كل آن من تلك الآنات نعمة،
~~فالنعم غير متناهية، ولك أن تقول في بيان ذلك: إنه ما من إنسان إلا وقد
~~دفع الله تعالى عنه من البلايا ما لا يحيط به نطاق الحصر لأن البلايا
~~الداخلة تحت حيطة الإمكان غير متناهية، ولا شك أن دفع كل بلية نعمة فتكون
~~النعم غير متناهية، ومما يوضح عدم تناهي البلايا الممكنة أن أهل النار
~~المخلدين فيها لا زال عذابهم بازدياد كما يرشد إليه قوله تعالى:

# فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا

# [النبأ: 30] وقد ذكر غير واحد في ذلك أنهم كلما استغاثوا من نوع من
~~العذاب أغيثوا بأشد من ذلك، فيكون كل مرتبة منه متناهيا في الشدة وإن
~~كانت مراتبه غير متناهية بحسب العدد والمدة وعلى هذا نعم الله تعالى على
~~المبتلي أيضا لا تحصى. وفي رواية ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن مسعود
~~قال: إن لله تعالى على أهل النار منة فلو شاء أن يعذبهم بأشد من النار
~~لعذبهم.

# ثم الظاهر أن المراد بالنعمة معناها اللغوي  أعني الأمر الملائم  لا
~~المعنى الشرعي  أعني الملائم الذي تحمد عاقبته  إذ لا يتأتى عليه عموم
~~الخطاب، ولا يبعد إطلاق النعمة بذلك المعنى على نحو رفع الموانع وتحقق
~~العلل والشرائط حسبما ذكر سابقا، وظاهر ما تقدم يقتضي أن النعم في حد
~~ذاتها غير محصورة والآية ظاهرة في أن الإنسان لا يحصرها بالعد وفرق بين
~~الأمرين فتدبر.

# وبالجملة ليس للعبد إلا العجز عن الوقوف على نهاية نعمه سبحانه وتعالى
~~وكذا العجز عن شكر ذلك، وما أحسن ما قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه:
~~من لم يعرف نعمة الله تعالى عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر
~~عذابه. وأخرج البيهقي في " الشعب " وغيره عن سليمان التيمي قال: إن الله
~~تعالى أنعم على العباد على قدره سبحانه وكلفهم الشكر على قدرهم، وعن طلق
~~بن حبيب قال: إن حق الله تعالى أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله
~~سبحانه أكثر من أن يحصيها العباد ms05077 ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين.

# وأفضل نعمه جل شأنه على عباده على ما روي عن سفيان بن عيينة أن عرفهم أن
~~لا إله إلا الله. وأخرج ابن أبي الدنيا وغيره عن أبي أيوب القرشي مولى
~~بني هاشم أن داود عليه السلام قال: رب أخبرني ما أدنى نعمتك علي؟ فأوحى
~~الله تعالى إليه يا داود/ تنفس فتنفس فقال تبارك وتعالى: هذا أدنى نعمتي
~~عليك. واشتهر أن أول النعم المقصودة لذاتها الوجود وأنه معدن كل كمال كما
~~أن العدم معدن كل نقص. ويدل على أنه نعمة لا يكاد يقاس بها غيرها عند
~~كثير من الناس أن الإنسان منهم يفدي نفسه بملك الدنيا لو كان بيده وعلم
~~أن الفداء ممكن إذا ألم به الألم وتحقق العدم. ومن العجيب أن أبا علي
~~الشبلي البغدادي، وقيل: ابن سيناء لم يعد وجود الإنسان نعمة عليه فقد قال
~~من أبيات:

# ودهر ينثر الأعمار نثرا

# كما للغصن بالورق انتثار

# ودنيا كلما وضعت جنينا

# غذاه من نوائبها ظؤار

# إلى أن قال:

# نعاقب في الظهور وما ولدنا

# ويذبح في حشا الأم الحوار

# وننتظر البلايا والرزايا

# وبعد فللوعيد لنا انتظار

# ونخرج كارهين كما دخلنا خروج الضب أخرجه الوجار

# فماذا الامتنان على وجود

# لغير الموجدين به الخيار

# فكانت أنعما لو أن كونا

# نخير قبله أو نستشار

# فهذا الداء ليس له دواء

# وهذا الكسر ليس له انجبار

# إلى آخر ما قال، ولعمري لقد غمط نعمة الله تعالى عليه وظلمها.

# { إن الإنسان لظلوم } يظلم النعمة بإغفال شكرها بالكلية أو
~~بوضعه في غير موضعه أو يظلم نفسه بتعريضها للحرمان بترك الشكر { كفار
~~} شديد الكفران والجحود، وقيل: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة
~~يجمع ويمنع، والأول أنسب بما قبله، وأل في الإنسان للجنس ومصداق الحكم
~~بالظلم وأخيه بعض من وجدا من أفراده فيه ويدخل في ذلك الذين بدلوا نعمة
~~الله تعالى كفرا، والظاهر أن الجملة استئناف بياني وقع جوابا لسؤال
~~مقدر كأنه قيل: لم لم يراعوا حقها؟ أو لم حرمها بعضهم؟ وقيل: إنها تعليل ms05078
~~لعدم تناهي النعم ولذا أتى بصيغتي المبالغة فيها وهو كما ترى هذا، وفي
~~النحل [18]

# وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله
~~لغفور رحيم

# وفرق أبو حيان بين الختمين ((بأنه هنا لما تقدم قوله تعالى:

# ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا

# [إبراهيم: 28] وبعده

# وجعلوا لله أندادا

# [إبراهيم: 30] فكان ذلك نصا على ما فعلوا من القبائح من الظلم والكفران
~~ناسب أن يختم بذم من وقع ذلك منه فختمت الآية بقوله سبحانه: { إن
~~الإنسان لظلوم كفار } وأما في النحل فلما ذكر عدة تفضلات
~~وأطنب فيها وقال جل شأنه:

# أفمن يخلق كمن لا يخلق

# [النحل: 17] أي من أوجد هذه النعم السابق ذكرها ليس كمن لا يقدر على
~~الخلق ذكر من تفضلاته تعالى اتصافه بالغفران والرحمة تحريضا على الرجوع
~~إليه سبحانه وأن هاتين الصفتين هو جل وعلا متصف بهما كما هو متصف بالخلق،
~~ففي ذلك إطماع لمن آمن به تعالى وانتقل من عبادة المخلوق إلى عبادة
~~الخالق تبارك وتعالى أنه يغفر زلله السابق ويرحمه، وأيضا فإنه لما
~~ذكر أنه تعالى هو المتفضل بالنعم على الإنسان ذكر ما حصل من المنعم ومن
~~جنس المنعم عليه، فحصل من المنعم ما يناسب حالة عطائه وهو الغفران
~~والرحمة إذ لولاهما لما أنعم عليه، وحصل من جنس المنعم عليه ما يناسب
~~حالة الإنعام عليه (ويقع معها في الجملة) وهو الظلم والكفران فكأنه قيل:
~~إن صدر من الإنسان ظلم فالله تعالى غفور أو كفران فالله تعالى رحيم لعلمه
~~بعجز الإنسان وقصوره. وما نقل السخاوي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من
~~أن هذه الآية منسوخة/ بآية النحل مما لا يلتفت إليه)) انتهى كلامه.

# وفيه بحث، وقيل: إنما ختم سبحانه آية النحل بما ختم للإطناب هناك في ذكر
~~النعم مع تقدم الدعوة إلى الشكر صريحا فكان ذلك مظنة التقصير فيه ويناسب
~~الإطناب في سرد النعم أن يذكر منها ما يتعلق بذلك وهو الغفران والرحمة
~~فتأمل والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.

# ومن باب الإشارة في الآيات: { الر كتاب أنزلنه ms05079 إليك
~~لتخرج الناس من الظلمت إلى النور } فيه احتمالات
~~عندهم فقيل: من ظلمات الكثرة إلى نور الوحدة أو من ظلمات صفات النشأة إلى
~~نور الفطرة، أو من ظلمات حجب الأفعال والصفات إلى نور الذات، وهو المراد
~~بقولهم: النور البحت الخالص من شوب المادة والمدة. وقال جعفر: من ظلمات
~~الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمات البدعة إلى نور السنة، ومن ظلمات
~~النفوس إلى نور القلوب، وقال أبو بكر بن طاهر: من ظلمات الظن إلى نور
~~الحقيقة وقيل غير ذلك { بإذن ربهم } بتيسيره بهبة الاستعداد
~~وتهيئة أسباب الخروج إلى الفعل { إلى صراط العزيز } الذي يقهر
~~الظلمة بالنور

# الحميد

# [إبراهيم: 1] بكمال ذاته أو بما يهب لعباده المستعدين من الفضائل
~~والعلوم أو من الوجود الباقي أو نحو ذلك { وويل للكفرين }
~~المحجوبين

# من عذاب شديد

# [إبراهيم: 2] وهو عذاب الحرمان { الذين يستحبون الحيوة
~~الدنيا } الحسية والصورية { على الآخرة } العقلية والمعنوية {
~~ويصدون } المريدين { عن سبيل الله } طريقه الموصل إليه
~~سبحانه:

# ويبغونها عوجا

# [إبراهيم: 3] انحرافا مع استقامتها { وما أرسلنا من رسول
~~إلا بلسان قومه ليبين لهم } أي بكلام يناسب حالهم
~~واستعدادهم وقدر عقولهم وإلا لم يفهموا فلا يحصل البيان، وعن عمر رضي
~~الله تعالى عنه " كلموا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله تعالى
~~ورسوله صلى الله عليه وسلم "؟ وفي " أسرار التأويل " لكل نبي وصديق
~~اصطلاح في كلام المعرفة وطريق المحبة يخاطب به من يعرفه من أهل السلوك،
~~وعلى هذا لا ينبغي للصوفي أن يخاطب العامة باصطلاح الصوفية لأنهم لا
~~يعرفونه، وخطابهم بذلك مثل خطاب العربي بالعجمية أو العجمي بالعربية،
~~ومنشأ ضلال كثير من الناس الناظرين في كتب القوم جهلهم باصطلاحاتهم فلا
~~ينبغي للجاهل بذلك النظر فيها لأنها تأخذ بيده إلى الكفر الصريح بل توقعه
~~في هوة كفر، كفر أبي جهل إيمان بالنسبة إليه، ومن هنا صدر الأمر
~~السلطاني إذ كان الشرع معتنى به بالنهي عن مطالعة كتب الشيخ الأكبر قدس
~~سره ومن انخرط في سلكه { فيضل الله من يشاء } إضلاله لزوال
~~استعداده بالهيئات الظلمانية ورسوخها والاعتقادات الباطلة ms05080 واستقرارها

# ويهدى من يشاء

# [إبراهيم: 4] هدايته ممن بقي على استعداده أو لم يرسخ فيه تلك الهيآت
~~والاعتقادات { ولقد أرسلنا موسى بئايتنا أن
~~أخرج قومك من الظلمت إلى النور وذكرهم
~~بأيام الله } وهي أيام وصاله سبحانه حين كشف لعباده سجف الربوبية
~~في حضرة قدسية وأدناهم إلى جنابه ومن عليهم بلذيذ من خطابه:

# سقيا لهم ولطيبها

# ولحسنها وبهائها

# أيام لم يلج النوى بين العصا ولحائها

# وما أحسن ما قيل:

# وكانت بالعراق لنا ليال

# سلبناهن من ريب الزمان

# جعلناهن تاريخ الليالي

# وعنوان المسرة والأماني

# وأمره عليه السلام بتذكير ذلك ليثور غرامهم ويأخذ بهم نحو الحبيب هيامهم
~~فقد قيل:

# / تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى

# يتوق ومن يعلق به الحب يصبه

# وجوز أن يراد بأيام الله تعالى أيام تجليه جل جلاله بصفة الجلال
~~وتذكيرهم بذلك ليخافوا فيمتثلوا

# إن فى ذلك لآيت لكل صبار شكور

# [إبراهيم: 5] أي لكل مؤمن بالإيمان الغيبي إذ الصبر والشكر على  ما
~~قيل  مقامان للسالك قبل الوصول

# وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم

# [إبراهيم: 7] قال الجوزجاني: أي لئن شكرتم الإحسان لأزيدنكم المعرفة
~~ولئن شكرتم المعرفة لأزيدنكم الوصلة ولئن شكرتم الوصلة لأزيدنكم القرب
~~ولئن شكرتم القرب لأزيدنكم الأنس، ويعم ذلك كله ما قيل: لئن شكرتم نعمة
~~لأزيدنكم نعمة خيرا منها، وللشكر مراتب وأعلا مراتبه الإقرار بالعجز
~~عنه.

# وفي بعض الآثار أن داود عليه السلام قال: يا رب كيف أشكرك والشكر من
~~آلائك؟ فأوحى الله تعالى إليه الآن شكرتني يا داود، وقال حمدون: شكر
~~النعمة أن ترى نفسك فيها طفيليا { قالت رسلهم أفى الله
~~شك } أي أنه سبحانه لا شك فيه لأنه الظاهر في الآفاق والأنفس {
~~فاطر السموات والأرض } موجدهما ومظهرهما من كتم العدم {
~~يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم } ليستر بنوره سبحانه
~~ظلمات حجب صفاتكم فلا تشكون فيه عند جلية اليقين { ويؤخركم إلى
~~أجل مسمى } إلى غاية يقتضيها استعدادكم من السعادة

# قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا

# [إبراهيم: 10] منعهم ذلك عن اتباع الرسل عليهم السلام { قالت لهم
~~رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن ms05081 الله
~~يمن على من يشاء من عباده } سلموا لهم المشاركة في الجنس
~~وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة ما من الله تعالى به عليهم مما يرشحهم
~~لذلك، وكثيرا ما يقول المنكرون في حق أجلة المشايخ مثل ما قال هؤلاء
~~الكفرة في حق رسلهم والجواب نحو هذا الجواب

# وما كان لنا أن نأتيكم بسلطن إلا بإذن
~~الله

# [إبراهيم: 11] جواب عن قول أولئك:

# فأتونا بسلطن مبين

# [إبراهيم: 10] ويقال نحو ذلك للمنكرين الطالبين من الولي الكرامة تعنتا
~~ولجاجا

# وعلى الله فليتوكل المؤمنون

# [إبراهيم: 11] لأن الإيمان يقتضي التوكل وهو الخمود تحت الموارد، وفسره
~~بعضهم بأنه طرح القلب في الربوبية والبدن في العبودية، فالمتوكل لا يريد
~~إلا ما يريده الله تعالى، ومن هنا قيل: إن الكامل لا يحب إظهار الكرامة،
~~وفي المسألة تفصيل عندهم { وبرزوا لله جميعا } ذكر بعضهم أن
~~البروز متعدد فبروز عند القيامة الصغرى بموت الجسد وبروز عند القيامة
~~الوسطى بالموت الإرادي وهو الخروج عن حجاب صفات النفس إلى عرصة القلب
~~وبروز عند القيامة الكبرى وهو الخروج عن حجاب الآنية إلى فضاء الوحدة
~~الحقيقية، وإن حدوث التقاول بين الضعفاء والمستكبرين المشار إليه بقوله
~~تعالى:

# فقال الضعفاء للذين استكبروا

# [إبراهيم: 21] الخ فهو بوجود المهدي القائم بالحق الفارق بين أهل الجنة
~~والنار عند قضاء الأمر الإلهي بنجاة السعداء وهلاك الأشقياء وفسروا
~~الشيطان بالوهم؛ وقد يفسرونه في بعض المواضع بالنفس الأمارة. والقول
~~المقصوص عنه في الآية عند ظهور سلطان الحق، وبعضهم حمل الشيطان هنا على
~~الشيطان المعروف عند أهل الشرع وذكر أن قوله:

# فلا تلومونى ولوموا أنفسكم

# [إبراهيم: 22] دليل بقائه على الشرك حيث رأى الغير في البين وما ثم غير
~~الله تعالى، وإلى هذا يشير كلام الواسطي حيث قال: من لام نفسه فقد أشرك،
~~ويخالفه قول محمد بن حامد: النفس محل كل لائمة فمن لم يلم نفسه على
~~الدوام ورضي عنها في حال من الأحوال فقد أهلكها، ويأباه ما صح في الحديث
~~القدسي

# " يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن
~~وجد غير ms05082 ذلك فلا يلومن إلا نفسه "

# فتأمل

# وأدخل الذين ءامنوا وعملوا الصلحات جنت
~~تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها بإذن
~~ربهم تحيتهم فيها سلم

# [إبراهيم: 23] لم يذكر من يحييهم، وقد ذكروا أن منهم من يحييهم ربهم وهم
~~أهل الصفوة والقربة، ومنهم من يحييهم الملائكة وهم أهل الطاعات والدرجات،
~~وما أطيب سلام المحبوب على محبه وما ألذه على قلبه:

# أشاروا بتسليم فجدنا بأنفس

# تسيل من الآماق والاسم أدمع

# ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة
~~طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء * تؤتى
~~أكلها كل حين بإذن ربها

# [إبراهيم: 24-25] إشارة كما قيل إلى كلمة التوحيد التي غرسها الحق في
~~أرض بساتين الأرواح وجعل سبحانه أصلها هناك ثابتا بالتوفيق وفرعها في
~~سماء القربة وسقيها من سواقي العناية وساقها المعرفة وأغصانها المحبة
~~وأوراقها الشوق وحارسها الرعاية تؤتي أكلها في جميع الأنفاس من لطائف
~~العبودية وعرفان أنوار الربوبية، وقال بعضهم: الكلمة الطيبة النفس الطيبة
~~أصلها ثابت بالاطمئنان وثبات الاعتقاد بالبرهان وفرعها في سماء الروح
~~تؤتي أكلها من ثمرات المعارف والحكم والحقائق كل وقت بتسهيله تعالى

# ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق
~~الأرض ما لها من قرار

# [إبراهيم: 26] إشارة إلى كلمة الكفر أو النفس الخبيثة، وقال جعفر الصادق
~~رضي الله تعالى عنه: الشجرة الخبيثة الشهوات وأرضها النفوس وماؤها الأمل
~~وأوراقها الكسل وثمارها المعاصي وغايتها النار { يثبت الله
~~الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحيوة الدنيا
~~وفى الآخرة } قال الصادق رضي الله تعالى عنه: يثبتهم في الحياة
~~الدنيا على الإيمان وفي الآخرة على صدق جواب الرحمن، وجعل بعضهم القول
~~الثابت قوله سبحانه وحكمه الأزلي أي يثبتهم على ما فيه تبجيلهم وتوقيرهم
~~في الدارين حيث حكم بذلك في الأزل وحكمه سبحانه الثابت الذي لا يتغير ولا
~~يتبدل

# ويضل الله الظلمين

# [إبراهيم: 27] في الحياتين لسوء استعدادهم { الذين بدلوا
~~نعمت الله } من الهداية الأصلية والنور الفطري { كفرا }
~~احتجابا وضلالا { وأحلوا قومهم } من تابعهم واقتدى بهم في
~~ذلك

# دار البوار

# [إبراهيم: 28] الهلاك والحرمان { وجعلوا لله أندادا } من
~~متاع ms05083 الدنيا ومشتهياتها التي يحبونها كحب الله سبحانه

# ليضلوا عن سبيله

# [إبراهيم: 30] كل من نظر إلى ذلك والتفت إليه { الله الذى خلق
~~السموات } أي سموات الأرواح { والأرض } أي أرض الأجساد {
~~وأنزل من السماء } أي سماء عالم القدس { ماء } وهو ماء العلم {
~~فأخرج به } من أرض النفس { من الثمرت } وهي ثمرات الحكم
~~والفضائل { رزقا لكم } في تقوى القلب بها { وسخر لكم
~~الفلك } أي فلك العقول { لتجرى فى البحر } أي بحر آلائه
~~وأسرار مخلوقاته الدالة على عظمته سبحانه

# وسخر لكم الأنهر

# [إبراهيم: 32] أي أنهار العلم التي تنتهي بكم إلى ذلك البحر العظيم {
~~وسخر لكم الشمس } شمس الروح { والقمر } قمر القلب {
~~دائبين } في السير بالمكاشفة والمشاهدة { وسخر لكم الشمس
~~} ليل ظلمة صفات النفس

# والنهار

# [إبراهيم: 33] نهار نور الروح لطلب المعاش والمعاد والراحة والاستنارة {
~~وآتاكم من كل ما سألتموه } بلسان الاستعداد فإن المسؤول
~~بذلك لا يمنع { وإن تعدوا نعمة الله } السابقة واللاحقة {
~~لا تحصوها } لعدم تناهيها { إن الإنسان لظلوم } ينقص حق
~~الله تعالى أو حق نفسه بإبطال الاستعداد أو يضع نور الاستعداد في ظلمة
~~الطبيعة ومادة البقاء في محل الفناء

# كفار

# [إبراهيم: 34] لتلك النعم التي لا تحصى لغفلته عن المنعم عليه بها،
~~وقيل: إن الإنسان لظلوم لنفسه حيث يظن أن شكره يقابل نعمه تعالى، كفار
~~محجوب عن رؤية الفضل عليه بداية ونهاية، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لما
~~يحب ويرضى ويكرمنا بالهداية والعناية.

### || [14.35]

# { وإذ قال إبرهيم } مفعول لفعل محذوف أي اذكر ذلك الوقت، /
~~والمقصود تذكير ما وقع فيه على نهج ما قيل في أمثاله { رب اجعل
~~هذا البلد } يعني مكة شرفها الله تعالى: { ءامنا } أي ذا أمن،
~~فصيغة فاعل للنسب كلابن وتامر لأن الآمن في الحقيقة أهل البلد، ويجوز أن
~~يكون الإسناد مجازيا من إسناد ما للحال إلى المحل كنهر جار، والفرق بين
~~ما هنا وما في البقرة [126] من قوله:

# رب اجعل هذا بلدا آمنا

# أنه عليه السلام سأل في الأول: أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها
~~ولا يخافون، وفي الثاني: أن ms05084 يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من
~~الأمن كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمنا كذا في «الكشاف»، وتحقيقه أنك
~~إذا قلت: اجعل هذا خاتما حسنا فقد أشرت إلى المادة طالبا أن يسبك منها
~~خاتم حسن؛ وإذا قلت: اجعل هذا الخاتم حسنا فقد قصدت الحسن دون الخاتمية،
~~وذلك لأن محط الفائدة هو المفعول الثاني لأنه بمنزلة الخبر، وإلى هذا
~~يرجع ما قيل في الفرق أن في الأول سؤال أمرين البلدية والأمن وههنا سؤال
~~أمر واحد وهو الأمن.

# واستشكل هذا التفسير بأنه يقتضي أن يكون سؤال البلدية سابقا على السؤال
~~المحكي في هذه السورة وأنه يلزم أن تكون الدعوة الأولى غير مستجابة. قال
~~في " الكشف ": والتفصي عن ذلك إما بأن المسؤول أولا: صلوحه للسكنى بأن
~~يؤمن فيه أهله في أكثر الأحوال على المستمر في البلاد فقد كان غير صالح
~~لها بوجه على ما هو المشهور في القصة، وثانيا: إزالة خوف عرض كما يعتري
~~البلاد الآمنة أحيانا، وأما بالحمل على الاستدامة وتنزيله منزلة العاري
~~عنه مبالغة أو بأن أحدهما أمن الدنيا والآخر أمن الآخرة أو أن الدعاء
~~الثاني صدر قبل استجابة الأول، وذكر بهذه العبارة إيماء إلى أن المسؤول
~~الحقيقي هو الأمن والبلدية توطئة لا أنه بعد الاستجابة عراه خوف، وكأنه
~~بنى الكلام على الترقي فطلب أولا أن يكون بلدا آمنا من جملة البلاد
~~التي هي كذلك، ثم لتأكيد الطلب جعله مخوفا حقيقة فطلب الأمن لأن دعاء
~~المضطر أقرب إلى الإجابة ولذا ذيله عليه السلام بقوله:

# إنى أسكنت

# [إبراهيم: 37] الخ اه. وهو مبني على تعدد السؤال وإن حمل على وحدته
~~وتكرير الحكاية كما استظهره بعضهم، واستظهر آخرون الأول لتغاير التعبير
~~في المحلين، فالظاهر أن المسؤول كلا الأمرين وقد حكى أولا، واقتصر ههنا
~~على حكاية سؤال الأمن لأن سؤال البلدية قد حكى بقوله:

# فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم

# [إبراهيم: 37] إذ المسؤول هويها إليهم للمساكنة كما روى عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما لا للحج فقط وهو عين سؤال ms05085 البلدية وقد حكى بعبارة أخرى
~~على ما اختاره بعض الأجلة أو لأن نعمة الأمن أدخل في استيجاب الشكر فذكره
~~أنسب بمقام تقريع الكفرة على إغفاله على ما قيل، وهذه الآية وما تلاها
~~أعني قصة إبراهيم عليه السلام على ما نص عليه صاحب " الكشف " واردة على
~~سبيل الاعتراض مقررة لما حث عليه من الشكر بالإيمان والعمل الصالح وزجر
~~عنه من مقابلهما مدمجا فيها دعوة هؤلاء النافرين بلسان اللطف والتقريب
~~مؤكدة لجميع ما سلف أشد التأكيد.

# وفي " إرشاد العقل السليم " أن المراد منها تأكيد ما سلف من تعجيبه صلى
~~الله عليه وسلم ببيان فن آخر من جنايات القوم حيث كفروا بالنعم الخاصة
~~بهم بعدما كفروا بالنعم العامة وعصوا أباهم إبراهيم عليه السلام حيث
~~أسكنهم مكة زادها الله تعالى شرفا لإقامة الصلاة والاجتناب عن عبادة
~~الأصنام والشكر لنعم الله تعالى وسأله أن يجعله بلدا آمنا ويرزقهم من
~~الثمرات ويهوي قلوب الناس إليهم فاستجاب الله تعالى دعاءه وجعله حرما
~~آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء فكفروا بتلك النعم العظام واستبدلوا دار
~~البوار بالبلد الحرام وجعلوا لله/ تعالى أندادا وفعلوا ما فعلوا من
~~القبائح الجسام.

# { واجنبنى وبنى } أي بعدني وإياهم { أن نعبد
~~الاصنام } أي عن عبادتها، وقرأ الجحدري وعيسى الثقفي { واجنبنى
~~} بقطع الهمزة وكسر النون بوزن أكرمني وهما لغة أهل نجد يقولون: جنبه
~~مخففا وأجنبه رباعيا وأما أهل الحجاز فيقولون: جنبه مشددا، وأصل
~~التجنب أن يكون الرجل في جانب غير ما عليه غيره ثم استعمل بمعنى البعد،
~~والمراد هنا على ما قال الزجاج طلب الثبات والدوام على ذلك أي ثبتنا على
~~ما نحن عليه من التوحيد وملة الإسلام والبعد عن عبادة الأصنام وإلا
~~فالأنبياء معصومون عن الكفر وعبادة غير الله تعالى. وتعقب ذلك الإمام
~~بأنه لما كان من المعلوم أنه سبحانه يثبت الأنبياء عليهم السلام على
~~الاجتناب فما الفائدة في سؤال التثبيت؟ ثم قال: والصحيح عندي في الجواب
~~وجهان: الأول: أنه عليه السلام وإن كان يعلم أن الله تعالى يعصمه من
~~عبادة الأصنام إلا أنه ms05086 ذكر ذلك هضما لنفسه وإظهارا للحاجة والفاقة إلى
~~فضل الله سبحانه وتعالى في كل المطالب، والثاني: أن الصوفية يقولون:
~~الشرك نوعان. ظاهر وهو الذي يقول به المشركون. وخفي وهو تعلق القلب
~~بالوسائط والأسباب الظاهرة والتوحيد المحض قطع النظر عما سوى الله تعالى،
~~فيحتمل أن يكون مراده عليه السلام من هذا الدعاء العصمة عن هذا الشرك
~~انتهى.

# ويرد على هذا الأخير أنه يعود السؤال عليه فيما أظن لأن النظر إلى السوى
~~يحاكي الشرك الذي يقول به المشركون عند الصوفية فقد قال قائلهم:

# ولو خطرت لي في سواك إرادة

# على خاطري سهوا حكمت بردتي

# ولا أظن أنهم يجوزون ذلك للأنبياء عليهم السلام، وحيث بني الكلام على ما
~~قرروه يقال: ما فائدة سؤال العصمة عن ذلك والأنبياء عليهم السلام معصومون
~~عنه؟ والجواب الصحيح عندي ما قيل: إن عصمة الأنبياء عليهم السلام ليست
~~لأمر طبيعي فيهم بل بمحض توفيق الله تعالى إياهم وتفضله عليهم، ولذلك صح
~~طلبها وفي بعض الآثار أن الله سبحانه قال لموسى عليه السلام: يا موسى لا
~~تأمن مكري حتى تجوز الصراط. وأنت تعلم أن المبشرين بالجنة على لسان
~~الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام كانوا كثيرا ما يسألون الله تعالى
~~الجنة مع أنهم مقطوع لهم بها، ولعل منشأ ذلك ما قيل لموسى عليه السلام
~~فتدبر.

# والمتبادر من بنيه عليه السلام من كان من صلبه، فلا يتوهم أن الله تعالى
~~لم يستجب دعاءه لعبادة قريش الأصنام وهم من ذريته عليه السلام حتى يجاب
~~بما قاله بعضهم من أن المراد كل من كان موجودا حال الدعاء من أبنائه ولا
~~شك أن دعوته عليه السلام مجابة فيهم أو بأن دعاءه استجيب في بعض دون بعض
~~ولا نقص فيه كما قال الإمام. وقال سفيان بن عيينة: إن المراد ببنيه ما
~~يشمل جميع ذريته عليه السلام وزعم أنه لم يعبد أحد من أولاد إسمعيل عليه
~~السلام الصنم وإنما كان لكل قوم حجر نصبوه وقالوا هذا حجر والبيت حجر
~~وكانوا يدورون به ويسمونه الدوار ولهذا كره غير ms05087 واحد أن يقال دار
~~بالبيت بل يقال طاف به، وعلى ذلك أيضا حمل مجاهد البنين وقال: لم يعبد
~~أحد من ولد إبراهيم عليه السلام صنما وإنما عبد بعضهم الوثن، وفرق
~~بينهما بأن الصنم هو التمثال المصور والوثن هو التمثال الغير المصور،
~~وليت شعري كيف ذهبت على هذين/ الجليلين ما في القرآن من قوارع تنعي على
~~قريش عبادة الأصنام. وقال الإمام بعد نقله كلام مجاهد: إن هذا ليس بقوي
~~لأنه عليه السلام لم يرد بهذا الدعاء إلا عبادة غير الله تعالى والصنم
~~كالوثن في ذلك ويرد مثله على ابن عيينة، ومن هنا قيل عليه: إن فيما ذكره
~~كرا على ما فر منه لأن ما كانوا يصنعونه عبادة لغير الله تعالى أيضا.
~~واستدل بعض أصحابنا بالآية على أن التبعيد من الكفر والتقريب من الإيمان
~~ليس إلا من الله تعالى لأنه عليه السلام إنما طلب التبعيد عن عبادة
~~الأصنام منه تعالى، وحمل ذلك على الألطاف فيه ما فيه.

### || [14.36]

# { رب إنهن } أي الأصنام { أضللن كثيرا من الناس }
~~أي تسببن له في الضلال فإسناد الإضلال إليهن مجازي لأنهن جماد لا يعقل
~~منهن ذلك والمضل في الحقيقة هو الله تعالى، وهذا تعليل لدعائه عليه
~~السلام السابق، وصدر بالنداء إظهارا للاعتناء به ورغبة في استجابته {
~~فمن تبعنى } منهم فيما أدعو إليه من التوحيد وملة الإسلام {
~~فإنه منى } يحتمل أن تكون { من } تبعيضية على التشبيه أي فإنه
~~كبعضي في عدم الانفكاك، يحتمل ويحتمل أن تكون اتصالية كما في

# " قوله صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله تعالى وجهه: «أنت مني بمنزلة
~~هرون من موسى» "

# أي فإنه متصل بي لا ينفك عني في أمر الدين، وتسميتها اتصالية لأنه يفهم
~~منها اتصال شيء بمجرورها وهي ابتدائية إلا أن ابتدائيته باعتبار الاتصال
~~كذا في «حواشي شرح المفتاح الشريفي»، يعني أن مجرورها ليس مبدأ أو منشأ
~~لنفس ما قبلها بل لاتصاله، فإما أن يقدر متعلقها فعلا خاصا كما قاله
~~الجلال السيوطي في بيان الخبر من أن { مني } فيه خبر المبتدأ { ومن ms05088
~~} اتصالية ومتعلق الخبر خاص والباء زائدة بمعنى أنت متصل بي ونازل مني
~~بمنزلة هرون من موسى، وإما أن يقدر فعل عام كما ذهب إليه الشريف هناك أي
~~منزلته بمنزلة كائنة وناشئة مني كمنزلة هرون من موسى عليهما السلام،
~~وتقديره خاصا هنا كما فعلنا على تقدير جعلها اتصالية مما يستطيبه الذوق
~~السليم دون تقديره عاما.

# { ومن عصانى } أي لم يتبعني، والتعبير عنه بالعصيان كما قيل
~~للإيذان بأنه عليه السلام مستمر على الدعوة وأن عدم اتباع من لم يتبعه
~~إنما هو لعصيانه لا لأن الدعوة لم تبلغه. وفي «البحر» أن بين الاتباع
~~والعصيان طباقا معنويا لأن الاتباع طاعة { فإنك غفور رحيم
~~} أي قادر على أن تغفر له وترحمه، وفي الكلام على ما أشار إليه البعض حذف
~~والتقدير ومن عصاني فلا أدعو عليه فإنك الخ.

# وفي الآية دليل على أن الشرك يجوز أن يغفر ولا إشكال في ذلك بناء على ما
~~قال النووي في «شرح مسلم» من أن مغفرة الشرك كانت في الشرائع القديمة
~~جائزة في أممهم وإنما امتنعت في شرعنا. واختلف القائلون بأن مغفرة الشرك
~~لم تكن جائزة في شريعة من الشرائع في توجيه الآية، فمنهم من ذهب إلى أن
~~المراد غفور رحيم بعد التوبة ونسب ذلك إلى السدي ومنهم من ذهب إلى تقييد
~~العصيان بما دون الشرك وغفل عمل تقتضيه المعادلة وروي ذلك عن مقاتل. وفي
~~رواية أخرى عنه أنه قال: إن المعنى ومن عصاني بإقامته على الكفر فإنك
~~قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله من الكفر إلى الإيمان والإسلام
~~وتهديه إلى الصواب.

# ومنهم من قال: المعنى ومن لم يتبعني فيما أدعو إليه من التوحيد وأقام
~~على الشرك فإنك قادر على أن تستره عليه وترحمه بعدم معاجلته بالعذاب،
~~ونظير ذلك قوله تعالى:

# وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم

# [الرعد: 6] ومنهم من قال: إن الكلام على ظاهره وكان ذلك منه عليه السلام
~~قبل أن يعلم أن الله سبحانه/ لا يغفر الشرك، ولا نقص بجهل ذلك لأن مغفرة
~~الشرك جائزة ms05089 عقلا كما تقرر في الأصول لكن الدليل السمعي منع منها، ولا
~~يلزم النبي أن يعلم جميع الأدلة السمعية في يوم واحد. والإمام لم يرتض
~~أكثر هذه الأوجه وجعل هذا الكلام منه عليه السلام شفاعة في إسقاط العقاب
~~عن أهل الكبائر قبل التوبة وأنه دليل لحصول ذلك لنبينا صلى الله عليه
~~وسلم فقال: إن المعصية المفهومة من الآية إما أن تكون من الصغائر أو من
~~الكبائر بعد التوبة أو قبلها، والأول والثاني باطلان لأن { من عصانى
~~} مطلق فتخصيصه عدول عن الظاهر، وأيضا الصغائر والكبائر بعد التوبة
~~واجبة الغفران عند الخصم فلا يمكن اللفظ عليه فثبت أن الآية شفاعة لأهل
~~الكبائر قبل التوبة، ومتى ثبتت منه عليه السلام ثبتت في حق نبينا عليه
~~الصلاة والسلام لمكان

# اتبع ملة إبرهيم

# [النحل: 123] ونحوه، ولئلا يلزم النقص وهو كما ترى، وقد مر لك ما ينفعك
~~في هذا المقام فتذكر هداك الله تعالى.

### || [14.37]

# { ربنا } قال في «البحر» كرر النداء رغبة في الإجابة والالتجاء إليه
~~تعالى، وأتى بضمير الجماعة لأنه تقدم ذكره عليه السلام وذكر بنيه في
~~قوله:

# واجنبنى وبنى

# [إبراهيم: 35] وتعقب بأن ذلك يقتضي ضمير الجماعة في

# رب إنهن

# [إبراهيم: 36] الخ مع أنه جيء فيه بضمير الواحد، فالوجه إن ذلك لأن
~~الدعاء المصدر به وما هو بصدد تمهيد مبادىء إجابته من قوله: { إنى
~~أسكنت } الخ متعلق بذريته، فالتعرض لوصف ربوبيته تعالى لهم أدخل في
~~القبول وإجابة المسؤول، والتأكيد لمزيد الاعتناء فيما قصده من الخبر {
~~ومن } في قوله { من ذريتى } بمعنى بعض وهي في تأويل المفعول به
~~أي أسكنت بعض ذريتي، ويجوز أن يكون المفعول محذوفا والجار والمجرور صفته
~~سدت مسده أي أسكنت ذرية من ذريتي { ومن } تحتمل التبعيض والتبيين.
~~وزعم بعضهم أن { من } زائدة على مذهب الأخفش لا يرتضيه سليم البصيرة
~~كما لا يخفى، والمراد بالمسكن إسمعيل عليه السلام ومن سيولد له فإن
~~إسكانه حيث كان على وجه الاطمئنان متضمن لإسكانهم، والداعي للتعميم على
~~ما قيل قوله الآتي: { ليقيموا } الخ، ولا يخفى أن الإسكان له ms05090 حقيقة
~~ولأولاده مجاز، فمن لم يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز يرتكب لذلك عموم
~~المجاز، وهذا الإسكان بعدما كان بينه عليه السلام وبين أهله ما كان. وذلك
~~أن هاجر أم إسمعيل كانت أمة من القبط لسارة فوهبتها من إبراهيم عليه
~~السلام فلما ولدت له إسمعيل غارت فلم تقاره على كونه معها فأخرجها
~~وابنها إلى أرض مكة فوضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلا المسجد
~~وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه
~~ماء ثم قفى منطلقا فتبعته هاجر فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا
~~الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء قالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت
~~إليها فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم قالت: إذن لا يضيعنا ثم رجعت،
~~وانطلق عليه السلام حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه
~~البيت وكان إذ ذاك مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن
~~يمينه وشماله ثم دعا بهذه الدعوات ورفع يديه فقال: { رب إنى
~~أسكنت - إلى - لعلهم يشكرون } ثم إنها جعلت ترضع ابنها
~~وتشرب مما في السقاء حتى إذا نفد عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلبط
~~فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل يليها فقامت/ عليه ثم
~~استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر فهبطت حتى إذا بلغت الوادي رفعت
~~طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزته ثم أتت المروة فقامت
~~عليها ونظرت هل ترى أحدا فلم تر ففعلت ذلك سبع مرات ولذلك سعى الناس
~~بينهما سبعا، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه تريد نفسها ثم
~~تسمعت فسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند
~~موضع زمزم فبحث بعقبه حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه وتغرف منه في سقائها وهو
~~يفور فشربت وأرضعت ولدها وقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ههنا بيت
~~الله تعالى يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله سبحانه لا يضيع أهله، ثم ms05091 إنه
~~مرت بهما رفقة من جرهم فرأوا طائرا عائفا فقالوا: لا طير إلا على الماء
~~فبعثوا رسولهم فنظر فإذا بالماء فأتاهم فقصدوه وأم إسماعيل عنده، فقالوا:
~~أشركينا في مائك نشركك في ألباننا ففعلت، فلما أدرك إسماعيل عليه السلام
~~زوجوه أمرأة منهم وتمام القصة في كتب السير.

# { بواد غير ذى زرع } وهو وادي مكة شرفها الله تعالى، ووصفه
~~بذلك دون غير مزروع للمبالغة لأن المعنى ليس صالحا للزرع، ونظيره قوله
~~تعالى:

# قرءانا عربيا غير ذى عوج

# [الزمر: 28] وكان ذلك لحجريته، قال ابن عطية: وإنما لم يصفه عليه السلام
~~بالخلو عن الماء مع أنه حاله إذ ذاك لأنه كان علم أن الله تعالى لا يضيع
~~إسماعيل عليه السلام وأمه في ذلك الوادي وأنه سبحانه يرزقهما الماء فنظر
~~عليه السلام النظر البعيد، وقال أبو حيان بعد نقله وقد يقال: إن انتفاء
~~كونه ذا زرع مستلزم لانتفاء الماء إذ لا يمكن أن يوجد زرع إلا حيث الماء
~~فنفى ما يتسبب عن الماء وهو الزرع لانتفاء سببه وهو الماء اه، وقال
~~بعضهم: إن طلب الماء لم يكن مهما له عليه السلام لما أن الوادي مظنة
~~السيول والمحتاج للماء يدخر منها ما يكفيه وكان المهم له طلب الثمرات
~~فوصف ذلك بكونه غير صالح للزرع بيانا لكمال الافتقار إلى المسؤول فتأمل.

# { عند بيتك المحرم } ظرف لأسكنت كقولك: صليت بمكة عند
~~الركن، وزعم أبو البقاء أنه صفة واد أو بدل منه، واختار بعض الأجلة الأول
~~إذ المقصود إظهار كون ذلك الإسكان مع فقدان مباديه لمحض التقرب إلى الله
~~تعالى والالتجاء إلى جواره الكريم كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الحرمة
~~المؤذن بعزة الملتجأ وعصمته عن المكاره، فإنهم قالوا: معنى كون البيت
~~محرما أن الله تعالى حرم التعرض له والتهاون به أو أنه لم يزل ممنعا
~~عزيزا يهابه الجبابرة في كل عصر أو لأنه منع منه الطوفان فلم يستول عليه
~~ولذا سمي عتيقا على ما قيل، وأبعد من قال إنه سمي محرما لأن الزائرين
~~يحرمون على أنفسهم عند زيارته أشياء ms05092 كانت حلالا عليهم، وسماه عليه
~~السلام بيتا باعتبار ما كان فإنه كان مبنيا قبل، وقيل: باعتبار ما
~~سيكون بعد وهو ينزع إلى اعتبار عنوان الحرمة كذلك.

# { ربنا ليقيموا الصلوة } أي لأن يقيموا، فاللام جارة
~~والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها، والجار والمجرور متعلق  بأسكنت 
~~المذكور، وتكرير النداء وتوسيطه لإظهار كمال العناية بإقامة الصلاة فإنها
~~عماد الدين ولذا خصها بالذكر من بين سائر شعائره، والمعنى على ما يقتضيه
~~كلام غير واحد على الحصر أي ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع الخالي من كل
~~مرتفق ومرتزق إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم ويعمروه بذكرك وعبادتك
~~وما تعمر به مساجدك ومتعبداتك متبركين بالبقعة التي شرفتها على البقاع
~~مستسعدين بجوارك الكريم متقربين إليك بالعكوف عند بيتك والطواف به
~~والركوع والسجود حوله مستنزلين رحمتك التي آثرت بها سكان حرمك. وهذا
~~الحصر  على ما ذكروا  مستفاد من السياق فإنه عليه السلام لما قال: {
~~بواد غير ذى زرع } نفى أن يكون/ إسكانهم للزراعة ولما قال: {
~~عند بيتك المحرم } أثبت أنه مكان عبادة فلما قال: {
~~ليقيموا } أثبت أن الإقامة عنده عبادة وقد نفى كونها للكسب فجاء
~~الحصر مع ما في { ربنا } من الإشارة إلى أن ذلك هو المقصود. وعن مالك
~~أن التعليل يفيد الحصر، فقد استدل بقوله تعالى:

# لتركبوها

# [النحل: 8] على حرمة أكلها وفي «الكشف» أن استفادة الحصر من تقدير محذوف
~~مؤخر يتعلق به الجار والمجرور أي ليقوموا أسكنتهم هذا الإسكان، أخبر
~~أولا أنه أسكنهم، بواد قفر فأدمج فيه حاجتهم إلى الوافدين وذكر وجه
~~الإيثار لشرف الجوار بقوله: { عند بيتك المحرم } ثم صرح
~~ثانيا بأنه إنما آثر ذلك ليعمروا حرمك المحرم وبنى عليه الدعاء الآتي،
~~ومن الدليل على أنه غير متعلق بالمذكور تخلل { ربنا } ثانيا بين
~~الفعل ومتعلقه وهذا بين ولا وجه لاستفادة ذلك من تكرار { ربنا } إلا
~~من هذا الوجه اه، واختار بعضهم ما ذكرنا أولا في وجه الاستفادة وقال:
~~إنه معنى لطيف ولا ينافيه الفصل بالنداء لأنه اعتراض لتأكيد الأول
~~وتذكيره فهو كالمنبه عليه فلا حاجة إلى تعلق ms05093 الجار بمحذوف مؤخر واستفادة
~~الحصر من ذلك، وهو الذي ينبغي أن يعول عليه، ويجعل النداء مؤكدا للأول
~~يندفع ما قيل: إن النداء له صدر الكلام فلا يتعلق ما بعده بما قبله فلا
~~بد من تقدير متعلق، ووجه الاندفاع ظاهر، وقيل: اللام لام الأمر والفعل
~~مجزوم بها، والمراد هو الدعاء لهم بإقامة الصلاة كأنه طلب منهم الإقامة
~~وسأل من الله تعالى أن يوفقهم لها ولا يخفى بعده، وأبعد منه ما قاله أبو
~~الفرج بن الجوزي: إن اللام متعلقة بقوله:

# واجنبني وبني أن نعبد الأصنام

# [إبراهيم: 35] وفي قوله: { ليقيموا } بضمير الجمع على ما في
~~«البحر» دلالة على أن الله تعالى أعلمه بأن ولده إسماعيل عليه السلام
~~سيعقب هنالك ويكون له نسل.

# { فاجعل أفئدة من الناس } أي أفئدة من أفئدتهم { تهوى
~~إليهم } أي تسرع إليهم شوقا وودادا  فمن  للتبعيض، ولذا قيل: لو
~~قال عليه السلام: أفئدة الناس لازدحمت عليهم فارس والروم، وهو مبني على
~~الظاهر من إجابة دعائه عليه السلام وكون الجمع المضاف يفيد الاستغراق.
~~وروى عن ابن جبير أنه قال: لو قال عليهم السلام: أفئدة الناس لحجت البيت
~~اليهود والنصارى. وتعقب بأنه غير مناسب للمقام إذ المسؤول توجيه القلوب
~~إليهم للمساكنة معهم لا توجيهها إلى البيت للحج وإلا لقيل تهوى إليه فإنه
~~عين الدعاء بالبلدية قد حكي بعبارة أخرى اه. وأنت تعلم أنه لا منافاة
~~بين الشرطية في المروي وكون المسؤول توجيه القلوب إليهم للمساكنة معهم،
~~وقد جاء نحو تلك الشرطية عن ابن عباس، ومجاهد كما في «الدر المنثور»
~~وغيره، على أن بعضهم جعل هذا دعاء بتوجيه القلوب إلى البيت. فقد أخرج ابن
~~أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحكم قال: سألت
~~عكرمة وطاوسا وعطاء بن أبي رباح عن هذه الآية { فاجعل } إلى آخره
~~فقالوا: البيت تهوي إليه قلوبهم يأتونه، وفي لفظ قالوا: هواهم إلى مكة أن
~~يحجوا؛ نعم هو خلاف الظاهر، وجوز أن تكون { من } للابتداء كما في قولك:
~~القلب منه سقيم تريد قلبه فكأنه قيل: أفئدة ms05094 ناس، واعترضه أبو حيان بأنه
~~لا يظهر كونها للابتداء لأنه لا فعل هنا يبتدأ فيه لغاية ينتهي إليها إذ
~~لا يصح ابتداء جعل أفئدة من الناس. وتعقبه بعض الأجلة بقوله: وفيه بحث
~~فإن فعل الهوي للأفئدة يبتدأ به لغاية ينتهي إليها، ألا يرى إلى قوله: {
~~إليهم } وفيه تأمل اه وكأن فيه إشارة إلى ما قيل: من أن الابتداء
~~في { من } الإبتدائية إنما هو من متعلقها لا مطلقا، وإن جعلناها
~~متعلقة  بتهوي  لا يظهر لتأخيره ولتوسيط الجار فائدة، وذكر مولانا
~~الشهاب في توجيه الابتداء وترجيحه على التبعيض كلاما لا يخلو/ عن بحث
~~فقال: اعلم أنه قال في " الإيضاح " أنه قد يكون القصد إلى الابتداء دون
~~أن يقصد انتهاء مخصوص إذ كان المعنى لا يقتضي إلا بالمبتدأ منه كأعوذ
~~بالله تعالى من الشيطان الرجيم، وزيد أفضل من عمرو. وقد قيل: إن جميع
~~معاني { من } دائرة على الابتداء، والتبعيض هنا لا يظهر فيه فائدة كما
~~في قوله:

# وهن العظم منى

# [مريم: 4] فإن كون قلب الشخص وعظمه بعضا منه معنى مكشوف غير مقصود
~~بالإفادة فلذا جعلت للابتداء والظرف مستقر للتفخيم كأن ميل القلب نشأ من
~~جملته مع أن ميل جملة كل شخص من جهة قلبه كما أن سقم قلب العاشق نشأ منه
~~مع أنه إذا صلح صلح البدن كله، وإلى هذا نحا المحققون من شراح «الكشاف»
~~لكنه معنى غامض فتدبر.

# والأفئدة مفعول أول  لاجعل  وهو جمع فؤاد وفسروه على ما في «البحر»
~~وغيره بالقلب لكن يقال له فؤاد إذا اعتبر فيه معنى التفؤد أي التوقد،
~~يقال: فأدت اللحم أي شويته ولحم فئيد أي مشوي، وقيل: الأفئة هنا القطع من
~~الناس بلغة قريش وإليه ذهب ابن بحر، والمفعول الثاني جملة { تهوي } وأصل
~~الهوي الهبوط بسرعة وفي كلام بعضهم السرعة، وكان حقه أن يعدى باللام كما
~~في قوله:

# حتى إذا ما هوت كف الوليد لها

# طارت وفي كفه من ريشها تبك

# وإنما عدي بإلى لتضمينه معنى الميل كما في قوله:

# تهوي إلى مكة تبغي الهدى

# ما ms05095 مؤمن الجن كأنجاسها

# ولما كان ما تقدم كالمبادي لإجابة دعائه عليه السلام وإعطاء مسؤوله جاء
~~بالفاء في قوله: { فاجعل } إلى آخره وقرأ هشام { أفئيدة } بياء بعد
~~الهمزة نص عليه الحلواني عنه، وخرج ذلك على الإشباع كما في قوله:

# أعوذ بالله من العقراب

# الشائلات عقد الأذناب

# ولما كان ذلك لا يكون إلا في ضرورة الشعر عند بعضهم قالوا: إن هشاما
~~قرأ بتسهيل الهمزة كالياء فعبر عنها الراوي بالياء فظن من أخطأ فهمه أنها
~~بياء بعد الهمزة، والمراد بياء عوضا من الهمزة. وتعقب ذلك الحافظ أبو
~~عمرو الداني بأن النقلة عن هشام كانوا من أعلم الناس بالقراءة ووجوهها
~~فهم أجل من أن يعتقد فيهم مثل ذلك. وقرىء { آفدة } على وزن ضاربة وفيه
~~احتمالان. أحدهما: أن يكون قدمت فيه الهمزة على الفاء فاجتمع همزتان
~~ثانيتهما: ساكنة فقلبت ألفا فوزنه أعفلة كما قيل في أدور جمع دار قلبت
~~فيه الواو المضمومة همزة ثم قدمت وقلبت ألفا فصار آدر. وثانيهما: أنه
~~اسم فاعل من أفد يأفد بمعنى قرب ودنا ويكون بمعنى عجل، وهو صفة لمحذوف أي
~~جماعة أو جماعات آفدة. وقرىء { أفدة } بفتح الهمزة من غير مد وكسر الفاء
~~بعدها دال، وهو إما صفة من أفد بوزن خشنة فيكون بمعنى آفدة في القراءة
~~الأخرى أو أصله أفئدة فنقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها ثم طرحت وهو وجه
~~مشهور عند الصرفيين والقراء. قال الأولون: إذا تحركت الهمزة بعد ساكن
~~صحيح تبقى أو تنقل حركتها إلى ما قبلها وتحذف، ولا يجوز جعلها بين بين
~~لما فيه من شبه التقاء الساكنين، وقال صاحب " النشر " من الآخرين: الهمزة
~~المتحركة بعد حرف صحيح ساكن كمسؤلا وأفئدة وقرآن وظمآن فيها وجه واحد وهو
~~النقل وحكي فيه وجه ثان وهو بين بين وهو ضعيف جدا وكذا قال غيره منهم،
~~فما قيل: إن الوجه إخراجها بين بين ليس بالوجه. وقرأت أم الهيثم { أفودة
~~} بالواو المكسورة بدل الهمزة، قال صاحب «اللوامح»: وهو جمع وفد،
~~والقراءة حسنة لكني لا أعرف/ هذه المرأة بل ذكرها أبو ms05096 حاتم اه.

# وقال أبو حيان: يحتمل أنه أبدل الهمزة في فؤاد ثم جمع وأقرت الواو في
~~الجمع إقرارها في المفرد أو هو جمع وفد كما قال صاحب " اللوامح " وقلب إذ
~~الأصل أوفدة، وجمع فعل على أفعلة شاذ نجد وأنجدة ووهى وأوهية، وأم الهيثم
~~امرأة نقل عنها شيء من لغات العرب. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما
~~{ إفادة } على وزن إمارة ويظهر أن الهمزة بدل من الواو المكسورة كما
~~قالوا: إشاح في وشاح فالوزن فعالة أي فاجعل ذوي وفادة، ويجوز أن يكون
~~مصدر أفاد إفادة أي ذوي إفادة وهم الناس الذين يفيدون وينتفع بهم. وقرأ
~~مسلمة بن عبد الله { تهوي } بضم التاء مبنيا للمفعول من أهوى المنقول
~~بهمزة التعدية من هوى اللازم كأنه قيل: يسرع بها إليهم. وقرأ علي كرم
~~الله تعالى وجهه وجماعة من أهله ومجاهد { تهوي } مضارع هوي بمعنى أحب،
~~وعدي بإلى لما تقدم.

# { وارزقهم } أي ذريتي الذين أسكنتهم هناك. وجوز أن يريدهم والذين
~~ينحازون إليهم من الناس، وإنما لم يخص عليه السلام الدعاء بالمؤمنين منهم
~~كما في قوله:

# وارزق أهله من الثمرت من آمن منهم بالله
~~واليوم الآخر

# [البقرة: 126] اكتفاء  على ما قيل  بذكر إقامة الصلاة. { من
~~الثمرت } من أنواعها بأن تجعل بقربهم قرى يحصل فيها ذلك أو تجبى
~~إليهم من الأقطار الشاسعة وقد حصل كلا الأمرين حتى أنه يجتمع في مكة
~~المكرمة البواكير والفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية
~~والخريفية في يوم واحد. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن مسلم
~~الطائفي أن الطائف كانت من أرض فلسطين فلما دعا إبراهيم عليه السلام بهذه
~~الدعوة رفعها الله تعالى ووضعها حيث وضعها رزقا للحرم. وفي رواية أن
~~جبريل عليه السلام اقتلعها فجاء وطاف بها حول البيت سبعا ولذا سميت
~~الطائف ثم وضعها قريب مكة. وروي نحو ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما. وأخرج ابن أبي حاتم عن الزهري أن الله تعالى نقل قرية من قرى
~~الشام فوضعها بالطائف لدعوة إبراهيم عليه السلام. ms05097 والظاهر أن إبراهيم
~~عليه السلام لم يكن مقصوده من هذا الدعاء نقل أرض منبتة من فلسطين أو
~~قرية من قرى الشام وإنما مقصوده عليه السلام أن يرزقهم سبحانه من الثمرات
~~وهو لا يتوقف على النقل، فلينظر ما وجه الحكمة فيه، وأنا لست على يقين من
~~صحته ولا أنكر والعياذ بالله تعالى أن الله جل وعلا على كل شيء قدير وأنه
~~سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

# { لعلهم يشكرون } تلك النعمة بإقامة الصلاة وأداء سائر مراسم
~~العبودية واستدل به على أن تحصيل منافع الدنيا إنما هي ليستعان بها على
~~أداء العبادات وإقامة الطاعات، ولا يخفى ما في دعائه عليه السلام من
~~مراعاة حسن الأدب والمحافظة على قوانين الضراعة وعرض الحاجة واستنزال
~~الرحمة واستجلاب الرأفة، ولذا من عليه بحسن القبول وإعطاء المسؤول، ولا
~~بدع في ذلك من خليل الرحمن عليه السلام.

### || [14.38]

# { ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن } من الحاجات
~~وغيرها، وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي أن مراده عليه السلام ما
~~نخفي من حب إسماعيل وأمه وما نعلن لسارة من الجفاء لهما، وقيل: ما نخفي
~~من الوجد لما وقع بيننا من الفرقة وما نعلن من البكاء والدعاء، وقيل: ما
~~نخفى من كآبة الافتراق وما نعلن مما جرى بيننا وبين هاجر عند الوداع من
~~قولها: إلى من تكلنا؟ وقولي لها: إلى الله تعالى، و { ما } في جميع هذه
~~الأقوال موصولة والعائد محذوف؛ والظاهر العموم وهو المختار، والمراد بما
~~نخفي على ما قيل ما يقابل { ما نعلن } سواء/ تعلق به الإخفاء أو لا
~~أي تعلم ما نظهره وما لا نظهره فإن علمه تعالى متعلق بما لا يخطر بباله
~~عليه السلام من الأحوال الخفية، وتقديم { ما نخفى } على { ما
~~نعلن } لتحقيق المساواة بينهما في تعلق العلم على أبلغ وجه فكأن
~~تعلقه بما يخفى أقدم منه بما يعلن أو لأن مرتبة السر والخفاء متقدمة على
~~مرتبة العلن إذ ما من شيء يعلن إلا وهو قبل ذلك خفي فتعلق علمه تعالى
~~بحالته الأولى ms05098 أقدم من تعلقه بحالته الثانية، وجعل بعضهم { ما } مصدرية
~~والتقديم والتأخير لتحقيق المساواة أيضا، ومن هنا قيل: أي تعلم سرنا كما
~~تعلم علننا. والمقصود من فحوى كلامه عليه السلام أن إظهار هذه الحاجات
~~وما هو من مباديها وتتماتها ليس لكونها غير معلومة لك بل إنما هو لإظهار
~~العبودية والتخشع لعظمتك والتذلل لعزتك وعرض الافتقار لما عندك
~~والاستعجال لنيل أياديك، وقيل: أراد عليه السلام أنك أعلم بأحوالنا
~~ومصالحنا وأرحم بنا من أنفسنا فلا حاجة لنا إلى الطلب لكن ندعوك لإظهار
~~العبودية إلى آخره، وقد أشار السهروردي إلى أن ظهور الحال يغني عن السؤال
~~بقوله:

# ويمنعني الشكوى إلى الناس أنني

# عليل ومن أشكو إليه عليل

# ويمنعني الشكوى إلى الله أنه

# عليم بما أشكوه قبل أقول

# وتكرير النداء للمبالغة في الضراعة والابتهال، وضمير الجماعة  كما قال
~~بعض المحققين  لأن المراد ليس مجرد علمه تعالى بما يخفي وما يعلن بل
~~بجميع خفايا الملك والملكوت وقد حققه عليه السلام بقوله على وجه
~~الاعتراض: { وما يخفى على الله من شىء فى الأرض ولا
~~فى السماء } لما أن علمه تعالى ذاتي فلا يتفاوت بالنسبة إليه معلوم
~~دون معلوم، وقال أبو حيان: لا يظهر تفاوت بين إضافة رب إلى ياء المتكلم
~~وبين إضافته إلى جمع المتكلم اه. ومما نقلنا يعلم وجه إضافة { رب }
~~هنا إلى ضمير الجمع، ولا أدري ماذا أراد أبو حيان بكلامه هذا، وما يرد
~~عليه أظهر من أن يخفى، وإنما قال عليه السلام: { وما يخفى } إلى
~~آخره دون أن يقول: ويعلم ما في السموات والأرض تحقيقا لما عناه بقوله:
~~{ تعلم ما نخفى } من أن علمه تعالى بذلك ليس على وجه يكون فيه
~~شائبة خفاء بالنسبة إلى علمه تعالى كما يكون ذلك بالنسبة إلى علوم
~~المخلوقات.

# وكلمة { فى } متعلقة بمحذوف وقع صفة  لشيء  أي لشيء كائن فيهما أعم
~~من أن يكون ذلك على وجه الاستقرار فيهما أو على وجه الجزئية منهما، وجوز
~~أن تتعلق  بيخفى  وهو كما ترى. وتقديم الأرض على السماء مع توسيط { لا
~~} بينهما ms05099 باعتبار القرب والبعد منا المستدعيين للتفاوت بالنسبة إلى
~~علومنا. والمراد من السماء ما يشمل السموات كلها ولو أريد من الأرض جهة
~~السفل ومن السماء جهة العلو كما قيل جاز، والالتفات من الخطاب إلى الاسم
~~الجليل للإشعار بعلة الحكم والإيذان بعمومه لأنه ليس بشأن يختص به أو بمن
~~يتعلق به بل شامل لجميع الأشياء فالمناسب ذكره تعالى بعنوان مصحح لمبدئية
~~الكل، وعن الجبائي أن هذا من كلام الله تعالى شأنه وارد بطريق الاعتراض
~~لتصديقه عليه السلام كقوله سبحانه:

# وكذلك يفعلون

# [النمل: 34] والأكثرون على الأول. { ومن } على الوجهين للاستغراق.

### || [14.39]

# { الحمد لله الذى وهب لى على الكبر } أي مع كبر سني
~~ويأسي عن الولد  فعلى  بمعنى مع كما في قوله:

# / إني على ما ترين من كبري

# أعرف من أين تؤكل الكتف

# والجار والمجرور في موضع الحال، والتقييد بذلك استعظاما للنعمة
~~وإظهارا لشكرها، ويصح جعل { على } بمعناها الأصلي والاستعلاء مجازي
~~كما في «البحر»، ومعنى استعلائه على الكبر أنه وصل غايته فكأنه تجاوزه
~~وعلا ظهره كما يقال: على رأس السنة، وفيه من المبالغة ما لا يخفى، وقال
~~بعضهم: لو كانت للاستعلاء لكان الأنسب جعل الكبر مستعليا عليه كما في
~~قولهم: علي دين، وقوله:

# ولهم على ذنب

# [الشعراء: 14] بل الكبر أولى بالاستعلاء منهما حيث يظهر أثره في الرأس

# واشتعل الرأس شيبا

# [مريم: 4] نعم يمكن أن تجري على حقيقتها بجعلها متعلقة بالتمكن
~~والاستمرار أي متمكنا مستمرا على الكبر، وهو الأنسب لإظهار ما في
~~الهيئة من الآية حيث لم يكن في أول الكبر اه وفيه غفلة عما ذكرنا.

# { إسمعيل وإسحق } روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~أنه وهب له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة، ووهب له إسحاق وهو ابن مائة
~~واثنتي عشرة سنة، وفي رواية أنه ولد له إسماعيل لأربع وستين، وإسحاق
~~لسبعين، وعن ابن جبير لم يولد لإبراهيم عليه السلام إلا بعد مائة وسبع
~~عشرة سنة { إن ربى } ومالك أمري { لسميع الدعاء } أي لمجيبه
~~فالسمع بمعنى القبول والإجابة مجاز كما في سمع الله ms05100 تعالى لمن حمده،
~~وقولهم: سمع الملك كلامه إذا اعتد به وقبله، وهو فعيل من أمثلة المبالغة
~~وأعمله سيبويه وخالف في ذلك جمهور البصريين، وخالف الكوفيون فيه وفي
~~أعمال سائر أمثلتها، وهو إذا قلنا بجواز عمله مضاف لمفعوله أن أريد به
~~المستقبل، وقيل: إنه غير عامل لأنه قصد به الماضي أو الاستمرار، وجوز
~~الزمخشري أن يكون مضافا لفاعله المجازي فالأصل سميع دعاؤه بجعل الدعاء
~~نفسه سامعا، والمراد أن المدعو وهو الله تعالى سامع. وتعقبه أبو حيان
~~بأنه بعيد لاستلزامه أن يكون من باب الصفة المشبهة وهو متعد ولا يجوز ذلك
~~إلا عند الفارسي حيث لا يكون لبس نحو زيد ظالم العبيد إذا علم أن له
~~عبيدا ظالمين، وههنا فيه إلباس لظهور أنه من إضافة المثال للمفعول
~~انتهى، وهو كلام متين.

# والقول بأن اللبس منتف لأن المعنى على الإسناد المجازي كلام واه لأن
~~المجاز خلاف الظاهر فاللبس فيه أشد ومثله القول بأن عدم اللبس إنما يشترط
~~في إضافته إلى فاعله على القطع، وهذا كما قال بعض الأجلة مع كونه من تتمة
~~الحمد والشكر لما فيه من وصفه تعالى بأن قبول الدعاء عادته سبحانه
~~المستمرة تعليل على طريق التذييل للهبة المذكورة؛ وفيه إيذان بتضاعيف
~~النعمة فيها حيث وقعت بعد الدعاء بقوله:

# رب هب لى من الصلحين

# [الصافات: 100] فاقترنت الهبة بقبول الدعوة، وذكر بعضهم أن موقع قوله: {
~~الحمد لله } وتذييله موقع الاعتراض بين أدعيته عليه السلام في هذا
~~المكان تأكيدا للطلب بتذكير ما عهد من الإجابة، يتوسل إليه سبحانه بسابق
~~نعمته تعالى في شأنه كأنه عليه السلام يقول اللهم استجب دعائي في حق
~~ذريتي في هذا المقام فإنك لم تزل سميع الدعاء وقد دعوتك على الكبر أن تهب
~~لي ولدا فأجبت دعائي وهبت لي إسماعيل وإسحاق ولا يخفى أن إسحاق عليه
~~السلام لم يكن مولودا عند دعائه عليه السلام السابق فالوجه أن لا يجعل
~~ذلك اعتراضا بل يحمل على أن الله تعالى حكى جملا مما قاله إبراهيم عليه
~~السلام في أحايين مختلفة تشترك كلها ms05101 فيما سيق له الكلام من كونه عليه
~~السلام على الإيمان والعمل الصالح وطلب ذلك لذريته وأن ولده الحقيقي من
~~تبعه على ذلك فترك العناد والكفر، وقد ذكر هذا صاحب " الكشف " ومما يعضده
~~ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أنه قال في قوله: { الحمد لله } الخ. قال هذا بعد ذلك
~~بحين، ووحد عليه السلام الضمير في { رب } / وإن كان عقيب ذكر الولدين
~~لما أن نعمة الهبة فائضة عليه عليه السلام خاصة وهما من النعم لا من
~~المنعم عليهم.

### || [14.40]

# { رب اجعلنى مقيم الصلوة } معدلا لها فهو مجاز من أقمت
~~العود إذا قومته، وأراد بهذا الدعاء الديمومة على ذلك، وجوز بعضهم أن
~~يكون المعنى مواظبا عليها، وبعض عظماء العلماء أخذ الأمرين في تفسير ذلك
~~على أن الثاني قيد للأول مأخوذ من صيغة الاسم والعدول عن الفعل كما أن
~~الأول مأخوذ من موضوعه على ما قيل، فلا يلزم استعمال اللفظ في معنيين
~~مجازيين، وتوحيد ضمير المتكلم مع شمول دعوته عليه السلام لذريته أيضا
~~حيث قال: { ومن ذريتى } للإشعار بأنه المقتدى في ذلك وذريته أتباع
~~له فإن ذكرهم بطريق الاستطراد { ومن } للتبعيض، والعطف كما قال أبو
~~البقاء على مفعول

# اجعل

# [إبراهيم: 35] الأول أي ومن ذريتي مقيم الصلاة.

# وفي «الحواشي الشهابية» أن الجار والمجرور في الحقيقة صفة للمعطوف على
~~ذلك أي وبعضا من ذريتي ولولا هذا التقدير كان ركيكا، وإنما خص عليه
~~السلام هذا الدعاء ببعض ذريته لعلمه من جهته تعالى أن بعضا منهم لا يكون
~~مقيم الصلاة بأن يكون كافرا أو مؤمنا لا يصلي، وجوز أن يكون علم من
~~استقرائه عادة الله تعالى في الأمم الماضية أن يكون في ذريته من لا
~~يقيمها وهذا كقوله:

# واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة
~~لك

# [البقرة: 128].

# { ربنا وتقبل دعاء } ظاهره دعائي هذا المتعلق بجعلي وجعل
~~بعض ذريتي مقيمي الصلاة ولذلك جىء بضمير الجماعة، وقيل: الدعاء بمعنى
~~العبادة أي تقبل عبادتي. وتعقب بأن الأنسب أن يقال فيه ms05102 دعاءنا حينئذ.
~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وهبيرة عن حفص { دعائي } بياء ساكنة في
~~الوصل، وفي رواية البزي عن ابن كثير أنه يصل ويقف بياء.

# وقال قنبل: إنه يشم الياء في الوصل ولا يثبتها ويقف عليها بالألف.

### || [14.41]

# { ربنا اغفر لى } أي ما فرط مني مما أعده ذنبا {
~~ولوالدى } أي لأمي وأبي، وكانت أمه على ما روي عن الحسن مؤمنة
~~فلا إشكال في الاستغفار لها، وأما استغفاره لأبيه فقد قيل في الاعتذار
~~عنه إنه كان قبل أن يتبين له أنه عدو لله سبحانه والله تعالى قد حكى ما
~~قاله عليه السلام في أحايين مختلفة، وقيل: إنه عليه السلام نوى شرطية
~~الإسلام والتوبة وإليه ذهب ابن الخازن، وقيل: أراد بوالده نوحا عليه
~~السلام، وقيل: أراد بوالده آدم وبوالدته حواء عليهما السلام وإليه ذهب
~~بعض من قال بكفر أمه والوجه ما تقدم. وقالت الشيعة: إن والديه عليه
~~السلام كانا مؤمنين ولذا دعا لهما، وأما الكافر فأبوه والمراد به عمه أو
~~جده لأمه، واستدلوا على إيمان أبويه بهذه الآية ولم يرضوا ما قيل فيها
~~حتى القول الأول بناء على زعمهم أن هذا الدعاء كان بعد الكبر وهبة
~~إسماعيل وإسحاق عليهما السلام له وقد كان تبين له في ذلك الوقت عداوة
~~أبيه الكافر لله تعالى. وقرأ الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما وأبو
~~جعفر محمد وزيد ابنا علي وابن يعمر والزهري والنخعي { ولولدي } بغير ألف
~~وبفتح اللام تثنية ولد يعني بهما إسماعيل وإسحاق. وأنكر عاصم الجحدري هذه
~~القراءة ونقل أن في مصحف أبي { ولأبوي } وفي بعض المصاحف { ولذريتي }
~~وعن يحيى بن يعمر { ولولدي } بضم الواو وسكون اللام فاحتمل أن يكون جمع
~~ولد كأسد في أسد ويكون قد دعا عليه السلام لذريته، وأن/ يكون لغة في
~~الولد كما في قول الشاعر:

# فليت زيادا كان في بطن أمه

# وليت زيادا كان ولد حمار

# ومثل ذلك العدم والعدم، وقرأ ابن جبير { ولوالدي } بإسكان الياء على
~~الإفراد كقوله:

# واغفر لأبي

# [الشعراء: 86] { وللمؤمنين } كافة من ذريته وغيرهم، ms05103 ومن هنا قال
~~الشعبي فيما رواه عنه ابن أبي حاتم: ما يسرني بنصيبي من دعوة نوح
~~وإبراهيم عليهما السلام

# للمؤمنين والمؤمنات

# [نوح: 28] حمر النعم، وللإيذان باشتراك الكل في الدعاء بالمغفرة جىء
~~بضمير الجماعة.

# { يوم يقوم الحسب } أي يثبت ويتحقق، واستعمال القيام فيما
~~ذكر إما مجاز مرسل أو استعارة، ومن ذلك قامت الحرب والسوق، وجوز أن يكون
~~قد شبه الحساب برجل قائم على الاستعارة المكنية وأثبت له القيام على
~~التخييل، وأن يكون المراد يقوم أهل الحساب فحذف المضاف أو أسند إلى
~~الحساب ما لأهله مجازا، وجعل ذلك العلامة الثاني في " شرح التلخيص " مثل
~~ضربه التأديب مما فيه الإسناد إلى السبب الغائي أي يقوم أهله لأجله، وذكر
~~السيالكوتي إنه إنما قال مثله لأن الحساب ليس ما لأجله القيام حقيقة لكنه
~~شبيه به في ترتبه عليه وفيه وبحث.

### || [14.42]

# { ولا تحسبن الله غفلا عما يعمل الظلمون
~~} خطاب لكل من توهم غفلته تعالى، وقيل: للنبي صلى الله عليه وسلم كما هو
~~المتبادر، والمراد من النهي تثبيته عليه الصلاة والسلام على ما هو عليه
~~من عدم ظن أن الغفلة تصدر منه عز شأنه كقوله تعالى:

# ولا تدع مع الله إلها ءاخر

# [القصص: 88]

# ولا تكونن من المشركين

# [الأنعام: 14] أي دم على ذلك، وهو مجاز كقوله تعالى:

# يا أيها الذين آمنوا آمنوا

# [النساء: 136] وفيه إيذان بكون ذلك الحسبان واجب الاحتراز عنه في الغاية
~~حتى نهى عنه من لا يمكن تعاطيه، وجوز أن يكون المراد من ذلك على طريق
~~الكناية أو المجاز بمرتبتين الوعيد والتهديد، والمعنى لا تحسبن الله
~~تعالى يترك عقابهم للطفه وكرمه بل هو معاقبهم على القليل والكثير، وأن
~~يكون ذلك استعارة تمثيلية أي لا تحسبنه تعالى يعاملهم معاملة الغافل عما
~~يعملون ولكن معاملة الرقيب المحاسب على النقير والقطمير، وإلى هذه الأوجه
~~أشار الزمخشري. وتعقب الوجه الأول بأنه غير مناسب لمقام النبوة لأنه عليه
~~الصلاة والسلام لا يتوهم منه عدم الدوام على ما هو عليه من عدم الحسبان
~~ليثبت، وفيه نظر. وفي «الكشف» الوجه هو الأول ms05104 لأن في إطلاق الغافل عليه
~~سبحانه وإن كان على المجاز ركة يصان كلام الله تعالى عنها، وفي الكناية
~~النظر إلى المجموع فلم يجسر العاقل عليه تعالى عنه، ويجوز أن يكون الأول
~~مجازا في المرتبة الثانية بجعل عدم الغفلة مجازا عن العلم، ثم جعله
~~مجازا عن الوعيد غير سديد لعدم منافاة إرادة الحقيقة.

# والأسلم من القيل والقال ما ذكرناه أولا من كون الخطاب لكل من توهم
~~غفلته سبحانه وتعالى لغير معين، وهو الذي اختاره أبو حيان، وعن ابن عيينة
~~أن هذا تسلية للمظلوم وتهديد للظالم فقيل له: من قال هذا؟ فغضب وقال:
~~إنما قاله من علمه، وقد نقل ذلك في " الكشاف " فاستظهر صاحب " الكشف "
~~كونه تأييدا لكون الخطاب لغير معين، وجوز أن يكون جاريا على الأوجه إذ
~~على تقدير اختصاص الخطاب به عليه الصلاة والسلام أيضا لا يخلو عن
~~التسلية للطائفتين فتأمل، والمراد بالظالمين أهل مكة الذين عدت مساويهم
~~فيما سبق/ أو جنس الظالمين وهم داخلون دخولا أوليا، والآية على ما قال
~~الطيبي مردودة إلى قوله تعالى:

# قل تمتعوا

# [إبراهيم:30] و

# قل لعبادى

# [إبراهيم: 31] واختار جعلها تسلية له عليه الصلاة والسلام وتهديدا
~~للظالمين على سبيل العموم. وقرأ طلحة " ولا تحسب " بغير نون التوكيد.

# { إنما يؤخرهم } يمهلهم متمتعين بالحظوظ الدنيوية ولا يعجل
~~عقوبتهم، وهو استئناف وقع تعليلا للنهي السابق أي لا تحسبن الله تعالى
~~غافلا عن عقوبة أعمالهم لما ترى من التأخير إنما ذلك لأجل هذه الحكمة،
~~وإيقاع التأخير عليهم مع أن المؤخر إنما هو عذابهم قيل: لتهويل الخطب
~~وتفظيع الحال ببيان أنهم متوجهون إلى العذاب مرصدون لأمر ما لا أنهم
~~باقون باختيارهم، وللدلالة على أن حقهم من العذاب هو الاستئصال بالمرة
~~وأن لا يبقى منهم في الوجود عين ولا أثر، وللإيذان بأن المؤخر ليس من
~~جملة العذاب وعنوانه، ولو قيل: إنما يؤخر عذابهم لما فهم ذلك.

# وقرأ السلمي والحسن والأعرج والمفضل عن عاصم ويونس بن حبيب عن أبي عمرو
~~وغيرهم { نؤخرهم } بنون العظمة وفيه التفات { ليوم } هائل { تشخص
~~فيه الأبصر } أي ms05105 ترتفع أبصار أهل الموقف فيدخل في زمرتهم
~~الظالمون المعهودون دخولا أوليا أي تبقى مفتوحة لا تطرف  كما قال
~~الراغب  من هول ما يرونه، وفي «البحر» شخص البصر أحد النظر ولم يستقر
~~مكانه، والظاهر أن اعتبار عدم الاستقرار لجعل الصيغة من شخص الرجل من
~~بلده إذا خرج منها فإنه يلزمه عدم القرار فيها أو من شخص بفلان إذا ورد
~~عليه ما يقلقه كما في " الأساس ". وحمل بعضهم الألف واللام على العهد أي
~~أبصارهم لأنه المناسب لما بعده والظاهر مما روي عن قتادة فقد أخرج عبد بن
~~حميد وغيره عنه أنه قال في الآية: شخصت فيه والله أبصارهم فلا ترتد
~~إليهم، واختار بعضهم حمل أل على العموم قال: لأنه أبلغ في التهويل، ولا
~~يلزم عليه التكرير مع بعض الصفات الآتية، وسيأتي قريبا إن شاء الله
~~تعالى ما قيل فيه.

### || [14.43]

# { مهطعين } مسرعين إلى الداعي قاله ابن جبير وقتادة، وقيده في
~~«البحر» بقوله: بذلة واستكانة كإسراع الأسير والخائف، وقال الأخفش:
~~مقبلين للإصغاء وأنشد:

# بدجلة دارهم ولقد أراهم

# بدجلة مهطعين إلى السماع

# وقال مجاهد: مديمين النظر لا يطرفون، وقال أحمد بن يحيى: المهطع الذي
~~ينظر في ذل وخشوع لا يقلع بصره، وروى ابن الأنباري أن الإهطاع التجميح
~~وهو قبض الرجل ما بين عينيه، وقيل: إن الإهطاع مد العنق والهطع طول
~~العنق، وذكر بعضهم أن أهطع وهطع بمعنى وأن كل المعاني تدور على الإقبال {
~~مقنعى رؤوسهم } رافعيها مع الإقبال بأبصارهم إلى ما بين أيديهم
~~من غير التفات إلى شيء، قاله ابن عرفة والقتيبي. وأنشد الزجاج قول
~~الشماخ يصف إبلا ترعى أعلا الشجر:

# يباكرن العضاة بمقنعات

# نواجذهن كالحد الوقيع

# وأنشده الجوهري لكون الإقناع انعطاف الإنسان إلى داخل الفم يقال: فم
~~مقنع أي معطوفة أسنانه إلى داخله وهو الظاهر، وفسر ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما المقنع بالرافع رأسه أيضا وأنشد له قول زهير:

# هجان وحمر مقنعات رؤسها

# وأصفر مشمول من الزهر فاقع

# / ويقال: أقنع رأسه نكسه وطأطأه فهو من الأضداد، قال المبرد. وكونه
~~بمعنى رفع أعرف ms05106 في اللغة اه، وقيل: ومن المعنى الأول قنع الرجل إذا رضي
~~بما هو فيه كأنه رفع رأسه عن السؤال. وقد يقال: إنه من الثاني كأنه طأطأ
~~رأسه ولم يرفعه للسؤال ولم يستشرف إلى غير ما عنده، ونصب الوصفين على
~~أنهما حالان من مضاف محذوف أي أصحاب الأبصار بناء على أنه يقال: شخص زيد
~~ببصره أو الأبصار تدل على أصحابها فجاءت الحال من المدلول عليه ذكر ذلك
~~أبو البقاء، وجوز أن يكون { مهطعين } منصوبا بفعل مقدر أي تبصرهم
~~مهطعين و { مقنعى رؤوسهم } على هذا قيل: حال من المستتر في {
~~مهطعين } فهي حال متداخلة وإضافته غير حقيقية فلذا وقع حالا؛ وقال
~~بعض الأفاضل: إن في اعتبار الحالية من أصحاب حسبما ذكر أولا ما لا يخفى
~~من البعد والتكلف، والأولى والله تعالى أعلم جعل ذلك حالا مقدرة من
~~مفعول

# يؤخرهم

# [إبراهيم: 42] وقوله سبحانه:

# تشخص فيه الأبصر

# [إبراهيم: 42] بيان حال عموم الخلائق. ولذلك أوثر فيه الجملة الفعلية،
~~فإن المؤمنين المخلصين لا يستمرون على تلك الحال بخلاف الكفار حيث
~~يستمرون عليها ولذلك عبر عن حالهم بما يدل على الدوام والثبات، فلا يرد
~~على هذا توهم التكرار بين { مهطعين } و

# تشخص فيه الأبصر

# [إبراهيم: 42] على بعض التفاسير، وبنحو ذلك رفع التكرار بين الأول.

# وقوله تعالى: { لا يرتد إليهم طرفهم } بمعنى لا يرجع
~~إليهم تحريك أجفانهم حسبما كان يرجع إليهم كل لحظة، فالطرف باق على أصل
~~معناه وهو تحريك الجفن، والكلام كناية عن بقاء العين مفتوحة على حالها.

# وجوز أن يراد بالطرف نفس الجفن مجازا لأنه يكون فيه ذلك أي لا ترجع
~~إليهم أجفانهم التي يكون فيها الطرف، وقال الجوهري: الطرف العين ولا يجمع
~~لأنه في الأصل مصدر فيكون واحدا ويكون جمعا وذكر الآية، وفسره بذلك أبو
~~حيان أيضا وأنشد قول الشاعر:

# وأغض طرفي ما بدت لي جارتي

# حتى يواري جارتي مأواها

# وليس ما ذكر متعينا فيه وهو معنى مجازي له وكذا النظر، وجوز إرادته على
~~معنى لا يرجع إليهم نظرهم لينظروا إلى أنفسهم فضلا عن شيء ms05107 آخر بل يبقون
~~مبهوتين، ولا ينبغي كما في «الكشف» أن يتخيل تعلق { إليهم } بما
~~بعده على معنى لا يرجع نظرهم إلى أنفسهم أي لا يكون منهم نظر كذلك لأن
~~صلة المصدر لا تتقدم، والمسألة في مثل ما نحن فيه خلافية، ودعوى عدم
~~الجمع ادعاها جمع، وادعى أبو البقاء أنه قد جاء مجموعا هذا، وأنت خبير
~~بأن لزوم التكرار بين { مهطعين } و { لا يرتد إليهم
~~طرفهم } على بعض التفاسير متحقق ولا يدفعه اعتبار الحالية من مفعول

# يؤخرهم

# [إبراهيم: 42] على أن بذلك لا يندفع عرق التكرار رأسا بين

# تشخص فيه الأبصر

# [إبراهيم: 42] وكل من الأمرين المذكورين كما لا يخفى على من صحت عين
~~بصيرته. وفي " إرشاد العقل السليم " أن جملة { لا يرتد } الخ حال
~~أو بدل من { مقنعى } الخ أو استئناف؛ والمعنى لا يزول ما اعتراهم من
~~شخوص الإبصار وتأخيره عما هو من تتمته من الإهطاع والإقناع مع ما بينه
~~وبين الشخوص المذكور من المناسبة لتربية هذا المعنى، وكأنه أراد بذلك دفع
~~التكرار، وفي انفهام  لا يزول  الخ من ظاهر التركيب خفاء، واعتبر بعضهم
~~عدم الاستقرار في الشخوص وعدم الطرف هنا، فاعترض عليه بلزوم المنافاة،
~~وأجيب بأن الثاني بيان حال آخر وأن أولئك الظالمين تارة لا تقر أعينهم
~~وتارة يبهتون فلا تطرف أبصارهم، وقد جعل الحالتان المتنافيتان لعدم
~~الفاصل كأنهما في حال واحد كقول امرىء القيس:

# / مكر مفر مقبل مدبر معا

# كجلمود صخر حطه السيل من عل

# وهذا يحتاج إليه على تقدير اعتبار ما ذكر سواء اعتبر كون الشخوص وما
~~بعده من أحوال الظالمين بخصوصهم أم لا، والأولى أن لا يعتبر في الآية ما
~~يحوج لهذا الجواب، وأن يختار من التفاسير ما لا يلزمه صريح التكرار، وأن
~~يجعل شخوص الأبصار حال عموم الخلائق وما بعده حال الظالمين المؤخرين
~~فتأمل.

# { وأفئدتهم هواء } أي خالية من العقل والفهم لفرط الحيرة
~~والدهشة، ومنه قيل للجبان، والأحمق: قلبه هواء أي لا قوة ولا رأي فيه،
~~ومن ذلك قول زهير:

# كأن الرحل منها فوق صعل

# من الظلمان ms05108 جؤجؤه هواء

# وقول حسان:

# ألا بلغ أبا سفيان عني

# فأنت مجوف نخب هواء

# وروي معنى ذلك عن أبي عبيدة وسفيان، وقال ابن جريج: صفر من الخير خالية
~~منه، وتعقب بأنه لا يناسب المقام. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن
~~ابن جبير أنه قال: أي تمور في أجوافهم إلى حلوقهم ليس لها مكان تستقر
~~فيه، والجملة في موضع الحال أيضا والعامل فيها إما { يرتد } أو ما
~~قبله من العوامل الصالحة للعمل. وجوز أن تكون جملة مستقلة، وإلى الأول
~~ذهب أبو البقاء وفسر { هواء } بفارغة، وذكر أنه إنما أفرد مع كونه
~~خبرا لجمع لأنه بمعنى فارغة وهو يكون خبرا عن جمع كما يقال: أفئدة
~~فارغة لأن تاء التأنيث فيه يدل على تأنيث الجمع الذي في أفئدتهم، ومثل
~~ذلك أحوال صعبة وأفعال فاسدة، وقال مولانا الشهاب: الهواء مصدر ولذا
~~أفرد، وتفسيره باسم الفاعل كالخالي بيان للمعنى المراد منه المصحح للحمل
~~فلا ينافي المبالغة في جعل ذلك عين الخلاء، والمتبادر من كلام غير واحد
~~أن الهواء ليس بمعنى الخلاء بل بالمعنى الذي يهب على الذهن من غير أعمال
~~مروحة الفكر، ففي «البحر» بعد سرد أقوال لا يقضي ظاهرها بالمصدرية أن
~~الكلام تشبيه محض لأن الأفئدة ليست بهواء حقيقة. ويحتمل أن يكون التشبيه
~~في فراغها من الرجاء والطمع في الرحمة، وأن يكون في اضطراب أفئدتهم
~~وجيشانها في الصدور وإنها تجىء وتذهب وتبلغ الحناجر. وهذا في معنى ما روي
~~آنفا عن ابن جبير. وذكر في " إرشاد العقل السليم " ما هو ظاهر في أن
~~الكلام على التشبيه أيضا حيث قال بعد تفسير ذلك بما ذكرنا أولا: كأنها
~~نفس الهواء الخالي عن كل شاغل. هذا ثم إنهم اختلفوا في وقت حدوث تلك
~~الأحوال فقيل عند المحاسبة بدليل ذكرها عقيب قوله تعالى:

# يوم يقوم الحساب

# [إبراهيم: 41] وقيل: عند إجابة الداعي والقيام من القبور، وقيل عند ذهاب
~~السعداء إلى الجنة والأشقياء إلى النار فتذكر ولا تغفل.

### || [14.44]

# { وأنذر الناس } خطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم بعد
~~إعلامه أن ms05109 تأخير عذابهم لماذا وأمر له بإنذارهم وتخويفهم منه فالمراد
~~بالناس الكفار المعبر عنهم بالظالمين كما يقتضيه ظاهر إتيان العذاب وإلى
~~ذلك ذهب أبو حيان وغيره.

# ونكتة العدول إليه من الإضمار على ما قاله شيخ الإسلام الإشعار بأن
~~المراد بالإنذار هو الزجر عما هم عليه من الظلم شفقة عليهم لا التخويف
~~للإزعاج والإيذاء فالمناسب عدم ذكرهم بعنوان الظلم، وقال الجبائي: وأبو
~~مسلم: المراد بالناس ما يشمل أولئك الظالمين وغيرهم من المكلفين،
~~والإنذار كما يكون للكفار يكون لغيرهم كما في قوله تعالى:

# إنما تنذر من اتبع الذكر

# [يس: 11] والإتيان يعم الفريقين من كونهما في الموقف وإن كان/ لحوقه
~~بالكفار خاصة، وأيا ما كان  فالناس  مفعول أول  لأنذر  وقوله
~~سبحانه: { يوم يأتيهم العذاب } مفعوله الثاني على معنى
~~أنذرهم هوله وما فيه. فالإيقاع عليه مجازي أو هو بتقدير مضاف، ولا يجوز
~~أن يكون ظرفا للإنذار لأنه في الدنيا، والمراد بهذا اليوم اليوم المعهود
~~وهو اليوم الذي وصف بما يذهل الألباب وهو يوم القيامة، وقيل: هو يوم
~~موتهم معذبين بالسكرات ولقاء الملائكة عليهم السلام بلا بشرى. وروي ذلك
~~عن أبي مسلم، أو يوم هلاكهم بالعذاب العاجل، وتعقب بأنه يأباه القصر
~~السابق، وأجيب بما فيه ما فيه.

# { فيقول الذين ظلموا } أي فيقولون، والعدول عنه إلى ما في
~~النظم الجليل للتسجيل عليهم بالظلم والإشعار بعليته لما ينالهم من الشدة
~~المنبىء عنها القول؛ وفي العدول عن الظالمين المتكفل بما ذكر مع اختصاره
~~وسبق الوصف به للإيذان على ما قيل بأن الظلم في الجملة كاف في الإفضاء
~~إلى ما أفضوا إليه من غير حاجة إلى الاستمرار عليه كما ينبىء عنه صيغة
~~اسم الفاعل، والمعنى  على ما قال الجبائي وأبو مسلم  الذين ظلموا منهم
~~وهم الكفار، وقيل: يقول كل من ظلم بالشرك والتكذيب من المنذرين وغيرهم من
~~الأمم الخالية: { ربنا أخرنا } أي عن العذاب أو أخر عذابنا، ففي
~~الكلام تقدير مضاف أو تجوز في النسبة، قال الضحاك ومجاهد: انهم طلبوا
~~الرد إلى الدنيا والإمهال { إلى أجل قريب } أي أمد واحد ms05110 من
~~الزمان قريب، وقيل: إنهم طلبوا رفع العذاب والرجوع إلى حال التكليف مدة
~~يسيرة يعملون فيها ما يرضيه سبحانه.

# والمعنى على ما روي عن أبي مسلم أخر آجالنا وابقنا أياما { نجب
~~دعوتك } أي الدعوة إليك وإلى توحيدك أو دعوتك لنا على ألسنة الرسل
~~عليهم السلام، ففيه إيماء إلى أنهم صدقوهم في أنهم رسل الله سبحانه
~~وتعالى.

# { ونتبع الرسل } فيما جاؤا به أي نتدارك ما فرطنا به من إجابة
~~الدعوة واتباع الرسل عليهم السلام، ولا يخلو ذكر الجملتين عن تأكيد
~~والمقام حري به، وجمع إما باعتبار اتفاق الجميع على التوحيد وكون عصيانهم
~~للرسول صلى الله عليه وسلم عصيانا لهم جميعا عليهم السلام، وإما
~~باعتبار أن المحكي كلام ظالمي الأمم جميعا والمقصود بيان وعد كل أمة
~~بالتوحيد واتباع رسولها على ما قيل.

# { أو لم تكونوا أقسمتم من قبل } على تقدير القول
~~معطوفا على «فيقول» والمعطوف عليه هذه الجملة أي فيقال لهم توبيخا
~~وتبكيتا: ألم تؤخروا في الدنيا ولم تكونوا حلفتم إذ ذاك بألسنتكم بطرا
~~وأشرا وسفها وجهلا { ما لكم من زوال } مما أنتم عليه من
~~التمتع بالحظوظ الدنياوية أو بألسنة الحال ودلالة الأفعال حيث بنيتم
~~مشيدا وأملتم بعيدا ولم تحدثوا أنفسكم بالانتقال إلى هذه الأحوال
~~والأهوال، وفيه إشعار بامتداد زمان التأخير وبعد مداه أو مالكم من زوال
~~وانتقال من دار الدنيا إلى دار أخرى للجزاء كقوله تعالى:

# وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا يبعث الله
~~من يموت

# [النحل: 38] وروي هذا عن مجاهد، وأيا ما كان { فمالكم } الخ جواب
~~القسم، و { من } صلة لتأكيد النفي، وصيغة الخطاب فيه لمراعاة حال
~~الخطاب في { أقسمتم } كما في حلف بالله تعالى ليخرجن وهو أدخل في
~~التوبيخ من أن يقال  ما لنا  مراعاة لحال المحكي الواقع في جواب قسمهم،
~~وقيل هو ابتداء كلام من قبل الله تعالى جوابا لقولهم: { ربنا
~~أخرنا } أي مالكم من زوال عن هذه الحال وجواب القسم لا يبعث الله من
~~في القبور محذوفا وهو خلاف المتبادر.

# / وهذا أحد أجوبة يجاب بها أهل النار على ms05111 ما في بعض الآثار، فقد ذكر
~~البيهقي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: لأهل النار خمس دعوات يجيبهم
~~الله تعالى في أربع منها فإذا كانت الخامسة لم يتكلموا بعدها أبدا،
~~يقولون:

# ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين
~~فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل

# [غافر: 11] فيجيبهم الله عز وجل

# ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم وإن
~~يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلى الكبير

# [غافر: 12] ثم يقولون:

# ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون

# [السجدة: 12] فيجيبهم جل شأنه

# فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا

# [السجدة: 14] الآية، ثم يقولون: { ربنا أخرنا إلى أجل
~~قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل } فيجيبهم تبارك
~~وتعالى: { أو لم تكونوا أقسمتم من قبل } الآية، ثم
~~يقولون:

# ربنا أخرجنا نعمل صلحا غير الذى كنا
~~نعمل

# [فاطر: 37] فيجيبهم جل جلاله:

# أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر
~~وجاءكم النذير فذوقوا فما للظلمين من نصير

# [فاطر: 37] فيقولون:

# ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين

# [المؤمنون: 106] فيجيبهم جل وعلا:

# اخسئوا فيها ولا تكلمون

# [المؤمنون: 108] فلا يتكلمون بعدها إن هو إلا زفير وشهيق، وعند ذلك
~~انقطع رجاؤهم وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض وأطبقت عليهم جهنم، اللهم إنا
~~نعوذ بك من غضبك ونلوذ بكنفك من عذابك ونسألك التوفيق للعمل الصالح في
~~يومنا لغدنا والتقرب إليك بما يرضيك قبل أن يخرج الأمر من يدنا.

### || [14.45]

# { وسكنتم } من السكنى بمعنى التبوء والاستيطان وهو بهذا المعنى مما
~~يتعدى بنفسه تقول سكنت الدار واستوطنتها إلا أنه عدي هنا بفي حيث قيل: {
~~فى مسكن الذين ظلموا أنفسهم } جريا على أصل معناه
~~فإنه منقول عن سكن بمعنى قر وثبت وحق ذلك التعدية بفي، وجوز أن يكون
~~المعنى وقررتم في مساكنهم مطمئنين سائرين سيرتهم في الظلم بالكفر
~~والمعاصي غير محدثين أنفسكم بما لقوا بسبب ما اجترحوا من الموبقات، وفي
~~إيقاع الظلم على أنفسهم بعد إطلاقه فيما سلف إيذان بأن غائلة الظلم آيلة
~~إلى صاحبه، والمراد بهم  كما قال بعض المحققين  إما جميع من تقدم من
~~الأمم المهلكة ms05112 على تقدير اختصاص الاستمهال والخطاب السابق بالمنذرين،
~~وإما أوائلهم من قوم نوح وهود على تقدير عمومها للكل، وهذا الخطاب وما
~~يتلوه باعتبار حال أواخرهم.

# { وتبين لكم } أي ظهر لكم على أتم وجه بمعاينة الآثار وتواتر
~~الأخبار { كيف فعلنا بهم } من الإهلاك والعقوبة بما فعلوا من
~~الظلم والفساد، وفاعل { تبين } مضمر يعود على ما دل عليه الكلام أي
~~فعلنا العجب بهم أو حالهم أو خبرهم أو نحو ذلك، وكيف في محل نصب  بفعلنا
~~ وجملة الاستفهام ليست معمولة  لتبين  لأنه لا يعلق، وقيل: الجملة
~~فاعل { تبين } بناء على جواز كونه جملة وهو قول ضعيف للكوفيين.

# وذهب أبو حيان إلى ما ذهب إليه الجماعة ثم ذكر أنه لا يجوز أن يكون
~~الفاعل { كيف } لأنه لا يعمل فيها ما قبلها إلا فيما شذ من قولهم: على
~~كيف تبيع الأحمرين وقولهم: انظر إلى كيف تصنع. وقرأ السلمي فيما حكاه عنه
~~أبو عمرو الداني { ونبين } بنون العظمة ورفع الفعل، وحكى ذلك أضا صاحب
~~«اللوامح» عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وذلك على إضمار مبتدأ أي
~~ونحن نبين والجملة حالية، وقال المهدوي عن السلمي أنه قرأ بنون العظمة
~~إلا أنه جزم الفعل عطفا على { تكونوا } [إبراهيم: 44] أي أو لم نبين
~~لكم.

# { وضربنا لكم } أي في القرآن العظيم على تقدير اختصاص الخطاب
~~بالمنذرين أو على ألسنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على تقدير عمومه
~~لجميع الظالمين./ { الأمثال } أي صفات ما فعلوا وما فعل بهم من
~~الأمور التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة لتعتبروا وتقيسوا أعمالكم
~~على أعمالهم وما لكم على ما لهم وتنتقلوا من حلول العذاب العاجل إلى
~~العذاب الآجل فتردعوا عما كنتم فيه من الكفر والمعاصي، وجوز أن يراد من
~~الأمثال ما هو جمع مثل بمعنى الشبيه أي بينا لكم أنهم مثلهم في الكفر
~~واستحقاق العذاب. وروي هذا عن مجاهد، والجمل الثلاث في موقع الحال من
~~ضمير

# أقسمتم

# [إبراهيم: 44] أي أقسمتم أن ليس لكم زوال والحال أنكم سكنتم في مساكن
~~المهلكين بظلمهم وتبين لكم فعلنا العجيب ms05113 بهم ونبهناكم على جلية الحال
~~بضرب الأمثال.

### || [14.46]

# وقوله سبحانه: { وقد مكروا مكرهم } حال من الضمير الأول في

# فعلنا بهم

# [إبراهيم: 45] أو من الثاني أو منهما جميعا، وقدم عليه قوله تعالى:

# وضربنا لكم الأمثال

# [إبراهيم: 45] لشدة ارتباطه على ما قيل بما قبله أي فعلنا بهم ما فعلنا
~~والحال أنهم قد مكروا في إبطال الحق وتقرير الباطل مكرهم العظيم الذي
~~استفرغوا في عمله المجهود وجاوزوا فيه كل حد معهود بحيث لا يقدر عليه
~~غيرهم، والمراد بيان تناهيهم في استحقاق ما فعل بهم، أو وقد مكروا مكرهم
~~المذكور في ترتيب مبادي، البقاء ومدافعة أسباب الزوال فالمقصود إظهار
~~عجزهم واضمحلال قدرتهم وحقارتها عند قدرة الله سبحانه قاله شيخ الإسلام،
~~وهو ظاهر في أن هذا من تتمة ما يقال لأولئك الذين ظلموا، وهو المروي عن
~~محمد بن كعب القرظي، فقد أخرج عنه ابن جرير أنه قال: بلغني أن أهل النار
~~ينادون

# ربنا أخرنا إلى أجل قريب

# [إبراهيم: 44] الخ فيرد عليهم بقوله سبحانه:

# أو لم تكونوا أقسمتم

# [إبراهيم: 44] إلى قوله تعالى: { لتزول منه الجبال } وذكره
~~ابن عطية احتمالا، وقيل غير ذلك مما ستعلمه إن شاء الله تعالى قريبا.
~~وظاهر كلام غير واحد أن استفادة المبالغة في { مكروا مكرهم } من
~~الإضافة، وفي «الحواشي الشهابية» أن { مكرهم } منصوب على أنه مفعول
~~مطلق لأنه لازم فدلالته على المبالغة لقوله تعالى الآتي: { وإن كان
~~مكرهم } الخ لا لأن إضافة المصدر تفيد العموم أي أظهروا كل مكر لهم
~~أو لأن إضافته وأصله التنكير لإفادة أنهم معروفون بذلك وللبحث فيه مجال.

# { وعند الله مكرهم } أي جزاء مكرهم على أن الكلام على حذف
~~مضاف، وجوز أن لا يكون هناك مضاف محذوف، والمعنى مكتوب عنده تعالى مكرهم
~~ومعلوم له سبحانه وذلك كناية عن مجازاته تعالى لهم عليه، وأيا ما كان
~~فإضافة { مكر } إلى الفاعل وهو الظاهر المتبادر، وقيل: إنه مضاف إلى
~~مفعوله على معنى عنده تعالى مكرهم الذي يمكرهم به وتعقبه أبو حيان بأن
~~المحفوظ أن مكر لازم ولم يسمع متعديا، وأجيب بأنه ms05114 يجوز أن يكون المكر
~~متجوزا به أو مضمنا معنى الكيد أو الجزاء، والكلام في نسبة المكر إليه
~~تعالى وأنه إما باعتبار المشاكلة أو الاستعارة مشهور، وذكر بعض المحققين
~~أن المراد بهذا المكر ما أفاده قوله تعالى:

# كيف فعلنا بهم

# [إبراهيم: 45] لا أنه وعيد مستأنف. والجملة حال من الضمير في {
~~مكروا } أي مكروا مكرهم وعند الله تعالى جزاؤه أو هو ما أعظم منه.
~~والمقصود بيان فساد رأيهم حيث باشروا فعلا مع تحقق ما يوجب تركه.

# { وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال } أي وإن كان
~~مكرهم في غاية الشدة والمتانة، وعبر عن ذلك بكونه (معدى) لإزالة الجبال
~~عن مقارها لكونه مثلا في ذلك.

# { وإن } شرطية وصلية عند جمع، والمراد أنه سبحانه مجازيهم على مكرهم
~~ومبطله إن لم يكن في هذه الشدة وإن كان فيها، ولا بد على هذا الوجه من
~~ملاحظة الإبطال وإلا فالجزاء المجرد عن ذلك لا يكاد يتأتى معه النكتة
~~التي يدور عليها ما في إن الوصلية/ من التأكيد المعنوي. وجوز أن يكون
~~المعنى أنه تعالى يقابلهم بمكرهم، ولا يمنع من ذلك كون مكرهم في غاية
~~الشدة فهو سبحانه وتعالى أشد مكرا، ولا حاجة حينئذ إلى ملاحظة الإبطال
~~فتدبر. وعن الحسن وجماعة أن { إن } نافية واللام لام الجحود و { كان }
~~تامة، والمراد بالجبال آيات الله تعالى وشرائعه ومعجزاته الظاهرة على
~~أيدي الرسل السالفة عليهم السلام التي هي كالجبال في الرسوخ والثبات
~~والقصد إلى تحقير مكرهم وأنه ما كان لتزول منه الآيات والنبوات. وجوز أن
~~تكون { كان } ناقصة وخبرها إما محذوف أو الفعل الذي دخلت عليه اللام
~~على الخلاف الذي بين البصريين والكوفيين. وأيد هذا الوجه بما روي عن ابن
~~مسعود من أنه قرأ { وما كان } بما النافية، وتعقب بأن فيه معارضة للقراءة
~~الدالة على عظم مكرهم كقراءة الجمهور، وأجيب بأن الجبال في تلك القراءة
~~يشار بها إلى ما راموا إبطاله من الحق كما أشرنا إليه وفي هذه على
~~حقيقتها فلا تعارض إذ لم يتواردا على محل واحد نفيا وإثباتا. ورد ms05115 بأنه
~~إذا جعل الحق شبيها بالجبال في الثبات كان مثلها بل أدون منها في هذا
~~المعنى، فإذا نفى إزالته إياه انتفى إزالته جبال الدنيا وحينئذ يجيء
~~الإشكال. وتعقبه الشهاب بأن هذا غير وارد لأن المشبه لا يلزم أن يكون
~~أدون من المشبه به في وجه الشبه بل قد يكون بخلافه ولو سلم فقد يقدر على
~~إزالة الأقوى دون الآخر لمانع كالشجاع يقدر على قتل أسد ولا يقدر على قتل
~~رجل مشبه به لامتناعه بعدة أو حصن ولا حصن أحصن وأحمى من تأييد الله
~~تعالى شأنه للحق بحيث تزول الجبال يوم تنسف نسفا ولا يزول انتهى، وإلى
~~تفسير { الجبال } على هذه القراءة بما ذكرنا ذهب شيخ الإسلام ثم قال:
~~وأما كونها عبارة عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأمر القرآن العظيم 
~~كما قيل  فلا مجال له إذ الماكرون هم المهلكون لا الساكنون في مساكنهم
~~من المخاطبين. وإن خص الخطاب بالمنذرين وسيظهر لك قريبا إن شاء الله
~~تعالى جواز ذلك على بعض الأقوال في الآية، والجملة حال من الضمير في {
~~مكروا } لا من قوله تعالى: { وعند الله مكرهم } وجوز أبو
~~البقاء. وغيره أن تكون مخففة من الثقيلة والمعنى إن كان مكرهم ليزول منه
~~ماهو كالجبال في الثبات من الآيات والشرائع والمعجزات، والجملة أيضا حال
~~من الضمير المذكور أي مكروا مكرهم المعهود وأن الشأن كان مكرهم لإزالة
~~الحق من الآيات والشرائع على معنى أنه لم يكن يصح أن يكون منهم مكر كذلك
~~وكان شأن الحق مانعا من مباشرة المكر لإزالته.

# وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن وثاب والكسائي { لتزول } بفتح اللام
~~الأولى ورفع الفعل  فإن على ذلك عند البصريين مخففة واللام هي الفارقة،
~~وعند الكوفيين نافية واللام بمعنى إلا، والقصد إلى تعظيم مكرهم فالجملة
~~حال من قوله تعالى: { وعند الله مكرهم } أي عنده تعالى جزاء
~~مكرهم أو المكر بهم والحال أن مكرهم بحيث تزول منه الجبال أي في غاية
~~الشدة. وقرىء { لتزول } بالفتح والنصب، وخرج ذلك على لغة جاءت في فتح
~~لام كي. ms05116 وقرأ عمر وعلي وأبي وعبد الله وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو
~~إسحق السبيعي وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهم ورحمهم { وإن كاد } بدال
~~مكان النون و { لتزول } بالفتح والرفع، وهي رواية عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما، ونقل أبو حاتم عن أبي رضي الله تعالى عنه أنه قرأ { ولولا
~~كلمه الله لزال من مكرهم الجبال } وحمل ذلك بعضهم على التفسير لمخالفته
~~لسواد المصحف مخالفة ظاهرة؛ هذا ومن الناس من قال: إن الضمير في {
~~مكروا } للمنذرين، والمراد بمكرهم ما أفاده قوله عز وجل:

# وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو
~~يقتلوك أو يخرجوك

# [الأنفال: 30] وغيره من أنواع مكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم،
~~قال/ شيخ الإسلام: ولعل الوجه حينئذ أن يكون قوله تعالى: { وقد
~~مكروا } الخ حالا من القول المقدر أي فيقال لهم ما يقال والحال أنهم
~~مع ما فعلوا من الإقسام المذكور مع ما ينافيه قد مكروا مكرهم العظيم أي
~~لم يكن الصادر عنهم مجرد الإقسام الذي وبخوا به بل اجترؤا على مثل هذه
~~العظيمة. وقوله سبحانه: { وعند الله مكرهم } حال من ضمير {
~~مكروا } حسبما ذكر من قبل. وقوله تعالى: { وإن كان مكرهم }
~~إلى آخره مسوق لبيان عدم تفاوت الحال في تحقيق الجزاء بين كون مكرهم
~~قويا أو ضعيفا كما مرت الإشارة إليه، وعلى تقدير كون { إن } نافية فهو
~~حال من ضمير { مكروا } والجبال عبارة عن أمر النبي صلى الله عليه
~~وسلم أي وقد مكروا والحال أن مكرهم ما كان لتزول منه هاتيك الشرائع
~~والآيات التي هي كالجبال في القوة، وعلى تقدير كونها مخففة من الثقيلة
~~واللام مكسورة يكون حالا منه أيضا، على معنى أن ذلك المكر العظيم منهم
~~كان لهذا الغرض، والقصد إلى أنه لم يصح أن يكون منهم مكر كذلك لما أن شأن
~~الشرائع أعظم من أن يمكر بها. وعلى تقدير فتح اللام فهو حال من قوله
~~تعالى: { وعند الله مكرهم } كما ذكر سابقا اه.

# ويجوز أن يراد بمكرهم شركهم كما أخرجه ابن جرير ms05117 وغيره عن ابن عباس،
~~والجبال على حقيقتها وأمر الجملة على ما قال.

# وحاصل المعنى لم يكن الصادر عنهم مجرد الإقسام مع ما ينافيه بل اجترؤا
~~على الشرك وقالوا:

# اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد
~~السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر
~~الجبال هدا

# [مريم: 88-90] وقد روي عن الضحاك أنه صرح بأن ما نحن فيه كهذه الآية، ثم
~~إن القول بجعل الضمير للمنذرين قول بعدم دخول هذا الكلام في حيز ما يقال،
~~وهو الظاهر كما قيل، وكذا حمل الجبال على معناها الحقيقي. وفي «البحر»
~~الذي يظهر أن زوال الجبال مجاز ضرب مثلا لمكر قريش وعظمه والجبال لا
~~تزول، وفيه من المبالغة في ذم مكرهم ما لا يخفى. وأما ما روى أن جبلا
~~زال بحلف امرأة اتهمها زوجها وكان ذلك الجبل من حلف عليه كاذبا مات
~~فحملها للحلف فمكرت بأن رمت نفسها من الدابة وكانت وعدت من اتهمت به أن
~~يكون في المكان الذي وقعت فيه من الدابة فأركبها زوجها وذلك الرجل وحلفت
~~على الجبل أنها ما مسها غيرهما فنزلت سالمة وأصبح الجبل قد اندك وكانت
~~المرأة من عدنان. وما روي من قصة نمروذ بن كوش بن كنعان أو بخت نصر
~~واتخاذ الأنسر وصعودهما إلى قرب السماء في قصة طويلة مشهورة، وما فعل
~~بعضهم من حمل الجبال على دين الإسلام والقرآن وحمل المكر على اختلافهم
~~فيه من قولهم: هذا سحر، هذا شعر، هذا إفك فأقول ينبو عنها ظاهر اللفظ،
~~وبعيد جدا قصة الأنسر اه. واستبعد ذلك أيضا  كما نقل الإمام  القاضي
~~وقال: إن الخطر في ذلك عظيم ولا يكاد العاقل يقدم عليه، وما جاء خبر صحيح
~~معتمد ولا حاجة في تأويل الآية إليه، ونعم ما قال في خبر النسور فإنه وإن
~~جاء عن علي كرم الله تعالى وجهه وعن مجاهد وابن جبير وأبي عبيدة والسدي
~~وغيرهم إلا أن في الأسانيد ما لا يخفى على من نقر. وقد شاع ذلك من أخبار
~~القصاص وخبرهم واقع عن درجة القبول ولو طاروا إلى ms05118 النسر الطائر، ومثل ذلك
~~فيما أرى خبر المتهمة فافهم والله تعالى أعلم.

### || [14.47]

# { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } تثبيت له صلى
~~الله عليه وسلم على ما هو عليه من الثقة بالله سبحانه والتيقن بانجاز
~~وعده تعالى بتعذيب الظالمين المقرون/ بالأمر بإنذارهم كما يفصح عنه
~~الفاء، وقال الطيبي: واستحسنه التلميذ أنه يجوز أن يحمل الوعد على
~~المفاد بقوله تعالى:

# وعند الله مكرهم

# [إبراهيم: 46] وقد جعله وجها آخر لما ذكره الزمخشري من تفسيره له بقوله
~~تعالى:

# إنا لننصر رسلنا

# [غافر: 51] و

# كتب الله لأغلبن أنا ورسلى

# [المجادلة: 21] وفيه نظر لأنه لا اختصاص لذلك  كما قيل  بالتعذيب لا
~~سيما الأخروي، وإضافة { مخلف } إلى الوعد عند الجمهور من إضافة اسم
~~الفاعل إلى المفعول الثاني كقولهم: هذا معطى درهم زيدا، وهو لما كان
~~يتعدى إلى اثنين جازت إضافته إلى كل منهما فينصب ما تأخر، وأنشد بعضهم
~~نظيرا لذلك قوله:

# ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه

# وسائره باد إلى الشمس أجمع

# وذكر أبو البقاء أن هذا قريب من قولهم: يا سارق الليلة أهل الدار. وفي
~~«الكشاف» أن تقديم الوعد ليعلم أنه تعالى لا يخلف الوعد أصلا كقوله
~~سبحانه:

# لا يخلف الميعاد

# [آل عمران: 9] ثم قال جل شأنه: { رسله } ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده
~~أحدا وليس من شأنه إخلاف المواعيد كيف يخلف رسله الذين هم خيرته وصفوته.
~~ونظر فيه ابن المنير بأن الفعل إذا تقيد بمفعول انقطع (احتمال) إطلاقه
~~(وهو هنا كذلك) فليس تقديم الوعد دالا على إطلاق الوعد بل على العناية
~~والاهتمام به لأن الآية سيقت لتهديد الظالمين بما وعد سبحانه على ألسنة
~~رسله عليهم السلام فالمهم ذكر الوعد وكونه على ألسنة الرسل عليهم السلام
~~لا يتوقف عليه التهديد والتخويف. وقال صاحب «الإنصاف»: أن هذا النظر قوي
~~إلا أن ما اعترض عليه هو القاعدة عند أهل البيان، كما قال الشيخ عبد
~~القاهر في قوله تعالى:

# وجعلوا لله شركاء الجن

# [الأنعام: 100] أنه قدم { شركاء } للإيذان بأنه لا ينبغي أن يتخذ لله
~~تعالى شركاء مطلقا ثم ms05119 ذكر { الجن } تحقيرا أي إذا لم يتخذ من غير
~~الجن فالجن أحق بأن لا يتخذوا. وتعقب بأنه لا يدفع السؤال بل يؤيده، وكذا
~~ما ذكره الفاضل الطيبي فإنه مع تطويله لم يأت بطائل فالوجه ما في
~~«الكشف» من أن ذلك الإعلام إنما نشأ من جعل الاهتمام بشأن الوعد فهو ما
~~سيق له الكلام وما عداه تبع، وإفادة هذا الأسلوب الترقي كإفادة

# اشرح لى صدرى

# [طه: 5] الإجمال والتفصيل. نعم إن الظاهر من حال صاحب «الكشاف» أنه أضمر
~~فيما قرره اعتزالا وهذه مسألة أخرى، وقيل: { مخلف } هنا متعد إلى
~~واحد كقوله تعالى:

# لا يخلف الميعاد

# [آل عمران: 9] فأضيف إليه وانتصب { رسله } بوعده إذ هو مصدر ينحل
~~إلى أن والفعل وقرأت فرقة { مخلف وعده رسله } بنصب { وعده } وإضافة {
~~مخلف } إلى { رسله } ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، وهذه
~~القراءة تؤيد إعراب الجمهور في القراءة الأولى وأنه مما يتعدى { مخلف
~~} هنا إلى مفعولين.

# { إن الله عزيز } غالب لا يماكر وقادر لا يقادر { ذو انتقام
~~} من أعدائه لأوليائه فالجملة تعليل للنهي المذكور وتذييل له، وحيث كان
~~الوعد عبارة عن تعذيبهم خاصة كما مرت إليه الإشارة لم يذيل  كما قال بعض
~~المحققين  بأن يقال:

# إن الله لا يخلف الميعاد

# [آل عمران: 9] بل تعرض لوصف العز والانتقام المشعرين بذلك؛ والمراد
~~بالانتقام ما أشير إليه بالفعل وعبر عنه بالمكر.

### || [14.48]

# { يوم تبدل الأرض غير الأرض } ظرف لمضمر مستأنف ينسحب
~~عليه النهي المذكور أي ينجزه يوم إلى آخره أو معطوف عليه نحو

# فارتقب يوم

# [الدخان: 10] إلى آخره، وجعله بعض الفضلاء معمولا لأذكر محذوفا كما
~~قيل في شأن نظائره، وقيل: ظرف للانتقام وهو

# يوم يأتيهم العذاب

# [إبراهيم: 44] بعينه ولكن له أحوال جمة يذكر/ كل مرة بعنوان مخصوص،
~~والتقييد مع عموم انتقامه سبحانه للأوقات كلها للإفصاح عما هو المقصود من
~~تعذيب الكفرة المؤخر إلى ذلك اليوم بموجب الحكمة المقتضية له. وجوز أبو
~~البقاء تعلقه بلا يخلف الوعد مقدرا بقرينة السابق، وفيه الوجه قبله من
~~الحاجة إلى الاعتذار.

# وقال الحوفي: هو متعلق ms05120  بمخلف  و

# إن الله عزيز ذو انتقام

# [إبراهيم: 47] جملة اعتراضية، وفيه رد لما قيل: لا يجوز تعلقه بذلك لأن
~~ما قبل إن لا يعمل فيما بعدها لأن لها الصدارة، ووجهه أنها لكونها وما
~~بعدها اعتراضا لا يبالي بها فاصلا. وجوز الزمخشري انتصابه على البدلية
~~من

# يوم يأتيهم

# [إبراهيم: 44] وهو بدل كل من كل، وتبعه بعض من منع تعلقه  بمخلف 
~~لمكان ماله الصدر. والعجب أن العامل فيه حينئذ  أنذر  فيلزم عليه ما
~~لزم القائل بتعلقه بما ذكر فكأنه ذهب إلى البدل له عامل مقدر وهو ضعيف.

# وقوله تعالى: { والسموات } عطف على المرفوع أي وتبدل السموات
~~غير السموات، والتبديل قد يكون في الذات كما في بدلت الدراهم دنانير
~~ومنه قوله تعالى:

# بدلنهم جلودا غيرها

# [النساء: 56] وقد يكون في الصفات كما في قولك: بدلت الحلقة خاتما إذا
~~غيرت شكلها، ومنه قوله سبحانه:

# يبدل الله سيئاتهم حسنت

# [الفرقان: 70] والآية الكريمة ليست بنص في أحد الوجهين نص ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أنه قال تبدل الأرض يزاد فيها وينقص منها وتذهب آكامها
~~وجبالها وأوديتها وشجرها وما فيها وتمد مد الأديم العكاظي وتصير مستوية
~~لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. وتبدل السموات بذهاب شمسها وقمرها ونجومها
~~وحاصله يغير كل عما هو عليه في الدنيا. وأنشد:

# وما الناس بالناس الذين عهدتهم

# ولا الدار بالدار التي كنت أعلم

# وقال ابن الأنباري: تبدل السموات بطيها وجعلها مرة كالمهل ومرة وردة
~~كالدهان. وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وغيرهما عن علي كرم الله تعالى
~~وجهه أنه قال: تبدل الأرض من فضة والسماء من ذهب. وأخرج ابن المنذر عن
~~مجاهد أنه تكون الأرض كالفضة والسموات كذلك. وصح عن ابن مسعود رضي الله
~~تعالى عنه أنه قال: تبدل الأرض أرضا بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يسفك فيها
~~دم حرام ولم يعمل فيها خطيئة، وروي ذلك مرفوعا أيضا، والموقوف  على ما
~~قال البيهقي  أصح.

# وقد يحمل قول الإمام كرم الله تعالى وجهه على التشبيه.

# وقال الإمام: لا يبعد أن يقال المراد بتبديل ms05121 الأرض جعلها جهنم وبتبديل
~~السموات جعلها الجنة، وتعقب بأنه بعيد لأنه يلزم أن تكون الجنة والنار
~~غير مخلوقتين الآن والثابت في الكلام والحديث خلافه، وأجيب بأن الثابت
~~خلقهما مطلقا لا خلق كلهما فيجوز أن يكون الموجود الآن بعضهما ثم تصير
~~السموات والأرض بعضا منهما، وفيه أن هذا وإن صححه لا يقر به،
~~والاستدلال على ذلك بقوله تعالى:

# كلا إن كتب الأبرار لفى عليين

# [المطففين: 18] وقوله سبحانه:

# كلا إن كتب الفجار لفى سجين

# [المطففين: 7] في غاية الغرابة من الإمام فإن في إشعار ذلك بالمقصود
~~نظرا فضلا عن كونه دالا عليه. نعم جاء في بعض الآثار ما يؤيد ما قاله،
~~فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب أنه قال في الآية: تصير
~~السموات جنانا ويصير مكان البحر نارا وتبدل الأرض غيرها. وأخرج ابن
~~جرير عن ابن مسعود أنه قال: الأرض كلها نار يوم القيامة؛ وجاء في تبديل
~~الأرض/ روايات آخر. فقد أخرج ابن جرير عن ابن جبير أنه قال: تبدل الأرض
~~خبزة بيضاء فيأكل المؤمن من تحت قدميه. وأخرج عن محمد بن كعب القرظي
~~مثله. وأخرج البيهقي في " البعث " عن عكرمة كذلك. وأخرج ابن مردويه عن
~~أفلح مولى أبي أيوب

# " أن رجلا من يهود سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما الذي تبدل
~~به الأرض؟ فقال: خبزة فقال اليهودي: درمكة بأبي أنت فضحك صلى الله عليه
~~وسلم ثم قال: قاتل الله تعالى يهود هل تدرون ما الدرمكة؟ لباب الخبز "

# وقد تقدم خبر أن الأرض تكون يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده
~~كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة وهو في " الصحيحين " من
~~رواية أبي سعيد الخدري مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكى
~~بعضهم أن التبديل يقع في الأرض ولكن تبدل لكل فريق بما يقتضيه حاله،
~~ففريق من المؤمنين يكونون على خبز يأكلون منه وفريق يكونون على فضة؛
~~وفريق الكفرة يكونون على نار، وليس تبديلها بأي شيء كان بأعظم من خلقها
~~بعد ms05122 ان لم تكن. وذكر بعضهم أنها تبدل أولا صفتها على النحو المروي عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ثم تبدل ذاتها ويكون هذا الأخير بعد أن
~~تحدث أخبارها، ولا مانع من أن يكون هنا تبديلات على أنحاء شتى. وفي «صحيح
~~مسلم» من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا أن الناس يوم تبدل على
~~الصراط، وفيه من حديث ثوبان:

# " أن يهوديا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الناس يوم تبدل
~~الأرض غير الأرض؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هم في الظلمة دون الجسر "

# ولعل المراد من هذا التبديل نحو خاص منه، والله تعالى أعلم بحقيقة
~~الحال. وتقديم تبديل الأرض لقربها منا ولكون تبديلها أعظم أمرا بالنسبة
~~إلينا.

# { وبرزوا } أي الخلائق أو الظالمون المدلول عليهم بمعونة السياق
~~كما قيل، والمراد بروزهم من أجداثهم التي في بطون الأرض. وجوز أن يكون
~~المراد ظهورهم بأعمالهم التي كانوا يعملونها سرا ويزعمون أنها لا تظهر
~~أو يعملون عمل من يزعم ذلك، ووجه إسناد البروز إليهم مع أنه على هذا
~~لأعمالهم بأنه للإيذان بتشكلهم بأشكال تناسبها. وأنت تعلم أن الظاهر
~~ظهورهم من أجداثهم، والعطف على { تبدل } والعدول إلى صيغة الماضي
~~للدلالة على تحقق الوقوع. وجوز أبو البقاء أن تكون الجملة مستأنفة وأن
~~تكون حالا من { الأرض } بتقدير قد والرابط الواو. وقرأ زيد بن علي
~~رضي الله عنهما { وبرزوا } بضم الباء وكسر الراء مشددة، جعله مبنيا
~~للمفعول على سبيل التكثير باعتبار المفعول لكثرة المخرجين { لله } أي
~~لحكمه سبحانه ومجازاته { الواحد } الذي لا شريك له { القهار }
~~الغالب على كل شيء، والتعرض للوصفين لتهويل الخطب وتربية المهابة لأنهم
~~إذا كانوا واقفين عند ملك عظيم قهار لا يشاركه غيره كانوا على خطر إذ لا
~~مقاوم له ولا مغيث سواه وفي ذلك أيضا تحقيق إتيان العذاب الموعود على
~~تقدير كون { يوم تبدل } بدلا من

# يوم يأتيهم العذاب

# [إبراهيم: 44].

### || [14.49]

# { وترى المجرمين } عطف على

# برزوا

# [إبراهيم: 48]. والعدول إلى صيغة المضارع لاستحضار الصورة أو للدلالة/
~~على الاستمرار، وأما البروز فهو دفعي ms05123 لا استمرار فيه وعلى تقدير حالية {
~~برزوا } فهو معطوف على

# تبدل

# [إبراهيم: 48] وجوز عطفه على عامل الظرف المقدم على تقدير كونه ينجزه
~~مثلا { يومئذ } يوم إذ برزوا لله تعالى أو يوم إذ تبدل الأرض أو
~~يوم إذ ينجز وعده، والرؤية إذا كانت بصرية فالمجرمين مفعولها وقوله
~~تعالى: { مقرنين } حال منه، وإن كانت علمية فالمجرمين مفعولها
~~الأول { مقرنين } مفعولها الثاني.

# والمراد قرن بعضهم مع بعض وضم كل لمشاركه في كفره وعمله كقوله تعالى:

# وإذا النفوس زوجت

# [التكوير: 7] على قول، وفي المثل إن الطيور على أشباهها تقع، أو قرنوا
~~مع الشياطين الذين أغووهم كقوله تعالى:

# فوربك لنحشرنهم والشيطين

# [مريم: 68] الخ أو قرنوا مع ما اقترفوا من العقائد الزائغة والملكات
~~الرديئة والأعمال السيئة غب تصورها وتشكلها بما يناسبها من الصور الموحشة
~~والأشكال الهائلة، أو قرنوا مع جزاء ذلك أو كتابه فلا حاجة إلى حديث
~~التصور بالصور، أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم وجاء ذلك في بعض
~~الآثار والظاهر أنه على حقيقته. ويحتمل  على ما قيل  أن يكون تمثيلا
~~لمؤاخذتهم على ما اقترفته أيديهم وأرجلهم، وأصل المقرن بالتشديد من جمع
~~في قرن بالتحريك وهو الوثاق الذي يربط به { فى الأصفاد } جمع صفد
~~ويقال فيه صفاد وهو القيد الذي يوضع في الرجل أو الغل الذي يكون في اليد
~~والعنق أو ما يضم به اليد والرجل إلى العنق ويسمى هذا جامعة؛ ومن هذا قول
~~سلامة بن جندل:

# وزيد الخيل قد لا قى صفادا

# يعض بساعد وبعظم ساق

# وجاء صفد بالتخفيف وصفد بالتشديد للتكثير وتقول: أصفدته إذا أعطيته
~~فتأتي بالهمزة في هذا المعنى، وقيل: صفد وأصفد معا في القيد والإعطاء،
~~ويسمى العطاء صفدا لأنه يقيد. ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا. والجار
~~والمجرور متعلق  بمقرنين  أو بمحذوف وقع حالا من ضميره أي مصفدين،
~~وجوز أبو حيان كونه في موضع الصفة لمقرنين.

### || [14.50]

# { سرابيلهم } أي قمصانهم سربال { من قطران } هو ما يحلب من
~~شجر الأبهل فيطبخ وتهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بما فيه من الحدة
~~الشديدة وقد تصل ms05124 حرارته إلى الجوف وهو أسود منتن يسرع فيه اشتعال النار
~~حتى قيل: إنه أسرع الأشياء اشتعالا. وفي " التذكرة " أنه نوعان غليظ
~~براق حاد الرائحة ويعرف بالبرقى، ورقيق كمد ويعرف بالسائل والأول من
~~الشربين خاصة والثاني من الأرز والسدر ونحوهما والأول أجود وهو حار يابس
~~في الثالثة أو الثانية، وذكر في الزفت أنه من أشجار كالأرز وغيره، وأنه
~~إن سال بنفسه يقال زفت وإن كان بالصناعة فقطران، ويقال فيه: قطران بوزن
~~سكران. وروي عن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما أنهما قرآ به، وقطران بوزن
~~سرحان ولم نقف على من قرأ بذلك، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع النصب
~~على الحالية من المجرمين أو من ضميرهم في

# مقرنين

# [إبراهيم: 49] أو من { مقرنين } نفسه على ما قيل رابطها الضمير
~~فقط كما في كلمته فوه إلى في أو مستأنفه، وأيا ما كان ففي {
~~سرابيلهم } تشبيه بليغ وذلك أن المقصود أنه تطلى جلود أهل النار
~~بالقطران حتى يعود طلاؤه كالسرابيل وكأن ذلك ليجتمع عليهم الألوان
~~الأربعة من العذاب لذعه وحرقه وإسراع النار في جلودهم واللون الموحش
~~والنتن على أن التفاوت بين ذلك القطران وما نشاهده كالتفاوت بين النارين
~~فكان ما نشاهده منهما أسماء مسمياتها في الآخرة فبكرمه العميم نعوذ
~~وبكنفه الواسع نلوذ، وجوز أن تكون في الكلام استعارة تمثيلية بأن تشبه
~~النفس الملتبسة بالملكات الرديئة كالكفر والجهل والعناد والغباوة بشخص
~~لبس ثيابا من زفت وقطران، ووجه الشبه تحلى كل منهما بأمر قبيح مؤذ
~~لصاحبه يستكره عند مشاهدته، ويستعار لفظ أحدهما للآخر، ولا يخفى ما في
~~توجيه الاستعارة التمثيلية بهذا من المساهلة وهو ظاهر، على أن القول بهذه
~~الاستعارة هنا أقرب ما يكون إلى كلام الصوفية، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون
~~القطران المذكور عين ما لابسوه في هذه النشأة وجعلوه شعارا لهم من
~~العقائد الباطلة والأعمال السيئة المستجلبة لفنون العذاب قد تجسدت في
~~النشأة الآخرة بتلك الصورة المستتبعة لاشتداد العذاب، عصمنا الله تعالى
~~من ذلك بلطفه وكرمه. وأنت تعلم أن التشبيه البليغ على هذا على ms05125 حاله. وقرأ
~~علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وأبو هريرة وعكرمة وقتادة وجماعة { من
~~قطر آن } على أنهما كلمتان منونتان أولاهما قطر بفتح القاف وكسر الطاء
~~وهي النحاس مطلقا أو المذاب منه وثانيتهما آن بوزن عان بمعنى شديد
~~الحرارة. قال الحسن: قد سعرت عليه جنهم منذ خلقت فتناهى حره.

# { وتغشى وجوههم النار } أي تعلوها وتحيط بها النار التي
~~تسعر بأجسادهم المسربلة بالقطران، وتخصيص الوجوه بالحكم المذكور مع عمومه
~~لسائر أعضائهم لكونها أعز الأعضاء الظاهرة وأشرفها كقوله تعالى:

# أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة

# [الزمر: 24] ولكونها مجمع الحواس والمشاعر التي لم يستعملوها فيما خلقت
~~له من إدراك الحق وتدبره، وهذا كما تطلع على أفئدتهم لأنها أشرف الأعضاء
~~الباطنة ومحل المعرفة وقد ملؤها بالجهالات أو لخلوها كما قيل: عن القطران
~~المغني عن ذكر غشيان النار، ووجه تخليتها عنه بأن ذلك لعله ليتعارفوا عند
~~انكشاف اللهب أحيانا ويتضاعف عذابهم بالخزي على رؤوس الأشهاد. وقرىء
~~برفع الوجوه ونصب { النار } كأنه جعل ورود الوجوه على النار غشيانا لها
~~مجازا. وقرىء { تغشى } أي تتغشى بحذف إحدى التاءين، والجملة كما قال أبو
~~البقاء نصب على الحال كالجملة السابقة.

# وفي " الكشف " وأفاد العلامة الطيبي أن مقرنين  سرابيلهم من قطران 
~~تغشى  أحوال من مفعول

# ترى

# [إبراهيم: 49] جيء بها كذلك للترقي؛ ولهذا جيء بالثانية جملة اسمية لأن
~~سرابيل القطران الجامعة بين الأنواع الأربعة أفظع من الصفد،، وأما تغشى
~~فلتجديد الاستحضار المقصود في قوله تعالى: { وترى } لأن الثاني أهول؛
~~والظاهر أن الثانيين منقطعان من حكم الرؤية لأن الأول في بيان حالهم في
~~الموقف إلى أن يكب بهم في النار، والأخيرين لبيان حالهم بعد دخولها، وكأن
~~الأول حرك من السامع أن يقول: وإذا كان هذا شأنهم وهم في الموقف فكيف بهم
~~وهم في جهنم خالدون؟ فأجيب بقوله سبحانه: { سرابيلهم من قطران
~~} وأوثر الفعل المضارع في الثانية لاستحضار الحال وتجدد الغشيان حالا
~~فحالا، وأكثر المعربين على عدم الانقطاع.

### || [14.51]

# { ليجزى الله } متعلق بمضمر أي يفعل بهم ذلك ليجزي سبحانه {
~~كل نفس ms05126 } أي مجرمة بقرينة المقام { ما كسبت } من أنواع الكفر
~~والمعاصي جزاءا وفاقا، وفيه إيذان بأن جزاءهم مناسب لأعمالهم، وجوز على
~~هذا الوجه كون النفس أعم من المجرمة والمطيعة لأنه إذا خص المجرمون
~~بالعقاب علم اختصاص المطيعين بالثواب، مع أن عقاب المجرمين وهم أعداؤهم
~~جزاء لهم أيضا كما قيل:

# / من عاش بعد عدوه

# يوما فقد بلغ المنا

# ويجوز على اعتبار العموم تعلق اللام  ببرزوا  على تقدير كونه معطوفا
~~على

# تبدل

# [إبراهيم: 48] والضمير للخلق ويكون ما بينهما اعتراضا فلا اعتراض أي
~~برزوا للحساب ليجزي الله تعالى كل نفس مطيعة أو عاصية ما كسبت من خير أو
~~شر { إن الله سريع الحسب } لأنه لا يشغله سبحانه فيه تأمل
~~وتتبع ولا يمنعه حساب عن حساب حتى يستريح بعضهم عند الاشتغال بمحاسبة
~~الآخرين فيتأخر عنهم العذاب، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن
~~المراد سريع الانتقام، وذكر المرتضى في " درره " وجوها أخر في ذلك.

### || [14.52]

# { هذا بلغ } أي ما ذكر من قوله سبحانه:

# ولا تحسبن الله غفلا

# [إبراهيم: 42] إلى هنا، وجوز أن يكون الإشارة إلى القرآن وهو المروي عن
~~ابن زيد أو إلى السورة والتذكير باعتبار الخبر وهو { بلاغ } والكلام
~~على الأول أبلغ فكأنه قيل: هذا المذكور آنفا كفاية في العظة والتذكير من
~~غير حاجة إلى ما انطوى عليه السورة الكريمة أو كل القرآن المجيد من فنون
~~العظات والقوارع، وأصل البلاغ مصدر بمعنى التبليغ وبهذا فسره الراغب في
~~الآية، وذكر مجيئه بمعنى الكفاية في آية أخرى { للناس } للكفار خاصة
~~على تقدير اختصاص الإنذار بهم في قوله سبحانه:

# وأنذر الناس

# [إبراهيم: 44] أو لهم وللمؤمنين كافة على تقدير شمولهم أيضا وإن كان ما
~~شرح مختصا بالظالمين على ما قيل. { ولينذروا به } عطف على محذوف
~~أي لينصحوا أو لينذروا به أو نحو ذلك فتكون اللام متعلقة بالبلاغ، ويجوز
~~أن تتعلق بمحذوف وتقديره ولينذروا به أنزل أو تلي، وقال الماوردي: الواو
~~زائدة، وعن المبرد هو عطف مفرد على مفرد أي هذا بلاغ وإنذار، ولعله تفسير
~~معنى لا ms05127 إعراب. وقال ابن عطية: أي هذا بلاغ للناس وهو لينذروا به فجعل
~~ذلك خبرا لهو محذوفا، وقيل اللام لام الأمر، قال بعضهم: وهو حسن لولا
~~قوله سبحانه: { وليذكر } فإنه منصوب لا غير، وارتضى ذلك أبو حيان
~~وقال: إن ما ذكر لا يخدشه إذ لا يتعين عطف { ليذكر } على الأمر بل يجوز
~~أن يضمر له فعل يتعلق به، ولا يخفى أنه تكلف. وقرأ يحيى بن عمارة الذراع
~~عن أبيه وأحمد بن يزيد السلمي { ولينذروا } بفتح الياء والذال مضارع نذر
~~بالشيء إذا علم به فاستعد له قالوا: ولم يعرف لنذر بمعنى علم مصدر فهو
~~كعسى وغيرها من الأفعال التي لا مصادر لها، وقيل: إنهم استغنوا بأن
~~والفعل عن صريح المصدر، وفي " القاموس " ((نذر بالشيء كفرح علمه
~~فحذره وأنذره بالأمر إنذارا ونذرا ونذيرا أعلمه وحذره)). وقرأ
~~مجاهد وحميد بتاء مضمومة وكسر الذال.

# { وليعلموا } بالنظر والتأمل بما فيه من الدلائل الواضحة التي هي
~~إهلاك الأمم وإسكان آخرين مساكنهم وغيرهما مما تضمنه ما أشار إليه {
~~إنما هو إله واحد } لا شريك له أصلا، وتقديم الإنذار لأنه
~~داع إلى التأمل المستتبع للعلم المذكور { وليذكر أولوا
~~الألبب } أي ليتذكروا شؤون الله تعالى ومعاملته مع عباده ونحو ذلك
~~فيرتدعوا عما يرديهم من الصفات التي يتصف بها الكفار ويتدرعوا بما يحظيهم
~~لديه عز وجل من العقائد الحقة والأعمال الصالحة. وفي تخصيص التذكر بأولي
~~الألباب إعلاء لشأنهم. وفي " إرشاد العقل السليم " أن في ذلك تلويحا
~~باختصاص العلم بالكفار ودلالة على أن المشار إليه بهذا القوارع المسوقة
~~لشأنهم لا كل السورة المشتملة عليها وعلى ما سيق للمؤمنين أيضا فإن فيه
~~ما يفيدهم فائدة جديدة، وللبحث فيه مجال، وفيه أيضا أنه حيث كان ما
~~يفيده البلاغ من التوحيد وما يترتب عليه من الأحكام بالنسبة إلى الكفرة
~~أمرا حادثا وبالنسبة إلى أولي الألباب الثبات على ذلك عبر عن الأول
~~بالعلم وعن الثاني بالتذكر وروعي ترتيب الوجود مع ما/ فيه من الختم
~~بالحسنى.

# وذكر القاضي بيض الله تعالى غرة أحواله أنه سبحانه ذكر لهذا ms05128 البلاغ ثلاث
~~فوائد هي الغاية والحكمة في إنزال الكتب. تكميل الرسل عليهم السلام للناس
~~المشار إليه بالإنذار واستكمالهم القوة النظرية التي منتهى كمالها ما
~~يتعلق بمعرفة الله تعالى المشار إليه بالعلم، واستصلاح القوة التي هي
~~التدرع بلباس التقوى المشار إليه بالتذكر، والظاهر أن المراد بأولي
~~الألباب أصحاب العقول الخالصة من شوائب الوهم مطلقا، ولا يقدح في ذلك ما
~~قيل: إن الآية نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وقد ناسب مختتم هذه
~~السورة مفتتحها وكثيرا ما جاء ذلك في سور القرآن حتى زعم بعضهم أن قوله
~~تعالى: { ولينذروا به } معطوف على قوله سبحانه:

# لتخرج الناس

# [إبراهيم: 1] وهو من البعد بمكان، نسأله سبحانه عز وجل أن يمن علينا
~~بشآبيب العفو والغفران.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { وإذ قال إبرهيم رب
~~اجعل هذا البلد آمنا } قال ابن عطاء: أراد عليه السلام أن
~~يجعل سبحانه قلبه آمنا من الفراق والحجاب، وقيل: اجعل بلد قلبي ذا أمن
~~بك عنك

# واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام

# [إبراهيم: 35] من المرغوبات الدنية والمشتهيات الحسية. وقال جعفر رضي
~~الله تعالى عنه: أراد عليه السلام لا تردني إلى مشاهدة الخلة ولا ترد
~~أولادي إلى مشاهدة النبوة، وعنه أنه قال: أصنام الخلة خطرات الغفلة
~~ولحظات المحبة، وفي رواية أخرى أنه عليه السلام كان آمنا من عبادة
~~الأصنام في كبره وقد كسرها في صغره لكنه علم أن هوى كل إنسان ضمنه
~~فاستعاذ من ذلك. وقال الجنيد قدس سره: أي امنعني وبني أن نرى لأنفسنا
~~وسيلة إليك غير الافتقار، وقيل: كل ما وقف العارف عليه غير الحق سبحانه
~~فهو صنمه، وجاء النفس هو الصنم الأكبر { رب إنهن أضللن
~~كثيرا من الناس } بالتعلق بها والانجذاب إليها والاحتجاب بها عنك
~~سبحانك { فمن تبعنى } في طريق المجاهدة والخلة ببذل الروح بين يديك
~~{ فإنه منى } طينته من طينتي وقلبه من قلبي وروحه من روحي وسره
~~من سري ومشربه في الخلة من مشربي { ومن عصانى } وفعل ما يقتضي
~~الحجاب عنك

# فإنك غفور رحيم

# [إبراهيم: 36] فلا أدعو ms05129 عليه وأفوض أمره إليك. قيل: إن هذا منه عليه
~~السلام دعاء للعاصي بستر ظلمته بنوره تعالى ورحمته جل شأنه إياه بإفاضة
~~الكمال عليه بعد المغفرة.

# ومن كلام نبينا صلى الله عليه وسلم:

# " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون "

# وفي " أسرار التأويل " أنه عليه السلام أشار بقوله: { ومن عصانى }
~~إلى مقام الجمع ولذا لم يقل: ومن عصاك ويجوز أن يقال: إنما أضاف عصيانهم
~~إلى نفسه لأن عصيان الخلق للخالق غير ممكن، وما من دابة إلا وربي آخذ
~~بناصيتها فهم في كل أحوالهم مجيبون لداعي ألسنة مشيئته سبحانه وإرادته
~~القديمة، وسئل عبد العزيز المكي لم لم يقل الخليل ومن عصاك؟ فقال لأنه
~~عظم ربه عز وجل وأجله من أن يثبت أن أحدا يجترىء على معصيته سبحانه وكذا
~~أجله سبحانه من أن يبلغ أحد مبلغ ما يليق بشأنه عز شأنه من طاعته حيث قال
~~{ فمن تبعنى }  { ربنآ إني أسكنت من ذريتي
~~بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم } قيل: إن من
~~عادة الله تعالى أن يبتلي خليله بالعظائم لينزعه عن نفسه وعن جميع
~~الخليقة لئلا يبقى بينه وبينه حجاب من الحدثان، فلذا أمر جل شأنه هذا
~~الخليل أن يسكن من ذريته في وادي الحرم بلا ماء ولا زاد لينقطع إليه ولا
~~يعتمد إلا عليه عز وجل، وناداه باسم الرب طمعا في تربية عياله وأهله
~~بألطافه وايوائهم إلى جوار كرامته { ربنا ليقيموا الصلاة }
~~التي يصل العبد بها إليك ويكون مرآة تجليك { فاجعل أفئدة من
~~الناس تهوي إليهم } تميل بوصف الإرادة والمحبة ليسلكوهم إليك
~~ويدلوهم عليك، قال ابن عطاء من انقطاع عن الخلق بالكلية صرف الله تعالى
~~إليه وجوه الخلق وجعل مودته في صدورهم ومحبته في/ قلوبهم، وذلك من دعاء
~~الخليل عليه السلام لما قطع أهله عن الخلق والأسباب قال: { فاجعل
~~أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من
~~الثمرات } قيل: أي ثمرات طاعتك وهي المقامات الرفيعة والدرجات
~~الشريفة. وقال الواسطي: ثمرات القلوب وهو أنواع الحكمة ورئيس الحكمة رؤية
~~المنة والعجز عن الشكر على النعمة وهو ms05130 الشكر الحقيقي ولذلك قال:

# لعلهم يشكرون

# [إبراهيم: 37] أي يعلمون أنه لا يتهيأ لأحد أن يقوم بشكرك وثمرة الحكمة
~~تزيل الأمراض عن القلوب كما أن ثمرة الاشجار تزيل أمراض النفوس. وقيل: أي
~~أرزقهم الأولاد الأنبياء والصلحاء، وفيه إشارة إلى دعوته بسيد المرسلين
~~صلى الله عليه وسلم المعنى له بقوله:

# ربنا وابعث فيهم رسولا

# [البقرة: 129] وأي الثمرات أشهى من أصفى الأصفياء وأتقى الأتقياء وأفضل
~~أهل الأرض والسماء وحبيب ذي العظمة والكبرياء فهو عليه الصلاة والسلام
~~ثمرة الشجرة الإبراهيمية وزهرة رياض الدعوة الخليلية بل هو صلى الله عليه
~~وسلم ثمرة شجرة الوجود ونور حديقة الكرم والجود ونور حدقة كل موجود صلى
~~الله عليه وسلم عليه إلى اليوم المشهود { ربنآ إنك تعلم ما
~~نخفي وما نعلن } قال الخواص: ما نخفي من حبك وما نعلن من شكرك.

# وقال ابن عطاء: ما نخفي من الأحوال وما نعلن من الآداب، وقيل: ما نخفي
~~من التضرع في عبوديتك وما نعلن من ظاهر طاعتك في شريعتك، وأيضا ما نخفي
~~من أسرار معرفتك وما نعلن من وظائف عبادتك، وأيضا ما نخفى من حقائق
~~الشوق إليك في قلوبنا وما نعلن في غلبة مواجيدنا بإجراء العبرات وتصعيد
~~الزفرات:

# وارحمتا للعاشقين تكلفوا

# ستر المحبة والهوى فضاح

# بالسر إن باحوا تباح دماؤهم

# وكذا دماء البائحين تباح

# وإن همو كتموا تحدث عنهم

# عند الوشاة المدمع السحاح

# وقال السيد على البندنيجي قدس سره:

# كتمت هوى حبيه خوف إذاعة

# فلله كم صب أضربه الذيع

# ولكن بدت آثاره من تأوهي

# إذا فاح مسك كيف يخفى له ضوع

# وما يخفى على الله من شىء فى الأرض ولا فى
~~السماء

# [إبراهيم: 38] فيعلم ما خفي وما علن

# ولا تحسبن الله غفلا عما يعمل الظلمون
~~إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصر

# [إبراهيم: 42] قيل: الظالم من تجاوز طوره وتبختر على بساط الأنانية
~~زاعما أنه قد تضلع من ماء زمزم المحبة واستغرق في لجي بحر الفناء، توعده
~~الله تعالى بتأخير فضيحته إلى يوم تشخص فيه أبصار سكارى المعرفة والتوحيد
~~وهو يوم الكشف الأكبر حين ms05131 تبدو أنوار سطوات العزة فيستغرقون في عظمته
~~بحيث لا يقدرون على الالتفات إلى غيره فهناك يتبين الصادق من الكاذب:

# إذا اشتبكت دموع في خدود

# تبين من بكى ممن تباكى

# وقوله سبحانه:

# مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم
~~وأفئدتهم هوآء

# [إبراهيم: 43] شرح لأحوال أصحاب الأبصار الشاخصة وهم سكارى المحبة على
~~الحقيقة، قال ابن عطاء في: { وأفئدتهم هواء } هذه صفة قلوب أهل
~~الحق متعلقة بالله تعالى لا تقر إلا معه سبحانه ولا تسكن إلا إليه وليس
~~فيها محل لغيره { وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب
~~فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب
~~نجب دعوتك ونتبع الرسل } طلبوا تدارك ما فات وذلك
~~بتهذيب الباطن والظاهر والانتظام في سلوك الصادقين وهيهات ثم هيهات، ثم
~~أجيبوا بما يقصم الظهر ويفصم عرى الصبر وهو قوله سبحانه:

# أو لم تكونوا أقسمتم من قبل

# [إبراهيم: 44] الآية

# يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموت وبرزوا
~~لله الواحد القهار

# [إبراهيم: 48] وذلك عند انكشاف أنوار حقيقة الوجود فيظهر هلاك كل شيء
~~إلا وجهه. وقيل: الإشارة في الآية إلى تبدل أرض قلوب العارفين من صفات
~~البشرية إلى الصفات الروحانية المقدسة بنور شهود جمال الحق وتبدل سموات
~~الأرواح من عجز صفات الحدوث وضعفها عن أنوار العظمة بإفاضة الصفات الحقة،
~~وقيل: تبدل أرض الطبيعة بأرض النفس عند الوصول إلى مقام القلب، وسماء
~~القلب بسماء السر، وكذا تبدل أرض النفس بأرض القلب، وسماء السر بسماء
~~الروح، وكذا كل مقام يعبره السالك يتبدل ما فوقه وما تحته كتبدل سماء
~~التوكل في توحيد الأفعال بسماء الرضا في توحيد الصفات، ثم سماء الرضا
~~بسماء التوحيد عند كشف الذات

# وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد

# [إبراهيم: 49] بسلاسل الشهوات { سرابيلهم من قطران } وهو
~~قطران أعمالهم النتنة { وتغشى } تستر

# وجوههم النار

# [إبراهيم: 50] في جهنم الحرمان وسعير الإذلال والاحتجاب عن رب الارباب.
~~{ هذا بلغ للناس ولينذروا به وليعلموا
~~أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألبب }
~~[إبراهيم: 52] وهم علماء الحقيقة وأساطين المعرفة وعشاق الحضرة وأمناء
~~خزائن المملكة، جعلنا الله تعالى وإياكم ممن ذكر ms05132 فتذكر وتحقق في مقر
~~التوحيد وتقرر بمنه سبحانه وكرمه.

### | [15 - سورة الحجر]

### || [15.1]

# { بسم الله الرحمن الرحيم الر } قد تقدم الكلام فيه {
~~تلك } اختار غير واحد أنه إشارة إلى السورة أي تلك السورة العظيمة
~~الشأن { آيت الكتب } الكامل الحقيقي باختصاص اسم الكتاب به على
~~الإطلاق كما يشعر به التعريف أي بعض منه مترجم مستقل باسم خاص فالمراد به
~~جميع القرآن أو جميع المنزل إذ ذاك { وقرءان } عظيم الشأن كما يشعر
~~به التنكير { مبين } مظهر في تضاعيفه من الحكم والأحكام أو لسبيل
~~الرشد والغي أو فارق بين الحق والباطل والحلال والحرام أو ظاهر معانيه أو
~~أمر إعجازه، فالمبين إما من المتعدي أو اللازم، وفي جمع وصفي الكتابية
~~والقرآنية من تفخيم شأن القرآن ما فيه حيث أشير بالأول إلى اشتماله على
~~صفات كمال جنس الكتب الإلهية فكأنه كلها، وبالثاني إلى كونه ممتازا عن
~~غيره نسيج وحده بديعا في بابه خارجا عن دائرة البيان قرآنا غير ذي عوج
~~ونحو هذا فاتحة سورة النمل خلا أنه أخر ههنا الوصف بالقرآنية عن الوصف
~~بالكتابية لما أن الإشارة إلى امتيازه عن سائر الكتب بعد التنبيه على
~~انطوائه على كمالات غيره منها أدخل في المدح لئلا يتوهم من أول الأمر أن
~~امتيازه عن غيره لاستقلاله بأوصاف/ خاصة به من غير اشتماله على نعوت كمال
~~سائر الكتب الكريمة وعكس هناك نظرا إلى حال تقدم القرآنية على حال
~~الكتابية قاله بعض المحققين.

# وجوز أن يراد بالكتاب اللوح المحفوظ؛ وذكر أن تقديمه هنا باعتبار الوجود
~~وتأخيره هناك باعتبار تعلق علمنا لأنا إنما نعلم ثبوت ذلك من القرآن.
~~وتعقب بأن إضافة الآيات إليه تعكر على ذلك إذ لا عهد باشتماله على
~~الآيات. والزمخشري جعل هنا الإشارة إلى ما تضمنته السورة والكتاب وما عطف
~~عليه عبارة عن السورة. وذكر هناك أن الكتاب إما اللوح وإما السورة وإما
~~القرآن فآثر هاهنا أحد الأوجه هناك.

# قال في الكشف: لأن الكتاب المطلق على غير اللوح أظهر، والحمل على السورة
~~أوجه مبالغة كما دل عليه أسلوب ms05133 قوله تعالى:

# والذى أنزل إليك من ربك الحق

# [الرعد: 1] وليطابق المشار إليه فإنه إشارة إلى آيات السورة ثم قال:
~~وإيثار الحمل على اتحاد المعطوف والمعطوف عليه في الصدق لأن الظاهر من
~~إضافة الآيات ذلك.

# ولما كان في التعريف نوع من الفخامة وفي التنكير نوع آخر وكان الغرض
~~الجمع عرف الكتاب ونكر القرآن هاهنا وعكس في النمل وقدم المعرف في
~~الموضعين لزيادة التنويه ولما عقبه سبحانه بالحديث عن الخصوص هنالك قدم
~~كونه قرآنا لأنه أدل على خصوص المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم
~~للإعجاز، وتعقب تفسير ذلك بالسورة دون جميع القرآن أو المنزل إذ ذاك بأنه
~~غير متسارع إلى الفهم والمتسارع إليه عند الإطلاق ما ذكر وعليه يترتب
~~فائدة وصف الآيات بنعت ما أضيفت إليه من نعوت الكمال لا على جعله عبارة
~~عن السورة إذ هي في الاتصاف بذلك ليست بتلك المرتبة من الشهرة حتى يستغني
~~عن التصريح بالوصف على أنها عبارة عن جميع آياتها فلا بد من جعل تلك
~~إشارة إلى كل واحدة منها، وفيه من التكلف ما لا يخفى.

# ثم إن الزمخشري بعد أن فسر المتعاطفين بالسورة أشار إلى وجه التغاير
~~بينهما بقوله كأنه قيل: الكتاب الجامع للكمال والغرابة في البيان ورمز
~~إلى أنه لما جعل مستقلا في الكمال والغرابة قصد قصدهما فعطف أحدهما على
~~الآخر فالغرض من ذكر الذات في الموضعين الوصفان، وهذه فائدة إيثار هذا
~~الأسلوب، ومن هذا عده من عده من التجريد قاله في " الكشف ".

# وقال الطيبي بعد أن نقل عن البغوي توجيه التغاير بين المتعاطفين بأن
~~الكتاب ما يكتب والقرآن ما يجمع بعضه إلى بعض، فإن قلت: رجع المآل إلى أن
~~الكتاب - وقرآن وصفان لموصوف واحد أقيما مقامه فما ذلك الموصوف وكيف
~~تقديره؟ فإن قدرته معرفة رفعه { وقرآن مبين } وإن ذهبت إلى أنه
~~نكرة أباه لفظ { الكتاب } قلت: أقدره معرفة { وقرآن مبين } في
~~تأويل المعرفة لأن معناه البالغ في الغرابة إلى حد الإعجاز فهو إذا
~~محدود بل محصور إلى آخر ما قاله، وهو كلام ms05134 خال عن التحقيق كما لا يخفى
~~على أربابه، وقيل: المراد بالكتاب التوراة والإنجيل وبالقرآن الكتاب
~~المنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم، وأخرج ذلك ابن جرير عن مجاهد
~~وقتادة، وأمر العطف على هذا ظاهر جدا إلا أن ذلك نفسه غير ظاهر، وفي
~~المراد بالإشارة عليه خفاء أيضا. وفي «البحر» أن الإشارة على هذا القول
~~إلى ءايات الكتاب وهو كما ترى.

# ثم إنه سبحانه لما بين شأن الآيات لتوجيه المخاطبين إلى حسن تلقي ما
~~فيها من الأحكام والقصص والمواعظ شرع جل شأنه في بيان المتضمن فقال عز
~~قائلا: { ربما يود الذين كفروا لو... }.

### || [15.2]

# { ربما يود الذين كفروا } بما يجب الايمان به { لو
~~كانوا مسلمين } مؤمنين بذلك، وقيل: المراد/ كفرهم بالكتاب
~~والقرآن وبكونه من عند الله تعالى وودادتهم الانقياد لحكمه والإذعان
~~لأمره، وفيه إيذان بأن كفرهم إنما كان بالجحود، وفيه نظر، وهذه الودادة
~~يوم القيامة عند رؤيتهم خروج العصاة من النار. أخرج ابن المبارك وابن
~~أبي شيبة والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس وأنس رضي الله تعالى عنهم أنهما
~~تذاكرا هذه الآية فقالا: هذا حيث يجمع الله تعالى بين أهل الخطايا من
~~المسلمين والمشركين في النار فيقول المشكرون: ما أغنى عنكم ما كنتم
~~تعبدون فيغضب الله تعالى لهم فيخرجهم بفضل رحمته. وأخرج الطبراني وابن
~~مردويه بسند صحيح عن جابر بن عبد الله قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ناسا من أمتي يعذبون بذنوبهم
~~فيكونون في النار ما شاء الله تعالى أن يكونوا ثم يعيرهم أهل الشرك
~~فيقولون: ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم نفعكم فلا يقى موحد إلا أخرجه
~~الله تعالى من النار ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية "

# وأخرج غير واحد عن علي كرم الله تعالى وجهه وأبي موسى الأشعري وأبي
~~سعيد الخدري نحو ذلك يرفعه كل إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وروي
~~ذلك عن كثير من السلف الصالح، فقول الزمخشري: إن القول به باب من الودادة
~~بيت من السفاهة قعيدته عقيدته الشوهاء، ms05135 وقال الضحاك: إن ذلك في الدنيا
~~عند الموت وانكشاف وخامة الكفر لهم، وعن ابن مسعود أن الآية في كفار قريش
~~ودوا ذلك يوم بدر حين رأوا الغلبة للمسلمين، وفي رواية عنه وعن أناس من
~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن ذلك حين ضربت أعناقهم فعرضوا على النار.
~~وذكر ابن الأنباري أن هذه الودادة من الكفار عند كل حالة يعذب فيها
~~الكافر ويسلم المسلم.

# ورب على كثرة وقوعها في كلام العرب لم تقع في القرآن إلا في هذه الآية،
~~ويقال فيها رب بضم الراء وتشديد الباء وفتحها ورب بفتح الراء ورب بضمهما
~~وربت بالضم وفتح الباء والتاء وربت بسكون التاء وربت بفتح الثلاثة وربت
~~بفتح الأولين وسكون التاء وتخفيف الباء من هذه السبعة وربتا بالضم وفتح
~~الباء المشددة ورب بالضم والسكون ورب بالفتح والسكون فهذه سبع عشرة لغة
~~حكاها ما عدا ربتا ابن هشام في «المغني» وحكى أبو حيان إحدى عشر منها 
~~ربتا  وإذا اعتبر ضم الاتصال بما والتجرد منها بلغت اللغات ما لا يخفى،
~~وزعم ابن فضالة في " الهوامل والعوامل " أنها ثنائية الوضع كقد وأن فتح
~~الباء مخففة دون التاء ضرورة وأن فتح الراء مطلقا شاذ، وهي حرف جر
~~خلافا للكوفية والأخفش في أحد قوليه وابن الطراوة زعموا أنها اسم مبني
~~ككم واستدلوا على اسميتها بالإخبار عنها في قوله:

# إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن

# عارا عليك ورب قتل عار

# فرب عندهم مبتدا وعار خبره، وتقع عندهم مصدرا كرب ضربة ضربت، وظرفا
~~كرب يوم سرت، ومفعولا به كرب رجل ضربت، واختار الرضى اسميتها إلا أن
~~إعرابها عنده رفع أبدا على أنها مبتدأ لا خبر له كما اختار ذلك في
~~قولهم: أقل رجل يقول ذلك إلا زيدا، وقال: إنها إن كفت بما فلا محل لها
~~حينئذ لكونها كحرف النفي الداخل على الجملة ومنع ذلك البصريون بأنها لو
~~كانت اسما لجاز أن يتعدى إليها الفعل بحرف الجر فيقال برب رجل عالم
~~مررت، وأن يعود عليها الضمير ويضاف إليها وجميع علامات الاسم منتفية ms05136
~~عنها، وأجيب عن البيت بأن المعروف  وبعض  بدل رب، وإن صحت تلك الرواية
~~فعار خبر مبتدأ محذوف أي هو عار كما صرح به في قوله:

# يا رب هيجا هي خير من دعه

# والجملة صفة المجرور أو خبره إذ هو في موضع مبتدأ، ويرد قياسها على كم
~~كما قال/ أبو علي: إنهم لم يفصلوا بينها وبين المجرور كما فصلوا بين كم
~~وما تعمل فيه وفي مفادها أقوال. أحدها: أنها للتقليل دائما وهو قول
~~الأكثرين، وعد في " البسيط " منهم الخليل وسيبويه، والأخفش والمازني
~~والفارسي والمبرد والكسائي والفراء وهشام وخلق آخرون. ثانيها: أنها
~~للتكثير دائما وعليه صاحب " العين ". وابن درستويه وجماعة، وروي عن
~~الخليل. ثالثها: واختاره الجلال السيوطي وفاقا للفارابي وطائفة أنها
~~للتقليل غالبا والتكثير نادرا. رابعها: عكسه وجزم به في " التسهيل "
~~واختاره ابن هشام في «المغني». وخامسها: أنها لهما من غير غلبة لأحدهما
~~نقله أبو حيان عن بعض المتأخرين. سادسها: أنها لم توضع لواحد منهما بل هي
~~حرف إثبات لا يدل على تكثير ولا تقليل وإنما يفهم ذلك من خارج واختاره
~~أبو حيان. سابعها: أنها للتكثير في المباهاة وللتقليل فيما عداه وهو قول
~~الأعلم وابن السيد. ثامنها: أنها لمبهم العدد وهو قول ابن الباذش وابن
~~طاهر وتصدر وجوبا غالبا، ونحو قوله:

# تيقنت أن رب امرىء خيل خائنا

# أمين وخوان يخال أمينا

# وقوله:

# ولو علم الأقوام كيف خلفتهم

# لرب مفد في القبور وحامد

# يحتمل أن يكون كما قال الشمني ضرورة، وقال أبو حيان: المراد تصدرها على
~~ما تتعلق به فلا يقال: لقيت رب رجل عالم، وذكروا أنها قد تسبق كقوله:

# ألا رب مأخوذ باجرام غيره

# فلا تسأمن هجران من كان أجرما

# وبيا صدر جواب شرط غالبا كقوله:

# فإن أمس مكروبا فيا رب فتية

# ومن غير الغالب يا " رب كاسية " الحديث ولا تجر غير نكرة وأجاز بعضهم
~~جرها المعرف بأل احتجاجا بقوله:

# ربما الجامل المؤبل فيهم

# وعناجيج بينهن المهار

# وأجاب الجمهور بأن الرواية بالرفع وإن صح الجر فأل زائدة، وفي وجوب نعت
~~مجرورها خلف ms05137 فقال المبرد وابن السراج والفارسي وأكثر المتأخرين وعزي
~~للبصريين يجب لإجرائها مجرى حرف النفي حيث لا تقع إلا صدرا ولا يقدم
~~عليها ما يعمل في الاسم بعدها، وحكم حرف النفي أن يدخل على جملة فالأقيس
~~في مجرورها أن يوصف بجملة لذلك، وقد يوصف بما يجري مجراها من ظرف أو
~~مجرور أو اسم فاعل أو مفعول وجزم به ابن هشام في «المغني» وارتضاه الرضي،
~~وقال الأخفش والفراء والزجاج وابن طاهر وابن خروف وغيرهم لا يجب وتضمنها
~~القلة أو الكثرة يقوم مقام الوصف واختاره ابن مالك وتبعه أبو حيان ونظر
~~في الاستدلال المذكور بما لا يخفى، وتجر مضافا إلى ضمير مجرورها معطوفا
~~بالواو كرب رجل وأخيه ولا يقاس على ذلك عند سيبويه، وما حكاه الأصمعي من
~~مباشرة رب للمضاف إلى الضمير حيث قال لأعرابية ألفلان أب أو أخ؟ فقالت:
~~رب أبيه رب أخيه تريد رب أب له رب أخ له تقديرا للانفصال لكون أب وأخ من
~~الأسماء التي يجوز الوصف بها فلا يقاس عليه اتفاقا، وتجر ضميرا مفردا
~~مذكرا يفسره نكرة منصوبة مطابقة للمعنى الذي يقصده المتكلم غير مفصولة
~~عنه؛ وسمع جره في قوله:

# وربه عطب أنقذت من عطبه

# على نية من وهو شاذ، وجوز الكوفية مطابقة الضمير للنكرة المفسرة تثنية
~~وجمعا وتأنيثا كما في قوله:

# ربها فتية دعوت إلى ما

# يورث الحمد دائما فأجابوا

# والأصح أن هذا الضمير معرفة جرى مجرى النكرة، واختار ابن عصفور تبعا
~~لجماعة أنه نكرة وأن جرها إياه ليس قليلا ولا شاذا خلافا لابن مالك،
~~وأنها زائدة في الإعراب لا المعنى، وأن محل مجرورها على حسب/ العامل لا
~~لازم النصب بالفعل الذي بعد أو بعامل محذوف خلافا للزجاج ومتابعيه في
~~قولهم: بذلك لما يلزم عليه من تعدي الفعل المتعدي بنفسه إلى مفعوله
~~بالواسطة وهو لا يحتاج إليها فيعطف على محله كما يعطف على لفظه كقوله:

# وسن كسنيق سناء وسنما

# ذعرت بمدلاح الهجير نهوض

# وأنها تتعلق كسائر حروف الجر وقال الرماني وابن طاهر لا تتعلق كالحرف
~~الزائدة وأن ms05138 التعلق بالعامل الذي يكون خبرا لمجرورها أو عاملا في موضعه
~~أو مفسرا له قاله أبو حيان، وقال ابن هشام قول الجمهور إنها معدية
~~للعامل إن أرادوا المذكور فخطأ إنه يتعدى بنفسه أو محذوفا يقدر بحصل
~~ونحوه كما صرح به جماعة ففيه تقدير ما معنى الكلام مستغنى عنه ولم يلفظ
~~به في وقت، ثم على التعليق قال لكذة: حذفه لحن، والخليل وسيبويه نادر
~~كقوله:

# ودوية قفر تمشي نعامها

# كمشي النصارى في خفاف اليرندج

# أي قطعتها ويرد لكذة هذا وقولهم: رب رجل قائم ورب ابنة خير من ابن،
~~وقوله:

# ألا رب من تغتشه لك ناصح

# وموتمن بالغيب غير أمين

# والفارسي والجزولي كثير وبه جزم ابن الحاجب ورابعها: واجب كما نقله صاحب
~~" البسيط " عن بعضهم وخامسها: ونقل عن ابن أبي الربيع يجب حذفه إن قامت
~~الصفة مقامه وإلا جاز الأمران سواء كان دليل أم لا؟ ويجب عند المبرد
~~والفارسي وابن عصفور، وهو المشهور كما قال أبو حيان: ورأي الأكثرين كونه
~~ماضيا معنى، وقال ابن السراج: يأتي حالا، وابن مالك يأتي مستقبلا
~~واختاره في «البحر» إلا أنه قال بقلته وكثرة وقوع الماضي، وأنشد له قول
~~سليم القشيري:

# ومعتصم بالجبن من خشية الردى

# سيردى وغاز مشفق سيؤب

# وقول هند:

# يا رب قائلة غدا

# يا لهف أم معاوية

# وجعل كابن مالك الآية من ذلك وتأولها الأكثرون بأنه وضع فيها المضارع
~~موضع الماضي على حد

# ونفخ في الصور

# [الكهف: 99] وتعقبه ابن هشام بأن فيه تكلفا لاقتضائه أن الفعل المستقبل
~~عبر به عن ماض متجوز به عن المستقبل، وأجاب الشمني بأنه لا تكلف فيه
~~لأنهم قالوا: إن هذه الحالة المستقبلة جعلت بمنزلة الماضي المتحقق
~~فاستعمل معها ربما المختصة بالماضي وعدل إلى لفظ المضارع لأنه كلام من لا
~~خلاف في إخباره فالمضارع عنده بمنزلة الماضي فهو مستقبل في التحقيق ماض
~~بحسب التأويل وهو كما ترى، وعن أبي حيان أنه أجاب عن بيت هند بأنه من
~~باب الوصف بالمستقبل لا من باب تعلق ربما بما بعدها وهو نظير قولك، رب ms05139
~~مسيء اليوم يحسن غدا أي رب رجل يوصف بهذا الوصف وتأول الكوفيون كما في "
~~المطول " الآية بأنها بتقدير كان أي ربما كان يود الذين كفروا فحذف لكثرة
~~استعمال كان بعد ربما، وضعف ذلك أبو حيان بأن هذا ليس من مواضع إضمار
~~كان، وفي «جمع الجوامع» وشرحه أن  ما  تزاد بعد رب فالغالب الكف
~~وإيلائها حينئذ الفعل الماضي لأن/ التكثير أو التقليل إنما يكون فيما عرف
~~حده والمستقبل مجهول كقوله:

# ربما أوفيت في علم

# ترفعن ثوبي شمالات

# وقد يليها المضارع (كربما يود) الآية وقد يليها الجملة الاسمية نحو:

# ربما الجامل المؤبل فيهم

# وقد لا تكف نحو:

# ربما ضربة بسيف صقيل

# بين بصري وطعنة نجلاء

# وقيل: يتعين بعدها الفعلية إذا كفت وإليه ذهب الفارسي وأول البيت على أن
~~ما نكرة موصوفة بجملة حذف مبتدأها أي رب شيء هو الجامل، وقد يحذف الفعل
~~بعدها كقوله:

# فذلك أن يلق الكريهة يلقها

# حميدا وأن يستغن يوما فربما

# وقد تلحق بها ما ولا تكف كقوله:

# ماوى يا ربتما غارة

# شعواء كالكية بالميسم

# انتهى. وبنحو تأويل الفارسي البيت أول بعضهم الآية فقال: إن ما نكرة
~~موصوفة بجملة { يود } إلى آخره والعائد محذوف، والفعل المتعلق به رب
~~محذوف أي رب شيء يوده الذين كفروا تحقق وثبت ونحوه قول ابن أبي الصلت:

# ربما تجزع النفوس من الأمر

# له فرجة كحل العقال

# والتزم كون المتعلق محذوفا لأنها حينئذ لا يجوز تعلقها بيود ولا بد لها
~~من فعل تتعلق به على ما صححه جمع، وأما على ما اختاره الرضي من كونها
~~مبتدأ لا خبر له والمعنى قليل أو كثير وداد الذين كفروا فلا حاجة إليه،
~~وهذا التأويل على ما قال السمرقندي أحد قولي البصريين، وتعقبه العلامة
~~التفتازاني بأنه لا يخفى ما فيه من التعسف وبتر النظم الكريم أي قطع {
~~لو كانوا مسلمين } عما قبله، ووجه التعسف أن المعنى على تقليل
~~أو تكثير ودادهم لا على تقليل أو تكثير شيء إلا أن يراد رب شيء يودونه من
~~حيث إنهم يودونه، والمختار عندي ms05140 ما اختاره أبو حيان وكذا صاحب " اللب "
~~من أن رب تدخل على الماضي والمضارع إلا أن دخولها على الماضي أكثر، ومن
~~تتبع أشعار العرب رأى فيها مما دخلت فيه على المضارع ما يبعد ارتكاب
~~التأويل معه كما لا يخفى على المنصف المتتبع.

# واختلفوا في مفادها هنا فذهب جمع كثير إلى أنه التقليل وهو ظاهر أكثر
~~الآثار حيث دلت على أن ودادهم ذلك عند خروج عصاة المسلمين من جهنم
~~وبقائهم فيها. نعم زعم بعضهم أن الحق أن ما فيها محمول على شدة ودادهم إذ
~~ذاك وأن نفس الوداد ليس مختصا بوقت دون وقت بل هو متقرر مستمر في كل آن
~~يمر عليهم. ووجه الزمخشري الإتيان بأداة التقليل على هذا بأنه وارد على
~~مذهب العرب في قولهم: لعلك ستندم على فعلك وربما ندم الإنسان على ما فعل
~~ولا يشكون في تندمه ولا يقصدون تقليله ولكنهم أرادوا لو كان الندم
~~مشكوكا فيه أو قليلا لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل لأن العقلاء
~~يتحرزون من التعرض للغم المظنون كما يتحرزون من التعرض للغم المتيقن ومن
~~القليل منه كما من الكثير، وكذلك المعنى في الآية لو كانوا يودون الإسلام
~~مرة واحدة فبالحري أن يسارعوا إليه فكيف وهم يودونه في كل ساعة اه.

# والكلام عليه على ما قيل من الكناية الإيمائية وفي ذلك من المبالغة ما
~~لا يخفى، قال ابن المنير: لا شك أن العرب تعبر عن المعنى بما يؤدي عكس
~~مقصوده كثيرا، ومنه والله تعالى أعلم

# قد تعلمون أنى رسول الله إليكم

# [الصف: 5] المقصود منه توبيخهم على أذاهم لموسى عليه السلام على توفر
~~علمهم برسالته ومناصحته لهم، وقوله:

# قد أترك القرن مصفرا أنامله

# / فإنه إنما يتمدح بالإكثار من ذلك وقد عبر بقد المفيدة للتقليل، وقد
~~اختلف توجيه علماء البيان لذلك فمنهم من وجهه بما ذكر عن الزمخشري من
~~التنبيه بالأدنى على الأعلى، ومنهم من وجهه بأن المقصود في ذلك الإيذان
~~بأن المعنى قد بلغ الغاية حتى كاد أن يرجع إلى الضد وذلك شأن كل ms05141 ما بلغ
~~نهايته أن يعود إلى عكسه، وقد أفصح المتنبي عن ذلك بقوله:

# ولجدت حتى كدت تبخل حائلا

# للمنتهى ومن السرور بكاء

# وكلا الوجهين يحمل الكلام على المبالغة بنوع من الإيقاظ إليها، والعمدة
~~في ذلك على سياق الكلام لأنه إذا اقتضى مثلا تكثيرا فدخلت فيه عبارة
~~يشعر ظاهرها بالتقليل استيقظ السامع لأن المراد المبالغة على إحدى
~~الطريقتين المذكورتين، وقال في " الكشف ": الأصل في هذا الباب أن استعارة
~~أحد الضدين للآخر تفيد المبالغة للتعكيس ولا تختص بالتهكم والتمليح على
~~ما يوهمه ظاهر لفظ صاحب " المفتاح " في موضع فهو الذي عد المفازة من هذا
~~القبيل لقصد التفاؤل ثم قد يختص موقعها بفائدة زائدة كما ذكره الزمخشري
~~في هذا المقام، وليس في ذلك كناية إيمائية وإنما ذلك من فوائد هذه
~~الاستعارة وسيجيء إن شاء الله تعالى فيه كلام أتم بسطا في سورة التكوير
~~اه.

# والحق أنه لا مانع من القول بالكناية الإيمائية كما لا يخفى، وقيل؛ إن
~~التقليل بالنسبة إلى زمان ذهاب عقلهم من الدهشة بمعنى أنه تدهشهم أهوال
~~القيامة فيبهتون فإن وجدت منهم إفاقة ما تمنوا ذلك، وظاهر صنيع العلامة
~~التفتازاني في " المطول " اختياره، وجوز أن تكون مستعارة للتكثير والقول
~~بالاستعارة له لا يحتاج إليه على القول المحكي عن صاحب " العين " ومن معه
~~حسبما سمعت، وذكر ابن الحاجب أنها نقلت من التقليل إلى التحقيق كما نقلوا
~~قد إذا دخلت على المضارع منه إليه. ومفعول { يود } محذوف أي الإسلام
~~بدلالة { لو كانوا مسلمين } بناءا على أن { لو } للتمني
~~والجملة في موقع الحال أي قائلين لو كانوا مسلمين، وتقدير المفعول ما
~~ذكرنا هو الذي ذهب إليه غير واحد، وقال الشهاب: تقديره النجاة ولا ينبغي
~~تقدير الإسلام لأنه يصير تقديره يودوا الإسلام لو كانوا مسلمين وهو حشو
~~وفيه نظر.

# وقال صاحب " الفرائد ": إن { لو كانوا } إلى آخره منزل منزلة
~~المفعول. وتعقب بأنه غير ظاهر إذ ليس ذلك مما يعمل في الجمل إلا أن يكون
~~بمعنى ذكروا التمني ويجري مجرى القول على مذهب بعض النحاة. والغيبة ms05142 في
~~حكاية ودادتهم كالغيبة في قولك: حلف بالله تعالى ليفعلن ولو قلت لأفعلن
~~لجاز، وعلى ذلك جاز قوله تعالى:

# تقاسموا بالله لنبيتنه

# [النمل: 49] بالنون والياء وإيثار الغيبة أكثر لئلا يلبس والتعليل بقلة
~~التقدير ليس بشيء كما كشف ذلك في " الكشف " ، وأنكر قوم ورود { لو }
~~للتمني، وقالوا ليست قسما برأسها وإنما هي الشرطية أشربت معنى التمني
~~وعلى الأول الأصح لا جواب لها على الأصح.

# وقد نص على ذلك ابن الضائع وابن هشام الخضراوي، ونقل أنهما قالا تحتاج
~~إلى جواب كجواب الشرط سهو؛ وذكر أبو حيان أن الذي يظهر أنها لا بد لها من
~~جواب لكنه التزم حذفه لإشرابها معنى التمني لأنه متى أمكن تقليل القواعد
~~وجعل الشيء من باب المجاز كان أولى من تكثير القواعد وادعاء الاشتراك
~~لأنه يحتاج إلى وضعين والمجاز ليس فيه إلا وضع واحد وهو الحقيقة، وقيل:
~~إنها هنا امتناعية شرطية والجواب محذوف تقديره لفازوا ومفعول { يود }
~~ما علمت، وزعم بعضهم مصدريتها فيما إذا وقعت بعدما يدل على التمني
~~فالمصدر حينئذ هو المفعول وهو على القول بأن { ما } نكرة موصوفة بدل
~~منها كما في «البحر». وقرأ عاصم ونافع { ربما } بتخفيف الباء وعن
~~أبي عمرو التخفيف والتشديد، وقرأ طلحة بن مصرف/ وزيد بن علي رضي الله
~~تعالى عنهما ربتما بزيادة تاء هذا، وإنما أطنبت الكلام في هذه الآية لا
~~سيما فيما يتعلق  برب  لما أنه قد جرى لي بحث في ذلك مع بعض العظاميين
~~فأبان عن جهل عظيم وحمق جسيم، ورأيته ورب الكعبة أجهل من رأيت من صغار
~~الطلبة  برب  نعم له من العظاميين أمثال أصمهم الله تعالى وأعمى بالهم
~~وقللهم ولا أكثر أمثالهم.

### || [15.3]

# { ذرهم } أي اتركهم وقد استغنى غالبا عن ماضيه بماضيه وجاء قليلا
~~وذر، وفي الحديث

# " ذروا الحبشة ما وذروكم "

# والمراد من الأمر التخلية بينهم وبين شهواتهم إذ لم تنفعهم النصيحة
~~والأنذار كأنه قيل: خلهم وشأنهم { يأكلوا ويتمتعوا }
~~بدنياهم، وفي تقديم الأكل إيذان بأن تمتعهم إنما هو من قبيل تمتع البهائم
~~بالمآكل والمشارب، والفعل وما عطف ms05143 عليه مجزوم في جواب الأمر، وأشار في "
~~الكشاف " أن المراد المبالغة في تخليتهم حتى كأنه عليه السلام أمر أن
~~يأمرهم بما لا يزيدهم إلا ندما، ووجهه المدقق صاحب " الكشف " فقال: أريد
~~الأمر من حيث المعنى لأنه جعل أكلهم وتمتعهم الغاية المطلوبة من الأمر
~~بالتخلية، والغايات المطلوبة إن صح الأمر بها كانت مأمورا بها بنفس
~~الأمر وأبلغ من صريحه فإذا قلت: لازم سدة العالم تعلم منه ما ينجيك في
~~الآخرة كان أبلغ من قولك: لازم وتعلم لأنك جعلت الأمر وسيلة الثاني فهو
~~أشد مطلوبية وإن لم يصح جعلت مأمورا بها مجازا كقولك: اسلم تدخل الجنة،
~~وما نحن فيه لما جعل غاية الأمر على التجوز صار مأمورا به على ما أرشدت
~~إليه اه، وهو من النفاسة بمكان، وظن أن انفهام الأمر من تقدير لامه قبل
~~الفعل من بعض الأمر، وما في «البحر» من أنه إذا جعل { ذرهم } أمرا
~~بترك نصيحتهم وشغل باله صلى الله عليه وسلم بهم لا يترتب عليه الجواب
~~لأنهم يأكلون ويتمتعون سواء ترك نصيحتهم أم لا وقوف في ساحل التحقيق كما
~~لا يخفى على من غاص في لجة المعاني فاستخرج درر الأسرار واستظهر أنه أمر
~~بترك قتالهم وتخلية سبيلهم وموادعتهم ثم قال: ولذلك صح أن يكون المذكور
~~جوابا لأنه عليه الصلاة والسلام لو شغلهم بالقتال ومصالتة السيوف وإيقاع
~~الحروب ما هنأهم أكل ولا تمتع ويدل على ذلك أن السورة مكية وهو كما ترى.
~~ثم المراد على ما قيل دوامهم على ما هم عليه لا إحداث ما ذكر أو تمتعهم
~~بلا استمتاع ما ينغص عيشهم والتمتع كذلك أمر حادث يصلح أن يكون مرتبا
~~على تخليتهم وشأنهم فتأمل.

# { ويلههم الأمل } ويشغلهم التوقع لطول الأعمار وبلوغ الأوطار
~~واستقامة الأحوال وأن لا يلقوا إلا خيرا في العاقبة والمآل عن الإيمان
~~والطاعة أو عن التفكر فيما يصيرون إليه { فسوف يعلمون } سوء
~~صنيعهم إذا عاينوا جزاءه وخاصة عاقبته أو حقيقة الحال التي ألجأتهم إلى
~~التمني. وظاهر كلام الأكثرين أن المراد علم ذلك في الآخرة، وقيل: ms05144 المراد
~~سوف يعلمون عاقبة أمرهم في الدنيا من الذل والقتل والسبي وفي الآخرة من
~~العذاب السرمدي، وهذا كما قيل مع كونه وعيدا أيما وعيد وتهديد غب تهديد
~~تعليل للأمر بالترك، وفيه إلزام الحجة ومبالغة في الإنذار إذ لا يتحقق
~~الأمر بالضد حسبما علمت إلا بعد تكرر الإنذار وتقرر الجحود والإنكار ومن
~~أنذر فقد أعذر، وكذلك ما ترتب عليه من الأكل وما بعده، وفي الآية إشارة
~~إلى أن التلذذ والتنعم وعدم الاستعداد للآخرة والتأهب لها ليس من أخلاق
~~من يطلب النجاة، وجاء عن الحسن ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل.

# / وأخرج أحمد في " الزهد " والطبراني في " الأوسط " والبيهقي في " شعب
~~الإيمان " عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لا أعلمه إلا رفعه قال: صلاح
~~أول هذه الأمة بالزهد واليقين ويهلك آخرها بالبخل والأمل. وفي بعض الآثار
~~عن علي كرم الله تعالى وجهه إنما أخشى عليكم اثنتين طول الأمل واتباع
~~الهوى فإن طول الأمل ينسي الآخرة واتباع الهوى يصد عن الحق.

### || [15.4]

# { ومآ أهلكنا من قرية } أي قرية من القرى بالخسف بها
~~وبأهلها الكافرين كما فعل ببعضها أو بإخلائها عن أهلها بعد إهلاكهم كما
~~فعل بآخرين { إلا ولها } في ذلك الشأن { كتاب } أجل مقدر مكتوب
~~في اللوح { معلوم } لا ينسى ولا يغفل عنه حتى يتصور التخلف عنه
~~بالتقدم والتأخر، وهذا شروع في بيان سر تأخير عذابهم. و { كتاب }
~~مبتدأ خبره الظرف والجملة حال من { قرية } ولا يلزم تقدمها لكون
~~صاحبها نكرة لأنها واقعة بعد النفي وهو مسوغ لمجىء الحال لأنه في معنى
~~الوصف لا سيما وقد تأكد بكلمة { من } والمعنى ما أهلكنا قرية من القرى
~~في حال من الأحوال إلا حال أن يكون لها كتاب معلوم لا نهلكها قبل بلوغه
~~ولا نغفل عنه ليمكن مخالفته، أو مرتفع بالظرف والجملة كما هي حال أيضا
~~أي ما أهلكنا قرية من القرى في حال من الأحوال إلا وقد كان لها في حق
~~إهلاكها أجل مقدر لا يغفل عنه.

# وقال الزمخشري الجملة صفة  لقرية ms05145  والقياس أن لا يتوسط الواو بينهما
~~كما في قوله تعالى:

# وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون

# [الشعراء: 208] وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما يقال في
~~الحال: جاءني زيد عليه ثوب وجاءني وعليه ثوب، ووافقه على ذلك أبو البقاء،
~~وتعقبه في «البحر» بأنا لا نعلم أحدا قاله من النحاة، وهو مبني على أن
~~ما بعد إلا يجوز أن يكون صفة، وقد صرح الأخفش والفارسي بمنع ذلك، وقال
~~ابن مالك: إن جعل ما بعد إلا صفة لما قبلها مذهب لم يعرف لبصري ولا كوفي
~~فلا يلتفت إليه وأبطل القول بأن الواو توسطت لتأكيد اللصوق.

# ونقل عن منذر بن سعيد أن هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها
~~في اللفظ هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو، ومنه قوله تعالى:

# حتى إذا جاءوها وفتحت أبوبها

# [الزمر: 73] واعتذر السكاكي بأن ذلك سهو ولا عيب فيه، ولم يرض بذلك صاحب
~~" الكشف " وانتصر للزمخشري فقال: قد تكرر هذا المعنى منهم في هذا الكتاب
~~فلا سهو كما اعتذر صاحب " المفتاح " ، وإذا ثبت إقحام الواو كما عليه
~~الكوفيون والقياس لا يدفعه لثبوته في الحال وفيما أضمر بعده الجار في نحو
~~بعت الشاء شاة ودرهما وكم وكم، وهذه تدل على أن الاستعارة شائعة في
~~الواو نوعية بل جنسية فلا نعتبر النقل الخصوصي ولا يكون من إثبات اللغة
~~بالقياس لثبوت النقل عن نحارير الكوفة واعتضاده بالقياس، والمعنى ولا
~~يبعد من صاحب المعاني ترجيح المذهب الكوفي إذا اقتضاه المقام كما رجحوا
~~المذهب التميمي على الحجازي في باب الاستثناء عنده، ولا خفاء أن المعنى
~~على الوصف أبلغ وأن هذا الوصف ألصق بالموصوف منه في قوله تعالى:

# إلا لها منذرون

# [الشعراء: 208] لأنه لازم عقلي وذلك عادي جرى عليه سنة الله تعالى اه.
~~وفي «الدر المصون» أنه قد سبق الزمخشري إلى ما قاله ابن جني وناهيك به من
~~مقتدى.

# قال بعض المحققين: إن الموصوف ليس القرية المذكورة وإنما هو قرية مقدرة
~~وقعت بدلا من المذكورة على/ المختار فيكون ذلك ms05146 بمنزلة كون الصفة لها أي
~~ما أهلكنا قرية من القرى إلا قرية لها كتاب معلوم كما في قوله تعالى:

# ليس لهم طعام إلا من ضريع * لا يسمن ولا
~~يغنى من جوع

# [الغاشية: 6-7] فإن { لا يسمن } الخ صفة لكن لا للطعام المذكور
~~لأنه إنما يدل على انحصار طعامهم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع في
~~الضريع، وليس المراد ذلك بل للطعام المقدر بعد { إلا } أي ليس لهم طعام
~~من شيء من الأشياء إلا طعام لا يسمن الخ فليس هناك الفصل بين الموصوف
~~والصفة بإلا، وأما توسيط الواو وإن كان القياس عدمه فللإيذان بكمال
~~الاتصال انتهى. ولا يخفى أنه لم يأت في أمر التوسيط بما يدفع عنه القال
~~والقيل، وما ذكره من تقدير الموصوف بعد  إلا  يدفع حديث الفصل لكن نقل
~~أبو حيان عن الأخفش أنه قال بعد منع الفصل بين الصفة والموصوف بإلا: ونحو
~~ما جاءني رجل إلا راكب تقديره إلا رجل راكب، وفيه قبح لجعلك الصفة
~~كالاسم، ولعل الجواب عن هذا سهل. وقرأ ابن أبي عبلة { إلا لها } بإسقاط
~~الواو، وهو على ما قيل يؤيد القول بزيادتها.

# ولما بين سبحانه أن الأمم المهلكة كان لكل منهم وقت معين لهلاكهم وأنه
~~لم يكن إلا حسبما كان مكتوبا في اللوح بين جل شأنه أن كل أمة من الأمم
~~منهم ومن غيرهم لهم كتاب لا يمكن التقدم عليه ولا التأخر عنه فقال عز
~~قائلا: { ما تسبق من أمة أجلها... }.

### || [15.5]

# { ما تسبق من أمة } من الأمم المهلكة وغيرهم  فمن  مزيدة
~~للاستغراق، وقيل: إنها للتبعيض وليس بذاك { أجلها } المكتوب في
~~كتابها أي لا يجيء هلاكها قبل مجيء كتابها أو لا تمضي أمة قبل مضي
~~أجلها، فإن السبق كما نقل الإمام عن الخليل إذا كان واقعا على زماني
~~فمعناه المجاوزة والتخليف فإذا قلت: سبق زيد عمرا فمعناه أنه جاوزه
~~وخلفه وراءه وإن عمرا قصرا عنه ولم يبلغه وإذا كان واقعا على زمان كان
~~على عكس ذلك فإذا قلت سبق فلان عام كذا كان ms05147 معناه مضى قبل إتيانه ولم
~~يبلغه؛ والسر في ذلك على ما في " إرشاد العقل السليم " أن الزمان يعتبر
~~فيه الحركة والتوجه [إلى المتكلم] فما سبقه يتحقق قبل تحققه وأما الزماني
~~فإنما يعتبر فيه الحركة والتوجه إلى ما سيأتي من الزمان فالسابق ما تقدم
~~إلى المقصد، وإيراده بعنوان الأجل باعتبار ما يقتضيه من السبق كما أن
~~إيراده بعنوان الكتاب [المعلوم] باعتبار ما يوجبه من الإهلاك.

# { وما يستأخرون } أي وما يتأخرون. وصيغة الاستفعال للإشعار
~~بعجزهم عن ذلك مع طلبهم له، وإيثار صيغة المضارع في الفعلين بعدما ذكر
~~نفي الإهلاك بصيغة الماضي لأن المقصود بيان دوامهما فيما بين الأمم
~~الماضية والباقية، وله نظائر في كتاب الكريم وإسنادهما إلى الأمة بعد
~~إسناد الإهلاك إلى القرية لما أن السبق والاستئخار حال الأمة بدون القرية
~~مع ما في الأمة من العموم لأهل تلك القرى وغيرهم ممن أخرت عقوباتهم إلى
~~الآخرة، وتأخير [ذكر عدم تأخرهم عن ذكر] عدم سبقهم مع كون المقام مقام
~~المبالغة في بيان تحقق عذابهم إما باعتبار تقدم السبق في الوجود وإما
~~باعتبار أن المراد بيان سر تأخير عذابهم مع استحقاقهم لذلك، وأورد الفعل
~~على صيغة جمع المذكر رعاية لمعنى { أمة } مع التغليب كما روعي لفظها
~~أولا مع رعاية الفواصل ولهذا حذف الجار والمجرور، والجملة مبينة لما سبق
~~ولذا فصلت، والمعنى أن تأخير عذابهم إلى يوم الودادة حسبما أشير إليه
~~إنما هو لتأخير أجلهم المقدر لما يقتضيه من الحكم ومن جملة ذلك ما علم
~~الله تعالى من إيمان بعض من يخرج منهم قاله شيخ الإسلام. واستدل بالآية
~~على أن كل من مات أو قتل فإنما هو ميت بأجله وقد بين ذلك الإمام.

### || [15.6]

# { وقالوا } شروع في بيان كفرهم بمن أنزل عليه الكتاب/ المتضمن للكفر
~~به وبيان ما يؤول إليه حالهم، والقائل أهل مكة قال مقاتل: نزلت الآية في
~~عبد الله بن أمية والنضر بن الحرث ونوفل بن خويلد والوليد بن المغيرة وهم
~~الذين قالوا له صلى الله عليه وسلم: { يأيها الذي نزل
~~عليه الذكر ms05148 } أي القرآن، وخاطبوه عليه الصلاة والسلام بذلك مع
~~أنهم الكفرة الذين لا يعتقدون نزول شيء استهزاء وتهكما وإشعارا بعلة
~~حكمهم الباطل في قولهم: { إنك لمجنون } يعنون يا من يدعي مثل
~~هذا الأمر العظيم الخارق للعادة إنك بسبب تلك الدعوى متحقق جنونك على أتم
~~وجه، وهذا كما يقول الرجل لمن يسمع منه كلاما يستبعده: أنت مجنون، وقيل:
~~حكمهم هذا لما يظهر عليه عليه الصلاة والسلام من شبه الغشي حين ينزل عليه
~~الوحي بالقرآن، والأول على ما قيل هو الأنسب بالمقام، وذهب بعضهم إلى أن
~~المقول الجملة المؤكدة دون النداء أما هو فمن كلام الله تعالى تبرئة له
~~عليه الصلاة والسلام عما نسبوه إليه من أول الأمر.

# وتعقب بأنه لا يناسب قوله تعالى:

# إنا نحن نزلنا الذكر

# [الحجر: 9] الخ فإنه كما سيأتي إن شاء الله تعالى رد لإنكارهم
~~واستهزائهم، وقد يجاب بأن ذلك على هذا رد لما عنوه في ضمن قولهم المذكور
~~لكن الظاهر كون الكل كلامهم. وقد سبقهم إلى نظيره فرعون عليه اللعنة
~~بقوله في حق موسى عليه السلام:

# إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون

# [الشعراء: 27] وتقديم الجار والمجرور على نائب الفاعل كما قيل لأن
~~إنكارهم متوجه إلى كون النازل ذكرا من الله تعالى لا إلى كون المنزل
~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تسليم كون النازل منه تعالى كما
~~في قوله سبحانه:

# لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين
~~عظيم

# [الزخرف: 31] فإن الإنكار هناك متوجه إلى كون المنزل عليه رسول الله
~~عليه الصلاة والسلام.

# وإيراد الفعل على صيغة المجهول لإيهام أن ذلك ليس بفعل له فاعل أو
~~لتوجيه الإنكار إلى كون التنزيل عليه لا إلى إسناده إلى الفاعل. وقرأ زيد
~~بن علي رضي الله تعالى عنهما (نزل عليه الذكر) بتخفيف { نزل } مبنيا
~~للفاعل ورفع { الذكر } على الفاعلية، وقرىء { يا أيها الذي ألقي عليه
~~الذكر }. قال أبو حيان: وينبغي أن تجعل هذه القراءة تفسيرا لمخالفتها
~~سواد المصحف.

### || [15.7]

# { لو ما تأتينا } كلمة { لوما } كلولا تستعمل في أحد معنيين ms05149
~~امتناع الشيء لوجود غيره والتحضيض وعند إرادة الثاني منها لا يليها إلا
~~فعل ظاهر أو مضمر وعند إرادة الأول لا يليها إلا اسم ظاهر أو مقدر عند
~~البصريين، ومنه قول ابن مقبل:

# لوما الحياة ولوما الدين عبتكما

# ببعض ما فيكما إذ عبتما عورى

# وعن بعضهم أن الميم في { لوما } بدل من اللام في لولا، ومثله استولى
~~واستومى وخاللته وخالمته فهو خلي وخلمي أي صديقي. وذكر الزمخشري أن {
~~لو } تركب مع لا وما لمعنيين وهل لا تركب إلا مع لا وحدها للتحضيض،
~~واختار أبو حيان فيهما البساطة وأن الميم ليست بدلا من اللام، وقال
~~المالقي: إن { لوما } لا ترد إلا للتحضيض وهو محجوج بالبيت السابق، وأيا
~~ما كان فالمراد هنا التحضيض أي هلا تأتينا { بالملائكة } يشهدون
~~لك ويعضدونك في الإنذار كقوله تعالى حكاية عنهم:

# لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا

# [الفرقان: 7] أو يعاقبون على تكذيبك كما كانت تأتي الأمم المكذبة لرسلهم
~~{ إن كنت من الصدقين } في دعواك أن قدرة الله تعالى على ذلك
~~مما لا ريب فيه وكذا احتياجك إليه في تمشية أمرك إذ لا نصدقك في ذلك
~~الأمر الخطير بدونه أو إن كنت من/ جملة تلك الرسل الصادقين الذين عذبت
~~أممهم المكذبة لهم.

### || [15.8]

# { ما ننزل الملئكة } بالنون على بناء الفعل لضمير الجلالة
~~من التنزيل، وهي قراءة حفص والأخوين وابن مصرف، وقرأ أبو بكر عن عاصم
~~ويحيى بن وثاب { تنزل الملائكة } بضم التاء وفتح النون والزاي مبنيا
~~للمفعول ورفع { الملائكة } على النيابة عن الفاعل وقرأ الحرميان وباقي
~~السبعة { تنزل الملائكة } بفتح التاء والزاي على أن الأصل تتنزل بتاءين
~~فحذفت إحداهما تخفيفا ورفع الملائكة على الفاعلية وإبقاء الفعل على
~~ظاهره أولى من جعله بمعنى تنزل الثلاثي. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى
~~عنهما { ما نزل } ماضيا مخففا مبنيا للفاعل ورفع الملائكة على
~~الفاعلية. والبيضاوي بنى تفسيره على أن الفعل ينزل بالياء التحتية مبنيا
~~للفاعل وهو ضمير الله تعالى و { الملائكة } بالنصب على أنه مفعوله،
~~واعترض عليه أنه لم يقرأ ms05150 بذلك أحد من العشرة بل لم توجد هذه القراءة في
~~الشواذ وهو خلاف ما سلكه في " تفسيره " ، ولعله رحمه الله تعالى قد سها.

# وهذا الكلام مسوق منه سبحانه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم جوابا لهم عن
~~مقالتهم المحكية وردا لاقتراحهم الباطل الصادر عن محض التعصب والعناد،
~~ولشدة استدعاء ذلك للجواب قدم رده على ما هو جواب عن أولها أعني قوله
~~سبحانه:

# إنا نحن

# [الحجر: 9] الخ والعدول عن تطبيقه لظاهر كلامهم بصدد الاقتراح بأن يقال
~~مثلا ما تأتيهم بهم للإيذان بأنهم قد أخطأوا في الاقتراح وأن الملائكة
~~لعلو رتبتهم أعلى من أن ينسب إليهم مطلق الإتيان الشامل للانتقال من أحد
~~الأمكنة المتساوية إلى الآخر منها بل من الأسفل إلى الأعلى وأن يكون مقصد
~~حركاتهم أولئك الكفرة وأن يدخلوا تحت ملكوت أحد من البشر وإنما الذي يليق
~~بشأنهم النزول من مقامهم العالي وكون ذلك بطريق التنزيل من جناب الرب
~~الجليل قاله شيخ الإسلام. وقيل: لعل هذا جواب لما عسى أن يخطر بخاطره
~~الشريف عليه الصلاة والسلام حين طلبوا منه الإتيان بالملائكة من سؤال
~~التنزيل رغبة في إسلامهم فيكون وجه ذكر التنزيل ظاهرا وهو غير ظاهر كما
~~لا يخفى.

# { إلا بالحق } أي إلا تنزيلا ملتبسا بالوجه الذي اقتضته الحكمة
~~فالباء للملابسة والجار والمجرور في موضع الصفة للمصدر المحذوف مستثنى
~~استثناء مفرغا، وجوز فيه الحالية من الفاعل والمفعول. وجوز أبو البقاء
~~أن تكون الباء للسببية متعلقة بننزل وإليه يشير كلام ابن عطية الآتي إن
~~شاء الله تعالى والأول أولى ومقتضى الحكمة التشريعية والتكوينية على ما
~~قيل أن تكون الملائكة المنزلون بصور البشر وتنزيلهم كذلك يوجب اللبس كما
~~قال الله تعالى:

# ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا وللبسنا
~~عليهم ما يلبسون

# [الأنعام: 9] وهذا إشارة إلى نفي ترتب الغرض وعدم النفع في ذلك.

# وقوله تعالى: { وما كانوا إذا منظرين } إشارة إلى حصول
~~الضرر وترتب نقيض المطلوب وكأنه عطف على مقدر يقتضيه الكلام السابق كأنه
~~قيل: ما ننزل الملائكة عليهم إلا بصور الرجال لأنه الذي تقتضيه الحكمة ms05151
~~فيحصل اللبس فلا ينتفعون وما كانوا إذا أنزلناهم منظرين أي ويتضررون
~~بتنزيلهم لأنا نهلكهم لا محالة ولا نؤخرهم لأنه قد جرت عادتنا في الأمم
~~قبلهم أنا لم نأتهم بآية اقترحوها إلا والعذاب في أثرها إن لم يؤمنوا وقد
~~علمنا منهم ذلك؛ والمقصود نفي أن يكون لاقتراحهم الإتيان بهم وجه على أتم
~~وجه بالإشارة إلى عدم نفعه أولا والتصريح بضرره ثانيا، وقيل: يقدر
~~المعطوف عليه لا يؤمنون كأنه قيل: ما ننزل الملائكة إلا بصور البشر
~~لاقتضاء الحكمة ذلك فلا يؤمنون وما كانوا إذا منظرين، وفي النفس من هذا
~~ومما قبله شيء.

# وقال بعض المحققين: إن المعنى ما ننزل الملائكة إلا ملتبسا بالوجه الذي
~~يحق ملابسة التنزيل به مما تقتضيه/ الحكمة وتجري به السنة الإلهية، والذي
~~اقترحوه من التنزيل لأجل الشهادة لديهم وهم  هم  ومنزلتهم في (الحقارة
~~والهوان) منزلتهم مما لا يكاد يدخل تحت الصحة والحكمة أصلا فإن ذلك من
~~باب التنزيل بالوحي الذي لا يكاد يفتح على غير الأنبياء الكرام عليهم
~~الصلاة والسلام من أفراد كمل المؤمنين فكيف على أمثال أولئك الكفرة
~~اللئام، وإنما الذي يدخل في حقهم تحت الحكمة في الجملة هو التنزيل
~~للتعذيب والاستئصال كما فعل بأضرابهم من الأمم السالفة ولو فعل ذلك
~~لاستؤصلوا بالمرة وما كانوا إذا مؤخرين كدأب سائر الأمم المكذبة
~~المستهزئة، ومع استحقاقهم لذلك قد جرى قلم القضاء بتأخير عذابهم إلى يوم
~~القيامة حسبما أجمل في الآيات قبل، وحال حائل الحكمة بينهم وبين
~~استئصالهم لتعلق العلم بازديادهم عذابا وبإيمان بعض ذراريهم، ونظم إيمان
~~بعضهم في سمط الحكمة يأباه تماديهم في الكفر والعناد  فما كانوا  الخ
~~جواب لشرط مقدر أي ولو أنزلناهم ما كانوا الخ.

# واعترض بأن الأوفق بقوله تعالى:

# ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا

# [الأنعام: 9] أن يكون الوجه الذي يحق ملابسة التنزيل به لمثل غرضهم
~~كونهم بصور الرجال وذلك ليس من باب التنزيل بالوحي الذي لا يكاد يكون لهم
~~أصلا فلا يتم كلامه، وفيه بحث كما لا يخفى، وقد أخرج ابن جرير وابن
~~المنذر وغيرهما عن ms05152 مجاهد تفسير { الحق } هنا بالرسالة والعذاب، ووجهت
~~الآية على ذلك نحو هذا التوجيه فقيل: المعنى ما ننزل الملائكة إلا
~~بالرسالة والعذاب ولو نزلناهم عليهم ما كانوا منظرين لأن التنزيل عليهم
~~بالرسالة مما لا يكاد فتعين أن يكون التنزيل بالعذاب، وذكر الماوردي
~~الاقتصار على الرسالة، وروي عن الحسن الاقتصار على العذاب، وفي معنى ذلك
~~ما روي عن ابن عباس من أن المعنى ما ننزل الملائكة إلا بالحق الذي هو
~~الموت الذي لا يقع فيه تقديم ولا تأخير.

# وقال ابن عطية: الحق ما يجب ويحق من الوحي والمنافع التي أرادها الله
~~تعالى لعباده، والمعنى ما ننزل الملائكة إلا بحق واجب من وحي ومنفعة لا
~~باقتراحكم، وأيضا لو نزلنا لم تنظروا بعد ذلك بالعذاب لأن عادتنا إهلاك
~~الأمم المقترحة إذا آتيناهم ما اقترحوه، وفيه ما فيه، وقال الزمخشري.
~~المعنى إلا تنزلا ملتبسا بالحكمة والمصلحة ولا حكمة في أن تأتيكم
~~عيانا تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم لأنكم
~~حينئذ مصدقون عن اضطرار، وهو مبني على أن الإنزال بصورهم الحقيقية، ومنه
~~أخذ صاحب القيل المذكور أولا قيله. والبيضاوي جعل المنافي للحكمة
~~إنزالهم بصور البشر حيث قال: لا حكمة في أن تأتيكم بصور تشاهدونها فإنه
~~لا يزيدكم إلا لبسا.

# وقال بعضهم: أريد أن إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحق وحصول الفائدة
~~بإنزالهم وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفرة أنه لو أنزل إليهم
~~الملائكة لبقوا مصرين على كفرهم فيصير إنزالهم عبثا باطلا ولا يكون
~~حقا، وتعقب الأقوال الثلاثة البعض من المحققين بأنه مع إخلال كل من ذلك
~~بفظيعة الآتي لا يلزم من فرض وقوع شيء من ذلك تعجيل العذاب الذي يفيده
~~قوله سبحانه: { وما كانوا إذا منظرين } ومن الناس من تكلف
~~لتوجيه اللزوم على بعض هذه الأقوال بما تكلف، واختار بعضهم كون المراد من
~~{ الحق } الهلاك والجملة بعد جواب سؤال مقدر فكأنه لما قيل: ما ننزل
~~الملائكة إلا بالهلاك إذ هو الذي يحق لأمثالهم من المعاندين قيل: فليكن
~~ذلك فأجيب بأنه لو ms05153 فعلنا ما كانوا منظرين أي وهم قد كانوا منظرين كما
~~أجمل فيما قبل من قوله سبحانه:

# ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف
~~يعلمون

# [الحجر: 3] وحاصل الجواب حينئذ على ما قيل أن ما طلبوه من الإتيان
~~بالملائكة ليشهدوا بصدق النبي صلى الله عليه وسلم مما لا يكون لهم لأن
~~ما اقتضته حكمتنا وجرت به عادتنا مع أمثالهم ليس إلا التنزيل بالهلاك دون
~~الشهادة فإن الحكمة لا تقتضيه والعادة لم تجر فيه لأنه إن كان والملائكة
~~بصورهم/ الحقيقية لم يحصل الإيمان بالغيب ولم يتحقق الاختيار الذي هو
~~مدار التكليف وإن كان وهم بصور البشر حصل اللبس فكان وجوده كعدمه ولزم
~~التسلسل، ويمنع من التنزيل بالهلاك كما فعل مع أضرابهم من المعاندين أنا
~~جعلناهم منظرين فلو نزلنا الملائكة وأهلكناهم عاد ذلك بالنقض لما أبرمناه
~~حسبما نعلم فيه من الحكم، وقيل: في توجيه الآية على تقدير كون اقتراحهم
~~لإتيان الملائكة لتعذيبهم: إن المعنى إنا ما ننزل الملائكة للتعذيب إلا
~~تنزيلا ملتبسا بما تقتضيه الحكمة ولو نزلناهم حسبما اقترحوا ما كان ذلك
~~ملتبسا بما تقتضيه لأنها اقتضت تأخير عذابهم إلى يوم القيامة، وحيث كان
~~في نسبة تنزيلهم للتعذيب إلى عدم موافقة الحكمة نوع إيهام لعدم استحقاقهم
~~التعذيب عدل عما يقتضيه الظاهر إلى ما عليه النظم الكريم فكأنه قيل: لو
~~نزلناهم ما كانوا منظرين وذلك غير موافق للحكمة، فتدبر جميع ذاك والله
~~تعالى يتولى هداك.

# هذا ولفظة { إذا } قال في «الكشاف»: جواب وجزاء لأن الكلام جواب لهم
~~وجزاء لشرط مقدر أي ولو نزلنا، وصرح بإفادتها هذا المعنى سيبويه إلا أن
~~الشلوبين حمل ذلك على الدوام وتكلف له، وأبو علي على الغالب، وقد تتمحض
~~للجواب عنده، وهي حرف بسيط عند الجمهور، وذهب قوم إلى أنها اسم ظرف
~~وأصلها إذا الظرفية لحقها التنوين عوضا من الجملة المضاف إليها ونقلت
~~إلى الجزائية فبقي فيها معنى الربط والسبب؛ وذهب الخليل إلى أنها حرف
~~تركب من إذ وإن غلب عليها حكم الحرفية ونقلت حركة الهمزة إلى الذال ثم
~~حذفت والتزم هذا ms05154 النقل فكان المعنى إذا قال القائل أزورك فقلت إذا أزورك
~~قلت حينئذ زيارتي واقعة ولا يتكلم بهذا. وذهب أبو علي عمر بن عبد المجيد
~~الزيدي إلى أنها مركبة من إذا وإن وكلاهما يعطي ما يعطي كل واحدة منهما
~~فيعطي الربط كإذا والنصب كان ثم حذفت همزة إن ثم ألف إذا لالتقاء
~~الساكنين، والظاهر أنه لو قدر في الكلام شرط كانت لمجرد التأكيد، وجعلوا
~~من ذلك قوله تعالى:

# ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم
~~إنك إذا

# [البقرة: 145] الخ، ونقل عن الكافيجي أنه قال في مثل ذلك: ليست إذا هذه
~~الكلمة المعهودة وإنما هي إذا الشرطية حذفت جملتها التي تضاف إليها وعوض
~~عنها التنوين كما في يومئذ، وله سلف في ذلك فقد قال الزركشي في "
~~البرهان " بعد ذكره: لإذا معنيين وذكر لها بعض المتأخرين معنى ثالثا وهو
~~أن تكون مركبة من إذا التي هي ظرف زمان ماض ومن جملة بعدها تحقيقا أو
~~تقديرا لكنها حذفت تخفيفا وأبدل منها التنوين كما في قولهم حينئذ،
~~وليست هذه الناصبة للمضارع لأن تلك تختص به وهذه لا بل تدخل على الماضي
~~نحو

# إذا لأمسكتم

# [الإسراء: 100] وعلى الاسم نحو

# وإنكم إذا لمن المقربين

# [الشعراء: 42] ثم قال: وهذا المعنى لم يذكره النحويون لكنه قياس ما
~~قالوه في إذ، وفي " التذكرة " لأبي حيان ذكر لي علم الدين أن القاضي تقي
~~الدين بن رزين كان يذهب إلى أن تنوين إذا عوض من الجملة المحذوفة وليس
~~قول نحوي، وقال الجوني: وأنا أظن أنه يجوز أن تقول لمن قال: أنا آتيك إذا
~~أكرمك بالرفع على معنى إذا أتيتني أكرمك فحذفت أتيتني وعوضت التنوين
~~فسقطت الألف لالتقاء الساكنين والنصب الذي اتفق عليه النحاة لحملها على
~~غير هذا المعنى وهو لا ينفي الرفع إذا أريد بها ما ذكر. وذكر الجلال
~~السيوطي أن الإجماع في القرآن على كتابتها بالألف والوقف عليه دليل على
~~أنها اسم منون لا حرف آخره نون خصوصا إذا لم تقع ناصبة للمضارع، فالصواب
~~إثبات هذا المعنى لها كما ms05155 جنح إليه شيخنا الكافيجي ومن سبق النقل عنه،
~~وعلى هذا فالأولى حملها في الآية على ما ذكر، وقد ذكرنا فيما مضى بعضا
~~من هذا الكلام فتذكر.

# ثم إنه تعالى رد إنكارهم التنزيل واستهزاءهم برسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وسلاه/ عليه الصلاة والسلام بقوله سبحانه: { إنا نحن
~~نزلنا الذكر... }.

### || [15.9]

# { إنا نحن نزلنا الذكر } أي نحن بعظم شأننا وعلو جانبنا
~~نزلنا الذي أنكروه وأنكروا نزوله عليك وقالوا فيك لادعائه ما قالوا وعموا
~~منزله حيث بنوا الفعل للمفعول إيماء إلى أنه أمر لا مصدر له وفعل لا
~~فاعل له { وإنا له لحفظون } أي من كل ما يقدح فيه كالتحريف
~~والزيادة والنقصان وغير ذلك حتى أن الشيخ المهيب لو غير نقطة يرد عليه
~~الصبيان ويقول له من كان: الصواب كذا ويدخل في ذلك استهزاء أولئك
~~المستهزئين وتكذيبهم إياه دخولا أوليا، ومعنى حفظه من ذلك عدم تأثيره
~~فيه وذبه عنه، وقال الحسن: حفظه بإبقاء شريعته إلى يوم القيامة، وجوز غير
~~واحد أن يراد حفظه بالإعجاز في كل وقت كما يدل عليه الجملة الاسمية من كل
~~زيادة ونقصان وتحريف وتبديل، ولم يحفظ سبحانه كتابا من الكتب كذلك بل
~~استحفظها جل وعلا الربانيين والأحبار فوقع فيها ما وقع وتولى حفظ القرآن
~~بنفسه سبحانه فلم يزل محفوظا أولا وآخرا، وإلى هذا أشار في «الكشاف»
~~ثم سأل بما حاصله أن الكلام لما كان مسوقا لردهم وقد تم الجواب بالأول
~~فما فائدة التذييل بالثاني؟ وإنما يحسن إذا كان الكلام مسوقا لإثبات
~~محفوظية الذكر أولا وآخرا، وأجاب بأنه جيء به لغرض صحيح وأدمج فيه
~~المعنى المذكور أما ما هو أن يكون دليلا على أنه منزل من عند الله تعالى
~~آية، فالأول وإن كان ردا كان كمجرد دعوى فقيل ولولا أن الذكر من عندنا
~~لما بقي محفوظا عن الزيادة والنقصان كما سواه من الكلام، وذلك لأن نظمه
~~لما كان معجزا لم يمكن زيادة عليه ولا نقص للإخلال بالإعجاز كذا في
~~«الكشف»: وفيه إشارة إلى وجه العطف وهو ظاهر. وأنت تعلم ms05156 أن الإعجاز لا
~~يكون سببا لحفظه عن إسقاط بعض السور لأن ذلك لا يخل بالإعجاز كما لا
~~يخفى، فالمختار أن حفظ القرآن وإبقاءه كما نزل حتى يأتي أمر الله تعالى
~~بالإعجاز وغيره مما شاء الله عز وجل، ومن ذلك توفيق الصحابة رضي الله
~~تعالى عنهم لجمعه حسبما علمته أول الكتاب.

# واحتج القاضي بالآية على فساد قول بعض من الإمامية لا يعبأ بهم إن
~~القرآن قد دخله الزيادة والنقصان، وضعفه الإمام بأنه يجري مجرى إثبات
~~الشيء بنفسه لأن للقائلين بذلك أن يقولوا: إن هذه الآية من جملة الزوائد
~~ودعوى الإعجاز في هذا المقدار لا بد لها من دليل. واحتج بها القائلون
~~بحدوث الكلام اللفظي وهي ظاهرة فيه ومن العجيب ما نقله عن أصحابه حيث
~~قال: قال أصحابنا في هذه الآية دلالة على كون البسملة آية من كل سورة لأن
~~الله تعالى قد وعد حفظ القرآن والحفظ لا معنى له إلا أن يبقى مصونا من
~~الزيادة والنقصان فلو لم تكن البسملة آية من القرآن لما كان مصونا عن
~~التغيير ولما كان محفوظا عن الزيادة، ولو جاز أن يظن بالصحابة أنهم
~~زادوا لجاز أن يظن بهم أنهم نقصوا وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجة
~~اه، ولعمري أن تسمية مثل هذا بالخبال أولى من تسميته بالاستدلال، ولا
~~يخفى ما في سبك الجملتين من الدلالة على كمال الكبرياء والجلالة وعلى
~~فخامة شأن التنزيل، وقد اشتملتا على عدة من وجوه التأكيد { ونحن }
~~ليس فصلا لأنه لم يقع بين اسمين وإنما هو إما مبتدأ أو توكيد لاسم إن،
~~ويعلم مما قررنا أن ضمير { له } للذكر وإليه ذهب مجاهد وقتادة
~~والأكثرون وهو الظاهر، وجوز الفراء وذهب إليه النزر أن يكون راجعا إلى
~~النبي صلى الله عليه وسلم أي وإنا للنبي الذي أنزل عليه الذكر لحافظون
~~من مكر المستهزئين كقوله تعالى:

# والله يعصمك من الناس

# [المائدة: 67] والمعول عليه الأول، وأخر هذا الجواب مع أنه رد لأول
~~كلامهم الباطل لما أشرنا إليه فيما مر ولارتباطه/ بما يعقبه من قوله ms05157
~~تعالى: { ولقد أرسلنا من قبلك... }.

### || [15.10]

# { ولقد أرسلنا } أي رسلا كما روي عن ابن عباس وإنما لم يذكر
~~لظهور الدلالة عليه { من قبلك } متعلق بأرسلنا أو بمحذوف وقع نعتا
~~لمفعوله المحذوف أي رسلا كائنة من قبلك { فى شيع الأولين } أي
~~فرقهم كما قال الحسن والكلبي، وإليه ذهب الزجاج، وهو وكذا أشياع جمع
~~شيعة وهي والفرقة الجماعة المتفقة على طريقة ومذهب مأخوذ من شاع المتعدي
~~بمعنى تبع لأن بعضهم يشايع بعضا ويتابعه، وتطلق الشيعة على الأعوان
~~والأنصار، وأصل ذلك على ما قيل من الشياع بالكسر والفتح صغار الحطب يوقد
~~به الكبار، والمناسبة في ذلك نظرا للإطلاق الثاني ظاهرة وللإطلاق الأول
~~أن التابع من حيث إنه تابع أصغر ممن يتبعه، وإضافته إلى الأولين من إضافة
~~الموصوف إلى صفته عند الفراء ومن حذف الموصوف عند البصريين أي شيع الأمم
~~الأولين، والجار والمجرور متعلق بأرسلنا. ومعنى إرسال الرسل في الشيع جعل
~~كل منهم رسولا فيما بين طائفة منهم ليتابعوه في كل ما يأتي ويذر من أمور
~~الدين وكأنه لو قيل  إلى  بدل { فى } لم يظهر إرادة هذا المعنى، وقيل:
~~إنما عدل عن إلى إليها للإعلام بمزيد التمكين، وزعم بعضهم أن الجار
~~والمجرور متعلق بمحذوف هو صفة للمفعول المقدر أو حال ولا يخفى بعده.

### || [15.11]

# { وما يأتيهم من رسول } حكاية حال ماضية كما قال الزمخشري
~~لأن { ما } لا تدخل على مضارع إلا وهو في موضع الحال ولا على ماض إلا
~~وهو قريب من الحال وهو قول الأكثرين، وقال بعضهم: إن الأكثر دخول { ما }
~~على المضارع مرادا به الحال وقد تدخل عليه مرادا به الاستقبال، وأنشد
~~قول أبي ذؤيب:

# أودي بني وأودعوني حسرة

# عند الرقاد وعبرة ما تقلع

# وقول الأعشى يمدح النبي صلى الله عليه وسلم:

# له نافلات ما يغب نوالها

# وليس عطاء اليوم مانعه غدا

# وقال تعالى:

# ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى

# [يونس: 15] ولعله المختار وان كان ماهنا على الحكاية، والمراد نفي إتيان
~~كل رسول لشيعته الخاصة به لا نفي إتيان كل ms05158 رسول لكل واحدة من تلك الشيع
~~جميعا أو على سبيل البدل أي ما أتى شيعة من تلك الشيع رسول خاص بها {
~~إلا كانوا به يستهزئون } كما يفعله هؤلاء الكفرة، والجملة
~~ كما قال أبو البقاء  في محل النصب على أنها حال من ضمير المفعول في
~~يأتيهم إن كان المراد بالإتيان حدوثه أو في محل الرفع أو الجر على أنها
~~صفة رسول على لفظه أو موضعه لأنه فاعل، وتعقب جعلها صفة له باعتبار لفظه
~~بأنه يفضي إلى زيادة من الاستغراقية في الإثبات لمكان { إلا } وتقدير
~~العمل في النعت بعدها. وجوز أن تكون نصبا على الاستثناء وان كان المختار
~~الرفع على البدلية، وهذا كما ترى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم
~~بأن هذه شنشنة جهال الأمم مع المرسلين عليهم السلام قبل، وحيث كان الرسول
~~مصحوبا بكتاب من عند الله تعالى تضمن ذكر استهزائهم بالرسول استهزاءهم
~~بالكتاب ولذلك قال سبحانه: { كذلك نسلكه في قلوب... }.

### || [15.12]

# { كذلك } أي مثل السلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين برسلهم
~~وبما جاؤوا به { نسلكه } أي ندخله يقال: سلكت الخيط في الإبرة
~~والسنان في المطعون أي أدخلت: وقرىء { نسلكه } وسلك وأسلك/ كما ذكر أبو
~~عبيدة بمعنى واحد، والضمير عند جمع ومنهم الحسن على ما ذكره الغزنوي
~~للذكر { في قلوب المجرمين } أي أهل مكة أو جنس المجرمين
~~فيدخلون فيه دخولا أوليا، ومعنى المثلية كونه مقرورنا بالاستهزاء غير
~~مقبول لما تقتضيه الحكمة، وحاصلة انه تعالى يلقي القرآن في قلوب المجرمين
~~مستهزأ به غير مقبول لأنهم من أهل الخذلان ليس لهم استحقاق لقبول الحق
~~كما ألقى سبحانه كتب الرسل عليهم السلام في قلوب شيعهم مستهزأ بها غير
~~مقبولة لذلك، وصيغة المضارع لكون المشبه به مقدما في الوجود وهو السلك
~~الواقع في شيع الأولين.

### || [15.13]

# { لا يؤمنون به } الضمير للذكر أيضا، والجملة في موضع الحال من
~~مفعول

# نسلكه

# [الحجر: 12] أي غير مؤمن به، وهي إما مقدرة وإما مقارنة على معنى أن
~~الإلقاء وقع بعده الكفر من غير توقف فهما في زمان واحد ms05159 عرفا، ويجوز أن
~~تكون بيانا للجملة السابقة فلا محل لها من الإعراب، قال في " الكشف ":
~~وهو الأوجه لأن في طريقة الإبهام والتفسير لا سيما في هذا المقام ما يجل
~~موقع الكلام. وفي " إرشاد العقل السليم " أنه قد جعل ضمير

# نسلكه

# [الحجر: 12] للاستهزاء المفهوم من

# يستهزئون

# [الحجر: 11] فتتعين البيانية إلا أن يجعل ضمير { به } له أيضا على أن
~~الباء للملابسة أي يسلك الاستهزاء في قلوبهم حال كونهم غير مؤمنين
~~بملابسة الاستهزاء، وقد ذهب إلى جواز ارجاع الضميرين إلى الاستهزاء ابن
~~عطية إلا أنه جعل الباء للسببية، وكذا الفاضل الجلبي، ولا يخفى أن بعد
~~ذلك يغنى عن رده. وذهب البيضاوي إلى كون الضمير الأول للاستهزاء وضمير {
~~به } للذكر وتفريق الضمائر المتعاقبة على الأشياء المختلفة إذا دل
~~الدليل عليه ليس ببدع في القرآن، وجوز على هذا كون الجملة حالا من

# المجرمين

# [الحجر: 12] ولا يتعين كونها حالا من الضمير ليتعين رجوعه للذكر، وذكر
~~أن عوده على الاستهزاء لا ينافي كونها مفسرة بل يقويه إذ عدم الإيمان
~~بالذكر أنسب بتمكن الاستهزاء في قلوبهم، وجعل الآية دليلا على أنه تعالى
~~يوجد الباطل في قلوبهم ففيها رد على المعتزلة في قولهم: إنه قبيح فلا
~~يصدر منه سبحانه، وكأنه رحمه الله تعالى ظن أن ما فعله الزمخشري من جعل
~~الضميرين للذكر كان رعاية لمذهبه ففعل ما فعل، ولا يخفى أنه لم يصب المحز
~~وغفل عن قولهم: الدليل إذا طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال.

# وفي " الكشف " بعد كلام ان رجع الضمير إلى الاستهزاء أو الكفر مع ما فيه
~~من تنافر النظم لا ينكره أهل الاعتزال إلا كإنكار سلك الذكر بصفة التكذيب
~~والتأويل كالتأويل، وكأنهم غفلوا عما ذكره جار الله في الشعراء حيث أجاب
~~عن سؤال إسناد سلك الذكر بتلك الصفة إلى نفسه جل وعلا بأن المراد تمكنه
~~مكذوبا في قلوبهم أشد التمكن كشيء جبلوا عليه؛ ولخص المعنى ههنا بأنه
~~تعالى يلقيه في قلوبهم مكذبا لا أن التكذيب فعله سبحانه. نعم أخرج ابن
~~أبي حاتم عن أنس والحسن تفسير ضمير ms05160

# نسلكه

# [الحجر: 12] إلى الشرك، وأخرج هو وابن جرير عن ابن زيد أنه قال في
~~الآية: هم كما قال الله تعالى هو أضلهم ومنعهم الإيمان لكن هذا أمر وما
~~نحن فيه آخر، واعترض بعضهم رجوع الضمير إلى

# الذكر

# [الحجر: 9] بأن نون العظمة لا تناسب ذلك فإنها إنما تحسن إذا كان فعل
~~المعظم نفسه فعلا يظهر له أثر قوي وليس كذلك هنا فإنه تدافع وتنازع فيه.

# وأجاب بأن المقام إذا كان للتوبيخ يحسن ذلك، ولا يلزم أن تكون العظمة
~~باعتبار القهر والغلبة فقد تكون باعتبار اللطف والإحسان. وتعقب ذلك
~~الشهاب بقوله: لا يخفى أنه باعتبار القهر والغلبة يقتضي أن يؤثر ذلك في
~~قلوبهم وليس كذلك لعدم إيمانهم/ به، وكذا باعتبار اللطف والإحسان يقتضي
~~أن يكون سلكه في قلوبهم إنعاما عليهم فأي إنعام عليهم بما يقتضي الغضب
~~فلا وجه لما ذكر، وأنت تعلم أنه إذا كان المراد سلك ذلك وتمكينه في
~~قلوبهم مكذبا به غير مقبول فكون الإسناد باعتبار القهر والغلبة مما لا
~~ينبغي أن ينتطح فيه كبشان، والأثر الظاهر القوي لذلك بقاؤهم على الكفر
~~والإصرار على الضلال ولو جاءتهم كل آية، ولا يخفى ما في

# كذلك

# [الحجر: 12] مما يناسب نون العظمة أيضا وقد مر التنبيه عليه غير مرة.

# { وقد خلت } مضت { سنة } طريقة { الأولين } والمراد عادة
~~الله تعالى فيهم على أن الإضافة لأدنى ملابسة لا على الإضافة بمعنى في،
~~والمراد بتلك العادة على تقدير أن يكون ضمير

# نسلكه

# [الحجر: 12] للاستهزاء الخذلان وسلك الكفر في قلوبهم أي قد مضت عادته
~~سبحانه وتعالى في الأولين ممن بعث إليهم الرسل عليهم السلام أن يخذلهم
~~ويسلك الكفر والاستهزاء في قلوبهم، وعلى تقدير أن يكون للذكر الإهلاك،
~~وعلى هذا قول الزمخشري أي مضت طريقتهم التي سنها الله تعالى في اهلاكهم
~~حين كذبوا برسلهم والمنزل عليهم، وذكر أنه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم،
~~وإلى الأول ذهب الزجاج، وادعى الإمام أنه الأليق بظاهر اللفظ؛ وبين ذلك
~~الطيبي قائلا: إن التعريف في

# المجرمين

# [الحجر: 12] للعهد، والمراد بهم المكذبون من قوم ms05161 رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم لأنهم المذكورون بعد أي مثل ذلك السلك الذي سلكناه في قلوب
~~أولئك المستهزئين المكذبين للرسل الماضين نسلكه في قلوب هؤلاء المجرمين
~~فلك أسوة بالرسل الماضية مع أممهم المكذبة، ولست بأوحدي في ذلك وقد خلت
~~سنة الأولين، والمقام يقتضي التقرير والتأكيد فيكون في هذا مزيد تسلية
~~للرسول عليه السلاة والسلام، والوعيد بعيد لأنه لم يسبق لإهلاك الأمم
~~ذكر، وإيثار ذلك لأنه أقرب إلى مذهب الاعتزال اه.

# وفيه غفلة عن مغزى الزمخشري، وقد تفطن لذلك صاحب " الكشف " ولله تعالى
~~دره حيث قال: أراد أن موقع { قد خلت } إلى آخره موقع الغاية في
~~الشعراء [201] أعني قوله تعالى هنالك, { حتى يروا العذاب
~~الأليم } فإنهم لما شبهوا بهم قيل: لا يؤمنون وقد هلك من قبلهم ولم
~~يؤمنوا فكذلك هؤلاء، ومنه يظهر أن الكلام على هذا الوجه شديد الملاءمة،
~~وأما أن الوعيد بعيد لعدم سبق ذكر لإهلاك الأمم ففيه أن لفظ السنة مضافا
~~إلى ما أضيف إليه ينبىء عن ذلك أشد الإنباء، ثم إنه ليس المقصود منه
~~الوعيد على ما قررناه، وقد صرح أيضا بعض الأجلة أن الجملة استئنافية جيء
~~بها تكملة للتسلية وتصريحا بالوعيد والتهديد، ثم ما ذهب إليه الزمخشري
~~من المراد بالسنة مروي عن قتادة فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما
~~عنه أنه قال في الآية: قد خلت وقائع الله تعالى فيمن خلا من الأمم. وعن
~~ابن عباس أن المراد سنتهم في التكذيب، ولعل الإضافة على هذا على ظاهرها.

### || [15.14]

# { ولو فتحنا عليهم } أي على هؤلاء المقترحين المعاندين {
~~بابا من السماء } ظاهره بابا ما لا بابا من أبوابها المعهودة
~~كما قيل: { فظلوا فيه } أي في ذلك الباب { يعرجون } يصعدون
~~حسبما نيسره لهم فيرون ما فيها من الملائكة والعجائب طول نهارهم مستوضحين
~~لما يرونه كما يفيده  ظلوا  لأنه يقال ظل يعمل كذا إذا فعله في النهار
~~حيث يكون للشخص ظل، وجوز في " البحر " كون ظل بمعنى صار وهو مع كونه خلاف
~~الأصل مما لا داعي إليه، وأيا ما ms05162 كان فضمير الجمع للمقترحين، وهو الظاهر
~~المروي عن الحسن وإليه ذهب الجبائي وأبو مسلم، وأخرج ابن جريج عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أنه للملائكة وروي ذلك عن قتادة أيضا/ أي فظل
~~الملائكة الذين اقترحوا إتيانهم يعرجون في ذلك الباب وهم يرونهم على أتم
~~وجه. وقرأ الأعمش وأبو حيوة { يعرجون } بكسر الراء وهي لغة هذيل في
~~العروج بمعنى الصعود.

### || [15.15]

# { لقالوا } لفرط عنادهم وغلوهم في المكابرة وتفاديهم عن قبول الحق:
~~{ إنما سكرت أبصرنا } أي سدت ومنعت من الإبصار حقيقة وما
~~نراه تخيل لا حقيقة له، أخرج ابن أبي حاتم وغيره عن مجاهد، وروي أيضا
~~عن ابن عباس وقتادة فهو من السكر بالفتح، وقال أبو حيان: بالكسر السد
~~والحبس، وقال ابن السيد: السكر بالفتح سد الباب والنهر وبالكسر السد نفسه
~~ويجمع على سكور، قال الرفاء:

# غناؤنا فيه ألحان السكور إذا

# قل الغناء ورنات النواعير

# ويشهد لهذا المعنى قراءة ابن كثير والحسن ومجاهد { سكرت
~~أبصرنا } بتخفيف الكاف مبنيا للمفعول لأن سكر المخفف المتعدي
~~اشتهر في معنى السد، وعن عمرو بن العلاء أن المراد حيرت فهو من السكر
~~بالضم ضد الصحو، وفسروه بأنه حالة تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما يستعمل
~~ذلك في الشراب وقد يعتري من الغضب والعشق، ولذا قال الشاعر:

# سكران سكر هوى وسكر مدامة

# أنى يفيق فتى به سكران

# والتشديد في ذلك للتعدية لأن سكر كفرح لازم في الأشهر وقد حكي تعديه
~~فيكون للتكثير والمبالغة، وأرادوا بذلك أنه فسدت أبصارنا واعتراها خلل في
~~إحساسها كما يعتري عقل السكران ذلك فيختل إدراكه ففي الكلام على هذا
~~استعارة وكذا على الأول عند بعض ويشهد لهذا المعنى قراءة الزهري { سكرت }
~~بفتح السين وكسر الكاف مخففة مبنيا للفاعل لأن الثلاثي اللازم مشهور فيه
~~ولأن سكر بمعنى سد المعروف ففيه فتح الكاف. واختار الزجاج أن المعنى سكنت
~~عن أبصار الحقائق من سكرت الريح تسكر سكرا إذا ركدت ويقال: ليلة ساكرة
~~لا ريح فيها والتضعيف للتعدية ولهم أقوال أخر متقاربة في المعنى. وقرأ
~~أبان بن ms05163 تغلب وحملت لمخالفتها سواد المصحف على التفسير سحرت أبصارنا.

# { بل نحن قوم مسحورون } قد سحرنا محمد صلى الله عليه وسلم
~~كما قالوا ذلك عند ظهور سائر الآيات الباهرة، والظاهر على ما قال القطب
~~أنهم أرادوا أولا سكرت أبصارنا لا عقولنا فنحن وإن تخيلنا هذه الأشياء
~~بأبصارنا لكن نعلم بعقولنا أن الحال بخلافه ثم أضربوا عن الحصر في
~~الإبصار وقالوا: بل تجاوز ذلك إلى عقولنا، وفسر الزمخشري الحصر بأن ذلك
~~ليس إلا تسكيرا فأورد عليه بأن { إنما } إنما تفيد الحصر في المذكور
~~آخرا وحينئذ يكون المعنى ما تقدم وهو مبني على أن تقديم المقصور على
~~المقصور عليه لازم وخلافه ممتنع، وقد قال المحقق في " شرح التخليص " إنه
~~يجوز إذا كان نفس التقديم يفيد الحصر كما في قولنا: إنما زيدا ضربت فإنه
~~لقصر الضرب على زيد، وقال أبو الطيب:

# صفاته لم تزده معرفة

# لكنها لذة ذكرناها

# أي ما ذكرناها إلا لذة إلا أن هذا لا ينفع فيما نحن فيه.

# نعم نقل عن " عروس الأفراح " أن حكم أهل المعاني غير مسلم فإن قولك:
~~إنما قمت معناه لم يقع إلا القيام فهو لحصر الفعل وليس بآخر ولو قصد حصر
~~الفاعل لانفصل، ثم أورد عدة أمثلة من كلام المفسرين تدل على ما ذكروه في
~~المسألة، فالظاهر أن الزمخشري لا يرى ما قالوه مطردا وهم قد غفلوا عن
~~مراده هنا قاله الشهاب، وما نقله عن " عروس الأفراح " في إنما قمت من
~~أنه/ لحصر الفعل ولو كان لحصر الفاعل لانفصل يخالفه ما في " شرح المفتاح
~~الشريفي " من أنه إذا أريد حصر الفعل في الفاعل المضمر فإن ذكر بعد الفعل
~~شيء من متعلقاته وجب انفصال الفاعل وتأخيره كما في قولك: إنما ضرب اليوم
~~أنا، وكما في قول الفرزدق:

# أنا الذائد الحامي الذمار وإنما

# يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي

# وإن لم يذكر احتمل الوجوب طردا للباب وعدمه بأن يجوز الانفصال نظرا
~~إلى المعنى والاتصال نظرا إلى اللفظ إذ لا فاصل لفظيا اه فإنه صريح في
~~أن إنما قمت ms05164 لحصر الفاعل وإن لم يجب الانفصال لكن اختار السعد في " شرحه
~~" وجوب الانفصال مطلقا وحكم بأن الظاهر أن معنى إنما أقوم ما أنا إلا
~~أقوم كما نقله السمرقندي. وأبو حيان مع طائفة يسيرة من النحاة أنكروا
~~إفادة إنما للحصر أصلا وليس بالمعول عليه عند المحققين لكنهم قالوا: إنها
~~قد تأتي لمجرد التأكيد وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من محله. ووجه
~~الشهاب الإضراب بعد أن قال هو جعل الأول في حكم المسكوت عنه دون النفي
~~ويحتمل الثاني بأنه إضراب لأن هذا ليس بواقع في نفس الأمر بل بطريق السحر
~~أو هو باعتبار ما تفيده الجملة من الاستمرار الذي دلت عليه الاسمية أي
~~مسحوريتنا لا تختص بهذه الحالة بل نحن مستمرون عليها في كل ما يرينا من
~~الآيات.

# هذا وفي هذه الآية من وصفهم بالعناد وتواطئهم على ما هم فيه من التكذيب
~~والفساد ما لا يخفى، وفي ذلك تأكيد لما يفهم من الآية الأولى، وقد ذكر بن
~~المنير في المراد منها وجها بعيدا جدا فيما أرى فقال: المراد والله
~~تعالى أعلم إقامة الحجة على المكذبين بأن الله تعالى سلك القرآن في
~~قلوبهم وأدخله في سويدائها كما سلك [ذلك] في قلوب المؤمنين المصدقين فكذب
~~به هؤلاء وصدق به هؤلاء كل على علم وفهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من
~~حي عن بينة ولئلا يكون للكفار على الله تعالى حجة بأنهم ما فهموا وجه
~~الإعجاز كما فهمها من آمن فأعلمهم الله تعالى [من الآن]  وهم في مهلة
~~وإمكان  أنهم ما كفروا إلا على علم معاندين باغين غير معذورين ولذلك
~~عقبه سبحانه بقوله تعالى: { ولو فتحنا عليهم } الخ أي هؤلاء
~~فهموا القرآن وعلموا وجوه إعجازه وولج ذلك في قلوبهم ووقر ولكنهم قوم
~~سجيتهم العناد وشيمتهم اللدد حتى لو سلك بهم أوضح السبل وأدعاها إلى
~~الإيمان.

# .. لقالوا بعد الإيضاح العظيم: إنما سكرت أبصارنا وسحرنا [محمد] وما هذه
~~إلا خيالات لا حقائق تحتها فأسجل سبحانه عليهم بذلك أنهم لا عذر لهم
~~بالتكذيب من عدم سماع ms05165 ووعي ووصول إلى القلوب وفهم كما فهم غيرهم من
~~المصدقين لأن ذلك كان حاصلا لهم وليس بهم إلا العناد [واللدد] والإصرار
~~لا غير اه فليتأمل والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

# ثم أنه تعالى لما ذكر حال منكري النبوة وكانت مفرعة على التوحيد ذكر
~~دلائله السماوية والأرضية فقال عز قائلا: { ولقد جعلنا فى
~~السماء بروجا... }.

### || [15.16]

# { ولقد جعلنا فى السماء بروجا } الخ وإلى هذا ذهب الإمام
~~وغيره في وجه الربط. وقال ابن عطية: إنه سبحانه لما ذكر أنهم لو رأوا
~~الآية المطلوبة في السماء لعاندوا [فيها] (وبقوا على ما هم فيه من
~~الضلال) عقب ذلك بهذه الآية كأنه جل شأنه قال: وإن في السماء لعبرا
~~منصوبة (غير) هذه المذكورة وكفرهم بها وإعراضهم عنها إصرار منهم وعتو
~~اه؛ والظاهر أن الجعل بمعنى الخلق والإبداع فالجار والمجرور متعلق به،
~~وجوز أن يكون بمعنى التصيير فهو متعلق بمحذوف على أنه مفعول ثان له
~~وبروجا مفعوله الأول، والبروج جمع برج وهو لغة القصر والحصن وبذلك فسره
~~هنا [ابن] عطية، فقد أخرج عنه ابن أبي حاتم أنه قال:/ جعلنا قصورا في
~~السماء فيها الحرس، وأخرج عن أبي صالح أن المراد بالبروج الكواكب
~~العظام. وفي " البحر " عنه الكواكب السيارة وروى غير واحد عن مجاهد
~~وقتادة أنها الكواكب من غير قيد، وروي عن ابن عباس تفسير ذلك بالبروج
~~الإثني عشر المشهورة وهي ستة شمالية ثلاثة ربيعية وثلاثة صيفية وأولها
~~الحمل وستة جنوبية ثلاثة خريفية وثلاثة شتائية وأولها الميزان وطول كل
~~برج عندهم ل درجة وعرضه قف درجة ص منها في جهة الشمال ومثلها في جهة
~~الجنوب وكأنها إنما سميت بذلك لأنها كالحصن أو القصر للكوكب الحال فيها
~~وهي في الحقيقة أجزاء الفلك الأعظم وهو المحدد المسمى بلسانهم الفلك
~~الأطلس وفلك الأفلاك وبلسان الشرع بعكسه ولهذا يسمى الشيخ الأكبر قدس سره
~~الفلك الأطلس بفلك البروج والمشهور تسمية الفلك الثامن وهو فلك الثوابت
~~به لاعتبارهم الانقسام فيه وكأن ذلك لظهور ما تتعين به الأجزاء من الصور
~~فيه وإن كان ms05166 كل منها منتقلا عما عينه إلى آخر منها لثبوت الحركة الذاتية
~~للثوابت على خلاف التوالي وإن لم يثبتها لها لعدم الإحساس بها قدماء
~~الفلاسفة كما لم يثبت الأكثرون حركتها على نفسها وأثبتها الشيخ أبو علي
~~ومن تبعه من المحققين، وقد صرحوا بأن هذه الصور المسماة بالأسماء
~~المعلومة توهمت على المنطقة وما يقرب منها من الجانبين من كواكب ثابتة
~~تنظمها خطوط موهومة وقعت وقت القسمة في تلك الأقسام ونقل ذلك في "
~~الكفاية " عن عامة المنجمين وأنهم إنما توهموا لكل قسم صورة ليحصل
~~التفهيم والتعليم بأن يقال: الدبران مثلا عين الأسد.

# وتعقب ذلك بقوله: وهذا ليس بسديد عندي لأن تلك الصور لو كانت وهمية لم
~~يكن لها أثر في أمثالها من العالم السفلى مع أن الأمر ليس كذلك فقد قال
~~بطليموس في " الثمرة ". الصور التي في عالم التركيب مطيعة للصور الفلكية
~~إذ هي في ذواتها على تلك الصور فأدركتها الأوهام على ما هي عليه وفيه بحث
~~ثم هذه البروج مختلفة الآثار والخواص بل لكل جزء من كل منها وإن كان أقل
~~من عاشرة بل أقل الأقل آثار تخالف آثار الجزء الآخر وكل ذلك آثار حكمة
~~الله تعالى وقدرته عز وجل.

# وقد ذكر الشيخ الأكبر قدس سره في بعض كتبه أن آثار النجوم وأحكامها
~~مفاضة عليها من تلك البروج المعتبرة في المحدد. وفي الفصل الثالث من
~~الباب الحادي والسبعين والثلثمائة من " فتوحاته " ما منه أن الله تعالى
~~قسم الفلك الأطلس اثني عشر قسما سماها بروجا وأسكن كل برج منها ملكا
~~وهؤلاء الملائكة أئمة العالم وجعل لكل منهم ثلاثين خزانة تحتوي كل منها
~~على علوم شتى يهبون منها للنازل بهم قدر ما تعطيه رتبته وهي الخزائن التي
~~قال الله تعالى فيها:

# وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا
~~بقدر معلوم

# [الحجر: 21] وتسمى عند أهل التعاليم بدرجات الفلك والنازلون بها هم
~~الجواري والمنازل وعيوقاتها من الثوابت والعلوم الحاصلة من تلك الخزائن
~~الإلهية هي ما يظهر في عام الأركان من التأثيرات بل ما يظهر ms05167 في مقعر فلك
~~الثوابت إلى الأرض إلى آخر ما قال، وقد أطال قدس سره الكلام في هذا الباب
~~وهو بمعزل عن اعتقاد المحدثين نقلة الدين عليهم الرحمة، ثم إن في اختلاف
~~خواص البروج حسبما تشهد به التجربة مع ما اتفق عليه الجمهور من بساطة
~~السماء أدل دليل على وجود الصانع المختار جل جلاله.

# { وزينها } أي السماء بما فيها من الكواكب السيارات وغيرها وهي
~~كثيرة لا يعلم عددها إلا الله تعالى. نعم المرصود منها ألف ونيف وعشرون
~~ورتبوها على ست مراتب وسموها اقدارا متزايدة سدسا حتى/ كان قطر ما في
~~القدر الأول ستة أمثال ما في القدر السادس وجعلوا كل قدر على ثلاث مراتب
~~وما دون السادس لم يثبتوه في المراتب بل إن كان كقطعة السحاب يسمونه
~~سحابيا وإلا فمظلما، وذكر في " الكفاية " أن ما كان منها في القدر
~~الأول فجرمه مائة وستة وخمسون مرة ونصف عشر الأرض. وجاء في بعض الآثار أن
~~أصغر النجوم كالجبل العظيم واستظهر أبو حيان عود الضمير للبروج لأنها
~~المحدث عنها والأقرب في اللفظ والجمهور على ما ذكرنا حذرا من انتشار
~~الضمائر { للنظرين } أي بأبصارهم إليها كما قاله بعضهم لأنه
~~المناسب للتزيين، وجوز أن يراد بالتزيين ترتيبها على نظام بديع مستتبعا
~~للآثار الحسنة فيراد بالناظرين المتفكرون المستدلون بذلك على قدرة مقدرها
~~وحكمة مدبرها جل شأنه.

### || [15.17]

# { وحفظنها من كل شيطن رجيم } مطرود عن الخيرات،
~~ويطلق الرجم على الرمي بالرجام وهي الحجارة، فالمراد بالرجيم المرمي
~~بالنجوم، ويطلق أيضا على الإهلاك والقتل الشنيع، والمراد بحفظها من
~~الشيطان إما منعه عن التعرض لها على الإطلاق والوقوف على ما فيها في
~~الجملة فالاستثناء في قوله تعالى: { إلا من استرق السمع...
~~}.

### || [15.18]

# { إلا من استرق السمع } متصل، وإما المنع عن دخولها
~~والاختلاط مع أهلها على نحو الاختلاط مع أهل الأرض فهو حينئذ منقطع، وعلى
~~التقديرين محل { من } النصب على الاستثناء، وجوز أبو البقاء والحوفي
~~كونه في محل جر على أنه بدل

# من كل شيطن

# [الحجر: 17] بدل بعض من كل واستغنى عن ms05168 الضمير الرابط بإلا. واعترض
~~بأنه يشترط في البدلية أن تكون في كلام غير موجب وهذا الكلام مثبت. ودفع
~~بأنه في تأويل المنفى أي لم نمكن منها كل شيطان أو نحوه وأورد أن تأويل
~~المثبت في غير أبى ومتصرفاته غير مقيس ولا حسن فلا يقال مات القوم إلا
~~زيد بمعنى لم يعيشوا، ولعل القائل بالبدلية لا يسلم ذلك، وقد أولوا
~~بالمنفي قوله تعالى:

# فشربوا منه إلا قليلا

# [البقرة: 249] وقوله عليه الصلاة والسلام:

# " الناس هلكى إلا العالمون "

# الخبر وغير ذلك مما ليس فيه أبى ولا شيء من متصرفاته لكن الانصاف ضعف
~~هذه البدلية كما لا يخفى.

# وجوز أبو البقاء أيضا أن يكون في محل رفع على الابتداء والخبر جملة
~~قوله تعالى: { فأتبعه شهاب مبين } وذكر أن الفاء من أجل أن
~~{ من } موصول أو شرط والاستراق افتعال من السرقة وهو أخذ الشيء بخفية
~~شبه به خطفتهم اليسيرة من الملأ الأعلى وهو المذكور في قوله تعالى:

# إلا من خطف الخطفة

# [الصافات: 10] والمراد بالسمع المسموع، والشهاب  على ما قال الراغب 
~~الشعلة الساطعة من النار الموقدة ومن العارض في الجو ويطلق على الكوكب
~~لبريقه كشعلة النار. وأصله من الشهبة وهي بياض مختلط بسواد وليست البياض
~~الصافي كما يغلط فيه العامة فيقولون فرس أشهب للقرطاسي، والمراد  بمبين
~~ ظاهر أمره للمبصرين ومعنى اتبعه تبعه عند الأخفش نحو ردفته وأردفته
~~فليست الهمزة فيه للتعدية، وقيل: اتبعه أخص من تبعه لما قال الجوهري تبعت
~~القوم تبعا وتباعة بالفتح إذا مشيت خلفهم أو مروا بك فمضيت معهم وأتبعت
~~القوم على أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم واستحسن الفرق بينهما
~~الشهاب، ولما كان الاتباع محتملا للإهلاك وغيره اختلف العلماء في ذلك
~~فحكى القرطبي عن ابن عباس أن الشهاب يجرح ويحرق ولا يقتل، وعن الحسن
~~وطائفة أنه يقتل، وادعى أن الأول أصح، ونقل غير واحد عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أنه قال: إن الشياطين يركب بعضهم بعضا إلى السماء
~~الدنيا يسترقون/ السمع من الملائكة عليهم السلام فيرمون بالكواكب فلا
~~تخطىء أبدا ms05169 فمنهم من تقتله ومنهم من تحرق وجهه أو جنبه أو يده أو حيث
~~يشاء الله تعالى ومنهم من تخبله فيصير غولا فيضل الناس في البراري، ومما
~~لا يعول عليه ما يروى من أن منهم من يقع في البحر فيكون تمساحا.

# ومن الناس من طعن كما قال الإمام في أمر هذا الاستراق والرمي من وجوه:
~~أحدها أن انقضاص الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة وذكروا فيه أن
~~الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس فإذا بلغ كرة النار التي دون
~~الفلك احترق بها فتلك الشعلة هي الشهاب. (وقد يبقى زمانا مشتعلا إذا
~~كان كثيفا وربما حميت الأدخنة في برد الهواء للتعاقب فانضغطت مشتعلة،
~~وجاء أيضا في شعر الجاهلية قال بشر بن أبي حازم:

# والعير يلحقها الغبار وجحشها

# ينقض خلفهما انقضاض الكوكب

# وقال أوس بن حجر:

# وانقض كالدرى يتبعه

# نقع يثور تخاله طنبا

# إلى غير ذلك). وثانيها أن هؤلاء الشياطين كيف يجوز فيهم أن يشاهدوا
~~ألوفا من جنسهم يسترقون السمع فيحترقون ثم إنهم مع ذلك يعودون لصنيعهم
~~فإن من له أدنى عقل إذا رأى هلاك أبناء جنسه من تعاطى شيء مرارا امتنع
~~منه. وثالثها أن يقال: إن ثخن السماء خمسمائة عام فهؤلاء الشياطين إن
~~نفذوا في جرمها وخرقوها فهو باطل لنفي أن يكون لها فطور على ما قال
~~سبحانه:

# فارجع البصر هل ترى من فطور

# [الملك: 3] وإن كانوا لا ينفذون فكيف يمكنهم سماع أسرار الملائكة عليهم
~~السلام مع هذا البعد العظيم. ورابعها أن الملائكة عليهم السلام إنما
~~اطلعوا على الأحوال المستقبلة إما لأنهم طالعوها من اللوح المحفوظ أو
~~لأنهم تلقفوها بالوحي، وعلى التقديرين لم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا
~~تتمكن الشياطين من الوقوف عليها؟ وخامسها أن الشياطين مخلوقون من النار
~~والنار لا تحرق النار بل تقويها فكيف يعقل زجرهم بهذه الشهب؟

# وسادسها أنكم قلتم: إن هذا القذف لأجل النبوة فلم دام بعد وفاة النبي
~~صلى الله عليه وسلم؟ وسابعها أن هذه الشهب إنما تحدث بقرب الأرض بدليل
~~أنا نشاهد حركاتها ms05170 ولو كانت قريبة من الفلك لما شاهدناها كما لم نشاهد
~~حركات الأفلاك والكواكب، وإذا ثبت أنها تحدث بالقرب من الأرض فكيف يقال:
~~إنها تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك؟ وثامنها أن هؤلاء الشياطين لو
~~كان يمكنهم أن ينقلوا أخبار الملائكة عليهم السلام عن المغيبات إلى
~~الكهنة فلم لم ينقلوا أسرار المؤمنين إلى الكفار حتى يتوصلوا بواسطة
~~وقوفهم على أسرارهم إلى الحاق الضرر بهم؟ وتاسعها لم لم يمنعهم الله
~~تعالى من الصعود ابتداء حتى لا يحتاج في دفعهم إلى هذه الشهب؟ وقال بعضهم
~~أيضا: إن السماع إنما يفيدهم إذا عرفوا لغة الملائكة فلم لم يجعلهم الله
~~سبحانه جاهلين بلغتهم لئلا يفيدهم السماع شيئا، وأيضا إن انقطع الهواء
~~دون مقعر فلك القمر لم يحدث هناك صوت إذ هو من تموج الهواء والمفروض عدمه
~~وإن لم ينقطع كان دون ذلك أصوات هائلة من تموج الهواء بحركة الأجرام
~~العظيمة وهي تمنع من سماع أصوات الملائكة عليهم السلام في محاوراتهم ولا
~~يكاد يظن أن أصواتهم في المحاورات تغلب هاتيك الأصوات لتسمع معها، وأيضا
~~ليس في السماء الدنيا إلا القمر ولا نراه يرمى به وسائر السيارات فوق

# كل فى فلك يسبحون

# [الأنبياء: 33] والثوابت في الفلك الثامن والرمي بشيء من ذلك يستدعي خرق
~~السماء وتشققها ليصل الشهاب إلى الشيطان وهو مما لا يكاد يقال. وأجاب
~~الإمام عن الأول: أولا بأن الشهب لم تكن موجودة قبل البعثة وهذا/ قول
~~ابن عباس، فقد روي عنه أنه قال: «كان الجن يصعدون إلى السماء فيستمعون
~~الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها أشياء من عند أنفسهم فلما بعث النبي
~~صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم ولم يكن النجوم يرمى بها قبل ذلك فقال
~~لهم إبليس: ما هذا إلا لأمر حدث» الخبر. وروي عن أبي بن كعب أنه قال:
~~«لم يرم بنجم منذ رفع عيسى عليه السلام حتى بعث رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فرمي بها فرأت قريش ما لم تر قبل فجعلوا يسيبون أنعامهم ويعتقون
~~رقابهم يظنون أنه الفناء فبلغ ذلك ms05171 كبيرهم فقال: لم تفعلون؟ فقالوا: رمي
~~بالنجوم فقال: اعتبروا فإن تكن نجوم معروفة فهو وقت فناء الناس وإلا فهو
~~أمر حدث فنظروا فإذا هي لا تعرف فأخبروه فقال: في الأمر مهلة وهذا عند
~~ظهور نبي» الخبر، وكتب الأوائل قد توالت عليها التحريفات فلعل المتأخرين
~~ألحقوا هذه المسألة بها طعنا في هذه المعجزة، وكذا الأشعار المنسوبة إلى
~~أهل الجاهلية لعلها مختلفة عليهم. وثانيا: وهو الحق بأنها كانت موجودة
~~قبل البعثة لأسباب أخر ولا ننكر ذلك إلا أنه لا ينافي أنها بعد البعثة قد
~~توجد بسبب دفع الشياطين وزجرهم. يروى أنه قيل للزهري: أكان يرمى في
~~الجاهلية؟ قال: نعم قيل: أفرأيت قوله تعالى:

# وأنا كنا نقعد منها مقعد للسمع فمن
~~يستمع الآن يجد له شهابا رصدا

# [الجن: 9] قال: غلظ وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى
~~نحو هذا يخرج ما روى عن ابن عباس. وأبي رضي الله تعالى عنهم إن صح. وعن
~~الثاني: بأنه إذا جاء القدر عمي البصر فإذا قضى الله تعالى على طائفة
~~منهم الحرق لطغيانهم وضلالهم قيض لها من الدواعي ما تقدم معه على الفعل
~~المفضي إلى الهلاك. وعن الثالث: بأن البعد بين الأرض والسماء خمسمائة عام
~~فأما ثخن الفلك فإنه لا يكون عظيما.

# وعن الرابع: بأنه روي عن الزهري عن علي بن الحسين بن علي كرم الله
~~تعالى وجهه عن ابن عباس قال:

# " بينا النبي صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم
~~فاستنار فقال عليه الصلاة والسلام: " ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث
~~مثل هذا؟ " قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم قال عليه الصلاة
~~والسلام: " فإنها لا ترمى لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا تعالى إذا قضى
~~الأمر في السماء سبحت حملة العرش ثم سبح أهل السماء وسبح أهل كل سماء حتى
~~ينتهي التسبيح إلى هذه السماء حتى ينتهي ويستخبر أهل السماء حملة العرش
~~ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ولا يزال ينتهي الخبر إلى هذه السماء فيتخطفه
~~الجن ms05172 فيرمون فما جاءوا به فهو حق ولكنهم يزيدون فيه "

# وعن الخامس: بأن النار قد تكون أقوى من نار أخرى فالأقوى تبطل ما دونها.
~~وعن السادس: بأنه إنما دام لأنه عليه الصلاة والسلام أخبر ببطلان الكهانة
~~فلو لم يدم هذا القذف لعادت الكهانة وذلك يقدح في خبر الرسول صلى الله
~~عليه وسلم عن بطلانها. وعن السابع: بأن البعد على مذهبنا غير مانع من
~~السماع فلعله سبحانه وتعالى أجرى عادته بأنهم إذا وقفوا في تلك المواضع
~~سمعوا كلام الملائكة عليهم السلام. وعن الثامن: بأنه لعل الله تعالى
~~أقدرهم على استماع الغيوب من الملائكة وأعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين
~~إلى الكفار. وعن التاسع: بأنه عز وجل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

# وبهذا يجاب عن الأول فيما قيل. وأجيب عن الثاني: بأنا نختار انقطاع
~~الهواء والسماع عندنا بخلق الله تعالى ولا يتوقف على وجود الهواء وتموجه،
~~وقد يختار عدم الانقطاع ويقال: إنه تعالى شأنه/ قادر على منع الهواء من
~~التموج بحركة هاتيك الأجرام، وكذا هو سبحانه قادر على إسماعهم مع هاتيك
~~الأصوات الهائلة السر وأخفى. وعن الثالث: بأن كون الثوابت في الفلك
~~الثامن هو الذي ذهب إليه الفلاسفة واحتجوا عليه بأن بعضها فيه فيجب أن
~~يكون كلها كذلك، أما الأول: فلأن الثوابت التي تكون قريبة من المنطقة
~~تنكسف بالسيارات فوجب أن تكون الثوابت المنكسفة فوق السيارات الكاسفة؛
~~وأما الثاني: فلأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطيئة في كل مائة سنة أو
~~أقل على الخلاف درجة فلا بد أن تكون مركوزة في كرة واحدة، وهو احتجاج
~~ضعيف لأنه لا يلزم من كون بعض الثواب فوق السيارات كون كلها هناك لأنه لا
~~يبعد وجود كرة تحت كرة القمر وتكون في البطء مساوية لكرة الثوابت وتكون
~~الكواكب المركوزة فيما يقارب القطبين مركوزة في هذه الكرة السفلية إذ لا
~~يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصغر والكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة،
~~وعلى هذا لا يمتنع أن تكون هذه النجوم في السماء الدنيا.

# وقد ذكر الجلال السيوطي وغيره أنه جاء ms05173 في بعض الآثار أن الكواكب معلقة
~~بسلاسل من نور بأيدي ملائكة في السماء الدنيا يسيرونها حيث شاء الله
~~تعالى وكيف شاء إلا أن في صحة ذلك ما فيه، على أن ما ذكر في السؤال من أن
~~ذلك يستلزم الخرق وهو مما لا يكاد يقال إما أن يكون مبنيا على القول
~~بامتناع الخرق والالتئام على الفلك المحدد وغيره فقد تقرر فساد ذلك وحقق
~~إمكان الخرق والالتئام بما لا مزيد عليه في غير كتاب من كتب الكلام، وإما
~~أن يكون مبنيا على مجرد الاستبعاد فهو مما لا يفيد شيئا لأن أكثر
~~الممكنات مستبعدة وهي واقعة ولا أظنك في مرية من ذلك بل قد يقال: نحن لا
~~نلتزم أن الكوكب نفسه يتبع الشيطان فيحرقه، والشهاب ليس نصا في الكوكب
~~لما علمت ما قيل في معناه وإن قيل: إنه بنفسه ينقض ويرمي الشيطان ثم يعود
~~إلى مكانه لظاهر إطلاق الرجوم على النجوم وقولهم رمى بالنجم مثلا.

# وكذا لا نلتزم القول بأنه ينفصل عن الكوكب شعلة كالقبس الذي يؤخذ من
~~النار فيرمى بها كما قاله غير واحد لنحتاج في الجواب عن السؤال بما تقدم
~~إذ يجوز أن يقال: إنه يؤثر حيث كان بإذن الله تعالى هذه الشعلة المسماة
~~بالشهاب ويحرق بها من شاء الله تعالى من الشياطين، وإطلاق الرجوم على
~~النجوم وقولهم: رمى بالنجم يحتمل أن يكون مبنيا على الظاهر للرائي كما
~~في قوله تعالى في الشمس:

# تغرب فى عين حمئة

# [الكهف: 86].

# وقال الإمام: إن هذه الشهب ليست هي الثوابت المركوزة في الفلك وإلا لظهر
~~نقصان كثير في أعدادها مع أنه لم يوجد نقصان أصلا. وأيضا إن في جعلها
~~رجوما ما يوجب النقصان في زينة السماء بل هي جنس آخر غيرها يحدثها الله
~~تعالى ويجعلها رجوما للشياطين، ولا يأباه قوله تعالى:

# ولقد زينا السماء الدنيا بمصبيح وجعلنها
~~رجوما للشيطين

# [الملك: 5] حيث أفاد أن تلك المصابيح هي الرجوم بأعيانها لأنا نقول: كل
~~نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن المصابيح منها
~~باقية ms05174 على وجه الدهر أمنة من التغير والفساد ومنها ما لا يكون كذلك
~~والشهب من هذا القسم وحينئذ يزول الإشكال انتهى.

# والجرح والتعديل بين القولين مفوضان إلى شهاب ذهنك الثاقب، وفي أجوبته
~~السابقة رحمه الله تعالى ما لا يخفى ضعفه، وكذا شاهدة عليه بقلة الإطلاع
~~على الأخبار الصحيحة المشهورة، ألا ترى قوله في الجواب عن ثالث الأسئلة
~~التسعة: إن البعد بين السماء والأرض خمسمائة عام وأما ثخن الفلك فإنه لا
~~يكون عظيما فإنه مخالف لما نطقت به الشريعة وهذت به الفلسفة، أما
~~مخالفته للأول فلأنه قد صح أن سمك كل سماء خمسمائة عام كما صح أن بين
~~السماء والأرض كذلك، وأما مخالفته للثاني/ فلأنه لم يقل أحد من الفلاسفة:
~~أن بين السماء والأرض هذه المسافة التي ذكرها، والأفلاك عندهم مختلفة في
~~الثخن، وقد بينوا ثخن كل بالفراسخ حسبما ذكر في كتب الأجرام والأبعاد،
~~وذكروا في ثخن المحدد ما يشهد بمزيد عظمة الله جل جلاله لكن لا مستند لهم
~~قطعي في ذلك بل إن قولهم: لا فضل في الفلكيات مع كونه أشبه شيء
~~بالخطابيات يعكر عليه.

# وقوله في الجواب عن السادس: إنه إنما دام لئلا يقدح انقطاعه في خبر
~~الرسول صلى الله عليه وسلم عن بطلان الكهانة فإنه مستلزم للدور إذ الظاهر
~~أنه عليه الصلاة والسلام إنما أخبر بذلك لعلمه بدوام القذف المانع من
~~تحقق ما تتوقف عليه الكهانة. وقوله في الجواب عن الخامس: إن النار قد
~~تكون أقوى من نار أخرى فتبطلها ظاهر في أن الشياطين نار صرفة وليس كذلك
~~بل الحق أنهم يغلب عليهم العنصر الناري وقد حصل لهم بالتركيب ولو مع غلبة
~~هذا العنصر ما ليس للنار الصرفة وهو ظاهر.

# هذا ثم أعلم أنه يجوز أن يكون استراق السمع من الملائكة الذي عند السماء
~~لا من الملائكة الذين بين كل سماء وسماء ليجيء حديث الثخن واستبعاد
~~السماع معه، ويشهد لهذا ما رواه البخاري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي
~~الله تعالى عنهم قالت: " سمعت رسول الله صلى الله ms05175 عليه وسلم يقول:

# " إن الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب فتذكر الأمر قضي في السماء
~~فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان فيكذبون مع الكلمة مائة
~~كذبة من عند أنفسهم "

# ولا ينافيه ما رواه أيضا عن عكرمة أنه قال: «سمعت أبا هريرة يقول: إن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة أجنحتها خضعانا
~~لقوله سبحانه كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا
~~قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع "

# الخبر، إذ ليس فيه أكثر من سماع المسترق الكلمة بعد قول الملائكة عليهم
~~السلام بعضهم لبعض، وعدم منافاة هذا لذاك ظاهر عند من ألقى السمع وهو
~~شهيد، وأنه ليس في الآيات ما هو نص في أن ما نراه من الشهب لا يكون إلا
~~لرمي شيطان يسترق بل غاية ما فيها أنه إذا استرق شيطان أتبعه شهاب ورمي
~~بنجم وأين هذا من ذاك؟ نعم في خبر الزهري ما يحتاج معه إلى تأمل، وعلى
~~هذا فيجوز أن يكون حدوث بعض ما نراه من الشهب لتصاعد البخار حسبما تقدم
~~عن الفلاسفة، وكذا يجوز أن يكون صعود الشياطين للاستراق في كل سنة مثلا
~~مرة، ولا يخفى نفع هذا في الجواب عن السؤال الثاني. ومن الناس من أجاب
~~عنه بأنه لا يبعد أن يكون المسترقون صنفا من الشياطين تقتضي ذواتهم
~~التصاعد نظير تصاعد الأبخرة، بل يجوز أن يكون أولئك الشياطين أبخرة تعلقت
~~بها أنفس خبيثة على نحو ما ذكر الفلاسفة من أنه قد يتعلق بذوات الأذناب
~~نفس فتغيب وتطلع بنفسها وفيه بحث.

# ونقل الإمام عن الجبائي أنه قال في الجواب عن ذلك: إن الحالة التي
~~تعتريهم ليس لها موضع معين وإلا لم يذهبوا إليه وإنما يمنعون من المصير
~~إلى مواضع الملائكة ومواضعها مختلفة فربما صاروا إلى موضع فتصيبهم الشهب
~~وربما صاروا إلى غيره ولا يصادفون الملائكة فلا يصيبهم شيء فلما هلكوا في
~~بعض الأوقات وسلموا في بعضها جاز أن يصيروا إلى موضع ms05176 يغلب على ظنونهم
~~أنها لا تصيبهم فيه كما يجوز فيمن يسلك البحر أن يسلكه في موضع يغلب على
~~ظنه حصول النجاة فيه. وتعقبه بقوله: ولقائل أن يقول: إنهم إن صعدوا فإما
~~أن يصلوا إلى مواضع الملائكة أو إلى غيرها فإن وصلوا إلى الأول احترقوا
~~وإن إلى الثاني لم يظفروا بمقصود أصلا، فعلى كلا التقديرين المقصود غير
~~حاصل فإذا حصلت هذه التجربة وثبت بالاستقراء أن الفوز بالمقصود محقق وجب
~~أن يمتنعوا، وهذا بخلاف حال/ المسافر في البحر فإن الغالب على المسافرين
~~فيه الفوز بالمقصود، ثم قال: فالأقرب في الجواب أن نقول: هذه الواقعة
~~إنما تتفق في الندرة فلعلها لا تشتهر بسبب كونها نادرة فيما بين الشياطين
~~اه. وأنت تعلم أن هذا لا يكاد يتم إلا مع القول بأنه ليس كل ما نراه من
~~الشهب يحرق به الشياطين والأمر مع هذا القول سهل كما لا يخفى.

# وذكر البيضاوي أن استراق السمع خطفتهم اليسيرة من قطان السموات لما
~~بينهم من المناسبة في الجوهر أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب وحركاتها،
~~وذكر عند قوله تعالى:

# إنهم عن السمع لمعزولون

# [الشعراء: 212] أن السمع مشروط بمشاركتهم في صفات الذات وقبول فيضان
~~الحق والانتقاش بالصورة الملكوتية ونفوسهم خبيثة ظلمانية شريرة بالذات لا
~~تقبل ذلك، ولا يخفى ما فيه، فإنه ظاهر في أن الاستراق يقتضي مناسبة
~~الجوهر والسمع التام يقتضي المشاركه المذكورة وهو لا يتمشى على أصول
~~الشرع، وفي أن تلقيهم يكون من الأوضاع الفلكية وهو مخالف لصريح النظم
~~والأحاديث مع أنه يقتضي أن يكون قطان السماء بمعنى الكواكب وشمول { من
~~} شياطين الإنس من المنجمين وهو كما ترى. وذكر هو وغيره عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أن الشياطين كانوا لا يحجبون عن السموات فلما ولد عيسى
~~عليه السلام منعوا من ثلاث سموات ولما ولد النبي صلى الله عليه وسلم
~~منعوا من السموات كلها اه.

# ومن الناس من ذهب أخذا ببعض الظواهر إلى أن المنع عند البعثة والله
~~تعالى أعلم.

# بقي ههنا إشكال: ذكره الإمام مع جوابه فقال: ms05177 ولقائل أن يقول: إذا جوزتم
~~في الجملة أن يصعد الشيطان إلى السماء ويسمع أخبار الغيوب من الملائكة
~~عليهم السلام ثم يلقيها إلى الكهنة وجب أن يخرج الإخبار عن المغيبات عن
~~كونه معجزا دالا على الصدق لأن كل غيب يخبر عنه الرسول عليه الصلاة
~~والسلام يقوم فيه هذا الاحتمال، ولا يقال: إن الله تعالى أخبر أنهم عجزوا
~~عن ذلك بعد مولده صلى الله عليه وسلم لأنا نقول: هذا المعجز لا يمكن
~~إثباته إلا بعد القطع بكونه عليه الصلاة والسلام رسولا وبكون القرآن
~~حقا والقطع بهذا لا يمكن إلا بواسطة المعجز، وكون الإخبار عن الغيوب
~~معجزا لا يثبت إلا بعد إبطال هذا الاحتمال وحينئذ يلزم الدور وهو محال.

# ويمكن أن يجاب عنه بأنا نثبت كونه صلى الله عليه وسلم رسولا بسائر
~~المعجزات ثم بعد العلم بثبوت ذلك نقطع بأن الله تعالى أعجز الشياطين عن
~~تلقف الغيب بهذا الطريق وعند ذلك يصير الإخبار عن الغيوب معجزا ولا يلزم
~~الدور اه فتدبر والله سبحانه ولي التوفيق وبيده أزمة التحقيق.

### || [15.19]

# { والأرض مددنها } بسطناها، قال الحسن: أخذ الله تعالى طينة
~~فقال لها: انبسطي فانبسطت، وعن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن أم القرى مكة
~~ومنها دحيت الأرض وبسطت، وعن ابن عباس أنه قال: بسطناها على وجه الماء،
~~وقيل: يحتمل أن يكون المراد جعلناها ممتدة في الجهات الثلاث الطول والعرض
~~والعمق، والظاهر أن المراد بسطها وتوسعتها ليحصل بها الانتفاع لمن حلها
~~ولا يلزم من ذلك نفي كرويتها لما أن الكرة العظيمة لعظمها ترى كالسطح
~~المستوي، ونصب { الأرض } على الحذف على شرطية التفسير وهو في مثل ذلك
~~أرجح من الرفع على الابتداء للعطف على الجملة الفعلية أعني قوله تعالى:

# ولقد جعلنا

# [الحجر: 16] الخ وليوافق ما بعده أعني قوله سبحانه: { وألقينا
~~فيها روسي } أي جبالا ثوابت جمع راسية جمع راسي على ما قيل، وقد
~~بين حكمة إلقاء ذلك فيها في قوله سبحانه:

# وألقى فى الأرض رواسى أن تميد بكم

# [النحل: 15].

# قال ابن عباس: إن الله تعالى لما بسط ms05178 الأرض على الماء مالت كالسفينة
~~فأرساها بالجبال الثقال لئلا تميل بأهلها، وقد تقدم الكلام في ذلك. وزعم
~~بعضهم أنه يجوز أن يكون المراد أنه تعالى فعل ذلك لتكون الجبال دالة على
~~طرق الأرض ونواحيها فلا تميد الناس عن الجادة المستقيمة ولا يقعون في
~~الضلال، ثم قال؛ وهذا الوجه ظاهر الاحتمال. وأنت تعلم أنه لا يسوغ الذهاب
~~إليه مع وجود أخبار تأباه كالجبال.

# { وأنبتنا فيها } أي في الأرض، وهي إما شاملة للجبال لأنها تعد
~~منها أو خاصة بغيرها لأن أكثر النبات وأحسنه في ذلك. وجوز أن يكون الضمير
~~للجبال والأرض بتأويل المذكورات مثلا أو للأرض بمعنى ما يقابل السماء
~~بطريق الاستخدام، وعوده على الرواسي لقربها وحمل الإنبات على إخراج
~~المعادن بعيد { من كل شىء موزون } أي مقدر بمقدار معين تقتضيه
~~الحكمة فهو مجاز مستعمل في لازم معناه أو كناية أو من كل شيء مستحسن
~~متناسب من قولهم: كلام موزون، وأنشد المرتضى في " درره " لهذا المعنى قول
~~عمر بن أبي ربيعة.

# وحديث ألذه وهو مما

# تشتهيه النفوس يوزن وزنا

# وقد شاع استعمال ذلك في كلام العجم والمولدين فيقولون: قوام موزون أي
~~متناسب معتدل، أو ما له قدر واعتبار عند الناس في أبواب النعمة والمنفعة،
~~وقال ابن زيد: المراد ما يوزن حقيقة كالذهب والفضة وغيرهما، و { من }
~~كما في " البحر " للتبعيض، وقال الأخفش: هي زائدة أي كل شيء.

### || [15.20]

# { وجعلنا لكم فيها معيش } ما تعيشون به من المطاعم
~~والمشارب والملابس وغيرها مما يتعلق به البقاء وهي بياء صريحة. وقرأ
~~الأعرج وخارجة عن نافع بالهمز، قال ابن عطية: والوجه تركه لأن الياء في
~~ذلك عين الكلمة، والقياس في مثله أن لا يبدل همزة وإنما يبدل إذا كان
~~زائدا كياء شمائل وخبائث، لكن لما كان الياء هناك مشابها للياء هناك في
~~وقوعه بعد مدة زائدة في الجمع عومل معاملته على خلاف القياس { ومن
~~لستم له برزقين } عطف على { معايش } أي وجعلنا لكم من لستم
~~برازقيه من العيال والمماليك والخدم والدواب وما أشبهها على طريقة
~~التغليب ms05179 كما قال الفراء وغيره، وذكرهم بهذا العنوان لرد حسبان بعض الجهلة
~~أنهم يرتزقون منهم أو لتحقيق أن الله تعالى يرزقهم وإياهم مع ما في ذلك
~~من عظيم الامتنان، ويجوز عطفه على محل { لكم } وجوز الكوفيون ويونس
~~والأخفش وصححه أبو حيان العطف على الضمير المجرور إن لم يعد الجار،
~~والمعنى على التقديرين سواء أي وجعلنا لكم معايش ولمن لستم له برازقين،
~~وقال الزجاج: إن { من } في محل نصب بفعل محذوف والتقدير وأعشنا من لستم
~~الخ أي أمما غيركم لأن المعنى أعشناكم، وقيل: إنه في محل رفع على
~~الابتداء وخبره محذوف لدلالة المعنى عليه أي ومن لستم له برازقين جعلنا
~~له فيها معايش وهو خلاف الظاهر، وقال أبو حيان: لا بأس به فقد أجازوا
~~ضربت زيدا وعمرو بالرفع على الابتداء أي وعمرو ضربته فحذف الخبر لدلالة
~~ما قبله عليه. وأخرج ابن المنذر وغيره عن مجاهد أن المراد بمن لستم الخ
~~الدواب والأنعام، وعن منصور الوحش، وعن بعضهم ذاك والطير  فمن  على هذه
~~الأقوال لما لا يعقل.

### || [15.21]

# { وإن من شىء }  { إن } نافية/ و { من } مزيدة للتأكيد و {
~~شىء } في محل الرفع على الابتداء أي ما شيء من الأشياء الممكنة فيدخل
~~فيها ما ذكر دخولا أوليا والاقتصار عليه قصور. وزعم ابن جريج وغيره أن
~~الشيء هنا المطر خاصة. { إلا عندنا خزائنه } الظرف خبر
~~للمبتدأ و { خزائنه } مرتفع به على أنه فاعل لاعتماده أو مبتدأ
~~والظرف خبره والجملة خبر للمبتدأ الأول، والخزائن جمع خزانة ولا تفتح وهي
~~اسم للمكان الذي يحفظ فيه نفائس الأموال لا غير غلبت  على ما قيل  في
~~العرف على ما للملوك والسلاطين من خزائن أرزاق الناس، شبهت مقدوراته
~~تعالى الفائتة للحصر المندرجة تحت قدرته الشاملة في كونها مستورة عن علوم
~~العالمين ومصونة عن وصول أيديهم مع وفور رغبتهم فيها وكونها متهيأة
~~متأتية لإيجاده وتكوينه بحيث متى تعلقت الإرادة بوجودها وجدت بلا تأخر
~~بنفائس الأموال المخزونة في الخزائن السلطانية فذكر الخزائن على طريقة
~~الاستعارة التخييلية قاله غير واحد، وجوز أن يكون ms05180 قد شبه اقتداره تعالى
~~على كل شيء وإيجاده لما يشاء بالخزائن المودعة فيها الأشياء المعدة لأن
~~يخرج منها ما شاء فذكر ذلك على سبيل الاستعارة التمثيلية، والمراد ما من
~~شيء إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه، وقيل: الأنسب أنه مثل لعلمه
~~تعالى بكل معلوم، ووجه  على ما قيل  أنه يبقى { شىء } على عمومه
~~لشموله الواجب والممكن بخلاف القدرة ولأن { عند } أنسب بالعلم لأن
~~المقدور ليس عنده إلا بعد الوجود. وتعقب بأن كون المقدورات في خزائن
~~القدرة ليس باعتبار الوجود الخارجي بل الوجود العلمي، وقال قوم: الخزائن
~~على حقيقتها وهي الأماكن التي تحفظ فيها الأشياء وإن للريح مكانا وللمطر
~~مكانا ولكل مكان حفظة من الملائكة عليهم السلام، ولا يخفى أنه لا يمكن
~~مع تعميم الشيء.

# { وما ننزله } أي نوجد وما نكون شيئا من تلك الأشياء ملتبسا
~~بشيء من الأشياء { إلا بقدر معلوم } أي إلا ملتبسا بمقدار
~~معين تقتضيه الحكمة وتستدعيه المشيئة التابعة لها من بين المقدورات الغير
~~المتناهية فإن تخصيص كل شيء بصفة معينة وقدر معين ووقت محدود دون ما عدا
~~ذلك مع استواء الكل في الأشكال وصحة تعلق القدرة به لا بد له من حكمة
~~تقتضي اختصاص كل من ذلك بما اختص به. وهذا لبيان سر عدم تكون الأشياء على
~~وجه الكثرة حسبما هو في الخزائن، وهو إما عطف على مقدر أي ننزله وما
~~ننزله إلا بقدر إلى آخره أو حال مما سبق أي عندنا خزائن كل شيء والحال
~~إنا ما ننزله إلا بقدر إلى آخره، فالأول: لبيان سعة القدرة، والثاني:
~~لبيان بالغ الحكمة قاله مولانا شيخ الإسلام.

# وقرأ الأعمش { وما نرسله إلا } إلى آخره، وهي على ما في «البحر» قراءة
~~تفيسر لمخالفتها لسواد المصحف، والأولى في التفسير ما ذكرنا، وإنما عبر
~~عن إيجاد ذلك وإنشائه بالتنزيل لما أنه بطريق التفضل من العالم العلوي
~~إلى العالم السفلي وقيل: لما أن فيه إخراج الشيء مما تميل إليه ذاته من
~~العدم إلى ما لا تميل إليه ذاته من الوجود، وهذا كما في ms05181 قوله تعالى:

# وأنزل لكم من الأنعم ثمنية أزوج

# [الزمر: 6] وقوله سبحانه:

# وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد

# [الحديد: 25] وكأن من حمل الشيء على المطر غره ظاهر التنزيل فارتكب خلاف
~~ظاهره جدا، وكأنه لما كان ذلك بطريق التدريج عبر عنه بالتنزيل، وجيء
~~بصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار. واستدل بعض القائلين بشيئية
~~المعدوم على ذلك بهذه الآية، وقد بين وجهه والجواب عنه الإمام ونحن مع
~~القائلين بالشيئية.

### || [15.22]

# { وأرسلنا الرياح لواقح } عطف على

# جعلنا لكم فيها معيش

# [الحجر: 20] وما بينهما اعتراض لتحقيق ما سبق وترشيح ما لحق، واللواقح
~~جمع/ لاقح بمعنى حامل يقال: ناقة لاقح أي حامل، ووصف الرياح بذلك على
~~التشبيه البليغ، شبهت الريح التي بالسحاب الماطر بالناقة الحامل لأنها
~~حاملة لذلك السحاب أو للماء الذي فيه، وقال الفراء: إنها جمع لاقح على
~~النسب كلابن وتامر أي ذات لقاح وحمل، وذهب إليه الراغب، ويقال لضدها ريح
~~عقيم، وقال أبو عبيدة: { لواقح } أي ملاقح جمع ملقحة كالطوائح في
~~قوله:

# ليبك يزيد ضارع لخصومة

# مختبط مما تطيح الطوائح

# أي المطاوح جمع مطيحة، وهو من ألقح الفحل الناقة إذا ألقى ماءه فيها
~~لتحمل، والمراد ملقحات للسحاب أو الشجر فيكون قد استعير اللقح لصب المطر
~~في السحاب أو الشجر، وإسناده إليها على الأول حقيقة وعلى الثاني مجاز إذ
~~الملقى في الشجر السحاب لا الريح والرياح اللواقح هي ريح الجنوب كما رواه
~~ابن أبي الدنيا عن قتادة مرفوعا، وروى الديلمي بسند ضعيف عن أبي هريرة
~~نحوه، وأخرج ابن جرير وغيره عن عبيد بن عمير قال: يبعث الله تعالى
~~المبشرة فتقم الأرض قما ثم يبعث المثيرة السحاب فتجعله كسفا ثم يبعث
~~المؤلفة فتؤلف بينه فيجعله ركاما ثم يبعث اللواقح فتلقحه فيمطر. وقرأ
~~حمزة { وأرسلنا الريح } بالإفراد على تأويل الجنس فتكون في معنى الجمع
~~فلذا صح جعل { لواقح } حالا منها وذلك كقولهم: أهلك الناس الدينار
~~الصفر والدرهم البيض، ولا تخالف هذه القراءة ما قالوه في حديث

# " [اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا] "

# من أن الرياح تستعمل للخير والريح للشر ms05182 لما قال الشهاب من أن ذلك ليس من
~~الوضع وإنما هو من الاستعمال وهو أمر أغلبي لا كلي فقد استعملت الريح في
~~الخير أيضا نحو قوله تعالى:

# وجرين بهم بريح طيبة

# [يونس: 22] أو هو محمول على الإطلاق بأن لا يكون معه قرينة كالصفة
~~والحال، وأما كون المراد بالخير الدعاء بطول العمر ليرى رياحا كثيرة فلا
~~وجه له.

# { فأنزلنا من السمآء } بعد ما أنشأنا بتلك الرياح سحابا
~~ماطرا { ماء فأسقيناكموه } جعلناه لكم سقيا تسقون به مزارعكم
~~ومواشيكم وهو على ما قيل أبلغ من سقيناكم لما فيه من الدلالة على جعل
~~الماء معدا لهم ينتفعون به متى شاؤا، وقد فرق بين اسقي وسقى غير واحد
~~فقد قال الأزهري: العرب تقول لكل ما كان من بطون الأنعام أو من السماء أو
~~من نهر جار اسقيته أي جعلت شربا له وجعلت له منه مسقى فإذا كان للشفة
~~قالوا سقى ولم يقولوا أسقى، وقال أبو علي: يقال سقيته حتى روي وأسقيته
~~نهرا جعلته شربا له، وربما استعملوا سقى بلا همزة كأسقى كما في قول
~~لبيد يصف سحابا:

# أقول وصوته مني بعيد

# يحط اللث من قلل الجبال

# سقى قومي بني نجد وأسقى

# نميرا والقبائل من هلال

# فإنه لا يريد بسقي قومي ما يروي عطاشهم ولكن يريد رزقهم سقيا لبلادهم
~~يخصبون بها وبعيد أن يسأل لقومه ما يروي ولغيرهم ما يخصبون به، ولا يرد
~~على قول الأزهري أنه لا يقال أسقى في سقيا الشفة قول ذي الرمة:

# وأسقيه حتى كاد مما أبثه

# يكلمني أحجاره وملاعبه

# قال الإمام: لأنه أراد بأسقيه أدعو له بالسقيا ولا يقال في ذلك كما قال
~~أبو عبيد سوى أسقى، هذا وقد جاء الضمير هنا متصلا بعد ضمير منصوب متصل
~~أعرف منه ومذهب سيبويه في مثلك ذلك وجوب الاتصال.

# { ومآ أنتم له بخزنين } نفي سبحانه عنهم ما أثبته لجنابه
~~بقوله جل جلاله:

# وإن من شىء إلا عندنا خزائنه

# [الحجر: 21] كأنه/ قيل: نحن القادرون على إيجاده وخزنه في السحاب
~~وإنزاله، وما أنتم على ذلك بقادرين، ms05183 وقيل: المراد نفي حفظه أي وما أنتم
~~له بحافظين في مجاريه عن أن يغور فلا تنتفعون به وعن سفيان أن المعنى وما
~~أنتم له بمانعين لإنزاله من السماء.

### || [15.23]

# { وإنا لنحن نحى } بإيجاد الحياة في بعض الأجسام القابلة لها
~~{ ونميت } بإزالتها عنها فالحياة صفة وجودية وهي كما قيل صفة تقتضي
~~الحس والحركة الإرادية والموت زوال تلك الصفة، وقال بعضهم: إنه صفة
~~وجودية تضاد الحياة لظاهر قوله تعالى:

# الذى خلق الموت

# [الملك: 2] وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك، وقد يعمم الإحياء
~~والإماتة بحيث يشمل الحيوان والنبات مثل أن يقال: المراد إعطاء قوة
~~النماء وسلبها، وتقديم الضمير للحصر، وهو إما توكيد للأول ومبتدأ خبره
~~الجملة بعده والمجموع خبره لإنا، وجوز كونه ضمير فصل ورده أبو البقاء
~~بوجهين: أحدهما: أنه لا يدخل على الخبر الفعلي والثاني: أن اللام لا تدخل
~~عليه، وتعقب ذلك في «الدر المصون» بأن الثاني غلط فإنه ورد دخول اللام
~~عليه في قوله تعالى:

# إن هذا لهو القصص الحق

# [آل عمران: 62] ودخوله على المضارع مما ذهب إليه الجرجاني وبعض النحاة،
~~وجعلوا من ذلك قوله تعالى:

# إنه هو يبدىء ويعيد

# [البروج: 13] ولعل ذلك المجوز ممن يرى هذا الرأي والعجب من أبي البقاء
~~فإنه رد ذلك هنا وجوزه في قوله تعالى:

# ومكر أولئك هو يبور

# [فاطر: 10] كما نقله في «المغني».

# { ونحن الورثون } أي الباقون بعد فناء الخلق قاطبة المالكون
~~للملك عند انقضاء زمان الملك المجازي، الحاكمون في الكل أولا وآخرا
~~وليس لأحد إلا التصرف الصوري والملك المجازي وفي هذا تنبيه على أن
~~المتأخر ليس بوارث للمتقدم كما يتراءى من ظاهر الحال، وتفسير الوارث
~~بالباقي مروي عن سفيان وغيره، وفسر بذلك في قوله عليه الصلاة والسلام:

# " اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا "

# وهو من باب الاستعارة.

### || [15.24]

# { ولقد علمنا المستقدمين منكم } من مات { ولقد
~~علمنا المستئخرين } من هو حي لم يمت بعد، أخرجه ابن أبي
~~حاتم وغيره عن ابن عباس، وفي رواية أخرى عنه المستقدمين آدم عليه السلام ms05184
~~ومن مضى من ذريته والمستأخرين من في أصلاب الرجال، وروي مثله عن قتادة،
~~وعن مجاهد المستقدمين من مضي من الأمم و المستأخرين أمة محمد صلى الله
~~عليه وسلم، وقيل: من تقدم ولادة وموتا ومن تأخر كذلك مطلقا وهو من
~~المناسبة بمكان وروي عن الحسن أنه قال: من سبق إلى الطاعة ومن تأخر فيها،
~~وروي عن معتمر أنه قال: بلغنا أن الآية في القتال فحدثت أبي فقال لقد
~~نزلت قبل أن يفرض القتال، فعلى هذا أخذ الجهاد في عموم الطاعة ليس بشيء،
~~على أنه ليس في تفسير ذلك بالمستقدمين والمستأخرين فيها كمال مناسبة،
~~والمراد من علمه تعالى بهؤلاء علمه سبحانه بأحوالهم، والآية لبيان كمال
~~علمه جل وعلا بعد الاحتجاج على كمال قدرته تعالى فإن ما يدل عليها دليل
~~عليه ضرورة أن القادرة على كل شيء لا بد من علمه بما يصنعه وفي تكرير
~~قوله تعالى: { ولقد علمنا } ما لا يخفى من الدلالة على التأكيد.
~~وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي في
~~«سننه» وجماعة من طريق أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: كانت امرأة تصلى
~~خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن الناس فكان بعض القوم
~~يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف
~~المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه فأنزل الله تعالى الآية، وأخرج عبد
~~الرزاق وابن المنذر عن أبي الجوزاء أنه قال في الآية ولقد علمنا
~~المستقدمين منكم في الصفوف في الصلاة ولم يذكر من حديث المرأة شيئا، قال
~~الترمذي: هذا أشبه أن يكون أصح، وقال الربيع بن أنس: حرض النبي صلى الله
~~عليه وسلم/ على الصف الأول في الصلاة فازدحم الناس عليه وكان بنو عذرة
~~دورهم قاصية عن المسجد فقالوا: نبيع دورنا ونشتري دورا قريبة من المسجد
~~فأنزل الله تعالى الآية، وأنت تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص
~~السبب، ومن هنا قال بعضهم: الأولى الحمل على العموم أي علمنا من اتصف
~~بالتقدم والتأخر في الولادة ms05185 والموت والإسلام وصفوف الصلاة وغير ذلك.

### || [15.25]

# { وإن ربك هو يحشرهم } للجزاء، وتوسيط الضمير قيل للحصر
~~أي هو سبحانه يحشرهم لا غير، وقيل عليه: إنه في مثل ذلك يكون الفعل مسلم
~~الثبوت والنزاع في الفاعل وههنا ليس كذلك فالوجه جعله لإفادة التقوى.
~~وتعقب بأن هذا في القصر الحقيقي غير مسلم وتصدير الجملة بإن لتحقيق الوعد
~~والتنبيه على ما سبق يدل على صحة الحكم، وفي الالتفات والتعرض لعنوان
~~الربوبية إشعار بعلته، وفي الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم دلالة
~~على اللطف به عليه الصلاة والسلام. وقرأ الأعمش { يحشرهم } بكسر الشين {
~~إنه حكيم } بالغ الحكمة متقن في أفعاله. والحكمة عندهم عبارة عن
~~العلم بالأشياء على ما هي عليه والإتيان بالأفعال على ما ينبغي { عليم
~~} وسع علمه كل شيء، ولعل تقديم وصف الحكمة للإيذان باقتضائها للحشر
~~والجزاء، وقد نص بعضهم على أن الجملة مستأنفة للتعليل.

### || [15.26]

# { ولقد خلقنا الإنسن } أي هذا النوع بأن خلقنا أصله وأول
~~فرد من أفراده خلقا بديعا منطويا على خلق سائر أفراده انطواء
~~إجماليا. { من صلصل } أي طين يابس يصلصل أي يصوت إذا نقر. أخرجه
~~ابن أبي حاتم عن قتادة ونقله في «الدر المصون» عن أبي عبيدة ونقل عنه
~~أبو حيان أنه قال: هو الطين المخلوط بالرمل وهو رواية عن ابن عباس، وفي
~~رواية أخرى عنه أنه الطين المرقق الذي يصنع منه الفخار، وفي أخرى نحو
~~الأول، وقيل: هو من صلصل إذ أنتن تضعيف صل يقال: صل اللحم وأصل إذا أنتن
~~وهذا النوع من المضعف مصدر يفتح أوله ويكسر كالزلزال ووزنه عند جمهور
~~البصريين فعلال، وقال الفراء: وكثير من النحويين فعفع كررت الفاء والعين
~~ولا لام، وغلطهم في «الدر المصون» لأن أقل الأصول ثلاثة فاء وعين ولام،
~~وقال بعض البصريين والكوفيين: فعفل ونسب أيضا إلى الفراء بل قيل هو
~~المشهور عنه، وعن بعض آخر من الكوفيين أن وزنه فعل بتشديد العين والأصل
~~صلل مثلا فلما اجتمع ثلاثة أمثال أبدل الثاني من جنس الفاء، وخص بعضهم
~~هذا الخلاف بما ms05186 إذا لم يختل المعنى بسقوط الثالث كلملم وكبكب فإنك تقول
~~لم وكب فلو لم يصح المعنى بسقوطه نحو سمسم فلا خلاف في أصالة الجميع،
~~وقال اليمني: ليس معنى قولهم: إن الأصل صلل أنه زيد فيه صاد بل هو رباعي
~~كزلزل والاشتراك في أصل المعنى لا يقتضي أن يكون منه إذ الدليل دال على
~~أن الفاء لا تزاد لكن زيادة الحرف تدل على زيادة المعنى، وذكر في «البحر»
~~أن صلصال بمعنى مصلصل كالقضاض بمعنى المقضقض فهو مصدر بمعنى الوصف ومثله
~~كثير.

# { من حمإ } من طين تغير واسود من مجاورة الماء ويقال للواحدة حمأة،
~~قال الليث: بتحريك الميم ووهم في ذلك وقالوا: لا نعرف الحمأة في كلام
~~العرب إلا ساكنة الميم وعلى هذا أبو عبيدة والأكثرون، والجار والمجرور في
~~موضع الصفة لصلصال كما هو السنة الشائعة في الجار والمجرور بعد النكرة أي
~~من صلصال كائن من حمإ، وقال الحوفي: هو بدل مما قبله بإعادة الجار فكأنه
~~قيل خلقناه من حمإ { مسنون } / أي مصور من سنة الوجه وهي صورته،
~~وأنشد لذلك ابن عباس قول عمه حمزة يمدح النبي صلى الله عليه وسلم:

# أغر كأن البدر سنة وجهه

# جلا الغيم عنه ضوؤه فتبددا

# وأنشد غيره قول ذي الرمة:

# تريك سنة وجه غير مقرفة

# ملساء ليس بها خال ولا ندب

# أو مصبوب من سن الماء صبه ويقال شن بالشين أيضا أي مفرغ على هيئة
~~الإنسان كما تفرغ الصور من الجواهر المذابة في القوالب، وقال قتادة
~~ومعمر: المسنون المنتن، قيل: وهو من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به
~~فالذي يسيل بينهما سنين ولا يكون إلا منتنا، وقيل: هو من سننت الحديدة
~~على المسن إذا غيرتها بالتحديد، وأصله الاستمرار في جهة من قولهم: هو على
~~سنن واحد وهو صفة لحمإ، ويجوز أن يكون صفة لصلصال ولا ضير في تقدم الصفة
~~الغير الصريحة على الصريحة، فقد قال الرضي: إذا وصفت النكرة بمفرد أو ظرف
~~أو جملة قدم المفرد في الأغلب وليس بواجب خلافا لبعضهم، والدليل عليه
~~قوله ms05187 تعالى:

# وهذا ذكر مبارك أنزلنه

# [الأنبياء: 50] لكنه يحتاج إلى نكتة لا سيما في كلام الله تعالى لأنه لا
~~يعدل عن الأصل لغير مقتض، ولعل النكتة ههنا مناسبة المقدم لما قبله في
~~أن كلا منهما من جنس المادة، وقيل: إنما أخرت الصفة الصريحة تنبيها على
~~أن ابتداء مسنونيته ليس في حال كونه صلصالا بل في حال كونه حمأ كأنه
~~سبحانه أفرغ الحمأ فصور من ذلك تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صوت ثم
~~غيره طورا بعد طور حتى نفخ فيه من روحه فتبارك الله أحسن الخالقين،
~~وقيل: المسنون المنسوب أي نسب إليه ذريته وهو كما ترى.

### || [15.27]

# { والجآن } هو أبو الجن كما روي عن ابن عباس ويجمع على جنان كحائط
~~وحيطان وراع ورعيان قاله الطبرسي، وقيل: هو إبليس وروي عن الحسن وقتادة
~~لكن في «الدر المصون» أنه هو أبو الجن، وقال ابن بحر: هو اسم لجنس الجن
~~وتشعب الجنس لما كان من فرد واحد مخلوق من مادة واحدة كان الجنس مخلوقا
~~منها وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد { والجأن } بالهمز وانتصابه بفعل يفسره {
~~خلقنه } وهو هنا أقوى من الرفع للعطف على الجملة الفعلية { من
~~قبل } أي من قبل خلق الإنسان، قيل: ومن هنا يظهر جواز كون المراد
~~بالمستقدمين أحد الثقلين وبالمستأخرين الآخر والخطاب بقوله تعالى:

# منكم

# [الحجر: 24] للكل وهو بعيد غاية البعد.

# { من نار السموم } أي الريح الحارة التي تقتل وروي ذلك عن ابن
~~عباس، وأكثر ما تهب في النهار وقد تهب ليلا. وسميت سموما لأنها بلطفها
~~تنفذ في مسام البدن ومنه السم القاتل، ويقال: سم يومنا يسم إذا هبت فيه
~~تلك الريح، وقيل: السموم نار لا دخان لها ومنها تكون الصواعق، وروي ذلك
~~أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس فالإضافة من إضافة العام إلى الخاص، وقيل:
~~السموم إفراط الحر والإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة، والمراد من
~~النار المفرطة الحرارة، وقد جاء في بعض الآثار ما يدل على أن النار التي
~~خلق منها الجان أشد حرارة من النار المعروفة، ms05188 فقد أخرج ابن مردويه عن ابن
~~مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " رؤيا المسلم جزء من سبعين جزأ من النبوة وهذه النار جزء من سبعين جزأ
~~من السموم التي خلق منها الجان وتلا/ عليه الصلاة والسلام الآية "

# واستشكل الخلق من النار بأنه كيف تخلق الحياة فيها وهي بسيطة ليست
~~متركبة من أجزاء مختلفة الطبع والحياة كالمزاج لا تكون إلا في المركبات
~~وقد اشترط الحكماء فيها البنية المركبة. وأجيب بمنع ذلك لأنها إذا خلقت
~~في المجردات كالملائكة على قول والعقول التي أثبتها الفلاسفة فبالطريق
~~الأولى البسائط بل لا مانع أيضا أن تخلق في الأجزاء الفردة خلافا
~~للمعتزلة حيث اشترطوا البنية المركبة من الجواهر وليس لهم سوى شبه أوهن
~~من بيت العنكبوت على أن ذلك غير وارد رأسا لأن معنى كون الجن مخلوقة من
~~نار أنها الجزء الأعظم الغالب عليها كالتراب في الإنسان فليست بسيطة،
~~وقال بعضهم: إن الجن أجسام هوائية أو نارية بمعنى أنهم يغلب عليهم ذلك
~~وهم مركبون من العناصر الأربعة كالملائكة عليهم السلام على قول.

# ثم إن النقل الظاهر عن أكثر الفلاسفة إنكار الجن وليس ذلك مذهب جميعهم
~~فقد ذهب جمع عظيم من قدمائهم إلى وجودهم وهو مذهب جمهور أرباب الملل
~~وأصحاب الروحانيات ويسمونهم بالأرواح السفلية وزعموا أنهم أسرع إجابة من
~~الأرواح الفلكية إلا أنها أضعف.

# نعم اختلف المثبتون فمنهم من زعم أنهم ليسوا أجساما ولا حالين فيها بل
~~هم جواهر قائمة بأنفسها لكنها أنواع مختلفة بالماهية كاختلاف ماهيات
~~الأعراض بعد استوائها في الحاجة إلى المحل فبعضها كريمة حرة محبة للخيرات
~~وبعضها دنية خسيسة محبة للشرور ولا يعلم عدد أنواعهم إلا الله تعالى ولا
~~يبعد أن يكون في أنواعها من يقدر على أفعال شاقة يعجز عنها قدرة البشر
~~وكذا لا يبعد لكل نوع منها تعلق بنوع مخصوص من أجسام هذا العالم.

# ومن الناس من زعم أن هذه الأرواح البشرية والنفوس الناطقة إذا فارقت
~~أبدانها وازدادت قوة وكمالا بسبب ما في ذلك العالم الروحاني من انكشاف
~~الأسرار ms05189 الروحانية فإذا اتفق حدوث بدن مشابه للبدن الذي فارقته فبسبب تلك
~~المشابهة يحصل لتلك النفس المفارقة تعلق ما بهذا البدن وتصير معاونة لنفس
~~ذلك البدن في أفعالها وتدبيرها لذلك البدن فإن اتفقت هذه الحالة في
~~النفوس الخيرة سمي ذلك المعين ملكا وتلك الإعانة إلهاما، وإن اتفقت في
~~النفوس الشريرة سمي ذلك المعين شيطانا وتلك الإعانة وسوسة، ومنهم من
~~قال: إنهم أجسام لكن اختلفوا فقال بعضهم: هي مختلفة الماهية وإن اشتركت
~~في صفة، وقال آخرون: إنها متساوية في تمام الماهية، وقد أطال الكلام في
~~ذلك الإمام في تفسير سورة الجن، وذكر في تفسير هذه الآية أنهم اختلفوا في
~~الجن فقال بعضهم: إنهم جنس غير الشياطين، والأصح أن الشياطين قسم من
~~الجن، فكل من كان منهم مؤمنا فإنه لا يسمى بالشيطان، وكل من كان منهم
~~كافرا سمي بهذا الاسم، والدليل على صحة ذلك أن لفظ الجن مشتق من
~~الاستتار فكل من كان كذلك كان من الجن اه، وما ذكره من الأصح هو الذي
~~ذهب إليه المعظم لكن ما ذكره من الدليل ضعيف.

# وقال وهب: إن من الجن من يولد له ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين،
~~ومنهم من هو بمنزلة الريح لا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون وهم
~~الشياطين. وذكر ابن عربي أن تناسل الجن بإلقاء الهواء في رحم الأنثى كما
~~أن التناسل في البشر بإلقاء الماء في الرحم، وأنهم محصورون في اثنتي عشرة
~~قبيلة أصولا ثم يتفرعون إلى أفخاذ، ويقع بينهم حروب وبعض الزوابع يكون
~~عند حربهم، فإن الزوبعة تقابل ريحين تمنع كل صاحبتها أن تخترقها فيؤدي
~~ذلك إلى الدور وما كل زوبعة حرب.

# وأخرج البيهقي في " الأسماء " وأبو نعيم والديلمي وغيرهم بإسناد صحيح 
~~كما قال العراقي  عن أبي ثعلبة مرفوعا الجن ثلاثة أصناف فصنف لهم
~~أجنحة يطيرون في الهواء وصنف حيات وكلاب وصنف/ يحلون ويظعنون، وفي هذه
~~القسمة عندي إشكال يظهر بالتدبر، ولعل حاصلها أن صنفا منهم يغلب عليهم
~~الطيران في الهواء، وصنف يغلب عليهم الحل والارتحال، وصنف يغلب عليهم
~~المكث والتوطن ms05190 ببعض المواطن، وعبر عنهم بالحيات والكلاب لكثرة تشكلهم
~~بذلك دون الصنفين الآخرين، فإنهم وإن جاز عليهم التشكل بالأشكال المختلفة
~~لأنهم من الجن، وقد قالوا: إنهم قادرون على ذلك وإن نوزع فيه بأنه يستلزم
~~أن لا تبقى ثقة بشيء.

# ورد بأن الله تعالى قد تكلف لهذه الأمة بعصمتها عن أن يقع فيها ما يترتب
~~عليه الريبة في الدين ورفع الثقة بعالم وغيره فاستحال شرعا الاستلزام
~~المذكور  إلا أنهم لا يكثر تشكلهم بذلك، وربما يقال: إن القدرة على
~~التشكل إنما هي لصنف المتوطنين، وإثباتها في كلامهم للجن يكفي فيه صحتها
~~باعتبار بعض الأصناف لكنه بعيد جدا فليتدبر حقه، وقد قال الهيتمي: إن
~~رجال هذا الحديث وثقوا وفي بعضهم ضعف، فإن كان الحديث لذلك ضعيفا فلا
~~قيل ولا قال والله تعالى أعلم بحقيقة الحال، وسيأتي إن شاء الله تعالى
~~استيفاء الكلام في هذا المقام بعون الله تعالى الملك العلام، ثم إن مساق
~~الآية الكريمة  على ما قيل  كما هو للدلالة على كمال قدرته تعالى شأنه
~~وبيان بدء خلق الثقلين فهو للتنبيه على مقدمة يتوقف عليها إمكان الحشر
~~وهي قبول المواد للجمع والإحياء فتدبر.

### || [15.28]

# { وإذ قال ربك } نصب بإضمار اذكر، وتذكير الوقت لما مر مرارا
~~من أنه أدخل في تذكير ما وقع فيه، وفي التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة
~~إلى ضميره عليه الصلاة والسلام إشعار بعلة الحكم وتشريف له صلى الله عليه
~~وسلم أي اذكر وقت قوله تعالى: { للملئكة } الظاهر أن المراد بهم
~~ملائكة السماء والأرض، وزعم بعض الصوفية أن المراد بهم ملائكة الأرض ولا
~~دليل له عليه { إني خالق } فيما سيأتي؛ وفيه ما ليس في صيغة
~~المضارع من الدلالة على أنه تعالى فاعل لذلك البتة من غير صارف ولا عاطف
~~{ بشرا } أي إنسانا، وعبر به عنه اعتبارا بظهور بشرته وهي ظاهر
~~الجلد عكس الأدمة خلافا لأبي زيد حيث عكس وغلطه في ذلك أبو العباس
~~وغيره من الصوف والوبر ونحوهما، ولبعض أكابر الصوفية وجه آخر في التسمية
~~سنذكره إن شاء الله تعالى في ms05191 باب الإشارة، ويستوي فيه الواحد والجمع.
~~وذكر الراغب أنه جاء جمع البشرة بشرا وأبشارا، وقيل: أريد جسما كثيفا
~~يلاقي ويباشر أو جسما بادي البشرة ولم يرد إنسانا وإن كان هو إياه في
~~الواقع، وبعض من قال إنه المراد قال: ليس هذا صيغة عين الحادثة وقت
~~الخطاب بل الظاهر أن يكون قد قيل لهم: إني خالق خلقا من صفته كيت وكيت
~~ولكن اقتصر عند الحكاية على الاسم { من صلصل } متعلق  بخالق  أو
~~بمحذوف وقع صفة { بشرا }  { من حمإ مسنون } تقدم تفسيره
~~وإعرابه فتذكر فما في العهد من قدم.

### || [15.29]

# { فإذا سويته } فعلت فيه ما يصير به مستويا معتدلا مستعدا
~~لفيضان الروح وقيل: صورته بالصور الإنسانية والخلقة البشرية { ونفخت
~~فيه من روحى } النفخ في العرف إجراء الريح من الفم أو غيره في
~~تجويف جسم صالح لإمساكها والامتلاء بها، والمراد هنا تمثيل إفاضة ما به
~~الحياة بالفعل على المادة القابلة لها وليس هناك نفخ حقيقة. وقال حجة
~~الإسلام: عبر بالنفخ الذي يكون سببا لاشتعال فتيلة القابل من الطين الذي
~~تعاقبت عليه الأطوار حتى اعتدل واستوى واستعد استعدادا تاما بنور الروح
~~كما يكون سببا لاشتعال الحطب القابل مثلا/ بالنار عن نتيجته ومسببه وهو
~~ذلك الاشتعال، وقد يكنى بالسبب عن الفعل المستفاد الذي يحصل منه على سبيل
~~المجاز وإن لم يكن الفعل المستفاد على صورة الفعل المستفاد منه، ثم هذا
~~الروح عنده وكذا عند جماعة من المحققين ليس بجسم يحل البدن حلول الماء في
~~الإناء مثلا، ولا هو عرض يحل القلب أو الدماغ حلول السواد في الأسود
~~والعلم في العالم بل هو جوهر مجرد ليس داخل البدن ولا خارجه ولا متصلا
~~به ولا منفصلا عنه، ولهم على ذلك عدة أدلة:

# الدليل الأول: أن الإنسان يمكنه إدراك الأمور الكلية وذلك بارتسام صور
~~المدركات في المدرك فمحل تلك الصور إن كان جسما فإما أن يحل غير منقسم
~~أو منقسما، والأول محال لأن الذي لا ينقسم من الجسم طرف نقطي والنقطة
~~تمتنع أن تكون محلا للصور العقلية لأنها ms05192 مما لا يعقل حصول المزاج لها
~~حتى يختلف حال استعدادها في القابلية وعدمها بل إن كانت قابلة للصور
~~المذكورة وجب أن يكون ذلك القبول حاصلا أبدا ولو كان كذلك لكان المقبول
~~حاصلا أبدا لما أن المبادىء الفعالة المفارقة عامة الفيض فلا يتخصص إلا
~~لاختلاف أحوال القوابل فلو كان القابل تام الاستعداد لكان المقبول واجب
~~الحصول وحينئذ يكون جميع الأجسام ذوات النقط عاقلة، ويجب أيضا أن يبقى
~~البدن بعد الموت عاقلا لبقاء محل الصور على استعداده وليس كذلك، والثاني
~~أيضا محال لأن الحال في المنقسم منقسم فيلزم أن تكون تلك الصورة منقسمة
~~أبدا وذلك محال لوجوه مقررة فيما بينهم.

# الدليل الثاني: ما عول عليه الشيخ وزعم أنه أجل ما عنده في هذا الباب
~~وهو أنه يمكننا أن نعقل ذواتنا وكل من عقل ذاتا فله ماهية ذلك الذات
~~فإذا لنا ماهية ذاتنا فلا يخلو إما أن يكون تعقلنا لذاتنا لأجل صورة
~~اخرى مساوية لها تحصل فيها وإما أن لا يكون بل لأجل أن نفسها حاضرة لها،
~~والأول محال لأنه يفضي إلى الجمع بين المثلين فتعين الثاني، وكل ما ذاته
~~حاصل لذاته كان قائما بذاته، فإذن القوة العاقلة وهي الروح والنفس
~~الناطقة قائمة بنفسها، وكل جسم أو جسماني فإنه غير قائم بنفسه، وأكثر
~~تلامذته من الاعتراضات وأجاب عنها.

# الدليل الثالث: ما عول عليه أفلاطون وهو أنا نتخيل صورا لا وجود لها في
~~الخارج ونميز بينها وبين غيرها فهذه الصور أمور وجودية ومحلها يمتنع أن
~~يكون جسمانيا فإن جملة بدننا بالنسبة إلى الأمور المتخيلة لنا قليل من
~~كثير فكيف ينطبق الصور العظيمة على المقادير الصغيرة؟ وليس يمكن أن يقال:
~~إن بعض تلك الصور منطبعة في أبداننا وبعضها في الهواء المحيط بنا إذ
~~الهواء ليس من جملة أبداننا ولا آلة لنفوسنا في أفعالها أيضا وهو ظاهر،
~~فإذن محل هذه الصور شيء غير جسماني وذلك هو النفس الناطقة.

# الدليل الرابع: لو كان محل الإدراكات شيئا جسمانيا لصح أن يقوم ببعض
~~ذلك الجسم علم وبالبعض الآخر جهل ms05193 فيكون الشيء الواحد عالما جاهلا بشيء
~~واحد في حالة واحدة.

# الدليل الخامس: أن الروح لو كان منطبعا في جسم مثل قلب أو دماغ لكان
~~إما أن يعقل دائما ذلك الجسم أو لا يعقله كذلك أو يعقله في وقت دون وقت
~~والأقسام باطلة فالقول بانطباعه باطل، وبيان ذلك أن تعقل الروح لذلك
~~الجسم إما أن يكون لأجل أن الآلة حاضرة عنده أو لأن صورة أخرى من تلك
~~الآلة تحصل له فإن كان الأول فالروح إن أمكنه إدراك تلك الآلة وإدراك نفس
~~مقارنتها له فما دامت الآلة مقارنة وجب/ أن يعقلها الروح فيكون دائم
~~الإدراك لتلك الآلة وإن امتنع على الروح إدراك الآلة وجب أن لا يدركها
~~أبدا فظاهر أنه لو كان تعقل الروح لتلك الآلة لأجل المقارنة لوجب أن
~~يعقلها دائما أو لا يعقلها كذلك وكلا القسمين باطل، وأما إن كان تعقله
~~لها لأجل حصول صورة أخرى منها فالروح إن كانت في تلك الآلة والصورة
~~الثانية حاصلة فيه يكون الصورة الثانية للآلة حالة أيضا في الآلة لأن
~~الحال في الحال في الشيء حال في ذلك الشيء فيلزم الجمع بين المثلين وإن
~~لم يكن الروح في تلك الحالة بل مجردة فذلك المطلوب واستدل بغير ذلك
~~أيضا.

# وقد ذكر الإمام في " المباحث " من الأدلة اثني عشر دليلا منها ما ذكر
~~وأطال الكلام في ذلك جرحا وتعديلا وعول في إثبات هذا المطلب على غير
~~ذلك فقال: والذي نعول عليه أن نقول: إن كل عاقل يجد من نفسه أنه الذي كان
~~قبل فهويته إما أن تكون جسما وإما أن تكون قائمة بالجسم وإما أن لا تكون
~~شيئا من الأمرين والأول بالباطل، أما أولا فلأن الإنسان قد يكون عالما
~~بهويته عند ذهوله عن جملة أعضائه الظاهرة والباطنة، وأما ثانيا فلأن
~~الأبعاض الجسمانية دائمة التحلل والتبدل لأن الأسباب المحالة من الحرارة
~~الخارجية الداخلية والحركات النفسانية والبدنية مما لا تختص بجزء دون جزء
~~والبدن مركب من الأعضاء المركبة وهي مركبة من الأعضاء البسيطة مثل اللحم
~~والعظم فيكون كل ms05194 جزء من اللحم مثل الآخر في الاستعداد للتحلل فإذا كانت
~~الأجزاء كلها متساوية في ذلك كانت نسبة المحللات إلى كل واحد من الأجزاء
~~كنسبته إلى الجزء الآخر فلم يكن عروض التحلل لبعض أولى من عروضه للبعض
~~الآخر فثبت أن هوية الإنسان ليست جسما وليست أيضا قائمة بالجسم لأن
~~القائم به يجب أن يتبدل عند تبدله لاستحالة انتقال الأعراض فكان يلزم أن
~~لا يجد الإنسان من نفسه أنه الذي كان موجودا قبل، ولما كان هذا العلم من
~~العلوم البديهية علمنا أن هوية الإنسان ليست جسما ولا محتاجة إليه فهو
~~جوهر مجرد وهو المطلوب.

# ولا يلزم أن يكون لسائر الحيوانات هذا الجوهر لأنا وإن عرفنا أنها تعلم
~~هويات أنفسها لكن لا نعرف أنها تعلم من أنفسها أنها هي التي كانت موجودة
~~قبل ويمكن أن يحتج أيضا على هذا المطلب بأنا قد دللنا على أن المدرك
~~بجميع أصناف الإدراكات لجميع المدركات شيء واحد في الإنسان فنقول ذلك
~~المدرك إما أن يكون جسما أو قائما به أو لا ولا، والأول ظاهر الفساد
~~لأن الجسم من حيث هو جسم لا يمكن أن يكون مدركا، والثاني أيضا باطل لأن
~~تلك الصفة إما أن تكون قائمة بجميع أجزاء البدن أو ببعض دون بعض والأول
~~باطل وإلا لكان كل جزء من أجزاء البدن مبصرا سامعا متخيلا متفكرا
~~عاقلا وليس كذلك، وبطل أيضا أن يقال: إن بعض الأعضاء قامت به القوة
~~المدركة لجميع هذه المدركات لأنه يلزم أن يكون في البدن عضو واحد سامع
~~مبصر متخيل متفكر عاقل ولسنا نجد ذلك فينا، وبهذا ظهر أيضا فساد ما قيل:
~~لعل القوة المدركة لجميع المدركات قائمة بجسم لطيف محصور في بعض الأعضاء
~~لظهور أنا لا نجد من أبداننا موضعا مشتملا على هذا الجسم اللطيف السامع
~~المبصر المتخيل المتفكر العاقل، وليس لأحد أن يقول: هب أنكم لا تعرفون
~~هذا الموضع لكن ذلك لا يدل على عدمه لأنا نقول إنا قد دللنا على أنا
~~السامعون المبصرون المتخيلون العاقلون فلو كان بعض الأجسام سواء ms05195 كان جزأ
~~من البدن أو محصورا في جزء منه موصوفا بالقوة المتعلقة بجميع هذه
~~المدركات لم يكن حقيقتنا وهويتنا إلا ذلك الجسم فلو لم نعرفه لكنا لا
~~نعرف حقيقة أنفسنا وذلك باطل فثبت أن الموصوف بالقوة المدركة لجميع
~~المدركات ليس جسما أصلا ولا قائما به/ فهو جوهر مجرد وهو المطلوب،
~~وذكر هؤلاء الذاهبون إلى التجرد أنه متعلق بالبدن كتعلق العاشق عشقا
~~جبليا إلهاميا بالمعشوق حتى أنه لا ينقطع ذلك التعلق ما دام البدن
~~مستعدا لأن يتعلق به بل تعلق الروح أقوى من هذا التعلق بكثير وهو تعلق
~~التدبير والتصريف وإضافته إلى ضميره تعالى في الآية لأنه سبحانه وتعالى
~~خلقه من غير واسطة تجري مجرى الأصل والمادة أو للتشريف، وسئل حجة الإسلام
~~عن ذلك فقال: لو نطقت الشمس وقالت: أفضت على الأرض من نوري يكون ذلك
~~صدقا ويكون معنى النسبة أن النور الحاصل للأرض من جنس نور الشمس بوجه من
~~الوجوه.

# وإن كان في غاية من الضعف بالنسبة إليه وقد عرفت أن الروح منزه عن الجهة
~~والمكان وفي قوته العلم بجميع الأشياء وذلك مضاهاة ومناسبة ولذلك خص
~~بالإضافة وهذه المضاهاة ليست للجسمانيات أصلا، وليس لأحد أن يقول: إن في
~~تنزيه الروح عن المكان وصفا له بصفة الله تعالى شأنه وتقدست صفاته بل
~~بأخص صفاته سبحانه ويلزم من ذلك عدم التميز فقد قالوا: كما يستحيل اجتماع
~~جسمين في مكان واحد يستحيل أن يجتمع اثنان لا في مكان لأنه إنما استحال
~~اجتماع جسمين في مكان لأنه لو اجتمعا لم يتميز أحدهما عن الآخر فكذلك لو
~~وجد اثنان كل واحد منهما ليس في مكان لم يحصل التميز والفرق بينهما ولذا
~~قالوا لا يجتمع سوادان في محل واحد حتى قيل المثلان كالضدين لأنا نقول:
~~التميز غير منحصر بالمكان بل يكون به لجسمين في مكانين وبالزمان كسوادين
~~في جوهر واحد في زمانين وبالحد والحقيقة كالأعراض المختلفة في محل واحد
~~مثل الطعم واللون والبرودة والرطوبة في جسم واحد فإن تميز كل منها عن
~~الآخر بذاته لا بمكان ms05196 ولا زمان ومثل ذلك العلم والإرادة والقدرة فإن تميز
~~كل أيضا بذاته وإن كان الجميع لشيء واحد فإذا تصور أعراض مختلفة الحقائق
~~في محل واحد فبأن يتصور أشياء مختلفة الحقائق بذواتها في غير مكان أولى،
~~وكون الوجود لا في مكان أخص صفاته سبحانه في حيز المنع بل الأخص أنه جل
~~شأنه قيوم أي قائم بذاته وكل ما سواه قائم به وأنه تبارك وتعالى موجود
~~بذاته وكل ما سواه تعالى موجود لا بذاته بل ليس للأشياء من ذواتها إلا
~~العدم وإنما لها الوجود من غيرها على سبيل العارية، والوجود له سبحانه
~~ذاتي غير مستعار فالقيومية ليس إلا لله عز وجل انتهى.

# وهذا الذي قالوه من تجرد الروح خلاف ما عليه جمهور أهل السنة. قال الشيخ
~~عبد الرؤوف المناوي: قد خاض سائر الفرق غمرة الكلام في الروح فما ظفروا
~~بطائل ولا رجعوا بنائل وفيها أكثر من ألف قول وليس فيها  على ما قال ابن
~~جماعة  قول صحيح بل كلها قياسات وتجليات عقلية، وجمهور أهل السنة على
~~أنها جسم لطيف يخالف الأجسام بالماهية والصفة متصرف في البدن حال فيه
~~حلول الزيت في الزيتون والنار في الفحم يعبر عنه بأنا وأنت.

# وإلى ذلك ذهب إمام الحرمين، وقال اللقاني: جمهور المتكلمين على أنها جسم
~~مخالف بالماهية للجسم الذي تتولد منه الأعضاء نوراني علوي خفيف حي لذاته
~~نافذ في جوهر الأعضاء سار فيه سريان ماء الورد في الورد والنار في الفحم
~~لا يتطرق إليه تبدل ولا انحلال بقاؤه في الأعضاء حياة وانفصاله عنها إلى
~~عالم الأرواح موت.

# وزعم بعضهم أن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس وروحه عرض قائم به وعزاه
~~بعض المتأخرين من المعاصرين إلى جمهور المتكلمين وجعله وامتناع اتحاد
~~القابل والفاعل دليلا على إبطال كون العبد خالقا لأفعاله، وقد رد
~~الإمام في " التفسير " ذلك الزعم وارتضى ما نقلناه عن الجمهور فقال: إنهم
~~قالوا لا يجوز أن يكون الإنسان/ عبارة عن هذا الهيكل المحسوس لأن أجزاءه
~~أبدا في الذبول والنمو والزيادة والنقصان والاستكمال والذوبان ولا شك ms05197 أن
~~الإنسان من حيث هو  هو  أمر باق من أول عمره إلى آخره وغير الباقي غير
~~الباقي فالمشار إليه عند كل أحد بقوله أنا وجب أن يكون مغايرا لهذا
~~الهيكل. ثم اختلفوا عند ذلك في أن المشار إليه بأنا أي شيء هو؟ والأقوال
~~فيه كثيرة إلى أن أسدها تحصيلا وتلخيصا أنها أجزاء جسمانية سارية في
~~هذا الهيكل سريان الماء في الورد والدهن في السمسم ثم إن المحققين منهم
~~قالوا إن الأجسام التي هي باقية من أول العمر إلى آخره مخالفة بالماهية
~~لما تركب منه الهيكل وهي حية لذاتها مدركة لذاتها نورانية لذاتها فإذا
~~خالطت ذلك وصارت سارية فيه صار مستنيرا بنورها متحركا بتحريكها ثم إنه
~~أبدا في الذوبان والتحلل والتبدل وتلك الأجزاء لمخالفتها له بالماهية
~~باقية بحالها وإذا فسد انفصلت عنه إلى عالم القدس إن كانت سعيدة أو عالم
~~الآفات إن كانت شقية اه.

# ومنه يعلم بطلان الاستدلال على تجرد الروح بإبطال كون الإنسان عبارة عن
~~الهيكل المحسوس كما يقتضيه كلام صاحب " الهياكل " حسبما يدل عليه كلام
~~شارحه الجلال حيث قال في الهيكل الثاني: أنت لا تغفل عن ذاتك أبدا وما
~~جزء من أجزاء بدنك ألا تنساه أحيانا ولا يدرك الكل إلا بأجزائه فلو كنت
~~أنت هذه الجملة ما كان يستمر شعورك بذاتك مع نسيانها فأنت وراء هذا البدن
~~وقال الجلال: فلا تكون النفس جسما أصلا لأن غاية ذلك إثبات أن النفس
~~وراء هذا البدن لا إثبات أنها مع ذلك مجردة لجواز أن تكون جسما لطيفا
~~كما علمت. وزعم القاضي أن مذهب أكثر المتكلمين أن الروح عرض وأنها هي
~~الحياة واختاره الأستاذ أبو إسحاق ولم يبال بلزوم قيام العرض بالعرض.
~~واعترض هذا الزاعم القول بالجسمية بأنها لو كانت جسما لجاز عليها الحركة
~~والسكون كسائر الأجسام فيلزم أن تكون كلها أرواحا ولوجب أن يكون للروح
~~روح أخرى لا إلى نهاية، وفيه أنه إنما يلزم ما ذكر أن لو كان الجسم إنما
~~كان روحا لكونه جسما وليس فليس فإنه إنما كان روحا ms05198 لمعنى خصه الله
~~تعالى به وقد علمت أن القائل بالجسمية يقول: إنه حي لذاته فلا يلزم
~~التسلسل وبينه وبين الجسم عنده علاقة بحسب بخار لطيف يعبر عنه بالروح
~~الحيواني، وعرفه في " الهياكل " بأنه جسم لطيف بخاري يتولد من لطائف
~~الأخلاط وينبعث من التجويف الأيسر من القلب وينبث في البدن بعد أن يكتسب
~~السلطان النوري من النفس الناطقة ولولا لطفه لما سرى وهو مطية تصرفات
~~النفس ومتى انقطع انقطع تصرفها، وقال بعضهم: إنه اعتدال مزاج دم القلب
~~والأمر في ذلك سهل، وذهب بعض المحققين إلى أن الروح تطلق على الروح التي
~~ذكر أنها جسم لطيف سار في البدن سريان ماء الورد في الورد وهو غير الروح
~~الحيواني وعلى أمر رباني شريف له إشراق على ذلك الجسم اللطيف ولعل ذلك هو
~~سبب حياة الروح بالمعنى الأول وإدراكها ونورانيتها ويعبر عنه بالروح
~~الأمري وهو المراد من الروح في قوله تعالى:

# يسألونك عن الروح

# [الإسراء: 85] الآية، ويطلقون كثيرا على الروح بالمعنى الأول النفس
~~الإنسانية وعليها بالمعنى الثاني النفس الناطقة والذي يقال فيه: إنه جوهر
~~مجرد ليس جسما ولا جسمانيا ولا متصلا ولا منفصلا ولا داخل العالم ولا
~~خارجه وأنه نور من أنوار الله تعالى القائمة لا في أين من الله عز وجل
~~مشرقه وإليه سبحانه مغربه هو الروح بهذا الإطلاق.

# واختلفوا في أن حدوثها هل هو قبل الأبدان أو بعدها فقال حجة الإسلام:
~~الحق أن الأرواح حدثت عند استعداد الجسد للقبول كما حدثت الصورة في/
~~المرآة بحدوث الصقالة وإن كان ذو الصورة سابق الوجود على الصقيل، وقد قال
~~بذلك من الفلاسفة أرسطو ومتبعوه، واستدلوا عليه بأنها لو كانت موجودة قبل
~~الأبدان فإما أن تكون واحدة أو كثيرة وعلى الأول إما أن تتكثر عند التعلق
~~بالبدن أو لا فإن لم تتكثر كانت الروح الواحدة روحا لكل بدن ولو كان
~~كذلك لكان ما علمه إنسان علمه الكل وما جهله جهله وذلك محال، وإن تكثرت
~~لزم انقسام ما ليس له حجم وهو أيضا محال، وعلى الثاني لا ms05199 بد أن يمتاز كل
~~واحدة منها عن صاحبتها إما بالماهية أو لوازمها أو عوارضها، والأولان
~~محالان لأن الأرواح متحدة بالنوع والواحد بالنوع يتساوى جميع أفراده
~~بالذاتيات ولوازمها، وأما العوارض فحدوثها إنما هو بسبب المادة وهي هنا
~~البدن فقبله لا مادة فلا يمكن أن يكون هناك عوارض مختلفة وبعد أن ساق حجة
~~الإسلام الدليل على هذا الطرز قيل له: ما تقول في خبر

# " إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجسام بألفي عام "

# ؟ وقوله صلى الله عليه وسلم:

# " أنا أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا وكنت نبيا وآدم بين الماء والطين
~~"

# فقال رحمه الله تعالى: نعم هذا يدل بظاهره على تقدم وجود الروح على
~~الجسد ولكن أمر الظواهر هين لسعة باب التأويل، وقد قالوا: إن البرهان
~~القاطع لا يدرأ بالظاهر بل يؤول له الظاهر كما في ظواهر الكتاب والسنة في
~~حق الله تعالى المنافية لما يدل عليه البرهان القطعي، وحينئذ يقال: لعل
~~المراد من الأرواح في الخبر الأول الملائكة عليهم السلام وبالأجساد أجساد
~~العالم من العرش والكرسي والسموات ونحوها، وإذا تفكرت في عظم هذه
~~الأجساد لم تكد تستحضر أجساد الآدميين ولم تفهمها من مطلق لفظ الأجساد،
~~ونسبة أرواح البشر إلى أرواح الملائكة عليهم السلام كنسبة أجسادهم إلى
~~أجساد العالم ولو انفتح عليك باب معرفة أرواح الملائكة لرأيت الأرواح
~~البشرية كسراج اقتبس من نار عظيمة طبقت العالم وتلك النار هي الروح
~~الأخير من أرواح الملائكة. وأما قوله عليه الصلاة والسلام:

# " أنا أول الأنبياء خلقا "

# فالخلق فيه بمعنى التقدير دون الإيجاد فإنه صلى الله عليه وسلم قبل أن
~~يولد لم يكن مخلوقا موجودا ولكن الغايات سابقة في التقدير ولاحقة في
~~الوجود، وهو معنى قول الحكيم: أول الفكر آخر العمل، فالدار الكاملة أول
~~الأشياء في حق المهندس مثلا تقديرا وآخرها وجودا وما يتقدم على وجودها
~~من ضرب اللبن ونحوه وسيلة إليها ومقصود لأجلها، ولما كان المقصود من فطرة
~~الآدميين إدراكهم لسعادة القرب من الحضرة الإلهية ولم يمكنهم ذلك إلا
~~بتعريف الأنبياء عليهم السلام كانت النبوة مقصودة ms05200 والمقصود كمالها
~~وغايتها لا أولها وتمهيد أولها وسيلة إلى ذلك وكمالها به صلى الله عليه
~~وسلم فلذلك كان أولا في التقدير وآخرا في الوجود، وقوله عليه الصلاة
~~والسلام:

# " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين "

# إشارة إلى هذا أيضا وأنه لم يشأ سبحانه خلق آدم إلا لينتزع الصافي من
~~ذريته ولم يزل يستصفى تدريجا إلى أن بلغ كمال الصفاء، ولا يفهم هذا إلا
~~بأن يعلم أن للدار مثلا وجودين وجودا في ذهن المهندس حتى كأنه ينظر إلى
~~صورتها ووجودا خارج الذهن مسببا عن الوجود الأول فهو سابق عليه لا
~~محالة. وحينئد يقال: إن الله تعالى يقدر أولا ثم يوجد على وفق التقدير
~~ثانيا، والتقدير يرسم في اللوح المحفوظ كما يرسم تقدير المهندس أولا في
~~لوح أو قرطاس فتصير الدار موجودة بكمال صورتها نوعا من الوجود يكون
~~سببا للوجود الحقيقي، وكما أن هذه الصورة ترتسم في لوح المهندس بواسطة
~~القلم والقلم يجري على وفق العلم بل العلم يجريه كذلك تقدير صور الأمور
~~الإلهية ترتسم أولا في اللوح المحفوظ بواسطة القلم الإلهي والقلم يجري/
~~على وفق العلم السابق الأزلي، واللوح عبارة عن موجود قابل لنقش الصور،
~~والقلم عبارة عن موجود منه تفيض الصور على اللوح وليس من شرطهما أن يكونا
~~جسمين ولا يبعد أن يكون قلم الله تعالى ولوحه لائقين لأصبعه ويده وكل ذلك
~~على ما يليق بذاته الإلهية ويقدس عن حقيقة الجسمية، وقد يقال إنهما
~~جوهران روحانيان أحدهما متعلم وهو اللوح والآخر معلم وهو القلم، وقد أشير
~~إلى ذلك ذلك بقوله سبحانه:

# علم بالقلم

# [العلق: 4] فإذا فهمت معنيي الوجود فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم
~~قبل بالمعنى الأول منهما دون المعنى الثاني اه.

# واعترض على الاستدلال من وجوه منها ما هو جار على رأي الفلاسفة
~~المستدلين بذلك أيضا ومنها ما لا اختصاص له برأيهم. الأول لم لا يجوز أن
~~يقال: إنها كانت قبل الأبدان واحدة ثم تكثرت ولا يقال: الكل لو كان
~~واحدا وكان قابلا للانقسام يلزم أن تكون وحدته اتصالية ms05201 فيكون جسما
~~لأنا نقول: مسلم أن كل ما وحدته اتصالية فإنه واحد قابل للانقسام ولا
~~نسلم أن كل واحد قابل للانقسام فوحدته اتصالية لأن الموجبة الكلية لا
~~تنعكس كنفسها. الثاني سلمنا أنها كانت متكثرة لكن لم قلتم لا بد أن يختص
~~كل بصفة مميزة لأنه لو كان التميز للاختصاص بأمر ما لكان ذلك الأمر أيضا
~~متميزا عن غيره فإما أن يكون تميزه بما به تميزه فيلزم الدور أو بثالث
~~فيلزم التسلسل ولأن التميز لا يختص بشيء بعينه إلا بعد تميزه فلو كان
~~تميز الشيء عن غيره باختصاصه بشيء لزم الدور. الثالث سلمنا أنه لا بد من
~~ميز فلم لا يجوز أن يكون بذاتي، وبيانه ما بينوه من اختلاف النفوس
~~بالنوع. الرابع سلمنا أنها لا تتميز بشيء من الذاتيات فلم لا يجوز أن
~~تتميز بالعوارض؛ قولكم: إن حدوثها بسبب المادة وهي هنا البدن ولا بدن
~~فنقول لم لا يجوز أن يكون هناك بدن تتعلق به وقبله آخر وهكذا ولا مخلص من
~~هذا إلا بإبطال التناسح فتوقف حجة إثبات حدوث الأرواح على ذلك الإبطال مع
~~أن الحكماء بنوا ذلك على الحدوث حيث قالوا بعد الفراغ من دليله: إذا ثبت
~~حدوث النفس فلا بد وأن يكون لحدوثها سبب وذلك هو حدوث البدن فإذا حدث
~~البدن وتعلقت به نفس على سبيل التناسخ وثبت أن حدوث النفس سبب لأن يحدث
~~عن المبادىء المفارقة نفس أخرى فحينئذ يلزم اجتماع نفسين في بدن فيجيء
~~الدور. الخامس سلمنا عدم تعلقها ببدن قبل لكن لم لا يجوز أن تكون موصوفة
~~بعارض باعتباره كانت متميزة ثم يكون كل عارض بسبب عارض آخر لا إلى أول.
~~السادس: المعارضة وهي أن الأرواح عند الفريقين باقية بعد المفارقة ولا
~~يكون تمايزها بالماهية ولوازمها بل بالعوارض لكن الأرواح الهيولانية التي
~~لم تكتسب شيئا من العوارض إذا فارقت لا يكون فيها شيء من العوارض سوى
~~أنها كانت متعلقة بأبدان فإن كفى هذا القدر في وقوع التمايز فليكف أيضا
~~كونها بحيث يحدث لها بعد التعلق بأبدان ms05202 متمايزة، قولهم: لم لا يجوز أن
~~تكون قبل واحدة فتكسرت، قلنا: لا يجوز لأن كل ما انقسم وجب أن يكون جزؤه
~~مخالفا لكله ضرورة أن الشيء مع غيره ليس هو لا مع غيره فتلك المخالفة إن
~~كانت بالماهية أو لوازمها وجب أن يكون كل واحد من الأجزاء مخالفا للآخر
~~بالماهية فتكون تلك الأجزاء قد كانت متميزة أبدا وكانت موجودة قبل
~~التعلق.

# فهذه الأمور المتعلقة الآن بالأبدان كانت متميزة قبل التعلق بها وإن
~~كانت المخالفة لا بالماهية ولا بلوازمها فلا بد أن يكون الجزء أصغر
~~مقدارا من الكل وإلا لم يكن أحدهما أولى بأن يكون جزء الآخر من العكس،
~~فثبت أن كل واحد قابل للانقسام فلا بد أن يكون ذا مقدار. سلمنا أن المجرد
~~لا يمكن أن ينقسم بعد وحدته/ لكن تعينات تلك الأجزاء إنما تحدث بعد
~~الانقسام الحاصل بعد التعلق بالبدن فيكون تعين كل واحد من تلك الأجزاء
~~بعد التعلق بالبدن فيكون تعين كل واحدة من تلك النفوس من حيث هي حادثا
~~وهو المطلوب. وقولهم: لم قلتم إن الامتياز لا يوجد إلا عند الاختصاص
~~بوصف، قلنا: يجاب بنحو ما ذكروه في تشخص التشخص، وقولهم لم قلتم: إن
~~النفوس لا يجوز أن تتمايز بالصفات المقومة؟ قلنا: هب أن الأمر كما قلتموه
~~إلا أنا لا نعرف بالبديهة أن كل نوع من أنواعها فإنها مقولة على أشخاص
~~عدة بالضرورة فإنا نعلم أنه ليس يجب أن يكون كل إنسان مخالفا لجميع
~~الناس في الماهية، وإذا وجد في كل نوع من أنواعها شخص فقد تمت الحجة.

# وقولهم: إن هذه الحجة مبنية على إبطال التناسخ. قلنا: ليس كذلك لأنا إذا
~~وجدنا من النوع الواحد شخصين علمنا أن تلك الشخصية ليست معلولة لتلك
~~الماهية لأن كل ما كان كذلك كان نوعه في شخصه، ولما لم يكن كذلك علمنا أن
~~شخصيته ليست من لوازم ماهيته فهي إذن لعلة خارجية، وقد عرفت أن العلة هي
~~المادة ومادة النفس هي البدن فإذن تعينها لا بد وأن يكون للتعلق ببدن
~~معين ms05203 فتكون لا محالة غير متعينة قبل ذلك البدن فهي معدومة قبله. وبهذا
~~يظهر أن كل ما نوعه مقول على كثيرين بالفعل فهو محدث، فاتضح من هذا أنه
~~متى سلم كون النفوس متحدة في النوع يلزم حدوثها وأنه لا يحتاج في ذلك إلى
~~إبطال التناسخ ليجيء الدور السابق. قولهم: لم لا يجوز أن تكون موصوفة
~~بعارض الخ؟ قلنا: لا يجوز أن يكون امتيازها بذلك لأن تميز النفس المعينة
~~عن غيرها حكم معين لا بد له من علة معينة، وتلك العلة لا يمكن أن تكون
~~حالة فيها لأن ذلك متوقف على امتيازها عن غيرها فلو توقف ذلك الامتياز
~~على حلول ذلك الحال لزم الدور، فإذن تلك العلة أمر عائد إلى القابل وقبل
~~البدن لا قابل فلا تميز.

# والمتكلمون يبطلون مثل ما ذكر بلزوم التسلسل الذي يبطله برهان التطبيق.
~~وأما المعارضة فالجواب عنها بأن النفوس الهيولانية يتميز بعضها عن البعض
~~أولا بسبب تعلقها بالقابل المعين ثم إنه يلزم من تعين كل واحد منها
~~شعورها بذاتها الخاصة وقد بين أن شعور الشيء بذاته حالة زائدة على ذاته
~~ثم إن ذلك الشعور يستمر فلا جرم يبقى الامتياز. والحاصل أن الامتياز لا
~~بد وأن يحصل أولا بسبب آخر حتى يحصل لكل من النفوس شعور بذاته الخاص
~~وذلك السبب في النفوس الهيولانية تعلقها بالأبدان، وأما التي قبل الأبدان
~~فلو تميزت لكان المميز سوى الشعور حتى يترتب هو عليه، وقد بين أنه ليس
~~هناك مميز فلا جرم استحال حصول التميز وظهر الفرق والله تعالى الموفق.

# وقد استدل صاحب " المعتبر " على حدوثها بأنها لو كانت موجودة قبل
~~الأبدان لكانت إما متعلقة بأبدان أخر أو لا والأول باطل لأنه قول
~~بالتناسخ وهو باطل لأن أنفسنا لو كانت من قبل في بدن آخر لكنا نعلم الآن
~~شيئا من الأحوال الماضية ونتذكر ذلك البدن وليس فليس، والثاني كذلك
~~لأنها تكون حينئذ معطلة ولا معطل في الطبيعة وهو دليل بجميع مقدماته ضعيف
~~جدا فلا تعتبره، وزعم قوم من قدماء الفلاسفة قدمها وأوردوا لذلك ms05204 أمورا.
~~الأول: أن كل ما يحدث فلا بد أن يكون له مادة تكون سببا لأن يصير أولى
~~بالوجود بعد أن كان أولى بالعدم فلو كانت النفوس حادثة لكانت مادية وليس
~~فليس. الثاني: أنها لو كانت حادثة لكان حدوثها لحدوث/ الأبدان لكن
~~الأبدان الماضية غير متناهية فالنفوس الآن غير متناهية لكن ذلك محال
~~لكونها قابلة للزيادة والنقصان والقابل لهما متناه فهي الآن متناهية،
~~فإذن ليس حدوث الأبدان علة لحدوثها فلا يتوقف صدورها عن عللها على حدوث
~~أمر فتكون قديمة. الثالث: أنها لو لم تكن أزلية لم تكن أبدية لما ثبت أن
~~كل كائن فاسد لكنها أبدية إجماعا فهي أزلية، ويرد عليهم أنه إن أريد
~~بكونها مادية أن حدوثها يكون متوقفا على حدوث البدن فالأمر كذلك، وإن
~~أريد به أنها تكون منطبعة في البدن فلم قلتم: إنه لو توقف حدوثها على
~~حدوث البدن وجب أن تكون منطبعة فيه، وأيضا المانع أن يمنع فساد لزوم كون
~~النفوس الآن غير متناهية، والمقدمة القائلة إن كل قابل للزيادة والنقصان
~~متناه ليس من الأوليات قطعا كما هو ظاهر فإذن لا تصح إلا ببرهان وهو لا
~~يتقرر إلا فيما يحتمل الانطباق على ما بين في محله، وقولهم: لو لم تكن
~~أزلية لم تكن أبدية قضية لا حجة لهم على تصحيحها فلا تقبل.

# ثم إن كون النفوس متحدة بالنوع مما قد صرح به جماعة من المتكلمين
~~كالغزالي وغيره، وإليه ذهب الشيخ من الفلاسفة إلا أنه لم يأت لذلك بشبهة
~~فضلا عن حجة واستدل غيره بأمور. الأول: أن النفوس مشتركة في أنها نفوس
~~بشرية فلو انفصل بعضها عن بعض بمقوم ذاتي مع هذا الاشتراك لزم التركيب
~~فكانت جسمانية. الثاني أنا نرى الناس مشتركين في صحة العلم بالمعلومات،
~~وفي صحة التخلق بالأخلاق فالنفوس متساوية في صحة اتصافها بالأفعال
~~الإدراكية والتحريكية، وذلك يوجب أن تكون متساوية مطلقا لأن نعقل من
~~صفاتها إلا كونها مدركة ومتحركة بالإرادة وهي متساوية فيهما فهي إذن
~~متساوية في جميع صفاتها المعقولة فلو اختلفت بعد ذلك لكان ms05205 اختلافها في
~~صفات غير معقولة، ولو فتحنا هذا الباب لزم تعذر الحكم بتماثل شيئين لجواز
~~اختلافهما في غير معقول عندنا وذلك يؤدي إلى القدح في تماثل المتماثلات.
~~الثالث: أنه بين في محله أن كل ماهية مجردة لا بد وأن تكون عاقلة لحقيقة
~~ذاتها لكن نفس زيد مثلا مجردة فهي عاقلة لذلك ثم إنها لا تعقل إلا ماهية
~~قوية على الإدراك والتحريك فإذن ماهيته هذا القدر وهو مشترك بينه وبين
~~سائر النفوس بالأدلة التي ذكروها في بيان أن الوجود مشترك فيكون حينئذ
~~تمام ماهيته مقولا على سائر النفوس، ويمتنع أن يكون هذا المشترك فصل مقوم
~~في غيره إذ هو غير محتاج إليه في زيد إلى فصل يميزه عن غيره فلا يحتاج في
~~غيره أيضا إلى فصل فإن الطبيعة الواحدة لا تكون محتاجة غنية معا، فثبت
~~الاتفاق في النوع وهي أدلة واهية.

# أما الأول فلقائل أن يقول: لم لا يجوز أن هذه النفوس وإن كانت مختلفة
~~بالنوع فهي غير متشاركة في الجنس فلا يلزم من ذلك الاختلاف كونها مركبة؟
~~والاشتراك في كونها نفوسا بشرية ونحوه يجوز أن يكون اشتراكا في أمور
~~لازمة لجوهرها ولا تكون مقومة لها فتكون مختلفة في تمام ماهياتها،
~~ومشتركة في اللوازم الخارجية مثل اشتراك الفصول المقومة لأنواع جنس واحد
~~في ذلك الجنس فلا يلزم التركيب، ولو سلمنا أن هذه الأوصاف ذاتية فلم لا
~~يجوز أن تكون النفوس مركبة في ماهياتها مع عدم كونها جسمانية/ فالسواد
~~والبياض مثلا مندرجان تحت جنس وهو اللون فيكون كل منهما مركبا لا
~~تركيبا جسمانيا، ومثل هذا يقال هنا كيف لا وقد قالوا: الجوهر مقول على
~~النفس والجسم. وأما الثاني فمداره الاستقراء، ويضعف ذلك لوجهين أحدهما:
~~أنه لا يمكننا أن نحكم على كل إنسان بكونه قابلا لجميع المدركات.

# وثانيهما أنه لا يمكننا أيضا أن نحكم على النفس التي علمنا قبولها لصفة
~~أنها قابلة لجميع الصفات كيف وضبط الصفات غير ممكن. وأما الثالث: فهو
~~يقتضي أن يكون جميع المفارقات نوعا واحدا وهو مما لا سبيل ms05206 إليه، وذهب
~~شرذمة إلى اختلافها بالنوع، وهذا المعتبر عند صاحب " المعتبر " وطول
~~الكلام في ذلك، وأحسن ما عول عليه في الاستدلال له اختلاف الناس في العلم
~~والجهل والقوة والضعف والغضب والتحمل وغير ذلك فقال: ليس ذلك لاختلاف
~~المزاج لما أنا نجد متساويين مزاجا مختلفين أخلاقا وبالعكس، وأيضا أن
~~نفس النبي عليه الصلاة والسلام تبلغ قوتها إلى حيث تكون قوية على التصرف
~~في هيولى هذا العالم ومعلوم أن ذلك ليس لقوة مزاجه فليس ذلك الاختلاف إلا
~~لاختلاف الجواهر، وأنت تعلم أن هذا ليس في الحقيقة من البراهين بل هو من
~~الإقناعات الضعيفة فتدبر جميع ما ذكرناه وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة
~~للكلام في هذا المقام وهو لعمر الله تعالى طويل الذيل، وبالجملة إن
~~الوقوف على حقيقة الروح أمر عسر والطريق إليه وعر، وقد جعل الله سبحانه
~~ذلك من أعظم آياته الدالة على جلال ذاته وكمال صفاته فسبحانه من إله ما
~~أجله ومن رب ما أكمله.

# { فقعوا له سجدين } أمر للملائكة عليهم السلام بالسجود لآدم
~~عليه السلام على وجه التحية والتعظيم أو لله تعالى وهو عليه السلام
~~بمنزلة القبلة حيث ظهرت فيه تعاجيب آثار قدرته عز وجل كقوله حسان:

# أليس أول من صلى لقبلتكم

# وأعلم الناس بالقرآن والسنن

# وفي أمرهم بالوقوع أي السقوط دليل على أن ليس المأمور به مجرد الانحناء
~~كما قيل بل السجود بالمعنى المتبادر.

### || [15.30]

# { فسجد الملئكة } أي فخلقه فسواه فنفخ فيه من روحه فسجد له
~~الملائكة { كلهم } بحيث لم يشذ منهم أحد { أجمعون } بحيث لم
~~يتأخر في ذلك أحد منهم عن أحد بل أوقعوا الفعل مجتمعين في وقت واحد، هذا
~~على ما ذهب إليه الفراء والمبرد من دلالة أجمعين على الاجتماع في وقت
~~الفعل، وقال البصريون: إنها ككل لافادة العموم مطلقا. ومن هنا منع
~~تعاطفهما فلا يقال جاء القوم كلهم وأجمعون وردوا على ذلك بقوله تعالى
~~حكاية عن إبليس:

# لأغوينهم أجمعين

# [الحجر: 39] لظهور أن لا اجتماع هناك. ورده في " الكشف " بأن الاشتقاق
~~من الجمع يقتضيه لأنه ينصرف ms05207 إلى أكمل الأحوال فإذا فهمت الإحاطة من لفظ
~~آخر وهو كل لم يكن بد من كونه في وقت واحد وإلا كان لغوا، والرد بالآية
~~منشؤه عدم تصور وجه الدلالة، ومنه يعلم وجه فساد النظر بأنه لو كان الأمر
~~كذلك لكان حالا لا تأكيدا، فالحق في المسألة مع الفراء والمبرد وذلك هو
~~الموافق لبلاغة التنزيل، وزعم البصريون أنه إنما أكد بتأكيدين للمبالغة
~~في التعميم ومنع التخصيص. وزعم غير واحد أنه لا يؤكد بأجمع دون كل
~~اختيارا والمختار وفاقا لأبي حيان جوازه لكثرة وروده/ في الفصيح ففي
~~القرآن عدة آيات من ذلك؛ وفي الصحيح

# " فله سلبه أجمع "

# " فصلوا جلوسا أجمعون "

# ولعل منشأ الزعم وجوب تقديم كل عند الاجتماع، ويرده أن النفس يجب
~~تقديمها على العين إذا اجتمعا مع جواز التأكيد بالعين على الانفراد، وما
~~ذكروه من وجوب تقديم كل إنما هو بناء على ما علمت من الحق لرعاية البساطة
~~والتركيب هذا. ثم إنه قد تقدم الكلام في تحقيق أن سجودهم هذا هل ترتب على
~~ما حكي من الأمر التعليقي كما يقتضيه هذه الآية الكريمة أو على الأمر
~~التنجيزي كما يستدعيه بعض الآيات؟ فتذكر.

### || [15.31]

# { إلا إبليس } استثناء متصل إما لأنه كان جنيا مفردا مغمورا
~~بألوف من الملائكة فعد منهم تغليبا وإما لأن من الملائكة جنسا يتوالدون
~~يقال لهم جن وهو منهم وإما لأنه ملك لا جنى، وقوله تعالى:

# كان من الجن

# [الكهف: 50] مؤول كما ستعلمه إن شاء الله تعالى، وقوله سبحانه: { أبى
~~أن يكون مع السجدين } استئناف مبين لكيفية عدم السجود
~~المفهوم من الاستنثناء بناء على أنه من الإثبات نفي ومن النفي إثبات وهو
~~الذي تميل إليه النفس فإن مطلق عدم السجود قد يكون مع التردد وبه علم أنه
~~مع الإباء والاستكبار، وجوز أن يكون الاستثناء منقطعا فجملة { أبى }
~~الخ متصلة بما قبلها، ووجه ذلك بأن إلا بمعنى لكن وإبليس اسمها، والجملة
~~خبرها كذا قيل: وفي " الهمع " أن البصريين يقدرون المنقطع بلكن المشددة
~~ويقولون: إنما يقدر بذلك لأنه في حكم جملة منفصلة ms05208 عن الأولى فقولك: ما في
~~الدار أحد إلا حمارا في تقدير لكن فيها حمارا على أنه استدراك يخالف ما
~~بعد لكن فيها ما قبلها غير أنهم اتسعوا فأجروا إلا مجرى لكن لكن لما كانت
~~لا يقع بعدها إلا المفرد بخلاف لكن فإنه لا يقع بعدها إلا كلام تام لقبوه
~~بالاستثناء تشبيها بها إذا كانت استثناء حقيقة وتفريقا بينها وبين لكن،
~~والكوفيون يقدرونه بسوى، وقال قوم منهم ابن يسعون: إلا مع الاسم الواقع
~~بعدها في المنقطع يكون كلاما مستأنفا، وقال في قوله: وما بالربع من
~~أحد. الا الأواري  إلا فيه بمعنى لكن والأواري اسم لها منصوب بها والخبر
~~محذوف كأنه قال: لكن الأواري بالربع وحذف خبر إلا كما حذف خبر لكن في
~~قوله:

# ولكن زنجيا عظيم المشافر

# اه.

# والظاهر منه أن البصريين وإن قدروه بلكن لا يعربونه هذا الإعراب فهو
~~تقدير معنى لا تقدير إعراب، ولعل التوجيه السابق مبني على مذهب ابن يسعون
~~إلا أنه لم يصرح فيه بورود الخبر مصرحا به، نعم صرح بعضهم بذلك وسيأتي
~~إن شاء الله تعالى تتمة لهذا المبحث في هذه السورة فافهم، ووجه الانقطاع
~~ظاهر لأن المشهور أنه ليس من جنس الملائكة عليهم السلام، والانقطاع  على
~~ما قال غير واحد  يتحقق بعدم دخوله في المستثنى منه أو في حكمه، وما
~~قيل: إنه حينئذ لا يكون مأمورا بالسجود فلا يلزم والاعتذار عنه بأن الجن
~~كانوا مأمورين أيضا واستغنى بذكر الملائكة عليهم السلام عنهم وأنه معنى
~~الانقطاع وتوجه اللوم من ضيق العطن.

### || [15.32]

# { قال } استئناف مبني على سؤال من قال: فماذا قال الرب تعالى عند
~~إبائه؟ فقيل قال سبحانه: { يا ابليس مالك } أي أي سبب لك كما
~~يقتضيه الجواب، وقوله تعالى:

# ما منعك

# [الأعراف: 12] { ألا تكون } أي في أن لا تكون { مع
~~السجدين } لما خلقت مع أنهم هم ومنزلتهم في الشرف منزلتهم، وكأن
~~في صيغة الاستقبال إيماء إلى مزيد قبح حاله، ولعل التوبيخ ليس لمجرد
~~تخلفه عن أولئك الكرام بل لأمور حكيت متفرقة إشعارا بأن كلا منها ms05209 كاف
~~في التوبيخ وإظهار بطلان ما ارتكبه وشناعته، وقد تركت حكاية التوبيخ
~~رأسا في غير سورة اكتفاء بحكايتها في موضع آخر، والظاهر أن/ قول الله
~~تعالى له ذلك لم يكن بواسطة وهو منصب عال إذا كان على سبيل الإعظام
~~والإجلال دون الإهانة والإذلال كما لا يخفى.

### || [15.33]

# { قال } استئناف على نحو ما تقدم { لم أكن لأسجد } اللام
~~لتأكيد النفي أي ينافي حالي ولا يستقيم مني أن أسجد { لبشر } جسماني
~~كثيف { خلقته من صلصل من حمإ مسنون } إشارة
~~إجمالية إلى ادعاء خيريته وشرف مادته، وقد نقل عنه لعنه الله تعالى
~~التصريح بذلك في آية أخرى، وقد عنى اللعين بهذا الوصف بيان مزيد خسة أصل
~~من لم يسجد له وحاشاه وقد اكتفى في غير موضع بحكاية بعض ما زعمه موجبا
~~للخسة، وفي عدوله عن تطبيق جوابه على السؤال روم للتفصي عن المناقشة وأنى
~~له ذلك كأنه قيل: لم أمتنع عن الانتظام في سلك الساجدين بل عما لا يليق
~~بشأني من السجود للمفضول، وقد أخطأ اللعين حيث ظن أن الفضل كله باعتبار
~~المادة وما درى أنه يكون باعتبار الفاعل وباعتبار الصورة وباعتبار الغاية
~~بل إن ملاك الفضل والكمال هو التخلي عن الملكات الردية والتحلي بالمعارف
~~الربانية:

# فشمال والكاس فيها يمين

# ويمين لا كاس فيها شمال

# ولله تعالى در من قال:

# كن ابن من شئت واكتسب أدبا

# يغنيك مضمونه عن النسب

# إن الفتى من يقول ها أنا ذا

# ليس الفتى من يقول كان أبي

# على أن فيما زعمه من فضل النار على التراب منعا ظاهرا وقد تقدم الكلام
~~في ذلك.

### || [15.34]

# { قال } استئناف كما تقدم أيضا { فاخرج منها } قيل: الظاهر أن
~~الضمير للسماء وإن لم يجر لها ذكر، وأيد بظاهر قوله تعالى:

# فاهبط منها

# [الأعراف: 13] وقيل لزمرة الملائكة عليهم السلام ويلزم خروجه من السماء
~~إذ كونه بانزاوئه عنهم في جانب لا يعد خروجا في المتبارد وكفى به قرينة،
~~وقيل: للجنة لقوله تعالى:

# اسكن أنت وزوجك الجنة

# [الأعراف: 19] ولوقوع الوسوسة فيها ورد بأن وقوعها كان ms05210 بعد الأمر
~~بالخروج { فإنك رجيم } مطرود من كل خير وكرامة فإن من يطرد يرجم
~~بالحجارة فالكلام من باب الكناية، وقيل: أي شيطان يرجم بالشهب وهو وعيد
~~بالرجم بها، وقد تضمن هذا الكلام الجواب عن شبهته حيث تضمن سوء حاله،
~~فكأنه قيل: إن المانع لك عن السجود شقاوتك وسوء خاتمتك وبعدك عن الخير لا
~~شرف عنصرك الذي تزعمه، وقيل: تضمنه ذلك لأنه علم منه أن الشرف بتشريف
~~الله تعالى وتكريمه فبطل ما زعمه من رجحانه إذ أبعده الله تعالى وأهانه
~~وقرب آدم عليه الصلاة والسلام وكرمه، وقيل: تضمنه للجواب بالسكوت كما
~~قيل: جواب ما لا يرتضي السكوت، وفي تفسير الرجيم بالمرجوم بالشهب إشارة
~~لطفية إلى أن اللعين لما افتخر بالنار عذب بها في الدنيا فهو:

# كعابد النار يهواها وتحرقه

### || [15.35]

# { وإن عليك اللعنة } الإبعاد على سبيل السخط وذلك من الله
~~تعالى في الآخرة عقوبة وفي الدنيا انقطاع من قبول فيضه تعالى وتوفيقه
~~سبحانه، ومن الإنسان دعاء بذلك والظاهر أن المراد لعنة الله تعالى لقوله
~~سبحانه:

# وإن عليك لعنتى

# [ص: 78] { إلى يوم الدين } إلى يوم الجزاء، وفيه إشعار بتأخير
~~جزائه إليه وأن اللعنة مع كمال فظاعتها ليست جزاء لفعله وإنما يتحقق ذلك
~~يومئذ، وفيه من التهويل ما فيه، وجعل ذلك غاية أمد اللعنة قيل ليس لأنها
~~تنقطع هنالك بل لأنه عند ذلك يعذب بما ينسى به اللعنة من أفانين العذاب
~~فتصير هي كالزائل، وقيل: إنما غيا بذلك لأنه أبعد/ غاية يضربها الناس في
~~كلامهم فهو نظير قوله تعالى:

# خلدين فيها ما دامت السموات والأرض

# [هود: 107] على قول.

# وقال بعضهم: إن المراد باللعنة لعن الخلائق له لعنة الله تعالى عليه
~~وذلك منقطع إذا نفخ في الصور وجاء يوم الدين دون لعن الله تعالى له
~~وإبعاده إياه فإنه متصل إلى الأبد.

### || [15.36]

# { قال رب فأنظرنى } أمهلني وأخرني ولا تمتني، والفاء متعلقة
~~بمحذوف مفهوم من الكلام أي إذ جعلتني رجيما فامهلني { إلى يوم
~~يبعثون } أي آدم عليه السلام وذريته للجزاء وأراد بذلك أن يجد فسحة ms05211
~~لإغوائهم ويأخذ منهم ثأره، قيل: ولينجوا من الموت إذ لا موت بعد البعث
~~وهو المروي عن ابن عباس والسدي، وكأنه عليه اللعنة طلب تأخير موته لذلك
~~ولم يكتف بما أشار إليه سبحانه في التغيى من التأخير لما أنه يمكن كون
~~تأخير العقوبة كسائر من أخرت عقوباتهم إلى الآخرة من الكفرة.

### || [15.37]

# { قال } الرب سبحانه { فإنك من المنظرين } أي من جملتهم
~~ومنتظم في سلكهم قال بعض الأجلة: إن في ورود الجواب جملة اسمية مع التعرض
~~لشمول ما سأله الآخرين على وجه يؤذن بكون السائل تبعا لهم في ذلك دليلا
~~على أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم لا لإنشاء إنظار خاص به وقع إجابة
~~لدعائه أي إنك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا حسبما تقتضيه حكمة
~~التكوين، فالفاء لربط الإخبار بالإنظار بالاستنظار كما في وقوله:

# فإن ترحم فأنت لذاك أهل

# وإن تطرد فمن يرحم سواكا

# لا لربط نفس الإنظار به وأن استنظاره لتأخير الموت إذ به يتحقق كونه من
~~جملتهم لا لتأخير العقوبة كما قيل، ونظمه في سلك من أخرت عقوبتهم إلى
~~الآخرة في علم الله تعالى ممن سبق من الجن ولحق من الثقلين لا يلائم مقام
~~الاستنظار مع الحياة ولأن ذلك التأخير معلوم من إضافة اليوم إلى الدين مع
~~إضافته في السؤال إلى البعث انتهى، وقيل: إن الفاء متعلقة كالفاء الأولى
~~بمحذوف والكلام إجابة له في الجملة أي إذ دعوتني فإنك من المنظرين.

### || [15.38]

# { إلى يوم الوقت المعلوم } وهو وقت النفخة الأولى كما
~~روي عن ابن عباس، وعليه الجمهور.

# ووصفه بالمعلوم إما على معنى أن الله تعالى استأثر بعلمه أو على معنى
~~معلوم حاله وأنه يصعق فيه من في السموات ومن في الأرض إلا ما شاء الله
~~تعالى، وقال آخرون: إنه عليه اللعنة أعطى مسؤوله كملا وليس إلا البقاء
~~إلى وقت النفخة الأولى وهو آخر أيام التكليف والوقت المشارف للشيء المتصل
~~به معدود منه فأول يوم الدين وأول يوم البعث كأنه من ذلك الوقت، واستظهر
~~ذلك بأن الملعون عالم فلا يسأل ما ms05212 يعلم أنه لا يجاب إليه وبأن ما في
~~الأعراف لعدم ذكر الغاية فيه يدل على الإجابة؛ واعترض على الأول بأنه غير
~~بين ولا مبين وكونه على غالب الظن لا يجدي في مثله، وعلى الثاني بأن ترك
~~الغاية في سورة الأعراف يحتمل أن يكون كترك الفاء في الإستنظار والإنظار
~~تعويلا على ما ذكر ههنا وفي سورة ص فإن أيراد كلام واحد على أساليب
~~متعددة غير عزيز في الكتاب العزيز. ومن الناس القائلين بالمغايرة من قال:
~~إن المراد باليوم المعلوم اليوم الذي علم الله تعالى فيه انقضاء أجله وهو
~~يوم خروج الدابة فإنها هي التي تقتله، وقد قدمنا نقل هذا القول عن بعض
~~السلف وهو من الغرابة بمكان، وأغرب منه ما قيل: أنه هلك في بعض غزواته
~~صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا قبل أن هذا مما لا يكاد يقبل بظاهره
~~أصلا، والمشهور المعول عليه عند الجمهور هو ما ذكرناه من أنه/ يموت عند
~~النفخة الأولى وبينها وبين النفخة الثانية التي يقوم فيها الخلق لرب
~~العالمين أربعون سنة.

# ونقل عن الأحنف بن قيس عليه الرحمة أنه قال: قدمت المدينة أريد أمير
~~المؤمنين كرم الله تعالى وجهه فإذا أنا بحلقة عظيمة وكعب الأحبار فيها
~~يحدث وهو يقول: لما حضر آدم عليه السلام الوفاة قال: يا رب سيشمت بي
~~عدوي إبليس إذا رآني ميتا وهو منظر إلى يوم القيامة فأجيب أن يا آدم إنك
~~سترد إلى الجنة ويؤخر اللعين إلى النظرة ليذوق ألم الموت بعدد الأولين
~~والآخرين، ثم قال لملك الموت: صف لي كيف تذيقه الموت؟ فلما وصفه قال: يا
~~رب حسبي فضج الناس وقالوا: يا أبا إسحق كيف ذلك؟ فأبى وألحوا فقال:
~~يقول الله سبحانه لملك الموت عقيب النفخة الأولى قد جعلت فيك قوة أهل
~~السموات وأهل الأرضين السبع وإني اليوم ألبستك أثواب السخط والغضب كلها
~~فابرز بغضبي وسطوتي على رجيمي إبليس فأذقه الموت وأحمل عليه فيه مرارة
~~الأولين والآخرين من الثقلين أضعافا مضاعفة وليكن معك من الزبانية سبعون
~~ألفا قد امتلأوا غيظا ms05213 وغضبا وليكن مع كل منهم سلسلة من سلاسل جهنم وغل
~~من أغلالها وانزع روحه المنتن بسبعين ألف كلاب من كلاليبها وناد مالكا
~~ليفتح أبواب النيران فينزل الملك بصورة لو نظر إليها أهل السموات
~~والأرضين لماتوا بغتة من هولها فينتهي إلى إبليس فيقول: قف لي يا خبيث
~~لأذيقنك الموت كم من عمر أدركت وقرون أضللت وهذا هو الوقت المعلوم قال:
~~فيهرب اللعين إلى المشرق فإذا هو بملك الموت بين عينيه فيهرب إلى المغرب
~~فإذا هو به بين عينيه فيغوص البحار (فتنز منه البحار) فلا تقبله فلا يزال
~~يهرب في الأرض ولا محيص له ولا ملاذ ثم يقوم في وسط الدنيا عند قبر آدم
~~عليه السلام ويتمرغ في التراب من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى
~~المشرق حتى إذا كان في الموضع الذي أهبط فيه آدم عليه السلام وقد نصبت له
~~الزبانية الكلاليب وصارت الأرض كالجمرة احتوشته الزبانية وطعنوه
~~بالكلاليب فيبقى في النزع والعذاب إلى حيث يشاء الله تعالى، ويقال لآدم
~~وحواء عليهما السلام اطلعا اليوم على عدوكما [كيف] يذوق الموت فيطلعان
~~فينظران إلى ما هو فيه من شدة العذاب فيقولان ربنا أتممت علينا نعمتك،
~~وجاء في بعض الأخبار أنه حين لا يجد مفرا يأتي قبر آدم عليه السلام
~~فيحثو التراب على رأسه وينادي يا آدم أنت أصل بليتي فيقال له: يا إبليس
~~اسجد الآن لآدم عليه السلام فيرتفع عنك ما ترى فيقول: كلا لم أسجد له
~~حيا فكيف أسجد له ميتا، وهذا إن صح يدل على أن اللعين من العناد بمكان
~~لا تصل إلى غايته الأذهان.

### || [15.39]

# { قال رب بمآ أغويتنى } أي بسبب إغوائك إياي { لأزينن
~~} أي أقسم لأزينن { لهم } أي لذريته وهو مفهوم من السياق وإن لم يجر
~~له ذكر، وقد جاء مصرحا به في قوله تعالى حكاية عن اللعين أيضا:

# لأحتنكن ذريته

# [الإسراء: 62] ومفعول { أزينن } محذوف أي المعاصي { فى الأرض } أي
~~هذا الجرم المدحو وكأن اللعين أشار بذلك إلى أني أقدر على الاحتيال لآدم
~~والتزيين له الأكل من الشجرة ms05214 في السماء فأنا على التزيين لذريته في الأرض
~~أقدر، ويجوز أنه أراد بالأرض الدنيا لأنها محل متاعها ودارها، وذكر بعضهم
~~أن هذا المعنى عرفي للأرض وأنها إنما ذكرت بهذا اللفظ تحقيرا لها، ولعل
~~التقييد على ما قيل للإشارة إلى أن للتزيين محلا يقوي قبوله أي لأزينن
~~لهم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور، وجوز أن يكون يراد بها هذا
~~المعنى وينزل الفعل منزلة اللازم ثم يعدى بفي، وفي ذلك دلالة على أنها
~~مستقر التزيين وأنه تمكن المظروف في ظرفه، ونحوه قول ذي الرمة:

# / فإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها

# إلى الضيف يجرح في عراقيبها نصلي

# والمعنى لأحسنن الدنيا وأزيننها لهم حتى يشتغلوا بها عن الآخرة، وجوز
~~جعل الباء للقسم و { ما } مصدرية أيضا أي أقسم بإغوائك إياي لأزينن،
~~وإقسامه بعزة الله تعالى المفسرة بسلطانه وقهره لا ينافي إقسامه بهذا
~~فإنه فرع من فروعها وأثر من آثارها فلعله أقسم بهما جميعا فحكى تارة
~~قسمه بهذا وأخرى بذاك، وزعم بعضهم أن السببية أولى لأنه وقع في مكان آخر

# فبعزتك

# [ص:82] والقصة واحدة والحمل على محاورتين لا موجب له ولأن القسم
~~بالإغواء غير متعارف انتهى.

# وفيه نظر ظاهر فإن قوله:

# فبعزتك

# [ص: 82] يحتمل القسمية أيضا، وقد صرح الطيبي بأن مذهب الشافعية أن
~~القسم بالعزة والجلال يمين شرعا فالآية على الزاعم لا له. نعم إن دعواه
~~عدم تعارف القسم بالإغواء مسلمة وهو عندي يكفي لأولوية السببية ولعدم
~~التعارف مع عدم الإشعار بالتعظيم لا يعد القسم بها يمينا شرعا فإن
~~القائلين بانعقاد القسم بصفة له تعالى يشترطون أن تشعر بتعظيم ويتعارف
~~مثلها، وفي نسبة الإغواء إليه تعالى بلا إنكار منه سبحانه قول بأن الشر
~~كالخير من الله عز وجل، وأول المعتزلة ذلك وقالوا: المراد النسبة إلى
~~الغي كفسقته نسبته إلى الفسق لا فعلته أو أن المراد فعل به فعلا حسنا
~~أفضى به لخبثه إلى الغي حيث أمره سبحانه بالسجود فأبى واستكبر أو أضله عن
~~طريق الجنة وترك هدايته واللطف به واعتذروا عن إنظار الله ms05215 تعالى إياه مع
~~أنه مفض إلى الإغواء القبيح بأنه تعالى قد علم منه وممن اتبعه أنهم
~~يموتون على الكفر ويصيرون إلى النار أنظر أم لم ينظر وأن في إنظاره
~~تعريضا لمن خالفه لاستحقاق مزيد الثواب.

# وأنت تعلم أن في إنظار إبليس عليه اللعنة وتمكينه من الإغواء وتسليطه
~~على أكثر بني آدم ما يأبى القول وجوب رعاية الأصلح المشهور عن المعتزلة،
~~وأيضا من زعم أن حكيما أو غيره يحصر قوما في دار ويرسل فيها النار
~~العظيمة والأفاعي القاتلة الكثيرة ولم يرد أذى أحد من أولئك القوم
~~بالإحراق أو اللسع فقد خرج عن الفطرة البشرية. فحينئذ الذي تحكم به
~~الفطرة أن الله تعالى أراد بالإنظار إضلال بعض الناس فسبحانه من إله يفعل
~~ما يشاء ويحكم ما يريد.

# وتمسك بعض المعتزلة في تأويل ما تقدم بقوله: { ولأغوينهم } حيث
~~أفاد أن الإغواء فعله فلا ينبغي أن ينسب إلى الله تعالى، وأجيب بأن
~~المراد به هنا الحمل على الغواية لا إيجادها وتأويل اللاحق للسابق أولى
~~من العكس، وبالجملة ضعف الاستدلال ظاهر فلا يصلح ذلك متمسكا لهم {
~~أجمعين } أي كلهم فهو لمجرد الإحاطة هنا.

### || [15.40]

# بفتح اللام وهو قراءة الكوفيين ونافع والحسن والأعرج، أي الذين أخلصتهم
~~لطاعتك وطهرتهم من كل ما ينافي ذلك، وكان الظاهر وإن منهم من لا أغويه
~~مثلا، وعدل عنه إلى ما ذكر لكون الإخلاص والتمحض لله تعالى يستلزم ذلك
~~فيكون من ذكر السبب وإرادة مسببه ولازمه على طريق الكناية وفيه إثبات
~~الشيء بدليله فهو من التصريح به، وقرأ باقي السبعة والجمهور بكسر اللام
~~أي الذين أخلصوا العمل لك ولم يشركوا معك فيه أحدا.

### || [15.41]

# { قال } الله سبحانه وتعالى: { هذا صرط على } أي حق لا بد أن
~~أراعيه { مستقيم } لا انحراف فيه فلا يعدل عنه إلى غيره، والإشارة
~~إلى ما تضمنه الاستثناء وهو تخلص المخلصين من إغوائه وكلمة { على }
~~تستعمل للوجوب والمعتزلة يقولون به حقيقة لقولهم بوجوب الأصلح عليه
~~تعالى، وقال أهل السنة: إن ذلك وإن/ كان تفضلا منه سبحانه إلا أنه شبه ms05216
~~بالحق الواجب لتأكد ثبوته وتحقق وقوعه بمقتضى وعده جل وعلا فجيء  بعلي 
~~لذلك أو إلى ما تضمنه

# المخلصين

# [الحجر:40] بالكسر من الإخلاص على معنى أنه طريق يؤدي إلى الوصول إلي
~~من غير إعوجاج وضلال وهو على نحو طريقك علي إذا انتهى المرور عليه،
~~وإيثار حرف الاستعلاء على حرف الانتهاء لتأكيد الاستقامة والشهادة
~~باستعلاء من ثبت عليه فهو أدل على التمكن من الوصول، وهو تمثيل فلا
~~استعلاء لشيء عليه سبحانه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وليست {
~~على } فيه بمعنى إلي. نعم أخرج ابن جرير عن الحسن أنه فسرها بها،
~~وأخرج عن زياد بن أبي مريم وعبد الله بن كثير أنهما قرآ { هذا صراط
~~مستقيم } وقالا: { علي } هي إلي وبمنزلتها والأمر في ذلك سهل، وهي
~~متعلقة بيمر مقدرا و { صرط } متضمن له فيتعلق به.

# وقال بعضهم: الإشارة إلى انقسامهم إلى قسمين أي ذلك الانقسام إلى غاو
~~وغيره أمر مصيره إلي وليس ذلك لك، والعرب تقول: طريقك في هذا الأمر على
~~فلان على معنى إليه يصير النظر في أمرك، وعن مجاهد وقتادة إن هذا تهديد
~~للعين كما تقول لغيرك افعل ما شئت فطريقك علي أي لا تفوتني، ومثله على
~~ما قال الطبرسي قوله تعالى:

# إن ربك لبالمرصاد

# [الفجر: 14] والمشار على هذا إليه ما أقسم مع التأكيد عليه، وأظهر هذه
~~الأوجه على ما قيل هو الأول، واختار في «البحر» كونها إلى الإخلاص، وقيل:
~~الأظهر أن الإشارة لما وقع في عبارة إبليس عليه اللعنة حيث قال:

# لأقعدن لهم صرطك المستقيم * ثم لآتينهم من
~~بين أيديهم ومن خلفهم

# [الأعراف:16-17] الخ، ولا أدري ما وجه كونه أظهر.

# وقرأ الضحاك وإبراهيم وأبو رجاء وابن سيرين ومجاهد وقتادة وحميد وأبو
~~شرف مولى كندة ويعقوب، وخلق كثير { علي مستقيم } برفع { علي } وتنوينه أي
~~عال لارتفاع شأنه.

### || [15.42]

# { إن عبادى ليس لك عليهم سلطن } أي تسلط وتصرف
~~بالإغواء والمراد بالعباد المشار إليهم بالمخلصين فالإضافة للعهد،
~~والاستثناء على هذا في قوله تعالى:

# { إلا من اتبعك من الغاوين } منقطع واختار ذلك غير ms05217
~~واحد، واستدل عليه بسقوط الاستثناء في الإسراء، وجوز أن يكون المراد
~~بالعباد العموم والاستثناء متصل والكلام كالتقرير لقوله:

# إلا عبادك منهم المخلصين

# [الحجر: 40] ولذا لم يعطف على ما قبله، وتغيير الوضع لتعظيم المخلصين
~~بجعلهم هم الباقين بعد الاستثناء.

# وفي الآية دليل لمن جوز استثناء الأكثر وإلى ذلك ذهب أبو عبيد والسيرافي
~~وأكثر الكوفية، واختاره ابن خروف والشلوبين وابن مالك، وأجاز هؤلاء أيضا
~~استثناء النصف، وذهب بعض البصرية إلى أنه لا يجوز كون المستثنى قدر نصف
~~المستثنى منه أو أكثر ويتعين كونه أقل من النصف واختاره ابن عصفور
~~والآمدي وإليه ذهب أبو بكر الباقلاني من الأصوليين، وذهب البعض الآخر من
~~علماء البلدين إلى أنه يجوز أن يكون المخرج النصف فما دونه ولا يجوز أن
~~يكون أكثر وإليه ذهب الحنابلة، واتفق النحويون كما قال أبوحيان وكذا
~~الأصوليون عند الإمام والآمدي خلافا لما اقتضاه نقل القرافي عن " المدخل
~~" لابن طلحة على أنه لا يجوز أن يكون المستثنى مستغرقا للمستثنى منه،
~~ومن الغريب نقل ابن مالك عن الفراء جواز له على الف إلا ألفين، وقيل: إن
~~كان المستثنى منه عددا صريحا يمتنع فيه النصف والأكثر وإن كان غير صريح
~~لا يمتنعان، وتحقيق هذه المسألة في الأصول، والمذكور في بعض كتب العربية
~~عن أبي حيان أنه قال: المستقرأ من كلام العرب إنما هو استثناء الأقل
~~وجميع ما استدل به على خلافه محتمل التأويل؛ وأنت تعلم أن الآية تدفع مع
~~ما تقدم/ قول من شرط الأقل لما يلزم عليه من الفساد لأن استثناء الغاوين
~~هنا يستلزم على ذلك أن يكونوا أقل من المخلصين الذين هم الباقون بعد
~~الاستثناء من جنس العباد، واستثناء

# المخلصين

# [الحجر: 40] هناك يستلزم أن يكونوا أقل من الغاوين الذين هم الباقون بعد
~~الاستثناء من ذلك فيكون كل من المخلصين والغاوين أقل من نفسه وهو كما
~~ترى.

# وأجاب بعضهم بأن المستثنى منه هنا جنس العباد الشامل للمكلفين وغيرهم
~~ممن مات قبل أن يكلف ولا شك أن الغاوين أقل من الباقي منهم بعد الاستثناء
~~وهم ms05218 المخلصون ومن مات غير مكلف والمستثنى منه هناك المكلفون إذ هم الذين
~~يعقل حملهم على الغواية والضلال إذ غير المكلف لا يوصف فعله بذلك
~~والمخلصون أقل من الباقي منهم بعد الاستثناء أيضا ولا محذور في ذلك،
~~وذكر بعضهم أن الكثرة والقلة الادعائيتين تكفيان لصحة الشرط فقد ذكر
~~السكاكي في آخر قسم الاستدلال وكذا لا تقول لفلان علي ألف إلا تسعمائة
~~وتسعين إلا وأنت تنزل ذلك الواحد منزلة الألف بجهة من الجهات الخطابية مع
~~أنه ممن يشترط كون المستثنى أقل من الباقي اه، وظاهر كلام الأصوليين
~~ينافيه.

# وجوز أن يكون الاستثناء منقطعا على تقدير إرادة الجنس أيضا ويكون
~~الكلام تكذيبا للملعون فيما أوهم أن له سلطانا على من ليس بمخلص من
~~عباده سبحانه فإن منتهى قدرته أن يغرهم ولا يقدر على جبرهم على اتباعه
~~كما قال:

# وما كان لى عليكم من سلطن إلا أن دعوتكم
~~فاستجبتم لى

# [إبراهيم: 22]. فحاصل المعنى أن من اتبعك ليس لك عليهم سلطان وقهر بل
~~أطاعوك في الإغواء واتبعوك لسوء اختيارهم ولا يضر في الانقطاع دخول
~~الغاوين في العباد بناء على ما قالوا من أن المعتبر في الاتصال والانقطاع
~~الحكم، ويفهم كلام البعض أنه يجوز أن تكون الآية تصديقا له عليه اللعنة
~~في صريح الاستثناء وتكذيبا في جعل الإخلاص علة للخلاص حسبما يشير إليه
~~كلامه فإن الصبيان والمجانين خلصوا من إغوائه مع فقد هذه العلة. { ومن
~~} على جميع الأوجه المذكورة لبيان الجنس أي الذين هم الغاوون. واستدل
~~الجبائي بنفي أن يكون له سلطان على العباد على رد قول من يقول: إن
~~الشيطان يمكنه صرع الناس وإزالة عقولهم، وقد تقدم الكلام في إنكار
~~المعتزلة تخبط الشيطان والرد عليهم.

### || [15.43]

# { وإن جهنم لموعدهم أجمعين } الضمير لمن اتبع أو
~~للغاوين ورجح الثاني بالقرب وظهور ملاءمته للضمير، والأول بأن اعتباره
~~أدخل في الزجر عن اتباعه مع أن الثاني جيء به لبيانه و { أجمعين }
~~توكيد للضمير، وجوز أن يكون حالا منه ويجعل على هذا الموعد مصدرا
~~ميميا ليتحقق شرط مجيء الحال من ms05219 المضاف إليه وهو كون المضاف مما يعمل
~~عمل الفعل فإنهم اشترطوا ذلك أو كون المضاف جزء المضاف إليه أو كجزئه على
~~ما ذكره ابن مالك وغيره ليتحد عامل الحال وصاحبها حقيقة أو حكما لكن
~~يقدر حينئذ مضاف قبله لأن جهنم ليست عين الموعد بل محله فيقدر محل وعدهم
~~أو مكانه، وليس بتأويل اسم المفعول كما وهم، وجوز أن يكون الموعد اسم
~~مكان، وحينئذ لا يحتاج إلى تقدير المضاف إلا أن في جواز الحالية بحثا
~~لأن اسم المكان لا يعمل عمل فعله كما حقق في النحو، وكون العامل معنى
~~الإضافة وهو الاختصاص على القول بأنه الجار للمضاف إليه غير مقبول عند
~~المحققين لأن ذلك من المعاني التي لا تنصب الحال، ولا يخفى ما في جعل
~~جهنم موعدا لهم من التهكم والاستعارة فكأنهم كانوا على ميعاد، وفيه
~~أيضا إشارة إلى أن ما أعد لهم فيها مما لا يوصف في الفظاعة.

### || [15.44]

# { لها سبعة أبواب } أي سبع طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في
~~الغواية والمتابعة روي ذلك عن عكرمة وقتادة، وأخرج أحمد في " الزهد "
~~والبيهقي في " البعث ". وغيرهما من طرق عن علي كرم/ الله تعالى وجهه أنه
~~قال: «أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض فيملأ الأول ثم الثاني ثم الثالث
~~حتى تملأ كلها». وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~أنها جهنم والسعير ولظى والحطمة وسقر والجحيم والهاوية وهي أسفلها، وجاء
~~في ترتيبها عن الأعمش وابن جريج وغيرهما غير ذلك، وذكر السهيلي في كتاب "
~~الإعلام " أنه وقع في " كتب الرقائق " أسماء هذه الأبواب ولم ترد في أثر
~~صحيح وظاهر القرآن والحديث يدل على أن منها ما هو من أوصاف النار نحو
~~السعير والجحيم والحطمة والهاوية ومنها ما هو علم للنار كلها نحو جهنم
~~وسقر ولظى فلذا أضربنا عن ذكرها اه، وأقرب الآثار التي وقفنا عليها إلى
~~الصحة فيما أظن ما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه لكثرة مخرجيه، وتحتاج
~~جميع الآثار إلى التزام أن يقال: إن جهنم تطلق على ms05220 طبقة مخصوصة كما تطلق
~~على النار كلها، وقيل: الأبواب على بابها والمراد أن لها سبعة أبواب
~~يدخلونها لكثرتهم والإسراع بتعذيبهم. والجملة  كما قال أبو البقاء 
~~يجوز أن تكون خبرا ثانيا ويجوز أن تكون مستأنفة ولا يجوز أن تكون حالا
~~من جهنم لأن إن لا تعمل في الحال.

# { لكل باب منهم } من الأتباع والغواة { جزء مقسوم }
~~فريق معين مفروز من غيره حسبما يقتضيه استعداده، فباب للموحدين العصاة
~~وباب لليهود وباب للنصارى وباب للصابئين وباب للمجوس وباب للمشركين وباب
~~للمنافقين، وروي هذا الترتيب في بعض الآثار، وعن ابن عباس أن جهنم لمن
~~ادعى الربوبية ولظى لعبدة النار والحطمة لعبدة الأصنام وسقر لليهود
~~والسعير للنصارى والجحيم للصابئين والهاوية للموحدين العاصين، وروي غير
~~ذلك، وبالجملة في تعيين أهلها كترتيبها اختلاف في الروايات. ولعل حكمة
~~تخصيص هذا العدد انحصار مجامع المهلكات في المحسوسات بالحواس الخمس
~~ومقتضيات القوة الشهوانية الغضبية أو أن أصول الفرق الداخلين فيها سبعة،
~~وقرأ ابن القعقاع (جز) بتشديد الزاي من غير همزة ووجهه أنه حذف الهمزة
~~وألقى حركتها على الزاي ثم وقف بالتشديد ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، وقرأ
~~ابن وثاب { جزء } بضم الزاي والهمز و { منهم } حال من { جزء } وجاء من
~~النكرة لتقدمه ووصفها أو حال من ضميره في الجار والمجرور الواقع خبرا
~~له، ورجح بأن فيه سلامة مما في وقوع الحال من المبتدأ، والتزم بعضهم لذلك
~~كون المرفوع فاعلا بالظرف ولا يجوز أن يكون حالا من الضمير في {
~~مقسوم } لأنه صفة { جزء } فلا يصح عمله فيما قبل الموصوف، وكذا لا
~~يجوز أن يكون صفة { باب } لأنه يقتضي أن يقال منها، وتنزيل الأبواب
~~منزلة العقلاء لا وجه له هنا كما لا يخفى والله تعالى أعلم.

# ومن باب الإشارة:

# ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف
~~يعلمون

# [الحجر: 3] فيه إشارة إلى ذم من كان همه بطنه وتنفيذ شهواته، قال أبو
~~عثمان: أسوأ الناس حالا من كان همه ذلك فإنه محروم عن الوصول إلى حرم
~~القرب

# وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك
~~لمجنون ms05221

# [الحجر: 6] رموه وحاشاه صلى الله عليه وسلم بالجنون مشيرين إلى أن سببه
~~دعواه عليه الصلاة والسلام نزول الذكر الذي لم تتسع له عقولهم، والإشارة
~~في ذلك أنه لا ينبغي لمن لم يتسع عقله لما من الله سبحانه به على أوليائه
~~من الأسرار أن يبادروهم بالإنكار ويرموهم بما لا ينبغي كما هو عادة كثير
~~من المنكرين اليوم على الأولياء الكاملين حيث نسبوهم فيما تكلموا به من
~~الأسرار الإلهية والمعارف الربانية إلى الجنون؛ وزعموا أن ما تكلموا به
~~من ذلك ترهات وأباطيل خيلت لهم من الرياضات، ولا أعني بالأولياء الكاملين
~~سوى من تحقق لدى المنصفين موافقتهم للشرع فيما يأتون ويذرون دون الذين
~~يزعمون انتظامهم في سلكهم وهم أولياء الشيطان وحزبهم حزبه كبعض متصوفة
~~هذا الزمان فإن الزنادقة بالنسبة/ إليهم أتقياء موحدون كما لا يخفى على
~~من سبر أحوالهم.

# إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون

# [الحجر: 9] قال ابن عطاء: أي إنا نزلنا هذا الذكر شفاء ورحمة وبيانا
~~للهدى فينتفع به من كان موسوما بالسعادة منورا بتقديس السر عن دنس
~~المخالفة وإنا له لحافظون في قلوب أوليائنا فهي خزائن أسرارنا

# ولقد جعلنا فى السماء بروجا وزينها
~~للنظرين

# [الحجر: 16] أشار سبحانه إلى سماء الذات وبروج الصفات والجلال فيسير في
~~ذلك القلب والسر والعقل والروح فيحصل للروح التوحيد والتجريد والتفريد
~~وللعقل المعارف والكواشف وللقلب العشق والمحبة والخوف والرجاء والقبض
~~والبسط والعلم والخشية والأنس والانبساط وللسر الفناء والبقاء والسكر
~~والصحو

# وحفظنها من كل شيطن رجيم

# [الحجر: 17] إشارة إلى منع كشف جمال صفاته سبحانه وجلال ذاته عز وجل عن
~~أبصار البطالين والمدعين والمبطلين الزائغين عن الحق { إلا من
~~استرق السمع } اختلس شيئا من سكان هاتيك الحضائر القدسية من
~~الكاملين

# فأتبعه شهاب مبين

# [الحجر: 18] نار التحير فهلك في بوادي التيه أو صار غولا يضل السائرين
~~السالكين لتحصيل ما ينفعهم، وقيل الإشارة في ذلك: إنا جعلنا في سماء
~~العقل بروج المقامات ومراتب العقول من العقل الهيولاني والعقل بالملكة
~~والعقل بالفعل والعقل المستفاد وزيناها بالعلوم والمعارف للناظرين
~~المتفكرين وحفظانا من ms05222 شياطين الأوهام الباطلة إلا من اختطف الحكم العقلي
~~باستراق السمع لقربه من أفق العقل فأتبعه شهاب البرهان الواضح فطرده
~~وأبطل حكمه اه ولا يخفى ما في تزيين كل مرتبة من مراتب العقول المذكورة
~~بالعلوم والمعارف للمتفكرين من النظر على من تفكر، وقيل: الإشارة إلى أنه
~~تعالى جعل في سماء القلوب بروج المعارف تسير فيها سيارات الهمم، وجعلها
~~زينة للناظرين إليها المطلعين عليها من الملائكة والروحانيين وحفظها من
~~الشياطين فلو دنا إبليس أو جنوده من قلب عارف احترق بنور معرفته ورد
~~خاسئا.

# والأرض مددنها وألقينا فيها روسي وأنبتنا
~~فيها من كل شىء موزون

# [الحجر: 19] إشارة إلى إنه تعالى بسط بأنوار تجلى جماله وجلاله سبحانه
~~أرض قلوب أوليائه حتى أن العرش وما حوى بالنسبة إليها كحلقة في فلاة بل
~~دون ذلك بكثير، وفي الخبر:

# " ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن "

# ثم إنه تعالى لما تجلى عليها تزلزلت من هيبته فألقى عليها رواسي السكينة
~~فاستقرت وأنبت فيها بمياه بحار زلال نور غيبه من جميع نباتات المعارف
~~والكواشف والمواجيد والحالات والمقامات والآداب وكل من ذلك موزون بميزان
~~علمه وحكمته. وقال بعضهم: نفوس العابدين أرض العبادة وقلوب العارفين أرض
~~المعرفة وأرواح المشتاقين أرض المحبة، والرواسي الرجاء والخوف والرغبة
~~والرهبة، والأزهار الأنوار التي أشرقت فيها من نور اليقين ونور العرفان
~~ونور الحضور ونور الشهود ونور التوحيد إلى غير ذلك، وقيل: أشير بالأرض
~~إلى أرض النفس أي بسطنا أرض النفس بالنور القلبي وألقينا فيها رواسي
~~الفضائل وأنبتنا فيها كل شيء من الكمالات الخلقية والأفعال الإرادية
~~والملكات الفاضلة والإدراكات الحسية معين مقدر بميزان الحكمة والعدل {
~~وجعلنا لكم فيها معيش } بالتدابير الجزئية

# ومن لستم له برزقين

# [الحجر: 20] ممن ينسب إليكم ويتعلق بكم، قال بعضهم: إن سبب العيش مختلف
~~فعيش المريدين بيمن إقباله تعالى وعيش العارفين بلطف جماله سبحانه وعيش
~~الموحدين بكشف جلاله جل جلاله. { وإن من شىء إلا عندنا
~~خزائنه } أي ما من شيء إلا له عندنا خزانة في عالم القضاء { وما
~~ننزله } في عالم ms05223 الشهادة

# إلا بقدر معلوم

# [الحجر: 21] من شكل وقدر ووضع ووقت ومحل حسبما يقتضيه استعداده، قيل: إن
~~الإشارة في ذلك إلى دعوة العبادة إلى حقائق التوكل وقطع الأسباب والإعراض
~~عن الأغيار، ومن هنا قال حمدون: إنه سبحانه/ قطع أطماع عبيده جل وعلا
~~بهذه الآية فمن رفع بعد هذا حاجة إلى غيره تعالى شأنه فهو جاهل ملوم،
~~وكان الجنيد قدس سره إذا قرأ هذه الآية يقول فأين تذهبون؟ ويقال: خزائنه
~~تعالى في الأرض قلوب العارفين وفيها جواهر الأسرار، ومنهم من قال: النفوس
~~خزائن التوفيق والقلوب خزائن التحقيق والألسنة خزائن الذكر إلى غير ذلك {
~~وأرسلنا } على القلوب { الرياح } النفحات الإلهية { لواقح }
~~بالحكم والمعارف، قال ابن عطاء: رياح العناية تلقح الثبات على الطاعات
~~ورياح الكريم تلقح في القلوب معرفة المنعم ورياح التوكل تلقح في النفوس
~~الثقة بالله تعالى والاعتماد عليه، وكل من هذه الرياح تظهر في الأبدان
~~زيادة وفي القلوب زيادة وشقي من حرمها { فأنزلنا من السمآء }
~~أي سماء الروح { ماء } من العلوم الحقيقية { فأسقيناكموه }
~~وأحييناكم به { ومآ أنتم له } أي لذلك الماء

# بخزنين

# [الحجر: 22] لخلوكم عن العلوم قبل أن نعلمكم { وإنا لنحن نحيى
~~} القلوب بماء العلم والمشاهدة { ونميت } النفوس بالجد والمجاهدة،
~~وقيل: نحيي بالعلم ونميت بالإفناء في الوحدة؛ وقيل: نحيي بمشاهدتنا
~~قلوب المطيعين من موت الفراق ونميت نفوس المريدين بالخوف منا وقهر عظمتنا
~~عن حياة الشهوات، وقال الواسطي: نحيي من نشاء بنا ونميت من نشاء عنا،
~~وقال الوراق: نحيي القلوب بنور الايمان ونميت النفوس باتباع الشيطان؛
~~وقيل وقيل:

# ونحن الورثون

# [الحجر: 23] للوجود والباقون بعد الفناء { ولقد علمنا
~~المستقدمين منكم } وهم المشتاقون الطالبون للتقدم

# ولقد علمنا المستئخرين

# [الحجر: 24] وهم المنجذبون إلى عالم الحس باستيلاء صفات النفس الطالبون
~~للتأخر عن عالم القدس وروضات الأنس، ومن هنا قال ابن عطاء: من القلوب
~~قلوب همتها مرتفعة عن الأدناس والنظر إلى الأكوان ومنها ما هي مربوطة بها
~~مقترنة بنجاستها لا تنفك عنها طرفة عين، وقيل: المستقدمين الطالبون كشف
~~أنوار الجمال والجلال والمستأخرين أهل الرسوم الطالبون للحظوظ والأعراض،
~~وقيل: ms05224 الأولون هم أرباب الصحو الذين يتسارعون إذا دعوا إلى الطاعة
~~والآخرون سكارى التوحيد والمعرفة والمحبة، وقيل: الأولون هم الآخذون
~~بالعزائم والآخرون هم الآخذون بالرخص، وقيل: غير ذلك

# وإذ قال ربك للملئكة إنى خلق بشرا من
~~صلصل من حمإ مسنون

# [الحجر: 28] فيه إشارة إلى عظم شأن آدم عليه السلام حيث أخبر سبحانه
~~بخلقه قبل أن يخلقه، وسماه بشرا لأنه جل شأنه باشر خلقه بيديه، ولم يثن
~~سبحانه اليد لأحد الإ له، وهو النسخة الإلهية الجامعة لصفات الجمال
~~والجلال

# فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له
~~سجدين

# [الحجر: 29] أضاف سبحانه الروح إلى نفسه تشريفا لها وتعظيما لقدرها
~~لما أنها سر خفي من أسراره جل وعلا، ولذا قيل: من عرف نفسه عرف ربه، وعلق
~~تبارك شأنه الأمر بالسجود بالتسوية والنفخ لما أن أنوار الأسماء والصفات
~~وسناء سبحات الذات إنما تظهر إذ ذاك، ولذا لما تم الأمر وجلدت النسخة
~~فظهرت أنوار الحق وقرئت سطور الأسرار استصغروا أنفسهم

# فسجد الملئكة كلهم أجمعون

# [الحجر: 30] { إلا إبليس } لما أعمى الله تعالى عينه عن مشاهدة ما
~~شاهدوه

# أبى أن يكون مع السجدين

# [الحجر: 31] ولو شاهد ذلك لسجد كما سجدوا

# قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصل من
~~حمإ مسنون

# [الحجر: 33] غلط اللعين في زعمه أنه خير من آدم عليه السلام ولم يخطر في
~~باله أيضا أن المحب الصادق يمتثل أمر محبوبه كيف كان، ومن هنا قيل:

# لو قال تيها قف على جمر الغضى

# لوقفت ممتثلا ولم أتوقف

# وقال بعض أهل الوحدة: إن الملعون ظن أنه مستحكم في توحيده حيث لم يسجد
~~لغيره تعالى، وقد أخطأ/ أيضا لأنه لا غير هناك لأن في حقيقة جمع الجمع
~~ترتفع الغيرية وتزول الإثنينية. وأنت تعلم أن هذا بمراحل عما يدل عليه
~~كلامه وأن الغيرية إذا ارتفعت في هذا المقام ترتفع مطلقا فلا تبقى غيرية
~~بين آدم وإبليس بل ولا بينهما وبين شخص من الأشخاص الخارجية والذهنية،
~~ومن هنا قال قائلهم:

# ما آدم في الكون ما إبليس

# ما ملك سليمان وما ms05225 بلقيس

# الكل عبارة وأنت المعنى

# يا من هو للقلوب مغناطيس

# وقال الحسين بن منصور:

# جحودي لك تقديس

# وعقلي فيك منهوس

# فمن آدم الاك

# ومن في البين إبليس

# وقد انتشر مثل هذا الكلام اليوم في الأسواق ومجالس الجهلة والفساق واتسع
~~الخرق على الراقع وتفاقم الأمر وما له سوى الله تعالى من دافع

# قال فاخرج منها فإنك رجيم

# [الحجر: 34] طريد عن ساحة القرب إذ القرب يقتضي الامتثال وكلما ازداد
~~العبد قربا من ربه ازداد خضوعا وخشوعا

# وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين

# [الحجر: 35] لم يرد سبحانه أنه بعد ذلك يحصل له القرب خلافا لبعض أهل
~~الوحدة بل أراد جل وعلا بعض ما قدمناه. { قال رب بمآ أغويتنى
~~لأزينن لهم فى الأرض } أي لأزينن لهم الشهوات في الجهة
~~السفلية

# ولأغوينهم أجمعين

# [الحجر: 39]

# إلا عبادك منهم المخلصين

# [الحجر: 40] الذين أخلصتهم لك واصطفيتهم لمحبتك أو المخلصين في طاعتهم
~~لك ولا يلتفتون لأحد سواك، وفيه من مدح الإخلاص ما فيه، وفي الخبر
~~«العالم هلكى إلا العالمون والعالمون هلكى إلا العاملون والعاملون هلكى
~~إلا المخلصون والمخلصون على خطر» أي شرف عظيم كما ذكره السيد السند في
~~بعض " تعليقاته ".

# إن عبادى ليس لك عليهم سلطن إلا من
~~اتبعك من الغاوين

# [الحجر: 42] أي الذي يناسبونك في الغواية والبعد

# وإن جهنم لموعدهم أجمعين

# [الحجر: 43] { لها سبعة أبواب } عدد الحواس الخمس والقوتين
~~الشهوية والغضبية وهاتان القوتان بابان عظيمان للضلالة المفضية إلى
~~النار. أخرج ابن جرير عن يزيد بن قسيط قال: كانت للأنبياء عليهم السلام
~~مساجد خارجة من قراهم فإذا أراد أحدهم أن يستنبىء ربه عن شيء خرج إلى
~~مسجده فصلى ما كتب الله تعالى ثم سأل ما بدا له فبينما نبي في مسجده إذ
~~جاء إبليس حتى جلس بينه وبين القبلة فقال النبي: أعوذ بالله تعالى من
~~الشيطان الرجيم ثلاثا فقال إبليس: أخبرني بأي شيء تنجو مني؟ قال النبي:
~~بل أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم فأجد كل واحد منهما على صاحبه فقال
~~النبي: إن الله تعالى يقول:

# إن عبادى ليس ms05226 لك عليهم سلطن إلا من
~~اتبعك من الغاوين

# [الحجر: 42] قال إبليس: قد سمعت هذا قبل أن تولد قال النبي: ويقول الله
~~تعالى:

# وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ
~~بالله

# [الأعراف: 200] وإني والله تعالى ما أحسست بك قط إلا اسعذت بالله تعالى
~~منك قال إبليس: صدقت بهذا تنجو مني فقال النبي: أخبرني بأي شيء تغلب ابن
~~آدم قال: آخذه عند الغضب وعند الهوى

# لكل باب منهم جزء مقسوم

# [الحجر: 44] فيكون لكل باب فرقة تغلب عليها قوة ذلك الباب، نسأل الله
~~تعالى أي يجيرنا منها بحرمة سيد ذوي الألباب صلى الله عليه وسلم.

### || [15.45]

# { إن المتقين فى جنت وعيون } أي مستقرون في ذلك
~~خالدون فيه، والمراد بهم  على ما في " الكشاف " عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما  الذين اتقوا الكفر والفواحش ولهم ذنوب تكفرها الصلوات
~~وغيرها، وفيه أن المتقي على الإطلاق من يتقي ما يجب اتقاؤه/ مما نهي عنه،
~~ونقل الإمام عن جمهور الصحابة والتابعين وذكر أنه المنقول عن الحبر أن
~~المراد بهم الذين اتقوا الشرك ثم قال: وهذا هو الحق الصحيح، والذي يدل
~~عليه أن المتقي هو الآتي بالتقوى مرة واحدة كما أن الضارب هو الآتي
~~بالضرب مرة فليس من شرط صدق الوصف بكونه متقيا كونه آتيا بجميع أنواع
~~التقوى، والذي يقرر ذلك أن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يكون آتيا
~~بالتقوى فإن الفرد مشتمل على الماهية بالضرورة وكل آت بالتقوى يجب أن
~~يكون متقيا فالآتي بفرد يجب كونه متقيا، ولهذا قالوا: ظاهر الأمر لا
~~يفيد التكرار فظاهر الآية يقتضي حصول الجنات والعيون لكل من اتقى عن ذنب
~~واحد إلا أن الأمة مجمعة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصول هذا الحكم،
~~وأيضا هذه الآية وردت عقيب قول إبليس:

# إلا عبادك منهم المخلصين

# [الحجر: 40] وعقيب قوله تعالى:

# إن عبادى ليس لك عليهم سلطن

# [الحجر: 42] فلذا اعتبر الإيمان في هذا الحكم فوجب أن لا يزاد فيه قيد
~~آخر لأن تخصيص العام لما كان خلاف الظاهر، فكلما كان التخصيص أقل ms05227 كان
~~أوفق بمقتضى الأصل والظاهر فثبت أن الحكم المذكور يتناول جميع القائلين
~~لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كانوا من أهل
~~المعصية، وهذا تقرير بين وكلام ظاهر اه. وقد يقال: لا شبهة في أن السياق
~~يدل على أن المتقين هم المخلصون السابق ذكرهم، وأن المطلق يحمل على
~~الكامل والكامل ما أشار إليه الزمخشري ولا بأس بالحمل عليه وقيل إنه
~~الأنسب.

# وإخراج العصاة من النار ثابت بنصوص أخر، وكذا إدخال التائبين الجنة بل
~~غيرهم أيضا فلا يلزم القائل بذلك القول بما عليه المعتزلة من تخليد
~~أصحاب الكبائر كما لا يخفى، وأل للاستغراق وهو إما مجموعي فيكون لكل واحد
~~من المتقين جنة وعين أو إفرادي فيكون لكل جنات وعيون، والمراد بالعيون
~~يحتمل كما قيل أن يكون الأنهار المذكورة في قوله تعالى:

# مثل الجنة التى وعد المتقون فيها أنهار من
~~ماء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه

# [محمد: 15] الآية، ويحتمل أن يكون منابع مغايرة لتلك الأنهار وهو
~~الظاهر، وهل كل من المتقين مختص بعيونه أو ليس مختصا بل تجري من بعض إلى
~~بعض احتمالان فإنه يمكن أن يكون لكل واحد عين وينتفع بها من في معيته،
~~ويمكن أن تجري العين من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون عن الحقد والحسد، وضم
~~العين من { عيون } هو الأصل وبه قرأ نافع وأبو عمرو وحفص وهشام وقرأ
~~الباقون بالعكس وهو لمناسبة الياء.

### || [15.46]

# { ادخلوها } أمر لهم بالدخول من قبله تعالى، وهو بتقدير القول على
~~أنه حال أي وقد قيل لهم ادخلوها، فلا يرد أنه بعد الحكم بأنهم في الجنة
~~كيف يقال لهم ادخلوها، وجوز أن يقدر مقولا لهم ذلك والمقارنة عرفية
~~لاتصالهما، وقيل: يقدر يقال لهم فيكون مستأنفا، ووجه ذكر هذا الأمر بعد
~~الحكم السابق بأنهم لما ملكوا جنات كثيرة كانوا كلما خرجوا من جنة إلى
~~أخرى قيل لهم ادخلوها إلى آخره، وهو إنما يجري على تقدير أن يكون لكل
~~جنات وبغير ذلك مما فيه دخل. وقرأ الحسن { ادخلوها ms05228 } على أنه ماض مبني
~~للمفعول من باب الأفعال والهمزة فيه للقطع، وأصل القياس أن لا يكسر
~~التنوين قبلها إلا أن الحسن كسره على أصل التقاء الساكنين إجراء لهمزة
~~القطع مجرى همزة الوصل في الإسقاط. وقرأ يعقوب في رواية رويس كذلك إلا
~~أنه ضم التنوين بإلقاء حركة همزة القطع عليه، وعنه { أدخلوها } بفتح
~~الهمزة عليه وكسر الخاء على أنه أمر للملائكة بإدخالهم إياها، وفتح في
~~هذه القراءة التنوين بإلقاء فتحة الهمزة عليه وعلى القراءة بصيغة/ الماضي
~~لا حاجة إلى تقدير القول، والفاعل عليها هو الله تعالى أي أدخلهم الله
~~سبحانه إياها { بسلام } أي ملتبسين به أي سالمين أو مسلما عليكم وعلى
~~الأول يراد سلامتهم من الآفة والزوال في الحال، ويراد بالأمن في قوله
~~سبحانه: { ءامنين } الأمن من طرو ذلك في الاستقبال فلا حاجة إلى تخصيص
~~السلامة بما يكون جسمانيا والأمن بغيره.

### || [15.47]

# { ونزعنا ما فى صدورهم من غل } أي حقد، وأصله على ما قيل
~~من الغلالة وهو ما يلبس بين الثوبين الشعار والدثار وتستعار للدرع كما
~~يستعار الدرع لها، وقيل: قيل للحقد غل أخذا له من انغل في كذا وتغلل إذا
~~دخل فيه، ومنه قيل للماء الجاري بين الشجر غلل، وقد يستعمل الغل فيما
~~يضمر في القلب مما يذم كالحسد والحقد وغيرهما، وهذا النزع قيل في الدنيا،
~~فقد أخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن كثير النوا قال: قلت لأبي جعفر
~~إن فلانا حدثني عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أن هذه الآية
~~نزلت في أبي بكر وعمر وعلي رضي الله تعالى عنهم { ونزعنا ما فى
~~صدورهم من غل } قال: والله إنها لفيهم أنزلت وفيمن تنزل إلا
~~فيهم؟ قلت: وأي غل هو؟ قال: غل الجاهلية إن بني تيم وبني عدي وبني هاشم
~~كان بينهم في الجاهلية فلما أسلم هؤلاء القوم تحابوا فأخذت أبا بكر
~~الخاصرة فجعل علي كرم الله تعالى وجهه يسخن يده فيكوي بها خاصرة أبي بكر
~~رضي الله تعالى عنه فنزلت هذه الآية، ويشعر بذلك على ما ms05229 قيل ما أخرجه
~~سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والحاكم وغيرهم من طرق عن علي كرم
~~الله تعالى وجهه أنه قال لابن طلحة: إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك من
~~الذين قال الله تعالى: { ونزعنا } الآية فقال رجل من همذان: إن الله
~~سبحانه أعدل من ذلك فصاح علي كرم الله تعالى وجهه عليه صيحة تداعى لها
~~القصر، وقال: فمن إذن إن لم نكن نحن أولئك؟ وقيل: إن ذلك في الآخرة بعد
~~دخول الجنة، فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق
~~القاسم عن أبي أمامة قال: يدخل أهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في
~~الدنيا من الشحناء والضغائن حتى إذا تدانوا وتقابلوا على السرر نزع الله
~~تعالى ما في صدورهم في الدنيا من غل. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الكريم
~~بن رشيد قال: ينتهي أهل الجنة إلى باب الجنة وهم يتلاحظون تلاحظ الفيران
~~فإذا دخلوها نزع الله تعالى ما في صدورهم من الغل، وقيل: فيها قبل
~~الدخول، فقد أخرج ابن أبي حاتم أيضا عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم قال:

# " يحبس أهل الجنة بعد ما يجوزون الصراط حتى يؤخذ لبعضهم من بعض ظلاماتهم
~~في الدنيا ويدخلون الجنة وليس في قلوب بعضهم على بعض غل "

# وهذا ونحوه يؤيد ما قاله الإمام في المتقين، وقيل: معنى الآية طهر الله
~~تعالى قلوبهم من أن يتحاسدوا على الدرجات في الجنة ونزع سبحانه منها كل
~~غل وألقى فيها التواد والتحاب، والآية ظاهرة في وجود الغل في صدورهم قبل
~~النزع فتأمل.

# { إخوانا } حال من الضمير في

# في جنت

# [الحجر: 45] وهي حال مترادفة إن جعل

# ادخلوها

# [الحجر: 46] حالا من ذلك أيضا أو حال من فاعل

# ادخلوها

# [الحجر: 46] وهي مقدرة إن كان النزع في الجنة أو من ضمير

# ءامنين

# [الحجر:46] أو الضمير المضاف إليه في { صدورهم } وجاز لأن المضاف
~~بعض من ذلك وهي حال مقدرة أيضا، ويقال نحو ذلك في قوله تعالى: { على
~~سرر متقبلين } ويجوز أن ms05230 يكون صفتين  لإخوانا  أو حالين من
~~الضمير المستتر فيه لأنه في معنى/ المشتق أي متصافيين، ويجوز أن يكون {
~~متقبلين } حالا من المستتر في { على سرر } سواء كان
~~حالا أو صفة، وأبو حيان لا يرى جواز الحال من المضاف إليه إذا كان جزأه
~~أو كجزئه ويخصه فيما إذا كان المضاف مما يعمل في المضاف إليه الرفع أو
~~النصب، وزعم أن جواز ذلك في الصورتين السابقتين مما تفرد به ابن مالك،
~~ولم يقف على أنه نقله في " فتاويه " عن الأخفش وجماعة وافقوه فيه، واختار
~~كون { إخوانا } منصوبا على المدح؛ والسرر بضمتين جمع سرير وهو معروف
~~وأخذه من السرور إذ كان ذلك لأولي النعمة، وإطلاقه على سرير الميت
~~للتشبيه في الصورة وللتفاؤل بالسرور الذي يلحق الميت برجوعه إلى جوار
~~الله عز وجل وخلاصه من سجنه المشار إليه بما جاء في بعض الآثار «الدنيا
~~سجن المؤمن». وكلب وبعض بني تميم يفتحون الراء وكذا كل مضاعف فعيل، ويجمع
~~أيضا على أسرة، وهي على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من ذهب
~~مكللة باليواقيت والزبرجد والدر، وسعة كل كسعة ما بين صنعاء إلى الجابية.
~~وفي كونهم على سرر إشارة إلى أنهم في رفعة وكرامة تامة. وروي عن مجاهد أن
~~الأسرة تدور بهم حيثما داروا فهم في جميع أحوالهم متقابلون لا ينظر بعضهم
~~إلى قفا بعض، فالتقابل التواجه وهو نقيض التدابر، ووصفهم بذلك إشارة إلى
~~أنهم على أشرف أحوال الاجتماع. وقيل: هو إشارة إلى أنهم يجتمعون
~~ويتنادمون، وقيل: معنى { متقبلين } متساوين في التواصل
~~والتزاور. وفي بعض الأخبار إن المؤمن في الجنة إذا أراد أن يلقى أخاه
~~المؤمن سار كل واحد منهم إلى صاحبه فيلتقيان ويتحدثان.

### || [15.48]

# { لا يمسهم فيها } أي في تلك الجنات { نصب } تعب ما، إما
~~بأن لا يكون لهم فيها ما يوجبه من السعي في تحصيل ما لا بد لهم منه لحصول
~~كل ما يشتهونه من غير مزاولة عمل أصلا، وإما بأن لا يعتريهم ذلك وإن
~~باشروا الحركات العنيفة لكمال قوتهم. وفي ms05231 بعض الآثار أن قوة الواحد منهم
~~قوة أربعين رجلا من رجال الدنيا؛ والجملة استئناف نحوي أو بياني أو حال
~~من الضمير في

# في جنت

# [الحجر: 45] أو من الضمير في

# إخوانا

# [الحجر: 47] أو من الضمير في

# متقبلين

# [الحجر: 47] أو من الضمير في

# على سرر

# [الحجر: 47] { وما هم منها بمخرجين } أي هم خالدون فيها.
~~فالمراد استمرار النفي وذلك لأن إتمام النعمة بالخلود، وهذا متكرر مع

# ءامنين

# [الحجر: 46] إن أريد منه الأمن من زوالهم عن الجنة وانتقالهم منها،
~~وارتكب ذلك للاعتناء والتأكيد وإن أريد به الأمن من زوال ما هم عليه من
~~النعيم والسرور والصحة لا يتكرر، وبحث بعضهم في لزوم التكرار بأن الأمن
~~من الشيء لا يستلزم عدم وقوعه كأمن الكفرة من مكر الله تعالى مثلا وأنه
~~يجوز أن يكون المراد زوال أنفسهم بالموت لا الزوال عن الجنة، وتعقب بأن
~~الثاني في غاية البعد فإنه لا يقال للميت: إنه فيها وإن دفن بها كالأول
~~فإن الله تعالى إذا بشرهم بالأمن منه كيف يتوهم عدم وقوعه.

### || [15.49]

# { نبىء عبادى } قيل: مطلقا، وقيل: الذين عبر عنهم بالمتقين أي
~~أخبرهم { أني أنا الغفور الرحيم }.

### || [15.50]

# وهذا إجمال لما سبق من الوعد والوعيد وتأكيد له، و { أنا } إما مبتدأ
~~أو تأكيد أو فصل، وهو إما مبتدأ أو فصل، وأن وما بعدها  قال أبو حيان: 
~~ساد مسد مفعولي

# نبىء

# [الحجر: 49] إن قلنا: إنها تعدت إلى ثلاثة ومسد واحد إن قلنا تعدت إلى
~~اثنين، وفي ذكر المغفرة إشعار على ما قيل بأن ليس المراد بالمتقين من
~~يتقي جميع الذنوب إذ لو أريد ذلك لم يكن لذكرها موقع، وقيل: إن ذكرها
~~حينئذ لدفع توهم أن غير أولئك المتقين لا يكون في الجنة بأنه يدخلها وإن
~~لم يتب لأنه تعالى الغفور الرحيم، وله وجه، وفي توصيف ذاته تعالى
~~بالمغفرة والرحمة دون التعذيب حيث لم يقل سبحانه: وإني أنا المعذب
~~المؤلم/ ترجيح لجانب الوعد على الوعيد وإن كان الأليم على ما قال غير
~~واحد في الحقيقة صفة العذاب، وكذا لا يضر ms05232 في ذلك الإضافة لأنها لا تقتضي
~~حصول المضاف إليه بالفعل كما إذا قيل ضربي شديد فإنه يصح أن يراد منه
~~ذاك شديد إذا وقع ويكفي في الإضافة أدنى ملابسة، ويقوي أمر الترجيح
~~الإتيان بالوصفين بصيغتي المبالغة، وكذا ما أخرج ابن جرير وابن مردويه من
~~طريق عطاء بن أبي رباح عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " اطلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الباب الذي منه بنو شيبة
~~فقال: ألا أراكم تضحكون ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقرى
~~فقال: إني لما خرجت جاء جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إن الله تعالى
~~يقول لم تقنط عبادي؟ "

# نبىء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم

# [الحجر: 49] الآية، وتقديم الوعد أيضا يؤيد ذلك، وفيه إشارة إلى سبق
~~الرحمة حسبما نطق به الخبر المشهور.

# ومع ذلك كله في الآية ما تخشع منه القلوب، فقد أخرج عبد بن حميد وجماعة
~~عن قتادة أنه قال في الآية: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " لو يعلم العبد قدر عفو الله تعالى لما تورع من حرام ولو يعلم قدر
~~عذابه لبخع نفسه "

# وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " إن الله سبحانه خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعة
~~وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة فلو يعلم الكافر كل الذي عنده
~~من رحمة لم ييأس من الرحمة ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله تعالى من
~~العذاب لم يأمن من النار "

# ثم إنه تعالى لما ذكر الوعد والوعيد ذكر ما يحقق ذلك لما تضمنه من
~~البشرى والإهلاك بقوله سبحانه: { ونبئهم عن ضيف
~~إبراهيم... }.

### || [15.51]

# { ونبئهم عن ضيف إبراهيم } الخ، وقيل: إنه تفصيل لما
~~تضمنته الآية السابقة منهما لا من الوعيد فقط كما قيل، والمراد بضيف
~~إبراهيم الملائكة عليهم السلام الذين بشروه بالولد وبهلك قوم لوط عليه
~~السلام، وإنما سموا ضيفا لأنهم في صورة من كان ينزل ms05233 به عليه السلام من
~~الأضياف وكان لا ينزل به أحد إلا أضافه، وكان لقصره عليه السلام أربعة
~~أبواب من كل جهة باب لئلا يفوته أحد، ولذا كان يكنى أبا الضيفان، واختلف
~~في عددهم كما تقدم، وهو في الأصل مصدر والأفصح أن لا يثنى ولا يجمع ولا
~~يؤنث للمثنى والمجموع والمؤنث فلا حاجة إلى تكلف إضمار أي أصحاب ضيف كما
~~قاله النحاس وغيره، ولم يتعرض سبحانه لعنوان رسالتهم لأنهم لم يكونوا
~~مرسلين إليه عليه السلام بل إلى قوم لوط عليه السلام كما يأتي إن شاء
~~الله تعالى ذكره. وقرأ أبو حيوة { ونبيهم } بإبدال الهمزة ياء.

### || [15.52]

# { إذ دخلوا عليه } نصب على أنه مفعول بفعل محذوف معطوف على

# نبىء

# [الحجر:49] أي واذكر وقت دخولهم عليه أو ظرف  لضيف  بناء على أنه
~~مصدر في الأصل، وجوز أبو البقاء كونه ظرفا له بناء على أنه مصدر الآن
~~مضاف إلى المفعول حيث كان التقدير أصحاب ضيف حسبما سمعته عن النحاس
~~وغيره، وأن يكون ظرفا لخبر مضافا إلى

# ضيف

# [الحجر: 51] أي خبر ضيف إبراهيم حين دخولهم عليه { فقالوا } عند
~~ذلك: { سلاما } مقتطع من جملة محكية بالقول وليس منصوبا به أي سلمت
~~سلاما من السلامة أو سلمنا سلاما من التحية، وقيل: هو نعت لمصدر محذوف
~~تقديره فقالوا قولا سلاما { قال إنا منكم وجلون } أي
~~خائفون فإن الوجل اضطراب النفس لتوقع مكروه، وقوله عليه السلام هذا كان 
~~عند غير واحد  بعد أن قرب إليهم العجل الحنيذ فلم يأكلوا منه، وكان
~~العادة أن الضيف إذا لم يأكل مما يقدم له ظنوا أنه لم يجىء بخير، وقيل:
~~كان/ عند ابتداء دخولهم حيث دخلوا عليه عليه الصلاة والسلام بغير إذن وفي
~~وقت لا يطرق في مثله، وتعقب بأنه لو كان كذلك لأجابوا حينئذ بما أجابوا
~~به ولم يكن عليه السلام ليقرب إليهم الطعام، وأيضا قوله تعالى:

# فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس
~~منهم خيفة

# [هود: 70] ظاهر فيما تقدم؛ ولعل هذا التصريح كان بعد الإيجاس.

# وقيل: يحتمل أن يكون القول ms05234 هنا مجازا بأن يكون قد ظهرت عليه عليه
~~الصلاة والسلام مخايل الخوف حتى صار كالقائل المصرح به، وإنما لم يذكر
~~هنا تقريب الطعام اكتفاء بذكره في غير هذا الموضع كما لم يذكر رده عليه
~~السلام السلام عليهم لذلك، وقد تقدم ما ينفعك هنا مفصلا في هود فتذكره.

### || [15.53]

# { قالوا لا توجل } لا تخف وقرأ الحسن { لا توجل } بضم التاء
~~مبنيا للمفعول من الإيجال، وقرىء { لا تواجل } من واجله بمعنى أوجله و {
~~لا تاجل } بإبدال الواو ألفا كما قالوا تابة في توبة. { إنا
~~نبشرك } استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل فإن المبشر [به] لا
~~يكاد يحوم حول ساحته خوف ولا حزن كيف لا وهي بشارة ببقائه وبقاء أهله في
~~عافية وسلامة زمانا طويلا. { بغلم } هو إسحاق عليه السلام لأنه
~~قد صرح به في موضع آخر، وقد جعل سبحانه البشارة هنا لإبراهيم وفي آية
~~أخرى لامرأته ولكل وجهة، ولعلها هنا كونها أوفق بإنباء العرب عما وقع
~~لجدهم الأعلى عليه السلام، ولعله سبحانه لم يتعرض ببشارة يعقوب اكتفاء
~~بما ذكر في سورة هود، والتنوين للتعظيم أي بغلام عظيم القدر { عليم }
~~ذي علم كثير، قيل: أريد بذلك الإشارة إلى أنه يكون نبيا فهو على حد قوله
~~تعالى:

# وبشرنه بإسحق نبيا

# [الصافات: 112].

### || [15.54]

# { قال أبشرتمونى } بذلك { على أن مسنى الكبر }
~~وأثر في والاستفهام للتعجب، و { على } بمعنى مع مثلها في قوله
~~تعالى:

# وآتى المال على حبه

# [البقرة:177] على أحد القولين في الضمير، والجار والمجرور في موضع الحال
~~فيكون قد تعجب عليه السلام من بشارتهم إياه مع هذه الحال المنافية لذلك،
~~ويجوز أن يكون الاستفهام للإنكار و { على } على ما سمعت بمعنى أنه لا
~~ينبغي أن تكون البشارة مع الحال المذكورة. وزعم بعض المنتمين إلى أهل
~~العلم أن الأولى جعل { على } بمعنى في مثلها في قوله تعالى:

# ودخل المدينة على حين غفلة

# [القصص: 15] وقوله سبحانه:

# واتبعوا ما تتلوا الشيطين على ملك سليمن

# [البقرة: 102] لوجهين الاستغناء عن التقدير وكون المصاحبة لصدقها بأول
~~المس لا تنافي البشارة، ms05235 وهو لعمري ضرب من الهذيان كما لا يخفى على إنسان.
~~ثم إنه عليه السلام زاد في ذلك فقال: { فبم تبشرون } أي فبأي
~~أعجوبة تبشرون أو بأي شيء تبشرون فإن البشارة بما لا يقع عادة بشارة بغير
~~شيء. وجوز أن تكون الباء للملابسة والاستفهام سؤال عن الوجه والطريقة أي
~~تبشرون ملتبسين بأي طريقة ولا طريق لذلك في العادة.

# وقرأ الأعرج { بشرتمون } بغير همزة الاستفهام، وابن محيصن { الكبر } بضم
~~الكاف وسكون الباء. وقرأ ابن كثير بكسر النون مشددة بدون ياء على إدغام
~~نون الجمع في نون الوقاية والاكتفاء بالكسرة عن الياء. وقرأ نافع بكسر
~~النون مخففة، واعترض على ذلك أبو حاتم بأن مثله لا يكون إلا في الشعر وهو
~~مما لا يلتفت إليه، وخرج على حذف نون الرفع كما هو مذهب سيبويه استثقالا
~~لاجتماع المثلين ودلالة بإبقاء نون الوقاية على الياء. وقيل: حذفت نون
~~الوقاية وكسرت نون الرفع وحذفت الياء اجتزاء بالكسرة وحذفها كذلك كثير
~~فصيح وقد قرىء به في مواضع عديدة، ورجح الأول بقلة المؤنة واحتمال عدم
~~حذف نون في هذه القراءة بأن يكون اكتفى بكسر نون الرفع من أول الأمر خلاف
~~المنقول في كتب النحو والتصريف وإن ذهب إليه بعضهم./ وقرأ الحسن كابن
~~كثير إلا أنه أثبت الياء وباقي السبعة يقرؤون بفتح النون وهي نون الرفع.

### || [15.55]

# { قالوا بشرنك بالحق } أي بالأمر المحقق لا محالة أو
~~باليقين الذي لا لبس فيه أو بطريقة هي حق، وهو أمر من له الأمر القادر
~~على خلق الولد من غير أبوين فكيف بإيجاده من شيخ وعجوز { فلا تكن
~~من القنطين } أي الآيسين من خرق العادة لك فإن ظهور الخوارق على
~~يد الأنبياء عليهم السلام كثير حتى لا يعد بالنسبة إليهم مخالفا للعادة،
~~وكأن مقصده عليه السلام استعظام نعمته تعالى عليه في ضمن التعجب العادي
~~المبني على سنة الله تعالى المسلوكة فيما بين عباده جل وعلا لا استبعاد
~~ذلك بالنسبة إلى قدرته جل جلاله، فإنه عليه السلام بل النبي مطلقا أجل
~~قدرا من ذلك، وينبىء ms05236 عنه قول الملائكة عليهم السلام: { فلا تكن
~~من القنطين } على ما فيه من المبالغة دون أن يقولوا: من
~~الممترين ونحوه.

### || [15.56]

# { قال ومن يقنط } استفهام إنكاري أي لا يقنط { من رحمة
~~ربه إلا الضآلون } أي الكفرة المخطئون طريق معرفة الله تعالى
~~فلا يعرفون سعة رحمته وكمال علمه وقدرته سبحانه وتعالى، وهذا كقول ولده
~~يعقوب:

# إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم
~~الكافرون

# [يوسف: 87] ومراده عليه السلام نفي القنوط عن نفسه بأبلغ وجه أي ليس بي
~~قنوط من رحمته تعالى وإنما الذي أقول لبيان منافاة حالي لفيضان تلك
~~النعمة الجليلة علي، وفي التعرض لعنوان الربوبية والرحمة ما لا يخفى من
~~الجزالة. وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش وأبو عمرو في رواية {
~~القنطين } والنحويان والأعمش { يقنط } بكسر النون، وباقي
~~السبعة بفتحها، وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما والأشهب بضمها، وهو شاذ
~~وماضيه مثله في التثليث.

# واستدل بالآية على تفسير الضالين بما سمعت لما سمعت من الآية على أن
~~القنوط وهو  كما قال الراغب:  اليأس من الخير كفر، والمسألة خلافية،
~~والشافعية على أن ذاك وكذا الأمن من المكر من الكبائر للحديث الموقوف على
~~ابن مسعود أو المرفوع " من الكبائر الإشراك بالله تعالى واليأس من روح
~~الله تعالى والأمن من مكر الله تعالى " وقال الكمال بن أبي شريف: العطف
~~على الإشراك بمعنى مطلق الكفر يقتضي المغايرة فإن أريد باليأس إنكار سعة
~~الرحمة الذنوب وبالأمن اعتقاد أنه لا مكر فكل منهما كفر اتفاقا لأنه رد
~~للقرآن العظيم، وإن أريد استعظام الذنوب واستبعاد العفو عنها استبعادا
~~يدخل في حد اليأس وغلبة الرجاء المدخل له في حد الأمن فهو كبيرة اتفاقا
~~اه وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر.

### || [15.57]

# { قال فما خطبكم } أي أمركم وشأنكم الخطير الذي لأجله أرسلتم
~~سوى البشارة { أيها المرسلون } لعله عليه السلام علم أن كمال
~~المقصود ليس البشارة من مقالة لهم في أثناء المحاورة مطوية هنا، وتوسيط {
~~قال } بين كلاميه عليه السلام مشيرا إلى أن هناك ما طوي ذكره، وخطابه
~~لهم عليهم ms05237 السلام بعنوان الرسالة بعد ما كان خطابه السابق مجردا عن ذلك
~~مع تصديره بالفاء ظاهر في أن مقالتهم المطوية كانت متضمنة ما فهم منه ذلك
~~فلا حاجة إلى الالتجاء إلى أن علمه عليه السلام بأن كل المقصود ليس
~~البشارة بسبب أنهم كانوا ذوي عدد والبشارة لا تحتاج إلى عدد ولذلك اكتفى
~~بواحد في زكريا ومريم عليهما السلام ولا إلى أنهم بشروه في تضاعيف الحال
~~لإزالة الوجل ولو كانت تمام المقصود لابتدأوا بها على أن فيما ذكر بحثا
~~فقد قيل: إن التعذيب كالبشارة لا يحتاج أيضا إلى العدد؛ ألا يرى أن
~~جبريل عليه السلام قلب مدائنهم بأحد جناحيه، وأيضا يرد على قوله: ولذلك
~~اكتفى الخ/ أن زكريا عليه السلام لم يكتف في بشارته بواحد كما يدل عليه
~~قوله تعالى:

# فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب
~~أن الله يبشرك بيحيى

# [آل عمران: 39] وأما مريم عليها السلام فإنما جاءها الواحد لنفخ الروح
~~والهبة كما يدل عليه قوله:

# لأهب لك غلما زكيا

# [مريم: 19] وقوله تعالى:

# فنفخنا فيه من روحنا

# [الأنبياء: 91] وأما التبشير فلازم لتلك الهبة وفي ضمنها وليست مقصودة
~~بالذات، وأيضا يخدش قوله: ولو كانت تمام المقصود لابتدأوا بها ما في قصة
~~مريم عليها السلام:

# قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا *
~~قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلما زكيا

# [مريم: 18-19]. فيجوز أن يكون قولهم:

# لا توجل

# [الحجر: 53] تمهيدا للبشارة. وأجيب عن هذا بأنه لا ورود له لأن مريم
~~عليها السلام لنزاهة شأنها أول ما أبصرته متمثلا عاجلته بالاستعاذة فلم
~~تدعه يبتدىء بالبشارة بخلاف ما نحن فيه، وعما تقدم بأن المعنى إن العادة
~~الجارية بين الناس ذلك فيرسل الواحد للبشارة والجمع لغيرها من حرب وأخذ
~~ونحو ذلك والله تعالى يجري الأمور للناس على ما اعتادوه فلا يرد قصة
~~جبريل عليه السلام في ذلك وإن قيل: المراد بالملائكة في تلك الآية جبريل
~~عليه السلام كقولهم فلان يركب الخيل ويلبس الثياب أي الجنس الصادق
~~بالواحد من ذلك قاله بعض المحققين، وتعقب ما ms05238 تقدم من كون العلم من كلام
~~وقع في أثناء المحاورة وطوي ذكره بأنه بعيد وتوسيط { قال } والفاء
~~والخطاب بعنوان الرسالة لا يقربه، أما الأول فلجواز أن يكون لما أن هناك
~~انتقالا إلى بحث آخر ومثله كثير في الكلام، وأما الثاني فلجواز أن تكون
~~فصيحة على معنى إذا تحقق هذا فأخبروني ما أمركم الذي جئتم له سوى
~~البشرى؟، وأما الثالث فلجواز أن يقال: إنه عليه السلام لم يعلم بأنهم
~~ملائكة مرسلون من الله تعالى إلا بعد البشارة ولم يكن يحسن خطابهم بذلك
~~عند الإنكار أو التعجب من بشارتهم، وكذا لا يحسن في الجواب كما لا يخفى
~~على أرباب الأذواق السليمة بل قد يقال: إنه لا يحسن أيضا عند قوله:

# إنا منكم وجلون

# [الحجر: 52] على تقدير أن يكون علم عليه السلام ذلك قبل البشارة لما أن
~~المقام هناك ضيق من أن يطال فيه الكلام بنحو ذلك الخطاب فتدبر.

### || [15.58]

# هم قوم لوط عليه السلام، وجىء بهم بطريق التنكير ووصفوا بالإجرام
~~استهانة بهم وذما لهم.

### || [15.59]

# { إلا ءال لوط } قال الزمخشري: يجوز أن يكون استثناء من قوم
~~بملاحظة الصفة فيكون الاستثناء منقطعا لأنهم ليسوا قوما مجرمين،
~~واحتمال التغليب مع هذه الملاحظة ليتصل الاستثناء ليس مما يقتضيه المقام،
~~ولو سلم فغير ضار فيما ذكر لأنه مبني على الحقيقة ولا ينافي صحة الاتصال
~~على تقدير آخر، ويجوز أن يكون استثناء من الضمير المستتر في

# مجرمين

# [الحجر: 58] فيكون الاستثناء متصلا لرجوع الضمير إلى القوم فقط فيكون
~~الآل على الأول مخرجين من حكم الإرسال المراد به إرسال خاص وهو ما كان
~~للإهلاك لا مطلق البعث لاقتضاء المعنى له، وقوله تعالى: { إنا
~~لمنجوهم أجمعين } خبر الأبناء على ما سمعت سابقا، وعن الرضى
~~أن المستثنى المنقطع منتصب عند سيبويه بما قبل إلا من الكلام كما انتصب
~~المتصل به وإن كانت إلا بمعنى لكن وأما المتأخرون من البصريين فلما رأوها
~~بمعنى لكن قالوا إنها الناصبة بنفسها نصب لكن للأسماء وخبرها في الأغلب
~~محذوف نحو جاءني القوم إلا حمارا أي لكن ms05239 حمارا لم يجىء قالوا وقد يجىء
~~خبرها ظاهرا نحو قوله تعالى:

# إلا قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم

# [يونس: 98] وقال الكوفيون إلا في ذلك بمعنى سوى والنصب بعدها في
~~الانفصال كالنصب في الاتصال، وتأويل البصريين أولى لأن المستثنى المنقطع
~~يلزم مخالفته لما قبله نفيا وإثباتا كما في لكن وفي سوى لا يلزم ذلك
~~لأنك تقول: لي عليك ديناران/ سوى الدينار الفلاني وذلك إذا كان صفة،
~~وأيضا معنى لكن الاستدراك، والمراد به فيها دفع توهم المخاطب دخول ما
~~بعدها في حكم ما قبلها مع أنه ليس بداخل وهذا هو معنى الاستثناء المنقطع
~~بعينه انتهى.

# وزعم بعضهم أن في كون إلا الاستثنائية تعمل عمل لكن خفاء من جهة العربية
~~وقال: إنه في المعنى خبر وليس خبرا حقيقيا كما صرح به النحاة، ومما
~~نقلناه يعلم ما فيه من النظر. نعم صرح الزمخشري بأن الجملة على تقدير
~~الانقطاع جارية مجرى خبر لكن وهو ظاهر في أنها ليست خبرا في الحقيقة
~~وذكر أنه إنما قال ذلك لأن الخبر محذوف أي لكن آل لوط ما أرسلنا إليهم
~~والمذكور دليله لتلازمهما ولذا لم يجعله نفس الخبر بل جار مجراه، وفيه
~~غفلة عن كونه مبنيا على ما نقل عن سيبويه، وزعم بعض أنه قال ذلك لأن
~~الجملة المصدرة بأن يمتنع أن تكون خبرا للكن فليراجع، وقيل: قال ذلك لأن
~~المذكور إلا لا لكن وهو كما ترى، وعلى تقدير الاتصال يكون الآل مخرجين من
~~حكم المستثنى منه وهو الإجرام داخلين في حكم الإرسال بمعنى البعث مطلقا
~~فيكون الملائكة قد أرسلوا إليهم جميعا ليهلكوا هؤلاء وينجوا هؤلاء،
~~وجملة { إنا لمنجوهم } على هذا مستأنفة استئنافا بيانا كأن
~~إبراهيم عليه السلام قال لهم حين قالوا: { إنآ أرسلنآ إلى
~~قوم مجرمين * إلا ءال لوط } فما حال آل لوط؛ فقالوا: {
~~إنا لمنجوهم } [الحجر: 58-59] الخ.

### || [15.60]

# وقوله سبحانه: { إلا امرأته } على التقديرين عند جار الله
~~مستثنى من الضمير المجرور في لمنجوهم ولم يجوز أن يكون من الاستثناء من
~~الاستثناء في شيء قال: لأن ذلك ms05240 إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه كقول
~~المطلق أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة والمقر لفلان علي عشرة
~~دراهم إلا ثلاثة إلا درهما، وههنا قد اختلف الحكمان لأن آل لوط متعلق
~~بأرسلنا أو بمجرمين و { إلا امرأته } تعلق  بمنجوهم  فأنى يكون
~~استثناء من استثناء انتهى. وقد يتوهم أن الإرسال إذا كان بمعنى الإهلاك
~~فلا اختلاف إذ التقدير إلا آل لوط لم نهلكهم فهو بمعنى منجوهم فيكون من
~~الاستثناء من الاستثناء على أحد التقديرين. وأجاب عن ذلك صاحب " التقريب
~~" بأن شرط الاستثناء المذكور أن لا يتخلل لفظ بين الاستثنائين متعدد يصلح
~~أن يكون مستثنى منه وههنا قد تخلل منجوهم ولو قيل إلا آل لوط إلا امرأته
~~لجاز ذلك؛ وتعقب بأنه لا يدفع الشبهة لأن السبب حينئذ في امتناعه وجود
~~الفاصل لا اختلاف الحكمين فلا وجه للتعبير به عنه، وفي «الكشف» المراد من
~~اتحاد الحكم اتحاده شخصا وعددا فلا يرد أن الإرسال إذا كان بمعنى
~~الإهلاك كان قوله سبحانه:

# إنا لمنجوهم

# [الحجر: 59] وقوله تعالى: { إلا ءال لوط } في معنى واحد فالاستثناء
~~من الأول في المعنى، وإنما شرط الاتحاد لأن المتصل كاسمه لا يجوز تخلل
~~جملة بين العصا ولحائها وكذلك في المنقطع وبه يتضح حال ما تقدم أتم
~~اتضاح، وفيه أيضا، فإن قلت: لم لا يرجع الاستثناء إليهما؟ قلت: لأن
~~الاستثناء متعلق بالجملة المستقلة والخلاف في رجوعه إلى الجملتين فصاعدا
~~لا إلى جملة، وبعض جملة سابقة، هذا والمعنى مختلف في ذلك ومحل الخلاف
~~الجمل المتعاطفة لا المنقطع بعضها عن بعض انتهى، والأمر كما ذكر في تعيين
~~محل الخلاف، والمسألة قل من تعرض لها من النحاة وفيها مذاهب. الأول وهو
~~الأصح وعليه ابن مالك أن الاستثناء يعود للكل إلا أن يقوم دليل على إرادة
~~البعض كما في قوله تعالى:

# والذين يرمون أزواجهم

# [النور: 6] الآية فإن { إلا الذين } فيه عائد إلى فسقهم وعدم
~~قبول شهادتهم معا لا إلى الجلد للدليل، ولا يضر اختلاف العامل لأن ذلك
~~مبني على أن إلا هي العاملة. الثاني أنه ms05241 يعود للكل إن سيق الكل لغرض واحد
~~نحو حبست داري على أعمامي ووقفت بستاني على أخوالي وسبلت سقايتي
~~لجيراني إلا أن يسافروا وإلا فللأخيرة فقط نحو أكرم/ العلماء واحتبس دارك
~~على أقاربك وأعتق عبيدك إلا الفسقة منهم. الثالث: إن كان العطف بالواو
~~عاد للكل أو بالفاء أو ثم عاد للأخيرة وعليه ابن الحاجب، الرابع: أنه خاص
~~بالأخيرة واختاره أبو حيان.

# الخامس: إن اتحد العامل فللكل أو اختلف فللأخيرة إذ لا يمكن حمل
~~المختلفات في مستثنى واحد وعليه البهاباذي، وهو مبني على أن عامل
~~المستثنى الأفعال السابقة دون إلا، هذا ويوهم كلام بعضهم أنه لوجعل
~~الاستثناء من { آل لوط } لزم أن تكون امرأته غير مهلكة أو غير مجرمة وهو
~~توهم فاحش لأن الاستثناء من { آل لوط } إن قلنا به بملاحظة الحكم عليهم
~~بالإنجاء وعدم الإهلاك أو بعدم الإجرام والصلاح فتكون الامرأة محكوما
~~عليه بالإهلاك أو الإجرام. ويرشدك إلى هذا ما ذكره الرضى فيما إذا تعدد
~~الاستثناء وأمكن استثناء كل تال من متلوه نحو جاءني المكيون إلا قريشا
~~إلا بني هاشم إلا بني عقيل حيث قال: لا يجوز في الموجب حينئذ في كل وتر
~~إلا النصب على الاستثناء لأنه عن موجب، والقياس أن يجوز في كل شفع
~~الإبدال والنصب على الاستثناء لأنه عن غير موجب والمستثنى منه مذكور،
~~والكلام في وتر وشفع غير الموجب على عكس هذا، وهو مبني على ما ذهب إليه
~~الجمهور من أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي خلافا للكسائي
~~حيث قال: إن المستثنى مسكوت عن نفي الحكم عنه أو ثبوته له، ولا دلالة في
~~الكلام على شيء من ذلك، واستفادة الإثبات في كلمة التوحيد من عرف الشرع،
~~وكما وقع الخلاف في هذه المسألة بين النحويين وقع بين الأئمة المجتهدين
~~وتحقيق ذلك في محله. واختار ابن المنير كون { إلا ءال لوط } مستثنى
~~من

# قوم مجرمين

# [الحجر: 58] على أنه منقطع قال: وهو أولى وأمكن لأن في استثنائهم من
~~الضمير العائد على قوم منكرين بعدا من حيث إن موقع ms05242 الاستثناء إخراج ما
~~لولاه لدخل المستثنى في حكم الأول، وهنا الدخول متعذر مع التنكير ولذلك
~~قلما تجد النكرة يستثنى منها إلا في سياق نفي لأنها حينئذ تعم فيتحقق
~~الدخول لولا الاستثناء، ومن ثمة لم يحسن رأيت قوما إلا زيدا وحسن ما
~~رأيت أحدا إلا زيدا انتهى.

# ورد بأن هذا ليس نظير رأيت قوما إلا زيدا بل من قبيل رأيت قوما
~~أساءوا إلا زيدا فالوصف يعينهم ويجعلهم كالمحصورين، قال في «همع
~~الهوامع»: ولا يستثنى من النكرة في الموجب ما لم تفد فلا يقال: جاء قوم
~~إلا رجلا ولا قام رجال إلا زيدا لعدم الفائدة، فإن أفاد جاز نحو

# فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما

# [العنكبوت: 14] وقام رجال كانوا في دارك إلا رجلا، على أن المراد
~~بالقوم أهل القرية كما صرح به في آية أخرى فهم معنى محصورون، ونقل المدقق
~~عن السكاكي أنه صرح في آخر بحث الاستدلال من " كتابه " بأن الاستثناء من
~~جمع غير محصور جائز على المجاز، مع أن بعض الأصوليين أيضا جوزوا
~~الاستثناء من النكرة في الإيجاب وأطلقوا القول في ذلك.

# نعم المصرح به في كثير من كتب النحو نحو ما في «الهمع».

# وزعم بعضهم أنه ينبغي أن يكون الاستثناء من الظاهر والضمير منقطعا،
~~وعلل ذلك بأن الضمير في الصفة هو عين الموصوف المقيد بالصفة، وذكر الجلال
~~السيوطي أن بعض الفضلاء رفع هذا مع عدة أسئلة نثرا ونظما إلى الكمال بن
~~الهمام ولم يذكر أنه أجاب عنها، والجواب عما زعمه هنا قد مرت إليه
~~الإشارة، وأما الجواب عن سائر ما استشكله وسئل عنه الكمال فيغني عنه
~~الإطلاع على السؤال فإنه مما يتعجب منه، ومن هنا قال الشهاب: أظن أن ابن
~~الهمام إنما سكت عن جواب ذلك لوضوح اندفاعه وأنه لا ينبغي أن يصدر عمن
~~تحلى بحلية الفضل، نعم بعد كل حساب الذي ينساق إلى الذهن أن الاستثناء من
~~الظاهر لكن الرضي أنه إذا اجتمع شيآن فصاعدا يصلحان لأن يستثني منهما
~~فهناك تفصيل فإما بأن يتغايرا معنى أو لا ms05243 فإن تغايرا وأمكن اشتراكهما
~~في/ ذلك الاستثناء بلا بعد اشتركا فيه نحو ما بر أب وابن إلا زيدا أي زيد
~~أب بار وابن بار، فإن لم يمكن الاشتراك نحو ما فضل ابن أبا إلا زيدا أو
~~كان بعيدا نحو ما ضرب أحد أحدا إلا زيدا فإن الأغلب مغايرة الفاعل
~~للمفعول نظرنا فإن تعين دخول المستثنى في أحدهما دون الآخر فهو استثناء
~~منه وليه أولا نحو ما فدى وصي نبيا إلا عليا كرم الله تعالى وجهه،
~~وإن احتمل دخوله في كل واحد منهما فإن تأخر عنهما المستثنى فهو من الأخير
~~نحو ما فضل ابن أبا إلا زيدا وكذا ما فضل أبا ابن إلا زيد لأن اختصاصه
~~بالأقرب أولى لما تعذر رجوعه إليهما، وإن تقدمهما معا فإن كان أحدهما
~~مرفوعا لفظا أو معنى فالاستثناء منه لأن مرتبته بعد الفعل فكأن
~~الاستثناء وليه بعده نحو ما فضل إلا زيدا أبا ابن أو من ابن، وإن لم يكن
~~أحدهما مرفوعا فالأول أولى به لقربه نحو ما فضلت إلا زيدا واحدا على
~~أحد ويقدر للأخير عامل، وإن توسطهما فالمتقدم أحق به لأن أصل المستثنى
~~تأخره عن المستثنى منه نحو ما فضل أبا إلا زيد ابن ويقدر أيضا للأخير
~~عامل، وإن لم يتغايرا معنى اشتركا فيه، وإن اختلف العاملان فيهما نحو ما
~~ضرب أحد وما قتل إلا خالدا لأن فاعل قتل ضمير أحد انتهى.

# وجزم ابن مالك فيما إذا تقدم شيآن مثلا يصلح كل منهما للاستثناء منه
~~بأن الاستثناء من الأخير وأطلق القول في ذلك فليتأمل ذاك مع ما نحن فيه،
~~وقال القاضي البيضاوي: إنه على الانقطاع يجوز أن يجعل { إلا
~~امرأته } مستثنى من

# آل لوط

# [الحجر: 59] أو من ضمير { منجوهم } وعلى الاتصال يتعين الثاني
~~لاختلاف الحكمين اللهم إلا إذا جعلت جملة

# إنا لمنجوهم

# [الحجر: 59] معترضة انتهى، ومخالفته لما نقل عن الزمخشري ظاهرة حيث جوز
~~الاستثناء من المستثنى في الانقطاع ومنعه الزمخشي مطلقا، وحيث جعل
~~اختلاف الحكمين في الاتصال وأثبته الزمخشري مطلقا أيضا وبين اختلاف
~~الحكمين ms05244 بنحو ما بين به في كلام الزمخشري، ولم يرتض ذلك مولانا سري الدين
~~وقال: المراد بالحكمين الحكم المفاد بطريق استثناء الثاني من الأول وهو
~~على تقدير الاتصال إجرام الامرأة والحكم المقصود بالإفادة وهو الحكم
~~عليها بالإهلاك وبين إتحاد هذا الحكم المقصود مع الحكم المفاد بالاستثناء
~~على تقدير الانقطاع بأنه على ذلك التقدير تكون إلا بمعنى لكن و

# إنا لمنجوهم

# [الحجر: 59] خبرا له ثابتا للآل فيكون الحكم الحاصل من الاستثناء منه
~~بعينه هو الحكم المقصود بالإفادة ويقال على تقدير الاتصال والاعتراض: إن
~~الحكمين وإن اختلفا ظاهرا إلا أنه لما كانت الجملة المعترضة كالبيان لما
~~يقتضيه الاستثناء الأول كان في المعنى كأنه هو وصار الإخراج منه كالإخراج
~~منه، وهذا بخلاف ما إذا كان استئنافا فإنه يكون منقطعا عنه ويكون
~~جوابا لسؤال مقدر ولا يتم الجواب بدون الاستثناء ولا يخلو عن الاعتراض.
~~وقال بعضهم في توجيه الاستثناء على هذا: إن هناك حكمين الإجرام والإنجاء
~~فيجر الثاني الاستثناء إلى نفسه كيلا يلزم الفصل إلا إذا جعل اعتراضا
~~فإن فيه سعة حتى يتخلل بين الصفة وموصوفها فيجوز أن يكون استثناء من

# آل لوط

# [الحجر: 59] ولذا جوز الرضي أن يقال: أكرم القوم والنحاة بصريون إلا
~~زيدا، ويرد عليه أن كون الحكم المفاد بالاستثناء غير الحكم المقصود
~~بالإفادة باقيا بحاله ولا يحتاج الأمر إلى ما سمعت وهو كما سمعت، والذي
~~ينساق إلى الذهن ما ذكره الزمخشري. وفي «الحواشي الشهابية» أنه الحق
~~دراية ورواية. أما الأول: فلأن الحكم المقصود بالإخراج منه هو الحكم
~~المخرج منه الأول والثاني حكم طارىء من تأويل إلا بلكن وهو أمر تقديري،
~~وأما الثاني: فلما ذكر في " التسهيل " من أنه تعدد الاستثناء فالحكم
~~المخرج منه حكم الأول، ومما يدل عليه أنه لو كان الاستثناء مفرغا في هذه
~~الصورة كما إذا قلت: لم يبق في الدار إلا اليعافير أبقاها الزمان إلا
~~يعفور صيد منها فإنه يتعين إعرابه بحسب العامل الأول كقولك:/ ما عندي إلا
~~عشرة إلا ثلاثة، ثم إن كلامه مبني على أمر ومانع معنوي ms05245 لا على عدم جواز
~~تخلل كلام منقطع بين المستثنى والمستثنى منه كما قيل وأن كان مانعا
~~أيضا كما صرح به الرضي فتدبر انتهى، فافهم ذاك والله سبحانه يتولى
~~هداك. وقرأ الأخوان { لمنجوهم } [الحجر: 59] بالتخفيف.

# { قدرنآ إنها لمن الغبرين } أي الباقين في عذاب الله
~~تعالى كما أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أو الباقين مع الكفرة لتهلك معهم،
~~وأصله من الغبرة وهي بقية اللبن في الضرع، وقرأ أبو بكر عن عاصم { قدرنا
~~} بالتخفيف، وكسرت همزة إن لتعليق الفعل بوجود لام الإبتداء التي لها صدر
~~الكلام، وعلق مع أن التعليق في المشهور من خواص أفعال القلوب  قال
~~الزمخشري:  لتضمن فعل التقدير معنى العلم، ولذلك فسره العلماء تقدير
~~الله تعالى أفعال العباد بالعلم، والمراد بتضمنه ذلك قيل المعنى المصطلح،
~~وقيل: التجوز عن معناه الذي كأنه في ضمنه لأنه لا يقدر إلا ما يعلم ذكره
~~المدقق توجيها لكلام الزمخشري، ثم قال: وليس ذلك من باب تضمين الفعل
~~معنى فعل آخر في شيء حتى يعترض بأنه لا ينفع الزمخشري لبقاء معنى
~~الفعلين.

# نعم هو على أصلهم من أنه كناية معلوم محقق لا مقدر مراد، وقال القاضي:
~~جاز أن يقال: أجري مجرى القول لأن التقدير بمعنى القضاء قول، وأما أنا
~~فلا أنكر على جار الله أن التعليق لتضمن معنى العلم وإنما أنكر نفي كونه
~~مقدورا مرادا انتهى، وإنما أنكره لأنه اعتزال تأباه الظواهر، ومن هنا
~~قال إبراهيم النخعي فيما أخرجه عنه ابن أبي حاتم: بيني وبين القدرية هذه
~~الآية وتلاها. والظاهر أن هذا من كلام الملائكة عليهم السلام وإنما
~~أسندوا ذلك إلى أنفسهم وهو فعل الله سبحانه لما لهم من الزلفى والاختصاص،
~~وهذا كما يقول حاشية السلطان أمرنا ورسمنا بكذا والآمر هو في الحقيقة،
~~وقيل: ولا يخفى بعده هو من كلام الله تعالى فلا يحتاج إلى تأويل وقيل:
~~وكذا لا يحتاج إليه إذا كان المراد بالتقدير العلم مجازا.

### || [15.61]

# شروع في بيان إهلاك المجرمين وتنجية آل لوط، ووضع الظاهر موضع الضمير
~~للإيذان بأن مجيئهم لتحقيق ما ms05246 أرسلوا به من ذلك، وليس المراد به ابتداء
~~مجيئهم بل مطلق كينونتهم عند آل لوط فإن ما حكي عنه عليه السلام بقوله
~~تعالى: { قال إنكم قوم... }.

### || [15.62]

# بقوله تعالى: { قال إنكم قوم منكرون } إنما قاله عليه
~~السلام بعد اللتيا والتي حين ضاقت عليه الحيل وعيت به العلل ولم يشاهد من
~~المرسلين عند مقاساة الشدائد ومعاناة المكائد من قومه الذي يريدون بهم ما
~~يريدون ما هو المعهود والمعتاد من الإعانة والإمداد فيما يأتي ويذر عند
~~تجشمه في تخليصهم إنكارا لخذلانهم وتركهم نصره في مثل المضايقة المعترية
~~له بسببهم حيث لم يكونوا عليهم السلام مباشرين معه لأسباب المدافعة
~~والممانعة حتى ألجأته إلى أن قال:

# لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد

# حسبما فصل في سورة هود [80] لا أنه عليه السلام قاله عند ابتداء ورودهم
~~له على معنى أنكم قوم تنكركم نفسي وتنفر منكم فأخاف أن تطرقوني بشركما
~~قيل، كيف لا وهم بجوابهم المحكى بقوله سبحانه { قالوا بل جئناك
~~بما... }.

### || [15.63]

# أي بالعذاب الذي كنت تتوعدهم به فيمترون ويشكون ويكذبونك فيه، قد قشروا
~~العصا وبينوا له عليه السلام جلية الأمر فأنى يعتريه بعد ذلك المساءة
~~وضيق الذرع قاله العلامة أبو السعود وهو كلام معقول. وجعل { بل }
~~إضرابا عما حسبه عليه السلام من ترك النصرة له والمعنى/ ما خذلناك وما
~~خلينا بينك وبينهم بل جئناك بما يدمرهم من العذاب الذي كانوا يكذبونك فيه
~~حين تتوعدهم به. وجعله غير واحد بعد أن فسر قوله عليه السلام: بما سمعت
~~إضرابا عن موجب الخوف المذكور على معنى ما جئناك بما تنكرنا لأجله بل
~~جئناك بما فيه فرحك وسرورك وتشفيك من عدوك وهو العذاب الذي كنت تتوعدهم
~~به ويكذبونك، ولم يقولوا  بعذابهم  مع حصول الغرض ليتضمن الكلام
~~الاستئناس من وجهين تحقق عذابهم وتحقق صدقه عليه السلام ففيه تذكير لما
~~كان يكابد منهم من التكذيب، قيل: وقد كنى عليه السلام عن خوفه ونفاره
~~بأنهم منكرون فقابلوه عليه السلام بكناية أحسن وأحسن، ولا يمتنع فيما أرى
~~حمل ms05247 الكلام على الكناية على ما نقلناه عن العلامة أيضا، ولعل تقديم هذه
~~المقاولة على ما جرى بينه وبين أهل المدينة من المجادلة  كما قال 
~~للمسارعة إلى ذكر بشارة لوط عليه السلام بإهلاك قومه المجرمين وتنجية آله
~~عقيب ذكر بشارة إبراهيم عليه السلام بهما، وحيث كان ذلك مستدعيا لبيان
~~كيفية النجاة وترتيب مباديها أشير إلى ذلك إجمالا ثم ذكر فعل القوم وما
~~فعل بهم، ولم يبال بتغيير الترتيب الوقوعي ثقة بمراعاته في موضع آخر،
~~ونسبة المجيء بالعذاب إليه عليه السلام مع أنه نازل بالقوم بطريق تفويض
~~أمره إليه كأنهم جاؤه به وفوضوا أمره إليه ليرسله عليهم حسبما كان
~~يتوعدهم به فالباء للتعدية، وجوز أن تكون للملابسة، وجوز الوجهان في
~~الباء في قوله سبحانه: { وآتينك بالحق... }.

### || [15.64]

# { وآتينك بالحق } أي بالأمر المحقق المتيقن الذي لا مجال
~~للامتراء والشك فيه وهو عذابهم، عبر عنه بذلك تنصيصا على نفي الامتراء
~~عنه، وجوز أن يراد بالحق الإخبار بمجيء العذاب المذكور.

# وقوله تعالى: { وإنا لصدقون } تأكيدا له أي أتيناك فيما
~~قلنا بالخبر الحق أي المطابق للواقع وإنا لصادقون في ذلك الخبر أو في كل
~~خبر فيكون كالدليل على صدقهم فيه، وعلى الأول: تأكيدا إثر تأكيد، ومن
~~الناس من جوز كون الباء للملابسة وجعل الجار والمجرور في موضع الحال من
~~ضمير المفعول، ولا يخفى حاله.

### || [15.65]

# { فأسر بأهلك } شروع في ترتيب مبادي النجاة أي اذهب بهم في
~~الليل. وقرأ الحجازيان بالوصل على أنه من سرى لا من أسرى كما في قراءة
~~الجمهور وهما بمعنى على ما ذهب إليه أبو عبيدة وهو سير الليل، وقال
~~الليث: يقال: أسرى في السير أول الليل وسرى في السير آخره، وروى صاحب "
~~الإقليد " { فسر } من سار وحكاها ابن عطية و صاحب «اللوامح» عن اليماني
~~وهو عام، وقيل: إنه مختص في السير بالنهار وليس مقلوبا من سرى. {
~~بقطع من اليل } بطائفة منه أو من آخره، ومن ذلك قوله:

# افتحي الباب وانظري في النجوم

# كم علينا من قطع ليل بهيم

# وقيل: هو بعد ما ms05248 مضى منه شيء صالح، وفي الكلام تأكيد أو تجريد على قراءة
~~الجماعة على ما قيل، وعلى قراءة { سر } لا شيء من ذلك، وسيأتي لهذا تتمة
~~إن شاء الله تعالى. وحكى منذر بن سعيد أن فرقة قرأت { بقطع } بفتح
~~الطاء. { واتبع أدبرهم } وكن على أثرهم تذودهم وتسرع بهم
~~وتطلع على أحوالهم، ولعل إيثار الاتباع على السوق مع أنه المقصود بالأمر
~~كما قيل للمبالغة في ذلك إذ السوق ربما يكون بالتقدم على بعض مع التأخر
~~عن بعض ويلزمه عادة الغفلة عن حال المتأخر، والالتفات المنهي عنه بقوله
~~تعالى: { ولا يلتفت منكم } أي منك/ ومنهم { أحد } فيرى ما
~~وراءه من الهول ما لا يطيقه أو فيصيبه العذاب فالالتفات على ظاهره، وجوز
~~أن يكون المعنى لا ينصرف أحدكم ولا يتخلف لغرض فيصيبه ما يصيب المجرمين
~~فالالتفات مجاز لأن الالتفات إلى الشيء يقتضي محبته وعدم مفارقته فيتخلف
~~عنده، وذكر جار الله أنه لما بعث الله تعالى الهلاك على قومه ونجاه وأهله
~~إجابة لدعوته عليهم وخرج مهاجرا لم يكن له بد من الاجتهاد في شكر الله
~~تعالى وإدامة ذكره وتفريغ باله لذلك فأمر بأن يقدمهم لئلا يشتغل بمن خلفه
~~قلبه وليكون مطلعا عليهم وعلى أحوالهم فلا تفرط منهم التفاتة احتشاما
~~منه ولا غيرها من الهفوات في تلك الحالة المهولة المحذورة ولئلا يتخلف
~~أحد منهم لغرض يصيبه العذاب وليكون مسيره مسير الهارب الذي يقدم سربه
~~ويفوت به، ونهوا عن الالتفات لئلا يروا ما ينزل بقومهم فيرقوا لهم
~~وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة ويطيبوها عن مساكنهم ويمضوا قدما غير
~~ملتفتين إلى ما وراءهم كالذي يتحسر على مفارقة وطنه فلا يزال يلوي له
~~أخادعه كما قال:

# تلفت نحو الحي حتى وجدتني

# وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا

# أو جعل النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني والتوقف
~~لأن من يلتفت لا بد له في ذلك من أدنى وقفة اه.

# قال المدقق: وخلاصة ذلك أن فائدة الأمر والنهي أن يهاجر عليه الصلاة
~~والسلام على وجه يمكنه وأهله التشمر لذكر الله ms05249 تعالى والتجرد لشكره وفيه
~~مع ذلك إرشاد إلى ما هو أدخل في الحزم للسير وأدب المسافرة وما على
~~الأمير والمأمور فيها وتنبيه على كيفية السفر الحقيقي وأنه أحق بقطع
~~العوائق وتقديم العلائق وأحق وإشارة إلى أن الإقبال بالكلية على الله
~~تعالى إخلاص فلله تعالى در التنزيل ولطائفه التي لا تحصى اه، وأنت تعلم
~~أن كون الفائدة المهاجرة على وجه يمكن معه التشمر لذكر الله تعالى
~~والتجرد لشكره غير متبادر كما لا يخفى، ولعله لذلك تركه بعض مختصري كتابه
~~وإنما لم يستثن سبحانه الامرأة عن الإسراء أو الالتفات اكتفاء بما ذكر في
~~موضع آخر وليس نحو ذلك بدعا في التنزيل.

# { وامضوا حيث تؤمرون } قيل: أي إلى حيث يأمركم الله تعالى
~~بالمضي إليه وهو الشام على ما روي عن ابن عباس والسدي، وقيل: مصر وقيل:
~~الأردن وقيل: موضع نجاة غير معين فعدى { امضوا } إلى { حيث } وتؤمرون
~~إلى الضمير المحذوف على الاتساع. واعترض بأن هذا مسلم في تعدية تؤمرون
~~إلى حيث فإن صلته وهي الباء محذوفة إذ الأصل تؤمرون به أي بمضيه فأوصل
~~بنفسه، وأما تعدية { امضوا } إلى حيث فلا اتساع فيها بل هي على الأصل
~~لكونه من الظروف المبهمة إلا أن يجعل ما ذكر تغليبا، وأجيب بأن تعلق {
~~حيث } بالفعل هنا ليس تعلق الظرفية ليتجه تعدي الفعل إليه بنفسه لكونه
~~من الظروف المبهمة فإنه مفعول به غير صريح نحو سرت إلى الكوفة، وقد نص
~~النحاة على أنه قد يتصرف فيه فالمحذوف ليس في بل إلى فلا إشكال اه،
~~والمذكور في كتب العربية أن الأصل في حيث أن تكون ظرف مكان وترد للزمان
~~قليلا عند الأخفش كقوله:

# للفتى عقل يعيش به

# حيث تهدي ساقه قدمه

# أراد حين تهدي، ولا تستعمل غالبا إلا ظرفا وندر جرها بالباء في قوله:

# كان منا بحيث يفكي الإزار

# وبإلى في قوله:

# إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم

# وبفي في قوله:

# فأصبح في حيث التقينا شريدهم

# طليق ومكتوف اليدين ومرعف

# / وقال ابن مالك: تصرفها نادر، ومن وقوعها مجردة عن ms05250 الظرفية قوله:

# إن حيث استقر من أنت راعيه

# حمى فيه عزة وأمان

# فحيث اسم إن، وقال أبو حيان: إنه غلط لأن كونها اسم إن فرع عن كونها
~~تكون مبتدأ ولم يسمع في ذلك البتة بل اسم إن في البيت  حمى  و  حيث 
~~الخبر لأنه ظرف، والصحيح أنها لا تتصرف فلا تكون فاعلا ولا مفعولا به
~~ولا مبتدأ اه، ونقل ابن هشام وقوعها مفعولا به عن الفارسي، وخرج عليه
~~قوله تعالى:

# الله أعلم حيث يجعل رسالته

# [الأنعام: 124] وذكر أنها قد تخفض بمن وبغيرها وأنها لا تقع اسما لأن
~~خلافا لابن مالك، وزعم الزجاج أنها اسم موصول، ومما ذكرنا يظهر حال
~~التصرف فيها، واعترض ما ذكره المجيب بأنه وإن رفع به إشكال التعدي لكنه
~~غير صحيح لأنهم قد صرحوا بأن الجمل المضاف إليها لا يعود منها ضمير إلى
~~المضاف، قال نجم الأئمة: اعلم أن الظرف المضاف إلى الجملة لما كان ظرفا
~~للمصدر الذي تضمنته الجملة لم يجز أن يعود من الجملة ضمير إليه فلا يقال:
~~يوم قدم زيد فيه لأن الربط الذي يطلب حصوله حصل بإضافة الظرف إلى الجملة
~~وجعله ظرفا لمضمونها فيكون كأنك قلت: يوم قدوم زيد فيه اه، و { حيث
~~} على ما ذكروا تلزم في الغالب الإضافة إلى الجملة وكونها فعلية أكثر
~~وإضافتها إلى مفرد قليلة نحو:

# بيض المواضي حيث لي العمائم

# وحيث سهيل طالعا، ولا يقاس على ذلك عند غير الكسائي، وأقل من ذلك عدم
~~إضافتها لفظا بأن تضاف إلى محذوفة معوضا عنها ما كقوله:

# إذا ريدة من حيث ما نفحت له

# أي من حيث هبت وهي هنا مضافة للجملة بعدها فكيف يقدر الضمير في {
~~يؤمرون } عائدا عليها، وقد نص بعضهم على أن { حيث } لا يصح عود
~~الضمير عليها والذي في «البحر» أنها ظرف مكان مبهم تعدى إليها { امضوا }
~~بنفسه كما تقول: قعدت حيث قعد زيد، والظاهر أن تعلق الفعل بها كما قال
~~المجيب ليس تعلق الظرفية فلعل ذلك مبني على تضمين فعل صالح لأن يتعلق به
~~الظرف المذكور ms05251 كالحلول والتوطن وغيرهما. ونقل عن بعضهم القول بأن {
~~حيث } هنا ظرف زمان أي امضوا حين أمرتم، والمراد بهذا الأمر ما سبق من
~~قوله تعالى: { فأسر بأهلك بقطع من الليل } ورد بأن
~~الظاهر على هذا أمرتم دون { تؤمرون } مع أن فيه استعمال { حيث }
~~في أقل معنييها ورودا من غير موجب، وظاهر كلام بعض الأجلة أن المضارع
~~مستعمل في مقام الماضي على المعنى الذي أشير إليه أولا وهو يقتضي تقدم
~~أمر بالمضي إلى مكان فإن كان فصيغة المضارع لاستحضار الصورة، وإيثار
~~المضي إلى ذلك على ما قيل دون الوصول إليه واللحوق به للإيذان بأهمية
~~النجاة ولمراعاة المناسبة بينه وبين ما سلف من الغابرين.

### || [15.66]

# { وقضينا } أي أوحينا { إليه ذلك الأمر } مقضيا مثبتا
~~فقضى مضمن معنى أوحى ولذا عدي تعديته، وجعل المضمن حالا كما أشرنا إليه
~~أحد الوجهين المشهورين في التضمين وذلك مبهم يفسره { أن دابر
~~هؤلآء مقطوع } على أنه بدل منه كما قال الأخفش، وجوز أبو البقاء
~~كونه بدلا من الأمر إذا جعل بيانا لذلك لا بدلا، وعن الفراء أن ذاك
~~على إسقاط الباء أي بأن دابر الخ، ولعل المشار إليه بذلك الأمر عليه
~~الأمر الذي تضمنه قوله تعالى:

# وامضوا حيث تؤمرون

# [الحجر: 65] والباء للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال أي أوحينا
~~ذلك الأمر المتعلق بنجاته ونجاة آله ملابسا لبيان حال قومه المجرمين من
~~قطع دابرهم، وهو حسن إلا أنه لا يخلو عن بعد، وقرأ زيد بن علي، والأعمش
~~رحمهم الله تعالى { إن } بكسر الهمزة وخرج على الاستئناف البياني كأنه
~~قيل: ما ذلك الأمر؟ فقيل في جوابه: إن دابر الخ أو على البدلية بناء على
~~أن في/ الوحي معنى القول، قيل: ويؤيده قراءة عبد الله (وقلنا إن دابر)
~~الخ وهي قراءة تفسير لا قرآن لمخالفتها لسواد المصحف، والدابر الآخر وليس
~~المراد قطع آخرهم بل استئصالهم حتى لا يبقى منهم أحد { مصبحين } أي
~~داخلين في الصباح فإن الأفعال يكون للدخول في الشيء نحو أتهم وأنجد، وهو
~~من أصبح التامة حال من { هؤلاء } وجاز ms05252 بناء على أن المضاف بعضه، وقد
~~قيل: بجواز مجيء الحال من المضاف إليه فيما كان المضاف كذلك، وليس العامل
~~معنى الإضافة خلافا لبعضهم، وكونه اسم الإشارة توهم لأن الحال لم يقل
~~أحد إن صاحبها يعمل فيها، واختار أبو حيان كونه حالا من الضمير المستكن
~~في { مقطوع } الراجع إلى { دابر } وجاز ذلك مع الاختلاف إفرادا
~~وجمعا رعاية للمعنى لأن ذلك في معنى دابري هؤلاء فيتفق الحال وصاحبها
~~جمعية. وقدر الفراء وأبو عبيد إذا كانوا مصبحين كما تقول: أنت راكبا
~~أحسن منك ماشيا. وتعقب بأنه إن كان تقدير معنى فصحيح وإن كان بيان إعراب
~~فلا ضرورة تدعو إلى ذلك كما لا يخفى.

### || [15.67]

# { وجآء أهل المدينة } شروع في حكاية ما صدر من القوم عند
~~وقوفهم على مكان الأضياف من الفعل وما ترتب عليه مما أشير إليه أولا على
~~سبيل الإجمال، وهذا مقدم وقوعا على العلم بهلاكهم كما سمعت والواو لا
~~تدل على الترتيب، وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون هذا بعد العلم بذلك وما
~~صدر منه عليه السلام من المحاورة معهم كان على جهة التكتم عنهم والإملاء
~~لهم والتربص بهم، ولا يخفى أن كون المساءة وضيق الذرع من باب التكتم
~~والإملاء أيضا مما يأبى عنه الطبع السليم، والمراد بالمدينة سذوم
~~وبأهلها أولئك القوم المجرمون، ولعل التعبير عنهم بذلك للإشارة إلى
~~كثرتهم مع ما فيه من الإشارة إلى مزيد فظاعة فعلهم، فإن اللائق بأهل
~~المدينة أن يكرموا الغرباء الواردين على مدينتهم ويحسنوا المعاملة معهم
~~فهم عدلوا عن هذا اللائق مع من حسبوهم غرباء واردين إلى قصد الفاحشة التي
~~ما سبقهم بها أحد من العالمين وجاءوا منزل لوط عليه السلام {
~~يستبشرون } مستبشرين مسرورين إذ قيل لهم: إن عنده عليه السلام
~~ضيوفا مردا في غاية الحسن والجمال فطمعوا قاتلهم الله تعالى فيهم.

### || [15.68]

# { قال إن هؤلآء ضيفى } الضيف كما قدمنا في الأصل مصدر ضافه
~~فيطلق على الواحد والجمع ولذا صح جعله خبرا  لهؤلاء ، وإطلاقه على
~~الملائكة عليهم السلام بحسب اعتقاده عليه السلام لكونهم في زي ms05253 الضيف،
~~وقيل: بحسب اعتقادهم لذلك، والتأكيد ليس لإنكارهم ذلك بل لتحقيق اتصالهم
~~به وإظهار اعتنائه بهم عليه السلام وتشميره لمراعاة حقوقهم وحمايتهم عن
~~السوء، ولذلك قال: { فلا تفضحون } أي عندهم بأن تتعرضوا لهم بسوء
~~فيعلموا أنه ليس لي عندكم قدر أو لا تفضحوني بفضيحة ضيفي فإن من أسيء إلى
~~ضيفه فقد أسيء إليه، يقال: فضحته فضحا وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه
~~به العار، ويقال: فضح الصبح إذا تبين للناس.

### || [15.69]

# { واتقوا الله } في مباشرتكم لما يسؤني { ولا تخزون } أي
~~لا تذلوني ولا تهينوني بالتعرض بالسوء لمن أجرتهم فهو من الخزي بمعنى
~~الذل والهوان، وحيث كان التعرض لهم بعد أن نهاهم عنه بقوله:

# فلا تفضحون

# [الحجر: 68] أكثر تأثيرا في جانبه عليه السلام وأجلب/ للعار إليه إذ
~~التعرض للجار قبل العلم ربما يتسامح فيه وأما بعد العلم والمناصبة
~~بحمايته والذب عنه فذاك أعظم العار، عبر عليه السلام عما يعتريه من جهتهم
~~بعد النهي المذكور بسبب لجاجهم ومجاهرتهم بمخالفته بالخزي وأمرهم بتقوى
~~الله تعالى في ذلك، وجوز أن يكون ذلك من الخزاية وهي الحياء أي لا
~~تجعلوني استحيي من الناس بتعرضكم لهم بالسوء، واستظهر بعضهم الأول،
~~وإنما لم يصرح عليه السلام بالنهي عن نفس تلك الفاحشة قيل: لأنه كان يعرف
~~أنه لا يفيدهم ذلك، وقيل: رعاية لمزيد الأدب مع ضيفه حيث لم يصرح بما
~~يثقل على سمعهم وتنفر عنه طباعهم ويرى الحر الموت ألذ طعما منه، وقال
~~بعض الأجلة: المراد باتقوا الله أمرهم بتقواه سبحانه عن ارتكاب الفاحشة.
~~وتعقب بأنه لا يساعد ذلك توسيطه بين النهيين المتعلقين بنفسه عليه السلام
~~وكذلك قوله تعالى: { قالوا أولم ننهك... }.

### || [15.70]

# أي عن إجارة أحد منهم وحيلولتك بيننا وبينه أو عن ضيافة أحد منهم،
~~والهمزة للإنكار والواو على ما قال غير واحد للعطف على مقدر أي ألم نتقدم
~~إليك ولم ننهك عن ذلك فإنهم كانوا يتعرضون لكل أحد من الغرباء بالسوء
~~وكان عليه السلام ينهاهم عن ذلك بقدر وسعه ويحول بينهم وبين من يعرضون له ms05254
~~وكانوا قد نهوه عن تعاطي مثل ذلك فكأنهم قالوا: ما ذكرت من الفضيحة
~~والخزي إنما جاءك من قبلك لا من قبلنا إذ لولا تعرضك لما تتصدى له لما
~~اعتراك، ولما رآهم لا يقلعون عما هم عليه.

### || [15.71]

# { قال هؤلآء بناتى } يعني نساء القوم أو بناته حقيقة. وقد تقدم
~~الكلام في ذلك، واسم الإشارة مبتدأ و { بناتى } خبره، وفي الكلام حذف
~~أي فتزوجوهن، وجوز أن يكون { بناتى } بدلا أو بيانا والخبر محذوف أي
~~أطهر لكم كما في الآية الأخرى، وأن يكون { هؤلاء } في موضع نصب بفعل
~~محذوف أي تزوجوا بناتي، والمتبادر الأول. { إن كنتم فعلين } شك
~~في قبولهم لقوله فكأنه قال: إن فعلتم ما أقول لكم وما أظنكم تفعلون،
~~وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فيما أحل الله تعالى دون ما حرم،
~~والوجه الأول كما في «الكشف» أوجه. وفي " الحواشي الشهابية ": أنه أنسب
~~بالشك، ويفهم صنيع بعضهم ترجيح الثاني قيل لتبادره من الفعل، وعلى
~~الوجهين المفعول مقدر، وجوز تنزيل الوصف منزلة اللازم، وجواب الشرط محذوف
~~أي فهو خير لكم أو فاقضوا ذلك.

### || [15.72]

# { لعمرك } قسم من الله تعالى بعمر نبينا صلى الله عليه وسلم على ما
~~عليه جمهور المفسرين. وأخرج البيهقي في " الدلائل ". وأبو نعيم وابن
~~مردويه وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ما خلق الله تعالى
~~وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم وما سمعت
~~الله سبحانه أقسم بحياة أحد غيره قال تعالى: { لعمرك } الخ، وقيل:
~~هو قسم من الملائكة عليهم السلام بعمر لوط عليه السلام، وهو مع مخالفته
~~للمأثور محتاج لتقدير القول أي قالت الملائكة للوط عليهم السلام: {
~~لعمرك } الخ، وهو خلاف الأصل وإن كان سياق القصة شاهدا له وقرينة
~~عليه، فلا يرد ما قاله «صاحب الفرائد» من أنه تقدير من غير ضرورة ولو
~~ارتكب مثله لأمكن إخراج كل نص عن معناه بتقدير شيء فيرتفع الوثوق بمعاني
~~النص، وأيا ما كان  فعمرك  مبتدأ محذوف الخبر وجوبا أي قسمي أو يميني ms05255
~~أو نحو ذلك، والعمر بالفتح والضم البقاء والحياة إلا أنهم التزموا الفتح
~~في القسم لكثرة دوره فناسب التخفيف وإذا دخلته اللام التزم فيه الفتح
~~وحذف الخبر في القسم، وبدون اللام يجوز فيه النصب والرفع وهو صريح، وهو
~~مصدر مضاف للفاعل أو المفعول، وسمع فيه دخول الباء وذكر الخبر/ قليلا،
~~وذكر أنه إذا تجرد من اللام لا يتعين للقسم، ونقل ذلك عن الجوهري، وقال
~~ابن يعيش: لا يستعمل إلا فيه أيضا وجاء شاذا رعملي وعدوه من القلب،
~~وقال أبو الهيثم: معنى { لعمرك } لدينك الذي تعمر ويفسر بالعبادة،
~~وأنشد:

# أيها المنكح الثريا سهيلا

# عمرك الله كيف يلتقيان

# أراد عبادتك الله تعالى فإنه يقال  على ما نقل عن ابن الأعرابي  عمرت
~~ربي أي عبدته، وفلان عامر لربه أي عابد، وتركت فلانا يعمر ربه أي يعبده
~~وهو غريب. وفي البيت توجيهات فقال سيبويه فيه: الأصل عمرتك الله تعالى
~~تعميرا فحذف الزوائد من المصدر وأقيم مقام الفعل مضافا إلى مفعوله
~~الأول، ومعنى عمرتك أعطيتك عمرا بأن سألت الله تعالى أن يعمرك فلما ضمن
~~عمر معنى السؤال تعدى إلى المفعول الثاني  أعني الاسم الجليل  فهو على
~~هذا منصوب، وأجاز الأخفش رفعه ليكون فاعلا أي عمرك الله سبحانه تعميرا،
~~وجوز الرضي أن يكون  عمرك  فيه منصوبا على المفعول به لفعل محذوف أي
~~أسأل الله تعالى عمرك وأسأل متعد إلى مفعولين، أو يكون المعنى أسألك بحق
~~تعميرك الله تعالى أي اعتقادك بقاءه وأبديته تعالى فيكون انتصابه بحذف
~~حرف القسم نحو الله لأفعلن، وهو مصدر محذوف الزوائد مضاف إلى الفاعل
~~والاسم الجليل مفعول به له، ولا بأس بإضافة  عمر  إليه تعالى، وقد جاء
~~مضافا كذلك قال الشاعر:

# إذا رضيت علي بنو قشير

# لعمر الله أعجبني رضاها

# وقال الأعشى:

# ولعمر من جعل الشهور علامة

# منها تبين نقصها وكمالها

# وزعم بعضهم أنه لا يجوز أن يقال: لعمر الله تعالى لأنه سبحانه أزلي
~~أبدي، وكأنه توهم أن العمر لا يقال إلا فيما له انقطاع وليس كذلك، وجاء
~~في كلامهم إضافته لضمير المتكلم، ms05256 قال النابغة:

# لعمري وما عمري علي بهين

# وكره النخعي ذلك لأنه حلف بحياة المقسم، ولا أعرف وجه التخصيص فإن في {
~~لعمرك } خطابا بالشخص حلفا بحياة المخاطب وحكم الحلف بغير الله
~~تعالى مقرر على أتم وجه في محله. وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما و {
~~عمرك } بدون لام.

# { إنهم لفى سكرتهم } أي لفى غوايتهم أو شدة غلمتهم التي
~~أزالت عقولهم وتمييزهم بين خطئهم والصواب الذي يشار به إليهم {
~~يعمهون } يتحيرون فكيف يسمعون النصح، وأصل العمة عمى البصيرة وهو
~~مورث للحيرة وبهذا الاعتبار فسر بذلك، والضمائر لأهل المدينة، والتعبير
~~بالمضارع بناء على المأثور في الخطاب لحكاية الحال الماضية، وقيل: ونسب
~~إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الضمائر لقريش، واستبعده ابن عطية
~~وغيره لعدم مناسبة السباق والسياق، ومن هنا قيل: الجملة اعتراض وجملة {
~~يعمهون } حال من الضمير في الجار والمجرور، وجوز أن تكون حالا من
~~الضمير المجرور في { سكرتهم } والعامل السكرة أو معنى الإضافة، ولا
~~يخفاك حاله، وقرأ الأشهب { سكرتهم } بضم السين، وابن أبي عبلة { سكراتهم
~~} بالجمع، والأعمش { سكرهم } بغير تاء، وأبو عمر وفي رواية الجهضمي {
~~أنهم } بفتح الهمزة، وقال أبو البقاء: وذلك على تقدير زيادة اللام،
~~ومثله قراءة سعيد بن جبير { إلا أنهم يأكلون الطعام } [الفرقان: 20]
~~بالفتح بناء على أن لام الابتداء إنما تصحب إن المكسورة الهمزة وكأن
~~التقدير على هذه القراءة لعمرك قسمي على أنهم فافهم.

### || [15.73]

# / يعني صيحة هائلة، والتعريف للجنس، وقيل: صيحة جبريل عليه السلام
~~فالتعريف للعهد؛ وقال الإمام: ليس في الآية دلالة على هذا التعيين فإن
~~ثبت بدليل قوي قيل به. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال في الآية:
~~الصيحة مثل الصاعقة فكل شيء أهلك به قوم فهو صاعقة وصيحة { مشرقين }
~~داخلين في وقت شروق الشمس، قال المدقق: والجمع بين  مصبحين ومشرقين 
~~باعتبار الابتداء والانتهاء بأن يكون ابتداء العذاب عند الصبح وانتهاؤه
~~عند الشروق؛ وأخذ الصيحة قهرها إياهم وتمكنها منهم، ومنه الأخيذ الأسير،
~~ولك أن تقول: { مقطوع } بمعنى يقطع عما قريب انتهى، وقيل: {
~~مشرقين ms05257 } حال مقدرة.

### || [15.74]

# { فجعلنا عليها } أي المدينة كما هو الظاهر. وجوز رجوعه إلى
~~القرى وان لم يسبق ذكرها والمراد بعاليها وجه الأرض وما عليه وهو المفعول
~~الأول لجعل و { سافلها } الثاني له، وقد تقدم الكلام في ذلك {
~~وأمطرنا عليهم } في تضاعيف ذلك { حجارة } كائنة { من
~~سجيل } من طين متحجر وهو في المشهور معرب سنك كل، وذهب أبو عبيد
~~وطائفة إلى أنه عربي وأنه يقال فيه { سجين } بالنون واحتجوا بقول
~~تميم بن مقبل:

# ضربا تواصى به الأبطال سجينا

# وهو كما ترى. وسئل الأصمعي عن معناه في البيت فقال: لا أفسره إذ كنت
~~أسمع وأنا حدث  سخينا  بالخاء المعجمة أي سخنا وسجين بالجيم أيضا،
~~وقيل: هو مأخوذ من السجل وهو الكتاب أي من طين كتب عليه أسماؤهم أو كتب
~~الله تعذيبهم به، وقد مر الكلام في ذلك أيضا.

### || [15.75]

# { إن فى ذلك } أي فيما ذكر من القصة { لآيات } لعلامات يستدل
~~بها على حقيقة الحق { للمتوسمين } قال ابن عباس: للناظرين، وقال
~~جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما: للمتفرسين، وقال مجاهد: للمعتبرين،
~~وقيل غير ذلك وهي معان متقاربة. وفي " البحر " التوسم تفعل من الوسم وهو
~~العلامة التي يستدل بها على مطلوب، وقال ثعلب: التوسم النظر من القرن إلى
~~القدم واستقصاء وجوه التعريف، قال الشاعر:

# أو كلما وردت عكاظ قبيلة

# بعثوا إلى عريفهم يتوسم

# وذكر أن أصله التثبت والتفكر مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة محماة
~~في جلد البعير أو غيره، ويقال: توسمت فيه خيرا أي ظهرت علاماته لي منه،
~~قال عبد الله بن رواحة في رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# إني توسمت فيك الخير أعرفه

# والله يعلم أني ثابت البصر

# والجار والمجرور في موضع الصفة { لآيات } أو متعلق به، وهذه الآية 
~~على ما قال الجلال السيوطي  أصل في الفراسة، فقد أخرج الترمذي من حديث
~~أبي سعيد مرفوعا

# " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى "

# ثم قرأ الآية وكان بعض المالكية يحكم بالفراسة في الأحكام جريا على
~~طريق إياس بن معاوية.

### || [15.76] ms05258

# { وإنها } أي المدينة المهلكة وقيل القرى { لبسبيل مقيم }
~~أي طريق ثابت يسلكه الناس ويرون آثارها وقيل: الضمير للآيات، وقيل:
~~للحجارة، وقيل: للصيحة أي وإن الصيحة لبمراصد لمن يعمل عملهم لقوله
~~تعالى:

# وما هي من الظلمين ببعيد

# [هود: 83] و { مقيم } قيل معلوم، وقيل: معتد دائم السلوك.

### || [15.77]

# { إن في ذلك } أي فيما ذكر من المدينة أو القرى أو في كونها
~~بمرأى من الناس يشاهدونها عند مرورهم عليها { لآية } عظيمة {
~~للمؤمنين } بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فإنهم/ الذين
~~يعرفون ان سوء صنيعهم هو الذي ترك ديارهم بلاقع، وأما غيرهم فيحملون ذلك
~~على الاتفاق أو الأوضاع الفلكية، وإفراد الآية بعد جمعها فيما سبق قيل
~~لما أن المشاهد ها هنا بقية الآثار لا كل القصة كما فيما سلف، وقيل:
~~للإشارة إلى أن المؤمنين يكفيهم آية واحدة.

### || [15.78]

# هم قوم شعيب عليه السلام؛ والأيكة في الأصل الشجرة الملتفة واحدة
~~الأيك، قال الشاعر:

# تجلو بقادمتي حمامة أيكة

# بردا اسف لثاته بالإثمد

# والمراد بها غيضة أي بقعة كثيفة الأشجار بناء على ما روي أن هؤلاء القوم
~~كانوا يسكنون الغيضة وعامة شجرها الدوم  وقيل السدر  فبعث الله تعالى
~~إليهم شعيبا فكذبوه فأهلكوا بما ستسمعه إن شاء الله تعالى، وقيل: بلدة
~~كانوا يسكنونها، واطلاقها على ما ذكر إما بطريق النقل أو تسمية المحل
~~باسم الحال فيه ثم غلب عليه حتى صار علما، وأيد القول بالعلمية أنه قرىء
~~في الشعراء [176] و ص [13] { ليكة } ممنوع الصرف، و { إن } عند البصريين
~~هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف واللام هي الفارقة، وعند
~~الفراء هي النافية ولا اسم لها واللام بمعنى إلا، والمعول عليه الأول أي
~~وإن الشأن كان أولئك القوم متجاوزين عن الحد.

### || [15.79]

# { فانتقمنا منهم } جازيناهم على جنايتهم السابقة بالعذاب؛
~~والضمير لاصحاب الأيكة. وزعم الطبرسي أنه لهم ولقوم لوط وليس بذاك. روى
~~غير واحد عن قتادة قال: ذكر لنا أنه جل شأنه سلط عليهم الحر سبعة أيام لا
~~يظلهم منه ظل ولا يمنعهم منه شيء ثم بعث سبحانه ms05259 عليهم سحابة فجعلوا
~~يلتمسون الروح منها فبعث عليهم منها نارا فأكلتهم فهو عذاب يوم الظلة {
~~وإنهما } أي محلي قوم لوط وقوم شعيب عليهما السلام وإلى ذلك ذهب
~~الجمهور، وقيل: الضمير للأيكة ومدين، والثاني وإن لم يذكر هنا لكن ذكر
~~الأول يدل عليه لإرسال شعيب عليه الصلاة والسلام إلى أهلهما، فقد أخرج
~~ابن عساكر وغيره عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم

# " إن مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله تعالى إليهما شعيبا عليه
~~السلام "

# ولا يخلو عن بعد بل قيل: إن القول الأول كذلك أيضا لأن الإخبار عن
~~مدينة قوم لوط عليه السلام بأنها { لبإمام مبين } أي لبطريق
~~واضح يتكرر مع الإخبار عنها آنفا، بأنها لبسبيل مقيم على ما عليه أكثر
~~المفسرين، وجمع غيرها معها في الأخبار لا يدفع التكرار بالنسبة إليها
~~وكأنه لهذا قال بعضهم: الضمير يعود على لوط وشعيب عليهما السلام أي
~~وإنهما لبطريق من الحق واضح. وقال الجبائي: الضمير لخبر هلاك قوم لوط
~~وخبر هلاك قوم شعيب، والإمام اسم لما يؤتم به وقد سمي به الطريق واللوح
~~المحفوظ ومطلق اللوح المعد للقراءة وزيج البناء ويراد به على هذا اللوح
~~المحفوظ. وقال مؤرج الإمام: الكتاب في لغة حمير، والإخبار عنهما بأنهما
~~في اللوح المحفوظ إشارة إلى سبق حكمه تعالى بهلاك القومين لما علمه
~~سبحانه من سوء أفعالهم.

### || [15.80]

# { ولقد كذب أصحب الحجر } يعني ثمود { المرسلين }
~~حين كذبوا رسولهم صالحا عليه السلام، فإن من كذب واحدا من رسل الله
~~سبحانه فكأنما كذب الجميع لاتفاق كلمتهم على التوحيد والأصول التي لا
~~تختلف باختلاف الأمم والأعصار، وقيل: المراد بالمرسلين صالح عليه السلام
~~ومن معه من المؤمنين على التغليب وجعل الأتباع مرسلين كما قيل: الخبيبون
~~لخبيب بن الزبير وأصحابه، وقال الشاعر:

# قدنى من نصر الخبيبين قدى

# والقول بأنه نزل كل من الناقة وسقبها/ منزلة رسول لأنه كالداعي لهم إلى
~~اتباع صالح عليه السلام فجمع بهذا الاعتبار لا اعتبار له أصلا فيما أرى.
~~والحجر واد بين ms05260 الحجاز والشام كانوا يسكنونه، قال الراغب: يسمى ما أحيط
~~به الحجارة حجرا وبه سمي حجر الكعبة وديار ثمود، وقد نهى صلى الله
~~عليه وسلم أصحابه رضي الله تعالى عنهم كما في " صحيح البخاري " وغيره عن
~~الدخول على هؤلاء القوم إلا أن يكونوا باكين حذرا من أن يصيبهم مثل ما
~~أصابهم. وجاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن الناس عام غزوة تبوك
~~استقوا من مياه الآبار التي كانت تشرب منها ثمود وعجنوا منها ونصبوا
~~القدور باللحم فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإهراق القدور وأن
~~يعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت ترد الناقة.

### || [15.81]

# { وءاتينهم ءايتنا } من الناقة وسقبها وشربها ودرها. وذكر
~~بعضهم أن في الناقة خمس آيات خروجها من الصخرة ودنوا نتاجها عند خروجها
~~وعظمها حتى لم تشبهها ناقة وكثرة لبنها حتى يكفيهم جميعا، وقيل: كانت
~~لنبيهم عليه السلام معجزات غير ما ذكر ولا يضرنا أنها لم تذكر على
~~التفصيل، وهو على الإجمال ليس بشيء، وقيل: المراد بالآيات الأدلة العقلية
~~المنصوبة لهم الدالة عليه سبحانه المبثوثة في الأنفس والآفاق وفيه بعد،
~~وقيل آيات الكتاب المنزل على نبيهم عليه السلام. وأورد عليه أنه عليه
~~السلام ليس له كتاب مأثور إلا أن يقال: الكتاب لا يلزم أن ينزل عليه
~~حقيقة بل يكفى كونه معه مأمورا بالأخذ بما فيه ويكون ذلك في حكم نزوله
~~عليه، وقد يقال: بتكرار النزول حقيقة ولا يخفي قوة الإيراد، وقيل: يجوز
~~أن يراد بالآيات ما يشمل ما بلغهم من آيات الرسل عليهم السلام، ومتى صح
~~أن يقال: إن تكذيب واحد منهم في حكم تكذيب الكل فلم لم يصح أن يقال: إن
~~ما يأتي به واحد من الآيات كأنه أتى به الكل وفيه نظر، وبالجملة الظاهر
~~هو التفسير الأول { فكانوا عنها معرضين } غير مقبلين على
~~العمل بما تقتضيه، وتقديم المعمول لرعاية تناسب رؤوس الآي.

### || [15.82]

# من نزول العذاب بهم، وقيل: من الموت لاغترارهم بطول الأعمار، وقيل: من
~~الانهدام ونقب اللصوص وتحزيب الأعداء لمزيد ms05261 وثاقتها، وقال ابن عطية: أصح
~~ما يظهر لي في ذلك أنهم كانوا يأمنون عواقب الآخرة فكانوا لا يعملون
~~بحسبها بل يعملون بحسب الأمن وتفريع قوله تعالى: { فأخذتهم
~~الصيحة... }.

### || [15.83]

# أظهر في تأييد الأول، ووقع في سورة الأعراف [78، 91]

# فأخذتهم الرجفة

# ووفق بينهما بأن الصيحة تفضي إلى الرجفة أو هي مجاز عنها، واستشكل
~~التقييد  بمصبحين  مع ما روي في ترتيب أحوالهم بعد أن أوعدهم عليه
~~السلام بنزول العذاب من أنه لما كانت ضحوة اليوم الرابع تحنطوا بالصبر
~~وتكفنوا بالأنطاع فاتتهم صيحة من السماء فتقطعت لها قلوبهم، فإن هذا
~~يقتضي أن أخد الصيحة إياهم بعد الضحوة لا مصبحين. وأجيب بأنه إن صحت
~~الرواية يحمل { مصبحين } على كون الصيحة في النهار دون الليل أو
~~أطلق الصبح على زمان ممتد إلى الضحوة وقيل: يجمع بين الآية والخبر بنحو
~~ما جمع به بين الآيتين آنفا، وفيه تأمل فتأمل.

### || [15.84]

# { فما أغنى عنهم } ولم يدفع عنهم ما نزل بهم { ما كانوا
~~يكسبون } من نحت البيوت الوثيقة أو منه ومن جمع الأموال والعدد بل
~~خروا جاثمين هلكى  فما  الأولى نافية وتحتمل الاستفهام و { ما }
~~الثانية يحتمل أن تكون/ مصدرية وأن تكون موصولة واستظهره أبو حيان
~~والعائد عليه محذوف أي الذي كانوا يكسبونه. وفي " الإرشاد " أن الفاء
~~لترتيب عدم الإغناء الخاص بوقت نزول العذاب حسبما كانوا يرجونه لا عدم
~~الإغناء المطلق فإنه أمر مستمر، وفي الآية من التهكم بهم ما لا يخفى.

### || [15.85]

# { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا
~~بالحق } أي إلا خلقا متلبسا بالحق والحكمة بحيث لا يلائم استمرار
~~الفساد واستقرار الشرور، وقد اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء دفعا
~~لفسادهم وإرشادا لمن بقي إلى الصلاح { وإن الساعة لآتية }
~~ولا بد فننتقم أيضا من أمثال هؤلاء، فالجملة الأولى إشارة إلى عذابهم
~~الدنيوي والثانية إلى عقابهم الأخروي، وفي كلتا الجملتين من تسليته صلى
~~الله عليه وسلم ما لا يخفى مع تضمن الأولى الإشارة إلى وجه إهلاك أولئك
~~بأنه أمر اقتضته الحكمة، وفي " التفسير الكبير " في وجه النظم أنه تعالى ms05262
~~لما ذكر إهلاك الكفار فكأنه قيل: كيف يليق ذلك بالرحيم؟ فأجاب سبحانه
~~بأنه إنما خلقت الخلق ليكونوا مشتغلين بالعبادة والطاعة فإذا تركوها
~~وأعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير الأرض. وتعقبه المفسر بأنه
~~إنما يستقيم على قول المعتزلة، ثم ذكر وجها آخر لذلك وهو أن المقصود من
~~هذه القصة تصبير النبي صلى الله عليه وسلم على سفاهة قومه فإنه عليه
~~الصلاة والسلام إذا سمع أن الأمم السالفة كانوا يعاملون أنبياءهم عليهم
~~السلام بمثل هذه المعاملات الفاسدة هان عليه عليه الصلاة والسلام تحمل
~~سفاهة قومه، ثم إنه تعالى لما بين انزال العذاب على الأمم السالفة
~~المكذبة قال له صلى الله عليه وسلم إن الساعة لآتية وإن الله تعالى ينتقم
~~لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيآتهم فإنه سبحانه ما خلق
~~السموات والأرض وما بنيهما إلا بالعدل والإنصاف فكيف يليق بحكمته إهمال
~~أمرك، وإلى جواز تفسير الحق بالعدل ذهب شيخ الإسلام وأشار إلى أن الباء
~~للسببية وأن المعنى ما خلقنا ذلك إلا بسبب العدل والإنصاف يوم الجزاء على
~~الأعمال، وذكر أنه ينبىء عن ذلك الجملة الثانية؛ ولعل جعل كل جملة إشارة
~~إلى شيء حسبما أشرنا إليه أولى. واستدل بالأولى بعض الأشاعرة على أن
~~أفعال العباد مطلقا مخلوقة له تعالى لدخولها فيما بينهما، وزعم بعض
~~المعتزلة الرد بها على القائلين بذلك لأن المعاصي من الأفعال باطلة فإذا
~~كانت مخلوقة له سبحانه لكانت مخلوقة بالحق والباطل لا يكون مخلوقا
~~بالحق، وهو كلام خال عن التحقيق.

# { فاصفح } أي أعرض عن الكفرة المكذبين { الصفح الجميل } وهو
~~ما خلا عن عتاب على ما روى غير واحد عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما وفسر الراغب الصفح نفسه بترك التثريب وذكر أنه
~~أبلغ من العفو وفي أمره صلى الله عليه وسلم بذلك إشارة إلى أنه عليه
~~الصلاة والسلام قادر على الانتقام منهم فكأنه قيل: أعرض عنهم وتحمل
~~أذيتهم ولا تعجل بالانتقام منهم وعاملهم معاملة الصفوح الحليم، وحاصل ذلك
~~أمره صلى الله ms05263 عليه وسلم بمخالفتهم بخلق رضى وحلم وتأن بأن ينذرهم
~~ويدعوهم إلى الله تعالى قبل القتال ثم يقاتلهم، وعلى هذا فالآية غير
~~منسوخة، وعن ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك أنها منسوخة بآية السيف،
~~وكأنهم ذهبوا إلى أن المراد بها مداراتهم وترك قتالهم، وآثر هذا الأخير
~~العلامة الطيبي قال: ليكون خاتمة القصص جامعة للتسلي والأمر بالمداراة
~~وتخلصا إلى مشرع آخر وهو قوله تعالى الآتي:

# ولقد

# [الحجر: 87] إلى آخره ففيه حديث الإعراض عن/ زهرة الحياة الدنيا وهو من
~~أعظم أنواع الضر لكن ذكر في " الكشف " أن الذي يقتضيه النظم أن قوله
~~تعالى: { وما خلقنا السموات } إلى آخره جمع بين حاشيتي مفصل
~~الآيات البرهانية والامتنانية ملخص منها مع زيادة مبالغة من الحصر ليلقيه
~~المحتج به إلى المعاندين ويتسلى به عن استهزاء الجاحدين وتمهيد لتطرية
~~ذكر المقصود من كون الذكر كاملا في شأن الهداية وافيا بكل ما علق به من
~~الغرض القائم له بحق الرعاية، ثم قال: ومنه يظهر أن الآية عطف على {
~~وما خلقنا } الخ عطف الخاص على العام إشارة إلى أنه أتم النعم وأحق
~~دليل وأحق ما يتشفى به عن الغليل وان من أوتيه لا يضره فقد شيء سواه ومن
~~طلب الهوى في غيره ترك وهواه اه فتدبر.

### || [15.86]

# { إن ربك } الذي يبلغك إلى غاية الكمال { هو الخلق } لك
~~ولهم ولسائر الأشياء على الإطلاق { العليم } بأحوالك وأحوالهم وبكل
~~شيء فلا يخفى عليه جل شأنه شيء مما جرى بينك وبينهم فحقيق أن تكل الأمور
~~إليه ليحكم بينكم أو هو الذي خلقكم وعلم تفاصيل أحوالكم وقد علم سبحانه
~~أن الصفح الجميل اليوم أصلح إلى أن يكون السيف أصلح، فهو تعليل للأمر
~~بالصفح على التقديرين على ما قيل، وقال بعض المدققين: إنه على الأخير
~~تذييل للأمر المذكور وعلى الأول لقوله سبحانه:

# إن الساعة لآتية

# [الحجر: 85] وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما والجحدري والأعمش.
~~ومالك بن دينار { هو الخلق } وكذا في مصحف أبي وعثمان رضي الله
~~تعالى عنهما وهو صالح للقليل والكثير والخلاق مختص بالكثير ms05264 و {
~~العليم } أوفق به، وهو على ما قيل أنسب بما تقدم من قوله سبحانه:

# وما خلقنا السموت والأرض وما بينهمآ إلا
~~بالحق

# [الحجر: 85].

### || [15.87]

# { ولقد ءاتينك سبعا } أي سبع آيات وهي الفاتحة وروي ذلك عن
~~عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود وأبي جعفر وأبي عبد الله والحسن ومجاهد
~~وأبي العالية والضحاك وابن جبير وقتادة رضي الله تعالى عنهم وجاء ذلك
~~مرفوعا أيضا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي وأبي
~~هريرة رضي الله تعالى عنهما، وقيل: سبع سور وهي الطول وروي ذلك أيضا عن
~~عمر وابن عباس وابن مسعود وابن جبير ومجاهد وهي في رواية البقرة وآل
~~عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال وبراءة سورة واحدة،
~~وفي أخرى عد براءة دون الأنفال السابعة، وفي أخرى عد، يونس دونهما، وفي
~~أخرى عد الكهف، وقيل: السبع آل حم، وقيل: سبع صحف من الصحف النازلة على
~~الأنبياء عليهم السلام، على معنى أنه عليه الصلاة والسلام أوتي ما يتضمن
~~سبعا منها وإن لم يكن لفظها وهي الأسباع، وعن زياد بن أبي مريم هي أمور
~~سبع الأمر والنهي والبشارة والإنذار وضرب الأمثال وتعداد النعم وأخبار
~~الأمم، وأصح الأقوال الأول. وقد أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي
~~ورفعوه، وقال أبو حيان: إنه لا ينبغي العدول عنه بل لا يجوز ذلك. وأورد
~~على القول بأنها السبع الطول أن هذه السورة مكية وتلك السبع مدنية، وروي
~~هذا عن الربيع، فقد أخرج البيهقي في " الشعب " وابن جرير وغيرهما أنه قيل
~~له: إنهم يقولون: هي السبع الطول فقال: لقد أنزلت هذه الآية وما نزل من
~~الطول شيء وأجيب بأن المراد بإيتائها إنزالها إلى السماء الدنيا ولا فرق
~~بين المدني والمكي فيها. واعترض بأن ظاهر { ءاتينك } يأباه، وقيل:
~~إنه تنزيل للمتوقع منزلة الواقع في الامتنان ومثله كثير.

# { من المثاني } بيان للسبع وهو  على ما قال في موضع من " الكشاف
~~"  جمع مثى بمعنى مردد ومكرر ويجوز أن يكون مثنى مفعل من التثنية بمعنى
~~التكرير والإعادة كما في/ قوله تعالى:

# ثم ms05265 ارجع البصر كرتين

# [الملك: 4] أي كرة بعد كرة ونحو قولهم لبيك وسعديك وأراد كما في " الكشف
~~" أنه جمع لمعنى التكرير والإعادة كما ثنى لذلك لكن استعمال المثنى في
~~هذا المعنى أكثر لأنه أول مراتب التكرار ويحتمل أن يريد أن مثنى بمعنى
~~التكرير والإعادة كما أن صريح المثنى كذلك في نحو { كرتين } ثم جمع
~~مبالغة وقوله من التثنية إيضاح للمعنى لأنه من الثني بمعنى التثنية
~~والأول أرجح نظرا إلى ظاهر اللفظ والثاني نظرا إلى الأصل وقال في موضع
~~آخر: إنه من التثنية أو الثناء والواحدة مثناة أو مثنية بفتح الميم على
~~ما في أكثر النسخ والأقيس على ما قال المدقق بحسب اللفظ أن ذلك مشتق من
~~الثناء أو الثنى جمع مثنى مفعل منهما إما بمعنى المصدر جمع لما صير صفة
~~أو بمعنى المكان في الأصل نقل إلى الوصف مبالغة نحو أرض مأسدة لأن محل
~~الثناء يقع على سبيل المجاز على الثاني والمثنى عليه وكذلك محل الثنى ولا
~~بعد في باب العدل أن يكون منقولا عنه لا مخترعا ابتداء، وإطلاق ذلك على
~~الفاتحة لأنها تكرر قراءتها في الصلاة وروي هذا عن الحسن وأبي عبد الله
~~رحمهما الله تعالى وعن الزجاج لأنها تثنى بما يقرأ بعدها من القرآن وقيل
~~ونسب إلى الحسن أيضا: لأنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة.

# وتعقب بأنها كانت مسماة بهذا الاسم قبل نزولها الثاني إذ السورة كما
~~سمعت غير مرة مكية وقيل: لأن كثيرا من ألفاظها مكرر كالرحمن والرحيم
~~وإياك والصراط وعليهم، وقيل: لاشتمالها على الثناء على الله تعالى
~~والقولان كما ترى، وقيل ونسب إلى ابن عباس ومجاهد أن إطلاق المثاني على
~~الفاتحة لأن الله سبحانه استثناها وادخرها لهذه الأمة فلم يعطها لغيرهم،
~~وروي هذا الادخار في غيرها أيضا وفي غيرها أن ذلك لأنه تكرر قراءته
~~وألفاظه أو قصصه ومواعظه أو لما فيه من الثناء عليه تعالى بما هو أهله جل
~~شأنه أو لأنه مثنى عليه بالبلاغة والإعجاز أو يثنى بذلك على المتكلم به،
~~وعن أبي زيد البلخي ms05266 أن إطلاق المثاني على ذلك لأنه يثنى أهل الشر عن
~~شرهم فتأمل، وجوز أن يراد بالمثاني القرآن كله وأخرج ذلك ابن المنذر
~~وغيره عن أبي مالك وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في توجيه اطلاقها
~~عليه مع الاختلاف في الإفراد والجمع، وأن يراد بها كتب الله تعالى كلها 
~~فمن  للتبعيض وعلى الأول للبيان.

# { والقرآن العظيم } بالنصب عطف على { سبعا } فإن أريد بها
~~الآيات أو السور أو الأمور السبع التي رويت عن زياد فهو من عطف الكل على
~~الجزء بأن يراد بالقرآن مجموع ما بين الدفتين أو من عطف العام على الخاص
~~بأن يراد به المعنى المشترك بين الكل والبعض وفيه دلالة على امتياز الخاص
~~حتى كأنه غيره كما في عكسه وإن أريد بها الأسباع فهو من عطف أحد الوصفين
~~على الآخر كما في قوله:

# إلى الملك القرم وابن الهمام

# البيت، بناء على أن القرآن في نفسه الأسباع أي ولقد آتيناك ما يقال له
~~السبع المثاني والقرآن العظيم، واختار بعضهم تفسير { القرءان
~~العظيم } كالسبع المثاني بالفاتحة لما أخرجه البخاري عن أبي سعيد بن
~~المعلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته "

# وفي " الكشف " كونهما الفاتحة أوفق لمقتضى المقام لما مر في تخصيص

# الكتب وقرءان مبين

# [الحجر: 1] بالسورة وأشد طباقا للواقع فلم يكن إذ ذاك قد أوتي صلى الله
~~عليه وسلم القرآن كله اه، وأمر العطف معلوم مما قبله. وقرأت فرقة {
~~والقرآن } بالجر عطفا على { المثاني } ، وأبعد من ذهب إلى أن الواو
~~مقحمة والتقدير سبعا من المثاني القرآن العظيم.

### || [15.88]

# { لا تمدن عينيك } لا تطمح بنظرك طموح راغب ولا تدم نظرك {
~~إلى ما متعنا به } من زخارف الدنيا وزينتها { أزوجا
~~منهم } / أصنافا من الكفرة اليهود والنصارى والمشركين، وقيل: رجالا
~~مع نسائهم، والنهي قيل له صلى الله عليه وسلم وهو لا يقتضي الملابسة ولا
~~المقاربة، وقيل: هو لأمته وإن كان الخطاب له عليه الصلاة والسلام، وأيد
~~بما أخرجه ابن جرير وغيره ms05267 عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في
~~الآية: نهي الرجل أن يتمنى مال صاحبه، نعم كان صلى الله عليه وسلم بعد
~~نزول الآية شديد الاحتياط فيما تضمنته، فقد أخرج أبو عبيد وابن المنذر عن
~~يحيى بن أبي كثير أنه عليه الصلاة والسلام مر بإبل لحي يقال لهم بنو
~~الملوح أو بنو المصطلق قد عنست في أبوالها وأبعارها من السمن فتقنع بثوبه
~~ومر ولم ينظر إليها لقوله تعالى: { لا تمدن عينيك } الآية،
~~ويعد نحو هذا الفعل من باب سد الذرائع. ومنهم من أيد الأول بهذا وبدلالة
~~ظاهر السياق عليه، وحاصلها مع ما قبل أوتيت النعمة العظمى التي كل نعمة
~~وإن عظمت فهي بالنسبة إليها حقيرة فعليك أن تستغني بذلك ولا ترغب في متاع
~~الدنيا، وجعل من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام:

# " ليس منا من لم يتغن بالقرآن "

# بناء على أن «يتغن» من الغنى المقصور كيستغني وليس مقصورا على الممدود،
~~ويشهد لذلك ما في الحديث الصحيح في الخيل

# " وأما التي هي له ستر فرجل ربطها تغنيا وتعففا "

# وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه من أوتي القرآن فرأى أن أحد أوتي من
~~الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيما وعظم صغيرا. وقد أخرج ابن المنذر
~~عن سفيان بن عيينة ما هو بمعناه، وقال العراقي: إن الخبر مروي لكن لم أقف
~~على روايته عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه في شيء من كتب الحديث. وحكى
~~بعضهم في سبب نزول الآية أنه وافت من بصرى وأذرعات سبع قوافل لقريظة
~~والنضير في يوم واحد فيها أنواع من البر والطيب والجواهر فقال المسلمون:
~~لو كانت لنا لتقوينا بها ولأنفقناها في سبيل الله تعالى فنزلت، فكأنه
~~سبحانه يقول: قد أعطيتكم سبعا هي خير من سبع قوافل، وروي هذا عن الحسن
~~بن الفضل. وتعقب بأنه ضعيف أو لا يصح لأن السورة مكية وقريظة والنضير
~~كانوا بالمدينة فكيف يصح أن يقال ذلك وهو كما ترى. نعم روي أنه صلى الله
~~عليه وسلم وافى بأذرعات سبع ms05268 قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها الخ وهو
~~غير معروف، وقد قالوا: إنه لم يعهد سفره صلى الله عليه وسلم للشام.

# واستؤنس بخبر النزول على أن النهي معني به سيد المخاطبين عليه الصلاة
~~والسلام كالنهي في قوله تعالى: { ولا تحزن عليهم } حيث إنهم
~~لم يؤمنوا، وكان صلى الله عليه وسلم يود أن يؤمن كل من بعث إليه ويشق
~~عليه عليه الصلاة والسلام لمزيد شفقته بقاء الكفرة على كفرهم ولذلك قيل
~~له: { ولا تحزن عليهم } وكأن مرجع الجملة الأولى إلى النهي عن
~~الالتفات إلى أموالهم ومرجع هذه الجملة إلى النهي عن الالتفات إليهم،
~~وليس المعنى لا تحزن عليهم حيث إنهم المتمتعون بذلك فإن التمتع به لا
~~يكون مدارا للحزن عليهم، وكون المعنى لا تحزن على تمتعهم بذلك فالكلام
~~على حذف مضاف لا يخفى ما فيه من ارتكاب خلاف الظاهر من غير داع إليه {
~~واخفض جناحك للمؤمنين } كناية عن التواضع لهم والرفق بهم،
~~وأصل ذلك أن الطائر إذا أراد أن يضم فرخه إليه بسط جناحيه له، والجناحان
~~من ابن آدم جانباه.

### || [15.89]

# أي المنذر الكاشف نزول عذاب الله تعالى ونقمة المخوفة بمن لم يؤمن.

### || [15.90]

# قيل: إنه متعلق بقوله تعالى:

# ولقد ءاتينك

# [الحجر: 87] الخ على أن/ يكون في موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف
~~أي آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا وهو في معنى أنزلنا عليك
~~ذلك إنزالا كإنزالنا على أهل الكتاب.

### || [15.91]

# أي قسموه إلى حق وباطل حيث قالوا عنادا وعداوة: بعضه حق موافق للتوراة
~~والإنجيل وبعضه باطل مخالف لهما، وتفسير المقتسمين المذكورين بأهل الكتاب
~~مما روي عن الحسن وغيره، وفي «الدر المنثور» أخرج البخاري وسعيد بن منصور
~~والحاكم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في
~~الآية: هم أهل الكتاب جزءوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، وجاء ذلك
~~مرفوعا أيضا، فقد أخرج الطبراني في " الأوسط " عن الحبر قال:

# " سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أرأيت قول الله تعالى: {
~~كمآ ms05269 أنزلنا على المقتسمين } [الحجر: 90] قال عليه الصلاة
~~والسلام: اليهود والنصارى قال: { الذين جعلوا القرءان
~~عضين } ما عضين؟ قال صلى الله عليه وسلم: آمنوا ببعض وكفروا ببعض "

# أو اقتسموه لأنفسهم استهزاء به؛ فقد روي عن عكرمة أن بعضهم كان يقول:
~~سورة البقرة لي وبعضهم سورة آل عمران لي وهكذا.

# وجوز أن يراد بالمقتسمين أهل الكتاب ويراد من القرآن معناه اللغوي أي
~~المقروء من كتبهم أي الذين اقتسموا ما قرؤا من كتبهم وحرفوه وأقروا ببعض
~~وكذبوا ببعض، وحمل توسط قوله تعالى:

# لا تمدن عينيك

# [الحجر: 88] الخ بين المتعلق والمتعلق على إمداد ما هو المراد بالكلام
~~من التسلية. وتعقب القول بهذا التعلق بأنه جل هذا المقام عن التشبيه فلقد
~~أوتي صلى الله عليه وسلم ما لم يؤت أحد قبله ولا بعده مثله، وفي حمل
~~القرآن على معناه اللغوي ما فيه، وقيل: هو متعلق بقوله تعالى:

# وقل إنى أنا النذير المبين

# [الحجر: 89] لأنه في قوة الأمر بالإنذار كأنه قيل: أنذر قريشا مثل ما
~~أنزلنا من العذاب على المقتسمين يعني اليهود وهو ما جرى على قريظة
~~والنضير بأن جعل المتوقع كالواقع وقد وقع كذلك. وتعقب بأن المشبه به
~~العذاب المنذر ينبغي أن يكون معلوما حال النزول وهذا ليس كذلك فيلغو
~~التشبيه، وتنزيل المتوقع منزلة الواقع له موقع جليل من الإعجاز لكن إذا
~~صادف مقاما يقتضيه كما في قوله تعالى:

# إنا فتحنا لك فتحا مبينا

# [الفتح: 1] ونظائره، على أن تخصيص الاقتسام باليهود بمجرد اختصاص العذاب
~~المذكور بهم مع شركتهم للنصارى في الاقتسام المتفرع على الموافقة
~~والمخالفة، وفي الاقتسام بمعنى التحريف الشامل للكتابين بل تخصيص العذاب
~~المذكور بهم مع كونه من نتائج الاقتسام تخصيص من غير مخصص.

# وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش وهي اثنا عشر، وقال ابن السائب:
~~ستة عشر رجلا حنظلة بن أبي سفيان وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن
~~المغيرة وأبو جهل والعاص بن هشام وأبو قيس بن الوليد وقيس بن الفاكه
~~وزهير بن أمية وهلال عبد الأسود والسائب بن صيفي والنضر بن ms05270 الحرث وأبو
~~البختري بن هشام وزمعة بن الحجاج وأمية بن خلف وأوس بن المغيرة أرسلهم
~~الوليد بن المغيرة أيام الموسم ليقفوا على مداخل طرق مكة لينفروا الناس
~~عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل
~~يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر، ويقول الآخر: كذاب، والآخر:
~~شاعر إلى غير ذلك من هذيانهم فأهلكهم الله تعالى يوم بدر وقبله بآفات،
~~ويجعل { الذين } منصوبا  ب { النذير }  على أنه مفعوله
~~الأول و { كما } [الحجر: 90] مفعوله الثاني أي أنذر المعضين الذين يجزؤن
~~القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا على المقتسمين الذين اقتسموا
~~مداخل مكة وهذوا مثل هذيانهم.

# / وتعقب بأن فيه مع ما فيه من المشاركة لما سبق في عدم كون العذاب الذي
~~شبه به العذاب المنذر واقعا ومعلوما للمنذرين أنه لا داعي إلى تخصيص
~~وصف التعضية بهم وإخراج المقتسمين من بينهم مع كونهم أسوة لهم في ذلك فإن
~~وصفهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما وصفوا به من السحر والشعر
~~والكذب متفرع على وصفهم للقرآن بذلك وهل هو إلا نفس التعضية ولا إلى
~~إخراجهم من حكم الإنذار، على أن ما نزل بهم من العذاب لم يكن من الشدة
~~بحيث يشبه به عذاب غيرهم ولا مخصوصا بهم بل هو عام لكلا الفريقين
~~وغيرهم، مع أن بعض من عد من المنذرين على قول كالوليد بن المغيرة والأسود
~~وغيرهما قد هلكوا قبل مهلك أكثر المقتسمين يوم بدر، ولا إلى تقديم
~~المفعول الثاني على الأول كما ترى، وقيل: إنه صفة لمفعول

# النذير

# [الحجر: 89] أقيم مقامه بعد حذفه والمقتسمون هم القاعدون في مداخل الطرق
~~كما حرر، أي النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزلناه على المقتسمين. وتعقب
~~أيضا بأن فيه مع ما مر أنه يقتضي أن يكون

# كمآ أنزلنا

# [الحجر: 90] من مقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يصلح لذلك،
~~واعتذر له بأنه كما يقول بعض خواص الملك أمرنا بكذا والآمر الملك كما
~~تقدم غير بعيد أو حكاية لقول الله تعالى، ms05271 وفيه من التعسف ما لا يخفى،
~~وأيضا فيه إعمال الوصف الموصوف في المفعول وهو مما لا يجوز. وأجيب بأن
~~الكوفية تجوزه والقائل بنى الكلام على ذلك أو أن المراد بالمفعول المفعول
~~الغير الصريح وتقديره بعذاب وهو لا يمنع الوصف من العمل فيه، وقيل:
~~المراد بالمقتسمين على تقدير الوصفية الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا
~~صالحا عليه السلام فأهلكهم الله تعالى، والاقتسام بمعنى التقاسم، ولا
~~إشكال في التشبيه لأن عذابهم أمر محقق نطق به القرآن العظيم فيصح أن يقع
~~مشبها به للعذاب المنذر، والموصول إما مفعول أول  للنذير  أو لما دل
~~هو عليه من { أنذر }.

# وتعقب أيضا بأن فيه بعد إغماض العين عما في المفعولية من الخلاف أو
~~الخفاء أنه لا يكون للتعرض لعنوان التعضية في حيز الصلة ولا لعنوان
~~الاقتسام بالمعنى المزبور في حيز المفعول الثاني فائدة لما أن ذلك إنما
~~يكون للإشعار بعلية الصلة والصفة للحكم الثابت للموصول والموصوف فلا يكون
~~هناك وجه شبه يدور عليه تشبيه عذابهم بعذابهم خاصة لعدم اشتراكهم في
~~السبب، فإن المعضين بمعزل من التقاسم على التبيت الذي هو السبب لهلاك
~~أولئك مع أن أولئك بمعزل من التعضية التي هي السبب لهلاك هؤلاء ولا علاقة
~~بين السببين مفهوما ولا وجودا تصحح وقوع أحدهما في جانب والآخر في
~~جانب، واتفاق الفريقين على مطلق الاتفاق على الشرور المفهوم من الاتفاق
~~على الشر المخصوص الذي هو التبييت المدلول عليه بالتقاسم غير مفيد إذ لا
~~دلالة لعنوان التعضية على ذلك وإنما يدل عليه اقتسام المداخل، وجعل
~~الموصول مبتدأ على أن خبره الجملة القسمية لا يليق بجزالة التنزيل وجلالة
~~شأنه الجليل اه، وهذا الجعل مروي عن ابن زيد، وفي رواية عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أخرجها البيهقي وأبو نعيم في " الدلائل " ما يقتضيه،
~~ومن هنا قيل بمنع عدم اللياقة، وبعض من يسلمها يقول: يجوز أن يكون
~~الموصول صفة

# المقتسمين

# [الحجر: 90] مرادا بهم أولئك الرهط، ومعنى جعلهم القرآن عضين حكمهم
~~بأنه مفترى وتكذيبهم به والمراد منه معناه اللغوي فيؤول ms05272 إلى وصفهم
~~بتكذيبهم بكتابهم وإعراضهم عن الإيمان به والعمل بما فيه، ويوافق ما مر
~~من قوله تعالى فيهم وفي قومهم:

# وءاتينهم ءايتنا فكانوا عنها معرضين

# [الحجر: 81] بناء على أن المراد بالآيات آيات الكتاب المنزل على نبيهم
~~عليه السلام حسبما قيل به فيما سبق، وإن أبيت ذلك بناء على ما سمعت
~~هنالك التزمنا كون الموصول مفعولا وقلنا: فائدة التعرض للعنوانين
~~المذكورين على الوجه المذكور الإشارة إلى تفظيع أمر التكذيب وكونه في
~~سببيته للعذاب/ كالاقتسام على قتل النبي، ويلتزم ما يشعر به هذا من
~~أفظعية الاقتسام المزبور لأنه لا يكون إلا عن تكذيب ومزيد عداوة للنبي،
~~وفيه بحث، وقيل: المصحح لوقوع أحد العنوانين في جانب والآخر في جانب أن
~~التكذيب ينجر بزعم المكذبين إلى إبطال أمر النبي عليه الصلاة والسلام
~~وإطفاء نوره وهو العلة الغائية لذلك والاقتسام المذكور كذلك وهو كما ترى،
~~وقال أبو البقاء وليته لم يقل: إن

# كمآ أنزلنا

# [الحجر: 90] متعلق بقوله تعالى:

# متعنا به أزوجا منهم

# [الحجر: 88] وهو في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف أي متعناهم تمتيعا كما
~~أنزلنا، والمعنى نعمنا بعضهم كما عذبنا بعضهم. وذكر ابن عطية وغيره أنه
~~يحتمل أن يكون المعنى قل إني أنا النذير المبين كما قد أنزلنا في الكتب
~~أنك ستأتي نذيرا على المقتسمين أي أهل الكتاب، ومرادهم على ما قيل إن ما
~~في

# كما

# [الحجر: 90] موصولة، والمراد من المشابهة المستفادة من الكاف الموافقة
~~وهي مع ما في حيزها في محل النصب على الحالية من مفعول

# قل

# [الحجر: 89] أي قل هذا القول حال كونه كما أنزلنا على أهل الكتابين أي
~~موافقا لذلك، والأنسب على هذا حمل الاقتسام على التحريف ليكون وصفهم
~~بذلك تعريضا بما فعلوا من تحريفهم وكتمانهم لنعت النبي صلى الله عليه
~~وسلم. وأنت تعلم أن فيه بعدا لكنه أولى بالنسبة إلى بعض ما تقدم، وقريب
~~منه ما قيل: المعنى ولقد آتيناك سبعا من المثاني إيتاء موافقا للإيتاء
~~الذي أنزلناه على أهل الكتابين وأخبرناهم به في كتبهم، وفيه ما فيه. وأما
~~جعلها زائدة ms05273 والمعنى أنا النذير المبين ما أنزلنا فحاله غني عن التنبيه
~~عليه، وقال العلامة أبو السعود بعد نقل أقوال عقبها بما عقبها: والأقرب
~~من الأقوال المذكورة أن

# كمآ أنزلنا

# [الحجر: 90] متعلق بقوله تعالى:

# ولقد ءاتينك

# [الحجر: 87] الخ، وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين، وأن الموصول مع
~~صلته صفة مبينة لكيفية اقتسامهم ومحل الكاف النصب على المصدرية، وحديث
~~جلالة المقام عن التشبيه من لوائح النظر الجليل. والمعنى لقد آتيناك
~~سبعا من المثاني والقرآن العظيم إيتاء مماثلا لإنزال الكتابين على
~~أهلهما، وعدم التعرض لذكر ما أنزل عليهم من الكتابين لأن الغرض بيان
~~المماثلة بين الإيتائين لا بين متعلقيهما، والعدول عن تطبيق ما في جانب
~~المشبه به على ما في جانب المشبه بأن يقال: كما آتينا المقتسمين حسبما
~~وقع في قوله تعالى:

# الذين ءاتينهم الكتب

# [البقرة: 121] الخ للتنبيه على ما بين الإيتائين من التنائي فإن الأول
~~على وجه التكرمة والامتنان فشتان بينه وبين الثاني، ولا يقدح ذلك في
~~وقوعه مشبها به فإن ذلك إنما هو لمسلميته عندهم، وتقدم وجوده على المشبه
~~زمانا لا لمزية تعود إلى ذاته، ونظير ذلك ما قيل في الصلوات الإبراهيمية
~~فليس في التشبيه إشعار بأفضلية المشبه به من المشبه فضلا عن إيهام ما
~~تعلق به الأول مما تعلق به الثاني، وإنما ذكروا بعنوان الاقتسام إنكارا
~~لاتصافهم به مع تحقق ما ينفيه من الإنزال المذكور وإيذانا بأنهم كان من
~~حقهم أن يؤمنوا بكله حسب إيمانهم بما أنزل عليهم بحكم الاشتراك في العلة
~~والاتحاد في الحقيقة التي هي مطلق الوحي، وتوسيط قوله تعالى:

# لا تمدن عينيك

# [الحجر: 88] الخ لكمال اتصاله بما هو المقصود من بيان حال ما أوتي
~~النبي صلى الله عليه وسلم. ولقد بين أولا علو شأنه ورفعة مكانه صلى
~~الله عليه وسلم بحيث يستوجب اغتباطه عليه الصلاة والسلام بمكانه
~~واستغناءه به عما سواه، ثم نهى عن الالتفات إلى زهرة الدنيا وعبر سبحانه
~~عن إيتائها لأهلها بالتمتع المنبىء عن وشك زوالها عنهم، ثم عن الحزن
~~لعدم إيمان المنهمكين فيها، وأمر بمراعاة المؤمنين ms05274 والاكتفاء بهم عن
~~غيرهم وبإظهار قوامه بمواجب الرسالة ومراسم النذارة حسبما فصل في تضاعيف
~~ما أوتي من القرآن العظم.

# ثم رجع/ إلى كيفية إتيانه على وجه أدمج فيه ما يزيح شبه المنكرين
~~ويستنزلهم من العناد من بيان مشاركته لما لا ريب لهم في كونه وحيا
~~صادقا، فتأمل والله تعالى عنده علم الكتاب اه وهو كلام ظاهر عليه مخايل
~~التحقيق.

# وفي «البحر» بعد نقل أكثر هذه الأقوال: وهذه أقوال وتوجيهات متكلفة
~~والذي يظهر لي أنه تعالى لما أمره صلى الله عليه وسلم بأن لا يحزن على من
~~لم يؤمن وأمره عليه الصلاة والسلام بخفض جناحه للمؤمنين أمره صلى الله
~~عليه وسلم أن يعلم المؤمنين وغيرهم أنه هو النذير المبين لئلا يظن
~~المؤمنون أنهم لما أمر صلى الله عليه وسلم بخفض جناحه لهم خرجوا من عهدة
~~النذارة فأمر صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم:

# إنى أنا النذير المبين

# [الحجر: 89] لكم ولغيركم كما قال سبحانه:

# إنما أنت منذر من يخشها

# [النازعات: 45] وتكون الكاف نعتا لمصدر محذوف، والتقدير وقل قولا مثل
~~ما أنزلنا على المقتسمين إنك نذير لهم، فالقول للمؤمنين في النذارة
~~كالقول للكفار المقتسمين لئلا يظن إنذارك للكفار مخالفا لإنذار المؤمنين
~~بل أنت في وصف النذارة لهم بمنزلة واحدة تنذر المؤمن كما تنذر الكافر كما
~~قال تعالى:

# إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون

# [الأعراف: 188] اه بحروفه، وهو كما ترى ركيك لفظا ومعنى والله تعالى
~~أعلم بمراده وعنده علم الكتاب.

# وعضين جمع عضة وأصلها عضوة بكسر العين وفتح الضاد بمعنى جزء فهو معتل
~~اللام من عضاه بالتشديد جعله أعضاء وأجزاء؛ فالمعنى جعلوا القرآن أجزاء.
~~وقيل: العضه في لغة قريش السحر فيقولون للساحر: عاضه وللساحرة عاضهة، وفي
~~حديث رواه ابن عدي في «الكامل» وأبو يعلى في " مسنده "

# " لعن الله تعالى العاضهة والمستعضهة "

# وأراد صلى الله عليه وسلم الساحرة والمستسحرة أي المستعملة لسحر غيرها،
~~وهو على هذا مأخوذ من عضهته فاللام المحذوفة هاء كما في شفة وشاة على
~~القول بأن أصلهما شفهة وشاهة بدليل ms05275 جمعهما على شفاه وشياه وتصغيرهما على
~~شفيهة وشويهة. وعن الكسائي أنه من عضهه عضها وعضيهة رماه بالبهتان، قيل:
~~وأخذ العضه بمعنى السحر من هذا لأن البهتان لا أصل له والسحر تخييل أمر
~~لا حقيقة له، وذهب الفراء إلى أنه من العضاه وهي شجرة تؤذي كالشوك واختار
~~بعضهم الأول، وجمع السلامة لجبر ما حذف منه كعزين وسنين وإلا فحقه أن لا
~~يجمع جمع السلامة المذكر لكونه غير عاقل ولتغير مفرده؛ ومثل هذا كثير
~~مطرد، ومن العرب من يلزمه الياء ويجعل الإعراب على النون فيقول: عضينك
~~كسنينك وهذه اللغة كثيرة في تميم وأسد، وفي التعبير عن تجزئة القرآن
~~بالتعضية التي هي تفريق الأعضاء من ذي الروح المستلزم لإزالة حياته
~~وإبطال اسمه دون مطلق التجزئة والتفريق اللذين ربما يوجدان فيما لا يضره
~~التبعيض للتنصيص على قبح ما فعلوه بالقرآن العظيم.

### || [15.92]

# أي لنسألن يوم القيامة أصناف الكفرة مطلقا المقتسمين وغيرهم سؤال تقريع
~~وتوبيخ.

### || [15.93]

# { عما كانوا يعملون } في الدنيا من قول وفعل وترك فيدخل فيه
~~ما ذكر من الاقتسام والتعضية دخولا أوليا أو لنجازينهم على ذلك، وعلى
~~التقديرين لا منافاة بين هذه الآية وقوله تعالى:

# فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان

# [الرحمن: 39] لأن المراد هنا حسبما أشرنا إليه إثبات سؤال التقريع
~~والتوبيخ أو المجازاة بناءا على أن السؤال مجاز عنها وهناك نفى سؤال
~~الاستفهام لأنه تعالى عالم بجميع أعمالهم؛ وروي هذا عن ابن عباس، وضعف
~~هذا الإمام بأنه لا معنى لتخصيص نفي سؤال الاستفهام بيوم القيامة لأن ذلك
~~السؤال محال عليه تعالى في كل وقت. وأجيب بأنه بناءا على زعمهم/ كقوله
~~تعالى:

# وبرزوا لله جميعا

# [إبراهيم: 21] فإنه يظهر لهم في ذلك اليوم أنه سبحانه لا يخفى عليه شيء
~~فلا يحتاج إلى الاستفهام، وقيل: المراد لا سؤال يومئذ منه تعالى ولا من
~~غيره بخلاف الدنيا فإنه ربما سأل غيره فيها. ورد بأن قوله: لأنه سبحانه
~~عالم بجميع أعمالهم يأباه.

# واختار غير واحد في الجمع أن النفي بالنسبة إلى بعض المواقف والإثبات
~~بالنسبة ms05276 إلى بعض آخر، وسيأتي تمام الكلام في ذلك، واستظهر بعضهم عود
~~الضمير في { لنسئلنهم } إلى

# المقتسمين * الذين جعلوا القرءان عضين

# [الحجر: 90-91] للقرب، وجوز أن يعود على الجميع من مؤمن وكافر لتقدم ما
~~يشعر بذلك من قوله سبحانه:

# وقل إنى أنا النذير المبين

# [الحجر: 89] و { ما } للعموم كما هو الظاهر، وأخرج ابن جرير وغيره وعن
~~أبي العالية أنه قال في الآية: يسأل العباد كلهم يوم القيامة عن خلتين
~~عما كانوا يعبدون وعما أجابوا به المرسلين. وأخرج الترمذي وجماعة عن أنس
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " يسألون عن قول لا إله إلا الله "

# وأخرجه البخاري في " تاريخه " والترمذي من وجه آخر عن أنس موقوفا، وروي
~~أيضا عن ابن عمر ومجاهد، والمعنى على ما في «البحر» يسألون عن الوفاء
~~بلا إله إلا الله والتصديق لمقالها بالأعمال، والفاء قيل لترتيب الوعيد
~~على أعمالهم التي ذكر بعضها، وقيل: لتعليل النهي والأمر فيما سبق، وزعم
~~أنها الفاء الداخلة على خبر الموصول كما في قولك: الذي يأتيني فله درهم
~~مبني على أن

# الذين

# [الحجر: 91] مبتدأ وقد علمت حال ذلك، وفي التعرض لوصف الربوبية مضافا
~~إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى من إظهار اللطف به صلى الله
~~عليه وسلم.

### || [15.94]

# { فاصدع بما تؤمر } قال الكلبي: أي أظهره واجهر به يقال: صدع
~~بالحجة إذا تكلم بها جهارا، ومن ذلك قيل للفجر صديع لظهوره. وجوز أن
~~يكون أمرا من صدع الزجاجة وهو تفريق أجزائها أي افرق بين الحق والباطل،
~~وأصله على ما قيل الإبانة والتمييز، والباء على الأول صلة وعلى الثاني
~~سببية، و { ما } جوز أن تكون موصولة والعائد محذوف أي بالذي تؤمر به
~~فحذف الجار فتعدى الفعل إلى الضمير فصار تؤمره ثم حذف، ولعل القائل بذلك
~~لم يعتبر حذفه مجرورا لفقد شرط حذفه بناء على أنه يشترط في حذف العائد
~~المجرور أن يكون مجرورا بمثل ما جر به الموصول لفظا ومعنى ومتعلقا،
~~وقيل: التقدير فاصدع بما تؤمر بالصدع به فحذفت الباء الثانية ثم ms05277 الثالثة
~~ثم لام التعريف ثم المضاف ثم الهاء، وهو تكلف لا داعي له ويكاد يورث
~~الصداع، والمراد بما يؤمر به الشرائع مطلقا، وقول مجاهد كما أخرجه عنه
~~ابن أبي حاتم إن المعنى: اجهر بالقرآن في الصلاة يقتضي بظاهره التخصيص
~~ولا داعي له أيضا كما لا يخفى، وأظهر منه في ذلك ما روي عن ابن زيد أن
~~المراد { بما تؤمر } القرآن الذي أوحى إليه صلى الله عليه وسلم أن
~~يبلغهم إياه، وأن تكون مصدرية أي فاصدع بمأموريتك وهو الذي عناه الزمخشري
~~بقوله: أي بأمرك مصدر من المبني للمفعول، وتعقبه أبو حيان بأنه مبني على
~~مذهب من يجوز أن يراد بالمصدر أن والفعل المبني للمفعول والصحيح أن ذلك
~~لا يجوز. ورد بأن الاختلاف في المصدر الصريح هل يجوز انحلاله إلى حرف
~~مصدري وفعل مجهول أم لا إما أن الفعل المجهول هل يوصل به حرف مصدري فليس
~~محل النزاع، فإن كان اعتراضه على الزمخشري في تفسيره بالأمر وأنه كان
~~ينبغي أن يقول بالمأمورية فشيء/ آخر سهل، ثم لا يخفى ما في الآية من
~~الجزالة، وقال أبو عبيدة: عن رؤبة ما في القرآن منها، ويحكى أن بعض العرب
~~سمع قارئا يقرأها فسجد فقيل له في ذلك فقال: سجدت لبلاغة هذا الكلام،
~~ولم يزل صلى الله عليه وسلم مستخفيا كما روي عن عبد الله بن مسعود قبل
~~نزول ذلك فلما نزلت خرج هو وأصحابه عليه الصلاة والسلام.

# { وأعرض عن المشركين } أي لا تلتفت إلى ما يقولون ولا تبال
~~بهم فليست الآية منسوخة، وقيل: هي من آيات المهادنة التي نسختها آية
~~السيف، وأخرج ذلك ابن أبي حاتم وأبو داود في " ناسخه " عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما.

### || [15.95]

# بك أو بك وبالقرآن كما روي عن ابن عباس بقمعهم وتدميرهم. أخرج الطبراني
~~في " الأوسط " والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في " الدلائل " وابن مردويه
~~بسند حسن قال: المستهزؤون الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث والأسود
~~بن المطلب والحرث بن عيطل السهمي والعاص بن وائل فأتاه جبريل عليه ms05278 السلام
~~فشكاهم إليه فأراه الوليد فأومأ جبريل عليه السلام إلى أكحله فقال صلى
~~الله عليه وسلم: ما صنعت شيئا قال: كفيتكه، ثم أراه الأسود بن المطلب
~~فأومأ إلى عينيه فقال: ما صنعت شيئا قال: كفيتكه، ثم أراه الأسود بن عبد
~~يغوث فأومأ إلى رأسه فقال: ما صنعت شيئا قال: كفيتكه؛ ثم أراه الحرث
~~فأومأ إلى بطنه فقال: ما صنعت شيئا قال: كفيتكه، ثم أراه العاص بن وائل
~~فأومأ إلى أخمصه فقال: ما صنعت شيئا قال: كفيتكه. فأما الوليد فمر برجل
~~من خزاعة وهو يريش نبلا فأصاب أكحله فقطعها، وأما الأسود بن المطلب فنزل
~~تحت سمرة فجعل يقول: يا بني ألا تدفعون عني قد هلكت أطعن بالشوك في عيني
~~فجعلوا يقولون: ما نرى شيئا فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه، وأما الأسود
~~بن عبد يغوث فخرج في رأسه قروح فمات منها؛ وأما الحرث فأخذه الماء الأصفر
~~في بطنه حتى خرج رجيعه من فيه فمات منه، وأما العاص فركب إلى الطائف فربض
~~على شبرقة فدخل في أخمص قدمه شوكة فقتلته، وقال الكرماني في «شرح
~~البخاري»: إن المستهزئين هم السبعة الذين ألقوا الأذى ورسول الله صلى
~~الله عليه وسلم يصلي كما جاء في حديث البخاري وهم: عمرو بن هشام وعتبة بن
~~ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن معيط وعمارة
~~بن الوليد وفي " الإعلام " للسهيلي أنهم قذفوا بقليب بدر وعدهم بخلاف ما
~~ذكر. وفي «الدر المنثور» وغيره روايات كثيرة مختلفة في عدتهم وأسمائهم
~~وكيفية هلاكهم، وعد الشعبي منهم هبار بن الأسود. وتعقبه في «البحر» بأن
~~هبارا أسلم يوم الفتح ورحل إلى المدينة فعده وهم، وهذا متعين إذا كانت
~~كفايته عليه السلام إياهم بالإهلاك كما هو الظاهر، وقد ذكر الإمام نحو ما
~~ذكرنا من اختلاف الروايات ثم قال: ولا حاجة إلى شيء من ذلك، والقدر
~~المعلوم أنهم كانوا طائفة لهم قوة وشوكة لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على
~~مثل هذه السفاهة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ms05279 علو قدره وعظم
~~منصبه، ودل القرآن على أن الله سبحانه أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم.

### || [15.96]

# { الذين يجعلون مع الله إلها ءاخر } أي اتخذوا
~~إلها يعبدونه معه تعالى، وصيغة الاستقبال لاستحضار الحال الماضية، وفي
~~وصفهم بذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهوين للخطب عليه عليه
~~الصلاة والسلام بالإشارة إلى أنهم لم يقتصروا على الاستهزاء به صلى الله
~~عليه وسلم بل اجترؤا على/ العظيمة التي هي الإشراك به سبحانه { فسوف
~~يعلمون } ما يأتون ويذرون. وفيه من الوعيد ما لا يخفى. وفي «البحر»
~~أنه وعيد لهم بالمجازاة على استهزائهم وشركهم في الآخرة كما جوزوا في
~~الدنيا.

### || [15.97]

# من كلمات الشرك والاستهزاء، وتحلية الجملة بالتأكيد لإفادة تحقق ما
~~تتضمنه من التسلية. وصيغة المضارع لإفادة استمرار العلم حسب استمرار
~~متعلقه باستمرار ما يوجبه من أقوال الكفرة.

### || [15.98]

# { فسبح بحمد ربك } فافزع إلى ربك فيما نابك من ضيق الصدر
~~بالتسبيح ملتبسا بحمده أي قل: سبحان الله والحمد لله أو فنزهه عما
~~يقولون حامدا له سبحانه على أن هداك للحق، فالتسبيح والحمد بمعناهما
~~اللغوي كما أنهما على الأول بمعناهما العرفي أعني قول تينك الجملتين، وفي
~~التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم ما لا
~~يخفى من اللطف به عليه الصلاة والسلام والإشعار بعلة الحكم أعني الأمر
~~المذكور { وكن من السجدين } أي المصلين ففيه التعبير عن الكل
~~بالجزء. وهذا الجزء على ما ذهب إليه البعض أفضل الأجزاء لما صح من قوله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد "

# وليس هذا موضع سجدة خلافا لبعضهم. وفي أمره صلى الله عليه وسلم بما ذكر
~~إرشاد له إلى ما يكشف به الغم الذي يجده كأنه قيل: افعل ذلك يكشف عنك ربك
~~الغم والضيق الذي تجده في صدرك ولمزيد الاعتناء بأمر الصلاة جىء بالأمر
~~بها كما ترى مغايرا للأمر السابق على هذا الوجه المخصوص. وفي ذلك من
~~الترغيب فيها ما لا يخفى. وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا أحزنه أمر ms05280 فزع
~~إلى الصلاة. وصح

# " حبب لي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة "

# وذكر بعضهم أن في الآية إشارة إلى الترغيب بالجماعة فيها، وأن في عدم
~~تقييد السجود بنحو له أو لربك إشارة إلى أنه مما لا يكاد يخطر بالبال
~~إيقاعه لغيره تعالى فتدبر.

### || [15.99]

# { واعبد ربك } دم على ما أنت عليه من عبادته سبحانه، قيل: وفي
~~الإظهار بالعنوان السالف آنفا تأكيد لما سبق من إظهار اللطف به صلى الله
~~عليه وسلم والإشعار بعلة الأمر بالعبادة { حتى يأتيك اليقين
~~} أي الموت كما روي عن ابن عمر والحسن وقتادة وابن زيد، وسمي بذلك لأنه
~~متيقن اللحوق بكل حي، وإسناد الإتيان إليه للإيذان بأنه متوجه إلى الحي
~~طالب للوصول إليه، والمعنى دم على العبادة ما دمت حيا من غير إخلال بها
~~لحظة، وقال ابن بحر: اليقين النصر على الكافرين الذي وعده صلى الله عليه
~~وسلم، وأيا ما كان فليس المراد به ما زعمه بعض الملحدين مما يسمونه
~~بالكشف والشهود، وقالوا: إن العبد متى حصل له ذلك سقط عنه التكليف
~~بالعبادة وهي ليست إلا للمحجوبين، ولقد مرقوا بذلك من الدين وخرجوا من
~~ربقة الإسلام وجماعة المسلمين. وذكر بعض الثقات أن هذا الأمر كان بعد
~~الإسراء والعروج إلى السماء، أفترى أنه صلى الله عليه وسلم لم يتضح له
~~ليلتئذ صبح الكشف والشهود ولم يمن عليه باليقين عظيم الكرم والجود؟ الله
~~أكبر لا يتجاسر على ذلك من في قلبه مثقال ذرة من إيمان أو رزق حبة خردل
~~من عقل ينتظم به في سلك الإنسان، وأيضا لم يزل صلى الله عليه وسلم ما
~~دام حيا آتيا بمراسم العبادة قائما بأعباء التكليف لم ينحرف عن الجادة
~~قدر/ حادة أفيقال: إنه لم يأته عليه الصلاة والسلام حتى توفي ذلك اليقين
~~ولذلك بقي في مشاق التكليف إلى أن قدم على رب العالمين؟ لا أرى أحدا
~~يخطر له ذلك بجنان ولو طال سلوكه في مهامه الضلالة وبان. نعم ذكر بعض
~~العلماء الكرام في قوله تعالى:

# ولقد نعلم

# [الحجر: ms05281 97] الخ كلاما متضمنا شيئا مما يذكره الصوفية لكنه بعيد
~~بمراحل عن مرام أولئك اللئام، ففي «الكشف» أنه تعالى بعدما هدم قواعد
~~جهالات الكفرة وأبرق وأرعد بما أظهر من صنيعه بالقائلين نحو مقالات أولئك
~~الفجرة فذلك الكلام بقوله سبحانه:

# ولقد نعلم

# [الحجر: 97] مؤكدا هذا التأكيد البالغ الصادر عن مقام تسخط بالغ
~~وكبرياء لينفس عن حبيبه عليه الصلاة والسلام أشد التنفيس، ثم أرشد إلى ما
~~هو أعلى من ذلك مما تأهله لمسامرة الجليس للجليس وقال تعالى:

# فسبح بحمد ربك

# [الحجر: 98] إشارة إلى التوجه إليه بالكلية والتجرد التام عن الأغيار
~~والتحلي بصفات من توجه إليه بحسن القبول والافتقار إذ ذلك مقتضى التسبيح
~~والحمد لمن عقلهما، ثم قال سبحانه:

# وكن من السجدين

# [الحجر: 98] دلالة على الاقتراب المضمر فيه لأن السجود غاية الذلة
~~والافتقار وهو مظهر الفناء حتى نفسه وشرك البقاء بمن أمره بخمسه، وقوله
~~تعالى شأنه: { واعبد ربك } الخ ظاهره ظاهر وباطنه يومي إلى أن
~~السفر في الله تعالى لا ينقطع والشهود الذي عليه يستقر لا يحصل أبدا فما
~~من طامة إلا وفوقها طامة:

# إذا تغيبت بدا

# وإن بدا غيبني

# وعن لسان هذا المقام

# رب زدنى علما

# [طه: 114] اه، هذا ولا يخفى مما ذكره غير واحد من المفسرين مناسبة
~~خاتمة هذه السورة لفاتحتها، وأن قوله سبحانه:

# ولقد نعلم

# [الحجر: 97] الخ في مقابلة

# وقالوا يا أيها الذى نزل عليه الذكر

# [الحجر: 6] والله تعالى أعلم وأحكم.

# ومن باب الإشارة فيما تقدم من الآيات: ما قالوه مما ملخصه

# نبىء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم

# [الحجر: 49] أي أخبرهم بأني أغفر خطرات قلوب العارفين بعد إدراكهم مواضع
~~خطرها وتداركهم ما هو مطلوب منهم وأرحمهم بأنواع الفيوضات وأوصلهم إلى
~~أعلى المكاشفات والمشاهدات

# وأن عذابى هو العذاب الأليم

# [الحجر: 50] وهو عذاب الاحتجاب والطرد عن الباب. وقال ابن عطاء هذه
~~الآية إرشاد له صلى الله عليه وسلم إلى كيفية الإرشاد كأنه قيل: أقم
~~عبادي بين الخوف والرجاء ليصح لهم سبيل الاستقامة في الطاعة فإن من غلب
~~عليه رجاؤه عطله ومن غلب عليه ms05282 خوفه أقنطه وذكر بعضهم أن فيها إشارة إلى
~~ترجيح جانب الخوف على الرجاء لأنه سبحانه أجرى وصفي الرحمة على نفسه عز
~~وجل ولم يجر العذاب على ذلك السنن، وأنت تعلم أن المذكور في كثير من
~~الكتب أنه ينبغي للإنسان أن يكون معتدل الرجاء والخوف إلا عند الموت
~~فينبغي أن يكون رجاؤه أزيد من خوفه؛ وفي المقام كلام طويل يطلب من موضعه

# لعمرك إنهم لفى سكرتهم يعمهون

# [الحجر: 72] قال النووي: أي بحياتك التي خصصت بها من بين العالمين، وقال
~~القرشي: هذا قسم بحياة الحبيب صلى الله عليه وسلم. وإنما أقسم سبحانه بها
~~لأنها كانت به تعالى

# إن فى ذلك لآيت للمتوسمين

# [الحجر: 75] أي المتفرسين، وذكروا أن للفراسة مراتب فبعضها يحصل بعين
~~الظاهر، وبعضها ما يدركه آذان العارفين مما ينطق به الحق بألسنة الخلق،
~~وبعضها ما يبدو في صورة المتفرس من أشكال تصرف الحق سبحانه وإنطاقه وجوده
~~له حتى ينطق جميع شعرات بدنه بألسنة مختلفة فيرى ويسمع من ظاهر نفسه ما
~~يدل على وقوع الأمور الغيبية، وبعضها ما يحصل بحواس الباطن حيث وجدت
~~بلطفها أوائل المغيبات باللائحة، وبعضها ما يحصل من النفس الأمارة بما
~~يبدو فيها من التمني والاهتزاز وذلك سر محبته فإن الله تعالى/ إذا أراد
~~فتح باب الغيب ألقى في النفس آثار بواديه إما محبوبة فتتمنى وإما مكروهة
~~فتنفر فتفزع ولا يعرف ذلك إلا رباني الصفة، وبعضها ما يحصل للقلب إما
~~بالإلهام وإما بالكشف، وبعضها ما يحصل للعقل وذلك ما يقع من أثقال الوحي
~~الغيبي عليه، وبعضها ما يحصل للروح بالواسطة وغير الواسطة، وبعضها ما
~~يحصل لعين السر وسمعه؛ وبعضها ما يحصل في سر السر ظهور عرائس أقدار
~~الغيبة ملتبسات بأشكال إلهية ربانية روحانية فيبصر تصرف الذات في الصفات
~~ويسمع الصفات بوصف الحديث والخطاب من الذات بلا واسطة وهناك منتهى الكشف
~~والفراسة.

# وسئل الجنيد رضي الله تعالى عنه عن الفراسة فقال: آيات ربانية تظهر في
~~أسرار العارفين فتنطق ألسنتهم بذلك فتصادف الحق، ولهم في ذلك عبارات أخر.

# فاصفح الصفح الجميل ms05283

# [الحجر: 85] روى عمرو بن دينار عن محمد بن الحنفية عن أبيه عن علي كرم
~~الله تعالى وجهه أنه قال: الصفح الجميل صفح لا توبيخ فيه ولا حقد بعده مع
~~الرجوع إلى ما كان قبل ملابسة المخالفة، وقيل: الصفح الجميل مواساة
~~المذنب برفع الخجل عنه ومداواة موضع آلام الندم في قلبه

# ولقد ءاتينك سبعا من المثاني

# [الحجر: 85] وهي الصفات السبعة أعني الحياة والعلم والقدرة والإرادة
~~والبصر والسمع والكلام، ومعنى كونها مثاني أنها ثني وكرر ثبوتها له صلى
~~الله عليه وسلم، فكانت له عليه الصلاة والسلام أولا: في مقام وجود القلب
~~وتخلقه بأخلاقه واتصافه بأوصافه، وثانيا: في مقام البقاء بالوجود
~~الحقاني، وقيل: معنى كونها مثاني أنها ثواني الصفات القائمة بذاته سبحانه
~~عز وجل ومواليدها، وجاء

# " لا زال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي
~~يسمع به وبصره الذي يبصر به "

# الحديث

# والقرآن العظيم

# [الحجر: 87] وهو عندهم: الذات الجامع لجميع الصفات

# لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم

# [الحجر: 88] إلى آخره. قال بعضهم في ذلك غار الحق سبحانه عليه عليه
~~الصلاة والسلام أن يستحسن من الكون شيئا ويعيره طرفه وأراد منه صلى الله
~~عليه وسلم أن تكون أوقاته مصروفة إليه وحالاته موقوفة عليه وأنفاسه
~~النفيسة حبيسة عنده، وكان صلى الله عليه وسلم كما أراد منه سبحانه ولذلك
~~وقع في المحل الأعلى

# ما زاغ البصر وما طغى

# [النجم: 17]

# فسبح بحمد ربك وكن من السجدين * واعبد
~~ربك حتى يأتيك اليقين

# [الحجر: 98-99] قد مر عن " الكشف " ما فيه مقنع لمن أراد الإشارة من
~~المسترشدين، هذا وأسأل الله سبحانه أن يحفظنا من سوء القضا ويمن علينا
~~بالتوفيق إلى ما يحب ويرضى بحرمة النبي صلى الله عليه وسلم وآله وأصحابه
~~رضي الله تعالى عنهم أجمعين ما جرى في تفسير كتاب الله تعالى قلم.

### | [16 - سورة النحل]

### || [16.1]

# { بسم الله الرحمن الرحيم } بقوله عز وجل: { أتى
~~أمر الله فلا تستعجلوه } المناسب لذلك على ما ذكر غير
~~واحد في معناه وسبب نزوله. وفي ms05284 «البحر» في بيان وجه الارتباط أنه تعالى
~~لما قال:

# فوربك لنسئلنهم أجمعين

# [الحجر: 92] كان ذلك تنبيها على حشرهم يوم القيامة وسؤالهم عما فعلوه
~~في الدنيا فقيل: { أتى أمر الله } فإن المراد به على قول
~~الجمهور يوم القيامة، وذكر الجلال السيوطي أن آخر الحجر شديدة الالتئام
~~بأول هذه فإن قوله سبحانه:

# واعبد ربك حتى يأتيك اليقين

# [الحجر: 99] الذي هو مفسر بالموت ظاهر المناسبة بقوله سبحانه هنا: {
~~أتى أمر الله } وانظر كيف جاء في المتقدمة { يأتيك } بلفظ
~~المضارع وفي المتأخرة { أتى } بلفظ الماضي لأن المستقبل سابق على
~~الماضي كما تقرر في محله، والأمر واحد الأمور وتفسيره بيوم القيامة كما
~~قال في «البحر» وفسر بما يعمه وغيره من نزول العذاب الموعود للكفرة، وعن
~~ابن جريج تفسيره بنزول العذاب فقط فقال: المراد بالأمر هنا ما وعد الله
~~تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من النصر والظفر على الأعداء والانتقام
~~منهم بالقتل والسبي ونهب الأموال والاستيلاء على المنازل والديار، وأخرج
~~ابن جرير وغيره عن الضحاك أن المراد به الأحكام والحدود والفرائض، وكأنه
~~حمله على ما هو أحد الأوامر وفيما ذكره بعد إذ لم ينقل عن أحد أنه استعجل
~~فرائض الله تعالى وحدوده سبحانه، والتعبير عن ذلك بأمر الله للتهويل
~~والتفخيم، وفيه إيذان بأن تحققه في نفسه وإتيانه منوط بحكمه تعالى النافذ
~~وقضائه الغالب، وإتيانه عبارة عن دنوه واقترابه على طريقة نظم المتوقع في
~~سلك الواقع، وجوز أن يكون المراد إتيان مباديه فالماضي باق على حقيقته،
~~ولعل ما أخرجه ابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أنه فسر الأمر بخروج النبي صلى الله عليه وسلم مؤيد لما ذكر
~~وبعضهم أبقى الفعل على معناه الحقيقي وزعم أن المعنى أتى أمر الله وعدا
~~فلا تستعجلوه وقوعا وهو كما ترى، وظاهر صنيع الكثير يشعر باختيار أن
~~الماضي بمعنى المضارع على طريق الاستعارة بتشبيه المستقبل المتحقق
~~بالماضي في تحقق الوقوع والقرينة عليه قوله سبحانه فإنه لو وقع ما استعجل
~~وهو الذي يميل إليه القلب، والضمير ms05285 المنصوب في { تستعجلوه } على
~~ما هو الظاهر عائد على الأمر لأنه هو المحدث عنه، وقيل: يعود على الله
~~سبحانه أي فلا تستعجلوا الله تعالى بالعذاب أو بإتيان يوم القيامة كقوله
~~تعالى:

# ويستعجلونك بالعذاب

# [الحج: 47] وهو خلاف الظاهر، لكن قيل: إن ذلك أوفق بما بعد، والخطاب
~~للكفرة خاصة ويدل عليه قراءة ابن جبير { فلا يستعجلوه } على
~~صيغة نهي الغائب، واستعجالهم وإن كان بطريق الاستهزاء لكنه حمل على
~~الحقيقة ونهوا [عنه] بضرب من التهكم لا مع المؤمنين سواء أريد بأمر الله
~~تعالى ما قدمنا أو العذاب الموعود للكفرة خاصة، أما الأول: فلأنه/ لا
~~يتصور من المؤمنين استعجال الساعة أو ما يعمها من العذاب حتى يعمهم النهي
~~عنه، وأما الثاني: فلأن الاستعجال من المؤمنين حقيقة ومن الكفرة استهزاء
~~فلا ينظمها صيغة واحدة والالتجاء إلى إرادة معنى مجازي يعمهما معا غير
~~أن يكون هناك نكتة سرية تعسف لا يليق بشأن التنزيل.

# وادعى بعضهم عموم الخطاب واستدل بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أنه لما نزل قوله تعالى:

# اقتربت الساعة

# [القمر: 1] قال الكفار فيما بينهم: إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت
~~فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى تنظروا ما هو كائن، فلما تأخرت قالوا: ما
~~نرى شيئا فنزلت

# اقترب للناس حسبهم

# [الأنبياء: 1] فأشفقوا وانتظروا قربها فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد
~~ما نرى شيئا مما تخوفنا به فنزلت { أتى أمر الله } فوثب رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فرفع الناس رؤسهم فلما نزل { فلا
~~تستعجلوه } اطمأنوا ثم قال صلى الله عليه وسلم:

# " بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه إن كادت لتسبقني "

# ولا دلالة فيه على ذلك لأن مناط اطمئنانهم إنما هو وقوفهم على أن المراد
~~بالإتيان هو الإتيان الادعائي لا الحقيقي الموجب لاستحالة الاستعجال
~~المستلزمة لامتناع النهي عنه لما أن النهي عن الشيء يقتضي إمكانه في
~~الجملة، ومدار ذلك الوقوف إنما هو النهي عن الاستعجال المستلزم لإمكانه
~~المقتضي عدم وقوع المستحيل بعد، ولا يختلف ذلك باختلاف المستعجل كائنا
~~من كان بل ms05286 فيه دلالة واضحة على عدم عموم لأن المراد بأمر الله إنما هو
~~الساعة وصدور استعجالها عن المؤمنين مستحيل. نعم يجوز تخصيص الخطاب بهم
~~على تقدير كون أمر الله تعالى العذاب الموعود للكفرة خاصة، لكن الذي يقضي
~~به الإعجاز التنزيلي أنه خاص بالكفرة كذا قاله أبو السعود. وبحث فيه من
~~وجوه، أما أولا: فلأن الذي لا يتصور من المؤمنين الاستعجال بمعنى طلب
~~الوقوع عاجلا لا عده عاجلا وسياق ما روي يدل على الأخير، فإنه لما
~~سمعوا صدر الكلام حملوه على الظاهر فاضطربوا فقيل لهم: { فلا
~~تستعجلوه } أي لا تعدوه عاجلا، على أن عدم تصور المعنى الأول
~~أيضا منهم في حيز المنع لجواز أن يستعجلوه لتشفي صدورهم وإذهاب غيظ
~~قلوبهم والاستهزاء بهم والضحك منهم، وأما ثانيا: فلأن الجمع بين الحقيقة
~~والمجاز لعله مذهب ذلك القائل، وأما ثالثا: فلأن القول بكون القراءة على
~~صيغة نهي الغائب دالة على أن الخطاب مخصوص بالكفرة ممنوع والسند ظاهر،
~~وأما رابعا: فلأن نفي دلالة ما روي على عموم الخطاب غير موجه لعموم لفظ
~~الناس، وأما خامسا: فلأن قوله: بل فيه دلالة واضحة على عدم العموم لأن
~~المراد بأمر الله تعالى إنما هو الساعة إلى آخره، يرد عليه أنه لا دلالة
~~فيه أصلا على عدم العموم فضلا أن تكون واضحة، وقد عرفت ما في قوله: وقد
~~عرفت وأما سادسا: فلأن حصره المراد بالأمر في الساعة مخالف لما ذكره في
~~تفسير قوله: { أتى أمر الله } حيث قال: أي الساعة أو ما يعمها
~~وغيرها من العذاب فبعد هذا التصريح كيف يدعي ذلك الحصر؟ وفي بعض الأبحاث
~~نظر.

# وقال بعض الفضلاء: قد يقال: إن المراد بالناس في الخبر المؤمنون لما في
~~خبر آخر أخرجه ابن مردويه عن الحبر قال: «لما نزلت { أتى أمر
~~الله } ذعر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت { فلا
~~تستعجلوه } فسكنوا». وهذا أيضا على ما قيل لا يقتضي كون الخطاب
~~للمؤمنين لجواز أن يقال: إنهم لما سمعوا أول الآية ذعروا واضطربوا لظن
~~أنه وقع فلما ms05287 سمعوا خطاب الكفرة/ بقوله سبحانه: { فلا تستعجلوه
~~} اطمأنت قلوبهم وسكنوا، وقد يورد على دعوى أن صدور استعجال الساعة من
~~المؤمنين مستحيل أن ذلك حق لو كان استعجالهم على طرز استعجال الكفرة لها
~~وليس ذلك بمسلم فإنه يجوز أن يراد باستعجالهم اضطرابهم وتهيؤهم لها
~~المنزل منزلة الاستعجال الحقيقي.

# واستدل على كون الخطاب للكفرة بقوله سبحانه وتعالى: { سبحانه
~~وتعالى عما يشركون } فإنه على ذلك التقدير يظهر ارتباطه بما
~~قبله وذلك بأن يقال حينئذ: لما كان استعجالهم ذلك من نتائج إشراكهم
~~المستتبع لنسبة الله تعالى إلى ما لا يليق به سبحانه من العجز والاحتياج
~~إلى الغير واعتقادهم أن أحدا يحجزه عن إمضاء وعيده أو انجاز وعده قيل
~~بطريق الاستئناف ذلك على معنى تنزه وتقدس بذاته وجل عن إشراكهم المؤدي
~~إلى صدور أمثال هذه الأباطيل عنهم أو عن أن يكون له شريك فيدفع ما أراد
~~بهم بوجه من الوجوه وقد كانوا يقولون على ما في بعض الروايات: إن صح مجيء
~~ذلك فالأصنام تخلصنا عنه بشفاعتها لنا، والتعبير بالمضارع للدلالة على
~~تجدد إشراكهم واستمراره والالتفات إلى الغيبة للإيذان باقتضاء ذكر
~~قبائحهم للإعراض عنهم وطرحهم عن رتبة الخطاب وحكاية شنائعهم للغير وهذا
~~لا يتأتى على تقدير تخصيص الخطاب بالمؤمنين وقيل في وجه الارتباط على ذلك
~~التقدير: أنه تعالى لما نهاهم عن الاستعجال ذكر ما يتضمن أن إنذاره
~~سبحانه وإخباره تعالى للتخويف والإرشاد وأن قوله جل وعلا: { أتى
~~أمر الله } إنما هو لذلك فيستعد كل أحد لمعاده ويشتغل قبل السفر
~~بتهيئة زاده فلذلك عقب بذلك دون عطف، وقد أشار بعضهم إلى ارتباط ذلك
~~باعتبار ما بعده فيكون ما ذكر مقدمة واستفتاحا له، وأيضا فإن قوله
~~تعالى: { أتى أمر الله } تنبيه وإيقاظ لما يرد بعده من أدلة
~~التوحيد اه، وأنت تعلم أن الارتباط على ما قرر أولا أظهر منه على هذا
~~التقرير فافهم، ثم إن { ما } تحتمل الموصولية والمصدرية والاحتمال
~~الثاني أظهر، ولا بد على الاحتمال الأول من اعتبار ما أشرنا إليه وإلا
~~فلا يظهر التنزيه عن الشريك. ms05288

# وقرأ حمزة والكسائي { تشركون } بتاء الخطاب على وفق { فلا
~~تستعجلوه } وقرأ باقي السبعة والأعرج وأبو جعفر وأبو رجاء والحسن
~~بياء الغيبة، وقد تقدم أن في الكلام حينئذ التفاتا وهو مبني على أن
~~الخطاب السابق للكفرة أما إذا كان للمؤمنين أو لهم وللكفرة فلا يتحد معنى
~~الضميرين حتى يكون التفات ولا التفات أيضا على قراءة { تشركون } بالتاء
~~سواء كان الخطاب الأول للكفرة أو لهم وللمؤمنين. نعم في ذلك على تقدير
~~عموم الخطاب تغليبان على ما قيل الأول تغليب المؤمنين على غيرهم في
~~الخطاب والثاني تغليب غيرهم عليهم في نسبة الشرك، وعلى قراءة { يستعجلوه،
~~ويشركون } بالتحتية فيهما لا التفات ولا تغليب.

### || [16.2]

# { ينزل الملئكة } قيل هو إشارة إلى طريق علم الرسول صلى
~~الله عليه وسلم بإتيان ما أوعد به وباقترابه إزاحة لاستبعاد اختصاصه عليه
~~الصلاة والسلام بذلك، وقال في «الكشف»: التحقيق أن قوله سبحانه

# أتى أمر الله

# [النحل: 1] تنبيه وإيقاظ ليكون ما يرد بعده ممكنا في نفس حاضرة ملقية
~~إليه وهو تمهيد لما يرد من دلائل التوحيد وقوله تعالى: { ينزل
~~الملئكة } الخ تفصيل لما أجمل في قوله سبحانه وتعالى أيقظ أولا
~~ثم نعى عليهم ما هم فيه من الشرك ثم أردفه بدلائل السمع والعقل، وقدم
~~السمعي لأن صاحبه هو القائم بتحرير العقلي وتهذيبه أيضا فليس النظر إلى
~~دليل السمع بل إلى من قام به من الملائكة والرسل عليهم السلام وهم
~~القائمون بالأمرين جميعا فافهم. وأخذ سيبويه منه أن جعل { ينزل }
~~حالا من ضمير

# يشركون

# [النحل: 1] لا يطابق المقام البتة انتهى. وما ذكره من أمر الحالية إشارة
~~إلى الاعتراض على شيخه العلامة الطيبي حيث جعل ذلك أحد احتمالين في/
~~الجملة، ثانيهما: كونها مستأنفة وهو الظاهر، وما أشار إليه من وجه الربط
~~وادعى أنه التحقيق لا يخلو عما هو خلاف المتبادر، والتعبير بصيغه
~~الاستقبال للإشارة إلى أن التنزيل عادة مستمرة له تعالى، والمراد
~~بالملائكة عند الجمهور جبريل عليه السلام ويسمى الواحد بالجمع  كما قال
~~الواحدي  إذا كان رئيسا، وعند بعض هو عليه السلام ومن ms05289 معه من حفظة
~~الوحي. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { ينزل } مخففا من الإنزال، وزيد بن علي
~~رضي الله تعالى عنهما والأعمش وأبو بكر { ينزل } مشددا مبنيا للمفعول
~~والملائكة بالرفع على أنه نائب الفاعل والجحدري كذلك إلا أنه خفف، وأبو
~~العالية والأعرج والمفضل عن عاصم { تنزل } بتاء فوقية مفتوحة وتشديد
~~الزاي مبنيا للفاعل وقد حذف منه أحد التاءين وأصله تتنزل، وابن أبي
~~عبلة { ننزل } بنون العظمة والتشديد، وقتادة بالنون والتخفيف، وفي هاتين
~~القراءتين كما في " البحر " التفات.

# { بالروح } أي الوحي كما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن
~~عباس ويدخل في ذلك القرآن، وروي عن الضحاك والربيع بن أنس الاقتصار عليه،
~~وأيا ما كان فإطلاق الروح على ذلك بطريق الاستعارة المصرحة المحققة،
~~ووجه الشبه أن الوحي يحيى القلوب الميتة بداء الجهل والضلال أو أنه يكون
~~به قوام الدين كما أن بالروح يكون قوام البدن، ويلزم ذلك استعارة مكنية
~~وتخييلية وهي تشبيه الجهل والضلال بالموت وضد ذلك بالحياة أو تشبيه الدين
~~بإنسان ذي جسد وروح، وهذا كما إذا قلت: رأيت بحرا يغترف الناس به وشمسا
~~يستغيثون بها فإنه يتضمن تشبيه علم الممدوح بالماء العظيم والنور الساطع
~~لكنه جاء من عرض فليس  كأظفار المنية  وليس غير كونه استعارة مصرحة،
~~وجعل ذلك في " الكشف " من قبيل الاستعارة بالكناية وليس بذاك، والباء
~~متعلقة بالفعل السابق أو بما هو حال من مفعوله أي ينزل الملائكة ملتبسين
~~بالروح.

# وقول سبحانه: { من أمره } بيان للروح المراد به الوحي، والأمر
~~بمعنى الشأن واحد الأمور، ولا يخرج ذلك الروح من الاستعارة إلى التشبيه
~~كما قيل في قوله تعالى:

# حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط
~~الأسود من الفجر

# [البقرة: 187] لما قالوا: من أن بينهما بونا بعيدا لأن نفس الفجر عين
~~المشبه شبه بخيط، وليس مطلق الأمر بالمعنى السابق مشبها به ولذا بينت به
~~الروح الحقيقية في قوله تعالى:

# قل الروح من أمر ربى

# [الإسراء: 85] كما تبين به المجازية، ولو قيل: يلقى أمره الذي هو الروح
~~لم يخرج عن الاستعارة ms05290 فليس وزان { من أمره } وزان

# من الفجر

# [البقرة: 187] وليس كل بيان مانعا من الاستعارة كما يتوهم من كلام
~~المحقق في «شرح التلخيص». وجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقا بمحذوف
~~وقع حالا من الروح على معنى حال كونه ناشئا ومبتدأ منه أو صفة له على
~~رأي من جوز حذف الموصول مع بعض صلته أي بالروح الكائن من أمره أو متعلقا
~~ بينزل  و { من } سببية أو تعليلية أو ينزل الملائكة بسبب أمره أو
~~لأجله، والأمر على هذا واحد الأوامر، وعلى ما قبله قيل: فيه احتمالان.
~~وذهب بعضهم إلى أن { الروح } هو جبريل عليه السلام وأيده بقوله تعالى:

# نزل به الروح الأمين

# [الشعراء: 193] وجعل الباء بمعنى مع، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~أن { الروح } خلق من خلق الله تعالى كصور بني آدم لا ينزل من السماء
~~ملك إلا ومعه واحد منهم، وروي ذلك عن ابن جريج وعليه حمل بعضهم ما في
~~الآية هنا. وتعقب ذلك ابن عطية بأن هذا قول ضعيف لم يأت له سند يعول
~~عليه، وأضعف منه بل لا يكاد يقدم عليه في الآية أحد ما روي عن مجاهد أن
~~المراد بالروح أرواح الخلق لا ينزل ملك إلا ومعه/ روح من تلك الأرواح.

# { على من يشاء من عباده } أي أن ينزل عليهم لا لاختصاصهم
~~بصفات تؤهلهم لذلك. والآية دليل على أن النبوة عطائية كما هو المذهب
~~الحق، ويرد بها أيضا على بعض المتصوفة القائلين بأنه لا حاجة للخلق إلى
~~إرسال الرسل عليهم السلام قالوا: الرسل سوى الله تعالى وكل ما سواه
~~سبحانه حجاب عنه جل شأنه فالرسل حجاب عنه تعالى وكل ما هو حجاب لا حاجة
~~للخلق إليه فالرسل لا حاجة إليهم، وهذا جهل ظاهر، ولعمري إنه زندقة
~~وإلحاد، وفساده مثل كونه زندقة في الظهور، ويكفي في ذلك منع الكبرى
~~القائلة بأن كل ما سواه سبحانه الخ فإن الرسل وسيلة إلى الله تعالى
~~والوصول إليه عز وجل لا حجاب، وهل يقبل ذو عقل أن نائب السلطان في بلاده
~~حجاب ms05291 عنه؟ وهب هذا القائل أمكنه الوصول إليه سبحانه بلا واسطة بقوة
~~الرياضة والاستعداد والقابلية فالسواد الأعظم الذين لا يمكنهم ما أمكنه
~~كيف يصنعون.

# وممن ينتظم في سلك هؤلاء الملحدين البراهمة فإنهم أيضا نفوا النبوة
~~لكنهم استدلوا بأن العقل كاف فيما ينبغي أن يستعمله المكلف فيأتي بالحسن
~~ويجتنب القبيح ويحتاط في المشتبه بفعل أو ترك، فالأنبياء عليهم السلام
~~إما أن يأتوا بما يوافق العقل فلا حاجة معه إليهم أو بما يخالفه فلا
~~التفات إليهم، وجوابه أن هذا مبني على القول بالحسن والقبح العقليين، وقد
~~رفعت الأقلام وجفت الصحف وتم الأمر في إبطاله، وعلى تقدير تسليمه لا نسلم
~~أن العقل يستقل بجميع ما ينبغي، ولا نسلم أيضا أنهم إن جاؤوا بما يوافق
~~العقل لا حاجة إليهم لجواز أن يعرفوا المكلف بعض ما يخفى عليه مما ينبغي
~~له أو يؤكدوا حكمه بحكمهم، ودليلان أقوى من دليل، ولا نسلم أيضا أنهم إن
~~جاؤا بما يخالف العقل لا يلتفت إليهم لجواز أن يخالفوه فيما يخفى عليه،
~~على أن ذلك فرض محال لإجماع الناس على أن الشرع لا يأتي بخلاف العقل في
~~نفس الأمر وإنما يأتي بما يقصر عن إدراكه بنفسه كوجوب صوم آخر يوم من
~~رمضان وحرمة صوم أول يوم من شوال، وتمام الكلام في ذلك يطلب من محله {
~~أن أنذروا }. بدل من { الروح } على أن { أن } هي التي من شأنها
~~أن تنصب المضارع وصلت بالأمر كما وصلت به في قولهم: كتبت إليه بأن قم،
~~ولا ضير في ذلك كما حقق في موضعه أي ينزلهم ملتبسين بطلب الإنذار منهم.
~~وجوز ابن عطية وأبو البقاء وصاحب " الغنيان " كون { أن } مفسرة فلا موضع
~~لها من الإعراب، وذلك لما في تنزيل الملائكة بالوحي من معنى القول كأنه
~~قيل: يقول بواسطة الملائكة لمن يشاء من عباده أن أنذروا، وجوز الزمخشري
~~ذلك وكون { أن } المخففة من المثقلة وأمر البدلية على حاله قال: والتقدير
~~بأنه أنذروا أي بأن الشأن أقول لكم أنذروا. وتعقبه أبو حيان بأن جعلها
~~مخففة وإضمار اسمها وهو ms05292 ضمير الشأن وتقدير القول حتى يكون الخبر جملة
~~خبرية تكلف لا حاجة إليه مع سهولة جعلها الثنائية التي من شأنها نصب
~~المضارع، وفيه بحث، ففي «الكشف» أن تحقيق وصل الأمر بهذا الحرف ناصبة
~~كانت أو مخففة وإضمار القول قد سلف إنما الكلام في إيثار المخففة ههنا
~~وفي يونس والناصبة في نوح وهي الأصل لقلة التقدير، وذلك لأن مقام
~~المبالغة يقتضي إيثار المخففة، ولهذا جعل بدلا والمبدل منه ما عرفت
~~شأنه، وكذاك في يونس معناه أعجبوا من هذا الأمر المحقق وهو أن الشأن كذا،
~~وأما في نوح فكلام ابتدائي، وجعلهم فائدة القول أن لا يقع الطلبي خبرا
~~من ضيق العطن فذلك في ضمير الشأن غير مسلم لأنه متحد بما بعده وهو كما
~~تقول: كلامي اضرب زيدا انتهى.

# وقرىء { لينذروا } والإنذار الإعلام كما قيل خلا أنه مختص بإعلام
~~المحذور أي اعلموا.

# { أنه لا إله إلا أنا } فالضمير للشان وهو من خلاف/ مقتضى
~~الظاهر، وفائدة تصدير الجملة به الإيذان من أول الأمر بفخامة مضمونها مع
~~ما في ذلك من زيادة تقرير في الذهن، و { أن } وما بعدها في موضع المفعول
~~الثاني  لأنذروا  دون تقدير جار فيه والمفعول الأول محذوف، والمراد
~~العموم أي أعلموا الناس أن الشأن الخطير هذا، ووجه إنباء مضمونه عن
~~المحذور بأنه ليس لذاته بل من حيث اتصاف المنذرين بما يضاده من الإشراك،
~~ولا يشترط تحقق المحذور كالاتصاف المذكور بالفعل في تحقق ماهية الإنذار،
~~وإن أبيت إلا الإشتراط فتحقق الاتصاف في بعض أفراد المنذرين لا سيما
~~الأكثر بالفعل كاف. وقال الراغب: الإنذار إخبار فيه تخويف كما أن التبشير
~~إخبار فيه سرور وهو قريب مما تقدم، ومحصله على العبارتين التخويف، ومن
~~هنا جوز بعضهم تفسيره بذلك وقدر المفعول الأول خاصا و { أن } وما بعدها
~~في موضع المفعول الثاني بتقدير الجار أي خوفوا أهل الكفر والمعاصي بأن
~~الشأن الخطير هذا، وذلك كما جوز تفسيره بالإعلام، وجعل المفعول الأول
~~عاما ولم يقدر جارا في الثاني، وذكر أن ذلك أصل معناه وأن تخصيصه
~~بإعلام المحذور ms05293 طارىء فإن أريد ذلك الأصل كان تعلقه بما بعده ظاهرا غاية
~~الظهور، وإن أريد غيره احتاج إلى التوجيه، وقد علمته فيما إذا كان
~~المفعول الأول عاما، والأمر فيما إذا كان خاصا بعد ذلك أظهر من أن
~~يذكر. وذكر بعض الفضلاء أن الثابت في اللغة أن نذر بالشيء كفرح به فحذره
~~وأنذره إذا أعلمه بما يحذره وليس فيها مجيئه بمعنى التخويف فأصله الإعلام
~~مع التخويف فاستعملوه بكل من جزئي معنييه الإعلام والتخويف انتهى وفيه
~~غفلة عما أشرنا إليه، وكأنه لهذا قيل: إنه لم يأت بشيء يعتد به.

# { فاتقون } جعله أبو السعود خطابا للمستعجلين على طريقة الالتفات
~~والفاء فصيحة أي إذا كان الأمر كما ذكر من جريان عادته تعالى بتنزيل
~~الملائكة على من يشاء تنزيلهم عليه من عباده وأمر المنزل عليهم بأن
~~ينذروا الناس بأنه تعالى لا شريك له في الألوهية فاتقون في الإخلال
~~بمضمونه ومباشرة ما ينافيه وفروعه التي من جملتها الاستعجال والاستهزاء
~~انتهى. وهو على ما يقتضيه الظاهر مبني على ما مال إليه من اختصاص الخطاب
~~السابق بالكفرة، وجعل بعضهم هذا الخطاب رجوعا أيضا إلى خطاب قريش لكنه
~~متفرع على التوحيد، ووجه تفرعه عليه أنه سبحانه وتعالى إذا كان واحدا لم
~~يتصور تخليص أحد لأحد من عذابه إذا أراد ذلك ولم يجوز جعله من جملة
~~الموحى به على معنى أعلموهم قولي أن الشأن لا إله إلا أنا فاتقون أو
~~خوفوهم بذلك معللا بأنه لو كان ذلك لقيل  إن  بالكسر لا بالفتح.

# وتعقب بمنع اللزوم فإن أن ليست بعد قول صريح أو مقدر وإنما ذكروا ذلك في
~~بيان المعنى لتصويره، واختير أنه إذا كان الإنذار بمعنى التخويف فالظاهر
~~دخول هذا الأمر في المنذر به لأنه هو المنذر به في الحقيقة وهو المقصود
~~بالذكر، وإذا كان بمعنى الإعلام فالمقصود بالإعلام هو الجملة الأولى وهو
~~متفرع عليها على طريق الالتفات، ولا يخلو عن مناقشة فتأمل، والذي يميل
~~إليه القلب أن المجموع داخل في حيز الإنذار وهو مشتمل على التوحيد الذي
~~هو منتهى كمال ms05294 القوة العلمية والأمر بالتقوى التي هي أقصى كمال القوة
~~العملية فإن النفوس البشرية لها نسبة إلى عالم الغيب تستعد بها لقبول
~~الصور والتحلي بالمعارف والإدراكات من ذلك العالم، ونسبة إلى عالم
~~الشهادة تستعد بها لأن تتصرف في أجسام هذا العالم ويسمى استعدادها الحاصل
~~لها باعتبار النسبة الأولى قوة نظرية واستعدادها باعتبار النسبة الثانية
~~قوة عملية، وأشرف كمالات القوة النظرية معرفة أن لا إله إلا الله تعالى،
~~وأشرف كمالات القوة العملية الإتيان بالأعمال الصالحة الواقية عن خزي يوم
~~القيامة./ وقدم قوله تعالى: { لا إله إلا أنا } على قوله
~~سبحانه: { فاتقون } للإشارة إلى أن ما يستند إلى القوة النظرية أعلى
~~كمالا مما يستند إلى القوة العملية، والكمال الإنساني باعتبار هاتين
~~القوتين يسمى كمالا نفسانيا، وله كمالات أخر هي كمالاته البدنية وقواه
~~الحيوانية، وقد فصل ذلك في موضعه.

# ثم إنه تعالى شرع في تحرير الدلائل العقلية الدالة على توحيده الذي هو
~~المقصد الأعظم من بعثة الرسل عليهم السلام فقال عز قائلا: { خلق
~~السموات والأرض بالحق... }.

### || [16.3]

# { خلق السموات والأرض بالحق }. وذكر بعض المحققين أنه
~~تعالى شأنه وعظم برهانه قد استوفى أدلة التوحيد واتصاف ذاته الكريمة
~~بصفات الجلال والإكرام على أسلوب بديع جمع فيه بين دلالة المصنوع على
~~الصانع والنعمة على المنعم ونبه على أن كل واحد يكفي صارفا للمشركين عما
~~هم فيه من الشرك وعليه مدار السورة الكريمة كلما بصرهم طائفة من البصائر
~~ضمنها تبكيتهم وكفرانهم نعمتي الرعاية والهداية، وانظر إلى فاتحته ثم إلى
~~خاتمته في قوله سبحانه:

# واصبر

# [النحل:127] إلى آخر السورة بين لك بعض ما ضمن الكتاب الكريم من أسرار
~~البلاغة وأنوار الإعجاز؛ والمراد بالسموات والأرض إما هذه الأجرام
~~والأجسام المعلومة، وإما جهة العلو والسفل أي أوجد ذلك ملتبسا بما يحق
~~له بمقتضى الحكمة فيدل على صانع حي عالم قادر مريد منفرد الألوهية والإ
~~لزم إمكان التمانع المستلزم لإمكان المحال حسبما بين في علم الكلام؛ ولذا
~~عقب هذا بقوله تعالى: { تعلى عما يشركون }. وقرأ الأعمش {
~~فتعالى } بالفاء، و { ما } يحتمل أن ms05295 تكون مصدرية أي تعالى وتقدس بذاته
~~وأفعاله عن إشراكهم، وأن تكون موصولة على معنى تعالى عن شركة ما يشركونه
~~من الباطل الذي لا يبدىء ولا يعيد، واستدل بالآية على أنه تعالى ليس من
~~قبيل الأجرام والأجسام كما يقوله المجسمة، ووجه ذلك أنها تدل على احتياج
~~الأجرام والأجسام إلى خالق سبحانه وتعالى لا يجانسها وإلا لاحتاج إليه
~~فلا يكون خالقا، وبإرادة الجهتين يكون وجه الدلالة من الآية أظهر، وقرأ
~~الكسائي { تشركون } بالتاء.

### || [16.4]

# { خلق الإنسن } أي هذا النوع غير الفرد الأول منه { من
~~نطفة } أصلها الماء الصافي ويعبر بها عن ماء الرجل أي أوجده من جماد
~~لا حس له ولا حراك سيال لا يحفظ شكلا ولا وضعا { فإذا هو } بعد
~~الخلق من ذلك { خصيم } منطيق مجادل عن نفسه مكافح للخصوم، وهو صيغة
~~مبالغة، وقال الواحدي: بمعنى مخاصم، وفعيل بمعنى مفاعل معروف عندهم
~~كالنسيب بمعنى المناسب والخليط بمعنى المخالط والعشير بمعنى المعاشر. {
~~مبين } مظهر للحجة لقن بها؛ وقيل: المعنى أوجده من ذلك فإذا هو خصيم
~~لخالقه سبحانه منكر لعظيم قدرته قائل:

# من يحيي العظام وهي رميم

# [يس: 78] والأول أنسب بمقام الامتنان بإعطاء القدرة على الاستدلال بذلك
~~على قدرته جل جلاله ووحدته، وبين الإمام وجه الاستدلال فقال بعد أن زعم
~~أن الإنسان في الشرف بعد الأفلاك والكواكب وأشار إلى أنه لذلك عقب
~~الاستدلال بخلق تلك بالاستدلال بخلقه: اعلم أن الإنسان مركب من نفس وبدن،
~~وصدر الآية إشارة إلى الاستدلال ببدنه على وجود الصانع الحكيم وعجزها
~~إشارة إلى الاستدلال بأحواله، وتقرير " الأول " أن يقال: إن النطفة إما
~~أن تكون متشابهة الأجزاء أو مختلفتها فإن كان الأول لم يجز أن يكون
~~المقتضى لتولد هذا البدن منها هو الطبيعة الحاصلة في جوهرها لأن تأثير
~~الطبيعة بالذات والإيجاب فمتى عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون
~~عملها الكرية وحيث لم يكن الأمر/ فيما نحن فيه كذلك لظهور أن الأبدان
~~ليست كرية علمنا أن المقتضى لها هو الفاعل الحكيم المختار، وإن كان
~~الثاني قلنا: إنه يجب أن ms05296 ينتهي تحليل تركيبها إلى أجزاء يكون كل واحد
~~منها في نفسه جسما بسيطا وحينئذ لو كان المدبر لها قوة طبيعية لوجب أن
~~يكون كل من تلك البسائط كري الشكل فكان يلزم أن يكون الإنسان على شكل
~~كرات مضمومة بعضها إلى بعض وحيث لم يكن لذلك علمنا أن المقتضي هو الفاعل
~~المختار أيضا جل شأنه وأيضا إلى النطفة رطبة سريعة الاستحالة فلا تحفظ
~~الوضع فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في السفل والجزء الذي هو
~~مادة القلب يمكن حصوله في الفوق فحيث كان الإنسان على هذا الترتيب المعين
~~دائما مع إمكان غيره علما أن حدوثه على ذلك الترتيب ليس إلا بتدبير
~~الفاعل المختار الحكيم ولا يصح أن يقال: إن ذلك من تأثير النجوم والأوضاع
~~الفلكية لأن تأثيراتها متشابهة على أنه قد بين بطلان كونها مؤثرة بغير
~~ذلك في موضعه. وتقرير الثاني أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل
~~فهما وذكاء وفطنة من نفوس سائر الحيوانات فإن فرخ الدجاجة حين خروجه من
~~قشر البيضة يميز بين العدو والصديق فيهرب من الهرة ويلتجىء إلى الأم
~~ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والذي لا يوافقه وأما ولد الإنسان فإنه حين
~~انفصاله من بطن أمه لا يميز بين العدو والصديق ولا بين الضار والنافع ثم
~~إنه بعد كبره يقوى عقله ويعظم فهمه ويصير بحيث يقوى على معرفة الله تعالى
~~وعلى معرفة أصناف المخلوقات العلوية والسفلية والاطلاع على كثير من
~~أحوالها الدقيقة وعلى الخصومات والمباحثات فانتقال نفسه من تلك البلادة
~~المفرطة إلى هذه الكياسة المفرطة لا بد وأن يكون بتدبير إله مختار حكيم
~~ينقلها من نقصانها إلى كمالها ومن جهالتها إلى معرفتها بحسب الحكمة
~~والاختيار، والثاني قيل: أنسب بمقام تعداد هنات الكفرة فانه قد اشتمل من
~~بيان جراءة من كفر على الله تعالى وعدم استحيائه منه سبحانه ووقاحته
~~بتماديه في الكفر.

# وذكر بعضهم أنه يؤيد هذا الوجه قوله تعالى في سورة يس [78] بعد ما ذكر
~~مثله:

# قال من يحى العظم وهى رميم

# [يس: 78] فإنه نص فيما ms05297 ذكر فيكون صدر الآية للاستدلال وعجزها لتقرير
~~الوقاحة، وتعقب بأنه ليس بشيء لأن مدار ما قبلها في تلك السورة على ذكر
~~الحشر والنشر ومكابرتهم فيه بخلاف هذه ولكل مقام مقال، وأما كون الآية
~~مسوقة لتقرير وقاحة الإنسان لانتفاء التنافي بين الاستدلال على الوحدانية
~~والقدرة وتقرير وقاحة المنكرين ولذا جعل التتميم لما قبله

# تعلى عما يشركون

# [النحل: 3] فعدم المنافي لا يقتضي وجود المناسب، وعندي لكل وجهة.

# وفي " الكشف " المعنيان ملائمان للمقام إلا أن في الثاني زيادة ملائمة
~~مع قوله:

# تعلى عما يشركون

# [النحل: 3] ثم إنه أدمج فيه المعنى الأول وروى الواحدي أن أبي بن خلف
~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم وقال: يا محمد أترى ان الله
~~تعالى يحيي هذا بعد ما قد رم فنزلت نظير ما في آخر يس، والمشهور أن
~~تلك هي النازلة في تلك القصة، ثم وجه التعقيب وإذا الفجائية في قوله
~~سبحانه: { فإذا هو } إلى آخره مع أن كونه خصيما مبينا بأي معنى
~~أريد لم يعقب خلقه من نطفة إذ بينهما وسائط أنه بيان لأطواره إلى كمال
~~عقله فالتعقيب باعتبار آخرها فلا وجه لتقدير الوسائط ولا للقول بأنه من
~~باب التعبير عن حال الشيء بما يؤول إليه فافهم.

### || [16.5]

# { والأنعام } وهي الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والضأن والمعز،
~~قال الراغب: ولا يقال أنعام إلا إذا كان فيها إبل، وخصها بعضهم هنا بذلك
~~وليس بشيء، والنصب على المفعولية لفعل مضمر يفسره قوله تعالى: {
~~خلقها } وهو أرجح من الرفع في مثل هذا الموضع لتقدم الفعلية وقرىء به
~~في الشواذ أو على العطف على { الإنسان } [النحل:4] وما/ بعد بيان ما خلق
~~لأجله والذي بعده تفصيل لذلك، وقوله سبحانه: { لكم } إما متعلق -
~~بخلقها - وقوله تعالى: { فيها } خبر مقدم وقوله جل وعلا: { دفء }
~~مبتدأ مؤخر والجملة حال من المفعول أو الجار والمجرور الأول خبر للمبتدأ
~~المذكور والثاني متعلق بما فيه من معنى الاستقرار، وقيل: حال من الضمير
~~المستكن فيه العائد على المبتدأ، وقيل: حال من { دفء } إذ لو تأخر لكان ms05298
~~صفة، وجوز أبو البقاء أن يكون الثاني هو الخبر والأول في موضع الحال من
~~مبتدئه، وتعقبه أبو حيان بأن هذا لا يجوز لأن الحال إذا كان العامل فيها
~~معنى لا يجوز تقديمها على الجملة بأسرها فلا يجوز قائما في الدار زيد
~~فإن تأخرت الحال عن الجملة جازت بلا خلاف وإن توسطت فالأخفش على الجواز
~~والجمهور على المنع، وجوز أبو البقاء أيضا أن يرتفع { دفء } - بلكم - أو
~~- بفيها - والجملة كلها حال من الضمير المنصوب، وتعقبه أبو حيان أيضا
~~بأن ذلك لا يعد من قبيل الجملة بل هو من قبيل المفرد، ونقل أنهم جوزوا أن
~~يكون { لكم } متعلقا - بخلقها - وجملة { فيها دفء } استئناف لذكر منافع
~~الأنعام، واستظهر كون جملة { لكم فيها دفء } مستأنفة، ثم قال: ويؤيد
~~الاسئناف فيها الاستئناف في مقابلتها أعنى قوله تعالى: { ولكم فيها
~~جمال } فقابل سبحانه المنفعة الضرورية بالمنفعة الغير الضرورية، وإلى
~~نحو ذلك ذهب القطب فاختار أن الكلام قد تم عند { خلقها } لهذا العطف
~~وخالفه في ذلك صاحب " الكشف " فقال: إن قوله تعالى: { خلقها لكم } بناء
~~على تفسير الزمخشري له بقوله: ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان
~~طرف من ترشيح المعنى الثاني في قوله سبحانه:

# فإذا هو خصيم مبين

# [النحل: 4] لما في الالتفات المشار إليه من الدلالة عليه، وأما الحصر
~~المشار إليه بقوله: ما خلقها إلا لكم فمن اللام المفيدة للاختصاص سيما
~~وقد نوع الخطاب بما يفيد زيادة التمييز والاختصاص، وهذا أولى من جعل {
~~لكم فيها دفء } مقابل

# لكم فيها جمال

# [النحل: 6] لإفادته المعنى الثاني وأبلغ على أنه يكون { فيها دفء }
~~تفصيلا للأول وكرر { لكم } في الثاني لبعد العهد وزيادة التقريع اه،
~~والحق في دعوى أولوية تعلق { لكم } بما قبله معه كما لا يخفى.

# والدفء اسم لما يدفأ به أي يسخن، وتقول العرب دفىء يومنا فهو دفىء إذا
~~حصلت فيه سخونه ودفىء الرجل دفاء ودفاء بالفتح والكسر ورجل دفآن وامرأة
~~دفأى ويجمع الدفء على إدفاء، والمراد به ما يعم اللباس والبيت الذي يتخذ
~~من أوبارها وأصوافها، ms05299 وفسره ابن عباس فيما أخرجه عنه ابن جرير وغيره
~~بالثياب. وأخرج عبد الرزاق وغيره عنه رضي الله تعالى عنه أيضا أنه نسل
~~كل دابة، ونقله الأموي عن لغة بعض العرب والظاهر هو الأول. وقرأ الزهري
~~وأبو جعفر { دف } بضم الفاء وشدها وتنوينها، ووجه ذلك في " البحر " بأنه
~~نقل الحركة من الهمزة إلى الفاء وحذفت ثم شدد الفاء إجراء للوصول مجرى
~~الوقف إذ يجوز تشديدها في الوقف. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {
~~دف } بنقل الحركة والحذف دون تشديد، وفي " اللوامح ": قرأ الزهري { دف }
~~بضم الفاء من غير همزة وهي محركة بحركتها، ومنهم من يعوض عن هذه الهمزة
~~فيشدد الفاء وهو أحد وجهي حمزة بن حبيب وقفا. واعترض بأن التشديد وقفا
~~لغة مستقلة وإن لم يكن ثمة حذف من الكلمة الموقوف عليها ودفع بأنه إنما
~~يكون ذلك إذا وقف على آخر حرف منها أما إذا وقف على ما قبل الآخر منها
~~كقاض فلا.

# { ومنافع } هي درها وركوبها والحراثة بها والنضح عليها وغير ذلك،
~~وإنما عبر عنها بها ليشمل الكل مع أنه الأنسب بمقام الامتنان بالنعم،
~~وقدم الدفء رعاية لأسلوب الترقي إلى الأعلى { ومنها تأكلون } أي
~~تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم ونحو ذلك - فمن - تبعيضية، والأكل
~~إما على معناه المتبادر وإما بمعنى التناول/ الشامل للشرب فيدخل في العد
~~الألبان، وجوز أن تكون { من } ابتدائية وأن تكون للتبعيض مجازا أو سببية
~~أي تأكلون ما يحصل بسببها فإن الحبوب والثمار المأكولة تكتسب باكتراء
~~الإبل مثلا وأثمان نتاجها وألبانها وجلودها والأول أظهر وأدخل ما يحصل
~~من اكترائها من الإجارة التي يتوصل بها إلى مصالح كثيرة في المنافع،
~~وتغيير النظم الجليل قيل للإيماء إلى أنها لا تبقى عند الأكل كما في
~~السابق واللاحق فإن الدفء والمنافع التي أشرنا إليها والجمال يحصل منها
~~وهي باقية على حالها ولذلك جعلت محال لها بخلاف الأكل، وتقديم الظرف
~~للحصر على معنى أن الأكل منها هو المعتاد المعتمد في المعاش من بين سائر
~~الحيوانات فلا يرد الأكل ms05300 من الدجاج والبط وصيد البر والبحر فإنه من قبيل
~~التفكه، وكذا لا يرد أكل لحم الخيل عند من أباحه لأنه ليس من المعتاد
~~المعتمد أيضا، والحاصل أن الحصر إضافي وبذلك لا يرد أيضا أكل الخبز
~~والبقول ونحوها، ويضم إلى هذا الوجه في التقديم رعاية الفواصل، وجعله
~~لمجرد ذلك كما في " الكشف " قصور، وأبو حيان ينكر كون التقديم مطلقا
~~للحصر فينحصر وجهه هنا حينئذ في الرعاية المذكورة.

### || [16.6]

# { ولكم فيها } مع ما ذكر من المنافع الضرورية { جمال } زينة في
~~أعين الناس وعظمة ووجاهة عندهم، والمشهور إطلاقه على الحسن الكثير، ويكون
~~في الصورة بحسن التركيب وتناسق الأعضاء وتناسبها، وفي الأخلاق باشتمالها
~~على الصفات المحمودة وفي الأفعال بكونها ملائمة للمصلحة من درء المضرة
~~وجلب المنفعة وهو في الأصل مصدر  جمل  بضم الميم ويقال للرجل جميل
~~وجمال وجمال على التكثير وللمرأة جميلة وجملاء عند الكسائي وأنشد:

# فهي جملاء كبدر طالع

# بذت الخلق جميعا بالجمال

# ورأى بعضهم إطلاقه على التجمل فظن أنه مصدر بإسقاط الزوائد.

# { حين تريحون } أي تردونها بالعشى من المرعى إلى مراحها يقال:
~~أراح الماشية إذا ردها إلى المراح وقتئذ { وحين تسرحون }
~~تخرجونها غدوة من حظائرها ومبيتها إلى مسارحها ومراعيها يقال: سرحها
~~يسرحها سرحا وسروحا وسرحت هي يتعدى ولا يتعدى، والفعل الأول وكذا
~~الثاني متعد والمفعول محذوف لرعاية الفواصل، وتعيين الوقتين لأن ما يدور
~~عليه أمر الجمال من تزين الأفنية وتجاوب ثغائها ورغائها إنما هو عند
~~الذهاب والمجيء في ذينك الوقتين، وأما عند كونها في المسارح فتنقطع
~~إضافتها الحسية إلى أربابها، وعند كونها في الحظائر لا يراها راء ولا
~~ينظر إليها ناظر. وتقديم الإراحة على السرح مع أنها متأخرة في الوجود عنه
~~لكونها أظهر منه في استتباع ما ذكر من الجمال وأتم في استجلاب الانس
~~والبهجة إذ فيها حضور بعد غيبة وإقبال بعد إدبار على أحسن ما يكون ملأى
~~البطون حافلة الضروع وقرأ عكرمة والضحاك والجحدري { حينا } فيهما
~~بالتنوين وفك الإضافة على أن كلتا الجملتين صفة لحينا قبلها والعائد
~~محذوف كما في قوله ms05301 تعالى:

# واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس

# [البقرة: 48] أي حينا تريحون فيه وحينا تسرحون فيه، والعامل في { حين
~~} إما المبتدأ لأنه بمعنى التجمل كما قيل وإما خبره لما فيه من معنى
~~الاستقرار. وجوز أن يكون متعلقا بمحذوف وقع صفة لجمال.

### || [16.7]

# { وتحمل أثقالكم } أي أحمالكم الثقيلة جمع ثقل، وقيل:
~~أجسامكم كما قيل في قوله تعالى:

# وأخرجت الأرض أثقالها

# [الزلزلة: 2] حيث فسرت الأثقال فيه بأجسام بني آدم./ { إلى بلد }
~~روي عن ابن عباس أنه اليمن والشام ومصر وكأنه نظر إلى أنها متاجر أهل مكة
~~كما يؤذن به ما في " تفسير الخازن " عنه رضي الله تعالى عنه من أنه قال:
~~يريد من مكة إلى اليمن وإلى الشام، وفي رواية أخرى عنه. وعن الربيع بن
~~أنس وعكرمة أنه مكة وكأنهم نظروا إلى أن أثقالهم وأحمالهم عند القفول من
~~متاجرهم أكثر وحاجتهم إلى الحمولة أمس، والظاهر أنه عام لكل بلد سحيق
~~وإلى ذلك ذهب أبو حيان، وجعل ما ورد من التعيين كالمذكور وكالذي نقله عن
~~بعضهم من أنها مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم محمولا على التمثيل لا
~~على أن المراد ذلك المعين دون غيره.

# { لم تكونوا بلغيه } واصلين إليه بأنفسكم مجردين عن
~~الاقفال فضلا عن أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم لو لم تكن الأنعام ولم
~~تخلق { إلا بشق الأنفس } أي مشقتها وتعبها، وقيل: المعنى لم
~~تكونوا بالغيه بها إلا بما ذكر وحذف بها لأن المسافر لا بد له من
~~الأثقال، والمراد التنبيه على بعد البلد وأنه مع الاستعانة بها بحمل
~~الأثقال لا تصلون إليه إلا بالمشقة، ولا يخفى أن الأول أبلغ وقرأ مجاهد
~~والأعرج وأبو جعفر وعمرو بن معين وابن أرقم { بشق } بفتح الشين وروي
~~ذلك عن نافع وأبي عمرو وكلا ذلك لغة، والمعنى ما تقدم، وقيل: الشق
~~بالفتح المصدر وبالكسر الاسم يعني المشقة وعلى الكسر بهذا المعنى جاء
~~قوله:

# وذي ابل يسعى ويحسبها له

# أخى نصب من شقها ودءوب

# فإنه أراد من مشقتها، وعن الفراء أن المفتوح مصدر من شق الأمر ms05302 عليه شقا
~~وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع والمكسور النصف يقال: أخذت شق
~~الشاة أي نصفها، وجاء

# " اتقوا النار ولو بشق تمرة "

# والمعنى إلا بذهاب نصف الأنفس كأن الأنفس تذوب تعبا ونصبا لما ينالها
~~من المشقة كما يقال لا تقدر على كذا إلا بذهاب جل نفسك أو قطعة من كبدك
~~وهو من المجاز، وجوز بعضهم أن يكون على تقدير مضاف أي إلا بشق قوى
~~الأنفس، والاستثناء مفرغ أي لم تكونوا بالغيه بشيء من الأشياء إلا بشق
~~الأنفس، وجعل أبو البقاء الجار والمجرور في موضع الحال من الضمير المرفوع
~~في { بالغيه } أي مشقوقا عليكم وضمير { تحمل } للأنعام إلا أن الحمل
~~المذكور باعتبار بعض أنواعها وهي الإبل ومثله كثير، ومن هنا يظهر ضعف
~~استدلال بعضهم بهذا الإسناد على أن المراد بالأنعام فيما مر الإبل فقط،
~~وتغيير النظم الكريم السابق الدال على كون الأنعام مدار للنعم إلى
~~الفعلية المفيدة للحدوث قيل لعله للإشعار بأن هذه النعمة ليست في العموم
~~بحسب المنشأ وبحسب المتعلق وفي الشمول للأوقات والاطراد في الأحيان
~~المعهودة بمثابة النعم السالفة فإنها بحسب المنشأ خاصة كما سمعت بالإبل
~~وبحسب المتعلق بالمتقلبين في الأرض للتجارة وغيرها في أحايين غير مطردة،
~~وأما سائر النعم المعدودة فموجودة في جميع الأصناف وعامة لكافة المخاطبين
~~دائما وفي عامة الأوقات اه.

# واحتج كما قال الإمام منكرو كرامات الأولياء بهذه الآية لأنها تدل على
~~أن الإنسان لا يمكنه الانتقال من بلد إلى آخر إلا بشق الأنفس وحمل
~~الأثقال على الجمال. ومثبتو الكرامات يقولون: إن الأولياء قد ينتقلون من
~~بلد إلى آخر بعيد في زمان قليل من غير تعب وتحمل مشقة فكان ذلك على خلاف
~~الآية فيكون باطلا وإذا بطلت في هذه الصورة بطلت في الجميع إذ لا قائل
~~بالفرق. وأجاب بأنا نخصص عموم الآية بالأدلة الدالة على وقوع الكرامات
~~اه، ولعل القائلين بعدم ثبوت طي المسافة للأولياء يستندون إلى هذه الآية
~~لكن هؤلاء لا ينفون الكرامات مطلقا فلا يصح قوله إذ لا قائل بالفرق، ومن
~~أنصف علم ms05303 أن الاستدلال بها على هذا المطلب مما لا يكاد يلتفت إليه بناء
~~على أنها مسوقة للامتنان ويكفي فيه/ وجود هذا في أكثر الأحايين لأكثر
~~الناس فافهم.

# { إن ربكم لرؤوف رحيم } ولذلك أسبغ عليكم النعم الجليلة
~~ويسر لكم الأمور الشاقة العسيرة.

### || [16.8]

# { والخيل } هو كما قال غير واحد اسم جنس للفرس لا واحد له من لفظه
~~كالإبل، وذكر الراغب أنه في الأصل يطلق على الأفراس والفرسان، وهو عطف
~~على

# الأنعام

# [النحل: 5] أي وخلق الخيل { والبغال } جمع بغل معروف {
~~والحمير } جمع حمار كذلك ويجمع في القلة على أحمرة وفي الكثرة على
~~حمر وهو القياس، وقرأ ابن أبي عبلة برفع { الخيل } وما عطف عليه {
~~لتركبوها } تعليل لخلق المذكورات، والكلام في تعليل أفعال الله
~~تعالى مبسوط في الكلام { وزينة } عطف على محل { لتركبوها } فهو
~~مثله مفعول لأجله وتجريده عن اللام دونه لأن الزينة فعل الزاين وهو
~~الخالق تعالى ففاعل الفعلين المعلل والمعلل به واحد بخلاف فاعل الركوب
~~وفاعل المعلل به فشرط النصب الذي اشترطه من اشترطه موجود في المعطوف دون
~~المعطوف عليه قاله غير واحد، وذكر بعض المدققين أن في عدم مجيئها على سنن
~~واحد دلالة على أن المقصود الأصلي الأول فجيء بالحروف الموضوعة لذلك وسيق
~~الخطاب وأعيد الضمير للثلاثة في { لتركبوها } وجيء بالثاني تتميا
~~ودلالة على أنه لما كان من مقاصدهم عد في معرض الامتنان وإلا فليس التزين
~~بالعرض الزائل مما يقصده أهل الله تعالى وهم أهل الخطاب بالقصد الأول
~~واعترض ما تقدم بأنه وإن ثبت اتحاد الفاعل لكن لم تتم به شروط صحة النصب
~~لفقد شرط آخر منها وهو المقارنة في الوجود فإن الخلق متقدم على الزينة.
~~وأجيب بأن ذلك على إرادة إرادة الزينة كما قيل في ضربت زيدا تأديبا إن
~~التأديب بتأويل إرادته، وجوز أبو البقاء كون { زينة } مصدرا لفعل
~~محذوف أي ولتتزينوا بها زينة، وقال ابن عطية إنه مفعول به لفعل محذوف أي
~~وجعلها زينة، وروي قتادة عن ابن عباس أنه قرأ { لتركبوها زينة } بغير
~~واو، قال صاحب " اللوامح ": إن ms05304 { زينة } حينئذ نصب على الحال من
~~الضمير في

# خلقها

# [النحل: 5] أو من الضمير في { لتركبوها } ولم يعين الضمير وعينه ابن
~~عطية فقال هو المنصوب، وقال غير واحد تجوز الحالية من كل من الضميرين أي
~~لتركبوها متزينين أو متزينا بها، وقال الزمخشري بعد حكاية القراءة: أي
~~خلقها زينة لتركبوها، ومراده على ما قيل إن الزينة إما ثاني مفعولي  خلق
~~ على إجرائه مجرى جعل أو هو حال عن المفعولات الثلاثة على الجمع، وجوز
~~كونه مفعولا له { لتركبوها } وهو بمعنى التزين فلا يرد عليه
~~اختلاف فاعل الفعلين؛ قيل: وأما لزوم تخصيص الركوب المطلوب بكونه لأجل
~~الزينة وكون الحكمة في خلقها ذلك وكون ذلك هو المقصود الأصلي لنا فلا ضير
~~فيه لأن التجمل بالملابس والمراكب لا مانع منه شرعا وهو لا ينافي أن
~~يكون لخقلها حكم أهم كالجهاد عليها وسفر الطاعات، وإنما خص لمناسبته
~~لمقام الامتنان مع أن الزينة [الحقيقية] على ما قال الراغب ما لا يشين في
~~الدنيا ولا في الآخرة، وأما ما يزين في حالة دون أخرى فهو من وجه شين اه
~~فتأمل ولا تغفل.

# واستدل بالآية على حرمة أكل لحوم المذكورات لأن السوق في معرض الاستدلال
~~بخلق هذه النعم منة على هذا النوع دلالة على التوحيد وسوء صنيع من
~~يقابلها بالإشراك والحكيم لا يمن بأدنى النعمتين تاركا أعلاهما، كيف وقد
~~ذكر أماما. وروى ابن جرير وغيره القول بكراهة أكل لحوم الخيل لهذه الآية
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وروي عن أبي حنيفة عليه الرحمة أنه
~~قال: رخص بعض العلماء في لحم الخيل فأما أنا فلا يعجبني أكله، وفي رواية
~~أخرى أنه قال أكرهه والأولى تلوح إلى قوله بكراهة التنزيه والثانية تدل
~~على الترحيم بناء على ما روي عن/ أبي يوسف أنه سأله إذا قلت: في شيء
~~أكرهه فما رأيك فيه؟ فقال: التحريم، وكأنه لهذا قال صاحب " الهداية "
~~الأصح أن كراهة أكل لحمها تحريمية عند الإمام، وفي " العمادية " أنه رضي
~~الله تعالى عنه رجع عن القول بالكراهة قبل موته بثلاثة ms05305 أيام وعليه
~~الفتوى، وقال صاحباه والإمام الشافعي رضي الله تعالى عنهم: لا بأس بأكل
~~لحوم الخيل.

# وأجاب بعض الشافعية عن الاستدلال بالآية بمنع كون المذكور أدنى النعمتين
~~بالنسبة إلى الخيل قال: وذلك لأن الآية وردت للامتنان عليهم على نحو ما
~~ألفوه، ولا ينكر ذو أرب أن معظم الغرض من الخيل الركوب والزينة لا الأكل
~~بخلاف النعم، وذكر أغلب المنفعتين وترك أدناهما ليس بدعا بل هو دأب
~~اختصارات القرآن، وذكره في الأول أن لم يصر حجة لنا في الاكتفاء مع
~~التنبيه على أنه نزر في المقابل فلا يصير حجة علينا، فظهر أنه لا استدلال
~~لا من عبارة الآية ولا من إشارتها. واستدلوا على الحل بما صح من حديث
~~جابر أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية والبغال وأذن
~~عليه الصلاة والسلام في لحم الخيل يوم خيبر، وفيه دليل عندهم على أن
~~الآية لا تدل على التحريم لإفادته أن تحريم لحوم الحمر الأهلية إنما وقع
~~عام خيبر كما هو الثابت عند أكثر المحدثين وهذه السورة مكية فلو علم
~~التحريم مما فيها كان ثابتا قبله، وبحث فيه بأن السورة وإن كانت مكية
~~يجوز كون هذه الآية مدنية، وفيه أن مثل ذلك يحتاج إلى الرواية ومجرد
~~الجواز لا يكفي، وعورض حديث جابر بما أخرجه أبو عبيد وأبو داود والنسائي
~~وابن المنذر عن خالد بن الوليد قال:

# " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وعن
~~لحوم الخيل والبغال والحمير "

# والترجيح كما قال في " الهداية " للمحرم، لكن أنت تعلم أن هذا الخبر
~~يوهي أمر الاستدلال بالآية لما أن خالدا قد أسلم بالمدينة والآية مكية
~~فلو كان التحريم معلوما منها لما كان للنهي الذي سمعه كثير فائدة،
~~والجملة الاستدلال بالآية على حرمة لحوم الخيل لا يسلم من العثار فلا بد
~~من الرجوع في ذلك إلى الأخبار. والحكم عند تعارضها لا يخفى على ذوي
~~الاستبصار، والذي أميل إليه الحل والله تعالى أعلم.

# { ويخلق ما لا تعلمون } أي ويخلق ms05306 غير ذلك الذي فصله سبحانه
~~لكم، والتعبير عنه بما ذكر لأن مجموعه غير معلوم ولا يكاد يكون معلوما
~~فالكلام إجمالا لما عدا الحيوانات المحتاج غالبا احتياجا ضروريا أو
~~غير ضروري، والعدول إلى صيغة الاستقبال للدلالة على الاستمرار والتجدد أو
~~لاستحضار الصورة، ويجوز أن يكون إخبارا منه تعالى بأن له سبحانه ما لا
~~علم لنا به من الخلائق فما لا تعلمون على ظاهره، فقد أخرج ابن مردويه عن
~~ابن عباس قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن مما خلق الله تعالى لأرضا لؤلؤة
~~بيضاء مسيرة ألف عام عليها جبل من ياقوتة حمراء محدق بها في تلك الأرض
~~ملك قد ملأ شرقها وغربها له ستمائة رأس في كل رأس ستمائة وجه في كل وجه
~~ستمائة ألف وستون ألف فم في كل فم ستون ألف لسان يثني على الله تعالى
~~ويقدسه ويهلله ويكبره بكل لسان ستمائة ألف وستين ألف مرة فإذا كان يوم
~~القيامة نظر إلى عظمة الله تعالى فيقول: وعزتك ما عبدتك حق عبادتك "

# فذلك قوله تعالى: { ويخلق ما لا تعلمون } وفي رواية أخرى
~~عنه أن عن يمين العرش نهرا من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع
~~والبحار السبع يدخل فيه جبريل عليه السلام كل سحر فيغتسل فيزداد جمالا
~~إلى جماله وعظما إلى عظمه ثم ينتفض فيخلق الله تعالى من كل قطرة تقع من
~~ريشه كذا وكذا ألف ملك فيدخل منهم كل يوم سبعون/ ألف ملك البيت المعمور
~~وسبعون ألف ملك الكعبة لا يعودون إلى يوم القيامة. وروي هذا أيضا عن
~~الضحاك ومقاتل وعطاء.

# ومما لا نعلمه أرض السمسمة التي ذكر عنها الشيخ الأكبر قدس سره ما ذكر،
~~وجابرصا وجابلقا حسبما ذكر غير واحد، وان زعمت ذلك من الخرافات كالذي
~~ذكره عصرينا - رئيس الطائفة الذين سموا أنفسهم بالكشفية ودعاهم أعداؤهم
~~من الإمامية بالكفشية في غالب كتبه مما تضحك منه لعمر أبيك الثكلى ويتمنى
~~العالم عند سماعه لمزيد حيائه من الجهلة نزوله إلى الأرض السفلى فاقنع
~~بما جاء في الآثار، ولا ms05307 يثنينك عنه شبه الفلاسفة إذا صح سنده فإنها كسراب
~~بقيعة، والذي أظنه أنه ليس أحد من الكفار فضلا عن المؤمنين يشك في أن
~~لله تعالى خلقا لا نعلمهم ليحتاج إلى إيراد الشواهد على ذلك، ويجوز أن
~~يكون المراد بهذا الخلق الخلق في الجنة أي ويخلق في الجنة غير ما ذكر من
~~النعم الدنيوية ما لا تعلمون أي ما ليس من شأنكم أن تعلموه، وهو ما أشير
~~إليه بقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى:

# " «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب
~~بشر» ".

### || [16.9]

# { وعلى الله قصد السبيل } القصد مصدر بمعنى الفاعل، يقال:
~~سبيل قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك ولا يعدل
~~عنه، فهو نحو نهر جار وطريق سائر و { على } للوجوب مجازا والكلام على
~~حذف مضاف أي متحتم عليه تعالى متعين كالأمر الواجب لسبق الوعد بيان،
~~وقيل: هداية الطريق المستقيم الموصل لمن سلكه إلى الحق الذي هو التوحيد
~~بنصب الأدلة وإرسال الرسل عليهم السلام وإنزال الكتب لدعوة الناس إليه،
~~أو هو مصدر بمعنى الإقامة والتعديل و { على } على حالها المار إلا أنه
~~لا حاجة إلى تقدير المضاف أي عليه سبحانه تقويم السبيل وتعديلها أي جعلها
~~بحيث يصل سالكها إلى الحق على حد صغر البعوضة وكبر الفيل وحقيقته راجعة
~~إلى ما ذكر من نصب الأدلة وإرسال الرسل عليهم السلام وإنزال الكتب. وجوز
~~أن يكون القصد بمعنى القاصد أي المستقيم كما في التفسير الأول و { على
~~} ليست للوجوب واللزوم والمعنى أن قصد للسبيل ومستقيمه موصل إليه تعالى
~~ومار عليه سبحانه، وفيه تشبيه ما يدل على الله عز وجل بطريق مستقيم شأنه
~~ذلك، وقد ذكر نحو هذا ابن عطية وهو كما ترى، وأل في السبيل للجنس عند
~~كثير فهو شامل للمستقيم وغير، وإضافة القصد بمعنى المستقيم إليه من إضافة
~~العام إلى الخاص، وإضافة الصفة إلى الموصوف خلاف الظاهر على ما قيل؛
~~وقيل: أل للعهد. والمراد سبيل الشرع.

# وقوله تعالى: { ومنها ms05308 جائر } أي عادل عن المحجة منحرف عن الحق لا
~~يوصل سالكه إليه ظاهر في إرادة الجنس إذ البعضية إنما تتأتى على ذلك، فإن
~~الجائر على إرادة العهد ليس من ذلك بل قسيمه، ومن اراده أعاد الضمير على
~~المطلق الذي في ضمن ذلك المقيد أو على المذكور بتقدير مضاف أي ومن جنسها
~~جائر، وقال ابن عطية: يحتمل أن يعود على سبيل الشرع، والمراد بهذا البعض
~~فرق الضلالة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو جائر عن قصد السبيل؛
~~وزعم بعضهم أن الضمير يعود على الخلائق أي ومن الخلائق جائر عن الحق،
~~وأيد بقراءة عيسى، ورويت عن ابن مسعود { ومنكم } وأخرجها ابن الأنباري في
~~" المصاحف " عن علي كرم الله تعالى وجهه لكن بالفاء بدل الواو وليس بذاك،
~~والتأنيث لأن السبيل تؤنث وتذكر، والجار والمجرور قيل خبر مقدم و {
~~جائر } مبتدأ مؤخر، وقيل: هو في محل رفع بالابتداء إما باعتبار مضمونه
~~وإما بتقدير الموصوف أي بعض السبيل/ أو بعض من السبيل جائر.

# والجملة على ما اختاره بعض المحققين اعتراضية جيء بها لبيان الحاجة إلى
~~البيان أو التعديل بنصب الأدلة والإرسال والإنزال الأمور المذكورة سابقا
~~وإظهار جلالة قدر النعمة في ذلك، وذلك هو الهداية المفسرة بالدلالة على
~~ما يوصل إلى المطلوب لا الهداية المستلزمة للاهتداء إليه فإن ذلك ليس على
~~الله سبحانه اصلا بل هو مخل بحكمته كما يشير إليه قول تعالى: { ولو
~~شآء لهداكم أجمعين } فإن معناه ولو شاء هدايتكم إلى ما ذكر من
~~التوحيد هداية مستلزمة للاهتداء إليه لفعل ولكن لم يشأ لأن مشيئته تابعة
~~للحكمة ولا حكمة في تلك المشيئة لما أن الذي يدور عليه فلك التكليف إنما
~~هو الاختيار الذي عليه ترتب الأعمال التي بها يرتبط الجزاء، وقيد {
~~أجمعين } للمنفى لا للنفي فيكون المراد سلب العموم لا عموم السلب؛
~~وذكر بعضهم أنه كان الظاهر أن يقال: وعلى الله قصد السبيل وجائرها أو
~~وعليه جائرها إلا أنه عدل عنه إلى ما في النظم الكريم لأن الضلال لا يضاف
~~إليه تعالى ms05309 تأدبا فهو كقوله تعالى:

# الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم

# [الفاتحة: 7].

# وزعم الزمخشري أن المخالفة بين أسلوبي الجملتين للإيذان بما يجوز
~~إضافته من السبيلين إليه تعالى وما لا يجوز وعنى الإشارة إلى ما ذهب إليه
~~إخوانه المعتزلة من عدم جواز إضافة الضلال إليه سبحانه لأنه غير خالقه
~~وجعلوا الآية للمخالفة حجة لهم في هذه المخالفة. وأجاب بعض الجماعة بأن
~~المراد على الله تعالى بحسب الفضل والكرم بيان الدين الحق والمذهب الصحيح
~~فأما بيان كيفية الإغواء والإضلال فليس عليه سبحانه، وبحث فيه بأنه كما
~~أن بيان الهداية وطريقها متحتم فكذا ضده وليس إرسال الرسل عليهم السلام
~~وإنزال الكتب إلا لذلك.

# وقال ابن المنير: ((إن المخالفة بين الأسلوبين لأن سياق الكلام لإقامة
~~الحجة على الخلق بأنه تعالى بين السبيل القاصد والجائر وهدى قوما
~~اختاروا الهدى وأضل آخرين اختاروا الضلالة، وقد حقق أن كل فعل صدر على يد
~~العبد فله اعتباران هو من حيث كونه موجودا مخلوق لله تعالى ومضاف إليه
~~سبحانه بهذا الاعتبار، وهو من حيث كونه مقترنا باختيار العبد له وتيسره
~~عليه يضاف إلى العبد وأن تعدد هذين الاعتبارين ثابت في كل فعل فناسب
~~إقامة الحجة على العباد إضافة الهداية إلى الله تعالى باعتبار خلقه لها
~~وإضافة الضلال إلى العبد باعتبار اختياره له. والحاصل أنه ذكر في كل واحد
~~من الفعلين نسبة غير النسبة المذكورة في الآخر ليناسب ذلك إقامة الحجة
~~ألا لله الحجة البالغة)).

# وأنكر بعض المحققين أن يكون هناك تغيير الأسلوب لأمر مطلوب بناء على أن
~~ذلك إنما يكون فيها اقتضى الظاهر سبكا معينا ولكن يعدل عن ذلك لنكتة
~~أهم منه، وليس المراد من بيان قصد السبيل مجرد إعلام أنه مستقيم حتى يصح
~~إسناد أنه جائر إليه تعالى فيحتاج إلى الاعتذار عن عدم ذلك على أنه لو
~~أريد ذلك لم يوجد لتغيير الأسلوب نكتة، وقد بين ذلك في مواضع غير معدودة
~~بل المراد نصب الأدلة للهداية إليه ولا إمكان لإسناد مثله إليه تعالى
~~بالنسبة إلى الطريق الجائر بأن يقال: ms05310 وجائرها حتى يصرف ذلك الإسناد منه
~~تعالى إلى غيره سبحانه لنكتة ولا يتوهمه متوهم حتى يقتضي الحال دفع ذلك
~~بأن يقال لا جائرها ثم يغير سبك النظم عنه لداعية أقوى منه، وذكر أن
~~الجلمة اعتراضية حسبما نقلناه سابقا، وهو كلام يلوح عليه مخايل التحقيق،
~~بيد أن لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يراد ببيان السبيل المستقيم وببيان
~~السبيل الجائر نصب الأدلة الدالة على حقية الأول ليهدي إليه وبطلان
~~الثاني ليحذر ولا يعول عليه وهذا غير مجرد الإعلام الذي ذكره؛ ونسبته
~~إليه تعالى ممكنة بل قال بعضهم: إن الحق أن المعنى على الله تعالى بيان
~~طريق الهداية ليهتدوا إليه وبيان غيرها ليحذروه لكن اكتفى بأحدهما للزوم
~~الآخر له.

# / وفي «الكشف» أن تغاير الأسلوبين على أصل أهل السنة واضح أيضا إذ لا
~~منكر أن الأول هو المقصود لذاته فبيان طريق الضلالة إجمالا قدر ما يمتاز
~~قصد السبيل منه في ضمن بيان قصد السبيل ضرورة وبيانه التفصيلي ليس مما لا
~~بد من وقوعه ولا أن الوعد جرى به على مذهب اه فليتأمل، ثم إن الآية
~~منادية على خلاف ما زعمه المعتزلة ومنهم الزجاج من عدم استلزام تعلق
~~مشيئته تعالى بشيء وجوده وقد التجأوا إلى التزام تفسيرها بالقسرية، وقال
~~أبو علي منهم: المعنى لو شاء لهداكم إلى الثواب أو إلى الجنة بغير
~~استحقاق وكل ذلك خلاف الظاهر كما لا يخفى.

### || [16.10]

# { هو الذى أنزل من السماء مآء } شروع في نوع آخر من
~~النعم الدالة على توحيده سبحانه، والمراد من الماء نوع منه وهو المطر ومن
~~السماء إما السحاب على سبيل الاستعارة أو المجاز المرسل، وإما الجرم
~~المعروف والكلام على حذف مضاف أي من جانب السماء أو جهتها وحملها على ذلك
~~بدون هذا يقتضيه ظاهر بعض الأخبار ولا أقول به، و { من } على كل تقدير
~~ابتدائية وهو متعلق بما عنده، وتأخير المفعول الصريح عنه ليظمأ الذهن
~~إليه فيتمكن أتم تمكن عند وروده عليه، وقوله تعالى: { لكم } يحتمل أن
~~يكون خبرا مقدما، وقوله سبحانه: { منه ms05311 } في موضع الحال من قوله عز
~~وجل: { شراب } أي ما تشربون وهو مبتدأ مؤخر أو هو فاعل بالظرف الأول
~~والجملة صفة لماء و { من } تبعيضية وليس في تقديمها إيهام حصر، ومن
~~توهمه قال: لا بأس به لأن جميع المياه العذبة المشروبة بحسب الأصل منه
~~كما ينبىء عنه قوله تعالى:

# فسلكه ينابيع فى الأرض

# [الزمر: 21] وقوله سبحانه:

# فأسكناه فى الأرض

# [المؤمنون: 18] ويحتمل أن يكون متعلقا بما عنده { ومنه شراب }
~~مبتدأ وخبر أو شراب فاعل بالظرف والجملة ومن كما تقدم. وتعقب بأن توسيط
~~المنصوب بين المجرورين وتوسيط الثاني منهما بين الماء وصفته مما لا يليق
~~بجزالة النظم الجليل وهو كذلك { ومنه شجر } أي نبات مطلقا سواء
~~كان له ساق أم لا كما نقل عن الزجاج وهو حقيقة في الأول، ومن استعماله في
~~الثاني قول الراجز:

# نعلفها اللحم إذا عز الشجر

# والخيل في إطعامها اللحم ضرر

# فإنه قيل: الشجر فيه بمعنى الكلأ لأنه الذي يعلف، وكذا فسره في "
~~النهاية " بذلك في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت "

# ولعل ذلك لأنه جاء في الحديث النهي عن منع فضل الماء كمنع فضل الكلأ
~~وتشارك الناس في الماء والكلأ والنار، وأبقاه بعضهم على حقيقته ولم يجعله
~~مجازا شاملا، و { من } إما للتبعيض مجازا لأن الشجر لما كان حاصلا
~~بسقيه جعل كأنه منه كقوله:

# أسنمة الابال في ربابه

# يعني به المطر الذي ينبت به ما تأكله الإبل فتسمن أسنمتها، وإما
~~للابتداء أي وكائن منه شجر، والأول أولى بالنسبة إلى ما قبله. وقال أبو
~~البقاء: هي سببية أي وبسببه إنبات شجر، ودل على ذلك

# ينبت لكم به الزرع

# [النحل: 11] وجوز ابن الأنباري الوجهين الأولين على ما يقتضيه ظاهر
~~قوله: الكلام على تقدير مضاف إما قبل الضمير أي من جهته أو من سقيه شجر/
~~وأما قبل شجر أي ومنه شراب شجر كقوله تعالى:

# وأشربوا فى قلوبهم العجل

# [البقرة: 93] أي حبه اه وهو بعيد وإن قيل: الإضمار أولى من المجاز لا
~~العكس الذي ذهب إليه ms05312 البعض وصحح المساواة لاحتياج كل منهما إلى قرينة. {
~~فيه تسيمون } أي ترعون يقال: أسام الماشية وسومها جعلها ترعى وسامت
~~بنفسها فهي سائمة وسوام رعت حيث شاءت، وأصل ذلك على ما قال الزجاج السومة
~~وهي كالسمة العلامة لأن المواشي تؤثر علامات في الأرض والأماكن التي
~~ترعاها. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { تسيمون } بفتح التاء فإن
~~سمع سام متعديا كان هو وأسام بمعنى وإلا فتأويل ذلك أن الكلام على حذف
~~مضاف أي تسيم مواشيكم.

### || [16.11]

# { ينبت } أي الله عز وجل يقال نبت الشيء وأنبته الله تعالى فهو منبوت
~~وقياس هذا منبت، وقيل: يقال أنبت الشجر لازما وأنشد الفراء:

# رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم

# قطينا بها حتى إذا أنبت البقل

# أي نبت، وكان الأصمعي ينكر مجىء أنبت بمعنى نبت. وقرأ أبو بكر { ننبت }
~~بنون العظمة، والزهري { ينبت } بالتشديد وهو للتكثير في قول، واستظهر
~~أبو حيان أنه تضعيف التعدية. وقرأ أبي { ينبت } بفتح الياء ورفع
~~المتعاطفات بعد على الفاعلية، وجملة ينبت { لكم به } أي بما أنزل من
~~السماء { الزرع والزيتون والنخيل والأعنب } يحتمل
~~أن تكون صفة أخرى  لماء  وأن تكون مستأنفة استئنافا بيانيا كأنه قيل:
~~وهل له منافع أخر؟ فقيل: ينبت لكم به الخ، وإيثار صيغة الاستقبال للدلالة
~~على التجدد والاستمرار وأن الإنبات سنته سبحانه الجارية على ممر الدهور
~~أو لاستحضار الصورة لما فيها من الغرابة، وتقديم الظرفين على المفعول
~~الصريح لما أشرنا إليه آنفا مع ما في تقديم أولهما من الاهتمام به
~~لإدخال المسرة ابتداء، وتقديم الزرع على ما عداه قيل: لأنه أصل الأغذية
~~وعمود المعاش وقوت أكثر العالم وفيه مناسبة للكلأ المرعي، ثم الزيتون لما
~~فيه من الشرف من حيث أنه إدام من وجه وفاكهة من وجه، وقد ذكر الأطباء له
~~منافع جمة، وذكر غير يسير منها في " التذكرة " ، والظاهر من كلام
~~اللغويين أنه اسم جنس جمعي واحده زيتونة وأنه يطلق على الشجر المخصوص
~~وعلى ثمرته. واستظهر أن المراد به هنا الأول وسيأتي قريبا إن شاء الله
~~تعالى تمام ms05313 الكلام في ذلك، وأكثر ما ينبت في المواضع التي زاد عرضها على
~~الميل واشتد بردها وكانت جبلية ذات تربة بيضاء أو حمراء، ثم النخيل على
~~الأعناب لظهور دوامها بالنسبة إليها فإن الواحدة منها كثيرا ما تتجاوز
~~مائة سنة وشجرة العنب ليست كذلك، نعم الزيتون أكثر دواما منهما فإن
~~الشجرة منه قد تدوم ألف سنة مع أن ثمرتها كثيرا ما يقتات بها حتى جاء في
~~الخبر «ما جاع بيت وفيه تمر» وأكثر ما تنبت في البلاد الحارة اليابسة
~~التي يغلب عليها الرمل كالمدينة المشرفة والعراق وأطراف مصر، وهي على ما
~~قال الراغب جمع نخل وهو يطلق على الواحد والجمع ويقال للواحدة نخلة، وأما
~~الأعناب فجمع عنبة بكسر العين وفتح النون والباء وقد جاءت ألفاظ مفردة
~~على هذا الوزن غير قليلة.

# وقد ذكر في «القاموس» عدة منها، ونسب الجوهري إلى قلة الاطلاع في قوله:
~~إن هذا البناء في الواحد نادر وجاء منه العنبة والتولة والحبرة والطيبة
~~والخيرة ولا أعرف غير ذلك، وذكر الجوهري أنه إن أردت جمعه في أدنى العدد
~~جمعته بالتاء وقلت عنبات وفي الكثير عنب وأعناب اه، ولينظر هذا مع عدهم
~~أفعالا من جموع القلة، ويطلق العنب كما قال الراغب على ثمرة الكرم وعلى
~~الكرم نفسه، والظاهر أن المراد هو الثاني.

# / وذكر أبو حيان في وجه تأخير الأعناب أن ثمرتها فاكهة محضة، وفيه إنه
~~إن أراد بثمرتها العنب ما دام طريا قبل أن يتزبب فيمكن أن يسلم وإن أراد
~~به المتزبب فغير مسلم، وفي كلام كثير من الفقهاء في بحث زكاة الفطر أن في
~~الزبيب اقتياتا بل ظاهر كلامهم أنه في ذلك بعد التمر وقبل الأرز،
~~والباحث في هذا لا ينفي الاقتيات كما لا يخفى على الواقف على البحث، وفي
~~جمع النخيل والأعناب إشارة إلى أن ثمارها مختلفة الأصناف ففي " التذكرة
~~" عند ذكر التمر أنه مختلف كثير الأنواع كالعنب حتى سمعت أنه يزيد على
~~خمسين صنفا، وعند ذكر العنب أنه يختلف بحسب الكبر والاستطالة وغلظ القشر
~~وعدم العجم وكثرة الشحم ms05314 واللون والطعم وغير ذلك إلى أنواع كثيرة كالتمر
~~اه، وأنا قد سمعت من والدي عليه الرحمة أنه سمع في مصر حين جاءها بعد
~~عوده من الحج لزيارة أخيه المهاجر إليها لطلب العلم أن في نواحيها من
~~أصناف التمر ما يقرب من ثلثمائة صنف والعهدة على من سمع منه هذا،
~~وللعلامة أبي السعود هنا ما يشعر ظاهره بالغفلة وسبحان من لا يغفل.

# وكان الظاهر تقديم غذاء الإنسان لشرفه على غذاء ما يسام لكن قدم ذاك 
~~على ما قال الإمام  للتنبيه على مكارم الأخلاق وأن يكون اهتمام الإنسان
~~بمن تحت يده أقوى من اهتمامه بنفسه، والعكس في قوله تعالى:

# كلوا وارعوا أنعمكم

# [طه: 54] للإيذان بأن ذلك ليس بلازم وإن كان من الأخلاق الحميدة، وهو
~~على طبق ما ورد في الخبر

# " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول "

# وقيل: لأن ذلك مما لا دخل للخلائق فيه ببذر وغرس فالامتنان به أقوى،
~~وقيل: لأن أكثر المخاطبين من أصحاب المواشي وليس لهم زرع ولا شيء مما
~~ذكر، وقال شهاب الدين في وجه ذلك: ولك أن تقول لما سبق ذكر الحيوانات
~~المأكولة والمركوبة ناسب تعقيبها بذكر مشربها ومأكلها لأنه أقوى في
~~الامتنان بها إذ خلقها ومعاشها لأجلهم فإن من وهب دابة مع علفها كان
~~أحسن، كما قيل: من الظرف هبة الهدية مع الظرف اه ولا يخلو عن حسن.

# والأولى عليه أن يراد من قوله تعالى:

# لكم منه شراب

# [النحل: 10] ما يشرب، وأما ما قيل: إن ما قدم من الغذاء غذاء للإنسان
~~أيضا لكن بواسطة فإنه غذاء لغذائه الحيواني فلا يدفع السؤال لأنه يقال
~~بعد: كان ينبغي تقديم ما كان غذاء له بغير واسطة، لا يقال: هذا السؤال
~~إنما يحسن إذا كان المراد من المتعاطفات المذكورات ثمراتها لا ما يحصل
~~منها الثمرات لأن ذلك ليس غذاء الإنسان لأنا نقول: ليس المقصود من ذكرها
~~إلا الامتنان بثمراتها إلا أنها ذكرت على نمط سابقها المذكور في غذاء
~~الماشية ويرشد إلى أن الامتنان بثمراتها قوله سبحانه: { ومن كل
~~الثمرت } وإرادة الثمرات منها ms05315 من أول الأمر بارتكاب نوع من المجاز
~~في بعضها لهذا إهمال لرعاية غير أمر يحسن له حملها على ما قلنا دون ذلك،
~~منه { ينبت } إذ ظاهره يقتضي التعلق بنفس الشجرة لا بثمرتها فليعمل
~~بما يقتضيه في صدر الكلام وإن اقتضى آخره اعتبار نحو ما قيل في:

# علفتها تبنا وماء باردا

# كذا قيل وفيه تأمل، ومنع بعضهم كون الإنبات مما يقتضي التعلق المذكور
~~فقد قال سبحانه:

# فأنبتنا فيها حبا * وعنبا وقضبا * وزيتونا
~~ونخلا * وحدائق غلبا * وفكهة وأبا

# [عبس: 27-31] وجوز أن لا يكون الملحوظ فيما عد مجرد الغذائية بل ما
~~يعمها وغيرها على معنى ينبت به لنفعكم ما ذكر والنفع يكون بما فيه غذاء
~~وغيره، و { من } للتبعيض والمعنى وينبت لكم بعض كل الثمرات، وإنما قيل
~~ذلك لما في «الكشاف» وغيره من أن كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة وإنما
~~أنبت في الأرض بعض من كل للتذكرة، وقال بعض الأجلة: المراد بعض مما في
~~بقاع الإمكان من ثمر القدرة الذي لم تجنه راحة الوجود، وهو أظهر وأشمل
~~وأنسب بما تقدم لأنه سبحانه كما عقب ذكر الحيوانات المنتفع/ بها على
~~التفصيل بقوله تعالى:

# ويخلق ما لا تعلمون

# [النحل: 8] عقب ذكر الثمرات المنتفع بها بمثله.

# { إن فى ذلك } المذكور من إنزال الماء وإنبات ما فصل { لآية }
~~عظيمة دالة على تفرده تعالى بالإلهية لاشتماله على كمال العلم والقدرة
~~والحكمة { لقوم يتفكرون } فإن من تفكر في أن الحبة والنواة
~~تقع في الأرض وتصل إليها نداوة تنفذ فيها فينشق أسفلها فيخرج منه عروق
~~تنبسط في الأرض وربما انبسطت فيها وإن كانت صلبة وينشق أعلاها وإن كانت
~~منتكسة في الوقوع فيخرج منها ساق فينمو فيخرج منه الأوراق والأزهار
~~والحبوب والثمار المشتملة على أجسام مختلفة الأشكال والألوان والخواص
~~والطبائع وعلى نواة قابلة لتوليد الأمثال على النمط المحرر لا إلى نهاية
~~مع اتحاد الماء والأرض والهواء وغيرها بالنسبة إلى الكل علم أن من هذه
~~آثاره لا يمكن أن يشبهه شيء في شيء من صفات الكمال فضلا عن أن ms05316 يشاركه في
~~أخص صفاته التي هي الألوهية واستحقاق العبادة أخس الأشياء كالجماد تعالى
~~الله عن ذلك علوا كبيرا، ولله تعالى در من قال:

# تأمل في رياض الورد وانظر

# إلى آثار ما صنع المليك

# عيون من لجين شاخصات

# على أهدابها ذهب سبيك

# على قضب الزبر جد شاهدات

# بأن الله ليس له شريك

# وحيث كان الاستدلال بما ذكر لاشتماله على أمر خفي محتاج إلى التفكر
~~والتدبر لمن له نظر سديد ختم الآية بالتفكر.

### || [16.12]

# { وسخر لكم الليل والنهار } يتعاقبان خلفة لمنامكم
~~واستراحتكم وسعيكم في مصالحكم من الإسامة وتعهد حال الزرع ونحو ذلك {
~~والشمس والقمر } يدأبان في سيرهما وإنارتهما أصالة وخلافة
~~وأدائهما ما نيط بهما من تربية الأشجار والزروع وإنضاج الثمرات وتلوينها
~~وغير ذلك من التأثيرات المترتبة عليهما بإذن الله تعالى حسبما يقوله
~~السلف في الأسباب والمسببات، وليس المراد بتسخير ذلك للمخاطبين تمكينهم
~~من التصرف به كيف شاؤا كما في قوله تعالى:

# سبحن الذى سخر لنا هذا

# [الزخرف: 13] ونحوه بل تصريفه سبحانه لذلك حسبما يترتب عليه منافعهم
~~ومصالحهم كأن ذلك تسخير لهم وتصرف من قبلهم حسب إرادتهم قاله بعض
~~المحققين. وقال آخرون: إن أصل التسخير السوق قهرا ولا يصح إرادة ذلك لأن
~~القهر والغلبة مما لا يعقل فيما لا شعور له من الجمادات كالشمس والقمر
~~وعدم تعقله في نحو الليل والنهار أظهر من ذلك فهو هنا مجاز عن الإعداد
~~والتهيئة لما يراد من الانتفاع، وفي ذلك إيماء إلى ما في المسخر من
~~صعوبة المأخذ بالنسبة إلى المخاطبين.

# وذكر الإمام في المراد من التسخير نحو ما ذكر أولا ثم ذكر وجها آخر
~~قال فيه: إنه لا يستقيم إلا على مذهب أصحاب الهيئة وهو أنهم يقولون:
~~الحركة الطبيعية للشمس والقمر هي الحركة من المغرب إلى المشرق فالله
~~تعالى سخر هذه الكواكب بواسطة حركة الفلك الأعظم من المشرق إلى المغرب
~~فكانت هذه الحركة قسرية فلذا ورد فيها لفظ التسخير، وذكر أيضا أن حدوث
~~الليل والنهار ليس إلا بسبب حركة الفلك الأعظم دون حركة الشمس وأما
~~حركتها ms05317 فهي سبب لحدوث السنة ولذا لم يكن ذكر الليل والنهار مغنيا عن ذكر
~~الشمس اه؛ ولا يعترض عليه بأن ما ذكره من قوله: إن حدوث الليل والنهار
~~إلى آخره لا يتأتى في عرض تسعين لأن الليل والنهار لا يحصلان إلا بغروب
~~الشمس وطلوعها وهي هناك لا تغرب ولا تطلع بحركة الفلك الأعظم بل بحركتها
~~الخاصة ولذا كانت/ السنة يوما وليلة لما أن ذلك العرض غير مسكون وكذا ما
~~يقرب منه فلا يدخل في حيز الامتنان. نعم في كلامه عند المتمسكين بأذيال
~~الشريعة غير ذلك فلينظر؛ وفي كون الشمس والقمر مما لا شعور لهما خلاف بين
~~العلماء فذهب البعض إلى أنهما عالمان وهو الذي تقتضيه الظواهر وإليه ذهب
~~الصوفية والفلاسفة، ولم أشعر بوقوع خلاف في أن الليل والنهار مما لا شعور
~~لهما، نعم رأيت في " البهجة القادرية " عن القطب الرباني الشيخ عبد
~~القادر الكيلاني قدس سره العزيز أن الشهر أو الأسبوع يأتيه في صورة شخص
~~فيخبره بما يحدث فيه من الحوادث، ولعل هذا على نحو ظهور القرآن يوم
~~القيامة في صورة الرجل الشاحب وقوله لمن كان يحفظه.

# «أنا الذي أسهرتك في الدياجي وأظمأتك في الهواجر» وظهور الموت في صورة
~~كبش أملح وذبحه بين الجنة والنار يوم القيامة كما جاء في الخبر، وعليك
~~بالإيمان بما جاء عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم وأنت في الإيمان
~~بغيره بالخيار، وإيثار صيغة الماضي قيل للدلالة على أن ذلك التسخير أمر
~~واحد مستمر وإن تجددت آثاره.

# { والنجوم مسخرات بأمره } مبتدأ وخبر أي وسائر النجوم
~~البيبانية وغيرها في حركاتها وأوضاعها المتبدلة وغير المتبدلة وسائر
~~أحوالها مسخرات لما خلقت له بخلقه تعالى وتدبيره الجاري على وفق مشيئته
~~فالأمر واحد الأمور، وجوز أن يكون واحد الأوامر ويراد منه الأمر التكويني
~~عند من لا يقول بإدراك النجوم، والمعنى أنها مسخرة لما خلقت له بقدرته
~~تعالى وإيجاده، قيل: وحيث لم يكن عود منافع النجوم إليهم في الظهور
~~بمثابة ما قبلها من الجديدين والنيرين لم ينسب تسخيرها إليهم بأداة
~~الاختصاص بل ms05318 ذكر على وجه يفيد أنها تحت ملكوته عز وجل من غير دلالة على
~~شيء آخر، ولذلك عدل عن الجملة الفعلية الدالة على الحدوث إلى الاسمية
~~المفيدة للدوام والاستمرار، وقرأ ابن عامر برفع { الشمس والقمر } أيضا
~~فيكون المبتدأ الشمس والبواقي معطوفة عليه و { مسخرات } خبر عن الجميع،
~~ولا يتأتى على هذه القراءة ما في وجه عدم نسبة تسخير ذلك إليهم بأداة
~~الاختصاص كما لا يخفى، واعتبار عدم كون ظهور المنافع بمثابة السابق
~~بالنظر إلى المجموع كما ترى. ومن الناس من قال في ذلك: إن المراد بتسخير
~~الليل والنهار لهم نفعهم بهما من حيث إنهما وقتا سعي في المصالح واستراحة
~~ومن حيث ظهور ما يترتب عليه منافعهم مما نيط به صلاح المكونات التي من
~~جملتها ما فصل وأجمل مثلا كالشمس والقمر فيهما، ويؤل ذلك بالآخرة إلى
~~النفع بذلك وهو معنى تسخيره لهم، فيكون تسخير الليل والنهار لهم متضمنا
~~لتسخير ذلك لهم فحيث أفاده الكلام أولا استغنى عن التصريح به ثانيا
~~وصرح بما هو أعظم شأنا منه وهو أن تلك الأمور لم تزل ولا تزال مقهورة
~~تحت قدرته منقادة لإرادته ومشيئته سواء كنتم أو لم تكونوا فليتدبر، وقرأ
~~الجمهور { والنجوم - و - مسخرات } بالنصب فيهما، وكذا فيما تقدم، وخرج
~~ذلك على أن النجوم مفعول أول لفعل محذوف ينبىء عنه الفعل المذكور و {
~~مسخرت } مفعول ثان له، أي وجعل النجوم مسخرات، وجوز جعل  جعل 
~~بمعنى خلق المتعدي لمفعول واحد  فمسخرات  حال، واستظهر أبو حيان كون {
~~النجوم } معطوفا على ما قبله بلا إضمار و { مسخرت } حينئذ
~~قيل حال من الجميع على أن التسخير مجاز عن النفع أي أنفعكم بها حال كونها
~~مسخرات لما خلقت له مما هو طريق لنفعكم وإلا فالحمل على الظاهر دال على
~~أن التسخير في حال التسخير بأمره ولا كذلك لتأخر الأول، وقيل: لذلك
~~أيضا: إن المراد مستمرة على التسخير بأمره الإيجادي لأن الإحداث لا يدل
~~على الاستمرار، وجوز بعض أجلة المعاصرين أن يكون حالا موكدة بتقدير {
~~بأمره } متعلقا { بسخر } والكلام من باب ms05319 التنازع، وقبوله مفوض
~~إليك، وقيل: هو مصدر/ ميمي كمسرح منصوب على أنه مفعول مطلق  لسخر 
~~المذكور أولا وسخرها مسخرات على منوال ضربته ضربات، وجمع إشارة إلى
~~اختلاف الأنواع، وفي إفادة تسخير ما ذكر إيذان بالجواب عما عسى يقال: إن
~~المؤثر في تكوين النبات حركات الكواكب وأوضاعها فإن ذلك إن سلم فلا ريب
~~في أنها ممكنة الذات والصفات واقعة على بعض الوجوه المحتملة فلا بد من
~~موجد ضرورة احتياج الممكن في وجوده إلى مخصص لئلا يلزم من الوقوع على بعض
~~الوجوه مع احتمال غيره ترجيح بلا مرجح مختار لما أن الإيجاب ينافي
~~الترجيح واجب الوجود دفعا للدور أو التسلسل كذا قاله بعض الأجلة،
~~واعترضه المولى العمادي بأنه مبني على حسبان ما ذكر أدلة الصانع تعالى
~~وقدرته واختياره، وليس الأمر كذلك فإنه مما لا ينازع فيه الخصم ولا
~~يتلعثم في قبوله قال تعالى:

# ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر
~~الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون

# [العنكبوت: 61] وقال سبحانه:

# ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به
~~الأرض من بعد موتها ليقولن الله

# [العنكبوت: 63] الآية وإنما ذلك أدلة التوحيد من حيث أن من هذا شأنه لا
~~يتوهم أن يشاركه شيء في شيء فضلا أن يشاركه الجماد في الألوهية اه،
~~وتعقب بأن كون ما ذكر أدلة التوحيد لا يأبى أن يكون فيه إيذان بالجواب
~~عما عسى يقال وأي ضرر في أن يساق شيء لأمر ويؤذن بأمر آخر، ولعمري لا أرى
~~لهذا الاعتراض وجها بعد قول القائل في ذلك إيذان بالجواب عما عسى يقال
~~الخ حيث لم يبت القول وأقحم عسى في البين لكن للقائل كلام يدل دلالة
~~ظاهرة على أنه اعتبر الأدلة المذكورة أدلة على وجود الصانع عز شأنه أيضا
~~وقد سبقه في ذلك الإمام.

# { إن فى ذلك } أي التسخير المتعلق بما ذكر { لآيات } باهرة
~~متكاثرة على ما يقتضيه المقام { لقوم يعقلون } وحيث كانت هذه
~~الآثار العلوية متعددة ودلالة ما فيها من عظيم القدرة والعلم والحكمة على
~~الوحدانية أظهر جمع الآيات وعلقت ms05320 بمجرد العقل من غير تأمل وتفكر كأنها
~~لمزيد ظهورها مدركة ببداهة العقل بخلاف الآثار السفلية في ذلك كذا قالوا،
~~وهو ظاهر على تقدير كون الاستدلال على الوحدانية لا على الوجود أيضا،
~~وأما إذا كان الاستدلال على ذلك ففي دعوى الظهور المذكور بحث لانجرار
~~الكلام على ذلك إلى إبطال التسلسل فكيف تكون الدلالة ظاهرة غير محوجة إلى
~~فكر.

# وأجيب عنه بأن الاستدلال بالدور أو التسلسل إنما هو بعد التفكر في بدء
~~أمرها وما نشأ منه من اختلاف أحوالها فافهم. وجوز أن يكون المراد لقوم
~~يعقلون ذلك والمشار إليه نهاية تعاجيب الدقائق المودعة في العلويات
~~المدلول عليها بالتسخير التي لا يتصدى لمعرفتها إلا المهرة الذين لهم
~~نهاية الإدراك من أساطين علماء الحكمة وحينئذ قطع الآية بقوله تعاجيب
~~الدقائق المودعة في العلويات المدلول عليها بالتسخير التي لا يتصدى
~~لمعرفتها إلا المهرة الذين لهم نهاية الإدراك من أساطين علماء الحكمة
~~وحينئذ قطع الآية بقوله سبحانه هنا: { يعقلون } للإشارة إلى احتياج
~~ذلك إلى التفكر أكثر من غيره والأول أولى كما لا يخفى.

### || [16.13]

# { وما ذرأ } أي خلق ومنه الذرية على قول والعطف عند بعض على

# النجوم

# [النحل: 12] رفعا ونصبا على أنه مفعول  لجعل  و { ما } موصولة أي
~~والذي ذرأه { لكم فى الأرض } من حيوان ونبات، وقيل: من المعادن
~~ولا بأس في التعميم فيما أرى حال كونه { مختلفا ألوانه } أي
~~أصنافه كما قال جمع من المفسرين وهو مجاز معروف في ذلك، قال الراغب:
~~الألوان يعبر بها عن الأجناس والأنواع يقال: فلان أتى بألوان من الحديث
~~والطعام وكان ذلك لما أن اختلافها غالبا يكون باختلاف اللون، وقيل:
~~المراد المعنى الحقيقي أي مختلفا ألوانه/ من البياض والسواد وغيرهما
~~والأول أبلغ أي ذلك مسخر لله تعالى أو لما خلق له من الخواص والأحوال
~~والكيفيات أو جعل ذلك مختلف الألوان والأصناف لتتمتعوا بأي صنف شئتم منه،
~~وذهب بعضهم إلى أن الموصول معطوف على الليل وقيل عليه: إن في ذلك شبه
~~التكرار بناء على أن اللام في { لكم } للنفع وقد فسر ms05321

# سخر لكم

# [النحل: 12] لنفعكم فمآل المعنى نفعكم بما خلق لنفعكم فالأولى جعله في
~~محل نصب بفعل محذوف أي خلق أو أنبت كما قاله أبو البقاء ويجعل {
~~مختلفا } حالا من مفعوله واعتذر بأن الخلق للإنسان لا يستلزم
~~التسخير لزوما عقليا، فإن الغرض قد يتخلف مع أن الإعادة لطول العهد لا
~~تنكر. ورد بأنه غفلة عن كون المعنى نفعكم وما ذكر علاوة مبني على كون {
~~لكم } متعلقة  بسخر  أيضا وهي عند ذلك الذاهب متعلقة كما هو الظاهر
~~بذرأ وفي «الحواشي الشهابية» أن هذا ليس بشيء لأن التكرار لما ذكر
~~وللتأكيد أمر سهل، وكون المعنى نفعكم لا يأباه مع أن هذه الآية سيقت
~~كالفذلكة لما قبلها ولذا ختمت بالتذكر، وليس لمن يميز بين الشمال واليمين
~~أن يقول: { ما } مبتدأ و { مختلفا } حال من ضميره المحذوف.

# وجملة قوله تعالى: { إن فى ذلك لآية لقوم يذكرون }
~~خبره والرابط اسم الإشارة على حد ما قيل في قوله تعالى:

# ولباس التقوى ذلك خير

# [الأعراف: 26] كأنه قيل، وما ذرأه لكم في الأرض إن فيه لآية، وحاصله إن
~~فيما ذرأ لآية لظهور مخالفة الآية عليه السباق والسياق بل عدم لياقته لأن
~~يكون محملا لكلام الله تعالى الجليل أظهر من أن ينبه عليه، و {
~~ألوانه } ، على ألوان الاحتمالات مرفوع بمختلفا وقدر بعضهم ليصح
~~رفعه به موصوفا وقال: أي صنفا مختلفا ألوانه وهو مما لا حاجة إليه كما
~~يخفى على من له أدنى تدرب في علم النحو، ثم إن المشار إليه ما ذكر من
~~التسخير ونحوه، وقيل: اختلاف الألوان وتنوين آية للتفخيم آية فخيمة بينة
~~الدلالة على أن من هذا شأنه واحد لا ينبغي أن يشبهه شيء في شيء وختم
~~الآية بالتذكر إما لما في «الحواشي الشهابية» من أنها كالفذلكة لما قبلها
~~وإما للإشارة إلى أن الأمر ظاهر جدا غير محتاج إلا إلى تذكر ما عسى يغفل
~~عنه من العلوم الضرورية، وقال بعضهم: يذكرون أن اختلاف طبائع ما ذكر
~~وهيآته وأشكاله مع اتحاد مادته يدل على الفاعل الحكيم المختار، وهو ظاهر ms05322
~~في أن ما ذكر دليل على إثبات وجود الصانع كما أنه دليل على وحدانيته وهو
~~الذي ذهب إليه الإمام واقتدى به غيره، ولم يرتضه شيخ الإسلام بناء على
~~أن الخصم لا ينازع في الوجود وإنما ينازع في الوحدانية فجىء بما هو مسلم
~~عنده من صفات الكمال للاستدلال به على ما يقتضيه ضرورة من وحدانيته تعالى
~~واستحالة أن يشاركه شيء في الألوهية، وقال بعضهم: لا مانع من أن يكون
~~المراد الاستدلال بما ذكر من الآيات على مجموع الوجود والوحدانية والخصم
~~ينكر ذلك وإن لم ينكر الوجود وكان في أخذ الوجود في المطلوب إشارة إلى أن
~~القول به مع زعم الشركة في الألوهية مما لا يعتد به وليس بينه وبين عدم
~~القول به كثير نفع فتدبر ذاك والله تعالى يتولى هداك.

### || [16.14]

# { وهو الذى سخر البحر } شروع في نوع آخر من النعم متعلق
~~بالبحر إثر تفصيل النوع المتعلق بالبر، وجعله بعضهم عديلا لقوله تعالى:

# هو الذى أنزل من السماء مآء لكم

# [النحل: 10] فلذا جاء على أسلوبه جملة اسمية معرفة الجزءين، وما وقع في
~~البين إما مترتب على ذلك الماء المنزل وإما متضمن لمصلحة ما يترتب عليه،
~~والبحر على ما في «البحر» يشمل الملح والعذب، والمعنى جعل لكم ذلك بحيث
~~تتمكنون من الانتفاع به بالركوب والغوص والاصطياد { لتأكلوا منه
~~لحما طريا } وهو السمك، والتعبير عنه باللحم مع كونه حيوانا
~~للإشارة إلى قلة عظامه وضعفها في أغلب ما يصطاد للأكل بالنسبة إلى
~~الأنعام الممتن بالأكل منها فيما سبق، وقيل: للتلويح بانحصار الانتفاع به
~~في الأكل.

# / و { من } متعلق  بتأكلوا  أو حال مما بعده وهي ابتدائية، وجوز أن
~~تكون تبعيضية والكلام على حذف مضاف أي من حيوانه، وحينئذ يجوز أن [يراد]
~~من اللحم الطري لحم السمك كما يجوز أن يراد منه السمك، والطري فعيل من
~~طرو يطرو طراوة مثل سرو يسرو سراوة، وقال الفراء: من طرى يطرى طراء
~~وطراوة كشقى يشقى شقاء وشقاوة، والطراوة ضد اليبوسة، ووصفه بذلك للإشعار
~~بلطافته والتنبيه إلى أنه ينبغي المسارعة ms05323 إلى أكله فإنه لكونه رطبا
~~مستعد للتغير فيسرع إليه الفساد والاستحالة، وقد قال الأطباء: إن تناوله
~~بعد ذهاب طراوته من أضر الأشياء ففيه إدماج لحكم طبي؛ وهذا على ما قيل
~~لا ينافي تقديده وأكله محللا كما توهم، وفي جعل البحر مبتدأ أكله على
~~أحد الاحتمالين إيذان بالمسارعة أيضا. وزعم بعضهم أن في الوصف إيذانا
~~أيضا بكمال قدرته تعالى في خلقه عذبا طريا في ماء مر لا يشرب، وفيه
~~شيء لا يخفى.

# ولا يؤكل عندنا من حيوان البحر إلا السمك، ويؤيده تفسير اللحم به المروي
~~عن قتادة وغيره، وعن مالك وجماعة من أهل العلم إطلاق جميع ما في البحر،
~~واستثنى بعضهم الخنزير والكلب والإنسان، وعن الشافعي أنه أطلق ذلك كله،
~~ويوافقه ما أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال: هو السمك وما في البحر
~~من الدواب. نعم يكره عندنا أكل الطافي منه وهو الذي يموت حتف أنفه في
~~الماء فيطفو على وجه الماء لحديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم

# " ما نضب الماء عنه فكلوا وما لفظه الماء فكلوا وما طفا فلا تأكلوا "

# وهو مذهب جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وميتة البحر في خبر

# " هو الطهور ماؤه الحل ميتته "

# ما لفظه ليكون موته مضافا إليه لا ما مات فيه من غير آفة، وما قطع بعضه
~~فمات يحل أكل ما أبين وما بقي لأن موته بآفة وما أبين من الحي فهو ميت
~~وإن كان ميتا فميتته حلال، ولو وجد في بطن السمكة سمكة أخرى تؤكل لأن
~~ضيق المكان سبب موتها، وكذا إذا قتلها طير الماء وغيره أو ماتت في جب
~~ماء، وكذا إن جمع السمك في حظيرة لا يستطيع الخروج منه وهو يقدر على أخذه
~~بغير صيد فمات فيها، وإن كان لا يؤخذ بغير صيد فلا خير في أكله لأنه لم
~~يظهر لموته سبب، وإذا ماتت السمكة في الشبكة وهي لا تقدر على التخلص منها
~~أو أكلت شيئا ألقاه في الماء لتأكل منه فماتت منه وذلك معلوم فلا ms05324 بأس
~~بأكلها لأن ذلك في معنى ما انحسر عنه الماء، وفي موت الحر والبرد
~~روايتان: إحدهما وهي مروية عن محمد يؤكل لأنه مات بسبب حادث وكان كما لو
~~ألقاه الماء على اليبس، والأخرى ورويت عن الإمام أنه لا يؤكل لأن الحر
~~والبرد صفتان من صفة الزمان وليسا من أسباب الموت في الغالب، ولا بأس
~~بأكل الجريث والمارماهي، واشتهر عن الشيعة حركة أكل الأول فليراجع،
~~واستدل قتادة كما أخرج ابن أبي شيبة عنه بالآية على حنث من حلف لا يأكل
~~لحما فأكل سمكا لما فيها من إطلاق اللحم عليه، وروي ذلك عن مالك أيضا.

# وأجيب بأن مبنى الأيمان على ما يتفاهمه الناس في عرفهم لا على الحقيقة
~~اللغوية ولا على استعمال القرآن، ولذا لما أفتى الثوري بالحنث في المسألة
~~المذكورة للآية وبلغ أبا حنيفة عليه الرحمة قال للسائل: ارجع واسأله عمن
~~حلف لا يجلس على بساط فجلس على الأرض هل يحنث لقوله تعالى:

# جعل لكم الأرض بساطا

# [نوح: 19] فقال له: كأنك السائل أمس؟ فقال: نعم، فقال: لا يحنث في هذا
~~ولا في ذاك ورجع عما أفتى به أولا، والظاهر أن متمسك الإمام قد كان
~~العرف وهو الذي ذهب إليه ابن الهمام لا ما في " الهداية " كما قال/ من أن
~~القياس الحنث، ووجه الاستحسان أن التسمية القرآنية مجازية لأن منشأ اللحم
~~والدم ولا دم في السمك لسكونه الماء مع انتقاضه بالألية فإنها تنعقد من
~~الدم ولا يحنث بأكلها.

# واعترض بأنه يجوز أن يكون في المسألة دليلان ليس بينهما تناف، وما ذكر
~~من النقض مدفوع بأن المذكور كل لحم ينشأ من الدم ولا يلزم عكسه الكلي
~~وتعقب بأن إطلاق اللحم على السمك لغة لا شبهة فيه فينتقض الطرد والعكس
~~فمراد المعترض الرد عليه بزيادة في الإلزام. نعم قد يقال: مراده بالمجاز
~~المذكور أنه مجاز عرفي كالدابة إذا أطلقت على الإنسان فيرجع كلامه إلى ما
~~قاله الإمام وحينئذ لا غبار عليه، وما ذكره بيان لوجه الاستعمال العرفي
~~فلا يرد عليه شيء وهو كما ترى، ms05325 وعلى طرز ما قاله الإمام يقال فيمن حلف لا
~~يركب دابة فركب كافرا أنه لا يحنث مع أن الله سبحانه سمى الكافر دابة في
~~قوله تعالى:

# إن شر الدواب عند الله الذين كفروا

# [الأنفال: 55] وفي «الكشاف» بيانا لعدم إطلاق اللحم على السمك عرفا
~~أنه إذا قال واحد لغلامه اشتر بهذه الدراهم لحما فجاء بالسمك كان حقيقا
~~بالإنكار عليه أي وهو دليل على عدم إطلاق اللحم عليه في العرف فحيث كانت
~~الأيمان مبنية على العرف لم يحنث بأكله. واعترض بأنه لو قال لغلامه: اشتر
~~لحما فاشترى لحم عصفور كان حقيقا بالإنكار مع الحنث بأكله. وتعقب بأن
~~الإنكار إنما جاء من ندرة اشتراء مثله لأنه غير متعارف وفيما نحن فيه
~~اشتراء السمك ولحمه متعارف فليس محل الإنكار إلا عدم إطلاق اللحم عليه.

# { وتستخرجوا منه حلية } كاللؤلؤ والمرجان {
~~تلبسونها } أي تلبسها نساءكم وجهه ذلك بأنه أسند إلى الرجال
~~لاختلاطهم بالنساء وكونهم متبوعين أو لأنهم سبب لتزينهن فإنهن يتزين
~~ليحسن في أعين الرجال فكان ذلك زينتهم ولباسهم. قال ابن المنير: ((ولله
~~تعالى در مالك رضي الله تعالى عنه حيث جعل للزوج الحجر على زوجته فيما له
~~بال من مالها، وذلك مقدر بالزائد على الثلث لحقه فيه بالتجمل، فانظر إلى
~~مكنة حظ الرجال من مال النساء ومن زينتهن حتى جعل كحظ المرأة من مالها
~~وزينتها [حلية له] فعبر عن حظه في لبسها بلبسه كما يعبر عن حظها سواء
~~مؤيدا بالحديث المروي في الباب)) اه. ويفهم منه جواز اعتبار المجاز في
~~الطرف، وصرح بذلك بعضهم وفسر { تلبسون } بتتمتعون وتتلذذون، ويجوز
~~أن يكون المجاز في النقص وما أظهر في التفسير مراد في النظم، وقيل:
~~الكلام على التغليب أو من باب بنو فلان قتلوا زيدا ففيه إسناد ما للبعض
~~إلى الكل. وتعقب بأنه وجه لكلا الوجهين أما الأول: فلعدم التلبس بالمسند
~~وهو اللبس، وأما الثاني: فلأنه لا يتم بدون المجاز في الطرف فلا وجه
~~للعدول عن اعتباره على النحو السابق إلى هذا، وقال بعضهم: لا حاجة إلى كل ms05326
~~ذلك فإنه لا مانع من تزين الرجال باللؤلؤ. وتعقب بأنه بعد تسليم أنه لا
~~مانع منه شرعا مخالف للعادة المستمرة فيأباه لفظ المضارع الدال على
~~خلافه، ولا يصح ما يقال: إن في «البحر» زمرذا بحريا وبفرض الصحة يجيء
~~هذا أيضا، ولعله لما أن النساء مأمورات بالحجاب وإخفاء الزينة عن غير
~~المحارم اخفي التصريح بنسبة اللبس إليهن ليكون اللفظ كالمعنى. واستدل أبو
~~يوسف ومحمد عليهما الرحمة بالآية على أن اللؤلؤ يسمى حليا حتى لو حلف لا
~~يلبس حليا فلبسه حنث. وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يقول: لا يحنث لأن
~~اللؤلؤ وحده لا يسمى حليا في العرف وبائعه لا يقال له الحلي كذا في "
~~أحكام الجصاص ".

# واستدل بعضهم بالآية على أنه لا زكاة في حلي النساء، فأخرج ابن جرير عن
~~أبي جعفر أنه سئل هل في حلي النساء صدقة؟ قال: لا هي كما قال الله تعالى
~~{ حلية تلبسونها } وهو كما ترى.

# ثم إن اللحم الطري يخرج من البحر العذب والبحر/ الملح والحلية إنما تخرج
~~من الملح، وقيل: إن العذب يخرج منه لؤلؤ أيضا إلا أنه لا يلبس إلا
~~قليلا والكثير التداوي به، ولم نر من ذكر ذلك في أكثر الكتب المصنفة
~~لذكر مثل ذلك. وأخرج البزار عن أبي هريرة قال: كلم الله تعالى البحر
~~الغربي وكلم البحر الشرقي فقال للبحر الغربي: إني حامل فيك عبادا من
~~عبادي فما أنت صانع بهم؟ قال: أغرقهم قال: بأسك في نواحيك وحرمه الحلية
~~والصيد وكلم هذا البحر الشرقي فقال: إني حامل فيك عبادا من عبادي فما
~~أنت صانع بهم؟ قال: أحملهم على يدي وأكون لهم كالوالدة لولدها فأثابه
~~سبحانه الحلية والصيد، وأخرج نحو ذلك ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن
~~عمرو بن العاص عن كعب الأحبار، والله تعالى أعلم بصحة ذلك، وظاهر كلام
~~الأكثرين حمل { البحر } في الآية على البحر الملح وهو مملوء من السمك
~~بل قيل إن السمك يطلق على كل ما فيه من الحيوانات ولا يكون اللؤلؤ إلا في
~~مواضع مخصوصة ms05327 منه.

# { وترى الفلك } السفن { مواخر فيه } جواري فيه جمع ماخرة
~~بمعنى جارية، وأصل المخر الشق يقال: مخر الماء الأرض إذا شقها وسميت
~~السفن بذلك لأنها تشق الماء بمقدمها، وقال الفراء: هو صوت جري الفلك
~~بالرياح { ولتبتغوا } عطف على { تستخرجوا } وما عطف عليه
~~وما بينهما اعتراض لتمهيد مبادىء الابتغاء ودفع كونه باستخراج الحلية،
~~وعدل عن نمط الخطاب السابق واللاحق  أعني خطاب الجمع إلى خطاب المفرد 
~~المراد به كل من يصلح للخطاب إيذانا بأن ذاك غير مسوق مساقهما، وأجاز
~~ابن الأنباري أن يكون معطوفا على علة محذوفة أي لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا،
~~وأن يكون متعلقا بفعل محذوف أي فعل ذلك لتبتغوا، وهو تكلف يغني الله
~~تعالى عنه. { من فضله } من سعة رزقه بركوبها للتجارة {
~~ولعلكم تشكرون } تقومون بحق نعم الله تعالى بالطاعة
~~والتوحيد، ولعل تخصيص هذه النعمة بالتعقيب بالشكر لأنها أقوى في باب
~~الإنعام من حيث إنه جعل ركوب البحر مع كونه مظنة الهلاك لأن راكبيه كما
~~قال عمر رضي الله تعالى عنه دود على عود سببا للانتفاع وحصول المعاش وهو
~~من كمال النعمة لقطع المسافة الطويلة في زمن قصير مع عدم الاحتياج إلى
~~الحل والترحال والحركة مع الاستراحة والسكون، وما أحسن ما قيل في ذلك:

# وإنا لفي الدنيا كركب سفينة

# نظن وقوفا والزمان بنا يسري

# وعدم توسيط الفوز بالمطلوب بين الابتغاء والشكر قيل للإيذان باستغنائه
~~عن التصريح به وبحصولهما معا. واستدل بالآية على جواز ركوب البحر
~~للتجارة بلا كراهة وإليه ذهب جماعة، وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان
~~يكره ركوب البحر إلا لثلاث غاز أو حاج أو معتمر.

### || [16.15]

# { وألقى فى الأرض رواسى } أي جبالا ثوابت، وقد مر تمام
~~الكلام في ذلك { أن تميد بكم } أي كراهة أن تميد أو لئلا تميد،
~~والميد اضطراب الشيء العظيم، ووجه كون الإلقاء مانعا عن اضطراب الأرض
~~بأنها كسفينة على وجه الماء والسفينة إذا لم يكن فيها أجرام ثقيلة تضطرب
~~وتميل من جانب إلى جانب بأدنى شيء وإذا وضعت فيها أجرام ثقيلة تستقر فكذا ms05328
~~الأرض لو لم يكن عليها هذه الجبال لاضطربت فالجبال بالنسبة إليها
~~كالأجرام الثقيلة الموضوعة في السفينة بالنسبة إليها.

# وتعقبه الإمام لوجوه. الأول: على مذهب الحكماء القائلين بأن حركة
~~الأجسام أو سكونها لطبائعها أن الأرض أثقل من الماء فيلزم أن تغوص فيه لا
~~أن تطفو أو ترسي بالجبال وهذا بخلاف السفينة فإنها متخذة من الخشب/ وبين
~~أجزائه هواء يمنعه من السكون ويفضي به إلى الميد لولا الثقيل. والثاني:
~~على مذهب أهل الحق القائلين بأنه ليس للأجسام طبائع تقتضي السكون أو
~~الحركة فما سكن ساكن وما تحرك متحرك في بر وبحر إلا بمحض قدرة الله تعالى
~~وحده. والثاني: أن إرساء الأرض بالجبال لئلا تميد وتبقى واقفة على وجه
~~الماء إنما يعقل إذا كان الماء الذي استقرت على وجهه ساكنا وحينئذ يقال:
~~إن قيل إن سبب سكونه في حيزه المخصوص طبيعته المخصوصة فلم لا يقال في
~~سكون الأرض في هذا الحيز أنه بسبب طبيعتها المخصوصة أيضا، وإن قلنا: إنه
~~بمحض قدرته سبحانه فلم لم يقل: إن سكون الأرض أيضا كذلك فلا يعقل
~~الإرساء بالجبال على التقديرين. والثالث: أنه يجوز أن تميد الأرض بكليتها
~~ولا تظهر حركتها ولا يشعر بها أهلها ويكون ذلك نظير حركة السفينة من غير
~~شعور راكبها بها ولا يأبى ذلك الشعور بحركتها عند احتقان البخار فيها لأن
~~ذلك يكون في قطعة صغيرة منها وهو يجري مجرى الاختلاج الذي يحصل في عضو
~~معين من البدن، ثم قال: والذي عندي في هذا الموضع المشكل أن يقال: ثبت
~~بالدلائل اليقينية أن الأرض كرة وثبت أن هذه الجبال على سطح الكرة جارية
~~مجرى خشونات تحصل على وجه هذه الكرة وحينئذ نقول لو فرضنا أن هذه
~~الخشونات ما كانت حاصلة بل كانت ملساء خالية عنها لصارت بحيث تتحرك على
~~الاستدارة كالأفلاك لبساطتها أو تتحرك بأدنى سبب للتحريك فلما خلقت هذه
~~الجبال وكانت كالخشونات على وجهها تفاوتت جوانبها وتوجهت الجبال بثقلها
~~نحو المركز فصارت كالأوتاد لمنعها إياها عن الحركة المستديرة اه؛

# وقد تابع الإمام في هذا ms05329 الحل العلامة البيضاوي، واعترض عليه بأنه لا
~~وجه لما ذكره على مذهب أهل الحق ولا على مذهب الفلاسفة، أما الأول: فلأن
~~ذات شيء لا تقتضي تحركه وإنما ذلك بإرادة الله تعالى، وأما الثاني: فلأن
~~الفلاسفة لم يقولوا: إن حق الأرض أن تتحرك بالاستدارة لأن في الأرض ميلا
~~مستقيما وما هو كذلك لا يكون فيه مبدأ ميل مستدير على ما ذكروا في
~~الطبيعي.

# وأورد أيضا على منع الجبال لها من الحركة أنه قد ثبت في الهندسة أن
~~أعظم جبل في الأرض وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث فرسخ إلى قطر الأرض نسبة
~~خمس سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع ولا ريب في أن ذلك القدر من
~~الشعيره لا يخرج تلك الكرة عن الاستدارة بحيث يمنعها عن الحركة، وكذا حال
~~الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض، ثم قيل: الصحيح أن يقال خلق الله تعالى
~~الأرض مضطربة لحكمة لا يعلمها إلا هو ثم أرساها بالجبال على جريان عادته
~~في جعل الأشياء منوطة بالأسباب، وقال بعض المحققين في الجواب: إن المقصود
~~أن الأرض من حيث كونها كرة حقيقية بسيطة مع قطع النظر عن كونها عنصرا
~~كان حقها أحد الأمرين لأنها من تلك الحيثية إما ذو ميل مستدير كالأفلاك
~~فكان حقها حينئذ أن تتحرك مثلها على الاستدارة وإما ذو ميل مستقيم فحقها
~~السكون لكنها تتحرك بأدنى قاسر، أما السكون فلأن الجسم الحاصل في الحيز
~~الطبيعي لما يتحرك حركة طبيعية آنية لاستلزامها الخروج عن الحيز الطبيعي
~~ولا يتصور من الأرض الحركة الإرادية لكونها عديمة الشعور، وأما التحرك
~~بأدنى قاسر فيحكم به بالضرورة من له تخيل صحيح، واستوضح ذلك من كرة
~~حقيقية على سطح حقيقي فإنها لا تماسه إلا بنقطة فبأدنى شيء ولو نفخة
~~تتدحرج عن مكانها. نعم الواقع في نفس الأمر أحد الأمرين معينا وذكرهما
~~توسيع للدائرة وهو أمر شائع فيما بينهم فيندفع قوله. وأما الثاني: فلأن
~~الفلاسفة الخ، وأما قوله: إنه قد ثبت في الهندسة الخ فجوابه أنهم قد
~~صرحوا في " كتب الهيئة " بأن في كل ms05330 اقليم ثلاثين جبلا بل أكثر فنسبة كل
~~جبل وإن كانت كالنسبة المذكورة لكن يجوز أن يكون مجموعها مانعا عن
~~حركتها كالحبل المؤلف من الشعرات المخالف/ حكمه حكم كل شعرة، على أن تلك
~~النسبة باعتبار الحجم ومنعها عن حركتها باعتبار الثقل وثقل هذه الجبال
~~يكاد أن يقاوم ثقل الأرض لأن الجبال أجسام صلبة حجرية والأرض رخوة
~~متخلخلة كالكرة الخشبية التي ألزقت عليها حبات من حديد، وما يقال: من أن
~~فيه غير ذلك ابتناء على قواعد الفلسفة فلا يطعن فيه لأن ذلك الابتناء غير
~~مضر إن لم يخالف القواعد الشرعية كما فيما نحن فيه، واعترض على ما ادعى
~~المعترض صحته بأنه يرد عليه ما أورده، وظني أنه بعد الوقوف على مراده لا
~~يرد عليه شيء مما ذكر، ونحن قد أسلفنا نحوه واطنبنا الكلام في هذا المقام
~~ومنه يظهر ما هو الأوفق بقواعد الإسلام، ثم ما ذكره المجيب من أن المصرح
~~به في " كتب الهيئة " أن في كل إقليم ثلاثين جبلا بل أكثر خلاف المشهور
~~وهو أن في الإقليم الأول عشرين وفي الثاني سبعة وعشرين وفي الثالث ثلاثة
~~وثلاثين وفي الرابع خمسة وخمسين وفي الخامس ثلاثين وفي كل من السادس
~~والسابع أحد عشر والمجموع مائة وسبعة وثمانون جبلا على أن كلامه لا يخلو
~~عن مناقشة فتدبر.

# ومعنى { ألقى } على ما نقل ابن عطية عن المتأولين خلق وجعل، واختار
~~هو أنه أخص من ذلك وذلك أنه يقتضي أن الله سبحانه أوجد الجبال من محض
~~قدرته واختراعه لا من الأرض ووضعها عليها وأيد بأخبار رووها في هذا
~~المقام وقد تقدم بعضها، ولم يعد بعلى كما في قوله تعالى:

# وألقيت عليك محبة منى

# [طه: 39] للإشارة إلى كمال الجبال ورسوخها وثباتها في الأرض حتى كأنها
~~مسامير في ساجة وانظر هل تعد من الأرض فيحنث من حلف لا يجلس على الأرض
~~إذا جلس عليها أم لا فلا يحنث لم يحضرني من تعرض لذلك، والظاهر الأول لعد
~~العرف إياها منها وإن كان ظاهر هذه الآية كغيرها عدم العد.

# وقوله ms05331 تعالى: { وأنهرا } عطف على { رواسي } والعامل فيه {
~~ألقى } إلا أنه تسلطه عليه باعتبار ما فيه من معنى الجعل والخلق أو
~~تضمينه إياه، وعلى التقديرين لا إضمار وهو الذي اختاره غير واحد، وجوز أن
~~يكون مفعولا به لفعل مضمر وليس إجماعا خلافا لابن عطية، أي وجعل أو
~~خلق أنهارا نظير ما قيل في قوله:

# علفتها تبنا وماء باردا

# وقدر أبو البقاء شق والعطف حينئذ من عطف الجمل وكأنه لما كان أغلب منابع
~~الأنهار من الجبال ذكر الأنهار بعدما ذكر الجبال، وقوله تعالى: {
~~وسبلا } عطف على { أنهارا } أي وجعل طرقا لمقاصدكم {
~~لعلكم تهتدون } لها فالتعليل بالنظر إلى قوله تعالى: {
~~وسبلا } كما هو الظاهر، ويجوز أن يكون تعليلا بالنظر إلى جميع ما
~~تقدم لأن تلك الآثار العظام تدل على بطلان الترك، وقيل: تدل على وجود
~~فاعل حكيم ففي قوله تعالى: { تهتدون } تورية حينئذ.

### || [16.16]

# { وعلامت } معالم يستدل بها السابلة من نحو جبل ومنهل ورائحة
~~تراب، فقد حكي أن من الناس من يشم التراب فيعرف بشمه الطريق وأنها مسلوكة
~~أو غير مسلوكة ولذا سميت المسافة مسافة أخذا لها من السوف بمعنى الشم،
~~وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أنها معالم الطرق بالنهار. وعن الكلبي
~~أنها الجبال. وعن قتادة أنها النجوم، وقال ابن عيسى: المراد منها الأمور
~~التي يعلم بها ما يراد من خط أو لفظ أو إشارة أو هيئة، والظاهر ما ذكر
~~أولا؛ وأغرب ما فسرت به وأبعده أن المراد منها حيتان طوال رقاق كالحيات
~~في ألوانها وحركاتها تكون في بحر الهند الذي يسار إليه من اليمن، سميت
~~بذلك لأنها إذا ظهرت كانت علامة للوصول إلى بلاد الهند وأمارة للنجاة.

# { وبالنجم هم يهتدون } بالليل في البر والبحر، والمراد
~~بالنجم الجنس فيشمل الخنس وغيرها مما يهتدى به، وعن السدي تخصيص ذلك
~~بالثريا والفرقدين وبنات نعش والجدي؛ وعن الفراء/ تخصيصه بالجدي
~~والفرقدين، وعن بعضهم أنه الثريا فإنه علم بالغلبة لها، ففي الحديث " إذا
~~طلع النجم ارتفعت العاهة " ، وقال الشاعر:

# حتى إذا ما استقر النجم في ms05332 غلس

# وغودر البقل ملوى ومحصود

# وعن ابن عباس أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: هو الجدي
~~ولو صح هذا لا يعدل عنه، والجدي هو جدي الفرقد، وهو على ما في " المغرب "
~~بفتح الجيم وسكون الدال والمنجمون يصغرونه فرقا بينه وبين البرج، وقيل:
~~إنه كذلك لغة، واستدل على إرادة ما يعم ذلك بما في «اللوامح» عن الحسن
~~أنه قرأ، { وبالنجم } بضمتين وعن ابن وثاب أنه قرأ بضم فسكون فإن ذلك في
~~القراءتين جمع كسقف وسقف ورهن ورهن والتسكين قيل للتخفيف، وقيل: لغة،
~~والقول بأن ذلك جمع على فعل أولى مما قيل: إن أصله النجوم فحذفت الواو؛
~~وزعم ابن عصفور أن قولهم: النجم من ضرورة الشعر وأنشد:

# إن الذي قضى بذا قاض حكم

# أن يرد الماء إذا غاب النجم

# وهو نظير قوله:

# حتى إذا ابتلت حلاقيم الحلق

# والضمير يحتمل أن يكون عاما لكل سالك في البر والبحر من المخاطبين فيما
~~تقدم، وتغيير التعبير للالتفات، وتقديم الجار والمجرور للفاصلة والضمير
~~المنفصل للتقوي ويحتمل أن يكون الضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار
~~للتجارة مشهورين للاهتداء في مسايرهم بالنجم، وإخراج الكلام عن سنن
~~الخطاب، وتقديم الجار والضمير للتخصيص كأنه قيل: وبالنجم خصوصا هؤلاء
~~خصوصا يهتدون، فالاعتبار بذلك والشكر عليه بالتوحيد ألزم لهم وأوجب
~~عليهم.

# وجعل بعضهم الآية أصلا لمراعاة النجوم لمعرفة الأوقات والقبلة والطرق
~~فلا بأس بتعلم ما يفيد تلك المعرفة، لكن معرفة عين القبلة على التحقيق
~~بالنجوم متعسر بل متعذر كما أفاده العلامة الرباني أبو العباس أحمد بن
~~البناء لأنه إن اعتبر ذلك بما يسامت رؤس أهل مكة من النجوم فليس مسقط
~~العمود منه على بسيط مكة هو العمود الواقع منه على بسيط غيرها من المدن،
~~وإن اعتبر بالجدي فلا يلزم من أن يكون في مكة على الكتف أو على المنكب أن
~~يكون في غيرها كذلك إلا لمن يكون في دائرة السمت المارة برؤوس أهل مكة
~~والبلد الآخر، وذلك مجهول لا يتوصل إليه إلا بمعرفة ما بين الطولين
~~والعرضين وهو ms05333 شيء اختلف في مقداره ولم يتعين الصحيح فيه، وقول من قال: إن
~~ذلك يعرف بجعل المصلي مثلا الشمس بين عينيه إذا استوت في كبد السماء
~~أطول يوم في السنة فمتى فعل ذلك فقد استقبل البيت إن أراد بكبد السماء
~~فيه كبد سماء بلده فليس بصحيح لأن الشمس لا تستوي في كبد السماء في وقت
~~واحد في بلدين متنائيين كثيرا، وإن أراد به كبد سماء مكة فلا يعلم ذلك
~~في بلد آخر إلا بمعرفة ما بين البلدين في الطول، وقد سمعت ما في ذلك من
~~الاختلاف، ويقال نحو هذا فيما يشبه ما ذكر بل قال قدس سره: إن معرفة ذلك
~~على التحقيق بما يذكرونه من الدائرة الهندية ونحوها متعذر أيضا لأن مبنى
~~جميع ذلك على معرفة الأطوال والعروض ودون تحقيق ذلك خرط القتاد، فلا
~~ينبغي أن يكون الواجب على المصلي إلا تحري الجهة ومعرفة الجهة تحصل
~~بالنجوم وكذا بغيرها مما هو مذكور في محله.

### || [16.17]

# { أفمن يخلق } ما ذكر من المخلوقات البديعة أو يخلق كل شيء يريده
~~{ كمن لا يخلق } شيئا ما جليلا أو حقيرا، وهو تبكيت للكفرة
~~وإبطال لإشراكهم وعبادتهم غيره تعالى شأنه من الأصنام بإنكار ما يستلزمه
~~ذلك من المشابهة بينه سبحانه وبينه بعد تعداد ما يقتضي ذلك اقتضاء
~~ظاهرا،/ وتعقيب الهمزة بالفاء لتوجيه الإنكار إلى ترتب توهم المشابهة
~~المذكورة على ما فعل سبحانه من الأمور العظيمة الظاهرة الاختصاص به تعالى
~~شأنه المعلومة كذلك فيما بينهم حسبما يؤذن به غير آية؛ والاقتصار على ذكر
~~الخلق من بين ما تقدم لكونه أعظمه وأظهره واستتباعه إياه أو لكون كل من
~~ذلك خلقا مخصوصا أي أبعد ظهور اختصاصه سبحانه بمبدئية هذه الشؤون
~~الواضحة الدالة على وحدانيته تعالى وتفرد بالألوهية واستحقاق العبادة
~~يتصور المشابهة بينه وبين ما هو بمعزل عن ذلك بالمرة كما هو قضية
~~إشراككم، وكان حق الكلام بحسب الظاهر في بادىء النظر أفمن لا يخلق كمن
~~يخلق، لكن قيل: حيث كان التشبيه نسبة تقوم بالمنتسبين اختير ما عليه
~~النظم الكريم مراعاة ms05334 لحق سبق الملكة على العدم وتفاديا عن توسيط عدمها
~~بينها وبين جزئياتها المفصلة قبلها وتنبيها على كمال قبح ما فعلوه من
~~حيث إن ذلك ليس مجرد رفع أصنامهم عن محلها بل هو حط لمنزلة الربوبية إلى
~~مرتبة الجماد ولا ريب أنه أقبح من الأول، والمراد بمن لا يخلق كل ما هذا
~~شأنه من ذوي العلم كالملائكة وعيسى عليهم السلام وغيرهم كالأصنام، وأتى
~~(بمن) تغليبا لذوي العلم على غيرهم مع ما فيه من المشاكلة أو ذوو
~~العلم خاصة ويعرف منه حال غيرهم بدلالة النص، فإن من يخلق حيث لم يكن كمن
~~لا يخلق وهو من جملة ذوي العلم فما ظنك بالجماد، وقيل: المراد به الأصنام
~~خاصة، والتعبير بمن إما للمشاكلة أو بناء على ما عند عبدتهما، والأولى ما
~~تقدم، ودخول الأصنام في حكم عدم المشابهة إما بطريق الاندراج أو بطريق
~~الانفهام بدلالة النص على الطريق البرهاني قاله بعض المحققين. واستدل
~~بالآية على بطلان مذهب المعتزلة في زعمهم أن العباد خالقون لأفعالهم.
~~وقال الشهاب بعد أن قرر تقدير المفعول عاما على طرز ما ذكرنا: وجوز أن
~~يكون العموم فيه مأخوذا من تنزيل الفعل منزلة اللازم أنه علم من هذا عدم
~~توجه الاحتجاج بها على المعتزلة في إبطال قولهم بخلق العباد أفعالهم كما
~~وقع في كتب الكلام لأن السلب الكلي لا ينافي الإيجاب الجزئي اه حسبما
~~وجدناه في النسخ التي بأيدينا ولعلها سقيمة وإلا فلا أظن ذلك إلا كبوة
~~جواد وهو ظاهر.

# { أفلا تذكرون } أي ألا تلاحظون فلا تتذكرون ذلك فإنه لجلائه
~~لا يحتاج إلى شيء سوى التذكر وهو مراجعة ما سبق تصوره وذهل عنه، وقدر
~~بعضهم المفعول عدم المساواة، وذكر أنه لعدم سبقه حتى يتصور فيه حقيقة
~~التذكر بأن يتصور ويذهل عنه جعل التذكر استعارة تصريحية للعلم به، وقيل:
~~الاستعارة مكنية في المفعول المقدر وإثبات التذكر تخييل فتذكر.

### || [16.18]

# { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } تذكير إجمالي
~~لنعمه تعالى بعد تعداد طائفة منها، وفصل ما بينهما بقوله تعالى:

# أفمن يخلق كمن لا ms05335 يخلق

# [النحل: 17] كما قيل للمبادرة إلى إلزام الحجة والقام الحجر إثر تفصيل
~~ما فصل من الأفاعيل التي هي أدلة التوحيد، ودلالتها عليه وإن لم تكن
~~مقصورة على حيثية الخلق ضرورة ظهور دلالتها عليه من حيثية الإنعام أيضا
~~لكنها حيث كانت من مستتبعات الحيثية الأولى استغنى عن التصريح بها ثم بين
~~حالها بطريق الإجمال أي إن تعدوا نعمه تعالى الفائضة عليكم مما ذكر ومما
~~يذكر لا تطيقوا حصرها وضبط عددها فضلا عن القيام بشكرها، وقد تقدم
~~الكلام في تحقيق ذلك حسبما من الله تعالى به.

# { إن الله لغفور } حيث يستر ما فرط منكم من كفرانها والإخلال
~~بالقيام بحقوقها ولا يعاجلكم بالعقوبة على ذلك { رحيم } حيث يفيضها
~~عليكم مع استحقاقكم للقطع والحرمان بما تأتون وما تذرون من أصناف الكفر
~~والعصيان/ التي من جملتها المساواة بين الخالق وغيره، وكل من ذينك الستر
~~والإفاضة نعمة وأيما نعمة، فالجملة تعليل للحكم بعدم الإحصاء، وتقديم
~~المغفرة على الرحمة لتقدم التخلية على التحلية.

### || [16.19]

# { والله يعلم ما تسرون } أي تضمرونه من العقائد والأعمال
~~{ وما تعلنون } أي تظهرونه منهما، وحذف العائد لمراعاة الفواصل أي
~~يستوي بالنسبة إلى علمه سبحانه المحيط الأمران، وفي تقديم الأول على
~~الثاني تحقيق للمساواة على أبلغ وجه، وفي ذلك من الوعيد والدلالة على
~~اختصاصه تعالى بصفات الإلهية ما لا يخفى، أما الأول: فلأن علم الملك
~~القادر بمخالفة عبده يقتضي مجازاته، وكثيرا ما ذكر علم الله تعالى
~~وقدرته وأريد ذلك، وأما الثاني: فبناء على ما قيل: إن تقديم المسند إليه
~~في مثل ذلك يفيد الحصر، ومن هنا قيل: إنه سبحانه أبطل شركهم للأصنام
~~أولا بقوله تعالى:

# أفمن يخلق كمن لا يخلق

# [النحل: 17] وأبطله ثانيا بقوله تبارك اسمه: { والله يعلم }
~~الخ كأنه قيل: إنه تعالى عالم بذلك دون ما تشركون به فإنه لا يعلم ذلك بل
~~لا يعلم شيئا أصلا فكيف يعد شريكا لعالم السر والخفيات. وفي «الكشف»
~~أن في الجملة الأولى إشعارا بأنه تعالى وما كلفهم حق الشكر لعدم الإمكان
~~وتجاوز سبحانه عن الممكن إلى ms05336 السهل الميسور، وفي الثانية: ما يشعر بأنهم
~~قصروا في هذا الميسور أيضا فاستحقوا العتاب.

### || [16.20]

# { والذين يدعون } شروع في تحقيق أن آلهتهم بمعزل عن استحقاق
~~العبادة وتوضيحه بحيث لا يبقى فيه شائبة ريب بتعداد أحوالها المنافية
~~لذلك منافاة ظاهرة، وكأنها إنما شرحت مع ظهورها للتنبيه على كمال حماقة
~~المشركين وأنهم لا يعرفون ذلك إلا بالتصريح أي والآلهة الذين تعبدونهم
~~أيها الكفار { من دون الله } سبحانه { لا يخلقون شيئا }
~~من الأشياء أصلا أي ليس من شأنهم ذلك، وذكر بعض الأجلة أن ذكر هذا بعد
~~نفي التشابه والمشاركة للاستدلال على ذلك فكأنه قيل: هم لا يخلقون شيئا
~~ولا يشارك من يخلق من لا يخلق فينتج من الثالث هم لا يشاركون من يخلق
~~ويلزمه أن من يخلق لا يشاركهم فلا تكرار، وقيل عليه: إنه مبني على أن من
~~يخلق ومن لا مجرى على غير معين، ويفهم من سابق كلام هذا البعض أنه بني
~~الكلام على أن الأول هو الله تعالى والثاني الأصنام، ويقتضي تقريره هناك
~~عدم الحاجة إلى هذه المقدمة للعلم بها وكونها مفروغا عنها، فالوجه أن
~~التكرار لمزاوجة قوله تعالى: { وهم يخلقون } وتعقب بأن المصرح به
~~العموم في الموضعين وأما التخصيص فيهما بما ذكر فلأن من يخلق عندنا مخصوص
~~به تعالى في الخارج اختصاص الكوكب النهاري بالشمس وإن عم باعتبار مفهومه،
~~ومن لا يخلق وإن عم ذهنا وخارجا فتفسيره بمن عبد لاقتضاء المقام له،
~~ومقتضى التقرير ليس عدم الحاجة إلى المقدمة بل هو كونها في غاية الظهور
~~بحيث لا يحتاج إلى إثباتها وهذا مصحح لكونها جزأ من الدليل، وإذا ظهر
~~المراد بطل الإيراد اه.

# ولعل الأوجه في توجيه الذكر ما أشرنا إليه أولا، وحيث إنه لا تلازم
~~أصلا بين نفي الخالقية وبين المخلوقية أثبت ذلك لهم صريحا على معنى
~~شأنهم أنهم يخلقون إذ المخلوقية مقتضى ذواتهم لأنها ممكنة مفتقرة في
~~وجودها وبقائها إلى الفاعل، وبناء الفعل للمفعول  كما قال بعض الأجلة 
~~لتحقيق التضاد والمقابلة بين ما أثبت لهم وما نفى عنهم من ms05337 وصف الخالقية
~~والمخلوقية وللإيذان بعدم الحاجة إلى بيان الفاعل لظهور اختصاص [الفعل]
~~بفاعله جل جلاله، ولعل تقديم الضمير هنا لمجرد التقوى، والمراد بالخلق
~~منفيا ومثبتا المعنى المتبادر منه.

# / وجوز أن يراد من الثاني النحت والتصوير بناء على أن المراد من الذين
~~يدعونهم الأصنام، والتعبير عنهم بما يعبر عنه عن العقلاء لمعاملتهم إياهم
~~معاملتهم، والتعبير عن ذلك بالخلق لرعاية المشاكلة، وفي ذلك من الإيماء
~~بمزيد ركاكة عقول المشركين ما فيه حيث أشركوا بخالقهم مخلوقيهم، وإرادة
~~هذا المعنى من الأول أيضا ليست بشيء إذ القدرة على مثل ذلك الخلق ليست
~~مما يدور عليه استحقاق العبادة أصلا.

# وقرأ الجمهور بالتاء المثناة من فوق في { تسرون... وتعلنون... وتدعون }
~~وهي قراءة مجاهد والأعرج وشيبة وأبي جعفر وهبيرة عن عاصم، وفي المشهور
~~عنه أنه قرأ بالياء آخر الحروف في الأخير وبالتاء في الأولين، وقرئت
~~الثلاثة بالياء في رواية عن أبي عمرو وحمزة، وقرأ الأعمش { والله يعلم
~~الذي تبدون وما تكتمون والذين تدعون } الخ بالتاء من فوق في الأفعال
~~الثلاث، وقرأ طلحة { ما تخفون وما تعلنون... وتدعون } بالتاء كذلك، وحملت
~~القراءتان على التفسير لمخالفتهما لسواد المصحف، وقرأ محمد اليماني {
~~يدعون } بضم الياء وفتح العين مبنيا للمفعول أي يدعونم الكفار
~~ويعبدونهم.

### || [16.21]

# { أموات } خبر ثان للموصول أو خبر مبتدأ محذوف أي هم أموات، وصرح
~~بذلك لما أن إثبات المخلوقية لهم غير مستدع لنفي الحياة عنهم لما أن بعض
~~المخلوقين أحياء، والمراد بالموت على أن يكون المراد من المخبر عنه
~~الأصنام عدم الحياة بلا زيادة عما من شأنه أن يكون حيا. وقوله سبحانه: {
~~غير أحياء } خبر بعد خبر أيضا أو صفة { أموات } وفائدة ذكره
~~التأكيد عند بعض، وأختير التأسيس وذلك أن بعض ما لا حياة فيه قد تعتريه
~~الحياة كالنطفة فجيء به للاحتراز عن مثل هذا البعض فكأنه قيل: هم أموات
~~حالا وغير قابلين للحياة مآلا، وجوز أن يكون المراد من المخبر عنه بما
~~ذكر ما يتناول جميع معبوداتهم من ذوي العقول وغيرهم فيرتكب في {
~~أموات } عموم المجاز ليشمل ms05338 ما كان له حياة ثم مات كعزيز أو سيموت
~~كعيسى والملائكة عليهم الصلاة والسلام وما ليس من شأنه الحياة أصلا
~~كالأصنام.

# و { غير أحياء } على هذا إذا فسر بغير قابلين للحياة يكون من وصف
~~الكل بصفة البعض ليكون تأسيسا في الجملة وإذا اعتبر التأكيد فالأمر
~~ظاهر، وجوز أن من أولئك المعبودين الملائكة عليهم الصلاة والسلام وكان
~~أناس من المخاطبين يعبدونهم، ومعنى كونهم أمواتا أنهم لا بد لهم من
~~الموت وكونهم غير أحياء غير تامة حياتهم والحياة التامة هي الحياة
~~الذاتية التي لا يرد عليها الموت، وجوز في قراءة { والذين يدعون }
~~[النحل: 20] بالياء آخر الحروف أن يكون الأموات هم الداعين، وأخبر عنهم
~~بذلك تشبيها لهم بالأموات لكونهم ضلالا غير مهتدين، ولا يخفى ما فيه من
~~البعد.

# { وما يشعرون أيان يبعثون } الضمير الأول للآلهة
~~والثاني لعبدتها، والشعور العلم أو مباديه، وقال الراغب: ((يقال شعرت
~~أي أصبت الشعر، ومنه استعير شعرت كذا أي علمت علما في الدقة
~~كإصابة الشعر، قيل: وسمي الشاعر شاعرا لفطنته ودقة معرفته، ثم ذكر أن
~~المشاعر الحواس وأن معنى لا تشعرون لا تدركون بالحواس وأن لو قيل في كثير
~~مما جاء فيه لا تشعرون لا تعقلون لم يجز إذ كثير مما لا يكون محسوسا
~~يكون معقولا))، و { أيان } عبارة عن وقت الشيء ويقارب معنى متى،
~~وأصله عنده بعضهم أي أو أن أي أي وقت فحذف الألف ثم جعل الواو ياء وأدغم
~~وهو كما ترى. وقرأ أبو عبد الرحمن «إيان» بكسر الهمزة وهي لغة قومه سليم،
~~والظاهر أنه معمول ليبعثون والجملة في موضع نصب  بيشعرون  لأنه معلق عن
~~العمل أي ما يشعر أولئك الآلهة متى يبعث عبدتهم، وهذا من باب التهكم بهم/
~~بناء على إرادة الأصنام لأن شعور الجماد بالأمور الظاهرة بديهي
~~الاستحالة عند كل أحد فكيف بما لا يعلمه إلا العليم الخبير.

# وفي «البحر» أن فيه تهكما بالمشركين وأن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم
~~ليجازوهم على عبادتهم إياهم، ولعل هذا جار على سائر الاحتمالات في
~~الآلهة، وفيه تنبيه على ms05339 أن البعث من لوازم التكليف لأنه للجزاء والجزاء
~~للتكليف فيكون هو له وأن معرفة وقته لا بد منه في الألوهية، وقيل: ضميرا
~~{ يشعرون - ويبعثون } للآلهة ويلزم من نفي شعورهم بوقت بعثهم نفي شعورهم
~~بوقت بعث عبدتهم وهو الذي يقتضيه الظاهر، ومن جوز أن يكون المراد من
~~الأموات الكفرة الضلال جعل ضميري الجمع هنا لهم، والكلام خارج مخرج
~~الوعيد أي وما يشعر أولئك المشركون متى يبعثون إلى التعذيب، وقيل: الكلام
~~تم عند قوله تعالى: { وما يشعرون } و { أيان يبعثون }
~~ظرف لقوله سبحانه: { إلهكم إله وحد... }.

### || [16.22]

# { إلهكم إله وحد } على معنى أن الإله واحد يوم القيامة
~~نظير

# ملك يوم الدين

# [الفاتحة: 4] قال أبو حيان: ولا يصح هذا القول لأن { أيان } [النحل: 21]
~~إذ ذاك تخرج عما استقر فيها من كونها ظرفا إما استفهاما أو شرطا
~~وتتمحض للظرفية بمعنى وقت مضافا للجملة بعده نحو وقت يقوم زيد أقوم، على
~~أن هذا التعلق في نفسه خلاف الظاهر، والظاهر أن قوله سبحانه: {
~~ألهكم } تصريح بالمدعى وتلخيص للنتيجة غب إقامة الحجة {
~~فالذين لا يؤمنون بالآخرة } وأحوالها التي من جملتها
~~البعث وما يعقبه من الجزاء { قلوبهم منكرة } للوحدانية جاحدة
~~لها أو للآيات الدالة عليها { وهم مستكبرون } عن الاعتراف بها
~~أو عن الآيات الدالة عليها، والفاء للإيذان بأن إصرارهم على الإنكار
~~واستمرارهم على الاستكبار وقع موقع النتيجة للدلائل الظاهرة والبراهين
~~القطعية فهي للسببية كما في قولك: أحسنت إلى زيد فإنه أحسن إلي، والمعنى
~~أنه قد ثبت بما قرر من الدلائل والحجج اختصاص الإلهية به سبحانه فكان من
~~نتيجة ذلك إصرارهم على الإنكار واستمرارهم على الاستكبار، وبناء الحكم
~~على الموصول للإشعار بعلية ما في حيز الصلة له، فإن الكفر بالآخرة وبما
~~فيها من البعث والجزاء على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب يؤدي إلى
~~قصر النظر على العاجل وعدم الالتفات إلى الدلائل الموجب لإنكارها وإنكار
~~مؤداها والاستكبار عن اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام والإيمان به،
~~وأما الإيمان بها وبما فيها فيدعو لا محالة إلى الالتفات إلى الدلائل
~~والتأمل فيها رغبة ms05340 ورهبة فيورث ذلك يقينا بالوحدانية وخضوعا لأمر الله
~~تعالى قاله بعض المحققين.

# ومن الناس من قال: المراد وهم مستكبرون عن الإيمان برسول الله صلى الله
~~عليه وسلم واتباعه، فيكون الإنكار إشارة إلى كفرهم بالله تعالى
~~والاستكبار إشارة إلى كفرهم برسوله صلى الله عليه وسلم والأول أظهر،
~~وإسناد الإنكار إلى القلوب لأنها محله وهو أبلغ من إسناده إليهم، ولعله
~~إنما لم يسلك في إسناد الاستكبار مثل ذلك لأنه أثر ظاهر كما تشير إليه
~~الآية بعد؛ وقد قال بعض العلماء: كل ذنب يمكن التستر به وإخفاؤه إلا
~~التكبر فإنه فسق يلزمه الإعلان.

### || [16.23]

# { لا جرم } أي حق أو حقا { أن الله يعلم ما يسرون
~~} من الإنكار { وما يعلنون } من الاستكبار، وقال يحيى بن سلام
~~والنقاش: المراد هنا بما يسرون تشاورهم في دار الندوة في قتل النبي عليه
~~الصلاة والسلام، وهو كما ترى، وأيا ما كان فالمراد من العلم بذلك/
~~الوعيد بالجزاء عليه، و { أن } وما بعدها في تأويل مصدر مرفوع  بلا جرم
~~ بناء على ما ذهب إليه الخليل وسيبويه والجمهور من أنها اسم مركب مع لا
~~تركيب خمسة عشر وبعد التركيب صار معناها معنى فعل وهو حق فهي مؤولة بفعل.
~~وأبو البقاء يؤولها بمصدر قائم مقامه وهو حقا، وقيل: مرفوع  بجرم 
~~نفسها على أنها فعل ماض بمعنى ثبت ووجب و { لا } نافية لكلام مقدر تكلم
~~به الكفرة كقوله سبحانه:

# لا أقسم

# [البلد: 1] على وجه. وذهب الزجاج إلى أنه منصوب على المفعولية  لجرم 
~~على أنها فعل أيضا لكن بمعنى كسب وفاعلها مستتر يعود إلى ما فهم من
~~السياق ولا كما في القول السابق، وقيل: إنه خبر { لا } حذف منه حرف الجر
~~و { جرم } اسمها، والمعنى لا صدأ ولا منع في أن الله يعلم الخ، وقد مر
~~تمام الكلام في ذلك. وقرأ عيسى الثقفي { إن } بكسر الهمزة على الاستئناف
~~والقطع مما قبله على ما قال أبو حيان، ونقل عن بعضهم أنه قد يغني { لا
~~جرم } عن القسم تقول: لا جرم لآتينك وحينئذ فتكون الجملة ms05341 جواب القسم.

# { إنه } جل جلاله { لا يحب المستكبرين } أي مطلقا
~~ويدخل فيه من استكبر عن التوحيد أو عن الآيات الدالة عليه دخولا أوليا،
~~وجوز أن يراد به أولئك المستكبرون والأول أولى، وأيا ما كان فالاستفعال
~~ليس للطلب مثله فيما تقدم، وجوز كونه عاما مع حمل الاستفعال على ظاهره
~~من الطلب أي لا يحب من طلب الكبر فضلا عمن اتصف به، وقد فرق الراغب بين
~~الكبر والتكبر والاستكبار بعد القول بأنها متقاربة، والحق أنه قد يستعمل
~~بعضها موضع بعض، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر ذلك آنفا وأظنه قد تقدم
~~أيضا؛ والجملة تعليل لما تضمنه الكلام السابق من الوعيد، والمراد من نفي
~~الحب البغض وهو عند البعض مؤول بنحو الانتقام والتعذيب، والأخبار الناطقة
~~بسوء حال المتكبر يوم القيامة كثيرة جدا.

### || [16.24]

# { وإذا قيل لهم } أي لأولئك المستكبرين، وهو بيان لإضلالهم غب
~~بيان ضلالهم، وقيل: الضمير لكفار قريش الذين كانوا  كما روي عن قتادة 
~~يقعدون بطريق من يغدو على النبي صلى الله عليه وسلم ليطلع على جلية أمره
~~فإذا مر بهم قال لهم: { ماذا أنزل ربكم } على محمد عليه
~~الصلاة والسلام { قالوا أسطير الأولين } أي ما كتبه
~~الأولون كما قالوا:

# اكتتبها فهى تملى عليه

# [الفرقان: 5] فالأساطير جمع أسطار جمع سطر فهو جمع الجمع؛ وقال المبرد:
~~جمع أسطورة كأرجوحة وأراجيح ومقصودهم من ذلك أنه لا تحقيق فيه، وقيل:
~~القائل لهم بعض المسلمين ليعلموا ما عندهم وقيل: القائل بعضهم على سبيل
~~التهكم وإلا فهو لا يعتقد إنزال شيء، ومثل هذا يقال في الجواب عن تسميته
~~بالمنزل في الجواب بناءا على تقدير المبتدأ فيه ذلك، ويجوز أن يسموه بما
~~ذكر على الفرض والتسليم ليردوه كقوله:

# هذا ربى

# [الأنعام: 77] وقيل: قدروه منزلا مجاراة ومشاكلة.

# وفي «الكشاف» أن { ماذا } منصوب  بأنزل  أي أي شيء أنزل ربكم أو
~~مرفوع بالابتداء بمعنى أي شيء أنزله ربكم، فإذا نصبت فمعنى { أسطير
~~الأولين } ما تدعون نزوله ذلك، وإذا رفعت فالمعنى المنزل ذلك كقوله
~~تعالى:

# ماذا ينفقون قل العفو

# [البقرة: 219] فيمن رفع ms05342 اه، وقد خفي تحقيق مرامه على بعض المحققين، فقد
~~قال صاحب " الفرائد ": الوجه أن يكون مرفوعا بالابتداء بدليل رفع {
~~أسطير } فإن جواب المرفوع مرفوع وجواب المنصوب منصوب ولم يقرأ أحد
~~هنا بالنصب.

# / وقال صاحب " التقريب ": إن في كلام الزمخشري نظرا وبينه بما بينه
~~وأجاب بما أجاب، وأطال الطيبي الكلام في ذلك، وقد أجاد صاحب " الكشف "
~~في هذا المقام فقال: إن قوله أو مرفوع بالابتداء بمعنى أي شيء أنزله
~~إيضاح وإلا فالمعنى ما الذي أنزله على المصرح به في " المفصل " إذ لا وجه
~~لحذف الضمير من غير استطالة مع أن اللفظ يحتمل النصب والرفع احتمالا
~~سواء، وعلى ذلك يلوح الفرق بين التقديرين ظهورا بينا، فإن المنصوب وإن
~~دل على ثبوت أصل الفعل وأن السؤال عن المفعول متقاعد عن دلالة المرفوع
~~فقد علم أن الجملة التي تقع صلة للموصول حقها أن تكون معلومة للمخاطب
~~وأين الحكم المسلم المعلوم من غيره، وإذا ثبت ذلك فليعلم أنه على تقديرين
~~لم يطابق به الجواب لقوله في

# قالوا خيرا

# [النحل: 30] طوبق به الجواب بخلاف { أسطير } وقوله هنا كقوله
~~تعالى:

# ماذا ينفقون

# [البقرة: 219] إلى آخره فيمن رفع تشبيه في العدول إلى الرفع لا وجهه فإن
~~الجواب هنالك طبق السؤال بخلاف ما نحن فيه، وإنما قدر ما تدعون نزوله على
~~تقدير النصب لأن السائل لم يكن معتقدا لإنزال محقق بل سئل عن تعيين ما
~~سمع نزوله في الجملة فيكفي في رده إلى الصواب ما تدعون نزوله أساطير،
~~وأما على تقدير الرفع فلما دل على أن الإنزال عنده محقق مسلم لا نزاع فيه
~~وإنما السؤال عن التعيين للمنزل أجيب بأن ذلك المحقق عندك أساطير تهكما
~~إذ من المعلوم أن المنزل لا يكون أساطير فبولغ في رده إلى الصواب بالتهكم
~~به وأنه بت الحكم بالتحقيق في غير موضعه فأرى السائل أنه طوبق ولم يطابق
~~في الحقيقة بل بولغ في الرد، ويشبه أن يكون الأول جوابا للسؤال فيما
~~بينهم أو الوافدين، والثاني جوابا عن سؤال المسلمين على ما ذكر من
~~الاحتمالين ms05343 لا العكس على ما ظن، هذا هو الأشبه في تقرير قوله الموافق لما
~~ذكره من بعد على ما مر.

# وجعل ما ذكره هنالك وجها ثالثا وأنه طوبق به الجواب ههنا وتوجيه
~~اختلاف التقديرين ادعاء ونزولا بما مهدناه وإن ذهب إليه الجمهور تكلف
~~عنه غنى اه. وقرىء { أساطير } بالنصب كما نص عليه أبو حيان وغيره فإنكار
~~صاحب " الفرائد " من قلة الاطلاع.

### || [16.25]

# { ليحملوا } متعلق  ب { قالوا }  كما هو الظاهر أي قالوا ذلك
~~لأن يحملوا { أوزارهم } أي آثامهم الخاصة بهم وهي آثام ضلالهم، وهو
~~جمع وزر ويقال للثقل تشبيها بوزر الجبل، ويعبر بكل منهما عن الإثم كما
~~في هذه الآية، وقوله تعالى ليحملوا أثقالهم: { كاملة } لم ينقص منها
~~شيء ولم يكفر بنحو نكبة تصيبهم في الدنيا أو طاعة مقبولة فيها كما تكفر
~~بذلك أوزار المؤمنين، وقال الإمام: معنى ذلك أنه لا يخفف من عذابهم شيء
~~بل يوصل إليه بكليته، وفيه دليل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن
~~المؤمنين إذ لو كان هذا المعنى حاصلا للكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار
~~به فائدة، وحمل الأوزار مجاز عن العقاب عليها. وأخرج ابن جرير عن زيد بن
~~أسلم أنه بلغه أن الكافر يتمثل عمله في صورة أقبح ما خلق الله تعالى
~~وجها وأنتنه ريحا فيجلس إلى جنبه كلما أفزعه شيء زاده وكلما يخاف شيئا
~~زاده خوفا فيقول: بئس الصاحب أنت ومن أنت؟ فيقول: وما تعرفني؟ فيقول:
~~لا. فيقول: أنا عملك كان قبيحا فلذلك تراني قبيحا وكان منتنا فلذلك
~~تراني منتنا طاطىء إلي أركبك فطالما ركبتني في الدنيا فيركبه وهو قوله
~~تعالى: { ليحملوا أوزارهم كاملة }  { يوم
~~القيمة } ظرف ليحملوا.

# { ومن أوزار الذين يضلونهم } أي وبعض أوزار من ضل/
~~بإضلالهم على معنى ومثل بعض أوزارهم  فمن  تبعيضية لأن مقابلته لقوله
~~تعالى: { كاملة } يعين ذلك. والمراد بهذا البعض حصة التسبب فالمضل
~~والضال شريكان هذا يضله وهذا يطاوعه فيتحاملان الوزر وللضال أوزار غير
~~ذلك وليست تلك محمولة، وقال الأخفش: إن { من } زائدة أي وأوزار الذين
~~يضلونهم على ms05344 معنى أنهم يعاقبون عقابا يكون مساويا لعقاب كل من اقتدى
~~بهم، وإلى الزيادة ذهب أبو البقاء واعترض على التبعيض بأنه يقتضي أن
~~المضل غير حامل كل أوزار الضال وهو مخالف للمأثور

# " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص ذلك من
~~أوزارهم شيئا "

# وفيه أن المأثور يدل على التبعيض لا أن بينهما مخالفة كما لا يخفى،
~~ولتوهم هذه المخالفة قال الواحدي: إن من للجنس أي ليحملوا من جنس أوزار
~~الاتباع، وتعقبه أبو حيان بأن من التي لبيان الجنس لا تقدر بما ذكر وإنما
~~تقدر بقولنا الأوزار التي هي أوزار الذين يضلونهم فيؤل من حيث المعنى إلى
~~قول الأخفش وإن اختلفا في التقدير، ولام { ليحملوا } للعاقبة لأن
~~الحمل مترتب على فعلهم وليس باعثا ولا غرضا لهم، وعن ابن عطية أنها
~~تحتمل أن تكون لام التعليل ومتعلقة بفعل مقدر لا بقالوا أي قدر صدور ذلك
~~ليحملوا، ويجىء حديث تعليل أفعال الله تعالى بالأغراض وأنت تدري أن فيه
~~خلافا.

# وجوز في «البحر» كونها لام الأمر الجازمة على معنى أن ذلك الحمل متحتم
~~عليهم فيتم الكلام عند قوله سبحانه:

# أسطير الأولين

# [النحل: 24] والظاهر العاقبة، وصيغة الاستقبال في { يضلونهم }
~~للدلالة على استمرار الإضلال أو باعتبار حال قولهم لا حال الحمل.

# { بغير علم } حال من المفعول كأنه قيل: يضلون من لا يعلم أنهم
~~ضلال على الباطل، وفيه تنبيه على أن كيدهم لا يروج على ذي لب وإنما
~~يقلدهم الجهلة الأغبياء وفيه زيادة تعيير لهم وذم إذ كان عليهم إرشاد
~~الجاهلين لا إضلالهم، وقيل: إنه حال من الفاعل أي يضلون غير عالمين بأن
~~ما يدعون إليه طريق الضلال، وقيل: المعنى حينئذ يضلون جهلا منهم بما
~~يستحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال، ونقل القول بالحالية عن
~~الفاعل بنحو هذا المعنى عن الواحدي، وزعم بعضهم أنه الوجه لا الحالية من
~~المفعول، وأيد بأن التذييل بقوله تعالى: { ألا سآء ما يزرون }
~~وقوله سبحانه:

# من حيث لا يشعرون

# [النحل: 26] يقويه، وليس بذاك، وما ذكر ms05345 ظن من هذا المؤيد أنه إذا جعل
~~حالا من المفعول لم يكن له تعلق بما سيق له الكلام من حال المضلين وقد
~~هديت إلى وجهه. ورجحه أبو حيان بأن المحدث عنه هو المسند إليه الإضلال
~~على جهة الفاعلية فاعتباره ذا الحال أولى، ويرد عليه مع ما يعلم مما ذكر
~~أن القرب يعارضه فلا يصلح مرجحا، وقيل: هو حال من ضمير الفاعل في

# قالوا

# [النحل: 24] على معنى قالوا ذلك غير عالمين بأنهم يحملون يوم القيامة
~~أوزار الضلال والإضلال؛ وأيد بقوله تعالى:

# وأتهم العذاب من حيث لا يشعرون

# [النحل: 26] من حيث إن حمل ما ذكر من أوزار الضلال والإضلال من قبيل
~~إتيان العذاب من حيث لا يشعرن، ويرده أن الحمل المذكور كما هو صريح الآية
~~إنما هو يوم القيامة والعذاب المذكور إنما هو العذاب الدنيوي كما ستسمعه
~~إن شاء الله تعالى وجوز أن يكون حالا من الفاعل والمفعول كما قال ذلك
~~ابن جني في قوله:

# فأتت به قومها تحمله

# [مريم: 27] وهو خلاف الظاهر.

# واستدل بالآية على أن المقلد يجب عليه أن يبحث ويميز بين المحق والمبطل
~~ولا يعذر بالجهل، وهو ظاهر على ما قدمناه من الوجه الأوجه { ألا ساء
~~ما يزرون } أي بئس شيا يزرونه ويرتكبونه من الإثم فعلهم المذكور.

### || [16.26]

# { قد مكر الذين من قبلهم } وعيد لهم برجوع غائلة مكرهم
~~عليهم كدأب من قبلهم من الأمم الخالية الذين أصابهم ما أصابهم من العذاب
~~العاجل، والمكر صرف الغير عما يقصده بحيلة وهو ههنا على ما قيل مجاز عن
~~مباشرة أسبابه وترتيب مقدماته لأن ما بعد يدل على أنه لم يحصل الصرف،
~~وجوز أن يرتكب فيه التجريد أي سووا منصوبات وحيلا ليخدعوا بها رسل الله
~~عليهم الصلاة والسلام { فأتى الله بنينهم من
~~القواعد } أي من جهة الدعائم والعمد التي بنوا عليها بأن ضعضعت فمن
~~ابتدائية والبنيان اسم مفرد مذكر، ونقل الراغب عن بعض اللغويين أنه جمع
~~بنيانة مثل شعير وشعيرة وتمر وتمرة ونخل ونخلة وأن هذا النحو من الجمع
~~يصح تذكيره وتأنيثه، وأصل ms05346 الإتيان كما قال المجيء بسهولة وهو مستحيل
~~بظاهره في حقه سبحانه ولذلك احتاج بعضهم إلى تقدير مضاف أي أمر الله
~~تعالى وروي ذلك عن قتادة، وجعل ذلك في «الكشاف» من قبيل أتى عليه الدهر
~~بمعنى أهلكه وأفناه، وحينئذ لا حاجة إلى تقدير المضاف. وقرىء { بنيتهم }
~~وهو بمعنى بنائهم يقال بنيت أبني أبناء وبنية وبنى نعم كثيرا ما يعبر
~~بالبنية عن الكعبة وقرأ جعفر { بيتهم } والضحاك { بيوتهم }.

# { فخر عليهم السقف من فوقهم } أي سقط عليهم سقف
~~بنيانهم إذ لا يتصور له القيام بعد تهدم قواعده، و { من } متعلق بخر
~~وهي لابتداء الغاية أو متعلق بمحذوف على أنه حال من السقف مؤكدة، وقال
~~ابن عطية وابن الأعرابي أن { من فوقهم } ليس بتأكيد لأن العرب
~~تقول خر علينا سقف ووقع علينا حائط إذا انهدم في ملك القائل وإن لم يقع
~~عليه حقيقة فهو لبيان أنهم كانوا تحته حين هدم. ومن الناس من زعم أن {
~~على } بمعنى عن وهي للتعليل والكلام على تقدير مضاف أي خر من أجل
~~كفرهم السقف وجىء بقوله تعالى { من فوقهم } مع { خر } لدفع توهم
~~أن يكون قد خر وهم ليسوا تحته، ولا يخفى أنه تطويل من غير طائل بل كلام
~~لا ينبغي أن يتفوه به فاضل؛ والكلام تمثيل يعني أن حالهم في تسويتهم
~~المنصوبات والحيل ليمكروا بها رسل الله تعالى عليهم الصلاة والسلام
~~وإبطال الله تعالى إياها وجعلها سببا لهلاكهم كحال قوم بنوا بنيانا
~~وعمدوه بالأساطين فأتى ذلك من قبل أساطينه بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف
~~وهلكوا تحته، ووجه الشبه أن ما نصبوه وخيلوه سبب التحصن والاستيلاء صار
~~سبب البوار والفناء فالأساطين بمنزلة المنصوبات وانقلابها عليهم مهلكة
~~كانقلاب تلك الحيل على أصحابها والبنيان ما كان زوروه وروجوا فيه تلك
~~المنصوبات وتطواطئوا عليه من الرأي المدعم بالمكائد، ويشبه ذلك قولهم، من
~~حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا.

# ويقرب من هذا ما قيل إن المراد أحبط الله تعالى أعمالهم، وقيل: الأمر
~~مبني على الحقيقة، وذلك أن نمرود بن كنعان بنى صرحا ms05347 ببابل ليصعد بزعمه
~~إلى السماء ويعرف أمرها ويقاتل أهلها وأفرط في علوه فكان طوله في السماء
~~على ما حكى النقاش وروي عن كعب فرسخين، وقال ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما ووهب، كان ارتفاعه خمسة آلاف ذراع وعرضه ثلاثة آلاف ذراع فبعث الله
~~تعالى عليه ريحا فهدمته وخر سقفه عليه وعلى أتباعه فهلكوا، وقيل: هدمه
~~جبريل عليه السلام بجناحه ولما سقط تبلبلت الناس من الفزع فتكلموا يومئذ
~~بثلاث وسبعين لسانا فلذلك سميت بابل وكان لسان الناس قبل ذلك السريانية،
~~ولا يخفى ما في هذا الخبر من المخالفة للمشهور لأن موجبه أن هلاك نمرود
~~كان بما ذكر والمشهور أنه عاش بعد قصة الصرح وأهلكه الله تعالى ببعوضة
~~وصلت لدماغه إظهارا لكمال خسته وعجزه وجازاه سبحانه من جنس عمله لأنه
~~صعد إلى جهة السماء بالنسور فأهلكه الله تعالى بأخس الطيور، وما ذكر في
~~وجه تسمية المكان المعروف ببابل هو المشهور، وفي «معجم البلدان» ((أن
~~مدينة بابل [بناها] بيوراسب/ الجبار واشتق اسمها من المشتري لأن بابل
~~باللسان البابلي الأول اسم للمشتري... وأخربها الإسكندر))، وما ذكر من أن
~~اللسان كان قبل ذلك السريانية ذكره البغوي ونظر فيه الخازن بأن صالحا
~~عليه السلام وقومه كانوا قبل وكانوا يتكلمون بالعربية وكان قبائل قبل
~~إبراهيم عليه السلام مثل طسم وجديس يتكلمون بالعربية أيضا وقد يدفع
~~بالعناية.

# وقال الضحاك الآية إشارة إلى قوم لوط عليه السلام وما فعل بهم وبقراهم،
~~والكلام أيضا مبني على الحقيقة واختار جماعة بناءه على التمثيل حسبما
~~سمعت وعليه فالمراد على المختار من الذين كفروا من قبل ما يشمل جميع
~~الماكرين الذين هدم عليهم بنيانهم وسقط في أيديهم وقرأ الأعرج { السقف }
~~وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما ومجاهد { السقف } بضم السين فقط
~~وكلاهما جمع سقف وفعل وفعل على ما قال أبو حيان محفوظان في جمع فعل وليسا
~~مقيسين فيه ويجمع على سقوف وهو القياس. وقرأت فرقة { السقف } بفتح السين
~~وضم القاف وهي لغة في السقف، وذكر أن الأصل مضموم القاف وساكنه مخففه
~~وكثر ms05348 استعماله على عكس قولهم رجل بفتح فضم ورجل بفتح فسكون وهي لغة
~~تميمية.

# { وأتهم العذاب من حيث لا يشعرون } بإتيانه منه
~~بل يتوقعون إتيان مقابله مما يريدون ويشتهون، والمراد به العذاب العاجل،
~~وفي عطف هذه الجملة على ما تقدم تهويل لأمر هلاكهم ويدل على أن المراد به
~~العاجل قوله سبحانه: { ثم يوم القيمة يخزيهم... }.

### || [16.27]

# { ثم يوم القيمة يخزيهم } أي يذلهم، والظاهر أن ضمائر
~~الجمع  للذين مكروا  من قبل كأنه قيل: قد مكر الذين من قبلهم فعذبهم
~~الله تعالى في الدنيا ثم يعذبهم في العقبى، و { ثم } للإيماء إلى ما
~~بين الجزاءين من التفاوت مع ما تدل عليه من التراخي الزماني، وتقديم
~~الظرف على الفعل قيل لقصر الإخزاء على يوم القيامة، والمراد به ما بين
~~بقوله سبحانه: { ويقول } أي لهم تفضيحا وتوبيخا { أين
~~شركائى } إلى آخره، ولا شك أن ذلك لا يكون إلا في ذلك اليوم، وقال
~~بعض المحققين: ليس التقديم لذلك بل لأن الإخبار بجزائهم في الدنيا مؤذن
~~بأن لهم جزاء أخرويا فتبقى النفس مترقبة إلى وروده سائلة عنه بأنه ماذا
~~مع تيقنها بأنه في الآخرة فسيق الكلام على وجه يؤذن بأن المقصود بالذكر
~~جزاؤهم لا كونه في الآخرة، وذكر أيضا أن الجملة المذكورة عطف على مقدر
~~ينسحب عليه الكلام أي هذا الذي فهم من التمثيل من عذاب هؤلاء الماكرين
~~القائلين في القرآن العظيم أساطير الأولين أو ما هو أعم منه، ومما ذكر من
~~عذاب أولئك الماكرين من قبل جزاؤهم في الدنيا ويوم القيامة يخزيهم إلى
~~آخرهم، ثم قال: والضمير إما للمغترين في حق القرآن الكريم أو لهم ولمن
~~مثلوا بهم من الماكرين، وتخصيصه بهم يأباه السباق والسياق اه. وفيه من
~~ارتكاب خلاف الظاهر ما فيه فليتأمل.

# وفسر بعضهم الإخزاء بما هو من روادف التعذيب بالنار لأنه الفرد الكامل
~~وقد قال تعالى:

# إنك من تدخل النار فقد أخزيته

# [آل عمران: 192] وقيل عليه: إن قوله سبحانه: { أين شركائى } إلى
~~آخره يأباه لأنه قبل دخولهم النار. وأجيب بأن الواو لا تقتضي ms05349 الترتيب،
~~وأنت تعلم أن الأولى مع هذا حمله على مطلق الإذلال، وإضافة الشركاء إلى
~~نفسه عز وجل لأدنى ملابسة بناء على زعمهم أنهم شركاء لله سبحانه عما
~~يشركون فتكون الآية كقوله تعالى:

# أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون

# [القصص: 62]. وجوز أن يكون ما ذكر حكاية منه تعالى لإضافتهم فإنهم كانوا
~~يضيفون ويقولون: شركاء الله تعالى،/ وفي ذلك زيادة في توبيخهم ليست في
~~أين أصنامكم مثلا لو قيل، ولا يخفى أن هذا خزي وإهانة بالقول فإذا فسر
~~الإخزاء فيما تقدم بالتعذيب بالنار كانت الآية مشيرة إلى خزيين فعلي
~~وقولي، وأشير إلى الأول أولا لأنه أنسب بسابقه. وقرأ الجمهور { شركائي }
~~ممدودا مهموزا مفتوح الياء، وفرقة كذلك إلا أنهم سكنوا الياء فتسقط في
~~الدرج لالتقاء الساكنين، والبزي عن ابن كثير بخلاف عنه بالقصر وفتح
~~الياء، وأنكر ذلك جماعة وزعموا أن هذه القراءة غير مأخوذ لأن قصر الممدود
~~لا يجوز إلا ضرورة، وليس كما قالوا فإنه يجوز في السعة، وقد وجه أيضا
~~بأن الهمزة المكسورة قبل الياء حذفت للتخفيف وليس كقصر الممدود مطلقا،
~~مع أنه قد روي عن ابن كثير قصر التي في القصص [62] و { ورائى } في
~~مريم [5]، وعن قنبل قصر

# أن رءاه استغنى

# في العلق [7] العلق فكيف يعد ذلك ضرورة.

# نعم قال أبو حيان: إن وقوعه في الكلام قليل فاعرف ذلك فقد غفل عنه كثير
~~من الناس.

# { الذين كنتم تشقون فيهم } أي تخاصمون وتنازعون
~~الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم في شأنهم وتزعمون أنهم شركاء حقا حين
~~بينوا لكم ضد ذلك، وفسر بعضهم المشاقة بالمعاداة، وتفسيرها بالمخاصمة
~~ليظهر تعلق { فيهم } به ولا يحتاج إلى جعل في للسببية أولى، وقيل:
~~للمخاصمة مشاقة أخذا من شق العصا أو لكون كل من المتخاصمين في شق؛
~~والمراد بالاستفهام استحضارها للشفاعة على طريق الاستهزاء والتبكيت،
~~فإنهم كانوا يقولون: إن صح ما تقولون فالأصنام تشفع لنا، والاستفسار عن
~~مكانتهم لا يوجب غيبتهم حقيقة بل يكفي في ذلك عدم حضورهم بالعنوان الذي
~~كانوا يزعمون أنهم متصفون به فليس هناك شركاء ولا أماكنها. وقيل: ms05350 إن ذلك
~~يوجب الغيبة، ويقال: إنه يحال بينهم وبين شركائهم حينئذ ليتفقدوهم في
~~ساعة علقوا الرجاء بها فيهم أو أنهم لما لم ينفعوهم فكأنهم غيب. ولا
~~يحتاج إلى هذا بعدما علمت على أنه أورد على قوله: ليتفقدوهم إلى آخره أنه
~~ليس بسديد، فإنه قد تبين للمشركين حقيقة الأمر فرجعوا عن ذلك الزعم
~~الباطل فكيف يتصور منهم التفقد. وأجيب بأنه يجوز أن يغفلوا لعظم الهول عن
~~ذلك فيتفقدوهم، ثم إن ما ذكر يقتضي حشر الأصنام وهو الذي يدل عليه كثير
~~من الآيات كقوله تعالى:

# إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم

# [الأنبياء: 98] وقوله سبحانه:

# وقودها الناس والحجارة

# [البقرة: 24] على قول، ولا أرى مانعا من حمل الشركاء على معبوداتهم
~~الباطلة بحيث تشمل ذوي العقول أيضا.

# وقرأ الجمهور { تشقون } بفتح النون، ونافع بكسرها ورويت عن
~~الحسن، ولا يلتفت إلى تضعيف أبي حاتم وقرأت فرقة بتشديدها على أنه أدغم
~~نون الرفع في نون الوقاية والكسر على حذف ياء المتكلم والاكتفاء به أي
~~تشاقونني. على أن مشاقة الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم كمشاقة الله
~~تعالى شأنه ولولا ذلك لم يصح تعليق المشاقة به سبحانه. أما إذا كانت
~~بمعنى المخاصمة فظاهر أنهم لم يخاصموا الله تعالى. وأما إذا كانت بمعنى
~~العداوة فلأنهم لا يعتقدون أنهم أعداء لله تعالى: وأما قوله تعالى:

# لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء

# [الممتحنة: 1] يعني المشركين فمؤول أيضا بغير شبهة.

# { قال الذين أوتوا العلم } من أهل الموقف وهم الأنبياء
~~عليهم السلام والمؤمنون الذين أوتوا علما بدلائل التوحيد وكانوا يدعونهم
~~في الدنيا إلى التوحيد فيجادلونهم ويتكبرون عليهم، واقتصر يحيى بن سلام
~~على المؤمنين والأمر فيه سهل.

# وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم أنهم الملائكة عليهم السلام. ولم نقف
~~على تقييده إياهم. وعن مقاتل أنهم الحفظة منهم. ويشعر كلام بعضهم بأنهم
~~ملائكة/ الموت حيث أورد على القول بأنهم الملائكة أن الواجب حينئذ
~~يتوفونهم مكان

# تتوفهم الملئكة

# [النحل: 28] وأنه يلزم منه الإبهام في موضع التعيين والتعيين في موضع
~~الإبهام. وهو كما الشهاب في غاية السقوط، ms05351 وقيل: المراد كل من اتصف بهذا
~~العنوان من ملك وأنسي وغير ذلك. والذي يميل إليه القلب السليم القول
~~الأول أي يقول أولئك توبيخا للمشركين وإظهارا للشماتة بهم وتقريرا لما
~~كانوا يعظونهم وتحقيقا لما أوعدوهم به. وإيثار صيغة الماضي للدلالة على
~~تحقق وقوعه وتحتمه حسبما هو المعهود في إخباره تعالى كقوله سبحانه:

# ونادى أصحب الجنة

# [الأعراف: 44].

# { إن الخزى } الذل والهوان، وفسره الراغب بالذل الذي يستحيى
~~منه { اليوم } منصوب بالخزي على رأي من يرى إعمال المصدر [المصدر]
~~باللام كقوله: ضعيف النكاية أعداءه. أو بالاستقرار في الظرف الواقع خبرا
~~لإن، وفيه فصل بين العامل والمعمول بالمعطوف إلا أنه مغتفر في الظرف. وأل
~~للحضور أي اليوم الحاضر، وإيراده للإشعار بأنهم كانوا قبل ذلك في عزة
~~وشقاق { والسوء } العذاب ومن الخزي به جعل ذكر هذا للتأكيد { على
~~الكفرين } بالله تعالى وآياته ورسله عليهم السلام.

### || [16.28]

# { الذين تتوفهم الملئكة } بتأنيث الفعل، وقرأ حمزة
~~والأعمش { يتوفاهم } بالتذكير هنا وفيما سيأتي إن شاء الله تعالى،
~~والوجهان شائعان في أمثال ذلك. وقرىء بإدغام تاء المضارعة في التاء بعدها
~~ويجتلب في مثله حينئذ همزة وصل في الابتداء وتسقط في الدرج وإن لم يعهد
~~همزة وصل في أول فعل مضارع. وفي مصحف عبد الله بتاء واحدة في الموضعين،
~~وفي الموصول أوجه الإعراب الثلاثة. الجر على أنه صفة

# الكفرين

# [النحل: 27] أو بدل منه أو بيان له، والنصب والرفع على القطع للذم؛ وجوز
~~ابن عطية كونه مرتفعا بالابتداء وجملة { فألقوا } خبره. وتعقبه
~~أبو حيان بأن زيادة الفاء في الخبر لا تجوز هنا إلا على مذهب الأخفش في
~~إجازته وزيادتها في الخبر مطلقا نحو زيد فقام أي قام، ثم قال: ولا يتوهم
~~أن هذه الفاء هي الداخلة في خبر المبتدأ إذا كان موصولا وضمن معنى الشرط
~~لأنها لا يجوز دخولها في مثل هذا الفعل مع صريح أداة الشرط فلا يجوز مع
~~ما ضمن معناه اه بلفظه. ونقل شهاب عنه أنه قال: إن المنع مع ما ضمن
~~معناه أولى. وتعقبه بأن كونه أولى غير مسلم ms05352 لأن امتناع الفاء معه لأنه
~~لقوته لا يحتاج إلى رابط إذا صح مباشرته للفعل وما تضمن معناه ليس كذلك،
~~وكلامه الذي نقلناه لا يشعر بالأولوية فلعله وجد له كلاما آخر يشعر بها.
~~واستظهر هو الجر على الوصفية ثم قال: فيكون ذلك داخلا في المقول، فإن
~~كان القول يوم القيامة يكون { تتوفهم } بصيغة المضارع حكاية
~~للحال الماضية، وإن كان في الدنيا أي لما أخبر سبحانه أنه يخزيهم يوم
~~القيامة ويقول جل وعلا لهم ما يقول قال أهل العلم: إن الخزي اليوم الذي
~~أخبر الله تعالى أنه يخزيهم فيه والسوء على الكافرين يكون {
~~تتوفهم } على بابه، ويشمل من حيث المعنى من توفته ومن تتوفاه،
~~وعلى ما ذكره ابن عطية يحتمل أن يكون { الذين } إلى آخره من كلام
~~الذين أوتوا العلم وأن يكون إخبارا منه تعالى، والظاهر أن القول يوم
~~القيامة فصيغة المضارع لاستحضار صورة توفي الملائكة إياهم كما قيل آنفا
~~لما فيها من الهول، وفي تخصيص الخزي والسوء بمن استمر كفره إلى حين الموت
~~دون من آمن منهم ولو في آخر عمره، وفيه تنديم لهم لا يخفى أي الكافرين
~~المستمرين على الكفر إلى أن تتوفاهم الملائكة { ظالمى أنفسهم }
~~أي حال كونهم مستمرين على الشرك الذي هو ظلم منهم لأنفسهم وأي ظلم حيث
~~عرضوها للعذاب المقيم.

# { فألقوا السلم } أي الاستسلام كما قاله الأخفش/ وقال قتادة:
~~الخضوع، ولا بعد بين القولين. والمراد عليهما أنهم أظهروا الانقياد
~~والخضوع، وأصل الإلقاء في الأجسام فاستعمل في إظهارهم الانقياد وإشعارا
~~بغاية خضوعهم وانقيادهم وجعل ذلك كالشيء الملقى بين يدي القاهر الغالب.

# والجملة قيل عطف على قوله تعالى:

# ويقول أين شركآئى

# [النحل: 27] وما بينهما جملة اعتراضية جيء بها تحقيقا لما حاق بهم من
~~الخزي على رؤوس الاشهاد. وكان الظاهر فيلقون إلى آخره إلا أنه عبر بصيغة
~~الماضي للدلالة على تحقق الوقوع أي يقول لهم سبحانه ذلك فيستسلمون
~~وينقادون ويتركون المشاقة وينزلون عما كانوا عليه في الدينا من الكبر
~~وشدة الشكيمة، ولعله مراد من قال: إن الكلام قد تم عند ms05353 قوله تعالى: {
~~أنفسهم } ثم عاد إلى حكاية حالهم يوم القيامة، وقيل: عطف على

# قال الذين

# [النحل: 27] وجوز أبو البقاء وغيره العطف على { تتوفهم }
~~واستظهره أبو حيان، لكن قال الشهاب: إنه إنما يتمشى على كون {
~~تتوفهم } بمعنى الماضي، وقد تقدم لك القول بأن الجملة خبر {
~~الذين } مع ما فيه.

# واعترض الأول بأن قوله تعالى: { ما كنا نعمل من سوء } إما أن
~~يكون منصوبا بقول مضمر وذلك القول حال من ضمير { ألقوا } أي ألقوا
~~السلم قائلين ما كنا إلى آخره أو تفسيرا للسلم الذي ألقوه بناء على أن
~~المراد به القول الدال عليه بدليل الآية الأخرى

# فألقوا إليهم القول

# [النحل: 86] وأيا ما كان فذلك العطف يقتضي وقوع هذا القول منهم يوم
~~القيامة وهو كذب صريح ولا يجوز وقوعه يومئذ. وأجيب بأن المراد ما كنا
~~عاملين السوء في اعتقادنا أي كان اعتقادنا أن عملنا غير سيء، وهذا نظير
~~ما قيل في تأويل قولهم

# والله ربنا ما كنا مشركين

# [الأنعام: 23] وقد تعقب بأنه لا يلائمه الرد عليهم ب { بلى إن
~~الله } إلى آخره لظهور أنه لإبطال النفي ولا يقال: الرد على من جحد
~~واستيقنت نفسه لأنه يكون كذبا أيضا فلا يفيد التأويل. ومن الناس من قال
~~بجواز وقوع الكذب يوم القيامة، وعليه فلا إشكال، ولا يخفى أن هذا البحث
~~جار على تقدير كون العطف على

# قال الذين

# [النحل: 27] أيضا إذ يقتضي كالأول وقوع القول يوم القيامة وهو مدار
~~البحث. واختار شيخ الإسلام عليه الرحمة العطف السابق وقال: إنه جواب عن
~~قوله سبحانه:

# أين شركائى

# [النحل: 27] وأرادوا بالسوء الشرك منكرين صدوره عنهم، وإنما عبروا عنه
~~بما ذكر اعترافا بكونه سيئا لا إنكارا لكونه كذلك مع الاعتراف بصدوره
~~عنهم، ونفى أن يكون جوابا عن قول أولي العلم ادعاء لعدم استحقاقهم لما
~~دهمهم من الخزي والسوء، ولعله متعين على تقدير العطف على

# قال الذين

# [النحل: 27] إلى آخره، وإذا كان العطف على { تتوفهم
~~الملئكة } كان الغرض من قولهم هذا الصادر منهم عند معاينتهم
~~الموت استعطاف الملائكة عليهم السلام ms05354 بنفي صدور ما يوجب استحقاق ما
~~يعانونه عند ذلك، وقيل: المراد بالسوء الفعل السيء أعم من الشرك وغيره
~~ويدخل فيه الشرك دخولا أوليا أي ما كنا نعمل سوأ ما فضلا عن الشرك، و
~~{ من } على كل حال زائدة و { سوء } مفعول لنعمل.

# { بلى } رد عليهم من قبل الله تعالى أو من قبل أولي العلم أو من قبل
~~الملائكة عليهم السلام، ويتعين الأخير على كون القول عند معاينة الموت
~~ومعاناته أي بلى كنتم تعلمون ما تعملون. { إن الله عليم بما
~~كنتم تعملون } فهو يجازيكم عليه وهذا أوانه.

### || [16.29]

# { فادخلوا أبواب جهنم } خطاب لكل صنف منهم أن يدخل بابا
~~من أبواب جهنم، والمراد بها إما المنفذ أو الطبقة، ولا يجوز أن يكون
~~خطابا لكل فرد لئلا يلزم دخول الفرد من الكفار من أبواب متعددة أو يكون
~~لجهنم أبواب بعدد الأفراد، وجوز أن يراد/ بالأبواب أصناف العذاب، فقد جاء
~~إطلاق الباب على الصنف كما يقال: فلان ينظر في باب من العلم أي صنف منه
~~وحينئذ لا مانع في كون الخطاب لكل فرد، وأبعد من قال: المراد بتلك
~~الأبواب قبور الكفرة المملوأة عذابا مستدلا بما جاء

# " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار "

# { خلدين فيها } حال مقدرة إن أريد بالدخول حدوثه، ومقارنة إن
~~أريد به مطلق الكون، وضمير { فيها } قيل: للأبواب بمعنى الطبقات، وقيل:
~~لجهنم، والتزم هذا وكون الحال مقدرة من أبعد، وحمل الخلود على المكث
~~الطويل للاستغناء عن هذا الالتزام وإن كان واقعا في كلامهم خلاف المعهود
~~في القرآن الكريم.

# { فلبئس مثوى المتكبرين } أي عن التوحيد، وذكرهم بعنوان
~~التكبر للإشعار بعليته لثوائهم فيها، وقد وصف سبحانه الكفار فيما تقدم
~~بالاستكبار وهنا بالتكبر، وذكر الراغب أنهما والكبر تتقارب فالكبر الحالة
~~التي يتخصص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، والاستكبار على وجهين: أحدهما
~~أن يتحرى الإنسان ويطلب أن يصير كبيرا، وذلك متى كان على ما يحب وفي
~~المكان الذي يحب وفي الوقت الذي يحب وهو محمود. والثاني أن يتشبع فيظهر
~~من نفسه ما ms05355 ليس له وهو مذموم، والتكبر على وجهين أيضا. الأول أن تكون
~~الأفعال الحسنة كثيرة في الحقيقة وزائدة على محاسن غيره، وعلى هذا وصف
~~الله تعالى بالمتكبر. والثاني أن يكون متكلفا لذلك متشبعا وذلك في وصف
~~عامة الناس، والتكبر على الوجه الأول محمود وعلى الثاني مذموم، والمخصوص
~~بالذم محذوف أي جهنم أو أبوابها أن فسرت بالطبقات؛ والفاء عاطفة، واللام
~~جيء بها للتأكيد اعتناء بالذم لما أن القوم ضالون مضلون كما ينبىء عنه
~~قوله تعالى:

# ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيمة ومن
~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم

# [النحل: 25] وللتأكيد اعتناء بالمدح جيء باللام أيضا فيما بعد من قوله
~~سبحانه:

# ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين

# [النحل: 30] لأن أولئك القوم على ضد هؤلاء هادون مهديون، وكأنه لعدم هذا
~~المقتضي في آيتي الزمر والمؤمن لم يؤت باللام، وقيل:

# فبئس مثوى المتكبرين

# [الزمر: 72] وقيل: التأكيد متوجه لما يفهم من الجملة من أن جهنم مثواهم،
~~وحيث إنه لم يفهم من الآيات قبل هنا فهمه منها قبل آيتي تينك السورتين
~~جيء بالتأكيد هناك ولم يجىء به هنا اكتفاء بما هو كالصريح في إفادة أنها
~~مثواهم مما ستسمعه إن شاء الله تعالى هناك.

### || [16.30]

# { وقيل للذين اتقوا } أي المؤمنين، وصفوا بذلك إشعارا بأن
~~ما صدر عنهم من الجواب ناشىء من التقوى. { ماذا أنزل ربكم
~~قالوا خيرا } أي أنزل خيرا فماذا اسم واحد مركب للاستفهام بمعنى
~~أي شيء محله النصب { بأنزل } و { خيرا } مفعول لفعل محذوف، وفي اختيار
~~ذلك دليل على أنهم لم يتلعثموا في الجواب وأطبقوه على السؤال معترفين
~~بالإنزال على خلاف الكفرة حيث عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا: هو أساطير
~~الأولين وليس من الإنزال في شيء. نعم قرأ زيد بن علي رضي الله تعالى
~~عنهما { خير } بالرفع  فما  اسم استفهام وذا اسم موصول بمعنى الذي أي
~~أي شيء الذي أنزله ربكم، و { خير } خبر مبتدأ محذوف فيتوافق جملتا
~~الجواب والسؤال في كون كل منهما جملة اسمية، وجعل { ماذا } منصوبا على
~~المفعولية كما مر ورفع { خير } على الخبرية لمبتدأ ms05356 جائز إلا أنه خلاف
~~الأولى، وفي " الكشف " أنه يظهر من الوقوف على مراد صاحب " الكشاف " في
~~هذا المقام إن فائدة النصب مع أن الرفع أقوى دفع الالتباس ليكون نصا في
~~المطلوب كما أوثر النصب في/ قوله تعالى:

# إنا كل شىء خلقنه بقدر

# [القمر: 49] لذلك، وينحل مراده من ذلك بالرجوع إلى ما نقلناه عنه سابقا
~~والتأمل فيه فتأمل فإنه دقيق.

# هذا ولم نجد في السائل هنا خلافا كما في السائل فيما تقدم، والذي
~~رأيناه في كثير مما وقفنا عليه من التفاسير أن السائل الوفد الذي كان
~~سائلا أولا في بعض الأقوال المحكية هناك، وذكر أنه السائل في الموضعين
~~كثير منهم ابن أبي حاتم، فقد أخرج عن السدي قال اجتمعت قريش فقالوا: إن
~~محمدا صلى الله عليه وسلم رجل حلو اللسان إذا كلمه الرجل ذهب بعقله
~~فانظروا أناسا من أشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم فابعثوهم في كل
~~طريق من طرق مكة على رأس ليلة أو ليلتين فمن جاء يريده فردوه عنه فخرج
~~ناس منهم في كل طريق فكان إذا أقبل الرجل وافدا لقومه ينظر ما يقول محمد
~~صلى الله عليه وسلم فينزل بهم قالوا له: يا فلان ابن فلان فيعرفه بنسبه
~~ويقول: أنا أخبرك عن محمد صلى الله عليه وسلم هو رجل كذاب لم يتبعه على
~~أمره إلا السفهاء والعبيد ومن لا خير فيه وأما شيوخ قومه وخيارهم
~~فمفارقون له فيرجع أحدهم فذلك قوله تعالى:

# وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أسطير
~~الأولين

# [النحل: 24] فإذا كان الوافد ممن عزم الله تعالى له على الرشاد فقالوا
~~له مثل ذلك قال: بئس الوافد أنا لقومي إن كنت جئت حتى إذا بلغت مسيرة يوم
~~رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل وأنظر ما يقول وآتي قومي ببيان أمره فيدخل
~~مكة فيلقى المؤمنين فيسألهم ماذا يقول محمد صلى الله عليه وسلم فيقولون:
~~خيرا الخ، نعم يجوز عقلا أن يكون السائل بعضهم لبعض ليقوى ما عنده
~~بجوابه أو لنحو ذلك كالاستلذاذ بسماع الجواب وكثيرا ما يسأل المحب عما ms05357
~~يعلمه من أحوال محبوبه استلذاذا بمدامة ذكره وتشنيفا لسمعه بسني دره:

# الا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر

# ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر

# بل يجوز أيضا أن يكون السائل من الكفرة المعاندين وغرضه بذلك التلاعب
~~والتهكم.

# { للذين أحسنوا } أتوا بالأعمال الحسنة الصالحة { فى
~~هذه } الدار { الدنيا حسنة } مثوبة حسنة جزاء إحسانهم،
~~والجار والمجرور متعلق بما بعده على معنى أن تلك الحسنة لهم في الدنيا،
~~والمراد بها على ما روي عن الضحاك النصر والفتح، وقيل: المدح والثناء منه
~~تعالى، وقال الإمام: يحتمل أن يكون فتح باب المكاشفات والمشاهدات
~~والألطاف كقوله تعالى:

# والذين اهتدوا زادهم هدى

# [محمد: 17] وقيل: متعلق بما قبله، وحينئذ يحتمل أن يكون الكلام على
~~تقدير مثله متعلقا بما بعد أو لا بل تكون هذه الحسنة الواقعة مثوبة
~~لإحسانهم في الدنيا في الآخرة، واقتصر بعضهم على هذا الاحتمال، والمراد
~~بالحسنة حينئذ إما الثواب العظيم الذي أعده الله تعالى يوم القيامة
~~للمحسنين وإما التضعيف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما لا يعلمه
~~غيره جل وعلا، واختير كونه متعلقا بما بعد لأنه الأوفق بقوله سبحانه: {
~~ولدار الآخرة خير } والكلام كما يشعر به كلام غير واحد على
~~حذف مضاف أي ولثواب دار الآخرة أي ثوابهم فيها خير مما أوتوا في الدنيا
~~من الثواب. وجوز أن يكون المعنى خير على الإطلاق فيجوز إسناد الخيرية إلى
~~نفس دار الآخرة.

# { ولنعم دار المتقين } أي دار الآخرة حذف لدلالة ما سبق
~~عليه كما قاله ابن عطية والزجاج وابن الأنباري وغيرهم، وهذا كلام مبتدأ
~~عدة منه تعالى الذين اتقوا على قولهم، وهو في الوعد ههنا نظير

# ليحملوا أوزارهم

# [النحل: 25] في الوعيد فيما مر، وجوز أن يكون { خيرا } / مفعول {
~~قالوا } وعمل فيه لأنه في معنى الجملة كقال قصيده أو صفة مصدر أي
~~قولا خيرا، وهذه الجملة بدل منه فمحلها النصب أو مفسرة له فلا محل لها
~~من الإعراب، وعلى التقديرين مقولهم في الحقيقة { للذين أحسنوا
~~} الخ إلا أن الله سبحانه سماه خيرا ثم حكاه كما تقول: قال ms05358 فلان جميلا
~~من قصدنا وجب حقه علينا، وعلى ما ذكر لا يكون دلالة النصب على ما مر لما
~~أشير إليه هناك وإنما تكون من حيث شهادة الله تعالى بخيرية قولهم ويحتمل
~~جعل ذلك كما " الكشف " مفعول { أنزل } ويكون تسميته خيرا من الله
~~تعالى كما قوله سبحانه:

# ليقولن خلقهن العزيز العليم

# [الزخرف: 9] ليشعر أول ما يقرع السمع بالمطابقة من غير نظر إلى فهم
~~معناه؛ وأما قولهم: «للذين أحسنوا» أي قالوا أنزل هذه المقالة فإن ما
~~يفهم من المطابقة بعد تدبر المعنى، وزعم بعضهم أنه لا يجوز جعله منصوبا
~~ بأنزل  لأن هذا القول ليس منزلا من الله تعالى، وفيه تفوت المطابقة
~~حينئذ وهو كلام ناشىء من قلة التدبر.

# وفي " البحر " الظاهر أن { للذين } الخ مندرج تحت القول وهو تفسير
~~للخير الذي أنزل الله تعالى في الوحي، وظاهره أنه وجه آخر غير ما ذكر
~~وفيه رد على الزاعم أيضا، ولعل اقتصارهم على هذا من بين المنزل لأنه
~~كلام جامع وفيه ترغيب للسائل، والمختار من هذه الأوجه عند جمع هو الأول
~~بل قيل إنه الوجه.

### || [16.31]

# { جنت عدن } خبر مبتدأ محذوف كما اختاره الزجاج وابن الأنباري
~~أي هي جنات، وجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي لهم جنات أو هو المخصوص
~~بالمدح { يدخلونها } نعت لجنات عند الحوفي بناء على أن { عدن }
~~نكرة وكذلك { تجري من تحتها الأنهار } وكلاهما حال عند غير واحد
~~بناء على أنها علم. وجوزوا أن يكون { جنت } مبتدأ وجملة «يدخلونها»
~~خبره وجملة تجري الخ حال، وقرأ زيد بن ثابت وأبو عبد الرحمن (جنات)
~~بالنصب على الاشتغال أي يدخلون جنات عدن يدخلونها، قال أبو حيان: وهذه
~~القراءة تقوي كون (جنات) مرفوعا مبتدأ والجملة بعده خبره، وقرأ زيد بن
~~علي رضي الله تعالى عنهما { ولنعمة دار المتقين } [النحل: 30] بتاء
~~مضمومة ودار مخفوضة فيكون «نعمة» مبتدأ مضافا إلى دار وجنات خبره. وقرأ
~~اسمعيل بن جعفر عن نافع «يدخلونها» بالياء على الغيبة والفعل مبني
~~للمفعول، ورويت عن أبي جعفر.

# وشيبة { لهم فيها } أي في تلك ms05359 الجنات { ما يشآءون } الظرف
~~الأول خبر  لما  والثاني حال منه، والعامل ما في الأول من معنى الحصول
~~والاستقرار أو متعلق به لذلك أي حاصل لهم فيها ما يشاؤون من أنواع
~~المشتهيات وتقديمه للاحتراز عن توهم تعلقه بالمشيئة أو لما مر غير مرة من
~~أن تأخير ما حقه التقديم يوجب ترقب النفس إليه فيتمكن عند وروده فضل
~~تمكن. وذكر بعضهم أن تقديم { فيها } للحصر وما للعموم بقرينة المقام
~~فيفيد أن الإنسان لا يجد جميع ما يريده إلا في الجنة فتأمله. والجملة في
~~موضع الحال نظير ما تقدم، وزعم أن لهم متعلق بتجري أي تجري من تحتها
~~الأنهار لنفعهم { وفيها ما يشاؤون } مبتدأ وخبر في موضع الحال لا يخفى
~~حاله عند ذوي التمييز.

# { كذلك } مثل ذلك الجزاء الأوفى { يجزى الله المتقين }
~~أي جنسهم فيشمل كل من يتقي من الشرك والمعاصي وقيل من الشرك ويدخل فيه
~~المتقون المذكورون دخولا أوليا ويكون فيه بعث لغيرهم على التقوى أو
~~المذكورين فيكون فيه تحسير للكفرة، قيل: وهذه الجملة تؤيد كون قوله
~~سبحانه

# للذين أحسنوا

# [النحل: 30] عدة فإن جعل ذلك جزاء لهم ينظر إلى الوعد به من الله تعالى
~~وإذا كان مقول/ القول لا يكون من كلامه تعالى حتى يكون وعدا منه سبحانه،
~~وقيل: إنها تؤيد كون { جنات } خبر مبتدأ محذوف لا مخصوصا بالمدح
~~لأنه إذا كان مخصوصا بالمدح يكون كالصريح في أن { جنات عدن }
~~جزاء للمتقين فيكون { كذلك } الخ تأكيدا بخلاف ما إذا كان خبر مبتدأ
~~محذوف فإنه لم يعلم صريحا أن جنات عدن جزاء للمتقين وفيه نظر وكذا في
~~سابقه إلا أن في التعبير بالتأبيد ما يهون الأمر.

### || [16.32]

# { الذين تتوفهم الملئكة } نعت للمتقين وجوز قطعه،
~~وقوله سبحانه: { طيبين } حال من ضميرهم، ومعناه على ما روي عن أبي
~~معاذ طاهرين من دنس الشرك وهو المناسب لجعله في مقابلة

# ظالمي أنفسهم

# [النحل: 28] في وصف الكفرة بناء على أن المراد بالظلم أعظم أنواعه وهو
~~الشرك لكن قيل عليه: إن ذكر الطهارة عن الشرك وحده لا فائدة فيه ms05360 بعد
~~وصفهم بالتقوى. وأجيب بأن فائدة ذلك الإشارة إلى أن الطهارة عن الشرك هي
~~الأصل الأصيل. وفي " إرشاد العقل السليم " بعد تفسير الظلم بالكفر وتفسير
~~طيبين بطاهرين عن دنس الظلم وجعله حالا قال: وفائدته الإيذان بأن ملاك
~~الأمر في التقوى هو الطهارة عما ذكر إلى وقت توفيهم، ففيه حث للمؤمنين
~~على الاستمرار على ذلك ولغيرهم على تحصيله. وقال مجاهد: المراد  بطيبين
~~ زاكية أقوالهم وأفعالهم، وهو مراد من قال: طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر
~~والمعاصي وإلى هذا ذهب الراغب حيث قال: الطيب من الإنسان من تعرى من
~~نجاسة الجهل والفسق وقبائح الأعمال وتحلى بالعلم والإيمان ومحاسن الأعمال
~~وإياهم قصد بقوله سبحانه: { الذين تتوفهم الملئكة
~~طيبين }. وانتصر لذلك بأن وصفهم بأنهم متقون موعودون بالجنة في
~~مقابلة الأعمال يقتضي ما ذكر، وحملوا الظلم فيما مر على ما يعم الكفر
~~والمعاصي لأن ذلك مجاب بقولهم:

# ما كنا نعمل من سوء

# [النحل: 28] فلا تفوت المناسبة في جعل هذا مقابلا لذاك لكن في
~~الاستدلال بما ذكر في الجواب على إرادة العام ما لا يخفى، والكثير على
~~تفسير الطيب بالطاهر عن قاذورات الذنوب مطابق الذي لا خبث فيه، وقيل:
~~المعنى فرحين ببشارة الملائكة عليهم السلام إياهم أو بقبض أرواحهم لتوجه
~~نفوسهم بالكلية إلى حضرة القدس، فالمراد بالطيب طيب النفس وطيبها عبارة
~~عن القبول مع انشراح الصدر.

# { يقولون } حال من { الملائكة } ، وجوز أن يكون { الذين } مبتدأ
~~خبره هذه الجملة أي قائلين أو قائلون لهم: { سلم عليكم } لا
~~يحيقكم بعد مكروه. قال القرطبي: وروى نحوه البيهقي عن محمد بن كعب
~~القرظي إذا استدعيت نفس المؤمن جاءه ملك الموت عليه السلام فقال: السلام
~~عليك يا ولي الله إن الله تعالى يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة.

# { ادخلوا الجنة } التي أعدها الله تعالى لكم ووعدكم إياها
~~وكأنها إنما لم توصف لشهرة أمرها. وفي " إرشاد العقل السليم " اللام
~~للعهد أي

# جنت عدن

# [النحل: 31] الخ ولذلك جردت عن النعت وهو كما ترى، والمراد دخولهم فيها
~~بعد البعث بناء على أن المتبادر الدخول بالأرواح والأبدان ms05361 والمقصود من
~~الأمر بذلك قبل مجيء وقته البشارة بالجنة على أتم وجه ويجوز أن يراد
~~الدخول حين التوفي بناء على حمل الدخول على الدخول بالأرواح كما يشير
~~إليه خبر

# " القبر روضة من رياض الجنة "

# وكون البشارة بذلك دون البشارة بدخول الجنة على المعنى الأول لا يمنع عن
~~ذلك على أن لقائل أن يقول: إن البشارة بدخول الجنة بالأرواح متضمنة
~~للبشارة بدخولها بالأرواح والأبدان عند وقته؛ وكون هذا القول كسابقه عند
~~قبض الأرواح هو المروي عن ابن مسعود وجماعة/ من المفسرين، وقال مقاتل
~~والحسن: إن ذلك يوم القيامة، والمراد من التوفي وفاة الحشر أعني تسليم
~~أجسادهم وإيصالها إلى موقف الحشر من توفى الشيء إذا أخذه وافيا، وجوز
~~حمل التوفي على المعنى المتعارف مع كون القول يوم القيامة إما بجعل

# الذين تتوفهم الملئكة

# [النحل: 28] يقولون مبتدأ وخبرا أو بجعل يقولون حالا مقدرة من
~~الملائكة { والذين } على حاله أولا وحال ذلك لا يخفى.

# { بما كنتم تعملون } أي بسبب ثباتكم على التقوى والطاعة
~~بالذي كنتم تعملونه من ذلك، والباء للسببية العادية، وهي فيما في
~~الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " لن يدخل الجنة أحدكم بعمله "

# الحديث للسببية الحقيقية فلا تعارض بين الآية والحديث وبعضهم جعل الباء
~~للمقابلة دفعا للتعارض.

### || [16.33]

# { هل ينظرون } أي ما ينتظر كفار مكة المار ذكرهم { إلا أن
~~تأتيهم الملئكة } لقبض أرواحهم كما روي عن قتادة ومجاهد
~~وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب وطلحة والأعمش { يأتيهم } بالياء آخر
~~الحروف { أو يأتى أمر ربك } أي القيامة كما روي عمن تقدم
~~أيضا، وقال بعضهم: المراد به العذاب الدنيوي دونها لا لأن انتظارها
~~يجامع انتظار إتيان الملائكة فلا يلائمه العطف بأو لا لأنها ليست نصا في
~~العناد إذ يجوز أن يعتبر منع الخلو ويراد بإيرادها كفاية كل واحد من
~~الأمرين في عذابهم بل لأن قوله تعالى فيما سيأتي إن شاء الله تعالى: {
~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }

# فأصابهم

# [النحل: 34] الآية صريح في أن المراد به ما أصابهم من العذاب الدنيوي
~~وفيه منع ظاهر، ويؤيد إرادة ms05362 الأول التعبير  بيأتي  دون يأتيهم، وقيل:
~~المراد بإتيان الملائكة إتيانهم للشهادة بصدق النبي صلى الله عليه وسلم
~~أي ما ينتظرون في تصديقك إلا أن تنزل الملائكة تشهد بنبوتك فهو كقوله
~~تعالى:

# لولا أنزل عليه ملك

# [الأنعام: 8] والجمهور على الأول، وجعلوا منتظرين لذلك مجازا لأنه
~~يلحقهم لحوق الأمر المنتظر كما قيل.

# واختير أن ذلك لمباشرتهم أسباب العذاب الموجبة له المؤدية إليه فكأنهم
~~يقصدون إيتاءه ويتصدون لوروده، ولا يخفى ما في التعبير بالرب وإضافته إلى
~~ضميره صلى الله عليه وسلم من اللطف به عليه الصلاة والسلام، وسيأتي
~~قريبا إن شاء الله تعالى وجه ربط الآيات.

# { كذلك } أي مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب { فعل الذين }
~~خلوا { من قبلهم } من الأمم { وما ظلمهم الله } إذ
~~أصابهم جزاء فعلهم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }
~~بالاستمرار على فعل القبائح المؤدي لذلك، قيل: وكان الظاهر أن يقال:

# ولكن كانوا هم الظالمين

# كما في سورة الزخرف [76] لكنه أوثر ما عليه النظم الكريم لإفادة أن
~~غائلة ظلمهم آيلة إليهم وعاقبته مقصورة عليهم مع استلزام اقتصار ظلم كل
~~أحد على نفسه من حيث الوقوع اقتصاره عليه من حيث الصدور.

### || [16.34]

# { فأصابهم سيئات ما عملوا } أي أجزية أعمالهم السيئة على
~~طريقة إطلاق اسم السبب على المسبب إيذانا بفظاعته، وقيل: الكلام على حذف
~~المضاف. وتعقب بأنه يوهم أن لهم أعمالا غير سيئة والتزم ومثل ذلك بنحو
~~صلة الأرحام، ولا يخفى أن المعنى ليس على التخصيص، والداعي إلى ارتكاب
~~أحد الأمرين أن الكلام بظاهره يدل على أن ما أصابهم سيئة، وليس بها. وقد
~~يستغنى عن ارتكاب ذلك لما ذكر بأن ما يدل عليه الظاهر من باب المشاكلة
~~كما في قوله تعالى:

# وجزاء سيئة سيئة مثلها

# [الشورى: 40] كما في " الكشاف ".

# { وحاق بهم } أي أحاط بهم، وأصل معنى الحيق الإحاطة مطلقا ثم خص
~~في الاستعمال بإحاطة الشر، فلا يقال: أحاطت به النعمة بل النقمة وهذا
~~أبلغ وأفظع من أصابهم { ما كانوا به يستهزؤن } أي من العذاب
~~كما قيل على أن { ما } موصولة عبارة عن العذاب، ms05363 وليس في الكلام حذف ولا
~~ارتكاب مجاز على/ نحو ما مر آنفا، وقيل: { ما } مصدرية وضمير { به }
~~للرسول عليه الصلاة والسلام وإن لم يذكر، والمراد أحاط بهم جزاء
~~استهزائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم أو موصولة عامة للرسول عليه الصلاة
~~والسلام وغيره وضمير { به } عائد عليها والمعنى على الجزاء أيضا، ولا
~~يخفى ما فيه، وأيا ما كان { فبه } متعلق  بيستهزؤون  قدم للفاصلة.

# هذا ثم إن قوله تعالى:

# هل ينظرون

# [النحل: 33] الخ على ما في " الكشف " رجوع إلى عد ما هم فيه من العناد
~~والاستشراء في الفساد وأنهم لا يقلعون عن ذلك كأسلافهم الغابرين إلى يوم
~~التناد، وما وقع من أحوال اضدادهم في البين كان لزيادة التحسير والتبكيت
~~والتخسير، وفيه دلالة على أن الحجة قد تمت وأنه صلى الله عليه وسلم أدى
~~ما عليه من البلاغ المبين، وقوله تعالى: { فأصابهم } عطف على

# فعل الذين من قبلهم

# [النحل: 33] مترتب إذ المعنى كذلك التكذيب والشرك فعل أسلافهم وأصابهم
~~ما أصابهم، وفيه تحذير مما فعله هؤلاء وتذكير لقوله سبحانه:

# قد مكر الذين من قبلهم

# [النحل: 26] ولا يخفى حسن الترتب على ذلك لأن التكذيب والشرك تسببا
~~لإصابة السيئات لمن قبلهم، وقوله سبحانه:

# وما ظلمهم الله

# [النحل: 33] اعتراض واقع حاق موقعه، وجعل ذلك راجعا إلى المفهوم من
~~قوله تعالى:

# هل ينظرون

# [النحل: 33] أي كذلك كان من قبلهم مكذبين لزمتهم الحجة منتظرين فاصابهم
~~ما كانوا منتظرين سديد حسن إلا أن معتمد الكلام الأول وهو أقرب مأخذا،
~~ودلالة { فعل } عليه أظهر، فهذه فذلكة ضمنت محصل ما قابلوا به تلك
~~النعم والبصائر وأدمج فيها تسليته صلى الله عليه وسلم والبشرى بقلب
~~الدائرة على من تربص به وبأصحابه عليه الصلاة والسلام الدوائر وختمت بما
~~يدل على أنهم انقطعوا فاحتجوا بآخر ما يحتج به المحجوج يتقلب عليه فلا
~~يبصر إلا وهو مثلوج مشجوج وهو ما تضمنه قوله تعالى: { وقال الذين
~~أشركوا لو شآء الله... }.

### || [16.35]

# { وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من
~~دونه من شىء } فهو من تتمة قوله ms05364 سبحانه:

# هل ينظرون

# [النحل: 33] ألا ترى كيف ختم بنحوه آخر مجادلاتهم في سورة الأنعام [148]
~~في قوله سبحانه:

# سيقول الذين أشركوا

# وكذلك في سورة الزخرف ولا تراهم يتشبثون بالمشيئة إلا عند انخزال الحجة

# وقالوا لو شاء ربنا لأنزل ملئكة

# [فصلت: 14] ويكفي في الانقلاب ما يشير إليه قوله سبحانه:

# قل فلله الحجة البلغة

# [الأنعام: 149] وفي " إرشاد العقل السليم " أن هذه الآية بيان لفن آخر
~~من كفر أهل مكة فهم المراد بالموصول، والعدول عن الضمير إليه لتقريعهم
~~بما في حيز الصلة وذمهم بذلك من أول الأمر، والمعنى لو شاء الله تعالى
~~عدم عبادتنا لشيء غيره سبحانه كما تقول ما عبدنا ذلك { نحن ولا
~~ءاباؤنا } الذين نهتدي بهم في ديننا { ولا حرمنا من دونه
~~من شىء } من السوائب والبحائر وغيرها  فمن  الأولى بيانية والثانية
~~زائدة لتأكيد الاستغراق وكذا الثالثة { ونحن } لتأكيد ضمير {
~~عبدنا } لا لتصحيح العطف لوجود الفاصل وإن كان محسنا له، وتقدير
~~مفعول { شاء } عدم العبادة مما صرح به بعضهم، وكان الظاهر أن يضم إليه
~~عدم التحريم. واعترض تقدير ذلك بأن العدم لا يحتاج إلى المشيئة كما ينبىء
~~عنه قوله صلى الله عليه وسلم:

# " ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن "

# حيث لم يقل عليه الصلاة والسلام ما شاء الله تعالى كان وما شاء عدم كونه
~~لم يكن بل يكفي فيه عدم مشيئة الوجود، وهو معنى قولهم: علة العدم عدم علة
~~الوجود، فالأولى أن يقدر المفعول وجوديا كالتوحيد والتحليل وكامتثال ما
~~جئت به والأمر في ذلك سهل. وفي تخصيص الإشراك والتحريم بالنفي لأنهما
~~أعظم وأشهر ما هم عليه، وغرضهم من ذلك كما قال بعض المحققين تكذيب الرسول
~~عليه الصلاة والسلام والطعن في الرسالة رأسا، فإن حاصله أن ما شاء الله
~~تعالى يجب وما لم يشأ يمتنع فلو أنه سبحانه شاء أن نوحده ولا نشرك به
~~شيئا ونحلل ما أحله ولا نحرم شيئا مما حرمنا كما تقول الرسل/ وينقلونه
~~من جهته تعالى لكان الأمر كما شاء من التوحيد ونفي الإشراك وتحليل ms05365 ما
~~أحله وعدم تحريم شيء من ذلك وحيث لم يكن كذلك ثبت أنه لم يشأ شيئا من
~~ذلك بل شاء ما نحن عليه وتحقق أن ما تقوله الرسل عليهم السلام من تلقاء
~~أنفسهم ورد الله تعالى عليهم بقوله سبحانه عز وجل: { كذلك } أي مثل
~~ذلك الفعل الشنيع { فعل الذين من قبلهم } من الأمم أي
~~أشركوا بالله تعالى وحرموا من دونه ما حرموا وجادلوا رسلهم بالباطل
~~ليدحضوا به الحق.

# { فهل على الرسل } الذين أمروا بتبليغ رسالات الله تعالى
~~وعزائم أمره ونهيه. { إلا البلغ المبين } أي ليست وظيفتهم
~~إلا الإبلاغ للرسالة الموضح طريق الحق والمظهر أحكام الوحي التي منها
~~تحتم تعلق مشيئته تعالى باهتداء من صرف قدرته واختياره إلى تحصيل الحق
~~لقوله تعالى:

# والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا

# [العنكبوت: 69]. واما إلجاؤهم إلى ذلك وتنفيذ قولهم عليهم شاؤوا أو أبوا
~~كما هو مقتضى استدلالهم فليس ذلك من وظيفتهم ولا من الحكمة التي يدور
~~عليها فلك التكليف حتى يستدل بعدم ظهور آثاره على عدم حقية الرسل عليهم
~~السلام أو على عدم تعلق مشيئة الله تعالى بذلك، فإن ما يترتب عليه الثواب
~~والعقاب من الأفعال لا بد في تعلق مشيئته تعالى بوقوعه من مباشرتهم
~~الاختيارية وصرف اختيارهم الجزئي إلى تحصيله وإلا لكان الثواب والعقاب
~~اضطراريين؛ والفاء على هذا للتعليل كانه قيل كذلك فعل أسلافهم وذلك باطل
~~فإن الرسل عليهم السلام ليس شأنهم إلا تبليغ الأوامر والنواهي لا تحقيق
~~مضمونهما قسرا وإلجاء اه، وكأني بك لا تبريه من تكلف. وهو متضمن للرد
~~على الزمخشري فقد سلك في هذا المقام الغلو في المقال وعدل عن سنن الهدى
~~إلى مهواة الضلال فذكر ((أن هؤلاء المشركين فعلوا ما فعلوا من القبائح ثم
~~نسبوا فعلهم إلى الله تعالى وقالوا: { لو شاء الله } إلى آخره وهذا
~~مذهب المجبرة بعينه كذلك فعل أسلافهم فلما نبهوا على قبح فعلهم وركوه على
~~ربهم فهل على الرسل إلا أن يبلغوا الحق وأن الله سبحانه لا يشاء الشرك
~~والمعاصي بالبيان والبرهان ويطلعوا على بطلان الشرك وقبحه ms05366 وبراءة الله
~~تعالى من أفعال العباد وأنهم فاعلوها بقصدهم وإرادتهم واختيارهم، والله
~~تعالى باعثهم على جميلها وموفقهم له وزاجرهم عن قبيحها وموعدهم عليه))
~~إلى آخر ما قال مما هو على هذا المنوال، ولعمري إنه فسر الآيات على وفق
~~هواه وهي عليه لا له لو تدبر ما فيها وحواه، وقد رد عليه غير واحد من
~~المحققين وأجلة المدققين وبينوا أن الآية بمعزل عن أن تكون دليلا لأهل
~~الاعتزال كما أن الشرطية لا تنتج مطلوب أولئك الضلال، وقد تقدم نبذة من
~~الكلام في ذلك.

# ثم إن كون غرض المشركين من الشرطية تكذيب الرسل عليهم السلام هو أحد
~~احتمالين في ذلك، قال المدقق في " الكشف " في نظير الآية: إن قولهم هذا
~~إما لدعوى مشروعية ما هم عليه ردا للرسل عليهم السلام أو لتسليم أنهم
~~على الباطل اعتذارا بأنهم مجبورون، والأول باطل لأن المشيئة تتعلق
~~بفعلهم المشروع وغيره فما شاء الله تعالى أن يقع منهم مشروعا وقع كذلك
~~وما شاء الله تعالى أن يقع لا كذلك وقع لا كذلك، ولا شك أن من توهم أن
~~كون الفعل بمشيئته تعالى ينافي مجيء الرسل عليهم السلام بخلاف ما عليه
~~المباشر من الكفر والضلال فقد كذب التكذيب كله وهو كاذب في استنتاج
~~المقصود من هذه اللزومية، وظاهر الآية مسوق لهذا المعنى.

# والثاني على ما فيه حصول المقصود وهو الاعتراف بالبطلان باطل أيضا إذ
~~لا جبر لأن المشيئة تعلقت بأن يشركوا اختيارا منهم والعلم تعلق كذلك/
~~ومثله في التحريم فهو يؤكد دفع العذر لا أنه يحققه، وذكر أن معنى { فهو
~~على الرسل } أن الذي على الرسل أن يبلغوا ويبينوا معالم الهدى بالإرشاد
~~إلى تمهيد قواعد النظر والإمداد بأدلة السمع والبصر ولا عليهم من مجادلة
~~من يريد أن يدحض بباطله الحق الأبلج إذ بعد ذلك التبيين يتضح الحق
~~للناظرين ولا تجدي نفعا مجادلة المعاندين، وجوز أن يكون قولهم هذا منعا
~~للبعثة والتكليف متمسكين بأن ما شاء الله تعالى يجب وما لم يشأ يمتنع فما
~~الفائدة فيهما أو إنكارا لقبح ms05367 ما أنكر عليهم من الشرك والتحريم محتجين
~~بأن ذلك لو كان مستقبحا لما شاء الله تعالى صدوره عنا أو لشاء خلافه
~~ملجأ إليه، وأشير إلى جواب الشبهة الأولى بقوله سبحانه: { فهل على
~~الرسل } إلى آخره كأنه قيل: إن فائدة البعثة البلاغ الموضح للحق فإن
~~ما شاء الله تعالى وجوده أو عدمه لا يجب ولا يمتنع مطلقا كما زعمتم بل
~~قد يجب أو يمتنع بتوسط أسباب أخر قدرها سبحانه ومن ذلك البعثة فإنها تؤدي
~~إلى هدى من شاء الله تعالى على سبيل التوسط، وأما الشبهة الثانية فقد
~~أشير إلى جوابها في قوله تعالى: { ولقد بعثنا فى كل
~~أمة... }.

### || [16.36]

# { ولقد بعثنا فى كل أمة } من الأمم الخالية { رسولا
~~أن اعبدوا الله } وحده { واجتنبوا الطغوت } هو كل
~~ما يدعو إلى الضلالة، وقال الحسن: هو الشيطان، والمراد من اجتنابه اجتناب
~~ما يدعو إليه. { فمنهم } أي من أولئك الأمم { من هدى الله }
~~إلى الحق من عبادته أو اجتناب الطاغوت بأن وفقهم لذلك { ومنهم من
~~حقت عليه الضللة } ثبتت ووجبت إذ لم يوفقهم ولم يرد
~~هدايتهم، ووجه الإشارة أن تحقق الضلال وثباته من حيث إنه وقع قسيما
~~للهداية التي هي بإرادته تعالى ومشيئته كان هو أيضا كذلك. وأما أن إرادة
~~القبيح قبيحة فلا يجوز اتصاف الله سبحانه بها فظاهر الفساد لأن القبيح
~~كسب القبيح والاتصاف به لا إرادته وخلقه على ما تقرر في الكلام. وأنت
~~تعلم أن كلتا الإشارتين في غاية الخفاء، ولينظر أي حاجة إلى الحصر وما
~~المراد به على جعل

# فهل على الرسل

# [النحل: 35] إلى آخره مشيرا إلى جواب الشبهة الأولى.

# وقال الإمام: إن المشركين أرادوا من قولهم ذلك أنه لما كان الكل من الله
~~تعالى كان بعثه الأنبياء عليهم السلام عبثا فنقول: هذا اعتراض على الله
~~تعالى وجار مجرى طلب العلة في أحكامه تعالى وأفعاله وذلك باطل إذ لله
~~سبحانه أن يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يجوز أن يقال له لم
~~فعلت هذا ولم لم تفعل ذاك. والدليل ms05368 على أن الإنكار إنما توجه إلى هذا
~~المعنى أنه تعالى صرح بهذا المعنى في قوله سبحانه: { ولقد بعثنا
~~} إلى آخره حيث بين فيه أن سنته سبحانه في عباده إرسال الرسل إليهم
~~وأمرهم بعبادته ونهيهم عن عبادة غيره، وأفاد أنه تعالى وإن أمر الكل
~~ونهاهم إلا أنه جل جلاله هدى البعض وأضل البعض، ولا شك أنه إنما يحسن منه
~~تعالى ذلك بحكم كونه إلها منزها عن اعتراضات المعترضين ومطالبات
~~المنازعين، فكان إيراد هذا السؤال من هؤلاء الكفار موجبا للجهل والضلال
~~والبعد عن الله المتعال، فثبت أن الله تعالى إنما ذم هؤلاء القائلين
~~لأنهم اعتقدوا أن كون الأمر كذلك يمنع من جواز بعثة الرسل لا لأنهم كذبوا
~~في قولهم ذلك، وهذا هو الجواب الصحيح الذي يعول عليه في هذا الباب، ومعنى

# فهل على الرسل

# [النحل: 35] إلى آخره أنه تعالى أمر الرسل عليهم السلام بالتبليغ فهو
~~الواجب عليهم، وأما أن الإيمان هل يحصل أو لا يحصل فذاك لا تعلق للرسل
~~به ولكن الله تعالى يهدي من يشاء بإحسانه ويضل من يشاء بخذلانه اه وهو
~~كما ترى.

# / ونقل الواحدي في " الوسيط " عن الزجاج أنهم قالوا ذلك على الهزو ولم
~~يرتضه كثير من المحققين، وذكر بعضهم أن حمله على ذاك لا يلائم الجواب.

# نعم قال في «الكشف» عند قوله تعالى:

# وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنهم

# [الزخرف: 20] إنهم دفعوا قول الرسل عليهم السلام بدعوتهم إلى عبادته
~~تعالى ونهيهم عن عبادة غيره سبحانه بهذه المقالة وهم ملزمون على مساق هذا
~~القول لأنه إذا استند الكل إلى مشيئته تعالى فقد شاء إرسال الرسل وشاء
~~دعوتهم إلى العباد وشاء جحودهم وشاء دخولهم النار، فالإنكار والدفع بعد
~~هذا القول دليل على أنهم قالوه لا عن اعتقاد بل مجازفة، وقال في موضع آخر
~~عند نظير الآية أيضا: إنهم كاذبون في هذا القول لجزمهم حيث لا ظن مطلقا
~~فضلا عن العلم، وذلك لأن من المعلوم أن العلم بصفات الله تعالى فرع
~~العلم بذاته والإيمان بها كذلك والمحتجون به كفرة مشركون مجسمون، ms05369 وأطال
~~الكلام في هذا المقام في سورة الزخرف. وذكر أن في كلامهم تعجيز الخالق
~~بإثبات التمانع بين المشيئة وضد المأمور به فيلزم أن لا يريد إلا أمر به
~~ولا ينهى إلا وهو لا يريده، وهذا تعجيز من وجهين إخراج بعض المقدورات عن
~~أن يصير محلها وتضييق محل أمره ونهيه وهذا بعينه مذهب إخوانهم القدرية
~~اه ويجوز أن يقال: إن المشركين إنما قالوا ذلك إلزاما بزعمهم حيث سمعوا
~~من المرسلين وأتباعهم أن ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن وإلا
~~فهم أجهل الخلق بربهم جل شأنه وصفاته

# إن هم إلا كالأنعم بل هم أضل

# [الفرقان: 44] ومرادهم إسكات المرسلين وقطعهم عن دعوتهم إلى ما يخالف ما
~~هم عليه والاستراحة عن معارضتهم فكأنهم قالوا: إنكم تقولون ما شاء الله
~~تعالى كان وما لم يشأ لم يكن فما نحن عليه مما شاءه الله تعالى وما
~~تدعونا إليه مما لم يشأه وإلا لكان، واللائق بكم عدم التعرض لخلاف مشيئة
~~الله تعالى، فإن وظيفة الرسول الجري على إرادة المرسل لأن الإرسال إنما
~~هو لتنفيذ تلك الإرادة وتحصيل المراد بها، وهذا جهل منهم بحقيقة الأمر
~~وكيفية تعلق المشيئة وفائدة البعثة، وذلك لأن مشيئته تعالى إنما تتعلق
~~وفق علمه وعلمه إنما يتعلق وفق ما عليه الشيء في نفسه، فالله تعالى ما
~~شاء شركهم مثلا إلا بعد أن علم ذلك وما علمه إلا وفق ما هو عليه في نفس
~~الأمر فهم مشركون في الأزل ونفس الأمر إلا أنه سبحانه حين أبرزهم على وفق
~~ما علم فيهم لو تركهم وحالهم كان لهم الحجة عليه سبحانه إذا عذبهم يوم
~~القيامة إذ يقولون حينئذ: ما جاءنا من نذير فأرسل جل شأنه الرسل مبشرين
~~ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فليس على الرسل إلا
~~تبليغ الأوامر والنواهي لتقوم الحجة البالغة لله تعالى، فالتبليغ مراد
~~الله تعالى من الرسل عليهم السلام لإقامة حجته تعالى على خلقه به، وليس
~~مراده من خلقه إلا ما هم عليه في نفس الأمر ms05370 خيرا كان أو شرا.

# وفي الخبر يقول الله تعالى:

# " يا عبادى إنما أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد
~~غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه "

# ولا منافاة بين الأمر بشيء وإرادة غيره منه تعالى لأن الأمر بذلك حسبما
~~يليق بجلاله وجماله، والإرادة حسبما يستدعيه في الآخرة الشيء في نفسه،
~~وقد قرر الجماعة انفكاك الأمر عن الإرادة في الشاهد أيضا وذكر بعض
~~الحنابلة الانفكاك أيضا لكن عن الإرادة التكوينية لا مطلقا، والبحث
~~مفصل في موضعه.

# وإذا علم ذلك فاعلم أن قوله سبحانه:

# فهل على الرسل إلا البلغ

# [النحل: 35] يتضمن الإشارة إلى ردهم كأنه قيل: ما أشرتم إليه من أن
~~اللائق بالرسل ترك الدعوة إلى خلاف ما شاءه الله تعالى منا والجري على
~~وفق المشيئة والسكوت عنا باطل لأن وظيفتهم والواجب عليهم هو التبليغ وهو
~~مراد الله تعالى منهم لتقوم به حجة الله تعالى عليكم لا السكوت وترك
~~الدعوة، وفي قوله سبحانه: { ولقد بعثنا } الخ إشارة/ يتفطن لها
~~من له قلب إلى أن المشيئة حسب الاستعداد الذي عليه الشخص في نفس الأمر
~~فتأمل فإن هذا الوجه لا يخلو عن بعد ودغدغة. والذي ذكره القاضي في قوله
~~تعالى: { ولقد بعثنا } الخ أنه بين فيه أن البعثة أمر جرت به
~~السنة الإلهية في الأمم كلها سببا لهدي من أراد سبحانه اهتداءه وزيادة
~~لضلال من أراد ضلاله كالغذاء الصالح ينفع المزاج السوي ويقويه ويضر
~~المنحرف ويفنيه.

# وفي " إرشاد العقل السليم " أنه تحقيق لكيفية تعلق مشيئته تعالى بأفعال
~~العباد بعد بيان أن الإلجاء ليس من وظائف الرسالة ولا من باب المشيئة
~~المتعلقة بما يدور عليه فلك الثواب والعقاب من الأفعال الاختيارية،
~~والمعنى إنا بعثنا في كل أمة رسولا يأمرهم بعبادة الله تعالى واجتناب
~~الطاغوت فأمروهم فتفرقوا فمنهم من هداه الله تعالى بعد صرف قدرته
~~واختياره الجزئي إلى تحصيل ما هدى إليه ومنهم من ثبت على الضلالة لعناده
~~وعدم صرف قدرته إلى تحصيل الحق، والفاء في { فمنهم } نصيحة كما أشير
~~إليه، وكان الظاهر في ms05371 القسم الثاني  ومنهم من أضل الله  إلا أنه غير
~~الأسلوب إلى ما في النظم الكريم للإشعار بأن ذلك لسوء اختيارهم كقوله
~~تعالى:

# وإذا مرضت فهو يشفين

# [الشعراء: 80] و { أن } يحتمل أن تكون مفسرة لما في البعث من معنى القول
~~وأن تكون مصدرية بتقدير حرف الجر أي بأن اعبدوا الله.

# { فسيروا } أيها المشركون المكذبون القائلون: لو شاء الله ما عبدنا
~~من دونه { فى الأرض فانظروا كيف كان عقبة
~~المكذبين } من عاد وثمود ومن سار سيرهم ممن حقت عليه الضلالة وقال
~~كما قلتم لعلكم تعتبرون، وترتيب الأمر بالسير على مجرد الإخبار بثبوت
~~الضلالة عليهم من غير إخبار بحلول العذاب للإيذان بأن ذلك غني عن البيان،
~~وفي عطف الأمر الثاني بالفاء إشعار بوجوب المبادرة إلى النظر والاستدلال
~~المنقذين من الضلال.

### || [16.37]

# { إن تحرص على هداهم } خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم،
~~والحرص فرط الإرادة. وقرأ النخعي { وإن } بزيادة واو وهو، والحسن وأبو
~~حيوة { تحرص } بفتح الراء مضارع حرص بكسرها وهي لغة، والجمهور { تحرص }
~~بكسر الراء مضارع حرص بفتحها وهي لغة الحجاز { فإن الله لا
~~يهدى من يضل } جواب الشرط على معنى فاعلم ذلك أو علة للجواب
~~المحذوف أي إن تحرص على هداهم لم ينفع حرصك شيئا فإن الله تعالى لا يهدي
~~من يضل، والمراد بالموصول قريش المعبر عنهم فيما مر بالذين أشركوا، ووضع
~~الموصول موضع ضميرهم للتنصيص على أنهم ممن حقت عليهم الضلالة وللإشعار
~~بعلة الحكم. ويجوز أن يراد به ما يشملهم ويدخلون فيه دخولا أوليا،
~~ومعنى الآية على ما قيل: إنه سبحانه لا يخلق الهداية جبرا وقسرا فيمن
~~يخلق فيه الضلالة بسوء اختياره ولا بد من نحو هذا التأويل لأن الحكم بدون
~~ذلك مما لا يكاد يجهل، و { من } على هذا مفعول { يهدي } كما هو الظاهر،
~~وقيل: إن { يهدي } مضارع هدى بمعنى اهتدى فهو لازم و { من } فاعله وضمير
~~الفاعل في { يضل } لله تعالى والعائد محذوف أي من يضله، وقد حكى مجيء
~~هدى بمعنى اهتدى الفراء.

# وقرأ غير واحد من السبعة ms05372 والحسن والأعرج ومجاهد وابن سيرين والعطاردي
~~ومزاحم الخراساني وغيرهم { لا يهدى } بالبناء للمفعول  فمن  نائب
~~الفاعل والعائد وضمير الفاعل كما مر، وهذه القراءة أبلغ من الأولى لأنها
~~تدل على أن من أضله الله تعالى لا يهديه كل أحد بخلاف الأولى فإنها تدل
~~على أن الله تعالى لا يهديه فقط وإن كان من لم يهد الله فلا هادي له،
~~وهذا  على ما قيل  إن لم نقل بلزوم هدى وأما إذا/ قلنا به فهما بمعنى
~~إلا أن هذه صريحة في عموم الفاعل بخلاف تلك مع أن المتعدي هو الأكثر.
~~وقرأت فرقة منهم عبد الله { لا يهدي } بفتح الياء وكسر الهاء والدال
~~وتشديدها، وأصله يهتدي فأدغم كقولك في يختصم يخصم. وقرأت فرقة أخرى { لا
~~يهدي } بضم الياء وكسر الدال، قال ابن عطية: وهي ضعيفة، وتعقبه في "
~~البحر " بأنه إذا ثبت هدى لازما بمعنى اهتدى لم تكن ضعيفة لأنه أدخل على
~~اللازم همزة التعدية، فالمعنى لا يجعل مهتديا من أضله. وأجيب بأنه يحتمل
~~أن وجه الضعف عنده عدم اشتهار أهدى المزيد. وقرىء { يضل } بفتح الياء،
~~وفي مصحف أبي { فإن الله لا هادي لمن أضل }.

# { وما لهم من نصرين } ينصرونهم في الهداية أو يدفعون العذاب
~~عنه وهو تتميم بإبطال ظن أن آلهتهم تنفعهم شيئا وضمير لهم عائد على معنى
~~من وصيغة الجمع في الناصرين باعتبار الجمعية في الضمير فإن مقابلة الجمع
~~بالجمع تفيد إنقسام الآحاد على الآحاد لا لأن المراد نفي طائفة من
~~الناصرين من كل منهم. ثم إن أول هذه الآيات ربما يوهم نصرة مذهب الاعتزال
~~لكن آخرها مشتمل على الوجوه الكثيرة كما قال الإمام الدالة على نصرة مذهب
~~أهل الحق، ولعل الأمر غني عن البيان ولله تعالى الحمد على ذلك.

### || [16.38]

# { وأقسموا بالله } شروع في بيان فن آخر من أباطيلهم وهو
~~إنكارهم البعث، وهو على ما في «الكشاف» وغيره عطف على قوله تعالى:

# وقال الذين أشركوا

# [النحل: 35] قيل: ولتضمن الأول إنكار التوحيد وهذا إنكار البعث وهما
~~أمران عظيمان من الكفر والجهل حسن العطف ms05373 بينهما، والضمير لأهل مكة أيضا
~~أي حلفوا بالله { جهد أيمنهم } مصدر منصوب الحال أي جاهدين في
~~أيمانهم { لا يبعث الله من يموت } وهو مبني على أن الميت
~~يعدم ويفنى وأن البعث إعادة له وأنه يستحيل إعادة المعدوم، وقد ذهب إلى
~~هذه الاستحالة الفلاسفة ولم يوافقهم في دعوة ذلك أحد من المتكلمين إلا
~~الكرامية وأبو الحسين البصري من المعتزلة، واحتجوا عليها بما رده
~~المحققون، وبعضهم ادعى الضرورة في ذلك وأن ما يذكر في بيانه تنبيهات
~~عليه، فقد نقل الإمام عن الشيخ أبي علي بن سينا أنه قال: كل من رجع إلى
~~فطرته السليمة ورفض عن نفسه الميل والتعصب شهد عقله الصريح بأن إعادة
~~المعدوم بعينه ممتنعة؛ وفي قسم هؤلاء الكفار على عدم البعث إشارة كما قال
~~في «التفسير» إلى أنهم يدعون العلم الضروري بذلك.

# وأنت تعلم أنه إذا جوز إعادة المعدوم بعينه كما هو رأي جمهور المتكلمين
~~فلا إشكال في البعث أصلا، وأما إن قلنا بعدم جواز الإعادة لقيام القاطع
~~على ذلك فقد قيل: نلتزم القول بعدم انعدام شيء من الأبدان حتى يلزم في
~~البعث إعادة المعدوم وإنما عرض لها التفرق ويعرض لها في البعث الاجتماع
~~فلا إعادة لمعدوم، وفيه بحث وإن أيد بقصة إبراهيم عليه السلام ومن هنا
~~قال المولى ميرزاجان: لا مخلص إلا بأن يقال ببقاء النفس المجردة وأن
~~البدن المبعوث مثل البدن الذي كان في الدنيا وليس عينه بالشخص ولا ينافي
~~هذا قانون العدالة إذ الفاعل هو النفس ليس إلا والبدن بمنزلة السكين
~~بالنسبة إلى القطع فكما أن الأثر المترتب على القطع من المدح والذم
~~والثواب والعقاب إنما هو للقاطع لا للسكين كذلك الأثر المترتب على أفعال
~~الإنسان إنما هو للنفس وهي المتلذذة والمتألمة تلذذا أو تألما عقليا
~~أو حسيا فليس يلزم خلاف العدالة، وأما الظواهر الدالة على عود ذلك الشخص
~~بعينه فمؤولة لفرض القاطع الدال على الامتناع، وذلك بأن يقال: المراد
~~إعادة مادته مع صورة كانت/ أشبه الصور إلى الصورة الأولى فتدبر؛ وسيأتي
~~إن شاء الله تعالى ms05374 في سورة يس تحقيق هذا المطلق على أتم وجه.

# ونقل عن ابن الجوزي وأبي العالية أن هذه الآية نزلت لأن رجلا من
~~المسلمين تقاضى دينا على رجل من المشركين فكان فيما تكلم به المسلم
~~والذي أرجوه بعد الموت فقال المشرك: وإنك لتبعث بعد الموت وأقسم بالله لا
~~يبعث الله من يموت فقص الله تعالى ذلك ورده أبلغ رد بقوله سبحانه: {
~~بلى } لإيجاب النفي أي بلى يبعثهم { وعدا } مصدر مؤكد لما دل عليه
~~{ بلى } إذ لا معنى له سوى الوعد بالبعث والإخبار عنه، ويسمى نحو هذا
~~مؤكدا لنفسه وجوز أن يكون مصدرا لمحذوف أي وعد ذلك وعدا { عليه }
~~صفة { وعدا } والمراد وعدا ثابتا عليه إنجازه وإلا فنفس الوعد ليس
~~ثابتا عليه، وثبوت الإنجاز لامتناع الخلف في وعده أو لأن البعث من
~~مقتضيات الحكمة.

# { حقا } صفة أخرى  لوعدا  وهي مؤكدة إن كان بمعنى ثابتا متحققا
~~ومؤسسة إن كان بمعنى غير باطل أو نصب على المصدرية بمحذوف أي حق حقا {
~~ولكن أكثر الناس } لجهلهم بشؤون الله تعالى من العلم
~~والقدرة والحكمة وغيرها من صفات الكمال وبما يجوز عليه وما لا يجوز وعدم
~~وقوفهم على سر التكوين والغاية القصوى منه وعلى البعث مما تقتضيه الحكمة
~~{ لا يعلمون } أنه تعالى يبعثهم، ونعى عليهم عدم العلم بالبعث دون
~~العلم بعدمه الذي يزعمونه على ما يقتضيه ظاهر قسمهم ليعلم منه نعي ذاك
~~بالطريق. وجوز أن يكون للإيذان بأن ما عندهم بمعزل عن أن يسمى علما بل
~~هو توهم صرف وجهل محض، وتقدير مفعول { يعلمون } ما علمت هو الأنسب
~~بالسياق، وجوز أن يكون التقدير لا يعلمون أنه وعد عليه حق فيكذبونه
~~قائلين:

# لقد وعدنا نحن وءاباؤنا هذا من قبل إن هذا
~~إلا أسطير الأولين

# [المؤمنون: 83].

### || [16.39]

# { ليبين لهم } متعلق بما دل عليه { بلى } [النحل: 38] وهو
~~يبعثهم، والضمير ل

# من يموت

# [النحل: 38] الشامل للمؤمنين والكافرين إذ التبيين يكون للمؤمنين أيضا
~~فإنهم وإن كانوا عالمين بذلك لكنه عند معاينة حقيقة الحال يتضح الأمر
~~فيصل علمهم إلى مرتبة عين اليقين أي ms05375 يبعثهم ليبين لهم بذلك وبما يحصل لهم
~~بمشاهدة الأحوال كما هي ومعاينتها بصورها الحقيقية الشأن { الذى
~~يختلفون فيه } من الحق الشامل لجميع ما خالفوه مما جاء به الرسل
~~المبعوثون فيهم ويدخل فيه البعث دخولا أوليا والتعبير عن ذلك بالموصول
~~للدلالة على فخامته وللإشعار بعلية ما ذكر في حيز الصلة للتبيين، وتقدير
~~الجار والمجرور لرعاية رؤس الآي.

# { وليعلم الذين كفروا } بالله تعالى بالإشراك وإنكار
~~البعث الجسماني وتكذيب الرسل عليهم السلام { أنهم كانوا
~~كذبين } في كل ما يقولونه ويدخل فيه قولهم:

# لا يبعث الله من يموت

# [النحل: 38] دخولا أوليا. ونقل في «البحر» القول بتعلق { ليبين }
~~الخ بقوله تعالى:

# ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا

# [النحل: 36] أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا فيه وأنهم كانوا على
~~الضلالة قبل بعثه مفترين على الله سبحانه الكذب ولا يخفى بعد ذلك وتبادر
~~ما تقدم، وجعل التبيين والعلم المذكورين غاية للبعث كما في " إرشاد العقل
~~السليم " باعتبار وروده في معرض الرد على المخالفين وإبطال مقالة
~~المعاندين المستدعي للتعرض لما يردعهم عن المخالفة ويأخذ بهم الإذعان
~~للحق فإن الكفرة إذا علموا أن تحقق البعث إذا كان لتبيين أنه حق وليعلموا
~~أنهم كاذبون في إنكاره كان أزجر لهم عن إنكاره/ وأدعى إلى الاعتراف به
~~ضرورة أنه يدل على صدق العزيمة على تحقيقه كما تقول لمن ينكر أنك تصلي
~~لأصلين رغما لأنفك وإظهارا لكذبك، ولأن تكرر الغايات أدل على وقوع
~~[الفعل] المغيا بها وإلا فالغاية الأصلية للبعث باعتبار ذاته إنما هو
~~الجزاء الذي هو الغاية القصوى للخلق المغيا بمعرفته عز وجل وعبادته،
~~وإنما لم يذكر ذلك لتكرر ذكره في مواضع [أخر] وشهرته، وفيه أنه إنما لم
~~يدرج علم الكفار بكذبهم تحت التبيين بأن يقال مثلا: وإن الذين كفروا
~~كانوا كاذبين بل جيء بصيغة العلم لأن ذلك ليس مما يتعلق به التبيين الذي
~~هو عبارة عن إظهار ما كان مبهما قبل ذلك بأن يخبر به فيختلف فيه كالبعث
~~الذي نطق به القرآن فاختلف فيه المختلفون، وأما كذب الكافرين فليس من هذا ms05376
~~القبيل، ويستفاد من تحقيقه في نظير ما هنا أنه لما كان مدلول الخبر هو
~~الصدق والكذب احتمال عقلي وكان معنى تبيين الصدق إظهار ذلك المدلول وقطع
~~احتمال نقيضه بعد ما كان محتملا له احتمالا عقليا ناسب أن يعلق
~~التبيين بالذي فيه يختلفون من الحق، وليس بين الصدق والحق كثير فرق، ولما
~~كان الكذب أمرا حادثا لا دلالة الخبر عليه حتى يتعلق به التبيين
~~والإظهار بل هو نقيض مدلوله فما يتعلق به يكون علما مستأنفا ناسب أن
~~يعلق العلم بأنهم كانوا كاذبين فليتدبر.

# قيل: ولكون العلم بما ذكر من روادف ذلك التبيين قيل: { وليعلم
~~الذين كفروا } دون وليجعل الذين كفروا عالمين، وخص الإسناد بهم
~~حيث لم يقل وليعلموا أن الذين كفروا كانوا كاذبين تنبيها على أن الأهم
~~علمهم، وقيل: لم يقل ذلك لأن علم المؤمنين بما ذكر حاصل قبل ذلك أيضا.
~~وتعقب بأن حصول مرتبة من مراتب العلم لا يأبى حصول مرتبة أعلا منها فلم
~~لم يقل ذلك إيذانا بحصول هذه المرتبة من العلم لهم حينئذ، ولعل فيه غفلة
~~عن مراد القائل. وجوز أن يراد من علم الكفرة بأنهم كانوا كاذبين تعذيبهم
~~على كذبهم فكأنه قيل: ليظهر للمؤمنين والكافرين الحق وليعذب الكافرون على
~~كذبهم فيما كانوا يقولونه من أنه تعالى لا يبعث من يموت ونحوه، وهذا كما
~~يقال للجاني: غدا تعلم جنايتك، وحينئذ وجه تخصيص الإسناد بهم ظاهر، وهو
~~كما ترى.

# وزعم بعض الشيعة أن الآية في علي كرم الله تعالى وجهه والأئمة من بنيه
~~رضي الله تعالى عنهم وأنها من أدلة الرجعة التي قال بها أكثرهم، وهو زعم
~~باطل، والقول بالرجعة محض سخافة لا يكاد يقول بها من يؤمن بالبعث، وقد
~~بين ذلك على أتم وجه في " التحفة الاثني عشرية " ، ولعل النوبة تفضي إن
~~شاء الله تعالى إلى بيانه، وما أخرجه ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى
~~وجهه أنه قال: إن قوله تعالى:

# وأقسموا بالله

# الآية [النحل: 38] نزلت في غير مسلم الصحة، وعلى فرض التسليم لا دليل
~~فيه على ms05377 ما يزعمونه من الرجعة بأن يقال: إنه رضي الله تعالى عنه أراد
~~أنها نزلت بسببي، ويكون رضي الله تعالى عنه هو الرجل الذي تقاضى دينا
~~له على رجل من المشركين فقال ما قال كما مر عن ابن الجوزي وأبي العالية،
~~وأخرجه عن أبي العالية عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي
~~حاتم واستنبط الشيخ بهاء الدين من الآية دليلا على أن الكذب مخالفة
~~الواقع ولا عبرة بالاعتقاد، وهو ظاهر فافهم.

### || [16.40]

# { إنما قولنا } استئناف لبيان التكوين على الإطلاق ابتداء أو
~~إعادة بعد التنبيه على أنية البعث ومنه يعلم كيفيته  فما  كافة و {
~~قولنا } مبتدأ، وقوله تعالى: { لشىء } متعلق به واللام للتبليغ
~~كما في قولك: قلت لزيد قم فقام، وقال الزجاج: هي لام السبب أي لأجل إيجاد
~~شيء، وتعقب بأنه ليس بواضح والمتبادر من الشيء/ هنا المعدوم وهو أحد
~~إطلاقاته، وقد برهن الشيخ إبراهيم الكوراني عليه الرحمة على أن إطلاق
~~الشيء على المعدوم حقيقة كإطلاقه على الموجود وألف في ذلك رسالة جليلة
~~سماها " جلاء الفهوم " ، ويعلم منها أن القول بذلك الإطلاق ليس خاصا
~~بالمعتزلة كما هو المشهور، ولهذا أول هنا من لم يقف على التحقيق من
~~الجماعة فقال: إن التعبير عنه بذلك باعتبار وجوده عند تعلق مشيئته تعالى
~~به لا أنه كان شيئا قبل ذلك. وفي «البحر» نقلا عن ابن عطية أن في قوله
~~تعالى: { لشىء } وجهين: أحدهما: أنه لما كان وجوده حتما جاز أن يسمى
~~شيئا وهو في حال العدم، والثاني: أن ذلك تنبيه على الأمثلة التي ينظر
~~فيها وأن ما كان منها موجودا كان مرادا وقيل له كن فكان فصار مثالا
~~لما يتأخر من الأمور بما تقدم، وفي هذا مخلص من تسمية المعدوم شيئا اه،
~~وفيه من الخفاء ما فيه، وأيا ما كان فالتنوين للتنكير أي لشيء أي شيء
~~كان مما عز وهان.

# { إذا أردناه } ظرف  لقولنا  أي وقت تعلق إرادتنا بإيجاده {
~~أن نقول له كن } في تأويل مصدر خبر للمبتدأ، والسلام في { له
~~} كاللام في { لشىء ms05378 }  { فيكون } إما عطف على مقدر يفصح عنه الفاء
~~وينسحب عليه الكلام أي فنقول ذلك فيكون، وإما جواب لشرط محذوف أي فإذا
~~قلنا ذلك فهو يكون، وقيل: إنه بعد تقدير هو تكون الجملة خبرا لمبتدأ
~~محذوف أي ما أردناه فهو يكون، وكان في الموضعين تامة، والذي ذهب إليه
~~أكثر المحققين وذكره مقتصرا عليه شيخ الإسلام أنه ليس هناك قول ولا مقول
~~له ولا أمر ولا مأمور حتى يقال: إنه يلزم أحد المحالين أما خطاب المعدوم
~~أو تحصيل الحاصل؛ أو يقال: { إنما } مستدعية انحصار قوله تعالى في
~~قوله تعالى: { كن } وليس يلزم منه انحصار أسباب التكوين فيه كما يفيده
~~قوله سبحانه:

# إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن
~~فيكون

# [يس: 82] فإن المراد بالأمر الشأن الشامل للقول والفعل ومن ضرورة
~~انحصاره في كلمة كن انحصار أسبابه على الإطلاق في ذلك بل إنما هو تمثيل
~~لسهولة تأتي المقدورات حسب تعلق مشيئته تعالى وتصوير لسرعة حدوثها بما هو
~~علم في ذلك من طاعة المأمور المطيع لأمر الآمر المطاع، فالمعنى إنما
~~إيجادنا لشيء عند تعلق مشيئتنا به أن نوجده في أسرع ما يكون، ولما عبر
~~عنه بالأمر الذي هو قول مخصوص وجب أن يعبر عن مطلق الإيجاد بالقول
~~المطلق.

# وقيل: إن الكلام على حقيقته وبذلك جرت العادة الإلهية ونسب إلى السلف،
~~وأجيب لهم عن حديث لزوم أحد المحذورين تارة بأن الخطاب تكويني ولا ضير في
~~توجهه إلى المعدوم، وتعقب بأنه قول بالتمثيل وتارة بأن المعدوم ثابت في
~~العلم ويكفي في صحة خطابه ذلك حتى أن بعضهم قال بأنه مرئي له تعالى في
~~حال عدمه، وتعقب بما يطول، وأما حديث الانحصار فقالوا إن الأمر فيه هين،
~~وقد مر بعض الكلام في هذا المقام.

# واحتج بعض أهل السنة بالآية بناء على الحقيقة على قدم القرآن قال: إنها
~~تدل على أنه تعالى إذا أراد إحداث شيء قال له كن فلو كان كن حادثا لزم
~~التسلسل وهو محال فيكون قديما ومتى قيل بقدم البعض فليقل بقدم الكل،
~~وتعقب ms05379 بأن كلمة إذا لا تفيد التكرار ولذا إذا قال لامرأته: إذا دخلت
~~الدار فأنت طالق فدخلت مرات لا تطلق إلا طلقة واحدة فلا يلزم أن يكون كل
~~محدث محدثا بكلمة كن فلا يلزم التسلسل على أن القول بقدم { كن } ضروري
~~البطلان لما فيه من ترتب الحروف، وكذا يقال في سائر الكلام اللفظي. وقال
~~الإمام: ((إن الآية مشعرة بحدوث الكلام من وجوه: الأول: أن قوله تعالى: {
~~إنما قولنا لشىء إذا أردناه } يقتضي كون القول واقعا
~~بالإرادة وما كان كذلك فهو محدث، والثاني: أنه علق القول بكلمة { إذا }
~~/ ولا شك أنها تدخل للاستقبال، والثالث: أن قوله تعالى: { أن نقول }
~~لا خلاف في أنه ينبىء عن الاستقبال، والرابع: أن قوله سبحانه: { كن
~~فيكون } كن فيه مقدمة على حدوث المكون ولو بزمان واحد والمقدم على
~~المحدث كذلك محدث فلا بد من القول بحدوث الكلام)). نعم إنها تشعر بحدوث
~~الكلام اللفظي الذي يقول به الحنابلة ومن وافقهم ولا تشعر بحدوث الكلام
~~النفسي. والأشاعرة في المشهور عنهم لا يدعون إلا قدم النفسي وينكرون قدم
~~اللفظي، وهو بحث أطالوا الكلام فيه فليراجع.

# وما ذكر من دلالة { إذا } و { نقول } على الاستقبال هو ما ذكره
~~غير واحد، لكن نقل أبو حيان عن ابن عطية أنه قال: ((ما في ألفاظ هذه
~~الآية من معنى الاستقبال والاستئناف إنما هو راجع إلى المراد لا إلى
~~الإرادة، وذلك أن الأشياء المرادة المكونة في وجودها استئناف واستقبال لا
~~في إرادة ذلك ولا في الأمر به لأن ذينك قديمان فمن أجل المراد عبر بإذا
~~ونقول)). وأنت تعلم أنه لا كلام في قدم الإرادة لكنهم اختلفوا في أنها هل
~~لها تعلق حادث أم لا؛ فقال بعضهم بالأول، وقال آخرون: ليس لها إلا تعلق
~~أزلي لكن بوجود الممكنات فيما لا يزال كل في وقته المقدر له.

# فالله تعالى تعلقت إرادته في الأزل بوجود زيد مثلا في يوم كذا وبوجود
~~عمرو في يوم كذا وهكذا، ولا حاجة إلى تعلق حادث في ذلك اليوم، وأما الأمر
~~فالنفسي منه ms05380 قديم واللفظي حادث عن القائلين بحدوث الكلام اللفظي، وأما
~~الزمان فكثيرا ما لا يلاحظ في الأفعال المستندة إليه تعالى، واعتبر كان
~~الله تعالى ولا شيء معه وخلق الله تعالى العالم ونحو ذلك ولا أرى هذا
~~الحكم مخصوصا فيما إذا فسر الزمان بما ذهب إليه الفلاسفة بل يطرد في ذلك
~~وفيما إذا فسر بما ذهب إليه المتكلمون فتأمل والله تعالى الهادي.

# وجعل غير واحد الآية لبيان إمكان البعث، وتقريره أن تكوين الله تعالى
~~بمحض قدرته ومشيئته لا توقف له على سبق المواد والمدد وإلا لزم التسلسل،
~~وكما أمكن له تكوين الأشياء ابتداء بلا سبق مادة ومثال أمكن له تكوينها
~~إعادة بعده، وظاهره أنه قول بإعادة المعدوم، وظواهر كثير من النصوص أن
~~البعث بجمع الأجزاء المتفرقة، وسيأتي تحقيق ذلك كما وعدناك آنفا إن شاء
~~الله تعالى.

# وقرأ ابن عامر والكسائي ههنا وفي يس [82] { فيكون } بالنصب، وخرجه
~~الزجاج على العطف على { نقول } أي فإن يكون أو على أن يكون جواب {
~~كن } ، وقد رد هذا الرضي وغيره بأن النصب في جواب الأمر مشروط بسببية
~~مصدر الأول للثاني وهو لا يمكن هنا لاتحادهما فلا يستقيم ذاك، ووجه بأن
~~مراده أنه نصب لأنه مشابه لجواب الأمر لمجيئه بعده وليس بجواب له من حيث
~~المعنى لأنه لا معنى لقولك: قلت لزيد اضرب تضرب. وتعقب بأنه لا يخفى ضعفه
~~وأنه يقتضي إلغاء الشرط المذكور، ثم قيل: والظاهر أن يوجه بأنه إذا صدر
~~مثله عن البليغ على قصد التمثيل لسرعة التأثير بسرعة مبادرة المأمور إلى
~~الامتثال يكون المعنى إن أقل لك اضرب تسرع إلى الامتثال فيكون المصدر
~~المسبب عنه مسبوكا من الهيئة لا من المادة، ومصدر الثاني من المادة أو
~~محصل المعنى وبه يحصل التغاير بين المصدرين ويتضح السببية والمسببية،
~~وقال بعضهم: إن مراد من قال إن النصب للمشابهة لجواب الأمر أن {
~~فيكون } كما في قراءة الرفع معطوف على ما ينسحب عليه الكلام أو هو
~~بتقدير فهو يكون خبر لمبتدأ محذوف إلا أنه نصب لهذه المشابهة، وفيه ما
~~فيه. ms05381

### || [16.41]

# { والذين هجروا فى الله } أي في حقه  ففي  على ظاهرها
~~ففيه إشارة إلى أنها هجرة متمكنة تمكن الظرف في مظروفه فهي ظرفية مجازية
~~أو لأجل رضاه  ففي  للتعليل كما في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " إن امرأة دخلت النار في هرة "

# والمهاجرة في الأصل مصارمة/ الغير ومتاركته واستعملت في الخروج من دار
~~الكفر إلى دار الإيمان أي والذين هجروا أوطانهم وتركوها في الله تعالى
~~وخرجوا { من بعد ما ظلموا } أي من بعد ظلم الكفار إياهم. أخرج
~~عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: هم
~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ظلمهم أهل مكة فخرجوا من ديارهم حتى لحق
~~طوائف منهم بأرض الحبشة ثم بوأهم الله تعالى المدينة بعد ذلك حسبما وعد
~~سبحانه بقوله جل وعلا: { لنبوئنهم فى الدنيا حسنة } أي
~~مباءة حسنة، وحاصله لننزلهم في الدنيا منزلا حسنا، وعن الحسن دارا
~~حسنة، والتقدير الأول أظهر لدلالة الفعل عليه، والثاني أوفق بقوله تعالى:

# تبوؤا الدار

# [الحشر: 9]، وأيا ما كان  فحسنة  صفة محذوف منصوب نصب الظروف، وجوز
~~أن يكون مفعولا ثانيا لنبؤئنهم على معنى لنعطينهم منزلة حسنة، وفسر ذلك
~~بالغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم وعلى العرب قاطبة، وقيل: هي ما بقي لهم
~~في الدنيا من الثناء وما صار لأولادهم من الشرف، وعن مجاهد أن التقدير
~~معيشة حسنة أي رزقا حسنا، وقيل: التقدير عطية حسنة، والمراد بالعطية
~~المعطى، ويفسر ذلك بكل شيء حسن ناله المهاجرون في الدنيا، وقدر بعضهم
~~تبوئة حسنة فهو صفة مصدر محذوف، وقد تعتبر هذه التبوئة بحيث تشمل إعطاء
~~كل شيء حسن صار للمهاجرين على نحو السابق. وفي «البحر» أن الظاهر أن
~~انتصاب { حسنة } على المصدر على غير الصدر لأن معنى لنبوئنهم لنحسنن
~~إليهم فحسنة بمعنى إحسانا، وعلى جميع التقادير { الذين هجروا
~~} مبتدأ وجملة { لنبوئنهم } خبره. وجوز أبو البقاء أن يكون {
~~الذين } منصوب بفعل محذوف يفسره المذكور، والأول متعين عند أبي حيان
~~قال: وفيه دليل على صحة وقوع الجملة القسمية خبرا للمبتدأ ms05382 خلافا لثعلب،
~~والذي ذهب إليه بعض المحققين أن الخبر في مثل ذلك إنما هو جملة الجواب
~~المؤكدة بالقسم وهي إخبارية لا إنشائية، واعترض على أبي البقاء في الوجه
~~الثاني بأنه لا يجوز النصب بالفعل المحذوف إلا حيث يجوز للمذكور أن يعمل
~~في ذلك المنصوب حتى يصح أن يكون مفسرا وما هنا ليس كذلك فإنه لا يجوز
~~زيدا لأضربن فلا يجوز زيدا لأضربنه، والجار والمجرور متعلق بما عنده،
~~وقيل: بمحذوف وقع حالا من { حسنة }.

# هذا: ونقل عن ابن عباس أن الآية نزلت في صهيب وبلال وعمار وخباب وعابس
~~وجبير وأبي جندل بن سهيل أخذهم المشركون فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن
~~الإسلام، فأما صهيب فقال لهم: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن
~~كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله وهاجر فلما رآه أبو بكر رضي الله
~~تعالى عنه قال: ربح البيع يا صهيب؛ وقال عمر رضي الله تعالى عنه: نعم
~~العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، والجمهور على ما روي عن قتادة بل قال
~~ابن عطية: إنه الصحيح، ولم نجد لهذا الخبر عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما سندا يعول عليه.

# وذكر العلامة الشيخ بهاء الدين السبكي في " شرح التلخيص " كغيره من
~~المحدثين مثل الحافظ العلامة زين الدين عبد الرحيم العراقي وولده الفقيه
~~الحافظ أبي زرعة وغيرهما فيما نسب لعمر رضي الله تعالى عنه فيه من قوله:
~~نعم العبد صهيب إلى آخره أنا لم نجده في شيء من كتب الحديث بعد الفحص
~~الشديد، وهذا يوقع شبهة قوية في صحة ذلك. نعم في «الدر المنثور»: أخرج
~~ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~أنه قال في هؤلاء الذين هاجروا: هم قوم من أهل مكة هاجروا إلى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم بعد/ ظلمهم ثم قال: وظلمهم الشرك، لكن يقتضي هذا
~~بظاهره أنه رضي الله تعالى عنه كان يقرأ { ظلموا } بالبناء للفاعل.

# وأورد على الخبرين أنه قيل: إن السورة مكية إلا ms05383 ثلاث آيات في آخرها
~~فإنها مدنية، ويلتزم إذا صح الخبر الذهاب إلى أن فيها مدنيا غير ذلك، أو
~~القول بأن المراد من المكي ما نزل في حق أهل مكة، أو أن هذه الآية لم
~~تنزل بالمدينة وأن المكي ما نزل بغيرها، أو القول بأن ذلك من الإخبار
~~بالشيء قبل وقوعه، والكل كما ترى، ولا يرد على القول الأول الذي عليه
~~الجمهور أنه مخالف للقول المشهور في السورة لأن هجرة الحبشة كانت قبل
~~هجرة المدينة فلا مانع من كون الآية مكية بالمعنى المشهور عليه، لكن قيل:
~~إن قتادة القائل بما تقدم قائل بأن هذه الآية إلى آخر السورة مدنية وهو
~~آب عما ذكر، ومن هنا حمل بعضهم ما نقل عنه سابقا على أن نزولها كان بين
~~الهجرتين بالمدينة، ولا يمكن الجمع بين هذه الأقوال أصلا، والذي ينبغي
~~أن يعول عليه أن السورة مكية إلا آيات ليست هذه منها بل هي مكية نزلت بين
~~الهجرتين فيمن ذكره الجمهور، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال، وقال بعضهم:
~~إن الذين هاجروا عام في المهاجرين كائنا من كان فيشمل أولهم وآخرهم وكان
~~هذا من قائله اعتبار لعموم اللفظ لا لخصوص السبب كما هو المقرر عندهم.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وعبد الله رضي الله تعالى عنه ونعيم بن
~~ميسرة والربيع بن خيثم  لنثوينهم  بالثاء المثلثة من أثوى المنقول
~~بهمزة التعدية من ثوى بالمكان أقام فيه، قال في «البحر»: وانتصاب {
~~حسنة } على تقدير إثواءة حسنة أو على نزع الخافض أي في حسنة أي دار
~~حسنة أو منزلة حسنة ولا مانع على ما قيل من اعتبار تضمين الفعل معنى
~~نعطيهم كما أشير إليه أولا. واستدل بالآية على أحد الأقوال على شرف
~~المدينة وشرف إخلاص العمل لله تعالى.

# { ولأجر الآخرة } أي أجر أعمالهم المذكورة في الدار الآخرة {
~~أكبر } مما يعجل لهم في الدنيا. أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عمر بن
~~الخطاب أنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاء يقول له: خذ بارك الله
~~تعالى لك هذا ms05384 ما وعدك الله تعالى في الدنيا وما أخر لك في الآخرة أفضل ثم
~~يقرأ هذه الآية، وقيل: المراد أكبر من أن يعلمه أحد قبل مشاهدته، ولا
~~يخفى ما في مخالفة أسلوب هذا الوعد لما قبله من المبالغة { لو كانوا
~~يعلمون } الضمير للكفرة الظالمين أي لو علموا أن الله تعالى يجمع
~~لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم في الدين، وقيل: هو للمهاجرين أي
~~لو علموا ذلك لزادوا في الاجتهاد ولما تألموا لما أصابهم من المهاجرة
~~وشدائدها ولازدادوا سرورا. وفي " المعالم " لا يجوز ذلك لأن المهاجرين
~~يعلمونه ودفع بأن المراد علم المشاهدة وليس الخبر كالمعاينة أو المراد
~~العلم التفصيلي. وجوز أن يكون الضمير للمتخلفين عن الهجرة يعني لو علم
~~المتخلفون عن الهجرة ما للمهاجرين من الكرامة لوافقوهم.

### || [16.42]

# { الذين صبروا } على ما نالهم من الظلم ولم يرجعوا القهقرى وعلى
~~مفارقة الوطن وهو حرم الله سبحانه المحبوب لكل مؤمن فضلا عمن كان مسقط
~~رأسه وعلى احتمال الغربة بين أناس أجانب في النسب لم يألفهم وعلى غير
~~ذلك، ومحل الموصول النصب بتقدير أعني أو الرفع بتقدير  هم  ويجوز أن
~~يكون تابعا للذين هاجروا بدلا أو بيانا أو نعتا { وعلى ربهم
~~يتوكلون } منقطعين إليه معرضين عمن سواه مفوضين إليه الأمر كله
~~كما يفيده حذف متعلق التوكل، وقيل: تقديم الجار والمجرور المؤذن بالحصر
~~وكونه لرعاية الفواصل غير متعين، وصيغة الاستقبال إما للاستمرار أو
~~لاستحضار تلك الصورة البديعة، والجملة إما معطوفة على الصلة أو حال من
~~ضمير { صبروا }.

### || [16.43]

# { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم }
~~رد لقريش حيث أنكروا رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: الله تعالى
~~أعظم أن يكون رسوله بشرا هلا بعث إلينا ملكا أي جرت السنة الإلهية
~~حسبما اقتضته الحكمة بأن لا نبعث للدعوة العامة إلا بشرا نوحي إليهم
~~بواسطة الملك في الأغلب الأوامر والنواهي ليبلغوها، ويحترز بالدعوة
~~العامة عن بعث الملك للأنبياء عليهم السلام للتبليغ أو لغيرهم كبعثه
~~لمريم للبشارة، وبالأغلب بعض أقسام الوحي مما لم يكن بواسطة الملك كما
~~يشير ms05385 إليه قوله تعالى:

# وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من
~~وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء

# [الشورى: 51] وقرأ الجمهور { يوحي } بالياء وفتح الحاء وفرقة بالياء
~~وكسرها؛ وعبد الله والسلمي وطلحة وحفص بالنون وكسرها وفي ذلك من تعظيم
~~أمر الوحي ما لا يخفى.

# ولما كان المقصود من الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم تنبيه الكفار
~~على مضمونه صرف الخطاب إليهم فقيل: { فاسألوا أهل الذكر } أي
~~أهل الكتاب من اليهود والنصارى قاله ابن عباس والحسن والسدي وغيرهم،
~~وتسمية الكتاب تعلم مما سيأتي إن شاء الله تعالى، وعن مجاهد تخصيصه
~~بالتوراة لقوله تعالى:

# ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر

# [الأنبياء: 105] فأهله اليهود. قال في «البحر» والمراد من لم يسلم من
~~أهل الكتاب لأنهم الذين لا يتهمون عند أهل مكة في إخبارهم بأن الرسل
~~عليهم السلام كانوا رجالا فإخبارهم بذلك حجة عليهم، والمراد كسر حجتهم
~~وإلزامهم وإلا فالحق واضح في نفسه لا يحتاج فيه إلى إخبار هؤلاء، وقد
~~أرسل المشركون بعد نزولها إلى أهل يثرب يسألونهم عن ذلك، وقال الأعمش
~~وابن عيينة وابن جبير: المراد من أسلم منهم كعبد الله بن سلام وسلمان
~~الفارسي رضي الله تعالى عنهما وغيرهما. ويضعفه أن قول من أسلم لا حجة فيه
~~على الكفار ومنه يعلم ضعف ما قال أبو جعفر وابن زيد من أن المراد من
~~الذكر القرآن لأن الله تعالى سماه ذكرا في مواضع منها ما سيأتي إن شاء
~~الله تعالى قريبا، وأهل الذكر على هذا المسلمون مطلقا، وخصهم بعض
~~الإمامية بالأئمة أهل البيت احتجاجا بما رواه جابر ومحمد بن مسلم منهم
~~عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه أنه قال: نحن أهل الذكر، وبعضهم فسر
~~الذكر بالنبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى:

# ذكرا * رسولا

# [الطلاق: 10-11] على قول، ويقال على مقتضى ما في «البحر»: كيف يقنع كفار
~~أهل مكة بخبر أهل البيت في ذلك وليسوا بأصدق من رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم عندهم وهو عليه الصلاة ms05386 والسلام المشهور فيما بينهم بالأمين، ولعل ما
~~رواه ابن مردويه منا موافقا بظاهره لمن زعمه ذلك البعض من الإمامية عن
~~أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " إن الرجل ليصلي ويصوم ويحج ويعتمر وإنه لمنافق قيل: يا رسول الله
~~بماذا دخل عليه النفاق؟ قال: يطعن على إمامه وإمامه من قال الله تعالى في
~~كتابه: { فاسألوا أهل الذكر } إلى آخره "

# مما لا يصح، وأنا أقول يجوز أن يراد من أهل الذكر أهل القرآن وإن قال
~~أبو حيان ما قال وستعلم وجهه قريبا إن شاء الله تعالى المنان، وقال
~~الرماني والزجاج والأزهري: المراد بأهل الذكر علماء أخبار الأمم السالفة
~~كائنا من كان فالذكر بمعنى الحفظ كأنه قيل: اسألوا المطلعين على أخبار
~~الأمم يعلموكم بذلك { إن كنتم لا تعلمون } وجواب { إن } إما
~~محذوف لدلالة ما قبله عليه أي فاسألوا، وأما نفس ما قبله بناء على جواز
~~تقدم الجواب على الشرط.

# واستدل بالآية على أنه تعالى لم يرسل امرأة ولا صبيا لا ينافيه نبوة
~~عيسى عليه السلام في المهد فإن النبوة أعم من الرسالة؛ ولا يقتضي صحة
~~القول بنبوة مريم أيضا لأن غايته نفي رسالة المرأة، ولا يلزم من ذلك
~~إثبات نبوتها، وذهب إلى صحة نبوة النساء جماعة وصحح ذلك ابن السيد، ولا
~~ينافي ما دلت عليه الآية من نفي إرسال الملائكة عليهم السلام قوله تعالى:

# جاعل الملائكة رسلا

# [فاطر: 1] لأن المراد جاعلهم/ رسلا إلى الملائكة أو إلى الأنبياء عليهم
~~السلام لا للدعوة العامة وهو المدعى كما علمت فالرسول إما بالمعنى
~~المصطلح أو بالمعنى اللغوي، وقال الجبائي: إن الملائكة عليهم السلام لم
~~يبعثوا إلى الأنبياء عليهم السلام إلا ممثلين بصور الرجال ورد بما روي أن
~~نبينا صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام على صورته التي هو عليها
~~مرتين، وهو وارد على الحصر المقتضي للعموم فلا يرد عليه أنه لا دلالة
~~فيما روي على رؤية من قبل نبينا عليه الصلاة والسلام لجبريل عليه السلام
~~على صورته مع أنه إذا ثبت ms05387 ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت أنه من
~~خصوصياته عليه الصلاة والسلام فلا مانع من ثبوته لغيره قاله الشهاب، وذكر
~~أنه نقل الإمام عن القاضي أن مراد الجبائي أنهم لم يبعثوا إلى الأنبياء
~~عليهم الصلاة والسلام بحضرة أممهم إلا وهم على صور الرجال كما روي أن
~~جبريل عليه السلام حضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحضر من أصحابه
~~في صورة دحية الكلبي وفي صورة سراقة وفي صورة أعرابي لم يعرفوه.

# واستدل بها أيضا على وجوب المراجعة للعلماء فيما لا يعلم.

# وفي " الإكليل " للجلال السيوطي أنه استدل بها على جواز تقليد العامي في
~~الفروع وانظر التقييد بالفروع فإن الظاهر العموم لا سيما إذا قلنا إن
~~المسألة المأمورين بالمراجعة فيها والسؤال عنها من الأصول، ويؤيد ذلك ما
~~نقل عن الجلال المحلي أنه يلزم غير المجتهد عاميا كان أو غيره التقليد
~~للمجتهد لقوله تعالى: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا
~~تعلمون } والصحيح أنه لا فرق بين المسائل الاعتقادية وغيرها وبين أن
~~يكون المجتهد حيا أو ميتا اه.

# وصحح هو وغيره امتناع التقليد على المجتهد مطلقا سواء كان له قاطع أو
~~لا، وسواء كان مجتهدا بالفعل أو له أهلية الاجتهاد، ومقتضى كلامهم أنه
~~لا فرق بين تقليد أحد أئمة المذاهب الأربع وتقليد غيره من المجتهدين. نعم
~~ذكر العلامة ابن حجر وغيره أنه يشترط في تقليد الغير أن يكون مذهبه
~~مدونا محفوظ الشروط والمعتبرات فقول السبكي: إن مخالف الأربعة كمخالف
~~الإجماع محمول على ما لم يحفظ ولم تعرف شروطه وسائر معتبراته من المذاهب
~~التي انقطع حملتها وفقدت كتبها كمذهب الثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى
~~وغيرهم، ثم إن تقليد الغير بشرطه إنما يجوز في العمل وأما للإفتاء
~~والقضاء فيتعين أحد المذاهب الأربع، واستشكل الفرق العلامة ابن قاسم
~~العبادي، وأجيب بأنه يحتمل أن يكون الفرق أنه يحتاط فيهما لتعديهما ما لا
~~يحتاط في العمل فيتركان لأدنى محذور ولو محتملا، ونظير ذلك ما ذكره بعض
~~الشافعية في القولين المتكافئين أنه لا يفتى ولا يقضى ms05388 بكل منهما لاحتمال
~~كونه مرجوحا ويجوز العمل به؛ وذكر الإمام أن من الناس من جوز التقليد
~~للمجتهد لهذه الآية فقال: لما لم يكن أحد المجتهدين عالما وجب عليه
~~الرجوع إلى المجتهد العالم لقوله تعالى: { فاسألوا } الآية فإن لم
~~يجب فلا أقل من الجواز، وأيد ذلك بأن بعض المجتهدين نقلوا مذاهب بعض
~~الصحابة وأقروا الحكم عليها، والصحيح ما سمعت أولا، وما ذكر ليس بتقليد
~~بل هو من باب موافقة الاجتهاد الاجتهاد.

# واحتج بها أيضا نفاة القياس فقالوا: المكلف إذا نزلت به واقعة فإن كان
~~عالما بحكمها لم يجز له القياس وإلا وجب عليه سؤال من كان عالما بها
~~بظاهر الآية ولو كان القياس حجة لما وجب عليه السؤال لأجل أنه يمكنه
~~استنباط ذلك الحكم بالقياس، فثبت أن تجويز العمل بالقياس يوجب ترك العمل
~~بظاهر الآية فوجب أن لا يجوز. وأجيب بأنه ثبت جواز العمل بالقياس بإجماع
~~الصحابة والإجماع أقوى من هذا الدليل. وقال بعضهم: إذا كان المكلف ممن
~~يقدر على القياس كان ممن يعلم فلا يجب عليه السؤال فتأمل.

### || [16.44]

# { بالبينت والزبر } أي بالمعجزات والكتب، والأولى للدلالة
~~على الصدق، والثانية لبيان الشرائع والتكاليف./ وانحرف عن الحق من فسرهما
~~بما هو مصطلح أهل الحرف. والجار والمجرور متعلق بمقدر يدل عليه ما قبله
~~وقع جوابا عن سؤال من قال: بم أرسلوا؟ فقيل: أرسلوا بالبينات والزبر.
~~وجوز الزمخشري والحوفي تعلقه  بأرسلنا  السابق داخلا تحت حكم
~~الاستثناء مع

# رجالا

# [النحل:43] أي وما أرسلنا إلا رجالا بالبينات وهو في معنى قولك: ما
~~أرسلنا جماعة من الجماعات بشيء من الأشياء إلا رجالا بالبينات، ومثله ما
~~ضربت إلا زيدا بسوط، وهو مبني على ما جوزه بعض النحاة من جواز أن يستثنى
~~بأداة واحدة شيآن دون عطف وأنه يجري في الاستثناء المفرغ، وأكثر النحاة
~~على منعه كما صرح به صاحب " التسهيل " وغيره. وقال في «الكشف»: والحق أنه
~~لا يجوز لأن { إلا } من تتمة ما دخلت عليه كالجزء منه وللزوم الإلباس أو
~~وجوب أن يكون جميع ما يقع بعد إلا ms05389 محصورا وأن يجب نحو ما ضرب إلا زيدا
~~عمرا إذا أريد الحصر فيهما ولا يكون فرق بين هذا وذاك، وكل ذلك ظاهر
~~الانتفاء. والزمخشري جوز ذلك وصرح به في مواضع من " كشافه " ، واستدل
~~عليه بأن أصل ما ضربت إلا زيدا بسوط ضربت زيدا بسوط وأراد أن زيادة ما
~~وإلا ليست إلا تأكيدا فلتؤكد لما كان أصل الكلام عليه، وهو حسن لولا أن
~~الاستعمال والقياس آبيان، وقال بعضهم: إنه متعلق به من غير دخوله مع

# رجالا

# [النحل: 43] تحت حكم الاستثناء على أن أصله وما أرسلنا بالبينات والزبر
~~إلا رجالا. وتعقب بأنه لا يجوز على مذهب البصريين حيث لا يجيزون أن يقع
~~بعد إلا إلا مستثنى أو مستثنى منه أو تابعا وما ظن من غير الثلاثة
~~معمولا لما قبل إلا قدر له عامل، وأجاز الكسائي أن يقع معمولا لما
~~قبلها منصوب كما ضرب إلا زيد عمرا، ومخفوض كما مر إلا زيد بعمرو " ولا
~~يعذب إلا الله بالنار " ، ومرفوع كما ضرب إلا زيدا عمرو، ووافقه ابن
~~الأنباري في المرفوع، والأخفش في الظرف والجار والحال، فما ذكر مبني على
~~مذهب الكسائي والأخفش، لكن قال الشهاب: إنه خلاف ظاهر الكلام وإخراج له
~~عن سنن الانتظام وأكثر النحاة على أنه ممنوع، وجوز أن يكون متعلقا بما
~~رفع صفة  لرجالا  أي رجالا ملتبسين بالبينات ولم يقع حالا منه، قيل:
~~لأنه نكرة متقدمة، نعم قيل: بجواز وقوعه حالا من ضمير الرجال في

# إليهم

# [النحل: 43] وقيل: يجوز كونه حالا من

# رجالا

# [النحل: 43] لأنه نكرة موصوفة، واختار أبو حيان مجيء الحال من النكرة
~~بلا مسوغ كثيرا قياسا ونقله عن سيبويه وإن كان دون الاتباع في القوة.

# وجوز أيضا تعلقه  بنوحي  وقوله سبحانه:

# فاسئلوا أهل الذكر

# [النحل: 43] اعتراض على الوجوه المتقدمة أو غير الأول، وتصدير الجملة
~~المعترضة بالفاء صرح به في " التسهيل " وغيره، وما نقل من منعه ليس بثبت،
~~ثم إذا كان اعتراضا متخللا بين مقصوري حرف الاستثناء معناه فاسألوا أهل
~~الذكر إن كنتم لا تعلمون أنا أرسلنا رجالا بالبينات وعلى ms05390 الوصفية إن
~~كنتم لا تعلمون أنهم رجال متلبسون بالبينات، وعلى هذا يقدر الاعتراض
~~مناسبا لما تخلل بينهما، وأشبه الأوجه أن يكون على كلامين ليقع الاعتراض
~~موقعه اللائق به لفظا ومعنى قاله في «الكشف». وجوز أن يتعلق  بتعلمون 
~~فلا اعتراض، وفي الشرط معنى التبكيت والإلزام كما في قول الأجير: إن كنت
~~عملت لك فأعطني حقي، فإن الأجير لا يشك في أنه عمل وإنما أخرج الكلام
~~مخرج الشك لأن ما يعامل به من التسويف معاملة من يظن بأجيره أنه لم يعمل،
~~فهو في ذلك يلزمه مقتضى ما اعترف به من العمل ويبكته بالتقصير مجهلا
~~إياه، فكذا ما هنا لا يشك أن قريشا لم يكونوا من علم البينات والزبر في
~~شيء فيقول: إن كون الرسل عليهم السلام رجالا أمر مكشوف لا شبهة فيه
~~فاسألوا أهل الذكر إن لم تكونوا من أهله يبين لكم يريد أن إنكاركم/ وأنتم
~~لا تعلمون ليس بسديد وإنما السبيل أن تسألوا من أهل الذكر لا أن تنكروا
~~قولهم، فإنكاركم مناف لما تقتضيه حالكم من السؤال فهو تبكيت من حيث
~~الاعتراف بعدم العلم وسبيل الجاهل سؤال من يعلم لا إنكاره، قاله في
~~«الكشف» أيضا، ثم قال: ولا أخص أهل الذكر بأهل الكتابين ليشمل النبي
~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولو خص لجاز لأنهم موافقون في ذلك فإنكارهم
~~إنكارهم، ثم التبكيت متوجه إلى العدول عن السؤال إلى الإنكار سألوا أو لا
~~انتهى. ومنه يعلم جواز أن يراد بأهل الذكر أهل القرآن، وما ذكره أبو حيان
~~في تضعيفه من أنه لا حجة في إخبارهم ولا إلزام ناشىء من عدم الوقوف على
~~هذا التحقيق الأنيق، وهذا ظاهر على تقدير تعلق { بالبينت } 
~~بيعلمون  والباء على هذا التقدير سببية والمفعول محذوف عند بعض، وزعم
~~آخر أنها زائدة والبينات هي المفعول، فافهم ذاك والله تعالى يتولى هداك.

# { وأنزلنا إليك الذكر } أي القرآن وهو من التذكير إما بمعنى
~~الوعظ أو بمعنى الإيقاظ من سنة الغفلة وإطلاقه على القرآن إما لاشتماله
~~على ما ذكر أو لأنه سبب له، ms05391 ومنه يعلم وجه تسمية التوراة ونحوها ذكرا،
~~وقيل: المراد بالذكر العلم وليس بذاك { لتبين للناس } كافة
~~ويدخل فيهم أهل مكة دخولا أوليا { ما نزل إليهم } في ذلك
~~الذكر من الأحكام والشرائع وغير ذلك من أحوال القرون المهلكة بأفانين
~~العذاب حسب أعمالهم مع أنبيائهم عليهم السلام الموجبة لذلك على وجه
~~التفصيل بيانا شافيا كما ينبىء عنه صيغة التفعيل في الفعلين لا سيما
~~بعد ورود الثاني أولا على صيغة الأفعال، وعن مجاهد أن المراد بهذا
~~التبيين تفسير المجمل وشرح ما أشكل إذ هما المحتاجان للتبيين، وأما النص
~~الظاهر فلا يحتاجان إليه.

# وقيل: المراد به إيقافهم على حسب استعداداتهم المتفاوتة على ما خفي
~~عليهم من أسرار القرآن وعلومه التي لا تكاد تحصى، ولا يختص ذلك بتبيين
~~الحرام والحلال وأحوال القرون الخالية والأمم الماضية، واستأنس له بما
~~أخرجه الحاكم وصححه عن حذيفة قال: «قام فينا رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم مقاما أخبرنا فيه بما يكون إلى يوم القيامة عقله منا من عقله ونسيه
~~من نسيه» وهذا في معنى ما ذكره غير واحد أن التبيين أعم من التصريح
~~بالمقصود ومن الإرشاد إلى ما يدل عليه، ويدخل فيه القياس وإشارة النص
~~ودلالته وما يستنبط منه من العقائد والحقائق والأسرار الإلهية.

# ولعل قوله عز وجل: { ولعلهم يتفكرون } إشارة إلى ذلك أي
~~وطلب أن يتأملوا فينتبهوا للحقائق وما فيه من العبر ويحترز عما يؤدي إلى
~~ما أصاب الأولين من العذاب، وقال بعض المعتزلة: أي وإرادة أن يتفكروا في
~~ذلك فيعلموا الحق ثم قال، وفيه دلالة على أن الله تعالى أراد من جميع
~~الناس التفكر والنظر المؤدي إلى المعرفة بخلاف ما يقول أهل الجبر، ونحن
~~في غنى عن تقدير الإرادة بتقدير الطلب، ومن قدرها منا أراده منها، وإلا
~~ورد عليه عدم تأمل البعض ولعله الأكثر، وهي لا ينفك المراد عنها على
~~المذهب الحق فلا بد من العدول عنه إلى مقابله، وقيل: أراد تعلقها بالبعض
~~وهو المتأمل لا بالكل، وأيد بعضهم إرادة الصحابة أو ما يشملهم والنبي
~~صلى الله ms05392 عليه وسلم من أهل الذكر فيما تقدم بذكر هذه الآية بعده وليس بذي
~~أيد.

### || [16.45]

# { أفأمن الذين مكروا السيئات } هم عند أكثر المفسرين
~~أهل مكة الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وراموا صد أصحابه رضي
~~الله تعالى عنهم عن الإيمان، وأخرج ابن أبي شيبة. وابن جرير. وغيرهما عن
~~مجاهد أنهم نمروذ بن كنعان وقومه، وعمم بعضهم فقال: هم الذين احتالوا
~~لهلاك الأنبياء عليهم السلام، وتعقب بأن المراد تحذير أهل مكة عن إصابة
~~مثل ما أصاب الأولين من فنون العذاب المعدودة فالمعول عليه ما عند
~~الأكثر، و { السيآت } نعت لمصدر محذوف أي مكروا المكرات السيئات التي قصت
~~عنهم أو مفعول به للفعل المذكور على تضمينه معنى فعل متعد كعمل أي عملوا
~~السيئات ماكرين فقوله تعالى: { أن يخسف الله بهم الأرض }
~~مفعول لأمن أو { السيآت } مفعول لأمن بتقدير مضاف أو تجوز أي عقاب
~~السيئات أو على أن { السيآت } بمعنى العقوبات التي تسوءهم، و { أن
~~يخسف } بدل من ذلك وعلى كل حال فالفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه
~~النظم الكريم أي أنزلنا إليك الذكر لتبين لهم مضمونه الذي من جملته أنباء
~~الأمم المهلكة بفنون العذاب ويتفكروا في ذلك ألم يتفكروا فأمن الذين
~~مكروا السيئات الخ على توجيه الإنكار إلى المعطوفين أو أتفكروا فأمنوا
~~على توجيهه إلى المعطوف، وقيل: هو للعطف على مقدر ينبىء عنه الصلة أي
~~أمكروا فأمن الذين مكروا السيئات الخ، وخسف يستعمل لازما ومتعديا يقال:
~~ كما قال الراغب  خسفه الله تعالى وخسف هو وكلا الاستعمالين محتمل هنا،
~~فالباء إما للتعدية أو للملابسة و { الأرض } إما مفعول به أو نصب بنزع
~~الخافض أي فأمن الذين مكروا السيئات أن يغيبهم الله تعالى في الأرض أو
~~يغيبها بهم كما فعل بقارون { أو يأتيهم العذاب من حيث
~~لا يشعرون } أي من الجهة التي لا شعور لهم بمجىء العذاب منها كجهة
~~مأمنهم أو الجهة التي يرجون إتيان ما يشتهون منها، وقال البيضاوي: أي
~~بغتة من جانب السماء كما فعل بقوم لوط، وكأن التخصيص بجانب ms05393 السماء لأن ما
~~يجىء منه لا يشعر به غالبا بخلاف ما يجىء من الأرض فإنه محسوس في
~~الأكثر، ولعل اعتباره أوفق بالمقابلة، ويحتمل أن يكون مراده بما من جانب
~~السماء ما لا يكون على يد مخلوق سواء نشأ من الأرض أو السماء كما قيل:

# دعها سماوية تجري على قدر

# فيكون مجازا، لكن قيل عليه: إنه لا يلائم المثال وإن كان لا يخصص.

### || [16.46]

# { أو يأخذهم } أي العذاب أو الله تعالى ورجح الأول بالقرب
~~والثاني بكثرة إسناد الأخذ إليه تعالى في القرآن العظيم مع أنه جل شأنه
~~هو الفاعل الحقيقي له. { فى تقلبهم } أي حركتهم إقبالا
~~وإدبارا، والمراد على ما أخرجه ابن جرير وغيره عن قتادة، وروي عن ابن
~~عباس في أسفارهم، وحمله على ذلك  قال الإمام : مأخوذ من قوله تعالى:

# لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلد

# [آل عمران: 196] أو المراد في حال ما يتقلبون في قضاء مكرهم والسعي في
~~تنفيذه، وقيل: المراد في حال تقلبهم على الفرش يمينا وشمالا، وهو في
~~معنى ما جاء في رواية عن ابن عباس أيضا في منامهم، ولا أراه يصح. وقال
~~الزجاج: المراد ما يعم سائر حركاتهم في أمورهم ليلا أو نهارا والجمهور
~~على الأول والأخذ في الأصل حوز الشيء وتحصيله، والمراد به القهر
~~والإهلاك، والجار والمجرور إما في موضع الحال أو متعلق بالفعل قبله
~~والأول أولى نظرا إلى أنه الظاهر في نظيره الآتي إن شاء الله تعالى لكن
~~الظاهر فيما قبله الثاني { فما هم بمعجزين } بفائتين الله تعالى
~~بالهرب والفرار على ما يوهمه حال التقلب والسير أو ما هم بممتنعين كما
~~يوهمه مكرهم وتقلبهم فيه، والفاء قيل: لتعليل الأخذ أو لترتيب عدم
~~الإعجاز عليه دلالة على شدته وفظاعته حسبما قال صلى الله عليه وسلم:

# " إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته "

# والجملة الاسمية للدلالة على دوام النفي والتأكيد يعود إليه أيضا.

### || [16.47]

# { أو يأخذهم على تخوف } أي مخافة وحذر من الهلاك
~~والعذاب بأن يهلك قوما قبلهم أو يحدث حالات/ يخاف ms05394 منها غير ذلك كالرياح
~~الشديدة والصواعق والزلازل فيتخوفوا فيأخذهم بالعذاب وهم متخوفون ويروى
~~نحوه عن الضحاك، وهو على ما قال الزمخشري ويقتضيه كلام ابن بحر خلاف قوله
~~تعالى:

# من حيث لا يشعرون

# [النحل: 45]. وقال غير واحد من الأجلة: على أن ينقصهم شيئا فشيئا في
~~أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا من تخوفته إذا تنقصته، وروي تفسيره بذلك عن
~~ابن عباس ومجاهد والضحاك أيضا. وذكر الهيثم بن عدي أن التنقص بهذا
~~المعنى لغة أزدشنوءة، ويروى أن عمر رضي الله تعالى عنه قال على المنبر ما
~~تقولون فيها أي الآية والتخوف منها؟ فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال: هذه
~~لغتنا التخوف التنقص فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ فقال: نعم قال
~~شاعرنا أبو كبير يصف ناقته:

# تخوف الرحل منها تامكا قردا

# كما تخوف عود النبعة السفن

# فقال عمر رضي الله تعالى عنه: عليكم بديوانكم لا تضلوا قالوا: وما
~~ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم، والجار
~~والمجرور قال أبو البقاء: في موضع الحال من الفاعل أو المفعول في يأخذهم.
~~وقال الخفاجي: الظاهر أنه حال من المفعول وكأنه أراد على تفسيري التخوف
~~ويتخوف من الجزم به على التفسير الثاني، والمراد من ذكر هذه المتعاطفات
~~بيان قدرة الله تعالى على إهلاكهم بأي وجه كان لا الحصر، ثم إن بعضهم
~~اعتبر في التقابل بينهما أن المراد بخسف الأرض بهم إهلاكهم من تحتهم
~~وبإتيان العذاب من حيث لا يشعرون إهلاكهم من فوقهم وحيث قوبلا بإهلاكهم
~~في تقلبهم وأسفارهم كان المعتبر فيهما سكونهم في مساكنهم وأوطانهم
~~والمقابلة بين أخذهم على تخوف على المعنى الأول والأخذ بغتة المشعر به من
~~حيث لا يشعرون ظاهرة، واعتبر عدم الشعور في الأخذ في التقلب والخسف
~~لقرينة الأخذ على تخوف على ذلك المعنى وحمل سائرها على عذاب الاستئصال
~~دون الأخذ على تخوف على المعنى الثاني ومجمل القول في ذلك أنه اعتبر في
~~كل اثنين من الأربعة منع الجمع لكن بعد أن يراد بالعام منهما للمقابلة ما
~~عدا الخاص سواء كان ms05395 بين الاثنين عموم من وجه أو مطلقا. وذكر الإمام وابن
~~الخازن في حاصل الآية أنه تعالى خوفهم بخوف يحصل في الأرض أو بعذاب ينزل
~~من السماء أو بآفات تحدث دفعة أو بآفات تأتي قليلا قليلا إلى أن يأتي
~~الهلاك على آخرهم، وكان الظاهر في الآية أن يقال: أو يعذبهم من حيث لا
~~يشعرون ليناسب ما قبله وما بعده بناء على أن إسناد الفعل فيهما إليه
~~تعالى وما قبله فقط بناء على أن إسناد الفعل فيما بعد إلى العذاب مع
~~كونه أخصر مما في النظم الجليل لكنه عدل عنه إلى ذلك لكونه أبلغ في
~~التخويف وأدل على استحقاق العذاب من حيث إن فيه إشعارا بأن هناك عذابا
~~موجودا مهيئا لا يحتاج إلا إلى الإتيان دون الإحداث وليس في  يعذبهم 
~~إشعار كذلك على أن ما في النظم الجليل أبعد من أن يتوهم فيه معنى غير
~~صحيح كما يتوهم في البدل المفروض حيث يتوهم فيه أنه سبحانه يعذبهم من حيث
~~لا يشعرون بالعذاب وهو كما ترى.

# وحيث كانت حالتا التقلب والتخوف مظنة للهرب عبر عن إصابة العذاب فيهما
~~بالأخذ وعن إصابته حالة الغفلة المنبئة عن السكون بالإتيان وجيء بفي مع
~~التقلب وبعلى مع التخوف قيل: لأن في التقلب حركتين فكان الشخص المتقلب
~~بينهما ولا كذلك/ التخوف، وقيل: لما كان التقلب شاغلا الإنسان بسائر
~~جوارحه حتى كأنه محيط به وهو مظروف فيه جيء بفي معه، والتخوف أي المخافة
~~إنما يقوم بعضو من أعضائه فقط وهو القلب المحيط به بدن الإنسان فلذا جيء
~~بعلى معه، وقيل: إن على بمعنى مع كما في قوله تعالى:

# وءاتى المال على حبه

# [البقرة: 117] أي يأخذهم مصاحبين لذلك ولما كان التخوف نفسه نوعا من
~~العذاب لما فيه من تألم القلب ومشغولية الذهن وكان الأخذ مشيرا إلى نوع
~~آخر من العذاب أيضا جيء بعلى التي بمعنى مع ليكون المعنى يعذبهم مع
~~عذابهم ولم يعتبر ذلك مع التقلب مرادا به الإقبال والإدبار في الأسفار
~~والمتاجر مع أنه جاء

# " السفر قطعة من العذاب ms05396 "

# لأنهم لا يعدون ذلك عذابا وفي القلب من هذا شيء فتدبر وتأمل فأسرار
~~كتاب الله تعالى لا تحصى.

# { فإن ربكم لرءوف رحيم } جعله ابن بحر تعليلا للأخذ
~~على تخوف بناء على أن المراد به أخذهم على حدوث حالات يخاف منها كالرياح
~~الشديدة والصواعق والزلازل لا بغتة فإن في ذلك امتداد وقت ومهلة يمكن
~~فيها التلافي فكأنه قيل: أو يأخذهم على تخوف ولا يفاجئهم لأنه سبحانه
~~رؤوف رحيم وذلك أنسب برأفته ورحمته جل وعلا، وجوز أن يكون تعليلا لذلك
~~على المعنى الأخير فإن في تنقصهم شيئا بعد شيء دون أخذهم دفعة إمهالا
~~في الجملة وهو مطلقا من آثار الرحمة، وقيل: هو تعليل لما يفهم من الآية
~~من أنه سبحانه قادر على إهلاكهم بأي وجه كان لكنه تعالى لم يفعل، وقيل:
~~هو كالتعليل للأمن المستفهم عنه، والتعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة
~~إلى ضمير الخطاب من آثار رحمته جل شأنه.

### || [16.48]

# { أولم يروا } الهمزة للإنكار والواو للعطف على مقدر يقتضيه
~~المقام. والرؤية بصرية مؤدية إلى التفكر والضمير للذين مكروا السيئات أي
~~ألم ينظر هؤلاء الماكرون ولم يروا متوجهين { إلى ما خلق الله
~~}. وقيل: الضمير للناس الشامل لأولئك وغيرهم والإنكار بالنسبة إليهم.
~~وقرأ السلمي والأعرج والإخوان { أو لم تروا } بتاء الخطاب جريا
~~على أسلوب قوله تعالى:

# فإن ربكم

# [النحل: 47] كما أن الجمهور قرءوا بالياء جريا على أسلوب قوله تعالى: {
~~افأمن الذين مكروا } [النحل: 45] وذكر الخفاجي وغيره أن قراءة التاء على
~~الالتفات أو تقدير قل أو الخطاب فيها عام للخلق و { ما } موصولة مبهمة،
~~وقوله تعالى: { من شىء } بيان لها لكن باعتبار صفته وهي قوله تعالى: {
~~يتفيأ ظلله } فهي المبينة في الحقيقة والموصوف توطئة لها
~~وإلا فأي بيان يحصل به نفسه، والتفيؤ تفعل من فاء يفيء فيئا إذا رجع
~~وفاء لازم وإذا عدي فبالهمزة أو التضعيف كأفاءه الله تعالى وفيأه فتفيأ
~~وتفيأ مطاوع له لازم، وقد استعمله أبو تمام متعديا في قوله من قصيدة
~~يمدح بها خالد بن يزيد الشيباني:

# طلبت ربيع ربيعه الممهى لها ms05397

# وتفيأت ظلا له ممدودا

# ويحتاج ذلك إلى نقل من كلام العرب، والظلال جمع ظل وهو في قول ما يكون
~~بالغداة وهو ما لم تنله الشمس والفيء ما يكون بالعشي وهو ما انصرفت عنه
~~الشمس وأنشدوا له قول حميد بن ثور يصف سرحة وكنى بها عن امرأة:

# فلا الظل من برد الضحى تستطيعه

# ولا الفىء من برد العشي تذوق

# ونقل ثعلب عن رؤبة ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل وما لم تكن
~~عليه فهو ظل فالظل أعم من الفيء، وقيل: هما مترادفان يطلق كل منهما على
~~ما كان قبل الزوال وعلى خلافه، وأنشد أبو زيد/ للنابغة الجعدي:

# فسلام الإله يغدو عليهم

# وفيوء الفردوس ذات الظلال

# والمشهور أن الفيء لا يكون إلا بعد الزوال، ومن هنا قال الأزهري: إن
~~تفيء الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار، وقال أبو حيان: إن الاعتبار من
~~أول النهار إلى آخره، وإضافة الظلال إلى ضمير المفرد لأن مرجعه وإن كان
~~مفردا في اللفظ لكنه كثير في المعنى، ونظير ذلك أكثر من أن يحصى،
~~والمعنى أو لم يروا الأشياء التي ترجع وتتنقل ظلالها.

# { عن اليمين والشمآئل } والمراد بها الأشياء الكثيفة من
~~الجبال والأشجار وغيرها سواء كان جمادا أو إنسانا على ما عليه بعض
~~المفسرين، وخصها بعضهم بالجمادات التي لا يظهر لظلالها أثر سوى التفيء
~~بواسطة الشمس على ما ستعلمه إن شاء الله تعالى دون ما يشمل الحيوان الذي
~~يتحرك ظله بتحركه، وكلا القولين على تقدير كون { من } بيانية كما سمعت؛
~~وذهب بعض المحققين إلى العموم لكنه جعل من ابتدائية متعلقة  بخلق 
~~والمراد بما خلقه من شيء عالم الأجسام المقابل لعالم الروح والأمر الذي
~~لم يخلق من شيء بل وجد بأمر كن كما قال سبحانه:

# ألا له الخلق والأمر

# [الأعراف: 54]، ولا يخفى بعده، واعترض أيضا بأن السموات والجن من عالم
~~الأجسام والخلق ولا ظل لها ومقتضى عموم { ما } أنه لا يخلو شيء منها عنه
~~بخلاف ما إذا جعلت من بيانية و { يتفيؤ } صفة شيء مخصصة له. ورد ms05398 بأن جملة
~~{ يتفيؤ } حينئذ ليست صفة  لشيء  إذ المراد إثبات ذلك لما خلق من شيء
~~لا له وليس صفة  لما  لتخالفهما تعريفا وتنكيرا بل هي مستأنفة لإثبات
~~أن له ظلالا متفيئة وعموم { ما } لا يوجب أن يكون المعنى لكل منه هذه
~~الصفة.

# وتعقب بأنه إن أريد أنه لا يقتضي العموم ظاهرا فممنوع وإن أريد أنه
~~يحتمل فلا يرد ردا لأنه مبني على الظاهر المتبادر، والمراد باليمين
~~والشمائل على ما قيل جانبا الشيء استعارة من يمين الإنسان وشماله أو
~~مجازا من إطلاق المقيد على المطلق أي ألم يروا الأشياء التي لها ظلال
~~متفيئة عن جانبي كل واحد منها ترجع من جانب إلى جانب بارتفاع الشمس
~~وانحدارها أو باختلاف مشارقها ومغاربها فإن لها مشارق ومغارب بحسب
~~مداراتها اليومية حال كون تلك الظلال { سجدا لله } أي منقادة له
~~تعالى جارية على ما أراد من الامتداد والتقلص وغيرهما غير ممتنعة عليه
~~سبحانه فيما سخرها له وهو المراد بسجودها، وقد يفسر باللصوق في الأرض أي
~~حال كونها لاصقة بالأرض على هيئة الساجد.

# وقوله تعالى: { وهم دخرون } حال من ضمير { ظلله } الراجع
~~إلى { شيء } ، والجمع باعتبار المعنى وصح مجيء الحال من المضاف إليه لأنه
~~كالجزء، وإيراد الصيغة الخاصة بالعقلاء لما أن الدخور من خصائصهم فإنه
~~التصاغر والذل، قال ذو الرمة:

# فلم يبق إلا داخر في مخيس

# ومنحجر في غير أرضك في حجر

# فالكلام على الاستعارة أو لأن في جملة ذلك من يعقل فغلب، ووجه التعبير
~~بهم يعلم مما ذكر، ويجوز أن يعتبر وجهه أولا ويجعل ما بعده جاريا على
~~المشاكلة له أي والحال أن أصحاب تلك الظلال ذليلة منقادة لحكمه تعالى،
~~ووصفها بالدخور مغن عن وصف ظلالها به، وجوز كون { سجدا } والجملة
~~حالين من الضمير أي ترجع ظلال تلك الأجرام حال كون تلك الأجرام منقادة له
~~تعالى داخرة فوصفها بهما مغن عن وصف ظلالها بهما. والمراد بالسجود أيضا
~~الانقياد سواء كان بالطبع أو بالقسر أو بالإرادة، فلا يرد على احتمال أن
~~يكون المراد ب { ما خلق ms05399 } شاملا للعقلاء وغيرهم كيف يكون {
~~سجدا } حالا من ضميره وسجود العقلاء غير سجود غيرهم.

# / وحاصل ما أشرنا إليه أن ذلك من عموم المجاز، والأمر على احتمال أن
~~يراد من ذاك الجمادات ظاهر، وزعم بعضهم أن السجود حقيقة مطلقا وهو
~~الوقوع على الأرض على قصد العبادة ويستدعي ذلك الحياة والعلم لتقصد
~~العبادة، وليس بشيء كما لا يخفى، ثم إن قلنا على هذا الوجه: إن الواو
~~حالية كما أشير إليه فالحالان مترادفتان، وتعدد الحال جائز عند الجمهور،
~~ومن لم يجوز جعل الثانية بدل اشتمال أو بدل كل من كل كما فصله السمين،
~~وإن قلنا: إنها عاطفة فلا تكون الحال مترادفة بل متعاطفة، وقال أبو
~~البقاء: { سجدا } حال من الظلال { وهم دخرون } حال من الضمير
~~في { سجدا } ويجوز أن يكون حالا ثانية معطوفة اه، وفيه القول
~~بالتداخل وهو محتمل على تقدير كون { سجدا } حالا من ضمير {
~~ظلله } والوجه الأول هو المختار عند الزمخشري، ورجحه في «الكشف»
~~فقال: إن انقياد الظل وذي الظل مطلوب، ألا ترى إلى قوله تعالى:

# وظللهم بالغدو والآصال

# [الرعد: 15] فجاعلهما حالا من الضمير في { ظلله } مقصر، وفيه
~~تكميل حسن لما وصف الظلال بالسجود وصف أصحابها بالدخور الذي هو أبلغ لأنه
~~انقياد قهري مع صفة المنقاد، ولم يجعل حالا من الراجع إلى الموصول في {
~~خلق الله } إذ المعنى على تصوير سجود الظل وذيه وتقارنهما في
~~الوجود لا على مقارنة الخلق والدخور، والعامل في الحال الثاني { يتفيؤ }
~~على ما قال ابن مالك في قوله تعالى:

# قل بل ملة إبرهيم حنيفا

# [البقرة: 135] اه، ومنه يعلم ما في إعراب أبي البقاء. نعم إن في هذا
~~الوجه بعدا لفظيا والأمر فيه هين، وأما جعل { وهم دخرون } حال
~~من ضمير { يروا } فمما لا يصح بحال كما لا يخفى.

# هذا وذكر الإمام في اليمين والشمال قولين غير ما تقدم. ((الأول: أن
~~المراد بهما المشرق والمغرب تشبيها لهما بيمين الإنسان وشماله فإن
~~الحركة اليومية آخذة من المشرق وهو أقوى الجانبين فهو اليمين والجانب
~~الآخر الشمال فالظلال في أول ms05400 النهار تبتدىء من الشرق واقعة على الربع
~~الغربي من الأرض وعند الزوال تبتدىء من الغرب واقعة على الربع الشرقي
~~منها. والثاني: يمين البلد وشماله، وذلك أن البلدة التي يكون عرضها أقل
~~من مقدار الميل (الكلي وهو كجل يز أو كحله على اختلاف الأرصاد } فإن في
~~الصيف تحصل الشمس على يمين تلك البلدة وحينئذ تقع الأظلال على يسارها وفي
~~الشتاء بالعكس))، ولا يخفى ما في الثاني فإنه مختص بقطر مخصوص والكلام
~~ظاهر في العموم، وقيل: المراد باليمين والشمال يمين مستقبل الجنوب
~~وشماله، و { عن } كما قال الحوفي متعلقة بيتفيؤ وقال أبو البقاء:
~~متعلقة بمحذوف وقع حالا، وقيل: هي اسم بمعنى جانب فتكون في موضع نصب على
~~الظرفية، ولهم في توحيد { اليمين } وجمع { الشمائل }  وهو جمع غير
~~قياسي  كلام طويل.

# فقيل: إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ المفرد كقوله
~~تعالى:

# جعل الظلمت والنور

# [الأنعام: 1] و

# ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم

# [البقرة: 7] وقيل: إذا فسرنا اليمين بالمشرق كان النقطة التي هي مشرق
~~الشمس واحدة بعينها فكانت اليمين واحدة، وأما الشمائل فهي عبارة عن
~~الانحرافات الواقعة في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة فلذلك
~~عبر عنها بصيغة الجمع، وقيل: اليمين مفرد لفظا لكنه جمع معنى فيطابق
~~الشمائل من حيث المعنى، وقال الفراء: إنه يحتمل أن يكون مفردا وجمعا
~~فإن كان مفردا ذهب إلى واحد من ذوات الظلال وإن كان جمعا ذهب إلى كلها
~~لأن ما خلق الله لفظه واحد ومعناه الجمع، وقال الكرماني: يحتمل أن يراد
~~بالشمائل الشمال والقدام والخلف لأن الظل يفيء من الجهات كلها فبدأ
~~باليمين لأن ابتداء التفيء منها أو تيمنا بذكرها، ثم جمع الباقي على لفظ
~~الشمال لما بين الشمال واليمين من التضاد، ونزل الخلف والقدام/ منزلة
~~الشمال لما بينهما وبين اليمين من الخلاف، وهو قريب من الأول. وتعقب بأن
~~فيه جمع اللفظ باعتبار حقيقته ومجازه وفي صحته مقال، وقيل: المراد
~~باليمين يمين الواقف مستقبل المشرق ويسمى الجنوب وبالشمال شماله فكأنه
~~قيل: يتفيؤ ms05401 ظلاله عن الجنوب إلى الشمال وعن الشمال إلى الجنوب ولما كان
~~غالب المعمورة شمالي وظلالها كذلك جمع الشمال ولم يجمع اليمين، وهو كما
~~ترى. ونقل أبو حيان عن أستاذه الحسن علي بن الصائغ أنه أفرد وجمع بالنظر
~~إلى الغايتين لأن ظل الغداة يضمحل حتى لا يبقى منه إلا اليسير فكأنه في
~~جهة واحدة، وهو في العشي على العكس لاستيلائه على جميع الجهات فلحظت
~~الغايتان، هذا من جهة المعنى وأما من جهة اللفظ فجمع الثاني ليطابق {
~~سجدا } المجاور له شمالا كما أفرد الأول ليطابق ضمير { ظلله }
~~المجاور له يمينا، ولا يخفى ما في التقديم والتأخير من حسن رعاية الأصل
~~والفرع أيضا، فحصل في الآية مطابقة اللفظ للمعنى وملاحظتهما معا وتلك
~~الغاية في الإعجاز، ويخطر لي وجه آخر في الإفراد والجمع مبني على أن
~~المراد باليمين جهة المشرق وبالشمال جهة المغرب، وهو أنه لما كانت الجهة
~~الأولى مطلع النور والجهة الثانية مغربه ومظهر الظلمة أفرد ما يدل على
~~الجهة الأولى كما أفرد { النور } في كل القرآن، وجمع ما يدل على الجهة
~~الثانية كما جمع الظلمة كذلك وإفراد النور وجمع الظلمة تقدم الكلام
~~فيهما، وقد يقال: إن جمع الظلال مع إفراد ما قبله وما بعده لأن الظل ظلمة
~~حاصلة من حجب الكثيف الشمس مثلا عن أن يقع ضوؤها على ما يقابله فجمعت
~~الظلال كما جمعت الظلمات، ولا يعكر على هذا أنه جمعت المشارق في القرآن
~~كالمغارب إذ كثيرا ما يرتكب أمر لنكتة في مقام ولا يرتكب لها في مقام
~~آخر، وآخر أيضا وهو أنه لما كان اليمين عبارة عن جهة المشرق وهو مبدأ
~~الظل وحده مناسبة لتوحيد المبدأ الحقيقي وهو الله تعالى ولا كذلك
~~جهة المغرب، ولا يناسب رعاية نحو هذا في الشمال كما يرشدك إلى ذلك و

# " كلتا يديه يمين "

# ويعين على ملاحظة المبدئية نسبة الخلق إليه تعالى، وآخر أيضا وهو أن
~~الظل الجائي من جهة المشرق لا يتعلق به أمر شرعي والجائي من جهة المغرب
~~يتعلق به ذلك، فإن صلاة الظهر ms05402 يدخل وقتها بأول حدوثه من تلك الجهة بزوال
~~الشمس عن وسط السماء، ووقت العصر بصيرورته مثل الشاخص أو مثليه بعد ظل
~~الزوال إن كان كما في الآفاق المائلة، ووقت المغرب بشموله البسيطة بغروب
~~الشمس، وما ألطف وقوع { سجدا } بعد { الشمائل } على هذا؛ وآخر أيضا
~~وهو أوفق بباب الإشارة وسيأتي فيه إن شاء الله تعالى الفتاح، وبعد لمسلك
~~الذهن اتساع فتأمل فلعل ما ذكرته لا يرضيك.

# وقد بين الإمام أن اختلاف الظلال دليل على كونها منقادة لله تعالى خاضعة
~~لتقديره وتدبيره سبحانه، ثم قال: فإن قيل لم لا يجوز أن يقال اختلافها
~~معلل باختلاف الشمس؟ قلنا: قد دللنا على أن الجسم لا يكون متحركا لذاته
~~فلا بد أن يكون تحركه من غيره ولا بد من الاستناد بالآخرة إلى واجب
~~الوجود جل شأنه فيرجع أمر اختلاف الظلال إليه تعالى على هذا التقدير.
~~وأنت تعلم أنه لا ينبغي أن يتردد في أن السبب الظاهري للظلال هو الشمس
~~ونحوها وكثافة الشاخص، نعم في كون ذلك مستندا إليه تعالى في الحقيقة
~~ابتداء أو بالواسطة خلاف، ومذهب السلف غير خفي عليك فقد أشرنا إليه غير
~~مرة فتذكره إن لم يكن على ذكر منك، ثم الظاهر أن المراد بالظلال الظلال
~~المبسوطة وتسمى المستوية، ويجوز أن يراد بها ما يشمل الظلال المعكوسة
~~فإنها أيضا تتفيؤ عن اليمين والشمائل فاعرف ذلك ولا تغفل.

# وقرأ أبو عمرو وعيسى ويعقوب { تتفيؤ } بالتاء على التأنيث، وأمر التأنيث
~~والتذكير في/ الفعل المسند لمثل الجمع المذكور ظاهر. وقرأ عيسى { ظلله }
~~وهو جمع ظلة كحلة وحلل؛ قال صاحب «اللوامح»: الظلة بالضم الغيم وأما
~~بالكسر فهو الفيء والأول جسم والثاني عرض، فرأى عيسى أن التفيؤ الذي هو
~~الرجوع بالأجسام أولى، وأما في العامة فعلى الاستعارة اه، ويلوح منه
~~القول بالقراءة بالرأي، ومن الناس من فسر الظلال في قراءة العامة
~~بالأشخاص لتكون على نحو قراءة عيسى، وأنشدوا لاستعمال الظلال في ذلك قول
~~عبدة:

# إذا نزلنا نصبنا ظل أخبية

# وفار للقوم باللحم المراجيل

# فإنه إنما تنصب الأخبية لا ms05403 الظل الذي هو الفيء، وقول الآخر:

# يتبع أفياء الظلال عشية

# فإنه أراد أفياء الأشخاص. وتعقب ذلك الراغب بأنه لا حجة فيما ذكر فإن
~~قوله: رفعنا ظل أخبية معناه رفعنا الأخبية فرفعنا بها ظلها فكأنه رفع
~~الظل، وقوله: أفياء الظلال فالظلام فيه عام والفيء خاص والإضافة من إضافة
~~الشيء إلى جنسه، وقال بعضهم: المراد من الظلة في قراءة عيسى الظل الذي
~~يشبه الظلة، والمراد بها شيء كهيئة الصفة في الانتفاع به وقيل: الكلام في
~~تلك القراءة على حذف مضاف أي ظلال ظلله، وتفسير الظلة بما هو كهيئة
~~الصفة، والمتبادر من الظل حينئذ الظل المعكوس.

# ثم إنه تعالى بعد أن ذكر ما ذكر أردفه بما يفيده تأكيدا مع زيادة سجود
~~ما لا ظل له فقال سبحانه: { ولله يسجد ما فى
~~السموات... }.

### || [16.49]

# { ولله يسجد ما فى السموات وما في الأرض } أو
~~أنه سبحانه بعد ما بين سجود الظلال وذويها من الأجرام السفلية الثابتة في
~~أحيازها ودخورها له سبحانه شرع في شأن سجود المخلوقات المتحركة بالإرادة
~~سواء كانت لها ظلال أم لا؟ فقال عز من قائل ما قال، والمراد بالسجود على
~~ما ذكره غير واحد الانقياد سواء كان انقيادا لإرادته تعالى وتأثيره
~~طبعا أو انقيادا لتكليفه وأمره طوعا ليصح إسناده إلى عامة أهل
~~السماوات والأرض من غير جمع بين الحقيقة والمجاز ولكون الآية آية سجدة لا
~~بد من دلالتها على السجود المتعارف ولو ضمنا، والاسم الجليل متعلق 
~~بيسجد  والتقديم لإفادة القصر وهو ينتظم القلب والإفراد إلا أن الأنسب
~~بحال المخاطبين قصر الإفراد كما يؤذن به قوله تعالى:

# وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين

# [النحل: 51] أي له تعالى وحده ينقاد ويخضع جميع ما في السماوات وما في
~~الأرض { من دابة } بيان لما فيهما بناء على أن الدبيب هو الحركة
~~الجسمانية سواء كان في أرض أو سماء، والملائكة أجسام لطيفة غير مجردة
~~وتقييد الدبيب بكونه على وجه الأرض لظهوره أو لأنه أصل معناه وهو عام هنا
~~بقرينة المبين.

# وقوله سبحانه: { والملئكة } عطف على محل الدابة ms05404 المبين به وهو
~~الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف لأن { من } البيانية لا تكون ظرفا
~~لغوا وهو من عطف الخاص على العام إفادة لعظم شأن الملائكة عليهم السلام،
~~وجوز أن يكون من عطف المباين بناء على أن يراد بما في السماوات الجسمانية
~~ويلتزم القول بتجرد الملائكة عليهم السلام فلا يدخلون فيما في السماوات
~~لأن المجردات ليست في حيز وجهة وبعضهم استدل بالآية على تجرد الملائكة
~~بناء على أن ما في السماوات وما في الأرض بين أحدهما بالدابة والآخر
~~بالملائكة والأصل في التقابل التغاير، والدابة المتحركة حركة جسمانية فلا
~~يكون مقابلها من الأجسام لأن الجسم لا بد فيه من حركة جسمانية، ولا يخفى
~~أنه دليل اقناعي إذ يحتمل كونه تخصيصا بعد تعميم كما سمعت آنفا أو هو
~~بيان لما في الأرض، والدابة اسم لما يدب على الأرض و { الملئكة }
~~عطف على { ما في السموت } وهو تكرير له وتعيين إجلالا
~~وتعظيما، وذكر غير واحد أنه من عطف الخاص على العام لذلك أيضا، وجوز أن
~~يراد بما في السماوات الخلق الذين يقال لهم الروح/ ويلتزم القول بأنهم
~~غير الملائكة عليهم السلام فكيون من عطف المباين أو هما بيان لما في
~~الأرض، والمراد بالملائكة عليهم السلام ملائكة يكونون فيها كالحفظة
~~والكرام الكاتبين ولا يراد بالدابة ما يشملهم، و { ما } إذا قلنا: إنها
~~مختصة بغير العقلاء كما يشهد له خبر ابن الزبعرى فاستعمالها هنا في
~~العقلاء وغيرهم للتغليب، وأما إن قلنا أن وضعها لأن تستعمل في غير
~~العقلاء وفيما يعم العقلاء وغيرهم كالشبح المرئي الذي لا يعرف أنه عاقل
~~أو لا فإنه يطلق عليه ما حقيقة فالأمر على ما قيل غير محتاج إلى تغليب،
~~وفي «أنوار التنزيل» أن { ما } استعمل للعقلاء كما استعمل لغيرهم كان
~~استعماله حيث اجتمع القبيلان أولى من إطلاق من تغليبا، وفي «الكشاف» أنه
~~لو جيء بمن لم يكن فيه دليل على التغليب فكان متناولا للعقلاء خاصة فجيء
~~بما هو صالح للعقلاء وغيرهم إرادة العموم وهو جواب عن سبب اختيار ما على ms05405
~~من، وحاصله على ما في «الكشف» أن من للعقلاء والتغليب مجاز فلو جيء بغير
~~قرينة تعين الحقيقة والمقام يقتضي التعميم فجيء بما يعم وهو ما وأراد أن
~~لا دليل في اللفظ، وقرينة العموم في السابق لا تكفي لجواز تخصيصهم من
~~البين بعد التعميم على أن اقتضاء المقام العموم وما في التغليب من الخصوص
~~كاف في العدول انتهى.

# وقيل بناء على أن ما مختصه بغير العقلاء ومن مختصة بالعقلاء: إن الإتيان
~~بما وارتكاب التغليب أوفق بتعظيم الله تعالى من الإتيان بمن وارتكاب ذلك
~~فليفهم.

# { وهم } أي الملائكة مع علو شأنهم { لا يستكبرون } عن عبادته
~~تعالى شأنه والسجود له، وتقديم الضمير ليس للقصر، والسين ليست للطلب
~~وقيل: له على معنى لا يطلبون ذلك فضلا عن فعله والاتصاف به. وإذا قلنا:
~~إن صيغة المضارع للاستمرار التجددي فالمراد استمرار النفي. والجملة إما
~~حال من فاعل { يسجد } مسندا إلى الملائكة أو استئناف للإخبار عنهم
~~بذلك، وإنما لم يجعل الضمير  لما  لاختصاصه بأولي العلم وليس المقام
~~مقام التغليب، وخالف في ذلك بعضهم فجعله لها وكذا الضمير في قوله سبحانه:
~~{ يخافون ربهم... }.

### || [16.50]

# { يخافون ربهم } وممن صرح بعود الضمير فيه على { ما } [النحل:
~~49] أبو سليمان الدمشقي، وقال أبو حيان: إنه الظاهر، وذهب ابن السائب
~~ومقاتل إلى ما قلنا أي يخافون مالك أمرهم.

# { من فوقهم } إما متعلق  بيخافون  وخوف ربهم كناية عن خوف عذابه
~~أو الكلام على تقدير مضاف هو العذاب على ما هو الظاهر أو متعلق بمحذوف
~~وقع حالا من { ربهم } أي كائنا من فوقهم، ومعنى كونه سبحانه
~~فوقهم قهره وغلبته لأن الفوقية المكانية مستحيلة بالنسبة إليه تعالى،
~~ومذهب السلف قد أسلفناه لك وأظنه على ذكر منك. والجملة حال من الضمير في

# لا يستكبرون

# [النحل: 49] وجوز أن تكون بيانا لنفي الاستكبار وتقريرا له لأن من خاف
~~الله تعالى لم يستكبر عن عبادته، واختاره ابن المنير وقال: إنه الوجه ليس
~~إلا لئلا يتقيد الاستكبار وليدل على ثبوت هذه الصفة أيضا على الإطلاق،
~~ولا بد أن يقال على تقدير ms05406 الحالية: إنها حال غير منتقلة وقد جاءت في
~~الفصيح بل في أفصحه على الصحيح، وفي اختيار عنوان الربوبية تربية للمهابة
~~وإشعار بعلة الحكم.

# { ويفعلون ما يؤمرون } أي ما يؤمرون به من الطاعات
~~والتدبيرات وإيراد الفعل مبينا للمفعول جرى على سنن الجلالة وإيذان بعدم
~~الحاجة إلى التصريح بالفاعل لاستحالة استناده إلى غيره سبحانه، واستدل
~~بالآية على أن الملائكة مكلفون مدارون بين الخوف والرجاء، أما دلالتها
~~على التكليف فلمكان الأمر، وأما على الخوف فهو أظهر من أن يخفى، وأما على
~~الرجاء فلاستلزام الخوف له على ما قيل، وقيل: إن اتصافهم بالرجاء لأن من
~~خدم أكرم/ الأكرمين كان من الرجاء بمكان مكين، وزعم بعضهم أن خوفهم ليس
~~إلا خوف إجلال ومهابة لا خوف وعيد وعذاب، ويرده قوله تعالى:

# وهم من خشيته مشفقون * ومن يقل منهم إنى
~~إله من دونه فذلك نجزيه جهنم

# [الأنبياء: 28-29] ولا ينافي ذلك عصمتهم، وقال الإمام: الأصح أن ذلك
~~الخوف خوف الإجلال، وذكر أنه نقل عن ابن عباس واستدل له بقوله تعالى:

# إنما يخشى الله من عباده العلماء

# [فاطر: 28] وفي القلب منه شيء، والحق أن الآية لا تصلح دليلا لكون
~~الملائكة أفضل من البشر. واستدل بها فرقة على ذلك من أربعة أوجه ذكرها
~~الإمام ولم يتعقبها بشيء لأنه ممن يقول بهذه الأفضلية، وموضع تحقيق ذلك
~~كتب الكلام.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { أتى أمر الله } وهو القيامة
~~الكبرى التي يرتفع فيها حجب التعينات ويضمحل السوى، ولما كان صلى الله
~~عليه وسلم مشاهدا لذلك في عين الجمع قال { أتى } ولما كان ظهورها على
~~التفصيل بحيث تظهر للكل لا يكون إلا بعد حين قال: { فلا
~~تستعجلوه } لأن هذا ليس وقت ظهوره، ثم أكد شهوده لوجه الله تعالى
~~وفناء الخلق في القيامة بقوله:

# سبحانه وتعالى عما يشركون

# [النحل: 1] بإثبات وجود الغير، ثم فصل ما شاهد في عين الجمع لكونه في
~~مقام الفرق بعد الجمع لا يحتجب بالوحدة عن الكثرة ولا بالعكس فقال: {
~~ينزل الملئكة بالروح } وهو العلم الذي تحيا به القلوب ms05407 {
~~على من يشاء من عباده } وهم المخلصون له

# أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون

# [النحل: 2] وقال بعضهم: أي خوفوا الخلق من الخواطر الرديئة الممزوجة
~~بالنظر إلى غيري وخوفهم من عظيم جلالي، وهذا وحي تبليغ وهو مخصوص
~~بالمرسلين عليهم السلام، وذكروا أن الوحي إذا لم يكن كذلك غير مخصوص بهم
~~بل يكون للأولياء أيضا

# الذين قالوا ربنا الله ثم استقموا تتنزل
~~عليهم الملئكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا

# [فصلت: 30] وقد روي عن بعض أئمة أهل البيت أن الملائكة تزاحمهم في
~~مجالسهم، ثم إنه تعالى عدد الصفات وفصل النعم فقال:

# خلق السموات والأرض بالحق

# [النحل: 3] الخ، وفي قوله سبحانه:

# وتحمل أثقالكم

# [النحل: 7] الخ إشارة كما نقل عن الجنيد قدس سره إلى أنه ينبغي لمن أراد
~~البلوغ إلى مقصده أن يكون أول أمره وقصده الجهد والاجتهاد ليوصله بركة
~~ذلك إلى مقصوده، وذكروا أن المحمولين من العباد إلى المقاصد أصناف وكذا
~~المحمول عليه، فمحمول بنور الفعل، ومحمول بنور الصفة، ومحمول بنور الذات،
~~فالمحمول بنور الفعل يكون بلده مقام الخوف والرجاء ومحلته صدق اليقين
~~وداره مربع الشهود، والمحمول بنور الصفة يكون بلده مقام المعرفة ومحلته
~~صفو الخلة وداره دار المودة، والمحمول بنور الذات يكون بلده التوحيد
~~ومحلته الفناء وداره البقاء، وهذه الأصناف للسالك، وأما المجذوب فمحمول
~~على مطية الفضل إلى بلد المشاهدة، وفي قوله سبحانه:

# ويخلق ما لا تعلمون

# [النحل: 8] تحيير للأفهام وتعجيز أي تعجيز عن أن تدرك الملك العلام؛
~~وقال بعضهم: إن فيها تعليما للوقوف عند ما لا يدركه العقل من آثار الصنع
~~وفنون العلم وعدم مقابلة ذلك بالإنكار حيث أخبر سبحانه أنه يخلق ما لا
~~يعلم بمقتضى القوى البشرية المعتادة وإنما يعلم بقوة إلهية وعناية صمدية،
~~ألا ترى الصوفية الذين من الله تعالى عليهم بما من كيف علموا عوالم عظيمة
~~نسبة عالم الشهادة إليها كنسبة الذرة إلى الجبل العظيم، وممن زعم
~~الانتظام في سلكهم كالكفشية الملقبين أنفسهم بالكشفية من ذكر من ذلك
~~أشياء لا يشك العاقل في أنها لا أصل لها ms05408 بل لو عرض كلامهم في ذلك على
~~الأطفال أو المجانين لم يشكوا في أنه حديث خرافة صادر عن محض التخيل،
~~وأنا أسأل الله تعالى أن لا يبتلي مسلما بمثل ما ابتلاهم، وقد عزمت حين
~~رأيت بعض كتبهم التي ألفها بعض معاصرينا منهم مما اشتمل على ذلك على أن
~~أصنع نحو ما صنعوا/ مقابلة للباطل بمثله لكن منعني الحياء من الله تعالى
~~والاشتغال بخدمة كلامه سبحانه والعلم بأن تلك الخرافات لا تروج إلا عند
~~من سلب منه الإدراك والتحق بالجمادات، وقال الواسطي في الآية: المعنى
~~يخلق فيكم من الأفعال ما لا تعلمون أنها لكم أم عليكم { وعلى الله
~~قصد السبيل } أي السبيل القصد وهو التوحيد { ومنها جائر }
~~وهو ما عدا ذلك

# ولو شآء لهداكم أجمعين

# [النحل: 9] لكنه لم يشأ لعدم استعدادكم ولتظهر صفات جماله وجلاله
~~سبحانه: { وألقى فى الأرض رواسى } وهم الأوتاد أرباب
~~التمكين { أن تميد بكم } أي تضطرب، ومن الكلام المشهور على
~~الألسنة لو خلت قلبت { وأنهرا } وهم العلماء الذين تحيا بفرات
~~علومهم أشجار القلوب

# وسبلا

# [النحل: 15] وهم المرشدون الداعون إليه تعالى { وعلامت } وهي
~~الآيات الآفاقية والأنفسية

# وبالنجم هم يهتدون

# [النحل: 16] وهي الأنوار التي تلوح للسالك من عالم الغيب. وقال بعضهم:
~~ألقى في أرض القلوب رواسي العلوم الغيبية والمعارف السرمدية وأجرى فيها
~~أنهار أنوار المعرفة والمكاشفة والمحبة والشوق والعشق والحكمة والفطنة
~~وأوضح سبلا للأرواح والعقول والأسرار، فسبيل الأرواح إلى أنوار الصفات،
~~وسبيل العقول إلى أنوار الآيات، وسبيل الأسرار إلى أنوار الذات، والسبل
~~في الحقيقة غير متناهية، ومن كلامهم الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس
~~الخلائق. والعلامات في الظاهر أنوار الأفعال للعموم، وأخص العلامات في
~~العالم الأولياء، والنجوم أهل المعارف الذين يسبحون في أفلاك الديمومية
~~بأرواحهم وقلوبهم وأسرارهم من اقتدى بهم يهتدي إلى مقصوده الأبدي، وفي
~~الحديث

# " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "

# والمراد بهم خواصهم ليتأتى الخطاب، ويجوز أن يراد كلهم والخطاب لنا ولا
~~مانع من ذلك على مشرب القوم

# والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا
~~وهم يخلقون * أموت ms05409 غير أحياء وما يشعرون
~~أيان يبعثون

# [النحل: 20-21] ما أعظمها آية في النهي على من يستغيث بغير الله تعالى
~~من الجمادات والأموات ويطلب منه ما لا يستطيع جلبه لنفسه أو دفعه عنها.
~~وقال بعض أكابر السادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم: إن الاستغاثة
~~بالأولياء محظورة إلا من عارف يميز بين الحدوث والقدم فيستغيث بالولي لا
~~من حيث نفسه بل من حيث ظهور الحق فيه فإن ذلك غير محظور لأنه استغاثة
~~بالحق حينئذ؛ وأنا أقول إذا كان الأمر كذلك فما الداعي للعدول عن
~~الاستغاثة بالحق من أول الأمر؟ وأيضا إذا ساغت الاستغاثة بالولي من هذه
~~الحيثية فلتسغ الصلاة والصوم وسائر أنواع العبادة له من تلك الحيثية
~~أيضا، ولعل القائل بذلك قائل بهذا. بل قد رأيت لبعضهم ما يكون هذا القول
~~بالنسبة إليه تسبيح ولا يكاد يجري قلمي أو يفتح فمي بذكره، فالطريق
~~المأمون عند كل رشيد قصر الاستغاثة والاستعانة على الله عز وجل فهو
~~سبحانه الحي القادر العالم بمصالح عباده، فإياك والانتظام في سلك الذين
~~يرجون النفع من غيره تعالى:

# الذين تتوفهم الملئكة ظالمى أنفسهم

# [النحل: 28] ذكروا أن السابقين الموحدين يتوفاهم الله تعالى بذاته، وأما
~~الأبرار والسعداء فقسمان، فمن ترقى عن مقام النفس بالتجرد ووصل إلى مقام
~~القلب بالعلوم والفضائل يتوفاهم ملك الموت، ومن كان في مقام النفس من
~~العباد والصلحاء والزهاد المتشرعين الذين لم يتجردوا عن علائق البدن
~~بالتحلية والتخلية تتوفاهم ملائكة الرحمة، وأما الأشرار الأشقياء
~~فتتوفاهم الملائكة أيضا ولكن ملائكة العذاب ويتشكلون لهم على صورة
~~أخلاقهم الذميمة كما يتشكل ملائكة الرحمة لمن تقدم على صورة أخلاقهم
~~الحسنة

# الذين تتوفهم الملئكة طيبين

# [النحل: 32] طابت نفوسهم في خدمة مولاها وطابت قلوبهم في محبة/ سيدها
~~وطابت أرواحهم بطيب مشاهدة ربها وطابت أسرارهم بطيب الأنوار، وقيل: طيبة
~~أبدانهم وأرواحهم بملازمة الخدمة وترك الشهوات. وقيل: طيبة أرواحهم
~~بالموت لكونه باب الوصال وسبب الحياة الأبدية

# وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من
~~دونه من شىء

# [النحل: 35] قالوه إلزاما بزعمهم للموحدين وما دروا أنه ms05410 حجة عليهم لأنه
~~تعالى لا يشاء إلا ما يعلم ولا يعلم إلا ما عليه الشيء في نفسه فلولا
~~أنهم في نفس الأمر مشركون ما شاء الله تعالى ذلك.

# فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون

# [النحل: 43] هم أهل القرآن المتخلقون بأخلاقه القائمون بأمره ونهيه
~~الواقفون على ما أودع فيه من الأسرار والغيوب وقليل ما هم فالمراد بالذكر
~~القرآن كما في قوله تعالى:

# وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل
~~إليهم ولعلهم يتفكرون

# [النحل: 44]. وفيه إشارة إلى أن الله تعالى لم يظهر مكنونات أسرار كتابه
~~إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم فهو عليه الصلاة والسلام الأمين المؤتمن
~~على الأسرار. وقد أشار سبحانه له عليه الصلاه والسلام بتبيين ذلك وقد فعل
~~ولكن على حسب القابليات  لا تمنعوا الحكمة عن أهلها فتظلموهم ولا
~~تمنحوها غير أهلها فتظلموها  ولا تودع الأسرار إلا عند الأحرار. وذلك
~~لأنها أمانة وإذا أودعت عند غيرهم لم يؤمن عليها من الخيانة وخيانتها
~~إفشاؤها وإفشاؤها خطر عظيم. ولذا قيل:

# من شاوروه فأبدى السر مشتهرا

# لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا

# وجانبوه فلم يسعد بقربهم

# وأبدلوه مكان الأنس إيحاشا

# لا يصطفون مذيعا بعض سرهم

# حاشا ودادهم من ذاكم حاشا

# { أو لم يروا إلى ما خلق الله من شىء } أي ذات
~~وحقيقة مخلوقة أية ذات كانت { يتفيأ ظلله } قيل: أي يتمثل
~~صوره ومظاهره { عن اليمين } جهة الخير

# والشمآئل

# [النحل: 48] جهات الشرور، ولما كانت جهة اليمين إشارة إلى جهة الخير
~~الذي لا ينسب إلا إليه تعالى وحد اليمين ولما كانت جهة الشمال إشارة إلى
~~جهة الشر الذي لا ينبغي أن ينسب إليه تعالى كما يرشد إليه قوله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " والشر ليس إليك "

# ولكن ينسب إلى غيره سبحانه وكان في الغير تعدد ظاهر جمع الشمال. وقيل في
~~وجه الإفراد والجمع: إن جميع الموجودات تشترك في نوع من الخير لا تكاد
~~تفيء عنه وهو العشق فقد برهن ابن سينا على سريان قوة العشق في كل واحد من
~~الهويات ولا تكاد تشترك في شر ms05411 كذلك فما تفيء عنه من الشر لا يكون إلا
~~متعددا فلذا جمع الشمال ولا كذلك ما تفيء عنه من الخير فلذا أفرد اليمين
~~فليتأمل { ولله يسجد } ينقاد { ما في السموت وما في
~~الأرض من دآبة } أي موجود يدب ويتحرك من العدم إلى الوجود

# والملائكة وهم لا يستكبرون

# [النحل: 49] لا يمتنعون عن الانقياد والتذلل لأمره { يخافون
~~ربهم من فوقهم } لأنه القاهر المؤثر فيهم { ويفعلون
~~ما يؤمرون } [النحل: 50] طوعا وانقيادا، والله تعالى الهادي سواء
~~السبيل.

# ثم إنه تعالى بعد ما بين أن جميع الموجودات خاضعة منقادة له تعالى أردف
~~ذلك بحكاية نهيه سبحانه وتعالى للمكلفين عن الاشراك فقال عز قائلا: {
~~وقال الله... }.

### || [16.51]

# { وقال الله } عطفا على قوله سبحانه:

# ولله يسجد

# [النحل: 49]. وجوز أن يكون معطوفا على

# وأنزلنا إليك الذكر

# [النحل: 44] وقيل: إنه معطوف على

# ما خلق الله

# [النحل: 48] على أسلوب:

# علفتها تبنا وماء باردا

# أي أو لم يروا إلى ما خلق الله ولم يسمعوا إلى ما قال الله ولا يخفى
~~تكلفه، وإظهار الفاعل وتخصيص لفظة الجلالة بالذكر للإيذان بأنه تعالى
~~متعين الألوهية وإنما المنهي عنه هو الإشراك به لا أن المنهى عنه هو مطلق
~~اتخاذ إلهين بحيث يتحقق الانتهاء عنه برفض أيهما كان، ولم يذكر المقول
~~لهم للعموم أي/ قال تعالى لجميع المكلفين بواسطة الرسل عليهم السلام: {
~~لا تتخذوا إلهين اثنين } المشهور أن { اثنين } وصف
~~لإلهين وكذا «واحد» في قوله سبحانه: { إنما هو إله واحد }
~~صفة لإله، وجيء بهما للايضاح والتفسير لا للتأكيد وإن حصل. وتقرير ذلك أن
~~لفظ { إلهين } حامل لمعنى الجنسية أعني الإلهية ومعنى العدد أعنى
~~الإثنينية وكذا لفظ «إله» حامل لمعنى الجنسية والوحدة، والغرض المسوق له
~~الكلام في الأول النهي عن اتخاذ الاثنين من الإله لا عن اتخاذ جنس الإله،
~~وفي الثاني إثبات الواحد من الإله لا إثبات جنسه فوصف إلهين باثنين وإله
~~بواحد إيضاحا لهذا الغرض وتفسيرا له، فإنه قد يراد بالمفرد الجنس نحو
~~نعم الرجل زيد. وكذا المثنى كقوله:

# فإن النار بالعودين تذكى

# وإن الحرب أولها ms05412 الكلام

# وإلى هذا ذهب صاحب " الكشاف " وما يفهم منه أنه تأكيد فمعناه أنه محقق
~~ومقرر من المتبوع فهو تأكيد لغوي لا أنه مؤكد أمر المتبوع في النسبة أو
~~الشمول ليكون تأكيدا صناعيا كيف وهو إنما يكون بتقرير المتبوع بنفسه أو
~~بما يوافقه معنى أو بألفاظ محفوظة، فما قيل: إن مذهبه إن ذلك من التأكيد
~~الصناعي ليس بشيء إذ لا دلالة في كلامه عليه. وقد أورد السكاكي الآية في
~~باب عطف البيان مصرحا بأنه من هذا القبيل فتوهم منه بعضهم أنه قائل بأن
~~ذلك عطف بيان صناعي، وهو الذي اختاره العلامة القطب في " شرح المفتاح "
~~نافيا كونه وصفا، واستدل على ذلك بأن معنى قولهم: الصفة تابع يدل على
~~معنى في متبوعه أنه تابع ذكر ليدل على معنى في متبوعه على ما نقل عن ابن
~~الحاجب، ولم يذكر اثنين وواحد للدلالة على الإثنينية والوحدة اللتين في
~~متبوعهما فيكونا وصفين بل ذكرا للدلالة على أن القصد من متبوعهما إلى أحد
~~جزئيه أعنى الإثنينية والوحدة دون الجزء الآخر أعنى الجنسية، فكل منهما
~~تابع غير صفة يوضح متبوعه فيكون عطف بيان لا صفة.

# وقال العلامة الثاني: ليس في كلام السكاكي ما يدل على أنه عطف بيان
~~صناعي لجواز أن يريد أنه من قبيل الإيضاح والتفسير وإن كان وصفا
~~صناعيا، ويكون إيراده في ذلك المبحث مثل إيراد كل رجل عارف وكل إنسان
~~حيوان في بحث التأكيد ومثل ذلك عادة له.

# وتعقب العلامة الأول بأنه إن أريد أنه لم يذكر إلا ليدل على معنى في
~~متبوعه فلا يصدق التعريف على شيء من الصفة لأنها البتة تكون لتخصيص أو
~~تأكيد أو مدح أو نحو ذلك وإن أريد أنه ذكر ليدل على هذا المعنى ويكون
~~الغرض من دلالته عليه شيئا آخر كالتخصيص والتأكيد وغيرهما فيجوز أن يكون
~~ذكر اثنين وواحد للدلالة على الإثنينية والوحدة ويكون الغرض من هذا بيان
~~المقصود وتفسيره، كما أن الدابر في أمس الدابر ذكر ليدل على معنى الدبور
~~والغرض منه التأكيد بل الأمر كذلك عند ms05413 التحقيق، ألا ترى أن السكاكي جعل
~~من الوصف ما هو كاشف وموضح ولم يخرج بهذا عن الوصفية. وأجيب بأنا نختار
~~الشق الثاني ونقول: مراد العلامة من قوله: ذكر ليدل على معنى في متبوعه
~~أن يكون المقصود من ذكره الدلالة على حصول المعنى في المتبوع ليتوسل بذلك
~~إلى التخصيص أو التوضيح أو المدح أو الذم إلى غير ذلك وذكر اثنين وواحد
~~ليس للدلالة على حصول الإثنينية والوحدة في موصوفيهما بل تعيين المقصود
~~من جزئيهما فلا يكونان صفة، وذكر الدابر ليدل على حصول الدبور في الأمس
~~ثم يتوسل بذلك إلى التأكيد وكذا في الوصف الكاشف بخلاف ما نحن فيه
~~فتدبره/ فإنه غامض. ولم يجوز العلامة الأول البدلية فقال: وأما أنه ليس
~~ببدل فظاهر لأنه لا يقوم مقام المبدل منه.

# ونظر فيه العلامة الثاني بأنا لا نسلم أن البدل يجب صحة قيامه مقام
~~المبدل منه فقد جعل الزمخشري «الجن» في قوله تعالى:

# وجعلوا لله شركاء الجن

# [الأنعام: 100] بدلا من { شركاء } ومعلوم أنه لا معنى لقولنا وجعلوا
~~لله الجن، ثم قال: بل لا يبعد أن يقال: الأولى أنه بدل لأنه المقصود
~~بالنسبة إذ النهي عن اتخاذ الاثنين من الإله على ما مر تقريره. وتعقب بأن
~~الرضي قد ذكر أنه لما لم يكن البدل معنى في المتبوع حتى يحتاج إلى
~~المتبوع كما احتاج الوصف ولم يفهم معناه من المتبوع كما فهم ذلك في
~~التأكيد جاز اعتباره مستقلا لفظا أي صالحا لأن يقوم مقام المتبوع اه.

# ولا يخفى أن صحة إقامته بهذا المعنى لا تقتضي أن يتم معنى الكلام بدونه
~~حتى يرد ما أورد؛ وقيل: إن ذكر «اثنين» للدلالة على منافاة الإثنينية
~~للألوهية وذكر الوحدة للتنبيه على أنها من لوازم الألوهية. وجعل ذلك
~~بعضهم من روادف الدلالة على كون ما ذكر مساق النهي والإثبات وهو الظاهر
~~وإن قيل فيه ما قيل. وزعم بعضهم أن { تتخذوا } متعد إلى مفعولين
~~وأن { اثنين } مفعوله الأول و { إلهين } مفعوله الثاني
~~والتقدير لا تتخذوا اثنين إلهين، وقيل: الأول مفعول أول والثاني ms05414 ثان،
~~وقيل: الهين مفعوله الأول واثنين باق على الوصفية والتوكيد والمفعول
~~الثاني محذوف أي معبودين، ولا يخفى ما في ذلك، وإثبات الوحدة له تعالى مع
~~أن المسمى المعين لا يتعدد بمعنى أنه لا مشارك له في صفاته وألوهيته فليس
~~الحمل لغوا، ولا حاجة لجعل الضمير للمعبود بحق المفهوم من الجلالة على
~~طريق الاستخدام كما قيل، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في سورة
~~الاخلاص.

# وفي التعبير بالضمير الموضوع للغائب التفات من التكلم إلى الغيبة على
~~رأي السكاكي المكتفي بكون الأسلوب الملتفت عنه حق الكلام وإن لم يسبق
~~الذكر على ذلك الوجه.

# وأما قوله تعالى: { فإيي فارهبون } ففيه التفات من الغيبة
~~إلى التكلم على مذهب الجمهور أيضا، والنكتة فيه بعد النكتة العامة أعني
~~الإيقاظ وتطرية الإصغاء المبالغة في التخويف والترهيب فإن تخويف الحاضر
~~مواجهة أبلغ من تخويف الغائب سيما بعد وصفه بالوحدة والألوهية المقتضية
~~للعظمة والقدرة التامة على الانتقام. والفاء في { فإيي } واقعة في
~~جواب شرط مقدر و { إياي } مفعول لفعل محذوف يقدر مؤخرا يدل عليه {
~~فارهبون } أي إن رهبتم شيئا فإياي ارهبوا، وقول ابن عطية: إن {
~~إياي } منصوب بفعل مضمر تقديره فارهبوا إياي فارهبون ذهول عن القاعدة
~~النحوية، وهي أنه إذا كان المعمول ضميرا منفصلا والفعل متعد إلى واحد
~~هو الضمير وجب تأخر الفعل نحو

# إياك نعبد

# [الفاتحة: 5] ولا يجوز أن يتقدم إلا في ضرورة نحو قوله:

# إليك حتى بلغت إياكا

# وعطف المفسر المذكور على المفسر المحذوف بالفاء لأن المراد رهبة بعد
~~رهبة، وقيل: لأن المفسر حقه إن يذكر بعد المفسر، ولا يخفى فصل الضمير
~~وتقديمه من الحصر أي ارهبوني لا غير فأنا ذلك الإله الواحد القادر على
~~الانتقام.

### || [16.52]

# { وله ما فى السموات والأرض } عطف على قوله سبحانه:

# إنما هو إله واحد

# [النحل: 51] أو على الخبر أو مستأنف جيء به تقريرا لعلة انقياد ما
~~فيهما له سبحانه خاصة وتحقيقا لتخصيص الرهبة به تعالى، وتقديم الظرف
~~لتقوية ما في اللام من معنى التخصيص، وكذا يقال فيما بعد أي له تعالى ms05415
~~وحده ما في السماوات والأرض خلقا وملكا { وله } وحده { الدين } أي
~~الطاعة والانقياد كما هو أحد معانيه. ونقل عن ابن عطية وغيره { واصبا
~~} أي واجبا لازما لا زوال له لما تقرر أنه سبحانه الإله/ وحده الحقيق
~~بأن يرهب، وتفسير { واصبا } بما ذكر مروي عن ابن عباس والحسن وعكرمة
~~ومجاهد والضحاك وجماعة، وأنشدوا لأبي الأسود الدؤلي:

# لا أبتغى الحمد القليل بقاؤه

# يوما بذم الدهر أجمع واصبا

# وقال ابن الأنباري: هو من الوصب بمعنى التعب أو شدته، وفاعل للنسب كما
~~في قوله:

# وأضحى فؤادي به فاتنا

# أي ذا وصب وكلفة، ومن هنا سمي الدين تكليفا، وقال الربيع بن أنس: {
~~واصبا } خالصا، ونقل ذلك أيضا عن الفراء، وقيل: الدين الملك والواصب
~~الدائم، ويبعد ذلك قول أمية بن الصلت:

# وله الدين واصبا وله الم

# لك وحمد له على كل حال

# وقيل: الدين الجزاء والواصب كما في سابقه أي له تعالى الجزاء دائما لا
~~ينقطع ثوابه للمطيع وعقابه للعاصي، وأيا ما كان فنصب { واصبا } على
~~أنه حال من ضمير { الدين } المستكن في الظرف والظرف عامل فيه أو حال من
~~{ الدين } والظرف هو العامل على رأي من يرى جواز اختلاف العامل في
~~الحال والعامل في صاحبها. واستدل بالآية على أن أفعال العباد مخلوقة له
~~تعالى.

# { أفغير الله تتقون } الهمزة للإنكار والفاء للتعقب أي
~~أبعد ما تقرر من تخصيص جميع الموجودات للسجود به تعالى وكون ذلك كله له
~~سبحانه ونهيه عن اتخاذ الإلهين وكون الدين له واصبا المستدعي ذلك لتخصيص
~~التقوى به تعالى تتقون غيره، والمنكر تقوى غير الله تعالى لا مطلق التقوى
~~ولذا قدم الغير، وأولى الهمزة لا للاختصاص حتى يرد أن إنكار تخصيص التقوى
~~بغيره سبحانه لا ينافي جوازها، وقيل: يصح أن يعتبر الاختصاص بالإنكار
~~فيكون التقديم لاختصاص الإنكار لا لإنكار الاختصاص. وفي " البحر " أن هذا
~~الاستفهام يتضمن التوبيخ والتعجب أي بعد ما عرفتم من وحدانيته سبحانه وأن
~~ما سواه له ومحتاج إليه كيف تتقون وتخافون غيره.

### || [16.53]

# { وما بكم من نعمة فمن الله } أي ms05416 أي شيء يلابسكم
~~ويصاحبكم من نعمة أي نعمة كانت فهي منه تعالى  فما  موصولة مبتدأ
~~متضمنة معنى الشرط و { من الله } خبرها والفاء زائدة في الخبر لذلك
~~التضمن و (من نعمة) بيان للموصول و { بكم } صلته، وأجاز الفراء وتبعه
~~الحوفي أن تكون { ما } شرطية وفعل الشرط محذوف أي وما يكن بكم من نعمة
~~الخ. واعترضه أبو حيان بأنه لا يحذف فعل الشرط إلا بعد إن خاصة في موضعين
~~باب الاشتغال نحو

# وإن أحد من المشركين استجارك فأجره

# [التوبة: 6] وأن تكون إن الشرطية متلوة بلا النافية وقد دل على الشرط ما
~~قبله كقوله:

# فطلقها فلست لها بكفء

# وإلا يعل مفرقك الحسام

# وحذفه في غير ما ذكر ضرورة كقوله:

# قالت بنات العم يا سلمى وإن

# كان فقيرا معدما قالت وإن

# وقوله:

# أينما الريح تميلها تمل

# وأجيب بأن الفراء لا يسلم هذا فما أجازه مبني على مذهبه. واستشكل أمر
~~الشرطية على الوجهين من حيث إن الشرط لا بد أن يكون سببا للجزاء كما
~~تقول: إن تسلم تدخل الجنة فإن الإسلام سبب لدخول الجنة وهنا على العكس،
~~فإن الأول وهو استقرار النعمة بالمخاطبين لا يستقيم أن يكون سببا للثاني
~~وهو كونها من الله من جهة كونه فرعا عنه. وأجاب في " إيضاح المفصل " بأن
~~الآية جيء بها لإخبار قوم استقرت بهم نعم جهلوا معطيها أو شكوا فيه أو
~~فعلوا ما يؤدي إلى أن يكونوا شاكين فاستقرارها/ مجهولة أو مشكوكة سبب
~~للإخبار بكونها من الله تعالى فيتحقق أن الشرط والمشروط فيها على حسب
~~المعروف من كون الأول سببا والثاني مسببا، وقد وهم من قال: إن الشرط قد
~~يكون مسببا. وفي " الكشف " أن الشرط والجزاء ليسا على الظاهر فإن الأول
~~ليس سببا للثاني بل الأمر بالعكس لكن المقصود منه تذكيرهم وتعريفهم
~~فالاتصال سبب العلم بكونها من الله تعالى، وهذا أولى مما قدره ابن الحاجب
~~من أنه سبب الإعلام بكونها منه لأنه في قوم استقرت بهم النعم وجهلوا
~~معطيها أو شكوا فيه، ألا ترى إلى ما بنى عليه ms05417 بعد كيف دل على أنهم عالمون
~~بأنه سبحانه المنعم ولكن يضطرون إليه عند الإلجاء ويكفرون بعد الإنجاء
~~انتهى. وفيه أنه يدفع ما ذكره بأن علمهم نزل لعدم الاعتداد به وفعلهم ما
~~ينافيه منزلة الجهل فأخبروا بذلك كما تقول لمن توبخه: أما أعطيتك كذا أما
~~وأما.

# { ثم إذا مسكم الضر } مساسا يسيرا { فإليه
~~تجئرون } تتضرعون في كشفه لا إلى غيره كما يفيده تقديم الجار
~~والمجرور، والجؤار في الأصل صياح الوحش واستعمل في رفع الصوت بالدعاء
~~والاستغاثة، قال الأعشى يصف راهبا:

# يداوم من صلوات المليك

# طورا سجودا وطورا جؤرا

# وقرأ الزهري «تجرون» بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على الجيم، وفي ذكر
~~المساس المنبىء عن أدنى إصابة وإيراده بالجملة الفعلية المؤذنة بالحدوث
~~مع ثم الدالة على وقوعه بعد برهة من الدهر وتحلية { الضر } بلام
~~الجنس المفيدة لمساس أدنى ما ينطلق عليه اسم الجنس مع إيراد النعمة
~~بالجملة الاسمية المؤذنة بالدوام والتعبير عن ملابستها للمخاطبين بباء
~~المصاحبة وأيراد { ما } المعربة عن العموم على احتماليها ما لا يخفى من
~~الجزالة والفخامة. ولعل إيراد «إذا» دون  إن  للتوسل به إلى تحقق وقوع
~~الجواب قاله المولى أبو السعود، وفيه ما يعرف مع الجواب عنه بأدنى تأمل،
~~وكان الظاهر على ما قيل أن يقال بعد

# أفغير الله تتقون

# [النحل: 52]، وما يصيبكم ضر إلا منه ليقوي إنكار اتقاء غيره سبحانه لكن
~~ذكر النفع الذي يفهم بواسطته الضر واقتصر عليه إشارة إلى سبق رحمته
~~وعمومها وبملاحظة هذا المعنى قيل: يظهر ارتباط { وما بكم من
~~نعمة فمن الله } بما قبله، وسيأتي قريبا إن شاء الله تعالى ما
~~يتعلق بذلك، واستدل بالآية على أن لله تعالى نعمة على الكافر وعلى أن
~~الإيمان مخلوق له تعالى.

### || [16.54]

# { ثم إذا كشف الضر عنكم } أي رفع ما مسكم من الضر {
~~إذا فريق منكم بربهم يشركون } أي يتجدد إشراكهم به
~~تعالى بعبادة غيره سبحانه، والخطاب في الآية إن كان عاما  فمن 
~~للتبعيض والفريق الكفرة، وإن كان خاصا بالمشركين كما استظهره في " الكشف
~~"  فمن  للبيان على سبيل التجريد ms05418 ليحسن وإلا فليس من مواقعه كما قيل،
~~والمعنى إذا فريق هم أنتم يشركون؛ وجوز على هذا الاحتمال في الخطاب كون 
~~من  تبعيضية أيضا لأن من المشركين من يرجع عن شركه إذا شاهد ضرا
~~شديدا كما يدل عليه قوله تعالى:

# فلما نجهم إلى البر فمنهم مقتصد

# [لقمان:32] على تقدير أن يفسر الاقتصاد بالتوحيد لا بعدم الغلو في
~~الكفر، و { إذا } الأولى شرطية والثانية فجائية والجملة بعدها جواب
~~الشرط، واستدل أبو حيان باقترانها بإذا الفجائية على أن إذا الشرطية ليس
~~العامل فيها الجواب لأنه لا يعمل ما بعد إذا الفجائية فيما قبلها، و {
~~بربهم } متعلق  بيشركون  والتقديم لمراعاة رؤوس الآي، والتعرض
~~لوصف الربوبية للإيذان بكمال قبح ما ارتكبوه من الإشراك الذي هو غاية في
~~الكفران. و { ثم } قال في " إرشاد العقل السليم " ليست لتمادي زمان
~~مساس الضر ووقوع الكشف بعد برهة مديدة بل للدلالة/ على تراخي رتبة ما
~~يترتب عليه من مفاجآت الإشراك فإن ترتبها على ذلك في أبعد غاية من
~~الضلال. وفي " الكشف " متعقبا صاحب " الكشاف " بأنه لم يذكر وجه الكلام
~~في قوله تعالى: { ثم إذا مسكم... ثم إذا كشف } وهو على
~~وجهين والله تعالى أعلم. أحدهما أن يكون قوله سبحانه

# وما بكم من نعمة فمن الله

# [النحل: 53] من تتمة السابق على معنى إنكار إتقاء غير الله تعالى وقد
~~علموا أن كل ما يتقلبون فيه من نعمته فهو سبحانه القادر على سلبها، ثم
~~أنكر عليهم تخصيصهم بالجؤار عند الضر في مقابلة تخصيص غيره بالاتقاء ثم
~~اشراكهم به تعالى كفرانا لتلك النعمة وجيء بثم لتفاوت الإنكارين فإن
~~اتقاء غير المنعم أقرب من الإعراض عنه وهو متقلب في نعمه ثم اللجأ إلى
~~هذا المكفور به وحده عند الحاجة، وأبعد منه الإعراض ولم يجف قدمه من ندى
~~النجاة. والثاني أن يكون جملة مستقلة واردة للتقريع و { ثم } في الأول
~~لتراخي الزمان إشعارا بأنهم غمطوا تلك النعم ولم يزالوا عليه إلى وقت
~~الإلجاء، وفيه الإشعار بتراخي الرتبة أيضا على سبيل الإشارة وفي الثاني
~~لتراخي الرتبة ms05419 وحده، اه وهو كلام نفيس، وللطيبي كلام طويل في هذا
~~المقام إن أردته فارجع إليه.

# وقرأ الزهري { ثم إذا كاشف } وفاعل هنا بمعنى فعل، وفي الآية ما يدل على
~~أن صنيع أكثر العوام اليوم من الجؤار إلى غيره تعالى ممن لا يملك لهم بل
~~ولا لنفسه نفعا ولا ضرا عند إصابة الضر لهم وإعراضهم عن دعائه تعالى
~~عند ذلك بالكلية سفه عظيم وضلال جديد لكنه أشد من الضلال القديم، ومما
~~تقشعر منه الجلود وتصعر له الخدود الكفرة أصحاب الأخدود فضلا عن
~~المؤمنين باليوم الموعود ان بعض المتشيخين قال لي وأنا صغير: إياك ثم
~~إياك أن تستغيث بالله تعالى إذا خطب دهاك فإن الله تعالى لا يعجل في
~~إغاثتك ولا يهمه سوء حالتك وعليك بالاستغاثة بالأولياء السالفين فإنهم
~~يعجلون في تفريج كربك ويهمهم سوء ما حل بك فمج ذلك سمعي وهمي دمعي وسألت
~~الله تعالى أن يعصمني والمسلمين من أمثال هذا الضلال المبين، ولكثير من
~~المتشيخين اليوم كلمات مثل ذلك.

### || [16.55]

# { ليكفروا بمآ ءاتينهم } من نعمة الكشف عنهم، فالكفر
~~بمعنى كفران النعمة واللام لام العاقبة والصيرورة، وهي استعارة تبعية
~~فإنه لما لم ينتج كفرهم وإشراكهم غير كفران ما أنعم الله تعالى به عليهم
~~جعل كأنه علة غائية له مقصودة منه، وجوز أن يكون الكفر بمعنى الجحود أي
~~إنكار كون تلك النعمة من الله تعالى واللام هي اللام، والمعنيان متقاربان
~~{ فتمتعوا } أمر تهديد كما هو أحد معاني الأمر المجازية عند
~~الجمهور كما يقول السيد لعبده افعل ما تريد، والالتفات إلى الخطاب
~~للإيذان بتناهي السخط. وقرأ أبو العالية { فيمتعوا } بضم الياء التحتية
~~ساكن الميم مفتوح التاء مضارع متع مخففا مبنيا للمفعول وروى ذلك مكحول
~~الشامي عن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو معطوف (يكفروا)
~~على أن يكون الأمران غرضا لهم من الإشراك، ويجوز أن يكون لام {
~~ليكفروا } لام الأمر والمقصود منه التهديد بتخليتهم وما هم فيه
~~لخذلانهم، فالفاء واقعة في جواب الأمر وما بعدها منصوب بإسقاط النون،
~~ويجوز جزمه بالعطف ms05420 أيضا كما ينصب بالعطف إذا كانت اللام جارة { فسوف
~~تعلمون } عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب، وفيه وعيد شديد حيث
~~لم يذكر المفعول إشعارا بأنه لا يوصف. وقرأ أبو العالية أيضا { يعلمون
~~} بالياء التحتية وروى ذلك مكحول عن أبي رافع أيضا.

### || [16.56]

# { ويجعلون } قيل معطوف على

# يشركون

# [النحل: 54] وليس بشيء، وقيل: لعله عطف على/ ما سبق بحسب المعنى تعدادا
~~لجناياتهم أي يفعلون مما قص عليك ويجعلون { لما لا يعلمون } أي
~~لآلهتهم التي لا يعلمون أحوالها وأنها لا تضر ولا تنفع على أن { ما }
~~موصولة والعائد محذوف وضمير الجمع للكفار أو لآلهتهم التي لا علم لها
~~بشيء لأنها جماد على أن (ما) موصولة أيضا عبارة عن الآلهة، وضمير {
~~يعلمون } عائد عليه، ومفعول { يعلمون } مترك لقصد العموم، وجوز
~~أن ينزل منزلة اللازم أي ليس من شأنهم العلم، وصيغة جمع العقلاء لوصفهم
~~الآلهة بصفاتهم، ويجوز أن تكون (ما) مصدرية وضمير الجمع للمشركين واللام
~~تعليلة لا صلة الجعل كما في الوجهين الأولين، وصلته محذوفة للعلم بها أي
~~يجعلون لآلهتهم لأجل جهلهم { نصيبا مما رزقنهم } من الحرث
~~والأنعام وغيرهما مما ذرأ تقربا إليها { تالله لتسئلن } سؤال
~~توبيخ وتقريع في الآخرة، وقيل: عند عذاب القبر، وقيل: عند القرب من الموت
~~{ عما كنتم تفترون } من قبل بأنها آلهة حقيقة بأن يتقرب
~~إليها، وفي تصدير الجملة بالقسم وصرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب
~~المنبىء عن كمال الغضب من شدة الوعيد ما لا يخفى.

### || [16.57]

# { ويجعلون لله البنت } هم خزاعة وكنانة كانوا يقولون:
~~الملائكة بنات الله تعالى وكأنهم لجهلهم زعموا تأنيثها وبنوتها، وقال
~~الإمام: أظن أنهم أطلقوا عليها البنات لاستتارها عن العيون كالنساء؛
~~ولهذا لما كان قرص الشمس يجري مجرى المستتر عن العيون بسبب ضوئه الباهر
~~ونوره القاهر أطلقوا عليه لفظ التأنيث. ولا يرد على ذلك أن الجن كذلك
~~لأنه لا يلزم في مثله الاطراد، وقيل: أطلقوا عليها ذلك للاستتار مع كونها
~~في محل لا تصل إليه الأغيار فهي كبنات الرجل اللاتي يغار عليهن فيسكنهن
~~في محل أمين ms05421 ومكان مكين، والجن وإن كانوا مستترين لكن لا على هذه الصورة،
~~وهذا أولى مما ذكره الإمام، وأما عدم التوالد فلا يناسب ذلك. {
~~سبحنه } تنزيه وتقديس له تعالى شأنه عن مضمون قولهم ذلك أو تعجيب
~~من جراءتهم على التفوه بمثل تلك العظيمة، وهو في المعنى الأول حقيقة وفي
~~الثاني مجاز.

# { ولهم ما يشتهون } يعني البنين و { ما } مرفوع المحل على
~~أنه مبتدأ والظرف المقدم خبره والجملة حالية وسبحانه اعتراض في حق موقعه؛
~~وجوز الفراء والحوفي أنه في محل نصب معطوف على { البنت } كأنه قيل:
~~ويجعلون لهم ما يشتهون. واعترض عليه الزجاج وغيره بأنه مخالف للقاعدة
~~النحوية وهي أنه لا يجوز تعدي فعل المضمر المتصل المرفوع بالفاعلية وكذا
~~الظاهر إلى ضميره المتصل سواء كان تعديه بنفسه أو بحرف الجر إلا في باب
~~ظن وما ألحق به من فقد وعدم فلا يجوز زيد ضربه بمعنى ضرب نفسه ولا زيد مر
~~به أن مر هو بنفسه ويجوز زيد ظنه قائما وزيد فقده وعدمه فلو كان مكان
~~الضمير إسما ظاهرا كالنفس نحو زيد ضرب نفسه أو ضميرا منفصلا نحو زيد
~~ما ضرب إلا إياه وما ضرب زيد إلا إياه جاز، فإذا عطف { ما } على {
~~البنت } أدى إلى تعدية فعل المضمر المتصل وهو واو { يجعلون }
~~إلى ضميره المتصل وهو { هم } المجرور باللام في غير ما استثنى وهو
~~ممنوع عند البصريين ضعيف عند غيرهم فكان حقه أن يقال  لأنفسهم  وأجيب
~~بأن الممتنع إنما هو تعدي الفعل بمعنى وقوعه عليه أو على ما جر بالحرف
~~نحو زيد مر به فإن المرور واقع بزيد وما نحن فيه ليس من هذا القبيل فإن
~~الجعل ليس واقعا بالجاعلين بل بما يشتهون، ومحصله  كما قال الخفاجي 
~~المنع في المتعدي بنفسه/ مطلقا والتفصيل في المتعدي بالحرف بين ما قصد
~~الإيقاع عليه وغيره فيمتنع في الأول دون الثاني لعدم ألف إيقاع المرء
~~بنفسه وأبو حيان اعترض القاعدة بقوله تعالى:

# وهزى إليك بجذع النخلة

# [مريم: 25]

# واضمم إليك جناحك

# [القصص: 32] والعلامة البيضاوي أجاب بوجه آخر وهو ms05422 أن الامتناع إنما هو
~~إذا تعدى الفعل أولا لا ثانيا وتبعا فإنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر
~~في المتبوع، ومنهم من خص ذلك بالمتعدي بنفسه وجوز في المتعدي بالحرف كما
~~هنا وارتضاه الشاطبي في " شرح الألفية " ، وقال الخفاجي: هو قوي عندي
~~لكن لا يخفى أن العطف هنا بعد هذا القيل والقال يؤدي إلى جعل الجعل بمعنى
~~يعم الزعم والاختيار.

### || [16.58]

# { وإذا بشر أحدهم بالأنثى } أي أخبر بولادتها، واصل
~~البشارة الإخبار بما يسر لكن لما كانت ولادة الأنثى تسوءهم حملت على مطلق
~~الإخبار، وجوز أن يكون ذلك بشارة باعتبار الولادة بقطع النظر عن كونها
~~أنثى وقيل: إنه بشارة حقيقة بالنظر إلى حال المبشر به في نفس الأمر،
~~وأيا ما كان فالكلام على تقدير مضاف كما أشرنا إليه { ظل وجهه }
~~أي صار { مسودا } من الكآبة والحياء من الناس، وأصل معنى ظل أقام
~~نهارا على الصفة التي تسند إلى الاسم، ولما كان التبشير قد يكون في
~~الليل وقد يكون في النهار فسر بما ذكر وقد تلحظ الحالة الغالبة بناء على
~~أن أكثر الولادات يكون بالليل ويتأخر إخبار المولود له إلى النهار خصوصا
~~بالأنثى فيكون ظلوله على ذلك الوصف طول النهار واسوداد الوجه كناية عن
~~العبوس والغم والفكرة والنفرة التي لحقته بولادة الأنثى، قيل: إذا قوي
~~الفرح انبسط روح القلب من داخله ووصل إلى الأطراف لا سيما إلى الوجه لما
~~بين القلب والدماغ من التعلق الشديد فيرى الوجه مشرقا متلألئا، وإذا
~~قوى الغم انحصر الروح إلى باطن القلب ولم يبق له أثر قوي في ظاهر الوجه
~~فيربد ويتغير ويصفر ويسود ويظهر فيه أثر الأرضية، فمن لوازم الفرح
~~استنارة الوجه وإشراقه ومن لوازم الغم والحزن اربداده واسوداده فلذلك كنى
~~عن الفرح بالاستنارة وعن الغم بالاسوداد، ولو قيل بالمجاز لم يبعد بل قال
~~بعضهم: إنه الظاهر والظاهر أن { وجهه } اسم ظل { ومسودا } خبره،
~~وجوز كون الاسم ضميرا لأحد ووجهه بدلا منه ولو رفع { مسودا } على
~~أن { وجهه } مبتدأ وهو خبر له والجملة خبر { ظل } صح ms05423 لكنه لم يقرأ
~~بذلك هنا.

# { وهو كظيم } أي مملوء غيظا وأصل الكظم مخرج النفس يقال: أخذ
~~بكظمه إذا أخذ بمخرج نفسه، ومنه كظم الغيظ لإخفائه وحبسه عن الوصول إلى
~~مخرجه. وفعل إما بمعنى مفعول كما أشير إليه أو صيغة مبالغة، والظاهر أن
~~ذلك الغيظ على المرأة حيث ولدت أنثى ولم تلد ذكرا، ويؤيده ما روى
~~الأصمعي أن امرأة ولدت بنتا سمتها الذلقاء فهجرها زوجها فانشدت:

# ما لأبي الذلقاء لا يأتينا

# يظل في البيت الذي يلينا

# يحرد أن لا نلد البنينا

# وإنما نأخذ ما يعطينا

# والفقير قد رأيت من طلق زوجته لأن ولدت أنثى، والجملة في موضع الحال من
~~الضمير في { ظل } وجوز أبو البقاء أن يكون حالا من وجه، وجوز غيره
~~أيضا حاليته من ضمير { مسودا }.

### || [16.59]

# { يتوارى من القوم } يستخفي من قومه { من سوء ما بشر
~~به } عرفا وهو الأنثى، والتعبير عنها  بما  لإسقاطها بزعمهم عن درجة
~~العقلاء، والجملة مستأنفة أو حال على الأوجه السابقة في

# وهو كظيم

# [النحل: 58] إلا كونه من وجهه، والجاران متعلقان  بيتوارى  و { من }
~~الأولى ابتدائية، والثانية تعليلية أي يتوارى من أجل ذلك، ويروى أن بعض
~~الجاهلية يتوارى في حال الطلق فإن/ أخبر بذكر ابتهج أو بأنثى حزن وبقي
~~متواريا أياما يدبر فيها ما يصنع { أيمسكه } أيتركه ويربيه {
~~على هون } أي ذل، والجار والمجرور في موضع الحال من الفاعل ولذا قال
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: معناه أيمسكه مع رضاه بهوان نفسه وعلى
~~رغم أنفه، وقيل: حال من المفعول به أي أيمسك المبشر به وهو الأنثى مهانا
~~ذليلا، وجملة { أيمسكه } معمولة لمحذوف معلق بالاستفهام عنها وقع
~~حالا من فاعل { يتوارى } أي محدثا نفسه متفكرا في أن يتركه {
~~أم يدسه } يخفيه { فى التراب } والمراد يئده ويدفنه حيا حتى
~~يموت وإلى هذا ذهب السدي وقتادة وابن جريج وغيرهم، وقيل: المراد إهلاكه
~~سواء كان بالدفن حيا أم بأمر آخر فقد كان بعضهم يلقي الأنثى من شاهق.
~~روي أن رجلا قال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما ms05424 أجد حلاوة الإسلام
~~منذ أسلمت، وقد كانت لي في الجاهلية بنت وأمرت امرأتي أن تزينها وأخرجتها
~~فلما انتهيت إلى واد بعيد القعر ألقيتها فقالت يا أبت قتلتني فكلما ذكرت
~~قولها لم ينفعني شيء فقال صلى الله عليه وسلم:

# " ما في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما في الإسلام يهدمه الاستغفار "

# وكان بعضهم يغرقها، وبعضهم يذبحها إلى غير ذلك، ولما كان الكل إماتة
~~تفضي إلى الدفن في التراب قيل: { أم يدسه فى التراب } وقيل:
~~المراد إخفاؤه عن الناس حتى لا يعرف كالمدسوس في التراب، وتذكير الضميرين
~~للفظ { ما }. وقرأ الجحدري بالتأنيث فيهما عودا على قوله سبحانه: {
~~بالأنثى } أو على معنى { ما }. وقرىء بتذكير الأول وتأنيث الثاني، وقرأ
~~الجحدري أيضا وعيسى { هوان } بفتح الهاء وألف بعد الواو، وقرىء { على
~~هون } بفتح الهاء وإسكان الواو وهو بمعنى الذل أيضا، ويكون بمعنى الرفق
~~واللين وليس بمراد، وقرأ الأعمش { على سوء } وهي عند أبي حيان تفسير لا
~~قراءة لمخالفتها السواد.

# { ألا سآء ما يحكمون } حيث يجعلون لمن تنزه عن الصاحبة والولد
~~ما هذا شأنه عندهم والحال أنهم يتحاشون عنه ويختارون لأنفسهم البنين،
~~فمدار الخطأ جعلهم ذلك لله تعالى شأنه مع إبائهم إياه لا جعلهم البنين
~~لأنفسهم ولا عدم جعلهم له سبحانه، وجوز أن يكون مداره التعكيس كقوله
~~تعالى:

# تلك إذا قسمة ضيزى

# [النجم: 22]، وقال ابن عطية: هذا استقباح منه تعالى شأنه لسوء فعلهم
~~وحكمهم في بناتهم بالإمساك على هون أو الوأد مع أن رزق الجميع على الله
~~سبحانه فكأنه قيل: ألا ساء ما يحكمون في بناتهم وهو خلاف الظاهر جدا،
~~وروي الأول عن السدي وعليه الجمهور. والآية ظاهرة في ذم من يحزن إذا بشر
~~بالأنثى حيث أخبرت أن ذلك فعل الكفرة، وقد أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة
~~أنه قال في قوله سبحانه: { وإذا بشر } الخ هذا صنيع مشركي العرب
~~أخبركم الله تعالى بخبثه فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله
~~تعالى له وقضاء الله تعالى خير من قضاء المرء لنفسه، ولعمري ما ندري ms05425 أي
~~خير لرب جارية خير لأهلها من غلام، وإنما أخبركم الله عز وجل بصنيعهم
~~لتجتنبوه ولتنتهوا عنه.

# واستدل القاضي بالآية على بطلان مذهب القائلين بنسبة أفعال العباد إليه
~~تعالى لأن في ذلك إضافة فواحش لو أضيفت إلى أحدهم أجهد نفسه في البراءة
~~منها والتباعد عنها قال: فحكم هؤلاء القائلين مشابه لحكم هؤلاء المشركين
~~بل أعظم لأن إضافة البنات إليه سبحانه إضافة لقبيح واحد وهو أسهل من
~~إضافة كل القبائح والفواحش إليه عز وجل. وأجيب عن ذلك بأنه لما ثبت
~~بالدليل استحالة الصاحبة والولد عليه سبحانه أردفه عز وجل بذكر هذا الوجه
~~الإقناعي وإلا فليس كل ما قبح منا في العرف قبح منه تعالى، ألا ترى أن
~~رجلا لو زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهم وصورهن ثم بالغ في
~~تقوية/ الشهوة فيهم وفيهن ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع وبقي
~~ينظر ما يحدث بينهم من الوقاع وغيره عد من أسفه السفهاء وعد صنيعه أقبح
~~كل صنيع مع أن ذلك لا يقبح منه تعالى بل قد صنعه جل جلاله فعلم أن
~~التعويل على مثل هذه الوجوه المبنية على العرف إنما يحسن إذا كانت مسبوقة
~~بالدلائل القطعية، وقد ثبت بها امتناع الولد عليه سبحانه فلا جرم حسنت
~~تقويتها لهذه الوجوه الإقناعية، وأما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل
~~القاطعة أن خالقها هو الله تعالى فكيف يمكن إلحاق أحد البابين بالآخر
~~لولا سوء التعصب.

### || [16.60]

# { للذين لا يؤمنون بالآخرة } ممن ذكرت قبائحهم { مثل
~~السوء } صفة السوء التي هي كالمثل في القبح وهي الحاجة إلى الولد
~~ليقوم مقامهم بعد موتهم ويبقى به ذكرهم، وإيثار الذكور للاستظهار، ووأد
~~البنات لدفع العار أو خشية الإملاق على حسب اختلاف أغراض الوائدين
~~المنادي كل واحد من ذلك بالعجز والقصور والشح البالغ. وعن ابن عباس {
~~مثل السوء } النار، وأظنه لا يصح عنه رضي الله تعالى عنه، ومنع ابن
~~عطية حمل المثل على الصفة وقال: إنه لا يضطر إليه لأنه خروج عن اللفظ بل
~~هو على بابه، وذلك أنهم إذا ms05426 قالوا: إن البنات لله سبحانه فقد جعلوا لله
~~عز وجل مثلا فإن البنات من البشر وكثرة البنات أمر مكروه عندهم ذميم فهو
~~المثل السوء الذي أخبر الله تعالى بأنه لهم، وليس في البنات فقط بل لما
~~جعلوا له تعالى البنات جعله هو سبحانه لهم على الإطلاق في كل سوء ولا
~~غاية أبعد من عذاب النار اه، وهو أشبه شيء عندي بالرطانة كما لا يخفى؛
~~ووضع الموصول موضع الضمير للإشعار بأن مدار اتصافهم بتلك القبائح هو
~~الكفر بالآخرة.

# { ولله المثل الأعلى } أي الصفة العجيبة الشأن التي هي مثل
~~في العلو مطلقا وهو الوجوب الذاتي والغنى المطلق والجود الواسع والنزاهة
~~عن صفات المخلوقين ويدخل فيه علوه تعالى عما يقول علوا كبيرا. وأخرج
~~ابن جرير وغيره عن قتادة أن المثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله وهو
~~رواية عن ابن عباس. والذي أخرجه عنه البيهقي في " الأسماء والصفات "
~~وغيره هو

# ليس كمثله شىء

# [الشورى: 11] { وهو العزيز } المنفرد بكمال القدرة على كل شيء
~~ومن ذلك مؤاخذتهم بقبائحهم، وقيل: هو الذي لا يوجد له نظير { الحكيم
~~} الذي يفعل كل ما يفعل بمقتضى الحكمة البالغة.

### || [16.61]

# { ولو يؤاخذ الله الناس } الظالمين مطلقا، وقيل: بالكفر
~~والمؤاخذة مفاعلة من فاعل بمعنى فعل وهو الظاهر، وقال ابن عطية: هي مجاز
~~كأن العبد يأخذ حق الله تعالى بمعصيته والله تعالى يأخذ منه بمعاقبته
~~وكذا الحال في مؤاخذة الخلق بعضهم بعضا { بظلمهم } أي بسبب كفرهم
~~ومعاصيهم بناء على أن الظلم فعل ما لا ينبغي ووضعه في غير موضعه؛ وقد
~~يخص بالكفر والتعدي على الغير ويدخل فيه ما عد من القبائح، وهذا تصريح
~~بما أفاده قوله تعالى:

# وهو العزيز الحكيم

# [النحل: 60] وإيذان بأن ما أتاه هؤلاء الكفرة من القبائح قد تناهى إلى
~~أمد لا غاية وراءه { ما ترك عليها } أي على الأرض المدلول عليها
~~بالناس وبقوله تعالى: { من دابة } بناء على شهرة كون الدبيب في
~~الأرض أي ما ترك عليها شيئا من الدواب أصلا بل أهلكها بالمرة، أما
~~الظالم فبظلمه وأما ms05427 غيره فبشؤم ذلك فقد قال سبحانه:

# واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم
~~خاصة

# [الأنفال: 25] وأخرج البيهقي في " الشعب " وغيره عن أبي هريرة أنه سمع
~~رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه فقال: بلى والله إن الحبارى لتموت
~~هزلا/ في وكرها من ظلم الظالم، وأخرج أيضا هو فيه وغيره عن ابن مسعود
~~قال: كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم ثم قرأ الآية، وأخرج أحمد
~~في " الزهد " عنه أنه قال: ذنوب ابن آدم قتلت الجعل في جحره ثم قال: أي
~~والله زمن غرق قوم نوح عليه السلام، وقيل: المراد من دابة ظالمة على أن
~~التنوين للنوع وهو مخصوص بالكفار والعصاة من الإنس، وقيل: منهم ومن الجن،
~~وقيل: المراد الدابة الظالمة الفاعلة لما لا ينبغي شرعا أو عرفا فيدخل
~~بعض الدواب إذا ضر غيره، وقالت فرقة منهم ابن عباس: المراد بالدابة
~~المشرك فقد قال تعالى:

# إن شر الدواب عند الله الذين كفروا

# [الأنفال: 55] وقال الجبائي: الدابة على عمومها فتشمل سائر الحيوانات،
~~والمراد بالناس الظالمون مطلقا؛ ووجه الملازمة أنه تعالى لو آخذهم بما
~~كسبوا من كفر أو معصية لعجل هلاكهم وحينئذ لا يبقى لهم نسل، ومن المعلوم
~~أن لا أحد إلا وفي آبائه من يستحق العقاب وإذا هلكوا جميعا وبطل نسلهم
~~لا يبقى أحد من الناس وحينئذ يهلك الدواب لأنها مخلوقة لمنافع العباد
~~ومصالحهم كما يشعر به قوله تعالى:

# خلق لكم ما فى الأرض جميعا

# [البقرة: 29].

# وبتخصيص الناس يسقط الاستدلال بالآية على عدم عصمة الأنبياء عليهم
~~السلام، وقال بعض المحققين: لا حاجة إلى التخصيص في ذلك والآية من باب
~~بنو تميم قتلوا قتيلا لتظافر الأدلة والنصوص على عصمة الأنبياء عليهم
~~السلام، فلا يقال: الأصل الحمل على الحقيقة.

# واستدل بعضهم للتخصيص بقوله تعالى:

# ثم أورثنا الكتب الذين اصطفينا من عبادنا
~~فمنهم ظلم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم
~~سابق بالخيرت

# [فاطر: 32] وإلا يفسد التقسيم، وقد يقال: إنه ما أحد إلا وهو متصف بظلم
~~إلا أن مراتبه مختلفة فحسنات الأبرار سيئات المقربين، والعصمة ms05428 التي تدعى
~~للأنبياء عليهم السلام إنما هي العصمة مما يعد ذنبا بالنسبة إلى غيرهم
~~وأما العصمة مما يعد ذنبا بالنسبة إلى مقامهم ومرتبتهم فلا تدعى لهم إذ
~~قد وقع ذلك منهم كما يشهد به كثير من الآيات. وأخرج ابن مردويه عن أبي
~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " لو أن الله تعالى يؤاخذني وعيسى ابن مريم بذنوبنا  وفي لفظ  بما جنت
~~هاتان الإبهام والتي تليها لعذبنا ما يظلمنا شيئا "

# نعم إنه لا يقال لنبي هو ظالم ولا للأنبياء عليهم السلام هم ظالمون
~~ويقال الناس ظالمون وهذا نظير قولهم: لا يقال لله سبحانه خالق القردة
~~والخنازير ويقال هو خالق كل شيء، ورب شيء يجوز تبعا ولا يجوز استقلالا،
~~وأمر التقسيم هين عند المتأمل فليتأمل.

# ومن الناس من احتج بالآية على أن أصل المضار الحرمة إذ لو كان الضرر
~~مشروعا فإما أن يكون مشروعا على وجه يكون جزاء على جرم أو لا وكلا
~~القسمين باطل، أما الأول فللآية وذلك من وجهين. الأول: إنها لمكان لو
~~تقتضي أن تعالى ما آخذ الناس بظلمهم وأنه ترك على ظهرها دابة. الثاني: أن
~~مقتضى المؤاخذة عدم ترك دابة على ظهرها ونحن نشاهد أنه سبحانه قد ترك
~~كثيرا من الدواب فيجب القطع بأنه تعالى لم يؤاخذ بالظلم، وأما الثاني
~~فباطل بالإجماع فثبت بمقتضى الآية تحريم المضار، ويؤكد ذلك آيات أخر
~~وأخبار؛ وحينئذ يقال: إذا وقعت حادثة مشتملة على الضرر من جميع الوجوه
~~فإن وجدنا نصا يدل على كونه مشروعا قضينا به تقديما للخاص على العام
~~وإلا قضينا بالحرمة بناء على الأصل الذي قرر. واستدل بها المعتزلة على
~~أن العباد خالقون لأفعالهم ووجه مع رده غني عن البيان.

# { ولكن } لا يؤاخذهم بذلك بل { يؤخرهم إلى أجل
~~مسمى } سماه سبحانه وعينه لأعمارهم أو لعذابهم كي يتوالدوا أو يكثر
~~عذابهم { فإذا جاء أجلهم } المسمى { لا يستأخرون } عنه
~~{ ساعة } أقل مدة { ولا يستقدمون } عليه، وقد مر الكلام في
~~نظيرها.

### || [16.62]

# { ويجعلون لله } أي يثبتون/ له سبحانه وينسبون إليه ms05429 بزعمهم {
~~ما يكرهون } الذي يكرهونه لأنفسهم من البنات، والتعبير  بما  عند
~~أبي حيان على إرادة النوع، وهذا على ما سمعت تكرير لما سبق تثنية
~~للتقريع وتوطئة لقوله تعالى: { وتصف ألسنتهم الكذب } أي
~~يجعلون لله تعالى ما يجعلون ومع ذلك تصف ألسنتهم الكذب وهو { أن
~~لهم الحسنى } أي العاقبة الحسنى عند الله عز وجل ولا يتعين إرادة
~~الجنة. وعن بعضهم أن المراد بها ذلك بناء على أن منهم من يقر بالبعث
~~وهذا بالنسبة لهم أو أنه على الفرض والتقدير كما روي أنهم قالوا: إن كان
~~محمد صلى الله عليه وسلم صادقا في البعث فلنا الجنة بما نحن عليه، قيل:
~~وهو المناسب لقوله تعالى الآتي: { لا جرم أن لهم النار }
~~لظهور دلالته على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة، فلا يرد أنهم كيف قالوا ذلك
~~وهم منكرون للبعث، وعن مجاهد أنهم أرادوا بالحسنى البنين وليس بذاك وقال
~~بعض المحققين: المراد  بما يكرهون  أعم مما تقدم فيشمل البنات وقد علم
~~كراهتهم لها وإثباتها لله تعالى بزعمهم والشركاء في الرياسة فإن أحدهم لا
~~يرضى أن يشرك في ذلك ويزعم الشريك له سبحانه والاستخفاف برسل الله تعالى
~~عليهم السلام فإنهم يغضبون لو استخف برسول لهم أرسلوه في أمر لغيرهم
~~ويستخفون برسل الله تعالى عليهم السلام وأراذل الأموال فإنهم كانوا إذا
~~رأوا ما عينوه لله تعالى من أنعامهم أزكى بدلوه بما لآلهتهم وإذا رأوا ما
~~لآلهتهم أزكى تركوه لها ولو فعل نحو ذلك معهم غضبوا، وعلى هذا يفسر الجعل
~~بما يعم الزعم والاختيار و { ما } تعم العقلاء وغيرهم ولا يخلو الكلام
~~عن نوع تكرير، والمراد من { تصف ألسنتهم الكذب } يكذبون
~~وهو من بليغ الكلام وبديعه، ومثله قولهم: عينها تصف السحر أي ساحرة وقدها
~~يصف الهيف أي هيفاء، وقول أبي العلاء المعري:

# سرى برق المعرة بعد وهن

# فبات برامة يصف الكلالا

# وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبا تمام الكلام في ذلك، والظاهر أن {
~~الكذب } مفعول { تصف } و { أن لهم } بدل منه أو بتقدير بأن
~~لهم ولما حذفت الباء صار ms05430 في موضع نصب عند سيبويه، وعند الخليل هو في موضع
~~جر، وجوز أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف كما أشرنا إليه في بيان المعنى،
~~وجوز أبو البقاء كون { الكذب } بدلا  مما يكرهون  وهو كما ترى.
~~وقرأ الحسن ومجاهد باختلاف { ألسنهم } بإسقاط التاء وهي لغة تميم،
~~واللسان يذكر ويؤنث قيل: ويجمع المذكر على ألسنة نحو حمار وأحمرة والمؤنث
~~على ألسن كذراع وأذرع. وقرأ معاذ بن جبل وبعض أهل الشام { الكذب } بثلاث
~~ضمات وهو جمع كذوب كصبر وصبور وهو مقيس.

# وقيل: جمع كاذب نحو شارف وشرف وهو غير مقيس، ورفعه على أنه صفة الألسنة
~~و { أن لهم الحسنى } حينئذ مفعول { تصف }.

# { لا جرم } أي حقا { أن لهم } مكان ما زعموه من الحسنى {
~~النار } التي ليس وراء عذابها عذاب وهي علم في السوأى، وكلمة { لا }
~~رد لكلام و { جرم } بمعنى كسب و { أن لهم } في موضع نصب على
~~المفعولية أي كسب ما صدر منهم أن لهم ذلك. وإلى هذا ذهب الزجاج، وقال
~~قطرب: { جرم } بمعنى ثبت ووجب و { أن لهم } في موضع رفع على
~~الفاعلية له، وقيل: { لا جرم } بمعنى حقا و { أن لهم } فاعل
~~حق المحذوف، وقد مر تمام الكلام في ذلك وحلا. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر {
~~إن لهم } بكسر الهمزة وجعل الجملة جواب قسم أغنت عنه { لا جرم } وكذا
~~قرءا بالكسر في قوله تعالى: { وأنهم مفرطون } أي مقدمون معجل
~~بهم إليها على ما روي عن الحسن. وقتادة من أفرطته إلى كذا قدمته/ وهو
~~معدى بالهمزة من فرط إلى كذا تقدم إليه، ومنه

# " أنا فرطكم على الحوض "

# أي متقدمكم وكثيرا ما يقال للمتقدم إلى الماء لإصلاح نحو دلو فارط
~~وفرط، وأنشدوا للقطامى:

# واستعجلونا وكانوا من صحابتنا

# كما تعجل فراط لوراد

# وقال مجاهد وابن جبير وابن أبي هند: أي متركون في النار منسيون فيها
~~أبدا من أفرطت فلانا خلفي إذا تركته ونسيته. وقرأ ابن عباس وابن مسعود
~~وأبو رجاء وشيبة ونافع وأكثر أهل المدينة { مفرطون } بكسر الراء اسم فاعل
~~من أفرط اللازم إذا ms05431 تجاوز أي متجاوزو الحد في معاصي الله تعالى. وقرأ أبو
~~جعفر { مفرطون } بتشديد الراء وكسرها من فرط في كذا إذا قصر أي مقصرون في
~~طاعة الله تعالى، وعنه أنه قرأ { مفرطون } بتشديد الراء وفتحها من فرطته
~~المعدي بالتضعيف من فرط بمعنى تقدم أي مقدمون إلى النار.

### || [16.63]

# { تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك } تسلية
~~للرسول صلى الله عليه وسلم عما كان يناله من جهالات قومه الكفرة ووعيد
~~لهم على ذلك، ولا يخفى ما في ذلك من عظيم التأكيد أي أرسلنا رسلا إلى
~~أمم من قبل أمتك أو من قبل إرسالك إلى هؤلاء فدعوهم إلى الحق { فزين
~~لهم الشيطن أعملهم } القبيحة فلم يتركوها ولم يمتثلوا
~~دعوة الرسل عليهم السلام، وقد تقدم الكلام في نسبة التزيين إلى الشيطان {
~~فهو وليهم } أي قرين الأمم وبئس القرين أو متولي إغوائهم وصرفهم
~~عن الحق { اليوم } أي يوم زين الشيطان أعمالهم فيه، وهو وإن كان
~~ماضيا واليوم المعرف معروف في زمان الحال كالآن لكن صور بصورة الحال
~~ليستحضر السامع تلك الصورة العجيبة ويتعجب منها، وسمي مثل ذلك حكاية
~~الحال الماضية وهو استعارة من الحضور الخارجي للحضور الذهني أو المراد
~~باليوم مدة الدنيا لأنها كالوقت الحاضر بالنسبة للآخرة وهي شاملة للماضي
~~والآتي وما بينهما أي فهو وليهم في الدنيا { ولهم } في الأخرى {
~~عذاب أليم } وهو عذاب النار، وقد ورد إطلاق اليوم على مدتها كثيرا
~~فهو مجاز متعارف وليس فيه حكاية لما مضى أو يوم القيامة الذي فيه عذابهم
~~لكن صور بصورة الحال استحضارا له كما في الوجه الأول إلا أنه حكاية حال
~~آتية وفي الأول حكاية حال ماضية وليس من مجاز الأول، والولي على هذا
~~بمعنى الناصر أي لا ناصر لهم في ذلك اليوم غيره وهو نفي للناصر على أبلغ
~~وجه على حد قوله:

# وبلدة ليس بها أنيس

# إلا اليعافير وإلا العيس

# ولا يجوز أن يكون بمعنى المتولي للإغواء إذ لا إغواء ثمة ولا بمعنى
~~القرين لأنه في الدرك الأسفل من النار، وجوزه بعضهم باعتبار أنه ms05432 معهم في
~~النار في الجملة ولا يضر اختلافهم في الدركات، والظاهر أن ضمائر الجمع
~~كلها للأمم كما أشرنا إليه في بعضها، وجوز الزمخشري أن يكون ضمير {
~~وليهم } المضاف إليه لقريش لا للأمم و { اليوم } بمعنى الزمان
~~الذي وقع فيه الخطاب أي زين الشيطان للكفرة المتقدمين أعمالهم فهو ولي
~~هؤلاء لأنهم منهم. وأن يكون الضمير للمتقدمين، والكلام على حذف مضاف أي
~~ولي أمثالهم، والمراد من الأمثال قريش.

# وتعقب ذلك أبو حيان بأن فيه بعدا لاختلاف الضمائر من غير داع إليه ولا
~~إلى تقدير المضاف. ورد بأن لفظ اليوم داع إليه، وقال الطيبي: إنه الوجه
~~وعليه النظم الفائق لأن في تصدير القسمية بقوله تعالى:/ { تالله }
~~بعد إنكارهم الرسالة وتعداد قبائحهم الإشعار بأن ما ذكر كالتسلية للرسول
~~صلى الله عليه وسلم فكأنه قيل: إن الأمم الخالية مع الرسل السالفة لم تزل
~~على هذه الوتيرة فلك أسوة بالرسل عليهم السلام وقومك خلف لتلك الأمم فلا
~~تهتم لذلك فإن ربك ينتقم لك منهم في الدنيا والآخرة فاشتغل أنت بتبليغ ما
~~أنزل إليك وتقرير أنواع الدلائل المنصوبة على الوحدانية وبالتنبيه على
~~إقامة الشكر على نعم الله تعالى المتظاهرة اه.

# وقال في «الكشف»: لا ترجيح لهذا الوجه من حيث التسلي إذ الكل مفيد لذلك
~~على وجه بين وإنما الترجيح للوجه الصائر إلى استحضار الحال لما فيه من
~~مزيد التشفي اه، والحق أن ما ذكره الزمخشري غير ظاهر وما قيل: إن لفظ {
~~اليوم } داع إليه ففي حيز المنع، وقصارى ما يقال: وجود القرينة
~~المصححة لا المرجحة هذا. وذكر في «الكشف» في بيان ربط الآيات أن قوله
~~سبحانه:

# ويجعلون لما لا يعلمون

# [النحل: 56] إلى هذا الموضع فن آخر من كفرانهم وتعداد قبائحهم، وجاز أن
~~يكون من تتمة سابقه على منوال

# وما بكم من نعمة فمن الله

# [النحل: 53] إلا أنه بنى على الغيبة دلالة على أنه فن آخر، وهذا قريب
~~المتناول، وجاز أن يجعل عطفا على قوله تعالى:

# وأقسموا بالله

# [النحل: 38] فإن ما وقع من الكلام بعده من تتمته اعتراضا ms05433 واستطرادا
~~كأنه قيل: ذاك معتقدهم في المعاد وهذا في المبدأ وهم فيما بين ذلك
~~متدينون بهذا الدين القويم ومع اختلاف العقيدة في المبدأ والمعاد يدعون
~~أن لهم الحسنى فيحق لهم ضد ذلك حقا ثم قال: وقوله تعالى: { ومآ
~~أنزلنا عليك الكتب إلا لتبين لهم... }.

### || [16.64]

# { ومآ أنزلنا عليك الكتب إلا لتبين لهم
~~الذى اختلفوا فيه } شديد الملائمة على هذا الوجه لقوله سبحانه
~~هنالك:

# ليبين لهم الذى يختلفون فيه

# [النحل: 39]، ولقوله تعالى:

# وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل
~~إليهم

# [النحل: 44] وفيه أن من استبان له الهدى بهذا البيان استغنى عن ذلك
~~البيان حيث لا ينفعه إلا العلم بكذبه وهذا أنسب لتأليف النظم اه. وأنت
~~تعلم أن احتمال العطف بعيد، والمراد بالكتاب القرآن فإنه الحقيق بهذا
~~الاسم، والاستثناء مفرغ من أعم العلل أي ما أنزلناه عليك لعلة من العلل
~~إلا لتبين لهم ما اختلفوا فيه من البعث وقد كان فيهم من يؤمن به وأشياء
~~من التحليل والتحريم والإقرار والإنكار ومقتضى رجوع الضمائر السابقة إلى
~~الأمم السالفة أن يرجع ضمير { لهم } و { اختلفوا } إليهم أيضا
~~لكن منع عنه عدم تأتي تبيين الذي اختلفوا فيه لهم فمنهم من جعله راجعا
~~إلى قريش لأن البحث فيهم ومنهم من جعله راجعا إلى الناس مطلقا لعدم
~~اختصاص ذلك بقريش ويدخلون فيه دخولا أوليا.

# { وهدى ورحمة } عظيمين { لقوم يؤمنون } خصهم بالذكر
~~لكونهم المغتنمين آثاره. والإسمان  قال أبو حيان: في موضع نصب على
~~أنهما مفعول من أجله والناصب { أنزلنا } ولما اتحد الفاعل في العلة
~~والمعلول وصل الفعل لهما بنفسه، ولما لم يتحد في { لتبين } لأن فاعل
~~الإنزال هو الله تعالى لا الرسول عليه الصلاة والسلام وصلت العلة بالحرف.
~~وقال الزمخشري: هما معطوفان على محل { لتبين } وهو ليس بصحيح لأن
~~محله ليس نصبا فيعطف منصوب عليه، ألا ترى أنه لو نصب لم يجز لاختلاف
~~الفاعل اه. وتعقب بأن معنى كونه في محل نصب أنه في محل لو خلا من
~~الموانع ظهر نصبه وهو هنا كذلك لمن تأمل فقوله: ليس ms05434 بصحيح لأن محله ليس
~~نصبا ليس على ما ينبغي. وقال الحلبي: إن ذلك ممنوع إذ لا خلاف في أن
~~محل الجار والمجرور النصب ولذا أجازوا مررت بزيد وعمرا بالعطف على
~~المحل، وللخفاجي ههنا كلام إن أردته فارجع إليه وراجع، ولعله إنما قدمت
~~علة التبيين على علتي الهدى والرحمة/ لتقدمه في الوجود عليهما.

### || [16.65]

# { والله أنزل من السماء مآء } تقدم الكلام في مثله، وهذا
~~على ما قيل تكرير لما سبق تأكيدا لمضمونه وتوحيدا لما يعقبه من أدلة
~~التوحيد { فأحيا به الأرض } بما أنبت به فيها من أنواع النباتات
~~{ بعد موتها } بعد يبسها فالإحياء والموت استعارة للإنبات واليبس،
~~وليس المراد إعادة اليابس بل إنبات مثله، والفاء للتعقيب العادي فلا
~~ينافيه ما بين المتعاطفين من المهلة، ونظير ذلك تزوج فولد له ولد، والآية
~~دليل لمن قال: إن المسببات بالأسباب لا عندها ومن قال به أول { إن فى
~~ذلك } أي في إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض الميتة { لآية }
~~وأية آية دالة على وحدته سبحانه وعلمه وقدرته وحكمته جل شأنه، والإشارة
~~بما يدل على البعد إما لتعظيم المشار إليه أو لعدم ذكره صريحا {
~~لقوم يسمعون } قال المولى ابن الكمال: أريد بالسمع القبول كما
~~في " سمع الله لمن حمده " أي لقوم يتأملون فيها ويعقلون وجه دلالتها
~~ويقبلون مدلولها، وإنما خص كونها آية لهم لأن غيرهم لا ينتفع بها وهذا
~~كالتخصيص في قوله تعالى:

# هدى ورحمة لقوم يؤمنون

# [النحل: 64] وبما قررناه تبين وجه العدول عن  يبصرون  إلى {
~~يسمعون } انتهى، وقال الخفاجي: اللائق بالمقام ما ذكره الشيخان
~~وبيانه أنه تعالى لما ذكر أنه أرسل إلى الأمم السالفة رسلا وكتبا
~~فكفروا بها فكان لهم خزي في الدنيا والآخر عقبه بأنه أرسله صلى الله عليه
~~وسلم بسيد الكتب فكان عين الهدى والرحمة لمن أرسل إليه إشارة إلى أن
~~مخالفة أمته لمن قبلهم تقربهم من سعادة الدارين وتبشيرا له عليه الصلاة
~~والسلام بكثرة متابعيه وقلة مناويه وأنهم سيدخلون في دينه أفواجا
~~أفواجا ثم أتبع ذلك على سبيل التمثيل لإنزاله تلك ms05435 الرحمة التي أحيت من
~~موتة الضلال إنزال الأمطار التي أحيت موات الأرض

# وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا

# [الشورى: 28] ولولا هذا لكان قوله تعالى: { والله أنزل من
~~السماء مآء } كالأجنبي عما قبله وبعده.

# وقوله سبحانه: { إن فى ذلك لآية } الخ تتميم لقوله تعالى:

# وما أنزلنا

# [النحل: 64] الخ وللمقصود بالذات منه فالمناسب { يسمعون } لا
~~يبصرون ولو كان تتميما لملاصقه من الإنبات لم يكن  ليسمعون  بمعنى
~~يقبلون مناسبة أيضا، ثم قال: ومن لم يقف على محط نظرهم قال في جوابه:
~~يمكن أن يحمل على يسمعون قولي والله أنزل الخ فإنه مذكر وحامل على تأمل
~~مدلوله انتهى، وفي قوله عقبه: بأنه أرسله صلى الله عليه وسلم بسيد الكتب
~~فكان عين الهدى والرحمة إشارة الخ خفاء كما لا يخفى، ومتى كان تتميما
~~لقوله تعالى:

# وما أنزلنا

# [النحل: 64] الخ لم يظهر جعل المشار إليه ما سمعت وهو الظاهر، وفي
~~«البحر» أنه تعالى لما ذكر إنزال الكتاب للتبيين كان القرآن حياة للأرواح
~~وشفاء لما في الصدور من علل العقائد ولذلك ختم بقوله سبحانه

# لقوم يؤمنون

# [النحل: 64] أي يصدقون والتصديق محله القلب ذكر سبحانه إنزال المطر الذي
~~هو حياة الأجسام وسبب بقائها ثم أشار سبحانه بإحياء الأرض بعد موتها إلى
~~إحياء القلوب بالقرآن كما قال تعالى:

# أو من كان ميتا فأحيينه

# [الأنعام: 122] فكما تصير الأرض خضرة بالنبات نضرة بعد همودها كذلك
~~القلب يحيا بالقرآن بعد أن كان ميتا بالجهل ولذلك ختم تعالى بقوله
~~سبحانه: { يسمعون } أي يسمعون هذا التشبيه المشار إليه والمعنى سماع
~~إنصاف وتدبر، ولملاحظة هذا المعنى والله تعالى أعلم لم يختم سبحانه 
~~بلقوم يبصرون  وإن كان إنزال المطر مما يبصر ويشاهد انتهى. وفيه أيضا
~~من التكلف ما فيه، وأقول: لعل الأظهر أن المشار إليه ما ذكر من الإنزال
~~والإحياء والسماع على ظاهره والكلام تتميم لملاصقه والعدول عن يبصرون إلى
~~{ يسمعون } للإشارة إلى ظهور هذا المعتبر فيه وأنه لا يحتاج إلى نظر
~~ولا تفكر وإنما يحتاج المنبه إلى أن يسمع القول فقط، ويكفي في ms05436 ربط الآية
~~بما قبلها تشارك الكتاب والمطر/ في الإحياء لكن في ذاك إحياء القلوب وفي
~~هذا إحياء الأرض الجدوب فتأمل.

### || [16.66]

# { وإن لكم فى الأنعم لعبرة } أي معبرا يعبر به من
~~الجهل إلى العلم، وأصل معنى العبر والعبور التجاوز من محل إلى آخر، وقال
~~الراغب: العبور مختص بتجاوز الماء بسباحة ونحوها، والمشهور عمومه فإطلاق
~~العبرة على ما يعتبر به لما ذكر لكنه صار حقيقة في عرف اللغة والتنكير
~~للتفخيم أي لعبرة عظيمة { نسقيكم } استئناف بياني كأنه قيل كي
~~العبرة فيها؟ فقيل: نسقيكم { مما في بطونه } ومنهم من قدر هنا
~~مبتدأ وهو هي نسقيكم ولا حاجة إليه، وضمير { بطونه } للأنعام وهو اسم
~~جمع واسم الجمع يجوز تذكيره وإفراده باعتبار لفظه وتأنيثه وجمعه باعتبار
~~معناه، ولذا جاء بالوجهين في القرآن وكلام العرب كذا قيل.

# ونقل عن سيبويه أنه عد الأنعام مفردا وكلامه رحمه الله تعالى متناقض
~~ظاهرا فإنه قال في باب ما كان على مثال مفاعل ومفاعيل ما نصه: ((وأما
~~أجمال وفلوس فإنها تنصرف وما أشبهها لأنها ضارعت الواحد، ألا ترى أنك
~~تقول: أقوال وأقاويل وأعراب وأعاريب وأيد وأياد فهذه الأحرف تخرج إلى
~~[مثال] مفاعل ومفاعيل [إذا كسر للجمع] كما يخرج الواحد إليه إذا
~~كسر للجمع، وأما مفاعل ومفاعيل فلا يكسر فيخرج الجمع إلى بناء غير
~~هذا لأن هذا [البناء] هو الغاية فلما ضارعت الواحد صرفت، ثم قال: وكذلك
~~الفعول لو كسرت مثل الفلوس فإنك تخرجه إلى فعائل كما تقول جدود
~~وجدائد وركوب وركائب. ولو فعلت ذلك بمفاعل ومفاعيل لم يجاوز هذا
~~البناء، ويقوي ذلك أن بعض العرب تقول: أتي للواحد فيضم الألف، وأما
~~أفعال فقد يقع للواحد ومن العرب من يقول هو الأنعام قال جل ثناؤه: {
~~نسقيكم مما فى بطونه } وقال أبو الخطاب. سمعت العرب تقول:
~~هذا ثوب أكياس)) انتهى.

# وقال رحمه الله تعالى في باب ما لحقته الزوائد من بنات الثلاثة وليس في
~~الكلام أفعيل ولا أفعول ولا أفعال ولا أفعل ولا أفعال إلا أن تكسر عليه
~~أسماء للجمع انتهى، ms05437 وقد اضطرب الناس في التوفيق بين كلاميه فذهب أبو حيان
~~إلى تأويل الأول وإبقاء الثاني على ظاهره من أن أفعالا لا يكون من
~~أبنيته المفرد فحمل قوله أولا وأما أفعال فقد يقع للواحد الخ: على أن
~~بعض العرب قد يستعمله فيه مجازا كالأنعام بمعنى النعم كما قال الشاعر:

# تركنا الخيل والنعم المفدى

# وقلنا للنساء بها أقيمي

# وليس مراده أنه مفرد صيغة ووضعا بدليل ما صرح به في الموضع الآخر من
~~أنه لا يكون إلا جمعا. واعترض عليه بأن مقصود سيبويه بما ذكره أولا
~~الفرق بين صيغتي منتهى الجموع وأفعال وفعول حيث منع الصرف للأول دون
~~الثاني بوجوه. منها أن الأولين لا يقعان على الواحد بخلاف الآخيرين كما
~~أوضحه فلو لم يكن وقوع أفعال على الواحد بالوضع لم يحصل الفرق فلا يتم
~~المقصود.

# نعم لا كلام في تدافع كلاميه، وأيضا لو كان كذلك لم يختص ببعضهم؛
~~وأيضا إن التجوز بالجمع عن الواحد يصح في كل جمع حتى صيغتي منتهى الجموع
~~وتعقبه الخفاجي بقوله: والحق أنه لا تدافع بين كلاميه فإنه فرق بين صيغتي
~~منتهى الجموع والصيغتين الأخيرتين بأن الأولتين لا تجمعان والأخيرتان
~~تجمعان فاشبهتا الآحاد ثم قوى ذلك بأن قوما من العرب استعملت أتى وهو
~~على وزن فعول مفردا حقيقة، ومنهم من استعمل الأنعام وهو على وزن أفعال
~~كذلك، وقد أشار إلى أن ذلك لغة نادرة ببعض، ومن وما ذكره بعد بناء على
~~اللغة المتداولة، وقوله: إن مقصوده أولا الفرق بوجوه لا وجه له كما
~~يعرفه/ حملة الكتاب انتهى، ويعلم منه أن رجوع الضمير المفرد المذكور إلى
~~الأنعام عند سيبويه باعتبار أنه مفرد على لغة بعض العرب ومن قال: إنه جمع
~~نعم جعل الضمير للبعض إما المقدر أي بعض الأنعام أو المفهوم منها أو
~~للأنعام باعتبار بعضها وهو الإناث التي يكون اللبن منها أو لواحدة كما في
~~قول ابن الحاجب: المرفوعات هو ما اشتمل على علم الفاعلية أو له على
~~المعنى لأن أل الجنسية تسوي بين المفرد والجمع في المعنى فيجوز ms05438 عود ضمير
~~كل منهما على الآخر. وفي «البحر» أعاد الضمير مذكرا مراعاة الجنس لأنه
~~إذا صح وقوع المفرد الدال على الجنس مقام جمعه جاز عوده عليه مذكرا
~~كقولهم هو أحسن الفتيان وأبتله لأنه يصح هو أحسن فتى وإن كان هذا لا
~~ينقاس عند سيبويه؛ وقيل جمع التكثير فيما لا يعقل يعامل معاملة الجماعة
~~ومعاملة الجمع فيعود الضمير عليه مفردا كقوله:

# مثل الفراخ نتفت حواصله

# وقال الكسائي: أفرد وذكر على تقدير المذكور كما يفرد اسم الإشارة بعد
~~الجمع كقوله:

# فيها خطوط من سواد وبلق

# كأنه في الجلد توليع البهق

# وهو في القرآن سائغ ومنه قوله تعالى:

# إنه تذكرة * فمن شآء ذكره

# [المدثر: 54-55]

# فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى

# [الأنعام: 78] ولا يكون هذا إلا في التأنيث المجازي فلا يجوز جاريتك
~~ذهب. واعترض بأنه كيف جمع  نعم  وهي تختص الإبل والأنعام تقال للبقر
~~والإبل والغنم مع أنه لو اختص كان مساويا. وأجيب بأن من يراه جمعا له
~~يخص الأنعام أو يعمم النعم ويجعل التفرقة ناشئة من الاستعمال ويجعل الجمع
~~للدلالة على تعدد الأنواع.

# وقرأ ابن مسعود بخلاف عنه والحسن وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما وابن
~~عامر ونافع وأبوبكر وأهل المدينة { نسقيكم } بفتح النون هنا وفي المؤمنين
~~[21] على أنه مضارع سقى وهو لغة في أسقى عند جمع وأنشدوا قول لبيد:

# سقى قومي بني مجد وأسقى

# نميرا والقبائل من هلال

# وقال بعض: يقال سقيته لشفته وأسقيته لماشيته وأرضه، وقيل: سقاه بمعنى
~~رواه بالماء وأسقاه بمعنى جعله شرابا معدا له، وفيه كلام بعد فتذكر.
~~وقرأ أبو رجاء { يسقيكم } بالياء مضمومة والضمير عائد على الله تعالى.
~~وقال صاحب «اللوامح» ويجوز أن يكون عائدا على النعم وذكر لأن النعم مما
~~يذكر ويؤنث، والمعنى وإن لكم في الأنعام نعما يسقيكم أي يجعل لكم سقيا،
~~وهو كما ترى. وقرأت فرقة منهم أبو جعفر { تسقيكم } بالتاء الفوقية مفتوحة
~~قال ابن عطية: وهي قراءة ضعيفة انتهى، ولم يبين وجه ضعفها، وكأنه والله
~~تعالى أعلم عنى به اجتماع التأنيث ms05439 في { تسقيكم } والتذكير في { بطونه }
~~وغفل أن مثل ذلك لا ضعفا لأن التأنيث والتذكير باعتبار وجهين.

# { من بين فرث ودم لبنا } الفرث على ما في «الصحاح»
~~السرجين ما دام في الكرش والجمع فروث. وفي «البحر» كثيف ما يبقى من
~~المأكول في الكرش أو المعي، و { بين } تقتضي متعددا وهو هنا الفرث
~~والدم فيكون مقتضى ظاهر النظم توسط اللبن بنيهما، وروى ذلك الكلبي عن
~~أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إن البهيمة إذا اعتلفت
~~وأنضج العلف في كرشها كان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما. وروي
~~نحوه عن ابن جبير فالبينية على حقيقتها وظاهرها وتعقب ذلك الإمام الرازي
~~بقوله: ولقائل أن يقول: اللبن والدم لا يتولدان في الكرش والدليل عليه
~~الحس فإن الحيوانات تذبح دائما ولا يرى في كرشها شيء من ذلك ولو كان
~~تولد ما ذكر فيه لوجب أن يشاهد في بعض الأحوال والشيء الذي دلت المشاهدة
~~على فساده/ لم يجز المصير إليه بل الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء وصل
~~إلى معدته [إن كان إنسانا] وإلى كرشه إن كان من الأنعام وغيرها فإذا طبخ
~~وحصل الهضم الأول فيه فما كان منه صافيا انجذب إلى الكبد وما كان كثيفا
~~نزل إلى الأمعاء ثم ذلك الذي يحصل في الكبد ينطبخ ويصير دما وذلك هو
~~الهضم الثاني ويكون ذلك مخلوطا بالصفراء والسوداء وزيادة المائية، أما
~~الصفراء فتذهب إلى المرارة والسوداء إلى الطحال والماء إلى الكلية ومنها
~~إلى المثانة، وأما ذلك الدم فإنه يدخل في الأوردة والعروق النابتة من
~~الكبد وهناك يحصل الهضم الثالث، وبين الكبد والضرع عروق كثيرة فينصب الدم
~~من تلك العروق إلى الضرع، والضرع لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله تعالى
~~الدم فيه إلى صورة اللبن، لا يقال: إن هذه المعنى حاصلة في الحيوان الذكر
~~فلم لم يحصل منه اللبن؟ لأنا نقول: الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء
~~على الوجه اللائق به الموافق لمصلحته فأوجبت أن يكون مزاج الذكر حارا
~~يابسا ومزاج الأنثى باردا رطبا فإن ms05440 الولد إنما يتولد في داخل بدن
~~الأنثى فكان اللائق بها اختصاصها بالرطوبة لتصير مادة للتولد وسببا
~~لقبول التمدد فتتسع للولد، ثم إن تلك الرطوبة بعد انفصال الجنين تنصب إلى
~~الضرع فتصير مادة لغذائه كما كانت كذلك قبل في الرحم، ومن تدبر في بدائع
~~صنع الله تعالى فيما ذكر من الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها
~~والأسباب المولدة لها وتسخير القوى المتصرفة فيها كل وقت على ما يليق به
~~اضطر إلى الاعتراف بكمال علمه سبحانه وقدرته وحكمته وتناهي رأفته ورحمته.

# حكم حارت البرية فيها

# وحقيق بأنها تحتار

# وحاصل ما ذكروه أنه إذا ورد الغذاء الكرش انطبخ فيه وتميزت منه أجزاء
~~لطيفة تنجذب إلى الكبد فينطبخ فيها فيحصل الدم فتسري أجزاء منه إلى الضرع
~~ويستحيل لبنا بتدبير الحكيم العليم، وحينئذ فالمراد أن اللبن إنما يحصل
~~من بين أجزاء الفرث ثم من بين أجزاء الدم فالبينية على هذا مجازية وفي "
~~إرشاد العقل السليم " وغيره لعل المراد بما روي عن ابن عباس أن أوسطه
~~يكون مادة اللبن وأعلاه مادة الدم الذي يغذو البدن فإن عدم تكونهما في
~~الكرش مما لا ريب فيه والداعي إلى ذلك مخالفة ما يقتضيه الظاهر للحس ولما
~~ذكره الحكماء أهل التشريح. ويؤيد ما ذكروه ما أخبرني به من أثق به من أنه
~~قد شاهد خروج الدم من الضرع بعد اللبن عند المبالغة في الحلب والله تعالى
~~أعلم.

# و { من } الأولى تبعيضية لما أن اللبن بعض ما في بطون الأنعام لأنه
~~مخلوق من بعض أجزاء الدم المتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث حسبما
~~سمعت، وهي متعلقة  بنسقيكم  و { من } الثانية ابتدائية وهي أيضا
~~متعلقة  بنسقيكم  فإن بين الدم والفرث المحل الذي يبتدأ منه الإسقاء
~~وتعلقهما بعامل واحد لاختلاف مدلوليهما و { لبنا } مفعول ثان 
~~لنسقيكم  وتقديم ذلك عليه لما مر مرارا من أن تقديم ما حقه التأخير
~~يبعث للنفس شوقا إلى المؤخر موجبا لفضل تمكنه عند وروده عليها لا سيما
~~إذا كان المقدم متضمنا لوصف مناف لوصف المؤخر كالذي نحن فيه، فإن ms05441 بين
~~وصفي المقدم والمؤخر تنافيا وتنائيا بحيث لا يتراآى ناراهما فإن ذلك
~~مما يزيد الشوق والاستشراف إلى المؤخر، وجوز أن يكون { من بين }
~~حالا من { لبنا } قدم عليه لتنكيره وللتنبيه على أنه موضع العبرة.
~~وجوز أن تكون { من } الأولى ابتدائية كالثانية فيكون { من بين }
~~بدل اشتمال مما تقدم.

# { خالصا } مصفى عما يصحبه من الأجزاء الكثيفة بتضييق مخرجه أو صافيا
~~لا يستصحبه لون الدم ولا رائحة الفرث { سآئغا للشاربين } / سهل
~~المرور في حلقهم لدهنيته. أخرج ابن مردويه عن يحيى بن عبد الرحمن ابن
~~أبي لبيبة عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " ما شرب أحد لبنا فشرق إن الله تعالى يقول { لبنا خالصا سائغا
~~للشاربين } "

# وقرأت فرقة { سيغا } بتشديد الياء. وقرأ عيسى بن عمر «سيغا» مخففا من
~~سيغ كهين المخفف من هين.

# واستدل بالآية على طهارة لبن المأكول وإباحة شربه، وقد احتج بعض من يرى
~~على أن المني طاهر على من جعله نجسا لجريه في مسالك البول بها أيضا
~~وأنه ليس بمستنكر أن يسلك مسلك البول وهو طاهر كما خرج اللبن من بين فرث
~~ودم طاهرا وفي «التفسير الكبير» قال أهل التحقيق: اعتبار حدوث اللبن كما
~~يدل على وجود الصانع المختار يدل على إمكان الحشر والنشر، وذلك لأن هذا
~~العشب الذي يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض فخالق العالم دبر
~~تدبيرا انقلب به لبنا ثم دبر تدبيرا آخر حدث من ذلك اللبن الدهن
~~والجبن، وهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى
~~صفة ومن حالة إلى حالة؛ فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضا أن يكون قادرا على
~~أن يقلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك
~~فهذا الاعتبار يدل من هذا الوجه على أن البعث والقيامة أمر ممكن غير
~~ممتنع.

### || [16.67]

# { ومن ثمرت النخيل والأعنب } متعلق بمحذوف تقديره
~~ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرهما، وحذف لدلالة {
~~نسقيكم } قبله عليه، وقوله تعالى: { تتخذون منه ms05442 سكرا
~~ورزقا حسنا } بيان وكشف عن كنه الإسقاء أو  بتتخذون  و { منه
~~} من تكرير الظرف للتأكيد كما في قولك زيد في الدار فيها أو خبر لمحذوف
~~صفته { تتخذون } أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه،
~~وضمير { منه } عائد إما على المضاف المقدر أو على الثمرات المؤولة
~~بالثمر لأنه جمع معرفة أريد به الجنس، وفائدة الصيغة الإشارة إلى تعداد
~~الأنواع أو على ثمر المقدر، و { السكر } الخمر قال الأخطل:

# بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم

# إذا جرى فيهم المزاء والسكر

# وهو في الأصل مصدر سكر سكرا وسكرا نحو رشد رشدا ورشدا. واستشهد له
~~بقوله:

# وجاؤنا بهم سكر علينا

# فأجلى اليوم والسكران صاحي

# وفسروا الرزق الحسن بالخل والرب والتمر والزبيب وغير ذلك، وإليه ذهب
~~صاحب «الكشاف» وقد ذكر في توجيه إعرابها ما ذكرناه، وقدم الوجه الأول من
~~أوجه الثلاثة وهو ظاهر في ترجيحه وصرح به الطيبي وبينه بما بينه، وأخر
~~الثالث وهو ظاهر في أنه دون أخويه. وفي «الكشف» بعد نقل كلامه في الوجه
~~الأول فيه إضمار العصير وأنه لا يصلح عطفا في الظاهر على السابق لأنه لا
~~يصلح بيانا للعبرة في الأنعام، وفيه أن { تتخذون } لا يصلح كشفا
~~عن كنه الإسقاء كيف وقد فسر الرزق الحسن بالتمر والزبيب أيضا وأي مدخل
~~للعصير وأين هذا البيان من البيان بقوله تعالى:

# نسقيكم

# [النحل: 66] ليجعل مدركا لترجيحه فهذا وجه مرجوح مؤول بأنه عطف على
~~مجموع السابق، وأوثر الفعلية لمكان قربه من { نسقيكم } وقوله
~~تعالى: { تتخذون منه سكرا } تم البيان عنده ثم أتى بفائدة
~~زائدة، وأظهر الأوجه ما ذكر آخرا أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر
~~تتخذون ليكون عطفا للاسمية على الاسمية أعني قوله تعالى:

# وإن لكم فى الأنعم لعبرة

# [النحل: 66] ولما لم يكن العبرة فيه كالأول اكتفى بكونه عطفا على ما هو
~~عبرة ولم يصرح، وأفيد بالتبعيض/ أن من ثمراتها ما يؤكل قبل الإدراك وما
~~يتلف ويأكل الوحوش وغير ذلك اه، وما ذكره في التأويل من بيان البيان عند
~~{ سكرا } محوج إلى جعل { رزقا ms05443 } معمولا لعامل آخر ولا يخفى بعده،
~~والظاهر أنه لا ينكره، وما ذكره من الوجه الأظهر ذكره الحوفي كصاحبه، ولا
~~يرد عليه أن فيه حذف الموصوف بالجملة لأن ذلك إذا كان الموصوف بعضا من
~~مجرور من أوفى المقدم عليه مطرد نحو منا أقام ومنا ظعن أراد فريق، وقد
~~يحذف موصوفا بالجملة في غير ذلك كقول الراجز:

# مالك عندي غير سهم وحجر

# وغير كبداء شديد الوتر

# جادت بكفي كان من أرمى البشر

# أراد رجل نعم قال الطبري: التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون
~~منه، وتعقبه أبو حيان بأن ذلك لا يجوز على مذهب البصريين وكأنه اعتبر {
~~ما } موصولة وحذف الموصول مع إبقاء الصلة لا يجوز عنهم، ولعلهم يفرقون
~~بين الموصول والموصوف فيما ذكر، وقال العلامة ابن كمال في بعض " رسائله
~~": لا وجه لما اختاره صاحب «الكشاف» يعني به تعليق الجار  بنسقيكم 
~~محذوفا وتقدير العصير مضافا لأنه حينئذ لا يتناول المأكول وهو أعظم
~~صنفي ثمراتها يعني النخيل والأعناب والمقام مقام الامتنان ومقتضاه
~~استيعاب الصنفين ثم قال: والعجب منه وممن اتبعه كالبيضاوي كيف اتفقوا على
~~تفسير الرزق الحسن بما ينتظم التمر والزبيب ومع ذلك يقولون: إن المعنى
~~ومن عصيرهما تتخذون سكرا ورزقا حسنا فإنه لا انتظام بين هذين الكلامين
~~فالوجه أن يتعلق الجار  بتتخذون  ويكون منه تكرير الظرف للتأكيد اه
~~وهو الذي استظهره أبو حيان وقد سبقت الإشارة إلى الاعتراض بما تعجب منه
~~مع الجواب بما فيه بعد، ونقل عنه أنه جعله متعلقا بما في الإسقاء من
~~معنى الإطعام أي نطعمكم من ثمرات النخيل والأعناب لينتظم المأكول منهما
~~والمشروب المتخذ من عصيرهما. وفيه من البعد ما فيه. وأنت تعلم أن تقدير
~~العصير على الوجه الأول عند من يراه لازم، وتقديره على الوجه الثاني جائز
~~عند ذاك أيضا ولا يجوز عند المعترض. واختار أبو البقاء تعليقه بخلق لكم
~~أو جعل وليس بذاك، وقيل: إنه معطوف على

# الأنعام

# [النحل: 66] على معنى ومن ثمرات النخيل والأعناب عبرة { وتتخذون
~~} بيان لها وهو غير الوجه الذي استظهره صاحب ms05444 " الكشف " وكان الظاهر  في
~~ بدل من وضمير { منه } لا يتعين فيه ما سمعت كما لا يخفى عليك بعد أن
~~أحطت خبرا بما قيل في ضمير

# بطونه

# [النحل: 66]. وتفسير السكر بالخمر هو المروي عن ابن مسعود وابن عمر
~~وأبي رزين والحسن ومجاهد والشعبي والنخعي وابن أبي ليلى وأبي ثور
~~والكلبي وابن جبير مع خلق آخرين، والآية نزلت في مكة والخمر إذ ذاك كانت
~~حلالا يشربها البر والفاجر وتحريمها إنما كان بالمدينة إتفاقا واختلفوا
~~في أنه قبل أحد أو بعدها والآية المحرمة لها

# يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر
~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطن
~~فاجتنبوه

# [المائدة: 90] على ما ذهب إليه جمع فما هنا منسوخ بها، وروى ذلك غير
~~واحد ممن تقدم كالنخعي وأبي ثور وابن جبير، وقيل: نزلت قبل ولا نسخ بناء
~~على ما روي عن ابن عباس أن { السكر } هو الخل بلغة الحبشة أو على ما نقل
~~عن أبي عبيدة أن { السكر } المطعوم المتفكه به كالنقل وأنشد:

# جعلت أعراض الكرام سكرا

# وتعقب بأن كون السكر في ذلك بمعنى الخمر أشبه منه بالطعام، والمعنى أنه
~~لشغفه بالغيبة وتمزيق الأعراض جرى ذلك عنده مجرى الخمر المسكرة، وكأنه
~~لهذا قال الزجاج: إن قول أبي عبيدة لا يصح، وفيه أن المعروف في الغيبة
~~جعلها نقلا ولذا قيل: الغيبة فاكهة القراء وإلى عدم النسخ ذهب الحنفيون
~~وقالوا: المراد بالسكر ما لا يسكر من الأنبذة، واستدلوا عليه بأن الله
~~تعالى امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك ولا يقع الامتنان إلا بمحلل
~~فيكون ذلك دليلا على جواز شرب ما دون المسكر/ من النبيذ فإذا انتهى إلى
~~السكر لم يجز وعضدوا هذا من السنة بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " حرم الله تعالى الخمر بعينها القليل منها والكثير والسكر من كل شراب "

# أخرجه الدارقطني، وإلى حل شرب النبيذ ما لم يصل إلى الإسكار ذهب إبراهيم
~~النخعي: وأبو جعفر الطحاوي وكان إمام أهل زمانه. وسفيان الثوري وهو من
~~تعلم وكان عليه الرحمة يشربه كما ms05445 ذكر ذلك القرطبي في " تفسيره "
~~والبيضاوي بعد أن فسر السكر بالخمر تردد في أمر نزولها فقال: إلا أن
~~الآية إن كانت سابقة على تحريم الخمر فدالة على كراهيتها وإلا فجامعة بين
~~العتاب والمنة، ووجه دلالتها على الكراهية بأن الخمر وقعت في مقابلة
~~الحسن وهو مقتض لقبحها والقبيح لا يخلو عن الكراهة وإن خلا عن الحرمة،
~~واعترض عليه بأن تردده هنا في سبقها على تحريم الخمر ينافي ما في سورة
~~البقرة حيث ساق الكلام على القطع على أنه جزم في أول هذه السورة بأنها
~~مكية إلا ثلاث آيات من آخرها.

# وفي «الكشاف» بعد أن فسر السكر أيضا بما ذكر قال: وفيه وجهان. أحدهما:
~~أن تكون منسوخة. والثاني: أن يجمع بين العتاب والمنة، ونقل صاحب «الكشف»
~~أن القول بكونها منسوخة أولى الأقاويل، ثم قال: وفي الآية دليل على قبح
~~تناولها تعريضا من تقييد المقابل بالحسن، وهذا وجه من ذهب إلى أنه جمع
~~بين العتاب والمنة، وعلى الأول يكون رمزا إلى أن السكر وإن كان مباحا
~~فهو مما يحسن اجتنابه اه. واستدل ابن كمال على نزولها قبل التحريم بأن
~~المقام لا يحتمل العتاب فإن مساق الكلام على ما دل عليه سياقه ولحاقه في
~~تعداد النعم العظام، وذكر أن كلام الزمخشري ومن تبعه ناشئ عن الغفلة عن
~~هذا، ولعل عدم وصف السكر بما وصف به ما بعده لعلم الله تعالى أنه سيكون
~~رجسا يحكم الشرع بتحريمه. وجوز الزمخشري أن يجعل السكر رزقا حسنا كأنه
~~قيل: تتخذون منه ما هو مسكر ورزق حسن أي على أن العطف من عطف الصفات.
~~وأنت تعلم أن العطف ظاهره المغايرة. هذا ولما كان اللبن نعمة عظيمة لا
~~دخل لفعل الخلق فيه أضافه سبحانه لنفسه بقوله تعالى

# نسقيكم

# [النحل: 66] بخلاف اتخاذ السكر وقد صرح بذلك في " البحر " فتأمل.

# { إن فى ذلك لآية } باهرة { لقوم يعقلون } يستعملون
~~عقولهم بالنظر والتأمل بالآيات فالفعل منزل منزلة اللازم، قال أبو حيان:
~~ولما كان مفتتح الكلام

# وإن لكم فى الأنعم لعبرة

# [النحل: 66] ناسب الختم بقوله ms05446 سبحانه:  يعقلون  لأنه لا يعتبر إلا ذوو
~~العقول. وأنا أقول: إذا كان في الآية إشارة إلى الحط من أمر السكر ففي
~~الختم المذكور تقوية لذلك وله في النفوس موقع وأي موقع حيث إن العقار كما
~~قيل للعقول عقال:

# إذا دارها بالأكف السقاة

# لخطابها أمهروها العقولا

# فافهم ذاك والله تعالى يتولهم هداك.

### || [16.68]

# { وأوحى ربك إلى النحل } الهمها وألقى في روعها وعلمها
~~بوجه لا يعلمه إلا اللطيف الخبير؛ وفسر بعضهم الإيحاء إليها بتسخيرها لما
~~أريد منها، ومنعوا أن يكون المراد حقيقة الإيحاء لأنه إنما يكون للعقلاء
~~وليس النحل منها. نعم يصدر منها أفعال ويوجد فيها أحوال يتخيل بها أنها
~~ذوات عقول وصاحبة فضل تقصر عنه الفحول، فتراها يكون بينها واحد كالرئيس
~~هو أعظمها جثة يكون نافذ الحكم على سائرها والكل يخدمونه ويحملون عنه
~~وسمي اليعسوب والأمير، وذكروا أنها إذا نفرت عن وكرها ذهبت بجمعيتها إلى
~~موضع آخر فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا لها الطبول وآلات الموسيقى/
~~ورودها بواسطة تلك الألحان إلى وكرها، وهي تبني البيوت المسدسة من أضلاع
~~متساوية والعقلاء لا يمكنهم ذلك إلا بآلات مثل المسطرة والفرجار وتختارها
~~على غيرها من البيوت المشكلة بأشكال أخر كالمثلثات والمربعات والمخمسات
~~وغيرها، وفي ذلك سر لطيف فإنهم قالوا: ثبت في الهندسة أنها لو كانت مشكلة
~~بأشكال أخر يبقى فيما بينها بالضرورة فرج خالية ضائعة؛ ولها أحوال كثيرة
~~عجيبة غير ذلك قد شاهدها كثير من الناس وسبحان من أعطى كل شيء خلقه ثم
~~هدى. والصوفية على ما ذكره الشعراني في غير موضع لا يمنعون إرادة
~~الحقيقة، وقد أثبتوا في سائر الحيوانات رسلا وأنبياء والشرع يأبى ذلك.
~~وذهب بعض حكماء الإشراق إلى ثبوت النفس الناطقة لجميع الحيوانات وأكاد
~~أسلم لهم ذلك ولم نسمع عن أحد غير الصوفية القول بما سمعت عنهم، والنحل
~~جنس واحده نحلة ويؤنث في لغة الحجاز ولذلك قال سبحانه: { أن اتخذى
~~} وقرأ ابن وثاب { النحل } بفتحتين وهو يحتمل أن يكون لغة وأن يكون
~~اتباعا لحركة النون، و { أن } إما مصدرية بتقدير ms05447 باء الملابسة أي بأن
~~اتخذي أو تفسيرية وما بعدها مفسر للإيحاء لأن فيه باعتبار معناه المشهور
~~معنى القول دون حروفه، وذلك كاف في جعلها تفسيرية: وقد غفل عن ذلك أبو
~~حيان أو لم يعتبره فقال: إن في ذلك نظرا لأن الوحي هنا بمعنى الإلهام
~~إجماعا وليس في الإلهام معنى القول.

# { من الجبال بيوتا } أوكارا، وأصل البيت مأوى الإنسان واستعمل
~~هنا في الوكر الذي تبنيه النحل لتعسل فيه تشبيها له بما يبنيه الإنسان
~~لما فيه من حسن الصنعة وصحة القسمة كما سمعت. وقرىء { بيوتا } بكسر
~~الباء لمناسبة الياء وإلا فجمع فعل على فعول بالضم. { ومن الشجر
~~ومما يعرشون } أي يعرشه الناس أي يرفعه من الكروم كما روي عن
~~ابن زيد وغيره أو السقوف كما نقل عن الطبري أو أعم منهما كما قال البعض،
~~و { من } في المواضع الثلاثة للتبعيض بحسب الأفراد وبحسب الأجزاء فإن
~~النحل لا يبني في كل شجر وكل جبل وكل ما يعرش ولا في كل مكان من ذلك،
~~وبعضهم قال: إن { من } للتبعيض بحسب الأفراد فقط، والمعنى الآخر معلوم
~~من خارج لا من مدلول { من } إذ لا يجوز استعمالها فيهما ولمولانا ابن
~~كمال تأليف مفرد في المسألة فليراجع، وأيا ما كان ففيه مع ما يأتي
~~قريبا إن شاء الله تعالى من البديع صنعة الطباق، وتفسير البيوت بما
~~تبنيه هو الذي ذهب إليه غير واحد، وقال أبو حيان: الظاهر أنها عبارة عن
~~الكوى التي تكون في الجبال وفي متجوف الأشجار والخلايا التي يصنعها ابن
~~آدم للنحل والكوى التي تكون في الحيطان، ولما كان النحل نوعين منه ما
~~مقره في الجبال والغياض ولا يتعهده أحد ومنه ما يكون في بيوت الناس
~~ويتعهده في الخلايا ونحوها شمل الأمر بالاتخاذ البيوت النوعين.

### || [16.69]

# { ثم كلى من كل الثمرت } أي من جميعها، وهي جمع ثمرة محركة
~~حمل الشجر، وأخذ بظاهر ذلك ابن عطية فقال: إنما تأكل النوار من الأشجار،
~~وتقال الثمرة للشجرة أيضا كما في «القاموس»، قيل: وهو المناسب هنا إذ
~~التخصيص بحمل ms05448 الشجر خلاف الواقع لعموم أكلها للأوراق والأزهار والثمار.
~~وتعقب بأنه لا يخفى أن إطلاق الثمرة على الشجرة مجاز غير معروف وكونها
~~تأكل من غيرها غير معلوم وغير مناف للاقتصار على أكل ما ينبت فيها
~~والعموم في كل على ما يشير إليه كلام البعض عرفي، وجوز أن يكون مخصوصا
~~بالعادة أي كلي من كل ثمرة تشتهينها، وقيل: { كل } للتكثير، قال
~~الخفاجي: ولو أبقي على ظاهره أيضا جاز لأنه لا يلزم/ من الأمر بالأكل من
~~جميع الثمرات الأكل منها لأن الأمر للتخلية والإباحة، وأيا ما  فمن 
~~للتبعيض.

# وقال الإمام: رأيت في كتب الطب أنه تعالى دبر هذا العالم على وجه يحدث
~~في الهواء طل لطيف في الليالي ويقع على أوراق الأشجار فقد تكون تلك
~~الأجزاء لطيفة صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار وقد تكون كثيرة بحيث
~~يجتمع منها أجزاء محسوسة وهذا مثل الترنجبين فإنه طل ينزل من الهواء
~~ويجتمع على الأطراف في بعض البلدان، وأما القسم الأول فهو الذي ألهم الله
~~تعالى النحل حتى تلتقطه من الأزهار أوراق الأشجار بأفواهها وتغتذي به
~~فإذا شبعت التقطت بأفواهها مرة أخرى شيئا من تلك الأجزاء وذهبت به إلى
~~بيوتها ووضعته هناك كأنها تحاول أن تدخر لنفسها غذاءها فالمجتمع من ذلك
~~هو العسل، ومن الناس من يقول: إن النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق
~~العطرة أشياء ثم إنه تعالى يقلب تلك الأجسام في داخل بدنها عسلا ثم
~~تقيئه، والقول الأول أقرب إلى العقل وأشد مناسبة للاستقراء، فإن طبيعة
~~الترنجبين قريبة من العسل في الطعم والشكل ولا شك أنه طل يحدث في الهواء
~~ويقع على أطراف الأشجار والأزهار فكذا ههنا، وأيضا فنحن نشاهد أن النحل
~~تتغذى بالعسل حتى إنا إذا أخرجنا العسل من بيوتها تركنا لها بقية منه
~~لغذائها، وحينئذ فكلمة من لابتداء الغاية اه.

# وأنت تعلم أن ظاهر { كلى } يؤيد القول الثاني وهو أشد تأييدا له من
~~تأييد مشابهة الترنجبين للعسل في الطعم والشكل للقول الأول لا سيما
~~وطبيعة العسل والترنجبين مختلفة فقد ذكر بعض أجلة الأطباء ms05449 أن العسل حار
~~في الثالثة يابس في الثانية والترنجبين حار في الأولى رطب في الثانية أو
~~معتدل. نعم لتلك المشابهة يطلق عليه اسم العسل فإن ترنجبين فارسي معناه
~~عسل رطب لا طل الندا كما زعم وإن قالوا: هو في الحقيقة طل يسقط على
~~العاقول بفارس ويجمع كالمن، ويجلب من التكرور شيء يسمى بلسانهم طنبيط
~~أشبه الأشياء به في الصورة والفعل لكن أغلظ، والأمر في مشاهدة تغذيها
~~بالعسل سهل فإنه ليس دائميا، وينقل عن بعض الطيور التي تكمن شتاء التغذي
~~بالرجيع.

# ويؤيد المشهور ما روي عن الأمير علي كرم الله تعالى وجهه في تحقير
~~الدنيا أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة وأشرف شرابه رجيع نحل، وجاء عنه
~~كرم الله تعالى وجهه أيضا أما العسل فونيم ذباب، وحمله على التمثيل خلاف
~~الظاهر وعلى ذلك نظمت الأشعار فقال المعري:

# والنحل يجني المر من زهر الربا

# فيعود شهدا في طريق رضا به

# وقال الحريري:

# تقول هذا محجاج النحل تمدحه

# وإن ترد ذمه قيء الزنابير

# وأخبرني من أثق به أنه شاهد كثيرا حملها لأوراق الأزهار بفمها إلى
~~بيوتها وهو مما يستأنس به للأكل، وسيأتي إن شاء الله تعالى أيضا ما
~~يؤيده.

# { فاسلكى سبل ربك } أي طرقه سبحانه راجعة إلى بيوتك بعد
~~الأكل، فالمراد بالسبل مسالكها في العود، ويحكى أنها ربما أجدب عليها ما
~~حولها فانتجعت الأماكن البعيدة للمرعى ثم تعود إلى بيوتها لا تضل عنها،
~~وفي إضافة السبل إلى الرب المضاف إلى ضميرها إشارة إلى أنه سبحانه هو
~~المهيىء لذلك والميسر له والقائم بمصالحها ومعايشها، وقيل: المراد من
~~السبل طرق الذهاب إلى مظان ما تأكل منه، وحينئذ فمعنى { كلى } اقصدي
~~الأكل، وقيل: السبل مجاز عن طرق العمل وأنواعها أي فاسلكي الطرق التي
~~ألهمك ربك في عمل العسل، وقيل: مجاز عن طرق إحالة الغذاء عسلا، و {
~~اسلكي } متعد من/ سلكت الخيط في الإبرة سلكا لا لازم من سلك في الطريق
~~سلوكا، ومفعوله محذوف أي فاسلكي ما أكلت في مسالكه التي يستحيل فيها
~~بقدرته النور المر ms05450 عسلا من أجوافك. وتعقب بأن السلك في تلك المسالك
~~ليس فيه لها اختيار حتى تؤمر به فلا بد أن يكون الأمر تكوينيا، ورد بأنه
~~ليس بشيء لأن الإدخال باختيارها فلا يضره كون الإحالة المترتبة عليه ليست
~~اختيارية وهو ظاهر فليس كما زعم { ذللا } أي مذللة ذللها الله تعالى
~~وسهلها لك فهو جمع ذلول حال من السبل وروي هذا عن مجاهد. وجعل ابن عبد
~~السلام وصف السبل بالذلل دليلا على أن المراد بالسبل مسالك الغذاء لا
~~طرق الذهاب أو الإياب قال: لأن النحل تذهب وتؤب في الهواء وهو ليس طرقا
~~ذللا لأن الذلول هو الذي يذلل بكثرة الوطء والهواء ليس كذلك وفيه نظر.
~~وقال قتادة: أي مطيعة منقادة فهو حال من الضمير في { فاسلكى }.

# { يخرج من بطونها } استئناف عدل به عن خطاب النحل إلى الكلام
~~مع الناس لبيان ما يظهر منها من تعاجيب صنع الله تعالى التي هي موضع
~~عبرتهم بعد ما أمرت بما أمرت { شراب } يعني العسل، وسمي بذلك لأنه مما
~~يشرب حتى قيل: إنه لا يقال: أكلت عسلا وإنما يقال: شربت عسلا، وكأنه
~~سبحانه إنما لم يعبر بالإخراج مسندا إليه تعالى اكتفاءا بإسناد الإيحاء
~~بالمبادي إليه جل شأنه وفيه إيذان بعظيم قدرته عز وجل بحيث إن ما يشعر
~~بإرادة الشيء كاف في حصوله.

# و { من } لابتداء الغاية، وذكر سبحانه مبدأ الغاية الأولى وهي البطون
~~ولم يذكر سبحانه مبدأ الغاية الأخيرة والجمهور على أنه يخرج من أفواهها،
~~وزعم بعضهم أنه أبلغ في القدرة، وبيت الحريري على ذلك وكذا قول الحسن:
~~لباب البر بلعاب النحل بخالص السمن ما عابه مسلم، وقيل: من أدبارها وهو
~~ظاهر ما روي عن يعسوب المؤمنين كرم الله تعالى وجهه. وقال آخرون: لا ندري
~~إلا ما ذكره الله تعالى. وحكي أن سليمان عليه السلام والإسكندر وأرسطو
~~صنعوا لها بيوتا من زجاج لينظروا إلى كيفية صنيعها وهل يخرج العسل من
~~فيها أم من غيره فلم تضع من العسل شيئا حتى لطخت باطن الزجاج بالطين
~~بحيث يمنع المشاهدة، وقال ms05451 بعضهم: المراد بالبطون الأفواه، وسمي الفم
~~بطنا لأنه في حكمه ولأنه مما يبطن ولا يظهر، وهذا تأويل من ذهب إلى أنها
~~تلتقط الذراة الصغيرة من الطل وتدخرها في بيوتها وهو العسل. وأنت تعلم أن
~~الظاهر من البطن الجارحة المعروفة فالآية تؤيد القول المشهور في تكون
~~العسل. وفي «الكشف» أن في قوله تعالى: { ثم كلى } إشارة إلى أن
~~لمعدة النحل في ذلك تأثيرا وهو المختار عند المحققين من الحكماء، ومن
~~جعل العسل نباتيا محضا وفسر البطون بأفواه النحل فليت شعري ماذا يصنع
~~بقوله سبحانه: { ثم كلى } وأجيب بأنه يفسر الأكل بالالتقاط وهو كما
~~ترى أن دفع الفساد لا يدفع الاستبعاد، ومن الناس من زعم أنها تجتني زهرا
~~وطلا فالمجتنى من الزهر نفسه يكون عسلا والمجتنى من الطل يكون موما
~~والعقل يجوز العكس ولعله أقرب من ذلك { مختلف ألوانه }
~~بالبياض والصفرة والحمرة والسواد إما لمحض إرادة الصانع الحكيم جل جلاله
~~وإما لاختلاف المرعى أو لاختلاف/ الفصل أو لاختلاف سن النحل، فالأبيض
~~لفتيها والأصفر لكهلها والأحمر لمسنها والأسود للطاعن في ذلك جدا. وتعقب
~~بأنه مما لا دليل عليه، وقد سألت جمعا ممن أثق بهم قد اختبروا أحوالها
~~فذكروا أنهم قد استقرؤا وسبروا فرأوا أقوى الأسباب الظاهرة لاختلاف
~~الألوان اختلاف السن بل قال بعضهم: ما علمنا لذلك سببا إلا هذا
~~بالاستقراء، وحينئذ يكون ما ذكر مؤيدا للقول المشهور في تكون العسل كما
~~لا يخفى على من له أدنى ذوق.

# { فيه شفآء للناس } إما بنفسه كما في الأمراض البلغمية أو مع
~~غيره كما في سائر الأمراض إذ قلما يكون معجون لا يكون فيه عسل فله دخل في
~~أكثر ما به الشفاء من المعاجين والتراكيب، وقيل عليه: إن دخوله في ذلك لا
~~يقتضي أن يكون له دخل في الشفاء بل عدم الضرر إذ قيل: إن إدخاله في
~~التراكيب لحفظها ولذا ناب عنه في ذلك السكر، والذي رأيناه في كثير من كتب
~~الطب أنه يحفظ قوى الأدوية طويلا ويبلغها منافعها، ولا يخفى على المنصف
~~أن ما يحفظ ms05452 القوى ويبلغ منافع الدواء يصدق عليه أن له دخلا في الشفاء،
~~ولم يشتهر أن السكر ينوب منابه في ذلك.

# وفي «البحر» أن العسل موجود كثيرا في أكثر البلاد وأما السكر فمختص به
~~بعض البلاد وهو محدث مصنوع للبشر، ولم يكن فيما تقدم من الأزمان يجعل في
~~الأدوية والأشربة إلا العسل اه، وفي «شرح الشمائل» أنه عليه الصلاة
~~والسلام لم يأكل السكر، وذكر غير واحد أنه ليس المراد بالناس هنا العموم
~~لأن كثيرا من الأمراض لا يدخل في دوائها العسل كأمراض الصفراء فإنه مضر
~~للصفراوي، ولو يسلم أن السكنجبين الذي هو خل وعسل كما ينبىء عنه أصل
~~معناه نافع له، والنافع نوع آخر من السكنجبين فإنه نقل إلى ما ركب من
~~حامض وحلو، وله أنواع كثيرة ألفت في جمعها الرسائل حتى قالوا بحرمة
~~تناوله عليه وإنما المراد بالناس الذين ينجع العسل في أمراضهم. والتنوين
~~في { شفآء } إما للتعظيم أي شفاء أي شفاء، وإما للتبعيض أي فيه بعض
~~الشفاء فلا يقتضي أن كل شفاء به ولا أن كل أحد يستشفى به.

# ولا يرد أن اللبن أيضا كذلك بل قلما يوجد شيء من العقاقير إلا وفيه
~~شفاء للناس بهذا المعنى لما قيل: إن التنصيص على هذا الحكم فيه لإفادة ما
~~يكاد يستبعد من اشتمال ما يخرج على اختلاف ألوانه من هذه الدودة التي هي
~~أشبه شيء بذوات السموم ولعلها ذات سم أيضا فإنها تلسع وتؤلم وقد يرم
~~الجلد من لسعها وهو ظاهر في أنها ذات سم على { شفآء للناس } ويفهم
~~من ظاهر بعض الآثار أن الكلام على عمومه. فقد أخرج حميد بن زنجويه عن
~~نافع أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان لا يشكو قرحة ولا شيئا إلا
~~جعل عليه عسلا حتى الدمل إذا كان به طلاه عسلا فقلنا له: تداوى الدمل
~~بالعسل؟ فقال: أليس الله تعالى يقول: { فيه شفآء للناس }؟.

# وأنت تعلم أنه لا بأس بمداواة الدمل بالعسل فقد ذكر الأطباء أنه ينقي
~~الجروح ويدمل ويأكل اللحم الزائد. والحق أنه لا ms05453 مساغ للعموم إذ لا شك في
~~وجود مرض لا ينفع فيه العسل، والآثار المشعرة بالعموم الله تعالى أعلم
~~بصحتها. وأما ما أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وابن مردويه

# " عن أبي سعيد الخدري أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
~~يا رسول الله إن أخي استطلق بطنه فقال: اسقه عسلا فسقاه عسلا ثم جاء
~~فقال: سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا قال: اذهب فاسقه عسلا فسقاه
~~عسلا ثم جاء فقال: ما زاده إلا/ استطلاقا فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: صدق الله تعالى وكذب بطن أخيك اذهب فاسقه عسلا فذهب فسقاه فبرأ "

# فليس صريحا في العموم لجواز أن يكون عليه الصلاة والسلام قد علمه الله
~~سبحانه أن داء هذا المستطلق مما يشفى بالعسل فإن بعض الاستطلاق قد يشفي
~~بالعسل. ففي " طبقات الأطباء " أنه إنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك لأنه
~~علم أن في معدة المريض رطوبات لزجة غليظة قد أزلقت معدته فكلما مر به شيء
~~من الأدوية القابضة لم يؤثر فيها والرطوبات باقية على حالها والأطعمة
~~تزلق عنها فيبقى الإسهال فلما تناول العسل جلا تلك الرطوبات وأحدرها فكثر
~~الإسهال أولا بخروجها وتوالى ذلك حتى نفذت الرطوبة بأسرها فانقطع إسهاله
~~وبرىء، فقوله صلى الله عليه وسلم:

# " صدق الله تعالى "

# يعني بالعلم الذي عرف نبيه عليه الصلاة والسلام به، وقوله:

# " كذب بطن أخيك "

# يعني ما كان يظهر من بطنه من الإسهال وكثرته بطريق العرض وليس هو بإسهال
~~ومرض حقيقي فكان بطنه كاذبا اه. وقال بعضهم: المراد  بصدق الله تعالى
~~ صدق سبحانه في أن العسل فيه الشفاء، وقوله عليه الصلاة والسلام: «كذب
~~بطن أخيك» من المشاكلة الضدية كقولهم: من طالت لحيته تكوسج عقله، وهو على
~~الأول استعارة مبنية على تشبيه البطن بالكاذب في كون ما ظهر من إسهالها
~~ليس بأمر حقيقي وإنما هو لما عرض لها، وعلى ذلك قول الأطباء: زحير كاذب
~~وزحير صادق. وأنكر بعضهم هذا النوع من المشاكلة وقال: إنها ليست معروفة
~~وإنه إنما عبر به لأن بطنه ms05454 كأنه كذب قول الله تعالى بلسان حاله وهو ناشىء
~~من قلة الاطلاع. وقد وقع نظير هذه القصة في زمن المأمون، وذلك أن ثمامة
~~العبسي وكان من خواصه مرض بالإسهال فكان يقوم في اليوم والليلة مائة مرة
~~وعجز الأطباء عن علاجه فعالجه يزيد بن يوحنا طبيب المأمون بالمسهل أيضا
~~فبرىء وكان قد ظن الأطباء أنه يموت بسبب ذلك ولا يبقى لغده، وذكر الطبيب
~~حين سأله المأمون عن وجه الحكمة فيما فعل فذكر أنه كان في جوف الرجل
~~كيموس فاسد فلا يدخله غذاء ولا دواء إلا أفسده فعلمت أنه لا علاج له إلا
~~قلع ذلك بالإسهال، ومنه يعلم أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم كان
~~من معجزاته الدالة على علمه بدقائق الطب من غير تعليم، وكذا يعلم أن ما
~~طعن به بعض الملحدين ومن في قلبه مرض من أنه كيف يداوي الإسهال بالعسل
~~وهو مسهل باتفاق الأطباء ناشىء عن الجهل بالدقائق وعدم الوقوف على
~~الحقائق.

# ونقل عن مجاهد والضحاك والفراء وابن كيسان وهو رواية عن ابن عباس والحسن
~~أن ضمير { فيه } للقرآن والمراد أن في القرآن شفاء لأمراض الجهل والشرك
~~وهدى ورحمة، واستحسن ذلك ابن النحاس. وقال القاضي أبو بكر بن العربي:
~~أرى هذا القول لا يصح نقله عن هؤلاء ولو صح نقلا لم يصح عقلا فإن سياق
~~الكلام كله للعسل ليس للقرآن فيه ذكر، ورجوع الضمير للكتاب في قوله
~~سبحانه:

# ومآ أنزلنا عليك الكتب إلا لتبين لهم
~~الذى اختلفوا فيه

# [النحل: 64] مما لا يكاد يقوله أمثال هؤلاء الكرام والعلماء الأعلام.
~~نعم كون القرآن شفاء مما لا كلام فيه، وقد أخرج الطبراني وغيره عن ابن
~~مسعود

# " عليكم بالشفاءين العسل والقرآن ".

# هذا وقدم سبحانه الإخبار عن إنزال الماء لما أن الماء أتم نفعا وأعظم
~~شأنا وهو أصل أصيل لتكون اللبن وما بعده، ثم ذكر اللبن لأنه يحتاج إليه
~~أكثر من غيره مما ذكر بعده، وقد يستغنى بشربه عن شرب الماء كما شاهدنا
~~ذلك من بعض متزهدي زماننا فقد ترك شرب الماء ms05455 عدة من السنين مكتفيا بشرب
~~اللبن، وسمعنا نحو ذلك عن بعض رؤساء الأعراب، وهو الدليل على الفطرة
~~ولذلك اختاره صلى الله عليه وسلم حين أسري به وعرض عليه مع الخمر والعسل،
~~ثم الخمر لأنها أقرب إلى الماء من العسل فإنها ماء العنب ولم يعهد/ جعلها
~~إداما كالعسل فإنه كثيرا ما يؤدم به الخبز ويؤكل، وبينها وبين اللبن
~~نوع مشابهة من حيث أن كلا منهما يخرج من بين أجزاء كثيفة وما أشبه ثفله
~~بالفرث، وإذا لوحظ السوغ في اللبن وعدمه في الخمر بناء على ما يقولون:
~~إنها ليست سهلة المرور في الحلق ولذا يقطب شاربها عند الشرب وقد يغص بها
~~كان بينهما نوع من التضاد، ويحسن إيقاع الضد بعد الضد كما يحسن إيقاع
~~المثل بعد المثل، وإذا لوحظ مآل أمرهما شرعا رأيت أن الخمر لم يسغ شربها
~~بعد نزول الآية فيه وشرب اللبن لم يزل سائغا وبذلك يقوى التضاد، ويقويه
~~أيضا أن اللبن يخرج من بطن حيوان ولا دخل لعمل البشر فيه والخمر ليست
~~كذلك. وأما ذكر الرزق الحسن بعد الخمر وتقديمه على العسل فالوجه فيه ظاهر
~~جدا، ولعل ما اعتبرناه في وجه تقديم الخمر على العسل وذكره بعد اللبن
~~أقوى مما يصح اعتباره في العسل وجها لتقديمه على الخمر وذكره بعد اللبن،
~~فلا يرد أن في كل جهة تقديما فاعتبارها في أحدهما دون الآخر ترجيح بلا
~~مرجح، وقد جاء ذكر الماء واللبن والخمر والعسل في وصف الجنة على هذا
~~الترتيب قال تعالى:

# فيهآ أنهار من مآء غير آسن وأنهار من لبن
~~لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة
~~للشاربين وأنهار من عسل مصفى

# [محمد: 15] فتأمل فلمسلك الذهن اتساع والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.

# { إن فى ذلك } المذكور من آثار قدرة الله تعالى { لآية } عظيمة
~~{ لقوم يتفكرون } فإن من تفكر في اختصاص النحل بتلك العلوم
~~الدقيقة والأفعال العجيبة التي مرت الإشارة إليها وخروج هذا الشرب الحلو
~~المختلف الألوان وتضمنه الشفاء جزم قطعا أن لها ربا حكيما قادرا
~~ألهمها ما ألهم وأودع ms05456 فيها ما أودع، ولما كان شأنها في ذلك عجيبا يحتاج
~~إلى مزيد تأمل ختم سبحانه الآية بالتفكر. ومن بدع تأويلات الرافضة على ما
~~في " الكشاف " أن المراد بالنحل علي كرم الله تعالى وجهه وقومه. وعن
~~بعضهم أنه قال عند المهدي: إنما النحل بنو هاشم يخرج من بطونهم العلم
~~فقال له رجل: جعل الله تعالى طعامك وشرابك مما يخرج من بطونهم فضحك
~~المهدي وحدث به المنصور فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهما، وستسمع إن شاء الله
~~تعالى ما يقوله الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم في باب الإشارة.

# ثم إنه سبحانه لما ذكر من عجائب أحوال ما ذكر من الماء والنبات والأنعام
~~والنحل أشار إلى بعض عجائب أحوال البشر من أول عمره إلى آخره وتطوراته
~~بين ذلك فقال عز قائلا: { والله خلقكم ثم
~~يتوفكم... }.

### || [16.70]

# { والله خلقكم ثم يتوفكم } حسبما تقتضيه مشيئته
~~تعالى المبنية على الحكم البالغة بآجال مختلفة، والقرينة على إرادة ذلك
~~قوله سبحانه: { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } ولذا
~~قيل: إنه معطوف على مقدر أي فمنكم من تعجل وفاته ومنكم الخ، وأرذل العمر
~~أخسه وأحقره وهو وقت الهرم الذي تنقص فيه القوى وتفسد الحواس ويكون حال
~~الشخص فيه كحاله وقت الطفولية من ضعف العقل والقوة، ومن هنا تصور الرد
~~فهذا كقوله تعالى:

# ومن نعمره ننكسه فى الخلق

# [يس: 68] ففيه مجاز، وأخرج ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه أن {
~~أرذل العمر } خمس وسبعون سنة؛ وعن قتادة أنه تسعون، وقيل: خمس
~~وتسعون واختار جمع تفسيره بما سبق وهو يختلف باختلاف الأمزجة فرب معمر لم
~~تنتقص قواه ومنتقص القوى لم يعمر، ولعل التقييد بسن مخصوص مبني على
~~الأغلب عند من قيد.

# والخطاب إن كان للموجودين وقت النزول فالتعبير بالماضي والمستقبل فيه
~~ظاهر، وإن كان عاما فالمضي بالنسبة إلى وقت وجودهم، والاستقبال بالنسبة
~~إلى الخلق، وعلى التقديرين الظاهر أن { من يرد إلى أرذل
~~العمر } / يعم المؤمن مطلقا والكافر، وقيل: إنه مخصوص بالكافر
~~والمسلم لا يرد إلى إرذل العمر لقوله تعالى:

# ثم رددنه أسفل ms05457 سفلين * إلا الذين ءامنوا
~~وعملوا الصلحت

# [التين: 5-6] وأخرج ابن المنذر وغيره عن عكرمة أنه قال: من قرأ القرآن
~~لم يرد إلى أرذل العمر، والمشاهدة تكذب كلا القولين فكم رأينا مسلما
~~قارىء القرآن قد رد إلى ذلك، والاستدلال بالآية على خلافه فيه نظر، وكان
~~من دعائه صلى الله عليه وسلم كما أخرجه البخاري وابن مردويه عن أنس

# " أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة
~~المحيا والممات "

# { لكى لا يعلم بعد علم شيئا } اللام للصيرورة والعاقبة
~~وهي في الأصل للتعليل وكي مصدرية والفعل منصوب بها والمنسبك مجرور باللام
~~والجار والمجرور متعلق  بيرد ، وزعم الحوفي أن اللام لام كي دخلت على
~~كي للتوكيد وليس بشيء، والعلم بمعنى المعرفة، والكلام كناية عن غاية
~~النسيان أي ليصير نساء بحيث إذا كسب علما في شيء لم ينشب أن ينساه ويزل
~~عنه علمه من ساعته يقول لك: من هذا؟ فتقول: فلان فما يلبث لحظة إلا سألك
~~عنه، وقيل: المراد لئلا يعلم زيادة علم على علمه، وقيل: لئلا يعقل من بعد
~~عقله الأول شيئا فالعلم بمعنى العقل لا بمعناه الحقيقي كما في سابقه،
~~وفيه دلالة على وقوفه وأنه لا يقدر على علم زائد، والوجه المعتمد الأول،
~~ونصب  شيئا  على المصدرية أو المفعولية، وجوز فيه التنازع بين يعلم
~~وعلم، وكون مفعول  علم  محذوفا لقصد العموم أي لا يعلم شيئا ما بعد
~~علم أشياء كثيرة.

# { إن الله عليم } بكل شيء ومن ذلك وجه الحكمة في الخلق والتوفي
~~والرد إلى أرذل العمر { قدير } على كل شيء ومنه ما يشاؤه سبحانه من
~~ذلك، وقيل: عليم بمقادير أعماركم قدير على كل شيء يميت الشاب النشيط
~~ويبقي الهرم الفاني، وفيه تنبيه على أن تفاوت الآجال ليس إلا بتقدير قادر
~~حكيم رتب الأبنية وعدل الأمزجة على قدر معلوم ولو كان ذلك مقتضى الطبائع
~~لما بلغ هذا المبلغ، وقيل: إنه تعالى لما ذكر ما يعرض في الهرم من ضعف
~~القوى والقدرة وانتفاء العلم ذكر أنه جل شأنه مستمر على العلم ms05458 الكامل
~~والقدرة الكاملة لا يتغيران بمرور الأزمان كما يتغير علم البشر وقدرتهم،
~~ويفيد الاستمرار الجملة الاسمية، والكمال صيغة فعيل، وقدم صفة العلم
~~لتجاوز انتفاء العلم عن المخاطبين مع أن تعلق صفة العلم بالشيء أول
~~لتعلقه صفة القدرة به، ولا يخفى عليك ما هو الأولى من الثلاثة فتدبر.

### || [16.71]

# { والله فضل بعضكم على بعض فى الرزق } أي جعلكم
~~متفاوتين فيه فأعطاكم منه أفضل مما أعطى مماليككم { فما الذين
~~فضلوا } فيه على غيرهم وهم الملاك { برآدى } أي بمعطي {
~~رزقهم } الذي رزقهم إياه { على ما ملكت أيمنهم }
~~على مماليكهم الذين هم شركاؤهم في المخلوقية والمرزوقية { فهم } أي
~~الملاك الذين فضلوا والمماليك { فيه } أي في الرزق { سوآء } لا تفاضل
~~بينهم، والجملة الاسمية واقعة موقع فعل منصوب في جواب النفي أي لا يردونه
~~عليهم فيستووا فيه ويشتركوا، وجوز أن تكون في تأويل فعل مرفوع معطوف على
~~قوله تعالى: { برآدى } أي لا يردونه عليهم فلا يستوون، والمراد بذلك
~~توبيخ الذين يشركون به سبحانه بعض مخلوقاته وتقريعهم والتنبيه على كمال
~~قبح فعلهم كأنه قيل: إنكم لا ترضون بشركة عبيدكم لكم بشيء لا يختص بكم بل
~~يعمكم وإياهم من الرزق الذي هم أسوة لكم في استحقاقه وهم أمثالكم في
~~البشرية والمخلوقية لله عز سلطانه فما بالكم تشركون به سبحانه وتعالى
~~فيما لا يليق إلا به جل وعلا من الألوهية/ والمعبودية الخاصة بذاته تعالى
~~لذاته بعض مخلوقاته الذي هو بمعزل عن درجة الاعتبار، وهو على ما صرح به
~~جماعة على شاكلة قوله تعالى:

# ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما
~~ملكت أيمنكم من شركاء فيما رزقنكم فأنتم
~~فيه سواء

# [الروم: 28] يعنون بذلك أنه مثل ضرب لكمال قباحة ما فعلوه.

# وفي قوله تعالى: { أفبنعمة الله يجحدون } قرينة  كما
~~قيل  على ذلك، وكذا في قوله تعالى:

# فلا تضربوا لله الأمثال

# [النحل: 74] والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر وهي داخلة في
~~الحقيقة على الفعل أعني { يجحدون } ولتضمن الجحود معنى الكفر جىء
~~بالباء في معموله المقدم عليه للاهتمام أو لإيهام الاختصاص ms05459 مبالغة أو
~~لرعاية رؤوس الآي، والمراد بالنعمة قيل الرزق وقيل ولعله الأولى: ما
~~يشمله وغيره من النعم الفائضة عليهم منه سبحانه أي يشركون به تعالى
~~فيجحدون نعمته تعالى حيث يفعلون ما يفعلون من الإشراك فإن ذلك يقتضي أن
~~يضيفوا ما أفيض عليهم من الله تعالى من النعم إلى شركائهم ويجحدوا كونها
~~من عنده جل وعلا، وجوز كون المراد بنعمة الله تعالى ما أنعم سبحانه به من
~~إقامة الحجج وإيضاح السبل وإرسال الرسل عليهم السلام ولا نعمة أجل من
~~ذلك، فمعنى جحودهم ذلك إنكاره وعدم الالتفات إليه، وصيغة الغيبة لرعاية
~~«فما الذين» وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عبد الرحمن والأعرج بخلاف عنه
~~«تجحدون» بالتاء على الخطاب رعاية لبعضكم، هذا وجوز أن يكون معنى الآية
~~أن الله تعالى فضل بعضا على بعض في الرزق وأن المفضلين لا يردون من
~~رزقهم على من دونهم شيئا وإنما أنا رازقهم فالمالك والمملوك في أصل
~~الرزق سواء وإن تفاوتا كما وكيفا، والمراد النهي عن الإعجاب والمن
~~اللذين هما مقدمتا الكفران.

# والعطف على مقدر أيضا أي أيعجبون ويمنون فيجحدون نعمة الله تعالى
~~عليهم، وقيل: التقدير ألا يفهمون فيجحدون؛ واختار في «الكشاف» أن المعنى
~~أنه سبحانه جعلكم متفاوتين في الرزق فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم
~~بشر مثلكم وإخوانكم وكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم حتى تساووا
~~في الملبس والمطعم كما يحكى عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون "

# فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت،
~~وحاصله أن الله تعالى فضلكم على أمثالكم فكان عليكم أن تردوا من ذلك
~~الفضل عليهم شكرا لنعمته تعالى لتكونوا سواء في ذلك الفضل ويبقى لكم فضل
~~الإفضال والتفضل.

# فالآية حث على حسن الملكة وأدمج أنهم وعبيدهم مربوبون بنعمته تعالى ذلك
~~مع تقلبهم فيها ليكون تمهيدا لكفرانهم نعمه سبحانه السوابغ إلى أن جعلوا
~~له عز وجل ms05460 أندادا لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا فعبدوها عبادته تعالى
~~أو أشد وأسد، وفي ذلك من البعد ما فيه، والعطف فيه على مقدر أيضا كألا
~~يعرفون ذلك فيجحدون.

### || [16.72]

# { والله جعل لكم من أنفسكم } أي من جنسكم ونوعكم وهو
~~مجاز في ذلك، والأشهر من معاني النفس الذات ولا يستقيم هنا كغيره فلذا
~~ارتكب المجاز وهو إما في المفرد أو الجمع، واستدل بذلك بعضهم على أنه لا
~~يجوز للإنسان أن ينكح من الجن { أزوجا } لتأنسوا بها وتقيموا بذلك
~~مصالحكم ويكون أولادكم أمثالكم. وأخرج غير واحد عن قتادة أن هذا خلق آدم
~~وحواء عليهما السلام فإن حواء خلقت من نفسه عليه السلام، وتعقب بأنه لا
~~يلائمه جمع الأنفس والأزواج، وحمله على التغليب تكلف غير مناسب للمقام،
~~وكذا كون المراد منهما بعض الأنفس وبعض الأزواج { وجعل لكم من
~~أزوجكم } أي منها فوضع الظاهر/ موضع الضمير للإيذان بأن المراد جعل
~~لكم منكم من زوجه لا من زوج غيره { بنين } وبأن نتيجة الأزواج هو
~~التوالد { وحفدة } جمع حافد ككاتب وكتبة، وهو من قولهم: حفد يحفد
~~حفدا وحفودا وحفدانا إذا أسرع في الخدمة والطاعة، وفي الحديث

# " إليك نسعى ونحفد "

# وقال جميل:

# حفد الولائد حولهن وأسلمت

# بأكفهن أزمة الأجمال

# وقد ورد الفعل لازما ومتعديا كقوله:

# يحفدون الضيف في أبياتهم

# كرما ذلك منهم غير ذل

# وجاء في لغة  كما قال أبو عبيدة  أحفد أحفادا، وقيل: الحفد سرعة
~~القطع، وقيل: مقاربة الخطو، والمراد بالحفدة على ما روي عن الحسن
~~والأزهري وجاء في رواية عن ابن عباس واختاره ابن العربي أولاد الأولاد،
~~وكونهم من الأزواج حينئذ بالواسطة، وقيل: البنات عبر عنهن بذلك إيذانا
~~بوجه المنة فإنهن في الغالب يخدمن في البيوت أتم خدمة، وقيل: البنون
~~والعطف لاختلاف الوصفين البنوة والخدمة، وهو منزل منزلة تغاير الذات، وقد
~~مر نظيره فيكون ذلك امتنانا بإعطاء الجامع لهذه الوصفين الجليلين فكأنه
~~قيل: وجعل لكم منهن أولادا هم بنون وهم حافدون أي جامعون بين هذين
~~الأمرين، ويقرب منه ما روي عن ابن عباس من أن ms05461 البنين صغار الأولاد
~~والحفدة كبارهم، وكذا ما نقل عن مقاتل من العكس، وكأن ابن عباس نظر إلى
~~أن الكبار أقوى على الخدمة ومقاتل نظر إلى أن الصغار أقرب للانقياد لها
~~وامتثال الأمر بها واعتبر الحفد بمعنى مقاربة الخط، وقيل: أولاد المرأة
~~من الزوج الأول، وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس. وأخرج
~~الطبراني والبيهقي في " سننه " والبخاري في " تاريخه " والحاكم وصححه عن
~~ابن مسعود أنهم الأختان وأريد بهم  على ما قيل  أزواج البنات ويقال لهم
~~أصهار، وأنشدوا:

# فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت

# لها حفد مما يعد كثير

# ولكنها نفس على أبية

# عيوني لأصهار اللئام تدور

# والنصب على هذا بفعل مقدر أي وجعل لكم حفدة لا بالعطف على { بنين
~~} لأن القيد إذا تقدم يعلق بالمتعاطفين وأزواج البنات ليسوا من الأزواج.
~~وضعف بأنه لا قرينة على تقدير خلاف الظاهر وفيه دغدغة لا تخفى. وقيل: لا
~~مانع من العطف بأن يراد بالأختان أقارب المرأة كأبيها وأخيها لا أزواج
~~البنات فإن إطلاق الأختان عليه إنما هو عند العامة وأما عند العرب فلا
~~كما في «الصحاح»، وتجعل { من } سببية ولا شك أن الأزواج سبب لجعل
~~الحفدة بهذا المعنى وهو كما ترى. وتعقب تفسيره بالأختان والربائب بأن
~~السياق للامتنان ولا يمتن بذلك. وأجيب بأن الامتنان باعتبار الخدمة ولا
~~يخفى أنه مصحح لا مرجح. وقيل: الحفدة هم الخدم والأعوان وهو المعنى
~~المشهور له لغة. والنصب أيضا بمقدر أي وجعل لكم خدما يحفدون في مصالحكم
~~ويعينونكم في أموركم. وقال ابن عطية بعد نقل عدة أقوال في المراد من ذلك:
~~وهذه الأقوال مبنية على أن كل أحد جعل له من زوجته بنون وحفدة ولا يخفى
~~أنه باعتبار الغالب، ويحتمل أن يحمل قوله تعالى: { من أزواجكم } على
~~العموم والاشتراك أي جعل من أزواج البشر البنين والحفدة ويستقيم على هذا
~~إجراء الحفدة على مجراها في اللغة إذ/ البشر بجملتهم لا يستغني أحدهم عن
~~حفدة اه، وحينئذ لا يحتاج إلى تقدير لكن لا يخفى أن فيه بعدا، وتأخير
~~المنصوب في ms05462 الموضعين عن المجرور لما مر غير مرة من التشويق، وتقديم
~~المجرور باللام على المجرور بمن للإيذان من أول الأمر بعود منفعة الجعل
~~إليهم إمدادا للتشويق وتقوية له.

# { ورزقكم من الطيبات } أي اللذائذ وهو معناها اللغوي، وجوز
~~أن يراد بالطيب ما هو متعارف في لسان الشرع وهو الحلال. وتعقبه أبو حيان
~~بأن المخاطبين بهذا الكفار وهم لا شرع لهم فتفسيره بذلك غير ظاهر. وأجيب
~~بأنهم مكلفون بالفروع كالأصول فيوجد في حقهم الحلال والحرام، وأيضا هم
~~مرزوقون بكثير من الحلال الذي أكلوا بعضه ولا يلزم اعتقادهم للحل ونحوه،
~~و { من } للتبعيض لأن ما رزقوه بعض من كل الطيبات فإن ما في الدنيا
~~منها بأسره أنموذج لما في الآخرة إذ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا
~~خطر على قلب بشر، وما في الدنيا لم يصل كثير منه إليهم، والظاهر على ما
~~ذكرنا عموم الطيبات للنبات والثمار والحبوب والأشربة والحيوان، وقيل:
~~المراد بها ما أتى من غير نصب، وقيل: الغنائم، وليس بشيء.

# { أفبالبطل } وهو منفعة الأصنام وبركتها وما ذاك إلا وهم باطل
~~لم يتوصلوا إليه بدليل ولا أمارة، والجار والمجرور متعلق بقوله تعالى: {
~~يؤمنون } وقدم للحصر فيفيد أن ليس لهم إيمان إلا بذلك كأنه شيء
~~معلوم مستيقن { وبنعمت الله } المشاهدة المعاينة التي لا شبهة
~~فيها لذي عقل وتمييز مما ذكر ومما لا تحيط به دائرة البيان { هم
~~يكفرون } أي يستمرون على الكفر بها والإنكار لها كما ينكر المحال
~~الذي لا يتصوره العقول وذلك بإضافتها إلى أصنامهم، وقيل: الباطل ما يسول
~~لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما ونعمة الله تعالى ما أحل
~~لهم.

# والآية على هذا ظاهرة التعلق بقوله سبحانه: { ورزقكم من
~~الطيبات } فقط دون ما قبله أيضا والظاهر تعلقها بهما، ومن ذلك يظهر
~~حال ما أخرجه ابن المنذر عن ابن جريج من أن الباطل الشيطان ونعمة الله
~~تعالى محمد صلى الله عليه وسلم، وما ذكرناه قد صرح بأكثره الزمخشري،
~~واستفادة الحصر من التقديم ظاهرة، وأما كأنه شيء معلوم مستيقن فمستفاد ms05463 من
~~حصرهم الإيمان فيما ذكر لأن ذلك شأن المؤمن به لا سيما وقد حصروا، وأيضا
~~المقابلة بالمشاهد المحسوس أعني نعمة الله تعالى دلت على تعكيسهم فيدل
~~على أنهم جعلوا الموهوم بمنزلة المتيقن وبالعكس، والفاء التي للتعكيس
~~شديدة الدلالة على هذا الأمر والحمل على أنها للعطف على محذوف ليس بالوجه
~~كذا في «الكشف»، وفيه رد على ما قيل إن في كلا التركيبين تأكيدا
~~وتخصيصا، أما التخصيص فيهما فمن تقديم المعمول، وأما التأكيد في الأول
~~فلأن الفاء تستدعي معطوفا عليه تقديره أيكفرون بالحق ويؤمنون بالباطل
~~والكفر بالحق مستلزم للإيمان بالباطل فقد تكرر الإيمان بالباطل والتكرير
~~يفيد التأكيد، وأما التأكيد في الثاني فمن بناء { يكفرون } على هم
~~المفيد لتقوي الحكم، وجعل كلام الزمخشري مشيرا إلى ذلك كله فتدبر. وما
~~ذكر من أن تقديم الجار في التركيبين للتخصيص مما صرح به غير واحد،
~~والعلامة البيضاوي جوز ذلك لكنه أقحم الإيهام هنا نظير ما فعلناه فيما
~~سلف آنفا. ووجه ذلك بأن المقام ليس بمقام تخصيص حقيقة إذ لا اختصاص
~~لإيمانهم بالباطل ولا لكفرانهم بنعم الله سبحانه ولم يقحمه في تفسير نظير
~~ذلك في العنكبوت [67] فإن وجه بأنهم إذا آمنوا بالباطل كان إيمانهم بغيره
~~بمنزلة/ العدم وأن النعم كلها من الله تعالى إما بالذات أو بالواسطة فليس
~~كفرانهم إلا لنعمه سبحانه كما قيل " لا يشكر الله من لا يشكر الناس " بقي
~~المخالفة. وأجيب بأنه إذا نظر للواقع فلا حصر فيه وإن لوحظ ما ذكر يكون
~~الحصر ادعائيا وهو معنى الإيهام للمبالغة فلا تخالف، وجوز أن يكون
~~التقديم للاهتمام لأن المقصود بالإنكار الذي سيق له الكلام تعلق كفرانهم
~~بنعمة الله تعالى واعتقادهم للباطل لا مطلق الإيمان والكفران، وأن يكون
~~لرعاية الفواصل وهو دون النكتتين، والالتفات إلى الغيبة للإيذان باستيجاب
~~حالهم للإعراض عنهم وصرف الخطاب إلى غيرهم من السامعين تعجيبا لهم مما
~~فعلوه. وفي «البحر» أن السلمي قرأ { تؤمنون } بالتاء على الخطاب وأنه روي
~~ذلك عن عاصم، والجملة فيما بعده على هذا كما استظهره في «البحر» مجردا
~~عن ms05464 الكفرة غير مندرج في التقريع.

# هذا بقي أنه وقع في العنكبوت [67]

# أفبالبطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون

# بدون ضمير ووقع هنا ما سمعت بالضمير، وبين الخفاجي سر ذلك بأنه لما سبق
~~في هذه السورة قوله تعالى:

# أفبنعمة الله يجحدون

# [النحل: 71] أي يكفرون كما مر فلو ذكر ما نحن فيه بدون الضمير لكانت
~~الآية تكرارا بحسب الظاهر فأتى بالضمير الدال على المبالغة والتأكيد
~~ليكون ترقيا في الذم بعيدا عن اللغوية، ثم قال: وقيل إنه أجرى على عادة
~~العباد إذا أخبروا عن أحد بمنكر يجدون موجدة فيخبروا عن حاله الأخرى
~~بكلام آكد من الأول، ولا يخفى أن هذا إنما ينفع إذا سئل لم قيل:

# أفبالبطل يؤمنون

# [العنكبوت: 67] بدون ضمير وقيل: { وبنعمت الله هم
~~يكفرون } به، وأما في الفرق بين ما هنا وما هناك فلا، وقيل: آيات
~~العنكبوت استمرت على الغيبة فلم يحتج إلى زيادة ضمير الغائب وأما الآية
~~التي نحن فيها فقد سبق قبلها مخاطبات كثيرة فلم يكن بد من ضمير الغائب
~~المؤكد لئلا يلتبس بالخطاب، وتخصيص هذه بالزيادة دون { أفبالبطل
~~يؤمنون } مع أنها الأولى بها بحسب الظاهر لتقدمها لئلا يلزم زيادة
~~الفاصلة الأولى على الثانية، واعترض عليه بأنه لا يخفى أنه لا مقتضى
~~للزوم الغيبة ولا لبس لو ترك الضمير. وقد يقال: إنما لم يؤت في آية
~~العنكبوت بالضمير ويبني الفعل عليه إفادة للتقوى استغناء بتكرر ما يفيد
~~كفر القوم بالنعم مع قربه من تلك الآية عن ذلك، على أنه قد تقدم هناك ما
~~تستمد منه الجملتان أتم استمداد وإن كان فيه نوع بعد ومغايرة ما وذلك
~~قوله تعالى:

# والذين ءامنوا بالبطل وكفروا بالله
~~أولئك هم الخسرون

# [العنكبوت: 52] ولما لم تكن آية النحل فيما ذكر بهذه المرتبة جيء فيها
~~بما يفيد التقوى، أو يقال: إنه لما كان سرد النعم هنا على وجه ظاهر في
~~وصولها إليهم والامتنان بها عليهم كان ذلك أوفق بأن يؤتى بما يفيد كفرهم
~~بها على وجه ظاهر في وصولها إليهم والامتنان بها عليهم كان ذلك أوفق بأن
~~يؤتى ms05465 بما يفيد كفرهم بها على وجه يشعر باسبتعاد وقوعه منهم فجيء بالضمير
~~فيه ولما لم يكن ما هنالك كذلك لم يؤت فيه بما ذكر، ولعل التعبير هنا 
~~بيكفرن  وفيما قبل

# يجحدون

# [النحل: 71] لأن ما قبل كان مسبوقا على ما قيل بضرب مثل لكمال قباحة ما
~~فعلوه والجحود أوفق بذلك لما أن كمال القبح فيه أتم ولا كذلك فيما البحث
~~فيه كذا قيل فافهم والله تعالى بأسرار كتابه أعلم.

### || [16.73]

# { ويعبدون من دون الله } قال أبو حيان: هو استئناف إخبار عن
~~حالهم في عبادة الأصنام وفيه تبيين لقوله تعالى:

# أفبالبطل يؤمنون

# [النحل: 72] وقال بعض أجلة المحققين: لعله عطف على

# يكفرون

# [النحل: 72] داخل تحت الإنكار التوبيخي أي أيكفرون بنعمة الله ويعبدون
~~من دونه سبحانه { ما لا يملك لهم رزقا من السموات
~~والأرض شيئا } أي ما لا يقدر أن يرزقهم شيئا لا من السموات
~~مطرا ولا من/ الأرض نباتا  فرزقا  مصدر، و { شيئا } نصب على
~~المفعولية له وإلى ذلك ذهب أبو علي وغيره وتعقبه ابن الطراوة بأن الرزق
~~هو المرزوق كالرعي والطحن والمصدر إنما هو الرزق بفتح الراء كالرعي
~~والطحن. ورد عليه بأن مكسور الراء مصدر أيضا كالعلم وسمع ذلك فيه فصح أن
~~يعمل في المفعول، وقيل: هو اسم مصدر والكوفي يجوز عمله في المفعول 
~~فشيئا  مفعوله على رأيهم، وجوز أن يكون بمعنى مرزوق و { شيئا } بدل
~~منه أي لا يملك لهم شيئا. وأورد عليه السمين وأبو حيان أنه غير مفيد إذ
~~من المعلوم أن الرزق من الأشياء والبدل يأتي لأحد شيئين البيان والتأكيد
~~وليسا بموجودين هنا. وأجيب بأن تنوين { شيئا } للتقليل والتحقير فإن
~~كان تنوين { رزقا } كذلك فهو مؤكد وإلا فمبين وحينئذ فيصح فيه أن
~~يكون بدل بعض أو كل ولا إشكال. وجوز أن يكون { شيئا } مفعولا مطلقا
~~ليملك أي لا يملك شيئا من الملك و { من السموات } إما متعلق
~~بقوله تعالى: { لا يملك } أو بمحذوف وقع صفة  لرزقا  أي رزقا
~~كائنا منهما، واطلاق الرزق على المطر لأنه ينشأ عنه.

# { ولا يستطيعون ms05466 } جوز أن يكون عطفا على صلة { ما } وأن يكون
~~مستأنفا للإخبار عن حالة الآلهة؛ واستطاع متعد ومفعوله محذوف هو ضمير
~~الملك أي لا يستطيعون أن يملكوا ذلك ولا يمكنهم، فالكلام تتميم لسابقه
~~وفيه من الترقي ما فيه فلا يكون نفي استطاعة الملك بعد نفي ملك الرزق غير
~~محتاج إليه، وإن جعل المفعول ضمير الرزق كما جوزه في " الكشاف " يكون هذا
~~النفي تأكيدا لما قبله. وأورد عليه أنه قد قرر في المعاني أن حرف العطف
~~لا يدخل بين المؤكد والمؤكد لما بينهما من كمال الاتصال. ودفع بأن ذلك
~~غير مسلم عند النحاة وليس مطلقا عند أهل المعاني ألا ترى قوله تعالى:

# كلا سيعلمون * ثم كلا سيعلمون

# [النبأ: 4-5] نعم يرد عليه حديث أن التأسيس خير من التأكيد، ويجوز ولعله
~~الأولى أن يكون الفعل منزلا منزلة اللازم فيكون المراد نفي الاستطاعة
~~عنهم مطلقا على حد يعطي ويمنع المعنى أنهم أموات لا قدرة لهم أصلا
~~فيكون تذييلا للكلام السابق، وفيه ما فيه على الوجه الأول وزيادة.

# وجمع الضمير فيه وتوحيده في { لا يملك } لرعاية جانب اللفظ أولا
~~والمعنى ثانيا فإن «ما» مفرد بمعنى الآلهة ومثل هذه الرعاية وارد في
~~الفصيح وإن أنكره بعضهم لما يلزمه من الإجمال بعد البيان المخالف للبلاغة
~~فإنه مردود كما بين في محله، وقد روعي أيضا في التعبير حال معبوداتهم في
~~نفس الأمر فإنها أحجار وجمادات فعبر عنها  بما  الموضوعة في المشهور
~~لغير العالم وحالها باعتبار اعتقادهم فيها أنها آلهة فعبر عنها بضمير
~~الجمع الموضوع لذوي العلم، هذا إذا كان المراد بما الأصنام، ولا يخفى
~~عليك الحال إذا كان المراد بها المعبودات الباطلة مطلقا ملكا كانت أو
~~بشرا أو حجرا أو غيرها. وجوز أن يكون ضمير الجمع عائدا على الكفار
~~كضمير { يعبدون } و { ما } على المعنى المشهور فيها على معنى أنهم
~~مع كونهم أحياء متصرفين في الأمور لا يستطيعون من ذلك شيئا فكيف بالجماد
~~الذي لا حس له، فجملة { لا يستطيعون } معترضة لتأكيد نفي الملك عن
~~الآلهة والمفعول محذوف ms05467 كما أشير إليه، وهذا وإن كان خلاف الظاهر لكنه
~~سالم عن مخالفة المشهور في العود على المعنى بعد مراعاة اللفظ.

### || [16.74]

# { فلا تضربوا لله الأمثال } التفات إلى الخطاب للإيذان
~~بالاهتمام بشأن النهي، والفاء للدلالة على ترتيب النهي على ما عدد من
~~النعم/ الفائضة عليهم منه تعالى وكون آلهتهم بمعزل من أن يملكوا لهم
~~رزقا فضلا عما فضل، والأمثال جمع مثل كعلم، والمراد من الضرب الجعل
~~فكأنه قيل: فلا تجعلوا لله تعالى الأمثال والأكفاء فالآية كقوله تعالى:

# فلا تجعلوا لله أندادا

# [البقرة: 22] وهذا ما يقتضيه ظاهر كلام ابن عباس، فقد أخرج ابن جرير
~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال في الآية:
~~يقول سبحانه لا تجعلوا معي إلها غيري فإنه لا إله غيري. وجعل كثير
~~الأمثال جمع مثل بالتحريك، والمراد من ضرب المثل لله سبحانه الإشراك
~~والتشبيه به جل وعلا من باب الاستعارة التمثيلية، ففي " الكشف " إن الله
~~تعالى جعل المشرك به الذي يشبهه تعالى بخلقه بمنزلة ضارب المثل فإن
~~المشبه المخذول يشبه صفة بصفة وذاتا بذات كما أن ضارب المثل كذلك فكأنه
~~قيل: ولا تشركوا بالله سبحانه، وعدل عنه إلى المنزل دلالة على التعميم في
~~النهي عن التشبية وصفا وذاتا، وفي لفظ { الأمثال } لمن لا مثال له
~~أصلا نعي عظيم عليهم بسوء فعلهم، وفيه إدماج أن الأسماء توقيفية وهذا هو
~~الظاهر لدلالة الفاء وعدم ذكر ضرب مثل منهم سابقا، وهذا الوجه هو الذي
~~اختاره الزمخشري وكلام الحبر رضي الله تعالى عنه لا يأباه فقوله تعالى: {
~~إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } تعليل للنهي أي أنه
~~تعالى يعلم كنه ما تفعلون وعظمه وهو سبحانه معاقبكم عليه أعظم العقاب
~~وأنتم لا تعلمون كنهه وكنه عقابه فلذا صدر منكم وتجاسرتم عليه. وجوز أن
~~يكون المراد النهي عن قياس الله تعالى على غيره بجعل ضرب المثل استعارة
~~للقياس، فإن القياس إلحاق شيء بشيء وهو عند التحقيق تشبيه مركب بمركب،
~~والفرق بينه وبين الوجه السابق قليل، وأمر التعليل على حاله، ms05468 وجوز
~~الزمخشري وغيره أن يكون المراد النهي عن ضرب الأمثال لله سبحانه حقيقة
~~والمعنى فلا تضربوا لله تعالى الأمثال التي يضربها بعضكم لبعض إن الله
~~تعالى يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون، ووجه التعليل ظاهر، واللام
~~على سائر الأوجه متعلقة  بتضربوا  وعزم ابن المنير تعلقها  بالأمثال 
~~فيما إذا كان المراد التمثيل للإشراك والتشبيه ثم قال: ((كأنه قيل فلا
~~تمثلوا الله تعالى ولا تشبهوه، وتعلقها  بتضربوا  على هذا الوجه ثم قال
~~كأنه قيل فلا تمثلوا لله تعالى الأمثال فإن ضرب المثل إنما يستعمل من
~~العالم لغير العالم ليبين له ما خفي عنه والله تعالى هو العالم وأنتم لا
~~تعلمون فتمثيل غير العالم للعالم عكس للحقيقة))، وليس بشيء؛ والمعنى الذي
~~ذكره على تقدير تعلقه بالفعل خلاف ما يقتضيه السياق وإن كان التعليل عليه
~~أظهر، ومن هنا قال العلامة المدقق في " الكشف " في ذلك بعد أن قال إنه
~~نهى عن ضرب الأمثال حقيقة: كأنه أريد المبالغة في أن لا يلحدوا في أسمائه
~~تعالى وصفاته فإنه إذا لم يجز ضرب المثل والاستعارات يكفي فيها شبه ما
~~والإطلاق لتلك العلاقة كاف فعدم جواز إطلاق الأسماء من غير سبق تعليم منه
~~تعالى وإثبات الصفات أولى وأولى.

### || [16.75]

# ووجه ربط قوله تعالى: { ضرب الله مثلا } الخ على هذا عند
~~المدقق أنه تعالى بعد أن نهاهم عن ضرب الأمثال له سبحانه ضرب مثلا دل به
~~على أنهم ليسوا أهلا لذلك وأنهم إذا كانوا على هذا الحد من المعرفة
~~والتقليد أو المكابرة فليس لهم إلى ضرب الأمثال المطابقة المستدعي ذكاء
~~وهداية سبيل، وقال غيره في ذلك ولعله أظهر منه: إنه تعالى لما ذكر أنه
~~يعلم كيف تضرب الأمثال وأنهم لا يعلمون علمهم كيف تضرب الأمثال في هذا
~~الباب فقال تعالى: { ضرب } الخ. ووجه الربط على ما تقدم من أن النهي
~~عن الإشراك أنه سبحانه لما نهاهم عن ضرب المثل الفعلي وهو الإشراك عقبه
~~بالكشف لذي البصيرة عن فساد ما ارتكبوه بقوله سبحانه: { ضرب } الخ أي
~~أورد وذكر ما ms05469 يستدل به على/ تباين الحال بين جنابه تعالى شأنه وبين ما
~~أشركوه به سبحانه وينادي بفساد ما هم عليه نداء جليا { عبدا
~~مملوكا لا يقدر على شىء } بدل من { مثلا } وتفسير له
~~والمثل في الحقيقة حالته العارضة له من المملوكية والعجز التام وبحسبها
~~ضرب نفسه مثلا ووصف العبد بالمملوكية للتمييز عن الحر لاشتراكهما في
~~كونهما عبدان لله تعالى، وقد أدمج فيه على ما قيل إن الكل عبيد له تعالى
~~وبعدم القدر لتمييزه عن المكاتب والمأذون اللذين لهما تصرف في الجملة،
~~وفي إبهام المثل أولا ثم بيانه بما ذكر ما لا يخفى من الجزالة.

# { ومن رزقناه }  { من } نكرة موصوفة على ما استظهره الزمخشري
~~ليطابق { عبدا } فإنه أيضا نكرة موصوفة وإلى ذلك ذهب أبو البقاء،
~~وقال الحوفي: هي موصولة واستظهره أبو حيان، وزعم بعضهم أن ذلك لكون
~~استعمالها موصولة أكثر من استعمالها موصوفة، والأول مختار الأكثرين أي
~~حرا رزقناه بطريق الملك؛ والالتفات إلى التكلم للإشعار باختلاف حالي ضرب
~~المثل والرزق، وفي اختيار ضمير العظمة تعظيم لأمر ذلك الرزق ويزيد ذلك
~~تعظيما قوله سبحانه: { منا } أي من جنابنا الكبير المتعالي { رزقا
~~حسنا } حلالا طيبا أو مستحسنا عند الناس مرضيا ويؤخذ منه على ما
~~قيل كونه كثيرا بناء على أن القلة التي هي أخت العدم لا حسن في ذاتها {
~~فهو ينفق منه } تفضلا وإحسانا، والفاء لترتب الإنفاق على
~~الرزق كأنه قيل: ومن رزقناه منا رزقا حسنا فأنفق وإيثار المنزل من
~~الجملة الاسمية الفعلية الخبر للدلالة على ثبات الإنفاق واستمراره
~~التجددي { سرا وجهرا } أي حال السر وحال الجهر أو إنفاق سر وإنفاق
~~جهر والمراد بيان عموم إنفاقه للأوقات وشمول إنعامة لمن يجتنب عن قبوله
~~جهرا. وجوز أن يكون وصفه بالكثرة مأخوذا من هذا بناء أن المراد منه كيف
~~يشاء وهو يدل على أنحاء التصرف وسعة المتصرف منه، وتقديم السر على الجهر
~~للإيذان بفضله عليه، وقد مر الكلام في ذلك؛ والعدول عن تطبيق القرينتين
~~بأن يقال: وحرا مالكا للأموال مع كونه أدل على تباين الحال بينه ms05470 وبين
~~قسيمه لما في " ارشاد العقل السليم " من توخي تحقيق الحق بأن الأحرار
~~أيضا تحت ربقة عبوديته تعالى وأن مالكيتهم لما يملكونه ليست إلا بأن
~~يرزقهم الله تعالى إياه من غير أن يكون لهم مدخل في ذلك مع محاولة
~~المبالغة في الدلالة على ما قصد بالمثل من تباين الحال بين الممثلين فإن
~~العبد المملوك حيث لم يكن مثل العبد المالك فما ظنك بالجماد ومالك الملك
~~خلاق العالمين.

# { هل يستوون } جمع الضمير وإن تقدمه اثنان وكان الظاهر  يستويان
~~ للإيذان بأن المراد بما ذكر من اتصف بالأوصاف المذكورة من الجنسين
~~المذكورين لا فردان معينان منهما وإن أخرج ابن عساكر وجماعة عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما أن الآية نزلت في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله
~~سرا وجهرا وفي عبده أبي الجوزاء الذي كان ينهاه والله تعالى أعلم
~~بصحته. وقيل نزلت في عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وعبد له ولا يصح
~~إسناده كما في " البحر " ، وفيه أنه يحتمل أن يكون الجمع باعتبار أن
~~المراد  بمن  الجمع وأن يكون باعتبار عود الضمير على العبيد والأحرار
~~وإن لم يجر لهما ذكر لدلالة عبد مملوك { ومن رزقناه } عليهما،
~~والمعول عليه ما ذكر أولا، والمعنى هل يستوي العبيد والأحرار الموصوفون
~~بما ذكر من الصفات مع أن الفريقين سيان في البشرية والمخلوقية لله سبحانه
~~وأن ما ينفقه الأحرار ليس مما لهم دخل في إيجاده ولا تملكه بل هو مما
~~أعطاه الله تعالى إياهم فحيث لم يستو الفريقان فما ظنكم برب العالمين حيث
~~تشركون به ما لا ذليل/ أذله منه وهو الاصنام، وقيل: إن هذا تمثيل للكافر
~~المخذول والمؤمن الموفق شبه الأول بمملوك لا تصرف له لأنه لإحباط عمله
~~وعدم الاعتداد بأفعاله واتباعه لهواه كالعبد المنقاد الملحق بالبهائم
~~بخلاف المؤمن الموفق، وجعله تمثيلا لذلك مروي عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما، وقتادة ولا تعيين أيضا وإن قيل: إن الآية نزلت في أبي بكر
~~رضي الله تعالى عنه وأبي جهل، على أن أبا حيان ms05471 قال إنه لا يصح إسناد
~~ذلك.

# هذا ثم أعلم أنهم اختلفوا في العبد هل يصح له ملك أم لا؟ قال في "
~~الكشاف ": المذهب الظاهر أنه لا يصح وبه قال الشافعي، وقال ابن المنير
~~على ما لخصه في " الكشف " من كلام طويل إنه يصح له الملك عند مالك وظاهر
~~الآية تشهد له لأنه أثبت له العجز بقوله تعالى: { مملوكا } ثم نفى
~~القدرة العارضة بتمليك السيد بقوله سبحانه: { لا يقدر على شىء
~~} وليس المعنى القدرة على التصرف لأن مقابله { ومن رزقناه منا
~~رزقا حسنا } والحمل على إخراج المكاتب مع شذوذه إيجاز مع إخلال كما
~~قال إمام الحرمين رحمه الله تعالى في «أيما أمرأة نكحت بغير إذن وليها»
~~الحمل على المكاتبة بعيد لا يجوز والمأذون لم يخرج لما مر من أن المراد
~~بالقدرة ما هو، وليس لقائل أن يقول: إنه صفة لازمة موضحة فالأصل في
~~الصفات التقييد اه.

# وتعقبه المدقق بقوله: والجواب أن المعنى على نفي القدرة عن التصرف
~~فالآية واردة في تمثيل حال الأصنام به تعالى عن ذلك علوا كبيرا وكلما
~~بولغ في حال عجز المشبه به وكمال المقابل دل في المشبه به أيضا على ذلك
~~فالذي يطابق المقام القدرة على التصرف وهو في مقابلة قوله تعالى: {
~~ينفق منه سرا وجهرا } وما ذكره لا حاصل له ولا إخلال في
~~إخراج المكاتب لشمول اللفظ مع أن المقام مقام مبالغة فما يتوهم دخوله
~~بوجه ينبغي أن ينفي وأين هذا مما نقله عن إمام الحرمين اه. واستدل
~~بالآية أيضا على أن العبد لا يملك الطلاق أيضا وروي ذلك عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال: ليس للعبد
~~طلاق إلا باذن سيده وقرأ الآية؛ وقد فصلت أحكام العبيد في حكم الفقه على
~~أتم وجه.

# { الحمد لله } أي كله له سبحانه لا يستحقه أحد غيره تعالى لأنه
~~جل شأنه المولى للنعم وإن ظهرت على أيدي بعض الوسائل فضلا عن استحقاق
~~العبادة. وفيه إرشاد إلى ما هو الحق من أن ms05472 ما يظهر على يد من ينفق فيما
~~ذكر راجع إليه تعالى كما لوح به { رزقناه } وقال غير واحد هذا
~~حمد على ظهور المحجة وقوة هذه الحجة { بل أكثرهم لا يعلمون
~~} ما ذكر فيضيفون نعمه تعالى إلى غيره ويعبدونه لأجلها أو لا يعلمون ظهور
~~ذلك وقوة ما هنالك فيبقون على شركهم وضلالهم، ونفي العلم عن أكثرهم
~~للإشعار بأن بعضهم يعلمون ذلك وإنما لم يعملوا بموجبه عنادا؛ وقيل:
~~المراد بالأكثر الكل فكأنه قيل: هم لا يعلمون، وقيل: ضمير { هم } للخلق
~~والأكثر هم المشركون، وكلا القولين خلاف الظاهر.

### || [16.76]

# { وضرب الله مثلا } أي مثلا آخر يدل على ما يدل عليه المثل
~~السابق على وجه أظهر وأوضح، وأبهم ثم بين بقوله تعالى: { رجلين
~~أحدهمآ أبكم } لما تقدم والبكم الخرس المقارن للخلقة ويلزمه
~~الصمم فصاحبه لا يفهم لعدم السمع ولا يفهم غيره لعدم النطق، والإشارة لا
~~يعتد بها لعدم تفهيمها حق التفهيم لكل أحد فكأنه قيل: أحدهما أخرس أصم لا
~~يفهم ولا يفهم { لا يقدر على شىء } من الأشياء المتعلقة بنفسه
~~أو غيره بحدس أو فراسة لسوء فهمه وإدراكه { وهو كل } ثقيل وعيال {
~~على مولاه } على من يعوله ويلي أمره، وهذا بيان لعدم قدرته على
~~إقامة مصالح نفسه بعد ذكر عدم قدرته مطلقا، وقوله سبحانه:/ { أينما
~~يوجهه لا يأت بخير } أي حيثما يرسله مولاه في أمر لا يأت
~~بنجح وكفاية مهم، بيان لعدم قدرته على مصالح مولاه. وقرأ عبد الله في
~~رواية { توجهه } على الخطاب، وقرأ علقمة وابن وئاب ومجاهد وطلحة وهي
~~رواية أخرى عن عبد الله { يوجه } بالبناء للفاعل والجزم، وخرج على أن
~~الفاعل يعود على المولى والمفعول محذوف وهو ضمير الأبكم أي يوجهه، ويجوز
~~أن يكون ضمير الفاعل عائدا على الأبكم ويكون الفعل لازم وجه بمعنى توجه،
~~وعلى ذلك جاء قول الأضبط بن قريع السعدي:

# أينما أوجه ألق سعدا

# وعن علقمة وطلحة وابن وثاب أيضا { يوجه } بالجزم والبناء للمفعول، وفي
~~رواية أخرى عن علقمة وطلحة أنهما قرءا { يوجه } بكسر الجيم وضم الهاء،
~~قال ms05473 صاحب " اللوامح ": فإن صح ذلك فالهاء التي هي لام الفعل محذوفة
~~فرارا من التضعيف أو لم يرد  بأينما  الشرط، والمراد أينما هو يوجه
~~وقد حذف منه ضمير المفعول به فيكون حذف الياء من آخر { يأت } للتخفيف،
~~وتعقبه أبو حيان بأن أين لا تخرج عن الشرط أو الاستفهام. ونقل عن أبي
~~حاتم أن هذه القراءة ضعيفة لأن الجزم لازم، ثم قال: والذي توجه به هذه
~~القراءة أن { أينما } شرط حملت على إذا بجامع ما اشتركا فيه من الشرط
~~ثم حذفت ياء { يأت } تخفيفا أو جزم على توهم أنه جيء بأينما جازمة
~~كقراءة من قرأ  { إنه من يتق ويصبر } [يوسف: 90]  في أحد الوجهين،
~~ويكون معنى يوجه يتوجه كما مر آنفا.

# { هل يستوى هو } أي ذلك الأبكم الموصوف بتلك الصفات المذكورة {
~~ومن يأمر بالعدل } ومن هو منطيق فهو ذو رأي ورشد يكفي الناس
~~في مهماتهم وينفعهم بحثهم على العدل الجامع لمجامع الفضائل { وهو } في
~~نفسه مع ما ذكر من نفعه الخاص والعام { على صرط مستقيم } لا
~~يتوجه إلى مطلب إلا ويبلغه بأقرب سعي، فالجملة حالية مبينة لكماله في
~~نفسه ولما كان ذلك مقدما على تكميل الغير أتى بها اسمية فإنها تشعر بذلك
~~مع الثبوت إلى مقارنة ذي الحال، فلا يقال: الأنسب تقديمها في النظم
~~الكريم، ومقابلة تلك الصفات الأربع بهذين الوصفين لأنهما كمال ما يقابلها
~~ونهايته فاختير آخر صفات الكامل المستدعية لما ذكر وأزيد حيث جعل هاديا
~~مهديا، وتغيير الأسلوب حيث لم يقل: والآخر يأمر بالعدل الآية لمراعاة
~~الملاءمة بينه وبين ما هو المقصود من بيان التباين بين الفريقين، ويقال
~~هنا كما قيل في المثل السابق: إنه حيث لم يستو الفريقان في الفضل والشرف
~~مع استوائهما في الماهية والصورة فلأن يحكم بأن الصنم الذي لا ينطق ولا
~~يسمع وهو عاجز لا يقدر على شيء كل على عابده يحتاج إلى أن يحمله ويضعه
~~ويمسح عنه الأذى إذا وقع عليه ويخدمه وإن وجهه إلى أي مهم من مهماته لا
~~ينفعه ولا يأت له به لا ms05474 يساوي رب العالمين وهو  هو  في استحقاق
~~المعبودية أحرى وأولى، وقيل: هذا تمثيل للمؤمن والكافر فالأبكم هو الكافر
~~ومن يأمر بالعدل هو المؤمن، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما،
~~وأيا ما كان فليس المراد  برجلين  رجلان معينان بل رجلان متصفان بما
~~ذكر من الصفات مطلقا، وما روي من أن الأبكم أبو جهل والآمر بالعدل عمار
~~أو الأبكم أبي ابن خلف والآمر عثمان بن مظعون فقال أبو حيان: لا يصح
~~إسناده، وما أخرج ابن جرير وابن عساكر وغيرهما عن ابن عباس أنه قال: نزلت
~~هذه الآية { وضرب الله مثلا رجلين } الخ في عثمان بن
~~عفان ومولى له كافر وهو أسيد بن أبي العيص كان يكره الإسلام وكان عثمان
~~ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤنة وكان الآخر ينهاه عن الصدقة والمعروف
~~فنزلت فيهما فبعد تحقق/ صحته لا يضرنا في إرادة الموصوفين مطلقا بحيث
~~يدخل فيهما من ذكر.

# فقد صرحوا بأن خصوص السبب لا ينافي العموم. هذا وقد اقتصر شيخ الإسلام
~~على كون الغرض من التمثيلين نفي المساواة بينه جل جلاله وبين ما يشركون،
~~وهو دليل على أنه مختاره ثم قال: اعلم أن كلا الفعلين ليس المراد بهما
~~حكاية الضرب الماضي بل المراد إنشاؤه بما ذكر عقيبه، ولا يبعد أن يقال:
~~إن الله تعالى ضرب مثلا بخلق الفريقين على ما هما عليه فكان خلقهما كذلك
~~للاستدلال بعدم تساويهما على امتناع التساوي بينه سبحانه وتعالى وبين ما
~~يشركون فيكون كل من الفعلين حكاية للضرب الماضي اه، ولا يخفى أنه لا
~~كلام في حسن اختياره لكن في النفس من قوله لا يبعد شيء.

### || [16.77]

# { ولله } تعالى خاصة لا لأحد غيره استقلالا ولا اشتراكا { غيب
~~السموات والأرض } أي جميع الأمور الغائبة عن علوم المخلوقين
~~بحيث لا سبيل لهم إلى إدراكها حسا ولا إلى فهمها عقلا، ومعنى الإضافة
~~إليهما التعلق بهما إما باعتبار الوقوع فيهما حالا أو مآلا وإما
~~باعتبار الغيبة عن أهلهما، ولا حاجة إلى تقدير هذا المضاف، والمراد بيان
~~الاختصاص به تعالى من ms05475 حيث المعلومية حسبما ينبىء عنه عنوان الغيبة لا من
~~حيث المخلوقية والمملوكية وإن كان الأمر كذلك في نفس الأمر، وفيه  كما
~~في " إرشاد العقل السليم "  إشعار بأن علمه تعالى حضوري فإن تحقق الغيوب
~~في نفسها [علم] بالنسبة إليه سبحانه وتعالى ولذلك لم يقل تعالى: ولله علم
~~غيب السموات والأرض، وقيل: المراد بغيب السموات والأرض ما في قوله
~~سبحانه:

# إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث

# [لقمان: 34] الآية، وقيل: يوم القيامة، ولا يخفى أن القول بالعموم أولى.

# { وما أمر الساعة } التي هي أعظم ما وقع فيه المماراة من
~~الغيوب المتعلقة بالسموات والأرض من حيث الغيبة عن أهلهما أو ظهور
~~آثارها فيهما عند وقوعها أي وما شأنها في سرعة المجيء { إلا كلمح
~~البصر } أي كرجع الطرف من أعلا الحدقة إلى أسفلها. وفي " البحر "
~~اللمح النظر بسرعة يقال: لمحه لمحا ولمحانا إذا نظره بسرعة { أو هو
~~} أي أمرها { أقرب } أي من ذلك وأسرع [زمانا] بأن يقع في بعض أجزاء
~~زمانه فإن رجع الطرف من أعلا الحدقة إلى أسفلها وإن قصر [عن] حركة أينية
~~لها هوية اتصالية منطبقة على زمان له هوية كذلك قابل للانقسام إلى أبعاض
~~هي أزمنة أيضا بل بأن يقع فيما يقال له آن وهو جزء غير منقسم من أجزاء
~~الزمان كآن ابتداء الحركة، و { أو } قال الفراء: بمعنى بل. ورده في "
~~البحر " بأن بل للإضراب وهو لا يصح هنا بقسميه، أما الإبطال فلأنه يؤل
~~إلى أن الحكم السابق غير مطابق فيكون الإخبار به كذبا والله سبحانه
~~وتعالى منزه عن ذلك، وأما الانتقال فلأنه يلزمه التنافي بين الإخبار
~~بكونه مثل لمح البصر وكونه أقرب فلا يمكن صدقهما معا ويلزم الكذب المحال
~~أيضا.

# وأجيب باختيار الثاني ولا تنافي بين تشبيهه في السرعة بما هو غاية ما
~~يتعارفه الناس في بابه وبين كونه في الواقع أقرب من ذلك، وهذا بناء على
~~أن الغرض من التشبيه بيان سرعته لا بيان مقدار زمان وقوعه وتحديده. وأجيب
~~أيضا بما يصححه بشقيه وهو أنه ورد على عادة ms05476 الناس يعني أن أمرها إذا
~~سئلتم عنها أن يقال فيه: هو كلمح البصر ثم يضرب عنه إلى ما هو أقرب.

# وقيل: هي للتخيير ورده في " البحر " أيضا بأنه إنما يكون في المحظورات
~~كخذ من مالي دينارا أو درهما أو في التكليفات كآية الكفارات. وأجيب بأن
~~هذا مبني على مذهب ابن مالك من أن (أو) تأتي للتخيير وأنه غير مختص
~~بالوقوع/ بعد الطلب بل يقع في الخبر ويكثر في التشبيه حتى خصه بعضهم به.
~~وفي " شرح الهادي " اعلم أن التخيير والإباحة مختصان بالأمر إذ لا معنى
~~لهما في الخبر كما أن الشك والإبهام مختصان بالخبر. وقد جاءت الإباحة في
~~غير الأمر كقوله تعالى: { كمثل الذى استوقد نارا } إلى
~~قوله سبحانه:

# أو كصيب من السماء

# [البقرة: 19] أي بأي هذين شبهت فأنت مصيب وكذا ان شبهت بهما جميعا،
~~ومثله في الشعر كثير، وقيل: إن المراد تخيير المخاطب بعد فرض الطلب
~~والسؤال فلا حاجة إلى البناء على ما ذكر، وهو كما ترى، وزعم بعضهم أن
~~التخيير مشكل من جهة أخرى وهي أن أحد الأمرين من كونه كلمح البصر أو أقرب
~~غير مطابق للواقع فكيف يخير الله تعالى بين ما لا يطابقه، وفيه أن المراد
~~التخيير في التشبيه وأي ضرر في عدم وقوع المشبه به بل قد يستحسن فيه عدم
~~الوقوع كما في قوله:

# أعلام ياقوت نشر

# ن على رماح من زبرجد

# وقال ابن عطية: هي للشك على بابها على معنى أنه لو اتفق أن يقف على
~~أمرها شخص من البشر لكانت من السرعة بحيث يشك هل هو كلمح البصر أو أقرب.
~~وتعقبه في " البحر " أيضا بأن الشك بعيد لأن هذا إخبار من الله تعالى عن
~~أمر الساعة والشك مستحيل عليه سبحانه أي فلا بد أن يكون ذلك بالنسبة إلى
~~غير المتكلم، وفي ارتكابه بعد، ويدل على أن هذا مراده تعليله البعد
~~بالاستحالة فليس اعتراضه مما يقضي منه العجب كما توهم، وقال الزجاج: هي
~~للإبهام وتعقب بأنه لا فائدة في إبهام أمرها في السرعة وإنما ms05477 الفائدة في
~~إبهام وقت مجيئها. وأجيب بأن المراد أنه يستبهم على من يشاهد سرعتها هل
~~هي كلمح البصر أو أقل فتدبر. والمأثور عن ابن جريج أنها بمعنى بل وعليه
~~كثيرون، والمراد تمثيل سرعة مجيئها واستقرابه على وجه المبالغة، وقد كثر
~~في النظم مثل هذه المبالغة، ومنه قول الشاعر:

# قالت له البرق وقالت له

# الريح جميعا وهما ما هما

# أأنت تجري معنا قال إن

# نشطت أضحكتكما منكما

# إن ارتداد الطرف قد فته

# إلى المدى سبقا فمن أنتما

# وقيل: المعنى وما أمر إقامة الساعة المختص علمها به سبحانه وهي إماتة
~~الأحياء وإحياء الأموات من الأولين والآخرين وتبديل صور الأكوان أجمعين
~~وقد أنكرها المنكرون وجعلوها من قبيل ما لا يدخل تحت دائرة الإمكان في
~~سرعة الوقوع وسهولة التأتي إلا كلمح البصر أو هو أقرب على ما مر من
~~الأقوال في { أو }.

# { إن الله على كل شىء قدير } ومن جملة الأشياء أن يجيء
~~بها في أسرع ما يكون فهو قادر على ذلك، وتقول على الثاني: ومن جملة ذلك
~~أمر إقامتها فهو سبحانه قادر عليه فالجملة في موضع التعليل. وفي " الكشف
~~" على تقدير عموم الغيب وشموله لجميع ما غاب في السموات والأرض ان قوله
~~تعالى: { وما أمر الساعة } كالمستفاد من الأول وهو كالتمهيد له
~~أي يختص به علم كل غيب الساعة وغيرها فهو الآتي بها للعلم والقدرة، ولهذا
~~عقب بقوله سبحانه: { إن الله } الخ، وأما إذا أريد بالغيب الساعة
~~فهو ظاهر اه. ولا يخفى الحال على القول بأن المراد بالغيب ما في قوله
~~تعالى:

# إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث

# [لقمان: 34] الآية، وعلى القول الأخير في الغيب يكون ذكر الساعة من وضع
~~الظاهر موضع الضمير لتقوية مضمون الجملة.

### || [16.78]

# { والله أخرجكم من بطون أمهتكم } عطف على قوله
~~تعالى:

# والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا

# [النحل: 72]/ منتظم معه في سلك أدلة التوحيد، ويفهم من قول العلامة
~~الطيبي أنه تعالى عقب قوله سبحانه:

# إن الله على كل شىء قدير

# [النحل: 77] بقوله جل وعلا: { والله أخرجكم } الخ ms05478 معطوفا
~~بالواو إيذانا بأن مقدوراته تعالى لا نهاية لها والمذكور بعض منها أن
~~العطف على قوله سبحانه: { إن الله } الخ، والذي تنبسط له النفس هو
~~الأول. والأمهات بضم الهمزة وفتح الميم جمع أم والهاء فيه مزيدة وكثر
~~زيادتها فيه وورد بدونها، والمعنى في الحالين واحد، وقيل: ذو الزيادة
~~للأناسي والعاري عنها للبهائم، ووزن المفرد فعل لقولهم الأمومة، وجاء
~~بالهاء كقول قصى بن كلاب عليهما الرحمة:

# أمهتي خندف وإلياس أبى

# وهو قليل، وأقل من ذلك زيادة الهاء في الفعل كما قيل في إهراق، وفيه بحث
~~فارجع إلى الصحاح وغيره. وقرأ حمزة بكسر الهمزة والميم هنا، وفي الزمر
~~والنجم والروم، والكسائي بكسر الميم فيهن؛ والأعمش بحذف الهمزة وكسر
~~الميم، وابن أبي ليلى بحذفها وفتح الميم، قال أبو حاتم: حذف الهمزة رديء
~~ولكن قراءة ابن أبي ليلى أصوب، وكانت كذلك على ما في " البحر " لأن كسر
~~الميم إنما هو لإتباعها حركة الهمزة فإذا كانت الهمزة محذوفة زال الإتباع
~~بخلاف قراءة ابن أبي ليلى فإنه أقر الميم على حركتها.

# { لا تعلمون شيئا } في موضع الحال و { شيئا } منصوب على
~~المصدرية أو مفعول { تعلمون } ، والنفي منصب عليه، والعلم بمعنى
~~المعرفة أي غير عارفين شيئا أصلا من حق المنعم وغيره، وقيل: شيئا من
~~منافعكم، وقيل: مما قضى عليكم من السعادة أو الشقاوة، وقيل: مما أخذ
~~عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم، والظاهر العموم ولا داعي إلى التخصيص.
~~وعن وهب يولد المولود خدرا إلى سبعة أيام لا يدرك راحة ولا ألما. وادعى
~~بعضهم أن النفس لا تخلو في مبدأ الفطرة عن العلم الحضوري وهو علمها
~~بنفسها إذ المجرد لا يغيب عن ذاته أصلا، فقد قال الشيخ في بعض "
~~تعليقاته " عند إثبات تجرد النفس: إنك لا تغفل عن ذاتك أصلا في حال من
~~الأحوال ولو في حال النوم والسكر، ولو جوز مجوز أن يغفل عن ذاته في بعض
~~الأحوال حتى لا يكون بينه وبين الجماد في هذه الحالة فرق فلا يجدي هذا
~~البرهان معه، وقال بهمنيار في " التحصيل ms05479 " في فصل العقل والمعقول: ثم إن
~~النفس الإنسانية تشعر بذاتها فيجب أن يكون وجودها عقليا فيكون نفس
~~وجودها نفس إدراكها ولهذا لا تعزب عن ذاتها البتة، ومثله في " الشفاء " ،
~~وأنت تعلم أن عدم الخلو مبني على مقدمات خفية كتجرد النفس الذي أنكره
~~الطبيعيون عن آخرهم وأن كل مجرد عالم ولا يتم البرهان عليه، وأيضا ما
~~نقل من أن علم النفس بذاتها عين ذاتها لا ينافي أن يكون لكون الذات علما
~~بها شرط فما لم يتحقق ذلك الشرط لم تكن الذات علما بها كما أن لكون
~~المبدأ الفياض خزانة لمعقولات زيد مثلا شرطا إذا تحقق تحقق وإلا فلا،
~~ويؤيد ذلك أن علم النفس بصفاتها أيضا نفس صفاتها عندهم؛ ومع ذلك يجوز
~~الغفلة عن الصفة في بعض الأحيان كما لا يخفى.

# وأيضا إذا قلنا: إن حقيقة الذات غير غائبة عنها، وقلنا: إن ذلك علم بها
~~يلزم أن يكون حقيقة النفس المجردة معلومة لكل أحد؛ ومن البين أنه ليس
~~كذلك، على أن المحقق الطوسي قد منع قولهم: إنك لا تغفل عن ذاتك أبدا،
~~وقال: إن المغمى عليه ربما غفل عن ذاته في وقت الإغماء، ومثله كثير من
~~الأمراض النفسانية، ومن العجائب أن بعض الأجلة ذكر أن المراد بخلوها في
~~مبدأ الفطرة خلوها حال تعلقها بالبدن، وقال: إنه لا ينافي/ ذلك ما قاله
~~الشيخ من أن الطفل يتعلق بالثدي حال التولد بإلهام فطري لأن حال التعلق
~~سابق على ذلك، وذلك بعد أن ذكر أن الخلو في مبدأ الفطرة إنما يظهر لذوي
~~الحدس بملاحظة حال الطفل وتجارب أحواله ووجه العجب ظاهر فافهم ولا تغفل.

# وتفسير العلم بالمعرفة مما ذهب إليه غير واحد، وفي " أمالي العز " لا
~~يجوز أن يجعل باقيا على بابه ويكون { شيئا } مصدرا أي لا تعلمون
~~علما لوجهين. الأول: أنه يلزم حذف المفعولين وهو خلاف الأصل. الثاني:
~~أنه لو كان باقيا على بابه لكان الناس يعلمون المبتدأ الذي هو أحد
~~المفعولين قبل الخروج من البطون وهو محال لاستحالة العلم على من لم يولد، ms05480
~~بيان ذلك أنا إذا قلنا: علمت زيدا مقيما يجب أن يكون العلم بزيد
~~متقدما قبل هذا العلم وهذا العلم إنما يتعلق بإقامته، وكذلك إذا قلت: ما
~~علمت زيدا مقيما فالذي لم يعلم هو إقامة زيد وأما هو فمعلوم وذلك
~~مستفاد من جهة الوضع فحيث أثبت العلم أو نفي فلا بد أن يكون الأول
~~معلوما فيتعين حمل العلم على المعرفة اه. ويعلم منه عدم استقامة جعل
~~العلم على بابه، و { شيئا } مفعوله الأول والمفعول الثاني محذوف.

# وقوله تعالى: { وجعل لكم السمع والأبصر
~~والأفئدة } يحتمل أن يكون جملة ابتدائية ويحتمل أن يكون معطوفا
~~على الجملة الواقعة خبرا والواو لا تقتضي الترتيب، ونكتة تأخيره أن
~~السمع ونحوه من آلات الإدراك إنما يعتد به إذا أحس وأدرك وذلك بعد
~~الإخراج، وجعل إن تعدى لواحد بأن كان بمعنى خلق  فلكم  متعلق به وإن
~~تعدى لاثنين بأن كان بمعنى صير فهو مفعوله الثاني، وتقديم الجار والمجرور
~~على المنصوبات لما مر غير مرة.

# والمعنى جعل لكم هذه الأشياء آلات تحصلون بها العلم والمعرفة بأن تحسوا
~~بمشاعركم جزئيات الأشياء وتدركوها بأفئدتكم وتنتبهوا لما بينها من
~~المشاركات والمباينات بتكرير الإحساس فيحصل لكم علوم بديهية تتمكنون
~~بالنظر فيها من تحصيل العلوم الكسبية، وهذا خلاصة ما ذكره الإمام في هذا
~~المقام ومستمد ما ذهب إليه الكثير من الحكماء من أن النفس في أول أمرها
~~خالية عن العلوم فإذا استعملت الحواس الظاهرة أدركت بالقوة الوهمية
~~أمورا جزئية بمشاركات ومباينات جزئية بينها فاستعدت لأن يفيض عليها
~~المبدأ الفياض المشاركات الكلية، ويثبتون للنفس أربع مراتب. مرتبة العقل
~~الهيولاني ومرتبة العقل بالملكة ومرتبة العقل بالفعل ومرتبة العقل
~~المستفاد، ويزعمون أن النفس لا تدرك الجزئي المادي، ولهم في هذا المقام
~~كلام طويل وبحث عريض. وأهل السنة يقولون: إن النفس تدرك الكلي والجزئي
~~مطلقا باستعمال المشاعر وبدونه كما فصل في محله، وتحقيق هذا المطلب
~~بماله وما عليه يحتاج إلى بسط كثير، وقد عرض والمستعان بالحي القيوم جل
~~جلاله وعم نواله من الحوادث الموجبة لاختلال أمر الخاصة والعامة ms05481 ما شوش
~~ذهني وحال بين تحقيق ذلك وبيني، أسأل الله سبحانه أن يمن علينا بما يسر
~~الفؤاد وييسر لنا ما يكون عونا على تحصيل المراد وبالجملة المأثور عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في هذه الآية أنه قال: يريد سبحانه أنه
~~جعل لكم ذلك لتسمعوا مواعظ الله تعالى وتبصروا ما أنعم الله تعالى به
~~عليكم من إخراجكم من بطون أمهاتكم إلى أن صرتم رجالا وتعقلوا عظمته
~~سبحانه. وقيل: المعنى جعل لكم السمع لتسمعوا به نصوص الكتاب والسنة التي
~~هي دلائل سمعية لتستدلوا بها على ما يصلحكم في أمر دينكم والأبصار
~~لتبصروا بها عجائب مصنوعاته تعالى وغرائب مخلوقاته سبحانه فتستدلوا بها
~~على وحدانيته/ جل وعلا، والأفئدة لتعقلوا بها معاني الأشياء التي جعلها
~~سبحانه دلائل لكم، والسمع والأبصار على هذين القولين على ظاهرهما ولم نر
~~من جوز إخراجهما عن ذلك. وجوز أن يراد بهما الحواس الظاهرة على الأول.

# والأفئدة جمع فؤاد وهو وسط القلب وهو من القلب كالقلب من الصدر، وهذا
~~الجمع على ما في «الكشاف» من جموع القلة الجارية مجرى جموع الكثرة والقلة
~~إذا لم يرد في السماع غيرها كما جاء شسوع في جمع شسع لا غير فجرى ذلك
~~المجرى، وقال الزجاج: لم يجمع فؤاد على أكثر العدد وربما قيل: أفئدة
~~وفئدان كما قيل: أغربة وغربان في جمع غراب، وفي «التفسير الكبير» لعل
~~الفؤاد إنما جمع على بناء القلة تنبيها على أن السمع والبصر كثير وأما
~~الفؤاد فقليل لأنه إنما خلق للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية وأكثر
~~الخلق ليس لهم ذلك بل يكونون مشتغلين بالأفعال البهيمية والصفات السبعية
~~فكأن فؤادهم ليس بفؤاد فلذا ذكر في جمعه جمع القلة اه، ويرد عليه
~~الأبصار فإنه جمع قلة أيضا.

# وفي «البحر» بعد نقله أنه قول هذياني ولولا جلالة قائله لم نسطره في
~~الكتب وإنما يقال في هذا ما قاله الزمخشري مما ذكر سابقا إلا أن قوله:
~~لم يجيء في جمع شسع إلا شسوع ليس بصحيح بل جاء فيه أشساع جمع قلة على قلة
~~اه ms05482 فاحفظ ولا تغفل. وزعم بعضهم أن الفؤاد إنما يدرك ما ليس بمحدود بنحو
~~أين وكيف وكم وغير ذلك وإن لكل مدرك قوة مدركة له تناسبه لا يمكن أن يدرك
~~بغيرها على نحو المحسوسات الظاهرة من الأصوات والألوان والطعوم ونحوها
~~والحواس الظاهرة من السمع والبصر والذوق إلى غير ذلك وهو كما ترى.

# وإفراد السمع باعتبار أنه مصدر في الأصل، وقيل: إنما أفرد وجمع الأبصار
~~للإشارة إلى أن من مدركاته نوع واحد ومدركات البصر أكثر من ذلك وتقديمه
~~لما أنه طريق تلقي الوحي أو لأن إدراكه أقدم من إدراك البصر، وقيل: لأن
~~مدركاته أقل من مدركاته، والخلاف في الأفضل منهما شهير وقد مر، وتقديمها
~~على الأفئدة المشار بها إلى العقل لتقدم الظاهر على الباطن أو لأن لهما
~~مدخلا في إدراكه في الجملة بل هما من خدمه والخدم تتقدم بين يدي السادة،
~~وكثير من السنن أمر بتقديمه على فروض العبادة أو لأن مدركاتهما أقل قليل
~~بالنسبة إلى مدركاته كيف لا ومدركاته لا تكاد تحصى وإن قيل: إن للعقل
~~حدا ينتهي إليه كما أن للبصر حدا كذلك، واستأنس بعضهم بذكر ما يشير
~~إليه فقط دون ضم ما يشير إلى سائر المشاعر الباطنة إليه لنفي الحواس
~~الخمس الباطنة التي أثبتها الحكماء بما لا يخلو عن كدر، وتفصيل الكلام في
~~محله.

# { لعلكم تشكرون } كي تعرفوا ما أنعم سبحانه به عليكم طورا
~~غب طور فتشكروه، وقيل: المعنى جعل ذلك كي تشكروه تعالى باستعمال ما ذكر
~~فيما خلق لأجله.

### || [16.79]

# { ألم يروا } وقرأ حمزة وابن عامر وطلحة والأعمش وابن هرمز {
~~ألم تروا } بالتاء الفوقية على أنه خطاب العامة، والمراد بهم جميع
~~الخلق المخاطبون قبل في قوله تعالى:

# والله أخرجكم من بطون أمهتكم

# [النحل: 78] لا على أن المخاطب من وقع في قوله تعالى:

# ويعبدون من دون الله

# [النحل: 73] بتلوين الخطاب لأنه المناسب للاستفهام الإنكاري ولذا جعل
~~قراءة الجمهور بياء الغيبة باعتبار غيبة { يعبدون } ولم يجعلوا ذلك
~~التفاتا حينئذ فالإنكار باعتبار اندراجهم في العامة، والرؤية بصرية أي
~~ألم ينظروا { إلى ms05483 الطير } جمع طائر كركب وراكب ويقع على الواحد
~~أيضا وليس بمراد ويقال في الجمع أيضا طيور وأطيار { مسخرت }
~~مذلللات للطيران، وفيه إشارة إلى أن طيرانها ليس بمقتضى طبعها/ { فى
~~جو السمآء } أي في الهواء المتباعد من الأرض واللوح والسكاك أبعد
~~منه، وقيل: الجو مسافة ما بين السماء والأرض والجوة لغة فيه، وإضافته إلى
~~السماء لما أنه في جانبها من الناظر ولإظهار كمال القدرة، وعن السدي
~~تفسير الجو بالجوف وفسرت السماء على هذا بجهة العلو والطير قد يطير في
~~هذه الجهة حتى يغيب عن النظر ولم يعلم منتهى ارتفاعه في الطيران إلا الله
~~تعالى، وعن كعب أن الطير لا ترتفع أكثر من اثني عشر ميلا. { ما
~~يمسكهن } في الجو عن الوقوع { إلا الله } عز وجل بقدرته
~~الواسعة فإن ثقل جسدها ورقة الهواء يقتضيان سقوطها ولا علاقة من فوقها
~~ولا دعامة من تحتها، والجملة إما حال من الضمير المستترفي { مسخرت
~~} أو من { الطير } وإما مستأنفة.

# { إن فى ذلك } الذي ذكر من التسخير في الجو والإمساك فيه، وقيل
~~المشار إليه ما اشتملت عليه هذه الآية والتي قبلها { لآيات } دالة على
~~كمال قدرته جل شأنه { لقوم يؤمنون } أي من شأنهم أن يؤمنوا، وخص
~~ذلك بهم لأنهم المنتفعون به، واقتصر الإمام على جعل المشار إليه ما فيه
~~هذه الآية قال: وهذا دليل على كمال قدرة الله تعالى وحكمته سبحانه فإنه
~~جل شأنه خلق الطائر خلقة معها يمكنه الطيران أعطاه جناحا يبسطه مرة
~~ويكنه أخرى مثل ما يعمل السابح في الماء وخلق الجو خلقة معها يمكن
~~الطيران خلقه خلقة لطيفة يسهل بسببها خرقه والنفاذ فيه ولولا ذلك لما كان
~~الطيران ممكنا اه. وكذا المولى أبو السعود قال: إن في ذلك الذي ذكر من
~~تسخير الطير للطيران بأن خلقها خلقة تتمكن بها منه بأن جعل لها أجنحة
~~خفيفة وأذنابا كذلك وجعل أجسادها من الخفة بحيث إذا بسطت أجنحتها
~~وأذنابها لا يطيق ثقلها أن يخرق ما تحتها من الهواء الرقيق القوام وتخرق
~~ما بين يديها من الهواء لأنها ms05484 لا تلاقيه بحجم كبير لآيات ظاهرة، وذكر أن
~~تسخيرها بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المساعدة. وتعقب ذلك أبو حيان
~~بقوله: والذي نقوله إنه كان يمكن الطائر أن يطير ولو لم يخلق له جناح
~~وأنه كان يمكنه خرق الشيء الكثيف وذلك بقدرة الله تعالى ولا نقول: إنه
~~لولا الجناح ولطف الجو والآلات ما أمكن الطيران اه وأنا لا أظن أن أحدا
~~ينفي الإمكان الذاتي للطيران بدون الجناح مثلا لكن لا يبعد نفيه بدون
~~لطف المطار والكثيف متى خرق كان المطار لطيفا فافهم. واستدل بالآية على
~~أن العبد خالق لأفعاله، وأولها القاضي وهو ارتكاب لخلاف الظاهر لغير
~~دليل.

### || [16.80]

# { والله جعل لكم } معطوف على ما مر، وتقديم { لكم } على ما
~~بعده للتشويق والإيذان من أول الأمر بأن هذا الجعل لمنفعتهم، وقوله
~~تعالى: { من بيوتكم } تبيين لذلك المجعول المبهم في الجملة وتأكيد
~~لما سبق من التشويق والإضافة للعهد أي من بيوتكم المعهودة التي تبنونها
~~من الحجر والمدر والأخشاب { سكنا } فعل بمعنى مفعول كنقض وأنشد
~~الفراء:

# جاء الشتاء ولما أتخذ سكنا

# يا ويح نفسي من حفر القراميص

# وليس بمصدر كما ذهب إليه ابن عطية أي موضعا تسكنون فهي وقت إقامتكم،
~~وجوز أن يكون المعنى تسكنون إليه من غير أن ينتقل من مكانه أي جعل بعض
~~بيوتكم بحيث تسكنون إليه وتطمئنون به.

# { وجعل لكم من جلود الأنعم بيوتا } أي بيوتا أخر
~~مغايرة لبيوتكم المعهودة وهي القباب المتخذة من/ الأدم والظاهر أنه لا
~~يندرج في هذه البيوت البيوت المتخذة من الشعر والصوف والوبر، وقال ابن
~~سلام وغيره: بالاندراج لأنها من حيث إنها ثابتة على جلودها يصدق عليها
~~أنها من جلودها. واعترض بأن { من } على الأول تبعيضية وعلى إرادة
~~البيوت التي من الشعر ونحوه ابتدائية، فإذا عمم ذلك يلزم استعمال المشترك
~~في معنييه وأجيب بأن القائل بذلك لعله يرى جواز هذا الاستعمال، وممن قال
~~بذلك البيضاوي وهو شافعي. وقيل: الجلود مجاز عن المجموع {
~~تستخفونها } أي تجدونها خفيفة سهلة المأخذ فالسين ليست للطلب بل
~~للوجدان كأحمدته وجدته ms05485 محمودا { يوم ظعنكم } وقت ترحالكم في
~~النقض والحمل { ويوم إقمتكم } ووقت نزولكم وإقامتكم في
~~مسايركم حسبما يتفق في الضرب والبناء، وجوز أن يكون المعنى تجدونها خفيفة
~~في أوقات السفر وفي أوقات الحضر، واختار ابن المنير الأول وقال: إنه
~~التفسير لأن المنة في خفتها في السفر أتم وأقوى إذ لا يهم المقيم أمرها،
~~قال في «الكشف»: وهو حق، وقال بعض الفضلاء: ينبغي أن يكون الثاني أولى
~~للعموم فإن حالتي السفر اندرجتا في يوم ظعنكم حيث أريد به مقابل الحضر
~~والخفة على المقيم نعمة في حقه أيضا فإنه يضربها وقد ينقلها من مكان إلى
~~مكان قريب لداع يدعو إليه فالأولى أن لا تخلو الآية عن التعرض لذلك اه
~~ولا يخفى أن الاندراج ظاهر إن أريد بالظعن مقابل الحضر وأما إذا أريد به
~~مقابل النزول كما سمعت فغير ظاهر. نعم يجوز إرادة ذلك، وقرأ الحرميان
~~وأبو عمرو { ظعنكم } بفتح العين وباقي السبعة بسكونها وهما لغتان والفتح
~~على ما في " المعالم " أجزلهما، وقيل: الأصل الفتح والسكون تخفيف لأجل
~~حرف الحلق كالشعر والشعر.

# { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها } عطف على قوله
~~تعالى: { ومن جلود } والضمير للأنعام على وجه التنويع أي وجعل لكم
~~من أصواف الضأن وأوبار الإبل وأشعار المعز { أثاثا } أي متاع البيت
~~كالفرش وغيرها كما قال المفضل، قال الفراء: لا واحد له من لفظه كما أن
~~المتاع كذلك ولو جمعت قلت: أأثثة في القليل وأثث في الكثير.

# وقال أبو زيد: واحده أثاثة وأصله  كما قال الخليل  من قولهم: أثث
~~النبات والشعر وهو أثيث إذا كثر قال امرؤ القيس:

# وفرع يزين المتن أسود فاحم

# أثيث كقنو النخلة المتعثكل

# ونصبه على أنه معطوف على { بيوتا } مفعول { جعل } فيكون مما عطف فيه
~~جار ومجرور مقدم ومنصوب على مثلهما نحو ضربت في الدار زيدا وفي الحجرة
~~عمرا وهو جائز وليس بمستقبح كما زعم في " الإيضاح ". وجوز أن يكون نصبا
~~على الحال فيكون من عطف الجار والمجرور فقط على مثله أي وجعل لكم من جلود
~~الأنعام بيوتا ومن أصوافها وأوبارها ms05486 وأشعارها حال كونها أثاثا. وتعقبه
~~السمين بأن المعنى ليس على هذا وهو ظاهر.

# { ومتعا } أي شيثا يتمتع به وينتفع في المتجر والمعاش قاله
~~المفضل، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المتاع الزينة، وقال الخليل:
~~الأثاث والمتاع واحد، والعطف لتنزيل تغاير اللفظ منزلة تغاير المعنى كما
~~في قوله:

# وألفى قولها كذبا ومينا

# والأول أولى { إلى حين } إلى انقضاء حاجاتكم منه، وعن مقاتل إلى
~~بلى ذلك وفنائه؛ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلى الموت، والكلام
~~في ترتيب المفاعيل مثله فيما مر غير مرة.

### || [16.81]

# / { والله جعل لكم مما خلق } من غير صنع منكم {
~~ظللا } أشياء تستظلون بها من الغمام والشجر والجبال وغيرها وهو الذي
~~يقتضيه الظاهر وروي ذلك عن قتادة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~ومجاهد الاقتصار على الغمام، وعن الزجاج وقتادة أيضا الاقتصار على
~~الشجر، وعن ابن قتيبة الاقتصار على الشجر والجبال ولعل كل ذلك من باب
~~التمثيل، وعن ابن السائب أن المراد ظلال البيوت وهو كما ترى، ومن سبحانه
~~بما ذكر لأن تلك الديار كانت غالبة الحرارة { وجعل لكم من
~~الجبال أكننا } مواضع تستكنون فيها من الغيران ونحوها، والواحد
~~كن وأصله السترة من أكنه وكنه أي ستره ويجمع على أكنان وأكنة.

# { وجعل لكم سرابيل } جمع سربال وهو كل ما يلبس أي جعل لكم
~~لباسا من القطن والكتان والصوف وغيرها { تقيكم الحر } خصه
~~بالذكر كما قال المبرد اكتفاء بذكر أحد الضدين عن الآخر أعني البرد، ولم
~~يخص هو بالذكر اكتفاء لأن وقاية الحر أهم عندهم لما مر آنفا.

# وقال بعضهم: من الرأس خص الحر بالذكر لأن وقايته أهم. وتعقب دعوى
~~الأهمية بأنه يبعدها ذكر وقاية البرد سابقا في قوله تعالى:

# لكم فيها دفء

# [النحل: 5] ثم قيل: وهذا وجه الاقتصار على الحر هنا لتقدم ذكر خلافه
~~ثمت.

# واعترض بأنا لا نسلم أن إثبات الدفء هناك يبعد دعوى الأهمية بل في تغاير
~~الأسلوبين ما يشعر بهذه الأهمية، وقال الزجاج: خص الحر بالذكر لأن ما يقي
~~من الحر يقي ms05487 من البرد، وذكر ذلك الزمخشري بعد ذكر الأهمية، وقال في
~~«الكشف»: هو الوجه، وتخصيص الحر بالذكر لما قدمه في الوجه الأول يعني
~~الأهمية، وما قيل: من أولوية الأول لقوله تعالى: { مما خلق
~~ظللا } فليس بشيء لأنه تعالى عقبه بقوله سبحانه: { من الجبال
~~أكننا } كيف وهو في مقام الاستيعاب اه، وصاحب القيل هو ابن
~~المنير، وقد اعترض أيضا على قوله: إن ما يقي من الحر يقي من البرد بأنه
~~خلاف المعروف فإن المعروف أن وقاية الحر رقيق القمصان ورفيعها ووقاية
~~البرد ضده ولو لبس الإنسان في كل واحد من الفصلين القيظ والشتاء لباس
~~الآخر لعد من الثقلاء اه فتدبر. { وسربيل } من الجواشن والدروع {
~~تقيكم بأسكم } أي البأس الذي يصل من بعضكم إلى بعض في الحروب من
~~الضرب والطعن، وقال بعضهم: أصل البأس الشدة وأريد به هنا الحرب، والكلام
~~على حذف مضاف أي أذى بأسكم وعلى الأول لا حاجة إليه وقد رجح لذلك.

# { كذلك } أي مثل ذلك الإتمام للنعمة في الماضي { يتم نعمته
~~عليكم } في المستقبل، ومن هنا قيل:

# كما أحسن الله فيما مضى

# كذلك يحسن فيما بقي

# أو مثل هذا الإتمام البالغ يتم نعمته عليكم، وإفراد النعمة أما لأن
~~المراد بها المصدر أو لإظهار أن ذلك بالنسبة إلى جناب الكبرياء شيء قليل.

# وقرأ ابن عباس { تتم } بتاء مفتوحة و { نعمته } بالرفع على الفاعلية
~~وإسناد التمام إليها على الاتساع، وعنه أيضا رضي الله تعالى عنه {
~~نعمه } بصيغة الجمع { لعلكم تسلمون } أي إرادة أن تنظروا
~~فيما أسبغ عليكم من النعم فتعرفوا حق منعمها فتؤمنوا به تعالى وحده
~~وتذروا ما كنتم به تشركون على أن الإسلام بمعناه المعروف أي رديف
~~الإيمان، ويجوز أن يكون بمعناه اللغوي وهو الاستسلام والانقياد أي لعلكم
~~تستسلمون له سبحانه وتنقادون لأمره عز وجل، وأيا ما كان فهو موضوع موضع
~~سببه كما أشير إليه أو مكنى به عنه./ وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~{ تسلمون } بفتح التاء واللام من السلامة أي تشكرون فتسلمون من العذاب أو
~~تنظرون فيها فتسلمون ms05488 من الشرك، وقيل: تسلمون من الجراح بلبس تلك
~~السرابيل، ولا بأس أن يفسر ذلك بالسلامة من الآفات مطلقا ليشمل آفة الحر
~~والبرد، والأقرب إلى معنى قراءة الجمهور التفسير الثاني. هذا وفي بعض
~~الآثار أن أعرابيا سمع قوله تعالى:

# والله جعل لكم من بيوتكم سكنا

# [النحل: 80] إلى آخر الآيتين فقال عند كل نعمة: اللهم نعم فلما سمع قوله
~~سبحانه: { لعلكم تسلمون } اللهم هذا فلا فنزلت.

### || [16.82]

# { فإن تولوا } فعل ماض على طريقة الالتفات من الخطاب إلى الغيبة
~~وتوجيه الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسلية له عليه الصلاة
~~والسلام أي فإن داموا على التولي والإعراض وعدم قبول ما ألقي إليهم من
~~البينات { فإنما عليك البلغ المبين } أي فلا يضرك لأن
~~وظيفتك هي البلاغ الموضح أو الواضح وقد فعلته بما لا مزيد عليه فهو من
~~باب وضع السبب موضع المسبب، وقال ابن عطية: تقدير المعنى إن أعرضوا فلست
~~بقادر على خلق الإيمان في قلوبهم فإنما عليك البلاغ لا خلق الإيمان، وجوز
~~أن يكون { تولوا } مضارعا حذفت إحدى تاءيه وأصله تتولوا فلا
~~التفات لكن قيل عليه: إنه لا يظهر حينئذ ارتباط الجزاء بالشرط إلا بتكلف
~~ولذا لم يلتفت إليه بعض المحققين، وفي التعبير بصيغة التفعيل إشارة كما
~~قيل إلى أن الفطرة الأولى داعية إلى الإقبال على الله تعالى والإعراض لا
~~يكون إلا بنوع تكلف ومعالجة.

### || [16.83]

# { يعرفون نعمت الله } استئناف لبيان أن تولي المشركين
~~وإعراضهم عن الإسلام ليس لعدم معرفتهم نعمة الله سبحانه أصلا فإنهم
~~يعرفونها أنها من الله تعالى { ثم ينكرونها } بأفعالهم حيث لم
~~يفردوا منعمها بالعبادة فكأنهم لم يعبدوه سبحانه أصلا وذلك كفران منزل
~~منزلة الإنكار. وأخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد أنه قال: إنكارهم إياها
~~قولهم: ورثناها من آبائنا، وأخرج هو وغيره أيضا عن عون بن عبد الله أنه
~~قال: إنكارهم إياها أن يقول الرجل: لولا فلان أصابني كذا وكذا ولولا فلان
~~لم أصب كذا وكذا وفي لفظ إنكارها إضافتها إلى الأسباب، وقيل: قولهم هي
~~بشفاعة آلهتهم عند ms05489 الله تعالى، وحكى صاحب " الغنيان " يعرفونها في الشدة
~~ثم ينكرونها في الرخاء، وقيل: يعرفونها بقلوبهم ثم ينكرونها بألسنتهم.
~~وأخرج ابن المنذر وغيره عن السدي أنه قال النعمة هنا محمد صلى الله عليه
~~وسلم ورجح ذلك الطبري أي يعرفون أنه عليه الصلاة والسلام نبي بالمعجزات
~~ثم ينكرون ذلك ويجحدونه عنادا، وفي لفظ ابن أبي حاتم أنه قال هذا في
~~حديث أبي جهل والأخنس حين سأل الأخنس أبا جهل عن محمد صلى الله عليه
~~وسلم فقال: هو نبي. ومعنى { ثم } الاستبعاد الإنكار بعد المعرفة لأن
~~حق من عرف النعمة الاعتراف بها وأداء حقها لا إنكارها، وإسناد المعرفة
~~والإنكار المتفرع عليها إلى ضمير المشركين على الإطلاق من باب حال البعض
~~إلى الكل فإن بعضهم ليسوا كذلك كما هو ظاهر قوله سبحانه: {
~~وأكثرهم الكفرون } أي المنكرون بقلوبهم غير المعترفين بما
~~ذكر، والحكم عليهم بمطلق الكفر المؤذن بالكمال من حيث الكمية لا ينافي
~~كمال الفرقة الأولى من حيث الكيفية كذا قيل، وجوز أن يكون الإسناد السالف
~~على ظاهره والمراد أن أكثرهم المصرون الثابتون على كفرهم إلى يوم يلقونه
~~فالتعبير بالأكثر لعلمه تعالى أن منهم من يؤمن، وقيل: المعنى وأكثرهم
~~الجاحدون عنادا، والتعبير بالأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان
~~عقله وعدم اهتدائه إليه أو لعدم نظره في الأدلة نظرا يؤدي/ إلى المطلوب
~~أو لأنه لم يقم عليه الحجة لكونه لم يصل إلى حد المكلفين لصغر ونحوه وإما
~~لأنه يقام مقام الكل فتأمل.

### || [16.84]

# { ويوم نبعث من كل أمة } جماعة من الناس { شهيدا }
~~يشهد لهم بالإيمان والطاعة وعليهم بالكفر والعصيان، والمراد به كما روى
~~ابن المنذر وغيره عن قتادة نبي تلك الأمة { ثم لا يؤذن
~~للذين كفروا } أي في الاعتذار كما قال سبحانه:

# هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون

# [المرسلات: 35-36] والظاهر أنهم يستأذنون في ذلك فلا يؤذن لهم، ويحتمل
~~أنهم لا استئذان منهم ولا إذن إذ لا حجة لهم حتى تذكر ولا عذر حتى يعتذر،
~~وقال أبو مسلم: المعنى لا يسمع كلامهم ms05490 بعد شهادة الشهداء ولا يلتفت إليه
~~كما في قول عدي بن زيد:

# في سماع يأذن الشيخ له

# وحديث مثل ماذي مشار

# وقيل: لا يؤذن لهم في الرجوع إلى دار الدنيا، والأول مروي عن ابن عباس
~~وأبي العالية. و { ثم } للدلالة على أن ابتلاءهم بعدم الإذن المنبىء عن
~~الاقناط الكلي وذلك عندما يقال لهم:

# اخسئوا فيها ولا تكلمون

# [المؤمنون: 108] أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء عليهم السلام فهي
~~للتراخي الرتبي.

# { ولا هم يستعتبون } أي لا يطلب منهم أن يزيلوا عتب ربهم أي
~~غضبه بالتوبة والعمل الصالح إذ الآخرة دار الجزاء لا دار العمل والرجوع
~~إلى الدنيا مما لا يكون، وقول الزمخشري: أي لا يقال لهم ارضوا ربكم تفسير
~~باللازم، وقيل: المعنى ولا يطلب رضاهم في أنفسهم بالتلطف بهم من استعتبه
~~كأعتبه إذا أعطاه العتبى وهي الرضا وأيا ما كان فالمراد استمرار النفي
~~لا نفي الاستمرار، وانتصاب الظرف على ما قال الحوفي وغيره بمحذوف تقديره
~~اذكر وقدره بعضهم خوفهم وهو في ذلك مفعول به، وقيل: وهو نصب على الظرفية
~~بمحذوف أي يوم نبعث يحيق بهم ما يحيق، وقال الطبري: هو معطوف على ظرف
~~محذوف العامل فيه ينكرونها أي ثم ينكرونها اليوم ويوم نبعث من كل أمة
~~شهيدا فيشهد عليهم ويكذبهم وليس بشيء وتجري هذه الاحتمالات في قوله
~~تعالى: { وإذا رأى الذين ظلموا العذاب... }.

### || [16.85]

# { وإذا رأى الذين ظلموا العذاب } أي الذين يستوجبونه
~~بظلمهم وهو عذاب جهنم، والمراد من الذين ظلموا الذين كفروا وكان الظاهر
~~الضمير إلا أنه أقيم المظهر مقامه للنعي عليهم بما ذكر في حيز الصلة
~~وتعليق الرؤية بالعذاب للمبالغة، وقيل: المراد به جهنم نفسها مجازا،
~~ويراد بضميره في قوله تعالى: { فلا يخفف عنهم } معناه الحقيقي
~~على سبيل الاستخدام وليس بذاك وهذه الجملة قيل: مستأنفة، وقيل: جواب
~~(إذا) بتقدير فهو لا يخفف لأن المضارع مثبتا كان أو منفيا إذا وقع جواب
~~إذا لا يقترن بالفاء، واستظهره ذلك أبو حيان ونقل عن الحوفي القول بأنه
~~جواب وأنه العامل في { إذا } ثم قال: وقد ms05491 تقدم لنا أن ما تقدم فاء
~~الجواب في غير أما لا يعمل فيما قبله وبينا أن العامل في { إذا } الفعل
~~الذي يليها كسائر أدوات الشرط وإن كان ليس قول الجمهور وتعقب الخفاجي
~~القول بالجوابية بأنه محتاج إلى ما سمعت من التقدير وهو مع كونه خلاف
~~الأصل مناف للغرض في تغاير الجملتين في النظم يعني قوله تعالى: { فلا
~~يخفف عنهم العذاب }.

# وقوله سبحانه: { ولا هم ينظرون } أي يمهلون وهو أن عدم التخفيف
~~واقع بعد رؤية العذاب فلذا لم يؤت بجملة اسمية بخلاف عدم الإمهال فإنه
~~ثابت لهم في تلك الحالة اه. وفي كلام الزمخشري كما في «الكشف» إشعار بأن
~~الناصب المحذوف لإذا بغتهم وأنه هو الجواب حيث قال بعد أن بين وجه انتصاب
~~اليوم وكذلك إذا رأوا العذاب بغتهم وثقل عليهم فلا يخفف عنهم ولا هم
~~ينظرون كقوله تعالى:

# بل تأتيهم بغتة فتبهتهم

# [الأنبياء: 40] الآية، وفيه إشعار أيضا بأن عدم التخفيف والإنظار يدل
~~على أثقاله/ ومباغتته كما صرح به في الآية الأخرى حيث أبت الإتيان بغتة
~~والبهت هو الأثقال وزيادة ورتب عليه

# فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون

# [الأنبياء: 40] ومثل هذه الفاء فصيحة عندهم فافهم، وفي «التفسير الكبير»
~~قال المتكلمون إن العذاب يجب أن يكون خالصا عن شوائب النفع وهو المراد
~~بقوله تعالى: { لا يخفف عنهم } ويجب أن يكون دائميا وهو
~~المراد من قوله سبحانه: { ولا هم ينظرون } وفيه نظر.

### || [16.86]

# { وإذا رءا الذين أشركوا شركآءهم } الذين كانوا
~~يزعمونهم شركاء لله سبحانه وتعالى ويعبدونهم معه عز وجل؛ والمراد بهم كل
~~من اتخذوه شريكا له جل وعلا من صنم ووثن وشيطان وآدمي وملك وإضافتهم إلى
~~ضمير المشركين لهذا الاتخاذ، وقيل: أريد بهم معبوداتهم الباطلة كما تقدم،
~~والإضافة إليهم لأنهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم وأنعامهم، واقتصر
~~بعضهم على الأصنام ولعل التعميم أولى، وقال الحسن: شركاؤهم الشياطين
~~شركوهم في الأموال والأولاد، وقيل: شركوهم في الكفر أي كفروا مثل كفرهم،
~~وقيل: شركوهم في وبال ذلك حيث حملوهم عليه.

# { قالوا } أي بألسنتهم وقيل: ختم الله ms05492 تعالى على أفواههم وأنطق
~~جوارحهم فقالت عنهم { ربنا هؤلآء شركآؤنا الذين كنا
~~ندعوا من دونك } أي نعبدهم ونطيعهم ولعلهم قالوا ذلك طمعا في
~~توزيع العذاب بينهم. واعترض بأنه لا يناسب تفسير الشركاء بالأصنام وفيه
~~أنها تجيء على حالة يعقل معها عذابها فلا بأس في ذلك سواء فسرت الشركاء
~~بالأصنام فقط أو بما يعمها وغيرها، وقال أبو مسلم: مقصودهم من ذلك إحالة
~~الذنب على الشركاء ظنا منهم أن ذلك ينجيهم من عذاب الله تعالى أو ينقص
~~من عذابهم شيئا. وتعقبه القاضي بأنه بعيد لأن الكفار يعلمون علما
~~ضروريا في الآخرة أن العذاب سينزل بهم ولا نصرة ولا فدية ولا شفاعة،
~~وأورد نحوه على ما ذكرنا بناء على أنهم يعلمون علما ضروريا أيضا أنه
~~لا يحمل أحد من عذابهم شيئا. وأجيب بأنه على تقدير تسليم حصول العلم
~~الضروري لهم بذلك إذ ذاك يجوز أن يدهشوا فيغفلوا عن ذلك فيقولوا ما
~~يقولون طامعين فيما ذكر وهو نظير قولهم:

# يخفف عنا يوما من العذاب

# [غافر: 49]

# يمالك ليقض علينا ربك

# [الزخرف: 77]

# ربنآ أخرجنا نعمل صالحا

# [فاطر: 37] إلى غير ذلك مما لهم علم ضروري عند بعضهم بأنه لا يكون.
~~وقيل: إن القوم مع علمهم بأن ما يرجونه ويطمعون فيه لا يحصل لهم أصلا
~~وعدم غفلتهم عن ذلك تغلبهم أنفسهم بمقتضى الطبيعة لشدة ما هم فيه والعياذ
~~بالله تعالى حتى تعلق آمالها بالمحال، وقيل: قالوا ذلك اعترافا بأنهم
~~كانوا مخطئين في عبادتهم. وتعقب بأنه لا يناسب قوله تعالى: { من دونك
~~} وفيه تأمل.

# نعم قوله تعالى: { فألقوا } أي شركاؤهم { إليهم القول
~~إنكم لكذبون } أظهر ملاءمة للأول فإن تكذيبهم إياهم فيما
~~قالوا ظاهر في كونه للمدافعة والتخلص عن غائلة مضمونه والظاهر أن التكذيب
~~راجع إلى دعوى أنهم كانوا يعبدونهم أو يطيعونهم من دون الله تعالى
~~ومرادهم على ما قيل: إنكم ما عبدتمونتا حقيقة وإنما عبدتم أشياء
~~تصورتموها بأذهانكم الفاسدة وزعمتم أنا هاتيك الأشياء وهيهات هيهات ليس
~~بيننا وبينها جهة جامعة ولا علاقة نافعة، وقيل: إنما كذبوهم وقد كانوا
~~يعبدونهم ms05493 لأن الأوثان ما كانوا راضين بعبادتهم لهم فكأن عبادتهم لم تكن
~~عبادة لهم كما قالت الملائكة عليهم السلام:

# بل كانوا يعبدون الجن

# [سبأ: 41] يعنون أن الجن هم الذين كانوا راضين بعبادتهم لا نحن،
~~والشياطين وإن كانوا راضين بعبادتهم لهم لكنهم لم يكونوا حاملين لهم على
~~وجه القسر/ والالجاء كما قال إبليس:

# وما كان لى عليكم من سلطن إلا أن دعوتكم
~~فاستجبتم لى

# [إبراهيم: 22] فكأنهم قالوا: ما عبدتمونا حقيقة وإنما عبدتم أهواءكم،
~~وقيل: يجوز أن يكون الشياطين كاذبين في أخبارهم بكذب من عبدهم كما كذب
~~إبليس عليه اللعنة في قوله:

# إنى كفرت بما أشركتمون من قبل

# [إبراهيم: 22] وجوز أن يكون التكذيب راجعا إلى أنهم شركاء لله سبحانه
~~لا إلى أنهم كانوا يعبدونهم ومرادهم تنزيه الله جل وعلا عن الشريك في ذلك
~~الموقف، وخص هذا بعضهم بتقدير إرادة الشياطين من الشركاء فافهم، والظاهر
~~أن قائل هذا جميع الشركاء ولا يمنع من ذلك تفسيره بما يعم الأصنام إذ لا
~~بعد في أن ينطقها الله تعالى الذي أنطق كل شيء بذلك، وجوز على التعميم أن
~~يكون القائل بعضهم وهو من يعقل منهم؛ وكان الظاهر  فقالوا لهم إنكم
~~لكاذبون  إلا أنه عدل إلى ما في النظم الكريم للإشارة إلى أنهم قالوا
~~ذلك لهم على وجه الإفصاح بحيث يدرك ويمتاز عن غيره، وفيه من الإشعار
~~بالحرص على تكذيبهم ما فيه، ويؤيد ذلك تأكيدهم الجملة الدالة على تكذيبهم
~~أتم تأكيد، وهي في موضع البدل من القول كما قال الإمام أي ألقوا إليهم
~~إنكم لكاذبون.

### || [16.87]

# { وألقوا } أي الذين أشركوا، وقيل: هم وشركاؤهم جميعا، والأكثرون
~~على الأول { إلى الله يومئذ السلم } الاستسلام والانقياد
~~لحكمه تعالى العزيز الغالب بعد الإباء والاستكبار في الدنيا فلم يكن لهم
~~إذ ذاك حيلة ولا دفع. وروى يعقوب عن أبي عمرو أنه قرأ { السلم } بإسكان
~~اللام، وقرأ مجاهد (السلم) بضم السين واللام { وضل عنهم } ضاع
~~وبطل { ما كانوا يفترون } من أن لله سبحانه شركاء وأنهم
~~ينصرونهم ويشفعون لهم حين سمعوا ما سمعوا.

# هذا ومن ms05494 باب الإشارة في الآيات:

# ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم
~~يشركون

# [النحل: 54] بنسبة ذلك إلى غيره سبحانه ورؤيته منه { ليكفروا
~~بمآ ءاتينهم } من النعمة بالغفلة عن منعهما

# فتمتعوا فسوف تعلمون

# [النحل: 55] وبال ذلك أو فسوف تعلمون بظهور التوحيد أن لا تأثير لغيره
~~تعالى في شيء { ويجعلون لما لا يعلمون } فيعتقدون فيه من
~~الجهالات ما يعتقدون وهو السوي

# نصيبا مما رزقنهم

# [النحل: 56] فيقولون هو أعطاني كذا ولو لم يعطني لكان كذا

# وإن لكم فى الأنعم لعبرة نسقيكم مما فى
~~بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سآئغا
~~للشاربين

# [النحل: 66] الإشارة فيه على ما في " أسرار القرآن " إلى ما تشربه
~~الأرواح مما يحصل في العقول الصافية بين النفس والقلب من زلال بحر
~~المشاهدة وهناك منازل اعتبار المعتبرين، والإشارة في قوله تعالى:

# ومن ثمرت النخيل والأعنب تتخذون منه سكرا
~~ورزقا حسنا

# [النحل: 67] على ما فيه أيضا إلى ما تتخذه الأرواح والأسرار من ثمرات
~~نخيل القلوب وأعناب العقول من خمر المحبة والأنس الآخذة بها إلى حضيرة
~~القدس:

# ولو نضحوا منها ثرى قبر ميت

# لعادت إليه الروح وانتعش الجسم

# { وأوحى ربك إلى النحل } قيل أي نحل الأرواح { أن
~~اتخذى من الجبال } أي جبال أنوار الذات { بيوتا } مقار
~~لتسكنين فيها { ومن الشجر } أي ومن أشجار أنوار الصفات

# ومما يعرشون

# [النحل: 68] أنوار عروش الأفعال { ثم كلى من كل الثمرت }
~~أي من ثمرات تلك الأشجار الصفاتية ونور بهاء الأنوار الذاتية وأزهار
~~الأنوار الأفعالية { فاسلكى سبل ربك } وهي صحارى قدسه تعالى
~~وبراري جلاله جل شأنه { ذللا } منقادة لما أمرت به { يخرج من
~~بطونها شراب } وهو شراب معرفته تعالى بقدم جلاله وعز بقائه وتقدس
~~ذاته سبحانه { مختلف ألوانه } باختلاف الثمرات

# فيه شفآء للناس

# [النحل: 69] لكل مريض المحبة وسقيم الألفة ولديغ الشوق، وقيل: الإشارة
~~بالنحل إلى الذين هم في مبادىء السلوك من أرباب الاستعداد، ومن هنا قال
~~الشيخ الأكبر قدس سره في مولانا ابن الفارض قدس سره حين سئل عنه: نحلة
~~تدندن حول الحمى أمرهم الله تعالى أولا ms05495 أن يتخذوا مقار من العقائد
~~الدينية التي هي كالجبال في الرسوخ والثبات ومن العبادات الشرعية التي هي
~~كالشجر في التشعب ومن المعاملات المرضية التي هي كالعروش في الارتفاع ثم
~~يسلكوا سبله سبحانه وطرقه الموصلة إليه جل شأنه من تهذيب الباطن
~~والمراقبة والفكر ونحو ذلك متذللين خاضعين غير معجبين، وفي ذلك إشارة إلى
~~أن السلوك إنما يصح بعد تصحيح العقائد ومعرفة الأحكام الشرعية ليكون
~~السالك على بصيرة في أمره وإلا فهو كمن ركب متن عمياء وخبط خبط عشواء،
~~ومتى سلك على ذلك الوجه حصل له الفوز بالمطلوب وتفجرت ينابيع الحكمة من
~~قلبه وصار ما يقذف به قلبه كالعسل شفاء من علل الشهوات وأمراض النفس لا
~~سيما مرض التثبط والتكاسل عن العبادة وهو المرض البلغمي.

# وقال أبو بكر الوراق: النحلة لما اتبعت الأمر وسلكت سبل ربها على ما
~~أمرت به جعل لعابها شفاء للناس كذلك المؤمن إذا اتبع الأمر وحفظ السر
~~وأقبل على ربه عز وجل جعل رؤيته وكلامه ومجالسته شفاء للخلق فمن نظر
~~إليه اعتبر ومن سمع كلامه اتعظ ومن جالسه سعد انتهى. وفي الآية إشارة
~~أيضا إلى أنه تعالى قد يودع الشخص الحقير الشيء العزيز فإنه سبحانه أودع
~~النحل وهي من أحقر الحيوانات وأضعفها العسل وهو من ألذ المذوقات وأحلاها
~~فلا ينبغي التقيد بالصور والاحتجاب بالهيآت، وفي الحديث

# " رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله تعالى لأبره "

# وعن يعسوب المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه لا تنظر إلى من قال وانظر
~~إلى ما قال

# والله فضل بعضكم على بعض فى الرزق

# [النحل: 71] قيل: الإشارة فيه إلى تفاوت أرزاق السالكين فرزق بعضهم
~~طاعات، وبعض آخر مقامات وبعض حالات وبعض مكاشفات وبعض مشاهدات وبعض معرفة
~~وبعض محبة وبعض توحيد إلى غير ذلك، وذكروا أن رزق الأشباح العبودية ورزق
~~الأرواح رؤية أنوار الربوبية ورزق العقول الأفكار ورزق القلوب الأذكار
~~ورزق الأسرار حقائق العلوم الغيبية المكشوفة لها في مجالس القرب ومشاهدة
~~الغيب { فلا تضربوا لله الأمثال } لتقدسه تعالى عن
~~الأوهام والإشارات والعبارات ms05496 وتنزهه سبحانه عن درك الخليقة فإن الخلق لا
~~يدرك إلا خلقا، ولذا قال علي كرم الله تعالى وجهه: إنما تحد الأدوات
~~أنفسها وتشير الآلات إلى نظائرها فلا يعرف الله تعالى إلا الله عز وجل
~~وعلل النهي بقوله تعالى:

# إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون

# [النحل: 74] { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا } محبا لغير
~~الله تعالى ولا شك أن المحب أسير بيد المحبوب لا يقدر على شيء لأنه مقيد
~~بوثاق المحبة { ومن رزقناه منا رزقا حسنا } فجعلناه
~~محبا لنا مقبلا بقلبه علينا متجردا عما سوانا وآتيناه من لدنا علما {
~~فهو ينفق منه سرا } وذلك من النعم الباطنة

# وجهرا

# [النحل: 75] وذلك من النعم الظاهرة { وضرب الله مثلا
~~رجلين أحدهما أبكم } لا استعداد فيه للنطق وهو مثل المشرك
~~{ لا يقدر على شىء } لعدم استطاعته وقصور قوته للنقص اللازم
~~لاستعداده { وهو كل على مولاه } لعجزه بالطبع عن تحصيل حاجة
~~{ أينما يوجهه لا يأت بخير } لعدم استعداده وشرارته
~~بالطبع فلا يناسب إلا الشر الذي هو العدم { هل يستوى هو ومن
~~يأمر بالعدل } وهو الموحد القائم بالله تعالى الفاني عن غيره،
~~والعدل على ما قيل: ظل الوحدة في عالم الكثرة

# وهو على صرط مستقيم

# [النحل: 76] صراط العزيز الحميد الذي عليه خاصته تعالى من أهل البقاء
~~بعد الفناء الممدود على نار الطبيعة لأهل الحقيقة يمرون عليه كالبرق
~~اللامع { ولله غيب السموات والأرض } علم مراتب الغيوب
~~أو ما غاب من حقيقتهما أو ما خفي فيهما من أمر/ القيامة الكبرى { وما
~~أمر الساعة } أي القيامة الكبرى بالقياس إلى الأمور الزمانية {
~~إلا كلمح البصر أو هو أقرب } وهو بناء على التمثيل
~~وإلا فقد قيل: إن أمر الساعة ليس بزماني وما كان كذلك يدركه من يدركه لا
~~في الزمان

# إن الله على كل شىء قدير

# [النحل: 77] ومن ذلك أمر الساعة

# والله أخرجكم من بطون أمهتكم لا تعلمون
~~شيئا

# [النحل: 78] الآية، قال في " أسرار القرآن ": أخبر سبحانه أنه أخرجهم من
~~بطون الأقدار وأرحام العدم وأصلاب المشيئة على نعت الجهل لا يعلمون شيئا
~~من ms05497 أحكام الربوبية وأمور العبودية وأوصاف الأزل فألبسهم أسماعا من نور
~~سمعه وكساهم أبصارا من نور بصره وأودع في قلوبهم علوم غيبته لعلهم
~~يشكرونه انتهى. وهو ظاهر في أن المراد بالأفئدة القلوب. وذكر بعض من
~~أدركناه من المرتاضين في كتابه " الفوائد " و " شرحه " أن مشاعر الإنسان
~~الصدر، والمراد به الخيال والنفس الكلية التي هي محل الصور العلمية كلية
~~أو جزئية فهو محل العلم المقابل للجهل، والقلب وهو محل المعاني واليقين
~~بالنسب الحكمية ويقابله الشك والريب، والفؤاد وهو محل المعارف الإلهية
~~المجرد عن جميع الصور والنسب والأوضاع والإشارات والجهات والأوقات
~~ويقابلها الإنكار وهو أعلى المشاعر، ونور الله تعالى المشار إليه بقوله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى "

# وهو الوجود لأنه الجهة العليا من الإنسان أعني وجهه من جهة ربه وبه يعرف
~~الله تعالى وهو في الإنسان بمنزلة الملك في المدينة والقلب بمنزلة الوزير
~~له انتهى، وله أيضا كلام في الأم وكذا في الأب غير ما ذكر، وذلك أنه
~~يطلق الأب على المادة والأم على الصورة، وزعم أن قول الصادق رضي الله
~~تعالى عنه: إن الله تعالى خلق المؤمنين من نوره وصبغهم في رحمته فالمؤمن
~~أخو المؤمن لأبيه وأمه أبوه النور وأمه الرحمة إشارة إلى ذلك وأن ما
~~اصطلح عليه المتقدمون والحكماء من أن الأب هو الصورة والأم هي المادة وأن
~~الصورة إذا نكحت المادة تولد عنهما الشيء توهما منهم أن النشور والخلق
~~في بطن المادة بعيد من جهة المناسبة إلى آخر ما قال فتفطن وإياك أن تعدل
~~عن الطريق السوي { ألم يروا إلى الطير مسخرت فى
~~جو السمآء } فيه إشارة إلى تسخير طير القوى الروحانية والنفسانية من
~~الفكر والعقل النظري والعملي بل الوهم والتخيل في فضاء عالم الأرواح {
~~ما يمسكهن } من غير تعلق بمادة ولا اعتماد على جسم ثقيل

# إلا الله

# [النحل: 79] عز وجل { والله جعل لكم مما خلق ظللا
~~} وهو ما يستظل به من وهج نار الحاجة فالماء ظل للعطشان والطعام ظل
~~للجيعان وكل ما ms05498 يقوم بحاجة شخص ظل له، وفي الخبر

# " السلطان ظل الله تعالى في الأرض يأوي إليه كل مظلوم "

# ، وقيل: الظلال الأولياء يستظل بهم المريدون من شدة حر الهجران ويأوون
~~إليهم من قهر الطغيان، وقد يؤل قوله تعالى: { وجعل لكم من
~~الجبال أكننا } بنحو هذا فما أشبه الأولياء بالجبال { وجعل
~~لكم سرابيل تقيكم الحر } فيه إشارة إلى ما جعل للعارفين
~~من سرابيل روح الأنس لئلا يحترقوا بنيران القدس وأشار تعالى بقوله جل
~~جلاله: { وسربيل تقيكم بأسكم } إلى ما من به من المعرفة
~~والمحبة ليدفع بذلك كيد الشياطين والنفوس

# كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون

# [النحل: 81] تنقادون لأمره سبحانه في العبودية وتخضعون لعز الربوية، قال
~~ابن عطاء: تمام النعمة السكون إلى المنعم، وقال حمدون: تمامها في الدنيا
~~المعرفة وفي الآخرة الرؤية، وقال أبو محمد الحريري: تمامها خلو القلب من
~~الشرك الخفي وسلامة/ النفس من الرياء والسمعة { يعرفون نعمت
~~الله } وهي هداية النبي أو وجوده بقوة الفطرة { ثم ينكرونها
~~} لعنادهم وغلبة صفات نفوسهم

# وأكثرهم الكفرون

# [النحل: 83] لشهادة فطرهم بحقيته { ويوم نبعث من كل أمة
~~شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا } في الاعتذار عن
~~التخلف عن دعوته إذ لا عذر لهم

# ولا هم يستعتبون

# [النحل: 84] لأنهم قد حق عليهم القول بمقتضى استعدادهم نسأل الله تعالى
~~العفو والعافية

# وألقوا إلى الله يومئذ السلم

# [النحل: 87] قيل: هذا في الموقف الثاني حين تضعف غواشي أنفسهم المظلمة
~~وترق حجبها الكثيفة وأما في الموقف الأول حين قوة هيآت الرذائل وشدة
~~شكيمة النفس في الشيطنة فلا يستسلمون كما يشير إليه قوله تعالى:

# يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما
~~يحلفون لكم

# [المجادلة: 18] وقيل: المستسلمون بعض والحالفون بعض فافهم والله تعالى
~~أعلم.

### || [16.88]

# { الذين كفروا } في أنفسهم { وصدوا } غيرهم { عن سبيل
~~الله } بمنع من يريد الإسلام عنه وبحمل من استخفوه على الكفر فالصد عن
~~السبيل أعم من المنع عنه ابتداء وبقاء كذا قيل. والظاهر الأول، والظاهر
~~أن الموصول مبتدأ وقوله تعالى: { زدنهم عذابا فوق
~~العذاب } خبره، وجوز ابن عطية كون الموصول بدلا ms05499 من فاعل

# يفترون

# [النحل: 87] ويكون { زدناهم } مستأنفا، وجوز بعضهم كون الأول
~~نصبا على الذم أو رفعا عليه فيضمر الناصب والمبتدأ وجوبا و {
~~زدناهم } بحاله، وهذه الزيادة إما بالشدة أو بنوع آخر من العذاب
~~والثاني هو المأثور، فقد أخرج ابن مردويه والخطيب عن البراء أن النبي
~~صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال:

# " عقارب أمثال النخل الطوال ينهشونهم في جهنم "

# وروى نحوه الحاكم وصححه والبيهقي وغيره عن ابن مسعود وأخرج ابن أبي
~~حاتم عن السدي أنه قال: إن أهل النار إذا جزعوا من حرها استغاثوا بضحضاح
~~في النار فإذا أتوه تلقاهم عقارب كأنهن البغال الدهم وأفاعي كأنهم
~~البخاتي فتضربهم فذلك الزيادة، وعن ابن عباس أنها أنهار من صفر مذاب يسيل
~~من تحت العرش يعذبون بها، وعن الزجاج يخرجون من حر النار إلى الزمهرير
~~فيبادرون من شدة برده إلى النار. { بما كانوا يفسدون } متعلق 
~~بزدناهم  أي زدناهم عذابا فوق العذاب الذي يستحقونه بكفرهم بسبب
~~استمرارهم على الإفساد وهو الصد عن السبيل، وجوز أن يفسر ذلك بما هو أعم
~~من الكفر والصد، والمعنى زدناهم عذابا فوق عذابهم الذي يستحقونه بمجرد
~~الكفر والصد بسبب استمرارهم على هذين الأمرين القبيحين، ووجه ذلك أن
~~البقاء على المعصية يومين مثلا أقبح من البقاء عليها يوما والبقاء
~~ثلاثة أيام أقبح من البقاء يومين وهكذا، ومن هنا قالوا: الإصرار على
~~الصغيرة كبيرة، وقيل: إن أهل جهنم يستحقون من العذاب مرتبة مخصوصة هي ما
~~يكون لهم أول دخولها والزيادة عليها إنما هي لحفظها إذ لو لم تزد لألفوها
~~وطابت أنفسهم بها كمن وضع يده في ماء حار مثلا فإنه يجد أول زمان وضعها
~~ما لا يجده بعد مضي ساعة وهو كما ترى.

### || [16.89]

# { ويوم نبعث فى كل أمة شهيدا عليهم } وهو كما
~~روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نبيهم الذي بعث فيهم في الدنيا،
~~ومعنى كونه { من أنفسهم } أنه منهم، وذلك ليكون أقطع للمعذرة، ولا
~~يرد لوط عليه السلام فإنه لما تأهل فيهم وسكن معهم عد منهم ms05500 أيضا، وقال
~~ابن عطية: يجوز أن يبعث الله تعالى شهداء من الصالحين مع الأنبياء عليهم
~~السلام، وقد قال بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: إذا رأيت أحدا على
~~معصية فانهه فإن/ أطاعك وإلا كنت شهيدا عليه يوم القيامة، وذكر الإمام
~~في الآية قولين الأول أن كل نبي شاهد على قومه كما تقدم، والثاني إن كل
~~قرن وجمع يحصل في الدنيا فلا بد أن يحصل فيهم من يكون شهيدا عليهم ولا
~~بد أن لا يكون جائز الخطأ وإلا لاحتاج إلى آخر وهكذا فيلزم التسلسل،
~~ووجود الشهيد كذلك في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر وأما بعده فلا
~~بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم وهم قائمون مقام الشهيد
~~المعصوم، ثم قال: وهذا يقتضي أن يكون إجماع الأمة حجة انتهى، وإلى أنه لا
~~بد في كل عصر ممن يكون قوله حجة على أهل عصره ذهب الجبائي وأكثر
~~المعتزلة، قال الطبرسي في «مجمع البيان»: ومذهبهم يوافق مذهب أصحابنا.
~~يعني الشيعة. وإن خالفه في أن ذلك الحجة من هو. وأنت تعلم أن الاستدلال
~~بالآية على هذا المطلب ضعيف، وتحقيق الكلام في ذلك يطلب من محله. وقال
~~الأصم: المراد بالشهيد أجزاء من الإنسان، وذلك أنه تعالى ينطق عشرة أجزاء
~~منه وهي الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان فتشهد عليه
~~لأنه سبحانه قال في صفة الشهيد من أنفسهم.

# وتعقبه القاضي وغيره بأن كونه شهيدا على الأمة يقتضي أن يكون غيرهم،
~~وأيضا قوله تعالى: { من كل أمة } يأبى ذلك إذ لا يصح وصف آحاد
~~الأعضاء بأنها من الأمة؛ وأيضا مقابلة ذلك بقوله سبحانه: { وجئنا
~~بك شهيدا على هؤلاء } يبعد ما ذكر كما لا يخفى، والمراد
~~بهؤلاء أمته صلى الله عليه وسلم عند أكثر المفسرين، ولم يستبعد أن يكون
~~المراد بهم ما يشمل الحاضرين وقت النزول وغيرهم إلى يوم القيامة فإن
~~أعمال أمته عليه الصلاة والسلام تعرض عليه بعد موته. فقد روي عنه صلى
~~الله عليه وسلم أنه قال:

# " حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ms05501 ومماتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما
~~رأيت من خير حمدت الله تعالى عليه وما رأيت من شر استغفرت الله تعالى لكم
~~"

# بل جاء أن أعمال العبد تعرض على أقاربه من الموتى، فقد أخرج ابن أبي
~~الدنيا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " لا تفضحوا أمواتكم بسيئات أعمالكم فإنها تعرض على أوليائكم من أهل
~~القبور "

# وأخرج أحمد عن أنس مرفوعا

# " إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيرا
~~استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا "

# وأخرجه أبو داود من حديث جابر بزيادة

# " وألهمهم أن يعملوا بطاعتك "

# وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء أنه قال: «إن أعمالكم تعرض على
~~موتاكم فيسرون ويساؤن» فكان أبو الدرداء يقول عند ذلك: اللهم إني أعوذ بك
~~أن يمقتني خالي عبد الله بن رواحة إذا لقيته يقول ذلك في سجوده. والنبي
~~صلى الله عليه وسلم لأمته بمنزلة الوالد بل أولى، ولم أقف على عرض أعمال
~~الأمم السابقة على أنبيائهم بعد الموت ولم أر من تعرض لذلك لا نفيا ولا
~~إثباتا، فإن قيل: إنها تعرض فأمر الشهادة مما لا غبار عليه في نبي لم
~~يبعث في أمته بعد خلوهم عنه نبي آخر، وإن قيل: إنها لا تعرض احتاج أمر
~~الشهادة إلى الفحص عن وجود أمر يفيد العلم المصحح لها أو التزام أن
~~الشهيد ليس هو النبي وحده كما سمعت فيما سبق، ثم إن حديث العرض على
~~نبينا عليه الصلاة والسلام يشكل عليه حديث

# " ليذادن عن الحوض أقوام "

# الخبر، وقد ذكر ذلك المناوي ولم يجب عنه، وقد أجبت عنه في بعض "
~~تعليقاتي " فتأمل، وقيل: المراد بهم شهداء الأمم وهم الأنبياء عليهم
~~السلام لعلمه عليه الصلاة والسلام بعقائدهم واستجماع شرعه لقواعدهم لا
~~الأمة لأن كونه صلى الله عليه وسلم شهيدا على أمته علم مما تقدم فالآية
~~مسوقة لشهادته عليه الصلاة والسلام على الأنبياء صلى الله عليه وسلم
~~فتخلو عن التكرار. ورد بأن المراد بشهادته عليه ms05502 الصلاة والسلام على أمته
~~تزكيته وتعديله لهم بعد أن يشهدوا على تبليغ الأنبياء عليهم السلام حسبما
~~علموه من كتابهم/ وهذا لم يعلم مما مر ليكون تكرارا وهو الوارد في
~~الحديث، وقد ذكره غير واحد في تفسيره قوله تعالى:

# وكذلك جعلنكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على
~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا

# [البقرة: 143] و { على } لا مضرة فيها وإن ضرت فالضرر مشترك. نعم لم
~~يفهم مما قبل شهادة هذه الأمة على تبليغ الأنبياء عليهم السلام ليظهر كون
~~هذه الشهادة للتزكية كما في آية البقرة، ولعل الأمر في ذلك سهل. وفي "
~~إرشاد العقل السليم " أن قوله تعالى: { ويوم نبعث } تكرير لما
~~سبق تثنية للتهديد، والمراد بهؤلاء الأمم وشهداؤهم، وإيثار لفظ المجيء
~~على البعث لكمال العناية بشأنه صلى الله عليه وسلم، وصيغة الماضي للدلالة
~~على تحقق الوقوع انتهى.

# وتعقب بأن حمل { هؤلاء } على ما ذكر خلاف الظاهر، وجوز أن يكون
~~إيثار المجىء على البعث للإيذان بالمغايرة بين الشهادتين بناء على أن
~~شهادته صلى الله عليه وسلم على أمته للتزكية ولا كذلك شهادة سائر
~~الأنبياء عليهم السلام على أممهم. والظرف معمول لمحذوف كما مر، والمراد
~~به يوم القيامة.

# { ونزلنا عليك الكتب } الكامل في الكتابية الحقيق بأن
~~يخص به اسم الجنس، وهذا  على ما في «البحر»  استئناف إخبار وليس داخلا
~~مع ما قبله لاختلاف الزمانين. وجوز غير واحد كونه حالا بتقدير قد، وذكر
~~بعض الأفاضل أن قوله تعالى: { وجئنا بك } الخ إن كان كلاما مبتدأ
~~غير معطوف على قوله سبحانه: { نبعث } و { شهيدا } حالا مقدرة فلا
~~إشكال في الحالية وإن كان عطفا عليه، والتعبير بالماضي لما عرف في
~~أمثاله، فمضمون الجملة الحالية متقدم بكثير فلا يتمشى التأويل الذي ذكروه
~~في تصحيح كون الماضوية حالا هنا، ففي صحة كونه حالا كلام إلا أن يبنى
~~على عدم جريان الزمان عليه سبحانه وتعالى. وتعقب بأنه ليس شيء لأن قوله
~~سبحانه: { تبيانا لكل شىء } يدخل فيه العقائد والقواعد بالدخول
~~الأولى، وذلك مستمر إلى البعث وما بعده، ولا حاجة إلى ما ms05503 قيل من أن
~~المعنى بحيث أو بحال أنا كنا نزلنا عليك وتلك الحيثية ثابتة له سبحانه
~~وتعالى إلى الأبد انتهى، وفيه نظر. وزعم بعضهم أن الجملة حال من ضمير
~~الرفع في الفعل العامل في الظرف أي خوفهم ذلك اليوم وقد نزلنا عليك
~~الكتاب، وهو كما ترى والأسلم الاستئناف.

# والتبيان مصدر يدل على التكثير على ما روى ثعلب عن الكوفيين. والمبرد عن
~~البصريين، قال سلامة الأنباري في «شرح المقامات»: كل ما ورد من المصادر
~~عن العرب على تفعال فهو بفتح التاء إلا لفظتين وهما تبيان وتلقاء، وقال
~~ابن عطية: هو اسم وليس بمصدر، وهذه الصيغة أيضا في الأسماء قليلة، فعن
~~ابن مالك أنه قال في «نظم الفرائد»: جاء على تفعال بالكسر وهو غير مصدر
~~رجل تكلام وتلقام وتلعاب وتمساح للكذاب وتضراب للناقة القريبة بضراب
~~الفحل وتمراد لبيت الحمام وتلفاف لثوبين ملفوفين وتجفاف لما تجلل به
~~الفرس وتهواء لجزء ماض من الليل وتنبال للقصير اللئيم وتعشار وتبراك
~~لموضعين، وزاد ابن جعوان تمثال وتيفاق لموافقة الهلال، واقتصر أبو جعفر
~~النحاس في «شرح المعلقات» على أقل من ذلك فقال: ليس في كلام العرب على
~~تفعال إلا أربعة أسماء وخامس مختلفت فيه يقال تبيان ويقال لقلادة المرأة
~~تقصار وتعشار وتبراك والخامس تمساح وتمسح أكثر وأفصح انتهى، والمعروف أن
~~{ تبيانا } مصدر وليس باسم وإن قيل: إنه قول أكثر النحويين، وجوز
~~الزجاج فيه الفتح في غير القرآن.

# والمراد من (كل شيء) على ما ذهب إليه جمع ما يتعلق بأمور الدين أي
~~بيانا بليغا لكل شيء يتعلق بذلك ومن جملته أحوال الأمم مع أنبيائهم
~~عليهم السلام، وكذا ما أخبرت به هذه الآية من بعث الشهداء وبعثه عليه
~~الصلاة والسلام، فانتظام/ الآية بما قبلها ظاهر، والدليل على تقدير الوصف
~~المخصص للشيء المقام وأن بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما هي
~~لبيان الدين، ولذا أجيب السؤال عن الأهلة بما أجيب، وقال صلى الله عليه
~~وسلم:

# " أنتم أعلم بأمور دنياكم "

# وكون الكتاب تبيانا لذلك باعتبار أن فيه نصا على البعض وإحالة ms05504 للبعض
~~الآخر على السنة حيث أمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل فيه:

# وما ينطق عن الهوى

# [النجم: 3] وحثا على الإجماع في قوله سبحانه:

# ويتبع غير سبيل المؤمنين

# [النساء: 115] الآية فإنها على ما روي عن الشافعي وجماعة دليل الإجماع،
~~وقد رضي صلى الله عليه وسلم لأمته باتباع أصحابه حيث قال عليه الصلاة
~~والسلام:

# " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ "

# وقد اجتهدوا وقاسوا ووطؤا طرق الاجتهاد فكانت السنة والإجماع والقياس
~~مستندة إلى تبيان الكتاب، وقال بعض: { كل } للتكثير والتفخيم كما في
~~قوله تعالى:

# تدمر كل شىء بأمر ربها

# [الأحقاف: 25] إذ يأبى الإحاطة والتعميم ما في التبيان من المبالغة في
~~البيان وأن من أمور الدين تخصيصا لا يقتضيه المقام. ورد الثاني بما سمعت
~~آنفا؛ والأول بأن المبالغة بحسب الكمية لا الكيفية كما قيل في قوله
~~تعالى:

# وما ربك بظلم للعبيد

# [فصلت: 46] إنه من قولك: فلان ظالم لعبده وظلام لعبيده، ومنه قوله
~~سبحانه:

# وما للظلمين من أنصار

# [البقرة: 270] وقال بعضهم: لكل من القولين وجهة والمرجح للأول إبقاء
~~(كل) على حقيقتها في الجملة، وتعقب بأنه يرجح الثاني إبقاء { شىء } على
~~العموم وسلامته من التقدير الذي هو خلاف الأصل ومن المجاز على قول. نعم
~~ذهب أكثر المفسرين إلى اعتبار التخصيص وروي ذلك عن مجاهد. وقال الجلال
~~المحلي في الرد على من لم يجوز تخصيص السنة بالكتاب: إنه يدل على الجواز
~~قوله تعالى: { ونزلنا عليك الكتب تبيانا لكل
~~شىء } وإن خص من عمومه ما خص بغير القرآن، وتوجيه كونه تبيانا لكل ما
~~يتعلق بالدين بما تقدم هو الذي يقتضيه كلام غير واحد من الأجلة، فعن
~~الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال مرة بمكة: سلوني عما شئتم أخبركم عنه
~~من كتاب الله تعالى فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: بسم
~~الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى:

# وما ءاتكم الرسول فخذوه وما نهكم عنه
~~فانتهوا

# [الحشر: 7] وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش ms05505
~~عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر "

# وحدثنا سفيان عن مسعر بن كدام عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن
~~الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه أمر بقتل المحرم الزنبور، وروى البخاري عن
~~ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال:

# " لعن الله تعالى الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن
~~المغيرات خلق الله تعالى "

# فقالت له امرأة في ذلك فقال: مالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى فقالت له: لقد قرأت ما بين اللوحين فما
~~وجدت فيه ما تقول فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت

# وما ءاتكم الرسول فخذوه وما نهكم عنه
~~فانتهوا

# [الحشر: 7] قالت: بلى. قال: فإنه عليه الصلاة والسلام قد نهى عنه.

# وذهب بعضهم إلى ما يقتضيه ظاهر الآية غير قائل بالتخصيص ولا بأن (كل)
~~للتكثير فقال: ما من شيء من أمر الدين والدنيا إلا يمكن استخراجه من
~~القرآن وقد بين فيه كل شيء بيانا بليغا واعتبر في ذلك مراتب الناس في
~~الفهم فرب شيء يكون بيانا بليغا لقوم ولا يكون كذلك لآخرين بل قد يكون
~~بيانا لواحد ولا يكون بيانا لآخر فضلا عن كون البيان بليغا أو غير
~~بليغ وليس هذا التفاوت قوي البصائر، ونظير ذلك اختلاف مراتب الإحساس
~~لتفاوت قوى الإبصار، وقيل: معنى كونه تبيانا أنه كذلك في نفسه وهو لا
~~يستدعي وجود مبين/ له فضلا عن تشارك الجميع في تحقق هذا الوصف بالنسبة
~~إليهم بأن يفهموا حال كل شيء منه على أتم وجه، ونظير ذلك الشمس فإنها
~~منيرة في حد ذاتها، وإن لم يكن هناك مستنير أو ناظر، ويغني عن هذا
~~الاعتبار اعتبار أن المبالغة بحسب الكمية لا الكيفية، ويؤيد القول
~~بالظاهر أن الشيخ الأكبر قدس سره وغيره قد استخرجوا منه ما لا يحصى من
~~الحوادث الكونية. وقد رأيت جدولا حرفيا منسوبا إلى الشيخ كتب عليه أنه
~~يعرف منه ms05506 حوادث أهل المحشر، وآخر كتب عليه أنه يعرف منه حوادث أهل الجنة،
~~وآخر كتب عليه أنه يعرف منه حوادث أهل النار وكل ذلك على ما يزعمون
~~مستخرج من الكتاب الكريم، ومثل هذا الجفر الجامع المنسوب إلى أمير
~~المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه فإنهم قالوا: إنه جامع لما شاء الله
~~تعالى من الحوادث الكونية وهو أيضا مستخرج من القرآن العظيم.

# وقد نقل الجلال السيوطي عن المرسي أنه قال: جمع القرآن علوم الأولين
~~والآخرين بحيث لم يحط بها علما حقيقة إلا المتكلم به ثم رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم خلا ما استأثر به سبحانه ثم ورث عنه معظم ذلك سادات
~~الصحابة وأعلامهم مثل الخلفاء الأربعة ومثل ابن عباس وابن مسعود حتى قال
~~الأول: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى ثم ورث عنهم
~~التابعون لهم بإحسان ثم تقاصرت الهمم وفترت العزائم وتضاءل أهل العلم
~~وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه فنوعوا
~~علومه وقامت كل طائفة بفن من فنونه، وقيل: لا يخلو الزمان من عارف بجميع
~~ذلك وهو الوارث المحمدي ويسمى الغوث وقطب الأقطاب والمظهر الأتم ومظهر
~~الاسم الأعظم إلى غير ذلك، ويرد على هؤلاء القائلين حديث التأبير وقوله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " أنتم أعلم بأمور دنياكم "

# وأجيب بأنه يحتمل أن يكون ذلك منه صلى الله عليه وسلم قبل نزول ما يعلم
~~منه عليه الصلاة والسلام حال التأبير، ويحتمل أن يكون بعد النزول وقال
~~ذلك صلى الله عليه وسلم قبل الرجوع إليه والنظر فيه ولو رجع ونظر لعلم
~~فوق ما علموا فأعلميتهم بأمور دنياهم إنما جاءت لكون علمهم بذلك لا يحتاج
~~إلى الرجوع والنظر وعلمه عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى ذلك وهذا كما قال
~~صلى الله عليه وسلم:

# " لو استقبلت ما استدبرت لما سقت الهدي "

# مع أن سوق الهدي من الأمور الدينية، وقد قالوا: إن القرآن العظيم تبيان
~~لها، وهذا يرد عليهم لولا هذا الجواب فتأمل فالبحث بعد غير خال عن القيل
~~والقال، ms05507 وقال بعضهم: إن الأمور إما دينية أو دنيوية والدنيوية لا اهتمام
~~للشارع بها إذ لم يبعث لها والدينية إما أصلية أو فرعية والاهتمام
~~بالفرعية دون الاهتمام بالأصلية فإن المطلوب أولا بالذات من بعثة
~~الأنبياء عليهم السلام هو التوحيد وما أشبهه بل المطلوب من خلق العباد هو
~~معرفته تعالى كما يشهد له قوله سبحانه:

# وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

# [الذاريات: 56] بناء على تفسير كثير العبادة بالمعرفة، وقوله تعالى في
~~الحديث القدسي المشهور على الألسنة المصحح من طريق الصوفية:

# " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف "

# والقرآن العظيم قد تكفل ببيان الأمور الدينية الأصلية على أتم وجه فليكن
~~المراد من (كل شيء) ذلك، ولا يحتاج هذا إلى توجيه كونه تبيانا إلى ما
~~احتاج إليه حمل (كل شيء) على أمور الدين مطلقا من قولنا: إنه باعتبار أن
~~فيه نصا على البعض وإحالة للبعض الآخر على السنة الخ، واختار بعض
~~المتأخرين أن (كل شيء) على ظاهره إلا أن المراد بالتبيان التبيان على
~~سبيل الإجمال وما من شيء إلا بين في الكتاب حاله إجمالا، ويكفي في ذلك
~~بيان بعض أحواله والمبالغة باعتبار الكمية لا الكيفية على ما علمت
~~سابقا، ولو حمل التبيان على/ ما يعم الإجمال والتفصيل مع اعتبار مراتب
~~المبين لهم واعتبر التوزيع جاز أيضا فليتدبر، ونصب { تبيانا } على
~~الحال كما قال أبو حيان وجوز أن يكون مفعولا من أجله أي نزلنا عليك
~~الكتاب لأجل التبيان.

# { وهدى ورحمة } للجميع بقرينة قوله تعالى:

# وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين

# [الأنبياء: 107] وحرمان الكفرة من جهة تفريطهم { وبشرى
~~للمسلمين } خاصة، وجوز صرف الجميع لهم لأنهم المنتفعون بذلك أو
~~لأنه الهداية الدلالة الموصلة والرحمة الرحمة التامة.

### || [16.90]

# { إن الله يأمر } أي فيما نزله عليك تبيانا لكل شيء، وإيثار
~~صيغة الاستقبال فيه وفيما بعده لإفادة التجدد والاستمرار { بالعدل }
~~أي بمراعاة التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وهو رأس الفضائل كلها
~~يندرج تحته فضيلة القوة العقلية الملكية من الحكمة المتوسطة بين الحرمزة
~~والبلادة، وفضيلة القوة الشهوية البهيمية من العفة ms05508 المتوسطة بين الخلاعة
~~والخمود، وفضيلة القوة الغضبية السبعية من الشجاعة المتوسطة بين التهور
~~والجبن. فمن الحكم الاعتقادية التوحيد المتوسط بين التعطيل ونفي الصنائع
~~كما تقوله الدهرية والتشريك كما تقوله الثنوية والوثنية، وعليه اقتصر ابن
~~عباس في تفسير العدل على ما رواه عنه البيهقي في " الأسماء والصفات "
~~وابن جرير وابن المنذر وغيرهم، وضم إليه بعضهم القول بالكسب المتوسط بين
~~محض الجبر والقدر. ومن الحكم العملية التعبد بأداء الواجبات المتوسط بين
~~البطالة وترك العمل لزعم أنه لا فائدة فيه إذ الشقي والسعيد متعينان في
~~الأزل كما ذهب إليه بعض الملاحدة والترهب بترك المباحات تشبيها
~~بالرهبان. ومن الحكم الخلقية الجد المتوسط بين البخل والتبذير. وعن سفيان
~~بن عيينة أن العدل استواء السريرة والعلانية في العمل. وأخرج ابن أبي
~~حاتم عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال لي:
~~صف لي العدل فقلت بخ سألت عن أمر جسيم كن لصغير الناس أبا ولكبيرهم
~~ابنا وللمثل منهم أخا وللنساء كذلك وعاقب الناس على قدر ذنوبهم وعلى
~~قدر أجسادهم ولا تضربن لغضبك سوطا واحدا فتكون من العادين، ولعل اختيار
~~ذلك لأنه الأوفق بمقام السائل وإلا فما تقدم في تفسير أولى.

# { والإحسان } أي إحسان الأعمال والعبادة أي الاتيان بها على الوجه
~~اللائق، وهو إما بحسب الكيفية كما يشير إليه ما رواه البخاري من قوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "

# أو بحسب الكمية كالتطوع بالنوافل الجابرة لما في الواجبات من النقص،
~~وجوز أن يراد بالإحسان الإحسان المتعدي بإلى لا المتعدي بنفسه فإنه يقال:
~~أحسنه وأحسن إليه أي الإحسان إلى الناس والتفضل عليهم، فقد أخرج ابن
~~النجار في " تاريخه " من طريق العكلي عن أبيه قال: مر علي بن أبي طالب
~~كرم الله تعالى وجهه بقوم يتحدثون فقال: فيم أنتم؟ فقالوا: نتذاكر
~~المروءة فقال: أو ما كفاكم الله عز وجل ذاك في كتابه إذ يقول: { إن
~~الله يأمر بالعدل والإحسان } فالعدل الإنصاف والإحسان
~~التفضل ms05509 فما بقي بعد هذا، وأعلى مراتب الإحسان على هذا الإحسان إلى المسيء
~~وقد أمر به نبينا صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي
~~قال: قال عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام: إنما الإحسان أن تحسن إلى
~~من أساء إليك ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك، وابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما بعدما فسر/ العدل بالتوحيد فسر الإحسان بأداء الفرائض، وفيه
~~اعتبار الإحسان متعديا بنفسه، وقيل: العدل أن ينصف وينتصف والإحسان أن
~~ينصف ولا ينتصف؛ وقيل: العدل في الأفعال والإحسان في الأقوال.

# { وإيتآء ذي القربى } أي إعطاء الأقارب حقهم من الصلة والبر،
~~وهذا داخل في العدل أو الإحسان وصرح به اهتماما بشأنه، والظاهر أن
~~المراد بذي القربى ما يعم سائر الأقارب سواء كانوا من جهة الأم أو من جهة
~~الأب، وهذا هو المراد بذوي الأرحام الذين حث الشارع صلى الله عليه وسلم
~~على صلتهم على الأصح، وقيل: ذوو الأرحام الأقارب من جهة الأم، وذكر
~~الطبرسي أن المروي عن أبي جعفر أن المراد من ذي القربى هنا قرابته صلى
~~الله عليه وسلم المرادون في قوله سبحانه:

# فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى

# [الأنفال: 41].

# { وينهى عن الفحشاء } الإفراط في متابعة القوة الشهوية
~~كالزنا مثلا، وفسر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الفحشاء به، ولعله
~~تمثيل لا تخصيص { والمنكر } ما ينكر على متعاطيه من الإفراط في
~~إظهار القوة الغضبية، وعن ابن عباس ومقاتل تفسيره بالشرك، وعن ابن السائب
~~أنه ما وعد عليه بالنار، وعن ابن عيينة أنه مخالفة السريرة للعلانية،
~~وقيل: ما لا يوجب الحد في الدنيا لكن يوجب العذاب في الآخرة. وقال
~~الزمخشري: ما تنكره العقول. وتعقبه ابن المنير فقال: إنه لفتة إلى
~~الاعتزال ولو قال: المنكر ما أنكره الشرع لوافق الحق لكنه لا يدع بدعة
~~المعتزلة في التحسين والتقبيح بالعقل، وقال في «الكشف» بعد قوله: ما
~~تنكره العقول أي بعد رده إلى قوانين الشرع فالإنكار بالعقل بالضرورة،
~~وإنما الخلاف في مأخذه والمقصود أن ما يمكن أن يجري ms05510 على المذهبين لا يحق
~~المحاقة فيه وهو كالتعريض بابن المنير، واستظهر أبو حيان أن المنكر أعم
~~من الفحشاء قال: لاشتماله على المعاصي والرذائل، وعلى أولا ليس الأمر
~~كذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى.

# { والبغى } الاستعلاء والاستيلاء على الناس والتجبر عليهم، وهو من
~~آثار القوة الوهمية الشيطانية التي هي حاصلة من رذيلتي القوتين
~~المذكورتين الشهوانية والغضبية، وأصل معنى البغي الطلب ثم اختص بطلب
~~التطاول بالظلم والعدوان، ومن ثم فسر بما فسر وبذلك فسره ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما وتخصيص كل من المتعاطفات الثلاثة المنهي عنها بالإشارة
~~إلى قوة من القوى الثلاث مما ذهب إليه غير واحد. واعترض بأن ذلك مما لا
~~دليل عليه، وقال بعضهم: المنكر أعم الثلاثة باعتبار أن المراد به ما
~~ينكره الشرع ويقبحه من الأقوال أو الأفعال سواء عظم قبحه ومفسدته أم لا
~~وسواء كان متعديا إلى الغير أم لا، وأن المراد بالفحشاء ما عظم قبحه من
~~ذلك، ومنه قيل لمن عظم قبحه في البخل فاحش، وعلى ذلك حمل الراغب قول
~~الشاعر:

# أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي

# عقيلة مال الفاحش المتشدد

# والبغي التطاول بالظلم والعدوان ففي الآية عطف العام على الخاص وعطف
~~الخاص على العام، وقيل: المراد بالفحشاء مقابل العدل ويفسر بما خرج عن
~~سنن الاعتدال إلى جانب الإفراط، وبالمنكر ما يقابل ما فيه الإحسان ويفسر
~~بما أتى به على غير الوجه اللائق بل على وجه ينكر ويستقبح وبالبغي ما
~~يقابل إيتاء ذي القربى/ ويفسر بما فسر ويكون قد قوبل في الآية الأمر
~~بالنهي وكل من المأمور به بكل من المنهي عنه وجمع بين الأمر والنهي مع أن
~~الأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده لمزيد الاهتمام
~~والاعتناء.

# والإمام الرازي قد أطال الكلام في هذا المقام وذكر أن ظاهر الآية يقتضي
~~المغايرة بين الثلاثة المأمور بها ويقتضي أيضا المغايرة بين الثلاثة
~~المنهي عنها وشرع في بيان المغايرة بين الأول ثم قال: والحاصل أن العدل
~~عبارة عن القدر الواجب من الخيرات والإحسان عبارة عن الزيادة ms05511 في الطاعات
~~بحسب الكمية وبحسب الكيفية وبحسب الدواعي والصوارف وبحسب الاستغراق في
~~شهود مقام العبودية والربوبية، ويدخل في تفسير التعظيم لأمر الله تعالى
~~والشفقة على خلقه سبحانه، ومن الظاهر أن الشفقة على الخلق أقسام كثيرة
~~أشرفها وأجلها صلة الرحم لا جرم أنه سبحانه أفرده بالذكر، ثم شرع في بيان
~~المغايرة بين الأخيرة وقال: تفصيل القول في ذلك أنه تعالى أودع في النفس
~~البشرية قوى أربعة وهي الشهوانية البهيمية والغضبية السبعية والوهمية
~~الشيطانية والعقلية الملكية، وهذه الأخيرة لا يحتاج الإنسان إلى تهذيبها
~~لأنها من جوهر الملائكة عليهم السلام ونتائج الأرواح القدسية العلوية
~~وإنما المحتاج إلى التهذيب الثلاثة قبلها، ولما كانت الأولى أعني القوة
~~الشهوانية إنما ترغب في تحصيل اللذات الشهوانية وكان هذا النوع مخصوصا
~~باسم الفحش  ألا ترى أنه تعالى سمى الزنا فاحشة  أشار إلى تهذيبها
~~بقوله سبحانه: { وينهى عن الفحشاء } المراد منه المنع من
~~تحصيل اللذات الشهوانية الخارجة عن إذن الشريعة، ولما كانت الثانية أعني
~~القوة الغضبية السبعية تسعى أبدا في إيصال الشر والبلاء والإيذاء إلى
~~سائر الناس أشار سبحانه إلى تهذيبها بنهيه تعالى عن المنكر إذ لا شك أن
~~الناس ينكرون تلك الحالة فالمنكر عبارة عن الإفراط الحاصل في آثار القوة
~~الغضبية، ولما كانت الثالثة أعني القوة الوهمية الشيطانية تسعى أبدا في
~~الاستعلاء على الناس والترفع وإظهار الرياسة والتقدم أشار سبحانه إلى
~~تهذيبها بالنهي عن البغي إذ لا معنى له إلا التطاول والترفع على الناس،
~~ثم قال: ومن العجائب في هذا الباب أن العقلاء قالوا: أخس هذه القوى
~~الثلاث الشهوانية وأوسطها الغضبية وأعلاها الوهمية، ولله تعالى راعى هذا
~~الترتيب فبدأ سبحانه بذكر الفحشاء التي هي نتيجة القوة الشهوانية ثم
~~بالمنكر الذي هو نتيجة القوة الغضبية ثم بالبغي الذي هي نتيجة القوة
~~الوهمية اه.

# وما تقدم عن غير واحد مأخوذ من هذا، ولينظر هل يثبت بما قرره دليل
~~التخصيص فيندفع الاعتراض السابق أم لا، ثم إن الظاهر عليه أن عطف البغي
~~على ما قبله كعطف { إيتاء ذي القربى } على ما ms05512 قبله. وبالجملة إن
~~الآية كما أخرج البخاري في " الأدب " والبيهقي في " شعب الإيمان "
~~والحاكم وصححه عن ابن مسعود أجمع آية للخير والشر، وأخرج البيهقي عن
~~الحسن نحو ذلك، وأخرج الباوردي وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " عن عبد
~~الملك بن عمير قال:

# " بلغ أكتم بن صيفي مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يأتيه
~~فأتى قومه فانتدب رجلان فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: نحن
~~رسل أكتم يسألك من أنت وما جئت به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنا
~~محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله ثم تلا عليهم هذه الآية { إن
~~الله يأمر } الخ قالوا: ردد علينا هذا القول فردده عليه الصلاة
~~والسلام عليهم حتى حفظوه فأتيا أكتم فأخبراه فلما سمع الآية قال: إني
~~لأراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن مذامها فكونوا في هذا الأمر رأسا
~~ولا تكونوا فيه أذنابا "

# ، وقد صارت هذه الآية أيضا كما أخرج أحمد والطبراني والبخاري في "
~~الأدب " عن ابن عباس سبب استقرار الايمان في قلب عثمان بن مظعون ومحبته
~~للنبي صلى الله عليه وسلم ولجمعها ما جمعت أقامها عمر بن عبد العزيز حين
~~آلت/ الخلافة إليه مقام ما كان بنو أمية غضب الله تعالى عليهم يجعلونه في
~~أواخر خطبهم من سب علي كرم الله تعالى وجهه ولعن كل من بغضه وسبه وكان
~~ذلك من أعظم مآثره رضي الله تعالى عنه، وقال غير واحد: لو لم يكن في
~~القرآن غير هذه الآية الكريمة لكفت في كونه تبيانا لكل شيء وهدى. ولعل
~~إيرادها عقيب قوله تعالى:

# ونزلنا عليك الكتب

# [النحل: 89] للتنبيه عليه فإنها إذا نظر إلى أنها قد جمعت ما جمعت مع
~~وجازتها استيقظت عيون البصائر وتحركت للنظر فيما عداها. وأخرج أحمد عن
~~عثمان بن أبي العاص

# " قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا إذ شخص بصره فقال
~~أتاني: جبريل عليه السلام فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع { إن
~~الله يأمر } الخ ".

# واستدل بها على أن صيغة أمر ms05513 تتناول الواجب والمندوب وموضوعها القدر
~~المشترك وتحقيق ذلك في الأصول.

# { يعظكم } أي ينبهكم بما يأمر وينهى سبحانه أحسن تنبيه، وهو إما
~~استئناف وإما حال من الضمير في الفعلين { لعلكم تذكرون }
~~طلبا لأن تتعظوا بذلك وتنتبهوا.

### || [16.91]

# { وأوفوا بعهد الله } قال قتادة ومجاهد: نزلت فيما كان من
~~تحالف الجاهلية في أمر بمعروف أو نهي عن منكر، وأخرج ابن جرير وابن أبي
~~حاتم عن مزيدة بن جابر أنها نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم كان
~~من أسلم بايع على الإسلام، وظاهره أنها في البيعة على الإسلام مطلقا،
~~فالمراد بعهد الله تعالى البيعة كما نص عليه غير واحد. واعترض بأن الظاهر
~~أنه عام في كل موثق وهو الذي يقتضيه كلام ميمون بن مهران، وسبب النزول
~~ليس من المخصصات، ولذا قالوا: الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
~~وأجيب بأن قرينة التخصيص قوله تعالى فيما قبل:

# الذين كفروا

# [النحل: 88] الآية، وفيه نظر، وقال الأصم: المراد به الجهاد وما فرض في
~~الأموال من حق ولا يلائمه قوله تعالى: { إذا عهدتم } وقيل:
~~المراد به النذر، وقيل: اليمين وتعقب ذلك الإمام بأنه حينئذ يكون قوله
~~تعالى:

# { ولا تنقضوا الأيمن بعد توكيدها } تكرارا لأن
~~الوفاء بالعهد والمنع من النقض متقاربان لأن الأمر بالفعل يستلزم النهي
~~عن الترك، وإذا حمل العهد على العموم بحيث دخل تحته اليمين كان هذا من
~~باب تخصيص بعض الأفراد بالذكر للاعتناء به وبعض من فسر العهد بالبيعة
~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمل الأيمان على ما وقع عند تلك البيعة،
~~وجوز بعضهم حملها على مطلق الأيمان.

# وفي «الحواشي السعدية» أن الظاهر أن المراد بها الأشياء المحلوف عليها
~~كما في قوله عليه الصلاة والسلام:

# " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن
~~يمينه "

# لأنه لو كان المراد ذكر اسم الله تعالى كان عين التأكيد لا المؤكد فلم
~~يكن محل ذكر العطف كما تقرر في المعاني ورد بأن المراد بها العقد لا
~~المحلوف عليه لأن النقض إنما يلائم ms05514 العقد ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {
~~بعد توكيدها } لأن المراد كون العقد مؤكدا بذكر الله تعالى لا
~~بذكر غيره كما يفعله العامة الجهلة فالمعنى أن ذلك النهي لما ذكر لا عن
~~نقض الحلف بغير الله تعالى وقال الواحدي: إن قوله سبحانه: { بعد
~~توكيدها } لإخراج لغو اليمين نحو لا والله بلى والله بناء على أن
~~المعنى بعد توكيدها بالعزم والعقد ولغو اليمين ليست كذلك.

# ثم إذا حمل الأيمان على مطلقها فهو  كما قال الإمام  عام دخله التخصيص
~~بالحديث السابق الدال على أنه متى كان الصلاح في نقض اليمين جاز نقضها.
~~وتعقب بأن فيه تأملا لأن الحظر لو لم يكن باقيا لما احتيج إلى الكفارة
~~الساترة للذنب. وأجيب بأن وجوب الكفارة بطريق الزجر إذ أصل الأيمان
~~الانعقاد ولو محظورة فلا ينافي لزوم موجبها، وجوز أن يقال: إن ذلك
~~للإقدام على الحلف بالله/ تعالى في غير محله فليتأمل، والتوكيد التوثيق،
~~ومنه أكد بقلب الواو همزة على ما ذهب إليه الزجاج وغيره من النحاة، وذهب
~~آخرون إلى أن وكد وأكد لغتان أصليتان لأن الاستعمالين في المادة متساويان
~~فلا يحسن القول بأن الواو بدل من الهمزة كما في «الدر المصون» وهو الذي
~~اختاره أبو حيان.

# { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } أي شاهدا رقيبا
~~فإن الكفيل مراع لحال المكفول به رقيب عليه واستعمال الكفيل في ذلك إما
~~من باب الاستعارة أو المجاز المرسل والعلاقة اللزوم. والظاهر أن جعلهم
~~مجاز أيضا لأنهم لما فعلوا ذلك والله تعالى مطلع عليهم فكأنهم جعلوه
~~سبحانه شاهدا قاله الخفاجي ثم قال: ولو أبقى الكفيل على ظاهره وجعل
~~تمثيلا لعدم تخلصهم من عقوبته وأنه يسلمهم لها كما يسلم الكفيل من كفله
~~كما يقال: من ظلم فقد أقام كفيلا بظلمه تنبيهاعلى أنه لا يمكنه التخلص
~~من العقوبة كما ذكره الراغب لكان معنى بليغا جدا فتدبر، والظاهر أن
~~الجملة في موضع الحال من فاعل { تنقضوا } وجوز أن تكون حالا من فاعل
~~المصدر وإن كان محذوفا.

# وقوله سبحانه: { إن الله يعلم ما تفعلون } أي من ms05515 النقض
~~فيجازيكم على ذلك في موضع التعليل للنهي السابق، وقال الخفاجي: إنه
~~كالتفسير لما قبله.

### || [16.92]

# { ولا تكونوا } فيما تصنعون من النقض { كالتى نقضت
~~غزلها } مصدر بمعنى المفعول أي مغزولها، والفعل منه غزل يغزل بكسر
~~الزاي، والنقض ضد الإبرام، وهو في الجرم فك أجزائه بعضها من بعض، وقوله
~~تعالى: { من بعد قوة } متعلق بنقضت على أنه ظرف له لا حال و  من
~~ زائدة مطردة في مثله أي كالمرأة التي نقضت غزلها من بعد إبرامه
~~وإحكامه. { أنكثا } جمع نكث بكسر النون وهو ما ينكث فتله وانتصابه
~~قيل على أنه حال مؤكدة من { غزلها } وقيل: على أنه مفعول ثان لنقض لتضمنه
~~معنى جعل، وجوز الزجاج كون النصب على المصدرية لأن { نقضت } بمعنى
~~نكثت فهو ملاق لعامله في المعنى. وقال في «الكشف»: إن جعله مفعولا على
~~التضمين أولى من جعله حالا أو مصدرا، وفي الإتيان به مجموعا مبالغة
~~وكذلك في حذف الموصوفة ليدل على الخرقاء الحمقاء وما أشبه ذلك، وفي
~~«الكشاف» ما يشير إلى اعتبار التضمين حيث قال: أي لا تكونوا كالمرأة التي
~~أنحت على غزلها بعد أن أحكمته فجعلته أنكاثا، وفي قوله: أنحت  على ما
~~قال القطب  إشارة إلى أن { نقضت } مجاز عن أرادت النقض على حد قوله
~~تعالى:

# إذا قمتم إلى الصلوة

# [المائدة: 6] وذكر أنه فسر بذلك جمعا بين القصد والفعل ليدل على
~~حماقتها واستحقاقها اللوم بذلك فإن نقضها لو كان من غير قصد لم تستحق ذلك
~~ولأن التشبيه كلما كان أكثر تفصيلا كان أحسن، ولا يخفى ما في اعتبار
~~التضمين وهذا المجاز من التكليف وكأنه لهذا قيل: إن اعتبار القصد لأن
~~المتبادر من الفعل الاختياري وفي " الكشف " خرج ذلك المعنى من قوله
~~تعالى: { من بعد قوة } فإن نقض المبرم لا يكون إلا بعد أنحاء
~~بالغ وقصد تام ولم يرد بالموصول امرأة بعينها بل المراد من هذه صفته ففي
~~الآية تشبيه حال الناقض بحال الناقض في أخس أحواله تحذيرا منه وأن ذلك
~~ليس من فعل العقلاء وصاحبه داخل في عداد حمقى ms05516 النساء، وقيل: المراد امرأة
~~معلومة عند المخاطبين كانت تغزل فإذا برمت غزلها تنقضه وكانت تسمى خرقاء
~~مكة، قال ابن الأنباري: كان اسمها ريطة بنت عمرو المرية تلقب الحفراء،
~~وقال الكلبي ومقاتل: هي امرأة من قريش اسمها ريطة بنت سعد التيمي اتخذت/
~~مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وفلكة عظيمة على قدرها فكانت تغزل هي
~~وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن. وأخرج ابن أبي
~~حاتم عن أبي بكر بن حفص قال: كانت سعيدة الأسدية مجنونة تجمع الشعر
~~والليف فنزلت هذه الآية { ولا تكونوا كالتى نقضت غزلها
~~} وروى ابن مردويه عن ابن عطاء أنها شكت جنونها إلى رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم وطلبت أن يدعو لها بالمعافاة فقال لها عليه الصلاة والسلام:

# " إن شئت دعوت فعافاك الله تعالى وإن شئت صبرت واحتسبت ولك الجنة "

# فاختارت الصبر والجنة، وذكر عطاء أن ابن عباس أراه إياها، وعن مجاهد هذا
~~فعل نساء نجد تنقض أحداهن غزلها ثم تنفشه فتغزله بالصوف، وإلى عدم
~~التعيين ذهب قتادة عليه الرحمة.

# { تتخذون أيمنكم دخلا بينكم } حال من الضمير في {
~~لا تكونوا } أو في الجار والمجرور الواقع موقع الخبر. وجوز أن يكون
~~خبر { تكونوا } و { كالتى } نقضت في موضع الحال وهو خلاف الظاهر،
~~وقال الإمام: الجملة مستأنفة على سبيل الاستفهام الإنكاري أي أتتخذون،
~~والدخل في الأصل ما يدخل الشيء ولم يكن منه ثم كنى به عن الفساد والعداوة
~~المستبطنة كالدغل، وفسره قتادة بالغدر والخيانة، ونصبه على أنه مفعول
~~ثان، وقيل: على المفعولية من أجله، وفائدة وقوع الجملة حالا الإشارة إلى
~~وجه الشبه أي لا تكونوا مشبهين بامرأة هذا شأنها متخذين أيمانكم وسيلة
~~للغدر والفساد بينكم { أن تكون أمة } أي بأن تكون جماعة { هى
~~أربى } أي أزيد عددا وأوفر مالا { من أمة } أي من جماعة أخرى،
~~والمعنى لا تغدروا بقوم بسبب كثرتكم وقلتهم بل حافظوا على أيمانكم معهم،
~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن مجاهد أنه قال: كانوا يحالفون
~~الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز فينقضون ms05517 حلفهم ويحالفون الذين هم أعز
~~فنهوا عن ذلك فالمعنى لا تغدروا بجماعة بسبب أن تكون جماعة أخرى أكثر
~~منها وأعز بل عليكم الوفاء بالأيمان والمحافظة عليها وإن قل من خلفتم له
~~وكثر الآخر وجوز في { تكون } أن تكون تامة وناقصة وفي  هي  أن يكون
~~مبتدأ وعمادا فأربى إما مرفوع أو منصوب وأنت تعلم أن البصريين لا يجوزون
~~كون { هى } عماد التنكر { أمة } وزعم بعض الشيعة أن هذه الآية قد
~~حرفت وأصلها أن تكون أئمة هي أزكى من أئمتكم؛ ولعمري قد ضلوا سواء
~~السبيل.

# { إنما يبلوكم الله به } الضمير المجرور عائد إما على
~~المصدر المنسبك من { أن تكون } أو على المصدر المنفهم من { أربى }
~~وهو الربو بمعنى الزيادة، وقول ابن جبير وابن السائب ومقاتل يعني بالكثرة
~~مرادهم من هذا واكتفوا ببيان حاصل المعنى، وظن ابن الأنباري أنهم أرادوا
~~أن الضمير راجع إلى نفس الكثرة لكن لما كان تأنيثها غير حقيقي صح التذكير
~~وهو كما ترى، وقيل: إنه لأربى لتأويله بالكثير، وقيل: للأمر بالوفاء
~~المدلول عليه بقوله تعالى:

# وأوفوا

# [النحل: 91] الخ ولا حاجة إلى جعله منفهما من النهي عن الغدر بالعهد
~~واختار بعضهم الأول لأنه أسرع تبادرا أي يعاملكم معاملة المختبر بذلك
~~الكون لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله تعالى وبيعة رسوله عليه
~~الصلاة والسلام أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم وقلة المؤمنين وضعفهم بحسب
~~ظاهر الحال { وليبينن لكم يوم القيمة ما كنتم
~~فيه تختلفون } فيجازيكم بأعمالكم ثوابا وعقابا.

### || [16.93]

# { ولو شاء الله لجعلكم } أيها الناس { أمة واحدة }
~~متفقة على الإسلام { ولكن } لا يشاء ذلك رعاية للحكمة بل { يضل
~~من يشاء } إضلاله بأن يخلق فيه الضلال حسبما يصرف اختياره التابع/
~~لاستعداده له { ويهدى من يشاء } هدايته حسبما يصرف اختياره التابع
~~لاستعداده لتحصيلها { ولتسألن } جميعا يوم القيامة سؤال محاسبة
~~ومجازاة لا سؤال استفسار وتفهم { عما كنتم تعملون } تستمرون
~~على عمله في الدنيا بقدركم المؤثرة بإذن الله تعالى، والآية ظاهرة في أن
~~مشيئة الله تعالى لإسلام الخلق كلهم ما وقعت وأنه سبحانه إنما شاء منهم ms05518
~~الافتراق والاختلاف، فإيمان وكفر وتصديق وتكذيب ووقع الأمر كما شاء جل
~~وعلا، والمعتزلة ينكرون كون الضلال بمشيئته تعالى ويزعمون أنه سبحانه
~~إنما شاء من الجميع الإيمان ووقع خلاف ما شاء عز شأنه. وأجاب الزمخشري عن
~~الآية بأن المعنى لو شاء على طريقة الإلجاء والقسر لجعلكم أمة واحدة
~~مسلمة فإنه سبحانه قادر على ذلك لكن اقتضت الحكمة أن يضل ويخذل من يشاء
~~ممن علم سبحانه أنه يختار الكفر ويصمم عليه ويهدي من يشاء بأن يلطف بمن
~~علم أنه يختار الايمان، والحاصل أنه تعالى بني الأمر على الاختيار وعلى
~~ما يستحق به اللطف والخذلان والثواب والعقاب ولم يبنه على الإجبار الذي
~~لا يستحق به شيء ولو كان العبيد مضطرين للهداية والضلال لما أثبت سبحانه
~~لهم عملا يسئلون عنه بقوله: { ولتسألن عما كنتم
~~تعملون } اه، وللعسكري نحوه.

# وقد قدمنا لك غير مرة أن المذهب الحق على ما بينه علامة المتأخرين
~~الكوراني وألف فيه عدة " رسائل " أن للعبد قدرة مؤثرة بإذن الله تعالى لا
~~أنه لا قدرة له أصلا كما يقول الجبرية ولا أن له قدرة مقارنة غير مؤثرة
~~كما هو المشهور عند الأشعرية ولا أن له قدرة مؤثرة وإن لم يؤذن لله تعالى
~~كما يقول المعتزلة وأن له اختيارا أعطيه بعد طلب استعداده الثابت في علم
~~الله تعالى له فللعبد في هذا المذهب اختيار والعبد مجبور فيه بمعنى أنه
~~لا بد من أن يكون له لأن استعداده الأزلي الغير المجعول قد طلبه من
~~الجواد المطلق والحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها والإثابة والتعذيب
~~إنما يترتبان على الاستعداد للخير والشر الثابت في نفس الأمر والخير
~~والشر يدلان على ذلك نحو دلالة الأثر على المؤثر والغاية على ذي الغاية
~~وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ومن وجد خيرا فليحمد الله ومن
~~وجه غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. وقال ابن المنير: إن أهل السنة عن
~~الإجبار بمعزل لأنهم يثبتون للعبد قدرة واختيارا وأفعالا وهم مع ذلك
~~يوحدون الله تعالى حق توحيده فيجعلون قدرته سبحانه ms05519 هي الموجدة والمؤثرة
~~وقدرة العبد مقارنة فحسب وبذلك يميز بين الاختياري والقسري وتقوم [بها]
~~حجة الله تعالى على عباده اه وهذا هو المشهور من مذهب الأشعرية وهو كما
~~ترى، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في هذا المقام وما فيه من
~~النقض والإبرام.

### || [16.94]

# { ولا تتخذوا أيمنكم دخلا بينكم } قالوا هو
~~تصريح بالنهي عن اتخاذ الأيمان دخلا بعد التضمين لأن الاتخاذ المذكور
~~فيما سبق وقع قيدا للمنهي عنه فكان منهيا عنه ضمنا تأكيدا ومبالغة في
~~قبح النهي عنه وتمهيدا لقوله تعالى: { فتزل قدم } عن محجة الحق
~~{ بعد ثبوتها } عليها ورسوخها فيها بالإيمان، وقيل ما تقدم كان
~~نهيا عن الدخول في الحلف ونقض العهد بالقلة والكثرة وما هنا نهي عن
~~الدخل في الأيمان التي يراد بها اقتطاع الحقوق فكأنه قيل: لا تتخذوا
~~أيمانكم دخلا بينكم لتتوصلوا بذلك إلى قطع حقوق المسلمين. وقال أبو
~~حيان: ((لم يتكرر النهي فإن ما سبق إخبار بأنهم اتخذوا أيمانهم دخلا
~~معللا بشيء خاص وهو أن تكون أمة هي أربى من أمة وجاء النهي المستأنف
~~الإنشائي عن اتخاذ الأيمان دخلا على العموم فيشمل جميع الصور من الحلف
~~في المبايعة وقطع الحقوق المالية وغير ذلك)). ورد بأن قيد المنهي عنه
~~منهي عنه فليس إخبارا صرفا/ ولا عموم في الثاني لأن قوله تعالى: {
~~فتزل } الخ إشارة إلى العلة السابقة إجمالا على أنه قد يقال: إن
~~الخاص مذكور في ضمن العام أيضا فلا محيص عن التكرار أيضا ولو سلم ما
~~ذكره فتأمل.

# ونصب  تزل  بأن مضمرة في جواب النهي لبيان ما يترتب عليه ويقتضيه، قال
~~في «البحر» وهو استعارة للوقوع في أمر عظيم لأن القدم إذا زلت انقلب
~~الإنسان من حال خير إلى حال شر، وتوحيد القدم وتنكيرها  كما قال
~~الزمخشري  للإيذان بأن زلل قدم واحدة أي قدم كانت عزت أو هانت محذور
~~عظيم فكيف بأقدام [كثيرة]، وقال أبو حيان: ((إن الجمع تارة يلحظ فيه
~~المجموع من حيث هو مجموع وتارة يلحظ فيه [اعتبار] كل فرد فرد وفي الأول ms05520
~~يكون الإسناد معتبرا فيه الجمعية وفي الثاني يكون الإسناد مطابقا للفظ
~~الجمع كثيرا فيجمع ما أسند إليه ومطابقا لكل فرد فيفرد كقوله تعالى:

# وأعتدت لهن متكأ

# [يوسف: 31] فأفرد المتكأ لما لوحظ في { لهن } كل واحدة منهن ولو جاء
~~مرادا به الجمعية أو على الكثير في الوجه الثاني لجمع وعلى هذا ينبغي أن
~~يحمل قوله:

# فإني وجدت الضامرين متاعهم

# يموت ويفنى فارضخي من وعائيا

# أي كل ضامر، ولذا أفرد الضمير في يموت ويفنى، ولما كان المعنى هنا لا
~~يتخذ كل واحد منكم جاء { فتزل قدم } مراعاة لهذا المعنى، ثم قال
~~سبحانه: { وتذوقوا السوء } مراعاة للمجموع أو للفظ الجمع على
~~الوجه الكثير إذا قلنا: إن الإسناد لكل فرد فرد فتكون الآية قد تعرضت
~~للنهي عن اتخاذ الأيمان دخلا باعتبار المجموع وباعتبار كل فرد ودل على
~~ذلك بإفراد { قدم } وجمع الضمير في { وتذوقوا } )).

# وتعقب بأن ما ذكره الزمخشري نكتة سرية وهذا توجيه للإفراد من جهة
~~العربية فلا ينافي النكتة المذكورة، والمراد من السوء العذاب الدنيوي من
~~القتل والأسر والنهب والجلاء غير ذلك مما يسوء ولا يخفى ما في { تذوقوا }
~~من الاستعارة { بما صددتم } بسبب صدودكم وإعراضكم أو صد غيركم
~~ومنعه { عن سبيل الله } الذي ينتظم الوفاء بالعهود والأيمان فإن
~~من نقض البيعة وارتد جعل ذلك سنة لغيره يتبعه فيها من بعده من أهل الشقاء
~~والإعراض عن الحق فيكون صادا عن السبيل. وجعل هذا بعضهم دليلا أن الآية
~~فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كما ترى { ولكم } في
~~الآخرة { عذاب عظيم } لا يعلم عظمه إلا الله تعالى.

### || [16.95]

# { ولا تشتروا بعهد الله } المراد به عند كثير بيعة رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم على الإيمان والاشتراء مجاز عن الاستبدال لمكان
~~قوله تعالى: { ثمنا قليلا } فإن الثمن مشترى لا مشترى به أي لا
~~تأخذوا بمقابلة عهده تعالى عوضا يسيرا من الدنيا، قال الزمخشري: كان
~~قوم ممن أسلم بمكة زين لهم الشيطان لجزعهم مما رأوا من غلبة قريش
~~واستضعافهم المسلمين وإيذائهم لهم ولما ms05521 كانوا يعدونهم من المواعيد إن
~~رجعوا أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبتهم
~~الله تعالى بهذه الآية ونهاهم عن أن يستبدلوا ذلك بما وعدوهم به من عرض
~~الدنيا، وقال ابن عطية: هذا نهي عن الرشا وأخذ الأموال على ترك ما يجب
~~على الآخذ فعله أو فعل ما يجب عليه تركه، فالمراد بعهد الله تعالى ما يعم
~~ما تقدم وغيره ولا يخفى حسنه.

# { إنما عند الله } أي ما أخبأه وادخره لكم في الدنيا والآخرة
~~{ هو خير لكم } من ذلك الثمن القليل { إن كنتم تعلمون
~~} أي إن كنتم من أهل العلم والتمييز، فالفعل منزل منزلة اللازم، وقيل:
~~متعد والمفعول محذوف وهو فضل ما بين العوضين والأول أبلغ ومستغن عن
~~التقدير، وفي التعبير/ بأن ما لا يخفى، والجملة تعليل للنهي على طريقة
~~التحقيق كما أن قوله تعالى: { ما عندكم ينفد وما عند الله
~~باق... }.

### || [16.96]

# { ما عندكم } الخ تعليل للخيرية بطريق الاستئناف أي ما تتمتعون به
~~من نعيم الدنيا بل الدنيا وما فيها جميعا { ينفد } ينقضي ويفنى وإن
~~جم عدده وطال مدده، يقال: نفد بكسر العين ينفد بفتحها نفادا ونفودا إذا
~~ذهب وفني، وأما نفذ بالذال المعجمة فبفتح العين ومضارعه ينفذ بضمها {
~~وما عند الله } من خزائن رحمته الدنيوية والأخروية { باق } لا
~~نفاد له؛ أما الأخروية فظاهر، وأما الدنيوية فحيث كانت موصولة بالأخروية
~~ومستتبعة لها فقد انتظمت في سلك الباقيات الصالحات. وأخرج ابن أبي حاتم
~~عن ابن جبير أن المراد بما عند الله في الموضعين الثواب الأخروي واختاره
~~بعض الأئمة، وفي إيثار الاسم على صيغة المضارع من الدلالة على الدوام ما
~~لا يخفى. ورد بالآية على جهم بن صفوان حيث زعم أن نعيم الجنة منقطع.

# وقوله تعالى: { ولنجزين } بنون العظمة وهي قراءة عاصم وابن كثير
~~على طريقة الالتفات من الغيبة إلى التكلم تكرير للوعد المستفاد من قوله
~~سبحانه:

# إنما عند الله هو خير لكم

# [النحل: 95] على نهج التوكيد القسمي مبالغة في الحمل على الثبات على
~~العهد. وقرأ باقي ms05522 السبعة بالياء فلا التفات. والعدول عما يقتضيه ظاهر
~~الحال من أن يقال: ولنجزينكم  بالنون أو بالياء  أجركم بأحسن ما كنتم
~~تعملون للتوسل إلى التعرض لأعمالهم والإشعار بعليتها للجزاء أي والله
~~لنجزين { الذين صبروا } على العهد أو على أذية المشركين ومشاق
~~الإسلام التي من جملتها الوفاء بالعهود وإن وعد المعاهدون على نقضها بما
~~وعدوا { أجرهم } مفعول { لنجزين } أي لنعطينهم أجرهم الخاص بهم
~~بمقابلة صبرهم { بأحسن ما كانوا يعملون } وهو الصبر فإنه
~~من الأعمال القلبية، والكلام على حذف مضاف أي لنجزينهم بجزاء صبرهم، وكان
~~الصبر أحسن الأعمال لاحتياج جميع التكاليف إليه فهو رأسها قاله أبو حيان.

# وفي " إرشاد العقل السليم " إنما أضيف الأحسن إلى ما ذكر للإشعار بكمال
~~حسنه كما في قوله تعالى:

# وحسن ثواب الآخرة

# [آل عمران: 148] لا لإفادة قصر الجزاء على الأحسن منه دون الحسن فإن ذلك
~~مما لا يخطر ببال أحد لا سيما بعد قوله تعالى: { أجرهم } فالإضافة
~~للترغيب. وجوز أن يكون المعنى لنجزينهم بحسب أحسن أفراد أعمالهم أي
~~لنعطينهم بمقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم ما نعطيه بمقابلة الفرد الأعلى
~~منها من الأجر الجزيل لا أنا نعطي الأجر بحسب أفرادها المتفاوتة في مراتب
~~الحسن بأن نجزي الحسن منها بالحسن والأحسن بالأحسن، وفيه ما لا يخفى من
~~العدة الجميلة بإغتفار ما عسى يعتريهم في تضاعيف الصبر من بعض جزع ونظمه
~~في سلك الصبر الجميل، وأن يكون { أحسن } صفة جزاء محذوفا والإضافة
~~على معنى من التفضيلية أي لنجزينهم بجزاء أحسن من أعمالهم، وكونه أحسن
~~لمضاعفته، وقيل: المراد بالأحسن ما ترجح فعله على تركه كالواجبات
~~والمندوبات أو بما ترجح تركه أيضا كالمحرمات والمكروهات والحسن ما لم
~~يترجح فعله ولا تركه وهو لا يثاب عليه.

# وتعقبه في " الإرشاد " بأنه لا يساعده مقام الحث على الثبات على ما هم
~~عليه من الأعمال الحسنة المخصوصة والترغيب في تحصيل ثمراتها بل التعرض
~~لإخراج بعض أعمالهم من مدارية الجزاء من قبيل تحجير الرحمة الواسعة في
~~مقام توسيع حماها، وقيل: المراد بالأحسن النفل، وكان/ أحسن لأنه لم يحتم ms05523
~~بل يأتي الإنسان به مختارا غير ملزم، وإذا علمت المجازاة على النفل الذي
~~هو أحسن علمت المجازاة على الفرض الذي هو حسن، ولا يخفى أنه ليس بحسن
~~أصلا.

### || [16.97]

# { من عمل صلحا } أي عملا صالحا أي عمل كان، وهذا  كما قيل
~~ شروع في تحريض كافة المؤمنين على كل عمل صالح غب ترغيب طائفة منهم في
~~الثبات على ما هم عليه من عمل صالح مخصوص دفعا لتوهم [اختصاص] الأجر
~~الموفور بهم وبعملهم، وقوله تعالى: { من ذكر أو أنثى } دفع
~~لتوهم تخصيص { من } بالذكور لتبادرهم من ظاهر لفظ { من } فإنه مذكر
~~وعاد عليه ضميره وإن شمل النوعين وضعا على الأصح، واستدل عليه بما رواه
~~الترمذي من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله تعالى إليه "

# ، وقول أم سلمة: «فكيف تصنع النساء بذيولهن» الحديث فإن أم سلمة رضي
~~الله تعالى عنها فهمت دخول النساء في { من } وأقرها على ذلك رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم، وبأنهم أجمعوا على أنه لو قال: من دخل داري فهو حر
~~فدخلها الإماء عتقن، وبعضهم يستدل على ذلك أيضا بهذه الآية إذ لولا
~~تناوله الأنثى وضعا لما صح أن يبين بالنوعين. وفي " الكشف " كان الظاهر
~~تناوله للذكور من حيث إن الإناث لا يدخلن في أكثر الأحكام والمحاورات وإن
~~كان التناول على طريق التعميم والتغليب حاصلا لكن لما أريد التنصيص
~~ليكون أغبط للفريقين ونصا في تناولهما بين بذكر النوعين اه، والقول
~~الأصح أن التناول لا يحتاج إلى التغليب، وتمام الكلام في ذلك في " كتب
~~الأصول ".

# وقوله تعالى: { وهو مؤمن } في موضع الحال من فاعل { عمل }
~~وقيد به إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة الصالحة في استحقاق الثواب إجماعا،
~~واختلف في ترتب تخفيف العقاب عليها، فقال بعضهم: لا يترتب أيضا لقوله
~~تعالى:

# وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم

# [النحل: 85] وقوله تعالى:

# وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء
~~منثورا

# [الفرقان: 23]. وقال الإمام: إن إفادة العمل الصالح لتخفيف العقاب غير
~~مشروطة بالإيمان لقوله تعالى: ms05524

# فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره

# [الزلزلة: 7] وحديث أبي طالب أنه اخف الناس عذابا لمحبته وحمايته
~~النبي صلى الله عليه وسلم. وفي " البحر " أن قوله تعالى:

# فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره

# [الزلزلة: 7] مخصص بهذه الآية ونحوها أو يراد  بمثقال ذرة  مثقال ذرة
~~من إيمان كما جاء فيمن يخرج من النار من عصاة المؤمنين، وقال الكرماني:
~~إن تخفيف العذاب عن أبي طالب ليس جزاء لعمله بل هو لرجاء غيره أو هو من
~~خصائص نبينا عليه الصلاة والسلام، وقال بعضهم: الإيمان شرط لترتب التخفيف
~~على الأعمال الصالحة إذا كانت مما يتوقف صحتها على النية التي لا تصح من
~~كافر وليس شرطا للترتب عليها إذا لم تكن كذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى
~~تمام الكلام في هذا المقام.

# وإيثار الجملة الاسمية لإفادة وجوب دوام الإيمان ومقارنته للعمل الصالح
~~في ترتب قوله تعالى: { فلنحيينه حيوة طيبة } الخ،
~~والمراد بالحياة الطيبة الحياة التي تكون في الجنة إذ هناك حياة بلا موت
~~وغنى بلا فقر وصحة بلا سقم وملك بلا هلك وسعادة بلا شقاوة، أخرج ابن جرير
~~وابن المنذر وغيرهما عن الحسن قال: ما تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة،
~~وروي نحوه عن مجاهد وقتادة وابن زيد، ولله تعالى در من قال:

# لا طيب للعيش ما دامت منغصة

# لذاته بادكار الموت والهرم

# وقال شريك: هي حياة تكون في البرزخ فقد جاء

# " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ".

# / وقال غير واحد: هي في الدنيا وأريد بها حياة تصحبها القناعة والرضا
~~بما قسمه الله تعالى له وقدره، فقد أخرج البيهقي في " الشعب " والحاكم
~~وصححه وابن أبي حاتم وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسرها
~~بذلك وقال:

# " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو اللهم قنعني بما رزقتني وبارك
~~لي فيه واخلف على كل غائبة لي بخير "

# وجاء «القناعة مال لا ينفد». وقال أبو بكر الوراق: هي حياة تصحبها حلاوة
~~الطاعة، وأخرج عبد الرزاق وغيره عن ابن عباس أنه سئل ms05525 عن ذلك فقال: الحياة
~~الطيبة الرزق الحلال، وروي عن الضحاك ووجه بعضهم طيب هذه الحياة بأنه لا
~~يترتب عليها عقاب بخلاف الحياة بالرزق الحرام فقد جاء

# " أيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به "

# وهو كما ترى، وقيل: غير ذلك؛ وأولى الأقوال على تقدير أن يكون ذلك في
~~الدنيا تفسيرها بما يصحبه القناعة. قال الواحدي: إن تفسيرها بذلك حسن
~~مختار فإنه لا يطيب في الدنيا إلا عيش القانع وأما الحريص فإنه أبدا في
~~الكد والعناء.

# وقال الإمام: ((إن عيش المؤمن في الدنيا أطيب من عيش الكافر لوجوه:
~~الأول أنه لما عرف أن رزقه إنما حصل بتدبير الله تعالى وأنه سبحانه محسن
~~كريم لا يفعل إلا الصواب كان راضيا بكل ما قضاه وقدره وعرف أن مصلحته في
~~ذلك، وأما الجاهل فلا يعرف هذه الأصول فكان أبدا في الحزن والشقاء.
~~الثاني أن المؤمن يستحضر أبدا في عقله أنواع المصائب والمحن ويقدر
~~وقوعها ويجد نفسه راضية بذلك فعند الوقوع لا يستعظمها بخلاف الجاهل فإنه
~~غافل عن تلك المعارف فعند وقوع المصائب يعظم تأثيرها في قلبه. الثالث أن
~~[قلب] المؤمن منشرح بنور معرفة الله تعالى والقلب إذا كان مملوءا
~~بالمعرفة لم يتسع للأحزان الواقعة بسبب أحوال الدنيا وأما الجاهل فقلبه
~~خال عن المعرفة متفرغ للأحزان من المصائب الدنيوية.

# الرابع أن المؤمن عارف أن خيرات الحياة الجسمانية خسيسة فلا يعظم فرحه
~~بوجدانها ولا غمه بفقدانها والجاهل لا يعرف سعادة أخرى تغايرها فيعظم
~~فرحه بوجدانها وغمه بفقدانها. الخامس أن المؤمن يعلم أن خيرات الدنيا
~~واجبة التغير سريعة الزوال ولولا تغيرها وانقلابها ما وصلت إليه فعند
~~وصولها إليه لا يتعلق بها قلبه ولا يعانقها معانقة العاشق فلا يحزنه
~~فواتها والجاهل بخلاف ذلك)) اه، وللبحث فيه مجال. وأورد على التفسير
~~المختار أن بعض من عمل صالحا وهو مؤمن لم يرزق القناعة بل قد ابتلى
~~بالقنوع، وأجيب بأن المراد بالمؤمن من كمل إيمانه أو يقال: المراد  بمن
~~عمل صالحا  من كان جميع عمله صالحا.

# وقال البيضاوي في بيان ترتب ms05526 احيائه حياة طيبة: إنه إن كان معسرا فظاهر
~~وإن كان موسرا فطيب عيشه بالقناعة والرضى بالقسمة وتوقف الأجر العظيم في
~~الأخرة أي على تخلف بعض مراداته عنه وضنك عيشه فقال الخفاجي: إن هذه
~~الأمور لا بد من وجود بعضها في المؤمن والأخير  يعني توقع الأجر في
~~الآخرة  عام شامل لكل مؤمن فلا يرد عليه أن هذا لا يوجد في كل من عمل
~~صالحا حتى يؤول المؤمن بمن كمل إيمانه إلى آخر ما سمعت. وتعقب بأن
~~القناعة هي الرضا بالقسم كما في " القاموس " وغيره وتوقع الأجر العظيم لا
~~يوجد بدون ذلك وكيف يحصل الأجر على تخلف المراد وضنك العيش مع الجزع وعدم
~~الرضا، وكلامه ظاهر في تحقق هذا التوقع وإن لم يكن هناك قناعة ورضا ولا
~~يكاد يقع هذا من مؤمن عارف فلا بد من التأويل. وبحث بعضهم فيه أيضا بأن
~~كمال الإيمان لا يكون بدون الرضا وكذا كون جميع الأعمال صالحة لا يوجد
~~بدونه لأن الأعمال تشمل القلبية والقالبية والرضا من النوع الأول.
~~والمراد من { لنحيينه حياة طيبة } / لنعطينه ما تطيب به
~~حياته فيؤول معنى الآية حينئذ على تقدير أن يراد القناعة والرضا من رضي
~~بالقسمة وفعل كذا وكذا وهو مؤمن أو من عمل صالحا وهو راض بالقسمة متصف
~~بكذا وكذا مما فيه كمال الإيمان فلنعطينه الرضا بالقسمة الذي تطيب به
~~حياته ويتضمن من رضي بالقسمة فلنعطينه الرضا بالقسمة الذي تطيب به حياته
~~وهو كما ترى وفيه ما لا يخفى.

# نعم تفسير الحياة الطيبة بما يكون في الجنة سالم عن هذا القيل والقال،
~~ويراد بها ما سلمت من توهم الموت والهرم وحلول الألم والسقم فيكون قوله
~~تعالى: { فلنحيينه حياة طيبة } إشارة إلى درء المفاسد،
~~وقوله سبحانه: { ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا
~~يعملون } إشارة إلى جلب المصالح ولكون الأول أهم قدم فليتأمل، وكأن
~~المراد ولنجزينهم الخ حسبما يفعل بالصابرين فليس في الآية شائبة تكرار
~~كما زعم الطبرسي، والجمع في الضمائر العائدة إلى الموصول لمراعاة جانب
~~المعنى كما أن الإفراد فيما سلف ms05527 لرعاية جانب اللفظ، وإيثار ذلك على العكس
~~بناءا على كون الإحياء حياة طيبة في الدنيا وجزاء الأجر في الآخرة لما
~~أن وقوع الجزاء بطريق الاجتماع المناسب للجمعية ووقوع ما في حيز الصلة
~~وما يترتب عليه بطريق الافتراق والتعاقب الملائم للإفراد، وقيل بناءا
~~على كون ذلك في الآخرة: إن الجمع والإفراد لما تقدم، وكذا إيثار ذلك على
~~العكس فيما عدا ضمير { لنحيينه } وأما في ضميره فلما أن الإحياء
~~حياة طيبة بمعنى ما سلمت مما تقدم أمر واحد في الجميع لا يتفاوت فيه أهل
~~الجنة فكأنهم في ذلك شيء واحد، ولما لم يكن الجزاء كذلك وكان أهل الجنة
~~فيه متفاوتين جيء بضمير الجمع معه فتأمل كل ذلك.

# وروي عن نافع أنه قرأ { وليجزينهم } بالياء على الالتفات من التكلم إلى
~~الغيبة. قال أبو حيان: ((وينبغي أن يكون ذلك على تقدير قسم ثان لا
~~معطوفا على { فلنحيينه } فيكون من عطف جملة قسمية على مثلها
~~وكلتاهما محذوفتان، ولا يكون من عطف جواب على مثله لتغاير الإسناد وإفضاء
~~الثاني إلى إخبار المتكلم عن نفسه بإخبار الغائب وذلك لا يجوز، وعلى هذا
~~لا يجوز زيد قال لأضربن هندا ولينفينها تريد ولينفينها زيد فإن جعلته
~~على إضمار قسم ثان جاز أي وقال زيد لينفينها لأن لك في هذا التركيب حكاية
~~المعنى وحكاية اللفظ، ومن الثاني

# وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى

# [التوبة: 107] ومن الأول

# يحلفون بالله ما قالوا

# [التوبة: 74] ولو حكى اللفظ قيل ما قلنا)) ا ه. واستدل بالآية على أن
~~الإيمان مغاير للعمل الصالح مغايرة الشرط للمشروط.

# هذا وإذ قد انتهى الأمر إلى مدار الجزاء وهو صلاح العمل وحسنه رتب عليه
~~بالفاء الإرشاد إلى ما به يحسن العمل الصالح، ويخلص عن شوب الفساد فقيل:
~~{ فإذا قرأت القرءان فاستعذ... }.

### || [16.98]

# { فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله } أي إذا أردت
~~قراءة القرآن فاسأله عز جاره أن يعيذك { من } وساوس { الشيطن
~~الرجيم } كيلا يوسوسك في القراءة، فالقراءة مجاز مرسل عن إرادتها
~~إطلاقا لاسم المسبب على السبب، وكيفية الاستعاذة عند الجمهور من القراء ms05528
~~وغيرهم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لتظافر الروايات على أنه صلى الله
~~عليه وسلم كان يستعيذ كذلك. وروى الثعلبي والواحدي أن ابن مسعود قرأ
~~عليه عليه الصلاة والسلام فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان
~~الرجيم فقال له صلى الله عليه وسلم:

# " يا ابن أم عبد قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريل عن
~~القلم عن اللوح المحفوظ "

# نعم أخرج أبو داود والبيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها في ذكر الإفك
~~قالت:

# " جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكشف عن وجهه وقال: اعوذ بالله
~~السميع / العليم من الشيطان الرجيم { إن الذين جاؤوا بالإفك } [النور:
~~11] "

# الآية، وأخرجا عن سعيد انه قال:

# " كان رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا قام من الليل فاستفتح الصلاة
~~قال: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم يقول
~~أعوذ بالله السميع العليم "

# الخ وبذلك أخذ من استعاذ كذلك، وفي " الهداية " الأولى أن يقول: أستعيذ
~~بالله ليوافق القرآن ويقرب [منه] أعوذ بالله من الشيطان الرجيم اه،
~~والمختار ما سمعت أولا لأن لفظ استعذ طلب العوذ وقوله: أعوذ امتثال
~~مطابق لمقتضاه. والقرب من اللفظ مهدر، ويكفي لأولوية ما عليه الجمهور
~~مجيؤه في المأثور. وقال بعض أصحابنا: ولا ينبغي أن يزيد المتعوذ السميع
~~العليم لأنه ثناء وما بعد التعوذ محل القراءة لا محل الثناء وفيه أن هذا
~~بعد تسليم الخبرين السابقين غير سديد على أنه ليس في ذلك إتيان بالثناء
~~بعد التعود بل إتيان به في أثنائه كما لا يخفى.

# والأمر بها للندب عندهم، وأخرج عبد الرزاق في " المصنف " وابن المنذر عن
~~عطاء وروي عن الثوري أنها واجبة لكل قراءة في الصلاة أو غيرها لهذه الآية
~~فحملا الأمر فيها على الوجوب نظرا إلى أنه حقيقة فيه، وعدم صلاحية كونها
~~لدفع الوسوسة في القراءة صارفا عنه بل يصح شرع الوجوب معه، وأجيب بأنه
~~خلاف الإجماع، ويبعد منهما أن يبتدعا قولا خارقا له من بعد علمهما بأن
~~ذلك لا يجوز فالله تعالى أعلم بالصارف ms05529 على قول الجمهور، وقد يقال: هو
~~تعليمه صلى الله عليه وسلم الاعرابي الصلاة ولم يذكرها عليه الصلاة
~~والسلام. وقد يجاب بأن تعليمه إياها بتعليمه ما هو من خصائصها وهي ليست
~~من واجباتها بل من واجبات القراءة أو إن كونها تقال عند القراءة كان
~~ظاهرا معهودا فاستغنى عن ذكرها، وفيه أنه لا يتأتى على ما ستسمع قريبا
~~إن شاء الله تعالى من قول أبي يوسف عليه الرحمة، وقال الخفاجي: إن حمل
~~الأمر على الندب لما روي من ترك النبي صلى الله عليه وسلم لها، وإذا ثبت
~~هذا كفى صارفا.

# ومذهب ابن سيرين والنخعي وهو أحد قولي الشافعي أنها مشروعة في القراءة
~~في كل ركعة لأن الأمر معلق على شرط فيتكرر بتكرره كما في قوله تعالى:

# وإن كنتم جنبا فاطهروا

# [المائدة: 6] وأيضا حيث كانت مشروعة في الركعة الأولى فهي مشروعة في
~~غيرها من الركعات قياسا للاشتراك في العلة، ومذهب أبي حنيفة  وهو
~~القول الآخر للشافعي  أنها مشروعة في الأولى فقط لأن قراءة الصلاة كلها
~~كقراءة واحدة، وقيل: إنها عند الإمام أبي حنيفة للصلاة ولذا لا تكرر،
~~والمذكور في " الهداية " وغيرها أنها عند الإمام ومحمد للقراءة دون
~~الثناء حتى يأتي بها المسبوق دون المقتدي، وقال أبو يوسف: إنها للثناء
~~وفي " الخلاصة " أنه الأصح، وتظهر ثمرة الخلاف في ثلاثة مسائل ذكرت فيها
~~فما ذكره صاحب القيل لم نعثر عليه في كتب الأصحاب، ومالك لا يرى التعوذ
~~في الصلاة المفروضة ويراه في غيرها كقيام رمضان، والمروي عنه في غير
~~الصلاة فيما سمعت من بعض مقلديه وعن أبي هريرة وابن سيرين وداود وحمزة
~~من القراء أن الاستعاذة عقب القراءة أخذا بظاهر الآية.

# وللجمهور ما رواه أئمة القراءة مسندا عن نافع عن جبير بن مطعم أنه صلى
~~الله عليه وسلم كان يقول قبل القراءة: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم).
~~قال في " الكشف ": دل الحديث على أن التقديم هو السنة فبقي سببية القراءة
~~لها، والفاء في { فاستعذ } دلت على السببية فلتقدر الإرادة ليصح،
~~وأيضا الفراغ عن العمل لا ms05530 يناسب الاستعاذة من العدو وإنما يناسبها
~~الشروع فيه والتوسط فلتقدر ليكونا  أي القراءة والاستعاذة  مسببتين عن
~~سبب واحد لا يكون بينهما مجرد الصحبة الاتفاقية التي تنافيها الفاء،
~~وإليه أشار صاحب " المفتاح " بقوله: بقرينة الفاء والسنة المستفيضة
~~انتهى. ومنه يعلم أن ما قيل من أن الفاء لا دلالة فيها على ما ذكر وأن
~~إجماعهم على صحة هذا المجاز يدل على أن القرينة المانعة عن إرادة الحقيقة
~~ليس بشرط فيه ليس بشيء؛ وكذا القول بالفرق بين هذه الآية وقوله/ تعالى:

# إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا

# [المائدة: 6] الخ بأن ثمة دليلا قائما على المجاز فترك الظاهر له
~~بخلاف ما نحن فيه، والظاهر أن المراد بالشيطان إبليس وأعوانه، وقيل: هو
~~عام في كل متمرد عات من جن وإنس، وتوجيه الخطاب إلى رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند
~~إرادتها للتنبيه على أنها لغيره عليه الصلاة والسلام وفي سائر الأعمال
~~الصالحة أهم فإنه صلى الله عليه وسلم حيث أمر بها عند قراءة القرآن الذي
~~لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فما الظن بمن عداه عليه الصلاة
~~والسلام فيما عدا القراءة من الأعمال.

### || [16.99]

# { إنه } الضمير للشأن أو للشيطان { ليس له سلطان } تسلط
~~واستيلاء { على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } أي
~~إليه تعالى لا إلى غيره سبحانه يفوضون أمورهم وبه يعوذون فالمراد نفي
~~التسلط بعد الاستعاذة فتكون الجملة تعليلا للأمر بها أو لجوابه المنوي
~~أي أن يعذك ونحوه. وقال البعض: المراد نفي ذلك مطلقا، قال أبو حيان: وهو
~~الذي يقتضيه ظاهر الأخبار وتعقب بأنه إذا لم يكن له تسلط فلم أمروا
~~بالاستعاذة منه. وأجيب بأن المراد نفي ما عظم من التسلط وقد أخرج ابن
~~جرير وغيره عن سفيان الثوري أنه قال في الآية: ليس له سلطان على أن
~~يحملهم على ذنب لا يغفر لهم والاستعاذة من المحتقرات فهم لا يطيعون
~~أوامره ولا يقبلون وساوسه إلا فيما يحتقرونه على ندور وغفلة فأمروا
~~بالاستعاذة منه لمزيد الاعتناء ms05531 بحفظهم، وقد ذهب إلى هذا البيضاوي ثم قال:
~~فذكر السلطنة بعد الأمر بالاستعاذة لئلا يتوهم منه أن له سلطانا. وفي "
~~الكشف " أن هذه الجملة جارية مجرى البيان للاستعاذة المأمور بها وأنه لا
~~يكفي فيها مجرد القول الفارغ عن اللجأ إلى الله تعالى واللجأ إنما هو
~~بالإيمان أولا والتوكل ثانيا، وأيا ما كان فوجه ترك العطف ظاهر وإيثار
~~صيغة الماضي في الصلة الأولى للدلالة على التحقيق كما أن اختيار صيغة
~~الاستقبال في الثانية لإفادة الاستمرار التجددي، وفي التعرض لوصف
~~الربوبية تأكيد لنفي السلطان عن المؤمنين المتوكلين.

### || [16.100]

# { إنما سلطنه على الذين يتولونه } أي يجعلونه
~~واليا عليهم فيحبونه ويطيعونه ويستجيبون دعوته فالمراد بالسلطان التسلط
~~والولاية بالدعوة المستتبعة للاستجابة لا ما يعم ذلك والتسلط بالقسر
~~والإلجاء فإن في جعل التولي صلة { ما } يفصح بنفي أرادة التسلط القسري
~~فإن المقسور بمعزل عنه بهذا المعنى، وقد نفي هذا أيضا عن الكفرة في قوله
~~تعالى حكاية عن اللعين:

# وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم
~~فاستجبتم لي

# [إبراهيم: 22] { والذين هم به } أي بسبب الشيطان وإغوائه إياهم
~~{ مشركون } بالله تعالى، وقيل: أي بإشراكهم الشيطان مشركون بالله
~~تعالى، وجوز أن يكون الضمير للرب تعالى شأنه والباء للتعدية، وروي ذلك عن
~~مجاهد ورجح الأول باتحاد الضمائر فيه مع تبادره إلى الذهن، وفي " إرشاد
~~العقل السليم " ما يشعر باختيار الأخير، وذكر فيه أيضا أن قصر سلطان
~~اللعين على المذكورين غب نفيه عن المؤمنين المتوكلين دليل على أنه لا
~~واسطة في الخارج بين التوكل على الله تعالى وتولي الشيطان وإن كان بينهما
~~واسطة في المفهوم وأن من لم يتوكل عليه تعالى ينتظم في سلك من يتولى
~~الشيطان من حيث لا يحتسب إذ به يتم التعليل، ففيه مبالغة في الحمل على
~~التوكل والتحذير عن مقابله. وإيثار الجملة الفعلية الاستقبالية في الصلة
~~الأولى لما مر آنفا والاسمية في الثانية للدلالة على الثبات، وتكرير
~~الموصول للاحتراز عن توهم كون الصلة الثانية حالية مفيدة لعدم دخول غير
~~المشركين من أولياء الشيطان تحت سلطانه./ ms05532 وتقديم الأولى على الثانية التي
~~هي بمقابلة الصلة الأولى فيما سلف لرعاية المقارنة بينها وبين ما يقابلها
~~من التوكل على الله تعالى ولو روعي الترتيب السابق لانفصل كل من
~~القرينتين عما يقابلها اه، وقيل لما كان كل من الإيمان والتولي منشأ لما
~~بعده قدم عليه، وتقديم الجار والمجرور لرعاية الفواصل.

### || [16.101]

# { وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية } أي إذا نزلنا آية من
~~القرآن مكان آية منه وجعلناها بدلا منها بأن نسخناها بها، والظاهر على
~~ما في " البحر " أن المراد نسخ اللفظ والمعنى، ويجوز أن يراد نسخ المعنى
~~مع بقاء اللفظ { والله أعلم بما ينزل } من المصالح فكل من
~~الناسخ والمنسوخ منزل حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة فإن كل وقت له مقتضى
~~غير الآخر فكم من مصلحة تنقلب مفسدة في وقت آخر لانقلاب الأمور الداعية
~~إليها، ونرى الطبيب الحاذق قد يأمر المريض بشربة ثم بعد ذلك ينهاه عنها
~~ويأمره بضدها، وما الشرائع إلا مصالح للعباد وأدوية لأمراضهم المعنوية
~~فتختلف حسب اختلاف ذلك في الأوقات وسبحان الحكيم العليم، والجملة إما
~~معترضة لتوبيخ الكفرة والتنبيه على فساد رأيهم، وفي الالتفات إلى الغيبة
~~مع الإسناد إلى الاسم الجليل ما لا يخفى من تربية المهابة وتحقيق معنى
~~الاعتراض أو حالية كما قال أبو البقاء وغيره، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {
~~ينزل } من الإنزال { قالوا } أي الكفرة الجاهلون بحكمة النسخ {
~~إنما أنت مفتر } متقول على الله تعالى تأمر بشيء ثم يبدو لك
~~فتنهى عنه، وقد بالغوا قاتلهم الله تعالى في نسبه الافتراء إلى حضرة
~~الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حيث وجهوا الخطاب إليه عليه الصلاة
~~والسلام وجاؤوا بالجملة الاسمية مع التأكيد بإنما، وحكاية هذا القول عنهم
~~ههنا للإيذان بأنه كفرة ناشئة من نزغات الشيطان وأنه وليهم. وفي " الكشف
~~" أن وجه ذكره عقيب الأمر بالاستعاذة عند القراءة أنه باب عظيم من أبوابه
~~يفتن به الناقصين يوسوس إليهم البداء والتضاد وغير ذلك.

# { بل أكثرهم لا يعلمون } أي لا يعلمون شيئا أصلا أو لا
~~يعلمون أن في التبديل المذكور حكما ms05533 بالغة، وإسناد هذا الحكم إلى أكثرهم
~~لما أن منهم من يعلم ذلك وإنما ينكر عنادا. والآية دليل على نسخ القرآن
~~بالقرآن وهي ساكتة عن نفي نسخه بغير ذلك مما فصل في " كتب الأصول ".

### || [16.102]

# { قل نزله } أي القرآن المدلول عليه بالآية، وقال الطبرسي: أي
~~الناسخ المدلول عليه بما تقدم { روح القدس } يعني جبريل عليه
~~السلام وأطلق عليه ذلك من حيث إنه ينزل بالقدس من الله تعالى أي مما يطهر
~~النفوس من القرآن والحكمة والفيض الإلهي، وقيل: لطهره من الأدناس
~~البشرية، والإضافة عند بعض للاختصاص كما في

# رب العزة

# [الصافات: 180] وجعلها بعض المحققين من إضافة الموصوف للصفة على جعله
~~نفس القدس مبالغة نحو  خبر سوء ورجل صدق  على ما ارتضاه الرضي، ومثل
~~ذلك حاتم الجود وسحبان الفصاحة وخالف في ذلك صاحب " الكشف " مختارا أنها
~~للاختصاص، ولا يخفى ما في صيغة التفعيل بناء على القول بأنها تفيد
~~التدريج من المناسبة لمقتضى المقام لما فيها من الإشارة إلى أنه أنزل
~~دفعات على حسب المصالح { من ربك } في إضافة الرب إلى ضميره صلى الله
~~عليه وسلم من الدلالة على تحقيق إفاضة آثار الربوبية عليه عليه الصلاة
~~والسلام ما ليس في إضافته إلى ياء المتكلم المنبئة عن التلقين المحض كما
~~في " إرشاد العقل السليم " ، وكأنه اعتناء بأمر هذه الدلالة لم يقل من
~~ربكم على أن في ترك خطابهم من حط قدرهم ما فيه، و { من } لابتداء
~~الغاية مجازا { بالحق } أي ملتبسا بالحكمة المقتضية له بحيث لا
~~يفارقها ناسخا كان أو منسوخا.

# { ليثبت الذين ءامنوا } أي على الإيمان بما يجب الإيمان به
~~لما فيه/ من الحجج القاطعة والأدلة الساطعة أو على الإيمان بأنه كلامه
~~تعالى فإنهم إذا سمعوا الناسخ وتدبروا ما فيه من رعاية المصالح رسخت
~~عقائدهم واطمأنت به قلوبهم، وأول بعضهم الآية على هذا الوجه بقوله: ليبين
~~ثباتهم وتعقب بأنه لا حاجة إليه إذ التثبيت بعد النسخ لم يكن قبله فإن
~~نظر إلى مطلق الإيمان صح. وقرىء { ليثبت } من الإفعال. { وهدى
~~وبشرى للمسلمين } عطف على ms05534 محل { ليثبت } عند الزمخشري
~~ومن تابعه وهو نظير زرتك لأحدثك وإجلالا لك أي تثبيتا وهداية وبشارة،
~~وتعقب بأنه إذا اعتبر الكل فعل المنزل على الإسناد المجازي لم يكن للفرق
~~بإدخال اللام في البعض والترك في البعض وجه ظاهر، وكذا إذا اعتبر فعل
~~الله تعالى كما هو كذلك على الحقيقة وإذا اعتبر البعض فعل المنزل ليتحد
~~فاعل المصدر وفاعل المعلل به فيترك اللام له والبعض الآخر فعل الله تعالى
~~ليختلف الفاعل فيؤتي باللام لم يكن لهذا التخصيص وجه ظاهر أيضا ويفوت به
~~حسن النظم. وقال الخفاجي يوجه ترك اللام في المعطوف دون المعطوف عليه مع
~~وجود شرط الترك فيهما بأن المصدر المسبوك معرفة على ما تقرر في العربية
~~والمفعول له الصريح وإن لم يجب تنكيره كما عزي للرياشي فخلافه قليل
~~كقوله:

# وأغفر عوراء الكريم ادخاره

# ففرق بينهما تفننا وجريا على الأفصح فيهما، والنكتة فيه أن التثبيت
~~أمر عارض بعد حصول المثبت عليه فاختير فيه صيغة الحدوث مع ذكر الفاعل
~~إشارة إلى أنه فعل لله تعالى مختص به بخلاف الهداية والبشارة فإنهما
~~يكونان بالواسطة، وقيل: إن وجود الشرط مجوز لا موجب والاختيار مرجح مع ما
~~في ذلك من فائدة بيان جواز الوجهين، وفيه أنه لا يصلح وجها عند التحقيق،
~~وقد اعترض أبو حيان هنا بما تقدم في الكلام على قوله تعالى:

# لتبين لهم الذى اختلفوا فيه وهدى ورحمة

# [النحل: 64]، وذكر أنه لا يمتنع أن يكون العطف على المصدر المنسبك لأنه
~~مجرور فيكون { هدى وبشرى } مجرورين، وجوز أبو البقاء أن يكونا
~~مرفوعين على أنهما خبرا مبتدأ محذوف أي وهو هدى وبشرى، والجملة في موضع
~~الحال من الهاء في { نزله }. والمراد بالمسلمين الذين آمنوا، والعدول عن
~~ضميرهم لمدحهم بكلا العنوانين، وفسر بعضهم الإسلام بمعناه اللغوي فقيل:
~~إن ذلك ليفيد بعد توصيفهم بالإيمان، والظاهر أن { للمسلمين } قيد
~~للهدى والبشرى ولم أر من تعرض لجواز كونه قيدا للبشرى فقط كما تعرض لذلك
~~في قوله تعالى:

# هدى ورحمة وبشرى للمسلمين

# [النحل: 89] على ما سمعت هناك.

# وفي هذه ms05535 الآية على ما قالوا تعريض لحصول أضداد الأمور المذكورة لمن سوى
~~المذكورين من الكفار من حيث إن قوله تعالى: { قل نزله } جواب
~~لقولهم:

# إنما أنت مفتر

# [النحل: 101] فيكفي فيه { قل نزله روح القدس } فالزيادة
~~لمكان التعريض وقال الطيبي إن { نزله روح القدس } بدل نزل
~~الله فيه زيادة تصوير في الجواب وزيد قوله تعالى: { بالحق } لينبه
~~على دفع الطعن بألطف الوجوه ثم نعى قبيح أفعالهم بقوله تعالى: {
~~ليثبت } الخ تعريضا بأنهم متزلزلون ضالوان موبخون منذرون بالخزى
~~والنكال واللعن في الدنيا والآخرة وأن عذابهم في خلاف ذلك ليزيد في غيظهم
~~وحنقهم، وفي الكلام ما هو قريب من الأسلوب الحكيم اه فتأمل.

### || [16.103]

# { ولقد نعلم أنهم يقولون } غير ما نقل عنهم من المقالة
~~الشنعاء { إنما يعلمه } أي يعلم النبي صلى الله عليه وسلم
~~القرآن، وهو الذي يقتضيه ظاهر كلام قتادة ومجاهد وغيرهما واختير كون
~~الضمير للقرآن ليوافق ضمير

# نزله

# [النحل: 102] أي يقولون إنما يعلم القرآن النبي عليه الصلاة والسلام {
~~بشر } على طريق البت مع ظهور أنه نزله روح القدس عليه عليه الصلاة
~~والسلام، وتأكيد الجملة لتحقيق ما تتضمنه من الوعيد، وصيغة الاستقبال
~~لإفادة استمرار العلم/ بحسب الاستمرار التجددي في متعلقه فإنهم مستمرون
~~على التفوه بتلك العظيمة، وفي " البحر " أن المعنى على المضي فالمراد
~~علمنا وعنوا بهذا البشر قيل: جبرا الرومي غلام عامر بن الحضرمي وكان قد
~~قرأ التوراة والإنجيل وكان صلى الله عليه وسلم يجلس إليه إذا آذاه أهل
~~مكة فقالوا ما قالوا. وروي ذلك عن السدي، وقيل: مولى لحويطب بن عبد العزى
~~اسمه عائش أو يعيش كان يقرأ الكتب وقد أسلم وحسن إسلامه قاله الفراء
~~والزجاج، وقيل: أبا فكيهة مولى لامرأة بمكة قيل اسمه يسار وكان يهوديا
~~قاله مقاتل وابن جبير إلا أنه لم يقل كان يهوديا. وأخرج آدم بن أبي
~~إياس والبيهقي وجماعة عن عبد الله بن مسلم الحضرمي قال: كان لنا عبدان
~~نصرانيان من أهل عين التمر يقال لأحدهما يسار وللآخر جبر وكانا يصنعان
~~السيوف بمكة وكانا يقرءان الإنجيل فربما ms05536 مر بهما النبي صلى الله عليه
~~وسلم وهما يقرءان فيقف ويستمع فقال المشركون: إنما يتعلم منهما، وفي بعض
~~الروايات أنه قيل لأحدهما أنك تعلم محمدا صلى الله عليه وسلم فقال لا
~~بل هو يعلمني، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كان بمكة غلام
~~أعجمي رومي لبعض قريش يقال: له بلعام وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~يعلمه الإسلام فقالت قريش: هذا يعلم محمدا عليه الصلاة والسلام من جهة
~~الأعاجم؛ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك أنه سلمان الفارسي رضي
~~الله تعالى عنه، وضعف هذا بأن الآية مكية وسلمان أسلم بالمدينة، وكونها
~~إخبارا بأمر مغيب لا يناسب السباق، ورواية أنه أسلم بمكة واشتراه أبو
~~بكر رضي الله تعالى عنه وأعتقه بها قيل ضعيفة لا يعول عليها كاحتمال أن
~~هذه الآية مدنية. وقد أخبرني من أثق به عن بعض النصارى أنه قال له: كان
~~نبيكم صلى الله عليه وسلم يتردد إليه في غار حراء رجلان نصراني ويهودي
~~يعلمانه، ولم أجد هذا عن أحد من المشركين وهو كذب بحت لا منشأ له وبهت
~~محض لا شبهة فيه، وإنما لم يصرح باسم من زعموا أنه يعلمه عليه الصلاة
~~والسلام مع أنه أدخل في ظهور كذبهم للإيذان بأن مدار خطئهم ليس بنسبته
~~صلى الله عليه وسلم إلى التعلم من شخص معين بل من البشر كائنا من كان مع
~~كونه عليه الصلاة والسلام معدنا لعلوم الأولين والآخرين.

# { لسان الذى يلحدون إليه أعجمى } اللسان مجاز
~~مشهور عن التكلم، والإلحاد الميل يقال: لحد وألحد إذا مال عن القصد، ومنه
~~لحد القبر لأنه حفرة مائلة عن وسطه، والملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان
~~كلها، والأعجمي الغير البين، قال أبو الفتح الموصلي: تركيب ع ج م في كلام
~~العرب للإبهام والإخفاء وضد البيان والإيضاح، ومنه قولهم: رجل أعجم
~~وامرأة عجماء إذا كانا لا يفصحان؛ وعجم الزبيب سمي بذلك لاستتاره
~~واختفائه ويقال للبهيمة العجماء لأنه لا توضح ما في نفسها وسموا صلاتي
~~الظهر والعصر العجماوين لأن ms05537 القراءة فيهما سر وأما قولهم: أعجمت الكتاب
~~فمعناه أزلت عجمته كأشكيت زيدا أزلت شكواه، والأعجمي والأعجم الذي في
~~لسانه عجمة من العجم كان أو من العرب، ومن ذلك زياد الأعجم وكان عربيا
~~في لسانه لكنة وكذاك حبيب الأعجمي تلميذ الحسن البصري قدس الله تعالى
~~سرهما على ما رأيته في بعض التواريخ. والمراد من { الذى } على القول
~~بتعدد من زعموا نسبة التعليم إليه الجنس ومفعول { يلحدون } محذوف أي
~~تكلم الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه أي ينسبون التعليم إليه غير
~~بين لا يتضح المراد منه. وظاهر كلام ابن عطية أن اللسان على معناه
~~الحقيقي وهو الجارحة المعروفة. وقرأ الحسن { اللسان الذى } بتعريف/
~~اللسان بأل ووصفه بالذي. وقرأ حمزة والكسائي وعبد الله بن طلحة والسلمي
~~والأعمش { يلحدون } بفتح الياء والحاء من لحد، وألحد ولحد لغتان
~~فصيحتان مشهورتان.

# { وهذا } القرآن الكريم { لسان عربى مبين } ذو بيان
~~وفصاحة على ما يشعر به وصفه  بمبين  بعد وصفه  بعربي  والكلام على
~~حذف مضاف عند ابن عطية أي سرد لسان أو نطق لسان، والجملتان مستأنفتان عند
~~الزمخشري لإبطال طعنهم، وجوز أبو حيان أن يكونا حالين من فاعل {
~~يقولون } ثم قال: ((وهو أبلغ في الإنكار [عليهم] أي يقولون هذا
~~والحال أن علمهم بأعجمية هذا البشر و [إبانه] عربية هذا القرآن كان ينبغي
~~أن يمنعهم عن مثل تلك المقالة كقولك: أتشتم فلانا وهو قد أحسن إليك
~~وإنما ذهب الزمخشري إلى الاستئناف لأن مجىء الاسمية حالا بدون واو شاذ
~~عنده، وهو مذهب مرجوح [جدا] تبع فيه الفراء إذ مجيئها كذلك في كلام
~~العرب أكثر من أن يحصى)) اه، وتقرير الإبطال  كما قال العلامة البيضاوي
~~ يحتمل وجهين، أحدهما أن ما يسمعه من ذلك البشر كلام أعجمي لا يفهمه هو
~~ولا أنتم والقرآن عربي تفهمونه بأدنى تأمل فكيف يكون ما تلقفه منه.

# وثانيهما هب أنه تعلم منه المعنى باستماع كلامه ولكن لم يلقف منه اللفظ
~~لأن ذلك أعجمي وهذا عربي والقرآن كما هو معجز باعتبار المعنى فهو معجز
~~من حيث اللفظ مع ms05538 أن العلوم الكثيرة التي في القرآن لا يمكن تعلمها إلا
~~بملازمة معلم فائق في تلك العلوم مدة متطاولة فكيف تعلم جميع ذلك من غلام
~~سوقى سمع منه بعض المنقولات بكلمات أعجمية لعله لم يعرف معناها، وحاصل
~~ذلك منع تعلمه عليه الصلاة والسلام منه مع سنده ثم تسليمه باعتبار المعنى
~~إذ لفظه مغاير للفظ ذلك بديهية فيكفي دليلا له ما أتى به من اللفظ
~~المعجز ويمكن تقريره بنحو هذا على سائر الأقوال السابقة في البشر، وقال
~~الكرماني: المعنى أنتم أفصح الناس وأبلغهم وأقدرهم على الكلام نظما
~~ونثرا وقد عجزتم وعجز جميع العرب عن الإتيان بمثله فكيف تنسبونه إلى
~~أعجمي ألكن وهو كما ترى، وبالجملة التشبث في أثناء الطعن بمثل هذه
~~الخرافات الركيكة دليل قوي على كمال عجزهم فقد راموا اجتماع اليوم والأمس
~~واستواء السها والشمس:

# فدعهم يزعمون الصبح ليلا

# أيعمى الناظرون عن الضياء

### || [16.104]

# { إن الذين لا يؤمنون بآيت الله } أي يصدقون بأنها
~~من عنده تعالى بل يقولون فيها ما يقولون يسمونها تارة افتراء وأخرى
~~أساطير معلمة من البشر، وقيل: المراد بالآيات المعجزات الدالة على صدق
~~النبي صلى الله عليه وسلم ويدخل فيها الآيات القرآنية دخولا أوليا
~~والأول على ما قيل أوفق بالمقام. { لا يهديهم الله } قيل: أي
~~إلى الجنة بل يسوقهم إلى النار كما يشير إليه قوله تعالى: { ولهم
~~عذاب أليم }. وقال بعض المحققين: المعنى لا يهديهم إلى ما ينجيهم
~~من الحق لما يعلم من سوء استعدادهم، وقال في «البحر»: أي لا يخلق الإيمان
~~في قلوبهم، وهذا عام مخصوص فقد اهتدى قوم كفروا بآيات الله تعالى، وقال
~~الجلبي: المعنى أن سبب عدم إيمانهم هو أنه تعالى لا يهديهم لختمه على
~~قلوبهم أو لا يهديهم سبحانه مجازاة لعدم إيمانهم بأن تلك الآيات من عنده
~~تعالى، وقال العسكري: يجوز أن يكون المعنى أنهم إن لم يؤمنوا بهذه الآيات
~~لم يهتدوا، والمراد  بلا يهديهم الله  لا يهتدون فإنه إنما يقال هدى
~~الله تعالى فلانا على الإطلاق إذا اهتدى هو، وأما من لم يقبل ms05539 الهدى فإنه
~~يقال فيه: إن الله تعالى هداه فلم يهتد كما قال تعالى:

# وأما ثمود فهدينهم فاستحبوا العمى على
~~الهدى

# [فصلت: 17] وقيل: المعنى إن الذين لا يصرفون اختيارهم إلى الإيمان
~~بآياته تعالى لا يخلقه سبحانه في قلوبهم، وقال ابن عطية: المفهوم من
~~الوجود أن/ الذين لا يهديهم الله تعالى لا يؤمنون بآياته ولكنه قدم وأخر
~~تتميما لتقبيح حالهم وللتشنيع بخطئهم كما في قوله تعالى:

# فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم

# [الصف: 5] ويؤدي مؤدى التقديم والتأخير ما ذكره الجلبي، أولا والأكثر
~~لا يخلو عن دغدغة. وقال القاضي: أقوى ما قيل في الآية ما ذكر أولا،
~~وكونه تفسيرا للمعتزلة مناسبا لأصولهم فيه نظر، وأيا ما كان فالمراد
~~من الآية التهديد والوعيد لأولئك الكفرة على ما هم عليه من الكفر بآيات
~~الله تعالى ونسبة رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الافتراء والتعلم من
~~البشر بعد إماطة شبهتهم ورد طعنهم.

### || [16.105]

# وقوله سبحانه: { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون
~~بآيات الله } تمهيد لكونهم هم المفترين وقلب عليهم بعد أن حقق بالبيان
~~البرهاني براءة ساحته صلى الله عليه وسلم عن لوث الافتراء، وقوله تعالى:
~~{ وأولئك هم الكاذبون } إشارة إلى قريش القائلين:

# إنما أنت مفتر

# [النحل: 101] وهو تصريح بعد التعريض ليكون كالوسم عليهم، وهذا الأسلوب
~~أبلغ من أن يقال: أنتم معشر قريش مفترون لما أشير إليه، وإقامة الدليل
~~على أنهم كذلك وأن من زنوه به لا يجوز أن يتعلق بذيله نشب منه أي إنما
~~يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن لأنه لا يترقب عقابا عليه وقريش كذلك فهم
~~الكاذبون أو إشارة إلى

# الذين لا يؤمنون

# [النحل: 104] فيستمر الكلام على وتيرة واحدة، والمعنى أن الكاذب
~~بالحقيقة هذا الكاذب على ما قرروه في قوله تعالى:

# وأولئك هم المفلحون

# [البقرة: 5] واللام للجنس وهو شهادة عليهم بالكمال في الافتراء، فالكذب
~~في الحقيقة مقيد بالكذب بآيات الله تعالى، وأطلق إشعارا بأن لا كذب فوقه
~~ليكون كالحجة على كمال الافتراء أو الكذب غير مقيد على هذا الوجه على
~~معنى أنهم الذين عادتهم الكذب ms05540 فلذلك اجترؤا على تكذيب آيات الله تعالى
~~دلالة على أن ذلك لا يصدر إلا ممن لهج بالكذب قيله، ويدل على اعتبار هذا
~~المعنى التعبير بالجملة الاسمية ولذا عطفت على الفعلية، وفيه قلب حسن
~~وإشارة إلى أن قريشا لما كان من عادتهم الكذب أخذوا يكذبون بآيات الله
~~تعالى ومن أتى بها، ثم لم يرضوا بذلك حتى نسبوا من شهدوا له بالأمانة
~~والصدق إلى الافتراء. وموضع الحسن الإيماء إلى سبق حالتي النبي صلى الله
~~عليه وسلم وقريش أو الكذب مقيد على هذا الوجه أيضا بما نسبوا إليه عليه
~~الصلاة والسلام من الافتراء، و

# الذين لا يؤمنون

# [النحل: 104] على هذا المراد به قريش من إقامة الظاهر مقام المضمر،
~~وإيثار المضارع على الماضي دلالة على استمرار عدم إيمانهم وتجدده عقب
~~نزول كل آية واستحضارا لذلك وهذا الوجه مرجوح بالنسبة إلى السوابق، وقد
~~ذكر هذه الأوجه صاحب " الكشاف " وقد حررها بما ذكر المولى المدقق في "
~~كشفه " ، والحصر في سائرها غير حقيقي، ولا استدراك في الآية لا سيما على
~~الأول منها، وهي من الكلام المنصف في بعضها. وتعلقها بقوله سبحانه حكاية
~~عنهم:

# إنما أنت مفتر

# [النحل: 101] لأنها كما سمعت لرده، وتوسيط ما وسط لما لا يخفى من شدة
~~اتصاله بالرد الأول.

### || [16.106]

# { من كفر بالله } أي بكلمة الكفر { من بعد إيمنه } به
~~تعالى. وهذا بحسب الظاهر ابتداء كلام لبيان حال من كفر بآيات الله تعالى
~~بعدما آمن بها بعد بيان حال من لم يؤمن بها رأسا و { من } موصولة
~~محلها الرفع على الابتداء والخبر محذوف لدلالة { فعليهم غضب }
~~الآتي عليه وحذف مثل ذلك كثير في الكلام، وجوز أيضا الرفع وكذا النصب
~~على القطع لقصد الذم أي هم أو أذم من كفر والقطع للذم والمدح وإن تعورف
~~في النعت، و { من } لا يوصف بها لكن لا مانع من اعتباره في غيره كالبدل
~~وقد نص عليه سيبويه. نعم قال أبو حيان: إن النصب على الذم بعيد. وأجاز
~~الحوفي والزمخشري كونها بدلا من

# الذين لا يؤمنون بآيت الله

# [النحل: ms05541 104] وقوله تعالى:

# وأولئك هم الكاذبون

# [النحل: 105] اعتراض بينهما. واعترضه أبو حيان/ وغيره بأنه يقتضي أن لا
~~يفتري الكذب إلا من كفر بعد إيمانه والوجود يقتضي أن من يفتري الكذب هو
~~الذي لا يؤمن مطلقا وهم أكثر المفترين. وأيضا البدل هو المقصود والآية
~~سيقت للرد على قريش وهم كفار أصليون. ووجه ذلك الطيبي بأن يراد بقوله
~~تعالى: { من بعد إيمنه } من بعد تمكنه منه كقوله تعالى:

# أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى

# [البقرة: 16] وذكر أن فيه ترشيحا لطريق الاستدراج وتحسيرا لهم على ما
~~فاتهم من التصديق وما اقترفوه من نسبته عليه الصلاة والسلام إلى
~~الافتراء.

# وفيه كما في «الكشف» أن قوله سبحانه: { إلا من أكره } لا يساعد
~~عليه، وحمل التمكن منه على ما هو أعم من التمكن في إحداثه وبقائه لا يخفى
~~ما فيه. وقال المدقق: الأولى في التوجيه أن يجعل المعنى من وجد الكفر
~~فيما بينهم تعييرا على الارتداد أيضا وأن من وجد فيهم هذه الخصلة لا
~~يبعد منهم الافتراء ويجعل ذلك ذريعة إلى أن ينعى عليهم ما كانوا يفعلونه
~~مع المؤمنين من المثلة ويدمج فيه الرخصة بإجراء كلمة الكفر على اللسان
~~على سبيل الإكراه وتفاوت ما بين صاحب العزيمة والرخصة، ولا يخفى ما فيه
~~أيضا وأنه غير ملائم لسبب النزول، وقال الخفاجي: لك أن تقول الأقرب أن
~~يبقى الكلام على ظاهره من غير تكلف وأن هذا تكذيب لهم على أبلغ وجه كما
~~يقال لمن قال: إن الشمس غير طالعة في يوم صاح هذا ليس بكذب لأن الكذب
~~يصدر فيما قد تقبله العقول ويكون هذا على تقدير أن يكون المراد في { لا
~~يهديهم الله } لا يهديهم إلى الحق فالله تعالى لما لم يهدهم إلى
~~الحق والصدق وختم على حواسهم نزلوا منزلة من لم يعرفه حتى يساعده لسانه
~~على النطق به فقبح إنكارهم له أجل من أن يسمى كذبا وإنما يكذب من تعمد
~~ذلك ونطق به مرة، فتكون الآية الأولى للرد على قريش صريحا والأخرى دلالة
~~على أبلغ وجه انتهى، ولعمري إنه ms05542 نهاية في التكلف، ومثل هذا الإبدال
~~الإبدال من

# أولئك

# [النحل: 105] والإبدال من

# الكذبون

# [النحل: 105] وقد جوزهما الزمخشري أيضا؛ وجوز الحوفي الأخير أيضا ولم
~~يجوز الزجاج غيره. وجوز غير واحد كون { من } شرطية مرفوعة المحل على
~~الابتداء واستظهره في «البحر» والجواب محذوف لدلالة الآتي عليه كما سمعت
~~في الوجه الأول، والكلام في خبر من الشرطية مشهور، وظاهر صنيع الزمخشري
~~اختيار الإبدال وهو عندي غريب منه. وفي «الكشف» أن كون { من } شرطية
~~مبتدأ وجه ظاهر السداد إلا أن الذي حمل جار الله على إيثار كون { من }
~~بدلا طلب الملاءمة بين أجزاء النظم الكريم لا أن يكون ابتداء بيان حكم،
~~ولا يخفى ما في هذا العذر من الوهن، والظاهر أن استثناء { من أكره
~~} أي على التلفظ بالكفر بأمر يخاف منه على نفسه أو عضو من أعضائه  ممن
~~كفر  استثناء متصل لأن الكفر التلفظ بما يدل عليه سواء طابق الاعتقاد أو
~~لا. قال الراغب: ((يقال كفر فلان إذا اعتقد الكفر ويقال إذا أظهر الكفر
~~وإن لم يعتقد))، فيدخل هذا المستثنى في المستثنى منه المذكور، وقيل:
~~مستثنى من الخبر الجواب المقدر، وقيل: مستثنى مقدم من قوله تعالى: {
~~فعليهم غضب } وليس بذاك، والمراد إخراجه من حكم الغضب والعذاب
~~أو الذم.

# وقوله سبحانه: { وقلبه مطمئن بالإيمن } حال من
~~المستثنى، والعامل  كما في " إرشاد العقل السليم "  هو الكفر الواقع
~~بالإكراه لا نفس الإكراه لأن مقارنة اطمئنان القلب بالإيمان للإكراه لا
~~تجدي نفعا وإنما المجدي مقارنته للكفر الواقع به أي إلا من كفر بإكراه
~~أو إلا من أكره فكفر والحال أن قلبه مطمئن بالإيمان لم تتغير عقيدته،
~~وأصل معنى الاطمئنان سكون بعد انزعاج، والمراد هنا السكون والثبات على ما
~~كان عليه بعد إزعاج الإكراه، وإنما لم/ يصرح بذلك العامل إيماء إلى أنه
~~ليس بكفر حقيقة. واستدل بالآية على أن الإيمان هو التصديق بالقلب
~~والإقرار ليس ركنا فيه كما قيل. واعترض بأن من جعله ركنا لم يرد أنه
~~ركن حقيقي لا يسقط أصلا بل أنه دال على الحقيقة التي هي ms05543 التصديق إذ لا
~~يمكن الاطلاع عليها فلا يضره عند سقوطه لنحو الإكراه والعجز فتأمل.

# { ولكن من شرح بالكفر صدرا } أي اعتقده وطاب به نفسا
~~و { صدرا } على معنى صدره إذ البشر في عجز عن شرح صدر غيره، ونصبه 
~~كما قال الإمام  على أنه مفعول به  لشرح  وجوز بعضهم كونه على
~~التمييز، و { من } إما شرطية أو موصولة لكن إذا جعلت شرطية  قال أبو
~~حيان  لا بد من تقدير مبتدأ قبلها لأن لكن لا تليها الجمل الشرطية،
~~والتقدير هنا ولكن هم من شرح بالكفر صدرا أي منهم ومثله قوله:

# ولكن متى تسترفد القوم أرفد

# أي ولكن أنا متى تسترفد الخ. وتعقب بأنه تقدير غير لازم.

# وقوله تعالى: { فعليهم غضب } جواب الشرط على تقدير شرطية {
~~من } وهي على التقديرين مبتدأ وهذا خبرها على تقدير الموصولية وكذا على
~~تقدير الشرطية في رأي والخلاف مشهور، وجعله بعضهم خبرا لمن هذه ولمن
~~الأولى للاتحاد في المعنى إذ المراد  بمن كفر  الصنف الشارح بالكفر
~~صدرا. وتعقبه في «البحر» بأن ههنا جملتين شرطيتين وقد فصل بينهما بأداة
~~الاستدراك فلا بد لكل واحدة منهما من جواب على حدة فتقدير الحذف أحرى في
~~صناعة الإعراب. وقد ضعفوا مذهب أبي الحسن في إدعائه أن قوله تعالى:

# فسلم لك من أصحب اليمين

# [الواقعة: 91] وقوله سبحانه:

# فروح وريحان

# [الواقعة: 89] جواب  لأما  ولأن هذا وهما أداتا شرط تلي إحداهما
~~الأخرى، ويبعد بهذا عندي جعله خبرا لهما على تقدير الموصولية والاستدراك
~~من الإكراه على ما قيل؛ ووجه بأن قوله تعالى: { إلا من أكره }
~~يوهم أن المكره مطلقا مستثنى مما تقدم، وقوله سبحانه: { وقلبه
~~مطمئن بالإيمن } لا ينفي ذلك الوهم فاحتيج إلى الاستدراك
~~لدفعه وفيه بحث ظاهر، وقيل: المراد مجرد التأكيد كما في نحو قولك: لو جاء
~~زيد لأكرمتك لكنه لم يجىء. وأنت تعلم ما في ذلك فتأمل جدا، وتنوين {
~~غضب } للتعظيم أي غضب عظيم لا يكتنه كنهه كائن { من الله } جل
~~جلاله { ولهم عذاب عظيم } لعظم جرمهم فجوزوا من جنس عملهم، وفي
~~اختيار الاسم ms05544 الجليل من تربية المهابة وتقوية وتعظيم العذاب ما فيه،
~~والجمع في الضميرين المجرورين لمراعاة جانب المعنى كما أن الإفراد في
~~المستكن في الصلة لرعاية جانب اللفظ.

# " روي أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه ياسرا وسمية على الارتداد فأبوا
~~فربطوا سمية بين بعيرين ووجىء بحربة في قبلها وقالوا إنما أسلمت من أجل
~~الرجال فقتلوها وقتلوا ياسرا وهما أول قتيلين في الإسلام، وأما عمار
~~فأعطاهم بلسانه ما أكرهوه عليه فقيل يا رسول الله إن عمارا كفر فقال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا إن عمارا ملىء إيمانا من قرنه إلى
~~قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه فأتى عمار رسول الله عليه الصلاة والسلام
~~وهو يبكي فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه وقال: مالك إن
~~عادوا فعد لهم بما قلت "

# ، وفي رواية أنهم أخذوه فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم
~~وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه فلما أتى رسول الله عليه الصلاة والسلام قال:

# " ما وراءك؟ قال: شر ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير قال: كيف
~~تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان/ قال صلى الله عليه وسلم إن عادوا فعد "

# فنزلت هذه الآية، وكأن الأمر بالعود في الرواية الأولى للترخيص بناء
~~على ما قال النسفي أنه أدنى مراتبه وكذا الأمر في الرواية الثانية إن
~~اعتبر مقيدا بما قيد به في الرواية الأولى، وأما إن اعتبر مقيدا
~~بطمأنينة القلب كما في " الهداية " أي عد إلى جعلها نصب عينيك وأثبت
~~عليها فالأمر للوجوب.

# والآية دليل على جواز التكلم بكلمة الكفر عند الإكراه وإن كان الأفضل أن
~~يتجنب عن ذلك إعزازا للدين ولو تيقن القتل كما فعل ياسر وسمية وليس ذلك
~~من إلقاء النفس إلى التهلكة بل هو كالقتل في الغزو كما صرحوا به. وقد
~~أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن وعبد الرازق في " تفسيره " عن معمر

# " أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله
~~قال: فما تقول في؟ فقال: أنت أيضا فخلاه وقال للآخر: ما ms05545 تقول في محمد؟
~~قال: رسول الله قال: فما تقول في؟ فقال أنا أصم فأعاد عليه ثلاثا فأعاد
~~ذلك في جوابه فقتله فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهما فقال: أما
~~الأول فقد أخذ برخصة الله تعالى، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له "

# وفي " أحكام الجصاص " أنه يجب على المكره على الكفر إخطار أنه لا يريده
~~فإن لم يخطر بباله ذلك كفر. وفي «شرح المنهاج» لابن حجر ((لا توجد ردة
~~مكره على مكفر قلبه مطمئن بالإيمان للآية، وكذا إن تجرد قلبه عنهما فيما
~~يتجه ترجيحه لإطلاقهم أن المكره لا يلزمه التورية)) فافهم، وقال القاضي:
~~يجب على المكره تعريض النفس للقتل ولا يباح له التلفظ بالكفر لأنه كذب
~~وهو قبيح لذاته فيقبح على كل حال ولو جاز أن يخرج عن القبح لرعاية بعض
~~المصالح لم يمتنع أن يفعل الله سبحانه الكذب لها وحينئذ لا يبقى وثوق
~~بوعده تعالى ووعيده لاحتمال أنه سبحانه فعل الكذب لرعاية المصلحة التي لا
~~يعلمها إلا هو، ورده ظاهر، وهذا الخلاف فيما إذا تعين على المكره إما
~~التزام الكذب وإما تعريض النفس للتلف وإلا فمتى أمكنه نحو التعريض أو
~~إخراج الكلام على نية الاستفهام الإنكاري لم يجب عليه تعريض النفس لذلك
~~إجماعا.

# واستدل بإباحة التلفظ بالكفر عند الإكراه على إباحة سائر المعاصي عنده
~~أيضا وفيه بحث، فقد ذكر الإمام أن من المعاصي ما يجب فعله عند الإكراه
~~كشرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير فإن حفظ النفس عن الفوات واجب فحيث
~~تعين الأكل سبيلا ولا ضرر فيه لحيوان ولا إهانة لحق الله تعالى وجب
~~لقوله تعالى:

# ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة

# [البقرة: 195] ومنها ما يحرم كقتل إنسان محترم أو قطع عضو من أعضائه وفي
~~وجوب القصاص على المكره قولان للشافعي عليه الرحمة، وذكر أن من الأفعال
~~ما لا يقبل الإكراه ومثل بالزنا لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع
~~من انتشار الآلة فحيث دل الزنا في الوجود علمنا أنه وقع بالاختيار لا على
~~سبيل الإكراه، وتمام الكلام ms05546 في هذا المقام يطلب من محله.

### || [16.107]

# { ذلك } إشارة إلى الكفر بعد الإيمان أو الوعيد الذي تضمنه قوله
~~تعالى:

# فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم

# [النحل: 106] أو المذكور من الغضب والعذاب { بأنهم } أي بسبب أن
~~الشارحين صدورهم بالكفر { استحبوا الحيوة الدنيا } أي
~~آثروها وقدموها ولتضمن الاستحباب معنى الإيثار قيل { على الآخرة }
~~فعدي بعلى، والمراد على ما في «البحر» أنهم فعلوا فعل المستحبين ذلك وإلا
~~فهم غير مصدقين بالآخرة. { وأن الله لا يهدى } إلى الإيمان
~~وإلى ما يوجب الثبات عليه، وقيل: إلى الجنة. ورده الإمام وفسر بعضهم/
~~الهداية المنفية بهداية القسر أي لا يهدي هداية قسر وإلجاء ونسب إلى
~~المعتزلة { القوم الكفرين } أي في علمه تعالى المحيط فلا
~~يعصمهم تعالى عن الزيغ وما يؤدي إليه من الغضب والعذاب، ولولا أحد
~~الأمرين إما إيثار الحياة الدنيا على الآخرة وإما عدم هداية الله تعالى
~~إياهم بأن آثروا الآخرة على الدنيا أو بأن هداهم الله سبحانه لما كان ذلك
~~لكن كلاهما لا يكون لأنه خلاف ما في العلم بالأشياء على ما هي عليه في
~~نفس الأمر وقال البعض: لكن الثاني مخالف للحكمة والأول مما لا يدخل تحت
~~الوقوع وإليه الإشارة بقوله سبحانه: { أولئك الذين طبع
~~الله على قلوبهم... }.

### || [16.108]

# { أولئك } أي الموصوفون بما ذكر { الذين طبع الله
~~على قلوبهم وسمعهم وأبصرهم } فلم تفتح لإدراك
~~الحق واكتساب ما يوصل إليه، واستظهر أبو حيان كون { ذلك } إشارة إلى
~~ما استحقوه من الغضب والعذاب، وقال: إن قوله تعالى

# استحبوا

# [النحل: 107] إشارة إلى الكسب

# وأن الله لا يهدى القوم الكفرين

# [النحل: 107] إشارة إلى الاختراع فجمعت الآية الأمرين وذلك عقيدة أهل
~~السنة فافهم، وقد تقدم للكلام على الطبع { وأولئك هم
~~الغافلون } أي الكاملون في الغفلة إذ لا غفلة أعظم من الغفلة عن
~~تدبر العواقب والنظر في المصالح، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~أنه قال: غافلون عما يراد منهم في الآخرة.

### || [16.109]

# { لا جرم أنهم فى الآخرة هم الخسرون } إذ ضيعوا
~~رؤوس أموالهم وهي أعمارهم وصرفوها ms05547 فيما لا يفضي إلا إلى العذاب المخلد
~~ولله تعالى من قال:

# إذا كان رأس المال عمرك فاحترس

# عليه من الإنفاق في غير واجب

# ووقع في آية أخرى

# الأخسرون

# [هود: 22] وذلك لاقتضاء المقام على ما لا يخفى على الناظر فيه أو لأنه
~~وقع في الفواصل هنا اعتماد الألف كالكافرين والغافلين فعبر به لرعاية ذلك
~~وهو أمر سهل، وتقدم الكلام في { لا جرم } فتذكره فما في العهد من
~~قدم.

### || [16.110]

# { ثم إن ربك للذين هجروا } إلى دار الإسلام وهم
~~عمار وأضرابه أي لهم بالولاية والنصر لا عليهم كما يقتضيه ظاهر أعمالهم
~~السابقة فالجار والمجرور في موضع الخبر لإن، وجوز أن يكون خبرها محذوفا
~~لدلالة خبر { إن } الثانية عليه، والجار والمجرور متعلق بذلك المحذوف،
~~وقال أبو البقاء: الخبر هو الآتي و { إن } الثانية واسمها تكرير
~~للتأكيد ولا تطلب خبرا من حيث الإعراب، والجار والمجرور متعلق بأحد
~~المرفوعين على الإعمال، وقيل: بمحذوف على جهة البيان كأنه قيل: أعني
~~للذين أي الغفران وليس بشيء، وقيل: لا خبر لإن هذه في اللفظ لأن خبر
~~الثانية أغنى عنه وليس بجيد كما لا يخفى و { ثم } للدلالة على تباعد
~~رتبة حالهم هذه عن رتبة حالهم التي يفيدها الاستثناء من مجرد الخروج عن
~~حكم الغضب والعذاب لا عن رتبة حال الكفرة { من بعد ما فتنوا }
~~أي عذبوا على الارتداد، وأصل الفتن إدخال الذهب النار لتظهر جودته من
~~رداءته ثم تجوز به عن البلاء وتعذيب الإنسان. وقرأ ابن عامر { فتنوا }
~~مبنيا للفاعل، وهو ضمير المشركين عند غير واحد أي عذبوا المؤمنين
~~كالحضرمي أكره مولاه جبرا حتى ارتد ثم أسلما وهاجرا أو وقعوا في الفتنة
~~فإن فتن جاء متعديا ولازما وتستعمل الفتنة فيما يحصل عنه العذاب. وقال
~~أبو حيان: الظاهر أن الضمير عائد على { الذين هجروا } والمعنى
~~فتنوا أنفسهم بما أعطوا المشركين من القول كما فعل عمار أو كانوا صابرين
~~على الإسلام وعذبوا بسبب ذلك صاروا كأنهم عذبوا أنفسهم { ثم
~~جهدوا } الكفار { وصبروا } على مشاق الجهاد أو على ما أصابهم
~~من ms05548 المشاق مطلقا.

# { إن ربك من بعدها } أي المذكورات من الفتنة والهجرة/
~~والجهاد والصبر، وهو تصريح بما أشعر به بناء الحكم على الموصول من علية
~~الصلة. وجوز أن يكون الضمير للفتنة المفهومة من الفعل السابق ويكون ما
~~ذكر بيانا لعدم إخلال ذلك بالحكم، وقال ابن عطية: يجوز أن يكون للتوبة
~~والكلام يعطيها وإن لم يجر لها ذكر صريح { لغفور } لما فعلوا من قبل
~~{ رحيم } ينعم عليهم مجازاة لما صنعوا من بعد، وفي التعرض لعنوان
~~الربوبية في الموضعين إيماء إلى علة الحكم وما في إضافة الرب إلى ضميره
~~عليه الصلاة والسلام مع ظهور الأثر في الطائفة المذكورة إظهار لكمال
~~اللطف به صلى الله عليه وسلم [وإشعارا] بأن إفاضة آثار الربوبية عليهم
~~من المغفرة والرحمة بواسطته عليه الصلاة والسلام ولكونهم أتباعا له.

# هذا وكون الآية في عمار وأضرابه رضي الله تعالى عنهم مما ذكره غير واحد،
~~وصرح ابن إسحاق بأنها نزلت فيه وفي عياش بن أبي ربيعة والوليد بن أبي
~~ربيعة والوليد بن الوليد، وتعقبه ابن عطية بأن ذكر عمار في ذلك غير قويم
~~فإنه أرفع طبقة هؤلاء، وهؤلاء ممن شرح بالكفر صدرا فتح الله تعالى لهم
~~باب التوبة في آخر الآية، وذكر أن الآية مدنية وأنه لا يعلم في ذلك
~~خلافا، ونقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت فكتب بها
~~المسلمون إلى من كان أسلم بمكة إن الله تعالى قد جعل لكم مخرجا فخرجوا
~~فلحقهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل، وأخرج ذلك ابن
~~مردويه، وفي رواية أنهم خرجوا واتبعوا وقاتلوا فنزلت، وأخرج هذا ابن
~~المنذر وغيره عن قتادة، فالمراد بالجهاد قتالهم لمتبعيهم، وأخرج ابن جرير
~~عن الحسن وعكرمة أنها نزلت في عبد الله ابن أبي سرح الذي كان يكتب لرسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار فأمر به النبي عليه
~~الصلاة والسلام أن يقتل يوم فتح مكة فاستجار له عثمان بن عفان رضي الله
~~تعالى عنه فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم، ms05549 والمراد نزلت فيه وفي
~~أشباهه كما صرح به في بعض الروايات، وفسروا { فتنوا } على هذا بفتنهم
~~الشيطان وأزلهم حتى ارتدوا باختيارهم، وما ذكره ابن عطية فيمن ذكر مع
~~عمار غير مسلم، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن عياشا رضي الله
~~تعالى عنه كان أخا أبي جهل لأمه وكان يضربه سوطا وراحلته سوطا ليرتد
~~عن الإسلام.

# وفي " التفسير الخازني " أن عياشا وكان أخا أبي جهل من الرضاعة، وقيل:
~~لأمه وأبا جندل بن سهل بن عمرو وسلمة بن هشام والوليد بن المغيرة وعبد
~~الله بن سلمة الثقفي فتنهم المشركون وعذبوهم فأعطوهم بعض ما أرادوا
~~ليسلموا من شرهم ثم إنهم بعد ذلك هاجروا وجاهدوا والآية نزلت فيهم، والله
~~تعالى أعلم بحقيقة الحال.

### || [16.111]

# { يوم تأتى كل نفس } نصب على الظرفية ب

# رحيم

# [النحل: 110] وقيل: على أنه مفعول به لأذكر محذوفا، ورجح الأول بارتباط
~~النظم عليه ومقابلته لقوله تعالى:

# فى الآخرة هم الخسرون

# [النحل: 109] ولا يضر تقييد الرحمة بذلك اليوم لأن الرحمة في غيره تثبت
~~بالطريق الأولى، والمراد بهذا اليوم يوم القيامة { تجدل عن
~~نفسها } تدافع وتسعى في خلاصها بالاعتذار ولا يهمها شأن غيرها من
~~ولد ووالد وقريب. أخرج أحمد في " الزهد " وجماعة عن كعب قال: كنت عند عمر
~~بن الخطاب فقال: خوفنا يا كعب فقلت: يا أمير المؤمنين أو ليس فيكم كتاب
~~الله تعالى وحكمة رسوله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى ولكن خوفنا قلت: يا
~~أمير المؤمنين لو وافيت يوم القيامة بعمل سبعين نبيا لازدرأت عملك مما
~~ترى قال: زدنا قلت: يا أمير المؤمنين إن جهنم لتزفر زفرة يوم القيامة/ لا
~~يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر جاثيا إلى ركبتيه حتى أن
~~إبراهيم خليله ليخر جاثيا على ركبتيه فيقول: رب نفسي نفسي لا أسألك
~~اليوم إلا نفسي فأطرق عمر مليا قلت: يا أمير المؤمنين أو ليس تجدون هذا
~~في كتاب الله؟ قال: كيف؟ قلت: قول الله تعالى في هذه الآية: { يوم
~~تأتى كل نفس } الخ، وجعل بعضهم هذا ms05550 القول هو الجدال ولم يرتضه
~~ابن عطية، والحق أنه ليس فيه إلا الدلالة على عدم الاهتمام بشأن الغير
~~وهو بعض ما تدل عليه الآية وعن ابن عباس أن هذه المجادلة بين الروح
~~والجسد يقول الجسد: بك نطق لساني وأبصرت عيني ومشت رجلي ولولاك لكنت خشبة
~~ملقاة وتقول الروح: أنت كسبت وعصيت لا أنا وأنت كنت الحامل وأنا المحمول
~~فيقول الله تعالى: أضرب لكما مثلا أعمى حمل مقعدا إلى بستان فأصابا من
~~ثماره فالعذاب عليكما، والظاهر عدم صحة هذا عن هذا الحبر وهو أجل من أن
~~يحمل المجادلة في الآية على ما ذكر.

# وضمير { نفسها } عائد على النفس الأولى فكأنه قيل: عن نفس النفس،
~~وظاهره إضافة الشيء إلى نفسه، فوجه بأن النفس الأولى هي الذات والجملة أي
~~الشخص بأجزائه كما في قولك. نفس كريمة ونفس مباركة، والثانية عينها أي
~~التي تجري مجرى التأكيد ويدل على حقيقة الشيء وهويته بحسب المقام، والفرق
~~بينهما أن الأجزاء ملاحظة في الأول دون الثاني، والأصل هو الثاني لكن
~~لعدم المغايرة في الحقيقة بين الذات وصاحبها استعمل بمعنى الصاحب ثم أضيف
~~الذات إليه، فوزان { كل نفس } وزان قولك: كل أحد كذا في «الكشف»
~~وفي «الفرائد» المغايرة شرط بين المضاف والمضاف إليه لامتناع النسبة بدون
~~المنتسبين فلذلك قالوا: يمتنع إضافة الشيء إلى نفسه إلا أن المغايرة قبل
~~الإضافة كافية وهي محققة ههنا لأنه لا يلزم من مطلق النفس نفسك ويلزم من
~~نفسك مطلق النفس فلما أضيف ما لا يلزم أن يكون نفسك إلى نفسك صحت الإضافة
~~وإن اتحدا بعد الإضافة، ولذا جاز عين الشيء وكله ونفسه بخلاف أسد الليث
~~وحبس المنع ونحوهما، وقال ابن عطية: النفس الأولى هي المعروفة والثانية
~~هي البدن، وقال العسكري: الإنسان يسمى نفسا تقول العرب: ما جاءني إلا
~~نفس واحدة أي إنسان واحدة، والنفس في الحقيقة لا تأتي لأنها هي الشيء
~~الذي يعيش به الإنسان فتأمل ففي النفس من بعض ما قالوه شيء، والظاهر أن
~~السؤال والجواب المشهورين في  كل رجل وضيعته  يجريان ههنا ms05551 فتفطن.

# وفي «البحر» إنما لم تجىء  تجادل عنها  بدل { تجدل عن
~~نفسها } لأن الفعل إذا لم يكن من باب ظن وفقد لا يتعدى ظاهرا كان
~~فاعله أو مضمرا إلى ضميره المتصل فلا يقال: ضربتها هند أو هند ضربتها
~~وإنما يقال: ضربت نفسها هند وهند ضربت نفسها، وتأنيث { تأتى } مع
~~إسناده إلى { كل } وهو مذكر لرعاية المعنى؛ وكذا يقال فيما بعد، وعلى
~~ذلك جاء قوله:

# جادت عليها كل عين ثرة

# فتركن كل حديقة كالدرهم

# { وتوفى كل نفس } أي تعطي وافيا كاملا { ما عملت }
~~أي جزاء عملها أو الذي عملته إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا بطريق إطلاق
~~اسم السبب على المسبب إشعارا بكمال الاتصال بين الأجزية والأعمال،
~~والإظهار في مقام الإضمار لزيادة التقرير وللإيذان باختلاف وقتي المجادلة
~~والتوفية وإن كانتا في يوم واحد. { وهم لا يظلمون } بزيادة
~~العقاب أو بالعقاب بغير ذنب، وقيل: بنقص أجورهم. وتعقب بأنه علم/ من
~~السابق. وأجيب بأن القائل به لعله أراد بجزاء ما عملت العقاب، وعلى تقدير
~~إرادة الأعم فهذا تكرار للتأكيد ووجه ضمير الجمع ظاهر.

### || [16.112]

# { وضرب الله مثلا قرية } أي أهل قرية وذلك إما بإطلاق
~~القرية وإرادة أهلها وإما بتقدير مضاف، وانتصابه على أنه مفعول أول 
~~لضرب  على تضمينه معنى الجعل، وأخر لئلا يفصل الثاني بين الموصوف وصفته
~~وما يترتب عليها، وتأخيره عن الكل مخل بتجاوب أطراف النظم الجليل
~~وتجاذبه، ولأن تأخير ما حقه التقديم مما يورث النفس شوقا لوروده لا سيما
~~إذا كان في المقدم ما يدعو إليه كما هنا فيتمكن عند وروده فضل تمكن، وعن
~~الزجاج أن النصب على البدلية والأصل عنده ضرب الله مثلا مثل قرية فحذف
~~المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، والمراد بالقرية إما قرية محققة من قرى
~~الأولين، وإما مقدرة ووجود المشبه به غير لازم، ولم يجوز ذلك أبو حيان
~~لمكان

# ولقد جاءهم رسول منهم

# [النحل: 113] وأنت تعلم أنه غير مانع. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس
~~ومجاهد أنها مكة، وروي هذا عن ابن زيد وقتادة وعطية، وأخرج ابن ms05552 أبي حاتم
~~وغيره عن سليم بن عمر قال: صحبت حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي
~~خارجة من مكة إلى المدينة فأخبرت أن عثمان قد قتل فرجعت وقالت: ارجعوا
~~بي فوالذي نفسي بيده إنها للقرية التي قال الله تعالى وتلت ما في الآية،
~~ولعلها أرادت أنها مثلها؛ ويمكن حمل ما روي عن الحبر ومن معه على ذلك،
~~والمعنى جعلها الله تعالى مثلا لأهل مكة أو لكل قوم أنعم الله تعالى
~~عليهم فأبطرتهم النعمة ففعلوا ما فعلوا فجوزوا بما جوزوا، ودخل فيهم أهل
~~مكة دخولا أوليا. ولعله المختار.

# { كانت ءامنة } قيل: ذات أمن لا يأتي عليها ما يوجب الخوف كما
~~يأتي على بعض القرى من إغارة أهل الشر عليها وطلب الإيقاع بها {
~~مطمئنة } ساكنة قارة لا يحدث فيها ما يوجب الانزعاج كما يحدث في
~~بعض القرى من الفتن بين أهاليها ووقوع بعضهم في بعض فإنها قلما تأمن من
~~إغارة شرير عليها وهيهات هيهات أن ترى شخصين متصادقين فيها:

# والمرء يخشى من أبيه وابنه

# ويخونه فيها أخوه وجاره

# وقيل: يفهم من كلام بعضهم أن الاطمئنان أثر الأمن ولازمه من حيث إن
~~الخوف يوجب الانزعاج وينافي الاطمئنان، وفي «البحر» أنه زيادة في الأمن {
~~يأتيها رزقها } أقواتها { رغدا } واسعا { من كل مكان }
~~من جميع نواحيها، وغير أسلوب هذه الصفة عما تقدم إلى ما ترى لما أن إتيان
~~الرزق متجدد وكونها آمنة مطمئنة ثابت مستمر، وذكر الإمام أن الآية تضمنت
~~ثلاث نعم جمعها قولهم:

# ثلاثة ليس لها نهاية

# الأمن والصحة والكفاية

# فآمنة إشارة إلى الأمن و { مطمئنة } إلى الصحة و { يأتيها
~~رزقها }  الخ إلى الكفاية، وجعل سبب الاطمئنان ملاءمة هواء البلد
~~لأمزجة أهله وفيه تأمل { فكفرت بأنعم الله } جمع نعمة كشدة
~~وأشد على ترك الاعتداد بالتاء لأن المطرد جمع فعل على أفعال لا فعلة،
~~وقال الفاضل اليمني: اسم جمع للنعمة، وقطرب جمع نعم بضم النون كبؤس
~~وأبؤس، والنعم عنده بمعنى النعيم، وحمل على ذلك قولهم: هذا يوم طعم ونعم،
~~وعند غيره بمعنى النعمة، والمراد ms05553 بالنعم ما تضمنته الآية قبل؛ ولعله في
~~قوة نعم كثيرة بل هو كذلك، وفي إيثار جمع القلة إيذان بأن كفران نعم
~~قليلة أوجبت هذا العذاب فما ظنك بكفران نعم كثيرة.

# { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } / شبه أثر الجوع
~~والخوف وضررهما الغاشي باللباس بجامع الإحاطة والاشتمال فاستعير له اسمه
~~وأوقع عليه الإذاقة المستعارة للإصابة، وأوثرت للدلالة على شدة التأثير
~~التي تفوت لو استعملت الإصابة، وبينوا العلاقة بأن المدرك من أثر الضرر
~~شبه بالمدرك من طعم المر البشع من باب استعارة محسوس لمعقول لأن
~~الوجدانيات لزت في قرن العقليات، وكذا يقال في الأول، ولشيوع استعمال
~~الإذاقة في ذلك وكثرة جريانها على الألسنة جرت مجرى الحقيقة ولذا جعل
~~إيقاعها على اللباس تجريدا، فإن التجريد إنما يحسن أو يصح بالحقيقة أو
~~ما ألحق بها من المجاز الشائع، فلا فرق في هذا بين أذاقها إياه وأصابها
~~به، وإنما لم يقل: فكساها إيثارا للترشيح لئلا يفوت ما تفيده الإذاقة من
~~التأثير والإدراك وطعم الجوع لما في اللباس من الدلالة على الشمول وصاحب
~~" المفتاح " حمل اللباس على انتقاع اللون ورثاثة الهيئة اللازمين للجوع
~~والخوف، والاستعارة حينئذ من باب استعارة المحسوس للمحسوس، وما ذكر أولا
~~أولى إذ لا يجل موقع الإذاقة وتكون الإصابة أبلغ موقعا. ونقل عن الأصحاب
~~أن لفظ اللباس عندهم تخييل، وبين ذلك بأن يشبه الجوع والخوف في التأثير
~~بذي لباس قاصد للتأثير مبالغ فيه فيخترع له صورة كاللباس ويطلق عليها
~~اسمه واعترض بأن ذلك لا يلائم بلاغة القرآن العظيم لأن الجوع إذا شبه
~~بالمؤثر القاصد الكامل فيما تولاه ناسب أن تخترع له صورة ما يكون آلة
~~للتأثير لا صورة اللباس الذي لا مدخل له فيه، وتعقب بأن صاحب " المفتاح "
~~يرى أن التخييلية مستعملة في أمر وهمي توهمه المتكلم شبيها بمعناه
~~الحقيقي فاللباس إذا كان تخييلا يجوز أن يكون المراد به أمرا مشتملا
~~على الجوع اشتمال اللباس كالقحط ومشتملا على الخوف كإحاطة العدو فلا وجه
~~لقوله: صورة اللباس مما لا دخل له في التأثير، والقول بأنه ms05554 لا يناسب مع
~~الفاعل إلا ذكر الآلة للتأثير ما لم يصرح به أحد من القوم ولا يتأتى
~~التزامه في كل مكنية، ألا تراك لو قلت: مسافة القريض ما زال يطويها حتى
~~نزل ببابه على تشبيه المدح بمسافر ثبت له المسافة تخييلا وما بعده ترشيح
~~كانت استعارة حسنة وليس قرينتها آلة لذلك الفاعل بل أمر من لوازمه، ومثله
~~كثير في كلام البلغاء اه.

# وأنت تعلم أن هذا على ما فيه لا يفيد عند صحيح التخيل تمييز ما نقل عن
~~الأصحاب على ما ذكر أولا ولا مساواته له، والمشهور أن في { لباس }
~~استعارتين تصريحية ومكنية، وبين ذلك بأن شبه ما غشي الإنسان عند الجوع
~~والخوف من أثر الضرر من حيث الاشتمال باللباس فاستعير له اسمه ومن حيث
~~الكراهة بالطعم المر البشع فيكون استعارة مصرحة نظر إلى الأول ومكنية إلى
~~الثاني وتكون الإذاقة تخييلا، وفيه بحث مشهور بين الطلبة، وجوز أن يكون
~~لباس { الجوع } كلجين الماء أي أذاقها الله الجوع الذي هو في الإحاطة
~~كاللباس، والأول أيضا أولى، ومثل ذلك قول كثير:

# غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا

# غلقت لضحكته رقاب المال

# فإنه استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى
~~عليه وأضاف إليه الغمر وهو في وصف المعروف استعارة جرت مجرى الحقيقة
~~وحقيقته من الغمرة وهي معظم الماء وكثرته، وتقديم الجوع الناشيء من فقدان
~~الرزق على الخوف المترتب على زوال الأمن المقدم فيما تقدم على إتيان
~~الرزق لكونه أنسب بالإذاقة أو لمراعاة المقارنة بين ذلك وبين إتيان
~~الرزق. وفي مصحف أبي { لباس الخوف والجوع } بتقديم الخوف،
~~وكذا قرأ عبد الله إلا أنه لم يذكر اللباس وعد ذلك أبو حيان تفسيرا لا
~~قراءة، وروى العباس عن أبي عمرو أنه قرأ { والخوف } بالنصب عطفا على {
~~لباس } / وجعله الزمخشري على حذف مضاف وإقامة المضاف مقامه أي ولباس
~~الخوف. وقال صاحب «اللوامح» يجوز أن يكون نصبه بإضمار فعل، وفي مقابلة ما
~~تقدم بالجوع والخوف فقط ما يشير إلى عد الأمن والاطمئنان كالشيء الواحد
~~وإلا ms05555 فكان الظاهر فأذاقها الله لباس الجوع والخوف والانزعاج { بما
~~كانوا يصنعون } فيما قبل أو على وجه الاستمرار وهو الكفران
~~المذكور، و { ما } موصولة والعائد محذوف أي يصنعونه، وجوز أن تكون مصدرية
~~والباء على الوجهين سببية والضميران قيل: عائدان على  أهل  المقدر
~~المضاف إلى القرية بعد ما عادت الضمائر السابقة إلى لفظها، وقيل: عائدان
~~إلى القرية مرادا بها أهلها. وفي " إرشاد العقل السليم " أسند ما ذكر
~~إلى أهل القرية تحقيقا للأمر بعد إسناد الكفران إليها وإيقاع الإذاقة
~~عليها إرادة للمبالغة، وفي صيغة الصنعة إيذان بأن كفران الصنيعة صنعة
~~راسخة لهم وسنة مسلوكة.

### || [16.113]

# { ولقد جاءهم } من تتمة التمثيل، والضمير فيه عائد على من عاد
~~إليه الضميران قبله، وجيء بذلك لبيان أن ما صنعوه من كفران أنعم الله
~~تعالى لم يكن مزاحمة منهم لقضية العقل فقط بل كان ذلك معارضة لحجة الله
~~تعالى على الخلق أيضا أي ولقد جاء أهل تلك القرية { رسول منهم }
~~أي من جنسهم يعرفونه بأصله ونسبه فأخبرهم بوجوب الشكر على النعمة وأنذرهم
~~بسوء عاقبة ما هم عليه { فكذبوه } في رسالته أو فيما أخبرهم به مما
~~ذكر، فالفاء فصيحة وعدم ذكر ما أفصحت عنه للإيذان بمفاجأتهم بالتكذيب من
~~غير تلعثم { فأخذهم العذاب } المستأصل لشأفتهم غب ما ذاقوا منه
~~ما سمعت { وهم ظلمون } أي حال التباسهم بالظلم وهو الكفران
~~والتكذيب غير مقلعين عنه بما ذاقوا من المقدمات الزاجرة عنه، وفيه دلالة
~~على تماديهم في الكفر والعناد وتجاوزهم في ذلك كل حد معتاد. وترتيب أخذ
~~العذاب على تكذيب الرسول جرى على سنة الله تعالى حسبما يرشد إليه قوله
~~سبحانه:

# وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا

# [الإسراء: 15] وبه يتم التمثيل فإن حال أهل مكة سواء ضرب المثل لهم خاصة
~~أو لهما ولمن سار سيرتهم كافة أشبه بحال أهل تلك القرية من الغراب
~~بالغراب فقد كانوا في حرم آمن يتخطف الناس من حولهم ولا يمر ببالهم طيف
~~من الخوف ولا يزعج قطا قلويهم مزعج وكانت تجيء إليه ثمرات كل شيء ولقد
~~جاءهم رسول ms05556 منهم وأي رسول تحار في إدراك سمو مرتبته العقول صلى الله عليه
~~وسلم ما اختلف الدبور والقبول فأنذرهم وحذرهم فكفروا بأنعم الله تعالى
~~وكذبوه عليه الصلاة والسلام فأذاقهم الله تعالى لباس الجوع والخوف حيث
~~أصابهم بدعائه صلى الله عليه وسلم:

# " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف "

# ما أصابهم من جدب شديد وأزمة ما عليها مزيد فاضطروا إلى أكل الجيف
~~والكلاب الميتة والعظام المحروقة والعلهز وهو طعام يتخذ في سني المجاعة
~~من الدم والوبر وكان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع وقد
~~ضاقت عليهم الأرض بما رحبت من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث
~~كانوا يغيرون على مواشيهم وعيرهم وقوافلهم ثم أخذهم يوم بدر ما أخذهم من
~~العذاب هذا ما اختاره شيخ الإسلام وقال: إنه الذي يقتضيه المقام ويستدعيه
~~النظام، وأما ما أجمع عليه أكثر أهل التفسير من أن الضمير في قوله تعالى:
~~{ ولقد جاءهم } لأهل مكة والكلام انتقال إلى ذكر حالهم صريحا بعد
~~ذكر مثلهم وأن المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وبالعذاب ما
~~أصابهم من الجدب ووقعة بدر فبمعزل عن التحقيق كيف لا وقوله تعالى: {
~~فكلوا مما رزقكم الله... }.

### || [16.114]

# { فكلوا مما رزقكم الله } مفرع على نتيجة التمثيل وصد
~~لهم عما يؤدي إلى مثل عاقبته، والمعنى وإذ قد استبان لكم حال من كفر
~~بأنعم الله تعالى وكذب رسوله وما حل بهم بسبب ذلك من اللتيا والتي أولا
~~وآخرا فانتهوا عما أنتم عليه من كفران النعم وتكذيب الرسول صلى الله
~~عليه وسلم كيلا يحل بكم ما حل بهم واعرفوا حق نعم الله تعالى وأطيعوا
~~الرسول عليه الصلاة والسلام في أمره ونهيه فكلوا من رزق الله تعالى حال
~~كونه { حللا طيبا } وذروا ما تفترون من تحريم البحائر ونحوها {
~~واشكروا نعمت الله } واعرفوا حقها ولا تقابلوها بالكفران.
~~والفاء في المعنى داخلة على الأمر بالشكر وإنما دخلت على الأمر بالأكل
~~لكون الأكل ذريعة إلى الشكر فكأنه قيل: فاشكروا نعمة الله غب أكلها
~~حلالا ms05557 طيبا وقد أدمج فيه النهي عن زعم الحرمة ولا ريب في أن هذا إنما
~~يتصور حين كان العذاب المستأصل متوقعا بعد وقد تمهدت مبادية وأما بعدما
~~وقع فمن ذا الذي يحذر ومن ذا الذي يحذر ومن ذا الذي يؤمر بالأكل والشكر
~~وحمل قوله تعالى:

# فأخذهم العذاب وهم ظلمون

# [النحل: 113] على الإخبار بذلك قبل الوقوع يأباه التصدي لاستصلاحهم
~~بالأمر والنهي وإن لم يأباه التعبير بالماضي لأن استعماله في المستقبل
~~المتحقق الوقوع مجازا كثير. وتوجيه خطاب الأمر بالأكل إلى المؤمنين مع
~~أن ما يتلوه من خطاب النهي متوجه إلى الكفار كما فعل الواحدي قال: فكلوا
~~أنتم يا معشر المؤمنين مما رزقكم الله تعالى من الغنائم مما لا يليق بشأن
~~التنزيل اه. وتعقب بأنه بعد ما فسر العذاب بالعذاب المستأصل للشأفة كيف
~~يراد به ما وقع في بدر وما بقي منهم أضعاف ما ذهب وإن كان مثل ذلك كافيا
~~في الاستئصال فليكن المحذر والمأمور الباقي منهم، وما ذكره عن الواحدي من
~~توجيه خطاب الأمر بالأكل للمؤمنين رواه الإمام عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما ثم نقل عن الكلبي ما يستدعي أن الخطاب لأهل مكة حيث قال: إن
~~رؤساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جهدوا وقالوا: عاديت
~~الرجال فما بال الصبيان والنساء وكانت الميرة قد قطعت عنهم بأمر رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فأذن في الحمل إليهم فحمل الطعام إليهم فقال
~~الله تعالى: { فكلوا مما رزقكم الله } الخ ثم قال: والقول
~~ما قال ابن عباس يدل عليه قوله تعالى فيما بعد:

# إنما حرم عليكم الميتة

# [النحل: 115] الخ يعني إنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب
~~وهو الغنيمة واتركوا الخبائث وهو الميتة والدم اه. وفي «التفسير
~~الخازني» أن كون الخطاب للمؤمنين من أهل المدينة هو الصحيح فإن الصحيح أن
~~الآية مدنية كما قال مقاتل وبعض المفسرين، والمراد بالقرية مكة وقد ضربها
~~الله تعالى لأهل المدينة يخوفهم ويحذرهم أن يصنعوا مثل صنيعهم فيصيبهم ما
~~أصابهم من الجوع والخوف ويشهد ms05558 لصحة ذلك أن الخوف المذكور في الآية كان من
~~البعوث والسرايا التي كانت يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول
~~جميع المفسرين لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يؤمر بالقتال وهو بمكة
~~وإنما أمر به وهو بالمدينة فكان صلى الله عليه وسلم يبعث البعوث إلى مكة
~~يخوفهم بذلك وهو بالمدينة، والمراد بالعذاب ما أصابهم من الجوع والخوف
~~وهو أولى من أن يراد به القتل يوم بدر، والظاهر أن قوله تعالى:

# ولقد جاءهم

# [النحل: 113] الخ عنده كما هو عند الجمهور انتقال من التمثيل بهم إلى
~~التصريح بحالهم الداخلة فيه وليس من تتمته فإنه على ما قيل خلاف المتبادر
~~إلى الفهم. نعم كون خطاب النهي فيما بعد للمؤمنين بعيد غاية البعد، وجعله
~~للكفار/ مع جعل خطاب الأمر السابق للمؤمنين بعيد أيضا لكن دون ذلك.
~~وادعى أبو حيان أن الظاهر أن خطاب النهي كخطاب الأمر للمكلفين كلهم، ونقل
~~كون خطاب للنهي لهم عن العسكري، وكونه للكفار عن الزمخشري وابن عطية
~~والجمهور، ولعل الأولى ما ذكره شيخ الإسلام إلا أن تقييد العذاب
~~بالمستأصل ودعوى أن حال أهل مكة كحال أهل تلك القرية حذو القذة بالقذة من
~~غير تفاوت بينهما ولو في خصلة فذة لا يخلو عن شيء من حيث أن أهل مكة لم
~~يستأصلوا فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك.

# { إن كنتم إياه تعبدون } تطيعون أو إن صح زعمكم أنكم
~~تقصدون بعبادة الآلهة عبادته سبحانه ومن قال؛ إن الخطاب للمؤمنين أبقى
~~هذا على ظاهره أي إن كنتم تخصونه تعالى بالعبادة، والكلام خارج مخرج
~~التهييج.

### || [16.115]

# { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم
~~الخنزير ومآ أهل لغير الله به } تعليل لحل ما أمرهم
~~بأكله مما رزقهم، والحصر إضافي على ما قال غير واحد أي إنما حرم أكل هذه
~~الأشياء دون ما تزعمون من البحائر والسوائب ونحوها فلا ينافي تحريم غير
~~المذكورات كالسباع والحمر الأهلية، وقيل: الحصر على ظاهره والسباع ونحوها
~~لم تحرم قبل وإنما حرمت بعد وليس الحصر إلا بالنظر إلى الماضي، وقال
~~الإمام: ms05559 " إنه تعالى حصر المحرمات في الأربع في هذه السورة وفي سورة
~~الأنعام [145] بقوله سبحانه:

# قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم
~~يطعمه إلا أن يكون ميتة

# الخ وهما مكيتان وحصرها فيها أيضا في البقرة [173] وكذا في المائدة [1]
~~فإنه تعالى قال فيها:

# أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم

# فأباح الكل إلا ما يتلى عليهم، وأجمعوا على أن المراد بما يتلى هو قوله
~~تعالى في تلك السورة:

# حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير
~~وما أهل لغير الله به

# [المائدة: 3] وما ذكره تعالى من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة
~~وما أكل السبع داخل في الميتة وما ذبح على النصب داخل فيما أهل به لغيره
~~الله، فثبت أن هذه السور الأربع دالة على حصر المحرمات في هذه الأربع،
~~وسورتا النحل والأنعام مكيتان وسورتا البقرة والمائدة مدنيتان، والمائدة
~~من آخر ما نزل بالمدينة فمن أنكر حصر التحريم في الأربع إلا ما خصه
~~الإجماع والدلائل القاطعة كان في محل أن يخشى عليه لأن هذه السور دلت على
~~أن حصر المحرمات فيها كان مشروعا ثابتا في أول أمر مكة وآخرها وأول
~~المدينة وآخرها، وفي إعادة البيان قطع للأعذار وإزالة للشبه اه فتفطن
~~ولا تغفل.

# { فمن اضطر } أي دعته ضرورة المخمصة إلى تناول شيء من ذلك {
~~غير باغ } على مضطر آخر { ولا عاد } متعد قدر الضرورة وسد الرمق
~~{ فإن الله غفور رحيم } أي لا يؤاخذه سبحانه بذلك فأقيم
~~سببه مقامه، ولتعظيم أمر المغفرة والرحمة جيء بالاسم الجليل، وقد سها شيخ
~~الإسلام فظن أن الآية { فإن ربك غفور رحيم } [الأنعام:
~~145] فبين سر التعرض لوصف الربوبية والإضافة إلى ضميره صلى الله عليه
~~وسلم وسبحان من لا يسهو. واستدل بالآية على أن الكافر مكلف بالفروع، ثم
~~إنه تعالى أكد ما يفهم من الحصر بالنهي عن التحريم والتحليل بالأهواء
~~فقال عز قائلا: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم... }.

### || [16.116]

# { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم } الخ، ولا ينافي ذلك
~~العطف كما لا يخفى، واللام صلة القول مثلها في قوله تعالى:

# ولا ms05560 تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات

# [البقرة: 154] وقولك: لا تقل للنبيذ إنه حلال، ومعناها الاختصاص، و {
~~ما } موصولة والعائد محذوف أي لا تقولوا في شأن الذي تصفه ألسنتكم/ من
~~البهائم بالحل والحرمة في قولكم:

# ما فى بطون هذه الأنعم خالصة لذكورنا
~~ومحرم على أزوجنا

# [الأنعام: 139] من غير ترتب ذلك الوصف على ملاحظة وفكر فضلا عن استناده
~~إلى وحي أو قياس مبني عليه بل مجرد قول باللسان. { الكذب } منتصب على
~~أنه مفعول به  لتقولوا  وقوله سبحانه: { هذا حلل وهذا
~~حرام } بدل منه بدل كل، وقيل: منصوب بإضمار أعني، وقيل: { الكذب }
~~منتصب على المصدرية و { هذا } مقول القول. وجوز أن يكون بدل اشتمال،
~~وجوز أن يكون { الكذب } مقول القول المذكور ويضمر قول آخر بعد الوصف
~~واللام على حالها أي لا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم فتقول هذا حلال
~~وهذا حرام، والجملة مبينة ومفسرة لقوله تعالى: { تصف ألسنتكم }
~~كما في قوله سبحانه:

# فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم

# [البقرة: 54] وجوز أن لا يضمر القول على المذهب الكوفي وأن يقدر قائله
~~على أن المقدر حال من الألسنة، ويجوز أن يكون اللام للتعليل و { ما }
~~مصدرية و { الكذب } مفعول الوصف و { هذا حلل } الخ مقول
~~القول أي لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لأجل وصف ألسنتكم الكذب، وإلى هذا
~~ذهب الكسائي والزجاج، وحاصله لا تحلوا ولا تحرموا لمجرد وصف ألسنتكم
~~الكذب وتصويرها له وتحقيقها لماهيته كأن ألسنتهم لكونها منشأ للكذب
~~ومنبعا للزور شخص عالم بكنهه ومحيط بحقيقته يصفه للناس ويعرفه أوضح
~~وأبين تعريف، ومثل هذا وارد في كلام العرب والعجم تقول: له وجه يصف
~~الجمال وريق يصف السلاف وعين تصف السحر، وتقدم بيت المعري، وقد بولغ في
~~الآية من حيث جعل قولهم كذبا ثم جعل اللسان الناطقة بتلك المقالة ينبوعه
~~مصورة إياه بصورته التي هو عليها وهو من باب الاستعارة بالكناية وجعله
~~بعضهم من باب الإسناد المجازي نحو نهاره صائم كأن ألسنتهم لكونها موصوفة
~~بالكذب صارت كأنها حقيقته ومنبعه الذي يعرف منه حتى كأنه يصفه ms05561 ويعرفه
~~كقوله:

# أضحت يمينك من جود مصورة

# لا بل يمينك منها صور الجود

# وقرأ الحسن وابن يعمر وطلحة والأعرج وابن إسحق وابن عبيد ونعيم بن ميسرة
~~{ الكذب } بالجر، وخرج على أن يكون بدلا من { ما } مع مدخولها، وجعله
~~غير واحد صفة  لما  المصدرية مع صلتها. وتعقبه أبو حيان بأن المصدر
~~المسبوك من ما أو أن أو كي مع الفعل معرفة كالمضمر لا يجوز نعته فلا
~~يقال: أعجبني أن تقوم السريع كما يقال: أعجبني قيامك السريع، وليس لكل
~~مقدر حكم المنطوق به وإنما يتبع بذلك كلام العرب.

# وقرأ معاذ وابن أبي عبلة وبعض أهل الشام { الكذب } بضم الثلاثة صفة
~~للألسنة وهو جمع كذوب كصبور وصبر، قال صاحب «اللوامح» أو جمع كذاب بكسر
~~الكاف وتخفيف الذال مصدر كالقتال وصف به مبالغة وجمع فعل ككتاب وكتب أو
~~جمع كاذب كشارف وشرف. وقرأ مسلمة بن محارب كما قال ابن عطية أو يعقوب كما
~~قال صاحب «اللوامح» ونسب قراءة معاذ ومن معه إلى مسلمة { الكذب } بضمتين
~~والنصب، وخرج على أوجه. الأول: أن ذلك منصوب على الشتم والذم وهو نعت
~~للألسنة مقطوع. الثاني: أنه مفعول به  لتصف  أو { تقولوا } والمراد
~~الكلم الكواذب. الثالث: أنه مفعول مطلق  لتصف  من معناه على أنه جمع
~~كذاب المصدر، وأعرب { هذا حلل } الخ على ما مر ولا إشكال في
~~إبداله لأنه كلم باعتبار مواده وكلامان ظاهرا.

# { لتفتروا على الله الكذب } اللام لام العاقبة
~~والصيرورة وللتعليل لأن/ ما صدر منهم ليس لأجل الافتراء على الله تعالى
~~بل لأغراض أخر ويترتب على ذلك ما ذكر، وإلى هذا ذهب الزمخشري وجماعة،
~~وقال بعضهم: يجوز أن تكون للتعليل ولا يبعد قصدهم لذلك كما قالوا:

# وجدنا عليها ءاباءنا والله أمرنا بها

# [الأعراف: 28] وفي «البحر» أنه الظاهر ولا يكون ذلك على سبيل التوكيد
~~للتعليل السابق على احتمال كون اللام للتعليل وما مصدرية لأن في هذا
~~التنبيه على من افتروا الكذب عليه وليس فيما مر بل فيه إثبات الكذب
~~مطلقا ففي ذلك إشارة إلى أنهم لتمرنهم على الكذب ms05562 اجترؤا على الكذب على
~~الله تعالى فنسبوا ما حللوا وحرموا إليه سبحانه، وقال الواحدي: إن {
~~لتفتروا } بدل من { لما تصف } الخ لأن وصفهم الكذب هو افتراء
~~على الله تعالى، وهو على ما في " البحر " أيضا على تقدير كون ما مصدرية
~~لأنها إذا جعلت موصولة لا تكون اللام للتعليل ليبدل من ذلك ما يفهم
~~التعليل، وقيل: لا مانع من التعليل على تقدير الموصولية فعند قصد التعليل
~~يجوز الإبدال، وحاصل معنى الآية على ما نص عليه العسكري لا تسموا ما لم
~~يأتكم حله ولا حرمته عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم حلالا ولا
~~حراما فتكونوا كاذبين على الله تعالى لأن مدار الحل والحرمة ليس إلا
~~حكمه سبحانه، ومن هنا قال أبو نضرة: لم أزل أخاف الفتيا منذ سمعت آية
~~النحل إلى يومي هذا. وقال ابن العربي كره مالك وقوم أن يقول المفتي هذا
~~حلال وهذا حرام في المسائل الاجتهادية وإنما يقال ذلك فيما نص الله تعالى
~~عليه، ويقال في مسائل الاجتهاد: إني أكره كذا وكذا ونحو ذلك فهو أبعد من
~~أن يكون فيه ما يتوهم منه الافتراء على الله سبحانه.

# { إن الذين يفترون على الله الكذب } في أمر من
~~الأمور { لا يفلحون } لا يفوزون بمطلوب.

### || [16.117]

# { متع قليل } أي منفعتهم التي قصدوها بذلك الافتراء منفعة قليلة
~~منقطعة عن قريب  فمتاع  خبر مبتدأ محذوف و { قليل } صفته والجملة
~~استئناف بياني كأنه لما نفي عنهم الفوز بمطلوب قيل: كيف ذلك وهم قد تحصل
~~لهم منفعة بالافتراء؟ فقيل: ذاك متاع قليل لا عبرة به ويرجع الأمر
~~بالآخرة إلى أن المراد نفي الفوز بمطلوب يعتد به، وإلى كون { متع }
~~خبر مبتدأ محذوف ذهب أبو البقاء إلا أنه قال: أي بقاؤهم متاع قليل ونحو
~~ذلك. وقال الحوفي: { متع قليل } مبتدأ وخبر، وفيه أن النكرة لا
~~يبتدأ بها بدون مسوغ وتأويله بمتاعهم ونحوه بعيد { ولهم } في الآخرة
~~{ عذاب أليم } لا يكتنه كنهه.

### || [16.118]

# { وعلى الذين هادوا } خاصة دون غيرهم من الأولين { حرمنا
~~ما قصصنا عليك من ms05563 قبل } أي من قبل نزول هذه الآية وذلك في
~~قوله تعالى في سورة الأنعام [146]:

# وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر

# الآية، والظاهر أن { من قبل } متعلق  بقصصنا  وجوز تعليقه 
~~بحرمنا  والمضاف إليه المقدر ما مر أيضا. ويحتمل أن يقدر { من قبل
~~} تحريم ما حرم على أمتك، وهو أولى على ما قيل، وجوز أن يكون الكلام من
~~باب التنازع، وهذا تحقيق لما سلف من حصر المحرمات فيما فصل بإبطال ما
~~يخالف من فرية اليهود وتكذيبهم في ذلك، فإنهم كانوا يقولون: لسنا أول من
~~حرمت عليه وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعدهما حتى انتهى الأمر
~~إلينا { وما ظلمنهم } بذلك التحريم { ولكن كانوا
~~أنفسهم يظلمون } حيث فعلوا ما عوقبوا عليه بذلك حسبما نعى
~~عليهم قوله تعالى:

# فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبت
~~أحلت لهم

# [النساء: 160] الآية، وفيه تنبيه على الفرق بينهم وبين غيرهم في التحريم
~~وأنه كما يكون للمضرة يكون للعقوبة.

### || [16.119]

# / { ثم إن ربك للذين عملوا السوء } هو ما يسىء
~~صاحبه من كفر أو معصية ويدخل فيه الافتراء على الله تعالى، وعن ابن عباس
~~أنه الشرك، والتعميم أولى { بجهالة } أي بسببها، على معنى أن
~~الجهالة السبب الحامل لهم على العمل كالغيرة الجاهلية الحاملة على القتل
~~وغير ذلك، وفسرت الجهالة بالأمر الذي لا يليق، وقال ابن عطية: هي هنا
~~تعدى الطور وركوب الرأس لا ضد العلم، ومنه ما جاء في الخبر

# " اللهم أعوذ بك من أن أجهل أو يجهل علي "

# وقول الشاعر:

# ألا لا يجهلن أحد علينا

# فنجهل فوق جهل الجاهلينا

# نعم كثيرا ما تصحب هذه الجهالة التي هي بمعنى ضد العلم، وفسرها بعضهم
~~بذلك وجعل الباء للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال أي ملتبسين
~~بجهالة غير عارفين بالله تعالى وبعقابه أو غير متدبرين في العواقب لغلبة
~~الشهوة عليهم { ثم تابوا من بعد ذلك } أي من بعد ما عملوا
~~ما عملوا، والتصريح به مع دلالة { ثم } عليه للتوكيد والمبالغة {
~~وأصلحوا } أي أصلحوا أعمالهم أو دخلوا في الصلاح، وفسر بعضهم ms05564
~~الإصلاح بالاستقامة على التوبة { إن ربك من بعدها } أي
~~التوبة كما قال غير واحد، ولعل الإصلاح مندرج في التوبة وتكميل لها. وقال
~~أبو حيان: الضمير عائد على المصادر المفهومة من الأفعال السابقة أي من
~~بعد عمل السوء والتوبة والإصلاح، وقيل: يعود على الجهالة، وقيل: على
~~السوء على معنى المعصية وليس بذاك { لغفور } لذلك السوء { رحيم }
~~يثيب على طاعته سبحانه فعلا وتركا، وتكرير { إن ربك } لتأكيد
~~الوعد وإظهار كمال العناية بإنجازه، والتعرض لوصف الربوبية مع الإضافة
~~إلى ضميره صلى الله عليه وسلم مع ظهور الأثر في التائبين للإيماء إلى أن
~~إفاضة آثار الربوبية من المغفرة والرحمة عليهم بتوسطه صلى الله عليه وسلم
~~وكونهم من أتباعه كما مر عن قريب، والتقييد بالجهالة قيل: لبيان الواقع
~~لأن كل من يعمل السوء لا يعمله إلا بجهالة. وقال العسكري: ليس المعنى أنه
~~تعالى يغفر لمن يعمل السوء بجهالة ولا يغفر لمن عمله بغير جهالة بل
~~المراد أن جميع من تاب فهذه سبيله، وإنما خص من يعمل السوء بجهالة لأن
~~أكثر من يأتي الذنوب يأتيها بقلة فكر في عاقبة الأمر أو عند غلبة الشهوة
~~أو في جهالة الشباب فذكر الأكثر على عادة العرب في مثل ذلك، وعلى القولين
~~لا مفهوم للقيد.

### || [16.120]

# { إن إبرهيم كان أمة } قال ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما: أي كان عنده عليه السلام من الخير ما كان عند أمة وهي الجماعة
~~الكثيرة، فإطلاقها عليه عليه السلام لاستجماعه كمالات لا تكاد توجد إلا
~~متفرقة في أمة جمة:

# وليس على الله بمستنكر

# أن يجمع العالم في واحد

# وهو صلى الله عليه وسلم رئيس الموحدين وقدوة المحققين الذي نصب أدلة
~~التوحيد ورفع أعلامها وخفض رايات الشرك وجزم ببواتر الحجج هامها، وقال
~~مجاهد: سمي عليه السلام أمة لانفراده بالإيمان في وقته مدة ما، وفي «صحيح
~~البخاري» أنه عليه السلام قال لسارة: ليس على الأرض اليوم مؤمن غيري
~~وغيرك، وذكر في «القاموس» أن من معاني الأمة من هو على الحق مخالف لسائر
~~الأديان، والظاهر أنه مجاز ms05565 بجعله كأنه جميع ذلك العصر لأن الكفرة بمنزلة
~~العدم، وقيل: الأمة هنا فعلة بمعنى مفعول كالرحلة بمعنى/ المرحول إليه،
~~والنخبة بمعنى المنتخب من أمه إذا قصده أو اقتدى به أي كان مأموما أو
~~مؤتما به فإن الناس كانوا يقصدونه للاستفادة ويقتدون بسيرته. وقال ابن
~~الأنباري: هذا مثل قول العرب: فلان رحمة وعلامة ونسابة يقصدون بالتأنيث
~~التناهي في المعنى الموصوف به. وإيراد ذكره عليه السلام عقيب تزييف مذاهب
~~المشركين من الشرك والطعن في النبوة وتحريم ما أحل الله تعالى للإيذان
~~بأن حقية دين الإسلام وبطلان الشرك وفروعه أمر ثابت لا ريب فيه. وفي ذلك
~~أيضا رد لقريش حيث يزعمون أنهم على دينه، وقيل: إنه تعالى لما بين حال
~~المشركين وأجرى ذكر اليهود بين طريقة إبراهيم عليه السلام ليظهر الفرق
~~بين حاله وحال المشركين وحال اليهود.

# { قنتا لله } مطيعا له سبحانه قائما بأمره تعالى { حنيفا
~~} مائلا عن كل دين باطل إلى الدين الحق غير زائل عنه. { ولم يك
~~من المشركين } في أمر من أمور دينهم أصلا وفرعا، صرح بذلك مع
~~ظهوره قيل: ردا على كفار قريش في قولهم: نحن على ملة أبينا إبراهيم،
~~وقيل: لذلك وللرد على اليهود المشركين بقولهم:

# وقالت اليهود عزير ابن الله

# [التوبة:30] في افترائهم وزعمهم أنه عليه السلام كان على ما هم عليه
~~كقوله تعالى:

# ما كان إبرهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان
~~حنيفا مسلما وما كان من المشركين

# [آل عمران: 67] إذ به ينتظم أمر إيراد التحريم والسبت سابقا ولاحقا.

### || [16.121]

# { شاكرا لأنعمه } صفة ثالثة لأمة  والجار والمجرور متعلق 
~~بشاكرا  كما هو الظاهر، وأوثر صيغة جمع القلة قيل: للإيذان بأنه عليه
~~السلام لا يخل بشكر النعمة القليلة فكيف بالكثيرة وللتصريح بأنه عليه
~~السلام على خلاف ما هم عليه من الكفران بأنعم الله تعالى حسبما أشير إليه
~~بضرب المثل، وقيل: إن جمع القلة هنا مستعار لجمع الكثرة ولا حاجة إليه.
~~وفي بعض الآثار أنه عليه السلام كان لا يتغدى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم
~~ضيفا فأخر غداءه ms05566 فإذا هو بفوج من الملائكة عليهم السلام في صورة البشر
~~فدعاهم إلى الطعام فخيلوا أن بهم جذاما فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكرا
~~لله تعالى على أنه عافاني مما ابتلاكم به، وجوز أبو البقاء كون الجار
~~والمجرور متعلقا بقوله تعالى: { اجتبه } وهو خلاف الظاهر. وجعل
~~بعضهم متعلق هذا محذوفا أي اختاره واصطفاه للنبوة، وأصل الاجتباء الجمع
~~على طريق الاصطفاء، ويطلق على تخصيص الله تعالى العبد بفيض إلهي يتحصل له
~~منه أنواع من النعم بلا سعي منه ويكون للأنبياء عليهم السلام ومن يقاربهم
~~{ وهداه إلى صرط مستقيم } موصل إليه تعالى وهو ملة
~~الإسلام وليست نتيجة هذه الهداية  كما في " إرشاد العقل السليم "  مجرد
~~اهتدائه عليه السلام بل مع إرشاد الخلق أيضا إلى ذلك والدعوة إليه
~~بمعونة قرينة الاجتباء. وجوز بعضهم كون { إلى صرط } متعلقا 
~~باجتباه وهداه  على التنازع، والجملة إما حال بتقدير قد على المشهور
~~وإما خبر ثان لإن، وجوز أبو البقاء الاستئناف أيضا.

### || [16.122]

# { وءاتينه فى الدنيا حسنة } بأن حببه إلى الناس حتى أن
~~جميع أهل الأديان يتولونه ويثنون عليه عليه السلام حسبما سأل بقوله:

# واجعل لى لسان صدق فى الآخرين

# [الشعراء: 84] وروي هذا عن قتادة وغيره، وعن الحسن الحسنة النبوة، وقيل:
~~الأولاد الأبرار على الكبر وقيل: المال يصرفه في وجوه الخير والبر، وقيل:
~~العمر الطويل في السعة والطاعة  فحسنة  على الأول/ بمعنى سيرة حسنة
~~وعلى ما بعده عطية أو نعمة حسنة كذا قيل: وجوز في الجميع أن يراد عطية
~~حسنة، والالتفات إلى التكلم لإظهار كمال الاعتناء بشأنه وتفخيم مكانه
~~عليه السلام { وإنه فى الآخرة لمن الصلحين } داخل في
~~عدادهم كائن معهم في الدرجات العلى من الجنة حسبما سأل بقوله:

# وألحقنى بالصلحين

# [الشعراء: 83] وأراد بهم الأنبياء عليهم السلام.

### || [16.123]

# { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبرهيم } وهي
~~على ما روي عن قتادة الإسلام المعبر عنه آنفا بالصراط المستقيم، وفي
~~رواية أخرى عنه أنها جميع شريعته إلا ما أمر صلى الله عليه وسلم بتركه،
~~وفي " التفسير الخازني " حكاية هذا عن أهل الأصول، ms05567 وعن ابن عمرو بن العاص
~~أنها مناسك الحج. وقال الإمام: قال قوم إن النبي صلى الله عليه وسلم كان
~~على ملة إبراهيم وشريعته وليس له شرع متفرد به بل بعث عليه الصلاة
~~والسلام لإحياء شريعة إبراهيم لهذه الآية، فحملوا الملة على الشريعة
~~أصولا وفروعا وهو قول ضعيف، والمراد من { ملة إبرهيم }
~~التوحيد ونفي الشرك المفهوم من قوله تعالى: { وما كان من
~~المشركين } فإن قيل: إنه صلى الله عليه وسلم إنما نفى الشرك وأثبت
~~التوحيد للأدلة القطعية فلا يعد ذلك متابعة فيجب حمل الملة على الشرائع
~~التي يصح حصول المتابعة فيها، قلنا: يجوز أن يكون المراد الأمر بمتابعته
~~في كيفية الدعوة إلى التوحيد وهي أن يدعو إليه بطريق الرفق والسهولة
~~وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى بأنواع كثيرة على ما هو الطريقة المألوفة في
~~القرآن اه. وتعقبه أبو حيان بأنه لا يحتاج إليه لأن المعتقد الذي تقتضيه
~~دلائل العقول لا يمتنع أن يوحى ليتضافر المعقول والمنقول على اعتقاده،
~~ألا ترى قوله تعالى:

# قل إنما يوحى إلى أنما إلهكم إله وحد

# [الأنبياء: 108] كيف تضمن الوحي بما اقتضاه الدليل العقلي، فلا يمتنع أن
~~يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم عليه السلام بنفي
~~الشرك والتوحيد وإن كان ذلك مما ثبت عنده عليه الصلاة والسلام بالدليل
~~العقلي ليتضافر الدليلان العقلي والنقلي على هذا المطلب الجليل، وآخر
~~بأنه ظاهر في حمل الملة على كيفية الدعوة ولا شك أن ذلك ليس داخلا في
~~مفهومها فإنها ما شرعه الله تعالى لعباده على لسان الأنبياء عليهم السلام
~~من أمللت الكتاب إذا أمليته وهي الدين بعينه لكن باعتبار الطاعة له،
~~وتحقيقه أن الوضع الإلهي مهما نسب إلى من يؤديه عن الله تعالى يسمى ملة
~~ومهما نسب إلى من يقيمه يسمى دينا، قال الراغب: ((الفرق بينها وبين
~~الدين أنها لا تضاف إلا للنبي صلى الله عليه وسلم الذي يسند إليه ولا
~~تكاد توجد مضافة إلى الله تعالى ولا إلى آحاد أمة النبي عليه السلام ولا
~~تستعمل إلا في جملة ms05568 الشرائع دون آحادها ولا كذلك الدين))، وأكثر المفسرين
~~على أن المراد بها هنا أصول الشرائع، ويحمل عليه ما روي عن قتادة أولا
~~ولا بأس بما روي عنه ثانيا. واستدلال بعض الشافعية على وجوب الختان وما
~~كان من شرعه عليه السلام ولم يرد به ناسخ مبني على ذلك كما لا يخفى.

# ما روي عن ابن عمرو بن العاص ذكره في «البحر» والذي أخرجه ابن المنذر
~~والبيهقي في " الشعب " وجماعة عنه أنه قال: صلى جبريل عليه السلام
~~بإبراهيم الظهر والعصر بعرفات ثم وقف حتى إذا غابت الشمس دفع به ثم صلى
~~المغرب والعشاء بجمع ثم صلى به الفجر كأسرع ما يصلي أحد من المسلمين ثم
~~وقف به حتى إذا كان كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين دفع به ثم رمى الجمرة
~~ثم ذبح وحلق ثم أفاض به إلى البيت فطاف به فقال الله تعالى لنبيه صلى
~~الله عليه وسلم: { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة
~~إبرهيم } ولعل ما ذكر أولا مأخوذ منه. وأنت تعلم أنه ليس نصا فيه
~~ولا أظن أن أحدا يوافق على تخصيص ملته عليه السلام بمناسك الحج.

# / و { أن } تفسيرية أو مصدرية ومر الكلام في وصلها بالأمر، و { ثم
~~} قيل: للتراخي الزماني لظهور أن أيامه صلى الله عليه وسلم بعد أيامه
~~عليه السلام بكثير، واختار المحققون أنها للتراخي الرتبي لأنه أبلغ
~~وأنسب بالمقام. قال الزمخشري: إن في { ثم } هذه إيذانا بأنه أشرف ما
~~أوتي خليل الله عليه السلام من الكرامة وأجل ما أوتي من النعمة اتباع
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ملته وتعظيما لمنزلة نبينا عليه الصلاة
~~والسلام وإجلالا لمحله، أما الأول فمن دلالة ثم على تباين هذا المؤتى
~~وسائر ما أوتي عليه السلام من الرتب والمآثر، وأما الثاني فمن حيث إن
~~الخليل مع جلالة محله عند الله تعالى أجل رتبته أن أوحى إلى الحبيب اتباع
~~ملته، وفي لفظ { أوحينا } ثم الأمر باتباع الملة لا اتباع إبراهيم
~~عليه السلام ما يدل كما في «الكشف» على أنه صلى الله ms05569 عليه وسلم ليس بتابع
~~له بل هو مستقل بالأخذ عمن أخذ إبراهيم عليه السلام عنه.

# { حنيفا } حال من إبراهيم المضاف إليه لما أن المضاف لشدة اتصاله به
~~جرى منه مجرى البعض فعد بذلك من قبيل رأيت وجه هند قائمة. ونقل ابن عطية
~~عن مكي عدم جواز كونه حالا منه معللا ذلك بأنه مضاف إليه، وتعقبه
~~بقوله: ليس كما قال لأن الحال قد يعمل فيها حروف الخفض إذا عملت في ذي
~~الحال نحو مررت بزيد قائما، وفي كلا الكلامين بحث لا يخفى. ومنع أبو
~~حيان مجىء الحال من المضاف إليه في مثل هذه الصورة أيضا وزعم أن الجواز
~~فيها مما تفرد به ابن مالك والتزم كون { حنيفا } حالا من { ملة }
~~لأنها والدين بمعنى أو من الضمير في { أتبع } وليس بشيء ولم يتفرد
~~بذلك ابن مالك بل سبقه إليه الأخفش وتبعه جماعة { وما كان من
~~المشركين } بل كان قدوة المحققين وهذا تكرير لما سبق لزيادة تأكيد
~~وتقرير لنزاهته عليه السلام عما هم عليه من عقد وعمل.

### || [16.124]

# وقوله تعالى: { إنما جعل السبت } بمعنى إنما فرض تعظيمه
~~والتخلي للعبادة وترك الصيد فيه تحقيق لذلك النفي الكلي وتوضيح له بإبطال
~~ما عسى يتوهم كونه قادحا في الكلية فإن اليهود كانوا يزعمون أن السبت من
~~شعائر الإسلام وأن إبراهيم عليه السلام كان محافظا عليه أي ليس السبت من
~~شرائع إبراهيم وشعائر ملته عليه السلام التي أمرت باتباعها حتى يكون بينه
~~وبين بعض المشركين علاقة في الجملة، وإنما شرع ذلك لبني إسرائيل بعد مدة
~~طويلة، وإيراد الفعل مبنيا للمفعول جرى على سنن الكبرياء وإيذان بعدم
~~الحاجة إلى التصريح بالفاعل لاستحالة الإسناد إلى الغير. وقرأ أبو حيوة {
~~جعل } بالبناء للفاعل، وعن ابن مسعود والأعمش أنهما قرءا (إنما أنزلنا
~~السبت) وهو على ما قال أبو حيان تفسير معنى لا قراءة لمخالفة ذلك سواد
~~المصحف، والمستفيض عنهما أنهما قرءا كالجماعة { إنما جعل السبت }.

# { على الذين اختلفوا فيه } على نبيهم حيث أمرهم بالجمعة
~~فاختاروا السبت وهم اليهود. أخرج الشافعي في ms05570 " الأم " والشيخان في "
~~صحيحيهما " عن أبي هريرة قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن الآخرون السابقون يوم القيامة
~~بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ثم هذا يومهم الذي فرض
~~عليهم يعني الجمعة فاختلفوا فيه فهدانا الله تعالى له فالناس لنا فيه تبع
~~اليهود غدا والنصارى بعد غد "

# وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: أمر موسى عليه السلام
~~اليهود بالجمعة وقال: تفرغوا لله تعالى في كل سبعة أيام يوما واحدا وهو
~~يوم الجمعة ولا تعملوا فيه شيئا من أعمالكم فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا:
~~لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله تعالى فيه من الخلق وهو يوم السبت فجعل
~~عليهم وشدد فيه الأمر ثم جاء عيسى عليه/ السلام بالجمعة فقالت النصارى:
~~لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا فاتخذوا الأحد وكأنهم إنما اختاروه لأنه
~~مبتدأ الخلق، واختار هذا الإمام وحمل { فى } على التعليل أي اختلفوا على
~~نبيهم لأجل ذلك اليوم، وقال الخفاجي: معنى { اختلفوا فيه } خالفوا
~~جميعهم نبيهم فهو اختلاف بينهم وبين نبيهم، وظاهر الاخبار يقتضي أنه عين
~~لهم أولا يوم الجمعة، وقال القاضي عياض: ((الظاهر أنه فرض عليهم تعظيم
~~يوم الجمعة بغير تعيين ووكل إلى اجتهادهم [لإقامة شرائعهم فيه] (فاختلفت
~~أحبارهم) في تعيينه ولم يهدهم الله تعالى له وفرض على هذه الأمة مبينا
~~[ولم يكل إلى أحد اجتهادهم] ففازوا بفضيلته ولو كان منصوصا عليه لم يصح
~~(أن يقال اختلفوا) بل يقال خالفوا، وقال الإمام النووي: يمكن أن يكونوا
~~أمروا [به] صريحا ونص عليه فاختلفوا فيه هل يلزم تعيينه أم لهم إبداله
~~فأبدلوه وغلطوا في إبداله))، وقال الواحدي: قد أشكل أمر هذا الاختلاف على
~~كثير من المفسرين حتى قال بعضهم: معنى اختلافهم في السبت أن بعضهم قال هو
~~أعظم الأيام حرمة لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء فيه، وقال الآخرون:
~~أعظمها حرمة الأحد لأن الله سبحانه ابتدأ الخلق فيه؛ وهذا غلط لأن اليهود
~~لم يكونوا فرقتين في السبت وإنما اختار الأحد ms05571 النصارى بعدهم بزمان وقيل:
~~المراد اختلفوا فيما بينهم في شأنه ففضلته فرقة منهم على الجمعة ولم ترض
~~بها وفضلت أخرى الجمعة عليه ومالت إليها بناء على ما روي من أن موسى
~~عليه السلام جاءهم بالجمعة فأبى أكثرهم إلا السبت ورضي شرذمة منهم بها
~~فأذن الله تعالى لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد فيه فأطاع أمر الله
~~تعالى الراضون بالجمعة فكانوا لا يصيدون وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد
~~فمسخهم الله تعالى قردة دون أولئك المطيعين، والتفسير الأول تفسير رئيس
~~المفسرين وترجمان القرآن وحبر الأمة المروي من طرق صحيحة عن أفضل النبيين
~~وأعلم الخلق بمراد رب العالمين صلى الله عليه وسلم.

# { وإن ربك ليحكم بينهم } أي المختلفين { يوم
~~القيمة فيما كانوا فيه يختلفون } أي يقضي بينهم
~~بالمجازاة على اختلافهم على نبيهم ومخالفتهم له في ذلك أو يفصل ما بين
~~الفريقين منهم من الخصومة والاختلاف فيجازي كل فريق بما يستحقه من الثواب
~~والعقاب، وفيه على هذا إيماء إلى أن ما وقع في الدنيا من مسخ أحد
~~الفريقين وإنجاء الآخر بالنسبة إلى ما سيقع في الآخرة شيء لا يعتد به،
~~وعبر عن الفرض بالجعل موصولا بكلمة { على } للإيذان بتضمنه للتشديد
~~والابتلاء المؤدي إلى العذاب، وعن اليهود بالاسم الموصول بالاختلاف إشارة
~~إلى علة ذلك، وقيل: المعنى إنما جعل وبال ترك تعظيم السبت وهو المسخ
~~كائنا أو واقعا على الذين اختلفوا فيه أي أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه
~~أخرى وكان حتما عليهم أن يتفقوا على تحريمه حسبما أمر الله تعالى به
~~وروي ذلك عن قتادة، وفسر الحكم بينهم بالمجازاة باختلاف أفعالهم بالإحلال
~~تارة والتحريم أخرى. ووجه إيراد ذلك ههنا بأنه أريد منه إنذار المشركين
~~وتهديدهم بما في مخالفة الأنبياء عليهم السلام من الوبال كما ذكرت القرية
~~التي كفرت بأنعم الله تعالى تمثيلا لذلك. واعترض بأن توسيط ذلك لما ذكر
~~بين حكاية أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم عليه السلام
~~وبين أمره صلى الله عليه وسلم بالدعوة إليها كالفصل بين الشجر ولحائه.
~~وأجيب بأن ms05572 فيه حثا على إجابة الدعوة التي تضمنها الكلام السابق وأمر بها
~~في الكلام اللاحق فللمتوسط نسبة إلى الطرفين تخرجه من أن يكون الفصل به
~~كالفصل بين الشجر ولحائه وهو كما ترى.

# واعترض أيضا بأن كلمة { بينهم } تحكم بأن المراد بالحكم هو فصل ما
~~بين الفريقين من الاختلاف دون المجازاة باختلاف أفعالهم بالإحلال تارة
~~والتحريم أخرى. ويرد هذا أيضا على تفسيره بالقضاء بالمجازاة/ على
~~اختلافهم جميعهم على نبيهم ومخالفتهم له فيما جاءهم به، وقد فسر بذلك على
~~التفسير المأثور عن ترجمان القرآن، ومنهم من فسره عليه بما فسر به على
~~التفسير المروي عن قتادة فيرد عليه أيضا ما ذكر مع ما في ضمنه من القول
~~باختلاف الاختلافين بمعنى، والظاهر اتحادهما. وأجاب بعضهم عن الاعتراض
~~بمنع حكم كلمة { بينهم } بما تقدم فتأمل، وتفسير السبت باليوم
~~المخصوص هو الظاهر الذي ذهب إليه الكثير، وجوز كونه مصدر سبتت اليهود إذا
~~عظمت سبتها، قيل: ويجوز على هذا أن يكون في الآية استخدام.

### || [16.125]

# { ادع } أي من بعثت إليهم من الأمة قاطبة فحذف المفعول دلالة على
~~التعميم، وجوز أن يكون المراد افعل الدعوة تنزيلا له منزلة اللازم للقصد
~~إلى إيجاد نفس الفعل إشعارا بأن عموم الدعوة غني عن البيان وإنما
~~المقصود الأمر بإيجادها على وجه مخصوص. وتعقب بأن ذلك لا يناسب المقام
~~كما لا يناسب قوله تعالى: { وجدلهم }. { إلى سبيل ربك }
~~إلى الإسلام الذي عبر عنه تارة بالصراط المستقيم وأخرى بملة إبراهيم عليه
~~السلام، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير النبي صلى الله
~~عليه وسلم ما لا يخفى. { بالحكمة } بالمقالة المحكمة وهي الحجة
~~القطعية المزيحة للشبه؛ وقريب من هذا ما في «البحر» أنها الكلام الصواب
~~الواقع من النفس أجمع موقع { والموعظة الحسنة } وهي الخطابات
~~المقنعة والعبر النافعة التي لا يخفى عليهم إنك تناصحهم بها.

# { وجدلهم } ناظر معانديهم { بالتى هى أحسن } بالطريقة
~~التي هي أحسن طرق المناظرة والمجادلة من الرفق واللين واختيار الوجه
~~الأيسر واستعمال المقدمات المشهورة تسكينا لشغبهم وإطفاء للهبهم كما
~~فعله الخليل عليه ms05573 السلام. واستدل  كما قيل  أرباب المعقول بالآية على
~~أن المعتبر في الدعوة من بين الصناعات الخمس إنما هو البرهان والخطابة
~~والجدل حيث اقتصر في الآية على ما يشير إليها، وإنما تفاوتت طرق دعوته
~~عليه الصلاة والسلام لتفاوت مراتب الناس، فمنهم خواص وهم أصحاب نفوس
~~مشرقة قوية الاستعداد لإدراك المعاني قوية الانجذاب إلى المبادي العالية
~~مائلة إلى تحصيل اليقين على اختلاف مراتبه وهؤلاء يدعون بالحكمة بالمعنى
~~السابق. ومنهم عوام أصحاب نفوس كدرة ضعيفة الاستعداد شديدة الألف
~~بالمحسوسات قوية التعلق بالرسوم والعادات قاصرة عن درجة البرهان لكن لا
~~عناد عندهم وهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة بالمعنى المتقدم. ومنهم من
~~يعاند ويجادل بالباطل ليدحض به الحق لما غلب عليه من تقليد الأسلاف ورسخ
~~فيه من العقائد الباطلة فصار بحيث لا تنفعه المواعظ والعبر بل لا بد من
~~إلقامه الحجر بأحسن طرق الجدال لتلين عريكته وتزول شكيمته وهؤلاء الذين
~~أمر صلى الله عليه وسلم بجدالهم بالتي هي أحسن، وإنما لم تعتبر المغالطة
~~والشعر لأن فائدة المغالطة تغليط الخصم والاحتراز عن تغليطه إياه ومرتبة
~~الرسول عليه الصلاة والسلام تنافي أن يغلط وتتعالى أن يغلط، والشعر وإن
~~كان مفيدا للخواص والعوام فإن الناس في باب الإقدام والإحجام أطوع
~~للتخييل منهم للتصديق إلا أن مداره على الكذب ومن ثمة قيل: الشعر أكذبه
~~أعذبه فلا يليق بالصادق المصدوق كما يشهد به قوله تعالى:

# وما علمنه الشعر وما ينبغى له

# [يس: 69] لا يقال: الشعر الذي هو أحد الصناعات قياس مؤلف من مقدمات
~~مخيلة والشعر الذي مداره على الكذب هو الكلام الموزون المقفى وهو الذي
~~نفى تعليمه عنه صلى الله عليه وسلم لما قيل: كون الشعر مذموما ليس لكونه
~~كلاما موزونا مقفى بل لاشتماله على تخيلات كاذبة فهما من واد واحد ذكر
~~ذلك بعض المتأخرين.

# وقد ذهب/ غير واحد إلى أن فيها إشارة إلى تفاوت مراتب المدعوين إلا أنه
~~خالف في بعض ما تقدم، ففي «الكشف» بعد أن ذكر أن كلام الزمخشري يدل على
~~أنه عليه الصلاة والسلام ينبغي أن يجمع ms05574 في الدعوة بين الثلاث فيكون
~~الكلام في نفسه حسن التأليف منتجا لما علق به من الغرض ومع ذلك مقصودا
~~به المناصحة لمن خوطب به ويكون المتكلم حسن الخلق في ذلك معلما ناصحا
~~شفيقا رفيقا ما نصه: والأحسن على ما ذهب إليه المحققون أنه تعميم
~~للدعوة حسب مراتب المدعوين في الفهم والاستعداد، فمن دعي بلسان الحكمة
~~ليفاد اليقين العياني أو البرهاني هم السابقون، ومن دعي بالموعظة الحسنة
~~وهي الإقناعات الحكمية لا الخطابات المشهورة طائفة دون هؤلاء، ومن دعي
~~بالمجادلة الحسنة هم عموم أهل الإسلام والكفار أيضا اه، ولا أرى ما
~~يوجب نفي أن يكون المراد بالموعظة الحسنة الخطابات المشهورة، وكونها
~~مركبة من مقدمات مظنونة أو مقبولة من شخص معتقد فيه ولا يليق بالنبي صلى
~~الله عليه وسلم استعمال الظنيات أو أخذ كلام الغير والدعوة به هو الموجب
~~لذلك لا يخفى ما فيه فتدبر.

# وذكر الإحسائي رئيس الفرقة الظاهرة في زماننا المسماة بالكشفية في كتابه
~~«شرح الفوائد» ما محصله أن المدعوين من المكلفين ثلاثة أنواع، وكذا
~~الأدلة التي أشارت إليها الآية فإن كانوا من الحكماء العقلاء والعلماء
~~النبلاء فدعوتهم إلى الحق الذي يريده الله تعالى منهم من معرفته بدليل
~~الحكمة وهو الدليل الذوقي العياني الذي يلزم منه العلم الضروري بالمستدل
~~عليه لأنه نوع من المعاينة كقولنا في رد من زعم أن حقائق الأشياء كانت
~~كامنة في ذاته تعالى بنحو أشرف ثم أفاضها إنه لا بد وأن يكون لذاته
~~سبحانه قبل الإفاضة حال مغاير لما بعدها سواء كان التغير في نفس الذات أو
~~فيما هو في الذات فإن حصل التغير في الذات لزم حدوثها وإن حصل فيما هو في
~~الذات  أعني حقائق الأشياء الكامنة  لزم أن تكون الذات محلا للمتغير
~~المختلف ويلزم من ذلك حدوثها. وكقولنا في إثبات أنه سبحانه أظهر من كل
~~شيء: إن كل أثر يشابه صفة مؤثرة وأنه قائم بفعله قيام صدور كالأشعة
~~بالنيرات والكلام بالمتكلم، فالأشياء هي ظهور الواجب بها لها لأنه سبحانه
~~لا يظهر بذاته وإلا لاختلفت حالتاه، ms05575 ولا يكون شيء أشد ظهورا من الظاهر
~~في ظهوره لأن الظاهر أظهر من ظهوره وإن كان لا يمكن التوصل إلى معرفته
~~إلا بظهوره مثل القيام فإن القائم أظهر في القيام من القيام والقاعد أظهر
~~في القعود من القعود وإن كان لا يمكن التوصل إلى معرفتهما إلا بالقيام
~~والقعود فتقول: يا قائم ويا قاعد، والمعنى لك إنما هو القائم والقاعد لا
~~القيام والقعود لأنه بظهوره لك بذلك غيب عليك مشاهدته وإن التفت إليه
~~احتجب عنك القائم والقاعد، وهو آلة لمعرفة المعارف الحقية كالتوحيد وما
~~يلحق به، ومستنده الفؤاد وهو نور الله تعالى المشار إليه بقوله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى "

# والنقل من الكتاب والسنة، وشرطه الذي يتوقف عليه فتح باب النور ثلاثة
~~أشياء: أحدها أن تنصف ربك وتقبل منه سبحانه قوله ولا تتبع شهوة نفسك.
~~وثانيها أن تقف عند بيانك وتبينك وتبيينك على قوله تعالى:

# ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر
~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا

# [الإسراء: 36] وثالثها أن تنظر في تلك الأحوال أعني البيان وما بعده
~~بعينه تعالى وهي العين التي هي وصف نفسه لك أعني وجودك من حيث كونه أثرا
~~ونورا لا بعينك التي هي أنت من حيث  إنك أنت  أنت فإنك لا تعرف بهذه
~~العين إلا الحادثات المحتاجة الفانية. وإن كانوا من العلماء ذوي الألباب
~~وأرباب القلوب فدعوتهم إلى الحق الذي يريده سبحانه منهم من اليقين
~~الحقيقي في اعتقاداتهم بدليل الموعظة الحسنة وهي الدليل العقلي اليقيني
~~الذي يلزم منه اليقين في الإيمان به/ سبحانه وبغيره مما أمرهم بالإيمان
~~به وهو آلة لعلم الطريقة وتهذيب الأخلاق وعلم اليقين والتقوى، وهذه
~~العلوم وإن كانت قد تستفاد من غيره ولكن بدون ملاحظته لا يوقف على اليقين
~~والاطمئنان الذي هو أصل علم الأخلاق، ومستنده القلب والنقل، وشرط صحته
~~والانتفاع به اتصاف عقلك به بأن تلزم ما ألزمك به ولا تظلمه وهو كقوله
~~تعالى:

# قل أرءيتم إن كان من عند الله ms05576 ثم كفرتم به
~~من أضل ممن هو فى شقاق بعيد

# [فصلت: 52] وقوله تعالى:

# قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به
~~وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن
~~واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين

# [الأحقاف: 10] إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.

# وإن كانوا من العلماء أصحاب الرسوم كالمتكلمين ونظائرهم فدعوتهم إلى
~~الحق الذي يريده سبحانه منهم من اليقين الرسمي بمقتضى طبيعتهم القاصرة
~~بدليل المجادلة بالتي هي أحسن وهي الدليل العلمي القطعي الذي يلزم منه
~~العلم فيما ذكر وهو آلة لعلم الشريعة، ومستنده العلم والنقل، وشرطه إنصاف
~~الخصم بأن يقيمه على النحو المقرر في علم الميزان، وقد ذكره العلماء في
~~كتبهم الأصولية والفروعية بل لا يكاد يسمع منهم غير هذا الدليل وهو محل
~~المناقشات والمعارضات، وأما الدليلان الأولان فليس فيهما مناقشة ولا
~~معارضة فإذا اعترض عليهما معترض فقد اعترض فيهما بغيرهما اه المراد منه
~~وهو كما ترى، وإنما ذكرته لتعلم حال المرؤوس من حال الرئيس، ولقد رأيت
~~مشايخ هذه الطائفة يتكلمون بما هو كشوك القنافذ ويحسبونه كريش الطواويس،
~~وجوز أن يراد بالحكمة والموعظة الحسنة القرآن المجيد فإنه جامع لكلا
~~الأمرين فكأنه قيل: ادع بالقرآن الذي هو حكمة وموعظة حسنة وقيل غير ذلك،
~~ومنه أن الحكمة النبوة وليس من الحكمة، وفسر بعضهم المجادلة الحسنة
~~بالإعراض عن أذاهم وادعى أن الآية منسوخة بآية السيف، والجمهور على أنها
~~محكمة وأن معنى الآية ما تقدم، ولكون الحكمة أعلى الدلائل وأشرافها
~~والمدعوين به الكاملين الطالبين للمعارف الإلهية والعلوم الحقيقية وقليل
~~ما هم جيء بها أولا، ولكون الجدل أدنى الدلائل إذ ليس المقصود منه سوى
~~إلزام الخصم وإفحامه ولا يستعمل إلا مع الناقصين الذين تغلب عليهم
~~المشاغبة والمخاصمة وليسوا بصدد تحصيل هاتيك العلوم ذكر أخيرا، ولكون
~~الموعظة الحسنة دون الحجة وفوق الجدل والمدعوين بها المتوسطين الذين لم
~~يبلغوا في الكمال حد الحكماء المحققين ولم يكونوا في النقصان بمرتبة
~~أولئك المشاغبين وسطت بين الأمرين، وكأنه إنما لم يقل: ادع إلى سبيل
~~بالحكمة والموعظة والجدال ms05577 الأحسن لما أن الجدال ليس من باب الدعوة بل
~~المقصود منه غرض آخر مغاير لها وهو الإلزام والإفحام كما قاله الإمام
~~فليفهم.

# { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله } الذي أمرك
~~بدعوة الخلق إليه وأعرض عن قبوله. { وهو أعلم بالمهتدين }
~~إليه وهو تعليل لما ذكر أولا من الأمرين كأنه قيل: اسلك في الدعوة
~~والمناظرة الطريقة المذكورة وما عليك غير ذلك وأما حصول الهداية والضلال
~~والمجازاة عليهما فإلى الله سبحانه لا إلى غيره إذ هو أعلم بمن يبقى على
~~الضلال وبمن يهتدي إليه فيجازي كلا منهما ما يستحقه كذا قيل. واعترض بأن
~~دلالة الآية على المجازاة مسلمة وأما أن حصول الهداية والضلالة ليس لغيره
~~تعالى فالآية لا تدل عليه أصلا. وأجيب بأنه إذا انحصر علم الهداية
~~والضلالة فيه تعالى علم أنه لا يكون لغيره سبحانه علمهما فكيف يكون له
~~حصولهما فالقول بعدم دلالة الآية على ذلك غير سديد، وقيل: المعنى اسلك في
~~الدعوة والمناظرة الطريقة المذكورة فإنه تعالى هو أعلم بحال من لا يرعوي
~~عن الضلال لسوء اختياره وبحال من يصير أمره إلى الاهتداء لما فيه من
~~الخير فما شرعه لك في الدعوة هو الذي تقتضيه الحكمة فإنه كاف في هداية
~~المهتدين وإزالة/ عذر الضالين، وقيل: المعنى إنما عليك البلاغ فلا تلح
~~عليهم أن أبوا بعد الإبلاغ مرة أو مرتين مثلا فإن ربك هو أعلم بهم فمن
~~كان فيه خير كفته النصيحة اليسيرة ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل، وتقديم
~~الضالين لأن الكلام فيهم، وإيراد الضلال بصيغة الفعل الدال على الحدوث
~~لما أنه تغيير لفطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها وإعراض عن الدعوة
~~وذلك أمر عارض بخلاف الاهتداء الذي هو عبارة عن الثبات على الفطرة
~~والجريان على موجب الدعوة ولذلك جيء به على صيغة الاسم المنبىء عن
~~الثبات، وجملة { هو أعلم بالمهتدين } قيل: عطف على جملة {
~~إن ربك } الخ أو على خبر إن وتكرير { هو أعلم } للتأكيد
~~والإشعار بتباين حال المعلومين ومآلهما من العقاب والثواب وهو في الجملة ms05578
~~الأولى ضمير فصل للتخصيص كما هو ظاهر كلام البعض أو للتقوية كما قيل، ولا
~~يخفى ما في التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه
~~وسلم من اللطافة.

### || [16.126]

# { وإن عاقبتم } أي إن أردتم المعاقبة { فعاقبوا بمثل
~~ما عوقبتم به } أي مثل ما فعل بكم وقد عبر عنه بالعقاب على طريقة
~~إطلاق اسم المسبب على السبب نحو كما تدين تدان على نهج المشاكلة، وقال
~~الخفاجي: إن العقاب في العرف مطلق العذاب ولو ابتداء وفي أصل اللغة
~~المجازاة على عذاب سابق فإن اعتبر الثاني فهو مشاكلة وإن اعتبر الأول فلا
~~مشاكلة، وعلى الاعتبارين صيغة المفاعلة ليست للمشاركة، والآية نزلت في
~~شأن التمثيل بحمزة رضي الله تعالى عنه يوم أحد، فقد صح عن أبي هريرة أن
~~النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة يوم استشهد فنظر إلى منظر لم
~~ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه ونظر إليه قد مثل به فقال: ((رحمة
~~الله تعالى عليك فإنك كنت ما علمت وصولا للرحم فعولا للخيرات ولولا حزن
~~من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله تعالى من أرواح شتى أما
~~والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك)) فنزل جبريل عليه السلام والنبي صلى
~~الله عليه وسلم واقف بخواتيم النحل { وإن عاقبتم } إلى آخرها
~~فكفر عليه الصلاة والسلام عن يمينه وأمسك عن الذي أراد وصبر، فهي على
~~هذا مدنية. وذهب النحاس إلى أنها مكية وليست في شأن التمثيل بحمزة رضي
~~الله تعالى عنه واختاره بعضهم لما يلزم على ذلك من عدم الارتباط المنزه
~~عنه كلام رب العزة جل شأنه إذ لا مناسبة لتلك القضية لما قبل، وأما على
~~القول بأنها مكية فوجه الارتباط أنه لما أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه
~~وسلم بالدعوة وبين طريقها أشار إليه عليه الصلاة والسلام وإلى من يتابعه
~~بمراعاة العدل مع من يناصبهم والمماثلة فإن الدعوة لا تكاد تنفك عن ذلك
~~كيف لا وهي موجبة لصرف الوجوه عن القبل المعبودة وإدخال الأعناق في قلادة
~~غير معهودة ms05579 قاضية عليها بفساد ما يأتون وما يذرون وبطلان دين استمرت عليه
~~آباؤهم الأولون وقد ضاقت بهم الحيل وعيت بهم العلل وسدت عليهم طرق
~~المحاجة والمناظرة وأرتجت دونهم أبواب المباحثة والمحاورة وترددت في
~~صدورهم الأنفاس ووقعوا في حيص بيص يضربون أخماسا في أسداس لا يجدون إلا
~~الأسنة مركبا ويختارون الموت الأحمر دون دين الإسلام مذهبا، وإلى الأول
~~ذهب جمهور المفسرين ووقع ذلك في " صحيح البخاري " بل قال القرطبي: إنه
~~مما أطبق عليه المفسرون، وما ذكر من لزوم عدم الارتباط عليه ليس بشيء،
~~فإن التنبيه على تلك القضية للإشارة إلى أن الدعوة لا تخلو من مثل ذلك
~~وأن المجادلة تنجر إلى المجالدة فإذا وقعت فاللائق ما ذكر فلا فرق في
~~الارتباط بحسب المآل بين أن تكون/ مكية وأن تكون مدنية، وخصوص السبب لا
~~ينافي عموم المعنى، فالمعول عليه عدم العدول عما قاله الجمهور.

# وقرأ ابن سيرين: { وإن عقبتم فعقبوا } بتشديد القافين أي وإن قفيتم
~~بالانتصار فقفوا بمثل ما فعل بكم غير متجاوزين عنه.

# واستدل بالآية على أن للمقتص أن يفعل بالجاني مثل ما فعل في الجنس
~~والقدر وهذا مما لا خلاف فيه. وأما اتحاد الأدلة بأن يقتل بحجر من قتل به
~~وبسيف من قتل به مثلا فذهب إليه بعض الأئمة، ومذهب أبي حنيفة رضي الله
~~تعالى عنه أنه لا قود إلا بالسيف، ووجه ذلك مع أن الآية ظاهرة في خلافه
~~أن القتل بالحجر ونحوه مما لا يمكن مماثلة مقداره شدة وضعفا فاعتبرت
~~مماثلته في القتل وازهاق الروح والأصل في ذلك السيف كما ذكره الرازي في "
~~أحكامه ". وذكر بعضهم أنه اختلف في هذه الآية فأخذ الشافعي بظاهرها،
~~وأجاب الحنفية بأن المماثلة في العدد بأن يقتل بالواحد واحد لأنها نزلت
~~لقول النبي صلى الله عليه وسلم

# " لأمثلن بسبعين منهم "

# لما قتل حمزة ومثل به كما سمعت فلا دليل فيها، وقال الواحدي: إنها
~~منسوخة كغيرها من المثلة وفيه كلام في " شروح الهداية ".

# وفي تقييد الأمر بقوله سبحانه { وإن عاقبتم } حث على العفو
~~تعريضا لما في ms05580 «إن» الشرطية من الدلالة على عدم الجزم بوقوع ما في حيزها
~~فكأنه قيل: لا تعاقبوا وإن عاقبتم الخ كقول طبيب لمريض سأله عن أكل
~~الفاكهة إن كنت تأكل الفاكهة فكل الكمثرى، وقد صرح بذلك على الوجه الآكد
~~فقيل: { ولئن صبرتم } أي عن المعاقبة بالمثل { لهو } أي
~~لصبركم ذلك على حد

# اعدلوا هو أقرب للتقوى

# [المائدة: 8] { خير } من الانتصار بالمعاقبة { للصبرين } أي
~~لكم إلا أنه عدل عنه إلى ما في النظم الجليل مدحا لهم وثناء عليهم
~~بالصبر، وفيه إرشاد إلى أنه إن صبرتم فهو شيمتكم المعروفة فلا تتركوها
~~إذا في هذه القضية أو وصفا لهم بصفة تحصل لهم إذا صبروا عن المعاقبة
~~فهو على حد من قتل قتيلا وهو الظاهر من اللفظ، وفيه ترغيب في الصبر
~~بالغ، ويجوز عود الضمير إلى مطلق الصبر المدلول عليه بالفعل، والمراد
~~بالصابرين جنسهم فيدخل هؤلاء دخولا أوليا.

# ثم إنه تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم صريحا بما ندب إليه غيره
~~تعريضا من الصبر لأنه عليه الصلاة والسلام أولى الناس بعزائم الأمور
~~لزيادة علمه بشؤونه سبحانه ووثوقه به تعالى فقال تعالى: { واصبر
~~وما صبرك إلا بالله... }.

### || [16.127]

# { واصبر } على ما أصابك من جهتهم من فنون الآلام والأذية وعاينت من
~~إعراضهم بعد الدعوة عن الحق بالكلية { وما صبرك إلا بالله }
~~استثناء مفرغ من أعم الأشياء أي وما صبرك ملابسا ومصحوبا بشيء من
~~الأشياء إلا بذكر الله تعالى والاستغراق بمراقبة شؤونه والتبتل إليه
~~سبحانه بمجامع الهمة، وفيه من تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتهوين
~~مشاق الصبر عليه وتشريفه ما لا مزيد عليه أو إلا بمشيئته المبنية على حكم
~~بالغة مستتبعة لعواقب حميدة فالتسلية من حيث اشتماله على غايات جليلة
~~قاله شيخ الإسلام. وقال غير واحد: أي إلا بتوفيقه ومعونته فالتسلية من
~~حيث تيسير الصبر وتسهيله ولعل ذلك أظهر مما تقدم.

# { ولا تحزن عليهم } أي على الكافرين وكفرهم بك وعدم متابعتهم
~~لك نحو

# فلا تأس على القوم الكفرين

# [المائدة: 68] وقيل: على المؤمنين وما فعل بهم من المثلة ms05581 يوم أحد {
~~ولا تك فى ضيق } بفتح الضاد، وقرأ ابن كثير بكسرها وروي ذلك عن
~~نافع، ولا يصح على ما قال أبو حيان عنه وهما لغتان كالقول والقيل أي/ لا
~~تكن في ضيق صدر وحرج وفيه استعارة لا تخفى ولا داعي إلى ارتكاب القلب،
~~وقال أبو عبيدة: الضيق بالفتح مخفف ضيق كهين وهين أي لا تك في أمر ضيق.
~~ورده أبو علي كما في " البحر " بأن الصفة غير خاصة بالموصوف فلا يجوز
~~ادعاء الحذف ولذلك جاز مررت بكاتب وامتنع بآكل. وتعقب بالمنع لأنه إذا
~~كانت الصفة عامة وقدر موصوف عام فلا مانع منه.

# { مما يمكرون } أي من مكرهم بك فيما يستقبل فالأول كما في "
~~إرشاد العقل السليم " نهي عن التألم بمطلوب من جهتهم فات والثاني نهي عن
~~التألم بمحذور من جهتهم آت، وفيه أن النهي عنهما مع أن انتفاءهما من
~~لوازم الصبر المأمور به لزيادة التأكيد وإظهار كمال العناية بشأن التسلية
~~وإلا فهل يخطر ببال من توجه إلى الله تعالى بشراشره متنزها عن كل ما
~~سواه سبحانه من الشواغل شيء مطلوب فينهى عن الحزن بفواته، وقيل: يمكرون
~~بمعنى مكروا، وإنما عبر بالمضارع استحضارا للصورة الماضية، والأول نهي
~~عن الحزن على سوء حالهم في أنفسهم من اتصافهم بالكفر والاعراض عن الدعوة
~~والثاني نهي عن الحزن على سوء حالهم معه صلى الله عليه وسلم من إيذائهم
~~له بالتمثيل بأحبابه ونحوه والمراد من النهيين محض التسلية لا حقيقة
~~النهي، وأنت تعلم أن الظاهر إبقاء المضارع على حقيقته فتأمل.

### || [16.128]

# { إن الله مع الذين اتقوا } تعليل لما سبق من الأمر
~~والنهي، والمراد بالمعية الولاية الدائمة التي لا يحوم حول صاحبها شيء من
~~الجزع والحزن وضيق الصدر وما يشعر به دخول كلمة { مع } من متبوعية
~~المتقين من حيث أنهم المباشرون للتقوى، والمراد بها هنا أعلى مراتبها
~~أعني التنزه عن كل ما يشغل السر عن الحق سبحانه والتبتل إليه تعالى
~~بالكلية لأن ذلك هو المورث لولايته عز وجل المقرونة ببشارة

# ألا إن أولياء الله لا خوف ms05582 عليهم ولا هم
~~يحزنون

# [يونس: 62] والمعنى أن الله تعالى ولي الذين تبتلوا إليه سبحانه بالكلية
~~وتنزهوا عن كل ما يشغل سرهم عنه عز وجل فلم يخطر ببالهم شيء من مطلوب أو
~~محذور فضلا عن الحزن عليه فواتا أو وقوعا وهو المعني بما به الصبر
~~المأمور به على أول الاحتمالات السالفة وبذلك يحصل التقريب ويتم التعليل
~~وإلا فمجرد التوقي عن المعاصي لا يكون مدارا لشيء من العزائم المرخص في
~~تركها فكيف بالصبر المشار إليه ورديفيه وإنما مداره المعنى المذكور فكأنه
~~قيل: إن الله مع الذين صبروا، وإنما أوثر عليه ما في النظم الكريم مبالغة
~~في الحث على الصبر بالتنبيه على أنه من خصائص أجل النعوت الجليلة وروادفه
~~كما أن قوله تعالى: { والذين هم محسنون } للإشعار بأنه من
~~باب الإحسان الذي فيه يتنافس المتنافسون على ما يؤذن بذلك قوله تعالى:

# واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين

# [هود: 115] وقد نبه سبحانه على أن كلا من الصبر والتقوى من قبيل
~~الإحسان بقوله تعالى:

# إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر
~~المحسنين

# [يوسف: 90] وحقيقة الإحسان الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق، وقد فسره
~~صلى الله عليه وسلم بأن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه
~~يراك، وتكرير الموصول للإيذان بكفاية كل من الصلتين في ولايته سبحانه من
~~غير أن تكون احداهما تتمة للأخرى، وإيراد الأول فعلية للدلالة على الحدوث
~~كما أن إيراد الثانية اسمية لإفادة كون مضمونها شيمة راسخة لهم، وتقديم
~~التقوى على الإحسان لما أن التخلية مقدمة على التحلية، والمراد
~~بالموصولين إما جنس المتقين والمحسنين ويدخل عليه الصلاة والسلام في
~~زمرتهم دخولا أوليا وإما هو صلى الله عليه وسلم وأشياعه رضي الله تعالى
~~عنهم وعبر بذلك عنهم مدحا لهم وثناء عليهم بالنعتين الجميلين، وفيه رمز
~~إلى أن صنيعه عليه الصلاة والسلام مستتبع لاقتداء الأمة به كقول من قال
~~لابن عباس رضي الله تعالى عنهما عند التعزية:

# / اصبر نكن بك صابرين وإنما

# صبر الرعية عند صبر الرأس

# قال كل ذلك ms05583 في " إرشاد العقل السليم " ، وإلى كون الجملة في موضع
~~التعليل لما سبق ذهب العلامة الطيبي حيث قال: إنه تعالى لما أمر حبيبه
~~بالصبر على أذى المخالفين ونهاه عن الحزن على عنادهم وإبائهم الحق وعما
~~يلحقه من مكرهم وخداعهم علل ذلك بقوله سبحانه: { إن الله } الخ أي
~~لا تبال بهم وبمكرهم لأن الله تعالى وليك ومحبك وناصرك ومبغضهم وخاذلهم،
~~وعمم الحكم إرشادا للاقتداء به عليه الصلاة والسلام، وفيه تعريض
~~بالمخالفين وبخذلانهم كما صرح به في قوله تعالى:

# ذلك بأن الله مولى الذين ءامنوا وأن
~~الكفرين لا مولى لهم

# [محمد: 11] وذكر أن إيراد الجملة الثانية اسمية وبناء { محسنون }
~~على { هم } على سبيل التقوى مؤذن باستدامة الإحسان واستحكامه وهو
~~مستلزم لاستمرار التقوى لأن الإحسان إنما يتم إذا لم يعد إلى ما كان عليه
~~من الإساءة، وإليه الإشارة بما ورد

# " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه "

# وما ذكر من حمل التقوى على أعلى مراتبها غير متعين، وما ذكره في بيانه
~~لا يخلو عن نظر كما لا يخفى على المتأمل، وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر
~~وابن أبي حاتم وغيرهم عن الحسن أنه قال في الآية: اتقوا فيما حرم الله
~~تعالى عليهم وأحسنوا فيما افترض عليهم، ويوهم كلام بعضهم أن الجملة في
~~موضع التعليل للأمر بالمعاقبة بالمثل حيث قال: إن المعنى إن الله بالعون
~~والحرمة والفضل مع الذين خافوا عقاب الله تعالى وأشفقوا منه فشفقوا على
~~خلقه بعد الإسراف في المعاقبة، وفسر الإحسان بترك الإساءة كما قيل:

# ترك الإساءة إحسان وإجمال

# ولا يخفى ما فيه من البعد، وقد اشتملت هذه الآيات على تعليم حسن الأدب
~~في الدعوة وترك التعدي والأمر بالصبر على المكروه مع البشارة للمتقين
~~المحسنين، وقد أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وغيرهما عن هرم بن حيان أنه
~~قيل له حين الاحتضار: أوص فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي وأوصيكم
~~بخواتيم سورة النحل هذا.

# ومن باب الإشارة في الآيات:

# ونزلنا عليك الكتب تبيانا لكل شىء

# [النحل: 89] أي مما كان ms05584 وما يكون فيفرق به بين المحق والمبطل والصادق
~~والكاذب والمتبع والمبتدع، وقيل: كل شيء هو النبي صلى الله عليه وسلم
~~كما قيل إنه عليه الصلاة والسلام الإمام في قوله سبحانه:

# وكل شىء أحصينه فى إمام مبين

# [يس: 12]

# إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذى
~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى
~~يعظكم لعلكم تذكرون

# [النحل: 90] قال السيادي: العدل رؤية المنة منه تعالى قديما وحديثا،
~~والإحسان الاستقامة بشرط الوفاء إلى الأبد، وقيل: العدل أن لا يرى العبد
~~فاترا عن طاعة مولاه مع عدم الالتفات إلى العوض، وإيتاء ذي القربى
~~الإحسان إلى ذوي القرابة في المعرفة والمحبة والدين فيخدمهم بالصدق
~~والشفقة ويؤدي إليهم حقهم، والفحشاء الاستهانة بالشريعة، والمنكر الإصرار
~~على الذنب كيفما كان، والبغي ظلم العباد، وقيل: الفحشاء إضافة الأشياء
~~إلى غيره تعالى ملكا وإيجادا

# وأوفوا بعهد الله

# [النحل: 91] المأخوذ عليكم في عالم الأرواح بالبقاء على حكمه وهو
~~الإعراض عن الغير والتجرد عن العلائق والعوائق في التوجه إليه تعالى إذا
~~عاهدتم أي تذكرتموه بإشراق نور النبي صلى الله عليه وسلم عليكم وتذكيره
~~إياكم؛ قال النصرآبادي: العهود مختلفة فعهد العوام لزوم الظواهر وعهد
~~الخواص حفظ السرائر وعهد خواص الخواص التخلي من الكل لمن له الكل { ما
~~عندكم } من الصفات ينفد لمكان الحدوث

# وما عند الله باق

# [النحل: 96] لمكان القدم فالعبد الحقيقي من كان فانيا من أوصافه باقيا
~~بما عند الله تعالى كذا في " أسرار القرآن " { من عمل صلحا من
~~ذكر أو أنثى } أي/ عملا يوصله إلى كماله الذي يقتضيه استعداده {
~~وهو مؤمن } معتقد للحق اعتقادا جازما { فلنحيينه
~~حيوة طيبة } أي حياة حقيقية لا موت بعدها بالتجرد عن المواد
~~البدنية والانخراط في سلك الأنوار القدسية والتلذذ بكمالات الصفات
~~ومشاهدات التجليات الأفعالية والصفاتية { ولنجزينهم أجرهم
~~} من جنات الصفات والأفعال

# بأحسن ما كانوا يعملون

# [النحل: 97] إذ عملهم يناسب صفاتهم التي هي مبادى أفعالهم وأجرهم يناسب
~~صفات الله تعالى التي هي مصادر أفعاله فانظر كم بينهما من التفاوت في
~~الحسن، ويقال: الحياة الطيبة ما تكون مع المحبوب ومن ms05585 هنا قيل:

# كل عيش ينقضي ما لم يكن

# مع مليح ما لذاك العيش ملح

# ثم إن ربك للذين هجروا من بعد ما فتنوا
~~ثم جهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور
~~رحيم

# [النحل: 110] قال سهل هو اشارة إلى الذين رجعوا القهقرى في طريق سلوكهم
~~ثم عادوا أي إن ربك للذين هجروا قرناء السوء من بعد أن ظهر لهم منهم
~~الفتنة في صحبتهم ثم جاهدوا أنفسهم على ملازمة أهل الخير ثم صبروا معهم
~~على ذلك ولم يرجعوا إلى ما كانوا عليه في الفتنة لساتر عليهم ما صدر منهم
~~منعم عليهم بصنوف الإنعام، وقيل: إن ربك للذين هاجروا أي تباعدوا عن موطن
~~النفس بترك المألوفات والمشتهيات من بعد ما فتنوا بها بحكم النشأة
~~البشرية ثم جاهدوا في الله تعالى بالرياضات وسلوك طريقه سبحانه بالترقي
~~في المقامات والتجريد عن التعلقات وصبروا عما تحب النفس وعلى ما تكرهه
~~بالثبات في السير إن ربك لغفور يستر غواشي الصفات النفسانية رحيم بإفاضة
~~الكمال والصفات القدسية { ضرب الله مثلا } للنفس المستعدة
~~القابلة لفيض القلب الثابتة في طريق اكتساب الفضائل الآمنة من خوف فواتها
~~المطمئنة باعتقادها { يأتيها رزقها رغدا } من العلوم والفضائل
~~والأنوار { من كل مكان } من جميع جهات الطرق البدنية كالحواس
~~والجوارح والآلات ومن جهة القلب { فكفرت بأنعم الله } ظهرت
~~بصفاتها بطرا وإعجابا بزينتها ونظرا إلى ذاتها ببهجتها وبهائها
~~فاحتجبت بصفاتها الظلمانية عن تلك الأنوار ومالت إلى الأمور السلفية
~~وانقطع إمداد القلب عنها وانقلبت المعاني الواردة عليها من طرق الحس هيآت
~~غاسقة من صور المحسوسات التي أنجذبت إليها { فأذاقها الله
~~لباس الجوع } بانقطاع مدد المعاني والفضائل والأنوار من القلب
~~والخوف من زوال مقتنياتها من الشهوات والمألوفات

# بما كانوا يصنعون

# [النحل: 112] من كفران أنعم الله تعالى { ولقد جاءهم رسول
~~منهم } أي من جنسهم وهي القوة الفكرية { فكذبوه } بما ألقى
~~إليهم من المعاني المعقولة والآراء الصادقة { فأخذهم العذاب }
~~أي عذاب الحرمان والاحتجاب

# وهم ظلمون

# [النحل: 113] في حالة ظلمهم وترفعهم عن طريق الفضيلة ونقصهم لحقوق
~~صاحبهم { إن إبرهيم كان أمة ms05586 } لاجتماع ما تفرق في غيره من
~~الصفات الكاملة فيه وكذا كل نبي ولذا جاء في الخبر على ما قيل

# " لو وزنت بأمتي لرجحت بهم "

# { قنتا لله } مطيعا له سبحانه على أكمل وجه { حنيفا }
~~مائلا عن كل ما سواه تعالى

# ولم يك من المشركين

# [النحل: 120] بنسبة شيء إلى غيره سبحانه { شكرا } لأنعمه مستعملا
~~لها على ما ينبغي { اجتبه } اختاره بلا واسطة عمل لكونه من الذين
~~سبقت لهم الحسنى فتقدم كشوفهم على سلوكهم { وهداه } بعد الكشف

# إلى صرط مستقيم

# [النحل: 121] وهو مقام الإرشاد والدعوة ينعون به مقام الفرق بعد الجمع {
~~وءاتينه فى الدنيا حسنة } وهي الذكر الجميل والملك
~~العظيم والنبوة { وإنه فى الآخرة } قيل أي في عالم الأرواح

# لمن الصلحين

# [النحل: 122] المتمكنين في مقام الاستقامة وقيل أي يوم القيامة لمن
~~الصالحين للجلوس على بساط القرب والمشاهدة بلا حجاب وهذا لدفع توهم أن ما
~~أوتيه في الدنيا ينقص مقامه في العقبى كما قيل إن مقام الولي المشهور
~~دون الولي الذي في زوايا الخمول، وإليه الإشارة بقولهم: الشهرة آفة، وقد
~~نص/ على ذلك الشعراني في كتبه

# إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه

# [النحل: 124] وهم اليهود واختاروه لأنه اليوم الذي انتهت به أيام الخلق
~~فكان بزعمهم أنسب لترك الأعمال الدنيوية وهو على ما قال الشيخ الأكبر قدس
~~سره في " الفتوحات " يوم الأبد الذي لا انقضاء له فليله في جهنم ونهاره
~~في الجنة واختيار النصارى ليوم الأحد لأنه أول يوم اعتنى الله تعالى فيه
~~بخلق الخلق فكان بزعمهم أولى بالتفرع لعبادة الله تعالى وشكره سبحانه،
~~وقد هدى الله تعالى لما هو أعظم من ذلك وهو يوم الجمعة الذي أكمل الله
~~تعالى به الخلق وظهرت فيه حكمة الاقتدار بخلق الإنسان الذي خلق على صورة
~~الرحمن فكان أولى بأن يتفرغ فيه الإنسان للعبادة والشكر من ذينك اليومين
~~وسبحان من خلق فهدى

# وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن
~~صبرتم لهو خير للصبرين

# [النحل: 126] لما في ذلك من قهر النفس الموجب لترقيها إلى أعلى المقامات
~~{ واصبر وما ms05587 صبرك إلا بالله } قيل: الصبر أقسام: صبر
~~لله تعالى وصبر في الله تعالى وصبر مع الله تعالى وصبر عن الله تعالى
~~وصبر بالله تعالى، فالصبر لله تعالى هو من لوازم الإيمان وأول درجات
~~الإسلام وهو حبس النفس عن الجزع عند فوات مرغوب أو وقوع مكروه وهو من
~~فضائل الأخلاق الموهوبة من فضل الله تعالى لأهل دينه وطاعته المقتضية
~~للثواب الجزيل، والصبر في الله تعالى هو الثبات في سلوك طريق الحق وتوطين
~~النفس على المجاهدة بالاختيار وترك المألوفات واللذات وتحمل البليات وقوة
~~العزيمة في التوجه إلى منبع الكمالات وهو من مقامات السالكين يهبه الله
~~تعالى لمن يشاء من أهل الطريقة، والصبر مع الله تعالى هو لأهل الحضور
~~والكشف عند التجرد عن ملابس الأفعال والصفات والتعرض لتجليات الجمال
~~والجلال وتوارد واردات الأنس والهيبة فهو بحضور القلب لمن كان له قلب
~~والاحتراس عن الغفلة والغيبة عند التلوينات بظهور النفس، وهو أشق على
~~النفس من الضرب على الهام وإن كان لذيذا جدا، والصبر عن الله تعالى هو
~~لأهل العيان والمشاهدة من العشاق المشتاقين المتقلبين في أطوار التجلي
~~والاستتار المنخلعين عن الناسوت المتنورين بنور اللاهوت ما بقي لهم قلب
~~ولا وصف كلما لاح لهم نور من سبحات أنوار الجمال احترقوا وتفانوا وكلما
~~ضرب لهم حجاب ورد وجودهم تشويقا وتعظيما ذاقوا من ألم الشوق وحرقة
~~الفرقة ما عيل به صبرهم وتحقق موتهم، والصبر بالله تعالى هو لأهل التمكين
~~في مقام الاستقامة الذين أفناهم الله تعالى بالكلية وما ترك عليهم شيئا
~~من بقية الأنية والإثنينية ثم وهب لهم وجودا من ذاته حتى قاموا به
~~وفعلوا بصفاته وهو من أخلاق الله تعالى ليس لأحد فيه نصيب، ولهذا بعد أن
~~أمر سبحانه به نبيه صلى الله عليه وسلم بين له عليه الصلاة والسلام إنك
~~لا تباشره إلا بي ولا تطيقه إلا بقوتي ثم قال سبحانه له صلى الله عليه
~~وسلم: { ولا تحزن عليهم } فالكل مني

# ولا تك فى ضيق مما يمكرون

# [النحل: 127] لانشراح صدرك بي { إن الله مع الذين ms05588
~~اتقوا } بقاياهم وفنوا فيه سبحانه

# والذين هم محسنون

# [النحل: 128] بشهود الوحدة في الكثرة وهؤلاء الذين لا يحجبهم الفرق عن
~~الجمع ولا الجمع عن الفرق ويسعهم مراعاة الحق والخلق، وذكر الطيبي أن
~~التقوى في الآية بمنزلة التوبة للعارف والإحسان بمنزلة السير والسلوك في
~~الأحوال والمقامات إلى أن ينتهي إلى محو الرسم والوصول إلى مخدع الأنس،
~~هذا والله سبحانه الهادي إلى سواء السبيل فنسأله جل شأنه أن يهدينا إليه
~~ويوفقنا للعلم النافع لديه ويفتح لنا خزائن الأسرار ويحفظنا من شر
~~الأشرار بحرمة القرآن العظيم والرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأكمل
~~التسليم.

### | [17 - سورة الإسراء]

### || [17.1]

# بسم الله الرحمن الرحيم { سبحان الذى أسرى
~~بعبده } سبحان هنا على ما ذهب إليه بعض المحققين مصدر سبح تسبيحا
~~بمعنى نزه تنزيها لا بمعنى قال سبحان الله؛ نعم جاء التسبيح بمعنى القول
~~المذكور كثيرا حتى ظن بعضهم أنه مخصوص بذلك وإلى هذا ذهب صاحب «القاموس»
~~في «شرح ديباجة الكشاف»، وجعل سبحان مصدر سبح مخففا وليس بذاك، وقد
~~يستعمل علما للتنزيه فيقطع عن الإضافة لأن الأعلام لا تضاف قياسا ويمنع
~~من الصرف للعلمية والزيادة واستدل على ذلك بقول الأعشى:

# قد قلت لما جاءني فخره

# سبحان من علقمة الفاخر

# وقال الرضي: لا دليل على علميته لأنه أكثر ما يستعمل مضافا فلا يكون
~~علما وإذا قطع فقد جاء منونا في الشعر كقوله:

# سبحانه ثم سبحانا نعوذ به

# وقبلنا سبح الجودى والجمد

# وقد جاء باللام كقوله:

# سبحانك اللهم ذو السبحان

# ولا مانع من أن يقال في البيت الذي استدلوا به: حذف المضاف إليه وهو
~~مراد للعلم به وأبقى المضاف على حاله مراعاة لأغلب أحواله أي التجرد عن
~~التنوين كقوله:

# خالط من سلمى خياشيم وفا

# انتهى. وظاهر كلام الزمخشري أنه علم للتسبيح دائما وهو علم جنس لأن علم
~~الجنس كما يوضع للذوات يوضع للمعاني فلا تفصيل عنده، وانتصر له صاحب
~~«الكشف» فقال: إن ما ذهب إليه العلامة هو الوجه لأنه إذا ثبتت العلمية
~~بدليلها فالإضافة لا تنافيها وليست من باب  زيد المعارك ms05589  لتكون شاذة بل
~~من باب  حاتم طيئ وعنترة عبس  وذكر أنه يدل على التنزيه البليغ وذلك
~~من حيث الاشتقاق من السبح وهو الذهاب والإبعاد من الأرض ثم ما يعطيه نقله
~~إلى التفعيل ثم العدول عن المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصة لا سيما وهو
~~علم يشير إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن وما فيه من قيامه مقام المصدر مع
~~الفعل فإن انتصابه بفعل متروك الإظهار ولهذا لم يجز استعماله إلا فيه
~~تعالى أسماؤه وعظم كبرياؤه، وكأنه قيل: ما أبعد الذي له هذه القدرة عن
~~جميع النقائص فلا يكون اصطفاؤه لعبده الخصيص به إلا حكمة وصوابا انتهى.

# وأورد على ما ذكره أولا أن منع إضافة العلم قياسا لم يفرق بين إضافة
~~وإضافة فإن ادعى أن بعض الأعلام اشتهرت بمعنى كحاتم بالكرم فيجوز في نحوه
~~الإضافة لقصد التخصيص ودفع العموم الطارىء فما نحن فيه ليس من هذا القبيل
~~كما لا يخفى. وما ذكر من دلالته على التنزيه من جميع النقائص هو الذي
~~يشهد له المأثور، ففي «العقد الفريد»

# " عن طلحة قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير سبحان الله
~~فقال: تنزيه لله تعالى عن كل سوء "

# وقال الطيبي في قول الزمخشري: إنه دل على التنزيه البليغ عن جميع
~~القبائح التي يضيفها إليه أعداء الله تعالى إن ذلك مما يأباه مقام
~~الإسراء إباء العيوف الورود وهو مزيف بل معناه التعجب كما قال في النور «
~~»«الأصل في ذلك أن يسبح الله تعالى عند رؤية العجيب من صنائعه ثم كثر حتى
~~استعمل في كل متعجب منه» وليس / بشيء، ففي «الكشف» أن التنزيه لا ينافي
~~التعجب كما توهم واعترض، وجعله مدارا والتعجب تبعا ههنا هو الوجه
~~بخلاف آية النور، وذكر بعضهم أن الظاهر من كلام «الكشاف» في مواضع أنه لا
~~يرتضي الجمع بين التنزيه والتعجب للمنافاة بينهما بل لأن كلا منهما معنى
~~مستقل فالجمع بينهما جمع بين معنى المشترك، وعلى الجمع فالوجه ما ذكر أنه
~~الوجه فافهم. وقيل إن سبحان ليس علما أصلا بلا ms05590 تفصيل ففيه ثلاثة مذاهب.
~~وذكر بعضهم أنه في الآية على معنى الأمر أي نزهوا الله تعالى وبرئوه من
~~جميع النقائص ويدخل فيها العجز عما بعد أو من العجز عن ذلك، والمتبادر
~~اعتبار المضارع.

# والإسراء السير بالليل خاصة كالسرى فأسرى وسرى بمعنى وليست همزة أسرى
~~للتعدية كما قال أبو عبيدة، وقال ابن عطية: الهمزة للتعدية والمفعول
~~محذوف أي أسرى ملائكته بعبده، قال في «البحر»: وإنما احتاج إلى هذه
~~الدعوى لاعتقاد أنه إذا كان أسرى بمعنى سرى لزم من كون الباء للتعدية
~~مشاركة الفاعل للمفعول وهذا شيء ذهب إليه المبرد فإذا قلت: قمت بزيد يلزم
~~منه قيامك وقيام زيد عنده وإذا جعلت الباء كالهمزة لا يلزم ذلك كما لا
~~يخفى، وقال أيضا: يحتمل أن يكون أسرى بمعنى سرى على حذف مضاف وإقامة
~~المضاف إليه مقامه والأصل أسرى ملائكته وهو مبني على ذلك الاعتقاد أيضا.
~~وقال الليث: يقال أسرى لأول الليل وسرى لآخره وأما سار فالجمهور على أنه
~~عام لا اختصاص له بليل أو نهار. وقيل إنه مختص بالنهار وليس مقلوبا من
~~سرى.

# وإيثار لفظة العبد للإيذان بتمحضه صلى الله عليه وسلم في عبادته سبحانه
~~وبلوغه في ذلك غاية الغايات القاصية ونهاية النهايات النائية حسبما يلوح
~~مبدأ الإسراء ومنتهاه. والعبودية على ما نص عليه العارفون أشرف الأوصاف
~~وأعلى المراتب وبها يفتخر المحبون كما قيل:

# لا تدعني إلا بيا عبدها

# فإنه أشرف أسمائي

# وقال آخر:

# بالله إن سألوك عني قل لهم

# عبدي وملك يدي وما أعتقته

# وعن أبي القاسم سليمان الأنصاري أنه قال: «لما وصل النبي صلى الله
~~عليه وسلم إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة أوحى الله تعالى إليه يا
~~محمد بم نشرفك؟ قال: بنسبتي إليك بالعبودية فأنزل الله تعالى { سبحان
~~الذى أسرى بعبده } » وجاء «قولوا عبد الله ورسوله»، وقيل إن
~~في التعبير به هنا دون حبيبه مثلا سدا لباب الغلو فيه صلى الله عليه
~~وسلم كما وقع للنصارى في نبيهم عليه السلام، وذكروا أنه لم يعبر الله
~~تعالى عن أحد بالعبد مضافا إلى ms05591 ضمير الغيبة المشار به إلى الهوية إلا
~~النبي صلى الله عليه وسلم وفي ذلك من الإشارة ما فيه، ومن تأمل أدنى
~~تأمل ما بين قوله تعالى: { سبحان الذى أسرى بعبده }
~~وقوله تعالى:

# ولما جاء موسى لميقتنا

# [الأعراف: 143] ظهر له الفرق التام بين مقام الحبيب ومقام الكليم صلى
~~الله عليه وسلم وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبا في هذه السورة ما يفهم
~~منه الفرق أيضا فلا تغفل.

# وإضافة { سبحان } إلى الموصول المذكور للأشعار بعلية ما في حيز
~~الصلة للمضاف فإن ذلك من أدلة كمال قدرته وبالغ حكمته وغاية تنزهه تعالى
~~عن صفات النقص. وقوله تعالى: { ليلا } ظرف لأسرى، وفائدته الدلالة
~~بتنكيره على تقليل مدة الإسراء وأنها بعض من أجزاء الليل ولذلك قرأ عبد
~~الله وحذيفة { من اليل } أي بعضه كقوله تعالى:

# ومن اليل فتهجد

# [الإسراء: 79]. واعترض بأن البعضية المستفادة من (من) التبعيضية هي
~~البعضية في الأجزاء والبعضية المستفادة من التنكير البعضية / في الأفراد
~~والجزئيات فكيف يستفاد من التنكير أن الإسراء كان في بعض من أجزاء الليل؟
~~فالصواب أن تنكيره لدفع توهم أن الإسراء كان في ليال أو لإفادة تعظيمه
~~كما هو المناسب للسياق والسباق أي ليلا أي ليل دنا فيه المحب إلى
~~المحبوب وفاز مقام الشهود بالمطلوب. وأجاب عن ذلك بعض الكاملين بما لا
~~يخفى نقصه. وقال بعض المحققين: إن ما ذكر قد نص عليه الشيخ عبد القاهر في
~~«دلائل الاعجاز» ولا يرد عليه الاعتراض ابتداء. وتحقيقه على ما صرح به
~~الفاضل اليمني نقلا عن سيبويه وابن مالك أن الليل والنهار إذا عرفا كانا
~~معيارا للتعميم وظرفا محدودا فلا تقول صحبته الليلة وأنت تريد ساعة
~~منها إلا أن تقصد المبالغة كما تقول أتاني أهل الدنيا لناس منهم بخلاف
~~المنكر فإنه لا يفيد ذلك فلما عدل عن تعريفه هنا علم أنه لم يقصد استغراق
~~السرى له وهذا هو المراد من البعضية المذكورة ولا حاجة إلى جعل الليل
~~مجازا عن بعضه كما إنك إذا قلت جلست في السوق وجلوسك في بعض أماكنه لا ms05592
~~يكون فيه السوق مجازا كما لا يخفى، وقد أشار إلى هذا المدقق في «الكشف».
~~وقيل: المراد بتنكيره أنه وقع في وسطه ومعظمه كما يقال جاءني فلان بليل
~~أي في معظم ظلمته فيفيد البعضية أيضا، وينافيه ما سيأتي إن شاء الله
~~تعالى في الحديث، وزعم أن ذكر { ليلا } للتأكيد أو تجريد الإسراء
~~وإرادة مطلق السير منه ناشىء من قلة البضاعة كما لا يخفى. وسيأتي إن شاء
~~الله تعالى بيان حكمة كون الإسراء ليلا.

# { من المسجد الحرام } الظاهر أن المراد به المسجد المشهور
~~بين الخاص والعام بعينه وكان صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في الحجر منه،
~~فقد أخرج الشيخان والترمذي والنسائي من حديث أنس بن مالك عن مالك بن
~~صعصعة قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أنا في الحجر وفي رواية في
~~الحطيم بين النائم واليقظان إذ أتاني آت فشق ما بين هذه إلى هذه فاستخرج
~~قلبي فغسله ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض يقال له
~~البراق فحملت عليه "

# الحديث، وفي بعض الروايات أنه جاءه جبريل وميكائيل عليهما السلام وهو
~~مضطجع في الحجر بين عمه حمزة وابن عمه جعفر فاحتملته الملائكة عليهم
~~السلام وجاؤوا به إلى زمزم فألقوه على ظهره وشق جبريل صدره من ثغرة نحره
~~إلى أسفل بطنه بغير آلة ولا سيلان دم ولا وجود ألم ثم قال لميكائيل:
~~ائتني بطست من ماء زمزم فأتاه به فاستخرج قلبه الشريف وغسله ثلاث مرات ثم
~~أعاده إلى مكانه وملأه إيمانا وحكمة وختم عليه ثم خرج به إلى باب المسجد
~~فإذا بالبراق مسرجا ملجما فركبه الخبر، ويعلم منه الجمع بين ما ذكر من
~~أنه عليه الصلاة والسلام كان إذ ذاك في الحجر وما قيل إنه كان بين زمزم
~~والمقام، وقيل: المراد به الحرم وأطلق عليه لإحاطته به فهو مجاز بعلاقة
~~المجاورة الحسية والإحاطة أو لأن الحرم كله محل للسجود ومحرم ليس يحل فهو
~~حقيقة لغوية والنكتة في هذا التعبير مطابقة المبدأ المنتهى. وكان صلى
~~الله عليه ms05593 وسلم إذ ذاك في دار فاختة أم هانىء بنت أبي طالب؛ فقد أخرج
~~النسائي عن ابن عباس وأبو يعلى في «مسنده» والطبراني في الكبير من حديثها
~~أنه صلى الله عليه وسلم كان نائما في بيتها بعد صلاة العشاء فأسري به
~~ورجع من ليلته وقص القصة عليها، وقال مثل لي النبيون فصليت بهم ثم خرج
~~إلى المسجد وأخبر به قريشا فمن مصفق وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكارا
~~وارتد أناس ممن آمن به عليه الصلاة / والسلام وسعى رجال إلى أبي بكر
~~فقال: إن كان قال ذلك لقد صدق قالوا تصدقه على ذلك قال: إني أصدقه على
~~أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء غدوة أو روحة فسمى الصديق، وكان في القوم
~~من يعرف بين المقدس فاستنعتوه إياه فجلي له فطفق ينظر إليه وينعته لهم
~~فقالوا: أما النعت فقد أصاب فيه فقالوا: أخبرنا عن عيرنا فهي أهم إلينا
~~هل لقيت منها شيئا؟ قال: نعم مررت بعير بني فلان وهي بالروحاء وقد أضلوا
~~بعيرا لهم وهم في طلبه وفي رحالهم قدح من ماء فعطشت فأخذته وشربته
~~ووضعته كما كان فاسألوا هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا؟ قالوا: هذه
~~آية قال: ومررت بعير بني فلان وفلان وفلان راكبان قعودا فنفر بعيرهما
~~مني فانكسر فاسألوهما عن ذلك قالوا: هذه آية أخرى، ثم سألوه عن العدة
~~والأحمال والهيئات فمثلت له العير فأخبرهم عن كل ذلك وقال: تقدم يوم كذا
~~مع طلوع الشمس وفيها فلان وفلان يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخيطتان
~~قالوا: وهذه آية أخرى فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية فجعلوا ينظرون
~~متى تطلع الشمس فيكذبوه إذ قال قائل: هذه الشمس قد طلعت وقال آخر: هذه
~~العير قد أقبلت يقدمها بعير أورق فيها فلان وفلان كما قال فلم يؤمنوا
~~وقالوا هذا سحر مبين قاتلهم الله أني يؤفكون وفي بعض الآثار أن أم هانىء
~~قالت: فقدته صلى الله عليه وسلم وكان نائما عندي فامتنع مني النوم مخافة
~~أن يكون عرض له بعض قريش ويقال إنه تفرقت ms05594 بنو عبد المطلب يلتمسونه ووصل
~~العباس إلى ذي طوى وهو ينادي يا محمد يا محمد فأجابه صلى الله عليه وسلم
~~فقال: يا ابن أخي أعييت قومك أين كنت؟ قال: ذهبت إلى بيت المقدس قال: من
~~ليلتك قال: نعم قال: هل أصابك الأخير؟ قال ما أصابني الأخير وقيل: غير
~~ذلك.

# وكما اختلف في مبدأ الإسراء اختلف في سنته فذكر النووي في «الروضة» أنه
~~كان بعد النبوة بعشر سنين وثلاثة أشهر، وفي «الفتاوى» أنه كان سنة خمس أو
~~ست من النبوة، ونقل عنه الفاضل الملا أمين العمري في شرح ذات الشفاء
~~الجزم بأنه كان في السنة الثانية عشرة من المبعث. وعن ابن حزم دعوى
~~الإجماع على ذلك. وضعف ما في «الفتاوى» بأن خديجة رضي الله تعالى عنها لم
~~تصل الخمس وقد ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين. وقيل كان قبل الهجرة بسنة
~~وخمسة أشهر، وقيل ثلاثة أشهر، ووقع في حديث شريك بن أبي نمر عن أنس أنه
~~كان قبل أن يوحى إليه صلى الله عليه وسلم وقد خطأه غير واحد في ذلك، ونقل
~~الحافظ عبد الحق في كتابه «الجمع بين الصحيحين» حديث شريك الواقع فيه ذلك
~~بطوله، ثم قال: هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية شريك عن أنس قد زاد فيه
~~زيادة مجهولة وأتى بألفاظ غير معروفة. وقد روى حديث الإسراء عن أنس جماعة
~~من الحفاظ المتقنين والأئمة المشهورين كابن شهاب. وثابت البناني وقتادة
~~فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث.
~~وأجاب عن ذلك محيي السنة وغيره بما ستسمعه إن شاء الله تعالى.

# وكذا اختلف في شهره وليلته فقال النووي في «الفتاوى» كان في شهر ربيع
~~الأول، وقال في شرح مسلم تبعا للقاضي عياض: إنه في شهر ربيع الآخر، وجزم
~~في «الروضة» بأنه في رجب، وقيل: في شهر رمضان، وقيل: في شوال، وكان على
~~ما قيل الليلة السابعة والعشرين من الشهر وكانت ليلة السبت كما نقله ابن
~~الملقن عن رواية الواقدي، وقيل: كانت ليلة الجمعة لمكان ms05595 فضلها وفضل
~~الإسراء، ورد بأن جبرائيل عليه السلام صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم
~~أول يوم بعد الإسراء الظهر ولو كان يوم الجمعة لم يكن فرضها الظهر قاله
~~محمد بن عمر السفيري، وفيه أن العمري ذكر في «شرح ذات الشفاء» / أن
~~الجمعة والجنازة وجبتا بعد الصلوات الخمس، وفي «شرح المنهاج» للعلامة ابن
~~حجر أن صلاة الجمعة فرضت بمكة ولم تقم بها لفقد العدد أو لأن شعارها
~~الإظهار وكان صلى الله عليه وسلم بها مستخفيا، وأول من أقامها بالمدينة
~~قبل الهجرة أسعد بن زرارة بقرية على ميل من المدينة.

# ونقل الدميري عن ابن الأثير أنه قال: الصحيح عندي أنها كانت ليلة
~~الاثنين واختاره ابن المنير، وفي «البحر» قيل إن الإسراء كان في سبع عشرة
~~من شهر ربيع الأول والرسول صلى الله عليه وسلم ابن إحدى وخمسين سنة وتسعة
~~أشهر وثمانية وعشرين يوما، وحكي أنها ليلة السابع والعشرين من شهر ربيع
~~الآخر عن الجرمي، وهي على ما نقل السفيري عن الجمهور أفضل الليالي حتى
~~ليلة القدر مطلقا، وقيل هي أفضل بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم
~~وليلة القدر أفضل بالنسبة إلى أمته عليه الصلاة والسلام، ورد بأن ما كان
~~أفضل بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم فهو أفضل بالنسبة إلى أمته عليه
~~الصلاة والسلام فهي أفضل مطلقا نعم لم يشرع التعبد فيها والتعبد في ليلة
~~القدر مشروع إلى يوم القيامة والله تعالى أعلم.

# واختلف أيضا أنه في اليقظة أو في المنام فعن الحسن أنه في المنام. وروى
~~ذلك عن عائشة. ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، ولعله لم يصح عنها كما في
~~«البحر»، وكانت رضي الله تعالى عنها إذ ذاك صغيرة ولم تكن زوجته عليه
~~الصلاة والسلام، وكان معاوية كافرا يومئذ، واحتج لذلك بقوله تعالى:

# وما جعلنا الرءيا التى أرينك إلا فتنة
~~للناس

# [الإسراء: 60] لأن الرؤيا تختص بالنوم لغة، ووقع في حديث شريك المتقدم
~~ما يؤيده، وذهب الجمهور إلى أنه في اليقظة ببدنه وروحه صلى الله عليه
~~وسلم والرؤيا تكون بمعنى الرؤية ms05596 في اليقظة كما في قول الراعي يصف صائدا:

# وكبر للرؤيا وهش فؤاده

# وبشر قلبا كان جما بلاله

# وقال الواحدي: إنها رؤية اليقظة ليلا فقط وخبر شريك لا يعول عليه على
~~ما نقل عن عبد الحق، وقال النووي: وأما ما وقع في رواية عن شريك «وهو
~~نائم» وفي أخرى عنه «بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان» فقد يحتج
~~به من يجعلها رؤيا نوم ولا حجة فيه إذ قد يكون ذلك أول وصول الملك إليه
~~وليس في الحديث ما يدل على كونه صلى الله عليه وسلم نائما في القصة
~~كلها.

# واحتج الجمهور لذلك بأنه لو كان مناما ما تعجب منه قريش ولا استحالوه
~~لأن النائم قد يرى نفسه في السماء ويذهب من المشرق إلى المغرب ولا
~~يستبعده أحد، وأيضا العبد ظاهر في الروح والبدن، وذهبت طائفة منهم
~~القاضي أبو بكر والبغوي إلى تصديق القائلين بأنه في المنام والقائلين
~~بأنه في اليقظة وتصحيح الحديثين في ذلك بأن الإسراء كان مرتين إحداهما
~~في نومه صلى الله عليه وسلم قبل النبوة فأسري بروحه توطئة وتيسيرا لما
~~يضعف عنه قوى البشر وإليه الإشارة بقوله تعالى:

# وما جعلنا الرءيا التى أرينك إلا فتنة
~~للناس

# [الإسراء: 60] ثم أسري بروحه وبدنه بعد النبوة؛ قال في «الكشف»: وهذا هو
~~الحق وبه يحصل الجمع بين الأخبار.

# وحكى المازري في «شرح مسلم» قولا رابعا جمع به بين القولين فقال: كان
~~الإسراء بجسده صلى الله عليه وسلم في اليقظة إلى بيت المقدس فكانت رؤية
~~عين ثم أسري بروحه الشريفة عليه الصلاة والسلام منه إلى ما فوقه فكانت
~~رؤيا قلب ولذا شنع الكفار عليه عليه الصلاة والسلام قوله: أتيت بيت
~~المقدس في ليلتي هذه ولم يشنعوا عليه قوله فيما سوى ذلك ولم يتعجبوا منه
~~لأن الرؤيا ليست محل التعجب، وليس معنى الإسراء / بالروح الذهاب يقظة
~~كالانسلاخ الذي ذهب إليه الصوفية والحكماء فإنه وإن كان خارقا للعادة
~~ومحلا للتعجب أيضا إلا أنه أمر لا تعرفه العرب ولم يذهب إليه أحد من
~~السلف. والأكثر على ms05597 أن المعراج كالإسراء بالروح والبدن ولا استحالة في
~~ذلك فقد ثبت بالهندسة أن مساحة قطر جرم الأرض ألفان وخمسمائة وخمسة
~~وأربعون فرسخا ونصف فرسخ وأن مساحة قطر كرة الشمس خمسة أمثال ونصف مثل
~~لقطر جرم الأرض وذلك أربعة عشر ألف فرسخ وأن طرف قطرها المتأخر يصل موضع
~~طرفه المتقدم في ثلثي دقيقة فتقطع الشمس بحركة الفلك الأعظم أربعة عشر
~~ألف فرسخ في ثلثي دقيقة من ساعة مستوية.

# وذكر الإمام في «الأربعين» أن الأجسام متساوية في الذوات والحقائق فوجب
~~أن يصح على كل واحد منها ما يصح على غيره من الأعراض لأن قابلية ذلك
~~العرض إن كان من لوازم تلك الماهية فأينما حصلت حصل لزم حصول تلك
~~القابلية فوجب أن يصح على كل منها ما يصح على الآخر، وإن لم يكن من
~~لوازمها كان من عوارضها فيعود الكلام فإن سلم وإلا دار أو تسلسل وذلك
~~محال فلا بد من القول بالصحة المذكورة والله تعالى قادر على جميع
~~الممكنات فيقدر على أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبي صلى
~~الله عليه وسلم أو فيما يحمله.

# وقال العلامة البيضاوي: الاستحالة مدفوعة بما ثبت في الهندسة أن ما بين
~~طرفي قرص الشمس ضعف ما بين طرفي كرة الأرض مائة ونيفا وستين مرة ثم إن
~~طرفها الأسفل يصل موضع طرفها الأعلى في أقل من ثانية إلى آخر ما قال، وما
~~ذكرناه هو الصواب في التعبير فإن المقدمتين اللتين ذكرهما ممنوعتان، أما
~~الأولى بأن النسبة التي ذكرها إنما هي نسبة جرم الشمس إلى جرم الأرض كما
~~برهنوا عليه في باب مقادير الأجرام والأبعاد من «كتب الهيئة» لكنهم قالوا
~~جرم الشمس مثل جرم الأرض مائة وستة وستين مرة وربع مرة وثمن مرة.
~~والعلامة جعل ذلك نسبة القطر إلى القطر لأنه المتبادر مما بين الطرفين،
~~وإرادة الجرم منه خلاف الظاهر جدا، وكان يكفيه لو أراد ذلك أن يقول: قرص
~~الشمس ضعف كرة الأرض فأي معنى لما زاده، وأما الثانية فإن أراد بالثانية
~~الثانية من دقيقة الدرجة ms05598 الفلكية التي هي ستون دقيقة فمنعها بما حرره
~~العلامة القطب الشيرازي في «نهاية الإدراك» حيث قال: مقدار الدرجة
~~الواحدة من مقعر الفلك الأطلس بالأميال 9343593 ميلا فالفلك الأعلى يقطع
~~فيما مقداره من الزمان جزء واحد من خمسة عشر جزءا من ساعة مستوية وهو
~~ثلث خمسها هذا المقدار من الأميال فإذا تحرك مقدار دقيقة وهي جزء من
~~تسعمائة جزء من ساعة مستوية كان قدر قطعه من المسافة 155718 ميلا وسدس
~~ميل وخمس ربع أو ربع خمس ميل، ولأن حين ما يبدو قرن الشمس إلى أن تطلع
~~بالتمام يكون بقدر ما يعد واحد من واحد إلى ثلثمائة فبمقدار ما يعد
~~ثلاثين يتحرك الفلك 155718 ميلا وهو ألف وسبعمائة واثنان وثلاثون فرسخا
~~من مقعره والله تعالى أعلم بما يتحرك محدبه حينئذ فسبحان الله تعالى ما
~~أعظم شأنه اه.

# وحاصل ذلك أن الفلك الأعظم يتحرك من ابتداء طلوع جرم الشمس إلى أن يطلع
~~بتمامه سدس درجة وهو عشر دقائق من ستين دقيقة من درجة فلكية ومقدار مساحة
~~هذه الدقائق 519600 أي خمسمائة ألف وتسعة عشر ألفا وستمائة فرسخ وإذا
~~جعلنا هذه الدقائق ثواني كانت ستمائة ثانية فأين الأقل من ثانية. وإن
~~أراد بالثانية الثانية من دقيقة الساعة التي هي ربع الدرجة الفلكية فسدس
~~الدرجة ههنا يكون ثلثي دقيقة وإذا جعلنا ثلثي الدقيقة ثواني كانا أربعين
~~ثانية وهذه الثواني هي الثواني الستمائة بعينها إلا أن المنجمين لما /
~~جعلوا الساعة ستين دقيقة تسهيلا للحساب والساعة عبارة عن خمسة عشر درجة
~~فلكية اقتضى أن تكون الدرجة الفلكية وكل ثانية من ثواني دقيقة الساعة
~~بخمسة عشر ثانية من ثواني دقيقة الدرجة الفلكية فالخلاف بين ثواني دقائق
~~الدرجة الفلكية وثواني دقيقة الساعة اعتبار لفظي وأجاب عبد الرحمن الكردي
~~الشهير بالفاضل بأن الثانية جزء من ستين جزأ من دقيقة والدقيقة قد تطلق
~~على جزء من ستين جزأ من درجة وقد تطلق على جزء من ستين جزءا من ساعة
~~وقد تطلق على جزء من ستين جزأ من يوم بليلته، ومراد العلامة ms05599 البيضاوي من
~~الثانية الثانية الثالثة لا الثانية الأولى وهو ظاهر ولا الثانية الثانية
~~كما ذهب إليه سعدي جلبي وتبعه ابن صدر الدين، وفيه أنه يفهم منه أن
~~الفلكيين قد يقسمون اليوم بليلته إلى ستين دقيقة كما يقسمونها إلى
~~الساعات والدرجات والدقائق قسمة يتميز بها أجزاء الزمان ولم يقل بذلك أحد
~~منهم وإنما ذكر ذلك بعضهم تسهيلا لمعرفة الكسر الزائد على الأيام التامة
~~من السنة لتعرف منه السنة الكبيسة في ثلاث سنين أو أربع سنين وهو بمعزل
~~عما نحن فيه من قطع المسافة البعيدة بالزمان القليل ولو سلمنا ما زعمه
~~كان ناقصا من مدة حركة الفلك الأعظم من ابتداء طلوع قرص الشمس إلى
~~انتهائه وهو ثلثا دقيقة هما أربعون ثانية وذلك جزء من تسعين جزأ من ساعة
~~مستوية كما حرره العلامة الشيرازي، وما ذكره من أن الثانية من دقيقة
~~اليوم بليلته عبارة عن أربعة وعشرين ثانية من ثواني دقيقة الساعة، وهي
~~أقل من ثلثي دقيقة بستة عشر ثانية خطأ على خطأ تلك إذن قسمة ضيزى، نعم قد
~~أصاب في الرد على الفاضلين وقد أخطأ الفاضل الأول في غير ذلك في هذا
~~المقام كما لا يخفى على من وقف على كلامه وكان له أدنى اطلاع على كتب
~~القوم، ولتداول هذا المبحث بين الطلبة وعدم وجدانهم من يبل غليلهم تعرضنا
~~له بما نرجو أن يبل به الغليل.

# هذا والعلماء درجات والله تعالى الموفق لفهم الدقائق فتأمل مرة وثانية
~~وثالثة فلعل الله سبحانه أن يفتح عليك غير ذلك. وما ذكر من تساوي الأجسام
~~مبني على ما قيل على تركبها من الجواهر الفردة وفيه خلاف النظام
~~والفلاسفة، والبحث في ذلك طويل، ولا يستدل على الاستحالة بلزوم الخرق
~~والالتئام، وقد برهنوا على استحالة ذلك لأنا نقول: إن برهانهم على ذلك
~~أوهن من بيت العنكبوت كما بين في محله، ولم تتعرض الآية لأنه صلى الله
~~عليه وسلم كان في الإسراء به محمولا على شيء لكن صحت الأخبار بأنه عليه
~~الصلاة والسلام أسري به على البراق.

# { إلى المسجد ms05600 الاقصى } وهو بيت المقدس، ووصفه بالأقصى أي
~~الأبعد بالنسبة إلى من بالحجاز، وقال غير واحد: إنه سمي به لأنه أبعد
~~المساجد التي تزار من المسجد الحرام وبينهما نحو من أربعين ليلة، وقيل:
~~لأنه ليس وراءه موضع عبادة فهو أبعد مواضعها، وقال ابن عطية: يحتمل أن
~~يراد بالأقصى البعيد دون مفاضلة بينه وبين ما سواه وهو بعيد في نفسه
~~للزائرين، وقيل المراد بعده عن الأقذار والخبائث.

# واختلف في ركوب جبريل عليه السلام معه فقيل: ركب خلفه عليه الصلاة
~~والسلام، والصحيح أنه لم يركب بل أخذ بركابه وميكائيل يقود البراق.
~~واختلف أيضا في استمراره عليه عليه الصلاة والسلام في عروجه إلى السماء
~~فقيل: عرج عليه، والصحيح أنه نصب له معراج فعرج عليه. وجاء في وصفه وعظمه
~~ما جاء، ووهم الحافظ ابن كثير كما قال الحلبي القائلين ومنهم صاحب
~~«الهمزية» إن عروجه صلى الله عليه وسلم على البراق. ومن الأكاذيب
~~المشهورة أنه صلى الله عليه وسلم لما أراد العروج صعد على صخرة بيت
~~المقدس وركب البراق فمالت الصخرة وارتفعت لتلحقه فأمسكتها الملائكة ففي
~~طرف منها أثر قدمه الشريف وفي الطرف الآخر أثر أصابع الملائكة عليهم
~~السلام فهي واقفة في الهواء / قد انقطعت من كل جهة لا يمسكها إلا الذي
~~يمسك السماء أن تقع على الأرض سبحانه وتعالى. وذكر العلائي في «تفسيره»
~~أنه كان للنبي عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء خمسة مراكب، الأول:
~~البراق إلى بيت المقدس، الثاني: المعراج منه إلى السماء الدنيا، الثالث:
~~أجنحة الملائكة منها إلى السماء السابعة، الرابع: جناح جبريل عليه السلام
~~منها إلى سدرة المنتهى، الخامس: الرفرف منها إلى قاب قوسين، ولعل الحكمة
~~في الركوب إظهار الكرامة وإلا فالله سبحانه وتعالى قادر على أن يوصله إلى
~~أي موضع أراد في أقل من طرفة عين، وقيل لم يكن إلا البراق من المسجد
~~الحرام إلى المسجد الأقصى والمعراج منه إلى حيث شاء الله تعالى وقد كان
~~له عشر مراقي سبعة إلى السموات والثامن إلى السدرة والتاسع إلى المستوى
~~الذي سمع فيه صريف ms05601 الأقلام والعاشر إلى العرش والله تعالى أعلم.

# ومن العجائب ما سمعته عن الطائفة الكشفية - والعهدة على الراوي - أن
~~للروح جسدين جسد من عالم الغيب لطيف لا دخل للعناصر فيه وجسد من عالم
~~الشهادة كثيف مركب من العناصر والنبي صلى الله عليه وسلم حين عرج به
~~ألقى كل عنصر من عناصر الجسد العنصري في كرته فما وصل إلى فلك القمر حتى
~~ألقى جميع العناصر ولم يبق معه إلا الجسد اللطيف فرقي به حيث شاء الله
~~تعالى، ثم لما رجع عليه الصلاة والسلام رجع إليه ما ألقاه واجتمع فيه ما
~~تفرق منه، ولعمري إنه حديث خرافة لا مستند له شرعا ولا عقلا. وذكر
~~مولانا عبد الرحمن الدشتي ثم الجامي أن المعراج إلى العرش بالروح والجسد
~~وإلى ما وراء ذلك بالروح فقط وأنشد بالفارسية:

# جو رفرف شد مشرف ازوجودش

# كرفت ازدست رفرف عرش زودش

# بدست عرش تن جون خرقه بكذاشت

# علم برلا مكان بي خرقه افراشت

# كلى برد ندا زين دهليزه يست

# بدان دركاه وإلا دست بردست

# جهت رامهره ازششدر رهانيد

# مكانرا مركب ازتنكى جهانيد

# مكاني يافت خالي ازمكان نيز

# كه تن محرم نبودا نجا وجان نيز

# ولم أقف على مستند له من الآثار وكأنه لاحظ أن العروج فوق العرش بالجسد
~~يستدعي مكانا، وقد تقرر عند الحكماء أن ما وراء العرش لا خلا ولا ملا
~~وبه تنتهي الأمكنة وتنقطع الجهات. وقال بعضهم: أمر المعراج أجل من أن
~~يكيف وماذا عسى يقال سوى أن المحب القادر الذي لا يعجزه شيء دعا حبيبه
~~الذي خلقه من نوره إلى زيارته وأرسل إليه من أرسل من خواص ملائكته فكان
~~جبريل هو الآخذ بركابه وميكائيل الآخذ بزمام دابته إلى أن وصل إلى ما وصل
~~ثم تولى أمره سبحانه بما شاء حتى حصل فأي مسافة تطول على ذلك الحبيب
~~الرباني وأي جسم يمتنع عن الخرق لذلك الجسد النوراني:

# جز بحزوى فثم عالم لطف

# من بقايا أجساده الأرواح

# ومن تأمل في العين وإحساسها بالقريب والبعيد ولو كان فاقدها وذكر له ms05602
~~حالها لأنكر ذلك إنكارا ما عليه مزيد، وكذا في غير ذلك من آثار قدرة
~~الله تعالى الظاهرة في الأنفس والآفاق والواقع على جلالة قدرها الاتفاق
~~لم يسعه إلا تسليم ما نطقت به الآيات وصحت به الروايات، ويشبه كلام هذا
~~البعض ما قاله بعض شعراء الفرس إلا أن فيه ميلا إلى مذهب أهل الوحدة وهو
~~قوله:

# / قصه بيرنك معراج ازمن بيدل مبرس

# قطره دريا كشت وبيغمر نميدا نم جه شد

# والظاهر أن المسافة التي قطعها عليه الصلاة والسلام في مسيره كانت باقية
~~على امتدادها، ويؤيد ذلك ما ذكره الثعلبي في «تفسيره» في وصف البراق أنه
~~إذا أتى واديا طالت يداه وقصرت رجلاه وإذا أتى عقبة طالت رجلاه وقصرت
~~يداه؛ وكانت المسافة في غاية الطول، ففي «عقائق الحقائق» كانت المسافة من
~~مكة إلى المقام الذي أوحى الله تعالى فيه إلى نبيه عليه الصلاة والسلام
~~ما أوحى قدر ثلثمائة ألف سنة، وقيل: خمسين ألفا، وقيل غير ذلك، وأنه ليس
~~هناك طي مسافة على نحو ما يثبته الصوفية وبعض الفقهاء للأولياء كرامة،
~~وجهل بعض الحنفية مثبتيه لهم وكفرهم آخرون وليس له وجه ظاهر،
~~وربما يلزم مثبتيه القول بتداخل الجواهر والفلاسفة والمتكلمون سوى النظام
~~يحيلونه ويبرهنون على استحالته، وادعى بعضهم الضرورة في ذلك وقالوا:
~~المنع مكابرة، وقد أثبت الصوفية للأولياء نشر الزمان ولهم في ذلك حكايات
~~عجيبة والله تعالى أعلم بصحتها، ولم أر من تعرض لذلك من المتشرعين وهو
~~أمر وراء عقولنا المشوبة بالأوهام، ومثله في ذلك قول من قال: الأزل
~~والأبد نقطة واحدة الفرق بينهما بالاعتبار، وليس لفهم ذلك عندي إلا
~~المتجردون من جلابيب أبدانهم وقليل ما هم، وسيأتي إن شاء الله تعالى في
~~باب الإشارة حكاية إنكار طي المسافة أيضا وذكر ما فيه والله تعالى
~~الموفق.

# وإنما أسري به صلى الله عليه وسلم ليلا لمزيد الاحتفال به عليه الصلاة
~~والسلام فإن الليل وقت الخلوة والاختصاص ومجالسة الملوك ولا يكاد يدعو
~~الملك لحضرته ليلا إلا من هو خاص عنده وقد أكرم الله تعالى فيه ms05603 قوما من
~~أنبيائه عليهم السلام بأنواع الكرامات وهو كالأصل للنهار، وأيضا
~~الاهتداء فيه للمقصد أبلغ من الاهتداء في النهار، وأيضا قالوا: إن
~~المسافر يقطع في الليل ما لا يقطع في النهار ومن هنا جاء

# " عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار "

# ، وأيضا أسري به ليلا ليكون ما يعرج إليه من عالم النور المحض أبعد عن
~~الشبه بما يعرج منه من عالم الظلمة وذلك أبلغ في الإعجاب. وقال ابن
~~الجوزي في ذلك: إن النبي صلى الله عليه وسلم سراج والسراج لا يوقد إلا
~~ليلا وبدر وكذا مسير البدر في الظلم إلى غير ذلك من الحكم التي لا
~~يعلمها إلا الله تعالى. ثم إن الآية ليست نصا في دخوله عليه الصلاة
~~والسلام المسجد الأقصى إلا أن الأخبار الصحيحة نص في ذلك.

# وقوله سبحانه: { الذي باركنا حوله } صفة مدح وفيها إزالة
~~اشتراك عارض. وبركته بما خص به من كونه متعبد الأنبياء عليهم السلام
~~وقبلة لهم وكثرة الأنهار والأشجار حوله، وفي الحديث أنه تعالى بارك فيما
~~بين العريش إلى الفرات وخص فلسطين بالتقديس، وقيل: بركته أن جعل سبحانه
~~مياه الأرض كلها تنفجر من تحت صخرته والله تعالى أعلم بصحة ذلك، وهو أحد
~~المساجد الثلاث التي تشد إليها الرحال، والأربع التي يمنع من دخولها
~~الدجال فقد أخرج أحمد في «المسند» «أن الدجال يطوف الأرض إلا أربعة مساجد
~~مسجد المدينة ومسجد مكة والأقصى والطور» والصلاة فيه مضاعفة فقد أخرج
~~أحمد أيضا وأبو داود وابن ماجه

# " عن ميمونة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت: يا نبي
~~الله أفتنا في بيت المقدس قال: أرض المحشر والمنشر ائتوه وصلوا فيه فإن
~~صلاة فيه بألف صلاة "

# وفي رواية لأحمد

# " عن بعض نسائه عليه الصلاة والسلام أنها قالت: يا رسول الله فإن لم
~~تستطع إحدانا أن تأتيه قال: إذا لم تستطع إحداكن أن تأتيه فلتبعث إليه
~~زيتا يسرج فيه فإن من بعث إليه بزيت يسرج فيه / كان كمن صلى فيه "

# ، وروى بعضه أبو داود. وهو ms05604 ثاني مسجد وضع في الأرض لخبر أبي ذر قلت:

# " يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولا؟ قال: المسجد الحرام قلت: ثم
~~أي؟ قال: المسجد الأقصى قلت. كم بينهما قال: أربعون سنة ثم أينما أدركتك
~~الصلاة فصل فإن الفضل فيه "

# ، وقد أسسه يعقوب عليه السلام بعد بناء إبراهيم عليه السلام الكعبة بما
~~ذكر في الحديث وجدده سليمان أو أتم تجديد أبيه عليهما السلام بعد ذلك
~~بكثير.

# والكلام فيما يتعلق بذلك مفصل في محله.

# { لنريه من ءايتنا } أي لنرفعه إلى السماء حتى يرى ما يرى
~~من العجائب العظيمة، فقد صح

# " أنه صلى الله عليه وسلم عرج به من صخرة بيت المقدس كما تقدم واجتمع في
~~كل سماء مع نبي من الأنبياء عليهم السلام "

# كما في «صحيح البخاري» وغيره، واطلع عليه الصلاة والسلام على أحوال
~~الجنة والنار ورأى من الملائكة ما لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى. ونقل عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه عليه الصلاة والسلام رأى ليلة المعراج
~~في مملكة الله تعالى خلقا كهيئة الرجال على خيل بلق شاكين السلاح طول
~~الواحد منهم ألف عام والفرس كذلك يتبع بعضهم بعضا لا يرى أولهم ولا
~~آخرهم فقال يا جبريل من هؤلاء؟ فقال: ألم تسمع قوله تعالى:

# وما يعلم جنود ربك إلا هو

# [المدثر: 31] فأنا أهبط وأصعد أراهم هكذا يمرون لا أدري من أين يجيئون
~~ولا إلى أين يذهبون. وقد صلى صلى الله عليه وسلم بالأنبياء عليهم السلام
~~في بيت المقدس، وقال في «العقائق» وكانت صلاته عليه الصلاة والسلام بهم
~~ركعتين قرأ في الأولى قل يا أيها الكافرون وفي الثانية الإخلاص؛ وقال
~~بعضهم: كانت دعاء، وذكر أن الأنبياء كانوا سبعة صفوف ثلاثة منهم مرسلون
~~وأن الملائكة عليهم السلام صلت معهم وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام
~~كما قال القاضي زكريا في «شرح الروض»، والحكمة في ذلك أن يظهر أنه إمام
~~الكل عليه الصلاة والسلام. وهل صلى بأرواحهم خاصة أو بها مع الأجساد فيه
~~خلاف. وكذا اختلف في أنه صلى ms05605 الله عليه وسلم صلى بهم قبل العروج أو بعده
~~فصحح الحافظ ابن كثير أنه بعده وصحح القاضي عياض وغيره أنه قبله، وجاء في
~~رواية أنه عليه الصلاة والسلام صلى في كل سماء ركعتين يؤم أملاكها، وكان
~~الإسراء والعروج في بعض ليلة واحدة، وكان رجوعه صلى الله عليه وسلم على
~~ما كان ذهابه عليه ولم يعين مقدار ذلك البعض، وكيفما كان فوقوع ما وقع
~~فيه من أعجب الآيات وأغرب الكائنات، وفي بعض الآثار أنه صلى الله عليه
~~وسلم لما رجع وجد فراشه لم يبرد من أثر النوم، وقيل: إن غصن شجرة أصابه
~~بعمامته في ذهابه فلما رجع وجده بعد يتحرك. وزعم بعضهم أن ليلة الإسراء
~~غير ليلة المعراج وظاهر الآية على ما سمعت يقتضي أنهما في ليلة واحدة؛
~~وإنما أسري به صلى الله عليه وسلم أولا إلى بيت المقدس وعرج به ثانيا
~~منه ليكون وصوله إلى الأماكن الشريفة على التدريج فإن شرف بيت المقدس دون
~~شرف الحضرة التي عرج إليها على ما قيل، وقيل: توطينا له عليه الصلاة
~~والسلام لما في المعراج من الغرابة العظيمة التي ليست في الإسراء وإن كان
~~غريبا أيضا، وقيل: لتتشرف به أرض المحشر ذهابا وإيابا، وقيل: لأن باب
~~السماء الذي يقال مصعد الملائكة عليهم السلام على مقابلة صخرة بيت المقدس
~~فقد نقل عن كعب الأحبار أنه قال: إن لله تعالى بابا مفتوحا من سماء
~~الدنيا إلى بيت المقدس ينزل منه كل يوم سبعون ألف ملك يستغفرون لمن أتى
~~بيت المقدس وصلى فيه فأسري به صلى الله عليه وسلم إلى هناك أولا ثم عرج
~~به ليكون صعوده على الاستواء، وقيل: إن اسطوانات المسجد قالت ربنا حصل
~~لنا من كل نبي حظ وقد اشتقنا إلى / محمد صلى الله عليه وسلم فأرزقنا
~~لقاءه فبدىء بالإسراء به إلى المسجد تعجيلا للإجابة، وقيل: غير ذلك.

# وعبر بمن الدالة على التبعيض لأن إراءة جميع آيات الله تعالى لعدم
~~تناهيها مما لا تكاد تقع ولو قيل آياتنا لتبادر الكل، وربما يستعان
~~بالمقام على ms05606 إرادته واستشكل بأنه كيف يرى نبينا صلى الله عليه وسلم بعض
~~الآيات ويرى إبراهيم عليه السلام ملكوت السموات والأرض كما نطق به قوله
~~تعالى:

# وكذلك نرى إبرهيم ملكوت السموات والأرض

# [الأنعام: 75] وفرق بين الحبيب والخليل، وأجيب بأن بعض الآيات المضافة
~~إليه تعالى أشرف وأعظم من ملكوت السموات والأرض كما قال تعالى:

# لقد رأى من ءايت ربه الكبرى

# [النجم: 18]. وقال الخفاجي: السؤال غير وارد لأن ما رآه إبراهيم عليه
~~السلام ما فيها من الدلائل والحجج وليس ذلك مقاوما للمعراج فتأمل. وقال
~~ابن عطية: «يحتمل أن يكون معنى الآية لنري محمدا صلى الله عليه وسلم
~~للناس آية من آياتنا أي ليكون عليه الصلاة والسلام آية في أنه يصنع الله
~~تعالى ببشر هذا الصنع»، ويندفع بهذا السؤال المذكور إلا أنه احتمال في
~~غاية البعد.

# ثم لا يخفى أنه ليس في الآية إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه
~~ليلة الإسراء إذ لا يصدق عليه تعالى أنه من آياته بل لا يصدق سبحانه أنه
~~آية، نعم مثبتو الرؤية يحتجون بغير ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وكذا
~~ليست الآية نصا في المعراج بل هي نص في الإسراء دونه إذ يجوز حمل بعض
~~الآيات على ما حصل له صلى الله عليه وسلم في الإسراء فقط بل قال بعضهم:
~~ليس في الآيات مطلقا ما هو نص في ذلك، من هنا قالوا: الإسراء إلى بيت
~~المقدس قطعي ثبت بالكتاب فمن أنكره فهو كافر والمعراج ليس كذلك فمن أنكره
~~فليس بكافر بل مبتدع؛ وكأنه سبحانه إنما لم يصرح به كما صرح بالإسراء
~~رحمة بالقاصرين على ما قيل. وفي «التفسير الخازني» أن فائدة ذكر المسجد
~~الأقصى فقط دون السماء أنه لو ذكر صعوده عليه الصلاة والسلام لاشتد
~~إنكارهم لذلك فلما أخبر أنه أسري به إلى بيت المقدس وبان لهم صدقه فيما
~~أخبر به من العلامات التي فيه وصدقوه عليها أخبر بعد ذلك بمعراجه إلى
~~السماء فكان الإسراء كالتوطئة للمعراج اه، وهذا ظاهر في الخبر الوارد في
~~هذا ms05607 الباب لا في الآية لأنه لم يخبر فيها بالمعراج كما أخبر فيها
~~بالإسراء دلالة، وقيل: إن الإشارة بعد ذلك التصريح كافية فتدبر.

# وصرف الكلام من الغيبة التي في قوله سبحانه: { سبحان الذى
~~أسرى بعبده } إلى صيغة المتكلم المعظم في { باركنا } و {
~~لنريه من ءايتنا } لتعظيم البركات والآيات لأنها كما تدل على
~~تعظيم مدلول الضمير تدل على عظم ما أضيف إليه وصدر عنه كما قيل إنما يفعل
~~العظيم العظيم. وقد ذكروا لهذا التلوين نكتة خاصة وهي أن قوله تعالى: {
~~الذى أسرى بعبده ليلا } يدل على مسيره عليه الصلاة
~~والسلام من عالم الشهادة إلى عالم الغيب فهو بالغيبة أنسب وقوله تعالى: {
~~باركنا حوله } دل على إنزال البركات فيناسب تعظيم المنزل
~~والتعبير بضمير العظمة متكفل بذلك. وقوله سبحانه: { لنريه } على
~~معنى بعد الاتصال وعز الحضور فيناسب التكلم معه، وأما الغيبة فلكونه صلى
~~الله عليه وسلم إذ ذاك ليس من عالم الشهادة ولذا قيل إن فيه إعادة إلى
~~مقام السر والغيبوبة من هذا العالم والغيبة بذلك أليق وقوله تعالى: {
~~من ءايتنا } عود إلى التعظيم كما سبقت الإشارة إليه.

# وأما الغيبة في قوله عز وجل: { إنه هو السميع البصير } على
~~تقدير كون الضمير له تعالى كما هو الأظهر وعليه الأكثر فليطابق قوله
~~تعالى: { بعبده } ويرشح ذلك الاختصاص بما يوقع هذا الالتفات أحسن
~~مواقعه وينطبق عليه التعليل أتم انطباق إذ المعنى قربه وخصه بهذه الكرامة
~~لأنه سبحانه مطلع على أحواله عالم باستحقاقه لهذا المقام. قال الطيبي:
~~أنه هو السميع / لأقوال ذلك العبد البصير بأفعاله بكونها مهذبة خالصة عن
~~شوائب الهوى مقرونة بالصدق والصفا مستأهلة للقرب والزلفى، وأما على تقدير
~~كون الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم كما نقله أبو البقاء عن بعضهم
~~وقال: أي السميع لكلامنا البصير لذاتنا، وقال الجلبي: إنه لا يبعد،
~~والمعنى عليه إن عبدي الذي شرفته بهذا التشريف هو المستأهل له فإنه
~~السميع لأوامري ونواهي العامل بهما البصير الذي ينظر بنظرة العبرة في
~~مخلوقاتي فيعتبر أو البصير بالآيات التي أريناه إياها كقوله تعالى: ms05608

# ما زاغ البصر وما طغى

# [النجم: 17] فقيل لمطابقة الضمائر العائدة عليه وكذا لما عبر به عنه من
~~قوله سبحانه: { عبده } ، وقيل: للإشارة إلى اختصاصه صلى الله عليه
~~وسلم بالمنح والزلفى وغيبوبة شهوده في عين بي يسمع وبي يبصر، ولا يمتنع
~~إطلاق السميع والبصير على غيره تعالى كما توهم لا مطلقا ولا هنا، قال
~~الطيبي: ولعل السر في مجيء الضمير محتملا للأمرين الإشارة إلى أنه صلى
~~الله عليه وسلم إنما رأى رب العزة وسمع كلامه به سبحانه كما في الحديث
~~المشار إليه آنفا فافهم تسمع وتبصر.

# وتوسيط ضمير الفصل إما لأن سماعه تعالى بلا أذن وبصره بلا عين على نحو
~~لا يشاركه فيه تعالى أحد وإما للإشعار باختصاصه صلى الله عليه وسلم بتلك
~~الكرامة. وزعم ابن عطية «أن قوله تعالى: { إنه هو السميع
~~البصير } وعيد للكفار على تكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم في أمر
~~الإسراء أي إنه هو السميع لما تقولون أيها المكذبون البصير بما تفعلون
~~فيعاقبكم على ذلك». وقرأ الحسن { ليريه } بياء الغيبة ففي الآية
~~حينئذ أربع التفاتات.

### || [17.2]

# { وءاتينآ موسى الكتب } أي التوراة { وجعلنه } أي
~~الكتاب وهو الظاهر أو موسى عليه السلام { هدى } عظيما { لبنى
~~إسرءيل } متعلق بهدى أو بجعل واللام تعليلية والواو استئنافية أو
~~عاطفة على جملة

# سبحان الذى أسرى

# [الإسراء: 1] لا على { أسرى } كما نقله في «البحر» عن العكبري
~~وحكى نظيره عن ابن عطية لبعده وتكلفه، وعقب آية الإسراء بهذه استطرادا
~~تمهيدا لذكر القرآن، والجامع أن موسى عليه السلام أعطى التوراة بمسيره
~~إلى الطور وهو بمنزلة معراجه لأنه منح ثمت التكليم وشرف باسم الكليم وطلب
~~الرؤية مدمجا فيه تفاوت ما بين الكتابين ومن أنزلا عليه وإن شئت فوازن
~~بين { أسرى بعبده } و { ءاتينآ موسى } وبين { هدى
~~لبنى إسرءيل } و

# يهدى للتى هى أقوم

# [الإسراء: 9].

# { ألا تتخذوا } أي أي لا تتخذوا على «أن» تفسيرية ولا ناهية،
~~والتفسير كما قال أبو البقاء لما تضمنه الكتاب من الأمر والنهي، وقيل
~~لمحذوف أي آتينا موسى كتابة شيء هو لا تتخذوا، ms05609 والكتاب وإن كان المراد به
~~التوراة فهو مصدر في الأصل، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر. وجوز في «البحر»
~~أن تكون (أن) مصدرية والجار قبلها محذوف و(لا) نافية أي لئلا تتخذوا،
~~وقيل يجوز أن تكون (أن) وما بعدها في موضع البدل من { الكتب } وجوز
~~أبو البقاء أن تكون زائدة و { لا تتخذوا } معمول لقول محذوف و(لا)
~~فيه للنهي أي قلنا لا تتخذوا. وتعقبه أبو حيان بأن هذا الموضع ليس من
~~مواضع زيادة (أن). وكذا جوز أن تكون { لا } زائدة كما في قوله تعالى:

# ما منعك ألا تسجد

# [الأعراف: 12] والتقدير كراهة أن تتخذوا ولا يخفى ما فيه. وقرأ ابن عباس
~~ومجاهد وعيسى وأبو رجاء وأبو عمرو من السبعة (ألا تتخذوا) بياء الغيبة،
~~وجعل غير واحد (أن) على ذلك مصدرية ولم يذكروا فيها احتمال كونها مفسرة،
~~وقال شيخ زاده: لا وجه لأن تكون (أن) مفسرة على القراءة بياء الغيبة لأن
~~ما في حيز المفسرة مقول من حيث المعنى والذي يلقى إليه القول لا بد أن
~~يكون مخاطبا كما لا وجه لكونها مصدرية على قراءة الخطاب لأن بني إسرائيل
~~غيب فتأمل. والجار / عندهم على كونها مصدرية محذوف أي لأن لا يتخذوا.

# { من دونى وكيلا } أي ربا تكلون إليه أموركم غيري فالوكيل فعيل
~~بمعنى مفعول وهو الموكول إليه أي المفوض إليه الأمور وهو الرب. قال ابن
~~الجوزي «قيل للرب وكيل لكفايته وقيامه بشؤون عباده لا على معنى ارتفاع
~~منزلة الموكل وانحطاط أمر الوكيل» و { من } سيف خطيب ودون بمعنى غير
~~وقد صرح بمجيئها كذلك في غير موضع وهي مفعول ثان لتتخذوا و { وكيلا }
~~الأول. وجوز أن تكون (من) تبعيضية واستظهر الأول، والمراد النهي عن
~~الإشراك به تعالى.

### || [17.3]

# { ذرية من حملنا مع نوح } نصب على الاختصاص أو على
~~النداء؛ والمراد الحمل على التوحيد بذكر إنعامه تعالى عليهم في تضمن
~~إنجاء آبائهم من الغرق في سفينة نوح عليه السلام حين ليس لهم وكيل
~~يتوكلون عليه سواه تعالى، وخص مكي النداء بقراءة الخطاب قال: من قرأ

# يتخذوا ms05610

# [الإسراء: 2] بياء الغيبة يبعد معه النداء لأن الياء للغيبة والنداء
~~للخطاب فلا يجتمعان إلا على بعد ونعم ما قال، وقول بعضهم: ليس كما زعم إذ
~~يجوز أن ينادي الإنسان شخصا ويخبر عن أحد فيقول: يا زيد ينطلق بكر وفعلت
~~كذا يا زيد ليفعل عمرو كيت وكيت إن كما زعم لا يدفع البعد الذي ادعاه
~~مكي. وجوز أن يكون أحد مفعولي

# تتخذوا

# [الإسراء: 2] و

# وكيلا

# [الإسراء: 2] الآخر وهو لكونه فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد
~~المذكر وغيره فلا يرد أنه كيف يجوز أن يكون مفعولا ثانيا والمفعول
~~الثاني خبر معنى وهو غير مطابق هنا و

# من دونى

# [الإسراء: 2] حال منه و { من } يجوز أن تكون ابتدائية. وجوز أيضا أن
~~يكون بدلا من

# وكيلا

# [الإسراء: 2] لأن المبدل منه ليس في حكم الطرح من كل الوجوه أي لا
~~تتخذوا من دوني ذرية من حملنا والمراد نهيهم عن اتخاذ عزير وعيسى عليهما
~~السلام ونحوهما أربابا. وفي التعبير بما ذكر إيماء إلى علة النهي من
~~أوجه، أحدها: تذكير النعمة في إنجاء آبائهم كما ذكر، والثاني: تذكير
~~ضعفهم، وحالهم المحوج إلى الحمل، والثالث: أنهم أضعف منهم لأنهم متولدون
~~منهم. وفي إيثار لفظ الذرية الواقعة على الأطفال والنساء في العرف الغالب
~~مناسبة تامة لما ذكر. وجوز أبو البقاء كونه بدلا من

# موسى

# [الإسراء: 2] وهو بعيد جدا.

# وقرأت فرقة { ذرية } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو ذرية
~~ولا بعد فيه كما توهم أو على البدل من ضمير

# يتخذوا

# [الإسراء: 2] قال أبو البقاء: على القراءة بياء الغيبة، وقال ابن عطية:
~~ولا يجوز هذا على القراءة بتاء الخطاب لأن ضمير المخاطب لا يبدل منه
~~الاسم الظاهر، وتعقبه أبو حيان في «البحر» «بأن المسألة تحتاج إلى تفصيل
~~وذلك أنه إن كان في بدل بعض من كل وبدل اشتمال جاز بلا خلاف وإن كان في
~~بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة إن كان يفيد التوكيد جاز بلا خلاف أيضا
~~نحو مررت بكم صغيركم وكبيركم وإن لم يفد التوكيد فمذهب ms05611 جمهور البصريين
~~المنع ومذهب الأخفش والكوفيين الجواز وهو الصحيح لوجود ذلك في لسان
~~العرب، وقد استدل على صحته في «شرح التسهيل»» وقرأ زيد بن ثابت وأبان بن
~~عثمان وزيد بن علي ومجاهد في رواية بكسر ذال { ذرية } وفي رواية
~~أخرى عن مجاهد أنه قرأ بفتحها، وعن زيد بن ثابت أيضا أنه قرأ {
~~ذرية } بفتح الذال وتخفيف الراء وتشديد الياء على وزن فعيلة كمطية.

# { إنه } أي نوحا عليه السلام { كان عبدا شكورا } كثير
~~الشكر في مجامع حالاته. وأخرج ابن جرير. وابن المنذر والبيهقي في «الشعب»
~~والحاكم وصححه عن سلمان الفارسي قال: كان نوح عليه السلام إذا لبس ثوبا
~~أو طعم طعاما حمد الله تعالى فسمي عبدا شكورا، وأخرج عبد الله بن أحمد
~~في / «زوائد الزهد» عن إبراهيم قال: شكره عليه السلام أن يسمي إذا أكل
~~ويحمد الله تعالى إذا فرغ. وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن أنس الجهني عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " إنما سمى الله تعالى نوحا عبدا شكورا لأنه كان إذا أمسى وأصبح قال:
~~{ سبحن الله حين تمسون وحين تصبحون * وله
~~الحمد فى السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون
~~} [الروم: 17، 18] "

# وأخرج البيهقي وغيره عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " إن نوحا لم يقم عن خلاء قط إلا قال: الحمد لله الذي أذاقني لذته
~~وأبقى في منفعته وأذهب عني أذاه "

# وهذا من جملة شكره عليه السلام.

# وفي هذه الجملة إيماء بأن إنجاء من معه عليه السلام كان ببركة شكره، وحث
~~للذرية على الاقتداء به وزجر لهم عن الشرك الذي هو أعظم مراتب الكفر،
~~وهذا وجه ملائمتها لما تقدم، وقال الزمخشري: «يجوز أن يقال ذلك عند ذكره
~~على سبيل الاستطراد» وحينئذ فلا يطلب ملاءمته مع ما سيق له الكلام إلا
~~من حيث أنه كان من شأن من ذكر أعني نوحا عليه السلام. وقيل ضمير {
~~إنه } عائد على موسى عليه السلام والجملة مسوقة على وجه التعليل إما
~~لإيتاء الكتاب أو لجعله عليه السلام هدى بناء على أن ضمير ms05612

# جعلناه

# [الإسراء: 2] له أو للنهي عن الاتخاذ وفيه بعد فتدبر.

### || [17.4]

# { وقضينا إلى بنى إسرءيل } أخرج ابن جرير وغيره عن ابن
~~عباس أي أعلمناهم، وزاد الراغب وأوحينا إليهم وحيا جزما، وصرح غير واحد
~~بتضمن القضاء معنى الإيحاء ولهذا عدي بإلى، والوحي إليهم إعلامهم ولو
~~بالواسطة، وقيل إلى بمعنى على وروي ذلك أيضا عن ابن عباس: قال أي قضينا
~~عليهم { فى الكتب } أي التوراة أو الجنس بدليل قراءة أبي العالية
~~وابن جبير { الكتب } بصيغة الجمع والظاهر الأول على الأول أو اللوح
~~المحفوظ على الأخير، وأخرج ابن المنذر والحاكم عن طاوس قال: كنت عند ابن
~~عباس ومعنا رجل من القدرية فقلت: إن أناسا يقولون لا قدر قال: أو في
~~القوم أحد منهم؟ قلت: لو كان ما كنت تصنع به؟ قال: لو كان فيهم أحد منهم
~~لأخذت برأسه ثم قرأت عليه { وقضينا إلى بنى إسرءيل فى
~~الكتب }.

# { لتفسدن فى الأرض } جواب قسم محذوف، وحذف متعلق القضاء
~~أيضا للعلم به والتقدير: وقضينا إلى بني إسرائيل بفسادهم وعلوهم والله
~~لتفسدن الخ ويكون هذا تأكيدا لتعلق القضاء، ويجوز جعله جواب { قضينا
~~} بإجراء القضاء مجرى القسم فيتلقى بما يتلقى به نحو قضاء الله تعالى
~~لأفعلن كذا. والمراد بالأرض الجنس أو أرض الشام وبيت المقدس. وقرأ ابن
~~عباس. ونصر بن علي وجابر بن زيد { لتفسدن } بضم التاء وفتح السين
~~مبنيا للمفعول أي يفسدكم غيركم فقيل من الضلال، وقيل من الغلبة. وقرأ
~~عيسى { لتفسدن } بفتح التاء وضم السين على معنى لتفسدن بأنفسكم
~~بارتكاب المعاصي.

# { مرتين } منصوب على أنه مصدر { لتفسدن } من غير لفظه،
~~والمراد إفسادتين أولاهما على ما نقل السدي عن أشياخه قتل زكريا عليه
~~السلام وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وذلك أنه لما مات صديقة ملكهم
~~تنافسوا على الملك وقتل بعضهم بعضا ولم يسمعوا من زكريا فقال الله تعالى
~~له: قم في قومك أوح على لسانك فلما فرغ مما أوحى عليه عدوا عليه ليقتلوه
~~فهرب فانفلقت له شجرة فدخل فيها وأدركه الشيطان فأخذ هدبة من ثوبه ms05613 فأراهم
~~إياها فوضعوا المنشار في وسط الشجرة حتى قطعوه في وسطها. وقيل سبب قتله
~~أنهم اتهموه بمريم عليها السلام قيل قالوا: حين حملت: ضيع بنت سيدنا حتى
~~زنت فقطعوه بالمنشار في الشجرة، وقال ابن إسحق: هي قتل شعيا عليه السلام
~~وقد بعث بعد موسى عليه السلام فلما بلغهم / الوحي أرادوا قتله فهرب فقتل
~~وهو صاحب الشجرة وزكريا عليه السلام مات موتا ولم يقتل. وفي «الكشاف»
~~«أولاهما قتل زكريا وحبس أرميا والآخرة قتل يحيى وقصد قتل عيسى عليهما
~~السلام»، وهذا فيمن جعل هلاك زكريا قبل يحيى عليهما السلام وهو رواية
~~ابن عساكر في «تاريخه» عن علي كرم الله تعالى وجهه، ثم ضم ذلك مع حبس
~~أرميا في قرن غير سديد لأن أرميا كان في زمن بختنصر وبينه وبين زكريا
~~أكثر من مائتي سنة.

# واختار بعضهم وقيل: إنه الحق أن الأولى تغيير التوراة وعدم العمل بها
~~وحبس أرميا وجرحه إذ وعظهم وبشرهم بنبينا صلى الله عليه وسلم وهو أول من
~~بشر به عليه الصلاة والسلام بعد بشارة التوراة، والأخرى قتل زكريا ويحيى
~~عليهما السلام، ومن قال: إن زكريا مات في فراشه اقتصر على يحيى عليه
~~السلام. واختلف في سبب قتله فعن ابن عباس وغيره أن سبب ذلك أن ملكا أراد
~~أن يتزوج من لا يجوز له تزوجها فنهاه يحيى عليه السلام وكان الملك قد عود
~~تلك المرأة أن يقضي لها كل عيد ما تريد منه فعلمتها أمها أن تسأله دم
~~يحيى في بعض الأعياد فسألته فأبى فألحت عليه فدعا بطست فذبحه فيه فبدرت
~~قطرة على الأرض فلم تزل تغلي حتى قتل عليها سبعون ألفا. وقال الربيع بن
~~أنس: إن يحيى عليه السلام كان حسنا جميلا جدا فراودته امرأة الملك عن
~~نفسه فأبى فقالت لابنتها: سلي أباك رأس يحيى فسألته فأعطاها إياه، وقال
~~الجبائي إن الله تعالى ذكر فسادهم في الأرض مرتين ولم يبين ذلك فلا يقطع
~~بشيء مما ذكر.

# { ولتعلن علوا كبيرا } لتستكبرن عن طاعة الله تعالى أو
~~لتغلبن الناس بالظلم والعدوان ms05614 وتفرطن في ذلك إفراطا مجاوزا للحد. وأصل
~~معنى العلو الارتفاع وهو ضد السفل وتجوز به عن التكبر والاستيلاء على وجه
~~الظلم. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما (عليا كبيرا) بكسر
~~العين واللام والياء المشددة، قال في «البحر» «والتصحيح في فعول المصدر
~~أكثر بخلاف الجمع فإن الإعلال فيه هو المقيس وشذ التصحيح نحو لهو ومهو
~~خلافا للفراء إذ جعل ذلك قياسا».

### || [17.5]

# { فإذا جاء وعد أوليهما } أي أولى مرتي الإفساد. والوعد
~~بمعنى الموعود مراد به العقاب كما في «البحر» وفي الكلام تقدير أي فإذا
~~حان وقت حلول العقاب الموعود، وقيل الوعد بمعنى الوعيد وفيه تقدير أيضا،
~~وقيل بمعنى الوعد الذي يراد به الوقت أي فإذا حان موعد عقاب أولاهما {
~~بعثنا عليكم } أرسلنا لمؤاخذتكم بتلك الفعلة { عبادا لنا }
~~وقال الزمخشري: «خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم» وفيه دسيسة
~~اعتزال، وقال ابن عطية: «يحتمل أن يكون الله تعالى أرسل إلى ملك أولئك
~~العباد رسولا يأمره بغزو بني إسرائيل فتكون البعثة بأمر منه تعالى».
~~وقرأ الحسن وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهم { عبيدا }  { أولى
~~بأس شديد } ذوي قوة وبطش في الحروب، وقال الراغب: «البؤس والبأس
~~والبأساء الشدة والمكروه إلا أن البؤس في الفقر والحرب أكثر والبأس
~~والبأساء في النكاية» ومن هنا قيل: إن وصف البأس بالشديد مبالغة كأنه
~~قيل: ذوي شدة شديدة كظل ظليل ولا بأس فيه، وقيل إنه تجريد وهو صحيح
~~أيضا. واختلف في تعيين هؤلاء العباد فعن ابن عباس وقتادة هم جالوت
~~الجزري وجنوده، وقال ابن جبير. وابن إسحاق هم سنجاريب ملك بابل وجنوده،
~~وقيل هم العمالقة، وفي «الأعلام» للسهيلي هم بختنصر عامل لهراسف أحد ملوك
~~الفرس الكيانية على بابل والروم وجنوده بعثوا عليهم حين كذبوا أرميا
~~وجرحوه وحبسوه قيل وهو الحق.

# / { فجاسوا خلل الديار } أي ترددوا وسطها لطلبكم، قال
~~الراغب: «جاسوا الديار توسطوها وترددوا بينها ويقاربه حاسوا وداسوا».
~~وقرأ (حاسوا) بالحاء أبو السمال. وطلحة، وقرىء أيضا (تجوسوا) بالجيم على
~~وزن تكسروا. وقال أبو زيد: الجوس والحوس طلب ms05615 الشيء باستقصاء. و {
~~خلل } اسم مفرد ولذا قرأ الحسن (خلل) ويجوز أن يكون خلال جمع خلل
~~كجبال جمع جبل، ويشير كلام أبي السعود إلى اختياره وكلام البيضاوي إلى
~~اختيار الأول. { وكان } أي وعد أولاهما { وعدا مفعولا } محتم
~~الفعل فضمير { كان } للوعد السابق، وقيل: للجوس المفهوم من (جاسوا)
~~والجمهور على أن في هذه البعثة خرب هؤلاء العباد بيت المقدس ووقع القتل
~~الذريع والجلاء والأسر في بني إسرائيل وحرقت التوراة، وعن ابن عباس
~~ومجاهد أنه لم يكن ذلك وإنما جاس الغازون خلال الديار وانصرفوا بدون
~~قتال.

### || [17.6]

# { ثم رددنا لكم الكرة } أي الدولة والغلبة. وأصل معنى
~~الكر العطف والرجوع، وإطلاق الكرة على ما ذكر مجاز شائع كما يقال تراجع
~~الأمر. ولام { لكم } للتعدية، وقيل: للتعليل. وقوله تعالى: {
~~عليهم } أي الذي فعلوا بكم ما فعلوا متعلق بالكرة لما فيها من معنى
~~الغلبة أو حال منها، وجوز تعلقه برددنا، وهذا على ما في «البحر» «إخبار
~~منه تعالى في التوراة لبني إسرائيل إلا أنه جعل { رددنا } موضع نرد
~~لتحقق الوقوع» وكان بين البعث والرد على ما قيل مائة سنة وذلك بعد أن
~~تابوا ورجعوا عما كانوا عليه واختلف في سبب ذلك فروي أن أردشير بهمن بن
~~اسفنديار بن كشتاسف بن لهراسف لما ورث الملك من جده كشتاسف ألقى الله
~~تعالى في قلبه الشفقة على بني إسرائيل فرد أسراءهم الذين أتى بهم بختنصر
~~إلى بابل وسيرهم إلى أرض الشام وملك عليهم دانيال فاستولوا على من كان
~~فيها من أتباع بختنصر، وجعل بعضهم من آثار هذه الكرة قتل بختنصر ولم
~~يثبت. وفي «البحر» «أن ملكا غزا أهل بابل وكان بختنصر قد قتل من بني
~~إسرائيل أربعين ألفا ممن يقرأ التوراة وأبقى عنده بقية في بابل فلما
~~غزاهم ذلك الملك وغلب عليهم تزوج امرأة من بني إسرائيل فطلبت منه أن يرد
~~بني إسرائيل إلى ديارهم ففعل وبعد مدة قامت فيهم الأنبياء ورجعوا إلى
~~أحسن ما كانوا» وقيل: رد الكرة بأن سلط الله تعالى داود عليه السلام فقتل
~~جالوت. ms05616 وتعقب بأنه يرده قوله تعالى:

# وليدخلوا المسجد

# [الإسراء: 7] الخ فإن المراد به بيت المقدس وداود عليه السلام ابتدأ
~~بنيانه بعد قتل جالوت وإيتائه النبوة ولم يتمه وأتمه سليمان عليه السلام
~~فلم يكن قبل داود عليه السلام مسجد حتى يدخلوه أول مرة، ودفع بأن حقيقة
~~المسجد الأرض لا البناء أو يحمل قوله تعالى:

# دخلوه

# [الإسراء: 7] على الاستخدام وهو كما ترى، والحق أن المسجد كان موجودا
~~قبل داود عليه والسلام كما قدمنا.

# { وأمددنكم بأمول } كثيرة بعد ما نهبت أموالكم {
~~وبنين } بعدما سبيت أولادكم { وجعلنكم أكثر نفيرا }
~~مما كنتم من قبل أو من أعدائكم. والنفير على ما قال أبو مسلم كالنافر من
~~ينفر مع الرجل من عشيرته وأهل بيته، وقال الزجاج: يجوز أن يكون جمع نفر
~~ككلب وكليب وعبد وعبيد وهم المجتمعون للذهاب إلى العدو، وقيل: هو مصدر أي
~~أكثر خروجا إلى الغزو كما في قول الشاعر:

# فأكرم بقحطان من والد

# وحمير أكرم بقوم نفيرا

# ويروى بالحميريين أكرم نفيرا، وصحح السهيلي أنه اسم جمع لغلبته في
~~المفردات وعدم اطراد مفرده.

### || [17.7]

# { إن أحسنتم } أعمالكم سواء كانت لازمة لأنفسكم أو متعدية للغير
~~أي عملتموها على الوجه المستحسن اللائق / أو فعلتم الإحسان { أحسنتم
~~لأنفسكم } أي لنفعها بما يترتب على ذلك من الثواب { وإن
~~أسأتم } أعمالكم لازمة كانت أو متعدية بأن عملتموها على غير الوجه
~~اللائق أو فعلتم الإساءة { فلها } أي فالإساءة عليها لما يترتب على
~~ذلك من العقاب فاللام بمعنى على كما في قوله:

# فخر صريعا لليدين وللفم

# وعبر بها لمشاكلة ما قبلها

# وقال الطبري: هي بمعنى إلى على معنى فإساءتها راجعة إليها، وقيل: إنها
~~للاستحقاق كما في قوله تعالى:

# لهم عذاب أليم

# [البقرة: 10]. وفي «الكشاف» أنها للاختصاص. وتعقب بأنه مخالف لما في
~~الآثار من تعدي ضرر الإساءة إلى غير المذنب اللهم إلا أن يقال: إن ضرر
~~هؤلاء القوم من بني إسرائيل لم يتعدهم، وفيه أنه تكلف لا يحتاج إليه لأن
~~الثواب والعقاب الأخرويين لا يتعديان وهما المراد هنا، وقيل: اللام للنفع
~~كالأولى لكن على ms05617 سبيل التهكم، وتعميم الإحسان ومقابله بحيث يشملان
~~المتعدي واللازم هو الذي استظهره بعض المحققين وفسر الإحسان بفعل ما
~~يستحسن له ولغيره والإساءة بضد ذلك وقال: إنه أنسب وأتم ولذا قيل إن
~~تكرير الإحسان في النظم الكريم دون الإساءة إشارة إلى أن جانب الإحسان
~~أغلب وأنه إذا فعل ينبغي تكراره بخلاف ضده، وجاء عن علي كرم الله تعالى
~~وجهه أنه قال: ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه وتلا الآية، ووجه مناسبتها
~~لما قبلها على ما قال القطب [الرازي] أنه لما عصوا سلط الله تعالى عليهم
~~من قصدهم بالنهب والأسر ثم لما تابوا وأطاعوا حسنت حالهم فظهر أن إحسان
~~الأعمال وإساءتها مختص بهم، والآية تضمنت ذلك وفيها من الترغيب بالإحسان
~~والترهيب من الإساءة ما لا يخفى فتأمل.

# { فإذا جاء وعد } المرة { الأخرة } من مرتى إفسادكم {
~~ليسوؤا } متعلق بفعل حذف لدلالة ما سبق عليه وهو جواب (إذا) أي
~~بعثناهم ليسوؤا { وجوهكم } أي ليجعل العباد المبعوثون آثار المساءة
~~والكآبة بادية في وجوهكم فإن الأعراض النفسانية تظهر فيها فيظهر بالفرح
~~النضارة والإشراق وبالحزن والخوف الكلوح والسواد فالوجوه على حقيقتها،
~~قيل ويحتمل أن يعبر بالوجه عن الجملة فإنهم ساؤهم بالقتل والنهب والسبي
~~فحصلت الإساءة للذوات كلها ويؤيده قوله تعالى: { وإن أسأتم
~~فلها } ويحتمل أن يراد بالوجوه ساداتهم وكبراؤهم اه وهو كما ترى.
~~واختير هذا على ليسوؤكم مع أنه أخصر وأظهر إشارة إلى أنه جمع عليه ألم
~~النفس والبدن المدلول عليه بقوله تعالى: { وليتبروا } الخ، وقيل:
~~{ فإذا جاء } هنا مع كونه من تفصيل المجمل في قوله سبحانه:

# لتفسدن فى الأرض مرتين

# [الإسراء: 4] فالظاهر فإذا جاء وإذا جاء للدلالة على أن مجيء وعد عقاب
~~المرة الآخرة لم يتراخ عن كثرتهم واجتماعهم دلالة على شدة شكيمتهم في
~~كفران النعم وإنهم كلما ازدادوا عدة وعدة زادوا عدوانا وعزة إلى أن
~~تكاملت أسباب الثروة والكثرة فاجأهم الله عز وجل على الغرة نعوذ بالله
~~سبحانه من مباغتة عذابه.

# وقرأ أبو بكر وابن عامر وحمزة { ليسوء } على التوحيد والضمير لله تعالى
~~أو ms05618 للوعد أو للبعث المدلول عليه بالجزاء المحذوف، والإسناد مجازي على
~~الأخيرين وحقيقي على الأول، ويؤيده قراءة علي كرم الله تعالى وجهه وزيد
~~بن علي والكسائي { لنسوء } بنون العظمة فإن الضمير لله تعالى لا يحتمل
~~غير ذلك، وقرأ أبي (لنسؤن) بلام الأمر ونون العظمة أوله ونون التوكيد
~~الخفيفة آخره ودخلت لام الأمر على فعل المتكلم كما في قوله تعالى:

# ولنحمل خطيكم

# [العنكبوت: 12] وجواب (إذا) على هذه القراءة هو الجملة الإنشائية على
~~تقدير الفاء لأنها لا تقع جوابا بدونها، وعن علي كرم الله تعالى وجهه
~~أيضا (لنسوءن) و(ليسوءن) بالنون والياء أولا ونون التوكيد الشديدة
~~آخرا، واللام في ذلك / لام القسم والجملة جواب القسم سادة مسد جواب
~~(إذا).

# واللام في قوله تعالى: { وليدخلوا المسجد } لام كي والجار
~~والمجرور معطوف على الجار والمجرور قبله وهو متعلق ببعثنا المحذوف أيضا،
~~وجوز أن يتعلق بمحذوف غيره فيكون العطف من عطف جملة على أخرى، وعلى
~~القراءة بلام الأمر أو لام القسم فيما تقدم يجوز أن تكون اللام لام الأمر
~~وأن تكون لام كي. والمراد بالمسجد بيت المقدس وهو مفعول (يدخلوا)، وفي
~~«الصحاح» أن الصحيح في نحو دخلت البيت إنك تريد دخلت إلى البيت فحذف حرف
~~الجر فانتصب البيت انتصاب المفعول به، وتحقيقه في محله { كما دخلوه
~~} أي دخولا كائنا كدخولهم إياه { أول مرة } فهو في موضع النعت
~~لمصدر محذوف، وجوز أن يكون حالا أي كائنين كما دخلوه، و { أول }
~~منصوب على الظرفية الزمانية، والمراد من التشبيه على ما في «البحر» أنهم
~~يدخلونه بالسيف والقهر والغلبة والإذلال، وفيه أيضا أن هذا يبعد قول من
~~ذهب إلى أن أولى المرتين لم يكن فيها قتال ولا قتل ولا نهب {
~~وليتبروا } أي يهلكوا، وقال قطرب: يهدموا وأنشد قول الشاعر:

# وما الناس إلا عاملان فعامل

# يتبر ما يبني وآخر رافع

# وقال بعضهم: الهدم إهلاك أيضا، وأخرج ابن المنذر وغيره عن سعيد بن جبير
~~أن التتبير كلمة نبطية. { ما علوا } أي الذي غلبوه واستولوا عليه
~~فما اسم موصول والعائد محذوف وهو إما مفعول ms05619 أو مجرور على ما قيل، وجوز أن
~~تكون (ما) مصدرية ظرفية أي ليتبروا مدة دوامهم غالبين قاهرين {
~~تتبيرا } فظيعا لا يوصف.

# واختلف في تعيين هؤلاء العباد المبعوثين بعد أن ذكروا قتل يحيى عليه
~~السلام في الإفساد الأخير فقال غير واحد: إنهم بختنصر وجنوده، وتعقبه
~~السهيلي بأنه لا يصح لأن قتل يحيى بعد رفع عيسى عليهما السلام وبختنصر
~~كان قبل عيسى عليه السلام بزمن طويل، وقيل الإسكندر وجنوده، وتعقبه أيضا
~~بأن بين الإسكندر وعيسى عليه السلام نحوا من ثلثمائة سنة ثم قال لكنه
~~إذا قيل: إن إفسادهم في المرة الأخيرة بقتل شعيا جاز أن يكون المبعوث
~~عليهم بختنصر ومن معه لأنه كان حينئذ حيا، وروي عن عبد الله بن الزبير
~~رضي الله تعالى عنهما أن الذي غزاهم ملك خردوش وتولى قتلهم على دم يحيى
~~عليه السلام قائد له فسكن.

# وفي بعض الآثار أن صاحب الجيش دخل مذبح قرابينهم فوجد فيه دما يغلي
~~فسألهم عنه فقالوا دم قربان لم يقبل منا فقال: ما صدقتموني فقتل عليه
~~ألوفا منهم فلم يهدأ الدم ثم قال: إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحدا
~~فقالوا: إنه دم يحيى عليه السلام فقال: بمثل هذا ينتقم ربكم منكم ثم
~~قال: يا يحيى قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك فاهدأ بإذن الله
~~تعالى قبل أن لا أبقي أحدا منهم فهدأ. واختار في «الكشف»  وقال هو الحق
~~ إن المبعوث عليهم في المرة الثانية بيردوس من ملوك الطوائف وكأنه هو
~~خردوش الذي مر آنفا فقد ذكر أنه ملك بابل من ملوك الطوائف. وقيل: اسمه
~~جوزور وهؤلاء الملوك ظهروا بعد قتل الإسكندر دارا واستيلائه على ملك
~~الفرس، وكان ذلك بصنع الإسكندر متبعا فيه رأي معلمه أرسطو، وعدتهم تزيد
~~على سبعين ملكا، ومدة ملكهم على ما في بعض التواريخ خمسمائة واثنتا عشرة
~~سنة، وحصل اجتماع الفرس بعد هذه المدة على أردشير بن بابك طوعا وكرها
~~وكان أحد ملوك الطوائف على اصطخر، وعلى هذا يكون الملك المبعوث لفساد بني
~~إسرائيل بقتل ms05620 يحيى عليه / السلام من أواخر ملوك الطوائف كما لا يخفى،
~~ويكون بين هذا البعث والبعث الأول على القول بأن المبعوث بختنصر وأتباعه
~~مدة متطاولة، ففي بعض التواريخ أن قتل الإسكندر دارا بعد بختنصر
~~بأربعمائة وخمس وثلاثين سنة وبعد مضي نحو من ثلثمائة سنة من غلبة
~~الإسكندر ولد المسيح عليه السلام، ولا شك أن قتل يحيى عليه الصلاة
~~والسلام بعد الولادة بزمان والبعث بعد القتل كذلك فيكون بين البعثين ما
~~يزيد على سبعمائة وخمس وثلاثين سنة، والذي ذهب إليه اليهود أن المبعوث
~~أولا بختنصر وكان في زمن أرميا عليه السلام وقد أنذرهم مجيئه صريحا بعد
~~أن نهاهم عن الفساد وعبادة الأصنام كما نطق به كتابه فحبسوه في بئر
~~وجرحوه وكان تخريبه لبيت المقدس في السنة التاسعة عشر من حكمه وبين ذلك
~~وهبوط آدم ثلاثة آلاف وثلثمائة وثماني وثلاثين سنة وبقي خرابا سبعين
~~سنة، ثم إن إسبيانوس قيصر الروم وجه وزيره طوطوز إلى خرابه فخربه سنة
~~ثلاثة آلاف وثمانمائة وثمانية وعشرين فيكون بين البعثين عندهم أربعمائة
~~وتسعون سنة، وتفصيل الكلام في ذلك في كتبهم والله تعالى أعلم بحقيقة
~~الحال. ونعم ما قيل إن معرفة الأقوام المبعوثين بأعيانهم وتاريخ البعث
~~ونحوه مما لا يتعلق به كبير غرض إذ المقصود أنه لما كثرت معاصيهم سلط
~~الله تعالى عليهم من ينتقم منهم مرة بعد أخرى. وظاهر الآية يقتضي اتحاد
~~المبعوثين أولا وثانيا، ومن لا يقول بذلك يجعل رجوع الضمائر للعباد على
~~حد رجوع الضمير للدرهم في قولك: عندي درهم ونصفه فافهم.

### || [17.8]

# { عسى ربكم أن يرحمكم } بعد البعث الثاني إن تبتم
~~وانزجرتم عن المعاصي { وإن عدتم } للإفساد بعد الذي تقدم منكم {
~~عدنا } للعقوبة فعاقبناكم في الدنيا بمثل ما عاقبناكم به في المرتين
~~الأوليين، وهذا من المقضي لهم في الكتاب أيضا وكذا الجملة الآتية، وقد
~~عادوا بتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم وقصدهم قتله فعاد الله تعالى
~~بتسليطه عليه الصلاة والسلام عليهم فقتل قريظة وأجلى بني النضير وضرب
~~الجزية على الباقين وقيل عادوا فعاد الله تعالى ms05621 بأن سلط عليهم الأكاسرة
~~ففعلوا بهم ما فعلوا من ضرب الإتاوة ونحو ذلك والأول مروي عن الحسن
~~وقتادة. والتعبير بأن للإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يعودوا.

# { وجعلنا جهنم للكفرين حصيرا } قال ابن عباس
~~وغيره: أي سجنا وأنشد في «البحر» قول لبيد:

# ومقامه غلب الرقاب كأنهم

# جن على باب الحصير قيام

# فإن كان اسما للمكان المعروف فهو جامد لا يلزم تأنيثه وتذكيره، وإن كان
~~بمعنى حاصر أي محيط بهم وفعيل بمعنى فاعل يلزم مطابقته فعدم المطابقة هنا
~~إما لأنه على النسب كلابن وتامر أي ذات حصر وعلى ذلك خرج قوله تعالى:

# السماء منفطر به

# [المزمل: 18] أي ذات انفطار أو لحمله على فعيل بمعنى مفعول وقيل التذكير
~~على تأويل جهنم بمذكر، وقيل لأن تأنيثها ليس بحقيقي نقل ذلك أبو البقاء
~~وهو كما ترى.

# وأخرج ابن المنذر وغيره عن الحسن أنه فسر ذلك بالفراش والمهاد، قال
~~الراغب: «كأنه جعل الحصير المرمول وأطلق عليه ذلك لحصر بعض طاقاته على
~~بعض فحصير على هذا بمعنى محصور وفي الكلام التشبيه البليغ، وجاء الحصير
~~بمعنى السلطان وأنشد الراغب في ذلك البيت السابق ثم قال: وتسميته بذلك
~~إما لكونه محصورا نحو محجب وإما لكونه حاصرا أي مانعا لمن أراد أن
~~يمنعه من الوصول إليه اه» وحمل ما في الآية / على ذلك مما لم أر من تعرض
~~له والحمل عليه في غاية البعد فلا ينبغي أن يحمل عليه وإن تضمن معنى
~~لطيفا يدرك بالتأمل. وكان الظاهر أن يقال لكم بدل { للكفرين }
~~إلا أنه عدل عنه تسجيلا على كفرهم بالعود وذما لهم بذلك وإشعارا بعلة
~~الحكم.

### || [17.9]

# { إن هذا القرءان } الذي آتيناكه، و { هذا } متعلق بصدر
~~السورة كما مرت الإشارة إليه، وفي الإشارة بهذا تعظيم لما جاء به النبي
~~المجتبى صلى الله عليه وسلم { يهدى } أي الناس كافة لا فرقة مخصوصة
~~منهم كدأب الكتاب الذي آتيناه موسى عليه السلام { للتى } أي الطريقة
~~التي { هى أقوم } أي أقوم الطرق وأسدها أعني ملة الإسلام والتوحيد
~~فللتي صفة لموصوف حذف اختصارا وقدره ms05622 بعضهم الحالة أو الملة، وأيما
~~قدرت لم تجد مع الإثبات ذوق البلاغة الذي تجده مع الحذف لما في الإبهام
~~من الدلالة على أنه جرى الوادي وطم على القرى. و { أقوم } أفعل تفضيل
~~على ما أشار إليه غير واحد. وقال أبو حيان: «الذي يظهر من حيث المعنى أنه
~~لا يراد به التفضيل إذ لا مشاركة بين الطريقة التي يهدي لها القرآن
~~وغيرها من الطرق في مبدأ الاشتقاق لتفضل عليه فالمعنى للتي هي قيمة أي
~~مستقيمة كما قال الله تعالى

# فيها كتب قيمة

# [البينة: 3]

# ذلك دين القيمة

# [البينة: 5]» اه. وإلى ذلك ذهب الإمام الرازي.

# { ويبشر المؤمنين } بما في تضاعيفه من الأحكام والشرائع.
~~وقرأ عبد الله وطلحة وابن وثاب والإخوان { ويبشر } بالتخفيف مضارع
~~بشر المخفف وجاء بشرته وبشرته وأبشرته { الذين يعملون } الأعمال
~~{ الصلحات } التي شرحت فيه { أن لهم } أي بأن لهم بمقابلة
~~أعمالهم { أجرا كبيرا } بحسب الذات وبحسب التضعيف عشرا فصاعدا
~~وفسر ابن جريج الأجر الكبير وكذا الرزق الكريم في كل القرآن بالجنة

### || [17.10]

# { وأن الذين لا يؤمنون بالأخرة } وأحكامها المشروحة
~~فيه من البعث والحساب والجزاء من الثواب والعقاب الروحانيين والجسمانيين.
~~وتخصيص الآخرة بالذكر من بين سائر ما لم يؤمن به الكفرة لكونها معظم ما
~~أمروا الإيمان به ولمراعاة التناسب بين أعمالهم وجزائها الذي أنبأ عنه
~~قوله تعالى: { أعتدنا لهم عذابا أليما } وهو عذاب جهنم، أي
~~أعددنا وهيأنا لهم فيما كفروا به وأنكروا وجوده من الآخرة عذابا مؤلما،
~~وهو أبلغ في الزجر لما أن إتيان العذاب من حيث لا يحتسب أفظع وأفجع. ولعل
~~أهل الكتاب داخلون في هذا الحكم لأنهم لا يقولون بالجزاء الجسماني
~~ويعتقدون في الآخرة أشياء لا أصل لها فلم يؤمنوا بالآخرة وأحكامها
~~المشروحة في هذا القرآن حقيقة الإيمان فافهم.

# والعطف على

# أن لهم أجرا كبيرا

# [الإسراء: 9] فيكون إعداد العذاب الأليم للذين لا يؤمنون بالآخرة مبشرا
~~به كثبوت الأجر الكبير للمؤمنين الذين يعملون الصالحات، ومصيبة العدو
~~سرور يبشر به فكأنه قيل يبشر المؤمنين بثوابهم وعقاب أعدائهم، ويجوز أن
~~تكون البشارة مجازا ms05623 مرسلا بمعنى مطلق الإخبار الشامل للإخبار بما فيه
~~سرور وللإخبار بما ليس كذلك، وليس فيه الجمع بين معنى المشترك أو الحقيقة
~~والمجاز حتى يقال: إنه من عموم المجاز وإن كان راجعا لهذا أو العطف على

# يبشر

# [الإسراء: 9] أو

# يهدى

# [الإسراء: 9] بإضمار يخبر فيكون من عطف الجملة على الجملة، ولا يخفى ما
~~في الآية من ترجيح الوعد على الوعيد.

# / ونبه سبحانه على ما في «البحر» بوصف المؤمنين بالذين يعملون الصالحات
~~على الحالة الكاملة لهم ليتحلى المؤمن بذلك وأنت تعلم أنه إن فسر الأجر
~~الكبير بالجنة فهو ثابت للمؤمن العامل وللمؤمن المفرط إذ أصل الإيمان
~~متكفل بدخول الجنة فضلا من الله تعالى ورحمة، نعم ما أعد للعامل في
~~الجنة أعظم مما أعد للمفرط، وإن فسر بما أعده الله تعالى في الآخرة من
~~الجنة والدرجات العلى وأنواع الكرامات فيها التي لا يتكفل بها مجرد
~~الإيمان فظاهر أن ذلك غير ثابت للمؤمن المفرط فلا بد من التوصيف ولا يلزم
~~منه عدم دخول المفرط الجنة، نعم يلزم منه أن لا يثبت له الأجر الكبير
~~بالمعنى السابق، والآيات التي يفهم منها دخوله الجنة كثيرة ولعل هذه
~~الآية يفهم منها ذلك واقتضى المقام عدم التصريح بحكمه.

# وفي «الكشاف» أنه تعالى ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة
~~لأن الناس حينئذ إما مؤمن تقي وإما مشرك وأصحاب المنزلة بين المنزلتين
~~إنما حدثوا بعد ذلك. وتعقبه أبو حيان بأنه مكابرة فقد وقع في زمان الرسول
~~صلى الله عليه وسلم من بعض المؤمنين هفوات وسقطات بعضها مذكور في القرآن
~~وبعضها مذكور في الأحاديث الصحيحة اه. والمقرر في الأصول أن الأكثر على
~~عدالة الصحابة ومن طرأ له منهم قادح كسرقة وزنا عمل بمقتضاه، ثم ما ذكره
~~من المنزلة بين المنزلتين الظاهر أنه أراد به ما ذهب إليه إخوانه
~~المعتزلة من أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر وإذا مات من غير توبة
~~خلد في النار وقد رد ذلك في علم الكلام فتدبر.

### || [17.11]

# وقوله تعالى: { ويدع الإنسن بالشر } قال شيخ الإسلام ms05624
~~«بيان لحال المهدي إثر بيان حال الهادي وإظهار لما بينهما من التباين»
~~والمراد بالإنسان الجنس أسند إليه حال بعض أفراده وهو الكافر، وإليه يشير
~~كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أو حكى عنه حاله في بعض أحيانه كما
~~يقتضيه ما روي عن الحسن ومجاهد فالمعنى على الأول أن القرآن يدعو الإنسان
~~إلى الخير الذي لا خير فوقه من الأجر الكبير ويحذره من الشر الذي لا شر
~~وراءه من العذاب الأليم وهو أي بعض أفراده أعني الكافر يدعو لنفسه بما هو
~~الشر من العذاب المذكور إما بلسانه حقيقة كدأب من قال منهم:

# اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر
~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم

# [الأنفال: 32] ومن قال:

# فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصدقين

# [الأعراف: 70] إلى غير ذلك مما حكى عنهم، وإما بأعمالهم السيئة المفضية
~~إليه الموجبة له مجازا كما هو ديدن كلهم. وبعضهم جعل الدعاء باللسان
~~مجازا أيضا عن الاستعجال استهزاء. { دعاءه } أي دعاء كدعائه فحذف
~~الموصوف وحرف التشبيه وانتصب المجرور على المصدرية وهو مراد من قال: مثل
~~دعائه { بالخير } المذكور فرضا لا تحقيقا فإنه بمعزل عن الدعاء
~~به، وفيه رمز إلى أنه اللائق بحاله.

# { وكان الإنسن } أي من أسند إليه الدعاء المذكور من أفراده {
~~عجولا } يسارع إلى طلب كل ما يخطر بباله متعاميا عن ضرره أو مبالغا
~~في العجلة يستعجل الشر والعذاب وهو آتيه لا محالة ففيه نوع تهكم به، وعلى
~~تقدير حمل الدعاء على أعمالهم تجعل العجولية على اللج والتمادي في
~~استيجاب العذاب بتلك الأعمال، والمعنى على الثاني أن القرآن يدعو الإنسان
~~إلى ما هو خير وهو في بعض أحيانه كما عند الغضب يدعه ويدعو الله تعالى
~~لنفسه وأهله وماله بما هو شر وكان الإنسان بحسب جبلته عجولا ضجرا لا
~~يتأنى إلى أن يزول عنه ما يعتريه. أخرج الواقدي في «المغازي»

# " عن عائشة رضي الله تعالى عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل
~~عليها بأسير وقال لها: احتفظي به / قالت: فلهوت ms05625 مع امرأة فخرج ولم أشعر
~~فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عنه فقلت: والله لا أدري وغفلت عنه
~~فخرج فقال: قطع الله يدك ثم خرج عليه الصلاة والسلام فصاح به فخرجوا في
~~طلبه حتى وجدوه ثم دخل علي فرآني وأنا أقلب يدي فقال: ما لك؟ قلت: انتظر
~~دعوتك فرفع يديه وقال: اللهم إنما أنا بشر آسف وأغضب كما يغضب البشر
~~فأيما مؤمن أو مؤمنة دعوتك عليه بدعوة فاجعلها له زكاة وطهرا "

# أو يدعو بما هو شر ويحسبه خيرا وكان الإنسان عجولا غير مستبصر لا
~~يتدبر في أموره حق التدبر ليتحقق ما هو خير حقيق بالدعاء به وهو شر جدير
~~بالاستعاذة منه اه مع بعض زيادة وتغيير.

# واختار إرادة الكافر من الإنسان الأول بعض المحققين وذكر في وجه ربط
~~الآيات أنه تعالى لما شرح ما خص به نبيه صلى الله عليه وسلم من الإسراء
~~وإيتاء موسى عليه السلام التوراة وما فعله بالعصاة المتمردين من تسليط
~~البلاء عليهم كان ذلك تنبيها على أن طاعة الله تعالى توجب كل خير وكرامة
~~ومعصيته سبحانه توجب كل بلية وغرامة لا جرم قال:

# إن هذا القرآن يهدى

# [الإسراء: 9] الخ ثم عطف عليه

# وجعلنا اليل

# [الإسراء: 12] الخ بجامع دليل العقل والسمع أو نعمتي الدين والدنيا،
~~وأما اتصال قوله تعالى: { ويدع الإنسن } الخ فهو أنه سبحانه
~~لما وصف القرآن حتى بلغ به الدرجة القصوى في الهداية أتى بذكر من أفرط في
~~كفران هذه النعمة العظمى قائلا

# اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك

# [الأنفال: 32] الخ. ومثل هذا ما قيل إنه تعالى بعد أن وصف القرآن بما
~~وصف ذم قريشا بعدم سؤالهم الهداية به وطلبهم إنزال الحجارة عليهم أو
~~إيتاء العذاب الأليم إن كان حقا، وفي «الكشف» أن قوله تعالى: { ويدع
~~الإنسن } الخ بيان أن القرآن يهديهم للتي هي أقوم ويأبون إلا التي
~~هي ألوم وهو وجه للربط مطلقا وكل ما ذكروه في ذلك متقارب.

# ويرد على حمل الدعاء على الدعاء بالأعمال والعجولية على اللج والتمادي
~~في ms05626 استيجاب العذاب بتلك الأعمال خلاف المتبادر كما لا يخفى. وفسر بعضهم
~~الإنسان الثاني بآدم عليه السلام لما أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما
~~عن سلمان الفارسي قال: أول ما خلق الله تعالى من آدم عليه السلام رأسه
~~فجعل ينظر وهو يخلق وبقيت رجلاه، فلما كان بعد العصر قال: يا رب أعجل قبل
~~الليل فذلك قوله تعالى: { وكان الإنسن عجولا } ، وروي نحوه
~~عن مجاهد وروى القرطبي والعهدة عليه أنه لما وصلت الروح لعينيه نظر إلى
~~ثمار الجنة فلما دخلت جوفه اشتهاها فوثب عجلا إليها فسقط، ووجه ارتباط {
~~وكان الإنسن } الخ على هذا القول إفادته أن عجلته بالدعاء لضجره
~~أو لعدم تأمله من شأنه وأنه موروث له من أصله وشنشنة يعرفها من أخزم فهو
~~اعتراض تذييلي وكلام تعليلي والأولى إرادة الجنس وإن كان ألفاظ الآية لا
~~تنبو عن إرادة آدم عليه السلام كما زعم أبو حيان ثم أن الباء في الموضعين
~~على ظاهرها صلة الدعاء، وقيل: إنها بمعنى في والمعنى يدعو في حالة الشر
~~والضر كما كان يدعو في حالة الخير فالمدعو به ليس الشر والخير، وقيل:
~~إنها للسببية أي يدعو بسبب ذلك وكلا القولين مخالفين للظاهر لا يعول
~~عليهما.

# واستدل بالآية على بعض الاحتمالات على المنع من دعاء الرجل على نفسه أو
~~على ماله أو على أهله وقد جاء النهي عن ذلك صريحا في بعض الأخبار. فقد
~~أخرج أبو داود والبزار عن جابر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " لا تدعو على أنفسكم لا تدعوا على أولادكم لا تدعو على أموالكم لئلا
~~توافقوا من الله تعالى ساعة فيها إجابة / فيستجيب لكم "

# وبه يرد على ما قيل من أن الدعاء بذلك لا يستجاب فضلا من الله تعالى
~~وكرما. واستشكل بأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على أهله كما سمعت في
~~حديث الواقدي، وأجيب عن ذلك بأنه كان للزجر وإن كان وقت الغضب وقد اشترط
~~صلى الله عليه وسلم على ربه سبحانه في مثل ذلك أن يكون رحمة فقد صح ms05627 أنه
~~عليه الصلاة والسلام قال:

# " إني اشترطت على ربي فقلت إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما
~~يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له
~~طورا وزكاة وقربة "

# وذكر النووي في جواب ما يقال: «إن ظاهر الحديث أن الدعاء ونحوه كان بسبب
~~الغضب ما قال المازري من أنه يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن دعاءه
~~وسبه ونحوهما كان مما يخير فيه بين أمرين أحدهما هذا الذي فعله والثاني
~~زجره بأمر آخر فحمله الغضب لله تعالى على أحد الأمرين المخير فيهما وليس
~~ذلك خارجا عن حكم الشرع، والمراد من قوله عليه الصلاة والسلام «ليس لها
~~بأهل» ليس لها بأهل عند الله تعالى وفي باطن الأمر ولكنه في الظاهر
~~مستوجب لذلك، وقد يستدل على ذلك بأمارات شرعية وهو مأمور صلى الله عليه
~~وسلم بالحكم بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر، وقيل: إن ما وقع منه
~~عليه الصلاة والسلام من الدعاء ونحوه ليس بمقصود بل هو مما جرت به عادة
~~العرب في وصل كلامها بلا نية كتربت يمينك وعقري حلقي لكن خاف صلى الله
~~عليه وسلم أن يصادف شيء من ذلك إجابة فسأل ربه سبحانه وتعالى ورغب إليه
~~في أن يجعل ذلك زكاة وقربة»، نعم في ذكر حديث الواقدي ونحوه كالحديث الذي
~~ذكره البيضاوي في المقام الذي ذكر فيه لا يخلو عن شيء فتأمل. ثم إن
~~القياس إثبات الواو في { يدع الإنسن } إذ لا جازم تحذف له لكن
~~نقل القرآن العظيم كما سمع ولم يتصرف فيه الناقل بمقدار فهمه وقوة عقله.

### || [17.12]

# { وجعلنا اليل والنهار ءايتين } هذا على ما قيل شروع
~~في بيان بعض ما ذكر من الهداية بالإرشاد إلى مسلك الاستدلال بالآيات
~~والدلائل الآفاقية التي كل واحدة منها برهان نير لا ريب فيه ومنهاج بين
~~لا يضل من ينتحيه فإن الجعل المذكور وما عطف عليه وإن كانا من الهدايات
~~التكوينية لكن الإخبار بذلك من الهدايات القرآنية المنبهة على تلك
~~الهدايات. وذكر الإمام ms05628 في وجه الربط وجوها «الأول أنه تعالى لما بين في
~~الآية المتقدمة ما أوصل إلى الخلق من نعم الدين وهو القرآن أتبعه ببيان
~~ما أوصل إليهم من نعم الدنيا فقال سبحانه: { وجعلنا } الخ، وكما أن
~~القرآن ممتزج من المحكم والمتشابه كذلك الزمان مشتمل على الليل والنهار
~~وكما أن المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه فكذلك
~~الزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بالنهار والليل، الثاني أنه تعالى وصف
~~الإنسان بكونه عجولا أي منتقلا من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة بين
~~أن كل أحوال العالم كذلك وهو الانتقال من النور إلى الظلمة وبالضد
~~وانتقال نور القمر من الزيادة إلى النقصان وبالضد، الثالث نحو ما نقلناه
~~أولا ولعله الأولى».

# وتقديم الليل لمراعاة الترتيب الوجودي إذ منه ينسلخ النهار وفيه تظهر
~~غرر الشهور العربية ولترتيب غاية النهار عليها بلا واسطة. ومما يزيد
~~تقديم الليل حسنا افتتاح السورة بقوله سبحانه

# سبحان الذى أسرى بعبده ليلا

# [الإسراء: 1] والجعل على ما نقل عن السمين بمعنى التصيير متعد لاثنين أو
~~بمعنى الخلق متعد لواحد و { ءايتين } حال مقدرة. واستشكل الأول
~~الكرماني بأنه يستدعي أن يكون الليل والنهار موجودين على حالة ثم انتقلا
~~منها إلى / أخرى وليس كذلك، ودفع بأنه من باب  ضيق فم الركية  وهو مجاز
~~معروف واستظهر هذا أبو حيان. والمعنى جعلنا الملوين بهيآتهما وتعاقبهما
~~واختلافهما في الطول والقصر على وتيرة عجيبة آيتين تدلال على أن لهما
~~صانعا حكيما قادرا عليما ويهديان إلى ما هدى إليه القرآن الكريم من
~~الإسلام والتوحيد.

# { فمحونا ءاية اليل } الإضافة هنا وفيما بعد إما بيانية كما
~~في إضافة العدد إلى المعدود نحو أربع نسوة «أي محونا الآية التي هي الليل
~~أي جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسه مظلما لا يستبين فيه شيء كما لا
~~يستبين ما في اللوح الممحو» وإلى ذلك ذهب صاحب «الكشاف» وروي عن مجاهد
~~وهو على نحو  ضيق فم الركية  والفاء تفسيرية لأن المحو المذكور وما عطف
~~عليه ليسا مما يحصل عقيب جعل الجديدين آيتين ms05629 بل هما من جملة ذلك الجعل
~~ومتمماته. وقيل معنى محو الليل إزالة ظلمته بالضوء، ورجح بأن فيه إبقاء
~~المحو على حقيقته وهو إزالة الشيء الثابت وليس فيما ذكره الزمخشري ذلك
~~ولا ينبغي العدول عن الحقيقة بلا ضرورة.

# وتعقب بأنه يكفي ما بعده قرينة على تلك الإرادة فإن محو الليل في مقابلة
~~جعل النهار مبصرا، وعلى ما ذكر من المعنى الحقيقي لا يتعلق بمحو الليل
~~فائدة زائدة على ما بعده، وقيل عليه إن الظلمة هي الأصل والنور طارىء
~~فكون الليل مخلوقا مطموس الضوء مفروغ عنه فالمراد بيان أن الله تعالى
~~خلق الزمان ليلا مظلما ثم جعل بعضه نهارا بإحداث الإشراق لفائدة ذكرها
~~سبحانه، وكون محو الليل في مقابلة جعل النهار مضيئا لا يوجب حمله على
~~المجاز لفائدة بيان إبقاء بعض الزمان على إظلامه وجعل بعضه مضيئا اه
~~ولا يخفى ما فيه من التكلف وأن المقام لا يلائمه فالمعول عليه ما في
~~«الكشاف».

# { وجعلنا اليل والنهار } أي الآية التي هي النهار {
~~مبصرة } أي مضيئة فهو مجاز بعلاقة السببية أو الإسناد مجازي كما في
~~ نهاره صائم  والمراد يبصر أهلها أو الصيغة للنسب أي ذات إبصارهم أو هي
~~من أبصره المتعدي أي جعله مبصرا ناظرا والإسناد إلى النهار مجازي أيضا
~~من الإسناد إلى السبب العادي والفاعل الحقيقي هو الله تعالى أو من باب
~~أفعل المراد به غير من أسند إليه كأضعف الرجل إذا كانت دوابه ضعافا
~~وأجبن إذا كان أهله جبناء فأبصرت الآية بمعنى صار أهلها بصراء. وروي ذلك
~~عن أبي عبيدة وهو معنى وضعي لا مجازي. وقرأ قتادة وعلي بن الحسين رضي
~~الله عنهما { مبصرة } بفتح الميم والصاد وهو مصدر أقيم مقام غيره
~~وكثر مثل ذلك في صفات الأمكنة كارض مسبعة ومكان مضبة وإما إضافة لامية
~~وآيتا الليل والنهار نيراهما القمر والشمس ويحتاج حينئذ في قوله تعالى: {
~~وجعلنا اليل والنهار ءايتين } إلى تقدير مضاف في الأول
~~والثاني أي جعلنا نيري الليل والنهار آيتين أو جعلنا الليل والنهار ذوي
~~آيتين أن جعل جعل متعديا ms05630 إلى مفعولين والليل والنهار هو المفعول الأول
~~و(آيتين) الثاني، فإن عكس كما استظهره أبو حيان وجعل الليل والنهار نصبا
~~على الظرفية في موضع المفعول الثاني أي جعلنا في الليل والنهار آيتين
~~وهما النيران لا يحتاج إلى تقدير كما إذا جعل الجعل متعديا لواحد والليل
~~والنهار منصوبان على الظرفية كما جوزه المعربون.

# ومحو آية الليل وهي القمر على ما تدل عليه الآثار إزالة ما ثبت لها من
~~النور يوم خلقت، فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية إنه
~~قال كان القمر يضيء كما تضيء الشمس وهو آية الليل فمحي فالسواد الذي في
~~القمر أثر ذلك المحو. / وأخرج عبد بن حميد. وغيره عن عكرمة أنه قال: خلق
~~الله تعالى نور الشمس سبعين جزأ ونور القمر سبعين جزأ فمحى من نور القمر
~~تسعة وستين جزأ فجعله مع نور الشمس فالشمس على مائة وتسعة وثلاثين جزأ
~~والقمر على جزء واحد.

# وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: كانت شمس بالليل
~~وشمس بالنهار فمحى الله تعالى شمس الليل فهو المحو الذي في القمر، وأخرج
~~البيهقي في «دلائل النبوة» وابن عساكر عن سعيد المقبري أن عبد الله بن
~~سلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن السواد الذي في القمر فقال: كانا
~~شمسين وقال قال الله تعالى: { وجعلنا اليل والنهار
~~ءايتين فمحونا ءاية اليل } فالسواد الذي رأيت هو المحو،
~~وفي حديث طويل أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند واه عن ابن عباس
~~مرفوعا

# " إن الله تعالى خلق شمسين من نور عرشه فأرسل جبريل عليه السلام فأمر
~~جناحه على وجه القمر وهو يومئذ شمس ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقي فيه
~~النور وذلك قوله تعالى: { وجعلنا اليل والنهار ءايتين
~~} "

# الآية إلى غير ذلك من الآثار. والفاء على هذا للتعقيب، وجعل آية النهار
~~وهي الشمس مبصرة على نحو ما تقدم فتبصر. وقيل محو القمر إما خلقه كمدا
~~مطموس النور غير مشرق بالذات على ما ذكره أهل الهيئة من أنه ms05631 غير مضيء في
~~نفسه بل نوره مستفاد من ضوء الشمس فالفاء تفسيرية كما مر وإما نقص ما
~~استفاده من الشمس شيئا فشيئا بحسب الرؤية والإحساس إلى أن ينمحق على ما
~~هو معنى المحو فالفاء للتعقيب.

# وذكر الإمام في محوه قولين، أحدهما نقص نوره قليلا قليلا إلى المحاق،
~~وثانيهما جعله ذا كلف ثم قال: «حمله على الوجه الأول أولى لأن اللام في
~~الفعلين بعد متعلق بما هو المذكور قبل وهو محو آية الليل وجعل آية النهار
~~مبصرة، ومحو آية الليل إنما يؤثر في ابتغاء فضل الله تعالى إذا حملنا محو
~~القمر على زيادة نور القمر ونقصانه لأن سبب حصول هذه الآية مختلف باختلاف
~~أحوال نور القمر وأهل التجارب أثبتوا أن اختلاف أحوال القمر في مقادير
~~النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه مثل أحوال البحار في المد
~~والجزر ومثل أحوال البحرانات على ما يذكره الأطباء في كتبهم، وأيضا بسبب
~~زيادة نور القمر ونقصانه يحصل الشهور وبسبب معاودة الشهور يحصل السنون
~~العربية المبنية على رؤية الهلال كما قال سبحانه { ولتعلموا }
~~الخ» اه. وأنت تعلم أنه متى دل أثر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم على ما ذكرناه أولا لا ينبغي أن يدعى أن غيره أولى، وهو لعمري وجه
~~لا كلف فيه عند من له عين مبصرة.

# وللفلاسفة في هذا المحو المرئي في وجه القمر كلام طويل لا بأس بأن تحيط
~~به خبرا فنقول: ذكر الإمام في «المباحث المشرقية» أن امتناع بعض المواضع
~~في وجه القمر عن قبول الضوء التام إما أن يكون بسبب خارج عن جرم القمر أو
~~غير خارج عنه فإن كان بسبب خارج فإما أن يكون لمثل ما يعرض للمرايا من
~~وقوع أشباح الأشياء فيها فإذا رؤيت تلك الأشياء لم تر براقة فكذلك القمر
~~لما تصورت فيه أشباح الجبال والبحار وجب أن لا ترى تلك المواضع في غاية
~~الاستنارة، وإما أن يكون ذلك بسبب ساتر والأول باطل، أما أولا فلأن
~~الأشباح لا تنحفظ هيآتها مع حركة ms05632 المرآة وبتقدير سكونها لا تستقر تلك
~~الأشباح فيها عند اختلاف مقامات الناظرين والآثار التي في وجه القمر ليست
~~كذلك، وأما ثانيا فلأن القمر ينعكس الضوء عنه إلى البصر وما كان كذلك لم
~~يصلح للتخييل، وأما ثالثا فلأنه كان يجب أن تكون تلك الآثار كالكرات لأن
~~الجبال في الأرض كتضريس أو خشونة في سطح كرة وليس لها من المقدار قدر ما
~~يؤثر في كرية الأرض فكيف لأشباحها المرئية في المرآة.

# / وأما إن كان ذلك بسبب ساتر فذلك الساتر إما أن يكون عنصريا أو
~~سماويا والأول باطل، أما أولا فلأنه كان يجب أن يكون المواضع المتسترة
~~من جرم القمر مختلفة باختلاف مقامات الناظرين، وأما ثانيا فلأن ذلك
~~الساتر لا يكون هواء صرفا ولا نارا صرفة لأنهما شفافان فلا يحجبان بل
~~لا بد وأن يكون مركبا إما بخارا وإما دخانا وذلك لا يكون مستمرا،
~~وأما إن كان الساتر سماويا فهو الحق وذلك إنما يكون لقيام أجسام سماوية
~~قريبة المكان جدا من القمر وتكون من الصغر بحيث لا يرى كل واحد منها بل
~~جملتها على نحو مخصوص من الشكل وتكون إما عديمة الضوء أو لها ضوء أضعف من
~~ضوء القمر فترى في حالة إضاءته مظلمة، وأما إن كان ذلك بسبب عائد إلى ذات
~~القمر فلا يخلو إما أن يكون جوهر ذلك الموضع مساويا لجواهر المواضع
~~المستنيرة من القمر في الماهية أو لا يكون فإن لم يكن كان ذلك لارتكاز
~~أجرام سماوية مخالفة بالنوع للقمر في جرمه كما ذكرناه قبل وهو قريب منه.
~~وإما أن تكون تلك المواضع مساوية الماهية لجرم القمر فحينئذ يمتنع
~~اختصاصها بتلك الآثار إلا بسبب خارجي لكنه قد ظهر لنا أن الأجرام
~~السماوية لا تتأثر بشيء عنصري وبذلك أبطل قول من قال: إن ذلك المحو بسبب
~~انسحاق عرض القمر من مماسة النار، أما أولا فلأن ذلك يوجب أن يتأدى ذلك
~~في الأزمان الطويلة إلى العدم والفساد بالكلية والأرصاد المتوالية مكذبة
~~لذلك، وأيضا القمر غير مماس للنار لأنه مفرق في ذلك تدويره ms05633 الذي هو في
~~حامله الذي بينه وبين النار بعد بعيد بدليل أن النار لو كانت ملاقية
~~لحامله لتحركت بحركته إلى المشرق وليس كذلك لأن حركات الشهب في الأكثر لا
~~تكون إلا إلى جهة المغرب وتلك الحركة تابعة لحركة النار والحركة
~~المستديرة ليست للنار بذاتها فإنها مستقيمة الحركة فذلك لها بالعرض تبعا
~~لحركة الكل فبطل ما قالوه اه.

# وذكر الآمدي في «أبكار الأفكار» زيادة على ما يفهم مما ذكر من الأقوال
~~وهي أن منهم من قال: إن ما يرى خيال لا حقيقة له، ورده بأنه لو كان كذلك
~~لاختلف الناظرون فيه؛ ومنهم من قال: إنه السواد الكائن في القمر في
~~الجانب الذي لا يلي الشمس، ورده بأنه لو كان كذلك لما رؤي متفرقا، ومنهم
~~من قال: إنه وجه القمر فإنه مصور بصورة وجه الإنسان وله عينان وحاجبان
~~وأنف وفم، ورده بأنه مع بعده يوجب أن يكون فعل الطبيعة عندهم معطلا عن
~~الفائدة لأن فائدة الحاجبين عندهم دفع أذى العرق عن العينين وفائدة الأنف
~~الشم وفائدة الفم دخول الغذاء وليس للقمر ذلك، وقد رد عليهم رحمة الله
~~تعالى عليه سائر ما ذكروه.

# وذكر الإمام في «التفسير» «أن آخر ما ذكره الفلاسفة في ذلك أنه ارتكز في
~~وجه القمر أجسام قليلة الضوء مثل ارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك ولما
~~كانت تلك الأجرام أقل ضوأ من جرم القمر لا جرم شوهدت في وجهه كالكلف في
~~وجه الإنسان وفي ارتكازها في بعض أجزائه دون بعض كونه متشابه الأجزاء
~~عندهم دليل على الصانع المختار كما أن في تخصيص بعض أجزائه بالنور القوي
~~وبعضها بالنور الضعيف مع تشابه الأجزاء دليلا على ذلك. ومثل هذا التخصيص
~~في الدلالة تخصيص بعض جوانب الفلك الذي هو عندهم أيضا جرم بسيط متشابه
~~الأجزاء بارتكاز الكواكب فيه دون البعض الآخر».

# وزعم بعض أهل الآثار أنه مكتوب في وجه القمر لا إله إلا الله، وقيل لفظ
~~جميل، وقيل غير ذلك / وأن المحو المرئى هو تلك الكتابة ولا يعول على شيء
~~من ذلك، نعم ms05634 مكتوب على كل شيء لا إله إلا الله وكذا جميل ولكن ذلك بمعنى
~~آخر كما لا يخفى. ونقل لي عن أهل الهيئة الجديدة أنهم يزعمون أن القمر
~~كالأرض فيه الجبال والوهاد والأشجار والبحار وأنهم شاهدوا ذلك في أرصادهم
~~وأن المواضع التي لا يرى فيها محو هي البحار والتي فيها محو هي أرض غير
~~مستوية وزعموا أنه لو وصل أحد إلى القمر لرأى الأرض كذلك ومن هنا قالوا
~~لا يبعد أن يكون معمورا بخلائق نحو عمارة الأرض بل قالوا: إن جميع
~~الكواكب مثله في ذلك قياسا عليه وإن كانت لا يرى فيها لمزيد بعدها ما
~~يرى فيه وبعيد من الحكمة أن يعمر الله تعالى الأرض بالخلق على صغرها
~~ويترك أجساما عظيمة أكثرها أعظم من الأرض خالية بلا خلق على كبرها وهم
~~منذ غرهم القمر تشبثوا بحباله في عمل الحيل للعروج إليه فصنعوا سفنا
~~زئبقية فعرجوا فيها فقبل أن يصلوا إلى كرة البخار انتفخت أجسامهم وضلت
~~كما ضلت من قبل أفهامهم فانقلبوا صاغرين وهبطوا خاسئين، وأنت تعلم أن
~~كلامهم في هذا الباب مخالف لأصول الفلسفة ولا برهان لهم عليه سوى السفه
~~ومنشؤه محض أنهم رأوا شيئا في القمر ولم يتحققوه وظنوه ما ظنوه وأي مانع
~~من أن يكون قد جعل الله تعالى المحو على وجه يتخيل فيه ذلك بل لا مانع
~~على أصولنا من أن يقال: قد جعل الله تعالى في القمر أجراما تشبه ما
~~حسبوه لكن لم يرد في ذلك شيء عن الصادق صلى الله عليه وسلم وهو الذي عرج
~~به إلى قاب قوسين أو أدنى، وما ذكروه من أنه بعيد من الحكمة أن يعمر الله
~~تعالى الأرض الخ يلزم عليه أن يكون ما بين الكواكب ككواكب الدب الأكبر
~~مثلا معمورا بالخلائق كالأرض أيضا فإنه أوسع منها بأضعاف مضاعفة وهم
~~لا يقولون به على أنا نقول قد جاء

# " أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك راكع أو
~~ساجد "

# فيجوز أن يكون على جرم القمر ملائكة ms05635 يعبدون الله تعالى بما شاء وكيف شاء
~~بل يجوز أن يكون عند كل ذرة من ذراته ملك كذلك وهذا نوع من العمارة
~~بالخلق، والأحسن عند من عز عليه وقته عدم الالتفات إلى مثل هذه الخرافات
~~وتضييع الوقت في ردها والله سبحانه الموفق.

# ثم ما تقدم من أن المحو نقص ما استفاده القمر من الشمس شيئا فشيئا فيه
~~القول بأن نور القمر مستفاد من نور الشمس وقد عد الجل من العلماء ذلك في
~~الحدسيات وذكروا أن الشمس مضيئة بنفسها وكلا الأمرين مما ذكره الفلاسفة
~~وليس له في الشرع مستند يعول عليه، وقد نقله الآمدي وتعقبه فقال: ذكروا
~~أن الشمس نيرة بنفسها وما المانع من كونها سوداء الجرم والله تعالى يخلق
~~فيها النور في أوقات مشاهدتنا لها، وأن تكون مستنيرة من كواكب أخرى فوقها
~~وهي مستورة عنا ببعض الأجرام السماوية المظلمة كما يحدث للشمس في حالة
~~الكسوف، وإن سلمنا أنها نيرة بنفسها فلا نسلم أن نور القمر مستفاد منها
~~وما المانع من كون الرب تعالى يخلق فيه النور في وقت دون وقت أو أن يكون
~~مع كونه مركوزا في فلكه دائرا على مركز نفسه وأحد وجهيه نير والآخر
~~مظلم كما كان بعض أجزاء الفلك شفافا وبعضها نيرا وهو متحرك بحركة
~~مساوية لحركة فلكه ويكون وجهه المضيء عند مقابلة الشمس وهو الذي يلينا
~~ويكون الزيادة والنقصان فيما يظهر لنا على حسب بعده وقربه من الشمس فلا
~~يكون مستنيرا من الشمس اه.

# وأورد أنه إذا ضم الخسوف إلى الزيادة والنقصان قربا وبعدا لا يتم ما
~~ذكره وصح ما ذكروه من الاستفادة. / وأجيب بأنه ما المانع من أن يكون
~~الخسوف لحيلولة جرم علوي بيننا وبينه لا لحيلولة الأرض بينه وبين الشمس
~~فلا بد لنفي ذلك من دليل فافهم والله تعالى أعلم وهو المتصرف في ملكه
~~كيفما يشاء.

# { لتبتغوا } متعلق بقوله تعالى: { وجعلنآ آية النهار }
~~وفي الكلام مقدر أي جعلنا آية النهار مبصرة لتطلبوا لأنفسكم فيه {
~~فضلا من ربكم } أي رزقا إذ لا يتسنى ذلك في ms05636 الليل «وفي التعبير
~~عن الرزق بالفضل وعن الكسب بالابتغاء والتعرض لصفة الربوبية المنبئة عن
~~التبليغ إلى الكمال شيئا فشيئا دلالة كما قال شيخ الإسلام: على أن ليس
~~للعبد في تحصيل الرزق تأثير سوى الطلب وإنما الاعطاء إلى الله سبحانه لا
~~بطريق الوجوب عليه تعالى بل تفضلا بحكم الربوبية» ومعنى تأثير الطلب على
~~نحو تأثير الأسباب العادية فإنه من جملتها ولا توقف حقيقة للرزق عليه،
~~وفي الخبر

# " يطلبك رزقك كما يطلبك أجلك "

# ، ولله تعالى در القائل:

# لقد علمت وما الإشراف من خلقي

# أن الذي هو رزقي سوف يأتيني

# أسعى إليه فيعييني تطلبه

# ولو قعدت أتاني لا يعنيني

# { ولتعلموا } متعلق كما قيل بكلا الفعلين أعني محو آية الليل
~~وجعل آية النهار مبصرة لا بأحدهما فقط إذ لا يكون ذلك بانفراده مدارا
~~للعلم المذكور أي لتعلموا بتفاوت الجديدين أو نيريهما ذاتا من حيث
~~الإظلام والإضاءة مع تعاقبهما أو حركتهما وأوضاعهما وسائر أحوالهما {
~~عدد السنين } التي يتعلق بها غرض علمي لإقامة مصالحكم الدينية
~~والدنيوية.

# { والحساب } أي الحساب المتعلق بما في ضمنها من الأوقات أي الأشهر
~~والليالي والأيام وغير ذلك مما نيط به شيء من المصالح المذكورة، ونفس
~~السنة من حيث تحققها مما ينتظمه الحساب وإنما الذي يتعلق به العد طائفة
~~منها وتعلقه في ضمن ذلك بكل واحدة منها ليس من حيثية التحقق والتحصل من
~~عدة أشهر حصل كل واحد منها من عدة أيام حصل كل واحد منها من طائفة من
~~الساعات مثلا فإن ذلك من وظيفة علم الحساب بل من حيث إنها فرد من طائفة
~~السنين المعدودة (يعدها أي يفنيها) من غير أن يعتبر في ذلك تحصيل شيء
~~معين كما حقق ذلك شيخ الإسلام. وقيل: المعنى لتعلموا باختلافهما
~~وتعاقبهما على نسق واحد أو بحركاتهما عدد السنين الخ المراد بالحساب جنسه
~~أي الجاري في المعاملات كالإجارات والبيوع المؤجلة وغير ذلك؛ وذكر بعضهم
~~أن الظاهر المناسب أن المراد لتعلموا بالليل فإن عدد السنين الشرعية
~~والحساب الشرعي يعلمان به غالبا أو بالقمر لقوله تعالى في الأهلة

# قل ms05637 هى مواقيت للناس والحج

# [البقرة: 189] وأنت تعلم أن السنين شمسية وقمرية وبكل منهما العمل فلو
~~قيل إحدى الآيتين مبينة لأحدهما والأخرى للآخر لا محذور فيه، وكون الشرع
~~معولا على أحدهما لا يضر، وتقديم العدد على الحساب من أن الترتيب بين
~~متعلقيهما على ما سمعت أولا وجودا وعدما على العكس للتنبيه من أول
~~الأمر على أن متعلق الحساب ما في تضاعيف السنين من الأوقات أو لأن العلم
~~المتعلق بعدد السنين علم إجمالي بما تعلق به الحساب تفصيلا أو لأن العلم
~~المتعلق بالأول أقصى المراتب فكان جديرا بالتقديم في مقام الامتنان أو
~~لأن العدد نازل من الحساب منزلة البسيط من المركب بناء على ما حقق من أن
~~الحساب إحصاء ما له كمية منفصلة بتكرير أمثاله من حيث يتحصل بطائفة معينة
~~منها حد معين منه له اسم خاص وحكم مستقل والعدد إحصائه / بمجرد تكرير
~~أمثاله من غير أن يتحصل شيء كذلك ولهذا وكون السنين مما لم يعتبر فيها حد
~~معين له اسم خاص وحكم مستقل أضيف أضيف إليها العدد وعلق الحساب بما عداها
~~فتدبر.

# { وكل شىء } تفتقرون إليه في معاشكم ومعادكم سوى ما ذكر من جعل
~~الليل والنهار آيتين وما يتبعه من المنافع الدينية والدنيوية وهو منصوب
~~بفعل يفسره قوله تعالى: { فصلناه تفصيلا } وهذا من باب
~~الاشتغال ورجح النصب لتقدم جملة فعلية، وجوز أن يكون معطوفا على {
~~الحساب } وجملة { فصلناه } صفة (شيء) وهو بعيد معنى. والتفصيل
~~من الفصل بمعنى القطع والمراد به الإبانة التامة وجيء بالمصدر للتأكيد.
~~فالمعنى بينا كل شيء، في القرآن الكريم بيانا بليغا لا التباس معه
~~كقوله تعالى:

# ونزلنا عليك الكتب تبيانا لكل شىء

# [النحل: 89] فظهر كونه هاديا للتي هي أقوم ظهورا بينا.

### || [17.13]

# { وكل إنسن } منصوب على حد

# كل شىء

# [الإسراء: 12] أي وألزمنا كل إنسان مكلف { ألزمنه طئره }
~~أي عمله الصادر منه باختياره حسبما قدر له خيرا كان أو شرا كأنه طار
~~إليه من عش الغيب ووكر القدر. وفي «الكشاف» أنهم كانوا يتفاءلون بالطير
~~ويسمونه زجرا فإذا سافروا ومر ms05638 بهم طير زجروه فإن مر بهم سانحا بأن مر
~~من جهة اليسار إلى اليمين تيمنوا وإن مر بارحا بأن مر من جهة اليمين إلى
~~الشمال تشاءموا ولذا سمي تطيرا فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر
~~استعير استعارة تصريحية لما يشبههما من قدر الله تعالى وعمل العبد لأنه
~~سبب للخير والشر.

# ومنه طائر الله تعالى لا طائرك أي قدر الله جل شأنه الغالب الذي ينسب
~~إليه الخير والشر لا طائرك الذي تتشاءم به وتتيمن «وقد كثر فعلهم ذلك حتى
~~فعلوه بالظباء أيضا وسائر حيوانات الفلا وسموا كل ذلك تطيرا» كما في
~~«البحر»، وتفسيره بالعمل هنا مروي عن ابن عباس ورواه البيهقي في «شعب
~~الإيمان» عن مجاهد وذهب إليه غير واحد وفسره بعضهم بما وقع للعبد في
~~القسمة الأزلية الواقعة حسب استحقاقه في العلم الأزلي من قولهم: طار إليه
~~سهم كذا، ومن ذلك فطار لنا من القادمين عثمان بن مظعون أي ألزمنا كل
~~إنسان نصيبه وسهمه الذي قسمناه له في الأزل.

# { فى عنقه } تصوير لشدة اللزوم وكمال الارتباط وعلى ذلك جاء قوله:
~~إن لي حاجة إليك فقال: بين أذني وعاتقي ما تريد. وتخصيص العنق لظهور ما
~~عليه من زائن كالقلائد والأطواق أو شائن كالأغلال والأوهاق ولأنه العضو
~~الذي يبقى مكشوفا يظهر ما عليه وينسب إليه التقدم والشرف ويعبر به عن
~~الجملة وسيد القوم. فالمعنى ألزمناه عمله بحيث لا يفارقه أبدا بل يلزمه
~~لزوم القلادة أو الغل لا ينفك عنه بحال. وأخرج ابن مردويه عن حذيفة بن
~~أسيد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " إن النطفة التي يخلق منها النسمة تطير في المرأة أربعين يوما وأربعين
~~ليلة فلا يبقى منها شعر ولا بشر ولا عرق ولا عظم إلا دخلته حتى إنها
~~لتدخل بين الظفر واللحم فإذا مضى أربعون ليلة وأربعون يوما أهبطها الله
~~تعالى إلى الرحم فكانت علقة أربعين يوما وأربعين ليلة ثم تكون مضغة
~~أربعين يوما وأربعين ليلة فإذا تمت لها أربعة أشهر بعث الله تعالى إليها
~~ملك الأرحام فيخلق ms05639 على يده لحمها ودمها وشعرها وبشرها ثم يقول سبحانه صور
~~فيقول: يا رب أصور أزائد أم ناقص أذكر أم أنثى أجميل أم ذميم أجعد أم سبط
~~أقصير أم طويل أأبيض أم آدم أسوي أم غير سوي / فيكتب من ذلك ما يأمر الله
~~تعالى به ثم يقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فإن كان سعيدا نفخ فيه بالسعادة
~~في آخر أجله وإن كان شقيا نفخ فيه بالشقاوة في آخر أجله ثم يقول اكتب
~~أثرها ورزقها ومصيبتها وعملها بالطاعة والمعصية فيكتب من ذلك ما يأمره
~~الله تعالى ثم يقول الملك: يا رب ما أصنع بهذا الكتاب فيقول سبحانه علقه
~~في عنقه إلى قضائي عليه "

# فذلك قوله تعالى: { وكل إنسن ألزمنه طئره فى
~~عنقه }. ولا يخفى أن الظاهر من هذا الخبر أن ذكر العنق ليس للتصوير
~~المذكور وأن الطائر عبارة عن الكتاب الذي كتب فيه ما كتب. وأخرج ابن أبي
~~شيبة وابن المنذر عن أنس أنه فسره بذلك صريحا، وباب المجاز واسع، ونحن
~~نؤمن بالحديث إذا صح ونفوض كيفية ما دل عليه إلى اللطيف الخبير جل جلاله.
~~والظاهر منه أيضا عدم تقييد الإنسان بالمكلف، ويؤيد ذلك ما أخرجه أبو
~~داود في كتاب القدر وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد أنه
~~قال في الآية: «ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو
~~سعيد». وآخر الآية ظاهر في التقييد. وقرأ مجاهد والحسن وأبو رجاء { طيره
~~} وقرىء { عنقه } بسكون النون.

# { ونخرج له يوم القيمة } والبعث للحساب { كتبا }
~~هي صحيفة عمله، ونصبه على أنه مفعول { نخرج } وجوز أن يكون حالا من
~~مفعول لنخرج محذوف وهو ضمير عائد على الطائر أي نخرجه له حال كونه
~~كتابا. ويعضد ذلك قراءة يعقوب ومجاهد وابن محيصن { ويخرج } بالياء
~~مبنيا للفاعل من خرج يخرج ونصب { كتبا } فإن فاعله حينئذ ضمير
~~الطائر وكتابا حال منه والأصل توافق القراءتين، وكذا قراءة أبي جعفر {
~~ويخرج } بالياء مبنيا للمفعول من أخرج ونصب { كتبا } أيضا، ووجه
~~كونها عاضدة أن في ms05640 يخرج حينئذ ضميرا مستترا هو ضمير الطائر وقد كان
~~مفعولا، واحتمال أن يكون { له } نائب الفاعل فلا تعضد لا يلتفت إليه
~~لأن إقامة غير المفعول مع وجوده مقام الفاعل ضعيفة وليس ثمت ما يكون
~~كتابا حالا منه فيتعين ما ذكر كما قاله ابن يعيش في «شرح المفصل»، وعنه
~~أيضا أنه قرىء { يخرج } بالبناء للمفعول أيضا ورفع { كتاب } على أنه
~~نائب الفاعل وقرأ الحسن { يخرج } بالبناء للفاعل من الخروج ورفع { كتاب }
~~على الفاعلية، وقرأت فرقة { ويخرج } بالياء من الإخراج مبنيا للفاعل وهو
~~ضمير الله تعالى وفيه التفات من التكلم إلى الغيبة. وأخرج أبو عبيد وابن
~~المنذر عن هرون قال في قراءة أبي بن كعب { وكل إنسان ألزمناه طائره في
~~عنقه يقرأه يوم القيامة كتابا }  { يلقيه } أي يلقي الإنسان أو
~~يلقاه الإنسان { منشورا } غير مطوي لتمكن قراءته، وفيه إشارة إلى أن
~~ذلك أمر مهيء له غير مغفول عنه، وجملة { يلقه } صفة (كتابا) و {
~~منشورا } حال من ضميره، وجوز أن يكونا صفتين له، وفيه تقدم الوصف
~~بالجملة على الوصف بالمفرد وهو خلاف الظاهر. وقرأ ابن عامر وأبو جعفر
~~والجحدري والحسن بخلاف عنه { يلقاه } بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف
~~من لقيته كذا أي يلقى الإنسان إياه. وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه قال: يا
~~ابن آدم بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن
~~شمالك حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك في قبرك حتى تجيء يوم
~~القيامة فتخرج لك.

### || [17.14]

# { اقرأ كتبك } بتقدير يقال له ذلك، وهذه الجملة إما صفة أو حال
~~أو مستأنفة، والظاهر أن جملة / قوله تعالى: { كفى بنفسك
~~اليوم عليك حسيبا } من جملة مقول القول المقدر. و { كفى }
~~فعل ماض و { بنفسك } فاعله والباء سيف خطيب وجاء إسقاطها ورفع الاسم
~~كما في قوله:

# كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا

# وقوله:

# ويخبرني عن غائب المرء هديه

# كفى الهدى عما غيب المرء مخبرا

# ولم تلحق الفعل علامة التأنيث وإن كان مثله تلحقه كقوله تعالى:

# ما ءامنت قبلهم ms05641 من قرية

# [الأنبياء: 6]

# وما تأتيهم من ءاية

# [الأنعام: 4] قيل لأن الفاعل مؤنث مجازي ولا يشفي الغليل لأن فاعل ما
~~ذكر من الأفعال مؤنث مجازي مجرور بحرف زائد أيضا وقد لحق فعله علامة
~~التأنيث وغاية الأمر في مثل ذلك جواز الإلحاق وعدمه ولم يحفظ كما في
~~«البحر» الإلحاق في كفى إذا كان الفاعل مؤنثا مجرورا بالباء الزائدة،
~~ومن هنا قيل إن فاعل { كفى } ضمير يعود على الاكتفاء أي كفى هو أي
~~الاكتفاء بنفسك، وقيل هو اسم فعل بمعنى اكتف والفاعل ضمير المخاطب والباء
~~على القولين ليست بزائدة، ومرضى الجمهور ما قدمناه، والتزام التذكير
~~عندهم على خلاف القياس. ووجه بعضهم ذلك بكثرة جر الفاعل بالباء الزائدة
~~حتى أن إسقاطها منه لا يوجد إلا في أمثلة معدودة فانحطت رتبته عن رتبة
~~الفاعلين فلم يؤنث الفعل له، وهذا نحو ما قيل في مر بهند وقيل غير ذلك. و
~~{ اليوم } ظرف لكفى و { حسيبا } تمييز كقوله تعالى:

# وحسن أولئك رفيقا

# [النساء: 69] وقولهم: لله تعالى دره فارسا، وقيل: حال و { عليك }
~~متعلق به قدم لرعاية الفواصل وعدي بعلى لأنه بمعنى الحاسب والعاد وهو
~~يتعدى بعلى كما تقول عدد عليه قبائحه، وجاء فعيل الصفة من فعل يفعل بكسر
~~العين في المضارع كالصريم بمعنى الصارم وضريب القداح بمعنى ضاربها إلا
~~أنه قليل أو بمعنى الكافي فتجوز به عن معنى الشهيد لأنه يكفي المدعي ما
~~أهمه فعدي بعلى كما يعدى الشهيد، وقيل هو بمعنى الكافي من غير تجوز لكنه
~~عدي تعدية الشهيد للزوم معناه له كما في أسد علي، وهو تكلف بارد، وتذكيره
~~وهو فعيل بمعنى فاعل وصف للنفس المؤنثة معنى لأن الحساب والشهادة مما
~~يغلب في الرجال فأجرى ذلك على أغلب أحواله فكأنه قيل كفى بنفسك رجلا
~~حسيبا أو لأن النفس مؤولة بالشخص كما يقال ثلاثة أنفس أو لأن فعيل
~~المذكور محمول على فعيل بمعنى فاعل والظاهر أن المراد بالنفس الذات فكأنه
~~قيل كفى بك حسيبا عليك. وجعل بعضهم في ذلك تجريدا فقيل: إنه غلط فاحش.
~~وتعقب بأن ms05642 فيه بحثا فإن الشاهد يغاير المشهود عليه فإن اعتبر كون الشخص
~~في تلك الحال كأنه شخص آخر كان تجريدا لكنه لا يتعلق به غرض هنا.

# وعن مقاتل أن المراد بالنفس الجوارح فإنها تشهد على العبد إذا أنكر وهو
~~خلاف الظاهر. وعن الحسن أنه كان إذا قرأ الآية قال: يا ابن آدم أنصفك
~~والله من جعلك حسيب نفسك. والظاهر أنه يقال ذلك للمؤمن والكافر، وما
~~أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي من أن الكافر يخرج له يوم القيامة كتاب
~~فيقول: رب إنك قضيت أنك لست بظلام للعبيد فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له: {
~~اقرأ كتبك كفى بنفسك } الآية لا يدل على أنه خاص
~~بالكافر كما لا يخفى. ويقرأ في ذلك اليوم - كما روي عن قتادة - من لم يكن
~~قارئا في الدنيا. وجاء أن المؤمن يقرأ أولا سيآته وحسناته في ظهر كتابه
~~يراها أهل الموقف ولا يراها هو فيغبطونه عليها فإذا استوفى قراءة السيآت
~~وظن أنه قد هلك رأى في آخرها هذه سيآتك قد غفرناها لك فيتبلج وجهه ويعظم
~~سروره ثم يقرأ حسناته فيزداد نورا وينقلب إلى أهله مسرورا ويقول

# هآؤم اقرؤا كتابيه * إني ظننت أني ملاق
~~حسابيه

# [الحاقة: 19-20]. وأما الكافر فيقرأ أولا حسناته وسيآته في ظهر كتابه
~~يراها أهل الموقف فيتعوذون من ذلك فإذا استوفى قراءة / الحسنات وجد في
~~آخرها هذه حسناتك قد رددناها عليك وذلك قوله تعالى:

# وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء
~~منثورا

# [الفرقان: 23] فيسود وجهه ويعظم كربه ثم يقرأ سيآته فيزداد بلاء على
~~بلاء وينقلب بمزيد خيبة وشقاء ويقول

# يليتنى لم أوت كتبيه * ولم أدر ما حسابيه

# [الحاقة: 25-26] جعلنا الله تعالى ممن يقرأ فيرقى لا ممن يقرأ فيشقى
~~بمنه وكرمه.

# هذا وفسر بعضهم الكتاب بالنفس المنتقشة بآثار الأعمال ونشره وقراءته
~~بظهور ذلك له ولغيره، وبيانه أن ما يصدر عن الإنسان خيرا أو شرا يحصل
~~منه في الروح أثر مخصوص وهو خفي ما دامت متعلقة بالبدن مشتغلة بواردات
~~الحواس والقوى فإذا انقطعت علاقتها قامت قيامته لانكشاف ms05643 الغطاء باتصالها
~~بالعالم العلوي فيظهر في لوح النفس نقش أثر كل ما عمله في عمره وهو معنى
~~الكتابة والقراءة، ولا يخفى أن هذا منزع صوفي حكمي بعيد من الظهور قريب
~~من البطون، وفيه حمل القيامة على القيامة الصغرى وهو خلاف الظاهر أيضا،
~~والروايات ناطقة بما يفهم من ظاهر الآية نعم ليس فيها نفي انتقاش النفس
~~بآثار الأعمال وظهور ذلك يوم القيامة فلا مانع من القول بالأمرين، ومن
~~هنا قال الإمام: «إن الحق أن الأحوال الظاهرة التي وردت فيها الروايات حق
~~وصدق لا مرية فيها واحتمال الآية لهذه المعاني الروحانية ظاهر أيضا
~~والمنهج القويم والصراط المستقيم هو الإقرار بالكل» ونعم ما قال غير أن
~~كون ذلك الاحتمال ظاهرا غير ظاهر. وقال الخفاجي: ليس في هذا ما يخالف
~~النقل وقد حمل عليه ما روي عن قتادة من أنه يقرأ في ذلك اليوم من لم يكن
~~قارئا ولا وجه لعده مؤيدا له، وأنت تعلم أن حمل كلام قتادة على ذلك
~~تأويل أيضا ولعل قتادة وأمثاله من سلف الأمة لا يخطر لهم أمثال هذه
~~التأويلات ببال والكلام العربي كالجمل الأنوف والله تعالى أعلم بحقائق
~~الأمور.

# وفي كيفية النظم ثلاثة أوجه ذكرها الإمام «الأول: أنه تعالى لما قال:

# وكل شىء فصلناه تفصيلا

# [الإسراء: 12] تضمن أن كل ما يحتاج إليه من دلائل التوحيد والنبوة
~~والمعاد قد صار مذكورا... وإذا كان كذلك فقد أزيحت الأعذار وأزيلت العلل
~~فلا جرم كل من ورد عرصة القيامة فقد ألزمناه طائره في عنقه، الثاني: أنه
~~تعالى لما بين أنه سبحانه أوصل إلى الخلق أصناف الأشياء النافعة لهم في
~~الدين والدنيا مثل آيتي الليل والنهار وغيرهما فكأنه كان منعما عليهم
~~بوجوه النعم وذلك يقتضي وجوب اشتغالهم بخدمته تعالى وطاعته فلا جرم كل من
~~ورد عرصة القيامة يكون مسئولا عن أقواله وأعماله، الثالث: أنه تعالى بين
~~أنه ما خلق الخلق إلا لعبادته كما قال

# وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

# [الذاريات: 56] فلما شرح أحوال الشمس والقمر والنهار والليل كان [المعنى
~~أني] إنما خلقت ms05644 هذه الأشياء لتنتفعوا بها فتصيروا متمكنين من الاشتغال
~~بطاعتي وإذا كان كذلك فكل من ورد عرصة القيامة سألته هل أتى بتلك الطاعة
~~أو تمرد وعصى» اه. وقد يقال وجه الربط أن فيما تقدم شرح حال كتاب الله
~~تعالى المتضمن بيان النافع والضار من الأعمال وفي هذا شرح حال كتاب العبد
~~الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من تلك الأعمال إلا أحصاها وحسنه وقبحه
~~تباع للأخذ بما في الكتاب الأول وعدمه فمن أخذ به فقد هدي ومن أعرض عنه
~~فقد غوى.

### || [17.15]

# وقوله تعالى: { من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه } فذلكة
~~لما تقدم من كون القرآن هاديا للتي هي أقوم وللزوم الأعمال لأصحابها أي
~~من اهتدى بهدايته وعمل بما في تضاعيفه من الأحكام وانتهى عما نهاه عنه
~~فإنما تعود منفعة الاهتداء به إلى نفسه لا تتخطاه إلى غيره ممن لم يهتد {
~~ومن ضل } عما يهتديه إليه { فإنما يضل عليها } أي
~~فإنما وبال ضلاله / عليها لا على من لم يباشره حتى يمكن مفارقة العمل
~~صاحبه.

# { ولا تزر وازرة وزر أخرى } تأكيد للجملة الثانية أي لا
~~تحمل نفس حاملة للوزر وزر نفس أخرى حتى يمكن تخلص النفس الثانية عن وزرها
~~ويختل ما بين العامل وعمله من التلازم، وخص التأكيد بالجملة الثانية
~~قطعا للأطماع الفارغة حيث كانوا يزعمون أنهم إن لم يكونوا على الحق
~~فالتبعة على أسلافهم الذين قلدوهم. وروي عن ابن عباس أنها نزلت في الوليد
~~بن المغيرة لما قال: اكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وعلي أوزاركم
~~«ولا ينافي هذه الآية ما يدل عليه قوله تعالى:

# من يشفع شفعة حسنة يكن له نصيب منها ومن
~~يشفع شفعة سيئة يكن له كفل منها

# [النساء: 85] وقوله تعالى:

# ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيمة ومن
~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم

# [النحل: 25] من حمل الغير وزر الغير وانتفاعه بحسنته وتضرره بسيئته لأنه
~~في الحقيقة انتفاع بحسنة نفسه وتضرر بسيئته فإن جزاء الحسنة والسيئة
~~اللتين يعملهما العامل لازم له وإنما يصل إلى من يشفع جزاء شفاعته لا
~~جزاء أصل ms05645 الحسنة والسيئة وكذلك جزاء الضلال مقصور على الضالين ومايحمله
~~المضلون إنما هو جزاء الإضلال لا جزاء الضلال» قاله شيخ الإسلام.

# ولهذه الآية طعنت عائشة رضي الله تعالى عنها في صحة خبر ابن عمر رضي
~~الله تعالى عنهما أن صلى الله عليه وسلم قال:

# " إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه "

# فإن فيه أخذ الإنسان بجرم غيره وهو خلاف ما نطقت به الآية. وأجيب بأن
~~الحديث محمول على ما إذا أوصى الميت بذلك فيكون ذلك التعذيب من قبيل جزاء
~~الإضلال، وقيل: المراد بالميت المحتضر مجازا وبالتعذيب التعذيب في
~~الدنيا أي أن المحتضر يتأمل ببكاء أهله عليه فلا ينبغي أن يبكوا، ولهذا
~~أيضا منع جماعة من قدماء الفقهاء صرف الدية على العاقلة لما فيه من
~~مؤاخذة الإنسان بفعل غيره، وأجيب بأن ذلك تكليف واقع على سبيل الابتداء
~~وإلا فالمخطىء نفسه ليس بمؤاخذ على ذلك الفعل فكيف يؤاخذ غيره عليه.

# واستدل بها الجبائي على أن أطفال المشركين لا يعذبون وإلا كانوا مؤاخذين
~~بذنب آبائهم وهو خلاف ظاهر الآية، وزعم بعضهم أنها نزلت فيهم وليس بصحيح،
~~نعم أخرج ابن عبد البر في «التمهيد» بسند ضعيف عن عائشة قالت:

# " سألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال: هم
~~من آبائهم ثم سألته بعد ذلك فقال: الله تعالى أعلم بما كانوا عاملين ثم
~~سألته بعدما استحكم الإسلام فنزلت { ولا تزر وازرة وزر أخرى } فقال: هم
~~على الفطرة أو قال في الجنة "

# ، والمسألة خلافية وفيها مذاهب فقال الأكثرون: هم في النار تبعا
~~لآبائهم واستدل لذلك بما أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول»

# " عن عائشة أيضا قالت «سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ولدان
~~المسلمين أين هم؟ قال: في الجنة وسألته عن ولدان المشركين أين هم؟ قال في
~~النار قلت: يا رسول الله لم يدركوا الأعمال ولم تجر عليهم الأقلام قال:
~~وربك أعلم بما كانوا عاملين والذي نفسي بيده إن شئت أسمعتك تضاغيهم في
~~النار "

# ، وفيه أن هذا الخبر قد ضعفه ابن عبد البر ms05646 فلا يحتج به، نعم صح أنه صلى
~~الله عليه وسلم سئل عن أولاد المشركين فقال: الله تعالى أعلم بما كانوا
~~عاملين وليس فيه تصريح بأنهم في النار وحقيقة لفظه «الله تعالى أعلم بما
~~كانوا عاملين لو بلغوا» ولم يبلغوا والتكليف لا يكون إلا بالبلوغ. وأخرج
~~الشيخان وأصحاب «السنن» وغيرهم

# " عن ابن عباس قال: حدثني الصعب بن جثامة قلت: يا رسول الله أنا نصيب في
~~البيات من ذراري المشركين، قال: هم منهم "

# وهو عند المخالفين محمول على أنهم منهم في الأحكام / الدنيوية
~~كالاسترقاق.

# وتوقفت طائفة فيهم ومن هؤلاء أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، وقيل: فيهم
~~من يدخل الجنة ومن يدخل النار لما أخرج الحكيم الترمذي في «النوادر» عن
~~عبد الله بن شداد

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فسأله عن ذراري المشركين
~~الذين هلكوا صغارا فوضع رأسه ساعة ثم قال: أين السائل؟ فقال: ها أنذا يا
~~رسول الله فقال: إن الله تبارك وتعالى إذا قضى بين أهل الجنة والنار ولم
~~يبقى غيرهم عجوا فقالوا: اللهم ربنا لم تأتنا رسلك ولم نعلم شيئا فأرسل
~~إليهم ملكا والله تعالى أعلم بما كانوا عاملين فقال: إني رسول ربكم
~~إليكم فانطلقوا فاتبعوا حتى أتوا النار فقال إن الله تعالى يأمركم أن
~~تفتحموا فيها فاقتحمت طائفة منهم ثم خرجوا من حيث لا يشعر أصحابهم فجعلوا
~~في السابقين المقربين ثم جاءهم الرسول فقال إن الله تعالى يأمركم أن
~~تقتحموا في النار فاقتحمت طائفة أخرى ثم أخرجوا من حيث لا يشعرون فجعلوا
~~في أصحاب اليمين ثم جاء الرسول فقال: إن الله تعالى يأمركم أن تقتحموا في
~~النار فقالوا: ربنا لا طاقة لنا بعذابك فأمر بهم فجمعت نواصيهم وأقدامهم
~~ثم ألقوا في النار "

# وذهب المحققون إلى أنهم من أهل الجنة وهو الصحيح ويستدل له بأشياء منها
~~الآية على ما سمعت عن الجبائي، ومنها حديث إبراهيم الخليل عليه السلام

# " حين رآه النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة وحوله أولاد الناس قالوا:
~~يا رسول الله وأولاد ms05647 المشركين قال: وأولاد المشركين "

# رواه البخاري في «صحيحه»، ومنها ما أخرجه الحكيم الترمذي أيضا في
~~«النوادر». وابن عبد البر عن أنس قال:

# " سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال: هم خدام
~~أهل الجنة "

# ، ومنها الآية الآتية حيث أفادت أن لا تعذيب قبل التكليف ولا يتوجه على
~~المولود التكليف ويلزمه قول الرسول عليه الصلاة والسلام حتى يبلغ، ولم
~~يخالف أحد في أن أولاد المسلمين في الجنة إلا بعض من لا يعتد به فإنه
~~توقف فيهم

# " لحديث عائشة توفى صبي من الأنصار فقلت: طوبى له عصفور من عصافير
~~الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه فقال صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك يا
~~عائشة إن الله تعالى خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق
~~للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم "

# وأجاب العلماء عنه بأنه لعله عليه الصلاة والسلام نهاها عن المسارعة إلى
~~القطع من غير أن يكون لها دليل قاطع كما أنكر على سعد بن أبي وقاص في
~~قوله: «اعطه إني لأراه مؤمنا قال أو مسلما» الحديث، ويحتمل أنه صلى
~~الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة فلما علم
~~قال ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله
~~تعالى الجنة بفضله ورحمته إياهم "

# إلى غير ذلك من الأحاديث، وقال القاضي: دلت الآية على أن الوزر ليس من
~~فعله تعالى لأنه لو كان كذلك لامتنع أن يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر
~~غيره ولأنه كان يجب ارتفاع الوزر أصلا لأن الوازر إنما يوصف بذلك إذا
~~كان مختارا يمكنه التحرز ولهذا المعنى لا يوصف الصبي بذلك، وأنت تعلم
~~أن هذا إنما ينتهض على الجبرية لا على الجماعة القائلين لا جبر ولا
~~تفويض.

# { وما كنا معذبين } بيان للعناية الربانية إثر بيان اختصاص
~~آثار الهداية والضلال بأصحابها وعدم حرمان المهتدي من ثمرات هدايته وعدم
~~مؤاخذة النفس بجناية ms05648 غيرها أي وما صح وما استقام منا بل استحال في سنتنا
~~المبنية على الحكم البالغة أو ما كان في حكمنا الماضي وقضائنا السابق أن
~~نعذب أحدا بنوع ما من العذاب دنيويا كان أو أخرويا على فعل شيء أو ترك
~~شيء أصليا كان أو فرعيا { حتى نبعث } إليه { رسولا } يهدي
~~إلى الحق ويردع عن الضلال ويقيم الحجج ويمهد الشرائع أو حتى نبعث /
~~رسولا كذلك تبلغه دعوته سواء كان مبعوثا إليه أم لا على ما ستعلمه إن
~~شاء الله تعالى من الخلاف.

# وهذا غاية لعدم صحة وقوع العذاب في وقته المقدر له لا لعدم وقوعه مطلقا
~~كيف والأخروي لا يمكن وقوعه عقيب البعث والدنيوي لا يحصل إلا بعد تحقق ما
~~يوجب من الفسق والعصيان، ألا يرى إلى قوم نوح عليه السلام كيف تأخر عنهم
~~ما حل بهم زهاء ألف سنة.

# وألزم المعتزلة القائلون بالوجوب العقلي قبل البعثة بهذه الآية لأنه
~~تعالى نفى فيها التعذيب مطلقا قبل البعثة وهو من لوازم الوجوب بشرط ترك
~~الواجب عندهم إذ لا يجوزون العفو فينتفي الوجوب قبل البعثة لانتفاء
~~لازمه، ومحصوله أنه لو كان وجوب عقلي لثبت قبل البعثة ولا شبهة في أن
~~العقلاء كانوا يتركون الواجبات حينئذ فيلزم أن يكونوا معذبين قبلها وهو
~~باطل للآية. وتعقب بأنه إنما يتم إذا أريد بالعذاب ما يشمل الدنيوي
~~والأخروي كما أشير إليه لكن المناسب لما بعد أن يراد عذاب الاستئصال في
~~الدنيا ولا يلزم من انتفاء العذاب الدنيوي قبل البعث انتفاء الوجوب لأن
~~لازم الوجوب عندهم هو العذاب الأخروي. وأجيب بعد تسليم أن المناسب لما
~~بعد أن يراد العذاب الدنيوي بأن الآية لما دلت على أنه لا يليق بحكمته
~~إيصال العذاب الأدنى على ترك الواجب قبل التنبيه ببعثة الرسول فدلالتها
~~على عدم إيصال العذاب الأكبر على تركه قبل ذلك أولى.

# وأورد الأصفهاني في «شرح المحصول» على من استدل بالآية على نفي الوجوب
~~العقلي قبل البعثة أمورا، الأول: أن المراد بالرسول فيها العقل، الثاني:
~~أنا سلمنا أن المراد النبي المرسل ms05649 لكن الآية دلت على نفي تعذيب المباشرة
~~قبل البعثة ولا يلزم منه نفي مطلق التعذيب. الثالث: أنا سلمنا ذلك لكن
~~ليس في الآية دلالة على نفي التعذيب قبلها عن كل الذنوب. الرابع: أنا
~~سلمنا الدلالة لكن لا يلزم من نفي المؤاخذة انتفاء الاستحقاق لجواز سقوط
~~المؤاخذة بالمغفرة، ثم أجاب عن الأول بأن حقيقة الرسول هو النبي المرسل
~~والأصل في الكلام الحقيقة، وعن الثاني بأن من شأن عظيم القدر التعبير عن
~~نفي التعذيب مطلقا بنفي المباشرة، وعن الثالث بما أشرنا إليه من أن
~~تقدير الكلام وما كنا معذبين أحدا ويلزم من ذلك انتفاء تعذيب كل واحد من
~~الناس وذلك هو المطلوب لأن الخصم لا يقول به. وعن الرابع بأن الآية تدل
~~على انتفاء التعذيب قبل البعثة وانتفاؤه قبلها ظاهرا يدل على عدم الوجوب
~~قبلها فمن ادعى أن الوجوب ثابت وقد وقع التجاوز بالمغفرة فعليه البيان
~~اه.

# وأنت تعلم أنه إذا كان الاستدلال إلزاميا كما قال به غير واحد لا يرد
~~الأمر الرابع أصلا لأن المعتزلة لا يجوزون العفو عن تارك الواجب العقلي
~~وقد أشرنا إلى ذلك، نعم قال المراغي في «شرح منهاج الأصول» للقاضي: لا
~~حاجة إلى جعل الدليل إلزاميا بل يجوز إتمامه على تقدير جواز العفو أيضا
~~بأن يقال وقوع العذاب وإن لم يكن لازما للوجوب لكن عدم الأمن من وقوعه
~~لازم له ضرورة إذ يجوز العقاب على ترك الواجب عندنا وإن لم يجب وهذا
~~اللازم أعني عدم الأمن منتف لدلالة الآية على عدم وقوعه فينتفي الملزوم.

# ورد ذلك أولا بمنع أن عدم الأمن من وقوع العذاب من لوازم ترك الواجب
~~مطلقا بل عدم الأمن إذا لم يتيقن عدم وقوع العذاب بدليل آخر، وأما
~~ثانيا فبأن انتفاء عدم الأمن إنما هو بالآية إذ قبل ورودها كان العقاب
~~جائزا ولا شك أن انتفاءه بها انتفاء بالعفو لأن معنى العفو عدم العقاب
~~والآية تدل عليه فلم يتم الدليل على تقدير جواز العفو وهو كما ترى، وقيل:
~~نجعل اللازم جواز العقاب فيتم الدليل ms05650 تحقيقا لأن جواز العفو / لا ينافي
~~جواز العقاب. ورد بأن الملازمة القائلة بأنه لو كان الوجوب ثابتا قبل
~~الشرع لعذب تارك الواجب وإن كانت مسلمة حينئذ لكن بطلان التالي ممنوع لأن
~~الآية إنما تدل على نفي وقوع العذاب لا على نفي جوازه. وفيه أن معنى {
~~ما كنا معذبين } ما سمعت وهو يدل على نفي الجواز، وقد كثر
~~استعمال هذا التركيب في ذلك كقوله تعالى:

# وما كنا ظلمين

# [الشعراء: 209]

# وما كنا غآئبين

# [الأعراف: 7] إلى غير ذلك ولو أريد نفي الوقوع لقيل وما نعذب حتى نبعث
~~رسولا.

# وضعف الإمام الاستدلال بالآية بأنه «لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت
~~الوجوب الشرعي البتة وهذا باطل فذاك باطل قال: بيان الملازمة من وجوه،
~~أحدها: أنه إذا جاء الشارع وادعى كونه نبيا من عند الله تعالى وأظهر
~~المعجزة فهل يجب على المستمع استماع قوله والتأمل في معجزته أو لا يجب؟
~~فإن لم يجب فقد بطل القول بالنبوة وإن وجب فإما أن يجب بالشرع أو بالعقل
~~فإن وجب بالعقل فقد ثبت الوجوب العقلي وإن وجب بالشرع فهو باطل لأن ذلك
~~الشارع إما أن يكون هو ذلك المدعي أو غيره والأول باطل لأنه يرجع حاصل
~~الكلام إلى أن يقول ذلك الرجل الدليل على أنه يجب قبول قولي أني أقول يجب
~~قبول قولي وهذا إثبات للشيء بنفسه، وإن كان غيره كان الكلام فيه كما في
~~الأول ولزم إما الدور أو التسلسل وهما محالان، وثانيها: أن الشرع إذا جاء
~~وأوجب بعض الأفعال وحرم بعضها فلا معنى للإيجاب والتحريم إلا أن يقول لو
~~تركت كذا أو فعلت كذا لعاقبتك، فنقول: إما أن يجب عليه الاحتراز عن
~~العقاب أو لا يجب فإن لم يجب لم يتقرر معنى الوجوب البتة [وهذا باطل فذاك
~~باطل] وإن وجب فإما أن يجب بالعقل أو بالسمع فإن وجب بالعقل فهو المقصود
~~وإن وجب بالسمع لم يتقرر معنى الوجوب إلا بسبب ترتيب العقاب عليه وحينئذ
~~يعود التقسيم الأول ويلزم التسلسل وهو محال.

# وثالثها: أن مذهب أهل السنة ms05651 أنه يجوز من الله تعالى العفو عن العقاب على
~~ترك الواجب وإذا كان كذلك كانت ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب فلم يبق
~~إلا أن يقال: إن ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب وهذا
~~الخوف حاصل بمحض العقل فثبت أن ماهية الوجوب إنما تحصل بسبب هذا الخوف
~~وإن هذا الخوف حاصل بمجرد العقل فلزم أن يقال: الوجوب حاصل بمجرد العقل،
~~فإن قالوا: ماهية الوجوب إنما تقرر بسبب حصول الذم، قلنا: إنه تعالى إذا
~~عفا فقد سقط الذم فعلى هذا ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من
~~الذم وذلك حاصل بمحض العقل فثبت بهذه الوجوه أن الوجوب العقلي لا يمكن
~~دفعه» اه.

# وتعقبه العبادي بأنه يمكن الجواب عن الأول بأنه إذا أظهر المعجزة على
~~دعواه أنه رسول ثبت صدقه كما تقرر في محله فيجب قبول قوله في كل ما يخبر
~~عن الله تعالى من غير لزوم محذور من إثبات الشيء بنفسه أو الدور أو
~~التسلسل، وإن كان ثبوت ما أخبر بالشرع بمعنى أن ثبوته بإخبار من ثبتت
~~رسالته بالمعجزة عن الله تعالى بذلك وليس حاصل الكلام على هذا أنه يقول:
~~الدليل على أنه يجب قبول قولي أني أقول يجب [قبول] قولي حتى يلزم ما يلزم
~~بل حاصله أنه يقول: يجب قبول قولي لأنه ثبت أني رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم تعالى فيجب صدقي وتصديقي في كل ما أدعيه، وليس في هذا شيء من
~~المحاذير السابقة، وقد صرح السيد السند في «شرح المواقف» بأنه يثبت
~~الشرع وتجب المتابعة بمجرد دعوى الرسالة مع اقتران المعجزة وتمكن المبعوث
~~إليه العاقل من النظر وإن لم ينظر، وذكر أنه حينئذ لا يجوز للمكلف
~~الاستمهال ولو استمهل لم يجب الإمهال لجريان العادة بإيجاب العلم عقيب
~~النظر الذي هو متمكن منه فعلم أنه بمجرد دعوى الرسالة مع ما ذكر يثبت
~~الوجوب بأخباره / وهو ثبوت الشرع لأن معنى الثبوت به هو الثبوت بالإخبار
~~عن الله تعالى حقيقة أو حكما وعلى هذا لا يتأتى الترديد ms05652 الذي ذكره بقوله
~~لأن ذلك الشرع إما أن يكون الخ فليتأمل. وعن الثاني بأن وجوب الاحتراز عن
~~العقاب ليس أمرا أجنبيا عن وجوب كذا حتى يتوجه عليه الترديد الذي ذكره
~~بل هو نفس وجوب كذا أو لازمه إذ الاحتراز ليس إلا بالإتيان بكذا الذي هو
~~الواجب فوجوب الاحتراز إما وجوب كذا أو لازمه فوجوبه بوجوبه فلا يلزم
~~الترديد المذكور، وعن الثالث بأنه إن أراد بقوله إن ماهية الواجب إنما
~~تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب أن حصول الواجب في الخارج بالإتيان به
~~إنما هو بسبب حصول الخوف فليس الكلام فيه ومع ذلك إنا لا نسلم أن الإتيان
~~بالواجب متوقف على حصول الخوف وإن أراد أن تحقق وجوب الواجب أي تعلق
~~وجوبه بالمكلف الذي هو التكليف التنجيزي متوقف على حصول الخوف المذكور
~~فهو ممنوع كما هو ظاهر اه فتدبر.

# وأنت تعلم أن الاستدلال بالآية على تقدير تمامه لا يختص بالمعتزلة بل
~~يشاركهم في ذلك أحد فريقي الحنفية من أهل السنة وهم الماتريدية وعامة
~~مشايخ سمرقند لأنهم وإن لم يقولوا كالمعتزلة بأن العقل حاكم بالحسن
~~والقبح اللذين أثبتوها جميعا لكنهم قالوا: إن العقل آلة للعلم بهما
~~فيخلقه الله تعالى عقيب نظر العقل نظرا صحيحا وأوجبوا الإيمان بالله
~~تعالى وتعظيمه وحرموا نسبة ما هو شنيع إليه سبحانه حتى روي عن أبي حنيفة
~~رضي الله تعالى عنه أنه قال: لو لم يبعث الله تعالى رسولا لوجب على
~~الخلق معرفته، وقد صرح غير واحد من علمائهم بأن العقل حجة من حجج الله
~~تعالى ويجب الاستدلال به قبل ورود الشرع، واحتجوا في ذلك بما أخبر الله
~~تعالى به عن إبراهيم عليه السلام من قوله لأبيه وقومه

# إنى أراك وقومك فى ضلل مبين

# [الأنعام: 74] حيث قال ذلك ولم يقل أوحى إلي ومن استدلاله بالنجوم
~~ومعرفة الله تعالى بها وجعلها حجة على قومه وكذاك كل الرسل حاجوا قومهم
~~بحجج العقل كما ينبىء عنه قوله تعالى:

# قالت رسلهم أفى الله شك فاطر السموات
~~والأرض

# [إبراهيم: 10] الآية وبقوله تعالى:

# ومن ms05653 يدع مع الله إلها ءاخر لا برهان له به

# [المؤمنون: 117] الآية حيث لم يقل ومن يدع مع الله إلها آخر بعدما
~~أوحى إليه أو بلغته الدعوة وبقوله سبحانه خبرا عن أهل النار

# وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في
~~أصحاب السعير

# [الملك: 10] حيث أخبروا أنهم صاروا في النار لتركهم الانتفاع بالسمع
~~والعقل.

# وفيه أنهم لو انتفعوا بالعقول في معرفة الصانع قبل ورود الشرع لم يصيروا
~~في النار وبأن الحجج السمعية لم تكن حججا إلا باستدلال عقلي، وبأن
~~المعجزة بعد الدعوة لا تعرف إلا بدليل عقلي وآيات الأنفس والآفاق أدل على
~~الصانع من دلالة المعجزة على أنها من الله تعالى فلما كان بالعقل كفاية
~~معرفة المعجزة كان به كفاية معرفة الله تعالى من طريق الأولى، وبأن دعاء
~~جميع الكفرة إلى دين الإسلام واجب على الأمة ومعلوم أن الدهرية لا يحتج
~~عليهم بكلام الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام فلم يبق إلا حجج
~~العقول إلى غير ذلك، وحينئذ يقال لهم: لو وجب على الخلق معرفة الله تعالى
~~والإيمان به قبل بعثة رسول لزم تعذيب الكافر قبلها لإخباره تعالى بأنه لا
~~يغفر الشرك به وقد نفى التعذيب في الآية فلا وجوب ضرورة انتفاء الملزوم
~~بانتفاء اللازم على نهج ما فعل مع المعتزلة.

# والإمام الرازي بعد أن ضعف الاستدلال بالآية وأثبت الوجوب العقلي ذكر في
~~الآية وجهين، الأول: حمل الرسول على العقل، والثاني: تخصيص العموم بأن
~~يقال المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى / معرفتها إلا
~~بالشرع إلا بعد مجيء الشرع ثم قال: والذي نرتضيه ونذهب إليه أن مجرد
~~العقل سبب في أن يجب علينا فعل ماينتفع به وترك ما يتضرر به ويمتنع أن
~~يحكم العقل عليه تعالى بوجوب فعل أو ترك فعل اه. وأنت تعلم ما قيل من
~~حمل الرسول على العقل وهو خلاف استعمال القرآن الكريم، ويبعده توبيخ
~~الخزنة الكفار بقولهم

# أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينت

# [غافر: 50] ولم يقولوا أو لم تكونوا عقلاء، وحمل الرسول فيه ms05654 على العقل
~~مما لا يرتضيه العقل، واعتذر هو عن التخصيص بأنه وإن كان عدولا عن
~~الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه إذا قام الدليل عليه وقد قام بزعمه.

# وأبو منصور الماتريدي ومتبعوه حملوا الآية على نفي تعذيب الاستئصال في
~~الدنيا، وذهب هؤلاء إلى تعذيب أهل الفترة بترك الايمان والتوحيد وهم كل
~~من كان بين رسولين ولم يكن الأول مرسلا إليهم ولا أدركوا الثاني، واعتمد
~~القول بتعذيبهم النووي في «شرح مسلم» فقال: إن من مات في الفترة على ما
~~كانت عليه العرب من عبادة الأوثان في النار وليس في هذا مؤاخذة قبل بلوغ
~~الدعوة فإن هؤلاء كانت بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الرسل عليهم السلام.
~~والظاهر أن النووي يكتفي في وجوب الإيمان على كل أحد ببلوغه دعوة من قبله
~~من الرسل وإن لم يكن مرسلا إليه فلا منافاة بين حكمه بأنهم أهل فترة
~~بالمعنى السابق وحكمه بأن الدعوة بلغتهم خلافا للأبي في زعمه ذلك، نعم
~~إنما تلزم المنافاة لو ادعي أن من تقدمهم من الرسل مرسل إليهم وليس فليس.
~~وإلى ذلك ذهب الحليمي فقال في «منهاجه»: إن العاقل المميز إذا سمع أية
~~دعوة كانت إلى الله تعالى فترك الاستدلال بعقله على صحتها وهو من أهل
~~الاستدلال والنظر كان بذلك معرضا عن الدعوة فكفر ويبعد أن يوجد شخص لم
~~يبلغه خبر أحد من الرسل على كثرتهم وتطاول أزمان دعوتهم ووفور عدد الذين
~~آمنوا بهم واتبعوهم والذين كفروا بهم وخالفوهم فإن الخبر قد يبلغ على
~~لسان المخالف كما يبلغ على لسان الموافق ولو أمكن أن يكون لم يسمع قط
~~بدين ولا دعوة نبي ولا عرف أن في العالم من يثبت إلها ولا نرى أن ذلك
~~يكون فأمره على الاختلاف في أن الإيمان هل يجب بمجرد العقل أو لا بد من
~~انضمام النقل، وهذا صريح في ثبوت تكليف كل أحد بالإيمان بعد وجود دعوة
~~أحد من الرسل وإن لم يكن رسولا إليه، وبالغ بعضهم في اعتماد ذلك حتى
~~قال: فمن بلغته دعوة أحد من ms05655 الرسل عليهم السلام بوجه من الوجوه فقصر في
~~البحث عنها فهو كافر من أهل النار فلا تغتر بقول كثير من الناس بنجاة أهل
~~الفترة مع اخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن آباءهم الذين مضوا في
~~الجاهلية في النار اه.

# والذي عليه الأشاعرة من أهل الكلام والأصول والشافعية من الفقهاء أن أهل
~~الفترة لا يعذبون وأطلقوا القول في ذلك، وقد صح تعذيب جماعة من أهل
~~الفترة. وأجيب بأن أحاديثهم آحاد لا تعارض القطع بعدم التعذيب قبل
~~البعثة، وبأنه يجوز أن يكون تعذيب من صح تعذيبه منهم لأمر مختص به يقتضي
~~ذلك علمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم نظير ما قيل في الحكم
~~بكفر الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام مع صباه، وقيل إن تعذيب هؤلاء
~~المذكورين في الأحاديث مقصور على من غير وبدل من أهل الفترة بما لا يعذر
~~به كعبادة الأوثان / وتغيير الشرائع كما فعل عمرو بن لحي ولا يخفى أن هذا
~~لا يوافق إطلاق هؤلاء الأئمة ولا القول بأنه لا وجوب إلا بالشرع ولو أمكن
~~أن يكون من ثبت تعذيبه من أتباع من بقي شرعه إذ ذاك كعيسى عليه السلام لم
~~يبق إشكال أصلا.

# واستدل بعض من يقول بتعذيبهم مطلقا بما أخرج الحكيم الترمذي في «نوادر
~~الأصول» والطبراني وأبو نعيم عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم قال:

# " يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلا وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيرا
~~فيقول الممسوخ عقلا: يا رب لو آتيتني عقلا ما كان من آتيته عقلا بأسعد
~~بعقله مني ويقول الهالك في الفترة: يا رب لو أتاني منك عهد ما كان من
~~أتاه منك عهد بأسعد بعهدك مني ويقول الهالك صغيرا: يا رب لو آتيتني
~~عمرا ما كان من آتيته عمرا بأسعد بعمره مني فيقول لهم الرب تبارك
~~وتعالى: فاذهبوا فادخلوا جهنم ولو دخلوها ما ضرتهم شيئا فتخرج عليهم
~~قوابص من نار يظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله تعالى من شيء فيرجعون
~~سراعا ويقولون: يا ربنا ms05656 خرجنا وعزتك نريد دخولها فخرجت علينا قوابص من
~~نار ظننا أن قد أهلكت ما خلق الله تعالى من شيء ثم يأمرهم ثانية فيرجعون
~~لذلك ويقولون كذلك فيقول الرب تعالى خلقتكم على علمي وإلى علمي تصيرون يا
~~نار ضميهم فتأخذهم النار "

# وبعض الأخبار يقتضي أن منهم من يعذب ومنهم من لا يعذب.

# فقد أخرج أحمد وابن راهويه وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة أن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " أربعة يحتجون يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئا ورجل أحمق ورجل هرم
~~ورجل مات في فترة فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا
~~وأما الأحمق فيقول: رب جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر وأما الهرم
~~فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا وأما الذي مات في الفترة
~~فيقول: رب ما أتاني لك رسول فيأخذ سبحانه مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم
~~رسولا أن ادخلوا النار فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها
~~سحب إليها "

# وأخرج قاسم بن أصبغ والبزار وأبو يعلى وابن عبد البر في «التمهيد» عن
~~أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " يؤتى يوم القيامة بأربعة بالمولود والمعتوه ومن مات في الفترة والشيخ
~~الهرم الفاني كلهم يتكلم بحجته فيقول الرب تبارك وتعالى لعنق من جهنم:
~~ابرزي ويقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم وإني رسول نفسي
~~إليكم فيقول لهم: ادخلوا هذه فيقول من كتب عليه الشقاء: يا رب أتدخلناها
~~ومنها كنا نفر وأما من كتب له السعادة فيمضي فيقتحم فيها فيقول الرب
~~تعالى: قد عاينتموني فعصيتموني فأنتم لرسلي أشد تكذيبا ومعصية فيدخل
~~هؤلاء الجنة وهؤلاء النار "

# إلى غير ذلك من الأخبار.

# ويحتج بها من قال بانقسام ذراري المشركين بل وذراري المؤمنين وفي القلب
~~من صحتها شيء وإن قال في «الإصابة»: إنها وردت من عدة طرق وعلى تقدير
~~صحتها فمعارضها أصح منها. والذي يميل إليه القلب أن العقل حجة في معرفة
~~الصانع تعالى ووحدته وتنزهه عن الولد سبحانه قبل ورود الشرع ms05657 للأدلة
~~السابقة وغيرها وإن كان في بعضها ما يقال وإرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة
~~منه تعالى أو أن ذلك لبيان ما لا ينال بالعقول من أنواع العبادات والحدود
~~فلا يرد أنه لو كان العقل حجة ما أرسل الله تعالى رسولا ولاكتفى به.

# وقيل في جوابه: لما كان أمر البعث والجزاء مما يشكل مع العقل وحده إلا
~~بعظيم تأمل فيه حرج يعذر الإنسان بمثله ولا إيمان بدونه بعث الله تعالى
~~الرسل عليهم السلام لبيان ما به تتمة الدين لا لنفس معرفة الخالق فإنها
~~تنال ببداية العقول فالبعرة / تدل على البعير والأثر على المسير فسماء
~~ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج ألا تدل على اللطيف الخبير.
~~وأيضا إن الله تعالى لم يدعنا ورسولا من أول الأمر إلى آخره والحجة
~~كانت قائمة بالواحد كما بقيت بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة
~~ولم يدل ذلك على أن الأول لم يكن حجة كافية، وكذلك لم يدعنا سبحانه
~~والبيان بآية واحدة بل من علينا جل شأنه بآيات متكررة ولا يدل ذلك أن
~~الآية الواحدة لم تكن حجة كافية.

# وقوله تعالى خبرا عن قول الخزنة لأهل النار:

# أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينت

# [غافر: 50] توبيخ بالأظهر وهو لا يدل على أن الآخر ليس بحجة، وقوله
~~تعالى:

# لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل

# [النساء: 165] على معنى لئلا يكون لهم احتجاج بزعمهم بأن يقولوا

# لولا أرسلت إلينا رسولا

# [طه: 134]، وقوله تعالى:

# ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم
~~وأهلها غفلون

# [الأنعام: 131] محمول على الإهلاك بعذاب الاستئصال في الدنيا على تكذيب
~~الرسل وأما جزاء الكفر فالنار في العقبى، وكذا يقال في الآية التي نحن
~~فيها لكثرة ما يدعو إليه فلا عذر لمن لم يعرف ربه سبحانه من أهل الفترة
~~إذا كان عاقلا مميزا متمكنا من النظر والاستدلال لا سيما إذا بلغته
~~دعوة رسول من الرسل عليهم السلام ولا يكاد يوجد من لم تبلغه كما سمعت عن
~~الحليمي، وقيل: بوجوده في أمريقا وهي المسماة بيكي ms05658 دنيا قبل أن يظفر بها
~~في حدود الألف بعد الهجرة كرشتوفيل المشهور بقلونبو فإن أهلها على ما
~~بلغنا إذ ذاك لم يسمعوا بدعوة رسول أصلا.

# ثم المفهوم من كلام الأجلة أن النزاع إنما هو بالنسبة لأحكام الإيمان
~~بالله تعالى بخلاف الفروع فلا خلاف في أنها لا تثبت إلا في حق من بلغته
~~دعوة من أرسل إليه وهو الظاهر، نعم ما اتفق عليه الملل من الفروع هل هو
~~كالإيمان حتى يجري فيه النزاع المتقدم؟ فيه نظر، وأما الإيمان بنبينا صلى
~~الله عليه وسلم فليس بواجب على من لم تبلغه دعوته إذ ليس للعقل في ذلك
~~مجال كما لا يخفى على ذي عقل بل قال حجة الإسلام الغزالي: الناس بعد
~~بعثته عليه الصلاة والسلام أصناف، صنف لم تبلغهم دعوته ولم يسمعوا به
~~أصلا فأولئك مقطوع لهم بالجنة، وصنف بلغتهم دعوته وظهور المعجزة على يده
~~وما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الأخلاق العظيمة والصفات الكريمة ولم
~~يؤمنوا به كالكفرة الذين بين ظهرانينا فأولئك مقطوع لهم بالنار، وصنف
~~بلغتهم دعوته عليه الصلاة والسلام وسمعوا به لكن كما يسمع أحدنا بالدجال
~~وحاشا قدره الشريف صلى الله عليه وسلم عن ذلك فهؤلاء أرجو لهم الجنة إذ
~~لم يسمعوا ما يرغبهم في الإيمان به اه، ولعل القطع بالجنة للأولين
~~ورجاءها للآخرين إنما يكونان إذا كانوا مؤمنين بالله تعالى وأما إذا لم
~~يكونوا كذلك فهم على الخلاف.

# ثم إن مسألة عدم الوجوب قبل ورود الشرع إنما يتم الاستدلال عليه بالآية
~~عند المستدلين بها كما قال الأصفهاني إذا كان المقصود تحصيل غلبة الظن
~~فيها فإن كانت علمية فلا يمكن إثباتها بالدلائل الظنية، وفيها عندهم نوع
~~اكتفاء أي وما كنا معذبين ولا مثيبين حتى نبعث رسولا، قالوا: واستغنى عن
~~ذكر الثواب بذكر مقابله من العذاب ولم يعكس لأنه أظهر منه في تحقق معنى
~~التكليف فتأمل.

### || [17.16]

# { وإذا أردنا أن نهلك قرية } بيان لكيفية وقوع العذاب
~~بعد البعثة. وليس المراد بالإرادة الإرادة الأزلية المتعلقة بوقوع المراد
~~في وقته المقدر ms05659 له أصلا إذ لا يقارنها الجزاء الآتي، ولا تحققها بالفعل
~~إذ لا يتخلف عنه المراد بل دنو وقته كما في قوله تعالى:

# أتى أمر الله

# [النحل: 1] أي إذا دنا وقت تعلق إرادتنا بإهلاكها بأن نعذب أهلها بما
~~ذكر من عذاب / الاستئصال الذي بينا أنه لا يصح منا قبل البعثة أو بنوع
~~مما ذكرنا شأنه من مطلق العذاب أعني عذاب الاستئصال لما لهم من الظلم
~~والمعاصي دنوا تقتضيه الحكمة من غير أن يكون له حد معين.

# { أمرنا } بالطاعة كما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عباس وسعيد بن
~~جبير على لسان الرسول المبعوث إلى أهلها { مترفيها } متنعميها
~~وجباريها وملوكها. وخصهم بالذكر مع توجه الأمر إلى الكل لأنهم أئمة الفسق
~~ورؤساء الضلال وما وقع من سواهم بأتباعهم ولأن توجه الأمر إليهم آكد،
~~ويدل على تقدير الطاعة أن فسق وعصى متقاربان بحسب اللغة وإن خص الفسق في
~~الشرع بمعصية خاصة وذكر الضد يدل على الضد كما أن ذكر النظير يدل على
~~النظير فذكر الفسق والمعصية يدل على تقدير الطاعة كما قيل في قوله تعالى:

# سرابيل تقيكم الحر

# [النحل: 81] فيكون نحو أمرته فأساء إلي أي أمرته بالإحسان بقرينة
~~المقابلة بينهما المعتضدة بالعقل الدال على أنه لا يؤمر بالإساءة كما لا
~~يؤمر بالفسق، والنقل كقوله تعالى:

# إن الله لا يأمر بالفحشاء

# [الأعراف: 28]، وجوز أن ينزل الفعل منزلة اللازم كما في يعطي ويمنع أي
~~وجهنا الأمر.

# { ففسقوا فيها } أي خرجوا عن الطاعة وتمردوا، واختار الزمخشري أن
~~الأصل أمرناهم بالفسق ففسقوا إلا أنه يمتنع إرادة الحقيقة للدليل فيحمل
~~على المجاز إما بطريق الاستعارة التمثيلية بأن يشبه حالهم في تقلبهم في
~~النعم مع عصيانهم وبطرهم بحال من أمر بذلك أو بطريق الاستعارة التصريحية
~~التبعية بأن يشبه إفاضة النعم المبطرة لهم وصبها عليهم بأمرهم بالفسق
~~بجامع الحمل عليه والتسبب له ويتمم أمر الاستعارة في الصورتين بما لا
~~يخفى، وقيل: الأمر استعارة للحمل والتسبب لاشتراكهما في الإفضاء إلى
~~الشيء وآثر أن تقدير أمرناهم بالطاعة ففسقوا غير جائز لزعمه أنه حذف ms05660 ما
~~لا دليل عليه بل الدليل قائم على خلافه لأن قولهم أمرته فقام وأمرته فقعد
~~لا يفهم منه إلا الأمر بالقيام والقعود ولو أردت خلاف ذلك كنت قد رمت من
~~مخاطبك علم الغيب، ولا نقض بنحو قولهم: أمرته فعصاني أو فلم يمتثل أمري
~~لأنه لما كان منافيا للأمر علم أنه لا يصلح قرينة للمحذوف فيكون الفعل
~~في ذلك من باب يعطي ويمنع.

# واعترض بأنه لا يجوز أن يكون من قبيل أمرته فعصاني لما سمعت من تقارب
~~فسق وعصى وبان قرينة

# إن الله لا يأمر بالفحشاء

# [الأعراف: 28] لم لا تكفي في تقدير وجهنا الأمر فوجد منهم الفسق لا أن
~~يقدر متعلق الأمر؛ ثم لم لا يجوز أن يكون التعقيب بالضد قرينة للضد الآخر
~~ونحوه أكثر من أن يحصى.

# وأجاب في «الكشف» عن ذلك فقال: الجواب عن الأولين أن صاحب «الكشاف» منع
~~أن يراد أمرنا بالطاعة وأما أن يراد توجيه الأمر فلم يمنعه من هذا المسلك
~~بل المانع أن تخصيص المترفين حينئذ يبقى غير بين الوجه وكذلك التقييد
~~بزمان إرادة الإهلاك فإن أمره تعالى واقع في كل زمان ولكل أحد ولظهوره لم
~~يتعرض له، وعن الثالث أن شهرة الفسق في أحد معنييه تمنع من عده مقابلا
~~بمعنى العصيان على أن ما ذكرنا من نبو المقام عن الإطلاق قائم في التقييد
~~بالطاعة، وفيه قول بسلامة الأمير ونظر بعين الرضا وغفلة عن وجه التخصيص
~~الذي ذكرناه وهو بين لا غبار عليه، وكذا وجه التقييد بالزمان المذكور،
~~والحق أن ما ذكره الزمخشري من الحمل وجه جميل إلا أن عدم ارتضائه ما روته
~~الثقات عن ترجمان القرآن وغيره من تقدير الطاعة مع ظهور الدليل ومساعدة
~~مقام الزجر عن الضلال والحث على الاهتداء لا وجه له كما لا يخفى على من
~~له قلب.

# / وحكى أبو حاتم عن أبي زيد أن { أمرنا } بمعنى كثرنا واختاره
~~الفارسي، واستدل أبو عبيدة على صحة هذه اللغة بما أخرجه أحمد وابن أبي
~~شيبة في «مسنديهما» والطبراني في «الكبير» من حديث سويد بن ms05661 هبيرة

# " خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة "

# أي كثيرة النتاج، وأمر كما قيل من باب ما لزم وعدي باختلاف الحركة فيقال
~~أمرته بفتح الميم فأمر بكسرها وهو نظير شتر الله تعالى عينه فشترت وجدع
~~أنفه فجدع وثلم سنه فثلمت، وقيل: إن المكسور يكون متعديا أيضا وأنه قرأ
~~به الحسن ويحيى بن يعمر وعكرمة، وحكى ذلك النحاس وصاحب «اللوامح» عن ابن
~~عباس وأن رد الفراء له غير ملتفت إليه لصحة النقل. وفي «الكشف» أن أمر
~~بمعنى كثر كثير وأما أمرته المتعدي فقال الزمخشري في «الفائق» ما معناه:
~~ما عول هذا القائل إلا على ما جاء في الخبر أعني مهرة مأمورة وما هو إلا
~~من الأمر الذي هو ضد النهي وهو مجاز أيضا كما في الآية كأن الله تعالى
~~قال لها كوني كثيرة النتاج فكانت فهي إذن مأمورة على خلاف منهيه، وقيل:
~~أصله مومرة فعدل عنه إلى مأمورة لطلب الازدواج مثل قوله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " مأزورات غير مأجورات "

# حيث لم يقل موزورات.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن أبي إسحاق وأبو رجاء وعيسى بن عمرو
~~وعبد الله بن أبي زيد والكلبي { آمرنا } بالمد وكذلك جاء عن ابن عباس
~~والحسن وقتادة وأبي العالية وابن هرمز وعاصم وابن كثير وأبي عمرو ونافع
~~وهو اختيار يعقوب، ومعناه عند الجميع كثرنا وبذلك أيد التفسير السابق على
~~القراءة المشهورة.

# وقرأ ابن عباس وأبو عثمان النهدي والسدي وزيد بن علي وأبو العالية {
~~أمرنا } بالتشديد، وروي ذلك أيضا عن علي والحسن والباقر رضي الله تعالى
~~عنهم وعاصم وأبي عمرو، ومعناه على هذه القراءة قيل كثرنا أيضا، وقيل:
~~بمعنى وليناهم وجعلناهم أمراء واللازم من ذلك أمر بالضم إلحاقا له
~~بالسجايا أي صار أميرا والمراد به من يؤمر ويؤتمر به سواء كان ملكا أم
~~لا على أنه لا محذور لو أريد به الملك أيضا خلافا للفارسي لأن القرية
~~إذا ملك عليها مترف ففسق ثم آخر ففسق وهكذا كثر الفساد وتوالى الكفر ونزل
~~بهم العذاب على الآخر من ملوكهم.

# { فحق ms05662 عليها القول } أي كلمة العذاب السابق بحلوله أو بظهور
~~معاصيهم أو بانهماكهم فيها { فدمرناها تدميرا } لا يكتنه كنهه
~~ولا يوصف، والتدمير هو الإهلاك مع طمس الأثر وهدم البناء، والآية تدل على
~~إهلاك أهل القرية على أتم وجه وإهلاك جميعهم لصدور الفسق منهم جميعا فإن
~~غير المترف يتبعه عادة لا سيما إذا كان المترف من علماء السوء، ومن هنا
~~قيل: المعنى وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها واتبعهم
~~غيرهم فحق عليها القول الآية. وقيل: هلاك الجميع لا يتوقف على التبعية
~~فقد قال سبحانه:

# واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم
~~خاصة

# [الأنفال: 25] وصح

# " عن أم المؤمنين زينب بنت جحش «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها
~~فزعا يقول لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم
~~يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها قالت زينب: قلت
~~يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال: نعم إذا كثر الخبث "

# هذا والظاهر أن { أمرنا } جواب { إذا } ولا تقديم ولا تأخير في
~~الآية والإشكال المشهور فيها على هذا التقدير من أنها تدل على أنه سبحانه
~~يريد إهلاك قوم ابتداء فيتوسل إليه بأن يأمرهم فيفسقون فيهلكهم وإرادة
~~ضرر الغير ابتداء من غير استحقاق الإضرار كالإضرار كذلك مما ينزه عنه
~~تعالى لمنافاته للحكمة قد مرت الإشارة إلى جوابه. وأجاب / عنه بعضهم بأنه
~~في الآية تقديما وتأخيرا والأصل إذا أمرنا مترفي قرية ففسقوا فيها
~~أردنا إهلاكها فحق عليها القول، ونظيره على ما قيل قوله تعالى:

# وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلوة فلتقم
~~طائفة منهم معك

# [النساء:102] وآخرون بأن قوله تعالى: { أمرنا } الخ في موضع الصفة
~~لقرية وجواب { إذا } محذوف للاستغناء عنه بما في الكلام من الدلالة عليه
~~كما قيل في قوله تعالى: { حتى إذا جاءوها وفتحت أبوبها
~~} إلى قوله سبحانه:

# فنعم أجر العملين

# [الزمر: 74] وقول الهذلي وهو آخر قصيدة:

# حتى إذا اسلكوهم في قتائدة

# شلا كما تطرد الجمالة الشردا

# وقيل في الجواب عن ذلك غير ذلك ms05663 فتدبر.

### || [17.17]

# { وكم أهلكنا } أي كثيرا ما أهلكنا { من القرون } تمييز
~~ل { كم } والقرن على ما قال الراغب القوم المقترنون في زمان واحد، وعن
~~عبد الله بن أبي أوفى هو مدة مائة وعشرين سنة، وعن محمد بن القاسم
~~المازني وروي مرفوعا أنه مائة سنة، وجاء أنه صلى الله عليه وسلم دعا
~~لرجل فقال: عش قرنا فعاش مائة سنة أو مائة وعشرين، وعن الكلبي أنه
~~ثمانون سنة، وعن ابن سيرين أنه أربعون سنة { من بعد نوح } من بعد
~~زمنه عليه السلام كعاد وثمود ومن بعدهم ممن قصت أحوالهم في القرآن العظيم
~~ومن لم تقص. وخص نوح عليه السلام بالذكر ولم يقل من بعد آدم لأنه أول
~~رسول آذاه قومه فاستأصلهم العذاب ففيه تهديد وإنذار للمشركين ولظهور حال
~~قومه لم ينظموا في القرون المهلكة على أن ذكره عليه السلام رمز إلى
~~ذكرهم. و { من } الأولى للتبيين لا زائدة والثانية لابتداء الغاية فلذا
~~جاز اتحاد متعلقهما، وقال الحوفي: { من } الثانية بدل من الأولى وليس
~~بجيد.

# { وكفى بربك } أي كفى ربك وقد تقدم الكلام مفصلا آنفا في مثل
~~هذا التركيب { بذنوب عباده خبيرا بصيرا } محيطا بظواهرها
~~وبواطنها فيعاقب عليها، وتقديم الخبير لتقدم متعلقه من الاعتقادات
~~والنيات التي هي مبادىء الأعمال الظاهرة تقدما وجوديا، وقيل تقدما
~~رتبيا لأن العبرة بما في القلب كما يدل عليه

# " إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم
~~ونياتكم "

# و

# " إنما الأعمال بالنيات "

# و

# " نية المؤمن خير من عمله "

# إلى غير ذلك، أو لعمومه من حيث يتعلق بغير المبصرات أيضا. والجار
~~والمجرور متعلق بخبيرا بصيرا على سبيل التنازع. وقال الحوفي: متعلق
~~بكفى وهو وهم، وفي تذييل ما تقدم بما ذكر إشارة على ما قيل إلى أن البعث
~~والأمر وما يتلوهما من فسقهم ليس لتحصيل العلم بما صدر عنهم من الذنوب
~~فإن ذلك حاصل قبل ذلك وإنما هو لقطع الأعذار وإلزام الحجة من كل وجه. وفي
~~«الكشاف» أنه سبحانه نبه بقوله تعالى: { وكفى بربك } الخ على أن ms05664
~~الذنوب هي الأسباب المهلكة لا غير، وبيانه كما في «الكشف» أنه جل شأنه
~~لما عقب إهلاكهم بعلمه بالذنوب علما أتم دل على أنه تعالى جازاهم بها
~~وإلا لم ينتظم الكلام، وأما الحصر فلأن غيرها لو كان له مدخل كان الظاهر
~~ذكره في معرض الوعيد ثم لا يكون السبب تاما ويكون الكلام ناقصا عن أداء
~~المقصود فلزم الحصر وهو المطلوب ولا أرى كلامه خاليا عن دسيسة اعتزال
~~تظهر بالتأمل ولعله لذلك لم يتعرض له العلامة البيضاوي.

### || [17.18]

# { من كان يريد } أي بعمله كما أخرجه ابن أبي حاتم عن الضحاك {
~~العاجلة } فقط من غير أن / يريد معها الآخرة كما ينبىء عنه
~~الاستمرار المستفاد من زيادة { كان } هنا مع الاقتصار على مطلق الإرادة
~~في قسيمه، وقيل لو لم يقيد صدق على مريد العاجلة والآخرة والقسمة تنافي
~~الشركة، ودلالة الإرادة على ذلك لأنها عقد القلب بالشيء وخلوص همه فيه
~~ليس بذاك. والمراد بالعاجلة الدار الدنيا كما روي عن الضحاك أيضا
~~وبإرادتها إرادة ما فيها من فنون مطالبها كقوله تعالى:

# ومن كان يريد حرث الدنيا

# [الشورى: 20] وجوز أن يراد الحياة العاجلة كقوله تعالى:

# من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها

# [هود: 15] ورجح الأول بأنه أنسب بقوله تعالى: { عجلنا له فيها
~~} أي في تلك العاجلة فإن تلك الحياة واستمرارها من جملة ما عجل فالأنسب
~~في ذلك كلمة (من) كما في قوله عز وجل:

# ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها

# [آل عمران: 145] { ما نشاء } أي ما نشاء تعجيله له من نعيمها لا كل
~~ما يريد. { لمن نريد } تعجيل ما نشاء له، وقال أبو إسحاق الفزاري:
~~أي لمن نريد هلكته ولا يدل عليه لفظ في الآية.

# والجار والمجرور بدل من الجار والمجرور السابق أعني { له } فلا يحتاج
~~إلى رابط لأنه في بدل المفردات أو المجرور بدل من الضمير المجرور بإعادة
~~العامل وتقديره لمن نريد تعجيله له منهم، والضمير راجع إلى { من } وهي
~~موصولة أو شرطية وعلى التقديرين هي منبئة عن الكثرة فهو بدل بعض من كل.
~~وعن نافع أنه ms05665 قرأ { ما يشاء } بالباء فقيل الضمير فيه لله تعالى
~~فيتطابق القراءتان، وقيل هو لمن فيكون مخصوصا بمن أراد الله تعالى به
~~ذلك كنمروذ وفرعون ممن ساعده الله تعالى على ما أراده استدراجا له.
~~واستظهر هذا بأنه يلزم أن يكون على الأول التفات ووقوع الالتفات في جملة
~~واحدة إن لم يكن ممنوعا فغير مستحسن كما فصله في «عروس الأفراح». وتقييد
~~المعجل والمعجل له بما ذكر من المشيئة والإرادة لما أن الحكمة التي يدور
~~عليها فلك التكوين لا تقتضي وصول كل طالب إلى مرامه ولا استيفاء كل واصل
~~لما يطلبه بتمامه. وليس المراد بأعمالهم في قوله تعالى:

# من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف
~~إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون

# [هود: 15] أعمال كلهم ولا كل أعمالهم، وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر.
~~وذكر المشيئة في أحدهما والإرادة في الآخر إن قيل بترادفهما تفنن.

# { ثم جعلنا له } مكان ما عجلنا له { جهنم يصلها }
~~يقاسي حرها كما قال الخليل أو يدخلها كما قيل. والجملة كما قال أبو
~~البقاء حال من الهاء في { له }  وقال أبو حيان: «إنها حال من {
~~جهنم } وهي مفعول أول لجعلنا و { له } الثاني» وجوز أن تكون
~~الجملة مستأنفة وقال صاحب «الغنيان» «مفعول جعلنا الثاني محذوف والتقدير
~~مصيرا أو جزاء» ولا حاجة إلى ذلك { مذموما } حال من فاعل يصلى وهو
~~من الذم ضد المدح وفعله ذم وذمته ذيما وذأمته ذأما بمعناه {
~~مدحورا } أي مطرودا مبعدا من رحمة الله تعالى.

# قال الإمام: «إن العقاب عبارة عن مضرة مقرونة بالإهانة والذم بشرط أن
~~تكون دائمة وخالية عن [شوب] المنفعة فقوله تعالى: { جعلنا له
~~جهنم يصلها } إشارة إلى المضرة العظيمة و { مذموما }
~~إشارة إلى الإهانة والذم و { مدحورا } إشارة إلى البعد والطرد من
~~رحمته تعالى فيفيد ذلك أن تلك المضرة خالية عن شوب النفع والرحمة وتفيد
~~كونها دائمة وخالية عن التبدل بالراحة والخلاص» اه، ولا يخفى أن هذا
~~ظاهر في أن الآية تدل على الخلود وحينئذ يتعين عندنا أن يكون ذلك المريد
~~من ms05666 الكفرة.

# وفي «إرشاد العقل السليم» «من كان يريد أي بأعماله التي يعملها سواء كان
~~ترتب المراد عليها بطريق الجزاء كأعمال البر أو بطريق ترتب المعلولات على
~~العلل كالأسباب أو بإعمال الآخرة فالمراد بالمريد على الأول الكفرة وأكثر
~~الفسقة وعلى الثاني أهل الرياء والنفاق والمهاجر للدنيا والمجاهد
~~للغنيمة»، وأنت تعلم أن أدراج / الفاسق والمهاجر للدنيا والمجاهد للغنيمة
~~إذا كان مؤمنا في التمثيل على القول بدلالة الآية على الخلود مما لا
~~يستقيم على أصولنا نعم يصح على أصول المعتزلة، وقد أدرج الزمخشري الفاسق
~~في ذلك ودسائس الاعتزال منه عامله الله تعالى بعدله أكثر من أن تحصى.

# وظاهر كلام أبي حيان اختيار كون المريد من الكفرة حيث قال «العاجلة هي
~~الدنيا ومعنى إرادتها إيثارها على الآخرة ولا بد من تقدير محذوف دل عليه
~~المقابل في قوله تعالى:

# ومن أراد الاخرة

# [الإسراء: 19] الخ أي من كان يريد العاجلة وسعى لها سعيها وهو كافر
~~عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد، وقيل المراد من كان يريد العاجلة بعمل
~~الآخرة كالمنافق والمرائي والمجاهد للغنيمة والذكر والمهاجر للدنيا» إلى
~~آخر ما قال فحكى غير القول الأول الذي يكون يتعين عليه كون المريد من
~~الكفرة بعد أن قدمه بقيل. ويؤيده تفسير كثير من كان يريد العاجلة بمن كان
~~همه مقصورا عليها لا يريد غيرها أصلا فإن ذلك مما لا يكاد يصدق على
~~مؤمن فاسق فإنه لو لم يكن له إرادة للآخرة ما آمن بها، وعلى القول بدخول
~~الفاسق ونحوه ممن لا يحكم له عندنا بالخلود يمنع القول بدلالة الآية على
~~الخلود ويقال لمن أدخل النار مبعد عن رحمة الله تعالى ما دام فيها فيصدق
~~على الفاسق ما دام فيها كما يصدق على الكافر المخلد.

# وزعم بعضهم أن المريد هو المنافق الذي يغزو مع المسلمين للغنيمة لا
~~للثواب فإن الآية نزلت فيه، وفيه أنه يأبى ذلك ما سبق من أن السورة مكية
~~غير آيات معينة ليست هذه منها على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
~~فافهم.

### || [17.19]

# { ومن ms05667 أراد } الظاهر على طبق ما مر عن الضحاك أن يراد بعمله أيضا
~~{ الأخرة } أي الدار الآخرة وما فيها من النعيم المقيم { وسعى
~~لها سعيها } أي الذي يحق ويليق بها كما تنبىء عنه الإضافة
~~الاختصاصية سواء كان السعي مفعولا به على أن المعنى عمل عملها أو مصدرا
~~مفعولا مطلقا ويتحقق ذلك بالإتيان بما أمر الله تعالى والانتهاء عما
~~نهى سبحانه عنه فيخرج من يتعبد من الكفرة بما يخترعه من الآراء ويزعم أنه
~~يسعى لها. وفائدة اللام سواء كانت للأجل أو للاختصاص اعتبار النية
~~والإخلاص لله تعالى في العمل. واختار بعضهم ولا يخلو عن حسن أنه لا حاجة
~~إلى ما اعتبره الضحاك بل الأولى عدم اعتباره لمكان { وسعى لها
~~سعيها } وحينئذ لا يعتبر فيما سبق أيضا ويكون في الآية على هذا من
~~تحقير أمر الدنيا وتعظيم شأن الآخرة ما لا يخفى على من تأمل. { وهو
~~مؤمن } إيمانا صحيحا لا يخالطه قادح. وإيراد الإيمان بالجملة
~~الحالية للدلالة على اشتراط مقارنته لما ذكر في حيز { من } فلا تنفع
~~إرادة ولا سعى بدونه وفي الحقيقة هو الناشىء عنه إرادة الآخرة والسعي
~~للنجاة فيها وحصول الثواب، وعن بعض المتقدمين من لم يكن معه ثلاث لم
~~ينفعه عمله إيمان ثابت ونية صادقة وعمل مصيب وتلا هذه الآية.

# { فأولئك } إشارة إلى { من } بعنوان اتصافه بما تقدم، وما في
~~ذلك من معنى البعد للإشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم، والجمعية لمراعاة
~~جانب المعنى إيماء إلى أن الإثابة المفهومة من الخبر تقع على وجه
~~الاجتماع أي فأولئك الجامعون لما مر من الخصال الحميدة أعني إرادة الآخرة
~~والسعي الجميل لها والإيمان { كان سعيهم مشكورا } مثابا عليه
~~مقبولا عنده تعالى بحسن القبول، وفسر بعضهم السعي ههنا بالعمل الذي
~~يعبر عنه بفعل فيشمل جميع ما تقدم وهذا غير السعي السابق، وقال بعضهم: هو
~~هو. وعلق المشكورية به دون قرينيه إشعارا بأنه العمدة فيها. وأصل السعي
~~كما قال الراغب المشي السريع وهو دون العدو ويستعمل للجد / في الأمر
~~خيرا كان أو شرا وأكثر ما يستعمل ms05668 في الأفعال المحمودة قال الشاعر:

# إن أجز علقمة بن سعد سعيه

# لا أجزه ببلاء يوم واحد

### || [17.20]

# { كلا } التنوين فيه على المشهور عند النحاة عوض عن المضاف إليه لا
~~تنوين تمكين، أي كل الفريقين وهو مفعول { نمد } مقدم عليه أي نزيد
~~مرة بعد مرة بحيث يكون الآنف مددا للسالف وما به الإمداد ما عجل لأحدهما
~~من العطايا العاجلة وما أعد للآخر من العطايا الآجلة المشار إليها
~~بمشكورية السعي وإنما لم يصرح به تعويلا على ما سبق تصريحا وتلويحا
~~واتكالا على ما لحق عبارة وإشارة. وقوله تعالى: { هؤلاء وهؤلاء
~~} بدل من { كلا } بدل كل على جهة التفصيل أي نمد هؤلاء المعجل لهم
~~وهؤلاء المشكور سعيهم فإن الإشارة متعرضة لذات المشار إليه بما له من
~~العنوان لا للذات فقط كالإضمار ففيه تذكير لما به الإمداد وتعيين للمضاف
~~إليه المحذوف دفعا لتوهم كونه أفراد الفريق الأخير المريد للخير الحقيق
~~بالإسعاف فقط، وتأكيد للقصر المستفاد من تقديم المفعول. وقوله تعالى: {
~~من عطاء ربك } أي من معطاه الواسع الذي لا تناهي له فهو اسم مصدر
~~واقع موقع اسم المفعول متعلق بنمد مغن عن ذكر ما به الإمداد ومنبه على أن
~~الإمداد المذكور ليس بطريق الاستيجاب بالسعي والعمل به بمحض التفضل كما
~~قيل.

# { وما كان عطاء ربك } أي دنيويا كان أو أخرويا. والإظهار في
~~موضع الإضمار لمزيد الاعتناء بشأنه والإشعار بعليته للحكم { محظورا }
~~ممنوعا عمن يريده بل هو فائض على من قدر له بموجب المشيئة المبنية على
~~الحكمة وإن وجد فيه ما يقتضي الحظر كالكفر، وهذا في معنى التعليل لشمول
~~الإمداد للفريقين، والتعرض لعنوان الربوبية للإشعار بمبدئيتها لكل من
~~الإمداد وعدم الحظر.

### || [17.21]

# { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } (كيف) في محل
~~النصب بفضلنا على الحال وليست مضافة للجملة كما توهم، والجملة بتمامها في
~~محل نصب بانظر وهو معلق هنا. والمراد كما قال شيخ الإسلام «توضيح ما مر
~~من الإمداد وعدم محظورية العطاء بالتنبيه على استحضار مراتب أحد العطاءين
~~والاستدلال بها على مراتب الآخر أي انظر ms05669 بنظر الاعتبار كيف فضلنا بعضهم
~~على بعض فيما أمددناهم من العطايا العاجلة فمن وضيع ورفيع وظالع وضليع
~~ومالك ومملوك وموسر وصعلوك تعرف بذلك مراتب العطايا الآجلة وتفاوت أهلها
~~على طريقة الاستدلال بحال الأدنى على حال الأعلى كما أفصح عنه قوله
~~تعالى: { وللأخرة أكبر درجت وأكبر تفضيلا } أي
~~أكبر من درجات الدنيا وتفضيلها لأن التفاوت فيها بالجنة ودرجاتها العالية
~~لا يقادر قدرها ولا يكتنه كنهها». وفي بعض الآثار أن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال:

# " إن بين أعلى أهل الجنة وأسفلهم درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض
~~ومغاربها وقد أرضى الله تعالى الجميع فما يغبط أحد أحدا "

# وعن الضحاك الأعلى يرى فضله على من هو أسفل منه والأسفل لا يرى أن فوقه
~~أحدا، وصح أن الله تعالى أعد لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن
~~سمعت ولا خطر على قلب بشر. وروى ابن عبد البر في «الاستيعاب» عن الحسن
~~قال: حضر جماعة من الناس باب عمر رضي الله تعالى عنه وفيهم سهيل بن عمرو
~~القرشي وكان أحد الأشراف في الجاهلية وأبو سفيان بن حرب وأولئك المشايخ
~~من قريش فأذن لصهيب وبلال وأهل بدر وكان يحبهم وكان قد أوصى لهم فقال أبو
~~سفيان: ما رأيت كاليوم قط إنه ليؤذن لهؤلاء العبيد ونحن جلوس لا يلتفت
~~إلينا فقال سهيل: وكان أعقلهم أيها القوم أني والله قد / أرى الذي في
~~وجوهكم فإن كنتم غضابا فاغضبوا على أنفسكم دعي القوم ودعيتم فأسرعوا
~~وأبطأتم أما والله لما سبقوكم به من الفضل أشد عليكم فوتا من بابكم هذا
~~الذي تنافسون عليه. وفي «الكشاف» أنه قال «إنما أتينا من قبلنا أنهم دعوا
~~ودعينا فأسرعوا وأبطأنا وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة ولئن
~~حسدتوهم على باب عمر لما أعد الله تعالى لهم في الجنة أكبر. وقرىء
~~(أكثر تفضيلا) بالثاء المثلثة».

# هذا وجوز أن يراد بما به الإمداد العطايا العاجلة فقط، وحمل القصر
~~المذكور على دفع توهم اختصاصها بالفريق الأول فإن تخصيص إرادتهم لها
~~ووصولهم إليها بالذكر من ms05670 غير تعرض لبيان النسبة بينها وبين الفريق الثاني
~~إرادة ووصولا مما يوهم اختصاصها بالأولين فالمعنى كل الفريقين نمد
~~بالعطايا العاجلة لا من ذكرنا إرادته لها فقط من الفريق الأول من عطاء
~~ربك الواسع وما كان عطاؤه الدنيوي محظورا من أحد ممن يريد وممن يريد
~~غيره انظر كيف فضلنا في ذلك العطاء بعض كل من الفريقين على بعض آخر منهما
~~وللآخرة الخ.

# وإلى نحو هذا ذهب الحسن وقتادة فقد روي عنهما أنهما قالا: في معنى
~~الآية: إن الله تعالى يرزق في الدنيا مريدي العاجلة الكافرين ومريدي
~~الآخرة المؤمنين ويمد الجميع بالرزق. وذكر الرزق من بين ما به الإمداد
~~قيل على سبيل التمثيل، وقيل تخصيص لدلالة السياق. وجوز أن يكون المراد به
~~معناه اللغوي فيتناول الجاه ونحوه كما يقال السعادة أرزاق. واعتبر
~~الجمهور عدم المحظورية بالنسبة إلى الفريق الأول تحقيقا لشمول الإمداد
~~له حيث قالوا: لا يمنعه من عاص لعصيانه. واعترض بأنه يقتضي كون القصر
~~لدفع توهم اختصاص الإمداد الدنيوي بالفريق الثاني مع أنه لم يسبق في
~~الكلام ما يوهم ثبوته له فضلا عن إيهام اختصاصه وفيه تأمل. وعن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما أن معنى { من عطاء ربك } من الطاعات ويمد
~~بها مريد الآخرة والمعاصي ويمد بها مريد العاجلة فيكون العطاء عبارة عما
~~قسم الله تعالى للعبد من خير أو شر، وأنت تعلم أنه يبعد غاية البعد إرادة
~~المعاصي من العطاء ولعل نسبة ذلك للحبر غير صحيحة فلا تغفل.

# واعلم أن التقسيم الذي تضمنته الآية غير حاصر وذلك غير مضر والتقسيم
~~الحاصر أن كل فاعل إما أن يريد بفعله العاجلة فقط أو يريد الآخرة فقط أو
~~يريدهما معا أو لم يرد شيئا والقسمان الأولان قد علم حكمهما من الآية،
~~والقسم الثالث ينقسم إلى ثلاثة أقسام لأنه إما تكون إرادة الآخرة أرجح أو
~~تكون مرجوحة أو تكون الإرادتان متعادلتين، وفي قبول العمل في القسم الأول
~~بحث عند الإمام قال: يحتمل عدم القبول لما روى عن رب العزة جل شأنه:

# " أنا أغنى ms05671 الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه "

# ويمكن أن يقال: إذا كانت إرادة الآخرة راجحة على إرادة الدنيا تعارض
~~المثل بالمثل فيبقى القدر الزائد خالصا للآخرة يجب كونه مقبولا، وإلى
~~عدم القبول ذهب العز بن عبد السلام، ومال إلى القول بأصل الثواب حجة
~~الإسلام الغزالي حيث قال: لو كان اطلاع الناس مرجحا أو مقويا لنشاطه
~~ولو فقد لم تترك العبادة ولو انفرد قصد الرياء لما أقدم فالذي نظنه
~~والعلم عند الله تعالى أنه لا يحبط أصل الثواب ولكنه يعاقب على مقدار قصد
~~الرياء ويثاب على مقدار قصد الثواب. وهذا ظاهر في أن الرياء ولو محرما
~~لا يمنع أصل الثواب عنده إذا كان باعث العبادة أغلب. وذكر ابن حجر أن
~~الذي يتجه ترجيحه أنه متى كان المصاحب بقصد العبادة رياء مباحا لم يقتض
~~إسقاط ثوابها من أصله بل يثاب على مقدار قصد العبادة وإن ضعف أو محرما
~~اقتضى سقوطه من أصله للاخبار، وقوله تعالى:

# فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره

# [الزلزلة: 7] قد لا يعكر على ذلك لأن تقصيره بقصد المحرم / اقتضى سقوط
~~قصد الأجر فلم تبق له ذرة من خير فلم تشمله الآية. واتفقوا على عدم قبول
~~ما ترجح فيه باعث الدنيا أو كان الباعثان فيه متساويين، وخص الغزالي
~~الأحاديث الدالة بظاهرها على عدم القبول مطلقا بهذين القسمين، وتمام
~~الكلام في هذا المقام في «الزواجر عن اقتراف الكبائر». وأما القسم الرابع
~~عند القائلين بأن صدور الفعل من القادر يتوقف على حصول الداعي فهو ممتنع
~~الحصول والذين قالوا إنه لا يتوقف قالوا ذلك الفعل لا أثر له في الباطن
~~وهو محرم في الظاهر لأنه عبث والله تعالى أعلم.

# ومن باب الإشارة في الآيات:

# سبحان الذى أسرى بعبده ليلا

# [الإسراء: 1]. فيه أربع إشارات. إشارة التقديس بسبحان فهو تنزيه له
~~تعالى عن اللواحق المادية والنقائص التشبيهية وعن جميع ما يرتسم في
~~الأذهان. وإشارة الغيرة بعدم ذكر الاسم الظاهر من أسمائه الحسنى عزت
~~أسماؤه وكذا بعدم ذكر اسمه صلى الله عليه ms05672 وسلم. وإشارة الغيب بذكر ضمير
~~الغائب. وإشارة السر بذكر الليل فإنه محل السر والنجوى، وعن بعض الأكابر
~~لولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا، وذكر غير واحد أن في اختيار عنوان
~~العبودية إشارة إلى أنها أعلى المقامات وقد أشير إلى ذلك فيما سلف،
~~وأصلها الذل والخضوع وحيث أن الذل لشيء لا يكون إلا بعد معرفته دلت
~~العبودية لله تعالى على معرفته سبحانه وكمالها على كمالها، ومن هنا فسر
~~ابن عباس قوله تعالى:

# وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

# [الذاريات: 56] بقوله: إلا ليعرفون وهي تسعة وتسعون سهما بعدد الأسماء
~~الإلهية التي من أحصاها دخل الجنة لكل اسم إلهي عبودية مختصة به يتعبد
~~له من يتعبد من المخلوقين ولم يتحقق بهذا المقام على كماله مثل رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فكان عبدا محضا زاهدا في جميع الأحوال التي تخرجه
~~عن مرتبة العبودية وشهد الله تعالى له بأنه عبد مضاف إليه من حيث هويته
~~هنا واسمه الجامع في قوله سبحانه:

# وأنه لما قام عبد الله

# [الجن: 19] ولما أمر صلى الله عليه وسلم بتعريف مقامه يوم القيامة قيد
~~ذلك فقال عليه الصلاة والسلام:

# " أنا سيد ولد آدم ولا فخر "

# بالراء أو الزاي على اختلاف الروايتين وهي لما علمت من معناها لا يمكن
~~أن تكون نعتا إلهيا أصلا بل هي صفة خاصة لا اشتراك فيها فقد قال أبو
~~يزيد البسطامي: ما وجدت شيئا يتقرب به إليه تعالى إذ رأيت كل نعت يتقرب
~~به للألوهية فيه مدخل فقلت: يا رب بماذا أتقرب إليك؟ قال: تقرب إلي بما
~~ليس لي قلت: يا رب وما الذي ليس لك؟ قال: الذلة والافتقار.

# وذكر أن العبد مع الحق في حال عبوديته كالظل مع الشخص في مقابلة السراج
~~كلما قرب إلى السراج عظم الظل ولا قرب من الله تعالى إلا بما هو لك وصف
~~أخص لا له سبحانه وكلما بعد عن السراج صغر الظل فإنه ما يبعدك عن الحق
~~إلا خروجك عن صفتك التي تستحقها وطمعك في صفته تعالى، كذلك ms05673 يطبع الله على
~~كل قلب متكبر جبار وهما صفتان لله تعالى و

# ذق إنك أنت العزيز الكريم

# [الدخان: 49] وهما كذلك وإلى هذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله:

# " أعوذ بك منك "

# وأول بعضهم الليل بظلمة الغواشي البدنية والتعلقات الطبيعية وقال: إن
~~الترقي والعروج لا يكون إلا بواسطة البدن وقد صرحوا بأنه صلى الله عليه
~~وسلم أسري به وكذا عرج يقظة لم يفارق بدنه إلا أن العارف الجامي قال: إن
~~ذلك إلى المحدد ثم ألقى البدن هناك وقد تقدم ذلك، وفي «أسرار القرآن» أن
~~عليه الصلاة والسلام أسري به من رؤية أفعاله إلى رؤية صفاته ومن رؤية
~~صفاته إلى رؤية ذاته فرأى الحق بالحق وكانت صورته روحه وروحه عقله وعقله
~~قلبه وقلبه سره وكأنه أراد أنه صلى الله عليه وسلم حصل له هذا الإسراء
~~وإلا فإرادة أن الإسراء الذي في الآية هو هذا مما لا ينبغي. ولا يخفى أن
~~الإسراء غير المعراج، نعم قد يطلقون الإسراء على المعراج بل قيل إنهما
~~إذا اجتمعا افترقا وإذا / افترقا اجتمعا، وقد ذكروا أن لجميع الوارثين
~~معراجا إلا أنه معراج أرواح لا أشباح وإسراء أسرار لا أسوار ورؤية جنان
~~لا عيان وسلوك ذوق وتحقيق لا سلوك مسافة وطريق إلى سموات معنى لا مغنى،
~~وهذا المعراج متفاوت حسب تفاوت مراتب الرجال، وقد ذكر الشيخ الأكبر قدس
~~سره في «معراجه» ما يحير الألباب ويقضي منه العجب العجاب ولم يستبعد ذلك
~~منه بناء على أنه ختم الولاية المحمدية عندهم. ومن عجائب ما اتفق في
~~زماننا أن رجلا يدعى بعبد السلام نائب القاضي في بغداد وكان جسورا على
~~الحكم بالباطل شرع في ترجمة «معراج» الشيخ قدس سره بالتركية مع شرح بعض
~~مغلقاته ولم يكن من خبايا هاتيك الزوايا فقبل أن يتم مرامه ابتلي والعياذ
~~بالله تعالى بآكلة في فمه فأكلته إلى أذنيه فمات وعرج بروحه إلى حيث شاء
~~الله تعالى نسأل الله سبحانه العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
~~ونقل عن الشيخ قدس سره أن الإسراء وقع له صلى ms05674 الله عليه وسلم ثلاثين مرة،
~~وفي كلام الشيخ عبد الوهاب الشعراني أن إسراءاته عليه الصلاة والسلام كان
~~أربعا وثلاثين واحد منها بجسمه والباقي بروحه، وقد صرحوا أن الأول من
~~خصائصه صلى الله عليه وسلم.

# وفي «الخصائص الصغرى» وخص عليه الصلاة والسلام بالإسراء وما تضمنه من
~~خرق السموات السبع والعلو إلى قاب قوسين ووطئه مكانا ما وطئه نبي مرسل
~~ولا ملك مقرب وأن قطع المسافة الطويلة في الزمن القصير مما يكون كرامة
~~للولي، والمشهور تسمية ذلك بطي المسافة وهو من أعظم خوارق العادات؛ وأنكر
~~ثبوته للأولياء الحنفية ومنهم ابن وهبان قال:

# ومن لولي قال طي مسافة

# يجوز جهول ثم بعض يكفر

# وهذا منهم مع قولهم إذا ولد لمغربي ولد من امرأته المشرقية مثلا يلحق
~~به وإن لم يلتقيا ظاهرا غريب، والكتب ملأى من حكايات الثقات هذه الكرامة
~~لكثير من الصالحين، وكأن مجهل قائلها بني تجهيله على أن في ذلك قولا
~~بتداخل الجواهر وقد أحاله المتكلمون خلافا للنظام وبرهنوا على استحالته
~~بما لا مزيد عليه وادعى بعضهم الضرورة في ذلك، وأنت تعلم أن قطع المسافة
~~الطويلة في الزمن القصير لا يتوقف على تداخل الجواهر لجواز أن يكون
~~بالسرعة كما قالوا في الإسراء فليثبت للأولياء على هذا النحو على أن
~~الكرامات كالمعجزات مجهولة الكيفية فنؤمن بما صح منها ونفوض كيفيته إلى
~~من لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى، ومثل طي المسافة ما يحكمونه من نشر
~~الزمان وأنا مؤمن ولله تعالى الحمد بما يصح نقله من الأمرين والمكفر جهول
~~والمجهل ليس برسول والله تعالى الموفق للصواب إليه المرجع والمآب؛ وأول
~~المسجد الحرام بمقام القلب المحترم عن أن يطوف به مشركو القوى البدنية
~~ويرتكب فيه فواحشها وخطاياها، والمسجد الأقصى بمقام الروح الأبعد من
~~العالم الجسماني

# لنريه من ءايتنا

# [الإسراء: 1] أي آيات صفاتنا من جهة أنها منسوبة إلينا ونحن المشاهدون
~~بها وإلا فأصل مشاهدة الصفات في مقام القلب

# عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا

# [الإسراء: 8] قال سهل: أي إن عدتم إلى المعصية عدنا إلى المغفرة وإن ms05675
~~عدتم إلى الإعراض عنا عدنا إلى الإقبال عليكم وإن عدتم إلى الفرار منا
~~عدنا إلى أخذ الطريق عليكم لترجعوا إلينا. وقال الوراق: إن عدتم إلى
~~الطاعة عدنا إلى التيسير والقبول، وقيل: غير ذلك

# إن هذا القرءان يهدى للتى هى أقوم

# [الإسراء: 9] الآية أي إن هذا القرآن يعرف أهله بنوره أقوم الطرق إلى
~~الله تعالى وهو طريق الطاعة والاقتداء بمن أنزل عليه عليه الصلاة والسلام
~~فإنه لا طريق يوصل إلا ذلك ولله تعالى در من قال:

# وأنت باب الله أي امرىء

# أتاه من غيرك لا يدخل

# وذكروا أن القرآن يرشد بظاهره إلى معاني باطنه وبمعاني باطنه إلى نور
~~حقيقته وبنور حقيقته إلى أصل / الصفة وبالصفة إلى الذات فطوبى لمن استرشد
~~بالقرآن فإنه يدل على الله تعالى وقد أحسن من قال:

# إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا

# كفى لمطايانا بنورك هاديا

# ويبشر أهله الذين يتبعونه أن لهم أجر المشاهدة وكشفها بلا حجاب

# ويدع الإنسن بالشر دعاءه بالخير وكان
~~الإنسن عجولا

# [الإسراء: 11] فيه إشارة إلى أدب من آداب الدعاء وهو عدم الاستعجال
~~فينبغي للسالك أن يصبر حتى يعرف ما يليق بحاله فيدعو به، وقال سهل: أسلم
~~الدعوات الذكر وترك الاختيار لأن في الذكر الكفاية وربما يسأل الإنسان ما
~~فيه هلاكه ولا يشعر، وفي الأثر يقول الله تعالى شأنه

# " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيه أفضل ما أعطى السائلين "

# { وجعلنا اليل } أي ليل الكون وظلمة البدن { والنهار } أي
~~نهار الإبداع والروح { ءايتين } يتوصل بهما إلى معرفة الذات والصفات
~~{ فمحونا ءاية اليل } بالفساد والفناء { وجعلنآ آية
~~النهار مبصرة } منيرة باقية بكمالها تبصر بنورها الحقائق {
~~لتبتغوا فضلا من ربكم } وهو كمالكم الذي تستعدونه {
~~ولتعلموا عدد السنين والحساب } أي لتحصوا عدد المراتب
~~والمقامات من بدايتكم إلى نهايتكم بالترقي فيها وحساب أعمالكم وأخلاقكم
~~وأحوالكم فتبدلوا السيء من ذلك بالحسن { وكل شىء } من العلوم والحكم
~~{ فصلناه } بنور عقولكم الفرقانية الحاصلة لكم عند الكمال

# تفصيلا

# [الإسراء: 12] لا إجمال فيه كما في مرتبة العقل القرآني الحاصل عند
~~البداية

# وكل إنسن ألزمنه طئره ms05676 فى عنقه

# [الإسراء: 13] الآية تقدم ما يصلح أن يكون من باب الإشارة فيها

# وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا

# [الإسراء: 15] للصوفية في هذا الرسول كغيرهم قولان، فمنهم من قال إنه
~~رسول العقل، ومنهم من قال رسول الشرع

# وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها
~~ففسقوا فيها

# [الإسراء: 16] الآية فيها إشارة إلى أنه سبحانه إذا أراد أن يخرب قلب
~~المريد سلط عليه عساكر هوى نفسه وجنود شياطينه فيخرب بسنابك خيول الشهوات
~~وآفات الطبعيات نعوذ بالله تعالى من ذلك { من كان يريد
~~العجلة } لكدورة استعداده وغلبة هواه وطبيعته { عجلنا له
~~فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم
~~يصلها مذموما } عن ذوي العقول

# مدحورا

# [الإسراء: 18] في سخط الله تعالى وقهره { ومن أراد الأخرة }
~~لصفاء استعداده وسلامة فطرته { وسعى لها سعيها } اللائق بها
~~وهو السعي على سبيل الاستقامة وما ترضيه الشريعة، وقال بعضهم: السعي إلى
~~الدنيا بالأبدان والسعي إلى الآخرة بالقلوب والسعي إلى الله تعالى بالهمم
~~{ وهو مؤمن } ثابت الإيمان لا تزعزعه عواصف الشبه

# فأولئك كان سعيهم مشكورا

# [الإسراء: 19] مقبولا مثابا عليه، وعن أبي حفص أن السعي المشكور ما
~~لم يكن مشوبا برياء ولا بسمعة ولا برؤية نفس ولا بطلب عوض بل يكون
~~خالصا لوجهه تعالى لا يشاركه في ذلك شيء فلا تغفل { كلا نمد
~~هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك } لا تأثير لإرادتهم وسعيهم في
~~ذلك وإنما هي معرفات وعلامات لما قدرنا لهم من العطاء، ورأيت في
~~«الفتوحات المكية» أن هذه الآية نحو قوله تعالى:

# فألهمها فجورها وتقواها

# [الشمس: 8] وهو نحو ما تقدم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقد سمعت
~~ما فيه

# وما كان عطاء ربك محظورا

# [الإسراء: 20] عن أحد مطيعا كان أو عاصيا لأن شأنه تعالى شأنه الإفاضة
~~حسبما تقتضيه الحكمة { انظر كيف فضلنا بعضهم على
~~بعض } في الدنيا بمقتضى المشيئة والحكمة

# وللأخرة أكبر درجت وأكبر تفضيلا

# [الإسراء: 21] فهناك ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
~~رزقنا الله تعالى وإياكم ذلك أنه سبحانه الجواد ms05677 المالك.

### || [17.22]

# { لا تجعل مع الله إلها ءاخر } الخطاب للرسول صلى الله
~~عليه وسلم والمراد به أمته على حد إياك أعني فاسمعي يا جارة أو لكل أحد
~~ممن يصلح للخطاب على حد

# ولو ترى إذ وقفوا

# [الأنعام: 27] { فتقعد } بالنصب على النهي. والقعود قيل بمعنى
~~المكث كما تقول هو قاعد في أسوأ حال أي ماكث ومقيم سواء كان / قائما أم
~~جالسا، وقيل بمعنى العجز والعرب تقول: ما أقعدك عن المكارم أي ما أعجزك
~~عنها، وقيل: بمعنى الصيرورة من قولهم: شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة أي
~~صارت. وتعقب هذا أبو حيان بأن مجيء قعد بمعنى صار مقصور عند الأصحاب على
~~هذا المثل ولا يطرد، وقال بعضهم: ان اطرد فإنما يطرد في مثل الموضع الذي
~~استعملته العرب فيه أولا يعني القول المذكور فلا يقال: قعد كاتبا بمعنى
~~صار بل قعد كأنه سلطان لكونه مثل قعدت كأنها حربة، ولعل من فسر القعود
~~هنا بمعنى الصيرورة ذهب مذهب الفراء فإنه كما قال أبو حيان وغيره يقول
~~باطراد ذلك وجعل منه قول الراجز المذكور في «البحر» و«الحواشي الشهابية»
~~ولا حجة فيه، وحكى الكسائي قعد لا يسأل حاجة إلا قضاها واستعمال
~~البغداديين على هذا. ثم إنهم اختلفوا في القعود بمعنى العجز فقيل هو مجاز
~~من القعود ضد القيام كالمقعد بمعنى العاجز عن القيام ثم تجوز به عن مطلق
~~العجز، وقيل هو كناية عن العجز فإن من أراد أخذ شيء يقوم له ومن عجز قعد
~~وأما القعود بمعنى الزمانة فحقيقة والإقعاد مجاز كأن مرضه أقعده وجعل هذا
~~القعود بمعنى المكث حقيقة. وتعقب بأن فيه نظرا إلا أن يريد حقيقة عرفية
~~لا لغوية لأنه ضد القيام وإذا جعل القعود هنا بمعنى العجز فالفعل لازم
~~ومتعلقه محذوف أي فتعجز عن الفوز بالمقصود مثلا.

# و { مذموما مخذولا } إما خبران لتقعد على القول الأخير وإما
~~حالان مترادفان أي فتقعد جامعا على نفسك الخذلان من الله تعالى والذم من
~~الملائكة والمؤمنين أو من ذوي العقول حيث اتخذت محتاجا مفتقرا مثلك لا
~~يملك ms05678 لنفسه نفعا ولا ضرا إلها ونسبت إليه ما لا يصلح له وجعلته
~~شريكا لمن له الكمال الذاتي وهو الذي خلقك ورزقك وأنعم عليك على ما
~~عداه. وجوز أبو حيان أن يراد بالقعود حقيقته لأن من شأن المذموم المخذول
~~أن يقعد حائرا متفكرا وهو من باب التعبير بالحال الغالبة، وفي الآية
~~إشعار بأن الموحد جامع بين المدح والنصرة.

### || [17.23]

# { وقضى ربك } أخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي بن أبي
~~طلحة عن ابن عباس أنه قال: أي أمر { ألا تعبدوا إلا إياه
~~} أي بأن لا تعبدوا الخ على أن (أن) مصدرية والجار قبلها مقدر و(لا)
~~نافية والمراد النهي، ويجوز أن تكون ناهية كما مر ولا ينافيه التأويل
~~بالمصدر كما أسلفناه أو أي لا تعبدوا الخ على أن (أن) مفسرة لتقدم ما
~~تضمن معنى القول دون حروفه و(لا) ناهية لا غير، وجوز بعضهم أن تكون (أن)
~~مخففة واسمها ضمير شأن محذوف و(لا) ناهية أيضا وهو كما ترى وجوز أبو
~~البقاء أن تكون (أن) مصدرية و(لا) زائدة والمعنى الزم ربك عبادته وفيه أن
~~الاستثناء يأبى ذلك. وفي «الكشاف» تفسير قضى بأمر أمرا مقطوعا به وجعل
~~ذلك غير واحد من باب التضمين وجعل المضمن أصلا والمتضمن قيدا وقال
~~بعضهم: أراد أن القضاء مجاز عن الأمر المبتوت الذي لا يحتمل النسخ ولو
~~كان ذلك من التضمين لكان متعلق القضاء الأمر دون المأمور به وإلا لزم أن
~~لا يعبد أحد غير الله تعالى فيحتاج إلى تخصيص الخطاب بالمؤمنين فيرد عليه
~~بأن جميع أوامر الله تعالى بقضائه فلا وجه للتخصيص. وتعقب بأن ما ذكر
~~متوجه لو أريد بالقضاء أخو القدر أما لو أريد به معناه اللغوي الذي هو
~~البت والقطع المشار إليه فلا يرد ما ذكره. ثم إن لزوم أن لا يعبد أحد غير
~~الله تعالى ادعاه ابن عباس فيما يروى للقضاء من غير تفصيل، فقد أخرج أبو
~~عبيد وابن منيع وابن المنذر وابن مردويه من طريق ميمون بن مهران عنه رضي
~~الله تعالى عنه أنه ms05679 قال: أنزل الله تعالى هذا الحرف على لسان نبيكم
~~(ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إيه) فلصقت إحدى
~~الواوين بالصاد فقرأ الناس { وقضى ربك } ولو نزلت / على القضاء
~~ما أشرك به أحد، وأخرج مثل ذلك عنه جماعة من طريق سعيد بن جبير وابن أبي
~~حاتم من طريق الضحاك ورويت هذه القراءة عن ابن مسعود وأبي بن كعب رضي
~~الله تعالى عنهما أيضا وهذا إن صح عجيب من ابن عباس لاندفاع المحذور
~~بمحمل القضاء على الأمر ولا أقل كما هو مروي عنه أيضا نعم قيل إن ذلك
~~معنى مجازي للقضاء وقيل إنه حقيقي. وفي «مفردات» الراغب «القضاء فصل
~~الأمر قولا كان أو فعلا وكل منهما إلهي وبشري فمن القول الإلهي قوله
~~تعالى: { وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إيه } أي
~~أمر ربك» إلى آخر ما قال، ثم إن هذا الأمر عند البعض بمعنى مطلق الطلب
~~ليتناول طلب ترك العبادة لغيره تعالى، ويغني عن هذا التجوز كما قيل إن
~~معنى لا تعبدوا غيره اعبدوه وحده فهو أمر باعتبار لازمه، وإنما اختير ذلك
~~للإشارة إلى أن التخلية بترك ما سواه مقدمة مهمة هنا، وأمر سبحانه أن لا
~~يعبدوا غيره تعالى لأن العبادة غاية التعظيم وهي لا تليق إلا لمن كان في
~~غاية العظمة منعما بالنعم العظام وما غير الله تعالى كذلك، وهذا وما عطف
~~عليه من الأعمال الحسنة كالتفصيل للسعي للآخرة.

# { وبالولدين إحسنا } أي وبأن تحسنوا بهما أو أحسنوا بهما
~~إحسانا، ولعله إذا نظر إلى توحيد الخطاب فيما بعد قدر وأحسن بالتوحيد
~~أيضا، والجار والمجرور متعلق بالفعل المقدر وهو الذي ذهب إليه الزمخشري
~~ومنع تعلقه بالمصدر لأن صلته لا تتقدم عليه، وعلقه الواحدي به فقال
~~الحلبي: إن كان المصدر منحلا بأن والفعل فالوجه ما ذهب إليه الزمخشري
~~وإن جعل نائبا عن الفعل المحذوف فالوجه ما قاله الواحدي، ومذهب الكثير
~~من النحاة جواز تقديم معموله إذا كان ظرفا مطلقا لتوسعهم فيه والجار
~~والمجرور أخوه.

# { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما }
~~إما مركبة من إن ms05680 الشرطية وما المزيدة لتأكيدها. قال الزمخشري: ولذا صح
~~لحوق النون المؤكدة للفعل ولو أفردت إن لم يصح لحوقها واختلف في لحاقها
~~بعد الزيادة فقال أبو إسحق بوجوبه، وعن سيبويه القول بعدم الوجوب
~~ويستشهد له بقول أبي حية النميري:

# فإما ترى لمتى هكذا

# فقد أدرك الفتيات الخفارا

# وعليه قول ابن دريد:

# أما ترى رأسي حاكى لونه

# طرة صبح تحت أذيال الدجى

# ومعنى { عندك } في كنفك وكفالتك، وتقديمه على المفعول مع أن حقه
~~التأخير عنه للتشويق إلى وروده فإنه مدار تضاعف الرعاية والإحسان، و {
~~أحدهما } فاعل للفعل، وتأخيره عن الظرف والمفعول لئلا يطول الكلام
~~به وبما عطف عليه و { كلاهما } معطوف عليه.

# وقرأ حمزة والكسائي (إما يبلغان) فأحدهما على ما في «الكشاف» بدل من ألف
~~الضمير لا فاعل والألف علامة التثنية على لغة أكلوني البراغيث فإنه رد
~~بأن ذلك مشروط بأن يسند الفعل للمثنى نحو قاما أخواك أو لمفرق بالعطف
~~بالواو خاصة على خلاف فيه نحو قاما زيد وعمرو وما هنا ليس كذلك. واستشكلت
~~البدلية بأن { أحدهما } على ذلك بدل بعض من كل لا كل من كل لأنه ليس
~~عينه و { كلاهما } معطوف عليه فيكون بدل كل من كل لكنه خال عن
~~الفائدة على أن عطف بدل الكل على غيره مما لم نجده. وأجيب بأنا نسلم أنه
~~لم يفد البدل / زيادة على المبدل منه لكنه لا يضر لأنه شأن التأكيد ولو
~~سلم أنه لا بد من ذلك ففيه فائدة لأنه بدل مقسم كما قاله ابن عطية فهو
~~كقوله:

# فكنت كذي رجلين رجل صحيحة

# وأخرى رمى فيها الزمان فشلت

# وتعقب بأنه ليس من البدل المذكور لأنه شرطه العطف بالواو وأن لا يصدق
~~المبدل منه على أحد قسميه وهنا قد صدق على أحدهما، وبالجملة هذا الوجه لا
~~يخلو عن القيل والقال، وعن أبي علي الفارسي أن { أحدهما } بدل من
~~ضمير التثنية و { كلاهما } تأكيد للضمير، وتعقب بأن التأكيد لا يعطف
~~على البدل كما لا يعطف على غيره وبأن أحدهما لا يصلح تأكيدا للمثنى ولا ms05681
~~غيره فكذا ما عطف عليه وبأن بين إبدال بدل البعض منه وتوكيده تدافعا لأن
~~التأكيد يدفع إرادة البعض منه، ومن هنا قال في «الدر المصون» لا بد من
~~إصلاحه بأن يجعل «أحدهما» بدل بعض من كل ويضمر بعده فعل رافع لضمير تثنية
~~و { كلاهما } توكيد له والتقدير أو يبلغان كلاهما وهو من عطف الجمل
~~حينئذ لكن فيه حذف المؤكد وإبقاء تأكيده وقد منعه بعض النحاة وفيه كلام
~~في مفصلات العربية، ولعل المختار إضمار فعل لم يتصل به ضمير التثنية وجعل
~~{ كلاهما } فاعلا له فإنه سالم عما سمعت في غيره ولذا اختاره في
~~«البحر»، وتوحيد ضمير الخطاب في { عندك } وفيما بعده مع أن ما صرح به
~~فيما سبق على الجمع للاحتراز عن التباس المراد وهو نهي كل أحد عن تأفيف
~~والديه ونهرهما فإنه لو قوبل الجمع بالجمع أو التثنية بالتثنية لم يحصل
~~ذلك، وذكر أنه وحد الخطاب في

# لا تجعل

# [الإسراء: 22] للمبالغة وجمع في { ألا تعبدوا إلا إياه
~~} لأنه أوفق لتعظيم أمر القضاء.

# { فلا تقل لهما } أي لواحد منهما حالتي الانفراد والاجتماع {
~~أف } هو اسم صوت ينبىء عن التضجر أو اسم فعل هو أتضجر واسم الفعل بمعنى
~~المضارع وكذا بمعنى الماضي قليل والكثير بمعنى الأمر وفيه نحو من أربعين
~~لغة والوارد من ذلك في القراآت سبع ثلاث متواترة وأربع شاذة. فقرأ نافع
~~وحفص بالكسر والتنوين وهو للتنكير فالمعنى أتضجر تضجرا ما وإذا لم ينون
~~دل على تضجر مخصوص. وقرأ ابن كثير. وابن عامر بالفتح دون تنوين، والباقون
~~بالكسر دون تنوين وهو على أصل التقاء الساكنين والفتح للخفة ولا خلاف
~~بينهم في تشديد الفاء. وقرأ نافع في رواية عنه بالرفع والتنوين، وأبو
~~السمال بالضم للاتباع من غير تنوين، وزيد بن علي رضي الله تعالى عنه
~~بالنصب والتنوين، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالسكون، ومحصل المعنى
~~لا تتضجر مما يستقذر منهما وتستثقل من مؤنهما، والنهي عن ذلك يدل على
~~المنع من سائر أنواع الإيذاء قياسا جليا لأنه يفهم بطريق الأولى ويسمى
~~مفهوم ms05682 الموافقة ودلالة النص وفحوى الخطاب، وقيل يدل على ذلك حقيقة
~~ومنطوقا في عرف اللغة كقولك: فلان لا يملك النقير والقطمير فإنه يدل
~~كذلك على أنه لا يملك شيئا قليلا أو كثيرا، وخص بعض أنواع الإيذاء
~~بالذكر في قوله تعالى: { ولا تنهرهما } للاعتناء بشأنه، والنهر
~~كما قال الراغب الزجر بإغلاظ، وفي «الكشاف» النهي والنهر والنهم أخوات أي
~~لا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك.

# وقال الإمام: المراد من قوله تعالى: { فلا تقل لهمآ أف }
~~المنع من إظهار الضجر القليل والكثير والمراد من قوله سبحانه { ولا
~~تنهرهما } المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد عليهما
~~والتكذيب لهما ولذا روعي هذا الترتيب وإلا فالمنع من التأفيف يدل على
~~المنع من النهر بطريق الأولى فيكون ذكره بعده عبثا فتأمل.

# { وقل لهما } بدل التأفيف والنهر { قولا كريما } أي جميلا
~~لا شراسة فيه، قال الراغب: كل شيء يشرف / في بابه فإنه يوصف بالكرم، وجعل
~~ذلك بعض المحققين من وصف الشيء باسم صاحبه أي قولا صادرا عن كرم ولطف
~~ويعود بالآخرة إلى القول الجميل الذي يقتضيه حسن الأدب ويستدعيه النزول
~~على المروءة مثل أن يقول يا أبتاه ويا أماه ولا يدعوهما بأسمائهما فإنه
~~من الجفاء وسوء الأدب، وليس القول الكريم مخصوصا بذلك كما يوهمه اقتصار
~~الحسن فيما أخرجه عنه ابن أبي حاتم عليه فإنه من باب التمثيل، وكذا ما
~~أخرج عن زهير بن محمد أنه قال فيه: إذا دعواك فقل لبيكما وسعديكما. وأخرج
~~هو وابن جرير وابن المنذر عن أبي الهداج أنه قال: قلت لسعيد بن المسيب
~~كل ما ذكر الله تعالى في القرآن من بر الوالدين فقد عرفته إلا قوله
~~سبحانه: { وقل لهما قولا كريما } ما هذا القول الكريم؟ فقال
~~ابن المسيب قول العبد المذنب للسيد الفظ.

### || [17.24]

# { واخفض لهما جناح الذل } أي تواضع لهما وتذلل وفيه وجهان.
~~الأول: أن يكون على معنى جناحك الذليل ويكون { جناح الذل } بل خفض
~~الجناح تمثيلا في التواضع وجاز أن يكون استعارة في المفرد وهو الجناح
~~ويكون الخفض ms05683 ترشيحا تبعيا أو مستقلا، الثاني أن يكون من قبيل قول
~~لبيد:

# وغداة ريح قد كشفت وقرة

# إذ أصبحت بيد الشمال زمامها

# فيكون في الكلام استعارة مكنية وتخييلية بأن يشبه الذل بطائر منحط من
~~علو تشبيها مضمرا ويثبت له الجناح تخييلا والخفض ترشيحا فإن الطائر
~~إذا أراد الطيران والعلو نشر جناحيه ورفعهما ليرتفع فإذا ترك ذلك خفضهما،
~~وأيضا هو إذا رأى جارحا يخافه لصق بالأرض وألصق جناحيه وهي غاية خوفه
~~وتذلله. وقيل المراد بخفضهما ما يفعله إذا ضم فراخه للتربية وأنه أنسب
~~بالمقام. وفي «الكشف» أن في الكلام استعارة بالكناية ناشئة من جعل الجناح
~~الذل ثم المجموع كما هو مثل في غاية التواضع ولما أثبت لذله جناحا أمره
~~بخفضه تكميلا وماعسى يختلج في بعض الخواطر من أنه لما أثبت لذله جناحا
~~فالأمر برفع ذلك الجناح أبلغ في تقوية الذل من خفضه لأن كمال الطائر عند
~~رفعه فهو ظاهر السقوط إذا جعل المجموع تمثيلا لأن الغرض تصوير الذل كأنه
~~مشاهد محسوس، وأما على الترشيح فهو وهم لأن جعل الجناح المخفوض للذل يدل
~~على التواضع وأما جعل الجناح وحده فليس بشيء ولهذا جعل تمثيلا فيما سلف.
~~وقرأ سعيد بن جبير { من الذل } بكسر الذال وهو الانقياد وأصله في الدواب
~~والنعت منه ذلول وأما الذل بالضم فأصله في الإنسان وهو ضد العز والنعت
~~منه ذليل.

# { من الرحمة } أي من فرط رحمتك عليهما فمن ابتدائية على سبيل
~~التعليل، قال في «الكشف» ولا يحتمل البيان حتى يقال لو كان كذا لرجعت
~~الاستعارة إلى التشبيه إذ جناح الذل ليس من الرحمة أبدا بل خفض جناح
~~الذل جاز أن يقال إنه رحمة وهذا بين، واستفادة المبالغة من جعل جنس
~~الرحمة مبدأ للتذلل فإنه لا ينشأ إلا من رحمة تامة، وقيل من كون التعريف
~~للاستغراق وليس بذاك، وإنما احتاجا إلى ذلك لافتقارهما إلى من كان أفقر
~~الخلق إليهما واحتياج المرء إلى من كان محتاجا إليه غاية الضراعة
~~والمسكنة فيحتاج إلى أشد رحمة، ولله تعالى در الخفاجي حيث يقول:

# يا ms05684 من أتى يسأل عن فاقتي

# ما حال من يسأل من سائله

# ما ذلة السلطان إلا إذا

# أصبح محتاجا إلى عامله

# { وقل رب ارحمهما } وادع الله تعالى أن يرحمهما برحمته
~~الباقية وهي رحمة الآخرة ولا تكتف برحمتك الفانية وهي ما تضمنها الأمر
~~والنهي السالفان. وخصت الرحمة الأخروية بالإرادة لأنها الأعظم المناسب
~~طلبه من العظيم ولأن الرحمة الدنيوية حاصلة عموما لكل أحد؛ وجوز أن يراد
~~ما يعم الرحمتين.

# وأيا ما كان فهذه الرحمة التي في الدعاء قيل إنها مخصوصة بالأبوين
~~المسلمين، وقيل عامة منسوخة بآية النهي عن الاستغفار، وقيل عامة ولا نسخ
~~لأن تلك الآية بعد الموت وهذه قبله ومن رحمة الله تعالى لهما أن يهديهما
~~للإيمان فالدعاء بها مستلزم للدعاء به ولا ضير فيه. والقول بالنسخ أخرجه
~~البخاري في «الأدب المفرد» وأبو داود وابن جرير وابن المنذر من طرق عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

# { كما ربيانى } الكاف للتشبيه، والجار والمجرور صفة مصدر مقدر أي
~~رحمة مثل تربيتهما لي أو مثل رحمتهما لي على أن التربية رحمة، وجوز أن
~~يكون لهما الرحمة والتربية معا وقد ذكر أحدهما في أحد الجانبين والآخر
~~في الآخر كما يلوح به التعرض لعنوان الربوبية في مطلع الدعاء كأنه قيل:
~~رب ارحمهما وربهما كما رحماني وربياني { صغيرا } وفيه بعد. وجوز أن
~~تكون الكاف للتعليل أي لأجل تربيتهما لي وتعقب بأنه مخالف لمعناها
~~المشهور مع إفادة التشبيه ما أفاده التعليل. وقال الطيبي: إن الكاف
~~لتأكيد الوجود كأنه قيل رب ارحمهما رحمة محققة مكشوفة لا ريب فيها كقوله
~~تعالى:

# مثل ما أنكم تنطقون

# [الذاريات: 23] قال في «الكشف» وهو وجه حسن وأما الحمل على أن (ما)
~~المصدرية جعلت حينا أي ارحمهما في وقت أحوج ما يكونان إلى الرحمة كوقت
~~رحمتهما علي في حال الصغر وأنا كلحم على وضم وليس ذلك إلا في القيامة
~~والرحمة هي الجنة والبت بأن هذا هو التحقيق فليت شعري ألاستقامة وجهه في
~~العربية ارتضاه أم لطباقه للمقام وفخامة معناه اه وهو كما أشار إليه ليس ms05685
~~بشيء يعول عليه.

# والظاهر أن الأمر للوجوب فيجب على الولد أن يدعو لوالديه بالرحمة،
~~ومقتضى عدم إفادة الأمر التكرار أنه يكفي في الامتثال مرة واحدة، وقد سئل
~~سفيان كم يدعو الإنسان لوالديه في اليوم مرة أو في الشهر أو في السنة؟
~~فقال: نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في آخر التشهدات كما أن الله تعالى
~~قال:

# يأيها الذين ءامنوا صلوا عليه

# [الأحزاب: 56] فكانوا يرون التشهد يكفي في الصلاة على النبي صلى الله
~~عليه وسلم وكما قال سبحانه:

# واذكروا الله فى أيام معدودت

# [البقرة: 203] ثم يكبرون في أدبار الصلاة.

# هذا وقد بالغ عز وجل في التوصية بهما من وجوه لا تخفى ولو لم يكن سوى أن
~~شفع الإحسان إليهما بتوحيده سبحانه ونظمهما في سلك القضاء بهما معا
~~لكفى، وقد روى ابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال:

# " رضا الله تعالى في رضا الوالدين وسخط الله تعالى في سخط الوالدين "

# وصح

# " أن رجلا جاء يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد معه فقال:
~~أحي والداك؟ قال: نعم قال: ففيهما فجاهد "

# وجاء أنه عليه الصلاة والسلام قال:

# " لو علم الله تعالى شيئا أدنى من الأف لنهى عنه فليعمل العاق ما شاء
~~أن يعمل فلن يدخل الجنة وليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار "

# ورأى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما رجلا يطوف بالكعبة حاملا أمه على
~~رقبته فقال: يا ابن عمر أتراني جزيتها؟ قال: لا ولا بطلقة واحدة ولكنك
~~أحسنت والله تعالى يثيبك على القليل كثيرا.

# / وروى مسلم وغيره

# " لا يجزى ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه "

# وروى البيهقي في «الدلائل». والطبراني في «الأوسط» و«الصغير» بسند فيه
~~من لا يعرف عن جابر قال:

# " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أبي
~~أخذ مالي فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فاذهب فأتني بأبيك فنزل
~~جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله ms05686 تعالى
~~يقرئك السلام ويقول: إذا جاءك الشيخ فسله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته
~~أذناه فلما جاء الشيخ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بال ابنك
~~يشكوك تريد أن تأخذ ماله؟ قال: سله يا رسول الله هل أنفقته إلا على عماته
~~وخالاته أو على نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ايه دعنا من هذا
~~أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك فقال الشيخ: والله يا رسول
~~الله ما يزال الله تعالى يزيدنا بك يقينا لقد قلت في نفسي شيئا ما
~~سمعته أذناي فقال: قل وأنا أسمع فقال: قلت: "

# غذوتك مولودا ومنتك يافعا

# تعل بما أجني عليك وتنهل

# إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت

# لسقمك إلا ساهرا أتملل

# كأني أنا المطروق دونك بالذي

# طرقت به دوني فعيني تهمل

# تخاف الردى نفسي عليك وإنها

# لتعلم أن الموت وقت مؤجل

# فلما بلغت السن والغاية التي

# إليها مدى ما كنت فيها أؤمل

# جعلت جزائي غلظة وفظاظة

# كأنك أنت المنعم المتفضل

# فليتك إذ لم ترع حق أبوتي

# فعلت كما الجار المجاور يفعل

# تراه معدا للخلاف كأنه

# برد على أهل الصواب موكل

# " قال: فحينئذ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه وقال: «أنت
~~ومالك لأبيك "

# والأم مقدمة في البر على الأب فقد روى الشيخان

# " يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك قال: ثم من؟ قال:
~~أمك قال: ثم من؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أبوك "

# ولا يختص البر بالحياة بل يكون بعد الموت أيضا. فقد روى ابن ماجه

# " يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: نعم
~~الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإيفاء عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي
~~لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما "

# ورواه ابن حبان في «صحيحه» بزيادة «قال الرجل: ما أكثر هذا يا رسول الله
~~وأطيبه قال: فاعمل به». وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " إن العبد ليموت والداه أو ms05687 أحدهما وإنه لهما لعاق فلا يزال يدعو لهما
~~ويستغفر لهما حتى يكتبه الله تعالى بارا "

# وأخرج عن الأوزاعي قال: بلغني أن من عق والديه في حياتهما ثم قضى دينا
~~إن كان عليهما واستغفر لهما ولم يستسب لهما كتب بارا ومن بر والديه في
~~حياتهما ثم لم يقض دينا إن كان عليهما ولم يستغفر لهما واستسب لهما كتب
~~عاقا» وأخرج هو أيضا وابن أبي الدنيا عن محمد بن النعمان يرفعه إلى
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب برا "

# وروى مسلم أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لقيه رجل بطريق مكة فسلم
~~عليه ابن عمر وحمله على حمار كان يركبه وأعطاه عمامة كانت على رأسه فقال
~~ابن دينار فقلت له: أصلحك الله تعالى إنهم الأعراب وهم يرضون باليسير
~~فقال: إن أبا هذا كان ودا لعمر بن الخطاب وإني سمعت رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم يقول:

# " إن من أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه "

# / وأخرج ابن حبان في «صحيحه» عن أبي بردة رضي الله تعالى عنه قال: قدمت
~~المدينة فأتاني عبد الله بن عمر فقال: أتدري لم أتيتك؟ قال: قلت لا قال:
~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه من بعده "

# وإنه كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاء وود فأحببت أن أصل ذلك.

# وقد ورد في فضل البر ما لا يحصى كثرة من الأحاديث، وصح عد العقوق من
~~أكبر الكبائر وكونه منها هو ما اتفقوا عليه وظاهر كلام الأكثرين بل صريحه
~~أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الوالدان كافرين وإن يكونا مسلمين،
~~والتقييد بالمسلمين في الحديث الحسن

# " أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر فقال: تسع أعظمهن الإشراك وقتل
~~النفس المؤمنة بغير حق والفرار من الزحف وقذف المحصنة والسحر وأكل مال
~~اليتيم وأكل الربا وعقوق الوالدين المسلمين "

# ، إما لأن عقوقهما أقبح والكلام هناك ms05688 في ذكر الأعظم على أحد التقديرين
~~في عطف وقتل المؤمن وما بعده وإما لأنهما ذكرا للغالب كما في نظائر أخر.

# وللحليمي ههنا تفصيل مبني على رأي له ضعيف وهو أن العقوق كبيرة فإن كان
~~معه نحو سب ففاحشة وإن كان عقوقه هو استثقاله لأمرهما ونهيهما والعبوس في
~~وجوههما والتبرم بهما مع بذل الطاعة ولزوم الصمت فصغيرة فإن كان ما يأتيه
~~من ذلك يلجئهما إلى أن ينقبضا فيتركا أمره ونهيه ويلحقهما من ذلك ضرر
~~فكبيرة.

# وبينهم في حد العقوق خلاف ففي «فتاوى البلقيني» مسألة قد ابتلى الناس
~~بها واحتيج إلى بسط الكلام عليها وإلى تفاريعها ليحصل المقصود في ضمن ذلك
~~وهي السؤال عن ضابط الحد الذي يعرف به عقوق الوالدين إذ الإحالة على
~~العرف من غير مثال لا يحصل المقصود إذ الناس تحملهم أغراضهم على أن
~~يجعلوا ما ليس بعرف عرفا فلا بد من مثال ينسج على منواله وهو أنه مثلا
~~لو كان له على أبيه حق شرعي فاختار أن يرفعه إلى الحاكم ليأخذ حقه منه
~~ولو حبسه فهل يكون ذلك عقوقا أو لا؟ أجاب هذا الموضع قال فيه بعض
~~الأكابر: إنه يعسر ضبطه وقد فتح الله تعالى بضابط أرجو من فضل الفتاح
~~العليم أن يكون حسنا فأقول: العقوق لأحد الوالدين هو أن يؤذيه بما لو
~~فعله مع غيره كان محرما من جملة الصغائر فينتقل بالنسبة إليه إلى
~~الكبائر أو أن يخالف أمره أو نهيه فيما يدخل منه الخوف على الولد من فوت
~~نفسه أو عضو من أعضائه ما لم يتهم الوالد في ذلك أو أن يخالفه في سفر يشق
~~على الوالد وليس بفرض على الولد أو في غيبة طويلة فيما ليس بعلم نافع ولا
~~كسب فيه أو فيه وقيعة في العرض لها وقع. وبيان هذا الضابط أن قولنا: أن
~~يؤذي الولد أحد والديه بما لو فعله مع غير والديه كان محرما فمثاله لو
~~شتم غير أحد والديه أو ضربه بحيث لا ينتهي الشتم أو الضرب إلى الكبيرة
~~فإنه يكون المحرم ms05689 المذكور إذا فعله الولد مع أحد والديه كبيرة، وخرج
~~بقولنا: أن يؤذى ما لو أخذ فلسا أو شيئا يسيرا من مال أحد والديه فإنه
~~لا يكون كبيرة وإن كان لو أخذه من مال غير والديه بغير طريق معتبرا كان
~~حراما لأن أحد الوالدين لا يتأذى بمثل ذلك لما عنده من الشفقة والحنو فإن
~~أخذ مالا كثيرا بحيث يتأذى المأخوذ منه من الوالدين بذلك فإنه يكون
~~كبيرة في حق الأجنبي فكذلك هنا لكن الضابط فيما يكون حراما صغيرة
~~بالنسبة إلى غير الوالدين، وخرج بقولنا: ما لو فعله مع غير أحد الوالدين
~~كان محرما نحو ما إذا طالب بدين فإن هذا لا يكون عقوقا لأنه إذا فعله
~~مع غير الوالدين لا يكون محرما فافهم ذلك فإنه من النفائس.

# وأما الحبس فإن فرعناه على جواز حبس الوالد بدين الولد كما صححه جماعة
~~فقد طلب ما هو جائز فلا عقوق وإن فرعنا على منع حبسه المصحح عند آخرين /
~~فالحاكم إذا كان معتقده ذلك لا يجيب إليه ولا يكون الولد بطلب ذلك عاقا
~~إذا كان معتقدا الوجه الأول فإن اعتقد المنع وأقدم عليه كان كما لو طلب
~~حبس من لا يجوز حبسه من الأجانب لإعسار ونحوه فإذا حبسه الولد واعتقاده
~~المنع كان عاقا لأنه لو فعله مع غير والده حيث لا يجوز كان حراما، وأما
~~مجرد الشكوى الجائزة والطلب الجائز فليس من العقوق في شيء، وقد شكا بعض
~~ولد الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينهه عليه الصلاة
~~والسلام وهو الذي لا يقر على باطل. وأما إذا نهر أحد والديه فإنه إذا فعل
~~ذلك مع غير الوالدين وكان محرما كان في حق أحد الوالدين كبيرة وإن لم
~~يكن محرما، وكذا أف فإن ذلك يكون صغيرة في حق أحد الوالدين ولا يلزم من
~~النهي عنهما والحال ما ذكر أن يكونا من الكبائر؛ وقولنا أو أن يخالف أمره
~~ونهيه فيما يدخل منه الخوف الخ أردنا به السفر للجهاد ونحوه من الأسفار
~~الخطرة لما يخاف ms05690 من فوات نفس الولد أو عضو من أعضائه لشدة تفجع الوالدين
~~على ذلك، وقد ثبت

# " عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمرو في الرجل الذي
~~جاء يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم للجهاد أنه عليه الصلاة والسلام
~~قال له: أحي والداك؟ قال: نعم قال: ففيهما فجاهد "

# ، وفي رواية

# " ارجع إليهما ففيهما المجاهدة "

# ، وفي أخرى

# " جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان فقال: ارجع فاضحكهما كما
~~أبكيتهما "

# ، وفي إسناده عطاء بن السائب لكن من رواية سفيان عنه. وروى أبو سعيد
~~الخدري

# " أن رجلا هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل لك أحد
~~باليمن؟ قال: أبواي قال: أذنا لك قال: لا قال: فارجع فاستأذنهما فإن أذنا
~~لك فجاهد وإلا فبرهما "

# ورواه أبو داود وفي إسناده من اختلف في توثيقه. وقولنا: ما لم يتهم
~~الوالد في ذلك أخرجنا به ما لو كان الوالد كافرا فإنه لا يحتاج الولد
~~إلى إذنه في الجهاد ونحوه. وحيث اعتبرنا إذن الوالد فلا فرق بين أن يكون
~~حرا أو عبدا، وقولنا: أو أن يخالفه في سفر الخ أردنا به السفر لحج
~~التطوع حيث كان فيه مشقة وأخرجنا بذلك حج الفرض وإذا كان فيه ركوب البحر
~~يجب ركوبه عند غلبة السلامة فظاهر الفقه أنه لا يجب الاستئذان ولو قيل
~~بوجوبه لما عند الوالد من الخوف في ركوب البحر وإن غلبت السلامة لم يكن
~~بعيدا، وأما سفره للعلم المتعين أو لفرض الكفاية فلا منع منه وإن كان
~~يمكنه التعلم في بلده خلافا لمن اشترط ذلك لأنه قد يتوقع في السفر فراغ
~~قلب وإرشاد أستاذ ونحو ذلك فإن لم يتوقع شيئا من ذلك احتاج إلى
~~الاستئذان وحيث وجبت النفقة للوالد على الولد وكان في سفره تضييع للواجب
~~فللوالد المنع، وأما إذا كان الولد بسفره يحصل وقيعة في العرض لها وقع
~~بأن يكون أمرد ويخاف من سفره تهمة فإنه يمنع من ذلك وذلك في الأنثى أولى،
~~وأما مخالفة أمره ونهيه فيما لا يدخل على ms05691 الولد فيه ضرر بالكلية وإنما هو
~~مجرد إرشاد للولد فلا تكون عقوقا وعدم المخالفة أولى اه كلام البلقيني.

# وذكر بعض المحققين: أن العقوق فعل ما يحصل منه لهما أو لأحدهما إيذاء
~~ليس بالهين عرفا ويحتمل أن العبرة بالمتأذي لكن لو كان الوالد مثلا في
~~غاية الحمق أو سفاهة العقل فأمر أو نهى ولده بما لا يعد مخالفته فيه في
~~العرف عقوقا لا يفسق ولده بمخالفته حينئذ لعذره وعليه فلو كان متزوجا
~~بمن يحبها فأمره بطلاقها ولو لعدم عفتها فلم يمتثل لأمره لا إثم عليه،
~~نعم الأفضل طلاقها امتثالا لأمر والده، فقد روى ابن حبان في «صحيحيه» أن
~~رجلا أتى أبا الدرداء فقال: إن أبي لم يزل بي حتى زوجني امرأة وإنه
~~الآن يأمرني بفراقها قال: ما أنا بالذي آمرك أن تعق والديك ولا بالذي
~~آمرك أن تطلق زوجتك غير أنك إن شئت حدثتك بما سمعت عن رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم سمعته يقول:

# " الوالد أوسط أبواب الجنة "

# فحافظ / على ذلك إن شئت أو دع. وروى أصحاب «السنن الأربعة» وابن حبان في
~~«صحيحه» وقال الترمذي حديث حسن صحيح

# " عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كان تحتي امرأة أحبها وكان عمر
~~يكرهها فقال لي طلقها فأبيت فأتى عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر
~~ذلك له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طلقها "

# ، وكذا سائر أوامره التي لا حامل لها إلا ضعف عقله وسفاهة رأيه ولو عرضت
~~على أرباب العقول لعدوها متساهلا فيها ولرأوا أنه لا إيذاء بمخالفتها ثم
~~قال: هذا هو الذي يتجه في تقرير الحد. وتعقب ما نقل عن البلقيني بأن
~~تخصيصه العقوق بفعل المحرم الصغيرة بالنسبة للغير فيه وقفة بل ينبغي أن
~~المدار على ما ذكر من أنه لو فعل معه ما يتأذى به تأذيا ليس بالهين
~~عرفا كان كبيرة وإن لم يكن محرما لو فعله مع الغير كأن يلقاه فيقطب في
~~وجهه أو يقدم عليه في ملأ فلا يقوم إليه ولا يعبأ به ms05692 ونحو ذلك مما يقضي
~~أهل العقل والمروءة من أهل العرف بأنه مؤذ إيذاء عظيما فتأمل.

# ثم إن السبب في تعظيم أمر الوالدين أنهما السبب الظاهري في إيجاده
~~وتعيشه ولا يكاد تكون نعمة أحد من الخلق على الولد كنعمة الوالدين عليه.
~~لا يقال عليه: إن الوالدين إنما طلبا تحصيل اللذة لأنفسهما فلزم منه دخول
~~الولد في الوجود ودخوله في عالم الآفات والمخافات فأي إنعام لهما عليه،
~~وقد حكى أن واحدا من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول: هو الذي
~~أدخلني في عالم الكون والفساد وعرضني للموت والفقر والعمى والزمانة، وقيل
~~لأبي العلاء المعري ولم يكن ذا ولد: ما نكتب على قبرك فقال: اكتبوا
~~عليه:

# هذا جناه أبي علي

# وما جنيت على أحد

# وقال في ترك التزوج وعدم الولد:

# وتركت فيهم نعمة العدم التي

# سبقت وصدت عن نعيم العاجل

# ولو أنهم ولدوا لنالوا شدة

# ترمي بهم في موبقات الآجل

# وقال ابن رشيق:

# قبح الله لذة لشقانا

# نالها الأمهات والآباء

# نحن لولا الوجود لم نألم الفق

# د فإيجادنا علينا بلاء

# وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم منة عليك أم والدك؟ فقال: الأستاذ أعظم منة
~~لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعليمي حتى أوقفني على نور العلم
~~وأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى عالم الكون
~~والفساد لأنا نقول: هب أنه في أول الأمر كان المطلوب لذة الوقاع إلا أن
~~الاهتمام بإيصال الخيرات ودفع الآفات من أول دخول الولد في الوجود إلى
~~وقت بلوغه الكبر أعظم من جميع ما يتخيل من جهات الخيرات والمبرات، وقد
~~يقال: لو كان الإدخال في عالم الكون والفساد والتعريض للأكدار والأنكاد
~~دافعا لحق الوالدين لزم أن يكون دافعا لحق الله تعالى لأنه سبحانه
~~الفاعل الحقيقي، وأيضا يعارض ذلك التعريض التعريض للنعيم المقيم والثواب
~~العظيم كما لا يخفى على ذي العقل السليم، ولعمري أن إنكار حقهما إنكار
~~لأجلى الأمور ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.

### || [17.25]

# { ربكم أعلم بما فى نفوسكم } من قصد البر إليهما ms05693
~~وانعقاد ما يجب من التوقير لهما، وهو على ما قيل تهديد على أن يضمر لهما
~~كراهة واستثقالا. وفي «الكشف» أنه كالتعليل لما أكد عليهم من الإحسان
~~إلى الوالدين بأن الله تعالى أعلم بما في ضمائرهم من ذلك فمجازيهم على
~~حسبه. والظاهر أنه / وعد لمن أضمر البر ووعيد لغيره لكن غلب ذلك الجانب
~~لأن الكلام بالأصالة فيه { إن تكونوا صلحين } قاصدين الصلاح
~~والبر دون العقوق والفساد { فإنه } تعالى شأنه { كان
~~للأوابين } أي الرجاعين إليه تعالى التائبين عما فرط منهم مما لا
~~يكاد يخلو منه البشر { غفورا } لما وقع منهم من نوع تقصير أو أذية.
~~وهذا كما في «الكشف» تيسير بعد التأكيد والتعسير مع تضييق وتحذير وذلك
~~أنه شرط في البادرة التي تقع على الندرة قصد الصلاح وعبر عنه بنفس الصلاح
~~ولم يصرح بصدورها بل رمز إليه بقوله تعالى: { فإنه كان
~~للأوابين غفورا } لدلالة المغفرة على الذنب والأواب أيضا فإن
~~التوبة عن ذنب يكون بشرط قصد الصلاح وأن يتوب عنه مع ذلك التوبة البالغة،
~~وهو استئناف ثان يقتضيه مقام التأكيد والتشديد كأنه قيل: كيف نقوم بحقهما
~~وقد يندر بوادر؟ فقيل إذا بنيتم الأمر على الأساس وكان المستمر ذلك ثم
~~اتفق بادرة من غير قصد إلى المساءة فلطف الله تعالى يحجز دون عذابه
~~قائما بالكلاءة، وكون الآية في البادرة تكون من الرجل إلى والديه مروي
~~عن ابن جبير، وجوز أن تكون عامة لكل تائب ويندرج الجاني على أبويه التائب
~~من جنايته اندراجا أوليا.

### || [17.26]

# { وءات ذا القربى } أي ذا القرابة منك { حقه } الثابت له.
~~قيل ولعل المراد بذي القربى المحارم وبحقهم النفقة عليهم إذا كانوا
~~فقراء عاجزين عن الكسب عما ينبىء عنه قوله تعالى: { والمسكين
~~وابن السبيل } فإن المأمور به في حقهما المواساة المالية أي
~~وآتهما حقهما مما كان مفترضا بمكة بمنزلة الزكاة وكذا النهي عن التبذير
~~وعن الإفراط في القبض والبسط فإن الكل من التصرفات المالية. واستدل بعضهم
~~بالآية على إيجاب نفقة المحارم المحتاجين وإن لم يكونوا أصلا كالوالدين
~~ولا فرعا كالولد، ms05694 والكلام من باب التعميم بعد التخصيص فإن ذا القربى
~~يتناول الوالدين لغة وإن لم يتناوله عرفا فلذا قالوا في باب الوصية
~~المبنية على العرف: لو أوصى لذوي قرابته لا يدخلان. وفي «المعراج» عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم

# " من قال لأبيه قربى فقد عقه "

# ، والغرض من ذلك تناول غيرهما من الأقارب والتوصية بشأنه. وفي «الكشف»
~~أن الحق أن إيتاء الحق عام والمقام يقتضي الشمول فيتناول الحق المالي
~~وغيره من الصلة وحسن المعاشرة فلا تنتهض الآية دليلا على إيجاب نفقة
~~المحارم. وتعقب أن قوله تعالى: { حقه } يشعر باستحقاق ذلك لاحتياجه
~~مع أنه إذا عم دخل فيه المالي وغيره فكيف لا تنتهض الآية دليلا وأنا ممن
~~يقول بالعموم وعدم اختصاص ذي القربى بذي القرابة الولادية، والعطف وكذا
~~ما بعده لا يدل على تخصيص قطعا فتدبر. وقيل: المراد بذي القربى أقارب
~~الرسول صلى الله عليه وسلم وروي ذلك عن السدي، وأخرج ابن جرير عن علي بن
~~الحسين رضي الله تعالى عنهما أنه قال لرجل من أهل الشام: أقرأت القرآن؟
~~قال: نعم قال: أفما قرأت في بني إسرائيل { وءات ذا القربى
~~حقه }؟ قال: وإنكم القرابة الذي أمر الله تعالى أن يؤتى حقه؟ قال:
~~نعم، ورواه الشيعة عن الصادق رضي الله تعالى عنه وحقهم توقيرهم وإعطاؤهم
~~الخمس. وضعف بأنه لا قرينة على التخصيص، وأجيب بأن الخطاب قرينة وفيه
~~نظر. وما أخرجه البزار وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي
~~سعيد الخدري من أنه لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فاطمة فأعطاها فدكا لا يدل على تخصيص الخطاب به عليه الصلاة والسلام على
~~أن في القلب من صحة الخبر شيء بناء على أن السورة مكية وليست هذه الآية
~~من المستثنيات وفدك لم تكن إذ ذاك تحت تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~بل طلبها رضي الله تعالى عنها ذلك إرثا بعد وفاته عليه الصلاة والسلام
~~كما هو المشهور يأبى القول / بالصحة كما لا يخفى.

# { ولا تبذر تبذيرا } نهي ms05695 عن صرف المال إلى من لا يستحقه فإن
~~التبذير إنفاق في غير موضعه مأخوذ من تفريق البذر وإلقائه في الأرض كيفما
~~كان من غير تعهد لمواقعه.

# وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي
~~في «الشعب» عن ابن مسعود أنه قال: التبذير إنفاق المال في غير حقه. وفي
~~«مفردات الراغب» وغيره أن أصله إلقاء البذر وطرحه ثم استعير لتضييع
~~المال، وعد من ذلك بعضهم تشييد الدار ونحوه، وفرق الماوردي بينه وبين
~~الإسراف بأن الإسراف تجاوز في الكمية وهو جهل بمقادير الحقوق والتبذير
~~تجاوز في موقع الحق وهو جهل بالكيفية وبمواقعها وكلاهما مذموم والثاني
~~أدخل في الذم. وفسر الزمخشري التبذير هنا بتفريق المال فيما لا ينبغي
~~وإنفاقه على وجه الإسراف، وذكر أن فيه إشارة إلى أن التبذير شامل للإسراف
~~في عرف اللغة ويراد منه حقيقة وإن فرق بينهما بما فرق. وفي «الكشف» بعد
~~نقل الفرق والنص على أن الثاني أدخل في الذم أن الزمخشري لم يغب ذلك عليه
~~لأن الاشتقاق يرشد إليه وإنما أراد أنه في الآية يتناول الإسراف أيضا
~~بطريق الدلالة إذ لا يفترقان في الأحكام لا سيما وقد عقبه سبحانه بالحث
~~على الاقتصاد المناسب لاعتبار الكمية المرشد إلى إرادته من النص. وتعقب
~~بأنه إذا كان التبذير أدخل في الذم من الإسراف كيف يتناوله بطريق الدلالة
~~والنهي عن الإسراف فيما بعد يبعد إرادته ههنا فتأمل.

### || [17.27]

# { إن المبذرين كانوا إخون الشيطين } تعليل للنهي
~~عن التبذير ببيان أنه يجعل صاحبه ملزوزا في قرن الشياطين، والإخوان جمع
~~أخ والمراد به المماثل مجازا أي أنهم مماثلون لهم في صفات السوء التي من
~~جملتها التبذير أو الصديق والتابع مجازا أيضا أي أنهم أصدقاؤهم
~~وأتباعهم فيما ذكر من التبذير والصرف في المعاصي فإنهم كانوا ينحرون
~~الإبل ويتياسرون عليها ويبذرون أموالهم في السمعة وسائر ما لا خير فيه من
~~المناهي والملاهي أو القرين كما سبق أيضا أي أنهم قرناؤهم في النار على
~~سبيل الوعيد.

# { وكان الشيطن لربه كفورا } من تتمة التعليل أي
~~مبالغا ms05696 في كفران نعمه تعالى لأن شأنه صرف جميع ما أعطاه الله تعالى من
~~القوى والقدر إلى غير ما خلقت له من أنواع المعاصي والإفساد في الأرض
~~وإضلال الناس وحملهم على الكفر بالله تعالى وكفران نعمه الفائضة عليهم
~~وصرفها إلى غير ما أمر الله تعالى به. وفي تخصيص هذا الوصف بالذكر من بين
~~صفاته القبيحة إيذان بأن التبذير الذي هو عبارة عن صرف نعم الله تعالى
~~إلى غير مصرفها من باب الكفران المقابل للشكر الذي هو صرفها إلى ما خلقت
~~له. وفي التعرض لعنوان الربوبية إشعار بكمال عتوه كما لا يخفى. ويشعر
~~كلام بعضهم بجواز حمل الكفر هنا على ما يقابل الإيمان وليس بذاك.

### || [17.28]

# { وإما تعرضن عنهم } أي عن ذي القربى والمسكين وابن
~~السبيل على ما هو الظاهر، وقيل عن السائلين مطلقا. والإعراض في الأصل
~~إظهار العرض أي الناحية فمعنى أعرض عنه ولى مبديا عرضه، والمراد به هنا
~~حقيقته على ما قيل بناء على ما روي من أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا
~~سئل شيئا ليس عنده صرف وجهه الشريف وسكت فنزلت { وإما تعرضن
~~عنهم }  { ابتغاء رحمة من ربك ترجوها } والخطاب عام
~~له صلى الله عليه وسلم ولغيره، والمراد بالرحمة على ما أخرج ابن جرير عن
~~ابن عباس ومجاهد والضحاك الرزق. ونصب { ابتغاء } على أنه مفعول له.
~~قال في «الكشف» قد أقيم ابتغاء الرزق مقام فقدانه وفيه لطف فكان ذلك
~~الإعراض لأجل السعي لهم وهو / من وضع المسبب موضع السبب كما أوضحه في
~~«الكشاف»، وقد يفسر الابتغاء بالانتظار ويجوز جعله في موضع الحال من ضمير
~~{ تعرضن } أي مبتغيا، وجعله حالا من الضمير المجرور بعيد. وجوز
~~أن يكون الإعراض كناية عن عدم النفع وترك الإعطاء لأنه لازمه عرفا
~~والابتغاء مجازا عن عدم الاستطاعة والتعلق أيضا بالشرط وأيد ذلك بما
~~أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر عن عطاء الخراساني قال: جاء ناس من
~~مزينة يستحملون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

# " لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من ms05697 الدمع حزنا "

# ظنوا ذلك من غضب رسول الله عليه الصلاة والسلام عليهم فأنزل الله
~~سبحانه: { وإما تعرضن عنهم } الآية وفسر الرحمة بالفيء لكن
~~أنت تعلم إن هذا غير ظاهر بناء على ما سمعت من أن هذه السورة مكية
~~والآية المذكورة ليست من المستثنيات، وكأنه لهذا قيل: إن المعنى إن ثبت
~~وتحقق في المستقبل أنك أعرضت عنهم في الماضي ابتغاء رحمة من ربك ترجوها
~~فقل الخ والمراد سببية الثبوت للأمر بالقول فتأمل.

# وجوز أن يتعلق { ابتغاء } بجواب الشرط أعني قوله تعالى: { فقل
~~لهم قولا ميسورا } أي إما تعرضن عنهم فقل لهم ذلك ابتغاء
~~رحمة من ربك، وقدم هذا الوجه على سائر الأوجه الزمخشري. واعترض بأن ما
~~بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها في غير باب إما وما يلحق بها. وأجيب بأنه
~~ذكره على المذهب الكوفي المجوز للعمل مطلقا أراد التعلق المعنوي فيضمر
~~ما ينصبه ويجعل المذكور جاريا مجرى التفسير، والإعراض على هذا على
~~حقيقته، واحتمال كونه كناية مختص بتعلقه بالشرط على ما زعمه الطيبي
~~والحق عدم الاختصاص كما لا يخفى. وجملة { ترجوها } على سائر الأوجه
~~يحتمل أن تكون وصفا لرحمة وأن تكون حالا من الفاعل و { من ربك }
~~متعلق بترجوها. وجوز أن يكون صفة لرحمة.

# والميسور اسم مفعول من يسر الأمر بالبناء للمجهول مثل سعد الرجل ومعناه
~~السهل أي فقل لهم قولا سهلا لينا وعدهم وعدا جميلا، قال الحسن: أمر
~~أن يقول لهم نعم وكرامة وليس عندنا اليوم فإن يأتنا شيء نعرف حقكم، وقيل
~~الميسور مصدر وجعل صفة مبالغة أو بتقدير مضاف أي قولا ذا ميسور أي يسر
~~والمراد به القول المشتمل على الدعاء باليسر مثل أغناكم الله تعالى ويسر
~~لكم، وفسره ابن زيد برزقنا الله تعالى وإياكم بارك الله تعالى فيكم.
~~وتعقب ذلك بأن الميسور معناه ذا يسر ولهذا وقع صفة لقول فأي ضرورة في أن
~~يجعل مصدرا ثم يؤول بذا ميسور، ودفع بأنه إذا أريد القول المشتمل على
~~الدعاء لا يكون القول حينئذ ميسورا بل ميسر لما أرادوه. وميسور ms05698 مصدرا
~~مما ثبت في اللغة من غير تكلف فجعله صفة مبالغة أو بتقدير مضاف له وجه
~~وجيه وفيه تأمل. والحق أن اعتباره مصدرا خلاف الظاهر.

# وفي الآية على القول الأخير دلالة على أن الدعاء للسائل مما لا بأس به،
~~وعن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه كان لا يرى أن يقال للسائل إذا لم
~~يعط شيئا: رزقك الله تعالى ونحوه قائلا إن ذلك مما يثقل عليه ويكره
~~سماعه، ولا ينبغي أن يذكر اسم الله تعالى لمن لا يهش له، ولعمري إنه مغزى
~~بعيد. وأفاد بعضهم أن في الآية دليلا على النهي عن الإعراض بالمعنى
~~الأول فإن المعنى إن أردت الإعراض عنهم فقل لهم قولا ميسورا ولا تعرض،
~~وله وجه وجيه لا يخفى على من له بصر حديد. واستشكل العز بن عبد السلام
~~جعل { ابتغاء } من متعلقات الشرط بأنا مأمورون بالرد الجميل إن
~~انتظرنا شيئا يحصل لنا أو لم ننتظر. وأجاب بأن / المراد بالقول الميسور
~~الوعد بالعطاء فيكون مفاد الآية لا تعدوا إلا إذا كنتم على رجاء من حصول
~~ما تعدون به فالتقييد بالابتغاء في غاية المناسبة للشرط لأنه لا يحسن
~~الوعد عند عدم الرجاء لما أنه يؤدي إلى الإخلاف وهو كما ترى.

### || [17.29-30]

# { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها
~~كل البسط } تمثيلان لمنع الشحيح وإسراف المبذر زجرا لهما عنهما
~~وحملا على ما بينهما من الاقتصاد والتوسط بين الإفراط والتفريط وذلك هو
~~الجود الممدوح فخير الأمور أوساطها وأخرج أحمد وغيره عن ابن عباس قال قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " ما عال من اقتصد "

# وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال قال رسول الله عليه الصلاة والسلام:

# " الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة "

# وفي رواية عن أنس مرفوعا

# " التدبير نصف المعيشة والتودد نصف العقل والهم نصف الهرم وقلة العيال
~~أحد اليسارين "

# وكان يقال حسن التدبير مع العفاف خير من الغنى مع الإسراف { فتقعد
~~ملوما } أي فتصير ملوما عند الله تعالى وعند الناس { محسورا }
~~نادما مغموما أو منقطعا بك لا شيء ms05699 عندك من حسره السفر أعياه وأوقفه
~~حتى انقطع عن رفقته، قال الراغب: «يقال للمعيي حاسر ومحسور أما الحاسر
~~فتصور أنه قد حسر بنفسه قواه وأما المحسور فتصور أن التعب قد حسره» وهذا
~~بيان قبح الإسراف المفهوم من النهي الأخير، وبين في أثره لأن غائلة
~~الإسراف في آخره وحيث كان قبح الشح المفهوم من النهي الأول مقارنا له
~~معلوما من أول الأمر روعي ذلك في التصوير بأقبح الصور ولم يسلك فيه مسلك
~~ما بعده كذا قيل. وفي أثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أخرجه عنه
~~ابن جرير وابن أبي حاتم ما يقتضيه. وقال بعض المحققين: الأولى أن يكون
~~ذلك بيانا لقبح الأمرين ويعتبر التوزيع { فتقعد } منصوب في جواب
~~النهيين والملوم راجع إلى قوله تعالى: { ولا تجعل يدك
~~مغلولة إلى عنقك } كما قيل:

# إن البخيل ملوم حيثما كانا

# والمحسور راجع إلى قوله سبحانه: { ولا تبسطها } وليس ببعيد. وفي
~~«الكشاف» عن جابر

# " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ أتاه صبي فقال: إن أمي
~~تستكسيك درعا فقال: من ساعة إلى ساعة يظهر فعد إلينا فذهب إلى أمه
~~فقالت: قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك فدخل صلى الله عليه وسلم
~~داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عريانا وأذن بلال وانتظر فلم يخرج عليه
~~الصلاة والسلام إلى الصلاة فنزلت "

# وأنت تعلم أنه يأبى هذا كون السورة مكية والآية ليست من المستثنيات ولعل
~~الخبر لم يثبت فعن ولي الدين العراقي أنه لم يجده في شيء من كتب الحديث
~~أي بهذا اللفظ وإلا فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال:

# " جاء غلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمي تسألك كذا وكذا
~~فقال: ما عندنا اليوم شيء قال: فتقول لك اكسني قميصك فخلع عليه الصلاة
~~والسلام قميصه فدفعه إليه وجلس في البيت حاسرا "

# فنزلت، وأخرج ابن أبي حاتم عن المنهال بن عمرو ونحوه وليس في شيء منهما
~~حديث أذان بلال وما بعده. وقيل: إنه عليه الصلاة والسلام أعطى الأقرع ms05700 بن
~~حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصن الفزاري فجاء عباس بن مرداس فأنشأ
~~يقول:

# أتجعل نهبي ونهب العبي

# د بين عيينة والأقرع

# وما كان حصن ولا حابس

# يفوقان مرداس في مجمع

# وما كنت دون امرء منهما

# ومن يخفض اليوم لم يرفع

# / فقال صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر اقطع لسانه عني أعطه مائة من
~~الإبل وكانوا جميعا من المؤلفة قلوبهم فنزلت، وفيه الإباء السابق كما
~~لا يخفى. وكذا ما أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر عن سيار أبي الحكم
~~قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بز من العراق وكان معطاء كريما
~~فقسمه بين الناس فبلغ ذلك قوما من العرب فقالوا: نأتي النبي صلى الله
~~عليه وسلم نسأله فوجدوه قد فرغ منه فأنزل الله تعالى الآية.

# { إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } تعليل
~~لقوله سبحانه

# وإما تعرضن عنهم

# [الإسراء: 28] الخ كأنه قيل: إن أعرضت عنهم لفقد الرزق فقل لهم قولا
~~ميسورا ولا تهتم لذلك فإن ذلك ليس لهوان منك عليه تعالى بل لأن بيده جل
~~وعلا مقاليد الرزق وهو سبحانه يوسعه على بعض ويضيقه على بعض حسبما تتعلق
~~به مشيئته التابعة للحكمة فما يعرض لك في بعض الأحيان من ضيق الحال الذي
~~يحوجك إلى الإعراض ليس إلا لمصلحتك فيكون قوله تعالى:

# ولا تجعل يدك

# [الإسراء: 29] الخ معترضا تأكيدا لمعنى ما تقتضيه حكمته عز وجل من
~~القبض والبسط. وقوله تعالى: { إنه } سبحانه { كان } لم يزل ولا
~~يزال { بعباده } جميعهم { خبيرا } عالما بسرهم { بصيرا }
~~عالما بعلنهم فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم تعليل لسابقه، وجوز أن
~~يكون ذلك تعليلا للأمر بالاقتصاد المستفاد من النهيين إما على معنى أن
~~البسط والقبض أمران مختصان بالله تعالى وأما أنت فاقتصد واترك ما هو مختص
~~به جل وعلا أو على معنى أنكم إذا تحققتم شأنه تعالى شأنه وأنه سبحانه
~~ييبسط ويقبض وأمعنتم النظر في ذلك وجدتموه تعالى مقتصدا فاقتصدوا أنتم
~~واستنوا بسنته، وجعله بعضهم تعليلا لجميع ما مر وفيه خفاء كما لا ms05701 يخفى،
~~وجوز كونه تعليلا للنهي الأخير على معنى أنه تعالى يبسط ويقبض حسب
~~مشيئته فلا تبسطوا على من قدر عليه رزقه وليس بشيء.

### || [17.31]

# وجوز أيضا كونه تمهيدا لقوله سبحانه: { ولا تقتلوا
~~أولادكم خشية إملق } واستبعد بأن الظاهر حينئذ فلا.

# والإملاق الفقر كما روي عن ابن عباس وأنشد له قول الشاعر:

# وإني على الإملاق يا قوم ماجد

# أعد لأضيافي الشواء المصهبا

# وظاهر اللفظ النهي عن جميع أنواع قتل الأولاد ذكورا كانوا أو إناثا
~~مخافة الفقر والفاقة لكن روي أن من أهل الجاهلية من كان يئد البنات مخافة
~~العجز عن النفقة عليهن فنهى في الآية عن ذلك فيكون المراد بالأولاد
~~البنات وبالقتل الوأد. والخشية في الأصل خوف يشوبه تعظيم، قال الراغب:
~~وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه. وقرئ بكسر الخاء. والظاهر أن هذا
~~النهي معطوف على ما تقدم من نظيره، وجوز الطبرسي أن يكون عطفه على قوله
~~سبحانه:

# ألا تعبدوا إلا إياه

# [الإسراء: 23] وحينئذ فيحتمل أن يكون الفعل منصوبا بأن كما في الفعل
~~السابق.

# { نحن نرزقهم وإياكم } ضمان لرزقهم وتعليل للنهي المذكور
~~بإبطال موجبه في زعمهم أي نحن نرزقهم لا أنتم فلا تخافوا الفقر بناء على
~~علمكم بعجزهم عن تحصيل رزقهم. وتقديم ضمير الأولاد على ضمير المخاطبين
~~على عكس ما وقع في سورة الأنعام للإشعار بأصالتهم في إفاضة الرزق، وعارض
~~هذه النكتة هناك تقدم ما يستدعي الاعتناء بشأن المخاطبين من الآيات كذا
~~قيل. وجوز المولى شيخ الإسلام كون ذلك «لأن الباعث على القتل هناك
~~الإملاق الناجز ولذلك قيل

# من إملاق

# [الأنعام: 151] وههنا الإملاق المتوقع ولذلك قيل: { خشية
~~إملق } فكأنه قيل: نرزقهم من غير أن ينقص من رزقكم شيء فيعتريكم ما
~~تخشونه وإياكم أيضا رزقا إلى رزقكم».

# / { إن قتلهم كان خطئا كبيرا } تعليل آخر ببيان أن
~~المنهي عنه في نفسه منكر عظيم لما فيه من قطع التناسل وقطع النوع. والخطء
~~كالإثم لفظا ومعنى وفعلهما من باب علم. وقرأ أبو جعفر وابن ذكوان عن
~~عامر { خطأ } بفتح الخاء والطاء من ms05702 غير مد، وخرج ذلك الزجاج على وجهين،
~~الأول: أن يكون اسم مصدر من أخطأ يخطىء إذا لم يصب أي إن قتلهم كان غير
~~صواب، والثاني: أن يكون لغة في الخطأ بمعنى الإثم مثل: مثل ومثل
~~وحذر وحذر فمن استشكل هذه القراءة بأن الخطأ ما لم يتعمد وليس هذا
~~محله فقد نادى على نفسه بقلة الاطلاع. وقرأ ابن كثير (خطاء) بكسر الخاء
~~وفتح الطاء والمد وخرج على وجهين أيضا. الأول: أن يكون لغة في الخطء
~~بمعنى الإثم مثل دبغ ودباغ ولبس ولباس. والثاني: أن يكون مصدر خاطأ
~~يخاطىء خطاء مثل قاتل يقاتل قتالا. قال أبو علي الفارسي وإن كنا لم نجد
~~خاطأ لكن وجد تخطأ مطاوعه فدلنا عليه وذلك في قولهم: تخطأت النبل أحشاءه،
~~وأنشد محمد بن السوي في وصف كماءة كما في «مجمع البيان»:

# وأشعث قد ناولته أحرش الفرى

# أدرت عليه المدجنات الهواضب

# تخطأه القناص حتى وجدته

# وخرطومه في منقع الماء راسب

# والمعنى على هذا إن قتلهم كان عدولا عن الحق والصواب فقول أبي حاتم إن
~~هذه القراءة غلط غلط. وقرأ الحسن { خطاء } بفتح الخاء والطاء مع المد وهو
~~اسم مصدر أخطى كالعطاء اسم مصدر أعطى، وقرأ الزهري وأبو رجاء { خطا }
~~بكسر الخاء وفتح الطاء وألف في آخره مبدلة من الهمزة وليس من قصر الممدود
~~لأنه ضرورة لا داعي إليه، وفي رواية عن ابن عامر أنه قرأ { خطا } كعصا.

### || [17.32]

# { ولا تقربوا الزنى } بمباشرة مباديه القريبة أو البعيدة
~~فضلا عن مباشرته. والنهي عن قربانه على خلاف ما سبق ولحق للمبالغة في
~~النهي عن نفسه ولأن قربانه داع إلى مباشرته. وفسره الراغب بوطء المرأة من
~~غير عقد شرعي. وجاء في المد والقصر وإذا مد يصح أن يكون مصدر المفاعلة
~~«وتوسيط النهي عنه بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن قتل النفس المحرمة
~~مطلقا كما قال شيخ الإسلام باعتبار أنه قتل للأولاد لما أنه تضييع
~~للأنساب فإن من لم يثبت نسبه ميت حكما».

# { إنه كان فاحشة } فعلة ظاهرة القبح زائدته { وساء سبيلا ms05703
~~} أي وبئس السبيل سبيلا لما فيه من اختلال أمر الأنساب وهيجان الفتن،
~~وقد روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~أنه قال:

# " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن "

# وجاء في غير رواية أنه

# " إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة فإن تاب ونزع رجع
~~إليه "

# وهو من الكبائر وفاحشة مطلقا على ما أجمع عليه المحققون بل في الحديث
~~الصحيح أنه بحليلة الجار من أكبر الكبائر، وزعم الحليمي أنه فاحشة إن كان
~~بحليلة الجار أو بذات الرحم أو بأجنبية في شهر رمضان أو في البلد الحرام
~~وكبيرة إن كان مع امرأة الأب أو حليلة الابن أو مع أجنبية على سبيل القهر
~~والإكراه وإذا لم يوجب حدا يكون صغيرة، ولا يخفى رده وضعف مبناه، والآية
~~ظاهرة في أنه فاحشة مطلقا نعم أفحش أنواعه الزنا بحليلة الجار، وقال
~~بعضهم: أعظم الزنا على الإطلاق الزنا بالمحارم فقد صحح الحاكم أنه صلى
~~الله عليه وسلم قال:

# " من وقع على ذات محرم فاقتلوه "

# وزنا الثيب أقبح من زنا البكر بدليل اختلاف حديهما، وزنا الشيخ لكمال
~~عقله أقبح من زنا الشاب، وزنا الحر والعالم لكمالهما أقبح من زنا القن
~~والجاهل. وهل هو أكبر من اللواط أم لا؟ فيه خلاف وفي «الإحياء» أنه أكبر
~~منه لأن الشهوة داعية إليه من / الجانبين فيكثر وقوعه ويعظم الضرر، ومنه
~~اختلاط الأنساب بكثرته. وقد يعارض بأن حده أغلظ بدليل قول مالك وآخرين
~~برجم اللوطي ولو غير محصن بخلاف الزاني. وقد يجاب بأن المفضول قد يكون
~~فيه مزية، وفيه ما فيه، وبالغ بعضهم فقال: إنه مطلقا يلي الشرك في
~~الكبر، والأصح أن الذي يلي الشرك هو القتل ثم الزنا، وخبر «الغيبة أشد من
~~ثلاثين زنية في الإسلام» الظاهر كما قال ابن حجر الهيتمي أنه لا أصل له،
~~نعم روى الطبراني والبيهقي وغيرهما «الغيبة أشد من الزنا» إلا أن له ما
~~يبين معناه وهو ما رواه ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن جابر وأبي ms05704 سعيد
~~رضي الله تعالى عنهما «إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا أن الرجل
~~ليزني فيتوب الله تعالى عليه وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له
~~صاحبه» فعلم منه أن أشدية الغيبة من الزنا ليست على الإطلاق بل من جهة أن
~~التوبة الباطنة المستوفية لجميع شروطها من الندم من حيث المعصية والإقلاع
~~وعزم أن لا يعود مع عدم الغرغرة وطلوع الشمس من مغربها مكفرة لإثم الزنا
~~بمجردها بخلاف الغيبة فإن التوبة وإن وجدت فيها هذه الشروط لا تكفرها بل
~~لا بد وأن ينضم إليها استحلال صاحبها مع عفوه فكانت الغيبة أشد من هذه
~~الحيثية لا مطلقا فلا يعكر الحديث على الأصح، وعلم منه أيضا أن الزنا
~~لا يحتاج في التوبة منه إلى استحلال وهو ما صرح به غير واحد من المحققين
~~وهو مع ذلك من الحقوق المتعلقة بالآدمي كيف لا وهو من الجناية على
~~الأعراض والأنساب، ومعنى قولهم إن الزنا لا يتعلق به حق آدمي أي من المال
~~ونحوه وعدم اشتراط الاستحلال لا يدل على أنه ليس من الحقوق المتعلقة
~~بالآدمي مطلقا، وإنما لم يشترط الاستحلال لما يترتب على ذكره من زيادة
~~العار والظن الغالب بأن نحو الزوج أو القريب إذا ذكر له ذلك يبادر إلى
~~قتل الزاني أو المزني بها أو إلى قتلهما معا ومع ما ذكر كيف يمكن القول
~~باشتراطه، وقد صرح بنحو ذلك حجة الإسلام الغزالي في «منهاج العابدين»
~~فقال في ضمن تفصيل: قال الأذرعي: إنه في غاية الحسن والتحقيق أما الذنب
~~في الحرم فإن خنته في أهله وولده فلا وجه للاستحلال والإظهار لأنه يولد
~~فتنة وغيظا بل تتضرع إلى الله سبحانه ليرضيه عنك ويجعل له خيرا كثيرا
~~في مقابلته فإن أمنت الفتنة والهيج وهو نادر فتستحل منه، وقد قال الأذرعي
~~في مواضع في الحسد والتوبة منه: ويشبه أن يحرم الإخبار به إذا غلب على
~~ظنه أن لا يحلله وأنه يتولد منه عداوة وحقد وأذى للمخبر، ثم قال: ويجوز
~~أن ينظر إلى المحسود فإن كان ms05705 حسن الخلق بحيث يظن أنه يحلله تعين إخباره
~~ليخرج من ظلامته بيقين وإن غلب على ظنه أن إخباره يجر شرا وعداوة حرم
~~إخباره قطعا وإن تردد فالظاهر ما ذكره النووي من عدم الوجوب والاستحباب
~~فإن النفس الزكية نادرة وربما جر ذلك شرا وعداوة وإن حلله بلسانه اه،
~~فإذا كان هذا في الحسد مع سهولته عند أكثر الناس وعدم مبالاتهم به ومن ثم
~~أطلق النووي عدم الإخبار فقال: المختار بل الصواب أنه لا يجب إخبار
~~المحسود بل لا يستحب ولو قيل يكره لم يبعد - فما بالك في الزنا المستلزم
~~أن الزوج والقريب يقتل فيه بمجرد التوهم فكيف مع التحقق.

# ويعلم من الأخبار أن ثمرات الزنا قبيحة منها أنه يورد النار والعذاب
~~الشديد وأنه يورث الفقر وذهاب البهاء وقصد العمر وأنه يؤخذ بمثله من ذرية
~~الزاني، ولما قيل لبعض الملوك ذلك أراد تجربته بابنة له وكانت غاية في
~~الحسن فأنزلها مع امرأة وأمرها أن لا تمنع أحدا أراد التعرض لها بأي شيء
~~شاء وأمرها بكشف وجهها فطافت بها في الأسواق فما مرت على أحد إلا وأطرق
~~حياء وخجلا منها فلما طافت بها المدينة كلها ولم يمد أحد نظره إليها
~~رجعت بها إلى دار الملك فلما أرادت الدخول أمسكها إنسان وقبلها ثم ذهب
~~عنها فأدخلتها على الملك وذكرت له القصة / فسجد شكرا وقال: الحمد لله
~~تعالى ما وقع مني في عمري قط إلا قبلة وقد قوصصت بها نسأل الله سبحانه أن
~~يعصمنا وذرارينا ومن ينسب إلينا من الفواحش ما ظهر منها وما بطن بحرمة
~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ أبي بن كعب كما أخرجه عنه ابن مردويه
~~(ولا تقربوا الزنى أنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا إلا من تاب فإن الله
~~كان غفورا رحيما) فذكر لعمر رضي الله تعالى عنه فأتاه فسأله فقال أخذتها
~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لك عمل إلا الصفق بالنقيع وهذا إن
~~صح كان قبل العرضة الأخيرة.

### || [17.33]

# { ولا تقتلوا النفس التى حرم الله } أي ms05706 حرمها الله
~~تعالى، والمراد حرم قتلها بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد { إلا
~~بالحق } متعلق بلا تقتلوا والباء للسببية والاستثناء مفرغ أي لا
~~تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، ويجوز أن يكون حالا من الفاعل
~~أو المفعول أي لا تقتلوا إلا ملتبسين بالحق أو لا تقتلوها إلا ملتبسة
~~بالحق، وجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف أي لا تقتلوها قتلا ما إلا قتلا
~~ملتبسا بالحق والأول أظهر، وأما تعلقه بحرم فبعيد وإن صح، وفسر الحق بما
~~رواه الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود

# " لا يحل دم امرىء يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه
~~المفارق للجماعة "

# ، ونقض الحصر بدفع الصائل فإن ذلك ربما أدى إلى القتل، ودفع بأن المراد
~~ما يكون بنفسه مقصودا به القتل وما ذكر المقصود به الدفع وقد يفضي إليه
~~في الجملة، والحق عدم انحصار الحق فيما ذكر وهو في الخبر ليس بحقيقي، وقد
~~ذهب الشافعية إلى أن ترك الصلاة كسلا مبيح للقتل وكذا اللواطة عند جمع
~~من الأجلة.

# { ومن قتل مظلوما } بغير حق يوجب قتله أو يبيحه للقاتل حتى أنه
~~لا يعتبر إباحته لغير القاتل فقد نص علماؤنا أن من عليه القصاص إذا قتله
~~غير من له القصاص يقتص له ولا يفيد قول الولي أنا أمرته بذلك إلا أن يكون
~~الأمر ظاهرا { فقد جعلنا لوليه } لمن يلي أمره من الوارث أو
~~السلطان عند عدم الوارث، واقتصار البعض على الأول رعاية للأغلب {
~~سلطنا } أي تسلطا واستيلاء على القاتل بمؤاخذته بأحد أمرين القصاص
~~أو الدية، وقد تتعين الدية كما في القتل الخطأ والمقتول خطأ مقتول ظلما
~~بالمعنى الذي أشير إليه وإن قلنا لا إثم في الخطأ لحديث

# " رفع عن أمتي الخطأ "

# وشرع الكفارة فيه لعدم التثبت واجتناب ما يؤدي إليه فليتأمل. واستدل
~~بتفسير الولي بالوارث على أن للمرأة دخلا في القصاص. وقال القاضي
~~إسماعيل: لا تدخل لأن لفظه مذكر { فلا يسرف } أي الولي { في
~~القتل ms05707 } أي فلا يتجاوز الحد المشروع فيه بأن يقتل اثنين مثلا
~~والقاتل واحد كعادة الجاهلية فإنهم كانوا إذا قتل منهم واحد قتلوا قاتله
~~وقتلوا معه غيره، ومن هنا قال مهلهل:

# كل قتيل في كليب غره

# حتى ينال القتل آل مره

# وإلى هذا ذهب ابن جبير وأخرجه المنذر من طريق أبي صالح عن ابن عباس، أو
~~بأن يقتل غير القاتل ويترك القاتل، وروي هذا عن زيد بن أسلم؛ فقد أخرج
~~البيهقي في «سننه» عنه أن الناس في الجاهلية إذا قتل من ليس شريفا
~~شريفا لم يقتلوه به وقتلوا شريفا من قومه فنهي عن ذلك أو بأن يزيد على
~~القتل المثلة كما قيل.

# وأخرج ابن جرير وغيره عن طلق بن حبيب أنه قال: لا يقتل غير قاتله ولا
~~يمثل به، وقيل بأن يقتل القاتل / والمشروع عليه الدية. وأخرج ابن أبي
~~حاتم وغيره عن قتادة أنه قال في الآية: من قتل بحديدة قتل بحديدة ومن قتل
~~بخشبة قتل بخشبة ومن قتل بحجر قتل بحجر ولا يقتل غير القاتل. وفيه القول
~~بأن القتل بالمثقل يوجب القصاص وهو خلاف مذهبنا. وقرأ حمزة والكسائي {
~~فلا يسرف } بالخطاب للولي التفاتا، وقرأ أبو مسلم صاحب الدولة { فلا
~~يسرف } بالرفع على أنه خبر في معنى الأمر وفيه مبالغة ليست في الأمر.

# { إنه كان منصورا } تعليل للنهي، والضمير للولي أيضا على
~~معنى أنه تعالى نصره بأن أوجب القصاص أو الدية وأمر الحكام بمعونته في
~~استيفاء حقه فلا يبغ ما وراء حقه ولا يخرج من دائرة إمرة الناصر. وأخرج
~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد أن الضمير للمقتول على
~~معنى أن الله تعالى نصره في الدنيا بأخذ القصاص أو الدية وفي الأخرى
~~بالثواب فلا يسرف وليه في شأنه، وجوز أن يعود على الذي أسرف به الولي أي
~~أنه تعالى نصره بإيجاب القصاص والتعزير والوزر على من أسرف في شأنه، وقيل
~~ضمير (يسرف) للقاتل أي مريد القتل ومباشره ابتداء ونسبه في «الكشاف» إلى
~~مجاهد، والضميران في التعليل عائدان على الولي ms05708 أو المقتول، وأيد بقراءة
~~أبي { فلا تسرفوا } لأن القاتل متعدد في النظم في قوله تعالى: {
~~ولا تقتلوا } والأصل توافق القراءتين، ولم تعينه لأن الولي عام في
~~الآية فهو في معنى الأولياء فيجوز جمع ضميره بهذا الاعتبار ويكون
~~التفاتا، وتوافق القراءتين ليس بلازم، والمعنى فلا يسرف على نفسه في شأن
~~القتل بتعريضها للهلاك العاجل والآجل. وفي «الكشف» أنه ردع للقاتل على
~~أسلوب

# ولكم في القصاص حيوة

# [البقرة: 179] والنهي عن الإسراف لتصوير أن القتل بغير حق كيف ما قدر
~~إسراف، ومعناه فلا يقتل بغير حق. وأنت تعلم أن هذا الوجه غير وجيه فلا
~~ينبغي التعويل عليه. وهذه الآية كما أخرج غير واحد عن الضحاك أول آية
~~نزلت في شأن القتل وقد علمت أن الأصح أنه أكبر الكبائر بعد الشرك، وكون
~~القتل العمد العدوان من الكبائر مجمع عليه، وعد شبه العمد منها هو ما صرح
~~به الهروي وشريح الروياني، وأما الخطأ فالصواب أنه ليس بمعصية فضلا عن
~~كونه ليس بكبيرة فليحفظ.

### || [17.34]

# { ولا تقربوا مال اليتيم } نهى عن قربانه لما ذكر سابقا
~~من المبالغة في النهي عن التعرض له وللتوسل إلى الاستثناء بقوله تعالى: {
~~إلا بالتى هى أحسن } أي إلا بالخصلة والطريقة التي هي أحسن
~~الخصال والطرائق وهي حفظه واستثماره { حتى يبلغ أشده } غاية
~~لجواز التصرف على الوجه الأحسن المدلول عليه بالاستثناء لا للوجه المذكور
~~فقط. والأشد قيل جمع شد كالأضر جمع ضر والشد القوة وهو استحكام قوة
~~الشباب والسن كما أن شد النهار ارتفاعه، قال عنترة:

# عهدي به شد النهار كأنما

# خضب البنان ورأسه بالعظلم

# وقيل هو جمع شدة مثل نعمة وأنعم، وقال بعض البصريين: هو واحد مثل الآنك.
~~والمراد ببلوغه الأشد بلوغه إلى حيث يمكنه بسبب عقله ورشده القيام بمصالح
~~ماله ثم التصرف بمال اليتيم بنحو الأكل على غير الوجه المأذون فيه من
~~الكبائر، وتردد ابن عبد السلام بتقييده بنصاب السرقة فقال في «القواعد»:
~~قد نص الشرع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من الكبائر فإن وقعا في
~~مال خطير ms05709 فهو ظاهر وإن وقعا في مال حقير / كزبيبة وتمرة فيجوز أن يجعلا
~~من الكبائر فطاما عن جنس هذه المفسدة كالقطرة من الخمر وإن لم تتحقق
~~المفسدة ويجوز أن يضبط ذلك بنصاب السرقة اه. وقد يفرق بينهما بأن في
~~شهادة الزور مع الجراءة على انتهاك حرمة المال المعصوم جراءة على الكذب
~~في الشهادة بخلاف القليل من مال اليتيم فلا يستبعد التقييد به بخلافها
~~كذا قيل. والحق إن الآيات والأخبار الواردة في وعيد أكل مال اليتيم مطلقة
~~فتتناول القليل والكثير فلا يجوز تخصيصها إلا بدليل سمعي وحيث لا دليل
~~كذلك فالتخصيص غير مقبول فالوجه أنه لا فرق بين أكل القليل وأكل الكثير
~~في كونه كبيرة يستحق فاعله الوعيد الشديد، نعم الشيء التافه الذي تقتضي
~~العادة بالمسامحة به لا يبعد كون أكله ليس من الكبائر والله تعالى أعلم.
~~وقد توصل القضاة اليوم إلى أكل مال اليتيم في صورة حفظه عاملهم الله
~~تعالى بعدله وأذاق خائنهم في الدارين جزاء فعله.

# { وأوفوا بالعهد } ما عاهدتم الله تعالى عليه من التزام
~~تكاليفه وما عاهدتم عليه غيركم من العباد ويدخل في ذلك العقود. وجوز أن
~~يكون المراد ما عاهدكم الله تعالى عليك وكلفكم به. والإيفاء بالعهد
~~والوفاء به هو القيام بمقتضاه والمحافظة عليه وعدم نقضه واشتقاق ضده وهو
~~الغدر يدل على ذلك وهو الترك ولا يكاد يستعمل إلا بالباء فرقا بينه وبين
~~الإيفاء الحسي كإيفاء الكيل والوزن.

# { إن العهد } أظهر في مقام الإضمار إظهارا لكمال العناية بشأنه
~~وقيل دفعا لتوهم عود الضمير إلى الإيفاء المفهوم من { أوفوا }  {
~~كان مسئولا } أي مسؤولا عنه على حذف الجار وجعل الضمير بعد
~~انقلابه مرفوعا مستكنا في اسم المفعول ويسمى الحذف والإيصال وهو شائع.

# وجوز أن يكون الكلام على حذف مضاف أي إن صاحب العهد كان مسؤولا، وقيل
~~لا حذف أصلا والكلام على التخييل كأنه يقال للعهد لم نكثت وهلا
~~وفي بك؟ تبكيتا للناكث كما يقال للموؤدة

# بأي ذنب قتلت

# [التكوير: 9] وقد يعتبر فيه الاستعارة المكنية والتخييلية، وزعم بعضهم
~~أنه يجوز أن ms05710 يجعل العهد متمثلا على هيئة من يتوجه عليه السؤال كما تجسم
~~الحسنات والسيآت لتوزن. وجوز أن يكون { مسؤلا } بمعنى مطلوبا من سألت
~~كذا إذا طلبت، وإسناد المطلوبية إليه مجاز والمراد مطلوب عدم إضاعته،
~~ويجوز أن يكون في الكلام مضاف محذوف ارتفع الضمير واستتر بعد حذفه،
~~والأصل ما أشرنا إليه وقد سمعت آنفا أن مثل ذلك شائع، وليس في ذلك تعليل
~~الشيء بنفسه فإن المآل إلى أن يقال: أوفوا بالعهد فإن عدم إضاعته لم تزل
~~مطلوبة من كل أحد فتطلب منكم أيضا. ثم إن الإخلال بالوفاء بالعهد على ما
~~تقتضيه الأحاديث الصحيحة قيل كبيرة، وقد جاء عن علي كرم الله تعالى وجهه
~~أنه عد من الكبائر نكث الصفقة أي الغدر بالمعاهد بل صرح شيخ الإسلام
~~العلائي بأنه جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سماه
~~كبيرة، وقال بعض المحققين: إن في إطلاق كون الإخلال المذكور كبيرة نظرا
~~بناء على أن العهد هو التكليفات الشرعية فإن من الإخلال ما يكون كبيرة
~~ومنه ما يكون صغيرة وينظر في ذلك إلى حال المكلف به، ولعل من قال: إن
~~الإخلال بالعهد كبيرة أراد بالعهد مبايعة الإمام وبالإخلال بذلك نقض
~~بيعته والخروج عليه لغير موجب ولا تأويل ولا شبهة في أن ذلك كبيرة
~~فليتأمل.

### || [17.35]

# { وأوفوا الكيل } أتموه ولاتخسروه { إذا كلتم } أي وقت
~~كيلكم للمشترين. وتقييد الأمر به لما أن التطفيف يكون هناك، وأما وقت
~~الاكتيال على الناس فلا حاجة إلى الأمر بالتعديل قال تعالى:

# إذا اكتالوا على الناس يستوفون

# [المطففين: 2] الآية { وزنوا بالقسطاس } هو القبان على ما روي
~~عن الضحاك ويقال له القرسطون بلغة أهل الشام كما قال الأزهري، وقال
~~الزجاج: هو الميزان صغيرا كان أو كبيرا من موازين الدراهم وغيرها، وقال
~~الليث: هو أقوم الموازين، وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أنه العدل، وعن
~~الحسن أنه الحديد وهو رومي معرب كما قال ابن دريد لفقد مادته في العربية،
~~وقيل: إنه عربي وروي القول بتعريبه وأنه الميزان في اللغة الرومية عن
~~ابن ms05711 جبير وجماعة، وقيل: هو مركب من كلمتين القسط وهو العدل وطاس وهو كفة
~~الميزان لكنه حذف أحد الطائين لأن التركيب محل تخفيف وهو كما ترى، وعلى
~~القول بأنه رومي معرب وهو الصحيح لا يقدح استعماله في القرآن في عربيته
~~المذكورة في قوله تعالى:

# إنا أنزلناه قرانا عربيا

# [يوسف: 2] لأنه بعد التعريب والسماع في فصيح الكلام يصير عربيا فلا
~~حاجة إلى إنكار تعريبه أو ادعاء التغليب أو أن المراد عربي الأسلوب. وقد
~~قرأه الكوفيون بكسر القاف والباقون بضمها، وقد تبدل السين الأولى صادا
~~كما أبدلت الصاد سينا في الصراط. { المستقيم } أي العدل السوي،
~~وهو يبعد تفسير القسطاس بالعدل «ولعل الاكتفاء باستقامته عن الأمر بإيفاء
~~الوزن كما قال شيخ الإسلام لما أن عند استقامته لا يتصور الجور غالبا
~~بخلاف الكيل فإنه كثيرا ما يقع التطفيف مع استقامة الآلة كما أن
~~الاكتفاء بإيفاء الكيل عن الأمر بتعديله لما أن إيفاءه لا يتصور بدون
~~تعديل المكيال وقد أمر بتقويمه أيضا في قوله تعالى:

# أوفوا المكيال والميزان بالقسط

# [هود: 85]».

# { ذلك } أي إيفاء الكيل والوزن بالقسطاس المستقيم { خير } في
~~الدنيا لأنه سبب لرغبة الناس في معاملة فاعله وجلب الثناء الجميل عليه {
~~وأحسن تأويلا } أي عاقبة لما يترتب عليه من الثواب في الآخرة.
~~والتأويل تفعيل من آل إذا رجع وأصله رجوع الشيء إلى الغاية المرادة منه
~~علما كما في قوله تعالى:

# وما يعلم تأويله إلا الله

# [آل عمران: 7] أو فعلا كما في قوله سبحانه

# يوم يأتى تأويله

# [الأعراف: 53] وقول الشاعر:

# وللنوى قبل يوم البين تأويل

# وقيل: المراد ذلك خير في نفسه لأنه أمانة وهي صفة كمال وأحسن عاقبة في
~~الدنيا لأنه سبب لميل القلوب والرغبة في المعاملة والذكر الجميل بين
~~الناس ويفضي ذلك إلى الغنى وفي الآخرة لأنه سبب للخلاص من العذاب والفوز
~~بالثواب، وقيل: أحسن تأويلا أي أحسن معنى وترجمة.

# ثم إن إيفاء الكيل والوزن واجب إجماعا ونقص ذلك من الكبائر مطلقا على
~~ما يقتضيه الوعيد الشديد لفاعله الوارد في الآيات والأحاديث الصحيحة ولا
~~فرق بين ms05712 القليل والكثير، نعم قال بعضهم: إن التطفيف بالشيء التافه الذي
~~يسامح به أكثر الناس ينبغي أن يكون صغيرة.

# فإن قلت ذكروا في الغصب أن غصب ما دون ربع دينار لا يكون كبيرة وقضيته
~~أن يكون التطفيف كذلك قلت قيل ذلك مشكل فلا يقاس عليه بل حكي الإجماع على
~~خلافه. وقال الأذرعي إنه تحديد لا مستند له انتهى، وعلى التنزيل فقد يفرق
~~بأن الغصب ليس مما يدعو قليله إلى كثيره لأنه إنما يكون على سبيل القهر
~~والغلبة بخلاف التطفيف فتعين التنفير عنه بأن كلا من قليله وكثيره كبيرة
~~أخذا مما قالوه في شرب القطرة من الخمر من أنه كبيرة وأن لم يوجد فيها
~~مفسدة الخمر لأن قليله يدعو إلى كثيره، ومثل التطفيف في الكيل والوزن
~~النقص في الذرع. ولا يكاد يسلم كيال أو وزان أو ذراع في هذه الأعصار من
~~نقص إلا من عصمه الله تعالى.

### || [17.36]

# { ولا تقف } ولا تتبع، وأصل معنى قفا اتبع قفاه ثم استعمل في مطلق
~~الاتباع وصار حقيقة فيه. وقرىء { ولا تقفوا } بإثبات حرف العلة مع الجازم
~~وهو شاذ، وقرىء أيضا { ولا تقف } بضم القاف وسكون / الفاء كتقل على أنه
~~أجوف مجزوم بالسكون وماضيه قاف يقال قاف أثره يقوفه إذا قصه واتبعه ومنه
~~القيافة وأصلها ما يعلم من الأقدام وأثرها، وعن أبي عبيدة أن قاف مقلوب
~~قفا كجذب وجبذ. وتعقب بأن الصحيح خلافه.

# { ما ليس لك به علم } أي لا تتبع ما لا علم لك به من قول أو
~~فعل، وحاصله يرجع إلى النهي عن الحكم بما لا يكون معلوما ويندرج في ذلك
~~أمور. وكل من المفسرين اقتصر على شيء فقيل المراد نهي المشركين عن القول
~~في الإلهيات والنبوات تقليدا للأسلاف واتباعا للهوى، وأخرج ابن جرير
~~وابن المنذر عن محمد بن الحنفية أن المراد النهي عن شهادة الزور، وقيل:
~~المراد النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات، ومن ذلك قول الكميت:

# ولا أرمي البرىء بغير ذنب

# ولا أقفوا الحواصن إن رمينا

# وروى البيهقي في «شعب الإيمان» وأبو ms05713 نعيم في «الحلية» من حديث معاذ بن
~~أنس

# " من قفا مؤمنا بما ليس فيه  يريد شينه به  حبسه الله تعالى على جسر
~~جهنم حتى يخرج مما قال "

# وقيل: المراد النهي عن الكذب، أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أنه قال في
~~الآية: لا تقل سمعت ولم تسمع ورأيت ولم تر، واختار الإمام العموم قال: إن
~~اللفظ عام يتناول الكل فلا معنى للتقييد.

# واحتج بالآية نفاة القياس لأنه قفو للظن وحكم به. وأجيب بأنهم أجمعوا
~~على الحكم بالظن والعمل به في صور كثيرة فمن ذلك الصلاة على الميت ودفنه
~~في مقابر المسلمين وتوريث المسلم منه بناء على أنه مسلم وهو مظنون
~~والتوجه إلى القبلة في الصلاة وهو مبني على الاجتهاد بأمارات لا تفيد إلا
~~الظن وأكل الذبيحة بناء على أنها ذبيحة مسلم وهو مظنون والشهادة فإنها
~~ظنية وقيم المتلفات وأروش الجنايات فإنها لا سبيل إليها إلا الظن، ومن
~~نظر ولو بمؤخر العين رأى أن جميع الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار
~~وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجال المخصوصة والاعتماد على صداقة
~~الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة وقد قال صلى الله عليه وسلم:

# " نحن نحكم بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر "

# فالنهي عن اتباع ما ليس بعلم قطعي مخصوص بالعقائد، وبأن الظن قد يسمى
~~علما كما في قوله تعالى:

# إذا جاءكم المؤمنت مهجرت فامتحنوهن الله
~~أعلم بإيمنهن فإن علمتموهن مؤمنت فلا
~~ترجعوهن إلى الكفار

# [الممتحنة: 10] فإن العلم بإيمانهن إنما يكون بإقرارهن وهو لا يفيد إلا
~~الظن، وبأن الدليل القاطع لما دل على وجوب العمل بالقياس كان ذلك الدليل
~~دليلا على أنه متى حصل ظن أن حكم الله تعالى في هذه الصورة يساوي حكمه
~~في محل النص فأنتم مكلفون بالعلم على وفق ذلك الظن فههنا الظن واقع في
~~طريق الحكم وأما ذلك الحكم فهو معلوم متيقن.

# وأجاب النفاة عن الأول بأن قوله تعالى: { لا تقف } الآية عام دخله
~~التخصيص فيما يذكرون فيه العمل بالظن فيبقى العموم فيما وراءه على أن بين
~~ما يذكرونه من الصور ms05714 وبين محل النزاع فرقا لأن الأحكام المتعلقة بالأول
~~مختصة بأشخاص معينين في أوقات معينة فالتنصيص على ذلك متعذر فاكتفى بالظن
~~للضرورة بخلاف الثاني فإن الأحكام المثبتة بالأقيسة كلية معتبرة في وقائع
~~كلية وهي مضبوطة والتنصيص عليها ممكن فلم يجز الاكتفاء فيها بالظن، وعن
~~الثاني بأن المغايرة بين العلم والظن مما لا شبهة فيه ويدل عليها قوله
~~تعالى:

# هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا
~~الظن

# [الأنعام: 148] والمؤمن هو المقر وذلك الإقرار هو العلم فليس في الآية
~~تسمية الظن علما، وعن الثالث بأنه إنما يتم لو ثبت حجية القياس بدليل
~~قاطع وليس فليس. وأحسن ما يمكن أن يقال في الجواب على ما قال الإمام أن
~~التمسك بالآية تمسك بعام مخصوص وهو لا يفيد إلا الظن فلو دلت على أن
~~التمسك بالظن غير جائز لدلت / على أن التمسك بها غير جائز فالقول بحجيتها
~~يفضي إلى نفيه وهو باطل. وللمجيب أن يقول: نعلم بالتواتر الظاهر من دين
~~النبي صلى الله عليه وسلم أن التمسك بآيات القرآن حجة في الشريعة، ويمكن
~~أن يجاب عن هذا بأن كون العام المخصوص حجة غير معلوم بالتواتر فتأمل.

# { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك } أي كل
~~هذه الأعضاء وأشير إليها بأولئك على القول بأنها مختصة بالعقلاء تنزيلا
~~لها منزلتهم لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على أصحابها. وقال بعضهم:
~~إنها غالبة في العقلاء وجاءت لغيرهم من حيث إنها اسم جمع لذا وهو يعم
~~القبيلين ومن ذلك قول جرير على ما رواه غير واحد:

# ذم المنازل بعد منزلة اللوى

# والعيش بعد أولئك الأيام

# وعلى هذا لا حاجة إلى التنزيل وارتكاب الاستعارة فيما تقدم { كان
~~عنه مسئولا } كل الضمائر ضمائر { كل } أي كان كل من ذلك
~~مسؤولا عن نفسه فيقال له: هل استعملك صاحبك فيما خلقت له أم لا؟ وذلك
~~بعد جعله أهلا للخطاب والسؤال. وجوز أن يكون ضمير { عنه } لكل وما
~~عداه للقافي فهناك التفات إذ الظاهر كنت عنه مسؤولا. وقال الزمخشري: {
~~عنه } نائب فاعل { مسؤولا } فهو ms05715 مسند إليه ولا ضمير فيه نحو

# غير المغضوب عليهم

# [الفاتحة: 7]. ورده أبو البقاء وغيره بأن القائم مقام الفاعل حكمه حكمه
~~في أنه لا يجوز تقدمه على عامله كأصله.

# وذكر أنه حكى ابن النحاس الإجماع على عدم جواز تقديم القائم مقام الفاعل
~~إذا كان جارا ومجرورا فليس ذلك نظير

# غير المغضوب عليهم

# [الفاتحة: 7] وليس لقائل أن يقول: إنه على رأي الكوفيين في تجويزهم
~~تقديم الفاعل إلا أن ينازع في صحة الحكاية. ونقل عن صاحب «التقريب» أنه
~~إنما جاز تقديم { عنه } مع أنه فاعل لمحا لأصالة ظرفيته لا لعروض
~~فاعليته ولأن الفاعل لا يتقدم لالتباسه بالمبتدأ ولا التباس ههنا ولأنه
~~ليس بفاعل حقيقة اه. والإنصاف أنه مع هذا لا يقال لما ذهب إليه شيخ
~~العربية إنه غلط. وذكر في «شرح نحو المفتاح» أنه مرتفع بمضمر يفسره
~~الظاهر، وجوز إخلاء المفسر عن الفاعل إذا لم يكن فعلا معللا بأصالة
~~الفعل في رفع الفاعل فلا يجوز خلوه عنه بخلاف اسمي الفاعل والمفعول
~~تشبيها بالجوامد. وتعقبه في «الكشف» بأن فيه نظرا نقلا وقياسا؛ أما
~~الأول فلتفرده به، وأما الثاني فلأن الاحتياج إليه من حيث إنه إذا جرى
~~على شيء لا بد من عائد إليه ليرتبط به ويكون هو الذات القائم هو بها إن
~~كان فاعلا أو ملابسا لتلك الذات وليس كالجوامد في ارتباطها بالسوابق
~~بنفس الحمل لأنها لا تدل على معنى متعلق بذات فالوجه أن يقال حذف الجار
~~واستتر الضمير بعده في الصفة، وقد سمعت عن قرب أن هذا من باب الحذف
~~والإيصال وأنه شائع. وجوز أن يكون مرفوع { مسؤولا } المصدر وهو
~~السؤال و { عنه } في محل النصب. وسأل ابن جنى أبا علي عن قولهم: فيك
~~يرغب وقال لا يرتفع بما بعده فأين المرفوع؟ فقال: المصدر أي فيك يرغب
~~الرغبة بمعنى تفعل الرغبة كما في قولهم: يعطي ويمنع أي يفعل الإعطاء
~~والمنع. وجوز أن يكون اسم { كان } أو فاعله ضمير { كل } محذوف المضاف
~~أي كان صاحبه عنه مسؤولا أو كان عنه مسؤولا صاحبه فيقال له ms05716 لم استعملت
~~السمع فيما لا يحل ولم صرفت البصر إلى كذا والفؤاد إلى كذا؟ وقرأ الجراح
~~العقيلي { والفواد } بفتح الفاء وإبدال الهمزة واوا، وتوجيهها أنه أبدلت
~~الهمزة واوا لوقوعها مع ضمة في المشهور ثم فتحت الفاء تخفيفا وهي لغة
~~في ذلك، ولا عبرة بإنكار / أبي حاتم لها. واستدل بالآية على أن العبد
~~يؤاخذ بفعل القلب كالتصميم على المعصية والأدواء القلبية كالحقد والحسد
~~والعجب وغير ذلك، نعم صرحوا بأن الهم بالمعصية من غير تصميم لا يؤاخذ به
~~للخبر الصحيح في ذلك. ثم إن اتباع الظن يكون كبيرة ويكون صغيرة حسب
~~أنواعه وأصنافها ومنه ما هو أكبر الكبائر كما لا يخفى نسأل الله تعالى أن
~~يعصمنا عن جميع ذلك.

### || [17.37]

# { ولا تمش فى الأرض مرحا } أي فخرا وكبرا قاله قتادة،
~~وقال الراغب: المرح شدة الفرح والتوسع فيه والأول أنسب. وهو مصدر وقع
~~موقع الحال والكلام في مثله إذا وقع حالا أو خبرا أو صفة شائع، وجوز أن
~~يكون منصوبا على المصدرية لفعل محذوف أي تمرح مرحا وأن يكون مفعولا له
~~أي لأجل المرح، وقرىء { مرحا } بكسر الراء عن أنه صفة مشبهة ونصبه على
~~الحالية لا غير، قيل وهذه القراءة باعتبار الحكم أبلغ من قراءة المصدر
~~المفيد للمبالغة بجعله عين المرح نظير ما قيل في زيد عدل لأن الوصف واقع
~~في حيز النهي الذي هو في معنى النفي ونفي أصل الاتصاف أبلغ من نفي زيادته
~~ومبالغته لأنه ربما يشعر ببقاء أصله في الجملة، وجعل المبالغة راجعة إلى
~~النفي دون المنفي كما قيل في قوله تعالى:

# وما ربك بظلم للعبيد

# [فصلت: 46] بعيد هنا، والقول بأن الصفة المشبهة تدل على الثبوت فلا
~~يقتضي نفي ذلك نفي أصله كما قيل في المصدر مغالطة نشأت من عدم معرفة معنى
~~الثبوت في الصفة فإن المراد به أنها لا تدل على تجدد وحدوث لا أنها تدل
~~على الدوام. والأخفش فضل القراءة بالمصدر لما فيه من التأكيد ولم ينظر
~~إلى أن ذلك في الإثبات لا في النفي أو ما في ms05717 حكمه. وأورد على ما قيل أن
~~فيه تفضيل القراءة الشاذة على المتواترة وهو كما ترى. ولذا فضل بعضهم
~~القراءة بالمصدر كالأخفش وجعل المبالغة المستفادة منه راجعة إلى النهي
~~ومنع كون ذلك بعيدا، وقيل إذا جعل التقدير في المتواترة ذا مرح تتحد مع
~~الشاذة. وتعقب بان ذا مرح أبلغ من مرحا صفة لما فيه من الدلالة على أنه
~~صاحب مرح وملازم له كأنه مالك إياه وفيه توقف كما لا يخفى. والتقييد
~~بالأرض لا يصح أن يقال للاحتراز عن المشي في الهواء أو على الماء لأن هذا
~~خارق ولا يحترز عنه بل للتذكير بالمبدأ والمعاد وهو أردع عن المشي مشية
~~الفاخر المتكبر وادعى لقبول الموعظة كأنه قيل: لا تمش فيما هو عنصرك
~~الغالب عليك الذي خلقت منه وإليه تعود والذي قد ضم من أمثالك كثيرا مشية
~~الفاخر المتكبر، وقيل للتنصيص على أن النهي عن المشي مرحا في سائر البقع
~~والأماكن لا يختص به أرض دون أرض، والأول ألطف.

# { إنك لن تخرق الأرض } تعليل للنهي وفيه تهكم بالمختال أي
~~إنك لن تقدر أن تجعل فيها خرقا بدوسك وشدة وطأتك { ولن تبلغ
~~الجبال } التي عليها { طولا } بتعاظمك ومد قامتك فأين أنت والتكبر
~~عليها إذ التكبر إنما يكون بكثرة القوة وعظم الجثة وكلاهما مفقود فيك أو
~~إنك لن تقدر على ذلك فأنت أضعف من كل واحد من هذين الجمادين فكيف يليق بك
~~التكبر، وقال بعض المحققين: مآل النهي والتعليل لا تفعل ذلك فإنه لا جدوى
~~فيه وهو وجه حسن.

# ونصب { طولا } على أنه تمييز، وجوز أن يكون مفعولا له، وقيل: يشير
~~كلام بعضهم إلى أنه منصوب على نزع الخافض وهو بمعنى التطاول أي لن تبلغ
~~الجبال بتطاولك ولا يخفى بعده. وإيثار الإظهار على الإضمار حيث لم يقل لن
~~تخرقها لزيادة الإيقاظ والتقريع. ثم إن الاختيال في المشي كبيرة كما تدل
~~عليه الأحاديث الصحيحة وهذا فيما عدا بين الصفين أما بينهما فهو مباح
~~لخبر صح فيه، ويكفي ما في الآية من التهكم / والتقريع زاجرا لمن اعتاده ms05718
~~حيث لا يباح ككثير من الناس اليوم. وفي «الانتصاف» قد حفظ الله تعالى
~~عوام زماننا من هذه المشية وتورط قراؤنا وفقهاؤنا بينا أحدهم قد عرف
~~مسألتين أو أجلس بين يديه طالبين أو نال طرفا من رياسة الدنيا إذ هو
~~يمشي خيلاء ولا يرى أنه يطاول الجبال ولكن يرى أنه يحك بيافوخه عنان
~~السماء كأنهم على هذه الآية لا يمرون أو يمرون عليها وهم عنها معرضون
~~اه. وإذا كان هذا حال قراء زمانه وفقهائه فماذا أقول أنا في قراء زماني
~~وفقهائهم سوى لا كثر الله تعالى أمثالهم ولا ابتلانا بشيء من أفعالهم
~~وجعلها أفعى لهم.

### || [17.38]

# { كل ذلك } المذكور في تضاعيف الأوامر والنواهي السابقة من الخصال
~~المنحلة إلى نيف وعشرين { كان سيئه } وهو ما نهى عنه منها من الجعل
~~مع الله سبحانه إلها آخر وعبادة غيره تعالى والتأفيف والنهر والتبذير
~~وجعل اليد مغلولة إلى العنق وبسطها كل البسط وقتل الأولاد خشية إملاق
~~وقتل النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق وإسراف الولي في القتل وقفو ما
~~ليس بمعلوم والمشي في الأرض مرحا فالإضافة لامية من إضافة البعض إلى
~~الكل { عند ربك مكروها } أي مبغضا وإن كان مرادا له تعالى
~~بالإرادة التكوينية وإلا لما وقع كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم

# " ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن "

# وغير ذلك. وليست هذه الإرادة مرادفة أو ملازمة للرضا ليلزم اجتماع
~~الضدين الإرادة المذكورة والكراهة كما يزعمه المعتزلة. وهذا تتميم لتعليل
~~الأمور المنهى عنها جميعا. ووصف ذلك بمطلق الكراهة مع أن أكثره من
~~الكبائر للإيذان بأن مجرد الكراهة عنده تعالى كافية في وجوب الكف عن ذلك،
~~وتوجيه الإشارة إلى الكل ثم تعيين البعض دون توجيهها إليه ابتداء لما
~~قيل: من أن البعض المذكور ليس بمذكور جملة بل على وجه الاختلاط لنكتة
~~اقتضته، وفيه إشعار بكون ما عداه مرضيا عنده سبحانه وإنما لم يصرح بذلك
~~إيذانا بالغنى عنه، وقيل اهتماما بشأن التنفير عن النواهي لما قالوا من
~~أن التخلية أولى ms05719 من التحلية ودرء المفاسد أهم من جلب المصالح وجوز أن
~~تكون الإضافة بيانية و { ذلك } إما إشارة إلى جميع ما تقدم ويؤخذ من
~~المأمورات أضدادها وهي منهي عنها كما في قوله تعالى:

# ألا تشركوا به شيئا وبالولدين إحسانا

# [الأنعام: 151] بعد قوله سبحانه

# قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم

# [الأنعام: 151] وإما إشارة إلى ما نهى عنه صريحا فقط.

# وقرأ الحجازيان والبصريان { سيئة } بفتح الهمزة وهاء التأنيث والنصب على
~~أنه خبر { كان } ، والإشارة إلى ما نهى عنه صريحا وضمنا أو صريحا فقط،
~~و { مكروها } قيل بدل من { سيئة } والمطابقة بين البدل والمبدل منه
~~غير معتبرة. وضعف بأن بدل المشتق قليل، وقيل: صفة { سيئة } محمولة على
~~المعنى فإنها بمعنى سيئا وقد قرىء به أو أن السيئة قد زال عنها معنى
~~الوصفية وأجريت مجرى الجوامد فإنها بمعنى الذنب أو تجري الصفة على موصوف
~~مذكر أي أمرا مكروها، وقيل: إنه خبر لكان أيضا ويجوز تعدد خبرها على
~~الصحيح، وقيل: حال من المستكن في { كان } أو في الظرف بناء على جعله
~~صفة { سيئة } لا متعلقا بمكروها فيستتر فيه ضميرها، والحال على هذا
~~مؤكدة. وأنت تعلم أن ضمير السيئة المستتر مؤنث فجعل مكروها حالا منه
~~كجعله صفة { سيئة } في الاحتجاج إلى التأويل، وإضماره مذكرا كما في
~~قوله:

# ولا أرض أبقل ابقالها

# لا يخفى ما فيه. وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قرأ { شأنه }.

### || [17.39]

# { ذلك } المتقدم في التكاليف المفصلة { مما أوحى إليك
~~ربك } أي بعض منه أو منه جنسه / { من الحكمة } التي هي علم
~~الشرائع أو معرفة الحق سبحانه لذاته والخير للعمل به أو الأحكام المحكمة
~~التي لا يتطرق إليها النسخ والفساد. وفي «الكشاف» عن ابن عباس هذه
~~الثماني عشرة آية يعني من

# لا تجعل

# [الإسراء: 22] فيما مر إلى { ملوما مدحورا } بعد كانت في ألواح
~~موسى عليه السلام وهي عشر آيات في التوراة. وفي «الدر المنثور» أخرج ابن
~~جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن التوراة كلها في خمس عشرة آية من بني ms05720
~~إسرائيل ثم تلا { ولا تجعل مع الله إلها ءاخر } وهذا
~~أعظم مدحا للقرآن الكريم مما في «الكشاف». و { من } إما متعلقة بأوحى
~~على أنها تبعيضية أو ابتدائية وإما بمحذوف وقع حالا من الموصول أو عائده
~~المحذوف أي من الذي أوحاه إليك ربك كائنا من الحكمة، وجوز أن يكون الجار
~~والمجرور بدلا من (ما).

# { ولا تجعل مع الله إلها ءاخر } الخطاب نظير الخطاب
~~السابق كرر للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه وأنه رأس كل حكمة
~~وملاكها، ورتب عليه أولا ما هو عائدة الشرك في الدنيا حيث قال

# فتقعد مذموما مخذولا

# [الإسراء: 22] ورتب عليه ههنا نتيجته في العقبى فقيل { فتلقى فى
~~جهنم ملوما } من جهة نفسك ومن جهة غيرك { مدحورا } مبعدا
~~من رحمة الله تعالى. وفي «التفسير الكبير» الفرق بين المذموم والملوم أن
~~المذموم هو الذي يذكر أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح ومنكر والملوم هو
~~الذي يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل وما الذي حملك عليه وما استفدت منه
~~إلا إلحاق الضرر بنفسك. ومن هذا يعلم أن الذم يكون أولا واللوم آخرا،
~~والفرق بين المخذول والمدحور أن المخذول عبارة عن الضعيف يقال تخاذلت
~~أعضاؤه أي ضعفت، والمراد به من تركت إعانته وفوض إلى نفسه والمدحور
~~المطرود والمراد به المهان والمستخف به انتهى. وفي إيراد الإلقاء مبنيا
~~للمفعول جرى على سنن الكبرياء وازدراء بالمشرك وجعل له كخشبة يأخذها من
~~كان فيلقيها في التنور.

# هذا وقد وحد الخطاب في بعض هذه الأوامر والنواهي وجمع في بعض آخر منها
~~ولم يظهر لي سر اختيار كل من التوحيد والجمع فيما اختير فيه على وجه يسلم
~~من القيل والقال ويهش له كمل الرجال، وقد ذكرت ذلك لبعض أحبابي من
~~أجلة المحققين ورؤساء المدرسين وطلبت منه أن يحرر ما يظهر له حيث إني
~~محقق كماله وفضله فكتب ما نصه أقول معترفا بالقصور محترزا عن الغرور
~~معتذرا بالقول المأثور المأمور معذور يخطر على خاطر الفقير لتغيير أسلوب
~~الخطاب وجوه تسعة لا تدخل في الحساب: الأول الإشعار ms05721 بانقسام هذه التكاليف
~~إلى أقسام ثلاثة قسم أهم الكل خوطب به الأمة مرتين مرة تصريحا بخطاب
~~أنفسهم ومرة تعريضا بخطاب رسولهم صلى الله عليه وسلم وهذا الأهم هو
~~التوحيد، وقسم مهم جدا لكن دون الأول خوطبوا به واحدة تصريحا وهو أمور
~~سبعة، الأول مطلق الإحسان بالوالدين فإن انتفاءه بأن لا يحسن إليهما
~~أصلا من أشد مراتب العقوق، والثاني ترك قتل الأولاد، والثالث الزنا،
~~والرابع ترك قتل النفس المحرمة إلا بالحق، والخامس ترك التصرف في مال
~~اليتيم إلا بالتي هي أحسن، والسادس الإيفاء بالعهد، والسابع الوزن
~~بالقسطاس المستقيم.

# وقسم ثالث دون الأولين في المهمية خوطبوا به واحدة تعريضا وهو أيضا
~~أمور أحد عشر. الأول ترك قول أف للوالدين، والثاني ترك النهر فإن التأفيف
~~والنهر من أهون مراتب العقوق بخلاف ترك الإحسان مطلقا، والثالث قول
~~القول الكريم لهما، والرابع خفض الجناح من الرحمة، والخامس الدعاء برحمة
~~الله تعالى وهذه الثلاثة تركها ليس كترك مطلق الإحسان مثلا؛ والسادس ترك
~~إيتاء حق ذي القربى والمساكين وابن السبيل وظاهر أن عدم القيام بإيتاء
~~مجموع الحقوق الثلاثة أهون من ترك الأمور المذكورة في القسم / الثاني،
~~والسابع ترك التبذير؛ والثامن قول القول الميسور، والتاسع العدل في المنع
~~والعطاء، والعاشر ترك القفو لما ليس به علم الصادق على القول بموجب الظن
~~مثلا، والحادي عشر ترك المشي مرحا وترك واحد من هذه الخمسة أيها كان لا
~~يبلغ ترك واحد من الأمور المكلف بها المذكورة في القسم الثاني كما لا
~~يخفى. والثاني من تلك الوجوه: الإيماء باقتران خطاب الأمة في النهي عن
~~كبائر خطيرة مثلا بخطابه صلى الله عليه وسلم عما ليس في خطرها إلى أن
~~الذنوب تزداد عظما بعظم مرتكبها فرضا كما يدل عليه آية

# لولا أن ثبتنك لقد كدت تركن إليهم شيئا
~~قليلا * إذا لأذقنك ضعف الحيوة وضعف الممات

# [الإسراء: 74-75] وكريمة

# ينساء النبي من يأت منكن بفحشة مبينة
~~يضاعف لها العذاب ضعفين

# [الأحزاب: 30] وكما اشتهر أن حسنات الأبرار سيئات المقربين وأن المقربين
~~على خطر عظيم لكن لم ms05722 تراع هذه النكتة في النهي عن الشرك إشارة إلى أنه في
~~غاية العظم بحيث لا ينبغي أن يتصور في عظمه ازدياد وتفاوت الأفراد، أو
~~نقول: لما عارضت هذه النكتة نكتة أخرى رجحت لكونها بالرعاية أحرى وهي
~~الإشارة إلى أن الشرك كان عند الله سبحانه عظيما فكرر الخطاب بالنهي عنه
~~تخصيصا وتعميما، وهكذا نقول في عدم رعاية نكتة الوجوه الآتية في
~~التكليف بالتوحيد ولا نعيد. والثالث من تلك الوجوه: التنبيه بتعميم
~~الخطاب في النهي عن بعض المعاصي والأمر ببعض الطاعات على أن فتنة فعل تلك
~~المعاصي وترك تلك الطاعات لا تصيب الذين ظلموا خاصة.

# والرابع منها الإشارة بتعميم الخطاب فيما عمم فيه من المنهيات
~~والمأمورات إلى أن تلك المنهيات كما يجب على كل مكلف الانكفاف عنها يجب
~~عليه كف الغير بحيث لو تركه لكان كفاعلها في أنه اقترف كبيرة نهى عنها
~~نهي تلك المنهيات وإلى أن تلك المأمورات كما يجب على الكل أداؤها يجب
~~إجبار التارك على أدائها بحيث لو لم يجبر لكان كتاركها في أنه ترك واجبا
~~أمر به تلك المأمورات وبتخصيص الخطاب فيما خصص فيه إلى أنه ليس بتلك
~~المثابة فإنه وإن وجب إجبار الغير على بعض تكاليفه لكن عسى أن لا يكون
~~تركه كبيرة. والخامس: الرمز بتوحيد الخطاب فيما وحد فيه أن تلك الطاعة لا
~~تصدر إلا من الآحاد لأنها لا يوفي حقها إلا المتورعون الصالحون وقليل ما
~~هم بخلاف غيرها فإنه مضبوط. والسادس: الإشعار بأن التكاليف التي خوطب بها
~~النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته لا يقوم بها حق القيام إلا هو أو
~~من يقتدي بأنواره ويقتفي لآثاره ويسعى في اتباع سننه القويم ويجتهد في
~~التخلق بخلقه الكريم بخلاف غيرها مما خوطبوا به صريحا فإنها تأتي من
~~أغلبهم. والسابع: أنه صرف الخطاب عنه صلى الله عليه وسلم في النهي عن قتل
~~الأولاد والزنا وقتل النفس المحرمة إلا بالحق والتصرف في مال اليتيم إلا
~~بالتي هي أحسن إشارة إلى أن تلك الشنائع لا يأتيها النبي عليه الصلاة ms05723
~~والسلام وإن لم ينه عنها لأن فطرته وفطنته وسلامة طبعه اللطيف واستقامة
~~مزاجه الشريف كانت كافية في كفه عنها، وكذا صرف عنه الخطاب في الأمر
~~بالإحسان بالوالدين والإيفاء بالعهد والوزن بالقسطاس المستقيم إشارة إلى
~~أنه صلى الله عليه وسلم يأتي بهذه الأمور وإن لم يؤمر بها لأن ترك مطلق
~~الإحسان بالوالدين لو بلغا لديه الكبر مثلا يلزمه من الفظاظة وغلظة
~~القلب وجفاء الطبع ما كان يأباه طبيعته صلى الله عليه وسلم وكذا الغدر
~~والتطفيف كانا تأباهما أخلاقه الكريمة لكن خوطب بالنهي عن الشرك لأنه ليس
~~للطبع والخلق في التوحيد والشرك دخل. والثامن: أنه تعالى إجلالا لحبيبه
~~صلى الله عليه وسلم لم يخاطبه بنهيه عن فواحش قتل الولد والزنا وقتل
~~النفس بغير حق لئلا يوهم أنه وحاشاه يأتيها قبل النهي، وكذا لم يخاطبه
~~بأمره بالإيفاء بالعهد، والوزن بالقسطاس / المستقيم لئلا يوهم أنه كان
~~وحاشاه يتركها قبل هذا، وهذا الإيهام أدعى للاعتناء بدفعه من الإيهام
~~فيما خوطب به وحده، وخوطب بالنهي عن الشرك لأن معهودية دعوته صلى الله
~~عليه وسلم للخاص والعام مدى الليالي والأيام كفته هذا الإيهام. والتاسع:
~~لعل التكاليف التي خوطب صلى الله عليه وسلم بها كترك القفو لما ليس له به
~~علم وترك المشي في الأرض مرحا لم تكن في غير دينه من سائر الأديان أو لم
~~تكن مصرحا بها منصوصا عليها في الكتب السماوية ما عدا القرآن فوجه
~~الخطاب إليه وحده تلويحا بأنها من خصائص دينه أو بأن التصريح بها
~~والتنصيص عليها من خصائص كتابه، ويؤيد هذا الوجه قوله تعالى بعد النهي عن
~~القفو بلا علم والمشي مرحا { ذلك مما أوحى إليك ربك
~~من الحكمة } ثم إني لا أدعي في هذا بل وفي سائر الوجوه البت
~~والجزم ولا أقفو ما ليس لي به علم بل أقول هذا خطر ببالي الكسير والعلم
~~عند اللطيف الخبير اه.

# ويرد على قوله في الأول فإن انتفاءه بأن لا يحسن إليهما أصلا من أشد
~~مراتب العقوق أن العقوق الذي هو كبيرة فعل ما ms05724 يتأذى به من فعل معه من
~~الوالدين تأذيا ليس بالهين عرفا كما سمعت وعدم الإحسان أصلا قد لا
~~يكون من ذلك، قال العلامة ابن حجر في أثناء الكلام على الفرق بين العقوق
~~وقطع الرحم: إنه لو فرض أن قريبه لم يصل إليه إحسان ولا إساءة قط لم يفسق
~~بذلك لأن الأبوين إذا فرض ذلك في حقهما من غير أن يفعل معهما ما يقتضي
~~التأذي العظيم لغناهما مثلا لم يكن كبيرة فأولى بقية الأقارب اه.
~~وكأنه أحسن الله تعالى إليه ظن أنه إذا تحقق عدم الإحسان تحققت الإساءة
~~وهو بمعزل عن الصواب، ويرد أيضا على قوله: وظاهر أن عدم القيام بإيتاء
~~مجموع الحقوق الثلاثة أهون من ترك الأمور المذكورة في القسم الثاني أنه
~~إن أراد أنه أهون من ترك مجموع تلك الأمور فلا شك أن بعض ما عده في القسم
~~الثالث كالوزن بالقسطاس المستقيم ترك القيام به أهون من ترك مجموع
~~التكليفات فما معنى هذا التخصيص وإن أراد أنه أهون من ترك كل واحد من ترك
~~الأمور المذكورة فهو ممنوع كيف لا ويكون في ذلك قطيعة رحم وقاطعها ملعون
~~في كتاب الله تعالى في ثلاثة مواضع، وروى أحمد بإسناد صحيح «إن من أربا
~~الربا الاستطالة بغير حق وإن هذه الرحم شجنه من الرحمن فمن قطعها حرم
~~الله تعالى عليه الجنة»؛ ومنع زكاة أيضا وقد قال تعالى في حم السجدة [6،
~~7] وهي مكية كهذه السورة { وويل للمشركين الذين لا
~~يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون } وإن نوقش فيما
~~ذكر قلنا: إن عدم القيام بإيتاء ما ذكر صادق على منع حقوق ثلاثة أصناف
~~ولا شك أن منع ذي الحق حقه ظلم له فيتعدد الظلم فيما نحن فيه ولا أظن أن
~~ذلك أهون من التطفيف وإن كان ظلما أيضا:

# وظلم ذوي القربى أشد مضاضة

# على القلب من وقع الحسام المهند

# ومما ذكرنا يعلم أن قوله ظاهر غير ظاهر. ويرد أيضا على قوله: وترك واحد
~~من هذه الخمسة الخ أن قوله سبحانه

# ولا تقف ما ليس ms05725 لك به علم

# [الإسراء: 36] نهي على ما اختاره الإمام عن كبائر لا شك في أن بعضها
~~أعظم بكثير من بعض ما في القسم الثاني كالقول في الإلهيات والنبوات نحو
~~ما يقوله المشركون تقليدا للأسلاف واتباعا للهوى وإن أبيت إلا تخصيصه
~~ببعض ما قاله المفسرون ونقله الإمام مما هو أهون أفراده كالكذب قيل لك /
~~إن في كونه أهون من انتفاء الإحسان مطلقا مع كونه قد لا يكون كبيرة
~~منعا ظاهرا كما لا يخفى. وكذا في كون المشي مرحا دون كل واحد من
~~الأمور السابقة بحث. وقد أخرج الشيخان

# " بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل مختال في مشيته إذ خسف الله
~~تعالى به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة "

# وروي أحمد وابن ماجه والحاكم

# " ما من رجل يتعاظم في نفسه ويختال في مشيته إلا لقي الله تعالى وهو
~~عليه غضبان "

# وصح

# " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر "

# إلى غير ذلك من الأحاديث التي لم يجىء مثلها فيمن لم يحسن إلى والديه
~~نعم جاء ذلك فيمن عق والديه، وبين عقوقهما وعدم الإحسان إليهما عموم
~~وخصوص مطلق وعلى هذا فلا يخفى حاله كما لا يخفى. ويرد على الوجه الثاني
~~على ما فيه أنه غير واف بالغرض، وعلى الثالث أنه مجرد دعوى لم تساعدها
~~الآثار، نعم ورد في بعض ما ذكر أن فتنته لا تصيب الظالم فقط ما يؤيده،
~~ومن ذلك ما أخرجه البيهقي وغيره

# " يا معشر المهاجرين خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلت بكم أعوذ بالله
~~تعالى أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يلعنوا بها إلا فشا فيهم
~~الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا
~~بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان ولم ينعوا زكاة أموالهم إلا منعوا
~~المطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولا نقضوا عهد الله تعالى وعهد
~~رسوله صلى الله عليه وسلم إلا سلط الله تعالى عليهم عدوا من غيرهم
~~فيأخذوا بعض ما في أيديهم وما ms05726 لم تحكم أئمتهم بكتاب الله تعالى إلا جعل
~~الله تعالى بأسهم بينهم "

# وإن كان في عدم إيتاء المسكين وابن السبيل حقهما منع الزكاة فأمر
~~الإيماء المذكور لا يخفى حاله فإن الأخبار قد تظافرت بعموم شؤم ذلك، فقد
~~صح

# " ما منع قوم الزكاة إلا حبس الله تعالى عنهم القطر "

# وفي رواية صحيحة

# " إلا ابتلاهم الله تعالى بالسنين "

# إلى غير ذلك. ويرد على الوجه الرابع أن بعضهم قد أطلق القول بأن ترك
~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كبيرة. وصرح صاحب «العدة» بأن الغيبة
~~نفسها صغيرة وترك النهي عنها كبيرة، وقال بعض المتأخرين ونقله الجلال
~~البلقيني ينبغي أن يفصل في النهي عن المنكر فيقال: إن كان كبيرة فالسكوت
~~عليه مع إمكان دفعه كبيرة وإن كان صغيرة فالسكوت عليه صغيرة، ويقاس ترك
~~المأمور بهذا إذا قلنا: إن الواجبات تتفاوت وهو الظاهر اه.

# وقد علمت أن فيما وحد الخطاب فيه من الأوامر ما تركه كبيرة ومن النواهي
~~ما فعله كذلك فلم يتحقق مارجا سلمه الله تعالى على أن في تعبيره بالإجبار
~~فيما عبر فيه ما لا يخفى. ويرد على الخامس أن في كون الطاعات التي وحد
~~فيها الخطاب لا تصدر إلا من الآحاد لأنها لا يوفي حقها إلا المتورعون
~~منعا ظاهرا فإن أكثر الناس صالحهم وطالحهم لا يمشي في الأرض مرحا ومثل
~~ذلك الدعاء للوالدين بالرحمة فإنا نسمعه على أتم وجه من كثير ممن لا يعرف
~~الورع أي شيء هو، وكذا في قوله: بخلاف غيرها فإنه مضبوط فإن ترك التصرف
~~في مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ممن له ولاية عليه أمر شاق لا يكاد يقوم
~~به إلا الأفراد. قال في «رد المحتار حاشية الدر المختار»: لا ينبغي
~~للموصى إليه أن يقبل لصعوبة العدل جدا، ومن هنا قال أبو يوسف: الدخول في
~~الوصاية أول مرة غلط وثاني مرة خيانة وثالث مرة سرقة، ومن هذا يعلم ما في
~~الوجه السادس. ويرد على السابع أيضا أن المشي في الأرض مرحا كالأمور
~~التي صرف الخطاب في النهي عنها ms05727 عنه صلى الله عليه وسلم في أن فطرته
~~وفطنته وسلامة طبعه اللطيف واستقامة مزاجه الشريف كافية في الكف عنه فإن
~~الكبر من البشر لا ينشأ إلا عن جهل وبلادة وقد جبل عليه الصلاة والسلام
~~على أكمل ما يكون من التواضع بل وسائر الصفات التي هي / كمال في النوع
~~الإنساني ويؤيد ذلك قوله تعالى:

# وإنك لعلى خلق عظيم

# [القلم: 4] مع أنه لم يصرف الخطاب فيه وأنه حيث اعتبر الفطنة في الكافي
~~عن الكف لم ينفعه الاعتذار عن توحيد الخطاب في النهي عن الشرك بما اعتذر
~~به فإن للفطنة دخلا تاما في التوحيد كما لا يخفى على فطن. ويرد على
~~قوله في الثامن: وهذا الإيهام الخ منع ظاهر فلا يخفى حاله كما لا يخفى.
~~ويرد على التاسع أنه لا يساعده نقل ولا عقل بل جاء في النقل ما يخالفه
~~كما سمعت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وإن اعتبر النهي عن الشرك من
~~تلك التكليفات فهو كاف في تزييف هذا الوجه لأن النهي عن الشرك جاء به كل
~~رسول ونطق به كل كتاب وما ذكره مؤيدا لغرضه بمعزل عن التأييد. هذا وبقيت
~~إيرادات أخر على هذه الوجوه أعرضنا عنها وتركناها للذكي الفطن حذرا من
~~التطويل فتأمل ذاك والله يتولى هداك.

### || [17.40]

# { أفأصفكم ربكم بالبنين واتخذ من
~~الملئكة إناثا } خطاب للقائلين بأن الملائكة بنات الله
~~سبحانه. والإصفاء بالشيء جعله خالصا. والهمزة للإنكار وهي داخلة على
~~مقدر على أحد الرأيين والفاء للعطف على ذلك المقدر أي أفضلكم على جنابه
~~فخصكم بأفضل الأولاد على وجه الخلوص وآثر لذاته أخسها وأدناها. والتعرض
~~لعنوان الربوبية لتشديد النكير وتأكيده، وعبر بالإناث إظهارا للخسة.
~~وقال شيخ الإسلام: أشير بذكر الملائكة عليهم السلام وإيراد الإناث مكان
~~البنات إلى كفرة لهم أخرى وهي وصفهم لهم عليهم السلام بالأنوثة التي هي
~~أخس صفات الحيوان كقوله تعالى:

# وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن
~~إنثا

# [الزخرف: 19] وفي «الكشف» أنه تعالى لما نهى عن الشرك ودل على فساده أتى
~~بالفاء الواصلة وأنكر عليهم ذلك ms05728 دليلا على مكان التعكيس وأنهم بعد ما
~~عرفوا أنه سبحانه برىء من الشريك بدليل العقل والسمع نسبوا إليه تعالى ما
~~هو شرك ونقص وازدراء بمن اصطفاه من عباده فياله من كفرة شنيعة ولذا قيل:

# { إنكم لتقولون } بمقتضى مذهبكم الباطل { قولا عظيما }
~~لا يقادر قدره في استتباع الإثم وخرقه لقضايا العقول بحيث لا يجترىء عليه
~~ذو عقل حيث تجعلونه سبحانه من قبيل الأجسام السريعة الزوال المحتاجة إلى
~~بقاء النوع بالتوالد وليس كمثله شيء وهو الواحد القهار الباقي بذاته ثم
~~تضيفون إليه تعالى ما تكرهون من أخس الأولاد وتفضلون عليه سبحانه أنفسكم
~~بالبنين ثم تصفون الملائكة عليهم السلام بما تصفون.

### || [17.41]

# { ولقد صرفنا } من التصريف وهو كثرة صرف الشيء من حال إلى حال،
~~ومفعوله هنا محذوف للعلم به أي صرفناه أي هذا المعنى والمراد عبرنا عنه
~~بعبارات وقررناه بوجوه من التقريرات { فى هذا القرءان } العظيم
~~أي في مواضع منه فالمراد بالقرآن مجموع التنزيل وجوز أن يراد به البعض
~~المشتمل على إبطال إضافة البنات إليه سبحانه ومفعول { صرفنا } محذوف
~~أيضا أي صرفنا القول المشتمل على إبطال الإضافة المذكورة في هذا المعنى.
~~وإيقاع القرآن على المعنى وجعله ظرفا للقول إما بإطلاق اسم المحل على
~~الحال لما اشتهر أن الألفاظ قوالب المعاني أو بالعكس كما يقال الباب
~~الفلاني في كذا وهذه الآية في تحريم كذا أي في بيانه، ويجوز تنزيل الفعل
~~منزلة اللازم وتعديته بفي كما في قوله:

# يجرح في عراقيبها نصلي

# أي أوقعنا التصريف فيه. وقرىء { صرفنا } بالتخفيف والصرف كالتصريف إلا
~~في التكثير { ليذكروا } أي ليتذكروا ويتعظوا ويطمئنوا له فإن /
~~التكرار يقتضي الإذعان واطمئنان النفس { وما يزيدهم } ذلك التصريف
~~{ إلا نفورا } عن الحق وإعراضا عنه وهو تعكيس. وقرأ حمزة والكسائي
~~هنا وفي الفرقان [50] { ليذكروا } من الذكر الذي هو بمعنى التذكر ضد
~~النسيان والغفلة، والتذكر على القراءة الأولى بمعنى الاتعاظ كما أشير
~~إليه. والالتفات إلى الغيبة للإيذان باقتضاء الحال أن يعرض عنهم ويحكي
~~للسامعين هناتهم.

### || [17.42]

# { قل } في إظهار بطلان ذلك من جهة أخرى { لو ms05729 كان معه } سبحانه
~~وتعالى في الوجود { ءالهة كما يقولون } أي المشركون قاطبة. وقرأ
~~حمزة والكسائي وخلف بالتاء ثالث الحروف خطابا لهم والأمران في مثل هذا
~~المقام شائعان، وذلك أنه إذا أمر أحد بتبليغ كلام لأحد فالمبلغ له في حال
~~تكلم الآمر غائب ويصير مخاطبا عند التبليغ فإذا لوحظ الأول حقه الغيبة
~~وإذا لوحظ الثاني حقه الخطاب وكذا قرؤا فيما بعد. وقرأ نافع وابن عامر
~~وأبو بكر عن عاصم هنا بالتاء وهناك بالياء آخر الحروف على أنه تنزيه منه
~~سبحانه لنفسه ابتداء من غير أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله لهم.
~~والكاف في محل النصب على أنها نعت لمصدر محذوف أي كونا مشابها لما
~~يقولون والمراد بالمشابهة على ما قيل الموافقة والمطابقة.

# { إذا لابتغوا } جواب عن قولهم إن مع الله سبحانه آلهة وجزاء
~~للوأى لطلب الآلهة { إلى ذى العرش } أي إلى من له الملك
~~والربوبية على الإطلاق { سبيلا } بالمغالبة والممانعة كما اطردت
~~العادة بين الملوك، وهي إشارة إلى برهان التمانع كقوله تعالى:

# لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا

# [الأنبياء: 22] وذلك بتصوير قياس استثنائي استثني فيه نقيض التالي لينتج
~~نقيض المقدم المطلوب، وسيأتي إن شاء الله تعالى تقريره في محله، وإلى هذا
~~ذهب سعيد بن جبير كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم. وعن مجاهد وقتادة أن
~~المعنى إذا لطلبوا الزلفى إليه تعالى والتقرب بالطاعة لعلمهم بعلوه
~~سبحانه عليهم وعظمته وهذا كقوله تعالى:

# أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم
~~الوسيلة

# [الإسراء: 57] وهو إشارة إلى قياس اقتراني هكذا لو كان كما زعمتم آلهة
~~لتقربوا إليه تعالى وكل من كان كذلك ليس إلها فهم ليسوا بآلهة. قيل و {
~~لو } على الأول امتناعية وعلى هذا شرطية، والقياس مركب من مقدمتين
~~شرطية اتفاقية وحملية.

### || [17.43]

# واختار المحققون الوجه الأول لأنه الأظهر الأنسب بقوله سبحانه: {
~~سبحنه } فإنه ظاهر في أن المراد بيان أنه يلزم ما يقولونه محذور
~~عظيم من حيث لا يحتسبون. وأما ابتغاء السبيل إليه تعالى بالتقرب فليس مما
~~يختص بهذا التقدير ولا مما يلزمهم من ms05730 حيث لا يشعرون بل هو أمر يعتقدونه
~~رأسا أي ينزه بذاته تنزيها حقيقا به سبحانه { وتعالى } متباعدا
~~{ عما يقولون } من العظيمة التي هي أن يكون معه تعالى آلهة وأن
~~يكون له بنات { علوا } أي تعاليا فهو مصدر من غير فعله كقوله تعالى:

# أنبتكم من الأرض نباتا

# [نوح: 17] { كبيرا } بعيد الغاية بل لا غاية وراءه كيف لا وأنه تعالى
~~في أقصى غايات الوجود وهو الوجوب الذاتي وما يقولونه من أن معه آلهة وأن
~~له أولادا في أدنى مراتب العدم وهو الامتناع الذاتي. وقيل لأنه تعالى في
~~أعلى مراتب الوجود وهو كونه واجب الوجود والبقاء لذاته واتخاذ الولد من
~~أدنى مراتبه فإنه من خواص ما يمتنع بقاؤه. وتعقب بأن ما يقولونه ليس مجرد
~~اتخاذ الولد بل مع ما سمعت ولا ريب في أن ذلك ليس بداخل في حد الإمكان
~~فضلا عن دخوله تحت الوجود، وكونه من أدنى مراتب الوجود إنما هو بالنسبة
~~إلى من من شأنه / ذلك. واعتذر بأنه من باب التنبيه بحال الأدنى على حال
~~الأعلى ولا يخفى أن ذكر العلو بعد عنوانه بذي العرش في أعلى مراتب
~~البلاغة.

### || [17.44]

# { تسبح } بالفوقانية وهي قراءة أبي عمرو والأخوين وحفص، وقرأ
~~الباقون بالتحتانية لأن تأنيث الفاعل مجازي مع الفصل وقرىء { سبحت }  {
~~له السموت السبع والأرض ومن فيهن } أي من
~~الملائكة والثقلين { وإن من شىء } من الأشياء حيوانا كان أو نباتا
~~أو جمادا { إلا يسبح } ملتبسا { بحمده } تعالى. والمراد من
~~التسبيح الدلالة بلسان الحال أي تدل بإمكانها وحدوثها دلالة واضحة على
~~وجوب وجوده تعالى ووحدته وقدرته وتنزهه من لوازم الإمكان وتوابع الحدوث
~~كما يدل الأثر على مؤثره ففي الكلام استعارة تبعية كما في نطقت الحال.
~~وجوز أن يعتبر فيه استعارة تمثيلية ولا يأبى حمل التسبيح على ذلك قوله
~~تعالى: { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } بناء على أن
~~كثيرا من العقلاء فهم تلك الدلالة لما أن الخطاب للمشركين والكفرة لا
~~للناس على العموم لأنه تقدم ذكر قبائحهم من نسبتهم إليه تعالى شأنه ما لا
~~يليق بجلاله ms05731 فإن الله سبحانه وصف ذاته بالنزاهة عنه وبالغ فيه ما بالغ ثم
~~عقبه بما ذكر دلالة على أن كل الأكوان شاهدة بتلك النزاهة مبالغة على
~~مبالغة فلو كان الخطاب مع غير هؤلاء المنكرين وأضرابهم لم يتلاءم الكلام
~~ويخرج عن النظام.

# وقوله تعالى: { إنه كان حليما غفورا } تذييل من تتمة
~~الإنكار على الوجه الأبلغ أي إنه سبحانه حليم ولذلك لم يعاجلكم بالعقوبة
~~لإخلالكم بالنظر الصحيح الموصل إلى التوحيد ولو تبتم ونظرتم لغفر لكم ما
~~صدر منكم من التقصير فإنه غفور لمن يتوب. وظن ابن المنير أن هذا التذييل
~~يأبى كون الخطاب للمشركين قال: «لأنه سبحانه لا يغفر لهم ولا يتجاوز عن
~~جهلهم وإشراكهم، والظاهر أن المخاطب المؤمنون وعدم فقههم للتسبيح الصادر
~~من الجمادات كناية والله تعالى أعلم عن عدم العمل بمقتضى ذلك فإن الإنسان
~~لو تيقظ حق التيقظ إلى أن النملة والبعوضة وكل ذرة من ذرات الكون يقدس
~~الله تعالى وينزهه ويشهد بجلاله وكبريائه وقهره وعمر خاطره بهذا الفهم
~~لشغله ذلك عن الطعام فضلا عن فضول الأفعال والكلام والعاكف على الغيبة
~~التي هي فاكهتنا في زماننا لو استشعر حال إفاضته فيها أن كل ذرة من ذرات
~~لسانه الذي يلقلقه في سخط الله تعالى عليه مشغولة مملوءة بتقديس الله
~~تعالى وتسبيحه وتخويف عقابه وإنذار جبروته وتيقظ لذلك حق التيقظ لكاد
~~يبكم بقية عمره، فالظاهر أن الآية إنما وردت خطابا على الغالب من أحوال
~~الغافلين وإن كانوا مؤمنين» اه، وليس بسديد لخروج الكلام على ذلك من
~~النظام، ووجه التذييل ما سمعت فلا إباء كما لا يخفى على ذوي الأفهام.

# وجوز أن يراد بالتسبيح الدلالة على تنزيه الباري سبحانه عن لوازم
~~الإمكان وتوابع الحدوث مطلقا سواء كانت حالية أو مقالية على أنه من عموم
~~المجاز أو بالجمع بين المعنى الحقيقي والمجازي على رأي من يجوزه فتسبيح
~~بعض قالي وتسبيح بعض آخر حالي.

# وتعقبه بأنه لا يلائمه { لا تفقهون } لأن من ذلك التسبيح ما
~~يفقهه المشركون وغيرهم وهو التسبيح القالي. وأجيب بأن المشركين لعدم
~~تدبرهم ms05732 له وانتفاعهم به كان فهمهم بمنزلة العدم أو أنهم لعدم فهمهم بعض
~~المراد من التسبيح جعلوا ممن لا يفهم الجميع تغليبا. وذهب بعض الظاهرية
~~وارتضاه الراغب وقال في «تفسير الخازن» إنه الأصح على أن التسبيح على
~~معناه الحقيقي فالكل يسبح بلسان القال حتى الجمادات / ولم يرتض ذلك
~~الإمام لأن هذا التسبيح لا يحصل إلا مع العلم وهو مما لا يتصور في الجماد
~~لفقد شرطه العقلي وهو الحياة ولو لم يكن ذلك شرطا عقليا لانسد باب
~~العلم بكونه سبحانه وتعالى حيا؛ وأيضا التذييل السابق يأبى ذلك
~~لدلالته على أن عدم فقه التسبيح المذكور جرم ولا شك أن عدم فقه تسبيح
~~الجمادات بألفاظها ليس بجرم وإنما الجرم عدم فقه دلالتها للغفلة وقصور
~~النظر ومن تتبع الأحاديث والآثار رأى فيها ما يشهد بما ذهب إليه هذا
~~البعض شهادة لا تكاد تقبل التأويل فقد صح سماع تسبيح الحصا في كفه صلى
~~الله عليه وسلم.

# وأخرج أبو الشيخ عن أنس قال:

# " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام ثريد فقال: إن هذا الطعام
~~يسبح فقالوا: يا رسول الله وتفقه تسبيحه؟ قال: نعم ثم قال لرجل أدن هذه
~~القصعة من هذا الرجل فأدناها فقال: نعم يا رسول الله هذا الطعام يسبح
~~فقال: أدنها من آخر فأدناها منه فقال: يا رسول الله هذا الطعام يسبح ثم
~~قال: ردها فقال رجل: يا رسول الله لو أمرت على القوم جميعا فقال: لا
~~إنها لو سكتت عند رجل لقالوا: من ذنب ردها فردها ".

# وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم
~~نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفا

# " بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معنا ماء فقال لنا:
~~اطلبوا من معه فضل ماء فأتى بماء فوضعه في إناء ثم وضع يده فيه فجعل
~~الماء يخرج من بين أصابعه ثم قال: حي على الطهور المبارك والبركة من الله
~~تعالى فشربنا منه قال عبد الله: كنا نسمع صوت الماء وتسبيحه وهو يشرب ms05733 "

# وأخرج أحمد وابن مردويه عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " إن نوحا عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنيه: آمركما بسبحان
~~الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق كل شيء "

# ، وأخرج أحمد عن معاذ بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مر
~~على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل فقال لهم:

# " اركبوها سالمة ودعوها سالمة ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق
~~والأسواق فرب مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكرا لله تعالى منه "

# وأخرج النسائي وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر قال:

# " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع وقال نقيقها تسبيح "

# وأخرج ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم والبيهقي في «الشعب» عن أنس بن
~~مالك قال: ظن داود عليه السلام في نفسه أن أحدا لم يمدح خالقه بما مدحه
~~وأن ملكا نزل وهو قاعد في المحراب والبركة إلى جانبه فقال يا داود افهم
~~إلى ما تصوت به الضفدع فأنصت داود فإذا الضفدع تمدحه بمدحة لم يمدحه بها
~~فقال له الملك: كيف ترى يا داود أفهمت ما قالت؟ قال: نعم قال: ماذا قالت؟
~~قال: قالت سبحانك وبحمدك منتهى علمك يا رب قال داود: لا والذي جعلني نبيه
~~إني لم أمدحه بهذا.

# وأخرج أحمد في «الزهد» وأبو الشيخ عن شهر بن حوشب من حديث طويل أن داود
~~عليه السلام أتى البحر في ساعة فصلى فنادته ضفدعة يا داود إنك حدثت نفسك
~~أنك قد سبحت في ساعة ليس يذكر الله تعالى فيها غيرك وأني في سبعين ألف
~~ضفدع كلها قائمة على رجل نسبح الله تعالى ونقدسه. وأخرج الخطيب عن أبي
~~ضمرة قال: كنا عند علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما فمر بنا عصافير
~~يصحن فقال: أتدرون ما تقول هذا العصافير؟ قلنا: لا قال: أما إني ما أقول
~~أنا نعلم الغيب ولكن سمعت أبي يقول سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
~~كرم الله تعالى وجهه يقول سمعت رسول الله صلى ms05734 الله عليه وسلم يقول:

# " إن الطير إذا أصبحت سبحت ربها وسألته قوت يومها وإن هذه تسبح ربها
~~وتسأله قوت يومها "

# / وأخرج ابن راهويه في «مسنده» من طريق الزهري قال: أتى أبو بكر الصديق
~~رضي الله تعالى عنه بغراب وافر الجناحين فقال: سمعت رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم يقول:

# " ما صيد صيد ولا عضدت عضاه ولا قطعت وشيجة إلا بقلة التسبيح "

# وأخرج أبو نعيم في «الحلية» وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول
~~الله عليه الصلاة والسلام

# " ما صيد من صيد ولا وشج من وشج إلا بتضييعه التسبيح "

# وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء وابن مردويه عن ابن مسعود مثل ذلك
~~مرفوعا أيضا. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن لولا ما غم عليكم من تسبيح ما
~~معكم من البيوت ما تقاررتم. وأخرج ابن أبي حاتم عن لوط بن أبي لوط قال:
~~«بلغني أن تسبيح سماء الدنيا سبحان ربي الأعلى والثانية سبحانه وتعالى
~~والثالثة سبحانه وبحمده والرابعة سبحانه لا حول ولا قوة إلا به والخامسة
~~سبحان محيي الموتى وهو على كل شيء قدير والسادسة سبحان الملك القدوس
~~والسابعة سبحان الذي ملأ السموات السبع والأرضين السبع عزة ووقارا» إلى
~~ما لا يكاد يحصى من الأخبار والآثار وهي بمجموعها متعاضدة في الدلالة على
~~أن التسبيح قالي كما لا يخفى وهو مذهب الصوفية، وذكروا أن السالك عند
~~وصوله إلى بعض المقامات يسمع تسبيح الأشياء بلغات شتى.

# وقد روي عن بعض السلف سماعه لتسبيح بعض الجمادات.

# واختلف القائلون بهذا التسبيح فقال بعضهم: بثبوته للأشياء مطلقا، وقيل
~~إن التراب يسبح ما لم يبتل فإذا ابتل ترك التسبيح وإن الخرزة تسبح ما لم
~~ترفع من موضعها فإذا رفعت تركت وإن الورقة تسبح ما دامت على الشجرة فإذا
~~سقطت تركت وإن الثوب يسبح ما لم يتسخ فإذا اتسخ ترك وإن الوحش والطير
~~تسبح إذا صاحت وإذا سكتت تركت، وعلى هذا ما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن
~~شوذب قال: جلس الحسن مع أصحابه على مائدة فقال بعضهم: هذه ms05735 المائدة تسبح
~~الآن فقال الحسن: كلا إنما ذاك كل شيء على أصله.

# وأخرج عن السدي أنه قال: ما من شيء على أصله الأول لم يمت إلا وهو يسبح
~~بحمده تعالى، ولعله أراد بالموت خروجه عن أصله الأول. وأخرج عبد الرزاق
~~وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن قتادة أنه قال في الآية: كل شيء فيه
~~الروح يسبح من شجرة وحيوان، وكون الشجرة ذات روح مبني على قول الناس فيها
~~إذا يبست ماتت، واستثنى بعضهم بعض الحيوانات من عموم كل شيء لما أخرجه
~~أبو الشيخ عن ابن عباس أنه قال: كل شيء يسبح إلا الحمار والكلب. ولا أرى
~~لاستثناء ما ذكر وجها وفي القلب من صحة الرواية عن الخبر شيء، وكذا
~~للتقييد بعد أن لم تكن الجمادية مانعة عن التسبيح والأخبار الظاهرة في
~~عدم التقييد أكثر، ولا أظن أن لما يخالفها امتيازا عليها في الصحة.

# ويشكل على هذا القول ما تقدم عن الإمام من إباء التذييل عنه وعدم وجود
~~العلم الذي يستدعيه التسبيح القالي في الجمادات، وتفصى بعضهم عن هذا
~~بالتزام أن لكل شيء حياة وعلما لائقين به ولا يطلع على حقيقة ذلك إلا
~~الله تعالى اللطيف الخبير فكل ما في العالم عند هذا الملتزم حي عالم لكنه
~~متفاوت المراتب في العلم والحياة. ونقل الشعراني عن الخواص أنه قال: كل
~~جماد يفهم الخطاب ويتألم كما يتألم الحيوان، وقال الشيخ الأكبر قدس سره:
~~إن المسمى بالجماد والنبات له عندنا أرواح بطنت عن إدراك غير الكشف إياها
~~في العادة فالكل عندنا حي ناطق غير أن هذا المزاج الخاص يسمى إنسانا لا
~~غير بالصورة ووقع التفاضل بين الخلائق في المزاج والكل / يسبح الله تعالى
~~كما نطقت الآية به ولا يسبح إلا حي عاقل عالم عارف بمسبحه، وقد ورد أن
~~المؤذن يشهد له مدى صوته من رطب ويابس، والشرائع والنبوات مشحونة بما هو
~~من هذا القبيل ونحن زدنا مع الإيمان بالأخبار الكشف إلى آخر ما قال.

# واستدل بعضهم في هذا المقام بما روي

# " عن النبي صلى ms05736 الله عليه وسلم أنه قال في دعائه للحمى: يا أم ملدم إن
~~كنت آمنت بالله تعالى فلا تأكلي اللحم ولا تشربي الدم ولا تفوري من الفم
~~وانتقلي إلى من يزعم أن مع الله تعالى آلهة أخرى فإني أشهد أن لا إله إلا
~~الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم "

# ، وجاء عن السجاد رضي الله تعالى عنه في «الصحيفة» في مخاطبة القمر ما
~~هو ظاهر في أن له شعورا، واستفاض عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كتب
~~للنيل كتابا يخاطبه فيه بما يخاطبه وضرب الأرض بالدرة حين تزلزلت وقال
~~لها: إني أعدل عليك. وكم وكم في الأخبار نحو ذلك قيل ولا داعي لتأويلها
~~إذ لا أحد يقول: إن شعور الجمادات كشعور الحيوانات الظاهرة بحيث يدركه كل
~~أحد حتى يكون العمل بظاهر اللفظ خلاف حس العقلاء فيجب ارتكاب التأويل
~~والتجوز، ومن علم عظم قدرة الله عز وجل وأنه سبحانه لا يعجزه شيء وأن
~~المخلوقين على اختلاف مراتبهم لا سيما المنغمسين في أوحال العلائق
~~والعوائق الدنيوية والمسجونين في سجين الطبيعة الدنية لم يقفوا على عشر
~~العشر مما أودع في عالم الإمكان ونقش بيد الحكمة على برود الأعيان سلم ما
~~جاء به الصادق عليه الصلاة والسلام وإن خالف ما عنده نسب القصور إلى نفسه
~~فرب فكر يظنه المرء حقا وهو من الأوهام كما لا يخفى على من أنصف ولم
~~يتعسف.

# وعلى هذا الذي ذكروه لا تحتاج إعادة ضمير ذوي العلم في { تسبيحهم
~~} على ما تقدم إلى توجيه. وتفصى آخر عن الأول بأن قوله تعالى: { إنه
~~كان حليما غفورا } متعلق بقوله سبحانه: { سبحانه
~~وتعالى عما يقولون } ولا يخفى ما في هذا التفصي، ولعل الأولى
~~فيه أن يلتزم حمل التسبيح على ما هو الأعم من الحالي والقالي ويثبت كلا
~~النوعين لكل شيء، والتذييل باعتبار القصور في فقه الحالي لا باعتبار
~~القصور في فقه الآخر، ويشكل أيضا أن من أفراد من نسب إليه التسبيح الجحد
~~فضلا عن الساكت فالحمل ms05737 على المجاز واجب. وأجيب بأن استثناء أولئك معلوم
~~بقرينة السباق واللحاق، وزعم من زعم أن الجاحد مقدس أيضا وأنشدوا
~~للحلاج:

# جحودي لك تقديس

# وعقلي فيك منهوس

# فما آدم إلاك

# وما في الكون إبليس

# وأنت تعلم أن مثل هذا الحلج والندف صار سببا لما لاقى من الحتف فماذا
~~عسى أقول سوى حسبنا الله ونعم الوكيل. وقرىء { لا يفقهون } على صيغة
~~المبني للمفعول من باب التفعيل.

### || [17.45]

# { وإذا قرأت القرءان } الناطق بالتسبيح والتنزيه ودعوتهم إلى
~~العمل بما فيه { جعلنا } بقدرتنا ومشيئتنا المبنية على الحكم الخفية.
~~{ بينك وبين الذين لا يؤمنون بالأخرة } وهم
~~المشركون المتقدم ذكرهم. وأوثر الموصول على الضمير ذما لهم بما في حيز
~~الصلة ويتم به مع ما سبق الإشارة إلى كفرهم بالمبدأ والمعاد. وفي «إرشاد
~~العقل السليم» إنما خص بالذكر كفرهم بالآخرة من بين سائر ما كفروا به من
~~التوحيد ونحوه دلالة على أنها معظم ما أمروا بالإيمان به في القرآن
~~وتمهيدا لما سينقل عنهم من إنكار البعث واستعجاله ونحو ذلك اه. وفي كون
~~الآخرة معظم ما أمروا بالإيمان به في القرآن تردد وربما يدعى أن ذلك هو
~~التوحيد فالأولى / الاقتصار على أنه للتمهيد { حجابا } يحجبهم من أن
~~يدركوك على ما أنت عليه من النبوة وجلالة القدر ولذلك اجترؤا على التفوه
~~بالعظيمة وهي قولهم:

# إن تتبعون إلا رجلا مسحورا

# [الإسراء: 47] وأصل الحجاب كالحجب المنع من الوصول فهو مصدر وقد أريد به
~~الوصف أي حاجبا { مستورا } أي ذا ستر فهو للنسب كرجل مرطوب ومكان
~~مهول وجارية مغنوجة ومنه

# وعده مأتيا

# [مريم: 61] وكذا سيل مفعم بفتح العين والأكثر مجىء فاعل لذلك كلابن
~~وتامر، وجوز أن يكون الإسناد مجازيا كما اشتهر في المثال الأخير، وعن
~~الأخفش أن مفعول يرد بمعنى فاعل كميمون ومشؤم بمعنى يامن وشائم كما أن
~~فاعل يرد بمعنى مفعول كماء دافق فمستور بمعنى ساتر أو مستورا عن الحس
~~فهو على ظاهره ويكون بيانا لأنه حجاب معنوي لا حسي أو مستورا في نفسه
~~بحجاب آخر فيكون إيذانا بتعدد الحجب أو مستورا ms05738 كونه حجابا حيث لا
~~يدرون أنهم لا يدرون، وقيل: إنه على الحذف والإيصال أي مستورا به الرسول
~~صلى الله عليه وسلم.

### || [17.46]

# { وجعلنا على قلوبهم أكنة } أغطية جمع كنان، والمراد
~~بمعونة المقام التكثير أي أكنة كثيرة. { أن يفقهوه } مفعول له
~~بتقدير مضاف أي كراهة أن يقفوا على كنهه ويعرفوا أنه من عند الله تعالى
~~أو مفعول به لفعل مقدر مفهوم من الجملة أو من { أكنة } لا أن {
~~جعلنا } أو شيئا مما ذكر قد ضمنه كما يتوهم أي منعناهم فقهه والوقوف
~~على كنهه { وفى ءاذانهم وقرا } صمما وثقلا عظيما مانعا من
~~سماعه اللائق به فإنهم كانوا يسمعونه من غير تدبر، وهذه كما قال بعض
~~المحققين تمثيلات معربة عن كمال جهلهم بشؤون النبي صلى الله عليه وسلم
~~وفرط نبو قلوبهم عن فهم القرآن الكريم ومج أسماعهم له جىء بها بيانا
~~لعدم فقههم فصيح المقال إثر بيان عدم فقههم دلالة الحال وفيه إيذان بأن
~~ما تضمنه القرآن من التسبيح في غاية الظهور بحيث لا يتصور عدم فهمه إلا
~~لمانع قوي يعتري المشاعر فيبطلها وتنبيه على أن حالهم هذه أقبح من حالهم
~~السابقة، وحمل الآية على ما ذكر من لم يجعل التسبيح فيما سبق لفظيا وعلى
~~جعله لفظيا لا يحسن حملها على ذلك كما لا يخفى.

# هذا وقال بعضهم: المراد بالحجاب ما يحجبهم عن فهم ما يقرؤه عليه الصلاة
~~والسلام فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال: الحجاب
~~المستور أكنة على قلوبهم أن يفقهوه وأن ينتفعوا به وإلى ذلك ذهب الزجاج،
~~وتعقب بأنه لا يلائم

# بينك وبين الذين

# [الإسراء: 45] الخ إلا بتقدير مضافين أي جعلنا بين فهم قراءتك، وأيضا
~~يلزم عليه التكرار من غير فائدة جديدة، وأجيب بأن الظاهر أنه لا يقدر فيه
~~وإنما يلزم لو كان حقيقة وهذا تمثيل لهم في عدم إسماع الحق بمن كان وراء
~~جدار وحجاب كما أن الأكنة كذلك، وأما حديث التكرار من غير فائدة فمدفوع
~~بأن قوله تعالى: { وجعلنا } الخ تصريح بما اقتضاه نفي ms05739 فصيح المقال
~~بعد نفي فهم دلالة الحال من كونهم مطبوعين على الضلال ولا يخفى على
~~المنصف أولوية ما تقدم.

# وعن الجبائي أن المراد بالحجاب ما يحجبهم عن إيذاء الرسول صلى الله عليه
~~وسلم وذلك أنهم كانوا يقصدونه إذا قرأ ليؤذوه فآمنه الله تعالى وذكر له
~~عليه الصلاة والسلام أنه جل شأنه جعل بينه وبينهم حجابا عند القراءة فلا
~~يمكنهم الوصول إليه، وهو عندي مما لا بأس به وأن ذكره في معرض التفصي عن
~~استدلال أصحابنا بالآية على أن الله تعالى يمنع عن الإيمان من شاء كما
~~يهدي إليه من شاء نعم هو دون الأول عند من يتأمل. / وقيل: المراد حجاب
~~منعهم رؤية شخص النبي صلى الله عليه وسلم وذاته الكريمة.

# فقد أخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي
~~معا في «الدلائل» عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت:

# " لما نزلت { تبت يدا أبى لهب } [المسد: 1] أقبلت العوراء أم
~~جميل ولها ولولة وفي يدها فهر وهي تقول: "

# مذمما أبينا

# ودينه قلينا

# وأمره عصينا

# " ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وأبو بكر إلى جنبه فقال أبو بكر:
~~لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك فقال: إنها لن تراني، وقرأ قرآنا اعتصم
~~به كما قال تعالى: { وإذا قرأت القرءان جعلنا بينك
~~وبين الذين لا يؤمنون بالاخرة حجابا مستورا }
~~[الإسراء: 45] فجاءت حتى قامت على أبي بكر فلم تر النبي عليه الصلاة
~~والسلام فقالت: يا أبا بكر بلغني أن صاحبك هجاني فقال أبو بكر: لا ورب
~~هذا البيت ما هجاك فانصرفت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها "

# وجاء في رواية

# " أنها حين ولت ذاهبة قال أبو بكر: يا رسول الله إنها لم ترك فقال
~~النبي صلى الله عليه وسلم حال بيني وبينها جبريل عليه السلام "

# وذكر الإمام «أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا أراد تلاوة القرآن تلا
~~قبلها ثلاث آيات قوله تعالى: في سورة الكهف [57]

# إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى
~~ءاذانهم ms05740 وقرا

# وقوله سبحانه في النحل [108]:

# أولئك الذين طبع الله على قلوبهم

# وقوله جل وعلا في سورة حم الجاثية [23]

# أفرأيت من اتخذ إلهه هواه

# الآية فكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات عن عيون المشركين وهو
~~المراد من قوله سبحانه:

# وإذا قرأت القرءان جعلنا

# [الإسراء: 45] الخ واحتج أصحابنا بذلك على أنه يجوز أن تكون الحاسة
~~سليمة ويكون المرئي حاضرا مع أنه لا يرى بسبب أن الله تعالى يخلق في
~~العين مانعا يمنع من الرؤية قالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام كان
~~حاضرا وحواس الكفار سليمة وكانوا لا يرونه وقد أخبر سبحانه أن ذلك لأجل
~~أنه جعل بينه عليه الصلاة والسلام وبينهم حجابا مستورا ولا معنى للحجاب
~~المستور إلا المعنى الذي يخلقه في عيونهم ويكون مانعا لهم من الرؤية»
~~انتهى.

# وقال بعض المحققين: إن حمل الحجاب على ما روي من حديث أسماء مما لا
~~يقبله الذوق السليم ولا يساعده النظم الكريم، وكأنه أراد أن حمله في
~~الآية على الحجاب المانع من الرؤية كذلك فهو وارد على ما نقل عن الإمام
~~أيضا ويعلم منه حال احتجاج الأصحاب مع ما يرد على قولهم فيه ولا معنى
~~للحجاب الخ من أنه مخالف لما في الرواية السابقة التي ذكر فيها حيلولة
~~جبريل عليه السلام والخبر الذي أخرجه الدارقطني وغيره عن ابن عباس أن
~~النبي عليه الصلاة والسلام قال: كان بيني وبينها ملك يسترني بجناحيه حتى
~~ذهبت فإن كلا الخبرين ظاهر في أن المانع لم يكن في عيونهم بل هو إما
~~جبريل عليه السلام أو ملك آخر حال بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم فلم
~~يروه لكن يبقى الكلام في أن منع اللطيف الرؤية خلاف العادة أيضا وهو بحث
~~آخر فليتدبر، ثم إن ما روي عن أسماء ليس نصا في أن الحجاب في الآية هو
~~الحجاب المانع عن الرؤية كما لا يخفى على من أمعن النظر وهذا القول إنما
~~يحتاج إليه إن اعتبر تصحيح الحاكم أو نص على صحته من اعتبر تصحيحه من
~~المحدثين أما إذا لم ms05741 يكن ذلك فأمره سهل.

# وجعل الزمخشري ما تقدم حكاية لما قالوا

# قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا
~~وقر ومن بيننا وبينك حجاب

# [فصلت: 5] على معنى جعلنا على زعمهم ولم يرتضه شيخ الإسلام لأن قصدهم
~~بذلك إنما هو الإخبار بما اعتقدوه في حق القرآن والنبي صلى الله عليه
~~وسلم جهلا وكفرا من اتصافهما بأوصاف مانعة من التصديق والإيمان ككون
~~القرآن سحرا وشعرا وأساطير وقس عليه حال النبي عليه الصلاة والسلام لا
~~الإخبار بأن هناك أمرا وراء ما أدركوه / قد حال بينهم وبين إدراكه حائل
~~من قبلهم، ولا ريب في أن ذلك المعنى مما لا يكاد يلائم المقام انتهى، وقد
~~يقال: حيث كان الكلام مسوقا لتعداد قبائحهم والإنكار عليهم فالملاءمة
~~مما لا ريب فيها، نعم اختيار الزمخشري هذا الوجه مما لا يخلو عن دسيسة
~~اعتزالية ولا أظنها تخفى عليك.

# { وإذا ذكرت ربك فى القرءان وحده } أي غير مقرون
~~بذكره ذكر شيء من آلهتهم التي يزعمونها كما كانوا يقولون بالله تعالى
~~واللات مثلا ويصدق هذا بذكره سبحانه مع نفي الآلهة، و { وحده } عند
~~الزمخشري مصدر الثلاثي يقال وحده يحده وحدا وحدة كوعده يعده وعدا وعدة
~~وهو ساد مسد الحال بمعنى واحدا، وقيل: هو مصدر أوحد على حذف الزوائد
~~وأصله إيحاد، ومذهب سيبويه أنه ليس بمصدر بل هو اسم موضوع موضع المصدر
~~وهو إيحاد الموضوع موضع الحال وهو موحد. ومذهب يونس أنه منصوب على
~~الظرفية، وتحقيق الأقوال فيه في «الرفدة» كما قدمنا، وذكر أنه على
~~الحالية إذا وقع بعد فاعل ومفعول كما هنا جاز كونه حالا من كل منهما أي
~~وإذا ذكرت ربك موحدا له أو موحدا بالذكر { ولوا على
~~أدبرهم } هربوا أو نفروا { نفورا } فهو مفعول مطلق منصوب
~~بولوا لتقارب معناهما. وجوز أن يكون مفعولا لأجله أي ولوا لأجل النفور
~~والانزعاج وأن يكون حالا على أنه جمع نافر أي ولوا نافرين من ذلك
~~والضمير للمشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة، وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن
~~عباس ما ظاهره أنه للشياطين ولا ms05742 يكاد يصح عن الحبر إلا بتأويل.

### || [17.47]

# { نحن أعلم بما يستمعون به } أي ملتبسين به من اللغو
~~والاستخفاف والهزء بك وبالقرآن. يروى أنه عليه الصلاة والسلام كان يقوم
~~عن يمينه رجلان من [بني] عبد الدار وعن يساره رجلان منهم فيصفقون ويصفرون
~~ويخلطون عليه بالأشعار، ويجوز أن تكون الباء للسببية أو بمعنى اللام أي
~~نحن أعلم بما يستمعون بسببه أو لأجله من الهزء وهي متعلقة بيستمعون،
~~وجعلها على ظاهرها على معنى أيستمعون بقلوبهم أم بظاهر إسماعهم غير
~~ظاهر، والباء الأولى متعلقة بأعلم، وأفعل التفضيل في العلم والجهل يتعدى
~~بالباء وفي سوى ذلك يتعدى باللام فيقال هو أكسى للفقراء مثلا. والمراد
~~من كونه تعالى أعلم بذلك الوعيد لهم.

# { إذ يستمعون إليك } ظرف لأعلم لا مفعول به، وفائدته كما
~~قال شيخ الإسلام تأكيد الوعيد بالإخبار بأنه كما يقع الاستماع المزبور
~~منهم يتعلق به العلم لا أن العلم المستفاد هناك من أحد، وليس المراد
~~تقييد علمه تعالى بذلك الوقت وكذا قوله تعالى: { وإذ هم نجوى }
~~لكن من حيث تعلقه بما به التناجي المدلول عليه بسياق النظم. والمعنى نحن
~~أعلم بما يستمعون به مما لا خير فيه مما سمعت وبما يتناجون به فيما
~~بينهم. وجوز أن يكون الأول ظرفا ليستمعون والثاني ظرفا ليتناجون،
~~والمعنى نحن أعلم بما به الاستماع وقت استماعهم من غير تأخير وبما به
~~التناجي وقت تناجيهم والأول أظهر. و { نجوى } مصدر مرفوع على الخبرية
~~وفي ذلك ما في زيد عدل، ويجوز أن يعتبر جمع نجي كقتلى وقتيل أي إذ هم
~~متناجون.

# { إذ يقول الظلمون } بدل من (إذ) الثانية وبيان لما يتناجون
~~به فهو غير ما يستمعون به لا معمول لا ذكر محذوفا كما قيل. و {
~~الظلمون } من المظهر الذي أقيم مقام المضمر للدلالة على أن
~~تناجيهم باب من الظلم أي يقول كل منهم للآخرين عند تناجيهم { إن
~~تتبعون } أي ما تتبعون إن وجد منكم الاتباع فرضا، وجوز أن يكون
~~المعنى ما تتبعون باللغو والهزء { إلا رجلا مسحورا } أي سحر
~~فجن فهو كقولهم: ms05743

# إن هو إلا رجل به جنة

# [المؤمنون: 25]، وقيل: جعل له سحر يتوصل بلطفه ودقته إلى ما يأتي به
~~ويدعيه فهو في معنى / قولهم ساحر، وجعل بعضهم { مسحورا } بمعنى
~~ساحرا كمستور بمعنى ساتر، وعن أبي عبيدة أن مسحورا بمعنى جعل له سحر
~~أو ذا سحر أي رئة، ومن هذا قول امرئ القيس:

# أرانا موضعين لأمر غيب

# ونسحر بالطعام وبالشراب

# وأراد نغذى، وقول لبيد أو أمية بن أبي الصلت:

# فإن تسألينا فيم نحن فإننا

# عصافير من هذا الأنام المسحر

# وكنوا بذلك عن كونه بشرا يتنفس ويأكل ويشرب لا يمتاز عنهم بشيء يقتضي
~~اتباعه على زعمهم الفاسد، ولا يخفى ما فيه من البعد حتى قال ابن قتيبة:
~~لا أدري ما الذي حمل أبا عبيدة على هذا التفسير المستكره مع أن السلف
~~فسروه بالوجوه الواضحة.

### || [17.48]

# وقال ابن عطية: إنه لا يناسب قوله تعالى: { انظر كيف ضربوا
~~لك الأمثال } أي مثلوك فقالوا تارة شاعر وتارة ساحر وتارة مجنون مع
~~علمهم بخلافه { فضلوا } في جميع ذلك عن منهاج المحاجة { فلا
~~يستطيعون سبيلا } طريقا ما إلى طعن يمكن أن يقبله أحد
~~فيتهافتون ويخبطون ويأتون بما لا يرتاب في بطلانه من سمعه أو إلى سبيل
~~الحق والرشاد. وفيه من الوعيد وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ما لا
~~يخفى.

### || [17.49]

# { وقالوا أءذا كنا عظما ورفتا } عطف على

# ضربوا

# [الإسراء: 48] ولما عجب من ضربهم الأمثال عطف عليه أمرا آخر يعجب منه
~~أيضا. وفي «الكشف» الأظهر أن يكون هذا إلى تمام المقالات الثلاث تفسيرا
~~ل

# ضربوا لك الأمثال

# [الإسراء: 48] ألا ترى إلى قوله تعالى:

# واضرب لهم مثلا

# [الكهف: 32] وتفسيره بمثلوك غير ظاهر بل الظاهر مثلوا لك، ولا خفاء أن
~~تجاوب الكلام على ما ذكرنا أتم، وذلك أنه لما ذكر استهزاءهم به صلى الله
~~عليه وسلم وبالقرآن عجبه من استهزائهم بمضمونه من البعث دلالة على أنه
~~أدخل في التعجب لأن العقل أيضا يدل عليه ولكن على سبيل الإجمال، وأما
~~على تفسير

# ضربوا لك الأمثال

# [الإسراء: 48] بمثلوك فوجهه أن يكون معطوفا ms05744 على قوله سبحانه:

# فضلوا

# [الإسراء: 48] لأنه باب من أبواب الضلال أو على مقدر دل عليه

# كيف ضربوا

# [الإسراء: 48] لأن معناه مثلوك وقالوا شاعر ساحر مجنون وقالوا: {
~~أءذا كنا } الخ اه.

# ولا يخفى أنه على التفسير الذي اختاره يكون { قالوا } معطوفا على

# ضربوا

# [الإسراء: 48] أيضا عطفا تفسيريا لكن الظاهر فيه حينئذ الفاء وأنه لا
~~يحتاج على ما ذكرنا إلى تكلف العطف على مقدر والارتباط عليه لا يقصر عن
~~الارتباط الذي ذكره، وعطفه على

# فضلوا

# [الإسراء: 48] مما لا يحسن لعدم ظهور دخوله معه في حيز الفاء، والاعتراض
~~على التفسير بمثلوك بأنهم ما مثلوه عليه الصلاة والسلام بالشاعر والساحر
~~مثلا بل قالوا تارة كذا وأخرى كذا، وأيضا كان الظاهر أن يقال فيك بدل

# لك

# [الإسراء: 48] ليس بشيء لأن ما ذكروه على طريق التشبيه لتقريعه صلى الله
~~عليه وسلم وعجزهم عن معارضته، و

# لك

# [الإسراء: 48] أظهر من فيك لأنه عليه الصلاة والسلام الممثل له. هذا
~~وأقول: انظر هل ثم مانع من عطف { قالوا } على

# يقول الظلمون

# [الإسراء: 47] وجعل هذا القول مما يتناجون به أيضا وإعلانهم به أحيانا
~~لا يمنع من هذا الجعل وكذا اختلاف المتعاطفين ماضوية ومضارعية لا يمنع من
~~العطف، نعم يحتاج إلى نكتة ولا أظنها تخفى فتدبر. والرفات ما تكسر وبلى
~~من كل شيء، وكثر بناء فعال في كل ما تحطم وتفرق كدقاق وفتات. وأخرج ابن
~~جرير وغيره عن مجاهد أنه التراب وهو قول الفراء، وأخرج ابن المنذر وغيره
~~عن ابن عباس / أنه الغبار، وقال المبرد: هو كل شيء مدقوق مبالغ في دقه
~~وهي أقوال متقاربة. والهمزة للاستفهام الإنكاري مفيدة لكمال الاستبعاد
~~والاستنكار للبعث بعد ما آل الحال إلى هذا المآل كأنهم قالوا: إن ذلك لا
~~يكون أصلا. ومنشؤه أن بين غضاضة الحي وطراوته المقتضية للاتصال المقتضي
~~للحياة وبين يبوسة الرميم المقتضية للتفرق المقتضي لعدم الحياة تنافيا.

# و { إذا } هنا كما في «الدر المصون» متمحضة للظرفية والعامل فيها ما
~~دل عليه قوله تعالى: { أءنا لمبعوثون } لا نفسه لأن (إن) لها
~~الصدر فلا ms05745 يعمل ما بعدها فيما قبلها - وكذا الاستفهام وإن كان تأكيدا مع
~~كون الاستفهام بالفعل أولى - وهو نبعث أو نعاد وهو مصب الإنكار، وتقييده
~~بالوقت المذكور لتقوية إنكار البعث بتوجيهه إليه في حالة منافية له وإلا
~~فالظاهر من حالهم أنهم منكرون للإحياء بعد الموت وإن كان البدن على حاله.

# وجوز أن تكون شرطية وجوابها مقدر أي نبعث أو نحوه وهو العامل فيها. وقيل
~~الشرط والمعنى أنبعث وقد كنا رفاتا في وقت وهو مذهب لبعض النحويين غير
~~مشهور ولا معول عليه. وتحلية الجملة بإن واللام لتأكيد الإنكار لا لإنكار
~~التأكيد كما عسى يتوهم من ظاهر النظم. وليس مدار إنكارهم كونهم ثابتين في
~~المبعوثية بالفعل في حال كونهم عظاما ورفاتا كما يتراءى من ظاهر الجملة
~~الاسمية بل كونهم بعرضية ذلك واستعدادهم له، ومرجعه إلى إنكار البعث بعد
~~تلك الحالة، وفيه من الدلالة على غلوهم في الكفر وتماديهم في الضلال ما
~~لا مزيد عليه قاله بعض المحققين. { خلقا جديدا } نصب بمبعوثين على
~~أنه مفعول مطلق له من غير لفظ فعله أو حال على أن الخلق بمعنى المخلوق
~~ووحد لاستواء الواحد في المصدر وإن أريد منه اسم المفعول أي مخلوقين.

### || [17.50]

# { قل } جوابا لهم وتقريبا لما استبعدوه. { كونوا حجارة أو
~~حديدا } رد سبحانه قوله { كونوا } على قولهم

# كنا

# [الإسراء: 49] فهو من باب المشاكلة والمقابلة بالجنس. ومعنى الأمر كما
~~قيل الاستهانة كما في قول موسى عليه السلام:

# ألقوا ما أنتم ملقون

# [يونس: 80] وجعله صاحب «الإيضاح» أمر إهانة والفاضل الطيبي أمر تسخير
~~كما في قوله تعالى:

# كونوا قردة خسئين

# [الأعراف: 166] لكنه قال: إنه على الفرض. وفي «الكشف» أنه غير ظاهر ولو
~~جعل من باب كن فلانا على معنى أنت فلان من استعمال الطلب في معنى الخبر
~~أي أنتم حجارة ولستم عظاما ومع ذلك تبعثون لا محالة لكان وجها قويما،
~~وبحث في الشهاب بأنه كيف يقال أنتم حجارة على أنه خبر وهو غير مطابق
~~للواقع فلا بد من قصد الإهانة وعدم المبالاة وجعل الأمر مجازا عن الخبر
~~والخبر ms05746 خبر فرضي وليس فيه ما يدل على الفرض كإن ولو الشرطيتين فهو مما لا
~~يخفى بعده وليس بأقرب مما استبعده فالصواب أنه للإهانة كما جنح إليه صاحب
~~«الإيضاح» فتدبر. والحجارة جمع حجر كأحجار وهو معروف وكذا الحديد وهو
~~مفرد وجمعه حدائد وحديدات. والظاهر أن المراد كونوا من هذين الجنسين.

### || [17.51]

# { أو خلقا } أي مخلوقا آخر { مما يكبر فى صدوركم }
~~أي مما يستبعد عندكم قبوله الحياة لكونه أبعد شيء منها وتعيينه مفوض
~~إليكم فإن الله تعالى لا يعجزه إحياؤكم لتساوي الأجسام في قبول الأعراض
~~فكيف إذا كنتم عظاما بالية وقد كانت موصوفة بالحياة قبل والشيء أقبل لما
~~عهد مما لم يعهد، وقال مجاهد: الذي يكبر السموات والأرض والجبال. /
~~وأخرج ابن جرير وجماعة عن ابن عباس وابن عمر والحسن وابن جبير أنهم
~~قالوا: ما يكبر في صدورهم الموت فإنه ليس شيء أكبر في نفس ابن آدم من
~~الموت، والمعنى لو كنتم مجسمين من نفس الموت لأعادكم فضلا عن أصل لا
~~يضاد الحياة إن لم يقتضها، وفيه مبالغة حسنة وإن كان اللفظ غير ظاهر فيه
~~{ فسيقولون } لك { من يعيدنا } مع ما بيننا وبين الإعادة من
~~مثل هذه المباعدة والمباينة { قل } لهم تحقيقا للحق وإزاحة للاستبعاد
~~وإرشادا إلى طريقة الاستدلال { الذى فطركم } أي القادر العظيم
~~الذي اخترعكم { أول مرة } من غير مثال يحتذيه ولا أسلوب ينتحيه
~~وكنتم ترابا ما شم رائحة الحياة أليس الذي يقدر على ذلك بقادر على أن
~~يفيض الحياة على العظام البالية ويعيدها إلى حالها المعهودة بلى إنه
~~سبحانه على كل شيء قدير. والموصول مبتدأ خبره يعيدكم المحذوف لدلالة
~~السؤال عليه أو فاعل به أو خبر مبتدأ محذوف على اختلاف في الأولى كما فصل
~~في محله.

# و { أول مرة } ظرف (فطركم).

# { فسينغضون إليك رءوسهم } أي سيحركونها نحوك استهزاء كما
~~روي عن ابن عباس وأنشد عليه قول الشاعر:

# أتنغض لي يوم الفخار وقد ترى

# خيولا عليها كالأسود ضواريا

# ومثله قول الآخر:

# انغض نحوي رأسه وأقنعا

# كأنه يطلب شيئا أطمعا

# وفي «القاموس» نغض ms05747 كنصر وضرب نغضا ونغوضا ونغضانا
~~ونغضا محركتين تحرك واضطرب كأنغض [وتنغض] وحرك كأنغض. وفسر الفراء
~~الانغاض بتحريك الرأس بارتفاع وانخفاض، وقال أبو الهيثم: من أخبر بشيء
~~فحرك رأسه إنكارا له فقد أنغض رأسه فكأنه سيحركون رؤسهم إنكارا {
~~ويقولون } استهزاء { متى هو } أي ما ذكرته من الإعادة، وجوز أن
~~يكون الضمير للعود أو البعث المفهوم من الكلام.

# { قل } لهم { عسى أن يكون } ذلك { قريبا } فإن ما هو محقق
~~إتيانه قريب، ولم يعين زمانه لأنه من المغيبات التي لا يطلع عليها غيره
~~تعالى ولا يطلع عليها سبحانه أحدا، وقيل: قربه لأن ما بقي من زمان
~~الدنيا أقل مما مضى منه؛ وانتصاب { قريبا } على أنه خبر كان الناقصة
~~واسمها ضمير يعود على ما أشير إليه، وجوز أن يكون منصوبا على الظرفية
~~والأصل زمانا قريبا فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه فانتصب انتصابه
~~وكان على هذا تامة وفاعلها ذلك الضمير أي عسى أن يقع ذلك في زمان قريب
~~وأن يكون في تأويل مصدر منصوب وقع خبرا لعسى واسمها ضمير يعود على ما
~~عاد عليه اسم (يكون) وجوز أن يكون مرفوعا بعسى وهي تامة لا خبر لها أي
~~عسى كونه قريبا أو في وقت قريب. واعترض بأن عسى للمقاربة فكأنه قيل: قرب
~~أن يكون قريبا ولا فائدة فيه، وأجيب بأن نجم الأئمة لم يثبت معنى
~~المقاربة في عسى لا وضعا ولا استعمالا، ويدل له ذكر { قريبا } بعدها
~~في الآية فلا حاجة إلى القول بأنها جردت عنه فالمعنى يرجى ويتوقع كونه
~~قريبا.

### || [17.52]

# { يوم يدعوكم } منصوب بفعل مضمر أي اذكروا أو بدل من

# قريبا

# [الإسراء: 51] على أنه ظرف أو متعلق بيكون تامة بالاتفاق وناقصة عند من
~~يجوز إعمال الناقصة في الظروف أو بتبعثون محذوفا أو بضمير المصدر
~~المستتر في { يكون } أو

# عسى

# [الإسراء: 51] العائد على العود مثلا بناء على مذهب الكوفيين المجوزين
~~إعمال ضمير المصدر كما في قوله:

# / وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمو

# وما هو عنها بالحديث المرجم

# وجعله بدلا من الضمير المستتر بدل اشتمال ولم ms05748 يرفع لأنه إذا أضيف إلى
~~مثل هذه الجملة قد يبنى على الفتح تكلف وادعاء ظهوره مكابرة. والدعاء
~~قيل: مجاز عن البعث وكذا الاستجابة في قوله تعالى: { فتستجيبون }
~~مجاز عن الانبعاث أي يوم يبعثكم فتنبعثون فلا دعاء ولا استجابة وهو نظير
~~قوله تعالى:

# كن فيكون

# [يس: 82] في أنه لا خطاب ولا مخاطب في المشهور، وتجوز بالدعاء
~~والاستجابة عن ذلك للتنبيه على السرعة والسهولة لأن قول: قم يا فلان أمر
~~سريع لا بطء فيه ومجرد النداء ليس كمزاولة الإيجاد بالنسبة إلينا، وعلى
~~أن المقصود الإحضار للحساب والجزاء فإن دعوة السيد لعبده إنما تكون
~~لاستخدامه أو للتفحص عن أمره والأول منتف لأن الآخرة لا تكليف فيها فتعين
~~الثاني. وقال الإمام وأبو حيان: يدعوكم بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة
~~الأخيرة كما قال سبحانه

# يوم يناد المناد من مكان قريب

# [ق: 41] الآية، ويقال إن إسرافيل عليه السلام وفي رواية جبرائيل عليه
~~السلام ينادي على صخرة بيت المقدس أيتها الأجسام البالية والعظام النخرة
~~والأجزاء المتفرقة عودي كما كنت. وأخرج أبو داود وابن حبان عن أبي
~~الدرداء أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم

# " إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم "

# ولعل هذا عند الدعاء للحساب وهو بعد البعث من القبور، واقتصر كثير على
~~التجوز السابق فقيل إن فيه إشارة إلى امتناع الحمل على الحقيقة لما يلزم
~~من الحمل عليها خطاب الجماد وهو الأجزاء المتفرقة ولو لم تمتنع إرادة
~~الحقيقة لكان ذلك كناية عن البعث والانبعاث لا مجازا والمجوز لإرادتها
~~يقول إن الدعوة بالأمر التكويني وهو مما يوجه إلى المعدوم وقد قال جمع به
~~في قول { كن } ولم يتجوزوا في ذلك وأما أنه لو لم تمتنع إرادة الحقيقة
~~لكان كناية لا مجازا فأمر سهل كما لا يخفى فتدبر.

# { بحمده } حال من ضمير المخاطبين وهم الكفار كما هو الظاهر، والباء
~~للملابسة أي فتستجيبون ملتبسين بحمده أي حامدين له تعالى على كمال قدرته،
~~وقيل المراد معترفين بأن الحمد له على النعم لا تنكرون ذلك لأن المعارف
~~هناك ms05749 ضرورية. وأخرج عبد بن حميد وغيره عن ابن جرير أنه قال: يخرجون من
~~قبورهم وهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك ولا بعد في صدور ذلك من الكافر
~~يوم القيامة وإن لم ينفعه وحمل الزمخشري ذلك على المجاز والمراد المبالغة
~~في انقيادهم للبعث كقولك لمن تأمره بركوب ما يشق عليه فيتأبى ويمتنع
~~ستركبه وأنت حامد شاكر يعني أنك تحمل عليه وتقسر قسرا حتى إنك تلين لين
~~المسمح الراغب فيه الحامد عليه فكأنه قيل: منقادين لبعثه انقياد الحامدين
~~له وتعلق الجار بيدعوكم ليس بشيء.

# وعن الطبري أن { بحمده } معترض بين المتعاطفين اعتراضه بين اسم إن
~~وخبرها في قوله:

# فإني بحمد الله لا ثوب فاجر

# لبست ولا من غدرة أتقنع

# ويكون الكلام على حد قولك لرجل وقد خصمته في مسألة أخطأت بحمد الله
~~تعالى فكأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: عسى أن يكون البعث قريبا
~~يوم تدعون فتقومون بخلاف ما تعتقدون اليوم وذلك بحمد الله سبحانه على صدق
~~خبري، وملخصه يكون ذلك على خلاف اعتقادكم والحمد لله تعالى، ولا يخفى أنه
~~معنى متكلف لا يكاد يفهم من الكلام ونحن في غنى عن ارتكابه والحمد لله.
~~وقيل: الخطاب للمؤمنين وانقطع / خطاب الكافرين عند قوله تعالى:

# قريبا

# [الإسراء: 51] فيستجيبون حامدين له سبحانه على إحسانه إليهم وتوفيقه
~~إياهم للإيمان بالبعث. وأخرج الترمذي والطبراني وغيرهما عن ابن عمر قال:
~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في منشرهم وكأني
~~بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤسهم ويقولون { الحمد
~~لله الذي أذهب عنا الحزن } "

# وفي رواية عن أنس مرفوعا:

# " ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة عند الموت ولا في القبور ولا في
~~الحشر وكأني بأهل لا إله إلا الله قد خرجوا من قبورهم ينفضون رؤسهم من
~~التراب يقولون { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن }
~~[فاطر: 34] "

# وقيل: الخطاب للفريقين وكلهم يقولون ما روي عن ابن جبير.

# { وتظنون } الظاهر أنه عطف على { تستجيبون } وإليه ذهب الحوفي ms05750
~~وغيره، وقال أبو البقاء: هو بتقدير مبتدأ والجملة في موضع الحال أي وأنتم
~~تظنون { إن لبثتم } أي ما لبثتم في القبور { إلا قليلا }
~~كالذي مر على قرية أو ما لبثتم في الدينا كما روى غير واحد عن قتادة، وعن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يستقلون لبثهم بين النفختين فإنه يزال
~~عنهم العذاب في ذلك البين ولذا يقولون

# من بعثنا من مرقدنا

# [يس: 52] وقيل يستقلون لبثهم في عرصة القيامة لما أن عاقبة أمرهم الدخول
~~إلى النار، وهذا في غاية البعد كما لا يخفى، والظن يحتمل أن يكون على
~~بابه ويحتمل أن يكون بمعنى اليقين وهو معلق عن العمل بإن النافية وقل من
~~ذكرها من أدوات التعليق قاله أبو حيان وانتصاب { قليلا } على أنه نعت
~~لزمان محذوف أي إلا زمانا قليلا، وجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف أي
~~لبثا قليلا ودلالة الفعل على مصدره دلالة قوية.

### || [17.53]

# { وقل لعبادى } أي المؤمنين فالإضافة لتشريف المضاف { يقولوا
~~} عند محاورتهم مع المشركين { التى } أي الكلمة أو العبارة التي {
~~هى أحسن } ولا يخاشنوهم كقوله تعالى:

# ولا تجدلوا أهل الكتب إلا بالتى هى أحسن

# [العنكبوت: 46] ومقول فعل الأمر محذوف أي قل لهم قولوا التي هي أحسن
~~يقولوا ذلك فجزم يقولوا لأنه جواب الأمر وإلى هذا ذهب الأخفش، ولكون
~~المقول لهم هم المؤمنون المسارعون لامتثال أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى
~~الله عليه وسلم بمجرد ما يقال لهم لم يكن غبار في هذا الجزم. وقال
~~الزجاج: إن { يقولوا } هو المقول وجزمه بلام الأمر محذوفة أي قل لهم
~~ليقولوا التي الخ. وقال المازني: إنه المقول أيضا إلا أنه مضارع مبني
~~لحلوله محل المبني وهو فعل الأمر، والمعنى قل لعبادي قولوا التي هي أحسن
~~وهو كما ترى، ومقول يقولوا { التى } وإذا أريد به الكلمة حملت على
~~معناها الشامل للكلام.

# { إن الشيطن ينزغ بينهم } أي يفسد ويهيج الشر بين
~~المؤمنين والمشركين بالمخاشنة فلعل ذلك يؤدي إلى تأكد العناد وتمادي
~~الفساد فالجملة تعليل للأمر السابق. وقرأ طلحة { ينزغ } بكسر الزاي، قال ms05751
~~أبو حاتم: لعلها لغة والقراءة بالفتح، وقال صاحب «اللوامح» الفتح والكسر
~~لغتان نحو يمنح ويمنح { إن الشيطن كان } قدما {
~~للإنسن عدوا مبينا } ظاهر العداوة فهو من أبان اللازم
~~والجملة تعليل لما سبق من أن الشيطان ينزغ بينهم.

### || [17.54]

# { ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم } بالتوفيق
~~للإيمان { أو إن يشأ يعذبكم } بالإماتة على الكفر، وهذا
~~تفسير

# التي هي أحسن

# [الإسراء: 53] والجملتان اعتراض بينهما والخطاب فيه للمشركين فكأنه قيل:
~~قولوا لهم هذه الكلمة وما يشاكلها وعلقوا أمرهم على مشيئة الله تعالى ولا
~~تصرحوا بأنهم من أهل النار فإنه مما يهيجهم على الشر مع أن الخاتمة
~~مجهولة لا يعلمها غيره تعالى فلعله سبحانه يهديهم إلى الإيمان. والظاهر
~~أن (أو) للانفصال الحقيقي، / وقال الكرماني: هي للإضراب ولذا كررت معها
~~(إن)، وقال ابن الأنباري: دخلت (أو) هنا لسعة الأمرين عند الله تعالى
~~ويقال لها المبيحة كالتي في قولهم جالس الحسن أو ابن سيرين فإنهم يعنون
~~قد وسعنا لك الأمر وهو كما ترى { وما أرسلنك عليهم
~~وكيلا } أي موكولا ومفوضا إليك أمرهم تقسرهم على الإسلام وتجبرهم
~~عليه وإنما أرسلناك بشيرا ونذيرا فدارهم ومر أصحابك بمداراتهم وتحمل
~~أذيتهم وترك المشاقة معهم، وهذا قبل نزول آية السيف.

### || [17.55]

# { وربك أعلم بمن فى السموات والأرض } وبأحوالهم
~~الظاهرة والباطنة فيختار منهم لنبوته وولايته من يشاء ممن تراه حكمته
~~أهلا لذلك وهو رد عليه إذ قالوا: بعيد أن يكون يتيم ابن أبي طالب نبيا
~~وأن يكون العراة الجوع كصهيب وبلال وخباب وغيرهم أصحابه دون أن يكون ذلك
~~من الأكابر والصناديد. وذكر من في السموات لإبطال قولهم

# لولا أنزل علينا الملئكة

# [الفرقان: 21] وذكر من في الأرض لرد قولهم:

# وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من
~~القريتين عظيم

# [الزخرف: 31] فلا يدل تخصيصهما بالذكر وتعلقهما بأعلم على اختصاص
~~أعلميته تعالى بما ذكر فما قاله أبو علي من أن الجار متعلق بعلم محذوفا
~~ولا يجوز تعلقه بأعلم لاقتضائه أنه سبحانه ليس بأعلم بغير ذلك ناشيء عن
~~عدم العلم بما ذكرنا على أن أبا حيان ms05752 أنكر تعدي علم بالباء وإنما يتعدى
~~لواحد بنفسه في مثل هذا الموضع.

# { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } بالفضائل
~~النفسانية والمزايا القدسية وإنزال الكتب السماوية لا بكثرة الأموال
~~والأتباع { وءاتينا داوود زبورا } بيان لحيثية تفضيله عليه
~~الصلاة والسلام وأنه بإيتائه الزبور لا بإيتائه الملك والسلطنة وفيه
~~إيذان بتفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم فإن كونه عليه الصلاة والسلام
~~خاتم الأنبياء. وأمته خير الأمم مما تضمنه الزبور وقد أخبر سبحانه عن ذلك
~~بقوله عز قائلا:

# ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض
~~يرثها عبادى الصلحون

# [الأنبياء: 105] يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وأمته ونص بعضهم أن
~~هذا من باب التلميح نحو قصة المنصور وقد وعد الهذلي بعدة فنسيها فلما حجا
~~وأتيا المدينة قال له يوما وهو يسايره يا أمير المؤمنين هذا بيت عاتكة
~~الذي يقول فيه الأحوص:

# يا بيت عاتكة الذي أتغزل

# ففطن لمراده حيث قال ذلك ولم يسأله وعلم أنه يشير إلى قوله في هذه
~~القصيدة:

# وأراك تفعل ما تقول وبعضهم

# مذق اللسان يقول ما لا يفعل

# فأنجز عدته. والزبور في الأصل وصف للمفعول كالحلوب أو مصدر كالقبول. نعم
~~هذا الوزن في المصادر قليل والأكثر ضم الفاء وبه قرأ حمزة وجعله بعضهم
~~على هذه القراءة جمع زبر بكسر الزاي بمعنى مزبور ثم جعل علما للكتاب
~~المخصوص وليس فيه من الأحكام شيء. أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس
~~قال: الزبور ثناء على الله عز وجل ودعاء وتسبيح، وأخرج هو وابن جرير عن
~~قتادة قال: كنا نحدث أن الزبور دعاء علمه داود عليه السلام وتحميد وتمجيد
~~لله عز وجل ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود. والذي تدل عليه
~~بعض الآثار اشتماله على بعض النواهي والأوامر، فقد روى ابن أبي شيبة أنه
~~مكتوب فيه «إنى أنا الله لا إله إلا أنا ملك الملوك قلوب الملوك بيدي
~~فأيما قوم كانوا على طاعة جعلت الملوك عليهم رحمة وأيما قوم كانوا على
~~معصية جعلت الملوك عليهم نقمة فلا تشغلوا ms05753 أنفسكم بسب الملوك ولا تتوبوا
~~إليهم وتوبوا إلي أعطف قلوبهم عليكم».

# و«المزامير» التي يفهم منها الأمر والنهي كثيرة فيه كما لا يخفى على من
~~رآه، ومع هذا الفرق / بينه وبين التوراة ظاهر. ودخول أل عليه في بعض
~~الآيات للمح الأصل وذلك لا ينافي العلمية كما في العباس والفضل. وجوز أن
~~يكون نكرة غير علم ونكر ليفيد أنه بعض من الكتب الإلهية أو من مطلق
~~الكتب ولا إشكال أيضا في دخول أل عليه أي آتيناه زبورا من الزبر وجوز
~~أن يكون مختصا بكتاب داود عليه السلام وليس بعلم بل من غلبة اسم الجنس
~~وهو كالقرآن يطلق على المجموع وعلى الأجزاء. وتقدم إفادة التنكير للبعضية
~~في قوله تعالى:

# ليلا

# [الإسراء: 1] فيجوز أن يكون المراد هنا آتيناه بعضا من الزبور فيه ذكره
~~صلى الله عليه وسلم.

# هذا ووجه ربط الآيات بما تقدم على هذا التفسير على ما في «الكشف» أنه
~~تعالى لما أرشد نبيه صلى الله عليه وسلم إلى جواب الكفار بجده في
~~استهزائهم وتوقره في استخفافهم ليكون أغيظ لهم وأشجى لحلوقهم أرشده إلى
~~أن يحمل أصحابه أيضا على ذلك وأن يستنوا بسنته وعلل ذلك بما اعترض به من
~~أن الشيطان ينزغه يحمل على المخاشنة فعلى العاقل الحازم أن لا يغتر
~~بوساوسه كيف وقد تبين له أنه عدو مبين، وقوله تعالى:

# وما أرسلنك عليهم وكيلا

# [الإسراء: 54] متعلق بجميع السابق من قوله تعالى:

# قل كونوا

# [الإسراء: 50] المشتمل على مجادلته بالتي هي أحسن

# وقل لعبادى

# [الإسراء: 53] المشتمل على حملهم عليها إلى قوله سبحانه:

# أو إن يشأ يعذبكم

# [الإسراء: 54] وقوله عز وجل: { وربك أعلم بمن فى
~~السموات والأرض } من تتمة

# إن تتبعون إلا رجلا مسحورا

# [الإسراء: 47] فإنهم طعنوا فيه وحاشاه تارة بأنه شاعر ساحر مجنون وأخرى
~~بنحو

# لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين
~~عظيم

# [الزخرف: 31] و

# لو كان خيرا ما سبقونا إليه

# [الأحقاف: 11] فأجيب عن الأول بما أجيب وعن الثاني بقوله سبحانه: {
~~وربك أعلم } وربك أعلم. وجوز أن يكون الخطاب في قوله تعالى:

# ربكم ms05754 أعلم

# [الإسراء: 54] الخ للمؤمنين وروي ذلك عن الكلبي وأخرج الأول ابن جرير
~~وابن المنذر عن ابن جريج والمعنى أنه تعالى إن يشأ يرحمكم أيها المؤمنون
~~في الدنيا بإنجائكم من الكفرة ونصركم عليهم أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم
~~عليكم. والمراد بالتي هي أحسن المجادلة الحسنة فكأنه تعالى لما ذكر الحجة
~~اليقينية في صحة المعاد أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقول للمؤمنين
~~إذا أردتم إيراد الحجة على المخالفين فاذكروا الدلائل بالطريق الأحسن وهو
~~أن لا يكون ذلك ممزوجا بالشتم والسب لأنه لو اختلط به لا يبعد أن يقابل
~~بمثله فيزداد الغضب ويهيج الشر فلا يحصل المقصود وأشار سبحانه إلى ذلك
~~بقوله عز قائلا:

# إن الشيطن

# [الإسراء: 53] الخ وضمير

# بينهم

# [الإسراء: 53] إما للكفار أو للفريقين. وروى أن المشركين أفرطوا في
~~إيذاء المؤمنين فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت وقيل شتم
~~عمر رجل فهم رضي الله تعالى عنه به فأمره الله تعالى بالعفو. قال في
~~«الكشف» إنه على هذين القولين الكلمة التي هي أحسن نحو يهديكم الله تعالى
~~وليست مفسرة ب

# ربكم أعلم بكم

# [الإسراء: 54] وقوله سبحانه:

# إن الشيطن ينزغ

# [الإسراء: 53] تعليل للأمر بالاحتمال بأن المخاشنة من فعل الشيطان
~~والخطاب في قوله تعالى:

# ربكم أعلم بكم

# [الإسراء: 54] للمؤمنين وفيه حث على المداراة أي فداروهم لأن ربكم أعلم
~~بكم وبما يصلح لكم من أوامر إن يشأ يرحمكم بقبول أوامره ونواهيه أو إن
~~يشأ يعذبكم بآبائكم أو ان يشأ يرحمكم بالملاينة والتراحم لأنه سبب
~~السلامة عن أذى الكفار أو إن يشأ يعذبكم بمخاشنتكم في غير إبانها وما
~~أرسلناك عليهم وكيلا فهؤلاء المؤمنون وهم أتباعك أولى وأولى بأن لا
~~يكونوا وكيلا عليهم ثم قال والأول أوفق لتأليف النظم وفي إفادة

# ربكم أعلم بكم

# [الإسراء: 54] الحث على ما قرر تكلف ما اه.

# وقيل: المراد من (عبادي) الكفار وحيث كان المقصود من الآيات الدعوة لا
~~يبعد أن يعبر عنهم بذلك ليصير سببا لجذب قلوبهم وميل طباعهم إلى قبول
~~الدين الحق فكأنه قيل قل يا محمد ms05755 لعبادي الذين أقروا بكونهم عبادا لي
~~يقولوا التي هي / أحسن وهي الكلمة الحقة الدالة على التوحيد وإثبات
~~القدرة على البعث وعرفهم أنه لا ينبغي لهم أن يصروا على المذهب الباطل
~~تعصبا للأسلاف فإن ذلك من الشيطان وهو للإنسان عدو مبين فلا ينبغي أن
~~يلتفت إلى قوله. والمراد من الأمر بالقول الأمر باعتقاد ذلك وذكر القول
~~لما أنه دليل الاعتقاد ظاهرا ثم قال لهم سبحانه: ربكم أعلم بكم إن يشأ
~~يرحمكم بالهداية أو إن يشأ يعذبكم بالإماتة على الكفر إلا أن تلك المشيئة
~~غائبة عنكم فاجتهدوا أنتم في طلب الدين الحق ولا تصروا على الباطل لئلا
~~تصيروا محرومين عن السعادات الأبدية والخيرات السرمدية، ثم قال سبحانه:

# وما أرسلنك عليهم وكيلا

# [الإسراء: 54] أي لا تشدد الأمر عليهم ولا تغلظ لهم بالقول، والمقصود من
~~كل ذلك إظهار اللين والرفق لهم عند الدعوة لأنه أقرب لحصول المقصود، ثم
~~إنه تعالى عمم علمه بقوله: { وربك أعلم } الخ ويحسن على هذا ما
~~روي عن ابن عباس وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن سيرين من تفسير

# التى هى أحسن

# [الإسراء: 53] بلا إله إلا الله ونقل ذلك ابن عطية عن فرقة من العلماء
~~ثم قال «ويلزم عليه أن يراد بعبادي جميع الخلق لأن جميعهم مدعو إلى قول
~~لا إله إلا الله ويجيء قوله سبحانه:

# إن الشيطن ينزغ بينهم

# [الإسراء: 53] غير مناسب إلا على معنى ينزغ خلالهم وأثناءهم ويفسر النزغ
~~بالوسوسة والإملال» ولا يخفى أنه في حيز المنع، وما ذكر من الدليل لا يتم
~~إلا إذا لم يكن للتخصيص نكتة، وهي ههنا ظاهرة ويكون قوله تعالى: { قل
~~ادعوا الذين زعمتم من دونه }.

### || [17.56]

# { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه } الخ كالاستدلال على
~~حقية ما دعاهم إليه من التوحيد وربطه بما تقدم على ما ذكرناه أولا لا
~~أظنه يخفي. والزعم بتثليث الزاي قريب من الظن ويقال إنه القول المشكوك
~~فيه ويستعمل بمعنى الكذب حتى قال ابن عباس: كلما ورد في القرآن زعم فهو
~~كذب وقد يطلق على القول المحقق والصدق ms05756 الذي لا شك فيه. فقد أخرج مسلم من
~~حديث أنس

# " أن رجلا من أهل البادية  واسمه ضمام بن ثعلبة  جاء إلى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله
~~تعالى أرسلك قال: صدق "

# الحديث فإن تصديق النبي عليه الصلاة والسلام إياه مع قوله زعم وتزعم
~~دليل على ما قلنا. وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: زعم جبريل
~~عليه السلام كذا، وقد أكثر سيبويه وهو إمام العربية في «كتابه» من قوله:
~~زعم الخليل زعم أبو الخطاب يريد بذلك القول المحقق وقد نقل ذلك جماعات من
~~أهل اللغة وغيرهم ونقله أبو عمر الزاهد في «شرح الفصيح» عن شيخه أبي
~~العباس ثعلب عن العلماء باللغة من الكوفيين والبصريين. وهو مما يتعدى إلى
~~مفعولين وقد حذفا ههنا أو ما يسد مسدهما أي زعمتم أنهم آلهة أو زعمتموهم
~~آلهة ويدل عليه قوله تعالى: { من دونه } وحذف المفعولين معا أو حذف
~~ما يسد مسدهما جائز والخلاف في حذف أحدهما. والظاهر أن المراد من الموصول
~~كل من عبد من دون الله سبحانه من العقلاء. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي
~~شيبة والبخاري والنسائي والطبراني وجماعة عن ابن مسعود قال: كان نفر من
~~الإنس يعبدون نفرا من الجن فأسلم النفر من الجن وتمسك الإنسيون بعبادتهم
~~فنزلت هذه الآية. وكان هؤلاء الإنس من العرب كما صرح به في رواية البيهقي
~~وغيره عنه، وفي أخرى التصريح بأنهم من خزاعة، وفي رواية ابن جرير أنه
~~قال: كان قبائل من العرب يعبدون صنفا من الملائكة يقال لهم الجن ويقولون
~~هم بنات الله سبحانه فنزلت الآية. وعن ابن عباس أنها نزلت في الذين
~~أشركوا بالله تعالى فعبدوا عيسى وأمه / وعزيرا والشمس والقمر والكواكب،
~~وعلى هذا ففي الآية على ما في «البحر» تغليب العاقل على غيره. ومتى صح
~~إدراج الشمس والقمر والكواكب على سبيل التغليب بناء على أنها ليست من
~~ذوي العلم فليدرج سائر ما عبد بالباطل من الأصنام ويرتكب التغليب. وتعقب
~~بأن ما ms05757 سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى من ابتغاء الوسيلة ورجاء الرحمة
~~والخوف من العذاب يؤيد إرادة العقلاء كعيسى وعزير عليهما السلام بناء
~~على أن الأصنام لا يعقل منها ذلك، وارتكاب التغليب هناك أيضا خلاف
~~الظاهر جدا.

# والدعاء كالنداء لكن النداء قد يقال إذا قيل: يا أو أيا أو نحوهما من
~~غير أن يضم إليه الاسم والدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم نحو
~~يا فلان وقد يستعمل كل منهما موضع الآخر. والمراد ادعوهم لكشف الضر الذي
~~هو أولى من جلب النفع وأهم وتوجه القلب إلى من يكشفه أكمل وأتم.

# { فلا يملكون } فلا يستطيعون بأنفسهم { كشف الضر عنكم
~~} كالمرض والفقر والقحط وغيرها { ولا تحويلا } ولا نقله منكم إلى
~~غيركم ممن لم يعبدهم أو ولا تبديله بنوع آخر ومن لا يملك ذلك لا يستحق
~~العبادة إذ شرط استحقاقها القدرة الكاملة التامة على دفع الضر وجلب النفع
~~ولا تكون كذلك إذا كانت مفاضة من الغير، وكأن المراد من نفي ملكهم ذلك
~~نفي قدرتهم التامة الكاملة عليه وكون قدرة الآلهة الباطلة مفاضة منه
~~تعالى مسلم عند الكفرة لأنهم لا ينكرون أنها مخلوقة لله تعالى بجميع
~~صفاتها وأن الله سبحانه أقوى وأكمل صفة منها، وبهذا يتم الدليل ويحصل
~~الإفحام وإلا فنفي قدرة نحو الجن والملائكة الذين عبدوا من دون الله
~~تعالى مطلقا على كشف الضر مما لا يظهر دليله فإنه إن قيل: هو أنا نرى
~~الكفرة يتضرعون إليهم ولا تحصل لهم الإجابة عورض بأنا نرى أيضا المسلمين
~~يتضرعون إلى الله تعالى ولا تحصل لهم الإجابة. وقد يقال: المراد نفي
~~قدرتهم على ذلك أصلا ويحتج له بدليل الأشعري على استناد جميع الممكنات
~~إليه عز وجل ابتداء. وفسر بعضهم الضر هنا بالقحط بناء على ما روي أن
~~المشركين أصابهم قحط شديد أكلوا فيه الكلاب والجيف فاستغاثوا بالنبي صلى
~~الله عليه وسلم ليدعو لهم فنزلت، وأنت تعلم أن هذا لا يوجب التخصيص.
~~واستدل بهذه الرواية على أن نفي الاستطاعة مطلقا عن آلهتهم كان إذ ذاك
~~مسلما ms05758 عندهم وإلا لما تركوها واستغاثوا بالنبي صلى الله عليه وسلم
~~ليدعو لهم وفيه نظر فانظر وتدبر.

### || [17.57]

# { أولئك الذين يدعون } أي أولئك الآلهة الذين يدعونهم
~~ويسمونهم آلهة أو يدعونهم وينادونهم لكشف الضر عنهم { يبتغون }
~~يطلبون باجتهاد لأنفسهم { إلى ربهم } ومالك أمرهم { الوسيلة
~~} القربة بالطاعة والعبادة فضمير { يدعون } للمشركين وضمير {
~~يبتغون } للمشار إليهم، وقال ابن فورك: الضميران للمشار إليهم
~~والمراد بهم الأنبياء الذين عبدوا من دون الله تعالى، ومفعول { يدعون
~~} محذوف أي يدعون الناس إلى الحق أو يدعون الله سبحانه ويتضرعون إليه جل
~~وعلا، وعلى هذا لا يتعين كون المراد بهم الأنبياء عليهم السلام كما لا
~~يخفى وهو كما ترى. وقرأ ابن مسعود وقتادة { تدعون } بالتاء ثالثة
~~الحروف؛ وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { يدعون } بالياء آخر
~~الحروف مبنيا للمفعول، وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه { إلى ربك
~~} بكاف الخطاب. واسم / الإشارة مبتدأ والموصول نعت أو بيان والخبر جملة {
~~يبتغون } أو الموصول هو الخبر و { يبتغون } حال أو بدل من
~~الصلة.

# وقوله تعالى: { أيهم أقرب } فيه وجوه من الإعراب فالزمخشري ذكر
~~وجهين، الأول كون أي موصولة بدلا من ضمير { يبتغون } بدل بعض من
~~كل؛ وهي إما معربة أو مبنية على اختلاف الرأيين أي أولئك المعبودون يطلب
~~من هو أقرب منهم الوسيلة إلى الله تعالى بطاعته فكيف بالأبعد وليس فيه
~~إلا حذف صدر الصلة والتقدير أيهم هو أقرب وهو مما لا بأس. ولا ينافي ذلك
~~جمع { يرجون } و { يخافون } فيما بعد لعدم اختصاص ما ذكر بالأقرب
~~أو لكون الأقرب متعددا. والثاني كون أي استفهامية وهي مبتدأ و {
~~أقرب } خبرها والجملة في محل نصب بيبتغون وضمن معنى يحرصون فكأنه قيل
~~يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله تعالى وذلك بالطاعة وازدياد الخير
~~والصلاح، قيل واعتبر التضمين ليصح التعليق فإنه مختص بأفعال القلوب
~~خلافا ليونس.

# وقال الطيبي: لا بد من تقدير حرف الجر لأن حرص تتعدى بعلى كقوله تعالى:

# إن تحرص على هداهم

# [النحل: 37] ولا بد من تأويل الإنشاء بأن يقال يحرصون ms05759 على ما يقال فيه
~~أيهم أقرب إلى الله تعالى بسببه من الطاعة، ويتعلق حينئذ قوله تعالى: {
~~إلى ربهم } بأقرب وهو كما ترى.

# وقال صاحب «الكشف» في تحقيق هذا الوجه: إن المطالب إذا كانت مشتركة
~~اقتضت التسارع إليها في العادة وهو نفس الحرص أو ما لا ينفك عنه فناسب أن
~~يضمن الابتغاء معنى الحرص لا سيما وبعده استفهام لا يحسن موقعه دون
~~تضمينه لأن قولك أيهم أقرب إلى فلان بكذا سؤال عن مميز أحدهم عن الباقين
~~بما يتقرب به زيادة فضيلة مع الاستواء في أصل التقرب فإذا ورد استئنافا
~~بعد فعل صالح لأن يكون معلوله وجب تقديره ذلك لأنك إذا قلت هؤلاء يحرصون
~~على الهدى كان كلاما جاريا على الظاهر وإذا قلت هؤلاء يحرصون أيهم يكون
~~أهدى أفاد أن حرصهم ذلك على الهدى مع مغالبة بعضهم بعضا فيه فيكون أتم
~~في وصفهم بالحرص عليه.

# ووجه الإفادة أنه تعقيبه على وجه التعليل وكأن كل واحد يسأل نفسه أهو
~~أهدى أم غيره أي هو أشد حرصا عليه أم غيره إذ لا معنى لهذا السؤال عن
~~النفس إلا الحث وتعرف أن ثمت تقصيرا في ذلك أو لا، وعلى هذا لو قلت
~~يحرصون على الهدى أيكم يكون أهدى عد مستهجنا لأن الاستئناف سد مسد صلته
~~كما في أمرته فقام

# ولو شاء ربك لأمن

# [يونس: 99] وود لو أنه أحسن وكم وكم، فعلى هذا الطلب واقع على الوسيلة
~~وهي الطاعة والحرص على الأقربية بها والازدياد منها ولا يمكن أن يستغني
~~عن يحرصون بإجراء { أيهم أقرب } مجرى التعليل ليبتغون على ما
~~أشير إليه لأن { أيهم أقرب } لا يصلح جوابا فارقا بين
~~الطالبين وغيرهم إنما هو فارق بين الطالبين أعني المتقربين بعضهم مع بعض
~~وهو يناسب الحرص والشعف ولأن صلة الطلب أعني الوسيلة مذكورة وقد عرفت أن
~~الاستئناف مغن عن ذلك والجمع مستهجن اه.

# ولعمري لم يبق في القوس منزعا في تحقيقه لكن الوجه مع هذا متكلف. وجوز
~~الحوفي والزجاج أن يكون { أيهم أقرب } مبتدأ وخبر والجملة في
~~محل ms05760 نصب بينظرون أي يفكرون، والمعنى ينظرون أيهم أقرب فيتوسلون به وكأن
~~المراد يتوسلون بدعائه وإلا ففي التوسل بالذوات ما فيه. وتعقب ذلك في
~~«البحر» بأن في إضمار الفعل المعلق نظرا ومع ذا هو وجه غير ظاهر. وجوز
~~أبو البقاء كون { أيهم أقرب } جملة استفهامية في موضع نصب
~~بيدعون وكون أي موصولة بدلا من ضمير { يدعون } وتعقب الأول بأن فيه
~~تعليق ما ليس بفعل قلبي والجمهور / على منعه، وأما الثاني فقال أبو
~~حيان: «فيه الفصل بين الصلة ومعمولها بالجملة الحالية لكنه لا يضر لأنها
~~معمولة للصلة»، وأنت إذا نظرت في المعنى على هذا لم ترض أن تحمل الآية
~~عليه.

# وقوله تعالى: { ويرجون } عطف على { يبتغون } أي يبتغون القربة
~~بالعبادة ويتوقعون { رحمته } تعالى { ويخفون عذابه }
~~كدأب سائر العباد فأين هم من ملك كشف الضر فضلا عن كونهم آلهة { إن
~~عذاب ربك كان محذورا } حقيقا بأن يحذره ويحترز عنه كل أحد
~~من الملائكة والرسل عليهم السلام وغيرهم. والجملة تعليل لقوله سبحانه: {
~~ويخفون عذابه } وفي تخصيصه بالتعليل زيادة تحذير للكفرة من
~~العذاب، وتقديم الرجاء على الخوف لما أن متعلقه أسبق من متعلقه ففي
~~الحديث القدسي

# " سبقت رحمتي غضبي "

# وفي اتحاد أسلوبي الجملتين إيماء إلى تساوي رجاء أولئك الطالبين
~~للوسيلة إليه تعالى بالطاعة والعبادة وخوفهم، وقد ذكر العلماء أنه ينبغي
~~للمؤمن ذلك ما لم يحضره الموت فإذا حضره الموت ينبغي أن يغلب رجاءه على
~~خوفه. وفي الآية دليل على أن رجاء الرحمة وخوف العذاب مما لا يخل بكمال
~~العابد، وشاع عن بعض العابدين أنه قال: لست أعبد الله تعالى رجاء جنته
~~ولا خوفا من ناره والناس بين قادح لمن يقول ذلك ومادح، والحق التفصيل
~~وهو أن من قاله إظهارا للاستغناء عن فضل الله تعالى ورحمته فهو مخطىء
~~كافر، ومن قاله لاعتقاد أن الله عز وجل أهل للعبادة لذاته حتى لو لم يكن
~~هناك جنة ولا نار لكان أهلا لأن يعبد فهو محقق عارف كما لا يخفى.

### || [17.58]

# { وإن من قرية } الظاهر العموم لأن (إن) نافية ms05761 و(من) زائدة
~~لاستغراق الجنس أي وما من قرية من القرى { إلا نحن مهلكوها
~~قبل يوم القيمة } بإماتة أهلها حتف أنوفهم { أو
~~معذبوها عذابا شديدا } بالقتل وأنواع البلاء، وروي هذا عن
~~مقاتل وهو ظاهر ما روي عن مجاهد وإليه ذهب الجبائي وجماعة، وروي عن الأول
~~أنه قال: الهلاك للصالحة والعذاب للطالحة، وقال أيضا: وجدت في «كتاب
~~الضحاك بن مزاحم» في تفسيرها أما مكة فتخربها الحبشة وتهلك المدينة
~~بالجوع والبصرة بالغرق والكوفة بالترك والجبال بالصواعق والرواجف، وأما
~~خراسان فهلاكها ضروب ثم ذكرها بلدا بلدا. وروي عن وهب بن منبه أن
~~الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية وأرمينية آمنة حتى تخرب مصر
~~ومصر آمنة حتى تخرب الكوفة ولا تكون الملحمة الكبرى حتى تخرب الكوفة فإذا
~~كانت الملحمة الكبرى فتحت قسطنطينية على يد رجل من بني هاشم وخراب
~~الأندلس من قبل الزنج وخراب إفريقية من قبل الأندلس وخراب مصر من انقطاع
~~النيل واختلاف الجيوش فيها وخراب العراق من الجوع وخراب الكوفة من قبل
~~عدو يحصرهم ويمنعهم الشرب من الفرات وخراب البصرة من قبل الغرق وخراب
~~الأبلة من عدو يحصرهم برا وبحرا وخراب الري من الديلم وخراب خراسان من
~~قبل التبت وخراب التبت من قبل الصين وخراب الهند واليمن من قبل
~~الجراد والسلطان وخراب مكة من الحبشة وخراب المدينة من قبل الجوع. وعن
~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " آخر قرية من قرى الإسلام خرابا المدينة "

# كذا نقله العلامة أبو السعود. وما في «كتاب الضحاك» وكذا ما روي عن وهب
~~لا يكاد يعول عليه، وما روي عن أبي هريرة مقبول وقد رواه عنه بهذا اللفظ
~~النسائي ورواه أيضا الترمذي بنحوه وقال حسن غريب ورواه أبو حيان بلفظ

# " آخر قرية في الإسلام خرابا بالمدينة "

# وفي «البحور الزاخرة» أن / سبب خرابها أن بعض أهلها يخرجون مع المهدي
~~إلى الجهاد ثم ترجف بمنافقيها وترميهم إلى الدجال ويهاجر بعض المخلصين
~~إلى بيت المقدس عند إمامهم، ومن بقي منهم تقبض الريح الطيبة ms05762 روحه فتبقى
~~خاوية، ويأبى كونها سبب خرابها الجوع حسبما سمعت عن الضحاك وابن منبه
~~ظاهر ما أخرجه الشيخان

# " لتتركن المدينة على خير ما كانت مذللة ثمارها لا يغشاها إلا العوافي
~~الطير والسباع وآخر من يحشر راعيان من مزينة "

# الحديث. وأخرج الإمام أحمد بسند رجاله ثقات

# " المدينة يتركها أهلها وهي مرطبة قالوا: فمن يأكلها؟ قال: السباع
~~والعوافي "

# وما ذكر من أن مكة تخربها الحبشة ثابت في «الصحيحين» وغيرهما لكن بلفظ

# " يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة "

# وفي حديث حذيفة مرفوعا

# " كأني أنظر إلى حبشي أحمر الساقين أزرق العينين أفطس الأنف كبير البطن
~~وقد صف قدميه على الكعبة هو وأصحاب له ينقضونها حجرا حجرا ويتداولونها
~~بينهم حتى يطرحوها في البحر "

# وفي حديث أحمد عن أبي هريرة أنه تجيء الحبشة فيخربونه أي البيت خرابا
~~لا يعمر بعده أبدا. نعم اختلف في أنه متى يكون ذلك؟ فقيل: زمن عيسى عليه
~~السلام، وقيل حين لا يبقى على الأرض من يقول الله وهو آخر الآيات، ومال
~~إلى ذلك السفاريني. وظاهر ما تقدم في المدينة من الأخبار بأنها آخر قرى
~~الإسلام خرابا يقتضي أن خراب مكة قبلها والله تعالى أعلم. وما ذكر في
~~خبر ابن منبه من أن مصر آمنة حتى تخرب الكوفة إن صح يقتضي أن الكوفة تعمر
~~ثم تخرب وإلا فهي قد خربت منذ مئات من السنين وبقيت إلى الآن خرابا،
~~ومصر آمنة عامرة على أحسن حال اليوم وبعمارتها حسبما يقتضيه الخبر جاءت
~~آثار عديدة كما لا يخفى على من طالع الكتب المؤلفة في أمارات الساعة
~~وأخبار المهدي والسفياني إلا أن في أكثرها للمنقر مقالا. وزعم البوني
~~وأضرابه أنها تعمر في أواخر القرن الثالث عشر وقد أخذوا ذلك من كلام
~~الشيخ محي الدين قدس سره، وأنت تعلم أنه أشبه شيء بالهندية ولا يكاد يعد
~~من اللغة العربية، وما ذكر من أن خراب العراق من الجوع يعم بغداد فإنها
~~قاعدته.

# وقال القاضي عياض في «الشفاء»: روي أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " تبنى مدينة بين دجلة ms05763 ودجيل وقطربل والصراة تنتقل إليها الخزائن يخسف
~~بها "

# يعني بغداد وهذا صريح في أن هلاكها بالخسف لا بالجوع لكن ذكر المحدثون
~~أن في سند الخبر مجهولا. ثم الظاهر على هذا التفسير أن قوله تعالى: {
~~أو معذبوها } الخ مقيد بمثل ما قيد به المعطوف عليه فيكون كل من
~~الإهلاك والتعذيب قبل يوم القيامة أي في الزمان القريب منه وقد شاع
~~استعمال ذلك بهذا المعنى وستسمعه قريبا إن شاء الله تعالى في الحديث
~~وإنكاره مكابرة غير مسموعة وكأنه سبحانه بعد أن ذكر من شأن البعث
~~والتوحيد ما ذكر ذكر بعض ما يكون قبل يوم البعث مما يدل على عظمته سبحانه
~~وفيه تأييد لما ذكر قبله، وقد صح أنه بعد موت عيسى عليه السلام تجيء ريح
~~باردة من قبل الشام فلا تبقي على وجه الأرض أحدا في قلبه مثقال ذرة من
~~إيمان إلا قبضته فيبقى شرار الناس وعليهم تقوم الساعة، وجاء في غير ما
~~خبر ما يصيب الناس قبل قيامها من العذاب، فمن ذلك ما أخرجه الطبراني وابن
~~عساكر عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه «لتقصدنكم نار هي اليوم
~~خامدة في واد يقال له برهوت يغشى الناس فيها عذاب أليم تأكل الأنفس
~~والأموال تدور الدنيا كلها في ثمانية أيام تطير طيران الريح والسحاب حرها
~~بالليل أشد من حرها بالنهار ولها بين السماء والأرض دوي كدوي الرعد
~~القاصف قيل: يا رسول الله أسليمة يومئذ على المؤمنين والمؤمنات؟ قال:
~~وأين المؤمنون والمؤمنات الناس يومئذ شر من الحمر يتسافدون كما يتسافد
~~البهائم وليس فيهم رجل يقول / مه مه» إلى غير ذلك من الأخبار، ولا يبعد
~~بعد أن اعتبر العموم في القرية حمل الإهلاك والتعذيب على ما تضمنته تلك
~~الأخبار من إماتة المؤمنين بالريح وتعذيب الباقين من شرار الناس بالنار
~~المذكورة، وصح أنها تسوقهم إلى المحشر وورد أنهم يتقون بوجوههم كل حدب
~~وشوك وأنه تلقى الآفة على الظهر حتى لا تبقى ذات ظهر حتى أن الرجل ليعطي
~~الحديقة المعجبة بالشارف ذات القتب ليفر عليها، وكون ms05764 ذلك قبل يوم القيامة
~~هو المعول عليه وقد اعتمده الحافظ ابن حجر وصوبه القاضي عياض وذهب إليه
~~القرطبي والخطابي وجاء مصرحا به في بعض الأحاديث، فقد أخرج الإمام
~~أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعا
~~«ستخرج نار من حضرموت أو من بحر حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس»
~~الحديث ولا يبعد أن يعذبوا بغير ذلك أيضا بل في الآثار ما يقتضيه.

# { كان ذلك } أي ما ذكر من الإهلاك والتعذيب { فى الكتب } أي
~~في اللوح المحفوظ كما روي عن إبراهيم التيمي وغيره { مسطورا }
~~مكتوبا، وذكر غير واحد أنه ما من شيء إلا بين فيه بكيفياته وأسبابه
~~الموجبة له ووقته المضروب له. واستشكل العموم بأنه يقتضي عدم تناهي
~~الإبعاد وقد قامت البراهين النقلية والعقلية على خلاف ذلك فلا بد أن يقال
~~بالتخصيص بأن يحمل الشيء على ما يتعلق بهذه النشأة أو نحو ذلك. وقال
~~بعضهم بالعموم إلا أنه التزم كون البيان على نحو يجتمع مع التناهي فاللوح
~~المحفوظ في بيانه جميع الأشياء الدنيوية والأخروية وما كان وما يكون نظير
~~«الجفر الجامع» في بيانه لما يبينه، وقد رأيت أنا صحيفة للشيخ الأكبر قدس
~~سره ادعى أنه يعلم منها ما يقع في أرض المحشر يوم القيامة وأخرى ادعى أنه
~~يعلم منها أسماء أهل الجنة والنار وأسماء آبائهم وأخرى ادعى أنه يعلم
~~منها الحوادث التي تكون في الجنة، وقبول هذه الدعاوى وردها مفوض إليك.
~~وفسر بعضهم الكتاب بالقضاء السابق ففي الكلام تجوز لا يخفى.

# هذا وذهب أبو مسلم إلى أن المراد «ما من قرية من قرى الكفار واختاره
~~المولى أبو السعود وجعل الآية بيانا لتحتم حلول عذابه تعالى بمن لا
~~يحذره إثر بيان أنه حقيق بالحذر وأن أساطين الخلق من الملائكة والنبيين
~~عليهم السلام على حذر من ذلك، وذكر أن المعنى ما من قرية من قرى الكفار
~~إلا نحن مخربوها البتة بالخسف بها أو بإهلاك أهلها بالمرة لما ارتكبوا من
~~عظائم الموبقات المستوجبة لذلك أو معذبو أهلها عذابا شديدا ms05765 لا يكتنه
~~كنهه والمراد به ما يعم البلايا الدنيوية من القتل والسبي ونحوهما
~~والعقوبات الأخروية مما لا يعلمه إلا الله تعالى حسبما يفصح عنه إطلاق
~~التعذيب عما قيد به الإهلاك من قبلية يوم القيامة ولا يخص بالبلايا
~~الدنيوية كيف وكثير من القرى العاتية العاصية قد أخرت عقوبتها إلى يوم
~~القيامة» ثم أنه يحتمل أن يقال في وجه الربط على تقدير التخصيص أنه
~~سبحانه بعد أن أشار إلى أن الكفرة المخاطبين في بلاء وضر وأن آلهتهم لا
~~يملكون كشف ذلك عنهم ولا تحويله أشار إلى أن مثل ذلك لا بد وأن يصيب
~~الكفرة ولا يملك أحد كشفه ولا تحويله عنهم، وهذا ظاهر بناء على ما تقدم
~~عن البعض في سبب النزول الذي بسببه فسر الضر بالقحط فتأمل «وفي اختيار
~~صيغة الفاعل في الموضعين وإن كانت بمعنى المستقبل من الدلالة على التحقق
~~والتقرر ما فيه، والتقييد بيوم القيامة لأن الإهلاك يومئذ غير مختص
~~بالقرى الكافرة ولا هو بطريق العقوبة وإنما هو لانقضاء عمر الدنيا، ثم
~~قال: إن تعميم القرية لا يساعده السياق ولا السباق» اه وفيه تأمل.

# ومن الناس من رجحه / على ما سبق بأن فيه حمل الإهلاك على ما يتبادر منه
~~وهو ما يكون عن عقوبة ولا كذلك فيما سبق.

### || [17.59]

# وأجيب بأن ذلك سهل فقد استعمل في مقام التخويف فيما لم يكن عن عقوبة
~~كقوله تعالى: { وما منعنا أن نرسل بالأيت } أي الآيات
~~التي اقترحتها قريش، فقد أخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه والطبراني
~~وغيرهم عن ابن عباس قال:

# " سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن
~~ينحي عنهم الجبال فيزرعوا فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم وإن شئت أن
~~تؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم من الأمم فقال
~~عليه الصلاة والسلام: لا بل أستأني بهم "

# فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأن ما بعدها في تأويل مصدر منصوب على أنه
~~مفعول منع على ما صرح به الطبرسي أو منصوب بنزع ms05766 الخافض كما قيل: لتعدي
~~الفعل إلى مفعوله الثاني بالحرف كما في قوله تعالى:

# ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين

# [النساء: 141] أي وما منعنا الإرسال أو من الإرسال بالآيات { إلا أن
~~كذب بها } أي بجنسها { الأولون } من الأمم السابقة المقترحة.
~~والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء و(أن) وما بعدها في تأويل مصدر فاعل منع
~~أي ما منعنا شيء من الأشياء إلا تكذيب الأولين. وزعم أبو البقاء أنه على
~~تقدير مضاف أي إلا إهلاك تكذيب الأولين، ولا حاجة إليه عند الآخرين.

# والمنع لغة كف الغير وقسره عن فعل يريد أن يفعله ولاستحالة ذلك في حقه
~~سبحانه لاستلزامه العجز المحال المنافي للربوبية قالوا: إنه هنا مستعار
~~للصرف وأن المعنى وما صرفنا عن إرسال الآيات المقترحة إلا تكذيب الأولين
~~المقترحين المستتبع لاستئصالهم فإنه يؤدي إلى تكذيب الآخرين المقترحين
~~بحكم اشتراكهم في العتو والعناد وهو مفض إلى أن يحل بهم مثل ما حل بهم
~~بحكم الشركة في الجريرة والفساد وجريان السنة الإلهية والعادة الربانية
~~بذلك وفعل ذلك بهم مخالف لما كتب في لوح القضاء بمداد الحكمة من تأخير
~~عقوبتهم، وحاصله أنا تركنا إرسال الآيات لسبق مشيئتنا تأخير العذاب عنهم
~~لحكم نعلمها. واستشعر بعضهم من الصرف نوع محدور فجعل المنع مجازا عن
~~الترك. وتعقب بأنه لا يصح مع كون الفاعل التكذيب لأن التارك هو الله
~~تعالى. وأجيب بأن دعوى لزوم اتحاد الفاعل في المعنى الحقيقي والمستعار له
~~مما لم يقم عليه دليل بل الظاهر خلافه.

# وذكر بعض المحققين ولله تعالى أبوه وإن نوقش أن تكذيب الأولين المستتبع
~~للاستئصال والمستلزم لتكذيب الآخرين المفضي لحلول الوبال مناف لإرسال
~~الآيات المقترحة لتعين التكذيب المستدعي لما ينافي الحكمة في تأخير عقوبة
~~هذه الأمة فعبر عن تلك المنافاة بالمنع على نهج الاستعارة إيذانا بتعاضد
~~مبادي الإرسال لا كما زعموا من عدم إرادته تعالى لتأييد رسوله صلى الله
~~عليه وسلم بالمعجزات وهو السر في إيثار الإرسال على الإيتاء لما فيه من
~~الإشعار بتداعي الآيات إلى النزول لولا أن تمسكها يد التقدير.

# وإسناد المنع ms05767 إلى تكذيب الأولين لا إلى علمه تعالى بما سيكون من
~~المقترحين الآخرين كما في قوله تعالى:

# لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم
~~لتولوا وهم معرضون

# [الأنفال: 23] لإقامة الحجة عليهم بإبراز الأنموذج وللإيذان بأن مدار
~~عدم الإجابة إلى إيتاء مقترحهم ليس إلا صنيعهم. ثم حكمة التأخير قيل
~~إظهار مزيد شرف النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل العناية بمن سيولد من
~~بعضهم من المؤمنين وبمن سيؤمن منهم، وينبغي أن يزاد في كل إلى غير ذلك
~~مثلا وإلا فلا حصر. وقيل معنى الآية أنا لا نرسل الآيات المقترحة لعلمنا
~~بأنهم لا يؤمنون عندها كما لم يؤمن بها من اقترحوها قبلهم فيكون إرسالها
~~عبثا لا فائدة فيه والحكيم لا يفعله، وأنت تعلم أنه إذا كان إرسال
~~المقترح إذا لم يؤمن عنده المقترح عبثا لا يفعله الحكيم أشكل / فعله من
~~أول مرة على أن ما روي في سبب النزول يقتضي التفسير الأول كما لا يخفى.
~~وفسرت الآيات بالمقترحة لأن ما بها إثبات دعوى الرسالة من مقتضيات
~~الإرسال وما زاد على ذلك ولم يكن عن اقتراح لطف من الملك المتعال.

# { وءاتينا ثمود الناقة } عطف على ما يفصح عنه النظم الكريم
~~كأنه قيل: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون حيث آتيناهم
~~ما اقترحوا على أنبيائهم عليهم السلام من الآيات الباهرة فكذبوها وآتينا
~~ثمود الناقة باقتراحهم على نبيهم صالح عليه السلام وأخرجناها لهم من
~~الصخرة { مبصرة } على صيغة اسم الفاعل حال من الناقة، والمراد ذات
~~إبصار أو ذات بصيرة يبصرها الغير ويتبصر بها فالصيغة للنسب أو جاعلة
~~الناس ذوي بصائر على أنه اسم فاعل من أبصره والهمزة للتعدية أي جعله ذا
~~بصيرة وإدراك ويحتمل أن يكون إسناد الإبصار إليها مجازا وهو في الحقيقة
~~حال من يشاهدها. وقرأ قوم { مبصرة } بزنة اسم المفعول أي يبصرها
~~الناس ولا خفاء في ذلك. وقرأ قتادة { مبصرة } بفتح الميم والصاد أي محل
~~إبصار بجعل الحامل على الشيء بمنزلة محله نحو

# " الولد مبخلة مجبنة "

# وقرأ زيد بن علي ms05768 رضي الله تعالى عنهما { مبصرة } بزنة اسم الفاعل والرفع
~~على إضمار مبتدأ أي هي مبصرة. وقرأ الجمهور { ثمود } ممنوعا من
~~الصرف، وقال هارون: أهل الكوفة ينونون في كل وجه وقال أبو حاتم لا تنون
~~العامة والعلماء بالقرآن { ثمود } في وجه من الوجوه وفي أربعة مواطن
~~ألف مكتوبة ونحن نقرؤه بغير ألف اه. وهو كما قال الراغب عجمي، وقيل
~~عربي وترك صرفه لكونه اسم قبيلة، وهو فعول من الثمد وهو الماء القليل
~~الذي لا مادة له ومنه قيل: فلان مثمود ثمدته النساء أي قطعن مادة مائة
~~لكثرة غشيانه لهن ومثمود إذا كثر عليه السؤال حتى نفدت مادة ماله وصحح
~~كثير عربيته أي آتينا تلك القبيلة الناقة { فظلموا بها } أي
~~فكفروا بها وجحدوا كونها من عند الله تعالى لتصديق رسوله أو فكفروا بها
~~ظالمين أي لم يكتفوا بمجرد الكفر بها بل فعلوا بها ما فعلوا من العقر أو
~~ظلموا أنفسهم وعرضوها للهلاك بسبب عقرها.

# ولعل تخصيص إيتائها بالذكر لما أن ثمود عرب مثل أهل مكة المقترحين وأن
~~لهم من العلم بحالهم ما لا مزيد عليه حيث يشاهدون آثار هلاكهم لقرب
~~ديارهم منهم ورودا وصدورا، وجوز أن يكون ذلك لأن الناقة من جهة أنها
~~حيوان أخرج من الحجر أوضح دليل على تحقق مضمون قوله تعالى:

# قل كونوا حجارة أو حديدا

# [الإسراء: 50] الخ والأول أقرب.

# { وما نرسل بالأيت إلا تخويفا } أي لمن أرسلت عليهم،
~~والمراد بها إما المقترحة فالتخويف بالاستئصال لإنذارها به في عادة الله
~~تعالى أي ما نرسلها إلا تخويفا من العذاب المستأصل كالطليعة له فإن لم
~~يخافوا فعل بهم ما فعل، وأما غيرها كآيات القرآن والمعجزات فالتخويف
~~بعذاب الآخرة دون العذاب الدنيوي بالاستئصال أي ما نرسلها إلا تخويفا
~~وإنذارا بعذاب الآخرة. واستظهر أبو حيان كون المراد بها الآيات التي
~~معها إمهال كالخسوف والكسوف وشدة الرعد والبرق والرياح والزلازل وغور ماء
~~العيون وزيادتها على الحد حتى يغرق منها بعض الأرضين، وعد الحسن من ذلك
~~الموت الذريع أي ما نرسلها إلا تخويفا مما هو ms05769 أعظم منها. أخرج ابن جرير
~~عن قتادة قال: إن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من آياته لعلهم يعتبرون
~~أو يذكرون ويرجعون. وذكر ابن عطية أن آيات الله تعالى المعتبر بها ثلاثة
~~أقسام، قسم عام في كل شيء. ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. وهناك
~~فكرة العلماء، وقسم معتاد كالرعد والكسوف وهناك فكرة الجهلة، وقسم / خارق
~~للعادة وقد انقضى بانقضاء النبوة وإنما يعتبر اليوم بتوهم مثله وتصوره
~~اه. وفيه غفلة عن الكرامة فإن أهل السنة يثبتونها للولي في كل عصر.
~~والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. وجوز على الوجه الأول أن تكون
~~حالا من ضمير (ظلموا) أي فظلموا بها ولم يخافوا العاقبة والحال أنا ما
~~نرسل بالآيات التي هي من جملتها إلا تخويفا من العذاب الذي يعقبها فنزل
~~بهم ما نزل. ونصب { تخويفا } على أنه مفعول له. وجوز أن يكون حالا
~~أي مخوفين، والباء في الموضعين سيف خطيب، و { الأيت } مفعول {
~~نرسل } أو للملابسة والمفعول محذوف أي ما نرسل نبيا ملتبسا بها،
~~وقيل إنها للتعدية وأن أرسل يتعدى بنفسه وبالباء. ورد بأنه لم ينقل عن
~~أحد من الثقات، قال الخفاجي: ولا حجة في قول كثير:

# لقد كذب الواشون ما بحت عندهم

# بسر ولا أرسلتهم برسول

# لاحتمال الزيادة فيه أيضا مع أن الرسول فيه بمعنى الرسالة فهو مفعول
~~مطلق والكلام في دخولها على المفعول به، ولا يخفى أن جعل الرسول مفعولا
~~به وزيادة الباء فيه مما لا يقدم عليه فاضل.

### || [17.60]

# { وإذ قلنا } أي واذكر زمان قولنا بواسطة الوحي { لك } يا محمد
~~{ إن ربك أحاط بالناس } أي علما كما رواه غير واحد عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنه فلا يخفى عليه سبحانه شيء من أحوالهم وأفعالهم
~~الماضية والمستقبلة من الكفر والتكذيب. وقوله تعالى: { وما جعلنا
~~الرءيا التى أرينك إلا فتنة للناس } إلى آخر
~~الآية تنبيه على تحققها بالاستدلال عليها بما صدر عنهم عند مجيء بعض
~~الآيات لاشتراك الكل في كونها أمورا خارقة للعادات منزلة من جناب ms05770 رب
~~العزة جل مجده لتصديق رسوله عليه الصلاة والسلام فتكذيبهم ببعضها يدل على
~~تكذيب الباقي كما أن تكذيب الأولين بغير المقترحة يدل على تكذيبهم
~~بالمقترحة. والمراد بالرؤيا ما عاينه صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به من
~~العجائب السماوية والأرضية كما أخرجه البخاري والترمذي والنسائي وجماعة
~~عن ابن عباس وهي عند كثير بمعنى الرؤية مطلقا وهما مصدر رأى مثل القربي
~~والقرابة. وقال بعض: هي حقيقة في رؤيا المنام ورؤيا اليقظة ليلا
~~والمشهور اختصاصها لغة بالمنامية وبذلك تمسك من زعم أن الإسراء كان
~~مناما وفي الآية ما يرد عليه، والقائلون بهذا المشهور الذاهبون إلى أنه
~~كان يقظة كما هو الصحيح قالوا: إن التعبير بها إما مشاكلة لتسميتهم له
~~رؤيا أو جار على زعمهم كتسمية الأصنام آلهة فقد روى أن بعضهم قال له صلى
~~الله عليه وسلم لما قص عليهم الإسراء لعله شيء رأيته في منامك أو على
~~التشبيه بالرؤيا لما فيها من العجائب أو لوقوعها ليلا أو لسرعتها أي وما
~~جعلنا الرؤيا التي أريناكها عيانا مع كونها آية عظيمة وأية آية وقد أقمت
~~البرهان على صحتها إلا فتنة افتتن بها الناس حتى ارتد بعض من أسلم منهم.

# { والشجرة } عطف على { الرءيا } أي وما جعلنا الشجرة {
~~الملعونة في القرءان } إلا فتنة لهم أيضا. والمراد بها كما
~~روى البخاري وخلق كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما شجرة الزقوم. والمراد
~~بلعنها لعن طاعميها من الكفرة كما روي عنه أيضا، ووصفها بذلك من المجاز
~~في الإسناد وفيه من المبالغة ما فيه / أو لعنها نفسها ويراد باللعن معناه
~~اللغوي وهو البعد فهي لكونها في أبعد مكان من الرحمة وهو أصل الجحيم الذي
~~تنبت فيه ملعونة حقيقة. وأخرج ابن المنذر عن الحبر أنها وصفت بالملعونة
~~لتشبيه طلعها برؤس الشياطين والشياطين ملعونون. وقيل تقول العرب لكل طعام
~~مكروه ضار: ملعون. وروي في جعلها فتنة لهم أنه لما نزل في أمرها في
~~الصافات وغيرها ما نزل قال أبو جهل وغيره: هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق
~~الحجارة ثم يقول ms05771 ينبت فيها الشجر وما نعرف الزقوم إلا التمر بالزبد، وأمر
~~أبو جهل جارية له فأحضرت تمرا وزبدا وقال لأصحابه تزقموا وافتتن بهذه
~~المقالة أيضا بعض الضعفاء ولقد ضلوا في ذلك ضلالا بعيدا حيث كابروا
~~قضية عقولهم فإنهم يرون النعامة تبتلع الجمر وقطع الحديد المحماة الحمر
~~فلا تضرها والسمندل يتخذ من وبره مناديل تلقى في النار إذا اتسخت فيذهب
~~الوسخ وتبقى سالمة، ومن أمثالهم في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار.

# وعن ابن عباس أنها الكشوث المذكورة في قوله تعالى:

# كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من
~~قرار

# [إبراهيم: 26] ولعنها في القرآن وصفها فيه بما سمعت في هذه الآية ومر
~~آنفا ما مر عن العرب. والافتتان بها أنهم قالوا عند سماع الآية: ما بال
~~الحشائش تذكر القرآن، والمعول عليه عند الجمهور رواية الصحيح عن الحبر.
~~وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { والشجرة } بالرفع على الابتداء
~~وحذف الخبر أي والشجرة الملعونة في القرآن كذلك.

# { ونخوفهم } بذلك ونظائره من الآيات فإن الكل للتخويف، وإيثار
~~صيغة الاستقبال للدلالة على الاستمرار التجددي. وقرأ الأعمش { ويخوفهم }
~~بالياء آخر الحروف { فما يزيدهم } التخويف { إلا طغيانا }
~~تجاوزا عن الحد { كبيرا } لا يقادر قدره فلو أرسلنا بما اقترحوه من
~~الآيات لفعلوا بها فعلهم بإخوانها وفعل بهم ما فعل بأمثالهم وقد سبقت
~~كلمتنا بتأخير العقوبة العامة إلى الطامة الكبرى هذا فيما أرى هو الأوفق
~~بالنظم الكريم واختاره في «إرشاد العقل السليم». وعن الحسن ومجاهد وقتادة
~~وأكثر المفسرين تفسير الإحاطة بالقدرة، والكلام مسوق لتسلية رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم عما عسى يعتريه من عدم الإجابة إلى إنزال الآيات
~~المقترحة لمخالفتها للحكمة من نوع حزن من طعن الكفرة حيث كانوا يقولون:
~~لو كنت رسولا حقا لأتيت بهذه المعجزة كما أتى بها من قبلك من الأنبياء
~~عليهم السلام فكأنه قيل اذكر وقت قولنا لك: إن ربك اللطيف بك قد أحاط
~~بالناس فهم في قبضة قدرته لا يقدرون على الخروج من ربقة مشيئته فهو يحفظك
~~منهم فلا تهتم بهم ms05772 وامض لما أمرتك به من تبليغ الرسالة ألا ترى أن الرؤيا
~~التي أريناك من قبل جعلناها فتنة للناس مورثة للشبهة مع أنها ما أورثت
~~ضعفا لأمرك وفتورا في حالك. وبعضهم حمل الإحاطة على الإحاطة بالعلم إلا
~~أنه ذكر في حاصل المعنى ما يقرب مما ذكر فقال: أي إنه سبحانه عالم بالناس
~~على أتم وجه فيعلم قصدهم إلى إيذائك إذا لم تأتهم بما اقترحوا ويعصمك
~~منهم فامض على ما أنت فيه من التبليغ والإنذار ألا ترى الخ.

# ولا يخفى أن ذكر الرب مضافا إلى ضميره صلى الله عليه وسلم وأمره عليه
~~الصلاة والسلام بذكر ذلك القول أنسب بكون الآية مسوقة لتسليته على الوجه
~~الذي نقل، وذكر التخويف وأنه ما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا أوفق / بما
~~فسرت به الآية أولا، وادعى بعضهم أنه لا يخلو عن نوع تسلية.

# وقيل: الإحاطة هنا الإهلاك كما في قوله تعالى:

# وأحيط بثمره

# [الكهف: 42] والناس قريش ووقت ذلك الإهلاك يوم بدر، وعبر عنه بالماضي مع
~~كونه منتظرا حسبما ينبىء عنه قوله تعالى:

# سيهزم الجمع ويولون الدبر

# [القمر: 45] وقوله سبحانه:

# قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى
~~جهنم

# [آل عمران: 12] وغير ذلك لتحقق الوقوع. وأولت الرؤيا بما رآه صلى الله
~~عليه وسلم في المنام من مصارعهم كما صرح به في بعض الروايات، وصح

# " أنه صلى الله عليه وسلم لما ورد ماء بدر كان يقول: والله لكأني أنظر
~~إلى مصارع القوم وهو يضع يده الشريفة على الأرض ههنا وههنا ويقول: هذا
~~مصرع فلان هذا مصرع فلان "

# ، وهو ظاهر في كون ذلك مناما.

# ويروى أن قريشا سمعت بما أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن
~~بدر وما أري في منامه من مصارعهم فكانوا يضحكون ويسخرون وهو المراد
~~بالفتنة، وبما رآه عليه الصلاة والسلام أنه سيدخل مكة وأخبر أصحابه فتوجه
~~إليها فصده المشركون عام الحديبية وإليه ذهب أبو مسلم والجبائي. واعتذر
~~عن كون ما ذكر مدنيا بأنه يجوز أن يكون الوحي بإهلاكهم وكذا الرؤيا
~~واقعا بمكة وذكر الرؤيا وتعيين ms05773 المصارع واقعين بعد الهجرة ويلزم منه أن
~~يكون الافتتان بذلك بعد الهجرة وأن يكون ازديادهم طغيانا متوقعا غير
~~واقع عند نزول الآية وكل ذلك خلاف الظاهر. وأخرج ابن جرير عن سهل بن سعد
~~قال:

# " رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية ينزون على منبره نزو
~~القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات عليه الصلاة والسلام وأنزل
~~الله تعالى هذه الآية { وما جعلنا الرءيا } الخ "

# وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في «الدلائل» وابن عساكر عن
~~سعيد بن المسيب قال:

# " رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية على المنابر فساءه ذلك
~~فأوحى الله تعالى إليه إنما هي دنيا أعطوها فقرت عينه "

# وذلك قوله تعالى: { وما جعلنا } الخ. وأخرج ابن أبي حاتم عن يعلى
~~بن مرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " رأيت بني أمية على منابر الأرض وسيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء واهتم
~~عليه الصلاة والسلام لذلك فأنزل الله سبحانه { وما جعلنا } الآية "

# وأخرج عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنهم القردة وأنزل الله
~~تعالى في ذلك { وما جعلنا } الخ والشجرة الملعونة الحكم وولده "

# وفي عبارة بعض المفسرين هي بنو أمية.

# وأخرج ابن مردويه

# " عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت لمروان بن الحكم: «سمعت رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم يقول لأبيك وجدك: إنكم الشجرة الملعونة في
~~القرآن "

# فعلى هذا معنى إحاطته تعالى بالناس إحاطة أقداره بهم. والكلام على ما
~~قيل على حذف مضاف أي وما جعلنا تعبير الرؤيا أو الرؤيا فيه مجاز عن
~~تعبيرها، ومعنى جعل ذلك فتنة للناس جعله بلاء لهم ومختبرا وبذلك فسره
~~ابن المسيب، وكان هذا بالنسبة إلى خلفائهم الذين فعلوا ما فعلوا وعدلوا
~~عن سنن الحق وما عدلوا وما بعده بالنسبة إلى ما عدا خلفاءهم منهم ممن كان
~~عندهم عاملا وللخبائث عاملا أو ممن كان من أعوانهم كيفما كان. ويحتمل
~~أن يكون المراد ما جعلنا ms05774 خلافتهم وما جعلناهم أنفسهم إلا فتنة، وفيه من
~~المبالغة في ذمهم ما فيه. وجعل ضمير { نخوفهم } على هذا لما كان له أولا
~~أو للشجرة باعتبار أن المراد بها بنو أمية ولعنهم لما صدر منهم من
~~استباحة الدماء المعصومة والفروج المحصنة وأخذ الأموال من غير حلها ومنع
~~الحقوق عن أهلها وتبديل الأحكام والحكم بغير ما أنزل الله تعالى على نبيه
~~عليه الصلاة / والسلام إلى غير ذلك من القبائح العظام والمخازي الجسام
~~التي لا تكاد تنسى ما دامت الليالي والأيام.

# وجاء لعنهم في القرآن إما على الخصوص كما زعمته الشيعة أو على العموم
~~كما نقول فقد قال سبحانه وتعالى:

# إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله فى
~~الدنيا والأخرة

# [الأحزاب: 57] وقال عز وجل

# فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الأرض
~~وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم
~~الله فأصمهم وأعمى أبصرهم

# [محمد: 22-23] إلى آيات أخر ودخولهم في عموم ذلك يكاد يكون دخولا
~~أوليا لكن لا يخفى أن هذا لا يسوغ عند أكثر أهل السنة لعن واحد منهم
~~بخصوصه فقد صرحوا أنه لا يجوز لعن كافر بخصوصه ما لم يتحقق موته على
~~الكفر كفرعون ونمروذ فكيف من ليس كافرا. وادعى السراج البلقيني جواز لعن
~~العاصي المعين ونور دعواه بحديث «الصحيحين»

# " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان لعنها
~~الملائكة حتى تصبح "

# وقال ولده الجلال بحثت مع والدي في ذلك باحتمال أن يكون لعن الملائكة
~~لها بالعموم بأن يقول: لعن الله تعالى من باتت مهاجرة فراش زوجها ولو
~~استدل لذلك بخبر مسلم

# " أنه صلى الله عليه وسلم مر بحمار وسم بوجهه فقال: لعن الله تعالى من
~~فعل هذا "

# لكان أظهر إذ الإشارة بهذا صريحة في لعن معين إلا أن يؤول بأن المراد
~~فاعل جنس ذلك لا فاعل هذا المعين وفيه ما فيه. واستدل بعض من وافقه لذلك
~~أيضا بما صح أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " اللهم العن رعلا وذكوان وعصية عصوا الله تعالى ورسوله "

# فإن فيه لعن أقوام بأعيانهم. ms05775 وأجيب بأنه يجوز أنه عليه الصلاة والسلام
~~علم موتهم أو موت أكثرهم على الكفر فلم يلعن إلا من علم موته عليه وهو
~~كما ترى. ولا يخفى أن تفسير الآية بما ذكر غير ظاهر الملاءمة للسياق
~~والله تعالى أعلم بصحة الأحاديث. وقيل الشجرة الملعونة مجاز عن أبي جهل
~~وكان فتنة وبلاء على المسلمين لعنه الله تعالى، وقيل مجاز عن اليهود
~~الذين تظاهروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعنهم في القرآن ظاهر،
~~وفتنتهم أنهم كانوا ينتظرون بعثته عليه الصلاة والسلام فلما بعث كفروا به
~~وقالوا: ليس هو الذي كنا ننتظره فثبطوا كثيرا من الناس بمقالتهم عن
~~الإسلام.

### || [17.61]

# { وإذ قلنا للملئكة } تذكير لما جرى منه تعالى من الأمر
~~ومن الملائكة من الامتثال والطاعة من غير تثبط وتحقيق لمضمون قوله تعالى:

# أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم
~~الوسيلة

# [الإسراء: 57] الخ، أما إن كان المراد من الموصول الملائكة فظاهر، وأما
~~إن كان غيرهم فللمقايسة، وفيه إشارة إلى عاقبة أولئك الذين عاندوا الحق
~~واقترحوا الآيات وكذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام فإنهم داخلون في
~~الذرية الذين احتنكهم إبليس عليه اللعنة واتبعوه اتباع الظل لذويه دخولا
~~أوليا ومشاركون له في العناد أتم مشاركة حتى قالوا:

# إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا
~~حجارة من السماء

# [الأنفال: 32] فوجه مناسبة الآية لما قبلها ظاهر، وقيل الوجه مشابهة
~~قريش الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم لإبليس في أن كلا منهما
~~حمله الحسد والكبر على ما صدر منه أي واذكر وقت قولنا للملائكة {
~~اسجدوا لادم } تحية وتكريما له عليه السلام، وقيل المعنى اجعلوه
~~قبلة سجودكم لله تعالى { فسجدوا } من غير تلعثم امتثالا لأمره
~~تعالى { إلا إبليس } لم يكن من الساجدين وكان معدودا في عدادهم
~~مندرجا تحت الأمر بالسجود { قال } استئناف بياني كأنه قيل فما كان منه
~~بعد التخلف؟ فأجيب بأنه قال أي بعد أن وبخ بما وبخ مما قصه الله سبحانه
~~في غير هذا الموضع على سبيل الإنكار والتعجب { ءأسجد } وقد خلقتني
~~من نار { لمن خلقت ms05776 طينا } نصب على نزع الخافض / أي من طين كما
~~صرح به في آية أخرى، وجوز الزجاج كونه حالا من العائد المحذوف والعامل {
~~خلقت } فيكون المعنى أأسجد لمن كان في وقت خلقه طينا فالطينية وإن
~~كانت مقدمة على خلقه إنسانا لكنها مقارنة لابتداء تعلقه به، والزمخشري
~~أيضا كونه حالا من نفس الموصول والعامل حينئذ { ءأسجد } على معنى
~~أأسجد له وهو طين أي أصله طين، قال في «الكشف»: وهو أبلغ لأنه مؤيد لمعنى
~~الإنكار وفيه تحقير له عليه السلام وحاشاه بجعله نفس ما كان عليه لم تزل
~~عنه تلك الذلة وليس في جعله حالا من العائد هذه المبالغة، وأنت تعلم أن
~~الحالية على كل حال خلاف الظاهر لكون الطين جامدا ولذا أوله بعضهم
~~بمتأصلا، وجوز الزجاج أيضا وتبعه ابن عطية كونه تمييزا ولا يظهر ذلك،
~~وذكر الخلق مع أنه يكفي في المقصود أن يقال: لمن كان من طين أدخل في
~~المقصود مع أنه فيه على ما قيل إيماء إلى علة أخرى وهي أنه مخلوق والسجود
~~إنما هو للخالق تعالى مجده.

### || [17.62]

# { قال } أي إبليس. وفي إعادة الفعل بين كلامي اللعين إيذان بعدم اتصال
~~الثاني بالأول وعدم ابتنائه عليه بل على غيره وقد ذكر ذلك في مواضع أخر
~~أي قال بعد طرده من المحل الأعلى ولعنه واستنظاره وإنظاره { أرءيتك
~~هذا الذى كرمت علي } الكاف حرف خطاب مؤكد لمعنى التاء
~~قبله وهو من التأكيد اللغوي فلا محل له من الإعراب، ورأى علمية فتتعدى
~~إلى مفعولين { وهذا } مفعولها الأول والموصول صفته والمفعول الثاني
~~محذوف لدلالة الصلة عليه، وهذا الإنشاء مجاز عن إنشاء آخر ومن هنا تسمعهم
~~يقولون: المعنى أخبرني عن هذا الذي كرمته علي لم كرمته علي وأنا
~~أكرم منه، والعلاقة ما بين العلم والأخبار من السببية والمسببية
~~واللازمية والملزومية، وجملة لم كرمته واقعة على ما نص عليه أبو حيان
~~موقع المفعول الثاني. وذهب بعض النحاة إلى أن رأى بصرية فتتعدى إلى واحد
~~واختاره الرضي، ويجعلون الجملة الاستفهامية المذكورة مستأنفة.

# وقال الفراء: الكاف ضمير في ms05777 محل نصب أي أرأيت نفسك وهو كما تقول: أتدبرت
~~آخر أمرك فإني صانع كذا، و { هذا الذى كرمت علي } مبتدأ
~~وخبر وقد حذف منه الاستفهام أي أهذا الخ. وقال بعضهم بهذا إلا أنه جعل
~~الكاف حرف خطاب مؤكد أي أخبرني أهذا من كرمته علي. وقال ابن عطية: الكاف
~~حرف كما قيل لكن معنى أرأيتك أتأملت كأن المتكلم ينبه المخاطب على
~~استحضار ما يخاطبه به عقيبه. وكونه بمعنى أخبرني قول سيبويه والزجاج
~~وتبعهما الحوفي والزمخشري وغيرهما، وزعم ابن عطية أن ذلك حيث يكون
~~استفهام ولا استفهام في الآية. وأنت تعلم أن المقرر في أرأيت بمعنى
~~أخبرني أن تدخل على جملة ابتدائية يكون الخبر فيها استفهاما مذكورا أو
~~مقدرا فمجرد عدم وجوده لا يأبى ذلك. وأيا ما كان فاسم الإشارة
~~للتحقير، والمراد من التكريم التفضيل.

# وجملة { لئن أخرتنى إلى يوم القيمة } استئناف
~~وابتداء كلام واللام موطئة للقسم وجوابه { لأحتنكن ذريته }.
~~وفي «البحر» لو ذهب ذاهب إلا أن (هذا) مفعول أول لأرأيتك بمعنى أخبرني
~~والمفعول الثاني الجملة القسمية المذكورة لانعقادهما مبتدأ وخبرا قبل
~~دخول أرأيتك لذهب مذهبا حسنا إذ لا يكون في الكلام على هذا إضمار وهو
~~كما ترى. والمراد من أخرتني أبقيتني حيا أو أخرت موتي. ومعنى {
~~لأحتنكن ذريته } لأستولين عليهم استيلاء قويا من قولهم:
~~حنك الدابة واحتنكها إذا جعل في حنكها الأسفل حبلا يقودها به. وأخرج هذا
~~ابن جرير وغيره عن ابن عباس وإليه ذهب الفراء أو لأستأصلنهم وأهلكنهم /
~~بالإغواء من قولهم: احتنك الجراد الأرض إذا أهلك نباتها وجرد ما عليها
~~واحتنك فلان مال فلان إذا أخذه وأكله، وعلى ذلك قوله:

# نشكو إليك سنة قد أجحفت

# جهدا إلى جهدبنا فاضعفت

# واحتنكت أموالنا وأجلفت

# وكأنه مأخوذ من الحنك وهو باطن أعلى الفم من داخل المنقار فهو اشتقاق من
~~اسم عين، واختار هذا الطبري والجبائي وجماعة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن
~~زيد أنه قال يقول لأضلنهم وهو بيان لخلاصة المعنى، وهذا كقول اللعين

# لأزينن لهم فى الأرض ولأغوينهم أجمعين

# [الحجر: 39].

# { إلا قليلا ms05778 } منهم وهم العباد المخلصون الذين جاء استثناؤهم في
~~آية أخرى جعلنا الله تعالى وإياكم منهم. وعلم اللعين تسني هذا المطلب له
~~حتى ذكره مؤكدا إما بواسطة التلقي من الملائكة سماعا وقد أخبرهم الله
~~تعالى به أو رأوه في اللوح المحفوظ أو بواسطة استنباطه من قولهم

# أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء

# [البقرة: 30] مع تقرير الله تعالى له أو بالفراسة لما رأى فيه من قوة
~~الوهم والشهوة والغضب المقتضية لذلك، ولا يبعد أن يكون استثناء القليل
~~بالفراسة أيضا وكأنه لما رأى أن المانع من الاستيلاء في القليل مشتركا
~~بينه وبين آدم عليه السلام ذكره من أول الأمر. وعن الحسن أنه ظن ذلك لأنه
~~وسوس إلى آدم وغره حتى كان ما كان فقاس الفرع على الأصل وهو مشكل لأن هذا
~~القول كان قبل الوسوسة التي كان بسببها ما كان، ومن زعم أنه كان هناك
~~وسوستان فعليه البيان ولا يأتي به حتى يؤب القارظان أو يسجد لآدم عليه
~~السلام الشيطان.

### || [17.63]

# { قال } الله سبحانه وتعالى: { اذهب } ليس المراد به حقيقة الأمر
~~بالذهاب ضد المجيء بل المراد تخليته وما سولته نفسه إهانة له كما تقول
~~لمن يخالفك: افعل ما تريد، وقيل: يجوز أن يكون من الذهاب ضد المجيء
~~فمعناه حينئذ كمعنى قوله تعالى:

# فاخرج منها فإنك رجيم

# [الحجر: 34] وقيل: هو طرد وتخلية ويلزم على ظاهره الجمع بين الحقيقة
~~والمجاز والقائل ممن يرى جوازه. ويدل على أنه ليس المراد منه ضد المجيء
~~تعقيبه بالوعيد في قوله سبحانه: { فمن تبعك منهم } وضل عن الحق
~~{ فإن جهنم جزاؤكم } أي جزاؤك وجزاؤهم فغلب المخاطب على
~~الغائب رعاية لحق المتبوعية. وجوز الزمخشري وتبعه غير واحد أن يكون
~~الخطاب للتابعين على الالتفات من غيبة المظهر إلى الخطاب، وتعقبه ابن
~~هشام في «تذكرته» فقال: عندي أنه فاسد لخلو الجواب أو الخبر عن الرابط
~~فإن ضمير الخطاب لا يكون رابطا، وأجيب بأنه مؤول بتقدير فيقال لهم: إن
~~جهنم جزاؤكم، ورد بأنه يخرج حينئذ عن الالتفات. وقال بعض المحققين: إن
~~ضمير الخطاب ms05779 إن سلم أنه لا يكون عائدا لا نسلم أنه إذا أريد به الغائب
~~التفاتا لا يربط به لأنه ليس بأبعد من الربط بالاسم الظاهر فاحفظ.

# { جزاء موفورا } أي مكملا لا يدخر منه شيء كما قال ابن جبير من
~~فر كعد لصاحبك عرضه فرة أي كمل لصاحبك عرضه، وعلى ذلك قوله:

# ومن يجعل المعروف من دون عرضه

# يفره ومن لا يتق الشتم يشتم

# وجاء وفر لازما نحو وفر المال يفر وفورا أي كمل وكثر. وانتصب { جزاء
~~} على المصدر بإضمار تجزون أو تجازون فإنهما بمعنى وهذا المصدر لهما. /
~~وجوز أبو حيان وغيره كون العامل فيه { جزاؤكم } بناء على أن المصدر
~~ينصب المفعول المطلق، وجوز كونه حالا موطئة لصفتها التي هي حال في
~~الحقيقة ولذا جاءت جامدة كقوله تعالى:

# قرءانا عربيا

# [يوسف: 2] ولا حاجة لتقدير ذوي فيه حينئذ وصاحب الحال مفعول تجزونه
~~محذوفا والعامل الفعل، وقيل إنه حال من فاعله بتقدير ذوي جزاء، وقال
~~الطيبي: قيل المعنى ذوي جزاء ليكون حالا عن ضمير المخاطبين ويكون
~~المصدر عاملا وإلا فالعامل مفقود ثم قال: الأظهر أنه حال مؤكدة لمضمون
~~الجملة نحو زيد حاتم جوادا، وفي «الكشف» أن هذا متعين وليس الأول
~~بالوجه، ومثله جعله حالا عن الفاعل، وقيل هو تمييز ولا يقبل عند ذويه.

### || [17.64]

# { واستفزز } أي واستخف يقال استفزه إذا استخفه فخدعه وأوقعه فيما
~~أراده منه، وأصل معنى الفز القطع ومنه تفزز الثوب إذا انقطع ويقال للخفيف
~~فز ولذا سمي به ولد البقرة الوحشية كما في قول زهير:

# إذا استغاث بشيء فز غيطلة

# خاف العيون فلم تنظر به الحشك

# والواو على ما في «البحر» للعطف على

# اذهب

# [الإسراء: 63]. والمراد من الأمر التهديد وكذا من الأوامر الآتية، ويمنع
~~من إرادة الحقيقة أن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء { من استطعت }
~~أي الذي استطعت أن تستفزه { منهم } فمن موصول مفعول { استفزز }
~~ومفعول { استطعت } محذوف هو ما أشرنا إليه. واختار أبو البقاء كون
~~(من) استفهامية في موضع نصب باستطعت وهو خلاف الظاهر جدا ولا داعي إلى
~~ارتكابه { بصوتك ms05780 } أي بدعائك إلى معصية الله تعالى ووسوستك، وعبر عن
~~الدعاء بالصوت تحقيرا له حتى كأنه لا معنى له كصوت الحمار. وأخرج ابن
~~المنذر وابن جرير وغيرهما عن مجاهد تفسيره بالغناء والمزامير واللهو
~~والباطل. وذكر الغزنوي أنه آدم عليه السلام أسكن ولد هابيل أعلى جبل وولد
~~قابيل أسفله وفيهم بنات حسان فزمر الشيطان فلم يتمالكوا أن انحدروا
~~واقترنوا.

# { وأجلب عليهم } أي صح عليهم من الجلبة وهي الصياح قاله الفراء
~~وأبو عبيدة، وذكر أن جلب وأجلب بمعنى. وقال الزجاج: أجلب على العدو جمع
~~عليه الخيل. وقال ابن السكيت: جلب عليه أعان عليه، وقال ابن الأعرابي:
~~أجلب على الرجل إذا توعده الشر وجمع عليه الجمع، وفسر بعضهم { أجلب } هنا
~~بأجمع فالباء في قوله تعالى: { بخيلك ورجلك } مزيدة كما في لا
~~يقرأن بالسور. وقرأ الحسن { واجلب } بوصل الألف وضم اللام من جلب
~~ثلاثيا. والخيل يطلق على الأفراس حقيقة ولا واحد له من لفظه، وقيل إن
~~واحده خائل لاختياله في مشيه وعلى الفرسان مجازا وهو المراد هنا، ومنه
~~قوله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته لأصحابه رضي الله عنهم

# " يا خيل الله اركبي "

# والرجل بكسر الجيم فعل بمعنى فاعل فهو صفة كحذر بمعنى حاذر يقال: فلان
~~يمشي رجلا أي غير راكب. وقال صاحب «اللوامح»: هو بمعنى الرجل يعني أنه
~~مفرد أريد به الجمع لأنه المناسب للمقام وما عطف عليه، وبهذا قرأ حفص
~~وأبو عمرو في رواية والحسن. وظاهر الآية يقتضي أن للعين خيلا ورجلا وبه
~~قال جمع فقيل هم من الجن، وقيل منهم ومن الإنس وهو المروي عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما ومجاهد وقتادة قالوا: إن له خيلا ورجلا من الجن
~~والإنس فما كان من راكب يقاتل في معصية الله تعالى فهو من خيل إبليس وما
~~كان من راجل يقاتل في معصية الله تعالى فهو من رجل إبليس.

# وقال آخرون: ليس للشيطان خيل ولا رجالة / وإنما هما كناية عن الأعوان
~~والأتباع من غير ملاحظة لكون بعضهم راكبا وبعضهم ماشيا. وجوز بعضهم أن ms05781
~~يكون استفزازه بصوته وإجلابه بخيله ورجله تمثيلا لتسلطه على من يغويه
~~فكأنه مغوارا أوقع على قوم فصوت بهم صوتا يزعجهم من أماكنهم وأجلب
~~عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم، ومراده أن يكون في الكلام
~~استعارة تمثيلية ولا يضر فيها اعتبار مجاز أو كناية في المفردات فلا
~~تغفل.

# وقرأ الجمهور { رجلك } بفتح الراء وسكون الجيم وهو اسم جمع راجل كركب
~~وراكب لا جمع لغلبة هذا الوزن في المفردات، وقرىء { رجل } بفتح الراء وضم
~~الجيم وهو مفرد كما في قراءة حفص وقد جاءت ألفاظ من الصفة المشبهة على
~~فعل وفعل كسرا وضما كحدث وندس وغيرهما. وقرأ عكرمة وقتادة { رجالك }
~~كنبالك، وقرىء { رجالك } ككفارك وكلاهما جمع رجلان وراجل كما في «الكشف»،
~~وفي بعض نسخ «الكشاف» أنه قرىء { رجالك } بفتح الراء وتشديد الجيم على أن
~~أصله رجالة فحذف تاؤه تخفيفا وهي نسخة ضعيفة.

# { وشاركهم فى الأمول } بحملهم على كسبها مما لا ينبغي وصرفها
~~فيما لا ينبغي. وقيل بحملهم على صرفها في الزنا، وعن الضحاك بحملهم على
~~الذبح للآلهة، وعن قتادة بحملهم على تسييب السوائب وبحر البحائر والتعميم
~~أولى { والأولد } بالحث على التوصل إليهم بالأسباب المحرمة
~~وارتكاب ما لا يرضي الله تعالى فيهم. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما المشاركة في الأولاد حملهم على تسميتهم بعبد
~~الحرث وعبد شمس، وفي رواية حملهم على أن يرغبوهم في الأديان الباطلة
~~ويصبغوهم بغير صبغة الإسلام. وفي أخرى حملهم على تحصيلهم بالزنا، وأخرى
~~تزيين قتلهم إياهم خشية الإملاق أو العار، وقيل حملهم على أن يرغبوهم في
~~القتال وحفظ الشعر المشتمل على الفحش والحرف الخسيسة الخبيثة، وعن مجاهد
~~أن الرجل إذا لم يسم عند الجماع فالجان ينطوي على احليله فيجامع معه وذلك
~~هي المشاركة في الأولاد، والأولى ما ذكرنا. { وعدهم } المواعيد
~~الباطلة كشفاعة الآلهة ونفع الأنساب الشريفة من لم يطع الله تعالى أصلا
~~وعدم خلود أحد في النار لمنافاة في ذلك عظم الرحمة وطول أمل البقاء في
~~الدنيا ومن الوعد الكاذب وعده إياهم ms05782 أنهم إذا ماتوا لا يبعثون وغير ذلك
~~مما لا يحصى كثرة، ثم هذا من قبيل المشاركة في النفس كما في «البحر».

# { وما يعدهم الشيطن إلا غرورا } اعترض بين ما خوطب
~~به الشيطان لبيان حال مواعيده والالتفات إلى الغيبة لتقوية معنى الاعتراض
~~مع ما فيه من صرف الكلام عن خطابه وبيان حاله للناس ومن الإشعار بعلية
~~شيطنته للغرور وهو تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب؛ ويقال: غر فلانا إذا
~~أصاب غرته أي غفلته ونال منه ما يريد، وأصل ذلك على ما قال الراغب من
~~الغر وهو الأثر الظاهر من الشيء، ونصبه على أنه وصف مصدر محذوف أي وعدا
~~غرورا على الأوجه التي في رجل عدل.

# وجوز أن يكون مفعولا من أجله أي وما يعدهم ويمنيهم ما لا يتم ولا يقع
~~إلا لأن يغرهم والأول أظهر. وذكر الإمام في سبب كون وعد الشيطان غرورا
~~لا غير أنه إنما يدعو إلى أحد ثلاثة أمور: قضاء الشهوة وإمضاء الغضب وطلب
~~الرياسة والرفعة ولا يدعو البتة إلى معرفة الله تعالى وخدمته وتلك
~~الأشياء الثلاثة / ليست لذائذ في الحقيقة بل دفع آلام وإن سلم أنها لذائذ
~~لكنها خسيسة يشترك فيه الناقص والكامل بل الإنسان والكلب ومع ذلك هي
~~وشيكة الزوال ولا تحصل إلا بمتاعب كثيرة ومشاق عظيمة ويتبعها الموت
~~والهرم واشتغال الباب بالخوف من زوالها والحرص على بقائها، ولذات البطن
~~والفرج منها لا تتم إلا بمزاولة رطوبات متعفنة مستقذرة فتزيين ذلك لا
~~يكاد يكون إلا بما هو أكذب من دعوى اجتماع النقيضين وهو الغرور.

### || [17.65]

# { إن عبادى } الإضافة للتعظيم فتدل على تخصيص العباد بالمخلصين
~~كما وقع التصريح به في الآية الأخرى ولقرينة كون الله تعالى وكيلا لهم
~~يحميهم من شر الشيطان فإن من هو كذلك لا يكون إلا عبدا مكرما مختصا به
~~تعالى، وكثيرا ما يقال لمن يستولي عليه حب شيء فينقاد له عبد ذلك الشيء
~~ومنه عبد الدينار والدرهم وعبد الخميصة وعبد بطنه، ومن هنا يقال لمن يتبع
~~الشيطان عبد الشيطان فلا حاجة إلى القول ms05783 بأن في الكلام صفة محذوفة أي إن
~~عبادي المخلصين. وزعم الجبائي أن { عبادى } عام لجميع المكلفين وليس
~~هناك صفة محذوفة لكن ترك الاستثناء اعتمادا على التصريح به في موضع آخر
~~وليس بشيء. وفي هذه الإضافة إيذان بعلة ثبوت الحكم في قوله سبحانه: {
~~ليس لك عليهم سلطن } أي تسلط وقدرة على إغوائهم. وتأكيد
~~الحكم مع اعتراف الخصم به لمزيد الاعتناء.

# { وكفى بربك وكيلا } لهم يتوكلون عليه جل وعلا ويستمدون منه
~~تعالى في الخلاص عن إغوائك فيحميهم سبحانه منه. والخطاب في هذه الجملة
~~قيل للشيطان كما في الجملة السابقة ففي التعرض لوصف الربوبية المنبئة عن
~~المالكية المطلقة والتصرف الكلي مع الإضافة إلى ضميره إشعار بكيفية
~~كفايته تعالى لهم وحمايته إياهم منه أعني سلب قدرته على إغوائهم، وقل
~~للنبي عليه الصلاة والسلام أو للإنسان كأنه لما بين سبحانه من حال
~~الشيطان ما بين صار ذلك لحصول الخوف في القلوب فقال سبحانه: { وكفى
~~بربك } أيها النبي أو أيها الإنسان وكيلا فهو جل جلاله يدفع كيد
~~الشيطان ويحفظ منه، والقلب يميل إلى عدم كونه خطابا للشيطان وإن كان في
~~السابق له. واستدل بالآية على أن المعصوم من عصمه الله تعالى وأن الإنسان
~~لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلال وإلا لقيل وكفى بالإنسان وكيلا
~~لنفسه.

# وهذا وههنا سؤالان ذكرهما الإمام مع جوابيهما، الأول أن إبليس هل كان
~~عالما بأن الذي تكلم معه بهذه التهديدات هو إله العالم أو لم يكن
~~عالما؟ فإن كان الأول فكيف لم يصر الوعيد الشديد بقوله سبحانه:

# فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا

# [الإسراء: 63] مانعا له من المعصية مع أنه سمعه من الله جل جلاله من
~~غير واسطة؟ وإن كان الثاني فكيف قال:

# أرءيتك هذا الذى كرمت علي

# [الإسراء: 62]؟ والجواب لعله كان شاكا في الكل وكان يقول في كل قسم ما
~~يخطر بباله على سبيل الظن. وأقول لا يخفى ما في هذا الجواب. والحق فيه
~~أنه كان جازما بأن الذي تكلم معه بذلك هو إله العالم جل وعلا إلا أنه
~~غلبت ms05784 عليه شقوته التي استعدت لها ذاته فلم يصر الوعيد مانعا له ولذا حين
~~تنصب لهلاكه الحبائل إذا جاء وقته ويعاين من العذاب ما يعاين وتضيق عليه
~~الأرض بما رحبت فيقال له: اسجد اليوم لآدم عليه السلام لتنجو لا يسجد
~~ويقول: لم أسجد له حيا فكيف أسجد له ميتا كما ورد في بعض الآثار، وليس
~~هذا بأعجب من حال الكفار الذين يعذبون يوم القيامة أشد العذاب على كفرهم
~~ويطلبون العود ليؤمنوا حيث أخبر الله تعالى بأنهم لو ردوا لعادوا لما
~~نهوا عنه.

# وربما يقال: إن اللعين مع هذا الوعيد له أمل بالنجاة، فقد حكى أن مولانا
~~عبد الله التستري سأل الله تعالى أن / يريه إبليس فرآه فسأله هل تطمع في
~~رحمة الله تعالى؟ فقال: كيف لا أطمع فيها والله سبحانه يقول:

# ورحمتى وسعت كل شىء

# [الأعراف: 156] وأنا شيء من الأشياء فقال التستري: ويلك إن الله تعالى
~~قيد في آخر الآية فقال إبليس له: ويحك ما أجهلك القيد لك لا له، ولعله
~~يزعم أن آيات الوعيد مطلقا مقيدة بالمشيئة وإن لم تذكر كما يقوله بعض
~~الأشاعرة في آيات الوعيد للعصاة من المؤمنين.

# السؤال الثاني: ما الحكمة في أن الله تعالى أنظره إلى يوم القيامة ومكنه
~~من الوسوسة والحكيم إذا أراد أمرا وعلم أن له مانعا يمنع من حصوله لا
~~يسعى في تحصيل ذلك المانع؟ والجواب أما على مذهبنا فظاهر، وأما العتزلة
~~فقال الجبائي منهم: إن الله تعالى علم أن الذين يكفرون عند وسوسة إبليس
~~يكفرون بتقدير أن لا يوجد وحينئذ لم يكن في وجوده مزيد مفسدة، وقال أبو
~~هاشم: لا يبعد أن يحصل من وجوده مزيد مفسدة إلا أنه تعالى أبقاه تشديدا
~~للتكليف على الخلق ليستحقوا بذلك مزيد الثواب. وأنا أقول: إن إبليس ليس
~~مانعا مما يريده الله جل مجده وتعالى جده فما شاء الله سبحانه كان وما
~~لم يشأ لم يكن والله تبارك وتعالى خلق الخلق طبق علمه وعلم به طبق ما هو
~~عليه في نفسه فافهم والله تعالى أعلم.

### || [17.66] ms05785

# { ربكم الذى يزجى لكم الفلك فى البحر } مبتدأ
~~وخبر، وقيل الموصول صفة { ربكم } وهو صفة لقوله تعالى

# الذى فطركم

# [الإسراء: 51] أو بدل منه وذلك جائز وإن تباعد ما بينهما اه وفيه ما
~~فيه. وأصل الإزجاء السوق حالا بعد حال والمراد به الإجراء وكأن اختياره
~~عليه لما أنه أدل منه على القسر وهو أوفق بالمقام وأعظم في الإنعام أي هو
~~سبحانه وتعالى القادر الحكيم الذي يجري لنفعكم السفن في البحر بالريح
~~اللينة وبالآلات حسبما جرت به عادته تعالى { لتبتغوا من فضله
~~} تصريح بالنفع أي لتطلبوا من رزقه الذي هو فضل من قبله سبحانه أو من
~~الربح الذي هو جل شأنه معطيه. و(من) تبعيضية وتفسير الفضل بالحج أو الغزو
~~غير مناسب. وهذا تذكير لبعض النعم التي هي دلائل التوحيد الذي هو المراد
~~الأصلي من البعثة وتمهيد لذكر توحيدهم عند مساس الضر تكملة لما مر من
~~قوله سبحانه:

# فلا يملكون

# [الإسراء: 56] الآية.

# { إنه كان } أزلا وأبدا { بكم رحيما } حيث هيأ لكم ما
~~تحتاجون إليه وسهل عليكم ما يعسر من مباديه، وهذا تذييل فيه تعليل لما
~~سبق من الإزجاء والابتغاء للفضل ((وصيغة الرحيم كما في «إرشاد العقل
~~السليم» للدلالة على أن المراد بالرحمة الرحمة الدنيوية والنعمة العاجلة
~~المنقسمة إلى الجليلة والحقيرة)) وهو مبني على اختصاص الرحيم بالدنيا كما
~~هو المشهور، وعليه «يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا»، وقيل بعدم
~~الاختصاص وعليه «يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما».

### || [17.67]

# { وإذا مسكم الضر فى البحر } خوف الغرق بعصف الريح
~~وتقاذف الأمواج { ضل من تدعون } أي ذهب عن خواطركم كل من تدعونه
~~وترجون نفعه فلا تذكرونه { إلا إياه } جل وعلا فإنكم تذكرونه وحده
~~سبحانه لا تذكرون سواه ولا يخطر ببالكم غيره تعالى لكشف ما حل بكم من
~~الضر استقلالا أو اشتراكا فالمراد بضلالهم غيبتهم عن الكفر لا عن النظر
~~والحس لأنه أمر معلوم من قولهم: ضل عنه كذا إذا نسيه، وفي «الكشف» هو من
~~ضل عنه كذا إذا ضاع ولا حاجة إلى تضمين أو من ضله فلان ذهب ms05786 عنه فلم يقدر
~~عليه ذكره الأزهري وأنشد:

# / والسائل المتبغي كرائمها

# يعلم أني تضلني عللي

# أي تفارقني وتذهب عني فلا أتعلل بعلة وهذا أظهر. نعم الضلال راجع إلى
~~الذكر لا بمعنى إضماره فإنه ركيك يقال ضل عن خاطري كذا إذا لم تذكره فإنه
~~ضلال له لا أنه ضلال ذكره ولا تقول ضل عن خاطري ذكره وكذلك ضلني الأمر
~~اه.

# والدعاء في هذا على ظاهره. والاستثناء متصل بناء على أن ما عبارة عن
~~المدعوين مطلقا وأنهم كانوا يدعون الله تعالى وغيره في الحوادث، وإن
~~كانت ما عبارة عن آلهتهم الباطلة فقط وأنهم كانوا في حالة السراء يدعونها
~~وحدها كما يدل عليه ظاهر ما بعد فالاستثناء منقطع، وفسر الدعاء على هذا
~~بدعاء العبادة واللجأ. وقال أبو حيان: الظاهر الانقطاع لأنه تعالى لم
~~يندرج في { من تدعون } إذ المعنى ضلت آلهتهم أي معبوداتهم وهم لا
~~يعبدون الله تعالى. وتعقب بأن مقتضى كونهم مشركين أنهم يعبدونه سبحانه
~~أيضا لكن على طريق الإشراك بل قولهم

# ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى

# [الزمر: 3] كما قص سبحانه عنهم يقتضي أنه جل مجده المعبود الحقيقي
~~عندهم، وقد يقال: إن الشارع أسقط مثل هذه العبادة عن درجة الاعتبار فهم
~~غير عابدين الله جل وعلا شرعا بل قيل إنهم غير عابدين لغة أيضا لأن
~~العبادة لغة غاية الخضوع والتذلل ولا يتحقق ذلك مع الشركة ولو على الوجه
~~الذي زعموه فتأمل. وجوز غير واحد أن يكون المعنى ضل من تدعونه عن إغاثتكم
~~إلا إياه تعالى، والضلال فيه إما بمعنى الغيبة أو بمعنى عدم الاهتداء منه
~~كأنه قيل ضل عن حجة الصواب في إنقاذكم ولم يقدر على ذلك، وأمر الاستثناء
~~من الاتصال والانقطاع ومبنى كل على حاله. والزمخشري جوز أن يكون المعنى
~~ضل من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم ولكن الله تعالى هو الذي ترجونه وجعل
~~الاستثناء عليه منقطعا فقيل إن ذلك لتخصيصه المدعوين بالآلهة. وفي
~~«الكشف» لعل الوجه فيه أنه تعالى ما كانوا يدعونه أي دعاء العبادة واللجأ
~~إلا في تلك ms05787 الحالة وأما في حالة السراء فيخصون آلهتهم بالدعاء، والتحقيق
~~أن الضلال بهذا المعنى لم يتناول الحق سبحانه لأن معناه ضل المدعوون
~~وغابوا عن إغاثتهم ولا يراد غابوا وحضر جل وعلا بل المراد ولكن رجوا أن
~~يغيثهم ولا يخذلهم فعل المدعوين على حسبانهم وهذا هو الوجه إن شاء الله
~~تعالى اه.

# ومبنى التحقيق لا يخفى على المتدرب في علم النحو.

# هذا ومن اللطائف أن بعض الناس قال لبعض الأئمة: أثبت لي وجود الله تعالى
~~ولا تذكر لي الجوهر والعرض فقال له: هل ركبت البحر؟ قال: نعم قال: فهل
~~عصفت الريح؟ قال: نعم قال: فهل أشرفت بك السفينة على الغرق؟ قال: نعم
~~قال: فهل يئست من نفع من في السفينة ونحوهم من المخلوقين لك وإنجائهم مما
~~أنت فيه إياك؟ قال: نعم قال: فهل بقي قلبك متعلقا بشيء غير أولئك؟ قال:
~~نعم قال: ذلك هو الله عز وجل فاستحسن ذلك.

# { فلما نجكم } من الضر وأوصلكم { إلى البر
~~أعرضتم } عن ذكره تعالى بعد أن كنتم غير ذاكرين إلا إياه سبحانه أو
~~أعرضتم عن توحيده جل وعلا أو عن شكره عز وجل بتوحيده وطاعته سبحانه أو
~~توغلتم في التوسع في كفران النعمة على أنه من العرض مقابل الطول وجعل
~~كناية عن ذلك كما في قول ذي الرمة:

# عطاء فتى تمكن في المعالي

# فأعرض في المكارم واستطالا

# وكأنه أريد أعرضتم واستطلتم في الكفران إلا أنه استغنى بذكر العرض عن
~~ذكر الطول للزومه له. { وكان الإنسن كفورا } كالتعليل
~~للإعراض وهو بيان لحكم الجنس ويعلم منه حكم أولئك المخاطبين / وفيه لطافة
~~حيث أعرض سبحانه عن خطابهم بخصوصهم وذكر أن جنس الإنسان مجبول على
~~الكفران فلما أعرضوا أعرض الله سبحانه عنهم.

### || [17.68]

# { أفأمنتم } الهمزة للإنكار على معنى أنه لا ينبغي الأمن، والفاء
~~للعطف على محذوف متوسط بينها وبين الهمزة أي أنجوتم فأمنتم وهو مذهب بعض
~~النحويين، واختار بعضهم أن الهمزة مقدمة من تأخير لأصالتها في الصدارة
~~والعطف على ما قبله. وجملة

# وكان الإنسن

# [الإسراء: 67] الخ معترضة بين المتعاطفين ولا ms05788 حذف في مثل ذلك وهو مذهب
~~الأكثرين لكن لا يظهر تسبب الإنكار للأمن على ما قبل على ما يقتضيه هذا
~~المذهب بل الظاهر ترتبه على النجاة فقط ولا مدخل للإعراض في تسبب
~~الإنكار. والحق عندي في أمثال ذلك ما فيه استقامة المعنى من غير تكلف ولا
~~يتعين التزام أحد المذهبين وإن أدى إلى التكلف فإنه تعصب محض.

# والخطاب لمن تقدم [أي] أفأمنتم أيها المعرضون عند النجاة { أن يخسف
~~بكم جانب البر } الذي هو مأمنكم أي أن يغيبه الله تعالى ويذهب
~~به في أعماق الأرض مصاحبا بكم أي وأنتم عليه على أن الباء للمصاحبة
~~والجار والمجرور في موضع الحال، وجوز أن تكون الباء للسببية والجار
~~والمجرور متعلق بما عنده أي أن يغيبه سبحانه بسببكم وتعقب بأنه لا يلزم
~~من قلبه بسببهم أن يكونوا مهلكين مخسوفا بهم. وأجيب بأنه حيث كان المراد
~~من جانب البر جانبه الذي هم فيه استلزم خسفه هلاكهم ولولا هذا لم يكن في
~~التوعد به فائدة. ونصب { جانب } في الوجهين على أنه مفعول به ليخسف.
~~وفي «الدر المصون» أنه مصوب على الظرفية وحينئذ يجوز كون الباء للتعدية
~~على معنى أفأمنتم أن يغيبكم في ذلك. وفي «القاموس» خسف الله تعالى بفلان
~~الأرض غيبه فيها، والظاهر أنه بيان للمعنى اللغوي للفظ. وفي ذكر الجانب
~~تنبيه على أنهم عندما وصلوا الساحل أعرضوا أو ليكون المعنى أن الجوانب
~~والجهات متساوية بالنسبة إلى قدرته سبحانه وقهره وسلطانه فله في كل جانب
~~برا كان أو بحرا سبب مرصد من أسباب الهلكة فليس جانب البحر وحده مختصا
~~بذلك بل إن كان الغرق في جانب البحر ففي جانب البر ما هو مثله وهو الخسف
~~لأنه تغييب تحت التراب كما أن الغرق تغييب تحت الماء فعلى العاقل أن يخاف
~~من الله تعالى في جميع الجوانب وحيث كان. والأول على تقدير أن يراد بجانب
~~البر طرفه مما يلي البحر وهو الساحل، وهذا على احتمال أن يراد به ما
~~يشتمل جميع جوانبه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { نخسف } بنون ms05789 العظمة
~~وكذا في الأربعة التي بعده.

# { أو يرسل عليكم } من فوقكم { حصبا } أخرج ابن المنذر
~~عن ابن عباس أنه قال: هو مطر الحجارة أي مطرا يحصبكم أي يرميكم بالحصباء
~~وهو صغار الحجارة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة أنه فسر
~~الحاصب بالحجارة نفسها ولعله حينئذ صيغة نسبة أي ذا حصب ويراد منه الرمي،
~~وقال الفراء: الحاصب الريح التي ترمي بالحصباء، وقال الزجاج: هو التراب
~~الذي فيه الحصباء والصيغة عليه صيغة نسبة أيضا، وجاء بمعنى ما تناثر من
~~دقاق الثلج والبرد، ومنه قول الفرزدق:

# مستقبلين شمال الشام تضربهم

# بحاصب كنديف القطن منثور

# وبمعنى السحاب الذي يرمى بهما، واختار الزمخشري ومن تبعه تفسير الفراء.
~~والظاهر أن الكلام عليه على حقيقته فالمعنى أو إن لم يصبكم بالهلاك من
~~تحتكم بالخسف أصابكم به من فوقكم بريح يرسلها عليكم فيها الحصباء يرجمكم
~~بها فيكون أشد عليكم من الغرق في البحر، ويقال نحو هذا على سائر تفاسير
~~الحاصب. وقال الخفاجي / في وصف الريح بالرمي بالحصباء: إنه عبارة عن
~~شدتها، وذكرها إشارة إلى أنهم خافوا إهلاك الريح في البحر فقيل إن شاء
~~أهلككم بالريح في البر أيضا، ولا أدري ما المانع من إرادة الظاهر والشدة
~~تلزم الرمي المذكور عادة والإشارة هي الإشارة.

# { ثم لا تجدوا لكم وكيلا } تكلون إليه أموركم فيحفظكم من
~~ذلك أويصرفه عنكم غيره جل وعلا فإنه لا راد لأمره الغالب جل جلاله.

### || [17.69]

# { أم أمنتم } أي بل أأمنتم { أن يعيدكم فيه } أي في البحر
~~الذي نجاكم منه فأعرضتم بركوب الفلك لا في الفلك لأنها مؤنثة. وأوثرت
~~كلمة في على كلمة إلى المنبئة عن مجرد الانتهاء للدلالة على استقرارهم
~~فيه { تارة أخرى } أي مرة غير المرة الأولى. وهو منصوب على
~~الظرفية ويجمع على تارات وتير، كما في قوله:

# يقوم تارات ويمشي تيرا

# وربما حذفوا منه الهاء كقوله:

# بالويل تارا والثبور تارا

# وإسناد الإعادة إليه تعالى مع أن العود باختيارهم ومما ينسب إليهم وإن
~~كان مخلوقا له سبحانه كسائر أفعالهم باعتبار خلق الدواعي فيهم ms05790 الملجئة
~~إلى ذلك. وفيه إيماء إلى كمال شدة هول ما لاقوه في التارة الأولى بحيث
~~لولا الإعادة ما عادوا { فيرسل عليكم } وأنتم في البحر {
~~قاصفا من الريح } وهي الريح الشديدة التي تقصف ما تمر به من الشجر
~~ونحوه أو التي لها قصيف وهو الصوت الشديد كأنها تتقصف أي تتكسر. وأخرج
~~ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: القاصف
~~من الريح الريح التي تغرق، وقيل: الريح المهلكة في البر حاصب والريح
~~المهلكة في البحر قاصف والعاصف كالقاصف كما روي عن عبد الله بن عمرو، وفي
~~رواية عن ابن عباس تفسير القاصف بالعاصف. وقرأ أبو جعفر { من الرياح }
~~بالجمع { فيغرقكم } الله سبحانه بواسطة ما ينال فلككم من القاصف.
~~وقرأ أبو جعفر { فتغرقكم } بالتاء ثالثة الحروف على أن الفعل مسند إلى
~~الريح، والحسن وأبو رجاء { فيغرقكم } بالياء آخر الحروف وفتح الغين وشد
~~الراء، وفي رواية عن أبي جعفر كذلك إلا أنه بالتاء لا الياء، وقرأ حميد
~~بالنون وإسكان الغين وإدغام القاف في الكاف ورويت عن أبي عمرو وابن
~~محيصن { بما كفرتم } أي بسبب كفركم السابق وهو إعراضهم عند
~~الإنجاء في المرة الأولى، وقيل: بسبب كفركم الذي هو دأبكم دائما.

# { ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا } أي نصيرا كما
~~روى عن ابن عباس أو ثائرا يطلبنا بما فعلنا انتصارا منا أو دركا للثأر
~~من جهتنا فهو كقوله تعالى:

# فسواها * ولا يخاف عقبها

# [الشمس: 14-15] كما روي عن مجاهد. وضمير { به } قيل للإرسال، وقيل:
~~للإغراق، وقيل: لهما باعتبار ما وقع ونحوه كما أشير إليه وكأنه سبحانه
~~لما جعل الغرق بين الإعادة إلى البحر انتقاما في مقابلة الكفر عقبه
~~تعالى بنفي وجدان التبيع فكأنه قيل ننتقم من غير أن يقوم لنصركم فهو وعيد
~~على وعيد وجعل ما قبل من شق العذاب كمس الضر في البحر عقبه بنفي وجدان
~~الوكيل فكأنه قيل لا تجدون من تتكلون عليه في دفعه غيره تعالى لقوله
~~سبحانه:

# ضل من تدعون إلا إياه

# [الإسراء: 67] وهذا ms05791 اختيار صاحب «الكشف» فلا تغفل.

### || [17.70]

# { ولقد كرمنا بني ءادم } أي جعلناهم قاطبة برهم وفاجرهم
~~ذوي كرم أي شرف ومحاسن جمة لا يحيط بها نطاق الحصر. وعن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما كرمهم سبحانه بالعقل، وفي رواية بتناولهم الطعام
~~بأيديهم لا بأفواههم كسائر الحيوانات، وعن الضحاك بالنطق، وعن عطاء
~~بتعديل القامة وامتدادها، وعن زيد بن أسلم بالمطاعم واللذات، وعن يمان
~~بحسن / الصورة، وعن ابن جرير بالتسلط على غيرهم من الخلق وتسخيره لهم،
~~وعن محمد بن كعب بجعل محمد صلى الله عليه وسلم منهم. وقيل: بخلق الله
~~تعالى أباهم آدم بيديه، وقيل: بتدبير المعاش والمعاد، وقيل: بالخط، وقيل:
~~باللحية للرجل والذؤابة للمرأة، وقيل وقيل والكل في الحقيقة على سبيل
~~التمثيل؛ ومن ادعى الحصر في واحد كابن عطية حيث قال: إنما التكريم بالعقل
~~لا غير فقد ادعى غلطا ورام شططا وخالف صريح العقل وصحيح النقل ولذا
~~استدل الإمام الشافعي بالآية على عدم نجاسة الآدمي بالموت {
~~وحملنهم فى البر والبحر } على أكبار رطبة وأعواد يابسة
~~من الدواب والسفن فهو من حملته على كذا إذا أعطيته ما يركبه ويحمله
~~فالمحمول عليه مقدر بقرينة المقام. وقيل: المراد من حملهم في البر والبحر
~~جعلهم قارين فيهما بأن لم يخسف بهم الأرض ولم يغرقهم بالماء، والأول أنسب
~~بالتكريم إذ لا يثبت لشيء من الحيوانات سواهم بخلاف الثاني {
~~ورزقناهم من الطيبات } أي فنون النعم وضروب المستلذات مما
~~يحصل بصنعهم وبغير صنعهم من المأكولات والملبوسات والمفروشات والمقتنيات
~~وغير ذلك.

# { وفضلنهم } قيل: أي بالتكريم المذكور { على كثير
~~ممن خلقنا تفضيلا } عظيما، والمراد أن ذلك مخصوص بهم
~~بالنسبة إلى الكثير فلم يكرم الكثير كما كرموا. وبحث الإمام في هذا
~~المقام بأنه تعالى قال أولا: { ولقد كرمنا بنى ءادم } وقال
~~سبحانه هنا: { وفضلنهم } فلا بد من فرق بين التكريم والتفضيل
~~لئلا يلزم التكرار. والأقرب في ذلك أن يقال: إنه تعالى فضل الإنسان على
~~سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية مثل العقل والنطق والخط والصورة
~~الحسنة والقامة المديدة ثم إنه عز وجل ms05792 عرضه بواسطة العقل والفهم لاكتساب
~~العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة فالأول هو التكريم والثاني هو التفضيل
~~فكأنه قيل فضلناهم بالتعريض لاكتساب ما فيه النجاة والزلفى بواسطة ما
~~كرمناهم به من مبادي ذلك فعليهم أن يشكروا ويصرفوا ما خلق لهم لما خلق له
~~فيوحدوا الله تعالى ولا يشركوا به شيئا ويرفضوا ما هم عليه من عبادة
~~غيره عز وجل، ويقال نحو هذا على ما سبق أيضا بقليل تغيير. وقال الطيبي:
~~قد كرر في الآية ما ينبىء عن غاية المدح من ذكر الكرامة والتفضيل وتسخير
~~الأشياء على سبيل الترقي كأنه قيل: ولقد كرمنا بني آدم بكرامة أبيهم عليه
~~السلام ثم سخرنا لهم الأشياء ورزقناهم من الطيبات ثم فضلناهم تفضيلا أي
~~تفضيل ولذا عقب بها قوله سبحانه:

# وإذ قلنا للملئكة اسجدوا

# [الإسراء: 61] الخ وهو لبيان كرامة أبيهم وما توسط بينهما من الآيات
~~كالاستطراد والاعتراض إلى آخر ما قال. ويعلم منه دفع التكرار وإن لم يسقه
~~لذلك الغرض، وفيه تخصيص التكريم، وكذا فيما قيل إن التكريم بالنعم التي
~~يصح بها التكليف والتفضيل بالتكليف الذي عرضهم به للمنازلة الرفيعة.

# والمراد بالكثير من عدا الملائكة عليهم السلام عند الكثير ومنهم
~~الزمخشري وزعم أن الآية صريحة في تفضيل الملك على البشر وشنع على أهل
~~السنة تشنيعا أقذع فيه. والحق أنها لا تصلح للاحتجاج على التفضيل
~~المتنازع فيه، ففي «الكشف» أن الظاهر من سياق الآية أنه حث للإنسان على
~~الشكر وعلى أن لا يشرك به تعالى حيث ذكر ما في البر والبحر من حسن كلاءته
~~سبحانه له وضمن فيه أنه جل وعلا هداهم إلى الفلك وصنعته وما يترتب عليه
~~من الفوائد في قوله سبحانه:

# ربكم الذي يزجى لكم الفلك

# [الإسراء: 66] الآيات فقال عز وجل: { ولقد كرمنا بنى ءادم
~~} أي هذا النوع من بين سائر الأنواع باصطناعات خصصناهم بها فذكر تعالى
~~منها حملهم في البر والبحر ورزقهم من الطيبات وتفضيلهم على كثير من
~~المخلوقات وهذا التفضيل لا يراد منه عظم الدرجة وزيادة القربة عند الله
~~تعالى وهو المتنازع فيه لأن ms05793 الحكم للنوع من حيث هو وذكر / الله تعالى
~~لذلك موجبات تعم الصالح والطالح فسواء دخل في هذا الكثير الملائكة أو لم
~~يدخل لم يدل على الأفضلية بالمعنى المذكور فلا يصلح لاحتجاج إحدى
~~الطائفتين اه.

# ثم إن على فرض أن التفضيل بالمعنى المتنازع فيه لا تدل الآية على أن
~~الملك أفضل من البشر إلا بطريق المفهوم وفي حجيته خلاف، وأبو حنيفة رضي
~~الله تعالى عنه لا يقول به على أنه يدل على أنهم فضلوا على الكثير ولم
~~يفضلوا على مقابله وهو يحتمل المساواة وتفضيل المقابل فليس نصا في مذهب
~~الزمخشري. وجعل الطيبي (من) بيانية كما في قولك بذلت له العريض من جاهي
~~أي فضلناهم على الكثيرين الذين خلقناهم من ذوي العقول كما هو الظاهر من {
~~من } وهم منحصرون في الملك والجن والبشر فحيث خرج البشر لأن الشيء لا
~~يفضل على نفسه بقي الملك والجن فيكون المراد بيان تفضيل البشر عليهم
~~جميعا وهو الذي يقتضيه مقام المدح فإن الآية مسوقة له وإذا جعلت للتبعيض
~~كان { ممن خلقنا } بدلا أي فضلناهم على بعض المخلوقين.

# وذكر البعض في هذا المقام يدل على تعظيم المفضل عليه كما قرر في قوله
~~تعالى:

# ورفع بعضهم درجت

# [البقرة: 253] وأي مدح لبني آدم وإثبات للفضل والكرامة بالجملة القسمية
~~إذا جعلوا مفضلين على الجن والشياطين على أن صفة الكثرة إذا جعلت مخصصة
~~لإخراج البعض كانت الملائكة أولى من الجن والشياطين لأنهم هم الموصوفون
~~بالكثرة كما تدل عليه الأخبار الكثيرة كخبر أطيط السماء وخبر نزول قطرات
~~المطر وخبر ما يدخل البيت المعمور في كل يوم من الملائكة إلى غير ذلك،
~~وإليه ينظر قول صاحب «التقريب» إنه يحتمل أن يراد بكثير ممن خلقنا
~~الملائكة إذ هم كثير من العقلاء المخلوقين اه.

# وتعقب بأن ما ذكره من حمل (من خلقنا) على تعميم ذوي العقول مقبول فإن
~~تفضيلهم على غير ذوي العقول حينئذ آت من طريق مفهوم الموافقة فلا حاجة
~~إلى ارتكاب خلاف الظاهر واعتبار تغليبهم ليعمهم وغيرهم لكن حمل (من) على
~~البيان غير ms05794 مقبول فإنه بعيد جدا لأن قيد الكثرة يضيع عليه حمل (من) على
~~التعميم التغليبي أو الوضعي ولأن استعماله في التبعيض شائع أينما وقع في
~~التنزيل واستعمالات الفصحاء وهو أكثر تعسفا من حمله على الغاية في قوله
~~تعالى:

# فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه

# [المائدة: 6] على ما ذكره الزمخشري فيه وأنه إذا قوبل بشيء آخر دل على
~~القلة في المقابل كما في قوله تعالى:

# فمنهم مهتد وكثير منهم فسقون

# [الحديد: 26] فإنه صرح بأنه يدل على أن الغلبة للفساق للمقابلة. أما ورد
~~ابتداء فربما كان الأكثر خلاف ذلك كما في قوله تعالى:

# فضلنا على كثير من عباده المؤمنين

# [النمل: 15] فقوله إن صفة الكثرة إذا جعلت مخصصة الخ كلام لم يصدر عن
~~ثبت، ولهذه النكتة قال صاحب «التقريب»: يحتمل دلالة على أنه مرجوح.

# هذا ثم إن مسألة التفضيل مختلف فيها بين أهل السنة فمنهم من ذهب إلى
~~تفضيل الملائكة وهو مذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما واختيار الزجاج
~~على ما رواه الواحدي في «البسيط»، ومنهم من فصل فقال: إن الرسل من البشر
~~أفضل مطلقا ثم الرسل من الملائكة على من سواهم من البشر والملائكة ثم
~~عموم الملائكة على عموم البشر وهذا ما عليه أصحاب الإمام أبي حنيفة عليه
~~الرحمة وكثير من الشافعية والأشعرية، ومنهم من عمم / تفضيل الكمل من نوع
~~الإنسان نبيا كان أو وليا، ومنهم من فضل الكروبيين من الملائكة مطلقا
~~ثم الرسل من البشر ثم الكمل منهم ثم عموم الملائكة على عموم البشر. وهذا
~~ما عليه الإمام الرازي وبه يشعر كلام الغزالي في مواضع عديدة في «كتبه»،
~~ومن هذا يعلم أن إطلاق القول بأن أهل السنة يفضلون البشر على الملك ليس
~~على ما ينبغي. وهذه المسألة ومسألة تفضيل الأئمة ليستا مما يبدع الذاهب
~~إلى أحد طرفيهما على ما في «الكشف» إذ لا يرجع إلى أصل في الاعتقاد ولا
~~يستند إلى قطعي بعد أن يسلم من الطعن وما يخل بتعظيم في المسألتين لكن
~~المشهور في مسألة تفضيل الأئمة أن القول بخلاف ما استقر ms05795 عليه رأي أهل
~~السنة ابتداع ومن أنصف قال بما في «الكشف» فهذر الزمخشري على من خالفه
~~محض جهالة إذا لم يكن بتلك الغاية فكيف وهو قد بلغ فيه السفاهة غايتها
~~ومن البذاذة نهايتها وسيرى جزاء ذلك.

### || [17.71]

# { يوم ندعوا كل أناس بإممهم } شروع في بيان تفاوت
~~أحوال بني آدم في الآخرة بعد بيان حالهم في الدنيا. و { يوم } مفعول
~~به لفعل محذوف أي اذكر يوم ندعو الخ. وجوز ابن عطية وغيره أن يكون ظرفا
~~لفعل يدل عليه { لا يظلمون } ولم يجعل ظرفا له بناء على أن الفاء
~~لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ولو ظرفا، وجوز أيضا أن يكون مبتدأ وهو
~~مبني لإضافته إلى غير متمكن والخبر جملة { فمن أوتى } الخ ويقدر
~~للربط فيها فيه، وفيه أن المنقسم إلى متمكن وغير متمكن هو الاسم لا الفعل
~~وما في حيزه هنا فعل مضارع على أن بناء أسماء الظروف المضافة إلى جملة هو
~~أحد ركنيها بناء على مذهب الكوفيين والبصريون لا يجوزون ذلك ومع هذا هو
~~تخريج متكلف. وجوز أيضا كونه ظرفا ل

# فضلنهم

# [الإسراء: 70] قال: وتفضيل البشر على سائر الحيوانات يوم القيامة بين
~~وبه قال بعض النحاة إلا أنه قال: فضلناهم بالثواب، وفيه أنه أي تفضيل
~~للبشر ذلك اليوم والكفار منهم أخس من كل شيء إلا أن يقال: يكفي في تفضيل
~~الجنس تفضيل بعض أفراده ألا ترى صحة الرجال أفضل من النساء مع أن من
~~النساء من هي أفضل من بعض الرجال بمراتب، وأيضا إذا أريد التفضيل
~~بالثواب لا يصح إخراج الملائكة لأن جنس البشر يثابون والملائكة عليهم
~~السلام لا يثابون كما هو مقرر في محله، ثم إنهم يشاركهم في الثواب الجن
~~لأن مؤمنيهم يثابون كما يثاب البشر عند بعض، وقيل إن ثوابهم دون ثوابهم
~~لأنهم لا يرون الله تعالى في الجنة عند من قال: إن الله تعالى يرى فيها
~~فالبشر مفضلون عليهم في الثواب من هذه الجهة، وقيل ظرف { يقرءون } أو
~~ما دل عليه، وفيه أنهم لايقرؤن كتابهم وقت الدعوة. ms05796 وأجيب بأن المراد بيوم
~~يدعون وقت طويل وهو اليوم الآخر الذي يكون فيه ما يكون ويبقى في جعله
~~ظرفا للمذكور حديث الفاء. وقال الفراء: هو ظرف لنعيدكم محذوفا، وقيل:
~~ظرف ل

# تستجيبون

# [الإسراء: 52]، وقيل هو بدل من { يوم يدعوكم } وقيل العامل فيه
~~ما دل عليه قوله سبحانه

# متى هو

# [الإسراء: 51] وهي أقوال في غاية الضعف، وأقرب الأقوال وأقواها ما
~~ذكرناه أولا.

# والإمام المقتدى به والمتبع عاقلا كان أو غيره. والجار والمجرور متعلق
~~بندعو أي ندعو كل أناس من بني آدم الذين فعلنا بهم في الدنيا ما فعلنا من
~~التكريم وما عطف عليه بمن ائتموا به من نبي أو مقدم في الدين أو كتاب أو
~~دين فيقال: يا أتباع فلان يا أهل دين كذا أو كتاب كذا. وأخرج ابن مردويه
~~عن علي كرم الله تعالى وجهه قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآية: يدعى كل قوم / بإمام
~~زمانهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم "

# وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن ابن عباس أنه قال: إمام هدى
~~وإمام ضلالة. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عنه رضي الله تعالى عنه أنه
~~قال: بإمامهم بكتاب أعمالهم فيقال: يا أصحاب كتاب الخير يا أصحاب كتاب
~~الشر وروي ذلك عن أبي العالية والربيع والحسن. وقرىء { بكتابهم } ولعل
~~وجه كون ذلك إمامهم أنهم متبعون لما يحكم به من جنة أو نار، وقال الضحاك
~~وابن زيد: هو كتابهم الذي نزل عليهم. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه
~~والخطيب في «تاريخه» عن أنس أنه قال: هو نبيهم الذي بعث إليهم. واختار
~~ابن عطية كغيره عموم الإمام لما ذكر في الآثار. وقيل: المراد القوى
~~الحاملة لهم على عقائدهم وأفعالهم كالقوة النظرية والعملية والقوة
~~الغضبية والشهوية سواء كانت الشهوة شهوة النقود أو الضياع أو الجاه
~~والرياسة ولاتباعهم لها دعيت إماما، وهو مع كونه غير مأثور بعيد جدا
~~فلا يقتدى بقائله وإن كان إماما.

# وفي «الكشاف» أن من بدع التفاسير أن الإمام جمع أم كخف وخفاف وأن الناس ms05797
~~يدعون يوم القيامة بإمهاتهم وأن الحكمة في الدعاء بهن دون الآباء رعاية
~~حق عيسى عليه السلام وشرف الحسن والحسين ولا يفتضح أولاد الزنا، وليت
~~شعري أيهما أبدع أصحة تفسيره أم بهاء حكمته انتهى، وهو مروي عن محمد بن
~~كعب. ووجه عدم قبوله على ما في «الكشف» أما أولا: فلأن إمام جمع أم غير
~~شائع وإنما المعروف الأمهات. وأما ثانيا: فلأن رعاية حق عيسى عليه
~~السلام في امتيازه بالدعاء بالأم فإن خلقه من غير أب كرامة له لا غض منه
~~ليجبر بأن الناس أسوته في انتسابهم إلى الأمهات، وإظهار شرف الحسنين بدون
~~ذلك أتم فإن أباهما خير من أمهما مع أن أهل البيت كحلقة مفرغة، وأما
~~افتضاح أولاد الزنا فلا فضيحة إلا للأمهات وهي حاصلة دعي غيرهم بالأمهات
~~أو بالآباء ولا ذنب لهم في ذلك حتى يترتب عليه الافتضاح انتهى. وما ذكر
~~من عدم شيوع الجمع المذكور بين، وأما الطعن في الحكمة فقد تعقب فإن
~~حاصلها أنه لو دعي جميع الناس بآبائهم ودعي عيسى عليه السلام بأمه لربما
~~أشعر بنقص فروعي تعظيمه عليه السلام ودعي الجميع بالأمهات وكذا روعي
~~تعظيم الحسنين رضي الله تعالى عنهما لما أن في ذلك بيان نسبهما من رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم ولو نسبا إلى أبيهما كرم الله تعالى وجهه لم
~~يفهم هذا وإن كان هو هو رضي الله تعالى عنه؛ وفي ذلك أيضا ستر على الخلق
~~حتى لا يفتضح أولاد الزنا فإنه لو دعي الناس بآبائهم ودعوا هم بأمهاتهم
~~علم أنهم لا نسبة لهم إلى آباء يدعون بهم وفيه تشهير لهم ولو دعوا بآباء
~~لم يعرفوا بهم في الدنيا وإن لم ينسبوا إليهم شرعا كان كذلك، وعلى هذا
~~يسقط ما في «الكشف».

# وعندي أن القائل بذلك لا يكاد يقول به من غير أن يتمسك بخبر لأنه خلاف
~~ما ينساق إلى الأذهان على اختلاف مراتبها ولا تكاد تسلم حكمته عن وهن:

# ولا يصلح العطار ما أفسد الدهر

# ولعل الخبر إن كان ليس بالصحيح ويعارضه ما ms05798 قدمناه غير بعيد من قوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم "

# والله تعالى أعلم. وما ذكر من تعلق الجار بما عنده هو الظاهر الذي ذهب
~~إليه الجمهور، وجوز أن يكون متعلقا بمحذوف وقع حالا أي مصحوبين
~~بإمامهم. ثم إن الداعي إما الله عز وجل وإما الملك وهو الذي تشعر به
~~الآثار فإسناد الفعل إليه تعالى مجاز.

# وقرأ مجاهد { يدعو } بالياء آخر الحروف أي يدعو الله تعالى أو الملك،
~~والحسن في رواية { يدعى } بالبناء / للمفعول ورفع { كل } على النيابة عن
~~الفاعل، وفي رواية أخرى { يدعوا } بضم الياء وفتح العين بعدها واو ورفع {
~~كل } وخرجت على وجهين فإن الظاهر يدعون بإثبات النون التي هي علامة الرفع
~~الأول: إن الواو ليست ضمير جمع ولا علامته وإنما هي حرف من نفس الكلمة
~~وكانت ألفا والأصل يدعى كما في القراءة الأخرى وقلبت الألف واوا على
~~لغة من يقول في أفعى وهي الحية أفعو، وهذه اللغة مخصوصة بالوقف على
~~المشهور فيكون قد أجرى هنا الوصل مجرى الوقف. ونقل عن سيبويه أن قلب
~~الألف في الآخر واوا لغة مطلقا، والثاني: أن الواو ضمير أو علامة كما
~~في «يتعاقبون فيكم ملائكة» والنون محذوفة كما في قوله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " لا تؤمنوا حتى تحابوا "

# و

# " كما تكونوا يولى عليكم "

# في قول، وكذا في قول الشاعر:

# أبيت أسري وتبيتي تدلكي

# وجهك بالعنبر والمسك الذكي

# وكأنها لكونها علامة إعراب عوملت معاملة حركته في إظهارها تارة وتقديرها
~~أخرى، ولا فرق في كونها علامة إعراب بين أن تكون الواو ضميرا وأن تكون
~~علامة جمع على الصحيح، والظاهر أن حذفها في مثل ما ذكر شاذ لا ضرورة وإلا
~~فلا يصح هذا التخريج في الآية، وفي توجيه رفع { كل } على هذه القراءة
~~الأقوال في توجيه الرفع في أمثاله وهي مشهورة في «كتب النحو».

# { فمن أوتى } يومئذ من أولئك المدعوين { كتبه } صحيفة
~~أعمالهم والله سبحانه أعلم بحقيقتها { بيمينه } إبانة لخطر الكتاب
~~المؤتى وتشريفا لصاحبه وتبشيرا له من أول ms05799 الأمر بما في مطاويه {
~~فأولئك } إشارة إلى من باعتبار معناه وكأنه أشير بذلك إلى أنهم
~~حزب مجتمعون على شأن جليل، وقيل فيه إشعار بأن قراءتهم لكتبهم على أوجه
~~الاجتماع لا على وجه الانفراد كما في حال الإيتاء، وأكثر الأخبار ظاهرة
~~في أن حال القراءة كحال الإيتاء، نعم جاء من حديث عائشة رضي الله تعالى
~~عنها أنه

# " يؤتى العبد كتابه بيمينه فيقرأ سيئاته ويقرأ الناس حسناته ثم يحول
~~الصحيفة فيحول الله تعالى حسناته فيقرؤها الناس فيقولون ما كان لهذا
~~العبد من سيئة "

# ويحتمل أن يكون كل من يؤتى كتابه بيمينه بعد أن يقرأه منفردا يأتي
~~أصحابه ويقول

# هاؤم اقرؤا كتبيه

# [الحاقة: 19] فيجتمعون عليه ويقرؤنه هو أيضا معهم تلذذا به لكن لم نجد
~~في ذلك أثرا ومع هذا لا يجدي نفعا فيما أراد القائل. وفي إلحاق اسم
~~الإشارة علامة البعد إشارة إلى رفعة درجات المشار إليهم أي أولئك
~~المختصون بتلك الكرامة التي يشعر بها إيتاء الكتاب باليمين { يقرءون
~~} ولو لم يكونوا قارئين في الدنيا { كتبهم } الذي أوتوه باليمين
~~ليذكروا أعمالهم ويقفوا على تفاصيلها فيحاسبوا عليها. وقيل يقرؤنه تبجحا
~~بما سطر فيه من الحسنات المستتبعة لفنون الكرامات. والإظهار في مقام
~~الإضمار لمزيد الاعتناء.

# { ولا يظلمون } أي لا ينقصون من أجور أعمالهم المرتسمة في كتبهم
~~بل يؤتونها مضاعفة { فتيلا } أي قدر فتيل وهو القشر الذي في شق النواة
~~سمي بذلك لأنه على هيئة الشيء المفتول، وقيل هو ما تفتله بين أصابعك من
~~خيط أو وسخ ويضرب به المثل في الشيء الحقير. ثم إن الذي يسرع إلى الذهن
~~أن فاعل الإيتاء الملائكة عليهم السلام يعطون السعيد بعد أن يدعى كتابه
~~بيمينه فيقرؤه فيحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا. لكن أخرج
~~العقيلي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " الكتب كلها تحت العرش فإذا كان يوم القيامة / يبعث الله تعالى ريحا
~~فتطيرها إلى الأيمان والشمائل وأول خط فيها { اقرأ كتبك كفى
~~بنفسك اليوم عليك حسيبا } [الإسراء: 14] "

# وهو ظاهر في أن فاعل الإيتاء ليس ms05800 الملك إلا أن الخبر يحتاج إلى تنقير
~~فإني لست من صحته على يقين. نعم جاء في حديث أخرجه الإمام أحمد

# " عن عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «قلت يا رسول الله
~~هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال: أما عند ثلاث فلا إلى أن قال
~~وعند تطاير الكتب "

# وهو مؤيد بظاهره الخبر السابق والله تعالى أعلم. وجاء في بعض الآثار أن
~~أول من يؤتى كتابه بيمينه من هذه الأمة أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد
~~وأول من يؤتى كتابه بشماله أخوه الأسود سود الله تعالى وجهه بعد أن يمد
~~يمينه ليأخذه بها فيخلعها ملك، وسبب ذلك مذكور في السير.

### || [17.72]

# { ومن كان } من المدعوين المذكورين { فى هذه } الدنيا التي
~~فعل بهم فيها من التكريم والتفضيل ما فعل { أعمى } لا يهتدي إلى طريق
~~نجاته من النظر إلى ما أولاه مولاه جل علاه والقيام بحقوقه وشكره سبحانه
~~بما ينبغي له عز شأنه من الايمان والعمل { فهو فى الأخرة } التي
~~عبر عنها ب

# يوم ندعوا

# [الإسراء: 71] { أعمى } لا يهتدي أيضا إلى ما ينجيه ولا يظفر بما
~~يجديه لأن العمى الأول موجب للثاني وهو في الموضعين مستعار من آفة البصر.
~~وجوز أن يكون { أعمى } الثاني أفعل تفضيل من عمى البصيرة وهو من
~~العيوب الباطنة التي يجوز أن يصاغ منها أفعل التفضيل كالأحمق والأبله،
~~وبني على ذلك إمالة أبي عمرو الأول وتفخيمه الثاني وبيان أن الألف في
~~الأول آخر الكلمة كما ترى وتحسن الإمالة في الأواخر وهي في الثاني على
~~تقدير كونه أفعل تفضيل كأنها في وسط الكلمة لأن أفعل المذكور غير معرف
~~باللام ولا مضاف لا يستعمل بدون من الجارة للمفضل عليه ملفوظة أو مقدرة
~~وهو معها في حكم الكلمة الواحدة ولا تحسن الإمالة فيها ولا تكثر كما في
~~المتطرفة. وقد صرح بذلك أبو علي في «الحجة» فلا يرد إمالة

# أدنى من ذلك

# [المجادلة: 7] و { الكافرين } وأن حمزة والكسائي وأبا بكر يميلون
~~(الأعمى) في الموضعين ولا حاجة إلى أن يقال: إنهم ms05801 لا يرونه أفعل تفضيل أو
~~أن الإمالة فيما يرونه كذلك للمشاكلة. وقال بعض المحققين: إنه لما أريد
~~افتراق معنيي الأعمى في الموضعين افترق اللفظان إمالة وتفخيما وفخم
~~الثاني لأن ما يدل على زيادة المعنى أولى بالتفخيم مع عدم حسن الإمالة
~~فيه حسنها في الأول، ولا يظن بأبي علي أنه يقول بامتناع الإمالة وإنما
~~يقول بأولوية التفخيم.

# وقال بعضهم: إن كان العمى فيما يكون للبصر وما يكون للبصيرة حقيقة فلا
~~إشكال، وإن كان حقيقة في الأول وتجوز به عن الثاني ففيه إشكال إلا أن
~~يقال: إنه ألحق بما وضع لذلك وقد منعه آخرون لأن العلة وهي الإلباس
~~بالوصف موجودة فيه فتدبر. وقوى هذا التأويل بعطف قوله تعالى: { وأضل
~~سبيلا } منه في الدنيا لزوال الاستعداد وعدم إمكان تدارك ما فات، وهذا
~~بعينه هو الذي أوتي كتابه بشماله بدلالة حال ما سبق من الفريق المقابل
~~له، ولعل العدول إلى هذا العنوان للإيذان بالعلة الموجبة كما في قوله
~~تعالى:

# وأما إن كان من المكذبين

# [الواقعة: 92] بعد قوله سبحانه:

# وأما إن كان من أصحب اليمين

# [الواقعة: 90] وللرمز إلى علة حال الفريق الأول وفي ذلك ما هو من قبيل
~~الاحتباك حيث ذكر في أحد الجانبين المسبب وفي الآخر السبب ودل بالمذكور
~~في كل منهما / على المتروك في الآخر تعويلا على شهادة العقل.

# وجعله ابن المنير مقابلا للقسم الأول على معنى

# فمن أوتى كتبه بيمينه

# [الإسراء: 71] فهو الذي يتبصره ويقرؤه ومن كان في الدنيا أعمى غير متبصر
~~في نفسه ولا ناظر في معاده فهو في الآخرة كذلك غير متبصر في كتابه بل
~~أعمى عنه أو أشد عمى مما كان في الدنيا على اختلاف التأويلين وهو خلاف
~~الظاهر. ويشعر أيضا بأن من كان في الدنيا أعمى عن السلوك في طريق نجاته
~~لا يقرأ في الآخرة كتابه وهو خلاف المصرح به في الآيات والأحاديث، نعم
~~فرق بين القراءتين ولعل الآية تشعر بالفرق وإن لم تقرر المقابلة بما ذكر.

# هذا وعن أبي مسلم تفسير { أعمى } الثاني بأعمى العين ولا تجوز ms05802 أي
~~من كان في الدنيا أعمى القلب فهو في الآخرة أعمى العين أي يحشر كذلك
~~عقوبة له على ضلالته في الدنيا وهو كقوله تعالى

# ونحشره يوم القيمة أعمى

# [طه: 124] الآية، وتأول

# فبصرك اليوم حديد

# [ق: 22] بالعلم والمعرفة، وعنه أيضا تجويز أن يكون العمى عبارة عما
~~يلحقه من الغم المفرط كأنه قيل من كان في الدنيا ضالا فهو في الآخرة
~~مغموم جدا فإن من لا يرى إلا ما يسوؤه والأعمى سواء، وهذا كما يقال:
~~فلان سخين العين وهو كما ترى. وقيل: إن (هذه) إشارة إلى النعم المذكورة
~~قبل على معنى من كان أعمى غير متبصر في هذه النعم وقد عاينها فهو في شأن
~~الآخرة التي لم يعاينها أعمى وأضل سبيلا، واستند في ذلك إلى ما أخرجه
~~الفريابي وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن
~~عباس فسأله رجل منهم أرأيت قوله تعالى: { ومن كان فى هذه
~~أعمى فهو في الأخرة أعمى } فقال ابن عباس: لم تصل
~~المسألة اقرأ ما قبلها

# ربكم الذى يزجى لكم الفلك فى البحر

# [الإسراء: 66] حتى بلغ

# وفضلنهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا

# [الإسراء: 70] ثم قال: من كان أعمى عن هذه النعم التي قد رأى وعاين فهو
~~في أمر الآخرة التي لم ير ولم يعاين أعمى وأضل سبيلا. وفي رواية أخرى
~~أخرجها عنه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في «العظمة» من طريق الضحاك أنه قال
~~في الآية: يقول تعالى من كان في الدنيا أعمى عما رأى من قدرتي من خلق
~~السماء والأرض والجبال والبحار والناس والدواب وأشباه هذا فهو عما وصفت
~~له في الآخرة أعمى وأضل سبيلا يقول سبحانه أبعد حجة. وروى أبو الشيخ عن
~~قتادة نحوه، ولا يخفى أن كلا التأويلين بعيد جدا وإن كان الثاني دون
~~الأول في البعد ولا أظن الحبر يقول ذلك والله تعالى أعلم.

# ومن باب الإشارة في الآيات:

# وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إيه

# [الإسراء: 23] قالت الوجودية من الصوفية: إنه تعالى سبق قضاؤه أن لا
~~يعبد سواه ms05803 فكل عابد إنما يعبد الله سبحانه من حيث يدري ومن حيث لا يدري
~~فإنه جل شأنه الأول والآخر والظاهر والباطن والأعيان الثابتة ما شمت
~~رائحة الوجود ولا تشمه أبدا.

# ومما ينسبونه إلى زين العابدين رضي الله تعالى عنه ويزعمون أنه مشير إلى
~~مدعاهم قوله:

# إني لأكتم من علمي جواهره

# كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

# وقد تقدم في هذا أبو حسن

# إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا

# فرب جوهر علم لو أبوح به

# لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا

# ولاستحل رجال مسلمون دمي

# يرون أقبح ما يأتونه حسنا

# / قالوا: إنه رضي الله تعالى عنه عنى بهذا الجوهر الذي لو باح به لقيل
~~له: أنت ممن يعبد الوثن علم الوحدة إذ منه يعلم أن الوثن وكذا غيره مظهر
~~له جل وعلا وليس في الدار غيره ديار، وقد مر عن قرب ما نقل عن الحلاج
~~ومثله كثير للشيخ الأكبر قدس سره ولغيره عربا وعجما وهو عفا الله تعالى
~~عنه قد فتح بابا في هذا المطلب لا يسد إلى أن يأتي أمر الله عز وجل
~~وكأنه أوصي إليه بأن يبوح وينثر هاتيك الجواهر بين الأصاغر والأكابر كما
~~أوصي إلى الحسنين بأن يكتما من ذلك ما علما وفي بعض كتبه قدس سره ما هو
~~صريح في أنه مأمور فإن صح ذلك فهو معذور، وأنا لا أرى عذرا لمن يقفو
~~أثره في المقال مع مباينته له في الحال فإن هذا المطلب أجل من أن يحصل
~~لغريق الشهوات وأسير المألوفات ورهين العادات ولله تعالى در من قال:

# تقول نساء الحي تطمع أن ترى

# محاسن ليلى مت بداء المطامع

# وكيف ترى ليلى بعين ترى بها

# سواها وما طهرتها بالمدامع

# وتطمع منها بالحديث وقد جرى

# حديث سواها في خروق المسامع

# ولا يخفى أنه على تأويل الصوفية هذه الآية لا يكون قوله تعالى:

# وبالولدين إحسنا

# [الإسراء: 23] داخلا فيما قضى إذ لا يسعهم أن يقولوا إن كل أحد محسن
~~بوالديه من حيث يدري ومن حيث لا، ويفهم من كلام بعض المتصوفة ms05804 أن هذا
~~إيصاء بالإحسان إلى الشيخ أيضا، وعليه فيحتمل أن يكون تثنية الوالدين
~~كما في قولهم: القلم أحد اللسانين

# وءات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل

# [الإسراء: 26] قيل: ذو القربى إشارة إلى الروح لأنها كانت قبل في القربة
~~والمشاهدة ثم هبطت حيث هبطت، والمسكين إشارة إلى العقل لأنه عاجز عن
~~تحصيل العلم بحقيقة ربه سبحانه، وابن السبيل إشارة إلى القلب لأنه يتقلب
~~في سبل السلوك إلى ملك الملوك، وحق الروح المشاهدة، والعقل الفكر، والقلب
~~الذكر، وقيل: الأول: إشارة إلى إخوان المعرفة الذين وصلوا معالي المقامات
~~وحقهم ذكر ما يزيد تمكينهم، والثاني: إشارة إلى العاشقين الذين سكنهم عشق
~~مولاهم عن طلب ما سواه وحقهم ذكر ما يزيد عشقهم، والثالث: إشارة إلى
~~السالكين سبل الطلب الممتطين نجائب الهمة وحقهم ذكر ما يزيد رغبتهم ويهون
~~مشقتهم

# ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها
~~كل البسط

# [الإسراء: 29] فيه إشارة للمشايخ كيف يكونون مع المريدين أي لا يبخل على
~~المريد بنشر فضائل المعرفة وحقائق القربة ولا تذكر شيئا لا يتحمله فيهلك
~~وكن بين بين

# وأوفوا بالعهد

# [الإسراء: 34] الذي أخذ منكم قبل خلق الأشباح وهو أن توحدوه تعالى ولا
~~تشركوا به شيئا. وقال يحيى بن معاذ: لربك عليك عهود ظاهرا وباطنا
~~فعهد على الأسرار أن لا تشاهد سواه جل جلاله، وعهد على الروح أن لا تفارق
~~مقام القربة، وعهد على القلب أن لا يفارق الخوف، وعهد على النفس أن لا
~~تترك شيئا من الفرائض، وعهد على الجوارح أن تلازم الأدب وتترك المخالفات
~~{ وأوفوا الكيل إذا كلتم } قيل فيه إشارة للمشايخ أيضا أن
~~لا ينقصوا المستعدين ما يقتضيه استعدادهم من الفيوضات القلبية، وفي قوله
~~تعالى:

# وزنوا بالقسطاس المستقيم

# [الإسراء: 35] إشارة لهم أن يعرضوا أعمال المريدين القلبية والقالبية
~~على الشريعة فهي القسطاس المستقيم وكفتاها الحظر والإباحة

# ولا تقف ما ليس لك به علم

# [الإسراء: 36] الآية فيه إشارة إلى بعض ما يلزم السالك من التثبت
~~والاحتياط والكف عن الدعاوى العاطلة

# تسبح له السموت السبع

# [الإسراء: 44] الآية وقد علمت ms05805 ما عند الصوفية في تسبيح الأشياء من أنه
~~قالي إلا أنه لا يسمعه إلا من فاز بقرب النوافل أو من أشرق عليه شيء من
~~أنواره / كالذين سمعوا تسبيح الحصى في مجلس سيد الكاملين صلى الله عليه
~~وسلم، والتسبيح الحالي مما لا ينكره أحد من المسلمين، وقرره بعض الصوفية
~~بأن لكل شيء خاصية ليست لغيره وكما لا يخصه دون ماعداه فهو يشتاقه ويطلبه
~~إذا لم يكن حاصلا له ويحفظه ويحبه إذا حصل فهو بإظهار خاصيته ينزه الله
~~تعالى من الشريك وإلا لم يكن متوحدا فيها فلسان حاله يقول أوحده على ما
~~وحدني وبطلب كماله ينزهه سبحانه عن صفات النقص كأنه يقول يا كامل كملني
~~وبإظهار كماله كأنه يقول كملني الكامل المكمل وعلى هذا القياس، وحينئذ
~~يقال: تسبحه السموات بالكمال والتأثير والربوبية وبأنه كل يوم هو في شأن
~~ونحو ذلك، والأرض بالخلاقية والرزاقية والرحمة إلى غير ذلك، والملائكة
~~بالعلم والقدرة والتجرد عن المادة على القول بأنهم أرواح مجردة وهكذا

# وإذا قرأت القرءان جعلنا بينك وبين الذين لا
~~يؤمنون بالأخرة حجابا مستورا

# [الإسراء: 45] من الجهل وعمى القلب فلا يرون حقيقتك القدسية ولا يدركون
~~منك إلا الصورة البشرية، وإنما خص ذلك بوقت قراءة القرآن مع أنهم في كل
~~وقت هم أجهل الخلق به صلى الله عليه وسلم لأن في ذلك الوقت يظهر إشراق
~~أنوار الصفات عليه عليه الصلاة والسلام فإذا كانوا محجوبين إذ ذاك كانوا
~~في غيره من الأوقات أحجب وأحجب { وجعلنا على قلوبهم
~~أكنة } من الغشاوات الطبيعية والهيئات البدنية { أن يفقهوه }
~~فإن القرآن كلامه تعالى وهو أحد صفاته وإذا لم يعرفوا نبيه صلى الله عليه
~~وسلم لم يعرفوه عز وجل وإذا لم يعرفوه سبحانه لم يعرفوا صفاته تعالى فلم
~~يعرفوا كلامه سبحانه { وفي آذانهم وقرا } لرسوخ أوساخ التعلقات
~~فيها يمنعهم عن سماع القراءة وهذا ناشىء من جهلهم بأفعاله تعالى

# وإذا ذكرت ربك فى القرءان وحده ولوا على
~~أدبرهم نفورا

# [الإسراء: 46] لتشتت أهوائهم وتفرق همهم في عبادة آلهتهم المتنوعة فلا
~~تناسب الوحدة بواطنهم { يوم ms05806 يدعوكم } للقيام من القبور {
~~فتستجيبون بحمده } حامدين له تعالى مجده بلسان القال أو
~~بلسان الحال حيث أظهر فيكم الحياة بعد الموت ونحو ذلك. { وتظنون إن
~~لبثتم } في القبور أو في الدنيا

# إلا قليلا

# [الإسراء: 52] لذهولكم عن ذلك الزمان أو لاستقصاركم الدنيا بالنسبة إلى
~~الآخرة

# ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ
~~يعذبكم

# [الإسراء: 54] فيه إشارة إلى أن المشيئة تابعة للعلم فمن علم سبحانه
~~أهليته للرحمة شاء تعالى رحمته فرحمه ومن علم جل وعلا أهليته للعذاب شاء
~~عذابه فعذبه، ولا يخفى ما في تقديم شق مشيئة الرحمة من تقوية الأمل {
~~أولئك الذين يدعون } أي يدعونهم الكفار ويعبدونهم {
~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب } أي يطلب
~~الأقرب منهم الوسيلة إلى الله تعالى فكيف بغير الأقرب والوسيلة في الأصل
~~الواسطة التي يتوسل ويتقرب بها إلى الشيء وهي هنا الطاعة كما تقدم.

# وقيل هي كرمه تعالى القديم وإحسانه عز وجل العميم. وقيل هي الشفاعة يوم
~~القيامة، ولما كان مقام الوسيلة بهذا المعنى خاصا بنبينا صلى الله عليه
~~وسلم أطلقوا الوسيلة عليه عليه الصلاة والسلام، وفسرها بذلك هنا بعض
~~الصوفية فكل من عبد من دون الله تعالى من عيسى وعزير والملائكة عليهم
~~السلام وسيلتهم إلى الله تعالى نبينا صلى الله عليه وسلم بل هو عليه
~~الصلاة والسلام وسيلة سائر الموجودات والواسطة بينهم وبين الله تعالى في
~~إفاضته سبحانه الوجود وكذا سائر ما أفيض عليهم وأحظى الخلق بوساطته
~~الأنبياء عليهم السلام فإنهم أشعة أنواره وعكوسات آثاره وهو النور الحق
~~والنبي المطلق وكان نبيا وآدم بين الماء والطين وقد تلقى الأنبياء منه
~~من وراء حجاب الأرحام والأصلاب وظهروا إذ كان محتجبا ظهور الكواكب في
~~الليل فلما بزغت شمس النبوة / المطلقة من أفق الظهور غابوا ونسخت أحكامهم
~~على نحو غيبوبة الكواكب وانمحاق أنوارها وأضوائها عند طلوع الشمس من تحت
~~الحجاب منخلعة عن الجلباب

# ويرجون رحمته ويخفون عذابه

# [الإسراء: 57] لعلمهم بجماله وجلاله والرجاء والخوف جناحا من يطير إلى
~~حضرة القدس وروضة الأنس ومن عطل أحدهما تعطل عن ms05807 الطيران

# واستفزز من استطعت منهم بصوتك

# [الإسراء: 64] إلى قوله سبحانه

# وكفى بربك وكيلا

# [الإسراء: 65] فيه إشارة إلى اختلاف مراتب تمكن الشيطان من إغواء بني
~~آدم فمن كان منهم ضعيف الاستعداد استفزه واستخفه بصوته فأغواه بوسوسة
~~وهمس بل هاجسة ولمة، ومن كان قوي الاستعداد فإن كان خالصا عن شوائب
~~الغيرية أو عن شوائب الصفات النفسانية لم يتمكن من إغوائه وهذا هو المراد
~~بقوله تعالى:

# إن عبادى ليس لك عليهم سلطن

# [الإسراء: 65] وإن لم يكن خالصا فإن كان منغمسا في الشواغل الحسية
~~منهمكا في الأمور الدنيوية شاركه في أمواله وأولاده وحرضه على إشراكهم
~~بالله تعالى في المحبة وسول له التمتع والتكاثر والتفاخر بهم ومناه
~~الأماني الكاذبة وزين له الآمال الفارغة، وإن لم ينغمس فإن كان عالما
~~بتسويلاته أجلب عليه بخيله ورجله أي مكر بأنواع الحيل وكاده بصنوف الفتن
~~وأفتاه بأن تحصيل أنواع الحطام والملاذ من جملة مصالح المعاش وغره بعلمه
~~وحمله على الإعجاب به وأمثال ذلك حتى أضله على علم، وإن لم يكن عالما بل
~~كان عابدا متنسكا أغواه بالوعد وغره برؤية الطاعة وتزكية النفس

# ولقد كرمنا بنى ءادم

# [الإسراء: 70] الآية قيل كرمهم تعالى بأن خلق أباهم آدم على صورة الرحمن
~~وجعل لهم ذلك بحكم الوراثة وأن الولد سر أبيه وفضلهم على الكثير بأن جعل
~~لهم من النعم ما يستغرق العد وجوز أن يقال: تكريمهم بأن بسط موائد
~~الإنعام لهم وجعل من عداهم طفيليا، وتفضيلهم بما ذكر في التكريم أولا
~~وفيه احتمالات أخر { يوم ندعوا كل أناس بإممهم } أي
~~نناديهم بنسبتهم إلى من كانوا يقتدون به في الدنيا لأنه المستعلي محبتهم
~~إياه على سائر محباتهم { فمن أوتى كتبه بيمينه } أي من
~~جهة العقل الذي هو أقوى جانبيه { فأولئك يقرءون كتبهم
~~} ويأخذون أجور أعمالهم المكتوبة فيه

# ولا يظلمون فتيلا

# [الإسراء: 71] أدنى شيء حقير من ذلك { ومن كان فى هذه
~~أعمى } عن الاهتداء إلى الحق { فهو في الآخرة أعمى }
~~أيضا { وأضل سبيلا } [الإسراء: 72] لبطلان الكسب هناك وهذا الذي
~~يؤتى كتابه بشماله أي من جهة ms05808 النفس التي هي أضعف جانبيه إلا أنه عبر عنه
~~بما ذكر لما قدمنا، والله تعالى هو الهادي إلى سواء السبيل.

# ثم إنه عز وجل لما عدد نعمه على بني آدم ثم ذكر حالهم في الآخرة
~~وانقسامهم إلى قسمين سعداء وأشقياء أتبع ذلك بذكر بعض مساوي بعض الأشقياء
~~في الدنيا من المكر والخداع والتلبيس على سيد أهل السعادة المقطوع له
~~بالعصمة صلى الله عليه وسلم وفي ذلك إشارة إلى أنهم داخلون فيمن عمي عن
~~الاهتداء في الدنيا دخولا أوليا فقال سبحانه وتعالى: { وإن كادوا
~~ليفتنونك }.

### || [17.73]

# { وإن كادوا ليفتنونك } قيل نزلت في ثقيف قالوا للنبي صلى
~~الله عليه وسلم: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب
~~لا نعشر ولا نحشر ولا نجبي في الصلاة وكل ربا لنا فهو لنا وكل ربا
~~علينا فهو موضوع عنا وأن تمتعنا باللات سنة وأن تحرم وادينا وجا كما
~~حرمت مكة فإن قالت العرب: لم فعلت ذلك؟ فقل: إن الله تعالى أمرني، وروى
~~ذلك الثعلبي عن ابن عباس ولم يذكر له سندا. وقال العراقي فيه: إنا لم
~~نجده في كتب الحديث؛ ونقله الزمخشري بزيادة، ونقل غيره أنهم طلبوا ثلاث
~~خصال عدم التجبية في الصلاة وكسر أصنامهم بأيديهم وتمتيعهم باللات سنة من
~~غير أن يعبدوها بل ليأخذوا ما يهدى لها فقال صلى الله عليه وسلم:

# " لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود وأما كسر أصنامكم بأيديكم فذلك
~~لكم / وأما الطاغية اللات فإني غير ممتعكم بها "

# وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى
~~عنه: ما بالكم آذيتم رسول الله عليه الصلاة والسلام انه لا يدع الأصنام
~~في أرض العرب فما زالوا به حتى أنزل الله تعالى الآية. وأخرج ابن أبي
~~إسحق وابن مردويه وغيرهما عنه رضي الله تعالى عنه أن أمية بن خلف وأبا
~~جهل ورجالا من قريش أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: تعال
~~فتسمح بآلهتنا وندخل معك في دينك وكان رسول ms05809 الله صلى الله عليه وسلم يشتد
~~عليه فراق قومه ويحب إسلامهم فرق لهم فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى
~~قوله سبحانه:

# نصيرا

# [الإسراء: 75]. وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن باذان عن جابر بن
~~عبد الله مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن جبير بن نفير أن قريشا أتوا
~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: إن كنت أرسلت إلينا فاطرد الذين
~~اتبعوك من سقاط الناس ومواليهم لنكون نحن أصحابك فنزلت، وقيل: إنهم قالوا
~~له عليه الصلاة والسلام: اجعل لنا آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة
~~حتى نؤمن بك فنزلت. وفي ذلك روايات أخر مختلفة أيضا وفي بعضها ما لا يصح
~~نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يكاد يؤول وذلك يدل على الوضع،
~~والتفسير لا يتوقف على شيء من ذلك. وأيا ما كان فضمير الجمع للكفار وهم
~~إما ثقيف أو قريش. و { إن } مخففة من المثقلة واسمها ضمير شأن مقدر
~~واللام هي الفارقة بين المخففة وغيرها أي إن الشأن قاربوا في ظنهم أن
~~يوقعوك في الفتنة صار فيك:

# { عن الذى أوحينا إليك } من الأوامر والنواهي والوعد
~~والوعيد { لتفترى علينا غيره } لتتقول علينا غير الذي
~~أوحيناه إليك مما اقترح عليك ثقيف من تحريم وج مثلا أو قريش من جعل آية
~~الرحمة آية عذاب وبالعكس، وقيل: المعنى لتحل محل المفتري علينا لأنك إن
~~اتبعت أهواءهم أوهمت أنك تفعل ذلك عن وحينا لأنك رسولنا فكنت كالمفتري.

# { وإذا لاتخذوك خليلا } أي لو فعلت ليتخذنك صديقا لهم، وكان
~~المراد ليكونن بينك وبينهم مخالة وصداقة وهم أعداء الله تعالى فمخالتهم
~~تقتضي الانقطاع عن ولايته عز وجل كما قيل:

# إذا صافى صديقك من تعادى

# فقد عاداك وانقطع الكلام

# وقيل: الخليل هذا من الخلة بمعنى الحاجة أي لاتخذوك فقيرا محتاجا
~~إليهم وهو كما ترى.

### || [17.74]

# { ولولا أن ثبتنك } أي لولا تثبيتنا إياك على ما أنت عليه
~~من الحق بعصمتنا لك { لقد كدت تركن إليهم شيئا
~~قليلا } من الركون الذي هو أدنى ميل، وأصله الميل إلى ms05810 ركن، ذكروا أنه
~~إذا أطلق يقع على أدنى الميل. ونصب { شيئا } على المصدرية أي لولا ذلك
~~لقاربت أن تميل إليهم شيئا يسيرا من الميل اليسير لقوة خدعهم وشدة
~~احتيالهم لكن أدركتك العصمة فمنعتك من أن تقرب أدنى الأدنى من الميل
~~إليهم فضلا عن نفس الميل إليهم، وهذا صريح في أنه صلى الله عليه وسلم لم
~~يهم بإجابتهم ولم يكد، وبه يرد على من زعم أنه عليه الصلاة والسلام هم
~~فمنعه نزول الآية وكأنه غره ظواهر بعض الروايات في بيان سبب النزول كرق
~~في رواية ابن إسحق ومن معه عن الحبر ولا يخفى أن في قوله سبحانه {
~~إليهم } دون إلى إجابتهم ما يقوى الدلالة على أنه عليه الصلاة
~~والسلام بمعزل عن / الإجابة في أقصى الغايات. وهذا الذي ذكر في معنى
~~الآية هو الظاهر المتبادر للأفهام؛ وذهب ابن الأنباري إلى أن المعنى لقد
~~كادوا أن يخبروا عنك أنك ركنت إليهم ونسب فعلهم إليه عليه الصلاة والسلام
~~مجازا واتساعا كما تقول للرجل كدت تقتل نفسك أي كاد الناس يقتلونك بسبب
~~ما فعلت وهو من الإلغاز المستغنى عنه. واستدل بالآية على أن العصمة
~~بتوفيق الله تعالى وعنايته. وقرأ قتادة وابن أبي إسحاق وابن مصرف { تركن
~~} بضم الكاف مضارع ركن بفتحها وهو على قراءة الجمهور مضارع ركن بكسر
~~الكاف، وقيل: بفتحها أيضا وجعل ذلك من تداخل اللغتين.

### || [17.75]

# { إذا } أي لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركنة { إذا لأذقنك
~~ضعف } أي مضاعف الحياة وهو صفة محذوف والإضافة على معنى في أو
~~للملابسة أي عذابا مضاعفا في الحياة، والمراد بها الحياة الدنيا لأنه
~~المتبادر عند إطلاق لفظها وكذا يقال في قوله تعالى: { وضعف
~~الممات } أي وعذابا ضعفا في الممات، والمراد به ما يشمل العذاب في
~~القبر وبعد البعث، واستسهل بعض المحققين أن يكون التقدير من أول الأمر
~~لأذقناك ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات وتكون الإضافة لامية والقرينة
~~على تقدير العذاب { لأذقنك } والمعنى لو قاربت ما ذكرنا لنضاعفن
~~لك العذاب المعجل للعصاة في الحياة الدنيا والعذاب ms05811 المؤجل لهم بعد الموت.
~~وقيل المراد بالحياة حياة الآخرة وبعذاب الممات ما يكون في القبر وأمر
~~الإضافة والتقدير على حاله، والمعنى لو قاربت لنضاعفن لك عذاب القبر
~~وعذاب يوم القيامة المدخرين للعصاة. وفي هذه الشرطية إجلال عظيم بمكان
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنبيه على أن الأقرب أشد خطرا وذلك أنه
~~أوعد بضعف العذاب على مقاربة أدنى ركون وقد وضع عنا الركون ما لم يصدقه
~~العمل، ونظير ذلك من وجه ما جاء في نسائه عليه الصلاة والسلام من قوله
~~تعالى:

# ينساء النبى من يأت منكن بفحشة مبينة
~~يضاعف لها العذاب ضعفين

# [الأحزاب: 30] وذكر في وجه مضاعفة جزاء خطأ الخطير أنه يكون سببا
~~لارتكاب غيره مثله والاحتجاج به فكأنه سن ذلك وقد جاء

# " من سن سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة "

# وعلى هذا يضاعف عذاب الخطير في خطئه أضعافا مضاعفة، ولا يلزم من إثبات
~~الضعف الواحد نفي الضعف المتعدد. وقيل الضعف من أسماء العذاب وأنشدوا على
~~ذلك قوله:

# لمقتل مالك إذ بان مني

# أبيت الليل في ضعف أليم

# وذكر بعضهم أن الضعف ليس من أسماء العذاب وضعا لكنه يعبر به عنه لكثرة
~~وصف العذاب به كما في قوله تعالى:

# عذابا ضعفا

# [ص: 61] وزعم أن ذلك مراد القائل والله تعالى أعلم. واللام في {
~~لأذقنك } و

# لاتخذوك

# [الإسراء: 73] لام القسم على ما نص عليه الحوفي. والماضي في الموضعين
~~واقع موقع المضارع الدال عليه اللام. والنون على ما نص عليه أبو حيان
~~وأشرنا إليه فيما سبق.

# { ثم لا تجد لك علينا نصيرا } يدفع العذاب أو يرفعه
~~عنك. روي عن قتادة أنه لما نزل قوله تعالى:

# وإن كادوا

# [الإسراء: 73] إلى هنا قال صلى الله عليه وسلم:

# " اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين "

# وينبغي للمؤمن إذا تلا هذه الآية أن يجثو عندها ويتدبرها وأن يستشعر
~~الخشية وازدياد التصلب في دين الله تعالى ويقول كما قال النبي صلى الله
~~عليه وسلم.

### || [17.76]

# { وإن كادوا } أي أهل مكة كما روي عن ابن ms05812 عباس وقتادة وغيرهما {
~~ليستفزونك } ليزعجونك ويستخفونك بعداوتهم ومكرهم { من
~~الأرض } أي الأرض التي أنت فيها وهي أرض مكة { ليخرجوك } / أي
~~ليتسببوا إلى خروجك { منها } وكان هذا الاستفزاز بما فعلوا من حصره
~~صلى الله عليه وسلم في الشعب والتضييق عليه عليه الصلاة والسلام ووقع ذلك
~~بعد نزول الآية كما في «البحر» وصار سببا لخروجه صلى الله عليه وسلم
~~مهاجرا. { وإذا لا يلبثون } أي إن استفزوك فخرجت لا يبقون {
~~خلفك } أي بعدك - وبه قرأ عطاء بن رباح واستحسن أنها تفسير لا
~~قراءة لمخالفتها سواد المصحف - وأنشدوا:

# عفت الديار خلافهم فكأنما

# بسط الشواطب بينهن حصيرا

# وقرأ أهل الحجاز وأبو بكر وأبو عمرو { خلفك } بغير ألف والمعنى واحد
~~واللفظان في الأصل من الظروف المكانية فتجوز فيهما واستعملا للزمان وقد
~~اطرد إضافتهما كقبل وبعد إلى أسماء الأعيان على حذف مضاف يدل عليه ما
~~قبله أي لا يلبثون خلف استفزازك وخروجك.

# { إلا قليلا } أي إلا زمانا قليلا، وجوز أن يكون التقدير إلا
~~لبثا قليلا والمعنيان متقاربان، واختير التقدير الأول لأن التوسع أعني
~~إقامة الوصف مقام الموصوف بالظروف أشبه. وهذا وعيد لهم بإهلاك مجموعهم من
~~حيث هو مجموع بعد خروجه صلى الله عليه وسلم بقليل وتحقق بإفناء البعض في
~~بدر لا سيما وقد كانوا صناديدهم والرؤوس، وأنت تعرف أن معظم الشيء يقام
~~مقام كله. وكان الزمان القليل على ما روى ابن أبي حاتم عن السدي ثمانية
~~عشر شهرا. ويجوز أن يفسر الإخراج بالإكراه على الخروج والوعيد بإهلاك كل
~~واحد منهم أي لو أخرجوك لاستؤصلوا على بكرة أبيهم لكن لم يقع المقدم لأن
~~الإكراه على الخروج مباشرة وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا
~~بأمر ربه عز وجل فلم يقع التالي وهذا هو التفسير المروي عن مجاهد قال:
~~أرادت قريش ذلك ولم تفعل لأنه سبحانه أراد استبقاءها وعدم استئصالها
~~ليسلم منها ومن أعقابها من يسلم فأذن لرسوله عليه الصلاة والسلام بالهجرة
~~فخرج بإذنه لا بإخراج قريش وقهرهم، والإخراج في قوله تعالى:

# وكأين من قرية هى أشد ms05813 قوة من قريتك التى
~~أخرجتك

# [محمد: 13] محمول على المعنى الأول، وكذا في قول ورقة: يا ليتني كنت
~~جذعا إذ يخرجك قومك وقوله عليه الصلاة والسلام

# " أو مخرجي هم "

# فلم تتضمن الآية وكذا الخبر إثبات إخراج قلنا بنفيه هنا، والقول بأنه
~~يلزم على هذا التناقض بين هذه الآية والآية السابقة بناء على تفسير
~~الإخراج فيها بالتسبب إلى الخروج لأن كاد تدل على مقاربته لا حصوله وهذه
~~الآية دلت على حصوله مجاب عنه بأن قصارى ما دلت عليه الآية السابقة على
~~التفسير الأول قرب حصول الاستفزاز منهم ليتسببوا به إلى خروجه صلى الله
~~عليه وسلم وأنه لم يكن حاصلا وقت نزول الآية لا أنه لا يكون حاصلا
~~أبدا ليناقض حصوله بعد.

# وحكى الزجاج أن استفزازهم ما أجمعوا عليه في دار الندوة من قتله صلى
~~الله عليه وسلم. والمراد من الأرض وجه البسيطة مطلقا، وقال أبو حيان:
~~المراد بها على هذا الدنيا. وقيل ضمير { كادوا } وما بعده لليهود، فقد
~~أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في «الدلائل» وابن عساكر عن عبد الرحمن بن
~~غنم قال: إن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا إن كنت نبيا
~~فالحق بالشام فإنها أرض المحشر وأرض الأنبياء فصدق رسول الله عليه الصلاة
~~والسلام ما قالوا فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام فلما بلغ تبوك أنزل
~~الله تعالى: { وإن كادوا ليستفزونك } إلى

# تحويلا

# [الإسراء: 77] وأمره بالرجوع إلى المدينة وقال فيها محياك وفيها مماتك
~~ومنها تبعث، وفي رواية أنهم قالوا: يا أبا القاسم إن الشام أرض مقدسة وهي
~~أرض الأنبياء فلو خرجت إليها لآمنا بك وقد علمنا أنك تخاف الروم فإن كنت
~~نبيا فاخرج إليها فإن الله تعالى سيحميك كما حمى غيرك من / الأنبياء
~~فخرج عليه الصلاة والسلام بسبب قولهم وعسكر بذي الحليفة وأقام ينتظر
~~أصحابه فنزلت هذه الآية فرجع صلى الله عليه وسلم ثم إنه عليه الصلاة
~~والسلام قتل منهم بني قريظة وأجلى بني النضير بقليل. وتعقب بأنه ضعيف لم
~~يقع في سيرة ولا كتاب يعتمد عليه، ms05814 وذو الحليفة ليس في طريق الشام من
~~المدينة. وكيفما كان يكون المراد من الأرض عليه المدينة، وقيل أرض العرب،
~~وكأن من ذهب إلى أن هذه الآية مدنية يستند إلى ما ذكر من الروايات، وقد
~~صرح الخفاجي بأن هذا المذهب غير مرضي والله تعالى أعلم.

# وقرأ عطاء { لا يلبثون } بضم الياء وفتح اللام والباء مشددة وقرأ يعقوب
~~كذلك إلا أنه كسر الباء وقرأ أبي { وإذا لا يلبثوا } بحذف النون وكذا
~~في مصحف عبد الله، وتوجيه الإثبات والحذف أن النحويين عدوا من جملة شروط
~~عمل إذن كونها في أول الجملة فعلى قراءة الحذف تكون الجملة معطوفة على
~~جملة { ليستفزونك } وهي خبر كاد فيكون الشرط منخرما لتوسطها
~~حينئذ في الكلام لكون ما بعدها خبر كاد كالمعطوف هو عليه، وعلى قراءة
~~الإثبات تكون الجملة معطوفة على جملة { وإن كادوا } فيتحقق الشرط
~~والعطف لا يضر في ذلك، ووجه أبو حيان الإهمال بأن { لا يلبثون }
~~جواب قسم محذوف أي والله إن استفزوك فخرجت لا يلبثون وقد توسطت إذا بين
~~القسم المقدر والفعل فأهملت ثم قال ويحتمل أن يكون { لا يلبثون }
~~خبرا لمبتدأ محذوف يدل عليه المعنى تقديره وهم إذا لا يلبثون فتكون
~~إذا واقعة بين المبتدأ وخبره ولذلك ألغيت وكلا التوجيهين ليس بوجيه كما
~~لا يخفى.

### || [17.77]

# { سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا } نصب على
~~المصدرية أي سننا سنة من الخ وهي أن لا ندع أمة تستفز رسولها لتخرجه من
~~بين ظهرانيها تلبث بعده إلا قليلا فالسنة لله عز وجل وأضيفت للرسل عليهم
~~السلام لأنها سنت لأجلهم، ويدل على ذلك قوله سبحانه: { ولا تجد
~~لسنتنا تحويلا } حيث أضاف السنة إليه تعالى. وقال الفراء:
~~انتصب { سنة } على إسقاط الخافض أي كسنة فلا يوقف على قوله تعالى

# قليلا

# [الإسراء: 76] فالمراد تشبيه حاله صلى الله عليه وسلم بحال من قبله لا
~~تشبيه الفرد بفرد من ذلك النوع؛ وجوز أبو البقاء أن يكون مفعولا به لفعل
~~محذوف أي اتبع سنة الخ كما قال سبحانه:

# فبهداهم اقتده

# [الأنعام: 90] والأنسب بما ms05815 قبل ما قبل، وكأنه اعتبر الأوامر بعد وهو
~~خلاف ما عليه عامة المفسرين. والتحويل التغيير أي لا تجد لما أجرينا به
~~العادة تغييرا أي لا يغيره أحد. والمراد من نفي الوجدان هنا وفيما أشبهه
~~نفي الوجود ودليل نفي وجود من يغير عادة الله تعالى أظهر من الشمس في
~~رابعة النهار، وللإمام كلام في هذا المقام لا يخلو عن بحث.

# ثم إنه تعالى بعد أن ذكر كيد الكفار وسلى نبيه عليه الصلاة والسلام بما
~~سلى أمره أن يقبل على شأنه من عبادة ربه تعالى شأنه ووعده بما يغبطه عليه
~~كل الخلق ويتضمن ذلك إرشاده إلى أن لا يشغل قلبه بهم أو أنه سبحانه بعد
~~أن قدم القول في الإلهيات والمعاد والنبوات أمر بأشرف العبادات بعد
~~الإيمان وهي الصلاة فقال جل وعلا: { أقم الصلوة... }

### || [17.78]

# { أقم الصلوة } أي المفروضة { لدلوك الشمس } أي لزوالها
~~عن دائرة نصف النهار وهو المروي عن عمر بن الخطاب وابنه وابن عباس في
~~رواية وأنس وأبي برزة الأسلمي والحسن والشعبي وعطاء ومجاهد، ورواه
~~الإمامية عن أبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما وخلق آخرين،
~~وأخرج ابن جرير وإسحاق بن راهويه في «مسنده» وابن مردويه في «تفسيره»
~~والبيهقي في «المعرفة» عن أبي مسعود عقبة بن عامر قال: قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم

# " أتاني جبريل عليه السلام لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر "

# وقيل لغروبها وهو المروي عندنا عن علي / كرم الله تعالى وجهه، وأخرجه
~~ابن مردويه والطبراني والحاكم وصححه وغيرهم عن ابن مسعود وابن المنذر
~~وغيره عن ابن مسعود، وروي عن زيد بن أسلم والنخعي والضحاك والسدي، وإليه
~~ذهب الفراء وابن قتيبة، وأنشد لذي الرمة:

# مصابيح ليست باللواتي يقودها

# نجوم ولا بالآفلات الدوالك

# وأصل مادة د ل ك تدل على الانتقال ففي الزوال انتقال من دائرة نصف
~~النهار إلى ما يليها وفي الغروب انتقال من دائرة الأفق إلى ما تحتها وكذا
~~في الدلك المعروف انتقال اليد من محل إلى آخر بل كل ما أوله ms05816 دال ولام مع
~~قطع النظر عن آخره يدل على ذلك كدلج بالجيم من الدلجة وهي سير الليل وكذا
~~دلج بالدلو إذا مشى بها من رأس البئر للمصب ودلح بالحاء المهملة إذا مشى
~~مشيا متثاقلا ودلع بالعين المهملة إذا أخرج لسانه ودلف بالفاء إذا مشى
~~مشية المقيد وبالقاف إذا أخرج المائع من مقره ووله إذا ذهب عقله وفيه
~~انتقال معنوي إلى غير ذلك، وهذا المعنى يشمل كلا المعنيين السابقين وإن
~~قيل إن الانتقال في الغروب أتم لأنه انتقال من مكان إلى مكان ومن ظهور
~~إلى خفاء وليس في الزوال إلا الأول. وقيل إن الدلوك مصدر مزيد مأخوذ من
~~المصدر المجرد أعني الدلك المعروف وهو أظهر في الزوال لأن من نظر إلى
~~الشمس حينئذ يدلك عينه ويكون على هذا في دلوك الشمس تجوز عن دلوك
~~ناظرها، وقد يستأنس في ترجيح القول الأول مع ما سبق بأن أول صلاة صلاها
~~النبي صلى الله عليه وسلم نهار ليلة الإسراء الظهر، وقد صح أن جبريل
~~عليه السلام ابتدأ بها حين علم النبي عليه الصلاة والسلام كيفية الصلاة
~~في يومين. وقال المبرد: دلوك الشمس من لدن زوالها إلى غروبها فالأمر
~~بإقامة الصلاة لدلوكها أمر بصلاتين الظهر والعصر، وعلى القولين الآخرين
~~أمر بصلاة واحدة الظهر أو العصر. واللام للتأقيت متعلقة بأقم وهي بمعنى
~~بعد كما في قول متمم بن نويرة يرثي أخاه:

# فلما تفرقنا كأني ومالكا

# لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

# ومنه كتبته لثلاث خلون من شهر كذا وتكون بمعنى عند أيضا. وقال الواحدي:
~~هي للتعليل لأن دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة.

# { إلى غسق الليل } أي إلى شدة ظلمته كما قال الراغب وغيره
~~وهو وقت العشاء. وأخرج ابن الأنباري في «الوقف» عن ابن عباس أن نافع بن
~~الأزرق قال له: أخبرني ما الغسق؟ فقال: دخول الليل بظلمته وأنشد قول زهير
~~بن أبي سلمى:

# ظلت تجود يداها وهي لاهية

# حتى إذا جنح الإظلام والغسق

# وقال النضر بن شميل: غسق الليل دخول أوله، قال الشاعر:

# إن هذا الليل ms05817 قد غسقا

# واشتكيت الهم والأرقا

# وهو عنده وقت المغرب، وروي ذلك عن مجاهد. وأصله من السيلان يقال غسقت
~~العين تغسق إذا هملت بالماء كأن الظلمة تنصب على العالم، وقيل: المراد من
~~غسق الليل ما يعم وقتي المغرب والعشاء وهو ممتد إلى الفجر كما أن المراد
~~بدلوك الشمس ما يعم وقتي الظهر والعصر ففي الآية - بدخول الغاية تحت
~~المغيا وبضم ما بعد - إشارة إلى أوقات الصلوات الخمس، واختاره جماعة من
~~الشيعة واستدلوا بها على أن وقت الظهر موسع إلى غروب الشمس ووقت المغرب
~~موسع إلى انتصاف الليل وهي أحد أدلة الجمع في الحضر بلا عذر الذي ذهبوا
~~إليه وأيدوا ذلك بما رواه العياشي بإسناده عن عبيدة وزرارة عن أبي عبد
~~الله أنه قال في هذه الآية: إن الله / تعالى افترض أربع صلوات أول وقتها
~~من زوال الشمس إلى انتصاف الليل منها صلاتان أول وقتهما من عند زوال
~~الشمس إلى غروبها إلا أن هذه قبل هذه ومنها صلاتان أول وقتهما غروب الشمس
~~إلى انتصاف الليل ألا أن هذه قبل هذه وهو مرتضى المرتضى في أوقات
~~الصلاة. والمعتمد عليه عند جمهور المفسرين أن دلوك الشمس وقت الظهر وغسق
~~الليل وقت العشاء كما ينبىء عنه إقحام الغسق وعدم الاكتفاء بإلى الليل.
~~والجار والمجرور متعلق بأقم، وأجاز أبو البقاء تعلقه بمحذوف وقع حالا من
~~(الصلاة) أي ممدودة إلى الليل والأول أولى. وليس المراد بإقامة الصلاة
~~فيما بين هذين الوقتين على وجه الاستمرار بل إقامة كل صلاة في وقتها الذي
~~عين لها ببيان جبريل عليه السلام الثابت في الروايات الصحيحة التي لم
~~يروها  من شهد  أحد من الأئمة الطاهرين بزندقتهم ونجاسة بواطنهم كما أن
~~أعداد ركعات كل صلاة موكولة إلى بيانه عليه الصلاة والسلام. ولعل
~~الاكتفاء ببيان المبدأ والمنتهى في أوقات الصلاة من غير فصل بينها لما أن
~~الإنسان فيما بين هذه الأوقات على اليقظة فبعضها متصل ببعض بخلاف وقت
~~العشاء والفجر فإنه باشتغاله فيما بينهما بالنوم عادة ينقطع أحدهما عن
~~الآخر ولذلك فصل وقت الفجر ms05818 عن سائر الأوقات.

# ثم إن المستدل من الشيعة بالآية لا يتم له الاستدلال بها على جواز الجمع
~~بين صلاتي الظهر والعصر، وبين صلاتي المغرب والعشاء ما لم يضم إلى ذلك
~~شيئا من الأخبار فإنها إذا لم يضم إليها ذلك أولى بأن يستدل بها على
~~جواز الجمع بين الأربعة جميعها لا بين الاثنتين والاثنتين ولا يخفى ما في
~~الاستدلال بها على هذا المطلب ولذا لم يرتضه أبو جعفر منهم.

# نعم ما ذهبوا إليه مما يؤيده ظواهر بعض الأحاديث الصحيحة كحديث ابن عباس
~~وهو في «صحيح مسلم» «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر
~~جمعا بالمدينة»، وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم صلى ثمانيا جميعا
~~وسبعا جميعا من غير خوف ولا سفر. واختلف في تأويله فمنهم من أوله بأنه
~~جمع بعذر المطر والجمع بسبب ذلك تقديما وتأخيرا مذهب الشافعي في القديم
~~وتقديما فقط في الجديد بالشرط المذكور في كتبهم، وخص مالك جواز الجمع
~~بالمطر في المغرب والعشاء، وهذا التأويل مشهور عن جماعة من الكبار
~~المتقدمين وهو ضعيف لما في «صحيح مسلم» عنه أيضا «جمع رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف
~~ولا مطر»، وكون المراد ولا مطر كثير لا يرتضيه ذو إنصاف قليل والشذوذ غير
~~مسلم. ومنهم من أوله بأنه كان في غيم فصلى صلى الله عليه وسلم الظهر ثم
~~انكشف الغيم وبان أن أول وقت العصر دخل فصلاها، وفيه أنه وإن كان فيه
~~أدنى احتمال في الظهر والعصر إلا أنه لا احتمال في المغرب والعشاء. ومنهم
~~من أوله بأنه عليه الصلاة والسلام أخر الأولى إلى آخر وقتها فصلاها فيه
~~فلما فرغ منها دخل وقت الثانية فصلاها فصارت الصورة صورة جمع، وفيه أنه
~~مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل، ويرده أيضا ما صح عن عبد الله بن شقيق
~~قال: خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل
~~الناس يقولون: الصلاة الصلاة فجاء رجل من بني تميم فجعل لا ms05819 يفتر ولا
~~ينثني الصلاة الصلاة فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة لا أم لك رأيت رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء قال عبد
~~الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق
~~مقالته. ومنهم من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في
~~معناه من الأعذار وهذا قول الإمام أحمد والقاضي حسين من الشافعية،
~~واختاره منهم الخطابي والمتولي والروياني. وقال النووي: هو المختار في
~~التأويل.

# ومذهب جماعة من الأئمة جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه / عادة
~~وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك وحكاه الخطابي عن القفال الشاشي
~~الكبير من أصحاب الإمام الشافعي، وعن أبي إسحاق المروزي، وعن جماعة من
~~أصحاب الحديث واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر ما صح عن ابن عباس ورواه
~~مسلم أيضا أنه لما قال: «جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر
~~والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر قيل له: لم فعل ذلك؟
~~فقال: أراد أن لا يحرج أحدا من أمته» وهو من الحرج بمعنى المشقة فلم
~~يعلله بمرض ولا غيره.

# ويعلم مما ذكرنا أن قول الترمذي في آخر «كتابه» ليس في كتابي حديث
~~أجمعت الأمة على ترك العمل به إلا حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من
~~غير خوف ولا مطر وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، ناشىء من عدم
~~التتبع، نعم ما قاله في الحديث الثاني صحيح فقد صرحوا بأنه حديث منسوخ دل
~~الإجماع على نسخه. وقال ابن الهمام: إن حديث ابن عباس معارض بما في مسلم
~~من حديث ليلة التعريس أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر الصلاة حتى يدخل
~~وقت صلاة أخرى "

# وللبحث في ذلك مجال. ومذهب الإمام أبي حنيفة عدم جواز جمع صلاتي الظهر
~~والعصر في وقت إحداهما والمغرب والعشاء كذلك مطلقا إلا بعرفات فيجمع
~~فيها بين الظهر والعصر بسبب ms05820 النسك وإلا بمزدلفة فيجمع فيها بين المغرب
~~والعشاء بسبب ذلك أيضا واستدل بما استدل. وفي «الصحيحين» و«سنن أبي
~~داود» وغيره ما لا يساعده على التخصيص. وأنت تعلم أن الاحتياط فيما ذهب
~~إليه الإمام رضي الله تعالى عنه فالمحتاط لا يخرج صلاة الظهر مثلا عن
~~وقتها المتيقن الذي لا خلاف فيه إلى وقت فيه خلاف، وقد صرح غير واحد بأنه
~~إذا وقع التعارض يقدم الأحوط وتعارض الأخبار في هذا الفصل مما لا يخفى
~~على المتتبع.

# هذا وزعم بعضهم أن المراد بالصلاة المأمور بإقامتها صلاة المغرب
~~والتحديد المذكور بيان لمبدأ وقتها ومنتهاه على أن الغاية خارجة واستدل
~~به على امتداده إلى غروب الشفق وهو خلاف ما ذهب إليه الإمام الشافعي رضي
~~الله تعالى عنه في الجديد من أنه ينقضي بمضي قدر زمن وضوء وغسل وتيمم،
~~وطلب خفيف وإزالة خبث مغلظ يعم البدن والثوب والمحل وستر عورة واجتهاد في
~~القبلة وأذان وإقامة وألحق بهما سائر سنن الصلاة المتقدمة كتعمم وتقمص
~~ومشي لمحل الجماعة وأكل جائع حتى يشبع وسبع ركعات ولعل الزمان الذي يسع
~~كل هذا يزيد على زمن ما بين غروب الشمس وغروب الشفق أي شفق كان في أكثر
~~الأعراض. ثم لا يخفى أنه إذا كان المراد من غسق الليل وقت العشاء وفسر
~~الغسق باجتماع الظلمة وشدتها كان ذلك مؤيدا لما في «ظاهر الرواية» عن
~~الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه من أن أول وقت العشاء حين يغيب
~~الشفق بمعنى البياض الذي يعقب الحمرة في الأفق الغربي لأن الظلمة لا
~~تجتمع ولا تشتد ما لم يغب، ولا يأبى ذلك أن الأحاديث الصحيحة صريحة في أن
~~أول وقتها حين يغيب الشفق وهو اللغة الحمرة المعلومة لأن تفسيره بالبياض
~~قد جاء أيضا، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وعمر ومعاذ بن جبل وعائشة رضي
~~الله تعالى عنهم أجمعين، ورواه عبد الرازق عن أبي هريرة وعن عمر بن عبد
~~العزيز، وبه قال الأوزاعي والمزني وابن المنذر والخطابي، واختاره المبرد
~~وثعلب، وما رواه الترمذي عن أبي ms05821 هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم أنه قال:

# " أول وقت العشاء حين يغيب الأفق "

# ظاهر في كون الشفق البياض إذ لا غيبوبة للأفق إلا بسقوطه؛ نعم ذهب /
~~صاحباه إلى أنه الحمرة وهو قول ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم،
~~ورواه أسد بن عمرو عن الإمام أيضا لكنه خلاف «ظاهر الرواية» عنه،
~~والصحيح المفتى به عندنا ما جاء في «ظاهر الرواية»، وقد نص على ذلك
~~المحقق ابن الهمام والعلامة قاسم وابن نجيم وغيرهما، وما قاله الإمام أبو
~~المفاخر - من أن الإمام رجع إلى قولهما وقال إنه الحمرة لما ثبت عنده من
~~حمل عامة الصحابة إياه على ذلك وعليه الفتوى وتبعه المحبوبي وصدر
~~الشريعة - ليس بشيء لأن الرجوع لم يثبت ودون إثباته مع نقل الكافة عن
~~الكافة خلافه خرط القتاد، وكذا دعوى حمل عامة الصحابة خلاف المنقول كما
~~سمعت حتى أن البيهقي لم يرو أن الشفق الحمرة إلا عن ابن عمر رضي الله
~~تعالى عنهما. وما رواه الدارقطني عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " الشفق الحمرة فإذا غاب وجبت الصلاة "

# قال البيهقي والنووي فيه الصحيح أنه موقوف على ابن عمر رضي الله تعالى
~~عنهما. ومثل هذا الاختلاف الاختلاف في أول وقت العصر فقال الإمام: هو إذا
~~صار ظل كل شيء مثليه بعد ظل الزوال وقالا: إذا صار ظل كل شيء مثله بعد ظل
~~الزوال، وفتوى المحققين على قوله رحمة الله تعالى عليه بل قال ابن نجيم:
~~إن الإفتاء بغيره لا يجوز وقد أطال الكلام في ذلك في رسالته «رفع الغشاء
~~عن وقتي العصر والعشاء».

# { أقم الصلوة } عطف على مفعول { أقم } أو نصب على الإغراء
~~كما قال الزجاج وأبو البقاء والجمهور على الأول. والمراد بقرآن الفجر
~~صلاته كما روي عن ابن عباس ومجاهد. وسميت قرآنا أي قراءة لأنها ركنها
~~كما سميت ركوعا وسجودا وهذه حجة على ابن علية والأصم في زعمهما أن
~~القراءة ليست بركن في الصلاة قاله في «الكشاف».

# ورد بأن ذلك ms05822 لا يدل على الركنية لجواز كون مدار التجوز كون القراءة
~~مندوبة فيها. وفي «الكشف» أنه مدفوع بأن العلاقة المعتبرة في إطلاق غير
~~الصلاة وإرادة الصلاة هي علاقة الكل والجزء بدليل النظائر وههنا إذ ورد
~~تجوزا فحمله على معلوم النظير من الاستقراء واجب على أن الندبية لا تصلح
~~علاقة معتبرة إلا بالتكلف، وجعل سبح بمعنى صلى لأن التسبيح بمعنى التنزيه
~~البالغ والمصلي مسبح قولا بقراءة الفاتحة بل بالتكبير الواجب بالاتفاق
~~وفعلا أيضا بالركوع والسجود مثلا الدالين على كمال التعظيم والتبجيل
~~فهو الركن كله لا لأن التسبيح بمعنى قول سبحان الله ليقال تجوز عن الصلاة
~~بما هو مندوب فيها. وتعقب بأن الاكتفاء بعلاقة الندبية التي يقول بها
~~الأصم وابن علية لا تكلف فيه فإن القرآن جزء من الصلاة الكاملة فيكون ذلك
~~كالنظائر بلا ضرر ولا ضير، وبأن مذهبهما في التكبير غير معلوم فدعوى
~~الاتفاق غير مسلمة منه ولو كان كما ذكره لكان الوجوب كافيا في علاقة
~~أخرى وهي اللزوم وفيه بحث. وأبقى الجصاص القرآن على حقيقته وقال: ((في
~~الآية دلالة على وجوب القراءة في صلاة الفجر لأن التقدير فيها وأقم قرآن
~~الفجر والأمر للوجوب ولا قراءة في ذلك الوقت واجبة إلا في الصلاة وزعم
~~أن كون المعنى صلوا الفجر غلط من وجهين الأول أنه صرف عن الحقيقة بغير
~~دليل، والثاني أن

# فتهجد به

# [الإسراء: 79] فيما بعد يأباه إذ لا معنى للتهجد بصلاة الفجر، وفيه أن
~~الدليل قائم وهو { أقم } لاشتهار { أقم الصلوة } دون أقم
~~القراءة وضمير { به } فيما بعد يجوز أن يرجع إلى القرآن)) بمعناه
~~الحقيقي استخداما وهو أكثر من أن يحصى ثم متى دلت الآية على وجوب
~~القراءة في صلاة الفجر نصا كان ثبوت وجوبها في غيرها من الصلاة قياسا.
~~وذكر / بعضهم أن في التعبير عن صلاة الفجر بخصوصها بما ذكر إشارة إلى أنه
~~يطلب فيها من تطويل القراءة ما لم يطلب في غيرها وهو حسن.

# وقال الإمام: إن في الآية دلالة على أنه يسن التغليس في صلاة الفجر لأنه
~~أضيف ms05823 فيها القرآن إلى الفجر على معنى أقم قرآن الفجر والأمر للوجوب
~~والفجر أول طلوع الصبح لانفجار ظلمة الليل عن نور الصباح حينئذ ولذلك
~~سمي الفجر فجرا فيقتضي ذلك وجوب إقامة صلاة الفجر أول الطلوع وحيث أجمع
~~على عدم وجوب ذلك بقي الندب لأن الوجوب عبارة عن رجحان مانع الترك فإذا
~~منع مانع من تحقق الوجوب كالإجماع هنا وجب أن يرتفع المنع من الترك وأن
~~يبقى أصل الرجحان حتى تقل مخالفة الدليل. وأنت تعلم ما للعلماء من الخلاف
~~في الباقي بعد رفع الوجوب، وما ذكر قول في المسألة لكنه لا يفيد المطلوب
~~لأن صلاة الفجر اسم للصلاة المخصوصة سواء وقعت بغلس أم أسفار، والأخبار
~~الصحيحة تدل على سنية الإسفار بها كخبر الترمذي وهو كما قال: حسن صحيح

# " أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر "

# وحمله على تبين الفجر حتى لا يكون شك في طلوعه ليس بشيء إذ ما لم يتبين
~~لا يحكم بجواز الصلاة فضلا عن إصابة الأجر المفاد بآخر الخبر ولو حمل
~~أعظم فيه على عظيم ورد أن المناسب في التعليل فإنه لا تصح الصلاة بدونه
~~على أنه على ما فيه ينفيه رواية الطحاوي «أسفروا بالفجر فكلما أسفرتم فهو
~~أعظم الأجر أو لأجوركم» أو كما قال، وروي بسنده الصحيح عن إبراهيم قال:
~~ما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء ما اجتمعوا على
~~التنوير، ومحال نظرا إلى علو شأنهم أن يجتمعوا على خلاف ما فارقهم عليه
~~حبيبهم رسول الله عليه الصلاة والسلام.

# وفي «الصحيحين» عن ابن مسعود «وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~صلى صلاة لميقاتها إلا صلاتين صلاة المغرب والعشاء بجمع وصلى الفجر
~~يومئذ قبل ميقاتها» مع أنه كان بعد الفجر كما يفيده لفظ البخاري فيكون
~~المراد قبل ميقاتها الذي اعتاد الأداء فيه، والظاهر أنه عليه الصلاة
~~والسلام لم يكن يعتاد التغليس إلا أنه فعله يومئذ ليمتد الوقوف. ونحن
~~نقول بسنيته بفجر جمع لهذا الحديث. وخبر عائشة رضي الله تعالى عنها «كان
~~صلى الله عليه وسلم ms05824 يصلي الصبح بغلس فتشهد معه نساء متلفعات بمروطهن ثم
~~يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس» حمل الغلس فيه بعض أصحابنا على
~~غلس داخل المسجد، ويأباه قولها: ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من
~~الغلس إذ لا يمكن حمل هذا الغلس المانع من معرفتهن في طريق رجوعهن إلى
~~بيوتهن على غلس داخل المسجد، وكون المراد ما يعرفهن أحد في داخل المسجد
~~من الغلس خلاف الظاهر على تقدير جعل الجملة حالا من ضمير يرجعن. والظاهر
~~ما أشرنا إليه، وكذا جعل الجملة حالا من نساء أو صفة لها كأنه قيل فتشهد
~~معه نساء متلفعات بمروطهن ما يعرفهن أحد من الغلس ثم يرجعن إلى بيوتهن.
~~وقيل كان ذلك في يوم غيم، ويبعده كان فإنها شائعة الاستعمال فيما كان
~~يداوم عليه عليه الصلاة والسلام، وقيل هو منسوخ كما يدل عليه اجتماع
~~الصحابة على التنوير، ويبعد ذلك أن النسخ يقتضي سابقية وجود المنسوخ،
~~وقول ابن مسعود: ما رأيت الخ يفيد أن لا سابقية له. وقال بعضهم: ترجح في
~~الأخبار المتعارضة هنا رواية الرجال خصوصا مثل ابن مسعود فإن الحال أكشف
~~لهم في صلاة الجماعة فتأمل. وذكر الطحاوي أن الذي ينبغي الدخول في الفجر
~~وقت التغليس والخروج وقت الإسفار، وهو قول الإمام أبي حنيفة وصاحبيه وهو
~~خلاف ما يذكره الأصحاب عنهم من البدء والختم في الإسفار وهو الذي / يفيده
~~حديث الترمذي وغيره والله تعالى أعلم.

# ثم إن صلاة الفجر وإن كانت إحدى الصلوات الخمس التي فرضت ليلة الإسراء
~~عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أمته ودلت هذه الآية على وجوب إقامتها كذلك
~~إلا أنه عليه الصلاة والسلام لم يصلها صبح تلك الليلة لعدم العلم
~~بكيفيتها حينئذ وإنما علم الكيفية بعد. وقد قدمنا قريبا أن البداءة
~~وقعت في صلاة الظهر إشارة إلى أن دينه عليه الصلاة والسلام سيظهر على
~~الأديان ظهورها على بقية الصلوات، ونوه سبحانه هنا بشأن صلاة الفجر بقوله
~~عز وجل:

# { إن قرءان الفجر } حيث لم يقل سبحانه إنه { كان مشهودا
~~} أخرج أحمد ms05825 والنسائي وابن ماجه والترمذي والحاكم وصححاه وجماعة عن أبي
~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في تفسير ذلك: «تشهده ملائكة
~~الليل وملائكة النهار» وفي الصحيحين عنه رضي الله عنه أنه قال: «قال
~~النبي صلى الله عليه وسلم

# " تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر ثم قال أبو هريرة:
~~«اقرأوا إن شئتم { وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان
~~مشهودا } "

# والمراد بهؤلاء الملائكة الكتبة والحفظة فتنزل ملائكة النهار وتصعد
~~ملائكة الليل وتلتقي الطائفتان في ذلك الوقت، وكذا تلتقي الطائفتان وأمر
~~النزول والصعود على العكس وقت العصر كما جاء في الآثار، وهذا مما يعكر
~~على الإمام في زعمه أن هذا أيضا دليل قوي على أن التغليس أفضل من
~~التنوير لأن الإنسان إذا شرع في الصلاة من أول الصبح يكون ملائكة الليل
~~حاضرين لبقاء الظلمة فإذا امتدت الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت
~~الظلمة وظهر الضوء وحضر ملائكة النهار فإنه يلزمه على هذا البيان الذي لا
~~يروج إلا على الصبيان القول بأن تأخير صلاة العصر إلى أن يزول الضوء
~~وتظهر الظلمة وهو لا يقول به بل لا يقول به أحد.

# وهل الطائفة التي تشهد اليوم مثلا تشهد غدا أو كل يوم تشهد طائفة أخرى
~~لم تشهد قبل ولا تشهد بعد؟ فيه خلاف، وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى
~~فيما يتعلق بذلك. وقيل يشهد الكثير من المصلين في العادة، وقيل من حقه أن
~~تشهده الجماعة الكثيرة، وقيل تشهده وتحضر فيه شواهد القدرة من تبدل
~~الضياء بالظلمة والانتباه بالنوم الذي هو أخو الموت، وهو احتمال أبداه
~~الإمام وبسط الكلام فيه، ثم قال: وهذا هو المراد من قوله تعالى: { إن
~~قرءان الفجر كان مشهودا } ثم ذكر احتمال كون المراد مشهودا
~~بالجماعة الكثيرة وبسط الكلام أيضا في تحقيقه، وأنت تعلم أنه لا وجه
~~للحصر المدلول عليه بقوله: وهذا هو المراد ثم إبداء ذلك الاحتمال على أنه
~~بعدما صح تفسير النبي صلى الله عليه وسلم له بما سمعت لا ينبغي أن يقال
~~في غيره هذا ms05826 هو المراد. ولا يخفى ما في هذه الجملة من الترغيب والحث على
~~الاعتناء بأمر صلاة الفجر لأن العبد في ذلك الوقت مشيع كراما ومتلقى
~~كراما فينبغي أن يكون على أحسن حال يتحدث به الراحل ويرتاح له النازل.

### || [17.79]

# { ومن اليل } قيل أي وعليك بعض الليل. وظاهره أنه من باب الإغراء
~~كما نقل عن الزجاج وأبي البقاء في قوله تعالى:

# وقرآن الفجر

# [الإسراء: 78] وتعقبه أبو حيان بأن المغرى به لا يكون حرفا. ولا يجدي
~~نفعا كون (من) للبعيض لأن ذلك لا يجعلها اسما ألا ترى إجماع النحاة على
~~أن واو مع حرف وإن قدرت بمع. وأجيب بأنه يحتمل أن يكون القائل بذلك
~~قائلا باسمية { من } في مثل ذلك كما قالوا باسمية الكاف في نحو

# فجعلهم كعصف مأكول

# [الفيل: 5] وعن في نحو:

# من عن يميني تارة وشمالي

# وعلى نحو من عليه. وكذا القائل بأن ذلك نصب على / الظرفية بمقدر أي وقم
~~بعض الليل. واختار الحوفي أن (من) متعلقة بفعل دل عليه معنى الكلام أي
~~واسهر من الليل فالفاء في قوله تعالى: { فتهجد به } إما عاطفة
~~على ذلك المقدر أو مفسرة بناء على أنه من أسلوب

# وإيى فارهبون

# [البقرة: 40] وفي «الكشف» أن الإغراء هو الظاهر ههنا بخلافه فيما تقدم
~~لأن النصب على التفسير والصلات مختلفة لا يتضح كل الاتضاح، ومعنى الإغراء
~~من السابق واللاحق تتعاضد الأدلة عليه، وفيه منع ظاهر.

# والتهجد على ما نقل عن الليث الاستيقاظ من النوم للصلاة ويطلق على نفس
~~الصلاة بعد القيام من النوم ليلا يقال: تهجد أي صلى في الليل بعد
~~الاستيقاظ وكذا هجد وهذا يقتضي سابقية النوم في تحقق التهجد فلو لم ينم
~~وصلى ما شاء لا يقال له تهجد، وهو المروي عن مجاهد والأسود وعلقمة
~~وغيرهم. وقال المبرد: هو السهر للصلاة أو لذكر الله تعالى، وقيل: السهر
~~للطاعة وظاهره عدم اشتراط سابقية النوم في تحققه، والمشهور أن ذلك يسمى
~~قياما وما بعد النوم يسمى تهجدا، وأغرب الحجاج بن عمرو المازني فانه
~~روي عنه أنه قال: أيحسب ms05827 أحدكم إذا قام من الليل فصلى حتى يصبح أنه قد
~~تهجد إنما التهجد الصلاة بعد الرقاد ثم صلاة أخرى بعد رقدة ثم صلاة أخرى
~~بعد رقدة هكذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنا أقول: إن
~~تخلل النوم بين الصلوات جاء في «صحيح مسلم» من رواية حصين عن حبيب بن
~~أبي ثابت وهي مما استدركها الدارقطني على مسلم لاضطرابها [واختلاف
~~الرواة] فقد قال وروي عنه على سبعة أوجه وخالف فيه الجمهور يعني الخبر
~~الذي فيه تخلل النوم، والكثير من الروايات ليس فيه ذلك فليحفظ.

# واشترط أن لا تكون الصلاة إحدى الخمس فلو نام عن العشاء ثم قام فصلاها
~~لا يسمى متهجدا ولا ضرر في كونها واجبة كأن نام عن الوتر ثم قام إليها.
~~وفي «القاموس» ((الهجود النوم كالتهجد وتهجد استيقظ كهجد ضد،
~~وقال ابن الأعرابي: هجد الرجل صلى من الليل وهجد نام بالليل)).

# وقال أبو عبيدة: الهاجد النائم والمصلي، وفي «مجمع البيان» أنه يقال
~~هجدته إذا أنمته، وعليه قول لبيد:

# قلت هجدنا فقال طال السرى

# ونقل عن ابن بزرخ أنه يقال: هجدته إذا أيقظته ومصدر هذا التهجيد،
~~وصرح في «القاموس» بأنه من الأضداد أيضا. وذكر بعضهم أن المعروف في كلام
~~العرب كون الهجود بمعنى النوم وفسر التهجد بترك الهجود أي النوم على أن
~~التفعل للسلب كالتأثم والتحنث وهو مأخذ من فسره بالاستيقاظ، ويجوز أن
~~يقال: إن التفعل للتكلف أي تكلف الهجود بمعنى اليقظة، ورجح هذا بأن مجيء
~~التفعل للتكلف أكثر من مجيئه للسلب. وعورض بأن استعمال الهجود في اليقظة
~~مختلف في ثبوته وإن ثبت فهو أقل من استعماله في النوم.

# والضمير المجرور في { به } للقرآن من حيث هو لا بقيد إضافته إلى
~~الفجر. واستدل بذلك على تطويل القراءة في صلاة التهجد، وقد صرح العلماء
~~بندب ذلك، وفي «صحيح مسلم» من حديث حذيفة «صليت وراء النبي صلى الله
~~عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى فقلت يصلي
~~بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها ms05828 ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل
~~عمران فقرأها يقرأ مترسلا إذا مر بآية تسبيح سبح» الخبر. ويجوز أن يكون
~~للبعض المفهوم من قوله تعالى: { ومن اليل } والباء للظرفية أي
~~فتهجد في ذلك البعض. وقال ابن عطية: هو عائد على الوقت المقدر في النظم
~~الكريم أي قم وقتا من الليل فتهجد فيه.

# { نافلة لك } فريضة زائدة على الصلوات الخمس المفروضة خاصة بك
~~دون الأمة، ولعله الوجه في تأخير ذكرها عن ذكر / صلاة الفجر مع تقدم
~~وقتها على وقتها، واستدل به على أن ما أمر به صلى الله عليه وسلم فأمته
~~مأمورون به أيضا إلا أن يدل دليل على الاختصاص كما هنا، ويدل على أن
~~المراد ما ذكر ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس
~~رضي الله عنهما أنه قال في ذلك يعني خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم أمر
~~بقيام الليل وكتب عليه لكن صحح النون أنه نسخ عنه عليه الصلاة والسلام
~~فرضية التهجد ونقله أبو حامد من الشافعية وقالوا إنه الصحيح.

# وقيل الخطاب في { لك } له صلى الله عليه وسلم والمراد هو وأمته على حد
~~الخطاب في

# أقم الصلوة

# [الإسراء: 78] فيما سبق أي فريضة زائدة على الصلوات الخمس لنفعكم ففيه
~~دليل على فرضية التهجد عليه عليه الصلاة والسلام وعلى أمته لكن نسخ ذلك
~~في حق الأمة وبقي في حقه عليه الصلاة والسلام بناء على ما أخرجه ابن أبي
~~حاتم عن الضحاك قال: نسخ قيام الليل إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أو
~~ونسخ في حقه صلى الله عليه وسلم أيضا بناء على الصحيح، وهو خلاف الظاهر
~~جدا.

# ويجوز أن يراد بالنافلة الفضيلة إما لأنه عليه الصلاة والسلام فضل على
~~أمته بوجوبها وإن نسخ بعد أو لأنها فضيلة له صلى الله عليه وسلم وزيادة
~~في درجاته وليست بالنسبة إليه مكفرة للذنوب وسادة للخلل الواقع في
~~الفرائض كما أنها وسائر النوافل بالنسبة إلى الأمة كذلك لكونه عليه
~~الصلاة والسلام قد غفر له ما تقدم من ms05829 ذنبه وما تأخر وفرائضه وسائر
~~تعبداته واقعة على الوجه الأكمل.

# وقد أخرج هذا الأخير البيهقي في «الدلائل» وابن جرير وغيرهما عن مجاهد،
~~وابن أبي حاتم عن قتادة، وابن المنذر عن الحسن، واستحسنه الإمام، وضعفه
~~الطبري. وجوز ابن عطية عموم الخطاب كما سمعت آنفا إلا أنه حمل (نافلة)
~~على تطوعا وليس بشيء أيضا. وربما يختلج في بعض الأذهان بناء على ما
~~تقدم عن أبي البقاء في قوله تعالى:

# سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا

# [الإسراء: 77] من أنه بتقدير اتبع سنة كما قال سبحانه:

# فبهداهم اقتده

# [الأنعام: 90] احتمال أن يكون قوله تعالى:

# أقم الصلوة

# [الإسراء: 78] الخ بيانا للاتباع المأمور به، وهو متضمن للأمر بالصلوات
~~الخمس، وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يصلونها على ما يدل قول
~~جبريل عليه السلام في خبر تعليمه عليه الصلاة والسلام كيفية الصلاة بعد
~~صلاته الخمس: «هذا وقت الأنبياء من قبلك» فإنه ظاهر في أنهم عليهم السلام
~~كانوا يصلونها. غاية ما في الباب أنه على القول بأنها لم تجتمع لغير
~~نبينا صلى الله عليه وسلم وهو الصحيح يحتمل أن المراد أنه وقتهم على
~~الإجمال وإن اختص من اختص منهم بوقت، حيث ورد أن الصبح لآدم، والظهر
~~لداود وفي رواية لإبراهيم، والعصر لسليمان وفي رواية ليونس، والمغرب
~~ليعقوب وفي رواية لعيسى، والعشاء ليونس، وفي رواية لموسى عليهم السلام
~~إلا أن ذلك لا يضر بل هو أنسب بالأمر باتباع سنة جميعهم.

# وقد استدل الإمام على أنه صلى الله عليه وسلم أفضل من سائر الأنبياء
~~عليهم السلام بقوله تعالى:

# فبهداهم اقتده

# [الأنعام: 90] من جهة أنه عليه الصلاة والسلام أمر بالاقتداء بهدي
~~جميعهم وامتثل ذلك فكان عنده من الهدي ما عند الجميع فيكون أفضل من كل
~~واحد منهم، وحينئذ يقال معنى كون ذلك نافلة له عليه الصلاة والسلام أنه
~~زائد على الصلوات الخمس خاص به صلى الله عليه وسلم دون سائر الأنبياء
~~عليهم السلام المأمور باتباع سنتهم، وهو مما لا ينبغي أن يلتفت إليه
~~ويعول عليه بل اللائق به أن يجعل ms05830 من قبيل حديث النفس وتخيلها بحرا من
~~مسك موجه الذهب فإن فساده تأصيلا وتفريعا مما لا يخفى على من له أدنى
~~مسكة وأقل اطلاع، والله تعالى العاصم من الزلل والحافظ من الخطأ والخطل.

# وانتصاب { نافلة } إما على المصدرية / بتقدير تنفل؛ وقدر الحوفي
~~نفلناك أو بجعل تهجد بمعنى تنفل أو بجعل نافلة بمعنى تهجدا، فإن ذلك
~~عبادة زائدة، وإما على الحال من الضمير الراجع إلى القرآن أي حال كونه
~~صلاة نافلة كما قال أبو البقاء، وإما على المفعول لتجهد كما جوزه الحوفي
~~إذا كان بمعنى صل، وجعل الضمير المجرور للبعض المفهوم، أو للوقت المقدر
~~أي فصل فيه نافلة لك.

# { عسى أن يبعثك ربك } الذي يبلغك إلى كمالك اللائق بك من
~~بعد الموت الأكبر كما انبعثت من الموت الأصغر بالصلاة والعبادة، فالمعنى
~~على التعليل والتهوين لمشقة قيام الليل حتى زعم بعضهم أن عسى بمعنى كي،
~~وهو وهم بل هي كما قال أهل المعاني للإطماع، ولما كان إطماع الكريم
~~إنسانا بشيء ثم حرمانه منه غرورا والله عز وجل أجل وأكرم من أن يغر
~~أحدا فيطمعه في شيء ثم لا يعطيه قالوا هي للوجوب منه تعالى مجده على
~~معنى أن المطمع به يكون ولا بد للوعد. وقيل هي على بابها للترجي لكن يصرف
~~إلى المخاطب أي لتكن على رجاء من أن يبعثك ربك { مقاما محمودا }
~~وهي تامة و { أن يبعثك } فاعلها و { ربك } فاعله و { مقاما
~~} كما قال جمع منصوب على الظرفية إما على إضمار فعل الإقامة أو على تضمين
~~الفعل المذكور ذلك أي عسى أن يبعثك فيقيمك مقاما أي في مقام، أو يقيمك
~~في مقام محمود باعثا إذ لا يصح أن يعمل في مثل هذا الظرف إلا فعل فيه
~~معنى الاستقرار خلافا للكسائي. واستظهر في «البحر» كونه معمولا ليبعثك،
~~وهو مصدر من غير لفظ الفعل لأن نبعث بمعنى نقيم تقول أقيم من قبره، وبعث
~~من قبره.

# وجوز أبو البقاء وغيره كونه حالا بتقدير مضاف أي نبعثك ذا مقام، وقيل
~~يجوز أن يكون مفعولا ms05831 به ليبعثك على تضمينه معنى نعطيك، وجوز أبو حيان أن
~~تكون عسى ناقصة و { ربك } الفاعل على تقدير أن ينتصب { مقاما }
~~بمحذوف لا بيبعث لئلا يلزم الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي. وتنكير {
~~مقاما } للتعظيم. والمراد بذلك المقام مقام الشفاعة العظمى في فصل
~~القضاء حيث لا أحد إلا وهو تحت لوائه صلى الله عليه وسلم فقد أخرج
~~البخاري وغيره عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا
~~بآدم فيقول لست بصاحب ذلك ثم موسى فيقول كذلك ثم محمد فيشفع فيقضي الله
~~تعالى بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنة فيومئذ يبعثه الله تعالى
~~مقاما محمودا يحمده أهل الجمع كلهم "

# وأخرج الترمذي وحسنه عن أبي سعيد الخدري قال: «قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم

# " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من
~~نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا
~~فخر فيفزع الناس ثلاث فزعات فيأتون آدم فيقولون أنت أبونا فاشفع لنا إلى
~~ربك فيقول إني أذنبت ذنبا أهبطت منه إلى الأرض ولكن ائتوا نوحا فيأتون
~~نوحا فيقول إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأهلكوا ولكن اذهبوا إلى
~~إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقول ائتوا موسى فيقول إني قتلت نفسا ولكن
~~ائتوا عيسى فيقول إني عبدت من دون الله تعالى ولكن ائتوا محمدا فيأتوني
~~فأنطلق معهم فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها فيقال من هذا فأقول محمد
~~فيفتحون لي ويقولون مرحبا فأخر ساجدا فيلهمني الله تعالى من الثناء
~~والحمد والمجد فيقال ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع وقل يسمع لقولك فهو
~~المقام المحمود الذي قال الله / تعالى: { عسى أن يبعثك ربك
~~مقاما محمودا } "

# وجاء في بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام يسجد أربع سجدات أي كسجود
~~الصلاة كما هو الظاهر تحت العرش فيجاب لما فزعوا إليه. وذكر الغزالي في
~~«الدرة الفاخرة» أن بين ms05832 إتيانهم نبيا وإتيانهم ما بعده ألف سنة ولا أصل
~~له كما قال الحافظ ابن حجر. وقيل هو مقام الشفاعة لأمته صلى الله عليه
~~وسلم لما أخرجه أحمد والترمذي والبيهقي في «الدلائل» عن أبي هريرة عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن المقام المحمود في الآية فقال:

# " هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي "

# وأجاب من ذهب إلى الأول بأنه يحتمل أن يكون المراد المقام الذي أشفع فيه
~~أولا لأمتي فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أيضا من حديث طويل
~~في الشفاعة فيه فزع الناس إلى آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم
~~السلام واعتذار كل منهم ما عدا عيسى عليه السلام بذنب أنه صلى الله عليه
~~وسلم قال:

# " فيأتوني  يعني الناس  بعد من علمت من الأنبياء عليهم السلام فيقولون
~~يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله تعالى لك ما تقدم من
~~ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فأنطلق فآتي تحت
~~العرش فأقع ساجدا لربي ثم يفتح الله تعالى علي من محامده وحسن الثناء
~~عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه
~~واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول أمتي يا رب فيقال يا محمد أدخل من أمتك من
~~لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى
~~ذلك من الأبواب "

# ومن الناس من فسره بمقام الشفاعة في موقف الحشر حيث يعترف الجميع بالعجز
~~أعم من أن تكون عامة كالشفاعة لفصل القضاء أو خاصة كالشفاعة لبعض عصاة
~~أمته صلى الله عليه وسلم في العفو عنهم، والاقتصار على أحد الأمرين في
~~بعض الأخبار لنكتة اقتضاها الحال ولكل مقام مقال، وحمل هذا الشفاعة للأمة
~~في خبر أبي هريرة المتقدم على الشفاعة لبعض عصاتهم في الموقف قبل دخولهم
~~النار وإلا فلو أريد الشفاعة لهم بعد الحساب ودخول أهل الجنة الجنة وأهل
~~النار النار كما روي عن أبي سعيد لم يتيسر الجمع بين الروايات ms05833 إلا بأن
~~يقال: المقام المحمود هو مقام الشفاعة أعم من أن تكون في الموقف عامة
~~وخاصة وأن تكون بعد ذلك ويكون الاقتصار لنكتة، وقد جاء تفسيره بمقام
~~الشفاعة مطلقا، فقد أخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال:

# " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المقام المحمود فقال: هو الشفاعة "

# وأخرج ابن جرير عن وهب عن أبي هريرة

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المقام المحمود الشفاعة "

# وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه فسره
~~بذلك.

# ثم الشفاعة من حيث هي وإن شاركه فيها صلى الله عليه وسلم غيره من
~~الملائكة والأنبياء عليهم السلام وبعض المؤمنين إلا أن الشفاعة الكاملة
~~والأنواع الفاضلة لا تثبت لغيره عليه الصلاة والسلام، وقد أوصل بعضهم
~~الشفاعة المختصة به صلى الله عليه وسلم إلى عشر وذكره بعض شراح البخاري
~~فليراجع. ووصف المقام بأنه محمود على ما ذكر باعتبار أن النبي صلى الله
~~عليه وسلم يحمد فيه على إنعامه الواصل إلى الخاص والعام من أصناف الأنام.
~~وأخرج النسائي والحاكم وصححه وجماعة عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال:
~~«يجمع الناس في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر حفاة عراة كما
~~خلقوا قياما لا تكلم نفس إلا بإذنه فينادي يا محمد فيقول: لبيك وسعديك
~~والخير في يديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك
~~لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت» فهذا
~~المقام المحمود. وأخرج الطبراني عن ابن عباس أنه قال في الآية: يجلسه
~~فيما بينه وبين جبريل عليه السلام ويشفع لأمته فذلك المقام المحمود. /
~~وأخرج ابن جرير عن مجاهد أنه قال: المقام المحمود أن يجلسه معه على عرشه،
~~وأنت تعلم أن الحمد على أكثر ما في هذه الروايات مجاز عند من يقول: إنه
~~مختص بالثناء على الإنعام، وأما عند من يقول بعدم الاختصاص فلا مجاز.
~~وتعقب الواحدي القول بأن المقام المحمود إجلاسه صلى الله عليه وسلم معه
~~عز وجل ms05834 على العرش بعد ذكر روايته عن ابن عباس رضي الله عنهما بأنه قول
~~رذل موحش فظيع لا يصح مثله عن ابن عباس، ونص الكتاب ينادي بفساده من
~~وجوه: الأول أن البعث ضد الإجلاس يقال بعث الله تعالى الميت إذا أقامه من
~~قبره وبعثت البارك والقاعد فانبعث فتفسيره به تفسير الضد بالضد، الثاني
~~لو كان جالسا سبحانه وتعالى على العرش لكان محدودا متناهيا فيكون
~~محدثا تعالى عن ذلك علوا كبيرا، الثالث أنه سبحانه قال { مقاما }
~~ولم يقل مقعدا والمقام موضع القيام لا القعود، الرابع أن الحمقى والجهال
~~يقولون: إن أهل الجنة كلهم يجلسون معه تعالى ويسألهم عن أحوالهم
~~الدنياوية فلا مزية له صلى الله عليه وسلم بإجلاسه معه عز وجل؛ الخامس
~~أنه إذا قيل: بعث السلطان فلانا يفهم منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح
~~مهماتهم ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه انتهى.

# وأبو عمر لم يطلع إلا على رواية ذلك عن مجاهد فقال: إن مجاهدا وإن كان
~~أحد الأئمة بتأويل القرآن حتى قيل: إذا جاءك التأويل عن مجاهد فحسبك إلا
~~أن له قولين معجورين عند أهل العلم، أحدهما تأويل المقام المحمود بهذا
~~الإجلاس، والثاني تأويل

# إلى ربها ناظرة

# [القيامة: 23] بانتظار الثواب. وذكر النقاش عن أبي داود السجستاني أنه
~~قال: من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم فما زال أهل العلم يحدثون به،
~~قال ابن عطية: أراد من أنكره على تأويله فهو متهم وقد يؤول قوله صلى الله
~~عليه وسلم «يجلسني معه» على رفع محله وتشريفه على خلقه كقوله تعالى:

# إن الذين عند ربك

# [الأعراف: 206] وقوله سبحانه: حكاية

# ابن لى عندك بيتا

# [التحريم: 11] وقوله تعالى:

# وإن الله لمع المحسنين

# [العنكبوت: 69] إلى غير ذلك مما هو كناية عن المكانة لا عن المكان.

# وأنت تعلم أنه لا ينبغي لمجاهد ولا لغيره أن يفسر المقام المحمود
~~بالإجلاس على العرش حسبما سمعت من غير أن يثبت عنده ذلك الإجلاس في خبر
~~كخبر الديلمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال:

# " قال رسول الله صلى ms05835 الله عليه وسلم في قوله سبحانه: { عسى أن
~~يبعثك } الخ يجلسني معه على السرير "

# فإن تمسك المفسر بهذا أو نحوه لم يناظر إلا بالطعن في صحته وبعد إثبات
~~الصحة لا مجال للمؤمن إلا التسليم، وما ذكره الواحدي لا يستلزم عدم الصحة
~~فكم وكم من حديث نصوا على صحته ويلزم من ظاهره المحال كحديث أبي سعيد
~~الخدري المشتمل على رؤية المؤمنين الله عز وجل ثم إتيانه إياهم في أدنى
~~صورة من التي رأوه فيها، وقوله تعالى لهم:

# أنا ربكم

# [المؤمنون: 52] وقولهم نعوذ بالله تعالى منك حتى يكشف لهم عن ساق
~~فيسجدون ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة وهو
~~في «الصحيحين»، وحديث لقيط بن عامر المشتمل على قوله صلى الله عليه وسلم:

# " تلبثون ما لبثتم ثم يتوفى نبيكم ثم تلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصائحة 
~~لعمر إلهك  لا تدع على ظهرها شيئا إلا مات والملائكة الذين مع ربك عز
~~وجل فأصبح ربك يطوف في الأرض وخلت عليه البلاد "

# الحديث، وقد رواه أئمة السنة في كتبهم وتلقوه بالقبول وقابلوه بالتسليم
~~والانقياد إلى ما لا يحصى من هذا القبيل، ومذاهب المحدثين وأهل الفكر من
~~العلماء في الكلام على ذلك مما لا تخفى، ومتى أجريت هناك فلتجر هنا فالكل
~~قريب من قريب. والصوفية يقولون: إن لله عز وجل الظهور فيما يشاء على ما
~~يشاء وهو سبحانه في حال ظهوره باق على إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق فإنه
~~العزيز الحكيم ومتى ظهر جل وعلا في / صورة أجريت عليه سبحانه أحكامها من
~~حيث الظهور فيوصف عز مجده عندهم بالجلوس ونحوه من تلك الحيثية وينحل بذلك
~~أمور كثيرة إلا أنه مبني على ما دون إثباته خرط القتاد.

# ويرد على ما ذكره الواحدي في الوجه الثالث أن المقام وإن كان في الأصل
~~بمعنى محل القيام إلا أنه شاع في مطلق المحل ويطلق على الرتبة والشرف،
~~وعلى ما ذكره في الوجه الأول أنه ليس هناك إلا تفسير المقام المحمود
~~بالإجلاس لا تفسير البعث بالإجلاس ms05836 نعم فيه مسامحة، والمراد أن إحلاله في
~~المحل المحمود هو إجلاسه على العرش، وهذا المعنى يتأتى بإبقاء البعث على
~~معناه وتقدير فيقيمك بمعنى فيحلك وبتفسيره بالإقامة بمعنى الإحلال، وقد
~~يقال: لا مسامحة والمراد من المقام الرتبة، والبعث متضمن معنى الإعطاء أي
~~عسى يعطيك ربك رتبة محمودة وهي إجلاسه إياك على عرشه باعثا، وما ذكره في
~~الوجه الثاني حق لو أريد من الجلوس على العرش ظاهره إن أريد معنى آخر فلا
~~نسلم اللازم وباب التأويل واسع، وقد أول الإجلاس معه على رفع المحل
~~والتشريف وهو مقول بالتشكيك فمتى صح أن أهل الجنة كلهم يجلسون معه آمنا
~~به مع إثبات المزية للرسول صلى الله عليه وسلم فاندفع ما ذكره في الوجه
~~الرابع؛ ويرد على ما في الوجه الخامس أن الإجلاس معه لم يفهم من مجرد
~~البعث وما ادعى أحد ذلك فكون بعث السلطان فلانا يفهم منه أنه أرسله إلى
~~قوم لإصلاح مهماتهم ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه لا يضرنا كما لا يخفى
~~على منصف.

# وبالجملة كل ما قيل أو يقال لا يصغى إليه إن صح التفسير عن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم لكن يبقى حينئذ أنه يلزم التعارض بين ظواهر الروايات،
~~ومن هنا قال بعضهم: المراد بالمقام المحمود ما ينتظم كل مقام يتضمن كرامة
~~له صلى الله عليه وسلم، والاقتصار في بعض الروايات على بعض لنكتة نحو ما
~~مر، ووصفه بكونه محمودا إما باعتبار أنه صلى الله عليه وسلم يحمد الله
~~تعالى عليه أبلغ الحمد أو باعتبار أن كل من يشاهده يحمده ولم يشترط أن
~~يكون الحمد في مقابلة النعمة ويدخل في هذا كل مقام له صلى الله عليه وسلم
~~محمود في الجنة.

# وكذا يدخل فيه ما جوز مفتى الصوفية سيدي شهاب الدين السهروردي أن يكون
~~المقام المحمود وهو إعطاؤه عليه الصلاة والسلام مرتبة من العلم لم تعط
~~لغيره من الخلق أصلا فإنه ذكر في «رسالة له في العقائد» أن علم عوام
~~المؤمنين يكون يوم القيامة كعلم علمائهم في ms05837 الدنيا ويكون علم العلماء إذ
~~ذاك كعلم الأنبياء عليهم ويكون علم الأنبياء كعلم نبينا صلى الله عليه
~~وسلم ويعطي نبينا عليه الصلاة والسلام من العلم ما لم يعط أحد من
~~العالمين ولعله المقام المحمود ولم أر ذلك لغيره عليه الرحمة والله تعالى
~~أعلم. ثم هذا الاختلاف في المقام المحمود هنا لم يقع فيه في دعاء الأذان
~~بل ادعى العلامة ابن حجر الهيتمي أنه فيه مقام الشفاعة العظمى لفصل
~~القضاء اتفاقا فتأمل في هذا المقام والله تعالى ولي الإنعام والإفهام.

### || [17.80]

# { وقل رب أدخلني مدخل صدق } أي إدخالا مرضيا جيدا لا
~~يرى فيه ما يكره، والإضافة للمبالغة. { وأخرجنى مخرج صدق }
~~نظير الأول واختلف في تعيين المراد من ذلك فأخرج الزبير بن بكار عن زيد
~~بن أسلم أن المراد إدخال المدينة والإخراج من مكة ويدل عليه على ما قيل
~~قوله تعالى:

# وإن كادوا ليستفزونك

# [الإسراء: 76] الخ. وأيد بما أخرجه أحمد والطبراني والترمذي وحسنه
~~والحاكم وصححه وجماعة عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم
~~بمكة ثم أمر بالهجرة فأنزل الله تعالى عليه { وقل رب } الآية. وبدأ
~~بالإدخال لأنه الأهم. / وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه
~~الإدخال في القبر والإخراج منه وأيد بذكره بعد البعث، وقيل إدخال مكة
~~ظاهرا عليها بالفتح وإخراجه صلى الله عليه وسلم منها آمنا من المشركين،
~~وقيل إخراجه من المدينة وإدخال مكة بالفتح، وقال محمد بن المنكدر: إدخاله
~~الغار وإخراجه منه، وقيل الإدخال في الجنة والإخراج من مكة، وقيل الإدخال
~~في الصلاة والإخراج منها، وقيل الإدخال في المأمورات والإخراج عن
~~المنهيات وقيل الإدخال فيما حمله صلى الله عليه وسلم من أعباء النبوة
~~وأداء الشرع وإخراجه منه مؤديا لما كلفه من غير تفريط، وقيل الإدخال في
~~بحار التوحيد والتنزيه والإخراج من الاشتغال بالدليل إلى معرفة المدلول
~~والتأمل في الآثار إلى الاستغراق في معرفة الواحد القهار. وقيل وقيل
~~والأظهر أن المراد إدخاله عليه الصلاة والسلام في كل ما يدخل فيه ويلابسه
~~من مكان أو أمر ms05838 وإخراجه منه فيكون عاما في جميع الموارد والمصادر
~~واستظهر ذلك أبو حيان وفي «الكشف» أنه الوجه الموافق لظاهر اللفظ
~~والمطابق لمقتضى النظم فسابقه ولاحقه لا يختصان بمكان دون آخر، وكفاك
~~قوله تعالى { واجعل لى } الخ شاهد صدق على إيثاره.

# وقرأ قتادة وأبو حيوة وحميد وإبراهيم بن أبي عبلة { مدخل } و { مخرج }
~~بفتح الميم فيهما قال صاحب «اللوامح»: وهما مصدران من دخل وخرج لكنهما
~~جاءا من معنى أدخلني وأخرجني السابقين دون لفظهما ومثل ذلك

# أنبتكم من الأرض نباتا

# [نوح: 17] ويجوز أن يكونا اسمي مكان وانتصابهما على الظرفية. وقال غيره
~~من المحققين: هما مصدران منصوبان على تقدير فعلين ثلاثيين إذ مصدر
~~المزيدين مضموم الميم كما في القراءة المتوارتة أي أدخلني فأدخل مدخل صدق
~~وأخرجني فأخرج مخرج صدق.

# { واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا } أي حجة تنصرني على من
~~خالفني وهو مراد مجاهد بقوله حجة بينة، وفي رواية أخرى عنه أنه كتاب يحوي
~~الحدود والأحكام وعن الحسن أنه أريد التسلط على الكافرين بالسيف وعلى
~~المنافقين بإقامة الحدود، وقريب ما قيل أن المراد قهرا وعزا تنصر به
~~الإسلام على غيره.

# وزعم بعضهم أنه فتح مكة، وقيل السلطان أحد السلاطين الملوك فكأن المراد
~~الدعاء بأن يكون في كل عصر ملك ينصر دين الله تعالى، قيل وهو ظاهر ما
~~أخرجه البيهقي في «الدلائل» والحاكم وصححه عن قتادة قال: أخرجه الله
~~تعالى من مكة مخرج صدق وأدخلة المدينة مدخل صدق وعلم نبي الله أنه لا
~~طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان فسأل سلطانا نصيرا لكتاب الله تعالى
~~وحدوده وفرائضه فإن السلطان عزة من الله عز وجل جعلها بين أظهر عباده
~~لولا ذلك لأغار بعضهم على بعض وأكل شديدهم ضعيفهم وفيه نظر. وفعيل على
~~سائر الأوجه مبالغة في فاعل. وجوز أن يكون في بعضها بمعنى مفعول، والحق
~~أن المراد من السلطان كل ما يفيده الغلبة على أعداء الله تعالى وظهور
~~دينه جل شأنه ووصفه بنصيرا للمبالغة.

### || [17.81]

# { وقل جاء الحق } الإسلام والدين الثابت الراسخ. والجملة عطف
~~على جملة ms05839

# قل

# [الإسراء: 80] أولا واحتمال أنها من مقول القول الأول لما فيها من
~~الدلالة على الاستجابة في غاية البعد. { وزهق البطل } أي زال
~~واضمحل ولم يثبت الشرك والكفر وتسويلات الشيطان من زهقت نفسه إذا خرجت من
~~الأسف. وعن قتادة أن الحق القرآن والباطل الشيطان، وعن ابن جريج أن الأول
~~الجهاد والثاني الشرك وعن مقاتل الحق عبادة الله تعالى والباطل عبادة
~~الشيطان وهذا قريب مما ذكرنا.

# / { إن البطل } كائنا ما كان { كان زهوقا } مضمحلا غير
~~ثابت الآن أو فيما بعد أو مطلقا لكونه كأن لم يكن. وصيغة فعول للمبالغة.
~~أخرج الشيخان وجماعة عن ابن مسعود قال:

# " دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلثمائة نصب فجعل
~~يطعنها بعود في يده ويقول: { جاء الحق وزهق البطل إن
~~البطل كان زهوقا }  { جآء الحق وما يبدىء
~~الباطل وما يعيد } [سبأ:49] "

# ، وفي رواية الطبراني في «الصغير» والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس
~~أنه صلى الله عليه وسلم جاء ومعه قضيب فجعل يهوي به إلى كل صنم منها فيخر
~~لوجهه فيقول: { جاء الحق وزهق البطل إن البطل
~~كان زهوقا } حتى مر عليها كلها.

### || [17.82]

# { وننزل من القرءان ما هو شفاء ورحمة
~~للمؤمنين } أي ما هو في تقويم دينهم واستصلاح نفوسهم كالدواء
~~الشافي للمرضى. و { من } للبيان وقدم اهتماما بشأنه، وأنكر أبو حيان
~~جواز التقديم واختار هنا كون (من) لابتداء الغاية وهو إنكار غير مسموع
~~فيفيد أن كل القرآن كذلك. وفي الخبر «من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله
~~تعالى» أو للتبعيض ومعناه على ما في «الكشف» وننزل ما هو شفاء أي تدرج في
~~نزوله شفاء فشفاء وليس معناه أنه منقسم إلى ما هو شفاء وليس بشفاء
~~والمنزل الأول كما وهم الحوفي فأنكر جواز إرادة التبعيض وإنما المعنى أن
~~ما لم ينزل بعد ليس بشفاء للمؤمنين لعدم الاطلاع وأن كل ما ينزل فهو شفاء
~~لداء خاص يتجدد نزول الشفاء كفاء تجدد الداء. وفيه أيضا أن هذا الوجه
~~أوفق لمقتضى المقام ولا يخفى عليك بعده ولذا ms05840 اختير في توجيه التبعيض أنه
~~باعتبار الشفاء الجسماني وهو من خواص بعض دون بعض. ومن البعض الأول
~~الفاتحة وفيها آثار مشهورة، وآيات الشفاء وهي ست

# ويشف صدور قوم مؤمنين

# [التوبة: 14]

# شفآء لما فى الصدور

# [يونس: 57]

# فيه شفآء للناس

# [النحل: 69] { وننزل من القرءان ما هو شفاء ورحمة
~~للمؤمنين }

# وإذا مرضت فهو يشفين

# [الشعراء: 80]

# قل هو للذين ءامنوا هدى وشفاء

# [فصلت: 44]. قال السبكي: وقد جربت كثيرا. وعن القشيري أنه مرض له ولد
~~أيس من حياته فرأى الله تعالى في منامه فشكى له سبحانه ذلك فقال له: اجمع
~~آيات الشفاء واقرأها عليه أو اكتبها في إناء واسقه فيه ما محيت به ففعل
~~فشفاه الله تعالى. والأطباء معترفون بأن من الأمور والرقى ما يشفي بخاصية
~~روحانية كما فصله الأندلسي في «مفرداته»، وكذا داود في المجلد الثاني من
~~«تذكرته»، ومن ينكر لا يعبأ به. نعم اختلف العلماء في جواز نحو ما صنعه
~~القشيري عن الرؤيا وهو نوع من النشرة وعرفوها بأنها أن يكتب شيء من أسماء
~~الله تعالى أو من القرآن ثم يغسل بالماء ثم يمسح به المريض أو يسقاه فمنع
~~ذلك الحسن والنخعي ومجاهد، وروى أبو داود من حديث جابر

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة فقال: هي من عمل الشيطان
~~"

# وأجاز ذلك ابن المسيب. والنشرة التي قال فيها صلى الله عليه وسلم ما قال
~~هي النشرة التي كانت تفعل في الجاهلية وهي أنواع، منها ما يفعله أهل
~~التعزيم في غالب الإعصار من قراءة أشياء غير معلومة المعنى ولم تثبت في
~~السنة أو كتابتها وتعليقها أو سقيها، وقال مالك: لا بأس بتعليق الكتب
~~التي فيها أسماء الله على أعناق المرضى على وجه التبرك بها إذا لم يرد
~~معلقا بذلك مدافعة العين، وعنى بذلك أنه لا بأس / بالتعليق بعد نزول
~~البلاء رجاء الفرج والبرء كالرقي التي وردت السنة بها من العين، وأما قبل
~~النزول ففيه بأس وهو غريب، وعند ابن المسيب يجوز تعليق العوذة من كتاب
~~الله تعالى في قصبة ونحوها وتوضع ms05841 عند الجماع وعند الغائط ولم يقيد بقبل
~~أو بعد، ورخص الباقر في العوذة تعلق على الصبيان مطلقا، وكان ابن سيرين
~~لا يرى بأسا بالشيء من القرآن يعلقه الإنسان كبيرا أو صغيرا مطلقا،
~~وهو الذي عليه الناس قديما وحديثا في سائر الأمصار لكن توجيه التبعيض
~~بما ذكر لا يساعده قوله سبحانه:

# { ولا يزيد الظلمين إلا خسارا } أي لا يزيد القرآن
~~كله أو كل بعض منه الكافرين المكذبين به الواضعين للأشياء في غير موضعها
~~مع كونه في نفسه شفاء لما في الصدور من أدواء الريب وأسقام الأوهام إلا
~~خسارا أي هلاكا بكفرهم وتكذيبهم وزيادتهم من حيث أنهم كلما جددوا الكفر
~~والتكذيب بالآية النازلة تدريجا ازدادوا بذلك هلاكا.

# وفسر بعضهم الخسار بالنقصان. ورجح أبو السعود الأول ((بأن ما بهم من داء
~~الكفر والضلال حقيق بأن يعبر عنه بالهلاك لا بالنقصان المنبىء عن حصول
~~بعض مبادىء الإسلام فيهم، وفيه كما قال إيماء إلا أن ما بالمؤمنين من
~~الشبه والشكوك المعترية لهم في أثناء الاهتداء والاسترشاد بمنزلة
~~الأمراض، وما بالكفرة من الجهل والعناد بمنزلة الموت والهلاك. وإسناد
~~الزيادة المذكورة إلى القرآن مع أنهم المزدادون في ذلك لسوء صنيعهم
~~باعتبار كونه سببا لذلك، وفيه تعجيب من أمره من حيث كونه مدارا للشفاء
~~والهلاك)):

# كماء صار في الأصداف درا

# وفي ثغر الأفاعي صار سما

# هذا وربما يقال: إن انقسام القرآن إلى ما هو شفاء من أدواء الريب وأسقام
~~الوهم وإلى ما ليس كذلك مما لا ينبغي أن يكون فيه ريب لأن الشافي من
~~أدواء الريب إنما هو الأدلة كالآيات الدالة على بطلان الشرك وثبوت
~~الوحدانية له تعالى وكالآيات الدالة على إمكان الحشر الجسماني وليس كل
~~آيات القرآن كذلك فإن منه ما هو أمر بصلاة وصوم وزكاة ومنه ما هو نهي عن
~~قتل وزنى وسرقة ونحو ذلك وهو لا يشفى به أدواء الريب وأسقام الوهم وكذا
~~آيات القصص، نعم فيما ذكر نفع غير الشفاء من تلك الأدواء فهو رحمة وحينئذ
~~يقال في الآية حذف أي ننزل من القرآن ms05842 ما هو شفاء وما هو رحمة على معنى
~~ننزل من القرآن آيات هي شفاء وآيات هي رحمة.

# وفيه أن الريب غير مختص فيما يتعلق بالله عز وجل وبإمكان الحشر بل يكون
~~أيضا في الرسالة وصدقه صلى الله عليه وسلم في دعواها، وما من آية في
~~القرآن إلا وهي مستقلة أو لها دخل في الشفاء من ذلك الداء لما فيها من
~~الإعجاز وكذا ما من آية إلا وفيها نفع من جهة أخرى فكل آية رحمة كما أن
~~كلها شفاء لكن كونه رحمة بالنسبة إلى كل واحد واحد من المؤمنين إذ كل
~~مؤمن ينتفع به نوعا من الانتفاع وكونه شفاء بالفعل بالنسبة إلى من عرض
~~له شيء من أدواء الريب وإسقام الوهم وليس كل المؤمنين كذلك، والقول بأن
~~كلا كذلك في أول الإيمان غير مسلم ولا يحتاج إليه كما لا يخفى.

# والإمام عمم شفائيته وقد أحسن فقال: هو شفاء للأمراض الروحانية وهي
~~نوعان اعتقادات باطلة وأخلاق مذمومة فلاشتماله على الدلائل الحقة الكاشفة
~~عن المذاهب الباطلة في الإلهيات والنبوات والمعاد والقضاء والقدر
~~المبينة لبطلانها يشفي عن النوع الأول من الأمراض ولاشتماله على تفاصيل
~~الأخلاق المذمومة وتعريف / ما فيها من المفاسد والإرشاد إلى الأخلاق
~~الفاضلة والأعمال المحمودة يشفي عن النوع الآخر، والشفاء إشارة إلى
~~التخلية والرحمة إشارة إلى التحلية ولأن الأولى أهم من الثانية قدم
~~الشفاء على الرحمة فتأمل والله تعالى الموفق.

# وقرأ البصريان { ننزل } بالنون والتخفيف. وقرأ مجاهد بالياء
~~والتخفيف ورواها المروزي عن حفص. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {
~~شفاء ورحمة } بنصبهما، قال أبوحيان: ((ويتخرج ذلك على أنهما حالان والخبر
~~(للمؤمنين) والعامل في الحال ما في الجار والمجرور من الفعل، ونظير ذلك

# والسموت مطويت بيمينه

# [الزمر:67] في قراءة نصب { مطويت } وقول الشاعر:

# رهط ابن كوز محقبي أدراعهم

# فيهم ورهط ربيعة بن حذار

# ثم قال: وتقديم الحال على العامل فيه من الظرف لا يجوز إلا عند الأخفش،
~~ومن منع جعله منصوبا على إضمار أعني))، وأنت تعلم أن من يجوز مجيء الحال ms05843
~~من المبتدأ لا يحتاج إلى ذلك.

### || [17.83]

# { وإذا أنعمنا } بالصحة والسعة ونحوهما { على الإنسن }
~~أي جنسه فيكفي في صحة الحكم وجوده في بعض الأفراد ولا يضر وجود نقيضه في
~~البعض الآخر، وقيل: المراد به الوليد بن المغيرة { أعرض } عن ذكرنا
~~كأنه مستغن عنا فضلا عن القيام بمواجب شكرنا { ونأى بجانبه }
~~لوى عطفه عن طاعتنا وولاها ظهره. وأصل معنى النأي البعد وهو تأكيد
~~للإعراض بتصوير صورته فهو أو في بتأدية المراد منه، ومثله يجوز عطفه
~~لإيهام المغايرة بينهما وهو أبلغ من ترك العطف على ما بين في محله، على
~~أن ما ذكره أهل المعاني من أن التأكيد يتعين فيه ترك العطف لكمال الاتصال
~~غير مسلم. والجانب على ظاهره والمراد ترك ذلك، ويجوز أن يكون كناية عن
~~الاستكبار فإن ثني العطف من أفعال المستكبرين ولا يبعد أن يراد بالجانب
~~النفس كما يقال جاء من جانب فلان كذا أي منه وهو كناية أيضا كما يعبر
~~بالمقام والمجلس عن صاحبه. وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان { وناء } هنا
~~وفي فصلت فقيل ذلك من باب القلب ووضع العين محل اللام كراء ووراء، وقيل
~~لا قلب وناء بمعنى نهض كما في قوله:

# حتى إذا ما التأمت مفاصله

# وناء في شق الشمال كاهله

# أي نهض متوكئا على شماله، وفسر نهض هنا بأسرع والكلام على تقدير مضاف
~~أي أسرع بصرف جانبه، وقيل: معناه تثاقل عن أداء الشكر فعل المعرض.

# { وإذا مسه الشر } من مرض أو فقر أو نازلة من النوازل {
~~كان يؤسا } شديد اليأس من رحمتنا لأنه لم يحسن معاملتنا في الرخاء
~~حتى يرجو فضلنا في الشدة. وفي إسناد المساس إلى الشر بعد إسناد الأنعام
~~إلى ضميره تعالى إيذان بأن الخير مراد بالذات والشر ليس كذلك لأن ذلك هو
~~الذي يقتضيه الكرم المطلق والرحمة الواسعة وإلى ذلك الإشارة بقوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك "

# وللفلاسفة ومن يحذو حذوهم في ذلك بحث طويل لا بأس بالاطلاع عليه ليؤخذ
~~منه ما صفا ويترك منه ms05844 ما كدر قالوا: إن الأول تعالى تام القدرة والحكمة
~~والعلم كامل في جميع أفاعيله لا يتصور بخله بإفاضة الخيرات وليس الداعي
~~له لذلك إلا علمه بوجوه الخير ومصالح الغير الذي هو عين ذاته كسائر صفاته
~~وأما النقائص والشرور الواقعة في ضرب من الممكنات وعدم وصولها إلى كمالها
~~المتصور في حقها فهي لقصور قابلياتها ونقص استعداداتها لا من بخل الحق
~~تعالى مجده عن ذلك. / وقصور القابلية ينتهي في الآخرة إلى لوازم الماهيات
~~الإمكانية ومنبعها الإمكان وتحقيق ذلك أن الشر يطلق عرفا على معنيين:
~~أحدهما ما هو عدم كالفقر والجهل البسيط وهذا على ضربين، الأول عدم محض
~~ليس بإزاء الوجود الذي يطلبه طباع الشيء ولا مما يمكن حصوله له من
~~الكمالات والخيرات كقصور الممكن عن الوجود الواجبي والوجوب الذاتي وقصور
~~بعض الممكنات عن بعض كقصور الأجسام عن النفوس فالخير الذي يقابل هذا
~~منحصر في الواجب تعالى إذ له الكمال المطلق والوجود الحق بلا جهة إمكانية
~~بوجه من الوجوه وما عداه من المهيآت المعروضة للوجود لا يخلو من شوب شرية
~~ما وظلم ما على تفاوت إمكاناتهم حسب تفاوت طبقاتهم في البعد عن ينبوع
~~الوجود ومطلع نور الخير والجود، وهذا الشر منبعه الإمكان الذاتي، والثاني
~~ما يكون عدم ما يطلبه الشيء أو ما يمكن حصوله له من الكمالات ولا يتصور
~~هذا في غير الماديات إذ الإبداعيات يكون وجودها على أكمل ما يتصور في
~~حقها فلا يكون لها شرية بهذا المعنى وما عداها من المتعلقة بالمادة لا
~~تخلو من شرية على تفاوت إمكاناتها الاستعدادية بحسب تفاوت مراتبها في
~~التعلق بالهيولى وهذا الشر منبعه الهيولى ومنبعها الإمكان إذ لولاه ما
~~صدرت من مصدرها فآل الشر إلى الإمكان كما سمعت أولا.

# وثانيهما: ما يمنع الشيء عن الوصول إلى الخير الممكن في حقه من الوجود
~~أو كمال الوجود كالبرد والحر المفسدين للثمار والمطر المانع للقصار عن
~~تبييض الثياب والأخلاق الذميمة المانعة للنفس عن وصولها إلى كمالها
~~العقلي كالبخل والإسراف والجهل المركب والسفاهة والأفعال الذميمة كالزنا
~~والسرقة والنميمة وأشباه ms05845 ذلك من الآلام والغموم وغير ذلك من الأشياء
~~الوجودية لكن يتبعها إعدام، وإطلاق الشر عندهم على المعنى الأول حقيقة
~~وعلى الثاني مجاز لأن الشر الحقيقي لا ذات له بل هو إما عدم ذات أو عدم
~~كمال لذات، والبرهان عليه أنه لو كان أمرا وجوديا فلا يخلو إما أن يكون
~~شرا لنفسه أو لغيره والأول باطل وإلا لما وجد إذ الشيء لا يقتضي لذاته
~~عدمه أو عدم كماله كيف وجميع الأشياء طالبة لكمالاتها لا مقتضية لعدمها
~~مع أنه لو اقتضى كان الشر ذلك العدم لا نفسه وكذا الثاني لأن كونه لغيره
~~إما لأنه لعدم ذلك الغير أو لأنه لعدم بعض كمالاته فإنه لو لم يكن معدما
~~لشيء أصلا لا لوجوده ولا لكمال وجوده لم يكن شرا لذلك الشيء ضرورة أن
~~كل ما لا يوجب عدم شيء ولا عدم كمال له لا يكون شرا له فإذا ليس الشر
~~إلا عدم ذلك الشيء أو عدم كماله لا نفس الأمر الوجودي المعدم بل هو في
~~ذاته من الكمالات النفسانية أو الجسمانية كالظلم فإنه وإن كان شرا
~~بالقياس إلى المظلوم وإلى النفس الناطقة التي كمالها في تسخير قواها
~~وكسرها لكنه خير بالقياس إلى القوة الغضبية التي كمالها بالانتقام، وكذا
~~الإحراق كمال للنار وشر لمن يتضرر به فعلم أن الشر أما عدم ذات أو عدم
~~كمال لها فالوجود من حيث إنه وجود خير محض والعدم من حيث أنه عدم شر محض،
~~ثم إنك قد علمت أن الشر الذي هو بمعنى العدم منه ما هو من لوازم الماهيات
~~التي لا علة لها ومنه ما لا يكون من هذا القبيل بل قد يلحق الماهيات لا
~~من ذاتها فلا بد له من علة والكلام ليس في الأول الذي لا لمية له إذ قد
~~تقرر أنه ليس للماهيات في كونها ممكنة ولا في حاجتها إلى علة لوجودها علة
~~ولا لقصور الممكن عن الواجب بذاته ولا لتفاوت مراتب هذا النقصان في
~~الماهيات علة بل إنما ذلك لاختلاف الماهيات في حدود ذاتها ms05846 لا لأمر خارج
~~عنها كيف ولو كان النقص في جميعها متشابها لكانت الماهيات ماهية واحدة
~~بل الكلام في الثاني وهو عدم ما هو من الأمور الزائدة على مقتضى النوع /
~~كالجهل بالفلسفة للإنسان مثلا فإن ذلك ليس شرا له لأجل كونه إنسانا بل
~~لأجل أنه فقد لما اقتضاه شخص مستعد له مشتاق إليه من حيث أنه وجد فيه هذا
~~الاستحقاق والاشتياق الذي لا صلاح في أن يعم.

# وهذا الشر إنما يوجد في الأشياء على سبيل الندرة فكل ما وجد فهو خير محض
~~أو خيره أكثر من شره، وأما ما يكون شرا محضا أو مستولي الشرية أو
~~متساوي الطرفين فمما لا وجود له أصلا حتى يحتاج فيه إلى منشأ سوى الواجب
~~تعالى الذي هو خير محض لا يوجد منه شر أصلا كما توهمه كفرة المجوس، ثم
~~كل ما كان خيرا محضا أو كان خيره أكثر يصدر من الواجب بمقتضى أن من
~~شأنه إفاضة الخير لأن ترك الأول شر محض وترك الثاني شر غالب، وعالم
~~العناصر من القسم الثاني فإن إيجابه للشرور على الوجه النادر ولا تسوغ
~~عناية المبدع ورحمة الجواد إهماله وإلا لزم خير كثير لشر قليل وهو شر
~~كثير على أنها إنما تكون للنفع في أشياء لو لم تخلق لخلق سربال الوجود
~~وقصر رداء الجود وبقي في كتم العدم عوالم كثيرة ونفائس جمة غفيرة فمن هذه
~~الحيثية يكون ذلك الشر القليل مقتضيا بالذات وهي مع ذلك إنما توجد تحت
~~كرة القمر في بعض جوانب الأرض التي هي حقيرة بل لا شيء بالنسبة إلى ما
~~عند ربك سبحانه وتكون لبعض الأشخاص في بعض الأوقات وليست أيضا شرورا
~~بالنسبة إلى نظام الكل فإذا تصورت ذرة الشر في أبحر أشعة شمس الخير لا
~~يضرها بل يزيدها بهاء وجمالا وضياء وكمالا كالشامة السوداء على الصورة
~~المليحة البيضاء يزيدها حسنا وملاحة وإشراقا وصباحة. ولا يخفى أن هذا
~~إنما يتم على القول بأنه تعالى لا يمكن أن تكون إرادته متساوية النسبة
~~إلى الشيء ومقابله بلا داع ومصلحة ms05847 كما هو مذهب الأشاعرة وإلا فقد يقال:
~~إن الفاعل للكل إذا كان مختارا فله أن يختار أيما شاء من الخيرات
~~والشرور لكن الحكماء وأساطين الإسلام قالوا: إن اختياره تعالى أرفع من
~~هذا النمط وأمور العالم منوطة بقوانين كلية وأفعاله تعالى مربوطة بحكم
~~ومصالح جلية وخفية.

# وقول الإمام: إن الفلاسفة لما قالوا بالإيجاب والجبر في الأفعال فخوضهم
~~في هذا المبحث من جملة الفضول والضلال لأن السؤال بلم عن صدورها غير وارد
~~كصدور الإحراق من النار لأنه يصدر عنها لذاتها ناشىء من التعصب لأن
~~محققيهم يثبتون الاختيار وليس صدور الأفعال من الله تعالى عندهم صدور
~~الإحراق من النار، وبعد فرض التسليم بحثهم عن كيفية وقوع الشر في هذا
~~العالم لأجل أن الباري تبارك اسمه خير محض بسيط عندهم ولا يجوزون صدور
~~الشر عما لا جهة شرية فيه أصلا فيلزم عليهم في بادىء النظر إثبات ما
~~افترته الثنوية من مبدأين خيري وشري فتخلصوا عن ذلك بذلك البحث فهو فضل
~~لا فضول، وبالجملة ما يصدر عنه تعالى إما ما هو بريء بالكلية عن الشر
~~وإما ما يلزمه شر قليل وفي تركه شر كثير ولا يصدر عنه تعالى ذلك أيضا في
~~حق شخص إلا بعد طلب ماهيته له في نفسها كما يشير إليه قوله تعالى:

# الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى

# [طه: 50] إلى غير ذلك من الآيات. وفي «الإشارات» و«شروحها» كلام طويل
~~يتعلق بهذا المقام ولعل فيما ذكرنا كفاية لذوي الأفهام.

# هذا ثم إنه سبحانه بعد ذكر حال القرآن بالنسبة إلى المؤمنين وإلى
~~الكافرين وبين حال الكافر في حالي الإنعام ومقابله ذكر ما يصلح جوابا
~~لمن يقول: لم كان الأمر كذلك؟ فقال عز قائلا: { قل كل يعمل
~~على شاكلته }.

### || [17.84]

# { قل كل } أي واحد من المؤمن والكافر والمعرض والمقبل والراجي
~~والقانط { يعمل } / عمله { على شاكلته } أي على مذهبه
~~وطريقته التي تشاكل حاله وما هو عليه في نفس الأمر وتشابهه في الحسن
~~والقبح من قولهم طريق ذو شواكل أي طرق تتشعب منه وهو مأخوذ من ms05848 الشكل بفتح
~~الشين أي المثل والنظير ويقال لست من شكلي ولا شاكلتي وأما الشكل بكسر
~~الشين فالهيئة يقال جارية حسنة الشكل أي الهيئة، وظاهر عبارة «القاموس»
~~أن كلا من الشكل والشكل يطلق على المثل والهيئة. وهذا التفسير مروي عن
~~الفراء والزجاج واختاره الزمخشري وغيره لقوله تعالى: { فربكم }
~~الذي برأكم متخالفين { أعلم بمن هو أهدى سبيلا } أسد
~~طريقا وأبين منهاجا وفسر مجاهد الشاكلة بالطبيعة على أنها من شكلت
~~الدابة إذا قيدتها أي على طبيعته التي قيدته لأن سلطان الطبيعة على
~~الإنسان ظاهر وهو ضابط له وقاهر. وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما ومثل ذلك في المأخذ تفسير بعضهم بالعادة ومن مشهور كلامهم العادات
~~قاهرات، وكذا تفسير ابن زيد لها بالدين وكلا التفسيرين دون الأولين. ولعل
~~الدين هنا بمعنى الحال وهو أحد معانيه.

# وجوز الإمام وغيره أن يكون المراد أن كل أحد يفعل على وفق ما شاكل جوهر
~~نفسه ومقتضى روحه فإن كانت نفسا مشرقة خيرة طاهرة علوية صدرت عنه أفعال
~~فاضلة كريمة { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه
~~} وإن كانت نفسا كدرة نذلة خبيثة ظلمانية سفلية صدرت عنه أفعال خسيسة
~~فاسدة

# والذى خبث لا يخرج إلا نكدا

# [الأعراف: 58] واختار أن النفوس الناطقة البشرية مختلفة الماهية ولذا
~~اختلفت آثارها. وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى قريبا. ولا يرد
~~أن خسة الأفعال وشرافتها إذا كانتا تابعتين لخسة النفس وشرافتها وهما
~~أمران خلقيان لا مدخل للاختيار فيهما فعلام المدح والذم والثواب والعقاب
~~لأنهم قالوا: إن ذلك لأمر ذاتي وهو حسن استعداد النفس في نفسها وسوء
~~استعدادها أيضا في نفسها ولا تثاب النفس ولا تعاقب إلا لاستعدادها في
~~الأزل وطلبها لذلك بلسان حالها والمشهور إطلاق القول بأن ذلك غير مجعول
~~وإنما المجعول وجوده وإبرازه على طبق ما هو عليه في نفسه فاعملوا فكل
~~ميسر لما خلق له ومن وجد خيرا فليحمد الله تعالى ومن وجد غير ذلك فلا
~~يلومن إلا نفسه وقال بعض: إنه مجعول بالجعل البسيط على معنى أنه ms05849 أثر
~~الفيض الأقدس الذي هو مقتضى ذاته عز وجل بطريق الإيجاب ويجري نحو هذا في
~~الوجهين الأولين.

# وقال بعض المتأخرين من فلاسفة الإسلام المتصدين للجمع برأيهم بين
~~الشريعة؛ والفلسفة: إن ذات الإنسان بحسب الفطرة الأصلية لا تقتضي إلا
~~الطاعة واقتضاؤها للمعصية بحسب العوارض الغريبة الجارية مجرى المرض
~~والخروج عن الحالة الطبيعية فيكون ميلها للمعصية مثل ميل منحرف المزاج
~~الأصلي إلى أكل الطين، وقد ثبت في الحكمة أن الطبيعة بسبب عارض غريب تحدث
~~في جسم المريض مزاجا خاصا يسمى مرضا فالمرض من الطبيعة بتوسط العارض
~~الغريب كما أن الصحة منها، وفي الحديث القدسي:

# " إني خلقت عبادي كلهم حنفاء وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم "

# ، وفي الأثر

# " كل مولود يولد على فطرة الإسلام ثم أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه "

# أي بواسطة الشياطين أو المراد بهم ما يعم شياطين الإنس والجن أو
~~الشياطين كناية عن العوارض الغريبة فالخلق لو لم يحصل لهم مس من الشيطان
~~ماعصوا ولبقوا على / فطرتهم لكن مسهم الشيطان ففسدت عليهم فطرتهم الأصلية
~~فاقتضوا أشياء منافية لهم مضادة لجوهرهم البهي الإلهي من الهيئات
~~الظلمانية ونسوا أنفسهم وما جبلوا عليه

# ولولا المزعجات من الليالي

# لما ترك القطا طيب المنام

# ولذا احتاجوا إلى رسل يبلغونهم آيات الله تعالى ويسنون لهم ما يذكرهم
~~عهد ذواتهم من نحو الصلاة والصيام والزكاة وصلة الأرحام ليعودوا إلى
~~فطرتهم الأصلية ومقتضى ذاتهم البهية ويعتدل مزاجهم ويتقوم اعوجاجهم، ولذا
~~قيل: الأنبياء أطباء وهم أعرف بالداء والدواء، ثم إن ذلك المرض الذي عرض
~~لذواتهم والحالة المنافية التي قامت بهم لولا أن وجدوا من ذواتهم قبولا
~~لعروضهما لهم ورخصة في لحوقهما بهم لم يكونا يعرضان ولا يلحقان فإذا كان
~~مما تقتضيه ذواتهم أن تلحقهم أمور منافية مضادة لجواهرهم فإذا لحقتهم تلك
~~الأمور اجتمعت فيها جهتان الملاءمة والمنافاة أما كونها ملائمة فلكون
~~ذواتهم اقتضتها، وأما كونها منافية فلأنها اقتضتها على أن تكون منافية
~~لهم فلو لم تكن منافية لم يكن ما فرض مقتضى لها بل أمرا آخر، وانظر إلى
~~طبيعة التي تقتضي ms05850 يبوسة حافظة لأي شكل كان حتى صارت ممسكة للشكل القسري
~~المنافي لكرويتها الطبيعية ومنعت عن العود إليها فعروض ذلك الشكل للأرضية
~~لكونها مقسورة من وجه ومطبوعة من وجه فالإنسان عند عروض مثل هذا المنافي
~~ملتذ متألم سعيد شقي ملتذ ولكن لذته ألمه سعيد ولكن سعادته شقاوته وهذا
~~لعمرك أمر عجيب لكنه أوضح بنمط غريب، ومن تأمل وأنصف ظهر له أن لا ملخص
~~لكثير من الشبهات في هذا الفصل إلا بالذهاب إلى القول بالاستعداد الأزلي
~~وأن لكل شيء حالة في نفسه مع قطع النظر عن سائر الاعتبارات لا يفاض عليه
~~إلا هي لئلا يلزم انقلاب العلم جهلا وهو من أعظم المستحيلات والإثابة
~~والتعذيب تابعان لذلك فسبحان الحكيم المالك فتثبت فكم قد زلت في هذا
~~المقام أقدام أعلام كالأعلام نسأل الله تعالى أن ينور أفهامنا ويثبت
~~أقدامنا ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

# ثم اعلم أنه روي عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: لم أر
~~في القرآن أرجى من هذه الآية لا يشاكل بالعبد إلا العصيان ولا يشاكل
~~بالرب إلا الغفران قال ذلك حين تذاكروا القرآن فقال عمر: لم أر آية أرجى
~~من التي فيها

# غافر الذنب وقابل التوب

# [غافر: 3] قدم الغفران قبل قبول التوبة، وقال عثمان: لم أر آية أرجى من

# نبىء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم

# [الحجر: 49]. وقال علي كرم الله تعالى وجهه: لم أر أرجى من

# يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم

# [الزمر: 53] الآية، وقيل في الأرجى غير ذلك وسيمر عليك إن شاء الله
~~تعالى لكن ما قاله الصديق لا يتأتى إلا على تقدير أن يراد كل أحد مطلقا
~~يعمل على شاكلته فافهم.

### || [17.85]

# { ويسئلونك عن الروح } الظاهر عند المنصف أن السؤال كان عن
~~حقيقة الروح الذي هو مدار البدن الإنساني ومبدأ حياته لأن ذلك من أدق
~~الأمور التي لا يسع أحدا إنكارها ويشرئب كل إلى معرفتها وتتوفر دواعي
~~العقلاء إليها وتكل الأذهان عنها ولا تكاد تعلم إلا بوحي. وزعم ابن القيم
~~أن المسؤول عنه ms05851 الروح / الذي أخبر الله تعالى عنه في كتابه أنه يقوم يوم
~~القيامة مع الملائكة عليهم السلام قال لأنهم إنما يسألونه عليه الصلاة
~~والسلام عن أمر لا يعرف إلا بالوحي وذلك هو الروح الذي عند الله تعالى لا
~~يعلمه الناس، وأما أرواح بني آدم فليست من الغيب إلى آخر ما قال وقد
~~أطال. وفي «البحور الزاخرة» إن هذا هو الذي عليه أكثر السلف بل كلهم،
~~والحق ما ذكرنا وهو الذي عليه الجمهور كما نص عليه في «البحر» وغيره. نعم
~~ما زعمه ابن القيم مروي عن بعض السلف فقد أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن
~~ابن عباس أنه قال: الروح خلق من خلق الله تعالى وصورهم على صورة بني آدم
~~وما ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد من الروح ثم تلا:

# يوم يقوم الروح والملئكة

# [النبأ: 38]. وأخرج أبو الشيخ وغيره من طريق عطاء عنه رضي الله تعالى
~~عنه أنه قال في الروح المسؤول عنه: هو ملك واحد له عشرة آلاف جناح جناحات
~~منها ما بين المشرق والمغرب له ألف وجه لكل وجه لسان وعينان وشفتان يسبح
~~الله تعالى بذلك إلى يوم القيامة. وأخرج هو وغيره أيضا عن علي كرم الله
~~تعالى وجهه أنه قال فيه: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه لكل وجه
~~منها سبعون ألف لسان لكل لسان منها سبعون ألف لغة يسبح الله تعالى بتلك
~~اللغات كلها يخلق الله تعالى من كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى
~~يوم القيامة. وتعقب هذا بأنه لا يصح عن علي كرم الله تعالى وجهه وطعن
~~الإمام في ذلك بما طعن. وأخرج ابن الأنباري في كتاب «الأضداد» عن مجاهد
~~أنه قال: الروح خلق من الملائكة عليهم السلام لا يراهم الملائكة كما لا
~~ترون أنتم الملائكة. وأخرج أبو الشيخ عن سلمان أنه قال: الإنس والجن عشرة
~~أجزاء فالإنس جزء والجن تسعة أجزاء والملائكة والجن عشرة أجزاء فالجن من
~~ذلك جزء والملائكة تسعة والملائكة والروح عشرة أجزاء فالملائكة من ذلك
~~جزء والروح ms05852 تسعة أجزاء والروح والكروبيون عشرة أجزاء فالروح من ذلك جزء
~~والكروبيون تسعة أجزاء، وقال الحسن وقتادة: الروح هو جبرائيل عليه السلام
~~وقد سمي روحا في قوله تعالى:

# نزل به الروح الأمين * على قلبك

# [الشعراء: 193-194] والسؤال عن كيفية نزوله وإلقائه الوحي إليه عليه
~~الصلاة والسلام. وقال بعضهم هو القرآن وقد سمي روحا في قوله تعالى:

# وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا

# [الشورى: 52] وقيل غير ذلك. وزعم بعضهم أن السؤال عن حدوث الروح بالمعنى
~~الأول وقدمه وليس بشيء كما ستسمعه إن شاء الله تعالى.

# وضمير يسألون لليهود فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله
~~تعالى عنه قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في خرب المدينة
~~وهو متكىء على عسيب فمر بقوم من اليهود فقال بعضهم لبعض سلوه عن الروح
~~وقال بعضهم: لا تسألوه فسألوه فقالوا: يا محمد ما الروح؟ فما زال متوكئا
~~على العسيب فظننت أنه يوحى إليه فلما نزل الوحي قال { ويسئلونك
~~عن الروح } الآية، وقال بعضم: لقريش لما أخرج أحمد والنسائي
~~والترمذي والحاكم وصححاه وابن حبان وجماعة عن ابن عباس قال قالت قريش
~~لليهود أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل فقالوا سلوه عن الروح فسألوه فنزلت {
~~ويسئلونك } الخ. وفي السير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن
~~قريشا بعثت النضر بن الحرث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة
~~وقالوا لهم سلوهم محمدا فإنهم أهل كتاب عندهم من العلم ما ليس عندنا
~~فخرجا حتى قدما المدينة فسألوهم فقالوا سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي
~~القرنين وعن الروح فإن أجاب عنها أو سكت / فليس بنبي وإن أجاب عن بعض
~~وسكت عن بعض فهو نبي فجاؤا وسألوه فبين لهم صلى الله عليه وسلم القضيتين
~~وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة. والآية على هذا وما قبله مكية وعلى
~~خبر «الصحيحين» مدنية؛ وجمع بعضهم بين ذلك بأن الآية نزلت مرتين فتدبر.
~~وأيا ما كان فوجه تعقيب ما تقدم بها إن فسر الروح بالقرآن ظاهر ملائم
~~لقوله ms05853 تعالى:

# وننزل من القرءان ما هو شفاء ورحمة

# [الإسراء: 82] ولما بعده من الامتنان عليه وعلى متبعيه بحفظه في الصدور
~~والبقاء وكذلك إن فسر بجبرائيل عليه السلام، وأما على قول الجمهور فقد
~~ورد معترضا دلالة على خسار الظالمين وضلالهم وأنهم مشتغلون عن تدبر
~~الكتاب والانتفاع به إلى التعنت بسؤال ما اقتضت الحكمة سد طريق معرفته،
~~ويقال نحو هذا على القول المروي عن بعض السلف.

# { قل الروح } أظهر في مقام الإضمار إظهارا لكمال الاعتناء { من
~~أمر ربى } كلمة { من } تبعيضية، وقيل: بيانية والأمر واحد الأمور
~~بمعنى الشأن والإضافة للاختصاص العلمي لا الإيجادي إذ ما من شيء إلا وهو
~~مضاف إليه عز وجل بهذا المعنى، وفيها من تشريف المضاف ما لا يخفى كما في
~~الإضافة الثانية من تشريف المضاف إليه أي هي من جنس ما استأثر الله تعالى
~~بعلمه من الأسرار الخفية التي لا تكاد تدركها عيون عقول البشر.

# { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } لا يمكن تعلقه
~~بأمثال ذلك، وهذا على ما قيل ترك للبيان ونهي لهم عن السؤال. أخرج ابن
~~إسحاق وابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت هذه الآية بمكة فلما هاجر صلى
~~الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه أحبار يهود فقالوا: يا محمد ألم يبلغنا
~~عنك أنك تقول: { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا }
~~أفعنيتنا أم قومك قال: كلا قد عنيت قالوا: فإنك تتلو أنا أوتينا التوراة
~~وفيها تبيان كل شيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي في علم الله
~~تعالى قليل وقد آتاكم الله تعالى ما إن عملتم به انتفعتم فأنزل الله
~~تعالى

# ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام

# [لقمان: 27] إلى قوله سبحانه:

# إن الله سميع بصير

# [لقمان: 28] وكأنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن المراد في الآية

# تبيانا لكل شيء

# [النحل: 89] من الأمور الدينية ولا شك أنها أقل قليل بالنسبة إلى
~~معلومات الله تعالى التي لا نهاية لها، وبهذا يرد على القائل بالعموم
~~الحقيقي.

# وفي رواية النسائي وابن حبان والترمذي والحاكم وصححاها ms05854 أن اليهود قالوا
~~حين نزلت الآية: أوتينا علما كثيرا أوتينا التوراة ومن أوتي التوراة
~~فقد أوتي خيرا كثيرا فأنزل الله تعالى:

# قل لو كان البحر

# [الكهف: 109] الآية، ولا يخفى أن هذا أيضا لا يلزم منه التناقض لأن
~~الكثرة والقلة من الأمور الإضافية فالشيء يكون قليلا بالنسبة إلى ما
~~فوقه وكثيرا بالنسبة إلى ما تحته فما في التوراة قليل بالنسبة إلى ما في
~~علم الله تعالى شأنه كثير بالنسبة إلى أمر آخر. وفي رواية أخرجها ابن
~~مردويه عن عكرمة أنه صلى الله عليه وسلم لما قال ذلك قال اليهود: نحن
~~مختصون بهذا الخطاب فقال: بل نحن وأنتم فقالوا: ما أعجب شأنك ساعة تقول:

# ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا

# [البقرة: 269] وساعة تقول: هذا فنزل

# ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام

# [لقمان: 27] الخ، ولا يلزم منه التناقض أيضا على نحو ما تقدم بأن يقال
~~الحكمة الإنسانية أن يعلم من الخير ما تسعه القوة البشرية بل ما ينتظم به
~~أمر المعاش والمعاد وهو قليل بالنسبة إلى معلوماته تعالى كثير بالنسبة
~~إلى غيرها.

# وإلى تعميم الخطاب بحيث يشمل الناس أجمعين ذهب ابن جريج كما أخرجه عنه
~~ابن جرير وابن المنذر لكن يعكر على القول بالعموم ظاهر / قراءة ابن مسعود
~~والأعمش { وما أوتوا } فإنه يقتضي الاختصاص بالسائلين، والحديث الأخير
~~الذي هو نص فيه قال العراقي: إنه غير صحيح، والحديث الأول الله تعالى
~~أعلم بحاله. وقال غير واحد: معنى كون الروح من أمره تعالى أنه من
~~الإبداعيات الكائنة بالأمر التكويني من غير تحصل من مادة وتولد من أصل
~~كالجسد الإنساني فالمراد من الأمر واحد الأوامر أعني (كن) والسؤال عن
~~الحقيقة والجواب إجمالي، ومآله أن الروح من عالم الأرض مبدعة من غير مادة
~~لا من عالم الخلق وهو من الأسلوب الحكيم كجواب موسى عليه السلام سؤال
~~فرعون إياه

# وما رب العالمين

# [الشعراء: 23] إشارة إلى أن كنه حقيقته مما لا يحيط به دائرة إدراك
~~البشر وإنما الذي يعلم هذا المقدار الإجمالي المندرج تحت ما استثنى بقوله ms05855
~~تعالى: { وما أوتيتم من االعلم إلا قليلا } أي إلا علما
~~قليلا تستفيدونه من طرق الحواس فإن تعقل المعارف النظرية إنما هو في
~~الأكثر من إحساس الجزئيات ولذلك قيل: من فقد حسا فقد فقد علما، ولعل
~~أكثر الأشياء لا يدركه الحس لكونه غير محسوس أو محسوسا منع من إحساسه
~~مانع كالغيبة مثلا وكذا لا يدرك شيئا من عرضياته ليرسمه بها فضلا عن أن
~~ينتقل منها الفكر إلى الذاتيات ليقف على الحقيقة.

# وظاهر كلام بعضهم أن الوقوف على كنه الروح غير ممكن فلا فرق عنده بين
~~الجوابين. وفرق الخفاجي بأن بيان كنه الروح ممكن بخلاف كنه الذات الأقدس.
~~وفي «الكشف» أن سبيل معرفة الروح إزالة الغشاء عن أبصار القلوب باجتلاء
~~كحل الجواهر من كلام علام الغيوب فهو عند المكتحلين أجلى جلي وعند
~~المشتغلين أخفى خفي. ويشكل على هذا ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الله
~~بن بريدة قال: لقد قبض النبي صلى الله عليه وسلم وما يعلم الروح، ولعل
~~عبد الله هذا يزعم أنها يمتنع العلم بها وإلا فلم يقبض رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم حتى علم كل شيء يمكن العلم به كما يدل عليه ما أخرجه
~~الإمام أحمد. والترمذي وقال: حديث صحيح وسئل البخاري عنه فقال: حديث حسن
~~صحيح عن معاذ رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال:

# " إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا
~~أنا بربي عز وجل في أحسن صورة فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟
~~قلت: لا أدري رب قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب
~~قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى قلت لا أدري رب فرأيته وضع كفه بين
~~كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري وتجلى لي كل شيء وعرفت "

# الحديث و (رأيت) يعلم في الخبر السابق في بعض الكتب مضبوطا بالبناء
~~للمفعول والروح مضبوطا بالرفع والاشكال على ذلك أوهن إلا أنه خلاف
~~الظاهر. ويفهم من كلام بعض متأخري ms05856 الصوفية أنه يمتنع الوقوف على حقيقة
~~الروح بل ذكر هذا البعض أن حقيقة جميع الأشياء لا يوقف عليها وهو مبني
~~على ما لا يخفى عليك ورده أو قبوله مفوض إليك. ثم إن لي في هذا الوجه
~~وقفة فإن الظاهر أن إطلاق عالم الأمر على الكائن من غير تحصل من مادة
~~وتولد من أصل وإطلاق عالم الخلق على خلافه محض اصطلاح لا يعرف للعرب ولا
~~يعرفونه، وفي الاستدلال عليه بقوله تعالى:

# ألا له الخلق والأمر

# [الأعراف: 54] ما لا يخفى على منصف.

# هذا وذكر الإمام ((أن السؤال عن الروح يقع على وجوه كثيرة وليس في قوله
~~تعالى: { ويسئلونك عن الروح } ما يدل على وجه منها إلا أن
~~الجواب المذكور لا يليق إلا بوجهين منها الأول كونه سؤالا عن الماهية؛
~~والثاني كونه سؤالا عن القدم والحدوث، وحاصل الجواب على الأول أنها جوهر
~~بسيط مجرد محدث بأمر الله تعالى وتكوينه وتأثيره إفادة الحياة للجسد ولا
~~يلزم من عدم العلم / بحقيقته المخصوصة [نفيه] فإن أكثر حقائق الأشياء [و]
~~ماهياتها مجهولة ولم يلزم من كونها مجهولة نفيها ويشير إليه { وما
~~أوتيتم من العلم إلا قليلا } ومبنى هذا أيضا الفرق بين
~~عالم الأمر وعالم الخلق وقد سمعت ما فيه، وحاصل الجواب على الثاني أنه
~~حادث حصل بفعل الله تعالى وتكوينه وإيجاده، وجعل قوله تعالى: { وما
~~أوتيتم من العلم إلا قليلا } احتجاجا على الحدوث بمعنى أن
~~الأرواح في مبدأ الفطرة تكون خالية عن العلوم والمعارف ثم يحصل فيها ذلك
~~فلا تزال في تغير من حال إلى حال وهو من أمارات الحدوث)) وأنت تعلم أن
~~حمل السؤال على ما ذكر وجعل الجواب إخبارا بالحدوث مع عدم ملاءمته لحال
~~السائلين لا يساعده التعرض لبيان قلة علمهم فإن ما سألوا عنه مما يفي به
~~علمهم حينئذ وقد أخبر عنه وجعل ذلك احتجاجا على الحدوث من أعجب الحوادث
~~كما لا يخفى على ذي روح والله تعالى أعلم.

# وههنا أبحاث لا بأس بإيرادها: البحث الأول: في شرح مذاهب الناس في
~~حقيقة الإنسان، وظاهر ms05857 كلام الإمام أن الاختلاف في حقيقته عين الاختلاف في
~~حقيقة الروح، وفي القلب من ذلك ما فيه فذهب جمهور المتكلمين إلى أنه
~~عبارة عن هذه البنية المحسوسة والهيكل المجسم المحسوس وهو الذي يشير إليه
~~الإنسان بقوله أنا، وأبطل ذلك الإمام بسبع عشرة حجة نقلية وعقلية لكن
~~للبحث في بعضها مجال، منها ما تقدم من أن أجزاء البنية متغيرة زيادة
~~ونقصانا وذبولا ونموا والعلم الضروري قاض بأن الإنسان من حيث هو أمر
~~باق من أول العمر إلى آخره وغير الباقي غير الباقي، ومنها أن الإنسان قد
~~يعتريه ما يشغله عن الالتفات إلى أجزاء بنيته كلا وبعضا ولا يغفل عن
~~نفسه المعينة بدليل أنه يقول مع ذلك الشاغل فعلت وتركت مثلا وغير
~~المعلوم غير المعلوم. ومنها أنه قد توجد البنية المخصوصة وحقيقة الإنسان
~~غير حاصلة فإن جبريل عليه السلام كثيرا ما رؤي في صورة دحية الكلبي
~~وإبليس عليه اللعنة رؤي في صورة شيخ نجدي وقد تنتفي البنية مع بقاء حقيقة
~~الإنسان فإن الممسوخ مثلا قردا باقية حقيقته مع انتفاء البنية المخصوصة
~~وإلا لم يتحقق مسخ بل إماتة لذلك الإنسان وخلق قرد، ومنها أنه جاء في
~~الخبر أن الميت إذا حمل على النعش رفرف روحه فوق النعش ويقول: يا أهلي،
~~ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حله ومن غير
~~حله ثم تركته لغيري فالهناء له والتبعة علي فاحذروا مثل ما حل بي فصرح
~~صلى الله عليه وسلم بأن هناك شيئا ينادي غير المحمول كان الأهل أهلا له
~~وكان الجامع للمال من الحلال والحرام وليس ذلك إلا الإنسان إلى غير ذلك
~~مما ذكره في «تفسيره».

# وقيل إن الإنسان هو الروح الذي في القلب، وقيل: إنه جزء لا يتجزأ في
~~الدماغ، وقيل: إنه أجزاء نارية مختلطة بالأرواح القلبية والدماغية وهي
~~المسماة بالحرارة الغريزية، وقيل: هو الدم الحال في البدن، وقيل وقيل إلى
~~نحو ألف قول والمعول عليه عند المحققين قولان:

# الأول أن الإنسان عبارة عن جسم نوراني علوي حي ms05858 متحرك مخالف بالماهية
~~لهذا الجسم المحسوس سار فيه سريان الماء في الورد والدهن في الزيتون
~~والنار في الفحم لا يقبل التحلل والتبدل والتفرق والتمزق مفيد للجسم
~~المحسوس الحياة وتوابعها ما دام صالحا لقبول الفيض لعدم حدوث ما يمنع من
~~السريان كالأخلاط الغليظة ومتى حدث ذلك حصل الموت لانقطاع السريان والروح
~~عبارة عن ذلك الجسم واستحسن هذا الإمام فقال هو مذهب قوي وقول شريف يجب
~~التأمل فيه فإنه شديد المطابقة لما ورد في الكتب الإلهية من أحوال
~~الحياة والموت، وقال ابن القيم في كتابه «الروح»: إنه الصواب ولا يصح
~~غيره وعليه دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة وذكر له
~~مائة دليل وخمسة أدلة فليراجع.

# / الثاني أنه ليس بجسم ولا جسماني وهو الروح وليس بداخل العالم ولا
~~خارجه ولا متصل به، ولا منفصل عنه ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير
~~والتصرف وهو قول أكثر الإلهيين من الفلاسفة. وذهب إليه جماعة عظيمة من
~~المسلمين منهم الشيخ أبو القاسم الراغب الأصفهاني وحجة الإسلام أبو حامد
~~الغزالي ومن المعتزلة معمر بن عباد السلمي ومن الشيعة الشيخ المفيد ومن
~~الكرامية جماعة ومن أهل المكاشفة والرياضة أكثرهم وقد قدمنا لك الأدلة
~~على ذلك، ومن أراد الإحاطة بذلك فليرجع إلى كتب الشيخين أبي علي وشهاب
~~الدين المقتول وإلى كتب الإمام الرازي ك «المباحث المشرقية» وغيره،
~~وللشيخ الرئيس رسالة مفردة في ذلك سماها ب «الحجج الغر» أحكمها وأتقنها
~~ما يبتني على تعقل النفس لذاتها وابن القيم زيف حججه في «كتابه» وهو كتاب
~~مفيد جدا يهب للروح روحا ويورث للصدر شرحا، واستدل الإمام على ذلك في
~~«تفسيره» بالآية المذكورة فقال: إن الروح لو كان جسما منتقلا من حالة
~~إلى حالة ومن صفة إلى صفة لكان مساويا للبدن في كونه متولدا من أجسام
~~اتصفت بصفات مخصوصة بعد أن كانت موصوفة بصفات أخر فإذا سئل رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم عنه وجب أن يبين أنه جسم كان كذا ثم صار كذا وكذا حتى صار
~~روحا مثل ما ذكر في كيفية ms05859 تولد البدن أنه كان نطفة ثم علقة ثم مضغة فلما
~~لم يقل ذلك وقال: هو من أمر ربي بمعنى أنه لا يحدث ولا يدخل في الوجود
~~إلا لأجل أن الله تعالى قال له كن فيكون دل ذلك على أنه جوهر ليس من جنس
~~الأجسام بل هو جوهر قدسي مجرد، ولا يخفى أن ذلك من الإقناعيات الخطابية
~~وهي كثيرة في هذا الباب، منها قوله تعالى:

# ونفخت فيه من روحى

# [الحجر: 29] وقوله سبحانه:

# وكلمته ألقها إلى مريم

# [النساء: 171] فإن هذه الإضافة مما تنبه على شرف الجوهر الإنسي وكونه
~~عريا عن الملابس الحسية، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام:

# " أنا النذير العريان "

# ففيه إلى تجرد الروح عن علائق الأجرام، وقوله صلى الله عليه وسلم:

# " إن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن "

# وفي رواية «على صورته»، وقوله عليه الصلاة والسلام:

# " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني "

# ففي ذلك إيذان بشرف الروح وقربه من ربه قربا بالذات والصفات مجردا عن
~~علائق الأجرام وعوائق الأجسام إلى غير ذلك مما لا يحصى وهو على هذا
~~المنوال وللبحث فيه مجال أي مجال. وكان ثابت بن قرة يقول: إن الروح متعلق
~~بأجسام سماوية نورانية لطيفة غير قابلة للكون والفساد والتفرق والتمزق
~~وتلك الأجسام سارية في البدن وهي ما دامت سارية كان الروح مدبرا للبدن
~~وإذا انفصلت عنه انقطع التعلق، وهو قول ملفق وأنا لا أستبعده.

# البحث الثاني في اختلاف الناس في حدوث الروح وقدمه: أجمع المسلمون على
~~أنه حادث حدوثا زمانيا كسائر أجزاء العالم إلا أنهم اختلفوا في أنه هل
~~هو حادث قبل البدن أم بعده؟ فذهب طائفة إلى الحدوث قبل منهم محمد بن نصر
~~المروزي وأبو محمد بن حزم الظاهري وحكاه إجماعا وقد افترى، واستدل لذلك
~~بما في «الصحيحين» من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال:

# " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف "

# قال ابن الجوزي في «تبصرته»: قال أبو سليمان الخطابي معنى هذا الحديث
~~الإخبار عن كون ms05860 الأرواح مخلوقة قبل الأجساد، وزعم ابن حزم أنها في برزخ
~~وهو منقطع العناصر فإذا استعد جسد لشيء منها هبط إليه وأنها تعود إلى ذلك
~~البرزخ بعد الوفاة ولا دليل لهذا من كتاب أو سنة.

# وبعضهم استدل على ذلك بخبر «خلق الله تعالى الأرواح قبل الأجساد بألفي
~~عام»، وتعقبه ابن القيم بأنه لا يصح إسناده، وذهب آخرون منهم حجة الإسلام
~~الغزالي إلى الحدوث بعد، ومن أدلة ذلك كما قال ابن القيم / الحديث الصحيح

# " إن خلق ابن آدم يجمع في بطن أمه أربعين يوما دما ثم يكون علقة مثل
~~ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح "

# ووجه الاستدلال أن الروح لو كان مخلوقا قبل لقيل، ثم يرسل إليه الملك
~~بالروح فيدخله فيه، وصرح في «روضة المحبين و نزهة المشتاقين» باختيار هذا
~~القول فقال إن القول بأن الأرواح خلقت قبل الأجساد قول فاسد وخطأ صريح،
~~والقول الصحيح الذي دل عليه الشرع والعقل أنها مخلوقة مع الأجساد وأن
~~الملك ينفخ الروح أي يحدثه بالنفخ في الجسد إذا مضى على النطفة أربعة
~~أشهر ودخلت في الخامس، ومن قال إنها مخلوقة قبل فقد غلط، وأقبح منه قول
~~من قال إنها قديمة انتهى، وفيه تأمل، ويوافق مذهب الحدوث قوله تعالى:

# ثم أنشأناه خلقا آخر

# [المؤمنون: 14] فليفهم.

# وذهب أفلاطون ومن تقدمه من الفلاسفة إلى قدم الروح وذهب المعلم الأول
~~إلى حدوثها مع حدوث البدن المستعد له كما ذهب إليه بعض الإسلاميين، وقد
~~تقدم الكلام في استدلال كل جرحا وتعديلا. ويقال هنا: إن المعلم الأول
~~قائل كغيره من الفلاسفة بتجرد الروح المسماة بالنفس الناطقة عندهم عن
~~المادة فكيف يسعه القول بحدوثها مع قولهم كل حادث زماني يحتاج إلى مادة؟
~~وأجيب بأن المادة ههنا أعم من المحل والمتعلق به والبدن مادة للنفس بهذا
~~المعنى، وأنت تعلم أن استعداد الشيء للشيء لا يكون إلا فيما إذا كان ذلك
~~مقترنا به لا مباينا عنه فالأولى أن يقال: إن البدن الإنساني لما
~~استدعى لمزاجه الخاص صورة مدبرة ms05861 له متصرفة فيه أي أمرا موصوفا بهذه
~~الصفة من حيث هو كذلك وجب على مقتضى جود الواهب الفياض وجود أمر يكون
~~مبدأ للتدابير الإنسية والأفاعيل البشرية ومثل هذا الأمر لا يمكن إلا أن
~~يكون ذاتا مدركة للكليات مجردة في ذاتها فلا محالة قد فاض عليه حقيقة
~~النفس لا من حيث إن البدن استدعاها بل من حيث عدم انفكاكها عما استدعاه
~~فالبدن استدعى باستعداده الخاص أمرا ماديا وجود المبدأ الفياض أفاد
~~جوهرا قدسيا وكما أن الشيء الواحد قد يكون على ما قرروه جوهرا وعرضا
~~باعتبارين كذلك يكون أمر واحد مجردا وماديا باعتبارين فالنفس الإنسانية
~~مجردة ذاتا مادية فعلا فهي من حيث الفعل من التدبير والتحريك مسبوقة
~~باستعداد البدن مقترنة به وأما من حيث الذات والحقيقة فمنشأ وجودها وجود
~~المبدأ الواهب لا غير فلا يسبقها من تلك الحيثية استعداد البدن ولا
~~يلزمها الاقتران في وجودها به ولا يلحقها شيء من مثالب الماديات إلا
~~بالعرض.

# ويمكن تأويل ما نقل عن أفلاطون في باب قدم النفس إلى هذا بوجه لطيف كذا
~~قاله بعض صدور المتأخرين فتأمله.

# البحث الثالث: اختلف الناس في الروح والنفس هل هما شيء واحد أم شيئان؟
~~فحكى ابن زيد عن أكثر العلماء أنهما شيء واحد فقد صح في الأخبار إطلاق كل
~~منهما على الآخر وما أخرجه البزار بسند صحيح عن أبي هريرة رفعه

# " إن المؤمن ينزل به الموت ويعاين ما يعاين يود لو خرجت نفسه والله
~~تعالى يحب لقاءه وأن المؤمن تصعد روحه إلى السماء فتأتيه أرواح المؤمنين
~~فيستخبرونه عن معارفه من أهل الدنيا "

# الحديث ظاهر في ذلك. وقال ابن حبيب: هما شيئان فالروح هو النفس المتردد
~~في الإنسان والنفس أمر غير ذلك لها يدان ورجلان ورأس وعينان وهي التي
~~تلتذ وتتألم وتفرح وتحزن وإنها هي التي تتوفى في المنام وتخرج وتسرح وترى
~~الرؤيا ويبقى الجسد دونها بالروح فقط لا يلتذ ولا يفرح حتى تعود، واحتج
~~بقوله تعالى:

# الله يتوفى الأنفس

# [الزمر: 42] الآية. وحكى ابن منده عن بعضهم أن النفس طينية ms05862 نارية والروح
~~نورية روحانية، وعن آخر أن / النفس ناسوتية والروح لاهوتية، وذكر أن أهل
~~الأثر على المغايرة وأن قوام النفس بالروح والنفس صورة العبد والهوى
~~والشهوة والبلاء معجون فيها ولا عدو أعدى لابن آدم من نفسه لا تريد إلا
~~الدنيا ولا تحب إلا إياها، والروح تدعو إلى الآخرة وتؤثرها. وظاهر كلام
~~بعض محققي الصوفية القول بالمغايرة ففي «منتهى المدارك» للمحقق الفرغاني
~~أن النفس المضافة إلى الإنسان عبارة عن بخار ضبابي منبعث من باطن القلب
~~الصنوبري حامل لقوة الحياة متجنس بأثر الروح الروحانية المرادة بقوله
~~تعالى:

# ونفخت فيه من روحى

# [الحجر: 29] الثابت تعينها في عالم الأرواح وأثرها واصل إلى هذا البخار
~~الحامل للحياة فالنفس إذن أمر مجتمع من البخار ووصف الحياة وأثر الروح
~~الروحانية وهذه النفس بحكم تجنسها بأثر الروح الروحانية متعينة لتدبير
~~البدن الإنساني قابلة لمعالي الأمور وسفاسفها كما قال سبحانه وتعالى:

# فألهمها فجورها وتقواها

# [الشمس: 8] والروح الروحانية أمر لا يكتنه والحق أنهما قد يتحدان
~~إطلاقا وقد يتغايران، وابن القيم اعتمد ما عليه الأكثرون من الاتحاد
~~ذاتا، وذكر غير واحد أنه هو الذي عليه الصوفية بيد أنهم قالوا: إن النفس
~~هي الأصل في الإنسان فإذا صقلت بالرياضة وأنواع الذكر والفكر صارت روحا
~~ثم قد تترقى إلى أن تصير سرا من أسرار الله تعالى.

# وتفصيل الكلام حينئذ في هذا المقام أن للنفس مراتب تترقى فيها، الأولى:
~~تهذيب الظاهر باستعمال النواميس الإلهية من القيام والصيام وغيرهما،
~~الثانية: تهذيب الباطن عن الملكات الردية والأخلاق الدنية، الثالثة: تحلي
~~النفس بالصور القدسية، الرابعة: فناؤها عن ذاتها وملاحظتها جلال رب
~~العالمين جل جلاله، ويقال في كيفية الترقي في هذه المراتب أن الإنسان أول
~~ما يولد فهو كباقي الحيوانات لا يعرف إلا الأكل والشرب ثم بالتدريج يظهر
~~له باقي صفات النفس من الشهوة والغضب والحرص والحسد وغير ذلك من الهيآت
~~التي هي نتائج الاحتجاب والبعد من معدن الجود والصفات الكمالية ثم إذا
~~تيقظ من سنة الغفلة وقام من نوم الجهل وبان له أن وراء هذه اللذات
~~البهيمية ms05863 لذات أخر وفوق هذه المراتب مراتب أخر كمالية يتوب عن اشتغاله
~~بالمنهيات الشرعية وينيب إلى الله تعالى بالتوجه إليه فيشرع في ترك
~~الفضول الدنيوية طلبا للكمالات الأخروية ويعزم عزما تاما ويتوجه إلى
~~السلوك إلى ملك الملوك من مقام نفسه فيهاجر منه ويقع في الغربة ويا طوبى
~~للغرباء وإن قيل: إنما الغربة للأحرار ذبح ثم إذا دخل في الطريق يزهد عن
~~كل ما يعوقه عن مقصوده ويصده عن معبوده فيتصف بالورع والتقوى والزهد
~~الحقيقي ثم يحاسب نفسه دائما في أقواله وأفعاله ويتهمها في كل ما تأمر
~~به وإن كان عبادة فإنها مجبولة على حب الشهوات ومطبوعة على الدسائس
~~الخفيات فلا ينبغي أن يأمنها ويكون على ثقة منها.

# يحكى عن بعض الأكابر أن نفسه لم تزل تأمره بالجهاد وتحثه عليه فاستغرب
~~ذلك ثم فطن أنها تريد أن تستريح من نصب القيام والصيام بالموت فلم يجبها
~~إلى ذلك فإذا خلص منها وصفا وقته وطاب عيشه بما يجده في طريق المحبوب
~~يتنور باطنه ويظهر له لوامع أنوار الغيب وينفتح له باب الملكوت وتلوح منه
~~لوائح مرة بعد أخرى فيشاهد أمورا غيبية في صور مثالية فإذا ذاق شيئا
~~منها يرغب في العزلة والخلوة والذكر والمواظبة على الطهارة والعبادة
~~والمراقبة والمحاسبة ويعرض عن الملاذ الحسية كلها ويفرغ القلب عن محبتها
~~فيتوجه باطنه إلى الحق تعالى بالكلية فيظهر له الوجد والسكر والشوق
~~والعشق والهيمان ويجعله فانيا عن نفسه غافلا عنها فيشاهد الحقائق
~~السرية والأنوار الغيبية فيتحقق بالمشاهدة والمعاينة والمكاشفة ويظهر له
~~أنوار / حقيقية تارة وتختفي أخرى حتى يتمكن ويتخلص من التلوين وينزل عليه
~~السكينة الروحية والطمأنينة الإلهية ويصير ورود هذه البوارق والأحوال له
~~ملكة فيدخل في عوالم الجبروت ويشاهد العقول المجردة والأنوار القاهرة من
~~الملائكة المقربين والمهيمين ويتحقق بأنوارهم فيظهر له أنوار سلطان
~~الأحدية وسواطع العظمة والكبرياء الإلهية فتجعله هباءا منثورا ويندك
~~حينئذ جبال إنيته فيخر لله تعالى خرورا ويتلاشى في التعين الذاتي
~~ويضمحل وجوده في الوجود الإلهي وهذا مقام الفناء والمحو وهو غاية السفر
~~الأول للسالكين ms05864 فإن بقي في الفناء والمحو ولم يجيء إلى البقاء والصحو صار
~~مستغرقا في عين الجمع محجوبا بالحق عن الخلق لا يزيغ بصره عن مشاهدة
~~جماله عز شأنه وأنوار ذاته وجلاله فاضمحلت الكثرة في شهوده واحتجب
~~التفصيل عن وجوده وذلك هو الفوز العظيم، وفوق ذلك مرتبة يرجع فيها إلى
~~الصحو بعد المحو وينظر إلى التفصيل في عين الجمع ويسع صدره الحق والخلق
~~فيشاهد الحق في كل شيء ويرى كل شيء بالحق على وجه لا يوجب التكثر والتجسم
~~وهو طور وراء طور العقل، ووقع في عبارة بعضهم أنه قد يصير العارف متخلقا
~~بأخلاق الله تعالى بالحقيقة لا بمعنى صيرورة صفاته تعالى عرضا قائما
~~بالنفس فإن هذا مما لا يتصور أبدا، والقول به خروج عن الشريعة والطريقة
~~والحقيقة بل بمعنى علاقة أخرى أتم من علاقتها مع الصفات الكونية البدنية
~~وغيرها لا تعلم حقيقتها، ولعل مرادهم بالمرتبة التي تترقى إليها النفس
~~فتكون سرا من أسرار الله تعالى هي هذه المرتبة والاطلاع عليها يحتاج إلى
~~سلوك طريقة الأبرار ولا يتم بمجرد الأنظار والأفكار والله تعالى الموفق
~~للسلوك والمتفضل بالغنى على الصعلوك.

# البحث الرابع: اختلف الناس في الروح هل تموت أم لا؟ فذهبت طائفة إلى
~~أنها تموت لأنها نفس وكل نفس ذائقة الموت وقد دل الكتاب على أنه لا يبقى
~~إلا الله تعالى وحده وهو يستدعي هلاك الأرواح كغيرها من المخلوقات وإذا
~~كانت الملائكة عليهم السلام يموتون فالأرواح البشرية أولى، وأيضا أخبر
~~سبحانه عن أهل النار أنهم يقولون

# أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين

# [غافر: 11] ولا تحقق الإماتتان إلا بإماتة البدن مرة وإماتة الروح أخرى.
~~وقالت طائفة: إنها لا تموت للأحاديث الدالة على نعيمها وعذابها بعد
~~المفارقة إلى أن يرجعها الله تعالى إلى الجسد، وإن قلنا بموتها لزم
~~انقطاع النعيم والعذاب، والصواب أن يقال: موت الروح هو مفارقتها الجسد
~~فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت وإن أريد أنها تعدم وتضمحل
~~فهي لا تموت بل تبقى مفارقة ما شاء الله تعالى ثم تعود إلى الجسد وتبقى
~~معه ms05865 في نعيم أو عذاب أبد الآبدين ودهر الداهرين وهي مستثناة ممن يصعق عند
~~النفخ في الصور على أن الصعق لا يلزم منه الموت والهلاك ليس مختصا
~~بالعدم بل يتحقق بخروج الشيء عن حد الانتفاع به ونحو ذلك، وما ذكر في
~~تفسير الإماتتين غير مسلم، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام فيه.

# وإلى أنها لا تموت بموت البدن ذهبت الفلاسفة أيضا، واحتج الشيخ عليه
~~بأن قال: قد ثبت أن النفس يجب حدوثها عند حدوث البدن فلا يخلو إما أن
~~يكونا معا في الوجود أو لأحدهما تقدم على الآخر فإن كانا معا فلا يخلو
~~إما أن يكونا معا في الماهية أولا في الماهية والأول باطل وإلا لكانت
~~النفس والبدن متضايفين لكنهما جوهران هذا خلف وإن كانت المعية في الوجود
~~فقط من غير أن يكون لأحدهما حاجة في ذلك الوجود إلى الآخر فعدم كل واحد
~~منهما يوجب عدم تلك المعية أما ما لا يوجب عدم الآخر وأما إن كان لأحدهما
~~حاجة في الوجود إلى الآخر فلا يخلو إما أن يكون المقدم هو النفس أو البدن
~~فإن كان المقدم في الوجود هو النفس فذلك التقدم إما أن يكون زمانيا أو
~~ذاتيا والأول باطل لما ثبت أن / النفس ليست موجودة قبل البدن، وأما
~~الثاني فباطل أيضا لأن كل موجود يكون وجوده معلول شيء كان عدمه معلول
~~عدم ذلك الشيء إذ لو انعدم ذلك المعلول مع بقاء العلة لم تكن تلك العلة
~~كافية في إيجابها فلا تكون العلة علة بل جزء من العلة هذا خلف فإذا لو
~~كان البدن معلولا لامتنع عدم البدن إلا لعدم النفس، والتالي بطلان البدن
~~قد ينعدم لأسباب أخر مثل سوء المزاج أو سوء التركيب أو تفرق الاتصال فبطل
~~أن تكون النفس علة للبدن، وباطل أيضا أن يكون البدن علة للنفس لأن العلل
~~كما عرف أربع ومحال أن يكون البدن علة فاعلية للنفس فإنه لا يخلو إما أن
~~يكون علة فاعلية لوجود النفس بمجرد جسميته أو لأمر زائد على جسميته
~~والأول باطل ms05866 وإلا لكان كل جسم كذلك، والثاني باطل أما أولا فلما ثبت أن
~~الصور المادية إنما تفعل بواسطة الوضع وكل ما لا يفعل إلا بواسطة الوضع
~~استحال أن يفعل أفعالا مجردة عن الحيز والوضع، وأما ثانيا فلأن الصور
~~المادية أضعف من المجرد القائم بنفسه والأضعف لا يكون سببا للأقوى ومحال
~~أن يكون البدن علة قابلية لما ثبت أن النفس مجردة مستغنية عن المادة،
~~ومحال أن يكون علة صورية للنفس أو تمامية فإن الأمر أولى أن يكون بالعكس
~~فإذا ليس بين البدن والنفس علاقة واجبة الثبوت أصلا فلا يكون عدم
~~أحدهما علة لعدم الآخر.

# فإن قيل: ألستم جعلتم البدن علة لحدوث النفس؟ فنقول: قد بين أن الفاعل
~~إذا كان منزها عن التغير ثم صدر عنه الفعل بعد أن كان غير صادر فلا بد
~~وأن يكون لأجل أن شرط الحدوث قد حصل في ذلك الوقت دون ما قبله ثم إن ذلك
~~الشرط لما كان شرطا للحدوث فقط وكان غنيا في وجوده عن ذلك الشيء استحال
~~أن يكون عدم ذلك الشرط مؤثرا في عدم ذلك الشيء، ثم لما اتفق أن كان ذلك
~~الشرط مستعدا لأن يكون آلة للنفس في تحصيل الكمالات والنفس لذاتها
~~مشتاقة إلى الكمال لا جرم حصل للنفس شوق طبيعي إلى التصرف في ذلك البدن
~~والتدبير فيه على الوجه الأصلح ومثل ذلك لا يمكن أن يكون عدمه علة لعدم
~~ذلك الحادث بل ذهب الفلاسفة إلى استحالة انعدام النفس وبرهنوا على ذلك
~~بما برهنوا وعندنا لا استحالة في ذلك.

# البحث الخامس في تمايز الأرواح بعد مفارقتها الأبدان: نص ابن القيم على
~~أن كل روح تأخذ من بدنها صورة تتميز بها عن غيرها وأن تمايز الأرواح أعظم
~~من تمايز الأبدان إلا أنه زعم أنه لا يمكن التمايز بينها على القول بأنها
~~جوهر مجرد عن المادة وفيه نظر فإن القائلين بذلك قائلون بالتمايز أيضا
~~باعتبار ما يحصل لها من التعلق بالبدن أو بنحو آخر من التمايز. وذكر
~~الشيخ إبراهيم الكوراني في بعض «رسائله» أن الأرواح ms05867 بعد مفارقتها أبدانها
~~المخصوصة تتعلق بأبدان أخر مثالية حسبما يليق بها وإلى ذلك الإشارة
~~بالطير الخضر في حديث الشهداء ففي «صحيح مسلم» عن ابن مسعود أن أرواح
~~الشهداء في أجواف طير خضر، وأخرج سعيد بن منصور عن مكحول عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم

# " أن ذراري المؤمنين أرواحهم في عصافير في شجر في الجنة "

# أي أنها تكون في أبدان على تلك الصور، ويؤيد ذلك رواية ابن ماجه عن ابن
~~مسعود أرواح الشهداء عند الله تعالى كطير خضر، وفي لفظ عن كعب أرواح
~~الشهداء طير خضر، ولفظ ابن عمر في صورة طير بيض، وفي رواية علي بن عثمان
~~اللاحقي عن مكحول أن ذراري المؤمنين أرواحهم عصافير في الجنة، وعلى هذا
~~يكون إنكار قوم من المتكلمين خبر في أجواف طير وكذا خبر في عصافير لما في
~~ذلك من تعلق روحين في بدن واحد وقد قالوا باستحالته ناشئا من عدم التأمل
~~والتثبت لأنه على ما قررنا لا يكون للطائر روح غير روح الشهيد على أنه لو
~~بقي الخبر على ظاهره لم يلزم محال لجواز أن تكون الروح في جوف الطير على
~~نحو كون الجنين في بطن أمه فتدبر.

# / البحث السادس في مستقر الأرواح بعد مفارقة الأبدان: الذي دلت عليه
~~الأخبار أن مستقر الأرواح بعد المفارقة مختلف فمستقر أرواح الأنبياء
~~عليهم السلام في أعلى عليين وصح أن آخر كلمة تكلم بها صلى الله عليه وسلم
~~اللهم الرفيق الأعلى وهو يؤيد ما ذكر، ومستقر أرواح الشهداء في الجنة ترد
~~من أنهارها وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل معلقة بالعرش، وروي في
~~أرواح أطفال المؤمنين ما هو قريب من ذلك، وروي ابن المبارك عن كعب قال:
~~جنة المأوى جنة فيها طير خضر ترعى فيها أرواح الشهداء على بارق نهر بباب
~~الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا، ولعل هذا
~~كما قال ابن رجب في عوام الشهداء وما تقدم في خواصهم أو لعل هذا في شهداء
~~الآخرة كالغريق والمبطون إلى غير ذلك، وأما ms05868 مستقر أرواح سائر المؤمنين
~~فقيل في الجنة أيضا وهو نص الإمام الشافعي، وقد أخرج الإمام مالك عن كعب
~~بن مالك مرفوعا «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه
~~الله تعالى في جسده حين يبعثه، ورواه الإمام أحمد في «مسنده» وخرجه
~~النسائي من طريق مالك وخرجه ابن ماجه ورواه خلق كثير، وروى ابن منده من
~~حديث أم بشر مرفوعا ما هو نص في أن مستقر أرواح المؤمنين نحو مستقر
~~أرواح الشهداء، وقال وهب بن منبه: إن لله تعالى في السماء السابعة دارا
~~يقال لها البيضاء يجتمع فيها أرواح المؤمنين ومستقر أرواح الكفار في
~~سجين، وفي حديث أم بشر أن أرواح الكفار في حواصل طير سود تأكل من النار
~~وتشرب من النار وتأوي إلى حجر في النار يقولون ربنا لا تلحق بنا إخواننا
~~ولا تؤتنا ما وعدتنا، وقيل: مستقر أرواح الموتى أفنية قبورهم، وحكى هذا
~~ابن حزم عن عامة أهل الحديث، واستدل له بعضهم بحديث ابن عمر عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم:

# " إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن
~~أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك
~~الله تعالى "

# وبأنه صلى الله عليه وسلم حين زار الموتى قال:

# " السلام عليكم دار قوم مؤمنين "

# ورجح ابن عبد البر أن مستقر أرواح ما عدا الشهداء بأفنية القبور، وفيه
~~أنه إن أريد أن الأرواح لا تفارق الأفنية فهو خطأ يرده نصوص الكتاب
~~والسنة وإن أريد أنها تكون هناك وقتا من الأوقات كما روي عن مجاهد
~~الأرواح على القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت أولها إشراق على قبورها
~~وهي في مقرها فهو حق لكن لا يقال مستقرها أفنية القبور، وعول بعض
~~المحققين على أن الأرواح حيث كانت لها اتصال لا يعلم حقيقته إلا الله
~~تعالى وبذلك ترد السلام وتعرف المسلم ويعرض عليها مقعدها من الجنة أو
~~النار، وقال بعضهم: لا مانع من انتقالها من مستقرها وعودها إليه ms05869 في أسرع
~~وقت حيث يشاء الله تعالى ذلك. نعم جاء في حديث البراء بن عازب ما يدل على
~~أن أرواح المؤمنين تستقر في الأرض ولا تعود إلى السماء بعد عرضها حيث قال
~~فيه في صفة قبض روح المؤمن فإذا انتهى إلى العرش كتب كتابه في عليين
~~ويقول الرب تعالى شأنه: ردوا عبدي إلى مضجعه فإني وعدتهم أني منها خلقتهم
~~وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، وفي لفظ ردوا روح عبدي إلى الأرض
~~فإني وعدتهم أن أردهم فيها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم

# منها خلقنكم

# [طه: 55] الآية لكن قال الحافظ ابن رجب: إن حديث البراء وحده لا يعارض
~~الأحاديث الكثيرة المصرحة بأن الأرواح في الجنة لا سيما الشهداء، وقوله
~~تعالى:

# منها خلقنكم

# [طه: 55] الخ باعتبار الأبدان، وقالت طائفة: مستقر الأرواح مطلقا في
~~السماء الدنيا عن يمين آدم عليه السلام وعن شماله ويدل عليه ما في
~~«الصحيحين» عن أبي ذر من حديث المعراج ففيه

# " لما فتح علونا السماء الدنيا / فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى
~~يساره أسودة فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى فقال مرحبا
~~بالنبي الصالح والإبن الصالح قلت لجبريل من هذا قال آدم وهذه الأسودة عن
~~يمينه وشماله نسم بنيه وأهل اليمين هم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله
~~أهل النار "

# ويجاب بأن المراد أنه عليه السلام يرى هذين الصنفين من جهة يمينه وجهة
~~شماله وهو يجامع كون أرواح كل فريق في مستقرها من الجنة والنار فقد رأى
~~النبي صلى الله عليه وسلم الجنة والنار في صلاة الكسوف وهو في الأرض
~~والجنة ليست فيها ورآهما وهو في السماء والنار ليست فيها، وفي حديث لأبي
~~هريرة في الإسراء ما يؤيد ما قلنا.

# والنسفي في «بحر الكلام» جعل الأرواح على أربعة أقسام أرواح الأنبياء
~~عليهم السلام تخرج من جسدها ويصير مثل صورتها مثل المسك والكافور وتكون
~~في الجنة تأكل وتشرب وتتنعم وتأوي بالليل إلى قناديل معلقة تحت العرش،
~~وأرواح الشهداء تخرج من جسدها وتكون ms05870 في أجواف طير خضر في الجنة تأكل
~~وتتنعم وتأوي إلى قناديل كأرواح الأنبياء عليهم السلام، وأرواح المطيعين
~~من المؤمنين بربض الجنة لا تأكل ولا تتمتع ولكن تنظر إلى الجنة، وأرواح
~~العصاة منهم تكون بين السماء والأرض في الهواء، وأما أرواح الكفار ففي
~~سجين في جوف طير سود تحت الأرض السابعة وهي متصلة بأجسادها فتعذب الأرواح
~~وتتألم من ذلك الأجساد اه. وما ذكره في أرواح المطيعين مخالف لما صح من
~~أنها تتمتع في الجنة. وفي «الإفصاح» أن المنعم من الأرواح على جهات
~~مختلفة منها ما هو طائر في شجر الجنة ومنها ما هو في حواصل طير خضر ومنها
~~ما يأوي إلى قناديل تحت العرش ومنها ما هو في حواصل طير بيض ومنها ما هو
~~في حواصل طير كالزرازير، ومنها ما هو في أشخاص صور من صور الجنة ومنها ما
~~هو في صورة تخلق من ثواب أعمالهم ومنها ما تسرح وتتردد إلى جثتها وتزورها
~~ومنها ما تتلقى أرواح المقبوضين وممن سوى ذلك ما هو في كفالة ميكائيل
~~عليه السلام ومنها ما هو في كفالة آدم عليه السلام ومنها ما هو في كفالة
~~إبراهيم عليه السلام اه، قال القرطبي: وهذا قول حسن يجمع الأخبار حتى
~~لا تتدافع واترضاه الجلال السيوطي. وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك قال:
~~بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت وهو إن صح ليس على إطلاقه. وقيل في
~~مستقر الأرواح غير ذلك حتى زعم بعضهم أن مستقرها العدم المحض وهو مبني
~~على أنها من الأعراض وهي الحياة وهو قول باطل عاطل فاسد كاسد يرده الكتاب
~~والسنة والإجماع والعقل السليم.

# ويعجبني في هذا الفصل ما ذكره الإمام العارف ابن برجان في «شرح أسماء
~~الله تعالى الحسنى» حيث قال: والنفس مبراة من باطن ما خلق منه الجسم وهي
~~روح الجسم وأوجد تبارك وتعالى الروح من باطن ما برأ منه النفس وهو للنفس
~~بمنزلة النفس للجسم والنفس حجابه والروح يوصف بالحياة بإحياء الله تعالى
~~شأنه له وموته خمود إلا ما شاء الله ms05871 تعالى يوم خمود الأرواح والجسم يوصف
~~بالموت حتى يحيى بالروح وموته مفارقة الروح إياه وإذا فارق هذا العبد
~~الروحاني الجسم صعد به فإن كان مؤمنا فتحت له أبواب السماء حتى يصعد إلى
~~ربه عز وجل فيؤمر بالسجود فيسجد ثم يجعل حقيقته النفسانية تعمر السفل من
~~قبره إلى حيث شاء الله تعالى من الجو وحقيقته الروحانية تعمر العلو من
~~السماء الدنيا إلى السابعة في سرور ونعيم ولذلك لقي رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم موسى عليه السلام قائما في قبره يصلي وإبراهيم عليه السلام
~~تحت الشجرة قبل صعوده إلى السماء الدنيا ولقيهما في السموات العلى فتلك
~~أرواحهما وهذه نفوسهما وأجسادهما في قبورهما، وإن كان شقيا لم يفتح له
~~فرمى من علو إلى الأرض اه، وفيه القول / بالمغايرة بين الروح والنفس،
~~وبهذا التحقيق تندفع معارضات كثيرة واعتراضات وفيرة، ويعلم أن حديث

# " ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فسلم عليه إلا
~~عرفه ورد عليه السلام "

# ليس نصا في أن الروح على القبر إذ يفهم منه أن الذي في القبر حقيقته
~~النفسانية المتصلة بالروح اتصالا لا يعلم كنهه إلا الله تعالى. وللروح
~~مع ذلك أحوالا وأطوارا لا يعلمها إلا الله تعالى فقد تكون مستغرقة
~~بمشاهدة جمال الله تعالى وجلاله سبحانه ونحو ذلك وقد تصحو عن ذلك
~~الاستغراق وهو المراد برد الروح في خبر

# " ما من أحد يسلم علي إلا رد الله تعالى روحي فأرد عليه السلام "

# والذي ينبغي أن يعول عليه مع ما ذكر أن الأرواح وإن اختلف مستقرها بمعنى
~~محلها الذي أعطيته بفضل الله تعالى جزاء عملها لكن لها جولانا في ملك
~~الله تعالى حيث شاء جل جلاله ولا يكون إلا بعد الإذن وهي متفاوتة في ذلك
~~حسب تفاوتها في القرب والزلفى من الله تعالى حتى أن بعض الأرواح الطاهرة
~~لتظهر فيراها من شاء الله تعالى من الأحياء يقظة وأن أرواح الموتى تتلاقى
~~وتتزاور وتتذاكر وقد تتلاقى أرواح الأموات والأحياء مناما ولا ينكر ذلك
~~إلا من يجعل الرؤيا ms05872 خيالات لا أصل لها وذلك لا يلتفت إليه لكن لا ينبغي
~~أن يبني على ذلك حكم شرعي لاحتمال عدم الصحة وإن قامت قرينة عليها، وما
~~صح من أن ثابت بن قيس بن شماس خرج مع خالد بن الوليد إلى حرب مسيلمة
~~فاستشهد رضي الله تعالى عنه وكان عليه درع نفيسة فمر به رجل من المسلمين
~~فأخذها فبينا رجل من الجند نائم إذ أتاه ثابت في منامه فقال له: أوصيك
~~بوصية فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه إني لما قتلت أمس مر بي رجل من
~~المسلمين فأخذ درعي ومنزله في أقصى الناس وعند خبائه فرس يستن في طوله
~~وقد كفى على الدرع برمة وفوق البرمة رحل فات خالدا فمره أن يبعث إلي
~~درعي فيأخذها وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فقل له: إن علي من الدين كذا وكذا وفلان من رقيقي عتيق فأتى الرجل
~~خالدا فأخبره فبعث إلي الدرع وأتى بها وحدث أبا بكر رضي الله تعالى
~~عنه برؤياه فأجاز وصيته، وقد ذكر ذلك ابن عبد البر وغيره مجاب عنه بأن
~~ذلك كان بإجازة الوارث وهي بنته لغلبة ظن صدق الرؤيا بما قام من القرينة
~~ولو لم تجز لم يسغ لأبي بكر رضي الله تعالى عنه ذلك بمجرد الرؤيا، وقيل:
~~إن أبا بكر لم ير الرد ففعل ذلك من حصة بيت المال، ومثل هذه القصة قصة
~~مصعب بن جثامة وعوف بن مالك وقد ذكرها ابن القيم في كتاب «الروح» وهي
~~أغرب مما ذكر بكثير، وربما يؤذن لأرواح بعض الناس في زيارة أهليهم كما
~~ورد في بعض الآثار وبعض الأرواح تحبس في قبرها أو حيث شاء الله تعالى عن
~~مقامها كروح من يموت وعليه دين استدانه في محرم لا مطلقا كما هو
~~المشهور، وتحقيقه في «شرح الشمائل» للعلامة ابن حجر.

# ثم اعلم أن اتصال الروح بالبدن لا يختص بجزء دون جزء بل هي متصلة مشرقة
~~على سائر أجزائه وإن تفرقت وكان جزء بالمشرق وجزء بالمغرب، ولعل هذا ms05873
~~الإشراق على الأجزاء الأصلية لأنها التي يقوم بها الإنسان من قبره يوم
~~القيامة على ما اختاره جمع، واعلم أيضا أن الروح على القول بتجردها لا
~~مستقر لها بل لا يقال إنها داخل العالم أو خارجه كما سمعت وإنما المستقر
~~حينئذ للبدن الذي تتعلق به، وقد نص بعض الصوفية على أنه لا مانع من أن
~~تتعلق نفس ببدنين فأكثر بل هو واقع عندهم، وذكر بعضهم أن أحد البدنين هو
~~البدن الأصلي والآخر مثالي يظهر للعيان على وجه خرق العادة، وقال آخر: إن
~~الآخر من باب تطور الروح وظهورها بصورة على نحو ظهور جبريل عليه السلام
~~بصورة دحية الكلبي وظهور القرآن لحافظه بصورة الرجل الشاحب / يوم
~~القيامة. والفلاسفة قالوا لا يجوز أن تتعلق نفس واحدة بأبدان كثيرة لأنه
~~يلزم أن يكون معلوم أحدها معلوم الآخر ومجهول أحدها مجهول الآخر ومعلوم
~~أن الأمر ليس كذلك، ولا يخفى أن هذا الدليل يدل على أن كل إنسانين يعلم
~~أحدهما ما لا يعلم الآخر فإن نفسهما متغايرتان فلم لا يجوز وجود إنسانين
~~يتعلق ببدنهما نفس واحدة ويكون كل ما علمه أحدهما علمه الآخر لا محالة
~~وما يجهله أحدهما يكون مجهولا للآخر لا بد لعدم الجواز من دليل، وعلى ما
~~ذكره هؤلاء الصوفية يجوز أن تتعلق الروح ببدن في الجنة وببدن آخر حيث شاء
~~الله تعالى بل يجوز أن تظهر في صور شتى في أماكن متعددة على حد ما قالوه
~~في جبريل عليه السلام انه في حال ظهوره في صورة دحية أو أعرابي غيره بين
~~يدي النبي صلى الله عليه وسلم لم يفارق سدرة المنتهى، وأنت تعلم ما
~~يقولون في تجلي الله تعالى في الصور وسمعت خبر

# " إن الله تعالى خلق آدم على صورته "

# ومن هنا قالوا: «من عرف نفسه فقد عرف ربه» فافهم الإشارة ولعمري هي
~~عبارة.

# ثم إن أرواح سائر الحيوانات من البهائم ونحوها قيل: تكون بعد المفارقة
~~في الهواء ولا اتصال لها بالأبدان، وقيل: تعدم ولا يعجز الله تعالى شيء،
~~ومن الناس من قال: ms05874 إن كان للحيوانات حشر يوم القيامة كما هو المشهور الذي
~~تقتضيه ظواهر الآيات والأخبار فالأولى أن يقال ببقاء أرواحها في الهواء
~~أو حيث شاء الله تعالى وإن لم يكن لها حشر كما ذهب إليه الغزالي وأول
~~الظواهر فالأولى أن يقال بانعدامها. هذا وبقيت أبحاث كثيرة تركناها لضيق
~~القفص واتساع دائرة الغصص، ولعل فيما ذكرناه هنا مع ما ذكرناه فيما قبل
~~كفاية لأهل البداية وهداية لمن ساعدته العناية والله عز وجل ولي الكرم
~~والجود، ومنه سبحانه بدء كل شيء وإليه جل وعلا يعود.

### || [17.86]

# { ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك } من
~~القرآن الذي هو شفاء ورحمة للمؤمنين والذي ثبتناك عليه حين كادوا يفتنونك
~~عنه إلى غير ذلك من أوصافه التي يشعر بها السياق، وإنما عبر عنه بالموصول
~~تفخيما لشأنه ووصفا له بما في حيز الصلة ابتداء [و] إعلاما بحاله من
~~أول الأمر وبأنه ليس من قبيل كلام المخلوق. واللام الأولى موطئة للقسم و
~~{ لنذهبن } جوابه النائب مناب جزاء الشرط فهو مغن عن تقديره وليس جزاء
~~لدخول اللام عليه وهو ظاهر وبذلك حسن حذف مفعول المشيئة. والمراد بالذهاب
~~به محوه عن المصاحف والصدور وهو أبلغ من الافعال، ويراد على هذا من
~~القرآن على ما قيل صورته من أن تكون في نقوش الكتابة أو في الصور التي في
~~القوة الحافظة { ثم لا تجد لك به } أي القرآن { علينا
~~وكيلا } أي متعهدا وملتزما استرداده بعد الذهاب به كما يلتزم الوكيل
~~ذلك فيما يتوكل عليه حال كونه متوقعا أن يكون محفوظا في السطور والصدور
~~كما كان قبل فالوكيل مجاز عما ذكر.

### || [17.87]

# { إلا رحمة من ربك } استثناء منقطع على ما اختاره ابن
~~الأنباري وابن عطية وغيرهما وهو مفسر بلكن في المشهور. والاستدراك على ما
~~صرح به الطيبي وغيره واقتضاه ظاهر كلام جمع عن قوله تعالى: { إن
~~شئنا لنذهبن } وقال في «الكشف»: إنه ليس استدراكا عن ذلك فإن
~~المستثنى منه

# وكيلا

# [الإسراء: 86] وهذا من المنقطع الممتنع إيقاعه موقع الاسم الأول الواجب
~~فيه النصب في لغتي الحجاز ms05875 وتميم كما في قوله تعالى:

# لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم

# [هود: 43] في رأي، وقولهم: لا تكونن من فلان إلا سلاما بسلام فقد صرح
~~الرضي وغيره بأن الفريقين يوجبون النصب ولا يجوزون الإبدال في المنقطع
~~فيما لا يكون قبله اسم يصح حذفه، وكون / ما نحن فيه من ذلك ظاهر لمن له
~~ذوق. والمعنى ثم بعد الإذهاب لا تجد من يتوكل علينا بالاسترداد ولكن رحمة
~~من ربك تركته غير منصوب فلم تحتج إلى من يتوكل للاسترداد مأيوس عنه
~~بالفقدان المدلول عليه ب

# لا تجد

# [الإسراء: 86]، والتغاير المعنوي بين الكلامين من دلالة الأول على
~~الإذهاب ضمنا والثاني على خلافه حاصل وهو كاف فافهم. ويفهم صنيع البعض
~~اختيار أنه استثناء متصل من

# وكيلا

# [الإسراء: 86] أي لا تجد وكيلا باسترداده إلا الرحمة فإنك تجدها
~~مستردة، وأنت تعلم أن شمول الوكيل للرحمة يحتاج إلى نوع تكلف. وقال أبو
~~البقاء: إن { رحمة } نصب على أنه مفعول له والتقدير حفظناه عليك
~~للرحمة، ويجوز أن يكون نصبا على أنه مفعول مطلق أي ولكن رحمناك رحمة اه
~~وهو كما ترى. والآية على تقدير الانقطاع امتنان بإبقاء القرآن بعد
~~الامتنان بتنزيله، وذكروا أنها على التقدير الآخر دالة على عدم الإبقاء
~~فالمنة حينئذ إنما هي في تنزيله، ولا يخفى ما فيه من الخفاء وما يذكر في
~~بيانه لا يروي الغليل.

# والآية ظاهرة في أن مشيئة الذهاب به غير متحققة وأن فقدان المسترد إلا
~~الرحمة إنما هو على فرض تحقق المشيئة لكن جاء في الأخبار أن القرآن يذهب
~~به قبل يوم القيامة، فقد أخرج البيهقي والحاكم وصححه وابن ماجه بسند قوي
~~عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صدقة ولا
~~نسك ويسري على كتاب الله تعالى في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية ويبقى
~~الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا
~~الله فنحن نقولها "

# وأخرج ابن مردويه عن ms05876 ابن عباس وابن عمر قالا: خطب رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فقال:

# " يا أيها الناس ما هذه الكتب التي بلغني أنكم تكتبونها مع كتاب الله
~~تعالى يوشك أن يغضب الله تعالى لكتابه فيسري عليه ليلا لا يترك في قلب
~~ولا ورق منه حرف إلا ذهب به فقيل: يا رسول الله فكيف بالمؤمنين
~~والمؤمنات؟ قال: من أراد الله تعالى خيرا أبقى في قلبه لا إله إلا الله
~~"

# وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: يسري على كتاب
~~الله تعالى فيرفع إلى السماء فلا يبقى في الأرض آية من القرآن ولا من
~~التوراة والإنجيل والزبور فينزع من قلوب الرجال فيصبحون في الضلالة لا
~~يدرون ما هم فيه. وأخرج الديلمي عن ابن عمر مرفوعا

# " لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث جاء له دوي حول العرش كدوي
~~النحل فيقول الله عز وجل: مالك؟ فيقول منك خرجت وإليك أعود أتلى ولا يعمل
~~بي "

# ؛ وأخرج محمد بن نصر نحوه موقوفا على عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخرج
~~غير واحد عن ابن مسعود أنه قال: سيرفع القرآن من المصاحف والصدور، ثم قرأ

# ولئن شئنا

# [الإسراء: 86] الآية، وفي «البهجة» أنه يرفع أولا من المصاحف ثم يرفع
~~لأعجل زمن من الصدور والذاهب به هو جبريل عليه السلام كما أخرجه ابن أبي
~~حاتم من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده فيا لها من مصيبة ما
~~أعظمها وبلية ما أوخمها فإن دلت الآية على الذهاب به فلا منافاة بينها
~~وبين هذه الأخبار وإذا دلت على إبقائه فالمنافاة ظاهرة إلا أن يقال: إن
~~الإبقاء لا يستلزم الاستمرار ويكفي فيه إبقاؤه إلى قرب قيام الساعة
~~فتدبر.

# ومما يرشد إلى أن سوق الآية للامتنان قوله تعالى: { إن فضله
~~كان } لم يزل ولا يزال { عليك كبيرا } ومنه إنزال القرآن
~~واصطفاؤه على جميع الخلق وختم الأنبياء عليهم السلام به وإعطاؤه المقام
~~المحمود إلى غير ذلك وقال أبو سهل: أنها / سيقت لتهديد غيره صلى الله
~~عليه وسلم ms05877 بإذهاب ما أوتوا ليصدهم عن سؤال ما لم يؤتوا كعلم الروح وعلم
~~الساعة. وقال صاحب «التحرير» يحتمل أن يقال: أنه صلى الله عليه وسلم لما
~~سئل عن الروح وذي القرنين وأهل الكهف وأبطأ عليه الوحي شق عليه ذلك وبلغ
~~منه الغاية فأنزل الله تعالى هذه الآية تسكينا له صلى الله عليه وسلم
~~والتقدير أيعز عليك تأخر الوحي فإنا إن شئنا ذهبنا بما أوحينا إليك جميعه
~~فسكن ما كان يجده صلى الله عليه وسلم وطاب قلبه انتهى، وكلا القولين كما
~~ترى.

### || [17.88]

# { قل لئن اجتمعت الإنس والجن } أي اتفقوا { على أن
~~يأتوا بمثل هذا القرءان } المنعوت بما لا تدركه العقول
~~من النعوت الجليلة الشأن من البلاغة وحسن النظم وكمال المعنى. وتخصيص
~~الثقلين بالذكر لأن المنكر لكونه من عند الله تعالى منهما لا من غيرهما
~~والتحدي إنما كان معهما وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى
~~الملك كما هو مبعوث إليهما لا لأن غيرهما قادر على المعارضة فإن الملائكة
~~عليهم السلام على فرض تصديهم لها وحاشاهم إذ هم معصومون لا يفعلون إلا ما
~~يؤمرون عاجزون كغيرهم { لا يأتون بمثله } أي هذا القرآن وأوثر
~~الإظهار على إيراد الضمير الراجع إلى المثل المذكور احترازا عن أن يتوهم
~~أن له مثلا معينا وإيذانا بأن المراد نفي الإتيان بمثل ما أي لا يأتون
~~بكلام مماثل له فيما ذكر من الصفات الجليلة الشأن وفيهم العرب العرباء
~~أرباب البراعة والبيان. وقيل: المراد تعجيز الإنس وذكر الجن مبالغة في
~~تعجيزهم لأنهم إذا عجزوا عن الإتيان بمثله ومعهم الجن القادرون على
~~الأفعال المستغربة فهم عن الإتيان بمثله وحدهم أعجز وليس بذاك. وقيل:
~~يجوز أن يراد من الجن ما يشمل الملائكة عليهم السلام وقد جاء إطلاق الجن
~~على الملائكة كما في قوله تعالى:

# وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا

# [الصافات: 158] نعم الأكثر استعماله في غير الملائكة عليهم السلام ولا
~~يخفى أنه خلاف الظاهر. وزعم بعضهم أن الملائكة عليهم السلام حيث كانوا
~~وسائط في إتيانه لا ينبغي إدراجهم إذ لا يلائمه ms05878 حينئذ { لا يأتون
~~بمثله } وفيه أنه ليس المراد نفي الإتيان بمثله من عند الله تعالى
~~في شيء ممن أسند إليهم الفعل. وجملة { لا يأتون } جواب القسم الذي
~~ينبىء عنه اللام الموطئة وساد مسد جزاء الشرط ولولاها لكان { لا
~~يأتون } جزاء الشرط وإن كان مرفوعا بناءا على القول بأن فعل الشرط
~~إذا كان ماضيا يجوز الرفع في الجواب كما في قول زهير:

# وإن أتاه خليل يوم مسغبة

# يقول لا غائب مالي ولا حرم

# لأن أداة الشرط إذا لم تؤثر في الشرط ظاهرا مع قربه جاز أن لا تؤثر في
~~الجواب مع بعده، وهذا القول خلاف مذهب سيبويه ومذهب الكوفيين والمبرد كما
~~فصل في موضعه، ولا يجوز عند البصريين مع وجود هذه اللام جعل المذكور جواب
~~الشرط خلافا للفراء، وأما قول الأعشى:

# لئن منيت بنا عن غب معركة

# لا تلفنا عن دماء الخلق تنتفل

# فاللام ليست الموطئة بل هي زائدة على ما قيل فافهم.

# وحيت كان المراد بالاجتماع على الإتيان بمثل القرآن مطلق الاتفاق على
~~ذلك سواء كان التصدي للمعارضة من كل واحد منهم على الانفراد أو من
~~المجموع بأن يتألبوا على تلفيق كلام واحد بتلاحق الأفكار وتعاضد الأنظار
~~قال سبحانه: { ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } أي معينا في
~~تحقيق ما يتوخونه من الإتيان بمثله.

# والجملة عطف على مقدر أي لا يأتون بمثله لو لم يكن بعضهم / لبعض ظهيرا
~~ولو كان الخ؛ وهي في موضع الحال كالجملة المحذوفة. والمعنى لا يأتون
~~بمثله على كل حال مفروض ولو في مثل هذه الحال المنافية لعدم الإتيان به
~~فضلا عن غيرها وفيه رد لليهود أو قريش في زعمهم الإتيان بمثله، فقد روي
~~أن طائفة من الأولين قالوا: أخبرنا يا محمد بهذا الحق الذي جئت به أحق من
~~عند الله تعالى فإنا لا نراه متناسقا كتناسق التوراة فقال صلى الله عليه
~~وسلم لهم: أما والله إنكم لتعرفونه أنه من عند الله تعالى قالوا: إنا
~~نجيئك بمثل ما تأتي به فأنزل الله تعالى هذه الآية. وفيه رواية ms05879 أن جماعة
~~من قريش قالوا له صلى الله عليه وسلم: جئنا بآية غريبة غير هذا القرآن
~~فإنا نحن نقدر على المجيء بمثله فنزلت، ولعل مرادهم بهذه الآية الغريبة
~~ما تضمنه الآيات بعد وهي قوله تعالى:

# وقالوا لن نؤمن لك

# [الإسراء: 90] الخ وحينئذ قيل يمكن أن تكون هذه الآية مع الآيات الأخر
~~رد لجميع ما عنوه بهذا الكلام إلا أنه ابتدأ برد قولهم: نحن نقدر الخ
~~اهتماما به فإن قولهم ذلك منشأ طلبهم الآية الغريبة.

# وفي «إرشاد العقل السليم» أن في هذه الآية حسم أطماعهم الفارغة في روم
~~تبديل بعض آياته ببعض ولا مساغ لكونها تقريرا لما قبلها من قوله تعالى:

# ثم لا تجد لك به علينا وكيلا

# [الإسراء: 86] كما قيل لكن لا لما قيل من أن الإتيان بمثله أصعب من
~~استرداد عينه ونفي الشيء إنما يقرره نفي ما دونه دون نفي ما فوقه لأن
~~أصعبية الاسترداد بغير أمره تعالى من الإتيان المذكور مما لا شبهة فيه بل
~~لأن الجملة القسمية ليست مسوقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بل إلى
~~المكابرين من قبله عليه الصلاة والسلام انتهى. ومنه يعلم ما في قول بعضهم
~~في وجه التقرير: إن عدم قدرة الثقلين على رده بعد إذهابه مساو لعدم
~~قدرتهم على مثله لأن رده بعينه غير ممكن لعدم وصولهم إلى الله تعالى شأنه
~~فلم يبق إلا رده بمثله فصرح بنفيه تقريرا له من النظر وعدم الجدوى.

# هذا واستدل صاحب «الكشاف» بإعجاز القرآن على حدوثه إذ لو كان قديما لم
~~يكن مقدورا فلا يكون معجزا كالمحال، وتعقبه في «الكشف» بأنه لا نزاع في
~~حدوث النظم وإن تحاشى أهل السنة من إطلاق المخلوق عليه للإيهام وهو
~~المعجز إنما النزاع في المعبر بهذه العبارة المعجزة وهو المسمى بالكلام
~~النفسي فهو استدلال لا ينفعه، وذكر نحوه ابن المنير وقال صاحب «التقريب»:
~~الجواب منع الملازمة إذ مصحح المقدورية الإمكان وهو حاصل لا الحدوث
~~وأيضا المعجز لفظه ولا يقال بقدمه والقديم كلام النفس ولا يقال بإعجازه
~~وأيضا سلمنا أن ms05880 القديم لا يقدر البشر على عينه لكن لم لا يقدر على مثله،
~~واختار العلامة الطيبي هذا الأخير في الجواب. وقد ذكرنا في المقدمات من
~~الكلام ما ينفعك في هذا المقام فتدبر والله تعالى ولي الأنعام ومسدد
~~الأفهام.

### || [17.89]

# { ولقد صرفنا } كررنا ورددنا على أساليب مختلفة توجب زيادة
~~تقرير ورسوخ { للناس } أهل مكة وغيرهم كما هو الظاهر { فى هذا
~~القرءان } المنعوت بما ذكر من النعوت الفاضلة { من كل مثل } من
~~كل معنى بديع هو في الحسن والغرابة واستجلاب النفوس كالمثل. ومفعول {
~~صرفنا } على ما استظهره أبو حيان محذوف أي البيان وقدره البينات
~~والعبر. و(من) لابتداء الغاية وجوز ابن عطية أن تكون سيف خطيب فكل هو
~~المفعول وهذا مبني على مذهب الكوفيين والأخفش لأنهم يجوزون زيادة (من) في
~~الإيجاب دون جمهور البصريين. وقرأ الحسن { صرفنا } بتخفيف الراء وقراءة
~~الجمهور أبلغ، وأيا ما كان فالمراد فعلنا ذلك للناس ليذعنوا ويتلقوه
~~بالقبول.

# { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } أي جحودا وفسر به
~~لثبوت الصدق بأصل / الإعجاز. والمراد بالناس المذكورون أولا. وأوثر
~~الإظهار على الإضمار تأكيدا وتوضيحا. والمراد بالأكثر قيل: من كان في
~~عهده صلى الله عليه وسلم من المشركين وأهل الكتاب. واستظهر في «البحر»
~~أنهم أهل مكة بدليل أن الضمائر الآتية لهم ونصب { كفورا } على أنه
~~مفعول أبى. والاستثناء مفرغ وصح ذلك هنا مع أنه مشروط بتقدم النفي فلا
~~يصح ضربت إلا زيدا لأن أبي قريب من معنى النفي فهو مؤول به فكأنه قيل
~~ما قبل أكثرهم إلا كفورا وفيه من المبالغة ما ليس في أبوا الإيمان لأن
~~فيه زيادة على أنهم لم يرضوا بخصلة سوى الكفر من الإيمان والتوقف في
~~الأمر ونحو ذلك وأنهم بالغوا في عدم الرضا حتى بلغوا مرتبة الإباء. وإنما
~~لم يجز ذلك في الإثبات لفساد المعنى إذ لا قرينة على تقدير أمر خاص
~~والعموم لا يصح إذ لا يمكن في المثال أن تضرب كل أحد إلا زيدا فإن صح
~~العموم في مثال جاز التفريغ في غير تأويل بنفي فيجوز صليت ms05881 إلا يوم كذا إذ
~~يجوز أن تصلي كل يوم غيره، وجوز أن تكون الآية من هذا القبيل بأن يكون
~~المراد أبوا كل شيء فيما اقترحوه إلا كفورا.

### || [17.90]

# { وقالوا } عند ظهور عجزهم ووضوح مغلوبيتهم بالإعجاز التنزيلي وغيره
~~من المعجزات الباهرة متعللين بما لا تقتضي الحكمة وقوعه من الأمور ولا
~~توقف لثبوت المدعى عليه وبعضه من المحالات العقلية { لن نؤمن لك
~~حتى تفجر } بالتخفيف من باب نصر المتعدي وبذلك قرأ الكوفيون أي
~~تفتح، وقرأ باقي السبعة { تفجر } من فجر مشددا والتضعيف للتكثير لا
~~للتعدية. وقرأ الأعمش وعبد الله بن مسلم بن يسار { تفجر } من أفجر
~~رباعيا وهي لغة في فجر { لنا من الأرض } أي أرض مكة لقلة مياهها
~~فالتعريف عهدي { ينبوعا } مفعول من نبع الماء كيعبوب من عب الماء إذا
~~زخر وكثر موجه فالياء زائدة للمبالغة، والمراد عينا لا ينضب ماؤها،
~~وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أن الينبوع هو النهر الذي يجري من العين،
~~والأول مروي عن مجاهد وكفى به.

### || [17.91]

# { أو تكون لك } خاصة { جنة } بستان تستر أشجارها ما تحتها من
~~العرصة { من نخيل وعنب } خصوهما بالذكر لأنهما كانا الغالب في
~~هاتيك النواحي مع جلالة قدرهما { فتفجر الأنهر } أي تجريها {
~~خلالها } نصب على الظرفية أي وسط تلك الجنة وأثنائها { تفجيرا }
~~كثيرا والمراد اما إجراء الأنهار خلالها عند سقيها أو إدامة إجرائها كما
~~ينبىء الفاء.

### || [17.92]

# { أو تسقط السماء } الجرم المعلوم { كما زعمت علينا
~~كسفا } جمع كسفة كقطعة وقطع لفظا ومعنى، وهو حال من السماء والكاف في
~~{ كما } في محل النصب على أنه صفة مصدر محذوف أي إسقاطا مماثلا لما
~~زعمت يعنون بذلك قوله تعالى:

# أو نسقط عليهم كسفا من السمآء

# [سبأ: 9] وزعم بعضهم أنهم يعنون ما في هذه السورة من قوله تعالى:

# أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل
~~عليكم حاصبا

# [الإسراء: 68] وليس بشيء. وقيل: إن المعنى كما زعمت أن ربك إن شاء فعل
~~وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى في خبر ابن عباس. وقرأ مجاهد { يسقط السماء ms05882
~~} بياء الغيبة ورفع { السماء } وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة
~~والكسائي ويعقوب { كسفا } بسكون السين في جميع القرآن إلا في الروم [48]
~~وابن عامر إلا في هذه السورة ونافع وأبو بكر في غيرهما وحفص فيما عدا
~~الطور [44] في قول. وفي «النشر» انهم اتفقوا على إسكان السين في الطور
~~[44] وهو إما مخفف من المفتوح لأن السكون من الحركة مطلقا كسدر وسدر أو
~~هو فعل صفة بمعنى مفعول كالطحن بمعنى المطحون أي شيئا مكسوفا أي
~~مقطوعا.

# { أو تأتى بالله والملئكة قبيلا } أي مقابلا
~~كالعشير والمعاشر / وأرادوا كما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس عيانا
~~وهذا كقولهم

# لولا أنزل علينا الملئكة أو نرى ربنا

# [الفرقان: 21] وفي رواية أخرى عن الحبر والضحاك تفسير القبيل بالكفيل أي
~~كفيلا بما تدعيه يعنون شاهدا يشهد لك بصحة ما قلته وضامنا يضمن ما
~~يترتب عليه وهو على الوجهين حال من الجلالة وحال الملائكة محذوفة لدلالة
~~الحال المذكورة عليها أي قبلاء كما حذف الخبر في قوله:

# ومن يك أمسى في المدينة رحله

# فإني وقيار بها لغريب

# وذكر الطبرسي عن الزجاج أنه فسر قبيلا بمقابلة ومعاينة، وقال إن العرب
~~تجريه في هذا المعنى مجرى المصدر فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث فلا تغفل.
~~وعن مجاهد القبيل الجماعة كالقبيلة فيكون حالا من الملائكة. وفي «الكشف»
~~جعله حالا من الملائكة لقرب اللفظ وسداد المعنى لأن المعنى تأتي بالله
~~تعالى وجماعة من الملائكة لا تأتي بهما جماعة ليكون حالا على الجمع إذ
~~لا يراد معنى المعية معه تعالى ألا ترى إلى قوله سبحانه حكاية عنهم

# أو نرى ربنا

# [الفرقان: 21] والقرآن يفسر بعضه بعضا انتهى. وقرأ الأعرج { قبلا } من
~~المقابلة وهذا يؤيد التفسير الأول.

### || [17.93]

# { أو يكون لك بيت من زخرف } من ذهب كما روي عن ابن عباس
~~وقتادة وغيرهما، وأصله الزينة وإطلاقه على الذهب لأن الزينة به أرغب
~~وأعجب، وقرأ عبد الله { من ذهب } وجعل ذلك في «البحر» تفسيرا لا قراءة
~~لمخالفته سواد المصحف { أو ترقى فى السماء } أي تصعد في
~~معارجها فحذف ms05883 المضاف يقال رقي في السلم والدرجة والظاهر أن السماء هنا
~~المظلة، وقيل: المراد المكان العالي وكل ما ارتفع وعلا يسمى سماء قال
~~الشاعر:

# وقد يسمى سماء كل مرتفع

# وإنما الفضل حيث الشمس والقمر

# { ولن نؤمن لرقيك } أي لأجل رقيك فيها وحده أو لن نصدق رقيك
~~فيها { حتى تنزل } منها { علينا كتابا نقرؤه }
~~بلغتنا على أسلوب كلامنا وفيه تصديقك.

# { قل } تعجبا من شدة شكيمتهم وفرط حماقتهم { سبحن ربى } أو
~~قل ذلك تنزيها لساحة الجلال عما لا يكاد يليق بها من مثل هذه الاقتراحات
~~التي تضمنت ما هو من أعظم المستحيلات كإتيان الله تعالى على الوجه الذي
~~اقترحوه أو عن طلب ذلك، وفيه تنبيه على بطلان ما قالوه. وقرأ ابن كثير
~~وابن عامر { قال سبحان ربي } أي قال النبي صلى الله عليه وسلم: { هل
~~كنت إلا بشرا رسولا } كسائر الرسل عليهم السلام وكانوا لا
~~يأتون قومهم إلا بما يظهره الله تعالى على أيديهم حسبما تقتضيه الحكمة من
~~غير تفويض إليهم فيه ولا تحكم منهم عليه سبحانه، و { بشرا } خبر كان و {
~~رسولا } صفته وهو معتمد الكلام وكونه بشرا توطئة لذلك ردا لما أنكروه
~~من جواز كون الرسول بشرا ودلالة على أن الرسل عليهم السلام من قبل كانوا
~~كذلك ولهذا قال الزمخشري هل كنت إلا رسولا كسائر الرسل بشرا مثلهم،
~~وزعم بعض أن ذكر { بشرا } ليس للتوطئة فإن طلب القوم منه عليه الصلاة
~~والسلام ما طلبوه يحتمل أن يكون طلب أن يأتي به بقدرة نفسه صلى الله عليه
~~وسلم ويحتمل أن يكون طلب أن يأتي به بقدرة الله تعالى فذكر { بشرا }
~~لنفي أن يأتي بذلك بقدرة نفسه كأنه قال: هل كنت إلا بشرا والبشر لا قدرة
~~له على الإتيان بذلك، وذكر رسولا لنفي أن يأتي به بقدرة الله تعالى كأنه
~~قيل هل كنت إلا رسولا والرسول لا يتحكم على ربه سبحانه. / وتعقب بأن هذا
~~مع ما فيه من مخالفة الآثار كما ستعلمه قريبا إن شاء الله تعالى ظاهر في
~~جعل الاسمين خبرين وهو ms05884 مما يأباه الذوق السليم، وقال الخفاجي: إن كون
~~الاسمين خبرين غير متوجه لأنه يقتضي استقلالها وأنهم أنكروا كلا منهما
~~حتى رد عليهم بذلك ولم ينكر أحد بشريته صلى الله عليه وسلم، وتعقب بأنهم
~~لما طلبوا منه عليه الصلاة والسلام ما لا يتأتى من البشر كالرقي في
~~السماء كانوا بمنزلة من أنكر بشريته وهو كما ترى.

# وجوز بعضهم كون بشرا حالا من النكرة وسوغ ذلك تقدمه عليها وهو ركيك
~~لأنه يقتضي أنه له صلى الله عليه وسلم حالا آخر غير البشرية ولا يقول
~~بذلك أحد اللهم إلا أن يكون من الوجودية.

# هذا والظاهر اتحاد القائل لجميع ما تقدم ويحتمل عدم الاتحاد بأن يكون
~~بعض اقترح شيئا وبعض آخر اقترح آخر لكن نسب القول إلى الجميع لرضا كل
~~بما اقترح الآخر. وأخرج سعيد بن منصور وغيره عن ابن جبير أن قوله تعالى:

# وقالوا لن نؤمن لك

# [الإسراء: 90] الخ نزل في عبد الله بن أبي أمية وهو ظاهر في أنه القائل
~~ولا يعكر عليه ضمير الجمع لما أشرنا إليه، وأخرج ابن إسحق وجماعة عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب
~~والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل وعبد
~~الله بن أبي أمية وأمية بن خلف وناسا آخرين اجتمعوا بعد غروب الشمس عند
~~الكعبة فقال بعضهم لبعض ابعثوا إلى محمد فكلموه حتى تعذروا فيه فبعثوا
~~إليه فجاءهم صلى الله عليه وسلم سريعا وهو يظن أنهم قد بدا لهم في أمره
~~بداء وكان عليهم حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم حتى جلس إليهم فقالوا:
~~يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذرك وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب
~~أدخل على قومه ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت
~~الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة فما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما
~~بيننا وبينك فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من
~~أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ms05885 وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك
~~علينا وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك
~~رئيا تراه قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر
~~فيك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون ما جئتكم بما
~~جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله تعالى
~~بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا
~~فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جتئكم به فهو حظكم في
~~الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله
~~تعالى بيني وبينكم فقالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك
~~فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادا ولا أقل مالا ولا أشد عيشا
~~منا فاسأل ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي ضيقت
~~علينا وليبسط لنا بلادنا وليجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق وليبعث
~~لنا من قد مضى من آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب فإنه كان
~~شيخا صدوقا فنسألهم عما تقول حق هو أم باطل فإن صنعت ما سألناك وصدقوك
~~صدقناك وعرفنا به منزلتك عند الله تعالى وأنه بعثك رسولا فقال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم ما بهذا بعثت إنما جئتكم من عند الله تعالى بما بعثني
~~به فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة
~~وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله تعالى بيني وبينكم
~~قالوا فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك فاسأل ربك أن يبعث ملكا يصدقك بما
~~/ تقول فيراجعنا عنك وتسأله أن يجعل لك جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب
~~وفضة يغنيك عما نراك تبتغي فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه
~~حتى نعرف منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم فقال صلى الله عليه وسلم:
~~ما أنا بفاعل ما أنا ms05886 بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله
~~تعالى بعثني بشيرا ونذيرا فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا
~~والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله تعالى بيني
~~وبينكم قالوا: فتسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل فإنا لن نؤمن لك
~~إلا أن تفعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك إلى الله تعالى إن
~~شاء فعل بكم ذلك فقالوا: يا محمد فأعلم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما
~~سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب فيتقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به ويخبرك
~~بما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به فقد بلغنا أنه إنما
~~يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن وأنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا
~~فقد أعذرنا إليك يا محمد أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو
~~تهلكنا وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا فلما
~~قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وقام معه عبد الله بن
~~أبي أمية فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثم سألوك
~~لأنفسهم أمورا يتعرفوا بها منزلتك من الله تعالى فلم تفعل ثم سألوك أن
~~تعجل ما تخوفهم به من العذاب فوالله لا نؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى
~~السماء سلما ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة
~~معك بأربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول وأيم الله لو فعلت ذلك
~~لظننت أني لأصدقك ثم انصرف وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله
~~حزينا أسفا لما فاته مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه ولما رأى من
~~مباعدتهم فأنزل عليه هذه الآيات وقوله تعالى:

# كذلك أرسلناك فى أمة قد خلت

# [الرعد: 30] الآية وقوله سبحانه:

# ولو أن قرءانا سيرت به الجبال

# [الرعد: 31] الآية اه والله تعالى أعلم.

### || [17.94]

# { وما منع الناس } أي الذين حكيت أباطيلهم ms05887 { أن يؤمنوا }
~~مفعول { منع } وقوله تعالى: { إذ جاءهم الهدى } ظرف { منع
~~} أو { يؤمنوا } أي ما منعهم وقت مجيء الوحي المقرون بالمعجزات
~~المستدعية للإيمان أن يؤمنوا بالقرآن وبنبوتك أو ما منعهم أن يؤمنوا وقت
~~مجيء ما ذكر { إلا أن قالوا } فاعل { منع } أي إلا قولهم {
~~أبعث الله بشرا رسولا } منكرين أن يكون رسول الله عليه
~~الصلاة والسلام من جنس البشر وليس المراد أن هذا القول صدر عن بعض فمنع
~~آخرين بل المانع هو الاعتقاد الشامل للكل المستتبع لهذا القول منهم.
~~وإنما عبر عنه بالقول إيذانا بأنه مجرد قول يقولونه بأفواههم من غير أن
~~يكون له مفهوم ومصداق، وحصر المانع [من الإيمان] فيما ذكر مع أن لهم
~~موانع شتى لما أنه معظمها أو لأنه هو المانع بحسب الحال أعني عند سماع
~~الجواب بقوله تعالى:

# هل كنت إلا بشرا رسولا

# [الإسراء: 93] إذ هو الذي يتشبثون به حينئذ من غير أن يخطر ببالهم شبهة
~~أخرى من شبههم الواهية، وفيه على هذا إيذان بكمال عنادهم حيث يشير إلى أن
~~الجواب المذكور مع كونه حاسما لمواد شبههم مقتضيا للإيمان يعكسون الأمر
~~ويجعلونه مانعا قاله بعض المحققين وظاهر ذلك أن القول لا يقولون برسالة
~~أحد من الرسل المشهورين كإبراهيم وموسى عليهما السلام أصلا، وصرح بعضهم
~~بأنهم لم ينكروا إرسال غيره صلى الله عليه وسلم منهم وبأن قولهم هذا كان
~~تعنتا وهذا خلاف الظاهر هنا، ولعل القوم كانوا في ريب وتردد لا يستقيمون
~~على حال فتدبر. والظاهر أن الآية إخبار منه عز مجده عن الأمر المانع
~~إياهم عن الإيمان، ويظهر من كلام ابن عطية أن هذا الكلام منه عليه الصلاة
~~والسلام قاله على معنى التوبيخ والتلهف وحاشا من له أدنى ذوق من أن يذهب
~~/ إلى ذلك.

### || [17.95]

# { قل } لهم أولا من قبلنا تبيينا للحكمة وتحقيقا للحق المزيح للريب
~~{ لو كان } أي لو وجد { فى الأرض } بدل البشر { ملئكة
~~يمشون } كما يمشي البشر ولا يطيرون إلى السماء فيسمعوا من أهلها
~~ويعلموا ما يجب علمه { مطمئنين } ساكنين مقيمين فيها، وقال ms05888
~~الجبائي: أي مطمئنين إلى الدنيا ولذاتها غير خائفين ولا متعبدين بشرع لأن
~~المطمئن من زال الخوف عنه { لنزلنا عليهم من السماء
~~ملكا رسولا } يعلمهم ما لا تستقل قدرهم بعلمه ليسهل عليهم
~~الاجتماع به والتلقي منه وأما عامة البشر فلا يسهل عليهم ذلك لبعد ما بين
~~الملك وبينهم فلا يبعث إليهم وإنما يبعث إلى خواصهم لأن الله تعالى قد
~~وهبهم نفوسا زكية وأيدهم بقوى قدسية وجعل لهم جهتين جهة ملكية بها من
~~الملك يستفيضون وجهة بشرية بها على البشر يفيضون، وجعل كل البشر كذلك مخل
~~بالحكمة، وإنزال الملك عليهم على وجه يسهل التلقي منه بأن يظهر لهم بصورة
~~بشر كما ظهر جبريل عليه السلام مرارا في صورة دحية الكلبي. وقد صح

# " أن أعرابيا جاء وعليه أثر السفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان وغيرها فأجابه عليه الصلاة والسلام
~~بما أجابه ثم انصرف ولم يعرفه أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم فقال
~~صلى الله عليه وسلم «هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم "

# مما لا يجدي نفعا لأولئك الكفرة كما قال تعالى جده

# ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا وللبسنا
~~عليهم ما يلبسون

# [الأنعام: 9] وقيل علة تنزيل الملك عليهم أن الجنس إلى الجنس أميل وهو
~~به آنس، ولعل الأول أولى وإن زعم خلافه. وحكى الطبرسي عن بعضهم أنه قال
~~في الآية: إن العرب قالوا كنا ساكنين مطمئنين فجاء محمد صلى الله عليه
~~وسلم فازعجنا وشوش علينا أمرنا فبين سبحانه أنه لو كان ملائكة مطمئنين
~~لأوجبت الحكمة إرسال الرسل إليهم ولم يمنع اطمئنانهم الإرسال فكذلك الناس
~~لا يمنع كونهم مطمئنين إرسال الرسل إليهم، وأنت تعلم أن هذا بمراحل عن
~~السياق ولا يصح فيه أثر كما لا يخفى على المتتبع.

# ونصب { ملكا } يحتمل أن يكون على الحالية من { رسولا } الواقع
~~مفعولا لنزلنا وسوغ ذلك التقدم، ويحتمل أن يكون على المفعولية لنزلنا و
~~{ رسولا } صفة له، وكذا الكلام في قوله تعالى

# أبعث الله بشرا رسولا

# [الإسراء: 94] ورجح غير واحد الأول ms05889 بأنه أكثر موافقة للمقام وأنسب، ووجه
~~ذلك القطب وصاحب «التقريب» بأنه على الحالية يفيد المقصود بمنطوقه وعلى
~~الوصفية يفيد خلاف المقصود بمفهومه، أما الأول: فلأن منطوقه أبعث الله
~~تعالى رسولا حال كونه بشرا لا ملكا ولنزلنا عليهم رسولا حال كونه
~~ملكا لا بشرا وهو المقصود، وأما الثاني: فلأن التقييد بالصفة يفيد أبعث
~~الله تعالى بشرا مرسلا لا بشرا غير مرسل ولنزلنا عليهم ملكا مرسلا
~~لا ملكا غير مرسل وهو خلاف المقصود بل غير مستقيم.

# وقال صاحب «الكشف» تبعا لشيخه العلامة الطيبي في ذلك: لأن التقديم
~~إزالة عن موضعه الأصلي دلالة على أنه مصب الإنكار في الأول أعني

# أبعث الله بشرا رسولا

# [الإسراء: 94] فيدل على أن البشرية منافية لهذا الثابت  أعني الرسالة 
~~كما تقول أضربت قائما زيدا ولو قلت أضربت زيدا قائما أو القائم لم
~~يفد تلك الفائدة لأن الأول يفيد أن المنكر ضربه قائما لا الضرب مطلقا،
~~والثاني يفيد أن المنكر ضرب زيد لاتصافه بهذه الصفة المانعة ولا يفيد أن
~~أصل الضرب حسن ومسلم والجهة منكرة هذا إن جعل التقديم للحصر / وإن جعل
~~للاهتمام دل على كونه مصب الإنكار وإن لم يدل على ثبوت مقابله، وعلى
~~التقديرين فائدة التقديم لائحة اه، وهو أكثر تحقيقا.

# واستشكل بعضهم هذه الآية بأنها ظاهرة في أنه إنما يرسل إلى كل قبيل ما
~~يناسبه ويجانسه كالبشر للبشر والملك للملك ولا يرسل إلى قبيل ما لا
~~يناسبه ولا يجانسه وهو ينافي كونه صلى الله عليه وسلم مرسلا إلى الجن
~~كالإنس إجماعا معلوما من الدين بالضرورة فيكفر منكره ومن نازع في ذلك
~~فقد وهم وأجيب بمنع كونها ظاهرة في ذلك بل قصارى ما تدل عليه أن القوم
~~أنكروا أن يبعث الله تعالى إلى البشر بشرا وزعموا أنه يجب أن يكون
~~المبعوث إليهم ملكا ومرامهم نفي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم
~~مبعوثا إليهم فأجيبوا بما حاصله أن الحكمة تقتضي بعث الملك إلى الملائكة
~~لوجود المناسبة المصححة للتلقي لا إلى عامة البشر لانتفاء تلك المناسبة
~~فأمر الوجوب ms05890 الذي يزعمونه بالعكس وليس في هذا أكثر من الدلالة على أن أمر
~~البعث منوط بوجود المناسبة فمتى وجدت صح البعث ومتى لم توجد لا يصح البعث
~~وأنها موجودة بين الملك والملك لا بينه وبين عامة البشر كالمنكرين
~~المذكورين وهذا لا ينافي بعثته صلى الله عليه وسلم إلى الجن لأنه عليه
~~الصلاة والسلام متى صح فيه المناسبة المصححة للاجتماع مع الملك والتلقي
~~منه صح فيه المناسبة المصححة للاجتماع مع الجن والإلقاء إليهم كيف لا وهو
~~عليه الصلاة والسلام نسخة الله تعالى الجامعة وآيته الكبرى الساطعة وإذا
~~قلنا إن اجتماعه عليه الصلاة والسلام بالجن وإلقاءه عليهم بعد تشكلهم له
~~فأمر المناسبة أظهر وليس تشكل الملك لو أرسل إلى البشر بمجد لما سمعت
~~آنفا، ويقال نحو هذا في إرساله صلى الله عليه وسلم إلى الملائكة لما فيه
~~عليه الصلاة والسلام من قوة الإلقاء إليهم كالتلقي منهم.

# وإلى كونه عليه الصلاة والسلام مرسلا إليهم ذهب من الشافعية تقي الدين
~~السبكي والبارزي والجلال المحلي في «خصائصه»، ومن الحنابلة ابن تيمية
~~وابن مفلح في كتاب «الفروع»، ومن المالكية عبد الحق وقال كابن تيمية لا
~~نزاع بين العلماء في جنس تكليفهم بالأمر والنهي.

# وقال إبراهيم اللقاني: لا شك في ثبوت أصل التكليف بالطاعات العملية في
~~حقهم وأما نحو الإيمان فهو فيهم ضروري فيستحيل تكليفهم به. وقال السبكي
~~في «فتاويه»: الجن مكلفون بكل شيء من هذه الشريعة لأنه إذا ثبت أنه عليه
~~الصلاة والسلام مرسل إليهم كما هو مرسل إلى الإنس وأن الدعوة عامة
~~والشريعة كذلك لزمتهم جميع التكاليف التي توجد فيهم أسبابها إلا أن يقوم
~~دليل على تخصيص بعضها فنقول: إنه يجب عليهم الصلاة والزكاة إن ملكوا
~~نصابا بشرطه والحج وصوم رمضان وغيرها من الواجبات ويحرم عليهم كل حرام
~~في الشريعة بخلاف الملائكة فإنا لا نلتزم أن هذه التكاليف كلها ثابتة في
~~حقهم إذا قلنا بعموم الرسالة إليهم بل يحتمل ذلك ويحتمل الرسالة في شيء
~~خاص اه. ولا مانع من أن يكلفهم كلهم بما جاءه من ربه ms05891 جل جلاله بواسطة
~~بعضهم على أنه ليس كل ما جاء به عليه الصلاة والسلام حاصلا بوساطة الملك
~~فيمكن أن يكون ما كلفوا به لم يكن بوساطة أحد منهم، وأنكر بعضم إرساله
~~صلى الله عليه وسلم إليهم وبعدم الإرسال إليهم جزم الحليمي. والبيهقي من
~~الشافعية ومحمود بن حمزة الكرماني في كتابه «العجائب والغرائب» من
~~الحنفية بل نقل البرهان النسفي والفخر الرازي في «تفسيريهما» الإجماع
~~عليه وجزم به من المتأخرين زين الدين العراقي في «نكته على ابن الصلاح»
~~والجلال المحلي في «شرح جمع الجوامع».

# وصريح آية

# ليكون للعلمين نذيرا

# [الفرقان: 1] - إذ العالم ما سوى الله تعالى وصفاته -، وخبر مسلم

# " أرسلت إلى الخلق كافة "

# يؤيد المذهب الأول. نعم استدل أهل هذا المذهب بما استدلوا به وفيه ما
~~فيه. وقد ادعى / بعض الناس أن الآية تؤيد مذهبهم لأنه تعالى خص فيها
~~الملك بالإرسال إلى الملائكة فيتعين أن يكون هو الرسول إليهم لا البشر
~~سواء كان بينه وبينهم مناسبة أم لا وقد سمعت ما نقل عن العلامة القطب
~~وصاحب «التقريب» من أن المراد لنزلنا عليهم رسولا حال كونه ملكا لا
~~بشرا. وأجيب بأنه بعد إرخاء العنان لا تدل الآية إلا على تعين إرسال
~~الملك إلى الملائكة إذا كانوا في الأرض يمشون مطمئنين بدل البشر ولا يلزم
~~منه أن لا يصح إرسال البشر إليهم إذا لم يكونوا كذلك لجواز أن يكون حكمة
~~التعين في الصورة الأولى سوى المناسبة المترتب عليها سهولة الاجتماع
~~والتلقي شيء آخر لا يوجد في الصورة الثانية وذلك أنه إذا كان أهل الأرض
~~ملائكة وأرسل إليهم بشر له قوة الإلقاء إليهم والإفاضة عليهم، نحو إرسال
~~رسل البشر عليهم السلام إليهم صعب بحسب الطبع على ذلك الرسول بقاؤه معهم
~~زمنا يعتد بهم كما يبقى رسل البشر مع البشر كذلك إلا أن يجعل مشاركا
~~لهم فيما جبلوا عليه ويلحق بهم وهو أشبه شيء بإخراجه عن الطبيعة البشرية
~~بالمرة فيكون العدول عن إرسال ملك إلى إرساله أشبه شيء بالعبث المنافي
~~للحكمة اه فتدبر. فلعل الله سبحانه ms05892 يمن عليك بما يروى الغليل وتأمل في
~~جميع ما تقدم فلعلك توفق بعون الله تعالى إلى الجرح والتعديل.

### || [17.96]

# { قل } لهم ثانيا من جهتك بعدما قلت لهم من قبلنا ما قلت وبينت لهم
~~ما تقتضيه الحكمة في البعثة ولم يرفعوا إليه رأسا { كفى بالله }
~~عز وجل وحده { شهيدا } على أني قد أديت ما علي من مواجب الرسالة
~~أكمل أداء وأنكم فعلتم ما فعلتم من التكذيب والعناد. وقيل شهيدا على أني
~~رسول الله تعالى إليكم بإظهار المعجزة على وفق دعواي، ورجح الأول بأنه
~~أوفق بقوله تعالى: { بينى وبينكم } وكذا بقوله سبحانه تعليلا
~~للكفاية { إنه كان بعباده } أي الرسل والمرسل إليهم {
~~خبيرا بصيرا } أي محيطا بظواهرهم وبواطنهم فيجازيهم على ذلك. وزعم
~~الخفاجي أن الثاني: أوفق بالسباق منه إذ يكون الكلام عليه كالسابق ردا
~~لإنكارهم أن يكون الرسول بشرا وإلى ذلك ذهب الإمام وأن كون الأول أوفق
~~بقوله تعالى: { إنه كان } الخ لا وجه له لأن معناه التهديد والوعيد
~~بأنه سبحانه يعلم ظواهرهم وبواطنهم وأنهم إنما ذكروا هذه الشبهة للحسد
~~وحب الرياسة والاستنكاف عن الحق وفيه من التسلية لحبيبه صلى الله عليه
~~وسلم ما فيه. وأنت تعلم أن إنكار كون الأول أوفق بذلك مما لا وجه له
~~لظهور خلافه، ولا ينافيه تضمن الجملة الوعيد والتسلية، وأيضا يبقى أمر
~~أوفقيته بيني وبينكم في البين ومع ذلك في تصدير الكلام بقل نوع تأييد
~~لإرادة الأول كما لا يخفى على الذكي. هذا وإنما لم يقل سبحانه بيننا
~~تحقيقا للمفارقة وإبانة للمباينة. ونصب { شهيدا } إما على الحال أو
~~على التمييز.

### || [17.97]

# { ومن يهد الله } كلام مبتدأ غير داخل في حيز

# قل

# [الإسراء: 96] يفصل ما أشار إليه الكلام السابق من مجازاة العباد لما أن
~~علمه تعالى في مثل هذا الموضع مستعمل بمعنى المجازاة أي من يهد الله
~~تعالى إلى الحق { فهو المهتد } إليه وإلى ما يؤدي إليه من الثواب
~~أو المهتد إلى كل مطلوب والأكثرون حذفوا ياء المهتدي { ومن يضلل }
~~يخلق فيه الضلال لسوء اختياره وقبح استعداده كهؤلاء ms05893 المعاندين { فلن
~~تجد لهم أولياء } أي أنصارا { من دونه } عز وجل يهدونهم
~~إلى طريق الحق أو إلى طريق يوصلهم إلى مطالبهم الدنيوية والأخروية أو إلى
~~طريق النجاة من العذاب الذي يستدعيه ضلالهم على معنى لن تجد لأحد منهم
~~وليا على ما يقتضيه قضية مقابلة الجمع بالجمع من انقسام الآحاد على
~~الآحاد على / ما هو المشهور. وقيل قال سبحانه { أولياء } مبالغة لأن
~~الأولياء إذا لم تنفعهم فكيف الولي الواحد؟ وضمير { لهم } عائد على
~~(من) باعتبار معناه كما أن { هو } عائد عليه باعتبار لفظه فلذا أفرد
~~الضمير تارة وجمع أخرى. وفي إيثار الإفراد والجمع فيما أوثرا فيه تلويح
~~بوحدة طريق الحق وقلة سالكيه وتعدد سبل الضلال وكثرة الضلال. وذكر أبو
~~حيان وتبعه بعضهم أن الجملة الثانية من المواضع التي جاء فيها الحمل على
~~المعنى ابتداء من غير أن يتقدمه الحمل على اللفظ وهي قليلة في القرآن.
~~وتعقب ذلك الخفاجي بأنه لا وجه له فإنه حمل فيها الضمير على اللفظ أولا
~~إذ في قوله تعالى: { يضلل } ضمير محذوف مفرد إذ تقديره يضلله على
~~الأصل وهو راجع إلى لفظ (من) فلا يقال إنه لم يتقدمه حمل على اللفظ ثم
~~قال: وأغرب من ذلك ما قيل إنه قد يقال إن الحمل على اللفظ قد تقدمه في
~~قوله سبحانه { من يهد الله } وإن كان في جملة أخرى اه. وفيه أن
~~وجهه جعل أبي حيان (من) مفعول { يضلل } كما نص عليه في «البحر» وكذا
~~نص على أنها في الجملة الأولى مفعول { يهد } وحيئنذ ليس هناك ضمير
~~مفرد محذوف كما لا يخفى فتفطن. وجوز كون الجملتين داخلتين في حيز

# قل

# [الإسراء: 96] لمجيء { ومن } بالواو.

# وقوله تعالى: { ونحشرهم } أوفق بالأول وفيه التفات من الغيبة إلى
~~التكلم للإيذان بكمال الاعتناء بأمر الحشر، وعلى الاحتمال الثاني يجعل
~~حكاية لما قاله الله تعالى له عليه الصلاة والسلام { يوم
~~القيمة } حين يقومون من قبورهم { على وجوههم } في موضع الحال
~~من الضمير المنصوب أي كائنين عليها إما مشيا بأن يزحفون منكبين عليها
~~ويشهد له ms05894 ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس قال:

# " قيل يا رسول الله كيف يحشر الناس على جوههم؟ قال الذي أمشاهم على
~~أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم "

# والمراد كيف يحشر هذا الجنس على الوجه لأن ذلك خاص بالكفار وغيرهم يحشر
~~على وجه آخر. فقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه وابن جرير وغيرهم عن أبي
~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف صنف مشاة أي على العادة وصنف
~~ركبان وصنف على وجوههم قيل يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: إن
~~الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم إنهم يتقون
~~بوجوههم كل حدب وشوك "

# وإما سحبا بأن تجرهم الملائكة منكبين عليها كقوله تعالى

# يوم يسحبون فى النار على وجوههم

# [القمر: 48] ويشهد له ما أخرجه أحمد والنسائي والحاكم وصححه عن أبي ذر
~~أنه تلا هذه الآية { ونحشرهم يوم القيمة على
~~وجوههم } الخ فقال: حدثني الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن
~~الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج فوج طاعمين كاسين راكبين وفوج
~~يمشون ويسعون وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم، وأخرج أحمد والنسائي
~~والترمذي وحسنه عن معاوية بن حيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " إنكم تحشرون رجالا وركبانا وتجرون على وجوهكم "

# وليطلب وجه الجمع فإن لم يوجد فالمعول عليه ما شهد له حديث الشيخين، ولا
~~تعين الآية أعني قوله تعالى:

# يوم يسحبون فى النار على وجوههم

# [القمر: 48] الثاني لأن القرآن يفسر بعضه بعضا لأنها في حالهم بعد دخول
~~النار وما هنا في حالهم قبل فتغايرا. وزعم بعضهم أن الكلام على المجاز
~~وذلك كما يقال للمنصرف عن أمر خائبا مهموما انصرف على وجهه فالمراد
~~ونحشرهم يوم القيامة مهمومين خائبين، وكأن الداعي لهذا الارتكاب أنه قد
~~روى عن ابن عباس حمل الأحوال الآتية على المجاز وحينئذ تكون جميع الأحوال
~~على طرز واحد ولا يخفى عليك فإياك أن تلتفت إلى تأويل نطقت / السنة
~~النبوية بخلافه ولا تعبأ بقوم يفعلون ms05895 ذلك.

# { عميا وبكما وصما } أحوال من الضمير المستكن في الجار
~~والمجرور الواقع حالا أولا وفي «إرشاد العقل السليم» أنها أحوال من
~~الضمير المجرور في الحال السابقة، والأول أبعد عن القيل والقال. وجوز أبو
~~البقاء كون ذلك بدلا من تلك الحال وهو كما ترى. واستظهر أبو حيان كون
~~المراد مما ذكر حقيقته ويكون ذلك في مبدأ الأمر ثم يرد الله تعالى إليهم
~~أبصارهم ونطقهم وسمعهم فيرون النار ويسمعون زفيرها وينطقون بما حكى الله
~~تعالى عنهم في غير موضع. نعم قد يختم على أفواههم في البين. وقيل هو على
~~المجاز على معنى أنهم لفرط الحيرة والذهول يشبهون أصحاب هذه الصفات أو
~~على معنى أنهم لا يرون شيئا يسرهم ولا يسمعون كذلك ولا ينطقون بحجة كما
~~أنهم كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ولا يسمعونه وأخرج
~~ذلك ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس وروي أيضا عن الحسن فنزل ما
~~يقولونه ويسمعونه ويبصرونه منزلة العدم لعدم الانتفاع به، ولا يعكر عليه
~~أن بعض الآيات يدل على سلب بعض القوى عنهم لاختلاف الأوقات.

# وقيل عميا عن النظر إلى ما جعل الله تعالى لأوليائه بكما عن الكلام
~~معه سبحانه صما عما مدح الله تعالى به أولياءه. وقيل: يحصل لهم ذلك
~~حقيقة بعد قوله تعالى لهم

# اخسئوا فيها ولا تكلمون

# [المؤمنون: 108] وعلى هذا تكون الأحوال مقدرة كقوله تعالى: {
~~مأواهم } أي مستقرهم { جهنم } على تقدير جعله حالا ويحتمل أن
~~يكون استئنافا.

# وقوله سبحانه: { كلما خبت زدناهم سعيرا } يحتمل أيضا
~~الاستئناف ويحتمل أن يكون حالا من (جهنم) كما قال أبو البقاء، وجعل
~~العامل في الحال معنى المأوى. وقال الطبرسي: هو حال منها لأنها توضع
~~[موضع] متلظ ومتسعر ولولا ذلك ما جعل حالا منها. وجوز جعله حالا مما
~~جعلت الجملة الأولى منه لكن بعد اعتبارها في النظم والرابط الضمير
~~المنصوب في { زدناهم } وهو كما ترى والاستئناف أقل مؤنة. والخبو
~~وكذا الخبو بضمتين وتشديد وهما مصدرا خبت النار سكون اللهب قال في
~~«البحر» يقال خبت النار تخبو ms05896 إذا سكن لهبها وخمدت إذا سكن جمرها وضعف
~~وهمدت إذا طفئت جملة. وقال الراغب: خبت النار سكن لهبها وصار عليها خباء
~~من رماد أي غشاء. وفي «القاموس» تفسير خبت بسكنت وطفئت وتفسير طفئت بذهب
~~لهبها وفيه مخالفة لما في «البحر» والأكثرون على ما فيه. ومن الغريب ما
~~أخرجه ابن الأنباري عن أبي صالح من تفسير { خبت } في الآية بحميت وهو
~~خلاف المشهور والمأثور. والسعير اللهب. والمعنى كلما سكن لهبها بأن أكلت
~~جلودهم ولحومهم ولم يبق ما تتعلق به النار وتحرقه زدناهم لهبا وتوقدا
~~بأن أعدناهم على ما كانوا فاستعرت النار بهم وتوقدت. أخرج ابن جرير وابن
~~المنذر وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية إن
~~الكفرة وقود النار فإذا أحرقتهم فلم يبق شيء صارت جمرا تتوهج فذلك خبوها
~~فإذا بدلوا خلقا جديدا عاودتهم، ولعل ذلك على ما قاله بعض الأجلة عقوبة
~~لهم على إنكارهم الإعادة بعد الإفناء بتكررها مرة بعد الأخرى ليروها
~~عيانا حيث لم يروها برهانا كما يفصح عند ما بعد.

# واستشكل ما ذكر بأن قوله تعالى

# كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها

# [النساء: 56] يدل على أن النار لا تتجاوز عن إنضاجهم إلى إحراقهم
~~وإفنائهم فيعارض ذلك. وأجاب بعضهم بأن تبديلهم جلودا غيرها بإحراقها
~~وإفنائها وخلق غيرها / فكأنه قيل كلما نضجت جلودهم أحرقناها وأفنيناها
~~وخلقنا لهم غيرها، وبعض بأن المراد كلما نضجت جلودهم كمال النضج بأن يبلغ
~~شيها إلى حد لو بقيت عليه لا يحس صاحبها بالعذاب وهو مرتبة الاحتراق
~~بدلناهم الخ ويدل على ذلك قوله تعالى:

# ليذوقوا العذاب

# [النساء: 56]. وقال الخفاجي: أجيب بأنه يجوز أن يحصل لجلودهم تارة النضج
~~وتارة الإفناء أو كل منهما في حق قوم على أنه لا سد لباب المجاز بأن يجعل
~~النضج عبارة عن مطلق تأثير النار إذ لا يحصل في ابتداء الدخول غير
~~الإحراق دون النضج اه. ولا يخفى ما في قوله بأن يجعل النضج عبارة عن
~~مطلق تأثير النار من المساهلة، وفي قوله: إذ لا يحصل الخ ms05897 منع ظاهر. وذكر
~~أنه أورد على الجواب الأول أن كلمة كلما تنافيه وفيه بحث فتأمل. وربما
~~يتوهم أن بين هذه الآية وقوله تعالى:

# لا يخفف عنهم العذاب

# [البقرة: 162] تعارضا لأن الخبو يستلزم التخفيف وهو مدفوع بأن الخبو
~~سكون اللهب كما سمعت واستلزامه تخفيف عذاب النار ممنوع، على أنا لو سلمنا
~~الاستلزام فالعذاب الذي لا يخفف ليس منحصرا بالعذاب بالنار والإيلام
~~بحرارتها وحينئذ فيمكن أن يعوض ما فات منه بسكون اللهب بنوع آخر من
~~العذاب مما لا يعلمه إلا الله تعالى.

# وذكر الإمام أن قوله سبحانه: { زدناهم سعيرا } يقتضي ظاهره أن
~~الحالة الثانية أزيد من الحالة الأولى فتكون الحالة الأولى تخفيفا
~~بالنسبة إلى الحالة الثانية. وأجاب بأنه حصل في الحالة الأولى خوف حصول
~~الثانية فكان العذاب شديدا. ويحتمل أن يقال: لما عظم العذاب صار التفاوت
~~الحاصل في أثنائه غير مشعور به نعوذ بالله تعالى منه اه، وقد يقال: ليس
~~في الآية أكثر من ازدياد توقدهم ولعله لا يستلزم ازدياد عذابهم. والمراد
~~من الآية كلما أحرقوا أعيدوا إلا أنه عبر بما عبر للمبالغة، ويشير إلى
~~كون المراد ذلك قوله تعالى: { زدناهم } دون زدناها فتدبر.

### || [17.98]

# { ذلك } أي العذاب المفهوم من قوله سبحانه

# كلما خبت زدناهم سعيرا

# [الإسراء: 97] أو إلى جميع ما ذكر من حشرهم على وجوههم عميا وبكما
~~وصما الخ، والمفهوم مما ذكرنا مندرج فيه { جزاؤهم بأنهم } أي
~~بسبب أنهم { كفروا بئايتنا } القرآنية والآفاقية الدالة على
~~صحة الإعادة دلالة واضحة أو على صحة ما أرسلناك به مطلقا فيشمل ما ذكر.
~~و { ذلك } مبتدأ و { جزاؤهم } خبره والظرف متعلق به، وجوز أن يكون
~~{ جزآؤهم } مبتدأ ثانيا والظرف خبره والجملة خبر لذلك، وأن يكون {
~~جزآؤهم } بدلا من { ذلك } أو بيانا والخبر هو الظرف، وقيل {
~~ذلك } خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك وما بعده مبتدأ وخبر، وليس بشيء {
~~وقالوا } منكرين أشد الإنكار { أءذا كنا عظما ورفتا
~~} هو في الأصل كما قال الراغب كالفتات ما تكسر وتفرق من التبن والمراد
~~هنا بالين متفرقين { ءإنا لمبعوثون خلقا ms05898 جديدا } إما مصدر
~~مؤكد من غير لفظه أي لمبعوثون بعثا جديدا وإما حال أي مخلوقين
~~مستأنفين.

### || [17.99]

# { أو لم يروا أن الله الذى خلق السموات
~~والأرض } أي ألم يتفكروا ولم يعلموا أن الله تعالى الذي قدر على خلق
~~هذه الأجرام والأجسام الشديدة العظيمة التي بعض ما تحويه البشر { قادر
~~على أن يخلق مثلهم } من الإنس أي ومن هو قادر على ذلك كيف
~~لا يقدر على إعادتهم وهي أهون عليه جل وعلا. وقال بعض المحققين: مثل هنا
~~مثلها في  مثلك لا يبخل  أي قادر على أن يخلقهم. والمراد بالخلق
~~الإعادة كما عبر عنها أولا ب { ذلك } حيث قيل:

# خلقا جديدا

# [الإسراء: 98] ولا يخلو عن بعد. وزعم بعضهم أن المراد قادر على أن يخلق
~~عبيدا آخرين يوحدونه تعالى، ويقرون بكمال حكمته وقدرته ويتركون ذكر هذه
~~الشبهات الفاسدة كقوله تعالى:

# ويأت بخلق جديد

# [إبراهيم: 19] / وقوله سبحانه:

# ويستبدل قوما غيركم

# [التوبة: 39] وفيه أنه لا يلائم السياق كما لا يخفى على ذوي الأذواق.

# ثم اعلم أن ظاهر الآية أن الكفرة أنكروا إعادتهم يوم القيامة على معنى
~~جمع أجزائهم المتفرقة وعظامهم المتفتتة وتأليفها وإفاضة الحياة عليها كما
~~كانت في الدنيا فهو الذي عنوه بقولهم

# أءنا لمبعوثون خلقا جديدا

# [الإسراء: 98] بعد قولهم

# أءذا كنا عظاما ورفاتا

# [الإسراء: 98] فرد عليهم بإثبات ذلك بطريق برهاني. وعلى هذا تكون الآية
~~أحد أدلة من يقول: إن الحشر بإعادة أجزاء الأبدان التي تتفرق - كأبدان ما
~~عدا الأنبياء عليهم السلام ومن لم يعمل خطيئة قط والمؤذنين احتسابا
~~ونحوهم ممن حرمت أجسادهم على الأرض كما جاء في الأخبار - وجمعها بعد
~~تفرقها وعنوا بذلك الأجزاء الأصلية وهي الحاصلة في أول الفطرة حال نفخ
~~الروح وهي عندهم محفوظة من أن تصير جزءا لبدن آخر فضلا عن أن تصير جزأ
~~أصليا له، والذاهبون إلى هذا هم الأقل وحكاه الآمدي بصيغة قيل لكن رجحه
~~الفخر الرازي وذكر أن الأكثر على أن الله سبحانه يعدم الذوات بالكلية ثم
~~يعيدها وقال: إنه الصحيح، وكذا قال البدر الزركشي، وذكر اللقاني أنه ms05899 قول
~~أهل السنة والمعتزلة القائلين بصحة الفناء والعدم على الأجسام بل بوقوعه
~~وإن اختلفوا في أن ذلك هل هو بحدوث ضد أو بانتفاء شرط أو بلا ولا فذهب
~~إلى الأخير القاضي من أهل السنة وأبو الهذيل من المعتزلة قالا: إن الله
~~تعالى يعدم ما يريد إعدامه على نحو إيجاده إياه فيقول له عند أبي الهذيل
~~افن فيفنى كما يقول له كن فيكون. وذهب جمهور المعتزلة إلى الأول فقالوا:
~~إن فناء الجوهر بحدوث ضد له وهو الفناء ثم اختلفوا فذهب ابن الأخشيد إلى
~~أن الله تعالى يخلق الفناء في جهة من جهات الجواهر فتعدم الجواهر بأسرها،
~~وقال ابن شبيب: إنه تعالى يحدث في كل جوهر بعينه فناء يقتضي عدم الجوهر
~~في الزمان الثاني وذهب أبو علي وأبو هاشم وأتباعهما إلى أن الله تعالى
~~يعدم الجوهر بخلق فناء لا في محل معين منه ثم اختلفا فقال أبو علي
~~وأتباعه: إن الله سبحانه يخلق فناء واحدا لا في محل فيفنى به الجواهر
~~بأسرها وقال أبو هاشم وأتباعه إنه تعالى يخلق لكل جوهر فناء لا في محل.

# وذهب إمام الحرمين وأكثر أهل السنة وبشر المريسي والكعبي من المعتزلة
~~إلى الثاني ثم اختلفوا في تعيين الشرط فقال بشر: إنه بقاء يخلقه سبحانه
~~لا في محل فإن لم يخلقه عدم الجوهر. وقال الأكثر والكعبي: إنه بقاء قائم
~~بالجوهر يخلقه جل وعلا فيه حالا فحالا فإذا لم يخلقه تعالى فيه انتفى
~~الجوهر. وقال إمام الحرمين: إنه الأعراض التي يجب اتصاف الجسم بها فإن
~~الله تعالى شأنه يخلقها في الجسم حالا فحالا فمتى لم يخلقها سبحانه فيه
~~انعدم. وقال النظام: إنه خلق الله تعالى الجوهر حالا فحالا فإن الجواهر
~~عنده لا بقاء لها بل هي متجددة بتجدد الأعراض فإذا لم يوالي عز مجده على
~~الجوهر خلقه فني. وأنت تعلم أن أكثر هذه الأقاويل من قبيل الأباطيل سيما
~~القول بأن الفناء أمر محقق في الخارج ضد للبقاء قائم بنفسه أو بالجوهر
~~وكون البقاء موجودا لا في محل، ولعل وجه ms05900 البطلان غني عن البيان. واحتجوا
~~لهذا المذهب بقوله سبحانه:

# كل شىء هالك إلا وجهه

# [القصص: 88] وقوله تعالى:

# كل من عليها فان

# [الرحمن: 26] وأجابوا عن الآية بأن الكفار اكتفوا بأقل اللازم وأرادوا
~~المبالغة في الإنكار لأنه إذا لم يمكن بزعمهم الحشر بعد كونهم عظاما
~~ورفاتا فعدم إمكانه بعد فنائهم بالمرة أظهر وأظهر، وفيه أن هلاك كل شيء
~~خروجه عن صفاته المطلوبة منه والتفرق كذلك فيقال له هلاك ويسمى أيضا
~~فناء عرفا فالاحتجاج بالآيتين غير تام وأن ما قالوه في الجواب عن الآية
~~خلاف الظاهر. ولا يرد عليهم أن إعادة المعدوم محال لما / ذكره الفلاسفة
~~من الأدلة لما ذكره المسلمون في إبطالها.

# ومن الناس من قال: إن عجب الذنب لا يفنى وإن فنى ما عداه من أجزاء البدن
~~لحديث «الصحيحين»

# " ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب منه خلق
~~الخلق يوم القيامة "

# وفي رواية مسلم

# " كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق ومنه يركب "

# وصحح المزني أنه يفنى أيضا وتأول الحديث بأن المراد منه أن كل الإنسان
~~يبلى بالتراب ويكون سبب فنائه إلا عجب الذنب فإن الله تعالى يفنيه بلا
~~تراب كما يميت ملك الموت بلا ملك موت، والخلق منه والتركيب يمكن أي يكون
~~بعد إعادته فليس ما ذكر نصا في بقائه، ووافقه على ذلك ابن قتيبة، وأنت
~~تعلم أن ظواهر الأخبار تدل على عدم فنائه مطلقا، وتوقف بعض العلماء عن
~~الجزم بأحد المذهبين السابقين في كيفية الحشر.

# وقال السعد: إنه الحق وهو اختيار إمام الحرمين. وفي «المواقف» و«شرحه»
~~للسيد السند هل يعدم الله تعالى الأجزاء البدنية ثم يعيدها أو يفرقها
~~ويعيد فيها التأليف؟ الحق أنه لم يثبت في ذلك شيء فلا جزم فيه نفيا ولا
~~إثباتا لعدم الدليل على شيء من الطرفين. وقال حجة الإسلام الغزالي في
~~كتاب «الاقتصاد»: فإن قيل ما تقولون هل تعدم الجواهر والأعراض ثم يعادان
~~جميعا أو تعدم الأعراض دون الجواهر ثم تعاد الأعراض فقط؟ قلنا: كل ذلك
~~ممكن، ms05901 والحق أنه ليس في الشرع دليل قاطع على تعيين أحد الأمرين الممكنين.
~~وقال بعضهم: الحق وقوع الأمرين جميعا إعادة ما انعدم بعينه وإعادة ما
~~تفرق بأعراضه وهو حسن. والكلام في هذا المقام طويل جدا ولعل الله سبحانه
~~وتعالى يمن علينا باستيفائه ولو في مواضع متعددة.

# { وجعل لهم أجلا } وهو ميقات إعادتهم وحشرهم أو موتهم وهو على
~~هذا اسم جنس لأن لكل أحد أجلا للموت يخصه، وقد جاء إطلاق الأجل على
~~الموت ووجهه أنه يطلق على مدة الحياة وعلى آخرها والموت مجاور لذلك { لا
~~ريب فيه } أي لا ينبغي الريب فيه والإنكار لمن تدبره أو النفي على
~~ظاهره. والجملة معطوفة على { أولم يروا } وهي وإن كانت إنشائية
~~وفي عطف الإخبارية عليها مقال مؤولة بخبرية والعطف على الصلة فيما مر
~~متعذر للفصل بخبر (أن) وكذا على ما بعد (أن) المصدرية لفظا ومعنى.
~~والمعنى كما في «الكشف» وغيره قد علموا بدليل العقل أن الله تعالى قادر
~~على إعادتهم وقد جعل أجلا لها لا ريب فيه فلا بد منها أي إذا كان ذلك
~~ممكنا في نفسه واجب الوقوع بخبر الصادق لا يبقى للإنكار معنى فإن كان
~~الأجل بمعنى ميقات إعادتهم أي يوم القيامة لقولهم

# أءذا كنا عظما ورفتا

# [الإسراء: 98] وهو الظاهر فهو واضح، وإن كان بمعنى الموت فوجهه أنهم قد
~~علموا إمكانه وأنهم ميتون لا محالة منسلخون من هذه الحياة وأنه لا بد لهم
~~من جزاء فلم يخلقوا عبثا ولم يتركوا سدى ففيم الإنكار؟ وكأنه قد اكتفى
~~بالموت عما بعده لأنه أول القيامة ومن مات فقد قامت قيامته فالعطف في
~~التقدير على قد علموا. ويعلم من هذا التقرير أن الجامع بين الجملتين لصحة
~~العطف في غاية القوة. وزعم القطب أن الأولى العطف على ما بعد (أن)
~~المصدرية أما أولا فلأنه أقرب، وأما ثانيا فلأن جعل الأجل يدخل حينئذ
~~تحت قدرته تعالى وتحت علمهم بخلاف ما إذا عطف على قوله سبحانه: { أو
~~لم يروا } الخ / ولا يخفى ما فيه على من استدارت كرة فكره على ms05902 محور
~~التحقيق.

# { فأبى الظلمون } الذين كفروا بالآيات وقالوا ما قالوا. ووضع
~~الظاهر موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالظلم وتجاوز الحد بالمرة { إلا
~~كفورا } أي جحودا.

### || [17.100]

# { قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى إذا
~~لأمسكتم } أي خزائن نعمه التي أفاضها على كافة الموجودات فالرحمة
~~مجاز عن النعم والخزائن استعارة تحقيقية أو تخييلية. و { أنتم } على
~~ما ذهب إليه الحوفي والزمخشري وأبو البقاء وابن عطية وغيرهم فاعل لفعل
~~محذوف يفسره المذكور لأن (لو) يمتنع أن يليها الاسم والأصل لو تملكون
~~تملكون فلما حذف الفعل انفصل الضمير، ومثل ذلك قول حاتم وقد أسر فلطمته
~~جارية لو ذات سوار لطمتني، وقول المتلمس:

# ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي

# جعلت لهم فوق العرانين ميسما

# وفائدة الحذف والتفسير على ما قيل الإيجاز فإنه بعد قصد التوكيد لو قيل
~~تملكون تملكون لكان إطنابا وتكرارا بحسب الظاهر، والمبالغة لتكرير
~~الإسناد أو لتكرير الشرط فإنه يقتضي تكرر ترتب الجزاء عليه والدلالة على
~~الاختصاص وذلك بناء على أن { أنتم } بعينه ضمير { تملكون }
~~المؤخر فهو في المعنى فاعل مقدم وتقديم الفاعل المعنوي يفيد الاختصاص إذا
~~ناسب المقام فيفيد الكلام حينئذ ترتب الإمساك، وسيأتي قريبا إن شاء
~~الله تعالى المراد منه على تفردهم بملك الخزائن ويعلم منه ترتبه على
~~ملكها بالاشتراك بالطريق الأولى. وإلى تخريج مثل هذا التركيب على هذا
~~الطرز ذهب البصريون بيد أن أبا الحسن بن الصائغ وغيره صرحوا بأنهم يمنعون
~~إيلاء لو فعلا مضمرا في الفصيح ويجيزونه في الضرورة وفي نادر كلام،
~~ولعل شعر المتلمس ومثل حاتم عندهم من ذلك والحق خلاف ذلك. وقال أبو الحسن
~~علي بن فضال المجاشعي: إن التقدير لو كنتم أنتم تملكون، وظاهره أن (أنتم)
~~عنده توكيد للضمير المحذوف مع الفعل وليس بشيء. وقال أبو الحسن بن
~~الصائغ: إن الأصل لو كنتم تملكون فحذفت كان وحدها وانفصل الضمير فهو عنده
~~اسم لكان محذوفة وجملة { تملكون } خبرها وعلى هذا تخرج نظائره. قال
~~أبو حيان بعد نقل ما تقدم: وهذا التخريج أحسن لأن حذف كان بعد لو معهود ms05903
~~في لسان العرب. ولا يخفى أن الكلام على ما سمعت أولا أفيد وإن كان
~~الظاهر أن الإمساك على هذا يكون على استمرار الملك. والمراد من الإمساك
~~البخل وذلك لأن البخل إمساك خاص فلما حذف المفعول ووجه إلى نفس الفعل
~~بمعنى لفعلتم الإمساك جعل كناية عن أبلغ أنواعه وأقبحها، وإلى كونه كناية
~~عما ذكر ذهب صاحب «الفرائد» وغيره. وجوز أن يكون مضمنا معنى البخل.
~~وتعقب بأنه ليس بشيء لفظا ومعنى، وعلى ما ذكرنا يتخرج قولهم للبخيل
~~ممسك.

# { خشية الإنفاق } أي مخافة الفقر كما أخرجه ابن جرير وابن المنذر
~~عن ابن عباس وروي نحوه عن قتادة وإليه ذهب الراغب قال: يقال أنفق فلان
~~إذا افتقر، وأبو عبيدة قال: أنفق وأملق وأعدم وأصرم بمعنى واحد، وقال
~~بعضهم: الإنفاق بمعناه المعروف وهو صرف المال، وفي الكلام مقدر أي خشية
~~عاقبة الإنفاق.

# / وجوز أن يكون مجازا عن لازمه وهو النفاد. ونصب { خشية } على أنه
~~مفعول له، وجعله مصدرا في موضع الحال كما جوزه أبو البقاء خلاف الظاهر.
~~وقد بلغت هذه الآية من الوصف بالشح الغاية القصوى التي لا يبلغها الوهم
~~حيث أفادت أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله تعالى التي لا تتناهى وانفردوا
~~بملكها من غير مزاحم أمسكوها من غير مقتض إلا خشية الفقر، وإن شئت فوازن
~~بقول الشاعر:

# ولو أن دارك أنبتت لك أرضها

# إبرا يضيق بها فناء المنزل

# وأتاك يوسف يستعيرك إبرة

# ليخيط قد قميصه لم تفعل

# مع أن فيه من المبالغات ما يزيد على العشرة ترى التفاوت الذي لا يحصر.
~~وجعل غير واحد الخطاب فيها عاما فيقتضي أن يكون كل واحد من الناس بخيلا
~~كما هو ظاهر ما بعد مع أنه قد أثبت لبعضهم الإيثار مع الحاجة. وأجيب بأن
~~ذلك بالنسبة إلى الجواد الحقيقي والفياض المطلق عز مجده فإن الإنسان إما
~~ممسك أو منفق والإنفاق لا يكون إلا لغرض للعاقل كعوض مالي أو معنوي كثناء
~~جميل أو خدمة واستمتاع كما في النفقة على الأهل أو نحو ذلك وما كان لعوض
~~كان مبادلة ms05904 لا مباذلة أو هو بالنظر إلى الأغلب وتنزيل غيره منزلة العدم
~~كما قيل:

# عدنا في زماننا

# عن حديث المكارم

# من كفى الناس شره

# فهو في جود حاتم

# وهذا الجواب عندي أولى من الأول وعلى ذلك يحمل قوله تعالى: { وكان
~~الإنسن قتورا } مبالغا في البخل، وجاء القتر بمعنى تقليل النفقة
~~وهو بإزاء الإسراف وكلاهما مذموم ويقال قترت الشيء وأقترته وقترته أي
~~قللته وفلان مقتر فقير. وأصل ذلك كما قال الراغب من القتار والقتر وهو
~~الدخان الساطع من الشواء والعود ونحوهما فكأن المقتر والمقتر هو الذي
~~يتناول من الشيء قتاره. وقيل الخطاب لأهل مكة الذين اقترحوا ما اقترحوا
~~من الينبوع والأنهار وغيرها. والمراد من الإنسان كما في القول الأول
~~الجنس ولا شك في أن جنس الإنسان مجبول على البخل لأن مبنى أمره الحاجة،
~~وقيل الإنسان وعليه الإمام. ووجه ارتباط الآية بما قبلها على تخصيص
~~الخطاب أن أهل مكة طلبوا ما طلبوا من الينبوع والأنهار لتكثر أقواتهم
~~وتتسع عليهم فبين سبحانه أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله تعالى لبخلوا
~~وشحوا ولما قدموا على إيصال النفع لأحد، والمراد التشنيع عليهم بأنهم في
~~غاية الشح ويقترحون ما يقترحون أو المراد أن صفتهم هذه فلا فائدة في
~~إسعافهم بما طلبوا كذا قال العسكري وغيره فالآية عندهم مرتبطة بقوله
~~تعالى:

# وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض
~~ينبوعا

# [الإسراء: 90] ويكفي على العموم اندراج أهل مكة فيه.

# وقال أبو حيان: ((المناسب في وجه الارتباط أن يقال: إنه عليه الصلاة
~~والسلام قد منحه الله تعالى ما لم يمنحه لأحد من النبوة والرسالة إلى
~~الإنس والجن فهو صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على إيصال الخير إليهم
~~وإنقاذهم من الضلال يثابر على ذلك ويخاطر بنفسه في دعائهم إلى الله تعالى
~~ويعرض ذلك على القبائل وأحياء العرب سمحا بذلك لا يطلب منهم أجرا
~~وهؤلاء أقرباؤه لا يكاد يجيب منهم أحد إلا الواحد بعد الواحد قد لجوا في
~~عناده وبغضائه فلا يصل منهم إليه إلا الأذى فنبه تعالى شأنه بهذه ms05905 الآية
~~على سماحته عليه الصلاة والسلام وبذل / ما آتاه الله تعالى وعلى امتناع
~~هؤلاء أن يصل منهم شيء من الخير إليه صلى الله عليه وسلم... فهي قد جاءت
~~مبينة تباين ما بينه عليه الصلاة والسلام وبينهم من حرصه على نفعهم وعدم
~~إيصال شيء من الخير منهم إليه)) اه. فالارتباط بين الآية وبين مجموع
~~الآيات السابقة من حيث أنها تشعر بحرصه صلى الله عليه وسلم على هدايتهم
~~ولعمري إن هذا مما يأباه الذوق السليم والذهن المستقيم. ويحتمل أن يكون
~~وجه الارتباط اشتمالها على ذمهم بالشح المفرط كما أن ما قبلها مشتمل على
~~ذمهم بالكفر كذلك وهما صفتان سيئتان ضرر إحداهما قاصر وضرر الأخرى متعد
~~فتأمل فلمسلك الذهن اتساع والله تعالى أعلم بمراده.

# ولما حكى سبحانه عن قريش ما حكى من التعنت والعناد مع رسوله صلى الله
~~عليه وسلم سلاه تعالى جده بما جرى لموسى عليه السلام مع فرعون وما صنع
~~سبحانه بفرعون وقومه فقال عز قائلا: { ولقد ءاتينا موسى
~~تسع ءايت بينت... }.

### || [17.101]

# { ولقد ءاتينا موسى تسع ءايت بينت } ظاهر السياق
~~والنظائر يقتضيان كون المعنى تسع أدلة واضحات الدلالة على نبوة موسى عليه
~~السلام وصحة ما جاء به من عند الله تعالى ولا ينافيه أنه قد أوتي من ذلك
~~ما هو أكثر مما ذكر لأن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد كما
~~حقق في الأصول وإلى هذا ذهب غير واحد إلا أنه اختلف في تعيين هذه التسع
~~ففي بعض التفاسير هي كما في التوراة العصا ثم الدم ثم الضفادع ثم القمل
~~ثم موت البهائم ثم برد كنار أنزل مع نار مضطرمة أهلكت ما مرت به من نبات
~~وحيوان ثم جراد ثم ظلمة ثم موت عم كبار الآدميين وجميع الحيوانات. وأخرج
~~عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها العصا واليد والطوفان والجراد
~~والقمل والضفادع والدم والسنين ونقص من الثمرات، وروي ذلك عن مجاهد
~~والشعبي وقتادة ms05906 وعكرمة.

# وتعقب هذا بأن السنين والنقص من الثمرات آية واحدة كما روي عن الحسن.
~~ورد بأنه ليس بالحسن إذ ظاهر قوله تعالى:

# ولقد أخذنا ءال فرعون بالسنين ونقص من
~~الثمرات

# [الأعراف: 130] يقتضي المغايرة فيحمل الأول على الجدب في بواديهم
~~والثاني على النقصان في مزارعهم أو على نحو ذلك وقد تقدم الكلام فيه فلا
~~ضير في عدهما آيتين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في رواية أخرى عن
~~الحبر أنها يده عليه السلام ولسانه وعصاه والبحر والطوفان والجراد والقمل
~~والضفادع والدم. وفي «الكشاف» عنه رضي الله تعالى عنه أنها العصا واليد
~~والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه الله
~~تعالى على بني إسرائيل. وتعقبه في «الكشف» بقوله فيه: إن الحجر والطور
~~ليسا من الآيات المذهوب بها إلى فرعون وقال تعالى:

# في تسع آيات إلى فرعون وقومه

# [النمل: 12] وذكر سبحانه في هذه السورة

# لقد علمت ما أنزل هؤلاء

# [الإسراء: 102] والإشارة إلى الآيات ثم قال: والجواب جاز أن يكون التسع
~~البينات بعضا منها غير البعض من تلك التسع وليس في هذه الآية أن الكل
~~لفرعون وقومه وأما الإشارة فإلى البعض بالضرورة لأن الكل إنما حصلت على
~~التدريج وفلق البحر لم يكن في معرض التحدي بل عندما حق الهلاك اه، ولا
~~يخلو عن ارتكاب خلاف الظاهر، وما روي عن ابن عباس أولا لائح الوجه ما
~~فيه إشكال؛ ونسبه في «الكشاف» إلى الحسن وهو خلاف ما وجدناه في الكتب
~~التي يعول عليها في أمثال ذلك. وروي أن عمر بن عبد العزيز عليه الرحمة
~~سأل محمد بن كعب عن هذه الآيات فعد ما عد وذكر فيه الطمس فقال عمر: كيف
~~يكون الفقيه إلا هكذا ثم قال: / يا غلام أخرج ذلك الجراب فأخرجه فنفضه
~~فإذا بيض مكسور بنصفين وجوز مكسور وفوم وحمص وعدس كلها حجارة.

# هذا وظاهر بعض الأخبار يقتضي خلاف ذلك. فقد أخرج أحمد والبيهقي
~~والطبراني والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حسن صحيح والحاكم وقال صحيح
~~لا نعرف له علة وخلق آخرون عن صفوان ms05907 بن عسال

# " أن يهوديين قال: أحدهما لصاحبه انطلق بنا إلى هذا النبي نسأله فأتياه
~~صلى الله عليه وسلم فسألاه عن قول الله تعالى: { ولقد ءاتينا
~~موسى تسع ءايت بينات } فقال عليه الصلاة والسلام: لا
~~تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله تعالى إلا
~~بالحق ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تمشوا ببريء إلى سلطان
~~ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف "

# وفي رواية

# " أو قال لا تفروا من الزحف  شك شعبة  وعليكم يا يهود خاصة أن لا
~~تعتدوا في السبت فقبلا يديه ورجليه وقالا نشهد إنك نبي "

# الخبر، ومن هنا قيل المراد بالآيات الأحكام، وقال الشهاب الخفاجي: إنه
~~التفسير الصحيح، ووجه إطلاقها عليها بأنها علامات على السعادة لمن
~~امتثلها والشقاوة لغيره، وقيل أطلقت عليها لأنها نزلت في ضمن آيات بمعنى
~~عبارات دالة على المعاني نحو آيات الكتاب فيكون من قبيل إطلاق الدال
~~وإرادة المدلول، وقيل لا ضير أن يراد على ذلك بالآيات العبارات الإلهية
~~الدالة على تلك الأحكام من حيث إنها دالة عليها. وفيه وكذا في سابقه
~~القول بإطلاق الآيات على ما أنزل على غير نبينا صلى الله عليه وسلم من
~~العبارات الإلهية كإطلاقها على ما أنزل عليه عليه الصلاة والسلام منها.

# واستشكل بأن الآيات في الرواية التي لا شك فيها عشرة وما في الآية
~~المسؤول عنها تسع. وأجيب بأن الأخير فيها أعني لا تعتدوا في السبت ليس من
~~الآيات لأن المراد بها أحكام عامة ثابتة في الشرائع كلها وهو ليس كذلك
~~ولذا غير الأسلوب فيه فهو تذييل للكلام وتتميم له بالزيادة على ما سألوه
~~صلى الله عليه وسلم. وفي «الكشف» أنه من الأسلوب الحكيم لأنه عليه الصلاة
~~والسلام لما ذكر التسع العامة في كل شريعة ذكر خاصا بهم ليدل على إحاطة
~~علمه صلى الله عليه وسلم بالكل وهو حسن وليس الأسلوب الحكيم فيه بالمعنى
~~المشهور فإطلاق القول بأنه ليس من الأسلوب الحكيم كما فعل الخفاجي ليس في
~~محله. وقال بعض الأجلة: إن ms05908 هذه الأشياء لا تعلق لها بفرعون وإنما أوتيها
~~بنو إسرائيل ولعل جوابه صلى الله عليه وسلم بما ذكر لما أنه المهم للسائل
~~وقبوله لما أنه كان في التوراة مسطورا وقد علم أنه ما علمه رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم إلا من جهة الوحي اه.

# وتعقب بأنا لا نسلم أنه يجب في الآيات المذكورة في الآية أن تكون مما له
~~تعلق بفرعون وما بعد ليس نصا في ذلك نعم هو كالظاهر فيه لكن كثيرا ما
~~تترك الظواهر للأخبار الصحيحة سلمنا أنه يجب أن يكون لها تعلق لكن لا
~~نسلم أن تلك الأحكام لا تعلق لها لجواز أن يكون كلها أو بعضها مما خوطب
~~به فرعون وبنو إسرائيل جميعا لا بد لنفي ذلك من دليل، وكأن حاصل ما أراد
~~من قوله لعل جوابه صلى الله عليه وسلم الخ أن ذلك الجواب من الأسلوب
~~الحكيم بأن يكون موسى عليه السلام قد أوتي تسع آيات بينات بمعنى المعجزات
~~الواضحات وهي المرادة في الآية وأوتي تسعا أخرى بمعنى الأحكام وهي غير
~~مرادة إلا أن الجواب وقع عنها لما ذكر وهو كما ترى فتأمل. فمؤيدات كل من
~~التفسيرين أعني تفسير الآيات بالأدلة والمعجزات وتفسيرها بالأحكام
~~متعارضة وأقوى / ما يؤيد الثاني الخبر.

# { فسئل بنى إسرءيل } وقرأ جمع { فسل }. والظاهر أنه خطاب
~~لنبينا صلى الله عليه وسلم والسؤال بمعناه المشهور إلا أن الجمهور على
~~أنه خطاب لموسى عليه السلام. والسؤال إما بمعنى الطلب أو بمعناه المشهور
~~لقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجها أحمد في «الزهد» وابن
~~المنذر وابن جرير وغيرهم عن ابن عباس { فسال } على صيغة الماضي بغير همز
~~كقال وهي لغة قريش فإنهم يبدلون الهمزة المتحركة وذلك لأن هذه القراءة
~~دلت على أن السائل موسى عليه السلام وإنه مستعقب عن الإيتاء فلا يجوز أن
~~يكون فاسأل خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم لئلا تتخالف القراءتان ولا
~~بد إذ ذاك من إضمار لئلا يختلفا خبرا وطلبا أي فقلنا له اطلبهم من
~~فرعون وقل له أرسل ms05909 معي بني إسرائيل أو اطلب منهم أن يعاضدوك وتكون قلوبهم
~~وأيديهم معك أو سلهم عن إيمانهم وعن حال دينهم واستفهم منهم هل هم ثابتون
~~عليه أو اتبعوا فرعون ويتعلق بالقول المضمر قوله تعالى: { إذ جاءهم }
~~وهو متعلق بسال على قراءته صلى الله عليه وسلم والدليل على ذلك المضمر في
~~اللفظ قوله تعالى: { فقال له فرعون } لأنه لو كان { فاسأل }
~~خطابا لنبينا عليه الصلاة والسلام لانفك النظم وأيضا لا يظهر استعقابه
~~ولا تسببه عن إيتاء موسى عليه السلام نعم جعل الذاهبون إلى الأول { فاسأل
~~} اعتراضا من باب زيد فاعلم فقيه والفاء تكون للاعتراض كالواو وعلى ذلك
~~قوله:

# واعلم فعلم المرء ينفعه

# أن سوف يأتي كل ما قدرا

# وهذا الوجه مستغن عن الإضمار و { إذ جاءهم } متعلق عليه بآتينا
~~ظرفا ولا يصح تعلقه بسل إذ ليس سؤاله صلى الله عليه وسلم في وقت مجيء
~~موسى عليه السلام.

# قال في «الكشف»: والمعنى فاسأل يا محمد مؤمني أهل الكتاب عن ذلك إما لأن
~~تظاهر الأدلة أقوى، وإما من باب التهييج والإلهاب، وإما للدلالة على أنه
~~أمر محقق عندهم ثابت في كتابهم وليس المقصود حقيقة السؤال بل كونهم أعني
~~المسؤولين من أهل علمه ولهذا يؤمر مثلك بسؤالهم وهذا هو الوجه الذي يجمل
~~به موقع الاعتراض. وجوز أن يكون منصوبا باذكر مضمرا على أنه مفعول به
~~وجاز على هذا أن لا يجعل { فاسأل } اعتراضا ويجعل اذكر بدلا عن
~~اسأل لما سمعت من أن السؤال ليس على حقيقته وكذا جوز أن يكون منصوبا
~~كذلك بيخبروك مضمرا وقع جواب الأمر أي سلهم يخبروك إذ جاءهم. ولا يجوز
~~على هذا الاعتراض، نعم يجوز الاعتراض على هذا بأن أخبر يتعدى بالباء أو
~~عن لا بنفسه فيجب أن يقدر بدل الإخبار الذكر ونحوه مما يتعدى بنفسه وإما
~~جعله ظرفا له غير صحيح إذ الإخبار غير واقع في وقت المجيء، واعترض أيضا
~~بأن السؤال عن الآيات والجواب بالإخبار عن وقت المجيء أو ذكره لا يلائمه.
~~ويمكن الجواب بأن المراد يخبروك بذلك الواقع ms05910 وقت مجيئه لهم أو يذكروا ذلك
~~لك وهو كما ترى. وبعضهم جوز تعلقه بيخبروك على أن إذ للتعليل، وعلى هذا
~~يجوز تعلقه باذكر، والمعنى على سائر احتمالات كون الخطاب لنبينا عليه
~~الصلاة والسلام إذ جاء آباءهم إذ بنو إسرائيل حينئذ هم الموجودون في
~~زمانه صلى الله عليه وسلم وموسى عليه السلام ما جاءهم فالكلام إما على
~~حذف مضاف أو على ارتكاب نوع من الاستخدام، والاحتمالات على تقدير جعل
~~الخطاب لمن يسمع هي الاحتمالات التي سمعت على تقدير جعله لسيد السامعين
~~عليه الصلاة والسلام. والفاء في { فقال } على سائر الاحتمالات والأوجه
~~فصيحة والمعنى إذ جاءهم فذهب إلى فرعون وادعى النبوة وأظهر المعجزة وكيت
~~وكيت فقال: { إني لأظنك يموسى مسحورا } سحرت فاختل عقلك
~~ولذلك اختل كلامك / وادعيت ما ادعيت وهو كقوله:

# إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون

# [الشعراء: 27]. وقال الفراء والطبري: مسحورا بمعنى ساحرا على النسب أو
~~حقيقة وهو يناسب قلب العصا ونحوه على تفسير الآيات بالمعجزات.

### || [17.102]

# { قال } موسى عليه السلام ردا لقوله المذكور { لقد علمت } يا
~~فرعون { ما أنزل هؤلاء } أي الآيات التسع أو بعضها والإشارة إلى
~~ذلك بما ذكر على حد قوله على إحدى الروايتين:

# والعيش بعد أولئك الأيام

# وقد مر { إلا رب السموات والأرض } أي خالقهما
~~ومدبرهما، وحاصل الرد أن علمك بأن هاتيك الآيات من الله تعالى إذ لا يقدر
~~عليها سواه تعالى يقتضي أني لست بمسحور ولا ساحر وأن كلامي غير مختل لكن
~~حب الرياسة حملك على العناد في التعرض لعنوان الربوبية إيماء إلى أن
~~إنزالها من آثار ذلك. وفي «البحر» ((ما أحسن إسناد إنزالها إلى رب
~~السموات والأرض إذ هو عليه السلام لما سأله فرعون في أول محاورته فقال
~~له:

# وما رب العالمين * قال رب السماوات والأرض

# [الشعراء: 23-24] تنبيها على نقصه وأنه لا تصرف له في الوجود فدعواه
~~الربوبية دعوى مستحيل فبكته وأعلمه أنه يعلم آيات الله تعالى ومن أنزلها
~~ولكنه مكابر معاند كقوله تعالى:

# وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا

# [النمل: 14] وخاطبه بذلك على ms05911 سبيل التوبيخ أي أنت بحال من يعلم هذه أو
~~هي من الوضوح بحيث تعلمها وليس خطابه على جهة إخباره عن علمه)) أو العلم
~~بعلمه ليكون إفادة لازم الخبر كقولك لمن حفظ التوراة حفظت التوراة.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما
~~والكسائي { لقد علمت } بضم التاء فيكون موسى عليه السلام قد أخبر
~~عن نفسه أنه ليس بمسحور كما زعم عدو الله تعالى وعدوه بل هو يعلم أن ما
~~أنزل تلك الآيات إلا خالق السموات والأرض ومدبرهما. وروي عن الأمير كرم
~~الله تعالى وجهه أنه قال: والله ما علم عدو الله تعالى ولكن موسى عليه
~~السلام هو الذي علم. وتعقبه أبو حيان بأنه لا يصح لأنه رواه كلثوم
~~المرادي وهو مجهول وكيف يقول ذلك باب مدينة العلم كرم الله تعالى وجهه،
~~ووجه نسبة العلم إليه ظاهر. وقد ذكر الجلال السيوطي في «الدر المنثور» أن
~~سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم أخرجوا عن علي كرم الله تعالى
~~وجهه أنه كان يقرأ بالضم ويقول ذلك ولم يتعقبه بشيء، ولعل هذا المجهول
~~الذي ذكره أبو حيان في أسانيدهم والله تعالى أعلم. وجملة { ما أنزل }
~~الخ معلق عنها سادة مسد { علمت }.

# وقوله تعالى: { بصائر } حال من { هؤلاء } والعامل فيه { أنزل
~~} المذكور عند الحوفي وأبي البقاء وابن عطية وما قبل إلا يعمل فيما
~~بعدها إذا كان مستثنى منه أو تابعا له وقد نص الأخفش والكسائي على جواز
~~ما ضرب هندا إلا زيد ضاحكة ومذهب الجمهور عدم الجواز فإن ورد ما ظاهره
~~ذلك أول عندهم على إضمار فعل يدل عليه ما قبل؛ والتقدير هنا أنزلها بصائر
~~أي بينات مكشوفات تبصرك صدقي، على أنه جمع بصيرة بمعنى مبصرة أي بينة
~~وتطلق البصائر على الحجج بجعلها كأنها بصائر العقول أي ما أنزلها إلا
~~حججا وأدلة على صدقي وتكون بمعنى العبرة كما ذكره الراغب.

# هذا ولا يخفى عليك أنه إذا كان المراد من الآيات التسع ما اقتضاه خبر
~~صفوان السابق يجوز أن ms05912 تكون { هؤلاء } إشارة / إلى ما أظهره عليه
~~السلام من المعجزات ويعتبر إظهار ذلك فيما يفصح عنه الفاء الفصيحة وإن
~~أبيت إلا جعلها إشارة إلى الآيات المذكورة بذلك المعنى لتحقق جميعها من
~~أول الأمر وثبوتها وقت المحاورة وشدة ملاءمة الإنزال لها احتجت إلى
~~ارتكاب نوع تكلف فيما لا يخفى عليك.

# { وإنى لأظنك يفرعون مثبورا } أي هالكا كما روي عن
~~الحسن ومجاهد على أنه من ثبر اللازم بمعنى هلك، ومفعول فيه للنسب بناءا
~~على أنه يأتي له من اللازم والمتعدي، وفسره بعضهم بمهلكا وهو ظاهر، وعن
~~الفراء أنه قال: أي مصروفا عن الخير مطبوعا على الشر من قولهم: ما ثبرك
~~عن هذا أي ما منعك وإليه يرجع ما أخرجه الطستي عن ابن عباس من تفسيره
~~بملعونا محبوسا عن الخير. وأخرج الشيرازي في «الألقاب» وابن مردويه من
~~طريق ميمون بن مهران عنه رضي الله تعالى عنه تفسيره بناقص العقل، وفي
~~معناه تفسير الضحاك بمسحور قال: رد موسى عليه السلام بمثل ما قال له
~~فرعون مع اختلاف اللفظ. وأخرج ابن أبي الدنيا في «ذم الغضب» عن أنس بن
~~مالك أنه سئل عن { مثبورا } في الآية فقال: مخالفا ثم قال: الأنبياء
~~عليهم السلام من أن يلعنوا أو يسبوا. وأنت تعلم أن هذا معنى مجازي له
~~وكذا ناقص العقل ولا داعي إلى ارتكابه، وما ذكره الإمام مالك فيه ما فيه.
~~نعم قيل: إن تفسيره بهالكا ونحوه مما فيه خشونة ينافي قوله تعالى خطابا
~~لموسى وهارون عليهما السلام:

# فقولا له قولا لينا

# [طه: 44] وأشار أبو حيان إلى جوابه بأن موسى عليه السلام كان أولا
~~يتوقع من فرعون المكروه كما قال:

# إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى

# [طه: 45] فأمر أن يقول له قولا لينا فلما قال سبحانه له:

# لا تخف

# [النمل: 10] وثق بحماية الله تعالى فصال عليه صولة المحمى وقابله من
~~الكلام بما لم يكن ليقابله به قبل ذلك، وفيه كلام ستطلع عليه إن شاء الله
~~تعالى في محله. وبالجملة التفسير الأول أظهر التفاسير ولا ضير ms05913 فيه لا
~~سيما مع تعبير موسى عليه السلام بالظن. ثم إنه عليه السلام قد قارع ظنه
~~بظنه وشتان ما بين الظنين فإن ظن فرعون إفك مبين وظن موسى عليه السلام
~~يحوم حول اليقين. وقرأ أبي بن كعب { وأن إخالك يا فرعون لمثبورا } على
~~إن المخففة واللام الفارقة، وإخال بمعنى أظن بكسر الهمزة في الفصيح وقد
~~تفتح في لغة كما في «القاموس».

### || [17.103]

# { فأراد } فرعون { أن يستفزهم } أي موسى وقومه، وأصل
~~الاستفزاز الإزعاج وكنى به عن إخراجهم { من الأرض } أي أرض مصر التي
~~هم فيها أو من جميع الأرض ويلزم إخراجهم من ذلك قتلهم واستئصالهم وهو
~~المراد { فأغرقناه ومن معه جميعا } أي فعكسنا عليه مكره
~~حيث أراد ذلك لهم دونه فكان له دونهم فاستفز بالإغراق هو وقومه وهذا
~~التعكيس أظهر من الشمس على الثاني وظاهر على الأول لأنه أراد إخراجهم من
~~مصر فأخرج هو أشد الإخراج بالإهلاك والزيادة لا تضر في التعكيس بل تؤيده.

### || [17.104]

# { وقلنا } على لسان موسى عليه السلام { من بعده } أي من بعد
~~فرعون على معنى من بعد إغراقه أو الضمير للإغراق المفهوم من الفعل السابق
~~أي من بعد إغراقه وإغراق من معه { لبنى إسرءيل } الذين / أراد
~~فرعون استفزازهم { اسكنوا الأرض } التي أراد أن يستفزكم منها وهي
~~أرض مصر، وهذا ظاهر أن ثبت أنهم دخلوها بعد أن خرجوا منها واتبعهم فرعون
~~وجنوده وأغرقوا وإن لم يثبت فالمراد من بني إسرائيل ذرية أولئك الذين
~~أراد فرعون استفزازهم. واختار غير واحد أن المراد من الأرض الأرض المقدسة
~~وهي أرض الشام { فإذا جاء وعد الأخرة } أي الكرة أو الحياة أو
~~الساعة أو الدار الآخرة، والمراد على جميع ذلك قيام الساعة { جئنا
~~بكم لفيفا } أي مختلطين أنتم وهم ثم نحكم بينكم ونميز سعداءكم من
~~أشقيائكم وأصل اللفيف الجماعة من قبائل شتى فهو اسم جمع كالجميع ولا واحد
~~له أو هو مصدر شامل للقليل والكثير لأنه يقال لف لفا ولفيفا، والمراد
~~منه ما أشير إليه، وفسره ابن عباس بجميعا وكيفما كان فهو حال ms05914 من الضمير
~~المجرور في { بكم } ونص بعضهم على أن في { بكم } تغليب المخاطبين
~~على الغائبين، والمراد بهم وبكم وما ألطفه مع { لفيفا }.

### || [17.105]

# { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } عود إلى شرح حال
~~القرآن الكريم فهو مرتبط بقوله تعالى:

# لئن اجتمعت الإنس والجن

# [الإسراء: 88] الآية وهكذا طريقة العرب في كلامها تأخذ في شيء وتستطرد
~~منه إلى آخر ثم إلى آخر ثم إلى آخر ثم تعود إلى ما ذكرته أولا والحديث
~~شجون فضمير الغائب للقرآن وأبعد من ذهب إلى أنه لموسى عليه السلام،
~~والآية مرتبطة بما عندها، والإنزال فيها كما في قوله تعالى:

# وأنزلنا الحديد

# [الحديد: 25] وقد حمله بعضهم على هذا المعنى فيما قبل أو للآيات التسع
~~وذكر على المعنى أو للوعد المذكور آنفا. والظاهر أن الباء في الموضعين
~~للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال من ضمير القرآن واحتمال أن يكون
~~أولا حالا من ضميره تعالى خلاف الظاهر. والمراد بالحق الأول على ما قيل
~~الحكمة الإلهية المقتضية لإنزاله وبالثاني ما اشتمل عليه من العقائد
~~والأحكام ونحوها، أي ما أنزلناه إلا ملتبسا بالحق المقتضي لإنزاله وما
~~نزل إلا ملتبسا بالحق الذي اشتمل عليه. وقيل الباء الأولى للسببية
~~متعلقة بالفعل بعد والثانية للملابسة، وقيل: هما للسببية فيتعلقان بالفعل
~~وقال أبو سليمان الدمشقي: الحق الأول التوحيد والثاني الوعد والوعيد
~~والأمر والنهي. وقيل الحق في الموضعين الأمر المحفوظ الثابت، والمعنى ما
~~أنزلناه من السماء إلا محفوظا بالرصد من الملائكة وما نزل على الرسول
~~إلا محفوظا بهم من تخليط الشياطين، وحاصله أنه محفوظ حال الإنزال وحال
~~النزول وما بعده لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وأبعد من جوز
~~كون المراد بالحق الثاني النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى نزوله به نزوله
~~عليه وحلوله عنده من قولهم نزل بفلان ضيف، وعلى سائر الأوجه لا تخفى
~~فائدة ذكر الجملة الثانية بعد الأولى، وما يتوهم من التكرار مندفع ونحا
~~الطبري إلى أن الجملة الثانية توكيد للأولى من حيث المعنى لأنه يقال
~~أنزلته فنزل وأنزلته فلم ينزل إذا عرض ms05915 له مانع من النزول فجاءت الجملة
~~الثانية مزيلة لهذا الاحتمال وتحاشي بعضهم من إطلاق التوكيد لما بين
~~الإنزال والنزول من المغايرة وادعى أنه لو كانت الثانية توكيدا للأولى
~~لما جاز العطف لكمال الاتصال.

# { وما أرسلناك إلا مبشرا } للمطيع بالثواب { ونذيرا
~~} للعاصي من العقاب فلا عليك إلا التبشير والإنذار لا هداية الكفرة
~~المقترحين وإكراههم على الدين ولعل الجملة لتحقيق حقية بعثته صلى الله
~~عليه وسلم إثر تحقيق حقية القرآن ونصب ما بعد { إلا } على الحال.

### || [17.106]

# { وقرءانا } نصب بفعل مضمر يفسره قوله تعالى: { فرقناه } فهو
~~من باب الاشتغال ورجح النصب على / الرفع العطف على الجملة الفعلية ولو
~~رفع على الابتداء في غير القرآن جاز إلا أنه لا بد له من ملاحظة مسوغ عند
~~من لا يكتفي في صحة الابتداء بالنكرة بحصول الفائدة وعلى هذا أخرجه
~~الحوفي. وقال ابن عطية: هو مذهب سيبويه، وقال الفراء: هو منصوب ب {
~~أرسلناك } أي: ما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا وقرءانا كما تقول
~~رحمة لأن القرآن رحمة، ولا يخفى أنه إعراب متكلف لا يكاد يقوله فاضل.
~~ومما يقضي منه العجب ما جوزه ابن عطية من نصبه بالعطف على الكاف في

# أرسلنك

# [الإسراء: 105].

# وقال أبو البقاء وهو دون الأول وفوق ما عداه: إنه منصوب بفعل مضمر دل
~~عليه

# ءاتينا

# [الإسراء: 101] السابق أو

# أرسلنك

# [الإسراء: 105] وجملة { فرقناه } في موضع الصفة له أي آتيناك
~~قرآنا فرقناه أي أنزلناه منجما مفرقا أو فرقنا فيه بين الحق والباطل
~~فحذف الجار وانتصب مجروره على أنه مفعول به على التوسع كما في قوله:

# ويوما شهدناه سليما وعامرا

# وروي ذلك عن الحسن، وعن ابن عباس بينا حلاله وحرامه، وقال الفراء:
~~أحكمناه وفصلناه كما في قوله تعالى:

# فيها يفرق كل أمر حكيم

# [الدخان: 4] وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وأبي وعبد الله
~~وأبو رجاء وقتادة والشعبي وحميد وعمر بن فائد وزيد بن علي وعمرو بن ذر
~~وعكرمة والحسن بخلاف عنه { فرقناه } بشد الراء ومعناه كالمخفف أي أنزلناه
~~مفرقا منجما بيد أن التضعيف للتكثير في ms05916 الفعل وهو التفريق، وقيل فرق
~~بالتخفيف يدل على فصل متقارب وبالتشديد على فصل متباعد والأول أظهر. ولما
~~كان قوله تعالى الآتي { على مكث } يدل على كثرة نجومه كانت
~~القراءتان بمعنى، وقيل معناه فرقنا آياته بين أمر ونهي وحكم وأحكام
~~ومواعظ وأمثال وقصص وأخبار مغيبات أتت وتأتي والجمهور على الأول.

# وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري وغيرهما عن ابن عباس قال: نزل
~~القرآن جملة واحدة من عند الله تعالى من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام
~~الكاتبين في السماء الدنيا فنجمته السفرة على جبريل عليه السلام عشرين
~~ليلة ونجمه جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم عشرين سنة،
~~وفي رواية أنه أنزل ليلة القدر في رمضان ووضع في بيت العزة في السماء
~~الدنيا ثم أنزل نجوما في عشرين، وفي رواية في ثلاث وعشرين سنة وفي أخرى
~~في خمس وعشرين، وهذا الاختلاف على ما في «البحر» مبني على الاختلاف في
~~سنه صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن الضريس من طريق قتادة عن الحسن كان
~~يقول: أنزل الله القرآن على نبي الله صلى الله عليه وسلم في ثماني عشرة
~~سنة ثمان سنين بمكة وعشر بعد ما هاجر.

# وتعقبه ابن عطية بأنه قول مختل لا يصح عن الحسن. واعتمد جمع أن بين أوله
~~وآخره ثلاثا وعشرين سنة وكان ينزل به جبريل عليه السلام على ما قيل خمس
~~آيات خمس آيات، فقد أخرج البيهقي في «الشعب» عن عمر رضي الله تعالى عنه
~~أنه قال: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن جبريل عليه السلام كان
~~ينزل به خمسا خمسا. وأخرج ابن عساكر من طريق أبي نضرة قال: كان أبو
~~سعيد الخدري يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة وخمس آيات بالعشي ويخبر أن
~~جبريل عليه السلام نزل به خمس آيات خمس آيات، وكان المراد في الغالب فإنه
~~قد صح أنه نزل بأكثر من ذلك وبأقل منه. وقرأ أبي وعبد الله { فرقناه
~~عليك }.

# { لتقرأه على الناس على مكث } أي تؤدة وتأن فإنه أيسر
~~للحفظ وأعون على ms05917 الفهم وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل
~~أي تطاول في المدة وتقضيها شيئا فشيئا. والظاهر / تعلق لتقرأه بفرقناه
~~و { على الناس } بتقرأه و { على مكث } به أيضا إلا أن فيه تعلق
~~حرفي جر بمعنى بمتعلق واحد. وأجيب بأن تعلق الثاني بعد اعتبار تعلق الأول
~~به فيختلف المتعلق. وفي «البحر» ((لا يبالي بتعلق هذين الحرفين بما ذكر
~~لاختلاف معناهما لأن الأول في موضع المفعول به والثاني في موضع الحال أي
~~متمهلا مترسلا)) ولما في ذلك من القيل والقال اختار بعضهم تعلقه
~~بفرقناه، وجوز الخفاجي تعلقه بمحذوف أي تفريقا أو فرقا على مكث أو
~~قراءة على مكث منك كمكث تنزيله، وجعله أبو البقاء في موضع الحال من
~~الضمير المنصوب في { فرقناه } أي متمكثا. ومن العجيب قول الحوفي
~~أنه بدل من { على الناس } وقد تعقبه أبو حيان بأنه لا يصح لأن {
~~على مكث } من صفات القارىء أو من صفات المقروء وليس من صفات الناس
~~ليكون بدلا منهم. والمكث مثلث الميم وقرىء بالضم والفتح ولم يقرأ بالكسر
~~وهو لغة قليلة، وزعم ابن عطية إجماع القراء على الضم.

# { ونزلنه تنزيلا } على حسب الحوادث والمصالح فذكر هذا بعد
~~قوله تعالى: { فرقناه } الخ مفيد وذلك لأن الأول دال على تدريج
~~نزوله ليسهل حفظه وفهمه من غير نظر إلى مقتض لذلك وهذا أخص منه فإنه دال
~~على تدريجه بحسب الاقتضاء.

### || [17.107]

# { قل } للذين كفروا { ءامنوا به } أي بالقرآن { أو لا
~~تؤمنوا } أي به على معنى أن إيمانكم به وعدم إيمانكم به سواء لأن
~~إيمانكم لا يزيده كمالا وعدم إيمانكم لا يورثه نقصا. { إن الذين
~~أوتوا العلم من قبله } أي العلماء الذين قرؤوا الكتب السالفة
~~من قبل تنزل القرآن وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوة وتمكنوا من تمييز
~~الحق والباطل والمحق والمبطل أو رأوا نعتك ونعت ما أنزل إليك { إذا
~~يتلى } أي القرآن { عليهم يخرون للأذقان } الخرور
~~السقوط بسرعة، والأذقان جمع ذقن وهو مجتمع اللحيين ويطلق على ما ينبت
~~عليه من الشعر مجازا وكذا يطلق على ms05918 الوجه تعبيرا بالجزء عن الكل قيل
~~وهو المراد وروي عن ابن عباس فكأنه قيل يسقطون بسرعة على وجوههم.

# { سجدا } تعظيما لأمر الله تعالى أو شكرا لإنجاز ما وعد به في تلك
~~الكتب من بعثتك. والظاهر أن هنا خرورا وسجودا على الحقيقة، وقيل: لا
~~شيء من ذلك وإنما المقصود أنهم ينقادون لما سمعوا ويخضعون له كمال
~~الانقياد والخضوع فأخرج الكلام على سبيل الاستعارة التمثيلية. وفسر
~~الخرور للأذقان بالسقوط على الوجوه الزمخشري ثم قال ((وإنما ذكر الذقن
~~لأنه أول ما يلقى الساجد به الأرض من وجهه)) وقيل: فيه نظر لأن الأول هو
~~الجبهة والأنف ثم وجه بأنه إذا ابتدأ الخرور فأقرب الأشياء من وجهه إلى
~~الأرض هو الذقن، وكأنه أريد أول ما يقرب من اللقاء. وجوز أن تبقى الأذقان
~~على حقيقتها والمراد المبالغة في الخشوع وهو تعفير اللحا على التراب أو
~~أنه ربما خروا على الذقن كالمغشي عليهم لخشية الله تعالى، وقيل: لعل
~~سجودهم كان هكذا غير ما عرفناه وهو كما ترى.

# وقال صاحب «الفرائد» المراد المبالغة في التحامل على الجبهة والأنف حتى
~~كأنهم يلصقون الأذقان بالأرض وهو وجه حسن جدا. واللام على ما نص عليه
~~الزمخشري للاختصاص وذكر أن المعنى جعلوا أذقانهم للخرور واختصوها به.
~~ومعنى هذا الاختصاص على ما في «الكشف» أن الخرور لا يتعدى الأذقان إلى
~~غيرها من الأعضاء المقابلة وحقق ذلك بما لا مزيد عليه. واعترض القول
~~بالاختصاص بأنه مخالف لما سبق من قوله: إن الذقن أول ما يلقى الساجد به
~~الأرض وأجيب بما أجيب. وتعقبه الخفاجي بأنه مبني على أن الاختصاص الذي
~~تدل عليه اللام بمعنى الحصر وليس كذلك وإنما هو بمعنى تعلق خاص ولو سلم
~~فمعنى الاختصاص بالذقن الاختصاص بجهته ومحاذيه وهي جهة السفل ولا شك في
~~اختصاصه به إذ هو لا يكون لغيره فمعنى { يخرون للأذقان } يقعون
~~على الأرض عند التحقيق، والمراد تصوير تلك الحالة كما في قوله:

# فخر صريعا لليدين وللفم

# فتأمل. واختار بعضهم كون اللام بمعنى على.

# وزعم بعض عود ضميري { به } و ms05919 { قبله } على النبي صلى الله عليه
~~وسلم ويأباه السباق واللحاق. وأخرج ابن المنذر وابن جرير أن ضمير {
~~يتلى } لكتابهم ولا يخفى حاله. والظاهر أن الجملة الاسمية داخلة في
~~حيز { قل } وهي تعليل لما يفهم من قوله تعالى: { ءامنوا به أو
~~لا تؤمنوا } من عدم المبالاة بذلك أي إن لم تؤمنوا به فقد آمن به
~~أحسن إيمان من هو خير منكم، ويجوز أن لا تكون داخلة في حيز { قل } بل
~~هي تعليل له على سبيل التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قيل
~~تسل بإيمان العلماء عن إيمان الجهلة ولا تكترث بإيمانهم وإعراضهم وقد ذكر
~~كلا الوجهين «الكشاف» قال في «الكشف» والحاصل أن المقصود التسلي
~~والازدراء وعدم المبالاة المفيد للتوبيخ والتقريع مفرع عليه مدمج أو
~~بالعكس والصيغة في الثاني أظهر والتعليل بقوله سبحانه: { إن الذين
~~أوتوا العلم } في الأول.

# وقال ابن عطية يتوجه في الآية معنى آخر وهو أن قوله سبحانه: { قل
~~ءامنوا به أو لا تؤمنوا } إنما جاء للوعيد والمعنى افعلوا
~~أي الأمرين شئتم فسترون ما تجازون به ثم ضرب لهم المثل على جهة التقريع
~~بمن تقدم من أهل الكتاب أي إن الناس لم يكونوا كما أنتم في الكفر بل كان
~~الذين أوتوا التوراة والإنجيل والزبور والكتب المنزلة إذا يتلى عليهم ما
~~أنزل عليهم خشعوا وآمنوا اه، وهو بعيد جدا ولا يخلو عن ارتكاب مجاز،
~~وربما يكون في الكلام عليه استخدام.

### || [17.108]

# { ويقولون } أي في سجودهم أو مطلقا { سبحان ربنا } عن خلف
~~وعده أو عما يفعل الكفرة من التكذيب { إن كان وعد ربنا
~~لمفعولا } إن مخففة من المثقلة واسمها ضمير شأن واللام فارقة أي إن
~~الشأن هذا.

### || [17.109]

# { ويخرون للأذقان يبكون } كرر الخرور للأذقان لاختلاف
~~السبب فإن الأول لتعظيم أمر الله تعالى أو الشكر لإنجاز الوعد والثاني
~~لما أثر فيهم من مواعظ القرآن. والجار والمجرور إما متعلق بما عنده أو
~~بمحذوف وقع حالا مما قبل أو مما بعد أي ساجدين. وجملة { يبكون } حال
~~أيضا أي باكين من خشية الله ms05920 تعالى. ولما كان البكاء ناشئا من الخشية
~~الناشئة من التفكر الذي يتجدد جيء بالجملة الفعلية المفيدة للتجدد. وقد
~~جاء في مدح البكاء من خشيته تعالى أخبار كثيرة فقد أخرج الحكيم الترمذي
~~عن النضر بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " لو أن عبدا بكى في أمة لأنجى الله تعالى تلك الأمة من النار ببكاء
~~ذلك العبد وما من عمل إلا له وزن وثواب إلا الدمعة فإنها تطفىء بحورا من
~~النار وما اغرورقت عين بمائها من خشية الله تعالى إلا حرم الله تعالى
~~جسدها على النار فإن فاضت على خده لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة "

# وأخرج أيضا عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله تعالى وعين باتت تحرس في
~~سبيل الله تعالى "

# وأخرج هو والنسائي ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " لا يلج النار رجل بكى من خشية الله تعالى حتى يعود اللبن في الضرع ولا
~~اجتمع على عبد غبار في سبيل الله تعالى ودخان جهنم "

# زاد النسائي في منخريه ومسلم أبدا. وينبغي أن يكون ذلك حال العلماء فقد
~~أخرج ابن جرير وابن / المنذر وغيرهما عن عبد الأعلى التيمي أنه قال: إن
~~من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق أن قد أوتي من العلم ما لا ينفعه لأن
~~الله تعالى نعت أهل العلم فقال: { ويخرون للأذقان يبكون }
~~{ ويزيدهم } أي القرآن بسماعهم { خشوعا } لما يزيدهم علما
~~ويقينا بأمر الله تعالى على ما حصل عندهم من الأدلة.

### || [17.110]

# { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } أخرج ابن جرير
~~وابن مردويه عن ابن عباس قال:

# " صلى صلى الله عليه وسلم بمكة ذات يوم فدعا الله تعالى فقال في دعائه:
~~يا الله يا رحمن فقال المشركون: انظروا إلى هذا الصابىء ينهانا أن ندعو
~~إلهين وهو يدعو إلهين "

# فنزلت. وعن الضحاك أنه قال: قال أهل الكتاب للرسول صلى الله عليه وسلم:
~~إنك ms05921 لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله تعالى في التوراة هذا الاسم فنزلت.
~~والمراد على الأول التسوية بين اللفظين بأنهما عبارتان عن ذات واحد وإن
~~اختلف الاعتبار والتوحيد إنما هو للذات الذي هو المعبود وهو يلائم قوله
~~تعالى فيما بعد:

# وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن
~~له شريك فى الملك

# [الإسراء: 111] وعلى الثاني التسوية في حسن الإطلاق والإفضاء إلى
~~المقصود فإن أهل الكتاب فهموا أحسنية الرحمن لكونه أحب إليه تعالى إذ
~~أكثر ذكره في كتابهم وكأن حكمة ذلك أن موسى عليه السلام كان غضوبا كما
~~دلت عليه الآثار فأكثر له من ذكر الرحمن ليعامل أمته بمزيد الرحمة لأن
~~الأنبياء عليهم السلام يتخلقون بأخلاق الله تعالى.

# قال القاضي البيضاوي: وهذا أجوب لقوله تبارك اسمه { أيا ما
~~تدعوا فله الأسماء الحسنى } لأن توصيف الأسماء بالحسنى
~~يفهم منه أن المقول لهم ذلك يظنون أحسنية اسم من اسم لا التغاير. وقال
~~صاحب «الكشف»: الغرض على الوجهين التسوية بين اللفظين في الحسن والاختلاف
~~إنما هو بأن الاستواء في الحسن رد لمن قال: إنك لتقل الخ بأن الإتيان
~~بأحد الحسنين كاف أو لمن قال: ينهانا أن ندعو إلهين وهو يدعو بأن
~~الاختلاف بين اللفظين الدالين على كماله تعالى لا بين كاملين فالأجوبية
~~ممنوعة انتهى.

# وتعقب بأن أنسبية التوصيف بالحسنى للثاني ظاهرة مما لا تكاد تنكر. ووجه
~~الطيبي الأجوبية بأن اعتراض اليهود كان تعييرا للمسلمين على ترجيح أحد
~~الاسمين على الآخر واعتراض المشركين كان تعييرا على الجمع بين اللفظين.
~~وقوله تعالى: { أيا ما تدعوا } يطابق الرد على اليهود لأن المعنى
~~أي اسم من الاسمين دعوتموه فهو حسن وهو لا ينطبق على اعتراض المشركين ثم
~~قال: هذا مسلم إذا كان (أو) للتخيير ويجوز أن تكون للإباحة والانطباق
~~حينئذ ظاهر فإن المشركين حظروا الجمع بين الاسمين فيكون ردهم بإباحة
~~الجمع بين الأسماء المتكاثرة فضلا عن الجمع بين الاسمين على أن الجواب
~~بالتخيير في الرد على أهل الكتاب غير مطابق لأنهم اعترضوا بالترجيح.
~~وأجيب بالتسوية لأن (أو) تقتضيها، ms05922 وكان الجواب العتيد أن يقال: إنما
~~رجحنا الله على الرحمن في الذكر لأنه جامع لجميع صفات الكمال بخلاف
~~الرحمن، وسيأتي قريبا إن شاء الله تعالى تتمة الكلام فيما يتعلق بهذا.

# ومنع الأجوبية أيضا الجلبي بأن تقديم الخبر في قوله تعالى: { فله
~~الأسماء الحسنى } يقتضي أجوبية الأول إذ معناه هذه الأسماء لله
~~تعالى لا لغيره كما زعم المشركون إلا أن يقال أو للتخيير وهو غير مسلم بل
~~يتعين كونها للإباحة لأنها كما قال الرضي وغيره يجوز الجمع فيها بين
~~المتعاطفين والاقتصار على أحدهما وفي التخيير لا يجوز الجمع وهو هنا
~~جائز. ودفع بأن المعنى لله تعالى أسماء متفقة في الحسن لأنها لا تختلف
~~مدلولاتها بالذات بخلاف غيره سبحانه فإن أسماءه تختلف فالقصر إذا كان بأن
~~لم يكن التقديم لمجرد التشويق ناظر إلى الوصف لا للأسماء وهذا / لا يتوقف
~~على تسليم التخيير، ثم إنه لا مانع من إرادته بل أي تقتضيه لأنها لأحد
~~الشيئين فإذا قلت لأحد: أي الأمرين تفعل فافعل لم تأمره بفعلهما بل بفعل
~~أحدهما وأما الدلالة على جواز الجمع فمن خارج النظم ودلالة العقل لأنهما
~~إذا لم يتنافيا جاز الجمع بينهما، ومن هنا تعلم أنه لا حاجة إلى حمل
~~التخيير في كلام من عبر به على غير الاصطلاح المشهور الذي هو اصطلاح
~~النحاة فيه إذا قوبل بالإباحة بأن يقال: مراده به التسوية بين الاسمين في
~~الدلالة على ذات واحدة وسواء فيه الإفراد والجمع، قال في «التلويح»: وفي
~~التخيير قد يجوز الجمع بحكم الإباحة الأصلية وهذا يسمى التخيير على سبيل
~~الإباحة اه. والظاهر أن الحق مع مانع الأجوبية والقائل بالإباحة فتدبر.

# والدعاء على ما اختاره أبو حيان وجماعة بمعنى النداء، وقال الزمخشري
~~((هو بمعنى التسمية لا بمعنى النداء وهو يتعدى إلى مفعولين تقول دعوته
~~زيدا ثم يترك أحدهما استغناء عنه فتقول دعوت زيدا)) والأصل على ما قيل
~~أن يتعدى إلى الثاني بالباء لكنه يتسع فيحذف الباء والمفعول الآخر هنا
~~محذوف أي سموه بهذا الاسم أو بهذا الاسم وكذا يقال في ms05923 الدعاء الثاني،
~~وعلل ذلك بأنه لو حمل على الحقيقة المشهورة يلزم إما الاشتراك إن تغاير
~~مدلولا الاسمين أو عطف الشيء على نفسه بأو وهو إنما يجوز بالواو إن
~~اتحدا، وبحث فيه بأنا نختار الثاني ولا يلزم ما ذكر لأنه قصد اللفظ كما
~~تقول نادى النبي صلى الله عليه وسلم بمحمد أو بأحمد مع أن اختلاف
~~مفهوميهما يكفي لصحته، وما روي في سبب النزول أولا ينادي على ما قيل على
~~إرادة النداء، وقيل إن كانت الآية ردا على المشركين فهو بمعنى التسمية
~~وإن كانت ردا على اليهود فهو بمعنى النداء وجعل الطيبي لذلك تفسير
~~الزمخشري إياه بالتسمية مؤذنا بميله إلى أنها رد على المشركين وفي ذلك
~~تأمل.

# و { أيا } اسم شرط جازم منصوب بتدعوا وجازم له فهو عامل ومعمول من
~~جهتين والتنوين عوض عن المضاف إليه المحذوف والتقدير أي هذين الاسمين و {
~~ما } حرف مزيد للتأكيد، وقيل إنها اسم شرط مؤكد به.

# وقرأ طلحة بن مصرف { من } بدل { ما } وخرج على زيادتها على مذهب
~~الكسائي أو جعلها أداة شرط والجمع بين أداتي الشرط كالجمع بين حرفي الجر
~~في قوله:

# فأصبحن لا يسألنني عن بما به

# شاذ. وجملة { فله الأسماء الحسنى } واقعة موقع جواب الشرط
~~وهي في الحقيقة تعليل له، وكأن أصل الكلام أيا ما تدعوه به فهو حسن لأن
~~له سبحانه الأسماء الحسنى اللاتي منها هذان، وفي العدول عن حق الجواب
~~إقامة الشيء بدليله وفيه مبالغة لا تخفى، وهذا التقدير ظاهر على القول
~~الثاني في سبب النزول ويقدر على القول الأول فيه فمدلوله واحد ونحوه، ولا
~~حاجة إلى ذلك بل يقدر على القولين فهو حسن على ما سمعت عن صاحب «الكشف».

# وقال الطيبي وقد حمل (أو) على الإباحة وجعل الخطاب للمشركين: التقدير
~~قل سموا ذاته المقدسة بالله وبالرحمن فهما سيان في استصواب التسمية بهما
~~فبأيهما سميته فأنت مصيب وإن سميته بهما جميعا فأنت أصوب لأن له الأسماء
~~الحسنى وقد أمرنا سبحانه بأن ندعوه بها في قوله تعالى:

# ولله الأسماء الحسنى فادعوه ms05924 بها

# [الأعراف: 180] فجواب الشرط الأول قولنا فأنت مصيب ودل على الشرط الثاني
~~وجوابه قوله تعالى: { فله الأسماء الحسنى } والآية على هذا فن
~~من فنون الإيجاز الذي هو من حلية التنزيل، وعلى تقدير فهو حسن حسبما سمعت
~~أولا من باب الإطناب اه وهو كما ترى.

# ((ونقل في «البحر» أن منهم من وقف على { أيا } على معنى أي اللفظين
~~تدعوه به جاز ثم استأنف فقال { ما تدعوا / فله الأسماء الحسنى }. وتعقبه
~~بأن هذا لا يصح لأن { ما } لا يطلق على آحاد ذوي العلم ولأن الشرط يقتضي
~~عموما وهو لا يصح هنا)) وضمير { فله } عائد على المسمى أو المنادي
~~المفهوم من الكلام والقرينة عقلية وهي أن الأسماء تكون للمسمى وللمنادى
~~لا للاسم واللفظ المنادى به، وسيأتي إن شاء الله تعالى عن محي الدين قدس
~~سره غير ذلك في باب الإشارة. ووصف الأسماء بالحسنى لدلالتها على ما هو
~~جامع لجميع صفات الكمال بحيث لا يشذ منها شيء وما هو من صفات الجلال
~~والجمال والإكرام.

# هذا واعلم أن الظاهر مما روي عن اليهود أنهم لا ينكرون حسن سائر أسمائه
~~تعالى وإنما يزعمون أن الرحمن منها أحب أسمائه تعالى إليه وأعظمها
~~وأشرفها لكثرة ذكره تعالى إياه في التوراة واختلاف أسمائه عزت أسماؤه في
~~الشرف والعظم مما ذهب إليه المسلمون أيضا. ويدل عليه تخصيصه صلى الله
~~عليه وسلم بعض الأسماء بأنه الاسم الأعظم فقد روى:

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو وهو يقول: اللهم إني
~~أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد
~~ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي
~~بيده لقد سأل الله تعالى باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به
~~أعطى "

# وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال: اسم الله تعالى الأعظم في هاتين
~~الآيتين

# وإلهكم إله وحد لا إله إلا هو
~~الرحمن الرحيم

# [البقرة: 163] وفاتحة آل عمران [آل عمران: 1-2]

# الم * الله لا إله إلا هو ms05925 الحى القيوم

# ونص حجة الإسلام الغزالي في أوائل كتابه «المقصد الأسنى» على أن الله
~~أعظم الأسماء التسعة والتسعين لأنه دال على الذات الجامعة لصفات الإلهية
~~كلها وسائر الأسماء لا يدل آحادها إلا على آحاد المعاني من علم أو قدرة
~~أو فعل أو غيره ولأنه أخص الأسماء إذ لا يطلقه أحد على غيره تعالى لا
~~حقيقة ولا مجازا وسائر الأسماء قد يسمى به غيره عز وجل كالقادر والعليم
~~والرحيم وغيرها. واسمه تعالى الرحمن لا يسمى به غيره تعالى أيضا وهو من
~~هذا الوجه قريب من اسم الله سبحانه وإن كان مشتقا من الرحمة قطعا ولذا
~~جمع عز وجل بينهما في قوله سبحانه { قل ادعوا الله أو ادعوا
~~الرحمن } اه. وقال في أواخره: فإن قيل ما بال تسعة وتسعين من
~~أسمائه تعالى اختصت بأن من أحصاها دخل الجنة مع أن الكل أسماء الله تعالى
~~فنقول: الأسامي يجوز أن تتفاوت فضيلتها لتفاوت معانيها في الجلالة والشرف
~~فتكون تسعة وتسعون منها تجمع أنواعا من المعاني المنبئة عن الجلال لا
~~يجمع ذلك غيرها مختص بزيادة شرف انتهى.

# وقال الإمام الرازي في هذه الآية: تخصيص هذين الاسمين يعني الله والرحمن
~~بالذكر يدل على أنهما أشرف من سائر الأسماء، وتقديم اسم الله على اسم
~~الرحمن يدل على قولنا: الله أعظم الأسماء إلى غير ذلك مما ذكره غير واحد
~~من الأجلة. والآية إنما تصلح بحسب الظاهر ردا لما فهمه اليهود إذا كان
~~المراد منها نفي التفاوت الذي زعموه وحينئذ يقع التعارض بينها وبين ما
~~يدل على التفاوت من الأخبار، وقد يجعل هذا وجها لاختيار كون سبب النزول
~~قول المشركين ولعل أثره أصح، وما نقلناه فيما سبق عن العلامة الطيبي
~~مؤيد لما قلناه.

# واحتج الجبائي بالآية على أنه تعالى ليس خالق الظلم وإلا لصح اشتقاق اسم
~~له سبحانه منه وحينئذ يبطل ما دلت عليه الآية من كون أسمائه تعالى بأسرها
~~حسنى. وأجيب بمنع الملازمة لأن الظلم ليس صفته عز وجل وكونه خالقا له لا
~~يصحح الاشتقاق منه وإلا لصح ms05926 الاشتقاق من الطول والقصر والسواد والبياض
~~لأنه تعالى خالق لذلك بالاتفاق، نعم لا ينبغي أن يقال لله تبارك وتعالى
~~خالق القبيح للزوم الأدب معه سبحانه ويقال خالق كل شيء / وما هو من
~~أسمائه جلت أسماؤه الخالق لا خالق كذا فافهم سلك الله تعالى بنا وبك
~~الطريق الأقوم.

# وهذه الآية على ما قيل من آيات الحفظ بناء على ما أخرج البيهقي في
~~«الدلائل» من طريق نهشل بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس أن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم قال في قوله تعالى: { قل ادعوا الله أو
~~ادعوا الرحمن } إلى آخر الآية هو أمان من السرق وأن رجلا من
~~المهاجرين تلاها حين أخذ مضجعه فدخل عليه سارق فجمع ما في البيت وحمله
~~والرجل ليس بنائم حتى انتهى إلى الباب فوجده مردودا فوضع الكارة وفعل
~~ذلك ثلاث مرات فضحك صاحب الدار ثم قال: إني أحصنت بيتي.

# { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين
~~ذلك سبيلا } أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن حبان
~~وغيرهم عن ابن عباس قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة
~~فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمع ذلك المشركون سبوا
~~القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام
~~{ ولا تجهر بصلاتك } أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن
~~{ ولا تخافت بها } عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك
~~وابتغ بين ذلك سبيلا يقول بين الجهر والمخافتة. وظاهره أن المراد
~~بالصلاة القراءة التي هي أحد أجزائها مجازا، ويجوز أن يكون الكلام على
~~تقدير مضاف أي بقراءة صلاتك. والظاهر أن المراد بالقراءة ما يعم البسملة
~~وغيرها وبعض الأخبار يفيد ظاهره تخصيصها بالبسملة، فقد أخرج ابن أبي
~~شيبة في «المصنف» عن سعيد قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع صوته
~~ببسم الله الرحمن الرحيم وكان مسيلمة قد تسمى الرحمن فكان المشركون إذا
~~سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: قد ذكر مسيلمة إله
~~اليمامة ثم عارضوه ms05927 بالمكاء والتصدية والصفير فأنزل الله تعالى هذه الآية،
~~ولا يخفى على هذه الرواية أشدية مناسبة الآية لما قبلها. وأخرج ابن أبي
~~حاتم عن الربيع قال:

# " كان أبو بكر إذا صلى من الليل خفض صوته جدا وكان عمر إذا صلى من
~~الليل رفع صوته جدا فقال عمر: يا أبا بكر لو رفعت من صوتك شيئا؛ وقال
~~أبو بكر: يا عمر لو خفضت من صوتك شيئا فأتيا رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فأخبراه بأمرهما فأنزل الله تعالى الآية فأرسل عليه الصلاة والسلام
~~إليهما فقال: يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئا وقال لعمر اخفض من صوتك
~~شيئا "

# ، وفي رواية أنه قيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ فقال: أناجي ربي وقد عرف
~~حاجتي، وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان.

# وأمر التجوز أو حذف المضاف على هذا مثله على الأول وكذا على ما أخرجه
~~ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن المعنى لا تجهر بصلاتك كلها ولاتخافت بها
~~كلها وابتغ بين ذلك سبيلا بالجهر في بعض كالمغرب والعشاء والمخافتة في
~~بعض كما فيما عدا ذلك.

# وقيل الصلاة بمعنى الدعاء لما أخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: إنما
~~نزلت هذه الآية { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } في
~~الدعاء، وأخرج نحوه ابن أبي شيبة عن مجاهد، وروى ذلك عن ابن عباس أيضا
~~ابن جرير وابن المنذر وجماعة وكانوا يجهرون باللهم ارحمني. وأخرجوا عن
~~عبد الله بن شداد أن أعرابا من بني تميم كانوا إذا سلم النبي صلى الله
~~عليه وسلم قالوا - أي جهرا - اللهم ارزقنا إبلا وولدا فنزلت. وفي
~~رواية أخرى عن عائشة أن الصلاة هنا التشهد وكان الأعراب كما نقل عن ابن
~~سيرين يجهرون بتشهدهم فنزلت، وقيل: الصلاة على حقيقتها الشرعية فقد أخرج
~~ابن عساكر عن الحسن أنه قال: المعنى لا تصل الصلاة رياء ولا تدعها حياء،
~~وروى نحوه ابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس أيضا، والأكثرون على
~~التفسير المروي عنه أولا. والمخافتة إسرار الكلام / بحيث لا يسمعه ms05928
~~المتكلم، ومن هنا قال ابن مسعود كما أخرجه عنه ابن أبي شيبة وابن جرير:
~~لم يخافت من اسمع أذنيه. وخفت وهو من باب ضرب وخافت بمعنى يقال خفت يخفت
~~خفتا وخفوتا وخافت مخافتة إذا أسر وأخفى. والتعبير عن الأمر الوسط
~~بالسبيل باعتبار أنه أمر يتوجه إليه المتوجهون ويؤمه المقتدون ويوصلهم
~~إلى المطلوب، وقد جاء عن عبد الله بن الشخير وأبي قلابة «خير الأمور
~~أوساطها».

# والآية على ما يقتضيه كلام الأكثرين محكمة، وقيل منسوخة بناء على ما
~~أخرجه ابن مردويه وابن أبي حاتم عن ابن عباس من أنه صلى الله عليه وسلم
~~أمر بمكة بالتوسط بأن لا يجهر جهرا شديدا ولا يخفض حتى لا يسمع أذنيه
~~فلما هاجر إلى المدينة سقط ذلك، وقيل هي منسوخة بقوله تعالى:

# ادعوا ربكم تضرعا وخفية

# [الأعراف: 55] وهو كما ترى. ولا يخفى عليك حكم رفع الصوت بالقراءة فوق
~~الحاجة وحكم المخافتة بالمعنى الذي سمعته المسطوران في كتب الفقه فراجعها
~~إن لم يكن ذلك على ذكر منك. وأخرج ابن أبي داود في «المصاحف» عن أبي
~~رزين قال قرأ عبد الله { ولا تخافت بصوتك وتلا تعال به }.

### || [17.111]

# { وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا } رد على
~~اليهود والنصارى وبني مليح حيث قالوا: عزير ابن الله والمسيح ابن الله
~~تعالى والملائكة بنات الله سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. ونفى
~~اتخاذ الولد ظاهر في نفي التبني ويعلم منه نفي أن يكون له سبحانه ولدا
~~لصلب من باب أولى، وقد نفى ذلك صريحا في قوله تعالى

# لم يلد

# [الإخلاص: 3] { ولم يكن له شريك فى الملك } ظاهره أنه
~~رد على الثنوية وهم المشركون في الربوبية، ويجوز أن يكون كناية عن نفي
~~الشركة في الألوهية فيكون ردا على الوثنية { ولم يكن له
~~ولى من الذل } أي ناصر ومانع له سبحانه من الذل لاعتزازه تعالى
~~بنفسه فمن صلة لولي وضمن معنى المنع والنصر أو لم يوال تعالى أحدا من
~~أجل مذلة فالولاية بمعنى المحبة على أصلها ومن تعليلية. وليس المعنى على
~~الوجهين ms05929 نفي الذل والنصر في الأول والموالاة والذل في الثاني على أسلوب 
~~لا يهتدي بمناره  بل المراد أنه تعالى إذا اتخذ عبدا له وليا فذلك محض
~~الاصطناع في شأن العبد لا أن هناك حاجة، وكذلك نصر الله تعالى كمال
~~للناصر لا أن ثمة حاجة ألا ترى إلى قوله سبحانه:

# إن تنصروا الله ينصركم

# [محمد: 7] وإلى هذا ذهب صاحب «الكشف» وهو حسن. وجعل ذلك على الوجهين
~~الفاضل الطيبي من ذاك الأسلوب. وفي «الحواشي الشهابية» في بيان ثاني
~~الوجهين أن المراد نفي أن يكون له تعالى مولى يلتجىء هو سبحانه إليه،
~~وأما الولي الذي يوصف به المؤمن فليس الولاية فيه بهذا المعنى بل بمعنى
~~من يتولى أمره لمحبته له تفضلا منه عز وجل ورحمة فغاير بين الولايتين،
~~ولعل الحق مع صاحب «الكشف». ومن عجيب ما قيل إن { من الذل } في
~~موضع الصفة لولي ومن فيه للتبعيض وان الكلام على حذف مضاف أي لم يكن له
~~ولي من أهل الذل والمراد بهم اليهود والنصارى، ولعمري انه لا ينبغي أن
~~يلتفت إليه. وربما يتوهم أن المقام مقام التنزيه لا مقام الحمد لأنه يكون
~~على الفعل الاختياري وبه وما ذكر من الصفات العدمية ويدفع بأنه لاق وصفه
~~تعالى بما ذكر بكلمة التحميد لأنه يدل على نفي الإمكان المقتضي للاحتياج
~~وإثبات أنه تعالى الواجب الوجود لذاته الغني عما سواه المحتاج إليه ما
~~عداه فهو الجواد المعطي لكل قابل ما يستحق فهو تعالى المستحق للحمد دون
~~غيره عز وجل، وهذا الذي عناه الزمخشري وقال في «الكشف»: لك أن تتخذ نفي
~~هذه الصفات وهي ذرائع منع المعروف أما الولد فلأنه مبخلة، وأما الشريك
~~فلأنه مانع من التصرف كيف يشاء، وأما الاحتياج إلى من يعتز به أو يذب عنه
~~فأظهر رديفا لإثبات أضدادها على سبيل / الكناية وهو وجه حسن؛ ولو حمل
~~الكلام على ظاهره أيضا لكان له وجه وذلك لأن قول القائل الحمد لله فيه
~~ما ينبىء أن الإلهية تقتضي الحمد فإذا قلت الحمد لله المنزه عن النقائص
~~مثلا يكون ms05930 قد قويت معنى الإلهية المفهومة من اللفظ فيكون وصفا لائقا
~~مؤيدا لاستحقاقه تعالى الحمد من غير نظر إلى مدخلية الوصف في الحمد
~~بالاستقلال وهذا بين مكشوف إلا أن الزمخشري حاول أن ينبه على مكان
~~الفائدة الزائدة اه.

# وتعقب بأن ما ذكره من أن في الحمد لله ما ينبىء أن الإلهية تقتضي الحمد
~~لا يتم على مذهب مانعي الاشتقاق في الاسم الكريم وفيه تأمل. والآية على
~~ما قال العلامة الطيبي من التقسيم الحاصر لأن المانع من إيتاء النعم إما
~~فوقه سبحانه وتعالى أو دونه أو مثله عز وجل فبني الكلام على الترقي وبدىء
~~من الأدون وختم بالأعلى فنفي الكل فمنه ولد الكثرة وله القل والدق والجل
~~تعالى كبرياؤه وعظمت نعماؤه.

# ولدلالة ما تقدم على أنه تعالى هو الكامل وما عداه ناقص استحق التكبير
~~ولذا عطف عليه قوله سبحانه وتعالى { وكبره تكبيرا } والتكبير
~~أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال. وفي الأمر بذلك بعدما تقدم
~~مؤكدا بالمصدر المنكر من غير تعيين لما يعظم به تعالى إشارة إلى أنه مما
~~لا تسعه العبارة ولا تفي به القوة البشرية وإن بالغ العبد في التنزيه
~~والتمجيد واجتهد في العبادة والتحميد فلم يبق إلا الوقوف بأقدام المذلة
~~في حضيض القصور والاعتراف بالعجز عن القيام بحقه جل وعلا وإن طالت
~~القصور. وروى غير واحد أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم الغلام من بني
~~عبد المطلب إذا أفصح { الحمد لله } إلى آخر الآية سبع مرات
~~وسماها عليه الصلاة والسلام كما أخرج أحمد والطبراني عن معاذ آية العز،
~~وأخرج أبو يعلى وابن السني عن أبي هريرة قال:

# " خرجت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ويدي في يده فأتى على رجل رث
~~الهيئة فقال: أي فلان ما بلغ بك ما أرى قال: السقم والضر قال صلى الله
~~عليه وسلم ألا أعلمك كلمات تذهب عنك السقم والضر توكلت على الحي الذي لا
~~يموت { الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا } الآية فأتى
~~عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام وقد حسنت ms05931 حالته فقال: مهيم. فقال: لم
~~أزل أقول الكلمات التي علمتني "

# وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب «الفرج» والبيهقي في «الأسماء والصفات»
~~عن إسمعيل بن أبي فديك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " ما كربني أمر إلا مثل لي جبريل عليه السلام فقال: يا محمد قل: توكلت
~~على الحي الذي لا يموت و { الحمد لله الذى لم يتخذ
~~ولدا } "

# إلى آخر الآية، وأخرج ابن السني والديلمي عن فاطمة بنت رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم وعليها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لها إذا أخذت
~~مضجعك فقولي:

# " الحمد لله الكافي سبحان الله الأعلى حسبي الله وكفى ما شاء الله قضى
~~سمع الله لمن دعا ليس من الله ملجأ ولا وراء الله ملتجى توكلت على ربي
~~وربكم { ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ إن
~~ربي على صراط مستقيم } [هود: 56]، { الحمد لله
~~الذى لم يتخذ ولدا }  إلى { وكبره تكبيرا } ثم
~~قال صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم يقرأها عند منامه ثم ينام وسط
~~الشياطين والهوام فتضره "

# هذا وما ألطف المناسبة بين ابتداء هذه السورة وهذا الختام وليس ذلك
~~بدعا في كلام اللطيف العلام.

# ومن باب الإشارة في الآيات: { وإن كادوا ليفتنونك }
~~[الإسراء: 73] إلى آخره تنبيه لحبيبه صلى الله عليه وسلم عن الوقوع فيما
~~يخل بحفظ شرائط المحبة وفيه إشارة إلى إيصاله إلى مقام التمكين { أقم
~~الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق اليل } الآية، ذكر أن
~~الصلاة على خمسة أقسام صلاة المواصلة والمناغاة في مقام الخفي وصلاة
~~المشاهدة في مقام الروح وصلاة المناجاة في مقام السر وصلاة الحضور في
~~مقام القلب وصلاة المطاوعة والانقياد في مقام النفس. فدلوك الشمس إشارة
~~إلى زوال شمس الوحدة عن الاستواء على وجود العبد بالفناء المحض فإنه لا
~~صلاة في حال الاستواء إذ لا وجود / للعبد حينئذ ولا شعور له بنفسه، وإنما
~~تجب بالزوال وحدوث ظل وجود العبد سواء عند الاحتجاب بالخلق وهو حالة
~~الفرق قبل الجمع أو عند البقاء وهو حالة الفرق بعد الجمع، وغسق ms05932 الليل
~~إشارة إلى غسق ليل النفس وقرآن الفجر إشارة إلى قرآن فجر القلب، وأدل
~~الصلوات وألطفها صلاة المواصلة وأفضلها صلاة الشهود المشار إليها بصلاة
~~العصر وأخفها صلاة السر المشار إليها بصلاة المغرب وأشدها تثبيتا للنفس
~~صلاة النفس المشار إليها بصلاة العشاء وأزجرها للشيطان صلاة الحضور
~~المشار إليها بالفجر

# إن قرآن الفجر كان مشهودا

# [الإسراء: 78] أي تشهده ملائكة الليل والنهار؛ وهذا إشارة إلى نزول صفات
~~القلب وأنوارها وذهاب صفات النفس وزوالها، { ومن اليل فتهجد
~~به نافلة لك } أي زيادة على الفرائض الخمس خاصة بك قيل لكونه
~~علامة مقام النفس فيجب تخصيصه بزيادة الطاعة لزيادة احتياج هذا المقام
~~إلى الصلاة بالنسبة إلى سائر المقامات، وقيل إنما خص صلى الله عليه وسلم
~~بالتهجد لأن الليل وقت خلوة المحب بالحبيب وهو عليه الصلاة والسلام
~~الحبيب الأعظم، والخليل المكرم

# عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا

# [الإسراء: 79] وهو مقام إلحاق الناقص بالكامل والكامل بالأكمل { وقل
~~رب أدخلني }  حضرة الوحدة في عين الجمع { مدخل صدق }
~~إدخالا مرضيا بلا آفة زيغ البصر إلى الالتفات إلى الغير أصلا؛ {
~~وأخرجنى } إلى فضاء الكثرة عند الرجوع إلى التفصيل بالوجود الموهوب
~~الحقاني { مخرج صدق } سالما من آفة التلوين والانحراف عن جادة
~~الاستقامة

# واجعل لى من لدنك سلطنا نصيرا

# [الإسراء: 80] حجة ناصرة بالتثبيت والتمكين { وقل } إذا زالت نقطة
~~الغين عن العين { جاء الحق } أي ظهر الوجود الثابت وهو الوجود
~~الواجبي

# وزهق البطل

# [الإسراء: 81] وهو الوجود الإمكاني، ففي الحديث الصحيح أصدق كلمة قالها
~~شاعر كلمة لبيد:

# إلا كل شيء ما خلا الله باطل

# ويقال الحق العلم والباطل الجهل والحق ما بدا من الإلهام والباطل هواجس
~~النفس ووساوس الشيطان. وقال فارس: كل ما يحملك على سلوك سبيل الحقيقة فهو
~~حق وكل ما يحجبك ويفرق عليك وقتك فهو باطل { وننزل من القرءان
~~ما هو شفاء } من أمراض الصفات الذميمة { ورحمة للمؤمنين
~~} بالغيب يفيدهم الكمالات والفضائل العظيمة فالأول إشارة إلى التخلية
~~والثاني إلى التحلية، ويقال هو شفاء من داء الشك لضعفاء المؤمنين ومن داء
~~النكرة للعارفين ومن ms05933 وجع الاشتياق للمحبين ومن داء القنوط للمريدين
~~والقاصدين، وأنشدوا:

# وكتبك حولي لا تفارق مضجعي

# وفيها شفاء للذي أنا كاتم

# { ولا يزيد الظلمين } الباخسين حظوظهم من الكمال بالميل إلى
~~الشهوات النفسانية

# إلا خسارا

# [الإسراء: 82] بزيادة ظهور أنفسهم بصفاتها من إنكار ونحوه { وإذا
~~أنعمنا على الإنسن أعرض ونأى بجانبه } فاحتجب
~~بالنعمة عن المنعم ولم يشكر

# وإذا مسه الشر كان يئوسا

# [الإسراء: 83] لجهله بعظيم قدرة الله تعالى ولم يصبر

# قل كل يعمل على شاكلته

# [الإسراء: 84] على طريقته التي تشاكل استعداده وكل اناء بالذي فيه يرشح
~~{ ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى } أي
~~من عالم الإبداع وهو عالم الذوات المقدسة عن الشكل واللون والجهة والأين
~~فلا يمكن إدراك المحجوبين لها

# وما أوتيتم من العلم إلا قليلا

# [الإسراء: 85] وهو علم المحسوسات { من يهد الله } بنوره بمقتضى
~~العناية الأزلية { فهو المهتد } دون غيره { ومن يضلل }
~~بمنع ذلك النور عنه { فلن تجد لهم أوليآء من دونه }
~~تعالى يهدونه أو يحفظونه من قهره عز وجل { ونحشرهم يوم
~~القيمة على وجوههم } لانجذابهم إلى الجهة السفلية

# عميا وبكما وصما

# [الإسراء: 97] لأنها أحوال تناسب أحوالهم في الدنيا

# إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى
~~عليهم يخرون للأذقان سجدا

# [الإسراء: 107] لعلمهم بحقيته، ووقوفهم على ما أودع فيه من الأسرار

# ويخرون للأذقان يبكون

# [الإسراء: 109] لعظمته أو شوقا لمنزله وحبا للقائه، قال أبو يعقوب
~~السوسي: البكاء على أنواع بكاء من الله تعالى وهو أن يبكي خوفا مما جرى
~~به القلم في الفاتحة ويظهر في الخاتمة وبكاء على الله عز وجل وهو أن يبكي
~~تحسرا على ما يفوته من الحق تعالى، وبكاء لله تبارك وتعالى وهو أن يبكي
~~عند ذكره سبحانه وذكر وعده ووعيده وبكاء بالله تعالى وهو أن يبكي بلا حظ
~~منه في بكائه.

# وقال القاسم: البكاء على وجوه بكاء الجهال على ما جهلوا وبكاء العلماء
~~على ما قصروا وبكاء الصالحين مخافة الفوت، وبكاء الأئمة مخافة السبق
~~وبكاء الفرسان من أرباب القلوب للهيبة والخشية ولا بكاء للموحدين. وفي
~~الآية إشارة ما ms05934 إلى السماع ولا أشرف من سماع القرآن فهو الروح والريحان {
~~قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } قيل دعاء الله
~~بالفناء في الذات ودعاء الرحمن بالفناء في الصفة وصفة الرحمانية هي أم
~~الصفات وبها استوى سبحانه على عرشه، ومن ذلك يعلم أنه ليس المراد من
~~الإيجاد إلا رحمة الموجودين { أيا ما تدعوا } أي أيا ما طلبت من
~~هذين المقامين { فله } تعالى في هذين المقامين

# الأسماء الحسنى

# [الإسراء: 110] لا لك إذ لست هناك بموجود أما في الفناء في الذات فظاهر
~~وأما في الفناء في الصفة المذكورة فلأن الرحمن لا يصلح اسما لغير تلك
~~الذات ولا يمكن ثبوت تلك الصفة لغيرها، ولا يخفى عليك أن ضمير (له) على
~~هذا التأويل عائد على ما عاد إليه على التفسير. وفي «الفتوحات المكية»
~~أنه تعالى جعل الأسماء الحسنى لله كما هي للرحمن غير أن الاسم له معنى
~~وصورة فيدعى الله بمعنى الاسم ويدعي الرحمن بصورته لأن الرحمن هو المنعوت
~~بالنفس وبالنفس ظهرت الكلمات الإلهية في مراتب الخلاء الذي ظهر فيه
~~العالم فلا ندعوه إلا بصورة الاسم وله صورتان صورة عندنا من أنفاسنا
~~وتركيب حروفنا وهي التي ندعوه بها وهي أسماء الأسماء الإلهية وهي كالخلع
~~عليها ونحن بصورة هذه الأسماء مترجمون عن الأسماء الإلهية ولها صور من
~~نفس الرحمن من كونه قائلا ومنعوتا بالكلام وخلف تلك الصور المعاني التي
~~هي كالأرواح للأسماء الإلهية التي يذكر الحق بها نفسه وهي من نفس الرحمن
~~فله الأسماء الحسنى وأرواح تلك الصور هي التي لاسم الله خارجة عن حكم
~~النفس لا تنعت بالكيفية وهي لصور الأسماء النفسية الرحمانية كالمعاني
~~للحروف، ولما علمنا هذا وأمرنا بأن ندعوه سبحانه وخيرنا بين الاسمين
~~الجليلين فإن شئنا دعوناه بصور الأسماء النفسية الرحمانية وهي الهمم
~~الكونية التي في أرواحنا وإن شئنا دعوناه بالأسماء التي من أنفاسنا بحكم
~~الترجمة فإذا تلفظنا بها أحضرنا في نفوسنا أما الله فننظر المعنى وأما
~~الرحمن فننظر صورة الاسم الإلهي النفسي الرحماني كيفما شئنا فعلنا فإن
~~دلالة الصورتين منا ومن الرحمن على ms05935 المعنى واحد سواء علمنا ذلك أو لم
~~نعلمه اه، وهو كلام يعسر فهمه إلا على من شاء الله تعالى بيد أن ليس فيه
~~حمل الدعاء على ما سمعت { وقل الحمد لله الذى لم
~~يتخذ ولدا } فضلا عن أن يكون له سبحانه ولد بطريق التولد {
~~ولم يكن له شريك فى الملك } فلا مدخل لغيره تعالى في
~~ملكية شيء على الحقيقة وما يوجد بسبب ليس السبب إلا آلة له ولا تملك
~~الآلة شيئا بل لا شيء إلا وهو صنعه تعالى على الحقيقة والسرير مثلا وإن
~~أضيف إلى النجار من حيث الصنعة إلا أنه في الحقيقة آلة كالقدوم ولا يضاف
~~العمل إلى الآلة على الحقيقة كذا قيل.

# وللشيخ قدس سره كلام في هذا المقام يفصح عن بعض هذا ذكره في الباب
~~الثامن والتسعين بعد المائة فارجع إليه وتدبر، وكذا له كلام في قوله
~~سبحانه { ولم يكن له ولى من الذل } لكن يغني عنه ما
~~قدمناه { وكبره تكبيرا } [الإسراء: 111] قال بعضهم: تكبيره
~~تعالى أن تعلم أنك لا تطيق أن تكبره إلا به. وقال ابن عطاء تكبيره عز وجل
~~بتعظيم منته وإحسانه في القلب بالعلم بالتقصير في الشكر وكيف يوفي / أحد
~~شكره تعالى ونعمه جل وعلا لا تحصى وآلاؤه لا تستقصى. هذا وقد تم بفضل
~~الله تعالى تفسير هذه السورة الكريمة.

### | [18 - سورة الكهف]

### || [18.1]

# بسم الله الرحمن الرحيم { الحمد لله الذى
~~أنزل على عبده } محمد صلى الله عليه وسلم { الكتب }
~~الكامل الغني عن الوصف بالكمال المعروف بذلك من بين سائر الكتب الحقيق
~~باختصاص اسم الكتاب به، وهو إما عبارة عن جميع القرآن ففيه تغليب الموجود
~~على المترقب وإما عبارة عن جميع المنزل حينئذ فالأمر ظاهر. وفي وصفه
~~تعالى بالموصول إشعار بعلية ما في حيز الصلة لاستحقاق الحمد الدال عليه
~~اللام على ما صرح به ابن هشام وغيره وإيذان بعظم شأن التنزيل الجليل كيف
~~لا وهو الهادي إلى الكمال الممكن في جانبي العلم والعمل. وفي التعبير عن
~~الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد مضافا إلى ms05936 ضميره تعالى من الإشارة إلى
~~تعظيمه عليه الصلاة والسلام، وكذا تعظيم المنزل عليه ما فيه، وفيه أيضا
~~إشعار بأن شأن الرسول أن يكون عبدا للمرسل لا كما زعمت النصارى في حق
~~عيسى عليه السلام. وتأخير المفعول الصريح عن الجار والمجرور مع أن حقه
~~التقديم عليه ليتصل به قوله تعالى:

# { ولم يجعل له } أي للكتاب { عوجا } أي شيئا من العوج
~~باختلال اللفظ من جهة الإعراب ومخالفة الفصاحة وتناقض المعنى وكونه
~~مشتملا على ما ليس بحق أو داعيا لغير الله تعالى. والعوج وكذا العوج
~~الانحراف والميل عن الاستقامة إلا أنه قيل هو بكسر العين ما يدرك بفتح
~~العين وبفتح العين ما يدرك بفتح العين فالأول الانحراف عن الاستقامة
~~المعنوية التي تدرك بالبصيرة كعوج الدين والكلام، والثاني الانحراف عن
~~الاستقامة الحسية التي تدرك بالبصر كعوج الحائط والعود وأورد عليه قوله
~~تعالى في شأن الأرض

# لا ترى فيها عوجا ولا أمتا

# [طه: 107] فإن الأرض محسوسة واعوجاجها وكذا استقامتها مما يدرك بالبصر
~~فكان ينبغي على ما ذكر فتح العين. وأجيب بأنه لما أريد به هنا ما خفي من
~~الاعوجاج حتى احتاج إثباته إلى المقاييس الهندسية المحتاجة إلى إعمال
~~البصيرة ألحق بما هو عقلي صرف فأطلق عليه ذلك لذلك وتعقب بأن (لا ترى)
~~ظاهر في أن المنفي ما يدرك بالبصر فيحتاج إلى أن يراد به الإدراك. وعن
~~ابن السكيت أن المكسور أعم من المفتوح. / واختار المرزوقي في «شرح
~~الفصيح» أنه لا فرق بينهما.

### || [18.2]

# { قيما } أي مستقيما كما أخرجه ابن المنذر عن الضحاك وروي أيضا عن
~~ابن عباس. والمراد مما قبل أنه لا خلل في لفظه ولا في معناه، والمراد من
~~هذا أنه معتدل لا إفراط فيما اشتمل عليه من التكاليف حتى يشق على العباد
~~ولا تفريط فيه بإهمال ما يحتاج إليه حتى يحتاج إلى كتاب آخر كما قال
~~سبحانه:

# ما فرطنا فى الكتب من شىء

# [الأنعام: 38] ولذا كان آخر الكتب المنزل على خاتم الرسل عليه الصلاة
~~والسلام. وقيل المراد منه ما أريد مما قبله وذكره ms05937 للتأكيد. وقال الفراء:
~~المراد قيما على سائر الكتب السماوية شاهدا بصحتها. وقال أبو مسلم:
~~المراد قيما بمصالح العباد متكفلا بها وببيانها لهم لاشتماله على ما
~~ينتظم به المعاش والمعاد وهو على هذين القولين تأسيس أيضا لا تأكيد
~~فكأنه قيل كتابا صادقا في نفسه مصدقا لغيره أو كتابا خاليا عن
~~النقائص حاليا بالفضائل وقيل المراد على الأخير أنه كامل في نفسه ومكمل
~~لغيره.

# ونصبه بمضمر أي جعله قيما على أن الجملة مستأنفة أو جعله قيما على
~~أنها معطوفة على ما قبل إلا أنه قيل إن حذف حرف العطف مع المعطوف تكلف.
~~وكان حفص يسكت على { عوجا } سكتة خفيفة ثم يقول { قيما }. واختار
~~غير واحد أنه على الحال من الضمير في

# له

# [الكهف: 1] أي لم يجعل له عوجا حال كونه مستقيما ولا عوج فيه على ما
~~سمعت أولا من معنى المستقيم إذ محصله أنه تعالى صانه عن الخلل في اللفظ
~~والمعنى حال كونه خاليا عن الإفراط والتفريط، وكذا على القولين
~~الأخيرين. نعم قيل: إن جعله حالا من الضمير مع تفسير المستقيم بالخالي
~~عن العوج ركيك. وتعقبه بعضهم بأنه تندفع الركاكة بالحمل على الحال
~~المؤكدة كما في قوله تعالى:

# ثم وليتم مدبرين

# [التوبة: 25] وفيه بحث. وجوز أن يكون حالا من

# الكتب

# [الكهف: 1]، واعترض بأنه يلزم حينئذ العطف قبل تمام الصلة لأن الحال
~~بمنزلة جزء منها. وأجيب بأنه يجوز أن يجعل

# ولم يجعل

# [الكهف: 1] الخ من تتمة الصلة الأولى على أنه عطف بياني حيث قال تعالى:

# أنزل على عبده الكتاب

# [الكهف: 1] الكامل في بابه عقبه بقوله سبحانه:

# ولم يجعل له عوجا

# [الكهف: 1] فحينئذ لا يكون الفصل قبل تمام الصلة، وهو نظير قوله تعالى:

# وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام

# [البقرة: 217] على قول. وأيضا يجوز أن يكون الواو في

# ولم يجعل

# [الكهف: 1] للحال والجملة بعده حال من

# الكتب

# [الكهف: 1] كقيما واختاره الأصبهاني. وقال أبو حيان: إن ذاك على مذهب من
~~يجوز وقوع حالين من ذي حال واحد بغير عطف وكثير من أصحابنا على ms05938 منعه.
~~وقال آخر: إن قياس قول الفارسي في الخبر أنه لا يتعدد مختلفا بالأفراد
~~والجملية أن يكون الحال كذلك.

# وأجيب بأنه غير وارد إذ ما ذكره الفارسي خلاف مذهب الجمهور مع أنه قياس
~~مع الفارق فلا يسمع، وكذا ما ذكره أبو حيان عن الكثير خلاف المعول عليه
~~عند الأكثر. نعم فرارا من القيل والقال جعل بعضهم الواو للاعتراص
~~والجملة اعتراضية. وفي الكلام تقديم وتأخير والأصل الحمد لله الذي أنزل
~~على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا، وروي القول بالتقديم والتأخير
~~عن ابن عباس ومجاهد، وذكر السمين أن ابن عباس حيث وقعت جملة معترضة في
~~النظم يجعلها مقدمة من تأخير، ووجه ذلك بأنها وقعت بين لفظين مرتبطين فهي
~~في قوة الخروج من بينهما، ولما كان { قيما } يفيد استقامة ذاتية أو
~~ثابتة لكونه صفة مشبهة وصيغة مبالغة، وما من شيء كذلك إلا وقد يتوهم فيه
~~أدنى عوج ذكر قوله تعالى:

# ولم يجعل

# [الكهف: 1] الخ للاحتراس، وقدم للاهتمام كما في قوله:

# / ألا يا أسلمي يا دار مي على البلا

# ولا زال منهلا بجرعائك القطر

# ومن هنا يعلم أن تفسير القيم بالمستقيم بالمعنى المتبادر، وأن قول
~~الزمخشري ((فائدة الجمع بينه وبين نفي العوج التأكيد فرب مستقيم مشهود له
~~بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح)) غير ذي عوج عند
~~السبر والتصفح، وأنه لا يرد قول الإمام إن قوله تعالى:

# لم يجعل له عوجا

# [الكهف: 1] يدل على كونه مكملا في ذاته، وقوله سبحانه: { قيما }
~~يدل على كونه مكملا لغيره، فثبت بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح كما
~~ذكره الله تعالى وأن ما ذكروه من التقديم والتأخير فاسد يمتنع العقل من
~~الذهاب إليه انتهى.

# ولعمري إن هذا الكلام لا ينبغي من الإمام إن صح عنده أن القول المذكور
~~مروي عن ابن عباس ومجاهد، فإن الأول ترجمان القرآن وناهيك به جلالة
~~ومعرفة بدقائق اللسان، وقد قيل في الثاني إذا جاءك التفسير عن مجاهد
~~فحسبك. وقال صاحب «حل العقد»: يمكن أن يكون قيما بدلا من قوله ms05939 تعالى:

# ولم يجعل له عوجا

# [الكهف: 1] قال أبو حيان: ((ويكون حينئذ بدل مفرد من جملة كما قالوا في
~~عرفت زيدا أبو من هو إنه بدل جملة من مفرد، وفي جواز ذلك خلاف)) هذا
~~وزعم بعضهم أن ضمير

# له

# [الكهف: 1] عائد على

# عبده

# [الكهف: 1] وحينئذ لا يتأتى جميع التخاريج الإعرابية السابقة. وقرأ أبان
~~بن ثعلب { قيما } بكسر القاف وفتح الياء المخففة. وفي بعض مصاحف
~~الصحابة (ولم يجعل له عوجا ولكنه قيما) وحمل ذلك على أنه تفسير لا
~~قراءة.

# { لينذر } متعلق ب

# أنزل

# [الكهف: 1] واللام للتعليل، واستدل به من قال بتعليل أفعال الله تعالى
~~بالأغراض كالسلف والماتريدية، ومن يأبى ذلك يجعلها لام العاقبة. وزعم
~~الحوفي أنه متعلق بقيما وليس بقيم. والفاعل ضمير الجلالة، وكذا في
~~الفعلين المعطوفين عليه، وجوز أن يكون الفاعل في الكل ضمير

# الكتب

# [الكهف: 1] أو ضميره صلى الله عليه وسلم. وأنذر يتعدى لمفعولين قال
~~تعالى:

# أنذرنكم عذابا قريبا

# [النبأ: 40] وحذف هنا المفعول الأول واقتصر على الثاني وهو قوله تعالى:
~~{ بأسا شديدا } إيذانا بأن ما سيق له الكلام هو المفعول الثاني،
~~وأن الأول ظاهر لا حاجة إلى ذكره وهو الذين كفروا بقرينة ما بعد، والمراد
~~الذين كفروا بالكتاب. والظاهر أن المراد من البأس الشديد عذاب الآخرة لا
~~غير، وقيل يحتمل أن يندرج فيه عذاب الدنيا.

# { من لدنه } أي صادرا من عنده تعالى نازلا من قبله بمقابلة
~~كفرهم فالجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة ثانية للبأس. ولدن هنا بمعنى
~~عند كما روي عن قتادة، وذكر الراغب ((أنه أخص منه لأنه يدل على ابتداء
~~نهاية نحو أقمت عنده من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، وقد يوضع موضع عند.
~~وقال بعضهم: إن { لدن } أبلغ من عند وأخص وفيه لغات)). وقرأ أبو بكر
~~عن عاصم بإشمام الدال بمعنى تضعيف الصوت بالحركة الفاصلة بين الحرفين
~~فيكون إخفاء لها وبكسر النون لالتقاء الساكنين وكسر الهاء للاتباع. ويفهم
~~من كلام بعضهم أنه قرأ بالإسكان مع الإشمام بمعنى الإشارة إلى الحركة بضم
~~الشفتين مع انفراج بينهما فاستشكل في ms05940 «الدر المصون» وغيره بأن هذا
~~الإشمام إنما يتحقق في الوقف على الآخر وكونه في الوسط كما هنا لا يتصور،
~~ولذا قيل: إنه يؤتى به هنا بعد الوقف على الهاء. ودفع الاعتراض بأنه لا
~~يدل حينئذ على حركة الدال وقد علل به بأنه متعين إذ ليس في الكلمة ما
~~يصلح أن يشار إلى حركته غيرها، ولا يخفى ما فيه، وما قدمناه حاسم لمادة
~~الإشكال. وقرأ الجمهور بضم الدال والهاء وسكون النون إلا أن ابن كثير يصل
~~الهاء بواو وغيره / لا يصل.

# { ويبشر } بالنصب عطف على { ينذر } وقرىء شاذا بالرفع. وقرأ حمزة
~~والكسائي { ويبشر } بالتخفيف { المؤمنين } أي المصدقين
~~بالكتاب كما يشعر به وكذا بما تقدم ذكر ذلك بعد الامتنان بإنزال الكتاب {
~~الذين يعملون الصلحات } أي الأعمال الصالحة التي بينت في
~~تضاعيفه. وإيثار صيغة الاستقبال في الصلة للإشعار بتجدد العمل واستمراره.
~~وإجراء الموصول على موصوفه المذكور لما أن مدار قبول العمل الإيمان {
~~أن لهم } أي بأن لهم بمقابلة إيمانهم وعملهم المذكور { أجرا
~~حسنا } هو كما قال السدي وغيره الجنة وفيها من النعيم المقيم والثواب
~~العظيم ما فيها. ويؤيد كون المراد به الجنة ظاهر قوله تعالى: {
~~ماكثين فيه... }.

### || [18.3]

# { ماكثين فيه } أي مقيمين في الأجر { أبدا } من غير انتهاء
~~لزمان مكثهم. ونصب { ماكثين } على الحال من الضمير المجرور في {
~~لهم } والظرفان متعلقان به. وتقديم الإنذار على التبشير لإظهار كمال
~~العناية بزجر الكفار عما هم عليه مع مراعاة تقديم التخلية على التحلية.
~~وتكرير الإنذار بقوله تعالى: { وينذر الذين قالوا... }

### || [18.4]

# متعلقا بفرقة خاصة ممن عمه الإنذار السابق من مستحقي البأس الشديد
~~للإيذان بكمال فظاعة حالهم لغاية شناعة كفرهم وضلالهم كما ينبىء عنه ما
~~بعد أي وينذر من بين هؤلاء الكفرة المتفوهين بمثل هاتيك العظيمة خاصة وهم
~~العرب القائلون الملائكة بنات الله تعالى واليهود القائلون عزير ابن الله
~~سبحانه والنصارى القائلون المسيح ابن الله عز وجل. وترك إجراء الموصول
~~على الموصوف كما في قوله تعالى:

# ويبشر المؤمنين

# [الكهف: 2] الخ للإيذان بكفاية ما في حيز الصلة في ms05941 الكفر على أقبح
~~الوجوه. وإيثار صيغة الماضي في الصلة للدلالة على تحقق صدور تلك الكلمة
~~القبيحة عنهم فيما سبق. وجعل بعضهم المفعول المحذوف فيما سلف عبارة عن
~~هذه الطائفة. وفي الآية صنعة الاحتباك حيث حذف من الأول ما ذكر فيما بعد
~~وهو المنذر وحذف مما بعد ما ذكر في الأول وهو المنذر به. وتعقب بأنه يؤدي
~~إلى خروج سائر أصناف الكفرة عن الإنذار والوعيد. وأجيب بأنه يعلم إنذار
~~سائر الأصناف ودخولهم في الوعيد من باب الأولى لأن القول بالتبني وإن كبر
~~كلمة دون الإشراك وفيه نظر. وقدر ابن عطية العالم وأبو البقاء العباد
~~فيعم المؤمنين أيضا. وتعقب بأن التعميم يقتضي حمل الإنذار على معنى مجرد
~~الإخبار بالأمر الضار من غير اعتبار حلول المنذر به على المنذر كما في
~~قوله تعالى:

# أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا

# [يونس: 2] وهو يفضي إلى خلو النظم الكريم عن الدلالة على حلول البأس
~~الشديد على من عدا هذه الفرقة فتأمل.

### || [18.5]

# { ما لهم به } أي باتخاذه سبحانه وتعالى ولدا { من علم }
~~مرفوع المحل على الابتداء أو الفاعلية لاعتماد الظرف، و(من) مزيدة لتأكيد
~~النفي والجملة حالية أو مستأنفة لبيان حالهم في مقالهم أي ما لهم بذلك
~~شيء من العلم أصلا لا لإخلالهم بطريق العلم مع تحقق المعلوم أو إمكانه
~~بل لاستحالته في نفسه ومعها لا يستقيم تعلق العلم. واستظهر كون ضمير {
~~به } عائدا على الولد وعدم العلم وكذا حال الجملة على ما سمعت. وزعم
~~المهدوي أن الجملة على هذا صفة لولدا وليس بشيء. وجوز أن يعود على القول
~~المفهوم من

# قالوا

# [الكهف: 4] أي ليس قولهم ذلك ناشئا عن علم وتذكر ونظر فيما يجوز عليه
~~تعالى وما يمتنع. وقال الطبري: هو عائد على الله تعالى على معنى ليس لهم
~~علم بما يجوز عليه تعالى وما يمتنع { ولا لآبائهم } الذين قالوا
~~مثل ذلك ناسبين التبني إليه عز وجل. والتعرض لنفي العلم عنهم لأنهم /
~~قدوة هؤلاء.

# { كبرت كلمة } أي عظمت مقالتهم هذه في الكفر والافتراء لما فيها
~~من نسبته ms05942 تعالى إلى ما لا يكاد يليق بكبريائه جل وعلا. وكبر وكذا كل ما
~~كان على وزن فعل موضوعا على الضم كظرف أو محولا إليه من فعل أو فعل ذهب
~~الأخفش والمبرد إلى إلحاقه بباب التعجب فالفاعل هنا ضمير يرجع إلى قوله
~~تعالى:

# اتخذ

# [الكهف: 4] الخ بتأويل المقالة. و { كلمة } نصب على التمييز وكأنه
~~قيل ما أكبرها كلمة وقوله تعالى: { تخرج من أفواههم } صفة {
~~كلمة } تفيد استعظام اجترائهم على النطق بها وإخراجها من أفواههم فإن
~~كثيرا مما يوسوس به الشيطان وتحدث به النفس لا يمكن أن يتفوه به بل يصرف
~~عنه الفكر فكيف بمثل هذا المنكر. وذهب الفارسي وأكثر النحاة إلى إلحاقه
~~بباب نعم وبئس فيثبت له جميع أحكامه ككون فاعله معرفا بأل أو مضافا إلى
~~معرف بها أو ضميرا مفسرا بالتمييز، ومن هنا جوز أن يكون الفاعل هنا
~~ضمير { كلمة } وهي أيضا تمييز والجملة صفتها ولا ضير في وصف التمييز
~~في باب نعم وبئس. وجوز أبو حيان وغيره أن تكون صفة لمحذوف هو المخصوص
~~بالذم أي كبرت كلمة كلمة خارجة من أفواههم، وظاهر كلام الأخفش تغاير
~~المذهبين. وفي «التسهيل» أنه من باب نعم وبئس وفيه معنى التعجب. والمراد
~~به هنا تعظيم الأمر في قلوب السامعين. وهذا ظاهر في أنه لا تغاير بينهما
~~وإليه يميل كلام بعض الأئمة. وقيل نصبت على الحال ولا يخفى حاله. وتسمية
~~ذلك كلمة على حد تسمية القصيدة بها. وقرىء { كبرت } بسكون الباء وهي لغة
~~تميم، وجاء في نحو هذا الفعل ضم العين وتسكينها ونقل حركتها إلى الفاء.

# وقرأ الحسن وابن يعمر وابن محيصن والقواس عن ابن كثير { كلمة } بالرفع
~~على الفاعلية والنصب أبلغ وأوكد. واستدل النظام على أن الكلام جسم بهذه
~~الآية لوصفه فيها بالخروج الذي هو من خواص الأجسام. وأجيب بأن الخارج
~~حقيقة هو الهواء الحامل له وإسناده إلى الكلام الذي هو كيفية مجاز وتعقب
~~بأن النظام القائل بجسمية الكلام يقول هو الهواء المكيف لا الكيفية.
~~واستدلاله على ذلك مبني على أن الأصل هو الحقيقة ms05943 إلا أن الخلاف لفظي لا
~~ثمرة فيه.

# { إن يقولون إلا كذبا } أي ما يقولون في ذلك الشأن إلا قولا
~~كذبا لا يكاد يدخل تحت إمكان الصدق أصلا والضميران لهم ولآبائهم.

### || [18.6]

# { فلعلك بخع } أي قاتل { نفسك } وفي معناه ما في «صحيح
~~البخاري» مهلك. والأول مروي عن مجاهد والسدي وابن جبير وابن عباس وأنشد
~~لابن الأزرق إذ سأله قول لبيد بن ربيعة:

# لعلك يوما إن فقدت مزارها

# على بعده يوما لنفسك باخع

# وفي «البحر» ((عن الليث بخع الرجل نفسه بخعا وبخوعا قتلها من شدة
~~الوجد وأنشد قول الفرزدق:

# ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه

# لشيء نحته عن يديه المقادر

# وهو من بخع الأرض بالزراعة أي جعلها ضعيفة بسبب متابعة الزراعة كما قال
~~الكسائي)). وذكر الزمخشري أن البخع أن يبلغ الذبح البخاع بالباء وهو عرق
~~مستبطن القفا، وقد رده ابن الأثير وغيره بأنه لم يوجد في كتب اللغة
~~والتشريح لكن الزمخشري ثقة في هذا الباب واسع الاطلاع. وقرىء { بخع
~~نفسك } بالإضافة وهي خلاف الأصل في اسم الفاعل إذا استوفى شروط
~~العمل عند الزمخشري، وأشار إليه سيبويه في «الكتاب». وقال الكسائي: العمل
~~والإضافة سواء، وزعم أبو حيان أن الإضافة أحسن من العمل.

# { على ءاثرهم } أي / من بعدهم، يعني من بعد توليهم عن الإيمان
~~وتباعدهم عنه. أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن عتبة بن ربيعة وشيبة بن
~~ربيعة وأبا جهل بن هشام والنضر بن الحرث وأمية بن خلف والعاصي بن وائل
~~والأسود بن المطلب وأبا البختري في نفر من قريش اجتمعوا وكان رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم قد كبر عليه كما يرى من خلاف قومه إياه وإنكارهم ما
~~جاء به من النصيحة فأحزنه حزنا شديدا فأنزل الله تعالى: { فلعلك
~~بخع } الخ، ومنه يعلم أن ما ذكرنا أوفق بسبب النزول من كون المراد
~~من بعد موتهم على الكفر.

# { إن لم يؤمنوا بهذا الحديث } الجليل الشأن، وهو
~~القرآن المعبر عنه في صدر السورة بالكتاب. ووصفه بذلك لو سلم دلالته على
~~الحدوث لا يضر الأشاعرة وأضرابهم ms05944 القائلين بأن الألفاظ حادثة. و(إن)
~~شرطية، والجملة بعدها فعل الشرط، والجواب محذوف ثقة بدلالة ما سبق عليه
~~عند الجمهور، وقيل الجواب (فلعلك) الخ المذكور، وهو مقدم لفظا مؤخر
~~معنى، والفاء فيه فاء الجواب. وقرىء { أن لم يؤمنوا } بفتح همزة أن على
~~تقدير الجار أي لأن، وهو متعلق بباخع على أنه علة له. وزعم غير واحد أنه
~~لا يجوز إعماله على هذا إذ هو اسم فاعل وعمله مشروط بكونه للحال أو
~~الاستقبال، ولا يعمل وهو للمضي، و(إن) الشرطية تقلب الماضي بواسطة { لم
~~} إلى الاستقبال بخلاف أن المصدرية فإنها تدخل على الماضي الباقي على
~~مضيه إلا إذا حمل على حكاية الحال الماضية لاستحضار الصورة للغرابة.

# وتعقبه بعض الأجلة بأنه لا يلزم من مضي ما كان علة لشيء مضيه، فكم من
~~حزن مستقبل على أمر ماض سواء استمر أو لا فإذا استمر فهو أولى لأنه أشد
~~نكاية فلا حاجة إلى الحمل على حكاية الحال.

# ووجه ذلك في «الكشف» بأنه إذا كانت علة البخع عدم الإيمان فإن كانت
~~العلة قد تمت فالمعلول كذلك ضرورة تحقق المعلول عند العلة التامة، وإن
~~كانت بعد فكمثل ضرورة أنه لا يتحقق بدون تمامها. وتعقب بأنه غير مسلم،
~~لأن هذه ليست علة تامة حقيقية حتى يلزم ما ذكر، وإنما هي منشأ وباعث فلا
~~يضر تقدمها. وقيل إنه تفوت المبالغة حينئذ في وجده صلى الله عليه وسلم
~~على توليهم لعدم كون البخع عقبه بل بعده بمدة بخلاف ما إذا كان للحكاية.
~~وتعقب أيضا بأنه لا وجه له بل المبالغة في هذا أقوى لأنه إذا صدر منه
~~لأمر مضى فكيف لو استمر أو تجدد؟ ولعل في الآية ما يترجح له البقاء على
~~الاستقبال فتدبر.

# وانتصاب قوله تعالى: { أسفا } بباخع على أنه مفعول من أجله. وجوز أن
~~يكون حالا من الضمير فيه بتأويل متأسفا لأن الأصل في الحال الاشتقاق
~~وأن ينتصب على أنه مصدر فعل مقدر أي تأسف أسفا. والأسف على ما نقل عن
~~الزجاج المبالغة في الحزن والغضب. وقال الراغب: الأسف ms05945 الحزن والغضب معا
~~وقد يقال لكل منهما على الانفراد، وحقيقته ثوران دم القلب شهوة الانتقام
~~فمتى كان على من دونه انتشر فصار غضبا ومتى كان على ما فوقه انقبض فصار
~~حزنا، ولذلك سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن الحزن والغضب فقال: مخرجهما
~~واحد واللفظ مختلف فمن نازع من يقوى عليه أظهره غيظا وغضبا ومن نازع من
~~لا يقوى عليه أظهره حزنا وجزعا، وبهذا النظر قال الشاعر:

# فحزن كل أخى حزن أخو الغضب

# وإلى كون الأسف أعم من الحزن والغضب وكون الحزن على من لا يملك ولا هو
~~تحت يد الآسف والغضب على من هو في قبضته وملكه ذهب منذر بن سعد وفسر
~~الأسف هنا بالحزن بخلافه في قوله تعالى:

# فلمآ آسفونا انتقمنا منهم

# [الزخرف: 55] وإذا استعمل الأسف مع الغضب يراد به الحزن على / ما قيل في
~~قوله تعالى:

# ولما رجع موسى إلى قومه غضبن أسفا

# [الأعراف: 150] وجعل كل منهما فيه بالنسبة إلى بعض من القوم. وعن قتادة
~~تفسير الأسف هنا بالغضب، وفي رواية أخرى بالحزن. وفي «صحيح البخاري»
~~تفسيره بالندم. وعن مجاهد تفسيره بالجزع، وأهل الحزن أكثر.

# ولعل للترجي وهو الطمع في الوقوع أو الإشفاق منه، وهي هنا استعارة أي
~~وصلت إلى حالة يتوقع منك الناس ذلك لما يشاهد من تأسفك على عدم إيمانهم.
~~وقال العسكري: هي هنا موضوعة موضع النهي كأنه قيل لا تبخع نفسك، وقيل
~~موضع الاستفهام، وجعله ابن عطية إنكاريا على معنى لا تكن كذلك.

# والقول بمجيء لعل للاستفهام قول كوفي، والذي يظهر أنها هنا للإشفاق الذي
~~يقصد به التسلي والحث على ترك التحزن والتأسف، ويمكن أن يكون مراد
~~العسكري ذلك.

# وفي الآية عند غير واحد استعارة تمثيلية وذلك أنه مثل حاله صلى الله
~~عليه وسلم في شدة الوجد على إعراض القوم وتوليهم عن الإيمان بالقرآن
~~وكمال الحزن عليهم بحال من يتوقع منه إهلاك نفسه إثر فوت ما يحبه عند
~~مفارقة أحبته تأسفا على مفارقتهم وتلهفا على مهاجرتهم ثم قيل ما قيل،
~~وهو أولى من اعتبار ms05946 الاستعارة المفردة التبعية في الأطراف. وجوز أن تكون
~~من باب التشبيه لذكر طرفيه وهما النبي صلى الله عليه وسلم وباخع بأن
~~يشبه عليه الصلاة والسلام لشدة حرصه على الأمر بمن يريد قتل نفسه لفوات
~~أمر وهو كما ترى.

### || [18.7]

# { إنا جعلنا ما على الأرض } الظاهر عموم (ما) جميع ما لا
~~يعقل أي سواء كان حيوانا أو نباتا أو معدنا أي جعلنا جميع ما عليها من
~~غير ذوي العقول { زينة لها } تتزين به وتتحلى وهو شامل لزينة أهلها
~~أيضا وزينة كل شيء بحسبه بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها، وقيل لا يدخل
~~في ذلك ما فيه إيذاء من حيوان ونبات، ومن قال بالعموم قال: لا شيء مما
~~على الأرض إلا وفيه جهة انتفاع ولا أقل من الاستدلال به على الصانع
~~ووحدته، وخص بعضهم (ما) بالأشجار والأنهار، وآخر بالنبات لما فيه من
~~الأزهار المختلفة الألوان والمنافع، وآخر بالحيوان المختلف الأشكال
~~والمنافع والأفعال، وآخر بالذهب والفضة والرصاص والنحاس والياقوت
~~والزبرجد واللؤلؤ والمرجان والألماس وما يجري مجرى ذلك من نفائس الأحجار.
~~وقالت فرقة: أريد بها الخضرة والمياه والنعم والملابس والثمار، ولعمري
~~إنه تخصيص لا يقبله الخواص على العموم. وقيل أن { ما } هنا لمن يعقل
~~والمراد بذلك على ما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير والحسن وجاء في
~~رواية عن ابن عباس الرجال، وعلى ما أخرج أبو نصر السجزي في «الإبانة» عن
~~ابن عباس العلماء وعلى ما روى عكرمة الخلفاء والعلماء والأمراء. وأنت
~~تعلم أن جعل (ما) لمن يعقل مع إرادة ما ذكر بعيد جدا، ولعل أولئك الأجلة
~~أرادوا من (ما) العقلاء وغيرهم تغليبا للأكثر على غيره وما على الأرض
~~بهذا المعنى ليس إلا بعض العناصر الأربعة والمواليد الثلاثة وأشرف ذلك
~~المواليد وأشرفها نوع الإنسان وهو متفاوت الشرف بحسب الأصناف فيمكن أن
~~يكون ما ذكروه من باب الاقتصار على بعض أصناف هذا الأشرف لداع لذلك
~~أصناف. وقد يقال: المراد بما عموم ما لا يعقل ومن يعقل فيدخل من توجه
~~إليه التكليف وغيره ولا ضير في ms05947 ذلك فإن للمكلف جهتين جهة يدخل بها تحت
~~الزينة وجهة يدخل بها تحت الابتلاء المشار إليه بقوله تعالى: {
~~لنبلوهم } وقد نص سبحانه على بعض الملكفين بأنهم زينة في قوله
~~تعالى:

# المال والبنون زينة الحيوة الدنيا

# [الكهف: 46] ومن هنا يعلم ما في قول القاضي الأولى أن لا يدخل المكلف
~~لأن ما على الأرض ليس زينة لها بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها لغرض
~~الابتلاء فالذي له الزينة / يكون خارجا عن الزينة. ونصب { زينة } على
~~أنه مفعول ثان للجعل إن حمل على معنى التصيير أو على أنه حال أو مفعول له
~~كما قال أبو البقاء وأبو حيان إن حمل على معنى الإبداع. واللام الأولى
~~إما متعلقة به أو متعلقة بمحذوف وقع صفة له أي زينة كائنة لها واللام
~~الثانية متعلقة بجعلنا والكلام على هذا وجعل (زينة) مفعولا له نحو قمت
~~إجلالا لك لتقابلني بمثل ذلك.

# وضمير الجمع عائد على سكان الأرض من المكلفين المفهوم من السياق. وجوز
~~أن يعود على (ما) على تقدير أن تكون للعقلاء. والابتلاء في الأصل
~~الاختبار، وجوز ذلك على الله سبحانه هشام بن الحكم بناء على جهله وزعمه
~~أنه عز وجل لا يعلم الحوادث إلا بعد وجودها لئلا يلزم نفي قدرته تعالى
~~على الفعل أو الترك. ورده أهل السنة في محله وقالوا: إنه تعالى يعلم
~~الكليات والجزئيات في الأزل، وأولوا هذه الآية أن المراد ليعاملهم معاملة
~~من يختبرهم.

# { أيهم أحسن عملا } فنجازي كلا بما يليق به وتقتضيه الحكمة.
~~وحسن العمل الزهد في زينة الدنيا وعدم الاغترار بها وصرفها على ما ينبغي
~~والتأمل في شأنها وجعلها ذريعة إلى معرفة خالقها والتمتع بها حسبما أذن
~~الشرع وأداء حقوقها والشكر على ما أوتي منها لا اتخاذها وسيلة إلى
~~الشهوات والأغراض الفاسدة كما تفعله الكفرة وأصحاب الأهواء. ومراتب الحسن
~~متفاوتة وكلما قوي الزهد مثلا كان أحسن، وسأل ابن عمر رضي الله تعالى
~~عنهما النبي صلى الله عليه وسلم عن الأحسن عملا كما أخرج ذلك ابن جرير
~~وابن أبي حاتم والحاكم في «التاريخ» فقال ms05948 عليه الصلاة والسلام:

# " أحسنكم عقلا وأورع عن محارم الله تعالى وأسرعكم في طاعته سبحانه "

# وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال: أحسنهم عملا أشدهم للدنيا
~~تركا، وأخرج نحوه عن سفيان الثوري وذكر بعضهم أن الأحسن من زهد وقنع من
~~الدنيا بزاد المسافر ووراءه حسن وهو من استكثر من حلالها وصرفه في وجوهه
~~وقبيح من احتطب حلالها وحرامها وأنفقه في شهواته، وكلام النبي صلى الله
~~عليه وسلم في بيان الأحسن أحسن

# وما ءاتكم الرسول فخذوه

# [الحشر: 7].

# وإيراد صيغة التفضيل - مع أن الابتلاء شامل للفريقين باعتبار أعمالهم
~~المنقسمة إلى الحسن والقبيح أيضا لا إلى الحسن والأحسن فقط - للإشعار
~~بأن الغاية الأصلية للجعل المذكور إنما هو ظهور كمال إحسان المحسنين. وأي
~~إما استفهامية فهي مرفوعة بالابتداء وأحسن خبرها. والجملة في محل نصب
~~بفعل الابتلاء ولما فيه من معنى العلم باعتبار عاقبته كالسؤال والنظر
~~ومكان الاستفهام علق عن العمل، وإما موصولة بمعنى الذي فهي مبنية على
~~الضم محلها النصب على أنها بدل من ضمير النصب في { نبلوهم } وأحسن
~~خبر مبتدأ محذوف والجملة صلة لها والتقدير لنبلو الذي هو أحسن عملا.
~~ويفهم من «البحر» أن مذهب سيبويه في أي إذا أضيفت وحذف صدر صلتها كما هنا
~~جواز البناء لا وجوبه، وتحقيق الكلام في مذهبه لا يخلو عن إشكال، وأفعل
~~التفضيل باق على الصحيح على حقيقته كما أشرنا إليه والمفضل عليه محذوف
~~والتقدير كما قال أبو حيان لنبلوهم أيهم أحسن عملا ممن ليس أحسن عملا.

### || [18.8]

# { وإنا لجاعلون } فيما سيأتي عند تناهي عمر الدنيا { ما
~~عليها } مما جعلناه زينة. والإظهار في مقام الإضمار لزيادة التقرير.
~~وجوز غير واحد أن يكون هذا أعم مما جعل زينة ولذا لم يؤت بالضمير. والجعل
~~هنا بمعنى التصيير أي مصيرون ذلك { صعيدا } أي ترابا { جرزا } أي
~~لا نبات فيه قاله قتادة، وقال الراغب: الصعيد وجه الأرض، وقال أبو عبيدة
~~هو المستوي من الأرض وروي ذلك / عن السدي وقال الزجاج: هو الطريق الذي لا
~~نبات فيه، وأخرج ابن أبي حاتم أن ms05949 الجرز الخراب، والظاهر أنه ليس معنى
~~حقيقيا والمعنى الحقيقي ما ذكرناه، وقد ذكره غير واحد من أئمة اللغة.
~~وفي «البحر» يقال جرزت الأرض فهي مجروزة إذا ذهب نباتها بقحط أو جراد
~~وأرضون أجراز لا نبات فيها ويقال سنة جرز وسنون أجراز لا مطر فيها وجرز
~~الأرض الجراد والشاة والإبل إذا أكلت ما عليها ورجل جروز أكول أو سريع
~~الأكل وكذا الأنثى قال الشاعر:

# ان العجوز خبة جروزا

# تأكل كل ليلة قفيزا

# وفي القاموس ((أرض جرز وجرز وجرز وجرز لا تنبت أو أكل نباتها
~~أو لم يصبها مطر وفي المثل لا ترضى شانئة إلا بجرزة)) أي بالاستئصال.
~~والمراد تصيير ما على الأرض ترابا ساذجا بعدما كان يتعجب من بهجته
~~النظار وتستلذ بمشاهدته الأبصار. وظاهر الآية تصيير ما عليها بجميع
~~أجزائه كذلك وذلك إنما يكون بقلب سائر عناصر المواليد إلى عنصر التراب
~~ولا استحالة فيه لوقوع انقلاب بعض العناصر إلى بعض اليوم. وقد يقال إن
~~هذا جار على العرف فإن الناس يقولون صار فلان ترابا إذا اضمحل جسده ولم
~~يبق منه أثر إلا التراب. وحديث انقلاب العناصر مما لا يكاد يخطر لهم ببال
~~وكذا زعم محققي الفلاسفة بقاء صور العناصر في المواليد ويوشك أن يكون
~~تركب المواليد من العناصر أيضا كذلك وهذا الحديث لا تكاد تسمعه عن السلف
~~الصالح والله تعالى أعلم.

# ووجه ربط هاتين الآيتين بما قبلهما على ما قاله بعض المحققين أن قوله
~~تعالى:

# إنا جعلنا

# [الكهف: 7] الخ تعليل لما في لعل من معنى الإشفاق وقوله سبحانه {
~~وإنا لجاعلون } الخ تكميل للتعليل. وحاصل المعنى لا تحزن بما
~~عاينت من القوم من تكذيب ما أنزلنا عليك من الكتاب فإنا قد جعلنا على
~~الأرض من فنون الأشياء زينة لها لنختبر أعمالهم فنجازيهم بحسبها وإنا
~~لمفنون ذلك عن قريب ومجازون بحسب الأعمال، وفي معنى ذلك ما قيل إنه تسكين
~~له عليه الصلاة والسلام كأنه قيل: لا تحزن فإنا ننتقم لك منهم وظاهر كلام
~~بعضهم جعل ما يفهم من أول السورة تعليلا للإشفاق حيث ms05950 قال المعنى لا يعظم
~~حزنك بسبب كفرهم فإنا بعثناك منذرا ومبشرا واما تحصيل الإيمان في
~~قلوبهم فلا قدرة لك عليه قيل ولا يضر جعل ما ذكر تعليلا لذلك أيضا لأن
~~العلل غير حقيقية.

# وقيل: في وجه الربط أن ما تقدم تضمن نهيه صلى الله عليه وسلم عن الحزن
~~وهذا تضمن إرشاده إلى التخلق ببعض أخلاقه تعالى كأنه قيل إني خلقت الأرض
~~وزينتها ابتلاء للخلق بالتكاليف ثم إنهم يتمردون ويكفرون ومع ذلك لا أقطع
~~عنهم نعمي فأنت أيضا يا محمد لا تترك الاشتغال بدعوتهم بعد أن لا تأسف
~~عليهم، والجملة الثانية لمجرد التزهيد في الميل إلى زينة الأرض ولا يخفى
~~عليك بعد هذا الربط بل لا يكاد ينساق الذهن إليه فتأمل.

### || [18.9]

# { أم حسبت } خطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم والمقصود
~~غيره كما ذهب إليه غير واحد. و { أم } منقطعة مقدرة ببل التي هي
~~للانتقال من كلام إلى آخر لا للإبطال وبهمزة الاستفهام عند الجمهور وببل
~~وحدها عند بعض، وقيل: هي هنا بمعنى الهمزة والحق الأول أي بل أحسبت {
~~أن أصحب الكهف والرقيم كانوا } في بقائهم على
~~الحياة ونومهم مدة طويلة من الدهر { من ءايتنا } أي من بين
~~دلائلنا الدالة على القدرة والألوهية { عجبا } أي آية ذات عجب وضعا
~~له / موضع المضاف أو وصفا لذلك بالمصدر مبالغة، وهو خبر لكانوا و { من
~~ءايتنا } حال منه كما هو قاعدة نعت النكرة إذا تقدم عليها. وجوز أبو
~~البقاء أن يكون { عجبا } و { من ءايتنا } خبرين وأن يكون {
~~عجبا } حالا من الضمير في الجار والمجرور وليس بذاك. والمعنى أن
~~قصتهم وإن كانت خارقة للعادة ليست بعجيبة بالنسبة إلى سائر الآيات التي
~~من جملتها ما تقدم، ومن هنا يعلم وجه الربط.

# وفي «الكشف» أنه تعالى ذكر من الآيات الكلية وإن كان لتسليته صلى الله
~~عليه وسلم وأنه لا ينبغي أن يبخع نفسه على آثارهم فالمسترشد يكفيه أدنى
~~إشارة والزائغ لا تجدي فيه آيات النذارة والبشارة ما يشتمل على أمهات
~~العجائب وعقبه سبحانه بقوله: { أم ms05951 حسبت } الخ يعني أن ذلك أعظم من
~~هذا فمن لا يتعجب من ذلك لا ينبغي أن يتعجب من هذا وأريد من الخطاب غيره
~~صلى الله عليه وسلم لأنه كان يعرف من قدرته تعالى ما لا يتعاظمه لا الأول
~~ولا الثاني فأنكر اختلافهم في حالهم تعجبا وإضرابهم عن مثل تلك الآيات
~~البينات والاعتراض عليه بأن الإضراب عن الكلام الأول إنما يحسن إذا كان
~~الثاني أغرب ليحصل الترقي. وإيثار أن الهمزة للتقرير وهو قول آخر في
~~الآية لذلك غير قادح لأن تعجبهم عن هذا دون الأول هو المنكر وهو الأغرب
~~فافهم. وبأن المنكر ينبغي أن يكون مقررا عند السامع معلوما عنده، وهذا
~~ابتداء إعلام منه تعالى على ما يعرف من سبب النزول كذلك لأن الإنكار من
~~تعجبهم ويكفي في ذلك معرفتها إجمالا وكانت حاصلة كيف وقد علمت أنه راجع
~~إلى الغير أعني أصحاب الكتاب الذين أمروا قريشا بالسؤال وكانوا عالمين،
~~ثم إنه مشترك الإلزام لأن التقرير أيضا يقتضي العلم بل أولى انتهى.

# وقال الطبري: المراد إنكار ذلك الحسبان عليه عليه الصلاة والسلام على
~~معنى لا يعظم ذلك عندك بحسب ما عظمه عليك السائلون من الكفرة فإن سائر
~~آيات الله تعالى أعظم من قصتهم وزعم أن هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة
~~وابن إسحاق وفي القلب منه شيء.

# وقيل: المراد من الاستفهام إثبات أنهم عجب كأنه قيل اعلم أنهم عجب كما
~~تقول أعلمت أن فلانا فعل كذا أي قد فعل فاعلمه. والمقصود بالخطاب رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم أيضا وليس بشيء. وزعم الطيبي أن الوجه أن يجري
~~الكلام على التسلي والاستفهام على التنبيه ويقال: إنه عليه الصلاة
~~والسلام لما أخذه من الكآبة والأسف من إباء القوم عن الإيمان ما أخذه قيل
~~له ما قيل وعلل بقوله تعالى:

# إنا جعلنا

# [الكهف: 7] إلى آخره على معنى أنا جعلنا ذلك لنختبرهم وحين لم تتعلق
~~إرادتنا بإيمانهم تشاغلوا به عن آياتنا وشغلوا عن الشكر وبدلوا الإيمان
~~بالكفران فلم نبال بهم وإنا لجاعلون أبدانهم جرزا لأسيافكم كما ms05952 إنا
~~لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ألا ترى إلى أولئك الفتيان كيف اهتدوا
~~وفروا إلى الله تعالى وتركوا زينة الدنيا وزخرفها فأووا إلى الكهف
~~قائلين:

# ربنا ءاتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا
~~رشدا

# [الكهف: 10] وكما تعلقت الإرادة بإرشادهم فاهتدوا تتعلق بإرشاد قوم من
~~أمتك يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين اه، ويكاد يكون
~~أعجب من قصة أهل الكهف فتأمل.

# والحسبان إما بمعنى الظن أو بمعنى العلم وقد استعمل بالمعنيين. والكهف
~~النقب المتسع في الجبل فإن لم يكن واسعا فهو غار، وأخرج ابن أبي حاتم
~~أنه غار الوادي، وعن مجاهد أنه فرجة بين الجبلين، وعن أنس هو الجبل وهو
~~غير مشهور في اللغة. والرقيم اسم كلبهم على ما روي عن أنس والشعبي وجاء
~~في رواية عن ابن جبير ويدل عليه قول أمية بن أبي الصلت:

# وليس بها إلا الرقيم مجاورا

# وصيدهمو والقوم في الكهف هجدا

# / وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن جبير أنه لوح من حجارة كتبوا فيه قصة
~~أصحاب الكهف وأمرهم ثم وضع على باب الكهف، وقيل لوح من حجارة كتب فيه
~~أسماؤهم وجعل في سور المدينة وروي ذلك عن السدي. وقيل لوح من رصاص كتب
~~فيه شأنهم ووضع في تابوت من نحاس في فم الكهف وقيل لوح من ذهب كتب فيه
~~ذلك وكان تحت الجدار الذي أقامه الخضر عليه السلام، وروي عن ابن عباس أنه
~~كتاب كان عندهم فيه الشرع الذي تمسكوا به من دين عيسى عليه السلام، وقيل
~~من دين قبل عيسى عليه السلام فهو لفظ عربي وفعيل بمعنى مفعول. وأخرج ابن
~~جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس أنه واد دون فلسطين قريب
~~من أيلة والكهف على ما قيل في ذلك الوادي فهو من رقمة الوادي أي جانبه،
~~وأخرجاهما وجماعة من طريق آخر عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: لا أدري
~~ما الرقيم وسألت كعبا فقال: اسم القرية التي خرجوا منها، وعلى جميع هذه
~~الأقوال يكون أصحاب الكهف والرقيم ms05953 عبارة عن طائفة واحدة، وقيل إن أصحاب
~~الرقيم غير أصحاب الكهف وقصتهم في «الصحيحين» وغيرهما.

# فقد أخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن المنذر عن ابن عمر رضي الله تعالى
~~عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر فأووا إلى غار
~~فانطبق عليهم فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق
~~فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه فقال واحد منهم: اللهم إن كنت
~~تعلم أنه كان لي أجير عمل على فرق من أرز فذهب وتركه وإني عمدت إلى ذلك
~~الفرق فزرعته فصار من أمره أنني اشتريت منه بقرا وأنه أتاني يطلب أجره
~~فقلت اعمد إلى تلك البقر فسقها فقال لي: إنما لي عندك فرق من أرز فقلت:
~~اعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق فساقها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك
~~من خشيتك ففرج عنا فانساخت عنهم الصخرة فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم
~~أنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأت
~~عليهما ليلة فجئت وقد رقدا وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع فكنت لا أسقيهم
~~حتى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فيستكينا لشربتهما فلم
~~أزل أنتظر حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا
~~فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم
~~أنه كان لي ابنة عم من أحب الناس إلي وإني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن
~~آتيها بمائة دينار فطلبتها حتى قدرت فأتيتها بها فدفعتها إليها فأمكنتني
~~من نفسها فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله تعالى ولا تفض الخاتم إلا
~~بحقه فقمت وتركت المائة دينار فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج
~~عنا ففرج الله تعالى عنهم فخرجوا "

# وروي نحو ذلك عن ابن عباس وأنس والنعمان بن بشير كل يرفعه إلى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم، والرقيم على ms05954 هذا بمعنى محل في الجبل، وقيل بمعنى
~~الصخرة، وقيل بمعنى الجبل، ويكون ذكر ذلك تلميحا إلى قصتهم وإشارة إلى
~~أنه تعالى لا يضيع عمل أحد خيرا أو شرا فهو غير مقصود بالذات، ولا يخفى
~~أن ذلك بعيد عن السياق، وليس في الأخبار الصحيحة ما يضطرنا إلى ارتكابه
~~فتأمل.

### || [18.10]

# { إذ أوى } معمول

# عجبا

# [الكهف: 9] أو

# كانوا

# [الكهف: 9] أو اذكر مقدرا، ولا يجوز أن يكون ظرفا لحسبت لأن حسبانه لم
~~يكن في ذلك الوقت أي حين التجأ { الفتية إلى الكهف } واتخذوه
~~مأوى / ومكانا لهم. والفتية جمع قلة لفتى، وهو كما قال الراغب وغيره
~~الطري من الشبان ويجمع أيضا على فتيان، وقال ابن السراج: إنه اسم جمع
~~وقال غير واحد إنه جمع فتي كصبي وصبية، ورجح بكثرة مثله. والمراد بهم
~~أصحاب الكهف. وإيثار الإظهار على الإضمار لتحقيق ما كانوا عليه في أنفسهم
~~من حال الفتوة، فقد روي أنهم كانوا شبانا من أبناء أشراف الروم وعظمائهم
~~مطوقين مسورين بالذهب ذوي ذوائب، وقيل لأن صاحبية الكهف من فروع التجائهم
~~إلى الكهف، فلا يناسب اعتبارها معهم قبل بيانه. والظاهر مع الضمير
~~اعتبارها، وليس الأمر كذلك مع هذا الظاهر وإن كانت أل فيه للعهد.

# { فقالوا ربنا ءاتنا من لدنك } أي من عندك { رحمة }
~~عظيمة أو نوعا من الرحمة فالتنوين للتعظيم أو للنوع. و { من }
~~للابتداء متعلق بآتنا، ويجوز أن يتعلق بمحذوف وقع حالا من { رحمة }
~~قدم عليها لكونها نكرة ولو تأخر لكان صفة لها. وفسرت الرحمة بالمغفرة
~~والرزق والأمن والأولى تفسيرها بما يتضمن ذلك وغيره. وفي ذكر { من
~~لدنك } إيماء إلى أن ذلك من باب التفضل لا الوجوب فكأنهم قالوا ربنا
~~تفضل علينا برحمة { وهيىء لنا من أمرنا } الذي نحن عليه من
~~مهاجرة الكفار والمثابرة على طاعتك. وقرأ أبو جعفر وشيبة والزهري { وهيي
~~} بياءين من غير همز يعني أنهم أبدلوا الهمزة الساكنة ياء، وفي «كتاب ابن
~~خالويه» قرأ الأعشى عن أبي بكر عن عاصم { وهي } بلا همز انتهى. وهو
~~يحتمل أن يكون قد أبدل الهمزة ياء ms05955 وأن يكون حذفها، والأول إبدال قياسي،
~~والثاني مختلف فيه أينقاس حذف الحرف المبدل من الهمزة في الأمر والمضارع
~~المجزومين أم لا.

# وأصل التهيئة إحداث الهيئة وهي الحالة التي يكون عليها الشيء محسوسة أو
~~معقولة ثم استعمل في إحضار الشيء وتيسيره أي يسر لنا من أمرنا { رشدا
~~} إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب واهتداء إليه. وقرأ أبو رجاء { رشدا
~~} بضم الراء وإسكان الشين والمعنى واحد إلا أن الأوفق بفواصل الآيات
~~قراءة الجمهور. وإلى اتحاد المعنى ذهب الراغب قال: الرشد بفتحتين خلاف
~~الغي ويستعمل استعمال الهداية وكذا الرشد بضم فسكون. وقال بعضهم: الرشد
~~أي بفتحتين كما في بعض النسخ المضبوطة أخص من الرشد لأن الرشد بالضم يقال
~~في الأمور الدنيوية والأخروية والرشد يقال في الأمور الأخروية لا غير
~~اه، وفيه مخالفة لما ذكره ابن عطية فإنه قال: إن هذا الدعاء منهم كان في
~~أمر دنياهم وألفاظه تقتضي ذلك وقد كانوا على ثقة من رشد الآخرة ورحمتها،
~~وينبغي لكل مؤمن أن يجعل دعاءه في أمر دنياه لهذه الآية فإنها كافية
~~ويحتمل أن يراد بالرحمة رحمة الآخرة اه، نعم فيما قاله نظر، والأولى جعل
~~الدعاء عاما في أمر الدنيا والآخرة وإن كان تعقيبه بما بعد ظاهرا في
~~كونه خاصا في أمر الأولى واللام و(من) متعلقان بهيىء فإن اختلف معناهما
~~بأن كانت الأولى للأجل والثانية ابتدائية فلا كلام، وإن كانتا للأجل
~~احتاجت صحة التعلق إلى الجواب المشهور.

# وتقديم المجرورين على المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بهما وإبراز
~~الرغبة في المؤخر وكذا الكلام في تقديم { من لدنك } على { رحمة
~~} على تقدير تعلقه بآتنا، وتقديم المجرور الأول على الثاني للإيذان من
~~أول الأمر بكون المسؤول مرغوبا فيه لديهم، وقيل الكلام على التجريد وهو
~~إن ينتزع من أمر ذي صفة آخر مثله مبالغة كأنه بلغ إلى مرتبة من الكمال
~~بحيث يمكن أن يؤخذ منه آخر كرأيت منك أسدا أي اجعل أمرنا كله رشدا.

### || [18.11]

# { فضربنا على ءاذانهم } أي ضربنا عليها حجابا يمنع السماع
~~فالمفعول محذوف كما في قولهم: بنى على ms05956 امرأته / والمراد أنمناهم إنامة
~~ثقيلة لاتنبههم فيها الأصوات بأن يجعل الضرب على الآذان كناية عن الإنامة
~~الثقيلة وإنما صلح كناية لأن الصوت والتنبيه طريق من طرق إزالة النوم فسد
~~طريقه يدل على استحكامه وأما الضرب على العين وإن كان تعلقه بها أشد فلا
~~يصلح كناية إذ ليس المبصرات من طرق إزالته حتى يكون سد الأبصار كناية ولو
~~صلح كناية فعن ابتداء النوم لا النومة الثقيلة. واعترض القطب جعله كناية
~~عما ذكر بما لا يخفى رده وخرج الآية على الاستعارة المكنية بأن يقال شبه
~~الإنامة الثقيلة بضرب الحجاب على الآذان ثم ذكر ضربنا وأريد أنمنا وهو
~~وجه فيها، وجوز أن تكون من باب الاستعارة التمثيلية واختاره بعض
~~المحققين. ومن الناس من حمل الضرب على الآذان على تعطيلها كما في قولهم
~~ضرب الأمير على يد الرعية أي منعهم عن التصرف. وتعقب بأنه مع عدم ملاءمته
~~لما سيأتي إن شاء الله تعالى من البعث لا يدل على إرادة النوم مع أنه
~~المراد قطعا. وأجيب بأنه يمكن أن يكون مراد الحامل التوصل بذلك إلى
~~إرادة الإنامة فافهم. والضرب إما من ضربت القفل على الباب أو من ضربت
~~الخباء على ساكنه. والفاء هنا مثلها في قوله تعالى: { فاستجبنا
~~له } بعد قوله سبحانه:

# إذ نادى

# [الأنبياء: 76] فإن الضرب المذكور وما يترتب عليه من التقليب ذات اليمين
~~وذات الشمال والبعث وغير ذلك من آثار استجابة دعائهم السابق.

# { فى الكهف } ظرف لضربنا وكذا قوله عز وجل: { سنين } ولا مانع
~~من ذلك لا سيما وقد تغايرا بالمكانية والزمانية { عددا } أي ذوات عدد
~~على أنه مصدر وصف بالتأويل الشائع، وقيل إنه صفة بمعنى معدودة، وقيل إنه
~~مصدر لفعل مقدر أي تعد عددا. والعدد على ما قال الراغب وغيره قد يراد به
~~التكثير لأن القليل لا يحتاج إلى العد غالبا وقد يذكر للتقليل في مقابلة
~~ما لا يحصى كثرة كما يقال بغير حساب وهو هنا يحتمل الوجهين والأول هو
~~الأنسب بإظهار كمال القدرة والثاني هو الأليق بمقام إنكار كون القصة
~~عجبا ms05957 من بين سائر الآيات العجيبة فإن مدة لبثهم وإن كثرت في نفسها فهي
~~كبعض يوم عند الله عز وجل. وفي «الكشف» أن الكثرة تناسب نظرا إلى
~~المخاطبين والقلة تناسب نظرا إلى المخاطب اه. وقد خفي على العز بن عبد
~~السلام أمر هذا الوصف وظن أنه لا يكون للتكثير وأن التقليل لا يمكن ههنا
~~وهو غريب من جلالة قدره وله في «أماليه» أمثال ذلك. وللعلامة ابن حجر في
~~ذلك كلام ذكره في «الفتاوى الحديثية» لا أظنه شيئا.

### || [18.12]

# { ثم بعثنهم } أي أيقظناهم وأثرناهم من نومهم { لنعلم
~~أي الحزبين } أي منهم وهم القائلون

# لبثنا يوما أو بعض يوم

# [الكهف: 19] والقائلون:

# ربكم أعلم بما لبثتم

# [الكهف: 19] وقيل أحد الحزبين الفتية الذين ظنوا قلة زمان لبثهم،
~~والثاني أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم وكان عندهم تاريخ
~~غيبتهم، وزعم ابن عطية أن هذا قول جمهور المفسرين وعن ابن عباس أن أحد
~~الحزبين الفتية والآخر الملوك الذين تداولوا ملك المدينة واحدا بعد واحد
~~وعن مجاهد: الحزبان قوم أهل الكهف حزب منهم مؤمنون وحزب كافرون، وقال
~~الفراء: الحزبان مؤمنان كانوا في زمنهم. واختلفوا في مدة لبثهم، وقال
~~السدي: الحزبان كافران، والمراد بهما اليهود والنصارى الذي علموا قريشا
~~سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الكهف؛ وقال ابن بحر: الحزبان
~~الله سبحانه وتعالى والخلق كقوله تعالى:

# أأنتم أعلم أم الله

# [البقرة: 140] والظاهر هو الأول لأن اللام للعهد ولا عهد لغير من سمعت.

# { أحصى } أي ضبط فهو فعل ماض وفاعله ضمير { أي } واختار ذلك
~~الفارسي والزمخشري وابن عطية. و(ما) في قوله تعالى: { لما لبثوا }
~~مصدرية، والجار والمجرور حال مقدم عن قوله تعالى: { أمدا } وهو مفعول
~~{ أحصى } والأمد على ما قال الراغب: مدة لها حد، والفرق بينه وبين
~~الزمان أن الأمد يقال: باعتبار الغاية بخلاف الزمان فإنه عام في المبدأ
~~والغاية، ولذلك قال بعضهم: المدى والأمد يتقاربان، وليس اسما للغاية حتى
~~يكون إطلاقه على المدة مجازا كما أطلقت الغاية عليها في قولهم: ابتداء
~~الغاية وانتهاؤها، أي ليعلم ms05958 أيهم أحصى مدة كائنة للبثهم. ((والمراد من
~~إحصائها ضبطها من حيث كميتها المنفصلة العارضة لها باعتبار قسمتها إلى
~~السنين وبلوغها من تلك الحيثية إلى مراتب الأعداد كما يرشدك إليه كون
~~المدة عبارة عما سبق من السنين، وليس المراد ضبطها من حيث كميتها المتصلة
~~الذاتية فإنه لا يسمى إحصاء. وقيل إطلاق الأمد على المدة مجاز وحقيقته
~~غاية المدة. ويجوز إرادة ذلك بتقدير المضاف أي لنعلم أيهم ضبط غاية لزمان
~~لبثهم وبدونه أيضا فإن اللبث عبارة عن الكون المستمر المنطبق على الزمان
~~المذكور فباعتبار الامتداد العارض له بسببه يكون له أمد وغاية لا محالة
~~لكن ليس المراد ما يقع غاية ومنتهى لذلك الكون المستمر باعتبار كميته
~~المتصلة العارضة له بسبب انطباقه على الزمان الممتد بالذات، وهو آن
~~انبعاثهم من نومهم فإن معرفته من تلك الحيثية لا تخفى على أحد ولا تسمى
~~إحصاء أيضا، بل باعتبار كميته المنفصلة العارضة له بسبب عروضها لزمانه
~~المنطبق هو عليه باعتبار انقسامه إلى السنين ووصوله إلى مرتبة معينة من
~~مراتب العدد، والفرق بين هذا وما سبق أن ما تعلق به الإحصاء في الصورة
~~السابقة نفس المدة المنقسمة إلى السنين فهو مجموع ثلثمائة وتسع سنين وفي
~~الصورة الأخيرة منتهى تلك المدة المنقسمة إليها أعني التاسعة بعد
~~الثلثمائة؛ وتعلق الإحصاء بالأمد بالمعنى الأول ظاهر، وأما تعلقه به
~~بالمعنى الثاني فباعتبار انتظامه لما تحته من مراتب العدد، واشتماله
~~عليها)) انتهى.

# وأنت تعلم أن ظاهر كلام الراغب وهو هو في اللغة يقتضي أن الأمد حقيقة في
~~المدة وأنه في الغاية مجاز وأن توجيه إرادة الغاية هنا بما ذكر تكلف لا
~~يحتاج إليه على تقدير كون (ما) مصدرية. نعم يحتاج إليه على تقدير جعلها
~~موصولة حذف عائدها من الصلة أي لنعلم أيهم أحصى أمدا كائنا للذي لبثوه
~~أي لبثوا فيه من الزمان. وقيل (ما لبثوا) في موضع المفعول له وجىء بلام
~~التعليل لكونه غير مصدر صريح وغير مقارن أيضا وليس بذاك. وقيل اللام
~~مزيدة و(ما) موصولة وهي المفعول به وعائدها محذوف أي ms05959 أحصى الذي لبثوه
~~والمراد الزمان الذي لبثوا فيه، و { أمدا } على هذا تمييز للنسبة مفسر
~~لما في نسبة المفعول من الإبهام محول عن المفعول وأصله أحصى أمد الزمان
~~الذي لبثوا فيه. وزعم أنه لا يصح أن يكون تمييزا للنسبة لأنه لا بد أن
~~يكون محولا عن الفاعل ولا يمكن ذلك هنا ليس بشيء لأن اللابدية في حيز
~~المنع. والذي تحقق في المعتبرات «كشروح التسهيل» وغيرها أنه يكون محولا
~~عن المفعول ك

# وفجرنا الأرض عيونا

# [القمر: 12] كما يكون محولا عن الفاعل كتصبب زيد عرقا. ولو جعل
~~تمييزا لما كان تمييزا لمفرد. ولم يقل أحد باشتراط التحويل فيه أصلا.
~~وجوز في (ما) على هذا التقدير أن تكون مصدرية وهو بعيد، وضعف القول
~~بزيادة اللام هنا بأنها لا تزاد في مثل ذلك.

# / واختار الزجاج والتبريزي كون { أحصى } أفعل تفضيل لأنه الموافق
~~لما وقع في سائر الآيات الكريمة نحو

# أيهم أحسن عملا

# [الكهف: 7]

# أيهم أقرب لكم نفعا

# [النساء: 11] إلى غير ذلك مما لا يحصى ولأن كونه فعلا ماضيا يشعر بأن
~~غاية البعث هو العلم بالإحصاء المتقدم على البعث لا بالإحصاء المتأخر عنه
~~وليس كذلك. واعترض أولا بأن بناء أفعل التفضيل من غير الثلاثي المجرد ليس
~~بقياس وما جاء منه شاذ كأعدى من الجرب وأفلس من ابن المدلق. وأجيب بأن في
~~بناء أفعل من ذلك ثلاثة مذاهب الجواز مطلقا وهو ظاهر كلام سيبويه والمنع
~~مطلقا وما ورد شاذ لا يقاس عليه وهو مذهب أبي علي، والتفصيل بين أن
~~تكون الهمزة للنقل فلا يجوز أو لغيره كأشكل الأمر وأظلم الليل فيجوز وهو
~~اختيار ابن عصفور فلعلهما يريان الجواز مطلقا كسيبويه أو التفصيل كابن
~~عصفور. والهمزة في { أحصى } ليست للنقل، وثانيا بأن { أمدا }
~~حينئذ إن نصب على أنه مفعول به فإن كان بمضمر كما في قول العباس بن
~~مرداس:

# فلم أر مثل الحي حيا مصبحا

# ولا مثلنا لما التقينا فوارسا

# أكر وأحمى للحقيقة منهم

# وأضرب منا بالسيوف القوانسا

# لزم الوقوع فيما فرا منه حيث لم يجعلا المذكور ms05960 فعلا ثم قدرا وإن كان به
~~فليس صالحا لذلك، وإن نصب (يلبثوا) لا يكون المعنى سديدا لأن الضبط
~~لمدة اللبث وأمده لا للبث في الأمد. ولا يقال: فليكن نظير قولكم أيكم
~~أضبط لصومه في الشهر أي لأيام صومه والمعنى أيهم أضبط لأيام اللبث أو
~~ساعاته في الأمد ويراد به جميع المدة لما قيل يعضل حينئذ تنكير {
~~أمدا } والاعتذار بأنهم ما كانوا عارفين بتحديده يوما أو شهرا أو
~~سنة فنكر على أنه سؤال إما عن الساعات والأيام أو الأشهر غير سديد لأنه
~~معلوم أنه أمد زمان اللبث فليعرف إضافة أو عهدا ويكون الاحتمال على
~~حاله. ووجه أبو حيان نصبه بأنه على إسقاط حرف الجر وهو بمعنى المدة
~~والأصل لما لبثوا من أمد ويكون من أمد تفسيرا لما أبهم في لفظ (ما)
~~كقوله تعالى:

# ما ننسخ من ءاية

# [البقرة: 106]

# ما يفتح الله للناس من رحمة

# [فاطر: 2] ولما سقط الحرف وصل إليه الفعل وهو كما ترى. وتعقب منع صلاحية
~~أفعل لنصب المفعول به بأنه قول البصريين دون الكوفيين فلعل الإمامين سلكا
~~مذهب الكوفيين فجعلا { أحصى } أفعل تفضيل و { أمدا } مفعولا له.
~~والحق أن الذاهب إلى كون أحصى أفعل تفضيل جعل { أمدا } تمييزا وهو
~~يعمل في التمييز على الصحيح والقول بأن التمييز يجب كونه محولا عن
~~الفاعل قد ميزت حاله، وثالثا بأن توهم الإشعار بأن غاية البعث هو العلم
~~بالإحصاء المتقدم عليه مردود بأن صيغة الماضي باعتبار حال الحكاية ولا
~~يكاد يتوهم من ذلك الإشعار المذكور، ورابعا بأنه يلزم حينئذ أن يكون
~~أصل الإحصاء متحققا في الحزبين إلا أن بعضهم أفضل والبعض الآخر أدنى مع
~~أنه ليس كذلك. وفي «الكشف» أن قول الزجاج ليس بذلك المردود إلا أن ما
~~آثره الزمخشري أحق بالإيثار لفظا ومعنى أما الأول فظاهر، وأما الثاني
~~فلأنه تعالى حكى تساؤلهم فيما بينهم وأنه عن العارف لا عن الأعرف وغيرهم
~~أولى به انتهى فافهم.

# و(أي) استفهامية مبتدأ وما بعدها خبرها وقد علقت (نعلم) عن العمل كما هو
~~شأن أدوات الاستفهام في ms05961 مثل هذا الوضع وهذا جار على احتمالي كون {
~~أحصى } فعلا ماضيا وكونه أفعل تفضيل. وجوز جعل (أي) موصولة ففي
~~«البحر» إذا قلنا بأن { أحصى } أفعل تفضيل جاز أن تكون (أي) موصولا
~~مبنيا على مذهب سيبويه لوجود شرط جواز البناء فيه وهو كون (أي) مضافة
~~حذف صدر صلتها والتقدير لنعلم الفريق الذي هو أحصى لما لبثوا أمدا من
~~الذين لم يحصوا وإذا كان فعلا ماضيا امتنع ذلك لأنه حينئذ لم يحذف صدر
~~صلتها لوقوع الفعل مع فاعله / صلة فلا يجوز بناؤها لفوات تمام الشرط وهو
~~حذف صدر الصلة انتهى.

# وقرأ الزهري { ليعلم } بالياء على إسناد الفعل إليه تعالى بطريق
~~الالتفات. وأيا ما كان فالعلم غاية للبعث وليس ذلك على ظاهره وإلا تكن
~~الآية دليلا لهشام على ما يزعمه تعالى الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
~~فقيل هو غاية بجعله مجازا عن الإظهار والتمييز، وقيل: المراد ليتعلق
~~علمنا تعلقا حاليا مطابقا لتعلقه أولا تعلقا استقباليا كما في قوله
~~تعالى:

# لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على
~~عقبيه

# [البقرة: 143] واعترضه بعض الأجلة بأن بعث هؤلاء الفئة لم يترتب عليه
~~تفرقهم إلى المحصي وغيره حتى يتعلق بهما العلم تعلقا حاليا أو الإظهار
~~والتمييز ويتسنى نظم شيء من ذلك في سلك الغاية كما ترتب على تحويل القبلة
~~انقسام الناس إلى متبع ومنقلب فصح تعلق العلم الحالي والإظهار بكل من
~~القسمين وإنما الذي ترتب على ذلك تفرقهم إلى مقدر تقديرا غير مصيب ومفوض
~~العلم إلى الله عز وجل وليس في شيء منهما إحصاء أصلا، ثم قال: إن جعل
~~ذلك غاية بحمل النظم الكريم على التمثيل المبني على جعل العلم عبارة عن
~~الاختبار مجازا بإطلاق اسم المسبب على السبب وليس من ضرورة الاختبار
~~صدور الفعل المختبر به عن المختبر قطعا بل قد يكون لإظهاره عجزه عنه على
~~سنن التكاليف التعجيزية كقوله تعالى:

# فأت بها من المغرب

# [البقرة: 258] وهو المراد هنا فالمعنى بعثناهم لنعاملهم معاملة من
~~يختبرهم أيهم أحصى لما لبثوا أمدا فيظهر لهم عجزهم ويفوضوا ذلك إلى ms05962
~~العليم الخبير ويتعرفوا حالهم وما صنع الله تعالى بهم من حفظ أبدانهم
~~فيزدادوا يقينا بكمال قدرته تعالى وعلمه ويستبصروا به أمر البعث ويكون
~~ذلك لطفا لمؤمني زمانهم وآية بينة لكفارهم ((وقد اقتصر ههنا من تلك
~~الغايات الجليلة على مبدئها الصادر عنه سبحانه وفيما سيأتي إن شاء الله
~~تعالى على ما صدر عنهم من التساؤل المؤدي إليها وهذا أولى من تصوير
~~التمثيل بأن يقال بعثناهم بعث من يريد أن يعلم إذ ربما يتوهم منه استلزام
~~الإرادة لتحقق المراد فيعود المحذور فيصار إلى جعل إرادة العلم عبارة عن
~~الاختبار فاختبر واختر)) انتهى.

# وتعقبه الخفاجي بأن ما ذكره مع تكلفه وقلة جدواه غير مستقيم لأن
~~الاختبار الحقيقي لا يتصور ممن أحاط بكل شيء علما فحيث وقع جعلوه مجازا
~~عن العلم أو ما يترتب عليه فلزمه بالآخرة الرجوع إلى ما أنكره واختار جعل
~~العلم كناية عن ظهور أمرهم ليطمئن بازدياد الإيمان قلوب المؤمنين وتنقطع
~~حجة المنكرين وعلم الله تعالى حيث تعذر إرادة حقيقته في كتابه تعالى جعل
~~كناية عن بعض لوازمه المناسبة لموقعه والمناسب هنا ما ذكر، ثم قال: وإنما
~~علق العلم بالاختلاف في أمده أي المفهوم من { أي الحزبين
~~أحصى لما لبثوا أمدا } لأنه أدعى لإظهاره وأقوى لانتشاره.

# وفي «الكشف» توجيها لما في «الكشاف» أراد أن العلم مجاز عن التمييز
~~والإظهار كأنه قيل لنظهر ونميز لهم العارف بأمد ما لبثوا ولينظر من هذا
~~العارف فإنه لا يجوز أن يكون أحدا منهم لأنهم بين مفوض ومقدر غير مصيب.
~~والفرق بين ما في «الكشف» وما ذكره الخفاجي لا يخفى على بصير وما في
~~«الكشف» أقل مؤنة منه. وتصوير التمثيل بأن يقال: بعثناهم بعث من يريد أن
~~يعلم، أحسن عندي من التصوير الأول، والتوهم المذكور مما لا يكاد يلتفت
~~إليه فتدبر جدا.

# وقرىء { ليعلم } مبنيا للفاعل من الإعلام وخرج ذلك على أن الفاعل ضميره
~~تعالى والمفعول الأول محذوف لدلالة المعنى عليه و { أي الحزبين }
~~الخ من المبتدأ والخبر في موضع مفعولي (نعلم) الثاني والثالث، والتقدير
~~ليعلم ms05963 الله الناس أي الحزبين الخ، وإذا جعل العلم عرفانيا كانت الجملة
~~في موضع المفعول الثاني فقط وهو ظاهر. وقرىء { ليعلم } بالبناء للمفعول
~~وخرج على أن نائب الفاعل محذوف أي ليعلم الناس.

# / والجملة بعد إما في موضع المفعولين أو المفعول حسبما سمعت. وقال
~~بعضهم: إن الجملة هي النائب عن الفاعل وهو مذهب كوفي ففي «البحر»
~~البصريون لا يجوز كون الجملة فاعلا ولا نائبا عنه وللكوفيين مذهبان،
~~أحدهما أنه يجوز الإسناد إلى الجملة مطلقا، والثاني أنه لا يجوز إلا إذا
~~كان المسند مما يصح تعليقه وتحقيق ذلك في محله.

### || [18.13]

# { نحن نقص عليك نبأهم } شروع في تفصيل ما أجمل فيما سلف
~~أي نحن نخبرك بتفصيل خبرهم الذي له شأن وخطر { بالحق } إما صفة لمصدر
~~محذوف أو حال من ضمير { نقص } أو من { نبأهم } أو صفة له على رأي من
~~يرى جواز حذف الموصول مع بعض الصلة أي نقص قصصا ملتبسا بالحق أو نقصه
~~ملتبسين به أو نقص نبأهم ملتبسا به أو نبأهم الملتبس به. ولعل في
~~التقييد { بالحق } إشارة إلى أن في عهده صلى الله عليه وسلم من يقص
~~نبأهم لكن لا بالحق. وفي «الكشف» بعد نقل شعر أمية بن أبي الصلت السابق
~~ما نصه: وهذا يدل على أن قصة أصحاب الكهف كانت من علم العرب وإن لم
~~يكونوا عالميها على وجهها.

# ونبؤهم حسبما ذكره ابن إسحاق وغيره أنه مرج أهل الإنجيل وعظمت فيهم
~~الخطايا وطغت ملوكهم فعبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت وفيهم بقايا على دين
~~المسيح عليه السلام متمسكين بعبادة الله تعالى وتوحيده وكان ممن فعل ذلك
~~من ملوكهم وعتا عتوا كبيرا دقيانوس وفي رواية دقيوس فإنه غلا غلوا
~~شديدا فجاس خلال الديار والبلاد وأكثر فيها الفساد وقتل من خالفه من
~~المتمسكين بدين المسيح عليه السلام وكان يتتبع الناس فيخيرهم بين القتل
~~وعبادة الأوثان فمن رغب في الحياة الدنيا انقاد لأمره وامتثله ومن آثر
~~عليها الحياة الأبدية لم يبال بأي قتلة قتله فكان يقتل أهل الإيمان ويقطع
~~أجسادهم ويجعلها على سور المدينة ms05964 وأبوابها فلما رأى الفتية ذلك وكانوا
~~عظماء مدينتهم واسمها على ما في بعض الروايات أفسوس وفي بعضها طرسوس،
~~وقيل كانوا من خواص الملك قاموا فتضرعوا إلى الله عز وجل واشتغلوا
~~بالصلاة والدعاء فبينما هم كذلك دخل عليهم الشرط فأخذوهم وأعينهم تفيض من
~~الدمع ووجوههم معفرة بالتراب وأحضروهم بين يدي الجبار فقالوا لهم: ما
~~منعكم أن تشهدوا الذبح لآلهتنا وخيرهم بين القتل وعبادة الأوثان فقالوا:
~~إن لنا إلها ملأ السموات والأرض عظمته وجبروته لن ندعو من دونه أحدا
~~ولن نقر بما تدعونا إليه أبدا فاقض ما أنت قاض وأول من قال ذلك أكبرهم
~~مكسلمينا فأمر الجبار فنزع ما عليهم من الثياب الفاخرة وأخرجهم من عنده
~~وخرج هو إلى مدينة أخرى قيل هي نينوى لبعض شأنه وأمهلهم إلى رجوعه وقال:
~~ما يمنعني أن أعجل عقوبتكم إلا أني أراكم شبانا فلا أحب أن أهلككم حتى
~~أجعل لكم أجلا تتأملون فيه وترجعون إلى عقولكم فإن فعلتم فبها وإلا
~~أهلكتكم فلما رأوا خروجه اشتوروا فيما بينهم واتفقوا على أن يأخذ كل منهم
~~نفقة من بيت أبيه فيتصدق ببعضها ويتزود بالباقي وينطلقوا إلى كهف قريب من
~~المدينة يقال له بنجلوس ففعلوا ما فعلوا وأووا إلى الكهف فلبثوا فيه ليس
~~لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتحميد وفوضوا أمر نفقتهم إلى فتى
~~منهم اسمه يمليخا فكان إذا أصبح يتنكر ويدخل المدينة ويشتري ما يهمهم
~~ويتجسس ما فيها من الأخبار ويعود إليهم فلبثوا على ذلك إلى أن قدم الجبار
~~مدينتهم فتطلبهم وأحضر آباءهم فاعتذروا بأنهم عصوهم ونهبوا أموالهم
~~وبذروها في الأسواق وفروا إلى الجبل وكان يمليخا إذ ذاك في المدينة فرجع
~~إلى أصحابه وهو يبكي ومعه قليل طعام فأخبرهم بما شاهد من الهول ففزعوا
~~إلى الله تعالى وخروا له سجدا ثم رفعوا رؤوسهم وجلسوا يتحدثون في أمرهم
~~فبينما هم كذلك إذ ضرب الله عز وجل على آذانهم فناموا ونفقتهم / عند
~~رؤسهم وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد فأصابه ما أصابهم فخرج الجبار في طلبهم
~~بخيله ورجله فوجدوهم قد دخلوا الكهف ms05965 فأمر بإخراجهم فلم يطق أحد أن يدخله
~~فلما ضاق بهم ذرعا قال قائل منهم: أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم؟ قال:
~~بلى قال: فابن عليهم باب الكهف ودعهم يموتوا جوعا وعطشا وليكن كهفهم
~~قبرا لهم ففعل ثم كان من شأنهم ما قص الله تعالى عز وجل.

# وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أنهم كانوا في مملكة ملك من الجبابرة يدعو الناس إلى عبادة
~~الأوثان فلما رأوا ذلك خرجوا من تلك المدينة فجمعهم الله تعالى على غير
~~ميعاد فجعل بعضهم يقول لبعض: أين تريدون أين تذهبون؟ فجعل بعضهم يخفي عن
~~بعض لأنه لا يدري هذا علام خرج هذا ولا يدري هذا علام خرج هذا فأخذوا
~~العهود والمواثيق أن يخبر بعضهم بعضا فإن اجتمعوا على شيء وإلا كتم
~~بعضهم بعضا فاجتمعوا على كلمة واحدة فقالوا:

# ربنا رب السموات والأرض

# [الكهف: 14]  إلى 

# مرفقا

# [الكهف: 16] ثم انطلقوا حتى دخلوا الكهف فضرب الله تعالى على آذانهم
~~فناموا وفقدوا في أهلهم فجعلوا يطلبونهم فلم يظفروا بهم فرفع أمرهم إلى
~~الملك فقال: ليكونن لهؤلاء القوم بعد اليوم شأن ناس خرجوا لا ندري أين
~~ذهبوا في غير جناية ولا شيء يعرف فدعا بلوح من رصاص فكتب فيه أسماءهم ثم
~~طرح في خزانته ثم كان من شأنهم ماقصه الله سبحانه وتعالى.

# وكانوا على ما أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر صيارفة. وأخرج عبد
~~الرزاق وابن المنذر عن وهب بن منبه قال: جاء رجل من حواري عيسى عليه
~~السلام إلى مدينة أصحاب الكهف فأراد أن يدخلها فقيل على بابها صنم لا
~~يدخل أحد إلا سجد له فكره أن يدخل فأتى حماما قريبا من المدينة وآجر
~~نفسه من صاحبه فكان يعمل فيه ورأى صاحب الحمام البركة والرزق وجعل يسترسل
~~إليه وعلقه فتية من أهل المدينة فجعل يخبرهم عن خبر السماء وخبر الآخرة
~~حتى آمنوا وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة وكان يشترط على صاحب الحمام
~~أن الليل لي ولا ms05966 تحول بيني وبين الصلاة إذا حضرت حتى جاء ابن الملك
~~بامرأة يدخل بها الحمام فعيره الحواري فقال: أنت ابن الملك وتدخل مع هذه
~~الإمرأة التي صفتها كذا وكذا فاستحيا فذهب فرجع مرة أخرى فسبه وانتهره
~~فلم يلتفت حتى دخل ودخلت معه فباتا في الحمام جميعا فماتا فيه فأتى
~~الملك فقيل له: قتل ابنك صاحب الحمام فالتمس فلم يقدر عليه وهرب من كان
~~يصحبه والتمس الفتية فخرجوا من المدينة فمروا بصاحب لهم في زرع له وهو
~~على مثل أمرهم فذكروا له أنهم التمسوا فانطلق معهم حتى أواهم الليل إلى
~~كهف فدخلوا فيه فقالوا نبيت ههنا الليلة ثم نصبح إن شاء الله تعالى فنرى
~~رأينا فضرب على آذانهم فخرج الملك بأصحابه يتبعونهم حتى وجدوهم قد دخلوا
~~الكهف فكلما أراد الرجل منهم أن يدخله أرعب فلم يطق أن يدخل فقال للملك
~~قائل: ألست لو قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى قال: فابن عليهم باب الكهف
~~ودعهم يموتوا عطشا وجوعا ففعل ثم كان ما كان، وروي غير ذلك والأخبار في
~~تفصيل شأنهم مختلفة.

# وفي «البحر» لم يأت في الحديث الصحيح كيفية اجتماعهم وخروجهم ولا معول
~~إلا على ما قص الله تعالى من نبئهم.

# { إنهم فتية } استئناف مبني على السؤال من قبل المخاطب وتقدم
~~الكلام آنفا في الفتية { آمنوا بربهم } أي بسيدهم والناظر في
~~مصالحهم، وفيه التفات من التكلم إلى الغيبة، وأوثر للإشعار بعلية وصف
~~الربوبية لإيمانهم / ولما صدر عنهم من المقالة حسبما سيحكي عنهم. {
~~وزدنهم هدى } بالتثبيت على الإيمان والتوفيق للعمل الصالح
~~والانقطاع إلى الله تعالى والزهد في الدنيا. وفي «التحرير»: المراد
~~زدناهم ثمرات هدى أو يقينا قولان وما حصلت به الزيادة امتثال المأمور
~~وترك المنهي أو إنطاق الكلب لهم بأنه على ما هم عليه من الإيمان أو إنزال
~~ملك عليهم بالتبشير والتثبيت وإخبارهم بظهور نبي من العرب يكون به الدين
~~كله لله تعالى فآمنوا به صلى الله عليه وسلم قبل بعثه اه. ولا يلزم من
~~القول بإنزال ملك عليهم بذلك القول بنبوتهم كما لا ms05967 يخفى. وفي {
~~زدناهم } التفات من الغيبة إلى التكلم الذي عليه سبك النظم الكريم
~~سباقا وسياقا. وفيه من تعظيم أمر الزيادة ما فيه.

### || [18.14]

# { وربطنا على قلوبهم } قويناها بالصبر فلم تزحزحها عواصف
~~فراق الأوطان وترك الأهل والنعيم والإخوان ولم يزعجها الخوف من ملكهم
~~الجبار ولم يرعها كثرة الكفار. وأصل الربط الشد المعروف واستعماله فيما
~~ذكر مجاز كما قال غير واحد. وفي «الأساس» ((ربطت الدابة شددتها برباط
~~والمربط الحبل،... ومن المجاز ربط الله تعالى على قلبه صبره و[رجل] رابط
~~الجاش)). وفي «الكشف» لما كان الخوف والتعلق يزعج القلوب عن مقارها ألا
~~ترى إلى قوله تعالى

# وبلغت القلوب الحناجر

# [الأحزاب: 10] قيل في مقابله ربط قلبه إذا تمكن وثبت وهو تمثيل.

# وجوز بعضهم أن يكون في الكلام استعارة مكنية تخييلية. وعدي الفعل بعلى
~~وهو متعد بنفسه لتنزيله منزلة اللازم كقوله: يجرح في عراقيبها نصلي.

# { إذ قاموا } متعلق بربطنا، والمراد بقيامهم انبعاثهم بالعزم على
~~التوجه إلى الله تعالى ومنابذة الناس كما في قولهم: قام فلان إلى كذا إذا
~~عزم عليه بغاية الجد، وقريب منه ما قيل المراد به انتصابهم لإظهار الدين.
~~أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم أنهم خرجوا من المدينة فاجتمعوا وراءها
~~على غير ميعاد فقال رجل منهم هو أشبههم إني لأجد في نفسي شيئا ما أظن
~~أحدا يجده قالوا: ما تجد؟ قال: أجد في نفسي أن ربي رب السموات والأرض
~~فقالوا أيضا: نحن كذلك فقاموا جميعا { فقالوا ربنا رب
~~السموات والأرض } وقد تقدم آنفا عن ابن عباس القول باجتماعهم
~~على غير ميعاد أيضا إلا أنه قال: إن بعضهم أخفى حاله عن بعض حتى تعاهدوا
~~فاجتمعوا على كلمة فقالوا ذلك. وقال صاحب «الغنيان» المراد به وقوفهم بين
~~يدي الجبار دقيانوس، وذلك أنهم قاموا بين يديه حين دعاهم إلى عبادة
~~الأوثان فهددهم بما هددهم فبينما هم بين يديه تحركت هرة وقيل فارة ففزع
~~الجبار منها فنظر بعضهم إلى بعض فلم يتمالكوا أن قالوا ذلك غير مكترثين
~~به. وقيل المراد قيامهم لدعوة الناس سرا إلى الإيمان. ms05968 وقال عطاء: المراد
~~قيامهم من النوم وليس بشيء، ومثله ما قيل إن المراد قيامهم على الإيمان،
~~وما أحسن ما قالوا فإن ربوبيته تعالى للسموات والأرض تقتضي ربوبيته لما
~~فيهما وهم من جملته أي اقتضاء، وأردفوا دعواهم تلك بالبراءة من إله غيره
~~عز وجل فقالوا:

# { لن ندعوا من دونه إلها } وجاؤا بلن لأن النفي بها أبلغ
~~من النفي بغيرها حتى قيل إنه يفيد استغراق الزمان فكيون المعنى لا نعبد
~~أبدا من دونه إلها أي معبودا آخر لا استقلالا ولا اشتراكا. قيل
~~وعدلوا عن قولهم ربا إلى قولهم { إلها } للتنصيص على رد المخالفين
~~حيث كانوا يسمون أصنامهم آلهة، وللإشعار بأن مدار العبادة وصف الألوهية،
~~وللإيذان بأن ربوبيته تعالى بطريق الألوهية / لا بطريق المالكية
~~المجازية.

# وقد يقال: إنهم أشاروا بالجملة الأولى إلى توحيد الربوبية، وبالجملة
~~الثانية إلى توحيد الألوهية وهما أمران متغايران وعبدة الأوثان لا يقولون
~~بهذا ويقولون بالأول

# ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض
~~ليقولن الله

# [لقمان: 25] وحكى سبحانه عنهم أنهم يقولون:

# ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى

# [الزمر: 3] وصح أنهم يقولون أيضا: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك
~~تملكه وما ملك. وجاؤا بالجملة الأولى مع أن ظاهر القصة كونهم بصدد ما
~~تشير إليه الجملة الثانية من توحيد الألوهية لأن الظاهر أن قومهم إنما
~~أشركوا فيها وهم إنما دعوا لذلك الإشراك دلالة على كمال الإيمان،
~~وابتدأوا بما يشير إلى توحيد الربوبية لأنه أول مراتب التوحيد، والتوحيد
~~الذي أقرت به الأرواح في عالم الذر يوم قال لها سبحانه:

# ألست بربكم

# [الأعراف: 172] وفي ذكر ذلك أولا وذكر الآخر بعده تدرج في المخالفة فإن
~~توحيد الربوبية يشير إلى توحيد الألوهية بناء على أن اختصاص الربوبية به
~~عز وجل علة لاختصاص الألوهية واستحقاق المعبودية به سبحانه وتعالى، وقد
~~ألزم جل وعلا الوثنية القائلين باختصاص الربوبية بذلك في غير موضع، ولكون
~~الجملة الأولى لكونها مشيرة إلى توحيد الربوبية مشيرة إلى توحيد الألوهية
~~قيل إن في الجملة الثانية تأكيدا لها فتأمل، ولا تعجل بالاعتراض. والجار ms05969
~~والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالا من النكرة بعده، ولو أخر لكان صفة أي لن
~~ندعوا إلها كائنا من دونه تعالى.

# { لقد قلنا إذا شططا } أي قولا ذا شطط أي بعد عن الحق مفرط
~~أو قولا هو عين الشطط والبعد المفرط عن الحق على أنه وصف بالمصدر مبالغة
~~ثم اقتصر على الوصف مبالغة على مبالغة. وجوز أبو البقاء كون { شططا }
~~مفعولا به لقلنا. وفسره قتادة بالكذب، وابن زيد بالخطأ، والسدي بالجور،
~~والكل تفسير باللازم، وأصل معناه ما أشرنا إليه لأنه من شط إذا أفرط في
~~البعد، وأنشدوا:

# شط المراد بحزوى وانتهى الأمل

# وفي الكلام قسم مقدر واللام واقعة في جوابه. و { إذا } حرف جواب
~~وجزاء فتدل على شرط مقدر أي لو دعونا وعبدنا من دونه إلها والله لقد
~~قلنا الخ. واستلزام العبادة القول لما أنها لا تعرى عن الاعتراف بألوهية
~~المعبود والتضرع إليه. وفي هذا القول دلالة على أن الفتية دعوا لعبادة
~~الأصنام وليموا على تركها، وهذا أوفق بكون قيامهم بين يدي الملك.

### || [18.15]

# { هؤلاء } هو مبتدأ وفي اسم الإشارة تحقير لهم { قومنا } عطف
~~بيان له لا خبر لعدم إفادته ولا صفة لعدم شرطها والخبر قوله تعالى {
~~اتخذوا من دونه } تعالى شأنه { ءالهة } أي عملوها ونحتوها
~~لهم. قال الخفاجي: فيفيد أنهم عبدوها ولا حاجة إلى تقديره كما قيل بناء
~~على أن مجرد العمل غير كاف في المقصود. وتفسير الاتخاذ بالعمل أحد
~~احتمالين ذكرهما أبو حيان، والآخر تفسيره بالتصيير فيتعدى إلى مفعولين
~~أحدهما { ءالهة } والثاني مقدر، وجوز أن يكون { ءالهة } هو الأول و
~~{ من دونه } هو الثاني وهو كما ترى. وأيا ما كان فالكلام إخبار فيه
~~معنى الإنكار لا إخبار محض بقرينة ما بعده ولأن فائدة الخبر معلومة {
~~لولا يأتون } تحضيض على وجه الإنكار والتعجيز إذ يستحيل أن يأتوا
~~{ عليهم } بتقدير مضاف أي على ألوهيتهم أو على صحة اتخاذهم لها آلهة
~~{ بسلطن بين } بحجة ظاهرة الدلالة على مدعاهم فإن الدين لا
~~يؤخذ إلا به، واستدل به على / أن ما لا دليل عليه ms05970 من أمثال ما ذكر مردود.

# { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } بنسبة
~~الشريك إليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا، وقد مر تحقيق المراد من مثل هذا
~~التركيب. وهذه المقالة يحتمل أن يكونوا قالوها بين يدي الجبار تبكيتا
~~وتعجيزا وتأكيدا للتبري من عبادة ما يدعوهم إليه بأسلوب حسن؛ ويحتمل أن
~~يكونوا قالوها فيما بينهم لما عزموا لما عزموا عليه، وخبر ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما السابق نص في أن هذه المقالة وما قبلها وما بعدها إلى

# مرفقا

# [الكهف: 16] مقولة فيما بينهم، ودعوى أنه إذا كان المراد من القيام فيما
~~مر قيامهم بين يدي الجبار يتعين كون هذه المقالة صادرة عنهم بعد خروجهم
~~من عنده غير مسلمة كما لا يخفى.

### || [18.16]

# نعم، ينبغي أن يكون قوله تعالى: { وإذ اعتزلتموهم وما
~~يعبدون إلا الله } مقولا فيما بينهم مطلقا خاطب به بعضهم
~~بعضا. وفي «مجمع البيان» عن ابن عباس أن قائله يمليخا، والاعتزال تجنب
~~الشيء بالبدن أو بالقلب وكلا الأمرين محتمل هنا، والتعزل بمعناه ومن ذلك
~~قوله:

# يا بيت عاتكة الذي أتعزل

# حذر العدا وبه الفؤاد موكل

# و { ما } يحتمل أن تكون موصولة وأن تكون مصدرية، والعطف في الاحتمالين
~~على الضمير المنصوب، والظاهر أن الاستثناء فيهما متصل، ويقدر على
~~الاحتمال الثاني مضاف في جانب المستثنى ليتأتى الاتصال، أي وإذ
~~اعتزلتموهم واعتزلتم الذين يعبدونهم إلا الله تعالى أو إذا اعتزلتموهم
~~واعتزلتم عبادتهم إلا عبادة الله عز وجل، وتقدير مستثنى منه على ذلك
~~الاحتمال لذلك نحو عبادتهم لمعبوديهم تكلف، ويحتمل أن يكون منقطعا، وعلى
~~الأول: يكون القوم عابدين الله تعالى وعابدين غيره كما جاء ذلك في بعض
~~الآثار. أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم عن
~~عطاء الخراساني أنه قال: كان قوم الفتية يعبدون الله تعالى ويعبدون معه
~~آلهة شتى فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة ولم تعتزل عبادة الله تعالى.
~~وعلى الثاني: يكونون عابدين غيره تعالى فقط، قيل وهذا هو الأوفق بقوله
~~تعالى أولا:

# هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه ءالهة ms05971

# [الكهف: 15] فتأمل.

# وجوز أن تكون (ما) نافية والاستثناء مفرغ والجملة إخبار من الله تعالى
~~عن الفتية بالتوحيد معترضة بين (إذ) وجوابه أعني قوله تعالى: { فأووا
~~} أي التجؤا { إلى الكهف } ووجه الاعتراض على ما في «الكشف» أن
~~قوله تعالى: { وإذ اعتزلتموهم } فأووا معناه وإذا اجتنبتم
~~عنهم وعما يعبدون فأخلصوا له العبادة في موضع تتمكنون منه فدل الاعتراض
~~على أنهم كانوا صادقين وأنهم أقاموا بما وصى به بعضهم بعضا فهو يؤكد
~~مضمون الجملة. وإلى كون { فأووا } جواب (إذ) ذهب الفراء، وقيل: إنه
~~دليل الجواب أي وإذا اعتزلتموهم اعتزالا اعتقاديا فاعتزلوهم اعتزالا
~~جسمانيا أو إذا أردتم الاعتزال الجسماني فافعلوا ذلك. واعترض كلا
~~القولين بأن (إذ) بدون (ما) لا تكون للشرط، وفي «همع الهوامع» أن القول
~~بأنها تكون له قول ضعيف لبعض النحاة أو تسامح لأنها بمعناه فهي هنا
~~تعليلية أو ظرفية وتعلقها قيل بأووا محذوفا دل عليه المذكور لا به لمكان
~~الفاء أو بالمذكور والظرف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره، وقال أبو
~~البقاء: إذ ظرف لفعل محذوف أي وقال بعضهم لبعض، وظاهره أنه عنى بالفعل
~~المحذوف قال؛ وأقول: هو من أعجب العجائب. وفي مصحف ابن مسعود كما أخرج
~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة { وما يعبدون من دون الله } وقال
~~هرون: في بعض المصاحف { وما يعبدون من دوننا } وهذا / يؤيد الاعتراض، وفي
~~«البحر» أن ما في المصحفين تفسير لا قراءة لمخالفته سواد الإمام.

# وزعم أن المتواتر عن ابن مسعود ما فيه.

# { ينشر لكم } يبسط لكم ويوسع عليكم { ربكم } مالك أمركم
~~الذي هداكم للإيمان { من رحمته } في الدارين { ويهيىء } يسهل
~~{ لكم من أمركم } الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين والتوجه
~~التام إلى الله تعالى { مرفقا } ما ترفقون وتنتفعون به، وهو مفعول {
~~يهيىء } ومفعول { ينشر } محذوف أي الخير ونحوه { ومن أمركم }
~~على ما في بعض «الحواشي» متعلق بيهيىء ومن لابتداء الغاية أو للتبعيض،
~~وقال ابن الانباري: للبدل والمعنى يهيىء لكم بدلا عن أمركم الصعب مرفقا
~~كما في قوله تعالى:

# أرضيتم بالحياة الدنيا ms05972 من الآخرة

# [التوبة: 38] وقوله:

# فليت لنا من ماء زمزم شربة

# مبردة باتت على طهيان

# وجوز أن يكون حالا من { مرفقا } فيتعلق بمحذوف، وتقديم { لكم }
~~لما مر مرارا من الإيذان من أول الأمر بكون المؤخر من منافعهم والتشويق
~~إلى وروده، والظاهر أنهم قالوا هذا ثقة بفضل الله تعالى وقوة في رجائهم
~~لتوكلهم عليه سبحانه ونصوع يقينهم فقد كانوا علماء بالله تعالى. فقد أخرج
~~الطبراني وابن المنذر وجماعة عن ابن عباس قال: ما بعث الله تعالى نبيا
~~إلا وهو شاب ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب وقرأ

# قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبرهيم

# [الأنبياء: 60]

# وإذ قال موسى لفته

# [الكهف: 60] و

# إنهم فتية ءامنوا بربهم

# [الكهف: 13] وجوز أن يكونوا قالوه عن إخبار نبي في عصرهم به وأن يكون
~~بعضهم نبيا أوحى إليك ذلك فقاله، ولا يخفى أن ما ذكر مجرد احتمال من غير
~~داع.

# وقرأ أبو جعفر والأعرج وشيبة وحميد وابن سعدان ونافع وابن عامر وأبو بكر
~~في رواية الأعشى والبرجمي والجعفي عنه وأبو عمرو في رواية هارون { مرفقا
~~} بفتح الميم وكسر الفاء ولا فرق بينه وبين ما هو بكسر الميم وفتح الفاء
~~معنى على ما حكاه الزجاج وثعلب فإن كلا منهما يقال في الأمر الذي يرتفق
~~به وفي الجارحة، ونقل مكي عن الفراء أنه قال: لا أعرف في الأمر وفي اليد
~~وفي كل شيء إلا كسر الميم، وأنكر الكسائي أن يكون المرفق من الجارحة إلا
~~بفتح الميم وكسر الفاء وخالفه أبو حاتم وقال: المرفق بفتح الميم الموضع
~~كالمسجد، وقال أبو زيد: هو مصدر جاء على مفعل كالمرجع، وقيل: هما لغتان
~~فيما يرتفق به وأما من اليد فبكسر الميم وفتح الفاء لاغير، وعن الفراء أن
~~أهل الحجاز يقولون: { مرفقا } بفتح الميم وكسر الفاء فيما ارتفقت به
~~ويكسرون مرفق الإنسان، وأما العرب فقد يكسرون الميم منهما جميعا اه.
~~وأجاز معاذ فتح الميم والفاء. هذا واستدل بالآية على حسن الهجرة لسلامة
~~الدين وقبح المقام في دار الكفر إذ لم يمكن المقام فيها إلا ms05973 بإظهار كلمة
~~الكفر وبالله تعالى التوفيق.

### || [18.17]

# { وترى الشمس } بيان لحالهم بعد ما أووا إلى الكهف ولم يصرح
~~سبحانه به تعويلا على ما سبق من قوله تعالى:

# إذ أوى الفتية إلى الكهف

# [الكهف: 10] وما لحق من إضافة الكهف إليهم وكونهم في فجوة منه، وجوز أن
~~يكون إيذانا بعدم الحاجة إلى التصريح لظهور جريانهم على موجب الأمر
~~لكونه صادرا عن رأي صائب وقد حذف سبحانه وتعالى أيضا جملا أخرى لا
~~تخفى. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح له وهو
~~للمبالغة في الظهور وليس المراد الإخبار بوقوع الرؤية بل الإنباء بكون
~~الكهف لو رأيته ترى الشمس { إذا طلعت تزاور } / أي تتنحى وأصله
~~تتزاور بتاءين فحذف أحدهما تخفيفا وهي قراءة الكوفيين والأعمش وطلحة
~~وابن أبي ليلى وخلف وابن سعدان وأبي عبيدة وأحمد بن جبير الأنطاكي
~~ومحمد بن عيسى الأصبهاني، وقرأ الحرميان وأبو عمرو { تزاور } بفتح التاء
~~وتشديد الزاي، وأصله أيضا تتزاور إلا أنه أدغمت التاء في الزاي بعد
~~قلبها زايا، وقرأ ابن أبي إسحاق وابن عامر وقتادة وحميد ويعقوب عن
~~العمري { تزور } كتحمر وهو من بناء الأفعال من غير العيوب والألوان، وقد
~~جاء ذلك نادرا. وقرأ جابر والجحدري وأبو رجاء والسختياني وابن أبي عبلة
~~ووردان عن أبي أيوب { تزوار } كتحمار وهو في البناء كسابقه، وقرأ ابن
~~مسعود وأبو المتوكل { تزوئر } بهمزة قبل الراء المشددة كتطمئن، ولعله
~~إنما جيء بالهمزة فرارا من التقاء الساكنين وإن كان جائزا في مثل ذلك
~~مما كان الأول حرف مد والثاني مدغما في مثله وكلها من الزور بفتحتين مع
~~التخفيف وهو الميل، وقيده بعضهم بالخلقى، والأكثرون على الإطلاق ومنه
~~الأزور المائل بعينه إلى ناحية ويكون في غير العين قال ابن أبي ربيعة:

# وجنبي خيفة القرم أزور

# وقال عنترة:

# فازور من وقع القنا بلبانه

# وشكا إلي بعبرة وتحمحم

# وقال بشر بن أبي خازم

# تؤم بها الحداة مياه نخل

# وفيها عن أبانين ازورار

# ومنه زاره إذا مال إليه، والزور أي الكذب لميله عن الواقع وعدم ms05974 مطابقته،
~~وكذا الزور بمعنى الصنم في قوله:

# جاءوا بزوريهم وجئنا بالأصم

# وقال الراغب: إن الزور بتحريك الواو ميل في الزور بتسكينها وهو أعلى
~~الصدر، والأزور المائل الزور أي الصدر وزرت فلانا تلقيته بزوري أو قصدت
~~زوره نحو وجهته أي قصدت وجهه، والمشهور ما قدمناه. وحكي عن أبي الحسن
~~أنه قال: لا معنى لتزور في الآية لأن الازوار الانقباض، وهو طعن في قراءة
~~ابن عامر ومن معه بما يوجب تغيير الكنية، وبالجملة المراد إذا طلعت تزوغ
~~وتميل.

# { عن كهفهم } الذي أووا إليه فالإضافة لأدنى ملابسة { ذات
~~اليمين } أي جهة ذات يمين الكهف عنه توجه الداخل إلى قعره أي جانبه
~~الذي يلي المغرب أو جهة ذات يمين الفتية ومآله كسابقه، وهو نصب على
~~الظرفية.

# قال المبرد في «المقتضب»: ذات اليمين وذات الشمال من الظروف المتصرفة
~~كيمينا وشمالا. { وإذا غربت } أي تراها عند غروبها {
~~تقرضهم } أي تعدل عنهم، قال الكسائي: يقال قرضت المكان إذا عدلت
~~عنه ولم تقر به { ذات الشمال } أي جهة ذات شمال الكهف أي جانبه الذي
~~يلي المشرق، وقال غير واحد: هو من القرض بمعنى القطع تقول العرب: قرضت
~~موضع كذا أي قطعته. قال ذو الرمة:

# إلى ظعن يقرض أقواز مشرف

# شمالا وعن أيمانهن الفوارس

# والمراد تتجاوزهم { وهم فى فجوة منه } أي في متسع من الكهف،
~~وهي على ما قيل من الفجا وهو تباعد ما بين الفخذين يقال رجل أفجى وامرأة
~~فجواء، وتجمع على فجاء وفجا وفجوات. وحاصل الجملتين أنهم كانوا لا تصيبهم
~~الشمس أصلا فتؤذيهم وهم في وسط الكهف بحيث ينالهم روح الهواء، ولا
~~يؤذيهم / كرب الغار ولا حر الشمس، وذلك لأن باب الكهف كما قال عبد الله
~~بن مسلم وابن عطية كان في مقابلة بنات نعش وأقرب المشارق والمغارب إلى
~~محاذاته مشرق رأس السرطان ومغربه والشمس إذا كان مدارها مداره تطلع مائلة
~~عنه مقابلة لجانبه الأيمن، وهو الذي يلي المغرب، وتغرب محاذية لجانبه
~~الأيسر فيقع شعاعها على جنبيه وتحلل عفونته وتعدل هواءه ولاتقع عليهم
~~فتؤذي أجسادهم وتبلي ثيابهم، ms05975 ولعل ميل الباب إلى جانب المغرب كان أكثر
~~ولذلك وقع التزاور على كهفهم والقرض على أنفسهم؛ وقال الزجاج: ليس ذلك
~~لما ذكر بل لمحض صرف الله تعالى الشمس بيد قدرته عن أن تصيبهم على منهاج
~~خرق العادة كرامة لهم وجيء بقوله تعالى: { وهم فى فجوة منه }
~~حالا مبينة لكون ما ذكر أمرا بديعا كأنه قيل ترى الشمس تميل عنهم
~~يمينا وشمالا ولا تحوم حولهم مع كونهم في متسع من الكهف معرض لإصابتها
~~لولا أن كفها عنهم كف التقدير.

# واحتج عليه بقوله تعالى: { ذلك من ءايات الله } حيث جعل {
~~ذلك } إشارة إلى ما ذكر من التزاور والقرض في الطلوع والغروب يمينا
~~وشمالا، ولا يظهر كونه آية على القول السابق ظهوره على قوله فإن كونه
~~آية دالة على كمال قدرة الله تعالى وحقية التوحيد وكرامة أهله عنده
~~سبحانه على هذا أظهر من الشمس في رابعة النهار. وكان ذلك قبل سد باب
~~الكهف على ما قيل. وقال أبو علي: معنى تقرضهم تعطيهم من ضوئها شيئا ثم
~~تزول سريعا وتسترد ضوءها فهو كالقرض يسترده صاحبه، وحاصل الجملتين عنده
~~أن الشمس تميل بالغدوة عن كهفهم وتصيبهم بالعشي إصابة خفيفة، ورد بأنه لم
~~يسمع للقرض بهذا المعنى فعل ثلاثي ليفتح حرف المضارعة، واختار بعضهم كون
~~المراد ما ذكر إلا أنه جعل تقرضهم من القرض بمعنى القطع لا بالمعنى الذي
~~ذكره أبو علي لما سمعت وزعم أنه من باب الحذف والإيصال والأصل تقرض لهم
~~وأن المعنى وإذا غربت تقطع لهم من ضوئها شيئا، والسبب لاختياره ذلك
~~توهمه أن الشمس لو لم تصب مكانهم أصلا لفسد هواؤه وتعفن ما فيه فيصير
~~ذلك سببا لهلاكهم وفيه ما فيه، وأكثر المفسرين على أنهم لم تصبهم الشمس
~~أصلا وإن اختلفوا في منشأ ذلك.

# واختار جمع أنه لمحض حجب الله تعالى الشمس على خلاف ما جرت به العادة
~~قالوا: والإشارة تؤيد ذلك أتم تأييد والاستبعاد مما لا يلتفت إليه لا
~~سيما فيما نحن فيه فإن شأن أصحاب الكهف كله على خلاف العادة. ms05976 وبعض من ذهب
~~إلى أن المنشأ كون باب الكهف في مقابلة بنات نعش جعل (ذلك) إشارة إلى
~~إيوائهم إلى كهف هذا شأنه وبعض آخر جعله إشارة إلى حفظ الله تعالى إياهم
~~في ذلك الكهف المدة الطويلة وآخر جعله إشارة إلى إطلاعه سبحانه رسوله صلى
~~الله عليه وسلم على أخبارهم. واعترض على الأخيرين بأنه لا يساعدهما إيراد
~~ذلك في تضاعيف القصة. وجعله بعضهم إشارة إلى هدايتهم إلى التوحيد
~~ومخالفتهم قومهم وآباءهم وعدم الاكتراث بهم وبملكهم مع حداثتهم وإيوائهم
~~إلى كهف شأنه ذلك ولا يخلو عن حسن وإليه أميل والله تعالى أعلم. وقرىء {
~~يقرضهم } بالياء آخر الحروف ولعل الضمير عائد على غروب الشمس. وقال أبو
~~حيان: أي يقرضهم الكهف.

# { من يهد الله } من يدله سبحانه دلالة موصولة إلى الحق ويوفقه
~~لما يحبه ويرضاه { فهو المهتد } الفائز بالحظ الأوفر في الدارين،
~~والمراد إما الثناء على أصحاب الكهف والشهادة لهم بإصابة المطلوب
~~والإخبار بتحقق ما أملوه من نشر الرحمة وتهيئة المرفق أو التنبيه على أن
~~/ أمثال هذه الآيات كثيرة ولكن المشفع بها من وفقه الله تعالى للتأمل
~~فيها والاستبصار بها فالمراد بمن إما الفتية أو ما يعمهم وغيرهم وفيه
~~ثناء عليهم أيضا وهو كما ترى. وجعله بعضهم ثناء على الله تعالى لمناسبة
~~قوله سبحانه

# وزدنهم هدى

# [الكهف: 13]

# وربطنا

# [الكهف: 14] وملاءمة قوله عز وجل { ومن يضلل } يخلق فيه الضلال
~~لصرف اختياره إليه { فلن تجد له } أبدا وإن بالغت في التتبع
~~والاستقصاء { وليا } ناصرا { مرشدا } يهديه إلى الحق ويخلصه من
~~الضلال لاستحالة وجوده في نفسه لا أنك لا تجده مع وجوده أو إمكانه إذ لو
~~أريد مدحهم لاكتفى بقوله تعالى { فهو المهتد } وفيه أنه لا يطابق
~~المقام والمقابلة لا تنافي المدح بل تؤكده ففيه تعريض بأنهم أهل الولاية
~~والرشاد لأن لهم الولي المرشد، ولعل في الآية صنعة الاحتباك.

### || [18.18]

# { وتحسبهم } بفتح السين. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي
~~بكسرها، أي تظنهم. والخطاب فيه كما فيما سبق. والظاهر أن هذا إخبار
~~مستأنف وليس على تقدير شيء، ms05977 وقيل في الكلام حذف والتقدير ولو رأيتهم
~~تحسبهم { أيقاظا } جمع يقظ بكسر القاف كأنكاد ونكد كما في «الكشاف»
~~وبضمها كأعضاد وعضد كما في «الدر المصون». وفي «القاموس» رجل يقظ كندس
~~وكتف فحكى اللغتين ضم العين وكسرها وهو اليقظان ومدار الحسبان انفتاح
~~عيونهم على هيئة الناظر كما قال غير واحد. وقال ابن عطية: يحتمل أن يحسب
~~الرائي ذلك لشدة الحفظ الذي كان عليهم وقلة التغير وذلك لأن الغالب على
~~النيام استرخاء وهيآت يقتضيها النوم فإذا لم تكن لنائم يحسبه الرائي
~~يقظان وإن كان مسدود العينين ولو صح فتح أعينهم بسند يقطع العذر كان أبين
~~في هذا الحسبان. وقال الزجاج: مداره كثرة تقلبهم، واستدل عليه بذكر ذلك
~~بعد، وفيه أنه لا يلائمه. { وهم رقود } جمع راقد أي نائم، وما قيل
~~إنه مصدر أطلق على الفاعل واستوى فيه القليل والكثير كركوع وقعود لأن
~~فاعلا لا يجمع على فعول مردود لأنه نص على جمعه كذلك النحاة كما صرح به
~~في «المفصل» و«التسهيل»، وهذا تقرير لما لم يذكر فيما سلف اعتمادا على
~~ذكره السابق من الضرب على آذانهم.

# { ونقلبهم } في رقدتهم كثيرا { ذات اليمين } أي جهة تلي
~~أيمانهم { وذات الشمال } أي جهة تلي شمائلهم كيلا تأكل الأرض ما
~~يليها من أبدانهم كما أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن جبير.
~~واستبعد ذلك وقال الإمام: إنه عجيب فإن الله تعالى الذي قدر على أن
~~يبقيهم أحياء تلك المدة الطويلة هو عز وجل قادر على حفظ أبدانهم أيضا من
~~غير تقليب. وأجيب بأنه اقتضت حكمته تعالى أن يكون حفظ أبدانهم بما جرت به
~~العادة وإن لم نعلم وجه تلك الحكمة، ويجري نحو هذا فيما قيل في التزاور
~~وأخيه. وقيل يمكن أن يكون تقليبهم حفظا لما هو عادتهم في نومهم من
~~التقلب يمينا وشمالا اعتناء بشأنهم. وقيل يحتمل أن يكون ذلك إظهارا
~~لعظيم قدرته تعالى في شأنهم حيث جمع تعالى شأنه فيهم الإنامة الثقيلة
~~المدلول عليها بقوله تعالى:

# فضربنا على ءاذانهم

# [الكهف: 11] والتقليب الكثير، ومما جرت به ms05978 العادة أن النوم الثقيل لا
~~يكون فيه تقلب كثير، ولا يخفى بعده.

# واختلف في أوقات تقليبهم فأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا يقلبون في كل ستة أشهر مرة، وأخرج غير
~~واحد عن / أبي عياض نحوه، وقيل يقلبون في كل سنة مرة، وذلك يوم عاشوراء،
~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد أن التقليب في التسع سنين
~~الضميمة ليس فيما سواها، وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن هذا التقليب في
~~رقدتهم الأولى يعني الثلثمائة سنة، وكانوا يقلبون في كل عام مرة ولم يكن
~~في مدة الرقدة الثانية يعني التسع.

# وتعقب الإمام ذلك بأن هذه التقديرات لا سبيل للعقل إليها ولفظ القرآن لا
~~يدل عليها وما جاء فيها خبر صحيح انتهى. فظاهر الآية يدل على الكثرة
~~لمكان المضارع الدال على الاستمرار التجددي مع ما فيه من التثقيل.
~~والظاهر أن { ونقلبهم } إخبار مستأنف. وجوز الطيبي بناء على ما
~~سمعت عن الزجاج كون الجملة في موضع الحال وهو كما ترى. وقرىء { ويقلبهم }
~~بالياء آخر الحروف مع التشديد والضمير لله تعالى، وقيل للملك.

# وقرأ الحسن فيما حكى الأهوازي في «الإقناع» } { ويقلبهم } بياء مفتوحة
~~وقاف ساكنة ولام مخففة، وقرأ فيما حكى ابن جني { وتقلبهم } على المصدر
~~منصوبا، ووجهه أنه مفعول لفعل محذوف يدل عليه { وتحسبهم } أي
~~وترى أو تشاهد تقلبهم، وروي عنه أيضا أنه قرأ كذلك إلا أنه رفع، وهو على
~~الابتداء كما قال أبو حاتم والخبر ما بعد أو محذوف أي آية عظيمة أو من
~~آيات الله تعالى، وحكى ابن خالويه هذه القراءة عن اليماني وذكر أن عكرمة
~~قرأ { وتقلبهم } بالتاء ثالثة الحروف مضارع قلب مخففا، ووجه بأنه على
~~تقدير وأنت تقلبهم وجعل الجملة حالا من فاعل { تحسبهم } وفيه
~~إشارة إلى قوة اشتباههم بالإيقاظ بحيث أنهم يحسبون إيقاظا في حال سبر
~~أحوالهم وقلبهم ذات اليمين وذات الشمال.

# { وكلبهم } الظاهر أنه الحيوان المعروف النباح، وله أسماء كثيرة
~~أفرد لها الجلال السيوطي «رسالة». قال كعب الأحبار: ms05979 هو كلب مروا به
~~فتبعهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك مرارا فقال لهم: ما تريدون مني لا تخشوا
~~جانبي أنا أحب أحباء الله تعالى فناموا وأنا أحرسكم. وروي عن ابن عباس
~~أنه كلب راع مروا به فتبع دينهم وذهب معهم وتبعهم الكلب، وقال عبيد بن
~~عمير: هو كلب صيد أحدهم، وقيل: كلب غنمه. ولا بأس في شريعتنا باقتناء
~~الكلب لذلك وأما فيما عداه وما عدا ما ألحق به فمنهي عنه، ففي «البخاري»
~~عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما

# " من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد أو ماشية نقص كل يوم من عمله قيراطان "

# ، وفي رواية قيراط. واختلف في لونه فأخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان
~~قال: قال لي رجل بالكوفة يقال له عبيد وكان لا يتهم بكذب رأيت كلب أصحاب
~~الكهف أحمر كأنه كساء أنبجاني، وأخرج عن كثير النواء قال: كان الكلب
~~أصفر، وقيل كان أنمر وروي ذلك عن ابن عباس، وقيل غير ذلك. وفي اسمه فأخرج
~~ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قطمير، وأخرج عن مجاهد أنه قطمورا، وقيل
~~ريان، وقيل ثور، وقيل غير ذلك.

# وهو في الكبر على ما روي عن ابن عباس فوق القلطي ودون الكردي. وأخرج ابن
~~أبي حاتم عن عبيد أنه قال رأيته صغيرا زينيا. قال الجلال السيوطي:
~~يعني صينيا، وفي «التفسير الخازني» تفسير القلطي بذلك.

# وزعم بعضهم أن المراد بالكلب هنا الأسد وهو على ما في «القاموس» أحد
~~معانيه. وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم دعا على كافر بقوله: «اللهم سلط
~~عليه كلبا من كلابك» فافترسه أسد وهو خلاف الظاهر، وأخرج / ابن المنذر
~~عن ابن جريج أنه قال: قلت لرجل من أهل العلم زعموا أن كلبهم كان أسدا
~~فقال: لعمر الله ما كان أسدا ولكنه كان كلبا أحمر خرجوا به من بيوتهم
~~يقال له قطمورا وأبعد من هذا زعم من ذهب إلى أنه رجل طباخ لهم تبعهم أو
~~أحدهم قعد عند الباب طليعة لهم. نعم حكى أبو عمر الزاهد غلام ثعلب أنه
~~قرىء ms05980 { وكالئهم } بهمزة مضمومة بدل الباء وألف بعد الكاف من كلأ إذا حفظ.
~~ولا يبعد فيه أن يراد الرجل الربيئة لكن ظاهر القراءة المتواترة يقتضي
~~إرادة الكلب المعروف منه أيضا وإطلاق ذلك عليه لحفظه ما استحفظ عليه
~~وحراسته إياه. وقيل في هذه القراءة إنها تفسير أو تحريف. وقرأ جعفر
~~الصادق رضي الله تعالى عنه { وكالبهم } بباء موحدة وزنة اسم الفاعل
~~والمراد صاحب كلبهم كما تقول لابن وتامر أي صاحب لبن وتمر.

# وجاء في شأن كلبهم أنه يدخل الجنة يوم القيامة. فعن خالد بن معدان ليس
~~في الجنة من الدواب إلا كلب أصحاب الكهف وحمار بلعم. ورأيت في بعض الكتب
~~أن ناقة صالح وكبش إسماعيل أيضا في الجنة ورأيت أيضا أن سائر الحيوانات
~~المستحسنة في الدنيا كالظباء والطواويس وما ينتفع به المؤمن كالغنم تدخل
~~الجنة على كيفية تليق بذلك المكان وتلك النشأة وليس فيما ذكر خبر يعول
~~عليه فيما أعلم نعم في الجنة حيوانات مخلوقة فيها. وفي خبر يفهم من كلام
~~الترمذي صحته التصريح بالخيل منها والله تعالى أعلم. وقد اشتهر القول
~~بدخول هذا الكلب الجنة حتى أن بعض الشيعة يسمون أبناءهم بكلب علي ويؤمل
~~من سمي بذلك النجاة بالقياس الأولوي على ما ذكر وينشد:

# فتية الكهف نجا كلبهم

# كيف لا ينجو غدا كلب علي

# ولعمري إن قبله علي كرم الله تعالى وجهه كلبا له نجا ولكن لا أظن يقبله
~~لأنه عقور { بسط ذراعيه } مادهما، والذراع من المرفق إلى رأس
~~الأصبع الوسطى ونصب { ذراعيه } على أنه مفعول { بسط } وعمل مع
~~أنه بمعنى الماضي واسم الفاعل لا يعمل إذا كان كذلك لأن المراد حكاية
~~الحال الماضية. وذهب الكسائي وهشام وأبو جعفر بن مضاء إلى جواز عمل اسم
~~الفاعل كيفما كان فلا سؤال ولا جواب.

# { بالوصيد } بموضع الباب ومحل العبور من الكهف وأنشدوا:

# بأرض فضاء لا يسد وصيدها

# علي ومعروفي بها غير منكر

# وهو المراد بالفناء في التفسير المروي عن ابن عباس ومجاهد وعطية. وقيل
~~بالعتبة والمراد بها ما يحاذي ذلك من الأرض لا ms05981 المتعارف، فلا يقال إن
~~الكهف لا باب له ولا عتبة على أنه لا مانع من ذلك. وأخرج ابن المنذر
~~وغيره عن ابن جبير أن الوصيد الصعيد وليس بذاك وذكروا في حكمة كونه
~~بالوصيد غير ثاو معهم أن الملائكة عليهم السلام لا تدخل بيتا فيه كلب
~~وقد يقال: إن ذلك لكونه حارسا كما يشير إليه ما أخرجه ابن المنذر عن ابن
~~جريج قال: باسط ذراعيه بالوصيد يمسك عليهم باب الكهف وكان فيما قيل يكسر
~~أذنه اليمنى وينام عليها إذا قلبوا ذات اليمين، ويكسر أذنه اليسرى وينام
~~عليها إذا قلبوا ذات الشمال، والظاهر أنه نام كما ناموا لكن أخرج ابن
~~أبي حاتم عن عبد الله بن حميد المكي أنه جعل رزقه في لحس ذراعيه فإنه
~~كالظاهر أنه لم يستغرق نومه كما استغرق نومهم.

# { لو اطلعت عليهم } لو عاينتهم وشاهدتهم وأصل الاطلاع
~~الوقوف على الشيء بالمعاينة والمشاهدة. وقرأ ابن وثاب والأعمش { لو
~~اطلعت } بضم الواو تشبيها لها بواو / الضمير فإنها قد تضم إذا
~~لقيها ساكن نحو رموا السهام؛ وروي أن ذلك عن شيبة وأبي جعفر. {
~~لوليت منهم فرارا } أي لأعرضت بوجهك عنهم وأوليتهم كشحك.
~~ونصب { فرارا } إما على المصدر لوليت إذ التولية والفرار من واد واحد
~~فهو كجلست قعودا أو لفررت محذوفا، وإما على الحالية بتأويله باسم
~~الفاعل أو بجعله من باب فإنما هي إقبال وإدبار، وإما على أنه مفعول لأجله
~~أي لرجعت لأجل الفرار { ولملئت منهم رعبا } أي خوفا يملأ
~~الصدر، ونصب على أنه مفعول ثان، ويجوز أن يكون تمييزا وهو محول عن
~~الفاعل، وكون الخوف يملأ مجاز في عظمه مشهور كما يقال في الحسن إنه يملأ
~~العيون.

# وفي «البحر» ((أبعد من ذهب إلى أنه تمييز محول عن المفعول كما في قوله
~~تعالى شأنه:

# وفجرنا الأرض عيونا

# [القمر: 12] لأن الفعل لو سلط عليه ما تعدى إليه تعدي المفعول به بخلاف
~~ما في الآية. وسبب ما ذكر أن الله عز وجل ألقى عليهم من الهيبة والجلال
~~ما ألقى، وقيل سببه طول شعورهم وأظفارهم ms05982 وصفرة وجوههم وتغير أطمارهم
~~وقيل: إظلام المكان وإيحاشه)) وتعقب ذلك أبو حيان بأن القولين ليسا بشيء
~~لأنهم لو كانوا بتلك الصفة أنكروا أحوالهم ولم يقولوا

# لبثنا يوما أو بعض يوم

# [الكهف: 19] ولأن الذي بعث إلى المدينة لم ينكر إلا المعالم والبناء لا
~~حال نفسه ولأنهم بحالة حسنة بحيث لا يفرق الرائي بينهم وبين الأيقاظ وهم
~~في فجوة موصوفة بما مر فكيف يكون مكانهم موحشا اه.

# وأجيب بأنهم لا يبعد عدم تيقظهم لحالهم فإن القائم من النوم قد يذهل عن
~~كثير من أموره ويدعي استمرار الغفلة في الرسول وإنكاره للمعالم لا ينافي
~~إنكار الناس لحاله وكونه على حالة منكرة لم يتنبه لها، وأيضا يجوز أنهم
~~لم يطلعوا على حالهم ابتداء فقالوا:

# لبثنا يوما أو بعض يوم

# [الكهف: 19] ثم تنبهوا له فقالوا:

# ربكم أعلم بما لبثتم

# [الكهف: 19]، وأيضا يجوز أن يكون هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم
~~وذلك الحال إنما حدث بعد انتباههم الذي بعثوا فيه رسولهم إلى المدينة.
~~وعلى هذا لا يضر عدم إنكار الرسول حال نفسه لأنه لم يحدث له ما ينكر بعد،
~~وإيحاش المكان يجوز أن يكون حدث بعد على هذا أيضا، وذلك بتغيره بمرور
~~الزمان اه. ولا يخفى على منصف ما في هذه الأجوبة فالذي ينبغي أن يعول
~~عليه أن السبب في ذلك ما ألقى الله تعالى عليهم من الهيبة وهم في كهفهم
~~وأن شعورهم وأظفارهم إن كانت قد طالت فهي لم تطل إلى حد ينكره من يراه،
~~واختار بعض المفسرين أن الله تعالى لم يغير حالهم وهيئتهم أصلا ليكون
~~ذلك آية بينة.

# والخطاب هنا كالخطاب فيما سبق، وعلى احتمال أن يكون له صلى الله عليه
~~وسلم يلزم أن يكونوا باقين على تلك الحالة التي توجب فرار المطلع عليهم
~~ومزيد رعبه إلى ما بعد نزول الآية فمن لا يقول به لا يقول به. وأخرج ابن
~~أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: غزونا مع معاوية
~~غزوة المضيق نحو الروم فمررنا بالكهف الذي فيه ms05983 أصحاب الكهف الذين ذكر
~~الله تعالى في القرآن فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم
~~فقال له ابن عباس: ليس ذلك لك قد منع الله تعالى ذلك من هو خير منك فقال:
~~{ لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا
~~ولملئت منهم رعبا } فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم
~~فبعث رجالا وقال: اذهبوا فادخلوا الكهف وانظروا فذهبوا فلما دخلوه بعث
~~الله تعالى عليهم ريحا فأخرجتهم. قيل وكأن معاوية إنما لم يجر على مقتضى
~~كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ظنا منه تغير حالهم عما كانوا عليه
~~أو طلبا / لعلمهم مهما أمكن. وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب قال:
~~كان لي صاحب ماض شديد النفس فمر بجانب الكهف فقال: لا أنتهي حتى أنظر
~~إليهم فقيل له: لا تفعل أما تقرأ { لو اطلعت عليهم } الخ
~~فأبى إلا أن ينظر فأشرف عليهم فابيضت عيناه وتغير شعره وكان يخبر الناس
~~بأن عدتهم سبعة.

# وربما يستأنس بمثل هذه الأخبار لوجودهم اليوم بل لبقائهم على تلك الحالة
~~التي لا يستطاع معها الوقوف على أحوالهم وفي ذلك خلاف.

# فحكى السهيلي عن قوم القول به، وعن ابن عباس إنكاره فقد أخرج عبد الرزاق
~~وابن أبي حاتم عن عكرمة أن ابن عباس غزا مع حبيب بن مسلمة فمروا بالكهف
~~فإذا فيه عظام فقال رجل هذه عظام أهل الكهف فقال ابن عباس: لقد ذهبت
~~عظامهم منذ أكثر من ثلثمائة سنة، ولا يخفى ما بين هذا الخبر والخبر
~~السابق عنه بل والآخر أيضا من المخالفة. والذي يميل القلب إليه عدم
~~وجودهم اليوم وإنهم إن كانوا موجودين فليسوا على تلك الحالة التي أشار
~~الله تعالى إليها وأن الخطاب الذي في الآية لغير معين وأن المراد منها
~~الإخبار عن أنهم بتلك الحالة في ذلك الوقت، وما أخرجه ابن مردويه عن ابن
~~عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " أصحاب الكهف أعوان المهدي "

# على تقدير صحته لا يدل على وجودهم اليوم على تلك الحالة وأنه عليه
~~الصلاة والسلام ms05984 على القول بعموم الخطاب ليس من الأفراد المعينة به لأنه
~~صلى الله عليه وسلم اطلع على ما هو أعظم منهم من ملكوت السموات والأرض،
~~ومن جعله صلى الله عليه وسلم معينا قال: المراد لو اطلعت عليهم لوليت
~~منهم فرارا ولملئت منهم رعبا بحكم جري العادة والطبيعة البشرية وعدم
~~ترتب الجزاء على إطلاعه صلى الله عليه وسلم على ما هو أعظم منهم أمر خارق
~~للعادة ومنوط بقوة ملكية بل بما هو فوقها أو المراد لو اطلعت عليهم بنفسك
~~من غير أن نطلعك عليهم لوليت منهم فرارا الخ وإطلاعه عليه الصلاة
~~والسلام على ما اطلع عليه كان باطلاع الله عز وجل إياه وفرق بين
~~الإطلاعين. يحكى أن موسى عليه السلام وجعه بطنه فشكى إلى ربه سبحانه فقال
~~له: اذهب إلى نبات كذا في موضع كذا فكل منه فذهب وأكل فذهب ما كان يجد ثم
~~عاوده ذلك بعد سنوات فذهب إلى ذلك النبات فأكل منه فلم ينتفع به فقال يا
~~رب أنت أعلم وجعني بطني في سنة كذا فأمرتني أن أذهب إلى نبات كذا فذهبت
~~فأكلت فانتفعت ثم عاودني ما كنت أجد فذهبت إلى ذلك وأكلت فلم أنتفع فقال
~~سبحانه: أتدري يا موسى ما سبب ذلك؟ قال: لا يا رب قال: السبب أنك في
~~المرة الأولى ذهبت منا إلى النبات وفي المرة الثانية ذهبت من نفسك إليه.

# ومما يستهجن من القول ما يحكى عن بعض المتصوفة أنه سمع قارئا يقرأ هذه
~~الآية فقال: لو اطلعت أنا ما وليت منهم فرارا وما ملئت منهم رعبا. وما
~~نقل عن بعضهم من الجواب بأن مراد قائله إثبات مرتبة الطفولية لنفسه فإن
~~الطفل لا يهاب الحية مثلا إذا رآها ولا يفرق بينها وبين الحبل على تقدير
~~تسليم أن مراده ذلك لا يدفع الاستهجان، وذلك نظير قول من قال سبحانه
~~وتعالى لا يعلم الغيب على معنى أنه لا غيب بالنسبة إليه عز وجل ليتعلق به
~~علمه، ولنعم ما قال عمر رضي الله تعالى عنه كلموا الناس بما يفهمون ms05985
~~أتريدون أن يكذب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

# هذا وقرأ ابن عباس والحرميان وأبو حيوة وابن أبي عبلة { ولملئت }
~~بتشديد اللام والهمزة. وقرأ أبو جعفر وشيبة بتشديد اللام وقلب الهمزة
~~ياء. وقرأ الزهري بالتخفيف والقلب. وقرأ أبو جعفر وعيسى { رعبا } / بضم
~~العين.

### || [18.19]

# { وكذلك بعثنهم } أي كما أنمناهم هذه الإنامة الطويلة وهي
~~المفهومة مما مر أيقظناهم فالمشبه الإيقاظ والمشبه به الإنامة المشار
~~إليها ووجه الشبه كون كل منهما آية دالة على كمال قدرته الباهرة عز وجل.
~~{ ليتساءلوا بينهم } أي ليسأل بعضهم بعضا فيترتب عليه ما فصل
~~من الحكم البالغة وجعله علة للبعث المعلل بما سبق فيما سبق قيل من حيث
~~أنه من أحكامه المترتبة عليه والاقتصار على ذكره لاستتباعه لسائر آثاره.
~~وجعل غير واحد اللام للعاقبة، واستظهره الخفاجي وادعى أن من فعل ذلك لاحظ
~~أن الغرض من فعله تعالى شأنه إظهار كمال قدرته لا ما ذكر من التساؤل
~~فتأمل.

# { قال } استئناف لبيان تساؤلهم { قائل منهم } قيل هو كبيرهم
~~مكسلمينا، وقيل صاحب نفقتهم يمليخا { كم لبثتم } أي كم يوما
~~أقمتم نائمين، وكأنه قال ذلك لما رأى من مخالفة حالهم لما هو المعتاد في
~~الجملة، وقيل راعهم ما فاتهم من الصلاة فقالوا ذلك { قالوا } أي قال
~~بعضهم: { لبثنا يوما أو بعض يوم } أو للشك كما قاله غير
~~واحد. والمراد لم نتحقق مقدار لبثنا أي لا ندري أن مدة ذلك هل هي مقدار
~~مدة يوم أو مقدار مدة بعض يوم منه. والظاهر أنهم قالوا ذلك لأن لوثة
~~النوم لم تذهب من بصرهم وبصيرتهم فلم ينظروا إلى الأمارات، وهذا مما لا
~~غبار عليه سواء كان نومهم وانتباههم جميعا أو أحدهما في النهار أم لا.
~~والمشهور أن نومهم كان غدوة وانتباههم كان آخر النهار، وقيل فلم يدروا أن
~~انتباههم في اليوم الذي ناموا فيه أم في اليوم الذي بعده فقالوا ما
~~قالوا. واعترض بأن ذلك يقتضي أن يكون التردد في بعض يوم ويوم وبعض، ومن
~~هنا قيل إن (أو) للإضراب، وذلك أنهم لما ms05986 انتبهوا آخر النهار وكانوا في
~~جوف الغار ولوثة النوم لم تفارقهم بعد قالوا قبل النظر { لبثنا
~~يوما } ثم لما حققوا أن الشمس لم تغرب بعد قالوا: { أو بعض
~~يوم } وأنت تعلم أن الظاهر أنها للشك والاعتراض مندفع بإرادة ما سمعت
~~منه، نعم هو في ذلك مجاز. وحكى أبو حيان أنها للتفصيل على معنى قال
~~بعضهم: لبثنا يوما، وقال آخرون: لبثنا بعض يوم وقول كل مبني على غالب
~~الظن على ما قيل فلا يكون كذبا؛ ولا يخفى أن القول بأنها للتفصيل مما لا
~~يكاد يذهب إليه الذهن، ولا حاجة إلى بناء الأمر على غالب الظن لنفي أن
~~يكون كذبا بناء على ما ذكرنا من أن المراد لم نتحقق مقداره كما ذكره
~~أهل المعاني في قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سلم سهوا من صلاة
~~رباعية فقال له ذو اليدين: «أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال: كل
~~ذلك لم يكن».

# { قالوا } أي قال بعض آخر منهم استدلالا أو إلهاما { ربكم
~~أعلم بما لبثتم } أي أنتم لا تعلمون مدة لبثكم، وإنما يعلمها
~~الله سبحانه، وهذا رد منهم على الأولين على أحسن ما يكون من مراعاة حسن
~~الأدب؛ وبه كما قيل يتحقق التحزب إلى الحزبين المعهودين فيما سبق، وقيل
~~قائل القولين متحد لكن الحالة مختلفة. وتعقب بأنه لا يساعده النظم الكريم
~~فإن الاستئناف في الحكاية والخطاب في المحكي يقضي بأن الكلام جار على
~~منهاج المحاورة والمجاوبة وإلا لقيل ثم قالوا ربنا أعلم بما لبثنا {
~~فابعثوا أحدكم } أي واحدا منكم ولم يقل واحدكم لإيهامه إرادة
~~سيدكم فكثيرا ما يقال جاء واحد القوم ويراد سيدهم { بورقكم } أي
~~بدراهمكم المضروبة كما هو مشهور بين اللغويين، وقيل الورق الفضة مضروبة
~~أو غير مضروبة، واستدل عليه بما وقع في حديث عرفجة أنه لما قطع أنفه اتخذ
~~أنفا من ورق فأنتن فاتخذ أنفا من ذهب فإن الظاهر أنه أطلق فيه الورق /
~~على غير المضروب من الفضة، وقول الأصمعي كما حكى عنه القتيبي الورق في
~~الحديث بفتح الراء، ms05987 والمراد به الورق الذي يكتب فيه لأن الفضة لا تنتن لا
~~يعول عليه والمنتن الذي ذكره لا صحة له. وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر
~~والحسن والأعمش واليزيدي ويعقوب في رواية وخلف وأبو عبيد وابن سعدان {
~~بورقكم } بإسكان الراء، وقرأ أبو رجاء بكسر الواو وإسكان الراء وإدغام
~~القاف في الكاف، وكذا إسماعيل عن ابن محيصن، وعنه أيضا أنه قرأ كذلك إلا
~~أنه كسر الراء لئلا يلزم التقاء الساكنين على غير حده كما في الرواية
~~الأخرى، وبهذا اعترض عليها. وأجيب بأن ذلك جائز وواقع في كلام العرب لكن
~~على شذوذ، وقد قرىء

# نعما

# [النساء: 58] بسكون العين والإدغام، وما قيل إنه لا يمكن التلفظ به قيل
~~عليه إنه سهو. وحكى الزجاج أنه قرىء بكسر الواو وسكون الراء من غير
~~إدغام. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه { بوارقكم } على وزن فاعل جعله اسم
~~جمع كباقر وحامل.

# ووصف الورق بقوله تعالى: { هذه } يشعر بأن القائل أحضرها ليناولها
~~بعض أصحابه وإشعاره بأنه ناولها إياه بعيد. وفي حملهم لها دليل على أن
~~التأهب لأسباب المعاش لمن خرج من منزله بحمل النفقة ونحوها لا ينافي
~~التوكل على الله تعالى كما في الحديث

# " اعقلها وتوكل "

# نعم قال بعض الأجلة: إن توكل الخواص ترك الأسباب بالكلية، ومن ذلك ما
~~روي عن خالد بن الوليد من شرب السم، ومشي سعد بن أبي وقاص وأبي مسلم
~~الخولاني بالجيوش على متن البحر ودخول تميم في الغار التي خرجت منه نار
~~الحرة ليردها بأمر عمر رضي الله تعالى عنه.

# وقد نص الإمام أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة على جواز دخول المفاوز
~~بغير زاد وترك التكسب والتطبب لمن قوي يقينه وتوكله، وفسر الإمام أحمد
~~التوكل بقطع الاستشراف باليأس من المخلوقين، واستدل عليه بقول إبراهيم
~~عليه السلام حين عرض له جبريل عليه السلام يوم ألقي في النار وقال له:
~~ألك حاجة؟ أما إليك فلا. وليس طرح الأسباب سبيل توكل الخواص عند الصوفية
~~فقط كما يشعر به كلام بعض الفضلاء بل جاء عن غيرهم أيضا { إلى ms05988
~~المدينة } المعهودة وهي المدينة التي خرجوا منها قيل وتسمى الآن
~~طرسوس وكان اسمها يوم خرجوا منها أفسوس، وبهذا يجمع بين الروايتين
~~السابقتين. وكان هذا القول صدر منهم إعراضا عن التعمق في البحث وإقبالا
~~على ما يهمهم بحسب الحال كما ينبىء عنه الفاء، وذكر بعضهم أن ذلك من باب
~~الأسلوب الحكيم كقوله:

# أتت تشتكي عندي مزاولة القرى

# وقد رأت الضيفان ينحون منزلي

# فقلت كأني ما سمعت كلامها

# هم الضيف جدي في قراهم وعجلي

# { فلينظر أيها أزكى طعاما } أي أحل فإن أهل المدينة
~~كانوا في عهدهم يذبحون للطواغيت كما روى سعيد بن منصور وغيره عن ابن
~~عباس، وفي رواية أخرى أنهم كانوا يذبحون الخنازير، وقال الضحاك: إن أكثر
~~أموالهم كانت مغصوبة فأزكى من الزكاة وأصلها النمو والزيادة وهي تكون
~~معنوية أخروية وحسية دنيوية وأريد بها الأولى لما في توخي الحلال من
~~الثواب وحسن العاقبة، وقال ابن السائب ومقاتل: أي أطيب فإن كان بمعنى أحل
~~لأنه يطلق عليه رجع إلى الأول وإن كان بمعناه المتبادر فالزيادة قيل حسية
~~دنيوية، وقال عكرمة: أي أكثر وقال يمان بن ريان أي أرخص، وقال قتادة: أي
~~أجود وهو أجود، وعليه وكذا على سابقيه على ما قيل تكون / الزيادة حسية
~~دنيوية أيضا زعم بعضهم أنهم عنوا بالأزكى الأرز وقيل التمر وقيل الزبيب،
~~وحسن الظن بالفتية يقتضي أنهم تحروا الحلال، والنظر يحتمل أن يكون من نظر
~~القلب وأن يكون من نظر العين، و(أي) استفهام مبتدأ و { أزكى } خبره
~~والجملة معلق عنها الفعل للاستفهام. وجوز أن يكون (أي) موصولا مبنيا
~~مفعولا لينظر و { أزكى } خبر مبتدأ محذوف هو صدر الصلة وضمير {
~~أيها } إما للمدينة والكلام على تقدير مضاف أي أي أهلها وإما للمدينة
~~مرادا بها أهلها مجازا، وفي الكلام استخدام ولا حذف، وإما لما يفهم من
~~سياق الكلام كأنه قيل فلينظر أي الأطعمة أو المأكل أزكى طعاما.

# { فليأتكم برزق منه } أي من ذلك الأزكى طعاما فمن
~~لابتداء الغاية أو التبعيض، وقيل الضمير للورق فيكون من للبدل، ثم إن
~~الفتية إن ms05989 لم يكن تحروا الحلال سابقا فليكن مرادهم بالرزق هنا الحلال
~~وإن لم يكن مختصا به عندنا. واستدل بالآية - وسيأتي إن شاء الله تعالى
~~ما يعلم منه ما فيه - على صحة الوكالة والنيابة.

# قال ابن العربي: وهي أقوى آية في ذلك وفيها كما قال إلكيا دليل على
~~جواز خلط دراهم الجماعة والشراء بها والأكل من الطعام الذي بينهم بالشركة
~~وإن تفاوتوا في الأكل نعم لا بأس للأكول أن يزيد حصته من الدراهم {
~~وليتلطف } أي وليتكلف اللطف في المعاملة كيلا تقع خصومة تجر إلى
~~معرفته أو ليتكلف اللطف في الاستخفاء دخولا وخروجا، وقيل ليتكلف ذلك كي
~~لا يغبن فيكون قوله تعالى: { ولا يشعرن بكم أحدا } أي لا
~~يفعلن ما يؤدي إلى شعور أحد من أهل المدينة بكم تأسيسا على هذا وهو على
~~الأولين تأكيد للأمر بالتلطف وتفسيره بما ذكر من باب الكناية نحو لا
~~أرينك ههنا وفسره الإمام بلا يخبرن بكم أحدا فهو على ظاهره، وقرأ الحسن
~~{ وليتلطف } بكسر لام الأمر، وعن قتيبة الميال { وليتلطف } بضم الياء
~~مبنيا للمفعول. وقرأ هو وأبو صالح ويزيد بن القعقاع { ولا يشعرن
~~بكم أحدا } ببناء الفعل للفاعل ورفع (أحد) على أنه الفاعل.

### || [18.20]

# { أنهم } تعليل لما سبق من الأمر والنهي والضمير للأهل المقدر في

# أيها

# [الكهف: 19] أو للكفار الذي دل عليه المعنى على ما اختاره أبو حيان،
~~وجوز أن يعود على

# أحدا

# [الكهف: 19] لأنه عام فيجوز أن يجمع ضميره كما في قوله تعالى:

# فما منكم من أحد عنه حجزين

# [الحاقة: 47]. { إن يظهروا عليكم } أي يطلعوا عليكم ويعلموا
~~بمكانكم أو يظفروا بكم، وأصل معنى ظهر صار على ظهر الأرض، ولما كان ما
~~عليها يشاهد ويتمكن منه استعمل تارة في الاطلاع، وتارة في الظفر والغلبة
~~وعدي بعلى. وقرأ زيد بن علي { يظهروا } بضم الياء مبنيا للمفعول {
~~يرجموكم } إن لم تفعلوا ما يريدونه منكم وثبتم على ما أنتم عليه.
~~والظاهر أن المراد القتل بالرجم بالحجارة، وكان ذلك عادة فيما سلف فيمن
~~خالف في أمر عظيم إذ هو أشفى للقلوب ms05990 وللناس فيه مشاركة، وقال الحجاج:
~~المراد الرجم بالقول أي السب، وهو للنفوس الأبية أعظم من القتل { أو
~~يعيدوكم فى ملتهم } أي يصيروكم إليها ويدخلوكم فيها مكرهين،
~~والعود في الشيء بهذا المعنى لا يقتضي التلبس به قبل، وروي هذا عن ابن
~~جبير، وقيل العود على ظاهره، وهو رجوع الشخص إلى ما كان عليه، وقد كان
~~الفتية على ملة قومهم أولا. وإيثار كلمة (في) على كلمة إلى، قال بعض
~~المحققين للدلالة على الاستقرار الذي هو أشد كراهة. وتقديم احتمال الرجم
~~على احتمال الإعادة لأن الظاهر من حالهم هو الثبات على الدين المؤدي
~~إليه. وضمير الخطاب في المواضع الأربعة للمبالغة في حمل المبعوث على ما
~~أريد منه والباقين على الاهتمام بالتوصية فإن إمحاض النصح أدخل في القبول
~~واهتمام الإنسان بشأن نفسه أكثر وأوفر. / { ولن تفلحوا إذا
~~أبدا } أي إن دخلتم فيها حقيقة ولو بالكره والإلجاء لن تفوزوا بخير لا
~~في الدنيا ولا في الآخرة. ووجه الارتباط على هذا أن الإكراه على الكفر قد
~~يكون سببا لاستدراج الشيطان إلى استحسانه والاستمرار عليه، وبما ذكر سقط
~~ما قيل إن إظهار الكفر بالإكراه مع إبطان الإيمان معفو في جميع الأزمان
~~فكيف رتب عليه عدم الفلاح أبدا، ولا حاجة إلى القول بأن إظهار الكفر
~~مطلقا كان غير جائز عندهم، ولا إلى حمل { يعيدوكم فى ملتهم
~~} على يميلوكم إليها بالإكراه وغيره فتدبر.

# ثم إن الفتية بعثوا أحدهم وكان على ما قال غير واحد يمليخا فكان ما أشار
~~الله تعالى إليه بقوله سبحانه: { وكذلك أعثرنا عليهم... }

### || [18.21]

# { وكذلك أعثرنا عليهم } أي كما أنمناهم وبعثناهم
~~فالإشارة إلى الإنامة والبعث والإفراد باعتبار ما ذكر ونحوه. وقال العز
~~بن عبد السلام في «أماليه»: الإشارة إلى البعث المخصوص وهو البعث بعد تلك
~~الإنامة الطويلة. وأصل العثور كما قال الراغب السقوط للوجه يقال عثر
~~عثورا وعثارا إذا سقط لوجهه، وعلى ذلك قولهم في المثل الجواد لا يكاد
~~يعثر، وقولهم من سلك الجدد أمن العثار ثم تجوز به في الاطلاع على أمر من
~~غير طلبه. ms05991 وقال الإمام المطرزي: لما كان كل عاثر ينظر إلى موضع عثرته ورد
~~العثور بمعنى الاطلاع والعرفان فهو في ذلك مجاز مشهور بعلاقة السببية وإن
~~أوهم ذكر اللغويين له أنه حقيقة في ذلك، وجعله الغوري حقيقة في الاطلاع
~~على أمر كان خفيا وأمر التجوز على حاله. ومفعول { أعثرنا } الأول
~~محذوف لقصد العموم أي وكذلك أطلعنا الناس عليهم، وقال أبو حيان: أهل
~~مدينتهم.

# { ليعلموا } أي الذين أطلعناهم عليهم بما عاينوا من أحوالهم
~~العجيبة { إن وعد الله } أي وعده سبحانه وتعالى بالبعث على أن
~~الوعد بمعناه المصدري ومتعلقه مقدر أو موعوده تعالى شأنه الذي هو البعث
~~على أن المصدر مؤول باسم المفعول المراد موعوده المعهود، ويجوز أن يراد
~~كل وعده تعالى أو كل موعوده سبحانه ويدخل في ذلك ما ذكر دخولا أوليا {
~~حق } صادق لا خلف فيه أو ثابت متحقق سيقع ولا بد قيل لأن نومهم الطويل
~~المخالف للمعتاد وانتباههم كالموت والبعث. { وأن الساعة } أي
~~القيامة التي هي في لسان الشرع عبارة عن وقت بعث الخلائق جميعا للحساب
~~والجزاء. { لا ريب فيها } أي ينبغي أن لا يرتاب الآن في إمكان
~~وقوعها لأنه لا يبقى بيد المرتابين في ذلك بعد النظر والبحث سوى الاستناد
~~إلى الاستبعاد وعلمهم بوقوع ذلك الأمر الغريب والحال العجيب الذي لو
~~سمعوه ولم يتحققوا وقوعه لاستبعدوه وارتابوا فيه ارتيابهم في ذلك يكسر
~~شوكة ذلك الاستبعاد ويهدم ذلك الاستناد فينبغي حينئذ أن لا يرتابوا.

# وقال بعض المحققين في توجيه ترتب العلم بما ذكر على الاطلاع: إن من شاهد
~~أنه جل وعلا توفى نفوسهم وأمسكها ثلثمائة سنة وأكثر حافظا أبدانها من
~~التحلل والتفتت ثم أرسلها إليها لا يبقى معه شائبة شك في أن وعده تعالى
~~حق وأنه تعالى يبعث من في القبور فيرد عليهم أرواحهم فيحاسبهم ويجازيهم
~~بحسب أعمالهم اه. وأنت تعلم أن في استفادة العلم بالمحاسبة والمجازاة من
~~الاطلاع على حال القوم نظرا. واعترض بأن المطلوب في البعث إعادة الأبدان
~~بعد تفرق أجزائها وما في القصة طول حفظ الأبدان وأين هذا ms05992 من ذاك؟ والقول
~~بأنه / متى صح طول حفظ الأبدان المحتاجة إلى الطعام والشراب صح قدرته
~~سبحانه على إعادتهما بعد تفرق أجزائها بطريق الأولى غير مسلم.

# وأجيب بأن طول الحفظ المذكور يدل على قدرته تعالى على ما ذكر بطريق
~~الحدس فليتدبر.

# ولعل الأظهر توجيه الترتب بما ذكره أولا، وتوضيحه أن حال الفتية حيث
~~ناموا في تلك المدة المديدة والسنين العديدة وحبست عن التصرف نفوسهم
~~وتعطلت مشاعرهم وحواسهم من غير تصاعد أبخرة شراب وطعام أو نزول علل
~~وأسقام وحفظت أبدانهم عن التحلل والتفتت وأبقيت على ما كانت عليه من
~~الطراوة والشباب في سالف الأعوام حتى رجعت الحواس والمشاعر إلى حالها
~~وأطلقت النفوس من عقالها وأرسلت إلى تدبير أبدانها والتصرف في خدامها
~~وأعوانها فرأت الأمر كما كان والأعوان هم الأعوان ولم تنكر شيئا عهدته
~~في مدينتها ولم تتذكر طول حبسها عن التصرف في سرير سلطنتها، وحال الذي
~~يقومون من قبورهم بعدما تعطلت مشاعرهم وحبست نفوسهم ثم لما أطلقت وجدت
~~ربوعا عامرة ومنازل كأنها لم تكن داثرة قائلين قبل أن يكشر عن أنيابه
~~العنا من بعثنا من مرقدنا في الغرابة من صقع واحد ولا ينكر ذلك إلا جاهل
~~أو معاند، ووقوع الأول يزيل الارتياب في إمكان وقوع الثاني حيث كان
~~مستندا إلى الاستبعاد في الحقيقة كما سمعت فيما قبل لبطلان أدلة النافين
~~للحشر الجسماني. نعم في ترتب العلم بأن البعث سيقع لا محالة على نفس
~~الاطلاع على حال الفتية خفاء فإن الظاهر أن العلم المذكور إنما يترتب على
~~إخبار الصادق بوقوعه وعلى إمكانه في نفسه لكن لما كان الاطلاع المذكور
~~سببا للعلم بالإمكان وكان كالجزء الأخير من العلة بالنسبة للكفار الذين
~~بلغهم خبر الصادق قيل يترتب العلم بذلك عليه، وكذا في ترتب العلم بأن كل
~~ما وعده الله تعالى حق على نفس الاطلاع خفاء ولم أر من تعرض لتوجيهه من
~~الفضلاء فتأمل. ثم لا يخفى أن ذكر قوله تعالى: { وأن الساعة لا
~~ريب فيها } بعد قوله سبحانه: { إن وعد الله حق } على
~~التفسير الذي ms05993 سمعت مما لا غيار عليه وليس ذلك من ذكر الإمكان بعد الوقوع
~~ليلغو كما زعمه من زعمه. وقال بعضهم: إن الظاهر أن يفسر قوله تعالى: {
~~إن وعد الله حق } بأن كل ما وعده سبحانه متحقق ويجعل قوله
~~تعالى: { وأن الساعة لا ريب فيها } تخصيصا بعد تعميم على
~~معنى لا ريب في تحققها وهو وجه في الآية إلا أن في دعوى الظهور مقالا
~~فلا تغفل.

# { إذ يتنزعون } ظرف لأعثرنا عليهم قدم عليه الغاية إظهارا
~~لكمال العناية بذكرها. وجوز أبو حيان وأبو البقاء وغيرهما كونه ظرفا {
~~ليعلموا } وتعقب بأنه يدل على أن التنازع يحدث بعد الإعثار مع أنه
~~ليس كذلك، وبأن التنازع كان قبل العلم وارتفع به فكيف يكون وقته وقته؛
~~وللمناقشة في ذلك مجال.

# وجوز أن يكون ظرفا لحق أو لوعد وهو كما ترى. وأصل التنازع التجاذب
~~ويعبر به عن التخاصم، وهو باعتبار أصل معناه يتعدى بنفسه وباعتبار
~~التخاصم يتعدى بفي كقوله تعالى

# فإن تنازعتم فى شىء

# [النساء: 59] وضمير { يتنزعون } لما عاد عليه ضمير {
~~ليعلموا } أي وكذلك أعثرنا على أصحاب الكهف الناس أو أهل مدينتهم
~~حين يتنازعون { بينهم أمرهم } ويتخاصمون فيه ليرتفع الخلاف
~~ويتبين الحق. وضمير { أمرهم } قيل عائد / أيضا على مفعول {
~~أعثرنا } والمراد بالأمر البعث، ومعنى إضافته إليهم اهتمامهم بشأنه
~~والوقوف على حقيقة حاله. وقد اختلفوا فيه فمن مقر به وجاحد وقائل يقول
~~تبعث الأرواح دون الأجساد وآخر يقول ببعثهما معا كما هو المذهب الحق عند
~~المسلمين.

# روي أنه بعد أن ضرب الله تعالى على آذان الفتية ومضى دهر طويل لم يبق
~~أحد من أمتهم الذين اعتزلوهم وجاء غيرهم وكان ملكهم مسلما فاختلف أهل
~~مملكته في أمر البعث حسبما فصل فشق ذلك على الملك فانطلق فلبس المسوح
~~وجلس على الرماد ثم دعا الله عز وجل فقال: أي رب قد ترى اختلاف هؤلاء
~~فابعث لهم آية تبين لهم فقيض الله تعالى راعي غنم أدركه المطر فلم يزل
~~يعالج ما سد به دقيانوس باب الكهف حتى فتحه وأدخل غنمه فلما كان الغد ms05994
~~بعثوا من نومهم فبعثوا أحدهم ليشتري لهم طعاما فدخل السوق فجعل ينكر
~~الوجوه ويعرف الطرق ورأى الإيمان ظاهرا بالمدينة فانطلق وهو مستخف حتى
~~أتى رجلا يشتري منه طعاما فلما نظر الورق أنكرها حيث كانت من ضرب
~~دقيانوس كأنها أخفاف الربع فاتهمه بكنز وقال: لتدلني عليه أو لأرفعنك إلى
~~الملك فقال: هي من ضرب الملك أليس ملككم فلانا؟ فقال الرجل: لا بل ملكنا
~~فلان وكان اسمه يندوسيس فاجتمع الناس وذهبوا به إلى الملك وهو خائف فسأله
~~عن شأنه فقص عليه القصة وكان قد سمع أن فتية خرجوا على عهد دقيانوس فدعا
~~مشيخة أهل مدينته وكان رجل منهم عنده أسماؤهم وأنسابهم فسأله فأخبره بذلك
~~وسأل الفتى فقال: صدق ثم قال الملك: أيها الناس هذه آية بعثها الله تعالى
~~لكم ثم خرج هو وأهل المدينة ومعهم الفتى فلما رأى الملك الفتية اعتنقهم
~~وفرح بهم ورآهم جلوسا مشرقة وجوههم لم تبل ثيابهم فتكلموا معه وأخبروه
~~بما لقوا من دقيانوس فبينما هم بين يديه قالوا له: نستودعك الله تعالى
~~والسلام عليك ورحمة الله تعالى حفظك الله تعالى وحفظ ملكك ونعيذك بالله
~~تعالى من شر الإنس والجن ثم رجعوا إلى مضاجعهم فتوفاهم الله تعالى فقام
~~الملك إليهم وجعل ثيابه عليهم وأمر أن يجعل كل منهم في تابوت من ذهب فلما
~~كان الليل ونام أتوه في المنام فقالوا: أردت أن تجعل كلا منا في تابوت
~~من ذهب فلا تفعل ودعنا في كهفنا فمن التراب خلقنا وإليه نعود فجعلهم في
~~توابيت من ساج وبنى على باب الكهف مسجدا.

# ويروى أن الفتى لما أتي به إلى الملك قال: من أنت؟ قال: أنا رجل من أهل
~~هذه المدينة وذكر أنه خرج أمس أو منذ أيام وذكر منزله وأقواما لم يعرفهم
~~أحد وكان الملك قد سمع أن فتية قد فقدوا في الزمان الأول وأن أسماءهم
~~مكتوبة على لوح في الخزانة فدعا باللوح ونظر في أسمائهم فإذا هو من أولئك
~~القوم فقال الفتى: وهؤلاء أصحابي فركب القوم ومن معه فلما أتوا باب ms05995
~~الكهف قال الفتى: دعوني حتى أدخل على أصحابي فأبشرهم فإنهم إذا رأوكم
~~معي رعبوا فدخل فبشرهم وقبض الله تعالى أرواحهم وعمي على الملك ومن معه
~~أثرهم فلم يهتدوا إليهم فبنوا عليهم مسجدا وكان وقوفهم على حالهم بإخبار
~~الفتى وقد اعتمدوا صدقه وهذا هو المراد بالإعثار عليهم، وروي غير ذلك.
~~وقيل: ضمير { أمرهم } للفتية والمراد بالأمر الشأن والحال الذي كان
~~قبل الإعثار أي وكذلك أعثرنا الناس على أصحاب الكهف حين تذاكرهم بينهم
~~أمرهم وما جرى لهم في عهد الملك الجبار من الأحوال والأهوال، ولعلهم قد
~~تلقوا ذلك من الأساطير وأفواه الرجال لكنهم لم يعرفوا هل بقوا أحياء أم
~~حل بهم الفناء.

# والفاء في قوله تعالى: { فقالوا ابنوا } بناء على القول الأول
~~فصيحة بلا ريب على دأب / اخصارات القرآن كأنه قيل: وكذلك أعثرنا الناس
~~على أصحاب الكهف حين تنازعهم في أمر البعث فتحققوا ذلك وعلموا أن هؤلاء
~~آية من آياتنا فتوفاهم الله تعالى بعد أن حصل الغرض من الإعثار فقالوا
~~ابنوا إلى آخره، وكذلك على القول الثاني كأنه قيل وكذلك أعثرنا الناس على
~~أصحاب الكهف حين تذاكرهم أمرهم وما جرى لهم في عهد الملك الجبار ولم
~~يكونوا عارفين بما هم عليه فوقفوا من أحوالهم على ما وقفوا واتضح لهم ما
~~كانوا قد جهلوا فتوفاهم الله تعالى بعد أن حصل الغرض من الإعثار فقالوا
~~ابنوا إلى آخره أي قال بعضهم ابنوا { عليهم } أي على باب كهفهم {
~~بنينا } نصب على أنه مفعول به، وهو كما قال الراغب واحد لا جمع له،
~~وقال أبو البقاء: هو جمع بنيانة كشعير وشعيرة، وقيل: هو نصب على
~~المصدرية، وهذا القول من البعض عند بعض كان عن اعتناء بالفتية وذلك أنهم
~~ضنوا بتربتهم فطلبوا البناء على باب كهفهم لئلا يتطرق الناس إليهم.

# وجوزوا في قوله تعالى: { ربهم أعلم بهم } بعد القول بأنه
~~اعتراض أن يكون من كلام المتنازعين المعثرين كأنهم تذاكروا أمرهم
~~وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم ومدة لبثهم فلما لم يهتدوا إلى
~~حقيقة ذلك فوضوا العلم إلى الله ms05996 تعالى علام الغيوب، وأن يكون من كلامه
~~سبحانه ردا للخائضين في أمرهم إما من المعثرين أو ممن كان في عهده صلى
~~الله عليه وسلم من أهل الكتاب وحينئذ يكون فيه التفات على أحد المذهبين.

# وقيل: ضمير { أمرهم } للفتية والمراد بالأمر الشأن والحال الذي كان
~~بعد الإعثار على أن المعنى إذ يتنازعون بينهم تدبير أمرهم وحالهم حين
~~توفوا كيف يفعلون بهم وبماذا يجعلون قدرهم أو إذ يتنازعون بينهم أمرهم من
~~الموت والحياة حيث خفي عليهم ذلك بعد الإعثار فلم يدروا هل ماتوا أو
~~ناموا كما في أول مرة، وعلى هذا تكون { إذ } معمولا لاذكر مضمرا أو
~~ظرفا لقوله تعالى:

# { قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن
~~عليهم مسجدا } ويكون قوله تعالى: { فقالوا } معطوفا على {
~~يتنزعون } وإيثار صيغة الماضي للدلالة على أن هذا القول ليس مما
~~يستمر ويتجدد كالتنازع. وصرح بعض الأجلة أن الفاء على أول المعنيين
~~للتعقيب وعلى ثانيهما فصيحة كأنه قيل: اذكر حين يتنازعون في أنهم ماتوا
~~أو ناموا ثم فرغوا من التنازع في ذلك واهتموا بإجلال قدرهم وتشهير أمرهم
~~فقالوا: ابنوا إلى آخره. وذكر الزمخشري احتمال كون ضمير { أمرهم }
~~للمعثرين وأن المراد من (أمرهم) أمر دينهم وهو البعث واحتمال كون الضمير
~~للفتية، والمعنى حينئذ إذ يتذاكر الناس بينهم أمر أصحاب الكهف ويتكلمون
~~في قصتهم وما أظهر الله تعالى من الآية فيهم أو إذ يتنازعون بينهم تدبير
~~أمرهم حين توفوا كيف يخفون مكانهم وكيف يسدون الطريق إليهم، وجعل (إذ) في
~~الأوجه ظرفا لأعثرنا. وذكر صاحب «الكشف» أن الفاء على الأول فصيحة لا
~~محالة وعلى الأخيرين للتعقيب، أما على الثاني منهما فظاهر، وأما على
~~الأول فلأنهم لما تذاكروا قصتهم وحالهم وما أظهر الله تعالى من الآية
~~فيهم قالوا: دعوا ذلك وابنوا عليهم بنيانا أي خذوا فيما هو أهم إلى آخر
~~ما قال. واحتمال جعل الفاء فصيحة على هذا الأول غير بعيد، وتعلق الظرف
~~بأعثرنا على الوجهين الأخيرين وكذا على ما نقلناه آنفا ليس بشيء لأن
~~إعثارهم ليس في وقت التنازع فيما ذكر ms05997 بل قبله. وجعل وقت التنازع ممتدا
~~يقع في بعضه الإعثار وفي بعضه التنازع تعسف لا يخفى مع أنه لا مخصص
~~لإضافته إلى التنازع وهو مؤخر في الوقوع. وحكى في «البحر» أن ضمير {
~~ليعلموا } عائد على أصحاب الكهف، والمراد أعثرنا عليهم ليزدادوا
~~علما بأن وعد الله حق إلى آخره، وجعل ذلك غاية للإعثار بواسطة وقوفهم
~~بسببه / على مدة لبثهم بما تحققوه من تبدل القرون، وجعل { إذ
~~يتنزعون } على هذا ابتداء إخبار عن القوم الذين بعثوا في عهدهم،
~~وخص الأمر المتنازع فيه بأمر البناء والمسجد، ويختار حينئذ تعلق الظرف
~~باذكر، ولا يخفى أن جعل ذلك الضمير للفتية وإن دعا لتأويل يعلموا بما
~~سمعت ليس ببعيد الإرادة من النظم الكريم إذا قطع النظر عن الأمور
~~الخارجية كالآثار، ولم يذهب أحد فيما أعلم إلى احتمال كون الضمائر في
~~قوله تعالى: { إذ يتنزعون بينهم أمرهم } عائدة على
~~الفتية كضمير يعلموا، و { إذ } ظرف { أعثرنا } والمراد بالأمر
~~المتنازع مقدار زمن لبثهم وتنازعهم فيه قول بعضهم

# لبثنا يوما أو بعض يوم

# [الكهف: 19] وقول الآخر ردا عليه

# ربكم أعلم بما لبثتم

# [الكهف: 19] وحيث لم يتضح الحال ولم يحصل الإجماع على مقدار معلوم كان
~~التنازع في حكم الباقي فكان زمانه ممتدا فصح أن يكون ظرفا للإعثار
~~وضمير { فقالوا } للمعثرين والفاء فصيحة أي وكذلك أعثرنا الناس على
~~الفتية وقت تنازعهم في مدة لبثهم ليزدادوا علما بالبعث فكان ما كان وصار
~~لهم بين الناس شأن أي شأن فقالوا: ابنوا إلى آخره. وكأن ذلك لما فيه من
~~التكلف مع عدم مساعدة الآثار إياه، ثم ما ذكر من احتمال كون { ربهم
~~أعلم بهم } من كلامه سبحانه جيء به لرد المتنازعين من المعثرين لا
~~يخلو عن بعد، وأما الاحتمال الأخير فبعيد جدا. والظاهر أنه حكاية عن
~~المعثرين وهو شديد الملاءمة جدا لكون التنازع في أمرهم من الموت
~~والحياة. والذي يقتضيه كلام كثير من المفسرين أن غرض الطائفتين القائلين
~~{ ابنوا } إلى آخره والقائلين { لنتخذن } إلى آخره تعظيمهم
~~وإجلالهم. والمراد من (الذين غلبوا على أمرهم) كما ms05998 أخرج عبد الرزاق وابن
~~أبي حاتم عن قتادة الولاة، ويلائمه { لنتخذن } دون اتخذوا بصيغة
~~الطلب المعبر بها الطائفة الأولى فإن مثل هذا الفعل تنسبه الولاة إلى
~~أنفسها، وضمير { أمرهم } هنا قيل للموصول المراد به الولاة، ومعنى غلبتهم
~~على أمرهم أنهم إذا أرادوا أمرا لم يتعسر عليهم ولم يحل بينه وبينهم أحد
~~كما قيل في قوله تعالى:

# والله غالب على أمره

# [يوسف: 21]. وذكر بعض الأفاضل أن الضمير لأصحاب الكهف، والمراد بالذين
~~غلبوا قيل الملك المسلم، وقيل أولياء أصحاب الكهف؛ وقيل رؤساء البلد لأن
~~من له الغلبة في هذا النزاع لا بد أن يكون أحد هؤلاء، والمذكور في القصة
~~أن الملك جعل على باب الكهف مسجدا وجعل له في كل سنة عيدا عظيما. وعن
~~الزجاج أن هذا يدل على أنه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث لأن
~~المساجد إنما تكون للمؤمنين به انتهى. ويبعد الأول التعبير بما يدل على
~~الجمع، والثاني إن أريد من الأولياء الأولياء من حيث النسب كما في قولهم
~~أولياء المقتول أنه لم يوجد في أثر أن لأصحاب الكهف حين بعثوا أولياء
~~كذلك. وفسر غير واحد الموصول بالملك والمسلمين ولا بعد في إطلاق الأولياء
~~عليهم كما في قوله تعالى:

# المؤمنين والمؤمنت بعضهم أولياء بعض

# [التوبة: 71] ويدل هذا على أن الطائفة الأولى لم تكن كذلك، وقد روي أنها
~~كانت كافرة وأنها أرادت بناء بيعة أو مصنع لكفرهم فمانعهم المؤمنون وبنوا
~~عليهم مسجدا.

# وظاهر هذا الخبر أن المسجد مقابل البيعة، وما أخرج ابن أبي حاتم عن
~~سعيد بن جبير من أن الملك بنى عليهم بيعة فكتب في أعلاها أبناء الأراكنة
~~أبناء الدهاقين ظاهر في عدم المقابلة، ولعله الحق لأنه لا يصح أن يراد
~~بالمسجد هنا ما يطلق عليه اليوم من مصلى المحمديين بل المراد به معبد
~~المؤمنين من تلك الأمة وكانوا على ما سمعت أولا نصارى وإن كان في
~~المسألة قول آخر ستسمعه إن شاء الله تعالى قريبا ومعبدهم يقال له بيعة،
~~وظاهر ما تقدم أن المسجد اتخذ لأن يعبد الله ms05999 تعالى فيه من شاء / وأخرج
~~أبو حاتم عن السدي أن الملك قال: لأتخذن عند هؤلاء القوم الصالحين مسجدا
~~فلأعبدن الله تعالى فيه حتى أموت، وعن الحسن أنه اتخذ ليصلي فيه أصحاب
~~الكهف إذا استيقظوا، وهذا مبني على أنهم لم يموتوا بل ناموا كما ناموا
~~أولا وإليه ذهب بعضهم بل قيل إنهم لا يموتون حتى يظهر المهدي ويكونوا من
~~أنصاره ولا معول على ذلك وهو عندي أشبه شيء بالخرافات. ثم لا يخفى أنه
~~على القول بأن الطائفة الأولى الطالبة لبناء البنيان عليهم إذا كانت
~~كافرة لم تكن غاية الإعثار متحققة في جميع المعثرين، ولا يتعين كون {
~~ربهم أعلم بهم } مساقا لتعظيم أمر أصحاب الكهف، ولعل تلك
~~الطائفة لم تتحقق حالهم وأنهم ناموا تلك المدة ثم بعثوا فطلبت انطماس
~~الكهف عليهم وأحالت أمرهم إلى ربهم سبحانه والله تعالى أعلم بحقيقة
~~الحال. وقرأ الحسن وعيسى الثقفي { غلبوا } بضم الغين وكسر اللام على أن
~~الفعل مبني للمفعول، ووجه بذلك بأن طائفة من المؤمنين المعثرين أرادت أن
~~لا يبني عليهم شيء ولا يتعرض لموضعهم وطائفة أخرى منهم أرادت البناء وأن
~~لا يطمس الكهف فلم يمكن للطائفة الأولى منعها ووجدت نفسها مغلوبة فقالت:
~~إن كان بنيان ولا بد فلنتخذن عليهم مسجدا.

# هذا واستدل بالآية على جواز البناء على قبور الصلحاء واتخاذ مسجد عليها
~~وجواز الصلاة في ذلك. وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في «حواشيه على
~~البيضاوي» وهو قول باطل عاطل فاسد كاسد، فقد روى أحمد وأبو داود والترمذي
~~والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " لعن الله تعالى زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج "

# ومسلم

# " ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد فإني أنهاكم
~~عن ذلك "

# وأحمد عن أسامة وهو والشيخان والنسائي عن عائشة، ومسلم عن أبي هريرة:

# " لعن الله تعالى اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "

# وأحمد والشيخان والنسائي

# " إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا
~~فيه تلك الصور ms06000 أولئك شرار الخلق يوم القيامة "

# وأحمد والطبراني

# " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ومن يتخذ القبور مساجد "

# وعبد الرزاق

# " من شرار أمتي من يتخذ القبور مساجد "

# وأيضا

# " كانت بنو اسرائيل اتخذوا القبور مساجد فلعنهم الله تعالى "

# إلى غير ذلك من الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة.

# وذكر ابن حجر في «الزواجر» أنه وقع في كلام بعض الشافعية عد اتخاذ
~~القبور مساجد والصلاة إليها واستلامها والطواف بها ونحو ذلك من الكبائر،
~~وكأنه أخذ ذلك مما ذكر من الأحاديث، ووجه اتخاذ القبر مسجدا واضح لأنه
~~عليه الصلاة والسلام لعن من فعل ذلك في قبور الأنبياء عليهم السلام وجعل
~~من فعل ذلك بقبور الصلحاء شرار الخلق عند الله تعالى يوم القيامة ففيه
~~تحذير لنا، واتخاذ القبر مسجدا معناه الصلاة عليه أو إليه وحينئذ يكون
~~قوله والصلاة إليها مكررا إلا أن يراد باتخاذها مساجد الصلاة عليها فقط،
~~نعم إنما يتجه هذا الأخذ إن كان القبر قبر معظم من نبي أو ولي كما أشارت
~~إليه رواية: «إذا كان فيهم الرجل الصالح» ومن ثم قال أصحابنا: تحرم
~~الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركا وإعظاما فاشترطوا شيئين أن
~~يكون قبر معظم وأن يقصد الصلاة إليها، ومثل الصلاة عليه التبرك والإعظام،
~~وكون هذا الفعل كبيرة ظاهر من الأحاديث، وكأنه قاس عليه كل تعظيم للقبر
~~كإيقاد السرج عليه تعظيما له وتبركا به والطواف به كذلك وهو أخذ غير
~~بعيد سيما وقد صرح في بعض الأحاديث المذكورة بلعن من اتخذ على القبر
~~سراجا فيحمل قول الأصحاب بكراهة ذلك على ما إذا لم يقصد به تعظيما
~~وتبركا بذي القبر. / وقال بعض الحنابلة: قصد الرجل الصلاة عند القبر
~~متبركا به عين المحادة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وإبداع دين
~~لم يأذن به الله عز وجل للنهي عنها ثم إجماعا فإن أعظم المحرمات وأسباب
~~الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد أو بناؤها عليها، وتجب المبادرة
~~لهدمها وهدم القباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار لأنها أسست
~~على معصية ms06001 رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن
~~ذلك وأمر بهدم القبور المشرفة، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر ولا
~~يصح وقفه ولانذره اه.

# وفي «المنهاج» و«شرحه» للعلامة المذكور ويكره تجصيص القبر والبناء عليه
~~في حريمه وخارجه في غير المسبلة إلا إن خشي نبش أو حفر سبع أو هدم سيل
~~ويحرم البناء في المسبلة، وكذا تكره الكتابة عليه للنهي الصحيح عن
~~الثلاثة سواء كتابة اسمه وغيره في لوح عند رأسه أو في غيره، نعم بحث
~~الأذرعي حرمة كتابة القرآن لتعريضه للامتهان بالدوس والتنجيس بصديد
~~الموتى عند تكرر الدفن ووقوع المطر، وندب كتابة اسمه لمجرد التعريف به
~~على طول السنين لا سيما قبور الأنبياء والصالحين لأنه طريق للإعلام
~~المستحب، ولما روى الحاكم النهي قال: ليس العمل عليه الآن فإن أئمة
~~المسلمين من المشرق والمغرب مكتوب على قبورهم فهو عمل أخذ به الخلف عن
~~السلف.

# ويرد بمنع هذه الكلية وبفرضها فالبناء على قبورهم أكثر من الكتابة عليها
~~في المقابر المسبلة كما هو مشاهد لا سيما بالحرمين ومصر ونحوها وقد علموا
~~بالنهي عنه فكذا هي، فإن قلت: هو إجماع فعلى فهو حجة كما صرحوا به قلت:
~~ممنوع بل هو أكثري فقط إذ لم يحفظ ذلك حتى عن العلماء الذين يرون منعه،
~~وبفرض كونه إجماعا فعليا فمحل حجيته كما هو ظاهر إنما هو عند صلاح
~~الأزمنة بحيث ينفذ فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد تعطل ذلك
~~منذ أزمنة. ولو بنى نفس القبر لغير حاجة مما مر كما هو ظاهر أو نحو تحويط
~~أو قبة عليه في مقبرة مسبلة كأرض موات اعتادوا الدفن فيها أو موقوفة لذلك
~~بل هي أولى هدم وجوبا لحرمته كما في «المجموع» لما فيه من التضييق مع أن
~~البناء يتأبد بعد انمحاق الميت فيحرم الناس تلك البقعة. وهل من البناء ما
~~اعتيد من جعل أربعة أحجار مربعة محيطة بالقبر مع لصق كل رأس منها برأس
~~الآخر بجص محكم أو لا لأنه لا يسمى بناء ms06002 عرفا؟ والذي يتجه الأول لأن
~~العلة من التأبيد موجودة هنا، وقد أفتى جمع بهدم كل ما بقرافة مصر من
~~الأبنية حتى قبة الإمام الشافعي عليه الرحمة التي بناها بعض الملوك،
~~وينبغي لكل أحد هدم ذلك ما لم يخش منه مفسدة فيتعين الرفع للإمام أخذا
~~من كلام ابن الرفعة في الصلح انتهى.

# وفي «صحيح مسلم» عن أبي الهياج الأسدي قال: «قال لي علي كرم الله تعالى
~~وجهه أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع
~~تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته»، قال ابن الهمام في «فتح
~~القدير»: وهو محمول على ما كانوا يفعلونه من تعلية القبور بالبناء الحسن
~~العالي، والأحاديث وكلام العلماء المنصفين المتبعين لما ورد عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم وجاء عن السلف الصالح أكثر من أن يحصى. لا يقال: إن
~~الآية ظاهرة في كون ما ذكر من شرائع من قبلنا - وقد استدل بها فقد روي
~~أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " من نام عن صلاة أو نسيها "

# الحديث ثم تلا قوله تعالى:

# أقم الصلوة لذكرى

# [طه: 14] وهو مقول لموسى عليه السلام وسياقه الاستدلال. واحتج محمد على
~~جواز قسمة الماء بطريق المهايأة بقوله تعالى:

# لها شرب

# [الشعراء: 155] الآية

# ونبئهم أن الماء قسمة بينهم

# [القمر: 28] / وأبو يوسف على جري القود بين الذكر والأنثى بآية

# وكتبنا عليهم

# [المائدة: 45] والكرخي على جريه بين الحر والعبد والمسلم والذمي بتلك
~~الآية الواردة في بني إسرائيل إلى غير ذلك - لأنا نقول: مذهبنا في شرع من
~~قبلنا وإن كان أنه يلزمنا على أنه شريعتنا لكن لا مطلقا بل إن قصه الله
~~تعالى علينا بلا إنكار وإنكار رسوله صلى الله عليه وسلم كإنكاره عز وجل،
~~وقد سمعت أنه عليه الصلاة والسلام لعن الذين يتخذون المساجد على القبور،
~~على أن كون ما ذكر من شرائع من قبلنا ممنوع، وكيف يمكن أن يكون اتخاذ
~~المساجد على القبور من الشرائع المتقدمة مع ما سمعت من لعن اليهود
~~والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم ms06003 مساجد. والآية ليست كالآيات التي
~~ذكرنا آنفا احتجاج الأئمة بها وليس فيها أكثر من حكاية قول طائفة من
~~الناس وعزمهم على فعل ذلك وليست خارجة مخرج المدح لهم والحض على التأسي
~~بهم فمتى لم يثبت أن فيهم معصوما لا يدل فعلهم فضلا عن عزمهم على
~~مشروعية ما كانوا بصدده، ومما يقوي قلة الوثوق بفعلهم القول بأن المراد
~~بهم الأمراء والسلاطين كما روي عن قتادة.

# وعلى هذا لقائل أن يقول: إن الطائفة الأولى كانوا مؤمنين عالمين بعدم
~~مشروعية اتخاذ المساجد على القبور فأشاروا بالبناء على باب الكهف وسده
~~وكف كف التعرض عن أصحابه فلم يقبل الأمراء منهم وغاظهم ذلك حتى أقسموا
~~على اتخاذ المسجد، وكأن الأولين إنما لم يشيروا بالدفن مع أن الظاهر أنه
~~هو المشروع إذ ذاك في الموتى كما أنه هو المشروع عندنا فيهم لعدم تحققهم
~~موتهم، ومنعهم من تحقيقه أنهم لم يقدروا كما أخرج عبد الرزاق وابن المنذر
~~عن وهب بن منبه على الدخول عليهم لما أفيض عليهم من الهيبة ولهذا قالوا:
~~{ ربهم أعلم بهم } وإن أبيت إلا حسن الظن بالطائفة الثانية
~~فلك أن تقول: إن اتخاذهم المسجد عليهم ليس على طرز اتخاذ المساجد على
~~القبور المنهي عنه الملعون فاعله وإنما هو اتخاذ مسجد عندهم وقريبا من
~~كهفهم، وقد جاء التصريح بالعندية في رواية القصة عن السدي ووهب، ومثل هذا
~~الاتخاذ ليس محظورا إذ غاية ما يلزم على ذلك أن يكون نسبة المسجد إلى
~~الكهف الذي هم فيه كنسبة المسجد النبوي إلى المرقد المعظم صلى الله عليه
~~وسلم، ويكون قولهم { لنتخذن عليهم } على هذا لمشاكلة قول
~~الطائفة { ابنوا عليهم } وإن شئت قلت: إن ذلك الاتخاذ كان على
~~الكهف فوق الجبل الذي هو فيه، وفي خبر مجاهد أن الملك تركهم في كهفهم
~~وبنى على كهفهم مسجدا وهذا أقرب لظاهر اللفظ كما لا يخفى، وهذا كله إنما
~~يحتاج إليه على القول بأن أصحاب الكهف ماتوا بعد الإعثار عليهم وأما على
~~القول بأنهم ناموا كما ناموا أولا فلا يحتاج إليه على ms06004 ما قيل، وبالجملة
~~لا ينبغي لمن له أدنى رشد أن يذهب إلى خلاف ما نطقت به الأخبار الصحيحة
~~والآثار الصريحة معولا على الاستدلال بهذه الآية فإن ذلك في الغواية
~~غاية وفي قلة النهي نهاية، ولقد رأيت من يبيح ما يفعله الجهلة في قبور
~~الصالحين من إشرافها وبنائها بالجص والآجر وتعليق القناديل عليها والصلاة
~~إليها والطواف بها واستلامها والاجتماع عندها في أوقات مخصوصة إلى غير
~~ذلك محتجا بهذه الآية الكريمة وبما جاء في بعض روايات القصة من جعل
~~الملك لهم في كل سنة عيدا وجعله إياهم في توابيت من ساج ومقيسا البعض
~~على البعض وكل ذلك محادة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وإبداع دين
~~لم يأذن به الله عز وجل.

# ويكفيك في معرفة الحق تتبع ما صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~في قبره عليه الصلاة والسلام وهو أفضل قبر على وجه الأرض بل أفضل من
~~العرش، والوقوف على أفعالهم في زيارتهم له والسلام عليه عليه الصلاة /
~~والسلام فتتبع ذاك وتأمل ما هنا وما هناك والله سبحانه وتعالى يتولى
~~هداك.

# ثم أعلم أنهم اختلفوا في تعيين موضع المسجد والكهف وقد مرت عليك بعض
~~الأقوال. وفي «البحر» ((أن في الشام كهفا فيه موتى ويزعم مجاوروه أنهم
~~أصحاب الكهف وعليهم مسجد وبناء يسمى الرقيم ومعهم كلب رمة، وبالأندلس في
~~جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة وأكثرهم قد
~~انجرد لحمه وبعضهم متماسك وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم
~~ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف؛ قال ابن عطية: دخلت عليهم فرأيتهم سنة أربع
~~وخمسمائة وهم بهذه الحالة وعليهم مسجد وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم
~~كأنه قصر مخلق قد بقي بعض جدرانه وهو في فلاة من الأرض خربة وبأعلا حصن
~~غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة يقال لها مدينة دقيوس وجدنا في
~~آثارها غرائب انتهى، وحين كنا بالأندلس كان الناس يزورون هذا الكهف
~~ويذكرون أنهم يغلطون في عدتهم إذا عدوهم وأن معهم ms06005 كلبا ويرحل الناس إلى
~~لوشة لزيارتهم، وأما ما ذكره من المدينة القديمة فقد مررت عليها مرارا
~~لا تحصى وشاهدت فيها حجارة كبارا، ويترجح كون ذلك بالأندلس لكثرة دين
~~النصارى بها حتى أنها هي بلاد مملكتهم العظمى ولأن الأخبار بما هو في
~~أقصى مكان من أرض الحجاز أغرب وأبعد أن يعرف إلا بوحي من الله تعالى))
~~انتهى. وما تقدم من خبر ابن عباس ومعاوية يضعف ما ادعى ترجحه لأن معاوية
~~لم يدخل الأندلس، وتسمية الأندلسيين نصارى الأندلس بالروم في نثرهم
~~ونظمهم ومخاطبة عامتهم كما في «البحر» أيضا لا يجدي نفعا، وقد عول
~~الكثير على أن ذلك طرسوس والله تعالى أعلم.

### || [18.22]

# { سيقولون } الضمير فيه وفي الفعلين بعد كما اختاره ابن عطية وبعض
~~المحققين لليهود المعاصرين له صلى الله عليه وسلم الخائضين في قصة أصحاب
~~الكهف، وأيد بذلك قول الحسن وغيره: إنهم كانوا قبل بعث موسى عليه السلام
~~لدلالته أن لهم علما في الجملة بأحوالهم وهو يستلزم أن يكون لهم ذكر في
~~التوراة وفيه ما فيه. والظاهر أن هذا إخبار بما لم يكن واقعا بعد كأنه
~~قيل سيقولون إذا قصصت قصة أصحاب الكهف أو إذا سئلوا عن عدتهم هم {
~~ثلثة } أي ثلاثة أشخاص { رابعهم } أي جاعلهم أربعة بانضمامه
~~إليهم { كلبهم } فثلاثة خبر مبتدأ محذوف و { رابعهم
~~كلبهم } مبتدأ وخبر ولا عمل لاسم الفاعل لأنه ماض والجملة في موضع
~~النعت لثلاثة والضميران لها لا للمبتدأ ومن ثم استغنى عنه بالحذف وإلا
~~كان الظاهر أن يقال: هم ثلاثة وكلب لكن بما أريد اختصاصها بحكم بديع
~~الشأن عدل إلى ما ذكر لينبه بالنعت الدال على التفضلة والتمييز على أن
~~أولئك الفتية ليسوا مثل كل ثلاثة أصطحبوا، ومن ثم قرن الله تعالى في
~~كتابه العزيز أخس الحيوانات ببركة صحبتهم مع زمرة المتبتلين إليه
~~المعتكفين في جواره سبحانه وكذا يقال فيما بعد، وإلى هذا الإعراب ذهب أبو
~~البقاء واختاره العلامة الطيبي وهو الذي أشار إلى ما أشير إليه من
~~النكتة ونظم في سلكها مع الآية حديث

# " ما ms06006 ظنك باثنين الله تعالى ثالثهما "

# فأوجب ذلك أن شنع بعض أجلة الأفاضل عليه حتى أوصله إلى الكفر ونسبه
~~إليه، ولعمري لقد ظلمه وخفي عليه مراده فلم يفهمه. ولم يجوز ابن الحاجب
~~كون الجملة في موضع النعت كما لم يجوز هو ولا غيره كأبي البقاء جعلها
~~حالا وجعلها خبرا بعد خبر للمبتدأ المحذوف، وسيأتي إن شاء الله تعالى
~~تمام الكلام في ذلك. / وتقدير تمييز العدد أشخاص أولى من تقديره رجال
~~لأنه لا تصير الثلاثة الرجال أربعة بكلبهم لاختلاف الجنسين، وعدم اشتراط
~~اتحاد الجنس في مثل ذلك يأباه الاستعمال الشائع مع كونه خلاف ما ذكره
~~النحاة. والقول بأن الكلب بشرف صحبتهم ألحق بالعقلاء تخيل شعري. وقرأ ابن
~~محيصن { ثلة } بإدغام الثاء في التاء تقول أبعث تلك وحسن ذلك لقرب
~~مخرجهما وكونهما مهموسين.

# { ويقولون خمسة سادسهم كلبهم } عطف على {
~~سيقولون } والمضارع وإن كان مشتركا بين الحال والاستقبال إلا أن
~~المراد منه هنا الثاني بقرينة ما قبله فلذا اكتفى عن السين فيه وإذا
~~عطفته على مدخول السين دخل معه في حكمها واختص بالاستقبال بواسطتها لكن
~~قيل إن العطف على ذلك تكلف. وقرأ شبل بن عباد عن ابن كثير { خمسة } بفتح
~~الميم وهو كالسكون لغة فيها نظير الفتح والسكون في العشرة.

# وقرأ ابن محيصن بكسر الخاء والميم وبإدغام التاء في السين؛ وعنه أيضا
~~إدغام التنوين في السين بغير غنة { رجما بالغيب } أي رميا
~~بالخبر الغائب الخفي عنهم الذي لا مطلع لهم عليه وإتيانا به أو ظنا
~~بذلك، وعلى الأول: استعير الرجم وهو الرمي بالحجارة التي لا تصيب غرضا
~~ومرمى للمتكلم من غير علم وملاحظة بعد تشبيهه به. وفي «الكشف» أنه جعل
~~الكلام الغائب عنهم علمه بمنزلة الرجام المرمي به لا يقصد به مخاطب معين
~~ولو قصد لأخطأ لعدم بنائه على اليقين كما أن الرجام قلما يصيب المرجوم
~~على السداد بخلاف السهم ونحوه ولهذا قالوا: قذفا بالغيب ورجما به ولم
~~يقولوا رميا به، وأما الرمي في السب ونحوه فالنظر إلى تأثيره في عرض
~~المرمى تأثير السهم ms06007 في الرمية انتهى. وعلى الثاني: شبه ذكر أمر من غير
~~علم يقيني واطمئنان قلب بقذف الحجر الذي لا فائدة في قذفه ولا يصيب مرماه
~~ثم استعير له ووضع الرجم موضع الظن حتى صار حقيقة عرفية فيه. وفي «الكشف»
~~أيضا أنه لما كثر استعمال قولهم: رجما بالظن فهموا من المصدر معناه دون
~~النظر إلى المتعلق فقالوا رجما بالغيب أي ظنا به وعلى ذلك جاء قول
~~زهير:

# وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمو

# وما هو عنها بالحديث المرجم

# حيث أراد المظنون. وانتصاب { رجما } هنا على الوجهين إما على الحالية
~~من الضمير في الفعلين أي راجمين أو على المصدرية منهما فإن الرجم والقول
~~واحد. وفي «البحر» أنه ضمن القول معنى الرجم أو من محذوف مستأنف أو واقع
~~موقع الحال من ضمير الفعلين معا أي يرجمون رجما. وجوز أبو حيان كونه
~~منصوبا على أنه مفعول من أجله أي يقولون ذلك لرميهم بالغيب أو لظنهم
~~بذلك أي الحال لهم على القول هو الرجم بالغيب وهو كما ترى.

# { ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم } المراد الاستقبال
~~أيضا، والكلام في عطفه كالكلام في عطف سابقه، والجملة الواقعة بعد العدد
~~في موضع الصفة له كالجملتين السابقتين على ما نص عليه الزمخشري، ولم يجعل
~~الواو مانعة عن ذلك بل ذكر أنها الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة
~~للنكرة كما تدخل على الواقعة حالا عن المعرفة في قولك: جاءني رجل ومعه
~~آخر ومررت بزيد وفي يده سيف ومنه قوله عز وجل:

# ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتب معلوم

# [الحجر: 4] وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه
~~بها أمر ثابت مستقر وهي التي أذنت هنا بأن قائلي ما ذكر قالوه عن ثبات
~~علم وطمأنينة نفس ولم يرجموا بالظن كما رجم / غيرهم فهو الحق دون القولين
~~الأولين، والدليل على ذلك أنه سبحانه وتعالى أتبعهما قوله تبارك اسمه {
~~رجما بالغيب }  واتبع هذا قوله عز وجل.

# { قل ربى أعلم بعدتهم } أي أقوى وأقدم في العلم بها {
~~ما يعلمهم } أي ما يعلم عدتهم ms06008 على ما ينساق إلى الذهن نظرا إلى
~~المقام { إلا قليل } وعلى إيذان الواو بما ذكر يدل كلام ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما، فقد روى أنه قال: حين وقعت الواو انقطعت العدة أي
~~لم يبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها، وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على
~~القطع والبتات. وقد نص عطاء على أن هذا القليل من أهل الكتاب، وقيل من
~~البشر مطلقا وهو الذي يقتضيه ما أخرجه الطبراني في «الأوسط» بسند صحيح
~~عن ابن عباس أنه قال: أنا من أولئك القليل، وأخرجه عنه غير واحد من طرق
~~شتى، وأخرج نحوه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود. وزعم بعضهم أن المراد إلا
~~قليل من الملائكة عليهم السلام لا يرتضيه أحد من البشر، والمثبت في هذا
~~الاستثناء هو العالمية وذلك لا يضر في كون الأعلمية له عز وجل.

# هذا وإلى كون الواو كما ذكر الزمخشري ذهب ابن المنير وقال بعد نقله: وهو
~~الصواب لا كالقول بأنها واو الثمانية فإن ذلك أمر لا يستقر لمثبته قدم
~~ورد ما ذكروه من ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى في موضعه التنبيه عليه.
~~وقال أبو البقاء: الجملة إذا وقعت صفة للنكرة جاز أن يدخلها الواو وهذا
~~هو الصحيح في إدخال الواو في ثامنهم. واعترض على ذلك غير واحد فقال أبو
~~حيان: ((كون الواو تدخل على الجملة الواقعة صفة دالة على لصوق الصفة
~~بالموصوف وعلى ثبوت اتصاله بها شيء لا يعرفه النحويون بل قرروا أنه لا
~~تعطف الصفة التي ليست بجملة على صفة أخرى إلا إذا اختلفت المعاني حتى
~~يكون العطف دالا على المغايرة، وأما إذا لم تختلف فلا يجوز العطف، هذا
~~في الأسماء المفردة، وأما الجمل التي تقع صفة فهي أبعد من أن يجوز ذلك
~~فيها. وقد ردوا على من ذهب إلى أن قول سيبويه: وأما ما جاء بالمعنى وليس
~~باسم ولا فعل إلى أن وليس باسم الخ صفة لمعنى وأن الواو دخلت في الجملة
~~بأن ذلك ليس من كلام العرب وليس من كلامهم مررت برجل ms06009 ويأكل على تقدير
~~الصفة، وأما قوله تعالى:

# إلا ولها كتب معلوم

# [الحجر: 4] فالجملة فيه حالية ويكفي ردا لقول الزمخشري أنا لا نعلم
~~أحدا من علماء النحو ذهب إليه)) اه.

# وقال صاحب «الفرائد»: دخول الواو بين الصفة والموصوف غير مستقيم لاتحاد
~~الصفة والموصوف ذاتا وحكما وتأكيد اللصوق يقتضي الإثنينية مع أنا نقول:
~~لا نسلم أن الواو تفيد التأكيد وشدة اللصوق غاية ما في الباب أنها تفيد
~~الجمع والجمع ينبىء عن الإثنينية واجتماع الصفة والموصوف ينبىء عن
~~الاتحاد بالنظر إلى الذات. وقد ذكر صاحب «المفتاح» أن قول من قال: إن
~~الواو في قوله تعالى:

# ولها كتب معلوم

# [الحجر: 4] داخلة بين الصفة والموصوف سهو منه وإنما هي واو الحال وذو
~~الحال

# قرية

# [الحجر: 4] وهي موصوفة أي وما أهلكنا قرية من القرى إلا ولها الخ، وأما
~~جاءني رجل ومعه آخر ففيه وجهان، أحدهما أن يكون جملتين متعاطفتين
~~وثانيهما أن يكون آخر معطوفا على رجل أي جاءني رجل ورجل آخر معه، وعدل
~~عن جاءني رجلان ليفهم أنهما جاءا مصاحبين، وأما الواو في مررت بزيد وفي
~~يده سيف فإنما جاز دخولها بين الحال وذيها لكون الحال في حكم جملة بخلاف
~~/ الصفة بالنسبة إلى الموصوف فإن جاء زيد راكبا في حكم جاء وهو راكب
~~بخلاف جاء زيد الراكب فافهمه.

# سلمنا أنها داخلة بين الصفة والموصوف لتأكيد اللصوق لكن الدلالة على أن
~~اتصافه بها أمر ثابت مستقر غير مسلم وأين الدليل عليه؟ وكون الواو هي
~~التي آذنت بأن القول المذكور عن ثبات علم وطمأنينة نفس في غاية البعد،
~~والقول بأن الاتباع يدل على ذلك إن أريد منه أنه يدل على إيذان الواو بما
~~ذكر فبطلانه ظاهر وإن أريد منه أنه يدل على صدق قائلي القول الأخير وعدم
~~صدق قائلي القولين الأولين فمسلم أن إتباع القولين الأولين برجما بالغيب
~~يدل على عدم الصدق دلالة لا شبهة فيها لكن لا نسلم أن عدم اتباع القول
~~الأخير به واتباعه بما اتبع يدل على ذلك وإن سلمنا فهو يدل دلالة ضعيفة،
~~ولا ms06010 نسلم أيضا دلالة كلام ابن عباس على ما ذكر، والظاهر أنه علم أن
~~القول الأخير صادق من الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم وأن مراده من
~~قوله حين وقعت الواو انقطعت العدة أن الذي هو صدق ما وقعت الواو فيه
~~وانقطعت العدة به، فالحق أن الواو واو عطف والجملة بعده معطوفة على
~~الجملة قبله.

# وانتصر العلامة الطيبي للزمخشري وأجاب عما اعترض به عليه فقال: اعلم
~~أنه لا بد قبل الشروع في الجواب من تبيين المقصود تحريرا للبحث فالواو
~~هنا ليست على الحقيقة ولا يعتبر في المجاز النقل الخصوصي بل المعتبر فيه
~~اعتبار نوع العلاقة، وذكروا أن المجاز في عرف البلاغة أولى من الحقيقة
~~وأبلغ وأن مدار علم البيان الذوق السليم الذي هو أنفع من ذوق التعليم ولا
~~يتوقف على التوقيف وليس ذلك كعلم النحو، والمجاز لا يختص بالاسم والفعل
~~بل قد يقع في الحروف.

# وقد نقل «شارح اللباب» عن سيبويه أن الواو في قولهم: بعت الشاة ودرهما
~~بمعنى الباء، وتحقيقه أن الواو للجمع والباء للإلصاق وهما من واد واحد
~~فسلك به طريق الاستعارة وكم وكم، وإذا علم ذلك فليعلم أن معنى قوله:
~~فائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف أن للصفة نوع اتصال بالموصوف فإذا
~~أريد توكيد اللصوق وسط بينهما الواو ليؤذن أن هذه الصفة غير منفكة عن
~~الموصوف وإليه الإشارة فيما بعد من كلامه، وإن الحال في الحقيقة صفة لا
~~فرق إلا بالاعتبار ألا ترى أن صفة النكرة إذا تقدمت عليها وهي بعينها
~~تصير حالا ولو لم يكونا متحدين لم يصح ذلك، ثم إن قولك: جاءني رجل ومعه
~~آخر وقولك: مررت بزيد ومعه آخر لما كانا سواء في الصورة اللهم إلا في
~~اعتبار المعرفة والنكرة كان حكمهما سواء في الواو وهو مراد الزمخشري من
~~إيراد المثالين لا كما فهم بعضهم، وأما قول الفرايدي في تعليل امتناع
~~دخول الواو بين الصفة والموصوف لاتحادهما ذاتا وحكما وهو مناف لما
~~يقتضيه دخول الواو من المغايرة فمبني على أن الواو عاطفة لأنها هي التي
~~تقتضي ms06011 المغايرة كما قال السكاكي وقد بين وجه مجازه لمجرد الربط.

# وأما قوله في جاءني رجل ومعه آخر أنه جملتان فهو كما تراه، وأما قوله:
~~إن جاء زيد راكبا في حكم جاء زيد وهو راكب فمن المعكوس فإن الأصل في
~~الحال الإفراد كما يدل عليه كلام ابن الحاجب وغيره من الأعيان، وأما
~~تسليمه الدخول لتأكيد اللصوق ومنه الدلالة على أن الاتصاف أمر ثابت مستقر
~~فمن العجائب فكيف يسلم التأكيد ولا يسلم فائدته، ويدفع الاعتراضات
~~الباقية أن ما استند إليه الزمخشري ليس من باب الأدلة اليقينية بل هي من
~~باب الأمارات وتكفي في هذه المقامات، وقال ابن الحاجب: لا يجوز أن يكون {
~~رابعهم كلبهم } و { سادسهم كلبهم } صفة لما قبل ولا
~~حالا لعدم العامل مع عدم الواو، ويجوز أن يكون كل منهما خبرا بعد خبر
~~للمبتدأ / المحذوف والأخبار إذا تعددت جاز في الثاني منها الاقتران
~~بالواو وعدمه، وهذا إن سلم أن المعنى في الجمل واحد أما إذا قيل إن قوله
~~تعالى: { وثامنهم كلبهم } استئناف منه سبحانه لا حكاية عنهم
~~فيفهم أن القائلين سبعة أصابوا ولا يلزم أن يكون خبرا بعد خبر، ويقويه
~~ذكر { رجما بالغيب } قبل الثالثة فدل على أنها مخالفة لما قبلها
~~في الرجم بالغيب فتكون صدقا البتة إلا أن هذا الوجه يضعف من حيث إن الله
~~تعالى قال: { ما يعلمهم إلا قليل } فلو جعل {
~~وثامنهم كلبهم } تصديقا منه تعالى لمن قال سبعة لوجب أن يكون
~~العالم بذلك كثيرا فإن أخبار الله تعالى صدق فدل على أنه لم يصدق منهم
~~أحد، وإذا كان كذلك وجب أن تكون الجملة كلها متساوية في المعنى، وقد تعذر
~~أن تكون الأخيرة وصفا فوجب أن يكون الجميع كذلك انتهى.

# ويفهم أن الواو هي المانعة من الوصفية والداء هو الداء فالدواء هو
~~الدواء. وقوله: وإذا كان كذلك وجب الخ كلام بمراحل عن مقتضى البلاغة لأن
~~في كل اختلاف فوائد والبليغ من ينظر إلى تلك الفوائد لا من يرده إلى
~~التطويل والحشو في الكلام، وأيضا لا بد من ms06012 قول صادق من الأقوال الثلاثة
~~لينطبق قوله تعالى: { ما يعلمهم إلا قليل } مع قوله سبحانه
~~{ رجما بالغيب } لأنه قد اندفع به القولان الأولان فيكون الصادق
~~هذا.

# وتعقيبه به أمارة على صدقه وذلك مفقود على ما ذهب إليه السائل، ومع هذا
~~أين طلاوة الكلام وأين اللطف الذي تستلذه الأفهام. وما ذكره من لزوم كون
~~العالم بذلك كثيرا على تقدير كون { وثامنهم كلبهم }
~~استئنافا منه تعالى لأن أخبار الله تعالى صدق لا يخلو عن بحث لأن المصدق
~~حينئذ هم المسلمون وهم قليل بالنسبة إلى غيرهم، ولا اختصاص للقليل بما
~~دون العشرة وإن أخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه قال: كل قليل في
~~القرآن فهو دون العشرة فإن ذلك في حيز المنع ودون إثباته التعب الكثير،
~~على أنه يمكن أن يقال: المراد قلة العالمين بذلك قبل تصديقه تعالى، ولا
~~يبعد أن يكونوا قليلين في حد أنفسهم من المسلمين كانوا أو من أهل الكتاب
~~أو منهما، نعم القول بالاستئناف مما لا ينبغي أن يلتفت إليه وإن ذهب إليه
~~بعض المفسرين.

# هذا ووافق في الانتصار جماعة منهم سيد المحققين وسند المدققين فقال:
~~الظاهر أن قوله تعالى: { وثامنهم كلبهم } صفة لسبعة كما يشهد
~~به أخواه، وأيضا ليس سبعة في حكم الموصوفة كما قيل في { قرية } في
~~قوله تعالى:

# ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتب معلوم

# [الحجر: 4] حتى يصح الحمل على الحال اتفاقا، ولا شك أن معنى الجمع
~~يناسب معنى اللصوق وباب المجاز مفتوح فلتحمل هذه الواو عليه تأكيدا
~~للصوق الصفة بالموصوف فتكون هذه أيضا فرعا للعاطفة كالتي بمعنى مع
~~والحالية والاعتراضية. وأيد ذلك أيضا بما روي عن ابن عباس وأورد على
~~تعليل منعه للحالية بعدم كون النكرة في حكم الموصوفة أنه لا ينحصر مسوغ
~~مجيء الحال من النكرة في كونها موصوفة أو في حكم الموصوفة كما في الآية
~~التي ذكرها فقد ذكر في «المغني» أن من المسوغات اقتران الجملة الحالية
~~بالواو فليحفظ.

# وقد وافق ابن مالك الرادين له فقال في «شرح التسهيل»: ms06013 ما ذهب إليه صاحب
~~«الكشاف» من توسط الواو بين الصفة والموصوف فاسد من خمسة أوجه، أحدها:
~~أنه قاس في ذلك الصفة على الحال وبينهما فروق كثيرة لجواز تقدم الحال على
~~صاحبها وجواز تخالفهما في الإعراب والتعريف والتنكير وجواز إغناء الواو
~~عن الضمير في الجملة الحالية / وامتناع ذلك في الواقعة نعتا فكما ثبت
~~مخالفة الحال الصفة في هذه الأشياء ثبتت مخالفتها إياها بمقارنة الواو
~~والجملة الحالية وامتناع ذلك في الجملة النعتية، الثاني: أن مذهبه في هذه
~~المسألة لا يعرف بين البصريين والكوفيين فوجب أن لا يلتفت إليه، الثالث:
~~أنه معلل بما لا يناسب وذلك أن الواو تدل على الجمع بين ما قبلها وما
~~بعدها وذلك مستلزم لتغايرهما وهو ضد لما يراد من التوكيد فلا يصح أن يقال
~~لعاطف مؤكد، الرابع: أن الواو فصلت الأول من الثاني ولولاها لتلاصقا فكيف
~~يقال إنها أكدت لصوقها، الخامس: أن الواو لو صلحت لتأكيد لصوق الموصوف
~~بالصفة لكان أولى المواضع بها موضعا لا يصلح للحال بخلاف جملة تصلح في
~~موضعها الحال اه، ويعلم ما فيه بالتأمل الصادق فيما تقدم.

# والعجب مما ذكره في الوجه الرابع فهو توهم يستغرب من الأطفال فضلا عن
~~فحول الرجال فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك.

# وقال بعضهم: إن ضمائر الأفعال الثلاث للخائضين في قصة أصحاب الكهف في
~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب والمسلمين لا على وجه إسناد
~~كل من الأفعال إلى كلهم بل إلى بعضهم فالقول الأول لليهود على ما أخرجه
~~ابن أبي حاتم عن السدي، وقيل لسيد من سادات نصارى العرب النجرانيين وكان
~~يعقوبيا وكان قد وفد مع جماعة منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فجرى ذكر أصحاب الكهف فذكر من عدتهم ما قصه الله تعالى شأنه، ولعل
~~التعبير بضمير الجمع لموافقة من معه إياه في ذلك، والقول الثاني على ما
~~روي عن السدي أيضا النصارى ولم يقيدهم؛ وقيل العاقب ومن معه من نصارى
~~نجران وكانوا وافدين أيضا وكان نسطوريا والقول الثالث لبعض المسلمين، ms06014
~~وكأنه عز اسمه لما حكى الأقوال قبل أن تقال على ذلك لقنهم الحق وأرشدهم
~~إليه بعدم نظم ذلك القول في سلك الرجم بالغيب كما فعل بأخويه وتغيير سبكه
~~بإقحام الواو وتعقيبه بما عقبه به على ما سمعت من كون ذلك إمارة على
~~الحقية، والمراد بالقليل على هذا من وفقه الله تعالى للاسترشاد بهذه
~~الأمارات كابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد مر غير بعيد أنه عد من ذلك
~~وذكر ما ظاهره الاستشهاد بالواو.

# وقيل إنهم علموا تلك العدة من وحي غير ما ذكر بأن يكون قد أخبرهم صلى
~~الله عليه وسلم بذلك عن إعلام الله تعالى إياه به. وتعقبه بأنه لو كان
~~كذلك لما خفي على الحبر ولما احتاج إلى الاستشهاد ولكان المسلمون أسوة له
~~في العلم بذلك. وأجيب بأنه لا مانع من وقوف الحبر على الخبر مع جماعة
~~قليلة من المسلمين، ولا يلزم من إخباره صلى الله عليه وسلم بشيء وقوف
~~جميع الصحابة عليه فكم من خبر تضمن حكما شرعيا تفرد بروايته عنه عليه
~~الصلاة والسلام واحد منهم رضي الله تعالى عنهم فما ظنك بما هو من باب
~~القصص التي لم تتضمن ذلك، واستشهاده رضي الله تعالى عنه نصا لا ينافي
~~الوقوف بل قد يجامعه بناء على ما وقفت عليه آنفا فهو ليس نصا في عدم
~~الوقوف.

# وقد أورد على القول بأن منشأ العلم التلقن من هذا الوحي لما تضمن من
~~الأمارات أنه يلزم من ذلك كون الصحابة السامعين للآية أسوة لابن عباس في
~~العلم نحو ما ذكره المتعقب بل لأنهم العرب الذين أرضعوا ثدي البلاغة في
~~مهد الفصاحة وأشرقت على آفاق قلوبهم وصفحات أذهانهم من مطالع إيمانهم
~~الاستوائية أنوار النبوة المفاضة من شمس الحضرة الأحدية وقلما تنزل آية
~~ولا تلقى عصاها في رباع أسماعهم لوفور رغبتهم في / الاستماع ومزيد حرصه
~~صلى الله عليه وسلم على إسماعهم، ومتى فهم الزمخشري وأضرابه من هذه الآية
~~ما فهموا فلم لم يفهم أصحابه عليه الصلاة والسلام ذلك وهم هم أيخطر ببال
~~من ms06015 له أدنى عقل أن الأعجام شعروا وأكثر أولئك العرب لم يشعروا؟ أم كيف
~~يتصور تجلي أسرار بلاغة القرآن لمن لا يعرف إعجازه إلا بعد المشقة وتحجب
~~عمن يعرف ذلك بمجرد السليقة؟ ولا يكاد يدفع هذا الإيراد إلا بالتزام أن
~~السامعين لهذه الآية قليلون لأنها نزلت في مكة وفي المسلمين هناك قلة مع
~~عدم تيسر الاجتماع لهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا اجتماع بعضهم
~~مع بعض نحو تيسر ذلك في المدينة أو بالتزام القول بأن الملتفتين إلى ما
~~فيها من الشواهد كانوا قليلين وهذا كما ترى.

# وقيل إن الضمائر لنصارى نجران تناظروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~في عدد أصحاب الكهف فقالت الملكانية الجملة الأولى واليعقوبية الجملة
~~لثانية والنسطورية الجملة الثالثة، ويروى هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما وهو أولى من القول السابق المحكى عن بعضهم.

# وقال الماوردي واستظهره أبو حيان: إن الضمائر للمتنازعين في حديثهم قبل
~~ظهورهم عليهم فيكون قد أخبر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بما كان من
~~اختلاف قومهم في عددهم، ولا يخفى أنه يبعد هذا القول من حكاية تلك
~~الأقوال بصيغة الاستقبال مع تعقيبها بقوله تعالى: { قل ربى أعلم
~~بعدتهم } وقد تقدم رواية أن القوم حين أتوا باب الكهف مع المبعوث
~~لاشتراء الطعام قال: دعوني أدخل إلى أصحابي قبلكم فدخل وعمي على القوم
~~أثرهم، وفي رواية أنهم كلما أراد أن يدخل عليهم أحد منهم رعبوا فتركوا
~~وبني عليهم مسجد، فلو قيل على هذا: إن الضمائر للمعثرين اختلفوا في عددهم
~~لعدم تمكنهم من رؤيتهم والاجتماع معهم فقال كل طائفة منهم ما قالت، ولعل
~~الطائفة الأخيرة استخبرت الفتى فأخبرها بتلك العدة فصدقته وأخذت كلامه
~~بالقبول وتأيد بما عندهم من أخبار أسلافهم فقالت ذلك عن يقين ورجمت
~~الطائفتان المتقدمتان لعدم ثبوت ما يفيد العلم عندهما ولعلهما كانتا
~~كافرتين لم يبعد بعد ما نقل عن الماوردي فتدبر.

# ومن غريب ما قيل: إن الضمير في { يقولون سبعة } لله عز وجل
~~والجمع للتعظيم.

# وأسماؤهم على ما ms06016 صح عن ابن عباس مكسلمينا ويمليخا ومرطولس وثبيونس
~~ودردونس وكفاشيطيطوس ومنطنواسيس وهو الراعي والكلب اسمه قطمير، وروي عن
~~علي كرم الله تعالى وجهه أن أسمائهم يمليخا ومكشلينيا ومثلينيا وهؤلاء
~~أصحاب يمين الملك ومرنوش ودبرنوش وشاذنوش وهؤلاء أصحاب يساره وكان يستشير
~~الستة والسابع الراعي، ولم يذكر في هذه الرواية اسمه، وذكر فيها أن اسم
~~كلبهم قطمير، وفي صحة نسبة هذه الرواية لعلي كرم الله تعالى وجهه مقال،
~~وذكر العلامة السيوطي في «حواشي البيضاوي» أن الطبراني روى ذلك عن ابن
~~عباس في «معجمه الأوسط» بإسناد صحيح. والذي في «الدر المنثور» رواية
~~الطبراني في «الأوسط» بإسناد صحيح ما قدمناه عن ابن عباس والله تعالى
~~أعلم. وقد سموا في بعض الروايات بغير هذه الأسماء، وذكر الحافظ ابن حجر
~~في «شرح البخاري» أن في النطق بأسمائهم اختلافا كثيرا ولا يقع الوثوق
~~من ضبطها. وفي «البحر» أن أسماء أصحاب الكهف أعجمية لا تنضبط بشكل ولا
~~نقط والسند في معرفتها ضعيف، وذكروا لها خواصا فقال النيسابوري عن ابن
~~عباس: إن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء الحريق تكتب في
~~خرقة ويرمى بها في وسط النار ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت رأسه في المهد
~~وللحرث تكتب على القرطاس ويرفع على خشب منصوب في وسط الزرع / وللضربان
~~وللحمى المثلثة والصداع والغنى والجاه والدخول على السلاطين تشد على
~~الفخذ اليمنى ولعسر الولادة تشد على الفخذ الأيسر ولحفظ المال والركوب في
~~البحر والنجاة من القتل انتهى، ولا يصح ذلك عن ابن عباس ولا عن غيره من
~~السلف الصالح، ولعله شيء افتراه المتزيون بزي المشايخ لأخذ الدراهم من
~~النساء وسخفة العقول، وأنا أعد هذا من خواص أسمائهم فإنه صحيح مجرب.
~~وقرىء { وثامنهم كالبهم } أي صاحب كلبهم. واستدل بعضهم بهذه القراءة على
~~أنهم ثمانية رجال وأول القراءة المتواترة بأنها على حذف مضاف أي وصاحب
~~كلبهم وهو كما ترى.

# { فلا تمار } الفاء لتفريع النهي على ماقبله، والمماراة على ما قال
~~الراغب المحاجة فيما فيه مرية أي تردد، وأصل ذلك من مريت الناقة إذا ms06017 مسحت
~~ضرعها للحلب، وفسرها غير واحد بالمجادلة وهي المحاجة مطلقا أي إذا قد
~~وقفت على أن في الخائضين مخطئا ومصيبا فلا تجادلهم { فيهم } أي في
~~شأن الفتية { إلا مرآء ظهرا } غير متعمق فيه وذلك بالاقتصار
~~على ما تعرض له الوحي المبين من غير تجهيل لجميعهم فإن فيهم مصيبا وإن
~~قل ولا تفضيح وتعنيف للجاهل منهم فإن ذلك مما يخل بمكارم الأخلاق التي
~~بعثت لإتمامها. وقال ابن زيد: المراء الظاهر القول لهم ليس كما تعلمون.
~~وحكى الماوردي أن المراء الظاهر ما كان بحجة ظاهرة، وقال ابن الأنباري:
~~هو جدال العالم المتيقن بحقيقة الخبر، وقال ابن بحر: هو ما يشهده الناس،
~~وقال التبريزي: المراد من الظاهر الذاهب بحجة الخصم يقال ظهر إذا ذهب،
~~وأنشد:

# وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

# أي ذاهب { ولا تستفت } ولا تطلب الفتيا { فيهم } في شأنهم {
~~منهم } من الخائضين { أحدا } فإن فيما أفتيناك غني عن الاستفتاء
~~فيحمل على التفتي المنافي لمكارم الأخلاق إذ الحال لا تقتضي تطيب الخواطر
~~أو نحو ذلك، وقيل: المعنى لا ترجع إليهم في شأن الفتية ولاتصدق القول
~~الثالث من حيث صدوره منهم بل من حيث التلقي من الوحي، وقيل: المعنى إذ قد
~~عرفت جهل أصحاب القولين فلا تجادلهم في شأنهم إلا جدالا ظاهرا قدر ما
~~تعرض له الوحي من وصفهم بالرجم بالغيب ولا تستفت فيهم من أولئك الطائفتين
~~أحدا لاستغنائك بما أوتيت مع أنهم لا علم لهم بذلك وهو خلاف الظاهر كما
~~لا يخفى.

### || [18.23]

# { ولا تقولن } أي لأجل شيء تعزم عليه { إنى فاعل ذلك }
~~الشيء { غدا } أي فيما يستقبل من الزمان مطلقا وهو تأكيد لما يدل عليه
~~اسم الفاعل بناء على أنه حقيقة في الاستقبال ويدخل فيه الغد بمعنى اليوم
~~الذي يلي يومك وهو المتبادر دخولا أوليا، فإن الآية نزلت حين سألت قريش
~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين فقال عليه
~~الصلاة والسلام: غدا أخبركم ولم يستثن فأبطأ عليه صلى الله عليه وسلم
~~الوحي خمسة عشر يوما على ما ms06018 روى عن ابن إسحق، وقيل؛ ثلاثة أيام، وقيل:
~~أربعين يوما فشق ذلك عليه عليه الصلاة والسلام وكذبته قريش وحاشاه. وجوز
~~غير واحد أن يبقى على المعنى المتبادر وما بعده بذلك المعنى يعلم بطريق
~~دلالة النص. وتعقب بأن ما بعده ليس بمعناه في مناط النهي وهو احتمال
~~المانع فإن الزمان إذا اتسع قد ترتفع فيه الموانع أو تخف وليس بشيء لأن
~~المانع شامل للموت واحتمال في الزمان الواسع أقوى.

### || [18.24]

# { إلا أن يشاء الله } استثناء متعلق بالنهي على ما اختاره جمع
~~من المحققين، وقول ابن عطية اغترارا برد / الطبري ((إنه من الفساد بحيث
~~كان الواجب أن لا يحكى)) خروج عن الإنصاف، وهو مفرغ من أعم الأحوال. وفي
~~الكلام تقدير باء للملابسة داخلة على أن والجار والمجرور في موضع الحال
~~أي لا تقولن ذلك في حال من الأحوال إلا حال ملابسته بمشيئة الله عز وجل
~~بأن تذكر. قال في «الكشف»: إن التباس القول بحقيقة المشيئة محال فبقي أن
~~يكون بذكرها وهو إن شاء الله تعالى ونحوه مما يدل على تعليقه الأمور
~~بمشيئة الله تعالى. ورد بما يصلح أن يكون تأييدا لا ردا، وجوز أن يكون
~~المستثنى منه أعم الأوقات أي لا تقولن ذلك في وقت من الأوقات إلا في وقت
~~مشيئة الله تعالى ذلك القول منك، وفسرت المشيئة على هذا بالإذن لأن وقت
~~المشيئة لا يعلم إلا بإعلامه تعالى به وإذنه فيه فيكون مآل المعنى لا
~~تقولن إلا بعد أن يؤذن لك بالقول. وجوز أيضا أن يكون الاستثناء منقطعا،
~~والمقصود منه التأبيد أي ولا تقولن ذلك أبدا، ووجه ذلك في «الكشف» بأنه
~~نهي عن القول إلا وقت مشيئة الله تعالى وهي مجهولة فيجب الانتهاء أبدا،
~~وأشار إلى أنه هو مراد الزمخشري لا ما يتوهم من جعله مثل قوله تعالى:

# وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله

# [الأعراف: 89] من أن التأبيد لعدم مشيئته تعالى فعل ذلك غدا لقبحه
~~كالعود في ملة الكفر لأن القبح فيما نحن فيه على إطلاقه غير ms06019 مسلم،
~~والتخصيص بما يتعلق بالوحي على معنى لا تقولن فيما يتعلق بالوحي إني
~~أخبركم به إلا أن يشاء الله تعالى والله تعالى لم يشأ أن تقوله من عندك
~~فإذا لا تقولنه أبدا يأباه النكرة في سياق النهي المتضمن للنفي
~~والتقييد بالمستقبل، وأن قوله:

# فاعل ذلك غدا

# [الكهف: 23] أي مخبر عن أمر يتعلق بالوحي غدا غير مؤذن بأن قوله في
~~الغد يكون من عنده لا عن وحي فالتشبيه في أن الاستثناء بالمشيئة استعمل
~~في معرض التأبيد وإن كان وجه الدلالة مختلفا أخذا من متعلق المشيئة
~~تارة ومن الجهل بها أخرى، ولا يخفى أن الظاهر في الآية الوجه الأول وأن
~~أمته صلى الله عليه وسلم وهو في الخطاب الذي تضمنته سواء مخصوصا بالنبي
~~صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يكون الاستثناء متعلقا بقوله تعالى:

# إنى فاعل

# [الكهف: 23] بأن يكون استثناء مفرغا مما في حيزه من أعم الأحوال أو
~~الأوقات لأنه حينئذ إما أن تعتبر تعلق المشيئة بالفعل فيكون المعنى إني
~~فاعل في كل حال أو في كل وقت إلا في حال أو وقت مشيئة الله تعالى الفعل
~~وهو غير سديد أو يعتبر تعلقها بعدمه فيكون المعنى إني فاعل في كل حال أو
~~في كل وقت إلا في حال أو وقت مشيئة الله تعالى عدم الفعل، ولا شبهة في
~~عدم مناسبته للنهي بل هو أمر مطلوب.

# وقال الخفاجي: إذا كان الاستثناء متعلقا ب

# إنى فاعل

# [الكهف: 23] والمشيئة متعلقة بالعدم صار المعنى إني فاعل في كل حال إلا
~~إذا شاء الله تعالى عدم فعلي وهذا لا يصح النهي عنه، أما على مذهب أهل
~~السنة فظاهر، وأما على مذهب المعتزلة فلأنهم لا يشكون في أن مشيئة الله
~~تعالى لعدم فعل العبد الاختياري إذا عرضت دونه بإيجاد ما يعوق عنه من
~~الموت ونحوه منعت عنه وإن لم تتعلق عندهم بإيجاده وإعدامه، وكذا لا يصح
~~النهي إذا كانت المشيئة متعلقة بالفعل في المذهبين، فما قيل: إن تعلق
~~الاستثناء بما ذكر صحيح والمعنى عليه النهي عن أن ms06020 يذهب مذهب الاعتزال في
~~خلق الأعمال فيضيفها لنفسه قائلا إن لم تقترن مشيئة الله تعالى بالفعل
~~فأنا فاعله استقلالا فإن اقترنت فلا لا يخفى ما فيه على نبيه فتأمل.

# وقد شاع الاعتراض على المعتزلة في زعمهم أن المعاصي واقعة من غير إرادة
~~الله تعالى ومشيئته وإنه تعالى لا يشاء إلا الطاعات بأنه لو كان كذلك
~~لوجب فيما إذا قال الذي عليه دين لغيره قد طالبه به والله لأعطيتك حقك
~~غدا إن شاء الله تعالى أن يكون حانثا إذا لم يفعل لأن الله تعالى قد
~~شاء ذلك لكونه طاعة وإن لم يقع فتلزمه الكفارة عن يمينه ولم ينفعه
~~الاستثناء / كما لو قال: والله لأعطينك إن قام زيد فقام ولم يفعل، وفي
~~التزام الحنث في ذلك خروج عن الإجماع. وقد أجاب عنه المرتضى بأن
~~للاستثناء الداخل في الكلام وجوها مختلفة فقد يدخل في الأيمان والطلاق
~~والعتاق وسائر العقود وما يجري مجراها من الأخبار وهذا يقتضي التوقف عن
~~إمضاء الكلام والمنع من لزوم ما يلزم به ويصير به الكلام كأنه لا حكم له،
~~ويصح في هذا الوجه الاستثناء في الماضي فيقال: قد دخلت الدار إن شاء الله
~~تعالى ليخرج بذلك من أن يكون خبرا قاطعا أو يلزم به حكم، ولا يصح في
~~المعاصي لأن فيه إظهار الانقطاع إلى الله تعالى والمعاصي لا يصلح ذلك
~~فيها قال: وهذا الوجه أحد محتملات الآية، وقد يدخل في الكلام ويراد به
~~التسهيل والإقدار والتخلية والبقاء على ما هو عليه من الأحوال وهذا هو
~~المراد إذا دخل في المباحات وهو ممكن في الآية، وقد يدخل لمجرد غرض
~~الانقطاع إلى الله تعالى ويكون على هذا غير معتد به في كون الكلام صادقا
~~أو كاذبا وهو أيضا ممكن في الآية، وقد يدخل ويراد به اللطف والتسهيل
~~وهذا يختص بالطاعات ولا يصح أن تحمل الآية عليه لأنها تتناول كل ما لم
~~يكن قبيحا.

# وقول المديون السابق إن قصد به هذا المعنى لا يلزم منه الحنث إذا لم
~~يفعل، ويدين المديون وغيره ms06021 إن ادعى قصد ما لا يلزمه فيه شيء فلا ورود لما
~~اعترضوا به، والإنصاف أن الاعتراض ليس بشيء والرد عليهم غني عن مثل ذلك.

# هذا ثم اعلم أن إطلاق الاستثناء على التقييد بإن شاء الله تعالى بل على
~~التقييد بالشرط مطلقا ثابت في اللغة والاستعمال كما نص عليه السيرافي في
~~«شرح الكتاب». وقال الراغب: الاستثناء دفع ما يوجبه عموم سابق كما في
~~قوله تعالى:

# قل لا أجد في مآ أوحى إلي محرما على طاعم
~~يطعمه إلا أن يكون ميتة

# [الأنعام: 145] الخ أو دفع ما يوجبه اللفظ كقوله: امرأته طالق إن شاء
~~الله تعالى انتهى.

# وفي الحديث

# " من حلف على شيء فقال: إن شاء الله تعالى فقد استثنى "

# فما قيل: إن كلمة إن شاء الله تعالى تسمى استثناء لأنه عبر عنها هنا
~~بقوله سبحانه: { إلا أن يشاء الله } ليس بسديد فكذا ما قيل:
~~إنها أشبهت الاستثناء في التخصيص فأطلق عليها اسمه كذا قال الخفاجي، ولا
~~يخفى أن في الحديث نوع إباء لدعوى أن إطلاق الاستثناء على التقييد بإن
~~شاء الله تعالى لغوي لأنه صلى الله عليه وسلم لم يبعث لإفادة المدلولات
~~اللغوية بل لتبليغ الأحكام الشرعية فتذكر.

# { واذكر ربك } تعالى أي مشيئة ربك فالكلام على حذف مضاف، وذكر
~~مشيئته تعالى على ما يدل عليه ما قبل أن يقال إن شاء الله تعالى، وقد قال
~~ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت { إذا نسيت } أي إذا فرط
~~منك نسيان ذلك ثم تذكرته فإنه ما دام ناسيا لا يؤمر بالذكر وهو أمر
~~بالتدارك عند التذكر سواء قصر الفصل أم طال. وقد أخرج ابن جرير والطبراني
~~وابن المنذر وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يرى
~~الاستثناء ولو بعد سنة ويقرأ الآية، وروي ذلك عن أئمة أهل البيت رضي الله
~~تعالى عنهم وهو رواية عن الإمام أحمد عليه الرحمة، وأخرج ابن المنذر عن
~~ابن جبير في رجل حلف ونسي أن يستثني قال: له ثنياه إلى شهر، وأخرج ابن
~~أبي ms06022 حاتم من طريق عمرو بن دينار عن عطاء أنه قال: من حلف على يمين فله
~~الثنيا حلب ناقة قال: وكان طاووس يقول ما دام في مجلسه، وأخرج ابن أبي
~~حاتم أيضا عن إبراهيم قال: يستثني / ما دام في كلامه. وعامة الفقهاء على
~~اشتراط اتصال الاستثناء في عدم الحنث ولو صح جواز الفصل وعدم تأثيره في
~~الأحكام لا سيما إلى الغاية المروية عن ابن عباس لما تقرر إقرار ولا طلاق
~~ولا عتاق ولم يعلم صدق ولا كذب.

# ويحكى أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه خالف ابن عباس
~~في هذه المسألة فاستحضره لينكر عليه فقال له أبو حنيفة: هذا يرجع إليك
~~إنك تأخذ البيعة بالأيمان أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا
~~عليك فاستحسن كلامه. ومن غريب ما يحكى أن رجلا من علماء المغرب أحب أن
~~يرى علماء بغداد ويتحقق مبلغ علمهم فشد الرحل للاجتماع معهم فدخل بغداد
~~من باب الكرخ فصادف رجلين يمشيان أمامه يبيعان البقل في أطباق على
~~رؤوسهما فسمع أحدهما يقول لصاحبه: يا فلان إني لأعجب من ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما كيف جوز فصل الاستثناء، وقال بعدم تأثيره في الأحكام
~~ولو كان الأمر كما يقول لأمر الله تعالى نبيه أيوب عليه السلام
~~بالاستثناء لئلا يحنث فإنه أقل مؤنة مما أرشده سبحانه إليه بقوله تعالى:

# فخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث

# [ص: 44] وليس بين حلفه وأمره بما ذكره أكثر من سنة فرجع ذلك الرجل إلى
~~بلده واكتفى بما سمع ورأى، فسئل كيف وجدت علماء بغداد؟ فقال: رأيت من
~~يبيع البقل على رأسه في الطرقات من أهلها بلغ مبلغا من العلم يعترض به
~~على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فما ظنك بأهل المدارس المنقطعين لخدمة
~~العلم. والإنصاف أن هذا الاعتراض على علامة يستكثر ممن يبيع البقل والله
~~تعالى أعلم بصحة النقل. لا يقال: إن ظاهر الآية على ما سمعت يطابق ما ذهب
~~إليه الحبر وإلا لم يكن للتدارك معنى وكذا ما جاء في ms06023 الخبر لما قالوا: إن
~~التدارك فيما يرجع إلى تفويض العبد يحصل بذكره بعد التنبه أما في التأثير
~~في الحكم حتى يخرجه عن الجزم فليست الآية مسوقة له ولا دالة عليه بوجه.

# وقال بعضهم: إن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم فله عليه الصلاة
~~والسلام أن يستثنى ولو بعد حين بخلاف غيره. فقد أخرج ابن أبي حاتم وابن
~~مردويه والطبراني في «الكبير» بسند متصل عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أنه قال في الآية: إذا نسيت الاستثناء فاستثن إذا ذكرت ثم قال: هي
~~خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لأحدنا أن يستثني إلا في صلة
~~يمين. وقيل ليس في الآية والخبر أن الاستثناء المتدارك من القول السابق
~~بل من مقدر مدلول به عليه والتقدير في الآية كلما نسيت ذكر الله تعالى
~~اذكره حين التذكر إن شاء الله تعالى، وفي الحديث «لا أنسى المشيئة بعد
~~اليوم ولا أتركها إن شاء الله تعالى أو أقول إن شاء الله تعالى إذا قلت
~~إني فاعل أمرا فيما بعد»، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر جدا.

# وجوز أن يكون المعنى واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء،
~~والمراد من ذلك المبالغة في الحث عليه بإيهام أن تركه من الذنوب التي يجب
~~لها التوبة والاستغفار، وقيل المعنى واذكر ربك وعقابه إذا تركت بعض ما
~~أمرك به ليبعثك ذلك على التدارك، وحمل النسيان على الترك مجاز لعلاقة
~~السببية والمسببية أو اذكر ربك إذا عرض لك نسيان ليذكرك المنسي، و {
~~نسيت } على هذا منزل منزلة اللازم، ولا يخفى بعد ارتباط الآية على
~~هذين المعنيين بما سبق.

# وحمل قتادة الآية على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها فإذا أراد أن
~~المراد من الآية واقض الصلاة المنسية إذ ذكرتها فهو كما ترى وأمر
~~الارتباط كما في سابقه، وإن أراد أنها تدل على الأمر بقضاء الصلاة
~~المنسية عند / ذكرها لما أنها دلت على الأمر بذكر الاستثناء المنسي، وأمر
~~الصلاة أشد والاهتمام بها أعظم فالأمر أسهل ولكن ظاهر كلامهم أنه أراد ms06024
~~الأول.

# وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في «شعب الإيمان» وغيرهما عن عكرمة أنه
~~قال في الآية: أي اذكر ربك إذا غضبت، ووجه تفسير النسيان بالغضب أنه سبب
~~للنسيان، وأمر هذا القول نظير ما مر.

# { وقل عسى أن يهدين ربى } أي يوفقني { لأقرب من
~~هذا } أي لشيء أقرب وأظهر من نبأ أصحاب الكهف من الآيات والدلائل
~~الدالة على نبوتي { رشدا } إرشادا للناس ودلالة على ذلك. وإلى هذا
~~ذهب الزجاج. وقد فعل ذلك عز وجل حيث آتاه من الآيات البينات ما هو أعظم
~~من ذلك وأبين كقصص الأنبياء عليهم السلام المتباعدة أيامهم والحوادث
~~النازلة في الأعصار المستقبلة إلى قيام الساعة، وكأنه تهوين منه عز وجل
~~لأمر قصة أصحاب الكهف كما هونه جل وعلا أولا بقوله سبحانه:

# أم حسبت

# [الكهف: 9] الخ، وهو متعلق بمجموع القصة، وعطفه بعض الأفاضل على العامل
~~في قوله تعالى:

# إذ أوى الفتية إلى الكهف

# [الكهف: 10] كأنه قيل اذكر إذ أوى الفتية الخ وقل عسى أن يهديني ربي
~~لما هو أظهر من ذلك دلالة على نبوتي. وقال الجبائي: هو متعلق بقوله
~~تعالى: { واذكر ربك } إلى آخره؛ والمعنى عنده ادع ربك سبحانه
~~وتعالى إذا نسيت شيئا أن يذكرك إياه وقل إن لم يذكرك سبحانه عسى أن
~~يهديني لشيء أقرب من المنسي خيرا ومنفعة فهذا إشارة إلى المنسي والرشد
~~الخير والمنفعة و { أقرب } على معناه الحقيقي، ولا يخفى أن هذا أقرب
~~من جهة المتعلق وأبعد من جهات، وقيل: إنه متعلق بالمتعاطفات قبله و {
~~هذا } إشارة ما تضمنته من الخير أمرا ونهيا كأنه قيل افعل كذا ولا
~~تفعل كذا واطمع من ربك أن يهديك لأقرب مما أرشدت إليه في ضمن ما سمعت من
~~الأمر والنهي خيرا ومنفعة، وقد هدي صلى الله عليه وسلم في ضمن ما أنزل
~~عليه عليه الصلاة والسلام بعد ذلك من الأوامر والنواهي إلى ما هو أقرب من
~~ذلك منفعة ولا يكاد يحصى وهو كما ترى، ولعله على علاته أقرب مما نقل عن
~~الجبائي.

# وقال ابن الأنباري: معنى الآية عسى ms06025 أن يعرفني ربي جواب مسائلكم قبل
~~الوقت الذي حددته لكم ويعجل لي من جهته الرشاد، ولا يكاد يستفاد هذا
~~المعنى من الآية، وعلى فرض الاستفادة تكون نظير استفادة المعاني المرادة
~~من المعميات ويجل كتاب الله تعالى الكريم عن ذلك. وأخرج البيهقي من طريق
~~المعتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يحدث عن رجل من أهل الكوفة أنه كان
~~يقول: إذا نسي الإنسان الاستثناء فتوبته أن يقول: { عسى أن
~~يهدين ربى لاقرب من هذا رشدا } وحكاه أبو حيان عن
~~محمد الكوفي المفسر، والظاهر أنه الرجل الذي ذكره المعتمر، وهو قول لا
~~دليل عليه.

### || [18.25]

# { ولبثوا فى كهفهم } أحياء مضروبا على آذانهم { ثلث
~~مائة سنين وازدادوا تسعا } وهي جملة مستأنفة مبينة كما
~~قال مجاهد لما أجمل في قوله تعالى:

# فضربنا على ءاذانهم فى الكهف سنين عددا

# [الكهف: 11] واختار ذلك غير واحد.

### || [18.26]

# قال في «الكشف»: فعلى هذا قوله تعالى: { قل الله أعلم بما
~~لبثوا } تقرير لكون المدة المضروب فيها على آذانهم هي هذه المدة كأنه
~~قيل قل الله أعلم بما لبثوا وقد أعلم فهو الحق الصحيح الذي لا يحوم حوله
~~شك قط، وفائدة تأخير البيان التنبيه على أنهم تنازعوا في ذلك أيضا لذكره
~~عقيب اختلافهم في عدة أشخاصهم وليكون التذييل بقل الله أعلم محاكيا
~~للتذييل بقوله سبحانه:

# قل ربى أعلم بعدتهم

# [الكهف: 22] وللدلالة على أنه من الغيب الذي أخبر به عليه الصلاة
~~والسلام ليكون معجزا له، / ولو قيل: فضربنا على آذانهم سنين عددا وأتى
~~به مبينا أولا لم يكن فيه هذه الدلالة البتة، فهذه عدة فوائد والأصل
~~الأخيرة انتهى. ويحتاج على هذا إلى بيان وجه العدول عن المتبادر وهو
~~ثلثمائة وتسع سنين مع أنه أخصر وأظهر فقيل هو الإشارة إلى أنها ثلثمائة
~~بحساب أهل الكتاب واعتبار السنة الشمسية وثلثمائة وتسع بحساب العرب
~~واعتبار السنة القمرية فالتسع مقدار التفاوت، وقد نقله بعضهم عن علي كرم
~~الله تعالى وجهه.

# واعترض بأن دلالة اللفظ على ما ذكر غير ظاهرة مع أنه لا يوافق ما عليه
~~الحساب ms06026 والمنجمون كما قاله الإمام لأن السنة الشمسية ثلثمائة وخمس وستون
~~يوما وخمس ساعات وتسع وأربعون دقيقة على مقتضى الرصد إلايلخاني والسنة
~~القمرية ثلثمائة وأربعة وخمسون يوما وثمان ساعات وثمان وأربعون دقيقة
~~فيكون التفاوت بينهما عشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة ودقيقة واحدة وإذا كان
~~هذا تفاوت سنة كان تفاوت مائة ألف يوم وسبعة وثمانين يوما وثلاثة عشرة
~~ساعة وأربع دقائق وهي ثلاثة سنين وأربعة وعشرون يوما وإحدى عشرة ساعة
~~وست عشرة دقيقة فيكون تفاوت ثلثمائة سنة تسع سنين وثلاثا وسبعين يوما
~~وتسع ساعات وثمانيا وأربعين دقيقة ولذا قيل إن روايته عن علي كرم الله
~~تعالى وجهه لم تثبت.

# وبحث فيه الخفاجي بأن وجه الدلالة فيه ظاهر لأن المعنى لبثوا ثلثمائة
~~سنة على حساب أهل الكتاب الذين علموا قومك السؤال عن شأنهم وتسعا زائدة
~~على حساب قومك الذين سألوك عن ذلك، والعدول عن الظاهر يشعر به، ودعوى أن
~~التفاوت تسع سنين مبنية على التقريب لأن الزائد لم يبلغ نصف سنة بل ولا
~~فصلا من فصولها فلم يعبأ به، وكون التفاوت تسعا تقريبا جار على سائر
~~الأقوال في مقدار السنة الشمسية والسنة القمرية إذ التفاوت في سائرها لا
~~يكاد يبلغ ربعا فضلا عن نصف.

# وقال الطيبي في توجيه العدول: إنه يمكن أن يقال: لعلهم لما استكملوا
~~ثلثمائة سنة قربوا من الانتباه ثم اتفق ما أوجب بقاءهم نائمين تسع سنين.
~~وتعقب بأن هذا يقتضي أن يكون المراد وازدادوا نوما أي قوي نومهم في تسع
~~سنين ولا يخفى ما فيه.

# وقال أيضا: يجوز أن يكون أهل الكتاب قد اختلفوا في مدة لبثهم كما
~~اختلفوا في عدتهم فجاء قوله تعالى:

# ولبثوا

# [الكهف: 25] الخ رافعا للاختلاف مبينا للحق؛ ويكون

# وازدادوا تسعا

# [الكهف: 25] تقريرا ودفعا للاحتمال نظير الإستثناء في قوله تعالى:

# فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما

# [العنكبوت: 14] وسيجيء بيانه إن شاء الله تعالى ولا يخلو عن حسن. وقيل
~~إنهم انتبهوا قليلا ثم ردوا إلى حالتهم الأولى فلذا ذكر الازدياد وهو
~~الذي يتقضيه ما أخرجه ابن أبي ms06027 حاتم عن قتادة المار في قوله تعالى:

# ونقلبهم

# [الكهف: 18] الخ وهو فيما أرى أقرب مما تقدم من حديث السنين الشمسية
~~والقمرية.

# وقال جمع: إن الجملة من كلام أهل الكتاب فهي من مقول

# سيقولون

# [الكهف: 22] السابق وما بينهما اعتراض ونسب ذلك إلى ابن عباس، فقد أخرج
~~ابن أبي حاتم وابن مردويه عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن الرجل
~~ليفسر الآية يرى أنها كذلك فيهوي أبعد ما بين السماء والأرض ثم تلا

# ولبثوا فى كهفهم

# [الكهف: 25] الآية ثم قال: كم لبث القوم؟ قالوا: ثلثمائة وتسع سنين
~~فقال: لو كانوا لبثوا كذلك لم يقل الله تعالى: { قل الله أعلم
~~بما لبثوا } ولكنه سبحانه حكى مقالة القوم فقال تعالى:

# سيقولون ثلثة

# [الكهف: 22] إلى قوله تعالى:

# رجما بالغيب

# [الكهف: 22] فأخبر أنهم لا يعلمون وقال: سيقولون لبثوا في كهفهم ثلثمائة
~~سنين وازدادوا تسعا ولعل هذا لا يصح عن الحبر رضي الله تعالى عنه فقد صح
~~عنه القول بأن عدة / أصحاب الكهف سبعة وثامنهم كلبهم مع أنه تعالى عقب
~~القول بذلك بقوله سبحانه:

# قل ربى أعلم بعدتهم

# [الكهف: 22] ولا فرق بينه وبين قوله تعالى: { قل الله أعلم
~~بما لبثوا } فلم دل هذا على الرد ولم يدل ذاك.

# نعم قرأ ابن مسعود { قالوا لبثوا في كهفهم } وهو يقتضي أن يكون من كلام
~~الخائضين في شأنهم إلا أن التعقيب بقوله تعالى: { قل الله أعلم
~~بما لبثوا } كتعقيب القول الثالث في العدة بما سمعت في عدم الدلالة
~~على الرد. والظاهر أن ضمير

# وازدادوا

# [الكهف: 25] على هذا القول لأصحاب الكهف كما أنه كذلك على القول السابق.
~~وقال الخفاجي: إن الضمير عليه لأهل الكتاب بخلافه على الأول، ويظهر فيه
~~وجه العدول عن ثلثمائة وتسع سنين لأن بعضهم قال: لبثوا ثلثمائة وبعضهم
~~قال: إنه أزيد بتسعة اه. ولا يخفى ما فيه، وعلى القولين الظاهر أن {
~~بما لبثوا } إشارة إلى المدة السابق ذكرها، وزعم بعضهم أنه إشارة
~~إلى المدة التي بعد الاطلاع عليهم إلى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو
~~كما ms06028 ترى، وقيل إنه تعالى لما قال:

# وازدادوا تسعا

# [الكهف: 25] كانت التسع مبهمة لا يدري أنها سنون أم شهور أم أيام أم
~~ساعات واختلف في ذلك بنو إسرائيل فأمر صلى الله عليه وسلم برد العلم إليه
~~عز وجل في التسع فقط اه وليس بشيء فإنه إذا سبق عدد مفسر وعطف عليه ما
~~لم يفسر حمل تفسيره على السابق فعندي مائة درهم وعشرة ظاهر في وعشرة
~~دراهم وليس بمجمل كما لا يخفى.

# هذا ونصب

# تسعا

# [الكهف: 25] على أنه مفعول

# ازدادوا

# [الكهف: 25] وهو مما يتعدى إلى واحد، وقال أبو البقاء: إن زاد يتعدى إلى
~~اثنين وإذا بني على افتعل تعدى إلى واحد، وظاهر كلام الراغب وغيره أن زاد
~~قد تتعدى إلى واحد يقال: زدته كذا فزاد هو وازداد كذا، ووجه ذلك ظاهر فلا
~~تغفل. والجمهور على أن

# سنين

# [الكهف: 25] في القراءة بتنوين

# مائة

# [الكهف: 25] منصوب لكن اختلفوا في توجيه ذلك فقال أبو البقاء وابن
~~الحاجب: هو منصوب على البدلية من

# ثلثمائة

# [الكهف: 25]. وقال الزمخشري: على أنه عطف بيان لثلثمائة، وتعقبه في
~~«البحر» بأنه لا يجوز على مذهب البصريين. وادعى بعضهم أنه أولى من
~~البدلية لأنها تستلزم أن لا يكون العدد مقصودا، ويؤيده ما أخرجه ابن
~~أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك قال: لما نزلت
~~هذه الآية

# ولبثوا فى كهفهم ثلثمائة

# [الكهف: 25] قيل يا رسول الله أياما أم أشهرا أم سنين؟ فأنزل الله
~~تعالى

# سنين

# [الكهف: 25]. وجوز ابن عطية الوجهين، وقيل: على التمييز، وتعقب بأنه
~~يلزم عليه الشذوذ من وجهين، وستعلم وجهه قريبا إن شاء الله تعالى، وبما
~~نقل في «المفصل» عن الزجاج أنه يلزم أن يكونوا لبثوا تسعمائة سنة، قال
~~ابن الحاجب: ووجهه أنه فهم من لغتهم أن مميز المائة واحد من مائة كما إذا
~~قلت مائة رجل فرجل واحد من المائة فلو كان { سنين } تمييزا لكان
~~واحدا من ثلثمائة وأقل السنين ثلاثة فكان كأنه قيل ثلثمائة ثلاث سنين
~~فيكون تسعمائة سنة. ويرد بأن ما ذكر مخصوص بما ms06029 إذا كان التمييز مفردا
~~وأما إذا كان جمعا فالقصد فيه كالقصد في وقوع التمييز جمعا في نحو
~~ثلاثة أثواب مع أن الأصل في الجميع الجمع، وإنما عدلوا إلى المفرد لعلة
~~كما بين في محله فإذا استعمل التمييز جمعا استعمل على الأصل، وما قال
~~إنما يلزم لو كان ما استعمل جمعا استعمل كما استعمل المفرد فأما إذا
~~استعمل الجمع على أصله في ما وضع له العدد فلا انتهى. وقد صرح الخفاجي أن
~~ذلك كتقابل الجمع بالجمع، وجوز الزجاج كون

# سنين

# [الكهف: 25] مجرورا على أنه نعت { مائة } وهو راجع في المعنى إلى
~~جملة العدد كما في قول عنترة

# / فيها اثنتان وأربعون حلوبة

# سودا كخافية الغراب الأسحم

# حيث جعل سودا نعتا لحلوبة وهي في المعنى نعت لجملة العدد، وقال أبو
~~علي: لا يمتنع أن يكون الشاعر اعتبر حلوبة جمعا وجعل سودا وصفا لها
~~وإذا كان المراد به الجمع فلا يمتنع أن يقع تفسيرا لهذا الضرب من العدد
~~من حيث كان على لفظ الآحاد كما يقال عشرون نفرا وثلاثون قبيلا.

# وقرأ حمزة والكسائي وطلحة ويحيى والأعمش والحسن وابن أبي ليلى وخلف
~~وابن سعدان وابن عيسى الأصبهاني وابن جبير الأنطاكي { ثلثمائة سنين }
~~بإضافة مائة إلى سنين وما نقل عن الزجاج يرد هنا أيضا ويرد بما رد به
~~هناك، ولا وجه لتخصيص الإيراد بنصب { سنين } على التمييز فإن منشأ
~~اللزوم على فرض تسليمه كونه تمييزا وهو متحقق إذا جر أيضا وجر تمييز
~~المائة بالإضافة أحد الأمرين المشهورين فيه استعمالا، وثانيهما كونه
~~مفردا ولكون الإفراد مشهورا في الاستعمال أطلق عليه الأصل فهو أصل بحسب
~~الاستعمال، ولا ينافي هذا قول ابن الحاجب: إن الأصل في التمييز مطلقا
~~الجمع كما سمعت آنفا لأنه أراد أنه الأصل المرفوض قياسا نظرا إلى أن
~~المائة جمع كثلاثة وأربعة ونحوهما كذا في «الكشف»، وقد يخرج عن الاستعمال
~~المشهور فيأتي مفردا منصوبا كما في قوله:

# إذا عاش الفتى مائتين عاما

# فقد ذهب اللذاذة والفتاء

# وقد يأتي جمعا مجرورا بالإضافة كما في الآية على قراءة ms06030 الكسائي وحمزة
~~ومن معهما لكن قالوا: إن الجمع المذكور فيها قد أجري مجرى العاري عن
~~علامة الجمع لما أن العلامة فيه ليست متمحضة للجمعية لأنها كالعوض عن لام
~~مفرده المحذوفة حتى أن قوما لا يعربونه بالحروف بل يجرونه مجرى حين، ولم
~~أجد فيما عندي من كتب العربية شاهدا من كلام العرب لإضافة المائة إلى
~~جمع، وأكثر النحويين يوردون الآية على قراءة حمزة والكسائي شاهدا لذلك
~~وكفى بكلام الله تعالى شاهدا. وقرأ أبي { ثلثمائة سنة } بالإضافة
~~والإفراد كما هو الاستعمال الشائع وكذا في مصحف ابن مسعود، وقرأ الضحاك {
~~ثلثمائة سنون } بالتنوين ورفع سنون على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي سنون،
~~وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية اللؤلؤي عنه { تسعا } بفتح التاء وهو لغة
~~فيه فاعلم والله تعالى أعلم.

# { له غيب السموات والأرض } أي جميع ما غاب فيهما وخفي
~~من أحوال أهلهما فالغيب مصدر بمعنى الغائب والخفي جعل عينه للمبالغة
~~واللام للاختصاص العلمي أي له تعالى ذلك علما ويلزم منه ثبوت علمه
~~سبحانه بسائر المخلوقات لأن من علم الخفي علم غيره بالطريق الأولى. {
~~أبصر به وأسمع } صيغتا تعجب والهاء ضميره تعالى، والكلام
~~مندرج تحت القول فليس التعجب منه سبحانه ليقال ليس المراد منه حقيقته
~~لاستحالته عليه تعالى بل المراد أن ذلك أمر عظيم من شأنه أن يتعجب منه
~~كما قيل ولا يمتنع صدور التعجب من بعض صفاته سبحانه وأفعاله عز وجل حقيقة
~~من غيره تعالى. وفي الحديث

# " ما أحلمك عمن عصاك وأقربك ممن دعاك وأعطفك على من سألك "

# ، ولهم في هذه المسألة كلام طويل فليرجع إليه من أراده؛ ولابن هشام
~~«رسالة» في ذلك. وأيا ما كان ففيه إشارة إلى أن شأن بصره تعالى وسمعه عز
~~وجل وهما صفتان غير راجعتين إلى صفة العلم خارج عما عليه بصر المبصرين
~~وسمع السامعين فإن اللطيف والكثيف والصغير والكبير والجلي والخفي والسر
~~والعلن على حد سواء في عدم الاحتجاب عن بصره وسمعه تبارك وتعالى بل من
~~الناس من قال: إن المعدوم والموجود في ذلك سواء ms06031 وهو مبني على شيئية
~~المعدوم / والخلاف في ذلك معلوم ولعل تقديم ما يدل على عظم شأن بصره عز
~~وجل لما أن ما نحن بصدده من قبيل المبصرات والأصل أبصر وأسمع والهمزة
~~للصيرورة لا للتعدية أي صار ذا بصر وصار ذا سمع ولا يقتضي ذلك عدم
~~تحققهما له تعالى تعالى عن ذلك علوا كبيرا، وفيهما ضمير مستتر عائد
~~عليه سبحانه ثم حولا إلى صيغة الأمر وبرز الضمير الفاعل لعدم لياقة صيغة
~~الأمر لتحمل ضمير الغائب وجر بالباء الزائدة فكان له محلان الجر لمكان
~~الباء والرفع لمكان كونه فاعلا، ولكونه صار فضلة صورة أعطي حكمها فصح
~~حذفه من الجملة الثانية مع كونه فاعلا والفاعل لا يجوز حذفه عندهم، ولا
~~تكاد تحذف هذه الباء في هذا الموضع إلا إذا كان المتعجب منه أن وصلتها
~~نحو أحسن أن تقول، وهذا الفعل لكونه ماضيا معنى قيل إنه مبني على فتح
~~مقدر منع من ظهوره مجيئه على صورة الأمر وهذا مذهب س في هذا التركيب.

# قال الرضي: وضعف ذلك بأن الأمر بمعنى الماضي مما لم يعهد بل جاء الماضي
~~بمعنى الأمر كما في حديث

# " اتقى الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه "

# ، وبأن صار ذا كذا قليل ولو كان ما ذكر منه لجاز ألحم بزيد وأشحم بزيد،
~~وبأن زيادة الباء في الفاعل قليل والمطرد زيادتها في المفعول. وتعقب بأن
~~كون الأمر بمعنى الماضي مما لم يعهد غير مسلم ألا ترى أن كفى به بمعنى
~~اكتف به عند الزجاج وقصد بهذا النقل الدلالة على أنه قصد به معنى إنشائي
~~وهو التعجب، ولم يقصد ذلك من الماضي لأن الإنشاء أنسب بصيغة الأمر منه
~~لأنه خبر في الأكثر، وبأن كثرة أفعل بمعنى صار ذا كذا لا تخفى على
~~المتتبع، وجواز ألحم بزيد على معنى التعجب لازم ولا محذور فيه وعلى معنى
~~آخر غير لازم. نعم ما ذكر من قلة زيادة الباء في الفاعل مما لا كلام فيه،
~~والإنصاف أن مذهب س في هذه المسألة لا يخلو عن تعسف. ومذهب الأخفش ms06032 وعزاه
~~الرضي إلى الفراء أن أفعل في نحو هذا التركيب أمر لفظا ومعنى فإذا قلت
~~أحسن بزيد فقد أمرت كل واحد بأن يجعل زيدا حسنا ومعنى جعله كذلك وصفه
~~به فكأنك قلت صفه بالحسن كيف شئت فإن فيه منه كل ما يمكن أن يكون في شخص
~~كما قال الشاعر:

# لقد وجدت مكان القول ذا سعة

# فإن وجدت لسانا قائلا فقل

# وهذا المعنى مناسب للتعجب بخلاف تقدير س، وأيضا همزة الجعل أكثر من
~~همزة صار ذا كذا وإن لم يكن شيء منهما على ما قال الرضي قياسا مطردا،
~~واعتبر الفاعل ضمير المأمور وهو كل أحد لأن المراد أنه لظهور الأمر يؤمر
~~كل أحد لا على التعيين بوصفه بما ذكر، ولم يتصرف في أفعل على هذا المذهب
~~فيسند إلى مثنى أو مجموع أو مؤنث لما ذكروا من علة كون فعل التعجب غير
~~متصرف وهي مشابهته الحروف في الإنشاء وكون كل لفظ من ألفاظه صار علما
~~لمعنى من المعاني، وإن كان هناك جملة فالقياس أن لا يتصرف فيه احتياطا
~~لتحصيل الفهم كأسماء الأعلام فلذا لم يتصرف في نعم وبئس في الأمثال، وسهل
~~ذلك هنا انمحاء معنى الأمر فيه كما انمحى معنى الجعل وصار لمحض إنشاء
~~التعجب ولم يبق فيه معنى الخطاب، والباء زائدة في المفعول، وأجاز الزجاج
~~أن تكون الهمزة للصيرورة فتكون الباء للتعدية أي صيره ذا حسن، ثم إنه
~~اعتذر لبقاء أحسن في الأحوال على صورة واحدة لكون الخطاب لمصدر الفعل أي
~~يا حسن أحسن بزيد وفيه تكلف وسماجة. / وأيضا نحن نقول أحسن بزيد يا عمرو
~~ولا يخاطب شيئان في حالة إلا أن يقول: معنى خطاب الحسن قد انمحى، وثمرة
~~الخلاف بين س وغيره تظهر فيما إذا اضطر إلى حذف الباء فعلى مذهب س يلزم
~~رفع مجروره وعلى غيره يلزم نصبه. هذا وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون معنى
~~الآية: أبصر بدين الله تعالى وأسمع به أي بصر بهدى الله تعالى وسمع به
~~فترجع الهاء إما على الهدى وإما على الاسم الجليل ms06033 ونقل ذلك عن ابن
~~الأنباري وليس بشيء.

# وقرأ عيسى { أبصر به وأسمع } بصيغة الماضي فيهما وخرج ذلك
~~أبو حيان على أن المراد الإخبار لا التعجب، والضمير المجرور لله تعالى أي
~~أبصر عباده بمعرفته سبحانه وأسمعهم، وجوز أن يكون { أبصر } أفعل
~~تفضيل وكذا { أسمع } وهو منصوب على الحالية من ضمير (له) وضمير {
~~به } عائد على الغيب وليس المراد حقيقة التفضيل بل عظم شأن بصره تعالى
~~وسمعه عز وجل، ولعل هذا أقرب مما ذكره أبو حيان. وحاصل المعنى عليه أنه
~~جل شأنه يعلم غيب السموات والأرض بصيرا به وسميعا على أتم وجه وأعظمه.

# { ما لهم } أي لأهل السموات والأرض المدلول عليه بذكرهما { من
~~دونه } تعالى { من ولى } من يتولى أمورهم { ولا يشرك فى
~~حكمه } في قضائه تعالى { أحدا }  كائنا من كان ولا يجعل له فيه
~~مدخلا، وقيل يحتمل أن يعود الضمير لأصحاب الكهف وإضافة حكم للعهد على
~~معنى ما لهم من يتولى أمرهم ويحفظهم غيره سبحانه ولا يشرك في حكمه الذي
~~ظهر فيهم أحدا من الخلق.

# وجوز ابن عطية أن يعود على معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم من
~~الكفار المشاقين له عليه الصلاة والسلام وجعل الآية اعتراضا بتهديد،
~~وقيل يحتمل أن يعود على معنى مؤمني أهل السموات والأرض. والمراد أنهم لن
~~يتخذوا من دونه تعالى وليا، وقيل: يعود على المختلفين في مدة لبث أصحاب
~~الكهف أي لا يتولى أمرهم غير الله تعالى فهم لا يقدرون بغير إقداره
~~سبحانه فكيف يعلمون بغير إعلامه عز وجل والكل كما ترى. ثم لا يخفى عليك
~~أن ما في النظم الكريم أبلغ في نفي الشريك من أن يقال من ولي ولا شريك.

# وقرأ مجاهد { ولا يشرك } بالياء آخر الحروف والجزم، قال يعقوب: لا
~~أعرف وجه ذلك، ووجهه بعضهم بأنه سكن بنية الوقف. وقرأ ابن عامر والحسن
~~وأبو رجاء وقتادة والجحدري وأبو حيوة وزيد وحميد بن الوزير عن يعقوب
~~والجعفي واللؤلؤي عن أبي بكر { ولا تشرك } بالتاء ثالث الحروف والجزم
~~على أنه نهي لكل أحد عن ms06034 الشرك لا نهي له صلى الله عليه وسلم ولو جعل له
~~عليه الصلاة والسلام لجعل تعريضا بغيره كقوله:

# إياك أعني واسمعي يا جاره

# فيكون مآله إلى ذلك. وجوز أن يكون الخطاب له صلى الله عليه وسلم ويجعل
~~معطوفا على

# لا تقولن

# [الكهف: 23] والمعنى لا تسأل أحدا عما لا تعرفه من قصة أصحاب الكهف
~~ولبثهم واقتصر على ما يأتيك في ذلك من الوحي أو لا تسأل أحدا عما أخبرك
~~الله تعالى به من نبأ مدة لبثهم واقتصر على بيانه سبحانه ولا يخفى ما فيه
~~من كثرة مخالفة الظاهر وإن كان أشد مناسبة لقوله تعالى:

### || [18.27]

# { واتل ما أوحى إليك من كتب ربك } ووجه الربط على
~~القراءة المشهورة حسبما تقدم من تفسيرها أنه سبحانه لما ذكر قصة أصحاب
~~الكهف وكانت من المغيبات بالإضافة إليه صلى الله عليه وسلم ودل اشتمال
~~القرآن عليها على / أنه وحي معجز من حيثية الاشتمال وإن كانت جهة إعجازه
~~غير منحصرة في ذلك أمره جل شأنه بالمواظبة على درسه بقوله سبحانه {
~~واتل } الخ وهو أمر من التلاوة بمعنى القراءة أي لازم تلاوة ذلك على
~~أصحابك أو مطلقا ولا تكترث بقول من يقول لك

# ائت بقرآن غير هذآ أو بدله

# [يونس: 15]. وجوز أن يكون { اتل } أمرا من التلو بمعنى الاتباع أي
~~اتبع ما أوحي إليك والزم العلم به. وقيل وجه الربط أنه سبحانه لما نهاه
~~عن المراء المتعمق فيه وعن الاستفتاء أمره سبحانه بأن يتلو ما أوحى إليه
~~من أمرهم فكأنه قيل اقرأ ما أوحي إليك من أمرهم واستغن به ولا تتعرض
~~لأكثر من ذلك أو اتبع ذلك وخذ به ولا تتعمق في جدالهم ولا تستفت أحدا
~~منهم فالكلام متعلق بما تقدم من النواهي. والمراد بما أوحي الخ هو الآيات
~~المتضمنة شرح قصة أصحاب الكهف، وقيل: متعلق بقوله تعالى:

# قل الله أعلم بما لبثوا

# [الكهف: 26] أي قل لهم ذلك واتل عليهم إخباره عن مدة لبثهم فالمراد بما
~~أوحي الخ ما تضمن هذا الإخبار، وهذا دون ما قبله بكثير بل ms06035 لا ينبغي أن
~~يلتفت إليه، والمعول عليه أن المراد بما أوحي ما هو أعم مما تضمن القصة
~~وغيره من كتابه تعالى.

# { لا مبدل لكلمته } لا يقدر أحد على تبديلها وتغييرها غيره
~~وأما هو سبحانه فقدرته شاملة لكل شيء يمحو ما يشاء ويثبت، ويعلم مما ذكر
~~اندفاع ما قيل: إن التبديل واقع لقوله تعالى:

# وإذا بدلنآ ءاية

# [النحل: 101] الآية. والظاهر عموم الكلمات الأخبار وغيرها، ومن هنا قال
~~الطبرسي: المعنى لا مغير لما أخبر به تعالى ولا لما أمر والكلام على حذف
~~مضاف أي لا مبدل لحكم كلماته انتهى. لكن أنت تعلم أن الخبر لا يقبل
~~التبديل أي النسخ فلا تتعلق به الإرادة حتى تتعلق به القدرة لئلا يلزم
~~الكذب المستحيل عليه عز شأنه. ومنهم من خص الكلمات بالأخبار لأن المقام
~~للإخبار عن قصة أصحاب الكهف وعليه لا يحتاج إلى تخصيص النكرة المنفية لما
~~سمعت من حال الخبر. وقول الإمام: إن النسخ في الحقيقة ليس بتبديل لأن
~~المنسوخ ثابت في وقته إلى وقت طريان الناسخ فالناسخ كالمغاير فكيف يكون
~~تبديلا توهم لا يقتدى به.

# ومن الناس من خص الكلمات بمواعيده تعالى لعباده الموحدين فكأنه قيل اتل
~~ما أوحي إليك ولا تبال بالكفرة المعاندين فإنه قد تضمن من وعد الموحدين
~~ما تضمن ولا مبدل لذلك الوعد، ومآله اتل ولا تبال فإن الله تعالى ناصرك
~~وناصر أصحابك وهو كما ترى وإن كان أشد مناسبة لما بعد.

# والضمير على ما يظهر من «مجمع البيان» للكتاب، ويجوز أن يكون للرب تعالى
~~كما هو الظاهر في الضمير في قوله سبحانه:

# { ولن تجد من دونه ملتحدا } أي ملجأ تعدل إليه عند إلمام
~~ملمة، وقال الإمام في «البيان والإرشاد»: وأصله من الالتحاد بمعنى الميل،
~~وجوز الراغب فيه أن يكون اسم مكان وأن يكون مصدرا، وفسره ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما هنا بالمدخل في الأرض وأنشد عليه حين سأله نافع بن
~~الأرزق قول خصيب الضمري:

# يا لهف نفسي ولهف غير مجدبة

# عني وما عن قضاء الله ملتحد

# ولا داعي ms06036 فيه لتفسيره بالمدخل في الأرض ليلتجأ إليه. ثم إذا كان المعني
~~بالخطاب سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم فالكلام مبني على الفرض
~~والتقدير إذ هو عليه الصلاة والسلام بل خلص أمته لا تحدثهم أنفسهم بطلب
~~ملجأ غيره تعالى. نسأله سبحانه أن يجعلنا ممن التجأ إليه وعول في جميع
~~أموره عليه فكفاه جل وعلا ما أهمه وكشف عنه غياهب كل غمه.

# / هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { الحمد لله الذى أنزل
~~على عبده الكتب } قد تقدم أن مقام العبودية لا يشابهه مقام
~~ولا يدانيه ونبينا صلى الله عليه وسلم في أعلى مراقيه، وقد ذكر أن العبد
~~الحقيقي من كان حرا عن الكونين وليس ذاك إلا سيدهما صلى الله عليه وسلم

# ولم يجعل له عوجا

# [الكهف: 1] { قيما } قد تقدم في التفسير أن الضمير المجرور عائد على
~~{ الكتب } وجعله بعض أهل التأويل عائدا على { عبده } أي لم
~~يجعل له عليه الصلاة والسلام انحرافا عن جنابه وميلا إلى ما سواه وجعله
~~مستقيما في عبوديته سبحانه، وجعل الأمر في قوله تعالى

# فاستقم كما أمرت

# [هود: 112] أمر تكوين { لينذر بأسا شديدا من لدنه }
~~وهو بأس الحجاب والبعد عن الجناب وذلك أشد العذاب

# كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون

# [المطففين: 15] { ويبشر المؤمنين الذين يعملون
~~الصلحات } وهي الأعمال التي أريد بها وجه الله تعالى لا غير، وقيل
~~العمل الصالح التبري من الوجود بوجود الحق

# أن لهم أجرا حسنا

# [الكهف: 2] وهي رؤية المولى ومشاهدة الحق بلا حجاب

# فلعلك بخع نفسك على ءاثرهم إن لم
~~يؤمنوا بهذا الحديث أسفا

# [الكهف: 6] فيه إشارة إلى مزيد شفقته صلى الله عليه وسلم واهتمامه وحرصه
~~على موافقة المخالفين وانتظامهم في سلك الموافقين { إنا جعلنا ما
~~على الأرض } من الأنهار والأشجار والجبال والمعادن والحيوانات {
~~زينة لها } أي لأهلها

# لنبلوهم أيهم أحسن عملا

# [الكهف: 7] فيجعل ذلك مرآة لمشاهدة أنوار جلاله وجماله سبحانه عز وجل،
~~وقال ابن عطاء: حسن العمل الإعراض عن الكل، وقال الجنيد: حسن العمل اتخاذ
~~ذلك عبرة وعدم الاشتغال به.

# وقال بعضهم: أهل المعرفة ms06037 بالله تعالى والمحبة له هم زينة الأرض وحسن
~~العمل النظر إليه بالحرمة.

# وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا

# [الكهف: 8] كناية عن ظهور فناء ذلك بظهور الوجود الحقاني والقيامة
~~الكبرى

# أم حسبت أن أصحب الكهف والرقيم كانوا من
~~ءايتنا عجبا

# [الكهف: 9] قال الجنيد قدس الله سره: أي لا تتعجب منهم فشأنك أعجب من
~~شأنهم حيث أسري بك ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وبلغ بك
~~سدرة المنتهى وكنت في القرب كقاب قوسين أو أدنى ثم ردك قبل انقضاء الليل
~~إلى مضجعك. { إذ أوى الفتية إلى الكهف } قيل هم فتيان
~~المعرفة الذين جبلوا على سجية الفتوة، وفتوتهم إعراضهم عن غير الله تعالى
~~فأووا إلى الكهف الخلوة به سبحانه { فقالوا } حين استقاموا في منازل
~~الأنس ومشاهد القدس وهيجهم ما ذاقوا إلى طلب الزيادة والترقي في مراقي
~~السعادة { ربنا ءاتنا من لدنك رحمة } معرفة كاملة
~~وتوحيدا عزيزا

# وهيىء لنا من أمرنا رشدا

# [الكهف: 10] بالوصول إليك والفناء فيك

# فضربنا على ءاذانهم فى الكهف سنين عددا

# [الكهف: 11] كناية عن جعلهم مستغرقين فيه سبحانه فانين به تعالى عما
~~سواه

# ثم بعثنهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما
~~لبثوا أمدا

# [الكهف: 21] إشارة إلى ردهم إلى الصحو بعد السكر والبقاء بعد الفناء،
~~ويقال أيضا: هو إشارة إلى الجلوة بعد الخلوة وهما قولان متقاربان {
~~نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية
~~ءامنوا بربهم } الإيمان العلمي

# وزدنهم هدى

# [الكهف: 13] بأن أحضرناهم وكاشفناهم { وربطنا على قلوبهم }
~~سكناها عن التزلزل بما أسكنا فيها من اليقين فلم يسنح فيها هواجس التخمين
~~ولا وساوس الشياطين، ويقال أيضا: رفعناها من حضيض التلوين إلى أوج
~~التمكين. { إذ قاموا } بنا لنا { فقالوا ربنا رب
~~السموات والأرض } مالك أمرهما ومدبرهما فلا قيام لهما إلا
~~بوجوده المفاض من بحار جوده { لن ندعوا من دونه إلها } إذ
~~ما من شيء إلا وهو محتاج إليه سبحانه فلا يصلح لأن يدعى

# لقد قلنا إذا شططا

# [الكهف: 14] كلاما بعيدا عن الحق مفرطا في الظلم، واستدل بعض المشايخ
~~بهذه الآية على أنه ينبغي للسالكين إذا ms06038 أرادوا الذكر وتحلقوا له أن
~~يقوموا فيذكروا قائمين، قال ابن الغرس: وهو استدلال / ضعيف لا يقوم به
~~المدعي على ساق. وأنت تعلم أنه لا بأس بالقيام والذكر لكن على ما يفعله
~~المتشيخون اليوم فإن ذلك لم يكن في أمة من الأمم ولم يجيء في شريعة نبينا
~~صلى الله عليه وسلم بل لعمري إن تلك الحلق حبائل الشيطان وذلك القيام
~~قعود في بحبوحة الخذلان { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون
~~إلا الله } أي وإذ خرجتم عن صحبة أهل الهوى وأعرضتم عن السوى {
~~فأووا إلى الكهف } فاخلوا بمحبوبكم { ينشر لكم ربكم
~~من رحمته } مطوي معرفته

# ويهيىء لكم من أمركم مرفقا

# [الكهف: 16] ما تنتفعون به من أنوار تجلياته ولطائف مشاهداته، قال بعض
~~العارفين: العزلة عن غير الله تعالى توجب الوصلة بالله عز وجل بل لا تحصل
~~الوصول إلا بعد العزلة ألا ترى كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~يتجنب بغار حراء حتى جاءه الوحي وهو فيه { وترى الشمس إذا
~~طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت
~~تقرضهم ذات الشمال وهم فى فجوة منه } لئلا يكثر
~~الضوء في الكهف فيقل معه الحضور، فقد ذكروا أن الظلمة تعين على الفكر
~~وجمع الحواس، ومن هنا ترى أهل الخلوة يختارون لخلوتهم مكانا قليل الضياء
~~ومع هذا يغمضون أعينهم عند المراقبة. وفي «أسرار القرآن» أن في الآية
~~إشارة إلى أن الله تعالى حفظهم عن الاحتراق في السبحات فجعل شمس الكبرياء
~~تزاور عن كهف قربهم ذات يمين الأزل وذات شمال الأبد وهم في فجوة وصال
~~مشاهدة الجمال والجلال محروسون محفوظون عن قهر سلطان صرف الذات الأزلية
~~التي تتلاشى الأكوان في أول بوادي إشراقها. وفي الحديث

# " حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره "

# وقيل في تأويله: إن شمس الروح أو المعرفة والولاية إذا طلعت من أفق
~~الهداية وأشرقت في سماء الواردات وهي حالة السكر وغلبة الوجد لا تنصرف في
~~خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبى وهو جانب اليمين وإذا غربت أي سكنت تلك
~~الغلبة وظهرت حالة ms06039 الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر يتعلق بالدنيا وهو
~~جانب الشمال بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في فراغ عما يشغلهم عن
~~الله تعالى. وذكر أن فيه إشارة إلى أن نور ولا يتهم يغلب نور الشمس ويرده
~~عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم وليس هذا بشيء وإن روي عن ابن
~~عطاء { من يهد الله فهو المهتد } الذي رفعت عنه الحجب
~~ففاز بما فاز

# ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا

# [الكهف: 17] لأنه لا يخذله سبحانه إلا لسوء استعداده ومتى فقد الاستعداد
~~تعذر الإرشاد { وتحسبهم أيقاظا وهم رقود } إشارة إلى
~~أنهم مع الخلق بأبدانهم ومع الحق بأرواحهم، وقال ابن عطاء: هم مقيمون في
~~الحضرة كالنومي لا علم لهم بزمان ولا مكان أحياء موتى صرعى مفيقون نومى
~~منتبهون { ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال } أي ننقلهم
~~من عالم إلى عالم؛ وقال ابن عطاء: نقلبهم في حالتي القبض والبسط والجمع
~~والفرق، وقال آخر: نقلبهم بين الفناء والبقاء والكشف والاحتجاب والتجلي
~~والاستتار، وقيل في الآية إشارة إلى أنهم في التسليم كالميت في يد الغاسل
~~{ وكلبهم بسط ذراعيه بالوصيد } قال أبو بكر الوراق:
~~مجالسة الصالحين ومجاورتهم غنيمة وإن اختلف الجنس ألا ترى كيف ذكر الله
~~سبحانه كلب أصحاب الكهف معهم لمجاورته إياهم.

# وقل أشير بالآية إلى أن كلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال، وقيل يمكن
~~أن يراد أن نفوسهم صارت بحيث تطيعهم جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم {
~~لو اطلعت عليهم } أي لو اطلعت من حيث أنت على ما ألبستهم من
~~لباس قهر ربوبيتي وسطوات عظمتي { لوليت منهم } أي من رؤية ما
~~عليهم من هيبتي وعظمتي

# فرارا ولملئت منهم رعبا

# [الكهف: 18] كما فر موسى كليمي من رؤية عصاه حين قلبتها حية وألبستها
~~ثوبا من عظمتي وهيبتي، وهذا الفرار حقيقة منا لأنه من عظمتنا الظاهرة في
~~هاتيك المرآة كذا قرره غير واحد وروي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه.

# { وكذلك بعثنهم } رددناهم إلى الصحو بعد السكر {
~~ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم ms06040
~~قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } لأنهم كانوا مستغرقين
~~لا يعرفون اليوم من الأمس ولا يميزون القمر من الشمس، وقيل: إنهم استقلوا
~~أيام الوصال وهكذا شأن عشاق الجمال فسنة الوصل في سنتهم سنة وسنة الهجر
~~سنة، ويقال: مقام المحب مع الحبيب وإن طال قصير وزمان الاجتماع وإن كثر
~~يسير إذ لا يقضى من الحبيب وطر وإن فني الدهر ومر ولا يكاد يعد المحب
~~الليال إذا كان قرير العين بالوصال كما قيل:

# أعد الليالي ليلة بعد ليلة

# وقد عشت دهرا لا أعد اللياليا

# ثم إنهم لما رجعوا من السكر إلى الصحو ومن الروحانية إلى البشرية طلبوا
~~ما يعيش به الإنسان واستعملوا حقائق الطريقة وذلك قوله تعالى: {
~~فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة
~~فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه
~~وليتلطف } والإشارة فيه أولا: إلى أن اللائق بطالبي الله تعالى
~~ترك السؤال، ويرد به على المتشيخين الذين دينهم وديدنهم السؤال وليته كان
~~من الحلال. وثانيا: إلى أن اللائق بهم أن لا يختص أحدهم بشيء دون صاحبه
~~ألا ترى كيف قال قائلهم: { بورقكم هذه } فأضاف الورق إليهم
~~جملة وقد كان فيما يروى فيهم الراعي ولعله لم يكن له ورق. وثالثا: إلى
~~أن اللائق بهم استعمال الورع ألا ترى كيف طلب القائل الأزكى وهو على ما
~~في بعض الروايات الأحل، ولذلك قال ذو النون: العارف من لا يطفىء نور
~~معرفته نور ورعه، والعجب أن رجلا من المتشيخين كان يأخذ من بعض الظلمة
~~دنانير مقطوعا بحرمتها فقيل له في ذلك فقال: نعم هي جمرات ولكن تطفىء
~~حرارة جوع السالكين، ومع هذا وأمثاله له اليوم مرقد يطوف به من يزور
~~وتوقد عليه السرج وتنذر له النذور، ورابعا: إلى أنه ينبغي لهم التواصي
~~بحسن الخلق وجميل الرفق ألا ترى كيف قال قائلهم: { وليتلطف }
~~بناء على أنه أمر بحسن المعاملة مع من يشتري منه. وقال بعض أهل التأويل:
~~إنه أمر باختيار اللطيف من الطعام لأنهم لم يأكلوا مدة فالكثيف يضر
~~بأجسامهم، وقيل: أرادوا اللطيف لأن أرواحهم من عالم ms06041 القدس ولا يناسبها
~~إلا اللطيف، وعن يوسف بن الحسين أنه كان يقول: إذا اشتريت لأهل المعرفة
~~شيئا من الطعام فليكن لطيفا وإذا اشتريت للزهاد والعباد فاشتر كلما تجد
~~لأنهم بعد في تذليل أنفسهم، وقال بعضهم: طعام أهل المجاهدات وأصحاب
~~الرياضات ولباسهم الخشن من المؤكولات والملبوسات والذي بلغ المعرفة فلا
~~يوافقه إلا كل لطيف، ويروى عن الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله سره
~~أنه كان في آخر أمره يلبس ناعما ويأكل لطيفا.

# وعندي أن التزام ذلك يخل بالكمال، وما يروى عن الشيخ قدس سره وأمثاله إن
~~صح يحتمل أن يكون أمرا اتفاقيا، وعلى فرض أنه كان عن التزام يحتمل أنه
~~كان لغرض شرعي وإلا فهو خلاف المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن
~~كبار أصحابه رضي الله تعالى عنهم، فقد بين في «الكتب الصحيحة» حالهم في
~~المأكل والملبس وليس فيها ما يؤيد كلام يوسف بن الحسين وأضرابه والله
~~تعالى أعلم

# ولا يشعرن بكم أحدا

# [الكهف: 19] أي من / الأغيار المحجوبين عن مطالعة الأنوار والوقوف على
~~الأسرار { إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم } بأحجار
~~الإنكار { أو يعيدوكم فى ملتهم } التي اجتمعوا عليها ولم
~~ينزل الله تعالى بها من سلطان

# ولن تفلحوا إذا أبدا

# [الكهف: 20] لأن الكفر حينئذ يكون كالكفر الإبليسي { ولا تقولن
~~لشىء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله } إرشاد
~~إلى محض التجريد والتفريد، ويحكى عن بعض كبار الصوفية أنه أمر بعض
~~تلامذته بفعل شيء فقال: أفعله إن شاء الله تعالى فقال له الشيخ بالفارسية
~~ما معناه: يا مجنون فإذا من أنت، والآية تأبى هذا الكلام غاية الإباء
~~وفيه على مذهب أهل الوحدة أيضا ما فيه، وقيل الآية نهي عن أن يخبر صلى
~~الله عليه وسلم عن الحق بدون إذن الحق سبحانه. ففيه إرشاد للمشايخ إلى
~~أنه لا ينبغي لهم التكلم بالحقائق بدون الإذن ولهم أمارات للإذن
~~يعرفونها. { واذكر ربك إذا نسيت } قيل أي إذا نسيت الكون
~~بأسره حتى نفسك فإن الذكر لا يصفو إلا حينئذ، وقيل إذا نسيت الذكر، ومن ms06042
~~هنا قال الجنيد قدس سره: حقيقة الذكر الفناء بالمذكور عن الذكر، وقال قدس
~~سره في قوله تعالى:

# وقل عسى أن يهدين ربى لأقرب من هذا رشدا

# [الكهف: 24] إن فوق الذكر منزلة هي أقرب منزلة من الذكر وهي تجديد
~~النعوت بذكره سحبانه لك قبل أن تذكره جل وعلا

# ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا
~~تسعا

# [الكهف: 25] زعم بعض أهل التأويل أن مجموع ذلك خمس وعشرون سنة واعتبر
~~السنة التي في الآية شهرا وهو زعم لا داعي إليه إلا ضعف الدين ومخالفة
~~جماعة المسلمين وإلا فأي ضرر في إبقاء ذلك على ظاهره وهو أمر ممكن أخبر
~~به الصادق، ومما يدل على إمكان هذا اللبث أن أبا علي بن سينا ذكر في باب
~~الزمان من «الشفاء» أن أرسطو ذكر أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة
~~بحالة أصحاب الكهف قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم قبل أصحاب الكهف
~~انتهى.

# وفي الآية على ما قيل إشارة إلى أن المريد الذي يربيه الله سبحانه بلا
~~واسطة المشايخ يصل في مدة مديدة وسنين عديدة والذي يربيه جل جلاله
~~بواسطتهم يتم أمره في أربعينيات وقد يتم في أيام معدودات، وأنا أقول لا
~~حجر على الله سبحانه وقد أوصل جل وعلا كثيرا من عباده بلا واسطة في
~~سويعات { له } تعالى شأنه { غيب السموات } عالم العلو {
~~والأرض } عالم السفل، ولا يخفى أن عنوان الغيبية إنما هو بالنسبة إلى
~~المخلوقين وإلا فلا غيب بالنسبة إليه جل جلاله؛ ومن هنا قال بعضهم: إنه
~~سبحانه لا يعلم الغيب بمعنى أنه لا غيب بالنسبة إليه تعالى ليتعلق به
~~العلم، لكن أنت تعلم أنه لا يجوز التكلم بمثل هذا الكلام وإن أول بما أول
~~لما فيه ظاهرا من مصادمة الآيات. وإلى الله تعالى نشكو أقواما ألغزوا
~~الحق وفتنوا بذلك الخلق { أبصر به وأسمع } أي ما أبصره تعالى
~~وما أسمعه لأن صفاته عين ذاته { ما لهم من دونه من ولى } إذ
~~لا فعل لأحد سواه تعالى

# ولا يشرك فى حكمه أحدا

# [الكهف: 26] لكمال ms06043 قدرته سبحانه وعجز غيره عز شأنه، هذا والله تعالى
~~الهادي إلى سواء السبيل.

### || [18.28]

# { واصبر نفسك } أي احبسها وثبتها يقال صبرت زيدا أي حبسته، وفي
~~الحديث النهي عن صبر الحيوان أي حبسه للرمي، واستعمال ذلك في الثبات على
~~الأمر وتحمله توسع، ومنه الصبر بمعناه المعروف، ولم يجعل هذا منه لتعدي
~~هذا ولزومه { مع الذين } أي مصاحبة مع الذين { يدعون ربهم
~~بالغداة والعشى } أي يعبدونه دائما، وشاع استعمال مثل هذه
~~العبارة للدوام وهي نظير قولهم: ضرب زيد الظهر والبطن يريدون / به ضرب
~~جميع بدنه، وأبقى غير واحد الغداة والعشي على ظاهرهما ولم يرد عموم
~~الأوقات أي يعبدونه في طرفي النهار، وخصا بالذكر لأنهما محل الغفلة
~~والاشتغال بالأمور. والمراد بتلك العبادة قيل ذكر الله تعالى وروي ذلك من
~~طريق مغيرة عن إبراهيم، وقيل: قراءة القرآن، وروي ذلك عن عبيد الله بن
~~عبد الله بن عدي بن الخيار، وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن جبير أن المراد
~~بها المفاوضة في الحلال والحرام. وعن ابن عمر ومجاهد هي شهود الصلوات
~~الخمس، وعن قتادة شهود صلاة الصبح والعصر، وفيما تقدم ما يؤيد ثاني
~~الأقوال وفيما بعد ما يؤيد ظاهره أولها فتدبر جدا.

# والمراد بالموصول فقراء الصحابة عمار وصهيب وسلمان وابن مسعود وبلال
~~وأضرابهم قال كفار قريش كأمية بن خلف وغيره من صناديد أهل مكة لو أبعدت
~~هؤلاء عن نفسك لجالسناك فإن ريح جبابهم تؤذينا فنزلت الآية، وأخرج ابن
~~مردويه وأبو نعيم في «الحلية» والبيهقي في «شعب الايمان» عن سلمان قال:
~~جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن بدر
~~والأقرع بن حابس فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس وتغيبت عن
~~هؤلاء وأرواح جبابهم يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين وكانت عليهم
~~جباب الصوف جالسناك أو حدثناك وأخذنا عنك فأنزل الله تعالى

# واتل ما أوحى إليك من كتب ربك

# [الكهف: 27] إلى قوله سبحانه

# أعتدنا للظالمين نارا

# [الكهف: 29] يتهددهم بالنار، وروى أبو الشيخ عن سلمان أنها لما نزلت قام
~~رسول الله ms06044 عليه الصلاة والسلام يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون
~~الله تعالى فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع
~~رجال من أمتي معكم الحياة والممات. والآية على هذا مدنية وعلى الأول
~~مكية، قال أبو حيان: وهو أصح لأن السورة مكية، وأقول: أكثر الروايات تؤيد
~~الثاني وعليه تكون الآيات مستثناة من حكم السورة وكم مثل ذلك، وقد أخرج
~~ما يؤيد الأول ابن مردويه من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما، ولعل الآيات بعد تؤيده أيضا. والتعبير عن أولئك بالموصول
~~لتعليل الأمر بما في حيز الصلة من الخصلة الداعية إلى إدامة الصحبة.

# وقرأ ابن عامر { بالغدوة } وخرج ذلك على ما ذكره سيبويه والخليل من أن
~~بعض العرب ينكر غدوة فيقول: جاء زيد غدوة بالتنوين، على أن الرضي قال:
~~إنه يجوز استعمالها نكرة اتفاقا، والمشهور أن الأكثر استعمالها علم جنس
~~ممنوعا من الصرف فلا تدخل عليها أل لأنه لا يجتمع في كلمة تعريفان، ومتى
~~أريد إدخالها عليها قصد تنكيرها فأدخلت كما قصد تنكير العلم الشخصي في
~~قوله:

# وقد كان منهم صاحب وابن عمه

# أبو جندل والزيد زيد المعارك

# والقراءة المذكورة مخرجة على ذلك. واختار بعض المحققين التخريج الأول
~~وقال: إنه أحسن دراية ورواية لأن التنكير في العلم الشخصي ظاهر وأما في
~~الجنسي ففيه خفاء لأنه شائع في إفراده قبل تنكيره فتنكيره إنما يتصور
~~بترك حضوره في الذهن الفارق بينه وبين النكرة، وهو خفي فلذا أنكره
~~الفناري في «حواشيه على التلويح» في تنكير رجب علم الشهر انتهى، وللبحث
~~فيه مجال. وهذه الآية كما في «البحر» أبلغ من التي في الأنعام [52] وهي
~~قوله تعالى:

# يتقون ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة
~~والعشى

# { يريدون } بذلك الدعاء { وجهه } أي رضاه سبحانه وتعالى دون
~~الرياء والسمعة بناء على ما قاله الإمام السهيلي من أن الوجه إذا أضيف
~~إليه تعالى يراد به الرضا والطاعة المرضية مجازا لأن من رضي / على شخص
~~يقبل عليه ومن غضب يعرض عنه. وقيل: المراد ms06045 بالوجه الذات والكلام على حذف
~~مضاف. وقيل: هو بمعنى التوجه، والمعنى يريدون التوجه إليه تعالى والزلفى
~~لديه سبحانه، والأول أولى، والجملة في موضع الحال من فاعل { يدعون }
~~أي يدعون مريدين ذلك.

# { ولا تعد عيناك عنهم } أي لا تصرف عيناك النظر عنهم إلى
~~أبناء الدنيا، والمراد النهي عن احتقارهم وصرف النظر عنهم لرثاثة حالهم
~~إلى غيرهم فعدا بمعنى صرف المتعدي إلى مفعول بنفسه وإلى آخر بعن، قال في
~~«القاموس» يقال: عداه عن الأمر عدوا وعدوانا صرفه، واختار هذا أبو حيان
~~وهو الذي قدر المفعول كما سمعت وقد تتعدى عدا إلى مفعول واحد بعن كما
~~تتعدى إليه بنفسها فتكون بمعنى جاوز وترك، قال في «القاموس» يقال عدا
~~الأمر وعنه جاوزه وتركه، وجوز أن يكون معنى الآية على ذلك كأنه قيل لا
~~تتركهم عيناك، وقيل: إن عدا حقيقة معناه تجاوز كما صرح به الراغب
~~والتجاوز لا يتعدى بعن إلا إذا كان بمعنى العفو كما صرحوا به أيضا وهو
~~هنا غير مراد فلا بد من ((تضمين عدا معنى نبا وعلا في قولك: نبت عنه عينه
~~وعلت عنه عينه إذا اقتحمته ولم تعلق به)) وهو الذي ذهب إليه الزمخشري ثم
~~قال: لم يقل ولا تعدهم عيناك أو ولا تعل عيناك عنهم وارتكب التضمين ليعطي
~~الكلام مجموع معنيين وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ ألا ترى كيف رجع المعنى
~~إلى قولك: ولا تقحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم، وتعقبه أبو حيان ((بأن
~~التضمين لا ينقاس عند البصريين وإنما يذهب إليه عند الضرورة، أما إذا
~~أمكن إجراء اللفظ على مدلوله الوضعي فإنه يكون أولى)) واعترض أيضا ما
~~قيل: بأنه لا يلزم من اتحاد الفعلين في المعنى اتحادهما في التعدية فلا
~~يلزم من كون عدا بمعنى تجاوز أن يتعدى كما يتعدى ليقال: إن التجاوز لا
~~يتعدى بعن إلا إذا كان بمعنى العفو وهو غير مراد، فلا بد من تضمين عدا
~~معنى فعل متعد بعن، ويكفي كلام «القاموس» مستندا لمن خالف الزمخشري
~~فتدبر ولا تغفل.

# وقرأ الحسن { ولا تعد عينيك ms06046 } بضم التاء وسكون العين وكسر الدال المخففة
~~من أعداه ونصب العينين، وعنه وعن عيسى والأعمش أنهم قرؤا { ولا تعد عينيك
~~} بضم التاء وفتح العين وتشديد الدال المكسورة من عداه يعديه ونصب
~~العينين أيضا، وجعل الزمخشري وصاحب «اللوامح» الهمزة والتضعيف للتعدية.
~~وتعقب ذلك في «البحر» بأنه ليس بجيد بل الهمزة والتضعيف في هذه الكلمة
~~لموافقة أفعل وفعل للفعل المجرد وذلك لأنه قد أقر الزمخشري بأنها قبل
~~ذينك الأمرين متعدية بنفسها إلى واحد وعديت بعن للتضمين فمتى كان الأمران
~~للتعدية لزم أن تتعدى إلى اثنين مع أنها لم تتعدى في القراءتين
~~المذكورتين إليهما.

# { تريد زينة الحيوة الدنيا } أي تطلب مجالسة من لم يكن
~~مثلهم من الأغنياء وأصحاب الدنيا والجملة على القراءة المتواترة حال من
~~كاف { عيناك } وجازت الحال منه لأنه جزء المضاف إليه، والعامل على ما
~~قيل معنى الإضافة وليس بشيء. وقال في «الكشف»: العامل الفعل السابق كما
~~تقرر في قوله تعالى:

# بل ملة إبرهيم حنيفا

# [البقرة: 135] ولك أن تقول: ههنا خاصة العين مقحمة للتأكيد ولا يبعد أن
~~يجعل حالا من الفاعل. وتوحيد الضمير إما لاتحاد الإحساس أو للتنبيه على
~~مكان الإقحام أو للاكتفاء بأحدهما عن الآخر أو لأنهما عضو واحد في
~~الحقيقة، واستبشاع إسناد الإرادة إلى العين مندفع بأن إرادتها كناية عن
~~إرادة صاحبها ألا ترى إلى ما شاع من نحو قولهم: / يستلذه العين أو السمع
~~وإنما المستلذ الشخص على أن الإرادة يمكن جعلها مجازا عن النظر للهو لا
~~للعبر اه. ولا يخفى أن فيه عدولا عن الظاهر من غير داع. وقول بعضهم:
~~إنه لا يجوز مجيء الحال من المضاف إليه في مثل هذا الموضع لاختلاف العامل
~~في الحال وذيها لا يصلح داعيا لظهور ضعفه. ثم الظاهر أنه لا فرق في جواز
~~كون الجملة حالا من المضاف إليه أو المضاف على تقدير أن يفسر { تعد }
~~بتجاوز وتقدير أن تفسر بتصرف.

# وخص بعضهم كونها حالا من المضاف إليه على التقدير الأول وكونها حالا
~~من المضاف على التقدير الثاني ولعله أمر استحساني، وذلك ms06047 لأن في أول
~~الكلام على التقدير الثاني إسناد ما هو من الأفعال الاختيارية ليس إلا
~~وهو الصرف إلى العين فناسب إسناد الإرادة إليها في آخره ليكون أول الكلام
~~وآخره على طرز واحد مع رعاية ما هو الأكثر في أحوال الأحوال من مجيئها من
~~المضاف دون المضاف إليه، وتضمن ذلك عدم مواجهة الحبيب صلى الله عليه وسلم
~~بإسناد إرادة الحياة الدنيا إليه صريحا وإن كانت مصب النهي، وليس في أول
~~الكلام ذلك على التقدير الأول إذ الظاهر أن التجاوز ليس من الأفعال
~~الاختيارية لا غير بل يتصف به المختار وغيره، مع أن في جعل الجملة حالا
~~من الفاعل على هذا التقدير مع قول بعض المحققين إن المتجاوز في الحقيقة
~~هو النظر احتياجا إلى اعتبار الشيء وتركه في كلام واحد، وليس لك أن
~~تجعله استخداما بأن تريد من العينين أولا النظر مجازا وتريد عند عود
~~ضمير { تريد } منهما الحقيقة لأن التثنية تأبى ذلك، وإن اعتبر ذلك
~~أولا وآخرا ولم يترك احتيج إلى مؤن لا تخفى على المتأمل فتأمل وتدبر.

# وهي على القراءتين الشاذتين حال من فاعل الفعل المستتر أي لا تعد أو لا
~~تعد عينيك عنهم مريدا ذلك.

# { ولا تطع } في تنحية الفقراء عن مجلسك { من أغفلنا
~~قلبه } أي جعلنا قلبه غافلا { عن ذكرنا } لبطلان استعداده
~~للذكر بالمرة كأولئك الذين يدعونك إلى طرد الفقراء فإنهم غافلون عن ذكرنا
~~على خلاف ما عليه أولئك الفقراء من الدعاء في الغداة والعشي. وفيه تنبيه
~~على أن الباعث لهم إلى استدعاء الطرد غفلة قلوبهم عن جناب الله تعالى
~~شأنه وملاحظة المعقولات وانهماكه في الحسيات حتى خفى عليه أن الشرف بحلية
~~النفس لا بزينة الجسد. ومعنى الذكر ظاهر وفسره المفضل بالقرآن. والآية
~~ظاهرة في مذهب أهل السنة، وأولها المعتزلة فقيل المراد أغفلنا قلبه
~~بالخذلان وهذا هو التأويل المشهور عندهم في أمثال ذلك وحاله معلوم عندك،
~~وقيل: المراد صادفناه غافلا كما في قولهم: سألناكم فما أفحمناكم
~~وقاتلناكم فما أجبناكم. وتعقب بأنه لا ينبغي أن يتجرأ على تفسير فعل ms06048
~~أسنده الله تعالى إليه بالمصادفة التي تفهم وجدان الشيء بغتة عن جهل سابق
~~وعدم علم، وقيل: المراد نسبناه إلى الغفلة كما في قول الكميت:

# وطائفة قد أكفروني بحبكم

# وطائفة قالوا مسيء ومذنب

# وهو كما ترى. وقال الرماني: المراد لم نسم قلبه بالذكر ولم نجعله من
~~القلوب التي كتبنا فيها الإيمان كقلوب المؤمنين من قولهم: أغفل فلان إبله
~~إذا تركها غفلا من غير سمة وعلامة بكي ونحوه، ومنه إغفال الخط لعدم
~~إعجامه فالإغفال المذكور استعارة لجعل ذكر الله تعالى الدال على الإيمان
~~به كالسمة لأنه علامة للسعادة كما / جعل ثبوت الإيمان في القلب بمنزلة
~~الكتابة، وهو تأويل رقيق الحاشية لطيف المعنى وإن كان خلاف الظاهر فهو
~~مما لا بأس به لمن لم يكن غرضه منه الهرب من مذهب أهل السنة.

# واحتج بعضهم على أنه ليس المراد ظاهر الآية بقوله سبحانه: { واتبع
~~هواه } في طلب الشهوات حيث أسند اتباع الهوى إلى العبد فيدل على أنه
~~فعله لا فعل الله تعالى ولو كان ذلك فعل الله سبحانه والإسناد مجازي لقيل
~~فاتبع بالفاء السببية لتفرعه عليه. وأجيب بأن فعل العبد لكونه بكسبه
~~وقدرته، وخلق الله تعالى يجوز إسناده إليه بالاعتبار الأول وإلى الله
~~تعالى بالثاني، والتنصيص على التفريع ليس بلازم فقد يترك لنكتة كالقصد
~~إلى الإخبار به استقلالا لأنه أدخل في الذم وتفويضا إلى السامع في فهمه
~~ولا حاجة إلى تقدير فقيل واتبع هواه. وقرأ عمرو بن فائد وموسى الأسواري
~~وعمرو بن عبيد { أغفلنا } بفتح الفاء واللام { قلبه } بالرفع على أنه
~~فاعل { أغفلنا } ، وهو على هذه القراءة من أغفله إذا وجده غافلا،
~~والمراد ظننا وحسبنا غافلين عن ذكرنا له ولصنيعه بالمؤاخذة بجعل ذكر الله
~~تعالى له كناية عن مجازاته سبحانه.

# واستشكل النهي عن إطاعة أولئك الغافلين في طرد أولئك المؤمنين بأنه ورد
~~أنهم أرادوا طردهم ليؤمنوا فكان ينبغي تحصيل إيمانهم بذلك، وغاية ما يلزم
~~ترتب نفع كثير وهو إيمان أولئك الكفرة على ضرر قليل وهو سقوط حرمة أولئك
~~البررة وفي عدم طردهم لزم ترتب ms06049 ضرر عظيم وهو بقاء أولئك الكفرة على كفرهم
~~على نفع قليل. ومن قواعد الشرع المقررة تدفع المفسدة الكبرى بالمفسدة
~~الصغرى. وأجيب بأنه سبحانه علم أن أولئك الكفرة لا يؤمنون إيمانا
~~حقيقيا بل إن يؤمنوا يؤمنوا إيمانا ظاهريا ومثله لا يرتكب له إسقاط
~~حرمة أولئك الفقراء الأبرار فلذا جاء النهي عن الإطاعة. وقد يقال: يحتمل
~~أن يكون الله تعالى قد علم أن طرد أولئك الفقراء السابقين إلى الإيمان
~~المنقطعين لعبادة الرحمن وكسر قلوبهم وإسقاط حرمتهم لجلب الأغنياء وتطييب
~~خواطرهم يوجب نفرة القلوب وإساءة الظن برسوله صلى الله عليه وسلم فربما
~~يرتد من هو قريب عهد بإسلام ويقل الداخلون في دينه بعد ذلك عليه الصلاة
~~والسلام، وذلك ضرر عظيم فوق ضرر بقاء شرذمة من الكفار على الكفر فلذا نهى
~~جل وعلا عن إطاعة من أغفل قلبه واتبع هواه.

# { وكان أمره } في اتباع الهوى وترك الإيمان { فرطا } أي
~~ضياعا وهلاكا قاله مجاهد أو متقدما على الحق والصواب نابذا له وراء
~~ظهره من قولهم: فرس فرط أي متقدم للخيل وهو في معنى ما قاله ابن زيد
~~مخالفا للحق. وقال ابن عطية ((يحتمل أن يكون الفرط بمعنى التفريط
~~والتضييع أي كان أمره الذي يجب أن يلزم ويهتم به من الدين تفريطا،
~~ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف أي كان أمره وهواه الذي هو سبيله
~~إفراطا وإسرافا)) وبالإسراف فسره مقاتل، والتعبير عن صناديد قريش
~~المستدعين طرد فقراء المؤمنين بالموصول للإيذان بعلية ما في حيز الصلة
~~للنهي عن الإطاعة.

### || [18.29]

# { وقل } لأولئك الذين أغفلنا قلوبهم عن الذكر واتبعوا هواهم {
~~الحق من ربكم } خبر مبتدأ محذوف أي هذا الذي أوحى إلي الحق و {
~~من ربكم } حال مؤكدة أو خبر بعد خبر والأول أولى. والظاهر أن قوله
~~تعالى: { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } من تمام
~~القول المأمور به فالفاء / لترتيب ما بعدها على ما قبلها بطريق التهديد
~~أي عقيب تحقيق أن ذلك حق لا ريب فيه لازم الاتباع من شاء أن يؤمن به
~~ويتبعه فليفعل كسائر المؤمنين ولا ms06050 يتعلل بما لا يكاد يصلح للتعلل ومن شاء
~~أن يكفر به وينبذه وراء ظهره فليفعل. وفيه من التهديد وإظهار الاستغناء
~~عن متابعتهم التي وعدوها في طرد المؤمنين وعدم المبالاة بهم وبإيمانهم
~~وجودا وعدما ما لا يخفى.

# وجوز أن يكون { الحق } مبتدأ خبره { من ربكم } واختار الزمخشري
~~هنا الأول. قال في «الكشف»: ووجه إيثار الحذف أن المعنى عليه أتم
~~التئاما لأنه لما أمره سبحانه بالمداومة على تلاوة هذا الكتاب العظيم
~~الشأن في جملة التالين له حق التلاوة المريدين وجهه تبارك وتعالى غير
~~ملتفت إلى زخارف الدنيا فمن أوتي هذه النعمة العظمى فله بشكرها اشتغال عن
~~كل شاغل ذيله لإزاحة الأعذاء والعلل بقوله سبحانه { وقل } الخ أي هذا
~~الذي أوحي هو الحق فمن شاء فليدخل في سلك الفائزين بهذه السعادة ومن شاء
~~فليكن في الهالكين انهماكا في الضلالة، أما لو جعل مبتدأ فالتعريف إن
~~كان للعهد رجع إلى الأول مع فوات المبالغة وإن كان للجنس على معنى جميع
~~الحق من ربكم لا من غيره ويشمل الكاتب شمولا أوليا لم يطبق المفصل إذ
~~ليس ما سيق له الكلام كونه منه تعالى لا غير بل كونه حقا لازم الاتباع
~~لا غير اه.

# وهو كلام يلوح عليه مخايل التحقيق ويشعر ظاهره بحمل الدعاء على ثاني
~~الأقوال فيه وكون المشار إليه الكتاب مطلقا لا المتضمن الأمر بصبر النفس
~~مع المؤمنين وترك الطاعة للغافلين كما جوزه ابن عطية. وعلى تقدير أن يكون
~~(الحق) مبتدأ قيل المراد به أنه القرآن كما كان المراد من المشار إليه
~~على تقدير كونه خبرا وهو المروي عن مقاتل، وقال الضحاك: هو التوحيد،
~~وقال الكرماني: الإسلام والقرآن. وقال مكي: المراد به التوفيق والخذلان
~~أي قل التوفيق والخذلان من عند الله تعالى يهدي من يشاء فيوفقه فيؤمن
~~ويضل من يشاء فيخذله فيكفر ليس إلي من ذلك شيء وليس بشيء كما لا يخفى.

# وجوز أن يكون قوله سبحانه { فمن شاء فليؤمن } الخ تهديدا من
~~جهته تعالى غير داخل تحت القول المأمور به فالفاء لترتيب ما ms06051 بعدها من
~~التهديد على نفس الأمر أي قل لهم ذلك وبعد ذلك فمن شاء أن يؤمن به أو أن
~~يصدقك فيه فليفعل ومن شاء أن يكفر به أو أن يكذبك فيه فليفعل، وعلى
~~الوجهين ليس المراد حقيقة الأمر والتخيير وهو ظاهر.

# وذكر الخفاجي أن الأمر بالكفر غير مراد وهو استعارة للخذلان والتخلية
~~بتشبيه حال من هو كذلك بحال المأمور بالمخالفة؛ ووجه الشبه عدم المبالاة
~~والاعتناء، وهذا كقول كثير: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة.

# واستدل المعتزلة بالآية على أن العبد مستقل في أفعاله موجد لها لأنه علق
~~فيها تحقق الإيمان والكفر على محض مشيئته لأن المتبادر من الشرط أنه علة
~~تامة للجزاء فدل على أنه مستقل في إيجادهما ولا فرق بين فعل وفعل فهو
~~الموجد لكل أفعاله. وأجيب بأنا لو فرضنا أن مشيئة العبد مؤثرة وموجدة
~~للأفعال لا يتم المقصود لأن العقل والنقل يدلان على توقفها على مشيئة
~~الله تعالى وإرادته، أما الأول فلأنهم قالوا: لو لم تتوقف على ذلك لزم
~~الدور أو التسلسل، وأما الثاني فلأنه سبحانه يقول:

# وما تشاءون إلا أن يشاء الله

# [الإنسان: 30] ومع هذا التوقف لا يتم أمر الاستقلال ويثبت أن العبد مضطر
~~في صورة مختار وهو مذهب الأشاعرة. وفي «الإحياء» لحجة الإسلام فإن قلت:
~~إني أجد في نفسي وجدانا ضروريا أني إن شئت الفعل قدرت عليه وإن شئت
~~الترك قدرت عليه فالفعل والترك بي لا بغيري قلت: هب أنك تجد من نفسك هذا
~~المعنى ولكن هل تجد من نفسك / أنك إن شئت مشيئة الفعل حصلت تلك المشيئة
~~أو لم تشأ تلك المشيئة لم تحصل لأن العقل يشهد بأنه يشاء الفعل لا لسبق
~~مشيئة أخرى على تلك المشيئة وإذا شاء الفعل وجب حصول الفعل من غير مكنة
~~واختيار فحصول المشيئة في القلب أمر لازم وترتب الفعل على حصول المشيئة
~~أيضا أمر لازم وهذا يدل على أن الكل من الله تعالى انتهى. وبعضهم يكتفي
~~في إثبات عدم الاستقلال بثبوت توقف مشيئة العبد على مشيئة الله تعالى
~~وتمكينه ms06052 سبحانه بالنص ولا يذكر حديث لزوم الدور أو التسلسل لما فيه من
~~البحث، وتمام الكلام في ذلك في «كتب الكلام»، وسنذكر ان شاء الله تعالى
~~طرفا لائقا منه في الموضع اللائق به.

# وقال السدى: هذه الآية منسوخة بقوله سبحانه:

# وما تشاءون إلا أن يشاء الله

# [الإنسان: 30] ولعله أراد أن لا يراد المتبادر منها للآية المذكورة وإلا
~~فهو قول باطل. وحكى ابن عطية عن فرقة أن فاعل { شاء } في الشرطيتين
~~ضميره تعالى، واحتج له بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في
~~الآية: من شاء الله تعالى له الإيمان آمن ومن شاء له الكفر كفر. والحق أن
~~الفاعل ضمير { من } والرواية عن الحبر أخرجها ابن جرير وابن المنذر
~~وابن أبي حاتم والبيهقي في «الأسماء والصفات» فإذا صحت يحتمل أن يكون
~~ذلك القول لبيان أن من شاء الإيمان هو من شاء الله تعالى له الإيمان ومن
~~شاء الكفر هو من شاء الله سبحانه له ذلك لا لبيان مدلول الآية وتحقيق
~~مرجع الضمير، ويؤيد ذلك قوله في آخر الخبر الذي أخرجه الجماعة وهو قوله
~~تعالى:

# وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العلمين

# [التكوير: 29] والله تعالى أعلم.

# وقرأ أبو السمال قعنب { وقل الحق } بفتح اللام حيث وقع، قال أبو حاتم:
~~وذلك رديء في العربية. وعنه أيضا ضم اللام حيث وقع كأنه اتباع لحركة
~~القاف، وقرأ أيضا { الحق } بالنصب وخرجه صاحب «اللوامح» على تقدير قل
~~القول الحق و { من ربكم } قيل حال أي كائنا من ربكم، وقيل: صفة أي
~~الكائن من ربكم وفيه بحث. وقرأ الحسن وعيسى الثقفي { فليؤمن } و { فليكفر
~~} بكسر لام الأمر فيهما.

# { إنا أعتدنا للظلمين } للكافرين بالحق بعد ما جاء من
~~الله سبحانه، والتعبير عنهم بالظالمين للتنبيه على أن مشيئة الكفر
~~واختياره تجاوز عن الحد ووضع للشيء في غير موضعه. والجملة تعليل للأمر
~~بما ذكر من التخيير التهديدي، وجعلها من جعل { فمن شاء } الخ تهديدا
~~من قبله تعالى تأكيدا للتهديد وتعليلا لما يفيده من الزجر عن الكفر.
~~وجوز ms06053 كونها تعليلا لما يفهم من ظاهر التخيير من عدم المبالاة بكفرهم
~~وقلة الاهتمام بشأنهم. و { أعتدنا } من العتاد وهو في الأصل ادخار
~~الشيء قبل الحاجة إليه، وقيل: أصله أعددنا فأبدل من إحدى الدالين تاء
~~والمعنى واحد أي هيأنا لهم { نارا } عظيمة عجيبة { أحاط بهم
~~سرادقها } أي فسطاطها، شبه به ما يحيط بهم من لهبها المنتشر منها في
~~الجهات ثم استعير له استعارة مصرحة والإضافة قرينة والإحاطة ترشيح، وقيل:
~~السرادق الحجزة التي تكون حول الفسطاط تمنع من الوصول إليه، ويطلق على
~~الدخان المرتفع المحيط بالشيء وحمل عليه بعضهم ما في الآية وهو أيضا
~~مجاز كإطلاقه على اللهب، وكلام «القاموس» يوهم أنه حقيقة، والمروي عن
~~قتادة تفسيره بمجموع الأمرين اللهب والدخان. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس
~~أنه حائط من نار، وحكى الكلبي أنه عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار،
~~وحكى القاضي الماوردي أنه البحر المحيط بالدنيا يكون يوم القيامة نارا
~~ويحيط بهم، واحتج له بما أخرجه أحمد والبخاري في «التاريخ» وابن أبي
~~حاتم وصححه والبيهقي في «البعث» وآخرون عن يعلى بن أمية أن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم قال:

# " إن البحر هو من جهنم ثم تلا (نارا أحاط بهم سرادقها) "

# والسرادق قال الراغب / فارسي معرب وليس من كلامهم اسم مفرد ثالثه ألف
~~وبعده حرفان انتهى، وقد أصاب في دعوى التعريب فإن عامة اللغويين على ذلك،
~~وأما قوله: وليس من كلامهم الخ فيكذبه ورود علابط وقرامص وجنادف وحلاحل
~~وكلها بزنة سرادق ومثل ذلك كثير والغفلة مع تلك الكثرة من هذا الفاضل
~~بعيدة فينظر ما مراده.

# ثم إنه معرب سرايرده أي ستر الديوان، وقيل: سراطاق أي طاق الديوان وهو
~~أقرب لفظا إلا أن الطاق معرب أيضا وأصله تااوتاك، وقال أبو حيان وغيره:
~~معرب سرادر وهو الدهليز ووقع في بيت الفرزدق:

# تمنيتهم حتى إذا ما لقيتهم

# تركت لهم قبل الضراب السرادقا

# ويجمع كما قال سيبويه بالألف والتاء وإن كان مذكرا فيقال سرادقات،
~~وفسره في «النهاية» بكل ما أحاط بموضع من حائط أو مضرب ms06054 أو خباء، وأمر
~~إطلاقه على اللهب أو الدخان أو غيرهما مما ذكر على هذا ظاهر.

# { وإن يستغيثوا } من العطش بقرينة قوله تعالى: { يغاثوا
~~بماء كالمهل } وقيل: مما حل بهم من أنواع العذاب، والمهل على ما
~~أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس وابن جبير ماء غليظ كدردي الزيت، وفيه
~~حديث مرفوع فقد أخرج أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي
~~وآخرون عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:
~~{ كالمهل } قال: كعكر الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه، وقال
~~غير واحد: هو ما أذيب من جواهر الأرض، وقيل: ما أذيب من النحاس، وأخرج
~~الطبراني وابن المنذر وابن جرير عن ابن مسعود أنه سئل عنه فدعا بذهب وفضة
~~فأذابه فلما ذاب قال: هذا أشبه شيء بالمهل الذي هو شراب أهل النار ولونه
~~لون السماء غير أن شراب أهل النار أشد حرا من هذا. وأخرج ابن أبي حاتم
~~وغيره عن مجاهد أنه القيح والدم الأسود، وقيل: هو ضرب من القطران. وقوله
~~سبحانه: { يغاثوا } الخ خارج مخرج التهكم بهم كقول بشر بن أبي خازم:

# غضبت تميم أن تقتل عامرا

# يوم النسار فأعتبوا بالصيلم

# { يشوى الوجوه } ينضجها إذا قدم ليشرب من فرط حرارته حتى أنه يسقط
~~جلودها كما سمعت في الحديث، فالوجوه جمع وجه وهو العضو المعروف، والظاهر
~~أنه المراد لا غير، وقيل: عبر بالوجوه عن جميع أبدانهم والجمل صفة ثانبة
~~لماء والأولى { كالمهل } أو حال منه كما في «البحر» لأنه قد وصف أو
~~حال من المهل كما قال أبو البقاء. وظاهر كلام بعضهم جواز كونها في موضع
~~الحال من الضمير المستتر في الكاف لأنها اسم بمعنى مشابه فيستتر الضمير
~~فيها كما يستتر فيه؛ وفيه ما لا يخفى من التكلف لأنها ليس صفة مشتقة حتى
~~يستتر فيها ولم يعهد مشتق على حرف واحد قاله الخفاجي. وذكر أن أبا علي
~~الفارسي منع في «شرح الشواهد» جعل ذؤابتي في قول الشاعر:

# رأتني كأفحص القطاة ذؤابتي

# مرفوعا بالكاف لكونها بمنزلة ms06055 مثل وقال: إن ذلك ليس بالسهل لأن الكاف
~~ليست على ألفاظ الصفات.

# وجوز أن تكون في موضع الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، وقيل:
~~يجوز أن يكون مراد ذلك البعض إلا أنه تسامح.

# { بئس الشراب } ذلك الماء الذي يغاثون به { وسآءت } النار {
~~مرتفقا } أي متكأ كما قال أبو عبيدة وروي عن السدي. وأصل الارتفاق
~~كما قيل الاتكاء على / مرفق اليد. قال في «الصحاح» يقال: بات فلان
~~مرتفقا أي متكئا على مرفق يده، وقيل: نصب المرفق تحت الخد فمرتفقا اسم
~~مكان ونصبه على التمييز، قال الزمخشري: وهذا لمشاكلة قوله تعالى:

# وحسنت مرتفقا

# [الكهف: 31] وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء إلا أن يكون من قوله:

# إني أرقت فبت الليل مرتفقا

# كأن عيني فيها الصاب مذبوح

# أي فحينئذ لا يكون من المشاكلة ويكون الكلام على حقيقته بأن يكون لأهل
~~النار ارتفاق فيها أي اتكاء على مرافق أيديهم كما يفعله المتحزن المتحسر.
~~وقد ذكر في «الكشف» أن الاتكاء على الحقيقة كما يكون للتنعم يكون للتحزن.
~~وتعقب بأن ذلك وإن أمكن عقلا إلا أن الظاهر أن العذاب أشغلهم عنه فلا
~~يتأتى منهم حتى يكون الكلام حقيقة لا مشاكلة. وجوز أن يكون ذلك تهكما أو
~~كناية عن عدم استراحتهم. وروي عن ابن عباس أن المرتفق المنزل. وأخرج ذلك
~~ابن أبي حاتم عن قتادة، وفي معناه قول ابن عطاء: المقر؛ وقول العتبي:
~~الملجس، وقيل موضع الترافق أي ساءت موضعا للترافق والتصاحب، وكأنه مراد
~~مجاهد في تفسيره بالمجتمع فإنكار الطبري أن يكون له معنى مكابرة. وقال
~~ابن الأنباري: المعنى ساءت مطلبا للرفق لأن من طلب رفقا من جهنم عدمه،
~~وجوز بعضهم أن يكون المرتفق مصدرا ميميا بمعنى الارتفاق والاتكاء.

### || [18.30]

# { إن الذين ءامنوا } في محل التعليل للحث على الإيمان المنفهم
~~من التخيير كأنه قيل وللذين آمنوا، ولعل تغيير السبك للإيذان بكمال تنافي
~~حالي الفريقين أي إن الذين آمنوا بالحق الذي يوحى إليك { وعملوا
~~الصلحات } حسبما بين في تضاعيفه. { أنا لا نضيع أجر
~~من أحسن عملا } وقرأ ms06056 عيسى الثقفي { لا نضيع } بالتضعيف، وعلى
~~القراءتين الجملة خبر إن الثانية وخبر إن الأولى الثانية بما في حيزها
~~والرابط ضمير محذوف تقديره من أحسن عملا منهم. ولا يرد أنه يقتضي أن
~~منهم من أحسن ومنهم من لم يحسن لأن ذلك على تقدير كون (من) تبعيضية وليس
~~بمتعين لجواز كونها بيانية ولو سلم فلا بأس به فإن الإحسان زيادة الإخلاص
~~الوارد في حديث

# " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه "

# لكن يبقى على هذا حكم من لم يحسن بهذا المعنى منهم أو الرابط الاسم
~~الظاهر الذي هو المبتدأ في المعنى على ما ذهب إليه الأخفش من جعله رابطا
~~فإن من أحسن عملا في الحقيقة هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات. واعترض
~~بأنه يأباه تنكير { عملا } لأنه للتقليل. وأجيب بأنه غير متعين لذلك إذ
~~النكرة قد تعم في الإثبات ومقام المدح شاهد صدق أو الرابط عموم (من) بناء
~~على أن العموم قد يكون رابطا كما في زيد نعم الرجل على قول وفيه مناقشة
~~ظاهرة.

### || [18.31]

# ولعل الأولى كون الخبر جملة قوله تعالى: { أولئك لهم جنات
~~عدن } وجملة

# إنا

# [الكهف: 30] الخ معترضة، ونحو هذا من الاعتراض كما قال ابن عطية وغيره
~~قوله:

# إن الخليفة إن الله ألبسه

# سربال ملك به ترجى الخواتيم

# وأنت تعلم أن الاعتراض فيه غير متعين أيضا، وعلى الاحتمال السابق يحتمل
~~أن تكون هذه الجملة مستأنفة لبيان الأجر ويحتمل أن تكون خبرا بعد خبر
~~على مذهب من لا يشترط في تعدد الأخبار كونها في معنى خبر واحد / وهو الحق
~~أي أولئك المنعوتون بالنعوت الجليلة لهم جنات إقامة على أن العدن بمعنى
~~الإقامة والاستقرار يقال عدن بالمكان إذا قام فيه واستقر ومنه المعدن
~~لاستقرار الجواهر فيه. وعن ابن مسعود عدن جنة من الجنان وهي بطنانها.
~~ووجه إضافة الجنان إليها بأنها لسعتها كأن كل ناحية منها جنة { تجرى
~~من تحتهم الأنهر } وهم في الغرفات آمنون { يحلون
~~فيها من أساور من ذهب } من الأولى للابتداء والثانية للبيان،
~~والجار والمجرور في موضع صفة لأساور، وهذا ما ms06057 اختاره الزمخشري وغيره.
~~وجوز أبو البقاء في الأولى أن تكون زائدة في المفعول على قول الأخفش،
~~ويدل عليه قوله تعالى:

# وحلوا أساور

# [الإنسان: 21] وأن تكون بيانية أي شيئا أو حليا من أساور. وجوز غيره
~~فيها أن تكون تبعيضية واقعة موقع المفعول كما جوز هو وغيره ذلك في
~~الثانية، وجوز فيها أيضا أن تتعلق بيحلون وهو كما ترى. والأساور جمع
~~أسورة جمع سوار بالكسر والضم وهو ما في الذراع من الحلي وهو عربي، وقال
~~الراغب: معرب دستواره، وقيل جمع أسوار جمع سوار وأصله أساوير فخفف بحذف
~~يائه فهو على القولين جمع الجمع، ولم يجعلوه من أول الأمر جمع سوار لما
~~رأوا أن فعالا لا يجمع على أفاعل في القياس. وعن عمرو بن العلاء أن
~~الواحد اسوار، وأنشد ابن الأنباري:

# والله لولا صبية صغار

# كأنما وجوههم أقمار

# تضمهم من العتيك دار

# أخاف أن يصيبهم إقتار

# أو لاطم ليس له اسوار

# لما رآني ملك جبار

# ببابه ما وضح النهار

# وفي «القاموس» ((السوار ككتاب وغراب القلب كالأسوار والجمع أسورة
~~وأساور وأساورة وسور وسؤور)) وهو موافق لما نقل عن ابن العلاء. ونقل ذلك
~~أيضا عن قطرب وأبي عبيدة. ونكرت لتعظيم حسنها من الإحاطة، وقد أخرج ابن
~~مردويه عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " لو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدت أساوره لطمس ضوؤه ضوء الشمس كما
~~تطمس ضوء النجوم "

# وأخرج الطبراني في «الأوسط» والبيهقي في «البعث» عن أبي هريرة أن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " لو أن أدنى أهل الجنة حلية عدلت حليته بحلية أهل الدنيا جميعا لكان
~~ما يحليه الله تعالى به في الآخرة أفضل من حلية أهل الدنيا جميعا "

# وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال:

# " إن أهل الجنة يحلون أسورة من ذهب ولؤلؤ وفضة هي أخف عليهم من كل شيء
~~إنما هي نور "

# وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الضوء "

# وأخرج أبو الشيخ ms06058 وغيره عن كعب الأحبار قال:

# " إن لله تعالى ملكا  وفي رواية  في الجنة ملك  لو شئت أن أسميه
~~أسميته يصوغ حلى أهل الجنة من يوم خلق إلى أن تقوم الساعة ولو أن حليا
~~منها أخرج لرد شعاع الشمس "

# والسؤال بأن لبس الرجال الأساور عيب في الدنيا فكيف يحلونها في الآخرة
~~مندفع بأن كونه عيبا إنما هو بين قوم لم يعتادوه لا مطلقا ولا أظنك في
~~مرية من أن الشيء قد يكون عيبا بين قوم ولا يكون عيبا بين آخرين، وليس
~~فيما نحن فيه أمر عقلي يحكم بكونه عيبا في كل وقت وفي كل مكان وبين كل
~~قوم، وإن التزمت إن فيه ذلك فقد حليت / نفسك بحلية الجهل وخرجت من ربقة
~~العقل. هذا وقرأ أبان عن عاصم { من أسورة } بحذف ألف وزيادة هاء وهو أحد
~~الجموع لسوار كما سمعت.

# { ويلبسون ثيابا خضرا } لأن الخضرة أحسن الألوان والنفس
~~تنبسط بها أكثر من غيرها، وروي في أثر أنها تزيد في ضوء البصر، وقيل:
~~ثلاثة مذهبة للحزن: الماء والخضرة والوجه الحسن. والظاهر أن لباسهم غير
~~منحصر فيما ذكر إذ لهم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وأخرج ابن أبي
~~حاتم عن سليم بن عامر أن الرجل يكسى في الساعة الواحدة سبعين ثوبا وأن
~~أدناها مثل شقيق النعمان، وقيل يحتمل الانحصار ولهم فيها ما تشتهي الأنفس
~~لا يأباه لجواز أنهم لايشتهون ولا تلذ أعينهم سوى ذلك من الألوان.
~~والتنكير لتعريف أنها لا يكاد يوصف حسنها. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن كعب
~~قال: لو أن ثوبا من ثياب أهل الجنة نشر اليوم في الدنيا لصعق من ينظر
~~إليه وما حملته أبصارهم. وقرأ أبان عن عاصم وابن أبي حماد عن أبي بكر {
~~ويلبسون } بكسر الباء.

# { من سندس } قال الجواليقي: هو رقيق الديباج بالفارسية فهو معرب،
~~وفي «القاموس» ((هو ضرب من البزيون أو ضرب من رقيق الديباج معرب بلا
~~خلاف، وقال الليث: لم يختلف أهل اللغة والمفسرون في أنه معرب)) وأنت تعلم
~~أن فيه خلاف الشافعي عليه ms06059 الرحمة. والقول بأنه ليس من أهل اللغة
~~والمفسرين في النفس منه شيء. وقال شيدله: هو رقيق الديباج بالهندية،
~~وواحده على ما نقل عن ثعلب سندسة.

# وزعم بعضم: أن أصله سندي وكان هذا النوع من الديباج يجلب من السند
~~فأبدلت الياء سينا كما فعل في سادي فقيل سادس، وهو كلام لا يروج إلا على
~~سندي أو هندي. ويحكى أن جماعة من أهل الهند من بلد يقال له بروج بالجيم
~~الفارسية وكانوا يتكلمون بلغة تسمى سنسكريت جاؤوا إلى الإسكندر الثاني
~~بهدية من جملتها هذا الديباج ولم يكن رآه فقال: ما هذا؟ فقالوا: سندون
~~بالنون في آخره فغيرته الروم إلى سندوس ثم العرب إلى سندس فهو معرب قطعا
~~من ذلك اللفظ الذي أطلقته أولئك الجماعة عليه، لكن لا جزم من أنه اسم له
~~في الأصل بلغتهم أو اسم للبلدة المجلوب هو منها أطلق عليه كما في أسماء
~~كثير من الأمتعة اليوم والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.

# { وإستبرق } أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة وعكرمة أنه غليظ
~~الديباج، وقال ابن بحر: هو ديباج منسوج بذهب وفي «القاموس» ((هو الديباج
~~الغليظ أو ديباج يعمل بالذهب أو ثياب حرير صفاق نحو الديباج أو قدة حمراء
~~كأنه قطع الأوتار)) اه، والذي عليه الأكثرون من المفسرين واللغويين
~~الأول. وهو كما أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك معرب استبره وهي كلمة عجمية
~~ومعناها الغليظ، والمشهور أنه يقال للغليظ بالفارسية استبر بلا هاء، وقال
~~ابن قتيبة: هو رومي عرب وأصله استبره فابدلوا الهاء قافا، ووقع في شعر
~~المرقش قال:

# تراهن يلبسن المشاعر مرة

# واستبرق الديباج طورا لباسها

# وقال ابن دريد: هو سرياني عرب وذكر من أصله ما ذكروا، وقيل: أصله استفره
~~بحرف بعد التاء بين الفاء والباء الموحدة، وادعى بعضهم أن الإستبرق
~~الديباج الغليظ الحسن في اللغة العربية والفارسية ففيه توافق اللغتين،
~~ونقل عن الأزهري أنه استصوب هذا، ويجمع على أباريق ويصغر كما في
~~«القاموس» وغيره على أبيرق.

# وقرأ ابن محيصن { وإستبرق } بوصل الهمزة وفتح القاف حيث وقع جعله
~~كما ms06060 يقتضيه ظاهر كلام ابن / خالويه فعلا ماضيا على وزن استفعل من
~~البريق إلا أن استفعل فيه موافق للمجرد الذي هو برق، وظاهر كلام الأهوازي
~~في «الإقناع» أنه وحده قرأ كذلك وجعله اسما ممنوعا من الصرف ولم يجعله
~~فعلا ماضيا. وقال صاحب «اللوامح»: قرأ ابن محيصن { واستبرق } بوصل
~~الهمزة في جميع القرآن مع التنوين فيجوز أنه حذف الهمزة تخفيفا على غير
~~قياس، ويجوز أنه جعله كلمة عربية من برق الثوب يبرق بريقا إذا تلألأ
~~بجدته ونضارته فيكون وزنه استفعل من ذلك فلما سمي به عامله معاملة الفعل
~~في وصل الهمزة ومعاملة المتمكن من الأسماء في الصرف والتنوين، وأكثر
~~التفاسير على أنه عربي وليس بمستعرب انتهى، ولا يخفى أنه مخالف للنقلين
~~السابقين، ويمكن أن يقال: إن لابن محيصن قراءتين فيه الصرف والمنع منه
~~فنقل بعض قراءة وبعض آخر أخرى لكن ذكر ابن جنى أن قراءة فتح القاف سهو أو
~~كالسهو، قال أبو حيان: وإنما قال ذلك لأن جعله اسما ومنعه من الصرف لا
~~يجوز أنه غير علم فتكون سهوا وقد أمكن جعله فعلا ماضيا فلا تكون سهوا
~~انتهى.

# وفي الجمع بين السندس الإستبرق أشعار ما بأن لأولئك القوم في الجنة ما
~~يشتهون، ونكرا لتعظيم شأنهما وكيف لا وهما وراء ما يشاهد من سندس الدنيا
~~واستبرقها بل وما يتخيل من ذلك، وقد أخرج البيهقي عن أبي الخير مرثد بن
~~عبد الله قال: في الجنة شجرة تنبت السندس منه تكون ثياب أهل الجنة. وأخرج
~~الطيالسي والبخاري في التاريخ والنسائي وغيرهم عن ابن عمر قال:

# " قال رجل يا رسول الله أخبرنا عن ثياب أهل الجنة أخلقا تخلق أم نسجا
~~تنسج؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بل يتشقق عنها ثمر الجنة "

# ، وظاهره أنها من سندس كانت أو من إستبرق كذلك، وقدمت التحلية على
~~اللباس لأن الحلى في النفس أعظم وإلى القلب أحب وفي القيمة أغلى. وفي
~~العين أحلى، وبني فعله للمفعول إشعارا بأنهم لا يتعاطون ذلك بأنفسهم
~~وإنما يفعله الخدم كما قال الشاعر:

# غرائز في كن ms06061 وصون ونعمة

# يحلين ياقوتا وشذرا مفقرا

# وكذلك سائر الملوك في الدنيا يلبسهم التيجان ونحوها من العلامات المرصعة
~~بالجواهر خدمهم. وأسند اللبس إليهم لأن الإنسان يتعاطى ذلك بنفسه خصوصا
~~إذا كان فيه ستر العورة، وقيل: بنى الأول للمفعول والثاني للفاعل إشارة
~~إلى أن التحلية تفضل من الله تعالى واللبس استحقاقهم. وتعقب بأن فيه نزغة
~~اعتزالية ويدفع بالعناية.

# { متكئين فيها على الأرائك } جمع أريكة وهو كما قال غير
~~واحد وهو السرير في الحجلة فإن لم يكن فيها فلا يسمى أريكة. وأخرج ذلك
~~البيهقي عن ابن عباس، وقال الراغب: ((الأريكة حجلة على سرير وتسميتها
~~بذلك إما لكونها في الأرض متخذة من أراك وهو شجر معروف أو لكونها مكانا
~~للإقامة من قولهم أرك بالمكان أروكا، وأصل الأروك الإقامة على رعي
~~الأراك ثم تجوز به في غيره من الإقامات))، وروي تفسيرها بذلك عن عكرمة.
~~وقال الزجاج: الأرائك الفرش في الحجال؛ والظاهر أنها على سائر الأقوال
~~عربية، وحكى ابن الجوزي في «فنون الأفنان» أنها السرر بالحبشية، وأيا ما
~~كان فالكلام على ما قاله بعض المحققين كناية عن تنعمهم وترفههم فإن
~~الاتكاء على الأرائك شأن المتنعمين المترفهين، والآثار ناطقة بأنهم
~~يتكؤون ويتنعمون، فقد أخرج / ابن أبي حاتم عن الهيثم بن مالك الطائي أن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " إن الرجل ليتكىء المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحول منه ولا يمله يأتيه
~~ما اشتهت نفسه ولذت عينه "

# وأخرج ابن المنذر وجماعة عن ابن عباس أن على الأرائك فرشا منضودة في
~~السماء مقدار فرسخ. وقرأ ابن محيصن { علرائك } بنقل حركة الهمزة إلى لام
~~التعريف وإدغام لام { على } فيها فيحذف ألف { على } لتوهم سكون لام
~~التعريف، ومثله قول الشاعر:

# فما أصبحت علرض نفسي برية

# يريد على الأرض.

# { نعم الثواب } ذلك الذي وعدوا به من الجنة ونعيمها { وحسنت
~~} أي الأرائك أو الجنات { مرتفقا } متكئا، وقد تقدم آنفا الكلام
~~فيه.

### || [18.32]

# { واضرب لهم } للمؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي والكفرة
~~الذين طلبوا طردهم { مثلا رجلين } مفعولان لاضرب ثانيهما أولهما
~~لأنه ms06062 المحتاج إلى التفصيل والبيان قاله بعضهم، وقد مر تحقيق هذا المقام
~~فتذكر. والمراد بالرجلين إما رجلان مقدران على ما قيل وضرب المثل لا
~~يقتضي وجودهما وإما رجلان موجودان وهو المعول عليه، فقيل هما أخوان من
~~بني إسرائيل أحدهما كافر اسمه فرطوس، وقيل اسمه قطفير والآخر مؤمن اسمه
~~يهوذا في قول ابن عباس. وقال مقاتل: اسمه يمليخا، وعن ابن عباس أنهما
~~ابنا ملك من بني إسرائيل أنفق أحدهما ماله في سبيل الله تعالى وكفر الآخر
~~واشتغل بزينة الدنيا وتنمية ماله، وروي أنهما كانا حدادين كسبا مالا؛
~~وروي أنهما ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطراها فاشترى الكافر
~~أرضا بألف فقال المؤمن: اللهم أنا أشتري منك أرضا في الجنة بألف فتصدق
~~به ثم بنى أخوه دارا بألف فقال: اللهم إني أشتري منك دارا في الجنة
~~بألف فتصدق به ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال: اللهم إني جعلت ألفا
~~صداقا للحور فتصدق به ثم اشترى أخوه خدما ومتاعا بألف فقال: اللهم إني
~~أشتري منك الولدان المخلدين بألف فتصدق به ثم أصابته حاجة فجلس لأخيه على
~~طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده ووبخه على التصدق بماله، وقيل: هما
~~أخوان من بني مخزوم كافر هو الأسود بن الأسد ومؤمن هو أبو سلمة عبد الله
~~بن عبد الأسد، والمراد ضربهما مثلا للفريقين المؤمنين والكافرين لا من
~~حيث أحوالهما المستفادة مما ذكر آنفا من أن للمؤمنين في الآخرة كذا
~~وللكافرين فيها كذا بل من حيث عصيان الكفرة مع تقلبهم في نعم الله تعالى
~~وطاعة المؤمنين مع مكابدتهم مشاق الفقر أي اضرب لهم مثلا من حيثية
~~العصيان مع النعمة والطاعة مع الفقر حال رجلين.

# { جعلنا لأحدهما } وهو الكافر { جنتين } بستانين لم
~~يعين سبحانه مكانهما إذ لا يتعلق بتعيينه كبير فائدة. وذكر إبراهيم بن
~~القاسم الكاتب في كتابه «عجائب البلاد» أن بحيرة تنيس كانت هاتين الجنتين
~~فجرى ما جرى ففرقهما الله تعالى في ليلة واحدة، وسيأتي إن شاء الله تعالى
~~ما يعلم منه قول آخر. والجملة بتمامها ms06063 تفسير للمثل فلا موضع لها من
~~الإعراب، ويجوز أن تكون في موضع الصفة لرجلين فموضعها النصب { من
~~أعنب } من كروم متنوعة فالكلام على ما قيل إما على تقدير مضاف وإما
~~الأعناب فيه مجاز عن الكروم وهي أشجار العنب. والمفهوم من ظاهر كلام
~~الراغب أن العنب مشترك بين الثمرة والكرم وعليه فيراد الكروم من غير حاجة
~~إلى / التقدير أو ارتكاب المجاز، والداعي إلى إرادة ذلك أن الجنة لا تكون
~~من ثمر بل من شجر { وحففناهما بنخل } أي جعلنا النخل محيطة
~~بهما مطيفة بحفافيهما أي جانبيهما مؤزرا بها كرومهما يقال حفه القوم إذا
~~طافوا به وحففته بهم إذا جعلتهم حافين حوله فتزيده الباء مفعولا آخر
~~كقولك غشيته به { وجعلنا بينهما } وسطهما { زرعا } لتكونا
~~جامعتين للأقوات والفواكه متواصلتي العمارة على الهيئة الرائقة والوضع
~~الأنيق.

### || [18.33]

# { كلتا الجنتين ءاتت أكلها } ثمرها وبلغ مبلغا صالحا
~~للأكل. و { كلتا } اسم مفرد اللفظ مثنى المعنى عند البصريين وهو
~~المذهب المشهور ومثنى لفظا ومعنى عند البغداديين وتاؤه منقلبة عن واو
~~عند سيبويه فأصله كلوى فالألف فيه للتأنيث. ويشكل على هذا إعرابه بالحروف
~~بشرطه، ويجاب بما أجيب به عن الإشكال في الأسماء الخمسة. وعند الجرمي
~~الألف لام منقلبة عن أصلها والتاء زائدة للتأنيث. ويرد عليه أنه لا يعرف
~~فعتل وأن التاء لا تقع حشوا ولا بعد ساكن صحيح؛ وعلى المشهور يجوز في
~~ضميره مراعاة لفظه ومراعاة معناه وقد روعي الأول هنا والثاني فيما بعد.
~~وفي مصحف عبد الله (كلا الجنتين آتى) بصيغة التذكير لأن تأنيث الجنتين
~~مجازي ثم قرأ { آتت } فأنث لأنه ضمير مؤنث، ولا فرق بين حقيقيه ومجازيه
~~فالتركيب نظير قولك: طلع الشمس وأشرقت وقال: إن عبد الله قرأ (كل
~~الجنتين أتى أكله) فذكر وأعاد الضمير على كل. { ولم
~~تظلم منه } أي لم تنقص من أكلها { شيئا } من النقص على خلاف ما
~~يعهد في سائر البساتين فإن الثمار غالبا تكثر في عام وتقل في عام وكذا
~~بعض الأشجار تأتي بالثمار في بعض الأعوام دون بعض. وجوز أن يكون ms06064 {
~~تظلم } متعديا و { شيئا } مفعوله والمآل واحد.

# { وفجرنا خللهما } أي فيما بين كلتا الجنتين { نهرا }
~~ليدوم شربهما ويزيد بهاؤهما. قال يحيى بن أبي عمرو الشيباني: وهذا
~~النهر هو المسمى بنهر أبي فرطس وهو على ما قال ابن أبي حاتم نهر مشهور
~~في الرملة، وقيل المعنى فجرنا فيما بين كل من الجنتين نهرا على حدة
~~فيكون هناك نهران على هذا ولا يخفى أنه خلاف الظاهر. وتشديد فجر قيل
~~للمبالغة في سعة التفجير، وقال الفراء: لأن النهر ممتد فكأنه أنهار. وقرأ
~~الأعمش وسلام ويعقوب وعيسى بن عمر { فجرنا } بالتخفيف على الأصل، وأقر
~~أبو السمال والعياض ابن غزوان وطلحة بن سليمان { نهرا } بسكون الهاء وهو
~~لغة جارية فيه وفي نظائره ولعل تأخير ذكر التفجير عن ذكر الإيتاء مع أن
~~الترتيب الخارجي على العكس للإيذان باستقلال كل من إيتاء الأكل وتفجير
~~النهر في تكميل محاسن الجنتين كما في قصة البقرة ونحوها ولو عكس لانفهم
~~أن المجموع خصلة واحدة بعضها مترتب على بعض فإن إيتاء الأكل متفرع على
~~السقي عادة، وفيه إيماء إلى أن إيتاء الأكل لا يتوقف على السقي كقوله
~~تعالى:

# يكاد زيتها يضىء

# [النور: 35] قاله شيخ الإسلام.

### || [18.34]

# { وكان له } أي للأحد المذكور وهو صاحب الجنتين { ثمر } أنواع
~~المال كما في «القاموس» وغيره ويقال: ثمر إذا تمول، وحمله على حمل الشجر
~~كما فعل أبو حيان وغيره غير مناسب للنظم. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن عامر
~~وحمزة والكسائي وابن كثير ونافع وقراء المدينة { ثمر } بضم الثاء والميم،
~~وكذا في

# بثمره

# [الكهف: 42] الآتي وهو جمع ثمار بكسر الثاء جمع ثمر بفتحتين فهو جمع
~~الجمع ومعناه / على نحو ما تقدم أي أموال كثيرة من الذهب والفضة والحيوان
~~وغيرها، وبذلك فسره ابن عباس وقتادة وغيرهما، وقال مجاهد يراد به الذهب
~~والفضة خاصة، وقرأ الأعمش وأبو رجاء وأبو عمرو بضم الثاء وإسكان الميم
~~تخفيفا هنا وفيما بعد والمعنى على ما سمعت، وقرأ أبو رجاء في رواية {
~~ثمر } بالفتح والسكون. وفي مصحف أبي وحمل على التفسير (وآتيناه ثمرا
~~كثيرا). ms06065

# { فقال لصحبه } المؤمن، والمراد بالصاحب المعنى اللغوي فلا
~~ينافي هذا العنوان القول بأنهما كانا أخوين خلافا لمن وهم { وهو } أي
~~القائل { يحوره } أي يحاور صاحبه فالجملة في موضع الحال من
~~القائل. والمحاورة مراجعة الكلام من حار إذا رجع أي يراجعه الكلام في
~~إنكاره البعث وإشراكه بالله تعالى، وجوز أن تكون الجملة حالا من (صاحبه)
~~فضمير { هو } عائد عليه وضمير (صاحبه) عائد على القائل أي والصاحب
~~المؤمن يراجع بالوعظ والدعوة إلى الله عز وجل ذلك الكافر القائل له {
~~أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا } حشما وأعوانا، وقيل:
~~أولادا ذكورا، وروي ذلك عن قتادة ومقاتل، وأيد بمقابلته  بأقل منك
~~مالا وولدا  وتخصيص الذكور لأنهم الذين ينفرون معه لمصالحه ومعاونته،
~~وقيل: عشيرة ومن شأنهم أنهم ينفرون مع من هو منهم، واستدل بذلك على أنه
~~لم يكن أخاه لأن العشيرة مشتركة بينهما وملتزم الأخوة لا يفسر بذلك. ونصب
~~{ مالا ونفرا } على التمييز وهو على ما قيل محول عن المبتدأ. والظاهر
~~أن المراد من أفعل التفضيل معناه الحقيقي وحينئذ يرد بذلك ما في بعض
~~الروايات من أن الأخ المؤمن بقي بعد التصدق بماله فقيرا محتاجا فسأل
~~أخاه الكافر ولم يعطه ووبخه على التصدق.

### || [18.35]

# { ودخل جنته } أي كل ما هو جنة له يتمتع بها بناءا على أن
~~الإضافة للاستغراق والعموم فتفيد ما أفادته التثنية مع زيادة وهي الإشارة
~~إلى أنه لا جنة له غير ذلك ولا حظ له في الجنة التي وعد المتقون وإلى هذا
~~ذهب الزمخشري وهو معنى لطيف دق تصوره على أبي حيان فتعقبه بما تعقبه.
~~واختار أن الإفراد لأن الدخول لا يمكن أن يكون في الجنتين معا في وقت
~~واحد وإنما يكون في واحدة واحدة وهو خال عما أشير إليه من النكتة. وكذا
~~ما قيل إن الإفراد لاتصال إحداهما بالأخرى. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي
~~أنه قال في قوله تعالى:

# جعلنا لأحدهما جنتين

# [الكهف: 32] الخ الجنة البستان فكان له بستان واحد وجدار واحد وكان
~~بينهما نهر فلذلك كان جنتين وسماه سبحانه ms06066 جنة من قبل الجدار المحيط به
~~وهو كما ترى. والذي يدل عليه السياق والمحاورة أن المراد ودخل جنته مع
~~صاحبه { وهو ظالم لنفسه } جملة حالية أي وهو ضار لنفسه بكفره
~~حيث عرضها للهلاك وعرض نعمتها للزوال أو واضع الشيء في غير موضعه حيث كان
~~اللائق به الشكر والتواضع لا ما حكى عنه.

# { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من ذكر دخول جنته حال ظلمه لنفسه
~~كأنه قيل فماذا قال إذ ذاك؟ فقيل قال: { ما أظن أن تبيد } أي
~~تهلك وتفنى يقال: باد يبيد بيدا وبيودا وبيدودة إذا هلك { هذه }
~~أي الجنة { أبدا } أي طول الحياة فالمراد بالتأبيد طول المكث لا معناه
~~المتبادر، وقيل يجوز أن يكون أراد ذلك لأنه لجهله وإنكاره قيام الساعة ظن
~~عدم فناء نوعها وإن فني كل شخص من أشجارها نحو ما يقوله الفلاسفة
~~القائلون بقدم العالم في الحركات الفكلية وليس بشيء، وقيل ما قصد إلا أن
~~هذه الجنة المشاهدة / بشخصها لا تفنى على ما يقوله الفلاسفة على المشهور
~~في الأفلاك أنفسها وكأن حب الدنيا والعجب بها غشي على عقله فقال ذلك وإلا
~~فهو مما لا يقوله عاقل وهو مما لا يرتضيه فاضل. وقيل { هذه } إشارة
~~إلى الأجرام العلوية والأجسام السفلية من السموات والأرض وأنواع
~~المخلوقات أو إشارة إلى الدنيا والمآل واحد والظاهر ما تقدم، وأيا ما
~~كان فلعل هذا القول كان منه بمقابلة موعظة صاحبه وتذكيره بفناء جنتيه
~~ونهيه عن الاغترار بهما وأمره بتحصيل الصالحات الباقيات، ولعله خوفه
~~أيضا بالساعة فقال له: { وما أظن الساعة قائمة }.

### || [18.36]

# { وما أظن الساعة قائمة } أي كائنة فيما سيأتي فالقيام
~~الذي هو من صفات الأجسام مجاز عن الكون والتحقق لكنه جار في العرف مجرى
~~الحقيقة { ولئن رددت إلى ربى } بالبعث عند قيامها كما زعمت
~~{ لأجدن } حينئذ { خيرا منها } أي من هذه الجنة. وقرأ ابن
~~الزبير وزيد بن علي وأبو بحرية وأبو جعفر وشيبة وابن محيصن وحميد وابن
~~مناذر ونافع وابن كثير وابن عامر { منهما } بضمير التثنية وكذا في
~~مصاحف مكة ms06067 والمدينة والشام أي من الجنتين { منقلبا } أي مرجعا
~~وعاقبة لفناء الأولى وبقاء الأخرى على زعمك. وهو تمييز محول من المبتدأ
~~على ما نص عليه أبو حيان، ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة اعتقاد أنه
~~تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه الذاتي وكرامته عليه
~~سبحانه وهذا كقوله تعالى حكاية

# ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى

# [فصلت: 50] ولم يدر أن ذلك استدراج، وكأنه لسبق ما يشق عليه فراقه وهي
~~الجنة التي ظن أنها لا تبيد جاء هنا { رددت } ولعدمه فيما سيأتي بعد
~~إن شاء الله تعالى من آية حم المذكورة جاء

# رجعت

# [فصلت: 50] فليتأمل.

### || [18.37]

# { قال له صحبه } استئناف كما سبق { وهو يحوره }
~~جملة حالية كالسابقة، وفائدتها التنبيه من أول الأمر على أن ما يتلوها
~~كلام معتنى بشأنه مسوق للمحاورة. وقرأ أبي وحمل ذلك على التفسير (وهو
~~يخاصمه) { أكفرت بالذى خلقك من تراب } أي في ضمن خلق
~~أصلك منه وهو آدم عليه السلام لما أن خلق كل فرد من أفراد البشر له حظ من
~~خلقه عليه السلام إذ لم تكن فطرته الشريفة مقصورة على نفسه بل كانت
~~أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس انطواء إجماليا مستتبعا
~~لجريان آثارها على الكل فإسناد الخلق من تراب إلى ذلك الكافر حقيقة
~~باعتبار أنه مادة أصله، وكون ذلك مبنيا على صحة قياس المساواة خيال واه.
~~وقيل خلقك منه لأنه أصل مادتك إذ ماء الرجل يتولد من أغذية راجعة إلى
~~التراب فالإسناد مجاز من إسناد ما للسبب إلى المسبب فتدبر.

# { ثم من نطفة } هي مادتك القريبة فالمخلوق واحد والمبدأ متعدد.
~~ونقل أنه ما من نطفة قدر الله تعالى أن يخلق منها بشرا إلا وملك موكل
~~بها يلقى فيها قليلا من تراب ثم يخلق الله تعالى منها ما شاء من ذكر أو
~~أنثى. وتعقبه في «البحر» بأنه يحتاج إلى ثبوت صحته. وأنا أقول: غالب ظني
~~أني وقفت على تصحيحه لكن في تخريج الآية عليه كلام لا يخفى { ثم
~~سواك رجلا } عدلك وكملك إنسانا ذكرا؛ ms06068 وأصل معنى التسوية جعل
~~الشيء سواء أي مستويا كما فيما

# تسوى بهم الأرض

# [النساء: 42] ثم إنه يستعمل تارة بمعنى الخلق والإيجاد كما في قوله
~~تعالى:

# ونفس وما سواها

# [الشمس: 7] فإذا قرن بالخلق والإيجاد كما هنا فالمراد به الخلق على أتم
~~حال وأعدله حسبما تقتضيه / الحكمة بدون إفراط ولا تفريط. ونصب { رجلا
~~} على ما قال أبو حيان على الحال وهو محوج إلى التأويل. وقال الحوفي: نصب
~~على أنه مفعول ثان لسوى، والمراد ثم جعلك رجلا. وفيه على ما قيل تذكير
~~بنعمة الرجولية أي جعلك ذكرا ولم يجعلك أنثى.

# والظاهر أن نسبة الكفر بالله تعالى إليه لشكه في البعث وقوله:

# ما أظن الساعة قائمة

# [الكهف: 36] والشاك في البعث كما في «الكشف» كافر من أوجه الشك في قدرته
~~تعالى وفي إخباره سبحانه الصدق وفي حكمته ألا ترى إلى قوله عز وجل

# أفحسبتم أنما خلقنكم عبثا وأنكم إلينا
~~لا ترجعون

# [المؤمنون: 115] وهذا هو الذي يقتضيه السياق لأن قوله: { أكفرت }
~~الخ وقع ردا لقوله:

# ما أظن الساعة قائمة

# [الكهف: 36] ولذلك رتب الإنكار بخلقه من تراب ثم من نطفة الملوح بدليل
~~البعث وعليه أكثر المفسرين ونوقشوا فيه. وقال بعضهم: الظاهر إنه كان
~~مشركا كما يدل عليه قول صاحبه تعريضا به

# ولا أشرك بربى أحدا

# [الكهف: 38] وقوله:

# يليتنى لم أشرك بربى أحدا

# [الكهف: 42] وليس في قوله:

# لئن رددت إلى ربى

# [الكهف: 36] ما ينافيه لأنه على زعم صاحبه كما مر مع أن الإقرار
~~بالربوبية لا ينافي الإشراك فعبدة الأصنام مقرون بها وهم مشركون فالمراد
~~بقوله: { أكفرت } أأشركت اه، وسيأتي إن شاء الله تعالى بعض ما
~~يتعلق به.

# وقرأ ثابت البناني وحمل ذلك على التفسير كنظائره المتقدمة (ويلك أكفرت).

### || [18.38]

# { لكنا هو الله ربي } أصله لكن أنا وقد قرأ به أبي
~~والحسن، وحكى ابن عطية ذلك عن ابن مسعود فنقل حركة همزة أنا إلى نون لكن
~~فحذفت الهمزة ثم حذفت الحركة ثم أدغمت النون في النون، وقيل حذفت الهمزة
~~مع حركتها ثم أدغم أحد المثلين في الآخر وهو أقرب ms06069 مسافة إلا أن الحذف
~~المذكور على خلاف القياس، وقد جاء الحذف والإدغام في قوله:

# وترمينني بالطرف أي أنت مذنب

# وتقلينني لكن إياك لا أقلي

# فإنه أراد لكن أنا لا أقليك، وهو أولى من جعلهم التقدير لكنه إياك على
~~حذف ضمير الشأن، وأبعد منه جعل الأصل لكنني إياك على حذف اسم لكن كما في
~~قوله:

# فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي

# ولكن زنجي عظيم المشافر

# أي لكنك مع نون الوقاية، وبإثبات الألف آخرا في الوقف وحذفها في الوصل
~~كما هو الأصل في أنا وقفا ووصلا قرأ الكوفيون وأبو عمرو وابن كثير
~~ونافع في رواية ورش وقالون، وأبدلها هاء في الوقف أبو عمرو في رواية
~~فقال: { لكنه } ذكره ابن خالويه، وقال ابن عطية: روى هارون عن أبي عمرو
~~(لكنه هو الله ربي) بضمير لحق لكن. وقرأ ابن عامر وزيد بن علي والحسن
~~والزهري بإثبات الألف وقفا ووصلا وهو رواية عن نافع ويعقوب وأبي عمرو
~~وورش وأبي جعفر وأبي بحرية، وجاء ذلك على لغة بني تميم فإنهم يثبتون
~~ألف أنا في الأصل اختيارا وأما غيرهم فيثبتها فيه اضطرارا، وقال بعضهم:
~~إن إثباتها في الوصل غير فصيح لكنه حسن هنا لمشابهة أنا بعد حذف همزته
~~لضميرنا المتصل ولأن الألف جعل عوضا عن الهمزة المحذوفة فيه. وقيل أثبتت
~~إجراء للوصل مجرى الوقف وفي إثباتها دفع اللبس بلكن المشددة، ومن إثباتها
~~وصلا قول الشاعر:

# / أنا شيخ العشيرة فاعرفوني

# حميدا قد تذريت السناما

# وفي رواية الهاشمي عن أبي جعفر حذفها وصلا ووقفا، وروي ذلك أيضا عن
~~أبي عبلة وأبي حيوة وأبي بحرية، وقرأ { لكننا } بحذف الهمزة وتخفيف
~~النونين، و { لكن } في جميع هذه القراءات حرف استدراك لا عمل له وأنا
~~مبتدأ أول و { هو } ضمير الشأن مبتدأ ثان و { الله ربى } مبتدأ
~~وخبر، والجملة خبر ضمير الشأن وهي غنية عن الرابط وجملة ضمير الشأن وخبره
~~خبر المبتدأ الأول والرابط ضمير المتكلم المضاف إليه، والتركيب نظير
~~قولك: هند هو زيد ضاربها، وجوز أن يكون { هو } مبتدأ ثانيا والاسم
~~الجليل ms06070 بدلا منه و { ربى } خبره والجملة خبر المبتدأ الأول والرابط
~~الياء أيضا. وفي «البحر» أن { هو } ضمير الشأن وثم قول محذوف أي لكن
~~أنا أقول هو الله ربي، ويجوز أن يعود على

# الذى خلقك

# [الكهف: 37] أي لكن أنا أقول الذي خلقك الله ربي فخبره الاسم الجليل و
~~{ ربى } نعت أو عطف بيان أو بدل انتهى، ثم جوز عدم تقدير القول واقتصر
~~على جعل { هو } ضمير الشأن حينئذ حسبما سمعت، ولا يخفى أن احتمال
~~تقدير القول بعيد في هذه القراءة ولعل احتمال كون الاسم الجليل بدلا
~~أقرب معنى من كونه خبرا وعود الضمير على

# الذى خلقك

# [الكهف: 37]، وجوز أبو علي كون  نا  ضمير الجماعة كالتي في خرجنا
~~وضربنا ووقع الإدغام لاجتماع المثلين إلا أنه أريد بها ضمير المعظم نفسه
~~فوحد { ربى } على المعنى ولو اتبع اللفظ لقيل ربنا ولا يخفى ما فيه من
~~البعد، وقال ابن عطية في الآية: يجوز أن تكون لكن هي العاملة من أخوات إن
~~واسمها محذوف وحذفه فصيح إذا دل عليه الكلام والتقدير لكن قولي هو الله
~~ربي، لكن ذلك إنما يتم لو قرىء بحذف الألف وقفا ووصلا وأنا لا أعرف
~~أحدا قرأ بذلك انتهى، وأنت قد عرفت من قرأ به، وقد ذكر غيرهم قرؤا أيضا
~~أبو القاسم يوسف بن علي الهذلي في كتابه «الكامل في القراءات» لكن لا
~~أظنك تستحسن التخريج على ذلك. وقرأ عيسى الثقفي { لكن هو الله } بسكون
~~نون لكن، وحكاه ابن خالويه عن ابن مسعود والأهوازي عن الحسن وإعرابه ظاهر
~~جدا. وقرىء (لكن أنا هو الله لا إله إلا هو ربي) ويعلم إعرابه مما
~~مر، وخرج أبو حيان قراءة أبي عمرو على رواية هارون على أن يكون «هو»
~~تأكيدا لضمير النصب في «لكنه» وجعله عائدا على

# الذي خلقك

# [الكهف: 37] ثم قال: ويجوز أن يكون فصلا لوقوعه بين معرفتين، ولا يجوز
~~أن يكون ضمير شأن لأنه لا عائد حينئذ على اسم لك من الجملة الواقعة
~~خبرا انتهى، ويا ليت شعري ما الذي منعه من ms06071 تجويز أن يكون ضمير لكنه
~~للشأن ويكون { هو } مبتدأ عائدا على

# الذى خلقك

# [الكهف: 37] والاسم الجليل خبره و { ربي } نعتا أو عطف بيان أو بدل
~~والجملة خبر ضمير الشأن المنصوب بلكن أو يكون { هو } مبتدأ والاسم
~~الجليل بدلا منه و { ربى } خبرا والجملة خبر الضمير.

# هذا وقوله: { ولا أشرك بربى أحدا } عطف على إحدى الجملتين
~~والاستدراك على

# أكفرت

# [الكهف: 37] وملخص المعنى لمكان الاستفهام الذي هو للتقرير على سبيل
~~الإنكار أنت كافر بالله تعالى لكني مؤمن موحد. وللتغاير الظاهر بين
~~الجملتين وقعت لكن موقعها فقد قالوا: إنها تقع بين كلامين متغايرين نحو
~~زيد حاضر لكن عمرو غائب، وإلى كون المعنى ما ذكر ذهب الزمخشري وغيره،
~~وذكر في «الكشف» أن فيه إشارة إلى أن الكفر بالله تعالى يقابله الإيمان
~~والتوحيد فجاز أن يستدرك بكل منهما وبهما معا أي كما هنا فإن الإيمان
~~مفاد أنا هو الله ربي والتوحيد مفاد { لا أشرك بربى أحدا }
~~وأنت تعلم أيضا أن الشرك كثيرا ما يطلق على مطلق الكفر / وجعلوا منه
~~قوله تعالى:

# إن الله لا يغفر أن يشرك به

# [النساء: 48] وأنه يمكن أن يكون الغرض من مجموع الكلام إثبات الإيمان
~~على الوجه الأكيد، ولعل شرك صاحبه الذي عرض به في الجملة الثانية كما صرح
~~به غير واحد بهذا المعنى. وقيل الشرك فيه بالمعنى المتبادر وإثباته
~~لصاحبه تعريضا باعتبار أنه لما أنكر البعث فقد عجز الباري جل جلاله ومن
~~عجزه سبحانه وتعالى فقد سواه بخلقه تعالى في العجز وهو شرك، وقيل باعتبار
~~أنه لما اغتر بدنياه وزعم الاستحقاق الذاتي وأضاف ما أضاف لنفسه كان كأنه
~~أشرك فعرض به المؤمن بما عرض فكأنه قال: لكن أنا مؤمن ولا أرى الغنى
~~والفقر إلا من الله تعالى يفقر من يشاء ويغني من يشاء ولا أرى الاستحقاق
~~الذاتي على خلاف ما أنت عليه؛ والإنصاف أن كلا من القولين تكلف، وقيل في
~~الكلام تعريض بشرك صاحبه ولا يلزم أن يكون مدلولا عليه بكلامه السابق بل
~~يكفيه ثبوت كونه مشركا في نفس الأمر ms06072 وفيما بعد ما هو ظاهر فيه فتأمل، ثم
~~اعلم أن ما تضمنته الآية ذكر جليل، وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أسماء بنت
~~عميس قالت: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن عند الكرب
~~الله ربي لا أشرك به شيئا.

### || [18.39]

# { ولولا إذ دخلت جنتك قلت } حض على القول وتوبيخ على
~~تركه. وتقديم الظرف على المحضض عليه للإيذان بتحتم القول في آن الدخول من
~~غير ريث [لا] للقصر، وجاز تقديمه لذلك وجعله فاصلا بين { لولا }
~~وفعلها لتوسعهم في الظروف أي هلا قلت عندما دخلتها { ما شاء الله }
~~أي الأمر ما شاء الله أو ما شاء الله تعالى كائن على أن ما موصولة مرفوعة
~~المحل إما على أنها خبر مبتدأ محذوف أو على أنها مبتدأ محذوف الخبر.
~~ويجوز أن تكون شرطية في محل نصب بشاء والجواب محذوف أي أي شيء شاء الله
~~تعالى كان. وأيا ما كان فالمراد تحضيضه على الاعتراف بأن جنته وما فيها
~~بمشيئة الله تعالى إن شاء أبقاها وإن شاء أبادها، ودلالة الجملة على
~~العموم الداخل فيه ما ذكر دخولا أوليا على التقدير الأول لأن تعريف
~~الأمر للاستغراق، والجملة على هذا تفيد الحصر وأما على غيره فقيل لأن ما
~~شرطية أو موصولة وهي في معنى الشرط والشرط وما في معناه يفيد توقف وجود
~~الجزاء على ما في حيزه فيفيد عدمه عند عدمه فيكون المعنى ما شاء كان وإن
~~لم يشأ لم يكن، ولا غبار على ذلك عند من يقول بمفهوم الشرط، وقدر بعضهم
~~في الثاني من احتمالي الموصولة ما شاء الله هو الكائن حتى تفيد الجملة ما
~~ذكر وليس بشيء كما لا يخفى. وزعم القفال من المعتزلة أن التقدير هذا ما
~~شاءه الله تعالى والإشارة إلى ما في الجنة من الثمار ونحوها، وهذا كقول
~~الإنسان إذا نظر إلى كتاب مثلا: هذا خط زيد، ومراده نفي دلالة الآية على
~~العموم ليسلم له مذهب الاعتزال، وكذلك فعل الكعبي والجبائي حيث قالا:
~~الآية خاصة فيما تولى الله تعالى فعله ms06073 ولا تشمل ما هو من فعل العباد ولا
~~يمتنع أن يحصل في سلطانه سبحانه ما لا يريد كما يحصل فيه ما ينهى عنه،
~~ولا يخفى على من له ذوق سليم وذهن مستقيم أن المنساق إلى الفهم العموم
~~وكم للمعتزلة عدول عن ذلك.

# { لا قوة إلا بالله } من مقول القول أيضا أي هلا قلت ذلك
~~اعترافا بعجزك وإقرارا بأن ما تيسر لك من عمارتها وتدبير أمرها إنما هو
~~بمعونته تعالى وإقداره جل جلاله. وقد تضمنت هذه الآية ذكرا جليلا
~~أيضا، فقد أخرج أحمد

# " عن أبي هريرة قال: «قال لي نبي الله صلى الله عليه وسلم ألا أدلك
~~على كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟ قلت: نعم قال: أن تقول لا قوة إلا
~~بالله / قال عمرو بن ميمون: قلت لأبي هريرة: لا حول ولا قوة إلا بالله
~~فقال: لا إنها في سورة الكهف { ولولا إذ دخلت } "

# الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن مرة قال: «إن من أفضل الدعاء قول
~~الرجل ما شاء الله»، وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في «الشعب» عن
~~أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " ما أنعم الله تعالى على عبد نعمة في أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء
~~الله لا قوة إلا بالله إلا دفع الله تعالى عنه كل آفة حتى تأتيه منيته
~~وقرأ { ولولا إذ دخلت } "

# الخ. وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أنس قال: من رأى شيئا من ماله
~~فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يصب ذلك المال آفة أبدا
~~وقرأ الآية، وأخرجه البيهقي في «الشعب» عن أنس مرفوعا. وأخرج ابن أبي
~~حاتم عن مطرف قال: كان مالك إذا دخل بيته يقول: ما شاء الله قلت لمالك:
~~لم تقول هذا؟ قال: ألا تسمع الله تعالى يقول: { ولولا إذ دخلت
~~جنتك قلت ما شاء الله } ونقل عن ابن العربي أن مالكا
~~يستدل بالآية على استحباب ما تضمنته من الذكر لكل من دخل منزله. وأخرج ms06074
~~سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والبيهقي في «الشعب» عن عروة أنه كان إذا
~~رأى من ماله شيئا يعجبه أو دخل حائطا من حيطانه قال: ما شاء الله لا
~~قوة إلا بالله ويتأول قول الله تعالى: { ولولا إذ دخلت } الآية،
~~ويفهم من بعض الروايات استحباب قول ذلك عند رؤية ما يعجب مطلقا سواء كان
~~له أو لغيره وأنه إذا قال ذلك لم تصبه عين الإعجاب.

# { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا } الخ { أنا }
~~توكيد للضمير المنصوب على المفعولية في { ترني } وقد أقيم ضمير الرفع
~~مقام ضمير النصب. والرؤية إن كانت علمية فأقل مفعول ثان وإن كانت بصرية
~~فهو حال من المفعول، ويجوز أن يكون { أنا } فصلا وحينئذ يتعين أن
~~تكون الرؤية علمية لأن الفصل إنما يقع بين مبتدأ وخبر في الحال أو في
~~الأصل. وقرأ عيسى بن عمر { أقل } بالرفع فيكون { أنا } مبتدأ و { أقل }
~~خبره والجملة في موضع المفعول الثاني على الأول من احتمالي الرؤية أو
~~الحال على الثاني منهما و { مالا وولدا } تمييز على القراءتين وما
~~فيهما من الاحتمال.

### || [18.40]

# وقوله: { فعسى ربى أن يؤتين خيرا من جنتك } قائم
~~مقام جواب الشرط أي إن ترن كذلك فلا بأس عسى ربي الخ، وقال كثير: هو
~~جواب الشرط، والمعنى إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنيع الله تعالى أن
~~يقلب ما بي وما بك من الفقر والغنى فيرزقني لإيماني جنة خيرا من جنتك
~~ويسلبك بكفرك نعمته ويخرب جنتك، وقيد بعضهم هذا الإيتاء بقوله: في
~~الآخرة، وقال آخر: في الدنيا أو في الآخرة، وظاهر ما ذكر أنه في الدنيا
~~كالإرسال في قوله: { ويرسل عليها حسبانا من السماء }
~~أي عذابا كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس. وأخرج الطستي عنه أن نافع بن
~~الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى: { حسبانا } فقال: نارا وأنشد
~~له قول حسان:

# بقية معشر صبت عليهم

# شآبيب من الحسبان شهب

# وأخرج ذلك ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن الضحاك أيضا، وقال
~~الزمخشري: هو مصدر ms06075 كالبطلان والغفران بمعنى الحساب والمراد به المحسوب
~~والمقدر أي مقدرا قدره الله تعالى وحسبه وهو الحكم بتخريبها، والظاهر أن
~~إطلاقه على الحكم المذكور مجاز. والزجاج جعل الحسبان بمعنى الحساب أيضا
~~إلا أنه قدر مضافا / أي عذاب حساب وهو حساب ما كسبت يداه، ولا يخفى أنه
~~يجوز أن يراد من الحسبان بهذا المعنى العذاب مجازا فلا يحتاج إلى تقدير
~~مضاف. وظاهر عبارة «القاموس» وكذا ما روي أولا عن ابن عباس أن إطلاق
~~الحسبان على العذاب حقيقة، ويمكن على ما قيل أن يكون إطلاقه على النار
~~باعتبار أنها من العذاب أو من المقدر، ونقل الزمخشري أن { حسبانا }
~~جمع حسبانة وهي المرماة أي ما يرمى به كالسهم والصاعقة وأريد بها هنا
~~الصواعق، وقيل أعم من ذلك أن يرسل عليها مرامي من عذابه إما بردا وإما
~~حجارة وإما غيرهما مما يشاء.

# { فتصبح } لذلك { صعيدا } أي أرضا { زلقا } ليس فيها نبات
~~قاله الحسن وأخرجه ابن أبي حاتم عن السدي؛ قيل وأصل معنى الزلق الزلل في
~~المشي لوحل ونحوه لكن لما كان ذلك فيما لا يكون فيه نبت ونحوه مما يمنع
~~منه تجوز به أو كنى عنه، وعبر بالمصدر عن المزلقة مبالغة، وقيل الزلق من
~~زلق رأسه بمعنى حلقه والكلام على التشبيه أي فتصبح أرضا ملساء ليس فيها
~~شجر ولا نبات كالرأس الذي حلق وفيه بعد، وقيل المراد بالزلق المزلقة
~~بالمعنى الحقيقي الظاهر، والمعنى فتصبح أرضا لا نبات فيها ولا يثبت فيها
~~قدم، وحاصله فتصبح مسلوبة المنافع حتى منفعة المشي عليها فتكون وحلا لا
~~تنبت ولا يثبت عليها قدم، وظاهر صنيع أبي حيان اختياره، وقال مجاهد: أي
~~فتصبح رملا هائلا.

### || [18.41]

# { أو يصبح ماؤها غورا } أي غائرا في الأرض، والتعبير
~~بالمصدر للمبالغة نظير ما مر. { فلن تستطيع له } أي للماء
~~الغائر { طلبا } تحركا وعملا في رده وإخراجه، والمراد نفي استطاعة
~~الوصول إليه فعبر عنه بنفي الطلب إشارة إلى أنه غير ممكن والعاقل لا يطلب
~~مثله، وقيل ضمير { له } للماء مطلقا لا للماء المخصوص أي فلن تستطيع ms06076
~~لماء لها بدل ذلك الماء الغائر طلبا، وهو الذي يقتضيه كلام الماوردي إلا
~~أنه خلاف الظاهر. والظاهر أن { يصبح } عطف على

# تصبح

# [الكهف: 40] وحينئذ لا بد أن يراد بالحسبان ما يصلح ترتب الأمرين عليه
~~عادة كالحكم الإلهي بالتخريب إذ ليس كل آفة سماوية يترتب عليها إصباح
~~الجنة صعيدا زلقا يترتب عليها إصباح مائها غورا. وجوز أن يكون العطف
~~على

# يرسل

# [الكهف: 40] وحينئذ يجوز أن يراد بالحبسان أي معنى كان من المعاني
~~السابقة، وعلى هذا يكون المؤمن قد ترجى هلاك جنة صاحبه الكافر إما بآفة
~~سماوية أو بآفة أرضية وهو غور مائها فيتلف كل ما فيها من الشجر والزرع
~~لكنه لم يصرح بما يترتب على الغور من الضرر والخراب، ولعل ذلك لظهوره
~~والاكتفاء بالإشارة إليه بقوله { فلن } الخ. وتعقب بأنه لا يخفى أنه
~~لا فساد في هذا العطف لا لفظا ولا معنى إلا أنه كان الظاهر أن يقال: أو
~~يجعل ماءها غورا أو نحو ذلك مما فيه إسناد الفعل إلى الله تعالى ولا
~~يظهر للعدول إلى ما في النظم الكريم وجه فتأمل.

# ثم أن أكثر العلماء على أن قوله

# إن ترن

# [الكهف: 39] الخ في مقابلة قول الكافر

# أنا أكثر منك مالا

# [الكهف: 34] الخ وكأنهم عنوا المقابلة في الجملة لا المقابلة التامة أما
~~إذا لم يتحد المراد بالنفر والولد فظاهر، وأما إذا اتحد بأن فسر النفر
~~بالولد فلأن هناك أمرين أكثرية وأعزية ولم يذكر هنا إلا مقابل أحدهما وهو
~~الأقلية المنسوبة في المعنى إلى المال والولد، نعم قيل: إن أقلية / الولد
~~قد تستلزم الأذلية والأكثرية قد تستلزم الأعزية كما يشاهد في عرب
~~البادية. هذا وكان الظاهر أن يتعرض في الجزاء لأمر الولد كما تعرض لأمر
~~المال بأن يقال وعسى أن يؤتيني خيرا من ولدك ويصيبهم ببلاء فيصبحوا هلكى
~~أو نحو ذلك وأجيب بأنه إنما لم يتعرض لذلك إشارة إلى استيلاء حب المال
~~على قلب ذلك الكافر وأنه يكفي في نكايته وإغاظته تلف جنته وإعطاء صاحبه
~~المؤمن خيرا منها. وقيل: إنما لم يتعرض ms06077 لذلك لما فيه من ترجي هلاك من لم
~~يصدر منه مكالمة ومحاورة ولم ينقل عنه مقاومة ومفاخرة لمجرد إغاظة كافر
~~حاور وكاثر وفاخر وتركه أفضل للكامل وأكمل للفاضل، والدعاء على الكفرة
~~وذراريهم الصادر من بعض الأنبياء عليهم السلام ليس من قبيل هذا الترجي
~~كما لا يخفى على المتأمل؛ وحيث أراد ترك هذا الترجي ترك ترجي الولد لنفسه
~~تبعا له أو لكونه غير مهم له، وقيل: إنه ترجاه في قوله:

# خيرا من جنتك

# [الكهف: 40] لأن المراد شيئا خيرا من جنتك والنكرة قد تعم بمعونة
~~المقام فيندرج الولد وليس بشيء. وقيل: أراد ما هو الظاهر أي جنة خيرا من
~~جنتك إلا أن الخيرية لا تتم من دون الولد إذ لا تكمل لذة بالمال لمن لا
~~ولد له فترجى جنة خير من تلك الجنة متضمن لترجي ولد خير من أولئك الولد
~~ولم يترج هلاك ولده ليكون بقاؤهم بعد هلاك جنته حملا عليه، ولا يخفى أنه
~~لا يتبادر إلى الذهن من خيرية الجنة إلا خيريتها فيما يعود إلى كونها جنة
~~من كثرة الأشجار وزيادة الثمار وغزارة مياه الأنهار ونحو ذلك، وفي قوله:
~~ليكون الخ منع ظاهر، وقيل: لم يترك الولد اكتفاءا بما عنده منهم فإن
~~كثرة الأولاد ليس مما يرغب فيه الكاملون وفيه نظر، وقيل: إنه لم يقرن
~~ترجي إيتاء الولد مع ترجي إيتاء الجنة لأن ذلك الإيتاء المترجى في الآخرة
~~وهي ليست محلا لإيتاء الولد لانقطاع التولد هناك، ولا يخفى أن هذا بعد
~~تسليم أنه لا يؤتى الولد لمن شاءه في الآخرة ليس بشيء، وقيل: يمكن أن
~~يكون ترجي الولد في قوله:

# خيرا من جنتك

# [الكهف: 40] بناءا على أنه أراد من جنته جميع ما متع به من الدنيا
~~وتكون الضمائر بعدها عائدة عليها بمعنى البستان على سبيل الاستخدام وهو
~~كما ترى فتدبر، والله تعالى أعلم بأسرار كتابه وأخبر. وقرأت فرقة {
~~غؤورا } بضم الغين وهمزة بعدها وواو بعدهما.

### || [18.42]

# { وأحيط بثمره } أهلك أمواله المعهودة من جنتيه وما فيهما، وهو
~~مأخوذ من إحاطة العدو وهي ms06078 استدارته به من جميع جوانبه استعملت في
~~الاستيلاء والغلبة ثم استعملت في كل هلاك. وذكر الخفاجي أن في الكلام
~~استعارة تمثيلية شبه إهلاك جنتيه بما فيهما بإهلاك قوم حاط بهم عدو وأوقع
~~بهم بحيث لم ينج أحد منهم، ويحتمل أن تكون الاستعارة تبعية، وبعض يجوز
~~كونها تمثيلية تبعية انتهى. وجعل ذلك من باب الكناية أظهر. والعطف على
~~مقدر كأنه قيل: فوقع بعض ما ترجى وأحيط الخ وحذف لدلالة السابق والسياق
~~عليه. واستظهر أن الإهلاك كان ليلا لقوله تعالى: { فأصبح يقلب
~~كفيه } ويحتمل أن تكون أصبح بمعنى صار فلا تدل على تقييد الخبر
~~بالصباح، ويجري هذان الأمران في

# تصبح

# [الكهف: 40] و

# يصبح

# [الكهف: 41] السابقين، ومعنى تقليب الكفين على ما استظهره أبو حيان أن
~~يبدي بطن كل منهما ثم يعوج يده حتى يبدو ظهر كل يفعل ذلك مرارا، وقال
~~غير واحد: هو أن يضع باطن إحداهما على ظهر الأخرى ثم يعكس الأمر ويكرر
~~ذلك، وأيا ما كان فهو كناية عن الندم والتحسر وليس ذلك من قولهم: قلبت
~~الأمر ظهرا لبطن كما في قول عمرو بن ربيعة:

# / وضربنا الحديث ظهرا لبطن

# وأتينا من أمرنا ما اشتهينا

# فإن ذلك مجاز عن الانتقال من بعض الأحاديث إلى بعض. ولكونه كناية عن
~~الندم عدي بعلى في قوله تعالى: { على ما أنفق فيها } فالجار
~~والمجرور ظرف لغو متعلق بيقلب كأنه قيل فأصبح يندم على ما أنفق، ومنه
~~يعلم أنه يجوز في الكناية أن تعدى بصلة المعنى الحقيقي كما في قولهم: بنى
~~عليها وبصلة المعنى الكنائي كما هنا فيجوز بنى بها ويكون القول بأنه غلط
~~غلط. ويجوز أن يكون الجار والمجرور ظرفا مستقرا متعلقه خاص وهو حال من
~~ضمير { يقلب } أي متحسرا على ما أنفق وهو نظرا إلى المعنى الكنائي
~~حال مؤكدة على ما قيل لأن التحسر والندم بمعنى، وقال بعضهم: إن التحسر
~~الحزن وهو أخص من الندم فليراجع. وأيا ما كان فلا تضمين في الآية كما
~~توهم. وقرىء { تقلب كفاه } أي تتقلب، ولا يخفى عليك أمر الجار ms06079 والمجرور
~~على هذا. و(ما) إما مصدرية أي على إنفاقه في عمارتها، وإما موصولة أي على
~~الذي أنفقه في عمارتها من المال، ويقدر على هذا مضاف إلى الموصول من
~~الأفعال الاختيارية إذا كان متعلق الجار { يقلب } مرادا منه يندم
~~لأن الندم إنما يكون على الأفعال الاختيارية، ويعلم من هذا وجه تخصيص
~~الندم على ما أنفق بالذكر دون هلاك الجنة ((وقيل: لعل التخصيص لذلك ولأن
~~ما أنفق في عمارتها كان مما يمكن صيانته عن طوارق الحدثان وقد صرفه إلى
~~مصالحها رجاء أن يتمتع بها أكثر مما يتمتع به وكان يرى أنه لا تنالها
~~أيدي الردى ولذلك قال:

# ما أظن أن تبيد هذه أبدا

# [الكهف: 35] فلما ظهر له أنها مما يعتريه الهلاك ندم على ما صنع بناء
~~على الزعم الفاسد من إنفاق ما يمكن ادخاره في مثل هذا الشيء السريع
~~الزوال)) انتهى، والظاهر أن إهلاكها واستئصال نباتها وأشجارها كان دفعيا
~~بآفة سماوية ولم يكن تدريجيا بإذهاب ما به النماء وهو الماء، فقد قال
~~الخفاجي: إن الآية تدل على وقوع استئصال نباتها وأشجارها عاجلا بآفة
~~سماوية صريحا لقوله تعالى: { فأصبح } بالفاء التعقيبية والتحسر
~~إنما يكون لما وقع بغتة فتأمل.

# { وهى } أي الجنة من الأعناب المحفوفة بنخل { خاوية } أي ساقطة.
~~وأصل الخواء كما قيل الخلاء يقال خوى بطنه من الطعام يخوي خوى وخواء إذا
~~خلا. وفي «القاموس» خوت الدار تهدمت وخوت وخويت خيا وخويا وخواء وخواية
~~خلت من أهلها، وأريد السقوط هنا لتعلق قوله تعالى: { على عروشها }
~~بذلك. والعروش جمع عرش وهو هنا ما يصنع من الأعمدة لتوضع عليه الكروم،
~~وسقوط الجنة على العروش لسقوطها قبلها، ولعل ذلك لأنه قد أصاب الجنة من
~~العذاب ما جعلها صعيدا زلقا لا يثبت فيها قائم. ولعل تخصيص حال الكروم
~~بالذكر دون النخل والزرع إما لأنها العمدة وهما من متمماتها وإما لأن ذكر
~~هلاكها على ما قيل مغن عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت وهي مسندة
~~بعروشها فهلاك ما عداها بالطريق الأولى وإما لأن الإنفاق في عمارتها
~~أكثر. ms06080 ثم هذه الجملة تبعد ما روي من أن الله تعالى أرسل عليها نارا
~~فأحرقتها وغار ماؤها إلا أن يراد منها مطلق الخراب، وحينئذ يجوز أن يراد
~~من { هى } الجنة بجميع ما اشتملت عليه.

# { ويقول } عطف على { يقلب } وجوز أبو البقاء وغيره أن يكون
~~حالا من الضمير المستتر فيه بتقدير وهو يقول لأن المضارع المثبت لا
~~يقترن بالواو الحالية إلا شذوذا. { يليتنى لم أشرك بربى
~~أحدا } كأنه تذكر موعظة أخيه وعلم أنه إنما أتى من قبل شركه فتمنى لو
~~لم / يكن مشركا فلم يصبه ما أصابه، قيل ويحتمل أن يكون توبة من الشرك
~~وندما عليه فيكون تجديدا للإيمان لأن ندمه على شركه فيما مضى يشعر بأنه
~~آمن في الحال فكأنه قال: آمنت بالله تعالى الآن وليت ذلك كان أولا، لكن
~~لا يخفى أن مجرد الندم على الكفر لا يكون إيمانا وإن كان الندم على
~~المعصية قد يكون توبة إذا عزم على أن لا يعود وكان الندم عليها من حيث
~~كونها معصية كما صرح به في «المواقف»، وعلى فرض صحة قياسه بها لم يتحقق
~~هنا من الكافر ندم عليه من حيث هو كفر بل بسبب هلاك جنتيه، والآية فيما
~~بعد ظاهرة أيضا في أنه لم يتب عما كفر به وهو إنكار البعث، والقول بأنه
~~إنما لم تقبل توبته عن ذلك لأنها كانت عند مشاهدة البأس والايمان إذ ذاك
~~غير مقبول غير مقبول إذ غاية ما في الباب أنه إيمان بعد مشاهدة إهلاك
~~ماله وليس في ذلك سلب الاختيار الذي هو مناط التكليف لا سيما إذا كان ذلك
~~الإهلاك للإنذار، نعم إذا قيل إن هذا حكاية لما يقوله الكافر يوم القيامة
~~كما ذهب إليه بعض المفسرين كان وجه عدم القبول ظاهرا إذ لا ينفع تجديد
~~الإيمان هناك بالاتفاق.

### || [18.43]

# { ولم تكن له } وقرأ الأخوان ومجاهد وابن وثاب والأعمش وطلحة
~~وأيوب وخلف وأبو عبيد وابن سعدان وابن عيسى الأصبهاني وابن جرير { يكن }
~~بالياء التحتية لأن المرفوع به أعني قوله تعالى: { فئة } غير حقيق
~~التأنيث ms06081 والفعل مقدم عليه وقد فصل بينهما بالمنصوب، وقد روعي في قوله
~~سبحانه { ينصرونه } المعنى فأتى بضمير الجمع. وقرأ ابن أبي عبلة {
~~ولم تكن له فئة تنصره } مراعاة للفظ فقط، والمراد من النصرة لازمها وهو
~~القدرة عليها أي لم تكن له فئة تقدر على نصره إما بدفع الهلاك قبل وقوعه
~~أبو برد المهلك بعينه على القول بجواز إعادة المعدوم بعينه أو برد مثله
~~على القول بعدم جواز ذلك { من دون الله } فإنه سبحانه وتعالى
~~القادر على نصره وحده، وارتكب المجاز لأنه لو أبقى ذلك على ظاهره لاقتضى
~~نصرة الله تعالى إياه لأنه إذا قيل: لا ينصر زيدا أحد دون بكر فهم منه
~~نصرة بكر له في العرف وليس ذلك بمراد بل المراد ما سمعت، وحاصله لا
~~يقدرون على نصره إلا الله تعالى القدير { وما كان } في نفسه {
~~منتصرا } ممتنعا بقوته عن انتقام الله تعالى منه.

### || [18.44]

# { هنالك } أي في ذلك المقام وتلك الحال التي وقع فيها الإهلاك {
~~الولية لله الحق } أي النصرة له تعالى وحده لا يقدر عليها
~~أحد فالجملة تقرير وتأكيد لقوله تعالى:

# ولم تكن له فئة ينصرونه

# [الكهف: 43] الخ، أو ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة كما نصر
~~سبحانه بما فعل بالكافر أخاه المؤمن فالولاية بمعنى النصرة على الوجهين
~~إلا أنها على الأول مطلقة أو مقيدة بالمضطر ومن وقع به الهلاك وعلى هذا
~~مقيدة بغير المضطر وهم المؤمنون، ويعضد أن المراد نصرتهم قوله تعالى: {
~~هو خير ثوابا وخير عقبا } أي عاقبة لأوليائه، ووجه ذلك أن
~~الآية ختمت بحال الأولياء فيناسب أن يكون ابتداؤها كذلك.

# وقرأ الأخوان والأعمش وابن وثاب وشيبة وابن غزوان عن طلحة وخلف وابن
~~سعدان وابن عيسى الأصبهاني وابن جرير { الولية } بكسر الواو وهي
~~والولاية بالفتح بمعنى واحد عند بعض أهل اللغة كالوكالة والوكالة
~~والوصاية والوصاية، وقال الزمخشري: ((هي بالفتح النصرة والتولي بالكسر
~~السلطان والملك أي هنالك السلطان له عز وجل لا يغلب ولا يمتنع منه ولا
~~يعبد غيره كقوله تعالى:

# فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله ms06082 مخلصين له
~~الدين

# [العنكبوت: 65] فتكون الجملة تنبيها على أن قوله:

# يليتنى لم أشرك

# [الكهف: 42] الخ كان عن اضطرار وجزع عما دهاه ولم يكن عن ندم وتوبة))
~~وحكي عن أبي عمرو والأصمعي أنهما قالا: إن كسر الواو لحن هنا لأن فعالة
~~إنما تجيء فيما كان صنعة أو معنى متقلدا كالكتابة والإمارة والخلافة
~~وليس هنا تولي أمر إنما هي الولاية بالفتح بمعنى الدين بالكسر ولا يعول
~~على ذلك. واستظهر أبو حيان كون { هنالك } إشارة إلى الدار الآخرة أي
~~في تلك الدار الولاية لله الحق ويناسب قوله تعالى: { هو خير
~~ثوابا وخير عقبا } ويكون كقوله تعالى:

# لمن الملك اليوم لله الوحد القهار

# [غافر: 16] والظاهر على جميع ذلك أن الوقف على

# منتصرا

# [الكهف: 43] وقوله تعالى: { هنالك } الخ ابتداء كلام، وحينئذ
~~فالولاية مبتدأ و { لله } الخبر والظرف معمول الاستقرار والجملة
~~مفيدة للحصر لتعريف المسند إليه واقتران الخبر بلام الاختصاص كما قرر في

# الحمد لله رب العلمين

# [الفاتحة: 2] وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون { هنالك } خبر {
~~الولية } أو الولاية مرفوعة به و { لله } يتعلق بالظرف أو
~~بالعامل فيه أبو بالولاية، ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف وقع حالا منها.
~~وقال بعضهم: إن الظرف متعلق بمنتصرا والإشارة إلى الدار الآخرة، والمراد
~~الإخبار بنفي أن ينتصر في الآخرة بعد نفي أن تكون له فئة تنصره في
~~الدنيا. والزجاج جعله متعلقا بمنتصرا أيضا إلا أنه قال: وما كان
~~منتصرا في تلك الحالة، و { الحق } نعت للاسم الجيل.

# وقرأ الأخوان وحميد والأعمش وابن أبي ليلى وابن مناذر واليزيدي وابن
~~عيسى الأصبهاني { الحق } بالرفع على أنه صفة { الولية } وجوز أبو
~~البقاء أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هي أو هو الحق وأن يكون مبتدأ وهو
~~خبره.

# وقرأ أبي { هنالك الولية الحق لله } بتقديم { الحق } ورفعه وهو
~~يرجح كون { الحق } نعتا للولاية في القراءة السابقة. وقرأ أبو حيوة
~~وزيد بن علي وعمرو بن عبيد وابن أبي عبلة وأبو السمال ويعقوب عن عصمة عن
~~أبي عمرو { الحق } بالنصب على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة ms06083 والناصب له
~~عامل مقدر كما في قولك: هذا عبد الله حقا، ويحتمل أنه نعت مقطوع. وقرأ
~~الحسن والأعمش وحمزة وعاصم وخلف { عقبا } بسكون القاف والتنوين، وعن
~~عاصم { عقبى } بألف التأنيث المقصور على وزن رجعى، والجمهور بضم القاف
~~والتنوين؛ والمعنى في الكل ما تقدم.

### || [18.45]

# { واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا } أي اذكر لهم ما
~~يشبهها في زهرتها ونضارتها وسرعة زوالها لئلا يغتروا بها ولا يضربوا عن
~~الآخرة صفحا بالمرة أو اذكر لهم صفتها العجيبة التي هي في الغرابة
~~كالمثل وبينها لهم { كماء } استئناف لبيان المثل أي هي كماء {
~~أنزلناه من السماء } وجوزوا أن يكون مفعولا ثانيا لاضرب على
~~أنه بمعنى صير. وتعقب بأن الكاف تنبو عنه إلا أن تكون مقحمة. ورد بأنه
~~مما لا وجه لأن المعنى صير المثل هذا اللفظ فالمثل بمعنى الكلام الواقع
~~فيه التمثيل. وقال الحوفي: الكاف متعلقة بمحذوف صفة لمصدر محذوف أي ضربا
~~كماء وليس بشيء.

# { فاختلط به نبات الأرض } أي فاشتبك وخالط بعضه بعضا
~~لكثرته وتكاثفه بسبب كثرة سقي الماء إياه أو المراد فدخل الماء في النبات
~~حتى روى ورف، وكان الظاهر في هذا المعنى فاختلط بنبات الأرض لأن /
~~المعروف في عرف اللغة والاستعمال دخول الباء على الكثير الغير الطارىء
~~وإن صدق بحسب الوضع على كل من التداخلين أنه مختلط ومختلط به إلا أنه
~~اختير ما في النظم الكريم للمبالغة في كثرة الماء حتى كأنه الأصل الكثير
~~ففي الكلام قلب مقبول { فأصبح } ذلك النبات الملتف إثر بهجته
~~ونضارته { هشيما } أي يابسا متفتتا، وهو فعيل بمعنى مفعول، وقيل جمع
~~هشيمة وأصبح بمعنى صار فلا يفيد تقييد الخبر بالصباح كما في قوله:

# أصبحت لا أحمل السلاح ولا

# أملك رأس البعير إن نفرا

# وقيل هي على ظاهرها مفيدة لتقييد الخبر بذلك لأن الآفات السماوية أكثر
~~ما تطرق ليلا. وتعقب بأنه ليس في الآية ما يدل على أن اتصافه بكونه
~~هشيما لآفة سماوية بل المراد بيان ما يؤول إليه بعد النضارة من اليبس
~~والتفتت كقوله تعالى:

# والذى أخرج المرعى * فجعله ms06084 غثاء أحوى

# [الأعلى: 4-5] { تذروه الرياح } أي تفرقه كما قال أبو عبيدة، وقال
~~الأخفش: ترفعه، وقال ابن كيسان: تجيء به وتذهب. وقرأ ابن مسعود { تذريه }
~~من أذرى رباعيا وهو لغة في ذرى. وقرأ زيد بن علي والحسن والنخعي والأعمش
~~وطلحة وابن أبي ليلى وابن محيصن وخلف وابن عيسى وابن جرير { تذروه الريح
~~} بالإفراد، وليس المشبه به نفس الماء بل هو الهيئة المنتزعة من الجملة
~~وهي حال النبات المنبت بالماء يكون أخضر مهتزا ثم يصير يابسا تطيره
~~الرياح حتى كأنه لم يكن، وعبر بالفاء في الآية للإشعار بسرعة زواله
~~وصيرورته بتلك الصفة فليست فصيحة، وقيل هي فصيحة والتقدير فزها ومكث مدة
~~فأصبح هشيما.

# { وكان الله على كل شىء } من الأشياء التي من جملتها
~~الإنشاء والإفناء { مقتدرا } كامل القدرة.

### || [18.46]

# { المال والبنون زينة الحيوة الدنيا } بيان لشأن ما
~~كانوا يفتخرون به من محسنات الحياة الدنيا كما افتخر الأخ الكافر بما
~~افتخر به من ذلك إثر بيان شأن نفسها بما مر من المثل. وتقديم المال على
~~البنين مع كونهم أعز منه عند أكثر الناس لعراقته فيما نيط به من الزينة
~~والإمداد وغير ذلك. ((وعمومه بالنسبة إلى الأفراد والأوقات فإنه زينة
~~وممد لكل أحد من الآباء والبنين في كل وقت وحين وأما البنون فزينتهم
~~وإمدادهم إنما يكون بالنسبة إلى من بلغ [مبلغ] الأبوة ولأن المال مناط
~~لبقاء النفس والبنون لبقاء النوع ولأن الحاجة إليه أمس من الحاجة إليهم
~~ولأنه أقدم منهم في الوجود ولأنه زينة بدونهم من غير عكس فإن من له بنون
~~بلا مال فهو في أضيق حال ونكال)) كذا في «إرشاد العقل السليم». والزينة
~~مصدر وأطلق على ما يتزين به للمبالغة ولذلك أخبر به عن أمرين وإضافتها
~~إلى الحياة الدنيا اختصاصية، وجوز أن تكون على معنى في والمعنى أن ما
~~يفتخرون به من المال والبنين شيء يتزين به في الحياة الدنيا وقد علم
~~شأنها في سرعة الزوال وقرب الاضمحلال فما الظن بما هو من أوصافها التي
~~شأنها أن تزول قبل زوالها. وذكر ms06085 أن هذا إشارة إلى ما يرد افتخارهم بالمال
~~والبنين كأنه قيل: المال والبنون زينة الحياة الدنيا وكل ما كان زينة
~~الحياة الدنيا فهو سريع الزوال ينتج المال والبنون سريعا الزوال، أما
~~الصغرى فبديهية وأما الكبرى فدليلها يعلم مما مر من بيان شأن نفس الحياة
~~الدنيا ثم يقال: المال والبنون سريعا الزوال وكل ما كان سريع الزوال /
~~يقبح بالعاقل أن يفتخر به ينتج المال والبنون يقبح بالعاقل أن يفتخر بهما
~~وكلتا المتقدمين لا خفاء فيها.

# { والبقيات الصلحات } أخرج سعيد بن منصور وأحمد وأبو
~~يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن أبي سعيد
~~الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " استكثروا من الباقيات الصالحات قيل وما هي يا رسول الله؟ قال: التكبير
~~والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله "

# وأخرج الطبراني وابن شاهين في «الترغيب» وابن مردويه عن أبي الدرداء
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة
~~إلا بالله هن الباقيات الصالحات وهن يحططن الخطايا كما تحط الشجرة ورقها
~~وهن من كنوز الجنة "

# وجاء تفسيرها بما ذكر في غير ذلك من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم، وأخرج ابن المنذر وابن أبي شيبة عن ابن عباس تفسيرها بما ذكر
~~أيضا لكن بدون الذكر الأخير.

# وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر في رواية أخرى عنه تفسيرها بالصلوات
~~الخمس، وأخرج ابن مردويه وابن المنذر وابن أبي حاتم في رواية أخرى عنه
~~أيضا تفسيرها بجميع أعمال الحسنات، وفي معناه ما أخرجه ابن أبي حاتم
~~وابن مردويه عن قتادة أنها كل ما أريد به وجه الله تعالى، وعن الحسن وابن
~~عطاء أنها النيات الصالحة؛ واختار الطبري وغيره ما في الرواية الأخيرة عن
~~ابن عباس ويندرج فيها ما جاء في ما ذكر من الروايات وغيرها. وادعى
~~الخفاجي أن كل ما ذكر في تفسيرها غير العام ذكر على طريق التمثيل، ويبعد
~~ذلك قوله ms06086 صلى الله عليه وسلم «وهن الباقيات» المفيد للحصر بعد التنصيص
~~على ما لا عموم فيه فتأمل. وأيا ما كان فالباقيات صفة لمقدر كالكلمات أو
~~الأعمال وإسناد الباقيات إلى ذلك مجاز أي الباقي ثمرتها وثوابها بقرينة
~~ما بعد فهي صفة جرت على غير ما هي له بحسب الأصل أو هناك مقدر مرفوع
~~بالوصف مضاف إلى ضمير الموصوف استتر الضمير المجرور وارتفع بعد حذفه وكذا
~~تدخل أعمال فقراء المؤمنين الذي يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه
~~دخولا أوليا فإن لهم من كل نوع من أنواع الخيرات الحظ الأوفر. والكلام
~~متضمن للتنويه بشأنهم وحط قدر شانئهم فكأنه قيل ما افتخر به أولئك الكفرة
~~من المال والبنين سريع الزوال لا ينبغي أن يفتخر به وما جاء به أولئك
~~المؤمنين { خير } من ذلك { عند ربك } أي في الآخرة، وهو بيان لما
~~يظهر فيه آثار خيريتها بمنزلة إضافة الزينة إلى الحياة الدنيا لا
~~لأفضليتها من المال والبنين مع مشاركة الكل في الأصل إذ لا مشاركة لهما
~~في الخيرية في الآخرة، وقيل: معنى (عند ربك) في حكمه سبحانه وتعالى {
~~ثوابا } جزاء وأجرا، وقيل: نفعا. { وخير أملا } حيث ينال بها
~~صاحبها في الآخرة ما يؤمله بها في الدنيا وأما المال والبنون فليس
~~لصاحبهما ذلك. وتكرير { خير } للمبالغة، وقيل: لها وللإشعار باختلاف
~~جهتي الخيرية.

### || [18.47]

# { ويوم نسير الجبال } منصوب باذكر مضمرا أي اذكر يوم نقلع
~~الجبال من أماكنها ونسيرها في الجو كالسحاب كما ينبىء عنه قوله تعالى:

# وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر
~~السحاب

# [النمل: 88]، وقيل: نسير أجزاءها بعد أن نجعلها هباء منبثا والكلام على
~~هذا على حذف مضاف، وجوز أن يكون التسيير مجازا عن الإذهاب والافناء بذكر
~~السبب وإرادة المسبب أي واذكر يوم نذهب بها وننسفها نسفا فيكون كقوله
~~تعالى:

# وبست الجبال بسا * فكانت هباء منبثا

# [الواقعة: 5-6]، واعترض / كلا الأمرين بأن صيرورة الجبال هباء منبثا
~~وإذهابها بعد تسييرها فقد ذكر بعض المحققين أخذا من الآيات أنه أولا
~~تنفصل الجبال عن الأرض وتسير في الجو ثم تسقط ms06087 فتصير كثيبا مهيلا ثم
~~هباء منبثا، والظاهر هنا أول أحوال الجبال ولا مقتضي للصرف عن الظاهر.
~~ثم المراد بذكر ذلك تحذير المشركين ما فيه من الدواهي التي هي أعظم من
~~ثالثة الأثافي، وجوز أبو حيان وغيره كون { يوم } ظرفا للفعل المضمر
~~عند قوله تعالى

# لقد جئتمونا

# [الكهف: 48] الخ أي قلنا يوم كذا لقد جئتمونا، وفيه ما ستعلمه إن شاء
~~الله تعالى هناك، وغير واحد كونه معطوفا على ما قبله من قوله تعالى:

# عند ربك

# [الكهف: 46] فهو معمول

# خير

# [الكهف: 46] أي الباقيات الصالحات خير عند ربك ويوم القيامة، وحينئذ
~~يتعين أن يكون المراد من

# عند ربك

# [الكهف: 46] في حكمه تعالى كما قيل به.

# وقرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو والحسن وشبل وقتادة وعيسى والزهري
~~وحميد وطلحة واليزيدي والزبيري عن رجاله عن يعقوب { تسير الجبال } برفع
~~الجبال وبناء تسير بالتاء ثالثة الحروف للمفعول جريا على سنن الكبرياء
~~وإيذانا بالاستغناء عن الإسناد إلى الفاعل لتعينه، وعن الحسن أنه قرأ
~~كذلك إلا أنه جاء بالياء آخر الحروف بدل التاء، وقرأ أبي (سيرت الجبال)
~~بالماضي المبني للمفعول ورفع الجبال، وقرأ ابن محيصن ومحبوب عن أبي عمرو
~~{ تسير الجبال } بالمضارع المفتتح بالتاء المثناة من فوق المبني للفاعل
~~ورفع الجبال.

# { وترى الأرض } خطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم أو لكل
~~أحد ممن يتأتى منه الرؤية أي وترى جميع جوانب الأرض { بارزة } بادية
~~ظاهرة أما ظهور ما كان منها تحت الجبال فظاهر، وأما ماعداه فكانت الجبال
~~تحول بينه وبين الناظر قبل ذلك أو تراها بارزة لذهاب جميع ما عليها من
~~الجبال والبحار والعمران والأشجار وإنما اقتصر على زوال الجبال لأنه يعلم
~~منه زوال ذلك بطريق الأولى، وقيل: إسناد البروز إلى الأرض مجاز، والمراد
~~ترى أهل الأرض بارزين من بطنها وهو خلاف الظاهر. وقرأ عيسى { وترى
~~الأرض } ببناء الفعل للمفعول ورفع الأرض.

# { وحشرنهم } أي جمعناهم إلى الموقف من كل أوب بعد أن أقمناهم
~~من قبورهم ولم يذكر لظهور إرادته، وعلى ما قبل يكون ذلك مذكورا.

# وإيثار الماضي ms06088 يعد { نسير } و { ترى } للدلالة على تحقق الحشر
~~المتفرع على البعث الذي ينكره المنكرون وعليه يدور أمر الجزاء وكذا
~~الكلام فيما عطف عليه منفيا وموجبا. وقال الزمخشري هو للدلالة على أن
~~حشرهم قبل التسيير والبروز ليعاينوا تلك الأهوال والعظائم كأنه قيل
~~وحشرناهم قبل ذلك اه. واعترض بأن في بعض الآيات مع الأخبار ما يدل على
~~أن التسيير والبروز عند النفخة الأولى وفساد نظام العالم والحشر وما عطف
~~عليه عند النفخة الثانية فلا ينبغي حمل الآية على معنى وحشرناهم قبل ذلك
~~لئلا تخالف غيرها فليتأمل. ثم لا يخفى أن التعبير بالماضي على الأول مجاز
~~وعلى هذا حقيقة لأن المضي والاستقبال بالنظر إلى الحكم المقارن له لا
~~بالنسبة لزمان التكلم. والجملة عليه كما في «الكشف» وغيره تحتمل العطف
~~والحالية من فاعل { نسير }. وقال أبو حيان: الأولى: جعلها حالا على
~~هذا القول، وأوجبه بعضهم وعلله بأنها لو كانت معطوفة لم يكن مضي بالنسبة
~~إلى التسيير والبروز بل إلى زمان التكلم فيحتاج إلى التأويل الأول، ثم
~~قال: وتحقيقه أن صيغ الأفعال موضوعة لأزمنة التكلم إذا كانت مطلقة فإذا
~~جعلت قيودا لما يدل على زمان كان مضيها وغيره بالنسبة إلى زمانه اه
~~وليس بشيء، والحق عدم الوجوب، وتحقيق ذلك أن الجمل التي ظاهرها التعاطف
~~يجوز فيها / التوافق والتخالف في الزمان فإذا كان في الواقع كذلك فلا
~~خفاء فيه وإن لم يكن فلا بد للعدول من وجه، فإن كان أحدهما قيدا للآخر
~~وهو ماض بالنسبة إليه فهو حقيقة ووجهه ما ذكر ولا تكون الجملة معطوفة
~~حينئذ، فإن عطفت وجعل المضي بالنسبة لأحد المتعاطفين فلا مانع منه وهل هو
~~حقيقة أو مجاز محل تردد، والذي يحكم به الإنصاف اختيار قول أبي حيان من
~~أولوية الحالية على ذلك، والقول بأنه لا وجه له لا وجه له، وحينئذ يقدر
~~قد عند الأكثرين أي وقد حشرناهم.

# { فلم نغادر منهم أحدا } أي لم نترك، يقال غادره وأغدره
~~إذا تركه ومنه الغدر الذي هو ترك الوفاء، والغدير الذي هو ماء يتركه
~~السيل ms06089 في الأرض. وقرىء { يغادر } بالياء التحتية على أن الضمير لله تعالى
~~على طريق الالتفات. وقرأ قتادة { تغادر } بالتاء الفوقية على أن الضمير
~~للأرض كما في قوله تعالى:

# وألقت ما فيها وتخلت

# [الإنشقاق: 4] وجوز أبو حيان كونه للقدرة. وقرأ أبان بن يزيد عن عاصم
~~كذلك أو بفتح الدال مبنيا للمفعول ورفع (أحد) على النيابة عن الفاعل.
~~وقرأ الضحاك { نغدر } بضم النون وإسكان الغين وكسر الدال.

### || [18.48]

# { وعرضوا على ربك } أحضروا محل حكمه وقضائه عز وجل فيهم {
~~صفا } مصطفين أو مصفوفين. فقد أخرج ابن منده في «التوحيد» عن معاذ بن
~~جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " إن الله تعالى ينادي يوم القيامة يا عبادي أنا الله لا إله إلا أنا
~~أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين أحضروا حجتكم ويسروا جوابا
~~فإنكم مسؤولين محاسبون يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفا على أطراف أنامل
~~أقدامهم للحساب "

# وفي الحديث الصحيح

# " يجمع الله تعالى الأولين والآخرين في صعيد واحد صفوفا يسمعهم الداعي
~~وينفذهم البصر "

# الحديث بطوله، وقيل تقام كل أمة وزمرة صفا. وفي بعض الأخبار «أهل الجنة
~~يوم القيامة مائة وعشرون صفا أنتم منها ثمانون». وقيل لا عرض بالمعنى
~~المعروف ولا اصطفاف والكلام خارج مخرج الاستعارة التمثيلية شبهت حالهم في
~~حشرهم بحال جند عرضوا على السلطان ليأمر فيهم بما يأمر، وقيل إن فيه
~~استعارة تبعية بتشبيه حشرهم بعرض هؤلاء. ومعنى { صفا } سواء كان
~~داخلا في الاستعارة التمثيلية أو كان ترشيحا غير متفرقين ولا مختلطين
~~فلا تعرض فيه لوحدة الصف وتعدده. ولا حاجة إلى أن يقال: إنه مفرد أريد به
~~الجمع لكونه مصدرا أي صفوفا أو يقال: إن الأصل صفا صفا، على أن هذا
~~مع بعده يرد عليه أن ما يدل على التعدد بالتكرار كبابا بابا وصفا صفا
~~لا يجوز حذفه. هذا والحق أن إنكار الاصطفاف مما لا وجه له بعد إمكانه
~~وصحة الأخبار فيه، ولعل ما فسرنا به الآية مما لا غبار عليه. وفي
~~الالتفات إلى الغيبة وبناء الفعل للمفعول مع التعرض لعنوان الربوبية
~~والإضافة ms06090 إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من تربية المهابة والجري على سنن
~~الكبرياء وإظهار اللطف به عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى. وقيل في قوله
~~تعالى: { على ربك } إشارة إلى غضب الله تعالى عليهم وطردهم عن
~~ديوان القبول بعدم جريهم على معرفتهم لربوبيته عز وجل.

# { لقد جئتمونا } خطاب للكفار المنكرين للبعث على إضمار القول،
~~ويكون حالا مما تقدم فيقدر قائلين أو نقول إن كان حالا من فاعل (حشرنا)
~~أو قائلا أو يقول إن كان من { ربك } أو مقولا لهم أو يقال لهم إن
~~كان من ضمير { عرضوا }. / وقد يقدر فعلا كقلنا أو نقول لا محل لجملته.
~~وجوز تعلق

# يوم

# [الكهف:47] السابق به على هذا التقدير دون تقدير الحالية. قال الخفاجي:
~~لأنه يصير كغلام زيد ضاربا على أن ضاربا حال من زيد ناصبا لغلام ومثله
~~تعقيد غير جائز لا لأن ذلك قبل الحشر وهذا بعده ولا لأن معمول الحال لا
~~يتقدم عليها كما يتوهم، ثم قال: وأما ما أورد على تعلقه بالفعل في
~~التقدير الثاني من أنه يلزم منه أن هذا القول هو المقصود أصالة فتخيل
~~أغنى عن الرد أنه لا محذور فيه اه.

# والحق أن تعلقه بالقول المقدر حالا أو غيره مما لا يرتضيه الطبع السليم
~~والذهن المستقيم، ولا يكاد يجوز مثل هذا التركيب على تقدير الحالية وإن
~~قلنا بجواز تقدم معمول الحال عليها فتدبر. والمراد من مجيئهم إليه تعالى
~~مجيئهم إلى حيث لا حكم لأحد غيره سبحانه من المعبودات الباطلة التي تزعم
~~فيها عبدتها النفع والضر وغير ذلك نظير ما قالوا في قوله تعالى:

# ملك يوم الدين

# [الفاتحة: 4] { كما خلقنكم } نعت لمصدر محذوف أي مجيئا
~~كائنا كمجيئكم عند خلقنا لكم { أول مرة } أو حال من الضمير
~~المرفوع في { جئتمونا } أي كائنين كما خلقناكم أول مرة حفاة عراة
~~غرلا أو ما معكم شيء مما تفتخرون به من الأموال والأنصار لقوله تعالى:

# لقد جئتمونا فرادى كما خلقنكم أول مرة
~~وتركتم ما خولنكم وراء ظهوركم

# [الأنعام: 94].

# وجوز أن يكون المراد أحياء كخلقتكم ms06091 الأولى، والكلام عليه إعرابا كما
~~تقدم لكن يخالفه في وجه التشبيه وذاك كما قيل أوفق بما قبل وهذا بقوله
~~تعالى: { بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا } وهو
~~إضراب وانتقال من كلام إلى كلام كلاهما للتوبيخ والتقريع. والموعد اسم
~~زمان. وأن مخففة من المثقلة فصل بينها وبين خبرها بحرف النفي لكونه جملة
~~فعلية فعلها متصرف غير دعاء وفي ذلك يجب الفصل بأحد الفواصل المعلومة إلا
~~فيما شذ. والجعل إما بمعنى التصيير فالجار والمجرور مفعوله الثاني و {
~~موعدا } مفعوله الأول، وإما بمعنى الخلق والإيجاد فالجار والمجرور
~~في موضع الحال من مفعوله وهو { موعدا } أي زعمتم في الدنيا أنه لن
~~نجعل لكم وقتا ينجز فيه ما وعدنا من البعث وما يتبعه.

### || [18.49]

# { ووضع الكتب } عطف على

# عرضوا

# [الكهف: 48] داخل تحت الأمور الهائلة التي أريد بذكر وقتها تحذير
~~المشركين كما مر. وإيراد صيغة الماضي للدلالة على التقرر. والمراد من
~~الكتاب كتب الأعمال فأل فيه للاستغراق، ومن وضعه إما جعل كل كتاب في يد
~~صاحبه اليمين أو الشمال وإما جعل كل في الميزان، وجوز أن يكون المراد جعل
~~الملائكة تلك الكتب في البين ليحاسبوا المكلفين بما فيها، وعلى هذا يجوز
~~أن يكون المراد بالكتاب كتابا واحدا بأن تجمع الملائكة عليهم السلام
~~صحائف الأعمال كلها في كتاب وتضعه في البين للمحاسبة لكن لم أجد في ذلك
~~أثرا، نعم قال اللقاني في شرح قوله في " جوهرة التوحيد ":

# وواجب أخذ العباد الصحفا

# كما من القرآن نصا عرفا

# جزم الغزالي بما قيل إن صحف العباد ينسخ ما في جميعها في صحيفة واحدة
~~انتهى. والظاهر أن جزم الغزالي وأضرابه بذلك لا يكون إلا عن أثر لأن مثله
~~لا يقال من قبل الرأي كما هو الظاهر، وقيل: وضع الكتاب كناية عن إبراز
~~محاسبة الخلق وسؤالهم فإنه إذ أريد محاسبة العمال جيء بالدفاتر ووضعت بين
~~أيديهم ثم / حوسبوا فأطلق الملزوم وأريد لازمه، ولا يخفى أنه لا داعي إلى
~~ذلك عندنا وربما يدعو إليه إنكار وزن الأعمال. وقرأ زيد بن علي رضي الله ms06092
~~عنهما { ووضع الكتب } ببناء { وضع } للفاعل وإسناده إلى
~~ضميره تعالى على طريق الالتفات ونصب { الكتب } على المفعولية أي
~~ووضع الله الكتاب.

# { فترى المجرمين } قاطبة فيدخل فيهم الكفرة المنكرون للبعث
~~دخولا أوليا. والخطاب نظير ما مر { مشفقين } خائفين { مما
~~فيه } أي الكتاب من الجرائم والذنوب لتحققهم ما يترتب عليها من العذاب
~~{ ويقولون } عند وقوفهم على ما في تضاعيفه نقيرا وقطميرا { يا
~~ويلتنا } نداء لهلكتهم التي هلكوها من بين الهلكات فإن الويلة
~~كالويل الهلاك ونداؤها على تشبيهها بشخص يطلب إقباله كأنه قيل يا هلاك
~~أقبل فهذا أوانك ففيه استعارة مكنية تخييلية وفيه تقريع لهم وإشارة إلى
~~أنه لا صاحب لهم غير الهلاك وقد طلبوه ليهلكوا ولا يروا العذاب الأليم.

# وقيل: المراد نداء من بحضرتهم كأنه قيل: يا من بحضرتنا انظروا هلكتنا،
~~وفيه تقدير يفوت به تلك النكتة.

# { مال هذا الكتب } أي أي شيء له؟ والاستفهام مجاز عن
~~التعجب من شأن الكتاب، ولام الجر رسمت في الإمام مفصولة، وزعم الطبرسي
~~أنه لا وجه لذلك، وقال البقاعي: إن في رسمها كذلك إشارة إلى أن المجرمين
~~لشدة الكرب يقفون على بعض الكلمة، وفي «لطائف الإشارات» وقف على { ما }
~~أبو عمرو والكسائي ويعقوب والباقون على اللام والأصح الوقف على (ما)
~~لأنها كلمة مستقلة، وأكثرهم لم يذكر فيها شيئا اه.

# وأنت تعلم أن الرسم العثماني متبع ولا يقاس عليه ولا يكاد يعرف وجهه وفي
~~حسن الوقف على (ما) أو اللام توقف عندي.

# وقوله تعالى: { لا يغادر } أي لا يترك { صغيرة } أي هنة صغيرة
~~{ ولا كبيرة إلا أحصها } أي إلا عدها وهو كناية عن الإحاطة
~~جملة حالية محققة لما في الجملة الاستفهامية من التعجب أو استئنافية
~~مبنية على سؤال نشأ من التعجب كأنه قيل ما شأن هذا الكتاب حتى يتعجب منه؟
~~فقيل: { لا يغادر صغيرة } الخ. وعن ابن جبير تفسير الصغيرة
~~بالمسيس والكبيرة بالزنا، وأخرج ابن أبي الدنيا في «ذم الغيبة» وابن
~~أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في الآية: الصغيرة التبسم بالاستهزاء
~~بالمؤمنين والكبيرة القهقهة بذلك، ms06093 وعلى هذا يحمل إطلاق ابن مردويه في
~~الرواية عنه رضي الله تعالى عنه تفسير الصغيرة بالتبسم والكبيرة بالضحك
~~ويندفع استشكال بعض الفضلاء ذلك ويعلم منه أن الضحك على الناس من الذنوب.
~~وعن عبد الله بن زمعة رضي الله تعالى عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه
~~وسلم يخطب ويعظهم في ضحكهم من الريح الخارج بصوت وقال: علام يضحك أحدكم
~~مما يفعل؟ بل ذكر بعض علمائنا أن من الضحك ما يكفر به الضاحك كالضحك على
~~كلمة كفر، وقيده بعضهم بما إذا قدر على أن يملك نفسه وإلا فلا يكفر،
~~وتمام الكلام في ذلك في محله. وكان الظاهر لا يغادر كبيرة ولا صغيرة بناء
~~على ما قالوا من أن الترقي في الإثبات يكون من الأدنى إلى الأعلى وفي
~~النفي على عكس ذلك إذ لا يلزم من فعل الأدنى فعل الأعلى بخلاف النفي لكن
~~قال المحققون: هذا إذا كان على ظاهره فإن كان كناية عن العموم كما هنا
~~وقولك ما أعطاني قليلا ولا كثيرا جاز تقديم الأدنى على الأعلى في النفي
~~كما فصله ابن الأثير في «المثل السائر»، وفي «البحر» ((قدمت الصغيرة
~~اهتماما بها، وروي عن الفضيل أنه كان إذا قرأ الآية قال: ضجوا والله من
~~الصغائر قبل الكبائر)) وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة / أنه قال في الآية:
~~اشتكى القوم كما تسمعون الإحصاء ولم يشتك أحد ظلما فإياكم والمحقرات من
~~الذنوب فإنها تجمع على صاحبها حتى تهلكه.

# { ووجدوا ما عملوا } في الدنيا من السيئات أو جزاء ذلك {
~~حاضرا } مسطورا في كتاب كل منهم أو عتيدا بين أيديهم نقدا غير
~~مؤجل، واختير المعنى الأخير وإن كان فيه ارتكاب خلاف الظاهر لأن الكلام
~~عليه تأسيس محض { ولا يظلم ربك أحدا } بما لم يعمله أي منهم
~~أو منهم ومن غيرهم، والمراد أنه عز وجل لا يتجاوز الحد الذي حده في
~~الثواب والعقاب وإن لم يجب ذلك عليه تعالى عقلا، وتحقيقه أنه تعالى وعد
~~بإثابة المطيع والزيادة في ثوابه وبتعذيب العاصي بمقدار جرمه من غير
~~زيادة ms06094 وأنه قد يغفر له ما سوى الكفر وأنه لا يعذب بغير جناية فهو سبحانه
~~وتعالى لا يجاوز الحد الذي حده ولا يخالف ما جرت عليه سنته الإلهية فلا
~~يعذب أحدا بما لم يعمله ولا ينقص ثواب ما عمله مما أمر به وارتضاه ولا
~~يزيد في عقابه الملائم لعمله الذي نهى عنه ولم يرتضه، وهذا مما أجمع عليه
~~المسلمون وان اختلفوا في أن امتناع وقوع ما نفى هل هو سمعي أو عقلي؟ فذهب
~~إلى الأول أهل السنة وإلى الثاني المعتزلة، وهل تسمية تلك المجاوزة ظلما
~~حقيقة أم لا؟ قال الخفاجي: الظاهر أنها حقيقة، وعليه لا حاجة إلى أن
~~يقال: المراد بالآية أنه سبحانه لا يفعل بأحد ما يكون ظلما لو صدر من
~~العباد كالتعذيب بلا ذنب فإنه لو صدر من العباد يكون ظلما ولو صدر منه
~~سبحانه لا يكون كذلك لأنه جل شأنه مالك الملك متصرف في ملكه كيف يشاء فلا
~~يتصور في شأنه تعالى شأنه ظلم أصلا بوجه من الوجوه عند أهل السنة، وأنت
~~تعلم أن هذا هو المشهور لدى الجمهور لا ما اقتضاه التحقيق فتأمل والله
~~تعالى ولي التوفيق.

# واستدل بعموم الآية على أن أطفال المشركين لا يعذبون وهو القول المنصور
~~وقد أسلفنا ولله تعالى الحمد ما يؤيده من الأخبار.

### || [18.50]

# { وإذ قلنا } أي اذكر وقت قولنا { للملئكة } كلهم كما هو
~~الظاهر، واستثنى بعض الصوفية الملائكة المهيمين، وبعض آخر ملائكة السماء
~~مطلقا وزعم أن المقول له ملائكة الأرض. { اسجدوا لأدم } سجود
~~تحية وإكرام أو اسجدوا لجهته على معنى اتخذوه قبلة لسجودكم لله تعالى،
~~وقد مر تمام الكلام في ذلك { فسجدوا } كلهم أجمهون امتثالا للأمر {
~~إلا إبليس } لم يكن من الساجدين بل أبى واستكبر، وقوله تعالى: {
~~كان من الجن } كلام مستأنف سيق مساق التعليل لما يفيده استثناء
~~اللعين من الساجدين، وقيل: حال من المستثنى وقد مقدرة والرابط الضمير وهو
~~اختيار أبى البقاء، والأول ألصق بالقلب فكأنه قيل ما له لم يسجد؟ فقيل
~~كان أصله جنيا، وهذا ظاهر في أنه ليس ms06095 من الملائكة. نعم كان معهم
~~ومعدودا في عدادهم، فقد أخرج ابن جرير عن سعد بن مسعود قال: كانت
~~الملائكة تقاتل الجن فسبي إبليس وكان صغيرا فكان مع الملائكة فتعبد
~~بالسجود معهم. وأخرج نحوه عن شهر بن حوشب، وهو قول كثير من العلماء حتى
~~قال الحسن فيما أخرجه عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم: قاتل الله تعالى
~~أقواما زعموا أن إبليس من الملائكة والله تعالى يقول: { كان من
~~الجن } وأخرج عنه ابن جرير وابن الأنباري في كتاب «الأضداد» وأبو
~~الشيخ في «العظمة» أنه قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين وإنه لأصل
~~الجن كما أن آدم عليه السلام / أصل الإنس، وفيه دلالة على أنه لم يكن
~~قبله جن كما لم يكن قبل آدم عليه السلام إنس، وفي القلب من صحته ما فيه.
~~وأقرب منه إلى الصحة ما قاله جماعة من أنه كان قبله جن إلا أنهم هلكوا
~~ولم يكن لهم عقب سواه فالجن والشياطين اليوم كلهم من ذريته فهو في الجن
~~كنوح عليه السلام في الإنس على ما هو المشهور، وقيل: كان من الملائكة
~~والجن قبيلة منهم، وقد أخرج هذا ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في
~~«العظمة» والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن عباس، وفي رواية أخرى عنه رضي
~~الله تعالى عنهما أن إبليس كان من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة وكان
~~خازنا على الجنان وكان له سلطان السماء الدنيا وكان له مجمع البحرين بحر
~~الروم وبحر فارس وسلطان الأرض فرأى أن له بذلك عظمة وشرفا على أهل
~~السماء فوقع في نفسه كبر لم يعلم به أحد إلا الله تعالى فلما أمر بالسجود
~~ظهر كبره الذي في نفسه فلعنه الله تعالى إلى يوم القيامة، وكان على ما
~~رواه عنه قتادة يقول: لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود. وأجيب عن
~~هذا بما أشرنا إليه آنفا وبغيره مما لا يخفى، وإلى ذلك ذهب ابن جبير،
~~وقد روى عنه جماعة أنه قال: الجن في الآية حي من الملائكة لم يزالوا
~~يصوغون ms06096 حلى أهل الجنة حتى تقوم الساعة، وفي رواية أخرى عنه أن معنى {
~~كان من الجن } كان من خزنة الجنان وهو تأويل عجيب، ومثله ما أخرجه
~~أبو الشيخ في «العظمة» عن قتادة أن معنى كونه من الجن أنه أجن عن طاعة
~~الله تعالى أي ستر ومنع، ورواية الكثير عنه أنه قائل بما روي عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما، وقيل: هو من الملائكة ومعنى { كان من الجن
~~} صار منهم بالمسخ، وقيل: معنى ذلك أنه عد منهم لموافقته إياهم في
~~المعصية حيث أنهم كانوا من قبل عاصين فبعثت طائفة من الملائكة عليهم
~~السلام لقتالهم، وأنت تعلم أنه يشق الجواب على من ادعى أن إبليس من
~~الملائكة مع دعواه عصمتهم، ولا بد أن يرتكب خلاف الظاهر في هذه الآية،
~~نعم مسألة عصمتهم عليهم السلام خلافية ولا قاطع في العصمة كما قال
~~العلامة التفتازاني.

# وقد ذكر القاضي عياض أن طائفة ذهبوا إلى عصمة الرسل منهم والمقربين
~~عليهم السلام ولم يقولوا بعصمة غيرهم، وإذا ذهب مدعي كون إبليس من
~~الملائكة إلى هذا لم يتخلص من الاعتراض إلا بزعم أنه لم يكن من المقربين
~~ولا تساعده الآثار على ذلك، ويبقى عليه أيضا أن الآية تأبى مدعاه، وكذا
~~لو ذهب إلى ما نقل عن بعض الصوفية من أن ملائكة الأرض لم يكونوا معصومين
~~وكان إبليس عليه اللعنة منهم.

# { ففسق عن أمر ربه } أي فخرج عن طاعته سبحانه كما قال
~~الفراء، وأصله من فسق الرطب إذا خرج عن قشره، وسموا الفأرة فاسقة لخروجها
~~من جحرها من البابين ولهذا عدي بعن كما في قول رؤبة:

# يهوين في نجد وغورا غائرا

# فواسقا عن قصدها جوائرا

# والظاهر أن الفسق بهذا المعنى مما تكلمت به العرب من قبل، وقال أبو
~~عبيدة: لم نسمع ذلك في شيء من أشعار الجاهلية ولا أحاديثها وإنما تكلم به
~~العرب بعد نزول القرآن، ووافقه المبرد على ذلك فقال: الأمر على ما ذكره
~~أبو عبيدة، وهي كلمة فصيحة على ألسنة العرب، وكأن ما ذكره الفراء بيان
~~لحاصل ms06097 المعنى إذ ليس الأمر بمعنى الطاعة أصلا بل هو إما بمعنى المأمور
~~به وهو السجود وخروجه عنه بمعنى عدم اتصافه به، وإما قوله تعالى: {
~~اسجدوا } وخروجه عنه مخالفته له، وكون حاصل المعنى ذلك على المعنيين
~~ظاهر، وقيل: { عن } للسببية كما في قولهم كسوته عن عري وأطعمته عن جوع
~~أي فصار فاسقا كافرا بسبب أمر الله تعالى الملائكة المعدود / هو في
~~عدادهم إذ لولا ذلك الأمر ما تحقق إباء. وإلى ذلك ذهب قطرب إلا أنه قال:
~~أي ففسق عن رده أمر ربه، ويحتمل أن يكون تقدير معنى وأن يكون تقدير
~~إعراب؛ وجوز على تقدير السببية أن يراد بالأمر المشيئة أي ففسق بسبب
~~مشيئة الله تعالى فسقه ولولا ذلك لأطاع.

# والأظهر ما ذكر أولا.

# والفاء سببية عطفت ما بعدها على قوله تعالى: { كان من الجن }
~~وأفادت تسبب فسقه عن كونه من الجن إذ شأنهم التمرد لكدورة مادتهم وخباثة
~~ذاتهم والذي خبث لا يخرج إلا نكدا وإن كان منهم من أطاع وآمن، وجوز أن
~~يكون العطف على ما يفهم من الاستثناء كأنه قيل: فسجدوا إلا إبليس أبى عن
~~السجود ففسق، وتفيد حينئذ تسبب فسقه عن إبائه وتركه السجود. وقيل: إنها
~~هنا غير عاطفة إذ لا يصح تعليل ترك السجود وإبائه عنه بفسقه عن أمر ربه
~~تعالى. قال الرضي: والفاء التي لغير العطف وهي التي تسمى فاء السببية لا
~~تخلو أيضا من معنى الترتيب وتختص بالجمل وتدخل على ما هو جزاء مع تقدم
~~كلمة الشرط وبدونها انتهى. وليس بشيء لأنه يكفي لصحة ترتب الثاني تسببه
~~كما في

# فوكزه موسى فقضى عليه

# [القصص: 15] كما صرح به في «التسهيل» وهنا كذلك.

# والتعرض لعنوان الربوبية المنافية للفسق لبيان قبح ما فعله. والمراد من
~~الأمر بذكر وقت القصة ذكر القصة نفسها لما فيها من تشديد النكير على
~~المتكبرين المفتخرين بأنسابهم وأموالهم المستنكفين عن الانتظام في سلك
~~فقراء المؤمنين ببيان أن ذلك من صنيع إبليس وأنهم في ذلك تابعون لتسويله
~~كما ينبىء عنه ما يأتي إن شاء الله تعالى، ms06098 ومنه يعلم وجهه الربط، وجوز أن
~~يكون وجهه أنه تعالى لما بين حال المغرور بالدنيا والمعرض عنها وكان سبب
~~الاغترار بها حب الشهوات وتسويل الشيطان زهدهم سبحانه أولا بزخارف
~~الدنيا بأنها عرضة الزوال وشيكة الانتقال والباقيات الصالحات خير ثوابا
~~وأحسن أملا من أنفسها وأعلاها ثم نفرهم عن الشيطان بتذكير ما بينهم من
~~العداوة القديمة، واختار أبو حيان في وجهه أنه سبحانه لما ذكر يوم
~~القيامة والحشر وذكر خوف المجرمين مما سطر في كتبهم وكان إبليس اللعين هو
~~الذي حملهم على المعاصي واتخاذ الشركاء ناسب ذكر إبليس والتنفير عنه
~~تبعيدا عن المعاصي وعن امتثال ما يوسوس به ويدعو إليه. وأيا ما كان فلا
~~يعد ذكر هذه القصة هنا مع ذكرها قبل تكرارا لأن ذكرها هنا لفائدة غير
~~الفائدة التي ذكرت لها فيما قبل وهكذا ذكرها في كل موضع ذكرت فيه من
~~الكتاب الجليل. ومثل هذا يقال في كل ما هو تكرار بحسب الظاهر فيه. ولا
~~يخفى أن أكثر المكررات ظاهرا مختلفة الأساليب متفاوتة الألفاظ والعبارات
~~وفي ذلك من الأسرار الإلهية ما فيه فلا يستزلنك الشيطان.

# { أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى } الهمزة
~~للإنكار والتعجيب والفاء للتعقيب، والمراد إما إنكار أن يعقب اتخاذه
~~وذريته أولياء العلم بصدور ما صدر منه مع التعجب من ذلك، وإما تعقيب
~~إنكار الاتخاذ المذكور والتعجيب منه إعلام الله تعالى بقبح صنيع اللعين
~~فتأمل، والظاهر أن المراد من الذرية الأولاد فتكون الآية دالة على أنه له
~~أولادا وبذلك قال جماعة، وقد روي عن ابن زيد أن الله تعالى قال لابليس:
~~إني لا أخلق لآدم ذرية إلا ذرأت لك مثلها فليس يولد لآدم ولد إلا ولد معه
~~شيطان يقرن به، وعن قتادة أنه قال: إنه ينكح وينسل كما ينسل بنو آدم.

# وذكر في «البحر» أن من القائلين بذلك أيضا الضحاك والأعمش والشعبي.
~~ونقل عن الشعبي أنه قال: لا تكون ذرية إلا من زوجة فيكون قائلا بالزوجة،
~~والذي في «الدر المنثور» برواية / ابن المنذر عنه أنه سئل عن إبليس هل له ms06099
~~زوجة؟ فقال: إن ذلك لعرس ما سمعت به، وأخرج ابن أبي الدنيا في «المكائد»
~~وابن أبي حاتم عن مجاهد أنه قال: ولد إبليس خمسة ثبر وهو صاحب المصائب
~~والأعور وداسم لا أدري ما يعملان ومسوط وهو صاحب الصخب وزلبنور وهو الذي
~~يفرق بين الناس ويبصر الرجل عيوب أهله. وفي رواية أخرى عنه أن الأعور
~~صاحب الزنا ومسوط صاحب أخبار الكذب يلقيها على أفواه الناس ولا يجدون لها
~~أصلا وراسم صاحب البيوت إذا دخل الرجل بيته ولم يسم دخل معه وإذا أكل
~~ولم يسم أكل معه وزلبنور صاحب الأسواق وكان هؤلاء الخمسة من خمس بيضات
~~باضها اللعين، وقيل إنه عليه اللعنة يدخل ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق
~~البيضة عن جماعة من الشياطين. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان أن جميع
~~ذريته من خمس بيضات باضها قال: وبلغني أنه يجتمع على مؤمن واحد أكثر من
~~ربيعة ومضر والله تعالى أعلم بصحة هذه الأخبار.

# وقال بعضهم: لا ولد له، والمراد من الذرية الأتباع من الشياطين، وعبر
~~عنهم بذلك مجازا تشبيها لهم بالأولاد، وقيل ولعله الحق إن له أولادا
~~وأتباعا، ويجوز أن يراد من الذرية مجموعهما معا على التغليب أو الجمع
~~بين الحقيقة والمجاز عند من يراه أو عموم المجاز. وقد جاء في بعض الأخبار
~~أن ممن ينسب إليه بالولاد من آمن بنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا صلى
~~الله عليه وسلم وهو هامة رضي الله تعالى عنه وسبحان من يخرج الحي من
~~الميت، ولا يلزمنا أن نعلم كيفية ولادته فكثير من الأشياء مجهول الكيفية
~~عندنا ونقول به فليكن من هذا القبيل إذا صح الخبر فيه. واستدل نافي
~~ملكيته بظاهر الآية حيث أفادت أنه له ذرية والملائكة ليس لهم ذلك.
~~ولمدعيها أن يقول بعد تسليم حمل الذرية على الأولاد: إنه بعد أن عصى مسخ
~~وخرج عن الملكية فصار له أولاد ولم تفد الآية أن له أولادا قبل العصيان
~~والاستدلال بها لا يتم إلا بذلك، وقوله تعالى: { من دونى } في موضع
~~الحال أي أفتتخذونهم أولياء مجاوزين ms06100 عني إليهم وتستبدلونهم بي فتطيعونهم
~~بدل طاعتي.

# { وهم } أي والحال أن إبليس وذريته { لكم عدو } أي أعداء كما
~~في قوله تعالى:

# فإنهم عدو لى إلا رب العلمين

# [الشعراء: 77] وقوله تعالى:

# هم العدو

# [المنافقون: 4] وإنما فعل به ذلك تشبيها بالمصادر نحو القبول والولوع،
~~وتقييد الاتخاذ بالجملة الحالية لتأكيد الإنكار وتشديده فإن مضمونها مانع
~~من وقوع الاتخاذ ومناف له قطعا:

# ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى

# عدوا له ما من صداقته بد

# { بئس للظلمين } الواضعين للشيء في غير موضعه { بدلا } أي
~~من الله سبحانه، وهو نصب على التمييز وفاعل { بئس } ضمير مستتر يفسره
~~هو والمخصوص بالذم محذوف أي بئس البدل من الله تعالى للظالمين إبليس
~~وذريته، وفي الالتفات إلى الغيبة مع وضع الظالمين موضع ضمير المخاطبين من
~~الإيذان بكمال السخط والإشارة إلى أن ما فعلوه ظلم قبيح ما لا يخفى.

### || [18.51]

# { ما أشهدتهم } استئناف مسوق لبيان عدم استحقاق إبليس وذريته
~~للاتخاذ المذكور في أنفسهم بعد بيان الصوارف عن ذلك من خباثة الأصل
~~والفسق والعداوة أي ما أحضرت إبليس وذريته { خلق السموات
~~والأرض } حيث خلقتهما قبل خلقهم { ولا خلق أنفسهم } أي ولا
~~أشهدت بعضهم / خلق بعض كقوله تعالى:

# ولا تقتلوا أنفسكم

# [النساء: 29] فكلا ضميري الجمع المنصوب والمجرور عائد على إبليس وذريته
~~وهم المراد بالمضلين في قوله تعالى: { وما كنت متخذ
~~المضلين عضدا } وإنما وضع ذلك موضع ضميرهم ذما لهم وتسجيلا
~~عليهم بالإضلال وتأكيدا لما سبق من إنكار اتخاذهم أولياء. والعضد في
~~الأصل ما بين المرفق إلى الكتف ويستعار للمعين كاليد وهو المراد هنا
~~ولكونه نكرة في سياق النفي عم. وفسر بالجمع والإفراد لرؤوس الآي، وقيل
~~إنما لم يجمع لأن الجميع في حكم الواحد في عدم الصلاحية للاعتضاد أي وما
~~كنت متخذهم أعوانا في شأن الخلق أو في شأن من شؤوني حتى يتوهم شركتهم في
~~التولي فضلا عن الاستبدال الذي لزم فعلهم بناء على الشركة في بعض أحكام
~~الربوبية. وإرجاع ضمير { أنفسهم } إلى إبليس وذريته قد قال به كل من
~~ذهب إلى إرجاع ms06101 ضمير { أشهدتهم } إليهم، وعلل ذلك العلامة شيخ
~~الإسلام بقوله ((حذرا من تفكيك الضميرين ومحافظة على ظاهر لفظ الأنفس ثم
~~قال: ولك أن ترجع الضمير الثاني إلى (الظالمين) ويلتزم التفكيك بناء على
~~عود المعنى إليه فإن نفي إشهاد الشياطين [خلق] الذين يتولونهم هو الذي
~~يدور عليه إنكار اتخاذهم أولياء بناء على أن أدنى ما يصحح التولي حضور
~~الولي خلق المتولي وحيث لا حضور لا مصحح للتولي قطعا، وأما [نفي] إشهاد
~~بعض الشياطين خلق بعض منهم فليس من مداراته الإنكار المذكور في شيء على
~~أن إشهاد بعضهم خلق بعض إن كان مصححا لتولي الشاهد بناء على دلالته على
~~كماله باعتبار أن له مدخلا في خلق المشهود في الجملة فهو مخل بتولي
~~المشهود بناء على قصوره عمن شهد خلقه فلا يكون نفي الإشهاد المذكور
~~متمحضا في نفي الكمال المصحح للتولي عن الكل وهو المناط للإنكار
~~المذكور. وفي الآية تهكم بالكفار وإيذان بكمال ركاكة عقولهم وسخافة
~~آرائهم حيث لا يفهمون هذا الأمر الجلي الذي لا يكاد يشتبه على البله
~~والصبيان فيحتاجون إلى التصريح به، وإيثار نفي الإشهاد على نفي شهودهم
~~ونفي اتخاذهم أعوانا على نفي كونهم كذلك للإشعار بأنهم مقهورون تحت
~~قدرته تعالى تابعون لمشيئته سبحانه وإرادته عز وجل [فيهم وأنهم] بمعزل من
~~استحقاق الشهود والمعونة من تلقاء أنفسهم من غير إحضار واتخاذ وإنما
~~قصارى ما يتوهم فيهم أن يبلغوا ذلك المبلغ بأمر الله جل جلاله ولم يكد
~~ذلك يكون)) اه.

# وهو كلام يلوح عليه مخايل التحقيق لكن قيل عليه يجوز أن يراد من
~~السموات والأرض ما يشمل أهلها وكثيرا ما يراد منهما ذلك فيدخل فيه
~~الكفار فتفيد الآية نفي إشهاد الشياطين خلقهم الذي من مداراته الإنكار
~~المذكور من غير حاجة إلى التزام التفكيك الذي هو خلاف المتبادر.

# وظاهر كلامه وكذا كلام كثير حمل الإشهاد المنفي على حقيقته. وجوز أن
~~يراد به المشاورة مجازا وهو الذي يقتضيه ظاهر ما في «البحر» ولا مانع
~~على هذا أن يراد من السماوات والأرض ما يشمل أهلهما فكأنه ms06102 قيل ما شاورتهم
~~في خلق أحد لا الكفار ولا غيرهم فما بال هؤلاء الكفار يتولونهم وأدنى ما
~~يصحح التولي كون الولي ممن يشاور في أمر المتولي أو أمر غيره ويكون نفي
~~اتخاذهم أعوانا مطلقا في شيء من الأشياء بعد نفي مشاورتهم في الخلق
~~ليؤدي الكلام ظاهرا عموم نفي مدخليتهم بوجه من الوجوه رأيا وإيجادا
~~وغير ذلك في شيء من الأشياء، ولعل الآية حينئذ نظير قوله تعالى:

# لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها

# [الكهف: 49] من وجه. وقيل قد يراد من نفي الإشهاد في جانب المعطوف نفي
~~المشاورة ومنه نفي أن يكونوا خلقوا حسب مشيئتهم ومنه نفي أن يكونوا خلقوا
~~كاملين فإنه يقال خلق / كما شاء بمعنى خلق كاملا قال الشاعر:

# خلقت مبرأ من كل عيب

# كأنك قد خلقت كما تشاء

# وعلى هذا يكون في الخلق من أشهد خلق نفسه بمعنى أنه خلق كاملا، ولا
~~يخفى ما فيه. وقد يكتفى بدلالة ذلك على أن نفي الكمال بأقل من هذه المؤنة
~~فافهم. وزعم أن الكاملين شهدوا حقيقة خلق أنفسهم بمعنى أنهم رأوا وهم
~~أعيان ثابتة خلقهم أي إفاضة الوجود الخارجي الذي لا يتصف به المعدوم
~~عليهم لا أرى أن كاملا يقدم عليه أو يصغي إليه. وقال الإمام بعد حكاية
~~القول برجوع الضميرين إلى الشياطين: الأقرب عندي عودهما على الكفار الذين
~~قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم إن لم تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء لم
~~نؤمن بك فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد
~~والتعنت الباطل ما كانوا شركائي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم
~~خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم ولا اعتضدت بهم في تدبير الدنيا
~~والآخرة بل هم كسائر الخلق فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد؟ ونظيره
~~أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له لست بسلطان البلد حتى نقبل
~~منك هذه الاقتراحات الهائلة فلم تقدم عليها، والذي يؤكد هذا أن الضمير
~~يجب عوده على أقرب المذكورات وهو في الآية أولئك الكفار لأنهم المراد
~~بالظالمين في ms06103 قوله تعالى:

# بئس للظلمين بدلا

# [الكهف: 50] انتهى.

# وقيل المعنى على تقدير عود الضميرين على أولئك الكفرة أن هؤلاء الظالمين
~~جاهلون بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة وضدها لأنهم لم
~~يكونوا شاهدين خلق العالم فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله
~~تعالى وبشرفهم ورفعتهم عند الخلق وبأضداد هذه الأحوال للفقراء، وقيل
~~المعنى عليه ما أشهدتهم خلق ذلك وما أطلعتهم على أسرار التكوين وما
~~خصصتهم بخصائص لا يحويها غيرهم حتى يكونوا قدوة للناس فيؤمنوا بإيمانهم
~~كما يزعمون فلا تلتفت إلى قولهم طمعا في نصرتهم للدين فإنه لا ينبغي لي
~~أن أعتضد لديني بالمضلين، ويعضده قراءة أبي جعفر والجحدري والحسن وشيبة
~~{ وما كنت } بفتح التاء خطابا له صلى الله عليه وسلم، والمعنى ما صح لك
~~الاعتضاد بهم، ولعل وصف أولئك الظالمين بالإضلال لما أن قصدهم بطرد
~~الفقراء تنفير الناس عنه صلى الله عليه وسلم وهو إضلال ظاهر.

# وقيل كل ضال مضل لأن الإضلال إما بلسان القال أو بلسان الحال والثاني لا
~~يخلو عنه ضال. وقيل الضميران للملائكة، والمعنى ما أشهدتهم ذلك ولا
~~استعنت بهم في شيء بل خلقتهم ليعبدوني فكيف يعبدون، ويرده { وما كنت
~~متخذ المضلين عضدا } إلا أن يقال: هو نفي لاتخاذ الشياطين
~~أعوانا فيستفاد من الجملتين نفي صحة عبادة الفريقين. وقال ابن عطية:
~~الضميران عائدان على الكفار وعلى الناس بالجملة فتتضمن الآية الرد على
~~طوائف من المنجمين وأهل الطبائع والأطباء ومن سواهم ممن (يخوض خوضهم)،
~~وإلى هذا ذهب عبد الحق الصقلي وذكره بعض الأصوليين انتهى. ويقال عليه في
~~الجملة الأخيرة نحو ما قيل فيها آنفا.

# واستدل بها على أنه لا ينبغي الاستعانة بالكافر وهو في أمور الدين كجهاد
~~الكفار وقتال أهل البغي مما ذهب إليه بعض الأئمة ولبعضهم في ذلك تفصيل،
~~وأما الاستعانة بهم في أمور الدنيا فالذي يظهر أنه لا بأس بها سواء كانت
~~في أمر ممتهن كنزح الكنائف أو في غيره كعمل المنابر والمحاريب والخياطة
~~ونحوها، ولعل افرض اليهودي / أو الكلب قد مات في كلام ms06104 الفاروق رضي الله
~~تعالى عنه لعد ما استخدم فيه من الأمور الدينية أو هو مبني على اختيار
~~تفصيل في الأمور الدنيوية أيضا. وقد حكى الشيعة أن عليا كرم الله تعالى
~~وجهه قال حين صمم على عزل معاوية وأشار عليه ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما بإبقائه على عمله إلى أن يستفحل أمر الخلافة: يمنعني من ذلك قوله
~~تعالى: { وما كنت متخذ المضلين عضدا } فلا أتخذ معاوية
~~عضدا أبدا، وهو كذب لا يعتقده إلا ضال مضل.

# وقرأ أبو جعفر وشيبة والسختياني وعون العقيلي وابن مقسم { ما أشهدناهم }
~~بنون العظمة. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه { متخذا المضلين } على
~~إعمال اسم الفاعل. وقرأ الحسن وعكرمة { عضدا } بسكون الضاد ونقل حركتها
~~إلى العين. وقرأ عيسى { عضدا } بسكون الضاد للتخفيف كما قالوا في رجل
~~وسبع رجل وسبع بالسكون وهي لغة عن تميم، وعنه أيضا أنه قرأ بفتحتين.
~~وقرأ شيبة وأبو عمرو في رواية هارون وخارجة والخفاف وأبي زيد { عضدا }
~~بضمتين، وروي ذلك عن الحسن أيضا، وكذا روي عنه أيضا أنه قرأ بفتحتين،
~~وهو على هذا إما لغة في العضد كما في «البحر» ولم يذكره في «القاموس»
~~وإما جمع عاضد كخدم جمع خادم من عضده بمعنى قواه وأعانه فحينئذ لا
~~استعارة. وقرأ الضحاك { عضدا } بكسر العين وفتح الضاد ولم نجد ذلك من
~~لغاته، نعم في «القاموس» عد عضد ككتف منها وهو عكس هذه القراءة.

### || [18.52]

# { ويوم يقول } أي الله تعالى للكفار توبيخا وتعجيزا بواسطة أو
~~بدونها. وقرأ الأعمش وطلحة ويحيى وابن أبي ليلى وحمزة وابن مقسم { نقول
~~} بنون العظمة، والكلام على معنى اذكر أيضا أي واذكر يوم يقول: {
~~نادوا } للشفاعة لكم { شركائى الذين زعمتم } أي
~~زعمتموهم شفعاء، والإضافة باعتبار ما كانوا يزعمون أيضا فإنهم كانوا
~~يزعمون أنهم شركاء كما يزعمون أنهم شفعاء، وقد جوز غير واحد هنا أن يكون
~~الكلام بتقدير زعمتموهم شركاء، والمراد بهم إبليس وذريته، وجعلهم بدلا
~~فيما تقدم مبني على ما لزم من فعل عبدتهم المطيعين لهم فيما وسوسوا به أو
~~كل ms06105 ما عبد من دون الله تعالى. وقرأ ابن كثير { شركاى } مقصورا مضافا
~~إلى الياء { فدعوهم } أي نادوهم للإغاثة، وفيه بيان بكمال اعتنائهم
~~بإغاثتهم على طريق الشفاعة إذ معلوم أن لا طريق إلى المدافعة { فلم
~~يستجيبوا لهم } فلم يغيثوهم إذ لا إمكان لذلك. قيل وفي إيراده
~~مع ظهوره تهكم بهم وإيذان بأنهم في الحماقة بحيث لا يفهمونه إلا بالتصريح
~~به.

# { وجعلنا بينهم } أي بين الداعين والمدعوين { موبقا } اسم
~~مكان من وبق وبوقا كوثب وثوبا أو وبق وبقا كفرح فرحا إذا هلك أي
~~مهلكا يشتركون فيه وهو النار، وجاء عن ابن عمر وأنس ومجاهد أنه واد في
~~جهنم يجري بدم وصديد، وعن عكرمة أنه نهر في النار يسيل نارا على حافتيه
~~حيات أمثال البغال الدهم فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا بالاقتحام في
~~النار منها. وتفسير الموبق بالمهلك مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما وعن مجاهد وغيرهما، وعن الحسن تفسيره بالعداوة فهو مصدر أطلق على
~~سبب الهلاك وهو العداوة كما أطلق التلف على البغض المؤدي إليه في قول عمر
~~رضي الله تعالى عنه: لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا. وعن الربيع بن أنس
~~تفسيره بالمحبس، ومعنى كون الموبق على سائر تفاسيره بينهم شموله لهم
~~وكونهم مشتركين فيه كما يقال جعلت المال بين زيد وعمرو فكأنه ضمن {
~~جعلنا } معنى قسمنا وحينئذ لا يمكن إدخال عيسى / وعزير والملائكة
~~عليهم السلام ونحوهم في الشركاء على القول الثاني. وقال بعضهم: معنى كون
~~الموبق أي المهلك أو المحبس بينهم أنه حاجز واقع في البين، وجعل ذلك
~~بينهم حسما لأطماع الكفرة في أن يصل إليهم ممن دعوه للشفاعة. وجاء عن
~~بعض من فسره بالوادي أنه يفرق الله تعالى به بين أهل الهدى وأهل الضلالة،
~~وعلى هذا لا مانع من شمول المعنى الثاني للشركاء لأولئك الأجلة. وقال
~~الثعالبي في «فقه اللغة»: الموبق بمعنى البرزخ البعيد على أن وبق بمعنى
~~هلك أيضا أي جعلنا بينهم أمدا بعيدا يهلك فيه الأشواط لفرط بعده،
~~وعليه أيضا يجوز الشمول المذكور لأن ms06106 أولئك الكرام عليهم السلام في أعلى
~~الجنان وهؤلاء اللئام في قعر النيران، ولا يخفى على من له أدنى تأمل
~~الحال فيما إذا أريد بالموبق العداوة.

# و { بينهم } على جميع ما ذكر ظرف وهو مفعول ثان لجعل إن جعل بمعنى
~~صير و { موبقا } مفعوله الأول، وإن جعل بمعنى خلق كان الظرف متعلقا
~~به أو بمحذوف وقع صفة لمفعوله قدم عليه لرعاية الفواصل فتحول حالا. وقال
~~الفراء والسيرافي: البين هنا بمعنى الوصل فإنه يكون بمعناه كما يكون
~~بمعنى الفراق وهو مفعول أول لجعلنا و { موبقا } بمعنى هلاكا مفعوله
~~الثاني، والمعنى جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكا يوم القيامة.

### || [18.53]

# { ورأى المجرمون النار } وضع المظهر في مقام المضمر تصريحا
~~بإجرامهم وذما لهم بذلك، والرؤية بصرية، وجاء عن أبي سعيد الخدري كما
~~أخرجه عنه أحمد وابن جرير والحاكم وصححه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " أن الكافر ليرى جهنم من مسير أربعين سنة "

# { فظنوا } أي علموا كما أخرجه عبد الرزاق وجماعة عن قتادة، وهو
~~الظاهر من حالهم بعد قول الله تعالى ذلك واستغاثتهم بشركائهم وعدم
~~استجابتهم لهم وجعل الموبق بينهم. وقيل الظن على ظاهره وهم لم يتيقنوا {
~~أنهم مواقعوها } أي مخالطوها واقعون فيها لعدم يأسهم من رحمة
~~الله تعالى قبل دخولهم فيها، وقيل إنهم لما رأوها من بعيد كما سمعت في
~~الحديث ظنوا أنها تخطفهم في الحال فإن اسم الفاعل موضوع للحال فالمتيقن
~~أصل الدخول والمظنون الدخول حالا. وفي مصحف عبد الله { ملاقوها } وكذلك
~~قرأ الأعمش وابن غزوان عن طلحة، واختير جعلها تفسيرا لمخالفتها سواد
~~المصحف، وعن علقمة أنه قرأ { ملافوها } بالفاء مشددة من لف الشيء {
~~ولم يجدوا عنها مصرفا } أي مكانا ينصرفون إليه. قال أبو
~~كبير الهذلي:

# أزهير هل عن شيبة بن مصرف

# أم لا خلود لباذل متكلف

# فهو اسم مكان، وجوز أن يكون اسم زمان، وكذا جوز أبو البقاء وتبعه غيره
~~أن يكون مصدرا أي انصرافا، وفي «الدر المصون» أنه سهو فإنه جعل مفعل
~~بكسر العين مصدرا من صحيح مضارعه يفعل بالكسر ms06107 وقد نصوا على أن مصدره
~~مفتوح العين لا غير واسم زمانه ومكانه مكسورها، نعم إن القول بأنه مصدر
~~مقبول في قراءة زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { مصرفا } بفتح الراء.

### || [18.54]

# { ولقد صرفنا } كررنا وأوردنا على وجوه كثيرة من النظم { فى
~~هذا القرءان } الجليل الشأن { للناس } لمصلحتهم ومنفعتهم {
~~من كل مثل } أي كل مثل على أن  من  سيف خطيب على رأي الأخفش
~~والمجرور مفعول { صرفنا } أو مثلا من كل مثل على أن من أصلية
~~والمفعول موصوف الجار والمجرور المحذوف، وقيل المفعول مضمون { من كل
~~مثل } أي بعض كل / جنس مثل، وأيا ما كان فالمراد من المثل إما معناه
~~المشهور أو الصفة الغريبة التي هي في الحسن واستجلاب النفس كالمثل،
~~والمراد أنه تعالى نوع ضرب الأمثال وذكر الصفات الغريبة وذكر من كل جنس
~~محتاج إليه داع إلى الإيمان نافع لهم مثلا لا أنه سبحانه ذكر جميع أفراد
~~الأمثال، وكأن في الآية حذفا أو هي على معنى ولقد فعلنا ذلك ليقبلوا فلم
~~يفعلوا.

# { وكان الإنسن } بحسب جبلته { أكثر شىء جدلا } أي أكثر
~~الأشياء التي يتأتى منها الجدل. وهو كما قال الراغب وغيره المنازعة
~~بمفاوضة القول، والأليق بالمقام أن يراد به هنا الخصومة بالباطل
~~والمماراة وهو الأكثر في الاستعمال. وذكر غير واحد أنه مأخوذ من الجدل
~~وهو الفتل والمجادلة الملاواة لأن كلا من المتجادلين يلتوي على صاحبه.
~~وانتصابه على التمييز، والمعنى أن جدل الإنسان أكثر من جدل كل مجادل وعلل
~~بسعة مضطربه فإنه بين أوج الملكية وحضيض البهيمية فليس له في جانبي
~~التصاعد والتسفل مقام معلوم. والظاهر أنه ليس المراد إنسانا معينا،
~~وقيل المراد به النضر بن الحرث، وقيل ابن الزبعرى، وقال ابن السائب: أبي
~~بن خلف وكان جداله في البعث حين أتى بعظم قد رم فقال: أيقدر الله تعالى
~~على إعادة هذا وفته بيده؟ والأول أولى، ويؤيده ما أخرجه الشيخان وابن
~~المنذر وابن أبي حاتم

# " عن علي كرم الله تعالى وجهه «أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه
~~وفاطمة ليلا فقال: ms06108 ألا تصليان فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله
~~تعالى إن شاء أن يبعثنا بعثنا فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئا ثم
~~سمعته يضرب فخذه ويقول وكان الإنسان أكثر شيء جدلا "

# فإنه ظاهر في حمل الإنسان على العموم، ولا شبهة في صحة الحديث إلا أن
~~فيه إشكالا يعرف بالتأمل، ولا يدفعه ما ذكره النووي حيث قال: ((المختار
~~في معناه أنه صلى الله عليه وسلم تعجب من سرعة جوابه وعدم موافقته له على
~~الاعتذار بهذا ولهذا ضرب فخذه، وقيل قال صلى الله عليه وسلم ذلك تسليما
~~لعذرهما وأنه لا عتب [عليهما])) اه فتأمل.

### || [18.55]

# { وما منع الناس } قال ابن عطية وغيره: المراد بهم كفار قريش
~~الذين حكيت أباطيلهم، و(ما) نافية. وزعم بعضهم وهو من الغرابة بمكان أنها
~~استفهامية أي أي شيء منعهم { أن يؤمنوا } أي من إيمانهم بالله
~~تعالى وترك ما هم فيه من الإشراك { إذ جاءهم الهدى } أي القرءان
~~العظيم الهادي إلى الإيمان بما فيه من فنون المعاني الموجبة له أو الرسول
~~صلى الله عليه وسلم، وإطلاق الهدى على كل للمبالغة { ويستغفروا
~~ربهم } بالتوبة عما فرط منهم من أنواع الذنوب التي من جملتها
~~مجادلتهم الحق بالباطل، وفائدة ذكر هذا بعد الإيمان التعميم على ما قيل.
~~واستدل به من زعم أن الإيمان إذا لم ينضم إليه الاستغفار لا يجب ما قبله
~~وهو خلاف ما اقتضته الظواهر. وقال بعضهم: لا شك أن الإيمان مع الاستغفار
~~أكمل من الإيمان وحده فذكر معه لتفيد الآية ما منعهم من الاتصاف بأكمل ما
~~يراد منهم، ولا يخفى أنه ليس بشيء. وقيل ذكر الاستغفار بعد الإيمان
~~لتأكيد أن المراد منه الإيمان الذي لا يشوبه نفاق فكأنه قيل ما منعهم أن
~~يؤمنوا إيمانا حقيقيا { إلا أن تأتيهم سنة الأولين
~~} وهم من أهلك من الأمم السالفة، وإضافة السنة إليهم قيل لكونها جارية
~~عليهم وهي في الحقيقة سنة الله تعالى فيهم، والمراد بها الإهلاك بعذاب
~~الاستئصال، وإذا فسرت السنة بالهلاك لم تحتج لما ذكر، وأن وما بعدها ms06109 في
~~تأويل المصدر وهو فاعل { منع } والكلام بتقدير مضاف أي / ما منعهم من
~~ذلك إلا طلب الهلاك في الدنيا قاله الزجاج، وجوز صاحب «الغينان» تقدير
~~انتظار أي ما منعهم إلا انتظار الهلاك، وقدر الواحدي تقدير أي ما منعهم
~~إلا تقدير الله تعالى إتيان الهلاك عليهم، وقال: إن الآية فيمن قتل ببدر
~~وأحد من المشركين، ويأباه بحسب الظاهر كون السورة مكية إلا ما استثنى،
~~والداعي لتقدير المضاف أنه لو كان المانع من إيمانهم واستغفارهم نفس
~~إتيان الهلاك كانوا معذورين وأن عذاب الآخرة المعد للكفار المراد من قوله
~~تعالى: { أو يأتيهم العذاب قبلا } منتظر قطعا، وقيل لأن
~~زمان إتيان العذاب متأخر عن الزمان الذي اعتبر لإيمانهم واستغفارهم فلا
~~يتأتى ما نعيته منهما.

# واعترض تقدير الطلب بأن طلبهم سنة الأولين لعدم إيمانهم وهو لمنعهم عن
~~الإيمان فلو كان منعهم للطلب لزم الدور. ودفع بأن المراد بالطلب سببه وهو
~~تعنتهم وعنادهم الذي جعلهم طالبين للعذاب بمثل قولهم:

# اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر
~~علينا حجارة من السماء

# [الأنفال: 23] الخ. وتعقب بأن فيهم من ينكر حقية الإسلام كما أن فيهم
~~المعاند، ولا يظهر وجه كون الطلب ناشئا عن إنكار الحقية وكذا لا يظهر
~~كونه ناشئا عن العناد.

# واعترض أيضا بأن عدم الإيمان متقدم على الطلب مستمر فلا يكون الطلب
~~مانعا. وأجيب بأن المتقدم على الطلب هو عدم الإيمان السابق وليس الطلب
~~بمانع منه بل هو مانع مما تحقق بعد وهو كما ترى. وقيل المراد من الطلب
~~الطلب الصوري اللساني لا الحقيقي القلبي فإن من له أدنى عقل لا يطلب
~~الهلاك والعذاب طلبا حقيقيا قلبيا ومن الطلب الصوري منشؤه وما هو دليل
~~عليه وهو تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم بما أوعد به من العذاب والهلاك
~~من لم يؤمن بالله عز وجل فكأنه قيل ما منعهم من الإيمان بالله تعالى الذي
~~أمر به النبي عليه الصلاة والسلام إلا تكذيبهم إياه بما أوعد على تركه،
~~ولا يخلو عن دغدغة.

# وقيل الحق أن الآية على ms06110 تقدير الطلب من قولك لمن يعصيك أنت تريد أن
~~أضربك وهو على تنزيل الاستحقاق منزلة الطلب فكأنه قيل ما منعهم من ذلك
~~إلا استحقاق الهلاك الدنيوي أو العذاب الأخروي. وتعقب بأن عدم الإيمان
~~والاتصاف بالكفر سبب للاستحقاق المذكور فيكون متقدما عليه ومتى كان
~~الاستحقاق مانعا منه انعكس أمر التقدم والتأخر فيلزم اتصاف الواحد
~~بالشخص بالتقدم والتأخر وأنه باطل. وأجيب بمنع كون عدم الإيمان سببا
~~للاستحقاق في الحقيقة وإنما هو سبب صوري والسبب الحقيقي سوء استعداداتهم
~~وخباثة ماهياتهم في نفس الأمر، وهذا كما أنه سبب للاستحقاق كذلك هو سبب
~~للاتصاف بالكفر، وإن شئت فقل: هو مانع من الإيمان، ومن هنا قيل إن المراد
~~من الطلب الطلب بلسان الاستعداد وإن مآل الآية ما منعهم من ذلك إلا
~~استعداداتهم وطلب ماهياتهم لضده، وذلك لأن طلب استعداداتهم للهلاك أو
~~العذاب المترتب على الضد استعداد للضد وطلب له، وربما يقال بناء على هذا
~~أن المفهوم من الآيات أن الكفار لو لم يأتهم رسول ينبههم من سنة الغفلة
~~يحتجون لو عذبوا بعدم إتيانه فيقولون منعنا من الإيمان أنه لم يأتنا رسول
~~ومآله منعنا من ذلك الغفلة ولا يجدون حجة أبلغ من ذلك وأنفع في الخلاص،
~~وأما سوء الاستعداد وخباثة الذات فبمراحل من أن يحتجوا به ويجعلوه مانعا
~~فلا بعد في أن يقدر الطلب ويراد منه ظاهره وتكون الآية من قبيل قوله:

# / ولا عيب فيهم

# البيت. والمراد نفي أن يكون لهم مانع من الإيمان والاستغفار بعد مجيء
~~الرسول صلى الله عليه وسلم يصلح أن يكون حجة لهم أصلا كأنه قيل لا مانع
~~لهم من أن يؤمنوا أو يستغفروا ربهم ولا حجة بعد مجيء الرسول الذي بلغ ما
~~بلغ من الهدى إلا طلب ما أوعدوا به من إتيان الهلاك الدنيوي أو العذاب
~~الأخروي وحيث أن ذلك على فرض تحققه منهم لا يصلح للمانعية والحجية لم يبق
~~مانع وحجة عندهم أصلا انتهى.

# ولا يخفى أنه بعد الإغضاء عما يرد عليه بعيد وإنكار ذلك مكابرة، والأولى
~~تقدير التقدير وهو مانع ms06111 بلا شبهة إلا أن القائلين بالاستعداد حسبما تعلم
~~يجعلون منشأه الاستعداد، وفي معناه تقدير الإرادة أي إرادته تعالى وعليه
~~اقتصر العز بن عبد السلام، ودفع التنافي بين الحصر المستفاد من هذه الآية
~~والحصر المستفاد من قوله تعالى:

# وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا
~~أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا

# [الإسراء: 94] بأن الحصر الأول في المانع الحقيقي فإن إرادة الله تعالى
~~هي المانعة على الحقيقة والثاني في المانع العادي وهو استغراب بعث رسول
~~لأن المعنى وما منع الناس أن يؤمنوا إلا استغراب ذلك، وقد تقدم في
~~الإسراء ما ينفعك في الجمع بين الحصرين فتذكر فما في العهد من قدم.

# وادعى الإمام تعدد الموانع وأن المراد من الآية فقدان نوع منها فقال:
~~قال الأصحاب إن العلم بعدم إيمانهم مضاد لوجود إيمانهم فإذا كان ذلك
~~العلم قائما كان المانع قائما، وأيضا حصول الداعي إلى الكفر قائم وإلا
~~لما حصل لأن حصول الفعل الاختياري بدون الداعي محال ووجود الداعي إلى
~~الكفر مانع من حصول الإيمان فلا بد أن يقال: المراد فقدان الموانع
~~المحسوسة انتهى فليتأمل فيه.

# والقبل بضمتين جمع قبيل وهو النوع أي أو يأتيهم العذاب أنواعا وألوانا
~~أو هو بمعنى قبلا بكسر القاف وفتح الباء كما قرأ به غير واحد أي عيانا
~~فإن أبا عبيدة حكاهما معا بهذا المعنى؛ وأصله بمعنى المقابلة فإذا دل
~~على المعاينة، ونصبه على الحال فإن كان حالا من الضمير المفعول فمعناه
~~معاينين بكسر الياء أو بفتحها أو معاينين للناس ليفتضحوا، وإن كان من
~~العذاب فمعناه معاينا لهم أو للناس. وقرأت طائفة { قبلا } بكسر القاف
~~وسكون الباء وهو كما في «البحر» تخفيف قبل على لغة تميم. وذكر ابن قتيبة
~~والزمخشري أنه قرىء { قبلا } بفتحتين أي مستقبلا. وقرأ أبي بن كعب
~~وابن غزوان عن طلحة { قبيلا } بقاف مفتوحة وباء مكسورة بعدها ياء ساكنة
~~أي عيانا ومقابلة.

### || [18.56]

# { وما نرسل المرسلين } إلى الأمم متلبسين بحال من الأحوال {
~~إلا } حال كونهم { مبشرين } للمؤمنين بالثواب { ومنذرين }
~~للكفرة والعصاة بالعقاب ولم ms06112 نرسلهم ليقترح عليهم الآيات بعد ظهور
~~المعجزات ويعاملوا بما لا يليق بشأنهم { ويجدل الذين
~~كفروا بالبطل } باقتراح ذلك والسؤال عن قصة أصحاب الكهف
~~ونحوها تعنتا وقولهم لهم

# ما أنتم إلا بشر مثلنا

# [يس: 15]

# ولو شاء الله لأنزل ملئكة

# [المؤمنون: 24] إلى غير ذلك. وتقييد الجدال بالباطل لبيان المذموم منه
~~فإنه كما مر غير بعيد عام لغة لا خاص بالباطل ليحمل ما ذكر على التجريد،
~~والمراد به هنا معناه اللغوي وما يطلق عليه اصطلاحا مما يصدق عليه ذلك {
~~ليدحضوا } أي ليزيلوا ويبطلوا { به } أي بالجدال { الحق }
~~الذي جاءت به الرسل عليهم السلام، وأصل الإدحاض الإزلاق والدحض الطين
~~الذي يزلق فيه قال الشاعر:

# / وردت ونجى اليشكري حذاره

# وحاد كما حاد البعير عن الدحض

# وقال آخر:

# أبا منذر رمت الوفاء وهبته

# وحدت كما حاد البعير المدحض

# واستعماله في إزالة الحق قيل من استعمال ما وضع للمحسوس في المعقول،
~~وقيل لك أن تقول فيه تشبيه كلامهم بالوحل المستكره كقول الخفاجي:

# أتانا بوحل لأفكاره

# ليزلق أقدام هدي الحجج

# { واتخذوا ءايتي } التي أيدت بها الرسل سواء كانت قولا أو
~~فعلا { وما أنذروا } أي والذي أنذروه من القوارع الناعية عليهم
~~العقاب والعذاب أو إنذارهم { هزوا } أي استهزاء وسخرية وقرأ حمزة {
~~هزأ } بالسكون مهموزا. وقرأ غيره وغير حفص من السبعة بضمتين مهموزا؛
~~وهو مصدر وصف به للمبالغة وقد يؤول بما يستهزأ به.

### || [18.57]

# { ومن أظلم ممن ذكر بئايت ربه } الأكثرون على أن
~~المراد بها القرآن العظيم لمكان { أن يفقهوه } فالإضافة للعهد.
~~وجوز أن يراد بها جنس الآيات ويدخل القرآن العظيم دخولا أوليا.
~~والاستفهام إنكاري في قوة النفي، وحقق غير واحد أن المراد نفي أن يساوي
~~أحد في الظلم من وعظ بآيات الله تعالى { فأعرض عنها } فلم
~~يتدبرها ولم يتعظ بها، ودلالة ما ذكر على هذا بطريق الكناية وبناء
~~الأظلمية على ما في حيز الصلة من الإعراض للإشعار بأن ظلم من يجادل في
~~الآيات ويتخذها هزوا خارج عن الحد { ونسى ما قدمت يداه }
~~أي عمله من الكفر والمعاصي التي من ms06113 جملتها المجادلة بالباطل والاستهزاء
~~بالحق. ونسيان ذلك كناية عن عدم التفكر في عواقبه. والمراد { ممن }
~~عند الأكثرين مشركو مكة. وجوز أن يكون المراد منه المتصف بما في حيز
~~الصلة كائنا من كان ويدخل فيه مشركو مكة دخولا أوليا.

# والضمير في قوله تعالى: { إنا جعلنا على قلوبهم } لهم
~~على الوجهين، ووجه الجمع ظاهر. والجملة استئناف بياني كأنه قيل ما علة
~~الإعراض والنسيان؟ فقيل علته أنا جعلنا على قلوبهم { أكنة } أي
~~أغطية جمع كنان. والتنوين على ما يشير إليه كلام البعض للتكثير { أن
~~يفقهوه } الضمير المنصوب عند الأكثرين للآيات، وتذكيره وإفراده
~~باعتبار المعنى المراد منها وهو القرآن. وجوز أن يكون للقرآن لا باعتبار
~~أنه المراد من الآيات وفي الكلام حذف والتقدير كراهة أن يفقهوه، وقيل
~~لئلا يفقهوه أي فقها نافعا { وفى ءاذانهم } أي وجعلنا فيها {
~~وقرا } ثقلا أن يسمعوه سماعا كذلك.

# { وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا
~~} أي مدة التكليف كلها، و { إذن } جزاء وجواب كما حقق المراد منه في
~~موضعه فتدل على نفي اهتدائهم لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بمعنى أنهم
~~جعلوا ما يجب أن يكون سبب وجود الاهتداء سببا في انتفائه، وعلى أنه جواب
~~للرسول عليه الصلاة والسلام على تقدير قوله صلى الله عليه وسلم مالي لا
~~أدعوهم حرصا على اهتدائهم وإن ذكر له صلى الله عليه وسلم من أمرهم ما
~~ذكر رجاء أن تنكشف تلك الأكنة وتمزق بيد الدعوة فقيل / وإن تدعهم الخ
~~قاله الزمخشري. وفي «الكشف» في بيان ذلك أما الدلالة فصريح تخلل { إذن }
~~يدل على ذلك لأن المعنى إذن لو دعوت وهو من التعكيس بلا تعسف، وأما إنه
~~جواب على الوجه المذكور فمعناه أنه صلى الله عليه وسلم نزل منزلة السائل
~~مبالغة في عدم الاهتداء المرتب على كونهم مطبوعا على قلوبهم فلا ينافي
~~ما آثروه من أنه على تقدير سؤال لم لم يهتدوا؟ فإن السؤال على هذا الوجه
~~أوقع اه، وهو كلام نفيس به ينكشف الغطا ويؤمن من تقليد الخطا ويستغني به
~~المتأمل عما ms06114 قيل: إن تقدير مالي لا أدعوهم يقتضي المنع من دعوتهم فكأنه
~~أخذ من مثل قوله تعالى:

# فأعرض عن من تولى عن ذكرنا

# [النجم: 29] وقيل أخذ من قوله تعالى: { على قلوبهم أكنة }
~~وقيل من قوله سبحانه: { إن تدعهم } هذا ولا يخفى عليك المراد من
~~الهدى وقد يراد منه القرآن فيكون من إقامة الظاهر مقام الضمير، ولعل
~~إرادة ذلك هنا ترجح إرادة القرآن في الهدى السابق، والله تعالى أعلم.
~~والآية في أناس علم الله تعالى موافاتهم على الكفر من مشركي مكة حين
~~نزولها فلا ينافي الأخبار بالطبع وأنهم لا يؤمنون تحقيقا ولا تقليدا
~~إيمان بعض المشركين بعد النزول، واحتمال أن المراد جميع المشركين على
~~معنى وإن تدعهم إلى الهدى جميعا فلن يهتدوا جميعا وإنما يهتدي بعضهم
~~كما ترى. واستدلت الجبرية بهذه الآية على مذهبهم والقدرية بالآية التي
~~قبلها، قال الإمام: وقل ما تجد في القرآن آية لأحد هذين الفريقين إلا
~~ومعها آية للفريق الآخر وما ذاك إلا امتحان شديد من الله تعالى ألقاه
~~الله تعالى على عباده ليتميز العلماء الراسخون من المقلدين.

### || [18.58]

# { وربك الغفور } مبتدأ وخبر وقوله تعالى: { ذو الرحمة }
~~أي صاحبها والموصوف بها خبر بعد خبر. قال الإمام: وإنما ذكر لفظ المبالغة
~~في المغفرة دون الرحمة لأن المغفرة ترك الإضرار والرحمة إيصال النفع
~~وقدرة الله تعالى تتعلق بالأول لأنه ترك مضار لا نهاية لها ولا تتعلق
~~بالثاني لأن فعل ما لا نهاية له محال. وتعقبه النيسابوري بأنه فرق دقيق
~~لو ساعده النقل على أن قوله تعالى: { ذو الرحمة } لا يخلو عن
~~مبالغة وفي القرآن

# غفور رحيم

# [البقرة: 173] بالمبالغة في الجانبين كثيرا. وفي تعلق القدرة بترك غير
~~المتناهي نظر لأن مقدراته تعالى متناهية لا فرق بين المتروك وغيره اه،
~~وقيل عليه إنهم فسروا الغفار بمريد إزالة العقوبة عن مستحقها والرحيم
~~بمريد الإنعام على الخلق وقصد المبالغة من جهة في مقام لا ينافي تركها في
~~آخر لعدم اقتضائه لها، وقد صرحوا بأن مقدوراته تعالى غير متناهية وما دخل
~~منها في الوجود متناه ms06115 ببرهان التطبيق اه، وهو كلام حسن اندفع به ما أورد
~~على الإمام. وزعمت الفلاسفة أن ما دخل في الوجود من المقدورات غير متناه
~~أيضا ولا يجري فيه برهان التطبيق عندهم لاشتراطهم الاجتماع والترتب.
~~ولعمري لقد قف شعري من ظاهر قول النيسابوري أن مقدوراته تعالى متناهية
~~فإن ظاهره التعجيز تعالى الله سبحانه عما يقوله الظالمون علوا كبيرا
~~ولكن يدفع بالعناية فتدبر. ثم إن تحرير نكتة التفرقة بين الخبرين ههنا
~~على ما قاله الخفاجي أن المذكور بعد عدم مؤاخذتهم بما كسبوا من الجرم
~~العظيم وهو مغفرة عظيمة وترك التعجيل رحمة منه تعالى سابقة على غضبه لكنه
~~لم يرد سبحانه إتمام رحمته عليهم وبلوغها الغاية إذ لو أراد جل شأنه ذلك
~~لهداهم وسلمهم من العذاب رأسا، وهذه النكتة لا تتوقف على حديث التناهي
~~وعدم التناهي الذي ذكره الإمام وإن كان صحيحا في نفسه كما قيل،
~~والاعتراض عليه بأنه يقتضي عدم تناهي المتعلقات في كل ما نسب إليه تعالى
~~بصيغ المبالغة وليس بلازم إذ يمكن أن تعتبر المبالغة في المتناهي بزيادة
~~الكمية وقوة الكيفية ولو سلم ما ذكر لزم عدم صحة صيغ المبالغة في /
~~الأمور الثبوتية كرحيم ورحمن ولا وجه له مدفوع بأن ما ذكره نكتة لوقوع
~~التفرقة بين الأمرين هنا بأنه اعتبرت المبالغة في جانب الترك دون مقابله
~~لأن الترك عدمي يجوز فيه عدم التناهي بخلاف الآخر ألا ترى أن ترك عذابهم
~~دال على ترك جميع أنواع العقوبات في العاجل وإن كانت غير متناهية كذا قيل
~~وفيه نظر. وربما يقال في توجيه ما قاله النيسابوري من أن { ذو
~~الرحمة } لا يخلو عن المبالغة إن ذلك إما لاقتران الرحمة بأل فتفيد
~~الرحمة الكاملة أو الرحمة المعهودة التي وسعت كل شيء وإما لذو فإن دلالته
~~على الاتصاف في مثل هذا التركيب فوق دلالة المشتقات عليه ولا يكاد يدل
~~سبحانه على اتصافه تعالى بصفة بهذه الدلالة إلا وتلك الصفة مرادة على
~~الوجه الأبلغ وإلا فما الفائدة في العدول عن المشتق الأخصر الدال على أصل
~~الاتصاف كالراحم ms06116 مثلا إلى ذلك، ولا يعكر على هذا أن المبالغة لو كانت
~~مرادة فلم عدل عن الأخصر أيضا المفيد لها كالرحيم أو الرحمن إلى ما ذكر
~~لجواز أن يقال: إن أريد أن لا تقيد الرحمة المبالغ فيها بكونها في الدنيا
~~أو في الآخرة وهذان الاسمان يفيدان التقييد على المشهور ولذا عدل عنهما
~~إلى { ذو الرحمة } ، وإذا قلت: هما مثله في عدم التقييد قيل: إن
~~دلالته على المبالغة أقوى من دلالتهما عليها بأن يدعى أن تلك الدلالة
~~بواسطة أمرين لا يعدلهما في قوة الدلالة ما يتوسط في دلالة الإسمين
~~الجليلين عليها، وعلى هذا يكون { ذو الرحمة } أبلغ من كل واحد من
~~الرحمن والرحيم وإن كانا معا أبلغ منه ولذا جيء بهما في البسملة دونه،
~~ومن أنصف لم يشك في أن قولك فلان ذو العلم أبلغ من قولك فلان عليم بل ومن
~~قولك فلان العليم من حيث إن الأول يفيد أنه صاحب ماهية العلم ومالكها ولا
~~كذلك الأخيران، وحينئذ يكون التفاوت بين الخبرين في الآية بأبلغية الثاني
~~ووجه ذلك ظاهر فإن الرحمة أوسع دائرة من المغفرة كما لا يخفى.

# والنكتة فيه ههنا مزيد إيناسه صلى الله عليه وسلم بعد أن أخبره سبحانه
~~بالطبع على قلوب بعض المرسل إليهم وآيسه من اهتدائهم مع علمه جل شأنه
~~بمزيد حرصه عليه الصلاة والسلام على ذلك؛ وهو السر في إيثار عنوان
~~الربوبية مضافا إلى ضميره صلى الله عليه وسلم انتهى. وهو كلام واقف في
~~أعراف الرد والقبول في النظر الجليل، ومن دقق علم ما فيه من الأمرين.
~~وإنما قدم الوصف الأول لأن التخلية قبل التحلية أو لأنه أهم بحسب الحال
~~والمقام إذ المقام على ما قاله المحققون مقام بيان تأخير العقوبة عنهم
~~بعد استيجابهم لها كما يعرب عنه قوله تعالى:

# { لو يؤاخذهم } أي لو يريد مؤاخذتهم { بما كسبوا } أي
~~فعلوا، وكسب الأشعري لا تفهمه العرب. وما إما مصدرية أي بكسبهم وإما
~~موصولة أي بالذي كسبوه من المعاصي التي من جملتها ما حكى عنهم من
~~مجادلتهم بالباطل وإعراضهم ms06117 عن آيات ربهم وعدم المبالاة بما اجترحوا من
~~الموبقات { لعجل لهم العذاب } لاستيجاب أعمالهم لذلك. قيل
~~وإيثار المؤاخذة المنبئة عن شدة الأخذ بسرعة على التعذيب والعقوبة
~~ونحوهما للإيذان بأن النفي المستفاد من مقدم الشرطية متعلق بوصف السرعة
~~كما ينبى عنه تاليها، وإيثار صيغة الاستقبال وإن كان المعنى على المضي
~~لإفادة أن انتفاء تعجيل العذاب لهم بسبب استمرار عدم إرادة المؤاخذة فإن
~~المضارع الواقع موقع الماضي يفيد استمرار [انتفاء] الفعل فيما مضى.

# { بل لهم موعد } وهو يوم بدر أو يوم القيامة على أن الموعد اسم
~~زمان، وجوز أن يكون اسم مكان والمراد منه جهنم. والجملة معطوفة على مقدر
~~كأنه قيل لكنهم ليسوا مؤاخذين / بغتة بل لهم موعد { لن يجدوا من
~~دونه موئلا } قال الفراء: أي منجا يقال وألت نفس فلان نجت وعليه
~~قول الأعشى:

# وقد أخالس رب الدار غفلته

# وقد يحاذر مني ثم ما يئل

# وقال ابن قتيبة: هو الملجأ يقال: وأل فلان إلى كذا يئل وألا ووؤولا
~~إذا لجأ والمعنى واحد والفرق إنما هو بالتعدي بإلى وعدمه، وتفسيره
~~بالملجأ مروي عن ابن عباس، وفسره مجاهد بالمحرز، والضحاك بالمخلص والأمر
~~في ذلك سهل. وهو على ما قاله أبو البقاء: يحتمل أن يكون اسم زمان وأن
~~يكون اسم مكان، والضمير المجرور عائد على الموعد كما هو الظاهر، وقيل:
~~على العذاب وفيه من المبالغة ما فيه لدلالته على أنهم لا خلاص لهم أصلا
~~فإن من يكون ملجأه العذاب كيف يرى وجه الخلاص والنجاة. وأنت تعلم أن أمر
~~المبالغة موجود في الظاهر أيضا؛ وقيل: يعود على الله تعالى وهو مخالف
~~للظاهر مع الخلو عن المبالغة. وقرأ الزهري { مولا } بتشديد الواو من غير
~~همز ولا ياء، وقرأ أبو جعفر عن الحلواني عنه { مولا } بكسر الواو خفيفة
~~من غير همز ولا ياء أيضا.

### || [18.59]

# { وتلك القرى } أي قرى عاد وثمود وقوم لوط وأشباههم. والكلام
~~على تقدير مضاف أي أهل القرى لقوله تعالى: { أهلكنهم } والإشارة
~~لتنزيلهم لعلمهم بهم منزلة المحسوس، وقدر المضاف في «البحر» قبل { تلك
~~} وكلا ms06118 الأمرين جائز. وتلك يشار بها للمؤنث من العقلاء وغيرهم، وجوز أن
~~تكون القرى عبارة عن أهلها مجازا، وأيا ما كان فاسم الإشارة مبتدأ و {
~~القرى } صفته والوصف بالجامد في باب الإشارة مشهور والخبر جملة {
~~أهلكنهم } واختار أبو حيان كون { القرى } هو الخبر والجملة
~~حالية كقوله تعالى:

# فتلك بيوتهم خاوية

# [النمل: 52] وجوز أن تكون { تلك } منصوبا بإضمار فعل يفسره ما بعده
~~أي وأهلكنا تلك القرى أهلكناهم { لما ظلموا } أي حين ظلمهم كما
~~فعل مشركو مكة ما حكي عنهم من القبائح. وترك المفعول إما لتعميم الظلم أو
~~لتنزيله منزلة اللازم أي لما فعلوا الظلم. و { لما } عند الجمهور ظرف
~~كما أشير إليه وليس المراد به الحين المعين الذي عملوا فيه الظلم بل زمان
~~ممتد من ابتداء الظلم إلى آخره. وقال أبو الحسن بن عصفور: هي حرف، ومما
~~استدل به على حرفيتها هذه الآية حيث قال: إنها تدل على أن علة الإهلاك
~~الظلم والظرف لا دلالة له على العلية، واعترض بأن قولك أهلكته وقت الظلم
~~يشعر بعلية الظلم وإن لم يدل الظرف نفسه على العلية، وقيل لا مانع من أن
~~يكون ظرفا استعمل للتعليل.

# { وجعلنا لمهلكهم } لهلاكهم { موعدا } وقتا معينا لا
~~يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون فمفعل الأول مصدر والثاني اسم زمان،
~~والتعيين من جهة أن الموعد لا يكون إلا معينا وإلا فاسم الزمان مبهم
~~والعكس ركيك. وزعم بعضهم أن المهلك على هذه القراءة وهي قراءة حفص في
~~الرواية المشهورة عنه  أعني القراءة بفتح الميم وكسر اللام  من المصادر
~~الشاذة كالمرجع والمحيض وعلل ذلك بأن المضارع يهلك بكسر اللام وقد صرحوا
~~بأن مجيء المصدر الميمي مكسورا فيما عين مضارعه مكسورة شاذ. وتعقب بأنه
~~قد صرح في «القاموس» بأن هلك جاء من باب ضرب ومنع وعلم فكيف يتحقق الشذوذ
~~فالحق أنه مصدر غير شاذ وهو مضاف للفاعل ولذا فسر بما سمعت، وقيل: إن هلك
~~يكون لازما ومتعديا فعن تميم هلكني فلان فعلى تعديته يكون / مضافا
~~للمفعول، وأنشد أبو علي في ذلك:

# ومهمه هالك من ms06119 تعرجا

# أي مهلكه، وتعقبه أبو حيان بأنه لا يتعين ذلك في البيت بل قد ذهب بعض
~~النحويين إلى أن هالكا فيه لازم وأنه من باب الصفة المشبهة والأصل هالك
~~من تعرجا بجعل من فاعلا لهالك ثم أضمر في هالك ضمير مهمه وانتصب من على
~~التشبيه بالمفعول ثم أضيف من نصب، والصحيح جواز استعمال الموصول في باب
~~الصفة المشبهة، وقد ثبت في أشعار العرب قال عمر بن أبي ربيعة:

# أسيلات أبدان دقاق خصورها

# وثيرات ما التفت عليها الملاحف

# وقرأ حفص وهارون وحماد ويحيى عن أبي بكر بفتح الميم واللام، وقراءة
~~الجمهور بضم الميم وفتح اللام وهو مصدر أيضا، وجعله اسم مفعول على معنى
~~وجعلنا لمن أهلكناه منهم في الدنيا موعدا ننتقم فيه منه أشد انتقام وهو
~~يوم القيامة أو جهنم لا يخفى ما فيه. والظاهر أن الآية استشهاد على ما
~~فعل بقريش من تعيين الموعد ليعتبروا ولا يغتروا بتأخير العذاب عنهم، وهي
~~ترجح حمل الموعد فيما سبق على يوم بدر فتدبر والله تعالى أعلم وأخبر.

# ومن باب الإشارة في الآيات:

# واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة
~~والعشى

# [الكهف: 28] أمر بصحبة الفقراء الذين انقطعوا لخدمة مولاهم، وفائدتها
~~منه عليه الصلاة والسلام تعود عليهم وذلك لأنهم عشاق الحضرة وهو صلى الله
~~عليه وسلم مرآتها وعرش تجليها ومعدن أسرارها ومشرق أنوارها فمتى رأوه صلى
~~الله عليه وسلم عاشوا ومتى غاب عنهم كئبوا وطاشوا، وأما صحبة الفقراء
~~بالنسبة إلى غيره صلى الله عليه وسلم ففائدتها تعود إلى من صحبهم فهم
~~القوم لا يشقى بهم جليسهم، وقال عمرو المكي: صحبة الصالحين والفقراء
~~الصادقين عيش أهل الجنة يتقلب معهم جليسهم من الرضا إلى اليقين ومن
~~اليقين إلى الرضا. ولأبي مدين من قصيدته المشهورة التي خمسها الشيخ محي
~~الدين قدس سره:

# ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا

# هم السلاطين والسادات والأمرا

# فأصحبهم وتأدب في مجالسهم

# وخل حظك مهما قدموك ورا

# واستغنم الوقت واحضر دائما معهم

# واعلم بأن الرضا يختص من حضرا

# ولازم الصمت إلا إن سئلت فقل ms06120

# لا علم عندي وكن بالجهل مستترا

# إلى أن قال:

# وإن بدا منك عيب فاعترف وأقم

# وجه اعتذارك عما فيك منك جرا

# وقل عبيدكم أولى بصفحكم

# فسامحوا وخذوا بالرفق يا فقرا

# هم بالتفضل أولى وهو شيمتهم

# فلا تخف دركا منهم ولا ضررا

# وعنى بهؤلاء السادة الصوفية وقد شاع إطلاق الفقراء عليهم لأن الغالب
~~عليهم الفقر بالمعنى المعروف وفقرهم مقارن للصلاح وبذلك يمدح الفقر، وأما
~~إذا اقترن بالفساد فالعياذ بالله تعالى منه فمتى سمعت الترغيب في مجالسة
~~الفقير فاعلم أن المراد منه الفقير الصالح، والآثار متظافرة في الترغيب
~~في ذلك فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما موقوفا «تواضعوا وجالسوا
~~المساكين تكونوا من كبار عبيد الله تعالى وتخرجوا من الكبر»، وفي
~~«الجامع» «الجلوس مع الفقراء من التواضع وهو من أفضل الجهاد»، وفي رواية
~~«أحبوا الفقراء وجالسوهم»، ومن فوائد مجالستهم أن العبد يرى نعمة الله
~~تعالى عليه ويقنع باليسير من الدنيا ويأمن في مجالستهم من المداهنة
~~والتملق / وتحمل المن وغير ذلك.

# نعم إن مجالستهم خلاف ما جبلت عليه النفس ولذا عظم فضلها، وقيل: إن في
~~قوله تعالى: { واصبر نفسك مع الذين } الخ دون ودم مع الذين
~~الخ إشارة إلى ذلك ولكن ذلك بالنسبة إلى غيره صلى الله عليه وسلم فإن
~~نفسه الشريفة فطرت على أحسن فطرة وطبعت على أحسن طبيعة. وقال بعض أهل
~~الأسرار: إنما قيل: واصبر نفسك دون واصبر قلبك لأن قلبه الشريف صلى الله
~~عليه وسلم كان مع الحق فأمر صلى الله عليه وسلم بصحبة الفقراء جهرا بجهر
~~واستخلص سبحانه قلبه له سرا بسر { تريد زينة الحيوة
~~الدنيا } أي تطلب مجالسة الأشراف والأغنياء وأصحاب الدنيا وهي مذمومة
~~مع الميل إليهم والتواضع لغناهم، وقد جاء في الحديث

# " من تذلل لغني لأجل غناه ذهب ثلثا دينه فليتق الله تعالى في الثلث
~~الآخر "

# ومضار مجالستهم كثيرة، ولا تخفى على من علم فوائد مجالسة الفقراء،
~~وأدناها ضررا تحمل منهم فإنه قلما يسلم الغني من المن على جليسه الفقير
~~ولو بمجرد المجالسة وهو حمل لا يطاق، ms06121 ومن نوابغ الزمخشري طعم الآلاء أحلى
~~من المن وهي أمر من الآلاء عند المن، وقال بعض الشعراء:

# لنا صاحب ما زال يتبع بره

# بمن وبذل المن بالبر لا يسوى

# تركناه لا بغضا ولا عن ملالة

# ولكن لأجل المن يستعمل السلوى

# ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع
~~هواه وكان أمره فرطا

# [الكهف: 28] نهى عن إطاعة المحجوبين الغافلين وكانوا في القصة يريدون
~~طرد الفقراء وعدم مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم لهم لكن العبرة بعموم
~~اللفظ لا بخصوص السبب فلا يطاع عند أهل الإشارة الغافل المحجوب في كل شيء
~~فيه هوى النفس، وعدوا من إطاعته التواضع له فإنه يطلبه حالا وإن لم يفصح
~~به مقالا

# وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء
~~فليكفر

# [الكهف: 29] قالوا: فيه إشارة إلى عدم كتم الحق وإن أدى إلى إنكار
~~المحجوبين وإعراض الجاهلين، وعد من ذلك في «أسرار القرآن» كشف الأسرار
~~الإلهية وقال: إن العاشق الصادق لا يبالي تهتك الأسرار عند الأغيار ولا
~~يخاف لومة لائم ولا يكون في قيد إيمان الخلق وإنكارهم فإن لذة العشق بذلك
~~أتم ألا ترى قول القائل:

# ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر

# ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر

# وبح باسم من أهوى ودعني من الكنى

# فلا خير في اللذات من دونها ستر

# ولا يخفى أن هذا خلاف المنصور عند الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم فإنهم
~~حافظوا على كتم الأسرار عن الأغيار وأوصوا بذلك، ويكفي حجة في هذا المطلب
~~ما نسب إلى زين العابدين رضي الله تعالى عنه وهو:

# إني لأكتم من علمي جواهره

# كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

# وقد تقدم في هذا أبو حسن

# إلى الحسين ووصى قبله الحسنا

# فرب جوهر علم لو أبوح به

# لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا

# ولاستحل رجال مسلمون دمى

# يرون أقبح ما يأتونه حسنا

# نعم المغلوب وكذا المأمور معذور وعند الضرورة يباح المحظور، وما أحسن
~~قول الشهاب القتيل:

# وارحمتا للعاشقين تكلفوا

# ستر المحبة والهوى فضاح

# بالسر إن باحوا تباح ms06122 دماؤهم

# وكذا دماء البائحين تباح

# / وإذا هم كتموا يحدث عنهم

# عند الوشاة المدمع السحاح

# وما ذكر أولا يكون مستمسكا في الذب عن الشيخ الأكبر قدس سره وأضرابه
~~فإنهم لم يبالوا في كشف الحقائق التي يدعونها بكونه سببا لضلال كثير من
~~الناس وداعيا للإنكار عليهم. وقد استدل بعض بالآية في الرد عليهم بناء
~~على أن المعنى الحق ما يكون من جهته تعالى وما جاؤا به ليس من جهته
~~سبحانه لأنه لا تشهد له آية ولا يصدقه حديث ولا يؤيده أثر. وأجيب بأن ذلك
~~ليس إلا من الآيات والأحاديث إلا أنه لا يستنبط منها إلا بقوة قاسية
~~وأنوار إلهية فلا يلزم من عدم فهم المنكرين لها من ذلك لحرمانهم تلك
~~القوة واحتجابهم عن هاتيك الأنوار عدم حقيتها فكم من حق لم تصل إليه
~~أفهامهم. واعترض بأن لو كان الأمر كذلك لظهر مثل تلك الحقائق في الصدر
~~الأول فإن أرباب القوى القدسية والأنوار الإلهية فيه كثيرون والحرص على
~~إظهار الحق أكثر. وأجيب بأنه يحتمل أن يكون هناك مانع أو عدم مقتض لإظهار
~~ما أظهر من الحقائق، وفيه نوع دغدغة ولعله سيأتيك إن شاء الله تعالى ما
~~عسى أن ينفعك هنا، وبالجملة أمر الشيخ الأكبر وأضرابه قدس الله تعالى
~~أسرارهم فيما قالوا ودونوا عندي مشكل لا سيما أمر الشيخ فإنه أتى
~~بالداهية الدهياء مع جلالة قدره التي لا تنكر، ولذا ترى كثيرا من الناس
~~ينكرون عليه ويكرون، وما ألطف ما قاله فرق جنين العصابة الفاروقية
~~والراقي في مراقي التنزلات الموصلية في قصيدته التي عقد إكسيرها في مدح
~~الكبريت الأحمر فغدا شمسا في آفاق مدائح الشيخ الأكبر وهو قوله:

# ينكر المرء منه أمرا فينها

# ه نهاه فينكر الإنكارا

# تنثني عنه ثم تثني عليه

# ألسن تشبه الصحاة سكارى

# { يحلون فيها من أساور من ذهب } قيل هي إشارة إلى
~~أنهم يحلون حقائق التوحيد الذاتي ومعاني التجليات العينية الأحدية {
~~ويلبسون ثيابا خضرا } إشارة إلى أنهم متصفون بصفات بهيجة
~~حسنة نضرة موجبة للسرور { من سندس } الأحوال والمواهب وعبر عنها ms06123
~~بالسندس لكونها ألطف { وإستبرق } الأخلاق والمكاسب، وعبر عنها
~~بالإستبرق لكونها أكثف

# متكئين فيها على الأرائك

# [الكهف: 31] قيل أي أرائك الأسماء الإلهية { واضرب لهم مثلا
~~رجلين } الخ فيه من تسلية الفقراء المتوكلين على الله تعالى وتنبيه
~~الأغنياء المغرورين ما فيه، وقال النيسابوري: الرجلان هما النفس الكافرة
~~والقلب المؤمن { جعلنا لأحدهما } وهو النفس { جنتين }
~~هما الهوى والدنيا { من أعنب } الشهوات { وحففناهما
~~بنخل } حب الرياسة

# وجعلنا بينهما زرعا

# [الكهف: 32] من التمتعات البهيمية

# وفجرنا خللهما نهرا

# [الكهف: 33] من القوى البشرية والحواس { وكان له ثمر } من أنواع
~~الشهوات { وهو يحوره } أي يجاذب النفس { أنا أكثر منك
~~مالا } أي ميلا

# وأعز نفرا

# [الكهف: 34] من الأوصاف المذمومة

# وهو ظالم لنفسه

# [الكهف: 35] في الاستمتاع بجنة الدنيا على وفق الهوى

# لأجدن خيرا منها

# [الكهف: 36] قال ذلك غرورا بالله تعالى وكرمه

# فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها

# [الكهف: 42] من العمر وحسن الاستعداد انتهى. وقد التزم هذا النمط في
~~أكثر الآيات ولا بدع فهو شأن كثير من المؤولين { هنالك الولية
~~لله الحق هو خير ثوابا } قال ابن عطاء: للطالبين له
~~سبحانه لا للجنة

# وخير عقبا

# [الكهف: 44] للمريدين

# والبقيات الصلحات

# [الكهف: 46] قيل هي المحبة الدائمة والمعرفة الكاملة والأنس بالله تعالى
~~والإخلاص في توحيده سبحانه والإنفراد به جل وعلا عن غيره فهي باقية
~~للمتصف بها وصالحة لا اعوجاج فيها وهي خير المنازل، وقد تفسر بما يعمها
~~وغيرها / من الأعمال الخالصة والنيات الصادقة

# ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة

# [الكهف: 47] قال ابن عطاء: دل سبحانه بهذا على إظهار جبروته وتمام قدرته
~~وعظيم عزته ليتأهب العبد لذلك الموقف ويصلح سريرته وعلانيته لخطاب ذلك
~~المشهد وجوابه { وعرضوا على ربك صفا } إخبار عن جميع بني
~~آدم وإن كان المخاطب في قوله سبحانه { بل زعمتم } الخ بعضهم، ذكر
~~أنه يعرض كل صنف صفا، وقيل الأنبياء عليهم السلام صف والأولياء صف وسائر
~~المؤمنين صف والمنافقون والكافرن صف وهم آخر الصفوف فيقال لهم:

# لقد جئتمونا كما خلقنكم أول مرة

# [الكهف: 48] على وصف الفطرة الأولية عاجزين منقطعين إليه سبحانه {
~~ووضع ms06124 الكتب } أي الكتب فيوضع كتاب الطاعات للزهاد والعباد
~~وكتاب الطاعات والمعاصي للعموم وكتاب المحبة والشوق والعشق للخصوص،
~~ولبعضهم:

# وأودعت الفؤاد كتاب شوق

# سينشر طيه يوم الحساب

# ووجدوا ما عملوا حاضرا

# [الكهف: 49] قال أبو حفص: أشد آية في القرآن على قلبي هذه الآية

# ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق
~~أنفسهم

# [الكهف: 51] قيل أي ما أشهدتهم أسرار ذلك والدقائق المودعة فيه وإنما
~~أشهد سبحانه ذلك أحباءه وأولياءه

# وكان الإنسن أكثر شىء جدلا

# [الكهف: 54] لأنه مظهر الأسماء المختلفة والعالم الأصغر الذي انطوى فيه
~~العالم الأكبر، هذا والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.

### || [18.60]

# { وإذ قال موسى } هو ابن عمران نبي بني إسرائيل عليه السلام
~~على الصحيح، فقد أخرج الشيخان والترمذي والنسائي وجماعة من طريق سعيد بن
~~جبير قال: قلت لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن نوفا البكالي يزعم أن
~~موسى صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني إسرائيل فقال: كذب عدو الله ثم ذكر
~~حديثا طويلا فيه الإخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو نص في
~~أنه موسى بني إسرائيل. وإلى إنكار ذلك ذهب أيضا أهل الكتاب وتبعهم من
~~تبعهم من المحدثين والمؤرخين وزعموا أن موسى هنا هو موسى بن ميشا
~~بالمعجمة ابن يوسف بن يعقوب، وقيل: موسى بن افراثيم بن يوسف وهو موسى
~~الأول، قيل وإنما أنكره أهل الكتاب لإنكارهم تعلم النبي من غيره. وأجيب
~~بالتزام أن التعلم من نبي ولا غضاضة في تعلم نبي من نبي. وتعقب بأنه
~~ولو التزموا ذلك وسلموا نبوة الخضر عليه السلام لا يسلمون أنه موسى بن
~~عمران لأنهم لا تسمح أنفسهم بالقول بتعلم نبيهم الأفضل ممن ليس مثله في
~~الفضل فإن الخضر عليه السلام على القول بنبوته بل القول برسالته لم يبلغ
~~درجة موسى عليه السلام، وقال بعض المحققين: ليس إنكارهم لمجرد ذلك بل
~~لذلك ولقولهم إن موسى عليه السلام بعد الخروج من مصر حصل هو وقومه في
~~التيه وتوفي فيه ولم يخرج قومه منه إلا بعد وفاته؛ والقصة تقتضي خروجه
~~عليه السلام ms06125 من التيه لأنها لم تكن وهو في مصر بالإجماع، وتقتضي أيضا
~~الغيبة أياما ولو وقعت لعلمها كثير من بني إسرائيل الذين كانوا معه ولو
~~علمت لنقلت لتضمنها أمرا غريبا تتوفر الدواعي على نقله فحيث لم يكن لم
~~تكن.

# وأجيب بأن عدم سماح نفوسهم / بالقول بتعلم نبيهم عليه السلام ممن ليس
~~مثله في الفضل أمر لا يساعده العقل وليس هو إلا كالحمية الجاهلية إذ لا
~~يعبد عقلا تعلم الأفضل الأعلم شيئا ليس عنده ممن هو دونه في الفضل
~~والعلم. ومن الأمثال المشهورة قد يوجد في الأسقاط ما لا يوجد في الأسفاط.
~~وقالوا: قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل. وقال بعضهم: لا مانع
~~من أن يكون قد أخفى الله سبحانه وتعالى علم المسائل التي تضمنتها القصة
~~عن موسى عليه السلام على مزيد علمه وفضله لحكمة ولا يقدح ذلك في كونه
~~أفضل وأعلم من الخضر عليه السلام وليس بشيء كما لا يخفى، وبأنه سيأتي إن
~~شاء الله تعالى قريبا القول بأن القصة كانت بعد أن ظهر موسى عليه السلام
~~على مصر مع بني إسرائيل واستقر بعد هلاك القبط فلا إجماع على أنها لم تكن
~~بمصر.

# نعم اليهود لا يقولون باستقرارهم في مصر بعد هلاك القبط وعليه كثير منا
~~وحينئذ يقال: إن عدم خروج موسى عليه السلام من التيه غير مسلم، وكذلك
~~اقتضاء ذلك الغيبة أياما لجواز أن يكون على وجه خارق للعادة كالتيه الذي
~~وقعوا فيه وكنتق الجبل عليهم وغير ذلك من الخوارق التي وقعت فيهم. وقد
~~يقال: يجوز أن يكون عليه السلام خرج وغاب أياما لكن لم يعلموا أنه عليه
~~السلام ذهب لهذا الأمر وظنوا أنه ذهب يناجي ويتعبد ولم يوقفهم على حقيقة
~~غيبته بعد أن رجع لعلمه بقصور فهمهم فخاف من حط قدره عندهم فهم القائلون

# اجعل لنا إلها كما لهم ءالهة

# [الأعراف: 138] و

# أرنا الله جهرة

# [النساء: 153] وأوصى فتاه بكتم ذلك عنهم أيضا، ويجوز أن يكون غاب عليه
~~السلام وعلموا حقيقة غيبته لكن لم يتناقلوها جيلا بعد ms06126 جيل لتوهم أن فيها
~~شيئا مما يحط من قدره الشريف عليه السلام فلا زالت نقلتها تقل حتى هلكوا
~~في وقت بختنصر كما هلك أكثر حملة التوراة، ويجوز أن يكون قد بقي منهم أقل
~~قليل إلى زمن نبينا صلى الله عليه وسلم فتواصوا على كتمها وإنكارها
~~ليوقعوا الشك في قلوب ضعفاء المسلمين ثم هلك ذلك القليل ولم تنقل عنه،
~~ولا يخفى أن باب الاحتمال واسع؛ وبالجملة لا يبالى بإنكارهم بعد جواز
~~الوقوع عقلا وإخبار الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم فإن الآية
~~ظاهرة في ذلك، ويقرب من هذا الإنكار إنكار النصارى تكلم عيسى عليه السلام
~~في المهد وقد قدمنا أنه لا يلتفت إليه بعد إخبار الله تعالى به فعليك
~~بكتاب الله تعالى ودع عنك الوساوس. و { إذ } نصب على المفعولية باذكر
~~محذوفا والمراد قل قال موسى:

# { لفته } يوشع بن نون بن افراثيم بن يوسف عليه السلام فإنه كان
~~يخدمه ويتعلم منه ولذا أضيف إليه، والعرب تسمي الخادم فتى لأن الخدم أكثر
~~ما يكونون في سن الفتوة، وكان فيما يقال ابن أخت موسى عليه السلام،
~~وقيل: هو أخو يوشع عليه السلام، وأنكر اليهود أن يكون له أخ، وقيل: لعبده
~~فالإضافة للملك وأطلق على العبد فتى لما في الحديث الصحيح

# " ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي "

# وهو من آداب الشريعة، وليس إطلاق ذلك بمكروه خلافا لبعض بل خلاف
~~الأولى، وهذا القول مخالف للمشهور وحكم النووي بأنه قول باطل وفي حل تملك
~~النفس في بني إسرائيل كلام، ومثله في البطلان القول الثاني لمنافاة كل
~~الأخبار الصحيحة { لا أبرح } من برح الناقص كزال يزال أي لا أزال
~~أسير فحذف الخبر اعتمادا على قرينة الحال إذ كان ذلك عند التوجه إلى
~~السفر واتكالا على ما يعقبه من قوله { حتى أبلغ } إذ الغاية لا
~~بد لها من مغيا والمناسب لها هنا السير وفيما بعد أيضا ما يدل على ذلك؛
~~وحذف الخبر فيها قليل كما ذكره الرضي، ومنه قول الفرزدق:

# فما برحوا حتى تهادت ms06127 نساؤهم

# ببطحاء ذي قار عياب اللطائم

# / وقال أبو حيان: نص أصحابنا على أن حذف خبر كان وأخواتها لا يجوز وإن
~~دل الدليل على حذفه إلا ما جاء في الشعر من قوله:

# لهفي عليك كلهفة من خائف

# يبغي جوارك حين ليس مجير

# أي حين ليس في الدنيا. وجوز الزمخشري وأبو البقاء أن يكون الأصل لا يبرح
~~سيري حتى أبلغ فالخبر متعلق حتى مع مجرورها فحذف المضاف إليه وهو سير
~~فانقلب الضمير من البروز والجر إلى الرفع والاستتار وانقلب الفعل من
~~الغيبة إلى التكلم، قيل وكذا الفعل الواقع في الخبر وهو { أبلغ } كأن
~~أصله يبلغ ليحصل الربط؛ والإسناد مجازي والا يخل الخبر من الرابط إلا أن
~~يقدر حتى أبلغ به أو يقال إن الضمير المستتر في كائن يكفي للربط أو أن
~~وجود الربط بعد التغيير صورة يكفي فيه وإن كان المقدر في قوة المذكور،
~~وعندي لا لطف في هذا الوجه وإن استلطفه الزمخشري. وجوز أيضا أن يكون {
~~أبرح } من برح التام كزال يزول فلا يحتاج إلى خبر، نعم قيل لا بد من
~~تقدير مفعول ليتم المعنى أي لا أفارق ما أنا بصدده حتى أبلغ { مجمع
~~البحرين } وتعقبه في «البحر» بأنه يحتاج إلى صحة نقل. والمجمع
~~الملتقى وهو اسم مكان، وقيل مصدر وليس بذاك. والبحران بحر فارس والروم
~~كما روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما، وملتقاهما مما يلي المشرق، ولعل المراد
~~مكان يقرب فيه التقاؤهما وإلا فهما لا يلتقيان إلا في البحر المحيط وهما
~~شعبتان منه. وذكر أبو حيان أن مجمع البحرين على ما يقتضيه كلام ابن عطية
~~مما يلي بر الشام، وقالت فرقة منهم محمد بن كعب القرظي: هو عند طنجة حيث
~~يجتمع البحر المحيط والبحر الخارج منه من دبور إلى صبا، وعن أبي أنه
~~بإفريقية، وقيل البحران الكر والرس بأرمينية وروي ذلك عن السدي، وقيل بحر
~~القلزم وبحر الأزرق، وقيل هما بحر ملح وبحر عذب وملتقاهما في الجزيرة
~~الخضراء في جهة المغرب، وقيل هما مجاز عن موسى والخضر عليهما السلام
~~لأنهما بحرا ms06128 علم، والمراد بملتقاهما مكان يتفق فيه اجتماعهما، وهو تأويل
~~صوفي والسياق ينبو عنه وكذا قوله تعالى: { حتى أبلغ } إذ الظاهر
~~عليه أن يقال حتى يجتمع البحران مثلا. وقرأ الضحاك وعبد الله بن مسلم بن
~~يسار { مجمع } بكسر الميم الثانية،والنضر عن ابن مسلم { مجمع } بالكسر
~~لكلا الحرفين وهو شاذ على القراءتين لأن قياس اسم المكان والزمان من فعل
~~يفعل بفتح العين فيهما الفتح كما في قراءة الجمهور.

# { أو أمضى حقبا } عطف على { أبلغ } وأو لأحد الشيئين،
~~والمعنى حتى يقع إما بلوغي المجمع أو مضى حقبا أي سيري زمانا طويلا.

# وجوز أن تكون أو بمعنى إلا والفعل منصوب بعدها بأن مقدرة والاستثناء
~~مفرغ من أعم الأحوال أي لا زلت أسير في كل حال حتى أبلغ إلا أن أمضي
~~زمانا أتيقن معه فوات المجمع. ونقل أبو حيان جواز أن تكون بمعنى إلى
~~وليس بشيء لأنه يقتضي جزمه ببلوغ المجمع بعد سيره حقبا وليس بمراد.
~~والحقب بضمتين ويقال بضم فسكون وبذلك قرأ الضحاك اسم مفرد وجمعه كما في
~~«القاموس» أحقب وأحقاب، وفي «الصحاح» أن الحقب بالضم يجمع على حقاب مثل
~~قف وقفاف، وهو على ما روي عن ابن عباس وجماعة من اللغويين الدهر / وروي
~~عن ابن عمر وأبي هريرة أنه ثمانون سنة، وعن الحسن أنه سبعون، وقال
~~الفراء: إنه سنة بلغة قريش وقال أبو حيان: الحقب السنون واحدها حقبة قال
~~الشاعر:

# فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها

# فإنك مما أحدثت بالمجرب

# اه. وما ذكره من أن الحقب السنون ذكره غير واحد من اللغويين لكن قوله
~~واحدها حقبة فيه نظر لأن ظاهر كلامهم أنه اسم مفرد وقد نص على ذلك
~~الخفاجي ولأن الحقبة جمع حقب بكسر ففتح، قال في «القاموس»: ((الحقبة
~~بالكسر من الدهر مدة لا وقت لها والسنة وجمعه (حقب) كعنب و(حقوب)
~~كحبوب))، واقتصر الراغب والجوهري على الأول.

# وكان منشأ عزيمة موسى عليه السلام على ما ذكر ما رواه الشيخان وغيرهما
~~من حديث ابن عباس عن أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى ms06129 الله عليه وسلم
~~يقول:

# " إن موسى عليه السلام قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟
~~فقال: أنا فعتب الله تعالى عليه إذ لم يرد العلم إليه سبحانه فأوحى الله
~~تعالى إليه إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك "

# الحديث، وفي رواية أخرى عنه عن أبي أيضا عن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال: أي رب إن كان في عبادك أحد هو
~~أعلم مني فدلني عليه فقال له: نعم في عبادي من هو أعلم منك ثم نعت له
~~مكانه وأذن له في لقيه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم
~~والخطيب وابن عساكر من طريق هارون عن أبيه عن ابن عباس قال: سأل موسى
~~عليه السلام ربه سبحانه فقال: أي رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني
~~ولا ينساني قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى
~~قال: فأي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب
~~كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى قال: وكان حدث موسى نفسه أنه ليس أحد
~~أعلم منه فلما أن قيل له الذي يبتغي علم الناس إلى علمه قال: يا رب فهل
~~في الأرض أحد أعلم مني؟ قال: نعم قال: فأين هو؟ قيل له: عند الصخرة التي
~~عندها العين فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكر الله تعالى.

# ثم إن هذه الأخبار لا دلالة فيها على وقوع القصة في مصر أو في غيرها،
~~نعم جاء في بعض الروايات التصريح بكونها في مصر، فقد أخرج ابن جرير وابن
~~أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: لما ظهر موسى عليه السلام
~~وقومه على مصر أنزل قومه بمصر فلما استقرت بهم البلد أنزل الله تعالى أن
~~ذكرهم بأيام الله تعالى فخطب قومه فذكر ما آتاهم الله تعالى من الخير
~~والنعم وذكرهم إذ أنجاهم الله تعالى من آل فرعون وذكرهم هلاك عدوهم وما
~~استخلفهم الله سبحانه في ms06130 الأرض وقال: كلم الله تعالى نبيكم تكليما
~~واصطفاني لنفسه وأنزل علي محبة منه وآتاكم من كل شيء ما سألتموه فنبيكم
~~أفضل أهل الأرض وأنتم تقرؤن التوراة فلم يترك نعمة أنعمها الله تعالى
~~عليهم إلا عرفهم إياها فقال له رجل من بني إسرائيل: فهل على الأرض أعلم
~~منك يا نبي الله؟ قال: لا فبعث الله تعالى جبريل عليه السلام إلى موسى
~~عليه السلام فقال: إن الله تعالى يقول وما يدريك أين أضع علمي بلى إن على
~~ساحل البحر رجلا أعلم منك ثم كان ما قص الله سبحانه. وأنكر ذلك ابن عطية
~~فقال: ما يرى قط أن موسى عليه السلام أنزل قومه بمصر إلا في هذا الكلام
~~وما أراه يصح بل المتظافر أن موسى عليه السلام توفي في أرض التيه قبل فتح
~~ديار الجبارين اه وما ذكره من عدم إنزال موسى عليه السلام قومه بمصر هو
~~الأقرب إلى القبول عندي وإن تعقب الخفاجي كلامه بعد نقله بقوله فيه نظر.
~~ثم إن الأخبار المذكورة ظاهرة في أن العبد الذي أرشد إليه موسى عليه
~~السلام كان أعلم منه، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في ذلك.

### || [18.61]

# { فلما بلغا } الفاء / فصيحة أي فذهبا يمشيان إلى مجمع البحرين
~~فلما بلغا { مجمع بينهما } أي البحرين، والأصل في بين النصب على
~~الظرفية. وأخرج عن ذلك بجره بالإضافة اتساعا والمراد مجمعهما، وقيل:
~~مجمعا في وسطهما فيكون كالتفصيل لمجمع البحرين، وذكر أن هذا يناسب تفسير
~~المجمع بطنجة أو إفريقية إذ يراد بالمجمع متشعب بحر فارس والروم من
~~المحيط وهو هناك، وقيل: بين اسم بمعنى الوصل. وتعقب بأن فيه ركاكة إذ لا
~~حسن في قولك مجمع وصلهما، وقيل إن فيه مزيد تأكيد كقولهم جد جده؛ وجوز أن
~~يكون بمعنى الافتراق أي موضع اجتماع افتراق البحرين أي البحرين
~~المفترقين. والظاهر أن ضمير التثنية على الاحتمالين للبحرين. وقال
~~الخفاجي: يحتمل على احتمال أن يكون بمعنى الافتراق عوده لموسى والخضر
~~عليهما السلام أي وصلا إلى موضع وعد اجتماع شملهما فيه، وكذا إذا كان ms06131
~~بمعنى الوصل انتهى، وفيه ما لا يخفى. و { مجمع } على سائر الاحتمالات
~~اسم مكان، واحتمال المصدرية هنا مثله فيما تقدم.

# { نسيا حوتهما } الذي جعل فقدانه أمارة وجدان المطلوب، فقد صح أن
~~الله تعالى حين قال لموسى عليه السلام: إن لي بمجمع البحرين من هو أعلم
~~قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل فحيثما
~~فقدت الحوت فهو ثم فأخذ حوتا وجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه
~~حتى إذا أتيا الصخرة وكانت عند مجمع البحرين وضعا رؤوسهما فناما واضطرب
~~الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر. والظاهر نسبة النسيان إليهما
~~جميعا وإليه ذهب الجمهور. والكلام على تقدير مضاف أي نسيا حال حوتهما
~~إلا أن الحال الذي نسيه كل منهما مختلف فالحال الذي نسيه موسى عليه
~~السلام كونه باقيا في المكتل أو مفقودا والحال الذي نسيه يوشع عليه
~~السلام ما رأى من حياته ووقوعه في البحر، وهذا قول بأن يوشع شاهد حياته
~~وفيه خبر صحيح، ففي حديث رواه الشيخان وغيرهما أن الله تعالى قال لموسى:
~~خذ نونا ميتا فهو حيث ينفخ فيه الروح فأخذ ذلك فجعله في مكتل فقال
~~لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت قال: ما كلفت كثيرا
~~فبينما هما في ظل صخرة إذ اضطرب الحوت حتى دخل البحر وموسى نائم فقال
~~فتاه: لا أوقظه حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره.

# وفي حديث رواه مسلم وغيره أن الله تعالى قال له: آية ذلك أن تزود حوتا
~~مالحا فهو حيث تفقده ففعل حتى إذا انتهيا إلى الصخرة انطلق موسى يطلب
~~ووضع فتاه الحوت على الصخرة فاضطرب ودخل البحر فقال فتاه: إذا جاء نبي
~~الله تعالى حدثته فأنساه الشيطان، وزعم بعض أن الناسي هو الفتى لا غير
~~نسي أن يخبر موسى عليه السلام بأمر الحوت، ووجه نسبة النسيان إليهما بأن
~~الشيء قد ينسب إلى الجماعة وإن كان الذي فعله واحدا منهم، وما ذكر هنا
~~نظير نسي القوم زادهم إذا نسيه متعهد ms06132 أمرهم، وقيل: الكلام على حذف مضاف
~~أي نسي أحدهما والمراد به الفتى وهو كما ترى.

# وسبب حياة هذا الحوت على ما في بعض الروايات عن ابن عباس أنه كان عند
~~الصخرة ماء الحياة من شرب منه خلد ولا يقاربه ميت إلا حيي فأصاب شيء منه
~~الحوت فحيي، وروي أن يوشع عليه السلام توضأ من ذلك الماء فانتضح شيء منه
~~على الحوت فعاش، وقيل: إنه لم يصبه سوى روح الماء وبرده فعاش بإذن الله
~~تعالى، وذكر هذا الماء وأنه ما أصاب منه شيء إلا حيي / وأن الحوت أصاب
~~منه جاء في «صحيح البخاري» فيما يتعلق بسورة الكهف أيضا لكن ليس فيه أنه
~~من شرب منه خلد كما في بعض الروايات السابقة. ويشكل على هذا البعض أنه
~~روى أن يوشع شرب منه أيضا مع أنه لم يخلد اللهم إلا أن يقال: إن هذا لا
~~يصح والله تعالى أعلم. ثم إن هذا الحوت كان على ما سمعت فيما مر مالحا
~~وفي رواية مشويا، وفي بعض أنه كان في جملة ما تزوداه وكانا يصيبان منه
~~عند العشاء والغداء فأحياه الله تعالى وقد أكلا نصفه.

# { فاتخذ سبيله فى البحر سربا } مسلكا كالسرب وهو
~~النفق فقد صح من حديث الشيخين والترمذي والنسائي وغيرهم أن الله تعالى
~~أمسك عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، والمراد به البناء المقوس
~~كالقنطرة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن الحبر جعل
~~الحوت لا يمس شيئا من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة، وهذا وكذا ما سبق من
~~الأمور الخارقة للعادة التي يظهرها سبحانه على من شاء من أنبيائه
~~وأوليائه. ونقل الدميري بقاء أثر الخارق الأول قال: قال أبو حامد
~~الأندلسي رأيت سمكة بقرب مدينة سبتة من نسل الحوت الذي تزوده موسى وفتاه
~~عليهما السلام وأكلا منه وهي سمكة طولها أكثر من ذراع وعرضها شبر واحد
~~جنبيها شوك وعظام وجلد رقيق على أحشائها ولها عين واحدة ورأسها نصف رأس،
~~من رآها من هذا الجانب استقذرها وحسب ms06133 أنها مأكولة ميتة ونصفها الآخر صحيح
~~والناس يتبركون بها ويهدونها إلى الأماكن البعيدة انتهى. وقال أبو شجاع
~~في «كتاب الطبري»: أتيت به فرأيته فإذا هو شق حوت وليس له إلا عين واحدة،
~~وقال ابن عطية: وأنا رأيته أيضا وعلى شقه قشرة رقيقة ليس تحتها شوكة،
~~وفيه مخالفة لما في كلام أبي حامد، وأنا سألت كثيرا من راكبي البحار
~~ومتتبعي عجائب الآثار فلم يذكروا أنهم رأوا ذلك ولا أهدي إليهم في مملكة
~~من الممالك فلعل أمره إن صح كل من الإثبات والنفي صار اليوم كالعنقاء
~~كانت فعدمت والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.

# والفاء على ما يقتضيه كلامهم فصيحة أي فحيي وسقط في البحر فاتخذ، وقدر
~~بعضهم المعطوف عليه الذي تفصح عنه الفاء بالواو على خلاف المألوف ليدفع
~~به الاعتراض على كون الحال الذي نسيه يوشع ما رأى من حياته ووقوعه في
~~البحر بأن الفاء تؤذن بأن نسيانه عليه السلام كان قبل حياته ووقوعه في
~~البحر واتخاذه سربا فلا يصح اعتبار ذلك في الحال المنسي. وأجيب بأن
~~المعتبر في الحال هو الحياة والوقوع في البحر أنفسهما من غير اعتبار أمر
~~آخر والواقع بعدهما من حيث ترتب عليهما الاتخاذ المذكور فهما من حيث
~~أنفسهما متقدمان على النسيان ومن حيث ترتب الاتخاذ متأخران وهما من هذه
~~الحيثية معطوفان على { نسيا } بالفاء التعقيبية، ولا يخفى أنه سيأتي
~~في الجواب إن شاء الله تعالى ما يأبى هذا الجواب إلا أن يلتزم فيه خلاف
~~المشهور بين الأصحاب فتدبر.

# وانتصاب { سربا } على أنه مفعول ثان لاتخذ و { فى البحر } حال
~~منه ولو تأخر كان صفة أو من السبيل، ويجوز أن يتعلق باتخذ، و { فى } في
~~جميع ذلك ظرفية. وربما يتوهم من كلام ابن زيد حيث قال: إنما اتخذ سبيله
~~في البر حتى وصل إلى البحر فعام على العادة أنها تعليلية مثلها في «أن
~~امرأة دخلت النار في هرة» فكأنه قيل فاتخذ سبيله في البر سربا لأجل
~~وصوله إلى البحر، ووافقه في كون اتخاذ السرب في البر قوم، وزعموا ms06134 أنه
~~صادف في طريقه في البر حجرا فنقبه، ولا يخفى / أن القول بذلك خلاف ما
~~ورد في «الصحيح» مما سمعت والآية لا تكاد تساعده. وجوز أن يكون مفعولا
~~اتخذ { سبيله } و { في البحر } و { سربا } حال من السبيل وليس
~~بذاك، وقيل حال من فاعل اتخذ وهو بمعنى التصرف والجولان من قولهم فحل
~~سارب أي مهمل يرعى حيث شاء، ومنه قوله تعالى:

# وسارب بالنهار

# [الرعد: 10] وهو في تأويل الوصف أي اتخذ ذلك في البحر متصرفا، ولا يخفى
~~أنه نظير سابقه.

### || [18.62]

# { فلما جاوزا } أي ما فيه المقصد من مجمع البحرين، صح أنهما
~~انطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان الغد وارتفع النهار أحس موسى
~~عليه السلام بالجوع فعند ذلك { قال لفته ءاتنا غداءنا } وهو
~~الطعام الذي يؤكل أول النهار، والمراد به الحوت على ما ينبىء عنه ظاهر
~~الجواب وقيل سارا ليلتهما إلى الغد فقال ذلك. { لقد لقينا من
~~سفرنا هذا نصبا } أي تعبا وإعياء، و { هذا } إشارة إلى
~~سفرهم الذي هم ملتبسون به ولكن باعتبار بعض أجزائه، فقد صح أنه صلى الله
~~عليه وسلم قال:

# " لم يجد موسى شيئا من النصب حتى جاوز المكان الذي أمر به "

# وذكر أنه يفهم من الفحوى، والتخصيص بالذكر أنه لم ينصب في سائر أسفاره
~~والحكمة في حصول الجوع والتعب له حين جاوز أن يطلب الغداء فيذكر الحوت
~~فيرجع إلى حيث يجتمع بمراده. وعن أبي بكر غالب بن عطية والد أبي عبد
~~الحق المفسر قال: سمعت أبا الفضل الجوهري يقول في وعظه: مشى موسى إلى
~~المناجاة فبقي أربعين يوما لم يحتج إلى طعام؛ ولما مشى إلى بشر لحقه
~~الجوع في بعض يوم. والجملة في محل التعليل للأمر بإيتاء الغداء إما
~~باعتبار أن النصب إنما يعتري بسبب الضعف الناشىء عن الجوع، وإما باعتبار
~~ما في أثناء التغدي من استراحة ما. وقرأ عبد الله بن عبيد بن عمير {
~~نصبا } بضمتين، قال صاحب «اللوامح»: وهي إحدى اللغات الأربع في هذه
~~الكلمة.

### || [18.63]

# { قال } أي فتاه، والاستئناف بياني كأنه قيل ms06135 فما صنع الفتى حين قال له
~~موسى عليه السلام ما قال؟ فقيل قال: { أرأيت إذ أوينا إلى
~~الصخرة } أي التجأنا إليها وأقمنا عندها. وجاء في بعض الروايات
~~الصحيحة أن موسى عليه السلام حين قال لفتاه:

# لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا

# [الكهف: 62] قال: قد قطع الله عنك النصب، وعلى هذا فيحتمل أنه بعد أن
~~قال ذلك قال: { أرأيت } الخ. قال شيخ الإسلام: وذكر الإواء إلى
~~الصخرة مع أن المذكور فيما سبق بلوغ مجمع البحرين لزيادة تعيين محل
~~الحادثة فإن المجمع محل متسع لا يمكن تحقيق المراد بنسبة الحادثة إليه
~~ولتمهيد العذر فإن الإواء إليها والنوم عندها مما يؤدي إلى النسيان عادة
~~انتهى. وهذا الأخير إنما يتم على بعض الروايات من أنهما ناما عند الصخرة.
~~وذكر أن هذه الصخرة قريبة من نهر الزيت وهو نهر معين عنده كثير من شجر
~~الزيتون. و { أرأيت } قيل بمعنى أخبرني؛ وتعقبه أبو حيان بأنها إذا
~~كانت كذلك فلا بد لها من أمرين كون الاسم المستخبر عنه معها ولزوم الجملة
~~التي بعدها الاستفهام وهما مفقودان هنا، ونقل هو ناظر الجيش في «شرح
~~التسهيل» عن أبي الحسن الأخفش أنه يرى أن { أرأيت } إذا لم ير
~~بعدها منصوب ولا استفهام بل جملة مصدرة بالفاء كما هنا مخرجة عن بابها
~~ومضمنة معنى اما أو تنبه فالفاء جوابها لا جواب (إذ) لأنها لا تجازى إلا
~~مقرونة بما بلا خلاف فالمعنى إما أو تنبه إذ أوينا إلى الصخرة.

# { فإنى نسيت الحوت } وقال شيخ الإسلام: الرؤية مستعارة للمعرفة
~~التامة والمشاهدة الكاملة، ومراده بالاستفهام تعجيب موسى عليه السلام مما
~~اعتراه هناك من النسيان مع كون ما شاهده من العظائم التي لا تكاد تنسى،
~~وقد / جعل فقدانه علامة لوجدان المطلوب وهذا أسلوب معتاد بين الناس يقول
~~أحدهم لصاحبه إذا نابه خطب: أرأيت ما نابني يريد بذلك تهويله وتعجيب
~~صاحبه منه وأنه مما لا يعهد وقوعه لا استخباره عن ذلك كما قيل، والمفعول
~~محذوف اعتمادا على ما يدل عليه من قوله { فإني } الخ وفيه تأكيد ms06136
~~للتعجيب وتربية لاستعظام المنسي اه. وفيه من القصور ما فيه. والزمخشري
~~جعله استخبارا فقال: إن يوشع عليه السلام لما طلب منه موسى عليه السلام
~~الغداء ذكر ما رأى من الحوت وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية فدهش
~~فطفق يسأل عن سبب ذلك كأنه قال: أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة فإني
~~نسيت الحوت فحذف ذلك اه، وفيه إشارة إلى أن مفعول { أرأيت } محذوف
~~وهو إما الجملة الاستفهامية إن كانت ما في ما دهاني للاستفهام وإما نفس
~~ما إن كانت موصولة، وإلى أن إذ ظرف متعلق بدهاني وهو سبب لما بعد الفاء
~~في { فإني } وهي سببية، نظير ذلك قوله تعالى:

# وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم

# [الأحقاف: 11] فإن التقدير وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم فسيقولون الخ
~~وهو قول بأن { أرأيت } بمعنى أخبرني وقد سمعت ما قيل عليه، وفي
~~تقديره أيضا على الاحتمال الثاني ما في حذف الموصول مع جزء الصلة بناء
~~على أن { فإنى نسيت } من تتمتها، وعلى العلات ليس المراد من
~~الاستخبار حقيقته بل تهويل الأمر أيضا. ثم لا يخفى أن رأى إن كانت بصرية
~~أو بمعنى عرف احتاجت إلى مفعول واحد والتقدير عند بعض المحققين أأبصرت أو
~~أعرفت حالي إذ أوينا وفيه تقليل للحذف ولا يخفى حسنه، وإن كانت علمية
~~احتاجت إلى مفعولين وعلى هذا قال أبو حيان: يمكن أن تكون مما حذف منه
~~المفعولان اختصارا والتقدير أرأيت أمرنا إذ أوينا ما عاقبته. وإيقاع
~~النسيان على اسم الحوت دون ضمير الغداء مع أنه المأمور بإيتائه قيل
~~للتنبيه من أول الأمر على أنه ليس من قبيل نسيان زاده في المنزل وأن ما
~~شاهده ليس من قبيل الأحوال المتعلقة بالغداء من هو غداء وطعام بل من حيث
~~هو حوت كسائر الحيتان مع زيادة؛ وقيل للتصريح بما في فقده إدخال السرور
~~على موسى عليه السلام مع حصول الجواب فقد تقدم رواية أنه قال له: لا
~~أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت. ثم الظاهر أن النسيان على ms06137 حقيقته
~~وهو ليس متعلقا بذات الحوت بل بذكره. وجوز أن يكون مجازا عن الفقد
~~فيكون متعلقا بنفس الحوت، والأكثرون على الأول أي نسيت أن أذكر لك أمر
~~الحوت وما شاهدت من عجيب أمره.

# { وما أنسانيه إلا الشيطن } لعله شغله بوساوس في الأهل
~~ومفارقة الوطن فكان ذلك سببا للنسيان بتقدير العزيز العليم وإلا فتلك
~~الحال مما لا تنسى. وقال بعضهم: إن يوشع كان قد شاهد من موسى عليه السلام
~~المعجزات القاهرات كثيرا فلم يبق لهذه المعجزة وقع عظيم لا يؤثر معه
~~الوسوسة فنسي. وقال الإمام: إن موسى عليه السلام لما استعظم علم نفسه
~~أزال الله تعالى عن قلب صاحبه هذا العلم الضروري تنبيها لموسى عليه
~~السلام على أن العلم لا يحصل إلا بتعليم الله تعالى وحفظه على القلب
~~والخاطر، وأنت تعلم أنه لو جعل الله تعالى المشاهد الناسي هو موسى عليه
~~السلام كان أتم في التنبيه، وقد يقال: إنه أنسي تأديبا له بناء على ما
~~تقدم من أن موسى عليه السلام لما قال له: لا أكلفك الخ قال له ما كلفت
~~كثيرا حيث استسهل الأمر ولم يظهر الالتجاء فيه إلى الله تعالى بأن يقول:
~~أخبرك إن شاء الله تعالى، وفيه أيضا عتاب لموسى عليه السلام حيث اعتمد
~~عليه في العلم بذهاب الحوت فلم يحصل له حتى نصب.

# ثم إن هذه الوسوسة لا تضر بمقام يوشع عليه السلام وإن قلنا إنه كان
~~نبيا وقت وقوع هذه القصة.

# / وقال بعض المحققين: لعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب
~~شراشره إلى جناب القدس بما اعتراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنما نسبه
~~إلى الشيطان مع أن فاعله الحقيقي هو الله تعالى والمجازي هو الاستغراق
~~المذكور هضما لنفسه بجعل ذلك الاستغراق والانجذاب لشغله عن التيقظ
~~للموعد الذي ضربه الله تعالى بمنزلة الوساوس ففيه تجوز باستعارة الشيطان
~~لمطلق الشاغل، وفي الحديث

# " إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله تعالى في اليوم سبعين مرة "

# أو لأن عدم احتمال القوة للجانبين واشتغالها بأحدهما عن الآخر يعد من
~~نقصان صاحبها وتركه ms06138 المجاهدات والتصفية فيكون قد تجوز بذلك عن النقصان
~~لكونه سببه. وضم حفص الهاء في { أنسانيه } وهو قليل في مثل هذا التركيب
~~قلة النسيان في مثل هذه الواقعة، والجمهور على الكسر وأمال الكسائي فتحة
~~السين.

# وقوله تعالى: { أن أذكره } بدل اشتمال من الهاء أي ما أنساني
~~ذكره لك إلا الشيطان، قيل وفي تعليق الفعل بضمير الحوت أولا وبذكره له
~~ثانيا على طريق الإبدال المنبىء عن تنحيته المبدل منه إشارة إلى أن
~~متعلق النسيان ليس نفس الحوت بل ذكر أمره. وفي مصحف عبد الله وقراءته {
~~أن أذكركه }. وفي إيثار أن والفعل على المصدر نوع مبالغة لا تخفى.

# { واتخذ سبيله فى البحر عجبا } الظاهر الذي عليه أكثر
~~المفسرين أن مجموعه كلام يوشع وهو تتمة لقوله: { فإنى نسيت
~~الحوت } وفيه إنباء عن طرف آخر من أمره وما بينهما اعتراض قدم عليه
~~للاعتناء بالاعتذار كأنه قيل حي واضطرب ووقع في البحر واتخذ سبيله فيه
~~سبيلا عجبا، فسبيله مفعول أول لاتخذ و { فى البحر } حال منه و {
~~عجبا } مفعول ثان، وفي ذكر السبيل ثم إضافته إلى ضمير الحوت ثم جعل
~~الظرف حالا من المضاف تنبيه إجمالي على أن المفعول الثاني من جنس الأمور
~~الغريبة، وفيه تشويق للمفعول الثاني وتكرير مفيد للتأكيد المناسب للمقام،
~~فهذا التركيب في إفادة المراد أو في لحق البلاغة من أن يقال واتخذ في
~~البحر سبيلا عجبا. وجوز أن يكون { فى البحر } حالا من { عجبا
~~} وأن يكون متعلقا باتخذ، وأن يكون المفعول الثاني له و { عجبا } صفة
~~مصدر محذوف أي اتخاذا عجبا وهو كون مسلكه كالطاق والسرب، وجوز أيضا
~~على احتمال كون الظرف مفعولا ثانيا أن ينصب { عجبا } بفعل منه مضمر
~~أي أعجب عجبا، وهو من كلام يوشع عليه السلام أيضا تعجب من أمر الحوت
~~بعد أن أخبر عنه، وقيل إن كلام يوشع عليه السلام قد تم عند { البحر }
~~وقول أعجب عجبا كلام موسى عليه السلام كأنه قيل: وقال موسى: أعجب عجبا
~~من تلك الحال التي أخبرت بها، وأنت تعلم أنه لو كان ms06139 كذلك لجيء بالجملة
~~الآتية بالواو العاطفة على هذا المقدر، وقيل يحتمل أن يكون المجموع من
~~كلامه عز وجل وحينئذ يحتمل وجهين، أحدهما أن يكون إخبارا منه تعالى عن
~~الحوت بأنه اتخذ سبيله في البحر عجبا للناس، وثانيهما أن يكون إخبارا
~~منه سبحانه عن موسى عليه السلام بأنه اتخذ سبيل الحوت في البحر عجبا
~~يتعجب منه، و { عجبا } على هذا مفعول ثان ولا ركاكة في تأخير

# قال

# [الكهف: 64] الآتي عنه على هذا لأنه استئناف لبيان ما صدر منه عليه
~~السلام بعد، ويؤيد كونه من كلام يوشع عليه السلام قراءة أبي حيوة {
~~واتخاذ } بالنصب على أنه معطوف على المنصوب في { أذكره }.

### || [18.64]

# { قال } أي موسى عليه السلام { ذلك } الذي ذكرت من أمر الحوت { ما
~~كنا نبغ } أي الذي كنا نطلبه من حيث إنه أمارة للفوز / بما هو
~~المطلوب بالذات. وقرىء { نبغ } بغير ياء في الوصل وإثباتها أحسن وهي
~~قراءة أبي عمرو والكسائي ونافع، وأما الوقف فالأكثر فيه طرح الياء
~~اتباعا لرسم المصحف، وأثبتها في الحالين ابن كثير { فارتدا } أي
~~رجعا { على ءاثارهما } الأولى، والمراد طريقهما الذي جاءا منه {
~~قصصا } أي يقصانه قصصا أي يتبعانها اتباعا فهو من قص أثره إذا اتبعه
~~كما هو الظاهر، ونصبه على أنه مفعول لفعل مقدر من لفظه، وجوز أن يكون
~~حالا مؤولا بالوصف أي مقتصين حتى أتيا الصخرة التي فقد الحوت عندها.

### || [18.65]

# { فوجدا عبدا من عبادنا } الجمهور على أنه الخضر بفتخ
~~الخاء وقد تكسر وكسر الضاد وقد تسكن، وقيل اليسع، وقيل إلياس، وقيل ملك
~~من الملائكة وهو قول غريب باطل كما في «شرح مسلم»، والحق الذي تشهد له
~~الأخبار الصحيحة هو الأول، والخضر لقبه ولقب به كما أخرج البخاري وغيره
~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز
~~من خلفه خضراء. وأخرج ابن عساكر وجماعة عن مجاهد أنه لقب بذلك لأنه إذا
~~صلى اخضر ما حوله، وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة أن ذلك لأنه كان إذا جلس
~~في ms06140 مكان اخضر ما حوله وكانت ثيابه خضرا، وأخرج عن السدي أنه إذا قام
~~بمكان نبت العشب تحت رجليه حتى يغطي قدميه، وقيل لإشراقه وحسنه، والصواب
~~كما قال النووي الأول، وكنيته أبو العباس واسمه بليا بموحدة مفتوحة ولام
~~ساكنة وياء مثناة تحتية، وفي آخره ألف قيل ممدودة، وقيل إبليا بزيادة
~~همزة في أوله، وقيل عامر، وقيل أحمد ووهاه ابن دحية بأنه لم يسم قبل
~~نبينا صلى الله عليه وسلم أحد من الأمم السالفة بأحمد، وزعم بعضهم أن اسم
~~الخضر اليسع وأنه إنما سمي بذلك لأن علمه وسع ست سموات وست أرضين ووهاه
~~ابن الجوزي، وأنت تعلم أنه باطل لا واه، ومثله القول بأن اسمه إلياس.

# واختلفوا في أبيه فأخرج الدارقطني في «الإفراد» وابن عساكر من طريق
~~مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس أنه ابن آدم لصلبه، وأخرج ابن
~~عساكر عن سعيد بن المسيب أن أمه رومية وأباه فارسي، ولم يذكر اسمه وذكر
~~أن إلياس أخوه من هذه الأم وهذا الأب، وأخرج أيضا عن أسباط عن السدي أنه
~~ابن ملك من الملوك وكان منقطعا في عبادة الله تعالى وأحب أبوه أن يزوجه
~~فأبى ثم أجاب فزوجه بامرأة بكر فلم يقربها سنة ثم بثيب فلم يقربها ثم فر
~~فطلبه فلم يقدر عليه ثم تزوجت امرأته الأولى وكانت قد آمنت وهي ماشطة
~~امرأة فرعون، ولم يذكر أيضا اسم أبيه، وقيل أنه ابن فرعون على ما قيل
~~أنه أبوه وسبحان من يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، وأخرج أبو
~~الشيخ في «العظمة» وأبو نعيم في «الحلية» عن كعب الأحبار أنه ابن عاميل
~~وأنه ركب في نفر من أصحابه حتى بلغ بحر الهند وهو بحر الصين فقال: يا
~~أصحابي دلوني فدلوه في البحر أياما وليالي ثم صعد فقال: استقبلني ملك
~~فقال لي: أيها الآدمي الخطاء إلى أين ومن أين؟ فقلت: أردت أن أنظر عمق
~~هذا البحر فقال لي: كيف وقد أهوى رجل من زمان داود عليه السلام، ولم يبلغ
~~ثلث قعره حتى ms06141 الساعة وذلك ثلثمائة سنة، وأظنك لا تشك بكذب هذا الخبر وإن
~~قيل حدث عن البحر ولا حرج، وقيل هو ابن العيص وقيل هو ابن كليان بكاف
~~مفتوحة ولام ساكنة وياء مثناة تحتية بعدها ألف ونون.

# وقال ابن قتيبة في «المعارف»: قال وهب بن منبه أنه ابن ملكان بفتح الميم
~~وإسكان اللام ابن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ / ابن سام بن نوح عليه
~~السلام. ولم يصح عندي شيء من هذه الأقوال بيد أن صنيع النووي عليه الرحمة
~~في «شرح مسلم» يشعر باختيار أنه بليا بن ملكا وهو الذي عليه الجمهور
~~والله تعالى أعلم.

# وصح من حديث البخاري وغيره أنهما رجعا إلى الصخرة وإذا رجل مسجى بثوب قد
~~جعل طرفه تحت رجليه وطرفه الآخر تحت رأسه. وفي «صحيح مسلم» فأتيا جزيرة
~~فوجد الخضر قائما يصلي على طنفسة خضراء على كبد البحر، وقال الثعلبي:
~~انتهيا إليه وهو نائم على طنفسة خضراء على وجه الماء وهو مسجى بثوب أخضر.
~~وقيل إن سبيل الحوت عاد حجرا فلما جاءا إليه مشيا عليه حتى وصلا إلى
~~جزيرة فيها الخضر. وصح أنهما لما انتهيا إليه سلم موسى فقال الخضر: وأني
~~بأرضك السلام. فقال: أنا موسى. فقال: موسى بني إسرائيل قال: نعم، وروي
~~أنه لما سلم عليه وهو مسجى عرفه أنه موسى فرفع رأسه فاستوى جالسا وقال:
~~وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل فقال موسى: وما أدراك بي ومن أخبرك
~~أني نبي بني إسرائيل؟ فقال: الذي أدراك بي ودلك علي ثم قال: يا موسى
~~أما يكفيك أن التوراة بيدك وأن الوحي يأتيك؟ قال موسى: إن ربي أرسلني
~~إليك لأتبعك وأتعلم من علمك، والتنوين في { عبدا } للتفخيم والإضافة
~~في { عبادنا } للتشريف والاختصاص أي عبدا جليل الشأن ممن اختص بنا
~~وشرف بالإضافة إلينا.

# { ءاتيناه رحمة من عندنا } قيل المراد بها الرزق الحلال
~~والعيش الرغد، وقيل العزلة عن الناس وعدم الاحتياج إليهم وقيل طول الحياة
~~مع سلامة البنية، والجمهور على أنها الوحي والنبوة وقد أطلقت على ذلك في
~~مواضع من ms06142 القرآن، وأخرج ذلك ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وهذا قول من يقول
~~بنبوته عليه السلام وفيه أقوال ثلاثة، فالجمهور على أنه عليه السلام نبي
~~وليس برسول، وقيل هو رسول، وقيل هو ولي وعليه القشيري وجماعة، والمنصور
~~ما عليه الجمهور. وشواهده من الآيات والأخبار كثيرة وبمجموعها يكاد يحصل
~~اليقين.

# وكما وقع الخلاف في نبوته وقع الخلاف في حياته اليوم فذهب جمع إلى أنه
~~ليس بحي اليوم، وسئل البخاري عنه وعن إلياس عليهما السلام هل هما حيان؟
~~فقال: كيف يكون هذا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أي قبل وفاته
~~بقليل

# " لا يبقى على رأس المائة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد "

# ، والذي في «صحيح مسلم» عن جابر قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته ما من نفس منفوسة يأتي
~~عليها مائة سنة وهي يومئذ حية "

# وهذا أبعد عن التأويل، وسئل عن ذلك غيره من الأئمة فقرأ:

# وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد

# [الأنبياء: 34]. وسئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: لو كان الخضر
~~حيا لوجب عليه أن يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويجاهد بين يديه
~~ويتعلم منه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر

# " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض "

# فكانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم
~~وقبائلهم فأين كان الخضر حينئذ؟. وسئل إبراهيم الحربي عن بقائه فقال:
~~من أحال على غائب لم ينتصف منه وما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطان. ونقل
~~في «البحر» عن شرف الدين أبي عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي القول
~~بموته أيضا. ونقله ابن الجوزي عن علي بن موسى الرضا رضي الله تعالى
~~عنهما أيضا، وكذا عن إبراهيم بن إسحاق الحربي، وقال أيضا: كان أبو
~~الحسين بن المنادي يقبح قول من يقول إنه حي.

# وحكى القاضي أبو يعلى موته عن بعض أصحاب محمد. وكيف يعقل وجود الخضر ولا
~~يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة والجماعة ولا ms06143 يشهد معه
~~الجهاد مع قوله عليه الصلاة والسلام

# " والذي نفسي بيده لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني "

# وقوله عز وجل:

# وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من
~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم
~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم
~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا
~~وأنا معكم من الشاهدين

# [آل عمران: 81] وثبوت أن عيسى عليه السلام إذا نزل إلى الأرض يصلي خلف
~~إمام هذه الأمة ولا يتقدم عليه في مبدأ الأمر، وما أبعد فهم من يثبت وجود
~~الخضر عليه السلام وينسى ما في طي إثباته من الإعراض عن هذه الشريعة ثم
~~قال: وعندنا من المعقول وجوه على عدم حياته، أحدها أن الذي قال بحياته
~~قال إنه ابن آدم عليه السلام لصلبه وهذا فاسد لوجهين، الأول: أنه يلزم أن
~~يكون عمره اليوم ستة آلاف سنة أو أكثر ومثل هذا بعيد في العادات في حق
~~البشر. والثاني: أنه لو كان ولده لصلبه أو الرابع من أولاده كما زعموا
~~أنه وزير ذي القرنين لكان مهول الخلقة مفرط الطول والعرض، ففي «الصحيحين»
~~من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " خلق آدم طوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعده "

# وما ذكر أحد ممن يزعم رؤية الخضر أنه رآه على خلقة عظيمة وهو من أقدم
~~الناس، والوجه الثاني أنه لو كان الخضر قبل نوح عليه السلام لركب معه في
~~السفينة ولم ينقل هذا أحد. الثالث: أن العلماء اتفقوا على أن نوحا عليه
~~السلام لما خرج من السفينة مات من معه ولم يبق غير نسله ودليل ذلك قوله
~~سبحانه

# وجعلنا ذريته هم البقين

# [الصافات: 77]. الرابع: أنه لو صح بقاء بشر من لدن آدم إلى قرب خراب
~~الدنيا لكان ذلك من أعظم الآيات والعجائب وكان خبره في القرآن مذكورا في
~~مواضع لأنه من آيات الربوبية وقد ذكر سبحانه عز وجل من استحياه ألف سنة
~~إلا خمسين عاما وجعله آية فكيف لا يذكر جل وعلا ms06144 من استحياه أضعاف ذلك،
~~الخامس: أن القول بحياة الخضر قول على الله تعالى بغير علم وهو حرام بنص
~~القرآن، أما المقدمة الثانية فظاهرة، وأما الأولى فلان حياته لو كانت
~~ثابتة لدل عليها القرآن أو السنة أو إجماع الأمة فهذا كتاب الله تعالى
~~فأين فيه حياة الخضر؟ وهذه سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فأين فيها ما
~~يدل على ذلك بوجه، وهؤلاء علماء الأمة فمتى أجمعوا على حياته، السادس: أن
~~غاية ما يتمسك به في حياته حكايات منقولة يخبر الرجل بها أنه رأى الخضر
~~فيالله تعالى العجب هل للخضر علامة يعرفه بها من رآه؟ وكثير من زاعمي
~~رؤيته يغتر بقوله أنا الخضر ومعلوم أنه لا يجوز تصديق قائل ذلك بلا برهان
~~من الله تعالى فمن أين للرائي أن المخبر له صادق لا يكذب؟ السابع: أن
~~الخضر فارق موسى بن عمران كليم الرحمن ولم يصاحبه وقال:

# هذا فراق بينى وبينك

# [الكهف: 78] فكيف يرضى لنفسه بمفارقة مثل موسى عليه السلام ثم يجتمع
~~بجهلة العباد الخارجين عن الشريعة الذين لا يحضرون جمعة ولا جماعة ولا
~~مجلس علم وكل منهم يقول: قال لي الخضر جاءني الخضر أوصاني الخضر فيا
~~عجبا له يفارق الكليم ويدور على صحبة جاهل لا يصحبه إلا شيطان رجيم
~~سبحانك هذا بهتان عظيم. الثامن: أن الأمة مجمعة على أن الذي يقول أنا
~~الخضر لو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كذا وكذا لم
~~يلتفت إلى قوله ولم يحتج به في الدين ولا مخلص للقائل بحياته عن ذلك إلا
~~أن يقول: إنه لم يأت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ولا بايعه أو يقول:
~~إنه لم يرسل إليه وفي هذا من الكفر ما فيه، التاسع: أنه لو كان حيا لكان
~~جهاده الكفار ورباطه في سبيل الله تعالى ومقامه في الصف ساعة وحضوره
~~الجمعة والجماعة وإرشاد جهلة الأمة أفضل بكثير من سياحته بين الوحوش في
~~القفار والفلوات إلى غير ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى ماله وما عليه.

# وشاع الاستدلال بخبر «لو ms06145 كان الخضر حيا لزارني» وهو كما قال الحفاظ خبر
~~موضوع لا أصل له ولو صح لأغنى عن القيل والقال ولانقطع به الخصام
~~والجدال.

# وذهب جمهور العلماء إلى أنه حي / موجود بين أظهرنا وذلك متفق عليه عند
~~الصوفية قدست أسرارهم قاله النووي، ونقل عن الثعلبي المفسر أن الخضر
~~نبي معمر على جميع الأقوال محجوب عن أبصار أكثر الرجال، وقال ابن
~~الصلاح: هو حي اليوم عند جماهير العلماء [والصالحين] والعامة معهم في ذلك
~~وإنما ذهب إلى إنكار حياته بعض المحدثين واستدلوا على ذلك بأخبار كثيرة:
~~منها ما أخرجه الدارقطني في «الأفراد» وابن عساكر عن الضحاك عن ابن عباس
~~أنه قال: الخضر ابن آدم لصلبه ونسىء له في أجله حتى يكذب الدجال ومثله لا
~~يقال من قبل الرأي، ومنها ما أخرجه ابن عساكر عن ابن إسحق قال: حدثنا
~~أصحابنا أن آدم عليه السلام لما حضره الموت جمع بنيه فقال: يا بني إن
~~الله تعالى منزل على أهل الأرض عذابا فليكن جسدي معكم في المغارة حتى
~~إذا هبطتم فابعثوا بي وادفنوني بأرض الشام فكان جسده معهم فلما بعث الله
~~تعالى نوحا ضم ذلك الجسد وأرسل الله تعالى الطوفان على الأرض فغرقت
~~زمانا فجاء نوح حتى نزل بابل وأوصى بنيه الثلاثة أن يذهبوا بجسده إلى
~~المغار الذي أمرهم أن يدفنوه به فقالوا: الأرض وحشة لا أنيس بها ولا
~~نهتدي الطريق ولكن كف حتى يأمن الناس ويكثروا فقال لهم نوح: إن آدم قد
~~دعا الله تعالى أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة فلم يزل جسد آدم
~~حتى كان الخضر هو الذي تولى دفنه فأنجز الله تعالى له ما وعده فهو يحيا
~~إلى ما شاء الله تعالى له أن يحيى، وفي هذا سبب طول بقائه وكأنه سبب
~~بعيد وإلا فالمشهور فيه أنه شرب من عين الحياة حين دخل الظلمة مع ذي
~~القرنين وكان على مقدمته، ومنها ما أخرجه الخطيب وابن عساكر عن علي رضي
~~الله تعالى عنه وكرم وجهه قال: بينا أنا أطوف بالبيت إذا ms06146 رجل متعلق
~~بأستار الكعبة يقول: يا من لا يشغله سمع عن سمع ويا من لا تغلطه المسائل
~~ويا من لا يتبرم بإلحاح الملحين أذقني برد عفوك وحلاوة رحمتك قلت: يا عبد
~~الله أعد الكلام قال: أسمعته؟ قال: نعم قال: والذي نفس الخضر بيده  وكان
~~هو الخضر  لا يقولهن عبد دبر الصلاة المكتوبة إلا غفرت ذنوبه وإن كانت
~~مثل رمل عالج وعدد المطر وورق الشجر. ومنها ما نقله الثعلبي عن ابن عباس
~~قال: قال علي كرم الله تعالى وجهه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما
~~توفي وأخذنا في جهازه خرج الناس وخلا الموضع فلما وضعته على المغتسل إذا
~~بهاتف يهتف من زاوية البيت بأعلى صوته لا تغسلوا محمدا فإنه طاهر طهر
~~فوقع في قلبي شيء من ذلك وقلت: ويلك من أنت فإن النبي صلى الله عليه
~~وسلم بهذا أمرنا وهذه سنته وإذا بهاتف آخر يهتف بي من زاوية البيت بأعلى
~~صوته غسلوا محمدا فإن الهاتف الأول كان إبليس الملعون حسد محمدا صلى
~~الله عليه وسلم أن يدخل قبره مغسولا فقلت: جزاك الله تعالى خيرا قد
~~أخبرتني بأن ذلك إبليس فمن أنت؟ قال أنا الخضر حضرت جنازة محمد صلى الله
~~عليه وسلم، ومنها ما أخرجه الحاكم في «المستدرك» عن جابر قال: لما توفي
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمع الصحابة دخل رجل أشهب اللحية جسيم
~~صبيح فتخطى رقابهم فبكى ثم التفت إلى الصحابة فقال: إن في الله تعالى
~~عزاء من كل مصيبة وعوضا من كل فائت وخلفا من كل هالك فإلى الله تعالى
~~فأنيبوا وإليه تعالى فارغبوا ونظره سبحانه إليكم في البلاء فانظروا فإنما
~~المصاب من لم يجبر فقال أبو بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما: هذا الخضر
~~عليه السلام؛ ومنها ما أخرجه ابن عساكر أن إلياس والخضر يصومان شهر رمضان
~~في بيت المقدس ويحجان في كل سنة ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى مثلها
~~من قابل، ومنها ما أخرجه ابن عساكر أيضا والعقيلي والدارقطني في
~~«الأفراد» عن ابن ms06147 عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يلتقي الخضر
~~وإلياس كل عام في الموسم فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويتفرقان عن هذه
~~الكلمات باسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله ما شاء الله لا
~~حول ولا قوة إلا بالله.

# / ومنها ما أخرجه ابن عساكر بسنده عن محمد بن المنكدر قال: بينما عمر بن
~~الخطاب يصلي على جنازة إذا بهاتف يهتف من خلفه لا تسبقنا بالصلاة يرحمك
~~الله تعالى فانتظره حتى لحق بالصف الأول فكبر عمر وكبر الناس معه فقال
~~الهاتف: إن تعذبه فكثيرا عصاك وإن تغفر له ففقير إلى رحمتك فنظر عمر
~~وأصحابه إلى الرجل فلما دفن الميت وسوي عليه التراب قال: طوبى لك يا صاحب
~~القبر أن لم تكن عريفا أو جابيا أو خازنا أو كاتبا أو شرطيا فقال
~~عمر: خذوا لي الرجل نسأله عن صلاته وكلامه هذا عمن هو فتوارى عنهم فنظروا
~~فإذا أثر قدمه ذراع فقال عمر: هذا والله الذي حدثنا عنه النبي صلى الله
~~عليه وسلم. والاستدلال بهذا مبني على أنه عنى بالمحدث عنه الخضر عليه
~~السلام إلى غير ذلك.

# وكثير مما ذكر وإن لم يدل على أنه حي اليوم بل يدل على أنه كان حيا في
~~زمنه صلى الله عليه وسلم ولا يلزم من حياته إذ ذاك حياته اليوم إلا أنه
~~يكفي في رد الخصم إذ هو ينفي حياته إذ ذاك كما ينفي حياته اليوم، نعم إذا
~~كان عندنا من يثبتها إذ ذاك وينفيها الآن لم ينفع ما ذكر معه لكن ليس
~~عندنا من هو كذلك، وحكايات الصالحين من التابعين والصوفية في الاجتماع به
~~والأخذ عنه في سائر الأعصار أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر.

# نعم أجمع المحدثون القائلون بحياته عليه السلام على أنه ليس له رواية عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم كما صرح به العراقي في «تخريج أحاديث الأحياء»
~~وهذا خلاف ما عند الصوفية فقد ادعى الشيخ علاء الدين استفادة الأحاديث
~~النبوية عنه بلا واسطة. وذكر ms06148 السهروردي في «السر المكتوم» أن الخضر عليه
~~السلام حدثنا بثلثمائة حديث سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم شفاها.

# واستدل بعض الذاهبين إلى حياته الآن بالاستصحاب فإنه قد تحققت من قبل
~~بالدليل فتبقى على ذلك إلى أن يقوم الدليل على خلافها ولم يقم. وأجابوا
~~عما استدل به الخصم مما تقدم. فأجابوا عما ذكره البخاري من الحديث الذي
~~لا يوجب نفي حياته في زمانه صلى الله عليه وسلم وإنما يوجب بظاهره نفيها
~~بعد مائة سنة من زمان القول بأنه لم يكن حينئذ على ظهر الأرض بل كان على
~~وجه الماء. وبأن الحديث عام فيما يشاهده الناس بدليل استثناء الملائكة
~~عليهم السلام وإخراج الشيطان، وحاصله انخرام القرن الأول، نعم هو نص في
~~الرد على مدعي التعمير كرتن بن عبد الله الهندي التبريزي الذي ظهر في
~~القرن السابع وادعى الصحبة وروى الأحاديث. وفيه أن الظاهر ممن على ظهر
~~الأرض من هو من أهل الأرض ومتوطن فيها عرفا ولا شك أن هذا شامل لمن كان
~~في البحر ولو لم يعد من في البحر ممن هو على ظهر الأرض لم يكن الحديث
~~نصا في الرد على رتن وأضرابه لجواز أن يكونوا حين القول في البحر بل متى
~~قبل هذا التأويل خرج كثير من الناس من عموم الحديث، وضعف العموم في قوله
~~تعالى:

# ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على
~~ظهرها من دآبة

# [فاطر: 45] ولينظر في قول من قال: يحتمل أنه كان وقت القول في الهواء
~~ففيه أيضا ما لا يخفى على الناظر. ويرد على الجواب الثاني أن الخضر لو
~~كان موجودا لكان ممن يشاهده الناس كما هو الأمر المعتاد في البشر. وكونه
~~عليه السلام خارجا عن ذلك لا يثبت إلا بدليل وأنى هو فتأمل.

# وأجابوا عما قاله الشيخ ابن تيمية بأن وجوب الإتيان ممنوع فكم من مؤمن
~~به صلى الله عليه وسلم في زمانه لم يأته عليه الصلاة والسلام فهذا خير
~~التابعين أويس القرني رضي الله تعالى عنه لم يتيسر له الإتيان والمرافقة ms06149
~~في الجهاد ولا التعلم من غير واسطة وكذا النجاشي رضي الله تعالى عنه.

# على أنا نقول: إن الخضر عليه السلام كان يأتيه ويتعلم منه صلى الله عليه
~~وسلم لكن على وجه الخفاء لعدم كونه مأمورا بإتيان العلانية لحكمة /
~~إلهية اقتضت ذلك. وأما الحضور في الجهاد فقد روى ابن بشكوال في كتاب
~~«المستغيثين بالله تعالى» عن عبد الله بن المبارك أنه قال: كنت في غزوة
~~فوقع فرسي ميتا فرأيت رجلا حسن الوجه طيب الرائحة قال: أتحب أن تركب
~~فرسك؟ قلت: نعم فوضع يده على جبهة الفرس حتى انتهى إلى مؤخره وقال: أقسمت
~~عليك أيتها العلة بعزة عزة الله وبعظمة عظمة الله وبجلال جلال الله
~~وبقدرة قدرة الله وبسلطان سلطان الله وبلا إله إلا الله وبما جرى به
~~القلم من عند الله وبلا حول ولا قوة إلا بالله إلا انصرفت فوثب الفرس
~~قائما بإذن الله تعالى وأخذ الرجل بركابي وقال: اركب فركبت ولحقت
~~بأصحابي فلما كان من غداة غد وظهرنا على العدو فإذا هو بين أيدينا فقلت:
~~ألست صاحبي بالأمس؟ قال: بلى فقلت: سألتك بالله تعالى من أنت؟ فوثب
~~قائما فاهتزت الأرض تحته خضراء فقال: أنا الخضر فهذا صريح في أنه قد
~~يحضر بعض المعارك. وأما

# " قوله صلى الله عليه وسلم في بدر: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد
~~في الأرض "

# فمعناه لا تعبد على وجه الظهور والغلبة وقوة الأمة وإلا فكم من مؤمن كان
~~بالمدينة وغيرها ولم يحضر بدرا، ولا يخفى أن نظم الخضر عليه السلام في
~~سلك أويس القرني والنجاشي وأضرابهما ممن لم يمكنه الإتيان إليه صلى الله
~~عليه وسلم بعيد عن الإنصاف وإن لم نقل بوجوب الإتيان عليه عليه السلام،
~~وكيف يقول منصف بإمامته صلى الله عليه وسلم لجميع الأنبياء عليهم السلام
~~واقتداء جميعهم به ليلة المعراج ولا يرى لزوم الإتيان على الخضر عليه
~~السلام والاجتماع معه صلى الله عليه وسلم مع أنه لا مانع له من ذلك بحسب
~~الظاهر، ومتى زعم أحد أن نسبته إلى نبينا صلى ms06150 الله عليه وسلم كنسبته إلى
~~موسى عليه السلام فليجدد إسلامه، ودعوى أنه كان يأتي ويتعلم خفية لعدم
~~أمره بذلك علانية لحكمة إلهية مما لم يقم عليها الدليل، على أنه لو كان
~~كذلك لذكره صلى الله عليه وسلم ولو مرة وأين الدليل على الذكر؟ وأيضا لا
~~تظهر الحكمة في منعه عن الإتيان مرة أو مرتين على نحو إتيان جبريل عليه
~~السلام في سورة دحية الكلبي رضي الله تعالى عنه، وإن قيل إن هذه الدعوى
~~مجرد احتمال، قيل لا يلتفت إلى مثله إلا عند الضرورة ولا تتحقق إلا بعد
~~تحقق وجوده إذ ذاك بالدليل ووجوده كوجوده عندنا، وأما ما روي عن ابن
~~المبارك فلا نسلم ثبوته عنه، وأنت إذا أمعنت النظر في ألفاظ القصة
~~استبعدت صحتها، ومن أنصف يعلم أن حضوره عليه السلام يوم قال النبي صلى
~~الله عليه وسلم لسعد رضي الله تعالى عنه: ارم فداك أبي وأمي كان أهم من
~~حضوره مع ابن المبارك، واحتمال أنه حضر ولم يره أحد شبه شيء بالسفسطة،
~~وأما ما ذكروه في معنى الحديث فلقائل أن يقول: إنه بعيد فإن الظاهر منه
~~نفي أن يعبد سبحانه إن أهلك تلك العصابة مطلقا على معنى أنهم إن أهلكوا
~~والإسلام غض ارتد الباقون ولم يكد يؤمن أحد بعد فلا يعبده سبحانه أحد من
~~البشر في الأرض حينئذ، وقد لا يوسط حديث الارتداد بأن يكون المعنى اللهم
~~إن تهلك هذه العصابة الذين هم تاج رأس الإسلام استولى الكفار على سائر
~~المسلمين بعدهم فأهلكوهم فلا يعبدك أحد من البشر حينئذ، وأيا ما كان
~~فالاستدلال بالحديث على عدم وجود الخضر عليه السلام له وجه، فإن أجابوا
~~عنه بأن المراد نفى أن يشاهد من يعبده تعالى بعد والخضر عليه السلام لا
~~يشاهد ورد عليه ما تقدم.

# وأجابوا عن الاستدلال بقوله تعالى:

# وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد

# [الأنبياء: 34] بأن المراد من الخلد الدوام الأبدي والقائلون بوجوده
~~اليوم لا يقولون بتأبيده بل منهم من يقول: إنه يقاتل الدجال ويموت، ومنهم
~~من يقول: إنه ms06151 يموت زمان رفع القرآن، ومنهم من يقول: إنه يموت في آخر
~~الزمان ومراده أحد هذين الأمرين أو ما يقاربهما. وتعقب بأن الخلد بمعنى
~~الخلود وهو على ما يقتضيه ظاهر قوله تعالى:

# خلدين فيها أبدا

# [النساء: 57] حقيقة في / طول المكث لا في دوام البقاء فإن الظاهر
~~التأسيس لا التأكيد، وقد قال الراغب: كل ما يتباطأ عنه التغير والفساد
~~تصفه العرب بالخلود كقولهم للأثافي خوالد وذلك لطول مكثها لا لدوامها
~~وبقائها انتهى. وأنت تعلم قوة الجواب لأن المكث الطويل ثبت لبعض البشر
~~كنوح عليه السلام.

# وأجابوا عما نقل عن ابن الجوزي من الوجوه العقلية، أما عن الأول من وجهي
~~فساد القول بأنه ابن آدم عليه السلام بعد تسليم صحة الرواية فبأن البعد
~~العادي لا يضر القائل بتعميره هذه المدة المديدة لأن ذلك عنده من خرق
~~العادات، وأما على الثاني فبأن ما ذكر من عظم خلقة المتقدمين خارج مخرج
~~الغالب وإلا فيأجوج ومأجوج من صلب يافث بن نوح وفيهم من طوله قدر شبر كما
~~روي في الآثار، على أنه لا بدع في أن يكون الخضر عليه السلام قد أعطي قوة
~~التشكل والتصور بأي صورة شاء كجبريل عليه الصلاة والسلام، وقد أثبت
~~الصوفية قدست أسرارهم هذه القوة للأولياء ولهم في ذلك حكايات مشهورة،
~~وأنت تعلم أن ما ذكر عن يأجوج ومأجوج من أن فيهم من طوله قدر شبر بعد
~~تسليمه لقائل أن يقول فيه: إن ذلك حين يفتح السد وهو في آخر الزمان ولا
~~يتم الاستناد بحالهم إلا إذا ثبت أن فيهم من هو كذلك في الزمن القديم،
~~وما ذكر من إعطائه من قوة التشكل احتمال بعيد وفي ثبوته للأولياء خلاف
~~كثير من المحدثين.

# وقال بعض الناس: لو أعطي أحد من البشر هذه القوة لأعطيها صلى الله عليه
~~وسلم يوم الهجرة فاستغنى بها عن الغار وجعلها حجابا له عن الكفار،
~~وللبحث في هذا مجال.

# «وعن الثاني» من الوجوه بأنه لا يلزم من عدم نقل كونه في السفينة إن
~~قلنا بأنه عليه السلام كان قبل ms06152 نوح عليه السلام عدم وجوده لجواز أنه كان
~~ولم ينقل مع أنه يحتمل أن يكون قد ركب ولم يشاهد وهذا كما ترى. وقال بعض
~~الناس: إذا كان احتمال إعطاء قوة التشكل قائما عند القائلين بالتعمير
~~فليقولوا يحتمل أنه عليه السلام قد تشكل فصار في غاية من الطول بحيث خاض
~~في الماء ولم يحتج إلى الركوب في السفينة على نحو ما يزعمه أهل الخرافات
~~في عوج بن عوق، وأيضا هم يقولون: له قدرة الكون في الهواء فما منعهم من
~~أن يقولوا بأنه يحتمل أنه لم يركب وتحفظ عن الماء بالهواء كما قالوا
~~باحتمال أنه كان في الهواء في الجواب عن حديث البخاري. وأيضا ذكر بعضهم
~~عن العلامي في «تفسيره» أن الخضر يدور في البحار يهدي من ضل فيها وإلياس
~~يدور في الجبال يهدي من ضل فيها هذا دأبهما في النهار وفي الليل يجتمعان
~~عند سد يأجوج ومأجوج يحفظانه فلم لم يقولوا: إنه عليه السلام بقي في
~~البحر حين ركب غيره السفينة ولعلهم إنما لم يقولوا ذلك لأن ما ذكر قد روى
~~قريبا منه الحرث بن أبي أسامة في «مسنده» عن أنس مرفوعا ولفظه:

# " إن الخضر في البحر وإلياس في البر يجتمعان كل ليلة عند الردم الذي
~~بناه ذو القرنين "

# الخبر، وقد قالوا: إن سنده واه أو لأنهم لا يثبتون له هذه الخدمة
~~الإلهية في ذلك الوقت، ويوشك أن يقولوا في إعطائه قوة التشكل والكون في
~~الهواء كذلك.

# «وعن الثالث» بأنه لا نسلم الاتفاق على أنه مات كل أهل السفينة ولم يبق
~~بعد الخروج منها غير نسل نوح عليه السلام والحصر في الآية إضافي بالنسبة
~~إلى المكذبين بنوح عليه السلام. وأيضا المراد أنه مات كل من كان ظاهرا
~~مشاهدا غير نسله عليه السلام بدليل أن الشيطان كان أيضا في السفينة.
~~وأيضا المراد من الآية بقاء ذريته عليه السلام على وجه التناسل وهو لا
~~ينفي بقاء من عداهم من غير تناسل ونحن ندعي ذلك في الخضر.

# على أن القول بأنه كان قبل نوح ms06153 عليهما السلام قول ضعيف والمعتمد كونه
~~بعد ذلك ولا يخفى ما في بعض ما ذكر من الكلام.

# / وعن الرابع: بأنه لا يلزم من كون تعميره من أعظم الآيات أن يذكر في
~~القرآن العظيم كرات، وإنما ذكر سبحانه نوحا عليه السلام تسلية لنبينا
~~صلى الله عليه وسلم بما لاقى من قومه في هذه المدة مع بقائهم مصرين على
~~الكفر حتى أغرقوا ولا توجد هذه الفائدة في ذكر عمر الخضر عليه السلام لو
~~ذكر، على أنه قد يقال: من ذكر طول عمر نوح عليه السلام تصريحا يفهم
~~تجويز عمر أطول من ذلك تلويحا. وتعقب بأن لنا أن نعود فنقول: لا أقل من
~~أن يذكر هذا الأمر العظيم في القرآن العظيم مرة لأنه من آيات الربوبية في
~~النوع الإنساني، وليس المراد أنه يلزم عقلا من كونه كذلك ذكره بل ندعي
~~أن ذكر ذلك أمر استحساني لا سيما وقد ذكر تعمير عدو الله تعالى إبليس
~~عليه اللعنة فإذا ذكر يكون القرآن مشتملا على ذكر معمر من الجن مبعد
~~وذكر معمر من الإنس مقرب ولا يخفى حسنه، وربما يقال: إن فيه أيضا إدخال
~~السرور على النبي صلى الله عليه وسلم، وبأن التجويز المذكور في حيز
~~العلاوة مما لا كلام فيه إنما الكلام في الوقوع ودون إثباته الظفر بماء
~~الحياة، وأجاب بعضهم بأن في قوله تعالى: { آتيناه رحمة من عندنا
~~} إشارة إلى طول عمره عليه السلام على ما سمعت عن بعض في تفسيره. ورد بأن
~~تفسيره بذلك مبني على القول بالتعمير فإن قبل قبل وإلا فلا.

# وعن الخامس: بأنا نختار أنه ثابت بالسنة وقد تقدم لك طرف منها. وتعقب
~~بما نقله عن القارىء عن ابن قيم الجوزية أنه قال: إن الأحاديث التي يذكر
~~فيها الخضر عليه السلام وحياته كلها كذب ولا يصح في حياته حديث واحد ومن
~~ادعى الصحة فعليه البيان، وقيل: يكفي في ثبوته إجماع المشايخ العظام
~~وجماهير العلماء الأعلام. وقد نقد هذا الإجماع ابن الصلاح والنووي
~~وغيرهما من الأجلة الفخام. وتعقب بأن إجماع المشايخ ms06154 غير مسلم فقد نقل
~~الشيخ صدر الدين إسحق القونوي في «تبصرة المبتدي وتذكرة المنتهي» أن
~~وجود الخضر عليه السلام في عالم المثال. وذهب عبد الرزاق الكاشي إلى أن
~~الخضر عبارة عن البسط وإلياس عن القبض، وذهب بعضهم إلى أن الخضرية رتبة
~~يتولاها بعض الصالحين على قدم الخضر الذي كان في زمان موسى عليهما
~~السلام، ومع وجود هذه الأقوال لا يتم الإجماع وكونها غير مقبولة عند
~~المحققين منهم لا يتممه أيضا، وإجماع جماهير العلماء على ما نقل ابن
~~الصلاح والنووي مسلم لكنه ليس الإجماع الذي هو أحد الأدلة الشرعية والخصم
~~لا يقنع إلا به وهو الذي نفاه فأنى#1648; بإثباته، ولعل الخصم لا يعتبر
~~أيضا إجماع المشايخ قدست أسرارهم إجماعا هو أحد الأدلة.

# وعن السادس: بأن له علامات عند أهله ككون الأرض تخضر عند قومه وأن طول
~~قدمه ذراع وربما يظهر منه بعض خوارق العادات بما يشهد بصدقه، على أن
~~المؤمن يصدق بقوله بناء على حسن الظن به، وقد شاع بين زاعمي رؤيته عليه
~~السلام أن من علاماته أن إبهام يده اليمنى لا عظم فيه وأن بؤبؤ إحدى
~~عينيه يتحرك كالزئبق، وتعقب بأنه بأي دليل ثبت أن هذه علاماته قل هاتوا
~~برهانكم إن كنتم صادقين. والذي ثبت في الحديث الصحيح أنه إنما سمي الخضر
~~لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء وأين فيه ثبوت ذلك
~~له دائما، وكون طول قدمه ذراعا إنما جاء في خبر محمد بن المنكدر السابق
~~عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ولا نسلم صحته، على أن زاعمي رؤيته
~~يزعمون أنهم يرونه في صور مختلفة ولا يكاد يستقر له عليه السلام قدم على
~~صورة واحدة، وظهور الخوارق مشترك بينه وبين غيره من أولياء الأمة فيمكن
~~أن يظهر ولي خارقا ويقول: أنا الخضر مجازا لأنه على قدمه أو لاعتبار
~~آخر ويدعوه لذلك / داع شرعي، وقد صح في حديث الهجرة أنه صلى الله عليه
~~وسلم لما قيل له ممن القوم؟ قال: من ما فظن السائل ms06155 أن ما اسم قبيلة ولم
~~يعن صلى الله عليه وسلم إلا أنهم خلقوا من ماء دافق، وقد يقال للصوفي: إن
~~أنا الخضر مع ظهور الخوارق لا تيقن منه أن القائل هو الخضر بالمعنى
~~المتبادر في نفس الأمر لجواز أن يكون ذلك القائل ممن هو فان فيه لاتحاد
~~المشرب، وكثيرا ما يقول الفاني في شيخه أنا فلان ويذكر اسم شيخه، وأيضا
~~متى وقع من بعضهم قول: أنا الحق وما في الجبة إلا الله لم يبعد أن يقع
~~أنا الخضر، وقد ثبت عن كثير منهم نظما ونثرا قول: أنا آدم أنا نوح أنا
~~إبراهيم أنا موسى أنا عيسى أنا محمد إلى غير ذلك مما لا يخفى عليك وذكروا
~~له محملا صحيحا عندهم فليكن قول: أنا الخضر ممن ليس بالخضر على هذا
~~الطرز، ومع قيام هذا الاحتمال كيف يحصل اليقين؟ وحسن الظن لا يحصل منه
~~ذلك.

# وعن السابع: بأنا لا نسلم اجتماعه بجهلة العباد الخارجين عن الشريعة ولا
~~يلتفت إلى قولهم فالكذابون الدجالون يكذبون على الله تعالى وعلى رسوله
~~صلى الله عليه وسلم فلا يبعد أن يكذبوا على الخضر عليه السلام ويقولوا
~~قال وجاء إنما القول باجتماعه بأكابر الصوفية والعباد المحافظين على
~~الحدود الشرعية فإنه قد شاع اجتماعه بهم حتى أن منهم من طلب الخضر
~~مرافقته فأبى، وروي ذلك عن علي الخواص رحمة الله تعالى عليه في سفر حجه،
~~وسئل عن سبب آبائه فقال: خفت من النقص في توكلي حيث اعتمدت على وجوده
~~معي.

# وتعقب بأن اجتماعه بهم واجتماعهم به يحتمل أن يكون من قبيل ما يذكرونه
~~من اجتماعهم بالنبي صلى الله عليه وسلم واجتماعه عليه الصلاة والسلام
~~بهم، وذلك أن الأرواح المقدسة قد تظهر متشكلة ويجتمع بها الكاملون من
~~العباد، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم رأى موسى عليه السلام قائما يصلي
~~في قبره ورآه في السماء ورآه يطوف بالبيت. وادعى الشيخ الأكبر قدس سره
~~الاجتماع مع أكثر الأنبياء عليهم السلام لا سيما مع إدريس عليه السلام
~~فقد ذكر أنه اجتمع ms06156 به مرارا وأخذ منه علما كثيرا بل قد يجمع الكامل
~~بمن لم يولد بعد كالمهدي، وقد ذكر الشيخ الأكبر أيضا اجتماعه معه، وهذا
~~ظاهر عند من يقول: إن الأزل والأبد نقطة واحدة والفرق بينهما بالاعتبار
~~عند المتجردين عن جلابيب أبدانهم، ولعل كثرة هذا الظهور والتشكل من
~~خصوصيات الخضر عليه السلام، ومع قيام هذا الاحتمال لا يحصل يقين أيضا
~~بأن الخضر المرئي موجود في الخارج كوجود سائر الناس فيه كما لا يخفى.
~~ومما يبني على اجتماعه عليه السلام بالكاملين من أهل الله تعالى بعض طرق
~~إجازتنا بالصلاة البشيشية فإني أرويها من بعض الطرق عن شيخي علاء الدين
~~علي أفندي الموصلي عن شيخه ووالده صلاح الدين يوسف أفندي الموصلي عن شيخه
~~خاتمة المرشدين السيد علي البندينجي عن نبي الله تعالى الخضر عليه
~~السلام عن الولي الكامل الشيخ عبد السلام بن بشيش قدس سره.

# وعن الثامن: بأنا لا نسلم أن القول بعدم إرساله صلى الله عليه وسلم إليه
~~عليه السلام كفر، وبفرض أنه ليس بكفر هو قول باطل إجماعا، ونختار أنه
~~أتى وبايع لكن باطنا حيث لا يشعر به أحد؛ وقد عده جماعة من أرباب الأصول
~~في الصحابة، ولعل عدم قبول روايته لعدم القطع في وجوده وشهوده في حال
~~رؤيته وهو كما ترى.

# وعن التاسع: بأنه مجازفة في الكلام فإنه من أين يعلم نفي ما ذكره من
~~حضور الجهاد وغيره عن الخضر عليه السلام مع أن العالم بالعلم اللدني لا
~~يكون مشتغلا إلا بما علمه الله تعالى في كل مكان وزمان بحسب ما يقتضي
~~الأمر والشأن. وتعقب بأن النفي مستند إلى عدم الدليل فنحن نقول به / إلى
~~أن يقوم الدليل ولعله لا يقوم حتى يقوم الناس لرب العالمين، وسيأتي إن
~~شاء الله تعالى الكلام في العلم اللدني والعالم به. وبالجملة قد ظهر لك
~~حال معظم أدلة الفريقين وبقي ما استدل به البعض من الاستصحاب، وأنت تعلم
~~أنه حجة عند الشافعي والمزني وأبي بكر الصيرفي في كل شيء نفيا وإثباتا
~~ثبت تحققه بدليل ثم ms06157 وقع الشك في بقائه إن لم يقع ظن بعدمه، وأما عندنا
~~وكذا عند المتكلمين فهو من الحجج القاصرة التي لا تصلح للإثبات وإنما
~~تصلح للدفع بمعنى أن لا يثبت حكم وعدم الحكم مستند إلى عدم دليله والأصل
~~في العدم الاستمرار حتى يظهر دليل الوجود فالمفقود يرث عنده لا عندنا لأن
~~الإرث من باب الإثبات فلا يثبت به ولا يورث لأن عدم الإرث من باب الدفع
~~فيثبت به، ويتفرع على هذا الخلاف فروع أخر ليس هذا محل ذكرها، وإذا كان
~~حكم الاستصحاب عندنا ما ذكر فاستدلال الحنفي به على إثبات حياة الخضر
~~عليه السلام اليوم وأنها متيقنة لا يخلو عن شيء بل استدلال الشافعي به
~~على ذلك أيضا كذلك بناء على أن صحة الاستدلال به مشروط بعدم وقوع ظن
~~بالعدم فإن العادة قاضية بعدم بقاء الآدمي تلك المدة المديدة والأحقاب
~~العديدة، وقد قيل: إن العادة دليل معتبر ولولا ذلك لم يؤثر خرق العادة
~~بالمعجزة في وجوب الاعتقاد والاتباع فإن لم تفد يقينا بالعدم فيما نحن
~~فيه أفادت الظن به فلا يتحقق شرط صحة الاستدلال، وعلى هذا فالمعول عليه
~~الخالص من شوب الكدر الاستدلال بأحد الأدلة الأربعة وقد علمت حال
~~استدلالهم بالكتاب والسنة وما سموه إجماعا، وأما الاستدلال بالقياس هنا
~~فمما لا يقدم عليه عاقل فضلا عن فاضل.

# ثم اعلم: بعد كل حساب أن الأخبار الصحيحة النبوية والمقدمات الراجحة
~~العقلية تساعد القائلين بوفاته عليه السلام أي مساعدة وتعاضدهم على
~~دعواهم أي معاضدة، ولا مقتضي للعدول عن ظواهر تلك الأخبار إلا مراعاة
~~ظواهر الحكايات المروية والله تعالى أعلم بصحتها عن بعض الصالحين الأخبار
~~وحسن الظن ببعض السادة الصوفية فإنهم قالوا بوجوده إلى آخر الزمان على
~~وجه لا يقبل التأويل السابق، ففي الباب الثالث والسبعين من «الفتوحات
~~المكية» ((اعلم أن لله تعالى في كل نوع من المخلوقات خصائص وصفوة، وأعلى
~~الخواص فيه من العباد الرسل عليهم السلام ولهم مقام الرسالة والنبوة
~~والولاية والإيمان فهم أركان بيت هذا النوع، والرسول أفضلهم مقاما
~~وأعلاهم حالا بمعنى ms06158 أن المقام الذي أرسل منه أعلى منزلة عند الله تعالى
~~من سائر المقامات وهم الأقطاب والأئمة والأوتاد الذين يحفظ الله تعالى
~~بهم العالم ويصون بهم بيت الدين القائم بالأركان الأربعة الرسالة
~~والنبوية والولاية والإيمان، والرسالة هي الركن الجامع وهي المقصودة من
~~هذا النوع فلا يخلو من أن يكون فيه رسول كما لا يزال دين الله تعالى،
~~وذلك الرسول هو القطب الذي هو موضع نظر الحق وبه يبقى النوع في هذه الدار
~~ولو كفر الجميع، ولا يصح هذا الاسم على إنسان إلا أن يكون ذا جسم طبيعي
~~وروح ويكون موجودا في هذا النوع في هذه الدار بجسده وروحه يتغذى، وهو
~~مجلى الحق من آدم عليه السلام إلى يوم القيامة، ولما توفى رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم بعد ما قرر الدين الذي لا ينسخ والشرع الذي لا يبدل، ودخل
~~الرسل كلهم عليهم السلام في ذلك الدين وكانت الأرض لا تخلو من رسول حسي
~~بجسمه لأنه قطب العالم الإنساني وإن تعدد الرسل كان واحد منهم هو المقصود
~~أبقى الله تعالى بعد وفاته عليه الصلاة والسلام من الرسل الأحياء
~~بأجسادهم في هذه الدار أربعة إدريس وإلياس وعيسى والخضر عليهم السلام،
~~والثلاثة الأول متفق عليهم والأخير مختلف فيه عند غيرنا لا عندنا؛ فأسكن
~~/ سبحانه إدريس في السماء الرابعة، وهي سائر السماوات السبع من الدار
~~الدنيا لأنها تتبدل في الدار الأخرى كما تتبدل هذه النشأة الترابية منا
~~بنشأة أخرى، وأبقى الآخرين في الأرض فهم كلهم باقون بأجسامهم في الدار
~~الدنيا، وكلهم الأوتاد، وإثنان منهم الإمامان، وواحد منهم القطب الذي هو
~~موضع نظر الحق من العالم، وهو ركن الحجر الأسود من أركان بيت الدين، فما
~~زال المرسلون ولا يزالون في هذه الدار إلى يوم القيامة وإن كانوا على شرع
~~نبينا صلى الله عليه وسلم ولكن أكثر الناس لا يعلمون، بالواحد منهم يحفظ
~~الله تعالى الإيمان وبالثاني الولاية وبالثالث النبوة وبالرابع الرسالة
~~وبالمجموع الدين الحنيفي، والقطب من هؤلاء لا يموت أبدا أي لا يصعق.

# وهذه المعرفة لا ms06159 يعرفها من أهل طريقتنا إلا الأفراد الأمناء، ولكل واحد
~~منهم من هذه الأمة في كل زمان شخص على قلبه مع وجودهم ويقال لهم النواب،
~~وأكثر الأولياء من عامة أصحابنا لا يعرفون إلا أولئك النواب ولا يعرفون
~~أولئك المرسلين، ولذا يتطاول كل واحد من الأمة لنيل مقام القطبية
~~والإمامية والوتدية فإذا خصوا بها عرفوا أنهم نواب عن أولئك المرسلين
~~عليهم السلام. ومن كرامة نبينا صلى الله عليه وسلم أن جعل من أمته
~~وأتباعه رسلا وإن لم يرسلوا فهم من أهل هذا المقام الذي منه يرسلون وقد
~~كانوا أرسلوا، فلهذا صلى صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بالأنبياء
~~عليهم السلام لتصح له الإمامة على الجميع حيا بجسمانيته وجسمه، فلما
~~انتقل عليه الصلاة والسلام بقي الأمر محفوظا بهؤلاء الرسل عليهم السلام،
~~فثبت الدين قائما بحمد الله تعالى وإن ظهر الفساد في العالم إلى أن يرث
~~الله تعالى الأرض ومن عليها، وهذه نكتة فاعرف قدرها فإنك لا تراها في
~~كلام أحد غيرنا. ولولا ما ألقي عندي من إظهارها ما أظهرتها لسر يعلمه
~~الله تعالى ما أعلمنا به. ولا يعرف ما ذكرناه إلا نوابهم دون غيرهم من
~~الأولياء، فاحمدوا الله تعالى يا إخواننا حيث جعلكم الله تعالى ممن قرع
~~سمعه أسرار الله تعالى المخبوءة في خلقه التي اختص بها من شاء من عباده.

# فكونوا لها قابلين وبها مؤمنين ولا تحرموا التصديق بها فتحرموا خيرها))
~~انتهى.

# وعلم منه القول برسالة الخضر عليه السلام وهو قول مرجوح عند جمهور
~~العلماء والقول بحياته وبقائه إلى يوم القيامة وكذا بقاء عيسى عليه
~~السلام، والمشهور أنه بعد نزوله إلى الأرض يتزوج ويولد له ويتوفى ويدفن
~~في الحجرة الشريفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولينظر ما وجه قوله
~~قدس سره بإبقاء عيسى عليه السلام في الأرض وهو اليوم في السماء كإدريس
~~عليه السلام، ثم إنك إن اعتبرت مثل هذه الأقوال وتلقيتها بالقبول لمجرد
~~جلالة قائلها وحسن الظن فيه فقل بحياة الخضر عليه السلام إلى يوم
~~القيامة، وإن لم تعتبر ms06160 ذلك وجعلت الدليل وجودا وعدما مدارا للقبول
~~والرد ولم تغرك جلالة القائل إذ كل أحد يؤخذ من قوله ويرد ما عدا رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم. وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: لا تنظر
~~إلى من قال وانظر ما قال فاستفت قلبك بعد الوقوف على أدلة الطرفين وما
~~لها وما عليها ثم اعمل بما يفتيك. وأنا أرى كثيرا من الناس اليوم بل في
~~كثير من الأعصار يسمون من يخالف الصوفية في أي أمر ذهبوا إليه منكرا
~~ويعدونه سيء العقيدة ويعتقدون بمن يوافقهم ويؤمن بقولهم الخير، وفي كلام
~~الصوفية أيضا نحو هذا فقد نقل الشيخ الأكبر قدس سره في الباب السابق عن
~~أبي يزيد البسطامي قدس سره أنه قال لأبي موسى الدبيلي: يا أبا موسى إذا
~~رأيت من يؤمن بكلام أهل هذه الطريقة فقل له يدعو لك فإنه مجاب الدعوة.
~~وذكر أيضا أنه سمع / أبا عمران موسى بن عمران الإشبيلي يقول لأبي
~~القاسم بن عفير الخطيب وقد أنكر ما يذكر أهل الطريقة يا أبا القاسم لا
~~تفعل فإنك إن فعلت هذا جمعنا بين حرمانين لا ندري ذلك من نفوسنا ولا نؤمن
~~به من غيرنا وما ثم دليل يرده ولا قادح يقدح فيه شرعا أو عقلا انتهى.
~~ويفهم منه أن ما يرده الدليل الشرعي أو العقلي لا يقبل وهو الذي إليه
~~أذهب وبه أقول، وأسأل الله تعالى أن يوفقني وإياك لكل ما هو مرضي لديه
~~سبحانه ومقبول.

# والتنوين في قوله تعالى: { رحمة } للتفخيم وكذا في قوله سبحانه: {
~~وعلمناه من لدنا علما } أي علما لا يكتنه كنهه ولا
~~يقادر قدره وهو علم الغيوب وأسرار العلوم الخفية، وذكر { لدنا }
~~قيل لأن العلم من أخص صفاته تعالى الذاتية وقد قالوا: إن القدرة لا تتعلق
~~بشيء ما لم تتعلق الإرادة وهي لا تتعلق ما لم يتعلق العلم فالشيء يعلم
~~أولا فيراد فتتعلق به القدرة فيوجد.

# وذكر أنه يفهم من فحوى { من لدنا } أو من تقديمه على { علما }
~~اختصاص ذلك بالله تعالى كأنه قيل ms06161 علما يختص بنا ولا يعلم إلا بتوقيفنا،
~~وفي اختيار { علمنه } على آتيناه من الإشارة إلى تعظيم أمر هذا
~~العلم ما فيه، وهذا التعليم يحتمل أن يكون بواسطة الوحي المسموع بلسان
~~الملك وهو القسم الأول من أقسام الوحي الظاهري كما وقع لنبينا صلى الله
~~عليه وسلم في إخباره عن الغيب الذي أوحاه الله تعالى إليه في القرآن
~~الكريم، وأن يكون بواسطة الوحي الحاصل بإشارة الملك من غير بيان بالكلام
~~وهو القسم الثاني من ذلك ويسمى بالنفث كما في حديث

# " إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا
~~الله تعالى واجملوا في الطلب "

# - والإلهام على ما يشير إليه بعض عبارات القوم من هذا النوع، ويثبتون له
~~ملكا يسمونه ملك الإلهام، ويكون للأنبياء عليهم السلام ولغيرهم
~~بالإجماع، ولهم في الوقوف على المغيبات طرق تتشعب من تزكية الباطن.

# والآية عندهم أصل في إثبات العلم اللدني، وشاع إطلاق علم الحقيقة والعلم
~~الباطن عليه ولم يرتض بعضهم هذا الإطلاق، قال العارف بالله تعالى الشيخ
~~عبد الوهاب الشعراني عليه الرحمة في كتابة المسمى «بالدرر المنثورة في
~~بيان زبد العلوم المشهورة» ما لفظه: وأما زبدة علم التصوف الذي وضع القوم
~~فيه رسائلهم فهو نتيجة العمل بالكتاب والسنة فمن عمل بما علم تكلم بما
~~تكلموا وصار جميع ما قالوه بعض ما عنده لأنه كلما ترقى العبد في باب
~~الأدب مع الله تعالى دق كلامه على الأفهام، حتى قال بعضهم لشيخه: إن كلام
~~أخى فلان يدق علي فهمه فقال: لأن لك قميصين وله قميص واحد فهو أعلى
~~مرتبة منك، وهذا هو الذي دعا الفقهاء ونحوهم من أهل الحجاب إلى تسمية علم
~~الصوفية بالعلم الباطن وليس ذلك بباطن إذ الباطن إنما هو علم الله تعالى
~~وأما جميع ما علمه الخلق على اختلاف طبقاتهم فهو من العلم الظاهر لانه
~~ظهر للخلق فاعلم ذلك انتهى.

# والحق أن إطلاق العلم الباطن اصطلاحا على ما وقفوا عليه صحيح ولا مشاحة
~~في الاصطلاح، ووجهه أنه غير ظاهر على أكثر الناس ms06162 ويتوقف حصوله على القوة
~~القدسية دون المقدمات الفكرية وإن كان كل علم يتصف بكونه باطنا وكونه
~~ظاهرا بالنسبة للجاهل به والعالم به، وهذا كإطلاق العلم الغريب على علم
~~الأوفاق والطلسمات والجفر وذلك لقلة وجوده والعارفين به فاعرف ذلك. وزعم
~~بعضهم أن أحكام العلم الباطن وعلم الحقيقة مخالفة لأحكام الظاهر وعلم
~~الشريعة وهو زعم باطل عاطل وخيال فاسد كاسد، وسيأتي إن شاء الله تعالى
~~نقل نصوص القوم فيما يرده وأنه لا مستند لهم في قصة موسى والخضر عليهما
~~السلام. / وقرأ أبو زيد عن أبي عمرو { لدنا } بتخفيف النون وهي
~~إحدى اللغات في لدن.

### || [18.66]

# { قال له موسى } استئناف مبني على سؤال نشأ من السياق كأنه قيل
~~فما جرى بينهما من الكلام؟ فقيل: قال له موسى عليه السلام: { هل
~~أتبعك على أن تعلمن } استئذان منه عليه السلام في اتباعه
~~له بشرط التعليم، ويفهم ذلك من { على } فقد قال الأصوليون: إن على قد
~~تستعمل في معنى يفهم منه كون ما بعدها شرطا لما قبلها كقوله تعالى:

# يبايعنك على أن لا يشركن

# [الممتحنة: 12] أي بشرط عدم الإشراك، وكونها للشرط بمنزلة الحقيقة عند
~~الفقهاء كما في «التلويح» لأنها في أصل الوضع للإلزام والجزاء لازم
~~للشرط، ويلوح بهذا أيضا كلام الفناري في «بدائع الأصول» وهو ظاهر في
~~أنها ليست حقيقة في الشرط، وذكر السرخسي أنه معنى حقيقي لها لكن النحاة
~~لم يتعرضوا له، وقد تردد السبكي في وروده في كلام العرب، والحق أنه
~~استعمال صحيح يشهد به الكتاب حقيقة كان أو مجازا ولا ينافي انفهام
~~الشرطية تعلق الحرف بالفعل الذي قبله كما قالوا فيما ذكرنا من الآية كما
~~أنه لا ينافيه تعلقه بمحذوف يقع حالا كما قيل به هنا فيكون المعنى هل
~~أتبعك باذلا تعليمك إياي { مما علمت رشدا } أي علما ذا رشد
~~وهو إصابة الخير. وقرأ أبو عمرو والحسن والزهري وأبو بحرية وابن محيصن
~~وابن مناذر ويعقوب وأبو عبيد واليزيدي { رشدا } بفتحتين؛ وأكثر السبعة
~~بالضم والسكون وهما لغتان كالبخل والبخل. ونصبه في الأصل على أنه ms06163 صفة
~~للمفعول الثاني لتعلمني ووصف به للمبالغة لكن أقيم مقامه بعد حذفه
~~والمفعول الثاني لعلمت الضمير العائد على ما الموصولة أي من الذي علمته،
~~والفعلان مأخوذان من علم المتعدي إلى مفعول واحد، وجوز أن يكون { مما
~~علمت } هو المفعول الثاني لتعلمني و { رشدا } بدل منه وهو خلاف
~~الظاهر، وأن يكون { رشدا } مفعولا له لأتبعك أي هل أتبعك لأجل إصابة
~~الخير فيتعين أن يكون المفعول الثاني لتعلمني { مما علمت }
~~لتأويله ببعض ما علمت أو علما مما علمت، وأن يكون مصدرا بإضمار فعله أي
~~أرشد رشدا والجملة استئنافية والمفعول الثاني { مما علمت }
~~أيضا.

# واستشكل طلبه عليه السلام التعليم بأنه رسول من أولي العزم فكيف يتعلم
~~من غيره والرسول لا بد أن يكون أعلم أهل زمانه، ومن هنا قال نوف وأضرابه:
~~إن موسى هذا ليس هو ابن عمران وإن كان ظاهر إطلاقه يقتضي أن يكون إياه؟
~~وأجيب بأن اللازم في الرسول أن يكون أعلم في العقائد وما يتعلق بشريعته
~~لا مطلقا ولذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم:

# " أنتم أعلم بأمور دنياكم "

# فلا يضر في منصبه أن يتعلم علوما غيبية وأسرارا خفية لا تعلق لها بذلك
~~من غيره لا سيما إذا كان ذلك الغير نبيا أو رسولا أيضا كما قيل في
~~الخضر عليه السلام، ونظير ما ذكر من وجه تعلم عالم مجتهد كأبي حنيفة
~~والشافعي رضي الله عنهما علم الجفر مثلا ممن دونه فإنه لا يخل بمقامه،
~~وإنكار ذلك مكابرة.

# ولا يرد على هذا أن علم الغيب ليس علما ذا رشد أي إصابة خير وموسى عليه
~~السلام كان بصدد تعلم علم يصيب به خيرا لقوله تعالى:

# ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما
~~مسنى السوء

# [الأعراف: 188] وقال بعضهم: اللازم كون الرسول أعلم من أمته والخضر عليه
~~السلام نبي لم يرسل إليه ولا هو مأمور باتباع شريعته فلا ينكر تفرده بما
~~لم يعلمه غيره، ولا يخفى أنه على هذا ليس الخضر عليه السلام من بني
~~إسرائيل لأن الظاهر إرسال موسى عليه السلام إليهم ms06164 جميعا كذا قيل. ثم إن
~~الذي أميل إليه أن لموسى عليه السلام علما بعلم الحقيقة المسمى بالعلم
~~الباطن والعلم اللدني إلا أن الخضر أعلم به منه وللخضر عليه السلام سواء
~~كان نبيا أو رسولا / علما بعلم الشريعة المسمى بالعلم الظاهر إلا أن
~~موسى عليه السلام أعلم به منه فكل منهما أعلم من صاحبه من وجه، ونعت
~~الخضر عليه السلام في الأحاديث السابقة بأنه أعلم من موسى عليه السلام
~~ليس على معنى أنه أعلم منه من كل وجه بل على معنى أنه أعلم من بعض الوجوه
~~وفي بعض العلوم لكن لما كان الكلام خارجا مخرج العتب والتأديب أخرج على
~~وجه ظاهره العموم، ونظير هذا آيات الوعيد على ما قيل من أنها مقيدة
~~بالمشيئة لكنها لم تذكر لمزيد الإرهاب، وافعل التفضيل وإن كان للزيادة في
~~حقيقة الفعل إلا أن ذلك على وجه يعم الزيادة في فرد منه، ويدل على ذلك
~~صحة التقييد بقسم خاص كما تقول زيد أعلم من عمرو في الطب وعمرو أعلم منه
~~في الفلاحة، ولو كان معناه الزيادة في مطلق العلم كان قولك زيد أعلم من
~~عمرو مستلزما لأن لا يكون عمرو أعلم منه في شيء من العلوم فلا يصح تفضيل
~~عمرو عليه في علم الفلاحة، وإنكار صدق الأعلم المطلق مع صدق المقيد
~~التزام لصدق المقيد بدون المطلق، وقد جاء إطلاق أفعل التفضيل والمراد منه
~~التفضيل من وجه على ما ذكره الشيخ ابن الحاجب في «أمالي القرآن» ضمن عداد
~~الأوجه في حل الإشكال المشهور في قوله تعالى:

# وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها

# [الزخرف: 48] من أن المراد إلا هي أكبر من أختها من وجه ثم قال: وقد
~~يكون الشيئان كل واحد منهما أفضل من الآخر من وجه، وقد أشبع الكلام في
~~هذا المقام مولانا جلال الدين الدواني فيما كتبه على «الشرح الجديد
~~للتجريد» وحققه بما لا مزيد عليه.

# ومما يدل على أن لموسى عليه السلام علما ليس عند الخضر عليه السلام ما
~~أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ms06165 والنسائي من حديث ابن عباس مرفوعا أن
~~الخضر عليه السلام قال يا موسى: إني على علم من علم الله تعالى علمنيه لا
~~تعلمه أنت وأنت على علم من علم الله تعالى علمك الله سبحانه لا أعلمه،
~~وأنت تعلم أنه لو لم يكن قوله تعالى لموسى عليه السلام المذكور في
~~الأحاديث السابقة «إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك» على معنى أعلم
~~في بعض العلوم بل كان على معنى أعلم في كل العلوم أشكل الجمع بينه بين ما
~~ذكرنا من كلام الخضر عليه السلام، ثم على ما ذكرنا ينبغي أن يراد من
~~العلم الذي ذكر الخضر أنه يعلمه هو ولا يعلمه موسى عليهما السلام بعض علم
~~الحقيقة ومن العلم الذي ذكر أنه يعلمه موسى ولا يعلمه هو عليهما السلام
~~بعض علم الشريعة، فلكل من موسى والخضر عليهما السلام علم بالشريعة
~~والحقيقة إلا أن موسى عليه السلام أزيد بعلم الشريعة والخضر عليه السلام
~~أزيد بعلم الحقيقة، ولكن نظرا للحالة الحاضرة كما ستعلم وجهه إن شاء
~~الله تعالى وعدم علم كل ببعض ما عند صاحبه لا يضر بمقامه. وينبغي أن يحمل
~~قول من قال كالجلال السيوطي ما جمعت الحقيقة والشريعة إلا نبينا صلى الله
~~عليه وسلم ولم يكن للأنبياء إلا أحدهما على معنى أنها ما جمعت على الوجه
~~الأكمل إلا له صلى الله عليه وسلم ولم يكن للأنبياء عليهم السلام على ذلك
~~الوجه إلا أحدهما، والحمل على أنهما لم يجمعا على وجه الأمر بالتبليغ إلا
~~لنبينا صلى الله عليه وسلم فإنه عليه الصلاة والسلام مأمور بتبليغ
~~الحقيقة كما هو مأمور بتبليغ الشريعة لكن للمستعدين لذلك لا يخلو عن شيء.

# ويفهم من كلام بعض الأكابر أن علم الحقيقة من علوم الولاية وحينئذ لا بد
~~أن يكون لكل نبي حظ منه ولا يلزم التساوي في علومها. ففي «الجواهر
~~والدرر» قلت للخواص عليه الرحمة: هل يتفاضل الرسل في العلم؟ فقال: العلم
~~تابع للرسالة فإنه ليس عند كل رسول من العلم إلا بقدر ما تحتاج إليه ms06166 أمته
~~فقط فقلت له: هذا من حيث كونهم رسلا فهل حالهم من حيث كونهم أولياء
~~كذلك؟ فقال: لا قد يكون لأحدهم من علوم الولاية ما هو أكثر من علوم ولاية
~~أولي العزم من الرسل الذين هم أعلى منهم انتهى، وأنا أرى أن ما يحصل لهم
~~من علم الحقيقة بناء على القول بأنه من علوم الولاية أكثر مما يحصل
~~للأولياء الذين ليسوا بأنبياء. ولا تراني أفضل وليا ليس بنبي في علم
~~الحقيقة على ولي / هو نبي؛ ولا أقول بولاية الخضر عليه السلام دون
~~نبوته.

# وقائلو ذلك يلزمهم ظاهرا القول بأن ما عنده من علم الحقيقة مع كونه
~~وليا أكثر مما عند موسى عليه السلام منه إن أثبتوا له عليه السلام شيئا
~~من ذلك مع كونه نبيا ولكنهم لا يرون في ذلك حطا لقدر موسى عليه السلام.
~~وظاهر كلام بعضهم أنه عليه السلام لم يؤت شيئا من علم الحقيقة أصلا ومع
~~هذا لا ينحط قدره عن قدر الخضر عليهما السلام إذ له جهات فضل أخر، وسيأتي
~~إن شاء الله تعالى تحقيق ما يقوله الذاهبون إلى ولايته عليه السلام.

# ثم ما أراه أنا ولله تعالى الحمد أبعد عن القول بما نقل عن بعض الصوفية
~~من أن الولاية مطلقا أفضل من النبوة وإن كان الولي لا يبلغ درجة النبي،
~~وهو مردود عند المحققين بلا تردد. نعم قد يقع تردد في نبوة النبي
~~وولايته أيهما أفضل؟ فمن قائل بأن نبوته أفضل من ولايته، ومن قائل بأن
~~ولايته أفضل. واختار هذا بعض العرفاء معللا له بأن نبوة التشريع متعلقة
~~بمصلحة الوقت والولاية لا تعلق لها بوقت دون وقت وهي في النبي على غاية
~~الكمال. والمختار عندي الأول. وقد ضل الكرامية في هذا المقام فزعموا أن
~~الولي قد يبلغ درجة النبي بل أعلى، ورده ظاهر. والاستدلال له بما فيه
~~هذه القصة بناء على القول بولاية الخضر عليه السلام ليس بشيء كما لا
~~يخفى.

# هذا ولا يخفى على من له أدنى ذوق بأساليب الكلام ما راعاه موسى عليه ms06167
~~السلام في سوق كلامه على علو مقامه من غاية التواضع مع الخضر عليه السلام
~~ونهاية الأدب واللطف، وقد عد الإمام من ذلك أنواعا كثيرة أوصلها إلى
~~اثني عشر نوعا أن أردتها فارجع إلى «تفسيره». وسيأتي إن شاء الله عز وجل
~~ما تدل عليه هذه الآية في سرد ما تدل عليه آيات القصة بأسرها مما ذكر في
~~«كتب الحديث» وغيرها.

### || [18.67]

# { قال } أي الخضر لموسى عليهما السلام { إنك لن تستطيع معي صبرا } نفي
~~لأن يصبر معه على أبلغ وجه حيث جيء بإن المفيدة للتأكيد وبلن ونفيها آكد
~~من نفي غيرها، وعدل عن لن تصبر إلى { لن تستطيع } المفيد لنفي الصبر
~~بطريق برهاني لأن الاستطاعة مما يتوقف عليه الفعل فيلزم من نفيه نفيه.
~~ونكر { صبرا } في سياق النفي وذلك يفيد العموم أي لا تصبر معي أصلا
~~شيئا من الصبر، وعلل ذلك بقوله: { وكيف تصبر على ما لم
~~تحط به خبرا }.

### || [18.68]

# إيذانا بأنه عليه السلام يتولى أمورا خفية المراد منكرة الظواهر
~~والرجل الصالح لا سيما صاحب الشريعة لا يتمالك أن يشمئز عند مشاهدتها
~~وكأنه علم مع ذلك حدة موسى عليه السلام ومزيد غيرته التي أوصلته إلى أن
~~أخذ برأس أخيه يجره. ونصب { خبرا } على التمييز المحول عن الفاعل
~~والأصل ما لم يحط به خبرك، وهو من خبر الثلاثي من باب نصر وعلم ومعناه
~~عرف، وجوز أن يكون مصدرا وناصبه { تحط } لأنه يلاقيه في المعنى لأن
~~الإحاطة تطلق إطلاقا شائعا على المعرفة فكأنه قيل لم تخبره خبرا. وقرأ
~~الحسن وابن هرمز { خبرا } بضم الباء.

# واستدلوا بالآية كما قال الإمام وغيره على أن الاستطاعة لا تحصل قبل
~~الفعل قالوا: لو كانت الاستطاعة حاصلة قبل حصول الفعل لكانت الاستطاعة
~~على الصبر حاصلة قبل حصول الصبر فيكون نفيها كذبا وهو باطل فتعين أن لا
~~تكون قبل الفعل. وأجاب الجبائي بأن المراد من هذا القول أنه يثقل عليك
~~الصبر كما يقال في العرف إن فلانا لا يستطيع أن يرى فلانا وأن يجالسه
~~إذا كان يثقل عليه ذلك. ms06168 وتعقبه الإمام بأنه عدول عن الظاهر وأيد
~~الاستدلال بما أيد. والإنصاف / أن الاستدلال بها على ما ذكر غير ظاهر لأن
~~المراد ليس إلا نفي الصبر بنفي ما يتوقف هو عليه أعني الاستطاعة وهذا
~~حاصل سواء كانت حاصلة قبل أو مقارنة. ثم إن القول بأن الاستطاعة قبل
~~الفعل ليس خاصا بالمعتزلة بل المفهوم من كلام الشيخ إبراهيم الكوراني
~~أنه مذهب السلف أيضا وتحقيق ذلك في محله.

### || [18.69]

# { قال } موسى عليه السلام { ستجدنى إن شاء الله صابرا }
~~معك غير معترض عليك { ولا أعصى لك أمرا } عطف على { صابرا }
~~والفعل يعطف على المفرد المشتق كما في قوله تعالى:

# صفت ويقبضن

# [الملك: 19] بتأويل أحدهما بالآخر، والأولى فيما نحن فيه التأويل في
~~جانب المعطوف أي ستجدني صابرا وغير عاص، وفي وعد هذا الوجدان من
~~المبالغة ما ليس في الوعد بنفس الصبر وترك العصيان أو على { ستجدنى
~~} والجملة على الأول في محل نصب لأنها معطوفة على المفعول الثاني
~~للوجدان، وعلى الثاني لا محل لها من الإعراب على ما في «الكشاف». واستشكل
~~بأن الظاهر أن محلها النصب أيضا لتقدم القول. وأجيب بأن مقول القول هو
~~مجموع المعطوف والمعطوف عليه فلا يكون لأجزائه محل باعتبار الأصل، وقيل:
~~مراد الزمخشري بيان حال العطف في القول المحكي عن موسى عليه السلام،
~~وقيل: مراده أنه ليس مؤولا بمفرد كما في الأول، وقيل: إنه مبني على أن
~~مقول القول محذوف وهذه الجملة مفسرة له، والظاهر الجواب الأول، وأول
~~الوجهين في العطف هو الأولى لما عرفت ولظهور تعلق المعطوف بالاستثناء
~~عليه. وذكر المشيئة إن كان للتعليق فلا اشكال في عدم تحقق ما وعد به. ولا
~~يقال: إنه عليه السلام أخلف وعده وإن كان للتيمن، فإن قلنا: إن الوعد
~~كالوعيد إنشاء لا يحتمل الصدق والكذب أو أنه مقيد بقيد يعلم بقرينة
~~المقام كإن أردت أو إن لم يمنع مانع شرعي أو غيره فكذلك لا إشكال، وإن
~~قلنا: إنه خبر وإنه ليس على نية التقييد جاء الإشكال ظاهرا فإن الخلف
~~حينئذ كذب وهو غير لائق ms06169 بمقام النبوة لمنافاته العصمة. وأجيب بأن ما صدر
~~منه عليه السلام في المرتين الأخيرتين كانا نسيانا كما في المرة الأولى
~~ولا يضر مثل هذا الخلف بمقام النبوة لأن النسيان عذر. وتعقب بأنه لا نسلم
~~النسيان في المرتين الأخيرتين ففي البخاري و«شرحه» لابن حجر وكانت الأولى
~~نسيانا والثانية شرطا والثالثة عمدا، وفي رواية والثانية عمدا
~~والثالثة فراقا. وقال بعضهم: لك أن تقول: لم يقع منه عليه السلام ما يخل
~~بمقامه لأن الخلف في المرة الأولى معفو عنه وحيث وقع لم تكن الأخيرتان
~~خلفا وفيه تأمل. وقال القشيري: إن موسى عليه السلام وعد من نفسه بشيئين
~~بالصبر وقرنه بالمشيئة فصبر فيما كان من الخضر عليه السلام من الفعل وبأن
~~لا يعصيه فأطلق ولم يقرنه بالمشيئة فعصاه حيث قال: (فلا تسألني) فكان
~~يسأله فما قرنه بالاستثناء لم يخلف فيه وما أطلقه وقع فيه الخلف انتهى،
~~وهو مبني على أن العطف على { ستجدنى } وقد علمت أنه خلاف الأولى،
~~وأيضا المراد بالصبر الثبات والإقرار على الفعل وعدم الاعتراض كما ينبىء
~~عنه المحاورة الآتية وهو لم يتحقق منه عليه السلام، وأيضا يبقى الكلام
~~في الخلف كما لا يخفى، وأنت تعلم أنه يبعد من حال موسى عليه السلام القطع
~~بالصبر وعدم عصيان الأمر بعد أن أشار له الخضر عليه السلام أنه سيصدر منه
~~أمور منكرة مخالفة لقضية شريعته فلا يبعد منه اعتبار التعليق في
~~الجملتين، ولم يأت به بعدهما بل وسطه بين مفعولي الوجدان من الجملة
~~الأولى لمزيد الاعتناء بشأنه، وبه يرتفع الإشكال من غير احتياج إلى القيل
~~والقال.

# وفيه دليل على أن أفعال العبد بمشيئته تعالى لأنه إذا صدر بعض الأفعال
~~الاختيارية بمشيئته سبحانه لزم صدور الكل بها إذ لا قائل بالفرق.
~~والمعتزلة / اختاروا أن ذكر المشيئة للتيمن وهو لا يدل على ما ذكر. وقال
~~بعض المحققين: إن الاستدلال جار أيضا على احتمال التيمن لأنه لا وجه
~~للتيمن بما لا حقيقة له، وقد أشار إلى ذلك الإمام أيضا فافهم، وقد استدل
~~بالآية على أن الأمر للوجوب ms06170 وفيه نظر. ثم إن الظاهر أنه لم يرد بالأمر
~~مقابل النهي بل أريد مطلق الطلب وحاصل الآية نفي أن يعصيه في كل ما
~~يطلبه.

### || [18.70]

# { قال } الخضر عليه السلام { فإن اتبعتنى } أذن له عليه
~~السلام في الاتباع بعد اللتيا والتي، والفاء لتفريع الشرطية على ما مر من
~~وعد موسى عليه السلام بالصبر والطاعة { فلا تسألنى عن شىء }
~~تشاهده من أفعالي فضلا عن المناقشة والاعتراض { حتى أحدث لك
~~منه ذكرا } أي حتى أبتدئك ببيانه، والغاية على ما قيل مضروبة لما
~~يفهم من الكلام كأنه قيل أنكر بقلبك على ما أفعل حتى أبينه لك أو هي
~~لتأبيد ترك السؤال فإنه لا ينبغي السؤال بعد البيان بالطريق الأولى، وعلى
~~الوجهين فيها إيذان بأن كل ما يصدر عنه فله حكمة وغاية حميدة البتة،
~~وقيل: حتى للتعليل وليس بشيء. وقرأ نافع وابن عامر { فلا تسئلني } بالنون
~~المثقلة مع الهمز، وعن أبي جعفر { فلا تسلني } بفتح السين واللام
~~والنون المثقلة من غير همز، وكل القراء كما قال أبو بكر بياء في آخره،
~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما في حذف الياء خلاف غريب.

### || [18.71]

# { فانطلقا } أي موسى والخضر عليهما السلام ولم يضم يوشع عليه السلام
~~لأنه في حكم التبع، وقيل رده موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل، أخرج
~~البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس مرفوعا أنهما انطلقا يمشيان على ساحل
~~البحر فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهما بغير
~~نول، وفي رواية أبي حاتم عن الربيع بن أنس أن أهل السفينة ظنوا أنهم
~~لصوص لأن المكان كان مخوفا فأبوا أن يحملوهم فقال كبيرهم: إني أرى
~~رجالا على وجوههم النور لأحملنهم فحملهم { حتى إذا ركبا فى
~~السفينة } أل فيها لتعريف الجنس إذ لم يتقدم عهد في سفينة مخصوصة.
~~وكانت على ما في بعض الروايات سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن
~~سفينة أحسن منها ولا أجمل ولا أوثق، وكانت أيضا على ما يدل عليه بعض
~~الروايات الصحيحة من سفن صغار يحمل بها أهل هذا ms06171 الساحل إلى أهل الساحل
~~الآخر، وفي رواية أبي حاتم أنها كانت ذاهبة إلى أيلة، وصح أنهما حين
~~ركبا جاء عصفور حتى وقع على حرف السفينة ثم نقر في البحر فقال له الخضر:
~~ما نقص علمي وعلمك من علم الله تعالى إلا مثل ما نقص هذا العصفور من
~~البحر، وهو جار مجرى التمثيل. واستعمال الركوب في أمثال هذه المواقع
~~بكلمة { فى } مع تجريده عنها في مثل قوله تعالى:

# لتركبوها وزينة

# [النحل: 8] على ما يقتضيه تعديته بنفسه قد مرت الإشارة إلى وجهه في قوله
~~تعالى:

# وقال اركبوا فيها

# [هود: 41] وقيل إن ذلك لإرادة معنى الدخول كأنه قيل حتى إذا دخلا في
~~السفينة { خرقها } صح أنهما لما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر
~~قد قلع لوحا من ألواحها بالقدوم فقال له موسى عليه السلام: قوم حملونا
~~بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها، وصح أيضا أنه عليه السلام خرقها
~~ووتد فيها وتدا. وقيل قلع لوحين مما يلي الماء. وفي رواية عن سعيد بن
~~جبير عن ابن عباس مرفوعا أنهما لما ركبا واطمأنا فيها ولججت بهما مع
~~أهلها أخرج مثقابا له ومطرقة ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار
~~حتى خرقها ثم أخذ لوحا فطبقه عليها ثم جلس عليها يرقعها. وهذه الرواية
~~ظاهرة في أن خرقه / إياها كان حين وصولها إلى لج البحر وهو معظم مائه،
~~وفي الرواية عن الربيع أن أهل السفينة حملوهما فساروا حتى إذا شارفوا على
~~الأرض خرقها، ويمكن الجمع بأن أول العزم كان وهي في اللج وتمام الفعل كان
~~وقد شارفت على الأرض.

# وظاهر الأخبار يقتضي أنه عليه السلام خرقها وأهلها فيها وهو ظاهر قوله
~~تعالى: { قال } موسى { أخرقتها لتغرق أهلها } سواء كانت
~~اللام للعاقبة بناء على أن موسى عليه السلام حسن الظن بالخضر أو للتعليل
~~بناء على أنه الأنسب بمقام الإنكار، وبعضهم لم يجوز هذا توهما منه أن
~~فيه سوء أدب وليس كذلك بل يوشك أن يتعين كونها للتعليل لأن الظاهر بناء
~~الجواب عليه كما سنشير إليه إن ms06172 شاء الله تعالى.

# وفي حديث أخرجه عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه قال: فانطلقا حتى إذا
~~ركبا في السفينة فخرج من كان فيها وتخلف ليخرقها فقال له موسى: تخرقها
~~لتغرق أهلها فقال له الخضر ما قص الله تعالى. وهذا ظاهر في أنه عزم على
~~الخرق فاعترض عليه موسى عليه السلام وهو خلاف ما تقتضيه الآية. فإن أول
~~بأنه بتقدير وتخلف ليخرقها فخرقها وأن تعبير موسى عليه السلام بالمضارع
~~استحضارا للصورة أو قيل بأنه وقع من الخضر عليه السلام أولا تصميم على
~~الخرق وتهيئة لأسبابه وثانيا خرق بالفعل ووقع من موسى عليه السلام
~~اعتراض على الأول أولا وعلى الثاني ثانيا فنقل في الحديث أول ما وقع من
~~كل هذه المادة وفي الآية ثاني ما وقع من كل فيها بقي بين ظاهر الحديث
~~وظاهر الآية مخالفة أيضا على ما قيل من حيث إن الأول يقتضي أن أهل
~~السفينة لم يكونوا فيها إذ خرقت والثاني يقتضي أنهم كانوا فيها حينئذ.
~~وأجيب أنه ليس في الحديث أكثر من أنهم خرجوا منها وتخلف للخرق وليس فيه
~~أنهم خرجوا فخرقها فيمكن أن يكون عليه السلام تخلف للخرق إذ خرجوا لكنه
~~لم يفعله إلا بعد رجوعهم إليها وحصولهم فيها. وأنت تعلم أنه ينافي هذا ما
~~قيل في وجه الجمع بين الرواية عن سعيد والرواية عن الربيع؛ وبالجملة
~~الجمع بين الأخبار الثلاثة وبينها وبين الآية صعب، وقال بعضهم في ذلك:
~~إنه يحتمل أن السفينة لما لججت بهم صادفوا جزيرة في اللج فخرجوا لبعض
~~حوائجهم وتخلف الخضر عازما على الخرق ومعه موسى عليه السلام فأحس منه
~~ذلك فعجل بالاعتراض ثم رجع أهلها وركبوا فيها والعزم هو العزم فأخذ عليه
~~السلام في مباشرة ما عزم عليه ولم يشعر موسى عليه السلام حتى تم وقد
~~شارفت على الأرض، ولا يخفى ما في ذلك من البعد، وذكر بعضهم أن ظاهر الآية
~~يقتضي أن خرقه إياها وقع عقب الركوب لأن الجزاء يعقب الشرط. وأجيب بأن
~~ذلك ليس بلازم وإنما اللازم تسبب الجزاء عن ms06173 الشرط ووقوعه بعده ألا تراك
~~تقول: إن خرج زيد على السلطان قتله وإذا أعطيت السلطان قصيدة أعطاك جائزة
~~مع أنه كثيرا ما لا يعقب القتل الخروج والإعطاء الإعطاء؛ وقد صرح ابن
~~الحاجب بأنه لا يلزم وقوع الشرط والجزاء في زمان واحد فيقال: إذا جئتني
~~اليوم أكرمك غدا، وعلى ذلك قوله تعالى:

# أءذا ما مت لسوف أخرج حيا

# [مريم: 66] ومن التزم ذلك كالرضي جعل الزمان المدلول عليه بإذا ممتدا
~~وقدر في الآية المذكورة أئذا ما مت وصرت رميما، وعليه أيضا لا يلزم
~~التعقيب، نعم قال بعضهم: إن خبر لما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر
~~قد قلع لوحا من ألواحها يدل على تعقيب الخرق للركوب، وأيضا جعل غاية
~~انطلاقهما مضمون الجملة الشرطية يقتضي ذلك إذ لو كان الخرق متراخيا عن
~~الركوب لم يكن غاية الانطلاق مضمون الجملة لعدم انتهائه به. وأجيب بأن
~~المبادرة التي دل عليها الخبر عرفته بمعنى أنه لم تمض أيام ونحوه، وبأنه
~~لا مانع / من كون الغاية أمرا ممتدا ويكون انتهاء المغيا بابتدائه
~~كقولك: ملك فلان حتى كانت سنة كذا ملكه فتأمل.

# ثم إن في القلب من صحة رواية الربيع شيئا والله تعالى أعلم بصحتها.
~~والظاهر أن أهل السفينة لم يروه لما باشر خرقها وإلا لما مكنوه وقد نص
~~على ذلك علي القاري. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية من
~~طريق حماد بن زيد عن شعيب بن الحبحاب أنه قال: كان الخضر عبدا لا تراه
~~إلا عين من أراد الله تعالى أن يريه إياه فلم يره من القوم إلا موسى عليه
~~السلام ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين خرق السفينة وكذا بينه وبين قتل
~~الغلام، وليس هذا بالمرفوع والله تعالى أعلم بصحته. نعم سيأتي إن شاء
~~الله تعالى قريبا عن الربيع أيضا أنهم علموا بعد ذلك أنه الفاعل.
~~والظاهر أيضا أن موسى عليه السلام لم يرد إدراج نفسه الشريفة في قوله: {
~~لتغرق أهلها } وإن كان صالحا لأن يدرج فيه بناء على أن المراد من ms06174 أهلها
~~الراكبين فيها.

# وقرأ الحسن وأبو رجاء { لتغرق } بالتشديد لتكثير المفعول. وقرأ
~~حمزة والكسائي وزيد بن علي والأعمش وطلحة وابن أبي ليلى وخلف وأبو عبيد
~~وابن سعدان وابن عيسى الأصبهاني { ليغرق أهلها } على إسناد الفعل إلى
~~الأهل، وكون اللام على هذه القراءة للعاقبة ظاهر جدا.

# { لقد جئت } أتيت وفعلت { شيئا إمرا } أي داهيا منكرا من
~~أمر الأمر بمعنى كثر قاله الكسائي فأصله كثير، والعرب كما قال ابن جني في
~~«سر الصناعة» تصف الدواهي بالكثرة، وهو عند بعضهم في الأصل على وزن كبد
~~فخفف قيل ولم يقل أمرا إمرا مع ما فيه من التجنيس لأنه تكلف لا يلتفت
~~إلى مثله في الكلام البليغ كما صرح به الإمام المرزوقي في شرح قول
~~السموأل:

# يقرب حب الموت آجالنا لنا

# وتكرهه آجالهم فتطول

# ردا لاختيار بعضهم رواية يقصر حب الموت، وأيد ذلك بقول أبي ذؤيب
~~الهذلي:

# وشيك الفصول بعيد القفول

# حيث أمكن له أن يقول بطيء القفول ولم يقل، وربما يقال هنا: إنه لم يقل
~~ذلك لما ذكر مع إيهامه خلاف المراد وقصوره عن درجة ما في النظم الجليل من
~~زيادة التفظيع، وفي الرواية عن الربيع أن موسى عليه السلام لما رأى من
~~الخضر ما رأى امتلأ غضبا وشد عليه ثيابه وأراد أن يقذف الخضر عليه
~~السلام في البحر فقال أردت هلاكهم فستعلم أنك أول هالك وجعل كلما ازداد
~~غضبا استعر البحر وكلما سكن كان البحر كالدهن، وأن يوشع بن نون قال له:
~~ألا تذكر العهد والميثاق الذي جعلت على نفسك، وأن الخضر عليه السلام أقبل
~~عليه يذكره ما قاله من قبل: { قال ألم أقل إنك لن
~~تستطيع معى صبرا }.

### || [18.72]

# وهو متضمن للإنكار على عدم وقوع الصبر منه عليه السلام فأدركه عند ذلك
~~الحلم.

### || [18.73]

# { قال لا تؤاخذنى بما نسيت } اعتذار بنسيان الوصية على
~~أبلغ وجه كأن نسيانه أمر محقق عند الخضر عليه السلام لا يحتاج أن يفيده
~~إياه استقلالا وإنما يلتمس منه ترك المؤاخذة به؛ فما مصدرية والباء صلة
~~المؤاخذة أي لا ms06175 تؤاخذ بنسياني وصيتك في ترك السؤال عن شيء حتى تحدث لي
~~منه ذكرا، والتمس ترك المؤاخذة بالنسيان لأن الكامل قد يؤاخذ به وهي
~~مؤاخذة بقلة التحفظ التي أدت إليه كما وقعت لأول ناس وهو أول الناس وإلا
~~فالمؤاخذة به نفسه لا تصح لأنه غير مقدور، وقيل: الباء للسببية وهي
~~متعلقة بالفعل، والنسيان وإن لم يكن سببا قريبا للمؤاخذة بل السبب
~~القريب لها هو ترك العمل بالوصية لكنه سبب بعيد لأنه لولاه لم يكن الترك،
~~وجوز أن تكون متعلقة بمعنى / النهي كما قيل في { بنعمة ربك } من
~~قوله تعالى:

# ما أنت بنعمة ربك بمجنون

# [القلم: 2] إنه متعلق بمعنى النفي فيكون النسيان سببا للنهي عن
~~المؤاخذة بترك العمل بالوصية. وزعم بعضهم تعين كونها للملابسة، ويجوز في
~~ما أن تكون موصولة وأن تكون موصوفة أي لا تؤاخذني بالذي أو بشيء نسيته
~~وهو الوصية لكن يحتاج هذا ظاهرا إلى تقدير مضاف أي بترك ما نسيته لأن
~~المؤاخذة بترك الوصية أي ترك العمل بها لا بنفس الوصية. وقيل قد لا يحتاج
~~إلى تقدير المضاف فإن الوصية سبب للمؤاخذة إذ لولاهما لم يكن ترك العمل
~~ولا المؤاخذة، ونظير ذلك ما قيل في قوله تعالى:

# ففسق عن أمر ربه

# [الكهف: 50] ثم كون ما ذكر اعتذارا بنسيان الوصية هو الظاهر وقد صح في
~~البخاري أن المرة الأولى كانت نسيانا. وزعم بعضهم أنه يحتمل أنه عليه
~~السلام لم ينس الوصية وإنما نهي عن مؤاخذته بالنسيان موهما أن ما صدر
~~منه كان عن نسيانها مع أنه إنما عنى نسيان شيء آخر، وهذا من معاريض
~~الكلام التي يتقى بها الكذب مع التوسل إلى الغرض كقول إبراهيم عليه
~~السلام: هذه أختي و

# إني سقيم

# [الصافات: 89]، وروى هذا ابن جرير عن أبي بن كعب وابن أبي حاتم عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما. وجوز أن يكون النسيان مجازا عن الترك أي لا
~~تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة.

# { ولا ترهقنى } لا تغشني ولا تحملني { من أمرى } وهو اتباعه
~~إياه { عسرا } أي ms06176 صعوبة وهو مفعول ثان لترهقني، والمراد لا تعسر علي
~~متابعتك ويسرها علي بالإغضاء وترك المناقشة. وقرأ أبو جعفر { عسرا }
~~بضمتين.

### || [18.74]

# { فانطلقا } الفاء فصيحة أي فقبل عذره فخرجا من السفينة فانطلقا
~~يمشيان على الساحل كما في «الصحيح»، وفي رواية أنهما مرا بقرية { حتى
~~إذا لقيا غلاما } يزعمون كما قال البخاري أن اسمه جيسور بالجيم
~~وروي بالحاء، وقيل اسمه جنبتون وقيل غير ذلك، وصح أنه كان يلعب مع
~~الغلمان وكانوا على ما قيل عشرة وأنه لم يكن فيهم أحسن ولا أنظف منه
~~فأخذه { فقتله } أخرج البخاري في رواية أنه عليه السلام أخذ برأسه
~~من أعلاه فاقتلعه بيده، وفي رواية أخرى أنه أخذه فأضجعه ثم ذبحه بالسكين،
~~وقيل ضرب رأسه بالجدار حتى قتله، وقيل رضه بحجر، وقيل ضربه برجله فقتله،
~~وقيل أدخل أصبعه في سرته فاقتلعها فمات، وجمع بين الروايات الثلاثة الأول
~~بأنه ضرب رأسه بالجدار أولا ثم أضجعه وذبحه ثم اقتلع رأسه، وربما يجمع
~~بين الكل وفي كلا الجمعين بعد. والظاهر أن الغلام لم يكن بالغا لأنه
~~حقيقة الغلام الشائعة في الاستعمال وإلى ذلك ذهب الجمهور، وقيل كان
~~بالغا شابا، وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن عبد العزيز أنه كان ابن
~~عشرين سنة، والعرب تبقى على الشاب اسم الغلام، ومنه قول ليلى الأخيلية في
~~الحجاج:

# شفاها من الداء الذي قد أصابها

# غلام إذا هز القناة سقاها

# وقوله:

# تلق ذباب السيف عني فإنني

# غلام إذا هوجيت لست بشاعر

# وقيل هو حقيقة في البالغ لأن أصله من الاغتلام وهو شدة الشبق وذلك إنما
~~يكون فيمن بلغ الحلم، وإطلاقه على الصبي الصغير تجوز من باب تسمية الشيء
~~باسم ما يؤول إليه، ويؤيد قول الأولين قوله تعالى: { قال } أي موسى
~~عليه السلام { أقتلت نفسا زكية } أي طاهرة من الذنوب فإن
~~البالغ قلما يزكو من الذنوب. / وقد جاء في حديث عن ابن جبير عن ابن عباس
~~مرفوعا تفسير زكية بصغيرة وهو تفسير باللازم، ومن قال كان بالغا قال:
~~وصفه عليه السلام بذلك لأنه لم ms06177 يره أذنب فهو وصف ناشىء من حسن الظن.
~~واستدل على كونه بالغا بقوله تعالى: { بغير نفس } أي بغير حق
~~قصاص لك عليها فإن الصبي لا قصاص عليه. وأجاب النووي والكرماني بأن
~~المراد التنبيه على أنه قتله بغير حق إلا أنه خص حق القصاص بالنفي لأنه
~~الأنسب بمقام القتل أو أن شرعهم كان إيجاب القصاص على الصبي، وقد نقل
~~المحدثون كالبيهقي في كتاب «المعرفة» أنه كان في شرعنا كذلك قبل الهجرة.
~~وقال السبكي: قبل أحد ثم نسخ، والجار والمجرور  قال أبو البقاء 
~~متعلق بقتلت كأنه قيل أي قتلت نفسا بلا حق، وجوز أن يتعلق بمحذوف أي
~~قتلا بغير نفس، وأن يكون في موضع الحال أي قتلتها ظالما لها أو مظلومة
~~وقرأ ابن عباس والأعرج وأبو جعفر وشيبة وابن محيصن وحميد والزهري ونافع
~~واليزيدي وابن مسلم وزيد وابن بكير عن يعقوب ورويس عنه أيضا وأبو عبيد
~~وابن جبير الأنطاكي وابن كثير وأبو عمرو { زاكية } بتخفيف الياء وألف بعد
~~الزاي، و { زكية } بالتشديد من غير ألف كما قرأ زيد بن علي والحسن
~~والجحدري وابن عامر والكوفيون أبلغ من ذلك لأنه صفة مشبهة دالة على
~~الثبوت مع كون فعيل المحول من فاعل  كما قال أبو حيان  يدل على
~~المبالغة، وفرق أبو عمرو بين زاكية وزكية بأن زاكية بالألف هي التي لم
~~تذنب قط وزكية بدون الألف هي التي أذنبت ثم غفرت.

# وتعقب بأنه فرق غير ظاهر لأن أصل معنى الزكاة النمو والزيادة فلذا وردت
~~للزيادة المعنوية وأطلقت على الطهارة من الآثام ولو بحسب الخلقة
~~والابتداء كما في قوله تعالى:

# لأهب لك غلما زكيا

# [مريم: 19] فمن أين جاءت هذه الدلالة ثم وجه ذلك بأنه يحتمل أن تكون
~~لكون زاكية بالألف من زكى اللازم وهو يقتضي أنه ليس بفعل آخر وأنه ثابت
~~له في نفسه وزكية بمعنى مزكاة فإن فعيلا قد يكون من غير الثلاثي كرضيع
~~بمعنى مراضع، وتطهير غيره له من الذنوب إنما يكون بالمغفرة وقد فهمه من
~~كلام العرب فإنه إمام العربية واللغة فتكون ms06178 بهذا الاعتبار زاكية بالألف
~~أبلغ وأنسب بالمقام بناء على أنه يرى أن الغلام لم يبلغ الحلم ولذا
~~اختار القراءة بذلك وإن كان كل من القراءتين متواترا عنه صلى الله عليه
~~وسلم، وهذا على ما قيل لا ينافي كون زكية بلا ألف أبلغ باعتبار أنها تدل
~~على الرفع وهو أقوى من الدفع فافهم. وأيا ما كان فوصف النفس بذلك لزيادة
~~تفظيع ما فعل.

# وقد أخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب أن الخضر عليه السلام لما قتل
~~الغلام ذعر موسى عليه السلام ذعرة منكرة وقال: أقتلت نفسا زكية بغير نفس
~~{ لقد جئت شيئا نكرا } منكرا جدا، قال الإمام: المنكر ما
~~أنكرته العقول ونفرت عنه النفوس وهو أبلغ في تقبيح الشيء من الأمر، وقيل
~~بالعكس، وقال الراغب: المنكر الدهاء والأمر الصعب الذي لا يعرف، ولهذه
~~الأبلغية قال بعضهم: المراد شيئا أنكر من الأول، واختار الطيبي أنه دون
~~الأمر وقال: إن الذي يقتضيه النظم أنه ذكر الأغلظ ثم تنزل إلى الأهون
~~فقتل النفس أهون من الخرق لما فيه من إهلاك جماعة وأغلظ من إقامة الجدار
~~بلا أجرة، وقال في «الكشف»: الظاهر أبلغية النكر أما بحسب اللفظ فظاهر
~~ألا ترى كيف فسر الشاعر أي في قوله:

# لقد لقى الأقران مني نكرا

# داهية دهياء إدا إمرا

# النكر بداهية من صفتها كيت وكيت وجعل الإمر بعض أوصافها، وأما بحسب
~~الحقيقة فلأن خرق السفينة تسبب إلى الهلاك وهذا مباشرة على أن ذلك لم يكن
~~سببا مفضيا، وقول من قال: إنه تنزل استدلالا بأن إقامة الجدار أهون من
~~القتل ليس بشيء لأنه حكى على ترتيب الوجود لا تنزل فيه ولا ترقي وإنما
~~يلاحظ ذلك بالنسبة إلى ما ذيل انتهى.

# وروي القول بالأبلغية عن قتادة، ومما يؤيد ذلك ما حكاه القرطبي عن صاحب
~~«العرائس» أن موسى عليه السلام حين قال للخضر عليه السلام ما قال غضب
~~الخضر واقتلع كتف الصبي الأيسر وقشر اللحم عنه وإذا مكتوب فيه كافر لا
~~يؤمن بالله تعالى أبدا، وبنى وجه تغيير النظم الجليل على ms06179 أقبحية القتل
~~فقيل: إنما غير النظم إلى ما ترى لأن القتل أقبح والاعتراض عليه أدخل
~~وأحق فكان الاعتراض جديرا بأن يجعل عمدة الكلام، وهو مبني على أن الحكم
~~في الكلام الشرطي هو الجزاء والشرط قيد له بمنزلة الحال عند أهل العربية،
~~وتحقيق ذلك في «المطول» و«حواشيه».

# وكان العطف بالفاء التعقيبية ليفيد أن القتل وقع عقيب اللقاء من غير ريث
~~كما يشعر به الاعتراض إذ لو مضى زمان بين اللقاء والقتل أمكن نظرا
~~للأمور العادية إطلاع الخضر فيه من حاله على ما لم يطلع عليه موسى عليه
~~السلام فلا يعترض عليه هذا الاعتراض، ولا يضر في هذا ادعاء أن الخرق
~~أيضا كذلك لأن المقصود توجيه اختيار الفاء دون الواو أو ثم بعد توجيه
~~اختيار أصل العطف بأن ذلك يتأتى جعل الاعتراض عمدة، والحاصل أنه لما كان
~~الاعتراض في القصة الثانية معتنى بشأنه وأهم جعل جزاء لإذا الشرطية وبعد
~~أن تعين للجزائية لذلك لم يكن بد من جعل القتل من جملة الشرط بالعطف،
~~واختيرت الفاء من بين حروفه ليفاد التعقيب، ولما لم يكن الاعتراض في
~~القصة الأولى مثله في الثانية جعل مستأنفا وجعل الخرق جزاء.

# وزعم التاشكندي جواز كون الاعتراضين في القصتين مستأنفين والجزاء فيهما
~~فعل الخضر عليه السلام إلا أنه لا بد من تقدير قد في الجزاء الثاني لأن
~~الماضي المثبت الغير المقترن بها لفظا أو تقديرا لا يصلح للجزائية.
~~واعتبر هذا في الثانية ولم يعتبر مثله في الأول لأن القتل أقبح فهو جدير
~~بأن يؤكد ولا كذلك الخرق. وتعقبه بعض الفضلاء بأن الفاء الجزائية لا يجوز
~~أن تدخل على الماضي المثبت إلا بتقدير قد لتحقق تأثير حرف الشرط فيه بأن
~~يقلب معناه إلى الاستقبال فلا حاجة إلى الرابطة في كونه جوابا، وأما
~~بتقدير قد فتدخل الفاء لعدم تأثير حرف الشرط فيه فهو محتاج إلى الرابطة
~~فقوله تعالى: { خرقها } وكذلك قوله سبحانه: { فقتله } لكونهما
~~مستقبلين بالنسبة إلى ما قبلهما يقعان جزاء بلا حاجة إلى ربط الفاء
~~الجزائية فلا مجال في الثاني ms06180 لجعل الفاء جزائية وكذا لا مجال في الأول
~~لفرض تقدير قد لاصطلاح إدخال الفاء عليه فتدبر فإنه لا يخلو عن شيء.

# وقال مير بادشاه في الرد على ذلك: إن الذوق السليم يأبى عن تقدير قد لو
~~جعل القتل جزاء لعدم اقتضاء المقام إياه كيف وقد سبق الخرق جزاء بدونها
~~وقد علم أنه يصدر عن الخضر عليه السلام ما لا يستطيع المتشرع أن يصبر
~~عليه وما المحتاج إلى التحقيق إلا اعتراض موسى عليه السلام ثانيا بعدما
~~سلف منه من الكلام وكونه عليه السلام مرسلا منه تعالى للتعلم، وفيه
~~إعراض عن بيان النكتة في التحقيق وعدم التفات إليها وغفلة على ما قال بعض
~~الفضلاء عن موضع الفاء الجزائية وتقدير قد، ولعل الحق أن يقال: إن
~~التقدير وإن جاز / خلاف الظاهر جدا، وزعم أيضا أنه يمكن أن يقال في
~~بيان إخراج القصتين على ما أخرجنا عليه أن لقاء الغلام سبب للشفقة والرفق
~~لا القتل فلذا لم يحسن جعله جزاء وجعل جزاء الشرط وركوب السفينة قد يكون
~~سببا لخرقها فلذا جعل جزاء، وفيه أن للخصم أن يمنع الفرق ويقول: كما أن
~~لقاء الغلام سبب للرفق لا القتل كذلك ركوب السفينة سبب لحفظها وصيانتها
~~لا الخرق كيف وسلامتها سبب لسلامة الخضر عليه السلام ظاهرا، ومن الأمثال
~~العامية لا ترم في البئر التي تشرب منها حجرا، وإذا سلم له أن يقول: إن
~~لقاء الغلام سبب للرفق لا للقتل فالقتل أغرب والاعتراض عليه أدخل
~~فالاعتراض جدير بأن يجعل جزاء فيؤول الأمر في بيان النكتة إلى نحو ما
~~تقدم والأمر في هذا سهل كما لا يخفى.

# وقال شيخ الإسلام في وجه التغيير: إن صدور الخوارق عن الخضر عليه السلام
~~خرج بوقوعه مرة مخرج العادة (واستأنست النفس به كاستئناسها بالأمور
~~العادية) فانصرفت عن ترقب سماعه إلى ترقب سماع حال موسى عليه السلام هل
~~يحافظ على مراعاة شرطه بموجب وعده [الأكيد] عند مشاهدة خارق آخر أو يسارع
~~إلى المناقشة كما [مر] في المرة الأولى فكان المقصود إفادة ما صدر عنه ms06181
~~عليه السلام فجعل الجزاء اعتراضه دون ما صدر عن الخضر عليهما السلام ولله
~~تعالى در شأن التنزيل. وأما ما قيل من أن القتل أقبح والاعتراض عليه أدخل
~~فكان جديرا بأن يجعل عمدة الكلام فليس من رفع الشبهة في شيء بل هو مؤيد
~~لها فإن كون القتل أقبح من مبادي قلة صدوره عن المؤمن العاقل وندرة وصول
~~خبره إلى الأسماع وذلك مما يستدعي جعله مقصودا [بالذات] وكون الاعتراض
~~عليه أدخل من موجبات كثرة صدوره عن كل عاقل (فضلا عن النبي) وذلك لا
~~يقتضي جعله كذلك انتهى.

# وتعقب بأن ما ذكره من النكتة على تقدير تسليمه لا يضر من بينها بما تقدم
~~إذ لا تزاحم في النكات، وأما اعتراضه فقوله مما يستدعي جعله مقصودا إن
~~أراد أنه مقصود في نفسه فليس بصحيح وإن أراد أنه مقصود بأن يعترض عليه
~~ويمنع منه فهذا يقتضي جعل الاعتراض جزاء كما مر، وأما كونه من موجبات
~~كثرة صدوره عن كل عاقل فمقتض للاهتمام بالاعتراض عليه.

# وأنت تعلم أن الشيء كلما ندر كان الإخبار به وإفادته السامع أوقع في
~~النفس وأن الأخبار الغريبة يهتم بإفادتها ما لا يهتم بإفادة غير الغريبة
~~إذ العالم بالغريب قليل بخلاف العالم بغيره وإنكار ذلك مكابرة فمراد
~~الشيخ أن كون القتل أقبح من مبادي قلة صدوره عن المؤمن العاقل وندرة وصول
~~خبره إلى الأسماع وذلك مما يستدعي جعله مقصودا بالإفادة كما هو شأن
~~الأمور القليلة الصدور النادرة الوقوع وكون الاعتراض عليه أدخل من موجبات
~~كثرة الصدور وذلك لا يقتضي أن يعامل كذلك، وعلى هذا لا غبار على ما ذكره
~~عند المنصف. ثم إن ما ذكره من النكتة يتأتى على القول بأن القتل أقبح من
~~الخرق وعلى القول بالعكس أيضا وهذا بخلاف ما تقدم فإنه كان مبنيا على
~~أقبحية القتل فمن لا يقول بها يحتاج في بيان النكتة إلى غير ذلك، وقد رجح
~~بذلك على ما تقدم، واستأنس له أيضا بأن مساق الكلام من أوله لشرح حال
~~موسى عليه السلام فجعل اعتراضه عمدة ms06182 الكلام أوفق بالمساق إلا أنه عدل عن
~~ذلك في قصة الخرق وجعل ما صدر عن الخضر عليه السلام عمدة دون اعتراضه لأن
~~النفس لما سمعت وصف الخضر ظمأت لسماع ما يصدر منه فبل غليلها وجعل ما صدر
~~عنه مقصودا بالإفادة لأنه مطلوب للنفس وهي منتظرة إياه ثم بعد أن سمعت
~~ذلك وسكن أوامها سلك بالكلام مسلكه الأول وقصد بالإفادة حال من سيق
~~الكلام من أوله لشرح حاله، ولا يخفى أن هذا قول بأن الأصل نظرا إلى
~~السوق / أن تكون القصة الأولى على طرز القصة الثانية إلا أنه عدل عن ذلك
~~لما ذكر، والخروج عن الأصل يتقدر بقدر الحاجة

# فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه

# [البقرة: 173] وهو مخالف لما يفهم من كلام الشيخ في الجملة فافهم والله
~~تعالى أعلم. وقرأ نافع وأبو بكر وابن ذكوان وأبو جعفر وشيبة وطلحة ويعقوب
~~وأبو حاتم { نكرا } بضمتين حيث كان منصوبا.

### || [18.75]

# زيادة { لك } لزيادة المكافحة على رفض الوصية وقلة التثبت والصبر لما
~~تكرر منه الاشمئزاز والاستنكار ولم يرعو بالتذكير حتى زاد في النكير في
~~المرة الثانية.

### || [18.76]

# { قال } أي موسى عليه السلام { إن سألتك عن شىء } تفعله من
~~الأعاجيب { بعدها } أي بعد هذه المرة أو بعد هذه المسألة { فلا
~~تصاحبنى } وقرأ عيسى ويعقوب { فلا تصحبني } بفتح التاء من صحبه أي
~~فلا تكن صاحبي، وعن عيسى أيضا { فلا تصحبني } بضم التاء وكسر الحاء من
~~أصحبه ورواها سهل عن أبي عمرو أي فلا تصحبني إياك ولا تجعلني صاحبك؛
~~وقدر بعضهم المفعول الثاني علمك وليس بذاك. وقرأ الأعرج { فلا تصحبني }
~~بفتح التاء والباء وشد النون، والمراد المبالغة في النهي أي فلا تكن
~~صاحبي البتة، وهذا يؤيد كون المراد من النهي فيما لا تأكيد فيه التحريم،
~~والمراد به الحزم بالترك والمفارقة لا الترخيص على معنى إن سألتك بعد
~~فأنت مرخص في ترك صحبتي.

# { قد بلغت من لدنى عذرا } أي وجدت عذرا من قبلي، وقال
~~النووي: معناه قد بلغت إلى الغاية التي تعذر بسببها في فراقي ms06183 حيث خالفتك
~~مرة بعد مرة.

# وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " رحمة الله علينا وعلى موسى لو صبر على صاحبه لرأى العجب لكن أخذته من
~~صاحبه ذمامة فقال ذلك "

# ، وقرأ نافع وعاصم { من لدنى } بتخفيف النون وهي حجة على س في منعه
~~ذلك، والأكثرون على أنه حذف نون الوقاية وأبقى النون الأصلية المكسورة
~~على ما هو القياس في الأسماء المضافة من أنها لا تلحقها نون الوقاية
~~كوطني ومقامي، وقيل: إنه يحتمل أن يكون المذكور نون الوقاية والمضاف إنما
~~هو  لد  بلا نون لغة في لدن فلا حذف أصلا؛ وتعقب بأن نون الوقاية إنما
~~هي في المبنى على السكون لتقيه الكسر و  لد  بلا نون مضموم. ورد بأنه
~~لا مانع من أن يقال: إنها وقته من زوال الضم؛ وأشم شعبة الضم في الدال
~~وروي عن عاصم أنه سكنها، وقال مجاهد: سوء غلط، ولعله أراد رواية وإلا فقد
~~ذكروا أن لد بالفتح والسكون لغة في لدن، وقرأ عيسى { عذرا } بضم الذال
~~ورويت عن أبي عمرو وعن أبي { عذري } بالإضافة إلى ياء المتكلم.

### || [18.77]

# { فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية } الجمهور على
~~أنها إنطاكية وحكاه الثعلبي عن ابن عباس، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق
~~قتادة عنه أنها برقة وهي كما في «القاموس» اسم لمواضع، وفي «المواهب»
~~أنها قرية بأرض الروم والله تعالى أعلم، وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه
~~عن السدي أنها باجروان وهي أيضا اسم لمتعدد إلا أنه ذكر بعضهم أن المراد
~~بها قرية بنواحي أرمينية، وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين أنها
~~الأبلة بهمزة وباء موحدة ولا مشددة، وقيل: قرية على ساحل البحر يقال لها
~~ناصرة وإليها تنسب النصارى قال في «مجمع البيان» وهو المروي عن أبي عبد
~~الله رضي الله تعالى عنه، وقيل: قرية في الجزيرة الخضراء من أرض /
~~الأندلس، قال ابن حجر: والخلاف هنا كالخلاف في مجمع البحرين ولا يوثق
~~بشيء منه، وفي الحديث «أتيا أهل قرية لئاما».

# { استطعما أهلها } في محل الجر على ms06184 أنه صفة لقرية، وجواب إذا

# قال

# [الكهف: 78] الآتي إن شاء الله تعالى وسلك بذلك نحو ما سلك في القصة
~~الثانية من جعل الاعتراض عمدة الكلام للنكتة التي ذكرها هناك شيخ
~~الإسلام، وذهب أبو البقاء وغيره إلى أنه هو الجواب والآتي مستأنف نظير ما
~~في القصة الأولى، والوصفية مختار المحققين كما ستعلمه إن شاء الله تعالى.
~~وههنا سؤال مشهور وقد نظمه الصلاح الصفدي ورفعه إلى الإمام تقي الدين
~~السبكي فقال:

# أسيدنا قاضي القضاة ومن إذا

# بدا وجهه استحيى له القمران

# ومن كفه يوم المندى ويراعه

# على طرسه بحران يلتقيان

# ومن إن دجت في المشكلات مسائل

# جلاها بفكر دائم اللمعان

# رأيت كتاب الله أعظم معجز

# لأفضل من يهدى به الثقلان

# ومن جملة الإعجاز كون اختصاره

# بإيجاز ألفاظ وبسط معاني

# ولكنني في الكهف أبصرت آية

# بها الفكر في طول الزمان عناني

# وما هي إلا استطعما أهلها فقد

# نرى استطعماهم مثله ببيان

# فما الحكمة الغراء في وضع ظاهر

# مكان ضمير إن ذاك لشان

# فارشد على عادات فضلك حيرتي

# فما لي إلى هذا الكلام يدان

# فأجاب السبكي بأن جملة { استطعما } محتملة لأن تكون في محل جر صفة
~~لقرية وأن تكون في محل نصب صفة لأهل وأن تكون جواب { إذا } ولا احتمال
~~لغير ذلك، ومن تأمل علم أن الأول متعين معنى وأن الثاني والثالث وأن
~~احتملتهما الآية بعيدان عن مغزاها، أما الثالث فلأنه يلزم عليه كون
~~المقصود الإخبار بالاستطعام عند الإتيان وأن ذلك تمام معنى الكلام،
~~ويلزمه أن يكون معظم قصدهما أو هو طلب الطعام مع أن القصد هو ما أراد ربك
~~مما قص بعد وإظهار الأمر العجيب لموسى عليه السلام، وأما الثاني فلأنه
~~يلزم عليه أن تكون العناية بشرح حال الأهل من حيث هم هم ولا يكون للقرية
~~أثر في ذلك ونحن نجد بقية الكلام مشيرا إليها نفسها فيتعين الأول ويجب
~~فيه { استطعما أهلها } ولا يجوز استطعماهم أصلا لخلو الجملة عن
~~ضمير الموصوف.

# وعلى هذا يفهم من مجموع الآيات أن الخضر عليه السلام فعل ما ms06185 فعل في قرية
~~مذموم أهلها وقد تقدم منهم سوء صنيع من الإباء عن حق الضيف مع طلبه
~~وللبقاع تأثير في الطباع ولم يهم فيها مع أنها حرية بالإفساد والإضاعة بل
~~باشر الإصلاح لمجرد الطاعة ولم يعبأ عليه السلام بفعل أهلها اللئام.
~~ويضاف إلى ذلك من الفوائد أن الأهل الثاني يحتمل أن يكون هم الأولون أو
~~غيرهم أو منهم ومن غيرهم، والغالب أن من أتى قرية لا يجد جملة أهلها دفعة
~~بل يقع بصره أولا على البعض ثم قد يستقريهم فلعل هذين العبدين الصالحين
~~لما أتيا قدر الله تعالى لهما استقراء الجميع على التدريج ليتبين به كمال
~~رحمته سبحانه وعدم مؤاخذته تعالى بسوء صنيع بعض عباده، ولو قيل استطعماهم
~~تعين إرادة الأولين فأتى بالظاهر إشعارا بتأكيد العموم فيه وأنهما لم
~~يتركا أحدا من أهلها حتى استطعماه وأبى ومع ذلك قوبلوا بأحسن الجزاء،
~~فانظر إلى هذه الأسرار كيف احتجبت عن / كثير من المفسرين تحت الأستار حتى
~~أن بعضهم لم يتعرض لشيء، وبعضهم ادعى أن ذلك تأكيد، وآخر زعم ما لا يعول
~~عليه حتى سمعت عن شخص أنه قال: إن العدول عن استطعماهم لأن اجتماع
~~الضميرين في كلمة واحدة مستثقل وهو قول يحكي ليرد فإن القرآن والكلام
~~الفصيح مملوء من ذلك ومنه ما يأتي في الآية. ومن تمام الكلام فيما ذكر أن
~~استطعما إن جعل جوابا فهو متأخر عن الإتيان وإذا جعل صفة احتمل أن يكون
~~الإتيان قد اتفق قبل هذه المرة وذكر تعريفا وتنبيها على أنه لم يحملهما
~~على عدم الإتيان لقصد الخير فهذا ما فتح الله تعالى علي والشعر يضيق عن
~~الجواب وقد قلت:

# لأسرار آيات الكتاب معاني

# تدق فلا تبدو لكل معاني

# وفيها لمرتاض لبيب عجائب

# سنا برقها يعنو له القمران

# إذا بارق منها لقلبي قد بدا

# هممت قرير العين بالطيران

# سرورا وإبهاجا وصولا على العلا

# كأني علا فوق السماك مكاني

# فما الملك والأكوان ما البيض ما القنا

# وعندي وجوه أسفرت بتهاني

# وهاتيك منها قد أبحتك سرها

# فشكرا لمن أولاك ms06186 حسن بياني

# أرى استطعما وصفا على قرية جرى

# وليس لها والنحو كالميزان

# صناعته تقضي بأن استتار ما

# يعود عليه ليس في الإمكان

# وليس جوابا لا ولاصف أهلها

# فلا وجه للإضمار والكتمان

# وهذي ثلاث ما سواها بممكن

# تعين منها واحد فسباني

# ورضت بها فكري إلى أن تمحضت

# به زبدة الأحقاب منذ زمان

# وإن حياتي في تموج أبحر

# من العلم في قلبي يمد لساني

# إلى آخر ما تحمس به وفيه من المناقشة ما فيه. وقد اعترض بعضهم بأنه على
~~تقدير كون الجملة صفة للقرية يمكن أن يؤتي بتركيب أخصر مما ذكر بأن يقال:
~~فلما أتيا قرية استطعما أهلها فما الداعي إلى ذكر الأهل أولا على هذا
~~التقدير، وأجيب بأنه جىء بالأهل للإشارة إلى أنهم قصدوا بالإتيان في
~~قريتهم وسألوا فمنعوا ولا شك أن هذا أبلغ في اللؤم وأبعد عن صدور جميل في
~~حق أحد منهم فيكون صدور ما صدر من الخضر عليه السلام غريبا جدا، لا
~~يقال: ليكن التركيب كذلك وليكن على الإرادة الأهل تقديرا أو تجوزا كما
~~في قوله تعالى:

# واسئل القرية

# [يوسف: 82] لأنا نقول: إن الإتيان ينسب للمكان كأتيت عرفات ولمن فيه
~~كأتيت أهل بغداد فلو لم يذكر كان فيه تفويتا للمقصود، وليس ذلك نظير ما
~~ذكر من الآية لامتناع سؤال نفس القرية عادة، واختار الشيخ عز الدين علي
~~الموصلي في جواب الصفدي أن تكرار الأهل والعدول عن استطعماهم إلى {
~~استطعما أهلها } للتحقير وهو أحد نكات إقامة الظاهر مقام الضمير
~~وبسط الكلام في ذلك نثرا؛ وقال نظما:

# سألت لماذا استطعما أهلها أتى

# عن استطعماهم إن ذاك لشان

# وفيه اختصار ليس ثم ولم تقف

# على سبب الرجحان منذ زمان

# فهاك جوابا رافعا لنقابه

# يصير به المعنى كرأي عيان

# / إذا ما استوى الحالان في الحكم

# رجح الضمير وأما حين يختلفان

# بأن كان في التصريح إظهار حكمة

# كرفعة شأن أو حقارة جاني

# كمثل أمير المؤمنين يقول ذا

# وما نحن فيه صرحوا بأمان

# وهذا على الإيجاز والبسط جاء في

# جوابي منثورا بحسن بيان

# وذكر ms06187 في النثر وجها آخر للعدول وهو ما نقله السبكي ورده، وقد ذكره
~~أيضا النيسابوري وهو لعمري كما قال السبكي، ويؤول إلى ما ذكر من أن
~~الإظهار للتحقير قول بعض المحققين: إنه للتأكيد المقصود منه زيادة
~~التشنيع وهو وجه وجيه عند كل نبيه، ومن ذلك قوله تعالى:

# فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم
~~فأنزلنا على الذين ظلموا

# [البقرة: 59] الآية ومثله كثير في الفصيح، وقال بعضهم: إن الأهلين
~~متغايران فلذا جىء بهما معا، وقولهم: إذا أعيد المذكور أولا معرفة كان
~~الثاني عين الأول غير مطرد وذلك لأن المراد بالأهل الأول البعض إذ في
~~ابتداء دخول القرية لا يتأتى عادة إتيان جميع أهلها لا سيما على ما روي
~~من أن دخولهما كان قبل غروب الشمس وبالأهل الثاني الجميع لما ورد أنهما
~~عليهما السلام كانا يمشيان على مجالس أولئك القوم يستطعمانهم فلو جىء
~~بالضمير لفهم أنهما استطعما البعض، وعكس بعضهم الأمر فقال: المراد بالأهل
~~الأول الجميع ومعنى إتيانهم الوصول إليهم والحلول فيما بينهم؛ وهو نظير
~~إتيان البلد وهو ظاهر في الوصول إلى بعض منه والحلول فيه وبالأهل الثاني
~~البعض إذ سؤال فرد فرد من كبار أهل القرية وصغارهم وذكورهم وإناثهم
~~وأغنيائهم وفقرائهم مستبعد جدا والخبر لا يدل عليه ولعله ظاهر في أنهما
~~استطعما الرجال، وقد روي عن أبي هريرة والله تعالى أعلم بصحة الخبر أنه
~~قال: أطعتهما امرأة من بربر بعد أن طلبا من الرجال فلم يطعموهما فدعيا
~~لنسائهم ولعنا رجالهم فلذا جىء بالظاهر دون الضمير، ونقل مثله عن الإمام
~~الشافعي عليه الرحمة في «الرسالة».

# وأورد عليهما أن فيهما مخالفة لما هو الغالب في إعادة الأول معرفة، وعلى
~~الثاني أنه ليس في المغايرة المذكورة فيه فائدة يعتد بها، ولا يورد هذا
~~على الأول لأن فائدة المغايرة المذكورة فيه زيادة التشنيع على أهل القرية
~~كما لا يخفى. واختار بعضهم على القول بالتأكيد أن المراد بالأهل في
~~الموضعين الذين يتوقع من ظاهر حالهم حصول الغرض منهم ويحصل اليأس من
~~غيرهم باليأس منهم من المقيمين ms06188 المتوطنين في القرية، ومن لم يحكم العادة
~~يقول: إنهما عليهما السلام أتوا الجميع وسألوهم لما أنهما على ما قيل قد
~~مستهما الحاجة.

# { فأبوا أن يضيفوهما } بالتشديد وقرأ ابن الزبير والحسن
~~وأبو رجاء وأبو رزين وابن محيصن وعاصم في رواية المفضل وأبان بالتخفيف من
~~الإضافة يقال ضافه إذا كان له ضيفا وأضافه وضيفه أنزله وجعله ضيفا،
~~وحقيقة ضاف مال من ضاف السهم عن الهدف يضيف ويقال أضافت الشمس للغروب
~~وتضيفت إذا مالت، ونظيره زاره من الازورار، ولا يخفى ما في التعبير
~~بالإباء من الإشارة إلى مزيد لؤم القوم لأنه كما قال الراغب شدة
~~الامتناع، ولهذا لم يقل: فلم يضيفوهما مع أنه أخصر فإنه دون ما في النظم
~~الجليل في الدلالة على ذمهم، ولعل ذلك الاستطعام كان طلبا للطعام على
~~وجه الضيافة بأن يكونا قد قالا: إنا غريبان فضيفونا أو نحو ذلك كما يشير
~~إليه التعبير بقوله تعالى: { فأبوا أن يضيفوهما } دون فأبوا
~~أن يطعموهما مع اقتضاء ظاهر { استطعما أهلها } إياه، وإنما عبر
~~باستطعما دون استضافا للإشارة إلى أن جل قصدهما الطعام دون الميل بهما
~~إلى منزل وإيوائهما إلى محل. وذكر بعضهم أن في { فأبوا أن
~~يضيفوهما } من التشنيع ما ليس في / أبوا أن يطعموهما لأن الكريم قد
~~يرد السائل المستطعم ولا يعاب كما إذا رد غريبا استضافه بل لا يكاد يرد
~~الضيف إلا لئيم، ومن أعظم هجاء العرب فلان يطرد الضيف، وعن قتادة شر
~~القرى التي لا يضاف فيها الضيف ولا يعرف لابن السبيل حقه.

# وقال زين الدين الموصلي إنما خص سبحانه الاستطعام بموسى والخضر عليهما
~~السلام والضيافة بالأهل لأن الاستطعام وظيفة السائل والضيافة وظيفة
~~المسؤول لأن العرف يقضي بذلك فيدعو المقيم القادم إلى منزله يسأله ويحمله
~~إليه انتهى، وهو كما ترى. ومما يضحك منه العقلاء ما نقله النيسابوري
~~وغيره أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول هذه الآية استحيوا وأتوا إلى
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمل من ذهب فقالوا: يا رسول الله نشتري
~~بهذا الذهب أن تجعل الباء ms06189 من { أبوا } تاء فأبى عليه الصلاة والسلام،
~~وبعضهم يحكي وقوع هذه القصة في زمن علي كرم الله تعالى وجهه ولا أصل لشيء
~~من ذلك، وعلى فرض الصحة يعلم منه قلة عقول أهل القرية في الإسلام كما علم
~~لؤمهم من القرآن والسنة من قبل.

# { فوجدا } عطف كما قال السبكي على { أتيا }  { فيها جدارا }
~~روي أنهما التجآ إليه حيث لم يجدا مأوى وكانت ليلتهما ليلة باردة وكان
~~على شارع الطريق { يريد أن ينقض } أي يسقط وماضيه انقض على وزن
~~انفعل نحو انجر والنون زائدة لأنه من قضضته بمعنى كسرته لكن لما كان
~~المنكسر يتساقط قيل الانقضاض السقوط، والمشهور أنه السقوط بسرعة كانقضاض
~~الكوكب والطير، قال صاحب «اللوامح»: هو من القضة وهي الحصى الصغار، ومنه
~~طعام قضض إذا كان فيه حصى فعلى هذا المعنى يريد أن يتفتت فيصير حصى
~~انتهى. وذكر أبو علي في «الإيضاح» أن وزنه افعل من النقض كاحمر، وقال
~~السهيلي في «الروض» هو غلط وتحقيق ذلك في محله. والنون على هذا أصلية،
~~والمراد من إرادة السقوط قربه من ذلك على سبيل المجاز المرسل بعلاقة تسبب
~~إرادة السقوط لقربه أو على سبيل الاستعارة بأن يشبه قرب السقوط بالإرادة
~~لما فيهما من الميل، ويجوز أن يعتبر في الكلام استعارة مكنية وتخييلية،
~~وقد كثر في كلامهم إسناد ما يكون من أفعال العقلاء إلى غيرهم ومن ذلك
~~قوله:

# يريد الرمح صدر أبي براء

# ويعدل عن دماء بني عقيل

# وقول حسان رضي الله تعالى عنه:

# إن دهرا يلف شملي بجمل

# لزمان يهم بالإحسان

# وقول الآخر:

# أبت الروادف والثدي لقمصها

# مس البطون وإن تمس ظهورا

# وقول أبي نواس:

# فاستنطق العود قد طال السكوت به

# لا ينطق اللهو حتى ينطق العود

# إلى ما لا يحصى كثرة حتى قيل: إن من له أدنى اطلاع على كلام العرب لا
~~يحتاج إلى شاهد على هذا المطلب.

# ونقل بعض أهل أصول الفقه عن أبي بكر محمد بن داود الأصبهاني أنه ينكر
~~وقوع المجاز في القرآن فيؤول الآية بأن الضمير في { يريد ms06190 } للخضر أو
~~لموسى عليهما السلام، وجوز أن يكون الفاعل الجدار وأن الله تعالى خلق فيه
~~حياة وإرادة والكل تكلف وتعسف تغسل به بلاغة الكلام.

# وقال أبو حيان: لعل النقل لا يصح عن الرجل وكيف يقول ذلك وهو أحد
~~الأدباء الشعراء الفحول المجيدين في النظم والنثر، وقرأ أبي { ينقض }
~~بضم الياء وفتح القاف والضاد مبنيا للمفعول، وفي حرف عبد الله وقراءة
~~الأعمش / { يريد لينقض } كذلك إلا أنه منصوب بأن المقدرة بعد اللام. وقرأ
~~علي كرم الله تعالى وجهه وعكرمة وخليد بن سعد ويحيى بن يعمر { ينقاص }
~~بالصاد المهملة مع الألف ووزنه ينفعل اللازم من قصته فانقاص إذا كسرته
~~فانكسر، وقال ابن خالويه: تقول العرب: انقاصت السن إذا انشقت طولا، قال
~~ذو الرمة يصف ثور وحش:

# يغشى الكناس بروقيه ويهدمه

# من هائل الرمل منقاص ومنكثب

# وفي «الصحاح» قيص السن سقوطها من أصلها وأنشد قول أبي ذؤيب:

# فراق كقيص السن فالصبر أنه

# لكل أناس عثرة وجبور

# وقال الأموي: انقاصت البر انهارت، وقال الأصمعي: المنقاص المنقعر
~~والمنقاض بالضاد المعجمة المنشق طولا، وقال أبو عمرو: هما بمعنى واحد.
~~وقرأ الزهري { ينقاض } بألف وضاد معجمة، والمشهور تفسيره بينهدم. وذكر
~~أبو علي أن المشهور عن الزهري أنه ينقاص بالمهملة.

# { فأقامه } مسحه بيده فقام كما روي عن ابن عباس وابن جبير، وقال
~~القرطبي: إنه هو الصحيح وهو أشبه بأحوال الأنبياء عليهم السلام؛ واعترض
~~بأنه غير ملائم لما بعد إذ لا يستحق بمثله الأجر، ورد بأن عدم استحقاق
~~الأجر مع حصول الغرض غير مسلم ولا يضره سهولته على الفاعل، وقيل: أقامه
~~بعمود عمده به، وقال مقاتل: سواه بالشيد، وقيل هدمه وقعد يبنيه. وأخرج
~~ابن الأنباري في «المصاحف» عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم أنه قرأ { فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فهدمه ثم قعد يبنيه }
~~وكان طول هذا الجدار إلى السماء على ما نقل النووي عن وهب بن منبه مائة
~~ذراع، ونقل السفيري عن الثعلبي أنه كان سمكه مائتي ذراع بذراع تلك
~~القرية وكان ms06191 طوله على وجه الأرض خمسمائة ذراع وكان عرضه خمسين ذراعا
~~وكان الناس يمرون تحته على خوف منه.

# { قال } موسى عليه السلام { لو شئت لاتخذت عليه
~~أجرا } تحريضا للخضر عليه السلام وحثا على أخذ الجعل والأجرة على
~~فعله ليحصل لهما بذلك الانتعاش والتقوي بالمعاش فهو سؤال له لم لم يأخذ
~~الأجرة؟ واعتراض على ترك الأخذ فالمراد لازم فائدة الخبر إذ لا فائدة في
~~الإخبار بفعله، وقيل: لم يقل ذلك حثا وإنما قاله تعريضا بأن فعله ذلك
~~فضول وتبرع بما لم يطلب منه من غير فائدة ولا استحقاق لمن فعل له مع كمال
~~الاحتياج إلى خلافه، وكان الكليم عليه السلام لما رأى الحرمان ومساس
~~الحاجة والاشتغال بما لا يعني لم يتمالك الصبر فاعترض، واتخذ افتعل
~~فالتاء الأولى أصلية والثانية تاء الافتعال أدغمت فيها الأولى ومادته تخذ
~~لا أخذ وإن كان بمعناه لأن فاء الكلمة لا تبدل إذا كانت همزة أو ياء
~~مبدلة منها، ولذا قيل إن ايتزر خطأ أو شاذ وهذا شائع في فصيح الكلام،
~~وأيضا إبدالها في الافتعال لو سلم لم يكن لقولهم تخذ وجه وهذا مذهب
~~البصريين، وقال غيرهم: إنه الاتخاذ افتعال من الأخذ ولا يسلم ما تقدم،
~~ويقول: المدة العارضة تبدل تاء أيضا، ولكثرة استعماله هنا أجروه مجرى
~~الأصلي وقالوا تخذ ثلاثيا جريا عليه وهذا كما قالوا: تقى من اتقى.

# وقرأ عبد الله والحسن وقتادة وأبو بحرية وابن محيصن وحميد واليزيدي
~~ويعقوب وأبو حاتم وابن كثير وأبو عمرو { لتخذت } بتاء مفتوحة وخاء مكسورة
~~أي لأخذت، وأظهر ابن كثير ويعقوب وحفص الذال وأدغمها باقي السبعة.

### || [18.78]

# { قال } الخضر عليه السلام { هذا فراق بينى وبينك }
~~على إضافة / المصدر إلى الظرف اتساعا، وابن الحاجب يجعل الإضافة في مثله
~~على معنى في وقد تقدم ما ينفعك هنا فتذكر. وقرأ ابن أبي عبلة { فراق
~~بينى } بالتنوين ونصب بين على الظرفية، وأعيد بين وإن كان لا يضاف إلا
~~لمتعدد لأنه لا يعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، قال أبو حيان:
~~والعدول عن بيننا لمعنى ms06192 التأكيد والإشارة إلى الفراق المدلول عليه بقوله
~~قبل:

# لا تصاحبنى

# [الكهف: 76] والحمل مفيد لأن المخبر عنه الفراق باعتبار كونه في الذهن
~~والخبر الفراق باعتبار أنه في الخارج كما قيل أو إلى الوقت الحاضر أي هذا
~~الوقت وقت فراقنا أو إلى الاعتراض الثالث أي هذا الاعتراض سبب فراقنا
~~حسبما طلبت، فوجه تخصيص الفراق بالثالث ظاهر. وقال العلامة الأول: إنما
~~كان هذا سبب الفراق دون الأولين لأن ظاهرهما منكر فكان معذورا بخلاف هذا
~~فإنه لا ينكر الإحسان للمسىء بل يحمد. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما في وجهه أن قول موسى عليه السلام في السفينة والغلام كان لله
~~تعالى، وفي هذا لنفسه لطلب الدنيا فكان سبب الفراق، وحكى القشيري نحوه عن
~~بعضهم. ورد ذلك في «الكشف» بأنه لا يليق بجلالتهما ولعل الخبر عن الحبر
~~غير صحيح، ونقل في «البحر» ((عن أرباب المعاني أن هذه الأمور التي وقعت
~~لموسى مع الخضر حجة على موسى عليه السلام وذلك أنه لما أنكر خرق السفينة
~~نودي يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت في التابوت مطروحا في اليم؟ ولما
~~أنكر قتل الغلام قيل له أين إنكارك هذا ووكز القبطي والقضاء عليه؟ ولما
~~أنكر إقامة الجدار نودي أين هذا من رفعك الحجر لبنتي شعيب عليه السلام
~~بدون أجرة؟)) ورأيت أنا في بعض الكتب أن الخضر عليه السلام قال: يا موسى
~~اعترضت علي بخرق السفينة وأنت ألقيت ألواح التوراة فتكسرت واعترضت علي
~~بقتل الغلام وأنت وكزت القبطي فقضيت عليه واعترضت علي بإقامة الجدار بلا
~~أجر وأنت سقيت لبنتي شعيب أغنامهما بلا أجر فمن فعل نحو ما فعلت لن يعترض
~~علي، والظاهر أن شيئا من ذلك لا يصح والفرق ظاهر بين ما صدر من موسى
~~عليه السلام وما صدر من الخضر وهو أجل من أن يحتج على صاحب التوراة بمثل
~~ذلك كما لا يخفى. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في «شعب الإيمان» وابن
~~عساكر عن أبي عبد الله وأظنه الملطي قال لما أراد الخضر أن يفارق موسى ms06193
~~قال له: أوصني قال: كن نفاعا ولا تكن ضرارا كن بشاشيا ولا تكن غضبانا
~~ارجع عن اللجاجة ولا تمش من غير حاجة ولا تعير امرأ بخطيئته وابك على
~~خطيئتك يا ابن عمران.

# وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن يوسف بن أسباط قال: بلغني أن الخضر
~~قال لموسى لما أراد أن يفارقه: يا موسى تعلم العلم لتعمل به ولا تعلمه
~~لتحدث به، وبلغني أن موسى قال للخضر: ادع لي فقال الخضر: يسر الله تعالى
~~عليك طاعته والله تعالى أعلم بصحة ذلك أيضا.

# { سأنبئك } وقرأ ابن أبي وثاب { سأنبيك } بإخلاص الياء من غير
~~همز، والسين للتأكيد لعدم تراخي الإنباء أي أخبرك البتة { بتأويل
~~ما لم تستطع عليه صبرا } والظاهر أن هذا لم يكن عن طلب من
~~موسى عليه السلام، وقيل: إنه لما عزم الخضر على فراقه أخذ بثيابه وقال:
~~لا أفارقك حتى تخبرني بما أباح لك فعل ما فعلت ودعاك إليه فقال: {
~~سأنبئك } والتأويل رد الشيء إلى مآله، والمراد به هنا المآل
~~والعاقبة إذ هو المنبأ به دون التأويل بالمعنى المذكور، و(ما) عبارة عن
~~الأفعال الصادرة من الخضر عليه السلام وهي خرق السفينة وقتل الغلام
~~وإقامة الجدار، ومآلها خلاص السفينة من اليد الغاصبة وخلاص أبوي الغلام
~~من شره مع الفوز / بالبدل الأحسن واستخراج اليتيمين للكنز، وفي جعل
~~الموصول عدم استطاعة موسى عليه السلام للصبر دون أن يقال بتأويل ما فعلت
~~أو بتأويل ما رأيت ونحوهما نوع تعريض به عليه السلام وعتاب، ويجوز أن
~~يقال: إن ذلك لاستشارة مزيد توجهه وإقباله لتلقي ما يلقى إليه، و {
~~صبرا } مفعول { تستطع } و { عليه } متعلق به وقدم رعاية
~~للفاصلة.

### || [18.79]

# { أما السفينة } التي خرقها { فكانت لمسكين } لضعفاء
~~لا يقدرون على مدافعة الظلمة، جمع مسكين بكسر الميم وفتحها ويجمع على
~~مساكين ومسكينون وهو الضعيف العاجز، ويشمل هذا ما إذا كان العجز لأمر في
~~النفس أو البدن ومن هنا قيل سموا مساكين لزمانتهم وقد كانوا عشرة خمسة
~~منهم زمنى وإطلاق مساكين عليهم على هذا من باب التغليب، ms06194 وهذا المعنى
~~للمسكين غير ما اختلف الفقهاء في الفرق بينه وبين الفقير وعليه لا تكون
~~الآية حجة لمن يقول: إن المسكين من يملك شيئا ولا يكفيه لأن هذا المعنى
~~مقطوع فيه النظر عن المال وعدمه. وقد يفسر بالمحتاج وحينئذ تكون الآية
~~ظاهرة فيما يدعيه القائل المذكور، وادعى من يقول: إن المسكين من لا شيء
~~له أصلا وهو الفقير عند الأول أن السفينة لم تكن ملكا لهم بل كانوا
~~أجراء فيها، وقيل: كانت معهم عارية واللام للاختصاص لا للملك ولا يخفى أن
~~ذلك خلاف الظاهر ولا يقبل بلا دليل، وقيل: إنهم نزلوا منزلة من لا شيء له
~~أصلا وأطلق عليهم المساكين ترحما. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه {
~~لمسكين } بتشديد السين جمع تصحيح لمساك فقيل: المعنى لملاحين،
~~وقيل: المساك من يمسك رجل السفينة وكانوا يتناوبون ذلك، وقيل: المساكون
~~دبغة المسوك وهي الجلود واحدها مسك ولعل إرادة الملاحين أظهر.

# { يعملون فى البحر } أي يعملون بها فيه ويتعيشون بما يحصل
~~لهم، وإسناد العمل إلى الكل على القول بأن منهم زمنى على التغليب أو لأن
~~عمل الوكلاء بمنزلة عمل الموكلين { فأردت أن أعيبها } أي
~~أجعلها ذات عيب بالخرق ولم أرد إغراق من بها كما حسبت ولإرادة هذا المعنى
~~جيء بالإرادة ولم يقل فأعبتها. وهذا ظاهر في أن اللام في الاعتراض
~~للتعليل ويحتاج حملها على العاقبة إلى ارتكاب خلاف الظاهر هنا كما لا
~~يخفى على المتأمل { وكان وراءهم ملك } أي أمامهم وبذلك قرأ ابن
~~عباس وابن جبير وهو قول قتادة وأبي عبيد وابن السكيت والزجاج، وعلى ذلك
~~جاء قول لبيد:

# أليس ورائي إن تراخت منيتي

# لزوم العصا تحني عليها الأصابع

# وقول سوار بن المضرب السعدي:

# أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي

# وقومي تميم والفلاة ورائيا

# وقول الآخر:

# أليس ورائي أن أدب على العصا

# فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي

# وفي القرآن كثير أيضا، ولا خلاف عند أهل اللغة في مجيء وراء بمعنى أمام
~~وإنما الخلاف في غير ذلك، وأكثرهم على أنه معنى حقيقي يصح إرادته منها في
~~أي ms06195 موضع كان وقالوا: هي من الأضداد، وظاهر كلام البعض أن لها معنى واحدا
~~يشمل الضدين فقال ابن الكمال نقلا عن الزمخشري: إنها اسم للجهة التي
~~يواريها الشخص من خلف أو قدام، وقال البيضاوي ما حاصله: إنه في الأصل
~~مصدر ورا يرئي كقضا يقضي وإذا أضيف إلى / الفاعل يراد به المفعول أعني
~~المستور وهو ما كان خلفا وإذا أضيف إلى المفعول يراد به الفاعل أعني
~~الساتر وهو ما كان قداما.

# ورد عليه بقوله تعالى:

# ارجعوا وراءكم

# [الحديد: 13] فإن وراء أضيفت فيه إلى المفعول والمراد بها الخلف. وقال
~~الفراء: لا يجوز أن يقال للرجل بين يديك هو وراءك وكذا في سائر الأجسام
~~وإنما يجوز ذلك في المواقيت من الليالي والأيام؛ وقال أبو علي: إنما جاز
~~استعمال وراء بمعنى أمام على الاتساع لأنها جهة مقابلة لجهة فكانت كل
~~واحدة من الجهتين وراء الأخرى إذا لم يرد معنى المواجهة ويجوز ذلك في
~~الأجرام التي لا وجه لها مثل حجرين متقابلين كل واحد منهما وراء الآخر،
~~وقيل: أي خلفهم كما هو المشهور في معنى وراء. واعترض بأنه إذا كان خلفهم
~~فقد سلموا منه. وأجيب بأن المراد أنه خلفهم مدرك لهم ومار بهم أو بأن
~~رجوعهم عليه واسمه على ما يزعمون هدد بن بدد وكان كافرا، وقيل. جلندي بن
~~كركر ملك غسان، وقيل: مفواد بن الجلند بن سعيد الأزدي وكان بجزيرة
~~الأندلس.

# { يأخذ كل سفينة } أي صالحة وقد قرأ كذلك أبي بن كعب، ولو
~~أبقي العموم على ظاهره لم يكن للتعييب فائدة { غصبا } من أصحابها،
~~وانتصابه على أنه مصدر مبين لنوع الأخذ، والظاهر أنه كان يغصب السفن من
~~أصحابها ثم لا يردها عليهم، وقيل: كان يسخرها ثم يردها، والفاء في {
~~فأردت } للتفريع فيفيد أن سبب إرادة التعييب كونها لقوم مساكين عجزة
~~لكن لما كانت مناسبة هذا السبب للمسبب خفية بين ذلك بذكر عادة الملك في
~~غصب السفن، وما آل المعنى أما السفينة فكانت لقوم مساكين عجزة يكتسبون
~~بها فأردت بما فعلت إعانتهم على ما يخافونه ويعجزون ms06196 عن دفعه من غصب ملك
~~وراءهم عادته غصب السفن الصالحة، وذكر بعضهم أن السبب مجموع الأمرين
~~المسكنة والغصب إلا أنه وسط التفريع بين الأمرين وكان الظاهر تأخيره
~~عنهما للغاية به من حيث إن ذلك الفعل كان هو المنكر المحتاج إلى بيان
~~تأويله وللإيذان بأن الأقوى في السببية هو الأمر الأول ولذلك لم يبال
~~بتخليص سفن سائر الناس مع تحقق الجزء الأخير من السبب ولأن في تأخيره
~~فصلا بين السفينة وضميرها مع توهم رجوعه إلى الأقرب فليفهم، وظاهر الآية
~~أن موسى عليه السلام ما علم تأويل هذا الفعل قبل. ويشكل عليه ما جاء عن
~~الربيع أن الخضر عليه السلام بعد أن خرق السفينة وسلمت من الملك الظالم
~~أقبل على أصحابها فقال: إنما أردت الذي هو خير لكم فحمدوا رأيه وأصلحها
~~لهم كما كانت فإنه ظاهر في أنه عليه السلام أوقفهم على حقيقة الأمر،
~~والظاهر أن موسى عليه السلام كان حاضرا يسمع ذلك، وقد يقال: إن هذا
~~الخبر لا يعول عليه واحتمال صحته مع عدم سماع موسى عليه السلام مما لا
~~يلتفت إليه.

### || [18.80]

# { وأما الغلم } الذي قتله { فكان أبواه } أي أبوه وأمه
~~ففيه تغليب. واسم الأب على ما في «الإتقان» كازير والأم سهوا، وفي مصحف
~~أبي وقراءة ابن عباس (وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه) {
~~مؤمنين } والمعنى على ذلك في قراءة السبعة إلا أنه ترك التصريح
~~بكفره إشعارا بعدم الحاجة إلى الذكر لظهوره. واستدل بتلك القراءة من
~~قال: إن الغلام كان بالغا لأن الصغير لا يوصف بكفر وإيمان حقيقيين.
~~وأجاب النووي عن ذلك بوجهين، الأول: أن القراءة شاذة لا حجة فيها،
~~الثاني: أنه سماه بما يؤل إليه لو عاش. وفي «صحيح مسلم»: أن الغلام طبع
~~يوم طبع كافرا وأول بنحو هذا وكذا ما مر من خبر صاحب العرس و«العرائس»
~~لكن في صحته توقف عندي لأنه ربما يقتضي بظاهره علم موسى عليه السلام
~~بتأويل القتل قبل الفراق، وعلى ما سمعت من التأويل لا يرد شيء مما ذكر
~~على القول المنصور في الأطفال ms06197 وهو أنهم مطلقا في / الجنة على أنه قيل
~~الكلام في غير من أخبر الصادق بأنه كافر، وقرأ أبو سعيد الخدري والجحدري
~~{ فكان أبواه مؤمنان } وخرجه الزمخشري وابن عطية وأبو الفضل الرازي على
~~أن في كان ضمير الشأن، والجملة في موضع الخبر لهما، وأجاز أبو الفضل أن
~~يكون { مؤمنان } على لغة بني الحرث بن كعب فيكون منصوبا، وأجاز أيضا أن
~~يكون في كان ضمير { الغلم } والجملة في موضع الخبر.

# { فخشينا أن يرهقهما } فخفنا خوفا شديدا أن يغشى الوالدين
~~المؤمنين لو بقي حيا { طغيانا } مجاوزة للحدود الإلهية { وكفرا
~~} بالله تعالى وذلك بأن يحملهما حبه على متابعته كما روي عن ابن جبير،
~~ولعل عطف الكفر على الطغيان لتفظيع أمره، ولعل ذكر الطغيان مع أن ظاهر
~~السياق الاقتصار على الكفر ليتأتى هذا التفظيع أو ليكون المعنى فخشينا أن
~~يدنس إيمانهما أولا ويزيله آخرا، ويلتزم على هذا القول بأن ذلك أشنع
~~وأقبح من إزالته بدون سابقية تدنيس؛ وفسر بعض شراح البخاري الخشية بالعلم
~~فقال: أي علمنا أنه لو أدرك وبلغ لدعا أبويه إلى الكفر فيجيبانه ويدخلان
~~معه في دينه لفرط حبهما إياه، وقيل: المعنى خشينا أن يغشيهما طغيانا
~~عليهما وكفرا لنعمتهما عليه من تربيتهما إياه وكونهما سببا لوجوده بسبب
~~عقوقه وسوء صنيعه فيلحقهما شر وبلاء، وقيل: المعنى خشينا أن يغشيهما
~~ويقرن بإيمانهما طغيانه وكفره فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر، وفي
~~بعض الآثار أن الغلام كان يفسد وفي رواية يقطع الطريق ويقسم لأبويه أنه
~~ما فعل فيقسمان على قسمه ويحميانه ممن يطلبه. واستدل بذلك من قال: إنه
~~كان بالغا، والذاهب إلى صغره يقول إن ذلك لا يصح ولعل الحق معه، والظاهر
~~أن هذا من كلام الخضر عليه السلام أجاب به موسى عليه السلام من جهته،
~~وجوز الزمخشري أن يكون ذلك حكاية لقول الله عز وجل والمراد فكر هنا بجعل
~~الخشية مجازا مرسلا عن لازمها وهو الكراهة على ما قيل، قال في «الكشف»:
~~وذلك لاتحاد مقام المخاطبة كان سؤال موسى عليه السلام منه تعالى والخضر ms06198
~~عليه السلام بإذن الله تعالى يجيب عنه وفي ذلك لطف ولكن الظاهر هو الأول
~~انتهى، وقيل: هو على هذا الاحتمال بتقدير فقال الله: خشينا والفاء من
~~الحكاية وهو أيضا بعيد ولا يكاد يلائم هذا الاحتمال الآية بعد إلا أن
~~يجعل التعبير بالظاهر فيها التفاتا، وفي مصحف عبد الله وقراءة أبي
~~(فخاف ربك) والتأويل ما سمعت.

# وقال ابن عطية: إن الخوف والخشية كالترجي بلعل ونحوها الواقع في كلامه
~~تعالى مصروف إلى المخاطبين وإلا فالله جل جلاله منزه عن كل ذلك.

### || [18.81]

# { فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه } بأن
~~يرزقهما بدله ولدا خيرا منه { زكوة } قال ابن عباس: أي دينا وهو
~~تفسير باللازم؛ والكثير قالوا: أي طهارة من الذنوب والأخلاق الرديئة، وفي
~~التعرض لعنوان الربوبية والإضافة إليهما ما لا يخفى من الدلالة على إرادة
~~وصول الخير إليهما { وأقرب رحما } أي رحمة، قال رؤبة بن العجاج:

# يا منزل الرحم على إدريسا

# ومنزل اللعن على إبليسا

# وهما مصدران كالكثر والكثرة، والمراد أقرب رحمة عليهما وبرا بهما
~~واستظهر ذلك أبو حيان، ولعل وجهه كثرة استعمال المصدر مبنيا للفاعل مع
~~ما في ذلك هنا من موافقة المصدر قبله، وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر
~~وابن أبي حاتم عن عطية أن المعنى هما به أرحم منهما بالغلام، ولعل
~~المراد على هذا أنه أحب / إليهما من ذلك الغلام إما لزيادة حسن خلقه أو
~~خلقه أو الاثنين معا، وهذا المعنى أقرب للتأسيس من المعنى الأول على
~~تفسير المعطوف عليه بما سمعت إلا أنه يؤيد ذلك التفسير ما أخرجه ابن
~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنهما أبدلا جارية ولدت نبيا، وقال
~~الثعلبي: إنها أدركت يونس بن متى فتزوجها نبي من الأنبياء فولدت نبيا
~~هدى الله تعالى على يده أمة من الأمم، وفي رواية ابن المنذر عن يوسف بن
~~عمر أنها ولدت نبيين، وفي رواية أخرى عن ابن عباس وجعفر الصادق رضي الله
~~تعالى عنهما أنها ولدت سبعين نبيا، واستبعد هذا ابن عطية وقال: لا يعرف
~~كثرة الأنبياء عليهم ms06199 السلام إلا في بني إسرائيل ولم تكن هذه المرأة منهم
~~وفيه نظر ظاهر، ووجه التأييد أن الجارية بحسب العادة تحب أبويها وترحمهما
~~وتعطف عليهما وتبر بهما أكثر من الغلام قيل: أبدلهما غلاما مؤمنا
~~مثلهما، وانتصاب المصدرين على التمييز والعامل ما قبل كل من أفعل
~~التفضيل، ولا يخفى ما في الإبهام أولا ثم البيان ثانيا من اللطف ولذا
~~لم يقل: فأردنا أن يبدلهما ربهما أزكى منه وأرحم على أن في خير زكاة من
~~المدح ما ليس في أزكى كما يظهر بالتأمل الصادق.

# وذكر أبو حيان أن أفعل ليس للتفضيل هنا لأنه لا زكاة في ذلك الغلام ولا
~~رحمة. وتعقب بأنه كان زكيا طاهرا من الذنوب بالفعل إن كان صغيرا وبحسب
~~الظاهر إن كان بالغا فلذا قال موسى عليه السلام

# نفسا زكية

# [الكهف: 74] وهذا في مقابلته فخير من زكاة من هو زكي في الحال والمآل
~~بحسب الظاهر والباطن ولو سلم فالاشتراك التقديري يكفي في صحة التفضيل وأن
~~قوله: ولا رحمة قول بلا دليل انتهى. وقال الخفاجي: إن الجواب الصحيح هنا
~~أن يكتفى بالاشتراك التقديري لأن الخضر عليه السلام كان عالما بالباطن
~~فهو يعلم أنه لا زكاة فيه ولا رحمة فقوله: إنه لا دليل عليه لا وجه له،
~~وأنت تعلم أن الرحمة على التفسير الثاني مما لا يصح نفيها لأنها مدار
~~الخشية فافهم، والظاهر أن الفاء للتفريع فيفيد سببية الخشية للإرادة
~~المذكورة ويفهم من تفريع القتل، ولم يفرعه نفسه مع أنه المقصود تأويله
~~اعتمادا على ظهور انفهامه من هذه الجملة على ألطف وجه، وفيها إشارة إلى
~~رد ما يلوح به كلام موسى عليه السلام من أن قتله ظلم وفساد في الأرض.

# وقرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر وشيبة وحميد والأعمش وابن جرير { يبدلهما
~~} بالتشديد. وقرأ ابن عامر وأبو جعفر في رواية ويعقوب وأبو حاتم { رحما
~~} بضم الحاء، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { رحما } بفتح الراء
~~وكسر الحاء.

### || [18.82]

# { وأما الجدار } المعهود { فكان لغلمين } قيل: إنهما
~~أصرم وصريم { يتيمين } صغيرين مات أبوهما ms06200 وهذا هو الظاهر لأن يتم
~~بني آدم بموت الأب، وفي الحديث

# " لا يتم بعد بلوغ "

# ، وقال ابن عطية: يحتمل أنهما كانا بالغين والتعبير عنهما بما ذكر
~~باعتبار ما كان على معنى الشفقة عليهما ولا يخفى أنه بعيد جدا { فى
~~المدينة } هي القرية المذكورة فيما سبق، ولعل التعبير عنها بالمدينة
~~هنا لإظهار نوع اعتداد بها باعتداد ما فيها من اليتيمين وما هو من أهلها
~~وهو أبوهما الصالح. ولما كان سوق الكلام السابق على غير هذا المساق عبر
~~بالقرية فيه.

# { وكان تحته كنز لهما } مال مدفون من ذهب وفضة كما أخرجه
~~البخاري في «تاريخه» والترمذي والحاكم وصححه من حديث أبي الدرداء وبذلك
~~قال عكرمة وقتادة وهو في الأصل مصدر ثم اريد به اسم المفعول. / قال
~~الراغب: ((الكنز جعل المال بعضه على بعض وحفظه وأصله من كنزت التمر في
~~الوعاء))، واستشكل تفسير الكنز بما ذكر بأن الظاهر أن الكانز له أبوهما
~~لاقتضاء { لهما } له إذا لا يكون لهما إلا إذا كان إرثا أو كانا قد
~~استخرجاه والثاني منتف فتعين الأول وقد وصف بالصلاح، ويعارض ذلك ما جاء
~~في ذم الكانز. وأجيب بأن المذموم ما لم تؤد منه الحقوق بل لا يقال لما
~~أديت منه كنز شرعا كما يدل عليه عند القائلين بالمفهوم حديث «كل مال لا
~~تؤدي زكاته فهو كنز» فإن النبي صلى الله عليه وسلم بصدد بيان الأحكام
~~الشرعية لا المفاهيم اللغوية لأنها معلومة للمخاطبين ولا يعتبر في مفهومه
~~اللغوي المراد هنا شيء من الإخراج وعدمه، والوصف بالصلاح قرينة على أنه
~~لم يكن من الكنز المذموم، ومن قال: إن الكنز حرام مطلقا ادعى أنه لم يكن
~~كذلك في شرع من قبلنا، واحتج عليه بما أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء في
~~هذه الآية قال: أحلت لهم الكنوز وحرمت عليهم الغنائم وأحلت لنا الغنائم
~~وحرمت علينا الكنوز وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن
~~قتادة نحو ذلك وفيه فلا يعجبن الرجل فيقول ما شأن الكنز حل لمن قبلنا
~~وحرم علينا فإن الله ms06201 تعالى يحل من أمره ما يشاء ويحرم ما يشاء وهي السنن
~~والفرائض تحل لأمة وتحرم على أخرى، وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس أنه
~~قال: ما كان ذهبا ولا فضة ولكن كان صحف علم وروي ذلك أيضا عن ابن جبير،
~~وأخرج ابن مردويه من حديث علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعا والبزار عن
~~أبي ذر كذلك، والخرائطي عن ابن عباس موقوفا أنه كان لوحا من ذهب
~~مكتوبا فيه عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف
~~يتعب وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل
~~وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها لا إله إلا الله
~~محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

# وفي رواية عطاء عن ابن عباس أنه مكتوب في أحد شقيه بسم الله الرحمن
~~الرحيم عجبت الخ وفي الشق الآخر أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك
~~لي خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه والويل لمن
~~خلقته للشر وأجريته على يديه وجمع بعضهم بأن المراد بالكنز ما يشمل جميع
~~ذلك بناء على أنه المال المدفون مطلقا، وكل من المذكورات مال كان
~~مدفونا إلا أنه اقتصر في كل من الروايات على واحد منها وفيه أنه على
~~بعده يأباه ظاهر قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما كان ذهبا ولا
~~فضة.

# { وكان أبوهما صلحا } الظاهر أنه الأب الأقرب الذي ولدهما،
~~وذكر أن اسمه كاشح وأن اسم أمهما دهنا، وقيل: كان الأب العاشر، وعن جعفر
~~الصادق رضي الله تعالى عنه أنه كان الأب السابع. وأيا ما كان ففي الآية
~~دلالة على أن صلاح الآباء يفيد العناية بالأبناء، وأخرج ابن أبي شيبة
~~وأحمد في «الزهد» وابن أبي حاتم عن خيثمة قال: قال عيسى عليه السلام
~~طوبى لذرية المؤمن ثم طوبى لهم كيف يحفظون من بعده وتلا خيثمة هذه الآية.
~~وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب قال: إن الله تعالى ليحفظ بالعبد
~~الصالح القبيل ms06202 من الناس، وعن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما أنه قال
~~لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما بم حفظ الله تعالى مال الغلامين؟ قال:
~~بصلاح أبيهما قال فأبي وجدي خير منه فقال الخارجي أنبأنا الله تعالى أنكم
~~قوم خصمون، وذكر من صلاح هذا الرجل أن الناس كانوا يضعون عنده الودائع
~~فيردها إليهم كما وضعوها، ويروى أنه كان سياحا.

# { فأراد ربك } مالكك ومدبر أمورك، ففي إضافة الرب إلى ضمير موسى
~~عليه السلام دون / ضميرهما تنبيه له على تحتم كمال الانقياد والاستسلام
~~لإرادته سبحانه ووجوب الاحتراز عن المناقشة فيما وقع بحسبهما التي يشم
~~منها طلب ما يحصل به تربية البدن وتدبيره { أن يبلغا أشدهما }
~~قيل أي الحلم وكمال الرأي، وفي «الصحاح» القوة وهو ما بين ثماني عشرة إلى
~~ثلاثين وهو واحد جاء على بناء الجمع مثل آنك ولا نظير لهما، ويقال: هو
~~جمع لا واحد له من لفظه مثل آسال وأبابيل وعباديد ومذاكير، وكان سيبويه
~~يقول: واحده شدة وهو حسن في المعنى لأنه يقال بلغ الغلام شدته ولكن لا
~~يجمع فعلة على أفعل، وأما أنعم فإنما هو جمع نعم من قولهم يوم بؤس ويوم
~~نعم، وأما قول من قال: واحده شد مثل كلب وأكلب أو شد مثل ذئب وأذؤب فإنما
~~هو قياس كما يقولون في واحد الأبابيل إبول قياسا على عجول وليس
~~هو شيء يسمع من العرب.

# { ويستخرجا كنزهما } من تحت الجدار ولولا أني أقمته لانقض
~~وخرج الكنز من تحته قبل اقتدارهما على حفظه والانتفاع به وذكروا أن
~~اليتيمين كانا غير عالمين بالكنز ولهما وصي يعلم به لكنه كان غائبا
~~والجدار قد شارف فلو سقط لضاع فلذا أقامه { رحمة من ربك } مفعول
~~له لأراد وأقيم الظاهر مقام الضمير، وليس مفعولا له ليستخرجا لاختلاف
~~الفاعل، وبعضهم أجاز ذلك لعدم اشتراطه الاتحاد أو جعل المصدر من المبني
~~للمفعول وأجاز أن يكون النصب على الحال وهو من ضمير { يستخرجا } بتأويل
~~مرحومين، والزمخشري النصب على أنه مفعول مطلق لأراد فإن إرادة ذلك رحمة
~~منه تعالى. ms06203 واعترض بأنه إذا كان أراد ربك بمعنى رحم كانت الرحمة من الرب
~~لا محالة فأي فائدة في ذكر قوله تعالى { من ربك } وكذا إذا كان
~~مفعولا له؛ وقيل: في الكلام حذف والتقدير فعلت ما فعلت رحمة من ربك فهو
~~حينئذ مفعول له بتقدير إرادة أو رجاء رحمة ربك أو منصوب بنزع الخافض
~~والرحمة بمعنى الوحي أي برحمة ربك ووحيه فيكون قوله { وما فعلته
~~عن أمرى } أي عن رأيي واجتهادي تأكيدا لذلك.

# { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من العواقب المنظومة في سلك البيان، وما
~~فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجته في الفخامة { تأويل ما لم
~~تسطع } أي تستطع وهو مضارع اسطاع بهمز الوصل وأصله استطاع على وزن
~~استفعل ثم حذف تاء الافتعال تخفيفا وبقيت الطاء التي هي أصل. وزعم بعضهم
~~أن السين عوض قلب الواو ألفا والأصل أطاع ولا حاجة تدعو إلى أن المحذوف
~~هي الطاء التي هي فاء الفعل ثم دعوى أنهم أبدلوا من تاء الافتعال طاء
~~لوقوعها بعد السين ويقال تستتيع بإبدال الطاء تاء وتستيع بحذف تاء
~~الافتعال فاللغات أربع كما قال ابن السكيت، وما ألطف حذف أحد المتقاربين
~~وبقاء الآخر في آخر هذا الكلام الذي وقع عنده ذهاب الخضر عن موسى عليهما
~~السلام.

# وقال بعض المحققين: إنما خص هذا بالتخفيف لأنه لما تكرر في القصة ناسب
~~تخفيف الأخير، وتعقب بأن ذلك مكرر أيضا وذاك أخف منه فلم لم يؤت به،
~~وفيه أن الفرق ظاهر بين هذا وذلك، وقيل: إنما خص بالتخفيف للإشارة إلى
~~أنه خف على موسى عليه السلام ما لقيه ببيان سببه.

# وتعقب بأنه يبعده أنه في الحكاية لا المحكي وأنت تعلم هذا وكذا ما
~~ذكرناه زهرة لا تتحمل الفرك والتأويل بالمعنى السابق الذي ذكر أنه المراد
~~أي ذلك مآل وعاقبة الذي لم تستطع { عليه صبرا } من الأمور التي
~~رأيت فيكون إنجازا اللتنبئة الموعودة، وجوز أن تكون الإشارة إلى البيان
~~نفسه فيكون التأويل بمعناه المشهور، وعلى كل حال فهو فذلكة لما تقدم، وفي
~~جعل / الصلة غير ms06204 ما مر تكرير للتنكير وتشديد للعتاب، قيل: ولعل إسناد
~~الإرادة أولا إلى ضمير المتكلم وحده أنه الفاعل المباشر للتعييب،
~~وثانيا إلى ضمير المتكلم ومعه غيره لأن إهلاك الغلام بمباشرته وفعله
~~وتبديل غيره موقوف عليه وهو بمحض فعل الله تعالى وقدرته فضمير  نا 
~~مشترك بين الله تعالى والخضر عليه السلام.

# وثالثا: إلى الله تعالى وحده لأنه لا مدخل له عليه السلام في بلوغ
~~الغلامين واعترض توجيه ضمير الجمع بأن اجتماع المخلوق مع الله تعالى في
~~ضمير واحد لا سيما ضمير المتكلم فيه من ترك الأدب ما فيه. ويدل على ذلك
~~ما جاء من أن ثابت بن قيس بن شماس كان يخطب في مجلسه صلى الله عليه وسلم
~~إذا وردت وفود العرب فاتفق أن قدم وفد تميم فقام خطيبهم وذكر مفاخرهم
~~ومآثرهم فلما أتم خطبته قام ثابت وخطب خطبة قال فيها من يطع الله عز وجل
~~ورسوله صلى الله عليه وسلم فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال له النبي
~~صلى الله عليه وسلم: «بئس خطيب القوم أنت» وصرح الخطابي أنه عليه الصلاة
~~والسلام كره منه ما فيه من التسوية. وأجيب بأنه قد وقع نحو ذلك في الآيات
~~والأحاديث، فمن ذلك قوله تعالى

# إن الله وملائكته يصلون على النبي

# [الأحزاب: 56] فإن الظاهر أن ضمير { يصلون على } راجع إلى الله
~~تعالى وإلى الملائكة. وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الإيمان:

# " أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما "

# ولعل ما كرهه صلى الله عليه وسلم من ثابت أنه وقف على قوله «يعصهما» لا
~~التسوية في الضمير. وظاهر هذا أنه لاكراهة مطلقا في هذه التسوية وهو أحد
~~الأقوال في المسألة. وثانيها: ما ذهب إليه الخطابي أنها تكره تنزيها.
~~وثالثها: ما يفهمه كلام الغزالي أنها تكره تحريما. وعلى القول بالكراهة
~~التنزيهية استظهر بعضهم أنها غير مطردة فقد تكره في مقام دون مقام وبنى
~~الجواب عما نحن فيه على ذلك فقال: لما كان المقام الذي قام فيه ثابت مقام
~~خطابة وإطناب وهو بحضرة قوم مشركين ms06205 والإسلام غض طري كره صلى الله عليه
~~وسلم التسوية منه فيه وأما مثل هذا المقام الذي القائل فيه والمخاطب من
~~عرفت وقصد فيه نكتة وهو عدم استقلاله فلا كراهة للتسوية فيه. وخص بعض
~~الكراهة بغير النبي صلى الله عليه وسلم وحينئذ يقوى الجواب عما ذكر لأنه
~~إذا جازت للنبي صلى الله عليه وسلم فهو في كلام الله تعالى وما حكاه
~~سبحانه بالطريق الأولى.

# وخلاصة ما قرر في المسألة أن الحق أنه لا كراهة في ذلك في كلام الله
~~تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كما أشير إليه في «شروح البخاري» وأما
~~في حق البشر فلعل المختار أنه مكروه تنزيها في مقام دون مقام.

# هذا وأنا لا أقول باشتراك هذا الضمير بين الله تعالى والخضر عليه السلام
~~لا لأن فيه ترك الأدب بل لأن الظاهر أنه كضمير

# خشينا

# [الكهف: 80] والظاهر في ذاك عدم الاشتراك لأنه محوج لارتكاب المجاز على
~~أن النكتة التي ذكروها في اختيار التشريك في ضمير أردنا لا تظهر في
~~اختياره في ضمير

# فخشينا

# [الكهف: 80] لأنه لم يتضمن الكلام الأول فعلين على نحو ما تضمنهما
~~الكلام الثاني فتدبر، وقيل في وجه تغاير الأسلوب: أن الأول شر فلا يليق
~~إسناده إليه سبحانه وإن كان هو الفاعل جل وعلا، والثالث: خير فأفرد
~~إسناده إلى الله عز وجل. والثاني: ممتزج خبره وهو تبديله بخير منه وشره
~~وهو القتل فأسند إلى الله تعالى وإلى نفسه نظرا لهما. وفيه أن هذا
~~الإسناد في

# فخشينا

# [الكهف: 80] أيضا وأين امتزاج الخير والشر فيه، وجعل النكتة في التعبير
~~ينافيه مجرد الموافقة لتاليه ليس بشيء كما لا يخفى، وقيل: الظاهر أنه
~~أسند الإرادة في الأولين إلى نفسه لكنه تفنن في التعبير فعبر عنها بضمير
~~المتكلم مع الغير بعد ما عبر بضمير المتكلم الواحد لأن مرتبة الانضمام
~~مؤخرة عن مرتبة الانفراد مع أن فيه تنبيها على أنه من العظماء في علوم
~~الحكمة فلم يقدم على هذا القتل إلا لحكمة عالية بخلاف التعييب. وأسند فعل
~~الإبدال إلى الله / تعالى إشارة ms06206 إلى استقلاله سبحان بالفعل وأن الحاصل
~~للعبد مجرد مقارنة إرادة الفعل دون تأثير فيه كما هو المذهب الحق انتهى،
~~وأنت تعلم أن الإبدال نفسه مما ليس لإرادة العبد مقارنة له أصلا وإنما
~~لها مقارنة للقتل الموقوف هو عليه على أن في هذا التوجيه بعد ما فيه. وفي
~~«الانتصاف» ((لعل إسناد الأول إلى نفسه، خاصة من باب الأدب مع الله تعالى
~~لأن المراد ثم عيب فتأدب عليه السلام بأن نسب الإعابة إلى نفسه. وأما
~~إسناد الثاني إلى  نا  فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك أمرنا بكذا
~~ودبرنا كذا وإما يعنون أمر الملك العظيم ودبر ويدل على ذلك قوله في
~~الثالث { فأراد ربك أن يبلغا أشدهما } )) وهو كما
~~ترى، وقيل: اختلاف الأسلوب لاختلاف حال العارف بالله سبحانه فإنه في
~~ابتداء أمره يرى نفسه مؤثرة فلذا أسند الإرادة أولا إلى نفسه ثم يتنبه
~~إلى أنه لا يستقل بالفعل بدون الله تعالى فلذا أسند إلى ذلك الضمير ثم
~~يرى أنه لا دخل له وأن المؤثر والمريد إنما هو الله تعالى فلذا أسنده
~~إليه سبحانه فقط وهذا مقام الفناء ومقام كان الله ولا شيء معه وهو الآن
~~كما كان، وتعقب بأنه إن أريد أن هذه الأحوال مرت على الخضر عليه السلام
~~واتصف بكل منها أثناء المحاورة فهو باطل وكيف يليق أن يكون إذ ذاك ممن
~~يتصف بالمرتبة الثانية فضلا عن المرتبة الأولى وهو الذي قد أوتي من قبل
~~العلم اللدني.

# وإن أريد أنه عبر تعبير من اتصف بكل مرتبة من تلك المراتب وإن كان هو
~~عليه السلام في أعلاها فإن كان ذلك تعليما لموسى عليه السلام فموسى عليه
~~السلام أجل من أن يعلمه الخضر عليه السلام مسألة خلق الأعمال. وإن كان
~~تعليما لغيره عليه السلام فليس المقام ذلك المقام على تقدير أن يكون
~~هناك غير يسمع منه هذا الكلام وإن أريد أنه عبر في المواضع الثلاثة
~~بأسلوب مخصوص من هاتيك الأساليب إلا أنه سبحانه عبر في كل موضع بأسلوب
~~فتعددت الأساليب في حكايته تعالى ms06207 القصة لنا تعليما وإشارة إلى هاتيك
~~المراتب وإن لم يكن كلام الخضر عليه السلام كذلك فالله تعالى أجل وأعظم
~~من أن ينقل عن أحد كلاما لم يقله أو لم يقل ما بمعناه فالقول بذلك نوع
~~افتراء عليه سبحانه. والذي يخطر ببال العبد الفقير أنه روعي في الجواب
~~حال الاعتراض وما تضمنه وأشار إليه فلما كان الاعتراض الأول بناء على أن
~~لام

# لتغرق

# [الكهف: 71] للتعليل متضمنا إسناد إرادة الإغراق إلى الخضر عليه السلام
~~وكأن الإنكار فيه دون الإنكار فيما يليه بناء على ما اختاره المحققون من
~~أن

# نكرا

# [الكهف: 74] أبلغ من

# إمرا

# [الكهف: 71] ناسب أن يشرح بإسناد إرادة التعييب إلى نفسه المشير إلى نفي
~~إرادة الإغراق عنها التي يشير كلام موسى عليه السلام إليها وأن لا يأتي
~~بما يدل على التعظيم أو ضم أحد معه في الإرادة لعدم تعظيم أمر الإنكار
~~المحوج لأن يقابل بما يدل على تعظيم إرادة خلاف ما حسبه عليه السلام
~~وأنكره.

# ولما كان الاعتراض الثاني في غاية المبالغة والإنكار هناك في نهاية
~~الإنكار ناسب أن يشير إلى أن ما اعترض عليه وبولغ في إنكاره قد أريد به
~~أمر عظيم ولو لم يقع لم يؤمن من وقوع خطب جسيم فلذا أسند الخشية والإرادة
~~إلى ضمير المعظم نفسه أو المتكلم ومعه غيره فإن في إسناد الإرادة إلى ذلك
~~تعظيما لأمرها وفي تعظيمه تعظيم أمر المراد وكذا في إسناد الخشية إلى
~~ذلك تعظيم أمرها، وفي تعظيمه تعظيم أمر المخشي. وربما يقال بناء على
~~إرادة الضم منا: إن في ذلك الإسناد إشارة إلى أن ما يخشى وما يراد قد بلغ
~~من العظم إلى أن يشارك موسى عليه السلام في الخشية منه، وفي إرادته الخضر
~~لا أن يستقل بإنكار / ما هو من مبادي ذلك المراد وبه ينقطع عن الأصلين
~~عرق الفساد، ولما كان الاعتراض الثالث هينا جدا حيث كان بلفظ لا تصلب
~~فيه ولا إزعاج في ظاهره وخافيه ومع هذا لم يكن على نفس الفعل بل على عدم
~~أخذ الأجرة عليه ليستعان ms06208 بها على إقامة جدار البدن وإزالة ما أصابه من
~~الوهن فناسب أن يلين في جوابه المقام ولا ينسب لنفسه استقلالا أو مشاركة
~~شيئا ما من الأفعال فلذا أسند الإرادة إلى الرب سبحانه وتعالى ولم يكتف
~~بذلك حتى أضافه إلى ضميره عليه السلام، ولا ينافي ذلك تكرير النكير
~~والعتاب لأنه متعلق بمجموع ما كان أولا من ذلك الجناب، هذا والله تعالى
~~أعلم بحقيقة أسرار الكتاب وهو سبحانه الموفق للصواب.

# واستدل بقوله: { وما فعلته عن أمرى } القائلون بنبوته عليه
~~السلام وهو ظاهر في ذلك واحتمال أن يكون هناك نبي أمره بذلك عن وحي كما
~~زعمه القائلون بولايته احتمال بعيد على أنه ليس في وصفه بقوله تعالى:

# آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما

# [الكهف: 65] على هذا كثير فائدة بل قد يقال: أي فائدة في هذا العلم
~~اللدني إذا احتاج في إظهار العجائب لموسى عليه السلام إلى توسيط نبي
~~مثله، وقال بعضهم: كان ذلك عن إلهام ويلزمه القول بأن الإلهام كان حجة في
~~بعض الشرائع وأن الخضر من المكلفين بتلك الشريعة وإلا فالظاهر أن حجيته
~~ليست في شريعة موسى عليه السلام وكذا هو ليس بحجة في شريعتنا على الصحيح،
~~ومن شذ وقال بحجيته اشترط لذلك أن لا يعارضه نص شرعي فلو أطلع الله تعالى
~~بالإلهام بعض عباده على نحو ما أطلع عليه الخضر عليه السلام من حال
~~الغلام لم يحل له قتله، وما أخرجه الإمام أحمد عن عطاء أنه قال: كتب نجدة
~~الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان فكتب إليه إن كنت الخضر تعرف
~~الكافر من المؤمن فاقتلهم، إنما قصد به ابن عباس كما قال السبكي المحاجة
~~والإحالة على ما لم يكن قطعا لطمعه في الاحتجاج بقصة الخضر وليس مقصوده
~~رضي الله تعالى عنه أنه إن حصل ذلك يجوز القتل فما قاله اليافعي في
~~«روضه» من أنه لو أذن الله تعالى لبعض عباده أن يلبس ثوب حرير مثلا وعلم
~~الإذن يقينا فلبسه لم يكن منتهكا للشرع وحصول اليقين له من ms06209 حيث حصوله
~~للخضر بقتله للغلام إذ هو ولي لا نبي على الصحيح انتهى عثرة يكاد أن لا
~~يقال لصاحبها لعا لأن مظنة حصول اليقين اليوم الإلهام وهو ليس بحجة عند
~~الأئمة ومن شذ اشترط ما اشترط، وحصوله بخبر عيسى عليه السلام إذا نزل
~~متعذر لأنه عليه السلام ينزل بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم ومن شريعته
~~تحريم لبس الحرير على الرجال إلا للتداوي وما ذكره من نفي نبوة الخضر لا
~~يعول عليه ولا يلتفت إليه.

# وممن صرح بأن الإلهام ليس بحجة من الصوفية الإمام الشعراني وقال: قد زل
~~في هذا الباب خلق كثير فضلوا وأضلوا، ولنا في ذلك مؤلف سميته «حد الحسام
~~في عنق من أطلق إيجاب العمل بالإلهام» وهو مجلد لطيف انتهى، وقال أيضا
~~في كتابه المسمى ب «الجواهر والدرر»: قد رأيت من كلام الشيخ محيى الدين
~~قدس سره ما نصه اعلم أنا لا نعني بملك الإلهام حيث أطلقناه إلا الدقائق
~~الممتدة من الأرواح الملكية لا نفس الملائكة فإن الملك لا ينزل بوحي على
~~غير قلب نبي أصلا ولا يأمر بأمر إلهي جملة واحدة فإن الشريعة قد
~~استقرت وتبين الفرض والواجب وغيرهما فانقطع الأمر الإلهي بانقطاع النبوة
~~والرسالة وما بقي أحد يأمره الله تعالى بأمر يكون شرعا مستقلا يتعبد به
~~أبدا لأنه إن أمره بفرض كان الشارع قد أمر به وإن أمره بمباح فلا يخلو
~~إما أن يكون ذلك المباح المأمور به صار واجبا أو مندوبا في حقه فهذا
~~عين نسخ الشرع الذي هو عليه حيث صير المباح الشرعي واجبا أو مندوبا وإن
~~أبقاه مباحا كما كان / فأي فائدة للأمر الذي جاء به ملك الإلهام لهذا
~~المدعي فإن قال: لم يجئني ملك الإلهام بذلك وإنما أمرني الله تعالى بلا
~~واسطة قلنا: لا يصدق في مثل ذلك وهو تلبيس من النفس، فإن ادعى أن الله
~~سبحانه كلمه كما كلم موسى عليه السلام فلا قائل به، ثم إنه تعالى لو كلمه
~~ما كان يلقي إليه في كلامه إلا علوما وأخبارا لا ms06210 أحكاما وشرعا ولا
~~يأمره أصلا انتهى.

# وقد صرح الإمام الرباني مجدد الألف الثاني قدس سره العزيز في
~~«المكتوبات» في مواضع عديدة بأن الإلهام لا يحل حراما ولا يحرم حلالا
~~ويعلم من ذلك أنه لا مخالفة بين الشريعة والحقيقة والظاهر والباطن وكلامه
~~قدس سره في «المكتوبات» طافح بذلك، ففي المكتوب الثالث والأربعين من
~~الجلد الأول أن قوما مالوا إلى الإلحاد والزندقة يتخيلون أن المقصود
~~الأصلي وراء الشريعة حاشا وكلا ثم حاشا وكلا نعوذ بالله سبحانه من هذا
~~الاعتقاد السوء فكل من الطريقة والشريعة عين الآخر لا مخالفة بينهما بقدر
~~رأس الشعيرة وكل ما خالف الشريعة مردود وكل حقيقة ردتها الشريعة فهي
~~زندقة، وقال في أثناء المكتوب الحادي والأربعين من الجلد الأول أيضا في
~~مبحث الشريعة والطريقة والحقيقة: مثلا عدم نطق اللسان بالكذب شريعة ونفي
~~خاطر الكذب عن القلب إن كان بالتكلف والتعمل فهو طريقة وإن تيسر بلا تكلف
~~فهو حقيقة ففي الجملة الباطن الذي هو الطريقة والحقيقة مكمل الظاهر الذي
~~هو الشريعة فالسالكون سبيل الطريقة والحقيقة إن ظهر منهم في أثناء الطريق
~~أمور ظاهرها مخالف للشريعة ومناف لها فهو من سكر الوقت وغلبة الحال فإذا
~~تجاوزوا ذلك المقام ورجعوا إلى الصحو ارتفعت تلك المنافاة بالكلية وصارت
~~تلك العلوم المضادة بتمامها هباء منثورا.

# وقال نفعنا الله تعالى بعلومه في أثناء المكتوب السادس والثلاثين من
~~الجلد الأول أيضا: للشريعة ثلاثة أجزاء علم وعمل وإخلاص فما لم تتحقق
~~هذه الأجزاء لم تتحقق الشريعة وإذا تحققت الشريعة حصل رضا الحق سبحانه
~~وتعالى وهو فوق جميع السعادات الدنيوية والأخروية

# ورضوان من الله أكبر

# [التوبة: 72] فالشريعة متكفلة بجميع السعادات ولم يبق مطلب وراء الشريعة
~~فالطريقة والحقيقة اللتان امتاز بهما الصوفية كلتاهما خادمتان للشريعة في
~~تكميل الجزء الثالث الذي هو الإخلاص فالمقصود منهما تكميل الشريعة لا أمر
~~آخر وراء ذلك إلى آخر ما قال، وقال عليه الرحمة في أثناء المكتوب التاسع
~~والعشرين من الجلد المذكور بعد تحقيق كثير: فتقرر أن طريق الوصول إلى
~~درجات القرب الإلهي جل شأنه ms06211 سواء كان قرب النبوة أو قرب الولاية منحصر
~~في طريق الشريعة التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصار
~~مأمورا بها في آية

# قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة
~~أنا ومن اتبعني

# [يوسف: 108] وآية

# قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم
~~الله

# [آل عمران: 31] تدل على ذلك أيضا وكل طريق سوى هذا الطريق ضلال ومنحرف
~~عن المطلوب الحقيقي وكل طريقة ردتها الشريعة فهي زندقة، وشاهد ذلك آية

# وأن هذا صرطي مستقيما

# [الأنعام: 153] وآية

# فماذا بعد الحق إلا الضلال

# [يونس: 32] وآية

# ومن يبتغ غير الإسلام دينا

# [آل عمران: 85] وحديث

# " خط لنا النبي صلى الله عليه وسلم "

# الخبر، وحديث

# " كل بدعة ضلالة "

# وأحاديث أخر إلى آخر ما قال عليه رحمة الملك المتعال.

# وقال قدس سره في «معارف الصوفية»: اعلم أن معارف الصوفية وعلومهم في
~~نهاية سيرهم وسلوكهم إنما هي علوم الشريعة لا أنها علوم أخر غير علوم
~~الشريعة، نعم يظهر في أثناء الطريق علوم ومعارف كثيرة ولكن لا بد من
~~العبور عنها، ففي نهاية النهايات علومهم علوم العلماء وهي علوم الشريعة
~~والفرق / بينهم وبين العلماء أن تلك العلوم بالنسبة إلى العلماء نظرية
~~واستدلالية وبالنسبة إليهم تصير كشفية وضرورية. وقال أيضا: اعلم أن
~~الشريعة والحقيقة متحدان في الحقيقة ولا فرق بينهما إلا بالإجمال
~~والتفصيل وبالاستدلال والكشف بالغيب والشهادة وبالتعمل وعدم التعمل
~~وللشريعة من ذلك الأول وللحقيقة الثاني وعلامة الوصول إلى حقيقة حق
~~اليقين مطابقة علومه ومعارفه لعلوم الشريعة ومعارفها وما دامت المخالفة
~~موجودة ولو أدنى شعرة فذلك دليل على عدم الوصول، وما وقع في عبارة بعض
~~المشايخ من أن الشريعة قشر والحقيقة لب فهو وإن كان مشعرا بعدم استقامة
~~قائله ولكن يمكن أن يكون مراده أن المجمل بالنسبة إلى المفصل حكمه حكم
~~القشر بالنسبة إلى اللب وأن الاستدلال بالنسبة إلى الكشف كذلك، والأكابر
~~المستقيمة أحوالهم لا يجوزون الإتيان بمثل هذه العبارات الموهمة إلى غير
~~ذلك من عباراته الشريفة التي لا تكاد تحصى.

# وقال سيدي القطب الرباني الشيخ عبد القادر ms06212 الكيلاني قدس سره: جميع
~~الأولياء لا يستمدون إلا من كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم
~~ولا يعملون إلا بظاهرهما، وقال سيد الطائفة الجنيد قدس سره: الطرق كلها
~~مسدودة إلا على من اقتفى أثر الرسول عليه الصلاة والسلام. وقال أيضا: من
~~لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدي به في هذا العلم لأن علمنا مقيد
~~بالكتاب والسنة. وقال السري السقطي: التصوف اسم لثلاثة معان وهو لا يطفىء
~~نور معرفته نور ورعه ولا يتكلم بسر باطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب
~~ولا تحمله الكرامات على هتك محارم الله. وقال أيضا قدس سره: من ادعى
~~باطن علم ينقضه ظاهر حكم فهو غالط. وقال أبو الحسين النوري: من رأيته
~~يدعي مع الله تعالى حالة تخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقربه ومن رأيته
~~يدعي حالة لا يشهد لها حفظ ظاهر فاتهمه على دينه، وقال أبو سعيد الخراز:
~~كل فيض باطن يخالفه ظاهر فهو باطل. وقال أبو العباس أحمد الدينوري: لسان
~~الظاهر لا يغير حكم الباطن، وفي «التحفة» لابن حجر قال الغزالي: من زعم
~~أن له مع الله تعالى حالا أسقط عنه نحو الصلاة أو تحريم شرب الخمر وجب
~~قتله وإن كان في الحكم بخلوده في النار نظر وقتل مثله أفضل من قتل مائة
~~كافر لأن ضرره أكثر انتهى، ولا نظر في خلوده لأنه مرتد لاستحلاله ما علمت
~~حرمته أو نفيه وجوب ما علم وجوبه ضرورة فيهما، ومن ثم جزم في «الأنوار»
~~بخلوده انتهى. وقال في «الإحياء»: من قال إن الباطن يخالف الظاهر فهو إلى
~~الكفر أقرب منه إلى الإيمان إلى غير ذلك، وفي «رسالة القشيري» طرف منه،
~~والذي ينبغي أن يعلم أن كلام العارفين المحققين وإن دل على أنه لا مخالفة
~~بين الشريعة والطريقة والحقيقة في الحقيقة لكنه يدل أيضا على أن في
~~الحقيقة كشوفا وعلوما غيبية ولذا تراهم يقولون: علم الحقيقة هو العلم
~~اللدني وعلم المكاشفة وعلم الموهبة وعلم الأسرار والعلم المكنون وعلم
~~الوراثة إلا أن هذا لا يدل ms06213 على المخالفة فإن الكشوف والعلوم الغيبية ثمرة
~~الإخلاص الذي هو الجزء الثالث من أجزاء الشريعة فهي بالحقيقة مترتبة على
~~الشريعة ونتيجة لها ومع هذا لا تغير تلك الكشوف والعلوم الغيبية حكما
~~شرعيا ولا تقيد مطلقا ولا تطلق مقيدا خلافا لما توهمه ساجقلي زاده
~~حيث قال في شرح عبارة «الإحياء» السابقة آنفا: يريد الغزالي من الباطن
~~ما ينكشف لعلماء الباطن من حل بعض الأشياء لهم مع أن الشارع حرمه على
~~عباده مطلقا فيجب أن يقال: إنما انكشف حله لهم لما انكشف لهم من سبب خفي
~~يحلله لهم وتحريم الشارع تعالى ذلك على عباده مقيد بانتفاء انكشاف السبب
~~المحلل لهم فمن انكشف له ذلك السبب حل له ومن لا فلا لكن الشارع سبحانه
~~حرمه على عباده على الإطلاق وترك ذلك القيد لندرة وقوعه إذ من ينكشف /
~~له قليل جدا مثاله انكشاف محلل خرق السفينة وقتل الغلام للخضر عليه
~~السلام فحل له بذلك الانكشاف الخرق والقتل وحلهما له مخالف لإطلاق نهى
~~النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن الضرر وعن قتل الصبي لكنهما مقيدان
~~فالأول مقيد بما إذا لم يعلم هناك غاصب مثلا والثاني بما إذا لم يعلم أن
~~الصبي سيصير ضالا مضلا لكن الشارع ترك القيدين لندرة وقوعهما
~~واعتمادا على فهم الراسخين في العلم إياهما إلى آخر ما قال فإن النصوص
~~السابقة تنادي بخلافه كما سمعت.

# ثم إن تلك الغيوب والمكاشفات بل سائر ما يحصل للصوفية من التجليات ليست
~~من المقاصد بالذات ولا يقف عندها الكامل ولا يلتفت إليها، وقد ذكر الإمام
~~الرباني قدس سره في المكتوب السادس والثلاثين المتقدم نقل بعضه أنها
~~تربى بها أطفال الطريق وأنه ينبغي مجاوزتها والوصول إلى مقام الرضا الذي
~~هو نهاية مقامات السلوك والجذبة وهو عزيز لا يصل إليه إلا واحد من ألوف،
~~ثم قال: إن الذين هم قليلو النظر يعدون الأحوال والمواجيد من المقامات
~~والمشاهدات والتجليات من المطالب فلا جرم بقوا في قيد الوهم والخيال
~~وصاروا محرومين من كمالات الشريعة

# كبر على المشركين ما تدعوهم ms06214 إليه الله
~~يجتبى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب

# [الشورى: 13] انتهى، ويعلم منه أن الكاملين في الشريعة يعبرون على ذلك
~~ولا يلتفتون إليه ولا يعدونه مقصدا وجل مقصدهم تحصيل مقام الرضا، وعلى
~~هذا يخرج بيت المثنوي حيث يقول:

# زان طرف كه عشق من افزوددرد

# بو حنيفة شافعي درسي نكرد

# وقد يحجب الكامل عن جميع ذلك ويلحق من هذه الحيثية بعوام الناس، ويعلم
~~مما ذكر أن موسى عليه السلام أكمل من الخضر وأعلمية الخضر عليه السلام
~~بعلم الحقيقة كانت بالنسبة إلى الحالة الحاضرة فإن موسى عليه السلام عبر
~~على ذلك ولم يقف عنده لأنه في مقام التشريع، ولعل طلبه التعليم كان
~~بالأمر ابتلاء له بسبب تلك الفلتة، وقد ذكروا أن الكامل كلما كان صعوده
~~أعلا كان هبوطه أنزل وكلما كان هبوطه أنزل كان في الإرشاد أكمل في
~~الإفاضة أتم لمزيد المناسبة حينئذ بين المرشد والمسترشد، ولهذا قالوا
~~فيما يحكى: إن الحسن البصري وقف على شط نهر ينتظر سفينة فجاء حبيب العجمي
~~فقال له: ما تنتظر؟ فقال: سفينة فقال: أي حاجة إلى السفينة أمالك يقين؟
~~فقال الحسن: أمالك علم؟ ثم عبر حبيب على الماء بلا سفينة ووقف الحسن أن
~~الفضل للحسن فإنه كان جامعا بين علم اليقين وعين اليقين وعرف الأشياء
~~كما هي وفي نفس الأمر جعلت القدرة مستورة خلف الحكمة والحكمة في الأسباب
~~وحبيب صاحب سكر لم ير الأسباب فعومل برفعها، ومن هنا يظهر سر قلة الخوارق
~~في الصحابة مع قول الإمام الرباني: إن نهاية أويس سيد التابعين بداية
~~وحشي قاتل حمزة يوم أسلم فما الظن بغير أويس مع غير وحشي، وأنا أقول: إن
~~الكامل وإن كان من علمت إلا أن فوقه الأكمل وهو من لم يزل صاعدا في
~~تزوله ونازلا في صعوده وليس ذلك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولولا
~~ذلك ما أمد العالم العلوي والسفلي، وهذا مرجع الحقيقة والشريعة له عليه
~~الصلاة والسلام على الوجه الأتم كما أشرنا إليه سابقا والحمد لله تعالى
~~على أن جعلنا ms06215 من أمته وذريته.

# ولا يعكر على ما ذكرنا ما قاله الإمام الغزالي في «الإحياء» وهو أن علم
~~الآخرة قسمان علم مكاشفة وعلم معاملة أما علم المكاشفة فهو علم الباطن
~~وهو غاية العلوم وهو علم الصديقين والمقربين وهو عبارة عن نور يظهر في
~~القلب عند تطهيره وتزكيته من الصفات المذمومة وينكشف بذلك ما كان يسمع من
~~قبل أسمائها ويتوهم لها معان مجملة غير متضحة فتتضح / إذ ذاك حتى تحصل
~~المعرفة بذات الله تعالى وبصفاته التامات وبأفعاله وبحكمته في خلق الدنيا
~~والآخرة انتهى.

# لأن المراد أن ذلك من علم الباطن الذي هو علم الحقيقة وهذا البعض لا
~~يمكن أن يخلو منه نبي كيف ورتبة الصديقين دون رتبة الأنبياء عليهم
~~السلام كما قرروه في آية

# أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من
~~النبيين والصديقين والشهداء والصلحين

# [النساء: 69] ومما ذكرنا من عدم المخالفة بين الشريعة والحقيقة يعلم ما
~~في كلام البلقيني في دفع ما استشكله من قول الخضر لموسى عليهما السلام:
~~«إني على علم» الحديث السابق حيث زعم أنه يدل بظاهره على امتناع تعليم
~~العلمين معا مع أنه لا يمتنع. وأجاب بأن علم الكشوف والحقائق ينافي علم
~~الظاهر فلا ينبغي للعالم الحاكم بالظاهر أن يعلم الحقائق للتنافي وكذا لا
~~ينبغي للعالم بالحقيقة أن يعلم العلم الظاهر الذي ليس مكلفا به وينافي
~~ما عنده من الحقيقة، ولعمري لقد أخطأ فيما قال وبالحق تعرف الرجال وكأنه
~~لم يعتمد عليه فأردفه بجواب آخر هو خلاف الظاهر. وأنت تعلم أنه لا حاجة
~~إلى شيء من ذلك والاستشكال من ضعف النظر.

# ثم إن قصة الخضر عليه السلام لا تصلح حجة لمن يزعم المخالفة بين العلمين
~~فإن أعظم ما يشكل فيها قتل الغلام لكونه طبع كافرا وخشي من بقائه حيا
~~ارتداد أبويه وذلك أيضا شريعة لكنها مخصوصة به عليه السلام لأنه كما قال
~~العلامة السبكي: أوحي إليه أن يعمل بالباطن وخلاف الظاهر الموافق للحكمة
~~فلا إشكال فيه وإن علم من شريعتنا أنه لا يجوز لأحد كائنا من كان قتل
~~صغير ms06216 لا سيما بين أبوين مؤمنين وكيف يجوز قتله بسبب لم يحصل والمولود لا
~~يوصف بكفر حقيقي ولا إيمان حقيقي واتفاق الشرائع في الأحكام مما لم يذهب
~~إليه أحد من الأنام فضلا عن العلماء الأعلام وهذا ظاهر على القول
~~بنبوته، وأما على القول بولايته فيقال: إن عمل الولي بالإلهام كان إذ ذاك
~~شرعا أو كما قيل إنه أمر بذلك على يد نبي غير موسى عليه السلام، وأما
~~إقامة الجدار بلا أجر فلا إشكال فيها لأنها إحسان وغاية ما يتخيل أنه
~~للمسيء فليكن كذلك ولا ضير فإنه من مكارم الأخلاق، وأما خرق السفينة
~~لتسلم من غصب الظالم فقد قالوا: إنه مما لا بأس به حتى قال العز بن عبد
~~السلام: إنه إذا كان تحت يد الإنسان مال يتيم أو سفيه أو مجنون وخاف عليه
~~أن يأخذه ظالم يجب عليه تعييبه لأجل حفظه وكان القول قول من عيب مال
~~اليتيم ونحوه إذا نازعه اليتيم ونحوه بعد الرشد ونحوه في أنه فعله لحفظه
~~على الأوجه كما قاله القاضي زكريا في «شرح الروض» قبيل باب الوديعة.

# ونظير ذلك ما لو كان تحت يده مال يتيم مثلا وعلم أنه لو لم يبذل منه
~~شيئا لقاض سوء لانتزعه منه وسلمه لبعض الخونة وأدى ذلك إلى ذهابه فإنه
~~يجب عليه أن يدفع إليه شيئا ويتحرى في أقل ما يمكن إرضاؤه به ويكون
~~القول قوله أيضا، وقال بعضهم: قصارى ما تدل عليه القصة ثبوت العلم
~~الباطن وهو مسلم لكن إطلاق الباطن عليه إضافي كما تقدم، وكأن في قوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " إن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا العلماء بالله تعالى فإذا
~~قالوه لا ينكره إلا أهل الغرة بالله تعالى "

# إشارة إلى ذلك، والمراد بأهل الغرة علماء الظاهر الذين لم يؤتوا ذلك،
~~وبعض مثبتيه يستدلون بقول أبي هريرة: حفظت من رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وعاءين من العلم فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني
~~هذا البلعوم، واستدل به أيضا على المخالفة بين العلمين. ms06217 وأنت تعلم أنه
~~يحتمل أن يكون أراد بالآخر الذي لو بثه لقتل علم الفتن وما وقع من بني
~~أمية وذم النبي صلى الله عليه وسلم لأناس معينين منهم ولا شك أن بث ذلك
~~في تلك الأعصار يجر إلى القتل، وعلى تسليم أنه أراد به العلم الباطن
~~المسمى بعلم الحقيقة لا نسلم أن قطع البلعوم منه على بثه لمخالفته للعلم
~~الظاهر في نفس الأمر بل لتوهم / من بيده الحل والعقد والأمر والنهي من
~~أمراء ذلك الزمان المخالفة فافهم.

# واستدل العلماء بما في القصة حسبما ذكره شراح الحديث وغيرهم على استحباب
~~الرحلة للعلم وفضل طلبه واستحباب استعمال الأدب مع العالم واحترام
~~المشايخ وترك الاعتراض عليهم وتأويل ما لا يفهم ظاهره من أفعالهم
~~وحركاتهم وأقوالهم والوفاء بعهودهم والاعتذار عند مخالفتهم وعلى جواز
~~اتخاذ الخادم في السفر وحمل الزاد فيه وإنه لا ينافي التوكل ونسبة
~~النسيان ونحوه من الأمور المكروهة إلى الشيطان مجازا وتأدبا عن نسبتها
~~إلى الله تعالى واعتذار العالم إلى من يريد الأخذ عنه في عدم تعليمه مما
~~لا يحتمله طبعه وتقديم المشيئة في الأمر واشتراط المتبوع على التابع وعلى
~~أن النسيان غير مؤاخذ به وأن للثلاث اعتبارا في التكرار ونحوه وعلى جواز
~~ركوب السفينة وفيه الحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه لإنكار موسى عليه
~~السلام وعلى جواز أن يطلب الإنسان الطعام عند احتياجه إليه وعلى أن صنع
~~الجميل لا يترك ولو مع اللئام وجواز أخذ الأجر على الأعمال وإن المسكين
~~لا يخرج عن المسكنة بملك آلة يكتسب بها أو بشيء لا يكفيه وإن الغصب حرام
~~وأنه يجوز دفن المال في الأرض وفيه إثبات كرامات الأولياء على قول من
~~يقول: الخضر ولي إلى غير ذلك مما يظهر للمتتبع أو للمتأمل، وبالجملة قد
~~تضمنت هذه القصة فوائد كثيرة ومطالب عالية خطيرة فأمعن النظر في ذاك
~~والله سبحانه يتولى هداك.

# ومن باب الإشارة في الآيات: على ما ذكره بعض أهل الإشارة { فوجدا
~~عبدا من عبادنا } فيه إشارة إلى أن لله تعالى خواص أضافهم
~~سبحانه إليه ms06218 وقطعهم عن غيره وأخص خواصه عز وجل من أضافه إلى الاسم الجليل
~~وهو اسم الذات الجامع لجميع الصفات أو إلى ضمير الغيبة الراجع إليه تعالى
~~وليس ذاك إلا حبيبه الأكرم صلى الله عليه وسلم { ءاتيناه رحمة من
~~عندنا } وهي مرتبة القرب منه عز وجل

# وعلمناه من لدنا علما

# [الكهف: 65] وهو العلم الخاص الذي لا يعلم إلا من جهته تعالى، وقال ذو
~~النون: العلم اللدني هو الذي يحكم على الخلق بمواقع التوفيق والخذلان.

# وقال الجنيد قدس سره: هو الاطلاع على الأسرار من غير ظن فيه ولا خلاف
~~واقع لكنه مكاشفات الأنوار عن مكنون المغيبات ويحصل للعبد إذا حفظ جوارحه
~~عن جميع المخالفات وأفنى حركاته عن كل الإرادات وكان شبحا بين يدي الحق
~~بلا تمنى ولا مراد، وقيل: هو علم يعرف به الحق سبحانه أولياءه ما فيه
~~صلاح عباده. وقال بعضهم: هو علم غيبي يتعلق بعالم الأفعال وأخص منه
~~الوقوف على بعض سر القدر قبل وقوع واقعته وأخص من ذلك علم الأسماء
~~والنعوت الخاصة وأخص منه علم الذات.

# وذكر بعض العارفين أن من العلوم ما لا يعلمه إلا النبي، واستدل له
~~بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج كما ذكره القسطلاني في
~~«مواهبه» وغيره

# " وسألني ربي فلم أستطع أن أجيبه فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها
~~فأورثني علم الأولين والآخرين وعلمني علوما شتى فعلم أخذ علي كتمانه
~~إذ علم أنه لا يقدر على حمله أحد غيري وعلم خيرني فيه وعلمني القرآن فكان
~~جبريل عليه السلام يذكرني به وعلم أمرني بتبليغه إلى العام والخاص من
~~أمتي "

# انتهى، ولله تعالى علم استأثر به عز وجل لم يطلع عليه أحدا من خلقه

# قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما
~~علمت رشدا

# [الكهف: 66] قاله عن ابتلاء إلهي كما قدمنا، وقال فارس كما في «أسرار
~~القرآن»: إن موسى عليه السلام كان أعلم من الخضر فيما أخذ عن الله تعالى
~~والخضر كان أعلم من موسى فيما وقع إلى موسى عليه السلام، وقال أيضا: إن
~~موسى ms06219 كان باقيا بالحق والخضر كان فانيا بالحق

# قال إنك لن تستطيع معى صبرا * وكيف تصبر
~~على ما لم تحط به خبرا

# [الكهف: 67-68] قيل: علم الخضر أن موسى عليه السلام أكرم الخلق على الله
~~تعالى في زمانه وأنه ذو وحدة عظيمة ففزع من صحبته لئلا يقع منه معه ما لا
~~يليق بشأنه. وقال بعضهم: آيسه من نفسه لئلا يشغله صحبته عن صحبة الحق:

# قال ستجدنى إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا

# [الكهف: 69] قال بعضهم: لو قال كما قال الذبيح عليه السلام:

# ستجدنى إن شاء الله من الصبرين

# [الصافات: 102] لوفق للصبر كما وفق الذبيح، والفرق أن كلام الذبيح أظهر
~~في الالتجاء وكسر النفس حيث علق بمشيئة الله تعالى وجدانه واحدا من
~~جماعة متصفين بالصبر ولا كذلك كلام موسى عليه السلام { فانطلقا
~~حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها } سلكا
~~طريق السؤال الذي يتعلق بذل النفس في الطريقة وهو لا ينافي التوكل وكذا
~~الكسب

# قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا

# [الكهف: 77] كأنه عليه السلام أراد دفع ما أحوجهما إلى السؤال من أولئك
~~اللئام وفيه نظر إلى الأسباب وهو من أحوال الكاملين كما مر في حكاية
~~الحسن البصري وحبيب، ففي هذا إشارة إلى أنه أكمل من الخضر عليهما السلام

# قال هذا فراق بينى وبينك

# [الكهف: 78] أي حسبما أردت، وقال النصرابادي: لما علم الخضر بلوغ موسى
~~إلى منتهى التأديب وقصور علمه عن علمه قال ذلك لئلا يسأله موسى بعد عن
~~علم أو حال فيفتضح. وقيل: خاف أن يسأله عن أسرار العلوم الربانية
~~الصفاتية الذاتية فيعجز عن جوابه فقال ما قال

# وأما الغلم فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن
~~يرهقهما طغينا وكفرا

# [الكهف: 80] قيل: كان حسن الوجه جدا وكان محبوبا في الغاية لوالديه
~~فخشي فتنتهما به، والآية من المشكل ظاهرا لأنه إن كان قد قدر الله تعالى
~~عليهما الكفر فلا ينفعهما قتل الولد وإن لم يكن قدر سبحانه ذلك فلا
~~يضرهما بقاؤه، وأجيب بأن المقدر بقاؤهما على الإيمان إن قتل وقتله ليبقيا
~~على ذلك. ms06220

# وقيل: إن المقدر قد يغير ولا يلزم من ذلك سوى التغير في تعلق صفته تعالى
~~لا في الصفة نفسها ليلزم التغير فيه عز وجل، وقد تقدم الكلام في ذلك عند
~~قوله تعالى:

# يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتب

# [الرعد: 39]. واستشكل أيضا بأن المحذور يزول بتوفيقه للإيمان فما
~~الحاجة إلى القتل، وأجيب بأن الظاهر أنه غير مستعد لذلك فهو مناف للحكمة
~~وكأن الخضر عليه السلام رأى فيما قال نوع مناقشة فتخلص من ذلك بقوله:

# وما فعلته عن أمرى

# [الكهف: 82] أي بل فعلته بأمر الله عز وجل ولا يسأل سبحانه عما أمر وفعل
~~ولعل قوله لموسى عليه السلام ما قال حين نقر العصفور في البحر سد لباب
~~المناقشة فيما أمر الله تعالى شأنه، ولعل علم مثل هذه المسائل من العلم
~~الذي استأثر الله سبحانه به

# ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء

# [البقرة: 255] وأول بعضهم مجمع البحرين بمجمع ولاية الشيخ وولاية المريد
~~والصخرة بالنفس والحوت بالقلب المملح بملح حب الدنيا وزينتها والسفينة
~~بالشريعة وخرقها بهدم الناموس في الظاهر مع الصلاح في الباطن وإغراق
~~أهلها بإيقاعهم في بحار الضلال والغلام بالنفس الأمارة وقتله بذبحه بسيف
~~الرياضة والقرية بالجسد وأهلها بالقوى الإنسانية من الحواس واستطعامهم
~~بطلب أفاعيلها التي تختص بها وإباء الضيافة بمنعها إعطاء خواصها كما
~~ينبغي لكلالها وضعفها والجدار بالتعلق الحائل بين النفس الناطقة وعالم
~~المجردات وإرادة الانقضاض بمشارفة قطع العلائق وإقامته بتقوية البدن
~~والرفق بالقوى والحواس ومشيئة اتخاذ الأجر بمشيئة الصبر على شدة الرياضة
~~لنيل الكشوف وإفاضة الأنوار والمساكين بالعوام والبحر الذي يعملون فيه
~~ببحر الدنيا والملك بالشيطان والسفن التي يغصبها العبادات الخالية عن
~~الانكسار والذل والخشوع والأبوين المؤمنين بالقلب والروح والبدل الخير
~~بالنفس المطمئنة والملهمة والكنز / بالكمالات النظرية والعلمية والأب
~~الصالح بالعقل المفارق الذي كمالاته بالفعل وبلوغ الأشد بوصولهما بتربية
~~الشيخ وإرشاده إلى المرتبة الكاملة وهذا ما اختاره النيسابوري، واختار
~~غيره تأويلا آخر هو ادهى منه. هذا والله تعالى الموفق للصواب وإليه
~~المرجع والمآب.

### || [18.83]

# { ويسألونك عن ذى ms06221 القرنين } كان السؤال على وجه الامتحان
~~والسائلون في المشهور قريش بتلقين اليهود، وقيل: اليهود أنفسهم وروي ذلك
~~عن السدي، وأكثر الآثار تدل على أن الآية نزلت بعد سؤالهم فالتعبير بصيغة
~~الاستقبال لاستحضار الصورة الماضية لما أن في سؤالهم على ذلك الوجه مع
~~مشاهدتهم من أمره صلى الله عليه وسلم ما شاهدوا نوع غرابة، وقيل: للدلالة
~~على استمرارهم على السؤال إلى ورود الجواب، وبعض الآثار يدل على أن الآية
~~نزلت قبل، فعن عقبة بن عامر قال: إن نفرا من أهل الكتاب جاؤوا بالصحف أو
~~الكتب فقالوا لي: استأذن لنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لندخل
~~عليه فانصرفت إليه عليه الصلاة والسلام فاخبرته بمكانهم فقال صلى الله
~~عليه وسلم: ما لي ولهم يسألونني عما لا أعلم إنما أنا عبد لا علم لي إلا
~~ما علمني ربي ثم قال: ائتني بوضوء أتوضأ به فأتيته فتوضأ ثم قام إلى
~~مسجد في بيته فركع ركعتين فانصرف حتى بدا السرور في وجهه ثم قال: اذهب
~~فأدخلهم ومن وجدت بالباب من أصحابي فأدخلتهم فلما رآهم النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال: إن شئتم أخبرتكم بما سألتموني عنه وإن شئتم غير ذلك
~~فافعلوا، والجمهور على الأول ولم تثبت صحة هذا الخبر.

# واختلف في ذي القرنين فقيل: هو ملك أهبطه الله تعالى إلى الأرض وآتاه من
~~كل شيء سببا وروي ذلك عن جبير بن نفير، واستدل على ذلك بما أخرجه ابن
~~عبد الحكم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب «الأضداد»
~~وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه سمع رجلا ينادي
~~بمنى ياذا القرنين فقال له عمر: ها أنتم قد سميتم بأسماء الأنبياء فما
~~لكم وأسماء الملائكة، وهذا قول غريب بل لا يكاد يصح، والخبر على فرض صحته
~~ليس نصا في ذلك إذ يحتمل ولو على بعد أن يكون المراد أن هذا الاسم من
~~أسماء الملائكة عليهم السلام فلا تسموا به أنتم وان تسمى به بعض من قبلكم
~~من الناس. وقيل: ms06222 هو عبد صالح ملكه الله تعالى الأرض وأعطاه العلم والحكمة
~~وألبسه الهيبة ولا نعرف من هو وذكر في تسميته بذي القرنين وجوه، الأول
~~أنه دعا إلى طاعة الله تعالى فضرب على قرنه الأيمن فمات ثم بعثه الله
~~تعالى فدعا فضرب على قرنه الأيسر فمات ثم بعثه الله تعالى فسمي ذا
~~القرنين وملك ما ملك وروي هذا عن علي كرم الله تعالى وجهه، والثاني أنه
~~انقرض في وقته قرنان من الناس، الثالث أنه كانت صفحتا رأسه من نحاس وروي
~~ذلك عن وهب بن منبه، الرابع أنه كان في رأسه قرنان كالظلفين وهو أول من
~~لبس العمامة ليسترهما وروي ذلك عن عبيد بن يعلى، الخامس أنه كان لتاجه
~~قرنان، السادس أنه طاف قرني الدنيا أي شرقها وغربها وروي ذلك مرفوعا،
~~السابع أنه كان له غديرتان وروي ذلك عن قتادة ويونس بن عبيد، الثامن أنه
~~سخر له النور والظلمة فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتمتد الظلمة من
~~ورائه، التاسع أنه دخل النور والظلمة، العاشر أنه رأى في منامه كأنه صعد
~~إلى الشمس وأخذ بقرنيها.

# الحادي عشر أنه يجوز أن يكون قد لقب بذلك لشجاعته كأنه ينطح أقرانه كما
~~لقب أزدشيربهمن بطويل اليدين لنفوذ أمره حيث أراد، ولا يخفى أنه يبعد عدم
~~معرفة رجل مكن له ما مكن في الأرض وبلغ من الشهرة ما بلغ في طولها
~~والعرض، وأما الوجوه المذكورة في وجه تسميته ففيها ما لا يكاد يصح ولعله
~~غير خفي عليك / وقيل: هو فريدون بن اثفيان بن جمشيد خامس ملوك الفرس
~~الفيشدادية وكان ملكا عادلا مطيعا لله تعالى.

# وفي كتاب «صور الأقاليم» لأبي زيد البلخي أنه كان مؤيدا بالوحي. وفي
~~عامة التواريخ أنه ملك الأرض وقسمها بين بنيه الثلاثة ايرج وسلم وتور
~~فأعطى ايرج العراق والهند والحجاز وجعله صاحب التاج، وأعطى سلم الروم
~~وديار مصر والمغرب، وأعطى تور الصين والترك والمشرق، ووضع لكل قانونا
~~تحكم به وسميت القوانين الثلاثة سياسة فهي معربة سي ايسا أي ثلاثة
~~قوانين، ووجه تسميته ذا القرنين ms06223 أنه ملك طرفي الدنيا أو طول أيام سلطنته
~~فإنها كانت على ما في «روضة الصفا» خمسمائة سنة أو عظم شجاعته وقهره
~~الملوك. ورد بأنه قد أجمع أهل التاريخ على أنه لم يسافر لا شرقا ولا
~~غربا وإنما دوخ له البلاد كاوه الأصفهاني الحداد الذي مزق الله تعالى
~~على يده ملك الضحاك وبقي رئيس العساكر إلى أن مات، ويلزم على هذا القول
~~أيضا أن يكون الخضر عليه السلام على مقدمته بناء على ما اشتهر أنه عليه
~~السلام كان على مقدمة ذي القرنين ولم يذكر ذلك أحد من المؤرخين. وأجيب
~~بأن من يقول: إنه الإسكندر يثبت جميع ما ثبت للإسكندر في الآيات والأخبار
~~ولا يبالي بعدم ذكر المؤرخين لذلك وهو كما ترى، وقيل: هو اسكندر اليوناني
~~ابن فيلقوس، وقيل: قلفيص، وقيل: قليص. وقال ابن كثير: هو ابن فيليس بن
~~مصريم ابن هرمس بن ميطون بن رومي بن ليطي بن يونان بن يافث بن نونه بن
~~شرخون بن تونط بن يوفيل بن رومي بن الأصغر بن العزير بن إسحاق بن إبراهيم
~~الخليل عليه السلام وكان سرير ملكه مقدونيا وهي بلدة من بلاد الروم غربي
~~دار السلطنة السنية قسطنطينية المحمية بينهما من المسافة قدر خمسة عشر
~~يوما أو نحو ذلك عند مدينة شيروز، وقول ابن زيدون: إنها مصروهم، وهو
~~الذي غلب دارا الأصغر واستولى على ملك الفرس وكان مولده في السنة الثالثة
~~عشر من ملك دارا الأكبر.

# وزعم بعضهم أنه أبوه وذلك أنه تزوج بنت فيلقوس فلما قربها وجد منها
~~رائحة منكرة فأرسلها إلى أبيها وقد حملت بالإسكندر فلما وضعته بقي في
~~كفالة أبيها فنسب إليه، وقيل: إن دارا الأكبر تزوج بنت ملك الزنج هلابي
~~فاستخبث ريحها فأمر أن يحتال لذلك فكانت تغتسل بماء السندروس فأذهب
~~كثيرا من ذفرها ثم عافها وردها إلى أهلها فولدت الإسكندر وكان يسمى
~~الإسكندروس. ويدل على أنه ولده أنه لما أدرك دارا الأصغر بن دارا الأكبر
~~وبه رمق وضع رأسه في حجره وقال له: يا أخي أخبرني عمن فعل ms06224 هذا بك لأنتقم
~~منه وهو زعم باطل. وقوله: يا أخي من باب الإكرام ومخاطبة الأمثال. وإنما
~~سمي ذا القرنين لملكه طرفي الأرض أو لشجاعته. واستدل لهذا القول بأن
~~القرآن دل على أن الرجل بلغ ملكه إلى أقصى المغرب وأقصى المشرق وجهة
~~الشمال وذلك تمام المعمول من الأرض ومثل هذا الملك يجب أن يبقى ذكره
~~مخلدا. والملك الذي اشتهر في كتب التواريخ أنه بلغ ملكه إلى هذا الحد
~~ليس إلا هذا الإسكندر، وذلك لأنه لما مات أبوه جمع ملوك الروم والمغرب
~~وقهرهم وانتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر وبنى الإسكندرية ثم دخل
~~الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه ثم انعطف إلى
~~أرمينية وباب الأبواب ودانت له العراقيون والقبط والبربر واستولى على
~~دارا وقصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن
~~الكثيرة ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها، وقيل: مات برومية
~~المدائن ووضعوه في تابوت من ذهب وحملوه إلى الإسكندرية وعاش اثنين
~~وثلاثين سنة ومدة ملكه اثنتا عشرة سنة. وقيل: / عاش ستا وثلاثين ومدة
~~ملكه ست عشرة سنة، وقيل: غير ذلك، فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين ملك
~~أكثر المعمورة وثبت بالتواريخ أن الذي هذا شأنه هو الإسكندر وجب القطع
~~بأن المراد بذي القرنين هو الإسكندر كذا ذكره الإمام ثم قال: وهذا القول
~~هو الأظهر للدليل المذكور إلا أن فيه إشكالا قويا وهو أنه كان تلميذ
~~أرسطو الحكيم المقيم بمدينة أنينة أسلمه إليه أبوه فأقام عنده خمس سنين
~~وتعلم منه الفلسفة وبرع فيها وكان على مذهبه فتعظيم الله تعالى إياه يوجب
~~الحكم بأن مذهب أرسطو حق وذلك مما لا سبيل إليه. وأجيب بأنا لا نسلم أنه
~~كان على مذهبه في جميع ما ذهب إليه والتلمذة على شخص لا توجب الموافقة في
~~جميع مقالات ذلك الشخص ألا ترى كثرة مخالفة الإمامين لشيخهما الإمام أبي
~~حنيفة رضي الله تعالى عنه فيحتمل أن يكون مخالفا له فيما يوجب الكفر،
~~وفي ذبحه في مذبح بيت المقدس ms06225 دليل على أنه لم يكن يرى جميع ما يراه
~~الحكماء، ولا يخفى أنه احتمال بعيد، والمشهور أنه كان قائلا بما يقوله
~~الحكماء والذبح المذكور غير متحقق والاستدلال به ضعيف، وقيل: إن قوله
~~بذلك وتمذهبه بمذهب أرسطو لا يوجب كفره إذ ذاك فإنه كان مقرا بالصانع
~~تعالى شأنه معظما له غير عابد سواه من صنم أو غيره كما يدل عليه ما نقله
~~الشهرستاني أن الحكماء تشاوروا في أن يسجدوا له إجلالا وتعظيما فقال:
~~لا يجوز السجود لغير بادىء الكل ولم يكن مبعوثا إليه رسول فإنه كان قبل
~~مبعث عيسى عليه السلام بنحو ثلثمائة سنة وكان الأنبياء عليهم السلام إذ
~~ذاك من بني إسرائيل ومبعوثين إليهم ولم يكن هو منهم فكان حكمه حكم أهل
~~الفترة.

# وتعقب بأنه على تسليم ذلك لا يحسم مادة الإشكال لأن الله تعالى لا يكاد
~~يعظم من حكمه حكم أهل الفترة مثل هذا التعظيم الذي دلت عليه الآيات
~~والأخبار، وأيضا الثالث في التواريخ أن الإسكندر المذكور كان أرسطو
~~بمنزلة الوزير عنده وكان يستشيره في المهمات ويعمل برأيه ولم يذكر فيها
~~أنه اجتمع مع الخضر عليه السلام فضلا عن اتخاذه إياه وزيرا كما هو
~~المشهور في ذي القرنين. واعترض أيضا بأن اسكندر المذكور لم يتحقق له سفر
~~نحو المغرب في كتب التواريخ المعتبرة وقد نبه على ذلك كاتب جلبي عليه
~~الرحمة، وقيل: هو الإسكندر الرومي وهو متقدم على اليوناني بكثير ويقال
~~له: ذو القرنين الأكبر، واسمه قيل: مرزبان بن مردبة من ولد يافث بن نوح
~~عليه السلام وكان أسود، وقيل: اسمه عبد الله بن الضحاك، وقيل: مصعب بن
~~عبد الله بن قينان بن منصور بن عبد الله بن الأزد بن عون بن زيد بن كهلان
~~بن سبا بن يعرب بن قحطان، وجعل بعضهم هذا الخلاف في اسم ذي القرنين
~~اليوناني بعد أن نقل القول بأن اسمه الإسكندر بن فيلقوس، وذكر في اسم
~~الرومي ونسبه ما نقل سابقا عن ابن كثير.

# وذهب بعض المحققين إلى أن الإسكندر اليوناني والإسكندر الرومي ms06226 كلاهما
~~يطلقان على غالب دارا الأصغر والتاريخ المشهور بالتاريخ الرومي ويسمى
~~أيضا السرياني والعجمي ينسب إليه في المشهور وأوله شروق يوم الاثنين من
~~أول سنة من سني ولايته عند ابن البناء ومن أول السنة السابعة وهي سنة
~~خروجه لتملك البلاد كما في «زيج الصوفي» أو من أول السنة التي مات فيها
~~كما في «المبادىء والغايات»، وبعض المحققين ينسبه إلى سولونس بن الطبوخوس
~~الذي أمر ببناء انطاكية وهو الذي صححه ابن أبي الشكر، وتوقف بعضهم كالغ
~~بك عن نسبته إلى أحدهما لتعارض الأدلة، ونفى بعضهم أن يكون في الزمن
~~المتقدم بين الملوك اسكندران.

# / وزعم أنه ليس هناك إلا الإسكندر الذي غلب دارا واستولى على ملك فارس
~~وقال: إن ذا القرنين المذكور في القرآن العظيم يحتمل أن يكون هو ويحتمل
~~أن يكون غيره، والذي عليه الكثير أن المسمى بالإسكندر بين الملوك السالفة
~~اثنان بينهما نحو ألفي سنة وأن أولهما هو المراد بذي القرنين ويسميه
~~بعضهم الرومي وبعضهم اليوناني وهو الذي عمر دهرا طويلا فقيل: عمر ألفا
~~وستمائة سنة، وقيل: ألفي سنة، وقيل: ثلاثة آلاف سنة ولا يصح في ذلك شيء،
~~وذكر أبو الريحان البيروني المنجم في كتابه المسمى «بالآثار الباقية عن
~~القرون الخالية» أن ذا القرنين هو أبو كرب سمي بن عمير بن أفريقيس
~~الحميري وهو الذي افتخر به تبع اليماني حيث قال:

# قد كان ذو القرنين جدي مسلما

# ملكا علا في الأرض غير مفند

# بلغ المغارب والمشارق يبتغي

# أسباب ملك من حكيم مرشد

# فرأى مغيب الشمس عند غروبها

# في عين ذي خلب وثأط حرمد

# ثم قال: ويشبه أن يكون هذا القول أقرب لأن الأذواء كانوا من اليمن كذي
~~المنار وذي نواس وذي رعين وذي يزن وذي جدن، واختار هذا القول كاتب جلبي
~~وذكر أنه كان في عصر إبراهيم عليه السلام وأنه اجتمع معه في مكة المكرمة
~~وتعانقا وأن شهرة بلوغ ملك الإسكندر اليوناني تلميذ أرسطو الغاية القصوى
~~في كتب التواريخ كما ذكر الإمام دون هذا إنما هي لقرب زمان اليوناني
~~بالنسبة ms06227 إليه فإن بينهما نحو ألفي سنة وتواريخ هاتيك الأعصار قد أصابها
~~إعصار ولم يبق ما يعول عليه ويرجع في حل المشكلات إليه، وربما يقال: إن
~~عدم شهرة من ذكر تقوي كونه المسؤول عنه إذ غرض اليهود من السؤال الامتحان
~~وذلك إنما يحسن فيما خفي أمره ولم يشهر إذ الشهرة لا سيما إذا كانت تامة
~~مظنة العلم وإلى كون ذي القرنين في زمان إبراهيم عليه السلام ذهب غير
~~واحد، وقد ذكر الأزرقي أنه أسلم على يده عليه السلام وطاف معه بالكعبة
~~وكان ثالثهما إسماعيل عليه السلام، وروي أنه حج ماشيا فلما سمع إبراهيم
~~عليه السلام بقدومه تلقاه ودعا له وأوصاه بوصايا، وقيل: أتى بفرس ليركب
~~فقال: لا أركب في بلد فيه الخليل فعند ذلك سخر له السحاب ومد له في
~~الأسباب وبشره إبراهيم عليه السلام بذلك فكانت السحابة تحمله وعساكره
~~وجميع آلتهم إذا أرادوا غزو قوم وهؤلاء لم يصرحوا بأن ذا القرنين هذا هو
~~الحميري الذي ذكر لكن مقتضى كلام كاتب جلبي أنه هو. وذكر أنه يمكن أن
~~يكون إسكندر لقبا لمن ذكر معربا عن الكسندر ومعناه في اللغة اليونانية
~~آدمي جيد، وربما يقال: إن من قال: اسم الإسكندر مصعب بن عبد الله بن
~~قينان بن منصور إلى آخر النسب السابق المنتهي إلى قحطان عنى هذا الرجل
~~الحميري لا الرومي ولا اليوناني لكن وهم الناقل لأنه لم يقل أحد بأن
~~الروم من أبناء قحطان وكذا اليونان، نعم ذكر يعقوب بن إسحاق الكندي أن
~~يونان أخو قحطان.

# ورد عليه أبو العباس الناشي في قصيدته حيث قال:

# أبا يوسف إني نظرت فلم أجد

# على الفحص رأيا صح منك ولا عقدا

# وصرت حكيما عند قوم إذا امرؤ

# بلاهم جميعا لم يجد عندهم عهدا

# أتقرن الحادا بدين محمد

# لقد جئت شيئا يا أخا كندة إدا

# وتخلط يونانا بقحطان ضلة

# لعمري لقد باعدت بينهما جدا

# / والمذكور في كتب التواريخ أن ملوك اليمن إلى أن غلبت الحبشة عليها من
~~أبناء قحطان. وأورد على هذا القول في ذي ms06228 القرنين أنه لم يوجد في كتب
~~التواريخ المعتبرة سمي ابن عمير بن افريقيس في عداد ملوك اليمن والمذكور
~~إنما هو شمر بصيغة فعل الماضي من التشمير بن افريقيس ولم يذكروا بينه
~~وبين افريقيس عميرا وقد ذكر بعضهم فيه أنه ذو القرنين وقالوا: إنه يقال
~~له شمرير عش لارتعاش كان فيه فلعل سمي محرف عن شمر وابن عمير محرف من
~~يرعش، وقد ذكروا في أبيه افريقيس أنه غزا نحو المغرب في أرض البربر حتى
~~أتى طنجة ونقل البربر من أرض فلسطين ومصر والساحل إلى مساكنهم اليوم وأنه
~~هو الذي بنى أفريقية وبه سميت وكان ملكه مائة وأربعا وستين سنة، وفيه
~~أنه خرج نحو العراق وتوجه نحو الصين وأنه قلع المدينة التي تسمى اليوم
~~سمرقند وقالوا: إنها معرب شمركند وإلى ذلك يشير دعبل الخزاعي بقوله يفتخر
~~بملوك اليمن:

# هموا كتبوا الكتاب بباب مرو

# وباب الشاش كانوا الكاتبينا

# وهم سموا بشمر سمرقندا

# وهم غرسوا هناك النابتينا

# وأنه إنما لقب بذي القرنين لذؤابتين كانتا له وكان ملكه على ما قال ابن
~~قتيبة مائة وسبعا وثلاثين سنة وعلى ما قال المسعودي ثلاثا وخمسين سنة
~~وعلى ما قال غيرهما سبعا وثمانين سنة، ثم إن هذا لم يكن بأبي كرب وإنما
~~المكنى به على ما رأيناه في بعض التواريخ أسعد بن كليكرب ويقال له تبع
~~الأوسط ويذكر أنه آمن بنبينا صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه وفي ذلك يقول:

# شهدت على أحمد أنه

# رسول من الله باري النسم

# فلو مد عمري إلى عمره

# لكنت وزيرا له وابن عم

# وذكروا أنه كان شديد الوطأة كثير الغزو فمله قومه فأغروا ابنه حسان على
~~قتله فقتله، ولا يخفى أن كلا هذين الشخصين لا يصح أن يكون المراد بذي
~~القرنين الذي ذكر أنه لقي إبراهيم عليه السلام أما الأول فلأنهم ذكروا
~~أنه ملك بعد ياسر ينعم ابن عمرو وملك ياسر بعد بلقيس زوجة سليمان عليه
~~السلام وكان عمها فكيف يتصور أن يكون هذا ذاك مع بعد زمان ما بين إبراهيم
~~وسليمان ms06229 عليهما السلام.

# وأما الثاني فلأنه بعد هذا بكثير مع أنه لم يطلق عليه أحد ذا القرنين
~~ولا نسب إليه غزوا في مشارق الأرض ومغاربها ورأيت في بعض الكتب أن في
~~زمن منو جهر بن ايرج بن افريدون بعث موسى عليه السلام وكان ملك اليمن في
~~زمانه شمر أبا الملوك وكان في طاعته انتهى، وعليه أيضا لا يمكن أن يكون
~~شمر هذا هو ذا القرنين السابق وهو ظاهر وإذا أسقطت جميع هذه الأقوال عن
~~الاعتبار بناء على ما قيل إن أخبار ملوك اليمن مضطربة لا يكاد يوقف على
~~روايتين متفقتين فيها واعتبرت القول بأنه كان في زمن إبراهيم عليه السلام
~~ملك منهم هو ذو القرنين بناء على حسن الظن بقائل ذلك أشكل الأمر من وجه
~~آخر وهو أن كتب التواريخ قاطبة ناطقة بأن فريدون كان في زمان إبراهيم
~~عليه السلام وأنه قسم المعمورة بين بنيه الثلاثة حسبما تقدم فكيف يتسنى
~~مع هذا القول بأن ذا القرنين رجل من ملوك اليمن كان في ذلك الزمان أيضا،
~~ويجىء نحو هذا الإشكال إذا قلنا إن ذا القرنين هو أحد الإسكندرين
~~اليوناني والرومي وقلنا بأنه كان في زمن إبراهيم عليه السلام أيضا،
~~والحاصل أن القول بأن فريدون كان في ذلك الزمان وكان مالكا المعمورة كما
~~في عامة تواريخ الفرس يمنع القول بأن ذا القرنين في ذلك الزمان غيره بل
~~القول بوجود أحد الثلاثة من فريدون وذي القرنين التبعي وأحد الإسكندرين /
~~في ذلك الزمان وملكه المعمورة يمنع من القول بوجود غيره منهم في ذلك
~~الزمان وملكه المعمورة أيضا، واستشكل كون ذي القرنين أيا كان من هؤلاء
~~الثلاثة في زمان إبراهيم عليه السلام بأن نمرود كان في زمانه أيضا، وقد
~~جاء ملك الدنيا مؤمنان وكافران أما المؤمنان فسليمان عليه السلام وذو
~~القرنين وأما الكافران فنمرود وبختنصر ولا مخلص من ذلك على تقدير صحة
~~الخبر إلا بأن يقال كان زمان إبراهيم عليه السلام ممتدا ووقع ملكهما
~~الدنيا متعاقبا وهو كما ترى. ورأيت في بعض الكتب القول بأن ذا ms06230 القرنين
~~ملك بعد نمرود وينحل به الإشكال. وقال بعضهم: الذي تقتضيه كتب التواريخ
~~عدم صحة الخبر أو تأويله إذ ليس في شيء منها عموم ملك سليمان عليه السلام
~~أو ملك نمرود أو بختنصر والظاهر عدم الصحة. واستشكل أيضا كونه في ذلك
~~الزمان بأنه لم يذكر في التوراة كما يدعيه اليهود اليوم كافة ويبعد ذلك
~~غاية البعد على تقدير وجوده فالظاهر من عدم ذكره عدم كونه موجودا.

# وأجيب بأنا لا نسلم عدم ذكره، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن السدي أن
~~اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد إنك إنما تذكر إبراهيم
~~وموسى وعيسى والنبيين لأنك سمعت ذكرهم منا فأخبرنا عن نبي لم يذكره الله
~~تعالى في التوراة إلا في مكان واحد قال: ومن هو؟ قالوا: ذو القرنين الخبر
~~بل الظاهر من سؤالهم أن له ذكرا في كتابهم وإنكارهم اليوم ذلك لا يلتفت
~~إليه على أن ما ذكر في الاستشكال مجرد استبعاد ولا يخفى أنه ليس مانعا
~~قويا، هذا وبالجملة لا يكاد يسلم في أمر ذي القرنين شيء من الأقوال عن
~~قيل وقال، وكأني بك بعد الاطلاع على الأقوال وما لها وما عليها تختار أنه
~~الإسكندر بن فليقوس غالب دارا وتدعى أنه يقال له اليوناني كما يقال له
~~الرومي وأنه كان مؤمنا بالله تعالى لم يرتكب مكفرا من عقد أو قول أو
~~فعل وتقول إن تلمذته على أرسطو لا تمنع من ذلك:

# فموسى الذي رباه جبريل كافر

# وموسى الذي رباه فرعون مرسل

# وقد تتلمذ الأشعري على المعتزلة ورئيس المعتزلة على الحسن، وقد خالف
~~أرسطو أفلاطون في أكثر المسائل وكان تلميذه، والقول بأن أرسطو كان بمنزلة
~~الوزير عنده وكان يستشيره في المهمات ويعمل برأيه لا يدل على اتباعه له
~~في سائر اعتقاداته فإن ذلك على تقدير ثبوته إنما هو في الأمور الملكية لا
~~المسائل الاعتقادية على أن الملا صدر الدين الشيرازي ذكر أن أرسطو كان
~~حكيما عابدا موحدا قائلا بحدوث العالم ودثوره المشار إليه بقوله
~~تعالى:

# يوم نطوى السماء كطى ms06231 السجل للكتب

# [الأنبياء: 104] وما شاع عنه في أمر العالم توهم ناشىء من عدم فهم كلامه
~~ومثله في ذلك سائر أساطين الحكماء ولا نسلم عدم سفره نحو المغرب ولا ثبوت
~~أن الخضر كان وزير ذي القرنين، وإن اشتهر ليقدح عدم كونه وزيرا عنده في
~~كونه ذا القرنين وقيل: إنه كان وزيرا عند ملك يقال له ذو القرنين أيضا
~~لكنه غير هذا ووقع الاشتباه في ذلك، وقيل: يمكن أن يكون عليه السلام في
~~جملة الحكماء الذين معه وكان كالوزير عنده لا يقدح في ذلك استشارة غيره
~~في بعض الأمور وكان مشتهرا إذ ذاك بالحكمة دون النبوة. وفي الأعصار
~~القديمة كانوا يسمون النبي حكيما ولعله كان مشتهرا أيضا باسم آخر
~~وعدم تعرض المؤرخين لشيء من ذلك لا يدل على العدم، وقيل لا نسلم عدم
~~التعرض بل قولهم إن الخضر كان وزير ذي القرنين قول بأنه كان وزير
~~الإسكندر المذكور عند القائل بأنه ذو القرنين ولا يمنع من ذلك كون الخضر
~~على الأصح نبيا والإسكندر ليس كذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبا
~~عن الجمهور لأن المراد من وزارته له تدبير أموره ونصرته ولا ضرر في نصرة
~~نبي وتدبيره أمور ملك صالح غير نبي وهو واقع في بني إسرائيل؛ وإن لم
~~تختر ما ذكر فإن اخترت أنه من ملوك اليمن أو اسكندر / آخر يلزمك إما
~~القول بأنه لم يكن في زمن إبراهيم عليه السلام وإما القول بأنه كان في
~~زمنه بعد نمرود أو معه إلا أنه تحت إمرته ولم يكن فريدون إذ ذاك ويلزمك
~~طي الكشح عن كتب التواريخ كما يلزمك على أتم وجه لو اخترت أنه فريدون.

# والأقرب عندي لإلزام أهل الملل والنحل الضالين الذين يشق عليهم نبذ كتب
~~التواريخ وعدم الالتفات إلى ما فيها بالكلية مع كثرتها وانتشارها في
~~مشارق الأرض ومغاربها وتباين أديان مؤلفيها واختلاف أعصارهم اختيار أنه
~~الاسكندر بن فيلقوس غالب دارا:

# وما علي إذ ما قلت معتقدي

# دع الجهول يظن الجهل عدوانا

# واليهود قاطبة على هذا لكنهم لعنهم ms06232 الله تعالى وقعوا في الإسكندر ونسبوه
~~أقبح نسبة مع أنهم يذكرون أنه أكرمهم حين جاء إلى بيت المقدس وعظم
~~أحبارهم والله تعالى أعلم.

# ثم إن السؤال ليس عن ذات ذي القرنين بل عن شأنه فكأنه قيل ويسألونك عن
~~شأن ذي القرنين { قل } لهم في الجواب { سأتلوا عليكم منه
~~ذكرا } الخطاب للسائلين والهاء لذي القرنين ومن تبعيضية، والمراد من
~~أنبائه وقصصه، والجار والمجرور صفة { ذكرا } قدم عليه فصار حالا،
~~والمراد بالتلاوة الذكر وعبر عنه بذلك لكونه حكاية عن جهة الله عز وجل أي
~~سأذكر لكم نبأ مذكورا من أنبائه، ويجوز أن يكون الضمير له تعالى ومن
~~ابتدائية ولا حذف والتلاوة على ظاهرها أي سأتلو عليكم من جهته سبحانه
~~وتعالى في شأنه ذكرا أي قرآنا، والسين للتأكيد والدلالة على التحقق
~~المناسب لتقدم تأييده صلى الله عليه وسلم وتصديقه بإنجاز وعده أي لا أترك
~~التلاوة البتة كما في قوله:

# سأشكر عمرا إن تراخت منيتي

# أيادي لم تمنن وإن هي جلت

# لا للدلالة على أن التلاوة ستقع فيما يستقبل كما قيل لأن هذه الآية ما
~~نزلت بانفرادها قبل الوحي بتمام القصة بل موصولة بما بعدها ريثما سألوه
~~عليه الصلاة والسلام.

### || [18.84]

# { إنا مكنا له فى الأرض } شروع في تلاوة الذكر المعهود
~~حسبما هو الموعود، والتمكين ههنا الإقدار وتمهيد الأسباب يقال مكنه ومكن
~~له كنصحته ونصحت له وشكرته وشكرت له؛ وفرق بينهما بأن معنى الأول جعله
~~قادرا ومعنى الثاني جعل له قدرة وقوة ولتلازمهما في الوجود وتقاربهما في
~~المعنى يستعمل كل منهما في محل الآخر وهكذا إذا كان التمكين مأخوذا من
~~المكان بناء على توهم ميمه أصلية؛ والمعنى أنا جعلنا له مكنة وقدرة على
~~التصرف في الأرض من حيث التدبير والرأي وكثرة الجنود والهيبة والوقار،
~~وقيل: تمكينه في الأرض من حيث أنه سخر له السحاب ومد له في الأسباب وبسط
~~له النور فكان الليل والنهار عليه سواء وفي ذلك أثر ولا أراه يصح، وقيل:
~~تمكينه بالنبوة وإجراء المعجزات، وروى القول بنبوته أبو الشيخ في
~~«العظمة» ms06233 عن أبي الورقاء عن علي كرم الله تعالى وجهه وإلى ذلك ذهب مقاتل
~~ووافقه الضحاك. ويعارضه ما أخرجه ابن عبد الحكم في «فتوح مصر» وابن
~~المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في «المصاحف» وابن أبي عاصم في
~~«السنة» وابن مردويه من طريق أبي الفضل أن ابن الكواء سأل عليا كرم
~~الله تعالى وجهه عن ذي القرنين أنبيا كان أم ملكا؟ قال: لم يكن نبيا
~~ولا ملكا ولكن كان عبدا صالحا أحب الله تعالى فأحبه ونصح الله تعالى
~~فنصحه، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أنه قال: ذو القرنين بلغ السدين
~~وكان نذيرا ولم أسمع بحق أنه كان نبيا، وإلى أنه ليس بنبي ذهب الجمهور
~~وتوقف بعضهم لما أخرجه / عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن
~~مردويه والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم

# " ما أدري أتبع كان لعينا أم لا وما أدري أذو القرنين كان نبيا أم لا
~~وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا "

# وأنت تعلم أن هذا النفي لم يكن ليستمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فيمكن أن يكون درى عليه الصلاة والسلام فيما بعد أنه لم يكن نبيا كما
~~يدل عليه ما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه فإنه لم يكن يقول ذلك إلا عن
~~سماع، ويشهد لذلك ما أخرجه ابن مردويه عن سالم بن أبي الجعد قال: سئل
~~علي كرم الله تعالى وجهه عن ذي القرنين أنبي هو؟ فقال: سمعت نبيكم صلى
~~الله عليه وسلم يقول هو عبد ناصح الله تعالى فنصحه.

# { وءاتيناه من كل شىء } أراده من مهمات ملكه ومقاصده المعلقة
~~بسلطانه { سببا } أي طريقا يوصله إليه وهو كل ما يتوصل به إلى
~~المقصود من علم أو قدرة أو آلة لا العلم فقط وإن وقع الاقتصار عليه في
~~بعض الآثار، ومن بيانية والمبين سببا وفي الكلام مضاف مقدر أي من أسباب
~~كل شيء، والمراد بذلك الأسباب العادية، والقول بأنه يلزم على التقدير
~~المذكور أن يكون ms06234 لكل شيء أسباب لا سبب وسببان ليس بشيء، وجوز أن يكون من
~~تعليلية فلا تقدير واختاره بعضهم فتأمل، واستدل بعض من قال بنبوته بالآية
~~على ذلك وليس بشيء كما لا يخفى.

### || [18.85]

# { فأتبع } بالقطع والفاء فصيحة والتقدير فأراد بلوغ المغرب فأتبع {
~~سببا } يوصله إليه، ولعل قصد بلوغ المغرب ابتداء لأنه أقرب إليه؛
~~وقيل: لمراعاة الحركة الشمسية وليس ذلك لكون جهة المغرب أفضل من جهة
~~المشرق كما زعمه بعض المغاربة فإنه كما قال الجلال السيوطي لا قطع بتفضيل
~~إحدى الجهتين على الأخرى لتعارض الأدلة.

# وقرأ نافع وابن كثير { فاتبع } بهمزة الوصل وتشديد التاء وكذا فيما يأتي
~~واستظهر بعضهم أنهما بمعنى ويتعديان لمفعول واحد، وقيل: إن أتبع بالقطع
~~يتعدى لاثنين والتقدير هنا فأتبع سببا سببا آخر أو فأتبع أمره سببا
~~كقوله تعالى:

# وأتبعنهم فى هذا الدنيا لعنة

# [القصص: 42]، وقال أبو عبيد اتبع بالوصل في السير وأتبع بالقطع معناه
~~اللحاق كقوله تعالى:

# فأتبعه شهاب ثاقب

# [الصافات: 10] وقال يونس: أتبع بالقطع للمجد المسرع الحثيث الطلب واتبع
~~بالوصل إنما يتضمن مجرد الانتقال والاقتفاء.

### || [18.86]

# { حتى إذا بلغ مغرب الشمس } أي منتهى الأرض من جهة
~~المغرب بحيث لا يتمكن أحد من مجاوزته ووقف كما هو الظاهر على حافة البحر
~~المحيط الغربي الذي يقال له أوقيانوس وفيه الجزائر المسماة بالخالدات
~~التي هي مبدأ الأطوال على أحد الأقوال { وجدها } أي الشمس {
~~تغرب فى عين حمئة } أي ذات حمأة وهي الطين الأسود من حمئت
~~البئر تحمأ حمأ إذا كثرت حمأتها. وقرأ عبد الله وطلحة بن عبيد الله وعمرو
~~بن العاص وابنه عبد الله وابن عمر ومعاوية والحسن وزيد بن علي وابن عامر
~~وحمزة والكسائي { حامية } بالياء أي حارة، وأنكر هذه القراءة ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما أول ما سمعها، فقد أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور
~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عثمان بن أبي حاضر أن ابن
~~عباس ذكر له أن معاوية قرأ { في عين حامية } فقال له: ما نقرؤها إلا
~~حمئة فسأل معاوية ms06235 عبد الله بن عمرو كيف تقرأها؟ فقال: كما قرأتها
~~فقلت: في بيتي نزل القرآن فأرسل إلى كعب فقال له: أين تجد الشمس تغرب في
~~التوراة فقال كعب: سل أهل العزيمة فإنهم أعلم بها وأما أنا فإني لم أجد
~~الشمس تغرب في التوراة في ماء وطين وأشار بيده إلى المغرب، قال ابن أبي
~~حاضر: لو أني / عندكما أيدتك بكلام تزاد به بصيرة في { حمئة } ، قال
~~ابن عباس: وما هو؟ قلت: قول تبع فيما ذكر به ذا القرنين في كلفه بالعلم
~~واتباعه إياه قد كان ذو القرنين إلى آخر الأبيات الثلاثة السابقة ومحل
~~الشاهد قوله:

# فرأى مغيب الشمس عند غروبها

# في عين ذي خلب وثأط حرمد

# فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قال: ابن أبي حاضر الطين بكلامهم فقال: فما
~~الثأط؟ قال: الحمأة فقال: فما الحرمد؟ قال: الأسود فدعا ابن عباس غلاما
~~فقال: اكتب ما يقول هذا الرجل ولا يخفى أنه ليس بين القراءتين منافاة
~~قطعية لجواز كون العين جامعة بين الوصفين بأن تكون ذات طين أسود وماؤها
~~حار ولجواز كون القراءة بالياء أصلها من المهموز قلبت همزته ياء لإنكسار
~~ما قبلها وإن كان ذلك إنما يطرد إذا كانت الهمزة ساكنة كذا قيل. وتعقب
~~بأنه يأباه ما جرى بين ابن عباس ومعاوية. وأجيب بأنه إذا سلم صحته فمبناه
~~السماع والتحكيم لترجيح إحدى القراءتين، وظاهر ما سمعت ترجيح قراءة ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما، وكأن رجوع معاوية لقراءة ابن عباس على ما
~~ذكره القرطبي كان لذلك. نعم ما أخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن
~~المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه

# " عن أبي ذر قال: كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حمار
~~فرأى الشمس حين غربت فقال: أتدري حيث تغرب؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال:
~~فإنها تغرب في عين حامية "

# ، غير مهموزة يوافق قراءة معاوية ويدل على أن { فى عين } متعلق
~~بتغرب كما هو الظاهر، وقول بعض المتعسفين بأنه متعلق بمحذوف وقع حالا من
~~فاعل { وجدها } مما لا ينبغي ms06236 أن يلتفت إليه، وكأن الذي دعاه إلى
~~القول بذلك لزوم إشكال على الظاهر فإن جرم الشمس أكبر من جسم الأرض
~~بأضعاف مضاعفة فكيف يمكن دخولها في عين ماء في الأرض، وهو مدفوع بأن
~~المراد وجدها في نظر العين كذلك إذ لم ير هناك إلا الماء لا أنها كذلك
~~حقيقة وهذا كما أن راكب البحر يراها كأنها تطلع من البحر وتغيب فيه إذا
~~لم ير الشط والذي في أرض ملساء واسعة يراها أيضا كأنها تطلع من الأرض
~~وتغيب فيها، ولا يرد على هذا أنه عبر بوجد والوجدان يدل على الوجود لما
~~أن وجد يكون بمعنى رأى كما ذكره الراغب فليكن هنا بهذا المعنى.

# ثم المراد بالعين الحمئة إما عين في البحر أو البحر نفسه، وتسميته عينا
~~مما لا بأس به خصوصا وهو بالنسبة لعظمة الله تعالى كقطرة وإن عظم عندنا
~~وزعم بعض البغداديين أن { فى } بمعنى عند أي تغرب عند عين، ومن الناس من
~~زعم أن الآية على ظاهرها ولا يعجز الله تعالى شيء ونحن نقر بعظم قدرة
~~الله عز وجل ولا نلتفت إلى هذا القول، ومثله ما نقله الطرطوشي من أنها
~~يبلعها حوت بل هذا كلام لا يقبله إلا الصبيان ونحوهم فإنها قد تبقى طالعة
~~في بعض الآفاق ستة أشهر وغاربة كذلك كما في أفق عرض تسعين وقد تغيب مقدار
~~ساعة ويظهر نورها من قبل المشرق في بعض العروض كما في بلغار في بعض أيام
~~السنة فالشمس على ما هو الحق لم تزل سائرة طالعة على قوم غاربة على آخرين
~~بحسب آفاقهم بل قال إمام الحرمين: لا خلاف في ذلك، ويدل على ما ذكر ما
~~أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» وأبو الشيخ في «العظمة» عن ابن عباس
~~قال: الشمس بمنزلة الساقية تجري بالنهار في السماء في فلكها فإذا غربت
~~جرت الليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها وكذلك القمر، وكذا ما
~~أخرجه ابن عساكر عن الزهري أن خزيمة بن حكيم السلمي سأل رسول الله صلى
~~الله عليه ms06237 وسلم عن سخونة الماء في الشتاء وبرده في الصيف فقال: إن الشمس
~~إذا سقطت تحت الأرض سارت حتى تطلع من مكانها فإذا طال الليل كثر لبثها في
~~الأرض فيسخن / الماء لذلك فإذا كان الصيف مرت مسرعة لا تلبث تحت الأرض
~~لقصر الليل فثبت الماء على حاله باردا، ولا يخفى أن هذا السير تحت الأرض
~~تختلف فيه الشمس من حيث المسامتة بحسب الآفاق والأوقات فتسامت الأقدام
~~تارة ولا تسامتها أخرى فما أخرجه أبو الشيخ عن الحسن قال: إذا غربت الشمس
~~دارت في فلك السماء مما يلي دبر القبلة حتى ترجع إلى المشرق الذي تطلع
~~منه وتجري منه في السماء من شرقها إلى غربها ثم ترجع إلى الأفق مما يلي
~~دبر القبلة إلى شرقها كذلك هي مسخرة في فلكها وكذلك القمر لا يكاد يصح.

# ويشكل على ما ذكر ما أخرجه البخاري

# " عن أبي ذر قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب
~~الشمس فقال: يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس؟ قلت الله ورسوله أعلم قال:
~~فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش "

# فذلك قوله تعالى:

# والشمس تجرى لمستقر لها

# [يس: 38]. وأجيب بأن المراد أنها تذهب تحت الأرض حتى تصل إلى غاية
~~الانحطاط وهي عند وصولها دائرة نصف النهار في سمت القدم بالنسبة إلى أفق
~~القوم الذين غربت عنهم وذلك الوصول أشبه شيء بالسجود بل لا مانع أن تسجد
~~هناك سجودا حقيقيا لائقا بها فالمراد من تحت العرش مكانا مخصوصا
~~مسامتا لبعض أجزاء العرش وإلا فهي في كل وقت تحت العرش وفي جوفه، وهذا
~~مبني على أنه جسم كري محيط بسائر الأفلاك والفلكيات وبه تحدد الجهات وهذا
~~قول الفلاسفة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة طه ما يتعلق بذلك، وعلى
~~ما ذكر فالمراد بمستقرها محل انتهاء انحطاطها فهي تجري عند كل قوم لذلك
~~المحل ثم تشرع في الارتفاع، وقال الخطابي: يحتمل أن يكون المراد
~~باستقرارها تحت العرش إنها تستقر تحته استقرارا لا نحيط به نحن وليس في
~~سجودها ms06238 كل ليلة تحت العرش ما يعيق عن دورانها في سيرها انتهى، وسيأتي إن
~~شاء الله تعالى تمام الكلام في ذلك في سورة يس، وبالجملة لا يلزم على هذا
~~التأويل خروج الشمس عن فلكها الممثل بل ولا عن خارج المركز وإن اختلف
~~قربها وبعدها من العرش بالنسبة إلى حركتها في ذلك الخارج.

# نعم ورد في بعض الآثار ما يدل على خروجها عن حيزها، فعن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أن الشمس إذا غربت رفع بها إلى السماء السابعة في سرعة
~~طيران الملائكة وتحبس تحت العرش فتستأذن من أين تؤمر بالطلوع ثم ينطلق
~~بها ما بين السماء السابعة وبين أسفل درجات الجنان في سرعة طيران
~~الملائكة فتنحدر حيال المشرق من سماء إلى سماء فإذا وصلت إلى هذه السماء
~~فذلك حين ينفجر الصبح فإذا وصلت إلى هذا الوجه من السماء فذلك حين تطلع
~~الشمس وهو وإن لم تأباه قواعدنا من شمول قدرة الله تعالى سائر الممكنات
~~وعدم امتناع الخرق والالتئام على الفلك مطلقا إلا أنه لا يتسنى مع تحقق
~~غروبها عند قوم وطلوعها عند آخرين وبقائها طالعة نحو ستة أشهر في بعض
~~العروض إلى غير ذلك مما لا يخفى فلعل الخبر غير صحيح.

# وقد نص الجلال السيوطي على أن أبا الشيخ رواه بسند واه ثم إن الظاهر على
~~رواية البخاري ورواية ابن أبي شيبة ومن معه أن أبا ذر رضي الله تعالى
~~عنه سئل مرتين إلا أنه رد العلم في الثانية إلى الله تعالى ورسوله صلى
~~الله عليه وسلم طلبا لزيادة الفائدة ومبالغة في الأدب مع الرسول عليه
~~الصلاة والسلام والله تعالى أعلم.

# { ووجد عندها } أي عند تلك العين على ساحل البحر { قوما }
~~لباسهم على ما قيل: جلود السباع وطعامهم ما لفظه البحر، قال وهب بن منبه:
~~هم قوم يقال لهم: ناسك لا يحصيهم كثرة إلا الله تعالى. وقال أبو زيد
~~السهيلي: هم قوم من نسل ثمود كانوا يسكنون جابرسا وهي مدينة عظيمة لها
~~اثنا عشر بابا / ويقال لها بالسريانية: جرجيسا، وروي ms06239 نحو ذلك عن ابن
~~جريج، وزعم ابن السائب أنه كان فيهم مؤمنون وكافرون، والذي عليه الجمهور
~~أنهم كانوا كفارا فخيره الله تعالى بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى
~~الإيمان وذلك قوله تعالى: { قلنا يذا القرنين إما أن
~~تعذب } بالقتل من أول الأمر { وإما أن تتخذ فيهم
~~حسنا } أي أمرا ذا حسن على حذف المضاف أو على طريقة الوصف بالمصدر
~~للمبالغة وذلك بالدعوة إلى الحق والإرشاد إلى ما فيه الفوز بالدرجات؛
~~ومحل إن مع صلته إما الرفع على الابتداء أو على الخبر وإما النصب على
~~المفعولية إما تعذيبك واقع أو إما أمرك تعذيبك أو إما تفعل أو توقع
~~تعذيبك وهكذا الحال في الاتخاذ، وقدم التعذيب لأنه الذي يستحقونه في
~~الحال لكفرهم، وفي التعبير  بإما أن تتخذ فيهم حسنا  دون إما أن
~~تدعوهم مثلا إيماء إلى ترجيح الشق الثاني.

# واستدل بالآية من قال بنبوته، والقول عند بعضهم بواسطة ملك وعند آخرين
~~كفاحا ومن لم يقل بنبوته قال: كان الخطاب بواسطة نبي في ذلك العصر أو
~~كان ذلك إلهاما لا وحيا بعد أن كان ذلك التخيير موافقا لشريعة ذلك
~~النبي. وتعقب هذا بأن مثل هذا التخيير المتضمن لإزهاق النفوس لا يجوز أن
~~يكون بالإلهام دون الإعلام وإن وافق شريعة، ونقض ذلك بقصة إبراهيم عليه
~~السلام في ذبح ابنه بالرؤيا وهي دون الإلهام، وفيه أن رؤية الأنبياء
~~عليهم السلام وإلهاماتهم وحي كما بين في محله، والكلام هنا على تقدير عدم
~~النبوة وهو ظاهر. وقال علي بن عيسى: المعنى قلنا يا محمد قالوا أي جنده
~~الذين كانوا معه يا ذا القرنين فحذف القول اعتمادا على ظهور أنه ليس
~~بنبي وهو من التكلف بمكان، وقريب منه دعوى أن القائل العلماء الذين معه
~~قالوه عن اجتهاد ومشاورة له بذلك ونسبه الله تعالى إليه مجازا، والحق أن
~~الآية ظاهرة الدلالة في نبوته ولعلها أظهر في ذلك من دلالة قوله تعالى:

# وما فعلته عن أمرى

# [الكهف: 82] على نبوة الخضر عليه السلام، وكأن الداعي إلى صرفها عن
~~الظاهر الأخبار ms06240 الدالة على خلافها، ولعل الأولى في تأويلها أن يقال: كان
~~القول بواسطة نبي.

### || [18.87]

# { قال } ذو القرنين لذلك النبي أو لمن عنده من خواصه بعد أن تلقى
~~أمره تعالى مختارا للشق الأخير من شقي التخيير حسبما أرشد إليه { أما
~~من ظلم } نفسه ولم يقبل دعوتي وأصر على ما كان عليه من الظلم العظيم
~~الذي هو الشرك { فسوف نعذبه } بالقتل، والظاهر أنه كان بالسيف،
~~وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان عذابه أن يجعلهم في بقر من صفر ثم
~~يوقد تحتهم النار حتى يتقطعوا فيها وهو بعيد عن الصحة، وأتى بنون العظمة
~~على عادة الملوك، وإسناد التعذيب إليه لأنه السبب الآمر، ودعوى صدور ذلك
~~منه بالذات في غاية البعد، وقيل: أراد من الضمير الله تعالى ونفسه
~~والإسناد باعتبار الخلق والكسب وهو أيضا بعيد مع ما فيه من تشريك الله
~~تعالى مع غيره في الضمير وفيه من الخلاف ما علمت { ثم يرد إلى
~~ربه } في الآخرة { فيعذبه } فيها { عذابا نكرا } أي
~~منكرا فظيعا وهو العذاب في نار جهنم، ونصب { عذابا } على أنه مصدر
~~يعذبه، وقيل: تنازع فيه هو ونعذبه والمراد بالعذاب النكر نظرا إلى الأول
~~ما روي عن السدي وهو خلاف الظاهر كما لا يخفى. وفي قوله: { إلى ربه
~~} دون إليك دلالة على أن الخطاب السابق لم يكن بطريق الوحي إليه وأن
~~مقاولته كانت مع النبي أو مع خواصه.

### || [18.88]

# { وأما من ءامن } بموجب دعوتي { وعمل } عملا { صلحا }
~~حسبما يقتضيه الإيمان { فله } في الدارين { جزاء الحسنى } أي
~~فله المثوبة الحسنى أو الفعلة الحسنى أو / الجنة جزاء على أن جزاء مصدر
~~مؤكد لمضمون الجملة قدم على المبتدأ اعتناء به أو منصوب بمضمر أي يجزى
~~بها جزاء، والجملة حالية أو معترضة بين المبتدأ والخبر المتقدم عليه أو
~~هو حال أي مجزيا بها. وتعقب ذلك أبو الحسن بأنه لا تكاد العرب تتكلم
~~بالحال مقدما إلا في الشعر، وقال الفراء: هو نصب على التمييز.

# وقرأ ابن عباس ومسروق { جزاء } منصوبا غير منون، وخرج ذلك المهدوي ms06241 على
~~حذف التنوين لالتقاء الساكنين، وخرجه غيره على أنه حذف للإضافة والمبتدأ
~~محذوف لدلالة المعنى عليه أي فله الجزاء جزاء الحسنى. وقرأ عبد الله بن
~~أبي إسحاق بالرفع والتنوين على أنه للمبتدأ و { الحسنى } بدله
~~والخبر الجار والمجرور. وقرأ غير واحد من السبعة بالرفع بلا تنوين، وخرج
~~على أنه مبتدأ مضاف قال أبو علي: والمراد على الإضافة جزاء الخلال الحسنة
~~التي أتاها وعملها أو المراد بالحسنى الجنة والإضافة كما في دار الآخرة.

# { وسنقول له من أمرنا } أي مما نأمر به { يسرا } أي
~~سهلا ميسرا غير شاق، وتقديره ذا يسر وأطلق عليه المصدر مبالغة، وقرأ
~~أبو جعفر { يسرا } بضمتين حيث وقع هذا، وقال الطبري: المراد من اتخاذ
~~الحسن الأسر فيكون قد خير بين القتل والأسر، والمعنى إما أن تعذب بالقتل
~~وإما أن تحسن إليهم بإبقاء الروح والأسر، وما حكي من الجواب على هذا
~~الوجه قيل من الأسلوب الحكيم لأن الظاهر أنه تعالى خيره في قتلهم وأسرهم
~~وهم كفار فقال أما الكافر فيراعى فيه قوة الإسلام وأما المؤمن فلا يتعرض
~~له إلا بما يجب. وفي «الكشف» أنه روعي فيه على الوجهين نكتة بتقديم ما من
~~الله تعالى في جانب الرحمة دلالة على أن ما منه تابع وتتميم وما منه في
~~جانب العذاب رعاية لترتيب الوجود مع الترقي ليكون أغيظ، وكأنه حمل {
~~فله } الخ على معنى فله من الله تعالى الخ وهو الظاهر، وجوز حمل

# إما أن تعذب وإما أن تتخذ

# [الكهف: 86] على التوزيع دون التخيير، والمعنى على ما قيل: ليكن شأنك
~~معهم إما التعذيب وإما الإحسان فالأول لمن بقي على حاله والثاني لمن تاب
~~فتأمل.

### || [18.89]

# { ثم أتبع سببا } أي طريقا راجعا من مغرب الشمس موصلا إلى
~~مشرقها.

### || [18.90]

# { حتى إذا بلغ مطلع الشمس } يعني الموضع الذي تطلع
~~عليه الشمس أولا من معمورة الأرض أي غاية الأرض المعمورة من جهة المشرق.
~~وقرأ الحسن وعيسى وابن محيصن { مطلع } بفتح اللام ورويت عن ابن كثير وأهل
~~مكة وهو عند المحققين مصدر ميمي والكلام على ms06242 تقدير مضاف أي مكان طلوع
~~الشمس والمراد مكانا تطلع عليه وقال الجوهري إنه اسم مكان كمكسور اللام
~~فالقراءتان متفقتان من غير تقدير مضاف، وقد صرح بعض أئمة التصريف أن
~~المطلع جاء في المكان والزمان فتحا وكسرا، وما آثره المحققون مبني على
~~أنه لم يرد في كلام الفصحاء بالفتح إلا مصدرا ولا حاجة إلى تخريج القرآن
~~على الشاذ لأنه قد يخل بالفصاحة، وقال أبو حيان: ((إن الكسر سماع في أحرف
~~معدودة وهو مخالف للقياس فإنه يقتضي أن يكون مضارعه تطلع بكسر اللام،
~~وكان الكسائي يقول: هذه لغة ماتت في كثير من لغات العرب يعني ذهب من يقول
~~من العرب تطلع بكسر اللام وبقي مطلع بكسرها في اسم الزمان والمكان على
~~ذلك القياس)) انتهى فافهم، ثم إن الظاهر من حال ذي القرنين وكونه قد أوتي
~~من كل شيء سببا أنه بلغ مطلع الشمس في مدة قليلة، وقيل: بلغه في اثنتي
~~عشرة سنة وهو خلاف الظاهر إلا أن يكون أقام في أثناء سيره فإن طول
~~المعمورة يقطعه بأقل من هذه المدة بكثير السائر على الاستقامة كما لا
~~يخفى / على العارف بالمساحة.

# { وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها
~~سترا } أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في «العظمة» عن ابن
~~جريج قال: حدثت عن الحسن عن سمرة بن جندب قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآية لم نجعل لهم من دونها
~~سترا بناء لم يبن فيها بناء قط كانوا إذا طلعت الشمس دخلوا أسرابا لهم
~~حتى تزول الشمس "

# ، وأخرج جماعة عن الحسن وذكر أنه حديث سمرة أن أرضهم لا تحمل البناء
~~فإذا طلعت الشمس تغوروا في المياه فإذا غابت خرجوا يتراعون كما تراعى
~~البهائم، وقيل: المراد لا شيء لهم يسترهم من اللباس والبناء، وهم على ما
~~قيل قوم من الزنج، وقيل: من الهنود، وعن مجاهد من لا يلبس الثياب من
~~السودان عند مطلع الشمس أكثر من أهل الأرض، وعن بعضهم خرجت حتى جاوزت
~~الصين فسألت عن هؤلاء ms06243 فقالوا بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة فبلغتهم فإذا
~~أحدهم يفرش إحدى أذنيه ويلبس الأخرى ومعي صاحب يعرف لسانهم فقالوا له:
~~جئتنا تنظر كيف تطلع الشمس فبينما نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي
~~علي ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي فوق
~~الماء كهيئة الزيت فأدخلونا سربا لهم فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر
~~يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم انتهى.

# وأنت تعلم أن مثل هذه الحكايات لا ينبغي أن يلتفت إليها ويعول عليها وما
~~هي إلا أخبار عن هيان ابن بيان يحكيها العجائز وأمثالهن لصغار الصبيان،
~~وعن وهب بن منبه أنه يقال لهؤلاء القوم منسك، وظاهر الآية لوقوع النكرة
~~فيها في سياق النفي يقتضي أنهم ليس لهم ما يسترهم أصلا وذلك ينافي أن
~~يكون لهم سرب ونحوه، وأجيب بأن ألفاظ العموم لا تتناول الصور النادرة
~~فالمراد نفي الساتر المتعارف والسرب ونحوه ليس منه، وأنت تعلم أن عدم
~~التناول أحد قولين في المسألة، وقال ابن عطية: الظاهر أن نفي جعل ساتر
~~لهم من الشمس عبارة عن قربها إليهم وتأثيرها بقدرة الله تعالى فيهم
~~ونيلها منهم ولو كانت لهم أسراب لكان لهم ستر كثيف انتهى، وحينئذ فالنكرة
~~على عمومها، وأنا أختار ذلك إلى أن تثبت صحة أحد الأخبار السابقة.

### || [18.91]

# { كذلك } خبر مبتدأ محذوف أي أمر ذي القرنين ذلك، والمشار إليه ما
~~وصف به قبل من بلوغ المغرب والمشرق وما فعله، وفائدة ذلك تعظيمه وتعظيم
~~أمره أو أمره فيهم كأمره في أهل المغرب من التخيير والاختيار، ويجوز أن
~~يكون صفة مصدر محذوف لوجد أي وجدها تطلع وجدانا كوجدانها تغرب في عين
~~حمئة أو صفة مصدر محذوف لنجعل أي لم نجعل لهم سترا جعلا كائنا كالجعل
~~الذي لكم فيما تفضلنا به عليكم من الألبسة الفاخرة والأبنية العالية،
~~وفيه أنه لا يتبادر إلى الفهم أو صفة

# سترا

# [الكهف: 90] والمعنى عليه كسابقه، وفيه ما فيه أو صفة

# قوم

# [الكهف: 90] أي على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليه ms06244 الشمس في الكفر
~~والحكم أو معمول

# بلغ

# [الكهف: 90] أي بلغ مغربها كما بلغ مطلعها.

# { وقد أحطنا بما لديه } من الجنود والآلات وأسباب الملك {
~~خبرا } علما تعلق بظواهره وخفاياه ويفيد هذا على الأول زيادة تعظيم
~~الأمر وأنه وراء ما وصف بكثير مما لا يحيط به الاعلم اللطيف الخبير، وهو
~~على الأخير تهويل لما قاسى في السير إلى أن بلغ فيكون المعنى وقد أحطنا
~~بما لاقاه وحصل له في أثناء سيره خبرا أو تعظيم للسبب الموصل إليه في
~~قوله تعالى

# فأتبع سببا * حتى إذا بلغ

# [الكهف: 85-86] أي أحطنا بما لديه من الأسباب الموصلة إلى هذا الموضع
~~الشاسع مما لم نؤت غيره وهذا كما في «الكشف» أظهر من التهويل، وعلى
~~الثاني تتميم يفيد حسن اختياره أي أحطنا بما لديه من حسن التلقي وجودة
~~العمل خبرا، وعلى الثالث لبيان أنه كذلك في رأي العين وحقيقته لا يحيط
~~بعلمها / غير الله تعالى، وعلى الرابع والخامس تذييل للقصة أو بالقصتين
~~فلا يأباهما كما توهم، وعلى السادس تتميم يؤكد أنه سن بهم سنته فيمن
~~وجدهم في مغرب الشمس.

### || [18.92]

# { ثم أتبع سببا } طريقا ثالثا معترضا بين المشرق والمغرب
~~آخذا من مطلع الشمس إلى الشمال.

### || [18.93]

# { حتى إذا بلغ بين السدين } أي الجبلين، قال في
~~«القاموس»: السد الجبل والحاجز؛ وإطلاق السد عليه لأنه سد فجا من الأرض،
~~وقيل: إطلاق ذلك عليه هنا لعلاقة المجاورة وليس بذاك، وقرأ نافع وابن
~~عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب بضم السين، والمعنى على ما قال
~~الكسائي واحد، وقال الخليل وس: السد بالضم الاسم وبالفتح المصدر، وقال
~~ابن أبي إسحق: الأول ما رأته عيناك والثاني ما لا تريانه، وقال عكرمة
~~وأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة الأول ما كان من خلق الله تعالى لا دخل
~~لصنع البشر فيه والثاني ما كان لصنع البشر دخل فيه، ووجه دلالة المضموم
~~على ذلك أنه بمعنى مفعول ولكونه لم يذكر فاعله فيه دلالة على تعينه وعدم
~~ذهاب الوهم إلى غيره فيقتضي أنه هو الله تعالى، وأما ms06245 دلالة المفتوح على
~~أنه من عمل العباد فللاعتبار بدلاله الحدوث وتصوير أنه ها هو ذا يفعله
~~فليشاهد، وهذا يناسب ما فيه مدخل العباد على أنه يكفي فيه فوات ذلك
~~التفخيم، وأنت تعلم أن القراءة بهما ظاهرة في توافقهما وعدم ذكر الفاعل
~~والحدوث أمران مشتركان، وعكس بعضهم فقال: المفتوح ما كان من خلقه تعالى
~~إذ المصدر لم يذكر فاعله والمضموم ما كان بعمل العباد لأنه بمعنى مفعول
~~والمتبادر منه ما فعله العباد وضعفه ظاهر.

# وانتصاب { بين } على المفعولية لأنه مبلوغ وهو من الظروف المتصرفة ما
~~لم يركب مع آخر مثله، وقيل: إنه ظرف والمفعول به محذوف وهو ما أراده أو
~~نحوه، وهذان السدان فيما يقرب من عرض تسعين من جهة الشمال وهو المراد
~~بآخر الجربياء في «كتاب حزقيال» عليه السلام، وقد ذكر بعض أحبار اليهود
~~أن يأجوج ومأجوج في منتهى الشمال حيث لا يستطيع أحد غيرهم السكنى فيه وهم
~~في زاوية من ذلك لكنهم لم يتحقق عندهم أنهم فيما يلي المشرق من الشمال أو
~~فيما يلي المغرب منه، وهذا موافق لما ذكرناه في موضع السدين وهو الذي مال
~~إليه كاتب جلبي، وقيل: هما جبلا أرمينية وأذربيجان ونسب ذلك إلى ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما وإليه يميل صنيع البيضاوي.

# وتعقب بأنه توهم ولعل النسبة إلى الحبر غير صحيحة، وكأن من يزعم ذلك
~~يزعم أن سد ذي القرنين هو السد المشهور في باب الأبواب وهو مع استلزامه
~~أن يكون يأجوج ومأجوج الخزر والترك خلاف ما عليه المؤرخون فإن باني ذلك
~~السد عندهم كسرى أنو شروان، وقيل: اسفنديار وهو أيضا لم يبق إلى الآن بل
~~خرب من قبل هذا بكثير، وزعم أن السد ويأجوج ومأجوج هناك وأن الكل قد تلطف
~~بحيث لا يرى - كما يراه عصرينا رئيس الطائفة المسماة بالكشفية السيد كاظم
~~الرشتي - ضرب من الهذيان وإحدى علامات الخذلان.

# وقال ابن سعيد: إن ذلك الموضع حيث الطول مائة وثلاثة وستون درجة والعرض
~~أربعون درجة، وفيه أن في هذا الطول والعرض بلاد الخنا والجين ms06246 وليس هناك
~~يأجوج ومأجوج، نعم هناك سد عظيم يقرب من مائتين وخمسين ساعة طولا لكنه
~~ليس بين السدين ولا بانيه ذو القرنين ولا يكاد يصدق عليه ما جاء في وصف
~~سده، ويمنع من القول بذلك أيضا ما لا يخفى، وقيل: هما بموضع من الأرض لا
~~نعلمه وكم فيها من أرض مجهولة ولعله قد حال بيننا وبين ذلك الموضع مياه
~~عظيمة، ودعوى استقراء سائر البراري والبحار غير مسلمة، ويجوز العقل أن
~~يكون في البحر أرض نحو أمريقا لم يظفر بها إلى الآن وعدم الوجدان لا
~~يستلزم عدم الوجود / وبعد إخبار الصادق بوجود هذين السدين وما يتبعهما
~~يلزمنا الإيمان بذلك كسائر ما أخبر به من الممكنات والالتفات إلى كلام
~~المنكرين ناشيء من قلة الدين.

# { وجد من دونهما } أي السدين { قوما } أمة من الناس قيل هم
~~الترك، وزعم بعضهم أن القوم كانوا من الجان وهو زعم باطل لا بعيد كما قال
~~أبو حيان. { لا يكادون يفقهون قولا } من أقوال أتباع ذي
~~القرنين أو من أقوال من عداهم لغرابة لغتهم وبعدها عن لغات غيرهم وعدم
~~مناسبتها لها مع قلة فطنتهم إذ لو تقاربت فهموها ولو كثرت فطنتهم فهموا
~~ما يراد من القول بالقرائن فتعلموه، والظاهر إبقاء القول على معناه
~~المتبادر. وزعم بعضهم أن الزمخشري جعله مجازا عن الفهم مطلقا أو عما من
~~شأنه أن يقال ليشمل الإشارة ونحوها حيث قال: أي لا يكادون يفهمونه إلا
~~بجهد ومشقة من إشارة ونحوها، وفيه نظر، والظاهر أنه فهم من نفي يكاد
~~إثبات الفهم لهم لكن يعسر وهو بناء على قول بعضهم: إن نفيها إثبات
~~وإثباتها نفي وليس بالمختار. وقرأ الأعمش وابن أبي ليلى وخلف وابن عيسى
~~الأصبهاني وحمزة والكسائي { يفقهون } من الإفعال أي لا يكادون
~~يفهمون الناس لتلعثمهم وعدم تبيينهم الحروف.

### || [18.94]

# { قالوا } أي بواسطة مترجمهم فإسناد القول إليهم مجاز، ولعل هذا
~~المترجم كان من قوم بقرب بلادهم، ويؤيد ذلك ما وقع في مصحف ابن مسعود
~~(قال الذين من دونهم)، أو بالذات على أن يكون فهم ذي ms06247 القرنين كلامهم
~~وإفهامه إياهم من جملة ما آتاه الله تعالى من الأسباب، وقال بعضهم: لا
~~يبعد أن يقال القائلون قوم غير الذين لا يفهمون قولا ولم يقولوا ذلك على
~~طريق الترجمة لهم وأيد بما في مصحف ابن مسعود. وأيا ما كان فلا منافاة
~~بين

# لا يكادون يفقهون قولا

# [الكهف: 93].

# وقالوا: { يذا القرنين إن يأجوج ومأجوج } قبيلتان
~~من ولد يافث بن نوح عليه السلام وبه جزم وهب بن منبه وغيره واعتمده كثير
~~من المتأخرين. وقال الثعالبي في «العرائس»: إن يافث سار إلى المشرق فولد
~~له هناك خمسة أولاد جومر وبنرش وأشار واسقويل ومياشح فمن جومر جميع
~~الصقالبة والروم وأجناسهم ومن مياشح جميع أصناف العجم ومن أشار يأجوج
~~ومأجوج وأجناسهم ومن اسقويل جميع الترك ومن بنرش الفقجق واليونان، وقيل:
~~كلاهما من الترك وروي ذلك عن الضحاك، وفي كلام بعضهم أن الترك منهم لما
~~أخرجه ابن جرير وابن مردويه من طريق السدي من أثر قوي الترك سرية من
~~سرايا يأجوج ومأجوج خرجت فجاء ذو القرنين فبنى السد فبقوا خارجين عنه،
~~وفي رواية عبد الرزاق عن قتادة أن يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلة بني
~~ذو القرنين السد على إحدى وعشرين وكانت واحدة منهم خارجة للغزو فبقيت
~~خارجة وسميت الترك لذلك وقيل: يأجوج من الترك ومأجوج من الديلم، وقيل من
~~الجيل، وعن كعب الأحبار أن يأجوج ومأجوج من ولد آدم عليه السلام من غير
~~حواء وذلك أنه عليه السلام نام فاحتلم فامتزجت نطفته في التراب فخلق منها
~~يأجوج ومأجوج، ونقل النووي في «فتاواه» القول بأنهم أولاد آدم عليه
~~السلام من غير حواء عن جماهير العلماء.

# وتعقب دعوى الاحتلام بأن الأنبياء عليهم السلام لا يحتلمون، وأجيب بأن
~~المنفي الاحتلام بمن لا تحل لهم فيجوز أن يحتلموا بنسائهم فلعل احتلام
~~آدم عليه السلام من القسم الجائز، ويحتمل أيضا أن يكون منه / عليه
~~السلام إنزال من غير أن يرى نفسه أنه يجامع كما يقع كثيرا لأبنائه،
~~واعترض أيضا بأنه يلزم على هذا أنهم كانوا قبل الطوفان ولم يهلكوا ms06248 به،
~~وأجيب بأن عموم الطوفان غير مجمع عليه فلعل القائل بذلك ممن لا يقول
~~بعمومه وأنا أرى هذا القول حديث خرافة، وقال الحافظ ابن حجر: لم يرد ذلك
~~عن أحد من السلف إلا عن كعب الأحبار، ويرده الحديث المرفوع أنهم من ذرية
~~نوح عليه السلام ونوح من ذرية حواء قطعا.

# وكأنه عنى بالحديث غير ما روى عن أبي هريرة مرفوعا ولد لنوح سام وحام
~~ويافث فولد لسام العرب وفارس والروم وولد لحام القبط والبربر والسودان
~~وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة فإنه صرح بأنه ضعيف، وفي
~~التوراة في السفر الأول في الفصل العاشر التصريح بأن يأجوج من أبناء
~~يافث. وزعم بعض اليهود أن مأجوج اسم للأرض التي كان يسكنها يأجوج وليس
~~اسما لقبيلة وهو باطل بالنص، والظاهر أنهما اسمان أعجميان فمنع صرفهما
~~للعلمية والعجمة؛ وقيل عربيان من أج الظليم إذا أسرع وأصلهما لهمزة كما
~~قرأ عاصم والأعمش ويعقوب في رواية وهي لغة بني أسد ووزنهما مفعول، وبناء
~~مفعول من ذلك مع أنه لازم لتعديه بحرف الجر. وقيل: إن كان ما ذكر منقولا
~~فللتعدي وإن كان مرتجلا فظاهر، وقال الأخفش: إن جعلنا ألفهما أصلية
~~فيأجوج يفعول ومأجوج مفعول كأنه من أجيج النار، ومن لم يهمزهما جعلها
~~زائدة فيأجوج من يججت ومأجوج من مججت، وقال قطرب: في غير الهمز ماجوج
~~فاعول من المج وياجوج فاعول من اليج، وقال أبو الحسن علي بن عبد الصمد
~~السخاوي؛ الظاهر أنه عربي وأصله الهمز وتركه على التخفيف، وهو إما من
~~الأجة وهو الاختلاط كما قال تعالى:

# وتركنا بعضهم يومئذ يموج فى بعض

# [الكهف: 99] أو من الأج وهو سرعة العدو قال تعالى:

# وهم من كل حدب ينسلون

# [الأنبياء: 96] أو من الأجه وهي شدة الحر أو من أج الماء يؤج أجوجا إذا
~~كان ملحا مرا انتهى. وعلة منع الصرف على القول بعربيتهما العلمية
~~والتأنيث باعتبار القبيلة. وقرأ العجاج ورؤية ابنه { آجوج } بهمزة بدل
~~الياء. وربما يقال جوج بلا همزة ولا ياء في غير القرآن وجاء بهذا اللفظ
~~في ms06249 «كتاب حزقيال» عليه السلام.

# { مفسدون فى الأرض } أي في أرضنا بالقتل والتخريب وسائر وجوه
~~الإفساد المعلوم من البشر، وقيل بأخذ الأقوات وأكلها. روى أنهم كانوا
~~يخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئا أخضر إلا أكلوه ولا باسا إلا
~~احتملوه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن حبيب الأوصافي أنه قال: كان
~~فسادهم أنهم يأكلون الناس. واستدل بإسناد (مفسدون) إلى (يأجوج ومأجوج)
~~على أن أقل الجمع اثنان وليس بشيء أصلا { فهل نجعل لك خرجا
~~} أي جعلا من أموالنا، والفاء لتفريع العرض على إفسادهم في الأرض. وقرأ
~~الحسن والأعمش وطلحة وخلف وابن سعدان وابن عيسى الأصبهاني وابن جبير
~~الأنطاكي وحمزة والكسائي (خراجا) بألف بعد الراء وكلاهما بمعنى واحد
~~كالنول والنوال. وقيل: الخرج المصدر أطلق على الخراج والخراج الاسم لما
~~يخرج. وقال ابن الأعرابي: الخرج على الرؤس يقال: أد خراج أرضك وقال
~~ثعلب: الخرج أخص من الخراج، وقيل الخرج المال يخرج مرة والخراج الخرج
~~المتكرر وقيل الخرج ما تبرعت به والخراج ما لزمك أداؤه { على أن
~~تجعل بيننا وبينهم سدا } حاجزا يمنعهم من الوصول إلينا.
~~وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر (سدا) بضم السين.

### || [18.95]

# { قال ما مكنى } بالإدغام، وقرأ ابن كثير وحميد بالفك أي الذي
~~مكنني { فيه ربى } وجعلني فيه / سبحانه مكينا قادرا من الملك
~~والمال وسائر الأسباب { خير } أي مما تريدون أن تبذلوه إلي من الخرج
~~فلا حاجة بي إليه { فأعينونى بقوة } أي بما يتقوى به على
~~المقصود من الآلات كزبر الحديد أو من الناس أو الأعم منهما، والفاء
~~لتفريع الأمر بالإعانة على خيرية ما مكنه الله تعالى فيه من مالهم أو على
~~عدم قبول خرجهم { أجعل } جواب الأمر { بينكم وبينهم }
~~تقديم إضافة الظرف إلى ضمير المخاطبين على إضافته إلى ضمير يأجوج ومأجوج
~~لإظهار كمال العناية بمصالحهم كما راعوه في قولهم

# بيننا وبينهم

# [الكهف: 94] { ردما } أي حاجزا حصينا وحجابا متينا وهو أكبر من
~~السد وأوثق يقال: ثوب مردم أي فيه رقاع فوق رقاع، ويقال: سحاب مردم أي
~~متكاثف بعضه فوق بعض، وذكر ms06250 أن أصل معناه سد الثلمة بالحجارة ونحوها،
~~وقيل: سد الخلل مطلقا، ومنه قول عنترة:

# هل غادر الشعراء من متردم

# ثم أطلق على ما ذكر، وقيل: هو والسد بمعنى، ويؤيد الأول ما أخرجه ابن
~~أبي حاتم عن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: هو كأشد الحجاب وعليه
~~يكون قد وعدهم بالإسعاف بمرامهم فوق ما يرجونه وهو اللائق بشأن الملوك.

### || [18.96]

# { ءاتونى زبر الحديد } جمع زبرة كغرف في غرفة وهي القطعة
~~العظيمة، وأصل الزبر الاجتماع ومنه زبرت الكتاب جمعت حروفه وزبرة الأسد
~~لما اجتمع على كاهله من الشعر، وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن
~~الأزرق سأله عن زبر الحديد فقال: قطعة وأنشد قول كعب بن مالك:

# تلظى عليهم حين شد حميها

# بزبر الحديد والحجارة شاجر

# وطلب إيتاء الزبر لا ينافي أنه لم يقبل منهم شيئا لأن المراد من
~~الإيتاء المأمور به الإيتاء بالثمن أو مجرد المناولة والإيصال وإن كان ما
~~آتوه له لا إعطاء ما هو لهم فهو معونة مطلوبة، وعلى تسليم كون الإيتاء
~~بمعنى الإعطاء لا المناولة يقال: إن إعطاء الآلة للعمل لا يلزمه تملكها
~~ولو تملكها لا يعد ذلك جعلا فإنه إعطاء المال لا إعطاء مثل هذا، وينبىء
~~عن أن المراد ليس الإعطاء قراءة أبي بكر عن عاصم

# ردما ائتونى

# [الكهف: 95-96] بكسر التنوين ووصل الهمزة من أتاه بكذا إذ جاء به له
~~وعلى هذه القراءة نصب { زبرا } بنزع الخافض أي جيئوني بزبر الحديد
~~وتخصيص زبر الحديد بالذكر دون الصخور والحطب ونحوهما لما أن الحاجة إليها
~~أمس إذ هي الركن القوي في السد ووجودها أعز. وقرأ الحسن { زبر } بضم
~~الباء كالزاي.

# { حتى إذا ساوى بين الصدفين } في الكلام حذف أي فأتوه
~~إياها فأخذ يبني شيئا فشيئا حتى إذا جعل ما بين جانبي الجبلين من
~~البنيان مساويا لهما في العلو فبين مفعول ساوى وفاعله ضمير ذي القرنين،
~~وقيل: الفاعل ضمير السد المفهوم من الكلام أي فأتوه إياها فأخذ يسد بها
~~حتى إذا ساوى السد الفضاء الذي بين الصدفين ms06251 ويفهم من ذلك مساواة السد في
~~العلو للجبلين، والصدف كما أشرنا إليه جانب الجبل وأصله على ماقيل:
~~الميل، ونقل في «الكشف» أنه لا يقال للمنفرد صدف حتى يصادفه الآخر ثم
~~قال: فهو من الأسماء المتضايفة كالزوج وأمثاله، وقال أبو عبيدة: هو كل
~~بناء عظيم مرتفع ولا يخفى أنه ليس بالمراد هنا. وزعم بعضهم أن المراد به
~~هنا الجبل وهو خلاف ما عليه الجمهور.

# وقرأ قتادة (سوى) من التسوية. وقرأ ابن أبي أمية عن أبي بكر عن عاصم {
~~سووى } بالبناء للمجهول، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والزهري
~~ومجاهد والحسن { الصدفين } بضم الصاد والدال وهي لغة حمير كما أن فتحهما
~~في قراءة / الأكثرين لغة تميم، وقرأ أبو بكر وابن محيصن وأبو رجاء وأبو
~~عبد الرحمن { الصدفين } بضم فسكون. وقرأ ابن جندب بفتح فسكون، وروي ذلك
~~عن قتادة، وفي رواية أخرى عنه أنه قرأ بضم ففتح وهي قراءة أبان عن عاصم،
~~وقرأ الماجشون بفتح فضم.

# { قال } للعملة { انفخوا } أي بالكيران في زبر الحديد الموضوعة بين
~~الصدفين ففعلوا { حتى إذا جعله } أي جعل المنفوخ فيه { نارا
~~} أي كالنار في الحرارة والهيئة فهو من التشبيه البليغ، وإسناد الجعل
~~المذكور إلى ذي القرنين مع أنه فعل الفعلة للتنبيه على أنه العمدة في ذلك
~~وهم بمنزلة الآلة { قال } الذين يتولون أمر النحاس من الإذابة وغيرها،
~~وقيل لأولئك النافخين قال لهم بعد أن نفخوا في ذلك حتى صار كالنار وتم ما
~~أراده منهم أولا { ءاتوني } من الذين يتولون أمر النحاس { أفرغ
~~عليه قطرا } أي آتوني قطرا أفرغ عليه قطرا فحذف من الأول لدلالة
~~الثاني عليه، وبه تمسك البصريون على أن إعمال الثاني في باب التنازع أولى
~~إذ لو كان { قطرا } مفعول { ءاتونى } لأضمر مفعول { أفرغ }
~~وحذفه وإن جاز لكونه فضلة إلا أنه يوقع في لبس. والقطر كما أشرنا إليه
~~النحاس المذاب وهو قول الأكثرين، وقيل: الرصاص المذاب، وقيل: الحديد
~~المذاب وليس بذاك، وقرأ الأعمش وطلحة وحمزة وأبو بكر بخلاف عنه {
~~ائتونى } بهمزة الوصل أي جيئوني كأنه ms06252 يستدعيهم للإغاثة باليد عند
~~الإفراغ، وإسناد الإفراغ إلى نفسه للسر الذي وقفت عليه آنفا، وكذا
~~الكلام في قوله

# أجعل

# [الكهف: 95] وقوله: { ساوى } على أحد القولين.

### || [18.97]

# { فما اسطعوا } بحذف تاء الافتعال تخفيفا وحذرا عن تلاقي
~~المتقاربين في المخرج وهما الطاء والتاء. وقرأ حمزة وطلحة بإدغام التاء
~~في الطاء وفيه جمع بين الساكنين على غير حده ولم يجوزه أبو علي وجوزه
~~جماعة، وقرأ الأعشى عن أبي بكر { فما اصطاعوا } بقلب السين صادا
~~لمجاورة الطاء، وقرأ الأعمش { فما استطاعوا } بالتاء من غير حذف والفاء
~~فصيحة أي ففعلوا ما أمروا به من إيتاء القطر أو الإتيان فأفرغ عليه
~~فاختلط والتصق بعضه ببعض فصار جبلا صلدا فجاء يأجوج ومأجوج وقصدوا أن
~~يعلوه وينقبوه فما اسطاعوا { أن يظهروه } أي يعلوه ويرقوا فيه
~~لارتفاعه وملاسته، قيل: كان ارتفاعه مائتي ذراع. وقيل: ألف وثمانمائة
~~ذراع.

# { وما استطعوا له نقبا } لصلابته وثخانته. قيل: وكان عرضه
~~خمسين ذراعا وكان أساسه قد بلغ الماء وقد جعل فيه الصخر والنحاس المذاب
~~وكانت زبر الحديد للبناء فوق الأرض، ولا يخفى أن إفراغ القطر عليها بعد
~~أن أثرت فيها حرارة النار حتى صارت كالنار مع ما ذكروا من أن امتداد السد
~~في الأرض مائة فرسخ لا يتم إلا بأمر إلهي خارج عن العادة كصرف تأثير
~~حرارة النار العظيمة عن أبدان المباشرين للأعمال وإلا فمثل تلك الحرارة
~~عادة مما لا يقدر حيوان على أن يحوم حولها ومثل ذلك النفخ في هاتيك الزبر
~~العظيمة الكثيرة حتى تكون نارا، ويجوز أن يكون كل من الأمرين بواسطة
~~آلات غريبة أو أعمال أوتيها هو أو أحد ممن معه لا يكاد أحد يعرفها اليوم،
~~وللحكماء المتقدمين بل والمتأخرين أعمال عجيبة يتوصلون / إليها بآلات
~~غريبة تكاد تخرج عن طور العقل وهذا مما لا شبهة فيه فليكن ما وقع لذي
~~القرنين من ذلك القبيل، وقيل: كان بناؤه من الصخور مرتبطا بعضها ببعض
~~بكلاليب من حديد ونحاس مذاب في تجاويفها بحيث لم يبق هناك فجوة أصلا.
~~وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ms06253 أبي بكرة الشفي أن رجلا قال: يا رسول
~~الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج قال: انعته لي قال كالبرد المحبر طريقة
~~سوداء وطريقة حمراء قال: قد رأيته، والظاهر أن الرؤية بصرية لا منامية
~~وهو أمر غريب إن صح الخبر، وأما ما ذكره بعضهم من أن الواثق بالله
~~العباسي أرسل سلاما الترجمان للكشف عن هذا السد فذهب جهة الشمال في قصة
~~تطول حتى رآه ثم عاد، وذكر له من أمره ما ذكر فثقات المؤرخين على تضعيفه،
~~وعندي أنه كذب لما فيه مما تأبى عنه الآية كما لا يخفى على الواقف عليه
~~تفصيلا. ولا يخفى لطف الإتيان بالتاء في استطاعوا هنا.

### || [18.98]

# { قال } أي ذو القرنين لمن عنده من أهل تلك الديار وغيرهم { هذا }
~~إشارة إلى السد، وقيل: إلى تمكنه من بنائه والفضل للمتقدم ليتحد مرجع
~~الضمير المتأخر أي هذا الذي ظهر على يدي وحصل بمباشرتي من السد الذي شأنه
~~ما ذكر من المتانة وصعوبة المنال { رحمة } أي أثر رحمة عظيمة وعبر
~~عنه بها للمبالغة { من ربى } على كافة العباد لا سيما على مجاوريه
~~وكون السد رحمة على العباد ظاهر وإذا جعلت الإشارة إلى التمكن فكونه رحمة
~~عليهم باعتبار أنه سبب لذلك، وربما يرجح المتقدم أيضا باحتياج المتأخر
~~إلى هذا التأويل وإن كان الأمر فيه سهلا، وفي الإخبار عنه بما ذكر إيذان
~~على ما قيل بأنه ليس من قبيل الآثار الحاصلة بمباشرة الخلق عادة بل هو
~~إحسان إلهي محض وإن ظهر بالمباشرة، وفي التعرض لوصف الربوبية تربية معنى
~~الرحمة، وقرأ ابن أبي عبلة { هذه رحمة } بتأنيث اسم الإشارة وخرج على
~~أنه رعاية للخبر أو جعل المشار إليه القدرة والقوة على ذلك.

# { فإذا جاء وعد ربى } أي وقت وعده تعالى فالكلام على حذف مضاف
~~والإسناد إلى الوعد مجاز وهو لوقته حقيقة، ويجوز أن يكون الوعد بمعنى
~~الموعود وهو وقته أو وقوعه فلا حذف ولا مجاز في الإسناد بل هناك مجاز في
~~الطرف، والمراد من وقت ذلك يوم القيامة، وقيل: وقت خروج يأجوج ومأجوج، ms06254
~~وتعقب بأنه لا يساعده النظم الكريم والمراد بمجيئه ما ينتظم مجيئه ومجىء
~~مباديه من خروجهم وخروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام ونحو ذلك لا دنو
~~وقوعه فقط كما قال الزمخشري وغيره فإن بعض الأمور التي ستحكى تقع بعد
~~مجيئه حتما { جعله } أي السد المشار إليه مع متانته ورصانته {
~~دكاء } بألف التأنيث الممدودة والموصوف مؤنث مقدر أي أرضا مستوية،
~~وقال بعضهم: الكلام على تقدير مضاف أي مثل دكاء وهي ناقة لا سنام لها ولا
~~بد من التقدير لأن السد مذكر لا يوصف بمؤنث، وقرأ غير الكوفيين (دكا)
~~على أنه مصدر دككته وهو بمعنى المفعول أي مدكوكا مسوى بالأرض أو على
~~ظاهره والوصف به للمبالغة، والنصب على أنه مفعول ثان لجعل وهي بمعنى صير،
~~وزعم ابن عطية أنها بمعنى خلق وليس بشيء.

# وهذا الجعل وقت مجىء الوعد بمجىء بعض مباديه وفيه بيان لعظم قدرته تعالى
~~شأنه بعد بيان سعة رحمته عز وجل وكان علمه بهذا الجعل على ما قيل من
~~توابع علمه بمجىء الساعة إذ من مباديها دك الجبال الشامخة الراسخة ضرورة
~~أنه لا يتم بدونها واستفادته العلم بمجيئها ممن كان في عصره من الأنبياء
~~عليهم السلام، ويجوز أن يكون / العلم بجميع ذلك بالسماع من النبي وكذا
~~العلم بمجىء وقت خروجهم على تقدير أن يكون ذلك مرادا من الوعد يجوز أن
~~يكون عن اجتهاد ويجوز أن يكون عن سماع.

# وفي «كتاب حزقيال» عليه السلام الإخبار بمجيئهم في آخر الزمان من آخر
~~الجربياء في أمم كثيرة لا يحصيهم إلا الله تعالى وإفسادهم في الأرض
~~وقصدهم بيت المقدس وهلاكهم عن آخرهم في بريته بأنواع من العذاب وهو عليه
~~السلام قبل اسكندر غالب دارا فإذا كان هو ذا القرنين فيمكن أن يكون وقف
~~على ذلك فأفاده علما بما ذكر والله تعالى أعلم، ثم إن في الكلام حذفا
~~أي وهو يستمر إلى آخر الزمان فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء { وكان
~~وعد ربى } أي وعده سبحانه المعهود أو كل ما وعد عز وجل به فيدخل فيه ms06255
~~ذلك دخولا أوليا { حقا } ثابتا لا محالة واقعا البتة وهذه الجملة
~~تذييل من ذي القرنين لما ذكره من الجملة الشرطية وتأكيد لمضمونها وهو آخر
~~ما حكى عن قصته.

### || [18.99]

# وقوله عز وجل: { وتركنا بعضهم } كلام مسوق من جنابه سبحانه
~~وتعالى وضمير الجمع المجرور عند بعض المحققين للخلائق، والترك بمعنى
~~الجعل وهو من الأضداد، والعطف على قوله تعالى:

# جعله دكاء

# [الكهف: 98] وفيه تحقيق لمضمونه، ولا يضر في ذلك كونه محكيا عن ذي
~~القرنين أي جعلنا بعض الخلائق { يومئذ } أي يوم إذ جاء الوعد بمجىء
~~بعض مباديه { يموج فى بعض } آخر منهم، والموج مجاز عن الاضطراب أي
~~يضطربون اضطراب البحر يختلط إنسهم وجنهم من شدة الهول وروي هذا عن ابن
~~عباس، ولعل ذلك لعظائم تقع قبل النفخة الأولى، وقيل: الضمير للناس
~~والمراد وجعلنا بعض الناس يوم إذ جاء الوعد بخروج يأجوج ومأجوج يموج في
~~بعض آخر لفزعهم منهم وفرارهم وفيه بعد؛ وقيل: الضمير للناس أيضا،
~~والمراد وجعلنا بعض الناس يوم إذ تم السد يموج في بعضهم للنظر إليه
~~والتعجيب منه ولا يخفى أن هذا يتعجب منه. وقال أبو حيان: الأظهر كون
~~الضمير ليأجوج ومأجوج أي وتركنا بعض يأجوج ومأجوج يموج في بعض آخر منهم
~~حين يخرجون من السد مزدحمين في البلاد وذلك بعد نزول عيسى عليه السلام،
~~ففي «صحيح مسلم» من حديث النواس بن سمعان بعد ذكر الدجال وهلاكه بباب لد
~~على يده عليه السلام

# " ثم يأتي عيسى عليه السلام قوما قد عصمهم الله تعالى من الدجال فيمسح
~~وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة فبينما هم كذلك إذ أوحى الله تعالى إلى
~~عيسى عليه السلام أني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز
~~عبادي إلى الطور ويبعث الله تعالى يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس
~~فينشفون الماء ويتحصن الناس منهم في حصونهم ويضمون إليهم مواشيهم فيشربون
~~مياه الأرض حتى أن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يبسا
~~حتى أن من يمر من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول قد كان ههنا ms06256 ماء مرة
~~ويحصر عيسى نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور ورأس الحمار لأحدهم
~~خيرا من مائة دينار "

# ؛ وفي رواية مسلم وغيره

# " فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض هلم نقتل من في السماء فيرمون نشابهم
~~إلى السماء فيردها الله تعالى عليهم مخضوبة دما للبلاء والفتنة فيرغب
~~نبي الله وأصحابه إلى الله تعالى فيرسل عليهم النغف في رقابهم فيصبحون
~~فرسى "

# ، وفي رواية داود

# " كالنغف في أعناقهم فيصبحون موتى كموت نفس واحدة لا يسمع لهم حس فيقول
~~المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هذا العدو فيتجرد رجل منهم
~~محتسبا نفسه قد وطنها على أنه مقتول فينزل فيجدهم موتى / بعضهم على بعض
~~فينادي يا معشر المسلمين ألا أبشروا إن الله عز وجل قد كفاكم عدوكم
~~فيخرجون من مداينهم وحصونهم فيسرحون مواشيهم فما يكون لها مرعى إلا
~~لحومهم فتشكر أحسن ما شكرت عن شيء ويهبط نبي الله عيسى عليه السلام
~~وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون فيها موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم
~~فيستغيثون بالله تعالى فيبعث الله سبحانه ريحا يمانية غبراء فتصير على
~~الناس غما ودخانا ويقع عليهم الزكمة ويكشف ما بهم بعد ثلاثة أيام وقد
~~قذفت الأرض جيفهم في البحر "

# ، وفي رواية فيرغب نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الله عز وجل
~~فيرسل طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله تعالى، وفي رواية
~~فترميهم في البحر  وفي أخرى في النار ولا منافاة كما يظهر بأدنى تأمل 

# " ثم يرسل الله عز وجل مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض
~~حتى يتركها كالزلقة ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك فيومئذ تأكل
~~العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل حتى أن اللقحة من
~~الإبل لتكفي الفئام من الناس ويوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم
~~وأترستهم سبع سنين "

# ، ولعل الله تعالى يحفظ ذلك في الأودية ومواضع السيول زيادة في سرور
~~المسلمين أو يحفظها حيث هلكوا ولا يلقيها معهم حيث شاء ولا يعجز الله
~~تعالى شيء، والحديث ms06257 يدل على كثرتهم جدا، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن حبان في
~~«صحيحه» عن ابن مسعود مرفوعا

# " أن يأجوج ومأجوج أقل ما يترك أحدهم من صلبه ألفا من الذرية "

# وحمله بعضهم على طول العمر. وفي «البحر» أنه قد اختلف في عددهم وصفاتهم
~~ولم يصح في ذلك شيء. وأعجب ما روي في ذلك قول مكحول الأرض مسيرة مائة عام
~~ثمانون منها يأجوج ومأجوج وهي أمتان كل أمة أربعمائة ألف أمة لا تشبه أمة
~~الأخرى وهو قول باطل، ومثله ما روي عن أبي الشيخ عن أبي أمامة الدنيا
~~سبعة أقاليم فليأجوج ومأجوح ستة وللباقي إقليم واحد وهو كلام من لا يعرف
~~الأرض ولا الأقاليم. نعم أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن
~~أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق البكالي عن ابن عمر أن الله تعالى جزأ
~~الإنس عشرة أجزاء فتسعة منهم يأجوج ومأجوج وجزء سائر الناس إلا أني لم
~~أقف على تصحيحه لغير الحاكم وحكم تصحيحه مشهور ويعلم مما تقدم ومما سيأتي
~~إن شاء الله تعالى بطلان ما يزعمه بعض الناس من أنهم التاتار الذين
~~أكثروا الفساد في البلاد وقتلوا الأخيار والأشرار. ولعمري أن ذلك الزعم
~~من الضلالة بمكان وإن كان بين يأجوج ومأجوج وأولئك الكفرة مشابهة تامة لا
~~تخفى على الواقفين على أخبار ما يكون وما كان إبطال ما يزعمه بعض الناس
~~من أنهم التاتار.

# { ونفخ فى الصور } الظاهر أن المراد النفخة الثانية لأنه
~~المناسب لما بعد. ولعل عدم التعرض لذكر النفخة الأولى لأنها داهية عامة
~~ليس فيها حالة مختصة بالكفار، وقيل: لئلا يقع الفصل بين ما يقع في النشأة
~~الأولى من الأحوال والأهوال وبين ما يقع منها في النشأة الآخرة. والصور
~~قرن جاء في الآثار من وصفه ما يدهش العقول. وقد صح عن أبي سعيد الخدري
~~أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنا جبينه وأصغى سمعه ينتظر أن
~~يؤمر فينفخ "

# وزعم أبو عبيدة أنه جمع صورة وأيد بقراءة الحسن { الصور ms06258 } بفتح الواو
~~فيكون لسورة وسور ورد ذلك أظهر من أن يخفى، ولذلك قال أبو الهيثم على ما
~~نقل عنه الإمام القرطبي: من أنكر أن يكون الصور قرنا / فهو كمن أنكر
~~العرش والصراط والميزان وطلب لها تأويلات. وذكر أن الأمم مجمعة على أن
~~النافخ فيه إسرافيل عليه السلام { فجمعنهم } أي الخلائق بعد ما
~~تفرقت أوصالهم وتمزقت أجسادهم في صعيد واحد للحساب والجزاء { جمعا }
~~أي جمعا عجيبا لا يكتنه كنهه.

### || [18.100]

# { وعرضنا جهنم } أظهرناها وأبرزناها { يومئذ } أي يوم إذ
~~جمعنا الخلائق كافة { للكفرين } منهم حيث جعلناها بحيث يرونها
~~ويسمعون لها تغيظا وزفيرا { عرضا } أي عرضا فظيعا هائلا لا يقادر
~~قدره. وتخصيص العرض بهم مع أنها بمرأى من أهل الجمع قاطبة لأن ذلك لأجلهم
~~خاصة.

### || [18.101]

# { الذين كانت أعينهم } وهم في الدنيا { فى غطاء } كثيف
~~وغشاوة غليظة محاطة بذلك من جميع الجوانب { عن ذكري } عن الآيات
~~المؤدية لأولي الأبصار المتدبرين فيها إلى ذكري بالتوحيد والتمجيد.
~~فالذكر مجاز عن الآيات المذكورة من باب إطلاق المسبب وإرادة السبب. وفيه
~~أن من لم ينظر نظرا يؤدي به إلى ذكر التعظيم كأنه لا نظر له البتة وهذا
~~فائدة التجوز. وقيل: الكلام على حذف مضاف أي عن آيات ذكري وليس بذاك،
~~ويجوز أن يكون المراد بالأعين البصائر القلبية. والمعنى كانت بصائرهم في
~~غطاء عن أن يذكروني على وجه يليق بشأني أو عن ذكري الذي أنزلته على
~~الأنبياء عليهم السلام، ويجوز أن يخص بالقرآن الكريم.

# { وكانوا } مع ذلك { لا يستطيعون سمعا } نفي لسماعهم على
~~أتم وجه ولذا عدل عن وكانوا صما الأخصر إليه. والمراد أنهم مع ذلك
~~كفاقدي حاسة السمع بالكلية وهو مبالغة في تصوير إعراضهم عن سماع ما
~~يرشدهم إلى ما ينفعهم بعد تصوير تعاميهم عن الآيات المشاهدة بالأبصار فلا
~~حاجة إلى تقدير لذكري المراد منه القرآن أو مطلق الشرائع الإلهية فإنه
~~بعد تخصيص الذكر المذكور في النظم الكريم أولا بالآيات المشاهدة لا يصير
~~قرينة على هذا الحذف. قال ابن هشام في «المغني»: إن الدليل اللفظي لا بد ms06259
~~من مطابقته للمحذوف معنى فلا يصح زيد ضارب وعمرو أي ضارب على أن الأول
~~بمعناه المعروف والثاني بمعنى مسافر. وتقدير ذلك وإرادة معنى الآيات منه
~~مجازا بعد المجاز أظهر، وقال بعض المحققين: إن تقدير ذلك إنما هو بقرينة
~~قوله تعالى { سمعا } وأن الكافرين هذا حالهم لا بقرينة ذكر الذكر قبل
~~ليجىء كلام ابن هشام، ولا يخفى أنه لا كلام في تقدير الذكر بمعنى القرآن
~~أو الشرائع الإلهية إذا أريد من الذكر المذكور ذلك. والموصول نعت
~~الكافرين أو بدل منه أو بيان جىء به لذمهم بما في حيز الصلة وللإشعار
~~بعليته لإصابة ما أصابهم من عرض جهنم لهم.

### || [18.102]

# { أفحسب الذين كفروا } أي كفروا بي كما يعرب عنه قوله
~~تعالى: { عبادى } والحسبان بمعنى الظن، وقد قرأ عبد الله { أفظن }
~~والهمزة للإنكار والتوبيخ على معنى إنكار الواقع واستقباحه. والفاء للعطف
~~على مقدر يفصح عنه الصلة على توجيه الإنكار والتوبيخ وإلى المعطوفين
~~جميعا على ما اختاره شيخ الإسلام. والمعنى أكفروا بي مع جلالة شأني
~~فحسبوا { أن يتخذوا عبادي } من الملائكة وعيسى ونحوهم عليهم
~~السلام من المقربين كما تشعر به الإضافة فإن الأكثر أن تكون في مثل هذا
~~اللفظ لتشريف المضاف. واقتصر قتادة في المراد من ذلك على الملائكة؛
~~والظاهر إرادة ما يعمهم وغيرهم ممن ذكرنا واختاره أبو حيان / وغيره، وروي
~~عن ابن عباس أن المراد منه الشياطين وفيه بعد ولعل الرواية لا تصح. وعن
~~مقاتل أن المراد الأصنام وهو كما ترى، وجوز بعض المحققين أن يراد ما يعم
~~المذكورين والأصنام وسائر المعبودات الباطلة من الكواكب وغيرها تغليبا.
~~ولعل المقام يقتضي أن لا تكون الإضافة فيه للتشريف أي أفظنوا أن يتخذوا
~~عبادي الذي هم تحت ملكي وسلطاني.

# { من دونى } أي مجاوزين لي { أولياء } أي معبودين أو أنصارا لهم
~~من بأسي. وما في حيز صلة (أن) قيل ساد مسد مفعولي (حسب) أي أفحسبوا أنهم
~~يتخذونهم أولياء. وكأن مصب الإنكار أنهم يتخذونهم كذلك إلا أنه أقحم
~~الحسبان للمبالغة، وقيل: المراد ما ذكر على معنى أن ذلك ms06260 ليس من الاتخاذ
~~في شيء لما أنه إنما يكون من الجانبين والمتخذون بمعزل عن ولايتهم لقولهم
~~سبحانك أنت ولينا من دونهم، وقيل: (أن) وما بعدها في تأويل مصدر مفعول
~~أول لحسب والمفعول الثاني محذوف أي أفحسبوا اتخاذهم نافعهم أو سببا لرفع
~~العذاب عنهم أو نحو ذلك. وهو مبني على تجويز حذف أحد المفعولين في باب
~~علم وهو مذهب بعض النحاة، وتعقب بأن فيه تسليما لنفس الاتخاذ واعتدادا
~~به في الجملة والأولى ما خلا عن ذلك.

# هذا وفي «الكشف» أن التحقيق أن قوله تعالى: { فحسب } معطوف على {
~~كانت...وكانوا } [الكهف: 101] دلالة على أن الحسبان ناشىء عن التعامي
~~والتصام وأدخل عليه همزة الإنكار ذما على ذم وقطعا له عن المعطوف
~~عليهما لفظا لا معنى للإيذان بالاستقلال المؤكد للذم كأنه قيل لا يزيلون
~~ما بهم من مرضى الغشاوة والصمم ويزيدون عليهما الحسبان المترتب عليهما.
~~وقوله تعالى: { وقال الذين كفروا } من وضع الظاهر مقام المضمر
~~زيادة للذم انتهى. وفي «إرشاد العقل السليم» بعد نقل ما ذكر إلى قوله
~~كأنه قيل الخ أنه يأبى ذلك ترك الإضمار والتعرض لوصف آخر غير التعامي
~~والتصام على انهما أخرجا مخرج الأحوال الجبلية لهم ولم يذكرا من حيث
~~انهما من أفعالهم الاختيارية الحادثة كحسبانهم ليحسن تفريعه عليهما.

# وأيضا فإنه دين قديم لهم لا يمكن جعله ناشئا عن تصامهم عن كلام الله
~~عز وجل. وتخصيص الإنكار بحسبانهم المتأخر عن ذلك تعسف لا يخفى انتهى، ولا
~~يخلو عن بحث فتأمل.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وزيد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى
~~عنهم والشافعي عليه الرحمة ويحيى بن يعمر ومجاهد وعكرمة وقتادة ونعيم بن
~~ميسرة والضحاك وابن أبي ليلى وابن محيصن وأبو حيوة ومسعود بن صالح وابن
~~كثير ويعقوب بخلاف عنهما { أفحسب } بإسكان السين وضم الباء مضافا
~~إلى { الذين } وخرج ذلك على أن حسب مبتدأ وهو بمعنى محسب أي كافي و {
~~أن يتخذوا } خبره أي أفكافيهم اتخاذهم عبادي من دوني أولياء.
~~وفيه دلالة على غاية الذم لأنه جعل ذلك مجموع ms06261 عدتهم يوم الحساب وما
~~يكتفون به عن سائر العقائد والفضائل التي لا بد منها للفائز في ذلك
~~اليوم. وجعل الزمخشري المصدر المتحصل من أن والفعل فاعلا لحسب لأنه
~~اعتمد على الهمزة واسم الفاعل إذا اعتمد ساوى الفعل في العمل، واعترض
~~عليه أبو حيان بأن حسب مؤول باسم الفاعل وما ذكر مخصوص بالوصف الصريح. ثم
~~أشار إلى جوابه بأن سيبويه أجاز في مررت برجل خير منه أبوه وبرجل سواء
~~عليه الخير والشر وبرجل أب له صاحبه وبرجل إنما رجل هو وبرجل حسبك من رجل
~~الرفع بالصفات المؤولة، وذكر أنهم أجازوا في مررت برجل أبي عشرة أبوه
~~ارتفاع أبوه بأبي عشرة لأنه في معنى والد عشرة وحينئذ فلا كلام فيما
~~ذكر الزمخشري.

# { إنا أعتدنا جهنم } أي هيأناها وهو ظاهر في أنها مخلوقة
~~اليوم { للكفرين } المعهودين عدل عن الإضمار ذما لهم وإشعارا
~~بأن ذلك الاعتداد / بسبب كفرهم المتضمن لحسبانهم الباطل { نزلا } أي
~~شيئا يتمتعون به عند ورودهم وهو ما يقام به للنزيل أي الضيف مما حضر من
~~الطعام واختار هذا جماعة من المفسرين. وفي ذلك على ما قيل تخطئة لهم في
~~حسبانهم وتهكم به حيث كان اتخاذهم إياهم أولياء من قبيل إعتاد العتاد
~~وإعداد الزاد ليوم المعاد فكأنه قيل أنا أعتدنا لهم مكان ما أعدوا
~~لأنفسهم من العدة والذخر جهنم عدة، وفي إيراد النزل إيماء إلى أن لهم
~~وراء جهنم من العذاب ما هي أنموذج له، ولا يأبى ذلك قوله تعالى:

# جزاؤهم جهنم

# [الكهف: 106] لأن المراد هناك أنها جزاؤهم بما فيها فافهم، وقال الزجاج:
~~النزل موضع النزول، وروي ذلك عن ابن عباس، وقيل: هو جمع نازل ونصبه على
~~الحال وقرأ أبو حيوة وأبو عمرو بخلاف عنه { نزلا } بسكون الزاي.

### || [18.103]

# { قل } يا محمد { هل ننبئكم } خطاب للكفرة. وإذا حمل الاستفهام
~~على الاستئذان كان فيه من التهكم ما فيه، والجمع في صيغة المتكلم قيل
~~لتعيينه من أول الأمر وللإيذان بمعلومية النبأ للمؤمنين أيضا {
~~بالأخسرين أعملا } نصب على التمييز، وجمع مع أن الأصل في
~~التمييز ms06262 الإفراد والمصدر شامل للقليل والكثير كما ذكر ذلك النحاة للإيذان
~~بتنوع أعمالهم وقصد شمول الخسران لجميعها، وقيل: جمع لأن ما ذكره النحاة
~~إنما هو إذا كان المصدر باقيا على مصدريته أما إذا كان مؤولا باسم فاعل
~~فإنه يعامل معاملته وهنا عمل بمعنى عامل فجمع على أعمال والمراد عاملين
~~والصفة تقع تمييزا نحو لله تعالى دره فارسا، وزعم بعضهم أن أعمالا جمع
~~عامل، وتعقب بأن جمع فاعل على أفعال نادر وقد أنكره بعض النحاة في غير
~~ألفاظ مخصوصة كأشهاد جمع شاهد، وقيل: جمع عمل ككتف بمعنى ذو عمل كما في
~~«القاموس» وهو كما ترى، وزعم بعض المتأخرين أنه إذا اعتبر أعمالا بمعنى
~~عاملين كان الأخسرين بمعنى الخاسرين لأن التمييز إذا كان صفة كان عبارة
~~عن المنتصب عنه متحدا معه بالذات محمولا عليه بالمواطأة حتى أن النحاة
~~صرحوا بأنه تجعل الحال أيضا وهو خبر عن ذي الحال معنى ومن البين أن أفعل
~~التفضيل يمتنع أن يتحد مع اسم الفاعل لمكان الزيادة فحيث وقع اسم الفاعل
~~تمييزا وانتصب بأفعل وجب أن يكون بمعنى فاعل ليتحدا، وتعقبه بعضهم بأن
~~أفعل لا يكون مع اللام مجردا عن معنى التفضيل كما أنه لا يكون مجردا
~~عنه مع الإضافة وإنما يكون ذلك إذا كان مع من كما صرح به ابن مالك في
~~«التسهيل» وذكره الرضي، ولا يخفى عليك ما في جميع ذلك من النظر، والحق أن
~~الجمعية ليست إلا لما ذكر أولا، نعم ذكر أبو البقاء أنه جمع لكونه
~~منصوبا على أسماء الفاعلين وأول ذلك بأنه أراد باسم الفاعل المعنى
~~اللغوي وأراد أنه جمع ليفيد التوزيع على أنه لا يخلو عن شيء، ثم إن هذا
~~على ما في «إرشاد العقل السليم» بيان لحال الكفرة باعتبار ما صدر عنهم من
~~الأعمال الحسنة في أنفسها وفي حسبانهم أيضا حيث كانوا معجبين بها واثقين
~~بنيل ثوابها ومشاهدة آثارها غب بيان أحوالهم باعتبار أعمالهم السيئة في
~~أنفسها مع كونها حسنة في حسبانهم.

### || [18.104]

# { الذين ضل } أي ضاع وبطل بالكلية عند الله ms06263 عز وجل { سعيهم
~~} في إقامة تلك الأعمال { في الحياة الدنيا } متعلق بسعى لا بضل
~~لأن بطلان سعيهم غير مختص بالدنيا. قيل: المراد بهم أهل الكتابين وروي
~~ذلك عن ابن عباس وسعد بن أبي وقاص ومجاهد ويدخل في الأعمال حينئذ ما
~~عملوه من الأحكام المنسوخة المتعلقة بالعبادات، وقيل: الرهبان الذين
~~يحبسون أنفسهم في الصوامع ويحملونها على الرياضات الشاقة، وقيل الصابئة،
~~وسأل ابن الكواء عليا كرم الله تعالى وجهه عنهم / فقال: منهم أهل حروراء
~~يعني الخوارج، واستشكل بأن قوله تعالى:

# أولئك الذين كفروا

# [الكهف: 105] الخ يأباه لأنهم لا ينكرون البعث وهم غير كفرة، وأجيب بأن
~~من اتصالية فلا يلزم أن يكونوا متصلين بهم من كل الوجوه بل يكفي كونهم
~~على الضلال مع أنه يجوز أن يكون كرم الله تعالى وجهه معتقدا لكفرهم،
~~واستحسن أنه تعريض بهم على سبيل التغليظ لا تفسير للآية، والمذكور في
~~«مجمع البيان» أن العياشي روى بسنده أن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين كرم
~~الله تعالى وجهه عن أهل هذه الآية فقال: أولئك أهل الكتاب كفروا بربهم
~~وابتدعوا في دينهم فحبطت أعمالهم وما أهل النهر منهم ببعيد، وهذا يؤيد
~~الجواب الأول، وأخبر أن المراد ما يعم سائر الكفرة، ومحل الموصول الرفع
~~على أنه خبر مبتدأ محذوف لأنه جواب للسؤال كأنه قيل من هم؟ فقيل الذين
~~الخ، وجوز أن يكون في محل جر عطف بيان على

# الأخسرين

# [الكهف: 103]، وجوز أن يكون نعتا أو بدلا وأن يكون منصوبا على الذم
~~على أن الجواب ما سيأتي إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه:

# أولئك الذين

# [الكهف: 105] الخ. وتعقب بأنه يأبى ذلك أن صدره ليس منبئا عن خسران
~~الأعمال وضلال السعي كما يستدعيه مقام الجواب والتفريع الأول وإن دل على
~~حبوطها لكنه ساكت عن إنباء بما هو العمدة في تحقيق معنى الخسران من
~~الوثوق بترتب الربح واعتقاد النفع فيما صنعوا على أن التفريع الثاني مما
~~يقطع ذلك الاحتمال رأسا إذ لا مجال لإدراجه تحت الأمر بقضية نون العظمة
~~والجواب عن ذلك لا يتم ms06264 إلا بتكلف فتأمل.

# { وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } الإحسان الإتيان
~~بالأعمال على الوجه اللائق وهو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي أي
~~يعتقدون أنهم يعملون ذلك على الوجه اللائق لإعجابهم بأعمالهم التي سعوا
~~في إقامتها وكابدوا في تحصيلها، والجملة حال من فاعل { ضل } أي ضل
~~سعيهم المذكور والحال أنهم يحسنون في ذلك وينتفعون بآثاره أو من المضاف
~~إليه في { سعيهم } لكونه في محل الرفع أي بطل سعيهم والحال أنهم
~~الخ، والفرق بين الوجهين أن المقارن لحال حسبانهم المذكور في الأول ضلال
~~سعيهم، وفي الثاني نفس سعيهم قيل، والأول أدخل في بيان خطئهم، ولا يخفى
~~ما بين يحسبون ويحسنون من تجنيس التصحيف ومثل ذلك قول البحتري:

# ولم يكن المغتر بالله إذ سرى

# ليعجز والمعتز بالله طالبه

### || [18.105]

# { أولئك } كلام مستأنف من جنابه تعالى مسوق لتكميل تعريف
~~الأخسرين وتبيين خسرانهم وضلال سعيهم وتعيينهم بحيث ينطبق التعريف على
~~المخاطبين غير داخل تحت الأمر كما قيل أي أولئك المنعوتون بما ذكر من
~~ضلال السعي والحسبان المذكور { الذين كفروا بئايت
~~ربهم } بدلائله سبحانه الداعية إلى التوحيد الشاملة للسمعية
~~والعقلية، وقيل: بالقرآن والأول أولى، والتعرض لعنوان الربوبية لزيادة
~~تقبيح حالهم في الكفر المذكور { ولقائه } هو حقيقة في مقابلة الشيء
~~ومصادفته وليس بمراد، والأكثرون على أنه كناية عن البعث والحشر وما يتبع
~~ذلك من أمور الآخرة أي لم يؤمنوا بذلك على ما هو عليه، وقيل: الكلام على
~~حذف مضاف أي لقاء عذابه تعالى وليس بذاك { فحبطت } بكسر الباء، وقرأ
~~ابن عباس وأبو السمال بفتحها، والفاء للتفريع أي فحبطت لذلك {
~~أعملهم } المعهودة حبوطا كليا { فلا نقيم لهم } أي
~~لأولئك الموصوفين بما مر من حبوط الأعمال { يوم القيمة وزنا
~~} أي فنزدري بهم ونحتقرهم ولا نجعل لهم مقدارا واعتبارا لأن مدار
~~الاعتبار / والاعتناء الأعمال الصالحة وقد حبطت بالمرة وحيث كان هذا
~~الازدراء والاحتقار من عواقب حبوط الأعمال عطف عليه بطريق التفريع وأما
~~ما هو من أجزية الكفر فسيجىء إن شاء الله تعالى بعد ذلك، وزعم بعضهم أن
~~حقه على هذا أن ms06265 يعطف بالواو عطف أحد المتفرعين على الآخر لأن منشأ
~~ازدرائهم الكفر لا الحبوط وبه اعترض على ذلك وهو ناشىء من فرط الذهول كما
~~لا يخفى أو لا نضع لأجل وزن أعمالهم ميزانا لأنها قد حبطت وصارت هباء
~~منثورا. ونفى هذا بعد الإخبار بحبوطها من قبيل التأكيد بخلاف النفي على
~~المعنى الأول ولذلك رجح عليه وليس من الاعتزال في شيء، وقرأ مجاهد وعبيد
~~بن عمير { فلا يقيم } بالياء لتقدم قوله تعالى { بآيت ربهم } وعن
~~عبيد أيضا { فلا يقيم } بفتح ياء المضارعة كأنه جعل قام متعديا، وعن
~~مجاهد وابن محيصن ويعقوب بخلاف عنهم { فلا يقوم لهم يوم القيامة وزن }
~~على أن يقوم مضارع قام اللازم و { وزن } فاعله.

### || [18.106]

# { ذلك } بيان لمآل كفرهم وسائر معاصيهم إثر بيان أعمالهم المحبطة
~~بذلك وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر والشأن ذلك. وقوله عز وجل: {
~~جزاؤهم جهنم } جملة مفسرة له فلا محل لها من الإعراب، وجوز أن
~~يكون { ذلك } مبتدأ و { جزآؤهم } بدل منه بدل اشتمال أو بدل كل
~~من كل إن كانت الإشارة إلى الجزاء الذي في الذهن و { جهنم } خبره.
~~والتذكير وإن كان الخبر مؤنثا لأن المشار إليه الجزاء ولأن الخبر في
~~الحقيقة للبدل. وأن يكون { ذلك } مبتدأ و { جزآؤهم } خبره و {
~~جهنم } عطف بيان للخبر والإشارة إلى جهنم الحاضرة في الذهن، وأن
~~يكون مبتدأ و { جزاؤهم جهنم } مبتدأ وخبر خبر له والعائد محذوف
~~والإشارة إلى كفرهم وأعمالهم والتذكير باعتبار ما ذكر أي ذلك جزاؤهم به
~~جهنم، وتعقب بأن العائد المجرور إنما يكثر حذفه في مثل ذلك إذا جر بحرف
~~بتبعيض أو ظرفية أو جر عائد قبله بمثل ما جر به كقوله:

# فالذي تدعي به أنت مفلح

# أي به. وجوز أبو البقاء أن يكون «ذلك» مبتدأ و { جزآؤهم } بدل أو
~~عطف بيان و { جهنم } بدل من جزاء أو خبر مبتدأ محذوف أي هو جهنم.

# وقوله تعالى: { بما كفروا } خبر { ذلك } وقال بعد أن ذكر من
~~وجوه الإعراب ما ذكر: إنه لا يجوز أن يتعلق ms06266 الجار بجزاؤهم للفصل بينهما
~~بجهنم، وقيل: الظاهر تعلقه به ولا يضر الفصل في مثل ذلك. وهو تصريح بأن
~~ما ذكر جزاء لكفرهم المتضمن لسائر القبائح التي أنبأ عنها قوله تعالى
~~المعطوف على { كفروا }  { واتخذوا ءايتى ورسلي هزوا
~~} أي مهزوأ بهما فإنهم لم يقنعوا بمجرد الكفر بالآيات والرسل عليهم
~~السلام بل ارتكبوا مثل تلك العظيمة أيضا. وجوز أن تكون الجملة مستأنفة
~~وهو خلاف الظاهر، والمراد من الآيات قيل المعجزات الظاهرة على أيدي الرسل
~~عليهم السلام والصحف الإلهية المنزلة عليهم عليهم الصلاة والسلام.

### || [18.107]

# { إن الذين ءامنوا } بيان بطريق الوعد لمآل الذين اتصفوا
~~بأضداد ما اتصف به الكفرة إثر بيان مآلهم بطريق الوعيد أي إن الذين آمنوا
~~بآيات ربهم ولقائه سبحانه. { وعملوا الصلحت } من الأعمال {
~~كانت لهم } فيما سبق من حكم الله تعالى ووعده فالمضي باعتبار ما
~~ذكر. وفيه على ما قال شيخ الإسلام إيماء إلى أن أثر الرحمة يصل إليهم
~~بمقتضى الرأفة الأزلية بخلاف ما مر من جعل جهنم للكافرين نزلا فإنه
~~بموجب ما حدث من سوء اختيارهم، وقيل: يجوز أن يكون ما وعدوا به لتحققه
~~نزل منزلة الماضي فجيء بكان إشارة إلى ذلك. ولم يقل أعتدنا لهم كما قيل
~~فيما مر للإشارة إلى أن أمر الجنات لا يكاد يتم بل لا يزال ما فيها يزداد
~~فإن إعتاد الشيء وتهيئته يقتضي تمامية / أمره وكماله. وقد جاء في الآثار
~~أنه يغرس للمؤمن بكل تسبيحة يسبحها شجرة في الجنة، وقيل: التعبير بما ذكر
~~أظهر في تحقق الأمر من التعبير بالإعتاد ألا ترى أنه قد تهيأ دار لشخص
~~ولا يسكنها ولا يخلو عن لطف فافهم.

# { جنت الفردوس } أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد
~~أن الفردوس هو البستان بالرومية، وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه الكرم
~~بالنبطية وأصله فرداسا، وأخرج ابن أبي شيبة وغيره عن عبد الله بن الحرث
~~أن ابن عباس سأل كعبا عن الفردوس فقال: جنة الأعناب بالسريانية، وقال
~~عكرمة: هي الجنة بالحبشية، وقال القفال: هي الجنة الملتفة بالأشجار، وحكى ms06267
~~الزجاج أنها الأودية التي تنبت ضروبا من النبات، وقال المبرد: هي فيما
~~سمعت من العرب الشجر الملتف والأغلب عليه العنب. ونص الفراء على أنه
~~عربي أيضا ومعناه البستان الذي فيه كرم وهو مما يذكر ويؤنث، وزعم بعضهم
~~أنها لم تسمع في كلام العرب إلا في قول حسان:

# وإن ثواب الله كل موحد

# جنان من الفردوس فيها يخلد

# وهو لا يصح فقد قال أمية بن أبي الصلت:

# كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة

# فيها الفراديس ثم الفوم والبصل

# وجاء في شعر جرير في أبيات يمدح بها خالد بن عبد الله القسري حيث قال:

# وإنا لنرجو أن نرافق رفقة

# يكونون في الفردوس أول وارد

# ومما سمعه أهل مكة قبل إسلام سعد قول هاتف:

# أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا

# على الله في الفردوس منية عارف

# والحق أن ذكرها في شعر الإسلاميين كثير وفي شعر الجاهليين قليل، وأخرج
~~البخاري ومسلم وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم

# " إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة
~~وفوقه عرش الرحمن ومنها تفجر أنهار الجنة "

# وعن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعا «الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين ما
~~بين السماء والأرض والفردوس أعلى الجنة فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه
~~الفردوس» وروى عن كعب أنه ليس في الجنة أعلى من جنة الفردوس وفيها
~~الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وصح أن أهل الفردوس ليسمعون أطيط
~~العرش. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري مرفوعا «الفردوس
~~مقصورة الرحمن» وكل ذلك لا ينافي كون الفردوس في اللغة البستان كما توهم
~~إذ لا مانع من أن يكون أعلى الجنة بستانا لكنه لكونه في غاية السعة أطلق
~~على كل قطعة منه جنة فقيل جنات الفردوس كذا قيل.

# واستشكل بأن الآية حينئذ تفيد أن كل المؤمنين في الفردوس المشتمل على
~~جنات وهذا لا يصح على القول بأن الفردوس أعلى الدرجات إذ لا شبهة في
~~تفاوت مراتبهم. وكون المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات طائفة ms06268 مخصوصة
~~من مطلق المؤمنين مع كونه في مقابلة الكافرين ليس بشيء. وقال أبو حيان:
~~الظاهر أن معنى جنات الفردوس بساتين حول الفردوس ولذا أضيفت الجنات إلى
~~الفردوس. وأنت تعلم أن هذا لا يشفي الغليل لما أن الآية حينئذ تفيد أن
~~جميع المؤمنين في جنات حول الفردوس ومن المعلوم أن منهم من هو في
~~الفردوس. وقيل: الأمر كما ذكر أبو حيان / إلا أنه يلتزم الاستخدام في
~~الآية بأن يراد مطلق الجنات فيما بعد، وفيه مع كونه خلاف الظاهر ما لا
~~يخفى. وقيل المراد من جنات الفردوس جميع الجنات والإضافة إلى الفردوس
~~التي هي أعلاها باعتبار اشتمالها عليها ويكفي في الإضافة هذه الملابسة،
~~ولعلك تختار أن الفردوس في الآثار بمعنى وفي الآية بمعنى آخر وتختار من
~~معانيه ما تكلف في الإضافة فيه كالشجر الملتف ونحوه، وظاهر بيت حسان وبيت
~~أمية شاهد على أن للفردوس معنى غير ما جاء في الآثار فليتدبر.

# واعلم أنه استشكل أيضا ما جاء من أمر السائل بسؤال الفردوس لنفسه مع
~~كونه أعلى الجنة بخبر أحمد عن أبي هريرة مرفوعا

# " إذا صليتم علي فاسألوا الله تعالى لي الوسيلة أعلى درجة في الجنة لا
~~ينالها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا هو "

# وأجيب بأنه لا مانع من انقسام الدرجة الواحدة إلى درجات بعضها أعلى من
~~بعض وتكون الوسيلة عبارة عن أعلى درجات الفردوس التي هي أعلى درجات
~~الجنان، ونظير ذلك ما قيل في حد الإعجاز فتذكر، وقيل المراد من الدرجة في
~~حديث الوسيلة درجة المكانة لا المكان بخلافها فيما تقدم فلا إشكال.

# والجار والمجرور متعلق بمحذوف على أنه حال من قوله تعالى: { نزلا }
~~أو على أنه بيان كما في سعيا لك وخبر كان في الوجهين { نزلا } أو على
~~أنه الخبر و { نزلا } حال من { جنت } فإن جعل بمعنى ما يهيأ
~~للنازل فالمعنى كانت لهم ثمار جنات الفردوس نزلا أو جعلت نفس الجنات
~~نزلا مبالغة في الإكرام وفيه إيذان بأنها عندما أعد الله تعالى لهم على
~~لسان النبوة من قوله ms06269 تعالى:

# " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب
~~بشر "

# بمنزلة النزل بالنسبة إلى الضيافة، وإن جعلت بمعنى المنزل فالمعنى ظاهر.

### || [18.108]

# { خالدين فيها } نصب على الحالية وهي مقدرة عند البعض وحقق أنها
~~حال مقارنة والمعتبر في المقارنة زمان الحكم وهو كونهم في الجنة وهم بعد
~~حصولهم فيها مقارنون له إذ لا آخر له فتأمل ولا تغفل. { لا يبغون
~~عنها حولا } هو  كما قال ابن عيسى وغيره  مصدر كالعوج والصغر
~~والعود في قوله:

# عادني حبها عودا

# أي لا يطلبون عنها تحولا إذ لا يتصور أن يكون شيء أعز عندهم وأرفع منها
~~حتى تنازعهم إليه أنفسهم وتطمح عنه أبصارهم وان تفاوتت درجاتهم، والحاصل
~~أن المراد من عدم طلب التحول عنها كونها أطيب المنازل وأعلاها، وقال ابن
~~عطية: كأنه اسم جمع وكأن واحده حوالة ولا يخفى بعده، وقال الزجاج عن قوم:
~~هو بمعنى الحيلة في التنقل وهو ضعيف متكلف، وجوز أن يراد نفي التحول
~~والانتقال على أن يكون تأكيدا للخلود لأن عدم طلب الانتقال مستلزم
~~للخلود فيؤكده أو لأن الكلام على حد:

# ولا ترى الضب بها ينجحر

# أي لا يتحولون عنها فيبغوه، وقيل في وجه التأكيد: أنهم إذا لم يريدوا
~~الانتقال لا ينتقلون لعدم الإكراه فيها وعدم إرادة النقلة عنها فلم يبق
~~إلا الخلود إذ لا واسطة بينهما كما قيل، والجملة حال من صاحب خالدين أو
~~من ضميره فيه فتكون حالا متداخلة، وفيها إيذان بأن الخلود لا يورثهم
~~مللا.

### || [18.109]

# { قل لو كان البحر } أي جنس البحر { مدادا } هو في الأصل
~~اسم لكل ما يمد به الشيء واختص في العرف لما تمد به الدواة من الحبر {
~~لكلمت ربى } أي معدا لكتابة كلماته تعالى، والمراد بها كما روي
~~عن قتادة معلوماته سبحانه وحكمته عز وجل { لنفد البحر } مع كثرته
~~ولم يبق منه شيء لتناهيه { قبل أن تنفد كلمت ربى } لعدم
~~تناهيها { ولو جئنا بمثله مددا } عونا وزيادة لأن مجموع /
~~المتناهيين متناه بل جميع ما يدخل في الوجود ms06270 على التعاقب أو الاجتماع
~~متناه ببرهان التطبيق وغيره من البراهين، وهذا كلام من جهته تعالى شأنه
~~غير داخل في الكلام الملقن جيء به لتحقيق مضمونه وتصديق مدلوله على أتم
~~وجه، والواو لعطف الجملة على نظيرتها المستأنفة المقابلة لها المحذوفة
~~لدلالة المذكور عليها دلالة واضحة أي لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته
~~تعالى لو لم نجيء بمثله مددا ولو جئنا بمثله مددا، والكلام في جواب {
~~لو } مشهور وليس قوله تعالى: { قبل أن تنفد } للدلالة على أن ثم
~~نفادا في الجملة محققا أو مقدرا لأن المراد منه لنفد البحر وهي باقية
~~إلا أنه عدل إلى المنزل لفائدة المزاوجة وان ما لا ينفد عند العقول
~~العامية ينفد دون نفادها وكلما فرضت من المد فكذلك والمثل للجنس شائع على
~~أمثال كثيرة تفرض كل منها مددا، وهذا كما في «الكشف» أبلغ من وجه من
~~قوله تعالى:

# والبحر يمده من بعده سبعة أبحر

# [لقمان: 27] وذلك أبلغ من وجه آخر وهو ما في تخصيص هذا العدد من النكتة
~~ولم يرد تخصيص العدة ثم فيه زيادة تصوير لما استقر في عقائد العامة من
~~أنها سبعة حتى إذا بالغوا فيما يتعذر الوصول إليه قالوا هو خلف سبعة
~~أبحر، وفي إضافة الكلمات إلى اسم الرب المضاف إلى ضميره صلى الله عليه
~~وسلم في الموضعين من تفخيم المضاف وتشريف المضاف إليه ما لا يخفى، وإظهار
~~البحر والكلمات في موضع الإضمار لزيادة التقرير، ونصب { مددا } على
~~التمييز كما في قوله:

# فإن الهوى يكفيكه مثله صبرا

# وجوز أبو الفضل الرازي نصبه على المصدر على معنى ولو أمددنا بمثله
~~إمدادا وناب المدد عن الإمداد على حد ما قيل في قوله تعالى:

# والله أنبتكم من الأرض نباتا

# [نوح: 17] وفيه تكلف.

# وقرأ حمزة والكسائي وعمرو بن عبيد والأعمش وطلحة وابن أبي ليلى { قبل
~~أن ينفد } بالياء آخر الحروف، وقرأ السلمي { أن تنفد } بالتشديد على تفعل
~~على المضي وجاء كذلك عن عاصم وأبي عمرو فهو مطاوع نفد مشددا نحو كسرته
~~فتكسر. وقرأ الأعرج { بمثله مددا } بكسر الميم ms06271 على أنه جمع مدة وهو ما
~~يستمده الكاتب فيكتب به، وقرأ ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والأعمش بخلاف
~~والتيمي وابن محيصن وحميد والحسن في رواية وأبو عمرو كذلك وحفص كذلك
~~أيضا { مدادا } بألف بين الدالين وكسر الميم.

# وسبب النزول أن حيي بن أخطب كما رواه الترمذي عن ابن عباس قال: في
~~كتابكم

# ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا

# [البقرة: 269] ثم تقرؤون

# وما أوتيتم من العلم إلا قليلا

# [الإسراء: 85] ومراده الاعتراض بأنه وقع كتابكم تناقض بناء على أن
~~الحكمة هي العلم وأن الخير الكثير هو عين الحكمة لا آثارها وما يترتب
~~عليها لأن الشيء الواحد لا يكون قليلا وكثيرا في حالة واحدة فالآية
~~جواب عن ذلك بالإرشاد إلى أن القلة والكثرة من الأمور الإضافية فيجوز أن
~~يكون الشيء كثيرا في نفسه وهو قليل بالنسبة إلى شيء آخر فإن البحر مع
~~عظمته وكثرته خصوصا إذا ضم إليه أمثاله قليل بالنسبة إلى كلماته عز وجل،
~~وقيل سبب ذلك أن اليهود قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: كيف تزعم أنك
~~نبي الأمم كلها ومبعوث إليها وأنك أعطيت من العلم ما يحتاجه الناس، وقد
~~سئلت عن الروح فلم تجب فيه؟ ومرادهم الاعتراض بالتناقض بين دعواه عليه
~~الصلاة والسلام وحاله في زعمهم بناء على أن العلم بحقيقة الروح مما
~~يحتاجه الناس وأنه صلى الله عليه وسلم لم يفده عبارة ولا إشارة والجواب
~~عن هذا منع كون العلم بحقيقة الروح مما يحتاجه الناس في أمر دينهم
~~المبعوث له الأنبياء عليهم السلام والقائل

# " أنتم أعلم بأمور دنياكم "

# لا يدعي علم ما يحتاجه الناس مطلقا، وأنت تعلم أن الآية لا تكون جوابا
~~عما ذكر على تقدير صحة كون ذلك سبب / النزول إلا بضم الآية الآتية إليها
~~ومع هذا يحتاج ذلك إلى نوع تكلف.

### || [18.110]

# { قل } بعد أن بينت شأن كلماته عز شأنه { إنما أنا بشر
~~مثلكم } لا أدعي الإحاطة بكلماته جل وعلا { يوحى إلى } من
~~تلك الكلمات { أنما إلهكم إله وحد } وإنما تميزت عنكم
~~بذلك، وأن المفتوحة وإن ms06272 كفت بما في تأويل المصدر القائم مقام فاعل {
~~يوحى } والاقتصار على ما ذكر لأنه ملاك الأمر، والقصر في الموضعين
~~بناء على القول بإفادة إنما بالكسر وإنما بالفتح الحصر من قصر الموصوف
~~على الصفة قصر قلب والمقصور عليه في الأول { أنا } والمقصور البشرية
~~مثل المخاطبين، وهو على ما قيل مبني على تنزيلهم لاقتراحهم عليه عليه
~~الصلاة والسلام ما لا يكون من بشر مثلهم منزلة من يعتقد خلافه أو على
~~تنزيلهم منزلة من ذكر لزعمهم أن الرسالة التي يدعيها صلى الله عليه وسلم
~~مبرهنة بالبراهين الساطعة تنافي ذلك، وقيل إن المقصود بأن يقصر عليه
~~الإيحاء إليه صلى الله عليه وسلم على معنى أنه صلى الله عليه وسلم مقصور
~~على إيحاء ذلك إليه لا يتجاوزه إلى عدم الإيحاء كما يزعمون، والمقصور
~~الثاني { إلهكم } أي معبودكم الحق والمقصور عليه الوحدانية المعبر
~~عنها بإله واحد أي لا يتجاوز معبودكم بالحق تلك الصفة التي هي الوحدانية
~~أي الوحدة في الألوهية إلى صفة أخرى كالتعدد فيها الذي تعتقدونه أيها
~~المشركون. وعزم بعضهم أن القصر في الثاني من قصر الصفة على الموصوف قصر
~~افراد وأن المقصور الألوهية مصدر { إلهكم } والمقصور عليه هو الله
~~تعالى المعبر عنه بإله واحد ولا يخفى ما فيه من التكلف والعدول عما هو
~~الأليق. ومما يوضح ما ذكرنا أنه لو قيل إنما إلهكم واحد لم يكن إلا من
~~قصر الموصوف على الصفة فزيادة إله للتوطئة للوصف بواحد والإشارة إلى أن
~~المراد الوحدة في الألوهية تغير ذلك. وأما جعله من قصر الصفة على الموصوف
~~قصر افراد على أن الله تعالى هو المقصور عليه والوحدانية هي المقصور
~~فباطل قطعا لأن قصر الصفة على الموصوف كذلك إنما يخاطب به من يعتقد
~~اشتراك الصفة بين موصوفين كما تقرر في محله وهذا الاعتقاد لا يتصور هنا
~~من عاقل لبداهة استحالة اشتراك موصوفين في الوحدانية أي الوحدة في
~~الألوهية وما يوهم إرادة هذا القصر من كلام الزمخشري في نظير هذه الآية
~~مؤول كما لا يخفى على المنصف، وجوز أن يكون ms06273 من قصر التعيين وليس بذاك
~~فتأمل جميع ذلك والله تعالى يتولى هداك.

# { فمن كان يرجو لقاء ربه } الرجاء طمع حصول ما فيه مسرة في
~~المستقبل ويستعمل بمعنى الخوف وأنشدوا:

# إذا لسعته النحل لم يرج لسعها

# وحالفها في بيت نوب عوامل

# ولقاء الرب سبحانه هنا قيل مثل للوصول إلى العاقبة من تلقي ملك الموت
~~والبعث والحساب والجزاء مثلت تلك الحال بحال عبد قدم على سيده بعد عهد
~~طويل وقد اطلع مولاه على ما كان يأتي ويذر فأما أن يلقاه ببشر وترحيب لما
~~رضي من أفعاله أو بضد ذلك لما سخطه منها فالمعنى على هذا، وحمل الرجاء
~~على المعنى الأول من كان يأمل تلك الحال وأن يلقى فيها الكرامة من ربه
~~تعالى والبشرى { فليعمل } لتحصيل ذلك والفوز به { عملا
~~صلحا } وقيل هو كناية عن البعث وما يتبعه والكلام على حذف مضاف أي
~~من كان يؤمل حسن البعث فليعمل الخ، وقيل لا حذف، والمراد من توقع البعث
~~فليعمل صالحا أي أن ذلك العمل مطلوب ممن يتوقع البعث فكيف من يتحققه،
~~وقيل: اللقاء على حقيقته والكلام على حذف مضاف / أيضا أي من كان يؤمل
~~لقاء ثواب ربه فليعمل الخ، وقيل المراد منه رؤيته سبحانه أي من كان يؤمل
~~رؤيته تعالى يوم القيامة وهو راض عنه فليعمل الخ، وجوز أن يكون الرجاء
~~بمعنى الخوف على معنى من خاف سوء لقاء ربه أو خاف لقاء جزائه تعالى
~~فليعمل الخ، وتفسير الرجال بالطمع أولى، وكذا كون المرجو الكرامة
~~والبشرى، وعلى هذا فإدخال الماضي على المستقبل للدلالة على أن اللائق
~~بحال العبد الاستمرار والاستدامة على رجاء الكرامة من ربه فكأنه قيل فمن
~~استمر علم رجاء كرامته تعالى فليعمل عملا صالحا في نفسه لائقا بذلك
~~المرجو كما فعله الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

# { ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } إشراكا جليا كما فعله
~~الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ولا إشراكا خفيا كما يفعله أهل الرياء
~~ومن يطلب بعمله دنيا، واقتصر ابن جبير على تفسير الشرك بالرياء وروي نحوه
~~عن الحسن، وصح ms06274 في الحديث تسميته بالشرك الأصغر، ويؤيد إرادة ذلك تقديم
~~الأمر بالعمل الصالح على هذا النهي فإن وجهه حينئذ ظاهر إذ يكون الكلام
~~في قوة قولك من كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا في نفسه ولا يراء
~~بعمله أحدا فيفسده. وكذا ما روي من أن جندب بن زهير قال لرسول الله صلى
~~الله عليه وسلم: إني أعمل العمل لله تعالى فإذا اطلع عليه سرني فقال لي:
~~إن الله تعالى لا يقبل ما شورك فيه فنزلت الآية تصديقا له صلى الله عليه
~~وسلم، نعم لا يأبى ذلك إرادة العموم كما لا يخفى، وقد تظافرت الأخبار أن
~~كل عمل عمل لغرض دنيوي لا يقبل، فقد أخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي
~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه تعالى أنه قال:

# " أنا خير الشركاء فمن عمل عملا أشرك فيه غيره فأنا بريء منه وهو للذي
~~أشرك "

# وأخرج البزار والبيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله عز وجل يوم القيامة في صحف مختمة
~~فيقول الله تعالى ألقوا هذا واقبلوا هذا فتقول الملائكة يا رب والله ما
~~رأينا منه إلا خيرا فيقول سبحانه إن عمله كان لغير وجهي ولا أقبل اليوم
~~من العمل إلا ما أريد به وجهي "

# ، وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه عن يحيى بن
~~الوليد بن عبادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " من غزا وهو لا ينوي في غزاته إلا عقالا فله ما نوى "

# ، وأخرج أبو داود والنسائي والطبراني بسند جيد عن أبي أمامة قال:

# " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس
~~الأجر والذكر ماله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا شيء له فأعادها
~~ثلاث مرات يقول له رسول الله عليه الصلاة والسلام: لا شيء له ثم قال: إن
~~الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه "

# إلى غير ms06275 ذلك من الأخبار.

# واستشكل كون السرور بالعمل إشراكا فيه محبطا له مع أن الإتيان به
~~ابتداء كان بإخلاص النية كما يدل عليه إني أعمل العمل لله تعالى. وأجيب
~~بما أشار إليه في «الإحياء» من أن العمل لا يخلو إذا عمل من أن ينعقد من
~~أوله إلى آخره على الإخلاص من غير شائبة رياء وهو الذهب المصفى أو ينعقد
~~من أوله إلى آخره على الرياء وهو عمل محبط لا نفع فيه أو ينعقد من أول
~~أمره على الإخلاص ثم يطرأ عليه الرياء وحينئذ لا يخلو طروه عليه من أن
~~يكون بعد تمامه أو قبله والأول غير محبط لا سيما إذا لم يتكلف إظهاره إلا
~~أنه إذا ظهرت رغبة وسرور تام بظهوره يخشى عليه لكن الظاهر أنه مثاب عليه
~~والثاني وهو المراد هنا فإن كان باعثا له على العمل ومؤثرا فيه فسد ما
~~قارنه وأحبطه ثم سرى إلى ما قبله. / وأخرج ابن منده وأبو نعيم في
~~«الصحابة» وغيرهما من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن
~~عباس قال: كان جندب بن زهير إذا صلى أو صام أو تصدق فذكر بخير ارتاح له
~~فزاد في ذلك لمقالة الناس وفيه نزل قوله تعالى: { فمن كان يرجوا
~~} الآية ولا شك أن العمل الذي يقارن ذلك محبط.

# وذكر بعضهم قد يثاب الرجل على الإعجاب إذا اطلع على عمله، فقد روى
~~الترمذي وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:

# " أن رجلا قال: يا رسول الله إني أعمل العمل فيطلع عليه فيعجبني فقال
~~عليه الصلاة والسلام لك أجران أجر السر وأجر العلانية "

# وهذا محمول على ما إذا كان ظهور عمله لأحد باعثا له على عمل مثله
~~والاقتداء به فيه ونحو ذلك ولم يكن إعجابه بعمله ولا بظهوره بل بما يترتب
~~عليه من الخير ومثله دفع سوء الظن ولذا قيل ينبغي لمن يقتدى به أن يظهر
~~أعماله الحسنة. والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم علم حال كل من هذا
~~الرجل وجندب بن زهير فأجاب ms06276 كلا على حسب حاله، وما ألطف جوابه عليه
~~الصلاة والسلام لجندب كما لا يخفى على الفطن. وأخرج ابن المنذر وابن أبي
~~حاتم وابن مردويه والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن عباس رضي الله عنهما
~~أنه قال: أنزلت الآية في المشركين الذين عبدوا مع الله تعالى إلها غيره
~~وليست في المؤمنين وهو ظاهر في أنه حمل الشرك على الجلي، وأنت تعلم أنه
~~لا يظهر حينئذ وجه تقديم الأمر بالعمل الصالح على النهي عن الشرك المذكور
~~إلا بتكلف فلعل العموم أولى وإن كان الشرك أكثر شيوعا في الشرك الجلي.

# ويدخل في العموم قراءة القرآن للموتى بالأجرة فلا ثواب فيها للميت ولا
~~للقارىء أصلا وقد عمت البلوى بذلك والناس عنه غافلون وإذا نبهوا لا
~~يتنبهون فإنا لله تعالى وإنا إليه راجعون؛ وقد بالغ في العموم من جعل
~~الاستعانة في الطاعات كالوضوء شركا منهيا عنه فقد قال الراغب في
~~«المحاضرات»: إن علي بن موسى الرضا رضي الله تعالى عنهما كان عند المأمون
~~فلما حضر وقت الصلاة رأى الخدم يأتونه بالماء والطست فقال الرضا رضى الله
~~تعالى عنه: لو توليت هذا بنفسك فإن الله تعالى يقول: { فمن كان
~~يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صلحا ولا يشرك
~~بعبادة ربه أحدا } ولعل المراد بالنهي هذا مطلق طلب الترك
~~ليعم الحرام والمكروه، والظاهر أن الفاء للتفريع على قصر الوحدانية عليه
~~تعالى، ووجه ذلك على أن كون الإله الحق واحدا يقتضي أن يكون في غاية
~~العظمة والكمال واقتضاء ذلك عمل الطامع في كرامته عملا صالحا وعدم
~~الإشراك بعبادته مما لا شبهة فيه كذا قيل، وقيل الأمر بالعمل الصالح
~~فتفرع على كونه تعالى إلها والنهي عن الشرك متفرع على كون الإله
~~واحدا، وجعل هذا وجها لتقديم الأمر على النهي على ما روي عن ابن عباس
~~وهو كما ترى، وقيل: التفريع على مجموع ما تقدم فليفهم، ووضع الظاهر موضع
~~الضمير في الموضعين مع التعرض لعنوان الربوبية لزيادة التقرير وللإشعار
~~بعلية العنوان للأمر والنهي ووجوب الامتثال فعلا وتركا. وقرأ أبو عمرو
~~في ms06277 رواية الجعفي { ولا تشرك } بالتاء الفوقية على الالتفات من الغيبة إلى
~~الخطاب ويكون قوله تعالى: { بربه } التفاتا أيضا من الخطاب إلى
~~الغيبة، هذا وعن معاوية بن أبي سفيان أن هذه الآية { فمن كان
~~يرجو } الخ آخر آية نزلت وفيه كلام والحق خلافه والله تعالى أعلم.

# ومن باب الإشارة في الآيات: قيل ذو القرنين إشارة إلى القلب، وقيل: إلى
~~الشيخ الكامل ويأجوج ومأجوج إشارة إلى الدواعي والهواجس الوهمية والوساوس
~~والنوازع الخيالية، وقيل: إشارة إلى القوى / والطبائع والأرض إشارة إلى
~~البدن وهكذا فعلوا في باقي ألفاظ القصة وراموا التطبيق بين ما في الآفاق
~~وما في الأنفس ولعمري لقد تكلفوا غاية التكلف ولم يأتوا بما يشرح الخاطر
~~ويسر الناظر، ولعل الأولى أن يقال: الإشارة في القصة إلى إرشاد الملوك
~~لاستكشاف أحوال رعاياهم وتأديب مسيئهم والإحسان إلى محسنهم وإعانة
~~ضعفائهم ودفع الضرر عنهم وعدم الطمع بما في أيديهم وإن سمحت به أنفسهم
~~لمصلحتهم. وقد يقال: فيها إشارة إلى اعتبار الأسباب. وقال الأشاعرة:
~~الأسباب في الحقيقة ملغاة وعلى هذا قول شيخهم يجوز لأعمى الصين أن يرى
~~بقعة أندلس ومذهب السلف أنها معتبرة وإن لم يتوقف عليها فعل الله تعالى
~~عقلا وتحقيق هذا المطلب في محله، وقوله تعالى:

# الذين ضل سعيهم فى الحيوة الدنيا وهم
~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا

# [الكهف: 104] إشارة إلى المرائين على ما في «أسرار القرآن» ومنهم الذين
~~يجلسون في الخانقاه لأجل نظر الخلق وصرف وجوه الناس إليهم واصطياد أهل
~~الدنيا بشباك حيلهم وذكر من خسرانهم في الدنيا افتضاحهم فيها وإظهار الله
~~تعالى حقيقة حالهم للناس:

# ومهما تكن عند امرىء من خليقة

# وإن خالها تخفى على الناس تعلم

# وأما خسرانهم في الآخرة فالطرد عن الحضرة والعذاب الأليم. وقوله تعالى:
~~{ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما
~~إلهكم إله واحد } [الكهف: 110] إشارة إلى جهة مشاركته صلى
~~الله عليه وسلم للناس وجهة امتيازه ولولا تلك المشاركة ما حصلت الإفاضة
~~ولولا ذلك الامتياز ما حصلت الاستفاضة. وقد أشار مولانا جلال الدين
~~القونوي قدس سره إلى ذلك ms06278 بقوله:

# كفت بيغمبركه أصحابي نجوم

# ره روانرا شمع وشيطان رارجوم

# هركسي راكر نظر بوداي زدور

# كو كرفتي زافتاب جرخ نور

# كي ستاره حاجتي بوداي ذليل

# كي بدى برنوز خورشيدا ودليل

# ماه ميكو يدبابر وخاك في

# من بشر من مثلكم يوحى إلى

# جون شماتاريك بودم درنهاد

# وحى خورشيددم جنين نورى بداد

# ظلمتي دارم به نسبت باشموس

# نور دارم بهر ظلمات نفوس

# زان ضعيفم تاتوبابي أورى

# كه ني مردى افتاب انوري

# هذا ونسأل الله تعالى بحرمة نبيه المكرم المعظم صلى الله عليه وسلم أن
~~يوفقنا لما يرضيه ويوفقنا على أسرار كتابه الكريم ومعانيه.

### | [19 - سورة مريم]

### || [19.1]

# أخرج ابن مردويه عن الكلبي أنه سئل عن ذلك فحدث عن أبي صالح عن أم
~~هانىء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كاف هاد عالم صادق، واختلفت
~~الروايات عن ابن عباس، ففي رواية أنه قال: كاف من كريم وها من هاد ويا من
~~حكيم وعين من عليم وصاد من صادق، وفي رواية أنه قال: كبير هاد أمين عزيز
~~صادق، وفي أخرى أنه قال: هو قسم أقسم الله تعالى به وهو من أسماء الله
~~تعالى، وفي أخرى أنه كان يقول: كهيعص وحم ويس وأشباه هذا هو اسم الله
~~تعالى الأعظم، ويستأنس له بما أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي وابن ماجه
~~وابن جرير عن فاطمة بنت علي قالت: كان علي كرم الله تعالى وجهه يقول
~~ياكهيعص اغفر لي، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة أنهم
~~قالوا كهيعص هو الهجاء المقطع الكاف من الملك والهاء من الله والياء
~~والعين من العزيز والصاد من المصور. وأخرج أيضا عن محمد بن كعب نحو ذلك
~~إلا أنه لم يذكر الياء، وقال الصاد من الصمد. وأخرج أيضا عن الربيع بن
~~أنس أنه قال في ذلك: يا من يجير ولا يجار عليه، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن
~~حميد عن قتادة أنه اسم من أسماء القرآن، وقيل: إنه اسم للسورة وعليه
~~جماعة، وقيل حروف مسرودة على نمط التعديد ms06279 ونسب إلى جمع من أهل التحقيق،
~~وفوض البعض علم حقيقة ذلك إلى حضرة علام الغيوب.

# وقد تقدم تمام الكلام في ذلك وأمثاله في أول سورة البقرة فتذكر، وقرأ
~~الجمهور كاف بإسكان الفاء، وروي عن الحسن ضمها وأمال نافع هاويا بين
~~اللفظين وأظهر دال صاد ولم يدغمها في الذال بعد وعليه الأكثرون. وقرأ
~~الحسن بضم الهاء وعنه أيضا ضم الياء وكسر الهاء، وعن عاصم ضم الياء
~~وعنده أيضا كسرهما، وعن حمزة فتح الهاء وكسر الياء، قال أبو الفضل عبد
~~الرحمن بن أحمد بن الحسن المقري الرازي في كتاب «اللوامح»: إن الضم في
~~هذه الأحرف ليس على حقيقته وإلا لوجب قلب ما بعدهن من الألفات واوات بل
~~المراد أن ينحي هذه الألفات نحو الواو على لغة أهل الحجاز وهي التي تسمى
~~ألف التفخيم ضد الإمالة، وهذه الترجمة كما ترجموا عن الفتحة الممالة
~~المقربة من الكسر بالكسر لتقريب الألف بعدها من الياء انتهى، ووجه
~~الإمالة والتفخيم أن هذه الألفات لما لم يكن لها أصل حملوها على المنقلبة
~~عن الواو تارة، وعن الياء أخرى فجوز الأمران دفعا للتحكم. وقرأ أبو جعفر
~~بتقطيع هذه الحروف وتخليص بعضها من بعض واقتضى ذلك إسكان آخرهن، والتقاء
~~الساكنين مغتفر في باب الوقف، وأدغم أبو عمرو دال صاد في الذال بعد.

# وقرأ حفص عن عاصم وفرقة بإظهار النون من عين، والجمهور على إخفائها.

# واختلف في إعرابه فقيل على القول بأن كل حرف من اسم / من أسمائه تعالى
~~لا محل لشيء من ذلك ولا للمجموع من الإعراب، وقيل: إن كل حرف على نية
~~الإتمام خبر لمبتدأ محذوف أي هو كاف هو هاد وهكذا أو الأول على نية
~~الإتمام كذلك والبواقي خبر بعد خبر. وعلى ما روي عن الربيع قيل: هو منادى
~~وهو اسم من أسمائه تعالى معناه الذي يجير ولا يجار عليه. وقيل لا محل له
~~من الإعراب أيضا وهو كلمة تقال في موضع نداء الله تعالى بذلك العنوان
~~مثل ما يقال مهيم في مقام الاستفسار عن الحال وهو كما ms06280 ترى، وعلى القول
~~بأنه حروف مسرودة على نمط التعديد قالوا: لا محل له من الإعراب.

### || [19.2]

# وقوله تعالى: { ذكر رحمت ربك } على هذه الأقوال خبر مبتدأ
~~محذوف أي هذا المتلو ذكر الخ ويقال على الأخير المؤلف من جنس هذه الحروف
~~المبسوطة مرادا به السورة ذكر الخ. وقيل مبتدأ خبره محذوف أي فيما يتلى
~~عليك ذكر الخ، وعلى القول بأنه اسم للسورة قيل محله الرفع على أنه خبر
~~مبتدأ محذوف أي هذا كهيعص أي مسمى به. وإنما صحت الإشارة إليه مع عدم
~~جريان ذكره لأنه باعتبار كونه على جناح الذكر صار في حكم الحاضر المشاهد
~~كما قيل في قولهم هذا ما اشترى فلان. وفي { ذكر } وجهان كونه خبرا
~~لمبتدأ محذوف وكونه مبتدأ خبره محذوف. وقيل محله الرفع على أنه مبتدأ و {
~~ذكر } الخ خبره أي المسمى به ذكر الخ فإن ذكر ذلك لما كان مطلع السورة
~~الكريمة ومعظم ما انطوت هي عليه جعلت كأنها نفس ذكره أو الإسناد باعتبار
~~الاشتمال أو هو بتقدير مضاف أي ذو ذكر الخ أو بتأويل مذكور فيه رحمة ربك،
~~وعلى القول بأنه اسم للقرآن قيل المراد بالقرآن ما يصدق على البعض ويراد
~~به السورة والإعراب هو الإعراب وحينئذ لا تقابل بين القولين. وقيل المراد
~~ما هو الظاهر وهو مبتدأ خبره { ذكر } الخ والإسناد باعتبار الاشتمال
~~أو التقدير أو التأويل.

# وقوله تعالى: { عبده } مفعول لرحمة ربك على أنها مفعول لما أضيف
~~إليه وهي مصدر مضاف لفاعله موضوع هكذا بالتاء لا أنها للوحدة حتى تمنع من
~~العمل لأن صيغة الوحدة ليست الصيغة التي اشتق منها الفعل ولا الفعل دال
~~على الوحدة فلا يعمل المصدر لذلك عمل الفعل إلا شذوذا كما نص عليه
~~النحاة. وقيل مفعول للذكر على أنه مصدر أضيف إلى فاعله على الاتساع.
~~ومعنى ذكر الرحمة بلوغها وإصابتها كما يقال ذكرني معروفك أي بلغني. وقوله
~~عز وجل: { زكريا } بدل منه بدل كل من كل أو عطف بيان له أو نصب
~~بإضمار أعني.

### || [19.3]

# وقوله تعالى شأنه: { إذ ms06281 نادى ربه } ظرف لرحمة ربك وقيل لذكر
~~على أنه مضاف لفاعله لا على الوجه الأول لفساد المعنى وقيل: هو بدل
~~اشتمال من

# زكريا

# [مريم: 2] كما قوله تعالى:

# واذكر فى الكتب مريم إذ انتبذت من أهلها
~~مكانا شرقيا

# [مريم: 16]. وقرأ الحسن وابن يعمر كما حكاه أبو الفتح

# ذكر

# [مريم: 2] فعلا ماضيا مشددا و { رحمة } بالنصب على أنه كما في
~~«البحر» مفعول ثان لذكر والمفعول الأول محذوف و { عبده } مفعول لرحمة
~~وفاعل { ذكر } ضمير القرآن المعلوم من السياق أي ذكر القرآن الناس أن
~~رحم سبحانه عبده، ويجوز أن يكون فاعل { ذكر } ضمير { كهيعص } بناء
~~على أن المراد منه القرآن ويكون مبتدأ والجملة خبره، وأن يكون الفاعل
~~ضميره عز وجل أي ذكر الله تعالى الناس ذلك، وجوز أن يكون { رحمة
~~ربك } مفعولا ثانيا والمفعول الأول هو { عبده } والفاعل ضميره
~~سبحانه أي ذكر الله تعالى عبده رحمته أي جعل العبد يذكر رحمته. وإعراب {
~~زكريا } كما مر، وجوز أن / يكون مفعولا لرحمة والمراد بعبده الجنس
~~كأنه قيل ذكر عباده رحمته زكريا وهو كما ترى، ويجوز على هذا أن يكون
~~الفاعل ضمير القرآن، وقيل يجوز أن يكون الفاعل ضميره تعالى والرحمة
~~مفعولا أولا و { عبده } مفعولا ثانيا ويرتكب المجاز أي جعل الله
~~تعالى الرحمة ذاكرة عبده، وقيل: { رحمة } نصب بنزع الخافض أي ذكر
~~برحمة، وذكر الداني عن أبي يعمر أنه قرأ { ذكر } على الأمر والتشديد و {
~~رحمة } بالنصب أي ذكر الناس رحمة أو برحمة ربك عبده زكريا. وقرأ الكلبي
~~{ ذكر } فعلا ماضيا خفيفا و { رحمة ربك } بالنصب على
~~المفعولية لذكر و { عبده } بالرفع على الفاعلية له.

# وزكريا عليه السلام من ولد سليمان بن داود عليهما السلام، وأخرج الحاكم
~~وصححه عن ابن مسعود أنه آخر أنبياء بني إسرائيل وهو ابن آزر بن مسلم من
~~ذرية يعقوب، وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس أنه ابن دان وكان
~~من أبناء الأنبياء الذين يكتبون الوحي في بيت المقدس، وأخرج أحمد وأبو
~~يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه عن ms06282 أبي هريرة مرفوعا أنه عليه السلام
~~كان نجارا. وجاء في اسمه خمس لغات. أولها: المد. وثانيها: القصر وقرىء
~~بهما في السبع. وثالثها: زكري بتشديد الياء. ورابعها: زكرى بتخفيفها.
~~وخامسها: زكر كقلم وهو اسم أعجمي، والنداء في الأصل رفع الصوت وظهوره وقد
~~يقال لمجرد الصوت بل لكل ما يدل على شيء وإن لم يكن صوتا على ما حققه
~~الراغب، والمراد هنا إذ دعا ربه { نداء } أي دعاء { خفيا }
~~مستورا عن الناس لم يسمعه أحد منهم حيث لم يكونوا حاضرين.

# وكان ذلك على ما قيل في جوف الليل، وإنما أخفى دعاءه عليه السلام لأنه
~~أدخل في الإخلاص وأبعد عن الرياء وأقرب إلى الخلاص عن لائمة الناس على
~~طلب الولد لتوقفه على مبادي لا يليق به تعاطيها في أوان الكبر والشيخوخة
~~وعن غائلة مواليه، وعلى ما ذكرنا لا منافاة بين النداء وكونه خفيا بل لا
~~منافاة بينهما أيضا إذا فسر النداء برفع الصوت لأن الخفاء غير الخفوت
~~ومن رفع صوته في مكان ليس بمرأى ولا مسمع من الناس فقد أخفاه، وقيل: هو
~~مجاز عن عدم الرياء أي الإخلاص ولم ينافه النداء بمعنى رفع الصوت لهذا.

# وفي «الكشف» أن الأشبه أنه كناية مع إرادة الحقيقة لأن الخفاء في نفسه
~~مطلوب أيضا لكن المقصود بالذات الإخلاص، وقيل مستورا عن الناس
~~بالمخافتة، ولا منافاة بناء على ارتكاب المجاز أو بناء على أن النداء لا
~~يلزمه رفع الصوت ولذا قيل:

# يا من ينادى بالضمير فيسمع

# وكان نداؤه عليه السلام كذلك لما مر آنفا أو لضعف صوته بسبب كبره كما
~~قيل الشيخ صوته خفات وسمعه تارات، قيل: كان سنه حينئذ ستين سنة، وقيل
~~خمسا وستين، وقيل سبعين، وقيل خمسا وسبعين، وقيل ثمانين، وقيل خمسا
~~وثمانين، وقيل اثنتين وتسعين، وقيل تسعا وتسعين، وقيل مائة وعشرين وهو
~~أوفق بالتعليل المذكور. وزعم بعضهم أنه أشير إلى كون النداء خفيا ليس
~~فيه رفع بحذف حرفه في قوله تعالى: { قال رب إنى وهن العظم
~~منى... }.

### || [19.4]

# { قال رب } والجملة تفسير للنداء وبيان لكيفيته ms06283 فلا محل لها من
~~الإعراب { إني وهن العظم مني } أي ضعف، وإسناد ذلك إلى
~~العظم لما أنه عماد البدن ودعام الجسد فإذا أصابه الضعف والرخاوة تداعى
~~ما وراءه وتساقطت قوته؛ ففي الكلام كناية مبنية على تشبيه مضمر في النفس
~~أو لأنه أشد أجزائه صلابة وقواما وأقلها تأثرا من العلل فإذا وهن كان
~~ما وراءه أوهن، ففي الكلام كناية بلا تشبيه، وأفرد  على ما قاله العلامة
~~الزمخشري وارتضاه / كثير من المحققين  لأن المفرد هو الدال على معنى
~~الجنسية والقصد إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب
~~منه الجسد قد أصابه الوهن ولو جمع لكان القصد إلى معنى آخر وهو أنه لم
~~يهن منه بعض عظامه ولكن كلها حتى كأنه وقع من سامع شك في الشمول والإحاطة
~~لأن القيد في الكلام ناظر إلى نفي ما يقابله وهذا غير مناسب للمقام، وقال
~~السكاكي: إنه ترك جمع العظم إلى الإفراد لطلب شمول الوهن العظام فردا
~~فردا ولو جمع لم يتعين ذلك لصحة وهنت العظام عند حصول الوهن لبعض منها
~~دون كل فرد وهو مسلك آخر مرجوح عند الكثير وتحقيق ذلك في موضعه، وعن
~~قتادة أنه عليه السلام اشتكى سقوط الأضراس ولا يخفى أن هذا يحتاج إلى خبر
~~يدل عليه فإن انفهامه من الآية مما لا يكاد يسلم، و { مني } متعلق
~~بمحذوف هو حال من العظم، ولم يقل  عظمي  مع أنه أخصر لما في ذلك من
~~التفصيل بعد الإجمال ولأنه أصرح في الدلالة على الجنسية المقصودة هنا،
~~وتأكيد الجملة لإبراز كمال الاعتناء بتحقيق مضمونها. وقرأ الأعمش { وهن }
~~بكسر الهاء، وقرىء بضمها أيضا.

# { واشتعل الرأس شيبا } شبه الشيب في البياض والإنارة بشواظ
~~النار وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعالها ثم أخرجه
~~مخرج الاستعارة، ففي الكلام استعارتان تصريحية تبعية في { اشتعل } ومكنية
~~في الشيب، وانفكاكها عن التخييلية مما عليه المحققون من أهل المعاني على
~~أنه يمكن على بعد القول بوجود التخييلية هنا أيضا. وتكلف بعضهم لزعمه
~~عدم جواز الانفكاك ms06284 وعدم ظهور وجود التخييلية إخراج ما في الآية مخرج
~~الاستعارة التمثيلية وليس بذاك، وأسند الاشتعال إلى محل الشعر ومنبته
~~وأخرج مخرج التمييز للمبالغة وإفادة الشمول فإن إسناد معنى إلى ظرف ما
~~اتصف به زمانيا أو مكانيا يفيد عموم معناه لكل ما فيه في عرف التخاطب
~~فقولك: اشتعل بيته نارا يفيد احتراق جميع ما فيه دون اشتعل نار بيته.
~~وزعم بعضهم أن { شيبا } نصب على المصدرية لأن معنى { اشتعل
~~الرأس }  شاب، وقيل هو حال أي شائبا وكلا القولين لا يرتضيهما كامل
~~كما لا يخفى، واكتفى باللام عن الإضافة لأن تعريف العهد المقصود هنا يفيد
~~ما تفيده، ولما كان تعريف العظم السابق للجنس كما علمت لم يكتف به وزاد
~~قوله { مني } وبالجملة ما أفصح هذه الجملة وأبلغها، ومنها أخذ ابن دريد
~~قوله:

# واشتعل المبيض في مسوده

# مثل اشتعال النار في جزل الغضاء

# وعن أبي عمرو أنه أدغم السين في الشين.

# { ولم أكن بدعائك رب شقيا } أي لم أكن بدعائي إياك
~~خائبا في وقت من أوقات هذا العمر الطويل بل كلما دعوتك استجبت لي،
~~والجملة معطوفة على ما قبلها، وقيل حال من ياء المتكلم إذ المعنى واشتعل
~~رأسي وهو غريب، وهذا توسل منه عليه السلام بما سلف منه تعالى من
~~الاستجابة عند كل دعوة إثر تمهيد ما يستدعي الرحمة من كبر السن وضعف
~~الحال فإنه تعالى بعد ما عود عبده الإجابة دهرا طويلا لا يكاد يخيبه
~~أبدا لا سيما عند اضطراره وشدة افتقاره، وفي هذا التوسل من الإشارة إلى
~~عظم كرم الله عز وجل ما فيه. وقد حكي أن حاتما الطائي، وقيل معنى بن
~~زائدة أتاه محتاج فسأله وقال: أنا الذي أحسنت إليه وقت كذا فقال: مرحبا
~~بمن توسل بنا إلينا وقضى حاجته، وقيل المعنى ولم أكن بدعائك أياي إلى
~~الطاعة شقيا بل / كنت ممن أطاعك وعبدك مخلصا فالكاف على هذا فاعل
~~والأول أظهر وأولى وروى ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والتعرض
~~في الموضعين لوصف الربوبية المنبئة عن إفاضة ما ms06285 فيه صلاح المربوب مع
~~الإضافة إلى ضميره عليه السلام لا سيما توسيطه بين كان وخبرها لتحريك
~~سلسلة الإجابة بالمبالغة في التضرع. وقد جاء في بعض الآثار أن العبد إذا
~~قال في دعائه: يا رب قال الله تعالى له: لبيك عبدي. وروي أن موسى عليه
~~السلام قال يوما في دعائه: يا رب فقال الله سبحانه وتعالى له: لبيك يا
~~موسى فقال موسى: أهذا لي خاصة فقال الله تبارك وتعالى: لا ولكن لكل من
~~يدعوني بالربوبية وقيل: إذا أراد العبد أن يستجاب له دعاؤه فليدع الله
~~تعالى بما يناسبه من أسمائه وصفاته عز وجل.

### || [19.5]

# { وإني خفت الموالى } هم عصبة الرجل على ما روي عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما ومجاهد، وعن الأصم أنهم بنو العم وهم الذين يلونه
~~في النسب. وقيل: من يلي أمره من ذوي قرابته مطلقا، وكانوا على سائر
~~الأقوال شرار بني إسرائيل فخاف عليه السلام أن لا يحسنوا خلافته في أمته،
~~والجملة عطف على قوله:

# إنى وهن العظم منى

# [مريم: 4] مترتب مضمونها على مضمونه فإن ضعف القوى وكبر السن من مبادي
~~خوفه عليه السلام من يلي أمره بعد موته حسبما يدل عليه قوله { من
~~وراءي } فإن المراد منه بإجماع من علمنا من المفسرين من بعد موتي،
~~والجار والمجرور متعلق بمحذوف ينساق إليه الذهن أي خفت فعل الموالي من
~~ورائي أو جور الموالي؛ وقد قرىء كما في «إرشاد العقل السليم» كذلك، وجوز
~~تعلقه بالموالي ويكفي في ذلك وجود معنى الفعل فيه في الجملة، فقد قالوا:
~~يكفي في تعلق الظرف رائحة الفعل ولا يشترط فيه أن يكون دالا على الحدوث
~~كاسم الفاعل والمفعول حتى يتكلف له ويقال: إن اللام في الموالي على هذا
~~موصول والظرف متعلق بصلته وإن مولى مخفف مولى كما قيل في معنى أنه مخفف
~~معنى فإنه تعسف لا حاجة إليه، نعم قالوا في حاصل المعنى على هذا: خفت
~~الذين يلون الأمر من ورائي، ولم يجوز الزمخشري تعلقه بخفت لفساد المعنى،
~~وبين ذلك في «الكشف» بأن الجار ms06286 ليس صلة الفعل لتعديه إلى المحذور بلا
~~واسطة فتعين أن يكون للظرفية على نحو خفت الأسد قبلك أو من قبلك وحينئذ
~~يلزم أن يكون الخوف ثابتا بعد موته وفساده ظاهر. وبعضهم رأى جواز التعلق
~~بناء على أن كون المفعول في ظرف مصحح لتعلق ذلك الظرف بفعله كقولك: رميت
~~الصيد في الحرم إذا كان الصيد فيه دون رميك والظاهر عدم الجواز فافهم،
~~وقال ابن جني: هو حال مقدرة من { الموالى } وعن ابن كثير أنه قرأ {
~~ومن وراي } بالقصر وفتح الياء كعصاي.

# وقرأ الزهري { الموالي } بسكون الياء. وقرأ عثمان بن عفان وابن عباس
~~وزيد بن ثابت وعلي بن الحسين وولداه محمد وزيد وسعيد بن العاص وابن جبير
~~وأبو يعمر وشبيل بن عزرة والوليد بن مسلم لابن عامر { خفت } بفتح الخاء
~~والفاء مشددة وكسر تاء التأنيث { الموالي } بسكون الياء على أن { خفت }
~~من الخفة ضد الثقل ومعنى { من ورائى } كما تقدم. والمراد وإني قل
~~الموالي وعجزوا عن القيام بأمور الدين من بعدي أو من الخفوف بمعنى السير
~~السريع ومعنى { من ورائى } من قدامي وقبلي، والمراد وإني مات الموالي
~~القادرون على إقامة مراسم الملة ومصالح الأمة وذهبوا قدامي ولم يبق منهم
~~من به تقو واعتضاد فيكون محتاجا إلى العقب لعجز مواليه عن القيام بعده
~~بما هو قائم به أو لأنهم ماتوا قبله فبقي محتاجا إلى من / يعتضد به،
~~وتعلق الجار والمجرور على الوجه الثاني بالفعل ظاهر، وأما على الوجه
~~الأول فإن لوحظ أن عجزهم وقلتهم سيقع بعده لا أنه واقع وقت دعائه صح
~~تعلقه بالفعل أيضا وإن لم يكن كذلك تعلق بغير ذلك.

# { وكانت امرأتى عاقرا } أي لا تلد من حين شبابها إلى شيبها،
~~فالعقر بالفتح والضم العقم، ويقال عاقر للذكر والأنثى { فهب لى من
~~لدنك } كلا الجارين متعلق بهب واللام صلة له ومن لابتداء الغاية
~~مجازا، وتقديم الأول لكون مدلوله أهم عنده، وجوز تعلق الثاني بمحذوف وقع
~~حالا من المفعول الآتي. وتقدم الكلام في لدن، والمراد أعطني من محض فضلك
~~الواسع وقدرتك الباهرة ms06287 بطريق الاختراع لا بواسطة الأسباب العادية، وقيل
~~المراد أعطني من فضلك كيف شئت { وليا } أي ولدا من صلبي وهو
~~الظاهر. ويؤيده قوله تعالى في سورة آل عمران [38] حكاية عنه عليه السلام

# قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة

# وقيل إنه عليه السلام طلب من يقوم مقامه ويرثه ولدا كان أو غيره، وقيل:
~~إنه عليه السلام أيس أن يولد له من امرأته فطلب من يرثه ويقوم مقامه من
~~سائر الناس وكلا القولين لا يعول عليه. وزعم الزمخشري أن { من لدنك
~~} تأكيد لكونه وليا مرضيا ولا يخفى ما فيه. وتأخير المفعول عن الجارين
~~لإظهار كمال الاعتناء بكون الهبة له على ذلك الوجه البديع مع ما فيه من
~~التشويق إلى المؤخر ولأن فيه نوع طول بما بعده من الوصف فتأخيرهما عن
~~الكل وتوسيطهما بين الموصوف والصفة مما لا يليق بجزالة النظم الكريم،
~~والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن ما ذكره عليه السلام من كبر
~~السن وضعف القوى وعقر المرأة موجب لانقطاع رجائه عليه السلام عن حصول
~~الولد بتوسط الأسباب العادية واستيهابه على الوجه الخارق للعادة.

# وقيل لأن ذلك موجب لانقطاع رجائه عن حصول الولد منها وهي في تلك الحال
~~واستيهابه على الوجه الذي يشاؤه الله تعالى، وهو مبني على القول الثاني
~~في المراد من { هب لى من لدنك وليا } والأول أولى. ولا يقدح
~~فيما ذكر أن يكون هناك داع آخر إلى الإقبال على الدعاء من مشاهدته عليه
~~السلام للخوارق الظاهرة في حق مريم كما يعرب عنه قوله تعالى:

# هنالك دعا زكريا ربه

# [آل عمران: 38] الآية. وعدم ذكره ههنا للتعويل على ما ذكر هنالك كما أن
~~عدم ذكر مقدمة الدعاء هنالك للاكتفاء بذكرها ههنا، والاكتفاء بما ذكر في
~~موطن عما ترك في موطن آخر من السنن التنزيلية.

### || [19.6]

# وقوله: { يرثني ويرث من آل يعقوب } صفة لوليا كما هو
~~المتبادر من الجمل الواقعة بعد النكرات، ويقال: ورثه وورث منه لغتان كما
~~قيل، وقيل من للتبعيض لا للتعدية، وآل الرجل خاصته الذين يؤل ms06288 إليه أمرهم
~~للقرابة أو الصحبة أو الموافقة في الدين، ويعقوب على ما روي عن السدي هو
~~يعقوب بن إسحق بن إبراهيم فإن زكريا من ولد هرون وهو من ولد لاوي بن
~~يعقوب وكان متزوجا بأخت مريم بنت عمران وهي من ولد سليمان بن داود
~~عليهما السلام وهو من ولد يهوذ بن يعقوب أيضا. وقال الكلبي ومقاتل: هو
~~يعقوب بن ماثان وأخوه عمران بن ماثان أبو مريم. وقيل: هو أخو زكريا عليه
~~السلام والمراد من الوراثة في الموضعين العلم على ما قيل.

# وقال الكلبي: كان بنو ماثان رؤس بني إسرائيل وملوكهم وكان زكريا عليه
~~السلام رئيس الأحبار يومئذ فأراد أن يرثه ولده الحبورة ويرث من بني ماثان
~~ملكهم فتكون الوراثة مختلفة في المضعين وأيد ذلك بعدم اختيار العطف على
~~الضمير المنصوب والاكتفاء بيرث الأول، وقيل الوراثة الأولى وراثة النبوة
~~والثانية وراثة الملك فتكون / مختلفة أيضا إلى أن قوله: { واجعله
~~رب رضيا } أي مرضيا عندك قولا وفعلا، وقيل راضيا والأول أنسب
~~يكون على هذا تأكيدا لأن النبي شأنه أن يكون كذلك، وعلى ما قلنا يكون
~~دعاء بتوفيقه للعمل كما أن الأول متضمن للدعاء بتوفيقه للعلم فكأنه طلب
~~أن يكون ولده عالما عاملا، وقيل: المراد اجعله مرضيا بين عبادك أي
~~متبعا فلا يكون هناك تأكيد مطلقا، وتوسيط { رب } بين مفعولي الجعل
~~على سائر الأوجه للمبالغة في الاعتناء بشأن ما يستدعيه.

# واختار السكاكي أن الجملتين مستأنفتان استئنافا بيانيا لأنه يرد أنه
~~يلزم على الوصفية أن لا يكون قد وهب لزكريا عليه السلام من وصف لهلاك
~~يحيى عليه السلام قبل هلاكه لقتل يحيى عليه السلام قبل قتله. وتعقب ذلك
~~في «الكشف» بأنه مدفوع بأن الروايات متعارضة والأكثر على هلاك زكريا قبله
~~عليهما السلام، ثم قال: وأما الجواب بأنه لا غضاضة في أن يستجاب للنبي
~~بعض ما سأل دون بعض ألا ترى إلى دعوة نبينا صلى الله عليه وسلم في حق
~~أمته حيث قال عليه الصلاة والسلام:

# " وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها "

# وإلى ms06289 دعوة إبراهيم عليه السلام في حق أبيه فإنما يتم لو كان المحذور ذلك
~~وإنما المحذور لزوم الخلف في خبره تعالى فقد قال سبحانه وتعالى في
~~الأنبياء:

# فاستجبنا له

# [الأنبياء: 76، 84، 88، 90] وهو يدل على أنه عليه السلام أعطي ما سأل من
~~غير تفرقة بين بعض وبعض وكذلك سياق الآيات الأخر.

# ولك أن تستدل بظاهر هذه الآية على ضعف رواية من زعم أن يحيى هلك قبل
~~أبيه عليهما السلام، وأما الإيراد بأن ما اختير من الحمل على الاستئناف
~~لا يدفع المحذور لأنه وصل معنوي فليس بشيء لأن الوصل ثابت ولكنه غير داخل
~~في المسؤول لأنه بيان العلة الباعثة على السؤال ولا يلزم أن يكون علة
~~السؤال مسؤلة انتهى. وأجاب بعضهم بأنه حيث كان المراد من الوراثة هنا
~~وراثة العلم لا يضر هلاكه قبل أبيه عليهما السلام لحصول الغرض وهو أخذ
~~ذلك وإفاضته على الغير بحيث تبقى آثاره بعد زكريا عليه السلام زمانا
~~طويلا ولا يخفى أن المعروف بقاء ذات الوارث بعد الموروث عنه.

# وقرأ أبو عمرو والكسائي والزهري والأعمش وطلحة واليزيدي وابن عيسى
~~الأصفهاني وابن محيصن وقتادة بجزم الفعلين على أنهما جواب الدعاء؛
~~والمعنى أن تهب لي ذلك يرثني الخ، والمراد أنه كذلك في ظني ورجائي، وقرأ
~~علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وجعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهم
~~والحسن وابن يعمر والجحدري وأبو حرب بن أبي الأسود وأبو نهيك { يرثني }
~~بالرفع وأرث فعلا مضارعا من ورث وخرج ذلك على أن المعنى يرثني العلم
~~وأرث أنا به الملك من آل يعقوب وذلك بجعل وراثة الولي الملك وراثة لزكريا
~~عليه السلام لأن رفعة الولد رفعة للوالد والواو لمطلق الجمع، وقال بعضهم:
~~والواو للحال والجملة حال من أحد الضميرين، وقال صاحب «اللوامح»: فيه
~~تقديم ومعناه فهب لي وليا من آل يعقوب يرثني النبوة إن مت قبله وأرثه
~~ماله إن مات قبلي وفيه ما ستعلمه إن شاء الله تعالى قريبا، ونقل عن علي
~~كرم الله تعالى وجهه وجماعة أنهم قرأوا { يرثني وارث } برفع وارث ms06290 بزنة
~~فاعل على أنه فاعل { يرثني } على طريقة التجريد كما قال أبو الفتح
~~وغيره أي يرثني ولي من ذلك الولي أو به فقد جرد من الولي وليا كما تقول
~~رأيت منه أو به أسدا، وعن الجحدري أنه قرأ { وارث } بإمالة الواو، وقرأ
~~مجاهد { أو يرث } تصغير وارث وأصله وويرث / بواوين الأولى فاء الكلمة
~~الأصلية والثانية بدل ألف فاعل لأنها تقلب واوا في التصغير كضويرب ولما
~~وقعت الواو مضمومة قبل أخرى في أوله قلبت همزة كما تقرر في التصريف ونقل
~~عنه أنه قال التصغير لصغره فإنه عليه السلام لما طلبه في كبره علم ولو
~~حدسا أنه يرثه في صغر سنه، وقيل: للمدح وليس بذاك.

# هذا واستدل الشيعة بالآية على أن الأنبياء عليهم السلام تورث عنهم
~~أموالهم لأن الوراثة حقيقية في وراثة المال ولا داعي إلى الصرف عن
~~الحقيقة، وقد ذكر الجلال السيوطي في «الدر المنثور» عن ابن عباس ومجاهد
~~وعكرمة وأبي صالح أنهم قالوا في الآية: يرثني مالي وأخرج عبد الرزاق
~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم
~~قال في الآية: «يرحم الله تعالى أخي زكريا ما كان عليه من ورثة» وفي
~~رواية «ما كان عليه ممن يرث ماله»، وقال بعضهم: إن الوراثة ظاهرة في ذلك
~~ولا يجوز ههنا حملها على وراثة النبوة لئلا يلغو قوله: { واجعله
~~رب رضيا } ولا على وراثة العلم لأنه كسبي والموروث حاصل بلا كسب.

# ومذهب أهل السنة أن الأنبياء عليهم السلام لا يرثون مالا ولا يورثون
~~لماصح عندهم من الأخبار.

# وقد جاء ذلك أيضا من طريق الشيعة فقد روى الكليني في «الكافي» عن أبي
~~البختري عن أبي عبد الله جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن
~~العلماء ورثة الأنبياء وذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا
~~وإنما ورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ بحظ وافر،
~~وكلمة إنما مفيدة للحصر قطعا باعتراف الشيعة، والوراثة في الآية محمولة
~~على ما سمعت ولا نسلم ms06291 كونها حقيقة لغوية في وراثة المال بل هي حقيقة فيما
~~يعم وراثة العلم والمنصب والمال وإنما صارت لغلبة الاستعمال في عرف
~~الفقهاء مختصة بالمال كالمنقولات العرفية ولو سلمنا أنها مجاز في ذلك فهو
~~مجاز متعارف مشهور خصوصا في استعمال القرآن المجيد بحيث يساوي الحقيقة،
~~ومن ذلك قوله تعالى:

# ثم أورثنا الكتب الذين اصطفينا من عبادنا

# [فاطر: 32] وقوله تعالى:

# فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتب

# [الأعراف: 169] وقوله تعالى:

# إن الذين أورثوا الكتب من بعدهم

# [الشورى: 14] وقوله تعالى:

# إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده

# [الأعراف: 128]

# ولله ميراث السماوات والأرض

# [آل عمران: 180] قولهم لا داعي إلى الصرف عن الحقيقة قلنا: الداعي متحقق
~~وهي صيانة قول المعصوم عن الكذب ودون تأويله خرط القتاد، والآثار الدالة
~~على أنهم يورثون المال لا يعول عليها عند النقاد، وزعم البعض أنه لا يجوز
~~حمل الوراثة هنا على وراثة النبوة لئلا يلغو قوله: { واجعله رب
~~رضيا } قد قدمنا ما يعلم منه ما فيه. وزعم أن كسبية الشيء تمنع من
~~كونه موروثا ليس بشيء فقد تعلقت الوراثة بما ليس بكسبي في كلام الصادق،
~~ومن ذلك أيضا ما رواه الكليني في «الكافي» عن أبي عبد الله رضي الله
~~تعالى عنه قال: إن سليمان ورث داود وإن محمدا صلى الله عليه وسلم ورث
~~سليمان عليه السلام فإن وراثة النبي صلى الله عليه وسلم سليمان عليه
~~السلام لا يتصور أن تكون وراثة غير العلم والنبوة ونحوهما، ومما يؤيد حمل
~~الوراثة هنا على وراثة العلم ونحوه دون المال أنه ليس في الأنظار العالية
~~والهمم العلياء للنفوس القدسية التي انقطعت من تعلقات هذا العالم المتغير
~~الفاني واتصلت بالعالم الباقي ميل للمتاع الدنيوي قدر جناح بعوضة لا سيما
~~جناب زكريا عليه السلام فإنه كان مشهورا بكمال الانقطاع والتجرد فيستحيل
~~عادة أن يخاف من وراثة المال والمتاع الذي ليس له في نظره العالي أدنى
~~قدر أو يظهر من أجله الكلف والحزن والخوف ويستدعي من حضرة الحق سبحانه
~~وتعالى ذلك النحو من الاستدعاء وهو يدل على ms06292 كمال المحبة وتعلق القلب
~~بالدنيا، وقالت الشيعة: إنه عليه السلام خاف أن يصرف بنو عمه ماله بعد
~~موته فيما لا ينبغي / فطلب له الوارث المرضي لذلك، وفيه أن ذلك مما لا
~~يخاف منه إذ الرجل إذا مات وانتقل ماله بالوراثة إلى آخر صار المال مال
~~ذلك الآخر فصرفه على ذمته صوابا أو خطأ ولا مؤاخذة على الميت من ذلك
~~الصرف بل لا عتاب أيضا مع أن دفع هذا الخوف كان ميسرا له عليه السلام
~~بأن يصرفه قبل موته ويتصدق به كله في سبيل الله تعالى ويترك بني عمه
~~الأشرار خائبين لسوء أحوالهم وقبح أفعالهم.

# وللأنبياء عليهم السلام عند الشيعة خبر بزمن موتهم وتخيير فيه فما كان
~~له خوف موت الفجأة أيضا فليس قصده عليه السلام من مسألة الولد سوى إجراء
~~أحكام الله تعالى وترويج الشريعة وبقاء النبوة في أولاده فإن ذلك موجب
~~لتضاعف الأجر إلى حيث شاء الله تعالى من الدهر، ومن أنصف لم يتوقف في
~~قبول ذلك والله تعالى الهادي لأقوم المسالك.

### || [19.7]

# { يا زكريا } على إرادة القول أي قيل له أو قال الله تعالى يا
~~زكريا { إنا نبشرك بغلم اسمه يحيى } لكن لا بأن
~~يخاطبه سبحانه وتعالى بذلك بالذات بل بواسطة الملك كما يدل عليه آية أخرى
~~على أن يحكي [له] عليه السلام العبارة عنه عز وجل على نهج قوله تعالى:

# قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم

# [الزمر: 53] الآية وهذا جواب لندائه عليه السلام ووعد بإجابة دعائه كما
~~يفهمه التعبير بالبشارة دون الإعطاء أو نحوه وما في الوعد من التراخي لا
~~ينافي التعقيب في قوله تعالى:

# فاستجبنا له

# [الأنبياء: 90] الآية لأنه تعقيب عرفي كما في تزوج فولد له ولأن المراد
~~بالاستجابة الوعد أيضا لأن وعد الكريم نقد، والمشهور أن هذا القول كان
~~إثر الدعاء ولم يكن بين البشارة والولادة إلا أشهر، وقيل: إنه رزق الولد
~~بعد أربعين سنة من دعائه، وقيل: بعد ستين. والغلام الولد الذكر، وقد يقال
~~للأنثى: غلامة كما قال:

# تهان لها الغلامة والغلام

# وفي تعيين ms06293 اسمه عليه السلام تأكيد للوعد وتشريف له عليه السلام، وفي
~~تخصيصه به حسبما يعرب عنه قوله تعالى: { لم نجعل له من قبل
~~سميا } أي شريكا له في الاسم حيث لم يسم أحد قبله بيحيى على ما روي
~~عن ابن عباس وقتادة والسدي وابن أسلم مزيد تشريف وتفخيم له عليه السلام،
~~وهذا كما قال الزمخشري شاهد على أن الأسماء النادرة التي لا يكاد الناس
~~يستعملونها جديرة بالأثرة وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية لكونها
~~أنبه وأنوه وأنزه عن النبز حتى قال القائل في مدح قوم:

# سنع الأسامي مسبلي أزر

# حمر تمس الأرض بالهدب

# وقيل للصلت بن عطاء: كيف تقدمت عند البرامكة وعندهم من هو آدب منك؟
~~فقال: كنت غريب الدار غريب الاسم خفيف الجرم شحيحا بالاشلاء فذكر مما
~~قدمه كونه غريب الاسم؛ وأخرج أحمد في «الزهد» وابن المنذر وغيرهما عن
~~مجاهد أن { سميا } بمعنى شبيها. وروي عن عطاء وابن جبير مثله أي لم
~~نجعل له شبيها حيث أنه لم يعص ولم يهم بمعصية، فقد أخرج أحمد والحكيم
~~والترمذي في «نوادر الأصول» والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي
~~صلى الله عليه وسلم قال:

# " ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أوهم بخطيئة إلا يحيى بن زكريا
~~عليهما السلام لم يهم بخطيئة ولم يعملها "

# والأخبار في ذلك متظافرة، وقيل: لم يكن له شبيه لذلك ولأنه ولد بين شيخ
~~فإن وعجوز عاقر. وقيل لأنه كان كما وصف الله تعالى

# مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا
~~من الصالحين

# [آل عمران: 39] فيكون هذا إجمالا لذلك وإنما قيل للشبيه سمي لأن
~~المتشابهين يتشاركان في الاسم.

# ومن هذا الإطلاق قوله تعالى:

# هل تعلم له سميا

# [مريم: 65] لأنه الذي يقتضيه التفريع.

# والأظهر أنه اسم أعجمي لأنه لم تكن عادتهم التسمية بالألفاظ العربية
~~فيكون منعه الصرف على القول المشهور في مثله للعلمية والعجمة، وقيل إنه
~~عربي ولتلك العادة مدخل في غرابته وعلى هذا فهو منقول من الفعل كيعمر
~~ويعيش وقد سموا بيموت وهو يموت بن ms06294 المزرع بن أخت الجاحظ ووجه تسميته بذلك
~~على القول بعربيته قيل الإشارة بأنه يعمر، وهذا في معنى التفاؤل بطول
~~حياته، وكان في ذلك إشارة إلى أنه عليه السلام يرث حسبما سأل زكريا عليه
~~السلام، وقيل: سمي بذلك لأنه حي به رحم أمه. وقيل لأنه حي بين شيخ فان
~~وعجوز عاقر، وقيل لأنه يحيا بالحكمة والعفة، وقيل لأنه يحيا بإرشاد الخلق
~~وهدايتهم، وقيل لأنه يستشهد والشهداء أحياء، وقيل غير ذلك، ثم لا يخفى
~~أنه على العربية والعجمة يختلف الوزن والتصغير كما بين في محله.

### || [19.8]

# { قال } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل فماذا قال عليه السلام
~~حينئذ؟ فقيل قال: { رب } ناداه تعالى بالذات مع وصول خطابه تعالى
~~إليه بواسطة الملك للمبالغة في التضرع والمناجاة والجد في التبتل إليه عز
~~وجل، وقيل لذلك والاحتراز عما عسى يوهم خطابه للملك من توهم أن علمه
~~تعالى بما يصدر عنه متوقف على توسطه كما أن علم البشر بما يصدر عنه تعالى
~~متوقف على ذلك في عامة الأوقات؛ ولا يخفى أن الاقتصار على الأول أولى {
~~أنى يكون لي غلم } كلمة { أنى } بمعنى كيف أو من أين،
~~وكان إما تامة وأنى واللام متعلقان بها، وتقديم الجار على الفاعل لما مر
~~غير مرة أي كيف أو من أين يحدث لي غلام، ويجوز أن يتعلق اللام بمحذوف وقع
~~حالا من { غلام } أي أنى يحدث كائنا لي غلام أو ناقصة واسمها ظاهر
~~وخبرها إما أنى و { لي } متعلق بمحذوف كما مر أو هو الخبر وأنى نصب
~~على الظرفية.

# وقوله تعالى: { وكانت امرأتى عاقرا } حال من ضمير المتكلم
~~بتقدير قد وكذا قوله تعالى: { وقد بلغت من الكبر عتيا }
~~حال منه مؤكدة للاستبعاد إثر تأكيد، ومن للابتداء العلي، والعتي من عتى
~~يعتو اليبس والقحول في المفاصل والعظام. وقال الراغب: هو حالة لا سبيل
~~إلى إصلاحها ومداواتها، وقيل إلى رياضتها وهي الحالة المشار إليها بقول
~~الشاعر:

# ومن العناء رياضة الهرم

# وأصله عتوو كقعود فاستثقل توالي الضمتين والواوين فكسرت التاء فانقلبت
~~الأولى ياء لسكونها ms06295 وانكسار ما قبلها ثم انقلبت الثانية أيضا لاجتماع
~~الواو والياء وسبق إحداهما بالسكون وكسرت العين اتباعا [لها] لما بعدها
~~أي كانت امرأتي عاقرا لم تلد في شبابها وشبابي فكيف وهي الآن عجوز وقد
~~بلغت أنا من أجل كبر السن يبسا وقحولا أو حالة لا سبيل إلى إصلاحها وقد
~~تقدم لك الأقوال في مقدار عمره عليه السلام إذ ذاك. وأما عمر امرأته فقد
~~قيل إنه كان ثماني وتسعين.

# وجوز أن تكون { من } للتبعيض أي بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى
~~عتيا، وجعلها بعضهم بيانية تجريدية وفيه بحث والجار والمجرور إما متعلق
~~بما عنده أو بمحذوف وقع حالا من { عتيا } وهو نصب على المفعولية
~~وأصل المعنى متحد مع قوله تعالى في آل عمران [40] حكاية عنه

# بلغني الكبر

# والتفاوت في المسند إليه لا يضر فإن ما بلغك من المعاني فقد بلغته نعم
~~بين الكلامين اختلاف من حيثية أخرى لا تخفى فيحتاج اختيار كل منهما في
~~مقام إلى نكتة فتدبر ذاك، وكذا وجه البداءة ههنا بذكر حال امرأته عليه
~~السلام على عكس ما في تلك السورة. / وفي «إرشاد العقل السليم» لعل ذلك
~~لما أنه قد ذكر حاله في تضاعيف دعائه وإنما المذكور ههنا بلوغه أقصى
~~مراتب الكبر تتمة لما ذكر قبل وأما هنالك فلم يسبق في الدعاء ذكر حاله
~~فلذلك قدمه على ذكر حال امرأته لما أن المسارعة إلى بيان قصور شأنه أنسب
~~اه.

# وقال بعضهم: يحتمل تكرر الدعاء والمحاورة واختلاف الأسلوب للتفنن مع
~~تضمن كل ما لم يتضمنه الآخر فتأمل والله تعالى الموفق.

# والظاهر أنه عليه السلام كان يعرف من نفسه أنه لم يكن عاقرا، ولذلك ذكر
~~الكبر ولم يذكر العقر وإنما قال عليه السلام ما ذكر مع سبق دعائه بذلك
~~وقوة يقينه بقدرة الله تعالى لا سيما بعد مشاهدته للشواهد المذكورة في
~~سورة آل عمران استعظاما لقدرة الله تعالى واعتدادا بنعمته تعالى عليه
~~في ذلك بإظهار أنه من محض فضل الله تعالى ولطفه مع كونه في نفسه من
~~الأمور المستحيلة عادة ms06296 ولم يكن ذلك استبعادا كذا قيل. وقيل: هو استبعاد
~~لكنه ليس راجعا إلى المتكلم بل هو بالنسبة إلى المبطلين، وإنما طلب عليه
~~السلام ما يزيل شوكة استبعادهم ويجلب ارتداعهم من سيىء عادتهم، وذلك مما
~~لا بأس به من النبي خلافا لابن المنير، نعم أورد على ذلك أن الدعاء كان
~~خفيا عن المبطلين. وأجيب بأنه يحتمل أنه جهر به بعد ذلك إظهارا لنعمة
~~الله تعالى عليه وطلبا لما ذكر فتذكر. وقيل: هو استبعاد راجع إلى
~~المتكلم حيث كان بين الدعاء والبشارة ستون سنة، وكان قد نسي عليه السلام
~~دعاءه وهو بعيد جدا. وقال في «الانتصاف»: الظاهر والله تعالى أعلم أن
~~زكريا عليه السلام طلب ولدا على الجملة وليس في الآية ما يدل أنه يوجد
~~منه وهو هرم ولا أنه من زوجته وهي عاقر ولا أنه يعاد عليهما قوتهما
~~وشبابهما كما فعل بغيرهما أو يكون الولد من غير زوجته العاقر فاستبعد
~~الولد منهما وهما بحالهما فاستخبر أيكون وهما كذلك فقيل له

# كذلك

# [مريم: 9] أي يكون الولد وأنتما كذلك. وتعقب بأن قوله:

# فهب لى من لدنك

# [مريم: 5] ظاهر في أنه طلب الولد وهما على حالة يستحيل عادة منهما
~~الولد. والظاهر عندي كونه استبعادا من حيث العادة أو هو بالنسبة إلى
~~المبطلين وهو كما في «الكشف» أولى.

# وقرأ أكثر السبعة { عتيا } بضم العين. وقرأ ابن مسعود بفتحها وكذا
~~بفتح صاد

# صليا

# [مريم: 70]، وأصل ذلك كما قال ابن جني ردا على قول ابن مجاهد لا أعرف
~~لهما في العربية أصلا ما جاء من المصادر على فعيل نحو الحويل والزويل.
~~وعن ابن مسعود أيضا ومجاهد أنهما قرآ { عسيا } بضم العين وبالسين
~~مكسورة. وحكى ذلك الداني عن ابن عباس والزمخشري عن أبي ومجاهد وهو من
~~عسا العود يعسو إذا يبس.

### || [19.9]

# { قال كذلك قال ربك هو على هين } قرأ الحسن {
~~وهو علي هين } بالواو، وعنه أنه كسر ياء المتكلم كما في قول
~~النابغة:

# علي لعمرو نعمة بعد نعمة

# لوالده ليست بذات عقارب

# ونحو ذلك قراءة حمزة

# وما ms06297 أنتم بمصرخى

# [إبراهيم: 22] بكسر الياء، والكاف إما رفع على الخبرية لمبتدأ محذوف أي
~~الأمر كذلك وضمير { قال } للرب عز وجل لا للملك المبشر لئلا يفك النظم،
~~و { ذلك } إشارة إلى قول زكريا عليه السلام، والخطاب في { قال
~~ربك } له عليه السلام لا لنبينا صلى الله عليه وسلم بدليل السابق
~~واللاحق، وجملة { هو على هين } مفعول { قال } الثاني وجملة
~~الأمر كذلك مع جملة { قال ربك } الخ مفعول { قال } الأول وإن لم
~~يتخلل بين الجملتين عاطف كما في قوله تعالى:

# وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها
~~إن ربى لغفور رحيم

# [هود: 41] وقوله سبحانه وتعالى:

# قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا
~~لمبعوثون * لقد وعدنا

# [المؤمنون: 82-83] الآية وكم وكم، وجىء بالجملة الأولى تصديقا منه
~~تعالى لزكريا عليه السلام وبالثانية جوابا لما عسى يتوهم من أنه إذا كان
~~ذلك في الاستبعاد بتلك المنزلة وقد صدقت فيه فأنى يتسنى فهي في نفسها
~~استئنافية لذلك، ولا يحسن تخلل العاطف في مثل هاتين الجملتين إذا كان
~~المحكي عنه قد تكلم بهما معا من غير عاطف ليدل على الصورة الأولى للقول
~~بعينها، وكذلك لا يحسن إضمار قول آخر لأنه يكون استئنافا جوابا للمحكي
~~له فلا يدل على أنه استئناف أيضا في الأول إلا بمنفصل أما لو تكلم بهما
~~في زمانين أو بدون ذلك الترتيب فالظاهر العطف أو الاستئناف بإضمار القول.

# ثم لو كان الاقتصار في جواب زكريا عليه السلام على { هو على
~~هين } من دون إقحام { قال ربك } لكان مستقيما لكن إنما عدل
~~إليه للدلالة على تحقيق الوعد وإزالة الاستبعاد بالكلية على منوال ما إذا
~~وعد ملك بعض خواصه ما لا يجد نفسه تستأهل ذلك فأخذ يتعجب مستبعدا أن
~~يكون من الملك بتلك المنزلة فحاول أن يحقق مراده ويزيل استبعاده فإما أن
~~يقول لا تستبعد أنه أهون شيء علي على الكلام الظاهر وإما أن يقول لا
~~تستبعد قد قلت إنه أهون شيء علي إشارة منه إلى أنه وعد سبق القول به
~~وتحتم وأنه من جلالة القدر ms06298 بحيث لا يرى في إنجازه لباغيه كائنا من كان
~~وقعا فكيف لمن استحق منه لصدق قدمه في عبوديته إجلالا ورفعا، وهذا قول
~~بلسان الإشارة يصدق وإن لم يكن قد سيق منه نطق به لأن المقصود أن علو
~~المكانة وسعة القدرة وكمال الجود يقضي بذلك قيل: أولا أولا ثم إذا أراد
~~ترشيح هذا المعنى عدل عن الحكاية قائلا: قد قال من أنت غرس نعمائه أنه
~~أهون شيء علي ثم إذا حكى الملك القصة مع بعض خلصائه كان له أن يقول:
~~قلت لعبدي فلان كيت وكيت قال: إني وليت قلت قال من أنت الخ وأن يقول بدله
~~قال سيد فلان له ويسرد الحديث فهذا وزان الآية فيما جرى لزكريا عليه
~~السلام وحكى لنبينا عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام، وقد لاح من هذا
~~التقرير أن فوات نكتة الإقحام مانع من أن يجعل المرفوع من صلة { قال }
~~الثاني والمجموع صله الأول، والظاهر في توجيه قراءة الحسن على هذا أن
~~جملة { هو على هين } عطف على محذوف من نحو أفعل وأنا فاعل،
~~ويجوز أن يقال وربما أشعر كلام الزمخشري بإيثاره أنه عطف على الجملة
~~السابقة نظرا إلى الأصل لما مر من أن { قال } مقحم لنكتة فكأنه قيل
~~الأمر كذلك وهو على ذلك يهون علي، وأما نصب بقال الثاني وهي الكاف التي
~~تستعمل مقحمة في الأمر العجيب الغريب لتثبيته وذلك إشارة إلى مبهم يفسر
~~ما بعده أعني { هو على هين } وضمير { قال } للرب كما تقدم
~~والخطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم أيضا أي قال رب زكريا له قال ربك مثل
~~ذلك القول العجيب الغريب هو علي هين على أن { قال } الثاني مع ما في
~~صلته مقول القول الأول وإقحام القول الثاني لما سلف ولا ينصب الكاف بقال
~~الأول وإلا لكان { قال } ثانيا تأكيدا لفظيا لئلا يقع الفصل بين
~~المفسر والمفسر بأجنبي وهو ممتنع إذ لا ينتظم أن يقال: قال رب زكريا قال
~~ربك ويكون الخطاب لزكريا عليه السلام والمخاطب غيره كيف وهذا النوع من
~~الكلام يقع ms06299 فيه التشبيه مقدما لا سيما في التنزيل الجليل من نحو

# وكذلك جعلنكم أمة

# [البقرة: 143]

# كذلك الله يفعل ما يشآء

# [آل عمران: 40] إلى غير ذلك، وهذا الوجه لا يتمشى في قراءة الحسن لأن
~~المفسر لا يدخله الواو ولا يجوز حذفه حتى يجعل عطفا عليه لأن الحذف
~~والتفسير متنافيان، وجوز على احتمال النصب أن تكون الإشارة إلى ما تقدم
~~من وعد الله تعالى إياه عليه السلام بقوله:

# إنا نبشرك

# [مريم: 7] الخ أي قال ربه سبحانه له قال ربك مثل ذلك أي مثل ذلك القول
~~العجيب الذي وعدته وعرفته وهو إنا نبشرك الخ، وأداة التشبيه / مقحمة كما
~~مر فيكون المعنى وعد ذلك وحققه وفرغ منه فكن فارغ البال من تحصيله على
~~أوثق بال ثم قال: هو علي هين أي قال ربك هو علي هين فيضمر القول
~~ليتطابقا في البلاغة، ولأن قوله مثل ذلك مفرد فلا يحسن أن تقرن الجملة به
~~وينسحب عليه ذلك القول بعينه بل إنما يضمر مثله استئنافا إيفاءا بحق
~~التناسب. وإن شئت لم تنوه ليكون محكيا منتظما في سلك { قال ربك }
~~منسحبا عليه القول الأول أي قال رب زكريا له هو علي هين لأن الله
~~تعالى هو المخاطب لزكريا عليه السلام فلا منع من جعله مقول القول الأول
~~من غير إضمار لأن القولين  أعني قال ربك مثل ذلك هو علي هين  صادران
~~معا محكيان على حالهما.

# ولو قدر أن المخاطب غيره تعالى أعني الملك تعين إضمار القول لامتناع أن
~~يكون هو علي هين من مقوله فلا ينسحب عليه الأول. وأما على قراءة الحسن
~~فإن جعل عطفا على { قال ربك } لم يحتج إلى إضمار لصحة الانسحاب
~~وإن أريد تأكيده أيضا قدر القول لئلا تفوت البلاغة ويكون التناسب
~~حاصلا، وجعله عطفا ما بعد { قال } الثاني من دون التقدير يفوت به
~~رعاية التناسب لفظا فإن ما بعده مفرد والملاءمة معنى لما عرفت أن لا قول
~~على الحقيقة. والمعنى قال ربه قد حقق الموعود وفرغ عنه فلا بد من تقديره
~~على { هو على هين ms06300 } ليفيد تحقيقه أيضا. ولو قدر أن المخاطب
~~غيره تعالى تعين الإضمار لعدم الانسحاب دونه فافهم، وهذا ما حققه صاحب
~~«الكشف» وقرر به عبارة «الكشاف» بأدنى اختصار، ثم ذكر أن خلاصة ما وجده
~~من قول الأفاضل أن التقدير على احتمال أن تكون الإشارة إلى ما تقدم من
~~الوعد قال رب زكريا له قال ربك قولا مثل قوله سبحانه وتعالى السابق عدة
~~في الغرابة والعجب فاتجه له عليه السلام أن يسأل ماذا قلت يا رب وهو مثله
~~فيقول: هو علي هين أي قلت أو قال ربك. والأصل على هذا التقدير قلت
~~قولا مثل الوعد في الغرابة فعدل إلى الالتفات أو التجريد أيا شئت تسميه
~~لفائدته المعلومة. وليس في الإتيان بأصل القول خروج عن مقتضى الظاهر إذ
~~لا بد منه لينتظم الكلام وذلك لأن المعنى على هذا التقدير ولا تعجب من
~~ذلك القول وانظر إلى مثله واعجب فقد قلناه. وكذلك يتجه لنبينا صلى الله
~~عليه وسلم السؤال فيجاب بأنه قال له ربه هو علي هين وصحة وقوعه جوابا
~~عن سؤال نبينا عليه الصلاة والسلام وهو الأظهر على هذا الوجه لأن الكلام
~~معه، وإذ قد صح أن يجعل جوابا له جاز إضمار القول لأنه جواب له صلى الله
~~عليه وسلم بما يدل على أنه خوطب به زكريا عليه السلام أيضا وجاز أن لا
~~يضمر لأن المخاطب لهما واحد والخطاب مع نبينا صلى الله عليه وسلم وعلم من
~~ضرورة المماثلة أنه قيل لزكريا أيضا هذه المقالة ولو كان الحاكي والقائل
~~الأول مختلفين في هذه الصورة لم يكن بد من إضماره لأنه إذا قال عمرو لبكر
~~ماذا قال زيد لخالد مما يماثل مقالته السابقة له؟ فيقول: إنك محبب مرضي
~~وجب أن يكون التقدير قال زيد لخالد هذه المقالة لا محالة، ولا بعد في
~~تنزيل كلام الزمخشري عليه، وهذا ما لوح إليه صاحب «التقريب» وآثره الإمام
~~الطيبي وفيه فوات النكتة المذكورة في { قال ربك } ثم إنه إن لم
~~يكن سبق القول كان كذبا من حيث الظاهر إذ ms06301 ليس من القول بلسان الإشارة
~~إلى أن يؤول بأنه مستقبل معنى، هذا والكلام مسوق لما يزيل الاستبعاد
~~ويحقق الموعود المرتاد وفي ذلك التقدير خروج عنه إلى معنى آخر ربما
~~يستلزم هذا المعنى تبعا وما سيق له الكلام ينبغي أن يجعل الأصل انتهى.

# وهو كلام تحقيق وتدقيق لا يرشد إليه إلا توفيق، وفي الآية وجه آخر هو ما
~~أشار إليه صاحب «الانتصاف»، و { هين } فيعل من هان الشيء يهون إذا لم
~~يصعب، والمراد أني كامل القدرة على ذلك إذا أردته كان.

# / { وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا } تقرير لما قبل،
~~والشيء هنا بمعنى الموجود أي ولم تك موجودا بل كنت معدوما، والظاهر أن
~~هذا إشارة إلى خلقه بطريق التوالد والانتقال في الأطوار كما يخلق سائر
~~أفراد الإنسان، وقال بعض المحققين: المراد به ابتداء خلق البشر، إذ هو
~~الواقع إثر العدم المحض لا ما كان بعد ذلك بطريق التوالد المعتاد فكأنه
~~قيل: وقد خلقتك من قبل في تضاعيف خلق آدم ولم تك إذ ذاك شيئا أصلا بل
~~كنت عدما بحتا، وإنما لم يقل: وقد خلقت أباك أو آدم من قبل ولم يك
~~شيئا مع كفايته في إزالة الاستبعاد بقياس حال ما بشر به على حاله عليه
~~السلام لتأكيد الاحتجاج وتوضيح منهاج القياس من حيث نبه على أن كل فرد من
~~أفراد البشر له حظ من إنشائه عليه السلام من العدم لأنه عليه السلام أبدع
~~أنموذجا منطويا على سائر آحاد الجنس فكان إبداعه على ذلك الوجه إبداعا
~~لكل أحد من فروعه كذلك، ولما كان خلقه عليه السلام على هذا النمط الساري
~~إلى جميع ذريته أبدع من أن يكون مقصورا على نفسه كما هو المفهوم من نسبة
~~الخلق المذكور إليه وأدل على عظم قدرته تعالى وكمال علمه وحكمته وكان عدم
~~زكريا حينئذ أظهر عنده وكان حاله أولى بأن يكون معيارا لحال ما بشر به
~~نسب الخلق المذكور إليه كما نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين في قوله
~~تعالى:

# ولقد خلقنكم ثم صورنكم

# [الأعراف: 11] توفية ms06302 لمقام الامتنان حقه انتهى، ولا يخلو عن تكلف، وجوز
~~أن يكون الشيء بمعنى المعتد به وهو مجاز شائع، ومنه قول المتنبي:

# وضاقت الأرض حتى كان هاربهم

# إذا رأى غير شيء ظنه رجلا

# وقولهم: عجبت من لا شيء وليس بشيء إذ يأباه المقام ويرده نظم الكلام.
~~وقرأ الأعمش وطلحة وابن وثاب وحمزة والكسائي { خلقناك }.

### || [19.10]

# { قال رب اجعل لى ءاية } أي علامة تدلني على تحقق المسؤول
~~ووقوع الخبر، وكان هذا السؤال كما قال الزجاج لتعريف وقت العلوق حيث كانت
~~البشارة مطلقة عن تعيينه وهو أمر خفي لا يوقف عليه لا سيما إذا كانت
~~زوجته ممن انقطع حيضها لكبرها وأراد أن يطلعه الله تعالى ليتلقى تلك
~~النعمة الجليلة بالشكر من حيث حدوثها ولا يؤخره إلى أن تظهر ظهورا
~~معتادا، وقيل: طلب ذلك ليزداد يقينا وطمأنينة كما طلب إبراهيم عليه
~~السلام كيفية إحياء الموتى لذلك والأول أولى، وبالجملة لم يطلبه لتوقف
~~منه في صدق الوعد ولا لتوهم أن ذلك من عند غير الله تعالى، ورواية هذا عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا تصح لعصمة الأنبياء عليهم السلام عن
~~مثل ذلك. وذكر أن هذا السؤال ينبغي أن يكون بعدما مضى بعد البشارة برهة
~~من الزمان لما روي أن يحيى كان أكبر من عيسى عليهما السلام بستة أشهر أو
~~بثلاث سنين ولا ريب في أن دعاءه عليه السلام كان في صغر مريم لقوله
~~تعالى:

# هنالك دعا زكريا ربه

# [آل عمران: 38] وهي إنما ولدت عيسى عليه السلام وهي بنت عشر سنين أو بنت
~~ثلاث عشرة سنة، والجعل إبداعي واللام متعلقة به، والتقديم على { ءاية }
~~الذي هو المفعول لما تقدم مرارا أو بمحذوف وقع حالا من { ءاية }
~~وقيل: بمعنى التصيير المستدعي لمفعولين أولهما { ءاية } وثانيهما الظرف
~~وتقديمه لأنه لا مسوغ لكون { ءاية } مبتدأ عند انحلال الجملة إلى مبتدأ
~~وخبر سوي تقديم الظرف فلا يتغير حالهما بعد ورود الناسخ.

# { قال ءايتك ألا تكلم الناس } أن لا تقدر على تكليمهم
~~بكلامهم المعروف في محاوراتهم.

# / روي عن أبي ms06303 زيد أنه لما حملت زوجته عليه السلام أصبح لا يستطيع أن
~~يكلم أحدا وهو مع ذلك يقرأ التوراة فإذا أراد مناداة أحد لم يطقها {
~~ثلث ليال } مع أيامهن للتصريح بالأيام في سورة آل عمران [41]
~~والقصة واحدة، والعرب تتجوز أو تكتفي بأحدهما عن الآخر كما ذكره
~~السيرافي، والنكتة في الاكتفاء بالليالي هنا وبالأيام ثمة على ما قيل أن
~~هذه السورة مكية سابقة النزول وتلك مدنية والليالي عندهم سابقة على
~~الأيام لأن شهورهم وسنيهم قمرية إنما تعرف بالأهلة ولذلك اعتبروها في
~~التاريخ كما ذكره النحاة فأعطي السابق للسابق، والليال جمع ليل على غير
~~قياس كأهل وأهال أو جمع ليلاة ويجمع أيضا على ليايل.

# { سويا } حال من فاعل { تكلم } مفيد لكون انتفاء التكلم بطريق
~~الإعجاز وخرق العادة لا لاعتقال اللسان بمرض أي يتعذر عليك تكليمهم، ولا
~~تطيقه حال كونك سوي الخلق سليم الجوارح ما بك شائبة بكم ولا خرس وهذا ما
~~عليه الجمهور، وعن ابن عباس أن { سويا } عائد على الليالي أي كاملات
~~مستويات فيكون صفة لثلاث. وقرأ ابن أبي عبلة وزيد بن علي رضي الله تعالى
~~عنهما { أن لا تكلم } بالرفع على أن { أن } المخففة من الثقيلة واسمها
~~ضمير الشأن أي أنه لا تكلم.

### || [19.11]

# { فخرج على قومه من المحراب } أي من المصلى كما روي
~~عن ابن زيد أو من الغرفة كما قيل، وأصل المحراب كما قال الطبرسي: ((مجلس
~~الأشراف الذي يحارب دونه ذبا عن أهله، ويسمى محل العبادة محرابا لما أن
~~العابد كالمحارب للشيطان فيه))، وإطلاق المحراب على المعروف اليوم في
~~المساجد لذلك وهو محدث لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد
~~ألف الجلال السيوطي في ذلك رسالة صغيرة سماها «إعلام الأريب بحدوث بدعة
~~المحاريب». روي أن قومه كانوا من وراء المحراب ينتظرون أن يفتح لهم الباب
~~فيدخلوه ويصلوا فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم متغيرا لونه فأنكروه
~~وقالوا: مالك؟ { فأوحى إليهم } أي أومأ إليهم وأشار كما روي عن
~~قتادة وابن منبه والكلبي والقرطبي وهو إحدى الروايتين ms06304 عن مجاهد، ويشهد
~~له قوله تعالى:

# إلا رمزا

# [آل عمران: 41] وروي عن ابن عباس كتب لهم على الأرض. { أن سبحوا
~~بكرة وعشيا } وهو الرواية الأخرى عن مجاهد لكن بلفظ على التراب
~~بدل على الأرض وقال عكرمة: كتب على ورقة. وجاء إطلاق الوحي على الكتابة
~~في كلام العرب ومنه قول عنترة:

# كوحي صحائف من عهد كسرى

# فأهداها لأعجم طمطمى

# وقول ذي الرمة:

# سوى الأربع الدهم اللواتي كأنها

# بقية وحي في بطون الصحائف

# و { أن } إما مفسرة أو مصدرية فتقدر قبلها الباء الجارة. والمراد
~~بالتسبيح الصلاة مجازا بعلاقة الاشتمال وهو المروي عن ابن عباس وقتادة
~~وجماعة و { بكرة وعشيا } ظرفا زمان له. والمراد بذلك كما أخرج
~~ابن أبي حاتم عن أبي العالية صلاة الفجر وصلاة العصر، وقال بعض:
~~التسبيح على ظاهره وهو التنزيه أي نزهوا ربكم طرفي النهار، ولعله عليه
~~السلام كان مأمورا بأن يسبح شكرا ويأمر قومه.

# وقال صاحب «التحرير والتحبير»: عندي في هذا معنى لطيف وهو أنه إنما خص
~~التسبيح بالذكر لأن العادة جارية أن كل من رأى أمرا عجب منه أو رأى فيه
~~بديع صنعة أو غريب حكمة يقول: سبحان الله تعالى سبحان الخالق جل جلاله
~~فلما رأى حصول الولد من شيخ وعاقر عجب من ذلك فسبح وأمر بالتسبيح اه.

# / فأمرهم بالتسبيح إشارة إلى حصول أمر عجيب، وقيل: إنه عليه السلام كان
~~قد أخبر قومه بما بشر به قبل جعل العلامة فلما تعذر عليه الكلام أشار
~~إليهم بحصول ما بشر به من الأمر العجيب فسروا بذلك. وقرأ طلحة { أن سبحوه
~~} بهاء الضمير عائدة إلى الله تعالى، وروى ابن غزوان عن طلحة { أن سبحن }
~~بنون مشددة.

### || [19.12]

# { ييحيى } على تقدير القول وكلام آخر حذف مسارعة إلى الإنباء
~~بإنجاز الوعد الكريم أي فلما ولد وبلغ سنا يؤمر مثله فيه قلنا يا يحيى
~~{ خذ الكتب } أي التوراة، وادعى ابن عطية الإجماع على ذلك بناء
~~على أن ال للعهد ولا معهود إذ ذاك سواها فإن الإنجيل لم يكن موجودا
~~حينئذ وليس كما قال ms06305 بل قيل له عليه السلام كتاب خص به كما خص كثير من
~~الأنبياء عليهم السلام بمثل ذلك، وقيل: المراد بالكتاب صحف إبراهيم عليه
~~السلام، وقيل: المراد الجنس أي كتب الله تعالى. { بقوة } بجد
~~واستظهار وعمل بما فيه، وقائل ذلك هو الله تعالى على لسان الملك كما هو
~~الغالب في القول للأنبياء عليه السلام، وأبعد التبريزي فقدر قال له أبوه
~~حين ترعرع ونشأ: يا يحيى الخ، ويزيده بعدا قوله تعالى: {
~~وءاتينه الحكم صبيا }. أخرج أبو نعيم وابن مردويه
~~والديلمي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ذلك: أعطي
~~الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين، وجاء في رواية أخرى عنه مرفوعا أيضا
~~قال الغلمان ليحيى بن زكريا عليهما السلام: اذهب بنا نلعب فقال: أللعب
~~خلقنا، اذهبوا نصلي فهو قوله تعالى: { وءاتينه الحكم صبيا
~~} والظاهر أن الحكم على هذا بمعنى الحكمة، وقيل: هي بمعنى العقل، وقيل
~~معرفة آداب الخدمة، وقيل الفراسة الصادقة وقيل النبوة وعليه كثير قالوا:
~~أوتيها وهو ابن سبع سنين أو ابن ثلاث أو ابن سنتين ولم ينبأ أكثر
~~الأنبياء عليهم السلام قبل الأربعين، والجملة عطف على قلنا المقدر.

### || [19.13]

# { وحنانا من لدنا } عطف على

# الحكم

# [مريم: 12] وتنوينه للتفخيم وهو في الأصل من حن إذا ارتاح واشتاق ثم
~~استعمل في الرحمة والعطف، ومنه الحنان لله تعالى خلافا لمن منع إطلاقه
~~عليه عز وجل، وإلى تفسيره بالرحمة هنا ذهب الحسن وقتادة والضحاك وعكرمة
~~والفراء وأبو عبيدة وهو رواية عن ابن عباس، ويروى أنه أنشد في ذلك لابن
~~الأزرق قول طرفة:

# أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا

# حنانيك بعض الشر أهون من بعض

# وأنشد سيبويه قول المنذر بن درهم الكلبي:

# وأحدث عهد من أمينة نظرة

# على جانب العلياء إذ أنا واقف

# تقول حنان ما أتى بك ههنا

# أذو نسب أم أنت بالحي عارف

# والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة مؤكدة لما أفاده التنوين من
~~الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي وآتيناه رحمة عظيمة عليه كائنة من
~~جنابنا وهذا أبلغ من ms06306 ورحمناه وروي هذا التفسير عن مجاهد، وقيل: المراد
~~وآتيناه رحمة في قلبه وشفقة على أبويه وغيرهما، وفائدة الوصف على هذا
~~الإشارة إلى أن ذلك كان مرضيا لله عز وجل فإن من الرحمة والشفقة ما هو
~~غير مقبول كالذي يؤدي إلى ترك شيء من حقوق الله سبحانه كالحدود مثلا أو
~~الإشارة إلى أن تلك الرحمة زائدة على ما في جبلة غيره عليه السلام لأن ما
~~يهبه العظيم عظيم. وأورد على هذا أن الإفراط مذموم كالتفريط وخير الأمور
~~أوسطها. ورد بأن مقام المدح يقتضي ذلك. ورب / إفراط يحمد من شخص ويذم من
~~آخر فإن السلطان يهب الألوف ولو وهبها غيره كان إسرافا مذموما.

# وعن ابن زيد أن الحنان هنا المحبة وهو رواية عن عكرمة أي وآتيناه محبة
~~من لدنا، والمراد على ما قيل جعلناه محببا عند الناس فكل من رآه أحبه
~~نظير قوله تعالى:

# وألقيت عليك محبة منى

# [طه: 39] وجوز بعضهم أن يكون المعنى نحو ما تقدم على القول السابق،
~~وقيل: هو منصوب على المصدرية فيكون من باب

# وزينا السمآء الدنيا بمصابيح وحفظا

# [فصلت: 12]. وجوز أن يجعل مفعولا لأجله وأن يجعل عطفا على

# صبيا

# [مريم: 12] وذلك ظاهر على تقدير أن يكون المعنى رحمة لأبويه وغيرهما،
~~وعلى تقدير أن يكون وحنانا من الله تعالى عليه لا يجىء الحال وباقي
~~الأوجه بحاله، ولا يخفى على المتأمل الحال على ما روي عن ابن زيد.

# { وزكوة } أي بركة كما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وهو عطف
~~على المفعول، ومعنى إيتائه البركة على ما قيل جعله مباركا نفاعا معلما
~~للخير. وقيل: الزكاة الصدقة والمراد ما يتصدق به، والعطف على حاله أي
~~آتيناه ما يتصدق به على الناس وهو كما ترى.

# وقيل: هي بمعنى الصدقة والعطف على الحال والمراد آتيناه الحكم حال كونه
~~متصدقا به على أبويه وروي هذا عن الكلبي وابن السائب، وجوز عليه العطف
~~على { حنانا } بتقدير العلية، وقيل: العطف على المفعول، ومعنى إيتائه
~~الصدقة عليهما كونه عليه السلام صدقة عليهما، وعن الزجاج هي ms06307 الطهارة من
~~الذنوب ولا يضر في مقام المدح الإتيان بألفاظ ربما يستغنى ببعضها عن بعض
~~{ وكان تقيا } مطيعا متجنبا عن المعاصي وقد جاء في غير ما حديث
~~أنه عليه السلام ما عمل معصية ولا هم بها. وأخرج مالك وأحمد في «الزهد»
~~وابن المبارك وأبو نعيم عن مجاهد قال: كان طعام يحيى بن زكريا عليهما
~~السلام العشب وإنه كان ليبكي من خشية الله تعالى حتى لو كان القار على
~~عينه لخرقه وقد كانت الدموع اتخذت مجرى في وجهه.

### || [19.14]

# { وبرا بولديه } كثير البر بهما والإحسان إليهما؛ والظاهر أنه
~~عطف على خبر

# كان

# [مريم: 13] وقيل هو من باب.

# علفتها تبنا وماء باردا

# والمراد وجعلناه برا وهو يناسب نظيره حكاية عن عيسى عليه السلام، وقرأ
~~الحسن وأبو جعفر في رواية وابن نهيك وأبو مجلز { وبرا } في الموضعين
~~بكسر الباء أي وذا بر { ولم يكن جبارا } متكبرا متعاليا عن
~~قبول الحق والإذعان له أو متطاولا على الخلق؛ وقيل: الجبار هو الذي لا
~~يرى لأحد عليه حقا، وعن ابن عباس أنه الذي يقتل ويضرب على الغضب.

# وقال الراغب: هو في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من
~~التعالي لا يستحقها. { عصيا } مخالفا أمر مولاه عز وجل، وقيل: عاقا
~~لأبويه وهو فعول وقيل: فعيل، والمراد المبالغة في النفي لا نفي المبالغة.

### || [19.15]

# { وسلم عليه } قال الطبري: أمان من الله تعالى عليه { يوم
~~ولد } من أن يناله الشيطان بما ينال به بني آدم { ويوم يموت }
~~من وحشة فراق الدنيا وهو المطلع وعذاب القبر، وفيه دليل على أنه يقال
~~للمقتول ميت بناء على أنه عليه السلام قتل لبغي من بغايا بني إسرائيل {
~~ويوم يبعث حيا } من هول القيامة وعذاب النار. وجيء بالحال
~~للتأكيد، وقيل للإشارة إلى أن البعث جسماني لا روحاني، وقيل للتنبيه /
~~على أنه عليه السلام من الشهداء. وقال ابن عطية: الأظهر أن المراد
~~بالسلام التحية المتعارفة والتشريف بها لكونها من الله تعالى في المواطن
~~التي فيها العبد في غاية الضعف والحاجة وقلة الحيلة والفقر ms06308 إلى الله عز
~~وجل، وجاء في خبر رواه أحمد في «الزهد» وغيره عن الحسن أن عيسى ويحيى
~~عليهما السلام التقيا وهما ابنا الخالة فقال يحيى لعيسى: ادع الله تعالى
~~لي فأنت خير مني فقال له عيسى: بل أنت ادع لي فأنت خير مني سلم الله
~~تعالى عليك وإنما سلمت على نفسي. وهذه الجملة  كما قال الطيبي  عطف من
~~حيث المعنى على

# ءاتينه الحكم

# [مريم: 12] كأنه قيل وآتيناه الحكم صبيا وكذا وكذا وسلمناه أو سلمنا
~~عليه في تلك المواطن فعدل إلى الجملة الاسمية لإرادة الدوام والثبوت وهي
~~كالخاتمة للكلام السابق. ومن ثم شرع في قصة أخرى وذلك قوله تعالى: {
~~واذكر فى الكتب.. }.

### || [19.16]

# { واذكر فى الكتب } الخ فهو كلام مستأنف خوطب به النبي صلى
~~الله عليه وسلم وأمر عليه الصلاة والسلام بذكر قصة مريم إثر قصة زكريا
~~عليه السلام لما بينهما من كمال الاشتباك والمناسبة. والمراد بالكتاب عند
~~بعض المحققين السورة الكريمة لا القرآن كما عليه الكثير إذ هي التي صدرت
~~بقصة زكريا عليه السلام المستتبعة لقصتها وقصص الأنبياء عليهم السلام
~~المذكورين فيها أي واذكر للناس فيها { مريم } أي نبأها فإن الذكر لا
~~يتعلق بالأعيان.

# وقوله تعالى: { إذ انتبذت } ظرف لذلك المضاف لكن لا على أن يكون
~~المأمور به ذكر نبئها عند انتباذها فقط بل كل ماعطف عليه وحكي بعده بطريق
~~الاستئناف داخل في حيز الظرف متمم للنبأ وجعله أبو حيان ظرفا لفعل محذوف
~~أي واذكر مريم وما جرى لها إذ انتبذت وما ذكرناه أولى. وقيل: هو ظرف
~~لمحذوف وقع حالا من ذلك المضاف، وقيل: بدل اشتمال من مريم لأن الأحيان
~~مشتملة على ما فيها وفيه تفخيم لقصتها العجيبة. وتعقبه أبو البقاء بأن
~~الزمان إذا لم يقع حالا من الجثة ولا خبرا عنها ولا صفة لها لم يكن
~~بدلا منها. ورد بأنه لا يلزم من عدم صحة ما ذكر عدم صحة البدلية ألا ترى
~~سلب زيد ثوبه كيف صح فيه البدلية مع عدم صحة ما ذكر في البدل وكون ذلك
~~حال ms06309 الزمان فقط غير بين ولا مبين. وقيل: بدل كل من كل على أن المراد
~~بمريم قصتها وبالظرف الواقع فيه وفيه بعد. وقيل: { إذا } بمعنى أن
~~المصدرية كما في قوله لا أكرمتك إذ لم تكرمني أي لأن لم تكرمني أي لعدم
~~إكرامك لي. وهذا قول ضعيف للنحاة. والظاهر أنها ظرفية أو تعليلية إن قلنا
~~به ويتعين على ذلك بدل الاشتمال. والانتباذ الاعتزال والانفراد.

# وقال الراغب يقال: ((انتبذ فلان اعتزل اعتزال من تقل مبالاته بنفسه فيما
~~بين الناس. والنبذ: إلقاء الشيء وطرحه لقلة الاعتداد به)).

# وقوله تعالى: { من أهلها } متعلق بانتبذت، وقوله سبحانه: {
~~مكانا شرقيا } قيل نصب على الظرف، وقيل مفعول به لانتبذت باعتبار
~~ما في ضمنه من معنى الإتيان المترتب وجودا واعتبارا على أصل معناه
~~العامل في الجار والمجرور وهو السر في تأخيره عنه. واختاره بعض المحققين
~~أي اعتزلت وانفردت من أهلها وأتت مكانا شرقيا من بيت المقدس أو من
~~دارها لتتخلى هناك للعبادة، وقيل قعدت في مشرفة لتغتسل من الحيض محتجبة
~~بحائط أو بجبل على ما روي عن ابن عباس أبو بثوب على ما قيل وذلك قوله
~~تعالى: { فاتخذت من دونهم حجابا... }.

### || [19.17]

# { فاتخذت من دونهم حجابا } / وكونه شرقيا كان أمرا
~~اتفاقيا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن أهل الكتاب كتب عليهم
~~الصلاة إلى البيت والحج إليه وما صرفهم عنه إلا قيل ربك

# انتبذت من أهلها مكانا شرقيا

# [مريم: 16] فلذلك صلوا قبل مطلع الشمس، وفي رواية إنما اتخذت النصارى
~~المشرق قبلة لأن مريم انتبذت من أهلها مكانا شرقيا، وقد قدمنا عن بعض
~~أنهم كانوا في زمن عيسى عليه السلام يستقبلون بيت المقدس وأنهم ما
~~استقبلوا الشرق إلا بعد رفعه عليه السلام زاعمين أنه ظهر لبعض كبارهم
~~فأمره بذلك، وجوز أن يكون اختاره الله تعالى لها لأنه مطلع الأنوار. وقد
~~علم سبحانه أنه حان ظهور النور العيسوي منها فناسب أن يكون ظهور النور
~~المعنوي في جهة ظهور النور الحسي وهو كما ترى، وروي أنه كان موضعها في
~~المسجد فإذا ms06310 حاضت تحولت إلى بيت خالتها وإذا طهرت عادت إلى المسجد فبينما
~~هي في مغتسلها أتاها الملك عليه السلام في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد
~~الشعر، وذلك قوله عز وجل: { فأرسلنا إليها روحنا } أي
~~جبرائيل عليه السلام كما قاله الأكثر، وعبر عنه بذلك لأن الدين يحيا به
~~وبوحيه فهو مجاز. والإضافة للتشريف كبيت الله تعالى. وجوز أن يكون ذلك
~~كما تقول لحبيبك أنت روحي محبة له وتقريبا فهو مجاز أيضا إلا أنه مخالف
~~للأول في الوجه والتشريف عليه في جعله روحا. وقال أبو مسلم: المراد من
~~الروح عيسى عليه السلام لقوله تعالى:

# وروح منه

# [النساء: 171] وضمير تمثل الآتي للملك وليس بشيء. وقرأ أبو حيوة وسهل {
~~روحنا } بفتح الراء، والمراد به جبريل عليه السلام أيضا لأنه سبب لما
~~فيه روح العباد وإصابة الروح عند الله تعالى الذي هو عدة المقربين في
~~قوله تعالى

# فأما إن كان من المقربين * فروح وريحان

# [الواقعة: 88-89] أو لأنه عليه السلام من المقربين وهم الموعودون بالروح
~~أي مقربا أو ذا روحنا. وذكر النقاش أنه قرىء { روحنا } بتشديد النون اسم
~~ملك من الملائكة عليهم السلام.

# { فتمثل لها } مشتق من المثال وأصله أن يتكلف أن يكون مثال
~~الشيء، والمراد فتصور لها { بشرا سويا } سوي الخلق كامل البنية لم
~~يفقد من حسان نعوت الآدمية شيئا، وقيل تمثل في صورة قريب لها اسمه يوسف
~~من خدم بيت المقدس وذلك لتستأنس بكلامه وتتلقى منه ما يلقي إليها من
~~كلماته إذ لو بدا لها على الصورة الملكية لنفرت منه ولم تستطع مفاوضته،
~~وما قيل من أن ذلك لتهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها فمع ما فيه من
~~الهجنة التي ينبغي أن تنزه مريم عنها يكذبه قوله تعالى: { قالت إنى
~~أعوذ بالرحمن منك... }.

### || [19.18]

# { قالت إنى أعوذ بالرحمن منك } فإنه شاهد عدل بأنه لم
~~يخطر ببالها شائبة ميل ما إليه فضلا عن الحالة المترتبة على أقصى مراتب
~~الميل والشهوة، نعم كان تمثله على ذلك الحسن الفائق والجمال الرائق لأن
~~عادة الملك إذا تمثل ms06311 أن يتمثل بصورة بشر جميل كما كان يأتي النبي صلى
~~الله عليه وسلم في صورة دحية رضي الله تعالى عنه أو لابتلائها وسبر عفتها
~~ولقد ظهر منها من الورع والعفاف ما لا غاية وراءه وإرادة القائل أنه وقع
~~كذلك ليكون مظنة لما ذكر فيظهر خلافه فيكون أقوى في نزاهتها بعيد جدا عن
~~كلامه.

# وقال بعض المتأخرين: إن استعاذتها بالله تعالى تنبىء عن تهييج شهوتها
~~وميلانها إليه ميلا طبيعيا على ما قال تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام

# وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن

# [يوسف: 33] فقد قيل: المراد بالصبوة / فيه الميل بمقتضى الطبيعة وحكم
~~القوة الشهوية ثم إنه لا ينافي عفتها بل يحققها لكونه طبيعيا اضطراريا
~~غير داخل تحت التكليف كما قيل في قوله تعالى:

# وهم بها

# [يوسف: 24] ومع هذا قد استعاذ يوسف عليه السلام بما حكى الله تعالى عنه
~~من قوله تعالى:

# قال معاذ الله إنه ربى أحسن مثواى

# [يوسف: 23] فدعوى أن الاستعاذة تكذب التهييج والميل الطبيعي كذب والقول
~~بأنه يأبى ذلك مقام بيان آثار القدرة الخارقة للعادة ليس بشيء لأن خلق
~~الإنسان من ماء واحد أثر من آثار القدرة الخارقة للعادة أيضا. والأسباب
~~في هذا المقام ليست بمرفوضة بالكلية كما يرشد إلى ذلك قصة يحيى عليه
~~السلام. على أنه قد يدعى أن خلق شيء لا من شيء أصلا محال فلا يكون من
~~مراتب القدرة ومادة الجعل الإبداعي الأعيان الثابتة وهي قديمة اه، ولا
~~يخلو عن بحث، وما ذكرناه في التعليل أسلم من القال والقيل فتدبر.

# ونصب

# بشرا

# [مريم: 17] على الحالية المقدرة أو التمييز، وقيل على المفعولية بتضمين
~~تمثل معنى اتخذ، واستشكل أمر هذا التمثل بأن جبريل عليه السلام شخص عظيم
~~الجثة حسبما نطقت به الأخبار فمتى صار في مقدار جثة الإنسان يلزم أن لا
~~يبقى جبريل أن تساقطت الأجزاء الزائدة على جثة الإنسان وأن تتداخل
~~الأجزاء إن لم يذهب شيء وهو محال. وأيضا لو جاز التمثل ارتفع الوثوق
~~وامتنع القطع بأن هذا الشخص الذي يرى الآن هو زيد الذي ms06312 رئى أمس لاحتمال
~~التمثل، وأيضا لو جاز التمثل بصورة الإنسان فلم لا يجوز تمثله بصورة
~~أخرى غير صورة الإنسان، ومن ذلك البعوض ونحوه، ومعلوم أن كل مذهب يجر إلى
~~ذلك فهو باطل، وأيضا لو جاز ذلك ارتفع الوثوق بالخبر المتواتر كخبر
~~مقاتلة النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر لجواز أن يكون المقاتل
~~المتمثل به.

# وأجيب عن الأول بأنه لا يمتنع أن يكون لجبريل عليه السلام أجزاء أصلية
~~قليلة وأجزاء فاضلة فبالأجزاء الأصلية يكون متمكنا من التمثل بشرا هذا
~~عند القائلين بأنه جسم، وأما عند القائلين بأنه روحاني فلا استبعاد في أن
~~يتدرع تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالهيكل الصغير. وعن الثاني بأنه مشترك
~~الإلزام بين الكل فإن من اعترف بالصانع القادر يلزمه ذلك أيضا إذ يجوز
~~أن يخلق سبحانه مثل زيد مثلا ومع هذا الجواز يرتفع الوثوق ويمتنع القطع
~~على طرز ما تقدم. وكذا من لم يعترف، وأسند الحوادث إلى الاتصالات
~~والتشكلات للفلكية يلزمه ذلك لجواز حدوث اتصال يقتضي حدوث مثل ذلك وحينئذ
~~يمتنع القطع أيضا، ولعله لما كان مثل ذلك نادرا لم يلزم منه قدح في
~~العلوم العادية المستندة إلى الإحساس فلا يلزم الشك في أن زيدا الذي
~~نشاهده الآن هو الذي شاهدناه بالأمس. وأجيب عن الثالث بأن أصل التجويز
~~قائم في العقل وإنما عرف فساده بدلائل السمع. وهو الجواب عن الرابع كذا
~~قال الإمام الرازي وعندي أن مسألة التمثل على القول بالجسمية مما ينبغي
~~تفويض الأمر فيها إلى علام الغيوب ولا سبيل للعقل إلى الجزم فيها بشيء
~~تنشرح له القلوب، وإنما ذكرته تعالى بعنوان الرحمانية تذكيرا لمن رأته
~~بالرحمة ليرحم ضعفها وعجزها عن دفعه أو مبالغة للعياذة به تعالى
~~واستجلابا لآثار الرحمة الخاصة التي هي العصمة مما دهمها. وما قيل من أن
~~ذلك تذكير لمن رأت بالجزاء لينزجر فإنه يقال يا رحمن الآخرة ليس بشيء
~~لأنه ورد «رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما».

# { إن كنت تقيا } شرط جوابه محذوف ثقة بدلالة السياق عليه أي إن
~~كان يرجى منك أن تتقي الله ms06313 تعالى وتخشاه وتحتفل بالاستعاذة به فإني عائذة
~~به منك كذا قدره الزمخشري. / وفي «الكشف» أنه أشار إلى أن وجه هذا الشرط
~~مع أن الاستعاذة بالرحمن إن لم يكن تقيا أولى أن أثر الاستجارة بالله
~~تعالى أعني مكافته وأمنها منه إنما يتم ويظهر بالنسبة إلى المتقي، وفيه
~~دلالة على أن التقوى مما تقتضي للمستعيذ بالله تعالى حق الذمام والمحافظة
~~وعلى عظم مكان التقوى حيث جعلت شرطا للاستعاذة لا تتم دونها وقال: إن
~~كان يرجى إظهارا لمعنى أن وإنها إنما أوثرت دلالة على أن رجاء التقوى
~~كان فضلا عن العلم بها. والحاصل أن التقوى لم تجعل شرط الاستعاذة بل شرط
~~مكافته وأمنها منه وكنت عن ذلك بالاستعاذة بالله تعالى حثا له على
~~المكافة بألطف وجه وأبلغه وأن من تعرض للمستعيذ به فقد تعرض لعظيم سخطه
~~انتهى.

# وقدر الزجاج إن كنت تقيا فتتعظ بتعويذي، والأولى عليه تتعظ بإسقاط
~~الفاء لأن المضارع الواقع جوابا لا يقترن بالفاء فيحتاج إلى جعله
~~مرفوعا بتقدير مبتدأ، وقدر بعضهم فاذهب عني وبعضهم فلا تتعرض بي وقيل
~~إنها أرادت إن كنت تقيا متورعا فإني أعوذ منك فكيف إذا لم تكن كذلك
~~وكأنه أراد أنها استعاذت بهذا الشرط ليعلم استعاذتها بما يقابله من باب
~~أولى، وقال الشهاب: الظاهر أن إن على هذا القول وصلية وفي مجيئها بدون
~~الواو كلام، وذكر أن الجملة على هذا حالية والمقصود بها الالتجاء إلى
~~الله تعالى من شره لا حثه على الانزجار وقيل نافية، والجملة استئناف في
~~موضع التعليل أي ما كنت تقيا متورعا بحضورك عندي وانفرادك بي وهو خلاف
~~الظاهر، وأيا كان فالتقي وصف من التقوى، وقول من قال: إنه اسم رجل صالح
~~أو طالح ليس بسديد.

### || [19.19]

# { قال إنما أنا رسول ربك } المالك لأمرك والناظر في
~~مصلحتك الذي استعذت به ولست ممن يتوقع منه ما توهمت من الشر. روي عن ابن
~~عباس أنها لما قالت:

# إنى أعوذ

# [مريم: 18] الخ تبسم جبريل عليه السلام وقال: إنما أنا رسول ربك {
~~لأهب لك غلما } أي لأكون ms06314 سببا في هبته بالنفخ في الدرع، ويجوز
~~أن يكون حكاية لقوله تعالى بتقدير القول أي ربك الذي قال أرسلت هذا الملك
~~لأهب لك، ويؤيده قراءة شيبة وأبي الحسن وأبي بحرية والزهري وابن مناذر
~~ويعقوب واليزيدي وأبي عمرو ونافع في رواية ليهب بالياء فإن فاعله ضمير
~~الرب تعالى. وما قيل: من أصل { ليهب } لأهب فقلبت الهمزة ياء لانكسار ما
~~قبلها تعسف من غير داع له. وفي بعض المصاحف: أمرني أن أهب لك غلاما {
~~زكيا } طاهرا من الذنوب، وقيل: نبيا. وقيل: ناميا على الخير أي
~~مترقيا من سن إلى سن على الخير والصلاح فالزكا شامل للزيادة المعنوية
~~والحسية. واستدل بعضهم برسالة الملك إليها على نبوتها. وأجيب: بأن
~~الرسالة لمثل ذلك لا تستدعي النبوة.

### || [19.20]

# { قالت أنى يكون لى غلم ولم يمسسنى بشر } أي
~~والحال أنه لم يباشرني بالحلال رجل وإنما قيل بشر مبالغة في تنزهها من
~~مبادىء الولادة { ولم أك بغيا } أي ولم أكن زانية، والجملة عطف
~~على { لم يمسسنى } داخل معه في حكم الحالية مفصح عن كون المساس
~~عبارة عن المباشرة بالحلال وهو كناية عن ذلك كما في قوله تعالى:

# من قبل أن تمسوهن

# [البقرة: 237]

# أو لمستم النساء

# [النساء: 43] ونحوه كما قيل / دخلتم بهن وبنى عليها. وأما الزنا فليس
~~بقمن أن يكنى عنه لأن مقامه أما تطهير اللسان فلا كناية ولا تصريح وإما
~~التقريع فحينئذ يستحق الزيادة على التصريح والألفاظ التي يظن أنها كناية
~~فيه قد شاعت حتى صارت حقيقة صريحة فيه ومنها ما في النظم الكريم، ولا يرد
~~على ذلك ما في سورة آل عمران [47] من قولها

# ولم يمسسنى بشر

# مقتصرة عليه فإن غاية ما قيل فيه إنه كناية عن النكاح والزنا على سبيل
~~التغليب، ولم يجعل كناية عن الزنا وحده، ولقائل أن يقول: أنه ثم كناية عن
~~النكاح فقط كما هنا واستوعبت الأقسام ههنا لأنه مقام البسط واقتصرت على
~~نفي النكاح ثم لعدم التهمة ولعلمها أنهم ملائكة ينادون لا يتخيلون فيها
~~التهمة بخلاف هذه الحالة فإن جبريل عليه السلام ms06315 كان قد أتاها في صورة شاب
~~أمرد، ولهذا تعوذت منه ولم يكن قد سكن روعها بالكلية إلى أن قال:

# إنما أنا رسول ربك

# [مريم: 19] على أنه قيل: إن ما في آل عمران من الاكتفاء وترك الاكتفاء
~~في هذه لأنه تقدم نزولها فهي محل التفصيل بخلاف تلك لسبق العلم، وقيل:
~~المساس هنا كناية عن الأمرين على سبيل التغليب كما في تلك السورة {
~~ولم أك بغيا } تخصيص بعد التعميم لزيادة الاعتناء بتنزيه ساحتها
~~عن الفحشاء، ولذا آثرت كان في النفي الثاني فإن في ذلك إيذانا بأن
~~انتفاء الفجور لازم لها. وكأنها عليها السلام من فرط تعجبها وغاية
~~استبعادها لم تلتفت إلى الوصف في قول الملك عليه السلام

# لأهب لك غلاما زكيا

# [مريم: 19] النافي كل ريبة وتهمة ونبذته وراء ظهرها وأتت بالموصوف وحده
~~وأخذت في تقرير نفيه على أبلغ وجه أي ما أبعد وجود هذا الموصوف مع هذه
~~الموانع بله الوصف، وهذا قريب من الأسلوب الحكيم.

# وبغي فعول عند المبرد وأصله بغوي فلما اجتمعت الواو والياء وسبقت
~~إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وكسرت الغين اتباعا
~~ولذا لم تلحقه هاء التأنيث لأن فعولا يستوي فيه المذكر والمؤنث وإن كان
~~بمعنى فاعل كصبور، واعترضه ابن جني في كتاب «التمام» بأنه لو كان فعولا
~~قيل بغو كما قيل نهو عن المنكر ورد بأنه لا يقاس على الشاذ وقد نصوا على
~~شذوذ نهو لمخالفته قاعدة اجتماع الواو والياء وسبق إحداهما بالسكون
~~واختار أنه فعيل وهو على ما قال أبو البقاء بمعنى فاعل، وكان القياس أن
~~تلحقه هاء التأنيث لأنه حينئذ ليس مما يستوي فيه المذكر والمؤنث كفعول،
~~ووجه عدم اللحوق بأن للمبالغة التي فيه حمل على فعول فلم تلحقه الهاء،
~~وقال بعضهم: هو من باب النسب كطالق ومثله يستوي فيه المذكر والمؤنث، وقيل
~~ترك تأنيثه لاختصاصه في الاستعمال بالمؤنث ويقال للرجل باغ وقيل فعيل
~~بمعنى مفعول كعين كحيل وعلى هذا معنى بغي يبغيها الرجال للفجور بها، وعلى
~~القول بأنه بمعنى فاعل فاجرة تبغي الرجال، ms06316 وأيا ما كان فهو للشيوع في
~~الزانية صار حقيقة صريحة فيه فلا يرد أن اعتبار المبالغة فيه لا يناسب
~~المقام لأن نفي الأبلغ لا يستلزم نفي أصل الفعل، ولا يحتاج إلى الجواب
~~بالتزام أن ذلك من باب النسب أو بأن المراد نفي القيد والمقيد معا أو
~~المبالغة في النفي لا نفي المبالغة.

### || [19.21]

# { قال كذلك قال ربك هو على هين } أطلقوا الكلام في
~~أنه نظير ما تقدم في قصة زكريا عليه السلام. وفي «الكشف» أنه لا يجري فيه
~~تمام الأوجه التي ذكرها الزمخشري هناك لأن { قال } أولا فيه ضمير
~~الرسول إليها فكذلك إن علق بالثاني يكون المعنى قال الرسول قال ربك كذلك
~~ثم فسره بقوله: { هو على هين } أو المعنى مثل ذلك القول العجيب
~~الذي سمعته ووعدتك قال ربك على إقحام الكاف ثم استأنف / هو علي هين ولا
~~بد من إضمار القول لأن المخاطب لها جبريل عليه السلام وقوله: { هو
~~على هين } كلام الحق تعالى شأنه حكاه لها. وإن علق بالأول يكون
~~المعنى الأمر كذلك تصديقا لها أو كما وعدت تحقيقا له ثم استأنف قال ربك
~~هو علي هين لإزالة الاستبعاد أو لتقرير التحقيق ولا يبعد أن يجعل { قال
~~ربك } على هذا تفسيرا وكذلك مبهما انتهى. ولا أرى ما نقل عن ابن
~~المنير هناك وجها هنا.

# { ولنجعله } تعليل لمعلل محذوف أي لنجعل وهب الغلام { ءاية }
~~وبرهانا { للناس } جميعهم أو المؤمنين على ما روي عن ابن عباس
~~يستدلون به على كمال قدرتنا { ورحمة } عظيمة كائنة { منا } عليهم
~~يهتدون بهدايته ويسترشدون بإرشاده فعلنا ذلك. وجوز أن يكون معطوفا على
~~علة أخرى مضمرة أي لنبين به عظم قدرتنا ولنجعله آية الخ. قال في «الكشف»:
~~إن مثل هذا يطرد فيه الوجهان ويرجح كل واحد بحسب المقام وحذف المعلل هنا
~~أرجح إذ لو فرض علة أخرى لم يكن بد من معلل محذوف أيضا فليس قبل ما يصلح
~~فهو تطويل للمسافة. وهذه الجملة  أعني العلة مع معللها  معطوفة على
~~قوله { هو على هين } وفي إيثار الأولى ms06317 اسمية دالة على لزوم
~~الهون مزيلة للاستبعاد والثانية فعلية دالة على أنه تعالى أنشأه لكونه
~~آية ورحمة خاصة لا لأمر آخر ينافيه مرادا بها التجدد لتجدد الوجود
~~لينتقل من الاستبعاد إلى الاستحماد ما لا يخفى من الفخامة انتهى. ولا يرد
~~أنه إذا قدر علة نحو لنبين جاز أن يكون ذلك متعلقا بما يدل عليه { هو
~~على هين } من غير حذف شيء فلا يصح قوله لم يكن بد من معلل محذوف
~~لظهور ما فيه. وما ذكره من العطف خالف فيه بعضهم فجعل الواو على الأول
~~اعتراضية. ومن الناس من قال: إن { لنجعله } على قراءة { ليهب } [مريم:
~~19] عطف عليه على طريقة الالتفات من الغيبة إلى التكلم. وجوز أيضا العطف
~~على

# لأهب

# [مريم: 19] على قراءة أكثر السبعة. ولا يخفى بعد هذا العطف على
~~القراءتين.

# { وكان } ذلك { أمرا مقضيا } محكما قد تعلق به قضاؤنا
~~الأزلي أو قدر وسطر في اللوح لا بد لك منه أو كان أمرا حقيقا بمقتضى
~~الحكمة والتفضل أن يفعل لتضمنه حكما بالغة. وهذه الجملة تذييل إما
~~لمجموع الكلام أو للأخير.

### || [19.22]

# { فحملته } الفاء فصيحة أي فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في
~~جيبها فدخلت النفخة في جوفها فحملته وروي هذا عن ابن عباس. وقيل: لم يدن
~~عليه السلام بل نفخ عن بعد فوصل الريح إليها فحملت. وقيل: إن النفخة كانت
~~في كمها وروي ذلك عن ابن جريج. وقيل كانت في ذيلها. وقيل كانت في فمها.
~~واختلفوا في سنها إذ ذاك فقيل ثلاث عشرة سنة، وعن وهب ومجاهد خمس عشرة
~~سنة، وقيل: أربع عشرة سنة، وقيل: اثنتا عشرة سنة، وقيل: عشر سنين وقد
~~كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل، وحكى محمد بن الهيصم رئيس الهيصمية من
~~الكرامية أنها لم تكن حاضت بعد، وقيل: إنها عليها السلام لم تكن تحيض
~~أصلا بل كانت مطهرة من الحيض. وكذا اختلفوا في مدة حملها ففي رواية عن
~~ابن عباس أنها تسعة أشهر كما في سائر النساء وهو المروي عن الباقر رضي
~~الله تعالى عنه لأنها ms06318 لو كانت مخالفة لهن في هذه العادة لناسب ذكرها في
~~أثناء هذه القصة الغريبة. وفي رواية أخرى عنه أنها كانت ساعة واحدة كما
~~حملته نبذته. واستدل لذلك بالتعقيب الآتي وبأنه سبحانه قال في وصفه:

# إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من
~~تراب ثم قال له كن فيكون

# [آل عمران: 59] فإنه ظاهر في أنه عز وجل قال له كن فيكون فلا يتصور فيه
~~مدة الحمل. وعن عطاء وأبي العالية والضحاك أنها / كانت سبعة أشهر، وقيل:
~~كانت ستة أشهر، وقيل: حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين
~~زالت الشمس من يومها، والمشهور أنها كانت ثمانية أشهر، قيل: ولم يعش
~~مولود وضع لثمانية غيره عليه السلام.

# ونقل النيسابوري عن أهل التنجيم أن ذلك لأن الحمل يعود إلى تربية القمر
~~فتستولى عليه البرودة والرطوبة وهو ظاهر في أن مربي الحمل في أول شهور
~~الحمل القمر وفي الثامن يعود الأمر إليه عند المنجمين وهو مخالف لما في
~~«كفاية التعليم» عنهم من أن أول الشهور منسوب إلى زحل والثاني إلى
~~المشتري وهكذا إلى السابع وهو منسوب إلى القمر ثم ترجع النسبة إلى زحل ثم
~~إلى المشتري. وفيها أيضا أن جهال المنجمين يقولون إن النطفة في الشهر
~~الأول تقبل البرودة من زحل فتجمد، وفي الثاني تقبل القوة النامية من
~~المشتري فتأخذ في النمو، وفي الثالث تقبل القوة الغضبية من المريخ وفي
~~الرابع قوة الحياة من الشمس وفي الخامس قوة الشهوة من الزهرة وفي السادس
~~قوة النطق من عطارد وفي السابع قوة الحركة من القمر فتتم خلقة الجنين فإن
~~ولد في ذلك الوقت عاش وإلا فإن ولد في الثامن لم يعش لقبوله قوة الموت من
~~زحل وإن ولد في التاسع عاش لأنه قبل قوة المشتري.

# ومثل تلك الكلمات خرافات وكل امرأة تعرف أن النطفة إذا مضت عليها ثلاثة
~~أشهر تتحرك. وقد ذكر حكماء الطبيعة أن أقل مدة الولادة ستة أشهر ومدة
~~الحركة ثلث مدة الولادة فيكون أقلها شهرين ومن امتحن الإسقاط يعلم أن ms06319
~~الخلقة تتم في أقل من خمسين يوما انتهى. وكلام المتشرعين لا يخفى عليك
~~في هذا الباب. وقد يعيش المولود لثمان إلا أنه قليل فليس ذلك من خواصه
~~عليه السلام إن صح. ولم يصح عندي شيء من هذه الأقوال المضطربة المتناقضة
~~بيد أني أميل إلى أولها والاستدلال للثاني مما سمعت لا يخلو عن نظر.

# { فانتبذت به } أي فاعتزلت وهو في بطنها فالباء للملابسة
~~والمصاحبة مثلها في قوله تعالى:

# تنبت بالدهن

# [المؤمنون: 20] وقول المتنبي يصف الخيول:

# فمرت غير نافرة عليهم

# تدوس بنا الجماجم والرؤسا

# والجار والمجرور ظرف مستقر وقع حالا من ضميرها المستتر أي فانتبذت
~~ملتبسة به { مكانا قصيا } بعيدا من أهلها وراء الجبل، وأخرج عبد
~~الله بن أحمد في «زوائد الزهد» عن نوف أن جبريل عليه السلام نفخ في جيبها
~~فحملت حتى إذا أثقلت وجعت ما يجع النساء وكانت في بيت النبوة فاستحيت
~~وهربت حياء من قومها فأخذت نحو المشرق وخرج قومها في طلبها فجعلوا يسألون
~~رأيتم فتاة كذا وكذا فلا يخبرهم أحد فكان ما أخبر الله تعالى به. وروى
~~الثعلبي في «العرائس» عن وهب قال: إن مريم لما حملت كان معها ابن عم لها
~~يسمى يوسف النجار وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون وكانا
~~معا يخدمان ذلك المسجد ولا يعلم أن أحدا من أهل زمانهما أشد اجتهادا
~~وعبادة منهما وأول من علم أمرها يوسف فتحير في ذلك لعلمه بكمال صلاحها
~~وعفتها وأنه لم تغب عنه ساعة فقال لها: قد وقع في نفسي شيء من أمرك لم
~~أستطع كتمانه وقد رأيت الكلام فيه أشفى لصدري فقالت قل قولا جميلا
~~فقال: يا مريم أخبريني هل ينبت زرع بغير بذر وهل تنبت شجرة من غير غيث
~~وهل يكون ولد من غير ذكر: فقالت؟ نعم ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الزرع
~~يوم خلقه من غير بذر ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الشجرة من غير غيث
~~وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر بعدما خلق كل واحد منهما على حدة أتقول:
~~إن الله ms06320 سبحانه لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى يستعين بالماء: قال؟ لا
~~أقول هذا ولكني أقول إن الله تعالى يقدر على / ما يشاء بقول كن فيكون
~~فقالت: ألم تعلم أن الله تعالى خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى؟
~~فعند ذلك زال ما يجده وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف
~~عليها بسبب الحمل وضيق القلب فلما دنا نفاسها أوحى الله تعالى إليها أن
~~اخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار
~~له فلما بلغت تلك البلاد أدركها النفاس فكان ما قص سبحانه، وقيل: انتبذت
~~أقصى الدار وهو الأنسب بقصر مدة الحمل.

### || [19.23]

# { فأجاءها المخاض } أي ألجأها كما قال الزمخشري وجماعة، وفي
~~«الصحاح» أجأته إلى كذا بمعنى الجأته واضطررته إليه قال زهير بن أبي
~~سلمى:

# وجار سار معتمدا عليكم

# أجاءته المخافة والرجاء

# قال الفراء: أصله من جئت وقد جعلته العرب إلجاء، وفي المثل شر ما يجيئك
~~إلى مخة عرقوب انتهى، واختار أبو حيان أن المعنى جاء بها واعترض على
~~الزمخشري وأطال الكلام بما لا يخفى رده و { المخاض } بفتح الميم كما
~~في قراءة الأكثرين وبكسرها كما في رواية عن ابن كثير مصدر مخضت المرأة
~~بفتح الخاء وكسرها إذا أخذها الطلق وتحرك الولد في بطنها للخروج، وقرأ
~~الأعمش وطلحة { فأجاءها } بإمالة فتحة الجيم، وقرأ حماد بن سلمة عن
~~عاصم { فاجأها } من المفاجأة وروي ذلك عن مجاهد ونقله ابن عطية عن شبيل
~~بن عزرة أيضا، وقال صاحب «اللوامح»: إن قراءته تحتمل أن تكون الهمزة
~~فيها قد قلبت ألفا ويحتمل أن تكون بين بين غير مقلوبة.

# { إلى جذع النخلة } لتستند إليه عند الولادة كما روي عن ابن
~~عباس ومجاهد وقتادة والسدي، أو لذلك ولتستتر به كما قيل، والجذع ما بين
~~العرق ومتشعب الأغصان من الشجرة، وقد يقال للغصن أيضا: جذع، والنخلة
~~معروفة. والتعريف إما للجنس فالمراد واحدة من النخل لا على التعيين أو
~~للعهد فالمراد نخلة معينة ويكفي لتعينها تعينها في نفسها وإن لم يعلمها ms06321
~~المخاطب بالقرآن عليه الصلاة والسلام كما إذا قلت أكل السلطان ما أتي به
~~الطباخ أي طباخه فإنه المعهود، وقد يقال: إنها معينة له صلى الله عليه
~~وسلم بأن يكون الله تعالى أراها له عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج،
~~وزعم بعضهم أنها موجودة إلى اليوم، والظاهر أنها كانت موجودة قبل مجيء
~~مريم إليها وهو الذي تدل عليه الآثار، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~أنها عليها السلام لما اشتد عليها الطلق نظرت إلى أكمة فصعدت مسرعة فإذا
~~عليها جذع نخلة نخرة ليس عليها سعف. وقيل: إن الله تعالى خلقها له يومئذ
~~وليس بذاك؛ وكان الوقت شتاء، ولعل الله تعالى أرشدها إليها ليريها فيما
~~هو أشبه الأشجار بالإنسان من آياته ما يسكن روعتها كإثمارها بدون رأس وفي
~~وقت الشتاء الذي لم يعهد ذلك فيه ومن غير لقاح كما هو المعتاد، وفي ذلك
~~إشارة أيضا إلى أن أصلها ثابت وفرعها في السماء، وإلى أن ولدها نافع
~~كالثمرة الحلواء وأنه عليه السلام سيحيي الأموات كما أحيى الله تعالى
~~بسببه الموات مع ما في ذلك من اللطف بجعل ثمرتها خرسة لها، والجار
~~والمجرور متعلق بأجاءها، وعلى القراءة الأخرى متعلق بمحذوف وقع حالا أي
~~مستندة إلى جذع النخلة.

# { قالت يليتني مت } بكسر الميم من مات يمات كخاف يخاف أو من
~~مات يميت كجاء يجيء./ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر ويعقوب
~~بضمها من مات يموت كقال يقول. { قبل هذا } الوقت الذي لقيت فيه ما
~~لقيت أو قبل هذا الأمر. وإنما قالته عليها السلام مع أنها كانت تعلم ما
~~جرى بينها وبين جبريل عليه السلام من الوعد الكريم استحياء من الناس
~~وخوفا من لائمتهم أو حذرا من وقوع الناس في المعصية بما يتكلمون فيها.
~~وروي أنها سمعت نداء أخرج يا من يعبد من دون الله تعالى فحزنت لذلك وتمنت
~~الموت، وتمني الموت لنحو ذلك مما لا كراهة فيه. نعم يكره تمنيه لضرر نزل
~~به من مرض أو فاقة أو محنة من عدو أو ms06322 نحو ذلك من مشاق الدنيا، ففي «صحيح
~~مسلم» وغيره قال صلى الله عليه وسلم:

# " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل فإن كان لا بد متمنيا فليقل اللهم
~~أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي "

# ومن ظن أن تمنيها عليها السلام ذلك كان لشدة الوجع فقد أساء الظن
~~والعياذ بالله تعالى.

# { وكنت نسيا } أي شيئا تافها شأنه أن ينسى ولا يعتد به أصلا
~~كخرقة الطمث. وقرأ الأكثرون { نسيا } بالكسر. قال الفراء: هما لغتان في
~~ذلك كالوتر والوتر والفتح أحب إلي. وقال الفارسي: الكسر أعلى اللغتين،
~~وقال ابن الأنباري: هو بالكسر اسم لما ينسى كالنقض اسم لما ينقض وبالفتح
~~مصدر نائب عن الاسم، وقرأ محمد بن كعب القرظي { نسئا } بكسر النون
~~والهمزة مكان الياء وهي قراءة نوف الأعرابي، وقرأ بكر بن حبيب السهمي
~~ومحمد بن كعب أيضا في رواية { نسأ } بفتح النون والهمزة على أن ذلك من
~~نسأت اللبن إذا صببت عليه ماء فاستهلك اللبن فيه لقلته فكأنها تمنت أن
~~تكون مثل ذلك اللبن الذي لا يرى ولا يتميز من الماء، ونقل ابن عطية عن
~~بكر بن حبيب أنه قرأ { نسا } بفتح النون والسين من غير همز كعصى {
~~منسيا } لا يخطر ببال أحد من الناس. ووصف النسي بذلك لما أنه حقيقة
~~عرفية فيما يقل الاعتداد به وإن لم ينس، وقرأ الأعمش وأبو جعفر في رواية
~~بكسر الميم اتباعا لحركة السين كما قالوا: منتن باتباع حركة الميم لحركة
~~التاء.

### || [19.24]

# { فناداها } أي جبريل عليه السلام كما روي عن ابن عباس ونوف. وقرأ
~~علقمة (فخاطبها). قال أبو حيان: وينبغى أن تكون تفسيرا لمخالفتها سواد
~~المصحف، وقرأ الحبر { فناداها ملك }  { من تحتها } وينبغي أن يكون
~~المراد به جبريل عليه السلام ليوافق ما روي عنه أولا. ومعنى { من
~~تحتها } من مكان أسفل منها وكان واقفا تحت الأكمة التي صعدتها مسرعة
~~كما سمعت آنفا، ونقل في «البحر» عن الحسن أنه قال: ناداها جبريل عليه
~~السلام وكان في بقعة من الأرض أخفض من ms06323 البقعة التي كانت عليها وأقسم على
~~ذلك. ولعله إنما كان موقفه عليه السلام هناك إجلالا لها وتحاشيا من
~~حضوره بين يديها في تلك الحال. والقول بأنه عليه السلام كان تحتها يقبل
~~الولد مما لا ينبغي أن يقال لما فيه من نسبة ما لا يليق بشأن أمين وحي
~~الملك المتعال، وقيل: ضمير { تحتها } للنخلة، واستظهر أبو حيان كون
~~المنادي عيسى عليه السلام والضمير لمريم والفاء فصيحة أي فولدت غلاما
~~فانطقه الله تعالى حين الولادة فناداها المولود من تحتها. وروي ذلك عن
~~مجاهد ووهب وابن جبير وابن جرير وابن زيد والجبائي ونقله الطبرسي عن
~~الحسن أيضا، وقرأ الابنان والأبوان وعاصم والجحدري وابن عباس والحسن في
~~رواية عنهما { من } بفتح الميم بمعنى الذي فاعل نادى و { تحتها } ظرف
~~منصوب صلة لمن والمراد به إما عيسى أو جبريل عليهما الصلاة / والسلام.

# { ألا تحزنى } أي أي لا تحزني على أن أن مفسرة أو بأن لا تحزني
~~على أنها مصدرية قد حذف عنها الجار { قد جعل ربك تحتك }
~~بمكان أسفل منك، وقيل: تحت أمرك إن أمرت بالجري جرى وإن أمرت بالإمساك
~~أمسك وهو خلاف الظاهر { سريا } أي جدولا كما أخرجه الحاكم في
~~«مستدركه» عن البراء وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين وذكره البخاري
~~تعليقا موقوفا عليه وأسنده عبد الرزاق وابن جرير وابن مردويه في
~~«تفاسيرهم» عنه موقوفا عليه أيضا ولم يصح الرفع كما أوضحه الجلال
~~السيوطي. وعلى ذلك جاء قول لبيد يصف عيرا وأتانا:

# فتوسطا عرض السري فصدعا

# مسجورة متجاورا قلامها

# وأنشد ابن عباس قول الشاعر:

# سهل الخليقة ماجد ذو نائل

# مثل السري تمده الأنهار

# وكان ذلك على ما روي عن ابن عباس جدولا من الأردن أجراه الله تعالى منه
~~لما أصابها العطش. وروي أن جبريل عليه السلام ضرب برجله الأرض فظهرت عين
~~ماء عذب فجرى جدولا، وقيل: فعل ذلك عيسى عليه السلام وهو المروي عن أبي
~~جعفر رضي الله تعالى عنه، وقيل: كان ذلك موجودا من قبل إلا أن الله
~~تعالى نبهها عليه. وما تقدم ms06324 هو الموافق لمقام بيان ظهور الخوارق
~~والمتبادر من النظم الكريم. وسمي الجدول سريا لأن الماء يسري فيه فلامه
~~على هذا المعنى ياء، وعن الحسن وابن زيد والجبائي أن المراد بالسري عيسى
~~عليه السلام وهو من السرو بمعنى الرفعة كما قال الراغب أي جعل ربك تحتك
~~غلاما رفيع الشأن سامي القدر، وفي «الصحاح» هو سخاء في مروءة وإرادة
~~الرفعة أرفع قدرا ولامه على هذا المعنى واو. والجملة تعليل لانتفاء
~~الحزن المفهوم من النهي عنه. والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى
~~ضميرها لتشريفها وتأكيد التعليل وتكميل التسلية.

### || [19.25]

# { وهزى إليك } أي إلى جهتك. والهز تحريك يمينا وشمالا سواء كان
~~بعنف أو لا أو تحريك بجذب ودفع وهو مضمن معنى الميل فلذا عدي بالى أو
~~أنه مجاز عنه أو اعتبر في تعديته ذلك لأنه جزء معناه كذا قيل. ومنع أبو
~~حيان تعلقه بهزي وعلل ذلك بأنه قد تقرر في النحو أن الفعل لا يعدى إلى
~~الضمير المتصل وقد رفع الضمير المتصل وليس من باب ظن ولا فقد ولا عدم
~~وهما لمدلول واحد فلا يقال: ضربتك وزيد ضربه على معنى ضربت نفسك وضرب
~~نفسه. والضمير المجرور عندهم كالضمير المنصوب فلا يقال: نظرت إليه وزيد
~~نظر على معنى نظرت إلى نفسك ونظر إلى نفسه. ومن هنا جعلوا على في قوله:

# هون عليك فإن الأمور

# بكف الإله مقاديرها

# اسما كما في قوله:

# غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها

# وجعل الجار والمجرور هنا متعلقا بمحذوف أي أعني إليك كما قالوا في سقيا
~~لك ونحوه مما جيء به للتبيين. وأنت تعلم أنهم قالوا بمجيء إلى للتبيين
~~لكن قال ابن مالك وكذا صاحب «القاموس»: إنها المبينة لفاعلية مجرورها
~~بعدما يفيد حبا أو يغضا من فعل تعجب أو اسم تفضيل وما هنا ليس كذلك.
~~وقال في «الإتقان»: حكى ابن عصفور في «شرح أبيات الإيضاح» عن ابن
~~الأنباري أن إلى / تستعمل اسما فيقال: انصرفت من إليك كما يقال غدوت من
~~عليه وخرج عليه من القرآن { وهزى إليك } وبه يندفع إشكال ms06325 أبي
~~حيان فيه انتهى. وكان عليه أن يبين ما معناها على القول بالإسمية، ولعلها
~~حينئذ بمعنى عند فقد صرح بمجيئها بهذا المعنى في «القاموس» وأنشد:

# أم لا سبيل إلى الشباب وذكره

# أشهى إلي من الرحيق السلسل

# لكن لا يحلو هذا المعنى في الآية، ومثله ما قيل إنها في ذلك اسم فعل، ثم
~~إن حكاية استعمالها اسما إذا صحت تقدح في قول أبي حيان: لا يمكن أن
~~يدعى أن إلى تكون اسما لإجماع النحاة على حرفيتها. ولعله أراد إجماع من
~~يعتد به منهم في نظره. والذي أميل إليه في دفع الإشكال أن الفعل مضمن
~~معنى الميل والجار والمجرور متعلق به لا بالفعل الرافع للضمير وهو مغزى
~~بعيد لا ينبغي أن يسارع إليه بالاعتراض على أن في القلب من عدم صحة نحو
~~هذا التركيب للقاعدة المذكورة شيئا لكثرة مجيء ذلك في كلامهم. ومنه قوله
~~تعالى:

# أمسك عليك زوجك

# [الأحزاب: 37] والبيت المار آنفا. وقول الشاعر:

# دع عنك نهبا صيح في حجراته

# ولكن حديثا ما حديث الرواعل

# وقولهم: اذهب إليك وسر عنك إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع.

# وتأويل جميع ما جاء لا يخلو عن تكلف فتأمل وأنصف، ثم الفعل هنا منزل
~~منزلة اللازم كما في قول ذي الرمة:

# فإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها

# إلى الضيف يجرح في عراقيبها نصلي

# فلذا عدي بالباء أي افعلي الهز.

# { بجذع النخلة } فالباء للآلة كما في كتبت بالقلم. وقيل هو
~~متعد والمفعول محذوف والكلام على تقدير مضاف أي هزي الثمرة بهز جذع
~~النخلة ولا يخفى ما فيه من التكلف وأن هز الثمرة لايخلو من ركاكة، وعن
~~المبرد أن مفعوله { رطبا } الآتي والكلام من باب التنازع. وتعقب بأن
~~الهز على الرطب لا يقع إلا تبعا فجعله أصلا وجعل الأصل تبعا حيث أدخل
~~عليه الباء للاستعانة غير ملائم مع ما فيه من الفصل بجواب الأمر بينه
~~وبين مفعوله ويكون فيه إعمال الأول وهو ضعيف لا سيما في هذا المقام. وما
~~ذكر من التعكيس وارد على ما فيه ms06326 التكلف وهو ظاهر، وما قيل من أن الهز وإن
~~وقع بالأصالة على الجذع لكن المقصود منه الثمرة فلهذه النكتة المناسبة
~~جعلت أصلا لأن هز الثمرة ثمرة الهز لا يدفع الركاكة التي ذكرناها مع أن
~~المفيد لذلك ما يذكر في جواب الأمر. وجعل بعضهم { بجذع النخلة }
~~في موضع الحال على تقدير جعل المفعول { رطبا } أو الثمرة أي كائنة أو
~~كائنا بجذع النخلة وفيه ثمرة ما لا تسمن ولا تغني، وقيل الباء مزيدة
~~للتأكيد مثلها في قوله تعالى:

# ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة

# [البقرة: 195] وقول الشاعر:

# هن الحرائر لا ربات أخمرة

# سود المحاجر لا يقرأن بالسور

# والوجه الصحيح الملائم لما عليه التنزيل من غرابة النظم كما في «الكشف»
~~هو الأول، وقول الفراء: إنه يقال هزه وهز به إن أراد أنهما بمعنى كما هو
~~الظاهر لا يلتفت إليه كما نص عليه بعض من يعول عليه.

# { تسقط } من ساقطت بمعنى أسقطت، والضمير المؤنث للنخلة ورجوع
~~الضمير للمضاف إليه شائع، ومن أنكره فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا. وجوز
~~أبو حيان أن يكون الضمير للجذع لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه كما في
~~قوله تعالى:

# يلتقطه بعض السيارة

# [يوسف: 10] في قراءة من قرأ بالتاء الفوقية، وقول الشاعر:

# كما شرقت صدر القناة من الدم

# وتعب بأنه خلاف الظاهر وإن صح. وقرأ مسروق وأبو حيوة في رواية { تسقط }
~~بالتاء من فوق مضمومة وكسر القاف. وفي رواية أخرى عن أبي حيوة أنه قرأ
~~كذلك إلا أنه بالياء من تحت. وقوله تعالى: { عليك رطبا } في جميع
~~ذلك نصب على المفعولية وهو نضيج البسر واحدته بهاء وجمع شاذا على أرطاب
~~كربع وأرباع، وعن أبي حيوة أيضا أنه قرأ { تسقط } بالتاء من فوق مفتوحة
~~وضم القاف، وعنه أيضا كذلك إلا أنه بالياء من تحت فنصب { رطبا } على
~~التمييز، وروي عنه أنه رفعه في القراءة الأخيرة على الفاعلية.

# وقرأ أبو السمال { تتساقط } بتاءين. وقرأ البراء بن عازب { يساقط }
~~بالياء من تحت مضارع أساقط. وقرأ الجمهور { تسقط } بفتح التاء من
~~فوق وشد السين بعدها ألف ms06327 وفتح القاف، والنصب على هذه الثلاثة على التمييز
~~أيضا. وجوز في بعض القراآت أن يكون على الحالية الموطئة وإذا أضمر ضمير
~~مذكر على إحدى القراآت فهو للجذع، وإذا أضمر ضمير مؤنث فهو للنخلة أو له
~~على ما سمعت.

# { جنيا } أي مجنيا ففعيل بمعنى مفعول أي صالحا للاجتناء. وفي
~~«القاموس» ثم جني جني من ساعته. وعليه قيل المعنى رطبا يقول من يراه هو
~~جني وهو صفة مدح فإن ما يجنى أحسن مما يسقط بالهز وما قرب عهده أحسن مما
~~بعد عهده، وقيل فعيل بمعنى فاعل أي رطبا طريا، وكان المراد على ما قيل
~~إنه تم نضجه. وقرأ طلحة بن سليمان { جنيا } بكسر الجيم للاتباع. ووجه
~~التذكير ظاهر. وعن ابن السيد أنه قال في «شرح أدب الكاتب»: كان يجب أن
~~يقال جنية إلا أنه أخرج بعض الكلام على التذكير وبعضه على التأنيث، وفيه
~~نظر. روي عن ابن عباس أنه لم يكن للنخلة إلا الجذع ولم يكن لها رأس فلما
~~هزته إذ السعف قد طلع ثم نظرت إلى الطلع يخرج من بين السعف ثم اخضر فصار
~~بلحا ثم أحمر فصار زهوا ثم رطبا كل ذلك في طرفة عين فجعل الرطب يقع
~~بين يديها وكان برنيا، وقيل عجوة وهو المروي عن أبي عبد الله رضي الله
~~تعالى عنه. والظاهر أنها لم تحمل سوى الرطب، وقيل كان معه موز، وروي ذلك
~~عن أبي روق. وإنما اقتصر عليه لغاية نفعه للنفساء، فعن الباقر رضي الله
~~تعالى عنه لم تستشف النفساء بمثل الرطب إن الله أطعمه مريم في نفاسها
~~وقالوا: ما للنفساء خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل، وقيل: المرأة
~~إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب، وذكر أن التمر للنفساء عادة من
~~ذلك الوقت وكذا التحنيك وفي أمرها بالهز إشارة إلى أن السعي في تحصيل
~~الرزق في الجملة مطلوب وهو لا ينافي التوكل وما أحسن ما قيل:

# ألم تر أن الله أوحى لمريم

# وهزي إليك الجذع يساقط الرطب

# ولو شاء أحنى الجذع ms06328 من غير هزه

# إليها ولكن كل شيء له سبب

### || [19.26]

# { فكلي } من ذلك الرطب { واشربى } من ذلك السري. وقيل: من عصير
~~الرطب وكان في غاية الطراوة فلا يتم الاستدلال بذكر الشرب على تعين تفسير
~~السري بالجدول وما ألطف ما أرشد إليه النظم الكريم من إحضار الماء أولا
~~والطعام ثانيا ثم الأكل ثالثا والشرب رابعا فإن الاهتمام بالماء أشد
~~من الاهتمام بالأكل لا سيما ممن يريد أن يأكل ما يحوج إلى الماء كالأشياء
~~الحلوة الحارة، والعادة قاضية بأن الأكل بعد الشرب ولذا قدم / الأكل على
~~الشرب حيث وقع، وقيل: قدم الماء لأنه أصل في النفع ونفعه عام للتنظيف
~~ونحوه، وقد كان جاريا وهو أظهر في إزالة الحزن وأخر الشرب للعادة. وقيل
~~قدم الأكل ليجاور ما يشاكله وهو الرطب.

# والأمر قيل يحتمل الوجوب والندب وذلك باعتبار حالها، وقيل هو للإباحة.

# { وقرى عينا } وطيبي نفسا وارفضي عنها ما أحزنك. وقرىء بكسر
~~القاف وهي لغة نجد وهم يفتحون عين الماضي ويكسرون عين المضارع وغيرهم
~~يكسرهما وذلك من القر بمعنى السكون فإن العين إذا رأت ما يسر النفس سكنت
~~إليه من النظر إلى غيره ويشهد له قوله تعالى:

# تدور أعينهم

# [الأحزاب: 19] من الحزن أو بمعنى البرد فإن دمعة السرور باردة ودمعة
~~الحزن حارة. ويشهد له قولهم قرة العين وسخنتها للمحبوب والمكروه.
~~وتسليتها عليها السلام بما تضمنته الآية من إجراء الماء وإخراج الرطب من
~~حيث إنهما أمران خارقان للعادة فكأنه قيل لا تحزني فإن الله تعالى قدير
~~ينزه ساحتك عما يختلج في صدور المتقيدين بالأحكام العادية بأن يرشدهم إلى
~~الوقوف على سريرة أمرك بما أظهر لهم من البسائط العنصرية والمركبات
~~النباتية ما يخرق العادات التكوينية، وفرع على التسلية الأمر بالأكل
~~والشرب لأن الحزين قد لا يتفرغ لمثل ذلك وأكد ذلك بالأمر الأخير. ومن فسر
~~السري برفيع الشأن سامي القدر جعل التسلية بإخراج الرطب كما سمعت وبالسري
~~من حيث إن رفعة الشأن مما يتبعها تنزيه ساحتها فكأنه قيل لا تحزني فإن
~~الله سبحانه قد أظهر لك ما ms06329 ينزه ساحتك قالا وحالا. وقد يؤيد هذا في
~~الجملة بما روي عن ابن زيد قال: قال عيسى عليه السلام لها لا تحزني
~~فقالت: كيف لا أحزن وأنت معي ولست ذات زوج ولا مملوكة فأي شيء عذري عند
~~الناس ليتني مت قبل هذا فقال لها عليه السلام: أنا أكفيك الكلام.

# { فإما ترين من البشر أحدا } أي آدميا كائنا من كان.
~~وقرأ أبو عمرو فيما روى عنه ابن الرومي. { ترئن } بالإبدال من الياء
~~همزة. وزعم ابن خالويه أن هذا لحن عند أكثر النحويين. وقال الزمخشري: إنه
~~من لغة من يقول لبأت بالحج وحلأت السويق وذلك لتآخ بين الهمزة وحروف
~~اللين في الإبدال.

# وقرأ طلحة وأبو جعفر وشيبة { ترين } بسكون الياء وفتح النون خفيفة. قال
~~ابن جني: هي شاذة وكان القياس حذف النون للجازم كما في قول الأفوه
~~الأودي:

# إما تري رأسي أزرى به

# مأس زمان ذي انتكاس مؤوس

# { فقولى } له إن استنطقك { إنى نذرت للرحمن صوما }
~~وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنه { صياما } والمعنى واحد أي صمتا
~~كما في مصحف عبد الله. وقرأ به أنس بن مالك. فالمراد بالصوم الإمساك
~~وإطلاقه على ما ذكر باعتبار أنه بعض أفراده كإطلاق الإنسان على زيد وهو
~~حقيقة. وقيل إطلاقه عليه مجاز والقرينة التفريع الآتي وهو ظاهر على ذلك.
~~وقال بعضهم: المراد به الصوم عن المفطرات المعلومة وعن الكلام وكانوا لا
~~يتكلمون في صيامهم وكان قربة في دينهم فيصح نذره. وقد نهى النبي صلى
~~الله عليه وسلم عنه فهو منسوخ في شرعنا كما ذكره الجصاص في كتاب
~~«الأحكام». وروي عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه دخل على امرأة قد
~~نذرت أن لا تتكلم فقال: إن الإسلام هدم هذا فتكلمي. وفي «شرح البخاري»
~~لابن حجر ((عن ابن قدامة أنه ليس من شريعة الإسلام، وظاهر الأخبار تحريمه
~~فإن نذره لا يلزمه الوفاء به ولا خلاف فيه بين الشافعية والحنفية)) لما
~~فيه من التضييق وليس في شرعنا وإن كان / قربة في شرع من قبلنا. فتردد ms06330
~~القفال في الجواز وعدمه ناشىء من قلة الاطلاع، وفي بعض الآثار ما يدل
~~ظاهره على أن نذر الصمت كان من مريم عليها السلام خاصة. فقد أخرج ابن
~~أبي حاتم عن حارثة بن مضرب قال: كنت عند ابن مسعود فجاء رجلان فسلم
~~أحدهما ولم يسلم الآخر ثم جلسا فقال القوم: ما لصاحبك لم يسلم؟ قال: إنه
~~نذر صوما لا يكلم اليوم إنسيا فقال له ابن مسعود: بئس ما قلت إنما كانت
~~تلك المرأة قالت ذلك ليكون عذرا لها إذا سئلت وكانوا ينكرون أن يكون ولد
~~من غير زوج إلا زنا فكلم وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر فإنه خير لك.

# والظاهر على المعنى الأخير للصوم أنه باعتبار الصمت فيه فرع قوله تعالى:
~~{ فلن أكلم اليوم إنسيا } أي بعد أن أخبرتكم بنذري فتكون
~~قد نذرت أن لا تكلم إنسيا بغير هذا الإخبار فلا يكون مبطلا له لأنه ليس
~~بمنذور ويحتمل أن هذا تفسير للنذر بذكر صيغته. وقالت فرقة: أمرت أن تخبر
~~بنذرها بالإشارة قيل: وهو الأظهر. قال الفراء: العرب تسمي كل ما وصل إلى
~~الإنسان كلاما بأي طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر فإذا أكد لم يكن إلا
~~حقيقة الكلام. ويفهم من قوله تعالى: { إنسيا } دون أحدا أن المراد
~~فلن أكلم اليوم إنسيا وإنما أكلم الملك وأناجي ربي. وإنما أمرت عليها
~~السلام بذلك على ما قاله غير واحد لكراهة مجادلة السفهاء والاكتفاء بكلام
~~عيسى عليه السلام فإنه نص قاطع في قطع الطعن.

### || [19.27]

# { فأتت به قومها تحمله } أي جاءتهم مع ولدها حاملة إياه
~~على أن الباء للمصاحبة ولو جعلت للتعدية صح أيضا. والجملة في موضع الحال
~~من ضمير مريم أو من ضمير ولدها. وكان هذا المجيء على ما أخرج سعيد بن
~~منصور وابن عساكر عن ابن عباس بعد أربعين يوما حين طهرت من نفاسها قيل:
~~إنها حنت إلى الوطن وعلمت أن ستكفى أمرها فأتت به فلما دخلت عليهم
~~تباكوا، وقيل: هموا برجمها حتى تكلم عيسى عليه السلام. وجاء في رواية عن
~~الحبر أنها ms06331 لما انتبذت من أهلها وراء الجبل فقدوها من محرابها فسألوا
~~يوسف عنها فقال: لا علم لي بها وإن مفتاح باب محرابها عند زكريا فطلبوا
~~زكريا وفتحوا الباب فلم يجدوها فاتهموه فأخذوه ووبخوه فقال رجل: إني
~~رأيتها في موضع كذا فخرجوا في طلبها فسمعوا صوت عقعق في رأس الجذع الذي
~~هي من تحته فانطلقوا إليه فلما رأتهم قد أقبلوا إليها احتملت الولد إليهم
~~حتى تلقتهم به ثم كان ما كان. فظاهر الآية والأخبار أنها جاءتهم به من
~~غير طلب منهم، وقيل: أرسلوا إليها لتحضري إلينا بولدك وكان الشيطان قد
~~أخبرهم بولادتها فحضرت إليهم به فلما رأوهما.

# { قالوا يا مريم لقد جئت } فعلت { شيئا فريا } قال
~~قتادة: عظيما، وقيل: عجيبا. وأصله من فرى الجلد قطعه على وجه الإصلاح
~~أو الإفساد، وقيل: من أفراه كذلك. واختير الأول لأن فعيلا إنما يصاغ
~~قياسا من الثلاثي. وعدم التفرقة بينه وبين المزيد في المعنى هو الذي ذهب
~~إليه صاحب «القاموس». وفي «الصحاح» عن الكسائي أن الفري القطع على وجه
~~الإصلاح والإفراء على وجه الإفساد. وعن الراغب مثل ذلك. وقيل الإفراء
~~عام. وإيا ما كان فقد استعير الفري لما ذكر في تفسيره. وفي «البحر» أنه
~~يستعمل في العظيم من الأمر شرا أو خيرا قولا أو فعلا، ومنه في وصف
~~عمر رضي الله تعالى عنه فلم أر عبقريا يفري فريه، وفي المثل جاء يفري
~~الفري. ونصب { شيئا } على أنه مفعول به. وقيل على أنه مفعول مطلق أي
~~لقد جئت مجيئا عجيبا، وعبر عنه بالشيء تحقيقا للاستغراب. / وقرأ أبو
~~حيوة فيما نقل ابن عطية { فريا } بسكون الراء وفيما نقل ابن خالويه (فرأ)
~~بالهمزة.

### || [19.28]

# { يا أخت هرون } استئناف لتجديد التعيير وتأكيد التوبيخ. وليس
~~المراد بهرون أخا موسى بن عمران عليهما السلام لما أخرج أحمد ومسلم
~~والترمذي والنسائي والطبراني وابن حبان وغيرهم عن المغيرة بن شعبة قال:

# " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران فقالوا: أرأيت ما
~~تقرأون { يا أخت هرون } وموسى قبل عيسى بكذا وكذا قال: ms06332 فرجعت
~~فذكرت ذلك لرسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا
~~يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم "

# بل هو على ما روي عن الكلبي أخ لها من أبيها. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن
~~حميد عن قتادة قال: هو رجل صالح في بني إسرائيل وروي عنه أنه قال ذكر لنا
~~أنه تبع جنازته يوم مات أربعون ألفا من بني إسرائيل كلهم يسمى هرون.
~~والأخت على هذا بمعنى المشابهة وشبهوها به تهكما أو لما رأوا قبل من
~~صلاحها، وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه رجل طالح فشبهوها به
~~شتما لها. وقيل: المراد به هرون أخو موسى عليهما السلام، وأخرج ذلك ابن
~~أبي حاتم أيضا عن السدي وعلي بن أبي طلحة وكانت من أعقاب من كان معه
~~في طبقة الأخوة فوصفها بالأخوة لكونها وصف أصلها. وجوز أن يكون هرون
~~مطلقا على نسله كهاشم وتميم، والمراد بالأخت أنها واحدة منهم كما يقال
~~أخا العرب وهو المروي عن السدي.

# { ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا }
~~تقرير لكون ما جاءت به فريا أو تنبيه على أن ارتكاب الفواحش من أولاد
~~الصالحين أفحش. وفيه دليل على أن الفروع غالبا تكون زاكية إذا زكت
~~الأصول وينكر عليها إذا جاءت بضد ذلك. وقرأ عمر بن لجأ التيمي الشاعر
~~الذي كان يهاجي جريرا { ما كان أباك امرؤ سوء } بجعل الخبر المعرفة
~~والاسم النكرة. وحسن ذلك قليلا وجود مسوغ الابتداء فيها وهو الإضافة.

### || [19.29]

# { فأشارت إليه } أي إلى عيسى عليه السلام أن كلموه. قال شيخ
~~الإسلام: والظاهر أنها بينت حينئذ نذرها وأنها بمعزل من محاورة الإنس
~~حسبما أمرت ففيه دلالة على أن المأمور به بيان نذرها بالإشارة لا
~~بالعبارة والجمع بينهما مما لا عهد به { قالوا } منكرين لجوابها، وفي
~~بعض الآثار أنها لما أشارت إليه أن كلموه قالوا: استخفافها بنا أشد من
~~زناها حاشاها ثم قالوا: { كيف نكلم من كان فى المهد
~~صبيا } قال قتادة: المهد حجر أمه، وقال عكرمة: المرباة أي المرجحة،
~~وقيل: سريره. ms06333 وقيل: المكان الذي يستقر عليه. واستشكلت الآية بأن كل من
~~يكلمه الناس كان في المهد صبيا قبل زمان تكليمه فلا يكون محلا للتعجب
~~والإنكار. وأجاب الزمخشري عن ذلك بوجهين، الأول أن { كان } لإيقاع
~~مضمون لجملة في زمان ماض مبهم يصلح لقريبه وبعيده وهو ههنا لقريبه خاصة
~~والدال عليه أن الكلام مسوق للتعجب فيكون المعنى كيف نكلم من كان بالأمس
~~وقريبا منه من هذا الوقت في المهد وغرضهم من ذلك استمرار حال الصبي به
~~لم يبرح بعد عنه ولو قيل: من هو في المهد لم يكن فيه تلك الوكادة من حيث
~~السابق كالشاهد على ذلك، ومن على هذا موصولة يراد بها عيسى عليه السلام.
~~الثاني أن يكون { نكلم } حكاية حال ماضية ومن موصوفة، والمعنى كيف
~~نكلم الموصوفين بأنهم في المهد أي ما كلمناهم إلى الأن حتى نكلم هذا، وفي
~~العدول عن الماضي إلى الحال إفادة التصوير والاستمرار. وهذا كما في
~~«الكشف» وجه حسن ملائم. / وقال أبو عبيدة: كان زائدة لمجرد التأكيد من
~~غير دلالة على الزمان و { صبيا } حال مؤكدة والعامل فيها الاستقرار،
~~فقول ابن الأنباري: إن كان نصبت هنا الخبر والزائدة لا تنصبه ليس بشيء،
~~والمعنى كيف نكلم من هو في المهد الآن حال كونه صبيا، وعلى قول من قال:
~~إن كان الزائدة لا تدل على حدث لكنها تدل على زمان ماض مقيد به ما زيدت
~~فيه كالسيرافي لا يندفع الإشكال بالقول بزيادتها. وقال الزجاج: الأجود أن
~~تكون من شرطية لا موصولة ولا موصوفة أي من كان في المهد فكيف نكلمه وهذا
~~كما يقال كيف أعظم من لا يعمل بموعظتي والماضي بمعنى المستقبل في باب
~~الجزاء فلا إشكال في ذلك، ولا يخفى بعده.

### || [19.30]

# { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من سياق النظم الكريم كأنه قيل
~~فماذا كان بعد ذلك؟ فقيل: قال عيسى عليه السلام { إنى عبد الله }
~~روي أنه عليه السلام كان يرضع فلما سمع ما قالوا ترك الرضاع وأقبل عليهم
~~بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابته فقال ما ms06334 قال، وقيل إن زكريا عليه
~~السلام أقبل عليه يستنطقه فقال ذلك وذكر عبوديته لله تعالى أولا لأن
~~الاعتراف بذلك على ما قيل أول مقامات السالكين. وفيه رد على من يزعم
~~ربوبيته، وفي جميع ما قال تنبيه على براءة أمه لدلالته على الاصطفاء
~~والله سبحانه أجل من أن يصطفي ولد الزنا وذلك من المسلمات عندهم، وفيه من
~~إجلال أمه عليهما السلام ما ليس في التصريح، وقيل لأنه تعالى لا يخص بولد
~~موصوف بما ذكر إلا مبرأة مصطفاة. واختلف في أنه بعد أن تكلم بما ذكر هل
~~بقي يتكلم كعادة الرجال أو لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان
~~وعده عليه السلام في عداد الذين تكلموا في المهد ثم لم يتكلموا إلى وقت
~~العادة ظاهر في الثاني { آتانى الكتب } الظاهر أنه الإنجيل، وقيل
~~التوراة. وقيل مجموعهما { وجعلنى نبيا }.

### || [19.31]

# { وجعلنى } مع ذلك { مباركا } قال مجاهد نفاعا ومن نفعه إبراء
~~الأكمه والأبرص. وقال سفيان: معلم الخير آمرا بالمعروف ناهيا عن
~~المنكر. وعن الضحاك قاضيا للحوائج، والأول أولى لعمومه، والتعبير بلفظ
~~الماضي في الأفعال الثلاثة إما باعتبار ما في القضاء المحتوم أو بجعل ما
~~في شرف الوقوع لا محالة كالذي وقع. وقيل أكمله الله تعالى عقلا واستنبأه
~~طفلا وروي ذلك عن الحسن. وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس أن عيسى عليه
~~السلام درس الإنجيل وأحكمه في بطن أمه وذلك قوله:

# آتانى الكتب

# [مريم: 30] { أين ما كنت } أي حيثما كنت. وفي «البحر» أن هذا شرط
~~وجزاؤه محذوف تقديره جعلني مباركا وحذف لدلالة ما تقدم عليه، ولا يجوز
~~أن يكون معمولا لجعلني السابق لأن  أين  لا تكون إلا استفهاما أو
~~شرطا والأول لا يجوز هنا فتعين الثاني واسم الشرط لا ينصبه فعل قبله
~~وإنما هو معمول للفعل الذي يليه.

# { وأوصاني بالصلاة والزكاة } أي أمرني بهما أمرا
~~مؤكدا. والظاهر أن المراد بهما ما شرع في البدن والمال على وجه مخصوص.
~~وقيل المراد بالزكاة زكاة الفطر. وقيل المراد بالصلاة الدعاء وبالزكاة
~~تطهير النفس عن الرذائل، ويتعين هذا ms06335 في الزكاة على ما نقل عن ابن عطاء
~~الله وإن كان منظورا فيه من أنه لا زكاة على الأنبياء عليهم السلام لأن
~~الله تعالى نزههم عن الدنيا فما في أيديهم لله تعالى ولذا لا يورثون أو
~~لأن الزكاة / تطهير وكسبهم طاهر. وقيل لا يتعين لأن ذلك أمر له بإيجاب
~~الزكاة على أمته وهو خلاف الظاهر، وإذا قيل بحمل الزكاة على الظاهر
~~فالظاهر أن المراد أوصاني بأداء زكاة المال أن ملكته فلا مانع من أن يشمل
~~التوقيت بقوله سبحانه: { ما دمت حيا } مدة كونه عليه السلام في
~~السماء، ويلتزم القول بوجوب الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام هناك كذا
~~قيل. وأنت تعلم أن الظاهر المتبادر من المدة المذكورة مدة كونه عليه
~~الصلاة والسلام حيا في الدنيا على ما هو المتعارف وذلك لا يشمل مدة كونه
~~عليه السلام في السماء، ونقل ابن عطية أن أهل المدينة وابن كثير وأبا
~~عمرو قرأوا { دمت } بكسر الدال ولم نجد ذلك لغيره نعم قيل إن ذلك لغة.

### || [19.32]

# { وبرا بوالدتى } عطف على

# مباركا

# [مريم: 31] على ما قال الحوفي وأبو البقاء، وتعقبه أبو حيان بأن فيه
~~بعدا للفصل بالجملة ومتعلقها اختار إضمار فعل أي وجعلني بارا بها، قيل
~~هذا كالصريح في أنه عليه السلام لا والد له فهو أظهر الجمل في الإشارة
~~إلى براءتها عليها السلام. وقرىء { برا } بكسر الباء ووجه نصبه نحو ما
~~مر في القراءة المتواترة، وجعل ذاته عليه السلام برا من باب فإنما هي
~~إقبال وإدبار، وجوز أن يكون النصب بفعل في معنى

# أوصاني

# [مريم: 31] أي وألزمني أو وكلفني برا فهو من باب:

# علفتها تبنا وماء باردا

# وأقرب منه على ما في «الكشف» لأنه مثل زيدا مررت به في التناسب وإن لم
~~يكن من بابه. وجوز أن يكون معطوفا على محل { بالصلوة } كما قيل في
~~قراءة { أرجلكم } [المائدة: 6] بالنصب، وقيل إن أوصى قد يتعدى للمفعول
~~الثاني بنفسه كما وقع في البخاري أوصيناك دينا واحدا، والظاهر أن الفعل
~~في مثل ذلك مضمن معنى ما يتعدى بنفسه، ms06336 وحكى الزهراوي وأبو البقاء أنه
~~قرىء { وبر } بكسر الباء والراء وهو معطوف على الصلاة والزكاة قولا
~~واحدا، والتنكير للتفخيم { ولم يجعلنى جبارا شقيا } أي
~~لم يقض علي سبحانه بذلك في علمه الأزلي، وقد كان عليه السلام في غاية
~~التواضع يأكل الشجر ويلبس الشعر ويجلس على التراب ولم يتخذ مسكنا، وكان
~~عليه السلام يقول: سلوني فإني لين القلب صغير في نفسي.

### || [19.33]

# { والسلم على يوم ولدت ويوم أموت ويوم
~~أبعث حيا } تقدم الكلام في وجه تخصيص هذه المواطن بالذكر فتذكر
~~فما في العهد من قدم. والأظهر بل الصحيح أن التعريف للجنس جىء به تعريضا
~~باللعنة على متهمي مريم وأعدائها عليها السلام من اليهود فإنه إذا قال
~~جنس السلام علي خاصة فقد عرض بأن ضده عليكم، ونظيره قوله تعالى:

# والسلم على من اتبع الهدى

# [طه: 47] يعني أن العذاب على من كذب وتولى، وكان المقام مقام مناكرة
~~وعناد فهو مئنة لنحو هذا من التعريض. والقول بأنه لتعريف العهد خلاف
~~الظاهر بل غير صحيح لا لأن المعهود سلام يحيى عليه الصلاة والسلام وعينه
~~لا يكون سلاما لعيسى عليه الصلاة والسلام لجواز أن يكون من قبيل

# هذا الذى رزقنا من قبل

# [البقرة: 25] بل لأن هذا الكلام منقطع عن ذلك وجودا وسردا فيكون
~~معهودا غير سابق لفظا ومعنى على أن المقام يقتضي التعريض ويفوت على ذلك
~~التقدير لأن التقابل إنما ينشأ من اختصاص جميع السلام به عليه كذا في
~~«الكشف» والاكتفاء في العهد به لتصحيحه بذكره في الحكاية لا يخفى حاله /
~~وسلام يحيى عليه السلام قيل لكونه من قول الله تعالى أرجح من هذا السلام
~~لكونه من قول عيسى عليه السلام، وقيل هذا أرجح لما فيه من إقامة الله
~~تعالى إياه في ذلك مقام نفسه مع إفادة اختصاص جميع السلام به عليه السلام
~~فتأمل. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { يوم ولدت } بتاء التأنيث
~~وإسناد الفعل إلى والدته.

### || [19.34]

# { ذلك } إشارة إلى من فصلت نعوته الجليلة. وفيه إشارة إلى علو رتبته
~~وبعد منزلته وامتيازه ms06337 بتلك المناقب الحميدة عن غيره ونزوله منزلة المحسوس
~~المشاهد. وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: { عيسى } وقوله سبحانه: { ابن
~~مريم } صفة عيسى أو خبر بعد خبر أو بدل أو عطف بيان والأكثرون على
~~الصفة. والمراد ذلك هو عيسى ابن مريم لا ما يصفه النصارى وهو تكذيب لهم
~~على الوجه الأبلغ والمنهاج البرهاني حيث جعل موصوفا بأضداد ما يصفونه
~~كالعبودية لخالقه سبحانه المضادة لكونه عليه السلام إلها وابنا لله عز
~~وجل فالحصر مستفاد من فحوى الكلام، وقيل: هو مستفاد من تعريف الطرفين
~~بناء على ما ذكره الكرماني من أن تعريفهما مطلقا يفيد الحصر، وهو على
~~ما فيه مخالف لما ذكره أهل المعاني من أن ذلك مخصوص بتعريف المسند باللام
~~أو بإضافته إلى ما هي فيه ك

# تلك آيات الكتاب

# [يونس: 1] على ما في بعض «شروح الكشاف». وقيل استفادته من التعريف على
~~ما ذكروه أيضا بناء على أن عيسى مؤول بالمعرف باللام أي المسمى بعيسى
~~وهو كما ترى فعليك بالأول.

# { قول الحق } نصب على المدح. والمراد بالحق الله تعالى وبالقول
~~كلمته تعالى، وأطلقت عليه عليه السلام بمعنى أنه خلق بقول كن من غير أب.
~~وقيل: نصب على الحال من عيسى، والمراد بالحق والقول ما سمعت. وقيل: نصب
~~على المصدر أي أقول قول الحق. وقيل: هو مصدر مؤكد لمضمون الجملة منصوب
~~بأحق محذوفا وجوبا. وقال شيخ الإسلام: هو مصدر مؤكد ل

# قال إني عبد الله

# [مريم: 30] الخ وقوله سبحانه: { ذلك عيسى ابن مريم } اعتراض
~~مقرر لمضمون ما قبله وفيه بعد. و { الحق } في الأقوال الثلاثة بمعنى
~~الصدق والإضافة عند جمع بيانية وعند أبي حيان من إضافة الموصوف إلى
~~الصفة.

# وقرأ الجمهور { قول } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو قول الحق
~~الذي لا ريب فيه، والضمير المقدر للكلام السابق أو لتمام القصة. وقيل:
~~صفة لعيسى أو بدل من أو خبر بعد خبر لذلك أو هو الخبر وعيسى بدل أو عطف
~~بيان. والمراد في جميع ذلك كلمة الله تعالى. وقرأ ابن مسعود { قال الحق ms06338
~~}. و(قال الله) برفع { قال } فيهما. وعن الحسن { قول الحق } بضم القاف
~~واللام. والقول والقال والقول بمعنى واحد كالرهب والرهب والرهب. ونص أبو
~~حيان على أنها مصادر. وعن ابن السكيت القال وكذا القيل اسم لا مصدر. وقرأ
~~طلحة والأعمش في رواية { قال الحق } برفع لام { قال } على أنه فعل ماض
~~ورفع { الحق } على الفاعلية، وجعل { ذلك عيسى ابن مريم } على
~~هذا مقول القول أي قال الله تعالى ذلك الموصوف بما ذكر عيسى ابن مريم.

# { الذى فيه يمترون } أي يشكون أو يتنازعون فيقول اليهود: هو
~~ساحر وحاشاه ويقول النصارى: ابن الله سبحان الله عما يقولون. والموصول
~~صفة القول أو الحق أو خبر مبتدأ محذوف أي هو الذي الخ وذلك بحسب اختلاف
~~التفسير والقراءة. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والسلمي وداود بن أبي
~~هند ونافع في رواية والكسائي / كذلك { تمترون } بتاء الخطاب.

### || [19.35]

# { ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحنه } أي ما صح
~~وما استقام له جل شأنه اتخاذ ذلك وهو تكذيب للنصارى وتنزيه له عز وجل عما
~~افتروه عليه تبارك وتعالى وقوله جل وعلا: { إذا قضى أمرا
~~فإنما يقول له كن فيكون } تبكيت له ببيان أن شأنه تعالى
~~شأنه إذا قضى أمرا من الأمور أن يوجد بأسرع وقت فمن يكون هذا شأنه كيف
~~يتوهم أن يكون له ولد وهو من أمارات الاحتياج والنقص. وقرأ ابن عامر {
~~فيكون } بالنصب على الجواب.

### || [19.36]

# وقوله تعالى: { وإن الله ربى وربكم فاعبدوه } عطف
~~على ما قال الواحدي على قوله

# إنى عبد الله

# [مريم: 30] فهو من تمام قول عيسى عليه السلام تقريرا لمعنى العبودية
~~والآيتان معترضتان، ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
~~وقرأ أبي بغير واو. والظاهر أنه على هذا بتقدير القول خطابا لسيد
~~المخاطبين صلى الله عليه وسلم أي قل يا محمد إن الله الخ. وقرأ الحرميان
~~وأبو عمرو { وأن } بالواو وفتح الهمزة. وخرجه الزمخشري على حذف حرف الجر
~~وتعلقه باعبدوه أي ولأنه تعالى ربي وربكم فاعبدوه وهو كقوله ms06339 تعالى:

# وأن المسجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا

# [الجن: 18] وهو قول الخليل وسيبويه. وأجاز الفراء أن يكون أن وما بعدها
~~في تأويل مصدر عطفا على

# الزكوة

# [مريم: 31] أي وأوصاني بالصلاة والزكاة وبأن الله ربي وربكم الخ. وأجاز
~~الكسائي أن يكون ذلك خبر مبتدأ محذوف أي والأمر أن الله ربي وربكم. وحكى
~~أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء أنه عطف على { أمرا } من قوله تعالى:

# إذا قضى أمرا

# [مريم: 35] أي إذ قضى أمرا وقضى أن الله ربي وربكم وهو تخبيط في
~~الإعراب فلعله لا يصح عن أبي عمرو فإنه من الجلالة في علم النحو بمكان،
~~وقيل: إنه عطف على

# الكتاب

# [مريم: 30] وأكثر الأقوال كما ترى. وفي حرف أبي رضي الله تعالى عنه
~~أيضا { وبأن } بالواو وباء الجر وخرجه بعضهم بالعطف على الصلاة أو
~~الزكاة وبعضهم بأنه متعلق باعبدوه أي بسبب ذلك فاعبدوه، والخطاب إما
~~لمعاصري عيسى عليه السلام وإما لمعاصري نبينا صلى الله عليه وسلم {
~~هذا } أي ما ذكر من التوحيد { صرط مستقيم } لا يضل سالكه.

### || [19.37]

# وقوله تعالى: { فاختلف الأحزاب من بينهم } لترتيب ما
~~بعدها على ما قبلها تنبيها على سوء صنيعهم بجعلهم ما يوجب الاتفاق منشأ
~~للاختلاف فإن ما حكى من مقالات عيسى عليه السلام مع كونها نصوصا قاطعة
~~في كونه عبد الله تعالى ورسوله قد اختلف اليهود والنصارى بالتفريط
~~والإفراط فالمراد بالأحزاب اليهود والنصارى وهو المروي عن الكلبي، ومعنى
~~{ من بينهم } أن الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا هم المختلفين، و
~~بين ظرف استعمل اسما بدخول من عليه. ونقل في «البحر» القول بزيادة من.
~~وحكى أيضا القول بأن البين هنا بمعنى البعد أي اختلفوا فيه لبعدهم عن
~~الحق فتكون سببية ولا يخفى بعده، وقيل: المراد بالأحزاب فرق النصارى
~~فإنهم اختلفوا بعد رفعه عليه السلام فيه فقال نسطور هو ابن الله تعالى عن
~~ذلك أظهره ثم رفعه، وقال يعقوب: هو الله تعالى هبط ثم صعد وقال ملكا: هو
~~عبد الله تعالى ونبيه، وفي «الملل والنحل» ((أن الملكانية ms06340 قالوا: إن
~~الكلمة يعني أقنوم العلم اتحدت بالمسيح عليه السلام وتدرعت بناسوته. وقال
~~أيضا: إن المسيح عليه السلام ناسوت كلي لا جزئي وهو قديم [أزلي من قديم
~~أزلي] وقد ولدت مريم إلها (قديما) أزليا / والقتل والصلب وقع على
~~الناسوت واللاهوت معا))، وقد قدمنا من أمر النصارى ما فيه كفاية
~~فليتذكر.

# وقيل المراد بهم المسلمون واليهود والنصارى. وعن الحسن أنهم الذين
~~تحزبوا على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لما قص عليهم قصة عيسى عليه
~~السلام اختلفوا فيه من بين الناس، قيل: إنهم مطلق الكفار فيشمل اليهود
~~والنصارى والمشركين الذين كانوا في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم وغيرهم؛
~~ورجحه الإمام بأنه لا مخصص فيه، ورجح القول بأنهم أهل الكتاب بأن ذكر
~~الاختلاف عقيب قصة عيسى عليه السلام يقتضي ذلك، ويؤيده قوله تعالى: {
~~فويل للذين كفروا } فالمراد بهم الأحزاب المختلفون، وعبر
~~عنهم بذلك إيذانا بكفرهم جميعا وإشعارا بعلة الحكم، وإذا قيل بدخول
~~المسلمين أو الملكانية وقيل: إنهم قالوا بأنه عليه السلام عبد الله ونبيه
~~في الأحزاب، فالمراد من (الذين كفروا) بعض الأحزاب أي فويل للذين كفروا
~~منهم { من مشهد يوم عظيم } أي من مشهود يوم عظيم الهول
~~والحساب والجزاء وهو يوم القيامة أو من وقت شهوده أو مكان الشهود فيه أو
~~من شهادة ذلك اليوم عليهم وهو أن تشهد الملائكة والأنبياء عليهم السلام
~~عليهم وألسنتهم وسائر جوارحهم بالكفر والفسوق أو من وقت الشهادة أو من
~~مكانها. وقيل: هو ما شهدوا به في حق عيسى عليه السلام وأمه وعظمه لعظم ما
~~فيه أيضا كقوله تعالى:

# كبرت كلمة تخرج من أفواههم

# [الكهف: 5]. وقيل هو يوم قتل المؤمنين حين اختلف الأحزاب وهو كما ترى.
~~والحق أن المراد بذلك اليوم يوم القيامة.

### || [19.38]

# { أسمع بهم وأبصر } تعجيب من حدة سمعهم وأبصارهم يومئذ.
~~ومعناه أن أسماعهم وأبصارهم { يوم يأتوننا } للحساب والجزاء أي
~~يوم القيامة جدير بأن يتعجب منهما بعد أن كانوا في الدنيا صما وعميا.
~~وروي ذلك عن الحسن وقتادة وقال علي بن عيسى: هو وعيد وتهديد أي ms06341 سوف
~~يسمعون ما يخلع قلوبهم ويبصرون ما يسود وجوههم. وعن أبي العالية أنه أمر
~~حقيقة للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يسمعهم ويبصرهم مواعيد ذلك اليوم
~~وما يحيق بهم فيه. والجار والمجرور على الأولين في موضع الرفع على القول
~~المشهور. وعلى الأخير في محل نصب لأن { أسمع } أمر حقيقي وفاعله
~~مستتر وجوبا. وقيل: في التعجب أيضا إنه كذلك. والفاعل ضمير المصدر {
~~لكن الظلمون اليوم } أي في الدنيا { فى ضلل
~~مبين } لا يدرك غايته حيث أغفلوا الاستماع والنظر بالكلية. ووضع
~~الظالمين موضع الضمير للإيذان بأنهم في ذلك ظالمون لأنفسهم. والاستدراك
~~على ما نقل عن أبي العالية يتعلق بقوله تعالى:

# فويل للذين كفروا

# [مريم: 37]

### || [19.39]

# { وأنذرهم } أي الظالمين على ما هو الظاهر. وقال أبو حيان: الضمير
~~لجميع الناس أي خوفهم { يوم الحسرة } يوم يتحسر الظالمون على ما
~~فرطوا في جنب الله تعالى. وقيل: الناس قاطبة، وتحسر المحسنين على قلة
~~إحسانهم { إذ قضي الأمر } أي فرغ من الحساب وذهب أهل الجنة إلى
~~الجنة وأهل النار إلى النار وذبح الموت ونودي كل من الفريقين بالخلود.
~~وعن السدي وابن جريج الاقتصار على ذبح الموت، وكان ذلك لما روى الشيخان
~~والترمذي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد يا أهل الجنة فيشرئبون
~~وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد / رأوه،
~~ثم ينادي مناد يا أهل النار فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟
~~فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رأوه فيذبح بين الجنة والنار ثم يقول:
~~يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ: وأنذرهم "

# الآية. وفي رواية عن ابن مسعود أن يوم الحسرة حين يرى الكفار مقاعدهم من
~~الجنة لو كانوا مؤمنين، وقيل: حين يقال لهم وهم في النار

# اخسئوا فيها ولا تكلمون

# [المؤمنون: 108] وقيل: حين يقال

# امتازوا اليوم أيها المجرمون

# [يس: 59].

# وقال الضحاك: ذلك إذا برزت جهنم ورمت بالشرر، وقيل: المراد بذلك يوم
~~القيامة ms06342 مطلقا، وروي ذلك عن ابن زيد وفيه حسرات في مواطن عديدة، ومن هنا
~~قيل: المراد بالحسرة جنسها فيشمل ذلك حسرتهم فيما ذكر وحسرتهم عند أخذ
~~الكتب بالشمائل وغير ذلك والمراد بقضاء الأمر الفراغ من أمر الدنيا
~~بالكلية ويعتبر وقت ذلك ممتدا، وقيل: المراد بيوم الحسرة يوم القيامة
~~كما روي عن ابن زيد إلا أن المراد بقضاء الأمر الفراغ مما يوجب الحسرة،
~~وجوز ابن عطية أن يراد بيوم الحسرة ما يعم يوم الموت. وأنت تعلم أن ظاهر
~~الحديث السابق وكذا غيره كما لا يخفى على المتتبع قاض بأن يوم الحسرة يوم
~~يذبح الموت وينادي بالخلود. ولعل التخصيص لما أن الحسرة يومئذ أعظم
~~الحسرات لأنه هناك تنقطع الآمال وينسد باب الخلاص من الأهوال. ومن غريب
~~ما قيل: إن المراد بقضاء الأمر سد باب التوبة حين تطلع الشمس من مغربها
~~وليس بشيء، و { إذ } على سائر الأقوال بدل من { يوم } أو متعلق
~~بالحسرة والمصدر المعرف يعمل بالمفعول الصريح عند بعضهم فكيف بالظرف.

# وقوله تعالى: { وهم فى غفلة وهم لا يؤمنون } قال
~~الزمخشري: متعلق بقوله تعالى شأنه: { فى ضلل مبين } [مريم: 38]
~~عن الحسن، ووجه ذلك بأن الجملتين في موضع الحال من الضمير المستتر في
~~الجار والمجرور أي مستقرون في ذلك وهم في تينك الحالتين، واستظهر في
~~«الكشف» العطف على قوله تعالى:

# الظلمون اليوم فى ضلل مبين

# [مريم: 38] أي هم في ضلال وهم في غفلة؛ وعلى الوجهين تكون جملة {
~~أنذرهم } معترضة والواو اعتراضية، ووجه الاعتراض أن الإنذار مؤكد ما
~~هم فيه من الغفلة والضلال، وجوز أن يكون ذلك متعلقا بأنذرهم على أنه حال
~~من المفعول أي أنذرهم غافلين غير مؤمنين. وتعقب بأنه لا يلائم قوله
~~تعالى:

# إنما أنت منذر من يخشها

# [النازعات: 45] وقال في «الكشف»: إنه غير وارد لأن ذلك بالنسبة إلى
~~النفع وهذا بالنسبة إلى تنبيه الغافل لبيان أن النفع في الآخرة وهذه
~~وظيفة الأنبياء عليهم السلام عن آخرهم، ثم لو سلم لا مناقضة كما في قوله
~~تعالى:

# وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين

# [الذاريات: ms06343 55] كيف وقد تكرر هذا المعنى في القرآن إلى قوله تعالى: {
~~لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم فهم غفلون } [يس:
~~6] وأما إن قوله سبحانه: { وهم لا يؤمنون } نفي مؤكد يشتمل على
~~الماضية والآتية فلا يسلم لو جعل حالا ولو سلم فقد علم جوابه مما سبق
~~وما على الرسول إلا البلاغ. نعم لا نمنع أن الوجه الأول أرجح وأشد طباقا
~~للمقام، وحاصل المعنى على الأخير أنذرهم لأنهم في حالة يحتاجون فيها
~~للإنذار.

### || [19.40]

# { إنا نحن نرث الأرض ومن عليها } لا يبقى لأحد غيره
~~تعالى ملك ولا ملك فيكون كل ذلك له تعالى استقلالا ظاهرا وباطنا دون
~~ما سواه وينتقل إليه سبحانه انتقال الموروث من المورث إلى الوارث، وهذا
~~كقوله تعالى:

# لمن الملك اليوم لله الوحد القهار

# [غافر: 16] أو نتوفى الأرض ومن عليها / بالإفناء والإهلاك توفي الوارث
~~لإرثه واستيفائه إياه { وإلينا يرجعون } أي يردون إلى الجزاء
~~لا إلى غيرنا استقلالا أو اشتراكا. وقرأ الأعرج { ترجعون } بالتاء
~~الفوقية. وقرأ السلمي وابن أبي إسحاق وعيسى بالياء التحتية مبنيا
~~للفاعل، وحكى عنهم الداني أنهم قرؤا بالتاء الفوقية والله تعالى أعلم.

# ومن باب الإشارة في الآيات:

# كهيعص

# [مريم: 1] هو وأمثاله على الصحيح سر من أسرار الله تعالى، وقيل في وجه
~~افتتاح هذه السورة به: إن الكاف إشارة إلى الكافي الذي اقتضاه حال ضعف
~~زكريا عليه السلام وشيخوخته وعجزه، والهاء إشارة إلى الهادي الذي اقتضاه
~~عنايته سبحانه به وإراءة مطلوبه له، والياء إشارة إلى الواقي الذي اقتضاه
~~حال خوفه من الموالي، والعين إشارة إلى العالم الذي اقتضاه إظهاره لعدم
~~الأسباب، والصاد إشارة إلى الصادق الذي اقتضاه الوعد، والإشارة في
~~القصتين إجمالا إلى أن الله تعالى شأنه يهب بسؤال وغير سؤال. وطبق بعض
~~أهل التأويل ما فيهما على ما في الأنفس فتكلفوا وتعسفوا. وفي نذر الصوم
~~والمراد به الصمت إشارة إلى ترك الانتصار للنفس فكأنه قيل لها عليها
~~السلام: اسكتي ولا تنتصري فإن في كلامك وانتصارك لنفسك مشقة عليك وفي
~~سكوتك أظهار ما لنا فيك من القدرة فلزمت الصمت فلما ms06344 علم الله سبحانه صدق
~~انقطاعها إليه أنطق جل وعلا عيسى عليه السلام ببراءتها، وذكر أنه عليه
~~السلام طوى كل وصف جميل في مطاوي قوله:

# إنى عبد الله

# [مريم: 30] وذلك لما قلوا من أنه لا يدعى أحد بعبد الله إلا إذا صار
~~مظهرا لجميع الصفات الإلهية المشير إليها الاسم الجليل، وجعل على هذا
~~قوله:

# آتانى الكتب

# [مريم: 30] الخ كالتعليل لهذه الدعوى. وذكروا أن العبد مضافا إلى ضميره
~~تعالى أبلغ مدحا مما ذكر وأن صاحب ذلك المقام هو نبينا صلى الله عليه
~~وسلم، وكأن مرادهم أن العبد مضافا إلى ضميره سبحانه كذلك إذا لم يقرن
~~بعلم ك

# عبده زكريآ

# [مريم: 2] وإلا فدعوى الاختصاص لا تتم فليتدبر. وذكر ابن عطاء في قوله
~~تعالى:

# ولم يجعلنى جبارا شقيا

# [مريم: 32] أن الجبار الذي لا ينصح والشقي الذي لا ينتصح نعوذ بالله
~~سبحانه من أن يجعلنا كذلك.

### || [19.41]

# { واذكر } عطف على

# أنذرهم

# [مريم: 39] عند أبي السعود، وقيل: على

# اذكر

# [مريم: 16] السابق، ولعله الظاهر { فى الكتب } أي هذه السورة أو
~~في القرآن { إبراهيم } أي اتل على الناس قصته كقوله تعالى:

# واتل عليهم نبأ إبرهيم

# [الشعراء: 69] وإلا فذاكر ذلك في الكتاب هو الله تعالى كما في «الكشاف»،
~~وفيه أنه عليه الصلاة والسلام لكونه الناطق عنه تعالى ومبلغ أوامره
~~ونواهيه وأعظم مظاهره سبحانه ومجاليه كأنه الذاكر في الكتاب ما ذكره ربه
~~جل وعلا ومناسبة هذه الآية لما قبلها اشتمالها على تضليل من نسب الألوهية
~~إلى الجماد اشتمال ما قبلها على ما أشار إلى تضليل من نسبها إلى الحي
~~والفريقان وإن اشتركا في الضلال إلا أن الفريق الثاني أضل. ويقال على
~~القول الأول في العطف: إن المراد أنذرهم ذلك واذكر لهم قصة إبراهيم عليه
~~السلام فإنهم ينتمون إليه صلى الله عليه وسلم فعساهم باستماع قصته يقلعون
~~عما هم فيه من القبائح.

# { إنه كان صديقا } أي ملازم الصدق لم يكذب قط { نبيا }
~~استنبأه الله تعالى وهو خبر آخر لكان مقيد للأول مخصص له أي كان جامعا
~~بين الوصفين. ولعل هذا الترتيب ms06345 للمبالغة في الاحتراز عن توهم تخصيص
~~الصديقية بالنبوة فإن كل نبي صديق، وقيل: الصديق من صدق بقوله واعتقاده
~~وحقق صدقه بفعله، وفي «الكشاف» الصديق من أبنية المبالغة والمراد فرط /
~~صدقه وكثرة ما صدق به من غيوب الله تعالى وآياته وكتبه ورسله وكان
~~الرجحان والغلبة في هذا التصديق للكتب والرسل أي كان مصدقا بجميع
~~الأنبياء وكتبهم وكان نبيا في نفسه كقوله تعالى:

# بل جاء بالحق وصدق المرسلين

# [الصافات: 37] أو كان بليغا في الصدق لأن ملاك أمر النبوة الصدق ومصدق
~~الله تعالى بآياته ومعجزاته حري أن يكون كذلك انتهى. وفيه إشارة إلى أن
~~المبالغة تحتمل أن تكون باعتبار الكم وأن تكون باعتبار الكيف ولك أن تريد
~~الأمرين لكون المقام مقام المدح والمبالغة، وقد ألم بذلك الراغب، وأما أن
~~التكثير باعتبار المفعول كما في قطعت الحبال فقد عده في «الكشف» من
~~الأغلاط فتأمل، واستظهر أنه من الصدق لا من التصديق، وأيد بأنه قرىء {
~~انه كان صدقا } وبأنه قلما يوجد فعيل من مفعل والكثير من فاعل، وفسر
~~بعضهم النبي هنا برفيع القدر عند الله تعالى وعند الناس. والجملة
~~استئناف مسوق لتعليل موجب الأمر فإن وصفه عليه السلام بذلك من دواعي ذكره
~~وهي على ما قيل اعتراض بين المبدل منه وهو { إبرهيم } والبدل وهو {
~~إذ } في قوله تعالى: { إذ قال... }.

### || [19.42]

# { إذ قال } وتعقبه صاحب «الفرائد» بأن الاعتراض بين البدل والمبدل
~~منه بدون الواو بعيد عن الطبع، وفيه منع ظاهر، وفي «البحر» أن بدلية {
~~إذ } من

# إبرهيم

# [مريم: 41] تقتضي تصرفها والأصح أنها لا تتصرف وفيه بحث، وقيل: إذ ظرف
~~لكان وهو مبني على أن كان الناقصة وأخواتها تعمل في الظروف وهي مسألة
~~خلافية، وقيل: ظرف ل

# نبيا

# [مريم: 41] أي منبىء في وقت قوله: { لأبيه } وتعقب بأنه يقتضي أن
~~الاستنباء كان في ذلك الوقت، وقيل: ظرف ل

# صديقا

# [مريم: 41]، وفي «البحر» لا يجوز ذلك لأنه قد نعت الإ على رأى الكوفيين،
~~وفيه أن { نبيا } خبر كما ذكرنا لا نعت، نعم تقييد الصديقية بذلك
~~الوقت لا يخلو ms06346 عن شيء. وقيل ظرف

# صديقا نبيا

# [مريم: 41] وظاهره أنه معمول لهما معا، وفيه أن توارد عاملين على معمول
~~واحد غير جائز على الصحيح، والقول بأنهما جعلا بتأويل اسم واحد كتأويل
~~حلو حامض بمز أي جامعا لخصائص الصديقين والأنبياء عليهم السلام حين خاطب
~~أباه لا يخفى ما فيه، والذي يقتضيه السياق ويشهد به الذوق البدلية وهو
~~بدل اشتمال، وتعليق الذكر بالأوقات مع أن المقصود تذكير ما وقع فيها من
~~الحوادث قد مر سره مرارا فتذكر.

# { يا أبت } أي يا أبي فإن التاء عوض من ياء الإضافة ولذلك لا يجمع
~~بينهما إلا شذوذا كقوله: يا أبتي أرقني القذان، والجمع في يا أبتا قيل
~~بين عوضين وهو جائز كجمع صاحب الجبيرة بين المسح والتيمم وهما عوضان عن
~~الغسل وقيل المجموع فيه عوض، وقيل: الألف للإشباع وأنت تعلم حال العلل
~~النحوية. وقرأ ابن عامر والأعرج وأبو جعفر { يا أبت } بفتح التاء، وزعم
~~هارون أن ذلك لحن والحق خلافه وفي مصحف عبد الله { واأبت } بوا بدل يا
~~والنداء بها في غير الندبة قليل، وناداه عليه السلام بذلك استعطافا له.
~~وأخرج أبو نعيم والديلمي عن أنس مرفوعا «حق الوالد على ولده أن لا يسميه
~~إلا بما سمى إبراهيم عليه السلام به أباه يا أبت ولا يسميه باسمه»،
~~وهذا ظاهر في أنه كان أباه حقيقة، وصحح جمع أنه كان عمه وإطلاق الأب عليه
~~مجاز.

# { لم تعبد ما لا يسمع } ثناءك عليك عند عبادتك له وجؤارك
~~إليه { ولا يبصر } خضوعك وخشوعك بين يديه أو لا يسمع ولا يبصر
~~شيئا من المسموعات والمبصرات فيدخل في ذلك ما ذكر دخولا أوليا، وما
~~موصولة وجوزوا أن تكون نكرة موصوفة { ولا يغني } أي لا يقدر على أن
~~يغني { عنك شيئا } / من الأشياء أو شيئا من الإغناء فهو نصب على
~~المفعولية أو المصدرية. ولقد سلك عليه السلام في دعوته أحسن منهاج واحتج
~~عليه أبدع احتجاج بحسن أدب وخلق ليس له من هاج لئلا يركب متن المكابرة
~~والعناد ولا ينكب بالكلية عن سبيل الرشاد ms06347 حيث طلب منه علة عبادته لما
~~يستخف به عقل كل عاقل من عالم وجاهل ويأبى الركون إليه فضلا عن عبادته
~~التي هي الغاية القاصية من التعظيم مع أنها لا تحق إلا لمن له الاستغناء
~~التام والإنعام العام الخالق الرازق المحيي المميت المثيب المعاقب ونبه
~~على أن العاقل يجب أن يفعل كل ما يفعل لداعية صحيحة وغرض صحيح والشيء لو
~~كان حيا مميزا سميعا بصيرا قادرا على النفع والضر لكن كان ممكنا
~~لاستنكف ذو العقل السليم عن عبادته وإن كان أشرف الخلائق لما يراه مثله
~~في الحاجة والانقياد للقدرة القاهرة الواجبية فما ظنك بجماد مصنوع ليس له
~~من أوصاف الأحياء عين ولا أثر.

# ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه إلى الحق المبين لما أنه لم يكن محظوظا من
~~العلم الإلهي مستقلا بالنظر السوي مصدرا لدعوته بما مر من الاستعطاف
~~حيث قال: { يأبت إنى قد جاءنى... }.

### || [19.43]

# { يأبت إنى قد جاءنى من العلم ما لم يأتك } ولم
~~يسم أباه بالجهل المفرط وإن كان في أقصاه ولا نفسه بالعلم الفائق وإن كان
~~كذلك بل أبرز نفسه في صورة رفيق له يكون أعرف بأحوال ما سلكاه من الطريق
~~فاستماله برفق حيث قال: { فاتبعنى أهدك صراطا سويا } أي
~~مستقيما موصلا إلى أسنى المطالب منجيا عن الضلال المؤدي إلى مهاوي
~~الردى والمعاطب. وقوله: { جاءني } ظاهر في أن هذه المحاورة كانت بعد أن
~~نبىء عليه السلام، والذي جاءه قيل العلم بما يجب لله تعالى وما يمتنع في
~~حقه وما يجوز على أتم وجه وأكمله. وقيل: العلم بأمور الآخرة وثوابها
~~وعقابها. وقيل: العلم بما يعم ذلك. ثم ثبطه عما هو عليه بتصويره بصورة
~~يستنكرها كل عاقل ببيان أنه مع عرائه عن النفع بالمرة مستجلب لضرر عظيم
~~فإنه في الحقيقة عبادة الشيطان لما أنه الآمر به فقال: { يأبت لا
~~تعبد الشيطن... }.

### || [19.44]

# { يأبت لا تعبد الشيطن } فإن عبادتك الأصنام عبادة له
~~إذ هو الذي يسولها لك ويغريك عليها. وقوله: { إن الشيطن كان
~~للرحمن عصيا } تعليل لموجب النهي وتأكيد له ms06348 ببيان أنه مستعص
~~على من شملتك رحمته وعمتك نعمته. ولا ريب في أن المطيع للعاصي عاص وكل من
~~هو عاص حقيق بأن تسترد منه النعم وينتقم منه، وللإشارة إلى هذا المعنى
~~جيء بالرحمن. وفيه أيضا إشارة إلى كمال شناعة عصيانه. وفي الاقتصار على
~~ذكر عصيانه من بين سائر جناياته لأنه ملاكها أو لأنه نتيجة معاداته لآدم
~~عليه السلام فتذكيره داع لأبيه عن الاحتراز عن موالاته وطاعته، والإظهار
~~في موضع الإضمار لزيادة التقرير.

### || [19.45]

# وقوله: { يأبت إنى أخاف أن يمسك عذاب من
~~الرحمن } تحذير من سوء عاقبة ما هو فيه من عبادة الأصنام والخوف
~~كما قال الراغب توقع المكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة فهو غير مقطوع
~~فيه بما يخاف. ومن هنا قيل: إن في اختياره مجاملة. وحمله الفراء والطبري
~~على العلم وليس بذاك. وتنوين { عذاب } على ما اختاره السعد في «المطول»
~~يحتمل التعظيم والتقليل أي عذاب هائل أو أدنى شيء منه وقال لا دلالة للفظ
~~المس وإضافة العذاب إلى الرحمن على ترجيح الثاني كما ذكره بعضهم لقوله
~~تعالى:

# لمسكم فى ما أفضتم فيه عذاب عظيم

# [النور: 14] ولأن العقوبة من الكريم الحليم أشد اه.

# / واختار أبو السعود أنه للتعظيم، وقال: كلمة من متعلقة بمضمر وقع صفة
~~للعذاب مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية،
~~وإظهار الرحمن للإشعار بأن وصف الرحمانية لا يدفع حلول العذاب كما في
~~قوله عز وجل:

# ما غرك بربك الكريم

# [الانفطار: 6] انتهى، وفي «الكشف» أن الحمل على التفخيم في { عذاب }
~~كما جوزه صاحب «المفتاح» مما يأباه المقام أي لأنه مقام إظهار مزيد
~~الشفقة ومراعاة الأدب وحسن المعاملة وإنما قال { من الرحمن }
~~لقوله أولا

# كان للرحمن عصيا

# [مريم: 44] وللدلالة على أنه ليس على وجه الانتقام بل ذلك أيضا رحمة من
~~الله تعالى على عباده وتنبيه على سبق الرحمة الغضب وأن الرحمانية لا
~~تنافي العذاب بل الرحيميه على ما عليه الصوفية فقد قال المحقق القونوي في
~~«تفسير الفاتحة»: الرحيم كما بينا لأهل اليمين والجمال والرحمن الجامع
~~بين اللطف ms06349 والقهر لأهل القضية الأخرى والجلال إلى آخر ما قال.

# وأيد الحمل على التفخيم بقوله: { فتكون للشيطن وليا }
~~أي قرينا تليه ويليك في العذاب فإن الولاية للشيطان بهذا المعنى إنما
~~تترتب على مس العذاب العظيم. وأجيب عن كون المقام مقام إظهار مزيد الشفقة
~~وهو يأبى ذلك بأن القسوة أحيانا من الشفقة أيضا كما قيل:

# فقسا ليزدجروا ومن يك حازما

# فليقس أحيانا على من يرحم

# وقد تقدم هذا مع أبيات أخر بهذا المعنى، ويكفي في مراعاة الأدب
~~والمجاملة عدم الجزم باللحوق. والمس وإن كان مشعرا بالقلة عند الجلة لكن
~~قالوا: إن الكثرة والعظمة باعتبار ما يلزمه ويتبعه لا بالنظر إليه في
~~نفسه فإنه غير مقصود بالذات وإنما هو كالذوق مقدمة للمقصود فيصح وصفه بكل
~~من الأمرين باعتبارين. وكأني بك تختار التفخيم لأنه أنسب بالتخويف وتدعي
~~أنه ههنا من معدن الشفقة فتدبر وجوز أن يكون { فتكون } الخ مترتبا
~~على مس العذاب القليل والولي من الموالاة وهي المتابعة والمصادقة.
~~والمراد تفريع الثبات على حكم تلك الموالاة وبقاء آثارها من سخط الله
~~تعالى وغضبه، ولا مانع من أن يتفرع من قليل أمر عظيم. ثم الظاهر أن
~~المراد بالعذاب عذاب الآخرة وتأوله بعضهم بعذاب الدنيا وأراد به الخذلان
~~أو شيئا آخر مما أصاب الكفرة في الدنيا من أنواع البلاء وليس بذاك، وزعم
~~بعضهم أن في الكلام تقديما وتأخيرا والأصل إني أخاف أن تكون وليا
~~للشيطان أي تابعا له في الدنيا فيمسك عذاب من الرحمن أي في العقبى وكأنه
~~أشكل عليه أمر التفريع فاضطر لما ذكر وقد أغناك الله تعالى عن ذلك بما
~~ذكرنا.

### || [19.46]

# { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل فماذا قال
~~أبوه عندما سمع منه عليه السلام هذه النصائح الواجبة القبول؟ فقيل قال
~~مصرا على عناده مقابلا الاستعطاف واللطف بالفظاظة والغلظة: { أراغب
~~أنت عن آلهتي يإبراهيم } اختار الزمخشري كون { راغب } خبرا
~~مقدما و { أنت } مبتدأ وفيه توجيه الإنكار إلى نفس الرغبة مع ضرب من
~~التعجيب. وذهب أبو البقاء وابن مالك ms06350 وغيرهما إلى أن { أنت } فاعل الصفة
~~لتقدم الاستفهام وهو مغن عن الخبر وذلك لئلا يلزم الفصل بين { أراغب
~~} ومعموله وهو { عن آلهتي } بأجنبي هو المبتدأ وأجيب بأن { عن }
~~متعلق بمقدر بعد { أنت } يدل عليه { أراغب }.

# وقال «صاحب الكشف»: المبتدأ ليس أجنبيا من كل وجه لا سيما والمفصول ظرف
~~والمقدم في نية التأخير والبليغ يلتفت لفت المعنى بعد أن كان لما يرتكبه
~~وجه مساغ في العربية وإن كان مرجوحا. ولعل سلوك هذا الأسلوب قريب من
~~ترجيح الاستحسان لقوة أثره على القياس، ولا خفاء أن زيادة الإنكار إنما
~~نشأ من تقديم الخبر كأنه قيل أراغب أنت عنها لا طالب لها راغب فيها
~~منبها له على الخطأ في صدوفه ذلك ولو قيل: أترغب لم يكن / من هذا الباب
~~في شيء انتهى، ورجح أبو حيان إعراب أبي البقاء ومن معه بعدم لزوم الفصل
~~فيه وبسلامة الكلام عليه عن خلاف الأصل في التقديم والتأخير، وتوقف البدر
~~الدماميني في جواز ابتدائية المؤخر في مثل هذا التركيب وإن خلا عن فصل أو
~~محذور آخر كما في أطالع الشمس وذلك نحو أقائم زيد للزوم التباس المبتدأ
~~بالفاعل كما في ضرب زيد فإنه لا يجوز فيه ابتدائية زيد. وأجاب الشمني بأن
~~زيدا في الأول يحتمل أمرين كل منهما بخلاف الأصل وذلك إجمال لا لبس
~~بخلافه في الثاني فتأمل.

# { لئن لم تنته لأرجمنك } تهديد وتحذير عما كان عليه من
~~العظة والتذكير أي والله لئن لم تنته عما أنت عليه من النهي عن عبادتها
~~والدعوة إلى ما دعوتني إليه لأرجمنك بالحجارة على ما روي عن الحسن، وقيل:
~~باللسان والمراد لأشتمنك وروي ذلك عن ابن عباس وعن السدي والضحاك وابن
~~جريج، وقدر بعضهم متعلق النهي الرغبة عن الآلهة أي لئن لم تنته عن الرغبة
~~عن آلهتي لأرجمنك وليس بذاك.

# { واهجرنى } عطف على محذوف يدل عليه التهديد أي فاحذرني واتركني
~~وإلى ذلك ذهب الزمخشري. ولعل الداعي لذلك وعدم اعتبار العطف على المذكور
~~أنه لا يصح أو لا يحسن التخالف بين المتعاطفين إنشائية وإخبارية، ms06351 وجواب
~~القسم غير الاستعطافي لا يكون إنشاء وليست الفاء في فاحذرني عاطفة حتى
~~يعود المحذور.

# ومن الناس من عطف على الجملة السابقة بناء على تجويز سيبويه العطف مع
~~التخالف في الإخبار والإنشاء والتقدير أوقع في النفس { مليا } أي
~~دهرا طويلا عن الحسن ومجاهد وجماعة، وقال السدي: أبدا وكأنه المراد،
~~وأصله على ما قيل من الإملاء أي الإمداد وكذا الملاوة بتثليث الميم وهي
~~بمعناه ومن ذلك الملوان الليل والنهار ونصبه على الظرفية كما في قول
~~مهلهل:

# فتصدعت صم الجبال لموته

# وبكت عليه المرملات مليا

# وأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس أنه فسره بطويلا ولم يذكر الموصوف فقيل
~~هو نصب على المصدرية أي هجرا مليا، وفي رواية أخرى عن ابن عباس أن
~~المعنى سالما سويا والمراد قادرا على الهجر مطيقا له وهو حينئذ حال
~~من فاعل { اهجرني } أي اهجرني مليا بالهجران والذهاب عني قبل أن أثخنك
~~بالضرب حتى لا تقدر أن تبرح، وكأنه على هذا من تملى بكذا تمتع به ملاوة
~~من الدهر.

### || [19.47]

# { قال } استئناف كما سلف { سلم عليك } توديع ومتاركة على
~~طريقة مقابلة السيئة بالحسنة فإن ترك الإساءة للمسيء إحسان أي لا أصيبك
~~بمكروه بعد ولا أشافهك بما يؤذيك، وهو نظير ما في قوله تعالى:

# لنا أعملنا ولكم أعملكم سلم عليكم لا
~~نبتغى الجهلين

# [القصص: 55] في قوله، وقيل: هو تحية مفارق، وجوز قائل هذا تحية الكافر
~~وأن يبدأ بالسلام المشروع وهو مذهب سفيان بن عيينة مستدلا بقوله تعالى:

# لا ينهكم الله عن الذين لم يقتلوكم

# [الممتحنة: 8] الآية، وقوله سبحانه:

# قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبرهيم

# [الممتحنة: 4] الآية، وما استدل به متأول وهو محجوج بما ثبت في «صحيح
~~مسلم»:

# " لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام "

# وقرىء { سلاما } بالنصب على المصدرية والرفع على الابتداء.

# { سأستغفر لك ربي } أي أستدعيه سبحانه أن يغفر لك بأن يوفقك
~~للتوبة ويهديك إلى الإيمان كما يلوح به تعليل قوله: { واغفر لأبى
~~} بقوله:

# إنه كان من الضالين

# [الشعراء: 86] كذا قيل فيكون استغفاره في قوة قوله: ربي اهده إلى ms06352
~~الإيمان وأخرجه من الضلال. / والاستغفار بهذا المعنى للكافر قبل تبين
~~تحتم أنه يموت على الكفر مما لا ريب في جوازه كما أنه لا ريب في عدم
~~جوازه عند تبين ذلك لما فيه من طلب المحال فإن ما أخبر الله تعالى بعدم
~~وقوعه محال وقوعه ولهذا تبين له عليه السلام بالوحي على أحد القولين
~~المذكورين في سورة التوبة [114] أنه لا يؤمن تركه أشد الترك فالوعد
~~والإنجاز كانا قبل التبين وبذلك فارق استغفاره عليه السلام لأبيه استغفار
~~المؤمنين لأولي قرابتهم من المشركين لأنه كان بعد التبين ولذا لم يؤذنوا
~~بالتأسي به عليه السلام في الاستغفار، قال العلامة الطيبي: إنه تعالى
~~بين للمؤمنين أن أولئك أعداء الله تعالى بقوله سبحانه:

# لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون
~~إليهم بالمودة

# [الممتحنة: 1] وأن لا مجال لإظهار المودة بوجه ما ثم بالغ جل شأنه في
~~تفصيل عداوتهم بقوله عز وجل:

# إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم
~~أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون

# [الممتحنة: 2] ثم حرضهم تعالى على قطيعة الأرحام بقوله سبحانه

# لن تنفعكم أرحمكم ولا أولدكم يوم
~~القيمة

# [الممتحنة: 3] ثم سلاهم عز وجل بالتأسي في القطيعة بإبراهيم عليه السلام
~~وقومه بقوله تبارك وتعالى:

# قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبرهيم والذين
~~معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما
~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم

# [الممتحنة: 4] إلى قوله تعالى شأنه:

# إلا قول إبرهيم لأبيه لأستغفرن لك

# [الممتحنة: 4] فاستثنى من المذكور ما لم يحتمله المقام كما احتمله ذلك
~~المقام للنص القاطع يعني لكم التأسي بإبراهيم عليه السلام مع هؤلاء
~~الكفار في القطيعة والهجران لا غير فلا تجاملوهم ولاتبدوا لهم الرأفة
~~والرحمة كما أبدى إبراهيم عليه السلام لأبيه في قوله { لأستغفرن
~~لك } لأنه لم يتبين له حينئذ أنه لا يؤمن كما بدا لكم كفر هؤلاء
~~وعداوتهم انتهى.

# واعترض بأن ما ذكر ظاهر في أن الاستغفار الذي وقع من المؤمنين لأولي
~~قرابتهم فنهوا عنه لأنه كان بعد التبين كان كاستغفار إبراهيم عليه السلام
~~بمعنى طلب التوفيق للتوبة والهداية للإيمان، ms06353 والذي اعتمده كثير من
~~العلماء أن قوله تعالى:

# ما كان للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا
~~للمشركين

# [التوبة: 113] الآية نزل في استغفاره صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب
~~بعد موته وذلك الاستغفار مما لا يكون بمعنى طلب الهداية أصلا وكيف تعقل
~~الهداية بعد الموت بل لو فرض أن استغفاره عليه الصلاة والسلام له كان قبل
~~الموت لا يتصور أيضا أن يكون بهذا المعنى لأن الآية تقتضي أنه كان بعد
~~تبين أنه من أصحاب الجحيم، وإذا فسر بتحتم الموت على الكفر كان ذلك دعاء
~~بالهداية إلى الإيمان مع العلم بتحتم الموت على الكفر ومحاليته إذا كانت
~~معلومة لنا بما مر فهي أظهر شيء عنده صلى الله عليه وسلم بل وعند
~~المقتبسين من مشكاته عليه الصلاة والسلام، وهو اعتراض قوي بحسب الظاهر
~~وعليه يجب أن يكون استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه بذلك المعنى في
~~حياته لعدم تصور ذلك بعد الموت وهو ظاهر.

# وقد قال الزمخشري في جواب السؤال بأنه كيف جاز له عليه السلام أن يستغفر
~~للكافر وأن يعده ذلك؟ قالوا: أراد اشتراط التوبة عن الكفر وقالوا إنما
~~استغفر له بقوله:

# واغفر لأبى

# [الشعراء: 86] لأنه وعده أن يؤمن، واستشهدوا بقوله تعالى:

# وما كان استغفار إبرهيم لابيه إلا عن موعدة
~~وعدها إياه

# [التوبة: 114] ثم قال: ولقائل أن يقول: الذي منع من الاستغفار للكافر
~~إنما هو السمع، فأما قضية العقل فلا تأباه، فيجوز أن يكون الوعد
~~بالاستغفار والوفاء به قبل ورود السمع ويدل على صحته أنه استثنى قول
~~إبراهيم عليه السلام { لأستغفرن لك } في آية

# قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبرهيم

# [الممتحنة: 4] الخ عما وجبت فيه الأسوة ولو كان بشرط الإيمان والتوبة
~~لما صح الاستثناء، وأما كون الوعد من أبيه فيخالف الظاهر الذي يشهد له
~~قراءة الحسن وغيره { وعدها أباه } [التوبة: 114] بالباء الموحدة، قال في
~~«الكشف»: / واعترض الإمام حديث الاستثناء بأن الآية دلت على المنع من
~~التأسي لا أن ذلك كان معصية فجاز أن يكون من خواصه ككثير من المباحات
~~التي اختص بها ms06354 النبي صلى الله عليه وسلم وليس بشيء لأن الزمخشري لم يذهب
~~إلى أن ما ارتكبه إبراهيم عليه السلام كان منكرا بل إنما هو منكر علينا
~~لورود السمع.

# واعترض صاحب «التقريب» بأن نفي اللازم ممنوع فإن الاستثناء عما وجبت فيه
~~الأسوة دل على أنه غير واجب لا على أنه غير جائز فكان ينبغي عما جازت في
~~الأسوة بدل عما وجبت الخ والآية لا دلالة فيها على الوجوب.

# والجواب أن جعله مستنكرا ومستثنى يدل على أنه منكر لا الاستثناء عما
~~وجبت فيه فقط وإنما أتى الاستنكار لأنه مستثنى عن الأسوة الحسنة فلو
~~اؤتسى به فيه لكان أسوة قبيحة، وأما الدلالة على الوجوب فبينة من قوله
~~تعالى آخرا:

# لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو
~~الله واليوم الأخر

# [الممتحنة: 6] كما تقرر في الأصول. والحاصل أن فعل إبراهيم عليه السلام
~~يدل على أنه ليس منكرا في نفسه وقوله تعالى:

# ما كان للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا
~~للمشركين

# [التوبة: 113] الخ يدل على أنه الآن منكر سمعا وأنه كان مستنكرا في
~~زمن إبراهيم عليه السلام أيضا بعدما كان غير منكر ولذا تبرأ منه وهو
~~ظاهر إلا أن الزمخشري جعل مدرك الجواز قبل النهي العقل وهي مسألة خلافية
~~وكم قائل انه السمع لدخوله تحت بر الوالدين والشفقة على أمة الدعوة بل
~~قيل: إن الأول مذهب المعتزلة وهذا مذهب أهل السنة انتهى مع تغيير يسير.

# واعترض القول بأنه استنكر في زمن إبراهيم عليه السلام بعدما كان غير
~~منكر بأنه لو كان كذلك لم يفعله نبينا صلى الله عليه وسلم وقد جاء أنه
~~عليه الصلاة والسلام فعله لعمه أبي طالب. وأجيب بجواز أنه لم يبلغه إذ
~~فعل عليه الصلاة والسلام، والتحقيق في هذه المسألة أن الاستغفار للكافر
~~الحي المجهول العاقبة بمعنى طلب هدايته للإيمان مما لا محذور فيه عقلا
~~ونقلا وطلب ذلك للكافر المعلوم أنه قد طبع على قلبه وأخبر الله تعالى
~~أنه لا يؤمن وعلم أن لا تعليق في أمره أصلا مما لا مساغ له عقلا ms06355
~~ونقلا، ومثله طلب المغفرة للكافر مع بقائه على الكفر على ما ذكره بعض
~~المحققين، وكان ذلك على ما قيل لما فيه من إلغاء أمر الكفر الذي لا شيء
~~يعدله من المعاصي وصيرورة التكليف بالإيمان الذي لا شيء يعدله من الطاعات
~~عبثا مع ما في ذلك مما لا يليق بعظمة الله عز وجل، ويكاد يلحق بذلك فيما
~~ذكر طلب المغفرة لسائر العصاة مع البقاء على المعصية إلا أن يفرق بين
~~الكفر وسائر المعاصي، وأما طلب المغفرة للكافر بعد موته على الكفر فلا
~~تأباه قضية العقل وإنما يمنعه السمع وفرق بينه وبين طلبها للكافر مع
~~بقائه على الكفر بعدم جريان التعليل السابق فيه ويحتاج ذلك إلى تأمل.

# واستدل على جواز ذلك عقلا بقوله صلى الله عليه وسلم لعمه:

# " لا أزال أستغفر لك ما لم أنه "

# فنزل قوله تعالى:

# ما كان للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا
~~للمشركين

# [التوبة: 113] الآية، وحمل قوله تعالى:

# من بعد ما تبين لهم أنهم أصحب الجحيم

# [التوبة: 113] على معنى من بعدما ظهر لهم أنهم ماتوا كفارا والتزم
~~القول بنزول قوله تعالى:

# إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون
~~ذلك لمن يشاء

# [النساء: 48] بعد ذلك وإلا فلا يتسنى استغفاره صلى الله عليه وسلم لعمه
~~بعد العلم بموته كافرا وتقدم السماع بأن الله تعالى لا يغفر الكفر، وقيل
~~لا حاجة إلى التزام ذلك لجواز أن يكون عليه الصلاة والسلام ولوفور شفقته
~~وشدة رأفته قد حمل الآية على أنه تعالى لا يغفر الشرك إذا لم يشفع فيه أو
~~الشرك الذي تواطأ فيه القلب وسائر الجوارح وعلم من عمه أنه لم يكن شركه
~~كذلك فطلب المغفرة حتى نهى صلى الله عليه وسلم، وقيل غير ذلك فتأمل،
~~فالمقام / محتاج بعد إلى كلام والله تعالى الموفق.

# { إنه كان بى حفيا } بليغا في البر والإكرام يقال حفي به
~~إذا اعتنى بإكرامه. والجملة تعليل لمضمون ما قبلها، وتقديم الظرف لرعاية
~~الفواصل مع الاهتمام.

### || [19.48]

# { وأعتزلكم } الظاهر أنه عطف على

# سأستغفر

# [مريم: 47] والمراد أتباعد عنك ms06356 وعن قومك { وما تدعون من دون
~~الله } بالمهاجرة بديني حيث لم تؤثر فيكم نصائحي. يروى أنه عليه
~~السلام هاجر إلى الشام، وقيل إلى حران وهو قريب من ذلك وكانوا بأرض كوثى
~~وفي هجرته هذه تزوج سارة ولقي الجبار الذي أخدم سارة هاجر، وجوز حمل
~~الاعتزال على الاعتزال بالقلب والاعتقاد وهو خلاف الظاهر المأثور {
~~وأدعوا ربي } أي أعبده سبحانه وحده كما يفهم من اجتناب غيره
~~تعالى من المعبودات وللتغاير بين العبادتين غوير بين العبارتين، وذكر
~~بعضهم أنه عبر بالعبادة أولا لأن ذلك أوفق بقول أبيه

# أراغب أنت عن ءالهتى

# [مريم: 46] مع قوله فيما سبق:

# يأبت لم تعبد ما لا يسمع

# [مريم: 42] الخ، وعبر ثانيا بالدعاء لأنه أظهر في الإقبال المقابل
~~للاعتزال. وجوز أن يراد بذلك الدعاء مطلقا أو ما حكاه سبحانه في سورة
~~الشعراء [83] وهو قوله:

# رب هب لى حكما وألحقنى بالصلحين

# وقيل لا يبعد أن يراد استدعاء الولد أيضا بقوله:

# رب هب لى من الصلحين

# [الصافات: 100] حسبما يساعده السياق والسباق.

# { عسى ألا أكون بدعاء ربى شقيا } خائبا ضائع السعي.
~~وفيه تعريض بشقاوتهم في عبادة آلهتهم. وفي تصدير الكلام بعسى من إظهار
~~التواضع ومراعاة حسن الأدب والتنبيه على حقيقة الحق من أن الإثابة
~~والإجابة بطريق التفضل منه عز وجل لا بطريق الوجوب وأن العبرة بالخاتمة
~~وذلك الغيوب المختصة بالعليم الخبير ما لا يخفى.

### || [19.49]

# { فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله }
~~بالمهاجرة إلى ما تقدم { وهبنا له إسحق ويعقوب } بدل من
~~فارقهم من أبيه وقومه الكفرة لكن لا عقيب المهاجرة. والمشهور أن أول ما
~~وهب له عليه السلام من الأولاد إسماعيل عليه السلام لقوله تعالى:

# فبشرنه بغلم حليم

# [الصافات: 101] إثر دعائه بقوله:

# رب هب لى من الصلحين

# [الصافات: 100] وكان من هاجر فغارت سارة فحملت بإسحق عليه السلام فلما
~~كبر ولد له يعقوب عليه السلام. ولعل ترتيب هبتهما على اعتزاله ههنا
~~لبيان كمال عظم النعم التي أعطاها الله تعالى إياه بمقابلة من اعتزلهم من
~~الأهل والأقرباء فإنهما شجرتا الأنبياء ولهما أولاد وأحفاد ms06357 أولو شأن
~~خطير وذوو عدد كثير مع أنه سبحانه أراد أن يذكر إسماعيل عليه السلام
~~بفضله على الانفراد. وروي أنه عليه السلام لما قصد الشام أتى أولا حران
~~وتزوج سارة وولدت له إسحق وولد لاسحق يعقوب. والأول هو الأقرب الأظهر.

# { وكلا } أي كل واحد من إسحق ويعقوب أو منهما ومن إبراهيم عليه
~~السلام وهو مفعول أول لقوله تعالى: { جعلنا نبيا } قدم عليه
~~للتخصيص لكن لا بالنسبة إلى من عداهم بل بالنسبة إلى بعضهم أي كل واحد
~~منهم جعلنا نبيا لا بعضهم دون بعض، ولا يظهر في هذا الترتيب على الوجه
~~الثاني في { كلا } كون إبراهيم عليه السلام نبيا قبل الاعتزال.

### || [19.50]

# { ووهبنا لهم من رحمتنا } قال الحسن: النبوة. / ولعل ذكر
~~ذلك بعد ذكر جعلهم أنبياء للإيذان بأن النبوة من باب الرحمة التي يختص
~~بها من يشاء. وقال الكلبي: هي المال والولد. وقيل: هو الكتاب والأظهر
~~أنها عامة لكل خير ديني ودنيوي أوتوه مما لم يؤت أحد من العالمين {
~~وجعلنا لهم لسان صدق عليا } تفتخر بهم الناس ويثنون
~~عليهم استجابة لدعوته عليه السلام بقوله:

# واجعل لى لسان صدق فى الأخرين

# [الشعراء: 84] وزيادة على ذلك. والمراد باللسان ما يوجد به من الكلام
~~فهو مجاز بعلاقة السببية كاليد في العطية ولسان العرب لغتهم. ويطلق على
~~الرسالة الرائعة كما في قول أعشى باهلة:

# إني أتتني لسان لا أسر بها

# ومنه قول الآخر:

# ندمت على لسان كان مني

# وإضافته إلى الصدق ووصفه بالعلو للدلالة على أنهم أحقاء بما يثنون عليهم
~~وإن محامدهم لا تخفى كأنها نار على علم على تباعد الأعصار وتبدل الدول
~~وتغير الملل والنحل، وخص بعضهم لسان الصدق بما يتلى في التشهد «كما صليت
~~على إبراهيم وعلى آل إبراهيم» والعموم أولى.

### || [19.51]

# { واذكر فى الكتب موسى } قيل قدم ذكره على إسمعيل عليهما
~~السلام لئلا ينفصل عن ذكر يعقوب عليه السلام. وقيل: تعجيل لاستجلاب أهل
~~الكتاب بعدما فيه استجلاب العرب. { إنه كان مخلصا } موحدا
~~أخلص عبادته عن الشرك والرياء أو أسلم وجهه لله عز ms06358 وجل وأخلص عن سواه.
~~وقرأ الكوفيون وأبو رزين ويحيى وقتادة { مخلصا } بفتح اللام على أن
~~الله تعالى أخلصه { وكان رسولا } مرسلا من جهة الله تعالى إلى
~~الخلق بتبليغ ما يشاء من الأحكام { نبيا } رفيع القدر على كثير الرسل
~~عليهم السلام أو على سائر الناس الذين أرسل إليهم فالنبي من النبوة
~~بمعنى الرفعة. ويجوز أن يكون من النبأ وأصله نبىء أي المنبىء عن الله
~~تعالى بالتوحيد والشرائع ورجح الأول بأنه أبلغ قيل ولذلك قال صلى الله
~~عليه وسلم:

# " لست بنبيء الله تعالى بالهمزة ولكن نبي الله تعالى "

# لمن خاطبه بالهمز وأراد أن يغض منه. والذي ذكره الجوهري أن القائل أراد
~~أنه عليه الصلاة والسلام أخرجه قومه من نبأ فأجابه صلى الله عليه وسلم
~~بما يدفع ذلك الاحتمال. ووجه الإتيان بالنبي بعد الرسول على الأول ظاهر
~~ووجه ذلك على الثاني موافقة الواقع بناء على أن المراد أرسله الله تعالى
~~إلى الخلق فأنبأهم عنه سبحانه. واختار بعضهم أن المراد من كلا اللفظين
~~معناهما اللغوي وأن ذكر النبي بعد الرسول لما أنه ليس كل مرسل نبيا
~~لأنه قد يرسل بعطية أو مكتوب أو نحوهما.

### || [19.52]

# { وندينه من جانب الطور الأيمن } الطور جبل بين
~~مصر ومدين والأيمن صفة لجانب لقوله تعالى في آية أخرى:

# جانب الطور الأيمن

# [طه: 80] بالنصب أي ناديناه من ناحيته اليمنى من اليمين المقابل لليسار.
~~والمراد به يمين موسى عليه السلام أي الناحية التي تلي يمينه إذ الجبل
~~نفسه لا ميمنة له ولا ميسرة. ويجوز أن يكون الأيمن من اليمن وهو البركة
~~وهو صفة لجانب أيضا أي من جانبه الميمون المبارك. وجوز على هذا أن يكون
~~صفة للطور والأول أولى، والمراد من ندائه من ذلك ظهور كلامه تعالى من تلك
~~الجهة، والظاهر أنه عليه السلام إنما سمع الكلام اللفظي، وقال بعض: إن
~~الذي سمعه كان بلا حرف ولا / صوت وأنه عليه السلام سمعه بجميع أعضائه من
~~جميع الجهات وبذلك يتيقن أن المنادي هو الله تعالى، ومن هنا قيل: إن
~~المراد ناديناه مقبلا ms06359 من جانب الطور المبارك وهو طور ما وراء طور العقل،
~~وفي الأخبار ما ينادي على خلافه.

# { وقربناه نجيا } تقريب تشريف مثل حاله عليه السلام بحال من
~~قربه الملك لمناجاته واصطفاه لمصاحبته ورفع الوسائط بينه وبينه، و { نجيا
~~} فعيل بمعنى مفاعل كجليس بمعنى مجالس ونديم بمعنى منادم من المناجاة
~~المسارة بالكلام ونصبه على الحالية من أحد ضميري موسى عليه السلام في {
~~ندينه } و { قربناه } أي ناديناه أو قربناه حال كونه
~~مناجيا، وقال غير واحد مرتفعا على أنه من النجو وهو الارتفاع. فقد أخرج
~~سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أن جبرائيل
~~عليه السلام أردفه حتى سمع صرير القلم والتوراة تكتب له أي كتابة ثانية
~~وإلا ففي الحديث الصحيح الوارد في شأن محاجة آدم وموسى عليهما السلام
~~أنها كتبت قبل خلق آدم عليه السلام بأربعين سنة، وخبر رفعه عليه السلام
~~إلى السماء حتى سمع صرير القلم رواه غير واحد وصححه الحاكم عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما وعلى ذلك لا يكون المعراج مطلقا مختصا بنبينا صلى
~~الله عليه وسلم بل المعراج الأكمل، وقيل معنى { نجيا } بصدقه وروي
~~ذلك عن قتادة ولا يخفى بعده.

### || [19.53]

# { ووهبنا له من رحمتنا } أي من أجل رحمتنا له { أخاه }
~~أي معاضدة أخيه وموازرته إجابة لدعوته بقوله

# واجعل لي وزيرا من أهلي * هرون أخي

# [طه: 29-30] لا نفسه عليه السلام لأنه كان أكبر من موسى عليه السلام
~~سنا فوجوده سابق على وجوده وهو مفعول { وهبنا } وقوله تعالى: {
~~هرون } عطف بيان له، وقوله سبحانه { نبيا } حال منه، ويجوز أن
~~تكون من للتبعيض قيل وحينئذ يكون { أخاه } بدل بعض من كل أو كل من كل
~~أو اشتمال من من، وتعقب بأنها إن كانت اسما مرادفة لبعض فهو خلاف الظاهر
~~وإن كانت حرفا فإبدال الاسم من الحرف مما لم يوجد في كلامهم، وقيل:
~~التقدير وهبنا له شيئا من رحمتنا فأخاه بدل من شيئا المقدر وأنت تعلم
~~أن الظاهر هو كونه مفعولا.

### || [19.54]

# { واذكر فى ms06360 الكتب إسمعيل } الظاهر أنه ابن إبراهيم
~~عليهما السلام كما ذهب إليه الجمهور وهو الحق، وفصل ذكره عن ذكر أبيه
~~وأخيه عليهم السلام لإبراز كمال الاعتناء بأمره بإيراده مستقلا، وقيل:
~~إنه إسماعيل بن حزقيل بعثه الله تعالى إلى قومه فسلخوا جلدة رأسه فخيره
~~الله تعالى فيما شاء من عذابهم فاستعفاه ورضي بثوابه سبحانه وفوض أمرهم
~~إليه عز وجل في العفو والعقوبة وروى ذلك الإمامية عن أبي عبد الله رضي
~~الله تعالى عنه وغالب الظن أنه لا يصح عنه.

# { إنه كان صدق الوعد } تعليل لموجب الأمر، وإيراده عليه
~~السلام بهذا الوصف لكمال شهرته بذلك. وقد جاء في بعض الأخبار أنه وعد
~~رجلا أن يقيم له بمكان فغاب عنه حولا فلما جاءه قال له: ما برحت من
~~مكانك فقال: لا والله ما كنت لأخلف موعدي، وقيل: غاب عنه اثني عشر يوما،
~~وعن مقاتل ثلاثة أيام، وعن سهل بن سعد يوما وليلة والأول أشهر ورواه
~~الإمامية أيضا عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه؛ وإذا كان هو الذبيح
~~فناهيك في صدقه أنه وعد أباه الصبر على الذبح بقوله:

# ستجدنى إن شاء الله من الصبرين

# [الصافات: 102] فوفى.

# وقال بعض الأذكياء طال بقاؤه: لا يبعد أن يكون ذلك إشارة إلى هذا الوعد
~~والصدق فيه من أعظم ما يتصور.

# { وكان رسولا نبيا } الكلام فيه كالكلام في السابق بيد أنهم
~~قالوا هنا: إن فيه دلالة على أن الرسول لا يجب / أن يكون صاحب شريعة
~~مستقلة فإن أولاد إبراهيم عليهم السلام كانوا على شريعته وقد اشتهر خلافه
~~بل اشترط بعضهم فيه أن يكون صاحب كتاب أيضا والحق أنه ليس بلازم، وقيل:
~~إن المراد بكونه صاحب شريعة أن يكون له شريعة بالنسبة إلى المبعوث إليهم
~~وإسماعيل عليه السلام كذلك لأنه بعث إلى جرهم بشريعة أبيه ولم يبعث
~~إبراهيم عليه السلام إليهم ولا يخفى ما فيه.

### || [19.55]

# { وكان يأمر أهله بالصلوة والزكوة } اشتغالا
~~بالأهم وهو أن يبدأ الرجل بعد تكميل نفسه بتكميل من هو أقرب الناس إليه
~~قال الله تعالى: ms06361

# وأنذر عشيرتك الأقربين

# [الشعراء: 214]

# وأمر أهلك بالصلاة

# [طه: 132]

# قوا أنفسكم وأهليكم نارا

# [التحريم: 6] أو قصدا إلى تكميل الكل بتكميلهم لأنهم قدوة يؤتسى بهم.
~~وقال الحسن: المراد بأهله أمته لكون النبي بمنزلة الأب لأمته، ويؤيد ذلك
~~أن في مصحف عبد الله (وكان يأمر قومه) والمراد بالصلاة والزكاة قيل
~~معناهما المشهور، وقيل: المراد بالزكاة مطلق الصدقة، وحكي أنه عليه
~~السلام كان يأمر أهله بالصلاة ليلا والصدقة نهارا، وقيل المراد بها
~~تزكية النفس وتطهيرها { وكان عند ربه مرضيا } لاستقامة
~~أقواله وأفعاله وهو اسم مفعول وأصله مرضوو فأعل بقلب واوه ياء لأنها طرف
~~بعد واو ساكنة فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو
~~ياء وأدغمت الياء في الياء وقلبت الضمة كسرة. وقرأ ابن أبي عبلة { مرضوا
~~} من غير إعلال، وعن العرب أنهم قالوا: أرض مسنية ومسنوة وهي التي تسقى
~~بالسواني.

### || [19.56]

# { واذكر فى الكتب إدريس } هو نبي قبل نوح وبينهما على
~~ما في «المستدرك» عن ابن عباس ألف سنة وهو أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن
~~أنوش بن قينان بن شيث ابن آدم عليه السلام، وعن وهب بن منبه أنه جد نوح
~~عليه السلام، والمشهور أنه جد أبيه فإنه ابن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو
~~أول من نظر في النجوم والحساب وجعل الله تعالى ذلك من معجزاته على ما في
~~«البحر» وأول من خط بالقلم وخاط الثياب ولبس المخيط وكان خياطا وكانوا
~~قبل يلبسون الجلود وأول مرسل بعد آدم، وقد أنزل الله تعالى عليه ثلاثين
~~صحيفة وأول من اتخذ الموازين والمكاييل والأسلحة فقاتل بني قابيل، وعن
~~ابن مسعود أنه إلياس بعث إلى قومه أن يقولوا لا إله إلا الله ويعملوا ما
~~شاؤا فأبوا وأهلكوا والمعول عليه الأول وإن روى القول بأنه إلياس ابن
~~أبي حاتم بسند حسن عن ابن مسعود، وهذا اللفظ سرياني عند الأكثرين وليس
~~مشتقا من الدرس لأن الاشتقاق من غير العربي مما لم يقل به أحد وكونه
~~عربيا مشتقا من ذلك يرده منع صرفه، نعم لا يبعد أن يكون ms06362 معناه في تلك
~~اللغة قريبا من ذلك فلقب به لكثرة دراسته { إنه كان صديقا
~~نبيا } هو كما تقدم.

### || [19.57]

# هو شرف النبوة والزلفى عند الله تعالى كما روي عن الحسن وإليه ذهب
~~الجبائي وأبو مسلم، وعن أنس وأبي سعيد الخدري وكعب ومجاهد السماء
~~الرابعة، وعن ابن عباس والضحاك السماء السادسة وفي رواية أخرى عن الحسن
~~الجنة لا شيء أعلا من الجنة، وعن النابغة الجعدي أنه لما أنشد رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم الشعر الذي آخره:

# بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا

# وإنا لنرجوا فوق ذلك مظهرا

# / قال عليه الصلاة والسلام له: إلى أين المظهر يا أبا ليلى؟ قال إلى
~~الجنة يا رسول الله قال: أجل إن شاء الله تعالى. وعن قتادة أنه عليه
~~السلام يعبد الله تعالى مع الملائكة عليهم السلام في السماء السابعة
~~ويرتع تارة في الجنة حيث شاء، وأكثر القائلين برفعه حسا قائلون بأنه حي
~~حيث رفع، وعن مقاتل أنه ميت في السماء وهو قول شاذ. وسبب رفعه على ما روي
~~عن كعب وغيره أنه مر ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال: يا رب إني
~~مشيت يوما في الشمس فأصابني منها ما أصابني فكيف بمن يحملها مسيرة
~~خمسمائة عام في يوم واحد اللهم خفف عنه من ثقلها وحرها فلما أصبح الملك
~~وجد من خفة الشمس وحرها ما لا يعرف فقال: يا رب خلقتني لحمل الشمس فماذا
~~الذي قضيت فيه قال: إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته
~~قال: يا رب فاجمع بيني وبينه واجعل بيني وبينه خلة فأذن له حتى أتى إدريس
~~ثم إنه طلب منه رفعه إلى السماء فأذن الله تعالى له بذلك فرفعه، وأخرج
~~ابن المنذر عن عمر مولى عفرة يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " إن إدريس كان نبيا تقيا زكيا وكان يقسم دهره على نصفين ثلاثة أيام
~~يعلم الناس الخير وأربعة أيام يسيح في الأرض ويعبد الله تعالى مجتهدا
~~وكان يصعد من عمله وحده إلى السماء من ms06363 الخير مثل ما يصعد من جميع أعمال
~~بني آدم وأن ملك الموت أحبه في الله تعالى فأتاه حين خرج للسياحة فقال
~~له: يا نبي الله إني أريد أن تأذن لي في صحبتك فقال له إدريس وهو لا
~~يعرفه: إنك لن تقوى على صحبتي قال: بلى إني أرجو أن يقويني الله تعالى
~~على ذلك فخرج معه يومه ذلك حتى إذا كان من آخر النهار مرا براعي غنم فقال
~~ملك الموت: يا نبي الله إنا لا ندري حيث نمسي فلو أخذنا جفرة من هذه
~~الغنم فأفطرنا عليها فقال له: لا تعد إلى مثل هذا أتدعوني إلى أخذ ما ليس
~~لنا من حيث نمسي يأتينا الله تعالى برزق فلما أمسى أتاه الله تعالى
~~بالرزق الذي كان يأتيه فقال لملك الموت تقدم فكل فقال: لا والذي أكرمك
~~بالنبوة ما اشتهي فأكل وحده وقاما جميعا إلى الصلاة ففتر إدريس ونعس ولم
~~يفتر الملك ولم ينعس فعجب منه وصغرت عنده عبادته مما رأى ثم أصبحا فساحا
~~فلما كان آخر النهار مرا بحديقة عنب فقال له مثل ما قال أولا فلما أمسيا
~~أتاه الله تعالى بالرزق فدعاه إلى الأكل فلم يأكل وقاما إلى الصلاة وكان
~~من أمرهما ما كان أولا فقال له إدريس: لا والذي نفسي بيده ما أنت من بني
~~آدم فقال: أجل لست منهم وذكر له أنه ملك الموت فقال: أمرت في بأمر
~~فقال: لو أمرت فيك بأمر ما ناظرتك ولكني أحبك في الله تعالى وصحبتك له
~~فقال له: إنك معي هذه المدة لم تقبض روح أحد من الخلق قال: بلى إني معك
~~وإني أقبض نفس من أمرت بقبض نفسه في مشارق الأرض ومغاربها وما الدنيا
~~كلها عندي إلا كمائدة بين يدي الرجل يتناول منها ما شاء فقال له: يا ملك
~~الموت أسألك بالذي أحببتني له وفيه إلا قضيت لي حاجة أسألكها فقال: سلني
~~يا نبي الله فقال: أحب أن تذيقني الموت ثم ترد علي روحي فقال: ما أقدر
~~إلا أن أستأذن فاستأذن ربه تعالى ms06364 فأذن له فقبض روحه ثم ردها الله تعالى
~~إليه فقال له ملك الموت: يا نبي الله كيف وجدت الموت؟ قال: أعظم مما كنت
~~أحدث وأسمع ثم سأله رؤية النار فانطلق إلى أحد أبواب جهنم فنادى بعض
~~خزنتها فلما علموا أنه ملك الموت ارتعدت فرائصهم وقالوا: أمرت فينا بأمر
~~فقال لو أمرت فيكم بأمر ما ناظرتكم ولكن نبي الله تعالى إدريس سألني أن
~~تروه لمحة من النار ففتحوا له قدر ثقب المخيط فأصابه ما صعق منه فقال ملك
~~الموت: اغلقوا فغلقوا وجعل يمسح وجه إدريس ويقول: يا نبي الله تعالى ما
~~كنت أحب أن يكون هذا حظك من صحبتي فلما أفاق سأله كيف رأيت؟ قال: أعظم
~~مما كنت أحدث وأسمع ثم سأله أن يريه لمحة من الجنة ففعل نظير ما فعل قبل
~~/ فلما فتحوا له أصابه من بردها وطيبها وريحانها ما أخذ بقلبه فقال: يا
~~ملك الموت إني أحب أن أدخل الجنة فآكل أكلة من ثمارها وأشرب شربة من
~~مائها فلعل ذلك أن يكون أشد لطلبتي ورغبتي فدخل وأكل وشرب فقال له ملك
~~الموت: اخرج يا نبي الله تعالى قد أصبت حاجتك حتى يردك الله عز وجل مع
~~الأنبياء عليهم السلام يوم القيامة فاحتضن بساق شجرة من أشجارها وقال: ما
~~أنا بخارج وإن شئت أن أخاصمك خاصمتك فأوحى الله تعالى إلى ملك الموت قاضه
~~الخصومة فقال له: ما الذي تخاصمني به يا نبي الله تعالى فقال إدريس: قال
~~الله تعالى: { كل نفس ذائقة الموت } [آل عمران: 581] وقد
~~ذقته وقال سبحانه: { وإن منكم إلا واردها } [مريم: 17] وقد
~~وردتها وقال جل وعلا لأهل الجنة { وما هم منها بمخرجين }
~~[الحجر: 84] أفأخرج من شيء ساقه الله عز وجل إلي فأوحى الله تعالى إلى
~~ملك الموت خصمك عبدي إدريس وعزتي وجلالي إن في سابق علمي أن يكون كذلك
~~فدعه فقد احتج عليك بحجة قوية "

# الحديث والله تعالى أعلم بصحته وكذا بصحة ما قبله من خبر كعب، وهذا
~~الرفع لاقتضائه علو الشأن ورفعة القدر كان فيه من ms06365 المدح ما فيه وإلا
~~فمجرد الرفع إلى مكان عال حسا ليس بشيء.

# فالنار يعلوها الدخان وربما

# يعلو الغبار عمائم الفرسان

# وادعى بعضهم أن الأقرب أن العلو حسي لأن الرفعة المقترنة بالمكان لا
~~تكون معنوية؛ وتعقب بأن فيه نظرا لأنه ورد مثله بل ما هو أظهر منه
~~كقوله:

# وكن في مكان إذا ما سقطت

# تقوم ورجلك في عافية

# فتأمل.

### || [19.58]

# { أولئك } إشارة إلى المذكورين في السورة الكريمة، وما فيه من
~~معنى البعد للإشعار بعلو مرتبتهم وبعد منزلتهم في الفضل وهو مبتدأ وقوله
~~تعالى: { الذين أنعم الله عليهم } أي بفنون النعم الدينية
~~الدنيوية حسبما أشير إليه مجملا خبره على ما استظهره في «البحر»، والحصر
~~عند القائل به إضافي بالنسبة إلى غير الأنبياء الباقين عليهم الصلاة
~~والسلام لأنهم معروفون بكونهم منعما عليهم فينزل الإنعام على غيرهم
~~منزلة العدم، وقيل: يقدر مضاف أي بعض الذين أنعم الله عليهم وقوله تعالى:
~~{ من النبيين } بيان للموصول، وقيل: من تبعيضية بناء على أن
~~المراد أولئك المذكورون الذين أنعم الله تعالى عليهم بالنعم المعهودة
~~المذكورة هنا فيكون الموضوع والمحمول مخصوصا بمن سمعت وهم بعض النبيين
~~وعموم المفهوم المراد من المحمول في نفسه ومن حيث هو في الذهن لا ينافي
~~أن يقصد به أمر خاص في الخارج كما لا يخفى؛ واختير حمل التعريف في الخبر
~~عن الجنس للمبالغة كما في قوله تعالى:

# ذلك الكتاب

# [البقرة: 2]، والمحذور مندفع بما ذكرنا و { من } في قوله سبحانه: {
~~من ذرية ءادم } قيل بيانية والجار والمجرور بدل من الجار
~~والمجرور السابق والمجرور بدل من المجرور بإعادة الجار وهو بدل بعض من كل
~~بناء على أن المراد ذريته الأنبياء وهي غير شاملة لآدم عليه السلام ولا
~~يخفى بعده، وقيل: هي تبعيضية لأن المنعم عليه أخص من الذرية من وجه
~~لشمولها بناء على الظاهر المتبادر منها غير من أنعم عليه دونه ولا يضر
~~في ذلك كونها أعم منها من وجه لشموله آدم والملك ومؤمني الجن دونها {
~~وممن حملنا مع نوح } أي ومن ذرية من حملناهم معه ms06366 عليه
~~السلام خصوصا وهم من عدا إدريس عليه السلام لما سمعت من أنه قبل نوح
~~وإبراهيم عليه السلام كان بالإجماع من ذرية سام بن نوح عليهما السلام {
~~ومن ذرية إبرهيم } وهم الباقون. / { وإسرءيل } عطف على
~~{ إبراهيم } أي ومن ذرية إسرائيل أي يعقوب عليه السلام وكان منهم
~~موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام، وفي الآية دليل على أن
~~أولاد البنات من الذرية لدخول عيسى عليه السلام ولا أب له، وجعل إطلاق
~~الذرية عليه بطريق التغليب خلاف الظاهر { وممن هدينا
~~واجتبينا } عطف على قوله تعالى: { من ذرية ءادم } ومن
~~للتبعيض أي ومن جملة من هديناهم إلى الحق واخترناهم للنبوة والكرامة.
~~وجوز أن يكون عطفا على قوله سبحانه: { من النبيين }. ومن للبيان
~~وأورد عليه أن ظاهر العطف المغايرة فيحتاج إلى أن يقال: المراد ممن جمعنا
~~له بين النبوة والهداية والاجتباء للكرامة وهو خلاف الظاهر.

# وقوله تعالى: { إذا تتلى عليهم ءايت الرحمن
~~خروا سجدا وبكيا } استئناف مساق لبيان خشيتهم من الله تعالى
~~وإخباتهم له سبحانه مع ما لهم من علو الرتبة وسمو الطبقة في شرف النسب
~~وكمال النفس والزلفى من الله عز سلطانه. وقيل: خبر بعد خبر لاسم الإشارة،
~~وقيل: إن الكلام انقطع عند قوله تعالى: { وإسرءيل } ، وقوله سبحانه:
~~{ وممن هدينا } خبر مبتدأ محذوف وهذه الجملة صفة لذلك المحذوف
~~أي وممن هدينا واجتبينا قوم إذا تتلى عليهم الخ، ونقل ذلك عن أبي مسلم،
~~وروى بعض الإمامية عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أنه قال: نحن
~~عنينا بهؤلاء القوم، ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر جدا وحال روايات
~~الإمامية لا يخفى على أرباب التمييز، وظاهر صنيع بعض المحققين اختيار أن
~~يكون الموصول صفة لاسم الإشارة على ما هو الشائع فيما بعد اسم الإشارة
~~وهذه الجملة هي الخبر لأن ذلك أمدح لهم، ووجه ذلك ظاهر عند من يعرف حكم
~~الأوصاف والأخبار.

# وسجدا جمع ساجد وكذا بكيا جمع باك كشاهد وشهود وأصله بكوى اجتمعت
~~الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء ms06367 في
~~الياء وحركت الكاف بالكسر لمناسبة الياء وجمعه المقيس بكاة كرام ورماة
~~إلا أنه لم يسمع على ما في «البحر» وهو مخالف لما في «القاموس» وغيره،
~~وجوز بعضهم أن يكون مصدر بكى كجلوسا مصدر جلس وهو خلاف الظاهر، نعم ربما
~~يقتضيه ما أخرجه ابن أبي الدنيا في «البكاء» وابن جرير وابن أبي حاتم
~~والبيهقي في «الشعب» عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قرأ سورة مريم فسجد
~~ثم قال: هذا السجود فأين البكاء، وزعم ابن عطية أن ذلك متعين في قراءة
~~عبد الله ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي { بكيا } بكسر أوله وليس كما
~~زعم لأن ذلك اتباع، وظاهر أنه لا يعين المصدرية. ونصب الاسمين على
~~الحالية من ضمير { خروا } أي ساجدين وباكين والأول حال مقدرة كما قال
~~الزجاج.

# والظاهر أن المراد من السجود معناه الشرعي والمراد من الآيات ما تضمنته
~~الكتب السماوية سواء كان مشتملا على ذكر السجود أم لا وسواء كان متضمنا
~~لذكر العذاب المنزل بالكفار أم لا، ومن هنا استدل بالآية على استحباب
~~السجود والبكاء عند تلاوة القرآن. وقد أخرج ابن ماجه وإسحاق بن راهويه
~~والبزار في «مسنديهما» من حديث سعيد بن أبي وقاص مرفوعا

# " اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا "

# ، وقيل: المراد من السجود سجود التلاوة حسبما تعبدنا به عند سماع بعض
~~الآيات القرآنية فالمراد بآيات الرحمن آيات مخصوصة متضمنة لذكر السجود،
~~وقيل: المراد منه الصلاة وهو قول ساقط جدا، وقيل: المراد منه الخشوع
~~والخضوع، والمراد من الآيات ما تضمن العذاب المنزل بالكفار وهذا قريب من
~~سابقه، ونقل الجلال السيوطي عن الرازي أنه استدل بالآية على وجوب سجود
~~التلاوة وهو كما قال إلكيا: بعيد، وذكروا أنه ينبغي أن يدعو الساجد في
~~سجدته بما يليق بآيتها فههنا يقول: اللهم / اجعلني من عبادك المنعم
~~عليهم المهتدين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك، وفي آية الإسراء
~~اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك، وفي آية تنزيل السجدة اللهم
~~اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك ورحمتك وأعوذ بك من أن أكون ms06368 من
~~المستكبرين عن أمرك.

# وقرأ عبد الله وأبو جعفر وشيبة وشبل بن عباد وأبو حيوة وعبد الله بن
~~أحمد العجلي عن حمزة وقتيبة في رواية وورش في رواية النحاس وابن ذكوان في
~~رواية التغلبي { يتلى } بالياء التحتية لأن التأنيث غير حقيقي ولوجود
~~الفاصل.

### || [19.59]

# { فخلف من بعدهم خلف } أي جاء بعدهم عقب سوء فإن المشهور
~~في الخلف ساكن اللام ذلك والمشهور في مفتوح اللام ضده، وقال أبو حاتم:
~~الخلف بالسكون الأولاد الجمع والواحد فيه سواء وبالفتح البدل ولدا كان
~~أو غيره، وقال النضر بن شميل: الخلف بالتحريك والإسكان القرن السوء أما
~~الصالح فالتحريك لا غير، وقال ابن جرير: أكثر ما جاء في المدح بفتح اللام
~~وفي الذم بتسكينها وقد يعكس، وعلى استعمال المفتوح في الذم جاء قول لبيد:

# ذهب الذين يعاش في أكنافهم

# وبقيت في خلف كجلد الأجرب

# { أضاعوا الصلاة } وقرأ عبد الله والحسن وأبو رزين العقيلي والضحاك
~~وابن مقسم { الصلوت } بالجمع وهو ظاهر، ولعل الأفراد للاتفاق في
~~النوع، وإضاعتها على ما روي عن ابن مسعود والنخعي والقاسم بن مخيمرة
~~ومجاهد وإبراهيم وعمر بن عبد العزيز تأخيرها عن وقتها، وروى ذلك الإمامية
~~عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه، واختار الزجاج أن إضاعتها الاختلال
~~بشروطها من الوقت وغيره، وقيل: إقامتها في غير جماعة، وأخرج ابن أبي
~~حاتم عن محمد بن كعب القرظي أن إضاعتها تركها، وقيل: عدم اعتقاد وجوبها،
~~وعلى هذا الآية في الكفار وعلى ما قبله لا قطع، واستظهر أنها عليه في قوم
~~مسلمين بناء على أن الكفار غير مكلفين بالفروع إلا أن يقال: المراد أن
~~من شأنهم ذلك فتدبر، وعلى ما قبلهما في قوم مسلمين قولا واحدا.

# والمشهور عن ابن عباس ومقاتل أنها في اليهود، وعن السدي أنها فيهم وفي
~~النصارى، واختير كونها في الكفرة مطلقا لما سيأتي إن شاء الله تعالى
~~قريبا وعليه بني حسن موقع حكاية قول جبريل عليه السلام الآتي، وكونها في
~~قوم مسلمين من هذه الأمة مروي عن مجاهد وقتادة وعطاء وغيرهم قالوا: ms06369 إنهم
~~يأتون عند ذهاب الصالحين يتبادرون بالزنا ينزو بعضهم على بعض في الأزقة
~~كالأنعام لا يستحيون من الناس ولا يخافون من الله تعالى.

# { واتبعوا الشهوت } وانهمكوا في المعاصي المختلفة الأنواع،
~~وفي «البحر» الشهوات عام في كل مشتهى يشغل عن الصلاة وعن ذكر الله تعالى،
~~وعد بعضهم من ذلك نكاح الأخت من الأب وهو على القول بأن الآية فيما يعم
~~اليهود لأن من مذهبهم فيما قيل ذلك وليس بحق. والذي صح عنهم أنهم يجوزون
~~نكاح بنت الأخ وبنت الأخت ونحوهما، وعن علي كرم الله تعالى وجهه من بنى
~~المشيد وركب المنظور ولبس المشهور { فسوف يلقون غيا } أخرج
~~ابن جرير والطبراني وغيرهما من حديث أبي أمامة مرفوعا أنه نهر في أسفل
~~جهنم يسيل فيه صديد أهل النار وفيه «لو أن صخرة زنة عشر عشراوات قذف بها
~~من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفا ثم تنتهي إلى غي وأثام»، ويعلم
~~منه سر التعبير بسوف يلقون.

# / وأخرج جماعة من طرق عن ابن مسعود أنه قال: الغي نهر أو واد في جهنم من
~~قيح بعيد القعر خبيث الطعم يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات، وحكى الكرماني
~~أنه آبار في جهنم يسيل إليها الصديد والقيح. وأخرج ابن أبي حاتم عن
~~قتادة أن الغي السوء، ومن ذلك قول مرقش الأصغر:

# فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره

# ومن يغو لا يعدم على الغي لائما

# وعن ابن زيد أنه الضلال وهو المعنى المشهور، وعليه قيل المراد جزاء غي.
~~وروي ذلك عن الضحاك واختاره الزجاج، وقيل: المراد غيا عن طريق الجنة.
~~وقرىء فيما حكى الأخفش { يلقون } بضم الياء وفتح اللام وشد القاف.

### || [19.60]

# { إلا من تاب وءامن وعمل صلحا } استثناء منقطع عند
~~الزجاج. وقال في «البحر»: ظاهره الاتصال، وأيد بذكر الإيمان كون الآية في
~~الكفرة أو عامة لهم ولغيرهم لأن من آمن لا يقال إلا لمن كان كافرا إلا
~~بحسب التغليظ، وحمل الإيمان على الكامل خلاف الظاهر، وكذا كون المراد إلا
~~من جمع التوبة والإيمان، وقيل: المراد من الإيمان الصلاة ms06370 كما في قوله
~~تعالى:

# وما كان الله ليضيع إيمنكم

# [البقرة: 143] ويكون ذكره في مقابلة إضاعة الصلاة وذكر العمل الصالح في
~~مقابلة اتباع الشهوات { فأولئك } المنعوتون بالتوبة والإيمان
~~والعمل الصالح { يدخلون الجنة } بموجب الوعد المحتوم، ولا يخفى
~~ما في ترك التسويف مع ذكر أولئك من اللطف. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو
~~بكر ويعقوب { يدخلون } بالبناء للمفعول من أدخل. وقرأ ابن غزوان عن
~~طلحة «سيدخلون» بسين الاستقبال مبنيا للفاعل { ولا يظلمون
~~شيئا } أي لا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئا أو لا ينقصون شيئا من
~~النقص، وفيه تنبيه على أن فعلهم السابق لا يضرهم ولا ينقص أجورهم.

# واستدل المعتزلة بالآية على أن العمل شرط دخول الجنة. وأجيب بأن المراد
~~يدخلون الجنة بلا تسويف بقرينة المقابلة وذلك بتنزيل الزمان السابق على
~~الدخول لحفظهم فيه عما ينال غيرهم منزلة العدم فيكون العمل شرطا لهذا
~~الدخول لا للدخول مطلقا، وأيضا يجوز أن يكون شرطا لدخول جنة عدن لا
~~مطلق الجنة، وقيل هو شرط لعدم نقص شيء من ثواب الأعمال وهو كما ترى، وقيل
~~غير ذلك. واعترض بعضهم على القول بالشرطية بأنه يلزم أن لا يكون من تاب
~~وآمن ولم يتمكن من العمل الصالح يدخل الجنة. وأجيب بأن ذلك من الصور
~~النادرة والأحكام إنما تناط بالأعم الأغلب فتأمل.

### || [19.61]

# { جنت عدن } بدل من

# الجنة

# [مريم: 60] بدل البعض لاشتمالها عليها اشتمال الكل على الجزء بناء على
~~ما قيل: إن { جنت عدن } علم لإحدى الجنات الثمان كعلمية  بنات
~~أوبر . وقيل: إن العلم هو جنة عدن إلا أنه أقيم الجزء الثاني بعد حذف
~~الأول مقام المجموع كما في شهر رمضان فكان الأصل جنات جنة عدن. والذي حسن
~~هذه الإقامة أن المعتبر علميته في المنقول الإضافي هو الجزء الثاني حتى
~~كأنه نقل وحده كما قرر في موضعه من «كتب النحو» المفصلة. وفي «الكشف» إذا
~~كانت التسمية بالمضاف والمضاف إليه جعلوا المضاف إليه في نحوه مقدر
~~العلمية لأن المعهود في كلامهم في هذا الباب الإضافة إلى الإعلام والكنى
~~فإذا أضافوا إلى ms06371 غيرها أجروه مجراها كأبي تراب ألا ترى أنهم لا يجوزون
~~إدخال اللام في ابن دأية وأبي تراب ويوجبونه في نحو امرىء / القيس وماء
~~السماء كل ذلك نظرا إلى أنه لا يغير من حاله كالعلم إلى آخر ما فيه.
~~ويدل على ذلك أيضا منعه من الصرف في  بنات أوبر وأبي قترة وابن دأية 
~~إلى غير ذلك فجنات عدن على القولين معرفة أما على الأول فللعلمية، وأما
~~على الثاني فللإضافة المذكورة وإن لم يكن عدن في الأصل علما ولا معرفة
~~بل هو مصدر عدن بالمكان يعدن ويعدن أقام به. واعتبار كون عدن قبل التركيب
~~علما لإحدى الجنات يستدعي أن تكون الإضافة في جنة عدن من إضافة الأعم
~~مطلقا إلى الأخص بناء على أن المتبادر من الجنة المكان المعروف لا
~~الأشجار ونحوها وهي لا تحسن مطلقا بل منها حسن كشجر الأراك ومدينة بغداد
~~ومنها قبيح كإنسان زيد ولا فارق بينهما إلا الذوق وهو غير مضبوط. وجوز أن
~~يكون «عدن» علما للعدن بمعنى الإقامة كسحر علم للسحر وأمس للأمس وتعريف
~~«جنات» عليه ظاهر أيضا، وإنما قالوا ما قالوا تصحيحا للبدلية لأنه لو
~~لم يعتبر التعريف لزم إبدال النكرة من المعرفة وهو على رأي القائل لا
~~يجوز إلا إذا كانت النكرة موصوفة وللوصفية بقوله تعالى: { التى وعد
~~الرحمن عباده } وجوز أبو حيان اعتبار { جنت عدن }
~~نكرة على معنى جنات إقامة واستقرار وقال: إن دعوى ان عدنا علم لمعنى
~~العدن يحتاج إلى توقيف وسماع من العرب مع ما في ذلك مما يوهم اقتضاء
~~البناء. وكذا دعوى العلمية الشخصية فيه. وعدم جواز إبدال النكرة من
~~المعرفة إلا موصوفة شيء قاله البغداديون وهم محجوجون بالسماع. ومذهب
~~البصريين جواز الإبدال وإن لم تكن النكرة موصوفة وقال أبو علي: يجوز ذلك
~~إذا كان في إبدال النكرة فائدة لا تستفاد من المبدل منه مع أنه لا تتعين
~~البدلية لجواز النصب على المدح، وكذا لا يتعين كون الموصول صفة لجواز
~~الإبدال اه بأدنى زيادة.

# وتعقب إبدال الموصول بأنه في حكم المشتق. وقد ms06372 نصوا على أن إبدال المشتق
~~ضعيف. ولعل أبا حيان لا يسلم ذلك. ثم إنه جوز كون { جنت عدن }
~~بدل كل وكذا جوز كونه عطف بيان. وجملة

# لا يظلمون

# [مريم: 60] على وجهي البدلية. والعطف اعتراض أو حال. وقرأ الحسن وأبو
~~حيوة وعيسى بن عمر والأعمش وأحمد بن موسى عن أبي عمرو { جنت عدن }
~~بالرفع، وخرجه أبو حيان على أنه خبر مبتدأ محذوف أي تلك جنات، وغيره على
~~أنها مبتدأ والخبر الموصول. وقرأ الحسن بن حي وعلي بن صالح { جنة عدن }
~~بالنصب والإفراد ورويت عن الأعمش وهي كذلك في مصحف عبد الله. وقرأ
~~اليماني والحسن في رواية. وإسحاق الأزرق عن حمزة { جنة عدن } بالرفع
~~والإفراد والعائد إلى الموصول محذوف أي وعدها الرحمن، والتعرض لعنوان
~~الرحمة للإيذان بأن وعدها وإنجازه لكمال سعة رحمته سبحانه وتعالى.

# والباء في قوله عز وجل: { بالغيب } للملابسة وهي متعلقة بمضمر هو
~~حال من العائد أو من { عباده } أي وعدها إياهم ملتبسة أو ملتبسين
~~بالغيب أي غائبة عنهم غير حاضرة أو غائبين عنها لا يرونها أو للسببية وهي
~~متعلقة بوعد أي وعدها إياهم بسبب تصديق الغيب والإيمان به، وقيل: هي صلة
~~{ عباده } على معنى الذين يعبدونه سبحانه بالغيب أي في السر وهو كما
~~ترى { إنه } أي الرحمن، وجوز كون الضمير / للشأن { كان وعده }
~~أي موعوده سبحانه وهو الجنات كما روي عن ابن جريج أو موعوده كائنا ما
~~كان فيدخل فيه ما ذكر دخولا أوليا كما قيل، وجوز إبقاء الوعد على
~~مصدريته وإطلاقه على ما ذكر للمبالغة. والتعبير بكان للإيذان بتحقق
~~الوقوع أي كان ذلك { مأتيا } أي يأتيه من وعد له لا محالة، وقيل: {
~~مأتيا } مفعول بمعنى فاعل أي آتيا، وقيل: هو مفعول من أتى إليه
~~إحسانا أي فعل به ما يعد إحسانا وجميلا والوعد على ظاهره. ومعنى كونه
~~مفعولا كونه منجزا لأن فعل الوعد بعد صدوره وإيجاده إنما هو تنجيزه أي
~~إنه كان وعده عباده منجزا.

### || [19.62]

# { لا يسمعون فيها لغوا } فضول كلام لا طائل تحته بل هو جار ms06373
~~مجرى اللغاء وهو صوت العصافير ونحوها من الطير. والكلام كناية عن عدم
~~صدور اللغو عن أهلها، وفيه تنبيه على أن اللغو مما ينبغي أن يجتنب عنه في
~~هذه الدار ما أمكن، وعن مجاهد تفسير اللغو بالكلام المشتمل على السب،
~~والمراد لا يتسابون والتعميم أولى { إلا سلما } استثناء منقطع،
~~والسلام إما بمعناه المعروف أي لكن يسمعون تسليم الملائكة عليهم السلام
~~عليهم أو تسليم بعضهم على بعض أو بمعنى الكلام السالم من العيب والنقص أي
~~لكن يسمعون كلاما سالما من العيب والنقص، وجوز أن يكون متصلا وهو من
~~تأكيد المدح بما يشبه الذم كما في قوله:

# ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

# بهن فلول من قراع الكتائب

# وهو يفيد نفي سماع اللغو بالطريق البرهاني الأقوى. والاتصال على هذا على
~~طريق الفرض والتقدير ولولا ذلك لم يقع موقعه من الحسن والمبالغة، وقيل:
~~اتصال الاستثناء على أن معنى السلام الدعاء بالسلامة من الآفات وحيث أن
~~أهل الجنة أغنياء عن ذلك إذ لا آفة فيها كان السلام لغوا بحسب الظاهر
~~وإن لم يكن كذلك نظرا للمقصود منه وهو الإكرام وإظهار التحابب، ولذا كان
~~لائقا بأهل الجنة.

# { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } وارد على عادة
~~المتنعمين في هذه الدار، أخرج ابن المنذر عن يحيى بن كثير قال: كانت
~~العرب في زمانها إنما لها أكلة واحدة فمن أصاب أكلتين سمي فلان الناعم
~~فأنزل الله تعالى هذا يرغب عباده فيما عنده، وروي نحو ذلك عن الحسن،
~~وقيل: المراد دوام رزقهم ودروره وإلا فليس في الجنة بكرة ولا عشي لكن جاء
~~في بعض الآثار أن أهل الجنة يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق
~~الأبواب ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب، وأخرج الحكيم
~~الترمذي في «نوادر الأصول» من طريق أبان عن الحسن وأبي قلابة قالا:

# " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل في
~~الجنة من ليل؟ قال: وما هيجك على هذا؟ قال: سمعت الله تعالى يذكر في
~~الكتاب { ولهم رزقهم فيها بكرة ms06374 وعشيا } فقلت: الليل
~~من البكرة والعشي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس هناك ليل وإنما
~~هو ضوء ونور يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو وتأتيهم طرف الهدايا
~~من الله تعالى لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا وتسلم
~~عليهم الملائكة عليهم السلام ".

### || [19.63]

# استئناف جيء به لتعظيم شأن الجنة وتعيين أهلها فاسم الإشارة مبتدأ و {
~~الجنة } خبر له والموصول صفة لها والجملة بعده صلته والعائد محذوف أي
~~نورثها، وبذلك / قرأ الأعمش وقرأ الحسن والأعرج وقتادة ورويس وحميد وابن
~~أبي عبلة وأبو حيوة ومحبوب عن أبي عمرو { نورث } بفتح الواو وتشديد
~~الراء والمراد نبقيها على من كان تقيا من ثمرة تقواه ونمتعه بها كما
~~نبقي على الوارث مال مورثه ونمتعه به فالإيراث مستعار للإبقاء، وإيثاره
~~على سائر ما يدل على ذلك كالبيع والهبة لأنه أتم أنواع التمليك من حيث
~~أنه لا يعقب بفسخ ولا استرجاع ولا إبطال، وقيل: يورث المتقون من الجنة
~~المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب
~~قال: ليس من أحد إلا وله في الجنة منزل وأزواج فإذا كان يوم القيامة ورث
~~الله تعالى المؤمن كذا وكذا منزلا من منازل الكفار وذلك قوله تعالى: {
~~تلك الجنة التى نورث } الآية، ولا يخفى أن هذا إن صح فيه
~~أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى العين والرأس وإلا فقد قيل
~~عليه: إنه ضعيف لأنه يدل على أن بعض الجنة موروث والنظم الجليل يدل على
~~أنها كلها كذلك ولأن الإيراث ينبىء عن ملك سابق لا على فرضه مع أنه لا
~~داعي للفرض هنا لكن تعقب بأنه يكفي في الإيراث كون الموروث كان موجودا
~~لكن بشرط التقوى بناء على ما ذهب إليه بعضهم في قوله تعالى:

# جنت عدن التى وعد الرحمن عباده

# [مريم: 61] حيث قال: المراد من العباد ما يعم المؤمن التقي وغيره ووعد
~~غير المؤمن التقي مشروط بالإيمان والتقوى، نعم اختار الأكثرون أن المراد
~~من العباد هناك المتقون والمراد ms06375 منهم هنا الأعم، والمراد من التقي من آمن
~~وعمل صالحا على ما قيل، ولا دلالة في الآية على أن غيره لا يدخل الجنة
~~مطلقا، وأخرج ابن أبي حاتم عن داود بن أبي هند أنه الموحد فتذكر ولا
~~تغفل.

### || [19.64]

# { وما نتنزل إلا بأمر ربك } حكاية قول جبرائيل صلوات
~~الله تعالى وسلامه عليه، فقد روي أنه احتبس عنه صلى الله عليه وسلم
~~أياما حين سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فلم يدر عليه
~~الصلاة والسلام كيف يجيب حتى حزن واشتد عليه ذلك وقال المشركون: إن ربه
~~ودعه وقلاه فلما نزل قال له عليه الصلاة والسلام: يا جبريل احتبست عني
~~حتى ساء ظني واشتقت إليك فقال: إني كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت
~~نزلت وإذا حبست احتبست وأنزل الله تعالى هذه الآية وسورة الضحى قاله غير
~~واحد، فهو من عطف القصة على القصة على ما قاله الخفاجي. وفي «الكشف» وجه
~~وقوع ذلك هذا الموقع أنه تعالى لما فرغ من أقاصيص الأنبياء عليهم السلام
~~تثبيتا له صلى الله عليه وسلم وذنب بما أحدث بعدهم الخلوف واستثنى
~~الإخلاف وذكر جزاء الفريقين عقب بحكاية نزول جبريل عليه السلام وما رماه
~~المشركون به من توديع ربه سبحانه إياه زيادة في التسلية وإن الأمر ليس
~~على ما زعم هؤلاء الخلوف وأدمج فيه مناسبته لحديث التقوى بما دل على أنهم
~~مأمورون في حركة وسكون منقادون مفوضون لطفا له ولأمته صلى الله عليه
~~وسلم ولهذا صرح بعده بقوله تعالى:

# فاعبده واصطبر لعبادته

# [مريم: 65] وفيه أنك لا ينبغي أن تكترث بمقالة المخالفين إلى أن تلقى
~~ربك سعيدا، وعطف عليه مقالة الكفار بيانا لتباين ما بين المقالتين وما
~~عليه الملك المعصوم والإنسان الجاهل الظلوم فهو استطراد شبيه بالاعتراض
~~حسن الموقع انتهى، ولا يأبى ما تقدم في سبب النزول ما أخرجه أحمد
~~والبخاري والترمذي والنسائي وجماعة في سببه عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه الصلاة والسلام: / ما
~~يمنعك ms06376 أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت { وما نتنزل إلا
~~بأمر ربك } "

# لجواز أن يكون صلى الله عليه وسلم قال ذلك في أثناء محاورته السابقة
~~أيضا واقتصر في كل رواية على شيء مما وقع في المحاورة، وقيل: يجوز أن
~~يكون النزول متكررا نعم ما ذكر في التوجيه إنما يحسن على بعض الروايات
~~السابقة في المراد بالخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات. وقال
~~بعضهم: إن التقدير هذا، وقال جبريل: وما نتنزل الخ وبه يظهر حسن العطف
~~ووجهه انتهى وتعقب بأنه لا محصل له. وحكى النقاش عن قوم أن الآية متصلة
~~بقول جبريل عليه السلام أولا

# إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلما زكيا

# [مريم: 19] وهو قول نازل عن درجة القبول جدا، والتنزل النزول على مهل
~~لأنه مطاوع نزل يقال نزلته فتنزل، وقد يطلق بمعنى النزول مطلقا كما يطلق
~~نزل بمعنى أنزل، وعلى ذلك قوله:

# فلست لإنسي ولكن لملأك

# تنزل من جو السماء يصوب

# إذ لا أثر للتدرج في مقصود الشاعر، والمعنى ما نتنزل وقتا غب وقت إلا
~~بأمر الله تعالى على ما تقتضيه حكمته سبحانه.

# وقرأ الأعرج { وما يتنزل } بالياء والضمير للوحي بقرينة الحال، وسبب
~~النزول والكلام لجبريل عليه السلام، وقيل: إن الضمير له عليه السلام
~~والكلام له عز وجل أخبر سبحانه أنه لا يتنزل جبريل إلا بأمره تعالى
~~قائلا: { له ما بين أيدينا } ما قدامنا من الزمان المستقبل {
~~وما خلفنا } من الزمان الماضي { وما بين ذلك } المذكور من
~~الزمان الحال فلا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمره سبحانه ومشيئته عز
~~وجل، وقال ابن جريج: ما بين الأيدي هو ما مر من الزمان قبل الإيجاد وما
~~خلف هو ما بعد موتهم إلى استمرار الآخرة وما بين ذلك هو مدة الحياة، وقال
~~أبو العالية: ما بين الأيدي الدنيا بأسرها إلى النفخة الأولى وما خلف ذلك
~~الآخرة من وقت البعث وما بين ذلك ما بين النفختين وهو أربعون سنة، وفي
~~كتاب «التحرير والتحبير» ما بين الأيدي الآخرة وما خلف الدنيا ورواه
~~العوفي عن ms06377 ابن عباس وبه قال ابن جبير وقتادة ومقاتل وسفيان، وقال الأخفش:
~~ما بين الأيدي هو ما قبل الخلق وما خلف هو ما بعد الفناء وما بين ذلك ما
~~بين الدنيا والآخرة فالماآت على هذه الأقوال من الزمان. وقال صاحب
~~«الغنيان»: ما بين أيدينا السماء وما خلفنا الأرض وما بين ذلك ما بين
~~الأرض والسماء، وقيل: ما بين الأيدي الأرض وما خلف السماء وقيل: ما بين
~~الأيدي المكان الذي ينتقلون إليه وما خلف المكان الذي ينتقلون منه وما
~~بين ذلك المكان الذي هم فيه فالماآت من الأمكنة، واختار بعضهم تفسيرها
~~بما يعم الزمان والمكان، والمراد أنه تعالى المالك لكل ذلك فلا ننتقل من
~~مكان إلى مكان ولا ننزل في زمان دون زمان إلا بإذنه عز وجل. وقال البغوي:
~~المراد له علم ما بين أيدينا الخ أي فلا نقدم على ما لم يكن موافق حكمته
~~سبحانه وتعالى. واختار بعضهم التعميم أي له سبحانه ذلك ملكا وعلما.

# { وما كان ربك نسيا } أي تاركا أنبياءه عليهم السلام ويدخل
~~صلى الله عليه وسلم في ذلك دخولا أوليا أي ما كان عدم النزول إلا لعدم
~~الأمر به ولم يكن عن ترك الله تعالى لك وتوديعه إياك كما زعمت الكفرة
~~وإنما كان لحكمة بالغة، وقيل: النسيان على ظاهره يعني أنه سبحانه لإحاطة
~~علمه وملكه لا يطرأ عليه الغفلة والنسيان حتى يغفل عنك وعن الإيحاء إليك
~~وإنما كان تأخير الإيحاء لحكمة علمها جل شأنه، واختير الأول لأن هذا
~~المعنى لا يجوز عليه سبحانه فلا حاجة إلى نفيه عنه عز وجل مع / أن الأول
~~هو الأوفق لسبب النزول.

# ورجح الثاني بأنه أوفق بصيغة المبالغة فإنها باعتبار كثرة من فرض التعلق
~~به وهي أتم على الثاني مع ما في ذلك من إبقاء اللفظ على حقيقته، وكثيرا
~~ما جاء في القرآن نفي ما لا يجوز عليه سبحانه وتعالى وفيه نظر، نعم لا
~~شبهة في أن المتبادر الثاني وأمر الأوفقية لسبب النزول سهل، وفي إعادة
~~اسم الرب المعرب عن التبليغ إلى الكمال ms06378 اللائق مضافا إلى ضميره عليه
~~الصلاة والسلام من تشريفه صلى الله عليه وسلم والإشعار بعلة الحكم ما لا
~~يخفى، وقال أبو مسلم وابن بحر: أول الآية إلى { وما بين ذلك } من
~~كلام المتقين حين يدخلون الجنة والتنزل فيه من النزول في المكان، والمعنى
~~وما نحل الجنة ونتخذها منازل إلا بأمر ربك تعالى ولطفه وهو سبحانه مالك
~~الأمور كلها سالفها ومترقبها وحاضرها فما وجدنا وما نجده من لطفه وفضله،
~~وقوله سبحانه: { وما كان ربك نسيا } تقرير من جهته تعالى
~~لقولهم أي وما كان سبحانه تاركا لثواب العاملين أو ما كان ناسيا
~~لأعمالهم والثواب عليها حسبما وعد جل وعلا، وفيه أن حمل التنزل على ما
~~ذكر خلاف الظاهر. وأيضا مقتضاه بأمر ربنا لأن خطاب النبي صلى الله عليه
~~وسلم كما في الوجه الأول غير ظاهر إلا أن يكون حكاه الله تعالى على
~~المعنى لأن ربهم وربه واحد ولو حكى على لفظهم لقيل ربنا، وإنما حكى كذلك
~~ليجعل تمهيدا لما بعده، وكون ذلك خطاب جماعة المتقين لواحد منهم بعيد
~~وكذا { وما كان ربك نسيا } إذ لم يقل ربهم. وأيضا لا يوافق
~~ذلك سبب النزول بوجه، وكأن القائل إنما اختاره ليناسب الكلام ما قبله
~~ويظهر عطفه عليه. وقد تحقق أنا في غنى عن ارتكابه لهذا الغرض.

### || [19.65]

# قوله تعالى: { رب السموات والأرض وما بينهما } بيان
~~لاستحالة النسيان عليه تعالى فإن من بيده ملكوت السموات والأرض وما
~~بينهما كيف يتصور أن يحوم حول ساحة عظمته وجلاله الغفلة والنسيان أو ترك
~~وقلاء من اختاره واصطفاه لتبليغ رسالته، و «رب» خبر مبتدأ محذوف أي هو رب
~~السموات الخ أو بدل من { ربك } في قوله تعالى:

# وما كان ربك نسيا

# [مريم: 64] والفاء في قوله سبحانه { فاعبده واصطبر
~~لعبادته } لترتيب ما بعدها من موجب الأمرين على ما قبلها من كونه
~~تعالى رب السموات والأرض وما بينهما، وقيل: من كونه تعالى غير تارك له
~~عليه الصلاة والسلام أو غير ناس لأعمال العاملين، والمعنى فحين عرفته
~~تعالى بما ذكر من الربوبية ms06379 الكاملة فاعبده الخ فإن إيجاب معرفته سبحانه
~~كذلك لعبادته مما لا ريب فيه أو حين عرفت أنه عز وجل لا ينساك أو لا ينسى
~~أعمال العاملين فأقبل على عبادته واصطبر على مشاقها ولا تحزن بإبطاء
~~الوحي وكلام الكفرة فإنه سبحانه يراقبك ويراعيك ويلطف بك في الدنيا
~~والآخرة.

# وجوز أبو البقاء أن يكون { رب السموات } مبتدأ والخبر {
~~فاعبده } والفاء زائدة على رأي الأخفش وهو كما ترى. وجوز الزمخشري
~~أن يكون قوله تعالى:

# وما كان ربك نسيا

# [مريم: 64] من تتمة كلام المتقين على تقدير أن يكون { رب } خبر مبتدأ
~~محذوف ولم يجوز ذلك على تقدير الإبدال لأنه لا يظهر حينئذ ترتب قوله
~~سبحانه: { فاعبده } الخ عليه لأنه من كلام الله تعالى لنبيه صلى
~~الله عليه وسلم في الدنيا بلا شك، وجعله جواب شرط محذوف على تقدير ولما
~~عرفت أحوال أهل الجنة وأقوالهم فأقبل على العمل لا يلائم  كما في
~~«الكشف»  فصاحة التنزيل للعدول عن السبب الظاهر إلى الخفي، وتعدية
~~الاصطبار باللام مع أن المعروف تعديته بعلى كما في قوله تعالى:

# واصطبر عليها

# [طه: 132] لتضمنه / معنى الثبات للعبادة فيما تورد عليه من الشدائد
~~والمشاق كقولك للمبارز: اصطبر لقرنك أي اثبت له فيما يورد عليك من شداته،
~~وفيه إشارة إلى ما يكابد من المجاهدة وأن المستقيم من ثبت لذلك ولم
~~يتزلزل وشمة من معنى «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر».

# { هل تعلم له سميا } أي مثلا كما جاء في رواية جماعة عن
~~ابن عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة وأصله الشريك في الاسم، وإطلاقه على
~~ذلك لأن الشركة في الاسم تقتضي المماثلة، وقال ابن عطية: السمي على هذا
~~بمعنى المسامي والمضاهي، وأبقاه بعضهم على الأصل، واستظهر أن يراد ههنا
~~الشريك في اسم خاص قد عبر عنه تعالى بذلك وهو رب السموات والأرض، وقيل:
~~المراد هو الشريك في الاسم الجليل فإن المشركين مع غلوهم في المكابرة لم
~~يسموا الصنم بالجلالة أصلا، وقيل: المراد هو الشريك فيما يختص به تعالى
~~كالاسم الجليل والرحمن، ونقل ذلك عن ms06380 ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~أيضا؛ وقيل: هو الشريك في اسم الإله، والمراد بالتسمية التسمية على
~~الحق وأما التسمية على الباطل فهي كلا تسمية، وأخرج الطستي عن ابن عباس
~~أن نافع بن الأزرق سأله عن ذلك قال: السمي الولد وأنشد له قول الشاعر:

# أما السمى فأنت منه مكثر

# والمال مال يغتدي ويروح

# وروي ذلك أيضا عن الضحاك، وأيا ما كان فالمراد بإنكار العلم ونفيه
~~إنكار المعلوم ونفيه على أبلغ وجه وآكده، والجملة تقرير لوجوب عبادته عز
~~وجل وإن اختلف الاعتبار حسب اختلاف الأقوال فتدبر.

# وقرأ الاخوان وهشام وعلي بن نصر وهرون كلاهما عن أبي عمرو والحسن
~~والأعمش وعيسى وابن محيصن { هتعلم } بإدغام اللام في التاء وهو على ما
~~قال أبو عبيدة لغة كالإظهار وأنشدوا لذلك قول مزاحم العقيلي:

# فذرذا ولكن هتعين متيما

# على ضوء برق آخر الليل ناصب

### || [19.66]

# أخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنها نزلت في العاصي بن وائل، وعن عطاء عن
~~ابن عباس أنها نزلت في الوليد بن المغيرة، وقيل: في أبي جهل، وعن
~~الكلبي في أبي بن خلف أخذ عظما باليا فجعل يفته بيده ويذريه في الريح
~~ويقول: زعم فلان أنا نبعث بعد أن نموت ونكون مثل هذا إن هذا شيء لا يكون
~~أبدا فأل في { الإنسن } على ما قيل للعهد والمراد به أحد هؤلاء
~~الأشحاص، وقيل: المراد بالإنسان جماعة معينون وهم الكفرة المنكرون للبعث.
~~وقال غير واحد: يجوز أن تكون أل للجنس ويكون هناك مجاز في الطرف بأن يطلق
~~جنس الإنسان ويراد بعض أفراده كما يطلق الكل على بعض أجزائه أو يكون هناك
~~مجاز في الإسناد بأن يسند إلى الكل ما صدر عن البعض كما يقال: بنو فلان
~~قتلوا قتيلا والقاتل واحد منهم، ومن ذلك قوله:

# فسيف بني عبس وقد ضربوا به

# نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد

# واعترض هذا بأنه يشترط لصحة ذلك الإسناد رضا الباقين بالفعل أو مساعدتهم
~~عليه حتى يعد كأنه صدر منهم، ولا شك أن بقية أفراد الإنسان من المؤمنين ms06381
~~لم يرضوا بهذا القول. وأجاب بعض مشترطي ذلك للصحة بأن الإنكار مركوز في
~~طبائع الكل قبل النظر في الدليل فالرضا حاصل بالنظر إلى الطبع والجبلة.

# وقال الخفاجي: الحق عدم اشتراط ذلك لصحته وإنما يشترط لحسنه نكتة
~~يقتضيها مقام الكلام / حتى يعد الفعل كأنه صدر عن الجميع فقد تكون الرضا
~~وقد تكون المظاهرة وقد تكون عدم الغوث والمدد ولذا أوجب الشرع القسامة
~~والدية وقد تكون غير ذلك، وكأن النكتة هنا أنه لما وقع بينهم إعلان قول
~~لا ينبغي أن يقال مثله وإذا قيل لا ينبغي أن يترك قائله بدون منع أوقتل
~~جعل ذلك بمنزلة الرضا حثا لهم على إنكاره قولا أو فعلا انتهى. وقيل:
~~لعل الحق أن الإسناد إلى الكل هنا للإشارة إلى قلة المؤمنين بالبعث على
~~الوجه الذي أخبر به الصادق

# ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين

# [يوسف: 103] فتأمل، وعبر بالمضارع إما استحضارا للصورة الماضية لنوع
~~غرابة، وإما لإفادة الاستمرار التجددي فإن هذا القول لا يزال يتجدد حتى
~~ينفخ في الصور.

# والهمزة للإنكار وإذا ظرف متعلق بفعل محذوف دل عليه { أخرج } ولم
~~يجوزوا تعلقه بالمذكور لأن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبله، وعد ابن عطية
~~توسط سوف مانعا من العمل أيضا، ورد عليه بقوله:

# فلما رأته آمنا هان وجدها

# وقالت أبونا هكذا سوف يفعل

# وغير ذلك مما سمع، ونقل عن الرضي أنه جعل إذا هنا شرطية وجعل عاملها
~~الجزاء وقال: إن كلمة الشرط تدل على لزوم الجزاء للشرط، ولتحصيل هذا
~~الغرض عمل في إذا جزاؤه مع كونه بعد حرف لا يعمل ما بعده فيما قبله
~~كالفاء في

# فسبح

# [الحجر: 98] وإن في قولك: إذا جئتني فإني مكرم ولام الابتداء في قوله
~~تعالى: { أءذا ما مت لسوف أخرج حيا } ، ومختار
~~الأكثرين أن إذا هنا ظرفية، وما ذكره الرضي ليس بمتفق عليه، وتحقيق ذلك
~~في «كتب العربية»، وفي الكلام معطوف محذوف لقيام القرينة عليه أي ائذا ما
~~مت وصرت رميما لسوف الخ.

# واللام هنا لمجرد التوكيد، ولذا ساغ اقترانها بحرف الاستقبال، وهذا ms06382 على
~~القول بأنها إذا دخلت المضارع خلصته للحال، وأما على القول بأنها لا
~~تخلصه فلا حاجة إلى دعوى تجريدها للتوكيد لكن الأول هو المشهور وما في {
~~إذا ما } للتوكيد أيضا. والمراد من الإخراج الإخراج من الأرض أو من
~~حال الفناء والخروج على الأول حقيقة وعلى الثاني مجاز عن الانتقال من حال
~~إلى أخرى، وإيلاء الظرف همزة الإنكار دون الإخراج لأن ذلك الإخراج ليس
~~بمنكر مطلقا وإنما المنكر كونه وقت اجتماع الأمرين فقدم الظرف لأنه محل
~~الإنكار، والأصل في المنكر أن يلي الهمزة، ويجوز أن يكون المراد إنكار
~~وقت ذلك بعينه أي إنكار مجيء وقت فيه حياة بعد الموت يعني أن هذا الوقت
~~لا يكون موجودا وهو أبلغ من إنكار الحياة بعد الموت لما أنه يفيد إنكاره
~~بطريق برهاني، وبعضهم لم يقدر معطوفا واعتبر زمان الموت ممتدا لا أول
~~زهوق الروح كما هو المتبادر، وقيل: لا حاجة إلى جميع ذلك لأنهم إذا
~~أحالوه في حالة الموت علم إحالته إذا كانوا رفاتا بالطريق الأولى، وأيا
~~ما كان فلا إشكال في الآية.

# وقرأ جماعة منهم ابن ذكوان بخلاف عنه { إذا } بدون همزة الاستفهام وهي
~~مقدرة معه لدلالة المعنى على ذلك، وقيل: لا تقدير والمراد الإخبار على
~~سبيل الهزء والسخرية بمن يقول ذلك. وقرأ طلحة بن مصرف { سأخرج } بسين
~~الاستقبال وبغير لام، وعلى ذلك تكون إذا متعلقة بالفعل المذكور على
~~الصحيح، وفي رواية أخرى عنه { لسأخرج } بالسين واللام. وقرأ الحسن وأبو
~~حيوة { أخرج } مبنيا للفاعل.

### || [19.67]

# { أو لا يذكر إلإنسن } من الذكر الذي يراد به التفكر،
~~والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقرير والإشعار بأن الإنسانية من
~~دواعي التفكر / فيما جرى عليه من شؤون التكوين المانعة عن القول المذكور
~~وهو السر في إسناده إلى الجنس أو إلى الفرد بذلك العنوان على ما قيل.
~~والهمزة للإنكار التوبيخي وهي على أحد المذهبين المشهورين في مثل هذا
~~التركيب داخلة على محذوف معطوف عليه ما بعد والتقدير ههنا أيقول ذلك ولا
~~يذكر { أنا خلقناه من قبل } أي من قبل ms06383 الحالة التي هو فيها
~~وهي حالة بقائه، وقيل: أي من قبل بعثه { ولم يك شيئا } أي والحال
~~أنه لم يكن حينئذ موجودا فحيث خلقناه وهو في تلك الحالة المنافية للخلق
~~بالكلية مع كونه أبعد من الوقوع فلأن نبعثه بإعادة ما عدم منه وقد كان
~~متصفا بالوجود في وقت على ما اختاره بعض أهل السنة أو بجمع المواد
~~المتفرقة وإيجاد مثل ما كان فيها من الأعراض - على ما اختاره بعض آخر
~~منهم أيضا - أولى وأظهر فما له لا يذكره فيقع فيما يقع فيه من النكير،
~~وقيل: إن العطف على

# يقول

# [مريم: 66] المذكور سابقا. والهمزة لإنكار الجمع لدخولها على الواو
~~المفيدة له، ولا يخل ذلك بصدارتها لأنها بالنسبة إلى جملتها فكأنه قيل،
~~أيجمع بين القول المذكور وعدم الذكر. ومحصله أيقول ذلك ولا يذكر أنا
~~خلقناه الخ. وقرأ غير واحد من السبعة { يذكر } بفتح الذال والكاف
~~وتشديدهما، وأصله يتذكر فأدغم التاء في الذال وبذلك قرأ أبي.

### || [19.68]

# { فوربك } إقسامه باسمه عزت أسماؤه مضافا إلى ضميره صلى الله عليه
~~وسلم لتحقيق الأمر بالإشعار بعلته وتفخيم شأنه عليه الصلاة والسلام ورفع
~~منزلته { لنحشرنهم } أي لنجمعن القائلين ما تقدم بالسوق إلى
~~المحشر بعد ما أخرجناهم أحياء، وفي القسم على ذلك دون البعث إثبات له على
~~أبلغ وجه وآكده كأنه أمر واضح غني عن التصريح به بعد بيان إمكانه بما
~~تقدم من الحجة البالغة وإنما المحتاج إلى البيان ما بعد ذلك من الأهوال،
~~وكون الضمير للكفرة القائلين هو الظاهر نظرا إلى السياق وإليه ذهب ابن
~~عطية وجماعة. ولا ينافي ذلك إرادة الواحد من الإنسان كما لا يخفى.
~~واستظهر أبو حيان أنه للناس كلهم مؤمنهم وكافرهم { والشيطين }
~~معطوف على الضمير المنصوب أو مفعول معه. روي أن الكفرة يحشرون مع قرنائهم
~~من الشياطين الذين كانوا يغوونهم كل منهم مع شيطانه في سلسلة، ووجه ذلك
~~على تقدير عود الضمير للناس أنهم لما حشروا وفيهم الكفرة مقرونين
~~بالشياطين فقد حشروا معهم جميعا على طرز ما قيل في نسبة القول إلى
~~الجنس، ms06384 وقيل: يحشر كل واحد من الناس مؤمنهم وكافرهم مع قرينه من الشياطين
~~ولا يختص الكافر بذلك. وقد يستأنس له بما في «الصحيحين» عن ابن مسعود رضي
~~الله تعالى عنه مرفوعا

# " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن قالوا: وإياك يا رسول
~~الله قال: وإياي إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا
~~بخير "

# { ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا } باركين على
~~الركب، وأصله جثوو بواوين فاستثقل اجتماعهما بعد ضمتين فكسرت الثاء
~~للتخفيف فانقلبت الواو الأولى ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فاجتمعت واو
~~وياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء فأدغمت الياء في الياء وكسرت
~~الجيم اتباعا لما بعدها. وقرأ غير واحد من السبعة بضمها وهو جمع جاث في
~~القراءتين، وجوز الراغب كونه مصدرا نظير ما قيل في بكى وقد مر، ولعل
~~إحضار الكفرة بهذه الحال إهانة لهم أو لعجزهم عن القيام لما اعتراهم من
~~الشدة. / وقال بعضهم: إن المحاسبة تكون حول جهنم فيجثون لمخاصمة بعضهم
~~بعضا ثم يتبرأ بعضهم من بعض، وقال السدي: يجثون لضيق المكان بهم فالحال
~~على القولين مقدرة بخلافه على ما تقدم. وقيل: إنها عليه مقدرة أيضا لأن
~~المراد الجثي حول جهنم، ومن جعل الضمير للكفرة وغيرهم قال: إنه يحضر
~~السعداء والأشقياء حول جهنم ليرى السعداء ما نجاهم الله تعالى منه
~~فيزدادوا غبطة وسرورا وينال الأشقياء ما ادخروا لمعادهم ويزدادوا غيظا
~~من رجوع السعداء عنهم إلى دار الثواب وشماتتهم بهم ويجثون كلهم ثم لما
~~يدهمهم من هول المطلق أو لضيق المكان أو لأن ذلك من توابع التواقف للحساب
~~والتقاول قبل الوصول إلى الثواب والعقاب، وقيل: إنهم يجثون على ركبهم
~~إظهارا للذل في ذلك الموطن العظيم، ويدل على جثي جميع أهل الموقف ظاهر
~~قوله تعالى:

# وترى كل أمة جاثية

# [الجاثية: 28] لكن سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى ما هو ظاهر في عدم
~~جثي الجميع من الأخبار والله تعالى أعلم، والحال قيل: مقدرة، وقيل: غيره
~~مقدرة إلا أنه أسند ما للبعض إلى الكل، وجعلها ms06385 مقدرة بالنسبة إلى السعداء
~~وغير مقدرة بالنسبة إلى الأشقياء لا يصح، وعن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أنه فسر { جثيا } بجماعات على أنه جمع جثوة وهو المجموع من
~~التراب والحجارة أي لنحضرنهم جماعات.

### || [19.69]

# { ثم لننزعن من كل شيعة } أي جماعة تشايعت وتعاونت على
~~الباطل أو شاعت وتبعت الباطل على ما يقتضيه كون الآية في الكفرة أو جماعة
~~شاعت دينا مطلقا على ما يقتضيه كونها في المؤمنين وغيرهم { أيهم
~~أشد على الرحمن عتيا } أي نبوا عن الطاعة وعصيانا، وعن
~~ابن عباس جراءة، وعن مجاهد كفرا، وقيل: افتراء بلغة تميم، والجمهور على
~~التفسير الأول، وهو على سائر التفاسير مصدر وفيه القراءتان السابقتان في

# جثيا

# [مريم: 68]. وزعم بعضهم أنه فيهما جمع جاث وهو خلاف الظاهر هنا، والنزع
~~الإخراج كما في قوله تعالى:

# ونزع يده

# [الأعراف: 108] والمراد استمرار ذلك أي إنا نخرج ونفرز من كل جماعة من
~~جماعات الكفر أعصاهم فأعصاهم إلى أن يحاط بهم فإذا اجتمعوا طرحناهم في
~~النار على الترتيب نقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم وذلك قوله تعالى: { ثم
~~لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا... }.

### || [19.70]

# فالمراد بالذين هم أولى المنتزعون باعتبار الترتيب، وقد يراد بهم أولئك
~~باعتبار المجموع فكأنه قيل: ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء وهم أولى بالصلي
~~من بين سائر الصالين ودركاتهم أسفل وعذابهم أشد ففي الكلام إقامة المظهر
~~مقام المضمر، وفسر بعضهم النزع بالرمي من نزعت السهم عن القوس أي رميته
~~فالمعنى لنرمين فيها الأعصى فالأعصى من كل طائفة من تلك الطوائف ثم لنحن
~~أعلم بتصليتهم؛ وحمل الآية على البدء بالأشد فالأشد مروي عن ابن مسعود
~~رضي الله تعالى عنه. وجوز أن يراد بأشدهم عتيا رؤساء الشيع وأئمتهم
~~لتضاعف جرمهم بكونهم ضلالا مضلين قال الله تعالى:

# الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدنهم
~~عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون

# [النحل: 88]

# وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم

# [العنكبوت: 13]. وأخرج ذلك ابن أبي حاتم عن قتادة وعليه لا يجب
~~الاستمرار والإحاطة. وأورد على القول بالعموم أن قوله تعالى: {
~~أشد... عتيا ms06386 } [مريم: 69] يقتضي اشتراك الكل في العتي بل في
~~أشديته وهو لا يناسب المؤمنين، وأجيب عنه بأن ذلك من نسبة ما للبعض إلى
~~الكل والتفضيل على طائفة لا يقتضي مشاركة كل فرد فرد فإذا قلت: هو أشجع
~~العرب لا يلزمه وجود الشجاعة في جميع أفرادهم، وعلى هذا يكون في الآية
~~إيماء إلى التجاوز عن كثير حيث خص العذاب بالأشد معصية، و

# أيهم

# [مريم: 69] مفعول

# ننزعن

# [مريم: 69] وهو اسم موصول بمعنى الذي مبني على الضم محله / النصب و

# أشد

# [مريم: 69] خبر مبتدأ محذوف أي هو أشد والجملة صلة والعائد المبتدأ و

# على الرحمن

# [مريم: 69] متعلق بأشد، { وعتيا } تمييز محول عن المبتدأ، ومن زعم أنه
~~جمع جعله حالا، وجوز في الجار أن يكون للبيان فهو متعلق بمحذوف كما في
~~سقيا لك، ويجوز تعلقه بعتيا، أما إن كان وصفا فبالاتفاق، وأما إذا كان
~~مصدرا فعند القائل بجواز تقدم معمول المصدر لا سيما إذا كان ظرفا، وكذا
~~الكلام في { بها } من قوله تعالى: { هم أولى بها صليا }
~~فإنه جوز أن يكون الجار للبيان وأن يكون متعلقا بأولى وأن يكون متعلقا
~~بصليا، وقد قرىء بالضم والكسر، وجوز فيه المصدرية والوصفية، وهو على
~~الوصفية حال وعلى المصدرية تمييز على طرز ما قيل في

# عتيا

# [مريم: 69] إلا أنه جوز فيه أن يكون تمييزا عن النسبة بين { أوءلى }
~~والمجرور وقد أشير إلى ذلك فيما مر.

# والصلي من صلي النار كرضي وبها قاسى حرها، وقال الراغب: يقال صلي بالنار
~~وبكذا أي بلى به، وعن الكلبي أنه فسر الصلى بالدخول، وعن ابن جريج أنه
~~فسره بالخلود، وليس كل من المعنيين بحقيقي له كما لا يخفى، ثم ما ذكر من
~~بناء  أي  هنا هو مذهب سيبويه، وكان حقها أن تبنى في كل موضع كسائر
~~الموصولات لشبهها الحرف بافتقارها لما بعدها من الصلة لكنها لما لزمت
~~الإضافة إلى المفرد لفظا أو تقديرا وهي من خواص الأسماء بعد الشبه
~~فرجعت إلى الأصل في الأسماء وهو الإعراب ولأنها إذا أضيفت إلى نكرة كانت
~~بمعنى كل ms06387 وإذا أضيفت إلى معرفة كانت بمعنى بعض فحملت في الإعراب على ما
~~هي بمعناه وعادت هنا عنده إلى ما هو حق الموصول وهو البناء لأنه لما حذف
~~صدر صلتها إزداد نقصها المعنوي وهو الإبهام والافتقار للصلة بنقص الصلة
~~التي هي كجزئها فقويت مشابهتها للحرف، ولم يرتض كثير من العلماء ما ذهب
~~إليه.

# قال أبو عمرو الجرمي: خرجت من البصرة فلم أسمع منذ فارقت الخندق إلى مكة
~~أحدا يقول: لأضربن أيهم قائم بالضم، وقال أبو جعفر النحاس: ما علمت
~~أحدا من النحويين إلا وقد خطأ سيبويه في هذه المسألة. وقال الزجاج: ما
~~تبين أن سيبويه غلط في «كتابه» إلا في موضعين هذا أحدهما فإنه يقول
~~بإعراب أي إذا أفردت عن الإضافة فكيف يبنيها إذا أضيفت. وقد تكلف شيخنا
~~علاء الدين أعلا الله تعالى مقامه في عليين للذب عن سيبويه في ذلك بما لا
~~يفي بمؤنة نقله، وقد ذكرنا بعضا منه في «حواشينا على شرح القطر» للمصنف.

# نعم يؤيد ما ذهب إليه سيبويه من المفعولية قراءة طلحة بن مصرف ومعاذ بن
~~مسلم الهراء أستاذ الفراء وزائدة عن الأعمش { أيهم } بالنصب لكنها ترد ما
~~نقل عنه من تحتم البناء إذا أضيفت وحذف صدر صلتها، وينبغي إذا كان واقفا
~~على هذه القراءة أن يقول بجواز الأمرين فيها حينئذ، وقال الخليل: مفعول

# ننزعن

# [مريم: 69] موصول محذوف وأي هنا استفهامية مبتدأ وأشد خبره والجملة
~~محكية بقول وقع صلة للموصول المحذوف أي لننزعن الذين يقال فيهم: أيهم
~~أشد، وتعقب بأنه لا معنى لجعل النزع لمن يسأل عنه بهذا الاستفهام، وأجيب
~~بأن ذلك مجاز عن تقارب أحوالهم وتشابهها في العتو حتى يستحق أن يسأل عنها
~~أو المراد الذين يجاب بهم عن هذا السؤال، وحاصله لننزعن الأشد عتيا وهو
~~مع تكلفه فيه حذف الموصول مع بعض الصلة وهو تكلف على تكلف ومثله لا
~~ينقاس، نعم مثله في الحذف على ماقيل قول الشاعر:

# ولقد أبيت من الفتاة بمنزل

# فأبيت لا حرج ولا محروم

# وذهب الكسائي والفراء إلى ما قاله الخليل ms06388 إلا أنهما جعلا الجملة في حل
~~نصب بننزعن، والمراد لننزعن من يقع في جواب هذا السؤال، والفعل معلق
~~بالاستفهام، وساغ تعليقه عندهما لأن المعنى لننادين وهما / يريان تعليق
~~النداء وإن لم يكن من أفعال القلوب وإلى ذلك ذهب المهدوي، وقيل: لما كان
~~النزع متضمنا معنى الإفراز والتمييز وهو مما يلزمه العلم عومل معاملة
~~العلم فساغ تعليقه.

# ويونس لا يرى التعليق مختصا بصنف من الأفعال بل سائر أصناف سواء في صحة
~~التعليق عنده، وقيل: الجملة الاستفهامية استئنافية والفعل واقع على

# كل شيعة

# [مريم: 69] على زيادة من في الإثبات كما يراه الأخفش أو على معنى لننزعن
~~بعض كل شيعة بجعل { من } مفعولا لتأويلها باسم، ثم إذا كان الاستئناف
~~بيانيا واقعا في جواب من المنزوعون احتيج إلى التأويل كأن يقال: المراد
~~الذين يقعون في جواب

# أيهم أشد

# [مريم: 69] أو نحو ذلك، وإذا كانت أي على تقدير الاستئناف ووقوع الفعل
~~على ما ذكر موصولة لم يحتج إلى التأويل إلى أن في القول بالاستئناف
~~عدولا عن الظاهر من كون الكلام جملة واحدة إلى خلاف الظاهر من كونه
~~جملتين.

# ونقل بعضهم عن المبرد أن

# أيهم

# [مريم: 69] فاعل

# شيعة

# [مريم: 69] لأن معناه يشيع، والتقدير لننزعن من كل فريق يشيع أيهم هو
~~أشد، وأي على هذا على ما قال أبو البقاء. ونقل عن الرضي بمعنى الذي، وفي
~~«البحر» قال المبرد: أيهم متعلق بشيعة فلذلك ارتفع، والمعنى من الذي
~~تشايعوا أيهم أشد كأنهم يتبادرون إلى هذا. ويلزمه أن يقدر مفعولا لننزعن
~~محذوفا، وقدر أيضا في هذا المذهب من الذين تشايعوا أيهم أشد على معنى
~~من الذين تعاونوا فنظروا أيهم أشد، قال النحاس: وهذا قول حسن انتهى، وهو
~~خلاف ما نقل أولا، ولعمري أن ما نسب إلى المبرد أولا وأخيرا أبرد من
~~يخ، وقيل: إن الجملة استفهامية وقعت صفة لشيعة على معنى لننزعن من كل
~~شيعة مقول فيهم أيهم أشد أي من كل شيعة متقاربي الأحوال، ومن مزيدة
~~والنزع الرمي، وحكى أبو بكر بن شقير أن بعض الكوفيين يقول في ms06389 أيهم معنى
~~الشرط تقول: ضربت القوم أيهم غضب، والمعنى إن غضبوا أو لم يغضبوا قال أبو
~~حيان: فعلى هذا يكون التقدير هنا إن اشتد عتوهم أو لم يشتد انتهى وهو كما
~~ترى، والوجه الذي ينساق إليه الذهن ويساعده اللفظ والمعنى هو ما ذهب إليه
~~سيبويه ومدار ما ذهب إليه في أي من الإعراب والبناء هو السماع في
~~الحقيقة، وتعليلات النحويين على ما فيها إنما هي بعد الوقوع، وعدم سماع
~~غيره لا يقدح في سماعه فتدبر.

### || [19.71]

# { وإن منكم } التفات إلى خطاب الإنسان سواء أريد منه العموم أو
~~خصوص الكفرة لإظهار مزيد الاعتناء بمضمون الكلام. وقيل: هو خطاب للناس
~~وابتداء كلام منه عز وجل بعدما أتم الغرض من الأول فلا التفات أصلا.
~~ولعله الأسبق إلى الذهن لكن قيل يؤيد الأول قراءة ابن عباس وعكرمة وجماعة
~~{ وإن منهم } أي وما منكم أحد { إلا واردها } أي داخلها كما ذهب
~~إلى ذلك جمع كثير من سلف المفسرين وأهل السنة، وعلى ذلك قول تعالى:

# إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم
~~أنتم لها واردون

# [الأنبياء: 98]. وقوله تعالى في فرعون:

# يقدم قومه يوم القيمة فأوردهم النار
~~وبئس الورد المورود

# [هود: 98]. واحتج ابن عباس بما ذكر على ابن الأزرق حين أنكر عليه تفسير
~~الورود بالدخول وهو جار على تقدير عموم الخطاب أيضا فيدخلها المؤمن إلا
~~أنها لا تضره على ما قيل، فقد أخرج أحمد والحكيم الترمذي وابن المنذر
~~والحاكم وصححه وجماعة عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا:
~~لا يدخلها مؤمن. وقال آخر: يدخلونها جميعا ثم ينجي الله تعالى الذين
~~اتقوا فلقيت جابر بن عبد الله رضي الله تعالى / عنه فذكرت له فقال: وأهوى
~~بإصبعيه إلى أذنيه صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~يقول:

# " لا يبق بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما
~~كانت على إبراهيم عليه السلام حتى أن للنار ضجيجا من بردهم ثم ينجي الله
~~تعالى الذين اتقوا "

# ، وقد ذكر الإمام الرازي لهذا ms06390 الدخول عدة فوائد في «تفسيره» فليراجع.

# وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري والبيهقي عن الحسن: الورود المرور
~~عليها من غير دخول، وروي ذلك أيضا عن قتادة وذلك بالمرور على الصراط
~~الموضوع على متنها على ما رواه جماعة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه،
~~ويمر المؤمن ولا يشعر بها بناء على ما أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد
~~والحكيم وغيرهم عن خالد بن معدان قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا:
~~ربنا ألم تعدنا أن نرد النار قال: بلى ولكنكم مررتم عليها وهي خامدة، ولا
~~ينافي هذا ما أخرجه الترمذي والطبراني وغيرهما عن يعلى ابن أمية عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " تقول النار للمؤمن يوم القيامة جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي "

# لجواز أن لا يكون متذكرا هذا القول عند السؤال أو لم يكن سمعه
~~لاشتغاله، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أنه قال في الآية: ورود
~~المسلمين المرور على الجسر بين ظهريها وورود المشركين أن لا يدخلوها، ولا
~~بد على هذا من ارتكاب عموم المجاز عند من لا يرى جواز استعمال اللفظ في
~~معنيين، وعن مجاهد أن ورود المؤمن النار هو مس الحمى جسده في الدنيا لما
~~صح من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " الحمى من فيح جهنم "

# ولا يخفى خفاء الاستدلال به على المطلوب. واستدل بعضهم على ذلك بما
~~أخرجه ابن جرير عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~يعود رجلا من أصحابه وعك وأنا معه فقال عليه الصلاة والسلام:

# " إن الله تعالى يقول هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من
~~النار في الآخرة "

# وفيه خفاء أيضا؛ والحق أنه لا دلالة فيه على عدم ورود المؤمن المحموم
~~في الدنيا النار في الآخرة، وقصارى ما يدل عليه أنه يحفظ من ألم النار
~~يوم القيامة، وأخرج عبد بن حميد عن عبيد بن عمير أن الورود الحضور والقرب
~~كما في قوله تعالى:

# ولما ورد ماء مدين

# [القصص: 23] واختار بعضهم ms06391 أن المراد حضورهم جاثين حواليها، واستدل عليه
~~بما ستعلمه إن شاء الله تعالى، ولا منافاة بين هذه الآية وقوله تعالى:

# أولئك عنها مبعدون

# [الأنبياء: 101] لأن المراد مبعدون عن عذابها، وقيل: المراد إبعادهم
~~عنها بعد أن يكونوا قريبا منها.

# { كان } أي ورودهم إياها { على ربك حتما } أمرا واجبا كما
~~روي عن ابن عباس، والمراد بمنزلة الواجب في تحتم الوقوع إذ لا يجب على
~~الله تعالى شيء عند أهل السنة { مقضيا } قضى بوقوعه البتة. وأخرج
~~الخطيب عن عكرمة أن معنى كان حتما مقضيا كان قسما واجبا، وروي ذلك
~~أيضا عن ابن مسعود والحسن وقتادة، قيل: والمراد منه إنشاء القسم، وقيل:
~~قد يقال: إن { على ربك } المقصود منه اليمين كما تقول: لله تعالى
~~علي كذا إذ لا معنى له إلا تأكد اللزوم والقسم لا يذكر إلا لمثله، وعلى
~~ورد في كلامهم كثيرا للقسم كقوله:

# علي إذا ما جئت ليلى أزورها

# زيارة بيت الله رجلان حافيا

# فإن صيغة النذر قد يراد بها اليمين كما صرحوا به، ويجوز أن يكون المراد
~~بهذه الجملة القسم كقولهم: عزمت عليك إلا فعلت كذا انتهى، ويعلم مما ذكر
~~المراد من القسم فيما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه
~~وغيرهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " لا يموت لمسلم ثلاثة من / الولد فيلج النار إلا تحلة القسم "

# وقال أبو عبيدة وابن عطية وتبعهما غير واحد: إن القسم في الخبر إشارة
~~إلى القسم في المبتدأ أعني { وإن منكم إلا واردها } ، وصرح
~~بعضهم أن الواو فيه للقسم، وتعقب ذلك أبو حيان بأنه لا يذهب نحوي إلى أن
~~مثل هذه الواو واو قسم لأنه يلزم من ذلك حذف المجرور وإبقاء الجار وهو لا
~~يجوز إلا إن وقع في شعر أو نادر كلام بشرط أن تقوم صفة المحذوف مقامه كما
~~في قوله:

# والله ما ليلي ينام صاحبه

# وقال أيضا: نص النحويون على أنه لا يستغنى عن القسم بالجواب لدلالة
~~المعنى إلا إذا كان الجواب باللام أو بأن وأين ms06392 ذلك في الآية، وجعل ابن
~~هشام تحلة القسم كناية عن القلة وقد شاع في ذلك، ومنه قوله كعب:

# تخذي على يسرات وهي لاحقة

# ذوابل مسهن الأرض تحليل

# فإن المعنى مسهن الأرض قليل كما يحلف الإنسان على شيء ليفعلنه فيفعل منه
~~اليسير ليتحلل به من قسمه ثم قال: إن فيما قاله جماعة من المفسرين من أن
~~القسم على الأصل وهو إشارة إلى قوله تعالى: { وإن منكم إلا
~~واردها } الخ نظرا لأن الجملة لا قسم فيها إلا إن عطفت على الجمل
~~التي أجيب بها القسم من قوله تعالى:

# فوربك لنحشرنهم

# [مريم: 68] إلى آخرها وفيه بعد انتهى. والخفاجي جوز الحالية والعطف،
~~وقال: حديث البعد غير مسموع لعدم تخلل الفاصل وهو كما ترى، ولعل الأسلم
~~من القيل والقال جعل ذلك مجازا عن القلة وهو مجاز مشهور فيما ذكر،
~~ولايعكر على هذا ما أخرجه أحمد والبخاري في «تاريخه» والطبراني وغيرهم عن
~~معاذ بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله تعالى متطوعا لا يأخذه سلطان
~~لم ير النار بعينه إلا تحلة القسم فإن الله تعالى يقول: { وإن منكم
~~إلا واردها } "

# فإن التعليل صحيح مع إرادة القلة من ذلك أيضا فكأنه قيل: لم ير النار
~~إلا قليلا لأن الله تعالى أخبر بورود كل أحد إياها ولا بد من وقوع ما
~~أخبر به ولولا ذلك لجاز أن لا يراها أصلا.

### || [19.72]

# { ثم ننجى الذين اتقوا } بالإخراج منها على ما ذهب إليه
~~الجمع الكثير { ونذر الظلمين فيها جثيا } على ركبهم
~~كما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد، وهذه الآية ظاهرة عندي في
~~أن المراد بالورود الدخول وهو الأمر المشترك. وقال بعضهم: إنها دليل على
~~أن المراد بالورود الجثو حواليها وذلك لأن ننجي ونذر تفصيل للجنس فكأنه
~~قيل ننجي هؤلاء ونترك هؤلاء على حالهم الذي أحضروا فيه جاثين، ولا بد على
~~هذا من أن يكون التقدير في حواليها، وأنت تعلم أن الظاهر عدم التقدير
~~والجثو لا ms06393 يوجب ذلك، وخولف بين قوله تعالى: { اتقوا } وقوله سبحانه:
~~{ الظلمين } ليؤذن بترجيح جانب الرحمة وأن التوحيد هو المنجي
~~والإشراك هو المردي فكأنه قيل: ثم ننجي من وجد منه تقوى ما وهو الاحتراز
~~من الشرك ونهلك من اتصف بالظلم أي بالشرك وثبت عليه، وفي إيقاع { نذر
~~} مقابلا لننجي إشعار بتلك اللطيفة أيضا، قال الراغب: يقال فلان يذر
~~الشيء أي يقذفه لقلة اعتداده به. ومن ذلك قيل لقطعة اللحم التي لا يعتد
~~بها وذر، وجيء بثم للإيذان بالتفاوت بين فعل الخلق وهو ورودهم النار وفعل
~~الحق سبحانه وهو النجاة والدمار زمانا ورتبة قاله العلامة الطيبي طيب /
~~الله تعالى ثراه.

# والذي تقتضيه الآثار الواردة في عصاة المؤمنين أن يقال: إن التنجية
~~المذكورة ليست دفعية بل تحصل أولا فأولا على حسب قوة التقوى وضعفها حتى
~~يخرج من النار من في قلبه وزن ذرة من خير وذلك بعد العذاب حسب معصيته وما
~~ظاهره من الأخبار كخبر جابر السابق ان المؤمن لا تضره النار مؤول بحمل
~~المؤمن على المؤمن الكامل لكثرة الأخبار الدالة على أن بعض المؤمنين
~~يعذبون. ومن ذلك ما أخرجه الترمذي عن جابر رضي الله تعالى عنه أيضا قال:
~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " يعذب ناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا حمما ثم تدركهم الرحمة
~~فيخرجون فيطرحون على أبواب الجنة فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما
~~ينبت الغثاء في حميل السيل "

# ومن هنا حظر بعض العلماء أن يقال في الدعاء: اللهم اغفر لجميع أمة محمد
~~صلى الله عليه وسلم جميع ذنوبهم أو اللهم لا تعذب أحدا من أمة محمد
~~صلى الله عليه وسلم، هذا وقال بعضهم: إن المراد من التنجية على تقدير أن
~~الخطاب خاص بالكفرة أن يساق الذين اتقوا إلى الجنة بعد أن كانوا على شفير
~~النار، وجيء بثم لبيان التفاوت بين ورود الكافرين النار وسوق المذكورين
~~إلى الجنة وأن الأول للإهانة والآخر للكرامة، وأنت تعلم أن الذين يذهب
~~بهم إلى الجنة من الذين اتقوا من غير دخول ms06394 في النار أصلا ليسوا إلا
~~الخواص.

# والمعتزلة خصوا الذين اتقوا بغير أصحاب الكبائر وأدخلوهم في الظالمين
~~واستدلوا بالآية على خلودهم في النار وكانوا ظالمين.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وابن مسعود وأبي رضي الله
~~تعالى عنهم والجحدري ومعاوية بن قرة ويعقوب { ثم } بفتح الثاء أي هناك.
~~وابن أبي ليلى { ثمه } بالفتح مع هاء السكت وهو ظرف متعلق بما بعده.
~~وقرأ يحيى والأعمش والكسائي وابن محصين ويعقوب { ننجي } بتخفيف الجيم.
~~وقرىء { ننجي } وينجي بالتشديد والتخفيف مع البناء للمفعول، وقرأت فرقة {
~~نجي } بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه {
~~ننحى } بحاء مهملة، وهذه القراءة تؤيد بظاهرها تفسير الورود بالقرب
~~والحضور.

### || [19.73]

# { وإذا تتلى عليهم } الآية إلى آخرها حكاية لما قالوا عند
~~سماع الآيات الناعية عليهم فظاعة حالهم ووخامة مآلهم أي وإذا تتلى على
~~المشركين { ءايتنا } التي من جملتها الآيات السابقة { بينت }
~~أي ظاهرات الإعجاز تحدى بها فلم يقدر على معارضتها أو مرتلات الألفاظ
~~ملخصات المعنى مبينات المقاصد إما محكمات أو متشابهات قد تبعها البيان
~~بالمحكمات أو تبيين الرسول صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا، والوجه
~~كما في «الكشاف» أن يكون { بينت } حالا مؤكدة لمضمون الجملة وإن
~~لم يكن عقدها من اسمين لأن المعنى عليه. وقرأ أبو حيوة والأعرج وابن
~~محيصن { وإذا يتلى } بالياء التحية لأن المرفوع مجازي التأنيث مع وجود
~~الفاصل. { قال الذين كفروا } أي قالوا. ووضع الموصول موضع
~~الضمير للتنبيه على أنهم قالوا ما قالوا كافرين بما يتلى عليهم رادين له
~~أو قال الذين مردوا منهم على الكفر وأصروا على العتو والعناد وهم النضر
~~بن الحرث وأتباعه الفجرة فإن الآية نزلت فيهم. واللام في قوله تعالى: {
~~للذين ءامنوا } للتبليغ كما في قلت له كذا إذا خاطبته به، وقيل
~~لام الأجل أي قالوا لأجلهم وفي حقهم، ورجح الأول بأن قولهم ليس في / حق
~~المؤمنين فقط كما ينطق به قوله تعالى: { أى الفريقين } أي
~~المؤمنين والكافرين كأنهم قالوا: أينا { خير } نحن أو أنتم { مقاما
~~} أي ms06395 مكانا ومنزلا، وأصله موضع القيام ثم استعمل لمطلق المكان. وقرأ
~~ابن كثير وابن محيصن وحميد والجعفي وأبو حاتم عن أبي عمرو { مقاما }
~~بضم الميم وأصله موضع الإقامة، والمراد به أيضا المنزل والمكان فتتوافق
~~القراءتان. وجوز في «البحر» احتمال المفتوح والمضمون للمصدرية على أن
~~الأصل مصدر قام يقوم، والثاني مصدر أقام يقيم، ورأيت في بعض المجموعات
~~كلاما ينسب لأبي السعود عليه الرحمة في الفرق بين المقام بالفتح
~~والمقام بالضم وقد سأله بعضهم عن ذلك بقوله:

# يا وحيد الدهر يا شيخ الأنام

# نبتغي فرق المقام والمقام

# وهو أن الأول يعني المفتوح الميم موضع قيام الشيء أعم من أن يكون قيامه
~~فيه بنفسه أو بإقامة غيره ومن أن يكون ذلك بطريق المكث فيه أو بدونه،
~~والثاني موضع إقامة الغير إياه أو موضع قيامه بنفسه قياما ممتدا، فإن
~~كان الفعل الناصب ثلاثيا فمقتضى المقام هو الأول، وكذا إن كان رباعيا
~~ولم يقصد بيان كون المقام موضع قيام المضاف إليه بإقامة غيره أو موضع
~~قيامه الممتد، وأما إذا قصد ذلك فمقتضاه الثاني كما إذا قلت: أقيمت تاء
~~القسم مقام الواو تنبيها على أنها خلف عن الباء التي هي الأصل من أحرف
~~القسم. ومقامات الكلمات كلها وإن كانت منوطة بوضع الواضع لكن مقامها
~~المنوط بأصل الوضع لكونه مقاما أصليا لها قد نزل منزلة موضع قيامها
~~بأنفسها وجعل مقامها المنوط بالاستعمال الطارىء جاريا مجرى المقام
~~الاضطراري لذوات الاختيار، هذا إذا كان المقام ظرفا أو إذا كان مصدرا
~~ميميا والفعل الناصب رباعي فحقه ضم الميم انتهى المراد منه.

# وأنت تعلم أنه في هذا المقام ليس منصوبا على الظرفية ولا على المصدرية
~~بل منصوب على التمييز وهو محول عن المبتدأ على ما قيل: أي أي الفريقين
~~مقامه خير { وأحسن نديا } أي مجلسا ومجتمعا، وفي «البحر» هو
~~المجلس الذي يجتمع فيه لحادثة أو مشورة. وقيل: مجلس أهل الندى أي الكرم
~~وكذا النادي يروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنونها ويتطيبون ويلبسون
~~مفاخر الملابس ثم يقولون ذلك لفقراء المؤمنين الذين لا يقدرون ms06396 على ذلك
~~إذا تليت عليهم الآيات، قال الإمام: ومرادهم من ذلك معارضة المؤمنين
~~كأنهم قالوا: لو كنتم على الحق وكنا على الباطل كان حالكم في الدنيا أحسن
~~وأطيب من حالنا لأن الحكيم لا يليق به أن يوقع أولياءه المخلصين في
~~العذاب والذل وأعداءه المعرضين عن خدمته في العز والراحة لكن الكفار
~~كانوا في النعمة والراحة والمؤمنين كانوا بعكس ذلك فعلم أن الحق ليس مع
~~المؤمنين، وهذا مع ظهور أنه قياس عقيم ناشيء من رأي سقيم نقضه الله تعالى
~~وأبطله بقوله سبحانه: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن... }.

### || [19.74]

# وحاصله أن كثيرا ممن كان أعظم نعمة منكم في الدنيا كعاد وثمود وأضرابهم
~~من الأمم العاتية قد أهلكهم الله تعالى فلو دل حصول نعمة الدنيا للإنسان
~~على كونه مكرما عند الله تعالى وجب أن لا يهلك أحدا من المتنعمين في
~~الدنيا، وفيه من التهديد والوعيد ما لا يخفى كأنه قيل فلينظر هؤلاء أيضا
~~مثل ذلك، و { كم } خبرية للتكثير مفعول / { أهلكنا } ، وقدمت
~~لصدارتها، وقيل: استفهامية والأول هو الظاهر و { من قرن } بيان
~~لإبهامها. والقرن أهل كل عصر، وقد اختلف في مدته وهو من قرن الدابة سمي
~~به لتقدمه، ومنه قرن الشمس لأول ما يطلع منها. و { هم أحسن } في
~~حيز النصب على ما ذهب إليه الزمخشري وتبعه أبو البقاء صفة لكم ورده أبو
~~حيان بأنه قد صرح الأصحاب بأن كم سواء كان خبرية أو استفهامية لا توصف
~~ولا يوصف بها، وجعله صفة { قرن } وضمير الجمع لاشتمال القرن على أفراد
~~كثيرة ولو أفرد الضمير لكان عربيا أيضا. ولا يرد عليه كما قال الخفاجي:
~~كم من رجل قام وكم من قرية هلكت بناء على أن الجار والمجرور يتعين تعلقه
~~بمحذوف هو صفة لكم كما ادعى بعضهم أن الرضي أشار إليه لأنه يجوز في الجار
~~والمجرور أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف والجملة مفسرة لا محل لها من
~~الإعراب فما ادعى غير مسلم عنده.

# و { أثاثا } تمييز وهو متاع البيت من الفرش والثياب وغيرها واحدها
~~أثاثة، وقيل: ms06397 لا واحد لها وقيل: الأثاث ما جد من المتاع والخرثى ما قدم
~~وبلي، وأنشد الحسن بن علي الطوسي:

# تقادم العهد من أم الوليد بنا

# دهرا وصار أثاث البيت خريثا

# والرئى المنظر كما قال ابن عباس وغيره، وهو فعل بمعنى مفعول من الرؤية
~~كالطحن والسقي. وقرأ الزهري وأبو جعفر وشيبة وطلحة في رواية الهمداني
~~وأيوب وابن سعدان وابن ذكوان وقالون { ريا } بتشديد الياء من غير همز
~~فاحتمل أن يكون من ذلك على قلب الهمزة ياء وإدغامها. واحتمل أن يكون من
~~الري ضد العطش والمراد به النضارة والحسن. وقرأ أبو بكر في رواية الأعمش
~~{ ريئا } بياء ساكنة بعدها همزة وهو على القلب ووزنه فلعا، وقرىء { رياء
~~} بياء بعدها ألف بعدها همزة حكاها اليزيدي. ومعناها كما في «الدر
~~المصون» مراءاة بعضهم بعضا. وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { ريا }
~~بحذف الهمزة والقصر فتجاسر بعض الناس وقال: هي لحن، وليس كذلك بل خرجت
~~على وجهين أحدهما أن يكون الأصل { ريا } بتشديد الياء فخفف بحذف إحدى
~~الياءين وهي الثانية لأنها التي حصل بها الثقل ولأن الآخر محل التغيير
~~وذلك كما حذفت في لا سيما. والثاني أن يكون الأصل { ريئا } بياء ساكنة
~~بعدها همزة فنقلت حركة الهمزة إلى الياء ثم حذفت على القاعدة المعروفة.
~~وقرأ ابن عباس أيضا وابن جبير ويزيد البربري والأعصم المكي { زيا }
~~بالزاي وتشديد الياء وهو المحاسن المجموعة يقال: زواه زيا بالفتح أي
~~جمعه، ويراد منه الأثاث أيضا كما ذكره المبرد في قول الثقفي:

# أشاقتك الظعائن يوم بانوا

# بذي الزي الجميل من الأثاث

# والظاهر في الآية المعنى الأولى.

### || [19.75]

# { قل من كان فى الضللة } الخ أمر منه تعالى لرسوله صلى
~~الله عليه وسلم بأن يجيب هؤلاء المفتخرين بما لهم من الحظوظ الدنيوية على
~~المؤمنين ببيان مآل أمر الفريقين إما على وجه كلي متناول لهم ولغيرهم من
~~المنهمكين في اللذة الفانية المبتهجين بها على أن (من) على عمومها، وإما
~~على وجه خاص بهم على أنها عبارة عنهم. ووصفهم بالتمكن في الضلالة لذمهم
~~والإشعار ms06398 بعلة الحكم أي من كان مستقرا في الضلالة مغمورا بالجهل
~~والغفلة عن عواقب الأمور { فليمدد له الرحمن مدا } أي
~~يمد سبحانه له ويمهله بطول العمر وإعطاء المال والتمكن من التصرفات
~~فالطلب في معنى الخبر، واختير للإيذان بأن ذلك مما ينبغي أن يفعل بموجب
~~الحكمة لقطع المعاذير كما ينبىء عنه قوله تعالى:

# أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر

# [فاطر: 37] فيكون حاصل / المعنى من كان في الضلالة فلا عذر له فقد أمهله
~~الرحمن ومد له مدا، وجوز أن يكون ذلك للاستدراج كما ينطق به قوله تعالى:

# إنما نملى لهم ليزدادوا إثما

# [آل عمران: 178] وحاصل المعنى من كان في الضلالة فعادة الله تعالى أن
~~يمد له ويستدرجه ليزداد إثما، وقيل: المراد الدعاء بالمد إظهارا لعدم
~~بقاء عذر بعد هذا البيان الواضح فهو على أسلوب

# ربنا ليضلوا عن سبيلك

# [يونس: 88] إن حمل على الدعاء، قال في «الكشف»: الوجه الأول أوفق بهذا
~~المقام، والتعرض لعنوان الرحمانية لما أن المد من أحكامها.

# { حتى إذا رأوا ما يوعدون } إلى آخرها غاية للمد وجمع
~~الضمير في الفعلين باعتبار معنى من كما أن الإفراد في الضميرين الأولين
~~باعتبار لفظها، وما اسم موصول والجملة بعده صلة والعائد محذوف أي الذي
~~يوعدونه، واعتبار ما مصدرية خلاف الظاهر.

# وقوله تعالى: { إما العذاب وإما الساعة } بدل من { ما }
~~وتفصيل للموعود على طريقة منع الخلو، والمراد بالعذاب الدنيوي بغلبة
~~المؤمنين واستيلائهم عليهم، والمراد بالساعة قيل: يوم القيامة وهو
~~الظاهر. وقيل: ما يشمل حين الموت ومعاينة العذاب ومن مات فقد قامت قيامته
~~وذلك لتتصل الغاية بالمغيا فإن المد لا يتصل بيوم القيامة، وأجيب بأن أمر
~~الفاصل سهل لأن أمور هذه الدنيا لزوالها وتقضيها لا تعد فاصلة كما قيل
~~ذلك في قوله تعالى:

# أغرقوا فأدخلوا نارا

# [نوح: 25].

# وقوله تعالى: { فسيعلمون } جواب الشرط وهما في الحقيقة الغاية إن
~~قلنا: إن المجموع هو الكلام أو مفهومه فقط إن قلنا: إنه هو الكلام والشرط
~~قيد له، و { حتى } عند ابن مالك جارة وهي لمجرد الغاية لا جارة ms06399 ولا
~~عاطفة عند الجمهور وهكذا هي كلما دخلت على إذا الشرطية وهي منصوبة بالشرط
~~أو الجزاء على الخلاف المشهور، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب،
~~والمراد حتى إذا عاينوا ما يوعدون من العذاب الدنيوي أو الأخروي فقط
~~فسيعلمون حينئذ { من هو شر مكانا } من الفريقين بأن يشاهدوا
~~الأمر على عكس ما كانوا يقدرونه فيعلمون أنهم شر مكانا لا خير مقاما،
~~وفي التعبير بالمكان هنا دون المقام المعبر به هناك مبالغة في إظهار سوء
~~حالهم { وأضعف جندا } أي فئة وأنصارا لا أحسن نديا، ووجه
~~التقابل أن حسن الندى باجتماع وجوه القوم وأعيانهم وظهور شوكتهم
~~واستظهارهم.

# وقيل: إن المراد من الندى هناك من فيه كما يقال المجلس العالي للتعظيم
~~وليس المراد أن له ثمة جندا ضعيفا كلا

# ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان
~~منتصرا

# [الكهف: 43] وإنما ذكر ذلك ردا لما كانوا يزعمونه من أن لهم أعوانا من
~~شركائهم، والظاهر أن من موصولة وهي في محل نصب مفعول { يعلمون }
~~وتعدى إلى واحد لأن العلم بمعنى المعرفة، وجملة { هو شر } صلة
~~الموصول. وجوز أبو حيان كونها استفهامية والعلم على بابه والجملة في موضع
~~نصب سادة مسد المفعولين وهو عند أبي البقاء فصل لا مبتدأ. وجوز الزمخشري
~~وظاهر صنيعه اختياره أن يكون ما تقدم غاية لقول الكفرة

# أى الفريقين خير

# [مريم: 73] الخ. وقوله تعالى:

# كم أهلكنا

# [مريم: 74] الخ { وقل من كان } الخ جملتان معترضتان للإنكار عليهم
~~أي لا يبرحون يقولون هذا القول ويتولعون به لا يتكافون عنه إلى أن
~~يشاهدوا الموعود رأي عين إما العذاب في الدنيا بأيدي المؤمنين وإما يوم
~~القيامة وما ينالهم فيه من الخزي والنكال فحينئذ يعلمون أن الأمر على عكس
~~ما قدروه وتعقبه في «البحر» بأنه في غاية البعد لطول الفصل بين الغاية
~~والمغيا مع أن الفصل بجملتي اعتراض فيه / خلاف أبي علي فإنه لا يجيزه،
~~وأنت تعلم أيضا بعد إصلاح أمر انقطاع القول حين الموت وعدم امتداده إلى
~~يوم القيامة أن اعتبار استمرار القول وتكرره ms06400 لا يتم بدون اعتبار استمرار
~~التلاوة لوقوع القول في حيز جواب إذا وهو كما ترى.

### || [19.76]

# { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } كلام مستأنف سيق
~~لبيان حال المهتدين إثر بيان حال الضالين كما اختاره أبو السعود، واختار
~~الزمخشري وتبعه أبو البقاء أنه عطف على موضع

# فليمدد

# [مريم: 75] الخ ولم يجوزه أبو حيان سواء كان { فليمدد } دعاء أو
~~خبرا في صورة الطلب لأنه في موضع الخبر إن كانت من موصولة، وفي موضع
~~الجزاء أن كانت شرطية وموضع المعطوف موضع المعطوف عليه والجملة التي جعلت
~~معطوفة خالية من ضمير يربط الخبر بالمبتدأ والجواب بالشرط، وقيل عليه
~~أيضا: إن العطف غير مناسب من جهة المعنى كما أنه غير مناسب من جهة
~~الإعراب إذ لا يتجه أن يقال: من كان في الضلالة يزيد الله الذي اهتدوا
~~هدى. وأجيب عن هذا بأن المعنى من كان في الضلالة زيد في ضلالته وزيد في
~~هداية أعدائه لأنه مما يغيظه وعما سبق بأن من شرطية لا موصولة. واشتراط
~~ضمير يعود من الجزاء على اسم الشرط غير الظرف ممنوع وهو غير متفق عليه
~~عند النحاة كما في «الدر المصون» مع أنه مقدر كما سمعت ولا يخفى أن هذا
~~العطف لا يخلو عن تكلف، واختار البيضاوي أنه عطف على مجموع قوله تعالى:

# من كان فى الضللة فليمدد

# [مريم: 75] الخ ليتم التقابل فإنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يجيبهم عن
~~قولهم للمؤمنين

# أى الفريقين

# [مريم: 73] الخ فليأت بذكر القسمين أصالة. قال الطيبي: فكأنه قيل: قل
~~من كان في الضلالة من الفريقين فليمهله الله تعالى وينفس في مدة حياته
~~ليزيد في الغي ويجمع الله تعالى له عذاب الدارين ومن كان في الهداية
~~منهما يزيد الله تعالى هدايته فيجمع سبحانه له خير الدارين. وهذا الجواب
~~من الأسلوب الحكيم وفيه معنى قول حسان:

# أتهجوه ولست له بكفء

# فشركما لخير كما فداء

# في الدعاء والاحتراز عن المواجهة، وفي «الكشف» أن هذا أولى مما اختاره
~~الزمخشري.

# { والبقيات الصلحات } قد تقدمت الأقوال المأثورة في
~~تفسيرها، واختير أنها ms06401 الطاعات التي تبقى فوائدها وتدوم عوائدها لعمومه
~~وكلها { خير عند ربك ثوابا } بمعناه المتعارف، وقيل: عائدة
~~مما متع به الكفرة من النعم المخدجة الفنية التي يفتخرون بها { وخير
~~} من ذلك أيضا { مردا } أي مرجعا وعاقبة لأن عاقبتها المسرة
~~الأبدية والنعيم المقيم وعاقبة ذلك الحسرة السرمدية والعذاب الأليم. وفي
~~التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من
~~اللطف والتشريف ما لا يخفى. وتكرير الخير لمزيد الاعتناء ببيان الخيرية
~~وتأكيد لها. وفي الآية على ما ذكره الزمخشري ضرب من التهكم بالكفرة حيث
~~أشارت إلى تسمية جزائهم ثوابا والمفاضلة على ما قال على طريقة  الصيف
~~أحر من الشتاء  أي أبلغ في حره من الشتاء في برده وليست على التهكم لأنك
~~لو قلت: النار خير من الزمهرير أو بالعكس تهكما كان التهكم على بابه في
~~المفضل والمفضل عليه وذلك مما لا يتمشى فيما نحن فيه.

# وحاصل ما أراده أن المراد ثواب هؤلاء أبلغ من ثواب أولئك أي عقابهم.
~~وقول صاحب «التقريب» فيه: إنه غير معلوم جوابه كيف لا وقد سبقت الرحمة
~~الغضب وفي الجنة من الضعف والافضال / ما لا يقادر قدره والنار من عدله
~~تعالى، وقوله: إنه غير مناسب لمقام التهديد مع ما فيه من المنع يرد عليه
~~أن الكلام مبني على التقابل وأنه على المشاكلة في قولهم:

# أى الفريقين خير مقاما وأحسن نديا

# [مريم: 37] فوعد هؤلاء ليس لمجرد تهديد أولئك بل مقصود لذاته قاله في
~~«الكشف».

# وقال صاحب «الفرائد»: ما قاله الزمخشري بعيد عن الطبع والاستعمال وليس
~~في كلامهم ما يشهد له، ويمكن أن يقال: المراد ثواب الأعمال الصالحة في
~~الآخرة خير من ثوابهم في الدنيا وهو ما حصل لهم منها من الخير بزعمهم
~~ومما أوتوا من المال والجاه والمنافع الحاصلة منهما اه، ورد إنكاره له
~~بأن الزجاج ذكره في قوله تعالى:

# أذلك خير أم جنة الخلد التى وعد المتقون

# [الفرقان: 15] وأن له نظائر. والبعد عن الطبع في حيز المنع. وقال بعض
~~المحققين: إن أفعل في الآية للدلالة على ms06402 الاتصاف بالحدث وعلى الزيادة
~~المطلقة كما قيل في يوسف عليه السلام أحسن إخوته وهي إحدى حالاته الأربع
~~التي ذكرها بعض علماء العربية، فالمعنى أن ثوابهم ومردهم متصف بالزيادة
~~في الخيرية على المتصف بها بقطع النظر عن هؤلاء المفتخرين بدنياهم فلا
~~يلزم مشاركتهم في الخيرية فتأمل.

# والجملة على ما ذهب إليه أبو السعود على تقديري الاستئناف والعطف فيما
~~قبلها مستأنفة واردة من جهته تعالى لبيان فضل أعمال المهتدين غير داخلة
~~في حيز الكلام الملقن لقوله سبحانه: { عند ربك } ، وقال العلامة
~~الطيبي: الذي يقتضيه النظم الكريم أن هذه الجملة تتميم لمعنى قوله
~~سبحانه: { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } ومشتملة على
~~تسلية قلوب المؤمنين مما عسى أن يختلج فيها من مفاخرة الكفرة شيء كما أن
~~قوله تعالى:

# حتى إذا رأوا

# [مريم: 75]  الى 

# جندا

# [مريم: 75] تتميم لوعيدهم، وكلاهما من تتمة الأمر بالجواب عن قولهم:

# أى الفريقين خير مقاما وأحسن نديا

# [مريم: 73]، وجعل التعبير بخير واردا على طريق المشاكلة. وما ذكره من
~~كون ذلك من تتمة الجواب هو المنساق إلى الذهن إلا أن ظاهر الخطاب يأباه
~~وقد يتكلف له، ولعلنا قد أسلفنا في هذه السورة ما ينفعك في أمره فتذكر.

### || [19.77]

# { أفرأيت الذى كفر بئايتنا } أي بآياتنا التي من
~~جملتها آيات البعث. أخرج البخاري ومسلم والترمذي والطبراني وابن حبان
~~وغيرهم عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل
~~دين فأتيته أتقاضاه فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد صلى الله
~~عليه وسلم فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تموت ثم
~~تبعث قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيك فأنزل الله
~~تعالى: { أفرأيت } الخ. وفي رواية أن خبابا قال له لا والله لا
~~أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حيا ولا ميتا ولا إذا بعثت فقال العاص:
~~فإذا بعثت جئتني الخ، وفي رواية أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه
~~وسلم أتوه يتقاضون دينا لهم عليه فقال: ألستم ms06403 تزعمون أن في الجنة ذهبا
~~وفضة وحريرا ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى قال: موعدكم الآخرة والله
~~لأوتين مالا وولدا ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به فنزلت، وقيل: نزلت
~~في الوليد بن المغيرة، وقد كانت له أقوال تشبه ذلك، وقال أبو مسلم: هي
~~عامة في كل من له هذه الصفة، والأول هو الثابت في «كتب الصحيح»، والهمزة
~~للتعجيب من حال ذلك الكافر والإيذان بأنها من الغرابة والشناعة بحيث يجب
~~أن ترى ويقضى منها العجب، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أنظرت
~~فرأيت الذي كفر بآياتنا الباهرة التي حقها أن يؤمن بها كل من وقف عليها.

# { وقال } مستهزأ بها مصدرا كلامه باليمين الفاجرة والله {
~~لأوتين } في الآخرة واردة في الدنيا كما حكاه الطبرسي عن بعضهم
~~تأباه الأخبار الصحيحة إلا أن يحمل الإيتاء على ما قيل على الإيتاء
~~المستمر إلى الآخرة أي لأوتين إيتاء مستمرا { مالا وولدا }
~~والمراد انظر إليه فتعجب من حالته البديعة وجرأته الشنيعة، وقيل: إن
~~الرؤية مجاز عن الإخبار من إطلاق السبب وإرادة المسبب، والاستفهام مجاز
~~عن الأمر به لأن المقصود من نحو قولك: ما فعلت أخبرني فهو إنشاء تجوز به
~~عن إنشاء آخر والفاء على أصلها. والمعنى أخبر بقصة هذا الكافر عقيب حديث
~~أولئك الذين قالوا:

# أى الفريقين خير مقاما

# [مريم: 73] الآية، وقيل: عقيب حديث من قال:

# أءذا ما مت

# [مريم: 66] الخ، وما قدمنا في معنى الآية هو الأظهر واختاره العلامة أبو
~~السعود. وتعقب الثاني بقوله: أنت خبير بأن المشهور استعمال أرأيت في معنى
~~أخبرني بطريق الاستفهام جاريا على أصله أو مخرجا إلى ما يناسبه من
~~المعاني لا بطريق الأمر بالإخبار لغيره وإرادة أخبرني هنا مما لا يكاد
~~يصح كما لا يخفى. وقيل: المراد لأوتين في الدنيا ويأباه سبب النزول، قال
~~العلامة: إلا أن يحمل على الإيتاء المستمر إلى الآخرة فحينئذ ينطبق على
~~ذلك.

# وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وطلحة وابن أبي ليلى وابن عيسى الأصبهاني {
~~ولدا } بضم الواو وسكون اللام فقيل: هو جمع ولد كأسد وأسد وأنشدوا له ms06404
~~قوله:

# ولقد رأيت معاشرا

# قد ثمروا مالا وولدا

# وقيل هو لغة في ولد كالعرب والعرب، وأنشدوا له قوله:

# فليت فلانا كان في بطن أمه

# وليت فلانا كان ولد حمار

# والحق أنه ورد في كلام العرب مفردا وجمعا وكلاهما صحيح هنا. وقرأ عبد
~~الله ويحيى بن يعمر { ولدا } بكسر الواو وسكون اللام وهو بمعنى ذلك.

### || [19.78]

# { أطلع الغيب } رد لكلمته الشنعاء وإظهار لبطلانها إثر ما أشير
~~إليه بالتعجيب منها، فالجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وقيل: إنها
~~في محل نصب واقعة موقع مفعول ثان ل { أرأيت } على أنه بمعنى أخبرني وهو
~~كما ترى، والهمزة للاستفهام، والأصل أاطلع فحذفت همزة الوصل تخفيفا،
~~وقرىء { اطلع } بكسر الهمزة وحذف همزة الاستفهام لدلالة أم عليها كما في
~~قوله:

# بسبع رمين الجمر أم بثمان

# والفعل متعد بنفسه وقد يتعدى بعلى وليس بلازم حتى تكون الآية من الحذف
~~والإيصال، والمراد من الطلوع الظهور على وجه العلو والتملك ولذا اختير
~~على التعبير بالعلم ونحوه أي أقد بلغ من عظمة الشأن إلى أن ارتقى إلى علم
~~الغيب الذي استأثر به العليم الخبير جل جلاله حتى ادعى علم أن يؤتى في
~~الآخرة مالا وولدا وأقسم عليه، وعن ابن عباس أن المعنى أنظر في اللوح
~~المحفوظ { أم اتخذ عند الرحمن عهدا } قال لا إله إلا
~~الله يرجو بها ذلك، وعن قتادة العهد العمل الصالح الذي وعد الله تعالى
~~عليه الثواب، فالمعنى أعلم الغيب أم عمل عملا يرجو ذلك في مقابلته. وقال
~~بعضهم: العهد على ظاهره. والمعنى أعلم الغيب أم أعطاه الله تعالى عهدا
~~وموثقا وقال له: إن ذلك كائن لا محالة. ونقل هذا عن الكلبي، وهذه
~~مجاراة مع اللعين بحسب منطوق مقاله كما أن كلامه كذلك، والتعرض لعنوان
~~الرحمانية للإشعار بعلية الرحمة لإيتاء ما يدعيه.

### || [19.79]

# { كلا } ردع وزجر عن التفوه بتلك العظيمة، وفي ذلك تنبيه / على خطئه.
~~وهذا مذهب الخليل وسيبويه والأخفش والمبرد وعامة البصريين في هذا الحرف
~~وفيه مذاهب لعلنا نشير إليها إن شاء الله تعالى، وهذا أول ms06405 موضع وقع فيه
~~من القرآن، وقد تكرر في النصف الأخير فوقع في ثلاثة وثلاثين موضعا ولم
~~يجوز أبو العباس الوقف عليه في موضع. وقال الفراء: هو على أربعة أقسام،
~~أحدها: ما يحسن الوقف عليه ويحسن الابتداء به. والثاني: ما يحسن الوقف
~~عليه ولا يحسن الابتداء به، والثالث: ما يحسن الابتداء به ولا يحسن الوقف
~~عليه، والرابع: ما لا يحسن فيه شيء من الأمرين، أما القسم الأول ففي عشرة
~~مواضع ما نحن فيه وقوله تعالى:

# ليكونوا لهم عزا * كلا

# [مريم: 81-82] وقوله سبحانه:

# لعلى أعمل صلحا فيما تركت كلا

# [المؤمنون: 100] وقوله عز وجل:

# الذين ألحقتم به شركاء كلا

# [سبأ: 27] وقوله تبارك وتعالى:

# أن يدخل جنة نعيم * كلا

# [المعارج: 38-39] وقوله جل وعلا:

# أن أزيد * كلا

# [المدثر: 15-16] وقوله عز اسمه:

# صحفا منشرة * كلا

# [المدثر: 52-53] وقوله سبحانه وتعالى:

# ربى أهانن * كلا

# [الفجر: 16-17] وقوله تبارك اسمه:

# أن ماله أخلده * كلا

# [الهمزة: 3-4] وقوله تعالى شأنه:

# ثم ينجيه كلا

# [المعارج: 14-15] فمن جعله في هذه المواضع ردا لما قبله وقف عليه ومن
~~جعله بمعنى ألا التي للتنبيه أو بمعنى حقا ابتدأ به وهو يحتمل ذلك فيها،
~~وأما القسم الثاني ففي موضعين قوله جل جلاله حكاية

# فأخاف أن يقتلون * قال كلا

# [الشعراء: 14-15] وقوله عز شأنه:

# إنا لمدركون * قال كلا

# [الشعراء: 61-62] وأما الثالث ففي تسعة عشر موضعا قوله تعالى شأنه:

# كلا إنه تذكرة

# [المدثر: 54]

# كلا والقمر

# [المدثر: 32]

# كلا بل تكذبون بالدين

# [الانفطار: 9]

# كلا إذا بلغت التراقى

# [القيامة: 26]

# كلا لا وزر

# [القيامة: 11]

# كلا بل تحبون العاجلة

# [القيامة: 20]

# كلا سيعلمون

# [النبأ: 4]

# كلا لما يقض ما أمره

# [عبس: 23]

# كلا بل ران على قلوبهم

# [المطففين: 14]

# كلا بل لا تكرمون اليتيم

# [الفجر: 17]

# كلا إن كتب الفجار

# [المطففين: 7]

# كلا إن كتب الأبرار

# [المطففين: 18]

# كلا إنهم عن ربهم

# [المطففين: 15]

# كلا إذا دكت الأرض

# [الفجر: 21]

# كلا إن الإنسن ليطغى

# [العلق: 6]

# كلا لئن لم ينته

# [العلق: 15]

# كلا لا تطعه

# [العلق: 19]

# كلا سوف تعلمون.... كلا لو تعلمون

# [التكاثر: 3-5] لأنه ليس للرد ms06406 في ذلك، وأما القسم الرابع ففي موضعين

# ثم كلا سوف تعلمون

# [التكاثر: 4]

# ثم كلا سيعلمون

# [النبأ: 5] فإنه لا يحسن الوقف على ثم لأنه حرف عطف ولا على كلا لأن
~~الفائدة فيما بعد، وقال بعضهم: إنه يحسن الوقف على كلا في جميع القرآن
~~لأنه بمعنى انته إلا في موضع واحد وهو قوله تعالى:

# كلا والقمر

# [المدثر: 32] لأنه موصول باليمين بمنزلة قولك أي وربي.

# { سنكتب ما يقول } أي سنظهر إنا كتبنا قوله كقوله:

# إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة

# ولم تجدي من أن تقري به بدا

# أي إذا انتسبنا علمت وتبين أني لست بابن لئيمة أو سننتقم منه انتقام من
~~كتب جريمة الجاني وحفظها عليه فإن نفس كتبة ذلك لا تكاد تتأخر عن القول
~~لقوله تعالى:

# ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد

# [ق: 18] وقوله سبحانه جل وعلا:

# ورسلنا لديهم يكتبون

# [الزخرف: 80] فمبنى الأول تنزيل إظهار الشيء الخفي منزلة إحداث الأمر
~~المعدوم بجامع أن كلا منهما إخراج من الكمون إلى البروز فيكون استعارة
~~تبعية مبنية على تشبيه إظهار الكتابة على رؤوس الأشهاد بإحداثها ومدار
~~الثاني تسمية الشيء باسم سببه فإن كتبة جريمة المجرم سبب لعقوبته قطعا
~~قاله أبو السعود، وقيل: إن الكتابة في المعنى الثاني استعارة للوعيد
~~بالانتقام وفيه خفاء، وقال بعضهم: لا مجاز في الآية بيد أن السين
~~للتأكيد، والمراد نكتب في الحال ورد بأن السين إذا أكدت فإنما تؤكد الوعد
~~أو الوعيد وتفيد أنه كائن لا محالة في المستقبل. وأما إنها تؤكد ما يراد
~~به الحال فلا كذا قيل: فليراجع. وقرأ الأعمش { سيكتب } بالياء التحتية
~~والبناء للمفعول وذكرت عن عاصم.

# { ونمد له من العذاب مدا } مكان ما يدعيه لنفسه من
~~الإمداد بالمال والولد أي نطول له من العذاب ما يستحقه أو نزيد عذابه
~~ونضاعفه / له من المدد يقال: مده وأمده بمعنى، وتدل عليه قراءة علي كرم
~~الله تعالى وجهه { ونمد } بالضم وهو بهذا المعنى يجوز أن يستعمل باللام
~~وبدونها ومعناه على الأول نفعل المد له وهو أبلغ من نمده ms06407 وأكد بالمصدر
~~إيذانا بفرط غضب الله تعالى عليه لكفره وافترائه على الله سبحانه
~~واستهزائه بآياته العظام نعوذ بالله عز وجل مما يستوجب الغضب.

### || [19.80]

# { ونرثه ما يقول } أي نسلب ذلك ونأخذه بموته أخذ الوارث ما
~~يرثه، والمراد بما يقول مسماه ومصداقه وهو ما أوتيه في الدنيا من المال
~~والولد يقول الرجل: أنا أملك كذا فتقول: ولي فوق ما تقول، والمعنى على
~~المضي وكذا في

# يقول

# [مريم: 79] السابق، وفيه إيذان بأنه ليس لما قال مصداق موجود سوى ما
~~ذكر، و (ما) إما بدل من الضمير بدل اشتمال وإما مفعول به أي نرث منه ما
~~آتيناه في الدنيا { ويأتينا } يوم القيامة { فردا } لا يصحبه مال
~~ولا ولد كان له فضلا أن يؤتى ثمة زائدا، وفي حرف ابن مسعود (ونرثه ما
~~عنده ويأتينا فردا لا مال له ولا ولد) وهو ظاهر في المعنى المذكور،
~~وقيل: المعنى نحرمه ما زعم أنه يناله في الآخرة من المال والولد ونعطيه
~~لغيره من المستحقين، وروي هذا عن أبي سهل، وتفسير الإرث بذلك تفسير
~~باللازم و { ما يقول } مراد منه مسماه أيضا والولد الذي يعطى للغير
~~ينبغي أن يكون ولد ذلك الغير الذي كان له في الدنيا وإعطاؤه إياه بأن
~~يجمع بينه وبينه حسبما يشتهيه وهذا مبني على أنه لا توالد في الجنة. وقد
~~اختلف العلماء في ذلك فقال جمع: منهم مجاهد وطاوس وإبراهيم النخعي بعدم
~~التوالد احتجاجا بما في حديث لقيط رضي الله تعالى عنه الطويل الذي عليه
~~من الجلالة والمهابة ونور النبوة ما ينادي على صحته، وقال فيه أبو عبد
~~الله بن منده لا ينكره إلا جاحد أو جاهل، وقد خرجه جماعة من أئمة السنة
~~من قوله: قلت يا رسول الله أولنا فيها أزواج أو منهن مصلحات؟ قال صلى
~~الله عليه وسلم:

# " المصلحات للمصلحين تلذذونهن ويلذذنكم مثل لذاتكم في الدنيا غير أن لا
~~تتوالد "

# ، وبما روي عن أبي رزين العقيلي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " إن أهل الجنة لا يكون لهم ولد "

# وقالت فرقة ms06408 بالتوالد احتجاجا بما أخرجه الترمذي في «جامعه» عن أبي
~~سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة واحدة
~~كما يشتهي "

# وقال حسن غريب، وبما أخرجه أبو نعيم عن أبي سعيد أيضا قيل يا رسول
~~الله أيولد لأهل الجنة فإن الولد من تمام السرور؟ فقال عليه الصلاة
~~والسلام:

# " نعم والذي نفسي بيده وما هو إلا كقدر ما يتمنى أحدكم فيكون حمله
~~ورضاعه وشبابه "

# وأجابت عما تقدم بأن المراد نفي أن يكون توالد أو ولد على الوجه المعهود
~~في الدنيا.

# وتعقب ذلك بأن الحديث الأخير ضعيف كما قال البيهقي. والحديث الأول قال
~~فيه السفاريني: أجود أسانيده إسناد الترمذي وقد حكم عليه بالغرابة وأنه
~~لا يعرف إلا من حديث أبي الصديق التاجي. وقد اضطرب لفظه فتارة يروى عنه
~~إذا اشتهى الولد وتارة أنه يشتهي الولد وتارة إن الرجل من أهل الجنة
~~ليولد له وإذا قلنا بأن له على الرواية السابقة سندا حسنا كما أشار
~~إليه الترمذي فلقائل أن يقول: إن فيه تعليقا بالشرط وجاز أن لا يقع،
~~وإذا وإن كانت ظاهرة في المحقق لكنها قد تستعمل لمجرد التعليق الأعم.
~~وأما الجواب عن الحديثين السابقين بما مر فأوهن من بيت العنكبوت كما لا
~~يخفى، وبالجملة المرجح عند الأكثرين عدم التوالد ورجح ذلك السفاريني
~~بعشرة أوجه لكن للبحث في أكثرها / مجال والله تعالى أعلم.

# وقيل: المراد بما يقول نفس القول المذكور لا مسماه، والمعنى إنما يقول
~~هذا القول ما دام حيا فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن يقوله ويأتينا
~~رافضا له مفرد عنه.

# وتعقب بأن هذا مبني على صدور القول المذكور عنه بطريق الاعتقاد وأنه
~~مستمر على التفوه به راج لوقوع مضمونه ولا ريب في أن ذلك مستحيل ممن كفر
~~بالبعث وإنما قال ما قال بطريق الاستهزاء. وأجيب بأنا لا نسلم البناء على
~~ذلك لجواز أن يكون المراد إنما يقول ذلك ويستهزىء ما دام حيا فإذا
~~قبضناه ms06409 حلنا بينه وبين الاستهزاء بما ينكشف له ويحل به أو يقال: إن مبنى
~~ما ذكر على المجاراة مع اللعين كما تقدم. قيل: المعنى نحفظ قوله لنضرب به
~~وجهه في الموقف ونعيره به ويأتينا على فقره ومسكنته فردا من المال
~~والولد لم نوله سؤله ولم نؤته متمناه فيجتمع عليه أمران أمران تبعة قوله
~~ووباله وفقد المطموع فيه.

# وإلى تفسير الإرث بالحفظ ذهب النحاس وجعل من ذلك

# " العلماء ورثة الانبياء "

# أي حفظة ما قالوه، وأنت خبير بأن حفظ قوله قد علم من قوله تعالى:

# سنكتب ما يقول

# [مريم: 79].

# وفي «الكشاف» ((يحتمل أنه قد تمنى وطمع أن يؤتيه الله تعالى مالا
~~وولدا في الدنيا وبلغت به أشعبيته أن تألى على ذلك فقال سبحانه هب أنا
~~أعطيناه ما اشتهاه أما نرثه منه في العاقبة ويأتينا غدا فردا بلا مال
~~ولا ولد كقوله تعالى:

# لقد جئتمونا فرادى

# [الأنعام: 94] فما يجدي عليه تمنيه وتأليه)) انتهى، ولا يخفى أنه احتمال
~~بعيد جدا في نفسه ومن جهة سبب النزول، والتكلف لتطبيقه عليه لا يقر به
~~كما لا يخفى.

# و { فردا } حال على جميع الأقوال لكن قيل: إنه حال مقدرة حيث أريد
~~حرمانه عن المال والولد وإعطاء ذلك لمستحقه لأن الانفراد عليه يقتضي
~~التفاوت بين الضال والمهتدي وهو إنما يكون بعد الموقف بخلاف ما إذا أريد
~~غير ذلك مما تضمنته الأقوال لعدم اقتضائه التفاوت بينهما وكفاية فردية
~~الموقف في الصحة وإن كانت مشتركة. وزعم بعضهم أن الحال مقدرة على سائر
~~الأقوال لأن المراد دوام الانفراد عن المال والولد أو عن القول المذكور
~~والدوام غير محقق عند الإتيان بل مقدر كما في قوله تعالى:

# ادخلوها خلدين

# [الزمر: 73] ولا يخفى ما فيه.

### || [19.81]

# { واتخذوا من دون الله ءالهة } حكاية لجناية عامة للكل
~~مستتبعة لضد ما يرجون ترتبه عليها إثر حكاية مقالة الكافر المعهود
~~واستتباعها لنقيض مضمونها أي اتخذ الكفرة الظالمون الأصنام أو ما يعمهم
~~وسائر المعبودات الباطلة آلهة متجاوزين الله تعالى: { ليكونوا
~~لهم عزا } أي ليتعززوا بهم بأن يكونوا لهم وصلة ms06410 إليه عز وجل وشفعاء
~~عنده.

### || [19.82]

# { كلا } ردع لهم وزجر عن ذلك، وفيه إنكار لوقوع ما علقوا به أطماعهم
~~الفارغة { سيكفرون بعبدتهم } أي ستجحد الآلهة عبادة أولئك
~~الكفرة إياها وينطق الله تعالى من لم يكن ناطقا منها فتقول جميعا ما
~~عبدتمونا كما قال سبحانه:

# وإذا رءا الذين أشركوا شركآءهم قالوا ربنا
~~هؤلآء شركآؤنا الذين كنا ندعوا من دونك
~~فألقوا إليهم القول إنكم لكذبون

# [النحل: 86] أو ستنكر الكفرة حين يشاهدون عاقبة سوء كفرهم عبادتهم إياها
~~كما قال سبحانه:

# لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما
~~كنا مشركين

# [الأنعام: 23].

# ومعنى قوله تعالى: { ويكونون عليهم ضدا } على الأول على ما
~~قيل تكون الآلهة التي كانوا يرجون أن تكون لهم عزا ضدا للعز أي ذلا
~~وهوانا أو أعوانا عليهم كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو
~~/ أظهر من التفسير السابق، وكونهم أعوانا عليهم لأنهم يلعنونهم، وقيل:
~~لأن عبادتهم كانت سببا للعذاب. وتعقب بأن هذا لم يحدث يوم القيامة وظاهر
~~الآية الحدوث ذلك اليوم والأمر فيه هين، وقيل: لأنهم يكونون آلة لعذابهم
~~حيث يجعلون وقود النار وحصب جهنم وهذا لا يتسنى إلا على تقدير أن يراد
~~بالآلهة الأصنام، وإطلاق الضد على العون لما أن عون الرجل يضاد عدوه
~~وينافيه بإعانته له عليه، وعلى الثاني يكون الكفرة على الآلهة أي أعداء
~~لها من قولهم: الناس عليكم أي أعداؤكم، ومنه «اللهم كن لنا ولا تكن
~~علينا» ضدا أي منافين ما كانوا عليه كافرين بها بعدما كانوا يعبدونها
~~فعليهم على ما قيل خبر يكون، { وضدا } حال مؤكدة والعداوة مرادة مما
~~قبله، وقيل: إنها مرادة منه وهو الخبر و { عليهم } في موضع الحال،
~~وقد فسره بأعداء الضحاك وهو على ما نقل عن الأخفش كالعدو يستعمل مفردا
~~وجمعا. وبذلك قال صاحب «القاموس» وجعل ما هنا جمعا، وأنكر بعضهم كونه
~~مما يطلق على الواحد والجمع، وقال: هو للواحد فقط وإنما وحد هنا لوحدة
~~المعنى الذي يدور عليه مضادتهم فإنهم بذلك كالشيء الواحد كما في قوله صلى ms06411
~~الله عليه وسلم فيما رواه النسائي

# " وهم يد على من سواهم "

# ، وقال صاحب «الفرائد»: إنما وحد لأنه ذكر في مقابلة قوله تعالى:

# عزا

# [مريم: 81] وهو مصدر يصلح لأن يكون جمعا فهذا وإن لم يكن مصدرا لكن
~~يصلح لأن يكون جمعا نظرا إلى ما يراد منه وهو الذل، وهذا إذا تم فإنما
~~يتم على المعنى الأول، وقد صرح في «البحر» أنه على ذلك مصدر يوصف به
~~الجمع كما يوصف به الواحد فليراجع. وقرأ أبو نهيك هنا وفيما تقدم {
~~كلا } بفتح الكاف والتنوين فقيل إنها الحرف الذي للردع إلا أنه نوى
~~الوقف عليها فصار ألفها كألف الإطلاق ثم أبدلت تنوينا، ويجوز أن لا يكون
~~نوى الوقف بل أجريت الألف مجرى ألف الإطلاق لما أن ألف المبنى لم يكن لها
~~أصل ولم يجز أن تقع رويا ويسمى هذا تنوين الغالي وهو يلحق الحروف وغيرها
~~ويجامع الألف واللام كقولك:

# أقلي اللوم عاذل والعتابن

# وقولي إن أصبت لقد أصابن

# وليس هذا مثل

# قواريرا

# [الإنسان: 15] كما لا يخفى خلافا لمن زعمه. وفي «محتسب ابن جني» أن {
~~كلا } مصدر من كل السيف إذا نبا وهو منصوب بفعل مضمر من لفظه، والتقدير
~~هنا كل هذا الرأي والاعتقاد كلا، والمراد ضعف ضعفا، وقيل: هو مفعول به
~~بتقدير حملوا كلا ويقال نظير ذلك فيما تقدم، وقال ابن عطية: هو نعت
~~لآلهة، والمراد به الثقيل الذي لا خير فيه والإفراد لأنه بزنة المصدر وهو
~~كما ترى، والأوفق بالمعنى ما تقدم وإن قيل فيه تعسف لفظي وإنه يلزم عليه
~~إثبات التنوين خطا كما في أمثال ذلك. وحكى أبو عمرو الداني عن أبي نهيك
~~أنه قرأ { كلا } بضم الكاف والتنوين وهي على هذا منصوبة بفعل محذوف دل
~~عليه { سيكفرون } على أنه من باب الاشتغال نحو زيدا مررت به أي
~~يجحدون كلا أي عبادة كل من الآلهة ففيه مضاف مقدر وقد لا يقدر. وذكر
~~الطبري عنه أنه قرأ { كل } بضم الكاف والرفع وهو على هذا مبتدأ والجملة
~~بعده خبره.

### || [19.83]

# { ألم تر أنا أرسلنا ms06412 الشيطين على الكفرين
~~} قيضناهم وجعلناهم قرناء لهم مسلطين عليهم أو سلطناهم عليهم ومكناهم من
~~إضلالهم { تؤزهم أزا } تغريهم وتهيجهم على المعاصي تهييجا
~~شديدا بأنواع التسويلات والوساوس فإن الأز والهز والاستفزاز أخوات
~~معناها شدة الإزعاج، وجملة { تؤزهم } إما حال مقدرة من الشياطين أو
~~استئناف وقع جوابا عما نشأ من صدر الكلام كأنه قيل: ماذا تفعل الشياطين
~~بهم؟ فقيل تؤزهم الخ. والمراد من الآية تعجيب رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم مما تضمنته الآيات السابقة الكريمة / من قوله سبحانه:

# ويقول الإنسان أءذا ما مت

# [مريم: 66] إلى هنا وحكته عن هؤلاء الكفرة الغواة والمردة العتاة من
~~فنون القبائح من الأقاويل والأفاعيل والتمادي في الغي والانهماك في
~~الضلال والإفراط في العناد والتصميم على الكفر من غير صارف يلويهم ولا
~~عاطف يثنيهم والإجماع على مدافعة الحق بعد ايضاحه وانتفاء الشك عنه
~~بالكلية وتنبيه على أن جميع ذلك بإضلال الشياطين وإغوائهم لا لأن هناك
~~قصورا في التبليغ أو مسوغا في الجملة، وفيها تسلية لرسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فهي تذييل لتلك الآيات لما ذكر. وليس المراد منها تعجيبه عليه
~~الصلاة والسلام من إرسال الشياطين عليهم كما يوهمه تعليق الرؤية به بل
~~مما ذكر من أحوالهم من حيث كونها من آثار إغواء الشياطين كما ينبىء عن
~~ذلك قوله سبحانه: { تؤزهم أزا }.

### || [19.84]

# { فلا تعجل عليهم } بأن يهلكوا حسبما تقتضيه جناياتهم
~~ويبيدوا عن آخرهم وتطهر الأرض من خباثاتهم، والفاء للإشعار بكون ما قبلها
~~مظنة الوقوع المنهي عنه محوجة إلى النهي كما في قوله تعالى:

# إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من
~~الجنة

# [طه: 117].

# وقوله تعالى: { إنما نعد لهم عدا } تعليل لموجب النهي
~~ببيان اقتراب هلاكهم فإنه لم يبق لهم إلا أيام وأنفاس نعدها عدا أي
~~قليلة كما قيل في قوله تعالى:

# درهم معدودة

# [يوسف: 20] ولا ينافي هذا ما مر من أنه يمد لمن كان في الضلالة أي يطول
~~لأنه بالنسبة لظاهر الحال عندهم وهو قليل باعتبار عاقبته وعند الله عز
~~وجل، وقيل: إن التعليل بما ذكر ms06413 دل أن أنفاسهم وأيامهم تنته بانتهاء العد
~~ولا شك أنها على كثرتها يستوفي إحصاؤها في ساعة فعبر بهذا المعنى عن
~~القليل فكأنه قيل: ليس بينك وبين هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة
~~كأنها في سرعة تقضيها الساعة التي تعد فيها لوعدت، وهذا ليس مبنيا على
~~أن كل ما يعد فهو قليل انتهى، والأول هو الظاهر وهذا أبعد مغزى، وعن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: آخر
~~العدد خروج نفسك آخر العدد فراق أهلك آخر العدد دخول قبرك، وعن ابن
~~السماك أنه كان عند المأمون فقرأها فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم
~~يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد ولله تعالى در من قال:

# إن الحبيب من الأحباب مختلس

# لا يمنع الموت بواب ولا حرس

# وكيف يفرح بالدنيا ولذتها

# فتى يعد عليه اللفظ والنفس

# وقيل: المراد إنما نعد أعمالهم لنجازيهم عليها.

### || [19.85]

# أي ركبانا كما أخرجه جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأخرج
~~ابن أبي الدنيا في «صفة الجنة» وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن
~~علي كرم الله تعالى وجهه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه
~~الآية فقلت: يا رسول الله هل الوفد إلا الركب؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

# " والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها
~~أجنحة وعليها رحال الذهب شرك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مثل مد
~~البصر وينتهون إلى باب الجنة "

# الحديث، وهذه النوق من الجنة كما صرح به في حديث أخرجه عبد الله بن
~~الإمام أحمد وغيره موقوفا على علي كرم الله تعالى وجهه، وروي عن عمرو بن
~~قيس أنهم يركبون على تماثيل من أعمالهم الصالحة هي في غاية الحسن، ويروى
~~أنه يركب كل منهم ما أحب من إبل أو خيل أو سفن تجىء عائمة بهم.

# وأصل الوفد جمع وافد كالوفود والأوفاد والوفد من وفد إليه وعليه يفد
~~وفدا ووفودا ووفادة وإفادة قدم وورد. / وفي «النهاية» ms06414 ((الوفد هم القوم
~~يجتمعون ويردون البلاد واحدهم وافد وكذلك الذين يقصدون الأمراء لزيارة
~~واسترفاد وانتجاع وغير ذلك))، وقال الراغب: ((الوفد والوفود هم الذين
~~يقدمون على الملوك مستنجزين الحوائج، ومنه الوافد من الإبل وهو السابق
~~لعيرها))، وهذا المعنى الذي ذكره هو المشهور، ومن هنا قيل: إن لفظة الوفد
~~مشعرة بالإكرام والتبجيل حيث آذنت بتشبيه حالة المتقين بحالة وفود الملوك
~~وليس المراد حقيقة الوفادة من سائر الحيثيات لأنها تتضمن الانصراف من
~~الموفود عليه والمتقون مقيمون أبدا في ثواب ربهم عز وجل. والكلام على
~~تقدير مضاف أي إلى كرامة الرحمن أو ثوابه وهو الجنة أو إلى دار كرامته أو
~~نحو ذلك، وقيل: الحشر إلى الرحمن كناية عن ذلك فلا تقدير، وكان الظاهر
~~الضمير بأن يقال يوم نحشر المتقين إلينا إلا أنه اختير الرحمن إيذانا
~~بأنهم يجمعون من أماكن متفرقة وأقطار شاسعة إلى من يرحمهم. قال القاضي:
~~ولاختيار الرحمن في هذه السورة شأن، ولعله أن مساق الكلام فيها لتعداد
~~النعم الجسام وشرح حال الشاكرين لها والكافرين بها فكأنه قيل: هنا يوم
~~نحشر المتقين إلى ربهم الذي غمرهم من قبل برحمته وشملهم برأفته وحاصله
~~يوم نحشرهم إلى من عودهم الرحمة وفي ذلك من عظيم البشارة ما فيه، وقد
~~قابل سبحانه ذلك بقوله جل وعلا: { ونسوق المجرمين... }.

### || [19.86]

# { ونسوق المجرمين } كما تساق البهائم { إلى جهنم
~~وردا } أي عطاشا كما روي عن ابن عباس وأبي هريرة والحسن وقتادة
~~ومجاهد، وأصله مصدر ورد أي سار إلى الماء، قال الراجز:

# ردي ردي ورد قطاة صما

# كدرية أعجبها برد الما

# وإطلاقه على العطاش مجاز لعلاقة اللزوم لأن من يرد الماء لا يرده إلا
~~لعطش، وجوز أن يكون المراد من الورد الدواب التي ترد الماء والكلام على
~~التشبيه أي نسوقهم كالدواب التي ترد الماء، وفي «الكشف» في لفظ الورد
~~تهكم واستخفاف عظيم لا سيما وقد جعل المورد جهنم أعاذنا الله تعالى منها
~~برحمته فلينظر ما بين الجملتين من الفرق العظيم. وقرأ الحسن والجحدري {
~~يحشر المتقون ويساق المجرمون } ببناء الفعلين للمفعول.

# واستدل ms06415 بالآية على أن أهوال القيامة تختص بالمجرمين لأن المتقين من
~~الابتداء يحشرون مكرمين فكيف ينالهم بعد ذلك شدة؛ وفي «البحر» الظاهر أن
~~حشر المتقين إلى الرحمن وفدا بعد انقضاء الحساب وامتياز الفريقين وحكاه
~~ابن الجوزي عن أبي سليمان الدمشقي وذكر ذلك النيسابوري احتمالا بحثا
~~في الاستدلال السابق. وأنت تعلم أن ذلك لا يتأتى على ما سمعت في الخبر
~~المروى عن علي كرم الله تعالى وجهه فإنه صريح في أنهم يركبون عند خروجهم
~~من القبور وينتهون إلى باب الجنة وهو ظاهر في أنهم لا يحاسبون. وقال
~~بعضهم: إن المراد بالمتقين الموصوفون بالتقوى الكاملة ولا يبعد أن يدخلوا
~~الجنة بلا حساب فقد صحت الأخبار بدخول طائفة من هذه الأمة الجنة كذلك،
~~ففي «الصحيحين» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: خرج إلينا رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال:

# " عرضت علي الأمم يمر النبي معه الرجل والنبي معه الرجلان والنبي
~~ليس معه أحد والنبي معه الرهط فرأيت سوادا كثيرا فرجوت أن يكون أمتي
~~فقيل: هذا موسى وقومه ثم قيل: انظر فرأيت سوادا كثيرا فقيل: هؤلاء أمتك
~~ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب فتفرق الناس ولم يبين لهم
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكر أصحابه فقالوا: أما نحن فولدنا في
~~الشرك ولكن قد آمنا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم هؤلاء أبناؤنا
~~/ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون
~~ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون "

# والحديث.

# وأخرج الترمذي وحسنه عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال:

# " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وعدني ربي أن يدخل الجنة من
~~أمتي سبعين ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب مع كل ألف سبعين ألفا وثلاث
~~حثيات من حثيات ربي "

# وأخرج الإمام أحمد والبزار والطبراني عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق
~~رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " إن ربي أعطاني سبعين ألفا من أمتي يدخلون ms06416 الجنة بغير حساب فقال عمر
~~رضي الله عنه: هلا استزدته؟ قال قد استزدته فأعطاني هكذا وفرج بين يديه
~~وبسط باعيه وحثى "

# قال هشام: هذا من الله عز وجل لا يدرى ما عدده؛ وأخرج الطبراني والبيهقي

# " عن عمرو بن حزم الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: «احتبس عنا رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا لا يخرج إلا إلى صلاة مكتوبة ثم يرجع
~~فلما كان اليوم الرابع خرج إلينا صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله
~~احتبست عنا حتى ظننا أنه حدث حدث قال: لم يحدث الا خير إن ربي وعدني أن
~~يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفا لا حساب وإني سألت ربي في هذه الثلاث
~~أيام المزيد فوجدت ربي ماجدا كريما فأعطاني مع كل واحد سبعين ألفا "

# الخبر إلى غير ذلك من الأخبار وفي بعضها ذكر من يدخل الجنة بغير حساب
~~بوصفه كالحامدين الله تعالى شأنه في السراء والضراء وكالذين تتجافى
~~جنوبهم عن المضاجع وكالذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله تعالى
~~وكالذي يموت في طريق مكة ذاهبا أو راجعا وكطالب العلم والمرأة المطيعة
~~لزوجها والولد البار بوالديه وكالرحيم الصبور وغير ذلك، ووجه الجمع بين
~~الأخبار ظاهر ويلزم على تخصيص المتقين بالموصوفين بالتقوى الكاملة دخول
~~عصاة المؤمنين في المجرمين أو عدم احتمال الآية على بيان حالهم، واستدل
~~بعضهم بالآية على ما روي من الخبر على عدم إحضار المتقين جثيا حول جهنم
~~فما يدل على العموم مخصص بمثل ذلك فتأمل والله تعالى الموفق.

# ونصب { يوم } على الظرفية بفعل محذوف مؤخر أي يوم نحشر ونسوق نفعل
~~بالفريقين من الأفعال ما لا يحيط ببيانه نطاق المقال، وقيل: على
~~المفعولية بمحذوف مقدم خوطب به سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم أي اذكر
~~لهم بطريق الترغيب والترهيب يوم نحشر الخ، وقيل: على الظرفية ب

# نعد

# [مريم: 84] باعتبار معنى المجازاة، وقيل: بقوله سبحانه وتعالى:

# سيكفرون بعبدتهم

# [مريم: 82]. وقيل بقوله جل وعلا

# يكونون عليهم ضدا

# [مريم: 82]، وقيل: بقوله تعالى شأنه: { لا يملكون
~~الشفعة... }.

### || [19.87] ms06417

# { لا يملكون الشفعة } والذي يقتضيه مقام التهويل وتستدعيه
~~جزالة التنزيل أن ينتصب بأحد الوجهين الأولين ويكون هذا استئنافا مبينا
~~لبعض ما في ذلك اليوم من الأمور الدالة على هوله، وضمير الجمع لما يعم
~~المتقين والمجرمين أي العباد مطلقا وقيل: للمتقين، وقيل: للمجرمين من
~~أهل الإيمان وأهل الكفر و { الشفاعة } ، على الأولين مصدر المبنى للفاعل
~~وعلى الثالث ينبغي أن يكون مصدر المبني للمفعول.

# وقوله تعالى: { إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا }
~~استثناء متصل من الضمير على الأول ومحل المستثنى إما الرفع على البدل أو
~~النصب على أصل الاستثناء، والمعنى لا يملك العباد أن يشفعوا لغيرهم إلا
~~من اتصف منهم بما يستأهل معه أن يشفع وهو المراد بالعهد، وفسره ابن عباس
~~بشهادة أن لا إله إلا الله والتبري من الحول والقوة عدم رجاء أحد إلا
~~الله تعالى، وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه /
~~والحاكم وصححه عن ابن مسعود أنه قرأ الآية وقال: إن الله تعالى يقول يوم
~~القيامة: «من كان له عندي عهد فليقم فلا يقوم إلا من قال هذا في الدنيا:
~~اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه
~~الحياة الدنيا أنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير
~~وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعله لي عهدا عندك تؤديه إلى يوم القيامة إنك
~~لا تخلف الميعاد»، وأخرج ابن أبي شيبة عن مقاتل أنه قال: العهد الصلاح،
~~وروي نحوه عن السدي وابن جريج، وقال الليث: هو حفظ كتاب الله تعالى،
~~وتسمية ما ذكر عهدا على سبيل التشبيه، وقيل: المراد بالعهد الأمر والإذن
~~من قولهم: عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به أي لا يملك العباد أن
~~يشفعوا إلا من أذن الله عز وجل له بالشفاعة وأمره بها فإنه يملك ذلك، ولا
~~يأبى { عند } الاتخاذ أصلا فإنه كما يقال: أخذت الإذن في كذا يقال:
~~اتخذته، نعم في قوله تعالى: { عند الرحمن } نوع إباء عنه مع أن
~~الجمهور على الأول، والمراد بالشفاعة ms06418 على القولين ما يعم الشفاعة في دخول
~~الجنة والشفاعة في غيره ونازع في ذلك المعتزلة فلم يجوزوا الشفاعة في
~~دخول الجنة والأخبار تكذبهم، فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " إن الرجل من أمتي ليشفع للفئام من الناس فيدخلون الجنة بشفاعته وإن
~~الرجل ليشفع للرجل وأهل بيته فيدخلون الجنة بشفاعته "

# ، وجوز ابن عطية أن يراد بالشفاعة الشفاعة العامة في فصل القضاء وبمن
~~اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم وبالعهد الوعد بذلك في قوله سبحانه
~~وتعالى:

# عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا

# [الإسراء: 79] وهو خلاف الظاهر جدا.

# وعلى الوجه الثاني في ضمير الجمع الاستثناء من الشفاعة بتقدير مضاف وهو
~~متصل أيضا. وفي المستثنى الوجهان السابقان أي لا يملك المتقون الشفاعة
~~إلا شفاعة من اتخذ عند الرحمن عهدا، والمراد به الإيمان، وإضافة المصدر
~~إلى المفعول. وقيل: المستثنى منه محذوف على هذا الوجه أي لا يملك المتقون
~~الشفاعة لأحد إلا من اتخذ الخ أي إلا لمن اتصف بالإيمان. وجوز أن يكون
~~الاستثناء من الشفاعة بتقدير المضاف على الوجه الأول في الضمير أيضا،
~~وأن يكون المصدر مضافا لفاعله أو مضافا لمفعوله. وجوز عليه أيضا أن
~~يكون المستثنى منه محذوفا كما سمعت.

# وعلى الوجه الثالث الاستثناء من الضمير وهو متصل أيضا، وفي المستثنى
~~الوجهان أي لا يملك المجرمون أن يشفع لهم إلا من كان مؤمنا فإنه يملك أن
~~يشفع له. وقيل: الاستثناء على تقدير رجوع الضمير إلى المجرمين منقطع لأن
~~المراد بهم الكفار، وحمل ذلك على العصاة والكفار بعيد كما قال أبو حيان،
~~والمستثنى حينئذ لازم النصب عند الحجازيين جائز نصبه وإبداله عند تميم.

# وجوز الزمخشري أن تكون الواو في { لا يملكون } علامة الجمع كالتي
~~في  أكلوني البراغيث  والفاعل { من اتخذ } لأنه في معنى الجمع.
~~وتعقبه أبو حيان بقوله: ((لا ينبغي حمل القرآن على هذه اللغة القليلة مع
~~وضوح جعل الواو ضميرا، وذكر الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أنها لغة ضعيفة،
~~وأيضا فالواو والألف والنون التي تكون علامات لا يحفظ ms06419 ما يجيء بعدها
~~فاعلا إلا بصريح الجمع وصريح التثنية أو العطف إما أن يأتي بلفظ مفرد
~~يطلق على جمع أومثنى فيحتاج في إثباته إلى نقل، وأما عود الضمائر مثناة
~~ومجموعة على مفرد في اللفظ يراد به المثنى والمجموع فمسموع معروف في لسان
~~العرب فيمكن قياس هذه العلامات على تلك الضمائر ولكن الأحوط أن لا يقال
~~ذلك إلا بسماع)) انتهى. وتعقبه أيضا ابن المنير ((بأن فيه تعسفا لأنه
~~إذا جعل الواو علامة لمن ثم أعاد على لفظها بالإفراد ضمير { اتخذ }
~~كان ذلك إجمالا بعد إيضاح وهو تعكيس في طريق البلاغة التي / هي الإيضاح
~~بعد الإجمال والواو على إعرابه وإن لم تكن عائدة على من إلا أنها كاشفة
~~لمعناها كشف الضمير العائد لها ثم قال: فتنبه لهذا النقد فإنه أروج من
~~النقد:

# وفي عنق الحسناء يستحسن العقد

# انتهى، ومنه يعلم القول بجواز رجوع الضمير لها أولا باعتبار معناها
~~وثانيا باعتبار لفظها لا يخلو عن كدر.

### || [19.88]

# { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } حكاية لجناية القائلين
~~عزير ابن الله وعيسى ابن الله والملائكة بنات الله من اليهود والنصارى
~~والعرب تعالى شأنه عما يقولون علوا كبيرا إثر حكاية جناية من عبد ما
~~عبد من دونه عز وجل بطريق عطف القصة على القصة فالضمير راجع لمن علمت وإن
~~لم يذكر صريحا لظهور الأمر. وقيل: راجع للمجرمين وقيل: للكافرين وقيل:
~~للظالمين وقيل: للعباد المدلول عله بذكر الفريقين المتقين والمجرمين.
~~وفيه إسناد ما للبعض إلى الكل مع أنهم لم يرضوه وقد تقدم البحث فيه.

### || [19.89]

# وقوله تعالى: { لقد جئتم شيئا إدا } رد لمقالتهم الباطلة
~~وتهويل لأمرها بطريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب المنبىء عن كمال
~~السخط وشدة الغضب المفصح عن غاية التشنيع والتقبيح وتسجيل عليهم بنهاية
~~الوقاحة والجهل والجرأة، وقيل: لا التفات والكلام بتقدير قل لهم لقد جئتم
~~الخ، والإد بكسر الهمزة كما في قراءة الجمهور وبفتحها كما قرأ السلمي
~~العجب كما قال ابن خالويه. وقيل: العظيم المنكر والإدة الشدة وأدني الأمر
~~وآدني أثقلني وعظم علي. وقال الراغب: ((الإد ms06420 المنكر فيه جلبة من قولهم:
~~ادت الناقة تئد أي رجعت حنينها ترجيعا شديدا)). وقيل: الأد بالفتح مصدر
~~وبالكسر اسم أي فعلتم أمرا عجيبا أو منكرا شديدا لا يقادر قدره فإن
~~جاء وأتى يستعملان بمعنى فعل فيتعديان تعديته. وقال الطبرسي: هو من باب
~~الحذف والإيصال أي جئتم بشيء إد.

### || [19.90]

# { تكاد السموات يتفطرن منه } في موضع الصفة ل

# إدا

# [مريم: 89] أو استئناف لبيان عظم شأنه في الشدة والهول، والتفطر على ما
~~ذكره الكثير التشقق مطلقا، وعلى ما يدل عليه كلام الراغب التشقق طولا
~~حيث فسر الفطر وهو منه بالشق كذلك، وموارد الاستعمال تقتضي عدم التقييد
~~بما ذكر. نعم قيل: إنها تقتضي أن يكون الفطر من عوارض الجسم الصلب فإنه
~~يقال: إناء مفطور ولا يقال: ثوب مفطور بل مشقوق، وهو عندي في أعراف الرد
~~والقبول وعليه يكون في نسبة التفطر إلى السموات والانشقاق إلى الأرض في
~~قوله تعالى: { وتنشق الأرض } إشارة إلى أن السماء أصلب من الأرض،
~~والتكثير الذي تدل عليه صيغة التفعل قيل في الفعل لأنه الأوفق بالمقام،
~~وقيل: في متعلقه ورجح بأنه قد قرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة وأبو بكر عن
~~عاصم ويعقوب وأبو بحرية والزهري وطلحة وحميد واليزيدي وأبو عبيد { ينفطرن
~~} مضارع انفطر وتوافق القراءتين يقتضي ذلك، وبأنه قد اختير الانفعال في {
~~وتنشق الأرض } حيث لا كثرة في المفعول ولذا أول

# ومن الأرض مثلهن

# [الطلاق: 12] بالأقاليم ونحوه كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ووجه بعضهم
~~اختلاف الصيغة على القول بأن التكثير في الفعل بأن السموات لكونها مقدسة
~~لم يعص الله تعالى فيها أصلا نوعا ما من العصيان لم يكن لها ألف ما
~~بالمعصية ولا كذلك الأرض فهي تتأثر من عظم المعصية ما لا تتأثر الأرض.

# وقرأ ابن مسعود { يتصدعن } قال في «البحر»: وينبغي أن يجعل ذلك تفسيرا
~~لا قراءة لمخالفته سواد المصحف المجمع عليه ولرواية الثقات عنه أنه قرأ
~~كالجمهور انتهى. ولا يخفى عليك أن في ذلك كيفما كان تأييدا لمن ادعى /
~~أن الفطر من عوارض الجسم الصلب ms06421 بناء على ما في «القاموس» من أن الصدع شق
~~في شيء صلب. وقرأ نافع والكسائي وأبو حيوة والأعمش { يكاد } بالياء من
~~تحت.

# { وتخر الجبال } تسقط وتنهد { هدا } نصب على أنه مفعول مطلق
~~لتخر لأنه بمعنى تنهد كما أشرنا إليه وإليه ذهب ابن النحاس. وجوز أن يكون
~~مفعولا مطلقا لتنهد مقدرا. والجملة في موضع الحال، وقيل: هو مصدر
~~بمعنى المفعول منصوب على الحال من هد المتعدي أي مهدودة. وجوز أن يكون
~~مفعولا له أي لأنها تنهد على أنه من هد اللازم بمعنى انهدم ومجيئه
~~لازما مما صرح به أبو حيان وهو إمام اللغة والنحو فلا عبرة ممن أنكره،
~~وحينئذ يكون الهد من فعل الجبال فيتحد فاعل المصدر والفعل المعلل به،
~~وقيل: إنه ليس من فعلها لكنها إذا هدها أحد يحصل لها الهد فصح أن يكون
~~مفعولا له، وفي الكلام تقرير لكون ذلك إدا والكيدودة فيه على ظاهرها من
~~مقاربة الشيء.

# وفسرها الأخفش هنا وفي قوله تعالى:

# أكاد أخفيها

# [طه: 15] بالإرادة وأنشد شاهدا على ذلك قول الشاعر:

# كادت وكدت وتلك خير إرادة

# لو عاد من زمن الصبابة ما مضى

# ولا حجة له فيه، والمعنى أن هول تلك الكلمة الشنعاء وعظمها بحيث لو تصور
~~بصورة محسوسة لم تتحملها هذه الأجرام العظام وتفرقت أجزاؤها من شدتها أو
~~أن حق تلك الكلمة لو فهمتها تلك الجمادات العظام أن تتفطر وتنشق وتخر من
~~فظاعتها، وقيل: المعنى كادت القيامة أن تقوم فإن هذه الأشياء تكون حقيقة
~~يوم القيامة، وقيل: الكلام كناية عن غضب الله تعالى على قائل تلك الكلمة
~~وأنه لولا حلمه سبحانه وتعالى لوقع ذلك وهلك القائل وغيره أي كدت أفعل
~~ذلك غضبا لولا حلمي.

# وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما قال: إن الشرك فزعت منه السموات والأرض والجبال وجيمع الخلائق إلا
~~الثقلين وكدن أن يزلن منه تعظيما لله تعالى وفيه إثبات فهم لتلك الأجرام
~~والأجسام لائق بهن. وقد تقدم ما يتعلق بذلك. وفي «الدر المنثور» في ms06422
~~الكلام على هذه الآية، أخرج أحمد في «الزهد» وابن المبارك وسعيد بن منصور
~~وابن أبي شيبة وأبو الشيخ في «العظمة» وابن أبي حاتم والطبراني
~~والبيهقي في «شعب الايمان» من طريق عون عن ابن مسعود قال: إن الجبل
~~لينادي الجبل باسمه يا فلان هل مر بك اليوم أحد ذاكر لله تعالى فإذا قال:
~~نعم استبشر قال عون: أفلا يسمعن الزور إذا قيل ولا يسمعن الخير هن للخير
~~أسمع وقرأ

# وقالوا

# [مريم: 88] الآيات اه وهو ظاهر في الفهم.

# وقال ابن المنير: ((يظهر لي في الآية معنى لم أره لغيري وذلك أن الله
~~سبحانه وتعالى قد استعار لدلالة هذه الأجرام على وجوده عز وجل موصوفا
~~بصفات الكمال الواجبة له سبحانه أن جعلها مسبحة بحمده قال تعالى:

# تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن
~~وإن من شىء إلا يسبح بحمده

# [الإسراء: 44] ومما دلت عليه السموات والأرض والجبال بل وكل ذرة من
~~ذراتها أن الله تعالى مقدس عن نسبة الولد إليه:

# وفي كل شيء له آية

# تدل على أنه واحد

# فالمعتقد نسبة الولد إليه عز وجل قد عطل دلالة هذه الموجودات على تنزيه
~~الله تعالى وتقديسه فاستعير لإبطال ما فيها من روح الدلالة التي خلقت
~~لأجلها إبطال صورها بالهد والانفطار والانشقاق)) اه.

# / واعترض عليه بأن الموجودات إنما تدل على خالق قادر عالم حكيم لدلالة
~~الأثر على المؤثر والقدرة على المقدور وإتقان العمل يدل على العمل
~~والحكمة وأما دلالتها على الوحدانية فلا وجه له ولا يثبت مثله بالشعر.
~~ورد بأنها لو لم تدل جاء حديث التمانع كما حققه المولى الخيالي في
~~«حواشيه على شرح عقائد النسفي للعلامة الثاني».

# وقال بعضهم: إنها تدل على عظم شأنه تعالى وأنه لا يشابهه ولا يدانيه شيء
~~فلزم أن لا يكون له شريك ولا ولد لأنه لو كان كذلك لكان نظيرا له عز
~~وجل. ولذا عبر عن هذه الدلالة بالتسبيح والتنزيه.

# ولعل ما أشرنا إليه أولى وأدق، وليس مراد من نسب الولد إليه عز وجل إلا
~~الشرك فتأمل، والجمهور على أن ms06423 الكلام لبيان بشاعة تلك الكلمة على معنى
~~أنها لو فهمتها الجمادات لاستعظمتها وتفتتت من بشاعتها. ونحو هذا مهيع
~~للعرب، قال الشاعر:

# لما أتى خبر الزبير تواضعت

# سور المدينة والجبال الخشع

# وقال الآخر:

# فأصبح بطن مكة مقشعرا

# كأن الأرض ليس بها هشام

# وقال الآخر:

# ألم تر صدعا في السماء مبينا

# على ابن لبيني الحرث بن هشام

# إلى غير ذلك ذلك وهو نوع من المبالغة ويقبل إذا اقترن بنحو كاد كما في
~~الآية الكريمة، وقد بين ذلك في محله.

### || [19.91]

# بتقدير اللام التعليلية. ومحله بعد الحذف نصب عند سيبويه وجر عند الخليل
~~والكسائي، وهو علة للعلية التي تضمنها

# منه

# [مريم: 90] لكن باعتبار ما تدل عليه الحال أعني قوله تعالى: { وما
~~ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا }.

### || [19.92]

# وقيل: علة لتكاد الخ، واعترض بأن كون ل

# تكاد

# [مريم: 90] الخ معللا بذلك قد علم من

# منه

# [مريم: 90] فيلزم التكرار. وأجيب بما لا يخلو عن نظر. وقيل: علة ل

# هدا

# [مريم: 90] وهو علة للخرور، وقيل ليس هناك لام مقدرة بل أن وما بعدها في
~~تأويل مصدر مجرور بالإبدال من الهاء من { منه } كما في قوله:

# على حالة لو أن في القوم حاتما

# على جوده لضن بالماء حاتم

# بجر حاتم بالإبدال من الهاء في جوده، واستبعده أبو حيان للفصل بجملتين
~~بين البدل والمبدل منه، وقيل: المصدر مرفوع على أنه خبر محذوف أي الموجب
~~لذلك دعاؤهم للرحمن ولدا وفيه بحث. وقيل: هو مرفوع على أنه فاعل هدا
~~ويعتبر مصدرا مبنيا للفاعل أي هدها دعاؤهم للرحمن ولدا. وتعقبه أبو
~~حيان بأن فيه بعدا لأن الظاهر كون هذا المصدر تأكيديا والمصدر التأكيدي
~~لا يعمل ولو فرض غير تأكيدي لم يعمل بقياس إلا إذا إذا كان أمرا كضربا
~~زيدا أو بعد استفهام كأضربا زيدا وما هنا ليس أحد الأمرين وما جاء
~~عاملا وليس أحدهما كقوله:

# وقوفا بها صحبي على مطيهم

# نادر. والتزام كون ما هنا من النادر لا يدفع البعد. ولعل ما ذكرناه أدق
~~الأوجه وأولاها فتدبر والله تعالى الهادي إلى ms06424 سواء السبيل.

# و { دعوا } عند الأكثرين بمعنى سموا. والدعاء بمعنى التسمية يتعدى
~~لمفعولين بنفسه كما في قوله:

# دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن

# أخاها ولم أرضع لها بلبان

# وقد يتعدى للثاني بالباء فيقال دعوت ولدي بزيد واقتصر هنا على الثاني
~~وحذف الأول دلالة على العموم والإحاطة لكل ما دعى له عز وجل ولدا من
~~عيسى وعزير عليهما السلام وغيرهما. وجوز أن يكون من دعا بمعنى نسب الذي
~~مطاوعه ما في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " من ادعى إلى غير مواليه "

# وقول الشاعر:

# / أنا بني نهشل لا ندعى لأب

# عنه ولا هو بالأبناء يشرينا

# فيتعدى لواحد، والجار والمجرور جوز أن يكون متعلقا بمحذوف وقع حالا من
~~{ ولدا } وأن يكون متعلقا بما عنده، وجملة { ما ينبغى } حال من
~~فاعل { دعوا } ، وقيل: من فاعل

# قالوا

# [مريم: 88]، { وينبغي } مضارع انبغى مطاوع بغى بمعنى طلب وقد سمع ماضيه
~~فهو فعل متصرف في الجملة، وعده ابن مالك في «التسهيل» من الأفعال التي لا
~~تتصرف وغلطه في ذلك أبو حيان، ويمكن أن يقال: مراده أنه لا يتصرف تاما،
~~و { أن يتخذ } في تأويل مصدر فاعله، والمراد لا يليق به سبحانه
~~اتخاذ الولد ولا يتطلب له عز وجل لاستحالة ذلك في نفسه لاقتضائه الجزئية
~~أو المجانسة واستحالة كل ظاهرة، ووضع الرحمن موضع الضمير للإشعار بعلة
~~الحكم بالتنبيه على أن كل ما سواه تعالى إما نعمة أو منعم عليه وأين ذلك
~~ممن هو مبدأ النعم ومولي أصولها وفروعها.

### || [19.93]

# وقد أشير إلى ذلك بقوله سبحانه: { إن كل من فى السموات
~~والأرض } أي ما منهم أحد من الملائكة والثقلين { إلا ءاتى
~~الرحمن عبدا } أي إلا وهو مملوك له تعالى يأوي إليه عز وجل
~~بالعبودية والانقياد لقضائه وقدره سبحانه وتعالى فالإتيان معنوي، وقيل:
~~هو حسي، والمراد إلا ءاتي محل حكمه وهو أرض المحشر منقادا لا يدعي لنفسه
~~شيئا مما نسبوه إليه وليس بذاك كما لا يخفى، و { من } موصولة بمعنى
~~الذي و { كل } تدخل عليه لأنه يراد منه الجنس كما قيل ms06425 في قوله تعالى

# والذى جاء بالصدق

# [الزمر: 33] وقوله:

# وكل الذي حملتني أتحمل

# وقيل: موصوفة لأنها وقعت بعد { كل } نكرة وقوعها بعد رب في قوله:

# رب من أنضجت غيظا صدره

# قد تمنى لي موتا لم يطع

# ورجح في «البحر» الأول بأن مجيئها موصوفة بالنسبة إلى مجيئها موصولة
~~قليل. وقرأ عبد الله وابن الزبير وأبو حيوة وطلحة وأبو بحرية وابن أبي
~~عبلة ويعقوب { ءات } بالتنوين { الرحمن } بالنصب على الأصل. ونصب
~~{ عبدا } في القراءتين على الحال. واستدل بالآية على أن الوالد لا
~~يملك ولده وأنه يعتق عليه إذا ملكه.

### || [19.94]

# { لقد } حصرهم وأحاط بهم بحيث لا يكاد يخرج أحد منهم من حيطة علمه
~~وقبضة قدرته جل جلاله. { وعدهم عدا } أي عد أشخاصهم وأنفاسهم
~~وأفعالهم فإن كل شيء عنده تعالى بمقدار.

### || [19.95]

# أي منفردا من الأتباع والأنصار منقطعا إليه تعالى غاية الانقطاع
~~محتاجا إلى إعانته ورحمته عز وجل فكيف يجانسه ويناسبه ليتخذه ولدا
~~وليشرك به سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وقيل: أي كل
~~واحد من أهل السموات والأرض العابدين والمعبودين آتيه عز وجل منفردا عن
~~الآخر فينفرد العابدون عن الآلهة التي زعموا أنها أنصار أو شفعاء
~~والمعبودون عن الأتباع الذين عبدوهم وذلك يقتضي عدم النفع وينتفي بذلك
~~المجانسة لمن بيده ملكوت كل شيء تبارك وتعالى، وفي { ءاتيه } من
~~الدلالة على إتيانهم كذلك البتة ما ليس في يأتيه فلذا اختير عليه وهو خبر
~~{ كلهم } وكل إذا أضيف إلى معرفة ملفوظ بها نحو كلهم أو كل الناس
~~فالمنقول أنه يجوز عود الضمير عليه مفردا مراعاة للفظه فيقال كلكم ذاهب،
~~ويجوز عوده عليه جمعا مراعاة لمعناه فيقال: كلكم ذاهبون. وحكى إبراهيم
~~بن أصبغ في كتاب «رؤس المسائل» الاتفاق على جواز الأمرين، وقال أبو زيد
~~السهيلي: إن كلا إذا ابتدىء به وكان مضافا لفظا أي إلى معرفة لم يحسن
~~إلا إفراد الخبر حملا على المعنى لأن معنى كلكم / ذاهب مثلا كل واحد
~~منكم ذاهب وليس ذلك مراعاة للفظ وإلا لجاز القوم ذاهب لأن كلا من كل ms06426
~~والقوم اسم جمع مفرد اللفظ اه وفي «البحر» يحتاج في إثبات كلكم ذاهبون
~~بالجمع إلى نقل عن العرب. والزمخشري في تفسير هذه الآية استعمل الجمع
~~وحسن الظن فيه أنه وجد ذلك في كلامهم، وإذا حذف المضاف إليه المعرفة
~~فالمسموع من العرب الوجهان ولا كلام في ذلك.

### || [19.96]

# { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحات سيجعل
~~لهم الرحمن ودا } أي مودة في القلوب لإيمانهم وعملهم
~~الصالح، والمشهور أن ذلك الجعل في الدنيا. فقد أخرج البخاري ومسلم
~~والترمذي وعبد بن حميد وغيرهم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم قال:

# " إذا أحب الله تعالى عبدا نادى جبريل إني قد أحببت فلانا فأحبه
~~فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في الأرض فذلك قول الله تعالى: {
~~إن الذين ءامنوا } الآية "

# والتعرض لعنوان الرحمانية لما أن الموعود من آثارها، والسين لأن السورة
~~مكية وكانوا ممقوتين حينئذ بين الكفرة فوعدهم سبحانه ذلك، ثم نجزه حين
~~كثر الإسلام وقوي بعد الهجرة، وذكر أن الآية نزلت في المهاجرين إلى
~~الحبشة مع جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وعد سبحانه أن يجعل لهم
~~محبة في قلب النجاشي. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عبد
~~الرحمن بن عوف أنه لما هاجر إلى المدينة وجد في نفسه على فراق أصحابه
~~بمكة منهم شيبة بن ربيعة وعقبه بن ربيعة وأمية بن خلف فأنزل الله تعالى
~~هذه الآية، وعلى هذا تكون الآية مدنية، وأخرج ابن مردويه، والديلمي عن
~~البراء قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله تعالى وجهه: قل اللهم
~~اجعل لي عندك عهدا واجعل لي في صدور المؤمنين ودا "

# فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وكان محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنه
~~يقول: لا تجد مؤمنا إلا وهو يحب عليا كرم الله تعالى وجهه وأهل بيته.

# وروى الإمامية خبر نزولها في علي كرم الله تعالى وجهه عن ابن عباس
~~والباقر، وأيدوا ذلك بما صح عندهم أنه كرم الله تعالى وجهه قال: لو ms06427 ضربت
~~خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني ولو صببت الدنيا بجملتها
~~على المنافق على أن يحبني ما أحبني وذلك أنه قضى فانقضى على لسان النبي
~~صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق "

# والمراد المحبة الشرعية التي لا غلو فيه، وزعم بعض النصارى حبه كرم الله
~~تعالى وجهه، فقد أنشد الإمام اللغوي رضي الدين أبو عبد الله محمد بن علي
~~بن يوسف الأنصاري الشاطبي لابن إسحق النصراني الرسغني:

# عدي وتيم لا أحاول ذكرهم

# بسوء ولكني محب لهاشم

# وما تعتريني في علي ورهطه

# إذا ذكروا في الله لومة لائم

# يقولون ما بال النصارى تحبهم

# وأهل النهي من أعرب وأعاجم

# فقلت لهم إني لأحسب حبهم

# سرى في قلوب الخلق حتى البهائم

# وأنت تعلم أنه إذا صح الحديث ثبت كذبه، وأظن أن نسبة هذه الأبيات
~~للنصراني لا أصل لها وهي من أبيات الشيعة بيت الكذب، وكم لهم مثل هذه
~~المكايد كما بين في «التحفة الإثني عشرية»، والظاهر أن الآية على هذا
~~مدنية أيضا.

# ثم العبرة على سائر الروايات في سبب النزول بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

# وذهب الجبائي إلى أن ذلك في الآخرة فقيل في الجنة إذ يكونون إخوانا على
~~سرر متقابلين، وقيل: / حين تعرض حسناتهم على رؤس الأشهاد وأمر السين على
~~ذلك ظاهر. ولعل إفراد هذا الوعد من بين ما سيولون يوم القيامة من
~~الكرامات السنية لما أن الكفرة سيقع بينهم يومئذ تباغض وتضاد وتقاطع
~~وتلاعن، وذكر في وجه الربط أنه لما فصلت قبائح أحوال الكفرة عقب ذلك بذكر
~~محاسن أحوال المؤمنين، وقد يقال فيه بناء على أن ذلك في الآخرة: إنه جل
~~شأنه لما أخبر بإتيان كل من أهل السموات والأرض إليه سبحانه يوم القيامة
~~فردا آنس المؤمنين بأنه جل وعلا يجعل لهم ذلك اليوم ودا، وفسره ابن
~~عطية على هذا الوجه بمحبته تعالى إياهم وأراد منها إكرامه تعالى إياهم
~~ومغفرته سبحانه وتعالى ذنوبهم، وجوز أن يكون الوعد بجعل الود في الدنيا
~~والآخرة ولا ms06428 أراه بعيدا عن الصواب. ولا يأبى هذا ولا ما قبله التعرض
~~لعنوان الرحمانية لجواز أن يدعى العموم فقد جاء «يا رحمن الدنيا والآخرة
~~ورحيمهما».

# وقرأ أبو الحرث الحنفي { ودا } بفتح الواو وقرأ جناح بن حبيش { ودا }
~~بكسرها وكل ذلك لغة فيه وكذا في الوداد.

### || [19.97]

# { فإنما يسرنه } أي القرآن بأن أنزلناه { بلسانك } أي
~~بلغتك وهو في ذلك مجاز مشهور، والباء بمعنى على أو على أصله وهو الإلصاق
~~لتضمين { يسرنا } معنى أنزلنا أي يسرناه منزلين له بلغتك، والفاء
~~لتعليل أمر ينساق إليه النظم الكريم كأنه قيل: بعد إيحاء هذه السورة
~~الكريمة بلغ هذا المنزل أو بشر به وأنذر فإنما يسرناه بلسانك العربي
~~المبين { لتبشر به المتقين } المتصفين بالتقوى لامتثال ما
~~فيه من الأمر والنهي أو الصائرين إليها على أنه من مجاز الأول {
~~وتنذر به قوما لدا } لا يؤمنون به لجاجا وعنادا، واللد
~~جمع الألد وهو كما قال الراغب: الخصم الشديد التأبي، وأصله الشديد
~~اللديد أي صفحة العنق وذلك إذا لم يمكن صرفه عما يريده. وعن قتادة اللد
~~ذوو الجدل بالباطل الآخذون في كل لديد أي جانب بالمراء، وعن ابن عباس
~~تفسير اللد بالظلمة، وعن مجاهد تفسيره بالفجار، وعن الحسن تفسيره بالصم،
~~وعن أبي صالح تفسيره بالعوج وكل ذلك تفسير باللازم؛ والمراد بهم أهل مكة
~~كما روي عن قتادة.

### || [19.98]

# { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } وعد لرسول الله صلى الله
~~عليه وسلم في ضمن وعيد هؤلاء القوم بالإهلاك وحث له عليه الصلاة والسلام
~~على الإنذار أي قرنا كثيرا أهلكنا قبل هؤلاء المعاندين { هل تحس
~~منهم من أحد } استئناف مقرر لمضمون ما قبله، والاستفهام في معنى
~~النفي أي ما تشعر بأحد منهم. وقرأ أبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة
~~وأبو جعفر المدني { تحس } بفتح التاء وضم الحاء { أو تسمع لهم
~~ركزا } أي صوتا خفيا وأصل التركيب هو الخفاء ومنه ركز الرمح إذا غيب
~~طرفه في الأرض والركاز للمال المدفون، وخص بعضهم الركز بالصوت الخفي دون
~~نطق بحروف ولا فم، والأكثرون على الأول، ms06429 وخص الصوت الخفي لأنه الأصل
~~الأكثر ولأن الأثر الخفي إذا زال فزوال غيره بطريق الأولى. والمعنى
~~أهلكناهم بالكلية واستأصلناهم بحيث لا ترى منهم أحدا ولا تسمع منهم
~~صوتا خفيا فضلا عن غيره، وقيل: المعنى أهلكناهم بالكلية بحيث لا ترى
~~منهم أحدا ولا تسمع من يخبر عنهم ويذكرهم بصوت خفي، والحاصل أهلكناهم
~~فلا عين ولا خبر، والخطاب إما لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم أو لكل
~~من يصلح للخطاب. / وقرأ حنظلة «تسمع» مضارع أسمعت مبنيا للمفعول والله
~~تعالى أعلم.

# ومن باب الإشارة في الآيات:

# واذكر فى الكتب إبرهيم إنه كان صديقا
~~نبيا

# [مريم: 41] أمر للحبيب أن يذكر الخليل وما من الله تعالى به عليه من
~~أحكام الخلة ليستشير المستعدين إلى التحلي بما أمكن لهم منها. والصديق
~~على ما قال ابن عطاء القائم مع ربه سبحانه على حد الصدق في جميع الأوقات
~~لا يعارضه في صدقه معارض بحال، وقال أبو سعيد الخزاز: الصديق الآخذ بأتم
~~الحظوظ من كل مقام سني حتى يقرب من درجات الأنبياء عليهم السلام، وقال
~~بعضهم: من تواترت أنوار المشاهدة واليقين عليه وأحاطت به أنوار العصمة.
~~وقال القاضي: هو الذي صعدت نفسه تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات
~~وأخرى بمعارج التصفية والرياضة إلى أوج العرفان حتى اطلع على الأشياء
~~وأخبر عنها على ما هي عليه، ومقام الصديقية قيل: تحت مقام النبوة ليس
~~بينهما مقام. وعن الشيخ الأكبر قدس سره إثبات مقام بينهما وذكر أنه حصل
~~لأبي بكر الصديق رضي الله عنه. والمشهور بهذا الوصف بين الصحابة رضي
~~الله تعالى عنهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه وليس ذلك مختصا به، فقد
~~أخرج أبو نعيم في «المعرفة» وابن عساكر وابن مردويه من حديث عبد الرحمن
~~بن أبي ليلى عن أبيه أبي ليلى الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " الصديقون ثلاثة، حبيب النجار مؤمن آل يس الذي قال: { قال يقوم
~~اتبعوا المرسلين } [يس: 20]، وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال:
~~{ أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله } [غافر: 28] وعلي
~~بن أبي ms06430 طالب رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه وهو أفضلهم { إذ قال
~~لابيه يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا
~~يغنى عنك شيئا } [مريم: 42] "

# الخ فيه من لطف الدعوة إلى اتباع الحق والإرشاد إليه ما لا يخفى. وهذا
~~مطلوب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا سيما إذا كان ذلك مع
~~الأقارب ونحوهم قال:

# قال سلام عليك

# [مريم: 47] هذا سلام الإعراض عن الأغيار وتلطف الأبرار مع الجهال، قال
~~أبو بكر بن طاهر: إنه لما بدا من آزر في خطابه عليه السلام ما لا يبدو
~~إلا من جاهل جعل جوابه السلام لأن الله تعالى قال:

# وإذا خاطبهم الجهلون قالوا سلاما

# [الفرقان: 63]

# وأعتزلكم وما تدعون من دون الله

# [مريم: 84] أي أهاجر عنكم بديني، ويفهم منه استحباب هجر الأشرار. وعن
~~أبي تراب النخشبي صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار، وقد تضافرت
~~الأدلة السمعية والتجربة على أن مصاحبتهم تورث القسوة وتثبط عن الخير

# وأدعوا ربى عسى أن لا أكون بدعاء ربى شقيا

# [مريم: 48] فيه من الدلالة على مزيد أدبه عليه السلام مع ربه عز وجل ما
~~فيه، ومقام الخلة يقتضي ذلك فإن من لا أدب له لا يصلح أن يتخذ خليلا

# فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا
~~له إسحق ويعقوب

# [مريم: 49] كأن ذلك كان عوضا عمن اعتزل من أبيه وقومه لئلا يضيق صدره
~~كما قيل: ولما اعتزل نبينا صلى الله عليه وسلم الكون أجمع ما زاغ البصر
~~وما طغى عوض عليه الصلاة والسلام بأن قال له سبحانه:

# إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد
~~الله فوق أيديهم

# [الفتح: 10]. { واذكر } أيها الحبيب { في الكتاب موسى } الكليم

# إنه كان مخلصا

# [مريم: 51] لله تعالى في سائر شؤونه، قال الترمذي: المخلص على الحقيقة
~~من يكون مثل موسى عليه السلام ذهب إلى الخضر عليه السلام ليتأدب به فلم
~~يسامحه في شيء ظهر له منه

# وندينه من جانب الطور الأيمن وقربناه
~~نجيا

# [مريم: 52] قالوا النداء بداية والنجوى نهاية، النداء مقام الشوق
~~والنجوى مقام كشف السر

# ووهبنا له ms06431 من رحمتنا أخاه هرون نبيا

# [مريم: 53] قيل: علم الله تعالى ثقل الأسرار على / موسى عليه السلام
~~فاختار له هرون مستودعا لها فهرون عليه السلام مستودع سر موسى عليه
~~السلام،

# واذكر فى الكتب إسمعيل إنه كان صدق
~~الوعد

# [مريم: 54] بالصبر على بذل نفسه أو بما وعد به استعداده من كمال التقوى
~~لربه جل وعلا والتحلي بما يرضيه سبحانه من الأخلاق

# واذكر فى الكتب إدريس إنه كان صديقا نبيا
~~* ورفعناه مكانا عليا

# [مريم: 56-57] وهو نوع من القرب من الله تعالى به عليه عليه السلام.

# وقيل: السماء الرابعة والتفضل عليه بذلك لما فيه من كشف بعض أسرار
~~الملكوت { أولئك الذين أنعم الله عليهم } بما لا
~~يحيط نطاق الحصر به من النعم الجليلة { إذا تتلى عليهم آيات
~~الرحمن خروا سجدا } مما كشف لهم من آياته تعالى، وقد ذكر
~~أن القرآن أعظم مجلى لله عز وجل

# وبكيا

# [مريم: 58] من مزيد فرحهم بما وجدوه أو من خوف عدم استمرار ما حصل لهم
~~من التجلي:

# ونبكي إن نأوا شوقا إليهم

# ونبكي إن دنوا خوف الفراق

# ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا

# [مريم: 62] قيل: الرزق ههنا مشاهدة الحق سبحانه ورؤيته عز وجل وهذا
~~لعموم أهل الجنة وأما المحبوبون والمشتاقون فلا تنقطع عنهم المشاهدة لمحة
~~ولو حجبوا لماتوا من ألم الحجاب

# رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده
~~واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا

# [مريم: 65] مثلا يلتفت إليه ويطلب منه شيء، وقال الحسين بن الفضل: هل
~~يستحق أحد أن يسمى باسم من أسمائه تعالى على الحقيقة

# وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما
~~مقضيا

# [مريم: 71] وذلك لتظهر عظمة قهره جل جلاله وآثار سطوته لجميع خلقه عز
~~وجل { ثم ننجي الذين اتقوا } جزاء تقواهم

# ونذر الظالمين فيها جثيا

# [مريم: 72] جزاء ظلمهم، وهذه الآية كم أجرت من عيون العيون العيون. فعن
~~عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه أنه كان يبكي ويقول: قد علمت أني
~~وارد النار ولا أدري كيف الصدر بعد الورود، وعن الحسن كان أصحاب رسول
~~الله صلى ms06432 الله عليه وسلم إذا التقوا يقول الرجل لصاحبه: هل أتاك أنك
~~وارد؟ فيقول: نعم فيقول: هل أتاك أنك خارج؟ فيقول لا فيقول: ففيم الضحك
~~إذن؟

# قل من كان فى الضللة فليمدد له الرحمن
~~مدا

# [مريم: 75] لما افتخروا بحظوظ الدنيا التي لا يفتخر بها إلا ذوو الهمم
~~الدنية رد الله تعالى عليهم بأن ذلك استدراج ليس بإكرام والإشارة فيه أن
~~كل ما يشغل عن الله تعالى والتوجه إليه عز وجل فهو شر لصاحبه

# يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا

# [مريم: 85] ركبانا على نجائب النور، وقال ابن عطاء: بلغني عن الصادق
~~رضي الله عنه أنه قال: ركبانا على متون المعرفة

# إن كل من فى السموات والأرض إلا ءاتى الرحمن
~~عبدا

# [مريم: 93] فقيرا ذليلا منقادا مسلوب الأنانية بالكلية

# إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحات سيجعل
~~لهم الرحمن ودا

# [مريم: 96] في القلوب المفطورة على حب الله تعالى وذلك أثر محبته سبحانه
~~لهم، وفي الحديث

# " لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي
~~يسمع به وبصره الذي يبصر به "

# الخ، ولا يشكل على هذا أنا نرى كثيرا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات
~~ممقوتين لأن الذين يمقتونهم قد فطرت قلوبهم على الشر وإن لم يشعروا بذلك،
~~ومن هنا يعلم أن بغض الصالحين علامة خبث الباطن

# ربنا اغفر لنا ولإخوننا الذين سبقونا
~~بالإيمن ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين
~~ءامنوا

# [الحشر: 10] وقيل: معنى

# سيجعل لهم الرحمن ودا

# [مريم: 96] سيجعل لهم لذة وحلاوة في الطاعة، والأخبار تؤيد ما تقدم
~~والله تعالى أعلم وله الحمد على إتمام تفسير سورة مريم ونسأله جل شأنه
~~التوفيق لإتمام تفسير سائر سور كتابه المعظم بحرمة نبيه صلى الله عليه
~~وسلم.

### | [20 - سورة طه]

### || [20.1]

# فخمها على الأصل ابن كثير وابن عامر وحفص ويعقوب وهو إحدى / الروايتين
~~عن قالون وورش والرواية الأخرى أنهما فخما الطاء وأمالا الهاء وهو المروي
~~عن أبي عمرو وأمال الحرفين حمزة والكسائي وأبو بكر؛ ولعل إمالة الطاء مع
~~أنها من حروف الاستعلاء والاستعلاء يمنع الإمالة لأنها ms06433 تسفل لقصد التجانس
~~وهي من الفواتح التي تصدر بها السور الكريمة على إحدى الروايتين عن مجاهد
~~بل قيل: هي كذلك عند جمهور المتقنين، وقال السدي: المعنى يا فلان، وعن
~~ابن عباس في رواية جماعة عنه والحسن وابن جبير وعطاء وعكرمة وهي الرواية
~~الأخرى عن مجاهد أن المعنى يا رجل، واختلفوا فقيل: هو كذلك بالنبطية
~~وقيل: بالحبشية، وقيل: بالعبرانية، وقيل بالسريانية. وقيل: بلغة عكل،
~~وقيل: بلغة عك. وروي ذلك عن الكلبي قال: لو قلت في عك: يا رجل لم يجب
~~حتى تقول:  طاها  وأنشد الطبري في ذلك قول متمم بن نويرة:

# دعوت بطاها في القتال فلم يجب

# فخفت عليه أن يكون موائلا

# وقول الآخر:

# إن السفاهة طاها من خلائقكم

# لا بارك الله في القوم الملاعين

# وقال ابن الأنباري: إن لغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا لأن الله تعالى
~~لم يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بلسان غير لسان قريش، ولا يخفى أن
~~مسئلة وقوع شيء بغير لغة قريش من لغات العرب في القرآن خلافية، وقد بسط
~~الكلام عليها في «الإتقان»، والحق الوقوع وتخرص الزمخشري على عك فقال:
~~((لعل عكا تصرفوا في يا هذا كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاء فقالوا: في
~~ياطا واختصروا هذا واقتصروا على ها)). وتعقبه أبو حيان بأنه ((لا يوجد في
~~لسان العرب قلب يا التي للنداء طاء وكذلك حذف اسم الإشارة في النداء
~~وإقرارها التي للتنبيه ولم يقل ذلك نحوي.)) وذكر في البيت الأخير أنه إن
~~صح فطه فيه قسم بالحروف المقطعة أو اسم السورة على أنه شعر إسلامي كقوله:
~~حم لا ينصرون. وتعقب بأنه احتمال بعيد وهو كذلك في المثال وقد رواه
~~النسائي مرفوعا. ولفظ الخبر

# " إذا لقيكم العدو فليكن شعاركم حم لا ينصرون "

# وليس في سياقه دليل على ذلك، ويحتمل أن يكون لا ينصرون مستأنفا والشعار
~~التلفظ بحم فقط كأنه قيل: ماذا يكون إذا كان شعارنا ذلك فقيل: لا ينصرون،
~~وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس أنه قسم أقسم الله تعالى به ms06434
~~وهو من أسمائه سبحانه، وعن أبي جعفر أنه من أسماء النبي صلى الله عليه
~~وسلم.

# وقرأت فرقة منهم أبو حنيفة والحسن وعكرمة وورش { طه } بفتح الطاء وسكون
~~الهاء كبل فقيل: معناه يا رجل أيضا، وقيل: أمر للنبي صلى الله عليه
~~وسلم بأن يطأ الأرض بقدميه فإنه عليه الصلاة والسلام كما روي عن الربيع
~~بن أنس كان إذا صلى قام على رجل واحدة فأنزل الله تعالى { طه } الخ،
~~وأخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه لما نزل على النبي صلى
~~الله عليه وسلم:

# يا أيها المزمل * قم اليل إلا قليلا

# [المزمل: 1-2] قام الليل كله حتى تورمت قدماه فجعل يرفع رجلا ويضع رجلا
~~فهبط عليه جبريل عليه السلام فقال: { طه } الآية والأصل طأ فقلبت الهمزة
~~هاء كما قالوا في إياك وارقت ولانك هياك وهرقت ولهنك أو قلبت الهمزة في
~~فعله الماضي والمضارع ألفا كما في قول الفرزدق:

# راحت بمسلمة البغال عشية

# فارعى فزارة لا هناك المرتع

# وكما قالوا في سأل { سال } [المعارج: 1] وحذفت في الأمر لكونه معتل
~~الآخر وضم إليه هاء السكت وهو في مثل ذلك لازم خطا ووقفا، وقد يجري
~~الوصل مجرى الوقف فتثبت لفظا فيه، وجوز بعضهم أن يكون أصل { طه } / في
~~القراءة المشهورة طاها على أن طا أمر له صلى الله عليه وسلم بأن يطأ
~~الأرض بقدميه وها ضمير مؤنث في موضع المفعول به عائد على الأرض وإن لم
~~يسبق لها ذكر، واعترض بأنه لو كان كذلك لم تسقط منه الألفان ورسم المصحف
~~وإن كان لا ينقاس لكن الأصل فيه موافقته للقياس فلا يعدل عنه لغير داع
~~وليست هذه الألف في اسم ولا وسطا كما في الحرث ونحوه لتحذف لا سيما وفي
~~حذفها لبس فلا يجوز كما فصل في باب الخط من «التسهيل». واعترض بهذا أيضا
~~على تفسيره بيا رجل ونحوه، وقيل: توجيه ذلك على هذا الأصل ويعلم منه
~~توجيه آخر لقراءة أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ومن معه أن يقال: اكتفى
~~من طأ بطاء ms06435 متحركة ومن ها الضمير بهاء ثم عبر عنهما باسميهما فها ليست
~~ضميرا بل هي كالقاف في قوله:

# قلت لها قفي فقالت قاف

# واعترض أيضا بأنه كان ينبغي على هذا أن لا تكتب صورة المسمى بل صورة
~~الاسم. وأجيب بأن كتابة الأسماء بصور المسميات أمر مخصوص بحروف التهجي.
~~وتعقب بأن ما ذكر لا يقطع مادة الإيراد إذ لو كان كذلك لانفصل الحرفان في
~~الخط بأن يكتبان هكذا ط ه. فإن قيل: إن خط المصحف لا ينقاس قيل عليه ما
~~قيل، والحق أن دعوى أن خط المصحف لا ينقاس قوية جدا وما قيل عليها لا
~~يعول عليه، وما صح عن السلف يقبل ولا يقدح فيه عدم موافقة القياس، وإن
~~كانت الموافقة هي الأصل. وقد روي عن علي كرم الله تعالى وجهه والربيع بن
~~أنس أنهما فسرا { طه } بطأ الأرض بقدميك يا محمد ولم أقف على طعن في
~~الرواية والله تعالى أعلم. واختلف في إعرابه حسب الاختلاف في المراد منه
~~فهو على ما نقل عن الجمهور من أن المراد منه طائفة من حروف المعجم مسرودة
~~على نمط التعديد افتتحت بها السورة لا محل له من الإعراب، وكذا ما بعده
~~من قوله تعالى: { ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى... }.

### || [20.2]

# { ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى } فإنه استئناف مسوق
~~لتسليته صلى الله عليه وسلم عما كان يعتريه من جهة المشركين من التعب فإن
~~الشقاء شائع في ذلك المعنى، ومنه المثل أشقى من رائض مهر، وقول الشاعر:

# ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

# وأخو الجهالة في الشقاء ينعم

# أي ما أنزلناه عليك لتتعب بالمبالغة في مكابدة الشدائد في مقاولة العتاة
~~ومحاورة الطغاة وفرط التأسف على كفرهم به والتحسر على أن يؤمنوا به كقوله
~~تعالى شأنه

# فلعلك بخع نفسك على ءاثرهم

# [الكهف: 6] الآية بل لتبلغ وتذكر وقد فعلت فلا عليك إن لم يؤمنوا بعد
~~ذلك أو لصرفه عليه الصلاة والسلام عما كان عليه من المبالغة في المجاهدة
~~في العبادة كما سمعت فيما أخرج ابن مردويه عن علي كرم ms06436 الله تعالى وجهه أي
~~ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسك وحملها على الرياضات الشاقة والشدائد
~~الفادحة وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة، وقال مقاتل: إن أبا جهل والنضر
~~بن الحرث والمطعم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأوا كثرة
~~عبادته: إنك لتشقى بترك ديننا وإن القرءان أنزل عليك لتشقى به فرد الله
~~تعالى عليهم ذلك بأنا ما أنزلناه عليك لما قالوا. والشقاء في كلامهم
~~يحتمل أن يكون بمعناه الحقيقي وهو ضد السعادة والتعبير به في كلامه تعالى
~~من باب المشاكلة وإن أريد منه القرآن بتأويله بالمتحدي به من جنس هذه
~~الحروف فجوز فيه أن يكون محله الرفع على الابتداء والجملة بعده خبره، وقد
~~أقيم فيها الظاهر أعني القرآن مقام / الضمير الرابط لنكتة وهو أن القرآن
~~رحمة يرتاح لها فكيف ينزل للشقاء، وقيل: الخبر محذوف، وقيل: هو خبر
~~لمبتدأ محذوف. والجملة على القولين مستأنفة. وجوز أن يكون محله النصب على
~~إضمار اتل. وقيل: على أنه مقسم به حذف منه حرف القسم فانتصب بفعله مضمرا
~~نحو قوله:

# إن على الله أن تبايعا

# وجوز أن يكون محله الجر بتقدير حرف القسم نظير قوله من وجه

# أشارت كليب بالأكف الأصابع

# والجملة بعده على تقدير إرادة القسم جواب القسم. وجوز هذه الاحتمالات
~~على تقدير أن يكون المراد منه السورة. وأمر ربط الجملة على تقدير
~~ابتدائيته وخبريتها إن كان القرآن خاصا بهذه السورة باعتبار كون تعريفه
~~عهديا حضوريا ظاهر. وإن كان عاما فالربط به لشموله للمبتدأ كما قيل في
~~نحو زيد نعم الرجل. ومنع بعضهم إرادة السورة مطلقا لاتفاق المصاحف على
~~ذكر سورة في العنوان مضافة إلى طه وحينئذ يكون التركيب كإنسان زيد وقد
~~حكموا بقبحه وفيه بحث لا يكاد يخفى حتى على بهيمة الأنعام، وبعضهم إرادة
~~ذلك على تقدير الإخبار بالجملة بعد قال لأن نفى كون إنزال القرآن للشقاء
~~يستدعي وقوع الشقاء مترتبا على إنزاله قطعا إما بحسب الحقيقة كما إذا
~~أريد به التعب أو بحسب زعم الكفرة كما لو أريد به ضد السعادة، ms06437 ولا ريب في
~~أن ذلك إنما يتصور في إنزال ما انزل من قبل وأما انزال السورة الكريمة
~~فليس مما يمكن ترتب الشقاء السابق عليه حتى يتصدى لنفيه عنه أما باعتبار
~~اتحاد القرآن بالسورة فظاهر، وأما باعتبار الاندراج فلأن مآله أن يقال:
~~هذه السورة ما أنزلنا القرآن المشتمل عليها لتشقى، ولا يخفى أن جعلها
~~مخبرا عنها مع أنه لا دخل لإنزالها في الشقاء السابق أصلا مما لا يليق
~~بشأن التنزيل اه ولا يخلو عن حسن، وعلى ما روي عن أبي جعفر من أنه من
~~أسمائه صلى الله عليه وسلم يكون منادى وحكمه مشهور، والجملة جواب النداء،
~~ومحله على ما أخرج ابن المنذر وابن مردويه عن الحبر من أنه قسم أقسم الله
~~تعالى به وهو من أسمائه تباركت أسماؤه النصب أو الجر على ما سمعت آنفا.

# وعلى ما روي عن الأمير كرم الله تعالى وجهه والربيع يكون جملة فعلية وقد
~~مر لك تفصيل ذلك، والجملة بعده مستأنفة استئنافا نحويا أو بيانيا كأنه
~~قيل لم أطؤها؟ فقيل: { ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى
~~} وقرأ طلحة { ما نزل عليك القرءان } بتشديد الفعل وبنائه للمفعول
~~وإسناده إلى القرآن.

### || [20.3]

# { إلا تذكرة } نصب على الاستثناء المنقطع أي ما أنزلناه لشقائك
~~لكن تذكيرا { لمن يخشى } أي لمن شأنه أن يخشى الله تعالى ويتأثر
~~بالإنذار لرقة قلبه ولين عريكته أو لمن علم الله تعالى أنه يخشى
~~بالتخويف، والجار والمجرور متعلق بتذكرة أو بمحذوف صفة لها، وخص الخاشي
~~بالذكر مع أن القرآن تذكرة للناس كلهم لتنزيل غيره منزلة العدم فإنه
~~المنتفع به. وجوز الزمخشري كون { تذكرة } مفعولا له ل

# أنزلنا

# [طه: 2]، وانتصب لاستجماع الشرائط بخلاف المفعول الأول لعدم اتحاد
~~الفاعل فيه، والمشهور عن الجمهور اشتراطه للنصب فلذا جر، ويجوز تعدد
~~العلة بدون عطف وإبدال إذا اختلفت جهة العمل كما هنا لظهور أن الثاني
~~مفعول صريح والأول جار ومجرور، وكذا إذا اتحدت وكانت إحدى العلتين علة
~~للفعل والأخرى علة له بعد تعليله نحو أكرمته لكونه غريبا لرجاء الثواب
~~أو كانت العلة ms06438 الثانية علة للعلة الأولى نحو لا يعذب الله تعالى التائب
~~لمغفرته له لإسلامه فما قيل عليه من أنه لا يجوز / تعدد العلة بدون اتباع
~~غير مسلم.

# وفي «الكشف» أن المعنى على هذا الوجه ما أنزلناه عليك لتحتمل مشاقه
~~ومتاعبه إلا ليكون تذكرة، وحاصله أنه نظير ما ضربتك للتأديب إلا إشفاقا،
~~ويرجع المعنى إلى ما أدبتك بالضرب إلا للإشفاق كذلك المعنى هنا ما
~~أشقيناك بإنزال القرآن إلا للتذكرة، وحاصله حسبك ما حملته من متاعب
~~التبليغ ولا تنهك بدنك ففي ذلك بلاغ اه. واعترض القول بجعله نظير ما
~~ضربتك للتأديب إلا إشفاقا بأنه يجب في ذلك أن يكون بين العلتين ملابسة
~~بالسببية والمسببية حتما كما في المثال المذكور، وفي قولك: ما شافهته
~~بالسوء ليتأذى إلا زجرا لغيره فإن التأديب في الأول مسبب عن الإشفاق
~~والتأذي في الثاني سبب لزجر الغير وما بين الشقاء والتذكرة تناف ظاهر،
~~ولا يجدي أن يراد به التعب في الجملة المجامع للتذكرة لظهور أن لا ملابسة
~~بينهما بما ذكر من السببية والمسببية وإنما يتصور ذلك أن لو قيل مكان {
~~إلا تذكرة } إلا تكثيرا لثوابك فإن الأجر بقدر التعب كما في
~~الحديث انتهى.

# ولعل قائل ذلك يمنع وجوب أن يكون بين العلتين الملابسة المذكورة أو يدعي
~~تحققها بينهما في الآية بناء على أن التذكرة أي التذكير سبب للتعب كما
~~يشعر بذلك قول المدقق في الحاصل الأخير حسبك ما حملته من متاعب التبليغ
~~الخ، وقد خفي المراد من الآية على هذا الوجه علي ابن المنير فقال: إن فيه
~~بعدا لأنه حينئذ يكون الشقاء سبب النزول وإن لم تكن اللام سببية وكانت
~~للصيرورة مثلا لم يكن فيه ما جرت عادة الله تعالى به مع نبيه صلى الله
~~عليه وسلم من نهيه عن الشقاء والحزن على الكفرة وضيق الصدر بهم وكان
~~مضمون الآية منافيا لقوله تعالى:

# فلا يكن فى صدرك حرج

# [الأعراف: 2]

# فلعلك بخع نفسك على ءاثرهم

# [الكهف: 6] اه، وأنت تعلم بعد الوقوف على المراد أن لا منافاة. نعم بعد
~~هذا الوجه ms06439 وكون الآية نظير ما ضربتك للتأديب إلا اشفاقا مما يشهد به
~~الذوق، ويجوز أن تكون حالا من الكاف أو

# القرءان

# [طه: 2] والاستثناء مفرغ، والمصدر مؤول بالصفة أو قصد به المبالغة. وجوز
~~الحوفي كونها بدلا من

# القرءان

# [طه: 2] والزجاج كونها بدلا من محل

# لتشقى

# [طه: 2] لأن الاستثناء من غير الموجب يجوز فيه الإبدال. وتعقب بأن ذلك
~~إذا كان متصلا بأن كان المستثنى من جنس المستثنى منه والبدلية حينئذ
~~البدلية البعضية في المشهور، وقيل: بدلية الكل من الكل، ولا يخفى عدم
~~تحقق ذلك بين التذكرة والشقاء. والقول ببدلية الاشتمال في مثل ذلك لتصحيح
~~البدلية هنا بناء على أن التذكرة تشتمل على التعب مما لم يقله أحد من
~~النحاة. واعتبارها لهذا الاشتمال من جنس الشقاء فكأنها متحدة معه لا يجعل
~~الاستثناء متصلا كما قيل، وقد سمعت اشتراطه، وبالجملة هذا الوجه ليس
~~بالوجيه وقد أنكره أبو علي على الزجاج. وجوز أن يكون مفعولا له لأنزلنا
~~و

# لتشقى

# [طه: 2] ظرف مستقر في موضع الصفة للقرآن أي ما أنزلنا القرآن الكائن أو
~~المنزل لتعبك إلا تذكرة، وفيه تقدير المتعلق مقرونا باللام وحذف الموصول
~~مع بعض صلته وقد أباه بعض النحاة، وكون أل حرف تعريف خلاف الظاهر، وقيل:
~~هي نصب على المصدرية لمحذوف أي لكن ذكرناه به تذكرة.

### || [20.4]

# وقوله تعالى: { تنزيلا } كذلك أي نزل تنزيلا، والجملة مستأنفة
~~مقررة لما قبلها. وقيل: لما تفيده الجملة الاستثنائية فإنها متضمنة لأن
~~يقال: إنا أنزلناه للتذكرة والأول أنسب لما بعده من الالتفات. وقيل:
~~منصوب على المدح والاختصاص. وقيل: بيخشى على المفعولية. واستبعدهما أبو
~~حيان وعد / الثاني في غاية البعد لأن

# يخشى

# [طه: 3] رأس آية فلا يناسب أن يكون { تنزيلا } مفعوله. وتعقب أيضا بأن
~~تعليق الخشية والخوف ونظائرهما بمطلق التنزيل غير معهود. نعم قد تعلق ذلك
~~ببعض أجزائه المشتملة على الوعيد ونحوه كما في قوله تعالى:

# يحذر المنفقون أن تنزل عليهم سورة
~~تنبئهم بما في قلوبهم

# [التوبة: 64]. وأنت تعلم أن المعنى على هذا الوجه إلا تذكرة لمن يخشى
~~المنزل من قادر ms06440 قاهر وهو مما لا خلل فيه، وأمر عدم المعهودية سهل. وقيل:
~~هو بدل من

# تذكرة

# [طه: 3] بناء على أنها حال من الكاف أو

# القرءان

# [طه: 2] كما نقل سابقا وهو بدل اشتمال. وتعقبه أبو حيان بأن جعل المصدر
~~حالا لا ينقاس، ومع هذا فيه دغدغة لا تخفى، ولم يتجوز البدلية منها على
~~تقدير أن تكون مفعولا له لأنزلنا لفظا أو معنى لأن البدل هو المقصود
~~فيصير المعنى أنزلناه لأجل التنزيل وفي ذلك تعليل الشيء بنفسه إن كان
~~الإنزال والتنزيل بمعنى بحسب الوضع أو بنوعه إن كان الإنزال عاما
~~والتنزيل مخصوصا بالتدريجي وكلاهما لا يجوز وقرأ ابن عبلة { تنزيل }
~~بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي هو تنزيل.

# { ممن خلق الأرض والسموت العلى } متعلق بتنزيل.
~~وجوز أن يكون متعلقا بمضمر هو صفة له مؤكدة لما في تنكيره من الفخامة
~~الذاتية بالفخامة الإضافية. ونسبة التنزيل إلى الموصول بطريق الالتفات
~~إلى الغيبة بعد نسبة الإنزال إلى نون العظمة لبيان فخامته تعالى شأنه
~~بحسب الأفعال والصفات إثر بيانها بحسب الذات بطريق الإبهام ثم التفسير
~~لزيادة تحقيق وتقرير. واحتمال كون { أنزلنا } الخ حكاية لكلام جبرائيل
~~والملائكة النازلين معه عليهم السلام بعيد غاية البعد. وتخصيص خلق الأرض
~~والسموات بالذكر مع أن المراد خلقهما بجميع ما يتعلق بهما كما يؤذن به
~~قوله تعالى:

# له ما في السموات وما في الأرض

# [البقرة: 255] الآية لأصالتهما واستتباعهما لما عداهما، وقيل: المراد
~~بهما ما في جهة السفل وما في جهة العلو، وتقديم خلق الأرض قيل لأنه مقدم
~~في الوجود على خلق السموات السبع كما هو ظاهر آية حم السجدة

# أئنكم لتكفرون بالذى خلق الأرض فى يومين

# [فصلت: 9] الآية. وكذا ظاهر آية البقرة [29]

# هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا ثم استوى
~~إلى السماء فسواهن

# الآية ونقل الواحدي عن مقاتل أن خلق السموات مقدم، واختاره كثير من
~~المحققين لتقديم السموات على الأرض في معظم الآيات التي ذكرا فيها
~~واقتضاء الحكمة تقديم خلق الأشرف والسماء أشرف من الأرض ذاتا وصفة مع
~~ظاهر ءاية ms06441 النازعات [27]

# ءأنتم أشد خلقا أم السماء بنها

# الآية، واختار بعض المحققين أن خلق السموات بمعنى إيجادها بمادتها قبل
~~خلق الأرض وخلقها بمعنى إظهارها بآثارها بعد خلق الأرض وبذلك يجمع بين
~~الآيات التي يتوهم تعارضها، وتقديم السموات في الذكر على الأرض تارة
~~والعكس أخرى بحسب اقتضاء المقام وهو أقرب إلى التحقيق، وعليه وعلى ما
~~قبله فتقديم خلق الأرض هنا قيل لأنه أوفق بالتنزيل الذي هو من أحكام
~~رحمته تعالى كما ينبىء عنه ما بعد وقوله تعالى:

# الرحمن * علم القرءان

# [الرحمن: 1-2] ويرمز إليه ما قبل فإن الإنعام على الناس بخلق الأرض أظهر
~~وأتم وهي أقرب إلى الحس. وقيل: لأنه أوفق بمفتتح السورة بناء على جعل

# طه

# [طه: 1] جملة فعلية أي طأ الأرض بقدميك أو لقوله تعالى:

# ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى

# [طه: 2] بناء على أنه جملة مستأنفة لصرفه صلى الله عليه وسلم عما كان
~~عليه من رفع إحدى رجليه عن الأرض في الصلاة كما جاء في سبب النزول، ووصف
~~السموات بالعلى وهو جمع العليا كالكبرى تأنيث الأعلى لتأكيد الفخامة مع
~~ما فيه / من مراعاة الفواصل وكل ذلك إلى قوله تعالى:

# له الأسماء الحسنى

# [طه: 8] مسوق لتعظيم شأن المنزل عز وجل المستتبع لتعظيم [شأن] المنزل
~~الداعي إلى استنزال المتمردين عن رتبة العتو والطغيان واستمالتهم إلى
~~التذكر والإيمان.

### || [20.5]

# {

# الرحمن } رفع على المدح أي هو الرحمن. وجوز ابن عطية أن يكون
~~بدلا من الضمير المستتر في

# خلق

# [طه: 4] وتعقبه أبو حيان فقال: أرى أن مثل هذا لا يجوز لأن البدل يحل
~~محل المبدل منه ولا يحل ههنا لئلا يلزم خلو الصلة من العائد اه، ومنع
~~بعضهم لزوم اطراد الحلول ثم قال: على تسليمه يجوز إقامة الظاهر مقام
~~الضمير العائد كما في قوله:

# وأنت الذي في رحمة الله أطمع

# نعم اعتبار البدلية خلاف الظاهر، وجوز أن يكون مبتدأ واللام للعهد
~~والإشارة إلى الموصول وخبره قوله تعالى: { على العرش استوى }
~~ويقدر هو ويجعل خبرا عنه على احتمال البدلية، وعلى الاحتمال الأول يجعل
~~خبرا بعد خبر ms06442 لما قدر أولا على ما في «البحر» وغيره، وروى جناح بن حبيش
~~عن بعضهم أنه قرأ { الرحمن } بالجر، وخرجه الزمخشري على أنه صفة لمن.
~~وتعقبه أبو حيان بأن مذهب الكوفيين أن الأسماء النواقص التي لا تتم إلا
~~بصلاتها كمن وما لا يجوز نعتها إلا الذي والتي فيجوز نعتهما فعندهم لا
~~يجوز هذا التخريج فالأحسن أن يكون { الرحمن } بدلا من { من }
~~وقد جرى في القرآن مجرى العلم في وقوعه بعد العوامل، وقيل: إن { من }
~~يحتمل أن تكون نكرة موصوفة وجملة

# خلق

# [طه: 4] صفتها و { الرحمن } صفة بعد صفة وليس ذاك من وصف الأسماء
~~النواقص التي لا تتم إلا بصلاتها غاية ما في الباب أن فيه تقديم الوصف
~~بالجملة على الوصف بالمفرد وهو جائز اه وهو كما ترى. وجملة { على
~~العرش استوى } على هذه القراءة خبر هو مقدرا، والجار والمجرور
~~على كل الاحتمالات متعلق باستوى قدم عليه لمراعاة الفواصل.

# و { العرش } في اللغة سرير الملك وفي الشرع سرير ذو قوائم له حملة
~~من الملائكة عليهم السلام فوق السموات مثل القبة، ويدل على أن له قوائم
~~ما أخرجاه في «الصحيحين» عن أبي سعيد قال:

# " جاء رجل من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد لطم وجهه فقال:
~~يا محمد رجل من أصحابك قد لطم وجهي فقال النبي عليه الصلاة والسلام:
~~ادعوه فقال: لم لطمت وجهه؟ فقال: يا رسول الله إني مررت بالسوق وهو يقول:
~~والذي اصطفى موسى على البشر فقلت: يا خبيث وعلى محمد صلى الله عليه وسلم
~~فأخذتني غضبة فلطمته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تخيروا بين
~~الأنبياء فإن الناس يصعقون وأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى عليه السلام
~~آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور "

# ، وعلى أن له حملة من الملائكة عليهم السلام قوله تعالى:

# الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد
~~ربهم ويؤمنون به

# [غافر: 7]. وما رواه أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " أذن لي أن ms06443 أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش أن ما بين
~~أذنيه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة "

# وعلى أنه فوق السموات مثل القبة ما رواه أبو داود أيضا عن جبير بن
~~محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال:

# " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: يا رسول الله جهدت
~~الأنفس ونهكت الأموال أو هلكت فاستسق لنا فإنا نستشفع بك إلى الله تعالى
~~ونستشفع بالله تعالى عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك أتدري
~~ما تقول؟ وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فما زال يسبح حتى عرف ذلك /
~~في وجوه أصحابه ثم قال: ويحك أنه لا يستشفع بالله تعالى على أحد من خلقه
~~شأن الله تعالى أعظم من ذلك ويحك أتدري ما الله إن الله تعالى فوق عرشه
~~وعرشه فوق سمواته لهكذا وقال بأصابعه مثل القبة وأنه ليئط به أطيط الرحل
~~الجديد بالراكب "

# ومن شعر أمية بن أبي الصلت:

# مجدوا الله فهو للمجد أهل

# ربنا في السماء أمسى كبيرا

# بالبناء العالي الذي بهر النا

# س وسوى فوق السماء سريرا

# شرجعا لا يناله طرف الع

# ين ترى حوله الملائك صورا

# وذهب طائفة من أهل الكلام إلى أنه مستدير من جميع الجوانب محيط بالعالم
~~من كل جهة وهو محدد الجهات وربما سموه الفلك الأطلس والفلك التاسع.
~~وتعقبه بعض شراح «عقيدة الطحاوي» بأنه ليس بصحيح لما ثبت في الشرع من أن
~~له قوائم تحمله الملائكة عليهم السلام، وأيضا أخرجا في «الصحيحين» عن
~~جابر أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

# " اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ "

# والفلك التاسع عندهم متحرك دائما بحركة متشابهة، ومن تأول ذلك على أن
~~المراد باهتزازه استبشار حملة العرش وفرحهم فلا بد له من دليل على أن
~~سياق الحديث ولفظه كما نقل عن أبي الحسن الطبري وغيره بعيد عن ذلك
~~الاحتمال، وأيضا جاء في «صحيح مسلم» من حديث جويرية بنت الحرث ما يدل
~~على أن له ms06444 زنة هي أثقل الأوزان والفلك عندهم لا ثقيل ولا خفيف، وأيضا
~~العرب لا تفهم منه الفلك والقرآن إنما نزل بما يفهمون. وقصارى ما يدل
~~عليه خبر أبي داود عن جبير بن مطعم التقبيب وهو لا يستلزم الاستدارة من
~~جميع الجوانب كما في الفلك ولا بد لها من دليل منفصل. ثم إن القوم إلى
~~الآن بل إلى أن ينفخ في الصور لا دليل لهم على حصر الأفلاك في تسعة ولا
~~على أن التاسع أطلس لا كوكب فيه وهو غير الكرسي على الصحيح فقد قال ابن
~~جرير: قال أبو ذر رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~يقول:

# " ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض "

# وروى ابن أبي شيبة في كتاب «صفة العرش» والحاكم في «مستدركه» وقال: إنه
~~على شرط الشيخين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكرسي موضع القدمين
~~والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى، وقد روي مرفوعا والصواب وقفه على
~~الحبر. وقيل: العرش كناية عن الملك والسلطان. وتعقبه ذلك البعض بأنه
~~تحريف لكلام الله تعالى وكيف يصنع قائل ذلك بقوله تعالى:

# ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمنية

# [الحاقة: 17] أيقول ويحمل ملكه تعالى يومئذ ثمانية، وقوله عليه الصلاة
~~والسلام:

# " فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش "

# أيقول آخذ بقائمة من قوائم الملك وكلا القولين لا يقولهما من له أدنى
~~ذوق، وكذا يقال: أيقول في

# " اهتز عرش الرحمن "

# الحديث اهتز ملك الرحمن وسلطانه، وفيما رواه البخاري وغيره عن أبي
~~هريرة مرفوعا

# " لما قضى الله تعالى الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي
~~سبقت غضبي فهو عنده سبحانه وتعالى فوق الملك والسلطان "

# ؛ وهذا كذينك القولين.

# والاستواء على الشيء جاء بمعنى الارتفاع والعلو عليه وبمعنى الاستقرار
~~كما في قوله تعالى:

# واستوت على الجودى

# [هود: 44] و

# لتستووا على ظهوره

# [الزخرف: 13] وحيث كان ظاهر ذلك مستحيلا عليه / تعالى قيل: الاستواء
~~هنا بمعنى الاستيلاء كما في قوله:

# قد استوى ms06445 بشر على العراق

# وتعقب بأن الاستيلاء معناه حصول الغلبة بعد العجز، وذلك محال في حقه
~~تعالى، وأيضا إنما يقال: استولى فلان على كذا إذا كان له منازع ينازعه
~~وهو في حقه تعالى محال أيضا، وأيضا إنما يقال ذلك إذا كان المستولى
~~عليه موجودا قبل والعرش إنما حدث بتخليقه تعالى وتكوينه سبحانه، وأيضا
~~الاستيلاء واحد بالنسبة إلى كل المخلوقات فلا يبقى لتخصيص العرش بالذكر
~~فائدة. وأجاب الإمام الرازي بأنه إذا فسر الاستيلاء بالاقتدار زالت هذه
~~المطاعن بالكلية، ولا يخفى حال هذا الجواب على المنصف.

# وقال الزمخشري: ((لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك لا يحصل
~~إلا مع الملك جعلوه كناية عن الملك فقالوا: استوى فلان على العرش يريدون
~~ملك وإن لم يقعد على العرش البتة وإنما عبروا عن حصول الملك بذلك لأنه
~~أشرح وأبسط وأدل على صورة الأمر ونحوه قولك: يد فلان مبسوطة ويد فلان
~~مغلولة بمعنى أنه جواد أو بخيل ولا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت حتى
~~أن من لم يبسط يده قط بالنوال أو لم تكن له يد رأسا قيل فيه يده مبسوطة
~~لمساواته عندهم قولهم: جواد ومنه قوله تعالى:

# وقالت اليهود يد الله

# [المائدة: 64] الآية عنوا الوصف بالبخل ورد عليهم بأنه جل جلاله جواد من
~~غير تصور يد ولا غل ولا بسط)) انتهى.

# وتعقبه الإمام قائلا: إنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت تأويلات الباطنية
~~فإنهم يقولون أيضا: المراد من قوله تعالى:

# اخلع نعليك

# [طه: 12] الاستغراق في خدمة الله تعالى من غير تصور نعل، وقوله تعالى:

# ينار كونى بردا وسلما على إبرهيم

# [الأنبياء: 69] المراد منه تخليص إبراهيم عليه السلام عن يد ذلك الظالم
~~من غير أن يكون هناك نار وخطاب البتة. وكذا القول في كل ما ورد في كتاب
~~الله تعالى بل القانون أنه يجب حمل كل لفظ ورد في القرآن على حقيقته إلا
~~إذا قامت دلالة عقلية قطعية توجب الانصراف عنه، وليت من لم يعرف شيئا لم
~~يخض فيه انتهى، ولا يخفى عليك أنه لا يلزم ms06446 من فتح الباب في هذه الآية
~~انفتاح تأويلات الباطنية فيما ذكر من الآيات إذ لا داعي لها هناك والداعي
~~للتأويل بما ذكره الزمخشري قوي عنده، ولعله الفرار من لزوم المحال مع
~~رعاية جزالة المعنى فإن ما اختاره أجزل من معنى الاستيلاء سواء كان معنى
~~حقيقيا للاستواء كما هو ظاهر كلام «الصحاح» و«القاموس» وغيرهما أو
~~مجازيا كما هو ظاهر جعلهم الحمل عليه تأويلا.

# واستدل الإمام على بطلان إرادة المعنى الظاهر بوجوه. ((الأول: أنه
~~سبحانه وتعالى كان ولا عرش ولما خلق الخلق لم يحتج إلى ما كان غنيا عنه.
~~الثاني: أن المستقر على العرش لا بد وأن يكون الجزء الحاصل منه في يمين
~~العرش غير الجزء الحاصل منه في يساره فيكون سبحانه وتعالى في نفسه مؤلفا
~~وهو محال في حقه تعالى للزوم الحدوث. الثالث: أن المستقر على العرش أما
~~أن يكون متمكنا من الانتقال والحركة ويلزم حينئذ أن يكون سبحانه وتعالى
~~محل الحركة والسكون وهو قول بالحدوث أو لا يكون متمكنا من ذلك فيكون جل
~~وعلا كالزمن بل أسوأ حالا منه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. الرابع:
~~أنه إن قيل بتخصيصه سبحانه وتعالى بهذا المكان وهو العرش احتيج إلى مخصص
~~وهو افتقار ينزه الله تعالى عنه، وإن قيل بأنه عز وجل يحصل بكل مكان لزم
~~ما لا يقوله عاقل. الخامس: أن قوله تعالى:

# ليس كمثله شىء

# [الشورى: 11] عام في نفي المماثلة فلو كان جالسا لحصل من يماثله في
~~الجلوس فحينئذ تبطل الآية. السادس: أنه تعالى لو كان مستقرا على العرش
~~لكان محمولا / للملائكة لقوله تعالى:

# ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمنية

# [الحاقة: 17] وحامل حامل الشيء حامل لذلك الشيء وكيف يحمل المخلوق
~~خالقه. السابع: أنه لو كان المستقر في المكان إلها ينسد باب القدح في
~~إلهية الشمس والقمر.

# الثامن: أن العالم كرة فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلى قوم هي تحت
~~بالنسبة إلى آخرين وبالعكس فيلزم من إثبات جهة الفوق للمعبود سبحانه
~~إثبات الجهة المقابلة لها أيضا بالنسبة إلى بعض، وباتفاق العقلاء ms06447 لا
~~يجوز أن يقال: المعبود تحت. التاسع: أن الأمة أجمعت على أن قوله تعالى:

# قل هو الله أحد

# [الصمد: 1] من المحكمات وعلى فرض الاستقرار على العرش يلزم التركيب
~~والانقسام فلا يكون سبحانه وتعالى أحدا في الحقيقة فيبطل ذلك المحكم.
~~العاشر: أن الخليل عليه السلام قال:

# لا أحب الآفلين

# [الأنعام: 76] فلو كان تعالى مستقرا على العرش لكان جسما آفلا أبدا
~~فيندرج تحت عموم هذا القول)) انتهى.

# ثم إنه عفا الله تعالى عنه ضعف القول بأنا نقطع بأنه ليس مراد الله
~~تعالى ما يشعر به الظاهر بل مراده سبحانه شيء آخر ولكن لا نعين ذلك
~~المراد خوفا من الخطأ بأنه عز وجل لما خاطبنا بلسان العرب وجب أن لا
~~نريد باللفظ إلا موضوعه في لسانهم وإذا كان لا معنى للاستواء في لسانهم
~~إلا الاستقرار والاستيلاء وقد تعذر حمله على الاستقرار فوجب حمله على
~~الاستيلاء وإلا لزم تعطيل اللفظ وأنه غير جائز. وإلى نحو هذا ذهب الشيخ
~~عز الدين بن عبد السلام فقال في بعض «فتاويه»: طريقة التأويل بشرطه وهو
~~قرب التأويل أقرب إلى الحق لأن الله تعالى إنما خاطب العرب بما يعرفونه
~~وقد نصب الأدلة على مراده من آيات كتابه لأنه سبحانه قال:

# ثم إن علينا بيانه

# [القيامة: 19] و

# لتبين للناس ما نزل إليهم

# [النحل: 44] وهذا عام في جميع آيات القرآن فمن وقف على الدليل أفهمه
~~الله تعالى مراده من كتابه وهو أكمل ممن لم يقف على ذلك إذ لا يستوي
~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون وفيه توسط في المسألة.

# وقد توسط ابن الهمام في «المسايرة» وقد بلغ رتبة الاجتهاد كما قال
~~عصرينا ابن عابدين الشامي في «رد المحتار حاشية الدر المختار» توسطا أخص
~~من هذا التوسط فذكر ما حاصله وجوب الإيمان بأنه تعالى استوى على العرش مع
~~نفي التشبيه وأما كون المراد استولى فأمر جائز الإرادة لا واجبها إذ لا
~~دليل عليه وإذا خيف على العامة عدم فهم الاستواء إذا لم يكن بمعنى
~~الاستيلاء إلا بالاتصال ونحوه من لوازم الجسمية فلا ms06448 بأس بصرف فهمهم إلى
~~الاستيلاء فإنه قد ثبت إطلاقه عليه لغة في قوله:

# فلما علونا واستوينا عليهم

# جعلناهم مرعى لنسر وطائر

# وقوله قد استوى بشر البيت المشهور. وعلى نحو ما ذكر كل ما ورد مما ظاهره
~~الجسمية في الشاهد كالاصبع والقدم واليد. ومخلص ذلك التوسط في القريب بين
~~أن تدعو الحاجة إليه لخلل في فهم العوام وبين أن لا تدعو لذلك.

# ونقل أحمد زروق عن أبي حامد أنه قال: لا خلاف في وجوب التأويل عند تعين
~~شبهة لا ترتفع إلا به. وأنت تعلم أن طريقة كثير من العلماء الأعلام
~~وأساطين الإسلام الإمساك عن التأويل مطلقا مع نفي التشبيه والتجسيم منهم
~~الإمام أبو حنيفة والإمام مالك والإمام أحمد والإمام الشافعي ومحمد بن
~~الحسن وسعد بن معاذ المروزي وعبد الله بن المبارك وأبو معاذ خالد بن
~~سليمان صاحب سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه ومحمد بن إسماعيل البخاري
~~والترمذي وأبو داود السجستاني. ونقل القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد في
~~كتاب «الاعتقاد» عن أبي يوسف عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: لا ينبغي
~~لأحد أن ينطق في الله تعالى بشيء من ذاته ولكن يصفه بما وصف سبحانه به
~~نفسه ولا يقول فيه / برأيه شيئا تبارك الله تعالى رب العالمين. وأخرج
~~ابن أبي حاتم في «مناقب الشافعي» عن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت
~~الشافعي يقول لله تعالى أسماء وصفات لا يسع أحدا ردها ومن خالف بعد ثبوت
~~الحجة عليه كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل لأن علم ذلك لا
~~يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر فنثبت هذه الصفات وننفي عنها التشبيه كما
~~نفى سبحانه عن نفسه فقال:

# ليس كمثله شىء

# [الشورى: 11]، وذكر الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» أنه قد اتفق على ذلك
~~أهل القرون الثلاثة وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة صلى الله عليه
~~وسلم، وكلام إمام الحرمين في «الإرشاد» يميل إلى طريقة التأويل وكلامه في
~~«الرسالة النظامية» مصرح باختياره طريقة التفويض حيث قال فيها: والذي
~~نرتضيه رأيا وندين به عقدا ms06449 اتباع سلف الأمة فالأولى الاتباع وترك
~~الابتداع، والدليل السمعي القاطع في ذلك إجماع الصحابة رضي الله تعالى
~~عنهم فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعاني المتشابهات مع أنهم كانوا لا
~~يألون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون
~~إليه منها فلو كان تأويل هذه الظواهر مسنونا أو محتوما لأوشك أن يكون
~~اهتمامهم بها فوق الاهتمام بفروع الشريعة وقد اختاره أيضا الإمام أبو
~~الحسن الأشعري في كتابه الذي صنفه في «اختلاف المصلين ومقالات
~~الإسلاميين»، وفي كتابه «الإبانة في أصول الديانة» وهو آخر مصنفاته فيما
~~قيل، وقال البيضاوي في «الطوالع»: والأولى اتباع السلف في الإيمان بهذه
~~الأشياء  يعني المتشابهات  ورد العلم إلى الله تعالى بعد نفي ما يقتضي
~~التشبيه والتجسيم عنه تعالى انتهى.

# وعلى ذلك جرى محققو الصوفية فقد نقل عن جمع منهم أنهم قالوا: إن الناس
~~ما احتاجوا إلى تأويل الصفات إلا من ذهولهم عن اعتقاد أن حقيقته تعالى
~~مخالفة لسائر الحقائق وإذا كانت مخالفة فلا يصح في آيات الصفات قط تشبيه
~~إذ التشبيه لا يكون إلا مع موافقة حقيقته تعالى لحقائق خلقه وذلك محال.

# وعن الشعراني أن من احتاج إلى التأويل فقد جهل أولا وآخرا أما أولا
~~فبتعقله صفة التشبيه في جانب الحق وذلك محال، وأما آخرا فلتأويله ما
~~أنزل الله تعالى على وجه لعله لا يكون مراد الحق سبحانه وتعالى. وفي
~~«الدرر المنثورة» له أن المؤول انتقل عن شرح الاستواء الجثماني على العرش
~~المكاني بالتنزيه عنه إلى التشبيه بالأمر السلطاني الحادث وهو الاستيلاء
~~على المكان فهو انتقال عن التشبيه بمحدث ما إلى التشبيه بمحدث آخر فما
~~بلغ عقله في التنزيه مبلغ الشرع فيه في قوله تعالى:

# ليس كمثله شىء

# [الشورى: 11] ألا ترى أنه استشهد في التنزيه العقلي في الاستواء بقول
~~الشاعر: قد استوى البيت، وأين استواء بشر على العراق من استواء الحق
~~سبحانه وتعالى على العرش فالصواب أن يلزم العبد الأدب مع مولاه ويكل معنى
~~كلامه إليه عز وجل.

# ونقل الشيخ إبراهيم الكوراني في «تنبيه العقول» ms06450 عن الشيخ الأكبر قدس سره
~~أنه قال في «الفتوحات» أثناء كلام طويل عجب فيه من الأشاعرة والمجسمة:
~~الاستواء حقيقة معقولة معنوية تنسب إلى كل ذات بحسب ما تعطيه حقيقة تلك
~~الذات ولا حاجة لنا إلى التكلف في صرف الاستواء عن ظاهره، والفقير قد رأى
~~في «الفتوحات» ضمن كلام طويل أيضا في الباب الثالث منها ما نصه: ما ضل
~~من ضل من المشبهة إلا بالتأويل وحمل ما وردت به الآيات والأخبار على ما
~~يسبق منها إلى الفهم من غير نظر فيما يجب لله تعالى من التنزيه فقادهم
~~ذلك إلى الجهل المحض والكفر الصراح ولو طلبوا السلامة وتركوا الأخبار
~~والآيات على ما جاءت من غير عدول منهم فيها إلى شيء البتة ويكلون علم ذلك
~~إلى الله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ويقولون: / لا ندري كان
~~يكفيهم قول الله سبحانه وتعالى:

# ليس كمثله شىء

# [الشورى: 11] ثم ذكر بعد في الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم: الذي
~~رواه مسلم:

# " إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف
~~شاء "

# التخيير بين التفويض لكن بشرط نفي الجارحة ولا بد وتبيين ما في ذلك
~~اللفظ من وجوه التنزيه، وذكر أن هذا واجب على العالم عند تعينه في الرد
~~على بدعي مجسم مشبه.

# وقال أيضا فيما رواه عنه تلميذه المحقق إسماعيل بن سودكين في «شرح
~~التجليات»: ولا يجوز للعبد أن يتأول ما جاء من أخبار السمع لكونها لا
~~تطابق دليله العقلي كأخبار النزول وغيره لأنه لو خرج الخطاب عما وضع له
~~لما كان به فائدة وقد علمنا أنه عليه الصلاة والسلام أرسل ليبين للناس ما
~~أنزل إليهم ثم رأيناه صلى الله عليه وسلم مع فصاحته وسعة علمه وكشفه لم
~~يقل لنا أنه تنزل رحمته تعالى ومن قال تنزل رحمته فقد حمل الخطاب على
~~الأدلة العقلية والحق ذاته مجهولة فلا يصح الحكم عليه بوصف مقيد معين،
~~والعرب تفهم نسبة النزول مطلقا فلا تقيده بحكم دون حكم، وحيث تقرر عندها
~~أنه سبحانه ms06451 وتعالى ليس كمثله شيء يحصل لها المعنى مطلقا منزها وربما
~~يقال لك هذا يحيله العقل فقل الشأن هذا إذا صح أن يكون الحق من مدركات
~~العقول فإنه حينئذ تمضي عليه سبحانه وتعالى أحكامها انتهى، وقال تلميذه
~~الشيخ صدر الدين القونوي في «مفتاح الغيب» بعد بسط كلام في قاعدة جليلة
~~الشأن حاصلها أن التغاير بين الذوات يستدعي التغاير في نسبة الأوصاف
~~إليها ما نصه: وهذه قاعدة من عرفها أو كشف له عن سرها عرف سر الآيات
~~والأخبار التي توهم التشبيه عند أهل العقول الضعيفة واطلع على المراد
~~منها فيسلم من ورطتي التأويل والتشبيه وعاين الأمر كما ذكر مع كمال
~~التنزيه انتهى.

# وخلاصة الكلام في هذا المقام أنه قد ورد في الكتاب العزيز والأحاديث
~~الصحيحة ألفاظ توهم التشبيه والتجسيم وما لا يليق بالله تعالى الجليل
~~العظيم فتشبث المجسمة والمشبهة بما توهمه فضلوا وأضلوا ونكبوا عن سواء
~~السبيل وعدلوا وذهب جمع إلى أنهم هالكون وبربهم كافرون، وذهب آخرون إلى
~~أنهم مبتدعون وفصل بعض فقال: هم كفرة إن قالوا: هو سبحانه وتعالى جسم
~~كسائر الأجسام ومبتدعة إن قالوا: جسم لا كالأجسام وعصم الله تعالى أهل
~~الحق مما ذهبوا إليه وعولوا في عقائدهم عليه فأثبتت طائفة منهم ما ورد
~~كما ورد مع كمال التنزيه المبرأ عن التجسيم والتشبيه فحقيقة الاستواء
~~مثلا المنسوب إليه تعالى شأنه لا يلزمها ما يلزم في الشاهد فهو جل وعلا
~~مستو على العرش مع غناه سبحانه وتعالى عنه وحمله بقدرته للعرش وحملته
~~وعدم مماسة له أو انفصال مسافى بينه تعالى وبينه ومتى صح للمتكلمين أن
~~يقولوا: إنه تعالى ليس عين العالم ولا داخلا فيه ولا خارجا عنه مع أن
~~البداهة تكاد تقضي ببطلان ذلك بين شيء وشيء صح لهؤلاء الطائفة أن يقولوا
~~ذلك في استوائه تعالى الثابت بالكتاب والسنة. فالله سبحانه وصفاته وراء
~~طور العقل فلا يقبل حكمه إلا فيما كان في طور الفكر فإن القوة المفكرة
~~شأنها التصرف فيما في الخيال والحافظة من صور المحسوسات والمعاني الجزئية
~~ومن ترتيبها على ms06452 القانون يحصل للعقل علم آخر بينه وبين هذه الأشياء
~~مناسبة وحيث لا مناسبة بين ذات الحق جل وعلا وبين شيء لا يستنتج من
~~المقدمات التي يرتبها العقل معرفة الحقيقة فأكف الكيف مشلولة وأعناق
~~التطاول إلى معرفة الحقيقة مغلولة وأقدام السعي إلى التشبيه مكبلة وأعين
~~الأبصار والبصائر عن الإدراك والإحاطة مسملة:

# مرام شط مرمى العقل فيه

# ودون مداه بيد لا تبيد

# وقد أخرج اللالكائي في كتاب «السنة» من طريق الحسن عن أمه عن أم سلمة
~~أنها قالت: الاستواء غير / مجهول والكيف غير معقول والإقرار به إيمان
~~والجحود به كفر، ومن طريق ربيعة بن عبد الرحمن أنه سئل كيف استوى على
~~العرش فقال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول وعلى الله تعالى إرساله
~~وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم، ومتى قالوا بنفي اللوازم بالكلية
~~اندفع عنهم ما تقدم من الاعتراضات وحفظوا عن سائر الآفات وهذه الطائفة
~~قيل هم السلف الصالح، وقيل: إن السلف بعد نفي ما يتوهم من التشبيه
~~يقولون: لا ندري ما معنى ذلك والله تعالى أعلم بمراده.

# واعترض بأن الآيات والأخبار المشتملة على نحو ذلك كثيرة جدا ويبعد غاية
~~البعد أن يخاطب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم العباد فيما يرجع
~~إلى الاعتقاد بما لا يدري معناه، وأيضا قد ورد في الأخبار ما يدل على
~~فهم المخاطب المعنى من مثل ذلك، فقد أخرج أبو نعيم عن الطبراني قال:
~~حدثنا عياش بن تميم حدثنا يحيى بن أيوب المقابري حدثنا سلم بن سالم
~~حدثنا خارجة بن مصعب عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عائشة رضي الله
~~تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " إن الله تعالى يضحك من يأس عباده وقنوطهم وقرب الرحمة منهم فقلت:
~~بأبي أنت وأمي يا رسول الله أو يضحك ربنا؟ قال: نعم والذي نفسي بيده إنه
~~ليضحك "

# قلت: فلا يعد منا خيرا إذا ضحك فإنها رضي الله تعالى عنها لو لم تفهم
~~من ضحكه تعالى معنى لم تقل ما قالت.

# وقد ms06453 صح عن بعض السلف أنهم فسروا، ففي «صحيح البخاري» قال مجاهد: استوى
~~على العرش علا على العرش وقال أبو العالية: استوى على العرش ارتفع، وقيل:
~~إن السلف قسمان قسم منهم بعد أن نفوا التشبيه عينوا المعنى الظاهر المعرى
~~عن اللوازم وقسم رأوا صحة تعيين ذلك وصحة تعيين معنى آخر لا يستحيل عليه
~~تعالى كما فعل بعض الخلف فراعوا الأدب واحتاطوا في صفات الرب فقالوا: لا
~~ندري ما معنى ذلك أي المعنى المراد له عز وجل والله تعالى أعلم بمراده.
~~وذهبت طائفة من المنزهين عن التشبيه والتجسيم إلى أنه ليس المراد الظواهر
~~مع نفي اللوازم بل المراد معنى معين هو كذا وكثيرا ما يكون ذلك معنى
~~مجازيا وقد يكون معنى حقيقيا للفظ وهؤلاء جماعة من الخلف وقد يتفق لهم
~~تفويض المراد إليه جل وعلا أيضا وذلك إذا تعددت المعاني المجازية أو
~~الحقيقة التي لا يتوهم منها محذور ولم يقم عندهم قرينة ترجح واحدا منها
~~فيقولون: يحتمل اللفظ كذا وكذا والله تعالى أعلم بمراده من ذلك.

# ومذهب الصوفية على ما ذكره الشيخ إبراهيم الكوراني وغيره إجراء
~~المتشابهات على ظواهرها مع نفي اللوازم والتنزيه بليس كمثله شيء كمذهب
~~السلف الأول وقولهم بالتجلي في المظاهر على هذا النحو، وكلام الشيخ
~~الأكبر قدس سره في هذا المقام مضطرب كما يشهد بذلك ما سمعت نقله عنه
~~أولا مع ما ذكره في الفصل الثاني من الباب الثاني من «الفتوحات» فإنه
~~قال في عد الطوائف المنزهة: ((وطائفة من المنزهة أيضا وهي العالية وهم
~~[من] أصحابنا فرغوا قلوبهم من الفكر والنظر وأخلوها... وقالوا: حصل في
~~نفوسنا من تعظيم الله تعالى الحق جل جلاله بحيث لا نقدر أن نصل إلى معرفة
~~ما جاءنا من عنده بدقيق فكر ونظر فأشبهوا في هذا العقد المحدثين السالمة
~~عقائدهم حيث لم ينظروا ولم يؤولوا [ولا صرفوا] بل قالوا: ما فهمنا فقال
~~أصحابنا بقولهم ثم انتقلوا عن مرتبة هؤلاء بأن قالوا: لنا أن نسلك طريقة
~~أخرى في فهم هذه الكلمات وذلك بأن نفرغ قلوبنا من ms06454 النظر الفكري ونجلس مع
~~الحق تعالى بالذكر على بساط الأدب والمراقبة والحضور والتهيىء لقبول ما
~~يرد [علينا] منه تعالى حتى يكون الحق سبحانه وتعالى متولي تعليمنا بالكشف
~~والتحقق / لما سمعوه تعالى يقول:

# واتقوا الله ويعلمكم الله

# [البقرة: 282] و

# إن * تتقوا الله يجعل لكم فرقانا

# [الأنفال: 29].

# وقل رب زدنى علما

# [طه: 114].

# وعلمناه من لدنا علما

# [الكهف: 65] فعندما توجهت قلوبهم وهممهم إلى الله عز وجل ولجأت إليه
~~سبحانه وتعالى وألقت عنها ما استمسك به الغير من دعوى البحث والنظر
~~ونتائج العقول كانت عقولهم سليمة وقلوبهم مطهرة فارغة فعند ما كان منهم
~~هذا الاستعداد تجلى لهم الحق (عيانا) معلما فأطلعتهم تلك المشاهدة على
~~معاني تلك الكلمات دفعة واحدة... فعرفوا المعنى التنزيهي الذي سيقت له.
~~ويختلف ذلك بحسب اختلاف مقامات إيرادها وهذا حال طائفة منا وحال طائفة
~~أخرى منا أيضا ليس لهم هذا التجلي لكن لهم الإلقاء والإلهام واللقاء
~~والكتاب وهم معصومون فيما يلقى إليهم بعلامات عندهم لا يعرفها سواهم
~~فيخبرون بما خوطبوا به وبما ألهموا وما ألقى إليهم أو كتب)) اه المراد
~~منه. ولعل من يقول بإجراء المتشابهات على ظواهرها مع نفي اللوازم كمذهب
~~السلف الأول من الصوفية طائفة لم يحصل لهم ما حصل لهاتين الطائفتين
~~والفضل بيد الله تعالى يؤتيه من يشاء.

# هذا بقي هل يسمى ما عليه السلف تأويلا أم لا؟ المشهور عدم تسمية ما
~~عليه المفوضة منهم تأويلا وسماه بعضهم تأويلا كالذي عليه الخلف، قال
~~اللقاني: أجمع الخلف ويعبر عنهم بالمؤولة والسلف ويعبر عنهم بالمفوضة على
~~تنزيهه تعالى عن المعنى المحال الذي دل عليه الظاهر وعلى تأويله وإخراجه
~~عن ظاهره المحال وعلى الإيمان به بأنه من عند الله تعالى جاء به رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم وإنما اختلفوا في تعيين محمل له معنى صحيح وعدم
~~تعيينه بنا.

# على أن الوقف على قوله تعالى:

# والراسخون في العلم

# [آل عمران: 7] أو على قوله سبحانه: { إلا الله } ويقال لتأويل
~~السلف إجمالي ولتأويل الخلف تفصيلي انتهى ملخصا.

# وكان شيخنا العلامة علاء الدين يقول: ms06455 ما عليه المفوضة تأويل واحد وما
~~عليه المؤولة تأويلان، ولعله راجع إلى ما سمعت، وأما ما عليه القائلون
~~بالظواهر مع نفي اللوازم فقد قيل: إن فيه تأويلا أيضا لما فيه من نفي
~~اللوازم وظاهر الألفاظ أنفسها تقتضيها ففيه إخراج اللفظ عما يقتضيه
~~الظاهر، وإخراج اللفظ عن ذلك لدليل ولو مرجوحا تأويل. ومعنى كونهم
~~قائلين بالظواهر أنهم قائلون بها في الجملة، وقيل: لا تأويل فيه لأنهم
~~يعتبرون اللفظ من حيث نسبته إليه عز شأنه وهو من هذه الحيثية لا يقتضي
~~اللوازم فليس هناك إخراج اللفظ عما يقتضيه الظاهر، ألا ترى أن أهل السنة
~~والجماعة أجمعوا على رؤية الله تعالى في الآخرة مع نفي لوازم الرؤية في
~~الشاهد من المقابلة والمسافة المخصوصة وغيرهما مع أنه لم يقل أحد منهم:
~~إن ذلك من التأويل في شيء، وقال بعض الفضلاء: كل من فسر فقد أول وكل من
~~لم يفسر لم يؤول لأن التأويل هو التفسير فمن عدا المفوضة مؤولة وهو الذي
~~يقتضيه ظاهر قوله تعالى:

# وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في
~~العلم يقولون ءامنا به

# [آل عمران: 7] بناء على أن الوقف على { إلا الله } ولا يخفى أن
~~القول بأن القائلين بالظواهر مع نفي اللوازم من المؤولة الغير الداخلين
~~في الراسخين في العلم بناء على الوقف المذكور لا يتسنى مع القول بأنهم
~~من السلف الذين هم هم وقد يقال: إنهم داخلون في الراسخين والتأويل بمعنى
~~آخر يظهر بالتتبع والتأمل، وقد تقدم الكلام في المراد بالمتشابهات وذكرنا
~~ما يفهم منه الاختلاف في معنى التأويل وأنا أميل إلى التأويل وعدم القول
~~بالظواهر مع نفي اللوازم في بعض ما ينسب إلى الله تعالى مثل قوله سبحانه:

# سنفرغ لكم أيه الثقلان

# [الرحمن: 31] وقوله عز وجل:

# يحسرة على العباد

# [يس: 30] كما في بعض القراآت وكذا قوله صلى الله عليه وسلم إن صح:

# " الحجر الأسود يمين الله في أرضه فمن قبله أو صافحه فكأنما صافح الله
~~تعالى وقبل يمينه "

# فاجعل الكلام فيه خارجا مخرج التشبيه لظهور القرينة، ولا أقول: الحجر ms06456
~~الأسود من صفاته تعالى كما قال السلف / في اليمين وأرى من يقول بالظواهر
~~ونفي اللوازم في الجميع بينه وبين القول بوحدة الوجود على الوجه الذي
~~قاله محققو الصوفية مثل ما بين سواد العين وبياضها، وأميل أيضا إلى
~~القول بتقبيب العرش لصحة الحديث في ذلك، والأقرب إلى الدليل العقلي القول
~~بكريته ومن قال بذلك أجاب عن الأخبار السابقة بما لا يخفى على الفطن.

# وقال الشيخ الأكبر محي الدين قدس سره في الباب الحادي والسبعين
~~والثلثمائة من «الفتوحات»: إنه ذو أركان أربعة ووجوه أربعة هي قوائمه
~~الأصلية وبين كل قائمتين قوائم وعددها معلوم عندنا ولا أبينها إلى آخر ما
~~قال، ويفهم كلامه أن قوائمه ليست بالمعنى الذي يتبادر إلى الذهن، وصرح
~~بأنه أحد حملته وأنه أنزل عند أفضل القوائم وهي خزانة الرحمة، وذكر أن
~~العمى محيط به وأن صورة العالم بجملته صورة دائرة فلكية، وأطال الكلام في
~~هذا الباب وأتى فيه بالعجب العجاب، وليس له في أكثر ما ذكره فيه مستند
~~نعلمه من كتاب الله تعالى أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنه ما
~~لا يجوز لنا أن نقول بظاهره، والظاهر أن العرش واحد، وقال من قال من
~~الصوفية بتعدده، ولا يخفى ما في نسبة الاستواء إليه تعالى بعنوان
~~الرحمانية مما يزيد قوة الرجاء به جل وعلا وسبحان من وسعت رحمته كل شيء.

### || [20.6]

# وجعل فاعل الاستواء ما في قوله تعالى: { له ما في السموات
~~وما في الأرض } و { له } متعلق به على ما يقتضيه ما روي عن ابن
~~عباس من أن الوقف على

# العرش

# [طه: 5] ويكون المعنى استقام له تعالى كل ذلك وهو على مراده تعالى
~~بتسويته عز وجل إياه كقوله تعالى:

# ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات

# [البقرة: 29] أو استوى كل شيء بالنسبة إليه تعالى فلا شيء أقرب إليه
~~سبحانه من شيء كما يشير إليه

# " لا تفضلوني على ابن متى "

# مما لا ينبغي أن يلتفت إليه أصلا، والرواية عن ابن عباس غير صحيحة،
~~ولعل الذي دعا القائل ms06457 به إليه الفرار من نسبة الاستواء إليه جل جلاله،
~~ويا ليت شعري ماذا يصنع بقوله تعالى:

# الرحمن على العرش استوى

# [طه: 5] وهو بظاهره الذي يظن مخالفته لما يقتضيه عقله مثله {
~~الرحمن على العرش استوى } بل { له } خبر مقدم و { ما
~~فى السموت } مبتدأ مؤخرا أي له عز وجل وحده دون غيره لا شركة
~~ولا استقلالا من حيث الملك والتصرف والإحياء والإماتة والإيجاد والإعدام
~~جميع ما في السموات والأرض سواء كان ذلك بالجزئية منهما أو بالحلول
~~فيهما.

# { وما بينهما } من الموجودات الكائنة في الجو دائما كالهواء
~~والسحاب وخلق لا نعلمهم هو سبحانه يعلمهم أو أكثريا كالطير الذي نراه {
~~وما تحت الثرى } أي ما تحت الأرض السابعة على ما روي عن ابن
~~عباس وأخرجه ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب، وأخرج عن السدي أنه الصخرة
~~التي تحت الأرض السابعة وهي صخرة خضراء، وأخرج أبو يعلى عن جابر بن عبد
~~الله

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ما تحت الأرض؟ قال: الماء قيل: فما
~~تحت الماء؟ قال: ظلمة قيل: فما تحت الظلمة؟ قال: الهواء قيل: فما تحت
~~الهواء؟ قال: الثرى قيل: فما تحت الثرى؟ قال: انقطع علم المخلوقين عند
~~علم الخالق "

# وأخرج ابن مردويه عنه نحوه من حديث طويل، وقال غير واحد ((الثرى التراب
~~الندي أو الذي إذا بل لم يصر طينا كالثرياء ممدودة، ويقال في تثنيته:
~~ثريان وثروان وفي جمعه أثراء؛ ويقال: ثريت الأرض كرضي (تثرى) ثرى فهي
~~ثرية كغنية وثرياء إذا نديت ولانت بعد الجدوبة واليبس وأثرت كثر
~~ثراؤها وثرى التربة تثرية / بلها والمكان رشه وفلانا ألزم يده الثرى))
~~وفسر بمطلق التراب أي وله تعالى ما واراه التراب وذكره مع دخوله تحت ما
~~في الأرض لزيادة التقرير، وإذا كان ما في الأرض ما هو عليها فالأمر ظاهر،
~~وما تقدم من الإشارة إلى أن المراد له تعالى كل ذلك ملكا وتصرفا هو
~~الظاهر. وقيل: المعنى له علم ذلك أي إن علمه تعالى محيط بجميع ذلك،
~~والأول هو الظاهر وعليه يكون ms06458 قوله تعالى: { وإن تجهر
~~بالقول... }.

### || [20.7]

# { وإن تجهر بالقول } الخ بيان لإحاطة علمه تعالى بجميع
~~الأشياء إثر بيان شمول قدرته تعالى لجميع الكائنات، والخطاب على ما قاله
~~في «البحر» للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته عليه الصلاة والسلام،
~~وجوز أن يكون عاما أي وإن ترفع صوتك أيها الإنسان بالقول { فإنه
~~يعلم السر } أي ما أسررته إلى غيرك ولم ترفع صوتك به { وأخفى
~~} أي وشيئا أخفى منه وهو ما أخطرته ببالك من غير أن تتفوه به أصلا،
~~وروي ذلك عن الحسن وعكرمة أو ما أسررته في نفسك وما ستسره فيها وروي ذلك
~~عن سعيد بن جبير. وروي عن السيدين الباقر والصادق السر ما أخفيته في نفسك
~~والأخفى ما خطر ببالك ثم أنسيته.

# وقيل: { أخفى } فعل ماض عطف على { يعلم } يعني أنه تعالى يعلم
~~أسرار العباد وأخفى ما يعلمه سبحانه عنهم وهو كقوله تعالى:

# يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون
~~به علما

# [طه: 110]، وروى ذلك أبو الشيخ في «العظمة» عن زيد بن أسلم وهو خلاف
~~الظاهر جدا؛ فالمعول عليه أنه أفعل تفضيل والتنكير للمبالغة في الخفاء،
~~والمتبادر من القول ما يشمل ذكر الله تعالى وغيره وإليه ذهب بعضهم، وخصه
~~جماعة بذكره سبحانه ودعائه على أن التعريف للعهد لأن استواء الجهر والسر
~~عنده سبحانه المدلول عليه في الكلام يقتضي أن الجهر المذكور في خطابه عز
~~وجل، وعلى القولين قوله تعالى: { فإنه } الخ قائم مقام جواب الشرط
~~وليس الجواب في الحقيقة لأن علمه تعالى السر وأخفى ثابت قبل الجهر بالقول
~~وبعده وبدونه.

# والأصل عند البعض وإن يجهر بالقول فاعلم أن الله تعالى يعلمه فإنه يعلم
~~السر وأخفى فضلا عنه. وعند الجماعة وإن تجهر فاعلم أن الله سبحانه غني
~~عن جهرك فإنه الخ، وهذا على ما قيل إرشاد للعباد إلى التحري والاحتياط
~~حين الجهر فإن من علم أن الله تعالى يعلم جهره لم يجهر بسوء، وخص الجهر
~~بذلك لأن أكثر المحاورات ومخاطبات الناس به، وقيل: إرشاد للعباد إلى أن
~~الجهر بذكر الله ms06459 تعالى ودعائه ليس لإسماعه سبحانه بل لغرض آخر من تصوير
~~النفس بالذكر وتثبيته فيها ومنعها من الاشتغال بغيره وقطع الوسوسة وغير
~~ذلك، وقيل: نهى عن الجهر بالذكر والدعاء كقوله تعالى:

# واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر
~~من القول

# [الأعراف: 205].

# وأنت تعلم أن القول بأن الجهر بالذكر والدعاء منهي لا ينبغي أن يكون على
~~إطلاقه. والذي نص عليه الإمام النووي في «فتاويه» أن الجهر بالذكر حيث لا
~~محذور شرعيا مشروع مندوب إليه بل هو أفضل من الإخفاء في مذهب الإمام
~~الشافعي وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد وإحدى الروايتين عن الإمام مالك بنقل
~~الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» وهو قول لقاضيخان في «فتاويه» في ترجمة
~~مسائل كيفية القراءة وقوله في باب غسل الميت: ويكره رفع الصوت بالذكر،
~~فالظاهر أنه لمن يمشي مع الجنازة كما هو مذهب الشافعية لا مطلقا كما
~~تفهمه عبارة «البحر الرائق» وغيره وهو قول الإمامين في تكبير عيد الفطر
~~كالأضحى، ورواية عن الإمام أبي حنيفة نفسه رضي الله تعالى عنه بل في
~~«مسنده» ما ظاهره استحباب الجهر بالذكر مطلقا، نعم قال / ابن نجيم في
~~«البحر» نقلا عن المحقق ابن الهمام في «فتح القدير» ما نصه قال أبو
~~حنيفة: رفع الصوت بالذكر بدعة مخالفة للأمر من قوله تعالى:

# واذكر ربك في نفسك

# [الأعراف: 205] الآية فيقتصر على مورد الشرع، وقد ورد به في الأضحى وهو
~~قوله سبحانه:

# واذكروا الله فى أيام معدودت

# [البقرة: 203].

# وأجاب السيوطي في «نتيجة الذكر» عن الاستدلال بالآية السابقة بثلاثة
~~أوجه، ((الأول: أنها مكية ولما هاجر صلى الله عليه وسلم سقط ذلك، الثاني:
~~أن جماعة من المفسرين منهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن جرير حملوا
~~الآية على الذكر حال قراءة القرآن وأنه أمر له عليه الصلاة والسلام
~~بالذكر على هذه الصفة تعظيما للقرآن أن ترفع عنده الأصوات، ويقويه
~~اتصالها بقوله تعالى:

# وإذا قرىء القرءان

# [الأعراف: 204] الآية، الثالث: ما ذكره بعض الصوفية أن الأمر في الآية
~~خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم الكامل المكمل ms06460 وأما غيره عليه الصلاة
~~والسلام ممن هو محل الوساوس فمأمور بالجهر لأنه أشد تأثيرا في دفعها))
~~وفيه ما فيه.

# واختار بعض المحققين أن المراد دون الجهر البالغ أو الزائد على قدر
~~الحاجة فيكون الجهر المعتدل، والجهر بقدر الحاجة داخلا في المأمور به،
~~فقد صح ما يزيد على عشرين حديثا في أنه صلى الله عليه وسلم كثيرا ما
~~كان يجهر بالذكر. وصح عن أبي الزبير أنه سمع عبد الله بن الزبير يقول:

# " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلى
~~«لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء
~~قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل
~~وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون "

# وهو محمول على اقتضاء حاجة التعليم ونحوه لذلك، وما في «الصحيحين» من
~~حديث أبي موسى الأشعري قال:

# " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وكنا إذا أشرفنا على واد هللنا
~~وكبرنا ارتفعت أصواتنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس
~~اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنه معكم إنه سميع قريب
~~"

# محمول على أن النهي المستفاد التزاما من أمر اربعوا الذي بمعنى ارفقوا
~~ولا تجهدوا أنفسكم مراد به النهي عن المبالغة في رفع الصوت، وبتقسيم
~~الجهر واختلاف أقسامه في الحكم يجمع بين الروايتين المختلفتين عن الإمام
~~أبي حنيفة، وما ذكر في الواقعات عن ابن مسعود من أنه رأى قوما يهللون
~~برفع الصوت في المسجد فقال: ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجهم من المسجد
~~لا يصح عند الحفاظ من الأئمة المحدثين، وعلى فرض صحته هو معارض بما يدل
~~عليه ثبوت الجهر منه رضي الله تعالى عنه مما رواه غير واحد من الحفاظ أو
~~محمول على الجهر البالغ، وخبر «خير الذكر الخفي وخير الرزق أو العيش ما
~~يكفي» صحيح. وعزاه الإمام السيوطي إلى الإمام أحمد وابن حبان والبيهقي ms06461 عن
~~سعد بن أبي وقاص، وعزاه أبو الفتح في «سلاح المؤمن» إلى أبي عوانة في
~~«مسنده» الصحيح أيضا، وهو محمول على من كان في موضع يخاف فيه الرياء أو
~~الإعجاب أو نحوهما، وقد صح أيضا أنه عليه الصلاة والسلام جهر بالدعاء
~~وبالمواعظ لكن قال غير واحد من الأجلة: إن إخفاء الدعاء أفضل.

# وحد الجهر على ما ذكره ابن حجر الهيتمي في «المنهج القويم» أن يكون بحيث
~~يسمع غيره والإسرار بحيث يسمع نفسه. وعند الحنفية في رواية أدنى الجهر
~~إسماع نفسه وأدنى المخافتة تصحيح الحروف وهو قول الكرخي. وفي «كتاب
~~الإمام محمد» إشارة إليه، والأصح كما في «المحيط» قول الشيخين الهندواني
~~والفضلي وهو الذي عليه الأكثر أن أدنى الجهر إسماع غيره وأدنى المخافتة
~~إسماع نفسه. ومن هنا قال في «فتح القدير»: إن تصحيح / الحروف بلا صوت
~~إيماءا إلى الحروف بعضلات المخارج لا حروف إذ الحروف كيفية تعرض للصوت
~~فإذا انتفى الصوت المعروض انتفى الحرف العارض وحيث لا حرف فلا كلام بمعنى
~~المتكلم به فلا قراءة بمعنى التكلم الذي هو فعل اللسان فلا مخافتة عند
~~انتفاء الصوت كما لا جهر انتهى محررا. وقد ألف الشيخ إبراهيم الكوراني
~~عليه الرحمة في تحقيق هذه المسألة رسالتين جليلتين سمى أولاهما:  «نشر
~~الزهر في الذكر بالجهر»  وثانيتهما: «بإتحاف المنيب الأواه بفضل الجهر
~~بذكر الله»  رد فيها على بعض أهل القرن التاسع من علماء الحنفية من
~~أعيان دولة ميرزا ألغ بيك بن شاه دخ الكوركاني حيث أطلق القول بكون الجهر
~~بالذكر بدعة محرمة وألف في ذلك «رسالة»، ولعله يأتي إن شاء الله تعالى
~~زيادة بسط لتحقيق هذه المسألة والله تعالى الموفق.

### || [20.8-9]

# قوله سبحانه { الله } خبر مبتدأ محذوف والجملة استئناف مسوق لبيان أن
~~ما ذكر من صفات الكمال موصوفها ذلك المعبود الحق أي ذلك المنعوت بما ذكر
~~من النعوت الجليلة الله عز وجل، وقوله تعالى: { لا إله إلا هو
~~} تحقيق للحق وتصريح بما تضمنه ما قبله من اختصاص الألوهية به سبحانه فإن
~~ما أسند إليه عز شأنه ms06462 من خلق جميع الموجودات والعلو اللائق بشأنه على
~~جميع المخلوقات والرحمانية والمالكية للعلويات والسفليات والعلم الشامل
~~مما يقتضيه اقتضاء بينا، وقوله تبارك اسمه { له الأسماء
~~الحسنى } بيان لكون ما ذكر من الخالقية وغيرها أسماءه تعالى وصفاته
~~من غير تعدد في ذاته تعالى وجاء الاسم بمعنى الصفة ومنه قوله تعالى:

# وجعلوا لله شركاء قل سموهم

# [الرعد: 33] والحسنى تأنيث الأحسن وصفة المؤنثة المفردة تجري على جمع
~~التكسير وحسن ذلك كونها وقعت فاصلة، وقيل: تضمنها الإشارة إلى عدم التعدد
~~حقيقة بناء على عدم زيادة صفاته تعالى على ذاته واتحادها معها وفضل أسماء
~~الله تعالى على سائر الأسماء في غاية الظهور، وجوز أبو حيان كون الاسم
~~الجليل مبتدأ وجملة { لا إله إلا هو } خبره وجملة { له
~~الأسماء الحسنى } خبر بعد خبر، وظاهر صنيعه يقتضي اختيار لأنه
~~المتبادر للذهن، ولا يخفى على المتأمل أولية ما تقدم. وقوله تعالى: {
~~وهل أتاك حديث موسى } مسوق لتقرير أمر التوحيد الذي انتهى
~~إليه مساق الحديث وبيان أنه أمر مستمر فيما بين الأنبياء عليهم السلام
~~كابرا عن كابر وقد خوطب به موسى عليه السلام حيث قيل له

# إننى أنا الله لا إله إلا أنا

# [طه: 14] وبه ختم عليه السلام مقاله حيث قال:

# إنما إلهكم الله الذى لا إله إلا هو

# [طه: 98] وقيل: مسوق لتسليته صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى:

# ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى

# [طه: 2] بناء على ما نقل عن مقاتل في سبب النزول إلا أن الأول تسلية له
~~عليه الصلاة والسلام برد ما قاله قومه وهذا تسلية له صلى الله عليه وسلم
~~بأن إخوانه من الأنبياء عليهم السلام قد عراهم من أممهم ما عراهم وكانت
~~العاقبة لهم وذكر مبدأ نبوة موسى عليه السلام نظير ما ذكر إنزال القرآن
~~عليه عليه الصلاة والسلام. وقيل: مسوق لترغيب النبي صلى الله عليه وسلم
~~في الائتساء بموسى عليه السلام في تحمل أعباء النبوة والصبر على مقاساة
~~الخطوب في تبليغ أحكام الرسالة بعد ما خاطبه سبحانه بأنه كلفه التبليغ
~~الشاق بناء على أن ms06463 معنى قوله تعالى:

# ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى * إلا تذكرة
~~لمن يخشى

# [طه: 2-3] إنا أنزلنا عليك القرآن لتحتمل متاعب التبليغ ومقاولة العتاة
~~من أعداء الإسلام ومقاتلتهم وغير ذلك من أنواع المشاق وتكاليف النبوة وما
~~أنزلنا عليك هذا المتعب الشاق إلا ليكون تذكرة فالواو كما قاله غير واحد
~~لعطف القصة على القصة ولا نظر في ذلك إلى تناسبهما خبرا وطلبا بل يشترط
~~التناسب فيما سيقتا له مع أن المعطوف ههنا قد يؤول بالخبر.

# / ولا يخفى أن ما تقدم جار على سائر الأوجه والأقوال في الآية السابقة،
~~وسبب نزولها ولا يأباه شيء من ذلك، والاستفهام تقريري، وقيل: هل بمعنى
~~قد؛ وقيل: الاستفهام إنكاري ومعناه النفي أي ما أخبرناك قبل هذه السورة
~~بقصة موسى عليه السلام ونحن الآن مخبروك بها والمعول عليه الأول، والحديث
~~الخبر ويصدق على القليل والكثير ويجمع على أحاديث على غير قياس. قال
~~الفراء: نرى أن واحد الأحاديث أحدوثة ثم جعلوه جمعا للحديث، وقال
~~الراغب: الحديث كل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في يقظته أو
~~منامه ويكون مصدرا بمعنى التكلم. وحمله بعضهم على هذا هنا بقرينة

# فقال

# [طه: 10] الخ، وعلق به قوله تعالى: { إذ رءا نارا... }.

### || [20.10]

# { إذ رءا نارا } ولم يجوز تعلقه على تقدير كونه اسما للكلام
~~والخبر لأنه حينئذ كالجوامد لا يعمل، والأظهر أنه اسم لما ذكر لأنه هو
~~المعروف مع أن وصف القصة بالإتيان أولى من وصف التحدث والتكلم به وأمر
~~التعلق سهل فإن الظرف يكفي لتعلقه رائحة الفعل، ولذا نقل عن بعضهم أن
~~القصة والحديث والخبر والنبأ يجوز إعمالها في الظروف خاصة وإن لم يرد بها
~~المعنى المصدري لتضمن معناها الحصول والكون. وجوز أن يكون ظرفا لمضمر
~~مؤخر أي حين رأى نارا كان كيت وكيت، وأن يكون مفعولا لمضمر متقدم أي
~~فاذكر وقت رؤيته نارا. وروي أن موسى عليه السلام استأذن شعيبا عليه
~~السلام في الخروج من مدين إلى مصر لزيارة أمه وأخيه وقد طالت مدة جنايته
~~بمصر ورجا خفاء أمره فأذن ms06464 له وكان عليه السلام رجلا غيورا فخرج بأهله
~~ولم يصحب رفقة لئلا ترى امرأته وكانت على أتان وعلى ظهرها جوالق فيها
~~أثاث البيت ومعه غنم له وأخذ عليه السلام على غير الطريق مخافة من ملوك
~~الشام فلما وافى وادي طوى وهو بالجانب الغربي من الطور ولد له ابن في
~~ليلة مظلمة شاتية مثلجة وكانت ليلة الجمعة وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته
~~ولا ماء عنده وقدح فصلد زنده فبينما هو كذلك إذ رأى نارا على يسار
~~الطريق من جانب الطور.

# { فقال لأهله امكثوا } أي أقيموا مكانكم أمرهم عليه السلام
~~بذلك لئلا يتبعوه فيما عزم عليه من الذهاب إلى النار كما هو المعتاد لا
~~لئلا ينتقلوا إلى موضع آخر فإنه مما لا يخطر بالبال، والخطاب قيل: للمرأة
~~والولد والخادم، وقيل: للمرأة وحدها والجمع إما لظاهر لفظ الأهل أو
~~للتفخيم كما في قوله من قال:

# وإن شئت حرمت النساء سواكم

# وقرأ الأعمش وطلحة وحمزة ونافع في رواية { لأهله امكثوا } بضم
~~الهاء { إنى ءانست نارا } أي أبصرتها إبصارا بينا لا شبهة فيه،
~~ومن ذلك إنسان العين والإنس خلاف الجن، وقيل: الإيناس خاص بإبصار ما يؤنس
~~به، وقيل: هو بمعنى الوجدان، قال الحارث بن حلزة:

# آنست نبأة وقد راعها القن

# اص يوما وقد دنا الإمساء

# والجملة تعليل للأمر والمأمور به ولما كان الإيناس مقطوعا متيقنا حققه
~~لهم بكلمة إن ليوطن أنفسهم وإن لم يكن ثمت تردد أو إنكار.

# { لعلي ءاتيكم منها } أي أجيئكم من النار { بقبس } بشعلة
~~مقتبسة تكون على رأس عود ونحوه ففعل بمعنى مفعول وهو المراد بالشهاب
~~القبس وبالجذوة في موضع آخر / وتفسيره بالجمرة ليس بشيء، وهذا الجار
~~والمجرور متعلق بآتيكم، وأما منها فيحتمل أن يكون متعلقا به وأن يكون
~~متعلقا بمحذوف وقع حالا من { قبس } على ما قاله أبو البقاء { أو
~~أجد على النار هدى } هاديا يدلني على الطريق على أنه مصدر سمي
~~به الفاعل مبالغة أو حذف منه المضاف أي ذا هداية أو على أنه إذا وجد
~~الهادي فقد وجد الهدى، ms06465 وعن الزجاج أن المراد هاديا يدلني على الماء فإنه
~~عليه السلام قد ضل عن الماء، وعن مجاهد وقتادة أن المراد هاديا يهديني
~~إلى أبواب الدين فإن أفكار الأبرار مغمورة بالهمم الدينية في عامة
~~أحوالهم لا يشغلهم عنها شاغل وهو بعيد فإن مساق النظم الكريم تسلية أهله
~~مع أنه قد نص في سورة القصص [29] على ما يقتضي ما تقدم حيث قال:

# لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة

# الآية.

# والمشهور كتابة هذه الكلمة بالياء. وقال أبو البقاء: الجيد أن تكتب
~~بالألف ولا تمال لأن الألف بدل التنوين في القول المحقق، وقد أمالها قوم
~~وفيه ثلاثة أوجه، الأول: أن يكون شبه ألف التنوين بلام الكلمة إذ اللفظ
~~بهما في المقصور واحد، الثاني: أن يكون لام الكلمة ولم يبدل من التنوين
~~شيء في النصب، والثالث: أن يكون على رأي من وقف في الأحوال الثلاثة من
~~غير إبدال انتهى، وكلمة (أو) لمنع الخلو دون الجمع وعلى على بابها من
~~الاستعلاء والاستعلاء على النار مجاز مشهور صار حقيقة عرفية في الاستعلاء
~~على مكان قريب ملاصق لها كما قال سيبويه في مررت بزيد: إنه لصوق بمكان
~~يقرب منه، وقال غير واحد: إن الجار والمجرور في موضع الحال من { هدى }
~~وكان في موضع الصفة له فقدم والتقدير أو أجد هاديا أو ذا هدى مشرفا على
~~النار، والمراد مصطليا بها وعادة المصطلي الدنو من النار والإشراف
~~عليها. وعن ابن الانباري أن على ههنا بمعنى عند أو بمعنى مع أو بمعنى
~~الباء ولا حاجة إلى ذلك وكان الظاهر عليها إلا أنه جيء بالظاهر تصريحا
~~بما هو كالعلة لوجدان الهدى إذ النار لا تخلو من أناس عندها، وصدرت
~~الجملة بكلمة الترجي لما أن الإتيان وماعطف عليه ليسا محققي الوقوع بل
~~هما مترقبان متوقعان. وهي على ما في «إرشاد العقل السليم» إما علة لفعل
~~قد حذف ثقة بما يدل عليه من الأمر بالمكث والإخبار بإيناس النار وتفاديا
~~عن التصريح بما يوحشهم، وإما حال من فاعله أي فأذهب إليها لآتيكم أو كي
~~آتيكم ms06466 أو راجيا أن آتيكم منها بقبس الآية، وقيل: هي صفة لنارا، ومتى
~~جاز جعل جملة الترجي صلة كما في قوله:

# وإني لراج نظرة قبل التي

# لعلي وإن شطت نواها أزورها

# فليجز جعلها صفة فإن الصلة والصفة متقاربان ولا يخفى ما فيه.

### || [20.11]

# { فلما أتها } أي النار التي آنسها وكانت كما في بعض الروايات
~~عن ابن عباس في شجرة عناب خضراء يانعة، وقال عبد الله بن مسعود: كانت في
~~سمرة، وقيل: في شجرة عوسج. وأخرج الإمام أحمد في «الزهد» وعبد بن حميد
~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: لما رأى موسى عليه
~~السلام النار انطلق يسير حتى وقف منها قريبا فإذا هو بنار عظيمة تفور من
~~ورق شجرة خضراء شديدة الخضرة يقال لها العليق لا تزداد النار فيما يرى
~~إلا عظما وتضرما ولا تزداد الشجرة على شدة الحريق إلا خضرة وحسنا فوقف
~~ينظر لا يدري علام يضع أمرها إلا أنه قد ظن أنها شجرة تحترق وأوقد إليها
~~بوقد فنالها فاحترقت وأنه إنما يمنع النار شدة خضرتها وكثرة مائها وكثافة
~~ورقها وعظم جذعها فوضع أمرها على هذا فوقف وهو يطمع أن يسقط منها شيء
~~فيقتبسه فلما طال عليه ذلك أهوى إليها بضغث / في يده وهو يريد أن يقتبس
~~من لهبها فلما فعل ذلك مالت نحوه كأنها تريده فاستأخر عنها وهاب ثم عاد
~~فطاف بها ولم تزل تطمعه ويطمع بها ثم لم يكن شيء بأوشك من خمودها فاشتد
~~عند ذلك عجبه وفكر في أمرها فقال: هي نار ممتنعة لا يقتبس منها ولكنها
~~تتضرم في جوف شجرة فلا تحرقها ثم خمودها على قدر عظمها في أوشك من طرفة
~~عين فلما رأى ذلك قال إن لهذه لشأنا ثم وضع أمرها على أنها مأمورة أو
~~مصنوعة لا يدري من أمرها ولا بم أمرت ولا من صنعها ولا لم صنعت فوقف
~~متحيرا لا يدري أيرجع أم يقيم فبينما هو على ذلك إذ رمى بطرفة هو فرعها
~~فإذا أشد ما كان خضرة ساطعة في ms06467 السماء ينظر إليها تغشى الظلام ثم لم تزل
~~الخضرة تنور وتصفر وتبيض حتى صارت نورا ساطعا عمودا بين السماء والأرض
~~عليه مثل شعاع الشمس تكل دونه الأبصار كلما نظر إليه يكاد يخطف بصره فعند
~~ذلك اشتد خوفه وحزنه فرد يده على عينيه ولصق بالأرض وسمع حينئذ شيئا لم
~~يسمع السامعون بمثله عظما فلما بلغ موسى عليه السلام الكرب واشتد عليه
~~الهول كان ما قص الله تعالى. وروي أنه عليه السلام كان كلما قرب منها
~~تباعدت فإذا أدبر اتبعته فأيقن أن هذا أمر من أمور الله تعالى الخارقة
~~للعادة ووقف متحيرا وسمع من السماء تسبيح الملائكة وألقيت عليه السكينة
~~وكان ما كان.

# وقالوا: النار أربعة أصناف صنف يأكل ولا يشرب وهي نار الدنيا، وصنف يشرب
~~ولا يأكل وهي نار الشجر الأخضر، وصنف يأكل ويشرب وهي نار جهنم، وصنف لا
~~يأكل ولا يشرب وهي نار موسى عليه السلام.

# وقالوا أيضا هي أربعة أنواع. نوع له نور وإحراق وهي نار الدنيا، ونوع
~~لا نور له ولا إحراق وهي نار الأشجار ونوع له إحراق بلا نور وهي نار
~~جهنم. ونوع له نور بلا إحراق وهي نار موسى عليه السلام، بل قال بعضهم:
~~إنها لم تكن نارا بل هي نور من نور الرب تبارك وتعالى، وروي هذا عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما وذكر ذلك بلفظ النار بناء على حسبان موسى عليه
~~السلام وليس في إخباره عليه السلام حسب حسبانه محذور كما توهم واستظهر
~~ذلك أبو حيان وإليه ذهب الماوردي. وقال سعيد بن جبير هي النار بعينها وهي
~~إحدى حجب الله عز وجل واستدل له بما روي عن أبي موسى الأشعري عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم قال:

# " حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه "

# ذكر ذلك البغوي وذكر في «تفسير الخازن» أن الحديث أخرجه مسلم.

# وظاهر الآية يدل على أنه عليه السلام حين أتاها { نودى } من غير ريث
~~وبذلك رد بعض المعتزلة الأخبار السابقة الدالة على تخلل ms06468 زمان بين المجيء
~~والنداء، وأنت تعلم أن تخلل مثل ذلك الزمان مما لا يضر في مثل ما ذكر،
~~وزعم أيضا امتناع تحقق ظهور الخارق عند مجيئه النار قبل أن ينبأ إلا أن
~~يكون ذلك معجزة لغيره من الأنبياء عليهم السلام، وعندنا أن ذلك من
~~الإرهاص الذي ينكره المعتزلة، والظاهر أن القائم مقام فاعل { نودى }
~~ضمير موسى عليه السلام، وقيل: ضمير المصدر أي نودي النداء، وقيل: هو قوله
~~تعالى: { يا موسى } الخ وكأن ذلك على اعتبار تضمين النداء معنى القول
~~وإرادة هذا اللفظ من الجملة وإلا فقد قيل: إن الجملة لا تكون فاعلا ولا
~~قائما مقامه في مثل هذا التركيب إلا بنحو هذا الضرب من التأويل. وفي
~~«البحر» مذهب الكوفيين معاملة النداء معاملة القول ومذهب البصريين إضمار
~~القول في مثل هذه الآية أي نودي فقيل: { يا موسى }.

### || [20.12]

# { إنى أنا ربك } ولذلك كسرت همزة إن في قراءة الجمهور، وقرأ
~~ابن كثير / وأبو عمرو بفتحها على تقدير حرف الجر أي بأني، والجار
~~والمجرور على ما قال أبو البقاء وغيره متعلق ب

# نودى

# [طه: 11] والنداء قد يوصل بحرف الجر أنشد أبو علي:

# ناديت باسم ربيعة بن مكرم

# إن المنوه باسمه الموثوق

# ولا يخفى على ذي ذوق سليم حال التركيب على هذا التخريج وأنه انما يحلو
~~لو لم يكن المنادي فاصلا. وقيل: على تقدير حرف التعليل وتعلقه بفعل
~~الأمر بعد وهو كما ترى. واختير أن الكلام على تقدير العلم أي أعلم أني
~~الخ، وتكرير ضمير المتكلم لتأكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة،
~~واستظهر أن علمه عليه السلام بأن الذي ناداه هو الله تعالى حصل له
~~بالضرورة خلقا منه تعالى فيه، وقيل: بالاستدلال بما شاهد قبل النداء من
~~الخارق، وقيل: بما حصل له من ذلك بعد النداء، فقد روي أنه عليه السلام
~~لما نودي يا موسى قال عليه السلام: من المتكلم؟ فقال: أنا ربك فوسوس
~~إليه إبليس اللعين لعلك تسمع كلام شيطان فقال عليه السلام: أنا عرفت أنه
~~كلام الله تعالى بأني أسمعه من جميع ms06469 الجهات بجميع الأعضاء، والخارق فيه
~~أمران سماعه من جميع الجهات وكون ذلك بجميع الأعضاء التي من شأنها السماع
~~والتي لم يكن من شأنها، وقيل: الخارق فيه أمر واحد وهو السماع بجميع
~~الأعضاء، وهو المراد بالسماع من جميع الجهات، وأيا ما كان فلا يخفى صحة
~~الاستدلال بذلك على المطلوب إلا أن في صحة الخبر خفاء ولم أر له سندا
~~يعول عليه، وحضور الشيطان ووسوسته لموسى عليه السلام في ذلك الوادي
~~المقدس والحضرة الجليلة في غاية البعد. والمعتزلة أوجبوا أن يكون العلم
~~بالاستدلال بالخارق ولم يجوزوا أن يكون بالضرورة قالوا لأنه لو حصل العلم
~~الضروري بكون هذا النداء كلام الله تعالى لحصل العلم الضروري بوجود
~~الصانع القادر العالم لاستحالة أن تكون الصفة معلومة بالضرورة والذات
~~تكون معلومة بالاستدلال ولو كان وجود الصانع تعالى معلوما بالضرورة لخرج
~~موسى عليه السلام عن كونه مكلفا لأن حصول العلم الضروري ينافي التكليف
~~وبالاتفاق أنه عليه السلام لم يخرج عن التكليف فعلمنا أن الله تعالى عرفه
~~ذلك بالخارق وفي تعيينه اختلاف. وقال بعضهم: لا حاجة بنا إلى أن نعرف ذلك
~~الخارق ما هو، وأخرج أحمد وغيره عن وهب أنه عليه السلام لما اشتد عليه
~~الهول نودي من الشجرة فقيل: يا موسى فأجاب سريعا وما يدري من دعاه وما
~~كان سرعة إجابته إلا استئناسا بالإنس فقال: لبيك مرارا إني لأسمع صوتك
~~وأحس حسك ولا أرى مكانك فأين أنت: قال: أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك وأقرب
~~إليك من نفسك فلما سمع هذا موسى عليه السلام علم أنه لا ينبغي ذلك إلا
~~لربه تعالى فأيقن به فقال: كذلك أنت يا إلهي فكلامك أسمع أم رسولك؟ قال:
~~بل أنا الذي أكلمك، ولا يخفى تخريج هذا الأثر على مذهب السلف ومذهب
~~الصوفية وأنه لا يحصل الإيقان بمجرد سماع ما لا ينبغي أن يكون إلا لله
~~تعالى من الصفات إذا فتح باب الوسوسة، ثم إن هذا الأثر ظاهر في أن موسى
~~عليه السلام سمع الكلام اللفظي منه تعالى بلا واسطة ولذا اختص عليه ms06470
~~السلام باسم الكليم وهو مذهب جماعة من أهل السنة وذلك الكلام قديم عندهم.

# وأجابوا عن استلزام الحدوث لأنه لا يوجد بعضه إلا بتقضي بعض آخر بأنه
~~إنما يلزم من التلفظ بآلة وجارحة وهي اللسان أما إذا كان بدونها فيوجد
~~دفعة واحدة كما يشاهد في الحروف المرسومة بطبع الخاتم دون القلم ويلزمهم
~~أن يؤولوا قوله تعالى:

# فلما أتها نودى

# [طه: 11] الخ بأن يقولوا: المراد فلما أتاها أسمع أتاها أسمع النداء أو
~~نحو ذلك وإلا فمجيء النار حادث والمرتب على الحادث حادث، / ولذا زعم أهل
~~ما وراء النهر من أهل السنة القائلين بقدم الكلام أن هذا الكلام الذي
~~سمعه موسى عليه السلام حادث وهو صوت خلقه الله تعالى في الشجرة، وأهل
~~البدعة أجمعوا على أن الكلام اللفظي حادث بيد أن منهم من جوز قيام
~~الحوادث به تعالى شأنه ومنهم من لم يجوز، وزعم أن الذي سمعه موسى عليه
~~السلام خلقه الله عز وجل في جسم من الأجسام كالشجرة أو غيرها. وقال
~~الأشعري: إن الله تعالى أسمع موسى عليه السلام كلامه النفسي الذي ليس
~~بحرف ولا صوت ولا سبيل للعقل إلى معرفة ذلك، وقد حققه بعضهم بأنه عليه
~~السلام تلقى ذلك الكلام تلقيا روحانيا كما تتلقى الملائكة عليهم السلام
~~كلامه تعالى لا من جارحة ثم أفاضته الروح بواسطة قوة العقل على القوى
~~النفسية ورسمته في الحس المشترك بصور ألفاظ مخصوصة فصار لقوة تصوره كأنه
~~يسمعه من الخارج وهذا كما يرى النائم أنه يكلم ويتكلم، ووجه وقوف الشيطان
~~المار في الخبر الذي سمعت ما فيه على هذا بأنه يحتمل أن يكون كذلك،
~~ويحتمل أن يكون بالتفرس من كون هيئته عليه السلام على هيئة المصغي
~~المتأمل لما يسمعه وهو كما ترى، وقد تقدم لك في المقدمات ما عسى ينفعك
~~مراجعته هنا فراجعه وتأمل، واعلم أن شأن الله تعالى شأنه كله غريب وسبحان
~~الله العزيز الحكيم.

# { فاخلع نعليك } أزلهما من رجليك والنعل معروفة وهي مؤنثة يقال
~~في تصغيرها نعيلة ويقال فيها نعل بفتح العين أنشد الفراء: ms06471

# له نعل لا يطبي الكلب ريحها

# وإن وضعت بين المجالس شمت

# وأمر صلى الله عليه وسلم بذلك لما أنهما كانتا من جلد حمار ميت غير
~~مدبوغ كما روي عن الصادق رضي الله تعالى عنه وعكرمة وقتادة والسدي ومقاتل
~~والضحاك والكلبي، وروي كونهما من جلد حمار في حديث غريب فقد أخرج
~~الترمذي بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " كان على موسى عليه السلام يوم كلمه ربه كساء صوف وجبة صوف وكمة صوف أي
~~قلنسوة صغيرة وسراويل صوف وكانت نعلاه من جلد حمار "

# ، وعن الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وابن جريج أنهما كانتا من جلد بقرة
~~ذكيت ولكن أمر عليه السلام بخلعهما ليباشر بقدميه الأرض فتصيبه بركة
~~الوادي المقدس. وقال الأصم: لأن الحفوة أدخل في التواضع وحسن الأدب ولذلك
~~كان السلف الصالحون يطوفون بالكعبة حافين، ولا يخفى أن هذا ممنوع عند
~~القائل بأفضلية الصلاة بالنعال كما جاء في بعض الآثار، ولعل الأصم لم
~~يسمع ذلك أو يجيب عنه. وقال أبو مسلم: لأنه تعالى أمنه من الخوف وأوقفه
~~بالموضع الطاهر وهو عليه السلام إنما لبسهما اتقاء من الأنجاس وخوفا من
~~الحشرات، وقيل: المعنى فرغ قلبك من الأهل والمال من الدنيا والآخرة. ووجه
~~ذلك أن يراد بالنعل كل ما يرتفق به، وغلب على ما ذكر تحقيرا، ولذا أطلق
~~على الزوجة نعل كما في «كتب اللغة»، ولا يخفى عليك أنه بعيد وإن وجه بما
~~ذكر وهو أليق بباب الإشارة، والفاء لترتيب الأمر على ما قبلها فإن
~~ربوبيته تعالى له عليه السلام من موجبات الأمر ودواعيه.

# وقوله تعالى: { إنك بالواد المقدس } تعليل لموجب الخلع
~~المأمور به وبيان لسبب ورود الأمر بذلك من شرف البقعة وقدسها. روي أنه
~~عليه السلام / حين أمر خلعهما وألقاهما وراء الوادي { طوى } بضم الطاء
~~غير منون. وقرأ الكوفيون وابن عامر بضمها منونا وقرأ الحسن والأعمش وأبو
~~حيوة وابن أبي إسحاق وأبو السمال وابن محيصن بكسرها منونا. وقرأ أبو
~~زيد عن أبي عمرو بكسرها غير منون؛ وهو علم لذلك الوادي فيكون ms06472 بدلا أو
~~عطف بيان، ومن نونه فعلى تأويل المكان ومن لم ينونه فعلى تأويل البقعة
~~فهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، وقيل: { طوى } المضموم الطاء الغير
~~المنون ممنوع من الصرف للعلمية والعدل كزفر وقثم، وقيل: للعلمية والعجمة؛
~~وقال قطرب: يقال طوى من الليل أي ساعة أي قدس لك ساعة من الليل وهي ساعة
~~أن نودي فيكون معمولا للمقدس، وفي «العجائب» للكرماني قيل: هو معرب
~~معناه ليلا وكأنه أراد قول قطرب، وقيل: هو رجل بالعبرانية وكأنه على هذا
~~منادى، وقال الحسن: طوى بكسر الطاء والتنوين مصدر كثنى لفظا ومعنى، وهو
~~عنده معمول للمقدس أيضا أي قدس مرة بعد أخرى، وجوز أن يكون معمولا
~~لنودي أي نودي نداءين، وقال ابن السيد: إنه ما يطوى من جلد الحية ويقال:
~~فعل الشيء طوى أي مرتين فيكون موضوعا موضع المصدر، وأنشد الطبرسي لعدي
~~بن زيد:

# أعاذل إن اللوم في غير كنهه

# على طوى من غيك المتردد

# وذكر الراغب أنه إذا كان بمعنى مرتين يفتح أوله ويكسر، ولا يخفى عليك أن
~~الأظهر كونه اسما للوادي في جميع القراءات.

### || [20.13]

# { وأنا اخترتك } أي اصطفيتك من الناس أو من قومك للنبوة
~~والرسالة. وقرأ السلمي وابن هرمز والأعمش في رواية { وإنا } بكسر الهمزة
~~وتشديد النون مع ألف بعدها { اخترناك } بالنون والألف، وكذا قرأ طلحة
~~وابن أبي ليلى وحمزة وخلف والأعمش في رواية أخرى إلا أنهم فتحوا همزة
~~أن، وذلك بتقدير اعلم أي واعلم أنا اخترناك، وهو على ما قيل عطف على

# اخلع

# [طه: 12] ويجوز عند من قرأ { أنى أنا ربك } [طه: 12] بالفتح أن
~~يكون العطف عليه سواء كان متعلقا بنودي كما قيل أو معمولا لاعلم مقدرا
~~كما أختير. وجوز أبو البقاء أن يكون بتقدير اللام وهو متعلق بما بعده أي
~~لأنا اخترناك { فاستمع } وهو كما ترى، والفاء في قوله تعالى: {
~~فاستمع } لترتيب الأمر والمأمور به على ما قبلها فإن اختياره عليه
~~السلام لما ذكر من موجبات الاستماع والأمر به، واللام في قوله سبحانه: {
~~لما يوحى } متعلقة باستمع، وجوز أن ms06473 تكون متعلقة باخترناك، ورده أبو
~~حيان بأنه يكون حينئذ من باب الإعمال ويجب أو يختار حينئذ إعادة الضمير
~~مع الثاني بأن يقال: فاستمع له لما يوحى. وأجيب بأن المراد جواز تعلقها
~~بكل من الفعلين على البدل لا على أنه من الإعمال. واعترض على هذا بأن
~~قوله تعالى: { إننى أنا الله لا إله إلا أنا... }.

### || [20.14]

# { إننى أنا الله لا إله إلا أنا } بدل من

# ما يوحى

# [طه: 13] ولا ريب في أن اختياره عليه السلام ليس لهذا فقط والتعلق
~~باخترناك كيفما كان يقتضيه. وأجيب بأنه من باب التنصيص على ما هو الأهم
~~والأصل الأصيل، وقيل: هي سيف خطيب فلا متعلق لها كما فى

# ردف لكم

# [النمل: 72] وما موصولة. وجوز أن تكون مصدرية أي فاستمع للذي يوحى إليك
~~أو للوحي، وفي أمره عليه السلام بالاستماع إشارة إلى عظم ذلك وأنه يقتضي
~~التأهب له، قال أبو الفضل الجوهري: لما قيل لموسى عليه السلام استمع لما
~~/ يوحى وقف على حجر واستند إلى حجر ووضع يمينه على شماله وألقى ذقنه على
~~صدره وأصغى بشراشره. وقال وهب: أدب الاستماع سكون الجوارح وغض البصر
~~والإصغاء بالسمع وحضور العقل والعزم على العمل وذلك هو الاستماع لما يحب
~~الله تعالى، وحذف الفاعل في

# يوحى

# [طه: 13] للعلم به ويحسنه كونه فاصلة فإنه لو كان مبنيا للفاعل لم يكن
~~فاصلة.

# والفاء في قوله تعالى: { فاعبدنى } لترتيب المأمور به على ما قبلها
~~فإن اختصاص الألوهية به تعالى شأنه من موجبات تخصيص العبادة به عز وجل،
~~والمراد بها غاية التذلل والانقياد له تعالى في جميع ما يكلفه به، وقيل:
~~المراد بها هنا التوحيد كما في قوله سبحانه:

# وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

# [الذاريات: 56] والأول أولى { وأقم الصلوة } خصت الصلاة بالذكر
~~وأفردت بالأمر مع اندراجها في الأمر بالعبادة لفضلها وإنافتها على سائر
~~العبادات بما نيطت به من ذكر المعبود وشغل القلب واللسان بذكره، وقد
~~سماها الله تعالى إيمانا في قوله سبحانه:

# وما كان الله ليضيع إيمنكم

# [البقرة: 143]. واختلف العلماء في كفر تاركها كسلا ms06474 كما فصل في محله.

# وقوله تعالى: { لذكري } الظاهر أنه متعلق بأقم أي أقم الصلاة
~~لتذكرني فيها لاشتمالها على الأذكار، وروي ذلك عن مجاهد، وقريب منه ما
~~قيل أي لتكون لي ذاكرا غير ناس فعل المخلصين في جعلهم ذكر ربهم على بال
~~منهم وتوكيل هممهم وأفكارهم به، وفرق بينهما بأن المراد بالإقامة على
~~الأول تعديل الأركان، وعلى الثاني الإدامة وجعلت الصلاة في الأول مكانا
~~للذكر ومقره وعلته، وعلى الثاني جعلت إقامة الصلاة أي إدامتها علة لإدامة
~~الذكر كأنه قيل أدم الصلاة لتستعين بها على استغراق فكرك وهمك في الذكر
~~كقوله تعالى:

# واستعينوا بالصبر والصلوة

# [البقرة: 45]. وجوز أن يكون متعلقا باعبدني أو بأقم على أنه من باب
~~الإعمال أي لتكون ذاكرا لي بالعبادة وإقامة الصلاة، وإذا عمم الذكر
~~ليتناول القلبي والقالبي جاز اعتبار باب الإعمال في الأول أيضا وهو
~~خلاف الظاهر. وقيل: المراد أقم الصلاة لذكري خاصة لا ترائي بها ولا
~~تشوبها بذكر غيري أو لإخلاص ذكري وابتغاء وجهي ولا تقصد بها غرضا آخر
~~كقوله تعالى:

# فصل لربك

# [الكوثر: 2] أو لأن أذكرك بالثناء أي لأثنى عليك وأثيبك بها أو لذكري
~~إياها في الكتب الإلهية وأمري بها أو لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلوات
~~فاللام وقتية بمعنى عند مثلها في قوله تعالى:

# يليتنى قدمت لحياتى

# [الفجر: 24] وقولك: كان ذلك لخمس ليال خلون.

# ومن الناس من حمل الذكر على ذكر الصلاة بعد نسيانها، وروي ذلك عن أبي
~~جعفر، واللام حينئذ وقتية أو تعليلية، والمراد أقم الصلاة عند تذكرها أو
~~لأجل تذكرها والكلام على تقدير مضاف والأصل لذكر صلاتي أو يقال: إن ذكر
~~الصلاة سبب لذكر الله تعالى فأطلق المسبب على السبب أو أنه وقع ضمير الله
~~تعالى موقع ضمير الصلاة لشرفها أو أن المراد للذكر الحاصل مني فأضيف
~~الذكر إلى الله عز وجل لهذه الملابسة، والذي حمل القائل على هذا الحمل
~~أنه ثبت في «الصحيح» من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم نام عن
~~صلاة الصبح فلما قضاها قال:

# " من نسي صلاة فليقضها ms06475 إذا ذكرها فإن الله تعالى قال: { أقم
~~الصلوة لذكرى } "

# فظن هذا القائل أنه لو لم يحمل هذا الحمل لم يصح التعليل وهو من بعض
~~الظن فإن التعليل كما في «الكشف» صحيح والذكر على ما فسر في الوجه الأول
~~وأراد عليه الصلاة والسلام أنه إذا ذكر الصلاة انتقل من ذكرها إلى ذكر ما
~~شرعت له وهو ذكر الله تعالى فيحمله على إقامتها، وقال بعض المحققين: إنه
~~لما جعل المقصود الأصلي من الصلاة ذكر الله تعالى وهو حاصل مطلوب في كل
~~وقت فإذا فاته الوقت المحدود له ينبغي المبادرة إليه ما أمكنه فهو من
~~إشارة النص لا من منطوقه حتى يحتاج إلى التمحل فافهم. / وإضافة { ذكر }
~~إلى الضمير تحتمل أن تكون من إضافة المصدر إلى مفعوله وأن تكون من إضافة
~~المصدر إلى فاعله حسب اختلاف التفسير. وقرأ السلمي والنخعي وأبو رجاء {
~~للذكرى } بلام التعريف وألف التأنيث، وقرأت فرقة { لذكرى } بألف التأنيث
~~بغير لام التعريف، وأخرى { للذكر } بالتعريف والتذكير.

### || [20.15]

# { إن الساعة ءاتية } تعليل لوجوب العبادة وإقامة الصلاة أي
~~كائنة لا محالة، وإنما عبر عن ذلك بالإتيان تحقيقا لحصولها بإبرازها في
~~معرض أمر محقق متوجه نحو المخاطبين { أكاد أخفيها } أقرب أن أخفي
~~الساعة ولا أظهرها بأن أقول إنها آتية ولولا أن [ما] في الإخبار بذلك من
~~اللطف وقطع الأعذار لما فعلت، وحاصله أكاد أبالغ في إخفائها فلا أجمل كما
~~لم أفصل، والمقاربة هنا مجاز كما نص عليه أبو حيان أو أريد إخفاء وقتها
~~المعين وعدم إظهاره وإلى ذلك ذهب الأخفش وابن الأنباري وأبو مسلم، ومن
~~مجىء كاد بمعنى أراد كما قال ابن جني في «المحتسب» قوله:

# كادت وكدت وتلك خير إرادة

# لو عاد من لهو الصبابة ما مضى

# وروي عن ابن عباس وجعفر الصادق رضي الله تعالى عنهما أن المعنى أكاد
~~أخفيها من نفسي، ويؤيده أن في مصحف أبي كذلك، وروى ابن خالويه عنه ذلك
~~بزيادة فكيف أظهركم عليها، وفي بعض القراآت بزيادة فكيف أظهرها لكم، وفي
~~مصحف عبد الله بزيادة فكيف يعلمها ms06476 مخلوق وهذا محمول على ما جرت به عادة
~~العرب من أن أحدهم إذا أراد المبالغة في كتمان الشيء قال: كدت أخفيه من
~~نفسي ومن ذلك قوله:

# أيام تصحبني هند وأخبرها

# ما كدت أكتمه عني من الخبر

# ونحو هذا من المبالغة قوله صلى الله عليه وسلم في حديث السبعة الذين
~~يظلهم تحت ظله

# " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه "

# وبجعل ذلك من باب المبالغة يندفع ما قيل إن إخفاء ذلك من نفسه سبحانه
~~محال فلا يناسب دخول كاد عليه، ولا حاجة لما قيل: إن معنى من نفسي من
~~تلقائي ومن عندي، والقرينة على هذا المحذوف إثباته في المصاحف، وكونه
~~قرينة خارجية لا يضر إذ لا يلزم في القرينة وجودها في الكلام. وقيل:
~~الدليل عليه أنه لا بد لأخفيها من متعلق وهو من يخفى منه. ولا يجوز أن
~~يكون من الخلق لأنه تعالى أخفاها عنهم لقوله سبحانه:

# إن الله عنده علم الساعة

# [لقمان: 34] فيتعين ما ذكر. وفيه أن عدم صحة تقدير من الخلق ممنوع لجواز
~~إرادة إخفاء تفصيلها وتعيينها مع أنه يجوز أن لا يقدر له متعلق، والمعنى
~~أوجد إخفاءها ولا أقول: إنها آتية. وقال أبو علي: المعنى أكاد أظهرها
~~بإيقاعها على أن أخفيها من ألفاظ السلب بمعنى أزيل خفاءها أي ساترها وهو
~~في الأصل ما يلف به القربة ونحوها من كساء وما يجري مجراه. ومن ذلك قول
~~امرىء القيس:

# فإن تدفنوا الداء لا نخفه

# وإن توقدوا الحرب لا نقعد

# ويؤيده قراءة أبي الدرداء وابن جبير والحسن ومجاهد وحميد ورويت عن ابن
~~كثير وعاصم { أخفيها } بفتح الهمزة فإن خفاه بمعنى أظهره لا غير في
~~المشهور، وقال أبو عبيدة كما حكاه أبو الخطاب أحد رؤساء اللغة: خفيت
~~وأخفيت بمعنى واحد.

# ومتعلق الإخفاء على الوجه السابق في تفسير قراءة الجمهور والإظهار ليس
~~شيئا واحدا حتى تتعارض القراءتان. وقالت فرقة: خبر كاد محذوف أكاد آتي
~~بها كما حذف في قول ضابىء البرجمي:

# / هممت ولم أفعل وكدت وليتني

# تركت على عثمان ms06477 تبكي حلائله

# أي وكدت أفعل وتم الكلام ثم استأنف الإخبار بأنه تعالى يخفيها، واختاره
~~النحاس وقالت فرقة أخرى: { أكاد } زائدة لا دخول لها في المعنى بل
~~المراد الإخبار بأن الساعة آتية وإن الله تعالى يخفي وقت إتيانها. وروي
~~هذا المعنى عن ابن جبير. واستدلوا على زيادة كاد بقوله تعالى:

# لم يكد يراها

# [النور: 40]. ويقول زيد الخيل:

# سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه

# فما أن يكاد قرنه يتنفس

# ولا حجة في ذلك كما لا يخفى.

# { لتجزى كل نفس بما تسعى } متعلق بآتية كما قال صاحب
~~«اللوامح» وغيره وما بينهما اعتراض لا صفة حتى يلزم إعمال اسم الفاعل
~~الموصوف وهو لا يجوز على رأي البصريين أو بأخفيها على أن المراد أظهرها
~~لا على أن المراد أسترها لأنه لا وجه لقولك: أسترها لأجل الجزاء، وبعضهم
~~جوز ذلك، ووجهه بأن تعمية وقتها لتنتظر ساعة فساعة فيحترز عن المعصية
~~ويجتهد في الطاعة. وتعقب بأنه تكلف ظاهر مع أنه لا صحة له إلا بتقدير
~~لينتظر الجزاء أو لتخاف وتخشى، وما مصدرية أي لتجزى بسعيها وعلمها إن
~~خيرا فخير وإن شرا فشر. وهذا التعميم هو الظاهر، وقيل: لتجزى بسعيها في
~~تحصيل ما ذكر من الأمور المأمور بها، وتخصيصه في معرض الغاية لإتيانها مع
~~أنه لجزاء كل نفس بما صدر عنها سواء كان سعيا فيما ذكر أو تقاعدا عنه
~~بالمرة أو سعيا في تحصيل ما يضاده للإيذان بأن المراد بالذات من إتيانها
~~هو الإثابة بالعبادة، وأما العقاب بتركها فمن مقتضيات سوء اختيار العصاة
~~وبأن المأمور به في قوة الوجوب والساعة في شدة الهول والفظاعة بحيث
~~يوجبان على كل نفس أن تسعى في الامتثال بالأمر وتجد في تحصيل ما ينجيها
~~من الطاعات و[حينئذ] تحترز عن اقتراف ما يرديها من المعاصي انتهى. ولا
~~يخفى ما فيه، وقيل: ما موصولة أي بالذي تسعى فيه، وفيه حذف العائد
~~المجرور بالحرف مع فقد شرطه. وأجيب بأنه يجوز أن يكون القائل لا يشترط،
~~وقيل: يقدر منصوبا على التوسع.

### || [20.16]

# { فلا يصدنك } خطاب لموسى عليه السلام، ms06478 وزعم بعضهم أنه لنبينا
~~صلى الله عليه وسلم لفظا ولأمته معنى وهو في غاية البعد { عنها } أي
~~الساعة، والمراد عن ذكرها ومراقبتها، وقيل: عن الإيمان بإتيانها ورجح
~~الأول بأنه الأليق بشأن موسى عليه السلام وإن كان النهي بطريق التهييج
~~والإلهاب ورجوع ضمير { عنها } إلى

# الساعة

# [طه: 15] هو الظاهر وكذا رجوع ضمير { بها } في قوله تعالى: { من لا
~~يؤمن بها } وقيل: الضميران راجعان إلى كلمة

# لا إله إلا أنا

# [طه: 14] وقيل: الأول راجع إلى العبادة والثاني راجع إلى الساعة، وقيل:
~~هما راجعان إلى الخصال المذكورة، وتقديم الجار والمجرور على الفاعل لما
~~مر غير مرة من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ولأن في المؤخر نوع
~~طول ربما يخل تقديمه بجزالة النظم الكريم، والنهي وإن كان بحسب الظاهر
~~نهيا للكافر عن صد موسى عليه السلام عن الساعة لكنه في الحقيقة نهي له
~~عليه السلام عن الانصداد عنها على أبلغ وجه وآكده فإن النهي عن أسباب
~~الشيء ومباديه المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني وإبطال للسببية عن
~~أصلها كما في قوله تعالى:

# لا يجرمنكم

# [المائدة: 2] الخ فإن صد الكافر حيث كان سببا لانصداده عليه السلام كان
~~النهي عنه نهيا بأصله وموجبه وإبطالا له بالكلية، ويجوز أن يكون نهيا
~~عن السبب على أن يراد نهيه عليه / السلام عن إظهار لين الجانب للكفرة فإن
~~ذلك سبب لصدهم إياه عليه السلام كما في قوله:  لا أرينك ههنا  فإن
~~المراد به نهي المخاطب عن الحضور لديه الموجب لرؤيته فكأنه قيل: كن شديد
~~الشكيمة صلب المعجم حتى لا يتلوح منك لمن يكفر بالساعة وينكر البعث أنه
~~يطمع في صدك عما أنت عليه، وفيه حث على الصلابة في الدين وعدم اللين
~~المطمع لمن كفر.

# { واتبع هواه } أي ما تهواه نفسه من اللذات الحسية الفانية فصده
~~عن الإيمان { فتردى } أي فتهلك فإن الإغفال عن الساعة وعن تحصيل ما
~~ينجي عن أهوالها مستتبع للهلاك لا محالة. وذكر العلامة الطيبي أنه يمكن
~~أن يحمل { من لا يؤمن } على المعرض عن عبادة الله تعالى ms06479 المتهالك
~~في الدنيا المنغمس في لذاتها وشهواتها بدليل { واتبع } الخ ويحمل
~~نهي الصد على نهي النظر إلى متمتعاته من زهرة الحياة الدنيا ليكون على
~~وزان قوله تعالى:

# ولقد ءاتينك سبعا من المثاني والقرءان
~~العظيم * لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به
~~أزواجا

# [الحجر: 87-88] الخ، ويحمل متابعة الهوى على الميل إلى الإخلاد إلى
~~الأرض كقوله تعالى:

# ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه

# [الأعراف: 176] يعني تفرغ لعبادتي ولا تلتفت إلى ما الكفرة فيه فإنه
~~مهلك فإن ما أوليناك واخترناه لك هو المقصد الأسنى وفي هذا حث عظيم على
~~الاشتغال بالعبادة وزجر بليغ عن الركون إلى الدنيا ونعيمها، ولا يخلو عن
~~حسن وإن كان خلاف الظاهر. و { تردى } يحتمل أن يكون منصوبا في جواب
~~النهي وأن يكون مرفوعا والجملة خبر مبتدأ محذوف أي فأنت تردى بسبب ذلك.
~~وقرأ يحيى { فتردى } بكسر التاء.

### || [20.17]

# شروع في حكاية ما كلفه عليه السلام من الأمور المتعلق بالخلق إثر حكاية
~~ما أمر به من الشؤون الخاصة بنفسه. فما استفهامية في محل الرفع بالابتداء
~~و { تلك } خبره أو بالعكس وهو أدخل بحسب المعنى وأوفق بالجواب و {
~~بيمينك } متعلق بمضمر وقع حالا من { تلك } أي وما تلك قارة أو
~~مأخوذة بيمينك والعامل فيه ما فيه من معنى الإشارة كما في قوله عز وجل
~~حكاية

# وهذا بعلى شيخا

# [هود: 72] وتسميه النحاة عاملا معنويا. وقال ابن عطية: تلك اسم موصول
~~و { بيمينك } متعلق بمحذوف صلته أي وما التي استقرت بيمينك. وهو على
~~مذهب الكوفيين الذين يقولون إن كل اسم إشارة يجوز أن يكون اسما موصولا.
~~ومذهب البصريين عدم جواز ذلك إلا في ذا بشرطه. والاستفهام تقريري وسيأتي
~~قريبا إن شاء الله تعالى بيان المراد منه.

### || [20.18]

# { قال هى عصاى } نسبها عليه السلام إلى نفسه تحقيقا لوجه كونها
~~بيمينه وتمهيدا لما يعقبه من الأفاعيل المنسوبة إليه عليه السلام.
~~واسمها على ما روي عن مقاتل نبعة. وكان عليه السلام قد أخذها من بيت عصي
~~الأنبياء عليهم السلام التي كانت عند شعيب حين ms06480 استأجره للرعي هبط بها آدم
~~عليه السلام من الجنة وكانت فيما يقال من آسها. وقال وهب: كانت من العوسج
~~وطولها عشرة أذرع على مقدار قامته عليه السلام. وقيل: اثنتا عشرة ذراعا
~~بذراع موسى عليه السلام. وذكر المسند إليه وإن كان هو الأصل لرغبته عليه
~~السلام في المناجاة ومزيد لذاذته بذلك. وقرأ ابن أبي إسحاق والجحدري {
~~عصي } بقلب الألف ياء وإدغامها في ياء المتكلم على لغة هذيل فإنهم يقلبون
~~الألف التي قبل ياء المتكلم ياء للمجانسة كما يكسر ما قبلها في الصحيح.
~~قال شاعرهم:

# سبقوا هوى وأعنقوا لهواهم

# فتخرموا ولكل جنب مصرع

# وقرأ الحسن { عصاى } بكسر الياء وهي مروية عن ابن أبي إسحاق أيضا
~~وأبي عمرو، وهذه الكسرة / لالتقاء الساكنين كما في «البحر». وعن ابن
~~أبي إسحاق { عصاى } بسكون الياء كأنه اعتبر الوقف ولم يبال بالتقاء
~~الساكنين، والعصا من المؤنثات السماعية ولا تلحقها التاء، وأول لحن سمع
~~بالعراق كما قال الفراء: هذه عصاتي وتجمع على عصي بكسر أوله وضمه وأعص
~~وأعصاء.

# { أتوكؤا عليها } أي أتحامل عليها في المشي والوقوف على رأس
~~القطيع ونحو ذلك { وأهش بها } أي أخبط بها ورق الشجر وأضربه ليسقط
~~{ على غنمى } فتأكله. وقرأ النخعي كما ذكر أبو الفضل الرازي وابن
~~عطية { أهش } بكسر الهاء ومعناه كمعنى مضموم الهاء، والمفعول على
~~القراءتين محذوف كما أشرنا إليه. وقال أبو الفضل: يحتمل أن يكون ذلك من
~~هش يهش هشاشة إذا مال أي أميل بها على غنمي بما يصلحها من السوق وإسقاط
~~الورق لتأكله ونحوهما، ويقال: هش الورق والكلأ والنبات إذا جف ولان
~~انتهى. وعلى هذا لا حذف. وقرأ الحسن وعكرمة { أهس } بضم الهاء والسين
~~المهملة من الهس وهو زجر الغنم، وتعديته بعلى لتضمين معنى الإنحاء يقال:
~~أنحى عليه بالعصا إذا رفعها عليه موهما للضرب أي أزجرها منحيا عليها.
~~وفي كتاب «السين والشين» لصاحب «القاموس» يقال: هس الشيء وهشه إذا فته
~~وكسره فهما بمعنى. ونقل ابن خالويه عن النخعي أنه قرأ { أهش } من أهش
~~رباعيا. وذكر صاحب «اللوامح» عن عكرمة ومجاهد ms06481 { أهش } بضم الهاء وتخفيف
~~الشين المعجمة ثم قال لا أعرف وجهه إلا أن يكون بمعنى أهش بالتضعيف لكن
~~فر منه لأن الشين فيه تفش فاستثقل الجمع بين التضعيف والتفشي فيكون
~~كتخفيف ظلت ونحوه اه وهو في غاية البعد.

# وقرأت جماعة { غنمي } بسكون النون. وأخرى { على غنمى } على أن {
~~على } جار ومجرور و { غنمي } مفعول صريح للفعل السابق، ولم أقف على
~~ذكر كيفية قراءة هذه الجماعة ذلك الفعل وهو على قراءة الجمهور مما لا
~~يظهر تعديه للغنم، وكذا على قراءة غيرهم إلا بنوع تكلف، والغنم الشاه وهو
~~اسم مؤنث موضوع للجنس يقع على الذكر والإناث وعليهما جميعا ولا واحد له
~~من لفظه وإنما واحده شاة وإذا صغرته قلت غنيمة بالهاء ويجمع على أغنام
~~وغنوم وأغانم، وقالوا: غنمان في التثنية على إرادة قطعتين.

# وقدم عليه السلام بيان مصلحة نفسه في قوله: { أتوكأ عليها } وثنى بمصلحة
~~رعيته في قوله: { وأهش بها على غنمى } ولعل ذلك لأنه عليه
~~السلام كان قريب العهد بالتوكؤ فكان أسبق إلى ذهنه ويليه الهش على غنمه.
~~وقد روى الإمام أحمد أنه عليه السلام بعد أن ناداه ربه سبحانه وتحقق أنه
~~جل وعلا هو المنادي قال سبحانه له: ادن مني فجمع يديه في العصا ثم تحامل
~~حتى استقل قائما فرعدت فرائصه حتى اختلفت واضطربت رجلاه وانقطع لسانه
~~وانكسر قلبه ولم يبق منه عظم يحمل آخر فهو بمنزلة الميت إلا أن روح
~~الحياة تجري فيه ثم زحف وهو مرعوب حتى وقف قريبا من الشجرة التي نودي
~~منها فقال له الرب تبارك وتعالى ما تلك بيمينك يا موسى؟ فقال ما قص عز
~~وجل، وقيل: لعل تقديم التوكؤ عليها لأنه الأوفق للسؤال بما تلك بيمينك.

# ثم إنه عليه السلام أجمل أوصافها في قوله: { ولى فيها مئارب
~~أخرى } أي حاجات أخر ومفرده مأربة مثلثة الراء. وعومل في الوصف
~~معاملة مفرده فلم يقل أخر وذلك جائز في غير الفواصل وفيها كما هنا أجوز
~~وأحسن. / ونقل الأهوازي في كتاب «الإقناع» عن الزهري وشيبة أنهما قرآ {
~~مارب ms06482 } بغير همز وكأنه يعني بغير همز محقق، ومحصله أنهما سهلا الهمزة بين
~~بين، وقد روى الإمام أحمد وغيره عن وهب في تعيين هذه المآرب أنه كان لها
~~شعبتان ومحجن تحتهما فإذا طال الغصن حناه بالمحجن وإذا أراد كسره لواه
~~بالشعبتين وكان إذا ساء عليه السلام ألقاها على عاتقه فعلق بها قوسه
~~وكنانته ومخلاته وثوبه وزادا إن كان معه وكان إذا رتع في البرية حيث لا
~~ظل له ركزها ثم عرض بالزندين الزند الأعلى والزند السفلى على شعبتيها
~~وألقى فوقها كساءه فاستظل بها ما كان مرتعا، وكان إذا ورد ماء يقصر عنه
~~رشاؤه وصل بها، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه. وذكر بعضهم أنه كان عليه
~~السلام يستقي بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلوا وتكونان شمعتين
~~في الليل وإذا ظهر عدو حاربت عنه وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت
~~وكان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه ويركزها فينبع الماء وإذا
~~رفعها نضب وكانت تقيه الهوام وكانت تحدثه وتؤنسه؛ ونقل الطبرسي كثيرا
~~مما ذكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

# والظاهر أن ذلك مما كان فيها بعد، وتكلف بعضهم للقول بأنه مما كان قبل.
~~ويحتمل إن صح خبر في ذلك ولا أراه يصح فيه شيء، وكأن المراد من سؤاله
~~تعالى إياه عليه السلام أن يعدد المرافق الكثيرة التي علقها بالعصا
~~ويستكثرها ويستعظمها ثم يريه تعالى عقب ذلك الآية العظيمة كأنه جل وعلا
~~يقول: أين أنت عن هذه المنفعة العظمى والمأربة الكبرى المنسية عندها كل
~~منفعة ومأربة كنت تعتد بها وتحتفل بشأنها فما طالبة للوصف أو يقدر
~~المنفعة بعدها. واختيار ما يدل على البعد في اسم الإشارة للإشارة إلى
~~التعظيم وكذا في النداء إيماء إليه والتعداد في الجواب لأجله؛ و {
~~مئارب أخرى } تتميم للاستعظام بأنها أكثر من أن تحصى، وذكر
~~العصا في الجواب ليجري عليها النعوت المادحة وفيه من تعظيم شأنها ما ليس
~~في ترك ذكرها، ويندفع بهذا ما أورد من أنه يلزم على هذا الوجه استدراك {
~~هى عصاى } إذ لا ms06483 دخل له في تعداد المنافع. ويجوز أن يكون المراد
~~إظهاره عليه السلام حقارتها ليريه عز وجل عظيم ما يخترعه في الخشبة
~~اليابسة مما يدل على باهر قدرته سبحانه كما هو شأن من أراد أن يظهر من
~~الشيء الحقير شيئا عظيما فإنه يعرضه على الحاضرين ويقول: ما هذا؟
~~فيقولون هو الشيء الفلاني ويصفونه بما يبعد عما يريد إظهاره منه ثم يظهر
~~ذلك فما طالبة للجنس و { تلك } للتحقير والتعداد في الجواب لأجله و {
~~مئارب أخرى } تتميم لذلك أيضا بأن المسكوت عنه من جنس المنطوق
~~فكأنه عليه السلام قال: هي خشبة يابسة لا تنفع إلا منافع سائر الخشبات
~~ولذلك ذكر عليه السلام العصا وأجرى عليها ما أجرى، وقيل: إنه عليه السلام
~~لما رأى من آيات ربه ما رأى غلبت عليه الدهشة والهيبة فسأله سبحانه وتكلم
~~معه إزالة لتلك الهيبة والدهشة فما طالبة إما للوصف أو للجنس وتكرير
~~النداء لزيادة التأنيس، ولعل اختيار ما يدل على البعد في اسم الإشارة
~~لتنزيل العصا منزلة البعيد لغفلته عليه السلام عنها بما غلب عليه من ذلك،
~~والإجمال في قوله: { ولى فيها مئارب أخرى } يحتمل أن يكون
~~رجاء أن يسأله سبحانه عن تلك المآرب فيسمع كلامه عز وجل مرة أخرى وتطول
~~المكالمة وتزداد اللذاذة التي لأجلها أطنب أولا، وما ألذ مكالمة
~~المحبوب، ومن هنا قيل:

# وأملي حديثا يستطاب فليتني

# أطلت ذنوبا كي يطول عتابه

# / ويحتمل أن يكون لعود غلبة الدهشة إليه عليه السلام، وزعم بعضهم أنه
~~تعالى سأله عليه السلام ليقرره على أنها خشبة حتى إذا قلبها حية لا
~~يخافها وليس بشيء، وعلى جميع هذه الأقوال السؤال واحد والجواب واحد كما
~~هو الظاهر، وقيل: { أتوكؤا عليها } الخ جواب لسؤال آخر وهو أنه
~~لما قال: { هى عصاى } قال له تعالى: فما تصنع بها؟ فقال: {
~~أتوكؤا عليها } الخ، وقيل: إنه تعالى سأله عن شيئين عن العصا
~~بقوله سبحانه { وما تلك } وعما يملكه منها بقوله عز وجل: {
~~بيمينك } فأجاب عليه السلام عن الأول بقوله: { هى عصاى } وعن
~~الثاني بقوله: { أتوكؤا ms06484 عليها } الخ، ولا يخفى أن كلا القولين
~~لا ينبغي أن يتوكأ عليهما لا سيما الأخير.

# هذا واستدل بالآية على استحباب التوكؤ على العصا وإن لم يكن الشخص بحيث
~~تكون وترا لقوسه وعلى استحباب الاقتصاد في المرعى بالهش وهو ضرب الشجر
~~ليسقط الورق دون الاستئصال ليخلف فينتفع به الغير. وقد ذكر الإمام فيها
~~فوائد سنذكر بعضها في باب الإشارة لأن ذلك أوفق به.

### || [20.19]

# { قال } استئناف مبني على سؤال ينساق إليه الذهن كأنه قيل: فماذا قال
~~الله عز وجل فقيل؟ قال: { ألقها يموسى } لترى من شأنها ما ترى،
~~والإلقاء الطرح على الأرض، ومنه قوله:

# فألقت عصاها واستقرت بها النوى

# كما قر عينا بالأياب المسافر

# وتكرير النداء لمزيد التنبيه والاهتمام بشأن العصا، وكون قائل هذا هو
~~الله تعالى هو الظاهر، وزعم بعضهم أنه لا يجوز أن يكون القائل الملك بأمر
~~الله تعالى وقد أبعد غاية البعد.

### || [20.20]

# { فألقيها } ريثما قيل له ألقها { فإذا هى حية تسعى
~~} تمشي وتنتقل بسرعة، والحية اسم جنس ينطلق على الصغير والكبير والأنثى
~~والذكر، وقد انقلبت حين ألقاها عليه السلام ثعبانا وهو العظيم من الحيات
~~كما يفصح عنه قوله تعالى:

# فإذا هى ثعبان مبين

# [الأعراف: 107] وتشبيهها بالجان وهو الدقيق منها في قوله سبحانه:

# فلما رءاها تهتز كأنها جان

# [النمل: 10] من حيث الجلادة وسرعة الحركة لا من حيث صغر الجثة فلا
~~منافاة، وقيل: إنها انقلبت حين ألقاها عليه السلام حية صفراء في غلظ
~~العصا ثم انتفخت وغلظت فلذلك شبهت بالجان تارة وسميت ثعبانا أخرى، وعبر
~~عنها بالاسم العام للحالين، والأول هو الأليق بالمقام مع ظهور اقتضاء
~~الآية التي ذكرناها له وبعدها عن التأويل. وقد روى الإمام أحمد وغيره عن
~~وهب أنه عليه السلام حانت منه نظرة بعد أن ألقاها فإذا بأعظم ثعبان نظر
~~إليه الناظرون يرى يلتمس كأنه يبتغي شيئا يريد أخذه يمر بالصخرة مثل
~~الخلفة من الإبل فيلتقمها ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة
~~فيجتثها عيناه توقدان نارا وقد عاد المحجن عرفا فيه شعر مثل النيازك ms06485
~~وعاد الشعبتان فما مثل القليب الواسع فيه أضراس وأنياب لها صريف. وفي بعض
~~الآثار أن بين لحييه أربعين ذراعا فلما عاين ذلك موسى عليه السلام ولى
~~مدبرا ولم يعقب فذهب حتى أمعن ورأى أنه قد أعجز الحية ثم ذكر ربه سبحانه
~~فوقف استحياء منه عز وجل ثم نودي يا موسى إلي ارجع حيث كنت فرجع وهو شديد
~~الخوف فأمره سبحانه وتعالى بأخذها وهو ما قص الله تعالى بقوله عز قائلا:
~~{ قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها... }.

### || [20.21]

# { قال } أي الله عز وجل، والجملة استئناف كما سبق { خذها } أي
~~الحية وكانت على ما روي عن ابن عباس ذكرا، وعن وهب أنه تعالى قال له:
~~خذها بيمينك { ولا تخف } منها، ولعل ذلك الخوف / مما اقتضته الطبيعة
~~البشرية فإن البشر بمقتضى طبعه يخاف عند مشاهدة مثل ذلك وهو لا ينافي
~~جلالة القدر. وقيل: إنما خاف عليه السلام لأنه رأى أمرا هائلا صدر من
~~الله عز وجل بلا واسطة ولم يقف على حقيقة أمره وليس ذلك كنار إبراهيم
~~عليه السلام لأنها صدرت على يد عدو الله تعالى وكانت حقيقة أمرها كنار
~~على علم فلذلك لم يخف عليه السلام منها كما خاف موسى عليه السلام من
~~الحية، وقيل: إنما خاف لأنه عرف ما لقي من ذلك الجنس حيث كان له مدخل في
~~خروج أبيه من الجنة، وإنما عطف النهي على الأمر للإشعار بأن عدم المنهي
~~عنه مقصود لذاته لا لتحقيق المأمور به فقط.

# وقوله تعالى: { سنعيدها } أي بعد الأخذ { سيرتها } أي حالتها {
~~الأولى } التي هي العصوية استئناف مسوق لتعليل الامتثال بالأمر والنهي
~~فإن إعادتها إلى ما كانت عليه من موجبات أخذها وعدم الخوف منها، ودعوى أن
~~فيه مع ذلك عدة كريمة بإظهار معجزة أخرى على يده عليه السلام وإيذانا
~~بكونها مسخرة له عليه السلام ليكون على طمأنينة من أمره ولا تعتريه شائبة
~~تزلزل عند محاجة فرعون لا تخلو عن خفاء، وذكر بعضهم أن حكمة انقلابها حية
~~وأمره بأخذها ونهيه عن الخوف تأنيسه فيما يعلم سبحانه ms06486 أنه سيقع منه مع
~~فرعون، ولعل هذا مأخذ تلك الدعوى.

# قيل: بلغ عليه السلام عند هذا الخطاب من الثقة وعدم الخوف إلى حيث كان
~~يدخل يده في فمها ويأخذ بلحييها، وفي رواية الإمام أحمد وغيره عن وهب أنه
~~لما أمره الله تعالى بأخذها أدنى طرف المدرعة على يده وكانت عليه مدرعة
~~من صوف قد خلها بخلال من عيدان فقال له ملك: أرأيت يا موسى لو أذن الله
~~تعالى بما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئا؟ قال: لا ولكني ضعيف ومن
~~ضعف خلقت فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية حتى سمع حس الأضراس والأنياب
~~ثم قبض فإذا هي عصاه التي عهدها وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها فيه
~~إذا توكأ بين الشعبتين، والرواية الأولى أوفق بمنصبه الجليل عليه السلام.
~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه عليه السلام
~~نودي المرة الأولى يا موسى خذها فلم يأخذها ثم نودي الثانية { خذها
~~ولا تخف } فلم يأخذها ثم نودي الثالثة

# إنك من الأمنين

# [القصص: 31] فأخذها، وذكر مكي في «تفسيره» أنه قيل له في المرة الثالثة:
~~{ سنعيدها سيرتها الأولى } ، ولا يخفى أن ما ذكر بعيد عن
~~منصب النبوة فلعل الخبر غير صحيح.

# والسيرة فعلة من السير تقال للهيئة والحالة الواقعة فيه ثم جردت لمطلق
~~الهيئة والحالة التي يكون عليها الشيء، ومن ذلك استعمالها في المذهب
~~والطريقة في قولهم: سيرة السلف وقول الشاعر:

# فلا تغضبن من سيرة أنت سرتها

# فأول راض سيرة من يسيرها

# واختلف في توجيه نصبها في الآية فقيل: إنها منصوبة بنزع الخافض والأصل
~~إلى سيرتها أو لسيرتها وهو كثير وإن قالوا: إنه ليس بمقيس، وهذا ظاهر قول
~~الحوفي: إنها مفعول ثان لسنعيدها على حذف الجار نحو

# واختار موسى قومه

# [الأعراف: 155] وإليه ذهب ابن مالك وارتضاه ابن هشام، وجوز الزمخشري أن
~~يكون أعاد منقولا من عاده بمعنى عاد إليه، ومنه قول زهير:

# فصرم حبلها إذ صرمته

# وعادك أن تلاقيها عداء

# فيتعدى إلى مفعولين، والظاهر أنه غير ms06487 التوجيه الأول لاعتبار النقل فيه
~~والخافض يحذف من أعاد من غير نظر إلى ثلاثيه؛ وتعدى عاد بنفسه مما صح به
~~النقل، فقد نقل الطيبي عن الأصمعي أن عادك في البيت متعد بمعنى صرفك،
~~وكذا نقل الفاضل اليمنى. وفي «المغرب» العود الصيرورة ابتداء وثانيا
~~ويتعدى بنفسه وبإلى وعلى وفي واللام. / وفي «مشارق اللغة» للقاضي عياض
~~مثله، ونقل عن الحديث «أعدت فتانا يا معاذ؟». وقال أبو البقاء: هي بدل
~~من ضمير المفعول بدل اشتمال، وجوز أن يكون النصب على الظرفية أي سنعيدها
~~في طريقتها الأولى. وتعقبه أبو حيان قائلا: إن سيرتها وطريقتها ظرف مختص
~~فلا يتعدى إليه الفعل على طريقة الظرفية إلا بوساطة في ولا يجوز الحذف
~~إلا في ضرورة أو فيما شذت فيه العرب، وحاصله أن شرط الانتصاب على الظرفية
~~هنا وهو الإبهام مفقود، وفي «شرح التسهيل» عن نحاة المغرب أنهم قسموا
~~المبهم إلى أقسام منها المشتق من الفعل كالمذهب والمصدر الموضوع موضع
~~الظرف نحو قصدك ولم يفرقوا بين المختوم بالتاء وغيره فالنصب على الظرفية
~~فيما ذكر غير شاذ ولا ضرورة، وجوز الزمخشري واستحسنه أن يكون {
~~سنعيدها } مستقلا بنفسه غير متعلق بسيرتها بمعنى أنها أنشئت أول ما
~~أنشئت عصا ثم ذهبت وبطلت بالقلب حية فسنعيدها بعد الذهاب كما أنشأناها
~~أولا، و { سيرتها } منصوبا على أنه مفعول مطلق لفعل مقدر أي تسير
~~سيرتها الأولى أي سنعيدها سائرة سيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها وتهش
~~بها على غنمك ولك فيها المآرب التي عرفتها انتهى. والظاهر أنه جعل الجملة
~~من الفعل المقدر وفاعله حالا، ويجوز أن يكون استئنافا، ولا يخفى عليك
~~أن ما ذكره وإن حسن معنى إلا أنه خلاف المتبادر.

# هذا والآية ظاهرة في جواز انقلاب الشيء عن حقيقته كانقلاب النحاس إلى
~~الذهب وبه قال جمع، ولا مانع في القدرة من توجه الأمر التكويني إلى ذلك
~~وتخصيص الإرادة له، وقيل: لا يجوز لأن قلب الحقائق محال والقدرة لا تتعلق
~~به والحق الأول بمعنى أنه تعالى يخلق بدل النحاس مثلا ذهبا على ما هو ms06488
~~رأي بعض المحققين أو بأن يسلب عن أجزاء النحاس الوصف الذي صار به نحاسا
~~ويخلق فيه الوصف الذي يصير به ذهبا على ما هو رأي بعض المتكلمين من
~~تجانس الجواهر واستوائها في قبول الصفات، والمحال إنما هو انقلابه ذهبا
~~مع كونه نحاسا لامتناع كون الشيء في الزمن الواحد نحاسا وذهبا،
~~وانقلاب العصا حية كان بأحد هذين الاعتبارين والله تعالى أعلم بأيهما
~~كان، والذي أميل إليه الثاني فإن في كون خلق البدل انقلابا خفاء كما لا
~~يخفى.

### || [20.22]

# وقوله تعالى: { واضمم يدك إلى جناحك } أمر له عليه السلام
~~بعد ما أخذ الحية وانقلبت عصا كما كانت؛ والضم الجمع، والجناح كما في
~~«القاموس» ((اليد والعضد والإبط والجانب ونفس الشيء ويجمع على أجنحة
~~وأجنح))، وفي «البحر» ((الجناح حقيقة في جناح الطائر والملك ثم توسع فيه
~~فأطلق على اليد والعضد وجنب الرجل. وقيل: لمجنبتي العسكر جناحان على سبيل
~~الاستعارة وسمي جناح الطائر بذلك لأنه يجنحه أي يميله عند الطيران))،
~~والمراد أدخل يدك اليمنى من طوق مدرعتك واجعلها تحت إبط اليسرى أو تحت
~~عضدها عند الإبط أو تحتها عنده فلا منافاة بين ما هنا وقوله تعالى:

# أدخل يدك فى جيبك

# [النمل: 12].

# { تخرج بيضاء من غير سوء } جعله بعضهم مجزوما في جواب
~~الأمر المذكور على اعتبار معنى الإدخال فيه، وقال أبو حيان وغيره: إنه
~~مجزوم في جواب أمر مقدر وأصل الكلام اضمم يدك تنضم وأخرجها تخرج فحذف ما
~~حذف من الأول والثاني وأبقى ما يدل عليه فهو إيجاز يسمى بالاحتباك، ونصب
~~{ بيضاء } على الحال من الضمير في { تخرج } والجار والمجرور متعلق
~~بمحذوف هو حال من الضمير في { بيضاء } أو صفة لبيضاء كما قال الحوفي
~~أو متعلق به كما قال / أبو حيان كأنه قيل: ابيضت من غير سوء أو متعلق
~~بتخرج كما جوزه غير واحد. والسوء الرداءة والقبح في كل شيء، وكني به عن
~~البرص كما كني عن العورة بالسوأة لما أن الطباع تنفر عنه والأسماع تمجه.
~~وهو أبغض شيء عند العرب ولهذا كنوا عن جذيمة صاحب ms06489 الزباء وكان أبرص
~~بالأبرش والوضاح. وفائدة التعرض لنفي ذلك الاحتراس فإنه لو اقتصر على
~~قوله تعالى: { تخرج بيضاء } لأوهم ولو على بعد أن ذلك من برص،
~~ويجوز أن يكون الاحتراس عن توهم عيب الخروج عن الخلقة الأصلية على أن
~~المعنى تخرج بيضاء من غير عيب وقبح في ذلك الخروج أو عن توهم عيب مطلقا.
~~يروى أنها خرجت بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يغشى البصر وكان عليه السلام
~~آدم اللون.

# { ءاية أخرى } أي معجزة أخرى غير العصا. وانتصابها على الحالية من
~~ضمير { تخرج } والصحيح جواز تعدد الحال لذي حال واحد أو من ضمير {
~~بيضاء } أو من الضمير في الجار والمجرور على ما قيل أو على البدلية من
~~{ بيضاء } ويرجع إلى الحالية من ضمير { تخرج } ، ويجوز أن تكون
~~منصوبة بفعل مضمر أي خذ آية وحذف لدلالة الكلام. وظاهر كلام الزمخشري
~~جواز تقدير دونك عاملا وهو مبني على ما هو ظاهر كلام سيبويه من جواز عمل
~~اسم الفعل محذوفا ومنعه أبو حيان لأنه نائب عن الفعل ولا يحذف النائب
~~والمنوب عنه، ونقض بيا الندائية فإنها تحذف مع أنها نائبة عن أدعوا،
~~وقيل: إنها مفعول ثان لفعل محذوف مع مفعوله الأول أي جعلناها أو آتيناك
~~أية أخرى، وجعل هذا القائل قوله تعالى: { لنريك من ءايتنا
~~الكبرى... }.

### || [20.23]

# متعلقا بذلك المحذوف. ومن قدر خذ ونحوه جوز تعلقه به، وجوز الحوفي
~~تعلقه ب

# اضمم

# [طه: 22]، وتعلقه ب

# تخرج

# [طه: 22] وأبو البقاء تعلقه بما دل عليه

# آية

# [طه: 22] أي دللنا بها لنريك. ومنع تعلقه بها لأنها قد وصفت. وبعضهم
~~تعلقه بألق، واختار بعض المحققين أنه متعلق بمضمر ينساق إليه النظم
~~الكريم كأنه قيل: فعلنا ما فعلنا لنريك بعض آياتنا الكبرى على أن {
~~الكبرى } صفة لآياتنا على حد

# مئارب أخرى

# [طه: 18] و { من ءايتنا } في موضع المفعول الثاني ومن فيه
~~للتبعيض أو لنريك بذلك الكبرى من آياتنا على أن { الكبرى } هو
~~المفعول الثاني لنريك و { من ءايتنا } متعلق بمحذوف حال منه ومن
~~فيه للابتداء أو للتبعيض. وتقديم الحال ms06490 مع أن صاحبه معرفة لرعاية
~~الفواصل. وجوز كلا الإعرابين في { من ءايتنا الكبرى } الحوفي
~~وابن عطية وأبو البقاء وغيرهم.

# واختار في «البحر» الإعراب الأول ورجحه بأن فيه دلالة على أن آياته
~~تعالى كلها كبرى بخلاف الإعراب الثاني وبأنه على الثاني لا تكون {
~~الكبرى } صفة العصا واليد معا وإلا لقيل: الكبريين. ولا يمكن أن
~~يخص أحدهما لأن في كل منهما معنى التفضيل، ويبعد ما قال الحسن وروي عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن اليد أعظم في الإعجاز من العصا لأنه
~~ليس في اليد إلا تغيير اللون وأما العصا ففيها تغيير اللون وخلق الزيادة
~~في الجسم وخلق الحياة والقدرة والأعضاء المختلفة مع عودها عصا بعد ذلك
~~فكانت أعظم في الإعجاز من اليد، وجوز أن تكون { الكبرى } صفة لهما
~~معا ولاتحاد المقصود جعلتا آية واحدة وأفردت الصفة لذلك. وأن تكون صفة
~~لليد والعصا غنية عن الوصف بها لظهور كونها كبرى. وأنت تعلم أن هذا كله
~~خلاف الظاهر. وكذا ما قيل: من أن من على الإعراب الثاني للبيان بأن يكون
~~المراد لنريك الآيات الكبرى من آياتنا ليصح الحمل الذي يقتضيه البيان ولا
~~يترجح بذلك الإعراب الثاني على الأول ولا يساويه أصلا. ولا يخفى عليك أن
~~كل احتمال من احتمالات متعلق اللام خلا من الدلالة على وصف آية / العصا
~~بالكبر لا ينبغي أن يعول عليه. ويعتذر بأن عدم الوصف للظهور مع ظهور
~~الاحتمال الذي لا يحتاج معه إلى الاعتذار عن ذلك المقال فتأمل والله
~~تعالى العاصم من الزلل.

### || [20.24]

# { اذهب إلى فرعون } تخلص إلى ما هو المقصد من تمهيد المقدمات
~~السالفة فصل عما قبله من الأوامر إيذانا بأصالته أي اذهب إليه بما رأيته
~~من آياتنا الكبرى وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي. وقوله تعالى: { إنه
~~طغى } تعليل للأمر أو لوجوب المأمور به أي جاوز الحد في التكبر والعتو
~~والتجبر حتى تجاسر على العظيمة التي هي دعوى الربوبية، قال وهب بن منبه:
~~إن الله تعالى قال لموسى عليه السلام: ادن فلم يزل يدنيه حتى ms06491 شد ظهره
~~بجذع الشجرة فاستقر وذهبت عنه الرعدة وجمع يده في العصا وخضع برأسه وعنقه
~~ثم قال له بعد أن عرفه نعمته تعالى عليه: انطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي
~~وإن معك يدي ونصري وإني قد ألبستك جبة من سلطاني تستكمل بها القوة في
~~أمري فأنت جند عظيم من جنودي بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن
~~مكري وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي وعبد من دوني وزعم أنه لا
~~يعرفني وإني لأقسم بعزتي لولا العذر والحجة اللذان وضعت بيني وبين خلقي
~~لبطشت به بطشة جبار يغضب لغضبه السموات والأرض والجبال والبحار فإن أمرت
~~السماء حصبته وإن أمرت الأرض ابتلعته وإن أمرت البحار غرقته وإن أمرت
~~الجبال دمرته ولكنه هان علي وسقط من عيني ووسعه حلمي واستغنيت بما عندي
~~وحق لي أني أنا الغني لا غنى غيري فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وتوحيدي
~~وإخلاص اسمي وذكره بأيامي وحذره نقمتي وبأسي وأخبره أنه لا يقوم شيء
~~لغضبي وقل له فيما بين ذلك قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وأخبره أني إلى
~~العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة ولا يرو عنك ما ألبسته من
~~لباس الدنيا فإن ناصيته بيدي ليس يطرف ولا ينطق ولا يتنفس إلا بإذني وقل
~~له: أجب ربك فإنه واسع المغفرة وأنه قد أمهلك أربعمائة سنة في كلها أنت
~~مبارزه بالمحاربة تتشبه وتتمثل به وتصد عباده عن سبيله وهو يمطر عليك
~~السماء وينبت لك الأرض لم تسقم ولم تهرم ولم تفتقر ولم تغلب ولو شاء أن
~~يفعل ذلك بك فعل ولكنه ذو أناة وحلم عظيم في كلام طويل. وفي بعض الروايات
~~أن الله تعالى لما أمره عليه السلام بالذهاب إلى فرعون سكت سبعة أيام،
~~وقيل: أكثر فجاءه ملك فقال: أنفذ ما أمرك ربك، وفي القلب من صحة ذلك شيء.

### || [20.25]

# { قال } استئناف بياني كأنه قيل فماذا قال موسى عليه السلام حين قيل
~~له ما قيل؟ فأجيب بأنه قال: { رب اشرح لي صدري }.

### || [20.26]

# الظاهر أنه متعلق ms06492 بقوله تعالى

# اذهب إلى فرعون

# [طه: 24] الخ، وذلك أنه عليه السلام علم من الأمر بالذهاب إليه والتعليل
~~بالعلة المذكورة أنه كلف أمرا عظيما وخطبا جسيما يحتاج معه إلى
~~احتمال ما لا يحتمله إلا ذو جأش رابط وصدر فسيح فاستوهب ربه تعالى أن
~~يشرح صدره ويجعله حليما حمولا يستقبل ما عسى أن يرد عليه في طريق
~~التبليغ والدعوة إلى مر الحق من الشدائد التي يذهب معها صبر الصابر بجميل
~~الصبر وحسن الثبات وأن يسهل عليه مع ذلك أمره الذي هو أجل الأمور وأعظمها
~~وأصعب الخطوب وأهولها بتوفيق الأسباب ورفع الموانع، فالمراد من شرح الصدر
~~جعله بحيث لا يضجر ولا يقلق مما يقتضي بحسب البشرية الضجر والقلق من /
~~الشدائد، وفي طلب ذلك إظهار لكمال الافتقار إليه عز وجل وإعراض عن
~~الأنانية بالكلية:

# ويحسن إظهار التجلد للعدا

# ويقبح إلا العجز عند الأحبة

# وذكر الراغب ((أن أصل الشرح البسط ونحوه، وشرح الصدر بسطه بنور إلهي
~~وسكينة من جهة الله تعالى وروح منه عز وجل)) ولهم فيه عبارات أخر لعل
~~بعضها سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الإشارة. وقال بعضهم: إن هذا القول
~~معلق بما خاطبه الله تعالى به من لدن قوله سبحانه:

# إنى أنا ربك فاخلع نعليك

# [طه: 12] إلى هذا المقام فيكون قد طلب عليه السلام شرح الصدر ليقف على
~~دقائق المعرفة وأسرار الوحي ويقوم بمراسم الخدمة والعبادة على أتم وجه
~~ولا يضجر من شدائد التبليغ. وقيل: إنه عليه السلام لما نصب لذلك المنصب
~~العظيم وخوطب بما خوطب في ذلك المقام احتاج إلى تكاليف شاقة من تلقي
~~الوحي والمواظبة على خدمة الخالق سبحانه وتعالى وإصلاح العالم السفلي
~~فكأنه كلف بتدبير العالمين والالتفات إلى أحدهما يمنع من الاشتغال بالآخر
~~فسأل شرح الصدر حتى يفيض عليه من القوة ما يكون وافيا بضبط تدبير
~~العالمين، وقد يقال: إن الأمر بالذهاب إلى فرعون قد انطوى فيه الإشارة
~~إلى منصب الرسالة المستتبع تكاليف لائقة به منها ما هو راجع إلى الحق؛
~~ومنها ما هو منوط بالخلق، وقد استشعر ms06493 موسى عليه السلام كل ذلك فبسط كف
~~الضراعة لطلب ما يعينه على أداء ذلك على أكمل وجه فلا يتوقف تعميم شرح
~~الصدر على تعلقه بأول الكلام كما لا يخفى، ثم إن الصدر عند علماء الرسوم
~~يراد منه القلب لأنه المدرك أو مما به الإدراك والعلاقة ظاهرة. ولعلماء
~~القلوب كلام في ذلك سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الإشارة مع بعض ما
~~أطنب به الإمام في تفسير هذه الآية.

# وفي ذكر كلمة { لي } مع انتظام الكلام بدونها تأكيد لطلب الشرح
~~والتيسير بإبهام المشروح والميسر أولا وتفسيرهما ثانيا فإنه لما قال

# اشرح لى

# [طه: 25] علم أن ثم مشروحا يختص به حتى لو اكتفى لتم فإذا قيل {
~~صدري } أفاد التفسير والتفصيل أما لو قيل { اشرح } واكتفى به فلا
~~وكذا الكلام في { يسر لى }. وقيل: ذكر { لي } لزيادة الربط كما في
~~قوله تعالى:

# اقترب للناس حسبهم

# [الأنبياء: 1]. وتعقب بأنه لا منافاة وهو الذي أفاد هذا المعنى وفي
~~«الانتصاف» أن فائدة ذكرها الدلالة على أن منفعة شرح الصدر راجعة إليه
~~فإنه تعالى لا يبالي بوجوده وعدمه وقس عليه { يسر لى أمرى }.

### || [20.27]

# روي أنه كان في لسانه عليه السلام رتة من جمرة أدخلها فاه في صغره. وذلك
~~أن فرعون حمله ذات يوم فأخذ خصلة من لحيته لما كان فيها من الجواهر.
~~وقيل: لطمه. وقيل: ضربه ضربة بقضيب في يده على رأسه فتطير فدعا بالسياف
~~فقالت آسية بنت مزاحم امرأته وكانت تحب موسى عليه السلام: إنما هو صبي
~~لا يفرق بين الياقوت والجمر فأحضرا وأراد أن يمد يده إلى الياقوت فحول
~~جبريل عليه السلام يده إلى الجمرة فأخذها فوضعها في فيه فاحترق لسانه.

# وفي هذا دليل على فساد قول القائلين بأن النار تحرق بالطبيعة من غير
~~مدخلية لإذن الله تعالى في ذلك إذ لو كان الأمر كما زعموا لأحرقت يده.
~~وذكر في حكمة إذن الله تعالى لها بإحراق لسانه دون يده أن يده صارت آلة
~~لما ظاهره الإهانة لفرعون. ولعل تبييضها كان لهذا أيضا وأن ms06494 لسانه كان
~~آلة لضد ذلك بناء على ما روي أنه عليه السلام دعاه بما يدعو به الأطفال
~~الصغار آبائهم. وقيل: احترقت يده عليه السلام أيضا فاجتهد فرعون في
~~علاجها فلم تبرأ. ولعل ذلك لئلا يدخلها عليه السلام مع فرعون في قصة
~~واحدة فتفقد / بينهما حرمة المؤاكلة فلما دعاه قال: إلى أي رب تدعوني؟
~~قال: إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنه. وكان الظاهر على هذا أن يطرح عليه
~~السلام النار من يده ولا يوصلها إلى فيه. ولعله لم يحس بالألم إلا بعد أن
~~أوصلها فاه أو أحس لكنه لم يفرق بين إلقائها في الأرض وإلقائها في فمه
~~وكل ذلك بتقدير الله تعالى ليقضي الله أمرا كان مفعولا. وقيل: كانت
~~العقدة في لسانه عليه السلام خلقة. وقيل: إنها حدثت بعد المناجاة وفيه
~~بعد.

# واختلف في زوالها بكمالها فمن قال به كالحسن تمسك بقوله تعالى:

# قد أوتيت سؤلك يا موسى

# [طه: 36] من لم يقل به كالجبائي احتج بقوله تعالى:

# هو أفصح منى

# [القصص: 34] وقوله سبحانه

# ولا يكاد يبين

# [الزخرف: 52]. وبما روي أنه كان في لسان الحسين رضي الله عنه رتة وحبسة
~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: إنه ورثها من عمه موسى عليه السلام.
~~وأجاب عن الأول بأنه عليه السلام لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية بل عقدة
~~تمنع الإفهام ولذلك نكرها ووصفها بقوله: { من لساني } ولم يضفها مع أنه
~~أخصر ولا يصلح ذلك للوصفية إلا بتقدير مضاف وجعل { من } تبعيضية أي
~~عقدة كائنة من عقد لساني فإن العقدة للسان لا منه.

### || [20.28-30]

# وجعل قوله تعالى: { يفقهوا قولي } جواب الطلب وغرضا من الدعاء
~~فبحلها في الجملة يتحقق إيتاء سؤاله عليه السلام. واعترض على ذلك بأن
~~قوله تعالى:

# هو أفصح منى

# [القصص: 34] قال عليه السلام قبل استدعاء الحل على أنه شاهد على عدم
~~بقاء اللكنة لأن فيه دلالة على أن موسى عليه السلام كان فصيحا غايته أن
~~فصاحة أخيه أكثر وبقية اللكنة تنافي الفصاحة اللغوية المرادة هنا بدلالة
~~قوله

# لسانا

# [القصص: 34]. ويشهد ms06495 لهذه المنافاة ما قاله ابن هلال في كتاب
~~«الصناعتين»: الفصاحة تمام آلة البيان ولذا يقال: لله تعالى فصيح وإن قيل
~~لكلامه سبحانه فصيح ولذلك لا يسمى الالثغ والتمتام فصيحين لنقصان آلتهما
~~عن إقامة الحروف وبأن قوله تعالى:

# ولا يكاد يبين

# [الزخرف: 52] معناه لا يأتي ببيان وحجة، وقد قال ذلك اللعين تمويها
~~ليصرف الوجوه عنه عليه السلام، ولو كان المراد نفي البيان وإفهام الكلام
~~لاعتقال اللسان لدل على عدم زوال العقدة أصلا ولم يقل به أحد، وبانا لا
~~نسلم صحة الخبر، وبأن تنكير

# عقدة

# [طه: 27] يجوز أن يكون لقلتها في نفسها. ومن يجوز تعلقها ب

# احلل

# [طه: 27] كما ذهب إليه الحوفي واستظهره أبو حيان فإن المحلول إذا كان
~~متعلقا بشيء ومتصلا به فكما يتعلق الحل به يتعلق بذلك الشيء أيضا
~~باعتبار إزالته عنه أو ابتداء حصوله منه، وعلى تقدير تعلقها بمحذوف وقع
~~صفة لعقدة لا نسلم وجوب تقدير مضاف وجعل من تبعيضية، ولا مانع من أن تكون
~~بمعنى في ولا تقدير أي عقدة في لساني بل قيل: ولا مانع أيضا من جعلها
~~ابتدائية مع عدم التقدير وأي فساد في قولنا: عقدة ناشئة من لساني.
~~والحاصل أن ما استدل به على بقاء عقدة ما في لسانه عليه السلام وعدم
~~زوالها بالكلية غير تام لكن قال بعضهم: إن الظواهر تقتضي ذلك وهي تكفي في
~~مثل هذه المطالب وثقل ما في اللسان لا يخفف قدر الإنسان. وقد ذكر أن في
~~لسان المهدي المنتظر رضي الله عنه حبسة وربما يتعذر عليه الكلام حتى يضرب
~~بيده اليمني فخذ رجله اليسرى وقد بلغك ما ورد في فضله. وقال بعضهم: لا
~~تقاوم فصاحة الذات إعراب الكلمات. وأنشد قول القائل:

# سر الفصاحة كامن في المعدن

# لخصائص الأرواح لا للألسن

# وقول الآخر:

# لسان فصيح معرب في كلامه

# فياليته في موقف الحشر يسلم

# وما ينفع الأعراب ان لم يكن تقي

# وما ضر ذا تقوى لسان معجم

# / نعم ما يخل بأمر التبليغ من رتة تؤدي إلى عدم فهم الوحي معها ونفرة
~~السامع ms06496 عن سماع ذلك مما يجل عنه الأنبياء عليهم السلام فهم كلهم فصحاء
~~اللسان لا يفوت سامعهم شيء من كلامهم ولا ينفر عن سماعه وإن تفاوتوا في
~~مرات تلك الفصاحة وكأنه عليه السلام إنما لم يطلب أعلا مراتب فصاحة
~~اللسان وطلاقته عند الجبائي ومن وافقه لأنه لم ير في ذلك كثير فضل، وغاية
~~ما قيل فيه إنه زينة من زينة الدنيا وبهاء من بهائها والفضل الكثير في
~~فصاحة البيان بالمعنى المشهور في عرف أهل المعاني والبيان وما ورد مما
~~يدل على ذم ذلك فليس على إطلاقه كما بين في شروح الأحاديث.

# ثم إن المشهور تفسير اللسان بالآلة الجارحة نفسها وفسره بعضهم بالقوة
~~النطقية القائمة بالجارحة. والفقه العلم بالشيء والفهم كما في «القاموس»
~~وغيره، وقال الراغب: ((هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من
~~العلم)). والظاهر هنا الفهم أي احلل عقدة من لساني يفهموا قولي.

# { واجعل لى وزيرا من أهلى * هرون أخى } أي معاونا
~~في تحمل أعباء ما كلفته على أن اشتقاقه من الوزر بكسر فسكون بمعنى الحمل
~~الثقيل فهو في الأصل صفة من ذلك ومعناه صاحب وزر أي حامل حمل ثقيل، وسمي
~~القائم بأمر الملك بذلك لأنه يحمل عنه وزر الأمور وثقلها أو ملجأ أعتصم
~~برأيه على أن اشتقاقه من الوزر بفتحتين وأصله الجبل يتحصن به ثم استعمل
~~بمعنى الملجأ مطلقا كما في قوله:

# شر السباع الضواري دونه وزر

# والناس شرهم ما دونه وزر

# كم معشر سلموا لم يؤذهم سبع

# وما ترى بشرا لم يؤذه بشر

# وسمي وزير الملك بذلك لأن الملك يعتصم برأيه ويلتجىء إليه في أمره فهو
~~فعيل بمعنى مفعول على الحذف والإيصال أي ملجوء إليه أو هو للنسب، وقيل:
~~أصله أزير من الأزر بمعنى القوة ففعيل بمعنى مفاعل كالعشير والجليس قلبت
~~همزته واوا كقلبها في موازر وقلبت فيه لانضمام ما قبلها ووزير بمعناه
~~فحمل عليه وحمل النظير على النظير كثير في كلامهم إلا أنه سمع مؤازر من
~~غير إبدال ولم يسمع أزير بدونه على أنه مع ms06497 وجود الاشتقاق الواضح وهو ما
~~تقدم لا حاجة إلى هذا الاشتقاق وادعاء القلب. ونصبه على أنه مفعول ثان
~~لاجعل قدم على الأول الذي هو قوله تعالى: { هرون } اعتناء بشأن
~~الوزارة لأنها المطلوبة و { لي } صلة للجعل أو متعلق بمحذوف وقع حالا
~~من { وزيرا } وهو صفة له في الأصل و { من أهلى } إما صفة لوزيرا
~~أو صلة لاجعل، وقيل: مفعولاه { لى وزيرا } و { من أهلى } على ما
~~مر من الوجهين و { هرون } عطف بيان للوزير بناء على ما ذهب إليه
~~الزمخشري والرضي من أنه لا يشترط التوافق في التعريف والتنكير، وقيل: هو
~~بدل من { وزيرا }. وتعقب بأنه يكون حينئذ هو المقصود بالنسبة مع أن
~~وزارته هي المقصودة بالقصد الأول هنا.

# وجوز كونه منصوبا بفعل مقدر في جواب من اجعل أي اعجل هرون، وقيل:
~~مفعولاه { وزيرا من أهلى } و { لى } تبيين كما في سقيا له.
~~واعترض بأن شرط المفعولين في باب النواسخ صحة انعقاد الجملة الاسمية
~~منهما ولو ابتدأت بوزيرا وأخبرت عنه بمن أهلي لم يصح إذ لا مسوغ
~~للابتداء به، وأجيب بأن مراد القائل: إن { من أهلى } هو المفعول
~~الأول لتأويله ببعض أهلي كأنه قيل اجعل بعض أهلي وزيرا فقدم للاهتمام به
~~وسداد المعنى يقتضيه ولا يخفى / بعده، ومن ذلك قيل الأحسن أن يقال: إن
~~الجملة دعائية والنكرة يبتدأ بها فيها كما صرح به النحاة فكذا بعد دخول
~~الناسخ وهو كما ترى، وقيل: إن المسوغ للإبتداء بالنكرة هنا عطف المعرفة
~~وهو { هرون } عليها عطف بيان وهو غريب، وجوز في { هرون } أيضا
~~على هذا القول كونه مفعولا لفعل مقدر وكونه بدلا وقد سمعت ما فيه.

# والظاهر أنه يجوز في { لى } عليه أيضا أن يكون صلة للجعل كما يجوز فيه
~~على بعض الأوجه السابقة أن يكون تبيينا. ولم يظهر لي وجه عدم ذكر هذا
~~الاحتمال هناك ولا وجه عدم ذكر احتمال كونه صلة للجعل هنا. ويفهم من كلام
~~البعض جواز كل من الاحتمالين هنا وهناك. وكذا يجوز أيضا أن يكون حالا
~~من { وزيرا ms06498 } ولعل ذلك مما يسهل أمر الانعقاد على ما قيل وفيه ما فيه.
~~و { أخى } على الوجوه عطف بيان للوزير ولا ضير في تعدده لشيء واحد أو
~~لهرون. ولا يشترط فيه كون الثاني أشهر كما توهم لأن الإيضاح حاصل من
~~المجموع كما حقق في «المطول» و«حواشيه». ولا حاجة إلى دعوى أن المضاف إلى
~~الضمير أعرف من العلم لما فيها من الخلاف. وكذا إلى ما في «الكشف» من أن
~~{ أخى } في هذا المقام أشهر من اسمه العلم لأن موسى عليه السلام هو
~~العلم المعروف والمخاطب الموصوف بالمناجاة والكرامة والمتعرف به هو
~~المعرفة في الحقيقة ثم إن البيان ليس بالنسبة إليه سبحانه لأنه جل شأنه
~~لا تخفى عليه خافية وإنما إتيان موسى عليه السلام به على نمط ما تقدم من
~~قوله

# هى عصاى

# [طه: 18] الخ. وجوز أن يكون { أخى } مبتدأ خبره { اشدد به
~~أزرى }.

### || [20.31-32]

# وتعقبه أبو حيان بأنه خلاف الظاهر فلا يصار إليه لغير حاجة. والكلام في
~~الإخبار بالجملة الإنشائية مشهور. والجملة على هذا استئنافية. والأزر
~~القوة. وقيدها الراغب بالشديدة. وقال الخليل وأبو عبيدة: هو الظهر وروي
~~ذلك عن ابن عطية، والمراد أحكم به قوتي وأجعله شريكي في أمر الرسالة حتى
~~نتعاون على أدائها كما ينبغي. وفصل الدعاء الأول عن الدعاء السابق لكمال
~~الاتصال بينهما فإن شد الأزر عبارة عن جعله وزيرا وأما الإشراك في الأمر
~~فحيث كان من أحكام الوزارة توسط بينهما العاطف كذا قيل لكن في مصحف ابن
~~مسعود { واشدد } بالعطف على الدعاء السابق وعن أبي { أشركه في أمري
~~واشدد به أزري } فتأمل.

# وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما والحسن وابن عامر { اشدد } بفتح
~~الهمزة { وأشركه } بضمها على أنهما فعلان مضارعان مجزومان في جواب الدعاء
~~أعني قوله: { اجعل } ، وقال صاحب «اللوامح»: عن الحسن أنه قرأ { اشدد به
~~} مضارع شدد للتكثير والتكرير. وليس المراد بالأمر على القراءة السابقة
~~الرسالة لأن ذلك ليس في يد موسى عليه السلام بل أمر الإرشاد والدعوة إلى
~~الحق، وكان هرون كما أخرج الحاكم عن ms06499 وهب أطول من موسى عليهما السلام
~~وأكثر لحما وأبيض جسما وأعظم ألواحا وأكبر سنا، قيل: كان أكبر منه
~~بأربع سنين، وقيل: بثلاث سنين. وتوفي قبله بثلاث أيضا. وكان عليه السلام
~~ذا تؤدة وحلم عظيم.

### || [20.33-34]

# غاية للأدعية الثلاثة الأخيرة فإن فعل [فيها] كل واحد منهما من التسبيح
~~والذكر مع كونه مكثرا لفعل الآخر ومضاعفا له بسبب انضمامه إليه مكثر له
~~في نفسه أيضا بسبب تقويته وتأييده إذ ليس المراد بالتسبيح والذكر ما
~~يكون منهما بالقلب أو في الخلوات حتى لا يتفاوت حاله عند التعدد
~~والانفراد بل ما يكون منهما في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة
~~إلى الحق وذلك مما / لا ريب في اختلاف حاله في حالتي التعدد والانفراد
~~فإن كلا منهما يصدر عنه بتأييد الآخر من إظهار الحق ما لا يكاد يصدر عنه
~~مثله حال الانفراد، و { كثيرا } في الموضعين نعت لمصدر محذوف أو زمان
~~محذوف أي ننزهك عما لا يليق بك من الصفات والأفعال التي من جملتها ما
~~يدعيه فرعون الطاغية ويقبله منه فئته الباغية من [ادعاء] الشركة في
~~الألوهية ونصفك بما يليق بك من صفات الكمال ونعوت الجمال والجلال تنزيها
~~كثيرا ووصفا كثيرا أو زمانا كثيرا من جملته زمان دعوة فرعون وأوان
~~المحاجة معه كذا في «إرشاد العقل السليم». وجوز أبو حيان كونه منصوبا
~~على الحال أي نسبحك التسبيح في حال كثرته، وكذا يقال في الأخير وليس
~~بذاك، وتقديم التسبيح على الذكر من باب تقديم التخلية على التحلية، وقيل:
~~لأن التسبيح تنزيه عما يليق ومحله القلب والذكر ثناء بما يليق ومحله
~~اللسان والقلب مقدم على اللسان، وقيل: إن المعنى كي نصلي لك كثيرا
~~ونحمدك ونثني عليك كثيرا بما أوليتنا من نعمك ومننت به علينا من تحمل
~~رسالتك، ولا يخفى أنه لا يساعده المقام.

### || [20.35]

# عالما بأحوالنا وبأن ما دعوتك به مما يصلحنا ويفيدنا في تحقيق ما كلفته
~~من إقامة مراسم الرسالة وبأن هرون نعم الردء في أداء ما أمرت به، والباء
~~متعلقة ببصيرا قدمت عليه لمراعاة الفواصل، ms06500 والجملة في موضع التعليل
~~للمعلل الأول بعد اعتبار تعليله بالعلة الأولى، وروى عبد بن حميد عن
~~الأعمش أنه سكن كاف الضمير في المواضع الثلاثة، وجاء أن النبي صلى الله
~~عليه وسلم دعا بمثل هذا الدعاء إلا أنه أقام عليا كرم الله تعالى وجهه
~~مقام هرون عليه السلام، فقد أخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن
~~أسماء بنت عميس قالت:

# " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإزاء ثبير وهو يقول أشرق ثبير
~~أشرق ثبير اللهم إني أسألك مما أسألك أخي موسى أن تشرح لي صدري وأن تيسر
~~لي أمري وأن تحل عقدة من لساني يفقه قولي واجعل لي وزيرا من أهلي عليا
~~أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت
~~بنا بصيرا "

# ، ولا يخفى أنه يتعين هنا حمل الأمر على الإرشاد والدعوة إلى الحق ولا
~~يجوز حمله على النبوة، ولا يصح الاستدلال بذلك على خلافة علي كرم الله
~~تعالى وجهه بعد النبي صلى الله عليه وسلم بلا فصل. ومثله فيما ذكر ما صح
~~من قوله عليه الصلاة والسلام له حين استخلفه في غزوة تبوك على أهل بيته:

# " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي "

# كما بين في «التحفة الاثني عشرية»، نعم في ذلك من الدلالة على مزيد فضل
~~علي كرم الله تعالى وجهه ما لا يخفى، وينبغي أيضا أن يتأول طلبه صلى
~~الله عليه وسلم حل العقدة بنحو استمرار ذلك لما أنه عليه الصلاة والسلام
~~كان أفصح الناس لسانا.

### || [20.36]

# أي قد أعطيت سؤلك ففعل بمعنى مفعول كالخبز والأكل بمعنى المخبوز
~~والمأكول، والإيتاء عبارة عن تعلق إرادته تعالى بوقوع تلك المطالب
~~وحصولها له عليه السلام البتة وتقديره تعالى إياها حتما فكلها حاصلة له
~~عليه السلام وإن كان وقوع بعضها بالفعل مرتبا بعد كتيسير الأمر وشد
~~الأزر وباعتباره قيل:

# سنشد عضدك بأخيك

# [القصص: 35] وظاهر بعض الآثار يقتضي أن شركة هرون عليه السلام في
~~النبوة أي استنبائه كموسى عليه ms06501 السلام وقعت في ذلك المقام وإن لم يكن
~~عليه السلام فيه مع أخيه، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في
~~قوله:

# وأشركه في أمري

# [طه: 32] نبىء هرون ساعتئذ حين نبىء موسى عليهما السلام، ونداؤه عليه
~~السلام تشريف له بالخطاب إثر تشريف.

### || [20.37]

# { ولقد مننا عليك } استئناف مسوق لتقرير ما قبله وزيادة
~~توطين لنفس موسى عليه السلام بالقبول ببيان أنه تعالى حيث أنعم عليك بتلك
~~النعم التامة من غير سابقة دعاء وطلب منه فلأن ينعم عليه بمثلها وهو طالب
~~له وداع أولى وأحرى. وتصديره بالقسم لكمال الاعتناء بذلك أي وبالله لقد
~~أنعمنا { مرة أخرى } أي في وقت غير هذا الوقت على أن أخرى تأنيث
~~آخر بمعنى مغايرة. و { مرة } ظرف زمان والمراد به الوقت الممتد الذي
~~وقع فيه ما سيأتي إن شاء الله تعالى ذكره في المنن العظيمة الكثيرة. وهو
~~في الأصل اسم للمرور الواحد ثم أطلق على كل فعلة واحدة متعدية كانت أو
~~لازمة ثم شاع في كل فرد واحد من أفراد ماله أفراد متجددة فصار علما في
~~ذلك حتى جعل معيارا لما في معناه من سائر الأشياء فقيل هذا بناء المرة
~~ويقرب منه الكرة والتارة والدفعة. وقال أبو حيان: المراد منه غير هذه
~~المنة وليست { أخرى } تأنيث آخر بكسر الخاء لتكون مقابلة للأولى.
~~وتوهم ذلك بعضهم فقال: سماها سبحانه أخرى وهي أولى لأنها أخرى في الذكر.

### || [20.38]

# ظرف لمننا سواء كان بدلا من

# مرة

# [طه: 37] أم لا، وقيل: تعليل وهو خلاف الظاهر، والمراد بالإيحاء عند
~~الجمهور ما كان بإلهام كما في قوله تعالى:

# وأوحى ربك إلى النحل

# [النحل: 68] وتعقب بأنه بعيد لأنه قال تعالى في سورة القصص [7]

# إنا رادوه إليك وجعلوه من المرسلين

# ومثله لا يعلم بالإلهام وليس بشيء لأنها قد تكون شاهدت منه عليه السلام
~~ما يدل على نبوته وأنه تعالى لا يضيعه، وإلهام الأنفس القدسية مثل ذلك لا
~~بعد فيه فإنه نوع من الكشف ألا ترى قول عبد المطلب وقد سمى نبينا صلى ms06502
~~الله عليه وسلم محمدا فقيل له: لم سميت ولدك محمدا وليس في أسماء
~~آبائك؟: إنه سيحمد، وفي رواية رجوت أن يحمد في السماء والأرض مع أن كون
~~ذلك داخلا في الملهم ليس بلازم. واستظهر أبو حيان أنه كان ببعث ملك
~~إليها لا على جهة النبوة كما بعث إلى مريم وهو مبني على أن الملك يبعث
~~إلى غير الأنبياء عليهم السلام وهو الصحيح لكن قيل: عليه أنه حينئذ ينتقض
~~تعريف النبي بأنه من أوحي إليه، ولو قيل: من أوحي إليه على وجه النبوة
~~دار التعريف وأجيب بأنه لا يتعين ذلك. ولو قيل: من أوحي إليه بأحكام
~~شرعية لكنه لم يؤمر بتبليغها لم يلزم محذور. وقال الجبائي: إنه كان
~~بالإراءة مناما. وقيل: كان على لسان نبي في وقتها كما في قوله تعالى:

# وإذ أوحيت إلى الحواريين

# [المائدة: 111] وتعقب بأنه خلاف الظاهر فإنه لم ينقل أنه كان نبي في
~~مصر زمن فرعون قبل موسى عليه السلام.

# وأجيب بأن ذلك لا يتوقف على كون النبي في مصر، وقد كان شعيب عليه
~~السلام نبيا في زمن فرعون في مدين فيمكن أن يكون أخبرها بذلك على أن
~~كثرة أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام مما شاع وذاع، والحق أن إنكار كون
~~ذلك خلاف الظاهر مكابرة. واختلف في اسم أمه عليه السلام والمشهور أنه
~~يوحانذ، وفي «الإتقان» هي محيانة بنت يصهر بن لاوى، وقيل: بارخا، وقيل:
~~بازخت وما اشتهر من خاصية فتح الأقفال به بعد رياضة مخصوصة له مما لم نجد
~~فيه أثرا ولعله حديث خرافة، والمراد بما يوحى ما قصه الله تعالى فيما
~~بعد من الأمر بقذفه في التابوت وقدفه في البحر أبهم أولا تهويلا له
~~وتفخيما لشأنه، ثم فسر ليكون أقر عند النفس، وقيل: معناه ما ينبغي أن
~~يوحى، ولا يخل به لعظم شأنه وفرط الاهتمام به كما يقال هذا مما يكتب،
~~وقيل: ما لا يعلم إلا بالوحي، والأول أوفق بكل من المعاني السابقة
~~المرادة بالإيحاء إلا أنه قيل عليه: إنه لو كان المراد / منه التفخيم ms06503
~~والتهويل لقيل إذ أوحينا إلى أمك ما أوحينا كما قال سبحانه

# فأوحى إلى عبده ما أوحى

# [النجم: 10]، وقال تعالى:

# فغشيهم من اليم ما غشيهم

# [طه: 78] فإن تم هذا فما قيل في معناه ثانيا أولى فتدبر.

### || [20.39]

# و(أن) في قوله تعالى: { أن اقذفيه فى التابوت } مفسرة لأن
~~الوحي من باب القول أو مصدرية حذف عنها الباء بأن اقذفيه، وقال ابن عطية:
~~{ أن } وما بعدها في تأويل مصدر بدل من ما، وتقدم الكلام في وصل أن
~~المصدرية بفعل الأمر، والمراد بالقذف ههنا الوضع، وأما في قوله تعالى: {
~~فاقذفيه فى اليم } فالمراد به الإلقاء والطرح، ويجوز أن يكون
~~المراد به الوضع في الموضعين، و { اليم } البحر لا يكسر ولا يجمع جمع
~~سلامة، وفي «البحر» هو اسم للبحر العذب، وقيل: اسم للنيل خاصة وليس
~~بصحيح، وهذا التفصيل هنا هو المراد بقوله تعالى:

# فإذا خفت عليه فألقيه فى اليم

# [القصص: 7] لا القذف بلا تابوت { فليلقه اليم بالساحل }
~~أي بشاطئه وهو الجانب الخالي عن الماء مأخوذ من سحل الحديد أي برده وقشره
~~وهو فاعل بمعنى مفعول لأن الماء يسحله أي يقشره أو هو للنسب أي ذو سحل
~~يعود الأمر إلى مسحول، وقيل: هو على ظاهره على معنى أنه يسحل الماء أي
~~يفرقه ويضيعه؛ وقيل: هو من السحيل وهو النهيق لأنه يسمع منه صوت، والمراد
~~به هنا ما يقابل الوسط وهو ما يلي الساحل من البحر حيث يجري ماؤه إلى نهر
~~فرعون. وقيل: المراد بالساحل الجانب والطرف مطلقا والمراد من الأمر
~~الخبر واختير للمبالغة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:

# " قوموا فلأصل لكم "

# ولإخراج ذلك مخرج الأمر حسن الجواب فيما بعد، وقال غير واحد: إنه لما
~~كان إلقاء البحر إياه بالساحل أمرا واجب الوقوع لتعلق الإرادة الربانية
~~به جعل البحر كأنه ذو تمييز مطيع أمر بذلك، وأخرج الجواب مخرج الأمر ففي
~~اليم استعارة بالكناية وإثبات الأمر تخييل، وقيل: إن في قوله تعالى: {
~~فليلقه } استعارة تصريحية تبعية والضمائر كلها لموسى عليه السلام
~~إذ هو المحدث عنه والمقذوف ms06504 في البحر والملقى بالساحل وإن كان هو التابوت
~~أصالة لكن لما كان المقصود بالذات ما فيه جعل التابوت تبعا له في ذلك،
~~وقيل: الضمير الأول لموسى عليه السلام والضميران الأخيران للتابوت، ومتى
~~كان الضمير صالحا لأن يعود على الأقرب وعلى الأبعد كان عوده على الأقرب
~~راجحا كما نص عليه النحويون، وبهذا رد على أبي محمد بن حزم في دعواه
~~عود الضمير في قوله تعالى:

# فإنه رجس

# [الأنعام: 145] على لحم لأنه المحدث عنه لا على خنزير فيحل شحمه وغضروفه
~~وعظمه وجلده عنده لذلك، والحق أن عدم التفكيك فيما نحن فيه أولى، وما
~~ذكره النحويون ليس على إطلاقه كما لا يخفى.

# { يأخذه عدو لى وعدو له } جواب للأمر بالإلقاء وتكرير
~~العدو للمبالغة من حيث إنه يدل على أن عداوته كثيرة لا واحدة، وقيل: إن
~~الأول للواقع والثاني للمتوقع وليس من التكرير للمبالغة في شيء لأن ذلك
~~فرع جواز أن يقال: عدو لي وله وهو لا يجوز إلا عند القائلين بجواز الجمع
~~بين الحقيقة والمجاز، وأجيب بأن ذلك جائز وليس فيه الجمع المذكور فإن
~~فرعون وقت الأخذ متصف بالعداوة لله تعالى وله في الواقع أما اتصافه
~~بعداوة الله تعالى فظاهر؛ وأما اتصافه بعداوة موسى فمن حيث إنه يبغض كل
~~مولود في تلك السنة، ولو قلنا بعدم الاتصاف بعداوة موسى عليه السلام إذ
~~ذاك يجوز أن يقال ذلك أيضا ويعتبر عموم المجاز وهو المخلص عن الجمع بين
~~الحقيقة والمجاز فيما يدعى فيه ذلك.

# / وقال الخفاجي: إنه لا يلزم الجمع لأن { عدو } صفة مشبهة دالة على
~~الثبوت الشامل للواقع والمتوقع. ولا يخفى أن هذا قول بأن الثبوت في الصفة
~~المشبهة بمعنى الدوام، وقد قال هو في الكلام على تفسير قوله تعالى:

# ولا تمش فى الأرض مرحا

# [الإسراء: 37]: إن معنى دلالتها على الثبوت أنها لا تدل على تجدد وحدوث
~~لا أنها تدل على الدوام كما ذكره النحاة، فما يقال: إن { مرحا } صفة
~~مشبهة تدل على الثبوت ونفيه لا يقتضي نفي أصله مغالطة نشأت من عدم فهم ms06505
~~معنى الثبوت فيها انتهى، على أن كلامه هنا بعد الإغماض عن منافاته لما
~~ذكره قبل لا يخلو عن شيء. ومما ذكره فيما تقدم من تفسير معنى الثبوت يعلم
~~أن الاستدلال بهذه الآية على أن فرعون لم يقبل إيمانه ومات كافرا كما هو
~~الحق ليس بصحيح وكم له من دليل صحيح. والظاهر أنه تعالى أبهم لها هذا
~~العدو ولم يعلمها باسمه وإلا لما قالت لأخته

# قصيه

# [القصص: 11].

# { وألقيت عليك محبة منى } كلمة من متعلقة بمحذوف وقع
~~صفة لمحبة مؤكدة لما في تنكيرها من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي
~~محبة عظيمة كائنة مني قد زرعتها في القلوب فكل من رآك أحبك بحيث لا يصبر
~~عنك، قال مقاتل: كان في عينيه ملاحة ما رآه أحد إلا أحبه، وقال ابن عطية:
~~جعلت عليه مسحة جمال لا يكاد يصبر عنه من رآه، روي أن أمه عليه السلام
~~حين أوحي إليها ما أوحي جعلته في تابوت من خشب، وقيل: من بردي عمله مؤمن
~~آل فرعون وسدت خروقه وفرشت فيه نطعا، وقيل: قطنا محلوجا وسدت فمه
~~وجصصته وقيرته وألقتة في اليم فبينما فرعون في موضع يشرف على النيل
~~وامرأته معه إذ رأى التابوت عند الساحل فأمر به ففتح فإذا صبي أصبح الناس
~~وجها فأحبه هو وامرأته حبا شديدا. وقيل: إن التابوت جاء في الماء إلى
~~المشرعة التي كانت جواري امرأة فرعون يستقين منها الماء فأخذن التابوت
~~وجئن به إليها وهن يحسبن أن فيه مالا فلما فتحته رأته عليه السلام
~~فأحبته وأعلمت فرعون وطلبت منه أن يتخذه ولدا، وقالت: قرة عين لي ولك لا
~~تقتلوه، فقال لها: يكون لك وأما أنا فلا حاجة لي فيه.

# ومن هنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه النسائي وجماعة عن
~~ابن عباس:

# " والذي يحلف به لو أقر فرعون بأن يكون قرة عين له كما قالت امرأته
~~لهداه الله تعالى به كما هدى به امرأته ولكن الله عز وجل حرمه ذلك "

# ، وقيل: إن فرعون كان جالسا على رأس بركة له ms06506 في بستان ومعه امرأته فرأى
~~التابوت وقد دفعه الماء إلى البركة من نهر يشرع من اليم فأمر بإخراجه
~~فأخرج ففتح فإذا صبي أجمل الناس وجها فأحبه حتى لا يكاد يصبر عنه، وروي
~~أنه كان بحضرته حين رأى التابوت أربعمائة غلام وجارية فحين أشار بأخذه
~~وعد من يسبق إلى ذلك بالإعتاق فتسابقوا جمعيا ولم يظفر بأخذه إلا واحد
~~منهم فأعتق الكل، وفي هذا ما يطمع المقصر في العمل من المؤمنين برحمة
~~الله تعالى فإنه سبحانه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وقيل: كلمة من
~~متعلقة بألقيت فالمحبة الملقاة بحسب الذوق هي محبة الله تعالى له أي
~~أحببتك ومن أحبه الله تعالى أحبته القلوب لا محالة، واعترض القاضي على
~~هذا بأن في الصغر لا يوصف الشخص بمحبة الله تعالى إياه فإنها ترجع إلى
~~إيصال الثواب وهو إنما يكون للمكلف. ورد بأن محبة الله تعالى عند
~~المؤولين عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على عمل
~~أو لا يكون والرد عند من لا يؤول أظهر، وجوز بعضهم إرادة المعنى الثاني
~~على القول الأول في التعلق وإرادة المعنى الأول على القول الثاني فيه،
~~وزعم أن وجه التخصيص غير ظاهر وهو لا يخفى / على ذي ذهن مستقيم وذوق
~~سليم.

# وقوله تعالى: { ولتصنع على عينى } متعلق بألقيت على أنه عطف
~~على علة مضمرة أي ليتعطف عليك ولتصنع أو متعلق بفعل مضمر مؤخر أي ولتصنع
~~الخ فعلت ذلك أي إلقاء المحبة عليك، وزعم أنه متعلق بألقيت على أن الواو
~~مقحمة ليس بشيء و { على عينى } أي بمرأى مني متعلق بمحذوف وقع
~~حالا من المستتر في { تصنع } وهو استعارة تمثيلية للحفظ والصون فإن
~~المصون يجعل بمرأى والصنع الإحسان، قال النحاس: يقال صنعت الفرس إذا
~~أحسنت إليه. والمعنى وليفعل بك الصنيعة والإحسان وتربى بالحنو والشفقة
~~وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعي الرجل الشيء بعينه إذا اعتنى به. ويجعل
~~ذلك تمثيلا يندفع ما قاله الواحدي من أن تفسير { على عينى } بما
~~تقدم صحيح ولكن لا يكون في ذلك تخصيص ms06507 لموسى عليه السلام فإن جميع الأشياء
~~بمرأى من الله تعالى على أنه قد يقال: هذا الاختصاص للتشريف كاختصاص عيسى
~~عليه السلام بكلمة الله تعالى والكعبة ببيت الله تعالى مع أن الكل موجود
~~بكن وكل البيوت بيت الله سبحانه، وقال قتادة: المعنى لتغذى على محبتي
~~وإرادتي وهو اختيار أبي عبيدة وابن الانباري وزعم الواحدي أنه الصحيح.

# وقرأ الحسن وأبو نهيك «ولتصنع» بفتح التاء، قال ثعلب: المعنى لتكون
~~حركتك وتصرفك على عين مني لئلا تخالف أمري. وقرأ أبو جعفر في رواية {
~~ولتصنع } بكسر اللام وجزم الفعل بها لأنها لام الأمر وأمر المخاطب
~~باللام شاذ لكن لما كان الفعل مبنيا للمفعول هنا وكان أصله مسندا
~~للغائب ولا كلام في أمره باللام استصحب ذلك بعد نقله إلى المفعول
~~للاختصار، والظاهر أن العطف على قوله تعالى: { وألقيت عليك
~~محبة منى } إلا أن فيه عطف الإنشاء على الخبر وفيه كلام مشهور لكن
~~قيل هنا: إنه هون أمره كون الأمر في معنى الخبر. وقال صاحب «اللوامح»: إن
~~العطف على قوله تعالى: { فليلقه } فلا عطف فيه للإنشاء على الخبر.
~~وقرأ شيبة وأبو جعفر في رواية أخرى كذلك إلا أنه سكن اللام وهي لام الأمر
~~أيضا وبقية الكلام نحو ما مر. ويحتمل أن تكون لام كي سكنت تخفيفا ولم
~~يظهر فتح العين للإدغام، قال الخفاجي: وهذا حسن جدا.

### || [20.40]

# { إذ تمشى أختك } ظرف لتصنع كما قال الحوفي وغيره على أن
~~المراد به وقت وقع فيه مشي الأخت وما ترتب عليه من القول والرجع إلى أمها
~~وتربيتها له بالحنو وهو المصداق لقوله تعالى:

# ولتصنع على عينى

# [طه: 39] إذ لا شفقة أعظم من شفقة الأم وصنيعها على موجب مراعاته تعالى.
~~وجوز أن يكون ظرفا لألقيت وأن يكون بدلا من

# إذ أوحينا

# [طه: 38] على أن المراد بها وقت متسع فيتحد الظرفان وتصح البدلية ولا
~~يكون من إبدال أحد المتغايرين الذي لا يقع في فصيح الكلام. ورجح هذا صاحب
~~«الكشف» فقال: هو الأوفق لمقام الامتنان لما فيه من تعداد المنة على وجه
~~أبلغ ms06508 ولما في تخصيص الإلقاء أو التربية بزمان مشي الأخت من العدول إلى
~~الظاهر فقبله كان عليه السلام محبوبا محفوظا، ثم أولى الوجهين جعله
~~ظرفا { لتصنع } وأما النصب بإضمار اذكر فضعيف اه. وأنت تعلم أن
~~الظاهر كونه ظرفا لتصنع والتقييد بعلى عيني يسقط التربية قبل في غير حجر
~~الأم عن العين. واعترض أبو حيان وجه البدلية بأن كلا من الظرفين ضيق ليس
~~بمتسع لتخصيصه بما أضيف إليه وليس ذلك كالسنة في الامتداد وفيه تأمل.

# واسم أخته عليه السلام مريم، وقيل: كلثوم وصيغة المضارع لحكاية / الحال
~~الماضية، وكذا يقال في قوله تعالى: { فتقول هل أدلكم على
~~من يكفله } أي يضمه إلى نفسه ويربيه. { فرجعنك إلى
~~أمك } الفاء فصيحة أي فقالوا: دلينا على ذلك فجاءت بأمك فرجعناك إليها
~~{ كى تقر عينها } بلقائك. وقرىء { تقر } بكسر القاف. وقرأ جناح
~~بن حبيش { تقر } بالبناء للمفعول { ولا تحزن } أي لا يطرأ عليها
~~الحزن بفراقك بعد ذلك وإلا فزوال الحزن مقدم على السرور المعبر عنه بقرة
~~العين فإن التخلية مقدمة على التحلية. وقيل: الضمير المستتر في { تخزن }
~~لموسى عليه السلام أي ولا تحزن أنت بفقد إشفاقها، وهذا وإن لم يأبه النظم
~~الكريم إلا أن حزن الطفل غير ظاهر، وما في سورة القصص يقتضي الأول
~~والقرآن يفسر بعضه بعضا.

# أخرج جماعة من خبر طويل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن آسية حين
~~أخرجت موسى عليه السلام من التابوت واستوهبته من فرعون فوهبه لها أرسلت
~~إلى من حولها من كل امرأة لها لبن لتختار لها ظئرا فلم يقبل ثدي واحدة
~~منهن حتى أشفقت أن يمتنع من اللبن فيموت فأحزنها ذلك فأمرت به فأخرج إلى
~~السوق مجمع الناس ترجو أن تجد له ظئرا يأخذ ثديها فلم يفعل وأصبحت أمه
~~والهة فقالت لأخته: قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكرا أحي ابني أم قد
~~أكلته الدواب؟ ونسيت الذي كان وعدها الله تعالى فبصرت به عن جنب فقالت من
~~الفرح: أنا أدلكم على أهل بيت يكلفونه لكم وهم له ناصحون ms06509 فأخذوها فقالوا:
~~وما يدريك ما نصحهم له هل يعرفونه؟ وشكوا في ذلك فقالت: نصحهم له وشفقتهم
~~عليه لرغبتهم في رضا الملك والتقرب إليه فتركوها وسألوها الدلالة فانطلقت
~~إلى أمه فأخبرتها الخبر فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه
~~حتى امتلأ جنباه ريا وانطلق البشرى إلى امرأة فرعون يبشرونها أنا قد
~~وجدنا لابنك ظئرا فأرسلت إليها فأتيت بها وبه فلما رأت ما يصنع بها قالت
~~لها: امكثي عندي ارضعي ابني هذا فإني لم أحب حبه شيئا قط قالت: لا
~~أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى
~~بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا فعلت وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي فذكرت
~~أم موسى ما كان الله عز وجل وعدها فتعاسرت على امرأة فرعون لذلك وأيقنت
~~أن الله عز وجل منجز وعده فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها فأنبته الله
~~تعالى نباتا حسنا وحفظه لما قد قضى فيه فلما ترعرع قالت امرأة فرعون
~~لأمه: أريني ابني فوعدتها يوما تزورها به فيه فقالت لخزانها وقهارمتها:
~~لا يبق منكم أحد إلا استقبل ابني بهدية وكرامة أرى ذلك فيه وأنا باعثة
~~أمينا يحصي ما صنع كل إنسان منكم فلم تزل الهدايا والنحل والكرامة
~~تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل عليها فلما دخل أكرمته ونحلته
~~وفرحت به ونحلت أمه لحسن أثرها عليه ثم انطلقت به إلى فرعون لينحله
~~وليكرمه فكان ما تقدم من جذب لحيته، ومن هذا الخبر يعلم أن المراد إذ
~~تمشي أختك في الطريق لطلبك وتحقيق أمرك فتقول: لمن أنت بأيديهم يطلبون لك
~~ظئرا ترضعك هل أدلكم الخ.

# وفي رواية أنه لما أخذ من التابوت فشا الخبر بأن آل فرعون وجدوا غلاما
~~في النيل لا يرتضع ثدي امرأة واضطروا إلى تتبع النساء فخرجت أخته لتعرف
~~خبره فجاءتهم متنكرة فقالت ما قالت وقالوا ما قالوا، فالمراد على هذا إذ
~~تمشي أختك إلى بيت فرعون فتقول لفرعون وآسية أو لآسية { هل أدلكم
~~} الخ.

# / { وقتلت ms06510 نفسا } هي نفس القبطي واسمه قانون الذي استغاثه عليه
~~الإسرائيلي واسمه موسى بن ظفر وهو السامري، وكان سنه عليه السلام حين قتل
~~على ما في «البحر» اثنتي عشرة سنة، وفي الخبر عن الحبر ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أنه عليه السلام حين قتل القبطي كان من الرجال وكان قتله
~~إياه بالوكز كما يدل عليه قوله تعالى:

# فوكزه موسى فقضى عليه

# [القصص: 15] وكان المراد وقتلت نفسا فأصابك غم { فنجينك من
~~الغم } وهو الغم الناشيء من القتل وقد حصل له من وجهين خوف عقاب الله
~~تعالى حيث لم يقع القتل بأمره سبحانه وخوف اقتصاص فرعون وقد نجاه الله
~~تعالى من ذلك بالمغفرة حين قال:

# رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى

# [القصص: 16] وبالمهاجرة إلى مدين، وقيل: هو غم التابوت، وقيل: غم البحر
~~وكلا القولين ليس بشيء، والغم في الأصل ستر الشيء ومنه الغمام لستره ضوء
~~الشمس، ويقال: لما يغم القلب بسبب خوف أو فوات مقصود، وفرق بينه وبين
~~الهم بأنه من أمر ماض والهم من أمر مستقبل، وظاهر كلام كثير عدم الفرق
~~وشمول كل لما يكون من أمر ماض وأمر مستقبل.

# { وفتنك فتونا } أي ابتليناك ابتلاء على أن { فتونا }
~~مصدر على فعول في المتعدي كالثبور والشكور والكفور، والأكثر في هذا الوزن
~~أن يكون مصدر اللازم أو فتونا من الابتلاء على أنه جمع فتن كالظنون جمع
~~ظن أو جمع فتنة على ترك الاعتداد بالتاء لأنها في حكم الانفصال كما قالوا
~~في حجوز جمع حجزة وبدور جمع بدرة، ونظم الابتلاء في سلك المنن قيل:
~~باعتبار أن المراد ابتليناك واختبرناك بإيقاعك في المحن وتلخيصك منها،
~~وقيل: إن المعنى أوقعناك في المحنة وهو ما يشق على الإنسان، ونظم ذلك في
~~ذلك السلك باعتبار أنه موجب للثواب فيكون من قبيل النعم وليس بشيء، وقيل:
~~إن { فتناك } بمعنى خلصناك من قولهم: فتنت الذهب بالنار إذا خلصته بها من
~~الغش ولا يخفى حسنه، والمراد سواء اعتبر الفتون مصدرا أو جمعا خلصناك
~~مرة بعد أخرى وهو ظاهر على اعتبار الجمعية، ms06511 وأما على اعتبار المصدرية
~~فلاقتضاء السياق ذلك، وهذا إجمال ما ناله عليه السلام في سفره من الهجرة
~~عن الوطن ومفارقة الإلاف والمشي راجلا وفقد الزاد.

# وقد روى جماعة أن سعيد بن جبير سأل ابن عباس عن الفتون فقال له: استأنف
~~النهار يا ابن جبير فإن لها خبرا طويلا فلما أصبح غدا عليه فأخذ ابن
~~عباس يذكر ذلك فذكر قصة فرعون وقتله أولاد بني إسرائيل ثم قصة إلقاء موسى
~~عليه الصلاة والسلام في اليم والتقاط آل فرعون إياه وامتناعه من الارتضاع
~~من الأجانب وإرجاعه إلى أمه ثم قصة أخذه بلحية فرعون وغضب فرعون من ذلك
~~وإرادته قتله ووضع الجمرة والجوهرة بين يديه وأخذه الجمرة، ثم قصة قتله
~~القبطي ثم هربه إلى مدين وصيرورته أجيرا لشعيب عليه السلام ثم عوده إلى
~~مصر وإخطاء الطريق في الليلة المظلمة وتفرق غنمه فيها وكان رضي الله
~~تعالى عنه عند تمام كل واحدة يقول هذه من الفتون يا ابن جبير.

# ولكن قيل: الذي يقتضيه النظم الكريم أن لا يعد إجارة نفسه وما بعدها من
~~تلك الفتون ضرورة أن المراد بها ما وقع قبل وصوله عليه السلام إلى مدين
~~بقضية الفاء في قوله تعالى: { فلبثت سنين فى أهل مدين }
~~إذ لا ريب في أن الإجارة المذكورة وما بعدها مما وقع بعد الوصول إليهم
~~وقد أشير بذكر لبثه عليه السلام فيهم دون وصوله إليهم إلى جميع ما قاساه
~~عليه السلام / من فنون الفتون في تضاعيف مدة اللبث وهي فيما قيل عشر
~~سنين، وقال وهب: ثمان وعشرون سنة أقام في عشر منها يرعى غنم شعيب عليه
~~السلام مهرا لابنته وفي ثماني عشرة مع زوجته وولد له فيها وهو الأوفق
~~بكونه عليه السلام نبىء على رأس الأربعين إذا قلنا بأن سنه عليه السلام
~~حين خرج إلى مدين اثنتا عشرة سنة، ومدين بلدة شعيب عليه السلام على ثمان
~~مراحل من مصر.

# { ثم جئت } أي إلى المكان الذي ناديتك فيه، وفي كلمة التراخي
~~إيذان بأن مجيئه عليه السلام كان بعد اللتيا والتي ms06512 من ضلال الطريق وتفرق
~~الغنم في الليلة المظلمة الشاتية وغير ذلك { على قدر } أي تقدير
~~والمراد به المقدر أي جئت على وفق الوقت الذي قدرته وعينته لتكليمك
~~واستنبائك بلا تقدم ولا تأخر عنه، وقيل: هو بمعنى المقدار أي جئت على
~~مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء عليهم السلام وهو رأس أربعين سنة.
~~وضعف بأن المعروف في هذا المعنى القدر بالسكون لا التحريك، وقيل: المراد
~~على موعد وعدناكه وروي ذلك عن مجاهد وهو يقتضي تقدم الوعد على لسان بعض
~~الأنبياء عليهم السلام وهو كما ترى، وقوله تعالى: { يا موسى } تشريف
~~له عليه السلام وتنبيه على انتهاء الحكاية التي هي تفصيل المرة الأخرى
~~التي وقعت قبل المرة المحكية أولا.

### || [20.41]

# وقوله سبحانه: { واصطنعتك لنفسى } تذكير لقوله تعالى:

# وأنا اخترتك

# [طه: 13] وتمهيد لإرساله عليه السلام إلى فرعون مؤيدا بأخيه حسبما
~~استدعاه بعد تذكير المنن السابقة تأكيدا لوثوقه عليه السلام بحصول
~~نظائرها اللاحقة، ونظم ذلك الإمام في سلك المنن المحكية وظاهر توسيط
~~النداء يؤيد ما تقدم، والاصطناع افتعال من الصنع بمعنى الصنيعة وهي
~~الإحسان فمعنى اصطنعه جعله محل صنيعته وإحسانه، وقال القفال: يقال اصطنع
~~فلان فلانا إذا أحسن إليه حتى يضاف إليه فيقال: هذا صنيع فلان وخريجه،
~~ومعنى { لنفسى } ما روي عن ابن عباس لوحيي ورسالتي، وقيل: لمحبتي،
~~وعبر عنها بالنفس لأنها أخص شيء بها، وقال الزجاج: المراد اخترتك لإقامة
~~حجتي وجعلتك بيني وبين خلقي حتى صرت في التبليغ عني بالمنزلة التي أكون
~~أنا بها لو خاطبتهم واحتجبت عليهم، وقال غير واحد من المحققين: هذا تمثيل
~~لما خوله عز وجل من جعله نبيا مكرما كليما منعما عليه بجلائل النعم
~~بتقريب الملك من يراه أهلا لأن يقرب فيصطنعه بالكرامة والأثرة ويجعله من
~~خواص نفسه وندمائه، ولا يخفى حسن هذه الاستعارة وهي أوفق بكلامه تعالى
~~وقوله تعالى: { لنفسى } عليها ظاهر. وحاصل المعنى جعلتك من خواصي
~~واصطفيتك برسالتي وبكلامي، وفي العدول عن نون العظمة الواقعة في قوله
~~سبحانه:

# وفتنك

# [طه: 40] ونظيريه السابقين تمهيد لإفراد النفس اللائق ms06513 بالمقام فإنه أدخل
~~في تحقيق معنى الاصطناع والاستخلاص.

### || [20.42]

# وقوله تعالى: { اذهب أنت وأخوك بئايتى } استئناف مسوق
~~لبيان ما هو المقصود بالاصطناع، { وأخوك } فاعل بفعل مضمر أي وليذهب
~~أخوك حسبما استدعيت، وقيل: معطوف على الضمير المستتر المؤكد بالضمير
~~البارز، ورب شيء يصح تبعا ولا يصح استقلالا. والآيات المعجزات، والمراد
~~بها في قول اليد والعصا وحل العقدة، وعن ابن عباس الآيات التسع، وقيل:
~~الأولان فقط وإطلاق الجمع على الاثنين شائع؛ ويؤيد ذلك أن فرعون لما قال
~~له عليه السلام: فأت بآية ألقى / العصا ونزع اليد، وقال:

# فذانك برهانن

# [القصص: 32] وقال بعضهم: إنهما وإن كانتا اثنتين لكن في كل منهما آيات
~~شتى كما في قوله تعالى:

# آيات بينت مقام إبرهيم

# [آل عمران: 97] فإن انقلاب العصا حيوانا آية، وكونها ثعبانا عظيما لا
~~يقادر قدره آية أخرى، وسرعة حركته مع عظم جرمه آية أخرى، وكونه مع ذلك
~~مسخرا له عليه السلام بحيث يده في فمه فلا يضره آية أخرى ثم انقلابها
~~عصا كما كانت آية أخرى وكذلك اليد البيضاء فإن بياضها في نفسه آية
~~وشعاعها آية ثم رجوعها إلى حالتها الأولى آية أخرى. وقيل: المراد بها ما
~~أعطي عليه السلام من معجزة ووحي، والذي يميل إليه القلب أنها العصا واليد
~~لما سمعت من المؤيد مع ما تقدم من أنه تعالى بعد ما أمره بإلقاء العصا
~~وأخذها بعد انقلابها حية قال سبحانه:

# واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء
~~ءاية أخرى

# [طه: 22]، ثم قال سبحانه:

# اذهب إلى فرعون إنه طغى

# [طه: 24] من غير تنصيص على غير تلك الآيتين ولا تعرض لوصف حل العقدة ولا
~~غيره بكونه آية، ثم إن الباء للمصاحبة لا للتعدية إذ المراد ذهابهما إلى
~~فرعون ملتبسين بالآيات متمسكين بها في إجراء أحكام الرسالة وإكمال الدعوة
~~لا مجرد إذهابها وإيصالها إليه وهذا ظاهر في تحقق الآيات إذ ذاك وأكثر
~~التسع لم يتحقق بعد.

# { ولا تنيا } من الوني بمعنى الفتور وهو فعل لازم وإذا عدي عدي بفي
~~وبعن، وزعم بعض البغداديين أنه ms06514 فعل ناقص من أخوات مازال وبمعناها واختاره
~~ابن مالك، وفي «الصحاح» فلان لا يني يفعل كذا أي لا يزال يفعل كذا وكأن
~~هذا المعنى مأخوذ من نفي الفتور، وقرأ ابن وثاب { ولا تنيا } بكسر
~~التاء اتباعا لحركة النون. وفي مصحف عبد الله { لا تهنا } وحاصله أيضا
~~لا تفترا { فى ذكرى } بما يليق بي من الصفات الجليلة والأفعال
~~الجميلة عند تبليغ رسالتي والدعاء إلى عبادتي، وقيل: المعنى لا تنيا في
~~تبليغ رسالتي فإن الذكر يقع مجازا على جميع العبادات وهو من أجلها
~~وأعظمها. وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: لا تنسياني
~~حيثما تقلبتما واستمدا به العون والتأييد واعلما أن أمرا من الأمور لا
~~يتأتى ولا يتسنى إلا بذكري. وجمع هارون مع موسى عليه السلام في صيغة نهي
~~الحاضر بناء على القول بغيبته إذ ذاك للتغليب ولا بعد في ذلك كما لا
~~يخفى، وكذا جمعه في صيغة أمر الحاضر بناء على ذلك أيضا في قوله تعالى:
~~{ اذهبا إلى فرعون... }.

### || [20.43]

# وروي أنه أوحي إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى عليهما السلام، وقيل:
~~ألهم ذلك، وقيل: سمع بإقباله فتلقاه، ويحتمل أنه ذهب إلى الطور واجتمعا
~~هناك فخوطبا معا، ويحتمل أن هذا الأمر بعد إقبال موسى عليه السلام من
~~الطور إلى مصر واجتماعه بهارون عليه السلام مقبلا إليه من مصر، وفرق
~~بعضهم بين هذا وقوله تعالى:

# اذهب أنت وأخوك

# [طه: 42] بأنه لم يبين هناك من يذهب إليه وبين هنا، وبعض آخر بأنه أمرا
~~هنا بالذهاب إلى فرعون وكان الأمر هناك بالذهاب إلى عموم أهل الدعوة،
~~وبعض آخر بأنه لم يخاطب هارون هناك وخوطب هنا، وبعض آخر بأن الأمر هناك
~~بذهاب كل منهما على الانفراد نصا أو احتمالا والأمر هنا بالذهاب على
~~الاجتماع نصا، ولا يخفى ما في بعض هذه الفروق من النظر، والفرق ظاهر بين
~~هذا الأمر والأمر في قوله تعالى أولا خطابا لموسى عليه السلام

# اذهب إلى فرعون إنه طغى

# [طه: 24].

### || [20.44]

# { فقولا له قولا لينا } قرأ أبو ms06515 معاذ { لينا }
~~بالتخفيف، والفاء لترتيب ما بعدها على طغيانه فإن تليين القول مما يكسر
~~سورة عناد العتاة ويلين قسوة / الطغاة، ويعلم من ذلك أن الأمر بإلانة
~~القول ليس لحق التربية كما قيل، والمعنى كما قال ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما: لا تعنفاه في قولكما وارفقا به في الدعاء ويتحقق ذلك بعبارات شتى
~~منها ما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبا وهو

# إنا رسولا ربك

# [طه: 47] الخ ومنها ما في النازعات [18-19] وهو

# هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك
~~فتخشى

# وهذا ظاهر غاية الظهور في الرفق في الدعاء فإنه في صورة العرض والمشورة،
~~وقيل: كنياه، واستدل به على جواز تكنية الكافر، وروي ذلك عن علي كرم الله
~~تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضا وسفيان الثوري، وله كنى
~~أربع أبو الوليد وأبو مصعب وأبو العباس وأبو مرة، وقيل: عداه شبابا لا
~~يهرم بعده وملكا لا ينزع منه إلا بالموت وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب
~~والمنكح إلى حين موته، وعن الحسن: قولا له إن لك ربا وإن لك معادا وإن
~~بين يديك جنة ونارا فآمن بالله تعالى يدخلك الجنة ويقك عذاب النار،
~~وقيل: أمرهما سبحانه بأنه يقدما له الوعد على الوعيد من غير تعيين قول
~~كما قيل:

# أقدم بالوعد قبل الوعيد

# لينهى القبائل جهالها

# وروي عن عكرمة أن القول اللين لا إله إلا الله ولينه خفته على اللسان،
~~وهذا أبعد الأقوال وأقربها الأول، وكان الفضل بن عيسى الرقاشي إذا تلا
~~هذه الآية قال: يا من يتحبب إلى من يعاديه فكيف بمن يتولاه ويناديه؛
~~وقرأت عند يحيى بن معاذ فبكى وقال: إلهي هذا رفقك بمن يقول أنا الإله
~~فكيف رفقك بمن يقول أنت الله؟ وفيها دليل على استحباب إلانة القول للظالم
~~عند وعظه.

# { لعله يتذكر } ويتأمل فيبذل النصفة من نفسه والإذعان للحق
~~فيدعوه ذلك إلى الإيمان { أو يخشى } أن يكون الأمر كما تصفان فيجره
~~إنكاره إلى الهلكة وذلك يدعوه إلى الإيمان أيضا إلا أن الأول للراسخين
~~ولذا ms06516 قدم، وقيل: يتذكر حاله حين احتبس النيل فسار إلى شاطئه وأبعد وخر
~~لله تعالى ساجدا راغبا أن لا يخجله ثم ركب فأخذ النيل يتبع حافر فرسه
~~فيستدل بذلك على عظيم حلم الله تعالى وكرمه أو يخشى ويحذر من بطش الله
~~تعالى وعذابه سبحانه، والمعول على ما تقدم. ولعل للترجي وهو راجع
~~للمخاطبين، والجملة في محل النصب حال من ضميرهما في { قولا } أي فقولا
~~له قولا لينا راجيين أن يتذكر أو يخشى، وكلمة أو لمنع الخلو.

# وحاصل الكلام باشرا الأمر مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله ولا يخيب
~~سعيه فهو يجتهد بطوعه ويحتشد بأقصى وسعه، وقيل: حال من ضميرهما في

# اذهبا

# [طه: 43] والأول أولى، وقيل: لعل هنا للاستفهام أي هل يتذكر أو يخشى.
~~وأخرج ذلك ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما،
~~قيل: وهو القول اللين، وأخرج ذلك مخرج قولك: قل لزيد هل يقوم. وقال
~~الفراء: هي هنا بمعنى كي التعليلية وهي أحد معانيها كما ذهب إليه جماعة
~~منهم الأخفش والكسائي بل حكى البغوي عن الواقدي أن جميع ما في القرآن من
~~لعل فإنها للتعليل إلا قوله تعالى: { لعلكم تخلدون } فإنها
~~للتشبيه كما في «صحيح البخاري». وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن
~~أبي مالك قال: لعل في القرآن بمعنى كي غير آية في الشعراء

# لعلكم تخلدون

# [الشعراء: 129] فإن المعنى كأنكم تخلدون، وأخرج عن قتادة أنه قال: قرىء
~~كذلك، ولا يخفى أن كونها للتشبيه غريب لم يذكره النحاة، وحملها على
~~الاستفهام هنا بعيد، ولعل التعليل أسبق إلى كثير من الأذهان من الترجي
~~لكن الصحيح كما في «البحر» أنها للترجي وهو المشهور من معانيها، وقيل: إن
~~/ الترجي مجاز عن مطلق الطلب وهو راجع إليه عز وجل، والذي لا يصح منه
~~سبحانه هو الترجي حقيقة، والمحققون على الأول، والفائدة في إرسالهما
~~عليهما السلام إليه مع العلم بأنه لا يؤمن إلزام الحجة وقطع المعذرة.
~~وزعم الإمام أنه لا يعلم سر الإرسال إليه مع علمه تعالى بامتناع حصول ms06517
~~الإيمان منه إلا الله عز وجل ولا سبيل في أمثال هذا المقام لغير التسليم
~~وترك الاعتراض.

# واستدل بعض المتبعين لمن قال بنجاة فرعون بهذه الآية فقال: إن لعل كذا
~~من الله تعالى واجب الوقوع فتدل الآية على أن أحد الأمرين التذكر والخشية
~~واقع وهو مدار النجاة، وقد تقدم لك ما يعلم منه فساد هذا الاستدلال، ولا
~~حاجة بنا إلى ما قيل من أنه تذكر وخشي لكن حيث لم ينفعه ذلك وهو حين
~~الغرق بل لا يصح حمل التذكر والخشية هنا على ما يشمل التذكر والخشية
~~اللذين زعم القائل حصولهما لفرعون فتذكر.

### || [20.45]

# { قالا } استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قالا حين أمرا بما أمرا؟
~~فقيل: { قالا } الخ، وأسند القول إليهما مع أن القائل هو موسى عليه
~~السلام على القول بغيبة هارون عليه السلام للتغليب كما مر. ويجوز أن يكون
~~هارون عليه السلام قد قال ذلك بعد اجتماعه مع موسى عليه السلام فحكى قوله
~~مع قول موسى عند نزول الآية كما في قوله تعالى:

# يا أيها الرسل كلوا من الطيبت

# [المؤمنون: 51] فإن هذا الخطاب قد حكي لنا بصيغة الجمع مع أن كلا من
~~المخاطبين لم يخاطب إلا بطريق الانفراد، وجوز كونهما مجتمعين عند الطور
~~وقالا جميعا { ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا } أي
~~أن يعجل علينا بالعقوبة ولا يصبر إلى إتمام الدعوة وإظهار المعجزة من فرط
~~إذا تقدم، ومنه الفارط المتقدم للمورد والمنزل، وفرس فارط يسبق الخيل،
~~وفاعل { يفرط } على هذا فرعون، وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون
~~التقدير أن يفرط علينا منه قول فأضمر القول كما تقول فرط مني قول وهو
~~خلاف الظاهر.

# وقرأ يحيى وأبو نوفل وابن محيصن في رواية { يفرط } بضم الياء وفتح
~~الراء من أفرطته إذا حملته على العجلة أي نخاف أن يحمله حامل من
~~الاستكبار أو الخوف على الملك أو غيرهما على المعاجلة بالعقاب. وقرأت
~~فرقة والزعفراني عن ابن محيصن { يفرط } بضم الياء وكسر الراء من الإفراط
~~في الأذية. واستشكل هذا القول مع قوله تعالى:

# سنشد عضدك ms06518 بأخيك ونجعل لكما سلطنا فلا
~~يصلون إليكما

# [القصص: 35] فإنه مذكور قبل قولهما هذا بدلالة { سنشد } وقد دل على
~~أنهما محفوظان من عقوبته وأذاه فكيف يخافان من ذلك. وأجيب: بأنه لا يتعين
~~أن يكون المعنى لا يصلون بالعقوبة لجواز أن يراد لا يصلون إلى إلزامكما
~~بالحجة مع أن التقدم غير معلوم ولو قدم في الحكاية لا سيما والواو لا تدل
~~على ترتيب، والتفسير المذكور مأثور عن كثير من السلف منهم ابن عباس
~~ومجاهد وهو الذي يقتضيه الظاهر، وزعم الإمام أنهما قد أمنا وقوع ما
~~يقطعهما عن الأداء بالدليل العقلي إلا أنهما طلبا بما ذكر ما يزيد في
~~ثبات قلوبهما بأن ينضاف الدليل النقلي إلى الدليل العقلي وذلك نظير ما
~~وقع لإبراهيم عليه السلام من قوله:

# رب أرنى كيف تحى الموتى

# [البقرة: 260] ولا يخفى أن في دعوى علمهما بالدليل العقلي عدم وقوع ما
~~يقطعهما عن الأداء بحثا.

# واستشكل أيضا حصول الخوف لموسى عليه السلام بأنه يمنع عن حصول شرح
~~الصدر له الدال على تحققه قوله تعالى بعد سؤاله إياه

# قد أوتيت سؤلك يموسى

# [طه: 36]. وأجاب الإمام بأن شرح الصدر عبارة عن قوته على ضبط تلك
~~الأوامر والنواهي وحفظ تلك الشرائع على وجه لا يتطرق / إليها السهو
~~والتحريف وذلك شيء آخر غير زوال الخوف.

# وأنت تعلم أن كثيرا من المفسرين ذهبوا إلى أن شرح الصدر هنا عبارة عن
~~توسيعه وهو عبارة عن عدم الضجر والقلق القلبي مما يرد من المشاق في طريق
~~التبليغ وتلقي ذلك بجميل الصبر وحسن الثبات. وأجيب على هذا بأنه لا
~~منافاة بين الخوف من شيء والصبر عليه وعدم الضجر منه إذا وقع، ألا ترى
~~كثيرا من الكاملين يخافون من البلاء ويسألون الله تعالى الحفظ منه وإذا
~~نزل بهم استقبلوه بصدر واسع وصبروا عليه ولم يضجروا منه. وقيل: إنهما
~~عليهما السلام لم يخافا من العقوبة إلا لقطعها الأداء المرجو به الهداية
~~فخوفهما في الحقيقة ليس إلا من القطع وعدم إتمام التبليغ ولم يسأل موسى
~~عليه السلام شرح الصدر لتحمل ذلك. ms06519

# واستشكل بأن موسى عليه السلام كان قد سأل وأوتي تيسير أمره بتوفيق
~~الأسباب ورفع الموانع فكيف يخاف قطع الأداء بالعقوبة. وأجيب بأن هذا
~~تنصيص على طلب رفع المانع الخاص بعد طلب رفع المانع العام وطلب للتنصيص
~~على رفعه لمزيد الاهتمام بذلك. وقيل: إن في الآية تغليبا منه لأخيه
~~هارون على نفسه عليهما السلام ولم يتقدم ما يدل على أمنه عليه فتأمل،
~~واستشكل أيضا عدم الذهاب والتعلل بالخوف مع تكرر الأمر بأنه يدل على
~~المعصية وهي غير جائزة على الأنبياء عليهم السلام على الصحيح. وأجاب
~~الإمام بأن الدلالة مسلمة لو دل الأمر على الفور وليس فليس، ثم قال: وهذا
~~من أقوى الدلائل على أن الأمر لا يقتضي الفور إذا ضممت إليه ما يدل على
~~أن المعصية غير جائزة على الأنبياء عليهم السلام.

# و { أو } في قوله تعالى: { أو أن يطغى } لمنع الخلو، والمراد
~~أو أن يزداد طغيانا إلى أن يقول في شأنك ما لا ينبغي لكمال جراءته
~~وقساوته وإطلاقه من حسن الأدب، وفيه استنزال لرحمته تعالى، وإظهار كلمة
~~أن مع سداد المعنى بدونه لإظهار كمال الاعتناء بالأمر والإشعار بتحقق
~~الخوف من كل من المتعاطفين.

### || [20.46]

# { قال } استئناف كما مر، ولعل إسناد الفعل إلى ضمير الغيبة كما قيل
~~للإشعار بانتقال الكلام من مساق إلى مساق آخر فإن ما قبله من الأفعال
~~الواردة على صيغة التكلم حكاية لموسى عليه السلام بخلاف ما سيأتي إن شاء
~~الله تعالى:

# قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى

# [طه: 68] فإن ما قبله أيضا وارد بطريق الحكاية لرسول الله صلى الله
~~عليه وسلم كأنه قيل: فماذا قال لهما ربهما عند تضرعهما إليه سبحانه؟
~~فقيل: قال أي لهما { لا تخافا } مما ذكرتما.

# وقوله تعالى: { إننى معكما } تعليل لموجب النهي ومزيد تسلية
~~لهما، والمراد بمعيته سبحانه كمال الحفظ والنصرة كما يقال: الله تعالى
~~معك على سبيل الدعاء وأكد ذلك بقوله تعالى: { أسمع وأرى } وهو
~~بتقدير المفعول أي ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل فافعل في كل حال ما
~~يليق بها ms06520 من دفع شر وجلب خير. وقال القفال: يحتمل أن يكون هذا في مقابلة
~~القول السابق ويكونان قد عنيا أننا نخاف أن يفرط علينا بأن لا يسمع منا
~~أو أن يطغى بأن يقتلنا فأجابهم سبحانه بقوله: { إننى معكما
~~أسمع } أي كلامكما فأسخره للاستماع { وأرى } أفعاله فلا أتركه
~~يفعل بكما ما تكرهانه فقدر المفعول أيضا لكنه كما ترى، وقال الزمخشري:
~~جائز أن لا يقدر شيء، وكأنه قيل: أنا حافظ لكما وناصر سامع مبصر وإذا كان
~~الحافظ والناصر كذلك تم الحفظ، وهو يدل على أنه لا نظر إلى المفعول وقد
~~نزل الفعل المتعدي منزلة اللازم لأنه أريد تتميم ما يستقل به الحفظ /
~~والنصرة وليس من باب قول المتنبي:

# شجو حساده وغيظ عداه

# أن يرى مبصر ويسمع واع

# على ما زعم الطيبي، واستدل بالآية على أن السمع والبصر صفتان زائدتان
~~على العلم بناء على أن قوله تعالى: { إننى معكما } دال على
~~العلم ولو دل { أسمع وأرى } عليه أيضا لزم التكرار وهو خلاف
~~الأصل.

### || [20.47]

# { فأتياه } أمر بإتيانه الذي هو عبارة عن الوصول إليه بعدما أمرا
~~بالذهاب إليه فلا تكرار وهو عطف على

# لا تخافا

# [طه: 46] باعتبار تعليله بما بعده { فقولا إنا رسولا ربك }
~~أمرا بذلك تحقيقا للحق من أول الأمر ليعرف الطاغية شأنهما ويبني جوابه
~~عليه، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره من اللطف ما لا
~~يخفى وإن رأى اللعين أن في ذلك تحقيرا له حيث إنه يدعى الربوبية لنفسه
~~ولا يعد ذلك من الإغلاظ في القول، وكذا قوله تعالى: { فأرسل معنا
~~بنى إسرءيل } إلى آخره خلافا للإمام، والفاء في { فأرسل }
~~لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن كونهما عليهما السلام رسولي ربه تعالى
~~مما يوجب إرسالهم معهما والمراد بالإرسال إطلاقهم من الأسر وإخراجهم من
~~تحت يده العادية لا تكليفهم أن يذهبوا معهما إلى الشام كما ينبىء عنه
~~قوله سبحانه: { ولا تعذبهم } أي بإبقائهم على ما كانوا عليه من
~~العذاب فإنهم كانوا تحت ملكة القبط يستخدمونهم في الأعمال الشاقة كالحفر
~~والبناء ونقل ms06521 الأحجار وكانوا يقتلون أبناءهم عاما دون عام ويستخدمون
~~نساءهم ولعلهما إنما بدآ بطلب إرسال بني إسرائيل دون دعوة الطاغية وقومه
~~إلى الإيمان للتدريج في الدعوة فإن إطلاق الأسرى دون تبديل الاعتقاد،
~~وقيل: لأن تخليص المؤمنين من الكفرة أهم من دعوتهم إلى الإيمان، وهذا بعد
~~تسليمه مبني على أن بني إسرائيل كانوا مؤمنين بموسى عليه السلام في
~~الباطن أو كانوا مؤمنين بغيره من الأنبياء عليهم السلام ولا بد لذلك من
~~دليل، وقيل: إنما بدآ بطلب إرسالهم لما فيه من إزالة المانع عن دعوتهم
~~واتباعهم وهي أهم من دعوة القبط. وتعقب بأن السياق هنا لدعوة فرعون ودفع
~~طغيانه فهي الأهم دون دعوة بني إسرائيل، وقيل: إنه أول ما طلبا منه
~~الإيمان كما ينبىء عن ذلك آية النازعات إلا أنه لم يصرح به هنا اكتفاء
~~بما هناك كما أنه لم يصرح هناك بهذا الطلب اكتفاء بما هنا.

# وقوله تعالى: { قد جئنك بئاية من ربك } استئناف بياني
~~وفيه تقرير لما تضمنه الكلام السابق من دعوى الرسالة وتعليل لوجوب
~~الإرسال فإن مجيئهما بآية من جهته تعالى مما يحقق رسالتهما ويقررها ويوجب
~~الامتثال بأمرهما، وإظهار اسم الرب في موضع الإضمار مع الإضافة إلى ضمير
~~المخاطب لتأكيد ما ذكر من التقرير والتعليل، وجىء بقد للتحقيق والتأكيد
~~أيضا، وتكلف لإفادتها التوقع وتوحيد الآية مع تعددها لأن المراد إثبات
~~الدعوى ببرهانها لا بيان تعدد الحجة فكأنه قيل: قد جئناك بما يثبت
~~مدعانا، وقيل: المراد بالآية اليد، وقيل: العصا والقولان كما ترى.

# { والسلم على من اتبع الهدى } أي السلامة من العذاب
~~في الدارين لمن اتبع ذلك بتصديق آيات الله تعالى الهادية إلى الحق،
~~فالسلام مصدر بمعنى السلامة كالرضاع والرضاعة، وعلى بمعنى اللام كما ورد
~~عكسه في قوله تعالى:

# لهم اللعنة

# [الرعد: 25] وحروف الجر كثيرا ما تتقارض، وقد حسن ذلك هنا المشاكلة حيث
~~جىء بعلى في قوله تعالى:

### || [20.48]

# { إنا قد أوحى إلينا } من جهة ربنا { أن العذاب }
~~الدنيوي والأخروي { على من كذب } بآياته / عز وجل { وتولى
~~} أي أعرض عن قبولها، ms06522 وقال الزمخشري: أي وسلام الملائكة الذين هم خزنة
~~الجنة على المهتدين وتوبيخ خزنة النار والعذاب على المكذبين. وتحقيقه على
~~ما قيل أنه جعل السلام تحية خزنة الجنة للمهتدين المتضمنة لوعدهم بالجنة.
~~وفيه تعريض لغيرهم بتوبيخ خزنة النار المتضمن لوعيدهم بعذابها لأن المقام
~~للترغيب فيما هو حسن العاقبة وهو تصديق الرسل عليهم السلام والتنفير عن
~~خلافه فلو جعل السلام بمعنى السلامة لم يفد أن ذلك في العاقبة. فما قيل:
~~إنه لا إشعار في اللفظ بهذا التخصيص غير مسلم، والقول بأنه ليس بتحية حيث
~~لم يكن في ابتداء اللقاء يرده أنه لم يجعل تحية الأخوين عليهما السلام بل
~~تحية الملائكة عليهم السلام، وأنت تعلم أن هذا التفسير خلاف الظاهر جدا
~~وإنكار ذلك مكابرة. وفي «البحر» هو تفسير غريب وأنه إذا أريد من العذاب
~~العذاب في الدارين، ومن السلام السلامة من ذلك العذاب حصل الترغيب في
~~التصديق والتنفير عن خلافه على أتم وجه، وقال أبو حيان: الظاهر أن قوله
~~تعالى:

# والسلم

# [طه: 47] الخ فصل للكلام والسلام فيه بمعنى التحية، وجاء ذلك على ما هو
~~العادة من التسليم عند الفراغ من القول إلا أنهما عليهما السلام رغبا
~~بذلك عن فرعون وخصا به متبعي الهدى ترغيبا له بالانتظام في سلكهم.

# واستدل به على منع السلام على الكفار وإذا احتيج إليه في خطاب أو كتاب
~~جىء بهذه الصيغة. وفي «الصحيحين»

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل من محمد رسول الله إلى
~~هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى "

# ، وأخرج عبد الرزاق في «المصنف» والبيهقي في «الشعب» عن قتادة قال:
~~التسليم على أهل الكتاب إذا دخلت عليهم بيوتهم أن تقول: السلام على من
~~اتبع الهدى، ولا يخفى أن الاستظهار المذكور غير بعيد لو كان كلامهما
~~عليهما السلام قد انقطع بهذا السلام لكنه لم ينقطع به بل قالا بعده {
~~إنا قد أوحى إلينا } الخ، وكأن هذه الجملة على جميع التفاسير
~~استئناف للتعليل، وقد يستدل به على صحة القول بالمفهوم فتأمل، والظاهر أن
~~كلتا ms06523 الجملتين من جملة المقول الملقن. وزعم بعضهم أن المقول الملقن قد تم
~~عند قوله تعالى:

# قد جئنك بئاية من ربك

# [طه: 47] وما بعد كلام من قبلهما عليهما السلام أتيا به للوعد والوعيد.

# واستدل المرجئة بقوله سبحانه: { إنا قد أوحى } الخ على أن غير
~~الكفرة لا يعذبون أصلا. وأجيب بأنه إنما يتم إذا كان تعريف العذاب للجنس
~~أو الاستغراق، أما إذا كان للعهد أي العذاب الناشىء عن شدة الغضب أو
~~الدائم مثلا فلا، وكذا إذا أريد الجنس أو الاستغراق الادعائي مبالغة
~~وجعل العذاب المتناهي الذي يعقبه السلامة الغير المتناهية كلا عذاب لم
~~يلزم أن لا يعذب المؤمن المقصر في العمل أصلا.

### || [20.49]

# { قال } أي فرعون بعد ما أتياه وبلغاه ما أمرا به، وإنما طوى ذكر ذلك
~~للإيجاز والإشعار بأنهما كما أمرا بذلك سارعا إلى الامتثال به من غير ريث
~~وبأن ذلك من الظهور بحيث لا حاجة إلى التصريح به، وجاء عن ابن عباس أنهما
~~لما أمرا بإتيانه وقول ما ذكر له جاءا جميعا إلى بابه فأقاما حينا لا
~~يؤذن لهما ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فدخلا وكان ما قص الله تعالى. وأخرج
~~أحمد وغيره عن وهب بن منبه أن الله تعالى لما أمر موسى عليه السلام بما
~~أمر أقبل إلى فرعون في مدينة قد جعل حولها الأسد في غيضة قد غرسها والأسد
~~فيها مع ساستها إذا أشلتها على أحد أكل وللمدينة أربعة أبواب في الغيضة
~~فأقبل موسى عليه السلام من الطريق الأعظم الذي يراه فرعون فلما رأته
~~الأسد / صاحت صياح الثعالب فأنكر ذلك الساسة وفرقوا من فرعون فأقبل حتى
~~انتهى إلى الباب فقرعه بعصاه وعليه جبة صوف وسراويل فلما رآه البواب عجب
~~من جرأته فتركه ولم يأذن له فقال: هل تدري باب من أنت تضرب إنما أنت تضرب
~~باب سيدك؟ قال: أنت وأنا وفرعون عبيد لربي فأنا ناصره فأخبر البواب الذي
~~يليه من البوابين حتى بلغ ذلك أدناهم ودونه سبعون حاجبا كل حاجب منهم
~~تحت يده من الجنود ما شاء ms06524 الله تعالى حتى خلص الخبر إلى فرعون فقال:
~~أدخلوه علي فلما أتاه قال له فرعون: أعرفك؟ قال: نعم قال: ألم نربك فينا
~~وليدا فرد إليه موسى عليه السلام الذي رد قال فرعون: خذوه فبادر عليه
~~السلام فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين فحملت على الناس فانهزموا منها
~~فمات منهم خمسة وعشرون ألفا قتل بعضهم بعضا وقام فرعون منهزما حتى دخل
~~البيت فقال: يا موسى اجعل بيننا وبينك أجلا ننظر فيه قال موسى: لم أومر
~~بذلك إنما أمرت بمناجزتك وإن أنت لم تخرج إلي دخلت عليك فأوحى الله تعالى
~~إليه أن اجعل بينك وبينه أجلا وقل له أنت اجعل ذلك فقال فرعون: أجعله
~~إلى أربعين يوما ففعل وكان لا يأتي الخلاء إلا في كل أربعين يوما مرة
~~فاختلف ذلك اليوم أربعين مرة وخرج موسى عليه السلام من المدينة فلما مر
~~بالأسد خضعت له بأذنابها وسارت معه تشيعه ولا تهيجه ولا أحدا من بني
~~إسرائيل، والظاهر أن هارون كان معه حين الإتيان، ولعله إنما لم يذكر في
~~هذا الخبر اكتفاء بموسى عليه السلام، وقيل: إنهما حين عرضا عليهما
~~السلام على فرعون ما عرضا شاور آسية فقالت: ما ينبغي لأحد أن يرد ما دعيا
~~إليه فشاور هامان وكان لا يبت أمرا دون رأيه فقال له: كنت أعتقد أنك ذو
~~عقل تكون مالكا فتصير مملوكا وربا فتصير مربوبا فامتنع من قبول ما
~~عرض عليه موسى عليه السلام، وظاهر هذا أن المشاورة قبل المقاولة، ويحتمل
~~أنها بعدها والأولى في أمثال هذه القصص الاكتفاء بما في المنزل وعدم
~~الالتفات إلى غيره إلا أن يوثق بصحته أو لا يكون في المنزل ما يعكر عليه
~~كالخبر السابق فإن كون فرعون جعل الأجل يعكر عليه ما سيأتي إن شاء الله
~~تعالى من قول موسى عليه السلام حين طلب منه فرعون أن يجعل موعدا

# موعدكم يوم الزينة

# [طه: 59]، والظاهر عدم تعدد الحادثة.

# والجملة استئناف بياني كأنه قيل فماذا قال حين أتياه وقالا له ما قالا؟
~~فقيل: قال { فمن ربكما يموسى ms06525 } لم يضف الرب إلى نفسه ولو
~~بطريق حكاية ما في قوله تعالى:

# إنا رسولا ربك

# [طه: 47] وقوله سبحانه:

# قد جئنك بئاية من ربك

# [طه: 47] لغاية عتوه ونهاية طغيانه بل أضافه إليهما لما أن المرسل لا بد
~~أن يكون ربا للرسول، وقيل: لأنهما قد صرحا بربوبيته تعالى للكل بأن
~~قالا:

# إنا رسول رب العالمين

# كما وقع في سورة الشعراء [16] والاقتصار ههنا على ذكر ربوبيته تعالى
~~لفرعون لكفايته فيما هو المقصود، والفاء لترتيب السؤال على ما سبق من
~~كونهما رسولي ربهما أي إذا كنتما رسولي ربكما الذي أرسلكما فأخبرا من
~~ربكما الذي أرسلكما، وتخصيص النداء بموسى عليه السلام مع توجيه الخطاب
~~إليهما لما ظهر له من أنه الأصل في الرسالة وهارون وزيره، ويحتمل أن يكون
~~للتعريض بأنه ربه كما قال:

# ألم نربك فينا وليدا

# [الشعراء: 18]، قيل: وهذا أوفق بتلبيسه على الأسلوب الأحمق، وقيل: لأنه
~~قد عرف أن له عليه السلام رتة فأراد أن يسكته. وهو مبني على ما عليه كثير
~~من المفسرين من بقاء رتة في لسانه عليه السلام في الجملة وقد تقدم الكلام
~~في ذلك.

### || [20.50]

# { قال } أي موسى عليه السلام واستبد بالجواب من حيث أنه خص بالسؤال {
~~ربنا } مبتدأ / وقوله تعالى: { الذى أعطى كل شىء خلقه
~~} خبره، وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف أي هو ربنا والموصول صفته، والظاهر أنه
~~عليه السلام أراد بضمير المتكلم نفسه وأخاه عليهما السلام. وقال بعض
~~المحققين: أراد جميع المخلوقات تحقيقا للحق وردا على اللعين كما يفصح
~~عنه ما في حيز الصلة و { كل شىء } مفعول أول لأعطى و { خلقه }
~~مفعوله الثاني وهو مصدر بمعنى اسم المفعول والضمير المجرور لشيء والعموم
~~المستفاد من { كل } يعتبر بعد إرجاعه إليه لئلا يرد الاعتراض المشهور
~~في مثل هذا التركيب، والظاهر أنه عموم الأفراد أي أعطى كل شيء من الأشياء
~~الأمر الذي طلبه بلسان استعداده من الصورة والشكل والمنفعة والمضرة وغير
~~ذلك أو الأمر اللائق بما نيط به من الخواص والمنافع المطابق له كما أعطى
~~العين الهيئة التي تطابق الابصار ms06526 والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع وكذلك
~~الأنف واليد والرجل واللسان كل واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة
~~غير ناب عنه، وقيل: الخلق باق على مصدريته بمعنى الإيجاد أي أعطى كل شيء
~~الإيجاد الذي استعد له أو اللائق به بمعنى أنه تعالى أوجد كل شيء حسب
~~استعداده أو على الوجه اللائق به وهو كما ترى.

# وحمل بعضهم العموم على عموم الأنواع دون عموم الأفراد، وقيل: إن ذلك
~~لئلا يلزم الخلف ويرد النقض بأن بعض الأفراد لم يكمل لعارض يعرض له،
~~والحق أن الله تعالى راعى الحكمة فيما خلق وأمر تفضلا ورحمة لا وجوبا
~~وهذا مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة كما نقل صاحب «المواقف» و «عيون
~~الجواهر» فكل شيء كامل في مرتبته حسن في حد ذاته فقد قال تعالى:

# العزيز الرحيم الذي أحسن كل شيء خلقه

# [السجدة: 6-7] وجعل العموم في هذا عموم الأنواع مما لا يكاد يقول به
~~أحد، وقال سبحانه:

# ما ترى فى خلق الرحمن من تفوت

# [الملك: 3] أي من حيث إضافته إلى الرحمن وخلقه إياه على طبق الحكمة
~~بمقتضى الجود والرحمة، والتفاوت بين الأشياء إنما هو إذا أضيف بعضها إلى
~~بعض فالعدول عما هو الظاهر من عموم الأفراد إلى عموم الأنواع لما ذكر
~~ناشيء من قلة التحقيق، وقيل: إن سبب العدول كون { أعطى } حقيقة في
~~الماضي فلوحمل كل شيء على عموم الأفراد يلزم أن يكون جميعها قد وجد وأعطى
~~مع أن منها بل أكثرها لم يوجد ولم يعط بعد بخلاف ما إذا حمل على عموم
~~الأنواع فإنه لا محذور فيه إذ الأنواع جميعها قد وجد ولا يتجدد بعد ذلك
~~نوع وإن كان ذلك ممكنا وفيه بحث ظاهر فليفهم.

# وروي عن ابن عباس وابن جبير والسدي أن المعنى أعطى كل حيوان ذكر نظيره
~~في الخلق والصورة أنثى وكأنهم جعلوا كلا للتكثير وإلا فالعموم مطلقا
~~باطل كما لا يخفى، وعندي أن هذا المعنى من فروع المعنى السابق الذي
~~ذكرناه، ولعل مراد من قاله التمثيل وإلا فهو بعيد جدا ms06527 ولا يكاد يقوله من
~~نسب إليه. وقيل: { خلقه } هو المفعول الأول والمصدر بمعنى اسم
~~المفعول أيضا، والضمير المجرور للموصول و { كل شىء } هو المفعول
~~الثاني والمعنى أعطى مخلوقاته سبحانه كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به،
~~وقدم المفعول الثاني للاهتمام به من حيث إن المقصود الامتنان به ونسب هذا
~~القول إلى الجبائي، والأول أظهر لفظا ومعنى.

# وقرأ عبد الله وأناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو نهيك
~~وابن أبي إسحق والأعمش والحسن ونصير عن الكسائي وابن نوح عن قتيبة
~~وسلام { خلقه } على صيغة الماضي المعلوم / على أن الجملة صفة للمضاف إليه
~~أو المضاف على شذوذ، وحذف المفعول الثاني اختصارا لدلالة قرينة الحال
~~عليه أي أعطى كل شيء خلقه تعالى ما يصلحه أو ما يحتاج إليه وجعل ذلك
~~الزمخشري من باب يعطي ويمنع أي كل شيء خلقه سبحانه لم يخله من عطائه
~~وإنعامه، ورجحه في «الكشف» بأنه أبلغ وأظهر، وقيل: الأول أحسن صناعة
~~وموافقة للمقام وهو عندي أوفق بالمعنى الأول للقراءة الأولى وفيما ذكره
~~في «الكشف» تردد.

# { ثم هدى } أي أرشد ودل سبحانه بذلك على وجوده وجوده فإن من نظر
~~في هذه المحدثات وما تضمنته من دقائق الحكمة علم أن لها صانعا واجب
~~الوجود عظيم العطاء والجود، ومحصل الآية ربنا الذي خلق كل شيء حسب
~~استعداده أو على الوجه اللائق به وجعله دليلا عليه جل جلاله، وهذا الجعل
~~وإن كان متأخرا بالذات عن الخلق وليس بينهما تراخ في الزمان أصلا لكنه
~~جيء بكلمة ثم للتراخي بحسب الرتبة كما لا يخفى وجهه على المتأمل، وفي
~~«إرشاد العقل السليم» { ثم هدى } إلى طريق الانتفاع والارتفاق بما
~~أعطاه وعرفه كيف يتوصل إلى بقائه وكماله إما اختيارا كما في الحيوانات
~~أو طبعا كما في الجمادات والقوى الطبيعية النباتية والحيوانية. ولما كان
~~الخلق هو تركيب الأجزاء وتسوية الأجسام متقدما على الهداية التي هي
~~عبارة عن إيداع القوى المحركة والمدركة في تلك الأجساد وسط بينهما كلمة
~~التراخي انتهى، ولا يخفى عليك أن الخلق لغة أعم ms06528 مما ذكره وأن القوى
~~المحركة والمدركة داخلة في عموم { كل شىء } سواء كان عموم الأفراد أو
~~عموم الأنواع وأنه لا بد من ارتكاب نوع من المجاز في { هدى } على
~~تفسيره، وقيل: على التفسير المروي عن ابن عباس ومن معه ثم هداه إلى
~~الاجتماع بإلفه والمناكحة، وقيل غير ذلك، ولله تعالى در هذا الجواب ما
~~أخصره وما أجمعه وما أبينه لمن ألقى الذهن ونظر بعين الانصاف وكان طالبا
~~للحق، ومن هنا قيل: كان من الظاهر أن يقول عليه السلام: ربنا رب العالمين
~~لكن سلك طريق الإرشاد والأسلوب الحكيم وأشار إلى حدوث الموجودات بأسرها
~~واحتياجها إليه سبحانه واختلاف مراتبها وأنه تعالى هو القادر الحكيم
~~الغني المنعم على الإطلاق.

# واستدل بالآية على أن فرعون كان عارفا بالله تعالى إلا أنه كان معاندا
~~لأن جملة الصلة لا بد أن تكون معلومة ومتى كانت هذه الجملة معلومة له كان
~~عارفا به سبحانه، وهذا مذهب البعض فيه عليه اللعنة، واستدلوا له أيضا
~~بقوله تعالى:

# لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات
~~والأرض

# [الإسراء: 102] وقوله تعالى:

# وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا

# [النمل: 14] وقوله تعالى في سورة القصص [39]:

# وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون

# فإنه ليس فيه إلا إنكار المعاد دون المبدأ وقوله تعالى في سورة الشعراء
~~[23]:

# وما رب العلمين

# إلى قوله سبحانه

# إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون

# [الشعراء: 27] فإنه عنى به أني أطلب منه شرح الماهية وهو يشرح الوجود
~~فدل على أنه معترف بأصل الوجود وبأن ملكه لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام
~~ألا ترى أن موسى عليه السلام لما هرب إلى مدين قال له شعيب:

# لا تخف نجوت من القوم الظلمين

# [القصص: 52] فكيف يعتقد أنه إله العالم وبأنه كان عاقلا ضرورة أنه كان
~~مكلفا وكل عاقل يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم، ومن كان كذلك افتقر
~~إلى مدبر فيكون قائلا بالمدبر وبأنه سأل ههنا بمن طالبا للكيفية، وفي
~~الشعراء بما طالبا للماهية. والظاهر أن السؤال بمن سابق فكأن موسى عليه
~~السلام لما أقام الدلالة ms06529 على الوجود ترك المنازعة معه / في هذا المقام
~~لعلمه بظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهيته تعالى غير حاصلة
~~للبشر. ولا يخفى ما في هذه الأدلة من القيل والقال.

# ومن الناس من قال: إنه كان جاهلا بالله تعالى بعد اتفاقهم على أن
~~العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما
~~واختلفوا في كيفية جهله فيحتمل أنه كان دهريا نافيا للصانع أصلا ولعله
~~كان يقول بعدم احتياج الممكن في وجوده إلى مؤثر وأن وجود العالم اتفاقي
~~كما نقل عن ديمقراطيس وأتباعه، ويحتمل أنه كان فلسفيا قائلا بالعلة
~~الموجبة، ويحتمل أنه كان من عبدة الكواكب، ويحتمل أنه كان من عبدة
~~الأصنام، ويحتمل أنه كان من الحلولية المجسمة وأما ادعاؤه الربوبية لنفسه
~~فبمعنى أنه يجب على من تحت يده طاعته والانقياد له وعدم الاشتغال بطاعة
~~غيره، واستدل بشروعه في المناظرة وطلب الحجة دون السفاهة والشغب مع كونه
~~جبارا شديد البطش على الشغب والسفاهة مع من يدعو إلى الحق في غاية القبح
~~فلا ينبغي لمن يدعي الإسلام والعلم أن يرتضي لنفسه ما لم يرتضه فرعون
~~لنفسه. وباشتغال موسى عليه السلام بإقامة الدليل على المطلوب على فساد
~~التقليد في أمثال هذا المطلب وفساد قول القائل: إن معرفة الله تعالى
~~تستفاد من قول الرسول، وبحكاية كلام فرعون وجواب موسى عليه السلام على
~~أنه يجوز حكاية كلام المبطل مقرونا بالجواب لئلا يبقى الشك، وعلى أن
~~المحق يجب عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها.

### || [20.51]

# لما شاهد اللعين ما نظمه عليه السلام في سلك الجواب من البرهان النير
~~على الطراز الرائع خاف أن يظهر للناس حقية مقالاته عليه السلام وبطلان
~~خرافات نفسه ظهورا بينا أراد أن يصرفه عليه السلام عن سننه إلى ما لا
~~يعنيه من الأمور التي لا تعلق لها في نفس الأمر بالرسالة من الحكايات
~~موهما أن لها تعلقا بذلك ويشغله عما هو بصدده عسى يظهر فيه نوع غفلة
~~فيتسلق بذلك إلى أن يدعي بين يدي قومه نوع ms06530 معرفة فقال { فما بال }
~~الخ. وأصل البال الفكر يقال: خطر ببالي كذا ثم أطلق على الحال التي يعتنى
~~بها وهو المراد، ولا يثنى ولا يجمع إلا شذوذا في قولهم بالات. وكأن
~~الفاء لتفريع ما بعدها على دعوى الرسالة أي إذا كنت رسولا فأخبرني ما
~~حال القرون الماضية والأمم الخالية، وماذا جرى عليهم من الحوادث
~~المفصلة؟.

### || [20.52]

# { قال } موسى عليه السلام { علمها عند ربى } أي إن ذلك من
~~الغيوب التي لا يعلمها إلا الله تعالى وإنما أنا عبد لا أعلم منها إلا ما
~~علمنيه من الأمور المتعلقة بالرسالة والعلم بأحوال القرون وما جرى عليهم
~~على التفصيل مما لا ملابسة فيه بمنصب الرسالة كما زعمت. وقيل: إنما سأله
~~عن ذلك ليختبر أنه نبي أو هو من جملة القصاص الذين دارسوا قصص الأمم
~~السالفة، وقال النقاش: إن اللعين لما سمع وعظ مؤمن آل فرعون

# يقوم إنى أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب

# [غافر: 30] الآية سأل عن ذلك فرد عليه السلام علمه إلى الله تعالى لأنه
~~لم يكن نزلت عليه التوراة فإنه كان نزولها بعد هلاك فرعون.

# وقال بعضهم: إن السؤال مبني على قوله عليه السلام

# والسلم على من اتبع الهدى

# [طه: 47] الخ أي فما حال القرون السالفة بعد موتهم من السعادة والشقاوة
~~والمراد بيان ذلك تفصيلا كأنه قيل: إذا كان الأمر كما ذكرت ففصل لنا حال
~~من مضى من السعادة والشقاوة ولذا رد عليه السلام العلم إلى الله عز وجل
~~فاندفع ما قيل: إنه لو كان المسؤول عنه ما ذكر من السعادة والشقاوة لأجيب
~~ببيان أن من اتبع الهدى منهم فقد سلم ومن / تولى فقد عذب حسبما نطق به
~~قوله تعالى:

# والسلم

# [طه: 47] الخ، وقيل: إنه متعلق بقوله سبحانه:

# إنا قد أوحى إلينا

# [طه: 48] الخ أي إذا كان الأمر كذلك فما بال القرون الأولى كذبوا ثم ما
~~عذبوا، وقيل: هو متعلق به والسؤال عن البعث والضمير في { علمها }
~~للقيامة وكلا القولين كما ترى؛ وعود الضمير على القيامة أدهى من أمر
~~التعلق وأمر. وقيل: إنه ms06531 متعلق بجواب موسى عليه السلام اعتراضا على ما
~~تضمنه من علمه تعالى بتفاصيل الأشياء وجزئياتها المستتبع إحاطة قدرته جل
~~وعلا بالأشياء كلها كأنه قيل؛ إذا كان علم الله تعالى كما أشرت فما تقول
~~في القرون الخالية مع كثرتهم وتمادي مدتهم وتباعد أطرافهم كيف إحاطة علمه
~~تعالى بهم وبأجزائهم وأحوالهم فأجاب بأن علمه تعالى محيط بذلك كله إلى
~~آخر ما قص الله تعالى، وتخصيص القرون الأولى على هذا بالذكر مع أولوية
~~التعميم قيل لعلم فرعون ببعضها وبذلك يتمكن من معرفة صدق موسى عليه
~~السلام إن بين أحوالها، وقيل: إنه لإلزام موسى عليه السلام وتبكيته عند
~~قومه في أسرع وقت لزعمه أنه لو عمم ربما اشتغل موسى عليه السلام بتفصيل
~~علمه تعالى بالموجودات المحسوسة الظاهرة فتطول المدة ولا يتمشى ما أراده،
~~وأيا ما كان يسقط ما قيل: إنه يأبى هذا الوجه تخصيص القرون الأولى من
~~بين الكائنات فإنه لو أخذها بجملتها كان أظهر وأقوى في تمشي ما أراد، نعم
~~بعد هذا الوجه مما لا ينبغي أن ينكر، وقيل: إنه اعتراض عليه بوجه آخر
~~كأنه قيل: إذا كان ما ذكرت من دليل إثبات المبدأ في هذه الغاية من الظهور
~~فما بال القرون الأولى نسوه سبحانه ولم يؤمنوا به تعالى فلو كانت الدلالة
~~واضحة وجب عليهم أن لا يكونوا غافلين عنها ومآله على ما قال الإمام
~~معارضة الحجة بالتقليد، وقريب منه ما يقال إنه متعلق بقوله:

# ثم هدى

# [طه: 50] على التفسير الأول كأنه قيل: إذا كان الأمر كذلك فما بال
~~القرون الأولى لم يستدلوا بذلك فلم يؤمنوا.

# وحاصل الجواب على القولين أن ذلك من سر القدر وعلمه عند ربي جل شأنه {
~~فى كتب } الظاهر أنه خبر ثان لعلمها والخبر الأول { عند ربى }.
~~وجوز أن يكونا خبرا واحدا مثل هذا حلو حامض وأن يكون الخبر { عند
~~ربى } و { فى كتب } في موضع الحال من الضمير المستتر في الظرف أو
~~هو معمول له، وأن يكون الخبر { فى كتب } و { عند ربى } في موضع
~~الحال من الضمير ms06532 المستتر فيه والعامل والظرف وهو يعمل متأخرا على رأي
~~الأخفش، وقيل: يكون حالا من المضاف إليه في { علمها } ، وقيل: يكون
~~ظرفا للظرف الثاني، وقيل: هو ظرف للعلم ذكر جميع ذلك أبو البقاء ثم قال:
~~ولا يجوز أن يكون { فى كتب } متعلقا بعلمها و { عند ربى }
~~الخبر لأن المصدر لا يعمل فيما بعد خبره.

# وأنت تعلم أن أول الأوجه هو الأوجه وكأنه عنى عليه السلام بالكتاب اللوح
~~المحفوظ أي علمها مثبت في اللوح المحفوظ بتفاصيله وهذا من باب المجاز إذ
~~المثبت حقيقة إنما هو النقوش الدالة على الألفاظ المتضمنة شرح أحوالهم
~~المعلومة له تعالى، وجوز أن يكون المراد بالكتاب الدفتر كما هو المعروف
~~في اللغة ويكون ذلك تمثيلا لتمكنه وتقرره في علمه عز وجل بما استحفظه
~~العالم وقيده بكتبته في جريده ولعله أولى، ويلوح إليه قوله تعالى: { لا
~~يضل ربى ولا ينسى } فإن عدم الضلال والنسيان أوفق بإتقان
~~العلم، والظاهر أن فيه على الوجهين دفع توهم الاحتياج لأن الإثبات في
~~الكتاب إنما يفعله من يفعله لخوف النسيان والله تعالى منزه عن ذلك،
~~والإثبات في اللوح المحفوظ لحكم ومصالح يعلم بعضها العالمون، وقيل: إن
~~هذه الجملة على الأول تكميل لدفع ما يتوهم من أن الإثبات في اللوح
~~للاحتياج لاحتمال خطأ أو نسيان تعالى الله سبحانه عنه، وعلى / الثاني
~~تذييل لتأكيد الجملة السابقة، والمعنى لا يخطىء ربي ابتداء بأن لا يدخل
~~شيء من الأشياء في واسع علمه فلا يكون علمه سبحانه محيطا بالأشياء ولا
~~يذهب عليه شيء بقاء بأن يخرج عن دائرة علمه جل شأنه بعد أن دخل بل هو عز
~~وجل محيط بكل شيء علما أزلا وأبدا وتفسير الجملتين بما ذكر مما ذهب
~~إليه القفال ووافقه بعض المحققين ولا يخفى حسنه.

# وأخرج ابن المنذر وجماعة عن مجاهد أنهما بمعنى واحد وليس بذاك، والفعلان
~~قيل: منزلان منزلة اللازم، وقيل: هما باقيان على تعديهما والمفعول محذوف
~~أي لا يضل شيئا من الأشياء ولا ينساه، وقيل: شيئا من أحوال القرون
~~الأولى، وعن الحسن لا يضل ms06533 وقت البعث ولا ينساه وكأنه جعل السؤال عن البعث
~~وخصص لأجله المفعول وقد علمت حاله. وعن ابن عباس أن المعنى لا يترك من
~~كفر به حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه وكأنه رضي الله تعالى
~~عنه جعل السؤال عن حالهم من حيث السعادة والشقاوة والجواب عن ذلك على
~~سبيل الإجمال فتدبر ولا تغفل.

# وزعم بعضهم أن الجملة في موضع الصفة لكتاب والعائد إليه محذوف أي لا
~~يضله ربي ولا ينساه، وقيل: العائد ضمير مستتر في الفعل و { ربى } نصب
~~على المفعول أي لا يضل الكتاب ربي أي عنه. وفي { ينسى } ضمير عائد
~~إليه أيضا أي ولا ينسى الكتاب شيئا أي لا يدعه على حد

# لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها

# [الكهف: 49]. والعجب كل العجب من العدول عن الظاهر إلى مثل هذه الأقوال،
~~وإظهار { ربى } في موقع الإضمار للتلذذ بذكره تعالى ولزيادة التقرير
~~والإشعار بعلية الحكم فإن الربوبية مما تقتضي عدم الضلال والنسيان حتما.

# وقرأ الحسن وقتادة والجحدري وحماد بن سلمة وابن محيصن وعيسى الثقفي { لا
~~يضل } بضم الياء من أضل وأضللت الشيء وضللته قيل بمعنى. وفي «الصحاح» عن
~~ابن السكيت يقال: أضللت بعيري إذا ذهب منك وضللت المسجد والزاد إذا لم
~~تعرف موضعهما وكذلك كل شيء مقيم لا يهتدي إليه، وحكى نحوه عن الفراء وابن
~~عيسى، وذكر أبو البقاء في توجيه هذه القراءة وجهين جعل { ربى } منصوبا
~~على المفعولية، والمعنى لا يضل أحد ربي عن علمه وجعله فاعلا والمعنى لا
~~يجد ربي الكتاب ضالا أي ضائعا، وقرأ السلمي { لا يضل ربى
~~ولا ينسى } ببناء الفعلين لما لم يسم فاعله.

### || [20.53]

# { الذى جعل لكم الأرض مهدا } الخ يحتمل أن يكون ابتداء
~~كلام منه عز وجل وكلام موسى عليه السلام قد تم عند قوله تعالى:

# ولا ينسى

# [طه: 52] فيكون الموصول خبر مبتدأ محذوف والجملة على ماقيل: مستأنفة
~~استئنافا بيانيا كأنه سبحانه لما حكى كلام موسى عليه السلام إلى قوله:

# لا يضل ربى ولا ينسى

# [طه: 52] سئل ما أراد ms06534 موسى بقوله: { ربى } فقال سبحانه: { هو
~~الذى جعل } الخ، واختار هذا الإمام بل قال: يجب الجزم به؛ ويحتمل
~~أن يكون من كلام موسى عليه السلام على أن يكون قد سمعه من الله عز وجل
~~فأدرجه بعينه في كلامه ولذا قال { لكم } دون لنا وهو من قبيل الاقتباس
~~فيكون الموصول إما مرفوع المحل على أنه صفة لربي أو خبر مبتدأ محذوف كما
~~في الاحتمال السابق وإما منصوب على المدح، واختار هذا الزمخشري، وعلى
~~الاحتمالين يكون في قوله تعالى: { فأخرجنا } التفات بلا اشتباه أو
~~على أن موسى عليه السلام قال ذلك من عنده غير سامع له من الله عز وجل،
~~وقال: فاخرج به بإسناد أخرج إلى ضمير الغيبة إلا أن الله تعالى لما حكاه
~~أسنده إلى ضمير / المتكلم لأن الحاكي هو المحكي عنه فمرجع الضميرين واحد،
~~وظاهر كلام ابن المنير اختيار هذا حيث قال بعد تقريره: ((وهذا وجه حسن
~~رقيق الحاشية وهو أقرب الوجوه إلى الالتفات)).

# وأنكر بعضم أن يكون فيه التفات أو على أنه عليه السلام قاله من عنده
~~بهذا اللفظ غير مغير عند الحكاية، وقوله: { أخرجنا } من باب قول
~~خواص الملك أمرنا وعمرنا وفعلنا وإنما يريدون الملك أو هو مسند إلى ضمير
~~الجماعة بإرادة أخرجنا نحن معاشر العباد بذلك الماء بالحراثة أزواجا من
~~نبات شتى على ما قيل، وليس في { أخرجنا } على هذا وما قبله التفات.
~~ويحتمل أن يكون ذلك كلام موسى عليه السلام إلى قوله تعالى: { ماء } وما
~~بعده كلام الله عز وجل أوصله سبحانه بكلام موسى عليه السلام حين الحكاية
~~لنبينا صلى الله عليه وسلم، والأولى عندي الاحتمال الأول بل يكاد يكون
~~كالمتعين ثم الاحتمال الثاني ثم الاحتمال الثالث وسائر الاحتمالات ليس
~~بشيء ووجه ذلك لا يكاد يخفى. وسيأتي إن شاء الله تعالى في الزخرف [10]
~~نحو هذه الآية.

# والمهد في الأصل مصدر ثم جعل اسم جنس لما يمهد للصبي. ونصبه على أنه
~~مفعول ثان لجعل إن كان بمعنى صير أو حال إن كان بمعنى خلق، والمراد جعلها
~~لكم ms06535 كالمهد، ويجوز أن يكون باقيا على مصدريته غير منقول لما ذكر،
~~والمراد جعلها ذات مهد أو ممهدة أو نفس المهد مبالغة، وجوز أن يكون
~~منصوبا بفعل مقدر من لفظه أي مهدها مهدا بمعنى بسطها ووطأها، والجملة
~~حال من الفاعل أو المفعول، وقرأ كثير { مهدا } وهو على ما قال المفضل
~~كالمهد في المصدرية والنقل.

# وقال أبو عبيد: المهاد اسم والمهد مصدر، وقال بعضهم: هو جمع مهد ككعب
~~وكعاب، والمشهور في جمعه مهود، والمعنى على الجمع جعل كل موضع منها مهدا
~~لكل واحد منكم.

# { وسلك لكم فيها سبلا } أي حصل لكم طرقا ووسطها بين الجبال
~~والأودية تسلكونها من قطر إلى قطر لتقضوا منها مآربكم وتنتفعوا بمنافعها
~~ومرافقها، وللدلالة على أن الانتفاع مخصوص بالإنسان كرر { لكم } وذكره
~~أولا لبيان أن المقصود بالذات من ذلك الإنسان { وأنزل من
~~السماء } من جهتها أو منها نفسها على ما في بعض الآثار { ماء } هو
~~المطر { فأخرجنا به } أي بذلك الماء وواسطته حيث أن الله تعالى
~~أودع فيه ما أودع كما ذهب إلى ذلك الماتريدية وغيرهم من السلف الصالح
~~لكنه لا يؤثر إلا بأذن الله تعالى كسائر الأسباب فلا ينافي كونه عز وجل
~~هو المؤثر الحقيقي، وإنما فعل ذلك سبحانه مع قدرته تعالى الكاملة على
~~إيجاد ما شاء بلا توسيط شيء كما أوجد بعض الأشياء كذلك مراعاة للحكمة.
~~وقيل: { به } أي عنده وإليه ذهب الأشاعرة فالماء كالنار عندهم في أنه
~~فيه قوة الري مثلا والنار كالماء في أنها ليس فيها قوة الإحراق وإنما
~~الفرق بينهما في أن الله تعالى قد جرت عادته أن يخلق الري عند شرب الماء
~~والإحراق عند مسيس النار دون العكس. وزعموا أن من قال: إن في شيء من
~~الأسباب قوة تأثير أودعها الله تعالى فيه فهو إلى الكفر أقرب منه إلى
~~الإيمان وهو لعمري من المجازفة بمكان.

# والظاهر أن يقال: فأخرج إلا أنه التفت إلى التكلف للتنبيه على ظهور ما
~~فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة بواسطة أنه لا يسند إلى العظيم
~~إلا ms06536 أمر عظيم والإيذان بأنه لا يتأتى إلا من قادر مطاع عظيم الشأن ينقاد
~~لأمره ويذعن لمشيئته الأشياء المختلفة فإن مثل هذا التعبير يعبر به
~~الملوك والعظماء النافذ أمرهم. ويقوي / هذا الماضي الدال على التحقيق
~~كالفاء الدالة على السرعة فإنها للتعقيب على ما نص عليه بعض المحققين،
~~وجعل الإنزال والإخراج عبارتين عن إرادة النزول والخروج معللا باستحالة
~~مزاولة العمل في شأنه تعالى شأنه. واعترض عليه بما فيه بحث ولا يضر في
~~ذلك كونه تعقيبا عرفيا ولم تجعل للسببية لأنها معلومة من الباء. وقال
~~الخفاجي: لك أن تقول إن الفاء لسببية الإرادة عن الإنزال والباء لسببية
~~النبات عن الماء فلا تكرار كما في قوله تعالى:

# لنحيى به

# [الفرقان: 49] ولعل هذا أقرب انتهى. وأنت تعلم أن التعقيب أظهر وأبلغ.

# وقد ورد على هذا النمط من الالتفات للنكتة المذكورة قوله تعالى:

# ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا
~~به ثمرات مختلفا ألوانها

# [فاطر: 27] وقوله تعالى:

# أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من
~~السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة

# [النمل: 60] وقوله سبحانه:

# وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات
~~كل شىء

# [الأنعام: 99].

# { أزوجا } أي أصنافا أطلق عليها ذلك لازدواجها واقتران بعضها ببعض.
~~{ من نبت } بيان وصفة لأزواجا. وكذا قوله تعالى: { شتى } أي
~~متفرقة جمع شتيت كمريض ومرضى وألفه للتأنيث، وجوز أبو البقاء أن يكون صفة
~~لنبات لما أنه في الأصل مصدر يستوي فيه الواحد والجمع يعني أنها شتى
~~مختلفة النفع والطعم واللون والرائحة والشكل بعضها يصلح للناس وبعضها
~~للبهائم. وقالوا: من نعمته عز وعلا أن أرزاق العباد إنما تحصل بعمل
~~الأنعام وقد جعل الله تعالى علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على
~~أكله.

### || [20.54]

# وقوله تعالى: { كلوا وارعوا أنعمكم } معمول قول محذوف
~~وقع حالا من ضمير

# فأخرجنا

# [طه: 53] أي أخرجنا أصناف النبات قائلين كلوا الخ أي معديها لانتفاعكم
~~بالذات وبالواسطة آذنين في ذلك، وجوز أن يكون القول حالا من المفعول أي
~~أخرجنا أزواجا مختلفة مقولا فيها ذلك. والأول أنسب ms06537 وأولى. ورعى كما قال
~~الزجاج يستعمل لازما ومتعديا، يقال: رعت الدابة رعيا ورعاها صاحبها
~~رعاية إذا أسامها وسرحها وأراحها { إن فى ذلك } إشارة إلى ما ذكر
~~من شؤنه تعالى وأفعاله، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبته وبعد
~~منزلته في الكمال، وقيل: لعدم ذكر المشار إليه بلفظه. والتنكير في قوله
~~سبحانه { لآيات } للتفخيم كما وكيفا أي لآيات كثيرة جليلة واضحة
~~الدلالة على شؤون الله تعالى في ذاته وصفاته { لأولى النهى } جمع
~~نهية بضم النون سمي بها العقل نهيه عن اتباع الباطل وارتكاب القبيح كما
~~سمي بالعقل والحجر لعقله وحجره عن ذلك. ويجيء النهي مفردا بمعنى العقل
~~كما في «القاموس» وهو ظاهر ما روي عن ابن عباس هنا فإنه قال: أي لذوي
~~العقل، وفي رواية أخرى عنه أنه قال: لذوي التقى. ولعله تفسير باللازم.
~~وأجاز أبو علي أن يكون مصدرا كالهدى والأكثرون على الجمع أي لذوي العقول
~~الناهية عن الأباطيل وتخصيص كونها آيات بهم لأن أوجه دلالتها على شؤنه
~~تعالى لا يعلمها إلا العقلاء ولذا جعل نفعها عائدا إليهم في الحقيقة
~~فقال سبحانه: { كلوا وارعوا } دون كلوا أنتم والأنعام.

### || [20.55]

# { منها } أي من الأرض. { خلقنكم } أي في ضمن خلق أبيكم آدم
~~عليه السلام منها فإن كل فرد من أفراد البشر له حظ من خلقه عليه السلام
~~إذا لم تكن فطرته البديعة مقصورة على نفسه عليه السلام بل كانت أنموذجا
~~منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس انطواء إجماليا مستتبعا لجريان
~~آثارها على الكل فكان خلقه عليه السلام منها خلقا للكل منها، وقيل: /
~~المعنى خلقنا أبدانكم من النطفة المتولدة من الأغذية المتولدة من الأرض
~~بوسائط. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء الخراساني قال: إن الملك
~~ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه الشخص فيذره على النطفة فيخلق
~~من التراب والنطفة { وفيها نعيدكم } بالإماتة وتفريق الأجزاء،
~~وهذا وكذا ما بعد مبني على الغالب بناء على أن من الناس من لا يبلى جسده
~~كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإيثار كلمة في على ms06538 كلمة إلى للدلالة
~~على الاستقرار المديد فيها { ومنها نخرجكم تارة أخرى }
~~بتأليف أجزائكم المتفتتة المختلطة بالتراب على الهيئة السابقة ورد
~~الأرواح من مقرها إليها، وكون هذا الإخراج تارة أخرى باعتبار أن خلقهم من
~~الأرض إخراج لهم منها وإن لم يكن على نهج التارة الثانية أو التارة في
~~الأصل اسم للتور الواحد وهو الجريان، ثم أطلق على كل فعلة واحدة من
~~الفعلات المتجددة كما مر في المرة، وما ألطف ذكر قوله تعالى: { منها
~~خلقنكم } الخ بعد ذكر النبات وإخراجه من الأرض فقد تضمن كل إخراج
~~أجسام لطيفة من الترباء الكثيفة وخروج الأموات أشبه شيء بخروج النبات.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات:

# طه

# [طه: 1] يا طاهرا بنا هاديا إلينا أو يا طائف كعبة الأحدية في حرم
~~الهوية وهادي الأنفس الزكية إلى المقامات العلية، وقيل: إن ط لكونها
~~بحساب الجمل تسعة وإذا جمع ما انطوت عليه من الأعداد  أعني الواحد
~~والإثنين والثلاثة  وهكذا إلى التسعة بلغ خمسة وأربعين إشارة إلى آدم
~~لأن أعداد حروفه كذلك، وه لكونها بحساب الجمل خمسة وما انطوت عليه من
~~الأعداد يبلغ خمسة عشر إشارة إلى حوا بلا همز، والإشارة بمجموع الأمرين
~~إلى أنه صلى الله عليه وسلم أبو الخليقة وأمها فكأنه قيل: يا من تكونت
~~منه الخليقة، وقد أشار إلى ذلك العارف بن الفارض قدس سره بقوله على لسان
~~الحقيقة المحمدية:

# وإني وإن كنت ابن آدم صورة

# فلي منه معنى شاهد بأبوتي

# وقال في ذلك الشيخ عبد الغني النابلسي عليه الرحمة:

# طه النبي تكونت من نوره

# كل البرية ثم لو ترك القطا

# وقيل: { طه } في الحساب أربعة عشر وهو إشارة إلى مرتبة البدرية فكأنه
~~قيل: يا بدر سماء عالم الإمكان

# ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى * إلا تذكرة
~~لمن يخشى

# [طه: 2-3] أي إلا لتذكر من يخشى أيام الوصال التي كانت قبل تعلق الأرواح
~~بالأبدان وتخبرهم بأنها يحصل نحوها لهم لتطيب أنفسهم وترتاح أرواحهم أو
~~لتذكرهم إياها ليشتاقوا إليها وتجري دموعهم عليها ويجتهدوا في تحصيل ما
~~يكون سببا ms06539 لعودها ولله تعالى در من قال:

# سقى الله أياما لنا ولياليا

# مضت فجرت من ذكرهن دموع

# فيا هل لها يوما من الدهر أوبة

# وهل لي إلى أرض الحبيب رجوع

# / وقيل: من يخشى هم العلماء لقوله تعالى:

# إنما يخشى الله من عباده العلماء

# [فاطر: 28]. ولما كان العلم مظنة العجب والفخر ونحوهما ناسب أن يذكر
~~صاحبه عظمة الله عز وجل ليكون ذلك سورا له مانعا من تطرق شيء مما ذكر

# الرحمن على العرش استوى

# [طه: 5] العرش جسم عظيم خلقه الله تعالى كما قيل من نور شعشعاني وجعله
~~موضع نور العقل البسيط الذي هو مشرق أنوار القدم وشرفه بنسبة الاستواء
~~الذي لا يكتنه، وقيل: خلق من أنوار أربعة مختلفة الألوان وهي أنوار سبحان
~~الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولذا قيل له الأطلس، وإلى
~~هذا ذهبت الطائفة الحادثة في زماننا المسماة بالكشفية. وذكر بعض الصوفية
~~أن العرش إشارة إلى قلب المؤمن الذي نسبة العرش المشهور إليه كنسبة
~~الخردلة إلى الفلاة بل كنسبة القطرة إلى البحر المحيط وهو محل نظر الحق
~~ومنصة تجليه ومهبط أمره ومنزل تدليه، وفي «إحياء العلوم» لحجة الإسلام
~~الغزالي قال الله تعالى: «لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي
~~المؤمن اللين الوادع» أي الساكن المطمئن، وفي «الرشدة» لصدر الدين
~~القونوي قدس سره بلفظ «ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن
~~التقي النقي الوادع» وليس هذا القلب عبارة عن البضعة الصنوبرية فإنها عند
~~كل عاقل أحقر من حيث الصورة أن تكون محل سره جل وعلا فضلا عن أن تسعه
~~سبحانه وتكون مطمح نظره الأعلى ومستواه عز شأنه وهي وإن سميت قلبا فإنما
~~تلك التسمية على سبيل المجاز، وتسمية الصفة والحامل باسم الموصوف
~~والمحمول بل القلب الإنساني عبارة عن الحقيقة الجامعة بين الأوصاف
~~والشؤون الربانية وبين الخصائص والأحوال الكونية الروحانية منها
~~والطبيعية وتلك الحقيقة تنتشىء من بين الهيئة الاجتماعية الواقعة بين
~~الصفات والحقائق الإلهية والكونية وما يشتمل عليه هذان الأصلان من
~~الأخلاق والصفات اللازمة وما يتولد ms06540 من بينهما بعد الارتياض والتزكية،
~~والقلب الصنوبري منزل تدلي الصورة الظاهرة من بين ما ذكرنا التي هي صورة
~~الحقيقة القلبية، ومعنى وسع ذلك للحق جل وعلا على ما في مسلك الوسط
~~الداني كونه مظهرا جامعا للأسماء والصفات على وجه لا ينافي تنزيه الحق
~~سبحانه من الحلول والاتحاد والتجزئة وقيام القديم بالحادث ونحو ذلك من
~~الأمور المستحيلة عليه تعالى شأنه.

# هذا لكن ينبغي أن يعلم أن هذا الخبر وإن استفاض عند الصوفية قدست
~~أسرارهم إلا أنه قد تعقبه المحدثون، ((فقال العراقي: لم أر له أصلا.
~~وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: هو مذكور في الإسرائيليات وليس له إسناد
~~معروف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأنه أشار بما في الإسرائيليات
~~إلى ما أخرجه الإمام أحمد في «الزهد» عن وهب بن منبه قال: إن الله تعالى
~~فتح السموات لحزقيل حتى نظر إلى العرش فقال حزقيل: سبحانك ما أعظمك يا
~~رب فقال الله تعالى: إن السموات والأرض ضعفن من أن يسعنني ووسعني قلب
~~عبدي المؤمن الوادع اللين. نعم لذلك ما يشهد له فقد قال العلامة الشمس
~~ابن القيم في «شفاء العليل» ما نصه، وفي «المسند» وغيره عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم:

# " القلوب آنية الله تعالى في أرضه فأحبها إليه أصلبها وأرقها وأصفاها "

# انتهى. وروى الطبراني من حديث أبي عنبة الخولاني رفعه

# " إن لله تعالى آنية من [أهل] الأرض وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين
~~وأحبها إليه ألينها وأرقها "

# وهذا الحديث وإن كان في سنده بقية بن الوليد وهو مدلس إلا / أنه صرح فيه
~~بالتحديث))؛ ويعلم من مجموع الحديثين أربع صفات للقلب الأحب إليه تعالى
~~اللين وهو لقبول الحق والصلابة وهي لحفظه فالمراد بها صفة تجامع اللين
~~والصفاء والرقة وهما لرؤيته، واستواؤه تعالى على العرش بصفة الرحمانية
~~دون الرحيمية للإشارة إلى أن لكل أحد نصيبا من واسع رحمته جل وعلا.

# وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى

# [طه: 7] قيل: السر أمر كامن في القلب كمون النار في الشجر الرطب حتى
~~تثيره الإرادة لا يطلع ms06541 عليه الملك ولا الشيطان ولا تحس به النفس ولا يشعر
~~به العقل والأخفى ما في باطن ذلك. وعند بعض الصوفية السر لطيفة بين القلب
~~والروح وهو معدن الأسرار الروحانية والخفي لطيفة بين الروح والحضرة
~~الإلهية وهو مهبط الأنوار الربانية وتفصيل ذلك في محله. وقد استدل بعض
~~الناس بهذه الآية على عدم مشروعية الجهر بالذكر والحق أنه مشروع بشرطه،
~~واختلفوا في أنه هل هو أفضل من الذكر الخفي أو الذكر الخفي أفضل منه
~~والحق فيما لم يرد نص على طلب الجهر فيه وما لم يرد نص على طلب الإخفاء
~~فيه أنه يختلف الأفضل فيه باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان فيكون الجهر
~~أفضل من الإخفاء تارة والإخفاء أفضل أخرى

# وهل أتاك حديث موسى * إذ رأى نارا

# [طه: 9-10] قال الشيخ إبراهيم الكوراني عليه الرحمة في «تنبيه العقول»:
~~إن تلك النار كانت مجلى الله عز وجل وتجليه سبحانه فيها مراعاة للحكمة من
~~حيث إنها كانت مطلوب موسى عليه السلام، واحتج على ذلك بحديث رواه عن ابن
~~عباس رضي الله عنه وسنذكره إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى:

# فلما جاءها نودى أن بورك من فى النار ومن
~~حولها

# [النمل: 8] الآية { فاخلع نعليك } اترك الالتفات إلى الدنيا
~~والآخرة وسر مستغرق القلب بالكلية في معرفة الله تعالى ولا تلتفت إلى ما
~~سواه سبحانه.

# إنك بالواد المقدس طوى

# [طه: 12] وهو وادي قدس جلال الله تعالى وتنزه عزته عز وجل، وقيل:
~~النعلان إشارة إلى المقدمتين اللتين يتركب منهما الدليل لأنهما يتوصل
~~بهما العقل إلى المقصود كالنعلين يلبسهما الانسان فيتوصل بالمشي بهما إلى
~~مقصوده كأنه قيل: لا تلتفت إلى المقدمتين ودع الاستدلال فإنك في وادي
~~معرفة الله تعالى المفعم بآثار ألوهيته سبحانه { فاعبدنى } قدم هذا
~~الأمر للإشارة إلى عظم شرف العبودية، وثنى بقوله سبحانه

# وأقم الصلاة لذكري

# [طه: 14] لأن الصلاة من أعلام العبودية ومعارج الحضرة القدسية.

# وما تلك بيمينك يموسى

# [طه: 17] إيناس منه تعالى له عليه السلام فإنه عليه السلام دهش لما تكلم
~~سبحانه معه بما يتعلق بالألوهية فسأله ms06542 عن شيء بيده ولا يكاد يغلط فيه
~~ليتكلم ويجيب فتزول دهشته، قيل وكذلك يعامل المؤمن بعد موته وذلك أنه إذا
~~مات وصل إلى حضرة ذي الجلال فيعتريه ما يعتريه فيسأله عن الإيمان الذي
~~كان بيده في الدنيا ولا يكاد يغلط فيه فإذا ذكره زال عنه ما اعتراه،
~~وقيل: إن الله تعالى لما عرفه كمال الألوهية أراد أن يعرفه نقصان البشرية
~~فسأله عن منافع العصا فذكر بعضها فعرفه الله تعالى أن فيها ما هو أعظم
~~نفعا مما ذكره تنبيها على أن العقول قاصرة عن معرفة صفات الشيء الحاضر
~~فلولا التوفيق كيف يمكنه الوصول إلى معرفة أجل الأشياء وأعظمها

# فألقها فإذا هى حية تسعى

# [طه: 20] فيه إشارة إلى ظهور أثر الجلال ولذلك خاف موسى عليه السلام
~~فقال سبحانه: { خذها ولا تخف } فهذا الخوف من كمال المعرفة لأنه
~~لم يأمن مكر الله تعالى ولو سبق منه سبحانه الإيناس، وفي بعض الآثار «يا
~~موسى لا تأمن مكري حتى تجوز الصراط». وقيل: كان خوفه من فوات المنافع
~~المعدودة ولذا علل النهي بقوله تعالى:

# سنعيدها سيرتها الاولى

# [طه: 21] وهذا جهل بمقام موسى عليه السلام. وكذا ما قيل: إنه لما رأى
~~الأمر الهائل فر حيث لم يبلغ مقام

# ففروا إلى الله

# [الذاريات: 50] ولو بلغه لم يفر. وما قيل: أيضا لعله لما حصل له مقام
~~المكالمة بقي في قلبه عجب فأراه الله تعالى أنه بعد في النقص الإمكاني
~~ولم يفارق عالم البشرية وما النصر والتثبيت إلا من عند الله تعالى وحده.

# واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء

# [طه: 22] أراد سبحانه أن يريه آية نفسية بعد أن أراه عليه السلام آية
~~آفاقية كما قال سبحانه:

# سنريهم ءايتنا فى الآفاق وفى أنفسهم

# [فصلت: 53] وهذا من نهاية عنايته جل جلاله. وقد ذكروا في هذه القصة نكات
~~وإشارات منها أنه سبحانه لما أشار إلى العصا واليمين بقوله تعالى:

# وما تلك بيمينك

# [طه: 17] حصل في كل منهما برهان باهر ومعجز قاهر فصار أحدهما وهو الجماد
~~حيوانا والآخر وهو الكثيف نورانيا ms06543 لطيفا. ثم إنه تعالى ينظر في كل يوم
~~ثلثمائة وستين نظرة إلى قلب العبد فأي عجب أن ينقلب قلبه الجامد المظلم
~~حيا مستنيرا، ومنها أن العصا قد استعدت بيمن يمين موسى عليه السلام
~~للحياة وصارت حية فيكف لا يستعد قلب المؤمن الذي هو بين أصبعين من أصابع
~~الرحمن للحياة ويصير حيا. ومنها أن العصا بإشارة واحدة صارت بحيث ابتلعت
~~سحر السحرة فقلب المؤمن أولى أن يصير بمدد نظر الرب في كل يوم مرات بحيث
~~يبتلع سحر النفس الأمارة بالسوء، ومنها أن قوله تعالى أولا:

# اخلع نعليك

# [طه: 12] إشارة إلى التخلية وتطهير لوح الضمير من الأغيار وما بعده
~~إشارات إلى التحلية وتحصيل ما ينبغي تحصيله. وأشار سبحانه إلى علم المبدأ
~~بقوله تعالى: { إننى أنا الله } وإلى علم الوسط بقوله عز وجل

# فاعبدنى وأقم الصلاة لذكرى

# [طه: 14] وفيه إشارة إلى الأعمال الجسمانية والروحانية وإلى علم المعاد
~~بقوله سبحانه

# إن الساعة ءاتية

# [طه: 15] ومنها أنه تعالى افتتح الخطاب بقوله عز قائلا:

# وأنا اخترتك

# [طه: 13] وهو غاية اللطف وختم الكلام بقوله جل وعلا: { فلا يصدنك
~~عنها } - إلى -

# فتردى

# [طه: 16] وهو قهر تنبيها على أن رحمته سبقت غضبه وأن العبد لا بد أن
~~يكون سلوكه على قدمي الرجاء والخوف، ومنها أن موسى عليه السلام كان في
~~رجله شيء وهو النعل وفي يده شيء وهو العصا والرجل آلة الهرب واليد آلة
~~الطلب فأمر بترك ما فيهما تنبيها على أن السالك ما دام في مقام الطلب
~~والهرب كان مشتغلا بنفسه وطالبا لحظه فلا يحصل له كمال الاستغراق في
~~بحر العرفان وفيه أن موسى عليه السلام مع جلالة منصبه وعلو شأنه لم يمكن
~~لو الوصول إلى حضرة الجلال حتى خلع النعل وألقى العصا فأنت مع ألف وقر من
~~المعاصي كيف يمكنك الوصول إلى جنابه وحضرته جل جلاله. واستشكلت هذه الآية
~~من حيث إنها تدل على أن الله تعالى خاطب موسى عليه السلام بلا واسطة وقد
~~خاطب نبينا صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام فيلزم مزيه
~~الكليم ms06544 على الحبيب عليهما الصلاة والسلام. والجواب أنه تعالى شأنه قد
~~خاطب نبينا صلى الله عليه وسلم أيضا بلا واسطة ليلة المعراج غاية ما في
~~البال أنه تعالى خاطب موسى عليه السلام في مبدأ رسالته بلا واسطة وخاطب
~~حبيبه عليه الصلاة والسلام في مبدأ رسالته بواسطة ولا يثبت بمجرد ذلك
~~المزية على أن خطابه لحبيبه الأكرم صلى الله عليه وسلم بلا واسطة كان مع
~~كشف الحجاب ورؤيته عليه الصلاة والسلام إياه على وجه لم يحصل لموسى عليه
~~السلام وبذلك يجبر ما يتوهم في تأخير الخطاب بلا واسطة عن مبدأ الرسالة.

# وانظر إلى الفرق بين قوله تعالى عن نبينا صلى الله عليه وسلم:

# ما زاغ البصر وما طغى

# [النجم: 17] وقوله عن موسى عليه السلام:

# قال هي عصاي

# [طه: 18] الخ ترى الفرق واضحا بين الحبيب والكليم مع أن لكل رتبة
~~التكريم صلى الله تعالى عليهما وسلم. وذكر بعضهم أن في الآيات ما يشعر
~~بالفرق بينهما أيضا عليهما الصلاة والسلام من وجه آخر وذلك / أن موسى
~~عليه السلام كان يتوكأ على العصا والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتكل
~~على فضل الله تعالى ورحمته قائلا مع أمته وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولذا
~~ورد في حقه

# حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين

# [الأنفال: 64] على معنى وحسب من اتبعك. وأيضا إنه عليه السلام بدأ
~~بمصالح نفسه في قوله: { أتوكأ عليها } ثم مصالح رعيته بقوله:

# وأهش بها على غنمى

# [طه: 18] والنبي صلى الله عليه وسلم لم يشتغل إلا بإصلاح أمر أمته

# " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون "

# ، فلا جرم يقول موسى عليه السلام يوم القيامة: نفسي نفسي والنبي صلى
~~الله عليه وسلم يقول: «أمتي أمتي» انتهى، وهو مأخوذ من كلام الإمام بل لا
~~فرق إلا بيسير جدا. ولعمري إنه لا ينبغي أن يقتدى به في مثل هذا الكلام
~~كما لا يخفى على ذوي الأفهام، وإنما نقلته لأنبه على عدم الاغترار به
~~نعوذ بالله تعالى من الخذلان

# رب اشرح لى صدرى

# [طه: 25] لم يذكر عليه السلام بم يشرح ms06545 صدره وفيه احتمالات. قال بعض
~~الناس: إنه تعالى ذكر عشرة أشياء ووصفها بالنور. الأول ذاته جل شأنه

# الله نور السموات والأرض

# [النور: 35] الثاني الرسول صلى الله عليه وسلم:

# قد جاءكم من الله نور وكتب

# [المائدة: 15]، الثالث الكتاب

# واتبعوا النور الذى أنزل معه

# [الأعراف: 157]، الرابع الإيمان:

# يريدون أن يطفئوا نور الله

# [التوبة: 32] الخامس عدل الله تعالى:

# وأشرقت الأرض بنور ربها

# [الزمر: 69] السادس القمر

# وجعل القمر فيهن نورا

# [نوح: 16] السابع النهار

# وجعل الظلمت والنور

# [الأنعام: 1]. الثامن البينات

# إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور

# [المائدة: 44]. التاسع الأنبياء عليهم السلام

# نور على نور

# [النور: 35]؛ العاشر المعرفة

# مثل نوره كمشكاة فيها مصباح

# [النور: 35] فكان موسى عليه السلام قال أولا

# رب اشرح لى صدرى

# [طه: 25] بمعرفة أنوار جلال كبريائك، وثانيا { رب اشرح لى
~~صدرى } بالتخلق بأخلاق رسلك وأنبيائك، وثالثا { رب اشرح لى
~~صدرى } باتباع وحيك وامتثال أمرك ونهيك، ورابعا { رب اشرح لى
~~صدرى } بنور الإيمان والإيقان بإلهيتك، وخامسا { رب اشرح لى
~~صدرى } بالاطلاع على أسرار عدلك في قضائك وحكمك. وسادسا { رب
~~اشرح لى صدرى } بالانتقال من نور شمسك وقمرك إلى أنوار جلال عزتك
~~كما فعله إبراهيم عليه السلام، وسابعا { رب اشرح لى صدرى } من
~~مطالعة نهارك وليلك إلى مطالعة نهار فضلك وليل قهرك، وثامنا { رب
~~اشرح لى صدرى } بالاطلاع على مجامع آياتك ومعاقد بيناتك في أرضك
~~وسمواتك، وتاسعا { رب اشرح لى صدرى } في أن أكون خلف صدق
~~للأنبياء المتقدمين ومشابها لهم في الانقياد لحكم رب العالمين، وعاشرا
~~{ رب اشرح لى صدرى } بأن يجعل سراج الإيمان كالمشكاة التي فيها
~~المصباح انتهى.

# ولا يخفى ما بين أكثر ما ذكر من التلازم واغناء بعضه عن بعض، وقال
~~أيضا: إن شرح الصدر عبارة عن إيقاد النور في القلب حتى يصير كالسراج،
~~ولا يخفى أن مستوقد السراج محتاج إلى سبعة أشياء زند وحجر وحراق وكبريت
~~ومسرجة وفتيلة ودهن، فالزند زند المجاهدة

# والذين جهدوا فينا

# [العنكبوت: 69] والحجر حجر التضرع

# ادعوا ربكم تضرعا وخفية

# [الأعراف: 55] والحراق منع الهوى ونهي النفس عن الهوى والكبريت ms06546 الإنابة

# وأنيبوا إلى ربكم

# [الزمر: 54] والمسرجة الصبر

# واستعينوا بالصبر والصلوة

# [البقرة: 45] والفتيلة الشكر

# لئن شكرتم لأزيدنكم

# [إبراهيم: 7] والدهن الرضا

# واصبر لحكم ربك

# [الطور: 48] أي ارض بقضائه، ثم إذا صلحت هذه الأدوات فلا تعول عليها بل
~~ينبغي أن تطلب المقصود من حضرة ربك جل وعلا قائلا: { رب اشرح لى
~~صدرى } فهنالك تسمع

# قد أوتيت سؤلك يموسى

# [طه: 36] ثم إن هذا النور الروحاني أفضل من الشمس الجسمانية لوجوه،
~~الأول أن الشمس يحجبها الغيم وشمس المعرفة لا تحجبها السموات السبع

# إليه يصعد الكلم الطيب

# [فاطر: 10]. الثاني الشمس تغيب / ليلا وشمس المعرفة لا تغيب ليلا:

# إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا

# [المزمل: 6]

# والمستغفرين بالأسحار

# [آل عمران: 17]

# سبحان الذي أسرى بعبده ليلا

# [الإسراء: 1].

# الليل للعاشقين ستر

# يا ليت أوقاته تدوم

# الثالث الشمس تفنى

# إذا الشمس كورت

# [التكوير: 1] والمعرفة لا تفنى.

# أصلها ثابت وفرعها في السمآء

# [إبراهيم: 24]

# سلام قولا من رب رحيم

# [يس: 58]، الرابع الشمس إذا قابلها القمر انكسفت، وشمس المعرفة وهي أشهد
~~أن لا إله إلا الله إذا لم تقرن بقمر النبوة وهي أشهد أن محمدا رسول
~~الله لم يصل النور إلى عالم الجوارح، الخامس الشمس تسود الوجوه والمعرفة
~~تبيض الوجوه

# يوم تبيض وجوه

# [آل عمران: 106]، السادس الشمس تصدع والمعرفة تصعد. السابع الشمس تحرق
~~والمعرفة تمنع من الإحراق «جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي»، الثامن
~~الشمس منفعتها في الدنيا والمعرفة منفعتها في الدارين

# فلنحيينه حيوة طيبة ولنجزينهم أجرهم
~~بأحسن ما كانوا يعملون

# [النحل: 97] التاسع الشمس فوقانية الصورة تحتانية المعنى والمعارف
~~الإلهية بالعكس، العاشر الشمس تقع على الولي والعدو والمعرفة لا تحصل
~~إلا للولي، الحادي عشر الشمس تعرف أحوال الخلق والمعرفة توصل القلب إلى
~~الخالق، ولما كان شرح الصدر الذي هو أول مراتب الروحانيات أشرف من أعلى
~~مراتب الجسمانيات بدأ موسى عليه السلام بطلبه قائلا { رب اشرح لى
~~صدرى } وعلامة شرح الصدر ودخول النور الإلهي فيه التجافي عن دار
~~الغرور والرغبة في دار الخلود وشبهوا الصدر بقلعة وجعلوا الأول كالخندق
~~لها والثاني كالسور ms06547 فمتى كان الخندق عظيما والسور محكما عجز عسكر
~~الشيطان من الهوى والكبر والعجب والبخل وسوء الظن بالله تعالى وسائر
~~الخصال الذميمة ومتى لم يكونا كذلك دخل العسكر وحينئذ ينحصر الملك في قصر
~~القلب ويضيق الأمر عليه.

# وفرقوا بين الصدر والقلب والفؤاد واللب بأن الصدر مقر الإسلام

# أفمن شرح الله صدره للإسلام

# [الزمر: 22] والقلب مقر الإيمان

# حبب إليكم الإيمن وزينه فى قلوبكم

# [الحجرات: 7]

# أولئك كتب فى قلوبهم الإيمن

# [المجادلة: 22] والفؤاد مقر المشاهدة

# ما كذب الفؤاد ما رأى

# [النجم: 11] واللب مقام التوحيد

# إنما يتذكر أولوا الألبب

# [الرعد: 19] أي الذين خرجوا من قشر الوجود المجازي وبقوا بلب الوجود
~~الحقيقي؛ وإنما سأل موسى عليه السلام شرح الصدر دون القلب لأن انشراح
~~الصدر يستلزم انشراح القلب دون العكس وأيضا شرح الصدر كالمقدمة لشرح
~~القلب والحر تكفيه الإشارة، فإذا علم المولى سبحانه أنه طالب للمقدمة فلا
~~يليق بكرمه أن يمنعه النتيجة. وأيضا أنه عليه السلام راعى الأدب في
~~الطلب فاقتصر على طلب الأدنى فلا جرم أعطي المقصود فقيل:

# قد أوتيت سؤلك يموسى

# [طه: 36] ولما اجترأ في طلب الرؤية قيل له:

# لن ترانى

# [الأعراف: 143]، ولا يخفى ما بين قول موسى عليه السلام لربه عز وجل

# رب اشرح لى صدرى

# [طه: 25] وقول الرب لحبيبه صلى الله عليه وسلم

# ألم نشرح لك صدرك

# [الشرح: 1] ويعلم منه أن الكليم عليه السلام مريد والحبيب صلى الله عليه
~~وسلم مراد والفرق مثل الصبح ظاهر. ويزيد الفرق ظهورا أن موسى عليه
~~السلام في الحضرة الإلهية طلب لنفسه ونبينا صلى الله عليه وسلم حين قيل
~~له هناك السلام عليك أيها النبي قال: السلام علينا وعلى عباد الله
~~الصالحين، وقد أطال الإمام الكلام في هذه الآية بما هو من هذا النمط
~~فارجع إليه إن أردته

# واحلل عقدة من لسانى * يفقهوا قولي

# [طه: 27-28] كأنه عليه السلام طلب قدرة التعبير عن الحقائق الإلهية
~~بعبارة واضحة فإن المطلب وعر لا يكاد توجد له عبارة تسهله حتى يأمن سامعه
~~عن العثار. ولذا ترى كثيرا من الناس ضلوا بعبارات ms06548 بعض الأكابر من
~~الصوفية / في شرح الأسرار الألهية وقيل: إنه عليه السلام سأل حل عقدة
~~الحياء فإنه استحيا أن يخاطب عدو الله تعالى بلسان به خاطب الحق جل وعلا.
~~ولعله أراد من القول المضاف القول الذي به إرشاد للعباد فإن همة العارفين
~~لا تطلب النطق والمكالمة مع الناس فيما لا يحصل به إرشاد لهم نعم النطق
~~من حيث هو فضيلة عظيمة وموهبة جسيمة ولهذا قال سبحانه:

# الرحمن * علم القرءان * خلق الإنسن * علمه
~~البيان

# [الرحمن: 14] من غير توسيط عاطف. وعن علي كرم الله تعالى وجهه ما
~~الإنسان لولا اللسان إلا صورة مصورة أو بهيمة مهملة، وقال رضي الله عنه:
~~المرء مخبوء تحت طي لسانه لا طيلسانه، وقال رضي الله تعالى عنه: المرء
~~بأصغريه قلبه ولسانه، وقال زهير:

# لسان الفتى نصف ونصف فؤاده

# فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

# ومن الناس من مدح الصمت لأنه أسلم:

# يموت الفتى من عثرة بلسانه

# وليس يموت المرء من عثرة الرجل

# وفي « نوابغ الكلم» ق فاك لا يقرع قفاك، والإنصاف أن الصمت في نفسه ليس
~~بفضيلة لأنه أمر عدمي والمنطق في نفسه فضيلة لكن قد يصير رذيلة لأسباب
~~عرضية، فالحق ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله:

# " رحم الله تعالى امرأ قال خيرا فغنم أو سكت فسلم "

# وذكر في وجه عدم طلبه عليه السلام الفصاحة الكاملة أنها نصيب الحبيب
~~عليه الصلاة والسلام، فقد كان صلى الله عليه وسلم أفصح من نطق بالضاد فما
~~كان له أن يطلب ما كان له

# واجعل لى وزيرا من أهلى * هرون أخى * اشدد به
~~أزرى * وأشركه فى أمرى

# [طه: 29-32] فيه إشارة إلى فضيلة التعاون في الدين فإنه من أخلاق
~~المرسلين عليهم صلوات الله تعالى وسلامه أجمعين، والوزارة المتعارفة بين
~~الناس ممدوحة إن زرع الوزير في أرضها ما لا يندم عليه وقت حصاده بين يدي
~~ملك الملوك، وفيه إشارة أيضا إلى فضيلة التوسط بالخير للمستحقين لا سيما
~~إذا كانوا من ذوي القرابة:

# ومن منع المستوجبين فقد ظلم

# وفي تقديم موسى ms06549 عليه السلام مع أنه أصغر سنا على هرون عليه السلام مع
~~أنه الأكبر دليل على أن الفضل غير تابع للسن فالله تعالى يختص بفضله من
~~يشاء

# إنك كنت بنا بصيرا

# [طه: 35] في ختم الأدعية بذلك من حسن الأدب مع الله تعالى ما لا يخفى،
~~وهو من أحسن الوسائل عند الله عز وجل. ومن آثار ذلك استجابة الدعاء

# ولقد مننا عليك مرة أخرى

# [طه: 37] تذكير له عليه السلام بما يزيد إيقانه، وفيه إشارة إلى أنه
~~تعالى لا يرد بعد القبول ولا يحرم بعد الإحسان، ومن هنا قيل: إذا دخل
~~الإيمان القلب أمن السلب وما رجع من رجع إلا من الطريق

# واصطنعتك لنفسي

# [طه: 41] أفردتك لي بالتجريد فلا يشغلك عني شيء { فلبثت سنين
~~في أهل مدين } أشير بذلك إلى خدمته لشعيب عليه السلام وذلك
~~تربية منه تعالى له بصحبة المرسلين ليكون متخلقا بأخلاقهم متحليا
~~بآدابهم صالحا للحضرة. ولصحبة الأخيار نفع عظيم عند الصوفية وبعكس ذلك
~~صحبة الأشرار

# ثم جئت على قدر يموسى

# [طه: 40] وذلك زمان كمال الاستعداد ووقت بعثة الأنبياء عليهم السلام وهو
~~زمن بلوغهم أربعين سنة، ومن بلغ الأربعين ولم يغلب خيره على شره فلينح
~~على نفسه وليتجهز إلى النار

# اذهبا إلى فرعون إنه طغى

# [طه: 43] جاوز الحد في المعصية حتى ادعى الربوبية وذلك أثر سكر القهر
~~الذي هو وصف النفس الأمارة ويقابله سكر اللطف وهو وصف الروح ومنه ينشأ
~~الشطح ودعوى الأنانية قالوا: وصاحبه معذور / وإلا لم يكن فرق بين الحلاج
~~مثلا وفرعون. وأهل الغيرة بالله تعالى يقولون: لا فرق

# فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى

# [طه: 44] فيه إشارة إلى تعليم كيفية الإرشاد، وقال النهرجوري: إن الأمر
~~بذلك لأنه أحسن إلى موسى عليه السلام في ابتداء الأمر ولم يكافئه

# منها خلقنكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم
~~تارة أخرى

# [طه: 55] إشارة إلى الهياكل وأقفاص بلابل الأرواح وإلا فالأرواح أنفسها
~~من عالم الملكوت، وقد أشرقت على هذه الأشباح

# وأشرقت الأرض بنور ربها

# [الزمر: 96] والله تعالى أعلم. وقد تأول بعض أهل التأويل ms06550 هذه القصة
~~والآيات على ما في الأنفس وهو مشرب قد تركناه إلا قليلا والله تعالى
~~الهادي إلى سواء السبيل.

### || [20.56]

# { ولقد أرينه } حكاية أخرى إجمالية لما جرى بين موسى عليه
~~السلام وفرعون عليه اللعنة. وتصديرها بالقسم لإبراز كمال العناية
~~بمضمونها. والاراءة من الرؤية البصرية المتعدية إلى مفعول واحد وقد تعدت
~~إلى ثان بالهمزة أو من الرؤية القلبية بمعنى المعرفة وهي أيضا متعدية
~~إلى مفعول واحد بنفسها وإلى آخر بالهمزة، ولا يجوز أن تكون من الرؤية
~~بمعنى العلم المتعدي إلى اثنين بنفسه وإلى ثالث بالهمزة لما يلزمه من حذف
~~المفعول الثالث من الأعلام وهو غير جائز. وإسناد الإراءة إلى ضمير العظمة
~~نظرا إلى الحقيقة لا إلى موسى عليه السلام نظرا إلى الظاهر لتهويل أمر
~~الآيات وتفخيم شأنها وإظهار كمال شناعة اللعين وتماديه في الطغيان. وهذا
~~الإسناد يقوي كون ما تقدم من قوله تعالى:

# الذى

# [طه: 53] الخ من كلامه عز وجل أي بالله لقد بصرنا فرعون أو عرفناه {
~~ءايتنا } حين قال لموسى عليه السلام:

# إن كنت جئت بآية فأت بهآ إن كنت من الصادقين *
~~فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ونزع يده
~~فإذا هي بيضآء للناظرين

# [الأعراف: 106-108] وصيغة الجمع مع كونهما اثنتين إما لأن إطلاق الجمع
~~على الاثنين شائع على ما قيل أو باعتبار ما في تضاعيفهما من بدائع الأمور
~~التي كل منها آية بينة لقوم يعقلون وقد ظهر عند فرعون أمور أخر كل منها
~~داهية دهياء. فإنه روي أنه عليه السلام لما ألقاها انقلبت ثعبانا أشعر
~~فاغرا فاه بين لحييه ثمانون ذراعا وضع لحيه الأسفل على الأرض والأعلى
~~على سور القصر فتوجه نحو فرعون فهرب وأحدث فانهزم الناس مزدحمين فمات
~~منهم خمسة وعشرون ألفا من قومه فصاح فرعون يا موسى أنشدك بالذي أرسلك
~~إلا أخذته فأخذه فعاد عصا. وقد تقدم نحوه عن وهب بن منبه، وروي أنها
~~انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة نحو فرعون وجعلت
~~تقول: يا موسى مرني بما شئت ويقول فرعون: أنشدك الخ ms06551 ونزع يده من جيبه
~~فإذا هي بيضاء للناظرين بياضا نورانيا خارجا عن حدود العادات قد غلب
~~شعاعه شعاع الشمس يجتمع عليه النظارة تعجبا من أمره ففي تضاعيف كل من
~~الآيتين آيات جمة لكنها لما كانت غير مذكورة صريحا أكدت بقوله تعالى: {
~~كلها } كأنه قيل: أريناه آياتنا بجميع مستتبعاتها وتفاصيلها قصدا
~~إلى بيان أنه لم يبق [له] في ذلك عذر ما. والإضافة على ما قرر للعهد.
~~وأدرج بعضهم فيها حل العقدة كما أدرجه فيها في قوله تعالى:

# اذهب أنت وأخوك بئايتى

# [طه: 42] وقيل: المراد بها آيات موسى عليه السلام التسع كما روي عن ابن
~~عباس فيما تقدم والإضافة للعهد أيضا. وفيه أن أكثرها إنما ظهر على يده
~~عليه السلام بعد ما غلب السحرة على مهل في نحو من عشرين سنة.

# ولا ريب في أن أمر السحرة مترقب بعد، وعد بعضهم منها ما جعل لإهلاكهم
~~لا لإرشادهم إلى الإيمان من فلق البحر وما ظهر من بعد مهلكه من الآيات
~~الظاهرة / لبني اسرائيل من نتق الجبل والحجر الذي انفجرت منه العيون. وعد
~~آخرون منها الآيات الظاهرة على أيدي الأنبياء عليه السلام وحملوا الإضافة
~~على استغراق الأفراد. وبنى الفريقان ذلك على أنه عليه السلام قد حكى جميع
~~ما ذكر لفرعون وتلك الحكاية في حكم الإظهار والإراءة لاستحالة الكذب عليه
~~عليه السلام. ولا يخفى أن حكايته عليه السلام تلك الآيات مما لم يجر لها
~~ذكر ههنا مع أن ما سيأتي إن شاء الله تعالى من حمل ما أظهره عليه السلام
~~على السحر والتصدي للمعارضة بالمثل مما يبعد ذلك جدا. وأبعد من ذلك كله
~~إدراج ما فصله عليه السلام من أفعاله تعالى الدالة على اختصاصه سبحانه
~~بالربوبية وأحكامها في الآيات، وقيل: الإضافة لاستغراق الأنواع و كل
~~تأكيد له أي أريناه أنواع آياتنا كلها، والمراد بالآيات المعجزات
~~وأنواعها وهي كما قال السخاوي: ترجع إلى إيجاد معدوم أو إعدام موجود أو
~~تغييره مع بقائه وقد أري اللعين جميع ذلك في العصا واليد وفي الانحصار
~~نظر ومع الإغماض عنه ms06552 لا يخلو ذلك عن بعد، وزعمت الكشفية أن المراد من
~~الآيات علي كرم الله تعالى وجهه أظهره الله تعالى لفرعون راكبا على فرس
~~وذكروا من صفتها ما ذكروا. والجمع كما في قوله تعالى:

# آيات بينت مقام إبرهيم

# [آل عمران: 97] وظهور بطلانه يغني عن التعرض لرده.

# والفاء في قوله تعالى: { فكذب } للتعقيب والمفعول محذوف أي فكذب
~~الآيات أو موسى عليه السلام من غير تردد وتأخير { وأبى } أي قبول
~~الآيات أو الحق أو الإيمان والطاعة أي امتنع عن ذلك غاية الامتناع وكان
~~تكذيبه وإباؤه عند الأكثرين جحودا واستكبارا وهو الأوفق بالذم. ومن فسر
~~أرينا بعرفنا وقدر مضافا أي صحة آياتنا وقال: إن التعريف يوجب حصول
~~المعرفة قال بذلك لا محالة.

### || [20.57]

# وقوله تعالى: { قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا
~~بسحرك يموسى } استئناف مبين لكيفية تكذيبه وإبائه. والهمزة
~~لإنكار الواقع واستقباحه، وزعم أنه أمر محال والمجيء إما على حقيقته أو
~~بمعنى الإقبال على الأمر والتصدي له أي أجئتنا من مكانك الذي كنت فيه بعد
~~ما غبت عنا أو أقبلت علينا لتخرجنا من مصر بما أظهرته من السحر وهذا مما
~~لا يصدر عن عاقل لكونه من باب محاولة المحال، وإنما قال ذلك ليحمل قومه
~~على غاية المقت لموسى عليه السلام بإبراز أن مراده ليس مجرد إنجاء بني
~~إسرائيل من أيديهم بل إخراج القبط من وطنهم وحيازة أموالهم وأملاكهم
~~بالكلية حتى لا يتوجه إلى اتباعه أحد ويبالغوا في المدافعة والمخاصمة إذ
~~الإخراج من الوطن أخو القتل كما يرشد إلى ذلك قوله تعالى:

# ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو
~~اخرجوا من ديركم

# [النساء: 66] وسمى ما أظهره الله تعالى من المعجزة الباهرة سحرا
~~لتجسيرهم على المقابلة. ثم ادعى أنه يعارضه بمثله فقال: {
~~فلنأتينك بسحر مثله... }.

### || [20.58]

# { فلنأتينك بسحر مثله } والفاء لترتيب ما بعدها على ما
~~قبلها واللام واقعة في جواب قسم محذوف كأنه قيل: إذا كان كذلك فوالله
~~لنأتينك بسحر مثل سحرك { فاجعل بيننا وبينك موعدا } أي
~~وعدا على أنه مصدر ميمي وليس باسم زمان ولا ms06553 مكان لأن الظاهر أن قوله
~~تعالى: { لا نخلفه } صفة له والضمير المنصوب عائد إليه. ومتى كان
~~زمانا أو مكانا لزم تعلق الإخلاف بالزمان أو المكان وهو إنما يتعلق
~~بالوعد يقال: أخلف وعده لا زمان وعده ولا مكانه أي لا نخلف ذلك الوعد {
~~نحن ولا أنت } وإنما فوض اللعين أمر الوعد إلى موسى عليه السلام
~~للاحتراز عن نسبته إلى ضعف القلب وضيق الحال وإظهار الجلادة / وإراءة أنه
~~متمكن من تهيئة أسباب المعارضة وترتيب آلات المغالبة طال الأمد أم قصر
~~كما أن تقديم ضميره على ضمير موسى عليه السلام وتوسيط كلمة النفي بينهما
~~للإيذان بمسارعته إلى عدم الإخلاف وأن عدم إخلافه لا يوجب عدم إخلافه
~~عليه السلام ولذلك أكد النفي بتكرير حرفه. وقرأ أبو جعفر وشيبة { لا
~~نخلفه } بالجزم على أنه جواب للأمر أي إن جعلت ذلك لا نخلفه.

# { مكانا سوى } أي منصفا بيننا وبينك كما روي عن مجاهد وقتادة أي
~~محلا واقعا على نصف المسافة بيننا سواء بسواء، وهذا معنى قول أبي علي:
~~قربه منكم كقربه منا، وعلى ذلك قول الشاعر:

# وإن أبانا كان حل بأهله

# سوى بين قيس قيس عيلان والفزر

# أو محل نصف أي عدل كما روي عن السدي لأن المكان إذا لم يترجح قربه من
~~جانب على آخر كان معدلا بين الجانبين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد
~~أنه قال: أي مكانا مستويا من الأرض لا وعر فيه ولا جبل ولا أكمة ولا
~~مطمئن بحيث يستر الحاضرين فيه بعضهم عن بعض ومراده مكانا يتبين الواقفون
~~فيه ولا يكون فيه ما يستر أحدا منهم ليرى كل ما يصدر منك ومن السحرة.
~~وفيه من إظهار الجلادة وقوة الوثوق بالغلبة ما فيه، وهذا المعنى عندي حسن
~~جدا وإليه ذهب جماعة، وقيل: المعنى مكانا تستوي حالنا فيه وتكون
~~المنازل فيه واحدة لا تعتبر فيه رياسة ولا تؤدي سياسة بل يتحد هناك
~~الرئيس والمرؤوس والسائس والمسوس ولا يخلو عن حسن، وربما يرجع إلى معنى
~~منصفا أي محل نصف وعدل. وقيل: { سوى } بمعنى ms06554 غير والمراد مكانا غير
~~هذا المكان وليس بشيء لأن سوى بهذا المعنى لا تستعمل إلا مضافة لفظا ولا
~~تقطع عن الإضافة. وانتصاب { مكانا } على أنه مفعول به لفعل مقدر يدل
~~عليه { موعدا }  أي عد مكانا لا لموعدا لأنه كما قال ابن الحاجب:
~~مصدر قد وصف والمنصوب بالمصدر من تتمته ولا يوصف الشيء إلا بعد تمامه
~~فكان كوصف الموصول قبل تمام صلته وهو غير سائغ.

# وعن بعض النحاة أنه يجوز وصف المصدر قبل العمل مطلقا وهو ضعيف، وقال
~~ابن عطية: يجوز وصفه قبل العمل إذا كان المعمول ظرفا لتوسعهم فيه ما لم
~~يتوسعوا في غيره، ومن هنا جوز بعضهم أن يكون { مكانا } منصوبا على
~~الظرفية بموعدا. ورد بأن شرط النصب على الظرفية مفقود فيه، فقد قال
~~الرضي: يشترط في نصب { مكانا } على الظرفية أن يكون في عامله معنى
~~الاستقرار في الظرف كقمت وقعدت وتحركت مكانك فلا يجوز نحو كتبت الكتابة
~~مكانك وقتلته وشتمته مكانك، وتعقب بأن ما ذكره الرضي غير مسلم إذ لا مانع
~~من قولك لمن أراد التقرب منك ليكلمك: تكلم مكانك، نعم لا يطرد حسن ذلك في
~~كل مكان، ويجوز أن يكون ظرفا لقوله تعالى: { لا نخلفه } على أنه
~~مضمن معنى المجىء أو الإتيان، وجوز أن يكون ظرفا لمحذوف وقع حالا من
~~فاعل { نخلفه } ويقدر كونا خاصا لظهور القرينة أي آتين أو جائين
~~مكانا.

# وقرأ أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو { سوى } بكسر السين والتنوين
~~وصلا، وقرأ باقي السبعة بالضم والتنوين كذلك، ووقف أبو بكر وحمزة
~~والكسائي بالإمالة وورش وأبو عمرو بين بين. وقرأ الحسن في رواية كباقي
~~السبعة إلا أنه لم ينون وقفا ووصلا، وقرأ عيسى كالأولين إلا أنه لم
~~ينون / وقفا ووصلا أيضا، ووجه عدم التنوين في الوصل إجراؤه مجرى الوقف
~~في حذف التنوين والضم والكسر كما قال محي السنة وغيره لغتان في سوى مثل
~~عدى وعدى. وذكر بعض أهل اللغة أن فعلا بكسر الفاء مختص بالأسماء الجامدة
~~كعنب ولم يأت منه في الصفة إلا عدا ms06555 جمع عدو، وزاد الزمخشري سوى وغيره روى
~~بمعنى مرو، وقال الأخفش: سوى مقصور إن كسرت سينه أو ضممت وممدود إن فتحت
~~ففيه ثلاث لغات ويكون فيها جميعا بمعنى غير وبمعنى عدل ووسط بين
~~الفريقين، وأعلى اللغات على ما قال النحاس سوى بالكسر.

### || [20.59]

# { قال } أي موسى عليه السلام، قال في «البحر»: وأبعد من قال إن القائل
~~فرعون ولعمري أنه لا ينبغي أن يلتفت إليه، وكأن الذي اضطر قائله الخبر
~~السابق عن وهب بن منبه فليتذكر { موعدكم يوم الزينة } هو يوم
~~عيد كان لهم في كل عام يتزينون فيه ويزينون أسواقهم كما روي عن مجاهد
~~وقتادة، وقيل: يوم النيروز وكان رأس سنتهم. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن
~~حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه يوم عاشوراء
~~وبذلك فسر في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " من صام يوم الزينة أدرك ما فاته من صيام تلك السنة ومن تصدق يومئذ
~~بصدقة أدرك ما فاته من صدقة تلك السنة "

# ، وقيل: يوم كسر الخليج، وفي «البحر» أنه باق إلى اليوم، وقيل: يوم سوق
~~لهم، وقيل: يوم السبت وكان يوم راحة ودعة فيما بينهم كما هو اليوم كذلك
~~بين اليهود، وظاهر صنيع أبي حيان اختيار أنه يوم عيد صادف يوم عاشوراء
~~وكان يوم سبت.

# والظاهر أن الموعد ههنا اسم زمان للإخبار عنه بيوم الزينة أي زمان
~~وعدكم اليوم المشتهر فيما بينكم، وإنما لم يصرح عليه السلام بالوعد بل
~~صرح بزمانه مع أنه أول ما طلبه اللعين منه عليه السلام للإشارة إلى أنه
~~عليه السلام أرغب منه فيه لما يترتب عليه من قطع الشبهة وإقامة الحجة حتى
~~كأنه وقع منه عليه السلام قبل طلبه إياه فلا ينبغي له طلبه، وفيه إيذان
~~بكمال وثوقه من أمره، ولذا خص عليه السلام من بين الأزمنة يوم الزينة
~~الذي هو يوم مشهود وللاجتماع معدود، ولم يذكر عليه السلام المكان الذي
~~ذكره اللعين لأنه بناء على المعنى الأول والثالث فيه إنما ذكره اللعين
~~إيهاما للتفضل عليه عليه ms06556 السلام يريد بذلك إظهار الجلادة فأعرض عليه
~~السلام عن ذكره مكتفيا بذكر الزمان المخصوص للإشارة إلى استغنائه عن ذلك
~~وأن كل الأمكنة بعد حصول الاجتماع بالنسبة إليه سواء. وأما على المعنى
~~الثاني فيحتمل أنه عليه السلام اكتفى عن ذلك بما يستدعيه يوم الزينة فإن
~~من عادة الناس في الأعياد في كل وقت وكل بلد الخروج إلى الأمكنة المستوية
~~والاجتماع في الأرض السهلة التي لا يمنع فيها شيء عن رؤية بعضهم بعضا،
~~وبالجملة قد أخرج عليه الصلاة والتسليم جوابه على الأسلوب الحكيم، ولله
~~تعالى در الكليم ودره النظيم، وقيل: الموعد ههنا مصدر أيضا ويقدر مضاف
~~لصحة الإخبار أي وعدكم وعد يوم الزينة، ويكتفي عن ذكر المكان بدلالة يوم
~~الزينة عليه، وقيل: الموعد في السؤال اسم مكان وجعله مخلفا على التوسع
~~كما في قوله: ويوما شهدنا أو الضمير في

# لا نخلفه

# [طه: 58] للوعد الذي تضمنه اسم المكان على حد

# اعدلوا هو أقرب للتقوى

# [المائدة: 8] أو للموعد بمعنى الوعد على طريق الاستخدام، والجملة في
~~الاحتمالين معترضة. ولا يجوز أن تكون صفة إذ لا بد في جملة الصفة من ضمير
~~يعود على الموصوف بعينه، والقول بحذفه ليس بشيء / و { مكانا } على ما
~~قال أبو علي مفعول ثان ل

# اجعل

# [طه: 58]، وقيل: بدل أو عطف بيان، والموعد في الجواب اسم زمان ومطابقة
~~الجواب من حيث المعنى فإن يوم الزينة يدل على مكان مشتهر باجتماع الناس
~~يومئذ فيه أو هو اسم مكان أيضا ومعناه مكان وقوع الموعود به لا مكان
~~لفظ الوعد كما توهم ويقدر مضاف لصحة الإخبار أي مكان يوم الزينة
~~والمطابقة ظاهرة، وقيل: الموعد في الأول مصدر إلا أنه حذف منه المضاف
~~أعني مكان وأقيم هو مقامه ويجعل

# مكانا

# [طه: 58] تابعا للمقدر أو مفعولا ثانيا؛ وفي الثاني إما اسم زمان
~~ومعناه زمان وقوع الموعود به لا لفظ الوعد كما يرشد إليه قوله:

# قالوا الفراق فقلت موعده غد

# والمطابقة معنوية وإما اسم مكان، ويقدر مضاف في الخبر والمطابقة ظاهرة
~~كما سمعت، وإما مصدر أيضا ويقدر ms06557 مضافان أحدهما في جانب المبتدأ والآخر
~~في جانب الخبر أي مكان وعدكم مكان يوم الزينة وأمر المطابقة لا يخفى،
~~وقيل: يقدر في الأول مضافان أي مكان إنجاز وعدكم أو مضاف واحد لكن تصير
~~الإضافة لأدنى ملابسة، والأظهر تأويل المصدر بالمفعول وتقدير مضاف في
~~الثاني أي موعودكم مكان يوم الزينة وهو مبني على توهم باطل أشرنا إليه،
~~وقيل: هو في الأول والثاني اسم زمان و

# لا نخلفه

# [طه: 58] من باب الحذف والإيصال والأصل لا نخلف فيه و

# مكانا

# [طه: 58] ظرف ل

# اجعل

# [طه: 58] وإلى هذا أشار في «الكشف» فقال: لعل الأقرب مأخذا أن يجعل
~~المكان مخلفا على الاتساع والطباق من حيث المعنى أو المعنى اجعل بيننا
~~وبينك في مكان سوى منصف زمان وعد لا نخلف فيه فالمطابقة حاصلة لفظا
~~ومعنى و { مكانا } ظرف لغو انتهى. واعترض بما لا يخفى رده على من أحاط
~~خبرا بأطراف كلامنا. وأنت تعلم أن الاحتمالات في هذه الآية كثيرة جدا
~~والأولى منها ما هو أوفق بجزالة التنزيل مع قلة الحذف والخلو عن نزع الخف
~~قبل الوصول إلى الماء فتأمل.

# وقرأ الحسن والأعمش وعاصم في رواية وأبو حيوة وابن أبي عبلة وقتادة
~~والجحدري، وهبيرة والزعفراني { يوم الزينة } بنصب { يوم } وهو ظاهر
~~في أن المراد بالموعد المصدر لأن المكان والزمان لا يقعان في زمان بخلاف
~~الحدث، أما الأول فلأنه لا فائدة فيه لحصوله في جميع الأزمنة؛ وأما
~~الثاني فلأن الزمان لا يكون ظرفا للزمان ظرفية حقيقية لأنه يلزم حلول
~~الشيء في نفسه، وأما مثل ضحى اليوم في اليوم فهو من ظرفية الكل لأجزائه
~~وهي ظرفية مجازية وما نحن فيه ليس من هذا القبيل كذا قيل وفيه منع ظاهر.

# وقيل: إنه يستدل بظاهر ذلك على كون الموعد أولا مصدرا أيضا لأن
~~الثاني عين الأول لإعادة النكرة معرفة، وفي «الكشف» لعل الأقرب مأخذا
~~على هذه القراءة أن يجعل الأول زمانا، والثاني مصدرا أي وعدكم كائن يوم
~~الزينة. والجواب مطابق معنى دون تكلف إذ لا فرق بين زمان الوعد يوم كذا ms06558
~~رفعا وبين الوعد يوم كذا نصبا في الحاصل بل هو من الأسلوب الحكيم
~~لاشتماله على زيادة.

# وقوله تعالى: { وأن يحشر الناس ضحى } عطف على { الزينة }
~~، وقيل: على { يوم } ، والأول أظهر لعدم احتياجه إلى التأويل، وانتصب
~~{ ضحى } على الظرف وهو ارتفاع النهار ويؤنث ويذكر، والضحاء بفتح الضاد
~~ممدود مذكر، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى. وجوز على القراءة بنصب { يوم
~~} أن يكون { موعدكم } مبتدأ بتقدير وقت مضاف إليه على أنه من باب
~~أتيتك خفوق النجم، والظرف متعلق به و { ضحى } خبره على نية التعريف فيه
~~لأنه ضحى ذلك اليوم بعينه / ولو لم يعرف لم يكن مطابقا لمطلبهم حيث
~~سألوه عليه السلام موعدا معينا لا يخلف وعده، وقيل: يجوز أن يكون
~~الموعد زمانا و { ضحى } خبره و { يوم الزينة } حالا مقدما
~~وحينئذ يستغنى عن تعريف ضحى وليس بشيء ثم إن هذا التعريف بمعنى التعيين
~~معنى لا على معنى جعل { ضحى } أحد المعارف الاصطلاحية كما قد يتوهم.
~~وقال الطيبي: قال ابن جني: يجوز أن يكون { أن يحشر } عطفا على
~~الموعد كأنه قيل: إنجاز موعدكم وحشر الناس ضحى في يوم الزينة. وكأنه جعل
~~الموعد عبارة عما يتجدد في ذلك اليوم من الثواب والعقاب وغيرهما سوى
~~الحشر ثم عطف الحشر عليه عطف الخاص على العام اه وهو كما ترى.

# وقرأ ابن مسعود والجحدري وأبو عمران الجوني وأبو نهيك وعمرو بن قائد {
~~تحشر الناس } بتاء الخطاب ونصب { الناس } والمخاطب بذلك فرعون. وروي عنهم
~~أنهم قرأوا بياء الغيبة ونصب { الناس } والضمير في { يحشر } على هذه
~~القراءة إما لفرعون وجىء به غائبا على سنن الكلام مع الملوك، وإما لليوم
~~والإسناد مجازي كما في صام نهاره، وقال صاحب «اللوامح»: الفاعل محذوف
~~للعلم به أي وأن يحشر الحاشر الناس. وأنت تعلم أن حذف الفاعل في مثل هذا
~~لا يجوز عند البصريين، نعم قيل في مثله: إن الفاعل ضمير يرجع إلى اسم
~~الفاعل المفهوم من الفعل.

### || [20.60]

# { فتولى فرعون } أي انصرف عن المجلس، وقيل: تولى الأمر بنفسه
~~وليس بذاك. وقيل: أعرض عن ms06559 قبول الحق وليس بشيء { فجمع كيده } أي
~~ما يكاد به من السحرة وأدواتهم أو ذوي كيده { ثم أتى } أي الموعد
~~ومعه ما جمعه. وفي كلمة التراخي إيماء إلى أنه لم يسارع إليه بل أتاه بعد
~~بطء وتلعثم، ولم يذكر سبحانه إتيان موسى عليه السلام بل قال جل وعلا: {
~~قال لهم موسى... }.

### || [20.61]

# { قال لهم موسى } للإيذان بأنه أمر محقق غني عن التصريح به،
~~والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا كأنه قيل: فماذا صنع موسى عليه السلام
~~عند إتيان فرعون بمن جمعه من السحرة فقيل: قال لهم بطريق النصيحة {
~~ويلكم لا تفتروا على الله كذبا } بأن تدعوا آياته
~~التي ستظهر على يدي سحرا كما فعل فرعون { فيسحتكم } أي يستأصلكم
~~بسبب ذلك. { بعذاب } هائل لا يقادر قدره. وقرأ جماعة من السبعة وابن
~~عباس { فيسحتكم } بفتح الياء والحاء من الثلاثي على لغة أهل الحجاز
~~والإسحات لغة نجد وتميم، وأصل ذلك استقصاء الحلق للشعر ثم استعمل في
~~الإهلاك والاستئصال مطلقا { وقد خاب من افترى } أي على الله
~~تعالى كائنا من كان بأي وجه كان فيدخل فيه الافتراء المنهي عنه دخولا
~~أوليا أو قد خاب فرعون المفتري فلا تكونوا مثله في الخيبة وعدم نجح
~~الطلبة، والجملة اعتراض مقرر لمضمون ما قبلها.

### || [20.62]

# { فتنزعوا } أي السحرة حين سمعوا كلامه عليه السلام كأن ذلك
~~غاظهم فتنازعوا { أمرهم } الذي أريد منهم من مغالبته عليه السلام
~~وتشاوروا وتناظروا { بينهم } في كيفية المعارضة وتجاذبوا أهداب
~~القول في ذلك { وأسروا النجوى } بالغوا في إخفاء كلامهم عن
~~موسى وأخيه عليهما السلام لئلا يقفا عليه فيدافعاه، وكان نجواهم على ما
~~قاله جماعة منهم الجبائي وأبو مسلم ما نطق به قوله تعالى: { قالوا
~~إن هذن لساحرن... }.

### || [20.63]

# { قالوا } أي بطريق التناجي والإسرار { إن هذن لساحرن }
~~الخ فإنه تفسير لذلك ونتيجة التنازع وخلاصة ما استقرت / عليه آراؤهم بعد
~~التناظر والتشاور. وقيل: كان نجواهم أن قالوا حين سمعوا مقالة موسى عليه
~~السلام ما هذا بقول ساحر، وروي ذلك عن محمد بن إسحاق. وقيل: كان ذلك أن
~~قالوا: إن ms06560 غلبنا موسى اتبعناه، ونقل ذلك عن الفراء والزجاج. وقيل: كان
~~ذلك أن قالوا: إن كان هذا ساحرا فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر،
~~وروي ذلك عن قتادة، وعلى هذه الأقوال يكون المراد من

# أمرهم

# [طه: 62] أمر موسى عليه السلام وإضافته إليهم لأدنى ملابسة لوقوعه فيما
~~بينهم واهتمامهم به ويكون إسرارهم من فرعون وملئه، ويحمل قولهم: { إن
~~هذن لساحرن } الخ على أنهم اختلفوا فيما بينهم من الأقاويل
~~المذكورة ثم استقرت آراؤهم على ذلك وأبوا إلا المناصبة للمعارضة وهو كلام
~~مستأنف استئنافا بيانيا كأنه قيل: فماذا قالوا للناس بعد تمام التنازع
~~فقيل: { قالوا إن هذن } الخ. وجعل الضمير في { قالوا }:
~~لفرعون وملئه على أنهم قالوا ذلك للسحرة ردا لهم عن الاختلاف وأمرا
~~بالإجماع والإزماع وإظهار الجلادة مخل بجزالة النظم الكريم كما يشهد به
~~الذوق السليم، نعم لو جعل ضمير

# تنزعوا

# [طه: 62] والضمائر الذي بعده لهم كما ذهب إليه أكثر المفسرين أيضا لم
~~يكن فيه ذلك الإخلال، وإن مخففة من إن وقد أهملت عن العمل واللام فارقة.

# وقرأ ابن كثير بتشديد نون { هذان } وهو على خلاف القياس للفرق بين
~~الأسماء المتمكنة وغيرها. وقال الكوفيون: إن نافية واللام بمعنى إلا أي
~~ما هذان إلا ساحران ويؤيده أنه قرىء كذلك. وفي رواية عن أبي أنه قرأ {
~~إن هذن إلا ساحران }. وقرىء { إن ذان } بدون هاء التنبيه { إلا
~~ساحران } وعزاها ابن خالويه إلى عبد الله. وبعضهم إلى أبي وهي تؤيد ذلك
~~أيضا. وقرىء { إن ذان لساحران } بإسقاط هاء التنبيه فقط. وقرأ أبو جعفر
~~والحسن وشيبة والأعمش وطلحة وحميد وأيوب وخلف في اختياره وأبو عبيد وأبو
~~حاتم وابن عيسى الأصبهاني وابن جرير وابن جبير الأنطاكي والأخوان
~~والصاحبان من السبعة { إن } بتشديد النون { هذان } بألف ونون خفيفة،
~~واستشكلت هذه القراءة حتى قيل: إنها لحن وخطأ بناء على ما أخرجه أبو
~~عبيد في «فضائل القرآن» عن هشام بن عروة عن أبيه قال: سألت عائشة رضي
~~الله تعالى عنها عن لحن القرآن عن قوله تعالى: { إن هذن
~~لساحرن } وعن ms06561 قوله تعالى:

# والمقيمين الصلوة والمؤتون الزكوة

# [النساء: 162] وعن قوله تعالى:

# والذين هادوا والصبئون

# [المائدة: 69] فقالت: يا ابن أخي هذا عمل الكتاب أخطؤا في الكتاب،
~~وإسناده صحيح على شرط الشيخين كما قال الجلال السيوطي.

# وهذا مشكل جدا إذ كيف يظن بالصحابة أولا أنهم يلحنون في الكلام فضلا
~~عن القرآن وهم الفصحاء اللد، ثم كيف يظن بهم ثانيا الغلط في القرآن الذي
~~تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم كما أنزل ولم يألوا جهدا في حفظه
~~وضبطه وإتقانه، ثم كيف يظهر بهم ثالثا اجتماعهم كلهم على الخطأ وكتابته،
~~ثم كيف يظن بهم رابعا عدم تنبههم ورجوعهم عنه، ثم كيف يظن خامسا
~~الاستمرار على الخطأ وهو مروي بالتواتر خلفا عن سلف ولو ساغ مثل ذلك
~~لارتفع الوثوق بالقرآن.

# وقد خرجت هذه القراءة على وجوه، الأول أن { إن } بمعنى نعم وإلى ذلك ذهب
~~جماعة منهم المبرد والأخفش الصغير وأنشدوا قوله:

# / بكر العواذل في الصبو

# ح يلمنني وألومهنه

# ويقلن شيب قد علا

# ك وقد كبرت فقلت إنه

# والجيد الاستدلال بقول ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما لمن قال له: لعن
~~الله ناقة حملتني إليك إن وراكبها إذ قد قيل: في البيت إنا لا نسلم أن إن
~~فيه بمعنى نعم، والهاء للسكت بل هي الناصبة والهاء ضمير منصوب بها والخبر
~~محذوف أي إنه كذلك ولا يصح أن يقال: إنها في الخبر كذلك وحذف الجزءان لأن
~~حذف الجزأين جميعا لا يجوز. وضعف هذا الوجه بأن كونها بمعنى نعم لم
~~يثبت، أو هو نادر. وعلى تقدير الثبوت من غير ندرة ليس قبلها ما يقتضي
~~جوابا حتى تقع نعم في جوابه. والقول بأنه يفهم من صدر الكلام أن منهم من
~~قال: هما ساحران فصدق وقيل: نعم بعيد. ومثله القول بأن ذلك تصديق لما
~~يفهم من قول فرعون:

# أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يموسى

# [طه: 57] وأيضا إن لام الابتداء لا تدخل على خبر المبتدأ.

# وأجيب عن هذا بأن اللام زائدة وليست للابتداء كما في قوله:

# أم الحليس لعجوز شهربه

# ترضى ms06562 من اللحم بعظم الرقبة

# أو بأنها داخلة على مبتدأ محذوف أي لهما ساحران، كما اختاره الزجاج
~~وقال: عرضته على عالمنا وشيخنا وأستاذنا محمد بن زيد يعني المبرد والقاضي
~~إسماعيل بن إسحاق بن حماد فقبلاه، وذكرا أنه أجود ما سمعناه في هذا أو
~~بأنها دخلت بعد إن هذه لشبهها بأن المؤكدة لفظا كما زيدت أن بعد ما
~~المصدرية لمشابهتها للنافية في قوله:

# ورج الفتى للخير ما إن رأيته

# على السن خيرا لا يزال يزيد

# ورد الأول: بأن زيادتها في الخبر خاصة بالشعر وما هنا محل النزاع فلا
~~يصح الاحتجاج به كما توهم النيسابوري. وزيف الثاني أبو علي في «الإغفال»
~~بما خلاصته أن التأكيد فيما خيف لبسه فإذا بلغ به الشهرة الحذف استغنى
~~لذلك عن التأكيد، ولو كان ما ذكر وجها لم يحمل نحو لعجوز شهربة على
~~الضرورة ولا تقاس على أن حيث حذف معها الخبر في:

# إن محلا وإن مرتحلا

# وإن اجتمعا في التأكيد لأنها مشبهة بلا وحمل النقيض على النقيض شائع،
~~وابن جني بأن الحذف من باب الإيجاز والتأكيد من باب الإطناب والجمع
~~بينهما محال للتنافي. وأجيب: بأن الحذف لقيام القرينة والاستغناء غير
~~مسلم والتأكيد لمضمون الجملة لا للمحذوف والحمل في البيت ممكن أيضا
~~واقتصارهم فيه على الضرورة ذهول وكم ترك الأول للآخر واجتماع الإيجاز
~~والإطناب مع اختلاف الوجه غير محال. وأصدق شاهد على دخول اللام في مثل
~~هذا الكلام ما رواه الترمذي وأحمد وابن ماجه { أغبط أوليائي عندي لمؤمن
~~خفيف الحاذ } نعم لا نزاع في شذوذ هذا الحذف استعمالا وقياسا. الثاني:
~~أن إن من الحروف الناصبة واسمها ضمير الشأن وما بعد مبتدأ وخبر والجملة
~~خبرها، وإلى ذلك ذهب قدماء النحاة. وضعف بأن ضمير الشأن موضوع لتقوية
~~الكلام وما كان كذلك لا يناسبه الحذف والمسموع من حذفه كما في قوله:

# إن من لام في بني بنت حسا

# ن ألمه وأعصه في الخطوب

# وقوله:

# إن من يدخل الكنيسة يوما

# يلق فيها جآذرا وظباء

# / ضرورة أو شاذ إلا في باب ان المفتوحة ms06563 إذا خففت فاستسهلوه لوروده في
~~كلام بني على التخفيف فحذف تبعا لحذف النون ولأنه لو ذكر لوجب التشديد
~~إذ الضمائر ترد الأشياء إلى أصولها، ثم يرد بحث دخول اللام في الخبر، وإن
~~التزم تقدير مبتدأ داخلة هي عليه فقد سمعت ما فيه من الجرح والتعديل،
~~الثالث: أنها الناصبة وهاء ضمير القصة اسمها وجملة { هذن
~~لساحرن } خبرها، وضعف بأنه يقتضي وصل ها بإن من إثبات الألف وفصل ها
~~من { ذان } في الرسم وما في المصحف ليس كذلك، ومع ذلك يرد بحث دخول
~~اللام. الرابع: أن إن ملغاة وإن كانت مشددة حملا لها على المخففة وذلك
~~كما أعملت المخففة حملا لها عليها في قوله تعالى:

# وإن كلا لما ليوفينهم

# [هود: 111] أو حطا لرتبتها عن الفعل لأن عملها ليس بالأصالة بل بالشبه
~~له وما بعدها مبتدأ وخبر وإلى ذلك ذهب علي بن عيسى. وفيه أن هذا الإلغاء
~~لم ير في غير هذا الموضع وهو محل النزاع وبحث اللام فيه بحالة. الخامس:
~~وهو أجود الوجوه وأوجهها واختاره أبو حيان وابن مالك والأخفش وأبو علي
~~الفارسي وجماعة أنها الناصبة، واسم الإشارة اسمها، واللام لام الابتداء و
~~{ ساحران } خبرها؛ ومجىء اسم الإشارة بالألف مع أنه منصوب جار على لغة
~~بعض العرب من إجراء المثنى بالألف دائما قال شاعرهم:

# واها لريا ثم واها واها

# يا ليت عيناها لنا وفاها

# وموضع الخلخال من رجلاها

# بثمن نرضي به أباها

# وقال الآخر:

# وأطرق إطراق الشجاع ولو يرى

# مساغا لنا باه الشجاع لصمما

# وقالوا: ضربته بين أذناه ومن يشتري الخفان وهي لغة لكنانة حكى ذلك أبو
~~الخطاب ولبني الحرث بن كعب وخثعم وزبيد وأهل تلك الناحية حكى ذلك الكسائي
~~ولبني العنبر وبني الهيجم ومراد وعذرة وقال أبو زيد: سمعت من العرب من
~~يقلب كل ياء ينفتح ما قبلها ألفا، وابن الحاجب يقول: إن { هذان }
~~مبني لدلالته على معنى الإشارة وإن قول الأكثرين هذين جرا ونصبا ليس
~~إعرابا أيضا. قال ابن هشام: وعلى هذا فقراءة هذان أقيس إذ الأصل في
~~المبني أن ms06564 لا تختلف صيغته مع أن فيها مناسبة لألف { ساحران } اه.

# وأما الخبر السابق عن عائشة فقد أجاب عنه ابن أشته وتبعه ابن جبارة في
~~«شرح الرائية» بأن قولها: أخطؤا على معنى أخطؤا في اختيار الأولى من
~~الأحرف السبعة لجمع الناس عليه لا أن الذي كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز فإن
~~ما لا يجوز من كل شيء مردود بالإجماع وإن طالت مدة وقوعه وبنحو هذا يجاب
~~عن أخبار رويت عنها أيضا. وعن ابن عباس في هذا الباب تشكل ظواهرها. ثم
~~أخرج عن إبراهيم النخعي أنه قال: (إن هذان لساحران) و(إن هذين لساحران)
~~سواء لعلهم كتبوا الألف مكان الياء يعني أنه من إبدال حرف في الكتابة
~~بحرف كما وقع في صلاة وزكاة وحياة. ويرد على هذا أنه إنما يحسن لو كانت
~~القراءة بالياء في ذلك. ثم أنت تعلم أن الجواب المذكور لا يحسم مادة
~~الإشكال لبقاء تسمية عروة ذلك في السؤال لحنا اللهم إلا أن يقال: أراد
~~باللحن اللغة كما قال ذلك ابن أشته في قول ابن جبير المروي عنه بطرق في

# والمقيمين الصلوة

# [النساء: 162] هو لحن من الكاتب أو يقال: أراد به اللحن بحسب بادىء
~~الرأي. وابن الأنباري جنح إلى تضعيف الروايات في / هذا الباب ومعارضتها
~~بروايات أخر عن ابن عباس وغيره تدل على ثبوت الأحرف التي قيل فيها ما قيل
~~في القراءة. ولعل الخبر السابق الذي ذكر أنه صحيح الإسناد على شرط
~~الشيخين داخل في ذلك لكن قال الجلال السيوطي: إن الجواب الأول الذي ذكره
~~ابن أشته أولى وأقعد. وقال العلاء فيما أخرجه ابن الأنباري وغيره عن
~~عكرمة قال: لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد فيها حروفا من اللحن
~~فقال: لا تغيروها فإن العرب ستغيرها أو قال: ستقرؤها بألسنتها لو كان
~~الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف إن ذلك لا يصح عن
~~عثمان فإن إسناده ضعيف مضطرب منقطع.

# والذي أجنح أنا إليه والعاصم هو الله تعالى تضعيف جميع ما ورد مما فيه
~~طعن ms06565 بالمتواتر ولم يقبل تأويلا ينشرح له الصدر ويقبله الذوق وإن صححه من
~~صححه. والطعن في الرواة أهون بكثير من الطعن بالأئمة الذين تلقوا القرآن
~~العظيم الذي وصل إلينا بالتواتر من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يألوا
~~جهدا في إتقانه وحفظه.

# وقد ذكر أهل المصطلح أن مما يدرك به وضع الخبر ما يؤخذ من حال المروي
~~كأن يكون مناقضا لنص القرآن أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي أو
~~صريح العقل حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل أو لم يحتمل سقوط شيء منه
~~يزول به المحذور فلو قال قائل بوضع بعض هاتيك الأخبار لم يبعد والله
~~تعالى أعلم.

# وقرأ أبو عمرو { إن هذين } بتشديد نون { إن } وبالياء في { هذين } وروي
~~ذلك عن عائشة والحسن والأعمش والنخعي والجحدري وابن جبير وابن عبيد
~~وإعراب ذلك واضح إذ جاء على المهيع المعروف في مثله لكن في «الدر المصون»
~~قد استشكلت هذه القراءة بأنها مخالفة لرسم الإمام فإن اسم الإشارة فيه
~~بدون ألف وياء فإثبات الياء زيادة عليه ولذا قال الزجاج: أنا لا أجيزها
~~وليس بشيء لأنه مشترك الإلزام ولو سلم فكم في القراءات ما خالف رسمه
~~القياس مع أن حذف الألف ليس على القياس أيضا.

# { يريدان أن يخرجاكم من أرضكم } أي أرض مصر
~~بالاستيلاء عليها { بسحرهما } الذي أظهراه من قبل، ونسبة ذلك
~~لهارون لما أنهم رأوه مع موسى عليهما السلام سالكا طريقته. وهذه الجملة
~~صفة أو خبر بعد خبر. { ويذهبا بطريقتكم المثلى } أي
~~بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب وأمثلها بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما
~~يريدون به ما كان عليه قوم فرعون لا طريقة السحر فإنهم ما كانوا يعتقدونه
~~دينا. وقيل: أرادوا أهل طريقتكم فالكلام على تقدير مضاف. والمراد بهم
~~بنو إسرائيل لقول موسى عليه السلام:

# أرسل معنا بنى إسرءيل

# [طه: 47] وكانوا أرباب علم فيما بينهم. وأخرج ذلك ابن المنذر وابن أبي
~~حاتم عن ابن عباس.

# وتعقب بأن إخراجهم من أرضهم إنما يكون بالاستيلاء عليها تمكنا وتصرفا
~~فكيف يتصور حينئذ نقل بني إسرائيل إلى الشام. ms06566 وحمل الإخراج على إخراج
~~بني إسرائيل منها مع بقاء قوم فرعون على حالهم مما يجب تنزيه التنزيل عن
~~أمثاله، على أن هذه المقالة منهم للإغراء بالمبالغة في المغالبة
~~والاهتمام بالمناصبة فلا بد أن يكون الإنذار والتحذير بأشد المكاره
~~وأشقها عليهم، ولا ريب في أن إخراج بني إسرائيل من بينهم والذهاب بهم إلى
~~الشام وهم آمنون في ديارهم ليس فيه كثير محذور وهو كلام يلوح عليه مخايل
~~القبول فلعل الخبر عن الحبر لا يصح.

# وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم أيضا عن مجاهد أن الطريقة اسم لوجوه
~~القوم وأشرافهم. وحكى فلان / طريقة قومه أي سيدهم، وكأن إطلاق ذلك على
~~الوجوه مجاز لاتباعهم كما يتبع الطريق. وأخرجا عن علي كرم الله تعالى
~~وجهه أن إطلاق ذلك عليهم بالسريانية، وكأنهم أرادوا بهؤلاء الوجوه الوجوه
~~من قوم فرعون أرباب المناصب وأصحاب التصرف والمراتب فيكونوا قد حذروهم
~~بالإخراج من أوطانهم وفصل ذوي المناصب منهم عن مناصبهم وفي ذلك غاية الذل
~~والهوان ونهاية حوادث الزمان، فما قيل: إن تخصيص الإذهاب بهم مما لا مزية
~~فيه ليس بشيء، وقيل: إنهم أرادوا بهم بني إسرائيل أيضا لأنهم كانوا أكثر
~~منهم نشبا وأشرف نسبا وفيه ما مر آنفا، واعترض أيضا بأنه ينافيه
~~استعبادهم واستخدامهم وقتل أولادهم وسومهم العذاب. وأجيب بالمنع فكم من
~~متبوع مقهور وشريف بأيدي الأنذال مأسور وهو كما ترى.

### || [20.64]

# { فأجمعوا كيدكم } تصريح بالمطلوب إثر تمهيد المقدمات.
~~والفاء فصيحة أي إذا كان الأمر كما ذكر من كونهما ساحرين يريدان بكم ما
~~يريدان فأزمعوا كيدكم واجعلوه مجمعا عليه بحيث لا يتخلف عنه منكم أحد
~~وارموا عن قوس واحدة. وقرأ الزهري وابن محيصن وأبو عمرو ويعقوب في رواية
~~وأبو حاتم { فاجمعوا } بوصل الهمزة وفتح الميم من الجمع، ويعضده قوله
~~تعالى:

# فجمع كيده

# [طه: 60] وفي الفرق بين جمع وأجمع كلام للعلماء. قال ابن هشام: إن أجمع
~~يتعلق بالمعاني فقط وجمع مشترك بين المعاني والذوات. وفي «عمدة الحفاظ»
~~حكاية القول بأن أجمع أكثر ما يقال في المعاني وجمع في الأعيان فيقال: ms06567
~~أجمعت أمري وجمعت قومي وقد يقال بالعكس. وفي «المحكم» أنه يقال: جمع
~~الشيء عن تفرقة يجمعه جمعا وأجمعه فلم يفرق بينهما، وقال الفراء: إذا
~~أردت جمع المتفرق قلت: جمعت القوم فهم مجموعون وإذا أردت جمع المال قلت
~~جمعت بالتشديد ويجوز تخفيفه والإجماع الإحكام والعزيمة على الشيء ويتعدى
~~بنفسه وبعلى تقول: أجمعت الخروج وأجمعت على الخروج، وقال الأصمعي: يقال
~~جمعت الشيء إذا جئت به من هنا ومن هنا وأجمعته إذا صيرته جميعا، وقال
~~أبو الهيثم: أجمع أمره أي جعله جميعا وعزم عليه بعد ما كان متفرقا
~~وتفرقته أن يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا والجمع أن يجمع شيئا إلى
~~شيء، وقال الفراء: في هذه الآية على القراءة الأولى أي لا تدعوا شيئا من
~~كيدكم إلا جئتم به.

# { ثم ائتوا صفا } أي مصطفين أمروا بذلك لأنه أهيب في صدور
~~الرائين وأدخل في استجلاب الرهبة من المشاهدين. قيل: كانوا سبعين ألفا
~~مع كل منهم حبل وعصا وأقبلوا عليه عليه السلام إقبالة واحدة، وقيل: كانوا
~~اثنين وسبعين ساحرا اثنان من القبط والباقي من بني إسرائيل، وقيل:
~~تسعمائة ثلاثمائة من الفرس وثلاثمائة من الروم وثلاثمائة من الإسكندرية،
~~وقيل: خمسة عشر ألفا، وقيل بضعة وثلاثين ألفا، ولا يخفى حال الإخبار في
~~ذلك والقلب لا يميل إلى المبالغة والله تعالى أعلم، ولعل الموعد كان
~~مكانا متسعا خاطبهم موسى عليه السلام بما ذكر في قطر من أقطاره
~~وتنازعوا أمرهم في قطر آخر منه ثم أمروا أن يأتوا وسطه على الحال
~~المذكورة، وقد فسر أبو عبيدة الصف بالمكان الذي يجتمعون فيه لعيدهم
~~وصلواتهم وفيه بعد، وكأنه علم لموضع معين من مكان يوم الزينة، وعلى هذا
~~التفسير يكون { صفا } مفعولا به. وقرأ شبل بن عباد وابن كثير في
~~رواية شبل عنه { ثم ايتوا } بكسر الميم وإبدال الهمزة ياء. قال أبو
~~علي: وهذا غلط ولا وجه لكسر الميم من ثم، وقال صاحب «اللوامح»: إن ذلك
~~لالتقاء الساكنين كما كانت الفتحة في / قراءة العامة كذلك.

# { وقد أفلح اليوم من استعلى } اعتراض ms06568 تذييلي من قبلهم
~~مؤكد لما قبله من الأمرين أي قد فاز بالمطلوب من غلب. فاستفعل بمعنى فعل
~~كما في «الصحاح» أو من طلب العلو والغلب وسعى سعيه على ما في «البحر»
~~فاستفعل على بابه، ولعله أبلغ في التحريض حيث جعلوا الفوز لمن طلب الغلب
~~فضلا عمن غلب بالفعل وأرادوا بالمطلوب ما وعدهم فرعون من الأجر والتقريب
~~حسبما نطق به قوله تعالى:

# وإنكم لمن المقربين

# [الأعراف: 114] وبمن استعلى أنفسهم جميعا على طريقة قولهم

# بعزة فرعون إنا لنحن الغلبون

# [الشعراء: 44] أو من استعلى منهم حثا على بذل المجهود في المغالبة.
~~وقال الراغب: ((الاستعلاء قد يكون لطلب العلو المذموم وقد يكون لغيره وهو
~~ههنا يحتملهما)) فلهذا جاز أن يكون هذا الكلام محكيا عن هؤلاء القائلين
~~للتحريض على إجماعهم واهتمامهم وأن يكون من كلام الله عز وجل فالمستعلى
~~موسى وهارون عليهما السلام ولا تحريض فيه. وأنت تعلم أن الظاهر هو الأول.

### || [20.65]

# { قالوا } استئناف بياني كأنه قيل: فماذا فعلوا بعد ما قالوا ذلك؟
~~فقيل قالوا: { يا موسى } وإنما لم يتعرض لإجماعهم وإتيانهم مصطفين
~~إشعارا بظهور أمرهما وغنائهما عن البيان { إما أن تلقى } أي ما
~~تلقيه أولا على أن المفعول محذوف لظهوره أو تفعل الإلقاء أولا على أن
~~الفعل منزل منزلة اللازم { وإما أن نكون أول من ألقى
~~} ما يلقيه أو أول من يفعل الإلقاء خيروه عليه السلام وقدموه على أنفسهم
~~إظهارا للثقة بأمرهم، وقيل: مراعاة للأدب معه عليه السلام. و(أن) مع ما
~~في حيزها منصوب بفعل مضمر أي إما تختار إلقاءك أو تختار كوننا أول من
~~ألقى أو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر إما إلقاؤك أو كوننا
~~أول من ألقى. واختار أبو حيان كونه مبتدأ محذوف الخبر أي إلقاؤك أول
~~بقرينة { أن نكون أول من ألقى } وبه تتم المقابلة لكنها معنوية.

### || [20.66]

# { قال } استئناف كما مر كأنه قيل: فماذا قال عليه السلام؟ فقيل قال: {
~~بل ألقوا } أنتم أولا إظهارا لعدم المبالاة بسحرهم وإسعافا لما
~~أوهموا من الميل إلى البدء في شقهم ms06569 حيث غيروا النظم إلى وجه أبلغ إذ كان
~~الظاهر أن يقولوا: وإما أن نلقى وليبرزوا ما معهم ويستفرغوا جهدهم
~~ويستنفدوا قصارى وسعهم ثم يظهر الله تعالى شأنه سلطانه فيقذف بالحق على
~~الباطل فيدمغه. قيل وفي ذلك أيضا مقابلة أدب بأدب، واستشكل بعضهم هذا
~~الأمر ظنا منه أنه يستلزم تجويز السحر فحمله دفعا لذلك على الوعيد على
~~السحر كما يقال للعبد العاصي: افعل ما أردت، وقال أبو حيان: هو مقرون
~~بشرط مقدر أي ألقوا إن كنتم محقين. وفيه أنه عليه السلام يعلم عدم
~~إحقاقهم فلا يجدي التقدير بدون ملاحظة غيره. وأنت تعلم أنه لا حاجة إلى
~~ذلك ولا إشكال فإن هذا كالأمر بذكر الشبهة لتنكشف. والقول بأن تقديم سماع
~~الشبهة على الحجة غير جائز لجواز أن لا يتفرغ لإدراك الحجة بعد ذلك فتبقى
~~مما لا يلتفت إليه.

# { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم
~~أنها تسعى } الفاء فصيحة معربة عن مسارعتهم إلى الإلقاء كما في
~~قوله تعالى:

# فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفلق

# [البقرة: 60] أي فألقوا فإذا حبالهم الخ. وهي في الحقيقة عاطفة لجملة
~~المفاجأة على الجملة المحذوفة. وإذا فجائية وهي عند الكوفيين حرف وهو
~~مذهب مرجوح عند أبي حيان وظرف زمان عند الرياشي وهو كذلك عنده أيضا
~~وظرف مكان عند المبرد وهو ظاهر كلام سيبويه ومختار / أبي حيان والعامل
~~فيها هنا { ألقوا } عند أبي البقاء. ورد بأن الفاء تمنع من العمل،
~~وفي «البحر» إنما هي معمولة لخبر المبتدأ الذي هو { حبلهم
~~وعصيهم } إن لم يجعلها هي في موضع الخبر بل جعلنا الخبر جملة {
~~يخيل } وإذا جعلناها في موضع الخبر وجعلنا الجملة في موضع الحال
~~فالأمر واضح. وهذا نظير خرجت فإذا الأسد رابض ورابضا. ولصحة وقوعها
~~خبرا يكتفى بها وبالمرفوع بعدها كلاما فيقال: خرجت فإذا الأسد. ونص
~~الأخفش في «الأوسط» على أنها قد يليها جملة فعلية مصحوبة بقد فيقال: خرجت
~~فإذا قد ضرب زيد عمرا، وفي «الكشاف» التحقيق فيها أنها إذا الكائنة
~~بمعنى الوقت الطالبة ناصبا لها وجملة تضاف إليها خصت في ms06570 بعض المواضع بأن
~~يكون ناصبها فعلا مخصوصا وهو فعل المفاجأة، والجملة ابتدائية لا غير
~~فتقدير الآية ففاجأ موسى وقت تخيل سعي حبالهم وعصيهم وهذا تمثيل، والمعنى
~~على مفاجأة حبالهم وعصيهم مخيلة إليه السعي انتهى، وفيه من المخالفة لما
~~قدمنا ما فيه لكن أمر العطف عليه أوفق كما لا يخفى، وعنى بقوله: هذا
~~تمثيل أنه تصوير للإعراب وأن إذا وقتية أوقع عليها فعل المفاجأة توسعا
~~لأنها سدت مسد الفعل والمفعول ولأن مفاجأة الوقت يتضمن مفاجأة ما فيه
~~بوجه أبلغ، وما قيل: إنه أراد الاستعارة التمثيلية فيحتاج إلى تكلف
~~لتحصيلها.

# وضمير { إليه } الظاهر أنه لموسى عليه السلام بل هو كالمتعين، وقيل:
~~لفرعون وليس بشيء، وأن وما في حيزها نائب فاعل { يخيل } أي يخيل
~~إليه بسبب سحرهم سعيها وكأن ذلك من باب السيمياء وهي علم يقتدر به على
~~إراء الصورة الذهنية لكن يشترط غالبا أن يكون لها مادة في الخارج في
~~الجملة ويكون ذلك على ما ذكره الشيخ محمد عمر البغدادي في «حاشيته على
~~رسالة الشيخ عبد الغني النابلسي في وحدة الوجود» بواسطة أسماء وغيرها.
~~وذكر العلامة البيضاوي في بعض «رسائله» أن علم السيمياء حاصله إحداث
~~مثالات خيالية لا وجود لها في الحس ويطلق على إيجاد تلك المثالات بصورها
~~في الحس وتكون صورا في جوهر الهواء وهي سريعة الزوال بسبب سرعة تغير
~~جوهره ولفظ سيمياء معرب شيم يه ومعناه اسم الله تعالى انتهى. وما ذكره من
~~سرعة الزوال لا يسلم كليا وهو عندي بعض من علم السحر. وعرفه البيضاوي
~~بأنه علم يستفاد منه حصول ملكة نفسانية يقتدر بها على أفعال غريبة بأسباب
~~خفية ثم قال: والسحر منه حقيقي ومنه غير حقيقي ويقال له: الأخذ بالعيون
~~وسحرة فرعون أتوا بمجموع الأمرين انتهى، والمشهور أن هؤلاء السحرة جعلوا
~~في الحبال والعصي زئبقا فلما أصابتها حرارة الشمس اضطربت واهتزت فخيل
~~إليه عليه السلام أنها تتحرك وتمشي كشيء فيه حياة. ويروى أنه عليه السلام
~~رآها كأنها حيات وقد أخذت ميلا في ميل؛ وقيل: حفروا الأرض وجعلوا فيها ms06571
~~نارا ووضعوا فوقها تلك الحبال والعصي فلما أصابتها حرارة النار تحركت
~~ومشت، وفي القلب من صحة كلا القولين شيء. والظاهر أن التخيل من موسى عليه
~~السلام قد حصل حقيقة بواسطة سحرهم، وروي ذلك عن وهب. وقيل: لم يحصل.
~~والمراد من الآية أنه عليه السلام شاهد شيئا لولا علمه بأنه لا حقيقة له
~~لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلا وهو خلاف الظاهر جدا.

# وقرأ الحسن وعيسى { عصيهم } بضم العين وإسكان الصاد وتخفيف الياء مع
~~الرفع وهو جمع كما في القراءة المشهورة وقرأ الزهري والحسن وعيسى وأبو
~~حيوة وقتادة والجحدري وروح وابن ذكوان وغيرهم { تخيل } بالتاء الفوقانية
~~مبنيا للمفعول وفيه ضمير الحبال والعصي. و { أنها تسعى } بدل
~~اشتمال من ذلك الضمير ولا يضر الإبدال منه في كونه رابطا لكونه ليس
~~ساقطا من كل الوجوه. وقرأ أبو السمال { تخيل } بفتح التاء أي تتخيل وفيه
~~أيضا ضمير ما ذكر و { أنها تسعى } بدل منه أيضا، وقال ابن
~~عطية: / هو مفعول من أجله، وقال أبو القاسم بن حبارة الهذلي الأندلسي في
~~كتاب «الكامل»: عن أبي السمال أنه قرىء { تخيل } بالتاء من فوق المضمومة
~~وكسر الياء والضمير فيه فاعل و { أنها تسعى } نصب على المفعول
~~به. ونسب ابن عطية هذه القراءة إلى الحسن وعيسى الثقفي ومن بني { تخيل }
~~للمفعول فالمخيل لهم ذلك هو الله تعالى للمحنة والابتلاء. وروى الحسن بن
~~يمن عن أبي حيوة { نخيل } بالنون وكسر الياء فالفاعل ضميره تعالى و {
~~أنها تسعى } مفعول به.

### || [20.67]

# الإيجاس الإخفاء. والخيفة الخوف وأصله خوفة قلبت الواو ياء لكسرة ما
~~قبلها، وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون خوفة بفتح الخاء قلبت الواو ياء ثم
~~كسرت الخاء للتناسب والأول أولى. والتنوين للتحقير أي أخفى فيها بعض خوف
~~من مفاجأة ذلك بمقتضى طبع الجبلة البشرية عند رؤية الأمر المهول وهو قول
~~الحسن، وقال مقاتل: خاف عليه السلام من أن يعرض للناس ويختلج في خواطرهم
~~شك وشبهة في معجزة العصا لما رأوا من عصيهم. وإضمار خوفه عليه السلام من
~~ذلك لئلا ms06572 تقوى نفوسهم إذا ظهر لهم فيؤدي إلى عدم اتباعهم، وقيل: التنوين
~~للتعظيم أي أخفى فيها خوفا عظيما، وقال بعضهم: إن الصيغة لكونها فعلة
~~وهي دالة على الهيئة والحالة اللازمة تشعر بذلك ولذا اختيرت على الخوف في
~~قوله تعالى:

# ويسبح الرعد بحمده والملئكة من خيفته

# [الرعد: 13] ولا يأباه الإيجاس، وقيل: يأباه والأول هو الأنسب بحال موسى
~~عليه السلام إن كان خوفه مما قاله الحسن والثاني هو الأنسب بحاله عليه
~~السلام إن كان خوفه مما قاله مقاتل، وقيل: إنه أنسب أيضا بوصف السحر
~~بالعظم في قوله تعالى:

# وجاءو بسحر عظيم

# [الأعراف: 116] وأيد بعضهم كون التنوين لذلك بإظهار موسى وعدم إضماره
~~فتأمل، وقيل: إنه عليه السلام سمع لما قالوا

# إما أن تلقى

# [طه: 65] الخ ألقوا يا أولياء الله تعالى فخاف لذلك حيث يعلم أن أولياء
~~الله تعالى لا يغلبون ولا يكاد يصح والنظم الكريم يأباه. وتأخير الفاعل
~~لمراعاة الفواصل.

### || [20.68]

# { قلنا لا تخف } أي لا تستمر على خوفك مما توهمت وادفع عن نفسك
~~ما اعتراك فالنهي على حقيقته، وقيل: حرج عن ذلك للتشجيع وتقوية القلب {
~~إنك أنت الأعلى } تعليل لما يوجبه النهي من الانتهاء عن الخوف
~~وتقرير لغلبته على أبلغ وجه وآكده كما يعرب عن ذلك الاستئناف البياني
~~وحرف التحقيق وتكرير الضمير وتعريف الخبر ولفظ العلو المنبىء عن الغلبة
~~الظاهرة وصيغة التفضيل كما قاله غير واحد. والذي أميل إليه أن الصيغة
~~المذكورة لمجرد الزيادة فإن كونها للمشاركة والزيادة يقتضي أن يكون
~~للسحرة علو وغلبة ظاهرة أيضا مع أنه ليس كذلك وإثبات ذلك لهم بالنسبة
~~إلى العامة كما قيل ليس بشيء إذ لا مغالبة بينهم وبينهم.

### || [20.69]

# { وألق ما فى يمينك } أي عصاك كما وقع في سورة الأعراف [117]
~~وكأن التعبير عنها بذلك لتذكيره ما وقع وشاهده عليه السلام منها يوم قال
~~سبحانه له:

# وما تلك بيمينك يموسى

# [طه: 17]، وقال بعض المحققين: إنما أوثر الإبهام تهويلا لأمرها
~~وتفخيما لشأنها وإيذانا بأنها ليست من جنس العصي المعهودة المستتبعة
~~للآثار المعتادة بل خارجة عن حدود سائر أفراد ms06573 الجنس مبهمة الكنه مستتبعة
~~لآثار غريبة. وعدم مراعاة هذه النكتة عند حكاية الأمر في مواضع أخر لا
~~يستدعي عدم مراعاتها عند وقوع المحكي انتهى. وحاصله أن الإبهام للتفخيم
~~كأن العصا لفخامة شأنها لا يحيط بها نطاق العلم نحو

# فغشيهم من اليم ما غشيهم

# [طه: 78] ووقع حكاية الأمر في مواضع أخر بالمعنى والواقع نفسه ما تضمن
~~هذه النكتة وإن لم يكن بلفظ / عربي وإنما لم يعتبر العكس لأن المتضمن
~~أوفق بمقام النهي عن الخوف وتشجيعه عليه السلام. وقال أبو حيان: عبر بذلك
~~دون عصاك لما في اليمين من معنى اليمن والبركة، وفيه أن الخطاب لم يكن
~~بلفظ عربي، وقيل: الإبهام للتحقير بأن يراد لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم
~~وألق العويد الذي في يدك فإنه بقدرة الله تعالى يلقفها مع وحدته وكثرتها
~~وصغره وعظمها. وتعقب بأنه يأباه ظهور حالها فيما مر مرتين على أن ذلك
~~المعنى إنما يليق بما لو فعلت العصا ما فعلت وهي على الهيئة الأصلية وقد
~~كان منها ما كان، وما يحتمل أن تكون موصوفة ويحتمل أن تكون موصولة على كل
~~من الوجهين، وقيل: الأنسب على الأول الأول وعلى الثاني الثاني.

# وقوله تعالى: { تلقف ما صنعوا } بالجزم جواب الأمر من لقفه
~~ناله بالحذق باليد أو بالفم، والمراد هنا الثاني والتأنيث بكون ما عبارة
~~عن العصا أي تبتلع ما صنعوه من الحبال والعصي التي خيل إليك سعيها،
~~والتعبير عنها بما صنعوا للتحقير والإيذان بالتمويه والتزوير. وقرأ
~~الأكثرون { تلقف } بفتح اللام وتشديد القاف وإسقاط إحدى التاءين من
~~تتلقف. وقرأ ابن عامر كذلك إلا أنه رفع الفعل على أن الجملة مستأنفة
~~استئنافا بيانيا أو حال مقدرة من فاعل { ألق } بناء على تسببه أو من
~~مفعوله أي متلقفا أو متلقفة؛ وجملة الأمر معطوفة على النهي متممة بما في
~~حيزها لتعليل موجبه ببيان كيفية علوه وغلبه عليه السلام فإن ابتلاع عصاه
~~عليه السلام لأباطيلهم التي منها أوجس في نفسه خيفة يقلع مادة الخوف
~~بالكلية. وزعم بعضهم أن هذا صريح في أن خوفه عليه السلام ms06574 لم يكن من
~~مخالجة الشك للناس في معجزة العصا وإلا لعلل بما يزيله من الوعد بما يوجب
~~إيمانهم وفيه تأمل.

# وقوله تعالى: { إنما صنعوا } الخ تعليل لقوله تعالى: { تلقف
~~ما صنعوا } وما إما موصولة أو موصوفة أو مصدرية أي إن الذي صنعوه أو
~~إن شيئا صنعوه أو إن صنعهم { كيد ساحر } بالرفع على أنه خبر إن أي
~~كيد جنس الساحر، وتنكيره للتوسل به إلى ما يقتضيه المقام من تنكير المضاف
~~ولو عرف لكان المضاف إليه معرفة وليس مرادا.

# واعترض بأنه يجوز أن يكون تعريفه الإضافي حينئذ للجنس وهو كالنكرة معنى
~~وإنما الفرق بينهما حضوره في الذهن. وأجيب بأنه لا حاجة إلى تعيين جنسه
~~فإنه مما علم من قوله تعالى:

# يخيل

# [طه: 66] الخ وإنما الغرض بعد تعيينه أن يذكر أنه أمر مموه لا حقيقة له
~~وهذا مما يعرف بالذوق، وقيل: نكر ليتوسل به إلى تحقير المضاف. وتعقب بأنه
~~بعد تسليم إفادة ذلك تحقير المضاف لا يناسب المقام ولأنه يفيد انقسام
~~السحر إلى حقير وعظيم وليس بمقصود. وأيضا ينافي ذلك قوله تعالى في آية
~~أخرى:

# وجاءو بسحر عظيم

# [الأعراف: 116] إلا أن يقال عظمه من وجه لا ينافي حقارته في نفسه وهو
~~المراد من تحقيره. وقيل: إنما نكر لئلا يذهب الذهن إلى أن المراد ساحر
~~معروف فتدبر.

# وقرأ مجاهد وحميد وزيد بن علي عليهم الرحمة { كيد } بالنصب على أنه
~~مفعول { صنعوا } وما كافة. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بحرية والأعمش
~~وطلحة وابن أبي ليلى وخلف في اختياره وابن عيسى الأصبهاني وابن جبير
~~الأنطاكي وابن جرير { سحر } بكسر السين وإسكان الحاء على معنى ذي سحر أو
~~على تسمية الساحر سحرا مبالغة كأنه لتوغله في السحر صار نفس السحر.
~~وقيل: على أن الإضافة لبيان أن الكيد من جنس السحر. وهذه الإضافة من
~~إضافة العام إلى الخاص. وهي على معنى اللام عند شارح «الهادي» / وعلى
~~معنى من على ما يفهم من ظاهر كلام الشريف في أول «شرح المفتاح» وتسمى
~~إضافة بيانية. ويحمل فيما وجدت فيه المضاف إليه ms06575 على المضاف. ولا يشترط أن
~~يكون بين المتضايفين عموم وخصوص من وجه وبعضهم شرط ذلك.

# وقوله تعالى شأنه: { ولا يفلح السحر } أي هذا الجنس. {
~~حيث أتى } حيث كان وأين أقبل فحيث ظرف مكان أريد به التعميم من
~~تمام التعليل. ولم يتعرض لشأن العصا وكونه معجزة إلهية مع ما في ذلك من
~~تقوية التعليل للإيذان بظهور أمرها. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن
~~جندب بن عبد الله البجلي قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " إذا أخذتم الساحر فاقتلوه ثم قرأ: { ولا يفلح السحر
~~حيث أتى } قال: لا يؤمن حيث وجد "

# وقرأت فرقة { أين أتى } والفاء في قوله تعالى: { فألقى
~~السحرة سجدا... }.

### || [20.70]

# والفاء في قوله تعالى: { فألقى السحرة سجدا } فصيحة معربة
~~عن جمل غنية عن التصريح أي فزال الخوف وألقى ما في يمينه وصارت حية
~~وتلقفت حبالهم وعصيهم وعلموا أن ذلك معجز فألقي السحرة على وجوههم سجدا
~~لله تعالى تائبين مؤمنين به عز وجل وبرسالة موسى عليه السلام. روي أن
~~رئيسهم قال: كنا نغلب الناس وكانت الآلات تبقى علينا فلو كان هذا سحرا
~~فأين ما ألقينا؟ فاستدل بتغير أحوال الأجسام على الصانع القدير العليم
~~وبظهور ذلك على يد موسى عليه السلام على صحة رسالته. وكأن هاتيك الحبال
~~والعصي صارت هباء منبثا وانعدامها بالكلية ممكن عندنا، وفي التعبير
~~بألقي دون فسجد إشارة إلى أنهم شاهدوا ما أزعجهم فلم يتمالكوا حتى وقعوا
~~على وجوههم ساجدين، وفيه إيقاظ السامع لإلطاف الله تعالى في نقله من شاء
~~من عباده من غاية الكفر والعناد إلى نهاية الإيمان والسداد مع ما فيه من
~~المشاكلة والتناسب، والمراد أنهم أسرعوا إلى السجود، قيل: إنهم لم يرفعوا
~~رؤوسهم من السجود حتى رأوا الجنة والنار والثواب والعقاب. وأخرج عبد بن
~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة أنهم لما خروا سجدا أراهم
~~الله تعالى في سجودهم منازلهم في الجنة. واستبعد ذلك القاضي بأنه
~~كالإلجاء إلى الإيمان وأنه ينافي التكليف. وأجيب بأنه حيث كان الإيمان
~~مقدما على هذا الكشف ms06576 فلا منافاة ولا إلجاء، وفي «إرشاد العقل السليم»
~~أنه لا ينافيه قولهم:

# إنا ءامنا بربنا ليغفر لنا خطينا

# [طه: 73] الخ لأن كون تلك المنازل منازلهم باعتبار صدور هذا القول عنهم.

# { قالوا } استئناف كما مر غير مرة { ءامنا برب هرون
~~وموسى } تأخير موسى عليه السلام عند حكاية كلامهم المذكورة في سورة
~~الأعراف [122] المقدم فيه موسى عليه السلام لأنه أشرف من هارون والدعوة
~~والرسالة إنما هي له أولا وبالذات وظهور المعجزة على يده عليه السلام
~~لرعاية الفواصل، وجوز أن يكون كلامهم بهذا الترتيب وقدموا هارون عليه
~~السلام لأنه أكبر سنا، وقول السيد في «شرح المفتاح»: إن موسى أكبر من
~~هارون عليهما السلام سهو. وإما للمبالغة في الاحتراز عن التوهم الباطل من
~~جهة فرعون وقومه حيث كان فرعون ربي موسى عليه السلام فلو قدموا موسى
~~لربما توهم اللعين وقومه من أول الأمر أن مرادهم فرعون وتقديمه في سورة
~~الأعراف تقديم في الحكاية لتلك النكتة. وجوز أبو حيان أن يكون ما هنا قول
~~طائفة منهم وما هناك قول أخرى وراعى كل نكتة فيما فعل لكنه لما اشترك
~~القول في المعنى صح نسبة كل منهما إلى الجميع. واختيار هذا القول هنا
~~لأنه أوفق بآيات هذه السورة.

### || [20.71]

# { قال } أي فرعون للسحرة { ءامنتم له } أي لموسى كما هو الظاهر.
~~والإيمان في الأصل متعد بنفسه ثم شاع تعديه بالباء لما فيه من التصديق
~~حتى صار حقيقة. وإنما عدي هنا باللام لتضمينه معنى الانقياد وهو يعدى بها
~~يقال: انقاد له لا الاتباع كما قيل: لأنه متعد بنفسه يقال: اتبعه ولا
~~يقال: اتبع له، وفي «البحر» إن آمن يوصل بالباء إذا كان متعلقه الله عز
~~اسمه وباللام إن كان متعلقه غيره تعالى في الأكثر نحو

# يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين

# [التوبة: 61].

# فمآ آمن لموسى

# [يونس: 83] الخ.

# لن نؤمن لك

# [البقرة: 55]

# وما أنت بمؤمن لنا

# [يوسف: 17]

# فئامن له لوط

# [العنكبوت: 26]، وجوز أن تكون اللام تعليلية والتقدير آمنتم بالله تعالى
~~لأجل موسى وما شاهدتم منه، واختاره بعضهم ولا تفكيك فيه كما توهم، ms06577 وقيل:
~~يحتمل أن يكون ضمير { له } للرب عز وجل، وفي الآية حينئذ تفكيك ظاهر.
~~وقرأ الأكثر { أءمنتم } على الاستفهام التوبيخي. والتوبيخ هو المراد
~~من الجملة على القراءة الأولى أيضا لا فائدة الخبر أو لازمها { قبل
~~أن ءاذن لكم } أي من غير إذني لكم في الإيمان كما في قوله تعالى:

# لنفد البحر قبل أن تنفد كلمت ربى

# [الكهف: 109] لا أن إذنه لهم في ذلك واقع بعد أو متوقع، وفرق الطبرسي
~~بين الإذن والأمر بأن الأمر يدل على إرادة الآمر الفعل المأمور به وليس
~~في الإذن ذلك.

# { أنه } يعني موسى عليه السلام { لكبيركم } لعظيمكم في فنكم
~~وأعلمكم به وأستاذكم { الذى علمكم السحر } كأن اللعين وبخهم
~~أولا على إيمانهم له عليه السلام من غير إذنه لهم ليرى قومه أن إيمانهم
~~غير معتد به حيث كان بغير إذنه. ثم استشعر أن يقولوا: أي حاجة إلى الإذن
~~بعد أن صنعنا ما صنعنا وصدر منه عليه السلام ما صدر فأجاب عن ذلك بقوله:
~~{ إنه } الخ أي ذلك غير معتد به أيضا لأنه أستاذكم في السحر
~~فتواطأتم معه على ما وقع أو علمكم شيئا دون شيء فلذلك غلبكم فالجملة
~~تعليل لمحذوف، وقيل: هي تعليل للمذكور قبل. وبالجملة قال ذلك لما اعتراه
~~من الخوف من اقتداء الناس بالسحرة في الإيمان لموسى عليه السلام ثم أقبل
~~عليهم بالوعيد المؤكد حيث قال: { فلأقطعن } أي إذا كان الأمر كذلك
~~فأقسم لأقطعن { أيديكم وأرجلكم من خلاف } أي اليد
~~اليمنى والرجل اليسرى وعليه عامة المفسرين وهو تخصيص من خارج وإلا فيحتمل
~~أن يراد غير ذلك. و { من } ابتدائية. وقال الطبرسي: بمعنى عن أو على
~~وليس بشيء. والمراد من الخلاف الجانب المخالف أو الجهة المخالفة. والجار
~~والمجرور حسبما يظهر متعلق بأقطعن، وقيل: متعلق بمحذوف وقع صفة مصدر
~~محذوف أي تقطيعه مبتدأ من جانب مخالف أو من جهة مخالفة وابتداء التقطيع
~~من ذلك ظاهر، ويجوز أن يبقى الخلاف على حقيقته أعني المخالفة وجعله مبتدأ
~~على التجوز فإنه عارض ما هو مبدأ حقيقة، وجعل بعضهم الجار ms06578 والمجرور في
~~حيز النصب على الحالية، والمراد لأقطعنها مختلفات فتأمل، وتعيين هذه
~~الكيفية قيل للإيذان بتحقيق الأمر وإيقاعه لا محالة بتعيين كيفيته
~~المعهودة في باب السياسة.

# ولعل اختيارها فيها دون القطع من وفاق لأن فيه إهلاكا وتفويتا
~~للمنفعة، وزعم بعضهم أنها أفظع { ولأصلبنكم فى جذوع
~~النخل } أي عليها. وإيثار كلمة في للدلالة على إبقائهم عليها زمانا
~~مديدا تشبيها لاستمرارهم عليها باستقرار الظرف في المظروف المشتمل
~~عليه. وعلى ذلك قوله:

# وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة

# فلا عطست شيبان إلا بأجدعا

# وفيه استعارة تبعية. والكلام في ذلك شهير. وقيل: لا استعارة أصلا لأن
~~فرعون نقر جذوع النخل وصلبهم في داخلها ليموتوا جوعا وعطشا ولا يكاد
~~يصح بل في أصل الصلب كلام. فقال بعضهم: إنه أنفذ فيهم وعيده وصلبهم وهو
~~أول من صلب. ولا ينافيه قوله تعالى:

# أنتما ومن اتبعكما الغلبون

# [القصص: 35] لأن المراد الغلبة بالحجة. وقال الإمام: لم يثبت ذلك في
~~الأخبار. وأنت تعلم أن الظاهر السلامة. وصيغة التفعيل في الفعلين
~~للتكثير. وقرىء بالتخفيف فيهما.

# { ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى } يريد من -نا-
~~نفسه وموسى عليه السلام بقرينة تقدم ذكره في قوله تعالى: { ءامنتم
~~له } بناء على الظاهر فيه. واختار ذلك الطبري وجماعة. وهذا إما لقصد
~~توضيع موسى عليه السلام والهزء به لأنه عليه السلام لم يكن من التعذيب في
~~شيء، وإما لأن إيمانهم لم يكن بزعمه عن مشاهدة المعجزة ومعاينة البرهان
~~بل كان عن خوف من قبله عليه السلام حيث رأوا ابتلاع عصاه لحبالهم وعصيهم
~~فخافوا على أنفسهم أيضا، واختار أبو حيان أن المراد من الغير الذي أشار
~~إليه الضمير رب موسى عز وجل الذي آمنوا به بقولهم:

# امنا برب هرون وموسى

# [طه: 70]. { ولتعلمن } هنا معلق و { أينا أشد } جملة
~~استفهامية من مبتدأ وخبر في موضع نصب سادة مسد مفعوليه إن كان العلم على
~~بابه أو في موضع مفعول واحد له إن كان بمعنى المعرفة. ويجوز على هذا
~~الوجه أن يكون { أينا } مفعولا وهو مبني على رأي سيبويه و { أشد
~~} خبر ms06579 مبتدأ محذوف أي هو أشد. والجملة صلة أي والعائد الصدر، و {
~~عذابا } تمييز. وقد استغنى بذكره مع { أشد } عن ذكره مع {
~~أبقى } وهو مراد أيضا. واشتقاق أبقى من البقاء بمعنى الدوام. وقيل:
~~لا يبعد والله تعالى أعلم أن يكون من البقاء بمعنى العطاء فإن اللعين كان
~~يعطي لمن يرضاه العطايا فيكون للآية شبه بقول نمروذ

# أنا أحى وأميت

# [البقرة: 258] وهو في غاية البعد عند من له ذوق سليم. ثم لا يخفى أن
~~اللعين في غاية الوقاحة ونهاية الجلادة حيث أوعد وهدد وأبرق وأرعد مع قرب
~~عهده بما شاهد من انقلاب العصا حية وما لها من الآثار الهائلة حتى أنها
~~قصدت ابتلاع قبته فاستغاث بموسى عليه السلام ولا يبعد نحو ذلك من فاجر
~~طاغ مثله.

### || [20.72]

# { قالوا } غير مكترثين بوعيده { لن نؤثرك } لن نختارك
~~بالإيمان والانقياد { على ما جاءنا } من الله تعالى على يد موسى
~~عليه السلام { من البينت } من المعجزات الظاهرة التي اشتملت
~~عليها العصا. وإنما جعلوا المجىء إليهم وإن عم لأنهم المنتفعون بذلك
~~والعارفون به على أتم وجه من غير تقليد. وما موصولة وما بعدها صلتها
~~والعائد الضمير المستتر في جاء. وقيل العائد محذوف وضمير { جاءنا }
~~لموسى عليه السلام أي على الذي جاءنا به موسى عليه السلام وفيه بعد وإن
~~كان صنيع بعضهم اختياره مع أن في صحة حذف مثل هذا المجرور كلاما.

# { والذى فطرنا } أي أبدعنا وأوجدنا وسائر العلويات والسفليات.
~~وهو عطف على { ما جاءنا } وتأخيره لأن ما في ضمنه آية عقلية نظرية وما
~~شاهدوه آية حسية ظاهرة. وإيراده تعالى بعنوان الفاطرية لهم للإشعار بعلة
~~الحكم فإن إبداعه تعالى لهم وكون فرعون من جملة مبدعاته سبحانه مما يوجب
~~عدم إيثارهم إياه عليه عز وجل. وفيه تكذيب للعين في دعواه الربوبية.
~~وقيل: الواو للقسم وجوابه محذوف لدلالة المذكور عليه أي وحق الذي فطرنا
~~لن نؤثرك الخ. ولا مساغ لكون المذكور جوابا عند من يجوز تقديم / الجواب
~~أيضا لما أن القسم لإيجاب كما قال أبو حيان: بلن إلا في شاذ ms06580 من الشعر.
~~وقولهم: هذا جواب لتوبيخ اللعين بقوله:

# ءامنتم

# [طه: 71] الخ.

# وقوله تعالى: { فاقض ما أنت قاض } جواب عن تهديده بقوله:

# لأقطعن

# [طه: 71] الخ أي فاصنع ما أنت بصدد صنعه أو فاحكم بما أنت بصدد الحكم به
~~فالقضاء إما بمعنى الإيجاد الإبداعي كما في قوله تعالى:

# فقضاهن سبع سموات

# [فصلت: 12] وإما بمعناه المعروف. وعلى الوجهين ليس المراد من الأمر
~~حقيقته، وما موصولة والعائد محذوف. وجوز أبو البقاء كونها مصدري وهو مبني
~~على ما ذهب إليه بعض النحاة من جواز وصل المصدرية بالجملة الاسمية ومنع
~~ذلك بعضهم.

# وقوله تعالى { إنما تقضى هذه الحيوة الدنيا } مع
~~ما بعده تعليل لعدم المبالاة المستفاد مما سبق من الأمر بالقضاء، وما
~~كافة و { هذه الحيوة } منصوب محلا على الظرفية لتقضي والقضاء
~~على ما مر ومفعوله محذوف أي إنما تصنع ما تهواه أو تحكم بما تراه في هذه
~~الحياة الدنيا فحسب وما لنا من رغبة في عذبها ولا رهبة من عذابها، وجوز
~~أن تكون ما مصدرية فهي وما في حيزها في تأويل مصدر اسم إن وخبرها {
~~هذه الحيوة } أي إن قضاءك كائن في هذه الحياة، وجوز أن ينزل
~~الفعل منزلة اللازم فلا حذف. وقرأ ابن حيوة وابن أبي عبلة { إنما
~~تقضى } بالبناء للمفعول { هذه الحيوة } بالرفع على أنه اتسع في
~~الظرف فجعل مفعولا به ثم بنى الفعل له نحو صيم يوم الخميس.

### || [20.73]

# { إنا ءامنا بربنا ليغفر لنا خطايانا } التي
~~اقترفناه من الكفر والمعاصي ولا يؤاخذنا بهذا في الدار الآخرة لا ليمتعنا
~~بتلك الحياة الفانية حتى نتأثر بما أوعدتنا به. وقوله تعالى: { وما
~~أكرهتنا عليه من السحر } عطف على { خطينا } أي
~~ويغفر لنا السحر الذي عملناه في معارضة موسى عليه السلام بإكراهك وحشرك
~~إيانا من المدائن القاصية خصوه بالذكر مع اندراجه في خطاياهم إظهارا
~~لغاية نفرتهم عنه ورغبتهم في مغفرته، وذكر الإكراه للإيذان بأنه مما يجب
~~أن يفرد بالاستفغار مع صدوره عنهم بالإكراه، وفيه نوع اعتذار لاستجلاب
~~المغفرة، وقيل: إن رؤساءهم كانوا اثنين وسبعين اثنان منهم ms06581 من القبط
~~والباقي من بني إسرائيل وكان فرعون أكرههم على تعلم السحر. وأخرج ابن
~~أبي حاتم عن ابن عباس قال: أخذ فرعون أربعين غلاما من بني إسرائيل فأمر
~~أن يتعلموا السحر وقال: علموهم تعليما لا يغلبهم أحد من أهل الأرض وهم
~~من الذين آمنوا بموسى عليه السلام وهم الذين قالوا: { إنا امنا
~~بربنا ليغفر لنا خطينا وما أكرهتنا عليه
~~من السحر } ، وقال الحسن: كان يأخذ ولدان الناس ويجبرهم على تعلم
~~السحر، وقيل: إنه أكرههم على المعارضة حيث روي أنهم قالوا له: أرنا موسى
~~نائما ففعل فوجوده تحرسه عصاه فقالوا: ما هذا بسحر فإن الساحر إذا نام
~~بطل سحره فأبى إلا أن يعارضوه ولا ينافي ذلك قولهم:

# بعزة فرعون إنا لنحن الغلبون

# [الشعراء: 44] لاحتمال أن يكون قبل ذلك أو تجلدا كما أن قولهم:

# إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغلبين

# [الأعراف: 113] قبله كما قيل. وزعم أبو عبيد أن مجرد أمر السلطان شخصا
~~إكراه وإن لم يتوعده وإلى ذلك ذهب ساداتنا الحنفية كما في عامة كتبهم لما
~~في مخالفة أمره من توقع المكروه لا سيما إذا كان السلطان جبارا طاغيا {
~~والله خير } في حد ذاته تعالى { وأبقى } أي وأدوم جزاء،
~~ثوابا كان أو عقابا، أو خير ثوابا / وأبقى عذابا.

### || [20.74]

# وقوله تعالى: { إنه } إلى آخر الشرطيتين تعليل من جهتهم لكونه تعالى
~~شأنه خيرا وأبقى وتحقيق له وإبطال لما ادعاه اللعين، وتصديرهما بضمير
~~الشأن للتنبيه على فخامة مضمونهما ولزيادة تقرير له أي إن الشأن الخطير
~~هذا أي قوله تعالى: { من يأت ربه مجرما } بأن مات على الكفر
~~والمعاصي. { فإن له جهنم لا يموت فيها } فينتهي عذابه
~~وهذا تحقيق لكون عذابه تعالى أبقى { ولا يحيى } حياة ينفتع بها.

### || [20.75]

# { ومن يأته مؤمنا } به عز وجل وبما جاء من عنده من المعجزات
~~التي من جملتها ما شاهدنا { قد عمل الصلحت } من الأعمال {
~~فأولئك } إشارة إلى { من } والجمع باعتبار معناها كما أن
~~الأفراد فيما تقدم باعتبار لفظها، وما فيها من معنى البعد للإشعار بعلو
~~درجتهم وبعد ms06582 منزلتهم أي فأولئك المؤمنون العاملون للأعمال الصالحات {
~~لهم } بسبب إيمانهم وعملهم ذلك { الدرجت العلى } أي
~~المنازل الرفيعة.

### || [20.76]

# { جنت عدن } بدل من

# الدرجت العلى

# [طه: 75] أو بيان وقد تقدم في عدن [أنها علم لمعنى الإقامة، أو لأرض
~~الجنة] { تجرى من تحتها الأنهر } حال من الجنات، وقوله
~~تعالى: { خلدين فيها } تحقيق لكون ثوابه تعالى أبقى وهو حال من
~~الضمير في

# لهم

# [طه: 75]، والعامل فيه معنى الاستقرار في الظرف أو ما في

# أولئك

# [طه: 75] من معنى أشير والحال مقدرة ولا يجوز أن يكون { جنت } خبر
~~مبتدأ محذوف أي هي جنات لخلو الكلام حينئذ عن عامل في الحال ما ذكره أبو
~~البقاء { وذلك } إشارة إلى ما أتيح لهم من الفوز بما ذكر [من
~~الدرجات] ومعنى البعد لما أشير إليه من قرب من التفخيم { جزاء من
~~تزكى } أي تطهر من دنس الكفر والمعاصي بما ذكر من الإيمان والأعمال
~~الصالحة. وهذا تصريح بما أفادته الشرطية، وتقديم ذكر حال المجرم للمسارعة
~~إلى بيان أشدية عذابه عز وجل ودوامه ردا على ما ادعاه فرعون بقوله:

# أينا أشد عذابا وأبقى

# [طه: 71]، وقال بعضهم: إن الشرطيتين إلى هنا ابتداء كلام منه جل وعلا
~~تنبيها على قبح ما فعل فرعون وحسن ما فعل السحرة والأول أولى خلافا لما
~~حسبه النيسابوري.

# هذا واستدل المعتزلة بالشرطية الأولى على القطع بعذاب مرتكب الكبيرة
~~قالوا: مرتكب الكبيرة مجرم لأن أصل الجرم قطع الثمرة عن الشجرة ثم استعير
~~لاكتساب المكروه وكل مجرم فإن له جهنم للآية فإن من الشرطية فيها عامة
~~بدليل صحة الاستثناء فينتج مرتكب الكبيرة أن له جهنم وهو دال على القطع
~~بالوعيد. وأجاب أهل السنة بأنا لا نسلم الصغرى لجواز أن يراد بالمجرم
~~الكافر فكثيرا ما جاء في القرآن بذلك المعنى كقوله تعالى:

# يتساءلون * عن المجرمين * ما سلككم فى سقر

# [المدثر: 40-42] إلى قوله سبحانه:

# وكنا نكذب بيوم الدين

# [المدثر: 46] وقوله تعالى:

# إن الذين أجرموا كانوا من الذين ءامنوا
~~يضحكون

# [المطففين: 29] إلى آخر السورة، وعلى تقدير تسليم هذه المقدمة لا نسلم
~~الكبرى ms06583 على إطلاقها وإنما هي كلية بشرط عدم العفو مع أنا لا نسلم أن من
~~الشرطية قطعية في العموم كما قال الإمام وحينئذ لا يحصل القطع بالوعيد
~~مطلقا، وعلى تقدير تسليم المقدمتين يقال يعارض ذلك الدليل عموم الوعد في
~~قوله تعالى { من يأته مؤمنا } الخ ويجعل الكلام فيمن آمن وعمل
~~الصالحات وارتكب الكبيرة / وهو داخل في عموم

# من يأته مؤمنا قد عمل الصلحت

# [طه: 75] ولا يخرجه عن العموم ارتكابه الكبيرة ومتى كانت له الجنة فهي
~~لمن آمن وارتكب الكبيرة ولم يعمل الأعمال الصالحة أيضا إذ لا قائل
~~بالفرق، فإذا قالوا: مرتكب الكبيرة لا يقال له مؤمن كما لا يقال كافر
~~لإثباتهم المنزلة بين المنزلتين فلا يدخل ذلك في العموم أبطلنا ذلك
~~وبرهنا على حصر المكلف في المؤمن والكافر ونفي المنزلة بين الإيمان
~~والكفر بما هو مذكور في محله.

# وعلى تقدير تسليم أن

# من يأته مؤمنا

# [طه: 75] الخ لا يعم مرتكب الكبيرة يقال: إن قوله تعالى:

# فأولئك لهم الدرجات العلى

# [طه: 75] يدل على حصول العفو لأصحاب الكبائر لأنه تعالى جعل الدرجات
~~العلى وجنات عدن لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحة فسائر الدرجات الغير
~~العالية والجنات لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان.

# ولقد أخرج أبو داود وابن مردويه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدري في أفق
~~السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما "

# ، واستدل على شمول

# من يأته مؤمنا

# [طه: 75] صاحب الكبيرة بقوله تعالى: { وذلك جزاء من تزكى }
~~بناء على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن المراد بمن تزكى
~~من قال لا إله إلا الله كأنه أراد من تطهر عن دنس الكفر والله تعالى
~~أعلم.

# ثم إن العاصي إذا دخل جهنم لا يكون حاله كحال المجرم الكافر إذا دخلها
~~بل قيل: إنه يموت احتجاجا بما أخرج مسلم وأحمد وابن أبي حاتم وابن
~~مردويه عن أبي سعيد الخدري ms06584

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فأتى على هذه الآية { إنه من
~~يأت } [طه: 74] الخ فقال عليه الصلاة والسلام: أما أهلها  يعني جهنم
~~ الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون وأما الذين ليسوا
~~بأهلها فإن النار تميتهم إماتة ثم يقوم الشفعاء فيشفعون فيؤتى بهم ضبائر
~~على نهر يقال له الحياة أو الحيوان فينبتون كما تنبت القثاء بحميل السيل
~~"

# وحمل ذلك القائل تميتهم فيه على الحقيقة وجعل المصدر تأكيدا لدفع توهم
~~المجاز كما قيل في قوله تعالى:

# وكلم الله موسى تكليما

# [النساء: 164]، وذكر أن فائدة بقائهم في النار بعد إماتتهم إلى حيث شاء
~~الله تعالى حرمانهم من الجنة تلك المدة وذلك منضم إلى عذابهم بإحراق
~~النار إياهم. وقال بعضهم: إن تميتهم مجاز والمراد أنها تجعل حالهم قريبة
~~من حال الموتى بأن لا يكون لهم شعور تام بالعذاب، ولا يسلم أن ذكر المصدر
~~ينافي في التجوز فيجوز أن يقال قتلت زيدا بالعصا قتلا والمراد ضربته
~~ضربا شديدا ولا يصح أن يقال: المصدر لبيان النوع أي تميتهم نوعا من
~~الإماتة لأن الإماتة لا أنواع لها بل هي نوع واحد وهو إزهاق الروح ولهذا
~~قيل:

# ومن لم يمت بالسيف مات بغيره

# تعددت الأسباب والموت واحد

# واستدل المجسمة بقوله سبحانه

# إنه من يأت ربه

# [طه: 74] على ثبوت مكان له تعالى شأنه وأجيب بأن المراد من إتيانه تعالى
~~إتيان موضع وعده عز وجل أو نحو ذلك.

### || [20.77]

# { ولقد أوحينا إلى موسى } حكاية إجمالية لما انتهى إليه
~~فرعون وقومه وقد طوى في البين ذكر ما جرى عليهم بعد أن غلبت السحرة من
~~الآيات المفصلة الظاهرة على يد موسى عليه السلام في نحو من عشرين سنة
~~حسبما فصل في سورة الأعراف، وكان فرعون كلما جاءت آية وعد أن يرسل بني
~~إسرائيل عند انكشاف العذاب حتى إذا انكشف نكث فلما كملت الآيات أوحى الله
~~تعالى إلى موسى عليه السلام { أن أسر بعبادى } وتصدير الجملة
~~بالقسم لإبراز كمال العناية بمضمونها. وأن إما مفسرة لما في الوحي ms06585 من
~~معنى القول، وإما مصدرية حذف عنها الجار، والتعبير عن بني إسرائيل /
~~بعنوان العبودية لله تعالى لإظهار الرحمة والاعتناء بأمرهم والتنبيه على
~~غاية قبح صنيع فرعون بهم حيث استعبدهم وهم عباده عز وجل وفعل بهم من فنون
~~الظلم ما فعل ولم يراقب فيهم مولاهم الحقيقي جل جلاله، والظاهر أن
~~الإيحاء بما ذكر وكذا ما بعده كان بمصر أي وبالله تعالى لقد أوحينا إليه
~~عليه السلام أن سر بعبادي الذي أرسلتك لإنقاذهم من ملكة فرعون من مصر
~~ليلا.

# { فاضرب لهم } بعصاك { طريقا فى البحر } مفعول به لاضرب
~~على الاتساع وهو مجاز عقلي والأصل اضرب البحر ليصير لهم طريقا { يبسا
~~} أي يابسا وبذلك قرأ أبو حيوة على أنه مصدر جعل وصفا لطريقا مبالغة
~~وهو يستوي فيه الواحد المذكر وغيره. وقرأ الحسن { يبسا } بسكون الباء
~~وهو إما مخفف منه بحذف الحركة فيكون مصدرا أيضا أو صفة مشبهة كصعب أو
~~جمع يابس كصحب وصاحب. ووصف الواحد به للمبالغة وذلك أنه جعل الطريق لفرط
~~يبسها كأشياء يابسة كما قيل في قول القطامي:

# كأن قتود رحلى حين ضمت

# حوالب غرزا ومعى جياعا

# أنه جعل المعى لفرط جوعه كجماعة جياع أو قدر كل جزء من أجزاء الطريق
~~طريقا يابسا كما قيل في

# نطفة أمشاج

# [الإنسان: 2] وثوب أخلاق أو حيث أريد بالطريق الجنس وكان متعددا حسب
~~تعدد الأسباط لا طريق واحدة على الصحيح جاء وصفه جمعا، وقيل: يحتمل أن
~~يكون اسم جمع، والظاهر أنه لا فرق هنا بين اليبس بالتحريك واليبس
~~بالتسكين معنى لأن الأصل توافق القراءتين، وإن كانت إحداهما شاذة، وفي
~~«القاموس» اليبس بالإسكان ما كان أصله رطبا فجف وما أصله اليبوسة ولم
~~يعهد رطبا يبس بالتحريك، وأما طريق موسى عليه السلام في البحر فإنه لم
~~يعهد [قط] طريقا لا رطبا ولا يابسا إنما أظهره الله تعالى لهم حينئذ
~~مخلوقا على ذلك اه.

# وهذا مخالف لما ذكره الراغب من أن اليبس بالتحريك ما كان فيه رطوبة
~~فذهبت، والمكان إذا كان فيه ماء فذهب، وروي أن موسى عليه ms06586 السلام لما ضرب
~~البحر وانفلق حتى صارت فيه طرق بعث الله تعالى ريح الصبا فجففت تلك الطرق
~~حتى يبست.

# وذهب غير واحد أن الضرب بمعنى الجعل من قولهم: ضرب له في ماله سهما
~~وضرب عليهم الخراج أو بمعنى الاتخاذ فينصب مفعولين أولهما { طريقا }
~~وثانيهما { لهم }. واختار أبو حيان بقاءه على المعنى المشهور وهو أوفق
~~بقوله تعالى:

# أن اضرب بعصاك البحر

# [الشعراء: 63]، وزعم أبو البقاء أن { طريقا } على هذا الوجه مفعول
~~فيه، وقال: التقدير { فاضرب لهم } موضع طريق.

# { لا تخاف دركا } في موضع الحال من ضمير { فاضرب } أو الصفة
~~الأخرى لطريقا والعائد محذوف أي فيها أو هو استئناف كما قال أبو البقاء
~~وقدمه على سائر الاحتمالات. وقرأ الأعمش وحمزة وابن أبي ليلى { لا تخف }
~~بالجزم على جواب الأمر أعني { أسر } ، ويحتمل أنه نهي مستأنف كما ذكره
~~الزجاج. وقرأ أبو حيوة وطلحة والأعمش { دركا } بسكون الراء وهو اسم من
~~الإدراك أي اللحوق كالدرك بالتحريك، وقال الراغب: الدرك بالتحريك في
~~الآية ما يلحق الإنسان من تبعة أي لا تخاف تبعة، والجمهور على الأول أي
~~لا تخاف أن يدرككم فرعون وجنوده من خلفكم { ولا تخشى } أن يغرقكم
~~البحر من قدامكم وهو عطف على { لا تخاف } ، وذلك ظاهر على
~~الاحتمالات الثلاثة في قراءة الرفع؛ وأما على قراءة الجزم فقيل هو
~~استئناف أي وأنت لا تخشى، وقيل: / عطف على المجزوم والألف جيء بها
~~للإطلاق مراعاة لأواخر الآي كما في قوله تعالى:

# فأضلونا السبيلا

# [الأحزاب: 67].

# وتظنون بالله الظنونا

# [الأحزاب: 10] أو هو مجزوم بحذف الحركة المقدرة كما في قوله:

# إذا العجوز غضبت فطلق

# ولا ترضاها ولا تملق

# وهذا لغة قليلة عند قوم وضرورة عند آخرين فلا يجوز تخريج التنزيل الجليل
~~الشأن عليه أو لا يليق مع وجود مثل الاحتمالين السابقين أو الأول منهما.
~~والخشية أعظم الخوف وكأنه إنما اختيرت هنا لأن الغرق أعظم من إدراك فرعون
~~وجنوده لما أن ذاك مظنة السلامة، ولا ينافي ذلك أنهم إنما ذكروا أولا ما
~~يدل على خوفهم منه حيث قالوا:

# إنا لمدركون ms06587

# [الشعراء: 61] ولذا سورع في إزاحته بتقديم نفيه كما يظهر بالتأمل.

### || [20.78]

# { فأتبعهم فرعون بجنوده } أي تبعهم ومعه جنوده على أن
~~أتبع بمعنى تبع وهو متعد إلى واحد والباء للمصاحبة والجار والمجرور في
~~موضع الحال، ويؤيد ذلك أنه قرأ الحسن وأبو عمرو في رواية فاتبعهم بتشديد
~~التاء، وقرىء أيضا { فأتبعهم فرعون وجنوده } ، وقيل: أتبع متعد إلى
~~اثنين هنا كما في قوله تعالى:

# واتبعتهم ذريتهم

# [الطور: 21] والثاني مقدر أي فأتبعهم رؤساء دولته أو عقابه، وقيل: نفسه
~~والجار والمجرور في موضع الحال أيضا، وعن الأزهري أن المفعول الثاني
~~جنوده والباء سيف خطيب أي أتبعهم فرعون جنوده وساقهم خلفهم فكان معهم
~~يحثهم على اللحوق بهم، وجوز أن يكون المفعول الثاني جنوده والباء للتعدية
~~فيكون قد تعدى الفعل إلى واحد بنفسه وإلى الآخر بالحرف، وأيا ما كان
~~فالفاء فصيحة معربة عن مضمر قد طوي ذكره ثقة بغاية ظهوره وإيذانا بكمال
~~مسارعة موسى عليه السلام إلى الامتثال بالأمر أي ففعل ما أمر به من
~~الإسراء بعبادي وضرب الطريق لهم فأتبعهم فرعون بجنوده. وزعم بعضهم أن
~~الإيحاء بالضرب كان بعد أن أتبعهم فرعون وترائى الجمعان، والظاهر الأول،
~~روي أن موسى عليه السلام خرج بهم أول الليل يريد القلزم وكانوا قد
~~استعاروا من قوم فرعون الحلي والدواب لعيد يخرجون إليه وكانوا ستمائة ألف
~~وثلاثة آلاف ونيفا ليس فيهم ابن ستين ولا عشرين، وفي رواية أنهم خرجوا
~~وهم ستمائة ألف وسبعون ألفا وأخرجوا معهم جسد يوسف عليه السلام لأنه كان
~~عهد إليهم ذلك ودلتهم عجوز على موضعه فقال لها موسى عليه السلام: احتكمي
~~فقالت: أكون معك في الجنة فاتصل الخبر بفرعون فجمع جنوده وخرج بهم وكان
~~في خيله سبعون ألف أدهم وكانت مقدمته فيما يحكى سبعمائة ألف فارس، وقيل:
~~ألف ألف وخمسمائة ألف فقص أثرهم حتى ترائى الجمعان فعظم فزع بني إسرائيل
~~فضرب عليه السلام بعصاه البحر فانفلق اثني عشر فرقا كل فرق كالطود
~~العظيم فدخلوا ووصل فرعون وجنوده إلى المدخل فرأوا البحر منفلقا
~~فاستعظموا الأمر فقال فرعون لهم: ms06588 إنما انفلق من هيبتي فدخل على فرس حصان
~~وبين يديه جبريل عليه السلام على فرس حجر وصاحت الملائكة عليهم السلام
~~وكانوا ثلاثة وثلاثين ملكا أن أدخلوا فدخلوا حتى إذا استكملوا دخولا
~~خرج موسى عليه السلام بمن معه من الأسباط سالمين ولم يخرج أحد من فرعون
~~وجنوده.

# { فغشيهم من اليم ما غشيهم } أي علاهم منه وغمرهم ما
~~غمرهم من الأمر الهائل الذي لا يقادر قدره ولا يبلغ كنهه. / وقيل: غشيهم
~~ما سمعت قصته وليس بذاك فإن مدار التهويل والتفخيم خروجه عن حدود الفهم
~~والوصف لا سماع القصة، والظاهر أن ضميري الجمع لفرعون وجنوده، وقيل:
~~لجنوده فقط للقرب ولأنه ألقي بالساحل ولم يتغط بالبحر كما أشير إليه
~~بقوله تعالى:

# فاليوم ننجيك ببدنك

# [يونس: 92] وفيه أن الإنجاء بعدما غشيه ما غشي جنوده وشك بنو إسرائيل في
~~هلاكه والقرب ليس بداع قوي، وقيل: الضمير الأول لفرعون وجنوده والثاني
~~لموسى عليه السلام وقومه وفي الكلام حذف أي فنجا موسى عليه السلام وقومه
~~وغرق فرعون وجنوده انتهى وليس بشيء كما لا يخفى. وقرأت فرقة منهم الأعمش
~~{ فغشاهم من اليم ما غشاهم } أي غطاهم ماغطاهم فالفاعل { ما } أيضا
~~وترك المفعول زيادة في الإبهام، وقيل: المفعول { من اليم } أي بعض
~~اليم، ويجوز أن يكون الفاعل ضمير الله تعالى شأنه وما مفعول؛ وقيل: هو
~~ضمير فرعون والإسناد مجازي لأنه الذي ورطهم للهلكة، ويبعده الإظهار في
~~قوله تعالى: { وأضل فرعون قومه... }

### || [20.79]

# { وأضل فرعون قومه } أي سلك بهم مسلكا أداهم إلى الخسران
~~في الدين والدنيا معا حيث أغرقوا فأدخلوا نارا { وما هدى } أي وما
~~أرشدهم إلى طريق موصل إلى مطلب من المطالب الدينية والدنيوية والمراد
~~بذلك التهكم به كما ذكر غير واحد، واعترض بأن التهكم أن يؤتى بما قصد به
~~ضده استعارة ونحوها نحو

# إنك لأنت الحليم الرشيد

# [هود: 87] إذا كان الغرض الوصف بضد هذين الوصفين، وكونه لم يهد إخبار
~~عما هو كذلك في الواقع. وأجيب بأن الآمر كذلك ولكن العرف في مثل ما هدى
~~زيد عمرا ثبوت كون زيد ms06589 عالما بطريق الهداية مهتديا في نفسه ولكنه لم
~~يهد عمرا وفرعون أضل الضالين في نفسه فكيف يتوهم أنه يهدي غيره، ويحقق
~~ذلك أن الجملة الأولى كافية في الإخبار عن عدم هدايته إياهم بل مع زيادة
~~إضلاله إياهم فإن من لا يهدي قد لا يضل وإذا تحقق إغناؤها في الإخبار على
~~أتم وجه تعين كون الثانية بمعنى سواه وهو التهكم، وقال العلامة الطيبي:
~~توضيح معنى التهكم أن قوله تعالى: { وما هدى } من باب التلميح وهو
~~إشارة إلى إدعاء اللعين إرشاد القوم في قوله:

# وما أهديكم إلا سبيل الرشاد

# [غافر: 29] فهو كمن ادعى دعوى وبالغ فيها فإذا حان وقتها ولم يأت بها
~~قيل له لم تأت بما ادعيت تهكما واستهزاء انتهى، ويعلم مما ذكر المغايرة
~~بين الجملتين وأنه لا تكرير، وقيل: المراد وما هداهم في وقت ما ويحصل
~~بذلك المغايرة لأنه لا دلالة في الجملة الأولى على هذا العموم والأول
~~أولى، وقيل: هدى بمعنى اهتدى أي أضلهم وما اهتدى في نفسه وفيه بعد، وحمل
~~بعضهم الإضلال والهداية على ما يختص بالديني منهما، ويأباه مقام بيان
~~سوقه بجنوده إلى مساق الهلاك الدنيوي، وجعلهما عبارة عن الإضلال في البحر
~~والإنجاء منه مما لا يقبله الطبع المستقيم. واحتج القاضي بالآية على أنه
~~تعالى ليس خالقا للكفر لأنه تعالى شأنه قد ذم فيها فرعون بإضلاله ومن ذم
~~أحدا بشيء يذم إذا فعله. وأجيب بمنع اطراد ذلك.

### || [20.80]

# { يبني إسرءيل } حكاية لما خاطبهم تعالى به بعد إغراق عدوهم
~~وإنجائهم منه لكن لا عقيب ذلك بل بعدما أفاض عليهم من فنون النعم الدينية
~~والدنيوية ما أفاض. وقيل: إنشاء خطاب للذين كانوا منهم في عهد النبي صلى
~~الله عليه وسلم على معنى أنه تعالى قد من عليهم بما فعل بآبائهم أصالة
~~وبهم تبعا، وتعقب بأنه يرده قوله تعالى:

# وما أعجلك

# [طه: 83] الخ ضرورة استحالة حمله على الإنشاء وكذا السباق فالوجه هو
~~الحكاية بتقدير قلنا عطفا على

# أوحينا

# [طه: 77] أي وقلنا يا بني إسرائيل { قد أنجينكم من
~~عدوكم } فرعون وقومه ms06590 حيث كانوا يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم
~~ويستحيون نساءكم. / وقرأ حميد { نجينكم } بتشديد الجيم من غير همزة
~~قبلها وبنون العظمة. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وطلحة { أنجيتكم } بتاء
~~الضمير.

# { وواعدنكم جانب الطور الأيمن } بالنصب على أنه صفة
~~المضاف. وقرىء بالجر وخرجه الزمخشري على الجوار نحو -هذا جحر ضب خرب-.
~~وتعقبه أبوحيان بأن الجر المذكور من الشذوذ والقلة بحيث ينبغي أن لا تخرج
~~القراءة عليه وقال: الصحيح أنه نعت للطور لما فيه من اليمن، وإما لكونه
~~عن يمين من يستقبل الجبل اه. والحق أن القلة لم تصل إلى حد منع تخريج
~~القراءة لا سيما إذا كانت شاذة على ذلك وتوافق القراءتين يقتضيه، قوله:
~~وإما لكونه الخ غير صحيح على تقدير أن يكون الطور هو الجبل ولو قال: وإما
~~لكونه عن يمين من انطلق من مصر إلى الشام لكان صحيحا، ونصب { جانب }
~~على الظرفية بناء على ما نقل الخفاجي عن الراغب وابن مالك في «شرح
~~التسهيل» من أنه سمع نصب جنب وما بمعناه على الظرفية. ومنع بعضهم ذلك
~~لأنه محدود وجعله منصوبا على أنه مفعول  واعدنا  على الاتساع أو
~~بتقدير مضاف أي إتيان جانب الخ. وإلى هذا ذهب أبو البقاء. وإذا كان ظرفا
~~فالمفعول مقدرا أي وواعدناكم بواسطة نبيكم في ذلك الجانب إتيان موسى
~~عليه السلام للمناجاة وإنزال التوراة عليه، ونسبت المواعدة إليهم مع
~~كونها لموسى عليه السلام نظرا إلى ملابستها إياهم وسراية منفعتها إليهم
~~فكأنهم كلهم مواعدون فالمجاز في النسبة وفي ذلك إيفاء مقام الامتنان حقه
~~ما فيه. وقرأ حمزة والمذكورون معه آنفا { وواعدتكم } بتاء الضمير أيضا.
~~وقرىء { ووعدناكم } من الوعد.

# { ونزلنا عليكم المن والسلوى } الترنجبين والسماني
~~حيث كان ينزل عليهم المن وهم في التيه مثل الثلج من الفجر إلى الطلوع لكل
~~إنسان صاع ويبعث الجنوب عليهم السماني فيأخذ الواحد منهم ما يكفيه.

### || [20.81-82]

# { كلوا من طيبت ما رزقنكم } أي من لذائذه أو
~~حلالاته على أن المراد بالطيب ما يستطيبه الطبع أو الشرع. وجوز أن يراد
~~بالطيبات ما جمعت وصفي اللذة والحل، ms06591 والجملة مستأنفة مسوقة لبيان إباحة
~~ما ذكرهم وإتماما للنعمة عليهم، وقرأ من ذكر آنفا { رزقتكم } وقدم
~~سبحانه نعمة الإنجاء من العدو لأنها من باب درء المضار وهو أهم من جلب
~~المنافع ومن ذاق مرارة كيد الأعداء خذلهم الله تعالى ثم أنجاه الله تعالى
~~وجعل كيدهم في نحورهم علم قدر هذه النعمة، نسأل الله تعالى أن يتم نعمه
~~علينا وأن لا يجعل لعدو سبيلا إلينا، وثنى جلا وعلا بالنعمة الدينية
~~لأنها الأنف في وجه المنافع، وأخر عز وجل النعمة الدنيوية لكونها دون ذلك
~~فتبا لمن يبيع الدين بالدنيا.

# { ولا تطغوا فيه } أي فيما رزقناكم بالإخلال بشكره وتعدي حدود
~~الله تعالى فيه بالسرف والبطر والاستعانة به على معاصي الله تعالى ومنع
~~الحقوق الواجبة فيه، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أي لا يظلم
~~بعضكم بعضا فيأخذه من صاحبه بغير حق، وقيل: أي لا تدخروا. وقرأ زيد بن
~~علي رضي الله تعالى عنهما { ولا تطغوا } بضم الغين { فيحل
~~عليكم غضبى } جواب للنهي أي فيلزمكم غضبي ويجب لكم من حل الدين
~~يحل بكسر الحاء إذا وجب أداؤه وأصله من الحلول وهو في الأجسام ثم استعير
~~لغيرها وشاع حتى صارت حقيقة فيه { ومن يحلل عليه غضبى
~~فقد هوى } أي هلك / وأصله الوقوع من علو كالجبل ثم استعمل في
~~الهلاك للزومه له، وقيل: أي وقع في الهاوية وإليه ذهب الزجاج. وفي بعض
~~الآثار أن في جهنم قصرا يرمي الكافر من أعلاه فيهوى في جهنم أربعين
~~خريفا قبل أن يبلغ الصلصال فذلك قوله تعالى: { فقد هوى } فيكون
~~بمعناه الأصلي إذا أريد به فرد مخصوص منه لا بخصوصه. وقرأ الكسائي { فيحل
~~} بضم الحاء { ومن يحلل } بضم اللام الأولى وهي قراءة قتادة وأبي حيوة
~~والأعمش وطلحة ووافق ابن عتبة في { يحلل } فضم، وفي «الإقناع» لأبي علي
~~الأهوازي قرأ ابن غزوان عن طلحة { لا يحلن عليكم } بنون مشددة وفتح اللام
~~وكسر الحاء وهو من باب لا أرينك هنا، وفي كتاب «اللوامح» قرأ قتادة وعبد
~~الله بن مسلم بن يسار ms06592 وابن وثاب والأعمش { فيحل } بضم الياء وكسر الحاء
~~من الإحلال ففاعله ضمير الطغيان و { غضبي } مفعوله، وجوز أن يكون هو
~~الفاعل والمفعول محذوف أي العذاب أو نحوه، ومعنى يحل مضموم الحاء ينزل من
~~حل بالبلد إذا نزل كما في «الكشاف». وفي «المصباح» حل العذاب يحل ويحل
~~هذه وحدها بالكسر والضم والباقي بالكسر فقط، والغضب في البشر ثوران دم
~~القلب عند إرادة الانتقام، وفي الحديث

# " اتقوا الغضب فإنه جمرة توقد في قلب ابن آدم ألم تروا إلى انتفاخ
~~أوداجه وحمرة عينيه "

# وإذا وصف الله تعالى به لم يرد هذا المعنى قطعا وأريد معنى لائق بشأنه
~~عز شأنه، وقد يراد به الانتقام والعقوبة أو إرادتهما نعوذ بالله تعالى من
~~ذلك، ووصف ذلك بالحلول حقيقة على بعض الاحتمالات ومجاز على بعض آخر، وفي
~~«الانتصاف» ((أن وصفه بالحلول لا يتأتى على تقدير أن يراد به إرادة
~~العقوبة ويكون ذلك بمنزلة قوله صلى الله عليه وسلم:

# " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا "

# على التأويل المعروف أو عبر عن حلول أثر الإرادة بحلولها تعبيرا عن
~~الأثر بالمؤثر كما يقول الناظر إلى عجيب من مخلوقات الله تعالى: انظر إلى
~~قدرة الله تعالى يعني أثر القدرة لا نفسها)).

# { وإنى لغفار } كثير المغفرة { لمن تاب } من الشرك على ما
~~روي عن ابن عباس، وقيل: منه ومن المعاصي التي من جملتها الطغيان فيما رزق
~~{ وآمن } بما يجب الإيمان به. واقتصر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~فيما يروى عنه على ذكر الإيمان بالله تعالى ولعله من باب الاقتصار على
~~الأشرف وإلا فالأفيد إرادة العموم مع ذكر التوبة من الشرك { وعمل
~~صلحا } أي عملا مستقيما عند الشرع وهو بحسب الظاهر شامل للفرض
~~والسنة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير ذلك بأداء الفرائض {
~~ثم اهتدى } أي لزم الهدى واستقام عليه إلى الموافاة وهو مروي عن
~~الحبر. والهدى يحتمل أن يراد به الإيمان، وقد صرح سبحانه بمدح المستقيمين
~~على ذلك في قوله تعالى:

# إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقموا
~~تتنزل عليهم ms06593 الملئكة ألا تخافوا ولا
~~تحزنوا

# [فصلت: 30]. وقال الزمخشري: الاهتداء هو الاستقامة والثبات على الهدى
~~المذكور وهو التوبة والايمان والعمل الصالح وأيا ما كان فكلمة ثم إما
~~للتراخي باعتبار الانتهاء لبعده عن أول الانتهاء أو للدلالة على بعد ما
~~بين المرتبتين فإن المداومة أعلى وأعظم من الشروع كما قيل:

# لكل إلى شاو العلى وثبات

# ولكن قليل في الرجال ثبات

# / وقيل: المراد ثم عمل بالسنة، وأخرج سعيد بن منصور عن الحبر أن المراد
~~من اهتدى علم أن لعمله ثوابا يجزي عليه، وروي عنه غير ذلك، وقيل: المراد
~~طهر قلبه من الأخلاق الذميمة كالعجب والحسد والكبر وغيرها، وقال ابن
~~عطية: الذي يقوى في معنى { ثم اهتدى } أن يكون ثم حفظ معتقداته من
~~أن تخالف الحق في شيء من الأشياء فإن الاهتداء على هذا الوجه غير الإيمان
~~وغير العمل انتهى، ولا يخفى عليك أن هذا يرجع إلى قولنا ثم استقام على
~~الإيمان بما يجب الإيمان به على الوجه الصحيح.

# وروى الإمامية من عدة طرق عن أبي جعفر الباقر رضي الله تعالى عنه أنه
~~قال: ثم اهتدى إلى ولايتنا أهل البيت فوالله لو أن رجلا عبد الله تعالى
~~عمره بين الركن والمقام ثم مات ولا يجىء بولايتنا لأكبه الله تعالى في
~~النار على وجهه. وأنت تعلم أن ولايتهم وحبهم رضي الله عنهم مما لا كلام
~~عندنا في وجوبه لكن حمل الاهتداء في الآية على ذلك مع كونها حكاية لما
~~خاطب الله تعالى به بني إسرائيل في زمان موسى عليه السلام مما يستدعي
~~القول بأنه عز وجل أعلم بني إسرائيل بأهل البيت وأوجب عليهم ولايتهم إذ
~~ذاك ولم يثبت ذلك في صحيح الأخبار. نعم روى الإمامية من خبر جارود بن
~~المنذر العبدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له «يا جارود ليلة أسري
~~بي إلى السماء أوحى الله عز وجل إلي أن سل من أرسلنا قبلك من رسلنا
~~علام بعثوا قلت: علام بعثوا؟ قال: على نبوتك وولاية علي بن أبي طالب
~~والأئمة منكما ثم عرفني ms06594 الله تعالى بهم بأسمائهم ثم ذكر صلى الله عليه
~~وسلم أسماءهم واحدا بعد واحد إلى المهدي وهو خبر طويل يتفجر الكذب منه.
~~ولهم أخبار في هذا المطلب كلها من هذا القبيل فلا فائدة في ذكرها إلا
~~التطويل.

# والآية تدل على تحقق المغفرة لمن اتصف بمجموع الصفات المذكورة. وقصارى
~~ما يفهم منها عند القائلين بالمفهوم عدم تحققها لمن لم يتصف بالمجموع
~~وعدم التحقق أعم من تحقق العدم فالآية بمعزل عن أن تكون دليلا للمعتزلي
~~على تحقق عدم المغفرة لمرتكب الكبيرة إذا مات من غير توبة فافهم واحتج
~~بها من قال تجب التوبة عن الكفر أولا ثم الإتيان بالإيمان ثانيا لأنه
~~قدم فيها التوبة على الإيمان، واحتج بها أيضا من قال بعدم دخول العمل
~~الصالح في الإيمان للعطف المقتضي للمغايرة.

### || [20.83]

# حكاية لما جرى بينه تعالى وبين موسى عليه السلام من الكلام عند ابتداء
~~موافاته الميقات بموجب المواعدة المذكورة سابقا أي وقلنا له أي شيء عجل
~~بك عن قومك فتقدمت عليهم. والمراد بهم هنا عند كثير ومنهم الزمخشري
~~النقباء السبعون. والمراد بالتعجيل تقدمه عليهم لا الإتيان قبل تمام
~~الميعاد المضروب خلافا لبعضهم والاستفهام للإنكار ويتضمن كما في «الكشف»
~~إنكار السبب الحامل لوجود مانع في البين وهو إيهام إغفال القوم وعدم
~~الاعتداد بهم مع كونه عليه السلام مأمورا باستصحابهم وإحضارهم معه
~~وإنكار أصل الفعل لأن العجلة نقيصة في نفسها فكيف من أولي العزم اللائق
~~بهم مزيد الحزم، وقوله تعالى: { قال هم أولاء على أثرى
~~وعجلت... }.

### || [20.84]

# متضمن لبيان اعتذاره عليه السلام، وحاصله عرض الخطأ في الاجتهاد كأنه
~~عليه السلام قال: إنهم لم يبعدوا عني وإن تقدمي عليهم بخطا يسيرة وظني أن
~~مثل ذلك لا ينكر وقد حملني عليه استدامة رضاك أو حصول زيادته وظني أن مثل
~~هذا الحامل يصلح للحمل على مثل ما ذكر ولم يخطر أن هناك مانعا لينكر
~~علي. ونحو هذا الإسراع المزيل للخشوع إلى إدراك الإمام في الركوع /
~~طلبا لأن يكون أداء هذا الركن مع الجماعة التي فيها رضا الرب ms06595 تعالى
~~فإنهم قالوا: إن ذلك غير مشروع، وقدم عليه السلام الاعتذار عن إنكار أصل
~~الفعل لأنه أهم، وقال بعضهم: إن الاستفهام سؤال عن سبب العجلة يتضمن
~~إنكارها لأنها في نفسها نقيصة انضم إليها الإغفال وإيهام التعظيم فأجاب
~~عليه السلام عن السبب بأنه استدامة الرضا أو حصول زيادته وعن الإنكار بما
~~محصله أنهم لم يبعدوا عني وظننت أن التقدم اليسير لكونه معتادا بين
~~الناس لا ينكر ولا يعد نقيصة وعلل تقديم هذا الجواب بما مر. واعترض بأن
~~مساق كلامه بظاهره يدل على أن السؤال عن السبب على حقيقته وأنت خبير بأن
~~حقيقة الاستفهام محال على الله تعالى فلا وجه لبناء الكلام عليه، وأجيب
~~بأن السؤال من علام الغيوم محال إن كان لاستدعاء المعرفة أما إذا كان
~~لتعريف غيره أو لتبكيته أو تنبيهه فليس محالا، وتعقب بأنه لا يحسن هنا
~~أن يكون السؤال لأحد المذكورات والمتبادر أن يكون للإنكار.

# وفي «الانتصاف» ((أن المراد من سؤال موسى عليه السلام عن سبب العجلة وهو
~~سبحانه أعلم أن يعلمه أدب السفر وهو أنه ينبغي تأخر رئيس القوم عنهم
~~ليكون بصره بهم ومهيمنا عليهم وهذا المعنى لا يحصل مع التقدم ألا ترى
~~كيف علم الله تعالى هذا الأدب لوطا فقال سبحانه

# واتبع أدبرهم

# [الحجر: 65] فأمره عز وجل أن يكون آخرهم وموسى عليه السلام إنما أغفل
~~هذا الأمر مبادرة إلى رضا الله تعالى ومسارعة إلى الميعاد وذلك شأن
~~الموعود بما يسره يود لو ركب [إليه] أجنحة الطير ولا أسر من مواعدة الله
~~تعالى له عليه الصلاة والسلام)) انتهى. وأنت تعلم أن السؤال عن السبب ما
~~لم يكن المراد منه إنكار المسبب لا يتسنى هذا التعليم.

# وقال بعضهم: الذي يلوح بالبال أن يكون المعنى أي شيء أعجلك منفردا عن
~~قومك، والإنكار بالذات للإنفراد عنهم فهو منصب على القيد كما عرف في
~~أمثاله، وإنكار العجلة ليس إلا لكونها وسيلة فاعتذر موسى عليه السلام عنه
~~بأني أخطأت في الاجتهاد وحسبت أن القدر اليسير من التقدم لا يخل بالمعية
~~ولا يعد ms06596 انفرادا ولا يقدح بالاستصحاب والحامل عليه طلب استدامة مرضاتك
~~بالمبادرة إلى امتثال أمرك فالجواب هو قوله: { هم أولاء على
~~أثرى } ، وقوله: { وعجلت إليك رب لترضى } كالتتميم له
~~اه وهو عندي لا يخلو عن حسن.

# وقيل: إن السؤال عن السبب والجواب إنما هو قوله: { وعجلت } الخ وما
~~قبله تمهيد له وفيه نظر، وعلى هذا وما قبله لم يكن جواب موسى عليه السلام
~~عن أمرين ليجيء سؤال الترتيب فيجاب بما مر أو بما ذكره الزمخشري من أنه
~~عليه السلام حار لما ورد عليه من التهيب لعتاب الله عز وجل فأذهله ذلك عن
~~الجواب المنطبق المترتب على حدود الكلام لكن قال في «البحر» ((إن في هذا
~~الجواب إساءة الأدب مع الأنبياء عليهم السلام)) وذلك شأن الزمخشري معهم
~~صلى الله عليه وسلم عليهم، والمراد من { إليك } إلى مكان وعدك فلا
~~يصلح دليلا للمجسمة على إثبات مكان له عز وجل. ونداؤه تعالى بعنوان
~~الربوبية لمزيد الضراعة والابتهال رغبة في قبول العذر و { أولاء } اسم
~~إشارة كما هو المشهور مرفوع المحل على الخبرية  لهم  و { على
~~أثري } خبر بعد خبر أو حال كما قال أبو حيان؛ وجوز الطبرسي كون {
~~أولاء } بدل من { هم } و { على أثرى } هو الخبر، وقال أبو
~~البقاء: { أولاء } اسم موصول و { على أثرى } صلته وهو مذهب كوفي.

# وقرأ الحسن وابن معاذ عن أبيه «أولاي» بياء مكسورة. وابن وثاب وعيسى في
~~رواية { أولى } بالقصر، وقرأت فرقة «أولاي» بياء مفتوحة. وقرأ عيسى
~~ويعقوب وعبد الوارث عن أبي عمرو وزيد بن علي / رضي الله تعالى عنهما
~~«على إثرى» بكسر الهمزة وسكون الثاء، وحكى الكسائي «أثرى» بضم الهمزة
~~وسكون الثاء وتروى عن عيسى، وفي «الكشاف» ((إن الأثر بفتحتين أفصح من
~~الإثر بكسر فسكون، وأما الأثر فمسموع في فرند السيف مدون في الأصول يقال:
~~أثر السيف وأثره وهو بمعنى الأثر غريب)).

### || [20.85]

# { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية اعتذاره عليه السلام وهو
~~السر في وروده على صيغة الغائب لا أنه التفات من التكلم إلى الغيبة ms06597 لما
~~أن المقدر فيما سبق على صيغة التكلم كأنه قيل من جهة السامعين: فماذا قال
~~له ربه تعالى حينئذ؟ فقيل: قال سبحانه { فإنا قد فتنا قومك
~~} أي اختبرناهم بما فعل السامري أو أوقعناهم في فتنة أي ميل مع الشهوات
~~ووقوع في اختلاف { من بعدك } من بعد فراقك لهم وذهابك من بينهم {
~~وأضلهم السامرى } حيث أخرج لهم عجلا جسدا له خوار ودعاهم
~~إلى عبادته. وقيل: قال لهم بعد أن غاب موسى عليه السلام عنهم عشرين ليلة:
~~إنه قد كملت الأربعون فجعل العشرين مع أيامها أربعين ليلة. وليس من موسى
~~عين ولا أثر وليس إخلافه ميعادكم إلا لما معكم من حلي القوم وهو حرام
~~عليكم فجمعوه وكان من أمر العجل ما كان. والمراد بقومك هنا الذين خلفهم
~~مع هرون عليه السلام، وكانوا على ما قيل ستمائة ألف ما نجا منهم من
~~عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفا فالمراد بهم غير المراد بقومك فيما تقدم،
~~ولذا لم يؤت بضميرهم، وقيل: المراد بالقوم في الموضعين المتخلفين لتعين
~~إرادتهم هنا، والمعرفة المعادة عين الأولى. ومعنى

# هم أولاء على أثرى

# [طه: 84] هم بالقرب مني ينتظرونني.

# وتعقبه في «الكشف» بأنه غير ملائم للفظ الأثر ولا هو مطابق لتمهيد عذر
~~العجلة ومن أين لصاحب هذا التأويل النقل بأنهم كانوا على القرب من الطور
~~وحديث المعرفة المعادة إنما هو إذا لم يقم دليل التغاير وقد قام، على أن
~~لنا أن تقول: هي عين الأولى لأن المراد بالقوم الجنس في الموضعين لكن
~~المقصود منه أولا النقباء وثانيا المتخلفون ومثله كثير في القرآن
~~انتهى. وما ذكره من نفي النقل الدال على القرب فيه مقال، وسيأتي إن شاء
~~الله تعالى قريبا من الأخبار ما يدل بظاهره على القرب إلا أنا لم نقف
~~على تصحيحه أو تضعيفه. وما ذكر من تفسير

# هم أولاء على أثرى

# [طه: 84] على إرادة المتخلفين في الأول أيضا نقله الطبرسي عن الحسن،
~~ونقل عنه أيضا تفسيره بأنهم على ديني ومنهاجي والأمر عليه أهون.

# والفاء لتعليل ما يفهمه الكلام السابق ms06598 كأنه قيل: لا ينبغي عجلتك عن قومك
~~وتقدمك عليهم وإهمال أمرهم لوجه من الوجوه فإنهم لحداثة عهدهم باتباعك
~~ومزيد بلاهتهم وحماقتهم بمكان يحيق فيه مكر الشيطان ويتمكن من إضلالهم
~~فإن القوم الذين خلفتهم مع أخيك قد فتنوا وأضلهم السامري بخروجك من بينهم
~~فكيف تأمن على هؤلاء الذين أغفلتهم وأهملت أمرهم. وفي «إرشاد العقل
~~السليم» ((إنها لترتيب الإخبار بما ذكر من الابتلاء على إخبار موسى عليه
~~السلام بعجلته لكن لا لأن الإخبار بها سبب موجب للإخبار به بل لما بينهما
~~من المناسبة المصححة للانتقال من أحدهما إلى الآخر من حيث أن مدار
~~الابتلاء المذكور عجلة القوم)) وليس بذاك.

# وأما قول الخفاجي: إنها للتعقيب من غير تعليل أي أقول لك عقب ما ذكر إنا
~~قد فتنا إلى آخره ففيه سهو ظاهر لأن هذا المعنى إنما يتسنى لو كانت الفاء
~~داخلة على القول لكنها داخلة على ما بعده وظاهر الآية يدل على أن الفتن
~~وإضلال السامري إياهم قد تحققا ووقعا قبل الإخبار بهما إذ صيغة الماضي
~~ظاهرة في ذلك، والظاهر أيضا على ما قررنا أن الإخبار كان عند مجيئه عليه
~~/ السلام للطور لم يتقدمه إلا العتاب والاعتذار. وفي الآثار ما يدل على
~~أن وقوع ما ذكر كان بعد عشرين ليلة من ذهابه عليه السلام لجناب الطور،
~~وقيل: بعد ست وثلاثين يوما وحينئذ يكون التعبير عن ذلك بصيغة الماضي
~~لاعتبار تحققه في علم الله تعالى ومشيئته أو لأنه قريب الوقوع مترقبه أو
~~لأن السامري كان قد عزم على إيقاع الفتنة عند ذهاب موسى عليه السلام
~~وتصدى لترتيب مباديها وتمهيد مبانيها فنزل مباشرة الأسباب منزلة الوقوع.

# والسامري عند الأكثر كما قال الزجاج: كان عظيما من عظماء بني إسرائيل
~~من قبيلة تعرف بالسامرة وهم إلى هذه الغاية في الشام يعرفون بالسامريين،
~~وقيل: هو ابن خالة موسى عليه السلام، وقيل: ابن عمه، وقيل: كان علجا من
~~كرمان، وقيل: كان من أهل باجرما قرية قريبة من مصر أو قرية من قرى موصل،
~~وقيل: كان من القبط وخرج مع ms06599 موسى عليه السلام مظهرا الإيمان وكان جاره.
~~وقيل: كان من عباد البقر وقع في مصر فدخل في بني إسرائيل بظاهره وفي قلبه
~~عبادة البقر. واسمه قيل موسى بن ظفر، وقيل: منجا، والأول أشهر، وأخرج ابن
~~جرير عن ابن عباس أن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه فكان
~~جبريل عليه السلام يأتيه فيغذوه بأصابعه في واحدة لبنا وفي الأخرى
~~عسلا، وفي الأخرى سمنا ولم يزل يغذوه حتى نشأ وعلى ذلك قول من قال:

# إذا المرء لم يخلق سعيدا تحيرت

# عقول مربيه وخاب المؤمل

# فموسى الذي رباه جبريل كافر

# وموسى الذي رباه فرعون مرسل

# وبالجملة كان عند الجمهور منافقا يظهر الإيمان ويبطن الكفر وقرأ معاذ {
~~أضلهم } على أنه أفعل تفضيل أي أشدهم ضلالا لأنه ضال ومضل.

### || [20.86]

# { فرجع موسى إلى قومه } عند رجوعه المعهود أي بعد ما
~~استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة وأخذ التوراة لا عقيب الإخبار
~~المذكور فسببية ما قبل الفاء لما بعدها إنما هي باعتبار قيد الرجوع
~~المستفاد من قوله تعالى: { غضبان أسفا } لا باعتبار نفسه وإن كانت
~~داخلة عليه حقيقة فإن كون الرجوع بعد تمام الأربعين أمر مقرر مشهور لا
~~يذهب الوهم إلى كونه عند الإخبار المذكور كما إذا قلت: شايعت الحجاج
~~ودعوت لهم بالسلامة فرجعوا سالمين فإن أحدا لا يرتاب في أن المراد
~~رجوعهم المعتاد لا رجوعهم إثر الدعاء وأن سببية الدعاء باعتبار وصف
~~السلامة لا باعتبار نفس الرجوع كذا في «ارشاد العقل السليم» وهو مما لا
~~ينتطح فيه كبشان. والأسف الحزين كما روي عن ابن عباس وكأن حزنه عليه
~~السلام من حيث إن ما وقع فيه قومه مما يترتب عليه العقوبة ولا يد له
~~بدفعها. وقال غير واحد: هو شديد الغضب، وقال الجبائي متلهفا على ما فاته
~~متحيرا في أمر قومه يخشى أن لا يمكنه تداركه وهذا معنى للأسف غير مشهور.

# { قال } استئناف بياني كأنه قيل: فماذا فعل بهم لما رجع إليهم؟ فقيل
~~قال: { يقوم ألم يعدكم ربكم } الهمزة لإنكار عدم ms06600 الوعد
~~ونفيه وتقرير وجوده على أبلغ وجه وآكده أي وعدكم { وعدا حسنا } لا
~~سبيل لكم إلى إنكاره. والمراد بذلك إعطاء التوراة التي فيها هدى ونور،
~~وقيل: هو ما وعدهم سبحانه من الوصول إلى جانب الطور الأيمن وما بعد ذلك
~~من الفتوح في الأرض والمغفرة لمن تاب وآمن وغير ذلك مما وعد الله تعالى
~~أهل طاعته. / وعن الحسن أن الوعد الحسن الجنة التي وعدها من تمسك بدينه،
~~وقيل: هو أن يسمعهم جل وعلا كلامه عز شأنه ولعل الأول أولى، ونصب {
~~وعدا } يحتمل أن يكون على أنه مفعول ثان وهو بمعنى الموعود ويحتمل أن
~~يكون على المصدرية والمفعول الثاني محذوف.

# والفاء في قوله تعالى: { أفطال عليكم العهد } للعطف على
~~مقدر والهمزة لإنكار المعطوف ونفيه فقط، وجوز أن تكون الهمزة مقدمة من
~~تأخير لصدارتها والعطف على { لم يعدكم } لأنه بمعنى قد وعدكم، واختار جمع
~~الأول وأل في العهد له، والمراد زمان الإنجاز، وقيل: زمان المفارقة أي
~~أوعدكم سبحانه ذلك فطال زمان الإنجاز أو زمان المفارقة للإتيان به { أم
~~أردتم أن يحل } أي يجب { عليكم غضب } شديد لا يقادر
~~قدره كائن { من ربكم } أي من مالك أمركم على الإطلاق. والمراد من
~~إرادة ذلك فعل ما يكون مقتضيا له.

# والفاء في قوله تعالى: { فأخلفتم موعدى } لترتيب ما بعدها
~~على كل من الشقين، والموعد مصدر مضاف إلى مفعوله للقصد إلى زيادة تقبيح
~~حالهم فإن إخلافهم للوعد الجاري فيما بينهم وبينه عليه السلام من حيث
~~إضافته إليه عليه السلام أشنع منه من حيث إضافته إليهم، والمعنى أفطال
~~عليكم الزمان فنسيتم بسبب ذلك فأخلفتم وعدكم إياي بالثبات على ديني إلى
~~أن أرجع من الميقات نسيانا أو تعمدتم فعل ما يكون سببا لحلول غضب ربكم
~~عليكم فأخلفتم وعدكم إياي بذلك عمدا، وحاصله أنسيتم فأخلفتم أو تعمدتم
~~فأخلفتهم، ومنه يعلم التقابل بين الشقين.

# وجوز المفضل أن يكون الموعد مصدرا مضافا إلى الفاعل وإخلافه بمعنى
~~وجدان الخلف فيه يقال: أخلف وعد زيد بمعنى وجد الخلف فيه، ونظيره أحمدت
~~زيدا أي فوجدتم ms06601 الخلف في موعدي إياكم بعد الأربعين، وفيه أنه لا يساعده
~~السياق ولا السباق أصلا، وقيل: المصدر مضاف إلى المفعول إلا أن المراد
~~منه وعدهم إياه عليه السلام باللحاق به والمجيء للطور على أثره وفيه ما
~~فيه، واستدلت المعتزلة بالآية على أن الله عز وجل ليس خالقا للكفر وإلا
~~لما قال سبحانه:

# وأضلهم السامرى

# [طه: 85] ولما كان لغضب موسى عليه السلام وأسفه وجه ولا يخفى ما فيه.

### || [20.87]

# { قالوا ما أخلفنا موعدك } أي وعدنا إياك الثبات على
~~دينك، وإيثاره على أن يقال موعدنا على إضافة المصدر إلى فاعله لما مر
~~آنفا. { بملكنا } بأن ملكنا أمرنا يعنون أنا ولو خلينا وأنفسنا ولم
~~يسول لنا السامري ما سوله مع مساعدة بعض الأحوال لما أخلفناه. وقرأ بعض
~~السبعة { بملكنا } بكسر الميم. وقرأ الأخوان والحسن والأعمش وطلحة وابن
~~أبي ليلى وقعنب بضمها. وقرأ عمر رضي الله عنه { بملكنا } بفتح الميم
~~واللام قال في «البحر»: أي بسلطاننا، واستظهر أن الملك بالضم والفتح
~~والكسر بمعنى. وفرق أبو علي فقال: معنى المضمون أنه لم يكن لما ملك فنخلف
~~موعدك بسلطانه وإنما أخلفناه بنظر أدى إليه ما فعل السامري، والكلام على
~~حد قوله تعالى:

# لا يسألون الناس إلحافا

# [البقرة: 273] وقول ذي الرمة:

# لا تشتكي سقطة منها وقد رقصت

# بها المفاوز حتى ظهرها حدب

# ومفتوح الميم مصدر ملك، والمعنى ما فعلنا ذلك بأن ملكنا الصواب ووفقنا
~~له بل غلبتنا أنفسنا ومكسور / الميم كثر استعماله فيما تحوزه اليد ولكنه
~~يستعمل في الأمور التي يبرمها الإنسان، والمعنى عليه كالمعنى على المفتوح
~~الميم، والمصدر في هذين الوجهين مضاف إلى الفاعل والمفعول مقدر أي بملكنا
~~الصواب. { ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم }
~~استدراك عما سبق واعتذار عما فعلوا ببيان منشأ الخطأ، والمراد بالقوم
~~القبط والأوزار الأحمال وتسمى بها الآثام، وعنوا بذلك ما استعاروه من
~~القبط من الحلي برسم التزين في عيد لهم قبيل الخروج من مصر كما أسلفنا.
~~وقيل: استعاروه باسم العرس. وقيل: هو ما ألقاه البحر على الساحل مما كان
~~على الذين غرقوا، ms06602 ولعلهم أطلقوا على ذلك الأوزار مرادا بها الآثام من
~~حيث إن الحلي سبب لها غالبا لما أنه يلبس في الأكثر للفخر والخيلاء
~~والترفع على الفقراء، وقيل: من حيث إنهم أثموا بسببه وعبدوا العجل المصوغ
~~منه، وقيل من حيث إن ذلك الحلي صار بعد هلاك أصحابه في حكم الغنيمة ولم
~~يكن مثل هذه الغنيمة حلالا لهم بل ظاهر الأحاديث الصحيحة أن الغنائم
~~سواء كانت من المنقولات أم لا لم تحل لأحد قبل نبينا صلى الله عليه وسلم،
~~والرواية السابقة في كيفية الإضلال توافق هذا التوجيه إلا أنه يشكل على
~~ذلك ما روي من أن موسى عليه السلام هو الذي أمرهم بالاستعارة حتى قيل: إن
~~فاعل التحميل في قولهم { حملنا } هو موسى عليه السلام حيث ألزمهم ذلك
~~بأمرهم بالاستعارة وقد أبقاه في أيديهم بعد هلاك أصحابه وأقرهم على
~~استعماله فإذا لم يكن حلالا فكيف يقرهم، وكذا يقال على القول بأن المراد
~~به ما ألقاه البحر على الساحل، واحتمال أن موسى عليه السلام نهى عن ذلك
~~وظن الامتثال ولم يطلع على عدمه لإخفاء الحال عنه عليه السلام مما لا
~~يكاد يلتفت إلى مثله أصلا لا سيما على رواية أنهم أمروا باستعارة دواب
~~من القوم أيضا فاستعاروها وخرجوا بها.

# وقد يقال: إن أموال القبط مطلقا بعد هلاكهم كانت حلالا عليهم كما
~~يقتضيه ظاهر قوله تعالى:

# فأخرجنهم من جنت وعيون * وكنوز ومقام
~~كريم * كذلك وأورثنها بنى إسرءيل

# [الشعراء: 5759] وقد أضاف سبحانه الحلى إليهم في قوله تعالى:

# واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا
~~جسدا

# [الأعراف: 148] وذلك يقتضي بظاهره أن الحلي ملك لهم ويدعي اختصاص الحل
~~فيما كان الرد فيه متعذرا لهلاك صاحبه ومن يقوم مقامه، ولا ينافي ذلك
~~قوله صلى الله عليه وسلم:

# " أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي "

# لجواز أن يكون المراد به أحلت لي الغنائم على أي وجه كانت ولم تحل كذلك
~~لأحد قبلي ويكون تسميتهم ذلك أوزارا إما لما تقدم من الوجه الأول
~~والثاني وإما لظنهم الحرمة لجهلهم في أنفسهم ms06603 أو لإلقاء السامري الشبهة
~~عليهم، وقيل: إن موسى عليه السلام أمره الله تعالى أن يأمرهم بالاستعارة
~~فأمرهم وأبقى ما استعاروه بأيديهم بعد هلاك أصحابه بحكم ذلك الأمر
~~منتظرا ما يأمر الله تعالى به بعد. وقد جاء في بعض الأخبار ما يدل على
~~أن الله سبحانه بين حكمه على لسان هرون عليه السلام بعد ذهاب موسى عليه
~~السلام للميقات كما سنذكره قريبا إن شاء الله تعالى فتأمل ذاك والله
~~تعالى يتولى هداك. والجار والمجرور يحتمل أن يكون متعلقا بحملنا وأن
~~يكون متعلقا بمحذوف وقع صفة لأوزارا، ولا يتعين ذلك بناء على قولهم: إن
~~الجمل والظروف بعد النكرات صفات وبعد المعارف أحوال لأن ذلك ليس على
~~إطلاقه. وقرأ الأخوان وأبو عمرو وابن محيصن { حملنا } بفتح الحاء والميم
~~وأبو رجاء { حملنا } بضم الحاء وكسر الميم من غير تشديد.

# { فقذفناها } أي طرحناها في النار كما تدل عليه الأخبار، وقيل: أي
~~ألقيناها / على أنفسنا وأولادنا وليس بشيء أصلا { فكذلك } أي فمثل
~~ذلك { ألقى السامرى } أي ما كان معه منها قيل كأنه أراهم أنه
~~أيضا يلقي ما كان معه من الحلي فقالوا ما قالوا على زعمهم وإنما كان
~~الذي ألقاه التربة التي أخذها من أثر الرسول كما سيأتي إن شاء الله
~~تعالى. وقيل: إنه ألقى ما معه من الحلي وألقي مع ذلك ما أخذه من أثر
~~الرسول كأنهم لم يريدوا إلا أنه ألقى ما معه من الحلي، وقيل: أرادوا القى
~~التربة، وأيده بعضهم بتغيير الأسلوب إذ لم يعبر بالقذف المتبادر منه أن
~~ما رماه جرم مجتمع وفيه نظر، وقد يقال: المعنى فمثل ذلك الذي ذكرناه لك
~~ألقى السامري إلينا وقرره علينا وفيه بعد وإن ذكر أنه قال لهم: إنما تأخر
~~موسى عليه السلام عنكم لما معكم من حلي القوم وهو حرام عليكم فالرأي أن
~~نحفر حفيرة ونسجر فيها نارا ونقذف فيها ما معنا منه ففعلوا وكان صنع في
~~الحفيرة قالب عجل، وقد أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى ms06604 عنهما أنه لما فصل موسى عليه السلام إلى ربه سبحانه
~~قال لهم هرون عليه السلام: إنكم قد حملتم أوزارا من زينة القوم إلى
~~فرعون وأمتعة وحليا فتطهروا منها فإنها رجس وأوقد لهم نارا فقال لهم:
~~اقذفوا ما معكم من ذلك فيها فجعلوا يأتون بما معهم فيقذفونه فيها فجاء
~~السامري ومعه تراب من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام وأقبل إلى النار
~~فقال لهرون عليه السلام: يا نبي الله أألقي ما في يدي؟ فقال: نعم ولا
~~يظن هرون عليه السلام إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من ذلك الحلي
~~والأمتعة فقذفه فيها فقال: كن عجلا جسدا له خوار فكان للبلاء والفتنة.

# وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أيضا أن بني إسرائيل استعاروا
~~حليا من القبط فخرجوا به معهم فقال لهم هرون بعد أن ذهب موسى عليهما
~~السلام: اجمعوا هذا الحلي حتى يجيء موسى فيقضي فيه ما يقضي فجمع ثم أذيب
~~فألقى السامري عليه القبضة.

### || [20.88]

# { فأخرج } أي السامري { لهم } للقائلين المذكورين { عجلا }
~~من تلك الأوزار التي قذفوها، وتأخيره مع كونه مفعولا صريحا عن الجار
~~والمجرور لما مر غير مرة من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر مع ما
~~فيه من نوع طول يخل تقديمه بتجاوب النظم الكريم فإن قوله: { جسدا } أي
~~جثة ذا لحم ودم أو جسدا من ذهب لا روح فيه بدل منه، وقيل: هو نعت له على
~~أن معناه أحمر كالمجسد، وكذا قوله تعالى: { له خوار } نعت له،
~~والخوار صوت العجل، وهذا الصوت إما لأنه نفخ فيه الروح بناء على ما أخرجه
~~ابن مردويه عن كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " إن الله تعالى لما وعد موسى عليه السلام أن يكلمه خرج للوقت الذي وعده
~~فبينما هو يناجي ربه إذ سمع خلفه صوتا فقال: إلهي إني أسمع خلفي صوتا
~~قال: لعل قومك ضلوا قال: إلهي من أضلهم؟ قال: أضلهم السامري قال: فيم
~~أضلهم؟ قال: صاغ لهم عجلا جسدا له خوار قال: إلهي هذا ms06605 السامري صاغ لهم
~~العجل فمن نفخ فيه الروح حتى صار له خوار؟ قال: أنا يا موسى قال: فوعزتك
~~ما أضل قومي أحد غيرك قال: صدقت يا حكيم الحكماء لا ينبغي لحكيم أن يكون
~~أحكم منك "

# وجاء في رواية أخرى عن راشد بن سعد أنه سبحانه قال له: يا موسى إن قومك
~~قد افتتنوا من بعدك قال: يا رب كيف يفتتنون وقد نجيتهم من فرعون ونجيتهم
~~من البحر وأنعمت عليهم وفعلت بهم قال: يا موسى إنهم اتخذوا من بعدك عجلا
~~له خوار قال: يا رب فمن جعل فيه الروح؟ قال: أنا قال: فأنت يا رب أضللتهم
~~قال: / يا موسى يا رأس النبيين ويا أبا الحكماء إني رأيت ذلك في قلوبهم
~~فيسرته لهم، وإما لأنه تدخل فيه الريح فيصوت بناء على ما أخرجه ابن جرير
~~عن ابن عباس قال: كان بني إسرائيل تأثموا من حلي آل فرعون الذي معهم
~~فأخرجوه لتنزل النار فتأكله فلما جمعوه ألقى السامري القبضة وقال: كن
~~عجلا جسدا له خوار فصار كذلك وكان يدخل الريح من دبره ويخرج من فيه
~~فيسمع له صوت.

# { فقالوا } أي السامري ومن افتتن به أول ما رآه، وقيل: الضمير
~~للسامري، وجيء به ضمير جمع تعظيما لجرمه، وفيه بعد. { هذا
~~إلهكم وإله موسى فنسى } أي فغفل عنه موسى وذهب يطلبه
~~في الطور، فضمير نسي لموسى عليه السلام كما روي عن ابن عباس وقتادة
~~والفاء فصيحة أي فاعبدوه والزموا عبادته فقد نسي موسى عليه السلام، وعن
~~ابن عباس أيضا ومكحول أن الضمير للسامري والنسيان مجاز عن الترك والفاء
~~فصيحة أيضا أي فأظهر السامري النفاق فترك ما كان فيه من أسرار الكفر،
~~والأخبار بذلك على هذا منه تعالى وليس داخلا في حيز القول بخلافه على
~~الوجه الأول.

# وصنيع بعض المحققين يشعر باختيار الأول، ولا يخفى ما في الإتيان باسم
~~الإشارة والمشار إليه بمرأى منهم وتكريرا له، وتخصيص موسى عليه السلام
~~بالذكر وإتيان الفاء من المبالغة في الضلال؛ والأخبار بالإخراج وما بعده
~~حكاية نتيجة فتنة السامري فعلا ms06606 وقولا من جهته سبحانه قصدا إلى زيادة
~~تقريرها ثم الإنكار عليها لا من جهة القائلين وإلا لقيل فاخرج لنا،
~~والحمل على أن عدولهم إلى ضمير الغيبة لبيان أن الإخراج والقول المذكورين
~~للكل لا للعبدة فقط خلاف الظاهر مع أنه مخل باعتذارهم فإن مخالفة بعضهم
~~للسامري وعدم افتتانهم بتسويله مع كون الإخراج والخطاب لهم مما يهون
~~مخالفته للمعتذرين فافتتانهم بعد أعظم جناية وأكثر شناعة، وأما ما قيل من
~~أن المعتذرين هم الذين لم يعبدوا العجل وأن نسبة الإخلاف إلى أنفسهم وهم
~~برآء منه من قبيل قولهم بنو فلان قتلوا فلانا مع أن القاتل واحد منهم
~~كانوا قالوا: ما وجدنا الإخلاف فيما بيننا بأمر كنا نملكه بل تمكنت
~~الشبهة في قلوب العبدة حيث فعل بهم السامري ما فعل فأخرج لهم ما أخرج
~~وقال ما قال فلم نقدر على صرفهم عن ذلك ولم نفارقهم مخافة ازدياد الفتنة
~~فقد قال شيخ الإسلام: إن سياق النظم الكريم وسباقه يقضيان بفساده، وذهب
~~أبو مسلم إلى أن كلام المعتذرين ثم عند قولهم

# فقذفناها

# [طه: 87] وما بعده من قوله تعالى:

# فكذلك ألقى السامرى

# [طه: 87] إلى آخره إخبار من جهته سبحانه أن السامري فعل كما فعلوا فأخرج
~~لهم الخ وهو خلاف الظاهر. هذا وقرأ الأعمش { فنسي } بسكون الياء.

### || [20.89]

# وقوله تعالى: { أفلا يرون } إلى آخره إنكار وتقبيح من جهته تعالى
~~[لحال] الضالين والمضلين جميعا وتسفيه لهم فيما أقدموا عليه من المنكر
~~الذي لا يشتبه بطلانه واستحالته على أحد وهو اتخاذ ذلك العجل إلها،
~~ولعمري لو لم يكونوا في البلادة كالبقر لما عبدوه، والفاء للعطف على مقدر
~~يقتضيه المقام أي ألا يتفكرون فلا يعلمون { ألا يرجع إليهم
~~قولا } أي إنه لا يرجع اليهم كلاما ولا يرد عليهم جوابا بل يخور
~~كسائر العجاجيل فمن هذا شأنه كيف يتوهم أنه إله. وقرأ الإمام الشافعي
~~وأبو حيوة وأبان وابن صبيح والزعفراني { يرجع } بالنصب على أن أن هي
~~الناصبة لا المخففة من الثقيلة، والرؤية حينئذ بمعنى الإبصار لا العلم
~~بناء على ما ذكره الرضي ms06607 وجماعة من أن / الناصبة لا تقع بعد أفعال القلوب
~~مما يدل على يقين أو ظن غالب لأنها لكونها للاستقبال تدخل على ما ليس
~~بثابت مستقر فلا يناسب وقوعها بعد ما يدل على يقين ونحوه، والعطف أيضا
~~كما سبق أي ألا ينظرون فلا يبصرون عدم رجعه إليهم قولا من الأقوال،
~~وتعليق الإبصار بما ذكر مع كونه أمرا عدميا للتنبيه على كمال ظهوره
~~المستدعي لمزيد تشنيعهم وتركيك عقولهم، وقيل: إن الناصبة لا تقع بعد رأى
~~البصرية أيضا لأنها تفيد العلم بواسطة إحساس البصر كما في «إيضاح
~~المفصل». وأجاز الفراء وابن الأنباري وقوعها بعد أفعال العلم فضلا عن
~~أفعال البصر، وقوله تعالى: { ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا
~~} عطف على { لا يرجع } داخل معه في حيز الرؤية أي فلا يرون أنه لا
~~يقدر على أن يدفع عنهم ضرا ويجلب لهم نفعا أو لا يقدر على أن يضرهم إن
~~لم يعبدوه أو ينفعهم إن عبدوه.

### || [20.90]

# وقوله تعالى: { ولقد قال لهم هرون من قبل } مع ما بعد
~~جملة قسمية مؤكدة لما سبق من الإنكار والتشنيع ببيان عتوهم واستعصائهم
~~على الرسول إثر بيان مكابرتهم لقضية العقول أي وبالله لقد نصح لهم هارون
~~ونبههم على كنه الأمر من قبل رجوع موسى عليه السلام إليهم وخطابه إياهم
~~بما ذكر من المقالات، وإلى اعتبار المضاف إليه قبل ما ذكر ذهب الواحدي،
~~وقيل: من قبل قول السامري

# هذا إلهكم وإله موسى

# [طه: 88] كأنه عليه السلام أول ما أبصره حين طلع من الحفيرة تفرس فيهم
~~الافتتان فسارع إلى تحذيرهم، واختاره صاحب «الكشف» تبعا لشيخه وقال: هو
~~أبلغ وأدل على توبيخهم بالإعراض عن دليل العقل والسمع في

# أفلا يرون

# [طه: 89]. { ولقد قال } واختار بعضهم الأول وادعى أن الجواب
~~يؤيده، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في ذلك. وجوز العلامة الطيبي في
~~هذه الجملة وجهين كونها معطوفة على قوله تعالى:

# أفلا يرون

# [طه: 89] وقال: إن في إيثار المضارع فيه دلالة على استحضار تلك الحالة
~~الفظيعة في ذهن السامع واستدعاء الإنكار عليهم، وكونها ms06608 في موضع الحال من
~~فاعل

# يرون

# [طه: 89] مقررة لجهة الإنكار أي أفلا يرون والحال أن هارون نبههم قبل
~~ذلك على كنه الأمر وقال لهم: { يقوم إنما فتنتم به } أي
~~أوقعتم في الفتنة بالعجل أو أضللتم على توجيه القصر المستفاد من كلمة {
~~إنما } في أغلب استعمالاتها إلى نفس الفعل بالقياس إلى مقابله الذي
~~يدعيه القوم لا إلى قيده المذكور بالقياس إلى قيد آخر على معنى إنما فعل
~~بكم الفتنة لا الإرشاد إلى الحق لا على معنى إنما فتنتم بالعجل لا بغيره.

# وقوله تعالى: { وإن ربكم الرحمن } بكسر همزة { إن }
~~عطفا على { إنما } الخ إرشاد لهم إلى الحق إثر زجرهم عن الباطل.
~~والتعرض لعنوان الربوبية والرحمة للاعتناء باستمالتهم إلى الحق، وفي ذلك
~~تذكير لتخليصهم من فرعون زمان لم يوجد العجل. وكذا على ما قيل تنبيه على
~~أنهم متى تابوا قبلهم. وتعريف الطرفين لإفادة الحصر أي وإن ربكم المستحق
~~للعبادة هو الرحمن لا غير. وقرأ الحسن وعيسى وأبو عمرو في رواية { وأن
~~ربكم } بفتح الهمزة، وخرج على أن المصدر المنسبك خبر مبتدأ محذوف أي
~~والأمر أن ربكم الرحمن، والجملة معطوفة على ما مر، وقال أبو حاتم:
~~التقدير ولأن ربكم الخ وجعل الجار والمجرور متعلقا باتبعوني. وقرأت فرقة
~~{ أنما...وأن ربكم } بفتح الهمزتين، وخرج على لغة سليم / حيث يفتحون همزة
~~إن بعد القول مطلقا.

# والفاء في قوله تعالى: { فاتبعونى وأطيعوا أمرى } لترتيب
~~ما بعدها على ما قبلها من مضمون الجملتين أي إذا كان الأمر كذلك فاتبعوني
~~وأطيعوا أمري في الثبات على الدين. وقال ابن عطية: أي فاتبعوني إلى الطور
~~الذي واعدكم الله تعالى إليه، وفيه أنه عليه السلام لم يكن بصدد الذهاب
~~إلى الطور ولم يكن مأمورا به وما واعد الله سبحانه أولئك المفتونين
~~بذهابهم أنفسهم إليه، وقيل: - ولا يخلو عن حسن - أي فاتبعوني في الثبات
~~على الحق وأطيعوا أمري هذا وأعرضوا عن التعرض لعبادة ما عرفتم أمره أو
~~كفوا أنفسكم عن اعتقاد ألوهيته وعبادته.

### || [20.91]

# { قالوا } في جواب هارون عليه السلام { لن نبرح عليه ms06609 } أي
~~لا نزال على عبادة العجل { عكفين } مقيمين { حتى يرجع
~~إلينا موسى } الظاهر من حالهم أنهم لم يجعلوا رجوعه عليه السلام
~~غاية للعكوف على عبادة العجل على طريق الوعد بتركها لا محالة عند رجوعه
~~بل ليروا ماذا يكون منه عليه السلام وماذا يقول فيه، وقيل: إنهم علق في
~~أذهانهم قول السامري:

# هذا إلهكم وإله موسى فنسى

# [طه: 88] فغيوا برجوعه بطريق التعلل والتسويف وأضمروا أنه إذا رجع عليه
~~السلام يوافقهم على عبادته وحاشاه، وهذا مبني على أن المحاورة بينهم وبين
~~هارون عليه السلام وقعت بعد قول السامري المذكور فيكون

# من قبل

# [طه: 90] على معنى من قبل رجوع موسى، وذكر أن هذا الجواب يؤيده هذا
~~المعنى لأن قولهم: { لن نبرح } الخ يدل على عكوفهم حال قوله عليه
~~السلام وهم لم يعكفوا على عبادته قبل قول السامري وإنما عكفوا بعده. وقال
~~الطيبي: إن جوابهم هذا من باب الأسلوب الأحمق نقيض الأسلوب الحكيم لأنهم
~~قالوه عن قلة مبالاة بالأدلة الظاهرة كما قال نمروذ في جواب الخليل عليه
~~السلام:

# أنا أحيي وأميت

# [البقرة: 258] فتأمل، واستدل أبو حيان بهذا التغيي على أن  لن  لا
~~تفيد التأبيد لأن التغيي لا يكون إلا حيث يكون الشيء محتملا فيزال
~~الاحتمال به. وأنت تعلم أن القائل بإفادتها ذلك لا يدعي أنها تفيده في كل
~~الموارد وهو ظاهر، وفي بعض الأخبار أنهم لما قالوا ذلك اعتزلهم هارون
~~عليه السلام في اثني عشر ألفا وهم الذي لم يعبدوا العجل فلما رجع موسى
~~عليه السلام وسمع الصياح وكانوا يسجدون إذا خار العجل فلا يرفعون حتى
~~يخور ثانية، وفي رواية كانوا يرقصون عند خواره قال للسبعين الذين كانوا
~~معه: هذا صوت الفتنة حتى إذا وصل قال لقومه ما قال وسمع منهم ما قالوا.

### || [20.92]

# وقوله تعالى: { قال } استئناف نشأ من حكاية جوابهم السابق أعني قوله
~~تعالى:

# ما أخلفنا موعدك

# [طه: 87] الخ كأنه قيل: فماذا قال موسى لهارون عليهما السلام حين سمع
~~جوابهم وهل رضي بسكوته بعد ما شاهد منهم ما شاهد؟ فقيل: قال له ms06610 وهو مغتاظ
~~قد أخذ بلحيته ورأسه { يهرون ما منعك إذ رأيتهم
~~ضلوا } بعبادة العجل ولم يلتفتوا إلى دليل بطلانها.

### || [20.93]

# { ألا تتبعن } أي تتبعني على أن { لا } سيف خطيب كما في قوله
~~تعالى:

# ما منعك ألا تسجد

# [الأعراف: 12] وهو مفعول ثاني لمنع وإذ متعلق بمنع، وقيل: بتتبعني، ورد
~~بأن ما بعد  أن  لا يعمل فيما قبلها، وأجيب بأن الظرف يتوسع فيه ما لم
~~يتوسع في غيره وبأن الفعل السابق لما طلبه على أنه مفعول ثان له كان
~~مقدما حكما وهو كما ترى أي أي شيء منعك حين رؤيتك لضلالهم من أن تتبعني
~~وتسير بسيري في الغضب لله تعالى والمقاتلة مع من كفر به وروي ذلك عن
~~مقاتل، وقيل: في الإصلاح والتسديد ولا يساعده ظاهر الاعتذار، واستظهر أبو
~~حيان أن يكون المعنى ما منعك من أن تلحقني إلى جبل الطور بمن آمن من بني
~~إسرائيل، وروي ذلك عن ابن عباس / رضي الله تعالى عنهما وكان موسى عليه
~~السلام رأى أن مفارقة هارون لهم وخروجه من بينهم بعد تلك النصائح القولية
~~أزجر لهم من الاقتصار على النصائح لما أن ذلك أدل على الغضب وأشد في
~~الإنكار لا سيما وقد كان عليه السلام رئيسا عليهم محبوبا لديهم وموسى
~~يعلم ذلك ومفارقة الرئيس المحبوب كراهة لأمر تشق جدا على النفوس وتستدعي
~~ترك ذلك الأمر المكروه له الذي يوجب مفارقته وهذا ظاهر لا غبار عليه عند
~~من أنصف. فالقول بأن نصائح هارون عليه السلام حيث لم تزجرهم عما كانوا
~~عليه فلأن لا تزجرهم مفارقته إياهم عنه أولى على ما فيه لا يرد على ما
~~ذكرنا؛ ولا حاجة إلى الاعتذار بأنهم إذا علموا أنه يلحقه ويخبره عليهما
~~السلام بالقصة يخافون رجوع موسى عليه السلام فينزجرون عن ذلك ليقال: إنه
~~بمعزل عن القبول كيف لا وهم قد صرحوا بأنهم عاكفون عليه إلى حين رجوعه
~~عليه السلام، وقال علي بن عيسى: إن { لا } ليست مزيدة، والمعنى ما حملك
~~على عدم الاتباع فإن المنع عن الشيء مستلزم للحمل على ms06611 مقابله.

# { أفعصيت أمرى } بسياستهم حسب ما ينبغي فإن قوله عليه السلام:

# اخلفنى فى قومى

# [الأعراف: 142] بدون ضم قوله:

# وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين

# [الأعراف: 142] متضمن للأمر بذلك حتما فإن الخلافة لا تتحقق إلا
~~بمباشرة الخليفة ما كان يباشره المستخلف لو كان حاضرا وموسى عليه السلام
~~لو كان حاضرا لساسهم على أبلغ وجه، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام
~~أي ألم تتبعني أو أخالفتني فعصيت أمري.

### || [20.94]

# { قال يبنؤم } خص الأم بالإضافة استعطافا وترقيقا لقلبه لا
~~لما قيل من أنه كان أخاه لأمه فإن الجمهور على أنهما كانا شقيقين. وقرأ
~~حمزة والكسائي { يابن أم } بكسر الميم { لا تأخذ بلحيتى ولا
~~برأسى } أي بشعر رأسي فإن الأخذ أنسب به، وزعم بعضهم أن قوله: {
~~بلحيتى } على معنى بشعر لحيتي أيضا لأن أصل وضع اللحية للعضو
~~النابت عليه الشعر ولا يناسبه الأخذ كثير مناسبة، وأنت تعلم أن المشهور
~~استعمال اللحية في الشعر النابت على العضو المخصوص، وظاهر الآيات
~~والأخبار أنه عليه السلام أخذ بذلك. روي أنه أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته
~~بشماله وكان عليه السلام حديدا متصلبا غضوبا لله تعالى وقد شاهد ما
~~شاهد وغلب على ظنه تقصير في هارون عليه السلام يستحق به وإن لم يخرجه عن
~~دائرة العصمة الثابتة للأنبياء عليهم السلام التأديب ففعل به ما فعل
~~وباشر ذلك بنفسه ولا محذور فيه أصلا ولا مخالفة للشرع فلا يرد ما توهمه
~~الإمام فقال: لا يخلو الغضب من أن يزيل عقله أولا والأول لا يعتقده مسلم
~~والثاني لا يزيل السؤال بلزوم عدم العصمة وأجاب بما لا طائل تحته. وقرأ
~~عيسى بن سليمان الحجازي { بلحيتى } بفتح اللام وهي لغة أهل الحجاز.

# { إنى خشيت } الخ استئناف لتعليل موجب النهي بتحقيق أنه غير عاص
~~أمره ولا مقصر في المصلحة أي خشيت لو قاتلت بعضهم ببعض وتفانوا وتفرقوا
~~أو خشيت لو لحقتك بمن آمن { أن تقول فرقت بين بنى
~~إسرآءيل } برأيك مع كونهم أبناء واحد كما ينبىء عن ذلك ذكرهم بهذا
~~العنوان دون القوم ونحوه، واستلزام المقاتلة ms06612 التفريق ظاهر، وكذا اللحوق
~~بموسى عليه السلام مع من آمن وربما يجر ذلك إلى المقاتلة. وقيل: أراد
~~عليه السلام بالتفريق على التفسير الأول ما يستتبعه القتال من التفريق
~~الذي لا يرجى بعده الاجتماع.

# { ولم ترقب } أي ولم تراع { قولي } والجملة عطف على {
~~فرقت } أي خشيت أن تقول مجموع الجملتين / وتنسب إلي تفريق بني
~~إسرائيل وعدم مراعاة قولك لي ووصيتك إياي، وجوز أن تكون الجملة في موضع
~~الحال من ضمير { فرقت } أي خشيت أن تقول فرقت بينهم غير مراع قولي
~~أي خشيت أن تقول مجموع هذا الكلام، وأراد بقول موسى المضاف إلى الياء
~~قوله عليه السلام:

# اخلفنى فى قومى وأصلح

# [الأعراف: 142] الخ، وحاصل اعتذاره عليه السلام اني رأيت الإصلاح في حفظ
~~الدهماء والمداراة معهم وزجرهم على وجه لا يختل به أمر انتظامهم
~~واجتماعهم ولا يكون سببا للومك إياي إلى أن ترجع إليهم فتكون أنت
~~المتدارك للأمر حسبما تراه لا سيما والقوم قد استضعفوني وقربوا من أن
~~يقتلوني كما أفصح عليه السلام بهذا في آية أخرى. وأخرج ابن المنذر عن ابن
~~جريج ما يدل على أن المراد من القول المضاف قول هارون عليه السلام، وجملة
~~{ لم ترقب } في موضع الحال من ضمير { تقول } أي خشيت أن تقول
~~ذلك غير منتظر قولي وبيان حقيقة الحال فتأمل. وقرأ أبو جعفر { ولم
~~ترقب } بضم التاء وكسر القاف مضارع أرقب.

### || [20.95]

# { قال } استئناف وقع جوابا عما نشأ من حكاية ما سلف من اعتذار القوم
~~بإسناد الفساد إلى السامري واعتذار هارون عليه السلام كأنه قيل: فماذا
~~صنع موسى عليه السلام بعد سماع ما حكى من الاعتذارين واستقرار أصل الفتنة
~~على السامري؟ فقيل قال موبخا له إذا كان الأمر هذا { فما خطبك
~~يسمري } أي ما شأنك والأمر العظيم الصادر عنك؛ وما سؤال عن السبب
~~الباعث لذلك، وتفسير الخطب بذلك هو المشهور، وفي «الصحاح» الخطب سبب
~~الأمر. وقال بعض الثقات: هو في الأصل مصدر خطب الأمر إذا طلبه فإذا قيل
~~لمن يفعل شيئا: ما خطبك؟ فمعناه ما طلبك له ms06613 وشاع في الشأن والأمر العظيم
~~لأنه يطلب ويرغب فيه، واختير في الآية تفسيره بالأصل ليكون الكلام عليه
~~أبلغ حيث لم يسأله عليه السلام عما صدر منه ولا عن سببه بل عن سبب طلبه،
~~وجعل الراغب الأصل لهذا الشائع الخطب بمعنى التخاطب أي المراجعة في
~~الكلام، وأطلق عليه لأن الأمر العظيم يكثر فيه التخاطب، وجعل في «الأساس»
~~الخطب بمعنى الطلب مجازا فقال: ((ومن المجاز فلان يخطب عمل كذا يطلبه
~~وما خطبك ما شأنك الذي تخطبه))، وفرق ابن عطية بين الخطب والشأن بأن
~~الخطب يقتضي انتهارا ويستعمل في المكاره دون الشأن ثم قال فكأنه قيل ما
~~نحسك وما شؤمك وما هذا الخطب الذي جاء منك انتهى. وليس ذلك بمطرد فقد قال
~~إبراهيم عليه السلام للملائكة عليهم السلام:

# فما خطبكم أيها المرسلون

# [الحجر: 57] ولا يتأتى فيه ما ذكر. وزعم بعض من جعل اشتقاقه من الخطاب
~~أن المعنى ما حملك على أن خاطبت بني إسرائيل بما خاطبت وفعلت معهم ما
~~فعلت وليس بشيء، وخطابه عليه السلام إياه بذلك ليظهر للناس بطلان كيده
~~باعترافه ويفعل به وبما أخرجه ما يكون نكالا للمفتونين ولمن خلفهم من
~~الأمم.

### || [20.96]

# { قال } أي السامري مجيبا له عليه السلام { بصرت بما لم
~~يبصروا به } بضم الصاد فيهما أي علمت ما لم يعلمه القوم وفطنت لما
~~لم يفطنوا له، قال الزجاج يقال: بصر بالشيء إذا علمه وأبصر إذا نظر،
~~وقيل: بصره وأبصره بمعنى واحد؛ وقال الراغب: ((البصر يقال للجارحة
~~الناظرة وللقوة التي فيها ويقال لقوة القلب المدركة بصيرة وبصر ويقال من
~~الأول أبصرت ومن الثاني أبصرته وبصرت به وقلما يقال: بصرت في الحاسة إذا
~~لم يضامه رؤية القلب)) اه.

# / وقرأ الأعمش وأبو السمال { بصرت } بكسر الصاد { بما لم يبصروا }
~~بفتح الصاد. وقرأ عمرو بن عبيد { بصرت } بضم الباء وكسر الصاد { بما لم
~~تبصروا } بضم التاء المثناة من فوق وفتح الصاد على البناء للمفعول. وقرأ
~~الكسائي وحمزة وأبو بحرية والأعمش وطلحة وابن أبي ليلى وابن مناذر وابن
~~سعدان وقعنب { بما لم تبصروا ms06614 } بالتاء الفوقانية المفتوحة وبضم الصاد.
~~والخطاب لموسى عليه السلام وقومه. وقيل: له عليه السلام وحده وضمير الجمع
~~للتعظيم كما قيل في قوله تعالى:

# رب ارجعون

# [المؤمنون: 99] وهذا منقول عن قدماء النحاة وقد صرح به الثعالبي في «سر
~~العربية»، فما ذكره الرضي من أن التعظيم إنما يكون في ضمير المتكلم مع
~~الغير كفعلنا غير مرتضى وإن تبعه كثير. وادعى بعضهم أن الأنسب بما سيأتي
~~إن شاء الله تعالى من قوله: { وكذلك سولت لى نفسى } تفسير
~~بصر برأى لا سيما على القراءة بالخطاب فإن ادعاء علم ما لم يعلمه موسى
~~عليه السلام جراءة عظيمة لا تليق بشأنه ولا بمقامه بخلاف ادعاء رؤية ما
~~لم يره عليه السلام فإنه مما يقع بحسب ما يتفق. وقد كان فيما أخرج ابن
~~جرير عن ابن عباس رأى جبريل عليه السلام يوم فلق البحر على فرس فعرفه لما
~~أنه كان يغذوه صغيرا حين خافت عليه أمه فألقته في غار فأخذ قبضة من تحت
~~حافر الفرس وألقى في روعه أنه لا يلقيها على شيء فيقول: كن كذا إلا كان.
~~وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه رآه عليه السلام راكبا على فرس حين جاء
~~ليذهب بموسى عليهما السلام إلى الميقات ولم يره أحد غيره من قوم موسى
~~عليه السلام فأخذ من موطىء فرسه قبضة من التراب.

# وفي بعض الآثار أنه رآه كلما رفع الفرس يديه أو رجليه على التراب اليبس
~~يخرج النبات فعرف أن له شأنا فأخذ من موطئه حفنة، وذلك قوله تعالى: {
~~فقبضت قبضة من أثر الرسول } أي من أثر فرس الرسول،
~~وكذا قرأ عبد الله، فالكلام على حذف مضاف كما عليه أكثر المفسرين.

# وأثر الفرس التراب الذي تحت حافره. وقيل: لا حاجة إلى تقدير مضاف لأن
~~أثر فرسه أثره عليه السلام. ولعل ذكر جبريل عليه السلام بعنوان الرسالة
~~لأنه لم يعرفه إلا بهذا العنوان أو للإشعار بوقوفه على ما لم يقف عليه
~~القوم من الأسرار الإلهية تأكيدا لما صدر به مقالته والتنبيه كما قيل
~~على وقت ms06615 أخذ ما أخذ. والقبضة المرة من القبض أطلقت على المقبوض مرة،
~~وبذلك يرد على القائلين بأن المصدر الواقع كذلك لا يؤنث بالتاء فيقولون:
~~هذه حلة نسيج اليمن ولا يقولون: نسيجة اليمن. والجواب بأن الممنوع إنما
~~هو التاء الدالة على التحديد لا على مجرد التأنيث كما هنا والمناسب على
~~هذا أن لا تعتبره المرة كما لا يخفى.

# وقرأ عبد الله وأبي وابن الزبير والحسن وحميد { قبصت قبصة } بالصاد
~~فيهما؛ وفرقوا بين القبض بالضاد المعجمة والقبص بالصاد بأن الأول الأخذ
~~بجميع الكف والثاني الأخذ بأطراف الأصابع ونحوهما الخضم بالخاء للأكل
~~بجميع الفم والقضم بالقاف للأكل بأطراف الأسنان. وذكر أن ذلك مما غير
~~لفظه لمناسبة معناه فإن الضاد المعجمة للثقل واستطالة مخرجها جعلت فيما
~~يدل على الأكثر والصاد لضيق محلها وخفائه جعلت فيما يدل على القليل. وقرأ
~~الحسن بخلاف عنه وقتادة ونصر بن عاصم بضم القاف والصاد المهملة وهو اسم
~~للمقبوض كالمضغة اسم للممضوغ.

# { فنبذتها } أي ألقيتها في الحلي المذاب. وقيل: في جوف العجل فكان
~~ما كان. / { وكذلك سولت لى نفسى } أي زينته وحسنته إلي
~~والإشارة إلى مصدر الفعل المذكور بعد، وذلك على حد قوله تعالى:

# وكذلك جعلنكم أمة وسطا

# [البقرة: 143] وحاصل جوابه أن ما فعله إنما صدر عنه بمحض اتباع هوى
~~النفس الأمارة بالسوء لا لشيء آخر من البرهان العقلي أو النقلي أو من
~~الإلهام الإلهي. هذا ثم ما ذكر من تفسير الآية هو المأثور عن الصحابة
~~والتابعين رضي الله تعالى عنهم وتبعهم جل أجلة المفسرين، وقال أبو مسلم
~~الأصبهاني: ليس في القرآن تصريح بهذا الذي ذكروه وهنا وجه آخر وهو أن
~~يكون المراد بالرسول موسى عليه السلام وأثره سنته ورسمه الذي أمر به ودرج
~~عليه فقد يقول الرجل: فلان يقفو أثر فلان ويقتص أثره إذا كان يمتثل رسمه،
~~وتقرير الآية على ذلك أن موسى عليه السلام لما أقبل على السامري باللوم
~~والمسألة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم بالعجل قال: { بصرت
~~بما لم يبصروا به } أي عرفت أن الذي عليه ms06616 القوم ليس بحق وقد
~~كنت قبضت قبضة من أثرك أي شيئا من دينك فنبذتها أي طرحتها ولم أتمسك بها
~~وتعبيره عن موسى عليه السلام بلفظ الغائب على نحو قول من يخاطب الأمير ما
~~قول الأمير في كذا ويكون إطلاق الرسول منه عليه عليه السلام نوعا من
~~التهكم حيث كان كافرا مكذبا به على حد قوله تعالى حكاية عن الكفرة:

# يا أيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون

# [الحجر: 6] انتهى، وانتصر له بعضهم بأنه أقرب إلى التحقيق. ويبعد قول
~~المفسرين أن جبريل عليه السلام ليس معهودا باسم الرسول ولم يجر له فيما
~~تقدم ذكر حتى تكون اللام في الرسول لسابق في الذكر وأن ما قالوه لا بد له
~~من تقدير المضاف والتقدير خلاف الأصل وأن اختصاص السامري برؤية جبريل
~~عليه السلام ومعرفته من بين سائر الناس بعيد جدا. وأيضا كيف عرف أن أثر
~~حافر فرسه يؤثر هذا الأمر الغريب العجيب من حياة الجماد وصيرورته لحما
~~ودما على أنه لو كان كذلك لكان الأثر نفسه أولى بالحياة. وأيضا متى
~~اطلع كافر على تراب هذا شأنه فلقائل أن يقول لعل موسى عليه السلام اطلع
~~على شيء آخر يشبه هذا فلأجله أتى بالمعجزات فيكون ذلك فيما أتى به
~~المرسلون عليهم السلام من الخوارق، وأيضا يبعد الكفر والإقدام على
~~الإضلال بعد أن عرف نبوة موسى عليه السلام بمجىء هذا الرسول الكريم إليه
~~انتهى. وأجيب بأنه قد عهد في القرآن العظيم إطلاق الرسول على جبريل عليه
~~السلام فقد قال سبحانه:

# إنه لقول رسول كريم

# [الحاقه: 40] وعدم جريان ذكر له فيما تقدم لا يمنع من أن يكون معهودا،
~~ويجوز أن يكون إطلاق الرسول عليه عليه السلام شائعا في بني إسرائيل لا
~~سيما إن قلنا بصحة ما روي أنه عليه السلام كان يغذي من يلقى من أطفالهم
~~في الغار في زمان قتل فرعون لهم، وبأن تقدير المضاف في الكلام أكثر من أن
~~يحصى وقد عهد ذلك في كتاب الله تعالى غير مرة، وبأن رؤيته جبريل عليه
~~السلام دون ms06617 الناس كان ابتلاء منه تعالى ليقضي الله أمرا كان مفعولا،
~~وبأن معرفته تأثير ذلك الأثر ما ذكر كانت لما ألقى في روعه أنه لا يلقيه
~~على شيء فيقول كن كذا إلا كان كما في خبر ابن عباس أو كانت لما شاهد من
~~خروج النبات بالوطء كما في بعض الآثار. ويحتمل أن يكون سمع ذلك من موسى
~~عليه السلام، وبأن ما ذكر من أولوية الأثر نفسه بالحياة غير مسلم ألا ترى
~~أن الإكسير يجعل ما يلقى هو عليه ذهبا، ولا يكون هو بنفسه ذهبا. وبأن
~~المعجزة مقرونة بدعوى الرسالة من الله تعالى والتحدي وقد قالوا: متى ادعى
~~أحد الرسالة وأظهر الخارق وكان لسبب خفي يجهله المرسل إليهم قيض الله
~~تعالى ولا بد من يبين حقيقة / ذلك بإظهار مثله غير مقرون بالدعوى أو نحو
~~ذلك أو جعل المدعي بحيث لا يقدم على فعل ذلك الخارق بذلك السبب بأن يسلب
~~قوة التأثير أو نحو ذلك لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وتكون له
~~عز وجل الحجة البالغة، وجوزوا ظهور الخارق لا عن سبب أو عن سبب خفي على
~~يد مدعي الألوهية لأن كذبه ظاهر عقلا ونقلا.

# ولا تتوقف إقامة الحجة على تكذيبه بنحو ما تقدم. وبأن ما ذكر من بعد
~~الكفر والإضلال من السامري بعد أن عرف نبوة موسى عليه السلام في غاية
~~السقوط فقد قال تعالى:

# وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم

# [النمل: 14] وليس كفر السامري بأبعد من كفر فرعون وقد رأى ما رأى. ويرد
~~على ما ذكره أبو مسلم مع مخالفته للمأثور عن خير القرون مما لا يقال مثله
~~من قبل الرأي فله حكم المرفوع أن التعبير عن موسى عليه السلام بلفظ
~~الغائب بعيد، وإرادة وقد كنت قبضت قبضة الخ من النظم الكريم أبعد، وأن
~~نبذ ما عرف أنه ليس بحق لا يعد من تسويل النفس في شيء فلا يناسب ختم
~~جوابه بذلك. فزعم أن ما ذكره أقرب إلى التحقيق باطل عند أرباب التدقيق.

# وزعمت اليهود أن ما ألقاه السامري كان ms06618 قطعة من الحلي منقوشا عليها بعض
~~الطلسمات وكان يعقوب عليه السلام قد علقها في عنق يوسف عليه السلام إذ
~~كان صغيرا كما يعلق الناس اليوم في أعناق أطفالهم التمائم وربما تكون من
~~الذهب والفضة منقوشا عليها شيء من الآيات أو الأسماء أو الطلسمات وقد
~~ظفر بها من حيث ظفر فنبذها مع حلي بني إسرائيل فكان ما كان لخاصية ما نقش
~~عليها فيكون على هذا قد أراد بالرسول رسول بني إسرائيل في مصر من قبل وهو
~~يوسف عليه السلام. ولم يجىء عندنا خبر صحيح ولا ضعيف بل ولا موضوع فيما
~~زعموا. نعم جاء عندنا أن يعقوب كان قد جعل القميص المتوارث في تعويذ
~~وعلقه في عنق يوسف عليه السلام. وفسر بعضهم بذلك قوله تعالى:

# اذهبوا بقميصى هذا

# [يوسف: 93] الخ. وما أغفل أولئك البهت عن زعم أن الأثر هو ذلك القميص
~~فإنه قد عهد منه ما تقدم في أحسن القصص في قوله تعالى:

# اذهبوا بقميصى هذا فألقوه على وجه أبى يأت
~~بصيرا

# [يوسف: 93] فبين معافاة المبتلى وحياة الجماد مناسبة كلية فهذا الكذب لو
~~ارتكبوه لربما كان أروج قبولا عند أمثال الأصبهاني الذين ينبذون ما روي
~~عن الصحابة مما لا يقال مثله بالرأي وراء ظهورهم نعوذ بالله تعالى من
~~الضلال.

### || [20.97]

# { قال } استئناف كما مر غير مرة أي قال موسى عليه السلام إذا كان
~~الأمر كما ذكرت { فاذهب } أي من بين الناس، وقوله تعالى: { فإن
~~لك فى الحيوة } إلى آخره تعليل لموجب الأمر. و { فى } متعلقة
~~بالاستقرار العامل في { لك } أي ثابت لك في الحياة أو بمحذوف وقع حالا
~~من الكاف، والعامل معنى الاستقرار المذكور أيضا لاعتماده على ما هو
~~مبتدأ معنى أعني قوله تعالى: { أن تقول لا مساس } ولم يجوز تعلقه
~~بتقول لمكان أن؛ وقد تقدم آنفا عذر من يعلق الظرف المتقدم بما بعدها.
~~ولا يظهر ما يشفي الخاطر في وجه تعليق العلامة أبي السعود  إذ  في
~~قوله تعالى:

# ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا تتبعن

# [طه: 92-93] فيما بعد أن وعدم ms06619 تجويز تعليق { في الحيوة } فيما
~~بعدها أي إن لك مدة حياتك أن تفارق الناس مفارقة كلية لكن لا بحسب
~~الاختيار بموجب التكليف بل بحسب الاضطرار الملجىء إليها، وذلك أنه تعالى
~~رماه بداء عقام لا يكاد يمس أحدا أو يمسه أحد كائنا من كان إلا حم من
~~ساعته حمى شديدة فتحامى الناس وتحاموه وكان يصيح بأقصى صوته لا مساس وحرم
~~عليهم ملاقاته ومكالمته ومؤاكلته ومبايعته وغير ذلك مما يعتاد جريانه
~~فيما بين الناس من المعاملات / وصار بين الناس أوحش من القاتل اللاجىء
~~إلى الحرم ومن الوحش النافر في البيداء، وذكر أنه لزم البرية وهجر
~~البرية، وذكر الطبرسي عن ابن عباس أن المراد أن لك ولولدك أن تقول الخ،
~~وخص عرو الحمى بما إذا كان الماس أجنبيا، وذكر أن بقايا ولده باق فيهم
~~تلك الحال إلى اليوم. وقيل: ابتلي بالوسواس حين قال له موسى عليه السلام
~~ذلك، وعليه حمل قول الشاعر:

# فأصبح ذلك كالسامري

# إذ قال موسى له لا مساسا

# وأنكر الجبائي ما تقدم من حديث عرو الحمى عند المس وقال: إنه خاف وهرب
~~وجعل يهيم في البرية لا يجد أحدا من الناس يمسه حتى صار لبعده عن الناس
~~كالقائل لا مساس وصحح الأول، والمساس مصدر ماس كقتال مصدر قاتل وهو منفي
~~بلا التي لنفي الجنس وأريد بالنفي النهي أي لا تمسني ولا أمسك.

# وقرأ الحسن وأبو حيوة وابن أبي عبلة وقعنب { لا مساس } بفتح الميم وكسر
~~السين آخره وهو بوزن فجار، ونحوه قولهم في الظباء إن وردت الماء فلا عباب
~~وإن فقدته فلا أباب. وهي كما قال الزمخشري وابن عطية أعلام للمسة والعبة
~~والأبة وهي المرة من الأب أي الطلب، ومن هذا قول الشاعر:

# تميم كرهط السامري وقوله

# ألا لا يريد السامري مساس

# و { لا } على هذا ليست النافية للجنس لأنها مختصة بالنكرات وهذا معرفة
~~من أعلام الأجناس ولا داخلة معنى عليه فإن المعنى لا يكون أو لا يكن منك
~~مس لنا. وهذا أولى من أن يكون المعنى لا أقول مساس. ms06620 وظاهر كلام ابن جني
~~أنه اسم فعل كنزال. والمراد نفي الفعل أي لا أمسك والسر في عقوبته على
~~جنايته بما ذكر على ما قيل: إنه ضد ما قصده من إظهار ذلك ليجتمع عليه
~~الناس ويعززوه فكان سببا لبعدهم عنه وتحقيره وصار لديهم أبغض من الطلياء
~~وأهون من معبأة. وقيل: لعل السر في ذلك ما بينهما من مناسبة التضاد فإنه
~~لما أنشأ الفتنة بما كانت ملابسته سببا لحياة الموات عوقب بما يضاده حيث
~~جعلت ملابسته سببا للحمى التي هي من أسباب موت الأحياء، وقيل: عوقب بذلك
~~ليكون الجزاء من جنس العمل حيث نبذ فنبذ فإن ذلك التحامي أشبه شيء بالنبذ
~~وكانت هذه العقوبة على ما في «البحر» باجتهاد من موسى عليه السلام، وحكى
~~فيه القول بأنه أراد قتله فمنعه الله تعالى عن ذلك لأنه كان سخيا، وروي
~~ذلك عن الصادق رضي الله تعالى عنه، وعن بعض الشيوخ أنه قد وقع ما يقرب من
~~ذلك في شرعنا في قضية الثلاثة الذين خلفوا فقد أمر النبي صلى الله عليه
~~وسلم أن لا يكلموا ولا يخالطوا وأن يعتزلوا نساءهم حتى تاب الله تعالى
~~عليهم. ومذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه في القاتل اللاجىء
~~إلى الحرم نحو ذلك ليضطر إلى الخروج فيقتل في الحل.

# { وإن لك موعدا } أي في الآخرة { لن تخلفه } أي لن
~~يخلفك الله تعالى ذلك الوعد بل ينجزه لك البتة بعد ما عاقبك في الدنيا.
~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والأعمش بضم التاء وكسر اللام على البناء للفاعل
~~على أنه من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفا كأجبنته إذا وجدته جبانا. وعلى
~~ذلك قول الأعشى:

# أثوى وقصر ليله ليزودا

# فمضى وأخلف من قتيلة موعدا

# وجوز أن يكون التقدير لن تخلف الواعد إياه فحذف المفعول الأول وذكر
~~الثاني لأنه المقصود. والمعنى / لن تقدر أن تجعل الواعد مخلفا لوعده بل
~~سيفعله، ونقل ابن خالويه عن ابن نهيك أنه قرأ { لن تخلفه } بفتح التاء
~~المثناة من فوق وضم اللام، وفي «اللوامح» أنه قرىء { لن ms06621 يخلفه } بفتح
~~الياء المثناة من تحت وضم اللام وهو من خلفه يخلفه إذا جاء بعده، قيل:
~~المعنى على الرواية الأولى وإن لك موعدا لا بد أن تصادفه، وعلى الرواية
~~الثانية وإن لك موعدا لا يدفع قول لا مساس فافهم. وقرأ ابن مسعود والحسن
~~بخلاف عنه { لن نخلفه } بالنون المفتوحة وكسر اللام على أن ذلك حكاية
~~قول الله عز وجل، وقال ابن جني: أي لن نصادفه خلفا فيكون من كلام موسى
~~عليه السلام لا على سبيل الحكاية وهو ظاهر لو كانت النون مضمومة.

# { وانظر إلى إلهك } أي معبودك { الذى ظلت } أي ظللت
~~كما قرأ بذلك أبي والأعمش فحذفت اللام الأولى تخفيفا، ونقل أبو حيان عن
~~سيبويه أن هذا الحذف من شذوذ القياس ولا يكون ذلك إلا إذا سكن آخر الفعل،
~~وعن بعض معاصريه أن ذلك منقاس في كل مضاعف العين واللام في لغة بني سليم
~~حيث سكن آخر الفعل، وقال بعضهم: إنه مقيس في المضاعف إذا كانت عينه
~~مكسورة أو مضمومة. وقرأ ابن مسعود وقتادة والأعمش بخلاف عنه وأبو حيوة
~~وابن أبي عبلة. وابن يعمر بخلاف عنه أيضا { ظلت } بكسر الظاء على
~~أنه نقل حركة اللام إليها بعد حذف حركتها، وعن ابن يعمر أنه ضم الظاء
~~وكأنه مبني على مجيء الفعل في بعض اللغات على فعل بضم العين وحينئذ يقال
~~بالنقل كما في الكسر { عليه } أي على عبادته { عاكفا } أي مقيما،
~~وخاطبه عليه السلام دون سائر العاكفين على عبادته القائلين:

# لن نبرح عليه عكفين حتى يرجع إلينا موسى

# [طه: 91] لأنه رأس الضلال ورئيس أولئك الجهال.

# { لنحرقنه } جواب قسم محذوف أي بالله تعالى لنحرقنه بالنار كما
~~أخرج ذلك ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس، ويؤيده قراءة الحسن
~~وقتادة وأبي جعفر في رواية وأبي رجاء والكلبي { لنحرقنه } مخففا من
~~أحرق رباعيا فإن الإحراق شائع فيما يكون بالنار وهذا ظاهر في أنه صار ذا
~~لحم ودم. وكذا ما في مصحف أبي وعبد الله { لنذبحنه ثم لنحرقنه }. وجوز
~~أبو علي أن يكون نحرق ms06622 مبالغة في حرق الحديد حرقا بفتح الراء إذا برده
~~بالمبرد. ويؤيده قراءة علي كرم الله تعالى وجهه وحميد وعمرو بن فايد
~~وأبي جعفر في رواية وكذا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { لنحرقنه }
~~بفتح النون وسكون الحاء وضم الراء فإن حرق يحرق بالضم مختص بهذا المعنى
~~كما قيل، وهذا ظاهر في أنه لم يصر ذا لحم ودم بل كان باقيا على
~~الجمادية. وزعم بعضهم أنه لا بعد على تقدير كونه حيا في تحريقه بالمبرد
~~إذ يجوز خلق الحياة في الذهب مع بقائه على الذهبية عند أهل الحق، وقال
~~بعض القائلين بأنه صار حيوانا ذا لحم ودم: إن التحريق بالمبرد كان
~~للعظام وهو كما ترى، وقال النسفي: تفريقه بالمبرد طريق تحريقه بالنار
~~فإنه لا يفرق الذهب إلا بهذا الطريق. وجوز على هذا أن يقال: إن موسى عليه
~~السلام حرقه بالمبرد ثم أحرقه بالنار. وتعقب بأن النار تذيبه وتجمعه ولا
~~تحرقه وتجعله رمادا فلعل ذلك كان بالحيل الإكسيرية أو نحو ذلك.

# { ثم لننسفنه } أي / لنذرينه.

# وقرأت فرقة منهم عيسى بضم السين. وقرأ ابن مقسم { لننسفنه } بضم النون
~~الأولى وفتح الثانية وتشديد السين { في اليم } أي في البحر كما أخرج
~~ذلك ابن أبي حاتم عن ابن عباس. وأخرج عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه
~~فسره بالنهر، وقوله تعالى: { نسفا } مصدر مؤكد أي لنفعلن به ذلك بحيث
~~لا يبقى منه عين ولا أثر ولا يصادف منه شيء فيؤخذ، ولقد فعل عليه السلام
~~ما أقسم عليه كله كما يشهد به الأمر بالنظر، وإنما لم يصرح به تنبيها
~~على كمال ظهوره واستحالة الخلف في وعده المؤكد باليمين، وفي ذلك زيادة
~~عقوبة للسامري وإظهار لغباوة المفتتنين، وقال في «البحر» بيانا لسر هذا
~~الفعل: يظهر أنه لما كان قد أخذ السامري القبضة من أثر فرس جبريل عليه
~~السلام وهو داخل البحر ناسب أن ينسف ذلك العجل الذي صاغه من الحلي الذي
~~كان أصله للقبط وألقى فيه القبضة في البحر ليكون ذلك تنبيها على أن ما
~~كان به ms06623 قيام الحياة آل إلى العدم وألقى في محل ما قامت به الحياة وأن
~~أموال القبط قذفها الله تعالى في البحر لا ينتفع بها كما قذف سبحانه
~~أشخاص مالكيها وغرقهم فيه ولا يخفى ما فيه.

### || [20.98]

# { إنما إلهكم الله } استئناف مسوق لتحقيق الحق إثر إبطال
~~الباطل بتلوين الخطاب وتوجيهه إلى الكل أي إنما معبودكم المستحق للعبادة
~~هو الله عز وجل { الذى لا إله إلا هو } وحده من غير أن
~~يشاركه شيء من الأشياء بوجه من الوجوه التي من جملتها أحكام الألوهية.
~~وقرأ طلحة { الله لا إله إلا هو الرحمن الرحيم رب العرش }  { وسع
~~كل شىء علما } أي وسع علمه كل ما من شأنه أن يعلم فالشيء هنا
~~شامل للموجود المعدوم وانتصب { علما } على التمييز المحول عن الفاعل،
~~والجملة بدل من الصلة كأنه قيل: إنما إلهكم الذي وسع كل شيء علما لا
~~غيره كائنا ما كان فيدخل فيه العجل الذي هو مثل في الغباوة دخولا
~~أوليا.

# وقرأ مجاهد وقتادة { وسع } بفتح السين مشددة فيكون انتصاب { علما }
~~على أنه مفعول ثان، ولما كان في القراءة الأولى فاعلا معنى صح نقله
~~بالتعدية إلى المفعولية كما تقول في خاف زيد عمرا: خوفت زيدا عمرا أي
~~جعلت زيدا يخاف عمرا فيكون المعنى هنا على هذا جعل علمه يسع كل شيء،
~~لكن أنت تعلم أن الكلام ليس على ظاهره لأن علمه سبحانه غير مجعول ولا
~~ينبغي أن يتوهم أن اقتضاء الذات له على تقدير الزيادة جعلا وبهذا تم
~~حديث موسى عليه السلام.

### || [20.99]

# وقوله تعالى: { كذلك نقص عليك } كلام مستأنف خوطب به النبي
~~صلى الله عليه وسلم بطريق الوعد الجميل بتنزيل أمثال ما مر من أنباء
~~الأمم السالفة والجار والمجرور في موضع الصفة لمصدر مقدر أو الكاف في محل
~~نصب صفة لذلك المصدر أي نقص عليك { من أنباء ما قد سبق } من
~~الحوادث الماضية الجارية على الأمم الخالية قصا كائنا كذلك القص المار
~~أو قصا مثل ذلك، والتقديم للقصر المفيد لزيادة التعيين أي كذلك لا
~~ناقصا عنه، ms06624 و(من) في { من أنباء } إما متعلق بمحذوف هو صفة للمفعول
~~أي نقص عليك نبأ أو بعضا كائنا من أنباء. وجوز أن يكون في حيز النصب
~~على أنه مفعول { نقص } باعتبار مضمونه أي نقص بعض أنباء، وتأخيره عن
~~{ عليك } لما مر غير مرة من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر،
~~ويجوز أن يكون { كذلك نقص } مثل قوله تعالى:

# كذلك جعلنكم أمة وسطا

# [البقرة: 143] على أن الإشارة إلى مصدر الفعل المذكور بعد، وقد مر تحقيق
~~ذلك. / وفائدة هذا القص توفير علمه عليه الصلاة والسلام وتكثير معجزاته
~~وتسليته وتذكرة المستبصرين من أمته صلى الله عليه وسلم.

# { وقد ءاتينك من لدنا ذكرا } كتابا منطويا على هذه
~~الأقاصيص والأخبار حقيقا بالتذكر والتفكر فيه والاعتبار، و { من }
~~متعلق بآتيناك، وتنكير { ذكرا } للتفخيم، وتأخيره عن الجار والمجرور
~~لما أن مرجع الإفادة في الجملة كون المؤتى من لدنه تعالى ذكرا عظيما
~~وقرآنا كريما جمعا لكل كمال لا كون ذلك الذكر مؤتى من لدنه عز وجل مع
~~ما فيه من نوع طول بما بعده من الصفة. وجوز أن يكون الجار والمجرور في
~~موضع الحال من { ذكرا } وليس بذاك، وتفسير الذكر بالقرآن هو الذي ذهب
~~إليه الجمهور؛ وروي عن ابن زيد، وقال مقاتل: أي بيانا ومآله ما ذكر،
~~وقال أبو سهل: أي شرفا وذكرا في الناس، ولا يلائمه قوله تعالى: { من
~~أعرض عنه... }.

### || [20.100]

# { من أعرض عنه } إذ الظاهر أن ضمير { عنه } للذكر، والجملة
~~في موضع الصفة له، ولا يحسن وصف الشرف أو الذكر في الناس بذلك، وقيل:
~~الضمير لله تعالى على سبيل الالتفات وهو خلاف الظاهر جدا، و { من }
~~إما شرطية أو موصولة أي من أعرض عن الذكر العظيم الشأن المستتبع لسعادة
~~الدارين ولم يؤمن به { فإنه } أي المعرض عنه { يحمل يوم
~~القيمة وزرا } أي عقوبة ثقيلة على إعراضه وسائر ذنوبه. والوزر
~~في الأصل يطلق على معنيين الحمل الثقيل والإثم، وإطلاقه على العقوبة
~~نظرا إلى المعنى الأول على سبيل الاستعارة المصرحة حيث شبهت العقوبة
~~بالحمل الثقيل. ثم استعير لها بقرينة ms06625 ذكر يوم القيامة، ونظرا إلى المعنى
~~الثاني على سبيل المجاز المرسل من حيث إن العقوبة جزاء الإثم فهي لازمة
~~له أو مسببة، والأول هو الأنسب بقوله تعالى فيما بعد

# وساء

# [طه: 101] الخ لأنه ترشيح له، ويؤيده قوله تعالى في آية أخرى

# وليحملن أثقالهم

# [العنكبوت: 13] وتفسير الوزر بالإثم وحمل الكلام على حذف المضاف أي
~~عقوبة أو جزاء إثم ليس بذاك. وقرأت فرقة منهم داود بن رفيع { يحمل } مشدد
~~الميم مبنيا للمفعول لأنه يكلف ذلك لا أنه يحمله طوعا ويكون { وزرا
~~} على هذا مفعولا ثانيا.

### || [20.101]

# { خلدين فيه } أي في الوزر المراد منه العقوبة. وجوز أن يكون
~~الضمير لمصدر

# يحمل

# [طه: 100] ونصب { خلدين } على الحال من المستكن في

# يحمل

# [طه: 100] والجمع بالنظر إلى معنى { من } لما أن الخلود في النار مما
~~يتحقق حال اجتماع أهلها كما أن الإفراد فيما سبق من الضمائر الثلاثة
~~بالنظر إلى لفظها { وساء لهم يوم القيمة حملا } إنشاء
~~للذم على أن ساء فعل ذم بمعنى بئس وهو أحد معنييه المشهورين، وفاعله على
~~هذا هنا مستتر يعود على { حملا } الواقع تمييزا لاعلى وزرا لأن فاعل
~~بئس لا يكون إلا ضميرا مبهما يفسره التمييز العائد هو إليه وإن تأخر
~~لأنه من خصائص هذا الباب والمخصوص بالذم محذوف والتقدير ساء حملهم حملا
~~وزرهم، ولام { لهم } للبيان كما في سقيا له و

# هيت لك

# [يوسف: 23] وهي متعلقة بمحذوف كأنه قيل: لمن يقال هذا؟ فقيل: هو يقال
~~لهم وفي شأنهم، وإعادة { يوم القيمة } لزيادة التقرير وتهويل
~~الأمر، وجوز أن يكون { ساء } بمعنى أحزن وهو المعنى الآخر من المعنيين؛
~~والتقدير على ما قيل وأحزنهم الوزر حال كونه حملا لهم.

# وتعقبه في «الكشف» بأنه أي فائدة فيه والوزر أدل على الثقل من قيده ثم
~~التقييد بلهم مع الاستغناء عنه وتقديمه الذي لا يطابق المقام وحذف
~~المفعول وبعد هذا كله لا يلائم ما سبق له الكلام ولا مبالغة في الوعيد /
~~بذلك بعدما تقدم ثم قال: وكذلك ما قاله العلامة الطيبي من أن المعنى
~~وأحزنهم حمل الوزر ms06626 على أن { حملا } تمييز واللام في { لهم } للبيان
~~لما ذكر من فوات فخامة المعنى، وأن البيان إن كان لاختصاص الحمل بهم ففيه
~~غنية، وإن كان لمحل الأحزان فلا كذلك طريق بيانه، وإن كان على أن هذا
~~الوعيد لهم فليس موقعه قبل يوم القيامة وأن المناسب حينئذ وزرا ساء لهم
~~حملا على الوصف لا هكذا معترضا مؤكدا انتهى. ولا مجال لتوجيه الإتيان
~~باللام إلى اعتبار التضمين لعدم تحقق فعل مما يلائم الفعل المذكور
~~مناسبا لها لأنها ظاهرة في الاختصاص النافع والفعل في الحدث الضار،
~~والقول بازديادها كما في

# ردف لكم

# [النمل: 72] أو الحمل على التهكم تمحل لتصحيح اللفظ من غير داع إليه
~~ويبقى معه أمر فخامة المعنى، والحاصل أن ما ذكر لا يساعده اللفظ ولا
~~المعنى، وجوز أن يكون { ساء } بمعنى قبح فقد ذكر استعماله بهذا المعنى
~~وإن كان في كونه معنى حقيقيا نظر، و { حملا } تمييزا و { لهم }
~~حالا و { يوم القيمة } متعلقا بالظرف أي قبح ذلك الوزر من
~~جهة كونه حملا لهم في يوم القيامة وفيه ما فيه.

### || [20.102]

# { يوم ينفخ فى الصور } منصوب بإضمار اذكر، وجوز أن يكون
~~ظرفا المضمر حذف للإيذان بضيق العبارة عن حصره وبيانه أو بدلا من

# يوم القيمة

# [طه: 101] أو بيانا له أو ظرفا ل

# يتخافتون

# [طه: 103]، وقرأ أبو عمرو وابن محيصن وحميد { ننفخ } بنون العظمة على
~~إسناد الفعل إلى الآمر به وهو الله سبحانه تعظيما للنفخ لأن ما يصدر من
~~العظيم عظيم أو للنافخ بجعل فعله بمنزلة فعله تعالى وهو إنما يقال لمن له
~~مزيد اختصاص وقرب مرتبة، وقيل: إنه يجوز أن يكون لليوم الواقع هو فيه.
~~وقرىء { ينفخ } بالياء المفتوحة على أن ضميره لله عز وجل أو لإسرافيل
~~عليه السلام وإن لم يجر ذكره لشهرته؛ وقرأ الحسن وابن عياض في جماعة {
~~فى الصور } بضم الصاد وفتح الواو جمع صورة كغرفة وغرف، والمراد به
~~الجسم المصور. وأورد أن النفخ يتكرر لقوله تعالى:

# ثم نفخ فيه أخرى

# [الزمر: 68] والنفخ في الصورة إحياء والإحياء غير ms06627 متكرر بعد الموت وما
~~في القبر ليس بمراد من النفخة الأولى بالاتفاق. وأجيب بأنه لا نسلم أن كل
~~نفخ إحياء، وبعضهم فسر الصور على القراءة المشهورة بذلك أيضا، والحق
~~تفسيره بالقرن الذي ينفخ فيه.

# { ونحشر المجرمين يومئذ } أي يوم إذ ينفخ في الصور،
~~وذكر ذلك صريحا مع تعين أن الحشر لا يكون إلا يومئذ للتهويل، وقرأ الحسن
~~{ يحشر } بالياء والبناء للمفعول و { المجرمون } بالرفع على
~~النيابة عن الفاعل، وقرىء أيضا { يحشر } بالياء والبناء للفاعل وهو
~~ضميره عز وجل أي ويحشر الله تعالى المجرمين { زرقا } حال كونهم زرق
~~الأبدان وذلك غاية في التشويه ولا تزرق الأبدان إلا من مكابدة الشدائد
~~وجفوف رطوبتها، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما زرق العيون فهو وصف
~~للشيء بصفة جزئه كما يقال غلام أكحل وأحول والكحل والحول من صفات العين،
~~ولعله مجاز مشهور، وجوز أن يكون حقيقة كرجل أعمى وإنما جعلوا كذلك لأن
~~الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب فإن الروم الذين كانوا أشد
~~أعدائهم عداوة زرق، ولذلك قالوا في وصف العدو أسود الكبد أصهب السبال
~~أزرق العين، وقال الشاعر:

# وما كنت أخشى أن تكون وفاته

# بكفي سبنتي أزرق العين مطرق

# وكانوا يهجون بالزرقة كما في قوله:

# لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر

# الاكل ضبي من اللؤم أزرق

# وسئل ابن عباس عن الجمع بين { زرقا } على ما روي عنه و

# عميا

# [الإسراء: 97] في آية أخرى فقال: ليوم القيامة حالات / فحالة يكونون
~~فيها عميا وحالة يكونون فيها زرقا. وعن الفراء المراد من { زرقا }
~~عميا لأن العين إذا ذهب نورها ازرق ناظرها، ووجه الجمع عليه ظاهر، وعن
~~الأزهري المراد عطاشا لأن العطش الشديد يغير سواد العين فيجعله كالأزرق،
~~وقيل: يجعله أبيض، وجاء الأزرق بمعنى الأبيض ومنه سنان أزرق، وقوله:

# فلما وردنا الماء زرقا جمامه

# ويلائم تفسيره بعطاشا قوله تعالى على ما سمعت

# ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا

# [مريم: 86].

### || [20.103]

# { يتخفتون بينهم } أي يخفضون أصواتهم ويخفونها لشدة هول
~~المطلع، والجملة استئناف لبيان ما يأتون وما يذرون حينئذ ms06628 أو حال أخرى من

# المجرمين

# [طه: 102]، وقوله تعالى: { إن لبثتم } بتقدير قول وقع حالا من
~~ضمير { يتخفتون } أي قائلين ما لبثتم في القبور { إلا عشرا
~~} أي عشر ليال أو عشرة أيام، ولعله أوفق بقول الأمثل. والمذكر إذا حذف
~~وأبقي عدده قد لا يؤتى بالتاء حكى الكسائي صمنا من الشهر خمسا، ومنه ما
~~جاء في الحديث

# " ثم أتبعه بست من شوال "

# فإن المراد ستة أيام، وحسن الحذف هنا كون ذلك فاصلة، ومرادهم من هذا
~~القول استقصار المدة وسرعة انقضائها والتنديم على ما كانوا يزعمون حيث
~~تبين الأمر على خلاف ما كانوا عليه من إنكار البعث وعده من قبيل المحالات
~~كأنهم قالوا: قد بعثتم وما لبثتم في القبر إلا مدة يسيرة وقد كنتم تزعمون
~~أنكم لن تقوموا منه أبدا، وعن قتادة أنهم عنوا لبثهم في الدنيا وقالوا
~~ذلك استقصارا لمدة لبثهم فيها لزوالها ولاستطالتهم مدة الآخرة أو
~~لتأسفهم عليها لما عاينوا الشدائد وأيقنوا أنهم استحقوها على إضاعة
~~الأيام في قضاء الأوطار واتباع الشهوات، وتعقب بأنهم في شغل شاغل عن تذكر
~~ذلك فالأوفق بحالهم ما تقدم، وبأن قوله تعالى:

# لقد لبثتم فى كتب الله إلى يوم البعث

# [الروم: 56] صريح في أنه اللبث في القبور وفيه بحث. وفي «مجمع البيان»
~~عن ابن عباس وقتادة أنهم عنوا لبثهم بين النفختين يلبثون أربعين سنة
~~مرفوعا عنهم العذاب.

### || [20.104]

# { نحن أعلم بما يقولون } أي بالذي يقولونه وهو مدة لبثهم
~~{ إذ يقول أمثلهم طريقة } أي أعدلهم رأيا وأرجحهم عقلا
~~و { إذ } ظرف يقولون { إن لبثتم إلا يوما } واحدا وإليه
~~ينتهي العدد في القلة. وقيل: المراد باليوم مطلق الوقت وتنكيره للتقليل
~~والتحقير فالمراد إلا زمنا قليلا، وظاهر المقابلة بالعشر يبعهد، ونسبة
~~هذا القول إلى { أمثلهم } استرجاح منه تعالى له لكن لا لكونه أقرب
~~إلى الصدق بل لكونه أعظم في التنديم أو لكونه أدل على شدة الهول وهذا يدل
~~على كون قائله أعلم بفظاعة الأمر وشدة العذاب.

### || [20.105]

# { ويسئلونك عن الجبال } السائلون منكرو البعث من قريش على
~~ما أخرجه ابن ms06629 المنذر عن ابن جريج قالوا على سبيل الاستهزاء كيف يفعل ربك
~~بالجبال يوم القيامة، وقيل: جماعة من ثقيف، وقيل: أناس من المؤمنين {
~~فقل ينسفها ربى نسفا } يجعلها سبحانه كالرمل ثم يرسل عليها
~~الرياح فتفرقها، والفاء للمسارعة إلى إزالة ما في ذهن السائل من بقاء
~~الجبال بناء على ظن أن ذلك من توابع عدم الحشر ألا ترى أن منكري الحشر
~~يقولون بعدم تبدل هذا النظام المشاهد في الأرض والسموات أو للمسارعة إلى
~~تحقيق الحق حفظا من أن يتوهم ما يقضي بفساد الاعتقاد. وهذا مبني على أن
~~السائل من المؤمنين والأول على أنه من منكري البعث، ومن هنا قال الإمام:
~~إن مقصود السائلين الطعن في الحشر والنشر فلا جرم أمر صلى الله عليه وسلم
~~بالجواب مقرونا بحرف التعقيب لأن تأخير البيان في / هذه المسألة
~~الأصولية غير جائز وأما تأخيره في المسائل الفروعية فجائز ولذا لم يؤت
~~بالفاء في الأمر بالجواب في قوله تعالى:

# يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم
~~كبير

# [البقرة: 219] الآية، وقوله تعالى:

# ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو

# [البقرة: 219] وقوله تعالى:

# يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول

# [الأنفال: 1] وقوله سبحانه:

# يسألونك عن اليتمى قل إصلاح لهم خير

# [البقرة: 220] إلى غير ذلك، وقال في موضع آخر: إن السؤال المذكور إما عن
~~قدم الجبال أو عن وجوب بقائها وهذه المسألة من أمهات مسائل أصول الدين
~~فلا جرم أمر صلى الله عليه وسلم أن يجيبه بالفاء المفيدة للتعقيب كأنه
~~سبحانه قال: يا محمد أجب عن هذا السؤال في الحال من غير تأخير لأن القول
~~بقدمها أو وجوب بقائها كفر، ودلالة الجواب على نفي ذلك من جهة أن النسف
~~ممكن لأنه ممكن في كل جزء من أجزاء الجبل والحس يدل عليه فوجب أن يكون
~~ممكنا في حق كل الجبل فليس بقديم ولا واجب الوجود لأن القديم لا يجوز
~~عليه التغير والنسف انتهى. واعترض بأن عدم جواز التغير والنسف إنما يسلم
~~في حق القديم بالذات ولم يذهب أحد من السائلين إلى كون الجبال قديمة ms06630
~~كذلك، وأما القديم بالزمان فلا يمتنع عليه لذاته ذلك بل إذا امتنع فإنما
~~يمتنع لأمر آخر على أن في كون الجبال قديمة بالزمان عند السائلين وكذا
~~غيرهم من الفلاسفة نظرا بل الظاهر أن الفلاسفة قائلون بحدوثها الزماني
~~وإن لم يعلموا مبدأ معينا لحدوثها فتأمل.

# ثم إنه ذكر رحمه الله تعالى أن السؤال والجواب قد ذكرا في عدة مواضع من
~~كتاب الله تعالى منها فروعية ومنها أصولية والأصولية في أربعة مواضع في
~~هذه الآية وقوله تعالى:

# يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس

# [البقرة: 189] وقوله سبحانه:

# ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى

# [الإسراء: 85] وقوله عز وجل:

# يسألونك عن الساعة أيان مرسها

# [النازعات: 42] ولا يخفى أن عد جميع ما ذكر من الأصولية غير ظاهر، وعلى
~~تقدير ظهور ذلك في الجمع يرد السؤال عن سر اقتران الأمر بالجواب بالفاء
~~في بعضها دون بعض. وكون ما اقترن بالفاء هو الأهم في حيز المنع فإن الأمر
~~بالجواب عن السؤال عن الروح إن كان عن القدم ونحوه فمهم كالأمر بالجواب
~~فيما نحن فيه بل لعله أهم منه لتحقق القائل بالقدم الزماني للروح بناء
~~على أنها النفس الناطقة كأفلاطون وأتباعه، وقد يقال: لما كان الجواب هنا
~~لدفع السؤال عن الكلام السابق أعني قوله تعالى:

# يتخفتون بينهم

# [طه: 103] كأنه قيل كيف يصح تخافت المجرمين المقتضي لاجتماعهم والجبال
~~في البين مانعة عن ذلك فمتى قلتم بصحته فبينوا لنا كيف يفعل الله تعالى
~~بها؟ فأجيب بأن الجبال تنسف في ذلك الوقت فلا يبقى مانع عن الاجتماع
~~والتخافت، وقرن الأمر بالفاء للمسارعة إلى الذب عن الدعوة السابقة،
~~والآية التي لم يقرن الأمر فيها بالفاء لم تسق هذا المساق كما لا يخفى
~~على أرباب الأذواق، وقال النسفي وغيره: الفاء في جواب شرط مقدر أي إذا
~~سألوك عن الجبال فقل، وهو مبني على أنه لم يقع السؤال عن ذلك كما وقع في
~~قصة الروح وغيرها فلذا لم يؤت بالفاء ثمة وأتى به هنا فيسألونك متمحض
~~للاستقبال، واستبعد ذلك أبو حيان، وما ms06631 أخرجه ابن المنذر عن ابن جريج من
~~أن قريشا قالوا: يا محمد كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيامة فنزلت {
~~ويسألونك عن الجبال } الآية يدل على خلافه، وقال الخفاجي:
~~الظاهر أنه إنما قرن بها هنا ولم يقرن بها ثمة للإشارة إلى أن الجواب
~~معلوم له صلى الله عليه وسلم قبل ذلك فأمر عليه الصلاة والسلام بالمبادرة
~~إليه بخلاف ذلك انتهى. وأنت تعلم أن القول بأن الجواب عن سؤال الروح، وعن
~~سؤال المحيض ونحو ذلك لم يكن معلوما له صلى الله عليه وسلم قبل لم
~~يتجاسر عليه أحد من عوام الناس فضلا عن خواصهم فما ذكره مما لا ينبغي أن
~~يلتفت إليه.

# / ومما يضحك الثكلى أن بعض المعاصرين سمع السؤال عن سر اقتران الأمر هنا
~~بالفاء وعدم اقترانه بها في الآيات الأخر فقال: ما أجهل هذا السائل بما
~~يجوز وما لا يجوز من المسائل أما سمع قوله تعالى:

# لا يسأل عما يفعل

# [الأنبياء: 23] أما درى أن معناه نهي من يريد السؤال عن أن يسأل. وأدل
~~من هذا على جهل الرجل أنه دون ما قال ولم يبال بما قيل ويقال، ونقلي لذلك
~~من باب التحميض وتذكير من سلم من مثل هذا الداء بما من الله تعالى عليه
~~من الفضل الطويل العريض.

### || [20.106]

# وأمر الفاء في قوله تعالى: { فيذرها } ظاهر جدا، والضمير إما
~~للجبال باعتبار أجزائها السافلة الباقية بعد النسف وهي مقارها ومراكزها
~~أي فنذر ما انبسط منها وساوى سطحه سطوح سائر أجزاء الأرض بعد نسف ما نتأ
~~منها ونشز وإما للأرض المدلول عليها بقرينة الحال لأنها الباقية بعد نسف
~~الجبال. وعلى التقديرين يذر سبحانه الكل { قاعا صفصفا } لأن الجبال
~~إذا سويت وجعل سطحها مساويا لسطوح أجزاء الأرض فقد جعل الكل سطحا
~~واحدا والقاع قيل: السهل، وقال الجوهري: المستوي من الأرض، ومنه قول
~~ضرار بن الخطاب:

# لتكونن بالبطاح قريش

# فقعة القاع في أكف الإماء

# وقال ابن الأعرابي: الأرض الملساء لا نبات فيها ولا بناء. وحكى مكي أنه
~~المكان المنكشف، وقيل: المستوي الصلب من ms06632 الأرض، وقيل: مستنقع الماء وليس
~~بمراد وجمعه أقوع وأقواع وقيعان. والصفصف الأرض المستوية الملساء كأن
~~أجزاءه صف واحد من كل جهة، وقيل: الأرض التي لا نبات فيها، وعن ابن عباس
~~ومجاهد جعل القاع والصفصف بمعنى واحد وهو المستوي الذي لا نبات فيه.
~~وانتصاب { قاعا } على الحالية من الضمير المنصوب أو هو مفعول ثان ليذر
~~على تضمين معنى التصيير. و { صفصفا } إما حال ثانية أو بدل من
~~المفعول الثاني.

### || [20.107]

# قوله تعالى: { لا ترى فيها } أي في مقار الجبال أو في الأرض على
~~ما فصل { عوجا ولا أمتا } استئناف مبين كيفية ما سبق من القاع
~~الصفصف أو حال أخرى أو صفة لقاع والرؤية بصرية والخطاب لكل من يتأتى منه.
~~وعلقت بالعوج وهو بكسر العين ما لا يدرك بفتحها بل بالبصيرة لأن المراد
~~به ما خفي من الاعوجاج حتى احتاج إثباته إلى المساحة الهندسية المدركة
~~بالعقل فألحق بما هو عقلي صرف فأطلق عليه ذلك لذلك وهذا بخلاف العوج بفتح
~~العين فإنه ما يدرك بفتحها كعوج الحائط والعود وبهذا فرق بينهما في
~~«الجمهرة» وغيرها. واختار المرزوقي في «شرح الفصيح» أنه لا فرق بينهما،
~~وقال أبو عمرو: يقال لعدم الاستقامة المعنوية والحسية عوج بالكسر، وأما
~~العوج بالفتح فمصدر عوج، وصح الواو فيه لأنه منقوص من اعوج. ولما صح في
~~الفعل صح في المصدر أيضا، والأمت التنو، والتنكير فيهما للتقليل. وعن
~~ابن عباس عوجا ميلا ولا أمتا أثرا مثل الشراك. وفي رواية أخرى عنه
~~عوجا واديا ولا أمتا رابية. وعن قتادة عوجا صدعا ولا أمتا أكمة،
~~وقيل: الأمت الشقوق في الأرض. وقال الزجاج: هو أن يغلظ مكان ويدق مكان،
~~وقيل: الأمت في الآية العوج في السماء تجاه الهواء والعوج في الأرض مختص
~~بالعرض. وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر غير مرة.

### || [20.108]

# / وقوله تعالى: { يومئذ } أي يوم إذ تنسف الجبال على إضافة يوم إلى
~~وقت النسف من إضافة العام إلى الخاص فلا يلزم أن يكون للزمان ظرف وإن كان
~~لا مانع عنه عند ms06633 من عرفه بمتجدد يقدر به متجدد آخر. وقيل: هو من إضافة
~~المسمى إلى الاسم كما قيل في شهر رمضان، وهو ظرف لقوله تعالى: {
~~يتبعون الداعى } وقيل: بدل من

# يوم القيمة

# [طه: 101]، فالعامل فيه هو العامل فيه، وفيه الفصل الكثير وفوات ارتباط
~~{ يتبعون } بما قبله. وعليه فقوله تعالى:

# ويسألونك

# [طه: 105] الخ استطراد معترض وما بعده استئناف وضمير { يتبعون }
~~للناس. والمراد بالداعي داعي الله عز وجل إلى المحشر وهو إسرافيل عليه
~~السلام يضع الصور في فيه ويدعو الناس عند النفخة الثانية قائما على صخرة
~~بيت المقدس ويقول: أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم
~~المتفرقة هلموا إلى العرض إلى الرحمن فيقبلون من كل صوب إلى صوته. وأخرج
~~ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: يحشر الله تعالى الناس يوم
~~القيامة في ظلمة تطوى السماء وتتناثر النجوم ويذهب الشمس والقمر وينادي
~~مناد فيتبع الناس الصوت يؤمونه فذلك قوله تعالى: { يومئذ
~~يتبعون الداعى } الخ، وقال علي بن عيسى: «الداعي» هنا الرسول
~~الذي كان يدعوهم إلى الله عز وجل والأول أصح.

# { لا عوج له } أي للداعي على معنى لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه،
~~وهذا كما يقال: لا عصيان له أي لا يعصي ولا ظلم له أي لا يظلم، وأصله أن
~~اختصاص الفعل بمتعلقه ثابت كما هو بالفاعل، وقيل: أي لا عوج لدعائه فلا
~~يميل إلى ناس دون ناس بل يسمع جميعهم وحكي ذلك عن أبي مسلم. وقيل: هو
~~على القلب أي لا عوج لهم عنه بل يأتون مقبلين إليه متبعين لصوته من غير
~~انحراف وحكي ذلك عن الجبائي وليس بشيء، والجملة في موضع الحال من الداعي
~~أو مستأنفة كما قال أبو البقاء، وقيل: ضمير { له } للمصدر، والجملة في
~~موضع الصفة له أي اتباعا لا عوج له أي مستقيما، وقال ابن عطية: يحتمل
~~أن يكون المعنى لا شك فيه ولا يخالف وجوده خبره.

# { وخشعت الأصوات للرحمن } أي خفيت لمهابته تعالى وشدة
~~هول المطلع، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: سكنت والخشوع مجاز ms06634 في
~~ذلك، وقيل: لا مجاز والكلام على حذف مضاف أي أصحاب الأصوات وليس بذاك {
~~فلا تسمع } خطاب لكل من يصح منه السمع { إلا همسا } أي صوتا
~~خفيا خافتا كما قال أبو عبيدة. وعن مجاهد هو الكلام الخفي، ويؤيده
~~قراءة أبي { فلا ينطقون إلا همسا } وعن ابن عباس هو تحريك
~~الشفاه بغير نطق، واستبعد بأن ذلك مما يرى لا مما يسمع، وفي رواية أخرى
~~عنه أنه خفق الأقدام وروي ذلك عن عكرمة وابن جبير والحسن، واختاره الفراء
~~والزجاج ومنه قول الشاعر:

# وهن يمشين بنا هميسا

# وذكر أنه يقال للأسد الهموس لخفاء وطئه فالمعنى سكنت أصواتهم وانقطعت
~~كلماتهم فلم يسمع منهم إلا خفق أقدامهم ونقلها إلى المحشر.

### || [20.109]

# { يومئذ } أي يوم إذ يقع ما ذكر من الأمور الهائلة وهو ظرف لقوله
~~تعالى: { لا تنفع الشفاعة } وجوز أن يكون بدلا من

# يوم القيامة

# [طه: 101] أو من

# يومئذ يتبعون

# [طه: 108] والمراد لا تنفع الشفاعة من الشفعاء أحدا { إلا من
~~أذن } في الشفاعة. { له الرحمن } فالاستثناء من أعم المفاعيل
~~و { من } مفعول { تنفع } وهي عبارة عن المشفوع له و { له } متعلق
~~/ بمقدر متعلق ب { اذن } ، وفي «البحر» أن اللام للتعليل وكذا في قوله
~~تعالى: { ورضى له قولا } أي ورضي لأجله قول الشافع وفي شأنه أو
~~رضي قول الشافع لأجله وفي شأنه فالمراد بالقول على التقديرين قول الشافع،
~~وجوز فيه أيضا أن لا يكون للتعليل، والمعنى ورضي قولا كائنا له
~~فالمراد بالقول قول المشفوع وهو على ما روي عن ابن عباس لا إله إلا الله،
~~وحاصل المعنى عليه لا تنفع الشفاعة أحدا إلا من أذن الرحمن في أن يشفع
~~له وكان مؤمنا، والمراد على كل تقدير أنه لا تنفع الشفاعة أحدا إلا من
~~ذكر وأما من عداه فلا تكاد تنفعه وإن فرض صدورها عن الشفعاء المتصدين
~~للشفاعة للناس كقوله تعالى:

# فما تنفعهم شفعة الشفعين

# [المدثر: 48]. وجوز في «البحر» و «الدر المصون» أن لا يقدر مفعول لتنفع
~~تنزيلا له منزلة اللازم والاستثناء من شفاعة و(من) في محل ms06635 رفع على
~~البدلية منها بتقدير مضاف أو في محل نصب على الاستثناء بتقديره أيضا أي
~~إلا شفاعة من أذن الخ، و(من) عبارة عن الشافع والاستثناء متصل ويجوز أن
~~يكون منقطعا إذا لم يقدر شيء ومحل { من } حينئذ نصب على لغة الحجاز
~~ورفع على لغة تميم، واعترض كون الاستثناء من الشفاعة على تقدير المضاف
~~بأن حكم الشفاعة ممن لم يؤذن له أن يملكها ولا تصدر عنه أصلا ومعنى

# لا يقبل منها شفعة

# [البقرة: 48] لا يؤذن لها فيها لا أنها لا تقبل بعد وقوعها فالإخبار
~~عنها بمجرد عدم نفعها للمشفوع له ربما يوهم إمكان صدورها حين لم يأذن له
~~مع إخلاله بمقتضى مقام تهويل اليوم.

### || [20.110]

# { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } الظاهر أن ضمير
~~الجمع عائد على الخلق المحشورين وهم متبعو الداعي، وقيل: على الناس لا
~~بقيد الحشر والاتباع، وقيل: على الملائكة عليهم السلام وهو خلاف الظاهر
~~جدا، والمراد من الموصولين على ما قيل ما تقدمهم من الأحوال وما بعدهم
~~مما يستقبلونه أو بالعكس أو أمور الدنيا وأمور الآخرة أو بالعكس أو ما
~~يدركونه وما لا يدركونه وقد مر الكلام في ذلك. { ولا يحيطون به
~~علما } أي لا يحيط علمهم بمعلوماته تعالى فعلما تمييز محول عن الفاعل
~~وضمير { به } لله تعالى والكلام على تقدير مضاف. وقيل: المراد لا يحيط
~~علمهم بذاته سبحانه أي من حيث اتصافه بصفات الكمال التي من جملتها العلم
~~الشامل. ويقتضي صحة أن يقال: علمت الله تعالى إذ المنفي العلم على طريق
~~الإحاطة. وقال الجبائي: الضمير لمجموع الموصولين فإنهم لا يعلمون جميع ما
~~ذكر ولا تفصيل ما علموا منه، وجوز أن يكون لأحد الموصولين لا على
~~التعيين.

### || [20.111]

# { وعنت الوجوه للحى القيوم } أي ذلت وخضعت خضوع العناة
~~أي الأسارى، والمراد بالوجوه إما الذوات وإما الأعضاء المعلومة وتخصيصها
~~بالذكر لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة وآثار الذل أول ما تظهر فيها، وأل
~~فيها للعهد أو عوض عن المضاف إليه أي وجوه المجرمين فتكون الآية نظير
~~قوله تعالى:

# سيئت وجوه الذين كفروا ms06636

# [الملك: 27] واختار ذلك الزمخشري وجعل قوله تعالى: { وقد خاب من
~~حمل ظلما } اعتراضا ووضع الموصول موضع ضميرهم ليكون أبلغ، وقيل:
~~الوجوه الأشراف أي عظماء الكفرة لأن المقام مقام الهيبة ولصوق الذلة بهم
~~أولى والظلم الشرك وجملة { وقد خاب } الخ حال والرابط الواو لا
~~معترضة لأنها / في مقابلة

# وهو مؤمن

# [طه: 112] فيما بعد انتهى. قال صاحب «الكشف»: الظاهر مع الزمخشري
~~والتقابل المعنوي كاف فإن الاعتراض لا يتقاعد عن الحال انتهى. وأنت تعلم
~~أن تفسير الظلم بالشرك مما لا يختص بتفسير الوجوه بالأشراف وجعل الجملة
~~حالا بل يكون على الوجه الأول أيضا بناء على أن المراد بالمجرمين
~~الكفار، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال في قوله تعالى: {
~~وقد خاب } الخ خسر من أشرك بالله تعالى ولم يتب، وقال غير واحد:
~~الظاهر أن أل للاستغراق أي خضعت واستسلمت جميع الوجوه. وقوله تعالى: {
~~وقد خاب } الخ يحتمل الاستئناف والحالية، والمراد بالموصول إما
~~المشركون وإما ما يعمهم وغيرهم من العصاة وخيبة كل حامل بقدر ما حمل من
~~الظلم فخيبة المشرك دائمة وخيبة المؤمن العاصي مقيدة بوقت العقوبة إن
~~عوقب. وقد تقدم لك معنى  الحي القيوم  في آية الكرسي.

### || [20.112]

# والظاهر أن قوله تعالى: { ومن يعمل من الصلحت } قسيم
~~لقوله سبحانه:

# وعنت الوجوه

# [طه: 111] إلى آخر ما تقدم ولقوله عز وجل:

# وقد خاب من حمل ظلما

# [طه: 111] على هذا كما صرح به ابن عطية وغيره أي ومن يعمل بعض الصالحات
~~أو بعضا من الصالحات { وهو مؤمن } أي بما يجب الإيمان به.
~~والجملة في موضع الحال والتقييد بذلك لأن الإيمان شرط في صحة الطاعات
~~وقبول الحسنات { فلا يخاف ظلما } أي منع ثواب مستحق بموجب الوعد
~~{ ولا هضما } ولا منع بعض منه تقول العرب هضمت حقي أي نقصت منه ومنه
~~هضيم الكشحين أي ضامرهما وهضم الطعام تلاشى في المعدة. روي عن ابن عباس
~~ومجاهد وقتادة أن المعنى فلا يخاف أن يظلم فيزاد في سيآته ولا أن يهضم
~~فينقص من حسناته والأول مروي عن ابن زيد، ms06637 وقيل الكلام على حذف مضاف أي
~~فلا يخاف جزاء ظلم وهضم إذ لم يصدر عنه ظلم، ولا هضم حق أحد حتى يخاف ذلك
~~أو أنه أريد من الظلم والهضم جزاؤهما مجازا، ولعل المراد على ما قيل نفي
~~الخوف عنه من ذلك من حيث إيمانه وعمله بعض الصالحات ويتضمن ذلك نفي أن
~~يكون العمل الصالح مع الإيمان ظلما أو هضما. وقيل: المراد أن من يعمل
~~ذلك وهو مؤمن هذا شأنه لصون الله تعالى إياه عن الظلم أو الهضم ولأنه لا
~~يعتد بالعمل الصالح معه، فلا يرد ما قيل إنه لا يلزم من الإيمان وبعض
~~العمل أن لا يظلم غيره ويهضم حقه ولا يخفى عليك أن القول بحذف المضاف
~~والتجوز في هذه الآية في غاية البعد وما قيل من الاعتراض قوي وما أجيب به
~~كما ترى. ثم إن ظاهر كلام الجوهري أنه لا فرق بين الظلم والهضم، وظاهر
~~الآية قاض بالفرق وكذا قول المتوكل الليثي:

# إن الأذلة واللئام لمعشر

# مولاهم المتهضم المظلوم

# وممن صرح به الماوردي حيث قال: الفرق بينهما أن الظلم منع الحق كله
~~والهضم منع بعضه. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد { فلا يخف } على
~~النهي. قال الطيبي قراءة الجمهور توافق قوله تعالى:

# وقد خاب

# [طه: 111] الخ من حيث الإخبار وأبلغ من القراءة الأخرى من حيث الاستمرار
~~والأخرى أبلغ من حيث إنها لا تقبل التردد في الإخبار.

### || [20.113]

# { وكذلك } عطف على

# كذلك نقص

# [طه: 99] والإشارة إلى إنزال ما سبق من الآيات المتضمنة للوعيد المنبئة
~~عما سيقع من أحوال القيامة وأهوالها أي مثل ذلك الإنزال { أنزلنه
~~} أي القرآن كله وهو تشبيه / لإنزال الكل بإنزال الجزء والمراد أنه على
~~نمط واحد، وإضماره من غير سبق ذكره للإيذان بنباهة شأنه وكونه مركوزا في
~~العقول حاضرا في الأذهان { قرءانا عربيا } ليفهمه العرب ويقفوا
~~على ما فيه من النظم المعجز الدال على كونه خارجا عن طوق الآدميين
~~نازلا من رب العالمين { وصرفنا فيه من الوعيد } أي كررنا
~~فيه بعض الوعيد أو بعضا من الوعيد، والجملة ms06638 عطف على جملة {
~~أنزلنه } وجعلها حالا قيدا للإنزال خلاف الظاهر جدا. {
~~لعلهم يتقون } المفعول محذوف وتقدم الكلام في لعل، والمراد
~~لعلهم يتقون الكفر والمعاصي بالفعل.

# { أو يحدث لهم ذكرا } أي عظة واعتبارا مؤديا في الآخرة
~~إلى الاتقاء، وكأنه لما كانت التقوى هي المطلوبة بالذات منهم أسند فعلها
~~إليهم ولما لم يكن الذكر كذلك غير الأسلوب إلى ما سمعت كذا قيل، وقيل:
~~المراد بالتقوى ملكتها، وأسندت إليهم لأنها ملكة نفسانية تناسب الإسناد
~~لمن قامت به، وبالذكر العظة الحاصلة من استماع القرآن المثبطة عن
~~المعاصي، ولما كانت أمرا يتجدد بسبب استماعه ناسب الإسناد إليه، ووصفه
~~بالحدوث المناسب لتجدد الألفاظ المسموعة، ولا يخفى بعد تفسير التقوى
~~بملكتها على أن في القلب من التعليل شيئا. وفي «البحر» أسند ترجي التقوى
~~إليهم لأن التقوى عبارة عن انتفاء فعل القبيح وذلك استمرار على العدم
~~الأصلي، وأسند ترجي إحداث الذكر للقرآن لأن ذلك أمر حدث بعد أن لم يكن
~~انتهى، وهو مأخوذ من كلام الإمام وفي قوله: لأن التقوى إلى آخره على
~~إطلاقه منع ظاهر، وفسر بعضهم التقوى بترك المعاصي والذكر بفعل الطاعات
~~فإنه يطلق عليه مجاز لما بينهما من السببية والمسببية فكلمة أو على ما
~~قيل للتنويع، وفي الكلام إشارة إلى أن مدار الأمر التخلية والتحلية.
~~والإمام ذكر في الآية وجهين، الأول: ((أن المعنى إنما أنزلنا القرآن
~~ليصيروا محترزين عن فعل ما لا ينبغي أو يحدث لهم ذكرا يدعوهم إلى فعل ما
~~ينبغي فالكلام مشير أيضا إلى التخلية والتحلية إلا أنه ليس فيه ارتكاب
~~المجاز، والثاني: أن المعنى أنزلنا القرآن ليتقوا فإن لم يحصل ذلك فلا
~~أقل من أن يحدث لهم ذكرا وشرفا وصيتا حسنا))، ولا يخفى أن هذا ليس
~~بشيء، وقال الطيبي: إن المعنى وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا أي فصيحا
~~ناطقا بالحق ساطعا بيناته لعلهم يحدث لهم التأمل والتفكر في آياته
~~وبيناته الوافية الشافية فيذعنون ويطيعون وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم
~~يتقون العذاب، ففي الآية لف من غير ترتيب وهي على وزان قوله تعالى:

# لعله ms06639 يتذكر أو يخشى

# [طه: 44] وعندي كون الآية متضمنة للتخلية والتحلية لا يخلو عن حسن
~~فتأمل.

# وقرأ الحسن { أو يحدث } بسكون الثاء، وقرأ عبد الله ومجاهد وأبو حيوة
~~والحسن في رواية والجحدري وسلام { أو نحدث } بالنون وسكون الثاء وذلك حمل
~~وصل على وقف أو تسكين حرف الإعراب استثقالا لحركته كما قال ابن جني نحو
~~قول امرئ القيس:

# اليوم أشرب غير مستحقب

# إثما من الله ولا واغل

# وقول جرير:

# سيروا بني العم فالأهواز منزلكم

# ونهر تيري ولا يعرفكم العرب

### || [20.114]

# { فتعلى الله } استعظام له تعالى ولما صرف في القرآن من الوعد
~~والوعيد والأوامر والنواهي وغير ذلك وتنزيه لذاته المتعالية أن لا يكون
~~إنزال قرآنه الكريم منتهيا إلى غاية الكمالية من تسببه لترك من أنزل
~~عليهم المعاصي، ولفعلهم الطاعات وفيه تعجيب واستدعاء للإقبال عليه وعلى
~~تعظيمه، وفي وصفه تعالى بقوله / سبحانه { الملك } أي المتصرف بالأمر
~~والنهي الحقيق بأن يرجى وعده ويخشى وعيده ما يدل على أن قوارع القرآن
~~سياسات إلهية يتضمن صلاح الدارين لا يحيد عنها إلا مخذول هالك، وقوله
~~تعالى: { الحق } صفة بعد صفة لله تعالى أي الثابت في ذاته وصفاته عز
~~وجل، وفسره الراغب بموجد الشيء على ما تقتضيه الحكمة. وجوز غير واحد كونه
~~صفة للملك ومعناه خلاف الباطل أي الحق في ملكيته يستحقها سبحانه لذاته،
~~وفيه إيماء إلى أن القرآن وما تضمنه من الوعد والوعيد حق كله لا يحوم حول
~~حماه الباطل بوجه وأن المحق من أقبل عليه بشراشره وأن المبطل من أعرض عن
~~تدبر زواجره.

# وفيه تمهيد لوصل النهي عن العجلة به في قوله سبحانه: { ولا تعجل
~~بالقرءان من قبل إن يقضى إليك } أي يتم { وحيه }
~~أي تبليغ جبريل عليه السلام إياه فإن من حق الإقبال ذلك وكذلك من حق
~~تعظيمه. وذكر الطيبي أن هذه الجملة عطف على قوله تعالى: { فتعلى
~~الله الملك الحق } لما فيه من إنشاء التعجب فكأنه قيل حيث
~~نبهت على عظمة جلالة المنزل وأرشدت إلى فخامة المنزل فعظم جنابه الملك
~~الحق المتصرف في الملك والملكوت، ms06640 وأقبل بكلك على تحفظ كتابه وتحقق مبانيه
~~ولا تعجل به، وكان صلى الله عليه وسلم إذا ألقى عليه جبريل عليه السلام
~~القرآن يتبعه عند تلفظ كل حرف وكل كلمة خوفا أن يصعد عليه السلام ولم
~~يحفظه صلى الله عليه وسلم فنهي عليه الصلاة والسلام عن ذلك إذ ربما يشغل
~~التلفظ بكلمة عن سماع ما بعدها، ونزل عليه أيضا:

# لا تحرك به لسانك لتعجل به

# [القيامة: 16] الآية، وأمر صلى الله عليه وسلم باستفاضة العلم واستزادته
~~منه سبحانه فقيل: { وقل } أي في نفسك { رب زدنى علما } أي سل
~~الله عز وجل بدل الاستعجال زيادة العلم مطلقا أو في القرآن فإن تحت كل
~~كلمة بل كل حرف منه أسرارا ورموزا وعلوما جمة وذلك هو الأنفع لك،
~~وقيل: وجملة { ولا تعجل } مستأنفة ذكرت بعد الإنزال على سبيل
~~الاستطراد، وقيل: إن ذلك نهي عن تبليغ ما كان مجملا قبل أن يأتي بيانه
~~وليس بذاك، فإن تبليغ المجمل وتلاوته قبل البيان مما لا ريب في صحته
~~ومشروعيته.

# ومثله ما قيل: إنه نهى عن الأمر بكتابته قبل أن تفسر له المعاني وتتقرر
~~عنده عليه الصلاة والسلام بل هو دونه بكثير، وقيل: إنه نهى عن الحكم بما
~~من شأنه أن ينزل فيه قرآن بناء على ما أخرج جماعة عن الحسن أن امرأة شكت
~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن زوجها لطمها فقال لها: بينكما القصاص
~~فنزلت هذه الآية فوقف صلى الله عليه وسلم حتى نزل:

# الرجال قوامون على النساء

# [النساء: 34]، وقال الماوردي: إنه نهى عن العجلة بطلب نزوله وذلك أن أهل
~~مكة وأسقف نجران قالوا: يا محمد أخبرنا عن كذا وقد ضربنا لك أجلا ثلاثة
~~أيام فأبطأ الوحي عليه وفشت المقالة بين اليهود وزعموا أنه عليه الصلاة
~~والسلام قد غلب فشق ذلك عليه صلى الله عليه وسلم واستعجل الوحي فنزلت: {
~~ولا تعجل } الخ وفي كلا القولين ما لا يخفى.

# وقرأ عبد الله والجحدري والحسن وأبو حيوة وسلام ويعقوب والزعفراني وابن
~~مقسم { نقضي } بنون العظمة مفتوح الياء { وحيه ms06641 } بالنصب. وقرأ الأعمش
~~كذلك إلا أنه سكن الياء من { نقضي } ، قال صاحب «اللوامح»: وذلك على لغة
~~من لا يرى فتح الياء بحال إذا انكسر ما قبلها وحلت طرفا.

# واستدل بالآية على فضل العلم حيث أمر صلى الله عليه وسلم بطلب زيادته،
~~وذكر بعضهم أنه ما أمر عليه الصلاة والسلام بطلب الزيادة / في شيء إلا
~~العلم. وأخرج الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم يقول:

# " اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علما والحمد لله على
~~كل حال "

# وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ابن مسعود أنه كان يدعو " اللهم
~~زدني ايمانا وفقها ويقينا وعلما " وما هذا إلا لزيادة فضل العلم
~~وفضله أظهر من أن يذكر، نسأل الله تعالى أن يرزقنا الزيادة فيه ويوفقنا
~~للعمل بما يقتضيه.

### || [20.115]

# { ولقد عهدنا إلى ءادم } كأنه لما مدح سبحانه القرآن، وحرض
~~على استعمال التؤدة والرفق في أخذه وعهد على العزيمة بأمره وترك النسيان
~~فيه ضرب حديث آدم مثلا للنسيان وترك العزيمة. وذكر ابن عطية أن في ذلك
~~مزيد تحذير للنبي صلى الله عليه وسلم عن العجلة وعدم التؤدة لئلا يقع
~~فيما لا ينبغي كما وقع آدم عليه السلام، فالكلام متعلق بقوله تعالى:

# ولا تعجل بالقرءان

# [طه: 114] الخ، وقال الزمخشري: هو عطف على

# صرفنا

# [طه: 113] عطف القصة على القصة، والتخالف فيه إنشاء وخبرية لا يضر مع أن
~~المقصود بالعطف جواب القسم. وحاصل المعنى عليه صرفنا الوعيد وكررناه
~~لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا لكنهم لم يلتفتوا لذلك ونسوه كما لم يلتفت
~~أبوهم إلى الوعيد ونسي العهد إليه. والفائدة في ذلك الإشارة إلى أن
~~مخالفتهم شنشنة أخزمية وأن أساس أمرهم ذلك وعرقهم راسخ فيه، وحكي نحو هذا
~~عن الطبري. وتعقبه ابن عطية بأنه ضعيف لما فيه من الغضاضة من مقام آدم
~~عليه السلام حيث جعلت قصته مثلا للجاحدين لآيات الله تعالى وهو عليه
~~السلام إنما وقع منه ما وقع بتأويل انتهى، والإنصاف يقضي بحسنه فلا تلتفت ms06642
~~إلى ما قيل: إن فيه نظرا، وقال أبو مسلم: إنه عطف على قوله تعالى:

# كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق

# [طه: 99] وليس بذاك، نعم فيه مع ما تقدم إنجاز الموعود في تلك الآية،
~~واستظهر ابن عطية فيه أحد أمرين التعلق ب

# لا تعجل

# [طه: 114] وكونه ابتداء كلام لا تعلق له بما قبله، وهذا الأخير وإن قدمه
~~في كلامه ناشىء من ضيق العطن كما لا يخفى.

# والعهد الوصية يقال عهد إليه الملك ووغر إليه وعزم عليه وتقدم إليه إذا
~~أمره ووصاه، والمعهود محذوف يدل عليه ما بعده، واللام واقعة في جواب قسم
~~محذوف أي وأقسم بالله لقد أمرناه ووصيناه { من قبل } أي من قبل هذا
~~الزمان، وقيل: أي من قبل وجود هؤلاء المخالفين. وعن الحسن أي من قبل
~~إنزال القرآن، وقيل: أي من قبل أن يأكل من الشجرة { فنسى } العهد ولم
~~يهتم به ولم يشتغل بحفظه حتى غفل عنه، والعتاب جاء من ترك الاهتمام،
~~ومثله عليه السلام يعاتب على مثل ذلك، وعن ابن عباس والحسن أن المراد
~~فترك ما وصى به من الاحتراس عن الشجرة وأكل ثمرتها فالنسيان مجاز عن
~~الترك والفاء للتعقيب وهو عرفي، وقيل: فصيحة أي لم يهتم به فنسي والمفعول
~~محذوف وهو ما أشرنا إليه، وقيل: المنسي الوعيد بخروج الجنة إن أكل، وقيل
~~قوله تعالى:

# إن هذا عدو لك ولزوجك

# [طه: 117] وقيل: الاستدلال على أن النهي عن الجنس دون الشخص، والظاهر ما
~~أشرنا إليه.

# وقرأ اليماني والأعمش { فنسى } بضم النون وتشديد السين أي نساه الشيطان.

# { ولم نجد له عزما } تصميم رأي وثبات قدم في الأمور، وهذا
~~جار على القولين في النسيان، نعم قيل: إنه أنسب بالثاني وأوفق بسياق
~~الآية على ما ذكرنا أولا. وروى جماعة عن ابن عباس وقتادة أن المعنى لم
~~نجد له صبرا عن أكل الشجرة، وعن / ابن زيد وجماعة أن المعنى لم نجد له
~~عزما على الذنب فإنه عليه السلام أخطأ ولم يتعمد وهو قول من قال: إن
~~النسيان على حقيقته؛ وجاء عن ms06643 ابن عباس ما يقتضيه، فقد أخرج الزبير بن
~~بكار في «الموفقيات» عنه قال: قال لي عمر رضي الله تعالى عنه إن صاحبكم
~~هذا  يعني علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه  إن ولي زهد ولكني
~~أخشى عجب نفسه أن يذهب به قلت: يا أمير المؤمنين إن صاحبنا من قد علمت
~~والله ما نقول: إنه غير ولا بدل ولا أسخط رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~أيام صحبته فقال ولا في بنت أبي جهل وهو يريد أن يخطبها على فاطمة قلت:
~~قال الله تعالى في معصية آدم عليه السلام { ولم نجد له عزما }
~~فصاحبنا لم يعزم على إسخاط رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الخواطر
~~التي لا يقدر أحد دفعها عن نفسه وربما كانت من الفقيه في دين الله تعالى
~~العالم بأمر الله سبحانه فإذا نبه عليها رجع وأناب فقال: يا ابن عباس من
~~ظن أنه يرد بحوركم فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها فقد ظن عجزا، لكن لا
~~يخفى عليك أن هذا التفسير غير متبادر ولا كثير المناسبة للمقام. وحاصل لم
~~نجد الخ عليه أنه نسي فيتكرر مع ما قبله.

# ثم إن { لم نجد } إن كان من الوجود العلمي،  فله عزما  مفعولاه
~~قدم الثاني على الأول لكونه ظرفا وإن كان من الوجود المقابل للعدم كما
~~اختاره بعضهم  فله  متعلق به قدم على مفعوله لما مر غير مرة أو بمحذوف
~~وقع حالا من مفعوله المنكر، والمعنى على هذا ولم نصادف له عزما.

### || [20.116]

# { وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لأدم } شروع في بيان
~~المعهود وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه، { وإذ } منصوب على المفعولية
~~بمضمر خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم أي واذكر وقت قولنا للملائكة
~~الخ. قيل: وهو معطوف على مقدر أي اذكر هذا واذكر إذ قلنا أو من عطف القصة
~~على القصة. وأيا ما كان فالمراد اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه حتى
~~يتبين لك نسيانه وفقدان عزمه.

# { فسجدوا إلا إبليس } قد مر الكلام فيه مرارا { أبى ms06644 }
~~جملة مستأنفة وقعت جوابا عن سؤال نشأ عن الإخبار بعدم سجوده كأنه قيل:
~~فما باله لم يسجد؟ فقل: { أبى } والإباء الامتناع أو شدته ومفعوله إما
~~محذوف أي أبى السجود كما في قوله تعالى:

# أبى أن يكون مع السجدين

# [الحجر: 31] أو غير منوي رأسا بتنزيله منزلة اللازم أي فعل الإباء
~~وأظهره.

### || [20.117]

# { فقلنا } عقيب ذلك اعتناء بنصح آدم عليه السلام { ياءادم إن
~~هذا } الذي رأيت منه ما رأيت { عدو لك ولزوجك } أعيد
~~اللام لأنه لا يعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار عند الجمهور.
~~وقيل: أعيد للدلالة على أن عداوة اللعين للزوجة أصالة لا تبعا، وهو على
~~القول بعدم لزوم إعادة الجار في مثله كما ذهب إليه ابن مالك ظاهر، وأما
~~على القول باللزوم فقد قيل في توجيهه: إن كون الشيء لازما بحسب القاعدة
~~النحوية لا ينافي قصد إفادة ما يقتضيه المقام. وقد صرح السيد السند في
~~«شرح المفتاح» في توجيه جعل صاحب «المفتاح» تنكير التمييز في قوله تعالى:

# واشتعل الرأس شيبا

# [مريم: 4] لإفادة المبالغة بما يرشد إلى ذلك، ولا يخفى ما في التعبير
~~بزوجك دون حواء من مزيد التنفير والتحذير منه، واختلف في سبب العداوة
~~فقيل مجرد الحسد وهو لعنه الله تعالى ولعن أتباعه أول من حسد، وقيل: كونه
~~شيخا جاهلا وكون آدم عليه السلام شابا عالما، والشيخ الجاهل يكون
~~أبدا عدوا للشاب العالم بل الجاهل مطلقا عدو للعالم كذلك كما قيل:

# والجاهلون لأهل العلم أعداء

# وقيل: تنافي الأصلين فإن / اللعين خلق من نار وآدم عليه السلام خلق من
~~طين وحواء خلقت منه، وقد ذكر جميع ذلك الإمام الرازي.

# { فلا يخرجنكما } أي فلا يكونن سببا لإخراجكما { من
~~الجنة } وهذا كناية عن نهيهما عن أن يكونا بحيث يتسبب الشيطان في
~~إخراجهما منها نحو قوله تعالى:

# فلا يكن فى صدرك حرج

# [الأعراف: 2] والفاء لترتيب موجب النهي على عداوته لهما أو على الإخبار
~~بها { فتشقى } أي فتتعب بمتاعب الدنيا وهي لا تكاد تحصى ولا يسلم
~~منها أحد وإسناد ذلك إليه عليه السلام خاصة ms06645 بعد تعليق الإخراج الموجب له
~~بهما معا لأصالته في الأمور واستلزام تعبه لتعبها مع ما في ذلك من
~~مراعاة الفواصل على أتم وجه، وقيل: المراد بالشقاء التعب في تحصيل مبادي
~~المعاش وهو من وظائف الرجال، وأيد هذا بما أخرجه عبد بن حميد وابن عساكر
~~وجماعة عن سعيد بن جبير قال: «إن آدم عليه السلام لما أهبط من الجنة
~~استقبله ثور أبلق فقيل له: اعمل عليه فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول:
~~هذا ما وعدني ربي { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى
~~} ثم نادى حواء حواء أنت عملت بي هذا فليس من ولد آدم أحد يعمل على ثور
~~إلا قال: حو دخلت عليهم من قبل آدم عليه السلام، وكذا أيد بالآية بعد
~~وفيه تأمل، ولعل القول بالعموم أولى، و { تشقى } يحتمل أن يكون منصوبا
~~بإضمار أن في جواب النهي، ويحتمل أن يكون مرفوعا على الاستئناف بتقدير
~~فأنت تشقى، واستبعد هذا بأنه ليس المراد الإخبار عنه بالشقاء بل المراد
~~أن وقع الإخراج حصل ذلك.

### || [20.118-119]

# أي ولا تصيبك الشمس يقال: ضحا كسعى وضحي كرضي ضحوا وضحيا إذا أصابته
~~الشمس، ويقال ضحا ضحوا وضحوا وضحيا إذا برز لها، وأنشدوا قول عمر بن
~~أبي ربيعة:

# رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت

# فيضحى وأما بالعشي فيخصر

# وفسر بعضهم ما في الآية بذلك والتفسير الأول مروي عن عكرمة، وأيا ما
~~كان فالمراد نفي أن يكون بلا كن، والجملة تعليل لما يوجبه النهي فإن
~~اجتماع أسباب الراحة فيها مما يوجب المبالغة في الاهتمام بتحصيل مبادي
~~البقاء فيها والجد في الانتهاء عما يؤدي إلى الخروج عنها، والعدول عن
~~التصريح بأن له عليه السلام فيها تنعما بفنون النعم من المآكل والمشارب
~~وتمتعا بأصناف الملابس البهية والمساكن المرضية مع أن فيه من الترغيب في
~~البقاء فيها ما لا يخفى إلى ما ذكر من نفي نقائضها التي هي الجوع والعطش
~~والعري والضحو لتذكير تلك الأمور المنكرة والتنبيه على ما فيها من أنواع
~~الشقوة التي حذره سبحانه عنها ليبالغ في التحامي عن السبب ms06646 المؤدي إليها،
~~ومعنى { ألا تجوع } الخ أن لا يصيبه شيء من الأمور الأربعة أصلا
~~فإن الشبع والري والكسوة والكن قد تحصل بعد عروض أضدادها وليس الأمر فيها
~~كذلك بل كلما وقع فيها شهوة وميل إلى شيء من الأمور المذكورة تمتع به من
~~غير أن يصل إلى حد الضرورة على أن الترغيب قد حصل بما سوغ له من التمتع
~~بجميع ما فيها سوى الشجرة حسبما ينطق به قوله تعالى:

# وقلنا ياءادم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا
~~منها رغدا حيث شئتما

# [البقرة: 35] وقد طوي ذكره ههنا اكتفاء بذلك واقتصر على ما ذكر من
~~الترغيب المتضمن للترهيب، وقال بعضهم: إن الاقتصار على ما ذكر لما وقع في
~~سؤال آدم عليه السلام فإنه روي أنه لما أمره سبحانه بسكنى الجنة قال
~~إلهي ألي فيها ما آكل ألي فيها ما ألبس ألي فيها ما أشرب ألي فيها ما
~~استظل به فأجيب بما ذكر، وفي القلب من صحة الرواية شيء.

# / ووجه إفراده عليه السلام بما ذكر ما مر آنفا، وقيل: كونه السائل وكان
~~الظاهر عدم الفصل بين الجوع والظمأ والعري والضحو للتجانس والتقارب إلا
~~أنه عدل عن المناسبة المكشوفة إلى مناسبة أتم منها وهي أن الجوع خلو
~~الباطن والعري خلو الظاهر فكأنه قيل لا يخلو باطنك وظاهرك عما يهمهما،
~~وجمع بين الظمأ المورث حرارة الباطن والبروز للشمس وهو الضحو المورث
~~حرارة الظاهر فكأنه قيل: لا يؤلمك حرارة الباطن والظاهر وذلك الوصل الخفي
~~وهو سر بديع من أسرار البلاغة، وفي «الكشف» إنما عدل إلى المنزل تنبيها
~~على أن الشبع والكسوة أصلان وأن الأخيرين متممان على الترتيب فالامتنان
~~على هذا الوجه أظهر، ولهذا فرق بين القرينتين فقيل أولا { إن لك }
~~وثانيا { إنك } ، وقد ذكر هذا العلامة الطيبي أيضا ثم قال: وفي
~~تنسيق المذكورات الأربعة مرتبة هكذا مقدما ما هو الأهم فالأهم ثم في
~~جعلها تفصيلا لمضمون قوله تعالى:

# فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى

# [طه: 117] وتكرير لفظة فيها وإخراجها في صيغة النفي مكررة الأداة
~~الإيماء إلى التعريض بأحوال الدنيا ms06647 وأن لا بد من مقاساتها فيها لأنها
~~خلقت لذلك وأن الجنة ما خلقت إلا للتنعم ولا يتصور فيها غيره.

# وفي «الانتصاف» ((أن في الآية سرا بديعا من البلاغة يسمى قطع النظير
~~عن النظير، والغرض من ذلك تحقيق تعداد هذه النعم [وتصنيفها] ولو قرن كل
~~بشكله لتوهم المقرونان نعمة واحدة، وقد رمق أهل البلاغة سماء هذا المعنى
~~قديما وحديثا فقال الكندي الأول:

# كأني لم أركب جوادا للذة

# ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال

# ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل

# لخيلي كري كرة بعد إجفال

# فقطع ركوب الجواد عن قوله لخيله: كري كرة وقطع تبطن الكاعب عن ترشف
~~الكأس مع التناسب وغرضه أن يعدد ملاذه ومفاخره ويكثرها، وتبعه الكندي
~~الآخر فقال:

# وقفت وما في الموت شك لواقف

# كأنك في جفن الردى وهو نائم

# تمر بك الأبطال كلمى هزيمة

# ووجهك ضحاك وثغرك باسم

# وقد اعترض عليه سيف الدولة إذ قطع الشيء عن نظيره فقال له: إن كنت أخطأت
~~بذلك فقد أخطأ امرؤ القيس بقوله وأنشد البيتين السابقين، وفي الآية سر
~~لذلك أيضا زائد على ما ذكر وهو قصد تناسب الفواصل)) اه. وقد يقال في
~~بيتي الأول: إنه جمع بين ركوب الخيل للذة والنزهة وتبطن الكاعب للذة
~~الحاصلة فيهما وجمع بين سبء الزق وقوله لخيله: كري لما فيهما من الشجاعة،
~~ثم ما ذكر من قصد تناسب الفواصل في الآية ظاهر في أنه لو عدل عن هذا
~~الترتيب لم يحصل ذلك وهو غير مسلم.

# وقرأ شيبة ونافع وحفص وابن سعدان { إنك } بكسر الهمزة. وقرأ الجمهور
~~بفتحها على أن العطف على أن { ألا تجوع } وهو في تأويل مصدر اسم
~~لأن وصحة وقوع ما صدر بأن المفتوحة اسما لأن المكسورة المشاركة لها في
~~إفادة التحقيق مع امتناع وقوعها خبرا لها لما أن المحذور وهو اجتماع
~~حرفي التحقيق في مادة واحدة غير موجود فيما نحن فيه لاختلاف مناط التحقيق
~~فيما في حيزها بخلاف ما لو وقعت خبرا فإن اتحاد المناط حينئذ مما لا
~~ريب فيه، وبيانه على ما في ms06648 «إرشاد العقل السليم» أن كل واحدة من الأداتين
~~موضوعة لتحقيق / مضمون الجملة الخبرية المنعقدة من اسمها وخبرها ولا يخفى
~~أن مرجع خبريتها ما فيها من الحكم وأن مناطه الخبر لا الاسم فمدلول كل
~~منهما تحقيق ثبوت خبرها لاسمها لا ثبوت اسمها في نفسه فاللازم من وقوع
~~الجملة المصدرة بالمفتوحة اسما للمكسورة تحقيق ثبوت خبرها لتلك الجملة
~~المؤولة بالمصدر، وأما تحقيق ثبوتها في نفسها فهو مدلول المفتوحة فلا
~~يلزم اجتماع حرفي التحقيق في مادة واحدة قطعا، وإنما لم يجز أن يقال: إن
~~أن زيدا قائم حق مع اختلاف المناط بل شرطوا الفصل بالخبر كقولنا: إن
~~عندي أن زيدا قائم حق للتجافي عن صورة الاجتماع، والواو العاطفة وإن
~~كانت نائبة عن المكسورة التي يمتنع دخولها على المفتوحة بلا فصل وقائمة
~~مقامها في إفضاء معناها وإجراء أحكامها على مدخولها لكنها حيث لم تكن
~~حرفا موضوعا للتحقيق لم يلزم من دخولها اجتماع حرفي التحقيق أصلا.

# فالمعنى إن لك عدم الجوع وعدم العري وعدم الظمأ خلا أنه لم يقتصر على
~~بيان أن الثابت له عدم الظمأ والضحو مطلقا كما فعل مثله في المعطوف عليه
~~بل قصد بيان أن الثابت له تحقيق عدمهما فوضع موضع الحرف المصدري المحض أن
~~المفيدة له كأنه قيل: إن لك فيها عدم ظمئك على التحقيق انتهى. ويحتاج
~~عليه إلى بيان النكتة في عدم الاقتصار على بيان أن الثابت له عدم الظمأ
~~مطلقا كما فعل مثله في المعطوف عليه فتأمل ولا تغفل. وقيل: إن الواو وإن
~~كانت نائبة عن إن هنا إلا أنه يلاحظ بعدها { لك } الموجود بعد أن التي
~~نابت عنها فيكون هناك فاصل ولا يمتنع الدخول معه وهو كما ترى، ولا يخفى
~~عليك أن العطف على قراءة الكسر على أن الأولى مع معموليها لا على اسمها
~~ولا كلام في ذلك.

### || [20.120]

# { فوسوس إليه الشيطن } أنهى الوسوسة إليه، وهي كما قال
~~الراغب: الخطرة الرديئة؛ وأصلها من الوسواس وهو صوت الحلي والهمس الخفي،
~~وقال الليث: الوسوسة حديث النفس والفعل وسوس بالبناء للفاعل، ms06649 ويقال: رجل
~~موسوس بالكسر والفتح لحن. وذكر غير واحد أن وسوس فعل لازم مأخوذ من
~~الوسوسة وهي حكاية صوت كولولة الثكلى ووعوعة الذئب ووقوقة الدجاجة وإذا
~~عدي بإلى ضمن معنى الإنهاء وإذا جيء باللام بعده نحو وسوس له فهي للبيان
~~كما في

# هيت لك

# [يوسف: 23] وقال الزمخشري: للأجل أي وسوس لأجله، وكذا إذا كانت بعد
~~نظائر هذا الفعل نحو قوله:

# اجرس لها يا ابن أبي كباش

# فما لها الليلة من إنفاش

# وذكر في «الأساس» وسوس إليه في قسم الحقيقة، وظاهره عدم اعتبار التضمين
~~والكثير على اعتباره.

# { قال } إما بدل من { وسوس } أو استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ منه
~~كأنه قيل: فما قال له في وسوسته: فقيل: قال { يآدم هل أدلك
~~على شجرة الخلد } ناداه باسمه ليكون أقبل عليه وأمكن للاستماع
~~ثم عرض عليه ما عرض على سبيل الاستفهام الذي يشعر بالنصح، ومعنى شجرة
~~الخلد شجرة من أكل منها خلد ولم يمت أصلا سواء كان على حاله أو بأن يكون
~~ملكا لقوله تعالى:

# إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخلدين

# [الأعراف: 20]. وفي «البحر» أن ما حكى هنا مقدم على ما حكى في الأعراف
~~[20] من قوله تعالى:

# ما نهكما ربكما عن هذه الشجرة

# الخ كأن اللعين لما رأى منه عليه السلام نوع إصغاء إلى ما عرض عليه
~~انتقل إلى الإخبار والحصر انتهى، والحق / أنه لا جزم بما ذكر { وملك
~~لا يبلى } أي لا يفنى أو لا يصير باليا خلقا قيل: إن هذا من
~~لوازم الخلود فذكره للتأكيد وزيادة الترغيب.

### || [20.121]

# { فأكلا } أي هو وزوجته { منها } أي من الشجرة التي سماها اللعين
~~شجرة الخلد { فبدت لهما سوءتهما } قال ابن عباس رضي الله
~~عنهما: عريا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما حتى بدت فروجهما، وفي
~~رواية أخرى عنه أنه كان لباسهما الظفر فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما
~~وتركت هذه البقايا في أطراف الأصابع والله تعالى أعلم بصحة ذلك، ثم إن ما
~~ذكر يحتمل أن يكون عقوبة للأكل ويحتمل أن يكون مرتبا ms06650 عليه لمصلحة أخرى {
~~وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } قد مر
~~تفسيره.

# { وعصى ءادم ربه } بما ذكر من أكل الشجرة { فغوى } ضل عن
~~مطلوبه الذي هو الخلود أو عن المطلوب منه وهو ترك الأكل من الشجرة أو عن
~~الرشد حيث اغتر بقول العدو، وقيل: غوى أي فسد عليه عيشه، ومنه يقال:
~~الغواء لسوء الرضاع. وقرىء { فغوى } بفتح الغين وكسر الواو وفتح
~~الياء أي فبشم من كثرة الأكل من غوى الفصيل إذا اتخم من اللبن وبه فسرت
~~القراءة الأخرى، وتعقب ذلك الزمخشري فقال وهذا وإن صح على لغة من يقلب
~~الياء المكسور ما قبلها ألفا فيقول في فني وبقي فنا وبقا بالألف وهم بنو
~~طيىء تفسير خبيث.

# وظاهر الآية يدل على أن ما وقع من الكبائر وهو المفهوم من كلام الإمام
~~فإن كان صدوره بعد البعثة تعمدا من غير نسيان ولا تأويل أشكل على ما
~~اتفق عليه المحققون والأئمة المتقنون من وجوب عصمة الأنبياء عليهم السلام
~~بعد البعثة عن صدور مثل ذلك منهم على ذلك الوجه، ولا يكاد يقول بذلك إلا
~~الأزارقة من الخوارج فإنهم عليهم ما يستحقون جوزوا الكفر عليهم وحاشاهم
~~فما دونه أولى بالتجويز، وإن كان صدوره قبل البعثة كما قال به جمع وقال
~~الإمام: إنه مذهبنا فإن كان تعمدا أشكل على قول أكثر المعتزلة والشيعة
~~بعصمتهم عليهم السلام عن صدور مثل ذلك تعمدا قبل البعثة أيضا. نعم لا
~~إشكال فيه على ما قاله القاضي أبو بكر من أنه لا يمتنع عقلا ولا سمعا
~~أن يصدر من النبي عليه السلام قبل نبوته معصية مطلقا بل لا يمتنع عقلا
~~إرسال من أسلم بعد كفره، ووافقه على ذلك كما قال الآمدي في «أبكار
~~الأفكار» أكثر الأصحاب وكثير من المعتزلة وإن كان سهوا كما يدل عليه
~~قوله تعالى:

# فنسى ولم نجد له عزما

# [طه: 115] بناء على أحد القولين فيه أشكل على ما نقل عن الشيعة من منع
~~صدور الكبيرة سهوا قبل البعثة أيضا، ولا إشكال فيه على ما سمعت عن
~~القاضي أبي ms06651 بكر، وإن كان بعد البعثة سهوا أشكل أيضا عند بعض دون بعض،
~~فقد قال عضد الملة في «المواقف» إن الأكثرين جوزوا صدور الكبيرة يعني ما
~~عدا الكفر والكذب فيما دلت المعجزة على صدقهم عليهم السلام فيه سهوا
~~وعلى سبيل الخطأ منهم، وقال العلامة الشريف المختار خلافه، وذهب كثير إلى
~~أن ما وقع صغيرة والأمر عليه هين فإن الصغائر الغير المشعرة بالخسة يجوز
~~على ما ذكره العلامة الثاني في «شرح العقائد» صدورها منهم عليهم السلام
~~عمدا بعد البعثة عند الجمهور خلافا للجبائي وأتباعه ويجوز صدورها سهوا
~~بالاتفاق لكن المحققون اشترطوا أن ينبهوا على ذلك فينتهوا عنه.

# نعم ذكر في «شرح المقاصد» عصمتهم عن صدور ذلك عمدا.

# والأحوط نظرا إلى مقام آدم عليهم السلام أن يقال: إن صدور ما ذكر منه
~~كان قبل النبوة وكان سهوا أو عن تأويل إلا أنه عظم الأمر عليه وعظم لديه
~~/ نظرا إلى علو شأنه ومزيد فضل الله تعالى عليه وإحسانه، وقد شاع حسنات
~~الأبرار سيآت المقربين، ومما يدل على استعظام ذلك منه لعلو شأنه عليه
~~السلام ما أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» عن أبي عبد الله المغربي
~~قال: تفكر إبراهيم في شأن آدم عليهما السلام فقال: يا رب خلقته بيدك
~~ونفخت فيه من روحك وأسجدت له ملائكتك ثم بذنب واحد ملأت أفواه الناس من
~~ذكر معصيته فأوحى الله تعالى إليه يا إبراهيم أما علمت أن مخالفة الحبيب
~~على الحبيب شديدة. وذكر بعضهم أن في استعظام ذلك منه عليه السلام زجرا
~~بليغا لأولاده عن أمثاله، وعلى العلات لا ينبغي لأحد أن ينسب إليه
~~العصيان اليوم وأن يخبر بذلك إلا أن يكون تاليا لما تضمن ذلك أو راويا
~~له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما أن يكون مبتدئا من قبل نفسه
~~فلا، وقد صرح القاضي أبو بكر بن العربي بعدم جواز نسبة العصيان للآباء
~~الأدنين إلينا المماثلين لنا فكيف يجوز نسبته للأنبياء الاقدام والنبي
~~المقدم الأكرم، وارتضى ذلك القرطبي وادعى أن ابتداء الإخبار بشيء من
~~صفات ms06652 الله تعالى المتشابهة كاليد والأصبع والنزول أولى بالمنع وعدم
~~الجواز، ثم إن ما وقع كان في الحقيقة بمحض قضاء الله تعالى وقدره، وإلا
~~فقد روي عن أبي أمامة الباهلي والحسن أن عقله عليه السلام مثل عقل جميع
~~ولده وعداوة إبليس عليه اللعنة له عليه السلام في غاية الظهور، وفي ذلك
~~دليل على أنه لا ينفع عقل ولا يغني شيء في جنب تقدير الله تعالى وقضائه.

### || [20.122]

# { ثم اجتبه ربه } أي اصطفاه سبحانه وقربه إليه بالحمل على
~~التوبة والتوفيق لها من اجتبى الشيء جباه لنفسه أي جمعه كقولك: اجتمعته
~~أو من جبى إلى كذا فاجتبيته مثل جليت على العروس فاجتليتها، وأصل معنى
~~الكلمة الجمع فالمجتبى كأنه في الأصل من جمعت فيه المحاسن حتى اختاره
~~غيره وقربه، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه
~~السلام مزيد تشريف له عليه السلام { فتاب عليه } أي رجع عليه
~~بالرحمة وقبل توبته حين تاب وذلك حين قال هو وزوجته:

# ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا
~~وترحمنا لنكونن من الخسرين

# [الأعراف: 23].

# { وهدى } أي إلى الثبات على التوبة والتمسك بما يرضي المولى سبحانه
~~وتعالى، وقيل إلى كيفية التوبة بتعليم الكلمات والواو لمطلق الجمع فلا
~~يضر كون ذلك قبل التوبة عليه، وقيل: إلى النبوة والقيام بما تقتضيه، وقدم
~~أبو حيان هذا على سائر الاحتمالات التي ذكرها، والنيسابوري فسر الاجتباء
~~بالاختيار للرسالة وجعل الآية دليلا على أن ما جرى كان قبل البعثة ولم
~~يصرح سبحانه بنسبة العصيان والغواية إلى حواء بأن يسندهما إلى ضمير
~~التثنية الذي هو عبارة عنها، وعن آدم عليه السلام كما أسند الأكل وما
~~بعده إلى ذلك إعراضا عن مزيد النعي على الحرم وأن الأهم نظرا إلى مساق
~~القصة التصريح بما أسند إلى آدم عليه السلام ويتضمن ذلك رعاية الفواصل
~~وحيث لم يصرح جل وعلا بعصيانها لم يتعرض لتوفيقها للتوبة وقبولها منها،
~~وقال بعضهم: إنه تعالى اكتفى بذكر شأن آدم عليه السلام لما أن حواء تبع
~~له في الحكم ولذا طوى ذكر النساء في ms06653 أكثر مواقع الكتاب والسنة.

### || [20.123]

# { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من الإخبار بأنه تعالى عامله بما
~~عامله كأنه قيل: فماذا أمره بعد ذلك؟ فقيل: قال له ولزوجته { اهبطا
~~منها جميعا } أي انزلا من الجنة إلى الأرض مجتمعين، وقيل: الخطاب
~~له عليه السلام ولإبليس عليه اللعنة فإنه دخل الجنة بعد ما قيل له:

# أخرج منها فإنك رجيم

# [ص: 77] للوسوسة، وخطابهما / على الأول بقوله تعالى: { بعضكم
~~لبعض عدو } لما أنهما أصل الذرية ومنشأ الأولاد فالتعادي في
~~الحقيقة بين أولادهما. وهذا على عكس مخاطبة اليهود ونسبة ما فعل ءاباؤهم
~~اليهم. والجملة في موضع الحال أي متعادين في أمر المعاش وشهوات الأنفس.
~~وعلى الثاني ظاهر لظهور العداوة بين آدم عليه السلام وإبليس عليه اللعنة
~~وكذا بين ذرية آدم عليه السلام وذرية اللعين، ومن هنا قيل: الضمير لآدم
~~وذريته وإبليس وذريته. وعزم بعضهم أنه لآدم وإبليس والحية والمعول عليه
~~الأول ويؤيد ذلك قوله تعالى: { فإما يأتينكم منى هدى }
~~الخ أي بنبي أرسله إليكم وكتاب أنزله عليكم { فمن اتبع هداى }
~~وضع الظاهر موضع المضمر مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في
~~إيجاب اتباعه. وأخرج الطبراني وغيره عن أبي الطفيل أن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قرأ { فمن اتبع هدى }  { فلا يضل } في الدنيا { ولا
~~يشقى } في الآخرة، وفسر بعضهم الهدى بالقرآن لما أخرج ابن أبي شيبة
~~وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في «شعب الإيمان» من
~~طريق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أجار الله تعالى تابع القرآن
~~من أن يضل في الدنيا أو يشقى في الآخرة ثم قرأ الآية، وأخرج جماعة عنه
~~مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ

# " من اتبع كتاب الله هداه الله تعالى من الضلالة في الدنيا ووقاه سوء
~~الحساب يوم القيامة ".

### || [20.124]

# ورجح على العموم بقيام القرينة عليه وهو قوله تعالى: { ومن أعرض
~~عن ذكرى } بناء على تفسير الذكر بالقرآن، وكذا قوله تعالى بعد

# كذلك أتتك ءايتنا فنسيتها

# [طه: 126] ولمختار العموم أن ms06654 يقول: الذكر يقع على القرآن وعلى سائر
~~الكتب الإلهية، وكذا الآيات تكون بمعنى الأدلة مطلقا، وقد فسر الذكر
~~أيضا هنا بالهدى لأنه سبب ذكره تعالى وعبادته سبحانه، فأطلق المسبب
~~وأريد سببه لوقوعه في المقابلة، وما في الخبر من باب التنصيص على حكم
~~أشرف الأفراد المدلول عليه بالعموم اعتناء بشأنه. ثم إن تقييد { لا
~~يضل } بقولنا في الدنيا

# ولا يشقى

# [طه: 123] بقولنا في الآخرة هو الذي يقتضيه الخبر. وجوز بعضهم العكس أي
~~فلا يضل طريق الجنة في الآخرة ولا يتعب في أمر المعيشة في الدنيا، وجعل
~~الأول في مقابلة { ونحشره يوم القيمة أعمى } والثاني
~~في مقابلة { فإن له معيشة ضنكا } ثم قال: وتقديم حال الآخرة
~~على حال الدنيا في المهتدين لأن مطمح نظرهم أمر ءاخرتهم بخلاف خلافهم فإن
~~نظرهم مقصور على دنياهم، ولا يخفى أن الذي نطقت به الآثار هو الأول، وذكر
~~بعضهم أنه المتبادر، نعم ما ذكر لا يخلو عن حسن وإن قيل: فيه تكلف، وجوز
~~الإمام كون الأمرين في الآخرة وكونهما في الدنيا، وذكر أن المراد على
~~الأخير لا يضل في الدين ولا يشقى بسبب الدين لا مطلقا فإن لحق المنعم
~~بالهدى شقاء في الدنيا فبسبب آخر وذلك لا يضر اه، والمعول عليه ما سمعت،
~~والمراد من الإعراض عن الذكر عدم الاتباع فكأنه قيل: ومن لم يتبع {
~~فإن له معيشة ضنكا } أي ضيقة شديدة وهو مصدر ضنك وكذا ضناكة؛
~~ولذا يوصف به المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والمجموع، وقد وصف به هنا
~~المؤنث باعتبار الأصل. وقرأ الحسن { ضنكى } بألف التأنيث كسكرى
~~وبالإمالة. وهذا التأنيث باعتبار تأويله بالوصف. وعن ابن عباس تفسيره
~~بالشديد من كل وجه، وأنشد قول الشاعر:

# / والخيل قد لحقت بنا في مأزق

# ضنك نواحيه شديد المقدم

# والمتبادر أن تلك المعيشة له في الدنيا، وروي ذلك عن عطاء وابن جبير،
~~ووجه ضيق معيشة الكافر المعرض في الدنيا أنه شديد الحرص على الدنيا
~~متهالك على ازديادها خائف من انتقاصها غالب عليه الشح بها حيث لا غرض له
~~سواها بخلاف المؤمن ms06655 الطالب للآخرة، وقيل: الضنك مجاز عما لا خير فيه،
~~ووصف معيشة الكافر بذلك لأنها وبال عليه وزيادة في عذابه يوم القيامة كما
~~دلت عليه الآيات، وهو مأخوذ مما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال
~~في الآية: يقول كل مال أعطيته عبدا من عبادي قل أو كثر لا يتقيني فيه
~~فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة، وقيل: المراد من كونها ضنكا أنها سبب
~~للضنك يوم القيامة فيكون وصفها بالضنك للمبالغة كأنها نفس الضنك كما يقال
~~في السلطان: الموت بين شفتيه يريدون بالموت ما يكون سببا للموت كالأمر
~~بالقتل ونحوه، وعن عكرمة ومالك بن دينار ما يشعر بذلك، وقال بعضهم: إن
~~تلك المعيشة له في القبر بأن يعذب فيه.

# وقد روى ذلك جماعة عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري وأبي صالح والربيع
~~والسدي ومجاهد، وفي «البحر» عن ابن عباس أن الآية نزلت في الأسود بن عبد
~~الأسد المخزومي، والمراد ضغطة القبر حتى تختلف فيه أضلاعه، وروي ذلك
~~مرفوعا أيضا، فقد أخرج ابن أبي الدنيا في «ذكر الموت». والحكيم
~~الترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن
~~مردويه عن أبي هريرة قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن في قبره في روضة خضراء ويرحب
~~له قبره سبعين ذراعا ويضيء حتى يكون كالقمر ليلة البدر هل تدرون فيم
~~أنزلت { فإن له معيشة ضنكا } قالوا: الله ورسوله أعلم قال:
~~عذاب الكافر في قبره يسلط عليه تسع وتسعون تنينا هل تدرون ما التنين؟
~~تسعة وتسعون حية لكل حية سبعة رؤوس يخدشونه ويلسعونه وينفخون في جسمه إلى
~~يوم يبعثون ".

# وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ومسدد في «مسنده» وعبد بن حميد والحاكم
~~وصححه والبيهقي في كتاب «عذاب القبر» وجماعة عن أبي سعيد قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { معيشة ضنكا
~~} عذاب القبر "

# ولفظ عبد الرزاق يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ولفظ ابن أبي حاتم
~~ضمة القبر إلى غير ذلك ومن ms06656 قال: الدنيا ما قبل القيامة الكبرى قال ما
~~يكون بعد الموت واقع في الدنيا كالذي يكون قبل الموت. وقال بعضهم: إنها
~~تكون يوم القيامة في جهنم، وأخرج ذلك ابن أبي شيبة وابن المنذر عن
~~الحسن، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: المعيشة الضنك في النار شوك
~~وزقوم وغسلين وضريع وليس في القبر ولا في الدنيا معيشة وما المعيشة
~~والحياة إلا في الآخرة، ولعل الأخبار السابقة لم تبلغ هذا القائل أو لم
~~تصح عنده، وأنت تعلم أنها إذا صحت فلا مساغ للعدول عما دلت عليه وإن لم
~~تصح كان الأولى القول بأنها في الدنيا لا في الآخرة لظاهر ذكر قوله
~~تعالى: { ونحشره } الخ بعد الإخبار بأن له معيشة ضنكا، وقرأت فرقة
~~منهم أبان بن تغلب { ونحشره } بإسكان الراء وخرج على أنه تخفيف أو
~~جزم بالعطف على محل { فإن له } الخ لأنه جواب الشرط كأنه قيل ومن
~~أعرض عن ذكري تكن له معيشة ضنك ونحشره الخ. ونقل ابن خالويه عن أبان أنه
~~قرأ { ونحشره } بسكون الهاء على إجراء الوصل مجرى الوقف. وفي «البحر»
~~الأحسن تخريج ذلك على لغة بني كلاب وعقيل فإنهم يسكنون مثل هذه الهاء،
~~وقد قرىء { لربه لكنود } [العاديات: 6] بإسكان الهاء، وقرأت / فرقة {
~~ويحشره } بالياء { يوم القيمة أعمى } الظاهر أن المراد فاقد
~~البصر كما في قوله تعالى:

# ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا
~~وبكما وصما

# [الإسراء: 97].

### || [20.125]

# { قال } استئناف كما مر { رب لم حشرتنى أعمى وقد
~~كنت بصيرا } أي في الدنيا كما هو الظاهر، ولعل هذا باعتبار أكثر
~~أفراد من أعرض لأن من أفراده من كان أكمه في الدنيا. والظاهر أن هذا سؤال
~~عن السبب الذي استحق به الحشر أعمى لأنه جهل أو ظن أن لا ذنب له يستحق به
~~ذلك.

### || [20.126]

# { قال } الله تعالى في جوابه { كذلك أتتك ءايتنا } الكاف
~~مقحمة كما في مثلك لا يبخل وذلك إشارة إلى مصدر أتتك أي مثل ذلك الإتيان
~~البديع أتتك الآيات الواضحة النيرة. وعند الزمخشري لا إقحام وذلك إشارة
~~إلى ms06657 حشره أعمى أي مثل ذلك الفعل فعلت أنت. وقوله تعالى: { أتتك } الخ
~~جواب سؤال مقدر كأنه قيل: يا رب ما فعلت أنا؟ فقيل: أتتك آياتنا {
~~فنسيتها } أي تركتها ترك المنسي الذي لا يذكر أصلا، والمراد فعميت
~~عنها إلا أنه وضع المسبب موضع السبب لأن من عمي عن شيء نسيه وتركه.
~~والإشارة في قوله تعالى: { وكذلك } إلى النسيان المفهوم من نسيتها
~~والكاف على ظاهرها أي مثل ذلك النسيان الذي كنت فعلته في الدنيا {
~~اليوم تنسى } أي تترك في العمى جزاء وفاقا، وقيل: الكاف بمعنى
~~اللام الأجلية كما قيل في قوله تعالى:

# واذكروه كما هداكم

# [البقرة: 198] أي ولأجل ذلك النسيان الصادر منك تنسى. وهذا الترك يبقى
~~إلى ما شاء الله تعالى ثم يزال العمى عنه فيرى أهوال القيامة ويشاهد
~~النار كما قال سبحانه:

# ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها

# [الكهف: 53] الآية ويكون ذلك له عذابا فوق العذاب وكذا البكم والصمم
~~يزيلهما الله تعالى عنهم كما يدل عليه قوله تعالى:

# أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا

# [مريم: 38]. وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن الكافر يحشر
~~أولا بصيرا ثم يعمى فيكون الإخبار بأنه قد كان بصيرا إخبارا عما كان
~~عليه في أول حشره، والظاهر أن ذلك العمى يزول أيضا، وعن عكرمة أنه لا
~~يرى شيئا إلا النار، ولعل ذلك أيضا في بعض أجزاء ذلك اليوم وإلا فكيف
~~يقرأ كتابه، وروي عن مجاهد ومقاتل والضحاك وأبي صالح وهي رواية عن ابن
~~عباس أيضا أن المعنى نحشره يوم القيامة أعمى عن الحجة أي لا حجة له
~~يهتدي بها، وهو مراد من قال: أعمى القلب والبصيرة، واختار ذلك إبراهيم بن
~~عرفة وقال: كلما ذكر الله سبحانه في كتابه العمى فذمه فإنما يراد به عمى
~~القلب قال سبحانه وتعالى:

# فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب
~~التي في الصدور

# [الحج: 46] وعلى هذا فالمراد بقوله:

# وقد كنت بصيرا

# [طه: 125] وقد كنت عالما بحجتي بصيرا بها أحاج عن نفسي في الدنيا.
~~ومنه يعلم اندفاع ما قاله ابن ms06658 عطية في رد من حمل العمى على عمى البصيرة
~~من أنه لو كان كذلك لم يحس الكافر به لأنه كان في الدنيا أعمى البصيرة
~~ومات وهو كذلك. وحاصل الجواب عليه إني حشرتك أعمى القلب لا تهتدي إلى ما
~~ينجيك من الحجة لأنك تركت في الدنيا آياتي وحججي وكما تركت ذلك تترك على
~~هذا العمى أبدا، وقيل: المراد بأعمى متحيرا لا يدري ما يصنع من الحيل
~~في دفع العذاب كالأعمى الذي يتحير في دفع ما لا يراه.

# وليس في الآية دليل كما يتوهم على عد نسيان القرآن أو آية منه كبيرة كما
~~ذهب إليه الإمام الرافعي ويشعر كلام الإمام النووي في «الروضة» باختياره
~~لأن المراد بنسيان الآيات بعد القول بشمولها آيات القرآن تركها وعدم
~~الإيمان بها. ومن عد نسيان شيء من القرآن كبيرة أراد / بالنسيان معناه
~~الحقيقي نعم تجوز أبو شامة شيخ النووي فحمل النسيان في الأحاديث الواردة
~~في ذم نسيان شيء من القرآن على ترك العمل به. وتحقيق هذه المسألة - وأن
~~كون النسيان بالمعنى الأول كبيرة عند من قال به مشروط كما قال الجلال
~~البلقيني والزركشي وغيرهما بما إذا كان عن تكاسل وتهاون - يطلب من محله
~~وكذا تحقيق حال الأحاديث الواردة في ذلك. وقرأ حمزة والكسائي وخلف {
~~أعمى } بالإمالة في الموضعين لأنه من ذوات الياء. وأمال أبو عمرو في
~~الأول فقط لكونه جديرا بالتغيير لكونه رأس الآية ومحل الوقف.

### || [20.127]

# { وكذلك } أي ومثل ذلك الجزاء الموافق للجناية { نجزى من
~~أسرف } بالانهماك في الشهوات { ولم يؤمن بئايت ربه }
~~بل كذبها وأعرض عنها، والمراد تشبيه الجزاء العام بالجزاء الخاص {
~~ولعذاب الأخرة } على الاطلاق أو عذاب النار { أشد } من عذاب
~~الأولى { وأبقى } أي أكثر بقاء منه أو أشد وأبقى من ذلك ومن عذاب
~~القبر أو منهما ومن الحشر على العمى.

### || [20.128]

# { أفلم يهد لهم } كلام مستأنف مسوق لتقرير ما قبله من قوله
~~تعالى:

# وكذلك نجزى

# [طه: 127] الآية والهمزة للإنكار التوبيخي والفاء للعطف على مقدر يقتضيه
~~المقام. واستعمال الهداية باللام إما لتنزيلها منزلة اللازم ms06659 فلا حاجة إلى
~~المفعول أو لأنها بمعنى التبيين والمفعول الثاني محذوف. وأيا ما كان
~~فالفاعل ضميره تعالى وضمير { لهم } للمشركين المعاصرين لرسول الله صلى
~~الله عليه وسلم، والمعنى أغفلوا فلم يفعل الله تعالى لهم الهداية أو فلم
~~يبين عز وجل لهم العبر.

# وقوله تعالى: { كم أهلكنا قبلهم من القرون } إما بيان
~~بطريق الالتفات لتلك الهداية أو كالتفسير للمفعول المحذوف، وقيل: فاعل {
~~يهد } ضميره صلى الله عليه وسلم، وقيل: ضمير الإهلاك المفهوم من قوله
~~تعالى: { كم أهلكنا } والجملة مفسره له، وقيل: الفاعل محذوف أي
~~النظر والاعتبار ونسب ذلك إلى المبرد، وفيه حذف الفاعل وهو لا يجوز عند
~~البصريين، وقال الزمخشري: الفاعل جملة { كم أهلكنا } الخ ووقوع
~~الجلمة فاعلا مذهب كوفي، والجمهور على خلافه لكن رجح ذلك هنا بأن
~~التعليل فيما بعد يقتضيه. ورجح كون الفاعل ضميره تعالى شأنه بأنه قد قرأ
~~فرقة منهم ابن عباس والسلمي { أفلم نهد } بالنون. واختار بعضهم عليه كون
~~الفعل منزلا منزلة اللازم وجملة { كم أهلكنا } بيانا لتلك
~~الهداية، وبعض آخر كونه متعديا والمفعول مضمون الجملة أي أفلم يبين الله
~~تعالى لهم مضمون هذا الكلام، وقيل: الجملة سادة مسد المفعول والفعل معلق
~~عنها، وتعقب بأن { كم } هنا خبرية وهي لا تعلق عن العمل وإنما التي
~~تعلق عنه كم الاستفهامية على ما نص عليه أبو حيان في «البحر» لكن أنت
~~تعلم أنه إذا كان مدار التعليق الصدارة كما هو الظاهر فقد صرح ابن هشام
~~بأن لكل من كم الاستفهامية وكم الخبرية ما ذكر ورد في «المغني» قول ابن
~~عصفور: أن { كم } في الآية فاعل { يهد } بأن لها الصدر ثم قال: وقوله
~~إن ذلك جاء على لغة رديئة حكاها الأخفش عن بعضهم أنه يقول ملكت كم عبيد
~~فيخرجها عن الصدرية خطأ عظيم إذ خرج كلام الله تعالى شأنه على هذه اللغة
~~انتهى. وهو ظاهر في أنه قائل بأن كم هنا خبرية ولها الصدر. نعم نقل
~~الحوفي عن بعضهم أنه رد القائل بالفاعلية بأنها استفهامية لا يعمل ما
~~قبلها فيها ms06660 والظاهر خبريتها وهي مفعول مقدم لأهلكنا و { من القرون
~~} متعلق بمحذوف وقع صفة لمميزها أي كم قرن كائن من القرون.

# { يمشون فى مسكنهم } حال / من { القرون } أو من مفعول
~~{ أهلكنا } أي أهلكناهم وهم في حال أمن وتقلب في ديارهم.

# واختار في «البحر» كونه حالا من الضمير في { لهم } مؤكدا للإنكار
~~والعامل في { يهد } أي أفلم يهد للمشركين حال كونهم ماشين في مساكن من
~~أهلكنا من القرون السالفة من أصحاب الحجر وثمود وقوم لوط مشاهدين لآثار
~~هلاكهم إذا سافروا إلى الشام وغيره، وتوهم بعضهم أن الجملة في موضع الصفة
~~للقرون وليس كذلك، وقرأ ابن السميقع { يمشون } بالتشديد والبناء للمفعول
~~أي يمكنون في المشي.

# { إن فى ذلك } تعليل للإنكار وتقرير للهداية مع عدم اهتدائهم. و
~~{ ذلك } إشارة إلى مضمون قوله تعالى: { كم أهلكنا } الخ، وما
~~فيه من معنى البعد للإشعار ببعد منزلته وعلو شأنه في بابه. { لأيات }
~~كثيرة عظيمة ظاهرات الدلالة على الحق، وجوز أن تكون كلمة في تجريدية كما
~~قيل في قوله عز وجل:

# لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة

# [الأحزاب: 21] { لأولى النهى } أي لذوي العقول الناهية عن
~~القبائح التي من أقبحها ما يتعاطاه هؤلاء المنكر عليهم من الكفر بآيات
~~الله تعالى والتعامي عنها وغير ذلك من فنون المعاصي.

### || [20.129]

# { ولولا كلمة سبقت من ربك } كلام مستأنف سيق لبيان
~~حكمة عدم وقوع ما يشعر به قوله تعالى:

# أفلم يهد لهم

# [طه: 128] الآية من أن يصيبهم مثل ما أصاب القرون المهلكة والكلمة
~~السابقة هي العدة بتأخير عذاب الاستئصال عن هذه الأمة إما إكراما للنبي
~~صلى الله عليه وسلم كما يشعر به التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى
~~ضميره صلى الله عليه وسلم قوله تعالى:

# وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم

# [الأنفال: 33] أو لأن من نسلهم من يؤمن أو لحكمة أخرى الله تعالى أعلم
~~بها أي لولا الكلمة السابقة والعدة بتأخير العذاب { لكان } أي عقاب
~~جناياتهم { لزاما } أي لازما لهؤلاء الكفرة بحيث لا يتأخر عن
~~جناياتهم ساعة لزوم ما نزل بأضرابهم ms06661 من القرون السالفة، واللزام إما مصدر
~~لازم كالخصام وصف به للمبالغة أو اسم آلة كحزام وركاب والوصف به للمبالغة
~~أيضا كلزاز خصم بمعنى ملح على خصمه. وجوز أبو البقاء كونه جمع لازم
~~كقيام جمع قائم وهو خلاف الظاهر.

# { وأجل مسمى } عطف على { كلمة } كما أخرج ابن أبي حاتم عن
~~قتادة والسدي، أي لولا العدة بتأخير عذابهم والأجل المسمى لأعمارهم لما
~~تأخر عذابهم أصلا، وفصله عما عطف عليه للمسارعة إلى بيان جواب { لولا
~~} ، والإشعار باستقلال كل منهما بنفي لزوم العذاب ومراعاة فواصل الآي
~~الكريم، وقيل: أي ولولا أجل مسمى لعذابهم وهو يوم القيامة. وتعقب بأنه
~~يتحد حينئذ بالكلمة السابقة فلا يصح إدراج استقلال كل منهما بالنفي في
~~عداد نكت الفصل. وأجيب بأنه لا يلزم من تأخير العذاب عن الدنيا أن يكون
~~له وقت لا يتأخر عنه ولا يتخلف فلا مانع من الاستقلال. وأخرج ابن المنذر
~~عن مجاهد أن الأجل المسمى هي الكلمة التي سبقت، وقيل: الأجل المسمى
~~للعذاب هو يوم بدر. وتعقب بأنه ينافي كون الكلمة هي العدة بتأخير عذاب
~~هذه الأمة. وأجيب بأن المراد من ذلك العذاب هو عذاب الاستئصال ولم يقع
~~يوم بدر وجوز الزمخشري كون العطف على المستكن في كان العائد إلى الأخذ
~~العاجل المفهوم من السياق تنزيلا للفصل بالخبر منزلة التأكيد أي لكان
~~الأخذ العاجل والأجل المسمى لازمين لهم كدأب عاد وثمود وأضرابهم، ولم
~~ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل، وأنت تعلم أن هذا لا يتسنى إذا كان
~~{ لزاما } اسم ءالة للزوم التثنية حينئذ

### || [20.130]

# { فاصبر على ما يقولون } أي إذا كان الأمر على ما ذكر من أن
~~/ تأخير عذابهم ليس بإهمال بل إمهال وأنه لازم لهم البتة فاصبر على ما
~~يقولون من كلمات الكفر فإن علمه صلى الله عليه وسلم بأنهم معذبون لا
~~محالة مما يسليه ويحمله على الصبر، والمراد به عدم الاضطراب لا ترك
~~القتال حتى تكون الآية منسوخة { وسبح } ملتبسا { بحمد ربك }
~~أي صل وأنت حامد لربك عز وجل الذي يبلغك إلى كمالك على ms06662 هدايته وتوفيقه
~~سبحانه { قبل طلوع الشمس } أي صلاة الفجر { وقبل
~~غروبها } أي صلاة المغرب، والظاهر أن الظرف متعلق بسبح. وقد أخرج
~~تفسير التسبيح في هذين الوقتين بما ذكر الطبراني وابن عساكر وابن مردويه
~~عن جرير مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج الحاكم عن فضالة
~~بن وهب الليثي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له:

# " حافظ على العصرين قلت: وما العصران؟ قال: صلاة قبل طلوع الشمس وقبل
~~غروبها "

# ، وقيل: المراد بالتسبيح قبل غروبها صلاتا الظهر والعصر لأن وقت كل
~~منهما قبل غروبها وبعد زوالها وجمعهما لمناسبة قوله تعالى: { قبل
~~طلوع الشمس } ، وأنت تعلم أن قبل الغروب وإن كان باعتبار معناه
~~اللغوي صادقا على وقت الظهر ووقت العصر إلا أن الاستعمال الشائع فيه وقت
~~العصر.

# وقوله تعالى: { ومن ءاناء اليل } أي من ساعاته جمع إني وإنو
~~بالياء والواو وكسر الهمزة وإنا بالكسر والقصر و أناء بالفتح والمد ولم
~~يشتهر اشتهار الثلاثة الأول، وذكره من يوثق به من المفسرين، وقال الراغب
~~في «مفرداته»: قال الله تعالى:

# غير نظرين إنه

# [الأحزاب: 53] أي وقته، والإناه إذا كسر أوله قصر وإذا فتح مد نحو قول
~~الحطيئة:

# وآنيت العشاء إلى سهيل

# أو الشعرى فطال بي الأناء

# ثم قال: ويقال ءانيت الشيء إيناء أي أخرته عن أوانه وتأنيت تأخرت اه،
~~وفي «المصباح» آنيته بالفتح والمد أخرته، والاسم إناء بوزن سلام قيل
~~منصوب على الظرفية بمضمر، وقوله سبحانه { فسبح } عطف عليه أي قم بعض
~~آناء الليل فسبح وهو كما ترى، وقيل: منصوب بسبح على نسق

# وإيى فارهبون

# [البقرة: 40]، والفاء على الأول عاطفة وعلى الثاني مفسرة، وقيل: إنه
~~معمول { فسبح } ، والفاء زائدة فائدتها الدلالة على لزوم ما بعدها
~~لما قبلها. وذكر الخفاجي أنه معمول لما ذكر من غير حاجة لدعوى زيادة
~~الفاء لأنها لا تمنع عمل ما بعدها فيما قبلها كما صرح به النحاة، والمراد
~~من التسبيح في بعض آناء الليل صلاة المغرب وصلاة العشاء وللاعتناء
~~بشأنهما لم يكتف في الأمر بفعلهما بالفعل السابق بأن يعطف { من ءاناء ms06663
~~اليل } على أحد الظرفين السابقين من غير ذكر فسبح وللاهتمام بشأن
~~ءاناء الليل وامتيازها على سائر الأوقات بأمور خاصية وعامية قدم ذكرها
~~على الأمر ولم يسلك بها مسلك ما تقدم.

# وقوله تعالى: { وأطراف النهار } عطف على محل قوله سبحانه: {
~~من ءاناء اليل } وقيل: على قوله عز وجل { قبل طلوع }
~~والمراد من التسبيح أطراف النهار على ما أخرج ابن جرير وابن المنذر
~~وغيرهما عن قتادة صلاة الظهر واختاره الجبائي، ووجه إطلاق الطرف على
~~وقتها بأنه نهاية النصف الأول من النهار وبداية النصف الأخير منه، وجمعه
~~باعتبار النصفين أو لأن تعريف النهار للجنس الشامل لكل نهار فيكون الجمع
~~باعتبار تعدد النهار وأن لكل طرفا كذا قيل. وأورد على ذلك أن البداية
~~والنهاية فيه ليست على وتيرة واحدة / لأن كون ذلك نهاية باعتبار أن النصف
~~الأول انتهى عنده وهو خارج عنه وبداية باعتبار أن النصف الثاني ابتدأ منه
~~وهو داخل فيه، ولا شك في بعض كون الجمع بمثل هذا الاعتبار على أنه لا بد
~~مع ذلك من القول بأن أقل الجمع اثنان، وأيضا أن إطلاق الطرف على طرف أحد
~~نصفيه تكلف فإنه ليس طرفا له بل لنصفه. وقيل: هذا تكرير لصلاتي الصبح
~~والمغرب إيذانا باختصاصهما بمزيد مزية، والمراد بالنهار ما بين طلوع
~~الشمس وغروبها وبالطرف ما يلاصق أول الشيء وآخره، والإتيان بلفظ الجمع مع
~~أن المراد اثنان لأمن اللبس إذ النهار ليس له إلا طرفان، ونظيره قول
~~العجاج:

# ومهمهين فدفدين مرتين

# ظهراهما مثل ظهور الترسين

# والمرجح المشاكلة لآناء الليل، واختار هذا من أدخل الظهر فيما قبل
~~الغروب، وفيه أن الطرف حقيقة فيما ينتهي به الشيء وهو منه ويطلق على أوله
~~وآخره وإطلاقه على الملاصق المذكور ليس بحقيقة، وأجيب بأنه سائغ شائع وإن
~~لم يكن حقيقة؛ وجوز أن يكون تكريرا لصلاتي الصبح والعصر ويراد بالنهار
~~ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس وبالطرف الأول، والآخر بحسب العرف وإذا
~~أريد بالنهار ما بين طلوع الشمس وغروبها يبعد هذا التجويز إذ لا يكون
~~الطرفان حينئذ على وتيرة ms06664 واحدة، وقيل: هو أمر بالتطوع في الساعات الأخيرة
~~للنهار وفيه صرف الأمر عن ظاهره مع أن في كون الساعات الأخيرة للنهار زمن
~~تطوع بالصلاة كلاما لا يخفى على الفقيه.

# وقال أبو حيان: ((الظاهر أن قوله تعالى: { وسبح بحمد ربك }
~~أمر بالتسبيح مقرونا بالحمد وحينئذ إما أن يراد اللفظ أي قل  سبحان
~~الله والحمد لله  أو يراد المعنى أي نزهه سبحانه عن السوء وأثن عليه
~~بالجميل. وفي خبر ذكره ابن عطية

# " من سبح عند غروب الشمس سبعين تسبيحة غربت بذنوبه "

# وقال أبو مسلم: لا يبعد حمل ذلك على التنزيه والإجلال، والمعنى اشتغل
~~بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات)) وعلى ذلك حمله أيضا العز بن عبد
~~السلام وجعل الباء في قوله سبحانه: { بحمد ربك } للآلة، وقال: إن
~~ذلك لتعيين سلب صفات النقص لأن من سلب شيئا فقد أثبت ضده وأضداد صفات
~~النقص صفات الكمال فمن نزهه سبحانه فقد أثبت صفات الكمال، وجوز في إضافة
~~الحمد إلى الرب أن تكون من إضافة المصدر إلى الفاعل أو من إضافة المصدر
~~إلى المفعول أو من إضافة الاختصاص بأن يكون الحمد بمعنى المحامد؛ ثم
~~استحسن الأول لأن الحمد الحق الكامل حمد الله تعالى نفسه، والمتبادر جعل
~~الباء للملابسة والإضافة من إضافة المصدر إلى المفعول.

# واختار الإمام حمل التسبيح على التنزيه من الشرك، وقال: ((إنه أقرب إلى
~~الظاهر وإلى ما تقدم ذكره لأنه سبحانه صبره أولا على ما يقولون من
~~التكذيب وإظهار الكفر والشرك والذي يليق بذلك أن يؤمر بتنزيهه تعالى عن
~~قولهم: حتى يكون مظهرا لذلك وداعيا إليه)). واعترض بأنه لا وجه حينئذ
~~لتخصيص هذه الأوقات بالذكر، وأجيب بأن المراد بذكرها الدلالة على الدوام
~~كما في قوله تعالى:

# بالغداة والعشى

# [الأنعام: 52] مع أن لبعض الأوقات مزية لأمر لا يعلمه إلا الله تعالى.
~~ورد بأنه يأباه من التبعيضية في قوله سبحانه { من ءاناء اليل }
~~على أن هذه الدلالة يكفيها أن يقال: قبل طلوع الشمس وبعده لتناوله الليل
~~والنهار فالزيادة تدل على أن المراد خصوصية الوقت، ولا يخفى ms06665 أن قوله
~~سبحانه: { من ءاناء اليل } متعلق بسبح الثاني فليكن الأول
~~للتعميم، والثاني لتخصيص البعض اعتناء به، نعم يرد أن التنزيه عن الشرك
~~لا معنى لتخصيصه إلا إذا أريد به قول: سبحان الله مرادا / به التنزيه عن
~~الشرك، وقيل: يجوز أن يكون المراد بالتسبيح ما هو الظاهر منه ويكون
~~المراد من الحمد الصلاة والظرف متعلق به فتكون حكمة التخصيص ظاهرة كذا في
~~«الحواشي الشهابية». وقد عورض ما قاله الإمام بأن الأنسب بالأمر بالصبر
~~الأمر بالصلاة ليكون ذلك إرشادا لما تضمنه قوله تعالى:

# واستعينوا بالصبر والصلوة

# [البقرة: 45] وأيضا الأمر الآتي أوفق بحمل الأمر بالتسبيح على الأمر
~~بالصلاة وقد علمت أن الآثار تقتضي ذلك ثم إنه يجوز أن يراد بالطرف طائفة
~~من الشيء فإنه أحد معانيه كما في «الصحاح» و «القاموس» وإذا كان تعريف
~~النهار للجنس على هذا لم يبق الكلام فيما روي عن قتادة كما كان فتدبر.

# { لعلك ترضى } قيل: هو متعلق بسبح أي سبح في هذه الأوقات رجاء
~~أن تنال عنده تعالى ما ترضى به نفسك من الثواب. واستدل به على عدم الوجوب
~~على الله تعالى، وجوز أن يكون متعلقا بالأمر بالصبر والأمر بالصلاة،
~~والمراد لعلك ترضى في الدنيا بحصول الظفر وانتشار أمر الدعوة ونحو ذلك،
~~وقرأ أبو حيوة وطلحة والكسائي وأبو بكر وأبان وعصمة وأبو عمارة عن حفص
~~وأبو زيد عن المفضل وأبو عبيد ومحمد بن عيسى الأصفهاني { ترضى } على
~~صيغة البناء للمفعول من أرضى أي يرضيك ربك.

### || [20.131]

# { ولا تمدن عينيك } أي لا تطل نظرهما بطريق الرغبة والميل
~~{ إلى ما متعنا به } من زخارف الدنيا كالبنين والأموال
~~والمنازل والملابس والمطاعم { أزوجا منهم } أي أصنافا من الكفرة
~~وهو مفعول { متعنا } قدم عليه الجار والمجرور للاعتناء به و { من }
~~بيانية، وجوز أن يكون حالا من ضمير { به } و { من } تبعيضية مفعول {
~~متعنا } أو متعلقة بمحذوف وقع صفة لمفعوله المحذوف أي لا تمدن عينيك
~~إلى الذي متعنا به وهو أصناف وأنواع بعضهم أو بعضا كائنا منهم. والمراد
~~على ما قيل استمر ms06666 على ترك ذلك، وقيل: الخطاب له عليه الصلاة والسلام
~~والمراد أمته لأنه صلى الله عليه وسلم كان أبعد شيء عن إطالة النظر إلى
~~زينة الدينا وزخارفها وأعلق بما عند الله عز وجل من كل أحد وهو عليه
~~الصلاة والسلام القائل:

# " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما أريد به وجه الله تعالى "

# وكان صلى الله عليه وسلم شديد النهي عن الاغترار بالدنيا والنظر إلى
~~زخرفها، والكلام على حذف مضاف أو فيه تجوز في النسبة، وفي العدول عن لا
~~تنظر إلى ما متعنا به الخ إلى ما في النظم الكريم إشارة إلى أن النظر
~~الغير الممدود معفو وكان المنهي عنه في الحقيقة هو الإعجاب بذلك والرغبة
~~فيه والميل إليه لكن بعض المتقين بالغوا في غض البصر عن ذلك حتى أنهم لم
~~ينظروا إلى أبنية الظلمة وعدد الفسقة في اللباس والمركوب وغيرهما وذلك
~~لمغزى بعيد وهو أنهم اتخذوها لعيون النظارة والفخر بها فيكون النظر إليها
~~محصلا لغرضهم وكالمغرى لهم على اتخاذها.

# { زهرة الحيوة الدنيا } أي زينتها وبهجتها وهو منصوب
~~بمحذوف يدل عليه { متعنا } أي جعلنا لهم زهرة أو بمتعنا على أنه
~~مفعول ثان له لتضمينه معنى أعطينا أو على أنه بدل من محل { به } وضعفه
~~ابن الحاجب في «أماليه» لأن إبدال منصوب من محل جار ومجرور ضعيف كمررت
~~بزيد أخاك ولأن الإبدال من العائد مختلف فيه. ومثل ذلك ما قيل إنه بدل من
~~ما الموصولة لما فيه من الفصل بالبدل بين الصلة ومعمولها أو على أنه بدل
~~من  أزواجا  بتقدير مضاف أي ذوي أو أهل زهرة، وقيل: بدون تقدير على
~~كون  أزواجا  حالا بمعنى أصناف التمتعات أو على جعلهم نفس الزهرة
~~مبالغة. وضعف هذا بأن مثله يجري في النعت لا في البدل لمشابهته لبدل
~~الغلط حينئذ أو على / أنه تمييز لما أو لضمير «به»، وحكي عن الفراء أو
~~صفة  أزواجا  ورد ذلك لتعريف التمييز وتعريف وصف النكرة، وقيل: على
~~أنه حال من ضمير { به } أو من { ما } وحذف التنوين لالتقاء الساكنين وجر ms06667
~~الحياة على البدل من { ما } واختاره مكي ولا يخفى ما فيه، وقيل: نصب على
~~الذم أي اذم زهرة الخ واعترض بأن المقام يأباه لأن المراد أن النفوس
~~مجبولة على النظر إليها والرغبة فيها ولا يلائمه تحقيرها ورد بأن في
~~إضافة الزهرة إلى الحياة الدنيا كل ذم وما ذكر من الرغبة من شهوة النفوس
~~الغبية التي حرمت نور التوفيق.

# وقرأ الحسن وأبو حيوة وطلحة وحميد وسلام ويعقوب وسهل وعيسى والزهري 
~~زهرة  بفتح الهاء وهي لغة كالجهرة في الجهرة، وفي «المحتسب» لابن جني
~~مذهب أصحابنا في كل حرف حلق ساكن بعد فتحة أنه لا يحرك إلا على أنه لغة
~~كنهر ونهر وشعر وشعر ومذهب الكوفيين أنه يطرد تحريك الثاني لكونه حرفا
~~حلقيا وإن لم يسمع ما لم يمنع منه مانع كما في لفظ  نحو  لأنه لو حرك
~~قلب الواو ألفا، وجوز الزمخشري كون زهرة بالتحريك جمع زاهر ككافر وكفرة
~~وهو وصف لأزواجا أي أزواجا من الكفرة زاهرين بالحياة الدنيا لصفاء
~~ألوانهم مما يلهون ويتنعمون وتهلل وجوههم وبهاء زيهم بخلاف ما عليه
~~المؤمنون والصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب، وجوز على هذا كونه
~~حالا لأن إضافته لفظية. وأنت تعلم أن المتبادر من هذه الصفة قصد الثبوت
~~لا الحدوث فلا تكون إضافتها لفظية على أن المعنى على تقدير الحالية ليس
~~بذاك.

# { لنفتنهم فيه } متعلق بمتعنا أي لنعاملهم معاملة من يبتليهم
~~ويختبرهم فيه أو لنعذبهم في الآخرة بسببه وفيه تنفير عن ذلك ببيان سوء
~~عاقبته مآلا إثر بهجته حالا، وقرأ الأصمعي عن عاصم (لنفتنهم) بضم النون
~~من أفتنه إذا جعل الفتنة واقعة فيه على ما قال أبو حيان { ورزق
~~ربك } أي ما ادخر لك في الآخرة أو ما رزقك في الدنيا من النبوة
~~والهدى، وادعى صاحب «الكشف» أنه أنسب بهذا المقام أو ما ادخر لك فيها من
~~فتح البلاد والغنائم، وقيل: القناعة { خير } مما متع به هؤلاء لأنه مع
~~كونه في نفسه من أجل ما يتنافس فيه المتنافسون مأمون الغائلة بخلاف ما
~~متعوا به ms06668 { وأبقى } فإنه نفسه أو أثره لا يكاد ينقطع كالذي متعوا
~~به.

### || [20.132]

# { وأمر أهلك بالصلوة } أمر صلى الله عليه وسلم أن يأمر
~~أهله بالصلاة بعدما أمر هو عليه الصلاة والسلام بها ليتعاونوا على
~~الاستعانة على خصاصتهم ولا يهتموا بأمر المعيشة ولا يلتفتوا لفت ذوي
~~الثروة، والمراد بأهله صلى الله عليه وسلم قيل أزواجه وبناته وصهره علي
~~رضي الله تعالى عنهم، وقيل: ما يشملهم وسائر مؤمني بني هاشم والمطلب،
~~وقيل: جميع المتبعين له عليه الصلاة والسلام من أمته، واستظهر أن المراد
~~أهل بيته صلى الله عليه وسلم، وأيد بما أخرجه ابن مردويه وابن عساكر وابن
~~النجار عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت { وأمر أهلك } الخ كان
~~عليه الصلاة والسلام يجيء إلى باب علي كرم الله تعالى وجهه صلاة الغداة
~~ثمانية أشهر يقول: الصلاة رحمكم الله تعالى

# إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل
~~البيت ويطهركم تطهيرا

# [الأحزاب: 33]، وروى نحو ذلك الإمامية بطرق كثيرة. والظاهر أن المراد
~~بالصلاة الصلوات المفروضة ويؤمر بأدائها الصبي وإن لم تجب عليه ليعتاد
~~ذلك فقد روى أبو داود بإسناد حسن مرفوعا

# " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء
~~عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع ".

# { واصطبر عليها } أي وداوم عليها فالصبر مجاز مرسل عن المداومة / لأنها
~~لازم معناه، وفيه إشارة إلى أن العبادة في رعايتها حق الرعاية مشقة على
~~النفس، والخطاب عام شامل للأهل وإن كان في صورة الخاص وكذا فيما بعد، ولا
~~يخفى ما في التعبير بالتسبيح أولا والصلاة ثانيا مع توجيه الخطاب
~~بالمداومة إليه عليه الصلاة والسلام من الإشارة إلى مزيد رفعة شأنه صلى
~~الله عليه وسلم، وقوله تعالى: { لا نسألك رزقا نحن
~~نرزقك } دفع لما عسى أن يخطر ببال أحد من أن المداومة على الصلاة
~~ربما تضر بأمر المعاش فكأنه قيل داوموا على الصلاة غير مشتغلين بأمر
~~المعاش عنها إذ لا نكلفكم رزق أنفسكم إذ نحن نرزقكم، وتقديم المسند إليه
~~للاختصاص أو لإفادة التقوى، وزعم بعضهم أن الخطاب خاص وكذا ms06669 الحكم إذ لو
~~كان عاما لرخص لكل مسلم المداومة على الصلاة وترك الاكتساب وليس كذلك،
~~وفيه أن قصارى ما يلزم العموم سواء كان الأهل خاصا أو عاما لسائر
~~المؤمنين أن يرخص للمصلي ترك الاكتساب المانع من الصلاة وأي مانع عن ذلك
~~بل ترك الاكتساب لأداء الصلاة المفروضة فرض وليس المراد بالمداومة عليها
~~إلا أداؤها دائما في أوقاتها المعينة لها لا استغراق الليل والنهار بها
~~وكان الزاعم ظن أن المراد بالصلاة ما يشمل المفروضة وغيرها وبالمداومة
~~عليها فعلها دائما على وجه يمنع من الاكتساب وليس كذلك، ومما ذكرنا يعلم
~~أنه لا حاجة في رد ما ذكره الزاعم إلى حمل العموم على شمول خطاب النبي
~~صلى الله عليه وسلم لأهله فقط دون جميع الناس كما لا يخفى، نعم قد يستشعر
~~من الآية أن الصلاة مطلقا تكون سببا لإدرار الرزق وكشف الهم وعلى ذلك
~~يحمل ما جاء في الأخبار، أخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر
~~والطبراني في «الأوسط» وأبو نعيم في «الحلية» والبيهقي في «شعب الإيمان»
~~بسند صحيح عن عبد الله بن سلام قال:

# " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزلت بأهله شدة أو ضيق أمرهم
~~بالصلاة وتلا { وأمر أهلك بالصلوة } "

# وأخرج أحمد في «الزهد» وغيره عن ثابت قال:

# " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابت أهله خصاصة نادى أهله
~~بالصلاة صلوا صلوا» "

# قال ثابت وكانت الأنبياء عليهم السلام إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى
~~الصلاة، وأخرج مالك والبيهقي عن أسلم قال كان عمر بن الخطاب يصلي من
~~الليل ما شاء الله تعالى أن يصلي حتى إذا كان آخر الليل أيقظ أهله للصلاة
~~ويقول لهم: الصلاة الصلاة ويتلو هذه الآية { وأمر أهلك } الخ،
~~وجوز لظاهر الأخبار أن يراد بالصلاة مطلقها فتأمل، وقرأ ابن وثاب وجماعة
~~{ نرزقك } بإدغام القاف في الكاف، وجاء ذلك عن يعقوب.

# { والعقبة } الحميدة أعم من الجنة وغيرها وعن السدي تفسيرها
~~بالجنة { للتقوى } أي لأهلها كما في قوله تعالى

# والعاقبة للمتقين

# [الأعراف: 128] ولو لم يقدر المضاف صح ms06670 وفيما ذكر تنبيه على أن ملاك
~~الأمر التقوى.

### || [20.133]

# { وقالوا لولا يأتينا بئاية من ربه } حكاية لبعض
~~أقاويلهم الباطلة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر عليها أي
~~هلا يأتينا بآية تدل على صدقه في دعوى النبوة أو بآية من الآيات التي
~~اقترحوها لا على التعيين بلغوا من المكابرة والعناد إلى حيث لم يعدوا ما
~~شاهدوا من المعجزات التي تخر لها صم الجبال من قبيل الآيات حتى اجترؤا
~~على التفوه بهذه العظيمة الشنعاء.

# وقوله تعالى: { أولم تأتهم بينة ما فى الصحف
~~الأولى } رد من جهته تعالى لمقالتهم القبيحة وتكذيب لهم فما دسوا
~~تحتها من إنكار إتيان الآية بإتيان القرآن الكريم الذي هو أم الآيات وأس
~~المعجزات وأرفعها وأنفعها لأن حقيقة المعجزة الأمر الخارق للعادة يظهر
~~على يد مدعي النبوة عند التحدي أي أمر كان ولا ريب / في أن العلم أجل
~~الأمور وأعلاها إذ هو أصل الأعمال ومبدأ الأفعال وبه تنال المراتب العلية
~~والسعادة الأبدية، ولقد ظهر مع حيازته لجميع علوم الأولين والآخرين على
~~يد من لم يمارس شيئا من العلوم ولم يدارس أحدا من أهلها أصلا فأي
~~معجزة تراد بعد وروده، وأية آية تطلب بعد وفوده، فالمراد بالبينة القرآن
~~الكريم، والمراد بالصحف الأولى التوراة والإنجيل وسائر الكتب السماوية
~~وبما فيها العقائد الحقة وأصول الأحكام التي اجتمعت عليها كافة الرسل
~~عليهم السلام، ومعنى كونه بينة لذلك كونه شاهدا بحقيته، وفي إيراده بهذا
~~العنوان ما لا يخفى من التنويه بشأنه والإنارة لبرهانه حيث أشار إلى
~~امتيازه وغناه عما يشهد بحقية ما فيه بإعجازه. وإسناد الإتيان إليه مع
~~جعلهم إياه مأتيا به للتنبيه على أصالته فيه مع ما فيه من المناسبة
~~للبينة، والهمزة لإنكار الوقوع والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام كأنه
~~قيل: ألم يأتهم سائر الآيات ولم يأتهم خاصة بينة ما في الصحف الأولى
~~تقريرا لإتيانه وإيذانا بأنه من الوضوح بحيث لا يتأتى منهم إنكار
~~أصلا، وإن اجترؤا على إنكار سائر الآيات مكابرة وعنادا، وتفسير الآية
~~بما ذكر هو الذي تقتضيه ms06671 جزالة التنزيل. وزعم الإمام والطبرسي أن المعنى
~~أو لم يأتهم في القرآن بيان ما في الكتب الأولى من أنباء الأمم التي
~~أهلكناهم لما اقترحوا الآيات ثم كفروا بها فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم في
~~سؤال الآية بقولهم { لولا يأتينا بئاية } كحال أولئك
~~الهالكين اه. وهو بمعزل عن القبول كما لا يخفى على ذوى العقول.

# وقرأ أكثر السبعة وأبو بحرية وابن محيصن وطلحة وابن أبي ليلى وابن
~~مناذر وخلف وأبو عبيد وابن سعدان وابن عيسى وابن جبير الأنطاكي { يأتهم }
~~بالياء التحتانية لمجاز تأنيث الآية والفصل. وقرأت فرقة منهم أبو زيد عن
~~أبي عمرو { بينة } بالتنوين على أن { ما } بدل، وقال صاحب «اللوامح»:
~~يجوز أن تكون ما على هذه القراءة نافية على أن يراد بالآتي ما في القرآن
~~من الناسخ والفصل مما لم يكن في غيره من الكتب وهو كما ترى. وقرأت فرقة
~~بنصب { بينة } والتنوين على أنه حال، و { ما } فاعل. وقرأت فرقة منهم
~~ابن عباس «الصحف» بإسكان الحاء للتخفيف.

### || [20.134]

# وقوله تعالى: { ولو أنا أهلكنهم بعذاب } إلى آخر
~~الآية جملة مستأنفة لتقرير ما قبلها من كون القرآن آية بينة لا يمكن
~~إنكارها ببيان أنهم يعترفون بها يوم القيامة، والمعنى ولو أنا أهلكناهم
~~في الدنيا بعذاب مستأصل { من قبله } متعلق بأهلكنا أو بمحذوف هو صفة
~~لعذاب أي بعذاب كائن من قبله، والضمير للبينة والتذكير باعتبار أنها
~~برهان ودليل أو للإتيان المفهوم من الفعل أي من قبل إيتان البينة، وقال
~~أبو حيان: إنه للرسول بقرينة ما بعد من ذكر الرسول وهو مراد من قال: أي
~~من قبل إرسال محمد صلى الله عليه وسلم { لقالوا } أي يوم القيامة {
~~ربنا لولا أرسلت } في الدنيا { إلينا رسولا } مع آيات
~~{ فنتبع ءايتك } التي جاءنا بها { من قبل أن نذل }
~~بالعذاب في الدنيا { ونخزى } بدخول النار اليوم، وقال أبو حيان:
~~الذل والخزي كلاهما بعذاب الآخرة ونقل تفسير الذل بالهوان والخزي
~~بالافتضاح والمراد أنا لو أهلكناهم قبل ذلك لقالوا ولكنا لم نهلكهم قبله
~~فانقطعت معذرتهم فعند ذلك

# قالوا ms06672 بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما
~~نزل الله من شىء

# [الملك: 9].

# وقرأ ابن عباس ومحمد بن الحنفية وزيد بن علي والحسن في رواية عباد
~~والعمري وداود / والفزاري وأبو حاتم ويعقوب { نذل ونخزى }
~~بالبناء للمفعول، واستدل الأشاعرة بالآية على أن الوجوب لا يتحقق إلا
~~بالشرع والجبائي على وجوب اللطف عليه عز وجل وفيه نظر.

### || [20.135]

# { قل } لأولئك الكفرة المتمردين { كل } أي كل واحد منا ومنكم {
~~متربص } أي منتظر لما يؤل إليه أمرنا وأمركم وهو خبر { كل }
~~وإفراده حملا له على لفظه { فتربصوا } وقرىء { فتمتعوا }
~~{ فستعلمون } عن قريب { من أصحب الصراط السوي } أي
~~المستقيم. وقرأ أبو مجلز وعمران بن حدير { السواء } أي الوسط، والمراد به
~~الجيد. وقرأ الجحدري وابن يعمر { السوأى } بالضم والقصر على وزن فعلى وهو
~~تأنيث الأسوأ وأنث لتأنيث الصراط وهو مما يذكر ويؤنث. وقرأ ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما { السوء } بفتح وسكون وهمزة آخره بمعنى الشر. وقرىء {
~~السوي } بضم السين وفتح الواو وتشديد الياء وهو تصغير سوء بالفتح، وقيل:
~~تصغير سوء بالضم، وقال أبو حيان: الأجود أن يكون تصغير سواء كما قالوا في
~~عطا عطى لأنه لو كان تصغير ذلك لثبتت همزته، وقيل: سوئى. وتعقب بأن إبدال
~~مثل هذه الهمزة ياء جائز، وعن الجحدري وابن يعمر أنهما قرآ { السوي }
~~بالضم والقصر وتشديد الواو، واختير في تخريجه أن يكون أصله السوآى كما في
~~الرواية الأولى فخففت الهمزة بإبدالها واوا وأدغمت الواو في الواو، وقد
~~روعيت المقابلة على أكثر هذه القراءات بين ما تقدم وقوله تعالى: { ومن
~~اهتدى } أي من الضلالة ولم تراع على قراءة الجمهور والأولى من
~~الشواذ. ومن في الموضعين استفهامية في محل رفع على الابتداء والخبر ما
~~بعد والعطف من عطف الجمل ومجموع الجملتين المتعاطفتين ساد مسد مفعولي
~~العلم أو مفعوله إن كان بمعنى المعرفة، وجوز كون من الثانية موصولة فتكون
~~معطوفة على محل الجملة الأولى الاستفهامية المعلق عنها الفعل على أن
~~العلم بمعنى المعرفة المتعدية لواحد إذ لولاه لكان الموصول بواسطة العطف
~~أحد المفعولين وكان ms06673 المفعول الآخر محذوفا اقتصارا وهو غير جائز. وجوز
~~أن تكون معطوفة على { أصحب } فتكون في حيز من الاستفهامية أي ومن
~~الذي اهتدى أو على { الصرط } فتكون في حيز أصحاب الذي اهتدى يعني
~~النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا عنى بالصراط السوي النبي عليه الصلاة
~~والسلام أيضا كان العطف من باب عطف الصفات على الصفات مع اتحاد الذات.
~~وأجاز الفراء أن تكون من الأولى موصولة أيضا بمعنى الذين وهي في محل
~~النصب على أنها مفعول للعلم بمعنى المعرفة و { أصحب } خبر مبتدأ
~~محذوف وهو العائد أي الذين هم أصحاب الصراط وهذا جائز على مذهب الكوفيين
~~فإنهم يجوزون حذف مثل هذا العائد سواء كان في الصلة طول أو لم يكن وسواء
~~كان الموصول أيا أو غيره بخلاف البصريين، وما أشد مناسبة هذه الخاتمة
~~للفاتحة، وقد ذكر الطيبي أنها خاتمة شريفة ناظرة إلى الفاتحة وأنه إذا
~~لاح أن القرآن أنزل لتحمل تعب الإبلاغ ولا تنهك نفسك فحيث بلغت وبلغت
~~جهدك فلا عليك وعليك بالإقبال على طاعتك قدر طاقتك وأمر أهلك وهم أمتك
~~المتبعون بذلك ودع الذين لا ينجع فيهم الإنذار فإنه تذكرة لمن يخشى
~~وسيندم المخالف حين لا ينفعه الندم انتهى.

# ومن باب الإشارة في الآيات:

# فأوجس فى نفسه خيفة موسى

# [طه: 67] قيل: إنه عليه السلام رأى أن الله تعالى ألبس سحر السحرة لباس
~~القهر فخاف من القهر لأنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. / وسئل
~~ابن عطاء عن ذلك فقال: ما خاف عليه السلام على نفسه وإنما خاف على قومه
~~أن يفوتهم حظهم من الله تعالى:

# قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى

# [طه: 68] أي إنك المحفوظ بعيون الرعاية وحرس اللطف أو أنت الرفيع القدر
~~الغالب عليه غلبة تامة بحيث يكونون بسببها من أتباعك فلا يفوتهم حظهم من
~~الله تعالى

# فألقى السحرة سجدا

# [طه: 70] إلى آخر ما كان منهم فيه إشارة إلى أن الله تعالى يمن على من
~~يشاء بالتوفيق والوصول إليه سبحانه في أقصر وقت فلا يستبعد حصول الكمال
~~لمن تاب ms06674 وسلك على يد كامل مكمل في مدة يسيرة. وكثير من الجهلة ينكرون على
~~السالكين التائبين إذا كانوا قريبي العهد بمقارفة الذنوب ومفارقة العيوب
~~حصول الكمال لهم وفيضان الخير عليهم ويقولون كيف يحصل لهم ذلك وقد كانوا
~~بالأمس كيت وكيت، وقولهم:

# لن نؤثرك

# [طه: 72] الخ كلام صادر من عظم الهمة الحاصل للنفس بقوة اليقين فإنه متى
~~حصل ذلك للنفس لم تبال بالسعادة الدنيوية والشقاوة البدنية واللذات
~~العاجلة الفانية والآلام الحسية في جنب السعادة الأخروية واللذة الباقية
~~الروحانية

# ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادى

# [طه: 77] الخ فيه إشارة إلى استحباب مفارقة الأغيار وترك صحبة الأشرار

# ولا تطغوا فيه

# [طه: 81] عد من الطغيان فيه استعماله مع الغفلة عن الله تعالى وعدم نية
~~التقوي به على تقواه عز وجل

# وما أعجلك عن قومك يموسى

# [طه: 83] الإشارة فيه أنه ينبغي للرئيس رعاية الأصلح في حق المرؤوس
~~وللشيخ عدم فعل ما يخشى منه سوء ظن المريد لا سيما إذا لم يكن له رسوخ
~~أصلا { قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك }. قال ابن
~~عطاء: إن الله تعالى قال لموسى عليه السلام بعد أن أخبره بذلك: أتدري من
~~أين أتيت؟ قال: لا يا رب قال سبحانه: من قولك لهارون:

# اخلفني في قومي

# [الأعراف: 142] وعدم تفويض الأمر إلي والاعتماد في الخلافة علي. وذكر
~~بعضهم أن سر إخبار الله تعالى إياه بما ذكر مباسطته عليه السلام وشغله
~~بصحبته عن صحبة الأضداد وهو كما ترى.

# وأضلهم السامرى

# [طه: 85] صار سبب ضلالهم بما صنع قال بعض أهل التأويل: إنما ابتلاهم
~~الله تعالى بما ابتلاهم ليتميز منهم المستعد القابل للكمال بالتجريد من
~~القاصر الاستعداد المنغمس في المواد الذي لا يدرك إلا المحسوس ولا يتنبه
~~للمجرد المعقول.

# ولهذا قالوا:

# ما أخلفنا موعدك بملكنا

# [طه: 87] أي برأينا فإنهم عبيد بالطبع لا رأي لهم ولا ملكة وليسوا
~~مختارين لا طريق لهم إلا التقليد والعمل لا التحقيق والعلم وإنما
~~استعبدهم السامري بالطلسم المفرغ من الحلي لرسوخ محبة الذهب في نفوسهم
~~لأنها سفلية منجذبة إلى الطبيعة ms06675 الجسمانية وتزين الطبيعة الذهبية وتحلى
~~تلك الصورة النوعية فيها للتناسب الطبيعي وكان ذلك من باب مزج القوى
~~السماوية التي هي أثر النفس الحيوانية الكلية السماوية المشار إليها
~~بحيزوم وفرس الحياة وهي مركب جبريل عليه السلام المشار به إلى العقل
~~الفعال بالقوى الأرضية ولذلك قال:

# بصرت بما لم يبصروا به

# [طه: 96] أي من العلم الطبيعي والرياضي اللذين يبتني عليهما علم
~~الطلسمات والسيمياء

# قال فاذهب فإن لك فى الحيوة أن تقول لا مساس

# [طه: 97] قال ذلك عليه السلام غضبا على السامري وطردا له وكل من غضب
~~عليه الأنبياء وكذا الأولياء لكونهم مظاهر صفات الحق تعالى وقع في قهره
~~عز وجل وشقي في الدنيا والآخرة وكانت صورة عذاب هذا الطريد في التحرز عن
~~المماسة نتيجة بعده عن الحق في الدعوة إلى الباطل وأثر لعن موسى عليه
~~السلام إياه عند إبطال كيده وإزالة مكره

# ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا

# [طه: 105] قال أهل الوحدة: أي يسألونك عن وجودات الأشياء فقل ينسفها
~~ربي برياح النفحات الإلهية الناشئة من معدن الأحدية { فيذرها } في
~~القيامة الكبرى

# قاعا صفصفا

# [طه: 106] وجودا أحديا

# لا ترى فيها عوجا ولا أمتا

# [طه: 107] اثنينية ولا غيرية { يومئذ يتبعون الداعى } /
~~الذي هو الحق سبحانه { لا عوج له } إذ هو تعالى آخذ بنواصيهم وهو
~~على صراط مستقيم { وخشعت الأصوات للرحمن } إذ لا فعل
~~لغيره عز وجل

# فلا تسمع إلا همسا

# [طه: 108] أمرا خفيا باعتبار الإضافة إلى المظاهر انتهى. ولكم لهم مثل
~~هذه التأويلات والله تعالى العاصم

# يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له
~~الرحمن ورضى له قولا

# [طه: 109] قيل: هو من صحح فعله وعقده ولم ينسب لنفسه شيئا ولا رأى لها
~~عملا

# ولا يحيطون به علما

# [طه: 110] لكمال تقدسه وتنزهه وجلاله سبحانه عز وجل فهيهات أن تحلق
~~بعوضة الفكر في جو سماء الجبروت. ومن أين لنحلة النفس الناطقة أن ترعى
~~أزهار رياض بيداء اللاهوت، نعم يتفاوت الخلق في العلم بصفاته عز وجل على
~~قدر تفاوت استعداداتهم وهو العلم المشار إليه بقوله تعالى: ms06676

# وقل رب زدنى علما

# [طه: 114] وقيل: هذا إشارة إلى العلم اللدني، والإشارة في قصة آدم عليه
~~السلام إلى أنه ينبغي للإنسان مزيد التحفظ عن الوقوع في العصيان، ولله
~~تعالى در من قال:

# يا ناظرا يرنو بعيني راقد

# ومشاهدا للأمر غير مشاهد

# منيت نفسك ضلة وأبحتها

# طرق الرجاء وهن غير قواصد

# تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي

# درج الجنان بها وفوز العابد

# ونسيت أن الله أخرج آدما

# منها إلى الدنيا بذنب واحد

# وروى الضحاك عن ابن عباس قال: بينا آدم عليه السلام يبكي جاءه جبريل
~~عليه السلام فبكى آدم وبكى جبريل لبكائه عليهما السلام وقال: يا آدم ما
~~هذا البكاء؟ قال: يا جبريل وكيف لا أبكي وقد حولني ربي من السماء إلى
~~الأرض ومن دار النعمة إلى دار البؤس فانطلق جبريل عليه السلام بمقالة آدم
~~فقال الله تعالى: يا جبريل انطلق إليه فقل له: يا آدم يقول لك ربك ألم
~~أخلقك بيدي ألم أنفخ فيك من روحي ألم أسجد لك ملائكتي ألم أسكنك جنتي ألم
~~آمرك فعصيتني فوعزتي وجلالي لو أن ملء الأرض رجالا مثلك ثم عصوني
~~لأنزلتهم منازل العاصين غير أنه يا آدم قد سبقت رحمتي غضبي وقد سمعت
~~تضرعك ورحمت بكاءك وأقلت عثرتك. { ومن أعرض عن ذكرى } أي
~~بالتوجه إلى العالم السفلي

# فإن له معيشة ضنكا

# [طه: 124] لغلبة شحه وشدة بخله فإن المعرض عن جناب الحق سبحانه انجذبت
~~نفسه إلى الزخارف الدنيوية والمقتنيات المادية لمناسبتها إياه واشتد حرصه
~~وكلبه عليها وشغفه بها للجنسية والاشتراك في الظلمة والميل إلى الجهة
~~السفلية فيشح بها عن نفسه وغيره وكلما استكثر منها ازداد حرصه عليها وشحه
~~بها وتلك المعيشة الضنك. ولهذا قال بعضهم: لا يعرض أحد عن ذكر ربه سبحانه
~~إلا أظلم عليه وقته وتشوش عليه رزقه بخلاف الذاكر المتوجه إليه تعالى
~~فإنه ذو يقين منه عز وجل وتوكل عليه تعالى في سعة من عيشه ورغد ينفق ما
~~يجد ويستغني بربه سبحانه عما يفقد

# والعقبة للتقوى

# [طه: 132] أي العاقبة التي تعتبر وتستأهل أن تسمى ms06677 عاقبة لأهل التقوى
~~المتخلين عن الرذائل النفسانية المتحلين بالفضائل الروحانية، نسأل الله
~~تعالى أن يمن علينا بحسن العاقبة وصفاء العمر عن المشاغبة ونحمده سبحانه
~~على آلائه ونصلي ونسلم على خير أنبيائه وعلى آله خير آل ما طلع نجم ولمع
~~آل.

### | [21 - سورة الأنبياء]

### || [21.1]

# { اقترب للناس حسابهم } روي عن ابن عباس كما قال الإمام
~~والقرطبي والزمخشري أن المراد بالناس المشركون ويدل عليه ما ستسمعه بعد
~~إن شاء الله تعالى من الآيات فإنها ظاهرة في وصف المشركين، وقال بعض
~~الأجلة: إن ما فيها من قبيل نسبة ما للبعض إلى الكل فلا ينافي كون تعريفه
~~للجنس، ووجه حسنه ههنا كون أولئك البعض هم الأكثرون وللأكثر حكم الكل
~~شرعا وعرفا. ومن الناس من جوز إرادة الجنس والضمائر فيما بعد لمشركي
~~أهل مكة وإن لم يتقدم ذكرهم في هذه السورة وليس بأبعد مما سبق، وقال
~~بعضهم: إن دلالة ما ذكر على التخصيص ليست إلا على تقدير تفسير الأوصاف
~~بما فسروها به، ويمكن أن يحمل كل منها على معنى يشترك فيه عصاة الموحدين
~~ولا يخفى أن في ذلك ارتكاب خلاف الظاهر جدا، واللام صلة لاقترب كما هو
~~الظاهر وهي بمعنى إلى أو بمعنى من فإن { اقترب } افتعل من القرب ضد
~~البعد وهو يتعدى بإلى وبمن، واقتصر بعضهم على القول بأنها بمعنى إلى فقيل
~~فيه تحكم لحديث تعدي القرب بهما، وأجيب بأنه يمكن أن يكون ذلك لأن كلا
~~من من وإلى اللتين هما صلتا القرب بمعنى انتهاء الغاية إلا أن إلى عريقة
~~في هذا المعنى ومن عريقة في ابتداء الغاية فلذا أوثر التعبير عن كون
~~اللام المذكورة بمعنى انتهاء الغاية كالتي في قوله تعالى:

# بأن ربك أوحى لها

# [الزلزلة: 5] القول بأنها بمعنى إلى واقتصر عليه، وفي «الكشف» المعنى
~~على تقدير كونه صلة لاقترب اقترب من الناس لأن معنى الاختصاص وابتداء
~~الغاية كلاهما مستقيم يحصل به الغرض انتهى، وفيه بحث فإن المفهوم منه أن
~~يكون كلمة من التي يتعدى بها فعل الاقتراب بمعنى ابتداء الغاية وليس كذلك ms06678
~~لعدم ملاءمة ذلك المعنى مواقع استعمال تلك الكلمة فالحق أنها بمعنى
~~انتهاء الغاية فإنهم ذكروا أن من يجىء لذلك، قال الشمني: وفي الجني
~~الداني مثل ابن مالك لانتهاء الغاية بقولهم تقربت منه فإنه مساو لتقربت
~~إليه، ومما يشهد لذلك أن فعل الاقتراب كما يستعمل بمن يستعمل بإلى، وقد
~~ذكر في معاني من انتهاء الغاية كما سمعت ولم يذكر أحد في معاني إلى
~~ابتداء الغاية والأصل أن تكون / الصلتان بمعنى فتحمل من على إلى في كون
~~المراد بها الانتهاء، وغاية ما يقال في توجيه ذلك أن صاحب «الكشف» حملها
~~على ابتداء الغاية لأنه أشهر معانيها حتى ذهب بعض النحاة إلى إرجاع
~~سائرها إليه وجعل تعديته بها حملا على ضده المتعدي بها وهو فعل البعد
~~كما أن فعل البيع يعدى بمن حملا له على فعل الشراء المتعدي بها على ما
~~ذكره نجم الأئمة الرضي في بحث الحروف الجارة.

# والمشهور أن { اقترب } بمعنى قرب كارتقب بمعنى رقب، وحكى في «البحر»
~~أنه أبلغ منه لزيادة مبناه والمراد من اقتراب الحساب اقتراب زمانه وهو
~~الساعة، ووجه إيثار بيان اقترابه مع أن الكلام مع المشركين المنكرين لأصل
~~بعث الأموات ونفس إحياء العظام الرفات فكان ظاهر ما يقتضيه المقام أي
~~يؤتى بما يفيد أصل الوقوع بدل الاقتراب وأن يسند ذلك إلى نفس الساعة لا
~~إلى الحساب للإشارة إلى أن وقوع القيام وحصول بعث الأجساد والأجسام أمر
~~ظاهر بلا تمويه وشيء واضح لا ريب فيه وأنه وصل في الظهور والجلاء إلى حيث
~~لا يكاد يخفى على العقلاء وأن الذي يرخي في بيانه أعنة المقال بعض ما
~~يستتبعه من الأحوال والأهوال كالحساب الموجب للاضطراب بل نفس وقوع الحساب
~~أيضا غني عن البيان لا ينبغي أن ترتاب فيه العقول والأذهان وأن الذي قصد
~~بيانه ههنا أنه دنا أوانه واقترب زمانه فيكون الكلام مفصحا عن تحقق
~~القيام الذي هو مقتضى المقام على وجه وجيه أكيد ونهج بديع سديد لا يخفى
~~لطفه على من ألقى السمع وهو شهيد.

# وجوز أن يكون الكلام ms06679 مع المشركين السائلين عن زمان الساعة المستعجلين
~~لها استهزاء كما في قوله تعالى:

# فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل
~~عسى أن يكون قريبا

# [الإسراء: 51] فحينئذ يكون الإخبار عن الاقتراب على مقتضى الظاهر،
~~وإيثار بيان اقتراب الحساب على بيان اقتراب سائر وقوع مستتبعات البعث
~~كفنون العذاب وشجون العقاب للإشعار بأن مجرد اقتراب الحساب الذي هو من
~~مبادي العذاب ومقدماته كاف في التحذير عما هم عليه من الإنكار وواف
~~بالردع عما هم عليه من العلو والاستكبار فكيف الحال في نفس العذاب
~~والنكال.

# وذكر شيخ الإسلام مولانا أبو السعود عليه الرحمة أن إسناد ذلك إلى
~~الحساب لا إلى الساعة لانسياق الكلام إلى بيان غفلتهم عنه وإعراضهم عما
~~يذكرهم إياه وفيه ما فيه، ثم الوجه اللائح في النظر الجليل لإسناد
~~الاقتراب إلى الحساب دون الناس مع جواز العكس هو أن الاقتراب إذا حصل بين
~~شيئين يسند إلى ما هو مقبل على الآخر متحرك ومتوجه إلى جهته حقيقة أو
~~حكما حتى أنه لو كان كل منهما متوجها إلى الآخر يصح إلى كل منهما، وقد
~~سمعت أن المراد من اقتراب الحساب اقتراب زمانه، وقد صرح به أجلة
~~المفسرين، وأنت خبير بأن الشائع المستفيض اعتبار التوجه والإتيان من
~~الزمان إلى ذي الزمان لا بالعكس فلذلك يوصف الزمان بالمضي والاستقبال
~~فكان الجدير أن يسند الاقتراب إلى زمان الحساب ويجعل الناس مدنوا إليهم.

# وذكر شيخ الإسلام أن في هذا الإسناد من تفخيم شأن المسند إليه وتهويل
~~أمره ما لا يخفى لما فيه من تصوير ذلك بصورة شيء مقبل عليهم لا يزال
~~يطلبهم فيصيبهم لا محالة انتهى، وهو معنى زائد على ما ذكرنا لا يخفى لطفه
~~على الناقد البصير واليلمعي الخبير، والمراد من اقتراب ذلك من الناس على
~~ما اختاره الشيخ قدس سره دنوه منهم بعد بعده عنهم فإنه في كل ساعة يكون
~~أقرب إليهم منه في الساعة السابقة، واعترض قول الزمخشري المراد من ذلك
~~كون الباقي من مدة الدنيا أقل وأقصر مما مضى منها فإنه كصبابة الإناء
~~ودردي ms06680 الوعاء بأنه لا تعلق له بما نحن فيه من الاقتراب المستفاد من صيغة
~~الماضي ولا حاجة إليه في تحقيق أصل معناه.

# نعم قد يفهم منه / عرفا كونه قريبا في نفسه أيضا فيصار حينئذ إلى
~~هذا التوجيه. وتعقبه بعض الأفاضل بأن القول بعدم التعلق بالاقتراب
~~المستفاد من صيغة الماضي خارج عن دائرة الإنصاف فإنه إن أراد أنه لا تعلق
~~له بالحدوث المستفاد منها فلا وجه له أيضا إذ الاقتراب بالمعنى المذكور
~~أمر حدث بمضي الاكثر من مدة الدنيا وإن أراد أنه لا تعلق له لا تعلق
~~بالمضي المستفاد منها فلا وجه له أيضا إذ الدلائل دلت على حصول هذا
~~الاقتراب حين مبعث النبي صلى الله عليه وسلم الموعود في آخر الزمان
~~المتقدم على نزول الآية. ثم قال: فليت شعري ما معنى عدم تعلقه بما نحن
~~فيه بل ربما يمكن أن يدعي عدم المناسبة في المعنى الذي اختاره نفسه فإن
~~الاقتراب بذلك المعنى مستمر من أول بدء الدنيا إلى يوم نزول الآية بل إلى
~~ما بعد فالذي يناسبه هو الصيغة المنبئة عن الاستمرار والدوام، ثم لا يخفى
~~على أصحاب الأفهام أن هذا المعنى الذي اعترضه أنسب بما هو مقتضى المقام
~~من إخافة الكفرة اللئام المرتابين في أمر القيام لما فيه من بيان قربه
~~الواقع في نفس الأمر اه فتدبر.

# وقيل المراد اقتراب ذلك عند الله تعالى، وتعقب بأنه لا عند لله عز وجل
~~إذ لا نسبة للكائنات إليه عز وجل بالقرب والبعد. ورد بأنه غفلة أو تغافل
~~عن المراد فإن المراد من عند الله في علمه الأزلي أو في حكمه وتقديره لا
~~الدنو والاقتراب المعروف، وعلى هذا يكون المراد من القرب تحققه في علمه
~~تعالى أو تقديره. وقال بعض الأفاضل: ليس المراد من كون القرب عند الله
~~تعالى نسبته إليه سبحانه بأن يجعل هو عز وجل مدنوا منه ومقربا إليه -
~~تعالى عن ذلك علوا كبيرا - بل المراد قرب الحساب للناس عند الله تعالى،
~~وحاصله أنه تعالى شأنه لبلوغ تأنيه إلى حد الكمال ms06681 يستقصر المدد الطوال
~~فيكون الحساب قريبا من الناس عند جنابه المتعال وإن كان بينه وبينهم
~~أعوام وأحوال، وعلى هذا يحمل قوله تعالى:

# يرونه بعيدا * ونراه قريبا

# [المعارج: 6 - 7] وهذا المعنى يفيد وراء إفادته تحقق الثبوت لا محالة أن
~~المدة الباقية بينهم وبين الحساب شيء قليل في الحقيقة وما عليه الناس من
~~استطالته واستكثاره فمن التسويلات الشيطانية وأن اللائق بأصحاب البصيرة
~~أن يعدوا تلك المدة قصيرة فيشمروا الذيل ليوم يكشف فيه عن ساق ويكون إلى
~~الله تعالى شأنه المساق، وقول شيخ الإسلام في الاعتراض على ما قيل أنه لا
~~سبيل إلى اعتباره ههنا لأن قربه بالنسبة إليه تعالى مما لا يتصور فيه
~~التجدد والتفاوت حتما وإنما اعتباره في قوله تعالى:

# لعل الساعة قريب

# [الشورى: 17] ونظائره مما لا دلالة فيه على الحدوث مبني على حمل القرب
~~عنده تعالى على القرب إليه تعالى بمعنى حضور ذلك في علمه الأزلي فإنه
~~الذي لا يجري فيه التفاوت حتما وأما قرب الأشياء بعضها إلى بعض زمانا
~~أو مكانا فلا ريب أنه يتجدد تعلقات علمه سبحانه بذلك فيعلمه على ما هو
~~عليه مع كون صفة العلم نفسها قديمة على ما تقرر في موضعه اه.

# واختار بعضهم أن المراد بالعندية ما سمعته أولا وهو معنى شائع في
~~الاستعمال وجعل التجدد باعتبار التعلق كما قيل بذلك في قوله تعالى:

# وكذلك بعثنهم لنعلم

# [الكهف: 12] الآية، وقيل المراد من اقترابه تحقق وقوعه لا محالة فإن كل
~~آت قريب والبعيد ما وقع ومضى ولذا قيل:

# فلا زال ما تهواه أقرب من غد

# ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس

# ولا بد أن يراد من تحقق وقوعه تحققه في نفسه لا تحققه في العلم الأزلي
~~ليغاير القول السابق. وبعض الأفاضل قال: إنه على هذا الوجه عدم تعلقه
~~بالاقتراب المستفاد من صيغة الماضي إلا أن يصار إلى القول بتجرد الصيغة
~~عن الدلالة على الحدوث كما في قولهم: سبحان من تقدس عن الأنداد وتنزه عن
~~الأضداد فتأمل ولا تغفل.

# وتقديم الجار والمجرور على الفاعل كما ms06682 صرح به شيخ الإسلام للمسارعة إلى
~~إدخال الروعة فإن نسبة الاقتراب / المشركين من أول الأمر يسوؤهم ويورثهم
~~رهبة وانزعاجا من المقترب، واعترض بأن هؤلاء المشركين لا يحصل لهم
~~الترويع والانزعاج لما ستسمع من غفلتهم وإعراضهم وعدم اعتدادهم بالآيات
~~النازلة عليهم فكيف يتأتى تعجيل المساءة. وأجيب بأن ذلك لا يقتضي أن لا
~~يزعجهم الإنذار والتذكير ولا يروعهم التخويف والتحذير لجواز أن يختلج في
~~ذهنهم احتمال الصدق ولو مرجوحا فيحصل لهم الخوف والإشفاق.

# وأيد بما ذكره بعض المفسرين من أنه لما نزلت:

# اقتربت الساعة

# [القمر: 1] قال الكفار فيما بينهم: إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت
~~فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن فلما تأخرت قالوا: ما نرى
~~شيئا فنزلت { اقترب للناس حسابهم } فأشفقوا فانتظروا
~~قربها فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به
~~انتهى.

# وقال بعضهم في بيان ذلك: إن الاقتراب منبىء عن التوجه والإقبال نحو شيء
~~فإذا قيل اقترب أشعر أن هناك أمرا مقبلا على شيء طالبا له من غير
~~دلالة على خصوصية المقترب منه فإذا قيل بعد ذلك { للناس } دل على أن
~~ذلك الأمر طالب لهم مقبل عليهم وهم هاربون منه فأفاد أن المقترب مما
~~يسوؤهم فيحصل لهم الخوف والاضطراب قبل ذكر الحساب بخلاف ما إذا قيل اقترب
~~الحساب للناس فإن كون إقبال الحساب نحوهم لا يفهم على ذلك التقدير إلا
~~بعد ذكر للناس فتحقق فائدة التعجيل في التقديم مما لا شبهة فيه بل فيه
~~فائدة زائدة وهي ذهاب الوهم في تعيين ذلك الأمر الهائل إلى كل مذهب إلى
~~أن يذكر الفاعل، ويمكن أيضا أن يقال في وجه تعجيل التهويل: إن جريان
~~عادته الكريمة صلى الله عليه وسلم على إنذار المشركين وتحذيرهم وبيان ما
~~يزعجهم يدل على أن ما بين اقترابه منهم شيء سيء هائل فإذا قدم الجار يحصل
~~التخويف حيث يعلم من أول الأمر أن الكلام في حق المشركين الجاري عادته
~~الكريمة عليه الصلاة والسلام على تحذيرهم بخلاف ما إذا قدم ms06683 الفاعل حيث لا
~~يعلم المقترب منه إلى أن يذكر الجار والمجرور والقرينة المذكورة لا تدل
~~على تعيين المقترب كما تدل على تعيين المقترب إذ من المعلوم من عادته
~~الكريمة صلى الله عليه وسلم أنه إذا تكلم في شأنهم يتكلم غالبا بما
~~يسوؤهم لا أنه عليه الصلاة والسلام يتكلم في غالب أحواله بما يسوؤهم وفرق
~~بين العادتين، ولا يقدح في تمامية المرام توقف تحقق نكتة التقديم على ضم
~~ضميمة العادة إذ يتم المراد بأن يكون للتقديم مدخل في حصول تلك النكتة
~~بحيث لو فات التقديم لفاتت النكتة، وقد عرفت أن الأمر كذلك وليس في كلام
~~الشيخ قدس سره ما يدل على أن المسارعة المذكورة حاصلة من التقديم وحده
~~كذا قيل. ولك أن تقول: التقديم لتعجيل التخويف ولا ينافي ذلك عدم حصوله
~~كما لا ينافي عدم حصول التخويف كون إنزال الآيات للتخويف فافهم.

# وجوز الزمخشري كون اللام تأكيدا لإضافة الحساب إليهم قال في «الشكف»:
~~فالأصل اقترب حساب الناس لأن المقترب منه معلوم ثم اقترب للناس الحساب
~~على أنه ظرف مستقر مقدم لا أنه يحتاج إلى مضاف مقدر حذف لأن المتأخر مفسر
~~أي اقترب الحساب للناس الحساب كما زعم الطيبي وفي التقديم والتصريح
~~باللام وتعريف الحساب مبالغات ليست في الأصل ثم اقترب للناس حسابهم فصارت
~~اللام مؤكدة لمعنى الاختصاص الإضافي لا لمجرد التأكيد كما في لا أبا له
~~وما ثنى فيه الظرف من نحو فيك زيد راغب فيك انتهى. وادعى الزمخشري أن هذا
~~الوجه أغرب بناء على أن فيه مبالغات ونكتا ليست في الوجه الأول وادعى
~~شيخ الإسلام أنه مع كونه تعسفا تاما بمعزل عما يقتضيه المقام، وبحث فيه
~~أيضا أبو حيان وغيره ومن الناس من انتصر له وذب عنه، وبالجملة للعلماء
~~في ذلك مناظرة عظمى ومعركة كبرى، والأولى بعد كل حساب جعل / اللام صلة
~~الاقتراب.

# هذا واستدل بالآية على ثبوت الحساب، وذكر البيضاوي في تفسير قوله تعالى:

# إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به
~~الله

# [البقرة: 284] أن المعتزلة والخوارج ينكرونه ms06684 ويعضده ما ذكره الإمام
~~النسفي في بعض مؤلفاته حيث قال: قالت المعتزلة لا ميزان ولا حساب ولا
~~صراط ولا حوض ولا شفاعة وكل موضع ذكر الله تعالى فيه الميزان أو الحساب
~~أراد سبحانه به العدل انتهى. لكن المذكور في عامة المعتبرات الكلامية أن
~~أكثرهم ينفي الصراط وجميعهم ينفي الميزان ولم يتعرض فيها لنفيهم الحساب،
~~والحق أن الحساب بمعنى المجازاة مما لا ينكره إلا المشركون.

# { وهم فى غفلة } أي في غفلة عظيمة وجهالة فخيمة عنه، وقيل
~~الأولى التعميم أي في غفلة تامة وجهالة عامة من توحيده تعالى والإيمان
~~بكتبه ورسله عليهم السلام ووقوع الحساب ووجود الثواب والعقاب وسائر ما
~~جاء به النبي الكريم عليه الصلاة والتسليم، وذكر غفلتهم عن ذلك عقيب
~~بيان اقتراب الحساب لا يقتضي قصر الغفلة عليه فإن وقوع تأسفهم وندامتهم
~~وظهور أثر جهلهم وحماقتهم لما كان مما يقع في يوم الحساب كان سببا
~~للتعقيب المذكور انتهى. وقد يقال: إن ظاهر التعقيب يقتضي ذلك، ومن غفل عن
~~مجازاة الله تعالى له المراد من الحساب صدر منه كل ضلالة وركب متن كل
~~جهالة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبرا  لهم .

# وقوله سبحانه: { معرضون } أي عن الآيات والنذر الناطقة بذلك
~~الداعية إلى الإيمان به المنجي من المهالك خبر بعد خبر، واجتماع الغفلة
~~والإعراض على ما أشرنا إليه مما لا عبار عليه، وللإشارة إلى تمكنهم في
~~الغفلة التي هي منشأ الإعراض المستمر جيء بالكلام على ما معنى أنهم
~~غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم ولا يتفطنون لما ترجع إليه
~~خاتمة أمرهم مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء للمحسن والمسىء ولذا إذا
~~قرعت لهم العصا ونبهوا عن سنة الغفلة وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من
~~الآيات والنذر أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا إلى آخر ما قال. وحاصله يتضمن
~~دفع التنافي بين الغفلة التي هي عدم التنبه والإعراض الذي يكون من
~~المتنبه بأن الغفلة عن الحساب في أول أمرهم والإعراض بعد قرع عصا الإنذار
~~أو بأن الغفلة عن الحساب والإعراض عن ms06685 التفكر في عاقبتهم وأمر خاتمتهم،
~~وفي «الكشف» أراد أن حالهم المستمرة الغفلة عن مقتضى الأدلة العقلية ثم
~~إذا عاضدتها الأدلة السمعية وأرشدوا لطريق النظر أعرضوا، وفيه بيان فائدة
~~إيراد الأول جملة ظرفية لما في حرف الظرف من الدلالة على التمكن وإيراد
~~الثاني وصفا منتقلا دالا على نوع تجدد، ومنه يظهر ضعف الحمل على أن
~~الظرفية حال من الضمير المستكن في { معرضون } قدمت عليه انتهى.

# ولا يخفى أن القول باقتضاء العقول أنه لا بد من الجزاء لا يتسنى إلا على
~~القول بالحسن والقبح العقليين والأشاعرة ينكرون ذلك أشد الإنكار، وقال
~~بعض الأفاضل: يمكن أن يحمل الإعراض على الاتساع كما في قوله:

# عطاء فتى تمكن في المعالي

# وأعرض في المعالي واستطالا

# وذكره بعض المفسرين في قوله تعالى:

# فلما نجكم إلى البر أعرضتم

# [الإسراء: 67] فيكون المعنى وهم متسعون في الغفلة مفرطون فيها. ويمكن
~~أيضا أن يراد بالغفلة معنى الإهمال كما في قوله تعالى:

# وما كنا عن الخلق غفلين

# [المؤمنون: 17] فلا تنافي بين الوصفين.

### || [21.2]

# { ما يأتيهم من ذكر } من طائفة نازلة من القرآن تذكرهم أكمل
~~تذكير وتبين لهم الأمر أتم تبيين كأنها نفس الذكر، و { من } سيف خطيب
~~وما بعدها مرفوع المحل على الفاعلية، والقول بأنها تبعيضية بعيد، و {
~~من } في قوله تعالى: { من ربهم } لابتداء الغاية مجازا متعلقة
~~بيأتيهم أو بمحذوف هو صفة لذكر، وأيا ما كان ففيه دلالة على فضله وشرفه
~~وكمال شناعة ما فعلوا به، والتعرض لعنوان الربوبية لتشديد التشنيع {
~~محدث } بالجر صفة لذكر. وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع على أنه صفة له
~~أيضا على المحل، وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما بالنصب على أنه حال
~~منه بناء على وصفه بقوله تعالى: { من ربهم }.

# وقوله سبحانه: { إلا استمعوه } استثناء مفرغ محله النصب على
~~أنه حال من مفعول { يأتيهم } بإضمار قد أو بدونه على الخلاف المشهور
~~على ما قيل، وقال نجم الأئمة الرضي: إذا كان الماضي بعد إلا فاكتفاؤه
~~بالضمير من دون الواو وقد أكثر نحو ما لقيته إلا أكرمني ms06686 لأن دخول إلا في
~~الأغلب على الأسماء فهو بتأويل إلا مكرما فصار كالمضارع المثبت. وجوز أن
~~يكون حالا من المفعول لأنه حامل لضميره أيضا والمعنى لا يأباه وهو خلاف
~~الظاهر، وأبعد من ذلك ما قيل إنه يحتمل أن يكون صفة لذكر، وكلمة { إلا }
~~وإن كانت مانعة عند الجمهور إذ التفريغ في الصفات غير جائز عندهم إلا أنه
~~يجوز أن يقدر ذكر آخر بعد إلا فتجعل هذه الجملة صفة له ويكون ذلك بمنزلة
~~وصف المذكور أي ما يأتيهم من ذكر إلا ذكر استمعوه، وقوله تعالى: { وهم
~~يلعبون } حال من فاعل { استمعوه }.

### || [21.3]

# { لاهية قلوبهم } إما حال أخرى منه فتكون مترادفة أو حال من
~~واو

# يلعبون

# [الأنبياء: 2] فتكون متداخلة والمعنى ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث في
~~حال من الأحوال إلا حال استماعهم إياه لاعبين مستهزئين به لاهين عنه أو
~~لاعبين به حال كون قلوبهم لاهية عنه. وقرأ ابن أبي عبلة. وعيسى {
~~لاهية } بالرفع على أنه خبر بعد خبر ل

# وهم

# [الأنبياء: 2]، والسر في اختلاف الخبرين لا يخفى، و { لاهية } من
~~لهي عن الشيء بالكسر لهيا ولهيانا إذا سلا عنه وترك ذكره وأضرب عنه كما
~~في «الصحاح». وفي «الكشاف» هي من لهى عنه إذا ذهل وغفل وحيث اعتبر في
~~الغفلة فيما مر أن لا يكون للغافل شعور بالمغفول عنه أصلا بأن لا يخطر
~~بباله ولا يقرع سمعه أشكل وصف قلوبهم بالغفلة بعد سماع الآيات إذ قد زالت
~~عنهم بذلك وحصل لهم الشعور وإن لم يوفقوا للإيمان وبقوا في غيابة الخزي
~~والخذلان.

# وأجيب بأن الوصف بذلك على تنزيل شعورهم لعدم انتفاعهم به منزلة العدم
~~نظير ما قيل في قوله تعالى:

# ولقد علموا لمن اشتراه ما له فى الأخرة من
~~خلق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا
~~يعلمون

# [البقرة: 102] وأنت تعلم أنه لا بأس أن يراد من الغفلة المذكورة في
~~تفسير لهى الترك والإعراض على ما تفصح عنه عبارة «الصحاح»، وإنما لم يجعل
~~ذلك من اللهو بمعنى اللعب على ما هو المشهور ms06687 لأن تعقيب

# يلعبون

# [الانبياء: 2] بذلك حينئذ مما لا يناسب جزالة التنزيل ولا يوافق جلالة
~~نظمه الجزيل وإن أمكن تصحيح معناه بنوع من التأويل.

# والمراد بالحدوث الذي يستدعيه

# محدث

# [الانبياء: 2] التجدد وهو يقتضي المسبوقية بالعدم، ووصف الذكر بذلك
~~باعتبار تنزيله لا باعتباره نفسه وإن صح ذلك بناء على حمل الذكر على
~~الكلام اللفظي والقول بما شاع عن الأشاعرة من حدوثه ضرورة أنه مؤلف من
~~الحروف والأصوات لأن الذي يقتضيه المقام ويستدعيه حسن الانتظام بيان أنه
~~كلما تجدد لهم التنبيه والتذكير وتكرر على أسماعهم / كلمات التخويف
~~والتحذير ونزلت عليهم الآيات وقرعت لهم العصا ونبهوا عن سنة الغفلة
~~والجهالة عدد الحصا وأرشدوا إلى طريق الحق مرارا لا يزيدهم ذلك إلا
~~فرارا، وأما إن ذلك المنزل حادث أو قديم فمما لا تعلق له بالمقام كما لا
~~يخفى على ذوي الإفهام. وجوز أن يكون المراد بالذكر الكلام النفسي وإسناد
~~الإتيان إليه مجاز بل إسناده إلى الكلام مطلقا كذلك؛ والمراد من الحدوث
~~التجدد ويقال: إن وصفه بذلك باعتبار التنزيل فلا ينافي القول بقدم الكلام
~~النفسي الذي ذهب إليه مثبتوه من أهل السنة والجماعة. والحنابلة القائلون
~~بقدم اللفظي كالنفسي يتعين عندهم كون الوصف باعتبار ذلك لئلا تقوم الآية
~~حجة عليهم، وقال الحسن بن الفضل المراد بالذكر النبي صلى الله عليه وسلم
~~وقد سمي ذكرا في قوله تعالى:

# قد أنزل الله إليكم ذكرا * رسولا

# [الطلاق: 10 - 11] ويدل عليه هنا { هل هذا } الخ الآتي قريبا إن
~~شاء الله تعالى وفيه نظر، وبالجملة ليست الآية مما تقام حجة على رد أهل
~~السنة ولو الحنابلة كما لا يخفى.

# { وأسروا النجوى } كلام مستأنف مسوق لبيان جناية أخرى من
~~جناياتهم، و { النجوى } اسم من التناجي ولا تكون إلا سرا فمعنى
~~إسرارها المبالغة في إخفائها، ويجوز أن تكون مصدرا بمعنى التناجي
~~فالمعنى أخفوا تناجيهم بأن لم يتناجوا بمرأى من غيرهم، وهذا على ما في
~~«الكشف» أظهر وأحسن موقعا، وقال أبو عبيدة: الإسرار من الأضداد، ويحتمل
~~أن يكون هنا بمعنى الإظهار ومنه قول الفرزدق:

# فلما ms06688 رأى الحجاج جرد سيفه

# أسر الحروري الذي كان أضمرا

# وأنت تعلم أن الشائع في الاستعمال معنى الإخفاء وإن قلنا إنه من الأضداد
~~كما نص عليه التبريزي ولا موجب للعدول عن ذلك.

# وقوله تعالى: { الذين ظلموا } بدل من ضمير { أسروا } كما
~~قال المبرد، وعزاه ابن عطية إلى سيبويه، وفيه إشعار بكونهم موصوفين
~~بالظلم الفاحش فيما أسروا به، وقال أبو عبيدة والأخفش وغيرهما: هو فاعل {
~~أسروا } والواو حرف دال على الجمعية كواو قائمون وتاء قامت وهذا على
~~لغة أكلوني البراغيث وهي لغة لأزد شنوءة قال شاعرهم:

# يلومونني في اشتراء النخيل أهلي وكلهم ألوم.

# وهي لغة حسنة على ما نص أبو حيان وليست شاذة كما زعمه بعضهم، وقال
~~الكسائي: هو مبتدأ والجملة قبله خبره وقدم اهتماما به، والمعنى هم أسروا
~~النجوى فوضع الموصول موضع الضمير تسجيلا على فعلهم بكونه ظلما، وقيل هو
~~خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين، وقيل هو فاعل لفعل محذوف أي يقول الذين
~~والقول كثيرا ما يضمر، واختاره النحاس، وهو على هذه الأقوال في محل
~~الرفع. وجوز أن يكون في محل النصب على الذم كما ذهب إليه الزجاج أو على
~~إضمار أعني كما ذهب إليه بعضهم، وأن يكون في محل الجر على أن يكون نعتا

# للناس

# [الأنبياء: 1] كما قال أبو البقاء أو بدلا منه كما قال الفراء وكلاهما
~~كما ترى.

# وقوله تعالى: { هل هذا إلا بشر مثلكم } الخ في حيز
~~النصب على أنه مفعول لقول مضمر بعد الموصول وصلته هو جواب عن سؤال نشأ
~~مما قبله كأنه قيل ماذا قالوا في نجواهم؟ فقيل قالوا هل هذا الخ أو بدل
~~من { أسروا } أو معطوف عليه، وقيل حال أي قائلين هل هذا الخ وهو
~~مفعول لقول مضمر قبل الموصول على ما اختاره النحاس، وقيل مفعول للنجوى
~~نفسها لأنها في معنى القول والمصدر المعرف يجوز إعماله الخليل
~~وسيبويه، وقيل بدل منها أي أسروا هذا الحديث، و { هل } بمعنى النفي
~~ليست للاستفهام التعجبي كما زعم أبو حيان.

# والهمزة في قوله تعالى: { أفتأتون السحر } للإنكار ms06689 والفاء
~~للعطف على مقدر يقتضيه المقام، وقوله سبحانه: { وأنتم تبصرون }
~~/ حال من فاعل (تأتون) مقررة للإنكار مؤكدة للاستبعاد، وأرادوا كما قيل
~~ما هذا إلا بشر مثلكم أي من جنسكم وما أتى به سحر أتعلمون ذلك فتأتونه
~~وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول وأنتم تعاينون أنه سحر قالوه بناء على
~~ما ارتكز في اعتقادهم الزائغ أن الرسول لا يكون إلا ملكا وأن كل ما يظهر
~~على يد البشر من الخوارق من قبيل السحر، وعنوا بالسحر ههنا القرآن ففي
~~ذلك إنكار لحقيته على أبلغ وجه قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون، وإنما
~~أسروا ذلك لأنه كان على طريق توثيق العهد وترتيب مبادي الشر والفساد
~~وتمهيد مقدمات المكر والكيد في هدم أمر النبوة وإطفاء نور الدين والله
~~تعالى يأبى إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون، وقيل أسروه ليقولوا
~~للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إن كان ما تدعونه حقا فاخبرونا بما
~~أسررناه؟ ورده في «الكشف» بأنه لا يساعده النظم ولا يناسب المبالغة في
~~قوله تعالى: { وأسروا النجوى الذين ظلموا } ولا في
~~قوله سبحانه { أفتأتون السحر } السحر.

### || [21.4]

# { قال ربى يعلم القول فى السماء والأرض } حكاية من
~~جهته تعالى لما قال عليه الصلاة والسلام بعدما أوحى إليه أحوالهم
~~وأقوالهم بيانا لظهور أمرهم وانكشاف سرهم ففاعل { قال } ضميره صلى
~~الله عليه وسلم والجملة بعده مفعوله، وهذه القراءة قراءة حمزة. والكسائي.
~~وحفص. والأعمش. وطلحة. وابن أبي ليلى. وأيوب وخلف. وابن سعدان. وابن
~~جبير الانطاكي. وابن جرير، وقرأ باقي السبعة { قل } على الأمر لنبيه
~~صلى الله عليه وسلم، و { القول } عام يشمل السر والجهر فإيثاره على
~~السر لإثبات علمه سبحانه به على النهج البرهاني مع ما فيه من الإيذان بأن
~~علمه تعالى بالأمرين على وتيرة واحدة لا تفاوت بينهما بالجلاء والخفاء
~~قطعا كما في علوم الخلق. وفي «الكشف» أن بين السر والقول عموما وخصوصا
~~من وجه والمناسب في هذا المقام تعميم القول ليشمل جهره وسره والأخفى
~~فيكون كأنه قيل يعلم هذا الضرب وما هو أعلى من ذلك وأدنى ms06690 منه وفي ذلك من
~~المبالغة في إحاطة علمه تعالى المناسبة لما حكى عنهم من المبالغة في
~~الإخفاء ما فيه؛ وإيثار السر على القول في بعض الآيات لنكتة تقتضيه هناك
~~ولكل مقام مقال، والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالا من القول أي
~~كائنا في السماء والأرض.

# وقوله سبحانه: { وهو السميع } أي بجميع المسموعات { العليم }
~~أي بجميع المعلومات، وقيل أي المبالغ في العلم بالمسموعات والمعلومات
~~ويدخل في ذلك أقوالهم وأفعالهم دخولا أوليا اعتراض تذييلي مقدر لمضمون
~~ما قبله متضمن للوعيد بمجازاتهم على ما صدر منهم، ويفهم من كلام «البحر»
~~أن ما قبل متضمن ذلك أيضا.

### || [21.5]

# { بل قالوا أضغث أحلام } اضراب من جهته تعالى وانتقال من
~~حكاية قولهم السابق إلى حكاية قول آخر مضطرب باطل أي لم يقتصروا على
~~القول في حقه صلى الله عليه وسلم

# هل هذآ إلا بشر مثلكم

# [الأنبياء: 3] وفي حق ما ظهر على يده من القرآن الكريم إنه سحر بل قالوا
~~هو أي القرآن تخاليط الأحلام ثم أضربوا عنه فقالوا: { بل افتراه }
~~من تلقاء نفسه من غير أن يكون له أصل أو شبهة أصل ثم أضربوا فقالوا: {
~~بل هو شاعر } وما أتى به شعر يخيل إلى السامع معاني لا حقيقة لها،
~~وهذا الاضطراب شأن المبطل المحجوج فإنه لا يزال يتردد بين باطل وأبطل
~~ويتذبذب بين فاسد وأفسد؛ ف { بل } الأولى كما ترى من كلامه عز وجل وهي
~~انتقالية والمنتقل منه ما تقدم باعتبار خصوصه والأخيرتان من كلامهم
~~المحكي وهما إبطاليتان لترددهم وتحيرهم في تزويرهم وجملة المقول داخلة في
~~النجوى. / ويجوز أن تكون الأولى انتقالية والمنتقل منه ما تقدم بقطع
~~النظر عن خصوصه والجملة غير داخلة في النجوى، وكلا الوجهين وجيه وليس
~~فيهما إلا اختلاف معنى { بل } ، وكون الأولى من الحكاية والأخيرتين من
~~المحكى ولا مانع منه.

# وجوز أن تكون الأولى من كلامهم وهي إبطالية أيضا متعلقة بقولهم هو سحر
~~المدلول عليه ب

# أفتأتون السحر

# [الأنبياء: 3]. ورد بأنه إنما يصح لو كان النظم الكريم قالوا بل الخ
~~ليفيد حكاية ms06691 إضرابهم، وكونه من القلب وأصله قالوا بل لا يخفى ما فيه، وقد
~~أجيب أيضا بأنه إضراب في قولهم المحكى بالقول المقدر قبل قوله تعالى:

# هل هذا

# [لأنبياء: 3] الخ أو الذي تضمنه النجوى وأعيد القول للفاصل أو لكونه غير
~~مصرح به ولا يخفى ما فيه أيضا، وجوز أن تكون الثلاثة من كلامه عز وجل
~~على أن ذلك تنزيل لأقوالهم في درج الفساد وأن قولهم الثاني أفسد من الأول
~~والثالث أفسد من الثاني وكذلك الرابع من الثالث، ويطلق على نحو هذا
~~الإضراب الترقي لكن لم يقل هنا ترقيا إشارة إلى أن الترقي في القبح تنزيل
~~في الحقيقة.

# ووجه ذلك كما قال في «الكشف» أن قولهم إنه سحر أقرب من الثاني فقد يقال:
~~إن من البيان لسحرا لأن تخاليط الكلام التي لا تنضبط لا شبه لها بوجه
~~بالنظم الأنيق الذي أبكم كل منطيق، ثم ادعاء أنها مع كونها تخاليط
~~مفتريات أبعد وأبعد لأن النظم بمادته وصورته من أتم القواطع دلالة على
~~الصدق كيف وقد انضم إليه أن القائل عليه الصلاة والسلام علم عندهم في
~~الأمانة والصدق، والأخير هذيان المبرسمين لأنهم أعرف الناس بالتمييز بين
~~المنظوم والمنثور طبعا وبين ما يساق له الشعر وما سيق له هذا الكلام
~~الذي لا يشبه بليغات خطبهم فضلا عن ذلك وبين محسنات الشعر ومحسنات هذا
~~النثر هذا فيما يرجع إلى الصورة وحدها، ثم إذا جئت إلى المادة وتركب
~~الشعر من المخيلات والمعاني النازلة التي يهتدي إليها الأجلاف وهذا من
~~اليقينيات العقدية والدينيات العملية التي عليها مدار المعاد والمعاش
~~وبها تتفاضل الإشراف فأظهر وأظهر، هذا والقائل عليه الصلاة والتسليم ممن
~~لا يتسهل له الشعر وان أراده خالطوه وذاقوه أربعين سنة اه.

# وكون تركب الشعر من المخيلات باعتبار الغالب فلا ينافيه قوله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " إن من الشعر لحكمة "

# لأنه باعتبار الندرة ويؤيده التأكيد بأن الدالة على التردد فيه، وقد جاء
~~الشاعر بمعنى الكاذب بل قال الراغب: إن الشاعر في القرآن بمعنى الكاذب
~~بالطبع، وعليه يكون قد أرادوا قاتلهم ms06692 الله تعالى بل هو وحاشاه ذو
~~افتراءات كثيرة، وليس في { بل } هنا على هذا الوجه إبطال بل إثبات للحكم
~~الأول وزيادة عليه كما صرح بذلك الراغب، وفي وقوعها للإبطال في كلام الله
~~تعالى خلاف فأثبته ابن هشام ومثل له بقوله تعالى:

# وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد
~~مكرمون

# [الأنبياء: 26] ووهم ابن مالك في «شرح الكافية» فنفاه، والحق أن الإبطال
~~إن كان لما صدر عن الغير فهو واقع في القرآن وإن كان لما صدر عنه تعالى
~~فغير واقع بل هو محال لأنه بداء، وربما يقال: مراد ابن مالك بالمنفي
~~الضرب الثاني، ثم إن هذا الوجه وإن كان فيه بعد لا يخلو عن حسن كما قيل
~~فتدبر.

# { فليأتنا بآية } جواب شرط محذوف يفصح عنه السياق كأنه قيل وإن
~~لم يكن كما قلنا بل كان رسولا من الله عز وجل كما يقول فليأتنا بآية {
~~كما أرسل الأولون } وقدر النيسابوري غير هذا الشرط فقال أخذا
~~من كلام الإمام في بيان حاصل معنى الآية: ((إنهم أنكروا أولا كون الرسول
~~من جنس البشر ثم إنهم كأنهم قالوا سلمنا ذلك ولكن الذي ادعيت أنه معجز
~~ليس بمعجز غايته أنه خارق للعادة وما كل خارق لها / معجز فقد يكون سحرا
~~هذا إذا ساعدنا على أن فصاحة القرآن خارجة عن العادة لكنا عن تسليم هذه
~~المقدمة بمراحل فإنا ندعي أنه في غاية الركاكة وسوء النظم كأضغاث احلام
~~سلمنا ولكنه من جنس كلام الأوساط افتراه من عنده سلمنا أنه كلام فصيح
~~لكنه لا يتجاوز فصاحة الشعر وإذا كان حال هذا المعجز هكذا فليأتنا بآية
~~لا يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات كما أرسل الأولون)) انتهى وهو كما
~~ترى.

# و(ما) موصولة في محل الجر بالكاف والجملة بعدها صلة والعائد محذوف،
~~والجار والمجرور متعلق بمقدر وقع صفة لآية أي فليأتنا بآية مثل الآية
~~التي أرسل بها الأولون، ولا يضر فقد بعض شروط جواز حذف العائد المجرور
~~بالحرف إذ لا اتفاق على اشتراط ذلك، ومن استرط اعتبر العائد المحذوف هنا
~~منصوبا من ms06693 باب الحذف والإيصال، وهو مهيع واسع، وأرادوا بالآية المشبة
~~بها كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الناقة والعصا ونحوهما،
~~وكان الظاهر أن يقال فليأتنا بما أتى به الأولون أو بمثل ما أتى به
~~الأولون إلا أنه عدل عنه إلى ما في النظم الكريم لدلالته على ما دل عليه
~~مع زيادة كونه مرسلا به من الله عز وجل، وفي التعبير في حقه صلى الله
~~عليه وسلم بالإتيان والعدول عن الظاهر فيما بعده إيماء إلى أن ما أتى به
~~صلى الله عليه وسلم من عنده وما أتى به الأولون من الله تبارك وتعالى
~~ففيه تعريض مناسب لما قبله من الافتراء قاله الخفاجي وذكر أن ما قيل إن
~~العدول عن كما أتى به الأولون لأن مرادهم اقتراح آية مثل آية موسى وآية
~~عيسى عليهما السلام لا غيرهما مما أتى به سائر الأنبياء عليهم الصلاة
~~والسلام وأن العلامة البيضاوي أشار إلى ذلك مما لا وجه له.

# وجوز أن تكون (ما) مصدرية والكاف منصوبة على أنها مصدر تشبيهي أي نعت
~~لمصدر محذوف أي فليأتنا بآية إتيانا كائنا مثل إرسال الأولين بها وصحة
~~التشبيه من حيث إن المراد مثل إتيان الأولين بها لأن ارسال الرسل عليهم
~~السلام متضمن الإتيان المذكور كما في «الكشاف»، وفي «الكشف» أنه يدل على
~~أن قوله تعالى: { كما أرسل الأولون } كناية في هذا المقام،
~~وفائدة العدول بعد حسن الكناية تحقيق كونها آية مسلمة بمثلها تثبت
~~الرسالة لا تنازع فيها ويترتب المقصود عليها، والقول بأن الإرسال المشبه
~~به مصدر المجهول ومعناه كونه مرسلا من الله تعالى بالآيات لا يسمن ولا
~~يغنى في توجيه التشبيه لأن ذلك مغاير للإتيان أيضا وإن لم ينفك عنه،
~~وقيل يجوز أن يحمل النظم الكريم على أنه أريد كل واحد من الإتيان
~~والإرسال في كل واحد من طرفي التشبيه لكنه ترك في جانب المشبه ذكر
~~الإرسال، وفي جانب المشبه به ذكر الإتيان اكتفاء بما ذكر في كل موطن عما
~~ترك في الموطن الآخر، ولا يخفى بعده، ms06694 ثم أن الظاهر أن إقرارهم بإرسال
~~الأولين ليس عن صميم الفؤاد بل هو أمر اقتضاه اضطرابهم وتحيرهم، وذكر بعض
~~الأجلة أن مما يرجح الحمل على أن ما تقدم حكاية أقوالهم المضطربة هذه
~~الحكاية لأنهم منعوا أولا أن يكون الرسول بشرا وبتوا القول به وبنوا ما
~~بنوا ثم سلموا أن الأولين كانوا ذوي آيات وطالبوه عليه الصلاة والسلام
~~بالإتيان بنحو ما أتوا به منها، وعلى وجه التنزيل لأقوالهم على درج
~~الفساد يحمل هذا على أنه تنزل منهم، والعدول إلى الكناية لتحقيق تنزله عن
~~شأوهم انتهى فتأمل ولا تغفل.

### || [21.6]

# { ما ءامنت قبلهم من قرية } كلام مستأنف مسوق لتكذيبهم
~~فيما ينبىء عنه خاتمة مقالهم من الوعد الضمني بالإيمان عند إتيان الآية
~~المقترحة وبيان أنهم في اقتراح ذلك كالباحث عن حتفه بظلفه / وان في ترك
~~الإجابة إليه إبقاء عليهم كيف لا ولو أعطوا ما اقترحوه مع عدم إيمانهم
~~قطعا لاستئصلوا لجريان سنة الله تعالى شأنه في الأمم السالفة على
~~استئصال المقترحين منهم إذا أعطوا ما اقترحوه ثم لم يؤمنوا وقد سبقت
~~كلمته سبحانه أن هذه الأمة لا يعذبون بعذاب الاستئصال، وهذا أولى مما قيل
~~أنهم لما طعنوا في القرآن وانه معجزة وبالغوا في ذلك حتى أخذوا من قوله
~~تعالى:

# أفتأتون السحر

# [الأنبياء: 3] إلى أن انتهو إلى قوله سبحانه

# فليأتنا

# [الأنبياء: 5] الخ جيء بقوله عز وجل { ما ءامنت } الخ تسلية له صلى
~~الله عليه وسلم في أن الإنذار لا يجدي فيهم. وأيا ما كان فقوله سبحانه:
~~{ من قرية } على حذف المضاف أي من أهل قرية، و (من) مزيدة لتأكيد
~~العموم وما بعدها في محل الرفع على الفاعلية.

# وقوله سبحانه: { أهلكنها } في محل جر أو رفع صفة { قرية } ،
~~والمراد أهلكناها بإهلاك أهلها لعدم إيمانهم بعد مجيء ما اقترحوه من
~~الآيات، وقيل القرية مجاز عن أهلها فلا حاجة إلى تقدير المضاف. واعترض
~~بأن { أهلكنها } يأباه والاستخدام وإن كثر في الكلام خلاف
~~الظاهر، وقال بعضهم: لك أن تقول إن إهلاكها كناية عن إهلاك أهلها وما ذكر
~~أولا ms06695 أولى، والهمزة في قوله سبحانه: { أفهم يؤمنون } لإنكار
~~الوقوع والفاء للعطف إما على مقدر دخلته الهمزة فأفادت إنكار وقوع
~~إيمانهم ونفيه عقيب عدم إيمان الأولين فالمعنى أنه لم يؤمن أمة من الأمم
~~المهلكة عند إعطاء ما اقترحوه من الآيات أهم لم يؤمنوا فهؤلاء يؤمنون لو
~~أعطوا ما اقترحوه أي مع أنهم اعتى واطغى كما يفهم بمعونة السياق والعدول
~~عن فهم لا يؤمنون أيضا وأما على { ما ءامنت } على أن الفاء متقدمة
~~على الهمزة في الاعتبار مفيدة لترتيب إنكار وقوع إيمانهم على عدم إيمان
~~الأولين وإنما قدمت عليها الهمزة لاقتضائها الصدارة.

### || [21.7]

# وقوله عز وجل: { وما أرسلنا قبلك } جواب لما زعموه من أن
~~الرسول لا يكون إلا ملكا المشار إليه بقولهم

# هل هذآ إلا بشر مثلكم

# [الأنبياء: 3] الذي بنوا عليه ما بنوا فهو متعلق بذلك وقدم عليه جواب
~~قولهم:

# فليأتنا

# [الأنبياء: 5] لأنهم قالوا ذلك بطريق التعجيز فلا بد من المسارعة إلى
~~رده وإبطاله ولأن في هذا الجواب نوع بسط يخل تقديمه بتجاوب النظم الكريم،
~~وقوله تعالى: { نوحى إليهم } استئناف مبين لكيفية الإرسال، وصيغة
~~المضارع لحكاية الحال الماضية المستمرة وحذف المفعول لعدم القصد إلى
~~خصوصه، والمعنى ما أرسلنا إلى الأمم قبل إرسالك إلى أمتك إلا رجالا لا
~~ملائكة نوحي إليهم بواسطة الملك ما نوحي من الشرائع والأحكام وغيرهما من
~~القصص والأخبار كما نوحي إليك من غير فرق بينهما في حقيقة الوحي وحقية
~~مدلوله كما لا فرق بينك وبينهم في البشرية فما لهم لا يفهمون أنك لست
~~بدعا من الرسل وإن ما أوحى إليك ليس مخالفا لما أوحي إليهم فيقولون ما
~~يقولون. وقال بعض الأفاضل: إن الجملة في محل النصب صفة مادحة لرجالا وهو
~~الذي يقتضيه النظم الجليل، وقرأ الجمهور { يوحى إليهم } بالياء
~~على صيغة المبني للمفعول جريا على سنن الكبرياء وإيذانا بتعين الفاعل.

# وقوله تعالى: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا
~~تعلمون } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى الكفرة لتبكيتهم واستنزالهم عن
~~رتبة الاستبعاد والنكير أثر تحقيق الحق على طريقة الخطاب لرسول الله ms06696 صلى
~~الله عليه وسلم لأنه الحقيق بالخطاب في أمثال تلك الحقائق الأنيقة، وأما
~~الوقوف عليها بالسؤال من الغير فهو من وظائف العوام وأمره صلى الله عليه
~~وسلم بالسؤال في بعض / الآيات ليس للوقوف وتحصيل العلم بالمسؤول عنه لأمر
~~آخر، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وأهل الذكر أهل الكتاب كما
~~روي عن الحسن وقتادة وغيرهما، وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة المذكور عليه
~~أي إن كنتم لا تعلمون ما ذكر فاسألوا أيها الجهلة أهل الكتاب الواقفين
~~على أحوال الرسل السالفة عليهم الصلاة والسلام لتزول شبهتكم، أمروا بذلك
~~لأن إخبار الجم الغفير يفيد العلم في مثل ذلك لا سيما وهم كانوا يشايعون
~~المشركين في عداوته صلى الله عليه وسلم ويشاورونهم في أمره عليه الصلاة
~~والسلام ففيه من الدلالة على كمال وضوح الأمر وقوة شأن النبي صلى الله
~~عليه وسلم ما لا يخفى، وعن ابن زيد أن أهل الذكر هم أهل القرآن. ورده ابن
~~عطية بأنهم كانوا خصومهم فكيف يؤمرون بسؤالهم، ويرد ذلك على ما زعمته
~~الإمامية من أنهم آله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم الكلام في ذلك.

### || [21.8]

# { وما جعلنهم جسدا } بيان لكون الرسل عليهم السلام أسوة
~~لسائر أفراد الجنس في أحكام الطبيعة البشرية. والجسد على ما في «القاموس»
~~جسم الإنس والجن والملك؛ وقال الراغب: هو كالجسم إلا أنه أخص منه، قال
~~الخليل: لا يقال الجسد لغير الإنسان من خلق الأرض ونحوه، وأيضا فإن
~~الجسد يقال لما له لون والجسم لما لا يبين له لون كالهواء والماء، وقوله
~~تعالى: { وما جعلنهم جسدا } الخ يشهد لما قاله الخليل
~~انتهى، وقيل: هو جسم ذو تركيب وظاهره أنه أعم من الحيوان ومنهم خصه به؛
~~وقال بعضهم: هو في الأصل مصدر جسد الدم يجسد أي التصق وأطلق على الجسم
~~المركب لأنه ذو أجزاء ملتصق بعضها ببعض، ثم الظاهر أن الذي يقول بتخصيصه
~~بحيث لا يشمل غير العاقل من الحيوان مثلا غاية ما يدعى أن ذلك بحسب أصل
~~وضعه ولا يقول بعدم جواز تعميمه بعد ms06697 ذلاك فلا تغفل، ونصبه إما على أنه
~~مفعول ثان للجعل، والمراد تصييره كذلك ابتداء على طريقة قولهم سبحان من
~~صغر البعوض وكبر الفيل، وأما حال من الضمير والجعل ابداعي وأفراده لإرادة
~~الجنس الشامل للكثير أو لأنه في الأصل على ما سمعت مصدر وهو يطلق على
~~الواحد المذكر وغيره، وقيل: لإرادة الاستغراق الإفرادي في الضمير أي
~~جعلنا كل واحد منهم؛ وقيل: هو بتقدير مضاف أي ذوي جسد، وفي «التسهيل» أنه
~~يستغنى بتثنية المضاف وجمعه عن تثنية المضاف إليه وجمعه في الاعلام وكذا
~~ما ليس فيه لبس من أسماء الأجناس.

# وقوله تعالى: { لا يأكلون الطعام } صفة { جسدا } أي وما
~~جعلناهم جسدا مستغنيا عن الغذاء بل محتاجا إليه { وما كانوا
~~خلدين } أي باقين أبدا، وجوز أن يكون الخلود بمعنى المكث المديد،
~~واختير الأول لأن الجملة مقررة لما قبلها من كون الرسل السالفة عليهم
~~الصلاة والسلام بشرا لا ملائكة كما يقتضيه اعتقاد المشركين الفاسد
~~وزعمهم الكاسد، والظاهر هم يعتقدون أيضا في الملائكة عليهم السلام
~~الأبدية كاعتقاد الفلاسفة فيهم ذلك إلا أنهم يسمونهم عقولا مجردة، وحاصل
~~المعنى جعلناهم أجسادا متغذية صائرة إلى الموت بالآخرة حسب آجالهم ولم
~~نجعلهم ملائكة لا يتغذون ولا يموتون حسبما تزعمون، وقيل: الجملة رد على
~~قولهم

# ما ل هذا الرسول يأكل الطعام

# [الفرقان: 7] الخ والأول أولى، نعم هي مع كونها مقررة لما قبلها فيها رد
~~على ذلك، وفي إيثار { وما كانوا } على وما جعلناهم تنبيه على أن عدم
~~الخلود والبقاء من توابع جبلتهم في هذه النشأة التي أشير إليها بقوله
~~تعلى: { وما جعلنهم جسدا } الخ لا بالجعل المستأنف بل إذا
~~نظرت إلى سائر المركبات من العناصر المتضادة رأيت بقاءها سويعة أمرا
~~غريبا وانتهضت إلى طلب العلة لذلك ومن هنا قيل:

# / ولا تتبع الماضي سؤالك لم مضى

# وعرج على الباقي وسائله لم بقي

# بل لا يبعد أن تكون الممكنات مطلقا كذلك فقد قالوا: إن الممكن إذا خلي
~~وذاته يكون معدوما إذ العدم لا يحتاج إلى علة وتأثير بخلاف الوجود؛ ولا
~~يلزم على ms06698 هذا أن يكون العدم مقتضى الذات حتى يصير ممتنعا إذ مرجع ذلك
~~إلى أولوية العدم وأليقيته بالنسبة إلى الذات، ويشير إلى ذلك على ما قيل
~~قول أبي علي في الهيئات «الشفاء» للمعلول في نفسه أن يكون ليس وله عن
~~علته أن يكون آيسا، وقولهم استواء طرفي الممكن بالنظر إلى ذاته معناه
~~استواؤه في عدم وجوب واحد منهما بالنظر إلى ذاته، وقولهم علة العدم عدم
~~علة الوجود بمعنى أن العدم لا يحتاج إلى تأثير وجعل بل يكفيه انعدام
~~العلة لا أن عدم العلة مؤثرة في عدم المعلول ولعل في قوله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن "

# إشارة إلى هذا فتدبر.

### || [21.9]

# وقوله تعالى: { ثم صدقناهم الوعد } قيل: عطف على ما يفهم من حكاية وحيه
~~تعالى الى المرسلين على الاستمرار التجديدي كأنه قيل أوحينا إليهم ما
~~أوحينا ثم صدقناهم الوعد الذي وعدناهم في تضاعيف الوحي بإهلاك أعدائهم،
~~وقيل عطف على

# نوحى

# [الأنبياء: 7] السابق بمعنى أوحينا، وتوسيط الأمر بالسؤال وما معه
~~اهتماما بإلزامهم والرد عليهم، وقال الخفاجي: هو عطف على قوله تعالى:

# أرسلنا

# [الأنبياء: 7] وثم للتراخي الذكري أي أرسلنا رسلا من البشر وصدقناهم ما
~~وعدناهم فكذا محمد صلى الله عليه وسلم فاحذروا تكذيبه ومخالفته فالآيات
~~كما تضمنت الجواب تضمنت التهديد انتهى، وفيه تأمل، ونصب { الوعد } على
~~نزع الخافض والأصل صدقناهم في الوعد ومنه صدقوهم القتال وصدقني سن بكره،
~~وقيل: على أنه مفعول ثان وصدق قد تتعدى للمفعولين من غير توسط حرف الجر
~~أصلا.

# { فأنجينهم ومن نشاء } أي من المؤمنين بهم كما عليه جماعة
~~من المفسرين، وقيل منهم ومن غيرهم ممن تستدعي الحكمة إبقاءه كمن سيؤمن هو
~~أو بعض فروعه بالآخرة وهو السر في حماية الذين كذبوه وآذوه صلى الله عليه
~~وسلم من عذاب الاستئصال، ورجح ما عليه الجماعة بالمقابلة بقوله تعالى: {
~~وأهلكنا المسرفين } وذلك لحمل التعريف على الاستغراق
~~والمسرفين على الكفار مطلقا لقوله تعالى:

# وأن المسرفين هم أصحب النار

# [غافر: 43] بناء على أن المراد بأصحاب ms06699 النار ملازموها والمخلدون فيها
~~ولا يخلد فيها عندنا إلا الكفار، ومن عمم أولا قال: المراد بالمسرفين من
~~عدا أولئك المنجين، والتعبير بمن نشاء دون من آمن أو من معهم مثلا ظاهر
~~في أن المراد بذلك المؤمنون وآخرون معهم ولا يظهر على التخصيص وجه العدول
~~عما ذكر إلى ما في النظم الكريم والتعبير بنشاء مع أن الظاهر شئنا لحكاية
~~الحال الماضية

### || [21.10]

# وقوله سبحانه: { لقد أنزلنا إليكم كتبا } كلام مستأنف
~~مسوق لتحقيق حقية القرآن العظيم الذي ذكر في صدر السورة الكريمة إعراض
~~الناس عما يأتيهم من آياته واستهزاؤهم به واضطرابهم في أمره وبيان علو
~~مرتبته إثر تحقيق رسالته صلى الله عليه وسلم ببيان أنه كسائر الرسل
~~الكرام عليهم الصلاة والسلام قد صدر بالتوكيد القسمي إظهارا لمزيد
~~الاعتناء بمضمونه وإيذانا بكون المخاطبين في أقصى مراتب النكير والخطاب
~~لقريش، وجوز أن يكون لجميع العرب وتنوين { كتبا } للتعظيم والتفخيم
~~أي كتابا عظيم الشأن نير البرهان، وقوله عز وجل: { فيه ذكركم }
~~صفة له مؤكدة لما أفاده التنكير التفخيمي من كونه جليل القدر بأنه جميل
~~الآثار مستجلب لهم منافع جليلة والمراد بالذكر كما أخرج البيهقي في «شعب
~~الإيمان» وابن المنذر وغيرهما عن ابن عباس الصيت والشرف مجازا أي فيه ما
~~يوجب الشرف لكم لأنه بلسانكم ومنزل على نبي منكم تتشرفون بشرفه /
~~وتشتهرون بشهرته لأنكم حملته والمرجع في حل معاقده وجعل ذلك فيه مبالغة
~~في سببيته له، وعن سفيان أنه مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال أي فيه ما
~~يحصل به الذكر أي الثناء الحسن وحسن الأحدوثة من مكالام الأخلاق ومحاسن
~~الأعمال إطلاقا لاسم المسبب على السبب فهو مجاز عن ذلك أيضا. وأخرج غير
~~واحد عن الحسن أن المراد فيه ما تحتاجون إليه في أمور دينكم، وزاد بعض
~~ودنياكم.

# وقيل الذكر بمعنى التذكير مضاف للمفعول، والمعنى فيه موعظتكم، ورجح ذلك
~~بأنه الأنسب بسباق النظم الكريم وسياقه فإن قوله تعالى: { أفلا
~~تعقلون } إنكار توبيخي فيه بعث لهم على التدبر في أمر الكتاب
~~والتدبر فيما في تضاعيفه من فنون المواعظ والزواجر ms06700 التي من جملتها
~~القوارع السابقة واللاحقة. وقال صاحب «التحرير» الذي يقتضيه سياق الآيات
~~إن المعنى فيه ذكر قبائحكم ومثالبكم وما عاملتم به أنبياء الله تعالى
~~عليهم الصلاة والسلام من التكذيب والعناد. وقوله تعالى: { أفلا
~~تعقلون } إنكار عليهم في عدم تفكرهم مؤد إلى التنبه عن سنة الغفلة
~~انتهى، وفيه بعد، والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي إلا
~~تتفكرون فلا تعقلون ان الأمر كذلك أولا تعقلون شيئا من الأشياء التي من
~~جملتها ما ذكر.

### || [21.11]

# وقوله عز وجل: { وكم قصمنا من قرية } نوع تفصيل لإجمال قوله
~~تعالى:

# وأهلكنا المسرفين

# [الأنبياء: 9] وبيان لكيفية إهلاكهم وتنبيه على كثرتهم، فكم خبرية مفيدة
~~للتكثير محلها النصب على أنها مفعول { لقصمنا } و { من قرية }
~~تمييز، وفي لفظ القصم الذي هو عبارة عن الكسر بتفريق الأجزاء وإذهاب
~~التئامها بالكلية كما يشعر به الإتيان بالقاف الشديدة من الدلالة على قوة
~~الغضب وشدة السخط ما لا يخفى.

# وقوله تعالى: { كانت ظلمة } صفة { قرية } وكان الأصل على
~~ما قيل أهل قرية كما ينبىء عنه الضمير الآتي إن شاء الله تعالى فحذف
~~المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فوصف بما هو من صفات المضاف أعني الظلم
~~فكأنه قيل وكثيرا قصمنا من أهل قرية كانوا ظالمين بآيات الله تعالى
~~كافرين بها مثلكم. وفي «الكشاف» المراد بالقرية أهلها ولذلك وصفت بالظلم
~~فيكون التجور في الطرف، وقال بعضهم: لك أن تقول وصفها بذلك على الإسناد
~~المجازي وقوله: { قصمنا من قرية } كناية عن قصم أهلها للزوم
~~إهلاكها إهلاكهم فلا مجاز ولا حذف، وأيا ما كان فليس المراد قرية معينة،
~~وأخرج ابن المنذر. وغيره عن الكلبي أنها حضور قرية باليمن. وأخرج ابن
~~مردويه من طريقه عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال بعث الله تعالى نبينا
~~من حمير يقال له شعيب فوثب إليه عبد فضربه بعصا فسار إليهم بختنصر
~~فقاتلهم فقتلهم حتى لم يبق منهم شيء وفيهم أنزل الله تعالى: { وكم
~~قصمنا } الخ؛ وفي «البحر» أن هؤلاء كانوا بحضوراء وأن الله تعالى بعث
~~إليهم نبيا ms06701 فقتلوه فسلط الله تعالى عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت
~~المقدس بعث إليهم جيشا فهزموه ثم بعث إليهم آخر فهزموه فخرج إليهم بنفسه
~~فهزمهم وقتلهم، وعن بعضهم أنه كان اسم هذا النبي موسى بن ميشا، وعن ابن
~~وهب أن الآية في قريتين باليمن إحداهما حضور والأخرى قلابة بطر أهلهما
~~فاهلكهم الله تعالى على يد بختنصر، ولا يخفى أنه مما يأباه ظاهر الآية
~~والقول بأنها من قبيل قولك كم أخذت من دراهم زيد على أن الجار متعلق
~~بأخذت والتمييز محذوف أي كم درهم أخذت من دراهم زيد، ويقال هنا إنها
~~بتقديركم ساكن قصمنا من ساكني قرية أو نحو ذلك مما لا ينبغي أن يلتفت
~~إليه إلا بالرد عليه، فلعل ما في الروايات محمول / على سبيل التمثيل،
~~ومثل ذلك غير قليل.

# وفي قوله سبحانه: { وأنشأنا بعدها } أي بعد إهلاك أهلها لا بعد
~~تلك الفعلة كما توهم { قوما ءاخرين } أي ليسوا منهم في شيء تنبيه
~~على استئصال الأولين وقطع دابرهم بالكلية وهو السر في تقديم حكاية إنشاء
~~هؤلاء على حكاية مبادي إهلاك أولئك بقوله سبحانه: { فلما أحسوا
~~بأسنا... }.

### || [21.12]

# { فلما أحسوا بأسنا } فضمير الجمع للأهل. لا لقوم آخرين إذ
~~لا ذنب لهم يقتضي ما تضمنه هذا الكلام، والإحساس الإدراك بالحاسة أي فلما
~~أدركوا بحاستهم عذابنا الشديد، ولعل ذلك العذاب كان مما يدرك بإحدى
~~الحواس الظاهرة، وجوز أن يكون البأس استعارة مكنية ويكون الإحساس تخييلا
~~وأن يكون الإحساس مجازا عن مطلق الإدراك أي فلما أدركوا ذلك { إذا
~~هم منها } أي من القرية فمن ابتدائية أو من البأس والتأنيث لأنه في
~~معنى النقمة والبأساء فمن تعليلية وهي على الاحتمالين متعلقة بقوله
~~تعالى: { يركضون } و(إذا) فجائية، والجملة جواب لما، وركض من باب
~~قتل بمعنى ضرب الدابة برجله وهو متعد، وقد يرد لازما كركض الفرس بمعنى
~~جرى كما قاله أبو زيد ولا عبرة بمن أنكره، والركض هنا كناية عن الهرب أي
~~فإذا هم يهربون مسرعين راكضين دوابهم. وجوز أن يكون المعنى مشبهين بمن
~~يركض الدواب على ms06702 أن هناك استعارة تبعية ولا مانع من حمل الكلام على
~~حقيقته على ما قيل: { لا تركضوا... }.

### || [21.13]

# { لا تركضوا } أي قيل لهم ذلك، والقائل يحتمل أن يكون ملائكة
~~العذاب أو من كان ثمة من المؤمنين قالوا ذلك على سبيل الهزء بهم، وقال
~~ابن عطية: يحتمل على الرواية السابقة أن يكون القائل من جيش بختنصر وأراد
~~بذلك خدعهم والاستهزاء بهم، وقيل يحتمل أن يكون المراد يجعلون خلقاء بأن
~~يقال لهم ذلك وإن لم يقل على معنى أنهم بلغوا في الركض والفرار من العذاب
~~بعد الاتراف والتنعم بحيث من رآهم قال لا تركضوا { وارجعوا إلى
~~ما أترفتم فيه } من التنعم والتلذذ والإتراف إبطار النعمة و
~~(في) ظرفية، وجوز كونها سببية { ومسكنكم } التي كنتم تفتخرون
~~بها { لعلكم تسئلون } تقصدون للسؤال والتشاور والتدبير في
~~المهمات والنوازل أو تسألون عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومنازلكم
~~فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة أو يسألكم حشمكم وعبيدكم فيقولوا لكم بم
~~تأمرون وما ذا ترسمون وكيف نأتي ونذر كما كنتم من قبل أو يسألكم الوافدون
~~نوالكم إما لأنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلب الثناء أو
~~كانو بخلاء فقيل لهم ذلك تهكما إلى تهكم، وقيل على الرواية المتقدمة
~~المعنى لعلكم تسألون صلحا أو جزية أو أمرا تتفقون مع الملك عليه، وقيل
~~المراد بمساكنهم النار فيكون المراد بارجعوا إلى مساكنكم ادخلوا النار
~~تهكما، والمراد بالسؤال السؤال عن الأعمال أو المراد به العذاب على سبيل
~~المجاز المرسل بذكر السبب وإرادة المسبب أي ادخلوا النار كي تسألوا أو
~~تعذبوا على ظلمكم وتكذيبكم بآيات الله تعالى وهو خلاف الظاهر كما لا
~~يخفى.

### || [21.14]

# { قالوا } لما يئسوا من الخلاص بالهرب وأيقنوا استيلاء العذاب { يا
~~ويلنا } يا هلاكنا { إنا كنا ظلمين } بآيات الله تعالى
~~مستوجبين للعذاب، وهذا اعتراف منهم بالظلم واستتباعه للعذاب وندم عليه
~~حين لا ينفعهم ذلك، وقيل على الرواية السالفة إن هذا الندم والاعتراف كان
~~منهم حين أخذتهم السيوف ونادى مناد / من السماء يالثارات الأنبياء.

### || [21.15]

# { فما زالت تلك دعواهم } أي فما ms06703 زالوا يرددون تلك الكلمة،
~~وتسميتها دعوى بمعنى الدعوة فإنه يقال دعا دعوى ودعوة لأن المولول كأنه
~~يدعو الويل قائلا يا ويل تعال فهذا أوانك. وجوز الحوفي. والزمخشري. وأبو
~~البقاء كون { تلك } اسم زال و { دعواهم } خبرها والعكس، قال أبو
~~حيان: وقد قال ذلك قبلهم الزجاج وأما أصحابنا المتأخرون فعلى أن اسم كان
~~وخبرها مشبه بالفاعل والمفعول فكما لا يجوز في الفاعل والمفعول التقدم
~~والتأخر إذا أوقع ذلك في اللبس لعدم ظهور الإعراب لا يجوز في باب كان ولم
~~ينازع فيه أحد إلا أبو العباس أحمد بن الحاج من نبهاء تلاميذ الشلوبين
~~اه. وقال الفاضل الخفاجي: إن ما ذكره ابن الحاج في كتاب «المدخل» أنه
~~ليس فيه التباس وأنه من عدم الفرق بين الالتباس وهو أن يفهم منه خلاف
~~المراد والإجمال وهو أن لا يتعين فيه أحد الجانبين ولأجل هذا جوزه، وما
~~ذكره محل كلام وتدبر. وفي «حواشي الفاضل البهلوان على تفسير البيضاوي» إن
~~هذا في الفاعل والمفعول وفي المبتدأ والخبر إذا انتفى الإعراب، والقرينة
~~مسلم مصرح به، وأما في باب كان وأخواتها فغير مسلم اه. والظاهر أنه لا
~~فرق بين باب كان وغيرها مما ذكر وإن سلم عدم التصريح لاشتراك ما ذكروه
~~علة للمنع ثم إن ذلك إلى الالتباس أقرب منه إلى الإجمال لا سيما في الآية
~~في رأي فافهم.

# { حتى جعلنهم حصيدا خمدين } أي إلى أن جعلناهم
~~بمنزلة النبات المحصود والنار الخامدة في الهلاك قاله العلامة الثاني في
~~«شرح المفتاح» ثم قال في ذلك استعارتان بالكناية بلفظ واحد وهو ضمير {
~~جعلنهم } حيث شبه بالنبات وبالنار وأفرد بالذكر وأريد به المشبه
~~بهما أعني النبات والنار ادعاء بقرينة أنه نسب إليه الحصاد الذي هو من
~~خواص النبات والخمود الذي هو من خواص النار، ولا يجعل من باب التشبيه مثل
~~هم صم بكم عمي لأن جمع { خمدين } جمع العقلاء ينافي التشبيه إذ ليس
~~لنا قوم خامدون يعتبر تشبيه أهل القرية بهم إذ الخمود من خواص النار
~~بخلاف الصمم مثلا فإنه يجعل بمنزلة ms06704 هم كقوم صم وكذا يعتبر { حصيدا }
~~بمعنى محصودين على استواء الجمع والواحد في فعيل بمعنى مفعول ليلائم {
~~خمدين } نعم يجوز تشبيه هلاك القوم بقطع النبات وخمود النار فيكون
~~استعارة تصريحية تبعية في الوصفين انتهى، وكذا في «شرح المفتاح» للسيد
~~السند بيد أنه جوز أن يجعل { حصيدا } فقط من باب التشبيه بناء على ما
~~في «الكشاف» أي جعلناهم مثل الحصيد كما تقول جعلناهم رمادا أي مثل
~~الرماد، وجعل غير واحد إفراد الحصيد لهذا التأويل فإن مثلا لكونه مصدرا
~~في الأصل يطلق على الواحد وغيره وهو الخبر حقيقة في التشبيه البليغ ويلزم
~~على ذلك صحة الرجال أسد وهو كما ترى، واعترض على قول الشارحين: إذ ليس
~~لنا الخ بأن فيه بحثا مع أن مدار ما ذكراه من كون { خمدين } لا
~~يحتمل التشبيه جمعه جمع العقلاء المانع من أن يكون صفة للنار حتى لو قيل
~~خامدة كان تشبيها، وقد صرح به الشريف في «حواشيه» لكنه محل تردد لأنه
~~لما صح الحمل في التشبيه ادعاء فلم لا يصح جمعه لذلك ولولاه لما صحت
~~الاستعارة أيضا وذهب العلامة الطيبي والفاضل اليمني إلى التشبيه في
~~الموضعين ففي الآية أربعة احتمالات فتدبر جميع ذلك و { خمدين } مع
~~حصيدا في حيز المفعول الثاني للجعل كجعلته حلوا حامضا، والمعنى
~~جعلناهم جامعين للحصاد والخمود أو لمماثلة الحصيد والخامد أو لمماثلة
~~الحصيد والخمود أو جعلناهم هالكين على أتم وجه فلا يرد أن الجعل نصب
~~ثلاثة مفاعيل / هنا وهو مما ينصب مفعولين أو هو حال من الضمير المنصوب في
~~{ جعلنهم } أو من المستكن في { حصيدا } أو هو صفة لحصيدا وهو
~~متعدد معنى، واعترض بعضهم بأن كونه صفة له مع كونه تشبيها أريد به ما لا
~~يعقل يأباه كونه للعقلاء.

### || [21.16]

# أي ما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من أصناف
~~الخلائق مشحونة بضروب البدائع والعجائب كما تسوي الجبابرة سقوفهم وفرشهم
~~وسائر زخارفهم للهو واللعب وإنما سويناها للفوائد الدينية والحكم
~~الربانية كأن تكون سببا للاعتبار ودليلا للمعرفة مع منافع لا ms06705 تحصى وحكم
~~لا تستقصى، وحاصله ما خلقنا ذلك خاليا عن الحكم والمصالح إلا أنه عبر عن
~~ذلك باللعب وهو كما قال الراغب الفعل الذي لا يقصد به مقصد صحيح لبيان
~~كمال تنزهه تعالى عن الخلق الخالي عن الحكمة بتصويره بصورة ما لا يرتاب
~~أحد في استحالة صدوره عنه سبحانه.

# وهذا الكلام على ما قيل إشارة إجمالية إلى أن تكوين العالم وإبداع بني
~~آدم مؤسس على قواعد الحكمة البالغة المستتبعة للغايات الجليلة وتنبيه على
~~أن ما حكى من العذاب النازل بأهل القرى من مقتضيات تلك الحكم ومتفرعاتها
~~حسب اقتضاء أعمالهم إياه مع التخلص إلى وعيد المخاطبين، وفي «الكشف» أن
~~الآيات لإثبات أمر النبوة ونفي تلك المطاعن السابقة على ما ذكره الإمام
~~وهو الحق لأنه قد تكرر في الكتاب العزيز أن الحكمة في خلق السماء والأرض
~~وما بينهما العبادة والمعرفة وجزاء من قام بهما ومن لم يقم ولن يتم ذلك
~~إلا بإنزال الكتب وإرسال الرسل عليهم السلام، فمنكر الرسالة جاعل خلق
~~السماء والأرض لعبا تعالى خالقهما وخالق كل شيء عنه وعن كل نقص علوا
~~كبيرا، ومنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم جعل إظهار المعجزة على يديه
~~من باب العبث واللعب ففيه إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام وفساد تلك
~~المطاعن كلها.

### || [21.17]

# وقوله سبحانه: { لو أردنا أن نتخذ لهوا
~~لاتخذنه من لدنا } استئناف مقرر لما قبله من انتفاء
~~اللعب في خلق السماء والأرض وما بينهما، ومعنى الآية على ما استظهره صاحب
~~«الكشف» لو أردنا اتخاذ لهو لكان اتخاذ لهو من جهتنا أي لهوا إلهيا أي
~~حكمة اتخذتموها لهوا من جهتكم وهذا عين الجد والحكمة فهو في معنى لو
~~أردناه لامتنع. وقوله تعالى: { إن كنا فعلين } كالتكرير لذلك
~~المعنى مبالغة في الامتناع على أن (إن) شرطية وجوابها محذوف أي إن كنا
~~فاعلين ما يوصف بفعله باللهو فكهذا يكون فعلنا ولو حمل على النفي ليكون
~~تصريحا بنتيجة السابق كما عليه جمهور المفسرين لكان حسنا بالغا انتهى،
~~وقال الزمخشري: { من لدنا } أي من جهة قدرتنا، ms06706 وجعل حاصل المعنى
~~أنا لو أردنا ذلك لاتخذنا فإنا قادرون على كل شيء إلا أنا لم نرده لأن
~~الحكمة صارفة عنه، وذكر صاحب «الكشف» أن تفسيره ذلك بالقدرة غير بين، وقد
~~فسره به أيضا البيضاوي وغيره وظاهره أن اتخاذ اللهو داخل تحت القدرة،
~~وقد قيل إنه ممتنع عليه تعالى امتناعا ذاتيا والممتنع لا يصلح متعلقا
~~للقدرة، وأجيب بأن صدق الشرطية لا يقتضي صدق الطرفين فهو تعليق على
~~امتناع الإرادة أو يقال الحكمة غير منافية لاتخاذ ما من شأنه أن يتلهى به
~~وإنما تنافي أن يفعل فعلا يكون هو سبحانه بنفسه لاهيا به فلا امتناع في
~~الاتخاذ بل في وصفه انتهى.

# والحق عندي أن العبث لكونه نقصا مستحيل في حقه تعالى فتركه واجب عنه
~~سبحانه وتعالى ونحن وإن لم نقل بالوجوب عليه تعالى لكنا قائلون بالوجوب
~~عنه عز وجل، قال أفضل المتأخرين الكلنبوي: إن / مذهب الماتريدية المثبتين
~~للأفعال جهة محسنة أو مقبحة قبل ورود الشرع أنه إن كان في الفعل جهة
~~تقتضي القبح فذلك الفعل محال في حقه تعالى فتركه واجب عنه سبحانه لا واجب
~~عليه عز وجل، وذلك كالتكليف بما لا يطاق عندهم وكالكذب عند محققي
~~الأشاعرة والماتريدية وإن لم يكن فيه تلك الجهة فذلك الفعل ممكن له تعالى
~~وليس بواجب عليه سبحانه فهم يوافقون الأشاعرة في أنه تعالى لا يجب عليه
~~شيء انتهى.

# ومن أنكر أن أكون العبث نقصا كالكذب فقد كابر عقله، وأبلغ من هذا أنه
~~يفهم من كلام بعض المحققين القول بوجوب رعاية مطلق الحكمة عليه سبحانه
~~لئلا يلزم أحد المحالات المشهورة وأن المراد من نفي الأصحاب ألوجوب عليه
~~تعالى نفي الوجوب في الخصوصيات على ما يقوله المعتزلة، ولعله حينئذ يراد
~~بالوجوب لزوم صدور الفعل عنه تعالى بحيث لا يتمكن من تركه بناء على
~~استلزامه محالا بعد صدور موجبه اختيارا لا مطلقا ولا بشرط تمام
~~الاستعداد لئلا يلزم رفض قاعدة الاختيار كما لا يلزم رفضها في اختيار
~~الإمام الرازي ما اختاره كثير من الأشاعرة من لزوم العلم ms06707 للنظر عقلا،
~~ومع هذا ينبغي التحاشي عن إطلاق الوجوب عليه تعالى فتدبره فإنه مهم.

# وقيل معنى من عندنا مما يليق بحضرتنا من المجردات أي لاتخذناه من ذلك لا
~~من الأجرام المرفوعة والأجسام الموضوعة كديدن الجبابرة في رفع العروش
~~وتحسينها وتسوية الفروش وتزيينها انتهى. ولا يخفى أن أكثر أهل السنة على
~~إنكار المجردات ثم على تقدير تفسير الآية بما ذكر المراد الرد على من
~~يزعم اتخاذ اللهو في هذا العالم لا أنه يجوز اتخاذه من المجردات بل هو
~~فيها أظهر في الاستحالة، وعن الجبائي أن المعنى لو أردنا اتخاذ اللهو
~~لاتخذناه من عندنا بحيث لا يطلع عليه أحد لأنه نقص فستره أولى أو هو أسرع
~~تيادرا مما في «الكشف» وذلك أبعد مغزى.

# وقال الإمام الواحدي: اللهو طلب الترويح عن النفس ثم المرأة تسمى لهوا
~~وكذا الولد لأنه يستروح بكل منهما ولهذا يقال لامرأة الرجل وولده
~~ريحانتاه، والمعنى لو أردنا أن نتخذ امرأة ذات لهو أو ولدا ذا لهو
~~لاتخذناه من لدنا أي مما نصطفيه ونختاره مما نشاء كقوله تعالى:

# لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما
~~يخلق ما يشاء

# [الزمر: 4] وقال المفسرون: أي من الحور العين، وهذا رد لقول اليهود في
~~عزير وقول النصارى في المسيح وأمه من كونه عليه السلام ولدا وكونها
~~صاحبة، ومعنى { من لدنا } من عندنا بحيث لا يجري لأحد فيه تصرف
~~لأن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده لا عند غيره انتهى.

# وتفسير اللهو هنا بالولد مروي عن ابن عباس والسدي، وعن الزجاج أنه الولد
~~بلغة حضرموت، وكونه بمعنى المرأة حكاه قتادة عن أهل اليمن ولم ينسبه لأهل
~~بلدة منه، وزعم الطبرسي أن أصله الجماع ويكنى به عن المرأة لأنها تجامع،
~~وأنشد قول امرىء القيس:

# ألا زعمت بسباسة اليوم أنني

# كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي

# والظاهر حمل اللهو على ما سمعت أولا لقوله تعالى:

# وما بينهما لاعبين

# [الأنبياء: 16] ولأن نفي الولد سيجىء مصرحا إن شاء الله تعالى، ويعلم
~~من ذلك أن كون المراد الرد على النصارى ms06708 وأضرابهم غير مناسب هنا، ثم إن
~~الظاهر من السياق أن (إن) شرطية والجواب محذوف ثقة بدلالة ما قبل عليه أي
~~إن كنا فاعلين لاتخذناه من لدنا وكونها نافية وإن كان حسنا معنى وقد
~~قاله جماعة منهم مجاهد. والحسن. وقتادة. وابن جريج استدرك عليه بعضهم بأن
~~أكثر مجىء إن النافية مع اللام الفارقة لكن الأمر في ذلك سهل.

### || [21.18]

# قوله تعالى: { بل نقذف بالحق على البطل } / إضراب عن
~~اتخاذ اللهو واللعب بل عن إرادة الاتخاذ كأنه قيل لكنا لا نريده بل شأننا
~~أن نغلب الحق الذي من جملته الجد على الباطل الذي من جملته اللهو، وتخصيص
~~هذا الشأن من بين سائر شؤونه تعالى بالذكر للتخلص لما سيأتي إن شاء الله
~~تعالى من الوعيد، وعن مجاهد أن الحق القرآن والباطل الشيطان، وقيل الحق
~~الحجة والباطل شبههم ووصفهم الله تعالى بغير صفاته من الولد وغيره،
~~والعموم هو الأولى، وأصل القذف الرمي البعيد كما قال الراغب وهو مستلزم
~~لصلابة الرمي وقد استعير للإيراد أي نورد الحق على الباطل.

# { فيدمغه } أي يمحقه بالكلية كما فعلنا بأهل القرى المحكية، وأصل
~~الدمغ كسر الشيء الرخو الأجوف وقد استعير للمحق. وجوز أن يكون هناك تمثيل
~~لغلبة الحق على الباطل حتى يذهبه برمي جرم صلب على رأس دماغه رخو ليشقه،
~~وفيه إيماء إلى علو الحق وتسفل الباطل وأن جانب الأول باق والثاني فان،
~~وجوز أيضا أن يكون استعارة مكنية بتشبيه الحق بشيء صلب يجىء من مكان عال
~~والباطل بجرم رخو أجوف سافل، ولعل القول بالتمثيل أمثل.

# وقرأ عيسى ابن عمر { فيدمغه } بالنصب، وضعف بأن ما بعد الفاء إنما
~~ينتصب بإضمار أن لا بالفاء خلافا للكوفيين في جواب الأشياء الستة وما
~~هنا ليس منها ولم ير مثله إلا في الشعر كقوله:

# سأترك منزلي لبني تميم

# وألحق بالحجاز فأستريحا

# على أنه قد قيل في هذا أن أستريحا ليس منصوبا بل مرفوع مؤكد بالنون
~~الخفيفة موقوف عليه بالألف، ووجه بأن النصب في جواب المضارع المستقيل وهو
~~يشبه التمني في الترقب، ولا يخفى ms06709 أن المعنى في الآية ليس على خصوص
~~المستقبل، وقد قالوا إن هذا التوجيه في البيت ضعيف فيكون ما في الآية
~~أضعف منه مأخذا والعطف على هذه القراءة على (الحق) عند أبي البقاء،
~~والمعنى بل نقذف بالحق فندمغه على الباطل أي نرمي بالحق فإبطاله به. وذكر
~~بعض الأفاضل أنه لو جعل من قبيل علفتها تبنا وماء باردا صح، واستظهر
~~أن العطف على المعنى أي نفعل بالقذف فالدمغ، وقرىء { فيدمغه } بضم
~~الميم والغين.

# { فإذا هو زاهق } أي ذاهب بالكلية وفي (إذا) الفجائية والجملة
~~الاسمية من الدلالة على كمال المسارعة في الذهاب والبطلان ما لا يخفى
~~فكأنه زاهق من الأصل.

# { ولكم الويل مما تصفون } وعيد لقريش أو لجميع الكفار من
~~العرب بأن لهم أيضا مثل ما لأولئك من العذاب والعقاب، وما تعليلية
~~متعلقة بالاستقرار الذي تعلق به الخبر أو بمحذوف هو حال من (الويل) على
~~مذهب بعضهم أو من ضميره المستتر في الخبر، وما إما مصدرية أو موصولة أو
~~موصوفة أي ومستقر لكم الويل والهلاك من أجل وصفكم له تعالى بما لا يليق
~~بشأنه الجليل تعالى شأنه أو بالذي تصفونه أو بشيء تصفونه به من الولد
~~ونحوه أو كائنا مما تصفونه عز وجل به، وكون الخطاب لمن سمعت مما لا خفاء
~~فيه ولا بعد، وأبعد كل البعد من قال: إنه خطاب لأهل القرى على طريق
~~الالتفات من الغيبة في قوله تعالى:

# فما زالت تلك دعواهم

# [الأنبياء:15] إليه.

### || [21.19]

# { وله من فى السموات والأرض } استئناف مقرر لما قبله من
~~خلقه تعالى لجميع مخلوقاته على حكمه بالغة ونظام كامل وأنه سبحانه يحق
~~الحق ويزهق الباطل، وقيل هو عديل لقوله تعالى:

# ولكم الويل

# [الأنبياء: 18] وهو كما ترى أي وله تعالى خاصة جميع المخلوقات خلقا
~~وملكا وتدبيرا وتصرفا وإحياء وإماتة وتعذيبا وإثابة من غير أن /
~~يكون لأحد في ذلك دخل ما استقلالا أو استتباعا، وكأنه أريد هنا إظهار
~~مزيد العظمة فجىء بالسماوات جمعا على معنى له كل من هو في واحدة واحدة
~~من السماوات ولم يرد فيما ms06710 مر سوى بيان اشتمال هذا السقف المشاهد والفراش
~~الممهد وما استقر بينهما على الحكم التي لا تحصى فلذا جىء بالسماء بصيغة
~~الإفراد دون الجمع. وفي «الاتقان» حيث يراد بالعدد يؤتى بالسماء مجموعة
~~وحيث يراد الجهة يؤتى بها مفردة.

# { ومن عنده } وهم الملائكة مطلقا عليهم السلام على ما روي عن
~~قتادة وغيره، والمراد بالعندية عندية الشرف لا عندية المكان وقد شبه قرب
~~المكانة والمنزلة بقرب المكان والمسافة فعبر عن المشبه بلفظ دال على
~~المشبه به فهناك استعارة مصرحة. وقيل عبر عنهم بذلك تنزيلا لهم لكرامتهم
~~عليه عز وجل منزلة المقربين عند الملوك بطريق التمثيل، والموصول مبتدأ
~~خبره قوله تعالى: { لا يستكبرون عن عبادته } أي لا
~~يتعظمون عنها ولا يعدون أنفسهم كبراء.

# { ولا يستحسرون } أي لا يكلون ولا يتعبون يقال حسر البعير
~~واستحسر كل وتعب وحسرته أنا فهو متعد ولازم ويقال أيضا أحسرته بالهمز.
~~والظاهر أن الاستحسار حيث لا طلب كما هنا أبلغ من الحسور فإن زيادة
~~المبنى تدل على زيادة المعنى، والمراد من الاتحاد بينهما الدال عليه
~~كلامهم الاتحاد في أصل المعنى، والتعبير به للتنبيه على أن عبادتهم
~~بثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ومع ذلك لا يستحسرون وليس لنفي
~~المبالغة في الحسور مع ثبوت أصله في الجملة، ونظير ذلك قوله تعالى:

# وما ربك بظلم للعبيد

# [فصلت: 46] على أحد الأوجه المشهورة فيه.

# وجوز أبو البقاء وغيره أن يكون ذلك معطوفا على (من) الأولى وأمر تفسيره
~~بالملائكة عليهم السلام على حاله، وذكر أن هذا العطف لكون المعطوف أخص من
~~المعطوف عليه في نفس الأمر كالعطف في قوله تعالى:

# تنزل الملئكة والروح

# [القدر: 4] في الدلالة على رفعة شأن المعطوف وتعظيمه حيث أفرد بالذكر مع
~~اندراجه في عموم ما قبله، وقيل إنما أفرد لأنه أعم من وجه فإن من في
~~الأرض يشمل البشر ونحوهم وهو يشمل الحافين بالعرش دونه، وجوز أن يراد بمن
~~عنده نوع من الملائكة عليهم السلام متعال عن التبوء والاستقرار في السماء
~~والأرض، وكأن هذا ميل إلى القول بتجرد نوع من ms06711 الملائكة عليهم السلام،
~~وأنت تعلم أن جمهور أهل الإسلام لا يقولون بتجرد شيء من الممكنات،
~~والمشهور عن القائلين به القول بتجرد الملائكة مطلقا لا بتجرد بعض دون
~~بعض.

# ثم إن أبا البقاء جوز في قوله تعالى: { لا يستكبرون } على هذا
~~الوجه أن يكون حالا من الأولى والثانية على قول من رفع بالظرف أو من
~~الضمير في الظرف الذي هو الخبر أو من الضمير في { عنده } ويتعين أحد
~~الأخيرين عند من يعرب من مبتدأ ولا يجوز مجىء الحال من المبتدأ ولا يخفى.
~~وجوز بعض الأفاضل أن تكون الجملة مستأنفة والأظهر جعلها خبرا لمن عنده،
~~وفي بعض أوجه الحالية ما لا يخفى.

### || [21.20]

# وقوله تعالى: { يسبحون الليل والنهار } استئناف وقع
~~جوابا عما نشأ مما قبله كأنه قيل ماذا يصنعون في عبادتهم أو كيف يعبدون
~~فقيل يسبحون الخ. وجوز أن يكون في موضع الحال من ضمير

# لا يستحسرون

# [الأنبياء: 19] وقوله سبحانه: { لا يفترون } في موضع الحال من
~~ضمير { يسبحون } على تقديري الاستئناف والحالية، وجوز على تقدير
~~الحالية أن يكون هذا حالا من / ضمير

# لا يستحسرون

# [الأنبياء:19] أيضا، ولا يجوز على تقدير الاستئناف كونه حالا منه
~~للفصل. وجوز أن يكون استئنافا والمعنى ينزهون الله تعالى ويعظمونه
~~ويمجدونه في كل الأوقات لا يتخلل تسبيحهم فترة أصلا بفراغ أو شغل آخر،
~~واستشكل كون الملائكة مطلقا كذلك مع أن منهم رسلا يبلغون الرسالة ولا
~~يتأتى التسبيح حال التبليغ ومنهم من يلعن الكفرة كما ورد في آية أخرى.
~~وقد سأل عبد الله بن الحرث بن نوفل كعبا عن ذلك كما أخرج ابن المنذر.
~~وابن أبي حاتم. وأبو الشيخ في «العظمة» والبيهقي في «الشعب» فأجاب بأنه
~~جعل لهم التسبيح كالتنفس فلا يمنع عن التكلم بشيء آخر. وتعقب بأن فيه
~~بعدا، وقيل إن الله تعالى خلق لهم ألسنة فيسبحون ببعض ويبلغون مثلا
~~ببعض آخر، وقيل تبليغهم ولعنهم الكفرة تسبيح معنى. وقال الخفاجي: الظاهر
~~أنه إن لم يحمل على بعضهم فالمراد به المبالغة كما يقال فلان لا يفتر عن
~~ثنائك وشكر ms06712 آلائك انتهى. ولا يخفى حسنه، ويجوز أن يقال: إن هذا التسبيح
~~كالحضور والذكر القلبي الذي يحصل لكثير من السالكين وذلك مما يجتمع مع
~~التبليغ وغيره من الأعمال الظاهرة، ثم إن كون الملائكة يسبحون الليل
~~والنهار لا يستلزم أن يكون عندهم في السماء ليل ونهار لأن المراد إفادة
~~دوامهم على التسبيح على الوجه المتعارف.

### || [21.21]

# وقوله تعالى: { أم اتخذوا ءالهة } حكاية لجناية أخرى من
~~جنايات أولئك الكفرة هي أعظم من جناية طعنهم في النبوة، و(أم) هي
~~المنقطعة وتقدر ببل الإضرابية والهمزة الإنكارية وهي لإنكار الوقوع لا
~~إنكار الواقع، وقوله تعالى: { من الأرض } متعلق باتخذوا و(من)
~~ابتدائية على معنى أن اتخاذهم إياها مبتدأ من أجزاء الأرض كالحجارة
~~وأنواع المعادن ويجوز كونها تبعيضية. وقال أبو البقاء وغيره: يجوز أن
~~تكون متعلقة بمحذوف وقع صفة لآلهة أي آلهة كائنة من جنس الأرض، وأيا ما
~~كان فالمراد التحقير لا التخصيص، ومن جوزه التزم تخصيص الإنكار بالشديد
~~وهو غير سديد.

# وقوله تعالى: { هم ينشرون } أي يبعثون الموتى صفة لآلهة وهو الذي
~~يدور عليه الإنكار والتجهيل والتشنيع لا نفس الاتخاذ فإنه واقع لا محالة
~~أي بل اتخذوا آلهة من الأرض هم خاصة مع حقارتهم وجماديتهم ينشرون الموتى
~~كلا فإن ما اتخذوه آلهة بمعزل من ذلك وهم وإن لم يقولوا بذلك صريحا
~~لكنهم حيث ادعوا لها الإلهية فكأنهم ادعوا لها الإنشار ضرورة أنه من
~~الخصائص الإلهية حتما ومعنى التخصيص في تقديم الضمير ما أشير إليه من
~~التنبيه على كمال مباينة حالهم للإنشار الموجبة لمزيد الإنكار كما أن
~~تقديم الجار والمجرور في قوله تعالى:

# أفى الله شك

# [إبراهيم: 10] للتنبيه على كمال مباينة أمره تعالى لأن يشك فيه، ويجوز
~~أن يجعل ذلك من مستتبعات ادعائهم الباطل فإن الألوهية مقتضية للاستقلال
~~بالإبداء والإعادة فحيث ادعوا للأصنام الإلهية فكأنهم ادعوا لهم
~~الاستقلال بالإنشار كما أنهم جعلوا بذلك مدعين لأصل الإنشار قاله المولى
~~أبو السعود، وقال بعضهم: تقديم الضمير للتقوى، وما ذهب إليه من إفادته
~~معنى التخصيص تبع فيه الزمخشري، وفي «الكشف» الداعي ms06713 إلى ترجيحه على
~~التقوى أنه ترشيح لما أبداه أولا من أن الإلهية لا تصح دون القدرة على
~~الإنشار ولا وجه لتجويز كونه فصلا انتهى، وجوز أن تكون جملة { هم
~~ينشرون } مستأنفة مقدرا معها استفهام إنكاري لبيان علة إنكار
~~الاتخاذ، ولعل مجوز ذلك لا يسلم لزوم كون معنى الهمزة في (أم) المنقطعة
~~إنكار الوقوع ويجوز كونه إنكار الواقع، وتفسير { ينشرون } بيبعثون هو
~~المشهور وعليه الجمهور، وقال قطرب: هو بمعنى يخلقون.

# / وقرأ الحسن. ومجاهد { ينشرون } بفتح الياء على أنه من نشر وهو
~~وأنشر بمعنى وقد يجىء نشر لازما يقال أنشر الله تعالى الموتى فنشروا.

### || [21.22]

# وقوله تعالى: { لو كان فيهما ءالهة إلا الله
~~لفسدتا } إبطال لتعدد الإله وضمير { فيهما } للسماء والأرض
~~والمراد بهما العالم كله علوية وسفلية والمراد بالكون فيهما التمكن
~~البالغ من التصرف والتدبير لا التمكن والاستقرار فيهما كما توهمه الفاضل
~~الكلنبوي، والظرف على هذا متعلق بكان، وقال الطيبي: إنه ظرف لآلهة على
~~حد قوله تعالى:

# وهو الذى فى السماء إله وفى الأرض إله

# [الزخرف: 84] وقوله سبحانه:

# وهو الله فى السموات وفى الأرض

# [الأنعام: 3] وجعل تعلق الظرف بما ذكر ههنا باعتبار تضمنه معنى
~~الخالقية والمؤثرية. وأنت تعلم أن الظاهر ما ذكر أولا، و { إلا }
~~لمغايرة ما بعدها لما قبلها فهي بمنزلة غير، وفي «المغني» أنها تكون صفة
~~بمنزلة غير فيوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه ومثل للأول بهذه الآية،
~~وقد صرح غير واحد من المفسرين أن المعنى لو كان فيهما آلهة غير الله وجعل
~~ذلك الخفاجي إشارة إلى أن { إلا } هنا اسم بمعنى غير صفة لما قبلها وظهر
~~إعرابها فيما بعدها لكونها على صورة الحرف كما في أل الموصولة في اسم
~~الفاعل مثلا.

# وأنكر الفاضل الشمني كونها بمنزلة غير في الاسمية لما في «حواشي العلامة
~~الثاني» عند قوله تعالى:

# لا فارض

# [البقرة: 68] من أنه لا قائل باسمية (إلا) التي بمنزلة غير ثم ذكر أن
~~المراد بكونها بمنزلة غير أنها بمنزلتها في مغايرة ما بعدها لما قبلها
~~ذاتا أو صفة، ففي ms06714 «شرح الكافية للرضي» أصل غير أن تكون صفة مفيدة
~~لمغايرة مجرورها لموصوفها إما بالذات نحو مررت برجل غير زيد وإما بالصفة
~~نحو دخلت بوجه غير الذي خرجت به، وأصل إلا التي هي أم أدوات الاستثناء
~~مغايرة ما بعدها لما قبلها نفيا أو إثباتا فلما اجتمع ما بعد إلا وما
~~بعد غير في معنى المغايرة حملت إلا على غير في الصفة فصار ما بعد إلا
~~مغايرا لما قبلها ذاتا أو صفة من غير اعتبار مغايرته له نفيا أو
~~إثباتا وحملت غير على إلا في الاستثناء فصار ما بعدها مغايرا لما قبلها
~~نفيا أو إثباتا من غير مغايرته له ذاتا أو صفة إلا أن حمل غير على إلا
~~أكثر من حمل إلا على غير لأن غير اسم والتصرف في الأسماء أكثر منه في
~~الحروف فلذلك تقع غير في جميع مواقع إلا انتهى.

# وأنت تعلم أن المتبادر كون إلا حين إفادتها معنى غير اسما وفي بقائها
~~على الحرفية مع كونها وحدها أو مع ما بعدها بجعلهما كالشيء الواحد صفة
~~لما قبلها نظر ظاهر وهو في كونها وحدها كذلك أظهر، ولعل الخفاجي لم يقل
~~ما قال إلا وهو مطلع على قائل باسميتها، ويحتمل أنه اضطره إلى القول بذلك
~~ما يرد على القول ببقائها على الحرفية، ولعمري أنه أصاب المحز وإن قال
~~العلامة ما قال، وكلام الرضي ليس نصا في أحد الأمرين كما لا يخفى على
~~المنصف ولا يصح أن تكون للاستثناء من جهة العربية عند الجمهور لأن {
~~ءالهة } جمع منكر في الإثبات ومذهب الأكثرين كما صرح به في «التلويح»
~~أنه لا استغراق له فلا يدخل فيه ما بعدها حتى يحتاج لإخراجه بها وهم
~~يوجبون دخول المستثنى في المستثنى منه في الاستثناء المتصل ولا يكتفون
~~بجواز الدخول كما ذهب إليه المبرد وبعض الأصوليين فلا يجوز عندهم قام
~~رجال إلا زيدا على كون الاستثناء متصلا وكذا على كونه منقطعا بناء
~~على أنه لا بد فيه من الجزم بعدم الدخول وهو مفقود جزما، ومن أجاز
~~الاستثناء في ms06715 مثل هذا التركيب كالمبرد جعل الرفع في الاسم الجليل على
~~البدلية.

# واعترض بعدم تقدم النفي، وأجيب بأن لو للشرط وهو كالنفي. وعنه أنه أجاب
~~بأنها تدل على الامتناع وامتناع الشيء انتفاؤه وزعم أن التفريغ بعدها
~~جائز وأن نحو لو كان / معنا إلا زيد لهلكنا أجود كلام وخالف في ذلك
~~سيبويه فإنه قال لو قلت لو كان معنا المثال لكنت قد أحلت. ورد بأنهم لا
~~يقولون لو جاءني ديار أكرمته ولا لو جاءني من أحد أكرمته ولو كانت بمنزلة
~~النافي لجاز ذلك كما يجوز ما فيها ديار وما جاءني من أحد. وتعقبه
~~الدماميني بأن للمبرد أن يقول: قد أجمعنا على إجراء أبى مجرى النفي
~~الصريح وأجزنا التفريغ فيه قال الله تعالى:

# فأبى أكثر الناس إلا كفورا

# [الإسراء: 89]، وقال سبحانه:

# ويأبى الله إلا أن يتم نوره

# [التوبة: 32] مع أنه لا يجوز أبى ديار المجىء وأبى من أحد الذهاب فما
~~هو جوابكم عن هذا فهو جوابنا.

# وقال الرضي: أجاز المبرد الرفع في الآية على البدل لأن في لو معنى النفي
~~وهذا كما أجاز الزجاج البدل في قوم يونس في قوله تعالى:

# فلولا كانت قرية ءامنت

# [يونس: 98] الآية إجراء للتحضيض مجرى النفي والأولى عدم إجراء ذينك في
~~جواز الإبدال والتفريغ معهما مجراه إذ لم يثبت انتهى.

# وذكر المالكي في «شرح التسهيل» أن كلام المبرد في «المقتضب» مثل كلام
~~سيبويه وأن التفريغ والبدل بعد لو غير جائز، وكذا لا يصح الاستثناء من
~~جهة المعنى ففي «الكشف» أن البدل والاستثناء في الآية ممتنعان معنى لأنه
~~إذ ذاك لا يفيد ما سيق له الكلام من انتفاء التعدد ويؤدي إلى كون الآلهة
~~بحيث لا يدخل في عدادهم الإله الحق مفض إلى الفساد فنفي الفساد يدل على
~~دخوله فيهم وهو من الفساد بمكان ثم أن الصفة على ما ذهب إليه ابن هشام
~~مؤكدة صالحة للإسقاط مثلها في قوله تعالى:

# نفخة وحدة

# [الحاقه: 13] فلو قيل لو كان فيهما آلهة لفسدتا لصح وتأتى المراد. وقال
~~الشلوبين. وابن الصائغ: لا يصح المعنى ms06716 حتى تكون إلا بمعنى غير التي يراد
~~بها البدل والعوض، ورد بأنه يصير المعنى حينئذ لو كان فيهما عدد من
~~الآلهة بدل وعوض منه تعالى شأنه لفسدتا وذلك يقتضي بمفهومه أنه لو كان
~~فيهما اثنان هو عز وجل أحدهما لم تفسدا وذلك باطل.

# وأجيب بأن معنى الآية حينئذ لا يقتضي هذا المفهوم لأن معناها لو كان
~~فيهما عدد من الآلهة دونه أو به سبحانه بدلا منه وحده عز وجل لفسدتا
~~وذلك مما لا غبار عليه فاعرف. والذي عليه الجمهور إرادة المغايرة،
~~والمراد بالفساد البطلان والاضمحلال أو عدم التكون، والآية كما قال غير
~~واحد مشيرة إلى دليل عقلي على نفي تعدد الإله وهو قياس استثنائي استثنى
~~فيه نقيض التالي لينتج نقيض المقدم فكأنه قيل لو تعدد الإله في العالم
~~لفسد لكنه لم يفسد ينتج أنه لم يتعدد الإله. وفي هذا استعمال للو غير
~~الاستعمال المشهور.

# قال السيد السند: إن لو قد تستعمل في مقام الاستدلال فيفهم منها ارتباط
~~وجود التالي بوجود المقدم مع انتفاء التالي فيعلم منه انتفاء المقدم وهو
~~على قلته موجود في اللغة يقال: لو كان زيد في البلد لجاءنا ليعلم منه أنه
~~ليس فيه، ومنه قوله تعالى: { لو كان فيهما * ءالهة *إلا
~~الله لفسدتا }: وقال العلامة الثاني: إن أرباب المعقول قد جعلوا
~~لو أداة للتلازم دالة على لزوم الجزاء للشرط من غير قصد إلى القطع
~~بانتفائهما ولهذا صح عندهم استثناء عين المقدم فهم يستعملونها للدلالة
~~على أن العلم بانتفاء الثاني علة للعلم بانتفاء الأول ضرورة انتفاء
~~الملزوم بانتفاء اللازم من غير التفات إلى أن علة انتفاء الجزاء في
~~الخارج ما هي لأنهم يستعملونها في القياسات لاكتساب العلوم والتصديقات
~~ولا شك أن العلم بانتفاء الملزوم لا يوجب العلم بانتفاء اللازم بل الأمر
~~بالعكس وإذا تصفحنا وجدنا استعمالها على قاعدة اللغة أكثر لكن قد تستعمل
~~على قاعدتهم كما في قوله تعالى: { لو كان فيهما } الخ لظهور أن
~~الغرض منه التصديق بانتفاء تعدد الآلهة لا بيان سبب انتفاء الفساد اه.
~~وفيه ms06717 بحث يدفع بالعناية، ولا يخفى عليك أن لبعض النحويين نحو هذا القول
~~فقد قال الشلوبين. وابن عصفور إن لو / لمجرد التعليق بين الحصولين في
~~الماضي من غير دلالة على امتناع الأول والثاني كما أن إن لمجرد التعليق
~~في الاستقبال والظاهر أن خصوصية المضي ههنا غير معتبرة.

# وزعم بعضهم: أن لو هنا لانتفاء الثاني لانتفاء الأول كما هو المشهور
~~فيها ويتم الاستدلال ولا يخفى ما فيه على من دقق النظر، ثم إن العلامة
~~قال في «شرح العقائد»: إن الحجة إقناعية والملازمة عادية على ما هو
~~اللائق بالخطابيات فإن العادة جارية بوقوع التمانع والتغالب عند تعدد
~~الحاكم وإلا فإن أريد الفساد بالفعل أي خروجهما عن هذا النظام المشاهد
~~فمجرد التعدد لا يستلزمه لجواز الاتفاق على هذا النظام وإن أريد إمكان
~~الفساد فلا دليل على انتفائه بل النصوص شاهدة بطي السماوات ورفع هذا
~~النظام فيكون ممكنا لا محالة.

# وكذا لو أريد بفسادهما عدم تكونهما بمعنى أنه لو فرض صانعان لأمكن
~~بينهما تمانع في الأفعال فلم يكن أحدهما صانعا فلم يوجد مصنوع لا تكون
~~الملازمة قطعية لأن إمكان التمانع لا يستلزم إلا عدم تعدد الصانع وهو لا
~~يستلزم انتفاء المصنوع على أنه يرد منع الملازمة إن أريد عدم التكون
~~بالفعل ومنع انتفاء اللازم إن أريد بالإمكان انتهى. فنفى أن تكون الآية
~~برهانا سواء حمل الفساد على الخروج عن النظام أو على عدم التكون، وفيه
~~قدح لما أشار إليه في «شرح المقاصد» من كون كونها برهانا على الثاني
~~فإنه بعد ما قرر برهان التمانع قال: وهذا البرهان يسمى برهان التمانع
~~وإليه الإشارة بقوله تعالى: { لو كان فيهما الهة } الآية فإن
~~أريد عدم التكون فتقريره أن يقال: لو تعدد الآلهة لم تتكون السماء والأرض
~~لأن تكونهما إما بمجموع القدرتين أو بكل منهما أو بأحدهما والكل باطل أما
~~الأول فلأن من شأنه الإله كمال القدرة وأما الأخيران فلما مر من التوارد
~~والرجحان من غير مرجح، وإن أريد بالفساد الخروج عما هما عليه من النظام
~~فتقريره أن يقال: ms06718 إنه لو تعدد الإله لكان بينهما التنازع والتغالب وتمييز
~~صنيع كل منهما عن الآخر بحكم اللزوم العادي فلم يحصل بين أجزاء العالم
~~هذا الالتئام الذي باعتباره صار الكل بمنزلة شخص واحد ويختل أمر النظام
~~الذي فيه بقاء الأنواع وترتب الآثار انتهى، وذلك القدح بأن يقال: تعدد
~~الإله لا يستلزم التمانع بالفعل بطريق إرادة كل منهما وجود العالم
~~بالاستقلال من غير مدخلية قدرة الآخرة بل إمكان ذلك التمانع والإمكان لا
~~يستلزم الوقوع فيجوز أن لا يقع بل يتفقان على الإيجاد بالاشتراك أو يفوض
~~أحدهما إلى الآخر؛ وبحث فيه المولى الخيالي بغير ذلك أيضا ثم قال:
~~التحقيق في هذا المقام أنه إن حملت الآية الكريمة على نفي تعدد الصانع
~~مطلقا فهي حجة إقناعية لكن الظاهر من الآية نفي تعدد الصانع المؤثر في
~~السماء والأرض إذ ليس المراد من الكون فيهما التمكن فيهما بل التصرف
~~والتأثير فالحق أن الملازمة قطعية إذ التوارد باطل فتأثيرهما إما على
~~سبيل الاجتماع أو التوزيع فيلزم انعدام الكل أو البعض عند عدم كون أحدهما
~~صانعا لأنه جزء علة أو علة تامة فيفسد العالم أي لا يوجد هذا المحسوس
~~كلا أو بعضا، ويمكن أن توجه الملازمة بحيث تكون قطعية على الإطلاق وهو
~~أن يقال: لو تعدد الإله لم يكن العالم ممكنا فضلا عن الوجود وإلا لأمكن
~~التمانع بينهما المستلزم للمحال لأن إمكان التمانع لازم لمجموع الأمرين
~~من التعدد وإمكان شيء من الأشياء فإذا فرض التعدد يلزم أن لا يمكن شيء من
~~الأشياء حتى لا يمكن التمانع المستلزم للمحال انتهى.

# وأورد الفاضل الكلنبوي على الأول خمسة أبحاث فيها الغث والسمين ثم قال:
~~فالحق أن توجيهه الثاني لقطعية الملازمة صحيح دون الأول، وللعلامة
~~الدواني كلام في هذا المقام قد ذكر الفاضل المذكور ما له وما عليه من /
~~النقض والإبرام، ثم ذكر أن للتمانع عندهم معنيين، أحدهما: إرادة أحد
~~القادرين وجود المقدور والآخر عدمه وهو المراد بالتمانع في البرهان
~~المشهور ببرهان التمانع، وثانيهما: إرادة كل منهما إيجاده بالاستقلال من
~~غير مدخلية قدرة ms06719 الآخرة فيه وهو التمانع الذي اعتبروه في امتناع مقدور
~~بين قادرين، وقولهم: لو تعدد الإله لم يوجد شيء من الممكنات لاستلزامه
~~أحد المحالين إما وقوع مقدور بين قادرين وإما لترجيح بلا مرجح مبني على
~~هذا، وحاصل البرهان عليه أنه لو وجد إلهان قادران على الكمال لأمكن
~~بينهما تمانع واللازم باطل إذ لو تمانعا وأراد كل منهما الإيجاد
~~بالاستقلال يلزم إما أن لا يقع مصنوع أصلا أو يقع بقدرة كل منهما أو
~~بأحدهما والكل باطل ووقوعه بمجموع القدرتين مع هذه الإرادة يوجب عجزهما
~~لتخلف مراد كل منهما عن إرادته فلا يكونان إلهين قادرين على الكمال وقد
~~فرضا كذلك؛ ومن هنا ظهر أنه على تقدير التعدد لو وجد مصنوع لزم إمكان أحد
~~المحالين إما إمكان التوارد وإما إمكان الرجحان من غير مرجح والكل محال،
~~وبهذا الاعتبار مع حمل الفساد على عدم الكون قيل بقطعية الملازمة في
~~الآية فهي دليل إقناعي من وجه ودليل قطعي من وجه آخر والأول بالنسبة إلى
~~العوام والثاني بالنسبة إلى الخواص، وقال مصلح الدين اللاري بعد كلام
~~طويل وقال وقيل أقول أقرر الحجة المستفادة من الآية الكريمة على وجه أوجه
~~مما عداه وهو أن الإله المستحق للعبادة لا بد أن يكون واجب الوجود، وواجب
~~الوجود وجوده عين ذاته عند أرباب التحقيق إذ لو غايره لكان ممكنا
~~لاحتياجه في موجوديته إلى غيره الذي هو الوجود فلو تعدد لزم أن لا يكون
~~وجودا فلا تكون الأشياء موجودة لأن موجودية الأشياء بارتباطها بالوجود
~~فظهر فساد السماء والأرض بالمعنى الظاهر لا بمعنى عدم التكون لأنه تكلف
~~ظاهر انتهى.

# وأنت تعلم أن إرادة عدم التكون أظهر على هذا الاستدلال، ثم إن هذا النحو
~~من الاستدلال مما ذهب إليه الحكماء بل أكثر براهينهم الدالة على الوحيد
~~الذي هو أجل المطالب الإلهية بل جميعها يتوقف على أن حقيقة الواجب تعالى
~~هو الوجود البحت القائم بذاته المعبر عنه بالوجوب الذاتي والوجود المتأكد
~~وإن ما يعرضه الوجوب أو الوجود فهو في حد نفسه ممكن ووجوده كوجوبه يستفاد ms06720
~~من الغير فلا يكون واجبا ومن أشهرها أنه لو فرضنا موجودين واجبي الوجود
~~لكانا مشتركين في وجوب الوجود ومتغايرين بأمر من الأمور وإلا لم يكونا
~~اثنين، وما به الامتياز إما أن يكون تمام الحقيقة أو جزءها لا سبيل إلى
~~الأول لأن الامتياز لو كان بتمام الحقيقة لكان وجوب الوجود المشترك
~~بينهما خارجا عن حقيقه كل منهما أو عن حقيقة أحدهما وهو محال لما تقرر
~~من أن وجوب الوجود نفس حقيقة واجب الوجود لذاته، ولا سبيل إلى الثاني لأن
~~كل واحد منهما يكون مركبا مما به الاشتراك وما به الامتياز وكل مركب
~~محتاج فلا يكون واجبا لإمكانه فيكون كل من الواجبين أو أحدهما ممكنا
~~لذاته هذا خلف، واعترض بأن معنى قولهم وجوب الوجود نفس حقيقة واجب الوجود
~~أنه يظهر من نفس تلك الحقيقة أثر صفة وجوب الوجود لا أن تلك الحقيقة عين
~~هذه الصفة فلا يكون اشتراك موجودين واجبي الوجود في وجوب الوجود إلا أن
~~يظهر من نفس كل منهما أثر صفة الوجوب فلا منافاة بين اشتراكهما في وجوب
~~الوجود وتمايزهما بتمام الحقيقة، وأجيب بأن المراد العينية، ومعنى قولهم
~~أن وجوب الوجود عين حقيقة الواجب هو أن ذاته بنفس ذاته مصداق هذا الحكم
~~ومنشأ انتزاعه من دون انضمام أمر آخر ومن غير ملاحظة حيثية أخرى غير ذاته
~~تعالى أية حيثية كانت حقيقية أو إضافية أو سلبية، وكذلك قياس سائر صفاته
~~/ سبحانه عند القائلين بعينيتها من أهل التحقق، وتوضيح ذلك على مشربهم
~~أنك كما قد تعقل المتصل مثلا نفس المتصل كالجزء الصوري للجسم من حيث هو
~~جسم وقد تعقل شيئا ذلك الشيء هو المتصل كالمادة فكذلك قد تعقل واجب
~~الوجود بما هو واجب الوجود وقد تعقل شيئا ذلك الشيء هو واجب الوجود
~~ومصداق الحكم به ومطابقه في الأول حقيقة الموضوع وذاته فقط، وفي الثاني
~~هي مع حيثية أخرى هي صفة قائمة بالموضوع حقيقية أو انتزاعية وكل واجب
~~الوجود لم يكن نفس واجب الوجود بل يكون له حقيقة تلك الحقيقة متصفة
~~بكونها واجبة ms06721 الوجود ففي اتصافها تحتاج إلى عروض هذا الأمر وإلى جاعل
~~يجعلها بحيث ينتزع منها هذا الأمر فهي في حد ذاتها ممكنة الوجود وبه صارت
~~واجبة الوجود فلا تكون واجب الوجود بذاته فهو نفس واجب الوجود بذاته فهو
~~نفس واجب الوجود بذاته وليقس على ذلك سائر صفاته تعالى الحقيقية الكمالية
~~كالعلم والقدرة وغيرهما.

# واعترض أيضا بأنه لم لا يجوز أن يكون ما به الامتياز أمرا عارضا لا
~~مقوما حتى يلزم التركيب. وأجيب بأن ذلك يوجب أن يكون التعين عارضا وهو
~~خلاف ما ثبت بالبرهان، ولابن كمونة في هذا المقام شبهة شاع أنها عويصة
~~الدفع عسيرة الحل حتى أن بعضهم سماه لا بدائها بافتخار الشياطين وهي أنه
~~لم لا يجوز أن يكون هناك هويتان بسيطتان مجهولتا الكنه مختلفتان بتمام
~~الماهية كل منهما واجبا بذاته ويكون مفهوم واجب الوجود منتزعا منهما
~~مقولا عليها قولا عرضيا، وقد رأيت في «ملخص الإمام» عليه الرحمة
~~ونحوها.

# ولعلك إذا أحطت خبرا بحقيقة ما ذكرنا يسهل عليك حلها وإن أردت التوضيح
~~فاستمع لما قيل في ذلك إن مفهوم واجب الوجود لا يخلو إما أن يكون انتزاعه
~~عن نفس ذات كل منهما من دون اعتبار حيثية خارجة أية حيثية كانت أو مع
~~اعتبار تلك الحيثية وكلا الشقين محال، أما الثاني فلما تقرر أن كل ما لم
~~يكن ذاته مجرد حيثية انتزاع الوجوب فهو ممكن في ذاته، وأما الأول فلأن
~~مصداق حمل مفهوم واحد ومطابق صدقه بالذات مع قطع النظر عن أية حيثية كانت
~~لا يمكن أن يكون حقائق متخالفة متباينة بالذات غير مشتركة في ذاتي أصلا،
~~ولعل كل سليم الفطرة يحكم بأن الأمور المتخالفة من حيث كونها متخالفة بلا
~~حيثية جامعة لا تكون مصداقا لحكم واحد ومحكيا عنها به نعم يجوز ذلك إذا
~~كانت تلك الأمور متماثلة من جهة كونها متماثلة ولو في أمر سلبي بل نقول
~~لو نظرنا إلى نفس مفهوم الوجودي المصدري المعلوم بوجه من الوجوه بديهة
~~أدانا النظر والبحث إلى أن حقيقته وما ينتزع هو منه ms06722 أمر قائم بذاته هو
~~الواجب الحق الوجود المطلق الذي لا يشوبه عموم ولا خصوص ولا تعدد إذ كل
~~ما وجوده هذا الوجود لا يمكن أن يكون بينه وبين شيء آخر له أيضا هذا
~~الوجود فرضا مباينة أصلا ولا تغاير فلا يكون إثنان بل يكون هناك ذات
~~واحدة ووجود واحد كما لوح إليه صاحب «التلويحات» بقوله صرف الوجود الذي
~~لا أتم منه كلما فرضته ثانيا فإذا نظرت فهو هو إذ لا ميز في صرف شيء
~~فوجوب وجوده تعالى الذي هو ذاته سبحانه تدل على وحدته جل وعلا انتهى
~~فتأمل.

# ولا يخفى عليك أن أكثر البراهين على هذا المطلب الجليل الشأن يمكن تخريج
~~الآية الكريمة عليه ويحمل حينئذ الفساد على عدم التكون فعليك بالتخريج
~~وإن أحوجك إلى بعض تكلف وإياك أن تقنع بجعلها حجة إقناعية كما ذهب إليه
~~كثير فإن هذا المطلب الجليل أجل من أن يكتفي فيه بالإقناعات المبنية على
~~الشهرة والعادة، ولصاحب «الكشف» طاب ثراه كلام يلوح عليه مخايل التحقيق
~~في هذا المقام سنذكره إن شاء الله تعالى كما اختاره في تفسير قوله تعالى:

# إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم
~~على بعض

# [المؤمنون: 91] ثم لا تتوهمن أنه لا يلزم من الآية نفي الإثنين والواحد
~~لأن نفي آلهة تغاير الواحد المعين شخصا يستلزم بالضرورة إن كل واحد واحد
~~/ منهم يغايره شخصا وهو أبلغ من نفي واحد يغاير المعين في الشخص على أنه
~~طوبق به قوله تعالى:

# أم اتخذوا ءالهة من الأرض

# [الأنبياء: 21] وقيام الملازمة كاف في نفي الواحد والإثنين أيضا.

# واستشكل سياق الآية الكريمة بأن الظاهر أنها إنما سيقت لإبطال عبادة
~~الأصنام المشار إليه بقوله تعالى:

# أم اتخذوا ءالهة من الأرض هم ينشرون

# [الأنبياء: 21] لذكرها بعده، وهي لا تبطل إلا تعدد الإله الخالق القادر
~~المدبر التام الألوهية وهو غير متعدد عند المشركين،

# ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض
~~ليقولن الله

# [لقمان: 25] وهم يقولون في آلهتهم

# ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى

# [الزمر: 3] فما قالوا به لا تبطله الآية؛ ms06723 وما تبطله الآية لم يقولوا به
~~ومن هنا قيل معنى الآية لو كان في السماء والأرض آلهة كما يقول عبدة
~~الأوثان: لزم فساد العالم لأن تلك الآلهة التي يقولون بها جمادات لا تقدر
~~على تدبير العالم فيلزم فساد العالم.

# وأجيب بأن قوله تعالى:

# أم اتخذوا

# [الأنبياء:21] الخ مسوق للزجر عن عبادة الأصنام وإن لم تكن لها الألوهية
~~التامة لأن العبادة إنما تليق لمن له ذلك وبعد الزجر عن ذلك أشار سبحانه
~~إلى أن من له ما ذكر لا يكون إلا واحدا على أن شرح اسم الإله هو الواجب
~~الوجود لذاته الحي العالم المريد القادر الخالق المدبر فمتى أطلقوه على
~~شيء لزمهم وصفه بذلك شاؤا أو أبوا فالآية لإبطال ما يلزم قولهم على أتم
~~وجه.

# { فسبحن الله رب العرش عما يصفون } أي نزهوه
~~أكمل تنزيه عن أن يكون من دونه تعالى آلهة كما يزعمون فالفاء لترتيب ما
~~بعده على ما قبلها من ثبوت الوحدانية، وإبراز الجلالة في موقع الإضمار
~~للإشعار بعلة الحكم فإن الألوهية مناط لجميع صفات الكمال التي من جملتها
~~تنزهه تعالى عن الشركة ولتربية المهابة وإدخال الروعة، والوصف برب العرش
~~لتأكيد التنزه مع ما في ذلك من تربية المهابة، والظاهر أن المراد حقيقة
~~الأمر بالتنزيه، وقيل: المراد بالتعجيب ممن عبد تلك المعبودات الخسيسة
~~وعدها شريكا مع وجود المعبود العظيم الخالق لأعظم الأشياء، والكلام عليه
~~أيضا كالنتيجة لما قبله من الدليل.

### || [21.23]

# وقوله تعالى: { لا يسئل عما يفعل } يمكن أن يكون جواب
~~سؤال مقدر ناشيء من إثبات توحده سبحانه في الألوهية المتضمن توحده تعالى
~~في الخلق والتصرف ووصف الكفرة إياه سبحانه بما لا يليق كأنه قيل إذا كان
~~الله تعالى هو الإله الخالق المتصرف فلم خلق أولئك الكفرة ولم يصرفهم عما
~~يقولون؟ فأجيب بقوله سبحانه { لا يسئل } الخ وحاصله أنه تعالى لا
~~ينبغي لأحد أن يعترض عليه في شيء من أفعاله إذ هو حكيم مطلق لا يفعل ما
~~يرد عليه الاعتراض { وهم يسئلون } عما يفعلون ويعترض عليهم،
~~وهذا الحكم في ms06724 حقه تعالى عام لجميع أفعاله سبحانه ويندرج فيه خلق الكفرة
~~وإيجادهم على ما هم عليه، ووجه حل السؤال الناشيء مما تقدم بناء على ما
~~يشير إليه هذا الجواب الإجمالي أنه تعالى خلق الكفرة بل جميع المكلفين
~~على حسب ما علمهم مما هم عليه في أنفسهم لأن الخلق مسبوق بالإرادة
~~والإرادة مسبوقة بالعلم والعلم تابع للمعلوم فيتعلق به على ما هو عليه في
~~ثبوته الغير المجعول مما يقتضيه استعداده الأزلي، وقد يشير إلى بعض ذلك
~~قول الشافعي عليه الرحمة من أبيات:

# خلقت العباد على ما علمت

# ففي العلم يجري الفتى والمسن

# ثم بعد أن خلقهم على حسب ذلك كلفهم لاستخراج سر ما تسبق به العلم التابع
~~للمعلوم من الطوع والإباء اللذين في استعدادهم الأزلي وأرسل الرسل مبشرين
~~ومنذرين لتتحرك الدواعي ويهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ولا
~~يكون للناس على الله تعالى حجة فلا يتوجه على الله تعالى اعتراض بخلق
~~الكافر وإنما / يتوجه الاعتراض على الكافر بكفره حيث أنه من توابع
~~استعداده في ثبوته الغير المجعول، وقد يشير إلى ذلك قوله سبحانه:

# وما ظلمنهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون

# [النحل: 118] وقوله عليه الصلاة والسلام:

# " فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه "

# وهذا وإن كان مما فيه قيل وقال ونزاع وجدال إلا أنه مما ارتضاه كثير من
~~المحققين والأجلة العارفين، وقال البعض: إن ذلك استئناف ببيان أنه تعالى
~~لقوة عظمته الباهرة وعزة سلطنته القاهرة بحيث ليس لأحد من مخلوقاته أن
~~يناقشه ويسأله عما يفعل من أفعاله إثر بيان أن ليس له شريك في الألوهية،
~~وضمير { هم } للعباد أي والعباد يسألون عما يفعلون نقيرا وقطميرا
~~لأنهم مملوكون له تعالى مستعبدون، وفي هذا وعيد للكفرة، والظاهر أن
~~المراد عموم النفي جميع الأزمان أي لا يسئل سبحانه في وقت من الأوقات عما
~~يفعل، وخص ذلك الزجاج بيوم القيامة والأول أولى وإن كان أمر الوعيد على
~~هذا أظهر.

# واستدل بالآية على أن أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض ms06725 والغايات فلا يقال
~~فعل كذا لكذا إذ لو كانت معللة لكان للعبد أن يسأل فيقول لم فعل؟ وإلى
~~ذلك ذهب الأشاعرة ولهم عليه أدلة عقلية أيضا وأولوا ما ظاهره التعليل
~~بالحمل على المجاز أو جعل الأداة فيه للعاقبة. ومذهب الماتريدية كما في
~~«شرح المقاصد» والمعتزلة أنها تعلل بذلك وإليه ذهب الحنابلة كما قال
~~الطوفي وغيره. وقال العلامة أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الدمشقي
~~الحنبلي المعروف بابن القيم في كتاب «شفاء العليل»: إن الله سبحانه
~~وتعالى حكيم لا يفعل شيئا عبثا ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية
~~المقصودة بالفعل بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، وقد
~~دل كلامه تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم على هذا في مواضع لا تكاد
~~تحصى ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها فنذكر بعض أنواعها وساق اثنين وعشرين
~~نوعا في بضعة عشرة ورقة ثم قال: لو ذهبنا نذكر ما يطلع عليه أمثالنا من
~~حكمة الله تعالى في خلقه وأمره لزاد ذلك على عشرة آلاف موضع ثم قال: وهل
~~إبطال الحكم والمناسبات والأوصاف التي شرعت الأحكام لأجلها إلا إبطال
~~الشرع جملة؟ وهل يمكن فقيها على وجه الأرض أن يتكلم في الفقه مع اعتقاده
~~بطلان الحكمة والمناسبة والتعليل. وقصد الشارع بالأحكام مصالح العباد؟ ثم
~~قال: والحق الذي لا يجوز غيره هو أنه سبحانه يفعل بمشيئته وقدرته وإرادته
~~ويفعل ما يفعل بأسباب وحكم وغايات محمودة، وقد أودع العالم من القوى
~~والغرائز ما به قام الخلق والأمر وهذا قول جمهور أهل الإسلام. وأكثر
~~طوائف النظار وهو قول الفقهاء قاطبة اه.

# والظاهر أن ابن القيم وأضرابه من أهل السنة القائلين بتعليل أفعاله
~~تعالى لا يجعلون كالأشاعرة المخصص لأحد الضدين بالوقوع محض تعلق الإرادة
~~بالمعنى المشهور ومحققو المعتزلة كأبي الحسن والنظام والجاحظ والعلاف
~~وأبي القاسم البلخي وغيرهم يقولون: إن العلم بترتب النفع على إيجاد
~~النافع هو المخصص للنافع بالوقوع ويسمون ذلك العلم بالداعي وهو الإرادة
~~عندهم. وأورد عليهم أن الواجب تعالى موجب في تعلق علمه سبحانه ms06726 بجميع
~~المعلومات فلو كان المخصص الموجب للوقوع هو العلم بالنفع كان ذلك المخصص
~~لازما لذاته تعالى فيكون فعله سبحانه واجبا لأمر خارج ضروري للفاعل وهو
~~ينافي الاختيار بالمعنى الأخص قطعا فلا يكون الواجب مختارا بهذا المعنى
~~بل يؤل إلى ما ذهب إليه الفلاسفة من الاختيار المجامع للإيجاب، ولا
~~يرد ذلك على القائلين بأن المخصص هو تعلق الإرادة الأزلية لأن ذلك التعلق
~~غير لازم الواجب تعالى وإن كان أزليا دائما لإمكان تعلقها بالضد الآخر
~~بدل الضد الواقع، نعم يرد عليهم ما يصعب التفصي عنه مما / هو مذكور في
~~«الكتب الكلامية».

# وأورد نظير ما ذكر على الحنفية فإنهم ذهبوا إلى التعليل وجعلوا العلم
~~بترتب المصالح علة لتعلق العلم بالوقوع فلا يتسنى لهم القول بكون الواجب
~~تعالى مختارا بالمعنى الأخص لأن الذات يوجب العلم والعلم يوجب تعلق
~~الإرادة وتعلق الإرادة يوجب الفعل ولا مخلص إلا بأن يقال: إن إيجاب العلم
~~بالنفع والمصلحة لتعلق الإرادة ممنوع عندهم بل هو مرجح ترجيحا غير بالغ
~~إلى حد الوجوب وما قيل إذا لم يبلغ الترجيح إلى حد الوجوب جاز وقوع
~~الراجح في وقت وعدم وقوعه في وقت آخر مع ذلك المرجح فإن كان اختصاص أحد
~~الوقتين بالوقوع بانضمام شيء آخر إلى ذلك المرجح لم يكن المرجح مرجحا
~~وإلا يلزم الترجيح من غير مرجح بل يلزم ترجيح المرجوح عدمه في الوقت
~~الآخر لأن الوقوع كان راجحا بذلك المرجح فمدفوع بوجهين إلا أنه إنما
~~يجري في العلة التامة بالنسبة إلى معلولها لا في الفاعل المختار بالنسبة
~~إلى فعله فإنه إن أريد لزوم الرجحان من غير مرجح كما هو اللازم في العلة
~~التامة فعدم اللزوم ظاهر وإن أريد الترجيح من غير مرجح فبطلان اللازم في
~~الفاعل المختار ممنوع وإلا فما الفرق بين الفاعل الموجب والمختار، الثاني
~~أن المرجح بالنبسة إلى وقت ربما لا يكون مرجحا بالنسبة إلى وقت آخر بل
~~منافيا للمصلحة فلا يلزم ترجيح أحد المتساويين أو المرجوح في وقت آخر بل
~~يلزم ترجيح الراجح في كل وقت وهو ms06727 تعالى عالم بجميع المصالح اللائقة
~~بالأوقات فتتعلق إرادته سبحانه بوقوع كل ممكن في وقت لترتب المصالح
~~اللائقة بذلك الوقت على عدمه فلا إشكال، وهذا هو المعول عليه إذ لقائل أن
~~يقول على الأول أن ترجيح المرجوح مستحيل في حق الواجب الحكيم وإن جاز في
~~حق غيره من أفراد الفاعل بالاختيار.

# هذا ووقع في كلام الفلاسفة أن أفعال الله تعالى غير معللة بالأغراض
~~والغايات ومرادهم على ما قاله بعضهم نفي التعليل عن فعله سبحانه بما هو
~~غير ذاته لأنه جل شأنه تام الفاعلية لا يتوقف فيها على غيره ولا يلزم من
~~ذلك نفي الغاية والغرض عن فعله تعالى مطلقا ولذا صح أن يقولوا علمه
~~تعالى بنظام الخير الذي هو عين ذاته تعالى علة غائبة وغرض في الإيجاد
~~ومرادهم بالاقتضاء في قولهم في تعريف العلة الغائية ما يقتضي فاعلية
~~الفاعل مطلق عدم الانفكاك لكنهم تسامحوا في ذلك اعتمادا على فهم المتدرب
~~في العلوم وصرحوا بأنه تعالى ليس له غرض في الممكنات وقصد إلى منافعها
~~لأن كل فاعل يفعل لغرض غير ذاته فهو فقير إلى ذلك الغرض مستكمل به
~~والمكمل يجب أن يكون أشرف فغرض الفاعل يجب أن يكون ما هو فوقه وإن كان
~~بحسب الظن وليس له غرض فيما دونه وحصول وجود الممكنات منه تعالى على غاية
~~من الإتقان ونهاية من الإحكام ليس إلا لأن ذاته تعالى ذات لا تحصل منه
~~الأشياء إلا على أتم ما ينبغي وأبلغ ما يمكن من المصالح فالواجب سبحانه
~~عندهم يلزم من تعلقه لذاته الذي هو مبدأ كل خير وكمال حصول الممكنات على
~~الوجه الأتم والنظام الأقوم واللوازم غايات عرضية إن أريد بالغاية ما
~~يقتضي فاعلية الفاعل وذاتية إن أريد بها ما يترتب على الفعل ترتبا
~~ذاتيا لا عرضيا كوجود مبادىء الشر وغيرها في الطبائع الهيولانية ثم كما
~~أنه تعالى غاية بالمعنى الذي أشير إليه فهو غاية بمعنى أن جميع الأشياء
~~طالبة له متشوقة إليه طبعا وإرادة لأنه الخير المحض والمعشوق الحقيقي جل
~~جلاله وعم نواله.

# والحكماء ms06728 المتألهون قد حكموا بسريان نور العشق في جميع الموجودات على
~~تفاوت طبقاتها ولولا ذلك ما دار الفلك ولا استنار الحلك فسبحانه من إله
~~قاهر وهو الأول والآخر، وتمام الكلام في هذا المقام على / مشرب المتكلمين
~~والفلاسفة يطلب من محله. وقرأ الحسن { لا يسل. ويسلون } بنقل فتحة الهمزة
~~إلى السين وحذفها.

### || [21.24]

# وقوله تعالى: { أم اتخذوا من دونه ءالهة } إضراب وانتقال
~~من إظهار بطلان كون ما اتخذوه آلهة [آلهة] حقيقة بإظهار خلوها عن خصائص
~~الإلهية التي من جملتها الإنشار وإقامة البرهان القطعي على استحالة تعدد
~~الإله مطلقا وتفرده سبحانه بالألوهية إلى [إظهار] بطلان اتخاذهم تلك
~~الآلهة مع عرائها عن تلك الخصائص بالمرة شركاء لله تعالى شأنه وتبكيتهم
~~بإلجائهم إقامة البرهان على دعواهم الباطلة وتحقيق أن جميع الكتب
~~السماوية ناطقة بحقية التوحيد وبطلان الإشراك. وجوز أن يكون هذا انتقالا
~~لإظهار بطلان الآلهة مطلقا بعد إظهار بطلان الآلهة الأرضية، والهمزة
~~لإنكار الاتخاذ المذكور واستقباحه واستعظامه؛ و(من) متعلقه باتخذوا،
~~والمعنى بل اتخذوا متجاوزين إياه تعالى مع ظهور شؤونه الجليلة الموجبة
~~لتفرده بالألوهية آلهة مع ظهور أنها عارية عن خواص الألوهية بالكلية.

# { قل } لهم بطريق التبكيت وإلقام الحجر { هاتوا برهنكم }
~~على ما تدعونه من جهة العقل الصريح أو النقل الصحيح فإنه لا يصح القول
~~بمثل ذلك من غير دليل عليه، وما في إضافة البرهان إلى ضميرهم من الإشعار
~~بأن لهم برهانا ضرب من التهكم بهم.

# وقوله تعالى: { هذا ذكر من معى وذكر من قبلى }
~~إنارة لبرهانه وإشارة إلى أنه مما نطقت به الكتب الإلهية قاطبة وزيادة
~~تهييج لهم على إقامة البرهان لإظهار كمال عجزهم أي هذا الوحي الوارد في
~~شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطع [العقلي] ذكر أمتي وعظمتهم وذكر
~~الأمم السالفة قد أقمته فأقيموا أنتم أيضا برهانكم، وأعيد لفظ { ذكر
~~} ولم يكتف بعطف الموصول على الموصول المستدعي للانسحاب لأن كون المشخص
~~ذكر من معه ظاهر وكونه ذكر من قبله باعتبار اتحاده بالحقيقة مع الوحي
~~المتضمن ذلك. وقيل: المراد بالذكر الكتاب أي هذا كتاب أنزل على ms06729 أمتي وهذا
~~كتاب أنزل على أمم الأنبياء عليهم السلام من الكتب الثلاثة والصحف
~~فراجعوها وانظروا هل في واحد منها غير الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك
~~ففيه تبكيت لهم متضمن لنقيض مدعاهم.

# وقرىء بتنوين ذكر الأول والثاني وجعل مابعده منصوب المحل على المفعولية
~~له لأنه مصدر وأعماله هو الأصل نحو

# أو إطعام فى يوم ذى مسغبة * يتيما

# [البلد: 14 - 15]. وقرأ يحيى بن يعمر. وطلحة بالتنوين وكسر ميم { من
~~} فهي على هذا حرف جر ومع مجرورة بها وهي اسم يدل على الصحبة والاجتماع
~~جعلت هنا ظرفا كقبل وبعد فجاز إدخال من عليها كما جاز إدخالها عليهما
~~لكن دخولها عليها نادر، ونص أبو حيان أنها حينئذ بمعنى عند. وقيل: من
~~داخلة على موصوفها أي عظة من كتاب معي وعظة من كتاب من قبلي، وأبو حاتم
~~ضعف هذه القراءة لما فيها من دخول من على مع ولم ير له وجها وعن طلحة
~~أنه قرأ { هذا ذكر معى وذكر * قبلى } بتنوين { ذكر
~~} وإسقاط { من } وقرأت فرقة { هذا ذكر من } بالإضافة { ذكر
~~من قبلى } بالتنوين وكسر الميم.

# وقوله تعالى: { بل أكثرهم لا يعلمون الحق } إضراب من
~~جهته تعالى غير داخل في الكلام الملقن وانتقال من الأمر بتبكيتهم بمطالعة
~~البرهان إلى بيان أن الاحتجاج عليهم لا ينفع لفقدهم التمييز بين الحق
~~والباطل { فهم } لأجل ذلك { معرضون } مستمرون على الإعراض عن
~~التوحيد واتباع الرسول لا يرعوون عما هم عليه من الغي والضلال وإن كررت
~~عليهم البينات والحجج أو فهم معرضون / عما ألقى عليهم من البراهين
~~العقلية والنقلية.

# وقرأ الحسن. وحميد. وابن محيصن { الحق } بالرفع على أنه خبر مبتدأ
~~محذوف أي هو الحق، والجملة معترضة بين السبب والمسبب تأكيدا للربط
~~بينهما، وجوز الزمخشري أن يكون المنصوب أيضا على معنى التأكيد كما تقول
~~هذا عبد الله الحق لا الباطل، والظاهر أنه منصوب على أنه مفعول به
~~ليعلمون والعلم بمعنى المعرفة وقوله تعالى: { ومآ أرسلنا من
~~قبلك من رسول... }

### || [21.25]

# استئناف مقرر لما سبق من آي التوحيد وقد يقال إن فيه ms06730 تعميما بعد تخصيص
~~إذا أريد من

# ذكر من قبلى

# [الأنبياء: 24] الكتب الثلاثة، ولما كان { من رسول } عاما معنى
~~فكان هناك لفظ ومعنى أفرد على اللفظ في { نوحي إليه } ثم جمع على
~~المعنى في { فاعبدون } ولم يأت التركيب فاعبدني وهذا بناء على أن {
~~فاعبدون } داخل في الموحى وجوز عدم الدخول على الأمر له صلى الله
~~عليه وسلم ولأمته، وقرأ أكثر السبعة { يوحى } على صيغة الغائب مبنيا
~~للمفعول، وأيا ما كان فصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية استحضارا
~~لصورة الوحي.

### || [21.26]

# { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } حكاية لجناية فريق من
~~المشركين لإظهار بطلانها وبيان تنزهه سبحانه عن ذلك إثر بيانه تنزهه جل
~~وعلا عن الشركاء على الإطلاق وهم حي من خزاعة قالوا الملائكة بنات الله
~~سبحانه. ونقل الواحدي أن قريشا وبعض العرب جهينة وبني سلامة. وخزاعة.
~~وبني مليح قالوا ذلك. وأخرج ابن المنذر. وابن أبي حاتم عن قتادة قال:
~~قالت اليهود إن الله عز وجل صاهر الجن فكانت بينهم الملائكة فنزلت
~~والمشهور الأول. والآية مشنعة على كل من نسب إليه سبحانه ذلك كالنصارى
~~القائلين عيسى ابن الله واليهود القائلين عزير ابن الله تعالى الله عما
~~يقولون علوا كبيرا، والتعرض لعنوان الرحمانية المنبئة عن جميع ما سواه
~~تعالى مربوبا له تعالى لإبراز كمال شناعة مقالتهم الباطلة.

# { سبحنه } أي تنزهه بالذات تنزهه اللائق به على أن السبحان مصدر
~~سبح أي بعد أو أسبحه تسبيحه على أنه علم للتسبيح وهو مقول على ألسنة
~~العباد أو سبحوه تسبيحه. وقوله تعالى: { بل عباد } إضراب وإبطال لما
~~قالوا كأنه قيل: ليست الملائكة كما قالوا بل هم عباد من حيث أنهم مخلوقون
~~له تعالى فهم ملكه سبحانه والولد لا يصح تملكه، وفي قوله تعالى: {
~~مكرمون } أي مقربون عندهم تعالى تنبيه على منشأ غلطهم وقرأ عكرمة
~~مكرمون بالتشديد.

### || [21.27]

# { لا يسبقونه بالقول } أي لا يقولون شيئا حتى يقوله تعالى
~~أو يأمرهم به كما هو ديدن العبيد المؤدبين، ففيه تنبيه على كمال طاعتهم
~~وانقيادهم لأمره عز وجل وتأدبهم معه تعالى، والأصل لا يسبق ms06731 قولهم قوله
~~تعالى فأسند السبق إليهم منسوبا إليه تعالى تنزيلا لسبق قولهم قوله
~~سبحانه منزلة سبقهم إياه عز وجل لمزيد تنزيههم عن ذلك وللتنبيه على غاية
~~استهجان السبق المعرض به للذين يقولون ما لم يقله تعالى، وجعل القول محل
~~السبق وآلته التي يسبق بها وأنيبت اللام عن الإضافة إلى الضمير على ماذهب
~~إليه الكوفيون للاختصار والتجافي عن التكرار. وقرىء { لا يسبقونه
~~} بضم الباء الموحدة على أنه من باب المغالبة يقال سابقني فسبقته وأسبقه
~~ويلزم فيه ضم عين المضارع ما لم تكن عينه أو لامه ياء، وفيه مزيد استهجان
~~للسبق وإشعار بأن من سبق قوله قوله تعالى فقد تصدى لمغالبته تعالى في
~~السبق وزيادة تنزيه عما نفى عنهم ببيان أن ذلك عندهم بمنزلة الغلبة بعد
~~المغالبة فأنى يتوهم صدوره عنهم.

# { وهم بأمره يعملون } / بيان لتبعيتهم له تعالى في الأعمال
~~إثر بيان تبعيتهم له سبحانه في الأقوال كأنه قيل هم بأمره يعملون لا بغير
~~أمره تعالى أصلا بأن يعملوا من تلقاء أنفسهم، فالقصر المستفاد من تقديم
~~الجار [معتبر] بالنسبة إلى غير أمره تعالى لا إلى أمر غيره سبحانه.

### || [21.28]

# { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } استئناف وقع
~~تعليلا لما قبله وتمهيدا لما بعده كأنه قيل إنما لم يقدموا على قول أو
~~عمل بغير أمره تعالى لأنه سبحانه لا يخفى عليه خافية مما قدموا وأخروا
~~فلا يزالون يراقبون أحوالهم حيث أنهم يعلمون ذلك { ولا يشفعون
~~إلا لمن ارتضى } الله تعالى أن يشفع له. وهو كما أخرج ابن جرير
~~وابن المنذر والبيهقي في «البعث» وابن أبي حاتم عن ابن عباس من قال لا
~~إله إلا الله وشفاعتهم الاستغفار، وهي كما في «الصحيح» تكون في الدنيا
~~والآخرة ولا متمسك للمعتزلة في الآية على أن الشفاعة لا تكون لأصحاب
~~الكبائر فإنها لا تدل على أكثر من أن لا يشفعوا لمن لا ترتضى الشفاعة له
~~مع أن عدم شفاعة الملائكة لا تدل على عدم شفاعة غيرهم.

# { وهم } مع ذلك { من خشيته } أي بسبب خوف عذابه عز وجل ms06732 {
~~مشفقون } متوقعون من أمارة ضعيفة كائنون على حذر ورقبة لا يأمنون
~~مكر الله تعالى؛ فمن تعليلية والكلام على حذف مضاف، وقد يراد من خشيته
~~تعالى ذلك فلا حاجة إليه. وقيل: يحتمل أن يكون المعنى أنهم يخشون الله
~~تعالى ومع ذلك يحذرون من وقوع تقصير في خشيتهم وعلى هذا تكون { من }
~~صلة لمشفقون، وفرق بين الخشية والإشفاق بأن الأول خوف مشوب بتعظيم ومهابة
~~ولذلك خص به العلماء في قوله تعالى:

# إنما يخشى الله من عباده العلماء

# [فاطر: 28] والثاني خوف مع اعتناء ويعدى بمن كما يعدى الخوف وقد يعدى
~~بعلى بملاحظة الحنو والعطف، وزعم بعضهم أن الخشية ههنا مجاز عن سببها
~~وأن المراد من الإشفاق شدة الخوف أي وهم من مهابته تعالى شديدو الخوف،
~~والحق أنه لا ضرورة لارتكاب المجاز، وجوز أن تكون المعنى وهم خائفون من
~~خوف عذابه تعالى على أن (من) صلة لما بعدها وإضافة خشية إلى المضاف
~~المحذوف من إضافة الصفة إلى الموصوف أي خائفون من العذاب المخوف، ولا
~~يخفى ما فيه من التكلف المستغنى عنه، ثم إن هذا الإشفاق صفة لهم دنيا
~~وأخرى كما يشعر به الجملة الاسمية، وقد كثرت الأخبار الدالة على شدة
~~خوفهم، ومن ذلك ما أخرج ابن أبي حاتم عن جابر قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم

# " ليلة أسري بي مررت بجبريل عليه السلام وهو بالملأ الأعلى ملقى كالحلس
~~البالي من خشية الله تعالى ".

### || [21.29]

# { ومن يقل منهم } أي من الملائكة عليهم السلام، وقيل من
~~الخلائق، والأول هو الذي يقتضيه السياق إذ الكلام في الملائكة عليهم
~~السلام وفي كونهم بمعزل عما قالوه في حقهم، والمراد ومن يقل منهم على
~~سبيل الفرض { إنى إله من دونه } أي متجاوزا إياه تعالى: {
~~فذلك } أي الذي فرض قوله ما ذكر فرض محال { نجزيه جهنم }
~~كسائر المجرمين ولا يغني عنه ما سبق من الصفات السنية والأفعال المرضية.
~~وعن الضحاك. وقتادة عدم اعتبار الفرض وقالا: إن الآية خاصة بإبليس عليه
~~اللعنة فإنه دعا إلى عبادة نفسه وشرع الكفر، والمعول ms06733 عليه ما ذكرنا، وفيه
~~من الدلالة على قوة ملكوته تعالى وعزة جبروته واستحالة كون الملائكة بحيث
~~يتوهم في حقهم ما يتوهم أولئك الكفرة ما لا يخفي. وقرأ أبو عبد الرحمن
~~المقري { نجزيه } بضم النون أراد نجزئه بالهمز من أجزاني كذا كفاني
~~ثم خفف / الهمزة فانقلبت ياء.

# { كذلك نجزى الظلمين } مصدر تشبيهي مؤكد لمضمون ما قبله
~~أي مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها
~~ويتعدون أطوارهم، والقصر المستفاد من التقديم يعتبر بالنسبة إلى النقصان
~~دون الزيادة أي لا جزاء أنقص منه.

### || [21.30]

# { أو لم ير الذين كفروا } تجهيل لهم بتقصيرهم عن التدبر
~~في الآيات التكوينية الدالة على عظيم قدرته وتصرفه وكون جميع ما سواه
~~مقهورا تحت ملكوته على وجه ينتفعون به ويعلمون أن من كان كذلك لا ينبغي
~~أن يعدل عن عبادته إلى عبادة حجر أو نحوه مما لا يضر ولا ينفع، والهمزة
~~للإنكار والواو للعطف على مقدر. وقرأ ابن كثير وحميد وابن محيصن بغير
~~واو، والرؤية قلبية أي ألم يتفكروا ولم يعلموا { أن السموات
~~والأرض كانتا } الضمير للسماوات والأرض، والمراد من السماوات
~~طائفتها ولذا ثنى الضمير ولم يجمع، ومثل ذلك قوله تعالى:

# إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا

# [فاطر: 40] وكذا قول الأسود بن يعفر:

# إن المنية والحتوف كلاهما

# دون المحارم يرقبان سوادي

# وأفرد الخبر أعني قوله تعالى: { رتقا } ولم يثن لأنه مصدر، والحمل
~~إما بتأويله بمشتق أو لقصد المبالغة أو بتقدير مضاف أي ذاتي رتق، وهو في
~~الأصل الضم والالتحام خلقة كان أم صنعة، ومنه الرتقاء الملتحمة محل
~~الجماع. وقرأ الحسن وزيد بن علي وأبو حيوة وعيسى { رتقا } بفتح التاء
~~وهو اسم المرتوق كالنقض والنقض فكان قياسه أن يثني هنا ليطابق الاسم فقال
~~الزمخشري: هو على تقدير موصوف أي كانتا شيئا رتقا وشيء اسم جنس شامل
~~للقليل والكثير فيصح الإخبار به عن المثنى كالجمع، ويحسنه أنه في حالة
~~الرتقية لا تعدد فيه.

# وقال أبو الفضل الرازي: الأكثر في هذا الباب أن يكون المتحرك منه اسما ms06734
~~بمعنى المفعول والساكن مصدرا وقد يكونان مصدرين، والأولى هنا كونهما
~~كذلك وحينئذ لا حاجة إلى ما قاله الزمخشري في توجيه الإخبار، وقد أريد
~~بالرتق على ما نقل عن أبي مسلم الأصفهاني حالة العدم إذ ليس فيه ذوات
~~متميزة فكان السماوات والأرض أمر واحد متصل متشابه وأريد بالفتق وأصله
~~الفصل في قوله تعالى: { ففتقنهما } الإيجاد لحصول التمييز
~~وانفصال بعض الحقائق عن البعض به فيكون كقوله تعالى:

# فاطر السموات والأرض

# [الأنعام: 14] بناء على أن الفطر الشق وظاهره نفي تمايز المعدومات،
~~والذي حققه مولانا الكوراني في «جلاء الفهوم» وذب عنه حسب جهده أن
~~المعدوم الممكن متميز في نفس الأمر لأنه متصور ولا يمكن تصور الشيء إلا
~~بتميزه عن غيره وإلا لم يكن بكونه متصورا أولى من غيره ولأن بعض
~~المعدومات قد يكون مرادا دون بعض ولولا التميز بينها لما عقل ذلك إن
~~القصد إلى إيجاد غير المتعين ممتنع لأن ما ليس بمتعين في نفسه لم يتميز
~~القصد إليه عن القصد إلى غيره، وقد يقال على هذا: يكفي في تلك الإرادة
~~عدم تمايز السماوات والأرض في حالة العدم نظرا إلى الخارج المشاهد،
~~وأيا ما كان فمعنى الآية ألم يعلموا أن السماوات والأرض كانتا معدومتين
~~فأوجدناهما، ومعنى علمهم بذلك تمكنهم من العلم به بأدنى نظر لأنهما
~~ممكنان والممكن باعتبار ذاته وحدها يكون معدوما واتصافه بالوجود لا يكون
~~إلا من واجب الوجود.

# قال ابن سينا في المقالة الثامنة من إلهيات «الشفاء»: سائر الأشياء غير
~~واجب الوجود لا تستحق الوجود بل / هي في أنفسها ومع قطع إضافتها إلى
~~الواجب تستحق العدم ولا يعقل أن يكون وجود السماوات والأرض مع أمكانهما
~~الضروري عن غير علة.

# وأما ما ذهب إليه ذيمقرطيس من أن وجود العالم إنما كان بالاتفاق - وذلك
~~لأن مباديه أجرام صغار لا تتجزأ لصلابتها وهي مبثوثة في خلاء غير متناه
~~وهي متشاكلة الطبائع مختلفة الأشكال دائمة الحركة فاتفق أن تضامت جملة
~~منها واجتمعت على هيئة مخصوصة فتكون منها هذا العالم فضرب من الهذيان،
~~ووافقه عليه على ما ms06735 قيل أبناذقلس لكن الأول زعم أن تكون الحيوان والنبات
~~ليس بالاتفاق وهذا زعم أن تكون الأجرام الأسطقسية بالاتفاق أيضا إلا أن
~~ما اتفق إن كان ذا هيئة اجتماعية على وجه يصلح للبقاء والنسل بقي، وما
~~اتفق إن لم يكن كذلك لم يبق، وهذا الهذيان بعيد من هذا الرجل فإنهم ذكروا
~~أنه من رؤساء يونان كان في زمن داود عليه السلام وتلقى العلم منه واختلف
~~إلى لقمان الحكيم واقتبس منه الحكمة، ثم ان وجودهما عن العلة حادث بل
~~العالم المحسوس منه وغيره حادث حدوثا زمانيا بإجماع المسلمين وما يتوهم
~~من بعض عبارات بعض الصوفية من أنه حادث بالذات قديم بالزمان مصروف عن
~~ظاهره إذ هم أجل من أن يقولوا به لما أنه كفر.

# والفلاسفة في هذه المسألة على ثلاثة آراء فجماعة من الأوائل الذين هم
~~أساطين [الحكمة] من الملطية وساميا صاروا إلى القول بحدوث موجودات
~~العالم مباديها وبسائطها ومركباتها وطائفة من الأتينينية وأصحاب الرواق
~~صاروا إلى قدم مباديها من العقل والنفس والمفارقات والبسائط دون
~~المتوسطات والمركبات فإن المبادي عندهم فوق الدهر والزمان فلا يتحقق فيها
~~حدوث زماني بخلاف المركبات التي هي تحت الدهر والزمان ومنعوا كون الحركات
~~سرمدية، ومذهب أرسطو ومن تابعه من تلامذته أن العالم قديم وأن الحركات
~~الدورية سرمدية، وهذا بناء على المشهور عنه وإلا فقد ذكر في «الأسفار» أن
~~أساطين الحكمة المعتبرين عند الطائفة ثمانية ثلاثة من الملطيين ثالس
~~وانكسيمائس واغاثاذيمون، وخمسة من اليونانيين أنباذقلس وفيثاغورس وسقراط
~~وأفلاطون وأرسطو وكلهم قائلون بما قال به الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم
~~من حدوث العالم بجميع جواهره وأعراضه وأفلاكه وأملاكه وبسائطه ومركباته،
~~ونقل عن كل كلمات تؤيد ذلك، وكذا نقل عن غير أولئك من الفلاسفة وأطال
~~الكلام في هذا المقام، ولولا مخافة السآمة لنقلت ذلك ولعلي أنقل شيئا
~~منه في محله الأليق به إن شاء الله تعالى.

# وجاء عن ابن عباس في رواية عكرمة والحسن وقتادة وابن جبير أن السماوات
~~والأرض كانتا شيئا واحدا ملتزقتين ففصل الله تعالى بينهما ورفع السماء
~~إلى ms06736 حيث هي وأقر الأرض. وقال كعب: خلق الله تعالى السماوات والأرض
~~ملتصقتين ثم خلق ريحا فتوسطهما ففتقهما. وعن الحسن خلق الله تعالى الأرض
~~في موضع بيت المقدس كهيئة القهر عليها دخان ملتصق بها ثم أصعد الدخان
~~وخلق منه السماوات وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض وذلك قوله
~~تعالى: { كانتا رتقا ففتقنهما } فجعل سبع سماوات، وكذلك
~~الأرض كانت مرتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع أرضين، والمراد من العلم
~~على هذه الأقوال التمكن منه أيضا إلا أن ذلك ليس بطريق النظر بل
~~بالاستفسار من علماء أهل الكتاب الذين كانوا يخالطونهم ويقبلون أقوالهم؛
~~وقيل بذلك أو بمطالعة الكتب السماوية ويدخل فيها القرآن وإن لم يقبلوه
~~لكونه معجزة في نفسه وفي ذلك دغدغة لا تخفى.

# وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في «الحلية» من طريق عبد
~~الله بن دينار عن ابن عمر أن رجلا أتاه فسأله عن الآية فقال: اذهب إلى
~~ذلك الشيخ فاسأله ثم تعال فأخبرني وكان ابن عباس فذهب إليه فسأله / فقال:
~~نعم كانت السماوات رتقا لا تمطر وكانت الأرض رتقا لا تنبت فلما خلق
~~الله تعالى للأرض أهلا فتق هذه بالمطر وفتق هذه بالنبات فرجع الرجل إلى
~~ابن عمر فأخبره فقال ابن عمر: الآن علمت أن ابن عباس قد أوتي في القرآن
~~علما صدق ابن عباس هكذا كانت، وروي عنه ما هو بمعنى ذلك جماعة منهم
~~الحاكم وصححه وإليه ذهب أكثر المفسرين. وقال ابن عطية: هو قول حسن يجمع
~~العبرة والحجة وتعديد النعمة ويناسب ما يذكر بعد.

# والرتق والفتق مجازيان عليه كما هما كذلك على الوجه الأول، والمراد
~~بالسماوات جهة العلو أو سماء الدنيا، والجمع باعتبار الآفاق أو من باب
~~ثوب أخلاق، وقيل هو على ظاهره ولكل من السماوات مدخل في المطر، والمراد
~~بالرؤية العلم أيضا وعلم الكفرة بذلك ظاهر. وجوز أن تكون الرؤية بصرية
~~وجعلها علمية أولى، ومن البعيد ما نقل عن بعض علماء الإسلام أن الرتق
~~انطباق منطقتي الحركتين الأولى والثانية الموجب لبطلان العمارات وفصول
~~السنة ms06737 والفتق افتراقهما المقتضي لا مكان العمارة وتميز الفصول بل لا يكاد
~~يصح على الأصول الإسلامية التي أصلها السلف الصالح كما لا يخفى.

# وقوله تعالى: { وجعلنا من الماء كل شىء حى } عطف على {
~~أن السموات } الخ ولا حاجة إلى تكلف عطفه على فتقنا، والجعل بمعنى
~~الخلق المتعدي لمفعول واحد، و(من) ابتدائية والماء هو المعروف أي خلقنا
~~من الماء كل حيوان أي متصف بالحياة الحقيقية. ونقل ذلك عن الكلبي.

# وجماعة ويؤيده قوله تعالى:

# والله خلق كل دابة من ماء

# [النور: 45] ووجه كون الماء مبدأ ومادة للحيوان وتخصيصه بذلك أنه أعظم
~~مواده أو فرط احتياجه إليه وانتفاعه به بعينه ولا بد من تخصيص العام لأن
~~الملائكة عليهم السلام وكذا الجن أحياء وليسوا مخلوقين من الماء ولا
~~محتاجين إليه على الصحيح. وقال قتادة: المعنى خلقنا كل نام من الماء
~~فيدخل النبات ويراد بالحياة النمو أو نحوه، ولعل من زعم أن في النبات حسا
~~وشعورا أبقى الحياة على ظاهرها، وقال قطرب وجماعة: المراد بالماء النطفة
~~ولا بد من التخصيص بما سوى الملائكة عليهم السلام والجن أيضا بل بما سوى
~~ذلك والحيوانات المخلوقة من غير نطفة كأكثر الحشرات الأرضية. ويجوز أن
~~يكون الجعل بمعنى التصيير المتعدي لمفعولين وهما هنا { كل } و { من
~~الماء }.

# وتقديم المفعول الثاني للاهتمام به و(من) اتصالية كما قيل في قوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " ما أنا من دد ولا الدد مني "

# والمعنى صيرنا كل شيء حي متصلا بالماء أي مخالطا له غير منفك عنه،
~~والمراد أنه لا يحيا دونه، وجوز أبو البقاء على الوجه الأول أن يكون
~~الجار والمجرور في موضع الحال من { كل } وجعل الطيبي (من) على هذا
~~بيانية تجريدية فيكون قد جرد من الماء الحي مبالغة كأنه هو، وقرأ حميد {
~~حيا } بالنصب على أنه صفة { كل } أو مفعول ثان لجعل، والظرف متعلق
~~بما عنده لا بحيا.

# والشيء مخصوص بالحيوان لأنه الموصوف بالحياة، وجوز تعميمه للنبات. وأنت
~~تعلم أن من الناس من يقول: إن كل شيء من العلويات والسفليات حي حياة ms06738
~~لائقة به وهم الذين ذهبوا إلى أن تسبيح الأشياء المفاد بقوله تعالى:

# وإن من شىء إلا يسبح بحمده

# [الإسراء: 44] قالى لا حالي، وإذا قيل بذلك فلا بد من تخصيص الشيء أيضا
~~إذ لم يجعل من الماء كل شيء حيا؛ ولم أقف على مخالف في ذلك منا، نعم نقل
~~عن ثالس الملطي وهو أول من تفلسف بملطية أن أصل الموجودات الماء حيث قال:
~~الماء قابل كل صورة ومنه أبدعت الجواهر كلها من السماء والأرض انتهى. /
~~ويمكن تخريجه على مشرب صوفي بأن يقال إنه أراد بالماء الوجود الانبساطي
~~المعبر عنه في اصطلاح الصوفية بالنفس الرحماني، وحينئذ لو جعلت الإشارة
~~في الآية إلى ذلك عندهم لم يبعد.

# { أفلا يؤمنون } إنكار لعدم إيمانهم بالله تعالى وحده مع ظهور
~~ما يوجبه حتما من الآيات، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه الإنكار أي
~~أيعلمون ذلك فلا يؤمنون.

### || [21.31]

# { وجعلنا فى الأرض رواسى } أي جبالا ثوابت جمع راسية من
~~رسا الشيء إذا ثبت ورسخ، ووصف جمع المذكر بجمع المؤنث في غير العقلاء مما
~~لا ريب في صحته { أن تميد بهم } أي كراهة أن تتحرك وتضطرب بهم أو
~~لئلا تميد بهم فحذف اللام ولا لعدم الإلباس، وهذا مذهب الكوفيين والأول
~~أولى، وفي «الانتصاف» أولى من هذين الوجهين أن يكون مثل قولك أعددت هذه
~~الخشبة أن يميل الحائط على ما قال سيبويه من أن معناه أعددتها أن أدعم
~~الحائط بها إذا مال، وقدم ذكر الميد عناية بأمره ولأنه السبب في الإدعام
~~والإدعام سبب إعداد الخشبة فعومل سبب السبب معاملة السبب فكذا فيما نحن
~~فيه يكون الأصل وجعلنا في الأرض رواسي أن نثبتها إذا مادت بهم فجعل الميد
~~هو السبب كما جعل الميل في المثال سببا وصار الكلام وجعلنا في الأرض
~~رواسي أن تميد بهم فنثبتها ثم حذف فنثبتها لأمن الإلباس إيجازا، وهذا
~~أقرب إلى الواقع مما ذكر أولا فإن مقتضاه أن لا تميد الأرض بأهلها لأن
~~الله تعالى كره ذلك ومحال أن يقع ما يكرهه سبحانه والمشاهدة بخلافه فكم
~~من ms06739 زلزلة أمادت الأرض حتى كادت تنقلب وعلى ما ذكرنا يكون المراد أن الله
~~تعالى يثبت الأرض بالجبال إذا مادت، وهذا لا يأبى وقوع الميد لكنه ميد
~~يستعقبه التثبيت، وكذلك الواقع من الزلزال إنما هو كاللمحة ثم يثبتها
~~الله تعالى انتهى.

# وفي «الكشف» أن قولهم كراهة أن تميد بيان للمعنى لا أن هناك إضمار البتة
~~ولهذا كان مذهب الكوفيين خليقا بالرد، وما في «الانتصاف» من أن الأولى
~~أن يكون من باب أعددت الخشبة أن يميل الحائط على ما قرر راجع إلى ما
~~ذكرناه ولا مخالف له، أما ما ذكره من الرد بمخالفة الواقع المشاهد فليس
~~بالوجه لأن ميدودة الأرض غير كائنة البتة وليست هذه الزلازل منها في شيء
~~انتهى، وهو كلام رصين كما لا يخفى.

# وقد طعن بعض الكفرة المعاصرين فيما دلت عليه الآية الكريمة بأن الأرض
~~لطلبها المركز طبعا ساكنة لا يتصور فيها الميد ولو لم يكن فيها الجبال.
~~وأجيب أولا بعد الإغماض عما في دعوى طلبها المركز طبعا وسكونها عنده من
~~القيل والقال يجوز أن يكون الله تعالى قد خلق الأرض يوم خلقها عرية عن
~~الجبال مختلفة الأجزاء ثقلا وخفة اختلافا تاما أو عرض لها الاختلاف
~~المذكور ومع هذا لم يجعل سبحانه لمجموعها من الثقل ما لا يظهر بالنسبة
~~إليه ثقل ما علم جل وعلا أنه يتحرك عليها من الأجسام الثقيلة فيكون لها
~~مركزان متغايران مركز حجم ومركز ثقل وهي إنما تطلب بطبعها عندهم أن ينطبق
~~مركز ثقلها على مركز العالم وذلك وإن اقتضى سكونها إلا أنه يلزم أن تتحرك
~~بتحرك هاتيك الأجسام فخلق جل جلاله الجبال فيها ليحصل لها من الثقل ما لا
~~يظهر معهم ثقل المتحرك فلا تتحرك بتحركه أصلا، وكون نسبة ارتفاع أعظم
~~الجبال إلى قطرها كنسبة سبع عرض شعيرة إلى ذراع إنما ينفع في أمر الكرية
~~الحسية وأما أنه يلزم منه أن لا يكون لمجموع الجبال ثقل معتد به بالنسبة
~~إلى ثقل الأرض فلا.

# ثم ليس خلق الجبال لهذه الحكمة فقط بل لحكم لا تحصى ms06740 ومنافع لا تستقصى
~~فلا يقال إنه يغني عن الجبال / خلقها بحيث لا يظهر للأجسام الثقيلة
~~المتحركة عليها أثر بالنسبة إلى ثقلها.

# وثانيا: أنها بحسب طبعها تقتضي أن تكون مغمورة بالماء بحيث تكون الخطوط
~~الخارجة من مركزها المنطبق على مركز العالم إلى محدب الماء متساوية من
~~جميع الجوانب فبروز هذا المقدار المعمور منها قسري، ويجوز أن يكون للجبال
~~مدخل في القسر باحتباس الأبخرة فيها وصيرورة الأرض بسبب ذلك كزق في الماء
~~نفخ نفخا ظهر به شيء منه على وجه الماء ولولا ذلك لم يكن القسر قويا
~~بحيث لا يعارضه ما يكون فوق الأرض من الحيوانات وغيرها وذلك يوجب الميد
~~الذي قد يقضي بها إلى الانغمار فتأمل، وقد مر لك ما يتعلق بهذا المطلق
~~فتذكر.

# { وجعلنا فيها } أي في الأرض، وتكرير الفعل لاختلاف المجعولين مع
~~ما فيه من الإشارة إلى كمال الامتنان أو في الرواسي على ما أخرجه ابن
~~جرير وابن المنذر عن ابن عباس ويؤيده أنها المحتاجة لأن يجعل سبحانه فيها
~~{ فجاجا } جمع فج قال الراغب: هو شقة يكتنفها جبلان، وقال الزجاج: كل
~~مخترق بين جبلين فهو فج، وقال بعضهم: هو مطلق الواسع سواء كان طريقا بين
~~جبلين أم لا ولذا يقال جرح فج، والظاهر أن { فجاجا } نصب على
~~المفعولية لجعل، وقوله سبحانه { سبلا } بدل منه فيدل ضمنا على أنه
~~تعالى خلقها ووسعها للسابلة مع ما فيه من التأكيد لأن البدل كالتكرار
~~وعلى نية تكرار العامل والمبدل منه ليس في حكم السقوط مطلقا، وقال في
~~«الكشاف»: هو حال من { سبلا } ولو تأخر لكان صفة كما في قوله تعالى في
~~سورة نوح [20]

# لتسلكوا منها سبلا فجاجا

# وإنما لم يؤت به كذلك بل قدم فصار حالا ليدل على أنه في حال جعلها
~~سبلا كانت واسعة ولو أتى به صفة لم يدل على ذلك. وأوجب بعضهم كونه
~~مفعولا وكون { سبلا } بدلا منه وكذا أوجب في قوله تعالى:

# لتسلكوا

# [نوح: 20] الخ كون { سبلا } مفعولا وكون { فجاجا } بدلا قائلا
~~إن الفج اسم لا صفة لدلالته على ms06741 ذات معينة وهو الطريق الواسع والاسم يوصف
~~ولا يوصف به ولذا وقع موصوفا في قوله تعالى:

# من كل فج عميق

# [الحج: 27] والحمل على تجريده عن دلالته على ذات معينة لا قرينة عليه.

# وتعقب بأنا لا نسلم أن معناه ذلك بل معناه مطلق الواسع وتخصيصه بالطريق
~~عارض وهو لا يمنع الوصفية ولو سلم فمراد من قال إنه وصف أنه في معنى
~~الوصف بالنسبة إلى السبيل لأن السبيل الطريق وهو الطريق الواسع فإذا قدم
~~عليه يكون ذكره بعد لغوا لو لم يكن حالا، وظاهر كلام الفاضل اليمني في
~~«المطلع» أن { سبلا } عطف بيان وهو سائغ في النكرات حيث قال: هو تفسير
~~للفجاج وبيان أن تلك الفجاج نافذة فقد يكون الفج غير نافذ وقدم هنا وأخر
~~في آية سورة نوح لأن تلك الآية واردة للامتنان على سبيل الإجمال وهذه
~~للاعتبار والحث على إمعان النظر وذلك يقتضي التفصيل، ومن ثم ذكرت عقب
~~قوله تعالى

# كانتا رتقا

# [الأنبياء: 30] الخ انتهى، وأنت تعلم أن الأظهر نصب { فجاجا } هنا
~~على المفعولية لجعل ووجه التغاير بين الآيتين لا يخفى فتأمل.

# { لعلهم يهتدون } إلى الاستدلال على التوحيد وكمال القدرة
~~والحكمة، وقيل: إلى مصالحهم ومهماتهم. ورد على ما تقدم بأنه يغني عن ذلك
~~قوله تعالى فيما بعد

# وهم عن ءايتها معرضون

# [الأنبياء: 32] وبأن خلق السبل لا تظهر دلالته على ما ذكر انتهى، وفيه
~~ما فيه، وجوز أن يكون المراد ما هو أعم من الاهتداء إلى الاستدلال
~~والاهتداء إلى المصالح.

### || [21.32]

# { وجعلنا السماء سقفا محفوظا } من البلى والتغير على
~~طول الدهر كما روي عن قتادة، والمراد أنها جعلت محفوظة عن ذلك الدهر
~~الطويل، ولا ينافيه أنها تطوى يوم القيامة طي السجل للكتب، وإلى تغيرها
~~ودثورها ذهب جميع / المسلمين ومعظم أجلة الفلاسفة كما برهن عليه صدر
~~الدين الشيرازي في «أسفاره» وسنذكره إن شاء الله تعالى في محله. وقيل: من
~~الوقوع، وقال الفراء: من استراق السمع بالرجوم، وقيل عليه: إنه يكون ذكر
~~السقف لغوا لا يناسب البلاغة فضلا عن الإعجاز، وذكر في وجهه ms06742 أن المراد
~~أن حفظها ليس كحفظ دور الأرض فإن السراق ربما تسلقت من سقوفها بخلاف هذه،
~~وقيل: إنه للدلالة على حفظها عمن تحتها ويدل على حفظها عنهم على أتم وجه،
~~وفي الحديث عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إن رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم نظر إلى السماء فقال:

# " إن السماء سقف مرفوع وموج مكفوف تجري كما يجري السهم محفوظة من
~~الشياطين "

# وهو إذا صح لا يكون نصا في معنى الآية كما زعم أبو حيان، وقيل: من
~~الشرك والمعاصي، ويرد عليه ما أورد على سابقه كما لا يخفى.

# { وهم عن ءايتها } الدالة على وحدانيتنا وعلمنا وحكمتنا
~~وقدرتنا وإرادتنا التي بعضها ظاهر كالشمس وبعضها معلوم بالبحث عنه {
~~معرضون } ذاهلون عنها لا يجيلون قداح الفكر فيها.

# وقرأ مجاهد وحميد { عن آيتها } بالإفراد ووجه بأنه لما كان كل واحد
~~مما فيها كافيا في الدلالة على وجود الصانع وصفات كماله وحدت الآية
~~لذلك، وجعل الإعراض على هذه القراءة بمعنى إنكار كونها آية بينة دالة على
~~الخالق كما يشير إليه قوله في «الكشاف» أي هم متفطنون لما يرد عليهم من
~~السماء من المنافع وهم عن كونها آية بينة على الخالق معرضون وليس بلازم.

### || [21.33]

# وقوله تعالى: { وهو الذى خلق اليل والنهار
~~والشمس والقمر } اللذين هما آيتاهما ولذا لم يعد الفعل بيانا
~~لبعض تلك الآيات التي هم عنها معرضون بطريق الالتفات الموجب لتأكيد
~~الاعتناء بفحوى الكلام، ولما كان إيجاد الليل والنهار ليس على نمط إيجاد
~~الحيوانات وإيجاد الرواسي لم يتحد اللفظ الدال على ذلك بل جيء بالجعل
~~هناك وبالخلق هنا كذا قيل وهو كما ترى.

# وقوله تعالى: { كل } مبتدأ وتنوينه عوض عن المضاف إليه، واعتبره صاحب
~~«الكشاف» مفردا نكرة أي كل واحد من الشمس والقمر. واعترض بأنه قد صرح
~~ابن هشام في «المغني» بأن المقدر إذا كان مفردا يجب الإفراد في الضمير
~~العائد على (كل) كما لو صرح به وهنا قد جمع فيجب على هذا اعتباره جمعا
~~معرفا أي كلهم ومتى اعتبر كذلك وجب ms06743 عند ابن هشام جمع العائد وإن كان لو
~~ذكر لم يجب، ووجوب الإفراد في المسألة الأولى والجمع في الثانية للتنبيه
~~على حال المحذوف. وأبو حيان يجوز الإفراد والجمع مطلقا فيجوز هنا اعتبار
~~المضاف إليه مفردا نكرة مع جمع الضمير بعد كما فعل الزمخشري وهو من تعلم
~~علو شأنه في العربية، وقوله سبحانه: { فى فلك } خبره، ووجه إفراده
~~ظاهر لأن النكرة المقدرة للعموم البدلي لا الشمولي، ومن قدر جمعا معرفا
~~قال: المراد به الجنس الكلي المؤل بالجمع نحو كساهم حلة بناءا على أن
~~المجموع ليس في فلك واحد.

# وقوله عز وجل: { يسبحون } حال؛ ويجوز أن يكون الخبر و { فى فلك
~~} حالا أو متعلقا به وجملة { كل } الخ حال من (الشمس والقمر)
~~والرابط الضمير دون واو بناء على جواز ذلك من غير قبح، ومن استقبحه جعلها
~~مستأنفة وكان ضميرهما جمعا اعتبارا للتكثير بتكاثر المطالع فيكون لهما
~~نظرا إلى مفهومهما الوضعي أفراد خارجية بهذا الاعتبار لا حقيقة، ولهذا
~~السبب يقال شموس وأقمار وإن لم يكن في الخارج إلا شمس واحد وقمر واحد
~~والذي حسن ذلك هنا توافق الفواصل، وزعم بعضهم أنه غلب القمران لشرفهما
~~على سائر الكواكب فجمع الضمير لذلك. وقيل: الضمير للنجوم وإن لم تذكر
~~لدلالة ما ذكر عليها. / وقيل: الضمير للشمس والقمر والليل والنهار، وفيه
~~أن الليل والنهار لا يحسن وصفهما بالسباحة وإن كانت مجازا عن السير،
~~واختيار ضمير العقلاء إما لأنهما عقلاء حقيقة كما ذهب إليه بعض المسلمين
~~كالفلاسفة، وإما لأنهما عقلاء ادعاء وتنزيلا حيث نسب إليهما السباحة وهي
~~من صنائع العقلاء.

# والفلك في الأصل كل شيء دائر ومنه فلكة المغزل والمراد به هنا على ما
~~روي عن ابن عباس والسدي رضي الله تعالى عنهم السماء. وقال أكثر المفسرين:
~~هو موج مكفوف تحت السماء يجري فيه الشمس والقمر.

# وقال الضحاك: هو ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم، والمشهور ما روي عن
~~ابن عباس والسدى وفيه القول باستدارة السماء وفي { كل فى فلك }
~~رمز خفي إليه فإنه لا يستحيل بالانقلاب ms06744 وعليه أدلة جمة وكونها سقفا لا
~~يأبى ذلك، وقد وقع في كلام الفلاسفة إطلاق الفلك على السماء ووصفوه بأنه
~~حي عالم متحرك بالإرادة حركة مستديرة لا غير ولا يقبل الكون والفساد
~~والنمو والذبول والخرق والالتئام ونوعه منحصر في شخصه وأنه لا حار ولا
~~بارد ولا رطب ولا يابس ولا خفيف ولا ثقيل، وأكثر هذه الأوصاف متفرع على
~~أنه ليس في طباعه ميل مستقيم، وقد رد ذلك في «الكتب الكلامية» وبنوا على
~~امتناع الخرق والالتئام أن الكوكب لا يتحرك إلا بحركة الفلك ولما رأوا
~~حركات مختلفة قالوا بتعدد الأفلاك، والمشهور أن الأفلاك الكلية تسعة سبعة
~~للسبع السيارة وواحد للثوابت وآخر لتحريك الجميع الحركة اليومية، والحق
~~أنه لا قاطع على نفي ما عدا ذلك ألا ترى أن الشيخ الرئيس لم يظهر له أن
~~الثوابت في كرة واحدة أو في كرات منطو بعضها على بعض، وقولهم إن حركات
~~الثوابت متشابهة ومتى كانت كذلك كانت مركوزة في فلك واحد غير يقيني أما
~~صغراه فلأن حركاتها وإن كانت في الحس متشابهة لكن لعلها لا تكون في
~~الحقيقة كذلك لأنا لو قدرنا أن الواحدة منها تتمم الدورة في ست وثلاثين
~~ألف سنة والأخرى تتممها في هذا الزمان لكن بنقصان عاشرة أو أقل فالذي يخص
~~الدرجة الواحدة من هذا القدر من التفاوت يقل جدا بحيث لا تفي أعمارنا
~~بضبطه وإذا احتمل ذلك سقط القطع بالتشابه، ومما يزيد ذلك سقوطا
~~والاحتمال قوة وجدان المتأخرين من أهل الأرصاد كوكبا أسرع حركة من
~~الثوابت وأبطأ من السيارة سموه بهرشل ولم يظفر به أحد من المتقدمين في
~~الدهور الماضية، وأما كبراه فلاحتمال اشتراك الأشياء المختلفة في كثير من
~~اللوازم فيجوز أن لكل فلكا على حدة وتكون تلك الأفلاك متوافقة في
~~حركاتها جهة وقطبا ومنطقة وبطنا، ثم إن الاحتمال غير مختص لفلك الثوابت
~~بل حاصل في كل الأفلاك فيجوز أن يكون بين أفلاك السيارة أفلاك أخر، وما
~~يقال في إبطاله من أن أقرب قرب كل كوكب يساوي أبعد بعد كل الكواكب التي ms06745
~~فرضت تحته ليس بشيء لأن بين أبعد بعد القمر وأقرب قرب عطارد ثخن فلك
~~جوزهر القمر، وقد ذكر المحققون من أصحاب الهيئة أن لفلك التدوير لكل من
~~العلوية ثلاث أكر محيط بعضها ببعض وجرم الكوكب مركوز في الكرة الداخلة
~~فيكون مقدار ثخن أربع كرات من تلك التداوير من كل واحد من السافل والعالي
~~ثخن كرتين حائلا بين أقرب قرب العالي وأبعد بعد السافل، وأثبتوا للسفلية
~~خمسة تداوير فيكون بين أقرب قرب الزهرة وأبعد بعد عطارد ثخن ثمان كرات
~~على أنهم إنما اعتقدوا أن أقرب قرب العالي مساو لأبعد بعد السافل
~~لاعتقادهم أولا أنه ليس بين هذه الأفلاك ما يتخللها فليس يمكنهم بناء
~~ذلك عليه وإلا لزم الدور بل لا بد فيه من دليل آخر، وقولهم لا فضل في
~~الفلكيات مع أنه كما ترى يبطله ما قالوا في عظم ثخن المحدد؛ ويجوز أيضا
~~أن يكون فوق التاسع من الأفلاك ما لا يعلمه إلا الله تعالى بل يحتمل أن
~~يكون / هذا الفلك التاسع بما فيه من الكرات مركوزا في ثخن كرة أخرى
~~عظيمة ويكون في ثخن تلك الكرة ألف ألف كرة مثل هذه الكرات وليس ذلك
~~مستبعدا فإن تدوير المريخ أعظم من ممثل الشمس فإذا عقل ذلك فأي بأس بأن
~~يفرض مثله مما هو أعظم منه ويجوز أيضا كما قيل أن تكون الأفلاك الكلية
~~ثمانية لإمكان كون جميع الثوابت مركوزة في محدب ممثل زحل أي في متممه
~~الحاوي على أن يتحرك بالحركة البطيئة والفلك الثامن يتحرك بالحركة
~~السريعة بل قيل من الجائز أن تكون سبعة بأن تفرض الثوابت ودوائر البروج
~~على محدب ممثل زحل ونفسان تتصل إحداهما بمجموع السبعة وتحركها إحدى
~~الحركتين السريعة والبطيئة والأخرى بالفلك السابع وتحركه الأخرى فلا قاطع
~~أيضا على نفي أن تكون الأفلاك أقل من تسعة.

# ثم الظاهر من الآية أن كلا من الشمس والقمر يجري في ثخن فلكه ولا مانع
~~منه عقلا ودليل امتناع الخرق والالتئام وهو أنه لو كان الفلك قابلا
~~لذلك لكان قابلا للحركة المستقيمة ms06746 وهي محال عليه غير تام وعلى فرض تمامه
~~إنما يتم في المحدد على أنه يجوز أن يحصل الخرق في الفلك من جهة بعض
~~أجزائه على الاستدارة فلا مانع من أن يقال: الكواكب مطلقا متحركة في
~~أفلاكها حركة الحيتان في الماء ولا يبطل به علم الهيئة لأن حركاتها يلزم
~~أن تكون متشابهة حول مراكز أفلاكها أي لا تسرع ولا تبطىء ولا تقف ولا
~~ترجع ولا تنعطف، وقول السهروردي في «المطارحات»: لو كانت الأفلاك قابلة
~~للخرق وقد برهن على كونها ذات حياة فعند حصول الخرق فيها وتبدد الأجزاء
~~فإن لم تحس فليس جزؤها المنخرق له نسبة إلى الآخر بجامع إدراكي ولا خبر
~~لها عن أجزائها وما سرى لنفسها قوة في بدنها جامعة لتلك الأجزاء فلا
~~علاقة لنفسها مع بدنها، وقد قيل إنها ذات حياة وإن كانت تحس فلا بد من
~~التألم بتبديد الأجزاء فإنه شعور بالمنافي وكل شعور بالمنافي إما ألم أو
~~موجب لألم وإذا كان كذا وكانت الكواكب تخرقها بجريها كانت في عذاب دائم،
~~وسنبرهن على أن الأمور الدائمة غير الممكن الأشرف لا يتصور عليها لا يخفى
~~أنه من الخطابيات بل مما هو أدون منها.

# وزعم بعضهم أنه من البراهين القوية مما لا برهان عليه من البراهين
~~الضعيفة، وادعى الإمام أنها كما تدل على جري الكوكب تدل على سكون الفلك،
~~والحق أنها مجملة بالنسبة إلى السكون غير ظاهرة فيه، وإلى حركته وسكون
~~الفلك بأسره ذهب بعض المسلمين ويحكى عن الشيخ الأكبر قدس سره، ويجوز أن
~~يكون الفلك متحركا والكوكب يتحرك فيه إما مخالفا لجهة حركته أو موافقا
~~لها إما بحركة مساوية في السرعة والبطء لحركة الفلك أو مخالفة، ويجوز
~~أيضا أن يكون الكوكب مغروزا في الفلك ساكنا فيه كما هو عند أكثر
~~الفلاسفة أو متحركا على نفسه كما هو عند محققيهم والفلك بأسره متحركا
~~وهو الذي أوجبه الفلاسفة لما لا يسلم لهم ولا يتم عليه برهان منهم.

# ويجوز أيضا أن يكون الكوكب في جسم منفصل عن ثحن الفلك شبيه بحلقة قطره ms06747
~~مساو لقطر الكوكب وهو الذي يتحرك به ويكون الفلك ساكنا، ويجوز أيضا أن
~~يكون في ثخن الفلك خلاء يدور الكوكب فيه مع سكون الفلك أو حركته وليس في
~~هذا قول بالخرق والالتئام بل فيه القول بالخلاء وهو عندنا وعند أكثر
~~الفلاسفة جائزة خلافا لأرسطاطاليس وأتباعه، ودليل الجواز أقوى من صخرة
~~ملساء، والقول بأن الفلك بسيط فبساطته مانعة من أن يكون في ثخنه ذلك ليس
~~بشيء فما ذكروه من الدليل على البساطة على ضعفه لا يتأتى إلا في المحدد
~~دون سائر الأفلاك، وأيضا متى جاز أن يكون الفلك مجوفا مع بساطته فليجز
~~ما ذكر معها ولا يكاد يتم لهم / التفصي عن ذلك، وجاء في بعض الآثار أن
~~الكواكب جميعها معلقة بسلاسل من نور تحت سماء الدنيا بأيدي ملائكة
~~يجرونها حيث شاء الله تعالى، ولا يكاد يصح وإن كان الله عز وجل على كل
~~شيء قديرا.

# والذي عليه معظم الفلاسفة والهيئيين أن الحركة الخاصة بالكوكب الثابتة
~~لفلكه أولا وبالذات آخذة من المغرب إلى المشرق وهي الحركة على توالي
~~البروج وتسمى الحركة الثانية والحركة البطيئة وهي ظاهرة في السيارات وفي
~~القمر منها في غاية الظهور وفي الثوابت خفية ولهذا لم يثبتها المتقدمون
~~منهم، وغير الخاصة به الثابتة لفلكه ثانيا وبالعرض آخذة من المشرق إلى
~~المغرب وتسمى الحركة الأولى والحركة السريعة وهي بواسطة حركة المحدد وبها
~~يكون الليل والنهار في سائر المعمورة، وأما في عرض تسعين ونحوه ففي
~~الحركة الثانية فعندهم للكوكب حركتان مختلفتان جهة وبطأ ومثلوهما بحركة
~~رحى إلى جهة سريعا وحركة نملة عليها إلى خلاف تلك الجهة بطيئا.

# وذهب بعض الأوائل إلى أنه لا حركة في الأجرام العلوية من المغرب إلى
~~المشرق بل حركاتها كلها من المشرق إلى المغرب لأنها أولى بهذه الأجرام
~~لكونها أقل مخالفة ولأن غاية الحركة للجرم الأقصى وغاية السكون للأرض
~~فيجب أن يكون ما هو أقرب إلى الأقصى أسرع مما هو أبعد ولأنه لو كان بعضها
~~من المشرق وبعضها من المغرب يلزم أن يتحرك الكوكب بحركتين مختلفتين جهة ms06748
~~وذلك محال لأن الحركة إلى جهة تقتضي حصول المتحرك في الجهة المنتقل إليها
~~فلو تحرك الجسم الواحد دفعة واحدة إلى جهتين لزم حصوله دفعة واحدة في
~~مكانين وهو محال ولا فرق في ذلك بين أن تكون الحركتان طبيعيتين أو
~~قسريتين أو إحداهما طبيعية والأخرى قسرية.

# ولا يدفع هذا بما يشاهد من حركة النملة على الرحى إلى جهة حال حركة
~~الرحى إلى خلافها لأنه مثال والمثال لا يقدح في البرهان ولأن القطع على
~~مثل هذه الحركات جائز أما على الحركات الفلكية فمحال، وما استدل به على
~~أن غير الحركة السريعة من المغرب إلى المشرق لا يدل عليه لجواز أن تكون
~~من المشرق ويظن أنها من المغرب وبيانه أن المتحركين إلى جهة واحدة حركة
~~دورية متى كان أحدهما أسرع من حركة الآخر فإنهما إذا تحركا إلى تلك الجهة
~~رؤي الأبطأ منهما متخلفا فيظن أنه متحرك إلى خلاف تلك الجهة لأنهما إذا
~~اقترنا ثم تحركا في الجهة بما لهما من الحركة فسار السريع دورة تامة وسار
~~البطيء دورة إلا قوسا يرى البطىء متخلفا عن السريع في الجهة المخالفة
~~لجهة حركتهما بتلك القوس، وقالوا: يجب المصير إلى ذلك لما أن البرهان
~~يقتضيه ولا يبطله شيء من الأعمال النجومية.

# وقد أورد الإمام في «الملخص» ما ذكر في الاستدلال على محالية الحركتين
~~المختلفتي الجهة للجسم الواحد إشكالا على القائلين بهما ثم قال: ولقوة
~~هذا الكلام أثبت بعضهم الحركة اليومية لكرة الأرض لا لكرة السماء وإن كان
~~ذلك باطلا وأورده في «التفسير» وسماه برهانا قاطعا وذهب فيه إلى ما
~~ذهب إليه هذا البعض من أن الحركات كلها من المشرق إلى المغرب لكنها
~~مختلفة سرعة وبطأ وفيما ذكروه نظر لأن الشبهتين الأوليين إقناعيتان
~~والثالثة وإن كانت برهانية لكن فسادها أظهر من أن يخفى، وأما أن شيئا من
~~الأعمال النجومية لا يبطله فباطل لأن هذه الحركة الخاصة للكوكب أعني حركة
~~القمر من المشرق إلى المغرب مثلا دورة إلا قوسا لا يجوز أن تكون على
~~قطبي البروج لأنها توجد موازية ms06749 لمعدل النهار ولا على قطبي المعدل وإلا
~~لما زالت عن موازاته ولما انتظمت من القسي التي تتأخر فيها كل يوم دائرة
~~عظيمة مقاطعة للمعدل كدائرة البروج من القسي التي تأخرت الشمس فيها بل
~~انتظمت صغيرة موازية له اللهم إلا إذا كان الكوكب على المعدل مقدار ما
~~يتمم بحركته دورة فإن المنتظمة حينئذ تكون نفس المعدل لكن هذا غير موجود
~~في / الكواكب التي نعرفها ولا على قطبين غير قطبيهما وإلا لكان يرى سميره
~~فوق الأرض على دائرة مقاطعة للدوائر المتوازية ولم تكن دائرة نصف النهار
~~تفصل الزمان الذي من حين يطلع إلى حين يغرب بنصفين لأن قطبي فلكه المائل
~~لا يكون دائما على طائرة نصف النهار فلا تنفصل قسي مداراته الظاهرة
~~بنصفين، ولأنه لو كان الأمر كما توهموا لكانت الشمس تصل إلى أوجها
~~وحضيضها وبعديها الأوسطين بل إلى الشمال والجنوب فيجب أن تحصل جميع
~~الأظلال اللائقة بكون الشمس في هذه المواضع في اليوم الواحد والوجود
~~بخلافه.

# وقول من قال يجوز أن يكون حركة الشمس في دائرة البروج إلى المغرب ظاهر
~~الفساد لأنه لو كان كذلك لكان اليوم الواحد بليلته ينقص عن دور معدل
~~النهار بقدر القوس التي قطعتها الشمس بالتقريب بخلاف ما هو الواقع لأنه
~~يزيد على دور المعدل بذلك القدر ولكان يرى قطعها البروج على خلاف التوالي
~~وليس كذلك لتأخرها عن الجزء الذي يتوسط معها من المعدل في كل يوم نحو
~~المشرق، فإذا حركات الأفلاك الشاملة للأرض ثنتان حركة إلى التوالي وأخرى
~~إلى خلافه، وأما حركات التداوير فخارجة عن القسمين لأن حركات أعاليها
~~مخالفة لحركات أسافلها لا محالة لكونها غير شاملة للأرض، فإن كانت حركة
~~الأعلى من المغرب إلى المشرق فحركة الأسفل بالعكس كما في المتحيرة، وإن
~~كانت حركة الأعلى من المشرق إلى المغرب كانت حركة الأسفل بالعكس كما في
~~القمر.

# هذا وقصارى ما نقول في هذا المقام: إن ما ذكره الفلاسفة في أمر الأفلاك
~~الكلية والجزئية وكيفية حركاتها وأوضاعها أمر ممكن في نفسه ولا دليل على
~~أنه هو الواقع ms06750 لا غير، وقد ذهب إلى خلافه أهل لندن وغيرهم من أصحاب
~~الأرصاد اليوم، وكذا أصحاب الأرصاد القلبية والمعارج المعنوية كالشيخ
~~الأكبر قدس سره وقد أطال الكلام في ذلك في «الفتوحات المكية». وأما السلف
~~الصالح فلم يصح عنهم تفصيل الكلام في ذلك لما أنه قليل الجدوى ووقفوا حيث
~~صح الخبر وقالوا: إن اختلاف الحركات ونحوه بتقدير العزيز العليم وتشبثوا
~~فيما صح وخفي سببه بأذيال التسليم، والذي أميل إليه أن السموات على طبق
~~ما صحت به الأخبار النبوية في أمر الثخن وما بين كل سماء وسماء ولا أخرى
~~عن دائرة هذا الميل، وأقول يجوز أن يكون ثخن كل سماء فلك لكل واحدة من
~~السيارات على نحو الفلك الذي أثبته الفلاسفة لها وحركته الذاتية على نحو
~~حركته عندهم وحركته العرضية بواسطة حركة سمائه إلى المغرب الحركة اليومية
~~فتكون حركات السموات متساوية، وإن أبيت تحرك السماء بجميع ما فيها لإباء
~~بعض الأخبار عنه مع عدم دليل قطعي يوجبه قلت: يجوز أن يكون هناك محرك في
~~ثخن السماء أيضا ويبقى ما يبقى منها ساكنا بقدرة الله تعالى على سطحه
~~الأعلى ملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون.

# وللفلاسفة في تحقيق أن المحيط كيف يحرك المحاط به كلام تعقبه الإمام ثم
~~قال: الصحيح أن المحرك للكل هو الله تعالى باختياره وإن ثبت على قانون
~~قولهم كون الحاوي محركا للمحوي فإنه يكون محركا بقوة نفسه لا بالمماسة.
~~وأما الثوابت فيحتمل أن تكون في فلك فوق السموات السبع ويحتمل أن يكون
~~في ثخن السماء السابعة فوق فلك زحل بل إذا قيل بأن جميع الكواكب الثوابت
~~والسيارات في ثخن السماء الدنيا تتحرك على أفلام مماثلة للأفلاك التي
~~أثبتها لها الفلاسفة ويكون لها حركتان على نحو ما يقولون لم يبعد، وفيه
~~حفظ لظاهر قوله تعالى:

# ولقد زينا السماء الدنيا بمصبيح

# [الملك: 5] وما ذكروه في علم الأجرام والأبعاد على اضطرابه لا يلزمنا
~~تسليمه فلا يرد أنهم قالوا بعد / الثوابت عن مركز الأرض خمسة وعشرون ألف
~~وأربعمائة واثنا عشر ألفا وثمانمائة وتسع وتسعون ms06751 فرسخا، وما ورد في
~~الخبر من أن بين السماء والأرض خمسمائة عام وسمك السماء كذلك يقتضي أن
~~يكون بين وجه الأرض والثوابت على هذا التقدير ألف عام وفراسخ مسيرة ذلك
~~مع فراسخ نصف قطر الأرض وهي ألف ومائتان وثلاثة وسبعون تقريبا على ما
~~قيل دون ما ذكر بكثير. ولا حاجة إلى أن يقال: العدد لا مفهوم له واختيار
~~خمسمائة لما أن الخمسة عدد دائر فيكون في ذلك رمز خفي إلى الاستدارة كما
~~قيل في كل فلك، ويشير إلى صحة احتمال أن يكون الفلك في ثخن السماء ما
~~أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
~~الشمس بمنزلة الساقية تجري في السماء في فلكها فإذا غربت جرت الليل في
~~فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها وكذلك القمر، والأخبار المرفوعة
~~والموقوفة في أمر الكواكب والسموات والأرض كثيرة.

# وقد ذكر الجلال السيوطي منها ما ذكر في رسالة ألفها في بيان «الهيئة
~~السنية»، وإذا رصدتها رأيت أكثرها مائلا عن دائرة بروج القبول، وفيها ما
~~يشعر بأن للكوكب حركة قسرية نحو ما أخرجه ابن المنذر عن عكرمة ما طلعت
~~الشمس حتى يوتر لها كما توتر القوس، ثم الظاهر أن يراد بالسباحة الحركة
~~الذاتية ويجوز أن يراد بها الحركة العرضية بل قيل هذا أولى لأن تلك غير
~~مشاهدة مشاهدة هذه بل عوام الناس لا يعرفونها، وقيل يجوز أن يراد بها ما
~~يعم الحركتين، واستنبط بعضهم من نسبة السباحة إلى الكواكب أن ليس هناك
~~حامل له يتحرك بحركته مطلقا بل هو متحرك بنفسه في الملك تحرك السمكة في
~~الماء إذ لا يقال للجالس في صندوق أو على جذع يجري في الماء إنه يسبح،
~~واختار أنه يجري في مجرى قابل للخرق والالتئام كالماء ودون إثبات استحالة
~~ذلك العروج إلى السماء السابعة، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال وهو
~~سبحانه ولي التوفيق وعلى محور هدايته تدور كرة التحقيق، وهذه نبذة مما
~~رأينا إيراده مناسبا لهذا المقام، وسيأتي إن شاء الله تعالى نبذة أخرى ms06752
~~مما يتعلق بذلك من الكلام.

### || [21.34]

# { وما جعلنا لبشر } كائنا من كان { من قبلك الخلد }
~~أي الخلود والبقاء في الدنيا لكونه مخالفا للحكمة التكوينية والتشريعية،
~~وقيل الخلد المكث الطويل ومنه قولهم للأثافي: خوالد، واستدل بذلك على عدم
~~حياة الخضر عليه السلام، وفيه نظر { أفإين مت } بمقتضى حكمتنا {
~~فهم الخلدون } نزلت حين قالوا

# نتربص به ريب المنون

# [الطور: 30] والفاء الأولى لتعليق الجملة الشرطية بما قبلها والهمزة
~~لإنكار مضمونها وهي في الحقيقة لإنكار جزائها أعني ما بعد الفاء الثانية.
~~وزعم يونس أن تلك الجملة مصب الإنكار والشرط معترض بينهما وجوابه محذوف
~~تدل عليه تلك الجملة وليس بذاك، ويتضمن إنكار ما ذكر إنكار ما هو مدار له
~~وجودا وعدما من شماتتهم بموته صلى الله عليه وسلم كأنه قيل أفإن مت فهم
~~الخالدون حتى يشمتوا بموتك، وفي معنى ذلك قول الإمام الشافعي عليه
~~الرحمة:

# تمني رجال أن أموت وإن أمت

# فتلك سبيل لست فيها بأوحد

# فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى

# تزود لأخرى مثلها فكأن قد

# وقول ذي الأصبع العدواني:

# إذا ما الدهر جر على أناس

# كلاكله أناخ بآخرينا

# / فقل للشامتين بنا أفيقوا

# سيلقى الشامتون كما لقينا

# وذكر العلامة الطيبي ونقله صاحب «الكشف» بأدنى زيادة أن هذا رجوع إلى
~~ما سيق له السورة الكريمة من حيث النبوة ليتخلص منه إلى تقرير مشرع آخر،
~~وذلك لأنه تعالى لما أفحم القائلين باتخاذ الولد والمتخذين له سبحانه
~~شركاء وبكتهم ذكر ما يدل على إفحامهم وهو قوله تعالى: { أفإين } الخ
~~لأن الخصم إذا لم يبق له متشبث تمنى هلاك خصمه.

### || [21.35]

# وقوله تعالى: { كل نفس ذائقة الموت } برهان على ما أنكر
~~من خلودهم وفيه تأكيد لقوله سبحانه:

# وما جعلنا

# [الأنبياء: 34] الخ، والموت عند الشيخ الأشعري كيفية وجودية تضاد
~~الحياة، وعند الإسفرايني وعزي للأكثرين أنه عدم الحياة عما من شأنه
~~الحياة بالفعل فيكون عدم تلك الحياة كما في العمى الطارىء على البصر لا
~~مطلق العمى فلا يلزم كون عدم الحياة عن الجنين عند استعداده للحياة
~~موتا، وقيل عدم الحياة ms06753 عما من شأنه الحياة مطلقا فيلزم ذلك ولا ضير
~~لقوله تعالى:

# كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا فأحيكم ثم
~~يميتكم ثم يحييكم

# [البقرة: 28] واستدل الأشعري على كونه وجوديا بقوله تعالى:

# الذى خلق الموت والحيوة

# [الملك: 2] فإن الخلق هو الإيجاد والإخراج من العدم وبأنه جائز والجائز
~~لا بد له من فاعل والعدم لا يفعل.

# وأجيب عن الأول بأنه يجوز أن يكون بمعنى التقدير وهو أعم من الإيجاد ولو
~~سلم كونه بمعنى الإيجاد فيجوز أن يراد بخلق الموت إيجاد أسبابه أو يقدر
~~المضاف وهو غير عزيز في الكلام، وعن الأستاذ أن المراد بالموت الآخرة
~~والحياة الدنيا لما روي عن ابن عباس تفسيرهما بذلك، وعن الثاني بأن
~~الفاعل قد يريد العدم كما يريد الحياة فالفاعل يعدم الحياة كما يعدم
~~البصر مثلا.

# وقال اللقاني: الظاهر قاض بما عليه الأشعري والعدول عن الظاهر من غير
~~داع غير مرضي عند العدول، وكلامه صريح في أنه عرض. وتوقف بعض العلماء
~~القائلين بأنه وجودي في أنه جوهر أو عرض لما أن في بعض الأحاديث أنه معنى
~~خلقه الله تعالى في كف ملك الموت، وفي بعضها أن الله تعالى خلقه على صورة
~~كبش لا يمر بشيء يجد ريحه إلا مات، وجل عبارات العلماء أنه عرض يعقب
~~الحياة أو فساد بنية الحيوان، والأول غير مانع والثاني رسم بالثمرة،
~~وقريب منه ما قاله بعض الأفاضل: إنه تعطل القوى لانطفاء الحرارة الغريزية
~~التي هي آلتها فإن كان ذلك لانطفاء الرطوبة الغريزية فهو الموت الطبيعي
~~وإلا فهو الغير الطبيعي، والناس لا يعرفون من الموت إلا انقطاع تعلق
~~الروح بالبدن التعلق المخصوص ومفارقتها إياه.

# والمراد بالنفس النفس الحيوانية وهي مطلقا أعم من النفس الإنسانية كما
~~أن الحيوان مطلقا أعم من الإنسان. والنفوس عند الفلاسفة ومن حذا حذوهم
~~ثلاثة: النباتية والحيوانية والفلكية والنفس مقولة على الثلاثة بالاشتراك
~~اللفظي على ما حكاه الإمام في «الملخص» عن المحققين، وبالاشتراك المعنوي
~~على ما يقتضيه كلام الشيخ في «الشفاء»، وتحقيق ذلك في محله، وإرادة ما
~~يشمل الجميع هنا مما لا ms06754 ينبغي أن يلتفت إليه، وقال بعضم: المراد بها
~~النفس الإنسانية لأن الكلام مسوق لنفي خلود البشر، واختير عمومها لتشمل
~~نفوس البشر والجن وسائر أنواع الحيوان ولا يضر ذلك بالسوق بل هو أنفع
~~فيه، ولا شك في موت كل من أفراد تلك الأنواع، نعم اختلف في أنه هل يصح
~~إرادة عمومها بحيث تشمل نفس كل حي كالملك وغيره أم لا بناء على الاختلاف
~~في موت / الملائكة عليهم السلام والحور العين فقال بعضهم: إن الكل يموتون
~~ولو لحظة لقوله تعالى:

# كل شىء هالك إلا وجهه

# [القصص: 88] وقال بعضهم: إنهم لا يموتون لدلالة بعض الأخبار على ذلك،
~~والمراد من كل نفس النفوس الأرضية والآية التي استدل بها مؤولة بما
~~ستعلمه إن شاء الله تعالى وهم داخلون في المستثنى في قوله تعالى:

# ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى
~~الأرض إلا من شاء الله

# [الزمر: 68] أو لا يسلم أن كل صعق موت، وقال بعضهم: إن الملائكة يموتون
~~والحور لا تموت، وقال آخرون: إن بعض الملائكة عليهم السلام يموتون وبعضهم
~~لا يموت كجبريل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام ورجح قول البعض، ولا يرد
~~أن الموت يقتضي مفارقة الروح البدن والملائكة عليهم السلام لا أبدان لهم
~~لأن القائل بموتهم يقول بأن لهم أبدانا لكنها لطيفة كما هو الحق الذي
~~دلت عليه النصوص، وربما يمنع اقتضاء الموت البدن.

# وبالغ بعضهم فادعى أن النفوس أنفسها تموت بعد مفارقتها للبدن وإن لم تكن
~~بعد المفارقة ذات بدن، وكأنه يلتزم تفسير الموت بالعدم والاضمحلال، والحق
~~أنها لا تموت سواء فسر الموت بما ذكر أم لا، وقد أشار أحمد بن الحسين
~~الكندي إلى هذا الاختلاف بقوله:

# تنازع الناس حتى لا اتفاق لهم

# إلا على شجب والخلف في شجب

# فقيل تخلص نفس المرء سالمة

# وقيل تشرك جسم المرء في العطب

# وذهب الإمام إلى العموم في الآية إلا أنه قال: هو مخصوص فإن له تعالى
~~نفسا كما قال سبحانه حكاية عن عيسى عليه السلام

# تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى ms06755 نفسك

# [المائدة: 116] مع أن الموت مستحيل عليه سبحانه، وكذا الجمادات لها نفوس
~~وهي لا تموت، ثم قال: والعام المخصوص حجة فيبقى معمولا به (على ظاهره)
~~فيما عدا ما أخرج منه، وذلك يبطل قول الفلاسفة في [أن] الأرواح البشرية
~~والعقول المفارقة والنفوس الفلكية أنها لا تموت اه، وفيه أنه إن أراد
~~بالنفس الجوهر المتعلق بالبدن تعلق التدبير والتصريف كما قاله الفلاسفة
~~ومن وافقهم أو الجسم النوراني الخفيف الحي المتحرك النافذ في الأعضاء
~~الساري فيها سريان ماء الورد في الورد كما عليه جمهور المحدثين وذكر له
~~ابن القيم مائة دليل فالله تعالى منزه عن ذلك أصلا. وكذا الجمادات لا
~~تتصف بها على الشائع، وأيضا ليس للأرواح البشرية والعقول المفارقة عند
~~الفلاسفة نفسا بأحد ذينك المعنيين فكيف يبطل بالآية الكريمة قولهم، وإن
~~أراد بها الذات كما هو أحد معانيها جاز أن تثبت لله تعالى وقد قيل به في
~~الآية التي ذكرها، وكذا هي ثابتة للجمادات لكن يرد عليه أنه إن أراد
~~بالموت مفارقة الروح للبدن أو نحو ذلك يبطل قوله وذلك يبطل الخ لأن
~~الأرواح والعقول المذكورة لا أبدان لها عند الفلاسفة فلا يتصور فيها
~~الموت بذلك المعنى، وإن أراد به العدم والاضمحلال يرد عليه أن الجمادات
~~تتصف به فلا يصح قوله وهي لا تموت، وبالجملة لا يخفى على المتذكر أن
~~الإمام سها في هذا المقام.

# ثم إن معنى كون النفس ذائقة الموت أنها تلابسه على وجه تتألم به أو تلتذ
~~من حيث إنها تخلص به من مضيق الدنيا الدنيئة إلى عالم الملكوت وحظائر
~~القدس كذا قيل. والظاهر أن كل نفس تتألم بالموت لكن ذلك مختلف شدة
~~وضعفا، وفي الحديث

# " إن للموت سكرات "

# ولا يلزم من التخلص المذكور لبعض الناس عدم التألم، ولعل في اختيار
~~الذوق إيماء إلى ذلك لمن له ذوق / فإن أكثر ما جاء في العذاب، وقال
~~الإمام: إن الذوق إدراك خاص وهو ههنا مجاز عن أصل الإدراك ولا يمكن
~~إجراؤه على ظاهره لأن الموت ليس من جنس الطعام حتى يذاق، ms06756 وذكر أن المراد
~~من الموت مقدماته من الآلام العظيمة لأنه قبل دخوله في الوجود ممتنع
~~الإدراك وحال وجوده يصير الشخص ميتا والميت لا يدرك. وتعقب بأن المدرك
~~النفس المفارقة وتدرك ألم مفارقتها البدن.

# { ونبلوكم } الخطاب إما للناس كافة بطريق التلوين أو للكفرة بطريق
~~الالتفات أي نعاملكم معاملة من يختبركم { بالشر والخير }
~~بالمكروه والمحبوب هل تصبرون وتشكرون أولا. وتفسير الشر والخير بما ذكر
~~مروي عن ابن زيد، وروي عن ابن عباس أنهما الشدة والرخاء، وقال الضحاك:
~~الفقر والمرض والغنى والصحة، والتعميم أولى، وقدم الشر لأنه اللائق
~~بالمنكر عليهم أو لأنه ألصق بالموت المذكور قبله. وذكر الراغب أن اختبار
~~الله تعالى للعباد تارة بالمسار ليشكروا وتارة بالمضار ليصبروا فالمنحة
~~والمحنة جميعا بلاء فالمحنة مقتضية للصبر والمنحة مقتضية للشكر والقيام
~~بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر فالمنحة أعظم البلاءين، وبهذا
~~النظر قال عمر رضي الله تعالى عنه: بلينا بالضراء فصبرنا وبلينا بالسراء
~~فلم نصبر، ولهذا قال علي كرم الله تعالى وجهه: من وسع عليه دنياه فلم
~~يعلم أنه قد مكر به فهو مخدوع عن عقله اه، ولعله يعلم منه وجه لتقديم
~~الشر.

# { فتنة } أي ابتلاء فهو مصدر مؤكد لنبلوكم على غير لفظه. وجوز أن
~~يكون مفعولا له أو حالا على معنى نبلوكم بالشر والخير لأجل إظهار
~~جودتكم ورداءتكم أو مظهرين ذلك فتأمل ولا تغفل { وإلينا ترجعون
~~} لا إلى غيرنا لا استقلالا ولا اشتراكا فنجازيكم حسبما يظهر منكم من
~~الأعمال، فهو على الأول من وجهي الخطاب وعد ووعيد وعلى الثاني منهما وعيد
~~محض. وفي الآية إيماء إلى أن المراد من هذه الحياة الدنيا الابتلاء
~~والتعريض للثواب والعقاب. وقرىء { يرجعون } بياء الغيبة على
~~الالتفات.

### || [21.36]

# { وإذا رآك الذين كفروا } أي المشركون { إن
~~يتخذونك إلا هزوا } أي ما يتخذونك إلا مهزوأ به على معنى
~~قصر معاملتهم معه صلى الله عليه وسلم على اتخاذهم إياه - عاملهم الله
~~تعالى بعدله - هزوا لا على معنى قصر اتخاذهم على كونه هزوا كما هو
~~المتبادر كأنه قيل ما يفعلون بك ms06757 إلا اتخاذك هزوا. والظاهر أن جملة { إن
~~يتخذونك } الخ جواب { إذا } ولم يحتج إلى الفاء كما لم يحتج
~~جوابها المقترن بما إليها في قوله تعالى:

# وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينت ما كان
~~حجتهم

# [الجاثية: 25] وهذا بخلاف جواب غير إذا من أدوات الشرط المقترن بما فإنه
~~يلزم فيه الاقتران بالفاء نحو إن تزرنا فما نسيء إليك، وقيل الجواب محذوف
~~وهو يقولون المحكى به قوله تعالى: { أهذا الذى يذكر
~~ءالهتكم } وقوله سبحانه { إن يتخذونك } الخ اعتراض وليس
~~بذاك، نعم لا بد من تقدير القول فيما ذكر وهو إما معطوف على جملة { إن
~~يتخذونك } أو حال أي ويقولون أو قائلين والاستفهام للإنكار
~~والتعجب ويفيدان أن المراد يذكر آلهتكم بسوء؛ وقد يكتفى بدلالة الحال
~~عليه كما في قوله تعالى:

# سمعنا فتى يذكرهم

# [الأنبياء: 60] فإن ذكر العدو لا يكون إلا بسوء وقد تحاشوا عن التصريح
~~أدبا مع آلهتهم. وفي «مجمع البيان» تقول العرب ذكرت فلانا أي عبته،
~~وعليه قوله عنترة:

# لا تذكري مهري وما أطعمته

# فيكون جلدك مثل جلد الأجرب

# / انتهى؛ والإشارة مثلها في قوله:

# هذا أبو الصقر فردا في محاسنه

# من نسل شيبان بين الضال والسلم

# فيكون في ذلك نوع بيان للاتخاذ هزوا.

# وقوله تعالى: { وهم بذكر الرحمن هم كفرون } في
~~حيز النصب على الحالية من ضمير القول المقدر؛ والمعنى أنهم يعيبون عليه
~~عليه الصلاة والسلام أن يذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء والحال
~~أنهم بالقرآن الذي أنزل رحمة كافرون فهم أحقاء بالعيب والإنكار، فالضمير
~~الأول مبتدأ خبره { كفرون } وبه يتعلق { بذكر } وقدم رعاية
~~للفاصلة وإضافته لامية، والضمير الثاني تأكيد لفظي للأول، والفصل بين
~~العامل والمعمول بالمؤكد وبين المؤكد والمؤكد بالمعمول جائز، ويجوز أن
~~يراد { بذكر الرحمن } توحيده على أن ذكر مصدر مضاف إلى
~~المفعول أي وهم كافرون بتوحيد الرحمن المنعم عليهم بما يستدعي توحيده
~~والإيمان به سبحانه، وأن يراد به عظته تعالى وإرشاده الخلق بإرسال الرسل
~~وإنزال الكتب على أنه مصدر مضاف إلى الفاعل، وقيل المراد بذكر الرحمن
~~ذكره صلى الله ms06758 عليه وسلم هذا اللفظ وإطلاقه عليه تعالى، والمراد بكفرهم
~~به قولهم ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمانة فهو مصدر مضاف إلى المفعول لا
~~غير وليس بشيء كما لا يخفى. وجعل الزمخشري الجملة حالا من ضمير {
~~يتخذونك } أي يتخذونك هزوا وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية
~~وهي الكفر بذكر الرحمن.

# وسبب نزول الآية على ما أخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه صلى الله عليه
~~وسلم مر على أبي سفيان وأبي جهل وهما يتحدثان فلما رآه أبو جهل ضحك
~~وقال لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف فغضب أبو سفيان فقال: ما تنكر
~~أن يكون لبني عبد مناف نبي فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فرجع إلى
~~أبي جهل فوقع به وخوفه وقال: ما أراك منتهيا حتى يصيبك ما أصاب عمك
~~الوليد بن المغيرة وقال لأبي سفيان: أما أنك لم تقل ما قلت إلا حمية،
~~وأنا أرى أن القلب لا يثلج لكون هذا سببا للنزول والله تعالى أعلم.

### || [21.37]

# { خلق الإنسان من عجل } هو طلب الشيء وتحريه قبل أوانه،
~~والمراد بالإنسان جنسه، جعل لفرط استعجاله وقلة صبره كأنه مخلوق من نفس
~~العجل تنزيلا لما طبع عليه من الأخلاق منزلة ما طبع منه من الأركان
~~إيذانا بغاية لزومه له وعدم انفكاكه عنه، وقال أبو عمرو وأبو عبيدة
~~وقطرب: في ذلك قلب والتقدير خلق العجل من الإنسان على معنى أنه جعل من
~~طبائعه وأخلاقه للزومه له، وبذلك قرأ عبد الله وهو قلب غير مقبول، وقد
~~شاع في كلامهم مثل ذلك عند إرادة المبالغة فيقولون لمن لازم اللعب أنت من
~~لعب، ومنه قوله:

# وإنا لمما يضرب الكبش ضربة

# على رأسه يلقى اللسان من الفم

# وقيل المراد بالإنسان النضر بن الحرث لأن الآية نزلت فيه حين استعجل
~~العذاب بقوله:

# اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر

# [الأنفال: 32] الخ، وقال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي والضحاك
~~ومقاتل والكلبي: المراد به آدم عليه السلام أراد أن يقوم قبل أن يتم نفخ
~~الروح فيه ms06759 وتصل إلى رجليه، وقيل خلقه الله تعالى في آخر النهار يوم
~~الجمعة فلما أجرى الروح في عينيه ولسانه ولم يبلغ أسفله قال: يا رب
~~استعجل بخلقي قبل غروب الشمس وروي ذلك عن مجاهد، وقيل: المراد أنه خلق
~~بسرعة على غير ترتيب خلق بنيه / حيث تدرج في خلقهم، وذكر ذلك لبيان أن
~~خلقه كذلك من دواعي عجلته في الأمور، والأظهر إرادة الجنس وإن كان خلقه
~~عليه السلام وما يقتضيه ساريا إلى أولاده وما تقدم في سبب النزول لا
~~يأباه كما لا يخفى، وقيل العجل الطين بلغة حمير، وأنشد أبو عبيدة لبعضهم:

# النبع في الصخرة الصماء منبته

# والنخل منبته في الماء والعجل

# واعترض بأنه لا تقريب لهذا المعنى ههنا.

# وقال الطيبي: يكون القصد عليه تحقير شأن جنس الإنسان تتميما لمعنى
~~التهديد في قوله تعالى: { سأوريكم ءايتي فلا تستعجلون
~~} والمعول عليه المعنى الأول، والخطاب للكفرة المستعجلين، والمراد بآياته
~~تعالى نقماته عز وجل، والمراد بإراءتهم إياها إصابته تعالى إياهم بها،
~~وتلك الإراءة في الآخرة على ما يشير إليه ما بعد، وقيل فيها وفي الدنيا،
~~والنهي عن استعجالهم إياه تعالى بالإتيان بها مع أن نفوسهم جبلت على
~~العجلة ليمنعوها عما تريده وليس هذا من التكليف بما لا يطاق لأن الله
~~تعالى أعطاهم من الأسباب ما يستطيعون به كف النفس عن مقتضاها ويرجع هذا
~~النهي إلى الأمر بالصبر. وقرأ مجاهد وحميد وابن مقسم { خلق
~~الإنسن } ببناء { خلق } للفاعل ونصب { الإنسن }.

### || [21.38]

# { ويقولون متى هذا الوعد } أي وقت وقوع الساعة الموعود
~~بها، وكانوا يقولون ذلك استعجالا لمجيئه بطريق الاستهزاء والإنكار كما
~~يرشد إليه الجواب لا طلبا لتعيين وقته بطريق الإلزام كما في سورة الملك
~~[25]، و { متى } في موضع رفع على أنه خبر لهذا. ونقل عن بعض الكوفيين
~~أنه في موضع نصب على الظرفية والعامل فيه فعل مقدر أي متى يأتي هذا الوعد
~~{ إن كنتم صدقين } بأنه يأتي؛ والخطاب للنبي صلى الله عليه
~~وسلم والمؤمنين الذين يتلون الآيات الكريمة المنبئة عن إتيان الساعة،
~~وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة ms06760 ما قبله عليه فإن قولهم: { متى هذا
~~الوعد } حيث كان استبطاء منهم للموعود وطلبا لإتيانه بطريق العجلة
~~في قوة طلب إتيانه بالعجلة فكأنه قيل إن كنتم صادقين فليأتنا بسرعة.

### || [21.39]

# قوله تعالى: { لو يعلم الذين كفروا } استئناف مسوق لبيان
~~شدة هول ما يستعجلونه وفظاعة ما فيه من العذاب وأنهم إنما يستعجلونه
~~لجهلهم بشأنه، وإيثار صيغة المضارع في الشرط وإن كان المعنى على المضي
~~لإفادة استمرار عدم العلم بحسب المقام وإلا فكثيرا ما يفيد المضارع
~~المنفي انتفاء الاستمرار، ووضع الموصول موضع الضمير للتنبيه بما في حيز
~~الصلة على علة استعجالهم.

# وقوله تعالى: { حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا
~~عن ظهورهم } مفعول { يعلم } على ما اختاره الزمخشري وهو عبارة
~~عن الوقت الموعود الذي كانوا يستعجلونه، وإضافته إلى الجملة الجارية مجرى
~~الصفة التي حقها أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصوف عند المخاطب أيضا
~~مع إنكار الكفرة ذلك للإيذان بأنه من الظهور بحيث لا حاجة إلى الإخبار به
~~وإنما حقه الانتظام في سلك المسلمات المفروغ عنها، وجواب { لو } محذوف
~~أي لو لم يستمر عدم علمهم بالوقت الذي يستعجلونه بقولهم:

# متى هذا الوعد

# [الأنبياء: 38] وهو الوقت الذي تحيط بهم النار فيه من كل جانب، وتخصيص
~~الوجوه والظهور بالذكر بمعنى القدام والخلف لكونهما أشهر الجوانب /
~~واستلزام الإحاطة بهما للإحاطة بالكل بحيث لا يقدرون على رفعها بأنفسهم
~~من جانب من جوانبهم.

# { ولا هم ينصرون } من جهة الغير في دفعها الخ لما فعلوا ما
~~فعلوا من الاستعجال، وقدر الحوفي لسارعوا إلى الإيمان وبعضهم لعلموا صحة
~~البعث وكلاهما ليس بشيء، وقيل إن { لو } للتمني لا جواب لها وهو كما
~~ترى. وجوز أن يكون { يعلم } متروك المفعول منزلا منزلة اللازم أي لو
~~كان لهم علم لما فعلوا ذلك، وقوله تعالى: { حين } الخ استئناف مقرر
~~لجهلهم ومبين لاستمراره إلى ذلك الوقت كأنه قيل: حين يرون ما يرون يعلمون
~~حقيقة الحال، وفي «الكشف» كأنه استئناف بياني وذلك أنه لما نفى العلم كان
~~مظنة أن يسأل فأي وقت يعلمون؟ فأجيب حين لا ms06761 ينفعهم، والظاهر كون { حين
~~} الخ مفعولا به ليعلم. وقال أبو حيان: الذي يظهر أن مفعوله محذوف
~~لدلالة ما قبله عليه أي لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود الذي سألوا عنه
~~واستبطؤوه و { حين } منصوب بذلك المفعول وليس عندي بظاهر.

### || [21.40]

# { بل تأتيهم بغتة } عطف على

# لا يكفون

# [الأنبياء: 39] وزعم ابن عطية أنه استدراك مقدر قبله نفي والتقدير إن
~~الآيات لا تأتي بحسب اقتراحهم بل تأتيهم بغتة، وقيل: إنه استدراك عن قوله
~~تعالى:

# لو يعلم

# [الأنبياء: 39] الخ وهو منفي معنى كأنه قيل: لا يعلمون ذلك بل تأتيهم
~~الخ، وبينه وبين ما زعمه ابن عطية كما بين السماء والأرض. والمضمر في {
~~تأتيهم } عائد على

# الوعد

# [الأنبياء: 38] لتأويله بالعدة أو الموعدة أو الحين لتأويله بالساعة أو
~~على

# النار

# [الأنبياء: 39] واستظهره في «البحر»، و { بغتة } أي فجأة مصدر في
~~موضع الحال أو مفعول مطلق لتأتيهم وهو مصدر من غير لفظه { فتبهتهم
~~} تدهشهم وتحيرهم أو تغلبهم على أنه معنى كنائي.

# وقرأ الأعمش { بل تأتيهم } بياء الغيبة { بغتة } بفتح الغين
~~وهو لغة فيها، وقيل: إنه يجوز في كل ما عينه حرف حلق { فيبهتهم } بياء
~~الغيبة أيضا، فالضمير المستتر في كل من الفعلين للوعد أو للحين على ما
~~قال الزمخشري. وقال أبو الفضل الرازي: يحتمل أن يكون للنار بجعلها بمعنى
~~العذاب.

# { فتبهتهم فلا يستطيعون ردها } الضمير المجرور عائد
~~على ما عاد عليه ضمير المؤنث فيما قبله، وقيل: على البغتة أي لا يستطيعون
~~ردها عنهم بالكلية { ولا هم ينظرون } أي يمهلون ليستريحوا طرفة
~~عين، وفيه تذكير بإمهالهم في الدنيا.

### || [21.41]

# { ولقد استهزىء برسل من قبلك } الخ تسلية لرسوله صلى
~~الله عليه وسلم عن استهزائهم بعد أن قضى الوطر من ذكر الأجوبة الحكمية عن
~~مطاعنهم في النبوة وما أدمج فيها من المعاني التي هي لباب المقاصد وفيه
~~أنه عليه الصلاة والسلام قضى ما عليه من عهدة الإبلاغ وأنه المنصور في
~~العاقبة ولهذا بدىء بذكر أجلة الأنبياء عليهم السلام للتأسي وختم بقوله
~~تعالى:

# ولقد كتبنا فى الزبور

# [الأنبياء: 105] الخ، وتصدير ms06762 ذلك بالقسم لزيادة تحقيق مضمونه. وتنوين
~~الرسل للتفخيم والتكثير. و(من) متعلقة بمحذوف هو صفة له أي وبالله لقد
~~استهزىء برسل أولي شأن خطير وذوي عدد كثير كائنين من زمان قبل زمانك على
~~حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه { فحاق } أي أحاط عقيب ذلك أو
~~نزل أو حل أو نحو ذلك فإن معناه يدور على الشمول واللزوم ولا يكاد يستعمل
~~إلا في الشر. والحيق ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله. وقيل: أصل حاق
~~حق كزال / وزل وذام وذم.

# وقوله تعالى: { بالذين سخروا منهم } أي من أولئك الرسل
~~عليهم السلام متعلق بحاق. وتقديمه على فاعله الذي هو قوله تعالى: { ما
~~كانوا به يستهزءون } للمسارعة إلى بيان لحوق الشر بهم. و {
~~ما } إما موصولة مفيدة للتهويل والضمير المجرور عائد عليها والجار متعلق
~~بالفعل بعده وتقديمه لرعاية الفواصل أي فأحاط بهم الذي كانوا يستهزئون به
~~حيث أهلكوا لأجله. وإما مصدرية فالضمير راجع إلى جنس الرسول المدلول عليه
~~بالجمع كما قالوا. ولعل إيثار الإفراد على الجمع للتنبيه على أنه يحيق
~~بهم جزاء استهزائهم بكل واحد منهم عليهم السلام لاجزاء استهزائهم بكلهم
~~من حيث هو [كل] فقط أي فنزل بهم جزاء استهزائهم على وضع السبب موضع
~~المسبب إيذانا بكمال الملابسة بينهما أو عين استهزائهم إن أريد بذلك
~~العذاب الأخروي بناء على ظهور الأعمال في النشأة الأخروية بصور مناسبة
~~لها في الحسن والقبح.

### || [21.42]

# { قل } أمر له صلى الله عليه وسلم أن يسأل أولئك المستهزئين سؤال
~~تقريع وتنبيه كيلا يغتروا بما غشيهم من نعم الله تعالى ويقول: { من
~~يكلؤكم } أي يحفظكم { بالليل والنهار من الرحمن
~~} أي من بأسه بقرينة الحفظ، وتقديم الليل لما أن الدواهي فيه أكثر وقوعا
~~وأشد وقعا. وفي التعرض لعنوان الرحمانية تنبيه على أنه لا حفظ لهم إلا
~~برحمته تعالى وتلقين للجواب كما قيل في قوله تعالى:

# ما غرك بربك الكريم

# [الانفطار: 6] وقيل إن ذلك إيماء إلى أن بأسه تعالى إذا أراد شديد أليم
~~ولذا يقال نعوذ بالله عز وجل من غضب الحليم ms06763 وتنديم لهم حيث عذبهم من غلبت
~~رحمته ودلالة على شدة خبثهم. وقرأ أبو جعفر والزهري وشيبة { يكلوكم }
~~بضمة خفيفة من غير همز، وحكى الكسائي والفراء { يكلوكم } بفتح اللام
~~وإسكان الواو.

# وقوله تعالى: { الرحمن بل هم عن ذكر ربهم
~~معرضون } إضراب عن ذلك تسجيلا عليهم بأنهم ليسوا من أهل السماع
~~وأنهم قوم ألهتهم النعم عن المنعم فلا يذكرونه عز وجل حتى يخافوا بأسه أو
~~يعدوا ما كانوا فيه من الأمن والدعة حفظا وكلاءة ليسألوا عن الكالىء على
~~طريقة قوله:

# عوجوا فحيوا لنعمى دمنة الدار

# ماذا تحيون من نؤى وأحجار

# وفيه أنهم مستمرون على الإعراض ذكروا ونبهوا أولا، وفي تعليق الإعراض
~~بذكره تعالى وإيراد اسم الرب المضاف إلى ضميرهم المنبىء عن كونهم تحت
~~ملكوته وتدبيره وتربيته تعالى من الدلالة على كونهم في الغاية القاصية من
~~الضلالة والغي ما لا يخفى، وقيل إنه إضراب عن مقدر أي انهم غير غافلين عن
~~الله تعالى حتى لا يجدي السؤال عنه سبحانه كيف وهم إنما اتخذوا الآلهة
~~وعبدوها لتشفع لهم عنده تعالى وتقربهم إليه زلفى بل هم معرضون عن ذكره عز
~~وجل فالتذكير يناسبهم، وهذا مع ظهوره من مساق الكلام ووضوح انطباقه على
~~مقتضى المقام قد خفي عن الناظرين وغفلوا عنه أجمعين اه. وتعقب بأن
~~السياق لتجهيلهم والتسجيل عليهم بأنهم إذا ذكروا لا يذكرون ألا يرى قوله
~~تعالى:

# ولا يسمع الصم الدعاء

# [الأنبياء: 45] وما ذكر يقتضي العكس لتضمنه وصفهم بإجداء الإنذار
~~والدعاء مع أن قوله غير غافلين مناف لما يدل عليه النظم الكريم فالحق ما
~~تقدم.

### || [21.43]

# قوله تعالى: { أم لهم ءالهة تمنعهم من دوننا } إعراض
~~عن وصفهم بالإعراض إلى توبيخهم باعتمادهم على آلهتهم وإسنادهم الحفظ
~~إليها، فأم منقطعة مقدرة ببل والهمزة و { لهم } خبر مقدم و { ءالهة
~~} مبتدأ وجلمة { تمنعهم } صفته و { من دوننا } قيل صفة بعد صفة
~~أي بل ألهم آلهة مانعة لهم / متجاوزة منعنا أو حفظنا فهم معولون عليها
~~واثقون بحفظها، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن في الكلام
~~تقديما ms06764 وتأخيرا والأصل أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم، وعليه يكون { من
~~دوننا } صفة أيضا، وقال الحوفي: إنه متعلق بتمنعهم أي بل ألهم آلهة
~~تمنعهم من عذاب من عندنا، والاستفهام لإنكار أن يكون لهم آلهة كذلك، وفي
~~توجيه الإنكار والنفي إلى وجود الآلهة الموصوفة بما ذكر لا إلى نفس الصفة
~~بأن يقال أم تمنعهم آلهتهم الخ من الدلالة على سقوطها عن مرتبة الوجود
~~فضلا عن رتبة المنع ما لا يخفى.

# وقال بعض الأجلة: إن الإضراب الذي تضمنته { أم } عائد على الأمر
~~بالسؤال كالإضراب السابق لكنه أبلغ منه من حيث إن سؤال الغافل عن الشيء
~~بعيد وسؤال المعتقد لنقيضه أبعد، وفهم منه بعضهم أن الهمزة عليه للتقرير
~~بما في زعم الكفرة تهكما. وتعقب أنه ليس بمتعين فيجوز أن يكون للإنكار
~~لا بمعنى أنه لم يكن منهم زعم ذلك بل بمعنى أنه لم كان مثله مما لا حقيقة
~~له، والأظهر عندي جعله عائدا على الوصف بالإعراض كما سمعت أولا. وفي
~~«الكشف» ضمن الإعراض عن وصفهم بالإعراض إنكاره أبلغ الإنكار بأنهم في
~~إعراضهم عن ذكره تعالى كمن له كالىء يمنعه عن بأسنا معرضا فيه بجانب
~~آلهتهم وأنهم أعرضوا عنه تعالى واشتغلوا بهم ولهذا رشح بما بعد كأنه قيل
~~دع حديث الإعراض وانظر إلى من أعرضوا عن ربهم سبحانه إليه فإن هذا أطم
~~وأطم فتأمله فإنه دقيق.

# وقوله تعالى: { لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم
~~منا يصحبون } استئناف مقرر لما قبله من الإنكار أي لا يستطيعون
~~أن ينصروا أنفسهم ويدفعوا عنها ما ينزل بها ولا هم منا يصحبون بنصر أو
~~بمن يدفع عنهم ذلك من جهتنا فهم في غاية العجز وغير معتنى بهم فكيف يتوهم
~~فيهم ما يتوهم، فالضمائر للآلهة بتنزيلهم منزلة العقلاء وروي عن قتادة،
~~وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها للكفرة على معنى لا يستطيع
~~الكفار نصر أنفسهم بآلهتهم ولا يصحبهم نصر من جهتنا، والأول أولى بالمقام
~~وإن كان هذا أبعد عن التفكيك، و { منا } على القولين يحتمل أن يتعلق ms06765
~~بالفعل بعده وأن يتعلق بمقدر وقع صفة لمحذوف.

### || [21.44]

# قوله تعالى: { بل متعنا هؤلاء وءاباءهم حتى طال
~~عليهم العمر } الخ إضراب على ما في «الكشف» عن الضرب السابق من
~~الكلام إلى وعيدهم وأنهم من أهل الاستدراج وأخرجهم عن الخطاب عدم مبالاة
~~بهم، وفي العدول إلى الإشارة عن الضمير إشارة إلى تحقيرهم. وفي غير كتاب
~~أنه إضراب عما توهموه من أن ما هم فيه من الكلاءة من جهة أن لهم آلهة
~~تمنعهم من تطرق البأس إليهم كأنه قيل دع ما زعموا من كونهم محفوظين
~~بكلاءة آلهتهم بل ما هم فيه من الحفظ منا لا غير حفظناهم من البأساء
~~ومتعناهم بأنواع السراء لكونهم من أهل الاستدراج والانهماك فيما يؤديهم
~~إلى العذاب الأليم. ويحتمل أن يكون إضرابا عما يدل عليه الاستئناف
~~السابق من بطلان توهمهم كأنه قيل دع ما يبين بطلان توهمهم من أن يكون لهم
~~آلهة تمنعهم واعلم أنهم إنما وقعوا في ورطة ذلك التوهم الباطل بسبب أنا
~~متعناهم بما يشتهون حتى طالت مدة عمارة أبدانهم بالحياة فحسبوا أن ذلك
~~يدوم فاغتروا وأعرضوا عن الحق واتبعوا ما سولت لهم أنفسهم وذلك طمع فارغ
~~وأمل كاذب.

# { أفلا يرون } أي ألا ينظرون فلا يرون / { أنا نأتى
~~الأرض } أي أرض الكفرة أو أرضهم { ننقصها من أطرافها }
~~بتسليط المسلمين عليها وحوز ما يحوزونه منها ونظمه في سلك ملكهم، والعدول
~~عن أنا ننقص الأرض من أطرافها إلى ما في النظم الجليل لتصوير كيفية نقصها
~~وانتزاعها من أيديهم فإنه بإتيان جيوش المسلمين واستيلائهم، وكان الأصل
~~يأتي جيوش المسلمين لكنه أسند الإتيان إليه عز وجل تعظيما لهم وإشارة
~~إلى أنه بقدرته تعالى ورضاه، وفيه تعظيم للجهاد والمجاهدين. والآية كما
~~قدمنا أول السورة مدنية وهي نازلة بعد فرض الجهاد فلا يرد أن السورة مكية
~~والجهاد فرض بعدها حتى يقال: إن ذلك إخبار عن المستقبل أو يقال: إن
~~المراد ننقصها بإذهاب بركتها كما جاء في رواية عن ابن عباس أو بتخريب
~~قراها وموت أهلها كما روي عن عكرمة.

# وقيل ننقصها بموت ms06766 العلماء وهذا إن صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فلا معدل عنه وإلا فالأظهر نظرا إلى المقام ما تقدم ويؤيده قوله تعالى:
~~{ أفهم الغلبون } على رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~والمؤمنين. والمراد إنكار ترتيب الغالبية على ما ذكر من نقص أرض الكفرة
~~بتسليط المؤمنين عليها كأنه قيل أبعد ظهور ما ذكر ورؤيتهم له يتوهم
~~غلبتهم، وفي التعريف تعريض بأن المسلمين هم المتعينون للغلبة المعروفون
~~فيها.

### || [21.45]

# { قل إنما أنذركم } بعد ما بين من جهته تعالى غاية هول ما
~~يستعجله المستعجلون ونهاية سوء حالهم عند إتيانه ونعى عليهم جهلهم بذلك
~~وإعراضهم عن ذكر ربهم الذي يكلؤهم من طوارق الليل وحوادث النهار وغير ذلك
~~من مساويهم أمر عليه الصلاة والسلام بأن يقول لهم: إنما أنذركم ما
~~تستعجلونه من الساعة { بالوحى } الصادق الناطق بإتيانها وفظاعة ما
~~فيها من الأهوال أي إنما شأني أن أنذركم بالإخبار بذلك لا بالإتيان بها
~~فإنه مزاحم للحكمة التكوينية والتشريعية فإن الإيمان برهاني لا عياني.

# وقوله تعالى: { ولا يسمع الصم الدعاء } إما من تتمة الكلام
~~الملقن تذييل له بطريق الاعتراض قد أمر صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم
~~توبيخا وتقريعا وتسجيلا عليهم بكمال الجهل والعناد، وإما من جهته
~~تعالى على طريقة قوله سبحانه:

# بل هم عن ذكر ربهم معرضون

# [الأنبياء:42] كأنه قيل قل لهم ذلك وهم بمعزل عن السماع، واللام في الصم
~~إما للجنس المنتظم لهؤلاء الكفرة انتظاما أوليا وإما للعهد فوضع المظهر
~~موضع المضمر للتسجيل عليهم بالتصام، وتقييد نفي السماع بقوله تعالى: {
~~إذا ما ينذرون } مع أن الصم لا يسمعون مطلقا لبيان كمال شدة
~~الصمم كما أن إيثار الدعاء الذي هو عبارة عن الصوت والنداء على الكلام
~~لذلك، فإن الإنذار عادة يكون بأصوات عالية مكررة مقارنة لهيئات دالة عليه
~~فإذا لم يسمعوها يكن صممهم في غاية لم يسمع بمثلها، وقيل لأن الكلام في
~~الإنذار ألا ترى قوله تعالى: { قل إنما أنذركم بالوحى }
~~وفيه دغدغة لا تخفى.

# وقرأ ابن عامر وابن جبير عن أبي عمرو ms06767 وابن الصلت عن حفص { تسمع }
~~بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم من الإسماع { الصم
~~الدعاء } بنصبهما على المفعولية، وهذه القراءة تؤيد احتمال كون الجملة
~~من جهته تعالى. وقرىء { يسمع } بالياء على الغيبة وإسناد الفعل إلى
~~ضميره صلى الله عليه وسلم { الصم الدعاء } بنصبهما على ما مر.
~~وذكر ابن خالويه أنه قرىء { يسمع } مبنيا للمفعول { الصم }
~~بالرفع على النيابة عن الفاعل { الدعاء } بالنصب على المفعولية. وقرأ
~~أحمد بن جبير الأنطاكي عن اليزيدي عن أبي عمرو { يسمع } بضم ياء
~~الغيبة وكسر الميم { الصم } / بالنصب على المفعولية { الدعاء }
~~بالرفع على الفاعلية بيسمع، وإسناد الإسماع إليه من باب الاتساع والمفعول
~~الثاني محذوف كأنه قيل ولا يسمع الصم الدعاء شيئا.

### || [21.46]

# وقوله تعالى: { ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك }
~~بيان لسرعة تأثرهم من مجىء نفس العذاب إثر بيان عدم تأثرهم من مجىء خبره
~~على نهج التوكيد القسمي أي وبالله لئن مسهم أدنى شيء من عذابه تعالى. {
~~ليقولن يويلنا إنا كنا ظلمين } أي ليدعن على
~~أنفسهم بالويل والهلاك ويعترفن عليها بالظلم السابق، وفي { مستهم
~~نفحة } ثلاث مبالغات كما قال الزمخشري وهي كما في «الكشف» ذكر المس
~~وهو دون النفوذ ويكفي في تحققه إيصال ما، وما في النفح من معنى النزارة
~~فإن أصله هبوب رائحة الشيء ويقال نفحته الدابة ضربته بحد حافرها ونفحه
~~بعطية رضخه وأعطاه يسيرا، وبناء المرة وهي لأقل ما ينطلق عليه الاسم،
~~وجعل السكاكي التنكير رابعتها لما يفيده من التحقير، واستفادة ذلك إن
~~سلمت من بناء المرة ونفس الكلمة لا يعكر عليه كما زعم صاحب «الإيضاح».
~~واعترض بعضهم المبالغة في المس بأنه أقوى من الإصابة لما فيه من الدلالة
~~على تأثر حاسة الممسوس ومما ذكر في «الكشف» يعلم اندفاعه لمن مسته نفحة
~~عناية، ولعل في الآية مبالغة خامسة تظهر بالتأمل؛ ثم الظاهر أن هذا المس
~~يوم القيامة كما رمزنا إليه، وقيل في الدنيا بناء على ما روي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما من تفسير النفحة بالجوع الذي نزل بمكة.

### || [21.47] ms06768

# وقوله تعالى: { ونضع الموزين القسط } بيان لما سيقع عند
~~إتيان ما أنذروه. وجعل الطيبي الجملة حالا من الضمير في

# ليقولن

# [الأنبياء: 46] بتقدير ونحن نضع، وهي في الخلو عن العائد نحو جئتك
~~والشمس طالعة، ويجوز أن يقال: أقيم العموم في { نفس } الآتي بعد مقام
~~العائد وهو كما ترى أي ونحضر الموازين العادلة التي توزن بها صحائف
~~الأعمال كما يقضي بذلك حديث السجلات والبطاقة التي ذكره مسلم وغيره أو
~~نفس الأعمال كما قيل، وتظهر بصور جوهرية مشرفة إن كانت حسنات ومظلمة إن
~~كانت سيئات، وجمع الموازين ظاهر في تعدد الميزان حقيقة وقد قيل به فقيل
~~لكل أمة ميزان، وقيل لكل مكلف ميزان، وقيل للمؤمن موازين بعدد خيراته
~~وأنواع حسناته، والأصح الأشهر أنه ميزان واحد لجميع الأمم ولجميع الأعمال
~~كفتاه كإطباق السموات والأرض لصحة الأخبار بذلك، والتعدد اعتباري وقد
~~يعبر عن الواحد بما يدل على الجمع للتعظيم كقوله تعالى:

# رب ارجعون * لعلى أعمل صلحا

# [المؤمنون: 99-100] وقوله:

# فارحموني يا إله محمد

# وإحضار ذلك تجاه العرش بين الجنة والنار ويأخذ جبريل عليه السلام بعموده
~~ناظرا إلى لسانه وميكائيل عليه السلام أمين عليه كما في «نوادر الأصول»،
~~وهل هو مخلوق اليوم أو سيخلق غدا؟. قال اللقاني: لم أقف على نص في ذلك
~~كما لم أقف على نص في أنه من أي الجواهر هو اه، وما روي من أن داود عليه
~~السلام سأل ربه سبحانه أن يريه الميزان فلما رآه غشي عليه ثم أفاق فقال:
~~يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟ فقال تعالى: يا داود إني إذا
~~رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة، نص في أنه مخلوق اليوم لكن لا أدري حال
~~الحديث فلينقر. وأنكر المعتزلة الميزان بالمعنى الحقيقي وقالوا: يجب أن
~~يحمل ما ورد في القرآن من ذلك على رعاية العدل والإنصاف، ووضع الموازين
~~عندهم تمثيل لإرصاد الحساب السوي والجزاء على حسب الأعمال، وروي هذا عن
~~الضحاك وقتادة ومجاهد والأعمش ولا داعي إلى العدول عن الظاهر.

# وإفراد القسط مع كونه / صفة الجمع لأنه ms06769 مصدر ووصف به مبالغة، ويجوز أن
~~يكون على حذف مضاف أي ذوات القسط، وجوز أبو حيان أن يكون مفعولا لأجله
~~نحو قوله:

# لا أقعد الجبن عن الهيجاء

# وحينئذ يستغني عن توجيه إفراده، وقرىء { القصط } بالصاد، واللام في
~~قوله تعالى: { ليوم القيمة } بمعنى في كما نص عليه ابن مالك
~~وأنشد لمجيئها كذلك قول مسكين الدارمي:

# أولئك قومي قد مضوا لسبيلهم

# كما قد مضى من قبل عاد وتبع

# وهو مذهب الكوفيين ووافقهم ابن قتيبة أي نضع الموازين في يوم القيامة
~~التي كانوا يستعجلونها؛ وقال غير واحد: هي للتعليل أي لأجل حساب يوم
~~القيامة أو لأجل أهله وجعلها بعضهم للاختصاص كما هو أحد احتمالين في قولك
~~جئت لخمس ليال خلون من الشهر، والمشهور فيه وهو الاحتمال الثاني أن اللام
~~بمعنى في.

# { فلا تظلم نفس } من النفوس { شيئا } من الظلم فلا ينقص
~~ثوابها الموعود ولا يزاد عذابها المعهود. فالشيء منصوب على المصدرية
~~والظلم هو بمعناه المشهور. وجوز أن يكون { شيئا } مفعولا به على
~~الحذف والإيصال والظلم بحاله أي فلا تظلم في شيء بأن تمنع ثوابا أو تزاد
~~عذابا، وبعضهم فسر الظلم بالنقص وجوز في { شيئا } المصدرية
~~والمفعولية من غير اعتبار الحذف والإيصال أي فلا تنقص شيئا من النقص أو
~~شيئا من الثواب، ويفهم عدم الزيادة في العقاب من إشارة النص واللزوم
~~المتعارف، واختير ما لا يحتاج فيه إلى الإشارة واللزوم. والفاء لترتيب
~~انتفاء الظلم على وضع الموازين. وربما يفهم من ذلك أن كل أحد توزن
~~أعماله، وقال القرطبي: الميزان حق ولا يكون في حق كل أحد بدليل الحديث
~~الصحيح فيقال:

# " يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن "

# الحديث وأحرى الأنبياء عليهم السلام، وقوله تعالى:

# يعرف المجرمون بسيمهم فيؤخذ بالنواصى
~~والأقدام

# [الرحمن: 41] وقوله تعالى:

# فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا

# [الكهف: 105] وقوله سبحانه:

# وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء
~~منثورا

# [الفرقان: 23] وإنما يبقى الوزن لمن شاء الله سبحانه من الفريقين.

# وذكر القاضي منذر بن سعيد البلوطي أن ms06770 أهل الصبر لا توزن أعمالهم وإنما
~~يصب لهم الأجر صبا، وظواهر أكثر الآيات والأحاديث تقتضي وزن أعمال
~~الكفار، وأول لها ما اقتضى ظاهره خلاف ذلك وهو قليل بالنسبة إليها، وعندي
~~لا قاطع في عموم الوزن وأميل إلى عدم العموم، ثم إنه كما اختلف في عمومه
~~بالنسبة إلى أفراد الإنس اختلف في عمومه بالنسبة إلى نوعي الإنس والجن،
~~والحق أن مؤمني الجن كمؤمني الإنس وكافرهم ككافرهم كما بحثه القرطبي
~~واستنبطه من عدة آيات، وبسط اللقاني القول في ذلك في شرحه الكبير
~~«للجوهرة»، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان الخلاف في كيفية الوزن.

# { وإن كان } أي العمل المدلول عليه بوضع الموازين، وقيل الضمير راجع
~~لشيئا بناء على أن المعنى فلا تظلم جزاء عمل من الأعمال { مثقال
~~حبة من خردل } أي مقدار حبة كائنة من خردل فالجار والمجرور
~~متعلق بمحذوف وقع صفة لحبة، وجوز أن يكون صفة لمثقال والأول أقرب،
~~والمراد وإن كان في غاية القلة والحقارة فإن حبة الخردل مثل في الصغر.
~~وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما وأبو جعفر وشيبة ونافع { مثقال
~~} بالرفع على أن كان / تامة.

# { أتينا بها } أي جئنا بها وبه قرأ أبي، والمراد أحضرناها،
~~فالباء للتعدية والضمير للمثقال وأنث لاكتساب التأنيث من المضاف إليه
~~والجملة جواب (إن) الشرطية، وجوز أن تكون (إن) وصلية والجملة مستأنفة وهو
~~خلاف الظاهر.

# وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن جبير وابن أبي إسحاق والعلاء بن سيابة وجعفر
~~بن محمد وابن شريح الأصبهاني { ءاتينا } بمدة على أنه مفاعلة من
~~الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة لأنهم أتوه تعالى بالأعمال وأتاهم
~~بالجزاء، وقيل هو من الإيتاء وأصله أأتينا فأبدلت الهمزة الثانية ألفا،
~~والمراد جازينا أيضا مجازا ولذا عدي بالباء ولو كان المراد أعطينا كما
~~قال بعضهم لتعدى بنفسه كما قال ابن جني وغيره. وقرأ حميد { أثبنا } من
~~الثواب.

# { وكفى بنا حسبين } قيل أي عادين ومحصين أعمالهم على أنه من
~~الحساب مرادا به معناه اللغوي وهو العد وروي ذلك عن السدي، وجوز أن يكون
~~كناية عن المجازاة. ms06771 وذكر اللقاني أن الحساب في عرف الشرع توقيف الله
~~تعالى عباده إلا من استثنى منهم قبل الانصراف من المحشر على أعمالهم
~~خيرا كانت أو شرا تفصيلا لا بالوزن، وأنه كما ذكر الواحدي وغيره وجزم
~~به صاحب «كنز الأسرار» قبل الوزن، ولا يخفى أن في الآية إشارة ما إلى أن
~~الحساب المذكور فيها بعد وضع الموازين فتأمل، ونصب الوصف إما على أنه
~~تمييز أو على أنه حال واستظهر الأول في «البحر».

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات:

# اقترب للناس حسبهم وهم فى غفلة معرضون

# [الأنبياء: 1] الخ فيه إشارة إلى سوء حال المحجوبين بحب الدنيا عن
~~الاستعداد للأخرى فغفلوا عن إصلاح أمرهم وأعرضوا عن طاعة ربهم وغدت
~~قلوبهم عن الذكر لاهية وعن التفكير في جلاله وجماله سبحانه ساهية، وفي
~~قوله تعالى:

# وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا
~~بشر مثلكم

# [الأنبياء: 3] إشارة إلى سوء حال بعض المنكرين على أولياء الله تعالى
~~فإن نفوسهم الخبيثة الشيطانية تأبى اتباعهم لما يرون من المشاركة في
~~العوارض البشرية

# وكم قصمنا من قرية كانت ظلمة

# [الأنبياء: 11] فيه إشارة إلى أن في الظلم خراب العمران فمتى ظلم
~~الإنسان خرب قلبه وجر ذلك إلى خراب بدنه وهلاكه بالعذاب، وفي قوله تعالى:

# بل نقذف بالحق على البطل فيدمغه فإذا هو
~~زاهق

# [الأنبياء: 18] إشارة إلى أن مداومة الذكر سبب لانجلاء الظلمة عن القلب
~~وتطهره من دنس الأغيار بحيث لا يبقى فيه سواه سبحانه ديار

# ومن عنده

# [الأنبياء: 19] قيل هم الكاملون الذين في الحضرة فإنهم لا يتحركون ولا
~~يسكنون إلا مع الحضور ولا تشق عليهم عبادة ولا تلهيهم عنه تعالى تجارة
~~بواطنهم مع الحق وظواهرهم مع الخلق أنفاسهم تسبيح وتقديس وهو سبحانه لهم
~~خير أنيس، وفي قوله تعالى:

# بل عباد مكرمون

# [الأنبياء: 26]

# لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون

# [الأنبياء: 27] إشارة إلى أن الكامل لا يختار شيئا بل شأنه التفويض
~~والجريان تحت مجاري الأقدار مع طيب النفس، ومن هنا قيل إن القطب الرباني
~~الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره وغمرنا بره لم يتوف ms06772 حتى ترقى عن مقام
~~الإدلال إلى التفويض المحض، وقد نص على ذلك الشيخ عبد الوهاب الشعراني في
~~كتابه «الجواهر واليواقيت»

# وجعلنا من الماء كل شىء حى

# [الأنبياء: 30] قد تقدم ما فيه من الإشارة { كل نفس ذائقة
~~الموت } قال الجنيد قدس سره: من كانت حياته بروحه يكون مماته بذهابها
~~ومن كانت حياته بربه تعالى فإنه ينقل من حياة الطبع إلى حياة الأصل وهي
~~الحياة على الحقيقة

# ونبلوكم بالشر والخير فتنة

# [الأنبياء: 35] قيل أي بالقهر واللطف والفراق والوصال والإدبار والإقبال
~~والجهل والعلم إلى غير ذلك، ولا يخفى أنه كثيرا ما يمتحن السالك بالقبض
~~والبسط فينبغي له التثبت / في كل عما يحطه عن درجته، ولعل فتنة البسط أشد
~~من فتنة القبض فليتحفظ هناك أشد تحفظ

# ونضع الموزين القسط ليوم القيمة

# [الأنبياء: 47] قال بعض الصوفية: الموازين متعددة فللعاشقين ميزان
~~وللوالهين ميزان وللعاملين ميزان وهكذا، ومن ذلك ميزان للعارفين توزن به
~~أنفاسهم ولا يزن نفسا منها السموات والأرض. وذكروا أن في الدنيا موازين
~~أيضا وأعظم موازينها الشريعة وكفتاه الكتاب والسنة، ولعمري لقد عطل هذا
~~الميزان متصوفة هذا الزمان أعاذنا الله تعالى والمسلمين مما هم عليه من
~~الضلال إنه عز وجل المتفضل بأنواع الإفضال.

### || [21.48]

# نوع تفصيل لما أجمل في قوله تعالى:

# ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم

# [الأنبياء: 7] إلى قوله سبحانه:

# وأهلكنا المسرفين

# [الأنبياء: 9] وإشارة إلى كيفية إنجائهم وإهلاك أعدائهم، وتصديره
~~بالتوكيد القسمي لإظهار كمال الاعتناء بمضمونه، والمراد بالفرقان التوراة
~~وكذا بالضياء والذكر، والعطف كما في قوله:

# إن الملك القرم وابن الهمام

# وليث الكتيبة في المزدحم

# ونقل الطيبي أنه أدخل الواو على { ضياء } وإن كان صفة في المعنى دون
~~اللفظ كما يدخل على الصفة التي هي صفة لفظا كقوله تعالى:

# إذ يقول المنفقون والذين في قلوبهم مرض

# [الأنفال: 49] وقال سيبويه: إذا قلت مررت بزيد وصاحبك جاز وإذا قلت
~~ومررت بزيد فصاحبك بالفاء لم يجز كما جاز بالواو لأن الفاء تقتضي التعقيب
~~وتأخير الاسم عن المعطوف عليه بخلاف الواو، وأما قول القائل:

# يا لهف زيابة ms06773 للحارث الصا

# بح فالغانم فالآيب

# فإنما ذكر بالفاء وجاء لأنه ليس بصفة على ذلك الحد لأن أل بمعنى الذي أي
~~فالذي صبح فالذي غنم فالذي آب. وأبو الحسن يجيز المسألة بالفاء كما
~~يجيزها بالواو انتهى، والمعنى وبالله لقد آتيناهما كتابا جامعا بين
~~كونه فارقا بين الحق والباطل وضياء يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية
~~وذكرا يتعظ به الناس ويتذكرون، وتخصيص المتقين بالذكر لأنهم المنتفعون
~~به أو ذكر ما يحتاجون به من الشرائع والأحكام أو شرف لهم.

# وقيل: الفرقان النصر كما في قوله تعالى:

# يوم الفرقان

# [الأنفال: 41] وأطلق عليه لفرقه بين الولي والعدو وجاء ذلك في رواية عن
~~ابن عباس، والضياء حينئذ إما التوراة أو الشريعة أو اليد البيضاء، والذكر
~~بأحد المعاني المذكورة. وعن الضحاك أن الفرقان فلق البحر والفلق أخوان،
~~وإلى الأول ذهب مجاهد وقتادة وهو اللائق بمساق النظم الكريم فإنه لتحقيق
~~أمر القرآن المشارك لسائر الكتب الإلهية لا سيما التوراة فيما ذكر من
~~الصفات ولأن فلق البحر هو الذي اقترح الكفرة مثله بقولهم:

# بل قالوا أضغث أحلام بل

# [الأنبياء: 5].

# وقرأ ابن عباس وعكرمة والضحاك { ضياء } بغير واو على أنه حال من {
~~الفرقان } وهذه القراءة تؤيد أيضا التفسير الأول.

### || [21.49]

# قوله تعالى: { الذين يخشون ربهم } مجرور المحل على أنه صفة
~~مادحة للمتقين أو بدل أو بيان أو منصوب أو مرفوع على المدح، والمراد على
~~كل تقدير يخشون عذاب ربهم. وقوله سبحانه: { بالغيب } حال من المفعول
~~أي يخشون ذلك وهو غائب عنهم غير مرئي لهم ففيه تعريض بالكفرة حيث لا
~~يتأثرون بالإنذار ما لم يشاهدوا ما أنذروه. / وقال الزجاج: حال من الفاعل
~~أي يخشونه غائبين عن أعين الناس ورجحه ابن عطية. وقيل: يخشونه بقلوبهم.

# { وهم من الساعة مشفقون } أي خائفون بطريق الاعتناء،
~~والجملة تحتمل العطف على الصلة وتحتمل الاستئناف، وتقديم الجار لرعاية
~~الفواصل، وتخصيص إشفاقهم من الساعة بالذكر بعد وصفهم بالخشية على الإطلاق
~~للإيذان بكونها معظم المخلوقات وللتنصيص على اتصافهم بضد ما اتصف به
~~المستعجلون، وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على أن ms06774 حالتهم فيما يتعلق
~~بالآخرة الإشفاق الدائم.

### || [21.50]

# { وهذا } أي القرآن الكريم أشير إليه بهذا للإيذان بسهولة تناوله
~~ووضوح أمره، وقيل: لقرب زمانه { ذكر } يتذكر به من تذكر وصف بالوصف
~~الأخير للتوراة لمناسبة المقام وموافقته لما مر في صدر السورة الكريمة مع
~~انطواء جميع ما تقدم في وصفه بقوله تعالى: { مبارك } أي كثير الخير
~~غزير النفع؛ ولقد عاد علينا ولله تعالى الحمد من بركته ما عاد. وقوله
~~تعالى: { أنزلنه } إما صفة ثانية لذكر أو خبر آخر لهذا، وفيه على
~~التقديرين من تعظيم أمر القرآن الكريم ما فيه.

# { أفأنتم له منكرون } إنكار لإنكارهم بعد ظهور كونه
~~كالتوراة كأنه قيل أبعد ان علمتم أن شأنه كشأن التوراة أنتم منكرون لكونه
~~منزلا من عندنا فإن ذلك بعد ملاحظة حال التوراة مما لا مساغ له أصلا،
~~وتقديم الجار والمجرور لرعاية الفواصل أو للحصر لأنهم معترفون بغيره مما
~~في أيدي أهل الكتاب.

### || [21.51-52]

# { ولقد ءاتينا إبرهيم رشده } أي الرشد اللائق به
~~وبأمثاله من الرسل الكبار وهو الرشد الكامل أعني الاهتداء إلى وجوه
~~الصلاح في الدين والدنيا والإرشاد بالنواميس الإلهية؛ وقيل الصحف، وقيل:
~~الحكمة، وقيل: التوفيق للخير صغيرا، واختار بعضهم التعميم. وقرأ عيسى
~~الثقفي { رشده } بفتح الراء والشين وهما لغة كالحزن والحزن { من
~~قبل } أي من قبل موسى وهارون، وقيل من قبل البلوغ حين خرج من السرب،
~~وقيل من قبل أن يولد حين كان في صلب آدم عليه السلام، وقيل من قبل محمد
~~صلى الله عليه وسلم والأول مروي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى
~~عنهم قال في «الكشف»: وهو الوجه الأوفق لفظا ومعنى، أما الأول فللقرب،
~~وأما الثاني فلأن ذكر الأنبياء عليهم السلام للتأسي، وكان القياس أن يذكر
~~نوح ثم إبراهيم ثم موسى عليهم السلام لكن روعي في ذلك ترشيح التسلي
~~والتأسي فقد ذكر موسى عليه السلام لأن حاله وما قاساه من قومه وكثرة
~~آياته وتكاثف أمته أشبه بحال نبينا عليه الصلاة والسلام ثم ثنى بذكر
~~إبراهيم عليه السلام، وقيل: { من قبل } لهذا ألا ms06775 ترى إلى قوله تعالى:

# ونوحا إذ نادى من قبل

# [الأنبياء: 76] أي من قبل هؤلاء المذكورين، وقيل من قبل إبراهيم ولوط
~~اه { وكنا به علمين } أي بأحواله وما فيه من الكمالات، وهذا
~~كقولك في خير من الناس: أنا عالم بفلان فإنه من الاحتواء على محاسن
~~الأوصاف بمنزل. وجوز أن يكون هذا كناية عن حفظه تعالى إياه وعدم إضاعته،
~~وقد قال عليه السلام يوم إلقائه في النار وقول جبريل عليه السلام له سل
~~ربك: علمه بحالي يغني عن سؤالي وهو خلاف الظاهر.

# { إذ قال لأبيه وقومه } ظرف ل { آتينآ }
~~[الأنبياء:51] على أنه وقت متسع وقع فيه الإيتاء وما يترتب عليه من
~~أقواله وأفعاله، وجوز أن يكون ظرفا لرشد / أو لعالمين، وأن يكون بدلا
~~من موضع { من قبل } [الأنبياء:51] وأن ينتصب بإضمار أعني أو اذكر،
~~وبدأ بذكر الأب لأنه كان الأهم عنده عليه السلام في النصيحة والإنقاذ من
~~الضلال.

# والظاهر أنه عليه السلام قال له ولقومه مجتمعين: { ما هذه
~~التمثيل التى أنتم لها عكفون } أراد عليه السلام ما
~~هذه الأصنام إلا أنه عبر عنها بالتماثيل تحقيرا لشأنها فإن التمثال
~~الصورة المصنوعة مشبهة بمخلوق من مخلوقات الله تعالى من مثلت الشيء
~~بالشيء إذا شبهته به، وكانت على ما قيل صور الرجال يعتقدون فيهم وقد
~~انقرضوا، وقيل كانت صور الكواكب صنعوها حسبما تخيلوا، وفي الإشارة إليها
~~بما يشار به القريب إشارة إلى التحقير أيضا، والسؤال عنها بما التي يطلب
~~بها بيان الحقيقة أو شرح الاسم من باب تجاهل العارف كأنه لا يعرف أنها
~~ماذا وإلا فهو عليه السلام محيط بأن حقيقتها حجر أو نحوه، والعكوف
~~الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم له، وقيل اللزوم والاستمرار
~~على الشيء لغرض من الأغراض وهو على التفسيرين دون العبادة ففي اختياره
~~عليها إيماء إلى تفظيع شأن العبادة غاية التفظيع.

# واللام في { لها } للبيان فهي متعلقة بمحذوف كما في قوله تعالى:

# للرؤيا تعبرون

# [يوسف: 43] أو للتعليل فهي متعلقة بعاكفون وليست للتعدية لأن عكف إنما
~~يتعدى بعلى كما في قوله ms06776 تعالى:

# يعكفون على أصنام لهم

# [الأعراف: 138] وقد نزل الوصف هنا منزلة اللازم أي التي أنتم لها فاعلون
~~العكوف. واستظهر أبو حيان كونها للتعليل وصلة { عكفون } محذوفة أي
~~عاكفون على عبادتها، ويجوز أن تكون اللام بمعنى على كما قيل ذلك في قوله
~~تعالى:

# وإن أسأتم فلها

# [الإسراء: 7] وتتعلق حينئذ بعاكفون على أنها للتعدية. وجوز أن يؤول
~~العكوف بالعبادة فاللام حينئذ كما قيل دعامة لا معدية لتعديه بنفسه ورجح
~~هذا الوجه بما بعد، وقيل لا يبعد أن تكون اللام للاختصاص والجار والمجرور
~~متعلق بمحذوف وقع خبرا و { عكفون } خبر بعد خبر، وأنت تعلم أن نفي
~~بعده مكابرة.

# ومن الناس من لم يرتض تأويل العكوف بالعبادة لما أخرج ابن أبي شيبة
~~وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» وابن المنذر وابن أبي
~~حاتم والبيهقي في «الشعب» عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه مر على قوم
~~يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون لأن يمس
~~أحدكم جمرا حتى يطفى خير له من أن يمسها، وفيه نظر لا يخفى، نعم لا يبعد
~~أن يكون الأولى إبقاء العكوف على ظاهره، ومع ذلك المقصود بالذات
~~الاستفسار عن سبب العبادة والتوبيخ عليها بألطف أسلوب ولما لم يجدوا ما
~~يعول عليه في أمرها التجؤا إلى التشبث بحشيش التقليد المحض حيث.

### || [21.53]

# وأبطل عليه السلام ذلك على طريقة التوكيد القسمي حيث.

### || [21.54]

# { قال لقد كنتم أنتم وءاباؤكم } الذين وجدتموهم كذلك {
~~فى ضلل } عجيب لا يقادر قدره { مبين } ظاهر بين بحيث لا يخفى
~~على أحد من العقلاء كونه ضلالا لاستنادكم وإياهم إلى غير دليل بل إلى
~~هوى متبع وشيطان مطاع، و { أنتم } تأكيد للضمير المتصل في { كنتم }
~~ولا بد منه عند البصريين لجواز العطف على مثل هذا الضمير، ومعنى كنتم في
~~ضلال مطلق استقرارهم وتمكنهم فيه لا استقرارهم الماضي الحاصل قبل زمان
~~الخطاب المتناول لهم ولآبائهم، وفي اختيار { فى ضلل } على ضالين ما
~~لا يخفى من المبالغة في ضلالهم، وفي الآية دليل على أن الباطل ms06777 لا يصير
~~حقا بكثرة المتمسكين به.

### || [21.55]

# { قالوا } لما سمعوا مقالته عليه السلام استبعادا / لكون ما هم عليه
~~ضلالا وتعجبا من تضليله عليه السلام أياهم على أتم وجه { أجئتنا
~~بالحق } أي بالجد { أم أنت من اللعبين } أي الهازلين
~~فالاستفهام ليس على ظاهره بل هو استفهام مستبعد متعجب، وقولهم: { أم
~~أنت } الخ عديله كلام منصف مومىء فيه بألطف وجه أن الثابت هو القسم
~~الثاني لما فيه من أنواع المبالغة، وأشار في «الكشاف» كما في «الكشف» إلى
~~أن الأصل هذا الذي جئتنا به أهو جد وحق أم لعب وهزل إلا أنه عدل عنه إلى
~~ما عليه النظم الكريم لما أشير إليه. وقال صاحب «المفتاح»: أي أجددت
~~وأحدثت عندنا تعاطى الحق أم أحوال الصبا بعد على الاستمرار وهو أقرب إلى
~~الظاهر وفيه الإشارة إلى فائدة العدول عن المعادل ظاهرا وبيان المراد
~~بالمجيء.

# وظاهر كلام الشيخين أن (أم) متصلة. واختار العلامة الطيبي أنها منقطعة
~~فقال: إنهم لما سمعوا منه عليه السلام ما يدل على تحقير آلهتهم وتضليلهم
~~وآبائهم على أبلغ وجه وشاهدوا منه الغلظة والجد طلبوا منه عليه السلام
~~البرهان فكأنهم قالوا هب أنا قد قلدنا آباءنا فيما نحن فيه فهل معك دليل
~~على ما ادعيت أجئتنا بالحق ثم أضربوا عن ذلك وجاؤا بأم المتضمنة لمعنى بل
~~الإضرابية والهمزة التقديرية فأضربوا ببل عما أثبتوا له وقرروا بالهمزة
~~خلافه على سبيل التوكيد والبت، وذلك أنهم قطعوا أنه لاعب وليس بمحق البتة
~~لأن إدخالهم إياه في زمرة اللاعبين أي أنت غريق في اللعب داخل في زمرة
~~الذين قصارى أمرهم في إثبات الدعاوى اللعب واللهو على سبيل الكناية
~~الإيمائية دل على إثبات ذلك بالدليل والبرهان، وهذه الكناية توقفك على أن
~~أم لا يجوز أن تكون متصلة قطعا وكذا بل فيما بعد انتهى؛ والحق أن جواز
~~الانقطاع مما لا ريب فيه، وأما وجوبه ففيه ما فيه.

### || [21.56]

# { قال بل ربكم رب السموات والأرض الذى
~~فطرهن } أي أنشأهن بما فيهن من المخلوقات التي من جعلتها أنتم
~~وآباؤكم وما تعبدون ms06778 من غير مثال يحتذيه ولا قانون ينتحيه، وهذا انتقال عن
~~تضليلهم في عبادة الأصنام ونفي عدم استحقاقها لذلك إلى بيان الحق وتعيين
~~المستحق للعبادة، وضمير { فطرهن } أما للسموات والأرض واستظهره أبو
~~حيان، ووصفه تعالى بإيجادهن إثر وصفه سبحانه بربوبيته لهن تحقيقا للحق
~~وتنبيها على أن ما لا يكون كذلك بمعزل عن الربوبية التي هي منشأ استحقاق
~~العبادة، وإما للتماثيل ورجح بأنه أدخل في تحقيق الحق وإرشاد المخاطبين
~~إليه، وليس هذا الضمير من الضمائر التي تخص من يعقل من المؤنثات كما ظنه
~~ابن عطية فتكلف لتوجيه عوده لما لا يعقل.

# وقوله تعالى: { وأنا على ذلكم من الشهدين } تذييل
~~متضمن لرد نسبتهم إياه عليه السلام إلى اللعب والهزل، والإشارة إلى
~~المذكور، والجار الأول متعلق بمحذوف أي وأنا شاهد على ذلكم من الشاهدين
~~أو على جهة البيان أي أعني على ذلكم أو متعلق بالوصف بعده وإن كان في صلة
~~أل لاتساعهم في المظروف أقوال مشهورة، والمعنى وأنا على ذلكم الذي ذكرته
~~من العالمين به على سبيل الحقيقة المبرهنين عليه ولست من اللاعبين، فإن
~~الشاهد على الشيء من تحققه وحققه وشهادته على ذلك إدلاؤه بالحجة عليها
~~وإثباته بها.

# وقال شيخ الإسلام: إن قوله: { بل ربكم } الخ إضراب عما بنوا عليه
~~مقالهم من اعتقاد كون تلك التماثيل أربابا لهم كأنه قيل ليس الأمر كذلك
~~بل ربكم الخ؛ وقال القاضي: هو إضراب عن كونه عليه السلام لاعبا / بإقامة
~~البرهان على ما ادعاه، وجعله الطيبي إضرابا عن ذلك أيضا قال: وهذا
~~الجواب وارد على الأسلوب الحكيم، وكان من الظاهر أن يجيبهم عليه السلام
~~بقوله بل أنا من المحقين ولست من اللاعبين فجاء بقوله: { بل ربكم
~~} الآية لينبه به على أن إبطالي لما أنتم عاكفون عليه وتضليلي إياكم مما
~~لا حاجة فيه لوضوحه إلى الدليل ولكن انظروا إلى هذه العظيمة وهي أنكم
~~تتركون عبادة خالقكم ومالك أمركم ورازقكم ومالك العالمين والذي فطر ما
~~أنتم لها عاكفون وتشتغلون بعبادتها دونه فأي باطل أظهر من ذلك وأي ضلال
~~أبين منه. ms06779 وقوله: { وأنا على ذلكم من الشهدين }
~~تذييل للجواب بما هو مقابل لقولهم

# أم أنت من اللعبين

# [الأنبياء: 55] من حيث الأسلوب وهو الكناية ومن حيث التركيب وهو بناء
~~الخبر على الضمير كأنه قال: لست من اللاعبين في الدعاوى بل من العالمين
~~فيها بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة كالشاهد الذي نقطع به الدعاوى
~~اه، ولا يخفى أنه يمكن إجراء هذا على احتمال كون (أم) متصلة فافهم وتأمل
~~ليظهر لك أي التوجيهات لهذا الإضراب أولى.

### || [21.57]

# { وتالله لأكيدن أصنمكم } أي لأجتهدن في كسرها، وأصل
~~الكيد الاحتيال في إيجاد ما يضر مع إظهار خلافه وهو يستلزم الاجتهاد
~~فتجوز به عنه، وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز وتوقفه على استعمال الحيل
~~ليحتاطوا في الحفظ فيكون الظفر بالمطلوب أتم في التبكيت، وكان هذا منه
~~عليه السلام عزما على الإرشاد إلى ضلالهم بنوع آخر، ولا يأباه ما روي عن
~~قتادة أنه قال: نرى أنه عليه السلام قال ذلك من حيث لا يسمعون وقيل سمعه
~~رجل واحد منهم، وقيل: قوم من ضعفتهم ممن كان يسير في آخر الناس يوم خرجوا
~~إلى العيد وكانت الأصنام سبعين: وقيل إثنين وسبعين.

# وقرأ معاذ بن جبل وأحمد بن حنبل { بالله } بالباء ثانية الحروف وهي
~~أصل حروف القسم إذ تدخل على الظاهر والمضمر ويصرح بفعل القسم معها ويحذف
~~والتاء بدل من الواو كما في تجاه والواو قائمة مقام الباء للمناسبة
~~بينهما من حيث كونهما شفويتين ومن حيث إن الواو تفيد معنى قريبا من معنى
~~الإلصاق على ما ذكره كثير من النحاة. وتعقبه في «البحر» بأنه لا يقوم على
~~ذلك دليل، وقد رده السهيلي، والذي يقتضيه النظر أنه ليس شيء من هذه
~~الأحرف أصلا لآخر، وفرق بعضهم بين الباء والتاء بأن في التاء المثناة
~~زيادة معنى وهو التعجب، وكان التعجب هنا من إقدامه عليه السلام على أمر
~~فيه مخاطرة. ونصوص النحاة أن التاء يجوز أن يكون معها تعجب ويجوز أن لا
~~يكون واللام هي التي يلزمها التعجب في القسم، وفرق آخرون بينهما
~~استعمالا بأن التاء لا تستعمل ms06780 إلا مع اسم الله الجليل أو مع رب مضافا
~~إلى الكعبة على قلة.

# { بعد أن تولوا مدبرين } من عبادتها إلى عيدكم. وقرأ عيسى
~~بن عمر { تولوا } من التولي بحذف إحدى التاءين وهي الثانية عند
~~البصريين والأولى عند هشام، ويعضد هذه القراءة قوله تعالى:

# فتولوا عنه مدبرين

# [الصافات:90].

### || [21.58]

# الفاء في قوله تعالى: { فجعلهم } فصيحة أي فولوا فأتى إبراهيم
~~عليه السلام الأصنام فجعلهم { جذاذا } أي قطعا فعال بمعنى مفعول من
~~الجذ الذي هو القطع، قال الشاعر:

# بنو المهلب جذ الله دابرهم

# أمسوا رمادا فلا أصل ولا طرف

# فهو كالحطام من الحطم الذي هو الكسر، وقرأ الكسائي وابن محيصن وابن مقسم
~~وأبو حيوة وحميد / والأعمش في رواية { جذاذا } بكسر الجيم، وابن عباس
~~وابن نهيك وأبو السمال { جذاذا } بالفتح، والضم قراءة الجمهور، وهي كما
~~روى ابن جني عن أبي حاتم لغات أجودها الضم؛ ونص قطرب أنه في لغات أجودها
~~الضم؛ ونص قطرب أنه في لغاته الثلاث مصدر لا يثنى ولا يجمع، وقال
~~اليزيدي: جذاذا بالضم جمع جذاذة كزجاج وزجاجة، وقيل: بالكسر جمع جذيذ
~~ككريم وكرام، وقيل: هو بالفتح مصدر كالحصاد بمعنى المحصود. وقرأ يحيى بن
~~وثابت { جذاذا } بضمتين جمع جذيذ كسرير وسرر، وقرىء { جذذا } بضم ففتح
~~جمع جذة كقبة وقبب أو مخفف فعل بضمتين.

# روي أن آزر خرج به في عيد لهم فبدؤا ببيت الأصنام فدخلوه فسجدوا لها
~~ووضعوا بينها طعاما خرجوا به معهم وقالوا إلى أن نرجع بركت الآلهة على
~~طعامنا فذهبوا فلما كان إبراهيم عليه السلام في الطريق ثنى عزمه عن
~~المسير معهم فقعد وقال

# إني سقيم

# [الصافات:89] فدخل على الأصنام وهي مصطفة وثم صنم عظيم مستقبل الباب
~~وكان من ذهب وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل فكسر الكل بفأس كان في يده
~~ولم يبق إلا الكبير وعلق الفأس في عنقه، وقيل: في يده وذلك قوله تعالى: {
~~إلا كبيرا لهم } أي الأصنام كما هو الظاهر مما سيأتي إن شاء
~~الله تعالى. وضمير العقلاء هنا وفيما مر على زعم الكفرة، والكبر إما في ms06781
~~المنزلة على زعمهم أيضا أو في الجثة، وقال أبو حيان: يحتمل أن يكون
~~الضمير للعبدة، قيل: ويؤيده أنه لو كان للأصنام لقيل إلا كبيرهم.

# { لعلهم إليه يرجعون } استئناف لبيان وجه الكسر واستبقاء
~~الكبير، وضمير { إليه } عند الجمهور عائد على إبراهيم عليه السلام أي
~~لعلهم يرجعون إلى إبراهيم عليه السلام لا إلى غيره فيحاجهم ويبكتهم بما
~~سيأتي من الجواب إن شاء الله تعالى، وقيل: الضمير لله تعالى أي لعلهم
~~يرجعون إلى الله تعالى وتوحيده حين يسألونه عليه السلام فيجيبهم، ويظهر
~~عجز آلهتهم ويعلم من هذا أن قوله سبحانه: { إلا كبيرا لهم }
~~ليس أجنبيا في البين على هذا القول كما توهم نعم لا يخفى بعده. وعن
~~الكلبي أن الضمير للكبير أي لعلهم يرجعون إلى الكبير كما يرجع إلى
~~العالم في حل المشكلات فيقولون له ما لهؤلاء مكسورة ومالك صحيحا والفأس
~~في عنقك أو في يدك؟ وحينئذ يتبين لهم أنه عاجز لا ينفع ولا يضر ويظهر
~~أنهم في عبادته على جهل عظيم، وكأن هذا بناء على ظنه عليه السلام بهم لما
~~جرب وذاق من مكابرتهم لعقولهم واعتقادهم في آلهتهم وتعظيمهم لها.

# ويحتمل أنه عليه السلام يعلم أنهم لا يرجعون إليه لكن ذلك من باب
~~الاستهزاء والاستجهال واعتبار حال الكبير عندهم فإن قياس حال من يسجد له
~~ويؤهل للعبادة أن يرجع إليه في حل المشكل، وعلى الاحتمالين لا إشكال في
~~دخول لعل في الكلام، ولعل هذا الوجه أسرع الأوجه تبادرا لكن جمهور
~~المفسرين على الأول، والجار والمجرور متعلق بيرجعون، والتقديم للحصر على
~~الأوجه الثلاثة على ماقيل، وقيل: هو متعين لذلك في الوجه الأول وغير
~~متعين له في الأخيرين بل يجوز أن يكون لأداء حق الفاصلة فتأمل.

# وقد يستأنس بفعل إبراهيم عليه السلام من كسر الأصنام لمن قال من أصحابنا
~~إنه لا ضمان على من كسر ما يعمل من الفخار مثلا من الصور ليلعب به
~~الصبيان ونحوهم وهو القول المشهور عند الجمهور.

### || [21.59]

# { قالوا } أي حين رجعوا من عيدهم ورأوا ما رأوا { من فعل هذا ms06782
~~} الأمر العظيم { بآلهتنآ } قالوه على طريقة الإنكار والتوبيخ
~~والتشنيع، والتعبير عنها بالآلهة دون الأصنام أو هؤلاء للمبالغة في
~~التشنيع، / وقوله تعالى: { إنه لمن الظلمين } استئناف مقرر
~~لما قبله، وجوز أبو البقاء أن تكون { من } موصولة مبتدأ وهذه الجملة في
~~محل الرفع خبره أي الذي فعل هذا الكسر والحطم بآلهتنا إنه معدود من جملة
~~الظلمة إما لجرأته على إهانتها وهي الحفية بالإعظام أو لتعريض نفسه
~~للهلكة أو لإفراطه في الكسر والحطم، والظلم على الأوجه الثلاثة بمعنى وضع
~~الشيء في غير موضعه.

### || [21.60]

# { قالوا } أي بعض منهم وهم الذين سمعوا قوله عليه السلام

# وتالله لأكيدن أصنمكم

# [الأنبياء: 57] عند بعض { سمعنا فتى يذكرهم } يعيبهم فلعله
~~الذي فعل ذلك بهم، وسمع  كما قال بعض الأجلة  حقه أن يتعدى إلى واحد
~~كسائر أفعال الحواس كما قرره السهيلي ويتعدى إليه بنفسه كثيرا وقد يتعدى
~~إليه بإلى أو اللام أو الباء، وتعديه إلى مفعولين مما اختلف فيه فذهب
~~الأخفش والفارسي في «الإيضاح» وابن مالك وغيرهم إلى أنه إن وليه ما يسمع
~~تعدى إلى واحد كسمعت الحديث وهذا متفق عليه وإن وليه ما لا يسمع تعدى إلى
~~اثنين ثانيهما مما يدل على صوت.

# واشترط بعضهم كونه جملة كسمعت زيدا يقول كذا دون قائلا كذا لأنه دال
~~على ذات لا تسمع، وأما قوله تعالى:

# هل يسمعونكم إذ تدعون

# [الشعراء: 72] فعلى تقدير مضاف أي هل يسمعون دعاءكم، وقيل: ما أضيف إليه
~~الظرف مغن عنه، وفيه نظر، وقال بعضهم: إنه ناصب لواحد بتقدير مضاف مسموع
~~قبل اسم الذات، والجملة إن كانت حال بعد المعرفة صفة بعد النكرة ولا تكون
~~مفعولا ثانيا لأنها لا تكون كذلك إلا في الأفعال الداخلة على المبتدأ
~~والخبر وليس هذا منها. وتعقب بأنه من الملحقات برأي العلمية لأن السمع
~~طريق العلم كما في «التسهيل وشروحه» فجوز هنا كون { فتى } مفعولا أولا
~~وجملة { يذكرهم } مفعولا ثانيا، وكونه مفعولا والجملة صفة له
~~لأنه نكرة، وقيل إنها بدل منه، ورجحه بعضهم باستغنائه عن التجوز والإضمار
~~إذ هي مسموعة والبدل هو ms06783 المقصود بالنسبة وإبدال الجملة من المفرد جائز.
~~وفي «الهمع» أن بدل الجملة من المفرد بدل اشتمال، وفي «التصريح» قد تبدل
~~الجملة من المفرد بدل كل من كل فلا تغفل.

# وقال بعضهم إن كون الجملة صفة أبلغ في نسبة الذكر إليه عليه السلام لما
~~في ذلك من إيقاع الفعل على المسموع منه وجعله بمنزلة المسموع مبالغة في
~~عدم الواسطة فيفيد أنهم سمعوه بدون واسطة. ووجه بعضهم الأبلغية بغير
~~ماذكر مما بحث فيه، ولعله الوجه المذكور مما يتأتى على احتمال البدلية
~~فلا تفوت المبالغة عليه، وقد يقال: إن هذا التركيب كيفما أعرب أبلغ من
~~قولك سمعنا ذكر فتى ونحوه مما لا يحتاج فيه إلى مفعولين اتفاقا لما أن {
~~سمعنا } لما تعلق بفتى أفاد إجمالا أن المسموع نحو ذكره إذ لا معنى
~~لأن يكون نفس الذات مسموعا ثم إذا ذكر { يذكرهم } علم ذلك مرة
~~أخرى ولما فيه من تقوي الحكم بتكرر الإسناد على ما بين في علم المعاني
~~ولهذا رجح أسلوب الآية على غيره فتدبر.

# وقوله تعالى: { يقال له إبرهيم } صفة لفتى، وجوز أن يكون
~~استئنافا بيانيا والأول أظهر، ورفع { إبراهيم } على أنه نائب
~~الفاعل  ليقال  على اختيار الزمخشري وابن عطية، والمراد لفظه أي يطلق
~~عليه هذا اللفظ، وقد اختلف في جواز كون مفعول القول مفردا لا يؤدي معناه
~~جملة كقلت قصيدة وخطبة ولا هو مصدرا لقول أو صفته كقلت قولا أو حقا
~~فذهب الزجاج والزمخشري وابن خروف وابن مالك إلى / الجواز إذا أريد
~~بالمفرد لفظه بل ذكر الدنوشري أنه إذا كان المراد بالمفرد الواقع بعد
~~القول نفس لفظه تجب حكايته ورعاية إعرابه، وآخرون إلى المنع قال أبو
~~حيان: وهو الصحيح إذ لا يحفظ من لسانهم قال فلان زيدا ولا قال ضرب وإنما
~~وقع القول في كلامهم لحكاية الجمل وما في معناها، وجعل المانعون {
~~إبراهيم } مرفوعا على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أو هذا إبراهيم
~~والجملة محكية بالقول كما في قوله:

# إذا ذقت فاها قلت طعم مدامة

# وجوز أن يكون مبتدأ خبره ms06784 محذوف أي إبراهيم فاعله؛ وأن يكون منادى حذف
~~منه حرف النداء أي يقال له حين يدعى يا إبراهيم، وعندي أن الآية ظاهرة
~~فيما اختاره الزمخشري وابن عطية ويكفي الظهور مرجحا في أمثال هذه
~~المطالب، وذهب الأعلم إلى أن { إبراهيم } ارتفع بالإهمال لأنه لم
~~يتقدمه عامل يؤثر في لفظه إذ القول لا يؤثر إلا في المفرد المتضمن لمعنى
~~الجملة فبقي مهملا والمهمل إذا ضم إلى غيره ارتفع نحو قولهم واحد واثنان
~~إذا عدوا ولم يدخلوا عاملا لا في اللفظ ولا في التقدير وعطفوا بعض أسماء
~~العدد على بعض، ولا يخفى أن كلام هذا الأعلم لا يقوله إلا الأجهل ولأن
~~يكون الرجل أفلح أعلم خير له من أن ينطق بمثله ويتكلم.

### || [21.61]

# { قالوا } أولئك القائلون

# من فعل

# [الأنبياء:59] الخ إذا كان الأمر كذا { فأتوا به } أي أحضروه {
~~على أعين الناس } مشاهدا معاينا لهم على أتم وجه كما تفيده
~~على المستعارة لتمكن الرؤية { لعلهم يشهدون } أي يحضرون
~~عقوبتنا له، وقيل يشهدون بفعله أو بقوله ذلك فالضمير حينئذ ليس للناس بل
~~لبعض منهم مبهم أو معهود والأول مروي عن ابن عباس والضحاك، والثاني عن
~~الحسن وقتادة، والترجي أوفق به.

### || [21.62]

# { قالوا } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية قولهم كأنه قيل فماذا
~~فعلوا به بعد ذلك هل أتوا به أولا؟ فقيل قالوا: { أأنت فعلت
~~هذا بآلهتنا يإبراهيم } اقتصارا على حكاية مخاطبتهم إياه
~~عليه السلام للتنبيه على أن إتيانهم به ومسارعتهم إلى ذلك أمر محقق غني
~~عن البيان، والهمزة كما قال العلامة التفتازاني للتقرير بالفاعل إذ ليس
~~مراد الكفرة حمله عليه السلام على الإقرار بأن كسر الأصنام قد كان بل على
~~الإقرار بأنه منه كيف وقد أشاروا إلى الفعل في قولهم: { أأنت فعلت
~~هذا } وأيضا: { قال بل فعله كبيرهم هذا... }.

### || [21.63]

# { قال بل فعله كبيرهم هذا } ولو كان التقرير بالفعل
~~لكان الجواب فعلت أو لم أفعل. واعترض ذلك الخطيب بأنه يجوز أن يكون
~~الاستفهام على أصله إذ ليس في السياق ما يدل على أنهم كانوا ms06785 عالمين بأنه
~~عليه السلام هو الذي كسر الأصنام حتى يمتنع حمله على حقيقة الاستفهام.
~~وأجيب عليه بأنه يدل عليه ما قبل الآية وهو أنه عليه السلام قد حلف بقوله

# تالله لأكيدن أصنمكم

# [الأنبياء: 57] الخ ثم لما رأوا كسر الأصنام قالوا

# من فعل هذا

# [الأنبياء: 59] الخ فالظاهر أنهم قد علموا ذلك من حلفه وذمه الأصنام.
~~ولقائل أن يقول: إن الحلف كما قاله كثير كان سرا أو سمعه رجل واحد،
~~وقوله سبحانه:

# قالوا سمعنا

# [الأنبياء: 60] الخ مع قوله تعالى:

# قالوا من فعل هذا

# [الأنبياء: 59] الخ يدل على أن منهم من لا يعلم كونه عليه السلام هو
~~الذي كسر الأصنام فلا يبعد أن يكون

# أانت فعلت هذا

# [الأنبياء: 62] كلام ذلك البعض. وقد يقال: إنهم بعد المفاوضة في أمر
~~الأصنام وإخبار البعض البعض بما يقنعه بأنه عليه السلام هو الذي كسرها
~~تيقنوا كلهم أنه الكاسر / فأأنت فعلت ممن صدر للتقرير بالفاعل.

# وقد سلك عليه السلام في الجواب مسلكا تعريضيا يؤدي به إلى مقصده الذي
~~هو إلزامهم الحجة على ألطف وجه وأحسنه يحملهم على التأمل في شأن آلهتهم
~~مع ما فيه من التوقي من الكذب فقد أبرز الكبير قولا في معرض المباشر
~~للفعل بإسناده إليه كما أبرزه في ذلك المعرض فعلا بجعل الفأس في عنقه أو
~~في يده وقد قصد إسناده إليه بطريق التسبب حيث رأى تعظيمهم إياه أشد من
~~تعظيمهم لسائر ما معه من الأصنام المصطفة المرتبة للعبادة من دون الله
~~تعالى فغضب لذلك زيادة الغضب فأسند الفعل إليه إسنادا مجازيا عقليا
~~باعتبار أنه الحامل عليه والأصل فعلته لزيادة غضبي من زيادة تعظيم هذا،
~~وإنما لم يكسره وإن كان مقتضى غضبه ذلك لتظهر الحجة، وتسمية ذلك كذبا
~~كما ورد في الحديث الصحيح من باب المجاز لما أن المعاريض تشبه صورتها
~~صورته فبطل الاحتجاج بما ذكر على عدم عصمة الأنبياء عليهم السلام، وقيل
~~في توجيه ذلك أيضا: إنه حكاية لما يلزم من مذهبهم جوازه يعني أنهم لما
~~ذهبوا إلى أنه أعظم الآلهة فعظم ألوهيته يقتضي ms06786 أن لا يعبد غيره معه
~~ويقتضي إفناء من شاركه في ذلك فكأنه قيل فعله هذا الكبير على مقتضى
~~مذهبكم والقضية ممكنة.

# ويحكى أنه عليه السلام قال: فعله كبيرهم هذا غضب أن يعبد معه هذه وهو
~~أكبر منها، قيل: فيكون حينئذ تمثيلا أراد به عليه السلام تنبيههم على
~~غضب الله تعالى عليهم لإشراكهم بعبادته الأصنام، وقيل إنه عليه السلام لم
~~يقصد بذلك إلا إثبات الفعل لنفسه على الوجه الأبلغ مضمنا فيه الاستهزاء
~~والتضليل كما إذا قال لك أمي فيما كتبته بخط رشيق وأنت شهير بحسن الخط:
~~أأنت كتبت هذا؟ فقلت له: بل كتبته أنت فإنك لم تقصد نفيه عن نفسك وإثباته
~~للأمي وإنما قصدت إثباته وتقريره لنفسك مع الاستهزاء بمخاطبك.

# وتعقبه صاحب «الفرائد» بأنه إنما يصح إذا كان الفعل دائرا بينه عليه
~~السلام وبين كبيرهم ولا يحتمل ثالثا. ورد بأنه ليس بشيء لأن السؤال في

# أأنت فعلت

# [الأنبياء: 62] تقرير لا استفهام كما سمعت عن العلامة وصرح به الشيخ عبد
~~القاهر والإمام السكاكي فاحتمال الثالث مندفع، ولو سلم أن الاستفهام على
~~ظاهره فقرينة الإسناد في الجواب إلى ما لا يصلح له بكلمة الإضراب كافية
~~لأن معناه أن السؤال لا وجه له وأنه لا يصلح لهذا الفعل غيري.

# نعم يرد أن توجيههم بذلك نحو التأمل في حال آلهتهم وإلزامهم الحجة كما
~~ينبىء عنه قوله تعالى: { فاسئلوهم إن كانوا ينطقون } أي
~~إن كانوا ممن يمكن أن ينطقوا غير ظاهر على هذا، وقيل إن { فعله
~~كبيرهم } جواب قوله: { إن كانوا ينطقون } معنى وقوله: {
~~فاسألوا } جملة معترضة مقترنة بالفاء كما في قوله:

# فاعلم فعلم المرء ينفعه

# فيكون كون الكبير فاعلا مشروطا بكونهم ناطقين ومعلقا به وهو محال
~~فالمعلق به كذلك، وإلى نحو ذلك أشار ابن قتيبة وهو خلاف الظاهر، وقيل: إن
~~الكلام تم عند قوله: { فعله } والضمير المستتر فيه يعود على

# فتى

# [الأنبياء: 60] أو إلى { إبراهيم } ، ولا يخفى أن كلا من (فتى)
~~و(إبراهيم) مذكور في كلام لم يصدر بمحضر من إبراهيم عليه السلام حتى يعود
~~عليه ms06787 الضمير وأن الإضراب ليس في محله حينئذ والمناسب في الجواب نعم، ولا
~~مقتضي للعدول عن الظاهر هنا كما قيل، وعزي إلى الكسائي أنه جعل الوقف على
~~{ فعله } أيضا إلا أنه قال: الفاعل محذوف أي فعله من فعله.

# / وتعقبه أبو البقاء بأنه بعيد لأن حذف الفاعل لا يسوغ أي عند الجمهور
~~وإلا فالكسائي يقول بجواز حذفه. وقيل يجوز أن يقال: إنه أراد بالحذف
~~الإضمار، أكثر القراء اليوم على الوقف على ذلك وليس بشيء، وقيل الوقف على
~~{ كبيرهم } وأراد به عليه السلام نفسه لأن الإنسان أكبر من كل صنم،
~~وهذا التوجيه عندي ضرب من الهذيان، ومثله أن يراد به الله عز وجل فإنه
~~سبحانه كبير الآلهة ولا يلاحظ ما أرادوه بها، ويعزى للفراء أن الفاء في {
~~فعله } عاطفة وعله بمعنى لعله فخفف. واستدل عليه بقراءة ابن السميقع
~~{ فعله } مشدد اللام، ولا يخفى أن يجل كلام الله تعالى العزيز عن مثل
~~هذا التخريج، والآية عليه في غاية الغموض وما ذكر في معناها بعيد بمراحل
~~عن لفظها.

# وزعم بعضهم أن الآية على ظاهرها وادعى أن صدور الكذب من الأنبياء عليهم
~~السلام لمصلحة جائز، وفيه أن ذلك يوجب رفع الوثوق بالشرائع لاحتمال الكذب
~~فيها لمصلحة فالحق أن لا كذب أصلا وأن في المعاريض لمندوحة عن الكذب،
~~وإنما قال عليه السلام: { إن كانوا ينطقون } دون إن كانوا
~~يسمعون أو يعقلون مع أن السؤال موقوف على السمع والعقل أيضا لما أن
~~نتيجة السؤال هو الجواب وإن عدم نطقهم أظهر وتبكيتهم بذلك أدخل، وقد حصل
~~ذلك حسبما نطق به قوله تعالى: { فرجعوا إلى أنفسهم }

### || [21.64]

# { فرجعوا إلى أنفسهم } فتفكروا وتدبروا وتذكروا أن ما لا
~~يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإضرار بمن كسره بوجه من الوجوه
~~يستحيل أن يقدر على دفع مضرة عن غيره أو جلب منفعة له فكيف يستحق أن يكون
~~معبودا. { فقالوا } أي قال بعضهم لبعض فيما بينهم { إنكم
~~أنتم الظلمون } أي بعبادة ما لا ينطق قاله ابن عباس أو بسؤالكم
~~إبراهيم عليه السلام ms06788 وعدولكم عن سؤالها وهي آلهتكم ذكره ابن جرير أو بنفس
~~سؤالكم إبراهيم عليه السلام حيث كان متضمنا التوبيخ المستتبع للمؤاخذة
~~كما قيل أو بغفلتكم عن آلهتكم وعدم حفظكم إياها أو بعبادة الأصاغر مع هذا
~~الكبير قالهما وهب أو بأن اتهمتم إبراهيم عليه السلام والفأس في عنق
~~الكبير قاله مقاتل وابن إسحاق، والحصر إضافي بالنسبة إلى إبراهيم عليه
~~السلام.

### || [21.65]

# { ثم نكسوا على } أصل النكس قلب الشيء بحيث يصير أعلاه أسفله،
~~ولا يلغو ذكر الرأس بل يكون من التأكيد أو يعتبر التجريد، وقد يستعمل
~~النكس لغة في مطلق قلب الشيء من حال إلى حال أخرى ويذكر الرأس للتصوير
~~والتقبيح. وذكر الزمخشري على ما في «الكشف» في المراد به هنا ثلاثة أوجه،
~~الأول: أنه الرجوع عن الفكرة المستقيمة الصالحة في تظليم أنفسهم إلى
~~الفكرة الفاسدة في تجويز عبادتها مع الاعتراف بتقاصر حالها عن الحيوان
~~فضلا أن تكون في معرض الإلهية فمعنى { لقد علمت ما هؤلاء
~~ينطقون } لا يخفى علينا وعليك أيها المبكت بأنها لا تنطق أنها كذلك
~~وإنا إنما اتخذناها آلهة مع العلم بالوصف، والدليل عليه جواب إبراهيم
~~عليه السلام الآتي، والثاني: أنه الرجوع عن الجدال معه عليه السلام
~~بالباطل في قولهم:

# من فعل هذا بئالهتنا

# [الأنبياء:59] وقولهم:

# أأنت فعلت

# [الأنبياء:62] إلى الجدال عنه بالحق في قولهم { لقد علمت } لأنه
~~نفي للقدرة عنها واعتراف بعجزها وأنها لا تصلح للإلهية وسمي نكسا وإن
~~كان حقا لأنه ما أفادهم عقدا فهو نكس بالنسبة إلى ما كانوا عليه من
~~الباطل حيث اعترفوا بعجزها وأصروا. وفي «لباب التفسير» ما يقرب منه
~~مأخذا لكنه قدر الرجوع عن الجدال عنه في قولهم:

# إنكم أنتم الظلمون

# [الأنبياء:64] إلى الجدال معه عليه السلام بالباطل في قولهم: { لقد
~~علمت } والثالث: أن النكس مبالغة في إطراقهم رؤوسهم خجلا وقولهم: {
~~لقد علمت } الخ رمى عن حيرة ولهذا أتوا بما هو حجة عليهم وجاز أن
~~يجعل كناية عن مبالغة الحيرة وانخذال الحجة فإنها لا تنافي الحقيقة، قال
~~في «الكشف»: وهذا وجه حسن وكذلك الأول. ms06789

# وكون المراد النكس في الرأي رواه أبو حاتم عن ابن زيد وهو للوجهين
~~الأولين، وقال مجاهد: معنى { نكسوا على رءوسهم } ردت السفلة
~~على الرؤساء فالمراد بالرؤوس الرؤساء، والأظهر عندي الوجه الثالث، وأيا
~~ما كان فالجار متعلق بنكسوا. وجوز أن يتعلق بمحذوف وقع حالا، والجملة
~~القسمية مقولة لقول مقدر أي قائلين { لقد } الخ، والخطاب في {
~~علمت } لإبراهيم عليه السلام لا لكل من يصلح للخطاب، والجملة المنفية
~~في موضع مفعولي علم إن تعدت إلى اثنين أو في موضع مفعول واحد إن تعدت
~~لواحد، والمراد استمرار النفي لا نفي الاستمرار كما يوهمه صيغة المضارع.

# وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وابن مقسم وابن الجارود والبكراوي كلاهما
~~عن هشام بتشديد كاف { نكسوا } ، وقرأ رضوان بن عبد المعبود { نكسوا }
~~بتخفيف الكاف مبنيا للفاعل أي نكسوا أنفسهم وقيل: رجعوا على رؤسائهم
~~بناءا على ما يقتضيه تفسير مجاهد.

### || [21.66]

# { قال } عليه السلام مبكتا لهم { أفتعبدون } أي أتعلمون ذلك
~~فتعبدون { من دون الله } أي مجاوزين عبادته تعالى: { ما لا
~~ينفعكم شيئا } من النفع، وقيل: بشيء { ولا يضركم } فإن
~~العلم بحاله المنافية للألوهية مما يوجب الاجتناب عن عبادته قطعا.

### || [21.67]

# { أف لكم ولما تعبدون من دون الله } تضجر منه عليه
~~السلام من إصرارهم على الباطل بعد انقطاع العذر ووضوح الحق، وأصل أف صوت
~~المتضجر من استقذار شيء على ما قال الراغب ثم صار اسم فعل بمعنى أتضجر
~~وفيه لغات كثيرة، واللام لبيان المتأفف له، وإظهار الاسم الجليل في موضع
~~الإضمار لمزيد استقباح ما فعلوا { أفلا تعقلون } أي ألا تتفكرون
~~فلا تعقلون قبح صنيعكم.

### || [21.68]

# { قالوا } أي قال بعضهم لبعض لما عجزوا عن المحاجة وضاقت بهم الحيل
~~وهذا ديدن المبطل المحجوج إذا بهت بالحجة وكانت له قدرة يفزع إلى
~~المناصبة { حرقوه } فإن النار أشد العقوبات ولذا جاء «لا يعذب بالنار
~~إلا خالقها» { وانصروا ءالهتكم } بالانتقام لها { إن كنتم
~~فعلين } أي إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرا مؤزرا فاختاروا له ذلك
~~وإلا فرطتم في نصرتها وكأنكم لم تفعلوا شيئا ما فيها، ويشعر ms06790 بذلك العدول
~~عن إن تنصروا آلهتكم فحرقوه إلى ما في النظم الكريم، وأشار بذلك على
~~المشهور ورضي به الجميع نمروذ بن كنعان بن سنحاريب بن نمروذ بن كوس بن
~~حام بن نوح عليه السلام. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: تلوت هذه الآية
~~على عبد الله بن عمر فقال: أتدري يا مجاهد من الذي أشار بتحريق إبراهيم
~~عليه السلام بالنار؟ قلت: لا قال: رجل من أعراب فارس يعني الأكراد ونص
~~على أنه من الأكراد ابن عطية، وذكر أن الله تعالى خسف به الأرض فهو
~~يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، واسمه على ما أخرج / ابن جرير وابن أبي
~~حاتم عن شعيب الجباري هيون، وقيل: هدير.

# وفي «البحر» أنهم ذكروا له اسما مختلفا فيه لا يوقف منه على حقيقة،
~~وروي أنهم حين هموا بإحراقه حبسوه ثم بنوا بيتا كالحظيرة بكوثى قرية من
~~قرى الأنباط في حدود بابل من العراق وذلك قوله تعالى:

# قالوا ابنوا له بنينا فألقوه فى الجحيم

# [الصافات: 97] فجمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب مدة أربعين يوما
~~فأوقدوا نارا عظيمة لا يكاد يمر عليها طائر في أقصى الجو لشدة وهجها فلم
~~يعلموا كيف يلقونه عليه السلام فيها فأتى إبليس وعلمهم عمل المنجنيق
~~فعملوه، وقيل: صنعه الكردي الذي أشار بالتحريق ثم خسف به ثم عمدوا إلى
~~إبراهيم عليه السلام فوضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا فصاحت ملائكة
~~السماء والأرض إلهنا ما في أرضك أحد يعبدك غير إبراهيم عليه السلام وأنه
~~يحرق فيك فأذن لنا في نصرته فقال جل وعلا: إن استغاث بأحد منكم فلينصره
~~وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه فخلوا بيني وبينه فإنه خليلي ليس
~~لي خليل غيره وأنا إلهه ليس له إله غيري فأتاه خازن الرياح وخازن
~~المياه يستأذنانه في إعدام النار فقال عليه السلام لا حاجة لي إليكم
~~حسبي الله ونعم الوكيل، وروي عن أبي بن كعب قال: حين أوثقوه ليلقوه في
~~النار قال عليه السلام: لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك ms06791 لا
~~شريك لك ثم رموا به فأتاه جبريل عليه السلام فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟
~~قال: أما إليك فلا قال: جبريل عليه السلام فاسأل ربك فقال: حسبي من
~~سؤالي علمه بحالي، ويروى أن الوزغ كان ينفخ في النار، وقد جاء ذلك في
~~رواية البخاري. وفي «البحر» ذكر المفسرون أشياء صدرت عن الوزغ والبغل
~~والخطاف والضفدع والعضرفوط والله تعالى أعلم بذلك، فلما وصل عليه السلام
~~الحظيرة جعلها الله تعالى ببركة قوله عليه السلام روضة، وذلك قوله سبحانه
~~وتعالى: { قلنا ينار كوني بردا وسلما على
~~إبراهيم }

### || [21.69]

# أي كوني ذات برد وسلام أي ابردي بردا غير ضار، ولذا قال علي كرم الله
~~تعالى وجهه فيما أخرجه عنه أحمد وغيره: لو لم يقل سبحانه: { وسلما
~~} لقتله بردها. وفيه مبالغات جعل النار المسخرة لقدرته تعالى مأمورة
~~مطاوعة وإقامة كوني ذات برد مقام ابردي ثم حذف المضاف وإقامة المضاف إليه
~~مقامه، وقيل: نصب { سلاما } بفعله أي وسلمنا سلاما عليه، والجملة عطف
~~على { قلنا } وهو خلاف الظاهر الذي أيدته الآثار. روي أن الملائكة
~~عليهم السلام أخذوا بضبعي إبراهيم عليه السلام فأقعدوه على الأرض فإذا
~~عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس ولم تحرق النار إلا وثاقه كما روي عن كعب،
~~وروي أنه عليه السلام مكث فيها أربعين يوما أو خمسين يوما، وقال عليه
~~السلام: ما كنت أطيب عيشا مني إذ كنت فيها، قال ابن إسحاق: وبعث الله
~~تعالى ملك الظل في صورة إبراهيم عليهما السلام يؤنسه، قالوا: وبعث الله
~~عز وجل جبريل عليه السلام بقميص من حرير الجنة وطنفسة فألبسه القميص
~~وأقعده على الطنفسة وقعد معه يحدثه، وقال جبريل عليه السلام: يا إبراهيم
~~إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبابي، ثم أشرف نمروذ ونظر من
~~صرح له فرآه جالسا في روضة والملك قاعد إلى جنبه والنار محيطة به فنادى
~~يا إبراهيم كبير إلهك الذي بلغت قدرته أن حال بينك وبين ما أرى يا
~~إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال إبراهيم عليه السلام: نعم ms06792 قال: هل
~~تخشى إن نمت فيها أن تضرك؟ قال: لا قال: فقم فاخرج منها فقام عليه السلام
~~يمشي فيها حتى خرج منها فاستقبله نمروذ وعظمه، وقال له: يا إبراهيم من
~~الرجل الذي رأيته معك في صورتك قاعدا إلى جنبك؟ قال: ذلك ملك الظل أرسله
~~إلي ربي ليؤنسني فيها فقال: يا إبراهيم إني مقرب / إلى إلهك قربانا
~~لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك حين أبيت إلا عبادته وتوحيده إني
~~ذابح له أربعة آلاف بقرة فقال له إبراهيم عليه السلام: إنه لا يقبل الله
~~تعالى منك ما كنت على دينك حتى تفارقه وترجع إلى ديني فقال: لا أستطيع
~~ترك ملكي ولكن سوف أذبحها له فذبحها وكف عن إبراهيم عليه السلام، وكان
~~إبراهيم عليه السلام إذ ذاك ابن ستة عشرة سنة، وفي بعض الآثار أنهم لما
~~رأوه عليه السلام لم يحترق قالوا: إنه سحر النار فرموا فيها شيخا منهم
~~فاحترق، وفي بعضها أنهم لما رأوه عليه السلام سالما لم يحرق منه غير
~~وثاقه قال هاران أبو لوط عليه السلام: إن النار لا تحرقه لأنه سحرها لكن
~~اجعلوه على شيء وأوقدوا تحته فإن الدخان يقتله فجعلوه فوق تبن وأوقدوا
~~تحته فطارت شرارة إلى لحية هارون فأحرقته، وأخرج عبد بن حميد عن سليمان
~~بن صرد وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم أن أبا لوط قال وكان عمه:
~~إن النار لم تحرقه من أجل قرابته مني فأرسل الله تعالى عنقا من النار
~~فأحرقه، والأخبار في هذه القصة كثيرة لكن قال في «البحر»: قد أكثر الناس
~~في حكاية ما جرى لإبراهيم عليه السلام، والذي صح هو ما ذكره تعالى من أنه
~~عليه السلام ألقي في النار فجعلها الله تعالى عليه عليه السلام بردا
~~وسلاما.

# ثم الظاهر أن الله تعالى هو القائل لها { كونى بردا } الخ وأن هناك
~~قولا حقيقة، وقيل القائل جبرائيل عليه السلام بأمره سبحانه، وقيل قول
~~ذلك مجاز عن جعلها باردة، والظاهر أيضا أن الله عز وجل سلبها خاصتها من
~~الحرارة ms06793 والإحراق وأبقى فيها الإضاءة والإشراق، وقيل إنها انقلبت هواء
~~طيبا وهو على هذه الهيئة من أعظم الخوارق، وقيل كانت على حالها لكنه
~~سبحانه جلت قدرته دفع أذاها كما ترى في السمندر كما يشعر به قوله تعالى:
~~{ على إبرهيم } وذلك لأن ما ذكر خلاف المعتاد فيختص بمن خص به
~~ويبقى بالنسبة إلى غيره على الأصل لا نظرا إلى مفهوم اللقب إذ الأكثرون
~~على عدم اعتباره. وفي بعض الآثار السابقة ما يؤيده.

# وأيا ما كان فهو آية عظيمة وقد يقع نظيرها لبعض صلحاء الأمة المحمدية
~~كرامة لهم لمتابعتهم النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم، وما يشاهد من
~~وقوعه لبعض المنتسبين إلى حضرة الولي الكامل الشيخ أحمد الرفاعي قدس سره
~~من الفسقة الذين الذين كادوا يكونون لكثرة فسقهم كفارا فقيل إنه باب من
~~السحر المختلف في كفر فاعله وقتله فإن لهم أسماء مجهولة المعنى يتلونها
~~عند دخول النار والضرب بالسلاح ولا يبعد أن تكون كفرا وإن كان معها ما
~~لا كفر فيه، وقد ذكر بعضهم أنهم يقولون عند ذلك تلسف تلسف هيف هيف أعوذ
~~بكلمات الله تعالى التامة من شر ما خلق أقسمت عليك يا أيتها النار أو
~~أيها السلاح بحق حي حلي ونور سبحي ومحمد صلى الله عليه وسلم أن لا تضري
~~أو لا تضر غلام الطريقة، ولم يكن ذلك في زمن الشيخ الرفاعي قدس سره
~~العزيز فقد كان أكثر الناس اتباعا للسنة وأشدهم تجنبا عن مظان البدعة
~~وكان أصحابه سالكين مسلكه متشبثين بذيل أتباعه قدس سره ثم طرأ على بعض
~~المنتسبين إليه ما طرأ، قال في «العبر»: قد كثر الزغل في أصحاب الشيخ قدس
~~سره وتجددت لهم أحوال شيطانية منذ أخذت التاتار العراق من دخول النيران
~~وركوب السباع واللعب بالحيات وهذا لا يعرفه الشيخ ولا صلحاء أصحابه فنعوذ
~~بالله تعالى من الشيطان الرجيم انتهى.

# والحق أن قراءة شيء ما عندهم ليست شرطا لعدم التأثر بالدخول في النار
~~ونحوه فكثير منهم من ينادي إذا أوقدت له النار وضربت الدفوف يا شيخ أحمد ms06794
~~يا رفاعي أو يا شيخ فلان لشيخ أخذ منه الطريق ويدخل النار ولا يتأثر من
~~دون تلاوة شيء أصلا، والأكثر منهم إذا قرأ الأسماء على النار ولم تضرب
~~له الدفوف ولم يحصل / له تغير حال لم يقدر على مس جمرة، وقد يتفق أن يقرأ
~~أحدهم الأسماء وتضرب له الدفوف وينادي من ينادي من المشايخ فيدخل ويتأثر،
~~والحاصل أنا لم نر لهم قاعدة مضبوطة بيد أن الأغلب أنهم إذا ضربت لهم
~~الدفوف واستغاثوا بمشايخهم وعربدوا يفعلون ما يفعلون ولا يتأثرون، وقد
~~رأيت منهم من يأخذ زق الخمر ويستغيث بمن يستغيث ويدخل تنورا كبيرا
~~تضطرم فيه النار فيقعد في النار فيشرب الخمر ويبقى حتى تخمد النار فيخرج
~~ولم يحترق من ثيابه أو جسده شيء، وأقرب ما يقال في مثل ذلك إنه استدراج
~~وابتلاء، وأما أن يقال: إن الله عز وجل أكرم حضرة الشيخ أحمد الرفاعي قدس
~~سره بعدم تأثر المنتسبين إليه كيفما كانوا بالنار ونحوها من السلاح وغيره
~~إذا هتفوا باسمه أو اسم منتسب إليه في بعض الأحوال فبعيد بل كأني بك تقول
~~بعدم جوازه، وقد يتفق ذلك لبعض المؤمنين في بعض الأحوال إعانة له، وقد
~~يأخذ بعض الناس النار بيده ولا يتأثر لأجزاء يطلي بها يده من خاصيتها عدم
~~إضرار النار للجسد إذا طلي بها فيوهم فاعل ذلك أنه كرامة.

# هذا واستدل بالآية من قال: إن الله تعالى أودع في كل شيء خاصة حسبما
~~اقتضته حكمته سبحانه فليس الفرق بين الماء والنار مثلا بمجرد أنه جرت
~~عادة الله تعالى بأن يخلق الإحراق ونحوه عند النار والري ونحوه عند الماء
~~بل أودع في هذا خاصة الري مثلا وفي تلك خاصة الإحراق مثلا لكن لا تحرق
~~هذه ولا يروى ذاك إلا بإذنه عز وجل فإنه لو لم يكن أودع في النار الحرارة
~~والإحراق ما قال لها ما قال ولا قائل بالفرق فتأمل.

### || [21.70]

# { وأرادوا به كيدا } مكرا عظيما في الإضرار به ومغلوبيته {
~~فجعلنهم الأخسرين } أي أخسر من كل خاسر حيث عاد سعيهم في ms06795
~~إطفار نور الحق قولا وفعلا برهانا قاطعا على أنه عليه السلام على
~~الحق وهم على الباطل وموجبا لارتفاع درجته عليه السلام واستحقاقهم لأشد
~~العذاب، وقيل جعلهم الأخسرين من حيث إنه سبحانه سلط عليهم ما هو من أحقر
~~خلقه وأضعفه وهو البعوض يأكل من لحومهم ويشرب من دمائهم وسلط على نمروذ
~~بعوضة أيضا فبقيت تؤذيه إلى أن مات لعنه الله تعالى، والمعول عليه
~~التفسير الأول.

### || [21.71]

# { ونجينه ولوطا } وهو على ما تقدم ابن عمه، وقيل: هو ابن
~~أخيه وروي ذلك في «المستدرك» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد ضمن
~~{ نجينه } معنى أخرجناه فلذا عدي بإلى في قوله سبحانه: { إلى
~~الرض التى باركنا فيها للعلمين } وقيل: هي متعلقة
~~بمحذوف وقع حالا أي منتهيا إلى الأرض فلا تضمين، والمراد بهذه الأرض
~~أرض الشام، وقيل: أرض مكة، وقيل: مصر والصحيح الأول، ووصفها بعموم البركة
~~لأن أكثر الأنبياء عليهم السلام بعثوا فيها وانتشرت في العالم شرائعهم
~~التي هي مبادي الكمالات والخيرات الدينية والدنيوية ولم يقل التي
~~باركناها للمبالغة بجعلها محيطة بالبركة، وقيل: المراد بالبركات النعم
~~الدنيوية من الخصب وغيره، والأول أظهر وأنسب بحال الأنبياء عليهم السلام،
~~روي أنه عليه السلام خرج من العراق ومعه لوط وسارة بنت عمه هاران الأكبر
~~وقد كانا مؤمنين به عليه السلام يلتمس الفرار بدينه فنزل حران فمكث بها
~~ما شاء الله تعالى. وزعم بعضهم أن سارة بنت ملك حران تزوجها عليه السلام
~~هناك وشرط أبوها أن لا يغيرها عن دينها والصحيح الأول، ثم قدم مصر ثم خرج
~~منها إلى الشام فنزل السبع من أرض فلسطين ونزل لوط بالمؤتفكة على مسيرة
~~يوم وليلة من السبع أو أقرب.

# وفي الآية من مدح الشام ما فيها، وفي الحديث

# " ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم "

# أخرجه أبو داود. / و

# " عن زيد بن ثابت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوبى لأهل
~~الشام فقلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: لأن الملائكة عليهم السلام باسطة
~~أجنحتها عليها ms06796 "

# أخرجه الترمذي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. وأما العراق فقد ذكر
~~الغزالي عليه الرحمة في باب المحنة من «الإحياء» اتفاق جماعة من العلماء
~~على ذمة وكراهة سكناه واستحباب الفرار منه ولعل وجه ذلك غني عن البيان
~~فلا ننقب فيه البنان.

### || [21.72]

# { ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة } أي عطية كما روي
~~عن مجاهد وعطاء من نفله بمعنى أعطاه، وهو على ما اختاره أبو حيان مصدر
~~كالعاقبة والعافية منصوب بوهبنا على حد قعدت جلوسا، واختار جمع كونه
~~حالا من (إسحاق ويعقوب) أو ولد ولد أو زيادة على ما سأل عليه السلام وهو
~~إسحاق فيكون حالا من (يعقوب) ولا لبس فيه للقرينة الظاهرة { وكلا }
~~من المذكورين وهم إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب عليهم السلام لا بعضهم دون
~~بعض { جعلنا صلحين } بأن وفقناهم للصلاح في الدين والدنيا
~~فصاروا كاملين.

### || [21.73]

# { وجعلنهم أئمة } يقتدى بهم في أمور الدين { يهدون }
~~أي الأمة إلى الحق { بأمرنا } لهم بذلك وإرسالنا إياهم حتى صاروا
~~مكملين { وأوحينا إليهم فعل الخيرت } ليتم الكمال
~~بانضمام العمل إلى العلم، وأصله على ما ذهب إليه الزمخشري ومن تابعه أن
~~يفعل الخيرات ببناء الفعل لما لم يسم فاعله، ورفع الخيرات على النيابة عن
~~الفاعل ثم فعلا الخيرات بتنوين المصدر ورفع الخيرات أيضا على أنه نائب
~~الفاعل لمصدر المجهول ثم فعل الخيرات بحذف التنوين وإضافة المصدر لمعموله
~~القائم مقام فاعله، والداعي لذلك كما قيل إن { فعل الخيرت }
~~بالمعنى المصدري ليس موحى إنما الموحى أن يفعل، ومصدر المبني للمفعول
~~والحاصل بالمصدر كالمترادفين، وأيضا الوحي عام للأنبياء المذكورين عليهم
~~السلام وأممهم فلذا بني للمجهول.

# وتعقب ذلك أبو حيان بأن بناء المصدر لما لم يسم فاعله مختلف فيه فأجاز
~~ذلك الأخفش والصحيح منعه، وما ذكر من عموم الوحي لا يوجب ذلك هنا إذ يجوز
~~أن يكون المصدر مبنيا للفاعل ومضافا من حيث المعنى إلى ظاهر محذوف يشمل
~~الموحى إليهم وغيرهم أي فعل المكلفين الخيرات، ويجوز أن يكون مضافا إلى
~~الموحى إليهم أي أن يفعلوا الخيرات وإذا كانوا ms06797 قد أوحي إليهم ذلك
~~فأتباعهم جارون مجراهم في ذلك ولا يلزم اختصاصهم به انتهى. وانتصر
~~للزمخشري بأن ما ذكره بيان لأمر مقرر في النحو والداعي إليه أمران
~~ثانيهما ما ذكر من عموم الموحى الذي اعترض عليه والأول سالم عن الاعتراض
~~ذكر أكثر ذلك الخفاجي ثم قال: الظاهر أن المصدر هنا للأمر كضرب الرقاب،
~~وحينئذ فالظاهر أن الخطاب للأنبياء عليهم السلام فيكون الموحى قول الله
~~تعالى افعلوا الخيرات، وكان ذلك لأن الوحي مما فيه معنى القول كما قالوا
~~فيتعلق به لا بالفعل إلا أنه قيل يرد عليه ما أشير أولا إليه من أن ما
~~ذكر ليس من الأحكام المختصة بالأنبياء عليهم السلام ولا يخفى أن الأمر
~~فيه سهل، وجوز أن يكون المراد شرعنا لهم فعل ذلك بالإيحاء إليهم فتأمل.

# والكلام في قوله تعالى: { وإقام الصلوة وإيتاء الزكوة }
~~على هذا الطرز، وهو كما قال غير واحد من عطف الخاص على العام دلالة على
~~فضله وإنافته، وأصل { إقام } إقوام فقلبت واوه ألفا بعد نقل حركتها
~~لما قبلها وحذف إحدى ألفيه لالتقاء الساكنين، والأكثر تعويض التاء عنها
~~فيقال إقامة وقد تترك التاء إما مطلقا كما ذهب / إليه سيبويه والسماع
~~يشهد له، وإما بشرط الإضافة ليكون المضاف سادا مسدها كما ذهب إليه
~~الفراء وهو كما قال أبو حيان مذهب مرجوح، والذي حسن الحذف هنا المشاكلة،
~~والآية ظاهرة في أنه كان في الأمم السالفة صلاة وزكاة وهو مما تضافرت
~~عليه النصوص إلا أنهما ليسا كالصلاة والزكاة المفروضتين على هذه الأمة
~~المحمدية على نبيها أفضل الصلاة وأكمل التحية.

# { وكانوا لنا } خاصة دون غيرنا { عبدين } لا يخطر ببالهم
~~غير عبادتنا كأنه تعالى أشار بذلك إلى أنهم وفوا بعهد العبودية بعد أن
~~أشار إلى أنه سبحانه وفى لهم بعهد الربوبية.

### || [21.74]

# { ولوطا } قيل هو منصوب بمضمر يفسره قوله تعالى: { ءاتينه } أي
~~وآتينا لوطا آتيناه والجملة عطف على

# وهبنا له

# [الأنبياء:72] جمع سبحانه إبراهيم ولوطا في قوله تعالى:

# ونجينه ولوطا

# [الأنبياء:71] ثم بين ما أنعم به على كل منهما بالخصوص ms06798 وما وقع في البين
~~بيان على وجه العموم. والطبرسي جعل المراد من قوله تعالى:

# وكلا

# [الأنبياء:72] الخ أي كلا من إبراهيم وولديه إسحاق ويعقوب جعلنا الخ
~~فلا اندراج للوط عليه السلام هناك وله وجه، وأما كون المراد وكلا من
~~إسحاق ويعقوب فلا وجه له ويحتاج إلى تكليف توجيه الجمع فيما بعده، وقيل
~~باذكر مقدرا وجملة { ءاتينه } مستأنفة { حكما } أي حكمة،
~~والمراد بها ما يجب فعله أو نبوة فإن النبي حاكم على أمته أو الفصل بين
~~الخصوم في القضاء، وقيل حفظ صحف إبراهيم عليه السلام وفيه بعد {
~~وعلما } بما ينبغي علمه للأنبياء عليهم السلام { ونجينه
~~من القرية التى كانت تعمل الخبئث } قيل أي
~~اللواطة، والجمع باعتبار تعدد المواد، وقيل المراد الأعمال الخبيثة
~~مطلقا إلا أن أشنعها اللواطة، فقد أخرج إسحاق بن بشر والخطيب: وابن
~~عساكر عن الحسن قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " عشر خصال عملتها قوم لوط بها أهلكوا إتيان الرجال بعضهم بعضا ورميهم
~~بالجلاهق والخذف ولعبهم بالحمام وضرب الدفوف وشرب الخمور وقص اللحية وطول
~~الشارب والصفر والتصفيق ولباس الحرير وتزيدها أمتي بخلة إتيان النساء
~~بعضهن بعضا "

# وأسند ذلك إلى القرية على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فالنعت
~~سببي نحو جاءني رجل زنى غلامه، ولو جعل الإسناد مجازيا بدون تقدير أو
~~القرية مجازا عن أهلها جاز، واسم القرية سدوم، وقيل كانت قراهم سبعا
~~فعبر عنها ببعضها لأنها أشهرها. وفي «البحر» أنه عبر عنها بالواحدة
~~لاتفاق أهلها على الفاحشة ويروى أنها كلها قلبت إلا زغر لأنها كانت محل
~~من آمن بلوط عليه السلام، والمشهور قلب الجميع.

# { إنهم كانوا قوم سوء فسقين } أي خارجين عن الطاعة
~~غير منقادين للوط عليه السلام، والجملة تعليل لتعمل الخبائث، وقيل:
~~لنجيناه وهو كما ترى.

### || [21.75]

# { وأدخلنه فى رحمتنا } أي في أهل رحمتنا أي جعلناه في
~~جملتهم وعدادهم فالظرفية مجازية، أو في جنتنا فالظرفية حقيقية والرحمة
~~مجاز كما في حديث «الصحيحين»:

# " قال الله عز وجل للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي ms06799 "

# ويجوز أن تكون الرحمة مجازا عن النبوة وتكون الظرفية مجازية أيضا
~~فتأمل { إنه من الصلحين } الذين سبقت لهم منا الحسنى،
~~والجملة تعليل لما قبلها.

### || [21.76]

# { ونوحا } أي واذكر نوحا أي نبأه عليه السلام، وزعم ابن عطية أن
~~نوحا عطف على

# لوطا

# [الأنبياء:74] المفعول لآتينا على معنى وآتينا نوحا ولم يستبعد ذلك أبو
~~حيان وليس بشيء، قيل ولما ذكر سبحانه قصة إبراهيم عليه السلام وهو
~~أبو العرب أردفها جل شأنه بقصة أبي البشر وهو الأب الثاني كما أن آدم
~~عليه السلام الأب الأول بناء على المشهور من / أن جميع الناس الباقين
~~بعد الطوفان من ذريته عليه السلام وهو ابن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو
~~إدريس فيما يقال وهو أطول الأنبياء عليهم السلام على ما في «التهذيب»
~~عمرا، وذكر الحاكم في «المستدرك» أن اسمه عبد الغفار وأنه قيل له نوح
~~لكثرة بكائه على نفسه، وقال الجواليقي: إن لفظ نوح أعجمي معرب زاد
~~الكرماني ومعناه بالسريانية الساكن.

# { إذ نادى } أي دعا الله تعالى بقوله:

# أنى مغلوب فانتصر

# [القمر: 10] وقوله:

# رب لا تذر على الأرض من الكفرين ديارا

# [نوح: 26] و(إذ) ظرف للمضاف المقدر كما أشرنا إليه ومن لم يقدر يجعله
~~بدل اشتمال من (نوح). { من قبل } أي من قبل هؤلاء المذكورين، وذكرنا
~~قبل قولا آخر { فاستجبنا له } دعاءه { فنجينه
~~وأهله من الكرب العظيم } وهو الطوفان أو أذية قومه؛ وأصل
~~الكرب الغم الشديد وكأنه على ما قيل من كرب الأرض وهو قلبها بالحفر إذ
~~الغم يثير النفس إثارة ذلك أو من كربت الشمس إذا دنت للمغيب فإن الغم
~~الشديد تكاد شمس الروح تغرب منه أو من الكرب وهو عقد غليظ في رشاء الدلو
~~فإن الغم كعقدة على القلب، وفي وصفه بالعظيم تأكيد لما يدل هو عليه.

### || [21.77]

# { ونصرنه من القوم الذين كذبوا بئايتنا
~~} أي منعناه وحميناه منهم بإهلاكهم وتخليصه، وقيل: أي نصرناه عليهم فمن
~~بمعنى على، وقال بعضهم: إن النصر يتعدى بعلى ومن، ففي «الأساس» نصره الله
~~تعالى على عدوه ونصره من عدوه، وفرق ms06800 بينهما بأن المتعدي بعلى يدل على
~~مجرد الإعانة والمتعدي بمن يدل على استتباع ذلك للانتقام من العدو
~~والانتصار { إنهم كانوا قوم سوء } منهمكين في الشر، والجملة
~~تعليل لما قبلها وتمهيد لما بعد من قوله تعالى: { فأغرقنهم
~~أجمعين } فإن تكذيب الحق والانهماك في الشر مما يترتب عليه الإهلاك
~~قطعا في الأمم السابقة، ونصب { أجمعين } قيل على الحالية من الضمير
~~المنصوب وهو كما ترى، وقال أبو حيان: على أنه تأكيد له وقد كثر التأكيد
~~بأجمعين غير تابع لكل في القرآن فكان ذلك حجة على ابن مالك في زعمه أن
~~التأكيد به كذلك قليل والكثير استعماله تابعا لكل انتهى.

### || [21.78]

# { وداوود وسليمن } إما عطف على

# نوحا

# [الأنبياء:76] معمول لعامله أعني اذكر عليه على ما زعم ابن عطية، وإما
~~مفعول لمضمر معطوف على ذلك العامل بتقدير المضاف أي نبأ داود وسليمان.
~~وداود بن إيشا بن عوبر بن باعر بن سلمون بن يخشون بن عمى بن يارب بن
~~حضرون بن فارض بن يهوذا بن يعقوب عليه السلام، كان كما روي عن كعب أحمر
~~الوجه سبط الرأس أبيض الجسم طويل اللحية فيها جعودة حسن الصوت وجمع له
~~بين النبوة والملك، ونقل النووي عن أهل التاريخ أنه عاش مائة سنة ومدة
~~ملكه منها أربعون وكان له اثنا عشر ابنا وسليمان عليه السلام أحد أبنائه
~~وكان عليه السلام يشاور في كثير من أموره مع صغر سنه لوفور عقله وعلمه.
~~وذكر كعب أنه كان أبيض جسيما وسيما وضيئا خاشعا متواضعا، وملك كما
~~قال المؤرخون وهو ابن ثلاث عشرة سنة ومات وله ثلاث وخمسون سنة.

# وقوله تعالى: { إذ يحكمان } ظرف لذلك المقدر، وجوزت البدلية على
~~طرز ما مر، والمراد إذ حكما { فى الحرث } إلا أنه جيء بصيغة
~~المضارع حكاية للحال الماضية لاستحضار صورتها، والمراد بالحرث هنا الزرع.
~~/ وأخرج جماعة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه الكرم، وقيل: إنه
~~يقال فيهما إلا أنه في الزرع أكثر، وقال الخفاجي: لعله بمعنى الكرم مجاز
~~على التشبيه بالزرع، والمعنى إذ يحكمان في ms06801 حق الحرث { إذ نفشت }
~~ظرف للحكم، والنفش رعي الماشية في الليل بغير راع كما أن الهمل رعيها في
~~النهار كذلك، وكان أصله الانتشار والتفرق أي إذ تفرقت وانتشرت { فيه
~~غنم القوم } ليلا بلا راع فرعته وأفسدته.

# { وكنا لحكمهم شهدين } أي حاضرين علما، وضمير الجمع
~~قيل: لداود وسليمان ويؤيده قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما {
~~لحكمهما } بضمير التثنية، واستدل بذلك من قال: إن أقل الجمع اثنان، وجوز
~~أن يكون الجمع للتعظيم كما في

# رب ارجعون

# [المؤمنون:99]. وقيل: هو للحاكمين والمتحاكمين، واعترض بأن إضافة حكم
~~إلى الفاعل على سبيل القيام وإلى المفعول على سبيل الوقوع وهما في المعنى
~~معمولان له فكيف يصح سلكهما في قرن. وأجيب بأن الحكم في معنى القضية لا
~~نظر ههنا إلى علمه وإنما ينظر إليه إذا كان مصدرا صرفا، وأظهر منه كما
~~في «الكشف» أن الاختصاص يجمع القيام والوقوع وهو معنى الإضافة ولم يبق
~~النظر إلى العمل بعدها لا لفظا ولا معنى فالمعنى وكنا للحكم الواقع
~~بينهم شاهدين، والجملة اعتراض مقرر للحكم، وقد يقال: إنه مادح له كأنه
~~قيل: وكنا مراقبين لحكمهم لا نقرهم على خلل فيه، وهذا على طريقة قوله
~~تعالى:

# فإنك بأعيننا

# [الطور: 48] في إفادة العناية والحفظ.

### || [21.79]

# وقوله تعالى: { ففهمنها سليمن } عطف على

# يحكمان

# [الأنبياء:78] فإنه في حكم الماضي كما مضى. وقرأ عكرمة { فأفهمناها }
~~بهمزة التعدية والضمير للحكومة أو الفتيا المفهومة من السياق. روي أنه
~~كانت امرأة عابدة من بني إسرائيل وكانت قد تبتلت وكان لها جاريتان
~~جميلتان فقالت إحداهما للأخرى: قد طال علينا البلاء أما هذه فلا تريد
~~الرجال ولا نزال بشر ما كنا لها فلو أنا فضحناها فرجمت فصرنا إلى الرجال
~~فأخذا ماء البيض فأتياها وهي ساجدة فكشفتا عنها ثوبها ونضحتاه في دبرها
~~وصرختا أنها قد بغت وكان من زنى فيهم حده الرجم فرفعت إلى داود وماء
~~البيض في ثيابها فأراد رجمها فقال سليمان: ائتوا بنار فإنه إن كان ماء
~~الرجل تفرق وإن كان ماء البيض اجتمع فأتي بنار فوضعها عليه فاجتمع ms06802 فدرأ
~~عنها الرجم فعطف عليه داود عليه السلام فأحبه جدا فاتفق أن دخل على داود
~~عليه السلام رجلان فقال أحدهما: إن غنم هذا دخلت في حرثي ليلا فأفسدته
~~فقضى له بالغنم فخرجا فمرا على سليمان وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه
~~الخصوم فقال: كيف قضى بينكما أبي؟ فأخبراه فقال: غير هذا أرفق بالجانبين
~~فسمعه داود عليه السلام فدعاه فقال له: بحق النبوة والأبوه إلا أخبرتني
~~بالذي هو أرفق فقال: أرى أن تدفع الغنم إلى صاحب الأرض لينتفع بدرها
~~ونسلها وصوفها والحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه حتى يعود كما كان ثم
~~يترادا فقال: القضاء ما قضيت وأمضى الحكم بذلك، وكان عمره إذ ذاك إحدى
~~عشرة سنة.

# ومال كثير إلى أن حكمهما عليهما السلام كان بالاجتهاد وهو جائز على
~~الأنبياء عليهم السلام كما بين في الأصول وبذلك أقول فإن قول سليمان عليه
~~السلام غير هذا أرفق، ثم قوله: أرى أن تدفع الخ صريح في أنه ليس بطريق
~~الوحي وإلا لبت القول بذلك ولما ناشده داود عليهما السلام لإظهار ما عنده
~~بل وجب عليه أن يظهره بدأ وحرم عليه كتمه، مع أن الظاهر أنه عليه السلام
~~لم يكن نبيا في ذلك السن ومن ضرورته أن يكون القضاء السابق أيضا كذلك
~~ضرورة استحالة نقض حكم النص بالاجتهاد.

# وفي «الكشف» أن القول بأن كلا الحكمين عن اجتهاد باطل لأن حكم سليمان
~~نقض حكم داود عليهما السلام والاجتهاد / لا ينقض بالاجتهاد البتة فدل على
~~أنهما جميعا حكما بالوحي، ويكون ما أوحي به لسليمان عليه السلام ناسخا
~~لحكم داود عليه السلام أو كان حكم سليمان وحده بالوحي، وقوله تعالى: {
~~ففهمنها } لا يدل على أن ذلك اجتهاد. وتعقب بأنه إن أراد بعدم
~~نقض الاجتهاد بالاجتهاد عدم نقضه باجتهاد غيره حتى يلزم تقليده به فليس
~~ما نحن فيه، وإن أراد عدم نقضه باجتهاد نفسه ثانيا وهو عبارة عن تغير
~~اجتهاده لظهور دليل آخر فهو غير باطل بدليل أن المجتهد قد ينقل عنه في
~~مسألة قولان كمذهب الشافعي ms06803 رضي الله تعالى عنه القديم والجديد، ورجوع
~~كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى آراء بعضهم وهم مجتهدون، وقيل:
~~يجوز أن يكون أوحي إلى داود عليه السلام أن يرجع عن اجتهاده ويقضي بما
~~قضى به سليمان عليه السلام عن اجتهاد، وقيل: إن عدم نقض الاجتهاد
~~بالاجتهاد من خصائص شريعتنا، على أنه ورد في بعض الأخبار أن داود عليه
~~السلام لم يكن بت الحكم في ذلك حتى سمع من سليمان عليه السلام ما سمع.

# وممن اختار كون كلا الحكمين عن اجتهاد شيخ الإسلام مولانا أبو السعود
~~قدس سره ثم قال: بل أقول والله تعالى أعلم. إن رأي سليمان عليه السلام
~~استحسان كما ينبىء عنه قوله: أرفق بالجانبين ورأي داود عليه السلام قياس
~~كما أن العبد إذا جنى على النفس يدفعه المولى عند الإمام أبي حنيفة رضي
~~الله تعالى عنه إلى المجني عليه أو يفديه ويبيعه في ذلك أو يفديه عند
~~الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه. وقد روي أنه لم يكن بين قيمة الحرث
~~وقيمة الغنم تفاوت، وأما سليمان عليه السلام فقد استحسن حيث جعل الانتفاع
~~بالغنم بإزاء ما فات من الانتفاع بالحرث من غير أن يزول ملك المالك من
~~الغنم وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث إلى أن يزول الضرر الذي
~~آتاه من قبله كما قال (بعض) أصحاب الشافعي فيمن غصب عبدا فأبق منه إنه
~~يضمن القيمة فينتفع بها المغصوب منه بإزاء ما فوته الغاصب من المنافع
~~فإذا ظهر الآبق ترادا انتهى.

# وأما حكم المسألة في شريعتنا فعند الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه
~~لا ضمان إذا لم يكن معها سائق أو قائد لما روى الشيخان من قوله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " جرح العجماء جبار "

# ولا تقييد فيه بليل أو نهار، وعند الشافعي يجب الضمان ليلا لا نهارا
~~لما في «السنن» من أن ناقة البراء دخلت حائط رجل فأفسدته فقضى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم على أهل الأموال بحفظها بالنهار وعلى أهل المواشي
~~بحفظها بالليل. وأجيب ms06804 بأن في الحديث اضطرابا، وفي رجال سنده كلاما، مع
~~أنه يجوز أن يكون البراء أرسلها كما يجوز في هذه القصة أن يكون كذلك فلا
~~دليل فيه.

# { وكلا } من داود وسليمان { ءاتينا } ه { حكما وعلما }
~~كثيرا ومنه العلم بطريق الاجتهاد لا سليمان عليه السلام وحده، فالجملة
~~لدفع هذا التوهم وفيها دلالة على أن خطأ المجتهد لا يقدح في كونه
~~مجتهدا، وقيل: إن الآية دليل على أن كل مجتهد في مسألة لا قاطع فيها
~~مصيب فحكم الله تعالى في حقه وحق مقلده ما أدى إليه اجتهاده فيها ولا حكم
~~له سبحانه قبل الاجتهاد وهو قول جمهور المتكلمين منا كالأشعري والقاضي،
~~ومن المعتزلة كأبي الهذيل والجبائي وأتباعهم، ونقل عن الأئمة الأربعة
~~رضي الله تعالى عنهم القول بتصويب كل مجتهد والقول بوحدة الحق وتخطئة
~~البعض، وعد في «الإحكام» الأشعري ممن يقول كذلك.

# ورد بأن الله تعالى خصص سليمان بفهم الحق في الواقعة بقوله سبحانه: {
~~ففهمنها سليمن } / وذلك يدل على عدم فهم داود عليه
~~السلام ذلك فيها وإلا لما كان التخصيص مفيدا.

# وتعقبه الآمدي بقوله: ولقائل أن يقول: إن غاية ما في قوله تعالى: {
~~ففهمنها سليمن } تخصيصه عليه السلام بالتفهيم ولا دلالة
~~له على عدم ذلك في حق داود عليه السلام إلا بطريق المفهوم وليس بحجة وإن
~~سلمنا أنه حجة غير أنه قد روي أنهما حكما بالنص حكما واحدا ثم نسخ الله
~~تعالى الحكم في مثل تلك القضية في المستقبل وعلم سليمان بالنص الناسخ دون
~~داود عليهما السلام فكان هذا هو الفهم الذي أضيف إليه، والذي يدل على هذا
~~قوله تعالى: { وكلا ءاتينا حكما وعلما } ولو كان أحدهما
~~مخطئا لما كان قد أوتي في تلك الواقعة حكما وعلما وإن سلمنا أن حكمهما
~~كان مختلفا لكن يحتمل أنهما حكما بالاجتهاد مع الإذن فيه وكانا محقين في
~~الحكم إلا أنه نزل الوحي على وفق ما حكم به سليمان عليه السلام فصار ما
~~حكم به حقا متعينا بنزول الوحي به ونسب التفهيم إلى سليمان عليه السلام
~~بسبب ذلك، ms06805 وإن سلمنا أن داود عليه السلام كان مخطئا في تلك الواقعة غير
~~أنه [يحتمل أنه] كان فيها نص اطلع عليه سليمان دون داود، ونحن نسلم الخطأ
~~في مثل هذه الصورة وإنما النزاع فيما إذا حكما بالاجتهاد وليس في الواقعة
~~نص انتهى. وأكثر الأخبار تساعد أن الذي ظفر بحكم الله تعالى في هذه
~~الواقعة هو سليمان عليه السلام، وما ذكر لا يخلو مما فيه نظر فانظر
~~وتأمل.

# { وسخرنا مع داوود الجبال } شروع في بيان ما يختص بكل
~~منهما عليهما السلام من كراماته تعالى إثر ذكر الكرامة العامة لهما
~~عليهما السلام { يسبحن } يقدسن الله تعالى بلسان القال كما سبح
~~الحصا في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعه الناس، وكان عند
~~الأكثرين يقول: سبحان الله تعالى، وكان داود عليه السلام وحده يسمعه على
~~ما قاله يحيى بن سلام، وقيل: يسمعه كل أحد، وقيل: بصوت يظهر له من
~~جانبها وليس منها وهو خلاف الظاهر وليس فيه من إظهار الكرامة ما في الأول
~~بل إذا كان هذا هو الصدا فليس بشيء أصلا؛ ودونه ما قيل إن ذلك بلسان
~~الحال، وقيل: { يسبحن } بمعنى يسرن من السباحة.

# وتعقب بمخالفته للظاهر مع أن هذا المعنى لم يذكره أهل اللغة ولا جاء في
~~آية أخرى أو خبر سير الجبال معه عليه السلام. وقيل: إسناد التسبيح إليهن
~~مجاز لأنها كانت تسير معه فتحمل من رآها على التسبيح فأسند إليها وهو كما
~~ترى. وتأول الجبائي وعلي بن عيسى جعل التسبيح بمعنى السير بأنه مجاز لأن
~~السير سبب له فلا حاجة إلى القول بأنه من السباحة ومع هذا لا يخفى ما
~~فيه، والجملة في موضع الحال من { الجبال } أو استئناف مبين لكيفية
~~التسخير و { مع } متعلقة بالتسخير، وقال أبو البقاء: بيسبحن وهو نظير
~~قوله تعالى:

# يجبال أوبى معه

# [سبأ: 10] والتقديم للتخصيص ويعلم منه ما في حمل التسبيح على التسبيح
~~بلسان الحال وعلى ما يكون بالصدا.

# { والطير } عطف على { الجبال } أو مفعول معه، وفي الآثار تصريح
~~بأنها كانت تسبح معه عليه ms06806 السلام كالجبال. وقرىء { والطير } بالرفع
~~على الابتداء والخبر محذوف أي والطير مسخرات، وقيل: على العطف على الضمير
~~في { يسبحن } ومثله جائز عند الكوفيين، وقوله تعالى: { وكنا
~~فعلين } تذييل لما قبله أي من شأننا أن نفعل أمثاله فليس ذلك ببدع
~~منا وإن كان بديعا عندكم.

### || [21.80]

# { وعلمناه صنعة لبوس } أي عمل الدرع وأصله كل ما يلبس،
~~وأنشد ابن السكيت:

# البس لكل حالة لبوسها

# إما نعيمها وإما بوسها

# وقيل: هو اسم للسلاح كله درعا كان أو غيره، واختاره الطبرسي وأنشد
~~للهذلي يصف رمحا:

# / ومعي لبوس للبئيس كأنه

# روق بجبهة ذي نعاج مجفل

# قال قتادة: كانت الدروع قبل ذلك صفائح فأول من سردها وحلقها داود عليه
~~السلام فجمعت الخفة والتحصين، ويروى أنه نزل ملكان من السماء فمرا به
~~عليه السلام فقال أحدهما للآخر: نعم الرجل داود إلا أنه يأكل من بيت
~~المال فسأل الله تعالى أن يرزقه من كسبه فألان له الحديد فصنع منه الدرع.
~~وقرىء { لبوس } بضم اللام { لكم } متعلق بمحذوف وقع صفة للبوس، وجوز
~~أبو البقاء تعلقه بعلمنا أو بصنعة.

# وقوله تعالى: { لتحصنكم } متعلق بعلمنا أو بدل اشتمال من {
~~لكم } بإعادة الجار مبين لكيفية الاختصاص والمنفعة المستفادة من لام {
~~لكم } والضمير المستتر للبوس، والتأنيث بتأويل الدرع وهي مؤنث سماعي
~~أو للصنعة. وقرأ جماعة { ليحصنكم } بالياء التحتية على أن الضمير للبوس
~~أو لداود عليه السلام قيل أو التعليم، وجوز أن يكون لله تعالى على سبيل
~~الالتفات، وأيد بقراءة أبي بكر عن عاصم { لنحصنكم } بالنون، وكل هذه
~~القراءات بإسكان الحاء والتخفيف. وقرأ الفقيمي عن أبي عمرو وابن أبي
~~حماد عن أبي بكر بالياء التحتية وفتح الحاء وتشديد الصاد، وابن وثاب
~~والأعمش بالتاء الفوقية والتشديد { من بأسكم } قيل أي من حرب
~~عدوكم، والمراد مما يقع فيها، وقيل الكلام على تقدير مضاف أي من آلة
~~بأسكم كالسيف { فهل أنتم شكرون } أمر وارد [على] صورة
~~الاستفهام لما فيه من التقريع بالإيماء إلى التقصير في الشكر والمبالغة
~~بدلالته على أن الشكر مستحق الوقوع بدون أمر فسأل عنه ms06807 هل وقع ذلك الأمر
~~اللازم الوقوع أم لا.

### || [21.81]

# { ولسليمن الريح } أي وسخرنا له الريح، وجيء باللام هنا دون
~~الأول للدلالة على ما بين التسخيرين من التفاوت فإن تسخير ما سخر له عليه
~~السلام كان بطريق الانقياد الكلي له والامتثال بأمره ونهيه بخلاف تسخير
~~الجبال والطير لداود عليه السلام فإنه كان بطريق التبعية والاقتداء به
~~عليه السلام في عبادة الله عز وجل { عاصفة } حال من (الريح) والعامل
~~فيها الفعل المقدر أي وسخرنا له الريح حال كونها شديدة الهبوب، ولا ينافي
~~وصفها بذلك هنا وصفها في موضع آخر بأنها رخاء بمعنى طيبة لينة لأن الرخاء
~~وصف لها باعتبار نفسها والعصف وصف لها باعتبار قطعها المسافة البعيدة في
~~زمان يسير كالعاصفة في نفسها فهي مع كونها لينة تفعل فعل العاصفة. ويجوز
~~أن يكون وصفها بكل من الوصفين بالنسبة إلى الوقت الذي يريده سليمان عليه
~~السلام فيه، وقيل وصفها بالرخاء في الذهاب ووصفها بالعصف بالإياب على
~~عادة البشر في الإسراع إلى الوطن فهي عاصفة في وقت رخاء في آخر.

# وقرأ ابن هرمز وأبو بكر في رواية { الريح } بالرفع مع الإفراد. وقرأ
~~الحسن وأبو رجاء { الرياح } بالنصب والجمع وأبو حيوة بالرفع والجمع، ووجه
~~النصب ظاهر، وأما الرفع فعلى أن المرفوع مبتدأ والخبر هو الظرف المقدم و
~~{ عاصفة } حال من ضمير المبتدأ في الخبر والعامل ما فيه من معنى
~~الاستقرار.

# { تجرى بأمره } أي بمشيئته وعلى وفق إرادته وهو استعمال شائع،
~~ويجوز أن يأمرها حقيقة ويخلق الله تعالى لها فهما لأمره كما قيل في مجيء
~~الشجرة للنبي صلى الله عليه وسلم حين دعاها، والجملة إما حال ثانية أو
~~بدل من الأولى على ما قيل وقد مر لك غير بعيد الكلام في إبدال الجملة من
~~المفرد فتذكر أو حال من ضمير الأولى { إلى الأرض التى باركنا
~~فيها } وهي / الشام كما أخرج ابن عساكر عن السدي، وكان عليه السلام
~~مسكنه فيها فالمراد أنها تجري بأمره إلى الشام رواحا بعدما سارت به منها
~~بكرة، ولشيوع كونه عليه السلام ساكنا ms06808 في تلك الأرض لم يذكر جريانها
~~بأمره منها واقتصر على ذكر جريانها إليها وهو أظهر في الامتنان، وقيل كان
~~مسكنه اصطخر وكان عليه السلام يركب الريح منها فتجري بأمره إلى الشام.
~~وقيل: يحتمل أن تكون الأرض أعم من الشام، ووصفها بالبركة لأنها عليه
~~السلام إذا حل أرضا أمر بقتل كفارها وإثبات الايمان فيها وبث العدل ولا
~~بركة أعظم من ذلك، ويبعد أن المتبادر كون تلك الأرض مباركا فيها قبل
~~الوصول إليها وما ذكر يقتضي أن تكون مباركا فيها من بعد. وأبعد جدا
~~منذر بن سعيد بقوله إن الكلام قد تم عند قوله تعالى: { إلى الأرض }
~~و { التي باركنا فيها } صفة للريح؛ وفي الآية تقديم وتأخير،
~~والأصل ولسليمان الريح التي باركنا فيها عاصفة تجري بأمره بل لا يخفى أنه
~~لا ينبغي أن يحمل كلام الله تعالى العزيز على مثل ذلك وكلام أدنى البلغاء
~~يجل عنه.

# ثم الظاهر أن المراد بالريح هذا العنصر المعروف العام لجميع أصنافه
~~المشهورة، وقيل: المراد بها الصبا. وفي بعض الأخبار ما ظاهره ذلك، فعن
~~مقاتل أنه قال نسجت لسليمان عليه السلام الشياطين بساطا من ذهب وإبريسم
~~فرسخا في فرسخ ووضعت له منبرا من ذهب يقعد عليه وحوله كراسي من ذهب
~~يقعد عليها الأنبياء عليهم السلام وكراسي من فضة يقعد عليها العلماء
~~وحولهم سائر الناس وحول الناس الجن والشياطين والطير تظله من الشمس وترفع
~~ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح ومن الرواح إلى الصباح.
~~وما ذكر من أنه يحمل على البساط هو المشهور ولعل ذلك في بعض الأوقات وإلا
~~فقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أنه قال: كان لسليمان عليه السلام
~~مركب من خشب وكان فيه ألف ركن في كل ركن ألف بيت يركب معه فيه الجن
~~والإنس تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ذلك المركب فإذا ارتفع أتت الريح
~~الزخاء فسارت به فساروا معه فلا يدري القوم إلا وقد أظلهم منه الجيوش
~~والجنود، وقيل في وجه الجمع: إن البساط في المركب المذكور ms06809 وليس بذاك.
~~وذكر عن الحسن أن إكرام الله تعالى لسليمان عليه السلام بتسخير الريح لما
~~فعل بالخيل حين فاتته بسببها صلاة العصر وذلك أنه تركها لله تعالى فعوضه
~~الله سبحانه خيرا منها من حيث السرعة مع الراحة.

# ومن العجب أن أهل لندن قد أتعبوا أنفسهم منذ زمان بعمل سفينة تجري
~~مرتفعة في الهواء إلى حيث شاؤا بواسطة أبخرة يحبسونها فيها اغترارا بما
~~ظهر منذ سنوات من عمل سفينة تجري في الماء بواسطة آلات تحركها أبخرة فيها
~~فلم يتم لهم ذلك ولا أظنه يتم حسب إرادتهم على الوجه الأكمل، وأخبرني بعض
~~المطلعين أنهم صنعوا سفينة تجري في الهواء لكن لا إلى حيث شاؤا بل إلى
~~حيث ألقت رحلها.

# { وكنا بكل شىء علمين } فماأعطيناه ما أعطيناه إلا لما
~~نعلمه من الحكمة.

### || [21.82]

# { ومن الشيطين } أي وسخرنا له من الشياطين { من يغوصون
~~له } فمن في موضع نصب لسخرنا، وجوز أن تكون في موضع رفع على الابتداء
~~وخبره ما قبله، وهي على الوجهين على ما استظهره أبو حيان موصولة وعلى ما
~~اختاره جمع نكرة موصوفة، ووجه اختيار ذلك على الموصولية أنه لا عهد هنا،
~~وكون الموصول قد يكون للعهد الذهني خلاف الظاهر، وجيء بضمير الجمع نظرا
~~للمعنى، وحسنه تقدم جمع / قبله، والغوص الدخول تحت الماء وإخراج شيء منه،
~~ولما كان الغائص قد يغوص لنفسه ولغيره قيل { له } للإيذان بأن الغوص
~~ليس لأنفسهم بل لأجله عليه السلام. وقد كان عليه السلام يأمرهم فيغوصون
~~في البحار ويستخرجون له من نفائسه.

# { ويعملون } له { عملا } كثيرا { دون ذلك } أي غير ما
~~ذكر من بناء المدن والقصور واختراع الصنائع الغريبة لقوله تعالى

# يعملون له ما يشاء من محريب وتمثيل

# [سبأ: 13] الآية، قيل: إن الحمام والنورة والطاحون والقوارير والصابون
~~من أعمالهم، وذكر ذلك الإمام الرازي في «التفسير»، لكن في كون الصابون من
~~أعمالهم خلافا. ففي «التذكرة» الصابون من الصناعة القديمة قيل وجد في
~~«كتب هرمس وأندوخيا» وهو الأظهر. وقيل: من صناعة بقراط وجالينوس انتهى؛
~~وقيل هو من صناعة الفارابي وأول ms06810 ما صنعه في دمشق الشام ولا يصح ذلك، وما
~~اشتهر أن أول من صنعه البوني فمن كذب العوام وخرافاتهم، ثم هؤلاء إما
~~الفرقة الأولى أو غيرها لعموم كلمة { من } كأنه قيل: ومن يعملون،
~~والشياطين أجسام لطيفة نارية عاقلة، وحصول القدرة على الأعمال الشاقة في
~~الجسم اللطيف غير مستبعد فإن ذلك نظير قلع الهواء الأجسام الثقيلة، وقال
~~الجبائي: إنه سبحانه كثف أجسامهم خاصة وقواهم وزاد في عظمهم ليكون ذلك
~~معجزة لسليمان عليه السلام فلما توفي ردهم إلى خلقتهم الأولى لئلا يفضي
~~إبقاؤهم إلى تلبيس المتنبي وهو كلام ساقط عن درجة القبول كما لا يخفى.

# والظاهر أن المسخرين كانوا كفارا لأن لفظ الشياطين أكثر إطلاقا عليهم،
~~وجاء التنصيص عليه في بعض الروايات ويؤيده قوله تعالى: { وكنا لهم
~~حفظين } أي من أن يزيغوا عن أمره أو يفسدوا، وقال الزجاج: كان
~~يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوه بالنهار، وقيل حافظين لهم من أن يهيجوا
~~أحدا؛ والأنسب بالتذييل ما تقدم وذكر في حفظهم أنه وكل بهم جمعا من
~~الملائكة عليهم السلام وجمعا من مؤمني الجن.

# هذا وفي قصتي داود وسليمان عليهما السلام ما يدل على عظم قدرة الله
~~تعالى. قال الإمام: وتسخير أكثف الأجسام لداود عليه السلام وهو الحجر إذ
~~أنطقه الله تعالى بالتسبيح والحديد إذ ألانه سبحانه له وتسخير ألطف
~~الأجسام لسليمان عليه السلام وهو الريح والشياطين وهم من نار وكانوا
~~يغوصون في الماء فلا يضرهم دليل واضح على باهر قدرته سبحانه وإظهار الضد
~~من الضد وإمكان إحياء العظم الرميم وجعل التراب اليابس حيوانا فإذا أخبر
~~الصادق بوقوعه وجب قبوله واعتقاده.

### || [21.83]

# { وأيوب } الكلام فيه كما مر في قوله تعالى:

# وداوود وسليمن

# [الأنبياء:78] { إذ نادى ربه أنى } أي بأني { مسني
~~الضر } وقرأ عيسى بن عمر بكسر الهمزة على إضمار القول عند البصريين
~~أي قائلا إني، ومذهب الكوفيين إجراء نادى مجرى قال، والضر بالفتح شائع
~~في كل ضرر وبالضم خاص بما في النفس من مرض وهزال ونحوهما { وأنت
~~أرحم الرحمين } أي وأنت أعظم رحمة من ms06811 كل من يتصف بالرحمة في
~~الجملة وإلا فلا راحم في الحقيقة سواه جل شأنه وعلاه، ولا يخفى ما في
~~وصفه تعالى بغاية الرحمة بعدما ذكر نفسه بما يوجبها مكتفيا بذلك عن عرض
~~الطلب من استمطار سحائب الرحمة على ألطف وجهه.

# ويحكى في التلطف في الطلب أن امرأة شكت إلى بعض ولد سعد بن عبادة قلة
~~الفار في بيتها فقال: املؤا بيتها خبزا وسمنا ولحما، وهو عليه السلام
~~على ما قال ابن جرير: ابن أموص بن رزاح بن عيص بن إسحق، وحكى ابن عساكر
~~/ أن أمه بنت لوط عليه السلام وأن أباه ممن آمن بإبراهيم عليه السلام
~~فعلى هذا كان قبل موسى عليه السلام، وقال ابن جرير: كان بعد شعيب عليه
~~السلام، وقال ابن أبي خيثمة: كان بعد سليمان عليه السلام. وأخرج ابن سعد
~~عن الكلبي قال: أول نبي بعث إدريس ثم نوح ثم إبراهيم ثم إسمعيل وإسحق
~~ثم يعقوب ثم يوسف ثم لوط ثم هود ثم صالح ثم شعيب ثم موسى وهرون ثم إلياس
~~ثم اليسع ثم يونس ثم أيوب عليهم السلام، وقال ابن إسحق: الصحيح أنه كان
~~من بني إسرائيل ولم يصح في نسبه شيء إلا أن اسم أبيه أموص.

# وكان عليه السلام على ما أخرج الحاكم من طريق سمرة عن كعب طويلا جعد
~~الشعر واسع العينين حسن الخلق قصير العنق عريض الصدر غليظ الساقين
~~والساعدين وكان قد اصطفاه الله تعالى وبسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله
~~فكان له سبعة بنين وسبع بنات وله أصناف البهائم وخمسمائة فدان يتبعها
~~خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد فابتلاه الله تعالى بذهاب ولده بهدم بيت
~~عليهم وبذهاب أمواله وبالمرض في بدنه ثماني عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة أو
~~سبعا وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات أو ثلاث سنين، وعمره إذ ذاك
~~سبعون سنة، وقيل ثمانون سنة، وقيل أكثر، ومدة عمره على ما روى الطبراني
~~ثلاث وتسعون سنة وقيل أكثر.

# روي أن امرأته وكونها ماضر بنت ميشا بن يوسف عليه السلام أو ms06812 رحمة بنت
~~افراثيم بن يوسف إنما يتسنى على بعض الروايات السابقة في زمانه عليه
~~السلام  قالت له يوما: لو دعوت الله تعالى فقال: كم كانت مدة الرخاء
~~فذكرت مدة كثيرة وفي بعض الروايات ثمانين سنة فقال عليه السلام: أتسحي من
~~الله تعالى أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي.

# وروي أن إبليس عليه اللعنة أتاها على هيئة عظيمة فقال لها: أنا إله
~~الأرض فعلت بزوجك ما فعلت لأنه تركني وعبد إله السماء فلو سجد لي سجدة
~~رددت عليه وعليك جميع ما أخذت منكما. وفي رواية لو سجدت لي سجدة لرددت
~~المال والولد وعافيت زوجك فرجعت إلى أيوب عليه السلام وكان ملقى في
~~الكناسة ببيت المقدس لا يقرب منه أحد فأخبرته بالقصة فقال عليه السلام:
~~لعلك افتتنت بقول اللعين لئن عافاني الله عز وجل لأضربنك مائة سوط وحرام
~~على أن أذوق بعد هذا من طعامك وشرابك شيئا فطردها فبقي طريحا في
~~الكناسة لا يحوم حوله أحد من الناس فعند ذلك خر ساجدا فقال ربي اني مسني
~~الضر وأنت أرحم الراحمين وأخرج ابن عساكر عن الحسن أنه عليه السلام قال
~~ذلك حين مر به رجلان فقال أحدهما لصاحبه: لو كان لله تعالى في هذا حاجة
~~ما بلغ به هذا كله فسمع عليه السلام فشق عليه فقال رب الخ، وروى أنس
~~مرفوعا أنه عليه السلام نهض مرة ليصلي فلم يقدر على النهوض فقال: رب الخ
~~وقيل غير ذلك ولعل هذا الأخير أمثال الأقوال.

# وكان عليه السلام بلاؤه في بدنه في غاية الشدة، فقد أخرج ابن جرير عن
~~وهب بن منبه قال: كان يخرج في بدنه مثل ثدي النساء ثم يتفقأ، وأخرج أحمد
~~في «الزهد» عن الحسن أنه قال: ما كان بقي من أيوب عليه السلام إلا عيناه
~~وقلبه ولسانه فكانت الدواب تختلف في جسده، وأخرج أبو نعيم وابن عساكر عنه
~~أن الدودة لتقع من جسد أيوب عليه السلام فيعيدها إلى مكانها ويقول: كلي
~~من رزق الله تعالى، وما أصاب منه إبليس في ms06813 مرضه كما أخرج البيهقي في
~~«الشعب» إلا الأنين.

# وسبب ابتلائه على ما أخرج ابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن
~~عباس أنه استعان به مسكين على درء ظلم عنه فلم يعنه. / وأخرج ابن عساكر
~~عن أبي إدريس الخولاني في ذلك أن الشام أجدب فكتب فرعون إليه عليه
~~السلام أن هلم إلينا فإن لك عندنا سعة فأقبل بما عنده فأقطعه أرضا فاتفق
~~أن دخل شعيب على فرعون وأيوب عليه السلام عنده فقال: أما تخاف أن يغضب
~~الله تعالى غضبة فيغضب لغضبه أهل السموات والأرض والجبال والبحار فسكت
~~أيوب فلما خرجا من عنده أوحى الله تعالى إلى أيوب أوسكت عن فرعون
~~لذهابك إلى أرضه؟ استعد للبلاء قال: فديني قاله سبحانه: أسلمه لك قال: لا
~~أبالي، والله تعالى أعلم بصحة هذه الأخبار.

# ثم إنه عليه السلام لما سجد فقال ذلك قيل له: ارفع رأسك فقد استجيب لك
~~اركض برجلك فركض فنبعت من تحته عين ماء فاغتسل منها فلم يبق في ظاهر بدنه
~~دابة إلا سقطت ولا جراحة إلا برئت ثم ركض مرة أخرى فنبعت عين أخرى فشرب
~~منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج وعاد صحيحا ورجع إليه شبابه وجماله
~~وذلك قوله تعالى: { فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر }

### || [21.84]

# { فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر } ثم كسي حلة وجلس
~~على مكان مشرف ولم تعلم امرأته بذلك فأدركتها الرقة عليه فقالت في نفسها:
~~هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت جوعا وتأكله السباع لأرجعن فلما رجعت ما
~~رأت تلك الكناسة ولا تلك الحال فجعلت تطوف حيث الكناسة وتبكي وهابت صاحب
~~الحلة أن تأتيه وتسأله فدعاها أيوب عليه السلام فقال: ما تريدين يا أمة
~~الله؟ فبكت وقالت: أريد ذلك المبتلي الذي كان ملقى على الكناسة قال لها:
~~ما كان منك؟ فبكت وقالت: بعلي قال: أتعرفينه إذا رأيته؟ قالت: وهل يخفى
~~علي فتبسم فقال: أنا ذلك فعرفته بضحكة فاعتنقته.

# { وءاتينه أهله ومثلهم معهم } الظاهر أنه عطف على
~~{ كشفنا } فيلزم أن يكون ms06814 داخلا معه في حيز تفصيل استجابة الدعاء،
~~وفيه خفاء لعدم ظهور كون الإتيان المذكور مدعوا به وإذا عطف على {
~~استجبنا } لا يلزم ذلك، وقد سئل عليه الصلاة والسلام عن هذه الآية،
~~أخرج ابن مردويه وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما قال:

# " سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: { وءاتينه }
~~الخ قال: رد الله تعالى امرأته إليه وزاد في شبابها حتى ولدت له ستا
~~وعشرين ذكرا "

# فالمعنى على هذا آتيناه في الدنيا مثل أهله عددا مع زيادة مثل آخر،
~~وقال ابن مسعود والحسن وقتادة في الآية: إن الله تعالى أحيى له أولاده
~~الذين هلكوا في بلائه وأوتي مثلهم في الدنيا، والظاهر أن المثل من صلبه
~~عليه السلام أيضا، وقيل: كانوا نوافل؛ وجاء في خبر أنه عليه السلام كان
~~له أندران أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله تعالى سحابتين فأفرغت
~~إحداهما في أندر القمح الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق
~~حتى فاض، وأخرج أحمد، والبخاري وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال:

# " بينما أيوب عليه السلام يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب
~~عليه السلام يحثي في ثوبه فناداه ربه سبحانه يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما
~~ترى قال: بلى وعزتك لكن لا غنى بي عن بركتك "

# ، وعاش عليه السلام بعد الخلاص من البلاء على ما روي عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما سبعين سنة، ويظهر من هذا مع القول بأن عمره حين أصابه
~~البلاء سبعون أن مدة عمره فوق ثلاث وتسعين بكثير، ولما مات عليه السلام
~~أوصى إلى ابنه حرمل كما روي عن وهب، والآية ظاهرة في أن الأهل ليس
~~المرأة.

# { رحمة من عندنا وذكرى للعبدين } أي وآتيناه ما
~~ذكر لرحمتنا أيوب عليه السلام وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر
~~فيثابوا كما أثيب، فرحمة نصب على أنه مفعول له و { للعبدين }
~~متعلق بذكرى، وجوز أن يكون رحمة وذكرى تنازعا فيه ms06815 على معنى / وآتيناه
~~العابدين الذين من جملتهم أيوب عليه السلام وذكرنا إياهم بالإحسان وعدم
~~نسياننا لهم. وجوز أبو البقاء نصب { رحمة } على المصدر وهو كما ترى.

### || [21.85]

# { وإسمعيل وإدريس وذا الكفل } أي واذكرهم؛ وظاهر نظم
~~ذي الكفل في سلك الأنبياء عليهم السلام أنه منهم وهو الذي ذهب إليه
~~الأكثر، واختلف في اسمه فقيل بشر وهو ابن أيوب عليه السلام بعثه الله
~~تعالى نبيا بعد أبيه وسماه ذا الكفل وأمره سبحانه بالدعاء إلى توحيده،
~~وكان مقيما بالشام عمره ومات وهو ابن خمس وسبعين سنة وأوصى إلى ابنه
~~عبدان وأخرج ذلك الحاكم عن وهب، وقيل: هو إلياس بن ياسين بن فنحاص بن
~~العيزار بن هرون أخي موسى بن عمران عليهم السلام، وصنيع بعضهم يشعر
~~باختياره، وقيل يوشع بن نون، وقيل: اسمه ذو الكفل، وقيل هو زكريا حكى كل
~~ذلك الكرماني في «العجائب»، وقيل هو اليسع بن أخطوب بن العجوز، وزعمت
~~اليهود أنه حزقيال وجاءته النبوة وهو في وسط سبي بختنصر على نهر خوبار.

# وقال أبو موسى الأشعري ومجاهد: لم يكن نبيا وكان عبدا صالحا استخلفه
~~ على ما أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد  اليسع عليه السلام
~~بشرط أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب ففعل ولم يذكر مجاهد ما اسمه.
~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: كان قاضيا في بني إسرائيل
~~فحضره الموت فقال: من قوم مقامي على أن لا يغضب؟ فقال رجل: أنا يسمى ذا
~~الكفل الخبر، وأخرج عن ابن حجيرة الأكبر كان ملك من ملوك بني إسرائيل
~~فحضرته الوفاة فأتاه رؤس بني إسرائيل فقالوا: استخلف علينا ملكا نفزع
~~إليه فقال: من تكفل لي بثلاث فأوليه ملكي؟ فلم يتكلم إلا فتى من القوم
~~قال: أنا فقال: اجلس ثم قالها ثانية فلم يتكلم أحد إلا الفتى فقال: تكفل
~~لي بثلاث وأوليك ملكي تقوم الليل فلا ترقد وتصوم فلا تفطر وتحكم فلا تغضب
~~قال: نعم قال: قد وليتك ملكي الخبر، وفيه وكذا في الخبر السابق قصة إرادة
~~إبليس ms06816 عليه اللعنة إغضابه وحفظ الله تعالى إياه منه، والكفل الكفالة
~~والحظ والضعف، وإطلاق ذلك عليه إن لم يكن اسمه إما لأنه تكفل بأمر فوفى
~~به، وإما لأنه كان له ذا حظ من الله تعالى، وقيل لأنه كان له ضعف عمل
~~الأنبياء عليهم السلام في زمانه وضعف ثوابهم. ومن قال إنه زكريا عليه
~~السلام قال: إن إطلاق ذلك عليه لكفالته مريم وهو داخل في الوجه الأول،
~~وفي «البحر» وقيل: في تسميته ذا الكفل أقوال مضطربة لا تصح والله تعالى
~~أعلم.

# { كل } أي كل واحد من هؤلاء { من الصبرين } أي على مشاق
~~التكاليف وشدائد النوب ويعلم هذا من ذكر هؤلاء بعد أيوب عليهم السلام،
~~والجملة استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من الأمر بذكرهم.

### || [21.86]

# { وأدخلنهم فى رحمتنا } الكلام فيه على طرز ما سبق من
~~نظيره آنفا. { إنهم من الصلحين } أي الكاملين في الصلاح
~~لعصمتهم من الذنوب. والجملة في موضع التعليل وليس فيه تعليل الشيء بنفسه
~~من غير حاجة إلى جعل (من) ابتدائية كما يظهر بأدنى نظر.

### || [21.87]

# { وذا النون } أي واذكر صاحب الحوت يونس عليه السلام ابن متى وهو
~~اسم أبيه على ما في «صحيح البخاري» وغيره وصححه ابن حجر / قال: ولم أقف
~~في شيء من الأخبار على اتصال نسبه، وقد قيل إنه كان في زمن ملوك الطوائف
~~من الفرس، وقال ابن الأثير كغيره إنه اسم أمه ولم ينسب أحد من الأنبياء
~~إلى أمه غيره وغير عيسى عليهما السلام. واليهود قالوا بما تقدم إلا أنهم
~~سموه يونه بن أميتاي، وبعضهم يقول يونان بن أماثي، والنون الحوت كما
~~أشرنا إليه ويجمع على نينان كما في «البحر» وأنوان أيضا كما في
~~«القاموس».

# { إذ ذهب مغضبا } أي غضبان على قومه لشدة شكيمتهم وتمادي
~~إصرارهم مع طول دعوته إياهم، وكان ذهابه هذا هجرة عنهم لكنه لم يؤمر به.
~~وقيل: غضبان على الملك حزقيل، فقد روي عن ابن عباس أنه قال: كان يونس
~~وقومه يسكنون فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفا فأوحي الله
~~تعالى ms06817 إلى شعياء النبي أن اذهب إلى حزقيل الملك وقل له يوجه خمسة من
~~الأنبياء لقتال هذا الملك فقال: أوجه يونس ابن متى فإنه قوي أمين فدعاه
~~الملك وأمره أن يخرج فقال يونس: هل أمرك الله تعالى بإخراجي؟ قال: لا
~~قال: هل سماني لك، قال: لا فقال يونس: فههنا أنبياء غيري فألحوا عليه
~~فخرج مغاضبا فأتى بحر الروم فوجد قوما هيئوا سفينة فركب معهم فلما
~~وصلوا اللجة تكفأت بهم السفينة وأشرفت على الغرق فقال الملاحون: معنا رجل
~~عاص أو عبد آبق ومن رسمنا إذا ابتلينا بذلك أن نقترع فمن وقعت عليه
~~القرعة ألقيناه في البحر ولأن يغرق أحدنا خير من أن تغرق السفينة
~~فاقترعوا ثلاث مرات فوقعت القرعة فيها كلها على يونس عليه السلام فقال:
~~أنا الرجل العاصي والعبد الآبق فألقى نفسه في البحر فجاءت حوت فابتلعته
~~فأوحى الله تعالى إليها أن لا تؤذيه بشعرة فإني جعلت بطنك سجنا له ولم
~~أجعله طعاما ثم نجاه الله تعالى من بطنها ونبذه بالعراء وقد رق جلده
~~فأنبت عليه شجرة من يقطين يستظل بها ويأكل من ثمرها حتى اشتد فلما يبست
~~الشجرة حزن عليها يونس عليه السلام فقيل له: أتحزن على شجرة ولم تحزن على
~~مائة ألف أو يزيدون حيث لم تذهب إليهم ولم تطلب راحتهم؟ فأوحى الله تعالى
~~إليه وأمره أن يذهب إليهم فتوجه نحوهم حتى دخل أرضهم وهم منه غير بعيد
~~فأتاهم وقال لملكهم: إن الله تعالى أرسلني إليك فأرسل معي بني إسرائيل
~~قالوا: ما نعرف ما تقول ولو علمنا علمنا أنك صادق لفعلنا وقد آتيناكم في
~~دياركم وسبيناكم فلو كان الأمر كما تقول لمنعنا الله تعالى عنكم فطاف
~~فيهم ثلاثة أيام يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه فأوحى الله تعالى إليه قل لهم
~~إن لم يؤمنوا جاءهم العذاب فأبلغهم فأبوا فخرج من عندهم فلما فقدوه ندموا
~~على فعلهم فانطلقوا يطلبونه فلم يقدروا عليه ثم ذكروا أمرهم وأمر يونس
~~عليه السلام للعلماء الذين عندهم فقالوا: انظروا واطلبوه في المدينة فإن
~~كان فيها فليس ms06818 كما ذكر من نزول العذاب وإن كان قد خرج فهو كما قال فطلبوه
~~فقيل لهم: إنه خرج العشية فلما أيسوا غلقوا باب مدينتهم ولم يدخلوا فيها
~~دوابهم ولا غيرها وعزلوا كل واحدة عن ولدها وكذا الصبيان والأمهات ثم
~~قاموا ينتظرون الصبح فلما انشق الصبح نزل العذاب من السماء فشقوا جيوبهم
~~ووضعت الحوامل ما في بطونها وصاحت الصبيان والدواب فرفع الله تعالى
~~العذاب عنهم فبعثوا إلى يونس حتى لقوه فآمنوا به وبعثوا معه بني إسرائيل،
~~وقيل مغاضبا لربه عز وجل.

# وحكي في هذه المغاضبة كيفيات؛ وتعقب ذلك في «البحر» بأنه يجب اطراح هذا
~~القول إذ لا يناسب ذلك منصب النبوة وينبغي أن يتأول لمن قال ذلك من
~~العلماء كالحسن والشعبي وابن جبير وغيرهم من التابعين وابن مسعود من
~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأن يكون معنى قولهم لربه لأجل ربه تعالى
~~وحمية لدينه، فاللام لام العلة / لا اللام الموصلة للمفعول به انتهى.

# وكون المراد مغاضبا لربه عز وجل مقتضى زعم اليهود فإنهم زعموا أن الله
~~تعالى أمره أن يذهب إلى نينوى وينذر أهلها فهرب إلى ترسيس من ذلك وانحدر
~~إلى يافا ونزل في السفينة فعظمت الأمواج وأشرفت السفينة على الغرق فاقترع
~~أهلها فوقعت القرعة عليه فرمى بنفسه إلى البحر فالتقمه الحوت ثم ألقاه
~~وذهب إلى نينوى فكان ما كان، ولا يخفى أن مثل هذا الهرب مما يجل عنه
~~الأنبياء عليهم السلام واليهود قوم بهت. ونصب { مغضبا } على الحال
~~وهو من المفاعلة التي لا تقتضي اشتراكا نحو عاقبت اللص وسافرت، وكأنه
~~استعمل ذلك هنا للمبالغة؛ وقيل المفاعلة على ظاهرها فإنه عليه السلام غضب
~~على قومه لكفرهم وهم غضبوا عليه بالذهاب لخوفهم لحوق العذاب. وقرأ أبو
~~سرف { مغضبا } اسم مفعول.

# { فظن أن لن نقدر عليه } أي أنه أي الشأن لن نقدر ونقضي
~~عليه بعقوبة ونحوها أو لن نضيق عليه في أمره بحبس ونحوه، ويؤيد الأول
~~قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري { نقدر } بالنون مضمومة وفتح القاف وكسر
~~الدال مشددة، وقراءة على كرم الله ms06819 تعالى وجهه واليماني { يقدر } بضم
~~الياء وفتح القاف والدال مشددة فإن الفعل فيهما من التقدير بمعنى القضاء
~~والحكم كما هو المشهور، ويجوز أن يكون بمعنى التضيق فإنه ورد بهذا المعنى
~~أيضا كما ذكره الراغب، وظن معاوية رضي الله تعالى عنه أنه من القدرة
~~فاستشكل ذلك إذ لا يظن أحد فضلا عن النبي عليه السلام عدم قدرة الله
~~تعالى عليه وفزع إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فأجابه بما ذكرناه
~~أولا؛ وجوز أن يكون من القدرة وتكون مجازا عن إعمالها أي فظن أن لن
~~نعمل قدرتنا فيه أو يكون الكلام من باب التمثيل أي فعل فعل من ظن أن لن
~~نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمرنا، وقيل: يجوز أن يسبق ذلك
~~إلى وهمه عليه السلام بوسوسة الشيطان ثم يردعه ويرد بالبرهان كما يفعل
~~المؤمن المحقق بنزغات الشيطان وما يوسوس إليه في كل وقت، ومنه

# وتظنون بالله الظنونا

# [الأحزاب: 10] والخطاب للمؤمنين.

# وتعقبه صاحب «الفرائد» بأن مثله عن المؤمن بعيد فضلا عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم المعصوم لأنه كفر، وقوله تعالى:

# تظنون

# [الأحزاب: 10] الخ ليس من هذا القبيل على أنه شامل للخلص وغيرهم، وبأن
~~ما هجس ولم يستقر لا يسمى ظنا، وبأن الخواطر لا عتب عليها، وبأنه لو كان
~~حامله على الخروج لم يكن من قبيل الوسوسة. وأجيب بأن الظن بمعنى الهجس في
~~الخاطر من غير ترجيح مجاز مستعمل والعتب على ذهابه مغاضبا ولا وجه لجعله
~~حاملا على الخروج؛ ومع هذا هو وجه لا وجاهة له. وقرأ ابن أبي ليلى وأبو
~~سرف والكلبي وحميد بن قيس ويعقوب { يقدر } بضم الياء وفتح الدال مخففا،
~~وعيسى والحسن بالياء مفتوحة وكسر الدال.

# { فنادى } الفاء فصيحة أي فكان ما كان من المساهمة والتقام الحوت
~~فنادى { فى الظلمت } أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن
~~الحوت جعلت الظلمة لشدتها كأنها ظلمات، وأنشد السيرافي:

# وليل تقول الناس في ظلماته

# سواء صحيحات العيون وعورها

# أو الجمع على ظاهره والمراد ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة ms06820 الليل،
~~وقيل: ابتلع حوته حوت أكبر منه فحصل في ظلمتي بطني الحوتين وظلمتي البحر
~~والليل { أن لا إله إلا أنت } أي بأنه لا إله إلا أنت على
~~أن أن مخففة من الثقيلة والجار مقدر وضمير الشأن محذوف أو أي لا إله إلا
~~أنت على أنها مفسرة { سبحنك } / أي أنزهك تنزيها لائقا بك من أن
~~يعجزك شيء أو أن يكون ابتلائي بهذا من غير سبب من جهتي { إنى كنت
~~من الظلمين } لأنفسهم بتعريضهم للهلكة حيث بادرت إلى المهاجرة
~~من غير أمر على خلاف معتاد الأنبياء عليهم السلام، وهذا اعتراف منه عليه
~~السلام بذنبه وإظهار لتوبته ليفرج عنه كربته.

### || [21.88]

# { فاستجبنا له } أي دعاءه الذي دعاه في ضمن الاعتراف وإظهار
~~التوبة على ألطف وجه وأحسنه. أخرج أحمد والترمذي والنسائي والحكيم في
~~«نوادر الأصول» والحاكم وصححه وابن جرير والبيهقي في «الشعب» وجماعة عن
~~سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت { لا إله إلا أنت
~~سبحانك إني كنت من الظالمين } [الأنبياء: 87] لم يدع
~~بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له "

# وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أن ذلك اسم الله تعالى الأعظم، وأخرج ذلك
~~الحاكم عن سعد مرفوعا، وقد شاهدت أثر الدعاء به ولله تعالى الحمد حين
~~أمرني بذلك من أظن ولايته من الغرباء المجاورين في حضرة الباز الأشهب
~~وكان قد أصابني من البلاء ما الله تعالى أعلم به وفي شرحه طول وأنت ملول.

# وجاء عن أنس مرفوعا أنه عليه السلام حين دعا بذلك أقبلت دعوته تحف
~~بالعرش فقالت الملائكة عليهم السلام: هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة
~~فقال الله تعالى: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا رب ومن هو؟ قال: ذاك عبدي
~~يونس قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مجابة يا رب
~~أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء قال: بلى فأمر الحوت
~~فطرحه وذلك قوله تعالى: { ونجينه من الغم } أي ms06821 الذي ناله
~~حين التقمه الحوت بأن قذفه إلى الساحل بعد ساعات قال الشعبي: التقمه ضحى
~~ولفظه عشية، وعن قتادة أنه بقي في بطنه ثلاثة أيام وهو الذي زعمته
~~اليهود، وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه بقي سبعة أيام. وروى ابن
~~أبي حاتم عن أبي مالك أنه بقي أربعين يوما، وقيل المراد بالغم غم
~~الخطيئة وما تقدم أظهر.

# ولم يقل جل شأنه فنجيناه كما قال تعالى في قصة أيوب عليه السلام

# فكشفنا

# [الأنبياء: 84]  قال بعض الأجلة  لأنه دعا بالخلاص من الضر فالكشف
~~المذكور يترتب على استجابته ويونس عليه السلام لم يدع فلم يوجد وجه
~~الترتيب في استجابته. ورد بأن الفاء في قصة أيوب عليه السلام تفسيرية
~~والعطف هنا أيضا تفسيري والتفنن طريقة مسلوكة في البلاغة، ثم لا نسلم أن
~~يونس عليه السلام لم يدع ولو لم يكن منه دعاء لم تتحقق الاستجابة اه.
~~وتعقبه الخفاجي بأنه لا محصل له، وكونه تفسيرا لا يدفع السؤال لأن حاصله
~~لم أتى بالفاء ثمت ولم يؤت بها هنا؟ فالظاهر أن يقال: إن الأول دعاء بكشف
~~الضر على وجه التلطف فلما أجمل في الاستجابة وكان السؤال بطريق الإيماء
~~ناسب أن يؤتى بالفاء التفصيلية، وأما هنا فلما هاجر عليه السلام من غير
~~أمر كان ذلك ذنبا بالنسبة إليه عليه السلام كما أشار إليه بقوله:

# إنى كنت من الظلمين

# [الأنبياء: 87] فما أوحي إليه هو الدعاء بعدم مؤاخذته بما صدر منه
~~فالاستجابة عبارة عن قبول توبته وعدم مؤاخذته، وليس ما بعده تفسيرا له
~~بل زيادة إحسان على مطلوبه ولذا عطف بالواو اه.

# ولا يخفى أن ما ذكره لا يتسنى في قوله تعالى:

# ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجينه
~~وأهله من الكرب العظيم

# [الأنبياء: 76] وقوله سبحانه:

# وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرنى فردا وأنت
~~خير الورثين * فاستجبنا له ووهبنا له يحيى

# [الأنبياء: 89-90] إذ لم يكن سؤال نوح عليه السلام بطريق الإيماء مع أنه
~~قال تعالى في قصته /

# فنجيناه

# [الأنبياء:76] بالفاء وزكريا عليه السلام لم ms06822 يصدر منه ما يعد ذنبا
~~بالنسبة إليه ليتلطف في سؤال عدم المؤاخذة مع أنه قال سبحانه في قصته

# ووهبنا

# [الأنبياء:90] بالواو فلا بد حينئذ من بيان نكتة غير ما ذكر للتعبير في
~~كل موضع من هذين الموضعين بما عبر، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما ذكره
~~الشهاب في الآية الأخيرة.

# وربما يقال: إنه جيء بالفاء التفصيلية في قصتي نوح وأيوب عليهما السلام
~~اعتناء بشأن الاستجابة لمكان الإجمال والتفصيل لعظم ما كانا فيه وتفاقمه
~~جدا، ألا ترى كيف يضرب المثل ببلاء أيوب عليه السلام حيث كان في النفس
~~والأهل والمال واستمر إلى ما شاء الله تعالى وكيف وصف الله تعالى ما نجى
~~الله سبحانه منه نوحا عليه السلام حيث قال عز وجل

# فنجينه وأهله من الكرب العظيم

# [الأنبياء: 76] ولا كذلك ما كان فيه ذو النون وزكريا عليهما السلام
~~بالنسبة إلى ذلك فلذا جيء في آيتيهما بالواو وهي وإن جاءت للتفيسر لكن
~~مجيء الفاء لذلك أكثر، ولا يبعد عندي ما ذكره الخفاجي في هذه الآية من
~~كون الاستجابة عبارة عن قبول توبته عليه السلام والتنجية زيادة إحسان على
~~مطلوبه ويقال فيما سيأتي ما ستسمعه إن شاء الله تعالى.

# { وكذلك } أي مثل ذلك الإنجاء الكامل { ننجى المؤمنين }
~~من غموم دعوا الله تعالى فيها بالإخلاص لا إنجاء أدنى منه. وقرأ الجحدري
~~{ ننجي } مشددا مضارع نجى. وقرأ ابن عامر وأبو بكر { نجي } بنون واحدة
~~مضمومة وتشديد الجيم وإسكان الياء، واختار أبو عبيدة هذه القراءة على
~~القراءة بنونين لكونها أوفق بالرسم العثماني لما أنه بنون واحدة، وقال
~~أبو علي في «الحجة»: روي عن أبي عمرو { نجي } بالإدغام والنون لا تدغم
~~في الجيم وإنما أخفيت لأنها ساكنة تخرج من الخياشيم فحذفت من الكتاب وهي
~~في اللفظ، ومن قال: تدغم فقد غلط لأن هذه النون تخفى مع حروف الفم وتسمى
~~الأحرف الشجرية وهي الجيم والشين والضاد وتبيينها لحن فلما أخفى ظن
~~السامع أنه مدغم انتهى.

# وقال أبو الفتح ابن جني: أصله ننجي كما في قراءة الجحدري فحذفت النون ms06823
~~الثانية لتوالي المثلين والأخرى جيء بها لمعنى والثقل إنما حصل بالثانية
~~وذلك كما حذفت التاء الثانية في

# تظهرون

# [البقرة:85] ولا يضر كونها أصلية وكذا لا يضر عدم اتحاد حركتها مع حركة
~~النون الأولى فإن الداعي إلى الحذف اجتماع المثلين مع تعذر الإدغام فقول
~~أبي البقاء: إن هذا التوجيه ضعيف لوجهين، أحدهما: أن النون الثانية أصل
~~وهي فاء الكلمة فحذفها يبعد جدا، والثاني: أن حركتها غير حركة النون
~~الأولى فلا يستثقل الجمع بينهما بخلاف

# تظهرون

# [البقرة:85] ليس في حيز القبول، وإنما امتنع الحذف في

# تتجافى

# [السجدة:16] لخوف اللبس بالماضي بخلاف ما نحن فيه لأنه لو كان ماضيا لم
~~يسكن آخره، وكونه سكن تخفيفا خلاف الظاهر، وقيل هو فعل ماض مبني لما لم
~~يسم فاعله وسكنت الياء للتخفيف كما في قراءة من قرأ

# وذروا ما بقى من الربوا

# [البقرة: 278] وقوله:

# هو الخليفة فارضوا ما رضي لكم

# ماضي العزيمة ما في حكمه جنف

# ونائب الفاعل ضمير المصدر و { المؤمنين } مفعول به، وقد أجاز قيام
~~المصدر مقام الفاعل مع وجود المفعول به الأخفش والكوفيون وأبو عبيد،
~~وخرجوا على ذلك قراءة أبي جعفر

# ليجزى قوما

# [الجاثية: 14] وقوله:

# ولو ولدت فقيرة جرو كلب

# لسب بذلك الكلب الكلابا

# / والمشهور عن البصريين أنه متى وجد المفعول به لم يقم غيره مقام
~~الفاعل، وقيل إن { المؤمنين } منصوب بإضمار فعل أي وكذلك نجى هو أي
~~الإنجاء ننجي المؤمنين، وقيل هو منصوب بضمير المصدر والكل كما ترى.

### || [21.89]

# { وزكريا } أي واذكر خبره عليه السلام { إذ نادى ربه
~~رب لا تذرنى فردا } أي وحيدا بلا ولد يرثني كما يشعر به
~~التذييل بقوله تعالى { وأنت خير الورثين } ولو كان المراد بلا
~~ولد يصاحبني ويعاونني لقيل وأنت خير المعينين، والمراد بقوله { وأنت
~~خير الورثين } وأنت خير حي يبقى بعد ميت، وفيه مدح له تعالى
~~بالبقاء وإشارة إلى فناء من سواه من الأحياء. وفي ذلك استمطار لسحائب
~~لطفه عز وجل، وقيل أراد بذلك رد الأمر إليه سبحانه كأنه قال: إن لم
~~ترزقني ولدا يرثني فأنت ms06824 خير وارث فحسبي أنت.

# واعترض بأنه لا يناسب مقام الدعاء إذ من آداب الداعي أن يدعو بجد
~~واجتهاد وتصميم منه. ففي «الصحيحين» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت ارحمني إن شئت ارزقني إن
~~شئت ليعزم مسألته فإن الله تعالى يفعل ما يشاء لا مكره له "

# ، وفي رواية في «صحيح مسلم»:

# " ولكن ليعزم المسألة وليعزم الرغبة فإن الله تعالى لا يتعاظمه شيء
~~أعطاه "

# ويمكن أن يقال: ليس هذا من قبيل ارزقني إن شئت إذ ليس المقصود منه إلا
~~إظهار الرضا والاعتماد على الله عز وجل لو لم يجب دعاءه وليس المقصود من
~~ارزقني إن شئت ذلك فتأمل.

### || [21.90]

# { فاستجبنا له } دعاءه { ووهبنا له يحيى } وقد مر
~~بيان كيفية ذلك { وأصلحنا له زوجه } أي أصلحناها للمعاشرة
~~بتحسين خلقها وكانت سيئة الخلق طويلة اللسان كما روي عن ابن عباس وعطاء
~~بن أبي رباح ومحمد بن كعب القرظي وعون بن عبد الله أو أصلحناها له عليه
~~السلام برد شبابها إليها وجعلها ولودا وكانت لا تلد كما روي عن ابن جبير
~~وقتادة، وعلى الأول تكون هذه الجملة عطفا على جملة { استجبنا }
~~لأنه عليه السلام لم يدع بتحسين خلق زوجه.

# قال الخفاجي: ويجوز عطفها على { وهبنا } وحينئذ يظهر عطفه بالواو
~~لأنه لما فيه من الزيادة على المطلوب لا يعطف بالفاء التفصيلية، وعلى
~~الثاني العطف على { وهبنا } وقدم هبة يحيى مع توقفها على إصلاح
~~الزوج للولادة لأنها المطلوب الأعظم، والواو لا تقتضي ترتيبا فلا حاجة
~~لما قيل: المراد بالهبة إرادتها، قال الخفاجي: ولم يقل سبحانه: فوهبنا
~~لأن المراد الامتنان لا التفسير لعدم الاحتياج إليه مع أنه لا يلزم
~~التفسير بالفاء بل قد يكون العطف التفسيري بالواو انتهى، ولا يخفى ما فيه
~~فتدبر.

# وقوله تعالى: { إنهم كانوا يسارعون فى الخيرت }
~~تعليل لما فصل من فنون إحسانه المتعلقة بالأنبياء المذكورين سابقا عليهم
~~السلام، فضمائر الجمع للأنبياء المتقدمين. وقيل: لزكريا وزوجه ويحيى،
~~والجملة تعليل لما يفهم من الكلام من ms06825 حصول القربى والزلفى والمراتب
~~العالية لهم أو استئناف وقع جوابا عن سؤال تقديره ما حالهم؟ والمعلول
~~عليه ما تقدم، والمعنى إنهم كانوا يجدون ويرغبون في أنواع الأعمال الحسنة
~~وكثيرا ما يتعدى أسرع بفي لما فيه من معنى الجد والرغبة فليست في بمعنى
~~إلى أو للتعليل ولا الكلام من قبيل:

# يجرح في عراقيبها نصلي

# { ويدعوننا رغبا ورهبا } أي راغبين في نعمنا وراهبين من
~~نقمنا أو راغبين في قبول أعمالهم وراهبين من ردها، فرغبا ورهبا مصدران
~~في موضع / الحال بتأويلهما باسم الفاعل، ويجوز أن يكون ذلك بتقدير مضاف
~~أي ذوي رغب، ويجوز إبقاؤهما على الظاهر مبالغة، وجوز أن يكونا جمعين كخدم
~~جمع خادم لكن قالوا إن هذا الجمع مسموع في ألفاظ نادرة. وجوز أن يكونا
~~نصبا على التعليل أي لأجل الرغبة والرهبة، وجوز أبو البقاء نصبهما على
~~المصدر نحو قعدت جلوسا وهو كما ترى. وحكى في «مجمع البيان» أن الدعاء
~~رغبة ببطون الأكف ورهبة بظهورها، وقد قال به بعض علمائنا، والظاهر أن
~~الجملة معطوفة على جملة { يسرعون } فهي داخلة معها في حيز {
~~كانوا } ، وفي عدم إعادتها رمز إلى أن الدعاء المذكور من توابع تلك
~~المسارعة، وقرأت فرقة { يدعونا } بحذف نون الرفع، وقرأ طلحة { يدعونا }
~~بنون مشددة أدغم نون الرفع في نون ضمير النصب، وقرأ { ويدعوننا
~~رغبا ورهبا } بفتح الراء وإسكان ما بعدها و { رغبا ورهبا }
~~بالضم والإسكان.

# { وكانوا لنا خشعين } أي مخبتين متضرعين أو دائمي الوجل،
~~وحاصل التعليل أنهم نالوا من الله تعالى ما نالوا بسبب اتصافهم بهذه
~~الخصال الحميدة.

### || [21.91]

# وقوله تعالى: { والتى أحصنت فرجها } نصب نصب نظائره
~~السابقة، وقيل رفع على الابتداء والخبر محذوف أي مما يتلى عليكم أو هو
~~قوله تعالى: { فنفخنا فيها من روحنا } والفاء زائدة عند من
~~يجيزه، والمراد بالموصول مريم عليها السلام، والإحصان بمعناه اللغوي وهو
~~المنع مطلقا، والفرج في الأصل الشق بين الشيئين كالفرجة وما بين الرجلين
~~ويكنى به عن السوأة وكثر حتى صار كالصريح في ذلك وهو المراد به هنا عند
~~جماعة أي منعت ms06826 فرجها من النكاح بقسميه كما قالت

# ولم يمسسنى بشر ولم أك بغيا

# [مريم: 20] وكان التبتل إذ ذاك مشروعا للنساء والرجال، وقيل الفرج هنا
~~جيب قميصها منعته من جبريل عليه السلام لما قرب منها لينفخ حيث لم تعرفه.

# وعبر عنها بما ذكر لتفخيم شأنها وتنزيهها عما زعموه في حقها، والمراد من
~~الروح معناه المعروف، والإضافة إلى ضميره تعالى للتشريف، ونفخ الروح
~~عبارة عن الإحياء وليس هناك نفخ حقيقة. ثم هذا الإحياء لعيسى عليه السلام
~~وهو لكونه في بطنها صح أن يقال: نفخنا فيها فإن ما يكون فيما في الشيء
~~يكون فيه فلا يلزم أن يكون المعنى أحييناها وليس بمراد، وهذا كما يقول
~~الزمار. نفخت في بيت فلان وهو قد نفخ في المزمار في بيته، وقال أبو حيان:
~~الكلام على تقدير مضاف أي فنفخنا في ابنها. ويجوز أن يكون المراد من
~~الروح جبريل عليه السلام كما قيل في قوله تعالى:

# فأرسلنا إليها روحنا

# [مريم: 17] و(من) ابتدائية وهناك نفخ حقيقة وإسناده إليه تعالى مجاز أي
~~فنفخنا فيها من جهة روحنا، وكان جبريل عليه السلام قد نفخ من جيب درعها
~~فوصل النفخ إلى جوفها فصح أن النفخ فيها من غير غبار يحتاج إلى النفخ، ثم
~~النفخ لازم وقد يتعدى فيقال نفخنا الروح. وقد جاء ذلك في بعض الشواذ ونص
~~عليه بعض الأجلة فإنكاره من عدم الاطلاع.

# { وجعلنها وابنها } أي جعلنا قصتهما أو حالهما { آية
~~للعلمين } فإن من تأمل حالتهما تحقق كمال قدرته عز وجل، فالمراد
~~بالآية ما حصل بهما من الآية التامة مع تكاثر آيات كل واحد منهما، وقيل
~~أريد بالآية الجنس الشامل ما لكل واحد منهما من الآيات المستقلة، وقيل:
~~المعنى وجعلناها آية وابنها آية فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها.

# / واستدل بذكر مريم عليها السلام مع الأنبياء في هذه السورة على أنها
~~كانت نبية إذ قرنت معهم في الذكر. وفيه أنه لا يلزم من ذكرها معهم كونها
~~منهم ولعلها إنما ذكرت لأجل عيسى عليه السلام، وناسب ذكرهما هنا قصة
~~زكريا وزوجه وابنهما يحيى ms06827 للقرابة التي بينهم عليهم السلام.

### || [21.92]

# { إن هذه أمتكم } خطاب للناس قاطبة، والإشارة إلى ملة
~~التوحيد والإسلام وذلك من باب

# هذا فراق بينى وبينك

# [الكهف: 78] وهذا أخوك تصور المشار إليه في الذهن وأشير إليه، وفيه أنه
~~متميز أكمل التمييز ولهذا لم يبين بالوصف، والأمة على ما قاله صاحب
~~«المطلع» أصلها القوم يجتمعون على دين واحد ثم اتسع فيها حتى أطلقت على
~~نفس الدين، والأشهر أنها الناس المجتمعون على أمر أو في زمان وإطلاقها
~~على نفس الدين مجاز، وظاهر كلام الراغب أنه حقيقة أيضا وهو المراد هنا،
~~وأريد بالجملة الخبرية الأمر بالمحافظة على تلك الملة ومراعاة حقوقها،
~~والمعنى أن ملة الإسلام ملتكم التي يجب أن تحافظوا على حدودها وتراعوا
~~حقوقها فافعلوا ذلك.

# وقوله تعالى: { أمة واحدة } نصب على الحال من { أمة }
~~والعامل فيها اسم الإشارة، ويجوز أن يكون العامل في الحال غير العامل في
~~صاحبها وإن كان الأكثر الاتحاد كما في «شرح التسهيل» لأبي حيان، وقيل
~~بدل من { هذه } ومعنى وحدتها اتفاق الأنبياء عليهم السلام عليها أي
~~إن هذه أمتكم أمة غير مختلفة فيما بين الأنبياء عليهم السلام بل أجمعوا
~~كلهم عليها فلم تتبدل في عصر من الأعصار كما تبدلت الفروع، وقيل: معنى
~~وحدتها عدم مشاركة غيرها وهو الشرك لها في القبول وصحة الاتباع.

# وجوز أن تكون الإشارة إلى طريقة الأنبياء المذكورين عليهم السلام
~~والمراد بها التوحيد أيضا، وقيل: هي إشارة إلى طريقة إبراهيم عليه
~~السلام والكلام متصل بقصته وهو بعيد جدا، وأبعد منه بمراحل ما قيل إنها
~~إشارة إلى ملة عيسى عليه السلام والكلام متصل بما عنده كأنه قيل وجعلناها
~~وابنها آية العالمين قائلين لهم إن هذه أي الملة التي بعث بها عيسى أمتكم
~~الخ بل لا ينبغي أن يلتفت إليه أصلا، وقيل: إن { هذه } إشارة إلى
~~جماعة الأنبياء المذكورين عليهم السلام والأمة بمعنى الجماعة أي إن هؤلاء
~~جماعتكم التي يلزمكم الاقتداء بهم مجتمعين على الحق غير مختلفين، وفيه
~~جهة حسن كما لا يخفى، والأول أحسن وعليه جمهور المفسرين وهو ms06828 المروي عن
~~ابن عباس ومجاهد وقتادة.

# وجوز بعضهم كون الخطاب للمؤمنين كافة، وجعله الطيبي للمعاندين خاصة حيث
~~قال في وجه ترتيب النظم الكريم: إن هذه السورة نازلة في بيان النبوة وما
~~يتعلق بها والمخاطبون المعاندون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلما فرغ
~~من بيان النبوة وتكريره تقريرا ومن ذكر الأنبياء عليهم السلام مسليا
~~عاد إلى خطابهم بقوله تعالى شأنه: { إن هذه أمتكم } الخ أي
~~هذه الملة التي كررتها عليكم ملة واحدة اختارها لكم لتتمسكوا بها وبعبادة
~~الله تعالى والقول بالتوحيد وهي التي أدعوكم إليها لتعضوا عليها بالنواجذ
~~لأن سائر الكتب نازلة في شأنها والأنبياء كلهم مبعثون للدعوة إليها
~~ومتفقون عليها، ثم لما علم إصرارهم قيل

# وتقطعوا

# [الأنبياء: 93] الخ، وحاصل المعنى الملة واحدة والرب واحد والأنبياء
~~عليهم السلام متفقون عليها وهؤلاء البعداء جعلوا أمر الدين الواحد فيما
~~بينهم قطعا كما يتوزع الجماعة الشيء الواحد انتهى، والأظهر العموم، وأمر
~~النظم عليه يؤخذ من كلام الطيبي بأدنى التفات. وقرأ الحسن { أمتكم
~~} بالنصب على أنه بدل من { هذه } أو عطف بيان / عليه و { أمة
~~واحدة } بالرفع على أنه خبر { إن }. وقرأ هو أيضا وابن إسحاق
~~والأشهب العقيلي وأبو حيوة وابن أبي عبلة والجعفي وهارون عن أبي عمرو
~~والزعفراني برفعهما على أنهما خبرا { إن } ، وقيل: الأول خبر والثاني
~~بدل منه بدل نكرة من معرفة أو هو خبر مبتدأ محذوف أي هي أمة واحدة.

# { وأنا ربكم } أي أنا إلهكم إله واحد { فاعبدون } خاصة؛
~~وتفسير الرب بالإله لأنه رتب عليه الأمر بالعبادة، والدلالة على الوحدة
~~من حدة الملة، وفي لفظ الرب إشعار بذلك من حيث إن الرب وإن توهم جواز
~~تعدده في نفسه لا يمكن أن يكون لكل مربوب إلا رب واحد لأنه مفيض الوجود
~~وكمالاته معا، وفي العدول إلى لفظ الرب ترجيح جانب الرحمة وأنه تعالى
~~يدعوهم إلى عبادته بلسان الترغيب والبسط قاله في «الكشف».

### || [21.93]

# { وتقطعوا أمرهم بينهم } أي جعلوا أمر دينهم فيما
~~بينهم قطعا على أن تقطع مضمن معنى الجعل فلذا تعدى ms06829 إلى { أمرهم }
~~بنفسه، وقال أبو البقاء: تقطعوا أمرهم أي في أمرهم أي تفرقوا، وقيل: عدي
~~بنفسه لأنه بمعنى قطعوا أي فرقوا، وقيل: { أمرهم } تمييز محول عن
~~الفاعل أي تقطع أمرهم انتهى، وما ذكر أولا أظهر وأمر التمييز لا يخفى
~~على ذي تمييز، ثم أصل الكلام وتقطعتم أمركم بينهم على الخطاب فالتفت إلى
~~الغيبة لينعي عليهم ما فعلوا من الفرق في الدين وجعله قطعا موزعة وينهي
~~ذلك إلى الآخرين كأنه قيل ألا ترون إلى عظم ما ارتكب هؤلاء في دين الله
~~تعالى الذي أجمعت عليه كافة الأنبياء عليهم السلام وفي ذلك ذم للاختلاف
~~في الأصول.

# { كل } أي كل واحدة من الفرق المتقطعة أو كل واحد من آحاد كل واحدة
~~من تلك الفرق { إلينا رجعون } بالبعث لا إلى غيرنا فنجازيهم
~~حينئذ بحسب أعمالهم، ولا يخفى ما في الجملة من الدلالة على الثبوت
~~والتحقق.

### || [21.94]

# وقوله تعالى: { فمن يعمل من الصلحت } تفصيل للجزاء أي
~~فمن يعمل بعض الصالحات أو بعضا من الصالحات { وهو مؤمن } بما يجب
~~الإيمان به { فلا كفران لسعيه } أي لا حرمان لثواب عمله ذلك،
~~عبر عنه بالكفران الذي هو سر النعمة وجحودها لبيان كمال نزاهته تعالى عنه
~~بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه سبحانه من القبائح، وإبراز الإثابة في
~~معرض الأمور الواجبة عليه تعالى ونفي نفي الجنس المفيد للعموم للمبالغة
~~في التنزيه، والظاهر أن التركيب على طرز «لا مانع لما أعطيت» والكلام فيه
~~مشهور بين علماء العربية؛ وعبر عن العمل بالسعي لإظهار الاعتداد به، وفي
~~حرف عبد الله { فلا كفر } والمعنى واحد { وإنا له } أي لسعيه،
~~وقيل: الضمير لمن وليس بشيء { كتبون } أي مثبتون في صحيفة عمله لا
~~يضيع بوجه ما.

# واستدل بالآية على أن قبول العمل الصالح مطلقا مشروط بالإيمان وهو قول
~~لبعضهم، وقال آخرون: الإيمان شرط لقبول ما يحتاج إلى النية من الأعمال،
~~وتحقيقه في موضعه.

### || [21.95]

# { وحرام على قرية } أي على أهل قرية فالكلام على تقدير مضاف
~~أو القرية مجاز عن أهلها. والحرام مستعار للممتنع وجوده بجامع ms06830 أن كل واحد
~~منهما غير مرجو الحصول، وقال الراغب: الحرام الممنوع منه إما بتسخير
~~إلهي وإما بمنع قهري وإما بمنع من جهة العقل أو من جهة الشرع أو من جهة
~~من يرتسم أمره، وذكر أنه قد حمل في هذه الآية على التحريم بالتسخير كما
~~في قوله تعالى:

# وحرمنا عليه المراضع

# [القصص:12].

# وقرأ أبو حنيفة وحمزة والكسائي وأبو بكر وطلحة والأعمش وأبو عمرو في
~~رواية { وحرم } بكسر الحاء وسكون الراء.

# / وقرأ قتادة ومطر الوراق ومحبوب عن أبي عمرو بفتح الحاء وسكون الراء،
~~وقرأ عكرمة { وحرم } [بفتح] الحاء وكسر الراء والتنوين. وقرأ ابن
~~عباس وعكرمة أيضا وابن المسيب وقتادة أيضا بكسر الراء وفتح الحاء
~~والميم على المضي. وقرأ ابن عباس وعكرمة بخلاف عنهما، وأبو العالية وزيد
~~بن علي بضم الراء وفتح الحاء والميم على المضي أيضا، وفي رواية أخرى عن
~~ابن عباس أنه قرأ بفتح الحاء والراء والميم على المضي أيضا. وقرأ
~~اليماني { وحرم } بضم الحاء وكسر الراء مشددة وفتح الميم على أنه
~~فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله.

# { أهلكنها } أي قدرنا هلاكها أو حكمنا به في الأزل لغاية
~~طغيانهم وعتوهم فيما لا يزال. وقرأ السلمي وقتادة { أهلكتها } بتاء
~~المتكلم، وقوله تعالى: { أنهم لا يرجعون } في تأويل اسم مرفوع
~~على الابتداء خبره { حرام } قال ابن الحاجب في «أماليه»: ويجب حينئذ
~~تقديمه لما تقرر في النحو من أن الخبر عن أن يجب تقديمه، وجوز أن يكون {
~~حرام } مبتدأ و { أنهم } فاعل له سد مسد خبره وإن لم يعتمد على
~~نفي أو استفهام بناء على مذهب الأخفش فإنه لا يشترط في ذلك الاعتماد
~~خلافا للجمهور كما هو المشهور. وذهب ابن مالك أن رفع الوصف الواقع مبتدأ
~~لمكتفى به عن الخبر من غير اعتماد جائز بلا خلاف وإنما الخلاف في
~~الاستحسان وعدمه فسيبويه يقول: هو ليس بحسن والأخفش يقول: هو حسن وكذا
~~الكوفيون كما في «شرح التسهيل».

# والجملة لتقرير ما قبلها من قوله تعالى:

# كل إلينا رجعون

# [الأنبياء: 93] وما في (أن) من معنى التحقيق ms06831 معتبر في النفي المستفاد في
~~{ حرام } لا في المنفي أي ممتنع البتة عدم رجوعهم إلينا للجزاء لا أن
~~عدم رجوعهم المحقق ممتنع، وتخصيص امتناع عدم رجوعهم بالذكر مع شمول
~~الامتناع لعدم رجوع الكل حسبما نطق به قوله تعالى:

# كل إلينا رجعون

# [الأنبياء: 93] لأنهم المنكرون للبعث والرجوع دون غيرهم، وهذا المعنى
~~محكي عن أبي مسلم بن بحر، ونقله أبو حيان عنه لكنه قال: إن الغرض من
~~الجملة على ذلك إبطال قول من ينكر البعث، وتحقيق ما تقدم من أنه لا كفران
~~لسعي أحد وأنه يجزى على ذلك يوم القيامة، ولا يخفى ما فيه.

# وقال أبو عتبة: المعنى وممتنع على قرية قدرنا هلاكها أو حكمنا به رجوعهم
~~إلينا أي توبتهم على أن { لا } سيف خطيب مثلها في قوله تعالى:

# ما منعك أن لا تسجد

# [الأعراف:12] في قول، وقيل { حرام } بمعنى واجب كما في قول الخنساء:

# وإن حراما لا أرى الدهر باكيا

# على شجوه إلا بكيت على صخر

# ومن ذلك قوله تعالى:

# قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا
~~تشركوا

# [الأنعام:151] الخ فإن ترك الشرك واجب، وعلى هذا قال مجاهد والحسن { لا
~~يرجعون } لا يتوبون عن الشرك. وقال قتادة ومقاتل: لا يرجعون إلى
~~الدنيا، والظاهر على هذا أن المراد بأهلكناها أوجدنا إهلاكها بالفعل،
~~والمراد بالهلاك الهلاك الحسي، ويجوز على القول بأن المراد بعدم الرجوع
~~عدم التوبة أن يراد به الهلاك المعنوي بالكفر والمعاصي.

# وقرىء { إنهم } بكسر الهمزة على أن الجملة استئناف تعليلي لما
~~قبلها؛ فحرام خبر مبتدأ محذوف أي حرام عليها ذلك وهو ما ذكر في الآية
~~السابقة من العمل الصالح المشفوع بالإيمان والسعي المشكور ثم علل بقوله
~~تعالى: { أنهم لا يرجعون } عما هم عليه من الكفر فكيف لا
~~يمتنع ذلك، ويجوز حمل الكلام على قراءة الجمهور بالفتح على هذا المعنى
~~بحذف حرف التعليل أي لأنهم لا يرجعون. والزجاج قدر المبتدأ في ذلك أن
~~يتقبل عملهم فقال: المعنى وحرام على قرية حكمنا بهلاكها أن يتقبل عملهم
~~لأنهم لا يتوبون / ودل على ms06832 ذلك قوله تعالى قبل:

# فلا كفران لسعيه

# [الأنبياء: 94] حيث إن المراد منه يتقبل عمله.

### || [21.96]

# و { حتى } في قوله تعالى: { حتى إذا فتحت يأجوج
~~ومأجوج } ابتدائية والكلام بعدها غاية لما يدل عليه ما قبلها كأنه
~~قيل: يستمرون على ما هم عليه من الهلاك حتى إذا قامت القيامة يرجعون
~~إلينا ويقولون يا ويلنا الخ أو غاية للحرمة أي يستمر امتناع رجوعهم إلى
~~التوبة حتى إذا قامت القيامة يرجعون إليها وذلك حين لا ينفعهم الرجوع أو
~~غاية لعدم الرجوع عن الكفر أي لا يرجعون عنه حتى إذا قامت القيامة يرجعون
~~عنه وهو حين لا ينفعهم ذلك، وهذا بحسب تعدد الأقوال في معنى الآية
~~المتقدمة والتوزيع غير خفي، وقال ابن عطية: حتى متعلقة بقوله تعالى:

# وتقطعوا

# [الأنبياء: 93] الخ قال أبو حيان: وفيه بعد من كثرة الفصل لكنه من جهة
~~المعنى جيد، وحاصله أنهم لا يزالون مختلفين غير مجتمعين على دين الحق إلى
~~قرب مجيء الساعة فإذا جاءت الساعة انقطع ذلك الاختلاف وعلم الجميع أن
~~مولاهم الحق وأن الدين المنجي كان دين التوحيد، ونسبة الفتح إلى يأجوج
~~ومأجوج مجاز وهي حقيقة إلى السد أو الكلام على حذف المضاف وهو السد
~~وإقامة المضاف إليه مقامه. وقرأت فرقة { فتحت } بالتشديد، وتقدم
~~الكلام في يأجوج ومأجوج.

# { وهم } أي يأجوج ومأجوج، وقيل الناس وروي عن مجاهد { من كل
~~حدب } أي مرتفع من الأرض كجبل وأكمة. وقرأ ابن عباس { جدث } بالجيم
~~والثاء المثلثة وهو القبر، وهذه القراءة تؤيد رجوع الضمير إلى الناس،
~~وقرىء بالجيم والفاء وهي بدل الثاء عند تميم ولا يختص إبدالها عندهم في
~~آخر الكلمة فإنهم يقولون مغثور مكان مغفور { ينسلون } أي يسرعون،
~~وأصل النسلان بفتحتين مقاربة الخطو مع الإسراع، قيل ويختص وضعا بالذئب
~~وعليه يكون مجازا هنا. وقرأ ابن إسحاق وأبو السمال بضم السين.

### || [21.97]

# { واقترب } أي قرب، وقيل هو أبلغ في القرب من قرب { الوعد
~~الحق } وهو ما بعد النفخة الثانية من البعث والحساب والجزاء لا
~~النفخة الأولى، والجملة عطف على

# فتحت يأجوج

# [الأنبياء:96] ثم ms06833 إن هذا الفتح في زمن نزول عيسى عليه السلام من السماء
~~وبعد قتله الدجال عند باب لد الشرقي، فقد أخرج مسلم وأبو داود والترمذي
~~والنسائي وابن ماجه من حديث طويل

# " إن الله تعالى يوحي إلى عيسى عليه السلام بعد أن يقتل الدجال أني قد
~~أخرجت عبادا من عبادي لا يدان لك بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور فيبعث
~~الله تعالى يأجوج ومأجوج وهم كما قال الله تعالى: { من كل حدب
~~ينسلون } فيرغب عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الله عز وجل فيرسل
~~عليهم نغفا في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة فيهبط عيسى عليه
~~السلام وأصحابه فيرسل عليهم طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء
~~الله تعالى ويرسل الله عز وجل مطرا لا يكن منه نيت مدر ولا وبر
~~أربعين يوما فيغسل الأرض حتى يتركها زلفة ويقال للأرض انبتي ثمرتك
~~فيومئذ يأكل النفر من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل حتى إن
~~اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس واللقحة من البقر تكفي الفخذ
~~والشاة من الغنم تكفي البيت فبينما هم على ذلك إذ بعث الله تعالى ريحا
~~طيبة [فتأخذهم] تحت آباطهم فتقبض روح كل [مؤمن كل] مسلم ويبقى شرار الناس
~~يتهارجون تهارج الحمر وعليهم تقوم الساعة "

# وجاء من حديث رواه أحمد وجماعة

# " أن الساعة بعد أن يهلك يأجوج ومأجوج كالحامل المتم لا يدري أهلها حتى
~~تفجأهم بولادها ليلا أو نهارا "

# وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: ذكر لنا أن / النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال:

# " لو نتجت فرس عند خروجهم ما ركب فلوها حتى تقوم الساعة "

# وهذا مبالغة في القرب كالخبر الذي قبله.

# { فإذا هى شخصة أبصر الذين كفروا } جواب
~~الشرط، وإذا للمفاجأة وهي تسد مسد الفاء الجزائية في الربط وليست عوضا
~~عنها فمتى كانت الجملة الاسمية الواقعة جزاء مقترنة بها لم تحتج إلى
~~الفاء نحو

# إذا هم يقنطون

# [الروم:36] وإذا جيء بهما معا كما هنا يتقوى الربط، والضمير للقصة
~~والشأن وهو مبتدأ و { شخصة } خبر مقدم و { أبصر } مبتدأ ms06834
~~مؤخر، والجملة خبر الضمير، ولا يجوز أن يكون { شخصة } الخبر و {
~~أبصر } مرفوعا به لأن خبر الضمير الشأن لا يكون إلا جملة مصرحا
~~بجزءيها، وأجاز بعض الكوفيين كونه مفردا فيجوز ما ذكر عنده. وعن الفراء
~~أن { هى } ضمير الأبصار فهو ضمير مبهم يفسره ما في حيز خبره؛ وعود
~~الضمير على متأخر لفظا ورتبة في مثل ذلك جائز عند ابن مالك وغيره كما في
~~ضمير الشأن، ومن ذلك قوله:

# هو الجد حتى تفضل العين أختها

# بل نقل عن الفراء أنه متى دل الكلام على المرجع وذكر بعده ما يفسره وإن
~~لم يكن في حيز خبره لا يضر تقدمه، وأنشد قوله:

# فلا وأبيها لا تقول خليلتي

# ألا فرعني مالك بن أبي كعب

# ونقل عنه أيضا أن { هى } ضمير فصل وعماد يصلح موضعه هو وأنشد قوله:

# بثوب ودينار وشاة ودرهم

# فهل هو مرفوع بما ههنا رأس

# وهذا لا يتمشى إلا على أحد قولي الكسائي من إجازته تقديم الفصل مع الخبر
~~على المبتدأ وقول من أجاز كونه قبل خبر نكرة، وذكر الثعلبي أن الكلام قد
~~تم عند قوله تعالى: { فإذا هى } أي فإذا هي أي الساعة حاصله أو
~~بارزة أو واقعة ثم ابتدىء فقيل { شخصة أبصر الذين
~~كفروا } وهو وجه متكلف متنافر التركيب، وقيل: جواب الشرط { اقترب
~~} والواو سيف خطيب. ونقل ذلك في «مجمع البيان» عن الفراء.

# ونقل عن الزجاج أن البصريين لا يجوزون زيادة الواو وأن الجواب عندهم
~~قوله تعالى: { يا ويلنا } أي القول المقدر قبله فإنه بتقدير قالوا
~~يا ويلنا، ومن جعل الجواب ما تقدم قدر القول ههنا أيضا وجعله حالا من
~~الموصول يقولون أو قائلين يا ويلنا وجوز كون جملة يقولون يا ويلنا
~~استئنافا، وشخوص الأبصار رفع أجفانها إلى فوق من دون أن تطرف وذلك
~~للكفرة يوم القيامة من شدة الهول، وأرادوا من نداء الويل التحسر وكأنهم
~~قالوا: يا ويلنا تعال فهذا أوان حضورك { قد كنا } في الدنيا { فى
~~غفلة } تامة { من هذا } الذي دهمنا من البعث والرجوع إليه عز
~~وجل ms06835 للجزاء، وقيل: من هذا اليوم ولم نعلم أنه حق { بل كنا
~~ظلمين } إضراب عن وصف أنفسهم بالغفلة أي لم نكن في غفلة منه حيث
~~نبهنا عليه بالآيات والنذر بل كنا ظالمين بترك الآيات والنذر مكذبين بها
~~أو ظالمين لأنفسنا بتعريضها للعذاب الخالد بالتكذيب.

### || [21.98]

# وقوله تعالى: { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب
~~جهنم } خطاب لكفار مكة وتصريح بمآل أمرهم مع كونه معلوما مما سبق
~~على وجه الإجمال مبالغة في الإنذار وإزاحة الأعذار، فما عبارة عن
~~أصنامهم، والتعبير عنها بما على بابه لأنها على المشهور لما لا يعقل فلا
~~يرد أن عيسى وعزيرا والملائكة عليهم الصلاة والسلام / عبدوا من دون الله
~~تعالى مع أن الحكم لا يشملهم، وشاع أن عبد الله بن الزبعرى القرشي اعترض
~~بذلك قبل إسلامه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة
~~والسلام: يا غلام ما أجهلك بلغة قومك لأني قلت { وما تعبدون } وما
~~لما لم يعقل ولم أقل ومن تعبدون. وتعقبه ابن حجر في «تخريج أحاديث
~~الكشاف» بأنه أشهر على ألسنة كثير من علماء العجم وفي كتبهم وهو لا أصل
~~له ولم يوجد في شيء من «كتب الحديث» مسندا ولا غير مسند والوضع عليه
~~ظاهر والعجب ممن نقله من المحدثين انتهى.

# ويشكل على ما قلنا ما أخرجه أبو داود في «ناسخه». وابن المنذر وابن
~~مردويه والطبراني عن ابن عباس قال: لما نزل { إنكم وما
~~تعبدون } الخ شق ذلك على أهل مكة وقالوا: أتشتم آلهتنا فقال ابن
~~الزبعري: أنا أخصم لكم محمدا ادعوه لي فدعي عليه الصلاة والسلام فقال:
~~يا محمد هذا شيء لآلهتنا خاصة أم لكل من عبد من دون الله تعالى؟ قال: بل
~~لكل من عبد من دون الله تعالى فقال ابن الزبعرى: خصمت ورب هذه البنية 
~~يعني الكعبة  ألست تزعم يا محمد أن عيسى عبد صالح وأن عزيرا عبد صالح
~~وأن الملائكة صالحون؟ قال: بلى قال: فهذه النصارى تعبد عيسى وهذه اليهود
~~تعبد عزيرا وهذه بنو مليح تعبد الملائكة فضج ms06836 أهل مكة وفرحوا فنزلت:

# إن الذين سبقت لهم منا الحسنى

# [الأنبياء: 101] الخ

# ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه
~~يصدون

# [الزخرف: 57] الخ، وجاء في روايات أخر ما يعضده فإن ظاهر ذلك أن (ما)
~~هنا شامل للعقلاء وغيرهم.

# وأجيب بأن الشمول للعقلاء الذي ادعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
~~بطريق دلالة النص بجامع الشركة في المعبودية من دون الله تعالى فلما أشار
~~صلى الله عليه وسلم إلى عموم الآية بطريق الدلالة اعترض ابن الزبعرى بما
~~اعترض وتوهم أنه قد بلغ الغرض فتولى الله تعالى الجواب بنفسه بقوله عز
~~وجل:

# إن الذين سبقت لهم منا الحسنى

# [الأنبياء:101] الآية، وحاصله تخصيص العموم المفهوم من دلالة النص بما
~~سوى الصلحاء الذين سبقت لهم الحسنى فيبقى الشياطين الذين عبدوا من دون
~~الله سبحانه داخلين في الحكم بحكم دلالة النص فيفيد النص بعد هذا التخصيص
~~عبارة ودلالة حكم الأصنام والشياطين ويندفع الاعتراض.

# وقال بعضهم: إن { ما } تعم العقلاء وغيرهم وهو مذهب جمهور أئمة اللغة
~~كما قال العلامة الثاني في «التلويح»، ودليل ذلك النص والإطلاق والمعنى.
~~أما النص فقوله تعالى:

# وما خلق الذكر والأنثى

# [الليل: 3] وقوله سبحانه:

# والسماء وما بنها

# [الشمس: 5] وقوله سبحانه:

# ولا أنتم عبدون ما أعبد

# [الكافرون: 3] وأما الإطلاق فمن وجهين، الأول: أن { ما } قد تطلق بمعنى
~~الذي باتفاق أهل اللغة والذي يصح إطلاقه على من يعقل بدليل قولهم الذي
~~جاء زيد فما كذلك، الثاني: أنه يصح أن يقال ما في داري من العبيد أحرار،
~~وأما المعنى فمن وجهين أيضا، الأول أن مشركي قريش كما جاء من عدة طرق عن
~~ابن عباس لما سمعوا هذه الآية اعترضوا بعيسى وعزير والملائكة عليهم
~~السلام، وهم من فصحاء العرب فلو لم يفهموا العموم لما اعترضوا، الثاني:
~~أن { ما } لو كانت مختصة بغير العالم لما احتيج إلى قوله تعالى: { من
~~دون الله } وحيث كانت بعمومها متناولة له عز وجل احتيج إلى التقييد
~~بقوله سبحانه: { من دون الله } وحينئذ تكون الآية شاملة عبادة
~~لأولئك الكرام عليهم الصلاة ms06837 والسلام ويكون الجواب الذي تولاه الله تعالى
~~بنفسه جوابا بالتخصيص، وفي ذلك حجة للشافعي في قوله بجواز تخصيص العام
~~بكلام مستقل متراخ خلافا للحنفية.

# وأجيب بأن ما ذكر من النصوص والإطلاقات فغايته جواز إطلاق { ما } على
~~من يعلم ولا يلزم من ذلك / أن تكون ظاهرة فيه أو فيما يعمه بل هي ظاهرة
~~في غير العالم لا سيما هنا لأن الخطاب مع عبدة الأصنام وإذا كانت ظاهرة
~~فيما لا يعقل وجب تنزيلها عليه، وما ذكر من الوجه الأول في المعنى فليس
~~بنص في أن المعترضين إنما اعترضوا لفهمهم العموم من { ما } وضعا لجواز
~~أن يكون ذلك لفهمهم إياه من دلالة النص كما مر، وما ذكر من الوجه الثاني
~~من عدم الاحتياج إلى قوله تعالى: { من دون الله } فإنما يصح أن لو
~~لم تكن فيه فائدة، وفائدته مع التأكيد تقبيح ما كانوا عليه، وإن سلمنا أن
~~{ ما } حقيقة فيمن يعقل فلا نسلم أن بيان التخصيص لم يكن مقارنا للآية
~~فإن دليل العقل صالح للتخصيص خلافا لطائفة شاذة من المتكلمين، والعقل قد
~~دل على امتناع تعذيب أحد بجرم صادر من غيره اللهم إلا أن يكون راضيا
~~بجرم ذلك الغير، وأحد من العقلاء لم يخطر بباله رضا المسيح وعزير
~~والملائكة عليهم السلام بعبادة من عبدهم وما مثل هذا الدليل العقلي فلا
~~نسلم عدم مقارنته للآية، وأما قوله تعالى:

# إن الذين سبقت لهم منا الحسنى

# [الأنبياء: 101] الآية فإنما ورد تأكيدا بضم الدليل الشرعي إلى الدليل
~~العقلي مع الاستغناء عن أصله أما أن يكون هو المستقل بالبيان فلا، وعدم
~~تعرضه صلى الله عليه وسلم للدليل العقلي لم يكن لأنه لم يكن بل لأنه عليه
~~الصلاة والسلام لما رآهم لم يلتفتوا إليه وأعرضوا عنه فاعترضوا بما
~~اعترضوا مع ظهوره انتظر ما يقويه من الدليل السمعي أو لأن الوحي سبقه
~~عليه الصلاة والسلام فنزلت الآية قبل أن ينبههم على ذلك.

# وقيل: إنهم تعنتوا بنوع من المجاز فنزل ما يدفعه، وقيل: إن هذا خبر لا
~~تكليف فيه والاختلاف في ms06838 جواز تأخير البيان مخصوص بما فيه تكليف، وفيه
~~نظر، وقال العلامة ابن الكمال: لا خلاف بيننا وبين الشافعي في قصر العام
~~على بعض ما يتناوله بكلام مستقل متراخ إنما الخلاف في أنه تخصيص حتى يصير
~~العام به ظنيا في الباقي أو نسخ حتى يبقى على ما كان فلا وجه للاحتجاج
~~بقوله تعالى: { وما تعبدون من دون الله } لأن الثابت به على
~~تقدير التمام قصر العام بالمتراخي والخلاف فيما وراءه والدليل قاصر عن
~~بيانه ولا للجواب بأن { ما تعبدون } لا يتناول عيسى وعزيرا
~~والملائكة عليهم السلام لا لأن { ما } لغير العقلاء لما أنه على خلاف ما
~~عليه الجمهور بل لأنهم ما عبدوا حقيقة على ما أفصح عنه صلى الله عليه
~~وسلم حين قال ابن الزبعرى: أليس اليهود عبدوا عزيرا والنصارى عبدوا
~~المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة بقوله صلى الله عليه وسلم: بل هم عبدوا
~~الشياطين التي أمرتهم بذلك فقوله تعالى:

# إن الذين

# [الأنبياء:101] الآية، لدفع ذهاب الوهم إلى التناول لهم نظرا إلى
~~الظاهر.

# وجوابه صلى الله عليه وسلم بذلك مما رواه ابن مردويه والواحدي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما وفيه فأنزل الله تعالى:

# إن الذين سبقت

# [الأنبياء:101] الآية، وعلى وفق هذا ورد جواب الملائكة عليهم السلام في
~~قوله تعالى:

# ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملئكة
~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحنك
~~أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن

# [سبأ: 40-41] والجمع بين هذه الرواية والرواية السابقة أنه صلى الله
~~عليه وسلم بعد أن ذكر لابن الزبعرى أن الآية عامة لكل من عبد من دون الله
~~تعالى بطريق دلالة النص وقال ابن الزبعرى: أليس اليهود الخ ذكر عدم
~~تناولها المذكورين عليهم السلام من حيث أنهم لم يشاركوا الأصنام في
~~المعبودية من دون الله تعالى لعدم أمرهم ولا رضاهم بما كان الكفرة
~~يفعلون، ولعل فيه رمزا خفيا إلى الدليل العقلي على عدم مؤاخذتهم ثم
~~نزلت الآية تأكيدا لعدم التناول، لكن لا يخفى أن هذه الرواية إن صحت
~~تقتضي أن لا ms06839 تكون الأصنام معبودة أيضا لأنها لم تأمرهم بالعبادة فلا
~~تكون { ما } مطلقة عليها بل على الشياطين بناء على أنها هي الآمرة
~~الراضية بذلك فهي معبوداتهم، ولذا قال إبراهيم عليه السلام:

# يأبت لا تعبد الشيطن

# [مريم: 44] مع أنه كان يعبد الأصنام ظاهرا.

# / ووجه إطلاقها عليها بناء على أنها ليست لذوي العقول أنها أجريت مجرى
~~الجمادات لكفرها، وفي قوله صلى الله عليه وسلم التي أمرتهم دون الذين
~~أمروهم إشارة إلى ذلك، ثم في عدم تناول الآية الأصنام هنا من البعد ما
~~فيه فلعل هذه الرواية لم تثبت، ولمولانا أبي السعود كلام مبناه خبر أنه
~~صلى الله عليه وسلم رد على ابن الزبعرى بقوله ما أجهلك بلغة قومك الخ،
~~وقد علمت ما قاله الحافظ ابن حجر فيه وهو وأمثاله المعول عليهم في أمثال
~~ذلك فلا ينبغي الاغترار بذكره في «إحكام الآمدي» و«شرح المواقف» و«فصول
~~البدائع» للفناري وغير ذلك مما لا يحصى كثرة فماء ولا كصداء ومرعى ولا
~~كالسعدان. وأورد على القول بأن العموم بدلالة النص والتخصيص بما نزل بعد
~~حديث الخلاف في التخصيص بالمستقل المتراخي ويعلم الجواب عنه مما تقدم،
~~وقيل هنا زيادة على ذلك أن ذلك ليس من تخصيص العام المختلف فيه لأن العام
~~هناك هو اللفظ الواحد الدال على مسميين فصاعدا مطلقا معا وهو ظاهر
~~فيما فيه الدلالة عبارة والعموم هنا إنما فهم من دلالة النص، ولا يخفى أن
~~الأمر المانع من التأخير ظاهر في عدم الفرق فتدبر فالمقام حري به.

# والحصب ما يرمى به وتهيج به النار من حصبه إذا رماه بالحصباء وهي صغار
~~الحجارة فهو خاص وضعا عام استعمالا. وعن ابن عباس أنه الحطب بالزنجية.
~~وقرأ علي وأبي وعائشة وابن الزبير وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهم {
~~حطب } بالطاء. وقرأ ابن أبي السميقع وابن أبي عبلة ومحبوب وأبو حاتم عن
~~ابن كثير { حصب } بإسكان الصاد، ورويت عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما، وهو مصدر وصف به للمبالغة، وفي رواية أخرى عنه أنه قرأ { حضب }
~~بالضاد المعجمة المفتوحة، ms06840 وجاء عنه أيضا إسكانها وبه قرأ كثير عزة،
~~ومعنى الكل واحد وهو معنى الحصب بالصاد.

# { أنتم لها واردون } استئناف نحوي مؤكد لما قبله أو بدل من {
~~حصب جهنم } وتبدل الجملة من المفرد ولا يضر كونه في حكم النتيجة،
~~وجوز أبو البقاء كون الجملة حالا من { جهنم } وهو كما ترى، واللام
~~معوضة من على للدلالة على الاختصاص وأن ورودهم لأجلها، وهذا مبني على أن
~~الأصل تعدي الورود إلى ذلك بعلى كما أشار إليه في «القاموس» بتفسيره
~~بالإشراف على الماء وهو في الاستعمال كثير وإلا فقد قيل إنه متعد بنفسه
~~كما في قوله تعالى:

# وردوها

# [الأنبياء: 99] فاللام للتقوية لكون المعمول مقدما والعامل فرعي، وقيل
~~إن اللام بمعنى إلى كما في قوله تعالى:

# بأن ربك أوحى لها

# [الزلزلة: 5] وليس بذلك. والظاهر أن الورود هنا ورود دخول والخطاب
~~للكفرة وما يعبدون تغليبا.

### || [21.99]

# { لو كان هؤلاء ءالهة } كما تزعمون أيها العابدون إياها {
~~ما وردوها } وحيث تبين ورودهم إياها على أتم وجه حيث إنهم حصب جهنم
~~امتنع كونهم آلهة بالضرورة، وهذا ظاهر في أن المراد مما يعبدون الأصنام
~~لا الشياطين لأن المراد به إثبات نقيض ما يدعونه وهم يدعون إلهية
~~الأصنام لا إلهيتها حتى يحتج بورودها النار على عدمها، نعم الشياطين
~~التي تعبد داخلة في حكم النص بطريق الدلالة فلا تغفل. { وكل } من
~~العبدة والمعبودين { فيها خلدون } باقون إلى الأبد.

### || [21.100]

# { لهم فيها زفير } هو صوت نفس المغموم يخرج من أقصى الجوف، وأصل
~~الزفر كما قال الراغب: ترديد النفس حتى تنتفخ منه الضلوع، والظاهر أن
~~ضمير { لهم } للكل أعني العبدة والمعبودين، وفيه تغليب العقلاء على
~~غيرهم من الأصنام حيث / جيء بضمير العقلاء راجعا إلى الكل، ويجري ذلك في

# خلدون

# [الأنبياء:99] أيضا، وكذا غلب من يتأتى منه الزفير ممن فيه حياة على
~~غيره من الأصنام أيضا حيث نسب الزفير للجميع، وجوز أن يجعل الله تعالى
~~للأصنام التي عبدت حياة فيكون حالها حال من معها ولها ما لهم فلا تغليب،
~~وقيل: الضمير للمخاطبين في

# إنكم

# [الأنبياء:98] خاصة ms06841 على سبيل الالتفات فلا حاجة إلى القول بالتغليب
~~أصلا. ورد بأنه يوجب تنافر النظم الكريم ألا ترى قوله تعالى:

# أنتم لها واردون

# [الأنبياء: 98] كيف جمع بينهم تغليبا للمخاطبين فلو خص { لهم فيها
~~زفير } لزم التفكيك، وكذا الكلام في قوله تعالى: { وهم فيها لا
~~يسمعون } أي لا يسمع بعضهم زفير بعض لشدة الهول وفظاعة العذاب على
~~ماقيل، وقيل: لا يسمعون لو نودي عليهم لشدة زفيرهم، وقيل: لا يسمعون ما
~~يسرهم من الكلام إذ لا يكلمون إلا بما يكرهون، وقيل: إنهم يبتلون بالصمم
~~حقيقة لظاهر قوله تعالى:

# ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا
~~وبكما وصما

# [الإسراء: 97] وهو كما ترى.

# وذكر في حكمة إدخال المشركين النار مع معبوداتهم أنها زيادة غمهم
~~برؤيتهم إياها معذبة مثلهم وقد كانوا يرجون شفاعتها، وقيل: زيادة غمهم
~~برؤيتها معهم وهي السبب في عذابهم فقد قيل:

# واحتمال الأذى ورؤية جاني

# ه غذاء تضنى به الأجسام

# وظاهر بعض الأخبار أن نهاية المخلدين أن لا يرى بعضهم بعضا فقد روى ابن
~~جرير وجماعة عن ابن مسعود أنه قال: إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا
~~في توابيت من حديد فيها مسامير من حديد ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت
~~من حديد ثم قذفوا في أسفل الجحيم فما يرى أحدهم أنه يعذب في النار غيره
~~ثم قرأ الآية { لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون }
~~ومنه يعلم قول آخر في { لا يسمعون } والله تعالى أعلم.

### || [21.101]

# { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } أي الخصلة
~~المفضلة في الحسن وهي السعادة، وقيل: التوفيق للطاعة، والمراد من سبق ذلك
~~تقديره في الأزل، وقيل: الحسنى الكلمة الحسنى وهي المتضمنة للبشارة
~~بثوابهم وشكر أعمالهم، والمراد من سبق ذلك تقدمه في قوله تعالى:

# فمن يعمل من الصلحت وهو مؤمن فلا كفران
~~لسعيه وإنا له كتبون

# [الأنبياء: 94] وهو خلاف الظاهر، والظاهر أن المراد من الموصول كل من
~~اتصف بعنوان الصلة وخصوص السبب لا يخصص، وما ذكر في بعض الآثار من تفسيره
~~بعيسى وعزير والملائكة عليهم السلام فهو من ms06842 الاقتصار على بعض أفراد العام
~~حيث أنه السبب في النزول، وينبغي أن يجعل من باب الاقتصار ما أخرجه ابن
~~أبي شيبة وغيره عن محمد بن حاطب عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه فسر
~~الموصول بعثمان وأصحابه رضي الله تعالى عنهم. وروى ابن أبي حاتم وجماعة
~~عن النعمان بن بشير أن عليا كرم الله تعالى وجهه قرأ الآية فقال: أنا
~~منهم وعمر منهم وعثمان منهم والزبير منهم وطلحة منهم وسعد وعبد الرحمن
~~منهم كذا رأيته في «الدر المنثور»، ورأيت في غيره عد العشرة المبشرة رضي
~~الله تعالى عنهم، والجاران متعلقان بسبقت. وجوز أبو البقاء في الثاني
~~كونه متعلقا بمحذوف وقع حالا من { الحسنى }.

# وقوله تعالى: { أولئك } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في
~~حيز الصلة، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجتهم وبعد منزلتهم في
~~الشرف / والفضل أي أولئك المنعوتون بما ذكر من النعت الجميل { عنها }
~~أي عن جهنم { مبعدون } لأنهم في الجنة وشتان بينها وبين النار:

### || [21.102]

# { لا يسمعون حسيسها } أي صوتها الذي يحس من حركتها، والجملة
~~بدل من { مبعدون } ، وجوز أن تكون حالا من ضميره، وأن تكون خبرا
~~بعد خبر، واستظهر كونها مؤكدة لما أفادته الجملة الأولى من بعدهم عنها،
~~وقيل: إن الإبعاد يكون بعد القرب فيفهم منه أنهم وردوها أولا، ولما كان
~~مظنة التأذي بها دفع بقوله سبحانه

# لا يسمعون

# [الأنبياء:100] فهي مستأنفة لدفع ذلك، فعلى هذا يكون عدم سماع الحسيس
~~قبل الدخول إلى الجنة، ومن قال به قال: إن ذلك حين المرور على الصراط
~~وذلك لأنهم ما ورد في بعض الآثار يمرون عليها وهي خامدة لا حركة لها حتى
~~أنهم يظنون وهم في الجنة أنهم لم يمروا عليها، وقيل لا يسمعون ذلك لسرعة
~~مرورهم وهو ظاهر ما أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أنه قال في الآية: أولئك أولياء الله تعالى يمرون على
~~الصراط مرا هو أسرع من البرق فلا تصيبهم ولا يسمعون حسيسها ويبقى الكفار
~~جثيا، لكن ms06843 جاء في خبر آخر رواه عنه ابن أبي حاتم أيضا وابن جرير أنه
~~قال في

# لا يسمعون

# [الأنبياء:100] الخ لا يسمع أهل الجنة حسيس النار إذا نزلوا منازلهم في
~~الجنة، وقيل: إن الإبعاد عنها قبل الدخول إلى الجنة أيضا، والمراد بذلك
~~حفظ الله تعالى إياهم عن الوقوع فيها كما يقال أبعد الله تعالى فلانا عن
~~فعل الشر، والأظهر أن كلا الأمرين بعد دخول الجنة وذلك بيان لخلاصهم عن
~~المهالك والمعاطب.

# وقوله تعالى: { وهم فى ما اشتهت أنفسهم خلدون }
~~بيان بفوزهم بالمطالب بعد ذلك الخلاص، والمراد أنهم دائمون في غاية
~~التنعم، وتقديم الظرف للقصر والاهتمام ورعاية الفواصل.

### || [21.103]

# وقوله تعالى: { لا يحزنهم الفزع الأكبر } بيان لنجاتهم
~~من الإفزاع بالكلية بعد [بيان] نجاتهم من النار لأنهم إذا لم يحزنهم أكبر
~~الأفزاع لم يحزنهم ما عداه بالضرورة كذا قيل، وليلاحظ ذلك مع ما جاء في
~~الأخبار أن النار تزفر في الموقف زفرة لا يبقى نبي ولا ملك إلا جثا على
~~ركبتيه فإن قلنا: إن ذلك لا ينافي في عدم الحزن فلا إشكال وإذا قلنا: إنه
~~ينافي فهو مشكل إلا أن يقال: إن ذلك لقلة زمانه وسرعة الأمن مما يترتب
~~عليه نزل منزلة العدم فتأمل، ((والفزع كما قال الراغب انقباض ونفار يعتري
~~الإنسان من الشيء المخيف وهو من جنس الجزع)) ويطلق على الذهاب بسرعة لما
~~يهول.

# واختلف في وقت هذا الفزع فعن الحسن وابن جبير وابن جريج أنه حين انصراف
~~أهل النار إلى النار. ونقل عن الحسن أنه فسر الفزع الأكبر بنفس هذا
~~الانصراف فيكون الفزع بمعنى الذهاب المتقدم، وعن الضحاك أنه حين وقوع طبق
~~جهنم عليها وغلقها على من فيها، وجاء ذلك في رواية ابن أبي الدنيا عن
~~ابن عباس، وقيل حين ينادى أهل النار

# اخسئوا فيها ولا تكلمون

# [المؤمنون: 108] وقيل حين يذبح الموت بين الجنة والنار، وقيل يوم تطوى
~~السماء، وقيل حين النفخة الأخيرة، وأخرج ذلك ابن جرير وابن أبي حاتم عن
~~ابن عباس، والظاهر أن المراد بها النفخة للقيام من القبور ms06844 لرب العالمين.

# وقال في قوله تعالى: { وتتلقاهم الملائكة } أي تستقبلهم
~~بالرحمة عند قيامهم من قبورهم، وقيل بالسلام عليهم حينئذ قائلين {
~~هذا يومكم الذى كنتم توعدون } في الدنيا مجيئه
~~وتبشرون بما فيه لكم من المثوبات على الإيمان / والطاعة. وأخرج ابن أبي
~~حاتم عن مجاهد أنه قال في الآية: تتلقاهم الملائكة الذين كانوا قرناءهم
~~في الدنيا يوم القيامة فيقولون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة
~~لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة، وقيل تتلقاهم عند باب الجنة بالهدايا أو
~~بالسلام، والأظهر أن ذلك عند القيام من القبور وهو كالقرينة على أن عدم
~~الحزن حين النفخة الأخيرة، وظاهر أكثر الجمل يقتضي عدم دخول الملائكة في
~~الموصول السابق بل قوله تعالى: { وتتلقهم } الخ نص في ذلك فلعل
~~الإسناد في ذلك عند من أدرج الملائكة عليهم السلام في عموم الموصول لسبب
~~النزول على سبيل التغليب أو يقال: إن استثناءهم من العموم السابق لهذه
~~الآية بطريق دلالة النص كما أن دخولهم فيما قبل كان كذلك. وقرأ أبو جعفر
~~{ لا يحزنهم } مضارع أحزن وهي لغة تميم وحزن لغة قريش.

### || [21.104]

# { يوم نطوى السماء } منصوب باذكر، وقيل ظرف ل

# لا يحزنهم

# [الأنبياء:103]، وقيل للفزع، والمصدر المعرف وإن كان ضعيفا في العمل لا
~~سيما وقد فصل بينه وبين معموله بأجنبي إلا أن الظرف محل التوسع قاله في
~~«الكشف». وقال الخفاجي: إن المصدر الموصوف لا يعمل على الصحيح وإن كان
~~الظرف قد يتوسع فيه، وقيل ظرف ل

# تتلقاهم

# [الأنبياء:103]، وقيل هو بدل من العائد المحذوف من

# توعدون

# [الأنبياء:103] بدل كل من كل وتوهم أنه بدل اشتمال، وقيل حال مقدرة من
~~ذلك العائد لأن يوم الطي بعد الوعد.

# وقرأ شيبة بن نصاح وجماعة { يطوي } بالياء والبناء للفاعل وهو الله عز
~~وجل. وقرأ أبو جعفر وأخرى بالتاء الفوقية والبناء للمفعول ورفع {
~~السماء } على النيابة، والطي ضد النشر، وقيل الإفناء والإزالة من
~~قولك: اطو عني هذا الحديث، وأنكر ابن القيم إفناء السماء وإعدامها
~~إعداما صرفا وادعى أن النصوص إنما تدل على تبديلها وتغييرها من ms06845 حال إلى
~~حال، ويبعد القول بالإفناء ظاهر التشبيه في قوله تعالى: { كطي
~~السجل } وهو الصحيفة على ما أخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد ونسبه في
~~«مجمع البيان» إلى ابن عباس وقتادة والكلبي أيضا، وخصه بعضهم بصحيفة
~~العهد، وقيل: هو في الأصل حجر يكتب فيه ثم سمي به كل ما يكتب فيه من
~~قرطاس وغيره، والجار والمجرور في موضع الصفة لمصدر مقدر أي طيا كطي
~~الصحيفة، وقرأ أبو هريرة وصاحبه أبو زرعة بن عمرو بن جرير { السجل }
~~بضمتين وشد اللام، والأعمش وطلحة وأبو السمال { السجل } بفتح السين،
~~والحسن وعيسى بكسرها والجيم في هاتين القراءتين ساكنة واللام مخففة، وقال
~~أبو عمرو: قرأ أهل مكة كالحسن.

# واللام في قوله تعالى: { للكتب } متعلق بمحذوف هو حال من {
~~السجل } أو صفة له على رأي من يجوز حذف الموصول مع بعض صلته أي كطي
~~السجل كائنا للكتب أو الكائن للكتب فإن الكتب عبارة عن الصحائف وما كتب
~~فيها فسجلها بعض أجزائها وبه يتعلق الطي حقيقة، وقرأ الأعمش { للكتب
~~} بإسكان التاء، وقرأ الأكثر { للكتاب } بالإفراد وهو إما مصدر واللام
~~للتعليل أي كما يطوى الطومار للكتابة أي ليكتب فيه وذلك كناية عن اتخاذه
~~لها ووضعه مسوى مطويا حتى إذا احتيج إلى الكتابة لم يحتج إلى تسويته فلا
~~يرد أن المعهود نشر الطومار للكتابة لا طيه لها، وإما اسم كالإمام فاللام
~~كما ذكر أولا.

# وأخرج عبد حميد عن علي كرم الله تعالى وجهه أن السجل اسم ملك، وأخرج ذلك
~~ابن أبي حاتم وابن عساكر عن الباقر رضي الله تعالى عنه، وأخرج ابن جرير
~~وغيره عن السدي نحوه إلا أنه قال: إنه موكل / بالصحف فإذا مات الإنسان
~~وقع كتابه إليه فطواه ورفعه إلى يوم القيامة، واللام على هذا قيل متعلقة
~~بطي، وقيل سيف خطيب، وكونها بمعنى على كما ترى.

# واعترض هذا القول بأنه لا يحسن التشبيه عليه إذ ليس المشبه به أقوى ولا
~~أشهر. وأجيب بأنه أقوى نظرا لما في أذهان العامة من قوة الطاوي وضعف
~~المطوي وصغر حجمه بالنسبة ms06846 للسماء أي نظرا لما في أذهانهم من مجموع
~~الأمرين فتأمل.

# وأخرج أبو داود والنسائي وجماعة منهم البيهقي في «سننه» وصححه عن ابن
~~عباس أن السجل كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم وأخرج جماعة عن ابن عمر
~~رضي الله تعالى عنهما نحوه، وضعف ذلك بل قيل إنه قول واه جدا لأنه لم
~~يعرف أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم اسمه السجل ولا حسن للتشبيه
~~عليه أيضا، وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر وابن
~~مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الرجل زاد ابن مردويه بلغة
~~الحبشة ونقل ذلك عن الزجاج، وقال بعضهم: يمكن حمل الرواية السابقة عن ابن
~~عباس على هذا والأكثر على ما قيل على تفسير السجل بالصحيفة. واختلف في
~~أنه عربي أو معرف فذهب البصريون إلى أنه عربي، وقال أبو الفضل الرازي:
~~الأصح أنه فارسي معرب.

# هذا ثم إن الآية نص في دثور السماء وهو خلاف ما شاع عن الفلاسفة، نعم
~~ذكر صدر الدين الشيرازي في كتابه «الأسفار» أن مذهب أساطين الفلاسفة
~~المتقدمين القول بالدثور والقول بخلاف ذلك إنما هو لمتأخريهم لقصور
~~أنظارهم وعدم صفاء ضمائرهم، فمن الأساطين انكسيمائس الملطي قال: إنما
~~ثبات هذا العالم بقدر ما فيه من قليل نور ذلك العالم وأراد به عالم
~~المجردات المحضة وإلا لما ثبت طرفة عين ويبقى ثباته إلى أن يصفى جزؤه
~~الممتزج جزأها المختلط فإذا صفي الجزآن عند ذلك دثرت أجزاء هذا العالم
~~وفسدت وبقيت مظلمة وبقيت الأنفس الدنسة في هذه الظلمة لا نور لها ولا
~~سرور ولا راحة ولا سكون ولا سلوة. ومنهم فيثاغورس نقل عنه أنه قيل له: لم
~~قلت بإبطال العالم؟ فقال: لأنه يبلغ العلة التي من أجلها كان فإذا بلغها
~~سكنت حركته، ومنهم أفلاطون حكى الشيخ أبو الحسن العامري أنه ذكر في كتابه
~~المعروف «بطيماوس» أن العالم مكون وأن الباري تعالى قد صرفه من لا نظام
~~إلى نظام وأن جواهره كلها مركبة من المادة والصورة وأن كل مركب معرض
~~للإنحلال، نعم ms06847 إنه قال في «أسولوطيقوس» أي تدبير البدن إن العالم أبدي
~~غير مكون دائم البقاء وتعلق بهذا ابرقلس فبين كلاميه تناف، وقد وفق
~~بينهما تلميذه أرسطاطاليس بما فيه نظر، ولعل الأوفق أن يقال على مشربهم:
~~أراد بالعالم الأبدي عالم المفارقات المحضة، ومنهم أرسطاطاليس قال في
~~كتاب «أثولوجيا»: إن الأشياء العقلية تلزم الأشياء الحسية والباري سبحانه
~~لا يلزم الأشياء الحسية والعقلية بل هو سبحانه ممسك لجميع الأشياء غير أن
~~الأشياء العقلية هي آنيات حقية لأنها مبتدعة من العلة الأولى بغير وسط
~~وأما الأشياء الحسية فهي انيات داثرة لأنها رسوم الآنيات الحقية ومثالها
~~وإنما قوامها ودوامها بالكون والتناسل كي تدوم وتبقى تشبيها بالأشياء
~~العقلية الثابتة الدائمة، وقال في كتاب «الربوبية»: أبدع العقل صورة
~~النفس من غير أن يتحرك تشبيها بالواحد الحق وذلك أن العقل أبدعه الواحد
~~الحق وهو ساكن فكذلك النفس أبدعها العقل وهو ساكن أيضا غير أن الواحد
~~الحق أبدع هوية العقل وأبدع العقل صورة النفس ولما كانت معلولة من معلول
~~لم تقو أن تفعل فعلها بغير حركة بل فعلته بحركة وأبدعت صنما وإنما سمي
~~صنما لأنه فعل داثر غير ثابت ولا باق / لأنه كان بحركة والحركة لا تأتي
~~بالشيء الثابت الباقي بل إنما تأتي بالشيء الداثر وإلا لكان فعلها أكرم
~~منها وهو قبيح جدا، وسأله بعض الدهرية إذا كان المبدع لم يزل ولا شيء
~~غيره ثم أحدث العالم فلم أحدثه؟ فقال: لم غير جائزة عليه لأن لم تقتضي
~~علة والعلة محمولة فيما هي علة عليه من معلل فوقه وليس بمركب يتحمل ذاته
~~العلل فلم عنه منفية فإنما فعل ما فعل لأنه جواد فقيل: يجب أن يكون
~~فاعلا لم يزل لأنه جواد لم يزل فقال: معنى لم يزل لا أول له وفعل فاعل
~~يقتضي أولا واجتماع أن يكون ما لا أول له وذا أول في القول والذات محض
~~متناقض، فقيل: فهل يبطل هذا العالم؟ قال: نعم فقيل: فإذا أبطله بطل الجود
~~فقال: يبطل ليصوغه الصيغة التي لا تحتمل الفساد لأن هذه الصيغة ms06848 تحتمل
~~الفساد، ومنهم فرفوريوس واضع «إيساغوجي» قال: المكونات كلها إنما تتكون
~~بتكون الصورة على سبيل التغير وتفسد بخلو الصورة إلى غير ذلك من الفلاسفة
~~وأقوالهم.

# وذكر جميع ذلك مما يفضي إلى الملل، ومن أراده فليرجع إلى «الأسفار»
~~وغيره من كتب الصدر.

# والحق أنه قد وقع في كلام متقدمي الفلاسفة كثيرا مما هو ظاهر في مخالفة
~~مدلول الآية الكريمة ولا يكاد يحتمل التأويل وهو مقتضى أصولهم وما يتراءى
~~منه الموافقة فإنما يتراءى منه الموافقة في الجملة والتزام التوفيق بين
~~ما يقوله المسلمون في أمر العالم بأسره وما يقوله الفلاسفة في ذلك
~~كالتزام التوفيق بين الضب والنون بل كالتزام الجمع بين الحركة والسكون.

# أيها المنكح الثريا سهيلا

# عمرك الله كيف يلتقيان

# هي شامية إذا ما استقلت

# وسهيل إذا ما استقل يماني

# فعليك بما نطق به الكتاب المبين أو صح عن الصادق الأمين صلى الله عليه
~~وسلم، وما عليك إذا خالفت الفلاسفة فأغلب ما جاؤوا به جهل وسفه؛ ولعمري
~~لقد ضل بكلامهم كثير من الناس وباض وفرخ في صدورهم الوسواس الخناس وهو
~~جعجعة بلا طحن وقعقعة كقعقعة شن ولولا الضرورة التي لا أبديها والعلة
~~التي عز مداويها لما أضعت في درسه وتدريسه شرخ شبابي ولما ذكرت شيئا
~~منه خلال سطور كتابي، هذا وأنا أسأل الله تعالى التوفيق للتمسك بحبل
~~الحق الوثيق.

# ثم إن الظاهر من الأخبار الصحيحة أن العرش لا يطوى كما تطوى السماء فإن
~~كان هو المحدد كما يزعمه الفلاسفة ومن تبع آثارهم فعدم دثوره بخصوصه مما
~~صرح به من الفلاسفة الإسكندر الأفروديسي من كبار أصحاب أرسطاطاليس وإن
~~خالفه في بعض المسائل، ومن حمل كلامه على خلاف ذلك فقد تعسف وأتى بما لا
~~يسلم له، وظاهر الآية الكريمة أيضا مشعر بعدم طيه للاقتصار فيها على طي
~~السماء، والشائع عدم إطلاقها على العرش، ثم إن الطي لا يختص بسماء دون
~~سماء بل تطوى جميعها لقوله تعالى:

# والسموت مطويت بيمينه

# [الزمر: 67].

# { كما بدأنا أول خلق نعيده } الظاهر أن الكاف جارة
~~و(ما) مصدرية والمصدر مجرور ms06849 بها والجار والمجرور صفة مصدر مقدر و {
~~أول } مفعول بدأنا أي نعيد أول خلق إعادة مثل بدئنا إياه أي في
~~السهولة وعدم التعذر وقيل أي في كونها إيجادا بعد العدم أو جمعا من
~~الأجزاء المتفرقة، ولا يخفى أن في كون الإعادة إيجادا بعد العدم مطلقا
~~بحثا، نعم قال اللقاني: مذهب الأكثرين أن الله سبحانه يعدم الذوات
~~بالكلية ثم يعيدها وهو قول أهل السنة والمعتزلة القائلين بصحة الفناء على
~~الأجسام بل بوقوعه. وقال البدر الزركشي والآمدي: إنه الصحيح، والقول بأن
~~الإعادة عن تفريق محض قول الأقل وحكاه / جمع بصيغة التمريض لكن في
~~«المواقف» و«شرحه» هل يعدم الله تعالى الأجزاء البدنية ثم يعيدها أو
~~يفرقها ويعيد فيها التآليف؟ الحق أنه لم يثبت في ذلك شيء فلا جزم فيه
~~نفيا ولا إثباتا لعدم الدليل على شيء من الطرفين. وفي «الاقتصاد» لحجة
~~الإسلام الغزالي فإن قيل هل تعدم الجواهر والأعراض ثم تعادان جميعا أو
~~تعدم الأعراض دون الجواهر وتعاد الأعراض؟ قلنا: كل ذلك ممكن، والحق أنه
~~ليس في الشرع دليل قاطع على تعيين أحد هذه الممكنات. وقال بعضهم: الحق
~~وقوع الأمرين جميعا إعادة ما انعدم بعينه وإعادة ما تفرق بأعراضه، وأنت
~~تعلم أن الأخبار صحت ببقاء عجب الذنب من الإنسان فإعادة الإنسان ليست
~~كبدئه، وكذا روي أن الله تعالى عز وجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء وهو
~~حديث حسن عند ابن العربي، وقال غيره: صحيح، وجاء نحو ذلك في المؤذنين
~~احتسابا وحديثهم في الطبراني؛ وفي حملة القرآن وحديثهم عند ابن منده،
~~وفيمن لم يعمل خطيئة قط وحديثهم عند المروزي فلا تغفل، وكذا في كون البدء
~~جمعا من الأجزاء المتفرقة إن صح في المركب من العناصر كالإنسان لا يصح
~~في نفس العناصر مثلا لأنها لم تخلق أولا من أجزاء متفرقة بإجماع
~~المسلمين فلعل ما ذكرناه في وجوه الشبه أبعد عن القال والقيل.

# واعترض جعل { أول } مفعول { بدأنا } بأن تعلق البداءة بأول
~~الشيء المشروع فيه ركيك لا يقال بدأت أول كذا وإنما يقال بدأت كذا وذلك ms06850
~~لأن بداية الشيء هي المشروع فيه والمشروع يلاقي الأول لا محالة فيكون
~~ذكره تكرارا ونظر فيه بأن المراد بدأنا ما كان أولا سابقا في الوجود
~~وليس المراد بالأول أول الأجزاء حتى يتوهم ما ذكر، وقيل { أول خلق
~~} مفعول (نعيد) الذي يفسره { نعيده } والكاف مكفوفة بما أي نعيد أول
~~خلق نعيده وقد تم الكلام بذلك ويكون { كما بدأنا } جملة منقطعة عن
~~ذلك على معنى تحقق ذلك مثل تحققه، وليس المعنى على إعادة مثل البدء، ومحل
~~الكاف في مثله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف جيء به تأكيدا، والمقام
~~يقتضيه كما يشعر به التذنيب فلا يقال: إنه لا داعي إلى ارتكاب خلاف
~~الظاهر، وتنكير { خلق } لإرادة التفصيل وهو قائم مقام الجمع في إفادة
~~تناول الجميع فكأنه قيل نعيد المخلوقين الأولين.

# وجوز أن تنصب الكاف بفعل مضمر يفسره { نعيده } و(ما) موصولة و {
~~أول } ظرف لبدأنا لأن الموصول يستدعي عائدا فإذا قدر هنا يكون
~~مفعولا، ولأول قابلية النصب على الظرفية فينصب عليها، ويجوز أن يكون في
~~موضع الحال من ذلك العائد، وحاصل المعنى نعيد مثل الذي بدأناه في أول خلق
~~أو كائنا أول خلق، والخلق على الأول مصدر وعلى الثاني بمعنى المخلوق،
~~وجوز كون (ما) موصوفة وباقي الكلام بحاله.

# وتعقب أبو حيان نصب الكاف بأنه قول باسميتها وليس مذهب الجمهور وإنما
~~ذهب إليه الأخفش، ومذهب البصريين سواه أن كونها اسما مخصوص بالشعر،
~~وأورد نحوه على القول بأن محلها الرفع في الوجه السابق، وإذا قيل بأن
~~للمكفوفة متعلقا كما اختاره بعضهم خلافا للرضي ومن معه فليكن متعلقها
~~خبر مبتدأ محذوف هناك، ورجح كون المراد نعيد مثل الذي بدأناه في أول خلق
~~بما أخرجه ابن جرير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت دخل علي رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم وعندي عجوز من بني عامر فقال: من هذه العجوز يا
~~عائشة؟ فقلت: إحدى خالاتي فقالت: ادع الله تعالى أن يدخلني الجنة فقال
~~عليه الصلاة والسلام: إن الجنة لا يدخلها / العجز فأخذ العجوز ما أخذها
~~فقال ms06851 صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى ينشئهن خلقا غير خلقهن ثم قال:
~~تحشرون حفاة عراة غلفا فقالت: حاش لله تعالى من ذلك فقال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم: بلى إن الله تعالى قال: { كما بدأنا أول
~~خلق نعيده } ومثل هذا المعنى حاصل على ما جوزه ابن الحاجب من كون
~~{ كما بدأنا } في موضع الحال من ضمير { نعيده } أي نعيد أول
~~خلق مماثلا للذي بدأناه، ولا تغفل عما يقتضيه التشبيه من مغايرة
~~الطرفين، وأيا ما كان فالمراد الإخبار بالبعث وليست (ما) في شيء من
~~الأوجه خاصة بالسماء إذ ليس المعنى عليه ولا اللفظ يساعده.

# وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معنى الآية نهلك كل
~~شيء كما كان أول مرة ويحتاج ذلك إلى تدبر فتدبر.

# { وعدا } مصدر منصوب بفعله المحذوف تأكيدا له، والجملة مؤكدة لما
~~قبلها أو منصوب بنعيد لأنه عدة بالإعادة وإلى هذا ذهب الزجاج، واستجود
~~الأول الطبرسي بأن القراء يقفون على { نعيده }  { علينا } في
~~موضع الصفة لوعدا أي وعدا لازما علينا، والمراد لزم إنجازه من غير
~~حاجة إلى تكلف الاستخدام { إنا كنا فعلين } ذلك بالفعل لا
~~محالة، والأفعال المستقبلة التي علم الله تعالى وقوعها كالماضية في
~~التحقق ولذا عبر عن المستقبل بالماضي في مواضع كثيرة من الكتاب العزيز أو
~~قادرين على أن نفعل ذلك واختاره الزمخشري، وقيل عليه: إنه خلاف الظاهر.

### || [21.105]

# { ولقد كتبنا فى الزبور } الظاهر أنه زبور داود عليه
~~السلام وروي ذلك عن الشعبي. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه الكتب،
~~والذكر في قوله تعالى: { من بعد الذكر } التوراة، وروي تفسيره
~~بذلك عن الضحاك أيضا، وقال في الزبور: الكتب من بعد التوراة. وأخرج عن
~~ابن جبير أن الذكر التوراة والزبور والقرآن. وأخرج عن ابن زيد أن الزبور
~~الكتب التي أنزلت على الأنبياء عليهم السلام والذكر أم الكتاب الذي يكتب
~~فيه الأشياء قبل ذلك وهو اللوح المحفوظ كما في بعض الآثار، واختار تفسيره
~~بذلك الزجاج وإطلاق الذكر عليه مجاز. وقد وقع ms06852 في حديث البخاري عنه صلى
~~الله عليه وسلم:

# " كان الله تعالى ولم يكن قبله شيء وكان عرشه على الماء ثم خلق الله
~~السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء "

# وقيل الذكر العلم وهو المراد بأم الكتاب، وأصل الزبور كل كتاب غليظ
~~الكتابة من زبرت الكتاب أزبر بفتح الموحدة وضمها كما في «المحكم» إذا
~~كتبته كتابة غليظة وخص في المشهور بالكتاب المنزل على داود عليه السلام،
~~وقال بعضهم: هو اسم للكتاب المقصور على الحكمة العقلية دون الأحكام
~~الشرعية ولهذا يقال للمنزل على داود عليه السلام إذ لا يتضمن شيئا من
~~الأحكام الشرعية. والظاهر أنه اسم عربي بمعنى المزبور، ولذا جوز تعلق {
~~من بعد } به كما جوز تعلقه بكتبنا، وقال حمزة: هو اسم سرياني، وأيا
~~ما كان فإذا أريد منه الكتب كان اللام فيه للجنس أي كتبنا في جنس الزبور.

# { أن الأرض يرثها عبادى الصلحون } أخرج ابن جرير
~~وابن أبي حاتم وغيرهما عن ابن عباس أن المراد بالأرض أرض الجنة، قال
~~الإمام: ويؤيده قوله تعالى:

# وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء

# [الزمر: 74] وإنها الأرض التي يختص بها الصالحون لأنها لهم خلقت، وغيرهم
~~إذا حصلوا فيها فعلى وجه التبع وأن / الآية ذكرت عقيب ذكر الإعادة وليس
~~بعد الإعادة أرض يستقر بها الصالحون ويمتن بها عليهم سوى أرض الجنة، وروي
~~هذا القول عن مجاهد وابن جبير وعكرمة والسدي وأبي العالية، وفي رواية
~~أخرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد بها أرض الدنيا يرثها
~~المؤمنون ويستولون عليها وهو قول الكلبي وأيد بقوله تعالى:

# ليستخلفنهم فى الأرض

# [النور: 55]. وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم:

# " إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ
~~ملكها ما زوي لي منها "

# وهذا وعد منه تعالى بإظهار الدين وإعزاز أهله واستيلائهم على أكثر
~~المعمورة التي يكثر تردد المسافرين إليها وإلا فمن الأرض ما لم يطأها
~~المؤمنون كالأرض الشهيرة بالدنيا الجديدة وبالهند الغربي، وإن قلنا ms06853 بأن
~~جميع ذلك يكون في حوزة المؤمنين أيام المهدي رضي الله تعالى عنه ونزول
~~عيسى عليه السلام فلا حاجة إلى ما ذكر، وقيل: المراد بها الأرض المقدسة،
~~وقيل: الشأم ولعل بقاء الكفار وحدهم في الأرض جميعها في آخر الزمان كما
~~صحت به الأخبار لا يضر في هذه الوراثة لما أن بين استقلالهم في الأرض
~~حينئذ وقيام الساعة زمنا يسيرا لا يعتد به وقد عد ذلك من المبادي
~~القريبة ليوم القيامة، والأولى أن تفسر الأرض بأرض الجنة كما ذهب إليه
~~الأكثرون وهو أوفق بالمقام.

# ومن الغرائب قصة تفاؤل السلطان سليم بهذه الآية حين أضمر محاربته للغوري
~~وبشارة ابن كمال له أخذا مما رمزت إليه الآية بملكة مصر في سنة كذا
~~ووقوع الأمر كما بشر وهي قصة شهيرة وذلك من الأمور الاتفاقية ومثله لا
~~يعول عليه.

### || [21.106]

# { إن فى هذا } أي فيما ذكر في هذه السورة الكريمة من الأخبار
~~والمواعظ البالغة والوعد والوعيد والبراهين القاطعة الدالة على التوحيد
~~وصحة النبوة، وقيل: الإشارة إلى القرآن كله { لبلغا } أي كفاية أو
~~سبب بلوغ إلى البغية أو نفس البلوغ إليها على سبيل المبالغة { لقوم
~~عبدين } أي لقوم هممهم العبادة دون العادة، وأخرج ابن أبي حاتم عن
~~الحسن أنهم الذين يصلون الصلوات الخمس بالجماعة. وأخرج ابن مردويه عن ابن
~~عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ذلك فقال: هي الصلوات الخمس في
~~المسجد الحرام جماعة، وضمير { هى } للعبادة المفهومة من { عبدين
~~} وقال أبو هريرة ومحمد بن كعب ومجاهد: هي الصلوات الخمس ولم يقيدوا
~~بشيء، وعن كعب الأحبار تفسيرها بصيام شهر رمضان وصلاة الخمس والظاهر
~~العموم وأن ما ذكر من باب الاقتصار على بعض الأفراد لنكتة.

### || [21.107]

# { وما أرسلنك } بما ذكر وبأمثاله من الشرائع والأحكام وغير
~~ذلك مما هو مناط لسعادة الدارين { إلا رحمة للعلمين }
~~استثناء من أعم العلل أي وما أرسلناك بما ذكر لعلة من العلل إلا لترحم
~~العالمين بإرسالك أو من أعم الأحوال أي وما أرسلناك في حال من الأحوال
~~إلا حال كونك ms06854 رحمة أو ذا رحمة أو راحما لهم ببيان ما أرسلت به، والظاهر
~~أن المراد بالعالمين ما يشمل الكفار، ووجه ذلك عليه أنه عليه الصلاة
~~والسلام أرسل بما هو سبب لسعادة الدارين ومصحلة النشأتين إلا أن الكافر
~~فوت على نفسه الانتفاع بذلك وأعرض لفساد استعداده عما هنالك، فلا يضر ذلك
~~في كونه صلى الله عليه وسلم أرسل رحمة بالنسبة إليه أيضا كما لا يضر في
~~كون العين العذبة مثلا نافعة عدم انتفاع الكسلان بها لكسله وهذا ظاهر
~~خلافا لمن ناقش فيه.

# وهل يراد بالعالمين ما يشمل الملائكة عليهم السلام أيضا فيه خلاف مبني
~~/ على الخلاف في عموم بعثته صلى الله عليه وسلم لهم، فإذا قلنا بالعموم -
~~كما رجحه من الشافعية البارزي وتقي الدين السبكي والجلال المحلي في
~~«خصائصه»، ومن الحنابلة ابن تيمية وابن حامد وابن مفلح في كتاب «الفروع»،
~~ومن المالكية عبد الحق - قلنا بشمول العالمين لهم هنا. وكونه صلى الله
~~عليه وسلم أرسل رحمة بالنسبة إليهم لأنه جاء عليه الصلاة والسلام أيضا
~~بما فيه تكليفهم من الأوامر والنواهي وإن لم نعلم ما هنا، ولا شك أن في
~~امتثال المكلف ما كلف به نفعا له وسعادة، وإن قلنا بعدم العموم كما جزم
~~به الحليمي والبيهقي والجلال المحلى في «شرح جمع الجوامع» وزين الدين
~~العراقي في «نكته على ابن الصلاح» من الشافعية ومحمود بن حمزة في كتابه
~~«العجائب والغرائب» من الحنفية بل نقل البرهان النسفي والفخر الرازي في
~~«تفسيريهما» الإجماع عليه، وإن لم يسلم قلنا بعدم شموله لهم هنا وإرادة
~~من عداهم منه، وقيل: هم داخلون هنا في العموم وإن لم نقل ببعثته صلى الله
~~عليه وسلم إليهم لأنهم وقفوا بواسطة إرساله عليه الصلاة والسلام على علوم
~~جمة وأسرار عظيمة مما أودع في كتابه الذي فيه بناء ما كان وما يكون عبارة
~~وإشارة وأي سعادة أعظم من التحلي بزينة العلم؟ وكونهم عليهم السلام لا
~~يجعلون شيئا مما لم يذهب إليه أحد من المسلمين، وقيل: لأنهم أظهر من
~~فضلهم على لسانه الشريف ما ms06855 أظهر. وقال بعضهم: إن الرحمة في حق الكفار
~~أمنهم ببعثته صلى الله عليه وسلم من الخسف والمسخ والقذف والاستئصال،
~~وأخرج ذلك الطبراني والبيهقي وجماعة عن ابن عباس، وذكر أنها في حق
~~الملائكة عليهم السلام الأمن من نحو ما ابتلى به هاروت وماروت، وأيد بما
~~ذكره صاحب «الشفا» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام:
~~هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم كنت أخشى العاقبة فأمنت لثناء الله
~~تعالى علي في القرآن بقوله سبحانه

# ذى قوة عند ذى العرش مكين

# [التكوير: 20] وإذا صح هذا الحديث لزم القول بشمول العالمين للملائكة
~~عليهم السلام إلا أن الجلال السيوطي ذكر في «تزيين الأرائك» أنه لم يوقف
~~على إسناد، وقيل المراد بالعالمين جميع الخلق فإن العالم ما سوى الله
~~تعالى وصفاته جل شأنه، وجمع جمع العقلاء تغليبا للأشرف على غيره.

# وكونه صلى الله عليه وسلم رحمة للجميع باعتبار أنه عليه الصلاة والسلام
~~واسطة الفيض الإلهي على الممكنات على حسب القوابل، ولذا كان نوره صلى
~~الله عليه وسلم أول المخلوقات، ففي الخبر

# " أول ما خلق الله تعالى نور نبيك يا جابر "

# ،وجاء

# " الله تعالى المعطي وأنا القاسم "

# وللصوفية قدست أسرارهم في هذا الفصل كلام فوق ذلك، وفي «مفتاح السعادة»
~~لابن القيم أنه لولا النبوات لم يكن في العالم علم نافع البتة ولا عمل
~~صالح ولا صلاح في معيشة ولا قوام لمملكة ولكان الناس بمنزلة البهائم
~~والسباع العادية والكلاب الضارية التي يعدو بعضها على بعض، وكل خير في
~~العالم فمن آثار النبوة وكل شر وقع في العالم أو سيقع فبسبب خفاء آثار
~~النبوة ودروسها فالعالم جسد روحه النبوة ولا قيام للجسد بدون روحه، ولهذا
~~إذا انكسفت شمس النبوة من العالم ولم يبق في الأرض شيء من آثارها البتة
~~انشقت سماؤه وانتشرت كواكبه وكورت شمسه وخسف قمره ونسفت جباله وزلزلت
~~أرضه وأهلك من عليها فلا قيام للعالم إلا بآثار النبوة اه؛ وإذا سلم هذا
~~علم منه بواسطة كونه صلى الله عليه وسلم أكمل النبيين ms06856 وما جاء به أجل مما
~~جاؤوا به عليهم السلام وإن لم يكن في الأصول اختلاف وجه كونه عليه الصلاة
~~والسلام أرسل رحمة للعالمين أيضا لكن لا يخلو ذلك عن بحث.

# وزعم بعضهم أن العالمين هنا خاص بالمؤمنين وليس بشيء، ولواحد من الفضلاء
~~كلام طويل في هذه الآية الكريمة نقض فيه وأبرم ومنع وسلم ولا أرى له منشأ
~~سوى قلة الاطلاع على الحق الحقيق بالاتباع، / وأنت متى أخذت العناية بيدك
~~بعد الاطلاع عليه سهل عليك رده ولم يهولك هزله وجده، والذي أختاره أنه
~~صلى الله عليه وسلم إنما بعث رحمة لكل فرد فرد من العالمين ملائكتهم
~~وإنسهم وجنهم ولا فرق بين المؤمن والكافر من الإنس والجن في ذلك، والرحمة
~~متفاوتة ولبعض من العالمين المعلى والرقيب منها، وما يرى أنه ليس من
~~الرحمة فهو إما منها في النظر الدقيق أو ليس مقصودا بالقصد الأولى كسائر
~~الشرور الواقعة في العالم بناء على ما حقق في محله أن الشر ليس داخلا في
~~قضاء الله تعالى بالذات، ومما هو ظاهر في عموم العالمين الكفار ما أخرجه
~~مسلم عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله ادع على المشركين قال:

# " إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة "

# ولعله يؤيد نصب { رحمة } في الآية على الحال كقوله صلى الله عليه
~~وسلم الذي أخرجه البيهقي في «الدلائل» عن أبي هريرة

# " إنما أنا رحمة مهداة "

# ولا يشين احتمال التعليل ما ذهب إليه الأشاعرة من عدم تعليل أفعاله عز
~~وجل فإن الماتريدية وكذا الحنابلة ذهبوا إلى خلافه وردوه بما لا مزيد
~~عليه، على أنه لا مانع من أن يقال فيه كما قيل في سائر ما ظاهره التعليل
~~ووجود المانع هنا توهم محض فتدبر؛ ثم لا يخفى أن تعلق { للعلمين
~~} برحمة هو الظاهر. وقال ابن عطية: يحتمل أن يتعلق بأرسلناك، وفي «البحر»
~~لا يجوز على المشهور أن يتعلق الجار بعد (إلا) بالفعل قبلها إلا إن كان
~~العامل مفرغا له نحو ما مررت إلا بزيد.

### || [21.108]

# { قل إنما يوحى إلى أنما إلهكم ms06857 إله وحد
~~} ذهب جماعة إلى أن في الآية حصرين بناء على أن { أنما } المفتوحة
~~تفيد ذلك كالمكسورة، والأول لقصر الصفة على الموصوف والثاني لقصر الموصوف
~~على الصفة فالثاني قصر فيه الله تعالى على الوحدانية والأول قصر فيه
~~الوحي على الوحدانية، والمعنى ما يوحى إلي إلا اختصاص الله تعالى
~~بالوحدانية.

# واعترض بأنه كيف يقصر الوحي على الوحدانية وقد أوحي إليه صلى الله عليه
~~وسلم أمور كثيرة غير ذلك كالتكاليف والقصص، وأجيب بوجهين: الأول أن معنى
~~قصره عليه أنه الأصل الأصيل وما عداه راجع إليه أو غير منظور إليه في
~~جنبه فهو قصر ادعائي، والثاني أنه قصر قلب بالنسبة إلى الشرك الصادر من
~~الكفار، وكذا الكلام في القصر الثاني. وأنكر أبو حيان إفادة أنما
~~المفتوحة الحصر لأنها مؤولة بمصدر واسم مفرد وليست كالمكسورة المؤولة بما
~~وإلا وقال: لا نعلم خلافا في عدم إفادتها ذلك والخلاف إنما هو في إفادة
~~إنما المكسورة إياه.

# وأنت تعلم أن الزمخشري وأكثر المفسرين ذهبوا إلى إفادتها ذلك، والحق مع
~~الجماعة، ويؤيده هنا أنها بمعنى المسكورة لوقوعها بعد الوحي الذي هو في
~~معنى القول ولأنها مقولة { قل } في الحقيقة ولا شك في إفادتها التأكيد
~~فإذا اقتضى المقام القصر كما فيما نحن فيه انضم إلى التأكيد لكنه ليس
~~بالوضع كما في المكسورة فقد جاء ما لا يحتمله كقوله تعالى:

# وظن داوود أنما فتنه

# [ص: 24] ولذا فسره الزمخشري بقوله ابتليناه لا محالة مع تصريحه بالحصر
~~هنا، نعم في توجيه القصر هنا بما سمعت من كونه قصر الله تعالى على
~~الوحدانية ما سمعته في آخر سورة الكهف فتذكر. وجوز في  ما  في «إنما
~~يوحى» أن تكون موصولة وهو خلاف الظاهر. وتجويزه فيما بعد بعيد جدا موجب
~~لتكلف لا يخفى.

# { فهل أنتم مسلمون } أي منقادون لما يوحى إلي من التوحيد،
~~وهو استفهام يتضمن الأمر بالانقياد، وبعضهم فسر الإسلام بلازمه وهو إخلاص
~~العبادة له تعالى وما أشرنا إليه أولى. / والفاء للدلالة على أن ما قبلها
~~موجب لما بعدها قالوا فيه دلالة على أن ms06858 صفة الوحدانية يصح أن يكون طريقها
~~السمع بخلاف إثبات الواجب فإن طريقه العقل لئلا يلزم الدور. قال في «شرح
~~المقاصد»: إن بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وصدقهم لا يتوقف على
~~الوحدانية فيجوز التمسك بالأدلة المسعية كإجماع الأنبياء عليهم السلام
~~على الدعوة إلى التوحيد ونفي الشريك وكالنصوص القطعية من كتاب الله تعالى
~~على ذلك، وما قيل إن التعدد يستلزم الإمكان لما عرفت من أدلة التوحيد وما
~~لم تعرف أن الله تعالى واجب الوجود خارج عن جميع الممكنات لم يتأت إثبات
~~البعثة والرسالة ليس بشيء لأن غاية استلزام الوجوب الوحدة لا استلزام
~~معرفته معرفتها فضلا عن التوقف، وسبب الغلط عدم التفرقة بين ثبوت الشيء
~~والعلم بثبوته انتهى. وتفريع الاستفهام هنا صريح في ثبوت الوحدانية بما
~~ذكر، وقول صاحب «الكشف»: إن الآية لا تصلح دليلا لذلك لأنه إنما يوحى
~~إليه صلى الله عليه وسلم ذلك مبرهنا لا على قانون الخطابة فلعل نزولها
~~كان مصحوبا بالبرهان العقلي ليس بشيء لظهور أن التفريع على نفس هذا
~~الموحى، وكون نزوله مصحوبا بالبرهان العقلي والتفريع باعتباره غير ظاهر.

### || [21.109]

# { فإن تولوا } عن الإسلام ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه { فقل }
~~لهم { ءاذنتكم } أي أعلمتكم ما أمرت به أو حربي لكم، والإيذان إفعال
~~من الإذن وأصله العلم بالإجازة في شيء وترخيصه ثم تجوز به عن مطلق العلم
~~وصيغ منه الإفعال، وكثيرا ما يتضمن معنى التحذير والإنذار وهو يتعدى
~~لمفعولين الثاني منهما مقدر كما أشير إليه. وقوله تعالى: { على سواء
~~} في موضع الحال من المفعول الأول أي كائنين على سواء في الإعلام بذلك لم
~~أخص أحدا منكم دون أحد. وجوز أن يكون في موضع الحال من الفاعل والمفعول
~~معا أي مستويا أنا وأنتم في المعاداة أو في العلم بما أعلمتكم به من
~~وحدانية الله تعالى لقيام الأدلة عليها. وقيل ما أعلمهم صلى الله عليه
~~وسلم به يجوز أن يكون ذلك وأن يكون وقوع الحرب في البين واستوائهم في
~~العلم بذلك جاء من إعلامهم به وهم يعلمون أنه عليه الصلاة والسلام ms06859 الصادق
~~الأمين وإن كانوا يجحدون بعض ما يخبر به عنادا فتدبر.

# وجوز أن يكون الجار والمجرور في موضع الصفة لمصدر مقدر أي إيذانا على
~~سواء، وأن يكون في موضع الخبر لأن مقدرة أي أعلمتكم أني على سواء أي عدل
~~واستقامة رأي بالبرهان النير وهذا خلاف المتبادر جدا. وفي «الكشاف» أن
~~قوله تعالى: { ءاذنتكم } الخ استعارة تمثثيلية شبه بمن بينه وبين
~~أعدائه هدنة فأحس بغدرهم فنبذ إليهم العهد وشهر النبذ وأشاعه وآذانهم
~~جميعا بذلك وهو من الحسن بمكان.

# { وإن أدرى } أي ما أدرى { أقريب أم بعيد ما توعدون
~~} من غلبة المسلمين عليكم وظهور الدين أو الحشر مع كونه آتيا لا محالة،
~~والجملة في موضع نصب بأدري. ولم يجىء التركيب أقريب ما توعدون أم بعيد
~~لرعاية الفواصل.

### || [21.110]

# { إنه يعلم الجهر من القول } أي ما تجهرون به من
~~الطعن في الإسلام وتكذيب الآيات التي من جملتها ما نطق بمجيء الموعود {
~~ويعلم ما تكتمون } من الإحن والأحقاد للمسلمين فيجازيكم عليه
~~نقيرا وقطميرا.

### || [21.111]

# { وإن أدرى لعله فتنة لكم } أي ما أدري لعل تأخير
~~جزائكم استدراج لكم وزيادة في / افتتانكم أو امتحان لكم لينظر كيف
~~تعملون. وجملة { لعله } الخ في موضع المفعول على قياس ما تقدم.
~~والكوفيون يجرون لعل مجرى هل في كونها معلقة. قال أبو حيان: ولا أعلم
~~أحدا ذهب إلى أن لعل من أدوات التعليق وإن كان ذلك ظاهرا فيها. وعن ابن
~~عباس في رواية أنه قرأ { أدري } بفتح الياء في الموضعين تشبيها لها بياء
~~الإضافة لفظا وإن كانت لام الفعل ولا تفتح إلا بعامل. وأنكر أن مجاهد
~~فتح هذه الياء.

# { ومتع إلى حين } أي وتمتيع لكم وتأخير إلى أجل مقدر تقتضيه
~~مشيئته المبنية على الحكم البالغة ليكون ذلك حجة عليكم. وقيل المراد
~~بالحين يوم بدر، وقيل يوم القيامة.

### || [21.112]

# { قال رب احكم بالحق } حكاية لدعائه صلى الله عليه وسلم. وقرأ
~~الأكثر { قل } على صيغة الأمر. والحكم القضاء، والحق العدل أي رب اقض
~~بيننا وبين أهل مكة بالعدل المقتضي لتعجيل العذاب والتشديد ms06860 عليهم فهو
~~دعاء بالتعجيل والتشديد وإلا فكل قضائه تعالى عدل وحق. وقد استجيب ذلك
~~حيث عذبوا ببدر أي تعذيب.

# وقرأ أبو جعفر { رب } بالضم على أنه منادى مفرد كما قال صاحب
~~«اللوامح»، وتعقبه بأن حذف حرف النداء من اسم الجنس شاذ بابه الشعر. وقال
~~أبو حيان: إنه ليس بمنادى مفرد بل هو منادى مضاف إلى الياء حذف المضاف
~~إليه وبني على الضم كقبل وبعد وذلك لغة حكاها سيبويه في المضاف إلى ياء
~~المتكلم حال ندائه ولا شذوذ فيه. وقرأ ابن عباس وعكرمة والجحدري وابن
~~محيصن { ربي } بياء ساكنة { أحكم } على صيغة التفضيل أي أنفذ أو أعدل
~~حكما أو أعظم حكمة. فربي أحكم مبتدأ وخبر. وقرأت فرقة { أحكم }
~~فعلا ماضيا.

# { وربنا الرحمن } مبتدأ وخبر أي كثير الرحمة على عباده.
~~وقوله سبحانه { المستعان } أي المطلوب منه العون خبر آخر للمبتدأ.
~~وجوز كونه صفة للرحمن بناء على إجرائه مجرى العلم. وإضافة الرب فيما سبق
~~إلى ضميره صلى الله عليه وسلم خاصة لما أن الدعاء من الوظائف الخاصة به
~~عليه الصلاة والسلام كما أن إضافته ههنا إلى ضمير الجمع المنتظم
~~للمؤمنين أيضا لما أن الاستعانة من الوظائف العامة لهم.

# { على ما تصفون } من الحال فإنهم كانوا يقولون: إن الشوكة تكون
~~لهم وإن راية الإسلام تخفق ثم تسكن وإن المتوعد به لو كان حقا لنزل بهم
~~إلى غير ذلك مما لا خير فيه فاستجاب الله عز وجل دعوة رسوله صلى الله
~~عليه وسلم فخيب آمالهم وغير أحوالهم ونصر أولياءه عليهم فأصابهم يوم بدر
~~ما أصابهم. والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله. وروي أن النبي
~~عليه الصلاة والسلام قرأ على أبي رضي الله تعالى عنه { يصفون } بيان
~~الغيبة ورويت عن ابن عامر وعاصم هذا وفي جعل خاتم الأنبياء عليهم الصلاة
~~والسلام وما يتعلق به، خاتمة لسورة الأنبياء طيب كما قال الطيبي يتضوع
~~منه مسك الختام.

# ومن باب الإشارة في الآيات:

# ولقد ءاتينا إبرهيم رشده من قبل

# [الأنبياء: 51] قيل ذلك الرشد إيثار الحق جل شأنه على ms06861 ما سواه سبحانه،
~~وسئل الجنيد متى أتاه ذلك؟ فقال: حين لا متى

# قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا
~~ولا يضركم

# [الأنبياء: 66] فيه إشارة إلى أن طلب المحتاج من المحتاج سفه في رأيه
~~وضلة في عقله. وقال حمدون القصار: استعانة الخلق بالخلق كاستعانة المسجون
~~بالمسجون

# قلنا ينار كونى بردا وسلما على إبرهيم

# [الأنبياء: 69] قال ابن عطاء: كان ذلك لسلامة قلب إبراهيم عليه السلام
~~وخلوه من الالتفات إلى الأسباب وصحة / توكله على الله تعالى، ولذا قال
~~عليه السلام حين قال له جبريل عليه السلام: ألك حاجة؟ أما إليك فلا {
~~ففهمنها سليمن } فيه إشارة إلى أن الفضل بيد الله تعالى
~~يؤتيه من يشاء ولا تعلق له بالصغر والكبر فكم من صغير أفضل من كبير بكثير
~~{ وكلا ءاتينا حكما } قيل معرفة بأحكام الربيوبية { وعلما
~~} معرفة بأحكام العبودية

# وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن

# [الأنبياء: 79] قيل كان عليه السلام يخلو في الكهوف لذكره تعالى وتسبيحه
~~فيشاركه في ذلك الجبال ويسبحن معه، وذكر بعضهم أن الجبال لكونها خالية عن
~~صنع الخلق حالية بأنوار قدرة الحق يحب العاشقون الخلوة فيها، ولذا تحنث
~~صلى الله عليه وسلم في غار حراء. واختار كثير من الصالحين الانقطاع
~~للعبادة فيها

# وأيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الضر وأنت
~~أرحم الراحمين

# [الأنبياء: 83] ذكر أنه عليه السلام قال ذلك حين قصدت دودة قلبه ودودة
~~لسانه فخاف أن يشغل موضع فكره وموضع ذكره، وقال جعفر: كان ذلك منه عليه
~~السلام استدعاء للجواب من الحق سبحانه ليسكن إليه ولم يكن شكوى وكيف يشكو
~~المحب حبيبه وكل ما فعل المحبوب محبوب وقد حفظ عليه السلام آداب الخطاب {
~~وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر
~~عليه } قيل إن ذلك رشحة من دن خمر الدلال، وذكروا أن مقام الدل دون
~~مقام العبودية المحضة لعدم فناء الإرادة فيه ولذا نادى عليه السلام

# لا إله إلا أنت سبحنك إنى كنت من
~~الظلمين

# [الأنبياء: 87] أي حيث اختلج في سري أن أريد غيره ما أردت

# وزكريا إذ نادى ms06862 ربه رب لا تذرنى فردا وأنت
~~خير الورثين

# [الأنبياء: 89] قيل إنه عليه السلام أراد ولدا يصلح لأن يكون محلا
~~لإفشاء الأسرار الإلهية إليه فإن العارف متى كان فردا غير واجد من يفشي
~~إليه السر ضاق ذرعه { ويدعوننا رغبا ورهبا } قيل أي رغبة
~~فينا ورهبة عما سوانا أو رغبة في لقائنا ورهبة من الاحتجاب عنا

# وكانوا لنا خشعين

# [الأنبياء: 90]. قال أبو يزيد: الخشوع خمود القلب عن الدعاوى، وقيل
~~الفناء تحت أذيال العظمة ورداء الكبرياء

# وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين

# [الأنبياء: 107] أكثر الصوفية قدست أسرارهم على أن المراد من العالمين
~~جميع الخلق وهو صلى الله عليه وسلم رحمة لكل منهم إلا أن الحظوظ متفاوتة
~~ويشترك الجميع في أنه عليه الصلاة والسلام سبب لوجودهم بل قالوا: إن
~~العالم كله مخلوق من نوره صلى الله عليه وسلم، وقد صرح بذلك الشيخ عبد
~~الغني النابلسي قدس سره في قوله وقد تقدم غيره مرة:

# طه النبي تكونت من نوره

# كل الخليقة ثم لو ترك القطا

# وأشار بقوله لو ترك القطا إلى أن الجميع من نوره عليه الصلاة والسلام
~~وجه الانقسام إلى المؤمن والكافر بعد تكونه فتأمل، وهذا ونسأل الله تعالى
~~أن يجعل حظنا من رحمته الحظ الوافر وأن ييسر لنا أمور الدنيا والآخرة
~~بلطفه المتواتر.

### | [22 - سورة الحج]

### || [22.1]

# بسم الله الرحمن الرحيم { يأيها الناس اتقوا ربكم }
~~خطاب يعم حكمه المكلفين عند النزول ومن سينتظم في سلكهم بعد من الموجودين
~~القاصرين عن رتبة التكليف والحادثين بعد ذلك إلى يوم القيامة، لكن لا
~~بطريق الحقيقة عندنا بل بطريق التغليب أو تعميم الحكم بدليل خارجي، فإن
~~خطاب المشافهة لا يتناول من لم يكلف بعد وهو خاص بالمكلفين الموجودين عند
~~النزول خلافا للحنابلة وطائفة من السلفيين والفقهاء حيث ذهبوا إلى
~~تناوله الجميع حقيقة، ولا خلاف في دخول الإناث كما قال الآمدي في نحو
~~(الناس) مما يدل على الجمع ولم يظهر فيه علامة تذكير ولا تأنيث وإنما
~~الخلاف في دخولهن في نحو ضمير { اتقوا } و(المسلمين) فذهبت الشافعية
~~والأشاعرة والجمع الكثير ms06863 من الحنفية والمعتزلة إلى نفيه، وذهبت الحنابلة
~~وابن داود وشذوذ من الناس إلى إثباته، والدخول هنا عندنا بطريق التغليب.
~~وزعم بعضهم أن الخطاب خاص بأهل مكة وليس بذاك.

# والمأمور به مطلق التقوى الذي هو التجنب عن كل ما يؤثم من فعل وترك
~~ويندرج فيه الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر حسبما ورد به الشرع
~~اندراجا أوليا، لكن على وجه يعم الإيجاد والدوام، والمناسب لتخصيص
~~الخطاب بأهل مكة أن يراد بالتقوى المرتبة الأولى منها وهي التوقي عن
~~الشرك، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لتأييد
~~الأمر وتأكيد إيجاب الامتثال به ترهيبا وترغيبا أي احذروا عقوبة مالك
~~أمركم ومربيكم.

# وقوله تعالى: { إن زلزلة الساعة شىء عظيم } تعليل
~~لموجب الأمر بذكر أمر هائل فإن ملاحظة عظم ذلك وهوله وفظاعة ما هو من
~~مباديه ومقدماته من الأحوال والأهوال التي لا ملجأ منها سوى التدرع بلباس
~~التقوى مما يوجب مزيد الاعتناء بملابسته وملازمته لا محالة. والزلزلة
~~التحريك الشديد والإزعاج العنيف بطريق التكرير بحيث يزيل الأشياء من
~~مقارها ويخرجها عن مراكزها، وإضافتها إلى الساعة إما من إضافة المصدر إلى
~~فاعله لكن على سبيل المجاز في النسبة كما قيل في قوله تعالى:

# بل مكر اليل والنهار

# [سبأ: 33] لأن المحرك حقيقة هو الله تعالى والمفعول الأرض أو الناس، أو
~~من إضافته إلى المفعول لكن على إجرائه مجرى المفعول به اتساعا كما في
~~قوله:

# يا سارق الليلة أهل الدار

# وجوز أن تكون الإضافة على معنى في وقد أثبتها بعضهم وقال بها في الآية
~~السابقة، وهي عند بعض المذكورة في قوله تعالى:

# إذا زلزلت الأرض زلزالها

# [الزلزلة: 1] وتكون على ما قيل عند النفخة الثانية وقيام الساعة بل روي
~~عن ابن عباس أن زلزلة الساعة قيامها.

# وأخرج أحمد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والنسائي والترمذي والحاكم
~~وصححاه عن عمران / ابن حصين قال: لما نزلت

# يأيها الناس

# [الحج: 1]  إلى 

# ولكن عذاب الله شديد

# [الحج: 2] كان صلى الله عليه وسلم في سفر فقال: أتدرون أي يوم ذلك؟
~~قالوا: الله تعالى ورسوله ms06864 أعلم. قال: ذلك يوم يقول الله تعالى لآدم عليه
~~السلام ابعث بعث النار قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة
~~وتسعة وتسعين إلى النار وواحدا إلى الجنة فأنشأ المسلمون يبكون فقال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: قاربوا وسددوا وأبشروا فإنها لم تكن نبوة
~~قط إلا كان بين يديها جاهلية فتؤخذ العدة من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت
~~من المنافقين وما مثلكم في الأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو
~~كالشامة في جنب البعير ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا
~~ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبروا ثم قال: إني لأرجو أن
~~تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا قال: ولا أدري قال الثلثين أم لا، وحديث
~~البعث مذكور في «الصحيحين» وغيرهما لكن بلفظ آخر وفيه كالمذكور ما يؤيد
~~كون هذه الزلزلة في يوم القيامة وهو المروي عن الحسن.

# وأخرج ابن المنذر وغيره عن علقمة والشعبي وعبيد بن عمير أنها تكون قبل
~~طلوع الشمس من مغربها، وإضافتها إلى الساعة على هذا لكونها من أماراتها،
~~وقد وردت آثار كثيرة في حدوث زلزلة عظيمة قبل قيام الساعة هي من أشراطها
~~إلا أن في كون تلك الزلزلة هي المراد هنا نظرا إذ لا يناسب ذلك كون
~~الجملة تعليلا لموجب أمر جميع الناس بالتقوى، ثم إنها على هذا القول على
~~معناها الحقيقي وهو حركة الأرض العنيفة، وتحدث هذه الحركة بتحريك ملك
~~بناء على ما روي أن في الأرض عروقا تنتهي إلى جبل قاف وهي بيد ملك هناك
~~فإذا أراد الله عز وجل أمرا أمره أن يحرك عرقا فإذا حركه زلزلت الأرض.

# وعند الفلاسفة أن البحار إذا احتبس في الأرض وغلظ بحيث لا ينفذ في
~~مجاريها لشدة استحصافها وتكاثفها اجتمع طالبا للخروج ولم يمكنه فزلزلت
~~الأرض، وربما اشتدت الزلزلة فخسفت الأرض فيخرج نار لشدة الحركة الموجبة
~~لاشتعال البخار والدخان لا سيما إذا امتزجا امتزاجا مقربا إلى الدهنية،
~~وربما قويت المادة على شق الأرض فتحدث أصوات ms06865 هائلة، وربما حدثت الزلزلة
~~من تساقط عوالي وهدات في باطن الأرض فيتموج بها الهواء المحتقن فتتزلزل
~~به الأرض، وقليلا ما تتزلزل بسقوط قلل الجبال عليها لبعض الأسباب. وما
~~يستأنس به للقول بأن سببها احتباس البخار الغليظ وطلبه للخروج وعدم تيسره
~~له كثرة الزلازل في الأرض الصلبة وشدتها بالنسبة إلى الأرض الرخوة، ولا
~~يخفى أنه إذا صح حديث في بيان سبب الزلزلة لا ينبغي العدول عنه وإلا فلا
~~بأس بالقول برأي الفلاسفة في ذلك وهو لا ينافي القول بالفاعل المختار كما
~~ظن بعضهم، وهي على القول بأنها يوم القيامة قال بعضهم: على حقيقتها
~~أيضا، وقال آخرون: هي مجاز عن الأهوال والشدائد التي تكون في ذلك اليوم،
~~وفي التعبير عنها بالشيء إيذان بأن العقول قاصرة عن إدراك كنهها والعبارة
~~ضيقة لا تحيط بها إلا على وجه الإبهام. وفي «البحر» أن إطلاق الشيء عليها
~~مع أنه لم توجد بعد يدل على أنه يطلق على المعدوم، ومن منع ذلك قال: إن
~~إطلاقه عليها لتيقن وقوعها وصيرورتها إلى الوجود لا محالة.

### || [22.2]

# { يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت }
~~الظاهر أن الضمير المنصوب في { ترونها } للزلزلة لأنها المحدث عنها،
~~وقيل هو للساعة وهو كما ترى، و { يوم } منتصب بتذهل قدم عليه
~~للاهتمام، وقيل بعظيم، وقيل / بإضمار اذكر؛ وقيل هو بدل من

# الساعة

# [الحج: 1] وفتح لبنائه كما قيل في قوله تعالى:

# هذا يوم ينفع

# [المائدة: 119] على قراءة يوم بالفتح، وقيل بدل من

# زلزلة

# [الحج: 1] أو منصوب به إن اغتفر الفصل بين المصدر ومعموله الظرفي
~~بالخبر، وجملة { تذهل } على هذه الأوجه في موضع الحال من ضمير
~~المفعول والعائد محذوف أي تذهل فيها، والذهول شغل يورث حزنا ونسيانا،
~~والمرضعة هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها وهي بخلاف المرضع بلا هاء
~~فإنها التي من شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، وخص
~~بعض نحاة الكوفة أم الصبي بمرضعة بالهاء والمستأجرة بمرضع ويرده قول
~~الشاعر:

# كمرضعة أولاد أخرى وضيعت

# بني بطنها هذا الضلال عن القصد ms06866

# والتعبير به هنا ليدل على شدة الأمر وتفاقم الهول.

# والظاهر أن (ما) موصولة والعائد محذوف أي عن الذي أرضعته، والتعبير بما
~~لتأكيد الذهول وكون الطفل الرضيع بحيث لا يخطر ببالها أنه ماذا لأنها
~~تعرف شيئيته لكن لا تدري من هو بخصوصه، وقيل مصدرية أي تذهل عن إرضاعها،
~~والأول دل على شدة الهول وكمال الانزعاج، والكلام على طريق التمثيل وأنه
~~لو كان هناك مرضعة ورضيع لذهلت المرضعة عن رضيعها في حال إرضاعها إياه
~~لشدة الهول وكذا ما بعد، وهذا ظاهر إذا كانت الزلزلة عند النفخة الثانية
~~أو في يوم القيامة حين أمر آدم عليه السلام ببعث بعث النار وبعث الجنة إن
~~لم نقل بأن كل أحد يحشر على حاله التي فارق فيها الدنيا فتحشر المرضعة
~~مرضعة والحامل حاملة كما ورد في بعض الآثار، وأما إذا قلنا بذلك أو بكون
~~الزلزلة في الدنيا فيجوز أن يكون الكلام على حقيقته، ولا يضر في كونه
~~تمثيلا أن الأمر إذ ذاك أشد وأعظم وأهول مما وصف وأطم لشيوع ما ذكر في
~~التهويل كما لا يخفى على المنصف النبيل. وقرىء { تذهل } من الإذهال
~~مبنيا للمفعول، وقرأ ابن أبي عبلة واليماني { تذهل } منه مبنيا
~~للفاعل و { كل } بالنصب أي يوم تذهل الزلزلة، وقيل: الساعة كل مرضعة.

# { وتضع كل ذات حمل حملها } أي تلقي ذات جنين جنينها
~~لغير تمام، وإنما لم يقل وتضع كل حاملة ما حملت على وزان ما تقدم لما أن
~~ذلك ليس نصا في المراد وهو وضع الجنين بخلاف ما في النظم الجليل فإنه نص
~~فيه لأن الحمل بالفتح ما يحمل في البطن من الولد، وإطلاقه على نحو الثمرة
~~في الشجرة للتشبيه بحمل المرأة، وللتنصيص على ذلك من أول الأمر لم يقل
~~وتضع كل حاملة حملها كذا قيل.

# وتعقب بأن في دعوى تخصيص الحمل بما يحمل في البطن من الولد وأن إطلاقه
~~على نحو الثمرة في الشجرة للتشبيه بحثا ففي «البحر» الحمل بالفتح ما كان
~~في بطن أو على رأس شجرة. وفي «القاموس» الحمل ما ms06867 يحمل في البطن من الولد
~~جمعه حمال وأحمال وحملت المرأة تحمل علقت ولا يقال حملت به أو قليل وهي
~~حامل وحاملة، والحمل ثمر الشجر ويكسر أو الفتح لما بطن من ثمره والكسر
~~لما ظهر أو الفتح لما كان في بطن أو على رأس شجرة والكسر لما على ظهر أو
~~رأس أو ثمر الشجر بالكسر ما لم يكبر فإذا كبر فبالفتح جمعه أحمال وحمول
~~وحمال اه، وقيل: المتبادر وضع الجنين بأي عبارة كان التعبير إلا أن ذات
~~حمل أبلغ في التهويل من حامل أو حاملة لإشعاره بالصحبة المشعرة بالملازمة
~~فيشعر الكلام بأن الحامل تضع إذ ذاك الجنين المستقر في بطنها المتمكن فيه
~~هذا مع ما في الجمع بين ما يشعر بالمصاحبة وما يشعر بالمفارقة وهو الوضع
~~من اللطف فتأمل فلمسلك الذهن اتساع.

# { وترى الناس } بفتح التاء والراء على خطاب كل واحد من المخاطبين
~~برؤية الزلزلة والاختلاف بالجمعية / والإفراد لما أن المرئي في الأول هي
~~الزلزلة التي يشاهدها الجميع وفي الثاني حال من عدا المخاطب منهم فلا بد
~~من إفراد المخاطب على وجه يعم كل واحد منهم لكن من غير اعتبار اتصافه
~~بتلك الحالة فإن المراد بيان تأثير الزلزلة في المرئي لا في الرائي
~~باختلاف مشاعره لأن مداره حيثية رؤيته للزلزلة لا لغيرها كأنه قيل وتصير
~~الناس سكارى الخ، وإنما أوثر عليه ما في التنزيل للإيذان بكمال ظهور تلك
~~الحال فيهم وبلوغها من الجلاء إلى حد لا يكاد يخفى على أحد قاله غير
~~واحد. وجوز بعضهم كون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والأول أبلغ في
~~التهويل، والرؤية بصرية و { الناس } مفعولها، وقوله تعالى: {
~~سكرى } حال منه أي يراهم كل واحد مشابهين للسكارى.

# وقوله تعالى: { وما هم بسكرى } أي حقيقة، حال أيضا لكنها
~~مؤكدة والحال المؤكدة تقترن بالواو لا سيما إذا كانت جملة اسمية. فلا
~~يقال: إنه إذا كان معنى قوله تعالى: { ترى الناس سكرى } على
~~التشبيه يكون { وما هم بسكرى } بالمعنى المذكور مستغنى عنه،
~~ولا وجه لجعله حالا مؤكدة لمكان الواو، ms06868 وجوز أن يكون { ترى } بمعنى
~~تظن فسكارى مفعول ثان، وحينئذ يجوز أن يكون الكلام على التشبيه والجملة
~~الاسمية في موضع الحال المؤكدة؛ ويجوز أن يكون على الحقيقة فلا تأكيد
~~هنا، وأمر إفراد الخطاب وما فيه من المبالغة بحاله، وأيا ما كان فالمراد
~~في قوله تعالى: { وما هم بسكرى } استمرار النفي، وأكد بزيادة
~~الباء للتنبيه على أن ما هم فيه ليس من المعهود في شيء وإنما هو أمر لم
~~يعهدوا قبله مثله، وأشير إلى سببه بقوله تعالى: { ولكن عذاب
~~الله شديد } أي إن شدة عذابه تعالى تجعلهم كما ترى، وهو استدراك
~~على ما في «الانتصاف» راجع إلى قوله تعالى: { وما هم بسكرى }
~~وزعم أبو حيان أنه استدراك عن مقدر كأنه قيل هذه أي الذهول والوضع ورؤية
~~الناس سكارى أحوال هينة ولكن عذاب الله شديد وليس بهين وهو خلاف الظاهر
~~جدا.

# وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { تري } بضم التاء وكسر الراء أي
~~ترى الزلزلة الخلق جميع الناس سكارى. وقرأ الزعفراني { ترى } بضم التاء
~~وفتح الراء { الناس } بالرفع على إسناد الفعل المجهول إليه، والتأنيث
~~على تأويل الجماعة. وقرأ أبو هريرة. وأبو زرعة وابن جرير وأبو نهيك كذلك
~~إلا أنهم نصبوا { الناس } وترى على هذا متعد إلى ثلاثة مفاعيل كما في
~~«البحر»؛ الأول: الضمير المستتر وهو نائب الفاعل، والثاني: { الناس }
~~والثالث: { سكرى } وقرأ أبو هريرة وأبو نهيك { سكرى } بفتح
~~السين في الموضعين وهو جمع تكسير، واحده سكران، وقال أبو حاتم: هي لغة
~~تميم، وأخرج الطبراني وغيره عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم قرأ { سكرى } كعطشى في الموضعين، وكذلك روى أبو سعيد الخدري وهي
~~قراءة عبد الله وأصحابه وحذيفة وبها قرأ الأخوان وابن سعدان ومسعود بن
~~صالح، وتجمع الصفة على فعلى إذا كانت من الآفات والأمراض كقتلى وموتى
~~وحمقى، ولكون السكر جاريا مجرى ذلك لما فيه من تعطيل القوى والمشاعر جمع
~~هذا الجمع فهو جمع سكران، وقال أبو علي الفارسي: يصح أن يكون جمع سكر
~~كزمنى وزمن، ms06869 وقد حكى سيبويه رجل سكر بمعنى سكران. وقرأ الحسن والأعرج
~~وأبو زرعة وابن جبير والأعمش { سكرى } بضم السين فيهما، قال الزمخشري:
~~وهو غريب، وقال أبو الفتح: هو اسم مفرد كالبشرى / وبهذا أفتاني أبو علي
~~وقد سألته عنه انتهى. وإلى كونه اسما مفردا ذهب أبو الفضل الرازي فقال:
~~فعلى بضم الفاء من صفة الواحدة من الإناث لكنها لما جعلت من صفات الناس
~~وهم جماعة أجريت الجماعة بمنزلة المؤنث الموحد، وعن أبي زرعة { سكرى }
~~بفتح السين { بسكرى } بضمها، وعن ابن جبير { سكرى } بفتح السين من غير
~~ألف { بسكارى } بالضم والألف كما في قراءة الجمهور، والخلاف في فعالى أهو
~~جمع أو اسم جمع مشهور.

### || [22.3]

# { ومن الناس من يجدل فى الله بغير علم } نزلت
~~كما أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله تعالى عنه في النضر بن
~~الحرث وكان جدلا يقول الملائكة عليهم السلام بنات الله سبحانه والقرآن
~~أساطير الأولين ولا يقدر الله تعالى شأنه على إحياء من بلي وصار ترابا،
~~وقيل في أبي جهل، وقيل في أبي بن خلف وهي عامة في كل من تعاطى الجدل
~~فيما يجوز وما لا يجوز على الله سبحانه من الصفات والأفعال ولا يرجع إلى
~~علم ولا برهان ولا نصفة، وخصوص السبب لا يخرجها عن العموم، وكان ذكرها
~~إثر بيان عظم شأن الساعة المنبئة عن البعث لبيان حال بعض المنكرين لها؛
~~ومحل الجار الرفع على الابتداء إما بحمله على المعنى أو بتقدير ما يتعلق
~~به، و { بغير علم } في موضع الحال من ضمير { يجدل } لإيضاح
~~ما تشعر به المجادلة من الجهل أي وبعض الناس أو بعض كائن من الناس من
~~ينازع في شأن الله عز وجل ويقول ما لا خير فيه من الأباطيل ملابسا
~~الجهل.

# { ويتبع } فيما يتعاطاه من المجادلة أو في كل ما يأتي وما يذر من
~~الأمور الباطلة التي من جملتها ذلك { كل شيطن مريد } متجرد
~~للفساد معرى من الخير من قولهم: شجرة مرداء لا ورق لها، ومنه قيل: رملة
~~مرداء إذا لم ms06870 تنبت شيئا، ومنه الأمرد لتجرده عن الشعر، وقال الزجاج: أصل
~~المريد والمارد المرتفع الأملس وفيه معنى التجرد والتعري، والمراد به إما
~~إبليس وجنوده وإما رؤساء الكفرة الذين يدعون من دونهم إلى الكفر. وقرأ
~~زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { ويتبع } خفيفا.

### || [22.4]

# ضمير { عليه } للشيطان وكذا الضمير المنصوب في { تولاه }
~~والضمير في { فإنه } والضميران المستتران في { يضله
~~ويهديه } وضمير { أنه } للشأن وباقي الضمائر لمن. واختلف في
~~إعراب الآية فقيل إن { أنه من تولاه } الخ نائب فاعل { كتب
~~} والجملة في موضع الصفة الثانية لشيطان و { من } جزائية وجزاؤها محذوف
~~و { فأنه يضله } الخ عطف على { أنه } مع ما في حيزها وما
~~يتصل بها أي كتب على الشيطان أن الشأن من تولاه أي اتخذه وليا وتبعه
~~يهلكه فإنه يضله عن طريق الجنة وثوابها ويهديه إلى طريق السعير وعذابها،
~~والفاء لتفصيل الإهلاك كما في قوله تعالى:

# فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم

# [البقرة: 54] وعلى ذلك حمل الطيبي كلام «الكشاف» وهو وجه حسن إلا أن في
~~كونه مراد الزمخشري خفاء، وقيل { من } موصولة مبتدأ وجملة { تولاه
~~} صلته والضمير المستتر عائده و { أنه يضله } في تأويل مصدر خبر
~~مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف والجملة خبر الموصول، ودخول الفاء في
~~خبره على التشبيه بالشرط أي كتب عليه أن الشأن من تولاه فشأنه أو فحق أنه
~~يضله الخ. ويجوز أن تكون (من) شرطية والفاء جوابية وما بعدها مع المقدر
~~جواب الشرط. وقيل ضمير { أنه } للشيطان / وهو اسم (أن) و { من }
~~موصولة أو موصوفة  والأول أظهر  خبرها والضمير المستتر في { تولاه
~~} لبعض الناس والضمير البارز لمن والجملة صلة أو صفة، وقوله تعالى: {
~~فأنه يضله } عطف على { أنه من تولاه } والمعنى ويتبع
~~كل شيطان كتب عليه أنه هو الذي اتخذه بعد الناس وليا وأنه يضل من اتخذه
~~وليا فالأول كأنه توطئة للثاني أي يتبع شيطانا مختصا به مكتوبا عليه
~~أنه وليه وأنه مضله فهو لا يألو جهدا في إضلاله، وهذا المعنى أبلغ من
~~المعنى السابق على احتمال كون ms06871 (من) جزائية لدلالته على أن لكل واحد من
~~المجادلين واحدا من مردة الشياطين، وارتضى هذا في «الكشف» وحمل عليه
~~مراد صاحب «الكشاف».

# وعن بعض الفضلاء أن الضمير في { أنه } للمجادل أي كتب على الشيطان
~~أن المجادل من تولاه وقوله تعالى: { فأنه } الخ عطف على { أنه
~~من تولاه } واعترض بأن اتصاف الشيطان بتولي المجادل إياه مقتضى
~~المقام لا العكس وأنه لو جعلت (من) في { من تولاه } موصولة كما هو
~~الظاهر لزم أن لا يتولاه غير المجادل وهذا الحصر يفوت المبالغة.

# وفي «البحر» الظاهر أن الضمير في { عليه } عائد على (من) لأنه
~~المحدث عنه، وفي { أنه } و { تولاه } وفي { فأنه } عائد
~~عليه أيضا والفاعل بتولي ضمير (من) وكذا الهاء في (يضله)، ويجوز أن يكون
~~الهاء في (أنه) على هذا الوجه ضمير الشأن، والمعنى أن هذا المجادل لكثرة
~~جداله بالباطل واتباعه الشيطان صار إماما في الضلال لمن يتولاه فشأنه أن
~~يضل من يتولاه انتهى، وعليه تكون جملة { كتب } الخ مستأنفة لا صفة
~~لشيطان، والأظهر جعل ضمير { عليه } عائدا على الشيطان وهو المروي عن
~~قتادة، وأيا ما كان فكتب بمعنى مضى وقدر ويجوز أن يكون على ظاهره، وفي
~~«الكشاف» أن الكتبة عليه مثل أي كأنما كتب عليه ذلك لظهوره في حاله، ولا
~~يخفى ما في { يهديه } من الاستعارة المثيلية التهكمية.

# وقرىء { كتب } مبنيا للفاعل أي كتب الله. وقرىء { فإنه } بكسر
~~الهمزة فالجملة خبر (من) أو جواب لها، وقرأ الأعمش والجعفي عن أبي عمرو
~~{ إنه }  { فإنه } بكسر الهمزة فيهما ووجهه الكسر في الثانية
~~ظاهر، وأما وجهه في الأولى فهو كما استظهر أبو حيان إسناد { كتب } إلى
~~الجملة إسنادا لفظيا أي كتب عليه هذا الكلام كما تقول كتبت إن الله
~~تعالى يأمر بالعدل والإحسان أو تقدير قول وجعل الجملة معمولة له أو تضمين
~~الفعل معنى ذلك أي كتب عليه مقولا في شأنه أنه من تولاه.

### || [22.5]

# { يأيها الناس إن كنتم فى ريب من البعث } الخ
~~إقامة للحجة التي تلقم المجادلين في البعث حجرا، إثر الإشارة إلى ms06872 ما يؤل
~~إليه أمرهم، واستظهر أن المراد بالناس هنا الكفرة المجادلون المنكرون
~~للبعث، والتعبير عن اعتقادهم في حقه بالريب أي الشك مع أنهم جازمون بعدم
~~إمكانه إما للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره عنهم وإن كانوا في غاية ما
~~يكون من المكابرة والعناد هو الارتياب في شأنه، وإما الجزم بعدم الإمكان
~~فخارج من دائرة الاحتمال كما أن تنكيره وتصديره بكلمة الشك للإشعار بأن
~~حقه أن يكون ضعيفا مشكوك الوقوع، وإما للتنبيه على أن جرمهم ذلك بمنزلة
~~الريب الضعيف لكمال وضوح دلائل الإمكان ونهاية قوتها. وإنما لم يقل وإن
~~ارتبتم في البعث للمبالغة في تنزيه أمره عن شائبة وقوع الريب والإشعار
~~بأن ذلك إن وقع فمن جهتهم لا من جهته، واعتبار استقرارهم فيه وإحاطته بهم
~~لا ينافي اعتبار ضعفه وقلته لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوام ملابستهم به لا
~~قوته وكثرته.

# و(من) ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع صفة للريب، واستظهر أن المراد في ريب
~~من إمكان البعث لأنه الذي يقتضيه ما بعد، وجوز أن يكون المراد من وقوع
~~البعث، واعترض بأن الدليل المشار إليه فيما بعد إنما يدل على الإمكان مع
~~ما يلزم من التكرار مع قوله تعالى الآتي:

# أن الله يبعث من فى القبور

# [الحج: 7] وفيه / تأمل فتأمل، وقرأ الحسن { من البعث } بفتح العين
~~وهي لغة فيه كالجلب والطرد في الجلب والطرد عند البصريين، وعند الكوفيين
~~إسكان العين تخفيف وهو قياسي في كل ما وسطه حرف حلق كالنهر والنهر والشعر
~~والشعر.

# وقوله تعالى: { فإنا خلقنكم من تراب } دليل جواب الشرط
~~أو هو الجواب بتأويل أي وإن كنتم في ريب من البعث فانظروا إلى مبدأ خلقكم
~~ليزول ريبكم فإنا خلقناكم الخ، وقيل: التقدير فأخبركم وأعلمكم أنا
~~خلقناكم الخ وليس بذاك، وخلقهم من تراب في ضمن خلق آدم عليه السلام منه
~~أو بخلق الأغذية التي يتكون منها المني منه وهي وإن تكونت من سائر
~~العناصر معه إلا أنه أعظم الأجزاء على ما قيل فلذلك خصه بالذكر من بينها،
~~واختير الأول وجعل المعنى ms06873 خلقناكم خلقا إجماليا من تراب { ثم }
~~خلقناكم خلقا تفصيليا { من نطفة } أي مني من النطف بمعنى
~~التقاطر، وقال الراغب: النطفة الماء الصافي ويعبر بها عن ماء الرجل، قيل
~~والتخصيص على هذا مع أن الخلق من ماءين لأن معظم أجزاء الإنسان مخلوق من
~~ماء الرجل، والحق أن النطفة كما يعبر بها عن مني الرجل يعبر بها عن المني
~~مطلقا وكلام الراغب ليس نصا في نفي ذلك، والظاهر أن المراد النطفة التي
~~يخلق منها كل واحد بلا واسطة، وقيل: المراد نطفة آدم عليه السلام وحكي
~~ذلك عن النقاش وهو من البعد في غايته.

# { ثم من علقة } أي قطعة من الدم جامدة متكونة من المني { ثم
~~من مضغة } أي قطعة من اللحم متكونة من العلقة وأصلها قطعة لحم بقدر
~~ما يمضغ { مخلقة } بالجر صفة { مضغة } وكذا قوله تعالى: {
~~وغير مخلقة }. وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب فيهما على الحال من
~~النكرة المتقدمة وهو قليل وقاسه سيبويه، والمشهور المتبادر أن المخلقة
~~المستبينة الخلق أي مضغة مستبينة الخلق مصورة ومضغة لم يستبن خلقها
~~وصورتها بعد، والمراد تفصيل حال المضغة وكونها أولا قطعة لم يظهر فيها
~~شيء من الأعضاء ثم ظهرت بعد ذلك شيئا فشيئا وكان مقتضى الترتيب المبني
~~على التدرج من المبادي البعيدة إلى القريبة أن يقدم غير المخلقة، وإنما
~~أخرت لكونها عدم ملكة، وصيغة التفعيل لكثرة الأعضاء المختص كل منها بخلق
~~وصورة، وقيل: المخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب يقال خلق السواك
~~والعود سواه وملسه وصخرة خلقاء أي ملساء وجبل أخلق أي أملس؛ فالمعنى من
~~نطفة مسواة لا نقص فيها ولا عيب في ابتداء خلقها ونطفة غير مسواة فيها
~~عيب فالنطف التي يخلق منها الإنسان متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس
~~من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في
~~خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم، وعن مجاهد وقتادة والشعبي
~~وأبي العالية وعكرمة أن المخلقة التي تم لها مدة الحمل وتوارد عليها خلق
~~بعد خلق وغير المخلقة التي لم ms06874 يتم لها ذلك وسقطت، واستدل له بما أخرجه
~~الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود
~~قال: النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك الأرحام بكفه فقال: يا رب
~~مخلقة أم غير مخلقة؟ فإن قيل: غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفها الرحم دما
~~وإن قيل: مخلقة قال: يا رب ذكر أم أنثى شقي أم سعيد ما الأجل وما الأثر
~~وما الرزق وبأي أرض تموت؟ الخبر وهو في حكم المرفوع، والمراد أنهم خلقوا
~~من جنس هذه النطفة الموصوفة بالتامة والساقطة لا أنهم خلقوا من نطفة تامة
~~ومن نطفة ساقطة إذ لا يتصور الخلق من النطفة الساقطة وهو ظاهر، وكان
~~التعرض على هذا لوصفها بما ذكر لتعظيم شأن القدرة وفي جعل كل واحدة من
~~هذه المراتب مبدأ لخلقهم لا لخلق ما بعدها / من المراتب كما في قوله
~~تعالى

# ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة

# [المؤمنون: 14] الآية مزيد دلالة على عظم قدرته تعالى:

# { لنبين لكم } متعلق بخلقنا، وترك المفعول لتفخيمه كما وكيفا
~~أي خلقناكم على هذا النمط البديع لنبين لكم ما لا تحصره العبارة من
~~الحقائق والدقائق التي من جملتها أمر البعث فإن من تأمل فيما ذكر من
~~الخلق التدريجي جزم بأن من قدر على خلق البشر أولا من تراب لم يذق ماء
~~الحياة قط وإنشائه على وجه مصحح لتوليد مثله مرة بعد أخرى بتصريفه في
~~أطوار الخلقة وتحويله من حال إلى حال مع ما بين تلك الأطوار والأحوال من
~~المخالفة والتباين فهو قادر على إعادته بل هي أهون في القياس، وقدر بعضهم
~~المفعول خاصا أي لنبين لكم أمر البعث وليس بذاك.

# وأبعد جدا من زعم أن المعنى لنبين لكم أن التخليق اختيار من الفاعل
~~المختار ولولا ذلك ما صار بعض أفراد المضغة غير مخلق، وقرأ ابن أبي عبلة
~~{ ليبين } بالياء على طريق الالتفات وكذا قرأ قوله تعالى:

# { ونقر فى الارحام ما نشاء } وقرأ الجمهور بالنون، والجملة
~~استئناف مسوق لبيان حالهم بعد تمام خلقهم وتوارد الأطوار عليهم ms06875 أي ونقر
~~في الأرحام بعد ذلك ما نشاء أن نقره فيها { إلى أجل مسمى } هو
~~وقت الوضع وأدناه ستة أشهر وأقصاه عندنا سنتان وعند الشافعي عليه الرحمة
~~أربع سنين، وعن يعقوب أنه قرأ { ونقر } بفتح النون وضم القاف من قررت
~~الماء إذا صببته، وقرأ يحيى بن وثاب (ما نشاء) بكسر النون.

# { ثم نخرجكم } أي من الأرحام بعد إقراركم فيها عند تمام الأجل
~~المسمى { طفلا } حال من ضمير المخاطبين، والإفراد إما باعتبار كل واحد
~~منهم أو بإرادة الجنس الصادق على الكثير أو لأنه مصدر فيستوي فيه الواحد
~~وغيره كما قال المبرد أو لأن المراد طفلا طفلا فاختصر كما نقله الجلال
~~السيوطي في «الأشباه النحوية». وقرأ عمر بن شبة (يخرجكم) بالياء { ثم
~~لتبلغوا أشدكم } أي كمالكم في القوة والعقل والتمييز، وفي
~~«القاموس» ((حتى يبلغ أشده ويضم أوله أي قوته وهو ما بين ثماني عشرة سنة
~~إلى ثلاثين واحد جاء على بناء الجمع كآنك ولا نظير لهما أو جمع لا
~~واحد له من لفظه أو واحده شدة بالكسر مع أن فعلة لا تجمع على أفعل - أي
~~قياسا فلا يرد نعمة وأنعم - أو شد ككلب وأكلب أو شد كذئب وأذؤب وما هما
~~بمسموعين بل قياس)) و { لتبلغوا } ، قال العلامة أبو السعود: علة
~~لنخرجكم معطوف على علة أخرى مناسبة لها كأنه قيل ثم نخرجكم لتكبروا شيئا
~~فشيئا ثم لتبلغوا الخ، وقيل علة لمحذوف والتقدير ثم نمهلكم لتبلغوا الخ.

# وجوز العلامة الطيبي أن يكون التقدير ثم لتبلغوا أشدكم كان ذلك الإقرار
~~والإخراج؛ وقيل إنه عطف على (نبين)، وتعقبه العلامة بأنه مخل بجزالة
~~النظم الكريم وجعله كغيره عطفا عليه على قراءة { نقر } و(نخرج)
~~بالنصب وهي قراءة المفضل وأبي حاتم إلا أن الأول قرأ بالنون والثاني قرأ
~~بالياء، وكذا جعل الفعلين عطفا عليه وقال: المعنى خلقناكم على التدريج
~~المذكور لأمرين، أحدهما: أن نبين شؤوننا، والثاني: أن نقركم في الأرحام
~~ثم نخرجكم صغارا ثم لتبلغوا أشدكم، وتقديم التبيين على ما بعده مع أن
~~حصوله بالفعل بعد الكل للإيذان بأنه ms06876 غاية الغايات ومقصود بالذات، وإعادة
~~اللام في { لتبلغوا } مع تجريد (نقر) و { نخرج } عنها
~~للإشعار بأصالة البلوغ بالنسبة إلى الإقرار والإخراج إذ عليه يدور
~~التكليف المؤدي إلى السعادة والشقاوة، وإيثار البلوغ مسندا إلى
~~المخاطبين على التبليغ مسندا إليه تعالى كالأفعال السابقة لأنه المناسب
~~لبيان حال اتصافهم بالكمال واستقلالهم / بمبدئية الآثار والأفعال اه.

# وما ذكره من عطف { نقر } و { نخرج } بالنصب على { نبين } لم يرتضه
~~الشيخ ابن الحاجب، قال في «شرح المفصل»: إنه مما يتعذر فيه النصب إذ لو
~~نصب عطفا على { نبين } ضعف المعنى إذ اللام في { لنبين }
~~للتعليل لما تقدم والمقدم سبب للتبيين فلو عطف { ونقر } عليه لكان
~~داخلا في مسببية { إنا خلقنكم } الخ وخلقهم من تراب ثم ما
~~تلاه لا يصلح سببا للإقرار في الأرحام، وقال الزجاج: لا يجوز في {
~~ونقر } إلا الرفع ولا يجوز أن يكون معناه فعلنا ذلك لنقر في الأرحام
~~لأن الله تعالى لم يخلق الأنام ليقرهم في الأرحام وإنما خلقهم ليدلهم على
~~رشدهم وصلاحهم وهو قول بعدم جواز عطفه على { نبين }.

# وأجيب بأن الغرض في الحقيقة هو بلوغ الأشد والصلوح للتكليف لكن لما كان
~~الإقرار وما تلاه من مقدماته صح إدخاله في التعليل، وما ذكره من أن العطف
~~على { نبين } على قراءة الرفع مخل بجزالة النظم الكريم فالظاهر أنه
~~تعريض بالزمخشري حيث جعل العطف على ذلك، وقال فإن قلت: كيف يصح عطف {
~~لتبلغوا أشدكم } على { لنبين } ولا طباق قلت: الطباق
~~حاصل لأن قوله تعالى: { ونقر } قرين للتعليل ومقارنته له والتباسه
~~به ينزلانه منزلة نفسه فهو راجع من هذه الجهة إلى متانة القراءة بالنصب
~~اه. وفيه ما يومىء إلى أن قراءة النصب أوضح كما أنها أمتن، ولم يرتض ذلك
~~المحققون ففي «الكشف» أن القراءة بالرفع هي المشهورة الثابتة في السبع
~~وهي الأولى وقد أصيب بتركيبها هكذا شاكلة الرمي حتى لم يجعل الإقرار في
~~الأرحام علة بل جعل الغرض منه بلوغ الأشد وهو حال الاستكمال علما وعملا
~~وحيث لم يعطف على { لنبين } إلا بعد أن قدم ms06877 عليه { ونقر } ثم
~~نخرج مجعولا { نقر } عطفا على { إنا خلقنكم } والعدول إلى
~~المضارع لتصوير الحال والدلالة على زيادة الاختصاص فالطباق حاصل لفظا
~~ومعنى مع أن في الفصل بين العلتين من النكتة ما لا يخفى على ذي لب حسن
~~موقعها بعد التأمل، وكذلك في الإتيان بثم في قوله سبحانه: { ثم
~~لتبلغوا } دلالة على أنه الغرض الأصيل الذي خلق الإنسان له

# وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

# [الذاريات: 56] ولما كانت الأوائل في الدلالة على البعث أظهر قدم قوله
~~تعالى: { لنبين } على الإقرار والإخراج اه.

# ويعلم منه ما في قول العلامة: إن عطف { لتبلغوا } الخ على {
~~لنبين } مخل بجزالة النظم الكريم وأنه لا يتعين الاستئناف في {
~~ونقر } وفيه أيضا أن قوله تعالى: { ومنكم من يتوفى }
~~الخ استئناف لبيان أقسام الإخراج من الرحم كما استوفى أقسام الأول وفيه
~~تبيين تفضيل حال بلوغ الأشد وأنها الحقيق بأن تكون مقصودة من الإنشاء لكن
~~منهم من لا يصل إليها فيحتضر ومنهم من يجاوزها فيحتقر أي منكم من يموت
~~قبل بلوغ الأشد { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } أي
~~أرداه وأدناه، والمراد يرد إلى مثل زمن الطفولية { لكيلا يعلم
~~من بعد علم } أي علم كثير { شيئا } أي شيئا من الأشياء أو
~~شيئا من العلم، واللام متعلقة بيرد وهي لام العاقبة والمراد المبالغة في
~~انتقاص علمه وانتكاس حاله وليس لزمان ذلك الرد حد محدود بل هو مختلف
~~باختلاف الأمزجة على ما في «البحر» وإيراد الرد والتوفي على صيغة المبني
~~للمفعول للجري على سنن الكبرياء لتعين الفاعل كما في «إرشاد العقل
~~السليم»، وفي «شرح الكشاف» للطيبي بعد تجويز أن يكون { ثم
~~لتبلغوا } بتقدير: ثم لتبلغوا كان ذلك الإقرار والإخراج أن فائدة
~~ذلك الإيذان بأن بلوغ الأشد أفضل الأحوال والإخراج أبدعها والرد إلى أرذل
~~العمر / أسوؤها وتغيير العبارة لذلك ومن ثم نسب الإخراج إلى ذاته تعالى
~~المقدسة وحذف المعلل في الثاني ولم ينسب الثالث إلى فاعله وسلب فيه ما
~~أثبت للإنسان في تلك الحالة من اتصافه بالعلم والقدرة المومىء إليه
~~بالأشد ms06878 كأنه قيل ثم يخرجكم من تلك الأطوار الخسيسة طفلا إنشاء غريبا
~~كما قال سبحانه:

# فتبارك الله أحسن الخلقين

# [المؤمنون: 14] ثم لتبلغوا أشدكم دبر ذلك التدبير العجيب لأنه أوان رسوخ
~~العلم والمعرفة والتمكن من العمل المقصودين من الإنشاء ثم يميتكم أو
~~يردكم إلى أرذل العمر الذي يسلب فيه العلم والقدرة على العمل اه. ويفهم
~~منه جواز أن يكون المراد ومنكم من يتوفى بعد بلوغ الأشد، ومن الناس من
~~جوز أن يكون المراد ومنكم من يتوفى عند البلوغ، وقيل: إن ذلك بجعل الجملة
~~حالية و(من) صيغة المضارع وهو كما ترى. وقرىء { يتوفى } على صيغة
~~المعلوم وفاعله ضمير الله تعالى أي من يتوفاه الله تعالى، وجوز أن يكون
~~ضمير (من) أي من يستوفي مدة عمره، وروي عن أبي عمرو ونافع تسكين ميم
~~العمر. هذا ثم لا يخفى ما في اختلاف أحوال الإنسان بعد الإخراج من الرحم
~~من التنبيه على صحة البعث كما في اختلافها قبل فتأمل جميع ما ذكر ولله
~~تعالى در التنزيل ما أكثر احتمالاته.

# { وترى الأرض هامدة } حجة أخرى على صحة البعث معطوفة على {
~~إنا خلقنكم } وهي حجة آفاقية وما تقدم حجة أنفسية والخطاب لكل
~~أحد من تتأتى منه الرؤية، وقيل: للمجادل، وصيغة المضارع للدلالة على
~~التجدد والاستمرار وهي بصرية لا علمية كما قيل، و { هامدة } حال من {
~~الارض } أي ميتة يابسة يقال همدت الأرض إذا يبست ودرست وهمد الثوب إذا
~~بلي؛ وقال الأعشى:

# قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا

# وأرى ثيابك باليات همدا

# وأصله من همدت النار إذا صارت رمادا { فإذا أنزلنا عليها
~~الماء } أي ماء المطر، وقيل: ما يعمه وماء العيون والأنهار وظاهر
~~الإنزال يقتضي الأول { اهتزت } تحرك نباتها فالإسناد مجازي أو
~~تخلخلت وانفصل بعض أجزائها عن بعض لأجل خروج النبات وحمل الاهتزاز على
~~الحركة في الكيف بعيد { وربت } ازدادت وانتفخت لما يتداخلها من الماء
~~والنبات.

# وقرأ أبو جعفر وعبد الله بن جعفر وخالد بن إلياس وأبو عمرو في رواية {
~~وربأت } بالهمز أي ارتفعت يقال فلان يربأ بنفسه عن كذا ms06879 أي يرتفع بها عنه،
~~وقال ابن عطية: هو من ربأت القوم إذا علوت شرفا من الأرض طليعة عليهم
~~فكأن الأرض بالماء تتطاول وتعلو { وربت وأنبتت من كل زوج
~~} أي صنف { بهيج } حسن سار للناظر.

### || [22.6]

# { ذلك بأن الله هو الحق } كلام مستأنف جيء به إثر تحقيق
~~حقية البعث وإقامة البرهان عليه على أتم وجه لبيان أن ما ذكر من خلق
~~الإنسان على أطوار مختلفة وتصريفه في أحوال متباينة وإحياء الأرض بعد
~~موتها الكاشف عن حقية ذلك من آثار ألوهيته تعالى وأحكام شؤونه الذاتية
~~والوصفية والفعلية وأن ما ينكرونه من إتيان الساعة والبعث من أسباب تلك
~~الآثار العجيبة المعلومة لهم ومبادي صدورها عنه تعالى، وفيه من الإيذان
~~بقوة الدليل وأصالة المدلول في التحقق وإظهار بطلان إنكاره ما لا يخفى
~~فإن إنكار تحقق السبب مع الجزم بتحقق المسبب مما يقضي ببطلانه بديهة
~~العقول فذلك إشارة إلى خلق الإنسان على أطوار مختلفة وما معه الإفراد
~~باعتبار المذكور وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلته في الكمال
~~وهو / مبتدأ خبره الجار والمجرور، والمراد بالحق هو الثابت الذي يحق
~~ثبوته لا محالة لكونه لذاته لا الثابت مطلقا فوجه الحصر ظاهر أي ما ذكر
~~من الصنع البديع حاصل بسبب أنه تعالى هو الحق وحده في ذاته وصفاته
~~وأفعاله المحقق لما سواه من الأشياء.

# { وأنه يحيي الموتى } أي شأنه وعادته تعالى شأنه إحياء
~~الموتى، وحاصله أنه تعالى قادر على إحيائها بدءا وإعادة وإلا لما أحيا
~~النطفة والأرض الميتة مرة بعد مرة وما تفيده صيغة المضارع من التجدد إنما
~~هو باعتبار تعلق القدرة ومتعلقها لا باعتبار نفسها لأن القدم الشخصي
~~ينافي ذلك. { وأنه على كل شىء قدير } أي مبالغ في القدرة
~~وإلا لما أوجد هذه الموجودات الفائتة للحصر التي من جملتها ما ذكر،
~~وتخصيص إحياء الموتى بالذكر مع كونه من جملة الأشياء المقدور عليها
~~للتصريح بما فيه النزاع والدفع في نحو المنكرين، وتقديمه لإبراز الاعتناء
~~به.

### || [22.7]

# { وأن الساعة ءاتية } أي فيما سيأتي، والتعبير بذلك دون
~~الفعل ms06880 للدلالة على تحقق إتيانها وتقرره البتة لاقتضاء الحكمة إياه لا
~~محالة، وقوله تعالى: { لا ريب فيها } إما خبر ثان لأن أو حال من
~~ضمير { الساعة } في الخبر، ومعنى نفي الريب عنها أنها في ظهور أمرها
~~ووضوح دلائلها بحيث ليس فيها مظنة أن يرتاب في إتيانها. و(أن) وما بعدها
~~في تأويل مصدر عطف على المصدر المجرور بباء السببية داخل معه في حيزها
~~كالمصدرين الحاصلين من قوله تعالى:

# وأنه يحيى الموتى

# [الحج: 6] وقوله سبحانه:

# وأنه على كل شىء قدير

# [الحج: 6] وكذا قوله عز وجل: { وأن الله يبعث من فى
~~القبور } لكن لا من حيث إن إتيان الساعة وبعث من في القبور مؤثران
~~فيما ذكر من أفاعيله تعالى تأثير القدرة فيها بل من حيث أن كلا منهما
~~بسبب داع له عز وجل بموجب رأفته بالعباد المبنية على الحكم البالغة إلى
~~ما ذكر من خلقهم ومن إحياء الأرض الميتة على نمط بديع صالح للاستشهاد به
~~على إمكانهما ليتأملوا في ذلك ويستدلوا به عليه أو على وقوعهما ويصدقوا
~~بذلك لينالوا السعادة الأبدية ولولا ذلك لما فعل بل لما خلق العالم
~~رأسا، وهذا كما ترى من أحكام حقيته تعالى في أفعاله وابتنائها على الحكم
~~الباهرة كما أن ما قبله من أحكام حقيته تعالى في صفاته وكونها في غاية
~~الكمال، هذا ما اختاره العلامة أبو السعود في تفسير (ذلك) وهو مما يميل
~~إليه الطبع السليم.

# وجعل صاحب «الكشاف» الإشارة إلى ما ذكر أيضا إلا أنه بحسب الظاهر جعل
~~إتيان الساعة وبعث من في القبور حيث إن ذلك من روادف الحكمة كناية عنها
~~فكأن الأصل ذلك حاصل بسبب أن الله تعالى هو الحق الثابت الموجود وأنه
~~قادر على إحياء الموتى وعلى كل مقدور وأنه حكيم فاكتفى بمقتضى الحكمة عن
~~الوصف بالحكمة لما في الكناية من النكتة خصوصا والكلام مع منكري البعث
~~للدفع في نحورهم. ولا يخلو عن بعد، ونقل النيسابوري عبارة «الكشاف»
~~واعترضها بما لا يخفى رده وأبدى وجها في الآية ذكر أنه مما لم يخطر
~~لغيره ورجا ms06881 أن يكون صوابا وهو مع اقتضائه حمل الباء على ما يعم السببية
~~الفاعلية والسببية الغائية مما لا يخفى ما فيه.

# وقيل: (ذلك) إشارة إلى ما ذكر إلا أن قوله تعالى: { وأن الساعة
~~ءاتية } الخ ليس معطوفا على المجرور بالباء ولا داخلا في حيز
~~السببية بل هو خبر والمبتدأ محذوف لفهم المعنى والتقدير والأمر أن الساعة
~~آتية الخ، وعليه اقتصر أبو حيان وفيه قطع للكلام عن الانتظام، وقيل:
~~(ذلك) إشارة إلى ماذكر إلا أن الباء صلة لكون خاص وليست سببية أي مشعر
~~بأن الله هو الحق الخ، وفيه أنه لا قرينة على هذا الكون الخاص / وقيل:
~~المعنى ذلك ليعلموا أن الله هو الحق الخ، وفيه تلويح ما إلى معنى الحديث
~~القدسي المشهور على الألسنة وفي «كتب الصوفية» وإن لم يثبت عند المحدثين
~~وهو «كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف» وهو كما ترى،
~~وقيل: الإشارة إلى البعث المستدل عليه بما سبق واستظهره بعضهم، ولا يخفى
~~عليك ما يحتاج إليه من التكلف، ونقل في «البحر» أن (ذلك) منصوب بفعل مضمر
~~أي فعلنا ذلك بأن الخ.

# وأبو علي اقتصر على القول بأنه مرفوع على الابتداء والجار والمجرور
~~خبره؛ وقال: لا يجوز غير ذلك وكأنه عنى بالغير ما ذكر، وما نقله العكبري
~~من أنه خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر ذلك والحق الجواز إلا أنه خلاف الظاهر
~~جدا.

# ثم إن المراد من الساعة قيل يوم القيامة المشتمل على النشر والحشر
~~وغيرهما، وقال سعدي جلبي: المراد بها هنا فناء العالم بالكلية لئلا
~~تتكرر مع البعث، وقول الطيبي: إن سبيل قوله تعالى: { وأن الساعة
~~ءاتية } من قوله سبحانه: { أن الله يبعث من فى القبور
~~} سبيل قوله جل وعلا

# وأنه على كل شىء قدير

# [الحج: 6] من قوله عز وجل:

# وأنه يحيى الموتى

# [الحج: 6] لكن قدم وأخر لرعاية الفواصل ظاهر في الأول.

# هذا وفي «الإتقان» للجلال السيوطي أن الإسلاميين من أهل المنطق ذكروا أن
~~في أول سورة الحج إلى قوله تعالى: { وأن الله يبعث من فى
~~القبور ms06882 } خمس نتائج تستنتج من عشر مقدمات ثم بين ذلك بما يقضي منه
~~العجب ويدل على قصور باعه في ذلك العلم، وقد يقال في بيان ذلك: إن
~~النتائج الخمس هي الجمل المتعاطفة الداخلة في حيز الباء، واستنتاج الأولى
~~بأنه لو لم يكن الله سبحانه هو الحق أي الواجب الوجود لذاته لما شوهد بعض
~~الممكنات من الإنسان والنبات وغيرها والتالي باطل ضرورة فالله تعالى هو
~~الحق، ودليل الملازمة برهان التمانع، واستنتاج الثانية بأنه لو لم يكن
~~سبحانه قادرا على إحياء الموتى لما طور الإنسان في أطوار مختلفة حتى
~~جعله حيا وأنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها والتالي باطل
~~ضرورة أن الخصم لا ينكر أنه تعالى أحيا الإنسان وأحيا الأرض فالله تعالى
~~قادر على إحياء الموتى ووجه الملازمة ظاهر.

# واستنتاج الثالثة بأنه إذا كان الله تعالى قادرا على إحياء الموتى فهو
~~سبحانه على كل شيء قدير لكنه تعالى قادر على إحياء الموتى فهو على كل شيء
~~قدير، ووجه الملازمة أن المراد من الشيء الممكن وإحياء الموتى ممكن
~~والقدرة على بعض الممكنات دون بعض تنافي وجوب وجوده تعالى الذاتي؛ وأيضا
~~إحياء الموتى أصعب الأمور عند الخصم المجادل حتى زعم أنه من الممتنعات
~~فإذا ثبت أنه سبحانه قادر عليه بما سبق ثبت أنه تعالى قادر على سائر
~~الممكنات بالطريق الأولى.

# واستنتاج الرابعة بأن الساعة أمر ممكن وعد الصادق بإتيانه وكل أمر ممكن
~~وعد الصادق بإتيانه فهو آت فالساعة آتية أما أن الساعة أمر ممكن فلأنه لا
~~يلزم من فرض وقوعها محال وأما أنها وعد الصادق بإتيانها فللآيات القرآنية
~~المتحدى بها وأما أن كل أمر ممكن وعد الصادق بإتيانه فهو آت فلاستحالة
~~الكذب.

# واستنتاج الخامسة بنحو ذلك ولا يتعين استنتاج كل بما ذكر بل يمكن بغير
~~ذلك واختياره لتسارعه إلى الذهن، وربما يقتصر على ثلاث من هذه الخمس بناء
~~على ما علمت بين قوله تعالى:

# وأنه يحيى الموتى

# [الحج: 6] وقوله تعالى:

# وأنه على كل شىء قدير

# [الحج:6] وكذا بين قوله سبحانه: { وأن الساعة ms06883 ءاتية } وقوله
~~سبحانه: { وأن الله يبعث من فى القبور } ويعد من الخمس
~~قوله تعالى:

# إن زلزلة الساعة شىء عظيم

# [الحج: 1] واستنتاجها بأن يقال: زلزلة الساعة تذهل كل مرضعة عما أرضعت
~~وكل ما هذا شأنه فهو شيء عظيم فزلزلة الساعة شيء عظيم، والتقوى واجبة
~~عليكم المدلول عليه بقوله تعالى:

# اتقوا ربكم

# [الحج: 1] واستنتاجه بأن يقال: التقوى يندفع بها ضرر الساعة وكل ما
~~يندفع به الضرر عليكم فالتقوى واجبة عليكم، ولا يخفى أن ما ذكر / أولا
~~أولى إلا أنه لو كان مرادهم لكان الظاهر أن يقولوا: إن في قوله تعالى:

# ذلك بأن الله هو الحق

# [الحج: 6] إلى قوله سبحانه: { وأن الله يبعث من فى
~~القبور } [الحج: 7] خمس نتائج دون أن يقولوا: إن في أول سورة الحج
~~إلى آخره ويناسب هذا القول ما ذكر ثانيا إلا أنه يرد عليه أن المتبادر
~~من كلامهم كون كل من النتائج مذكورا صريحا، ولا شك أن التقوى واجبة
~~عليكم ليس مذكورا كذلك وإنما المذكور ما يدل عليه في الجملة وهو أيضا
~~ليس بقضية كما لا يخفى، وقد تكلف بعض الناس لبيان ذلك غير ما ذكرنا رأينا
~~ترك ذكره أولى فتأمل.

### || [22.8]

# { ومن الناس من يجدل فى الله بغير علم } نزلت
~~على ما روي عن محمد بن كعب في الأخنس بن شريق؛ وعلى ما روي عن ابن عباس
~~في أبي جهل، وعلى ما ذهب إليه جمع في النضر كالآية السابقة فإذا اتحد
~~المجادل في الآيتين فالتكرار مبالغة في الذم أو لكون كل من الآيتين
~~مشتملة على زيادة ليست في الأخرى، وقال ابن عطية: كررت الآية على جهة
~~التوبيخ فكأنه قيل هذه الأمثال في غاية الوضوح والبيان ومن الناس مع ذلك
~~من يجادل إلى آخره فالواو هنا واو الحال وفي الآية المتقدمة واو العطف
~~عطفت جملة الكلام على ما قبلها على معنى الإخبار لا للتوبيخ انتهى، وهو
~~كما ترى. وفي «الكشف» أن الأظهر في النظم والأوفق للمقام كون هذه الآية
~~في المقلدين بفتح اللام وتلك في المقلدين بكسر اللام ms06884 فالواو للعطف على
~~الآية الأولى، والمراد بالعلم العلم الضروري كما أن المراد بالهدى في
~~قوله تعالى: { ولا هدى } الاستدلال والنظر الصحيح الهادي إلى المعرفة
~~{ ولا كتب منير } وحي مظهر للحق أي يجادل في شأنه تعالى شأنه
~~من غير تمسك بمقدمة ضرورية ولا بحجة ولا ببرهان سمعي.

### || [22.9]

# { ثانى عطفه } حال من ضمير

# يجدل

# [الحج: 8] كالجار والمجرور السابق أي لاويا لجانبه وهو كناية عن عدم
~~قبوله، وهو مراد ابن عباس بقوله متكبرا والضحاك بقوله شامخا بأنفه وابن
~~جريج بقوله معرضا عن الحق. وقرأ الحسن { عطفه } بفتح العين أي مانعا
~~لتعطفه وترحمه { ليضل عن سبيل الله } متعلق بيجادل علة له
~~فإن غرضه من الجدال الإضلال عن سبيله تعالى وإن لم يعترف بأنه إضلال،
~~وجوز أبو البقاء تعلقه بثاني وليس بذاك، والمراد بالإضلال إما الإخراج من
~~الهدى إلى الضلال فالمفعول من يجادله من المؤمنين أو الناس جميعا بتغليب
~~المؤمنين على غيرهم وإما التثبيت على الضلال أو الزيادة عليه مجازا
~~فالمفعول هم الكفرة خاصة. وقرأ مجاهد وأهل مكة وأبو عمرو في رواية { ليضل
~~} بفتح الياء أي ليضل في نفسه؛ والتعبير بصيغة المضارع مع أنه لم يكن
~~مهتديا لجعل تمكنه من الهدى كالهدى لكونه هدى بالقوة، ويجوز أن يراد
~~ليستمر على الضلال أو ليزيد ضلاله، وقيل: إن ذلك لجعل ضلاله الأول
~~كلاضلال، وأياما كان فاللام للعاقبة.

# { له فى الدنيا خزى } جملة مستأنفة لبيان نتيجة ما سلكه من
~~الطريق، وجوز أبو البقاء أن تكون حالا مقدرة أو مقارنة على معنى استحقاق
~~ذلك والأول أظهر أي ثابت له في الدنيا بسبب ما فعله ذل وهوان، والمراد به
~~عند القائلين بأن هذا المجادل النضر أو أبو جهل ما أصابه يوم بدر، ومن
~~عمم  وهو الأولى  حمله على ذم المؤمنين إياه وإفحامهم له عند البحث
~~وعدم إدلائه بحجة أصلا أو على هذا مع ما يناله من النكال كالقتل لكن
~~بالنسبة إلى بعض الأفراد.

# { ونذيقه يوم القيمة عذاب الحريق } أي النار
~~البالغة في الإحراق، والإضافة على ما قيل من إضافة ms06885 المسبب إلى السبب،
~~وفسر الحريق أيضا بطبقة من طباق جهنم، وجوز أن تكون الإضافة من إضافة
~~الموصوف إلى / الصفة والمراد العذاب الحريق أي المحرق جدا، وقرأ زيد بن
~~علي رضي الله تعالى عنه { وأذيقه } بهمزة المتكلم.

### || [22.10]

# { ذلك } أي ما ذكر من ثبوت الخزي له في الدنيا وإذاقة عذاب الحريق في
~~الأخرى، وما فيه من معنى البعد للإيذان بكونه في الغاية القاصية من الهول
~~والفظاعة، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: { بما قدمت يداك } أي
~~بسبب ما اكتسبته من الكفر والمعاصي، وإسناده إلى يديه لما أن الاكتساب
~~عادة يكون بالأيدي، وجوز أن يكون (ذلك) خبرا لمبتدأ محذوف أي الأمر ذلك
~~وأن يكون مفعولا لفعل محذوف أي فعلنا ذلك الخ وهو خلاف الظاهر، والجملة
~~استئناف لا محل لها من الإعراب، وجوز أن تكون في محل نصب مفعولة لقول
~~محذوف وقع حالا أي قائلين أو مقولا له ذلك الخ، وعلى الأول يكون في
~~الكلام التفات لتأكيد الوعيد وتشديد التهديد.

# { وأن الله ليس بظلم للعبيد } الظاهر أنه عطف على
~~(ما) وبه قال بعضم، وفائدته الدلالة على أن سببية ما اقترفوه من الذنوب
~~لعذابهم مقيدة بانضمام انتفاء ظلمه تعالى إليه إذ لولاه لأمكن أن يعذبهم
~~بغير ما اقترفوا لا أن لا يعذبهم بما اقترفوا، وحاصله أن تعذيب العصاة
~~يحتمل أن يكون لذنوبهم ويحتمل أن يكون لمجرد إرادة عذابهم من غير ذنب
~~فجيء بهذا لرفع الاحتمال الثاني وتعيين الأول للسببية لا لرفع احتمال أن
~~لا يعذبهم بذنوبهم لأنه جائز بل بعض الآيات تدل على وقوعه في حق بعض
~~العصاة، ومرجع ذلك في الآخرة إلى تقريع الكفر وتبكيتهم بأنه لا سبب
~~للعذاب إلا من قبلهم كأنه قيل: إن ذلك العذاب إنما نشأ من ذنوبكم التي
~~اكتسبتموها لا من شيء آخر.

# واختار العلامة أبو السعود أن محل (أن) وما بعدها الرفع على الخبرية
~~لمبتدأ محذوف أي والأمر أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده من غير ذنب من قبلهم،
~~والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبلها، وقال في العطف: للدلالة ms06886 على
~~أن سببية الخ أنه ليس بسديد لما أن إمكان تعذيبه تعالى لعبيده بغير ذنب
~~بل وقوعه لا ينافي كون تعذيب هؤلاء الكفرة المعينة بسبب ذنوبهم حتى يحتاج
~~إلى اعتبار عدمه معه، نعم لو كان المدعى كون جميع تعذيباته تعالى بسبب
~~ذنوب المعذبين لاحتيج إلى ذلك انتهى.

# وتعقب قوله: أن إمكان الخ بأن الكلام ليس في منافاة ذينك الأمرين بحسب
~~ذاتهما بل في منافاة احتمال التعذيب بلا ذنب لتعين سببية الذنوب له وقوله
~~نعم لو كان المدعى الخ بأن الاحتياج إلى ذلك القيد في كل من الصورتين
~~إنما هو لتقريع المذنبين بأنه لا سبب لتعذيبهم إلا من قبلهم فالقول
~~بالاحتياج في صورة الجميع وبعدمه في صورة الخصوصية ركيك جدا، وتعقب
~~أيضا بغير ذلك، والقول بالاعتراض وإن كان لا يخلو عن بعد أبعد عن
~~الاعتراض، والتعبير عن نفي تعذيبه تعالى لعبيده من غير ذنب بنفي الظلم مع
~~أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم على ما تقرر من قاعدة أهل السنة لبيان كمال
~~نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه سبحانه من الظلم
~~وصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في
~~صورة المبالغة في الظلم، وقيل: هي لرعاية جمعية العبيد فتكون للمبالغة
~~كما لا كيفا.

# واعترض بأن نفي المبالغة كيفما كانت توهم المحال، وقيل: يجوز أن تعتبر
~~المبالغة بعد النفي فيكون ذلك مبالغة في النفي لا نفيا للمبالغة، واعترض
~~بأن ذلك ليس مثل القيد المنفصل الذي يجوز اعتبار تأخره وتقدمه كما قالوه
~~في القيود الواقعة مع النفي، وجعله قيدا في التقدير لأنه بمعنى ليس بذي
~~ظلم عظيم أو كثير تكلف لا نظير له، وقيل: إن ظلاما للنسبة أي ليس بذي
~~ظلم ولا يختص ذلك بصيغة فاعل فقد جاء:

# / وليست بذي رمح ولست بنبال

# وقيل غير ذلك.

### || [22.11]

# { ومن الناس من يعبد الله على حرف } شروع في [بيان]
~~حال المذبذبين أي ومنهم من يعبده تعالى كائنا على طرف من الدين لا ثبات
~~له فيه كالذي ms06887 يكون في طرف الجيش فإن أحس بظفر قر وإلا فر ففي الكلام
~~استعارة تمثيلية، وقوله تعالى: { فإن أصابه خير } الخ تفسير
~~لذلك وبيان لوجه الشبه، والمراد من الخير الخير الدنيوي كالرخاء والعافية
~~والولد أي إن أصابه ما يشتهي { اطمأن به } أي ثبت على ما كان عليه
~~ظاهرا لا أنه اطمأن به اطمئنان المؤمنين الذين لا يزحزحهم عاصف ولا
~~يثنيهم عاطف.

# { وإن أصابته فتنة } أي شيء يفتن به من مكروه يعتريه في
~~نفسه أو أهله أو ماله { انقلب على وجهه } أي مستوليا على
~~الجهة التي يواجهها غير ملتفت يمينا وشمالا ولا مبال بما يستقبله من
~~حرار وجبال، وهو معنى قوله في «الكشاف»: طار على وجهه وجعله في «الكشف»
~~كناية عن الهزيمة، وقيل هو ههنا عبارة عن القلق لأنه في مقابلة {
~~اطمأن } ، وأيا ما كان فالمراد ارتد ورجع عن دينه إلى الكفر.

# أخرج البخاري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال في هذه
~~الآية: كان الرجل يقدم المدينة فإذا ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال:
~~هذا دين صالح وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء، وأخرج
~~ابن مردويه عن أبي سعيد قال: أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده
~~فتشاءم من الإسلام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني فقال عليه
~~الصلاة والسلام: إن الإسلام لا يقال فقال: لم أصب من ديني هذا خيرا ذهب
~~بصري ومالي ومات ولدي فقال صلى الله عليه وسلم: يا يهودي الإسلام يسبك
~~الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة فنزلت هذه الآية، وضعف
~~هذا ابن حجر، وقيل: نزلت في شيبة بن ربيعة أسلم قبل ظهوره عليه الصلاة
~~والسلام وارتد بعد ظهوره وروي ذلك عن ابن عباس، وعن الحسن أنها نزلت في
~~المنافقين.

# { خسر الدنيا والأخرة } جملة مستأنفة أو بدل من { انقلب
~~} كما قال أبو الفضل الرازي أو حال من فاعله بتقدير قد أو بدونها كما هو
~~رأي أبي حيان، والمعنى فقد الدنيا والآخرة وضيعهما حيث فاته ms06888 ما يسره
~~فيهما. وقرأ مجاهد وحميد والأعرج وابن محيصن من طريق الزعفراني وقعنب
~~والجحدري وابن مقسم { خاسر } بزنة فاعل منصوبا على الحال لأن إضافته
~~لفظية، وقرىء { خاسر } بالرفع على أنه فاعل { انقلب } وفيه وضع
~~الظاهر موضع المضمر ليفيد تعليل انقلابه بخسرانه، وقيل: إنه من التجريد
~~ففيه مبالغة، وجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو خاسر، والجملة واردة
~~على الذم والشتم.

# { ذلك } أي ما ذكر من الخسران، وما فيه من معنى البعد للإيذان بكونه
~~في غاية ما يكون، وقيل إن أداة البعد لكون المشار إليه غير مذكور صريحا
~~{ هو الخسرن المبين } أي الواضح كونه خسرانا لا غير.

### || [22.12]

# { يدعوا من دون الله } قيل استئناف ناع عليه بعض قبائحه، وقيل
~~استئناف مبين لعظم الخسران، ويجوز أن يكون حالا من فاعل { انقلب }
~~وما تقدمه اعتراض، وأيا كان فهو يبعد كون الآية في أحد من اليهود لأنهم
~~لا يدعون الأصنام وإن اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله.
~~والظاهر أن المدعو الأصنام لمكان  ما  في قوله تعالى: { ما لا
~~يضره وما لا ينفعه } والمراد بالدعاء العبادة / أي يعبد
~~متجاوزا عبادة الله تعالى ما لا يضره إن لم يعبده وما لا ينفعه إذا
~~عبده، وجوز أن يراد بالدعاء النداء أي ينادي لأجل تخليصه مما أصابه من
~~الفتنة جمادا ليس من شأنه الضر والنفع، ويلوح بكون المراد جمادا كذلك
~~كما في «إرشاد العقل السليم» تكرير كلمة ما { ذلك } أي الدعاء { هو
~~الضلال البعيد } عن الحق والهدى مستعار من ضلال من أبعد في التيه
~~ضالا عن الطريق.

### || [22.13]

# { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه } استئناف يبين مآل
~~دعائه وعبادته غير الله تعالى ويقرر كون ذلك ضلالا بعيدا من إزاحة ما
~~عسى أن يتوهم من نفي الضرر عن معبوده بطريق المباشرة نفيه عنه بطريق
~~التسبب أيضا فالدعاء هنا بمعنى القول كما في قول عنترة:

# يدعون عنتر والرماح كأنها

# أشطان بئر في لبان الأدهم

# واللام داخلة في الجملة الواقعة مقولا له وهي لام الابتداء و(من) مبتدأ
~~و { ضره ms06889 أقرب } مبتدأ وخبر والجملة صلة له.

# وقوله تعالى: { لبئس المولى ولبئس العشير } جواب قسم
~~مقدر واللام فيه جوابية وجملة القسم وجوابه خبر { من } أي يقول الكافر
~~يوم القيامة يرفع صوت وصراخ حين يرى تضرره بمعبوده ودخوله النار بسببه
~~ولا يرى منه أثرا مما كان يتوقعه منه من النفع لمن ضره أقرب تحققا من
~~نفعه والله لبئس الذي يتخذ ناصرا ولبئس الذي يعاشر ويخالط فكيف بما هو
~~ضرر محض عار عن النفع بالكلية، وفي هذا من المبالغة في تقبيح حال الصنم
~~والإمعان في ذمه ما لا يخفى، وهو سر إيثار (من) على (ما) وإيراد صيغة
~~التفضيل، وهذا الوجه من الإعراب اختاره السجاوندي والمعنى عليه مما لا
~~إشكال فيه. وقد ذهب إليه أيضا جار الله، وجوز أن يكون { يدعو } هنا
~~إعادة ليدعو السابق تأكيدا له وتمهيدا لما بعد من بيان سوء حال معبوده
~~إثر معبوده إثر بيان سوء حال عبادته بقوله تعالى:

# ذلك هو الضلال البعيد

# [الحج: 12] كأنه قيل من جهته سبحانه بعد ذكر عبادة الكافر ما لا يضره
~~ولا ينفعه يدعو ذلك ثم قيل لمن ضره بكونه معبودا أقرب من نفعه بكونه
~~شفعيا والله لبئس المولى الخ، ولا تناقض عليه أيضا إذ الضر المنفي ما
~~يكون بطريق المباشرة والمثبت ما يكون بطريق التسبب، وكذا النفع المنفي هو
~~الواقعي والمثبت هو التوقعي، قيل ولهذا الإثبات عبر بمن فإن الضر والنفع
~~من شأنهما أن يصدرا عن العقلاء، وفي «إرشاد العقل السليم» أن يراد كلمة
~~(من) وصيغة التفضيل على تقدير أن يكون ذلك إخبارا من جهته سبحانه عن سوء
~~حال معبود الكفرة للتهكم به. ولا مانع عندي أن يكون ذلك كما في التقدير
~~الأول للمبالغة في قبيح حال الصنم والإمعان في ذمه.

# واعترض ابن هشام على هذا الوجه بأن فيه دعوى خلاف الأصل مرتين إذ الأصل
~~عدم التوكيد والأصل أن لا يفصل المؤكد عن توكيده ولا سيما في التوكيد
~~اللفظي، وقال الأخفش: إن { يدعو } بمعنى يقول واللام للابتداء ومن
~~موصول مبتدأ صلته الجملة بعده ms06890 وخبره محذوف تقديره إله أو إلهي، والجملة
~~محكية بالقول. واعترض بأنه فاسد المعنى لأن هذا القول من الكافر إنما
~~يكون في الدنيا وهو لا يعتقد فيها أن الأوثان ضرها أقرب من نفعها.

# وأجيب بأن المراد إنكار قولهم بألوهية الأوثان إلا أن الله تعالى عبر
~~عنها بما ذكر للتهكم. نعم الأولى أن يقدر الخبر مولى لأن قوله تعالى: {
~~لبئس المولى ولبئس العشير } أدل عليه، ومع هذا لا يخفى
~~بعد هذا الوجه، وقيل: { يدعو } مضمن معنى يزعم وهي ملحقة بأفعال
~~القلوب لكون الزعم قولا مع اعتقاد. واللام ابتدائية معلقة للفعل ومن /
~~مبتدأ وخبرها محذوف كما في الوجه السابق، والجملة في محل نصب بيدعو، وإلى
~~هذا الوجه أشار الفارسي ولا يخفى عليك ما فيه.

# وقال الفراء: إن اللام دخلت في غير موضعها والتقدير يدعو من لضره أقرب
~~من نفعه فمن في محل نصب بيدعو. وتعقبه أبو حيان وغيره بأنه بعيد لأن ما
~~في صلة الموصول لا يتقدم على الموصول، وقال ابن الحاجب: قيل اللام زائدة
~~للتوكيد و(من) مفعول (يدعو) وليس بشيء لأن اللام المفتوحة لا تزاد بين
~~الفعل ومفعوله لكن قوي القول بالزيادة هنا بقراءة عبد الله { يدعو من ضره
~~} بإسقاط اللام، وقيل: { يدعو } بمعنى يسمى و { من } مفعوله الأول
~~ومفعوله الثاني محذوف أي إلها، ولا يخفى عليك ما فيه، وقيل: إن (يدعو)
~~ليست عاملة فيما بعدها وإنما هي عاملة في ذلك قبلها وهو موصول بمعنى
~~الذي، ونقل هذا عن الفارسي أيضا، وهو على بعده لا يصح إلا على قول
~~الكوفيين إذ يجيزون في اسم الإشارة مطلقا أن يكون موصولا، وأما
~~البصريون فلا يجيزون إلا في ذا بشرط أن يتقدمها الاستفهام بما أو(من)،
~~وقيل هي عاملة في ضمير محذوف راجع إلى ذلك أي يدعوه، والجملة في موضع
~~الحال والتقدير ذلك هو الضلال البعيد مدعوا وفيه مع بعده أن { يدعو }
~~لا يقدر بمدعوا وإنما يقدر بداعيا والذي يقدر بمدعوا إنما هو يدعى
~~المبني للمفعول، وقيل: { يدعوا } عطف على { يدعوا } [الحج: 12]
~~الأول وأسقط حرف العطف ms06891 لقصد تعداد أحوال ذلك المذبذب واللام زائدة و {
~~من } مفعول { يدعوا } وهي واقعة على العاقل والدعاء في الموضعين إما
~~بمعنى العبادة وإما بمعنى النداء، والمراد إما بيان حال طائفة منهم على
~~معنى أنهم تارة يدعون ما لا يضر ولا ينفع وتارة يدعون من ضره أقرب من
~~نفعه، وإما بيان حال الجنس باعتبار ما تحته على معنى أن منهم من يدعو ما
~~لا يضر ولا ينفع ومنهم من يدعو من ضره أقرب من نفعه وهو كما ترى،
~~وبالجملة أحسن الوجوه أولها.

### || [22.14]

# { إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا
~~الصلحت جنت تجرى من تحتها الأنهر } استئناف
~~لبيان كمال حسن حال المؤمنين العابدين له تعالى وأنه تعالى يتفضل عليهم
~~بالنعيم الدائم إثر بيان غاية سوء حال الكفرة. وجملة { تجرى } الخ صفة
~~لجنات فإن أريد بها الأشجار المتكاثفة الساترة لما تحتها فجريان الأنهار
~~من تحتها ظاهرة، وإن أريد بها الأرض فلا بد من تقدير مضاف أي من تحت
~~أشجارها وإن جعلت عبارة عن مجموع الأرض والأشجار فاعتبار التحتية بالنظر
~~إلى الجزء الظاهر المصحح لإطلاق اسم الجنة على الكل كما في «إرشاد العقل
~~السليم».

# وقوله تعالى: { إن الله يفعل ما يريد } تعليل لما قبله
~~وتقرير بطريق التحقيق أي هو تعالى يفعله البتة كل ما يريده من الأفعال
~~المتقنة اللائقة المبنية على الحكم الرائقة التي من جملتها إثابة من آمن
~~به وصدق برسوله صلى الله عليه وسلم وعقاب من كفر به وكذب برسوله عليه
~~الصلاة والسلام.

### || [22.15]

# { من كان يظن أن لن ينصره الله فى الدنيا
~~والأخرة } الضمير في { ينصره } لرسول الله صلى الله عليه وسلم
~~على ما روي عن ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي
~~واختاره الفراء والزجاج كأنه لما ذكر المجادل بالباطل وخذلانه في الدنيا
~~لأنه لا يدلي بحجة ما ضرورية أو نظرية أو سمعية ولما يؤل إليه أمره من
~~النكال، وفي الآخرة بما هو أطم وأطم ثم ذكر سبحانه مشايعيه وعمم خسارهم
~~في الدارين ذكر في مقابلهم المؤمنين وأتبعه ذكر ms06892 المجادل عنهم وعن دين
~~الله تعالى بالتي هي أحسن وهو رسوله عليه الصلاة والسلام، وبالغ في كونه
~~منصورا بما لا مزيد عليه، واختصر الكلام دلالة على أنه صلى الله عليه
~~وسلم العلم الذي لا يشتبه وأن الكلام / فيه وله ومعه وأن ذكر غيره بتبعية
~~ذكره، فالمعنى أنه تعالى ناصر لرسوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا
~~بإعلاء كلمته وإظهار دينه وفي الآخرة بإعلاء درجته وإدخال من صدقه جنات
~~تجري من تحتها الأنهار والانتقام ممن كذبه وإذاقته عذاب الحريق لا يصرفه
~~سبحانه عن ذلك صارف ولا يعطفه عنه عاطف فمن كان يغيظه ذلك من أعاديه
~~وحساده ويظن أن لن يفعله تعالى بسبب مدافعته ببعض الأمور ومباشرة ما يرده
~~من المكايد فليبالغ في استفراغ المجهود وليتجاوز في الجهد كل حد معهود
~~فقصارى أمره خيبة مساعيه وعقم مقدماته ومباديه وبقاء ما يغيظ على حاله
~~ودوام شجوه وبلباله، وقد وضع مقام هذا الجزاء.

# قوله سبحانه: { فليمدد بسبب } الخ أي فليمدد حبلا { إلى
~~السماء } أي إلى سقف بيته كما أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك
~~{ ثم ليقطع } أي ليختنق - كما فسره بذلك ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما - من قطع إذا اختنق كان أصله قطع نفسه بفتحتين أو أجله ثم ترك
~~المفعول نسيا منسيا فصار بمعنى اختنق لازم خنقه، وذكروا أن قطع النفس
~~كناية عن الاختناق، وقيل المعنى ليقطع الحبل بعد الاختناق على أن المراد
~~به فرض القطع وتقديره كما أن المراد بالنظر في قوله تعالى: {
~~فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ } تقدير النظر
~~وتصويره والا فبعد الاختناق لا يتأتى منه ذلك أي فليقدر في نفسه النظر هل
~~يذهبن كيده غيظه أو الذي يغيظه من النصر، ويجوز أن يراد فلينظر الآن أنه
~~إن فعل ذلك هل يذهب ما يغيظه، وجوز أن يكون المأمور بالنظر غير المأمور
~~الأول ممن يصح منه النظر، وأن يكون الكلام خارجا مخرج التهكم كما قيل إن
~~تسمية فعله ذلك كيدا خارجة هذا المخرج، وقال جمع: إن إطلاق الكيد على ms06893
~~ذلك لشبهه به فإن الكائد إذا كاد أتى بغاية ما يقدر عليه وذلك الفعل غاية
~~ما يقدر عليه ذلك العدو الحسود، ونقل عن ابن زيد أن المعنى فليمدد حبلا
~~إلى السماء المظلة وليصعد عليه ثم ليقطع الوحي عنه صلى الله عليه وسلم.

# وقيل: ليقطع المسافة حتى يبلغ عنان السماء فيجهد في دفع نصره عليه
~~الصلاة والسلام النازل من جهتها. وتعقبه المولى أبو السعود بأنه يأباه
~~مساق النظم الكريم بيان أن الأمور المفروضة على تقدير وقوعها وتحققها
~~بمعزل من إذهاب ما يغيظ، ومن البين أن لا معنى لفرض وقوع الأمور الممتنعة
~~وترتيب الأمر بالنظر عليه لا سيما قطع الوحي فإن فرض وقوعه مخل بالمرام
~~قطعا، ونوقش في ذلك بما لا يخفى على الناظر نعم المعنى السابق هو
~~الأولى، وأيا كان فمن يظن ذلك هم الكفرة الحاسدون له صلى الله عليه
~~وسلم، وقيل: أعراب من أسلم وغطفان تباطؤ عن الإسلام وقالوا: نخاف أن لا
~~ينصر محمد عليه الصلاة والسلام فينقطع ما بيننا وبين حلفائنا من يهود فلا
~~يقرونا ولا يؤونا، وقيل: قوم من المسلمين كانوا لشدة غيظهم من المشركين
~~يستبطئون ما وعد الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم من النصر؛ والمعنى
~~عليه وكذا على سابقه إن قيل إن أولئك الأعراب كانوا يستبطئون النصر أيضا
~~من استبطأ نصر الله تعالى وطلبه عاجلا فليقتل نفسه لأن له وقتا اقتضت
~~الحكمة وقوعه فيه فلا يقع في غيره، وأنت تعلم بعد هذين القولين وإن
~~ثانيهما أبعد. واستظهر أبوحيان كون ضمير { ينصره } عائدا على (من)
~~لأنه المذكور وحق الضمير أن يعود على مذكور، وهو قول مجاهد وإليه ذهب
~~بعضهم وفسر النصر بالرزق، قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بني بكر
~~فقال: من ينصرني نصره الله تعالى وقالوا: أرض منصورة أي ممطورة، وقال
~~الفقعسي:

# / وإنك لا تعطي امرأ فوق حقه

# ولا تملك الشق الذي الغيث ناصره

# أي معطيه وكأنه مستعار من النصر بمعنى العون. فالمعنى أن الأرزاق بيد
~~الله تعالى لا تنال إلا بمشيئته فلا بد ms06894 للعبد من الرضا بقسمته فمن ظن أن
~~الله تعالى غير رازقه ولم يصبر ولم يستسلم فليبلغ غاية الجزع وهو
~~الاختناق فإن ذلك لا يقلب القسمة ولا يرده مرزوقا. والغرض الحث على
~~الرضا بما قسم الله تعالى لا كمن يعبده على حرف وكأنه سبحانه لما ذكر
~~المؤمنين عقيبهم على ما مر حذرهم عن مثل حالهم لطفا في شأنهم. ولا يخلو
~~عن بعد وإن كان ربط الآية بما قبلها عليه قريبا، وقيل: الضمير لمن
~~والنصر على المتبادر منه والمعنى من كان يظن أن لن ينصره الله تعالى
~~فيغتاظ لانتفاء نصره فليحتل بأعظم حيلة في نصر الله تعالى إياه وليستفرغ
~~جهده في إيصال النصر إليه فلينظر هل يذهبن ذلك ما يغيظه من انتفاء النصر.
~~ولا يخفى ما في وجه الربط على هذا من الخفاء. و(من) كما أشرنا إليه
~~شرطية، وجوز أن تكون موصولة والفاء في خبرها لتضمنها معنى الشرط و { هل
~~يذهبن } في محل نصب بينظر، وذكر أنه على إسقاط الخافض، وقرأ
~~البصريون وابن عامر وورش (ثم ليقطع) بكسر لام الأمر والباقون بسكونها على
~~تشبيه ثم بالواو والفاء لأن الجميع عواطف.

### || [22.16]

# { وكذلك } أي مثل ذلك الإنزال البديع المنطوي على الحكم البالغة {
~~أنزلنه } أي القرآن الكريم كله { ءايت بينات } واضحات
~~الدلالة على معانيها الرائقة فالمشار إليه الإنزال المذكور بعد اسم
~~الإشارة، ويجوز أن يكون المراد إنزال الآيات السابقة. وأيا ما كان ففيه
~~أن القرآن الكريم في جميع أبوابه كامل البيان لا في أمر البعث وحده. ونصب
~~{ ءايت } على الحال من الضمير المنصوب، وقوله تعالى: { وأن
~~الله يهدى من يريد } بتقدير اللام وهو متعلق بمحذوف يقدر
~~مؤخرا إفادة للحصر الإضافي أي ولأن الله تعالى يهدي به ابتداء أو يثبت
~~على الهدى أو يزيد فيه من يريد هدايته أو ثباته أو زيادته فيها أنزله
~~كذلك أو في تأويل مصدر مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي والأمر أن الله
~~يهدي الخ. وجوز أن يكون معطوفا على محل مفعول { أنزلنه } أي
~~وأنزلنا أن الله يهدي الخ. ms06895

### || [22.17]

# { إن الذين ءامنوا } أي بما ذكر من المنزل بهداية الله تعالى
~~أو بكل ما يجب أن يؤمن به ويدخل فيه ما ذكر دخولا أوليا { والذين
~~هادوا والصبئين } هم على ما أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة قوم
~~يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة ويقرؤون الزبور، وفي «القاموس» هم قوم
~~يزعمون أنهم على دين نوح عليه السلام وقبلتهم من مهب الشمال عند منتصف
~~النهار، وفي كتاب «الملل والنحل» للشهرستاني ((أن الصابئة كانوا على عهد
~~إبراهيم عليه السلام ويقال لمقابليهم الحنفاء وكانوا يقولون: إنا نحتاج
~~في معرفة الله تعالى ومعرفة طاعته وأمره وأحكامه جل شأنه إلى متوسط
~~روحاني لا جسماني. ومدار مذاهبهم على التعصب للروحانيات وكانوا يعظمونها
~~غاية التعظيم ويتقربون إليها ولما لم يتيسر لهم التقرب إلى أعيانها
~~والتلقي منها بذواتها فزعت جماعة إلى هياكلها وهي السبع السيارات وبعض
~~الثوابت، فصابئة الروم مفزعها السيارات وصابئة الهند مفزعها الثواب،
~~وربما نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص التي لا تسمع ولا تبصر ولاتغني
~~[عنهم] شيئا، والفرقة الأولى هم عبدة الكواكب، والثانية هم عبدة
~~الأصنام. وقد أفحم / إبراهيم عليه السلام كلتا الفرقتين وألزمهم الحجة.
~~وذكر في موضع آخر أن ظهورهم كان في أول سنة من ملك طهمورث من ملوك
~~الفرس))، ولفظ الصابئة عربي من صبأ كمنع وكرم صبأ وصبوأ خرج من
~~دين إلى آخر.

# { والنصرى والمجوس } هم على ما روي عن قتادة أيضا قوم
~~يعبدون الشمس والقمر والنيران، واقتصر بعضهم على وصفهم بعبادة الشمس
~~والقمر، وآخرون على وصفهم بعبادة النيران. وقيل: هم قوم اعتزلوا النصارى
~~ولبسوا المسوح. وقيل: قوم أخذوا من دين النصارى شيئا ومن دين اليهود
~~شيئا وهم قائلون بأن للعالم أصلين نورا وظلمة. وفي كتاب «الملل والنحل»
~~ما يدل على أنهم طوائف وأنهم كانوا قبل اليهود والنصارى وأنهم يقولون
~~بالشرائع على خلاف الصابئة وأن لهم شبهة كتاب وأنهم يعظمون النار، وفيه
~~أن بيوت النيران للمجوس كثيرة فأول بيت بناه أفريدون بيت نار بطوس، وآخر
~~بمدينة بخارى هو بردسون، واتخذ بهمن بيتا بسجستان يدعى كركو، ms06896 ولهم بيت
~~نار ببخارى أيضا يدعى قبادان وبيت نار يسمى كونشه بين فارس وأصفهان بناه
~~كيخسرد وآخر بقومش يسمى جرير وبيت نار كيكدر بناه في مشرق الصين، وآخر
~~بأرجان من فارس اتخذه أرجان جد كشتاسف، وكل هذه البيوت كانت قبل زرادشت،
~~ثم جدد زرادشت بيت نار بنيسا بعد كشتاسف أن تطلب النار التي كان يعظمها
~~جم فوجدوها بمدينة خوارزم فنقلها إلى دارابجرد والمجوس يعظمونها أكثر من
~~غيرها وكيخسرد، ولما غزا افراسياب عظمها وسجد لها. ويقال: إن أنوشروان هو
~~الذي نقلها إلى كارشان فتركوا بعضها هناك وحملوا بعضها إلى نسا.

# وفي بلاد الروم على باب قسطنطينية بيت نار اتخذه شابور بن ازدشير فلم
~~تزل كذلك إلى أيام المهدي. وبيت نار باسفيثا على قرب مدينة السلام لبوران
~~بنت كسرى. وفي الهند والصين بيوت نيران أيضا. والمجوس إنما يعظمون النار
~~لمعان. منها أنها جوهر شريف علوي يظنون أن ذلك ينجيهم من عذاب نار يوم
~~القيامة ولم يدروا أن ذلك السبب الأعظم لعذابهم اه. وفيه ما لا يخفى على
~~من راجع التواريخ.

# وفي «القاموس» مجوس كصبور رجل صغير الأذنين وضع دينا ودعا إليه معرب
~~ميج كوش. وفي «الصحاح» المجوسية نحلة والمجوسي نسبة إليها والجمع المجوس.
~~قال أبو علي النحوي: المجوس واليهود إنما عرفا على حد يهودي ويهود ومجوسي
~~ومجوس فجمع على قياس شعيرة وشعير ثم عرف الجمع بالألف واللام ولولا ذلك
~~لم يجز دخول الألف واللام عليهما لأنها معرفتان مؤنثان فجريا في كلامهم
~~مجرى القبيلتين ولم يجعلا كالحيين في باب الصرف. وأنشد:

# أحار أريك برقا هب وهنا

# كنار مجوس يستعر استعارا

# انتهى. وذكر بعضهم أن مجوس معرب موكوش وأطلق على أولئك القوم لأنهم
~~كانوا يرسلون شعور رؤوسهم إلى آذانهم. ونقل في «البحر» أن الميم بدل من
~~النون، وأطلق ذلك عليهم لاستعمالهم النجاسات وهو قول لا يعول عليه.

# { والذين أشركوا } المشهور أنهم عبدة الأوثان، وقيل ما يعمهم
~~وسائر من عبد مع الله تعالى إلها آخر من ملك وكوكب وغيرهما ممن لم
~~يشتهر باسم خاص كالصابئة ms06897 والمجوس، وقوله تعالى: { إن الله يفصل
~~بينهم يوم القيمة } في حيز الرفع على أنه خبر لإن
~~السابقة وأدخلت إن على كل واحد من / جزئي الجملة لزيادة التأكيد كما في
~~قول جرير:

# إن الخليفة إن الله سربله

# سربال ملك به تزجى الخواتيم

# وقيل: خبر إن الأولى محذوف أي مفترقون يوم القيامة أو نحو ذلك مما يدل
~~عليه قوله سبحانه: { إن الله يفصل بينهم } الخ فإن قولك:
~~إن زيدا إن عمرا يضربه ردىء، والبيت لا يتعين فيه جعل الجملة المقترنة
~~بأن خبرا بل يجوز أن تكون معترضة والخبر جملة به تزجى الخواتيم، ولا
~~يخفى عليك بعد تسليم الرداءة أن الآية ليست كالمثال المذكور لطول الفاصل
~~فيها، قال في «البحر»: وحسن دخول إن في الجملة الواقعة خبرا في الآية
~~طول الفصل بالمعاطيف، وقال الزجاج: زعم قوم أن قولك: إن زيدا أنه قائم
~~ردىء وأن هذه الآية إنما صلحت بتقدم الموصول ولا فرق بين الموصول وغيره
~~في باب إن وليس بين البصريين خلاف في أن إن تدخل على كل مبتدأ وخبر فعلى
~~هذا لا ينبغي العدول على الوجه المتبادر، والمراد بالفصل القضاء أي إنه
~~تعالى يقضي بين المؤمنين والفرق الخمس المتفقة على الكفر بإظهار المحق من
~~المبطل وتوفية كل منهما حقه من الجزاء بإثابة المؤمنين وعقاب الفرق
~~الآخرين بحسب استحقاق أفراد كل منهما، وقيل: المراد أنه تعالى يفصل بين
~~الفرق الست في الأحوال والأماكن جميعا فلا يجازيهم جزاء واحدا بلا
~~تفاوت بل يجزي المؤمنين بما يليق واليهود بما يليق بهم وهكذا ولا يجمعهم
~~في موطن واحد بل يجعل المؤمنين في الجنة وكلا من الفرق الكافرة في طبقة
~~من طبقات النار.

# وقوله تعالى: { إن الله على كل شىء شهيد } تعليل لما
~~قبله من الفصل أي أنه تعالى عالم بكل شيء من الأشياء ومراقب لأحواله ومن
~~قضيته الإحاطة بتفاصيل ما صدر عن كل فرد من أفراد الفرق المذكورة وإجراء
~~جزائه اللائق به عليه.

### || [22.18]

# وقوله تعالى: { ألم تر أن الله يسجد له من فى
~~السموات ومن ms06898 فى الأرض } الخ بيان لما يوجب الفصل المذكور من
~~أعمال الفرق مع الإشارة إلى كيفيته وكونه بطريق التعذيب والإثابة
~~والإكرام والإهانة، وجوز أن يكون تنويرا لكونه تعالى شهيدا على كل شيء،
~~وقيل: هو تقريع على اختلاف الكفرة واستبعاد له لوجوب الصارف، والمراد
~~بالرؤية العلم والخطاب لكل من يتأتى منه ذلك. والمراد بالسجود دخول
~~الأشياء تحت تسخيره تعالى وإرادته سبحانه وقابليتها لما يحدث فيها عز
~~وجل، وظاهر كلام الآمدي أنه معنى حقيقي للسجود. وفي «مفردات الراغب»
~~السجود في الأصل التطامن والتذلل وجعل ذلك عبارة عن التذلل لله تعالى
~~وعبادته وهو عام في الإنسان والحيوان والجماد وذلك ضربان سجود باختيار
~~يكون للإنسان وبه يستحق الثواب وسجود بتسخير يكون للإنسان وغيره من
~~الحيوانات والنباتات... وخص في الشريعة بالركن المعروف من الصلاة وما جرى
~~مجراه من سجود التلاوة وسجود الشكر انتهى.

# وذكر بعضهم أنه كما خص في الشريعة بذلك خص في عرف اللغة به. وقال ابن
~~كمال: إن حقيقته على ما نص عليه في «المجمل» وضع الرأس، وقال العلامة
~~الثاني: حقيقته وضع الجبهة لا الرأس حتى لو وضع الرأس من جانب القفا لم
~~يكن ساجدا، وعلى هذين القولين على علاتهما قيل السجود هنا مجاز عن
~~الدخول تحت تسخيره تعالى والانقياد لإرادته سبحانه. وجوز أن يكون مجازا
~~عن دلالة لسان حال الأشياء بذلتها وافتقارها على صانعها وعظمته جلت
~~عظمته، ووجه التنوير على هذا ظاهر وكذا التقريع على الاختلاف.

# و { من } إما خاصة بالعقلاء وإما عامة لهم ولغيرهم بطريق التغليب وهو
~~الأولى لأنه الأنسب بالمقام لإفادته شمول الحكم / لكل ما فيها بطريق
~~القرار فيهما أو بطريق الجزئية منهما، ويكون قوله تعالى: { والشمس
~~والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب }
~~إفرادا لها بالذكر لشهرتها واستبعاد ذلك منها بحسب الظاهر في بادىء
~~النظر القاصر كما قيل أو لأنها قد عبدت من دون الله تعالى إما باعتبار
~~شخصها أو جنسها. فالشمس عبدتها حمير والقمر عبدته كنانة وعبد الدبران من
~~النجوم تميم، والشعرى لخم وقريش، والثريا طيىء، وعطاردا أسد والمرزم
~~ربيعة، وعبد ms06899 أكثر العرب الأصنام المنحوتة من الجبال. وعبدت غطفان العزى
~~وهي سمرة واحدة السمر شجر معروف، ومن الناس من عبد البقر.

# وقرأ الزهري وابن وثاب { الدواب } بتخفيف الباء. وخص ابن جني في
~~«المحتسب» هذه القراءة بالزهري، وقال: لا أعلم من خففها سواه وهو قليل
~~ضعيف قياسا وسماعا لأن التقاء الساكنين على حده وعذره كراهة التضعيف
~~ولذا قالوا في ظللت ظلت وقالوا جان بالتخفيف وذكر له نظائر كثيرة.

# وقوله تعالى: { وكثير من الناس } قيل مرفوع بفعل مضمر يدل عليه
~~المذكور أي ويسجد له كثير من الناس سجود الطاعة المعروف.

# واعترض بأنه صرح في «المغني» بأن شرط الدليل اللفظي على المحذوف أن يكون
~~طبقه لفظا ومعنى أو معنى لا لفظا فقط فلا يجوز زيد ضارب وعمرو على أن
~~خبر عمرو محذوف وهو ضارب من الضرب في الأرض أي مسافر والمذكور بمعناه
~~المعروف. وأجاب الخفاجي بأن ما ذكر غير مسلم لما ذكره النحاة من أن
~~المقدر قد يكون لازما للمذكور نحو زيدا ضربت غلامه أي أهنت زيدا ولا
~~يكون مشتركا كالمثال المذكور إلا أن يكون بينهما ملاءمة فيصح إذا اتحدا
~~لفظا وكان من المشترك وبينهما ملازمة تدل على المقدر ولذا لم يصح المثال
~~المذكور انتهى، وعطفه بعضهم على المذكورات قبله وجعل السجود بالنسبة إليه
~~بمعنى السجود المعروف وفيما تقدم بمعنى الدخول تحت التسخير أو الدلالة
~~على عظمة الصانع جل شأنه.

# واستدل بذلك على جواز استعمال المشترك في معنييه أو استعمال اللفظ في
~~حقيقته ومجازه، والجواب ما علمت، ولا يجوز العطف وجعل السجود في الجميع
~~بمعنى الدخول تحت التسخير أو الدلالة على العظمة لأن ذلك عام لجميع الناس
~~فلا يليق حينئذ ذكر { كثير } وغير العام إنما هو السجود بالمعنى
~~المعروف فيفيد ذكر { كثير } إذا أريد أن منهم من لم يتصف بذلك وهو
~~كذلك، وما قيل: إنه يجوز أن يكون تخصيص الكثير على إرادة السجود العام
~~للدلالة على شرفهم والتنويه بهم ليس بشيء إذ كيف يتأتى التنويه وقد قرن
~~بهم غير العقلاء كالدواب.

# وقال ابن كمال: ms06900 تمسك من جوز حمل المشترك في استعمال واحد على أكثر من
~~معنى بقوله تعالى: { ألم تر أن الله يسجد له من فى
~~السموات ومن فى الأرض } الآية بناء على أن المراد بالسجود
~~المنسوب إلى غير العقلاء الانقياد لتعذر السجود المعهود في حقه ومن
~~المنسوب إليهم ما هو المعهود دون الانقياد لأنه شامل للكل غير مخصوص
~~بالكثير ولا متمسك لهم في ذلك لأن كلا من التعليلين في معرض المنع، أما
~~الأول فلأن حقيقة السجود وضع الرأس ولا تعذر في نسبته إلى غير العقلاء
~~ولا حاجة إلى إثبات حقيقة الرأس في الكل لأن التغليب سائغ شائع، وأما
~~الثاني فلأن الكفار لا سيما المتكبرين منهم لا حظ لهم من الانقياد لأن
~~المراد منه الإطاعة بما ورد في حقه من الأمر تكليفيا كان أو تكوينيا
~~على وجه ورد به الأمر وتقدير فعل آخر في هذا المقام من ضيق العطن كما لا
~~يخفى على أرباب الفطن انتهى.

# وفيه القول بجواز العطف / على كلا معنى السجود وضع الرأس والانقياد
~~وبيان فائدة تخصيص الكثير على الثاني، ولا يخفى أن المتبادر من معتبرات
~~«كتب اللغة» أن السجود حقيقة لغوية في الخضوع مطلقا وأن ما ذكره من حديث
~~التغليب خلاف الظاهر وكذا حمل الانقياد على ما ذكره، وقد أخذ رحمه الله
~~تعالى كلا المعنيين من «التوضيح» وقد أسقط مما فيه ما عنه غنى، وما زعم
~~أنه من ضيق العطن هو الذي ذهب إليه أكثر القوم وعليه يكون { من
~~الناس } صفة { كثير } وأورد أنه حينئذ يرد أن سجود الطاعة المعروف
~~لا يختص بكثير من الناس فإن كثيرا من الجن متصف به أيضا، وكونهم غير
~~مكلفين خلاف القول الأصح.

# نعم يمكن أن يقال: إنهم لم يكونوا مأمورين بالسجود عند نزول الآية وعلى
~~مدعيه البيان، والقول بأنه يجوز أن يراد بالناس ما يعم الجن فإنه يطلق
~~عليهم حسب إطلاق النفر والرجال عليهم ليس بشيء.

# ومن الناس من أجاب عن ذلك بأن يسجد المقدر داخل في الرؤية وقد قالوا:
~~المراد بها العلم والتعبير ms06901 بها عنه للإشعار بظهور المعلوم وظهور السجود
~~بمعنى الدخول تحت التسخير في الأشياء المنسوب هو إليها مما لا سترة عليها
~~وكذا ظهوره بمعنى السجود المعروف في كثير من الناس، وأما في الجن فليس
~~كذلك فلذا وصف الكثير بكونه من الناس. وتعقب بأن الخطاب في { ألم تر
~~} لمن يتأتى منه ذلك ولا سترة في ظهور أمر السجود مطلقا بالنسبة إليه.
~~ورد بأن مراد المجيب أن سجود الجن ليس بظاهر في نفس الأمر ومع قطع النظر
~~عن المخاطب كائنا من كان ظهور دخول الأشياء المذكورة أولا تحت التسخير
~~بخلاف سجود كثير من الناس فإنه ظاهر ظهور ذلك في نفس الأمر فخص الكثير
~~بكونه من الناس ليكون الداخل في حيز الرؤية من صقع واحد من الظهور في نفس
~~الأمر.

# وقيل المقام يقتضي تكثير الرائين لما يذكر في حيز الرؤية والتخصيص أوفق
~~بذلك فلذا خص الكثير بكونهم من الناس والكل كما ترى، والأولى أن يقال:
~~تخصيص الكثير من الناس بنسبة السجود بالمعنى المعروف إليهم على القول بأن
~~كثيرا من الجن كذلك للتنويه بهم، ولا يرد عليه ما مر لأنه لم يقرن بهم
~~في هذا السجود غير العقلاء فتأمل، وقيل: إن { كثير } مرفوع على
~~الابتداء حذف خبره ثقة بدلالة خبر قسيمه عليه نحو حق له الثواب ويفيد
~~الكلام كثرة الفريقين؛ والأول أولى لما فيه من الترغيب في السجود والطاعة
~~للحق المعبود، وجوز أن يكون { كثير } مبتدأ و { من الناس } خبره
~~والتعريف فيه للحقيقة والجنس أي وكثير من الناس الذين هم الناس على
~~الحقيقة وهم الصالحون المتقون، وقال الراغب: قد يذكر الناس ويراد به
~~الفضلاء دون من يتناوله اسم الناس تجوزا، وذلك إذا اعتبر معنى الإنسانية
~~وهو وجود العقل والذكر وسائر القوى المختصة به فإن كل شيء عدم فعله
~~المختص به لا يكاد يستحق اسمه والمخصص للمبتدأ النكرة أنه صفة محذوف
~~بالحقيقة على أن المعادلة من المخصصات إذا قلت رجال مكرمون ورجال مهانون
~~لأنه تفصيل مجمل فهو موصوف تقديرا ولأن كلا من المقابلين موصوف بمغايرة
~~الآخر ms06902 فهذا داخل في الوصف المعنوي، وأن يكون { كثير } مبتدأ و { من
~~الناس } صفته وقوله تعالى: { وكثير } معطوف عليه وقوله سبحانه: {
~~حق عليه العذاب } أي ثبت وتقرر خبر، ويكون الكلام على حد
~~قولك: عندي ألف وألف أي ألوف كثيرة ومثله شائع في كلامهم فيفيد كثرة من
~~حق عليه العذاب من الناس، وهذان الوجهان بعيدان، وقال في «البحر»:
~~ضعيفان.

# والظاهر أن { كثير } الثاني مبتدأ والجملة بعده خبره وقد أقيمت مقام
~~لا يسجد فكأنه قيل ويسجد كثير من / الناس ولا يسجد كثير منهم، ولا يخفى
~~ما في تلك الإقامة من الترهيب عن ترك السجود والطاعة، ولا يخفى ما في عدم
~~التصريح بتقييد الكثير بكونه من الناس مما يقوي دعوى أن التقييد فيما
~~تقدم للتنويه، وحمل عدم التقييد ليعم الكثير من الجن خلاف الظاهر جدا.
~~وجوز أن يكون معطوفا على من والسجود بأحد المعنيين السابقين وجملة {
~~حق } الخ صفته ويقدر وصف لكثير الأول بقرينة مقابله أي حق له الثواب و
~~{ من الناس } صفة له أيضا، ولا يخفى ما فيه، وقرىء { حق } بضم
~~الحاء و { حقا } أي حق عليه العذاب حقا فهو مصدر مؤكد لمضمون الجملة.

# { ومن يهن الله } بأن كتب الله تعالى عليه الشقاء حسبما استعدت
~~له ذاته من الشر، و(من) مفعول مقدر ليهن { فما له من مكرم }
~~يكرمه بالسعادة. وقرأ ابن أبي عبلة { مكرم } بفتح الراء على أنه مصدر
~~ميمي كما في «القاموس» أي مما له إكرام، وقيل اسم مفعول بمعنى المصدر ولا
~~حاجة إلى التزامه، وقيل يجوز أن يكون باقيا على ما هو الشائع في هذه
~~الصيغة من كونه اسم مفعول، والمعنى ما له من يكرم ويشفع فيه ليخلص من
~~الإهانة. ولا يخفى بعده { إن الله يفعل ما يشاء } من
~~الأشياء التي من جملتها الإكرام والإهانة، وهذا أولى من تخصيص ما بقرينة
~~السياق بهما.

### || [22.19]

# { هذان خصمان اختصموا فى ربهم } تعيين لطرفي الخصام
~~وتحرير لمحله فالمراد بهذان فريق المؤمنين وفريق الكفرة المنقسم إلى
~~الفرق الخمس. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى ms06903 عنهما ومجاهد وعطاء بن
~~أبي رباح والحسن وعاصم والكلبي ما يؤيد ذلك وبه يتعين كون الفصل السابق
~~بين المؤمنين ومجموع من عطف عليهم، ولما كان كل خصم فريقا يجمع طائفة
~~جاء { اختصموا } بصيغة الجمع.

# وقرأ ابن أبي عبلة { اختصما } مراعاة للفظ { خصمان } وهو تثنية
~~خصم؛ وذكروا أنه في الأصل مصدر يستوي فيه الواحد المذكر وغيره، قال أبو
~~البقاء: وأكثر الاستعمال توحيده فمن ثناه وجمعه حمله على الصفات
~~والأسماء، وعن الكسائي أنه قرأ { خصمان } بكسر الخاء، ومعنى اختصامهم في
~~ربهم اختصامهم في شأنه عز شأنه، وقيل في دينه، وقيل في ذاته وصفاته والكل
~~من شؤونه تعالى واعتقاد كل من الفريقين حقية ما هو عليه وبطلان ما عليه
~~صاحبه وبناء أقواله وأفعاله عليه يكفي في تحقق خصومته للفريق الآخر ولا
~~يتوقف عن التحاور.

# وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: تخاصمت المؤمنون
~~واليهود فقالت اليهود: نحن أولى بالله تعالى وأقدم منكم كتابا ونبيا
~~قبل نبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحق بالله تعالى آمنا بمحمد صلى الله
~~عليه وسلم وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله تعالى من كتاب وأنتم تعرفون
~~كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسدا فنزلت. وأخرج جماعة عن قتادة
~~نحو ذلك. واعترض بأن الخصام على هذا ليس في الله تعالى بل في أيهما أقرب
~~منه عز شأنه، وأجيب بأنه يستلزم ذلك وهو كما ترى. وقيل عليه أيضا: إن
~~تخصيص اليهود خلاف مساق الكلام في هذا المقام. وفي «الكشف» قالوا: إن هذا
~~لا ينافي ما روي عن ابن عباس من أن الآية ترجع إلى أهل الأديان الستة في
~~التحقيق لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وأخرج البخاري ومسلم
~~والترمذي وابن ماجه والطبراني وغيرهم عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه أنه
~~كان يقسم قسما أن هذه الآية { هذان خصمان } (إلى قوله تعالى:

# إن الله يفعل ما يريد

# [الحج: 14]) / نزلت في الثلاثة والثلاثة الذين بارزوا يوم بدر هم حمزة
~~بن عبد المطلب وعبيدة بن الحرث وعلي بن أبي طالب وعتبة ms06904 وشيبة ابنا ربيعة
~~والوليد بن عتبة، وأنت تعلم أن هذا الاختصام ليس اختصاما في الله تعالى
~~بل منشؤه ذلك فتأمل ولا تغفل. وأما ما قيل من أن المراد بهذين الخصمين
~~الجنة والنار فلا ينبغي أن يختلف في عدم قبوله خصمان أو ينتطح فيه كبشان.

# وفي الكلام كما قال غير واحد تقسيم وجمع وتفريق فالتقسيم { إن
~~الذين ءامنوا } - إلى قوله تعالى - { والذين أشركوا }
~~والجمع

# إن الله يفصل بينهم

# [الحج: 17] إلى قوله تعالى: { هذان خصمان اختصموا فى
~~ربهم } [الحج: 19] والتفريق في قوله سبحانه: { فالذين كفروا
~~قطعت لهم ثياب من نار } الخ أي أعد لهم ذلك، وكأنه شبه
~~إعداد النار المحيطة بهم بتقطيع ثياب وتفصيلها لهم على قدر جثثهم ففي
~~الكلام استعارة تمثيلية تهكمية وليس هناك تقطيع ولا ثياب حقيقة، وكأن جمع
~~الثياب للإيذان بتراكم النار المحيطة بهم وكون بعضها فوق بعض. وجوز أن
~~يكون ذلك لمقابلة الجمع بالجمع والأول أبلغ، وعبر بالماضي لأن الإعداد قد
~~وقع فليس من التعبير بالماضي لتحققه كما في

# نفخ فى الصور

# [الكهف: 99]. وأخرج جماعة عن سعيد بن جبير أن هذه الثياب من نحاس مذاب
~~وليس شيء حمي في النار أشد حرارة منه فليست الثياب من نفس النار بل من
~~شيء يشبهها وتكون هذه الثياب كسوة لهم وما أقبحها كسوة. ولذا قال وهب:
~~يكسى أهل النار والعري خير لهم. وقرأ الزعفراني في اختياره { قطعت }
~~بالتخفيف والتشديد أبلغ.

# { يصب من فوق رءوسهم الحميم } أي الماء الحار الذي
~~انتهت حرارته، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لو سقط من الحميم نقطة
~~على جبال الدنيا لأذابتها، وفسره ابن جبير بالنحاس المذاب، والمشهور
~~التفسير السابق، ولعله إنما جىء بمن ليؤذن بشدة الوقوع؛ والجملة مستأنفة
~~أو خبر ثان للموصول أو في موضع الحال المقدرة من ضمير { لهم }.

### || [22.20]

# { يصهر به } أي يذاب { ما فى بطونهم } من الأمعاء
~~والأحشاء. وأخرج عبد بن حميد والترمذي وصححه وعبد الله بن أحمد في «زوائد
~~الزهد». وجماعة عن أبي هريرة أنه تلا هذه الآية فقال: سمعت رسول ms06905 الله
~~صلى الله عليه وسلم يقول:

# " إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما
~~في جوفه حتى يمرق إلى قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان "

# وقرأ الحسن وفرقة { يصهر } بفتح الصاد وتشديد الهاء.

# والظاهر أن قوله تعالى: { والجلود } عطف على { ما } وتأخيره عنه
~~قيل إما لمراعاة الفواصل أو للإشعار بغاية شدة الحرارة بإيهام أن تأثيرها
~~في الباطن أقدم من تأثيرها في الظاهر مع أن ملابستها على العكس، وقيل إن
~~التأثير في الظاهر غني عن البيان وإنما ذكر للإشارة إلى تساويهما ولذا
~~قدم الباطن لأن المقصود الأهم، وقيل التقدير ويحرق الجلود لأن الجلود لا
~~تذاب وإنما تجتمع على النار وتنكمش، وفي «البحر» أن هذا من باب:

# علفتها تبنا وماء باردا

# وقال بعضهم: لا حاجة إلى التزام ذلك فإن أحوال تلك النشأة أمر آخر، وقيل
~~{ يصهر } بمعنى ينضج، وأنشد:

# تصهره الشمس ولا ينهصر

# وحينئذ لا كلام في نسبته إلى الجلود، والجملة حال من

# الحميم

# [الحج: 19] أو مستأنفة.

### || [22.21]

# { ولهم } أي للكفرة، وكون الضمير للزبانية بعيد، واللام للاستحقاق
~~أو للفائدة تهكما بهم، وقيل للأجل، / والكلام على حذف مضاف أي لتعذيبهم،
~~وقيل بمعنى على كما في قوله تعالى:

# ولهم اللعنة

# [غافر: 52] أي وعليهم.

# { مقامع من حديد } جمع مقمعة وحقيقتها ما يقمع به أي يكف
~~بعنف. وفي «مجمع البيان» هي مدقة الرأس من قمعه قمعا إذا ردعه، وفسرها
~~الضحاك وجماعة بالمطارق، وبعضهم بالسياط. وفي الحديث

# " لو وضع مقمع منها في الأرض ثم اجتمع عليه الثقلان ما أقلوه من الأرض
~~".

### || [22.22]

# { كلما أرادوا أن يخرجوا منها } أي أشرفوا على الخروج
~~من النار ودنوا منه حسبما يروى أنها تضربهم بلهبها فترفعهم فإذا كانوا في
~~أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفا، فالإرادة مجاز عن
~~الإشراف والقرب كما في قوله تعالى:

# يريد أن ينقض

# [الكهف:77] وجعل بعضهم ضمير { منها } للثياب وهو ركيك، وقوله تعالى:
~~{ من غم } بدل اشتمال من ضمير { منها } بإعادة الجار والرابط
~~محذوف والتنكير للتفخيم، والمراد من غم عظيم من ms06906 غمومها أو مفعول له
~~للخروج أي كلما أرادوا الخروج منها لأجل غم عظيم يلحقهم من عذابها، والغم
~~أخو الهم وهو معروف، وقال بعضهم: هو هنا مصدر غممت الشيء أي غطيته أي
~~كلما أرادوا أن يخرجوا من تغطية العذاب لهم أو مما يغطيهم من العذاب {
~~أعيدوا فيها } أي في قعرها بأن ردوا من أعاليها إلى أسافلها من غير
~~أن يخرجوا منها إذ لا خروج لهم كما هو المشهور من حالهم، واستدل له بقوله
~~تعالى:

# وما هم بخرجين

# [البقرة: 167] وفي اختيار { فيها } دون إليها إشعار بذلك، وقيل
~~الإعادة مجاز عن الإبقاء، وقيل التقدير كلما أرادوا أن يخرجوا منها
~~فخرجوا أعيدوا فيها فالإعادة معلقة على الخروج وحذف للإشعار بسرعة تعلق
~~الإرادة بالإعادة ويجوز أن يحصل لهم، والمراد من قوله تعالى:

# وما هم بخرجين

# [البقرة: 167] نفي الاستمرار أي لا يستمرون على الخروج لا استمرار
~~النفي، وكثيرا ما يعدى العود بفي لمجرد الدلالة على التمكن والاستقرار،
~~وقال بعضهم: إن الخروج ليس من النار وإنما هو من الأماكن المعدة لتعذيبهم
~~فيها، والمعنى كلما أراد أحدهم أن يخرج من مكانه المعد له في النار إلى
~~مكان آخر منها فخرج منه أعيد فيه وهو كما ترى، وهذه الإعادة على ما قيل
~~بضرب الزبانية إياهم بالمقامع.

# وقوله تعالى: { وذوقوا } على تقدير قول معطوف على { أعيدوا } أي
~~وقيل لهم ذوقوا { عذاب الحريق } قد مر الكلام فيه، والأمر
~~للإهانة.

### || [22.23]

# { إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا
~~الصلحات جنت تجرى من تحتها الأنهر } بيان
~~لحسن حال المؤمنين إثر بيان سوء حال الكفرة، وغير الأسلوب فيه بإسناد
~~الإدخال إلى الاسم الجامع وتصدير الجملة بحرف التحقيق وفصلها للاستئناف
~~إيذانا بكمال مباينة حالهم لحال الكفرة وإظهارا لمزيد العناية بأمر
~~المؤمنين ودلالة على تحقيق مضمون الكلام { يحلون فيها } بالبناء
~~للمفعول والتشديد من التحلية بالحلي أي تحليهم الملائكة عليهم السلام
~~بأمره تعالى، وقوله تعالى: { من أساور } قيل متعلق بيحلون، و {
~~من } ابتدائية والفعل متعد لواحد وهو النائب عن الفاعل، وقيل: متعلق
~~بمحذوف وقع صفة لمفعول محذوف و(من) ms06907 للبيان والفعل متعد لاثنين أحدهما
~~النائب عن الفاعل والآخر الموصوف المحذوف أي يحلون حليا أو شيئا من
~~أساور، وعلى القول بتعدي هذا الفعل لاثنين جوز أن تكون (من) للتبعيض
~~واقعة موقع المفعول، وأن تكون زائدة على مذهب الأخفش من جواز زيادتها في
~~الإيجاب و { أساور } مفعول { يحلون }.

# وقوله تعالى: { من ذهب } / صفة لأساور، و { من } للبيان، وقيل:
~~لابتداء الغاية أي أنشئت من ذهب، وقيل: للتبعيض وتعلقه بيحلون لا يخفى
~~حاله، وقرىء { يحلون } بضم الياء والتخفيف، وهو على ما في «البحر» بمعنى
~~المشدد، ويشعر كلام بعض أنه متعد لواحد وهو النائب الفاعل فمن أساور
~~متعلق به و(من) ابتدائية. وقرأ ابن عباس { يحلون } بفتح الياء واللام
~~وسكون الحاء من حليت المرأة إذا لبست حليها، وقال أبو حيان: إذا صارت ذات
~~حلي، وقال أبو الفضل الرازي: يجوز أن يكون من حلي بعيني يحلى إذا
~~استحسنته وهو في الأصل من الحلاوة وتكون (من) حينئذ زائدة، والمعنى
~~يستحسنون فيها الأساورة، وقيل: هذا الفعل لازم و(من) سببية، والمعنى يحلى
~~بعضهم بعين بعض بسبب لباس أساور الذهب. وجوز أبو الفضل أن يكون من حليت
~~به إذا ظفرت به، ومنه قولهم: لم يحل فلان بطائل، و(من) حينئذ بمعنى
~~الباء أي يظفرون فيها بأساور من ذهب. وقرأ ابن عباس { من أسور } بفتح
~~الراء من غير ألف ولا هاء، وكان قياسه أن يصرف لأنه نقص بناؤه فصار كجندل
~~لكنه قدر المحذوف موجودا فمنع الصرف، وقد تقدم الكلام على نظير هذه
~~الجملة في الكهف [31] فتذكر.

# وقوله تعالى: { ولؤلؤا } عطف على محل { من أساور } أو على
~~الموصوف المحذوف، وحمله أبو الفتح على إضمار فعل أي ويؤتون لؤلؤا أو نحو
~~ذلك. وقرأ أكثر السبعة والحسن في رواية وطلحة وابن وثاب والأعمش وأهل مكة
~~{ ولؤلؤ } بالخفض عطفا على { أساور } أو على { ذهب } لأن السوار
~~قد يكون من ذهب مرصع بلؤلؤ وقد يكون من لؤلؤ فقط كما رأيناه ويسمى في
~~ديارنا خصرا وأكثر ما يكون من المرجان.

# واختلفوا هل في الإمام ألف بعد الواو فقال ms06908 الجحدري: نعم، وقال الأصمعي:
~~لا، وروى يحيى عن أبي بكر همز الآخر وقلب الهمزة الأولى واوا، وروى
~~المعلى بن منصور عنه ضد ذلك. وقرأ الفياض { لوليا } قلب الهمزتين واوين
~~فصارت الثانية واوا قبلها ضمة وحيث لم يكن في كلامهم اسم متمكن آخره واو
~~قبلها ضمة قلب الواو ياء والضمة قبلها كسرة. وقرأ ابن عباس { وليليا }
~~بقلب الهمزتين واوين ثم قلبهما ياءين، أما قلب الثانية فلما علمت وأما
~~قلب الأولى فللاتباع. وقرأ طلحة { ولول } كأدل في جمع دلو قلبت الهمزتان
~~واوين ثم قلبت ضمة اللام كسرة والواو ياء ثم أعل إعلال قاض.

# { ولباسهم فيها حرير } غير الأسلوب حيث لم يقل ويلبسون فيها
~~حريرا للإيذان بأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غني عن البيان إذ لا يمكن
~~عراؤهم عنه وإنما المحتاج إلى البيان أن لباسهم ماذا بخلاف التحلية فإنها
~~ليست من لوازمهم الضرورية فلذا جعل بيانها مقصودا بالذات. ولعل هذا هو
~~السر في تقديم بيان التحلية على بيان حال اللباس قاله العلامة شيخ
~~الإسلام، ولم يرتض ما قيل: إن التغيير للدلالة على أن الحرير لباسهم
~~المعتاد أو لمجرد المحافظة على هيئة الفواصل، وظاهر كلامهم أن الجملة
~~معطوفة على السابقة، وجوز أن تكون في موضع الحال من ضمير { يحلون
~~}.

# ثم إن الظاهر أن هذا الحكم عام في كل أهل الجنة، وقيل هو باعتبار الأغلب
~~لما أخرج النسائي وابن حبان وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم:

# " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وإن دخل الجنة لبسه أهل
~~الجنة ولم يلبسه "

# وحديث عدم لبس ذلك له في الآخرة مذكور في «الصحيحين» عن ابن عمر رضي
~~الله تعالى عنهما مرفوعا. / والظاهر أن حرمة استعمال الحرير للرجال في
~~غير ما استثني مجمع عليها وأنه يكفر من استحل ذلك غير متأول، ولعل خبر
~~البيهقي في «سننه» وغيره عن ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما مرفوعا

# " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ولم يدخل الجنة "

# إن ms06909 صح محمول على ما إذا كان اللبس محرما بالإجماع وقد استحله فاعله من
~~غير تأول أو على أن المراد لم يدخل الجنة مع السابقين وإلا فعدم دخول
~~اللابس مطلقا الجنة مشكل.

### || [22.24]

# { وهدوا إلى الطيب من القول } وهو قولهم:

# الحمد لله الذى صدقنا وعده وأورثنا الأرض
~~نتبوأ من الجنة

# [الزمر: 74] كما روي عن ابن عباس، وقيل: ما يعمه وسائر ما يقع في محاورة
~~أهل الجنة بعضا لبعض، وقيل: إن هذه الهداية في الدنيا فالطيب قول لا
~~إله إلا الله، وفي رواية عن ابن عباس ذلك مع زيادة والحمد لله، وزاد ابن
~~زيد والله أكبر، وعن السدي هو القرآن، وحكى الماوردي هو الأمر بالمعروف
~~والنهي عن المنكر، وقيل: ما يعم ذلك وسائر الأذكار.

# { وهدوا إلى صرط الحميد } أي المحمود جدا، وإضافة {
~~صرط } إليه قيل بيانية. والمراد به الإسلام فإنه صراط محمود من يسلكه
~~أو محمود هو نفسه أو عاقبته، وقيل: الجنة وإطلاق الصراط عليها باعتبار
~~أنها طريق للفوز بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقيل:
~~{ الحميد } هو الجنة والإضافة على ظاهرها، والمراد بصراطها الإسلام
~~أو الطريق المحسوس الموصل إليها يوم القيامة، واستظهر أن المراد من
~~الحميد هو الله عز وجل المستحق لذاته لغاية الحمد. والمراد بصراطه تعالى
~~الإسلام فإنه طريق إلى رضوانه تعالى. وقيل: الجنة فإنها طريق للفوز بما
~~تقدم وأضيفت إليه تعالى للتشريف.

# وحاصل ما قالوه هنا أن الهداية تحتمل أن تكون في الآخرة وأن تكون في
~~الدنيا وأن المراد بالحميد إما الحق تعالى شأنه وإما الجنة وإما الصراط
~~نفسه، وبالصراط إما الإسلام وإما الجنة وإما الطريق المحسوس الموصل إليها
~~يوم القيامة. ووجهوا تأخير هذه الجملة عن الجملة الأولى تارة بأنه لرعاية
~~الفواصل وأخرى بأن ذكر الحمد الذي تضمنته الأولى يستدعي ذكر المحمود ولا
~~يبعد أن يقال: إن الهداية في الجملتين في الآخرة بعد دخول الجنة وإن
~~الإضافة هنا بيانية وإن المراد بالقول الطيب القول الذي تستلذه النفوس
~~الواقع في محاورة أهل الجنة بعضهم ms06910 لبعض. وبالصراط الحميد ما يسلكه أهل
~~الجنة في معاملة بعضهم بعضا من الأفعال التي يحمدون عليها أو مما هو أعم
~~من ذلك. فحاصل الجملة الأولى وصف أهل الجنة بحسن الأقوال. وحاصل الثانية
~~وصفهم بحسن الأفعال أو مما هو أعم منها ومن الأقوال. وكأنه تعالى بعد أن
~~ذكر حسن مسكنهم وحليهم ولباسهم ذيل ذلك بحسن معاملة بعضهم بعضا في
~~الأقوال والأفعال إيماءا إلى أن ما هم فيه لا يخرجهم إلى خشونة المقال
~~ورداءة الأفعال المشينتين لحسن ما هم فيه والمنغصتين للذة الاجتماع. ووجه
~~التقديم والتأخير على هذا غير خفي على الفطن.

# والذي اختاره أن القول الطيب قولهم بعد دخول الجنة

# الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن إن ربنا
~~لغفور شكور * الذى أحلنا دار المقامة من فضله
~~لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب

# [فاطر: 34-35] لقوله تعالى: في سورة فاطر بعد قوله سبحانه:

# يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا
~~ولباسهم فيها حرير * وقالوا الحمد لله الذى
~~أذهب عنا الحزن

# [فاطر: 33-34] الخ والقرآن يفسر بعضه بعضا. وأن المراد بالصراط الحميد
~~ما يعم الأقوال والأفعال الجارية بين أهل الجنة مما يحمد سلوكه في
~~المعاشرة والاجتماع في هاتيك البقاع فرارا من شائبة التأكيد كما لا يخفى
~~/ على ذي فكر سديد فتأمل هديت إلى صراط الحميد.

### || [22.25]

# { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله
~~والمسجد الحرام } وعيد لصنف من الكفرة، وحسن عطف المضارع على
~~الماضي لما أنه لم يرد بالمضارع حال أو استقبال كما في قولهم: فلان يحسن
~~إلى الفقراء فإن المراد به استمرار وجود الإحسان، وقيل: { يصدون }
~~بمعنى صدوا إلا أنه عبر بالمضارع استحضارا للصورة الماضية تهويلا لأمر
~~الصد، وقيل لا عطف بل الجملة خبر مبتدأ محذوف والمجموع في موضع الحال من
~~فاعل { كفروا } أي وهم يصدون، وجوز أن تكون الجملة حالا من غير
~~تقدير مبتدأ لشبهها بالجملة الاسمية معنى وخبر إن محذوف لدلالة آخر الآية
~~الكريمة عليه أي نذيقهم من عذاب اليم، وقدره الزمخشري بعد { المسجد
~~الحرام } وتعقبه أبو حيان ms06911 بأنه لا يصح لما فيه من الفصل بين الصفة
~~وهو { المسجد } والموصوف وهو { الذى }. وأجيب باحتمال أنه جعل {
~~الذى } نعتا مقطوعا، وقدره ابن عطية بعد { والباد } وهو أولى
~~إلا أنه قدر خسروا أو هلكوا وتقدير نذيقهم الخ أولى منه، وقيل الواو في {
~~ويصدون } زائدة والجملة بعده خبر { إن }. وتعقبه ابن عطية بأنه
~~مفسد للمعنى المراد وغيره بأن البصريين لا يجيزون زيادة الواو والقول
~~بجواز زيادتها قول كوفي مرغوب عنه، والظاهر أن { المسجد } عطف على {
~~سبيل } وجوز أن يكون معطوفا على الاسم الجليل، والآية على ما روي عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين
~~صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم عام
~~الحديبية عن المسجد الحرام فكره عليه الصلاة والسلام أن يقاتلهم وكان
~~محرما بعمرة ثم صالحوه على أن يعود في العام القابل.

# والمراد بالمسجد الحرام مكة وعبر به عنها لأنه المقصود المهم منها، ويدل
~~على ذلك قوله تعالى: { الذى جعلنه للناس } أن كائنا من
~~كان من غير فرق بين مكي وآفاقي { سواء العكف فيه والباد }
~~أي المقيم فيه والطارىء فإن الإقامة لا تكون في المسجد نفسه بل في منازل
~~مكة وفي وصفه بذلك زيادة التشنيع على الصادين عنه، وقد استشهد بعض الأئمة
~~بالآية على عدم جواز بيع دور مكة وإجارتها وإلا لما استوى العاكف فيها
~~والباد، وقد ورد التصريح بذلك في بعض الأحاديث الصحيحة، فروي من عدة طرق
~~أنه عليه الصلاة والسلام قال:

# " مكة حرمها الله تعالى لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها "

# وذكر ابن سابط أن دور أهل مكة كانت بغير أبواب حتى كثرت السرقة فاتخذ
~~رجل بابا فأنكر عليه عمر رضي الله تعالى عنه قال: أتغلق بابا في وجه حاج
~~بيت الله تعالى؟ فقال: إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة فتركه فاتخذ الناس
~~الأبواب، وأخرج ابن ماجه وابن أبي شيبة عن علقمة بن نضلة قال: توفي رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ms06912 وعمر رضي الله تعالى عنهما وما تدعى
~~رباع مكة إلا السوائب من احتاج سكن ومن استغنى أسكن، وقال ابن عمر رضي
~~الله تعالى عنهما: من أكل كراء بيوت مكة فإنما أكل نارا في بطنه لأن
~~الناس في الانتفاع بها سواء، وجاء صدره من رواية الدارقطني مرفوعا.

# وفي «النهاية» لا بأس ببيع بناء مكة ويكره بيع أرضها وهذا عند أبي
~~حنيفة رضي الله تعالى عنه وقال: لا بأس ببيع أرضها وهو رواية عنه أيضا
~~وهو مذهب الشافعي عليه الرحمة وعليه الفتوى. وفي «تنوير الأبصار وشرحه
~~الدر المختار» وجاز بيع بناء بيوت مكة وأرضها بلا كراهة وبه قال الشافعي
~~وبه يفتي عيني. وفي «البرهان» في باب العشر ولا يكره بيع أرضها كبنائها
~~وبه يعمل. وفي «مختارات النوازل» لصاحب «الهداية» لا بأس ببيع بنائها
~~وإجارتها / لكن في الزيلعي وغيره يكره إجارتها، وفي آخر الفصل الخامس من
~~«التاتار خانية» و«إجارة الوهبانية» قال أبو حنيفة: أكره إجارة بيوت مكة
~~في أيام الموسم؛ وكان يفتي لهم أن ينزلوا عليهم في دورهم لقوله تعالى: {
~~سواء العكف فيه والباد } ورخص فيها في غير أيام الموسم؛
~~انتهى فليحفظ، قلت: وبهذا يظهر الفرق والتوفيق انتهى.

# والذي يفهم من «غاية البيان» أن القول بكراهة إجارة بيوتها أيام الموسم
~~مما لم يتفرد به الإمام بل وافقه عليه صاحباه حيث نقل عن «تقريب الإمام
~~الكرخي» ما نصه وروى هشام عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه كره إجارة بيوت
~~مكة في الموسم ورخص في غيره، وكذا قال أبو يوسف، وقال هشام: أخبرني محمد
~~عن أبي حنيفة أنه يكره كراء بيوت مكة في الموسم ويقول لهم أن ينزلوا
~~عليهم في دورهم إن كان فيها فضل وإن لم يكن فلا وهو قول محمد انتهى.

# والذي تحرر مما رأيناه من أكثر معتبرات «كتب ساداتنا الحنفية» أن جواز
~~بيع بناء البيوت متفق عليه لأنه ملك لمن بناه كمن بنى في أرض الوقف بإذن
~~المتولي، ولا يقال: إنه بناء غاصب كمن بنى بيتا في جامع لظهور الإذن هنا ms06913
~~دونه ثمة، وكذا كراهة الإجارة في أيام الموسم وأما بيع الأرض فعند
~~الإمامين جائز بلا كراهة قولا واحدا وعن الإمام روايتان الجواز وعدمه
~~والمفتي به الجواز، ومستند من يجوز من الكتاب الجليل هذه الآية. وأجاب
~~أصحاب الشافعي عنها أن المسجد الحرام في المطاف والعاكف في المعتكف
~~للعبادة المعدود من أهل المسجد لملازمته له أظهر، وكذلك المساواة في أنه
~~من شعائر الله تعالى المنصوبة لكل عاكف وباد أوضح وهو المقابل للموصوف
~~بالصد عن سبيل الله تعالى والمسجد الحرام خاصة فما كانوا يصدون عن مكة
~~ولا أن الصد عنها لغير مريد النسك معصية وأي مدخل لحديث التمليك وعدمه في
~~هذا المساق.

# والاستدراك بأن له مدخلا على سبيل الإدماج وإشارة النص كلام لا طائل
~~تحته، وقد فسر { سوآء } بما فسر كذا في «الكشف».

# وقد جرت مناظرة بمكة بين الشافعي وإسحق بن راهويه الحنظلي وكان إسحق
~~لا يرخص في كراء دور مكة فاحتج الشافعي بقوله تعالى:

# الذين أخرجوا من ديرهم بغير حق

# [الحج: 40] فأضيفت الديار إلى مالكيها وقوله صلى الله عليه وسلم يوم فتح
~~مكة

# " من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن "

# وبأنه قد اشترى عمر رضي الله تعالى عنه دار السجن أترى أنه اشترى من
~~مالكيها أو غير مالكيها قال إسحق: فلما علمت أن الحجة قد لزمتني تركت
~~قولي، وأجاب بعضهم أن الإضافة إلى مالكي منفعة السكنى وأن عمر رضي الله
~~تعالى عنه اشترى البناء دون الأرض وأرضى بالثمن من أنفق مالا فيه لحاجة
~~العامة وللإمام من ذلك ما ليس لغيره. وتعقب بأن الاستدلال بالظاهر
~~والعدول عن الظاهر دون سند أقوى غير ملتفت إليه، ولذا قال ابن راهويه وهو
~~أحد أركان المسلمين وعلم من أعلام الدين ما قال. والظاهر أن الأخبار
~~المصرحة بتحريم البيع والإجارة لم تصح عند الشافعي رضي الله تعالى عنه،
~~وعند من قال بمثل قوله.

# ونصب { سوآء } على أنه مفعول ثان لجعلنا، والأول الضمير الغائب المتصل
~~و { العكف } مرتفع به لأنه بمعنى مستو وإن كان ms06914 في الأصل مصدرا،
~~ومن كلامهم مررت برجل سواء هو والعدم، واللام ظرف لما عنده. وجوز أن يكون
~~{ للناس } في موضع المفعول الثاني أي جعلناه مباحا للناس أو معبدا
~~لهم و { سوآء } حالا من الهاء وكذا يكون حالا إذا لم يعد الجعل إلى
~~مفعولين. / وقرأ الجمهور { سوآء } بالرفع على أنه خبر و { العاكف }
~~مبتدأ، وضعف العكس لما فيه من الإخبار بالمعرفة عن النكرة، والجملة في
~~موضع المفعول الثاني أو الحال، وجوز أن تكون تفسيرية لجعله للناس؛ وقرأت
~~فرقة منهم الأعمش في رواية القطعي { سوآء } بالنصب { العكف فيه
~~} بالجر، ووجه النصب ما تقدم، ووجه جر { العكف } أنه بدل تفصيل من
~~الناس، وقيل: هو عطف بيان. وقرىء { والبادي } بإثبات الياء وصلا ووقفا،
~~وقرىء بتركها فيهما وبإثباتها وصلا وحذفها وقفا.

# { ومن يرد فيه } مما ترك مفعوله ليتناول كل متناول أي ومن يرد
~~فيه شيئا ما أو مرادا ما، وقدر ابن عطية المفعول الناس أي ومن يرد فيه
~~الناس. وقوله تعالى: { بإلحاد } أي عدول عن القصد أي الاستقامة
~~المعنوية، وأصله إلحاد الحافر { بظلم } بغير حق حالان مترادفان أو
~~الثاني بدل من الأول بإعادة الجار والباء فيهما للملابسة، أو الأول حال
~~والثاني متعلق به والباء فيه للسببية أي ملحدا بسبب الظلم كالإشراك
~~واقتراف الآثام، وقال أبو عبيدة: الباء زائدة و { إلحاد } مفعول { يرد
~~} وأنشد عليه قول الأعشى:

# ضمنت برزق عيالنا أرماحنا

# وأيد بقراءة الحسن { ومن يرد إلحاده بظلم } وهي على معنى
~~إلحادا فيه إلا أنه توسع فقيل إلحاده، وقال أبو حيان: الأولى أن يضمن
~~«يرد» معنى يتلبس وتجعل الباء للتعدية. وقرأت فرقة «يرد» بفتح الياء من
~~الورود. وحكاها الكسائي. والفراء أي من أتى فيه بإلحاد الخ، وتفسير
~~الإلحاد بما ذكر هو الظاهر فيشمل سائر الآثام لأن حاصل معناه الميل عن
~~الحق إلى الباطل وهو محقق في جميع الآثام، وكذا المراد بالظلم عند جمع
~~وجمعهما على هذا للتأكيد، وقيل: المراد بذلك الشرك ولم يرتضه ابن أبي
~~مليكة، فقد أخرج عبد بن حميد أنه سئل عن قوله تعالى: ms06915 { ومن يرد }
~~الخ فقال: ما كنا نشك أنها الذنوب حتى جاء أعلاج من أهل البصرة إلى أعلاج
~~من أهل الكوفة فزعموا أنها الشرك. وأخرج أبو داود وغيره عن يعلى بن أمية
~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه،
~~وهو من ذكر بعض الأفراد لاقتضاء الحال إياه، وجعل بعضهم من ذلك دخوله من
~~غير إحرام، وروي عن عطاء تفسير الإلحاد به. وأخرج ابن جرير وجماعة عن
~~مجاهد قال: كان لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما فسطاطان أحدهما في
~~الحل والآخر في الحرم فإذا أراد أن يصلي صلى في الذي في الحرم وإذا أراد
~~أن يعاتب أهله عاتبهم في الذي في الحل فقيل له فقال: نحدث أن من الإلحاد
~~فيه لا والله بلى والله.

# { نذقه من عذاب أليم } جواب لمن الشرطية. والظاهر أن
~~الوعيد على إرادة ذلك مطلقا فيفيد أن من أراد سيئة في مكة ولم يعملها
~~يحاسب على مجرد الإرادة وهو قول ابن مسعود وعكرمة وأبي الحجاج، وقال
~~الخفاجي: الوعيد على الإرادة المقارنة للفعل لا على مجرد الإرادة لكن في
~~التعبير بها إشارة إلى مضاعفة السيئات هناك والإرادة المصممة مما يؤاخذ
~~عليها أيضا وإن قيل إنها ليست كبيرة، وقد روي عن مالك كراهة المجاورة
~~بمكة انتهى، وإلى مضاعفة السيئة في مكة ذهب مجاهد، فقد أخرج عنه ابن
~~المنذر وغيره أنه قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات، وقال رحمه
~~الله تعالى: سألت ابن عمر وكان منزله في الحل ومسجده في الحرم لم تفعل
~~هذا؟ فقال: لأن العمل في الحرم أفضل والخطيئة فيه أعظم فينبغي لمن كان
~~فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد في جميع ما يهم به ويقصده. والظاهر
~~أن هذه الإذاقة في الآخرة، وقيل كان قبل أن يستحله أهله تعجل العقوبة في
~~الدنيا لمن قصده / بسوء.

# وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال في
~~الآية. حدثنا رجل سمعه من عقب المهاجرين والأنصار أنهم ms06916 أخبروه أن أيما
~~أحد أراد به ما أراد أصحاب الفيل عجل لهم العقوبة في الدنيا وقال: إنما
~~يوفى استحلاله من قبل أهله، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبا ما ينفعك في
~~هذا المطلب.

# وحد بعضهم الحرم بقوله:

# وللحرم التحديد من أرض طيبة

# ثلاثة أميال إذا رمت اتقانه

# وسبعة أميال عراق وطائف

# وجدة عشر ثم تسع جعرانه

# ومن يمن سبع بتقديم سينه

# وقد كملت فاشكر لربك إحسانه

# وأما المسجد الحرام فيطلق على الحرم كله عند عطاء فيكون حده ما ذكر. وفي
~~«البحر العميق» عن أبي هريرة قال: إنا لنجد في كتاب الله تعالى أن حد
~~المسجد الحرام إلى آخر المسعى، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أساس
~~المسجد الحرام الذي وضعه إبراهيم عليه السلام من الحزورة إلى مخرج مسيل
~~جياد، وقد ذكروا أن طول المسجد اليوم أربعمائة ذراع وأربعة أذرع وعرضه
~~ثلثمائة ذراع. وحكي أنه لم يكن كذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم ولم يكن له جدار يحيط به فلما استخلف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى
~~عنه وسع المسجد واشترى دورا فهدمها وأدخلها فيه ثم أحاط عليه جدارا
~~قصيرا دون القامة وكانت المصابيح توضع عليه، ثم لما استخلف عثمان اشترى
~~دورا أيضا ووسع بها وبنى المسجد والأروقة، ثم إن عبد الله بن الزبير
~~زاد سنة بضع وستين في المسجد زيادة كثيرة في خلافته، ومن ذلك بعض دار
~~الأزرقي اشتراه بسبعة آلاف دينار، ثم عمره بعد ذلك عبد الملك بن مروان
~~ولم يزيد فيه لكن رفع جدار المسجد وحمل إليه أعمدة الحجارة والرخام، ثم
~~إن المنصور زاد في شقة الشامي وبناه وجعل فيه أعمدة من الرخام، ثم زاد
~~المهدي بعده مرتين وكانت الكعبة في جانب المسجد فأحب أن تكون في الوسط
~~فاشترى دورا وزاد في المسجد ووسطها كذا ذكره النووي. وفي «البحر العميق»
~~أن زيادة المهدي هي التي تلي دار الندوة خلف مقام الحنفي، ثم لما انتهت
~~الدولة إلى سلاطين آل عثمان أبقى الله تعالى دولتهم ms06917 ما دام الدوران لم
~~يألوا جهدا في خدمته والسعي في مرمته.

### || [22.26]

# { وإذ بوأنا لإبرهيم مكان البيت } أي اذكر لهؤلاء
~~الكفرة الذين يصدون عن سبيل الله تعالى والمسجد الحرام وقت جعلنا مكان
~~البيت مباءة لجدهم إبراهيم عليه السلام أي مرجعا يرجع إليه للعمارة
~~والعبادة ويقال بوأه منزلا إذا أنزله فيه ولما لزمه جعل الثاني مباءة
~~للأول جيء باللام فهي للتعدية، و { مكان } مفعول به. وقال الزجاج:
~~المعنى بينا له مكان البيت ليبنيه ويكون مباءة له ولعقبه يرجعون إليه
~~ويحجونه، والأول مروي عن ابن عباس، وقيل: اللام زائدة في المفعول به و {
~~مكان } ظرف لبوأنا. واعترض بأن اللام إنما تزاد إذا قدم المعمول أو
~~كان العامل فرعا وشيء منهما غير متحقق ههنا وأن { مكان البيت }
~~ظرف معين فحقه أن يتعدى الفعل إليه بفي، وفيه نظر كما يعلم من «كتب
~~العربية»، وقيل: مفعول { بوأنا } محذوف أي بوأنا الناس واللام في {
~~لإبراهيم } لام العلة أي لأجل إبراهيم أي كرامة له، والمعول عليه ما
~~قدمنا، وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت مع أن المراد تذكير ما وقع فيه من
~~الحوادث قد مر غير مرة، والمكان المتعارف ما يستقر عليه الشيء / ويمنعه
~~من النزول وللعلماء فيه مذاهب وليس هذا مكان تحقيقها.

# وأصل البيت مأوى الإنسان بالليل ثم قد يقال من غير اعتبار الليل فيه
~~وجمعه أبيات وبيوت لكن البيوت بالمسكن أخص والأبيات بالشعر أخص، ويقع ذلك
~~على المتخذ من حجر ومن مدر ومن صوف ووبر، ويعبر عن مكان الشيء ببيته،
~~والمراد بالبيت بيت الله عز وجل الكعبة المكرمة، وقد بنيت خمس مرات،
~~إحداها بناء الملائكة عليهم السلام قبل آدم وكانت من ياقوتة حمراء ثم رفع
~~ذلك البناء إلى السماء أيام الطوفان، والثانية بناء إبراهيم عليه السلام.
~~روي أنه تعالى لما أمره ببناء البيت لم يدر أين يبني فأرسل الله تعالى له
~~الريح الخجوج فكشفت عن أسه القديم فبنى عليه، والثالثة: بناء قريش في
~~الجاهلية، وقد حضره النبي صلى الله عليه وسلم وكان شابا فلما أرادوا أن ms06918
~~يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فأراد كل قبيلة أن يتولى رفعه ثم
~~توافقوا على أن يحكم بينهم أول رجل يخرج من هذه السكة فكان رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم أول من خرج فقضى بينهم أن يجعلوه في مرط ثم يرفعه جميع
~~القبائل فرفعوه ثم ارتقى صلى الله عليه وسلم فرفعوه إليه فوضعه مكانه
~~وكانوا يدعونه عليه السلام الأمين وكان ذلك قبل المبعث فيما قيل بخمس
~~عشرة سنة، والرابعة بناء عبد الله بن الزبير، والخامسة بناء الحجاج وهو
~~البناء الموجود اليوم.

# وارتفاعها في السماء سبعة وعشرون ذراعا وربع ذراع والذراع أربع وعشرون
~~أصبعا والأصبع ست شعيرات والشعيرة ست شعرات من شعر البرذون.

# وأما طولها في الأرض فمن الركن اليماني إلى الركن الأسود خمسة وعشرون
~~ذراعا وكذا ما بين اليماني والغربي، وأما عرضها فهو من الركن اليماني
~~إلى الركن الأسود عشرون ذراعا، وطول الباب ستة أذرع وعشرة أصابع، وعرضه
~~أربعة أذرع والباب في جدارها الشرقي وهو من خشب الساج مضبب بالصفائح من
~~الفضة، وارتفاع ما تحت عتبة الباب من الأرض أربعة أذرع وثلاث أصابع،
~~والميزاب في وسط جدار الحجر. وعرض الملتزم وهو ما بين الباب والحجر
~~الأسود أربعة أذرع، وارتفاع الحجر الأسود من الأرض ثلاثة أذرع إلا سبعا،
~~وعرض القدر الذي بدر منه شبر وأربع أصابع مضمومة، وعرض المستجاد وهو بين
~~الركن اليماني إلى الباب المسدود في ظهر الكعبة مقابلا للمتلزم أربعة
~~أذرع وخمس أصابع، وعرض الباب المسدود ثلاثة أذرع ونصف ذراع وطوله أكثر من
~~خمسة أذرع.

# وأما الحجر ويسمى الحطيم والحظيرة فعلى هيئة نصف دائرة من صوب الشام
~~والشمال بين الركن العراقي والشامي. وحده من جدار الكعبة الذي تحت
~~الميزاب إلى جدار الحجر سبعة عشر ذراعا وثماني أصابع منها سبعة أذرع أو
~~ستة وشبر من أرض الكعبة، والباقي كان زربا لغنم سيدنا إسماعيل عليه
~~السلام فأدخلوه في الحجر، وما بين بابي الحجر عشرون ذراعا، وعرض جدار
~~الحجر ذراعان، وذرع تدوير جدار الحجر من داخله ثمانية وثلاثون ذراعا ومن
~~خارجه أربعون ms06919 ذراعا وست أصابع، وارتفاع جدار الحجر ذراعان فذرع الطوق
~~وحده حوالي الكعبة، والحجر مائة ذراع وثلاثة وعشرون ذراعا واثنتا عشرة
~~أصبعا، وهذا على ما ذكره الإمام حسين بن محمد الآمدي في «رسالة» له في
~~ذلك والعهدة عليه، وإنا لنرجوا من رب البيت أن يوفقنا لزيارة بيته وتحقيق
~~ذلك بلطفه وكرمه.

# و { أن } في قوله تعالى { أن لا تشرك بي شيئا } قيل مفسرة،
~~والتفسير باعتبار أن التبوئة من أجل العبادة فكأنه قيل أمرنا إبراهيم
~~عليه السلام بالعبادة وذلك فيه معنى القول دون حروفه أو لأن بوأناه بمعنى
~~قلنا له تبوأ، وقال ابن عطية: مخففة من الثقيلة وكأنه لتأويل بوأناه
~~بأعلمناه، فلا يرد عليه أنه لا بد أن يتقدمها فعل تحقيق أو ترجيح. / وقال
~~أبو حيان: الأولى أن تكون الناصبة وكما توصل بالمضارع توصل بالماضي
~~والأمر والنهي انتهى، وحينئذ لا تنصب لفظا، وقول أبي حاتم: لا بد من
~~نصب الكاف على هذا رده في «الدر المصون» أي فعلنا ذلك لئلا تشرك بي في
~~العبادة شيئا، والظاهر أن الخطاب لإبراهيم عليه السلام، ويؤيده قراءة
~~عكرمة وأبي نهيك { أن لا يشرك } بالياء التحتية؛ وقيل: الخطاب
~~للنبي صلى الله عليه وسلم.

# { وطهر بيتى للطائفين والقائمين والركع
~~السجود } المراد بالطهارة ما يشمل الحسية والمعنوية أي وطهر بيتي من
~~الأوثان والأقذار لمن يطوف به ويصلى عنده، ولعل التعبير عن الصلاة
~~بأركانها من القيام والركوع والسجود للدلالة على أن كل واحد منها مستقل
~~باقتضاء التطهير أو التبوئة على ما قيل: فكيف وقد اجتمعت أو للتنصيص على
~~هذه الأمة المحمدية على نبيها أفضل الصلاة وأكمل التحية إذ اجتماع هذه
~~الأركان ليس إلا في صلاتهم، ولم يعطف السجود لأنه من جنس الركوع في
~~الخضوع، ويجوز أن يكون { القائمين } بمعنى المقيمين و {
~~الطائفين } بمعنى الطارئين فيكون المراد بالركع السجود فقط المصلين
~~إلا أن المتبادر من الطائفين ما ذكر أولا.

### || [22.27]

# { وأذن فى الناس } أي ناد فيهم { بالحج } بدعوة الحج والأمر
~~به، أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» وابن جرير وابن المنذر ms06920 والحاكم وصححه
~~والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس قال: «لما فرغ إبراهيم عليه السلام من
~~بناء البيت قال: رب قد فرغت فقال: أذن في الناس بالحج قال: يا رب وما
~~يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ قال: رب كيف أقول؟ قال: قل يا أيها
~~الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فسمعه أهل السماء والأرض ألا ترى
~~أنهم يجيبون من أقصى البلاد يلبون» وجاء في رواية أخرى عنه أنه عليه
~~السلام صعد أبا قبيس فوضع أصبعيه في أدنيه ثم نادى يا أيها الناس إن الله
~~تعالى كتب عليكم الحج فأجيبوا ربكم فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال
~~وأرحام النساء، وأول من أجاب أهل اليمن فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن
~~تقوم الساعة إلا من أجاب يومئذ إبراهيم عليه السلام، وفي رواية أنه قام
~~على الحجر فنادى، وعن مجاهد أنه عليه السلام قام على الصفا، وفي رواية
~~أخرى عنه أنه عليه السلام تطاول به المقام حتى كان كأطول جبل في الأرض
~~فأذن بالحج، ويمكن الجمع بتكرر النداء، وأيا ما كان فالخطاب لإبراهيم
~~عليه السلام. وزعم بعضهم أنه لنبينا صلى الله عليه وسلم أمر بذلك في حجة
~~الوداع وروي ذلك عن الحسن وهو خلاف الظاهر جدا ولا قرينة عليه، وقيل:
~~يأباه كون السورة مكية وقد علمت ما فيه أولها.

# وقرأ الحسن وابن محيصن و { آذن } بالمد والتخفيف أي أعلم كما قال
~~البعض، وقال آخرون: المراد به هنا أوقع الإيذان لأنه على الأول كان ينبغي
~~أن يتعدى بنفسه لا بفي فهو كقوله:

# يجرح في عراقيبها نصلي

# وقال ابن عطية: قد تصحفت هذه القراءة على ابن جني فإنه حكى عنهما {
~~وآذن } فعلا ماضيا وجعله معطوفا على { بوأنا } وتعقبه أبو حيان
~~بأنه ليس بتصحيف بل قد حكى ذلك أبو عبد الله الحسين بن خالويه في «شواذ
~~القراءات» من جمعه، وقرأ ابن أبي إسحق { بالحج } بكسر الحاء حيث وقع.

# وقوله تعالى: { يأتوك } جزم في جواب الأمر وهو { آذن } على
~~القراءتين و { طهر } على الثالثة كما قال ms06921 صاحب «اللوامح». وإيقاع الإتيان
~~على ضميره عليه السلام لكون ذلك بندائه، والمراد يأتوا بيتك، وقوله
~~سبحانه: { رجالا } في موضع / الحال أي مشاة جمع راجل كقيام جمع قائم.
~~وقرأ ابن أبي إسحق { رجالا } بضم الراء والتخفيف وروي ذلك عن عكرمة
~~والحسن وأبي مجلز، وهو اسم جمع لراجل كطؤار لطائر أو هو جمع نادر، وروي
~~عن هؤلاء وابن عباس ومحمد بن جعفر ومجاهد رضي الله تعالى عنهم { رجالا }
~~بالضم والتشديد على أنه جمع راجل كتاجر وتجار، وعن عكرمة أنه قرأ { رجالى
~~} كسكارى وهو جمع رجلان أو راجل، وعن ابن عباس وعطاء وابن حدير مثل ذلك
~~إلا أنه شددوا الجيم.

# وقوله تعالى: { وعلى كل ضامر } عطف على { رجالا } أي
~~وركبانا على كل بعير مهزول أتعبه بعد الشقة فهزله أو زاد هزاله، والضامر
~~يطلق على المذكر المؤنث، وعدل عن ركبانا الأخصر للدلالة على كثرة الآتين
~~من الأماكن البعيدة.

# وفي الآية دليل على جواز المشي والركوب في الحج، قال ابن الغربي:
~~واستدل علماؤنا بتقديم { رجالا } على أن المشي أفضل، وروي ذلك عن ابن
~~عباس فقد أخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبيهقي وجماعة أنه قال: ما آسى
~~على شيء فاتني إلا أني لم أحج ماشيا حتى أدركني الكبر أسمع الله تعالى
~~يقول: { يأتوك رجالا وعلى كل ضامر } فبدأ بالرجال قبل
~~الركبان، وفي ذلك حديث مرفوع فقد أخرج ابن سعد وابن مردويه وغيرهما عنه
~~أنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

# " إن للحاج الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبعين حسنة وللماشي بكل قدم
~~سبعمائة حسنة من حسنات الحرم قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم؟ قال:
~~الحسنة مائة ألف حسنة "

# وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد أن إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام حجا
~~وهما ماشيان. وقال ابن الفرس: واستدل بعضهم بالآية على أنه لا يجب الحج
~~على من في طريقه بحر ولا طريق له سواه لكونه لم يذكر في الآية. وتعقب
~~بأنه استدلال ضعيف لأن مكة ليست على بحر وإنما يتوصل إليها على إحدى ms06922
~~الحالين مشي أو ركوب، وأيضا في دلالة عدم الذكر على عدم الوجوب نظر.

# وقوله تعالى: { يأتين } صفة لضامر أو لكل، والجمع باعتبار المعنى
~~كأنه قيل وركبانا على ضوامر يأتين، و { كل } هنا للتكثير لا للإحاطة
~~وما قيل من أنها إذا أضيفت لنكرة لم يراع معناها إلا قليلا ردوه بهذه
~~الآية ونظائرها، وكذا ما قيل إنه يجوز إذا كانا في جملتين لأن هذه جملة
~~واحدة. وجوز أبو حيان أن يكون الضمير شاملا لرجال و { كل ضامر }
~~والجملة صفة لذلك على معنى الجماعات والرفاق. وتعقب بأنه يلزمه تغليب غير
~~العقلاء عليهم وقد صرحوا بمنعه. نعم قرأ عبد الله وأصحابه والضحاك وابن
~~أبي عبلة { يأتون } واعتبار التغليب فيه على بابه، والمشهور جعل
~~الضمير لرجالا وركبانا فلا تغليب، وجوز جعل الضمير للناس والجملة
~~استئنافية.

# { من كل فج } أي طريق كما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك
~~وأبي العالية، وهو في الأصل شقة يكتنفها جبلان ويستعمل في الطريق الواسع
~~وكأنهم جردوه عن معنى السعة لأنه لا يناسب هنا بل لا يخلو من خلل {
~~عميق } أي بعيد وبه فسره الجماعة أيضا، وأصله البعيد سفلا وهو غير
~~مناسب هنا. وقرأ ابن مسعود { معيق } قال الليث: يقال عميق ومعيق لتميم
~~وأعمقت البئر وأمعقتها وقد عمقت ومعقت عماقة ومعاقة وهي بعيدة العمق
~~والمعق.

### || [22.28]

# { ليشهدوا } متعلق ب

# يأتوك

# [الحج: 27]، وجوز أبو البقاء تعلقه  ب

# أذن

# [الحج: 27]  أي / ليحضروا { منفع } عظيمة الخطر كثيرة العدد
~~فتنكيرها وإن لم يكن فيها تنوين للتعظيم والتكثير. ويجوز أن يكون للتنويع
~~أي نوعا من المنافع الدينية والدنيوية، وتعميم المنافع بحيث تشمل
~~النوعين مما ذهب إليه جمع وروي ذلك عن ابن عباس، فقد أخرج ابن أبي حاتم
~~عنه أنه قال في الآية: منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة فأما منافع
~~الآخرة فرضوان الله تعالى وأما منافع الدنيا فما يصيبون من لحوم البدن في
~~ذلك اليوم والذبائح والتجارات، وخص مجاهد منافع الدنيا بالتجارة فهي
~~جائزة للحاج من غير كراهة إذا لم تكن هي المقصودة من السفر. ms06923 واعترض بأن
~~نداءهم ودعوتهم لذلك مستبعد، وفيه نظر، على أنه إنما يتأتى على ما جوزه
~~أبو البقاء، وعن الباقر رضي الله تعالى عنه تخصيص المنافع بالأخروية، وفي
~~رواية عن ابن عباس تخصيصها بالدنيوية والتعميم أولى. { لهم } في موضع
~~الصفة لمنافع أي منافع كائنة لهم.

# { ويذكروا اسم الله } عند النحر { فى أيام
~~معلومت } أي مخصوصات وهي أيام النحر كما ذهب إليه جماعة منهم أبو
~~يوسف ومحمد عليهما الرحمة. وعدتها ثلاثة أيام يوم العيد ويومان بعده
~~عندنا، وعند الثوري وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب لما روي عن عمر وعلي
~~وابن عمر وابن عباس وأنس وأبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنهم قالوا:
~~أيام النحر ثلاثة أفضلها أولها، وقد قالوه سماعا لأن الرأي لا يهتدي إلى
~~المقادير، وفي الأخبار التي يعول عليها تعارض فأخذنا بالمتيقن وهو الأقل،
~~وقال الشافعي والحسن وعطاء: أربعة أيام يوم العيد وثلاثة بعده لقوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " أيام التشريق كلها أيام ذبح "

# وعند النخعي وقت النحر يومان، وعند ابن سيرين يوم واحد، وعند أبي سلمة
~~وسلميان بن يسار الأضحى إلى هلال المحرم ولم نجد في ذلك مستندا يعول
~~عليه.

# واستدل بذكر الأيام على أن الذبح لا يجوز ليلا، قال أبو حيان: وهو مذهب
~~مالك وأصحاب الرأي انتهى. والمذكور في «كتب الأصحاب» أنه يجوز الذبح
~~ليلا إلا أنه يكره لاحتمال الغلط في ظلمة الليل. وأما الاستدلال على عدم
~~الجواز بذكر الأيام فكما ترى، وقيل الأيام المعلومات عشر ذي الحجة وإليه
~~ذهب أبو حنيفة عليه الرحمة وروي عن ابن عباس والحسن وإبراهيم وقتادة؛
~~ولعل المراد بذكر اسمه تعالى على هذا ما قيل حمده وشكره عز وجل؛ وعلى
~~الأول قول الذابح: بسم الله والله أكبر على ما روي عن قتادة، وذكر أنه
~~يقال مع ذلك: اللهم منك ولك عن فلان، وسيأتي إن شاء الله تعالى قول آخر.

# ورجح كونه بمعنى الشكر بأنه أوفق بقوله تعالى: { على ما رزقهم
~~من بهيمة الأنعام }. واختار الزمخشري أن الذكر على بهيمة
~~الأنعام أو مطلقا ms06924 على ما يقتضيه ظاهر كلام بعضهم كناية عن النحر، وذكر
~~أنه دل بذلك على المقصود الأصلي من النحر وما يميزه عن العادات. وأومأ
~~فيه إلى أن الأعمال الحجية كلها شرعت للذكر. وأنه قيل: { على ما
~~رزقهم } إلى آخره تشويقا في التقرب ببهيمة الأنعام المراد بها
~~الإبل والبقر والضأن والمعز إلى الرازق وتهوينا عليهم في الإنفاق مع ما
~~في ذلك من الإجمال والتفسير، وظرفية الأيام المعلومات على القول بأنها
~~عشر ذي الحجة للنحر باعتبار أن يوم النحر منها، وقد يقال مثل ذلك على
~~تقدير إبقاء الذكر على ما يتبادر منه.

# { فكلوا منها } التفات إلى الخطاب والفاء فصيحة أي / فاذكروا اسم
~~الله تعالى على ضحاياكم فكلوا من لحومها، والأمر للإباحة بناء على أن
~~الأكل كان منهيا عنه شرعا. وقد قالوا: إن الأمر بعد المنع يقتضي
~~الإباحة، ويدل على سبق النهي قوله صلى الله عليه وسلم:

# " كنت نهيتكم عن أكل لحوم الأضاحي فكلوا منها وادخروا "

# وقيل لأن أهل الجاهلية كانوا يتحرجون فيه أو للندب على مواساة الفقراء
~~ومساواتهم في الأكل منها، وهذا على ما قال الخفاجي مذهب أبي حنيفة رضي
~~الله تعالى عنه.

# { وأطعموا البائس } أي الذي أصابه بؤس أي شدة، وعن مجاهد
~~وعكرمة تفسيره بالذي يمد كفيه إلى الناس يسأل { الفقير } أي المحتاج،
~~والأمر للندب عند الإمام على ما ذكره الخفاجي أيضا، ويستحب كما في
~~«الهداية» أن لا ينقص ما يطعم عن الثلث لأن الجهات الأكل والإطعام
~~الثابتان بالآية والادخار الثابت بالحديث فتقسم الأضحية عليها أثلاثا؛
~~وقال بعضهم: لا تحديد فيما يؤكل أو يطعم لإطلاق الآية، وأوجب الشافعية
~~الإطعام وذهب قوم إلى أن الأكل من الأضحية واجب أيضا. وتخصيص البائس
~~الفقير بالإطعام لا ينفي جواز إطعام الغني، وقد يستدل على الجواز بالأمر
~~الأول لإفادته جواز أكل الذابح ومتى جاز أكله وهو غني جاز أن يؤكله
~~غنيا.

### || [22.29]

# { ثم ليقضوا تفثهم } هو في الأصل الوسخ والقذر، وعن قطرب
~~تفث الرجل كثر وسخه في سفره، وقال أبو محمد البصري: التفث من التف وهو
~~وسخ ms06925 الأظفار وقلبت الفاء ثاء كما في مغثور، وفسره جمع هنا بالشعور
~~والأظفار الزائدة ونحو ذلك، والقضاء في الأصل القطع والفصل وأريد به
~~الإزالة مجازا أي ليزيلوا ذلك بتقليم الأظفار والأخذ من الشوارب
~~والعارضين كما في رواية عن ابن عباس ونتف الإبط وحلق الرأس والعانة،
~~وقيل: القضاء مقابل الأداء والكلام على حذف مضاف أي ليقضوا إزالة تفثهم،
~~والتعبير بذلك لأنه لمضي زمان إزالته عد الفعل قضاء لما فات. وأخرج ابن
~~أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عمر رضي الله تعالى
~~عنهم أنه قال: التفث النسك كله من الوقوف بعرفة والسعي بين الصفا والمروة
~~ورمي الجمار، والقضاء على هذا بمعنى الأداء كأنه قيل: ثم ليؤدوا نسكهم.
~~وكان التعبير عن النسك بالتفث لما أنه يستدعي حصوله فإن الحجاج ما لم
~~يحلوا شعث غبر وهو كما ترى، وقد يقال: إن المراد من إزالة التفث بالمعنى
~~السابق قضاء المناسك كلها لأنها لا تكون إلا بعده فكأنه أراد أن قضاء
~~التفث هو قضاء النسك كله بضرب من التجوز ويؤيده ما أخرجه جماعة عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قضاء التفث قضاء النسك كله.

# { وليوفوا نذورهم } ما ينذرونه من أعمال البر في حجهم، وعن
~~ابن عباس تخصيص ذلك بما ينذرونه من نحر البدن. وعن عكرمة هي مواجب الحج.
~~وعن مجاهد ما وجب من الحج والهدي وما نذره الإنسان من شيء يكون في الحج
~~فالنذر بمعنى الواجب مطلقا مجازا. وقرأ شعبة عن عاصم { وليوفوا }
~~مشددا { وليطوفوا } طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة الذي هو من
~~أركان الحج وبه تمام التحلل فإنه قرينة قضاء التفث بالمعنى السابق، وروي
~~ذلك عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وجماعة بل قال الطبري وإن لم يسلم له: لا
~~خلاف بين المتأولين في أنه طواف الإفاضة ويكون ذلك يوم النحر، وقيل: طواف
~~الصدر وهو طواف الوداع وفي عدة من المناسك خلاف { بالبيت العتيق
~~} أخرج البخاري في «تاريخه» والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن جرير
~~والطبراني وغيرهم عن ابن الزبير ms06926 قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " إنما سمى الله / البيت العتيق لأنه أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه
~~جبار قط "

# وإلى هذا ذهب ابن أبي نجيح وقتادة، وقد قصده تبع ليهدمه فأصابه الفالج
~~فأشير عليه أن يكف عنه، وقيل: له رب يمنعه فتركه وكساه وهو أول من كساه،
~~وقصده أبرهة فأصابه ما أصابه، وأما الحجاج فلم يقصد التسلط على البيت لكن
~~تحصن به ابن الزبير فاحتال لإخراجه ثم بناه، ولعل ما وقع من القرامطة وإن
~~أخذوا الحجر الأسود وبقي عندهم سنين من هذا القبيل، ويقال فيما يكون آخر
~~الزمان من هدم الحبشة إياه وإلقاء أحجاره في البحر إن صح: إن ذلك من
~~أشراط الساعة التي لا ترد نقضا على الأمور التي قيل باطرادها، وقيل: في
~~الجواب غير ذلك.

# وعن مجاهد أنه إنما سمي بذلك لأنه لم يملك موضعه قط، وفي رواية أخرى عنه
~~أن ذلك لأنه أعتق من الغرق زمان الطوفان، وعن ابن جبير أن العتيق بمعنى
~~الجيد من قولهم: عتاق الخيل وعتاق الطير، وقيل: فعيل بمعنى مفعل أي معتق
~~رقاب المذنبين ونسبة الإعتاق إليه مجاز لأنه تعالى يعتق رقابهم بسبب
~~الطواف به، وقال الحسن وابن زيد: العتيق القديم فإنه أول بيت وضع للناس
~~وهذا هو المتبادر إلا أنك تعلم أنه إذا صح الحديث لا يعدل عنه، ثم إن
~~حفظه من الجبابرة وبقاءه الدهر الطويل معظما يؤتى من كل فج عميق بمحض
~~إرادة الله تعالى المبنية على الحكم الباهرة. وبعض الملحدين زعموا أنه
~~بني في شرف زحل والطالع الدلو أحد بيتيه وله مناظرات سعيدة فاقتضى ذلك
~~حفظه من الجبابرة وبقاءه معظما الدهر الطويل ويسمونه لذلك بيت زحل، وقد
~~ضلوا بذلك ضلالا بعيدا، وسنبين إن شاء الله تعالى خطأ من يقول بتأثير
~~الطالع أتم بيان والله تعالى المستعان.

### || [22.30]

# { ذلك } أي الأمر، وهذا وأمثاله من أسماء الإشارة يطلق للفصل بين
~~الكلامين أو بين وجهي كلام واحد، والمشهور من ذلك هذا كقوله تعالى:

# هذا وإن للطغين لشر مئاب

# [ص: 55] وكقول ms06927 زهير وقد تقدم له وصف هرم بالكرم والشجاعة:

# هذا وليس كمن يعيا بخطبته

# وسط الندي إذا ما ناطق نطقا

# واختيار { ذلك } هنا لدلالته على تعظيم الأمر وبعد منزلته وهو من
~~الاقتضاب القريب من التخلص لملاءمة ما بعده لما قبله، وقيل: هو في موضع
~~نصب بفعل محذوف أي امتثلوا ذلك { ومن يعظم حرمت الله }
~~جمع حرمة وهو ما يحترم شرعا، والمراد بها جميع التكليفات من مناسك الحج
~~وغيرها، وتعظيمها بالعلم بوجوب مراعاتها والعمل بموجبه، وقال جمع: هي ما
~~أمر به من المناسك، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هي جميع المناهي
~~في الحج فسوق وجدال وجماع وصيد، وتعظيمها أن لا يحوم حولها، وعن ابن زيد
~~هي خمس المشعر الحرام والمسجد الحرام والبيت الحرام والشهر الحرام
~~والمحرم حتى يحل { فهو } أي فالتعظيم { خير له } من غيره على أن
~~{ خير } اسم تفضيل. وقال أبو حيان: الظاهر أنه ليس المراد به التفضيل
~~فلا يحتاج لتقدير متعلق، ومعنى كونه خيرا له { عند ربه } أنه يثاب
~~عليه يوم القيامة، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير { من }
~~لتشريفه والإشعار بعلة الحكم.

# { وأحلت لكم الأنعم } أي ذبحها وأكلها لأن ذاتها لا توصف
~~بحل وحرمة، والمراد بها الأزواج الثمانية على الإطلاق، وقوله تعالى: {
~~إلا ما يتلى عليكم } أي إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه
~~استثناء متصل كما اختاره الأكثرون منها على أن { ما } عبارة عما حرم
~~منها لعارض كالميتة وما أهل به لغير الله تعالى. وجوز أن يكون /
~~الاستثناء منقطعا بناء على أن { ما } عبارة عما حرم في قوله سبحانه:

# حرمت عليكم الميتة

# [المائدة: 3] الآية، وفيه ما ليس من جنس الأنعام، والفعل على الوجهين لم
~~يرد منه الاستقبال لسبق تلاوة آية التحريم، وكأن التعبير بالمضارع
~~استحضارا للصورة الماضية لمزيد الاعتناء، وقيل: التعبير بالمضارع
~~للدلالة على الاستمرار التجددي المناسب للمقام، والجملة معترضة مقررة لما
~~قبلها من الأمر بالأكل والإطعام ودافعة لما عسى يتوهم أن الإحرام يحرم
~~ذلك كما يحرم الصيد.

# { فاجتنبوا الرجس } أي القذر { من الأوثن } أي الذي ms06928 هو
~~الأوثان على أن (من) بيانية. وفي تعريف { الرجس } بلام الجنس مع
~~الإبهام والتعيين وإيقاع الاجتناب على الذات دون العبادة ما لا يخفى من
~~البالغة في التنفير عن عبادتها، وقيل: (من) لابتداء الغاية فكأنه تعالى
~~أمرهم باجتناب الرجس عاما ثم عين سبحانه لهم مبدأه الذي منه يلحقهم إذ
~~عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس، وفي «البحر» يمكن أن تكون للتبعيض بأن
~~يعني بالرجس عبادة الأوثان وقد روي ذلك عن ابن عباس وابن جريج فكأنه قيل
~~فاجتنبوا من الأوثان الرجس وهو العبادة لأن المحرم منها إنما هو العبادة
~~ألا ترى أنه قد يتصور استعمال الوثن في بناء وغير ذلك مما لم يحرمه الشرع
~~فكأن للوثن جهات، منها عبادته وهو المأمور باجتنابه وعبادته بعض جهاته
~~فقول ابن عطية: إن من جعل (من) للتبعيض قلب المعنى وأفسده ليس في محله
~~انتهى.

# ولا يخفى ما في كلا الوجهين الابتداء والتبعيض من التكلف المستغنى عنه،
~~وههنا احتمال آخر ستعلمه مع ما فيه إن شاء الله تعالى قريبا.

# والفاء لترتيب ما بعدها على ما يفيده قوله تعالى: { ومن يعظم }
~~الخ من وجوب مراعاة الحرمات والاجتناب عن هتكها. وذكر أن بالاستثناء حسن
~~التخلص إلى ذلك وهو السر في عدم حمل الأنعام على ما ذكر من الضحايا
~~والهدايا المعهودة خاصة ليستغنى عنه إذ ليس فيها ما حرم لعارض فكأنه قيل:
~~ومن يعظم حرمات الله فهو خير له والأنعام ليست من الحرمات فإنها محللة
~~لكم إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه فإنه مما يجب الاجتناب عنه فاجتنبوا ما
~~هو معظم الأمور التي يجب الاجتناب عنها وهو عبادة الأوثان، وقيل: الظاهر
~~أن ما بعد الفاء متسبب عن قوله تعالى: { أحلت لكم الأنعم }
~~فإن ذلك نعمة عظيمة تستدعي الشكر لله تعالى لا الكفر والإشراك بل لا يبعد
~~أن يكون المعنى فاجتنبوا الرجس من أجل الأوثان على أن { من } سببية وهو
~~تخصيص لما أهل به لغير الله تعالى بالذكر فيتسبب عن قوله تعالى: { إلا
~~ما يتلى } ويؤيده قوله تعالى فيما بعد

# غير ms06929 مشركين به

# [الحج: 31] فإنه إذا حمل على ما حملوه كان تكرارا انتهى. وأورد على ما
~~ادعى ظهوره أن إحلال الأنعام وإن كان من النعم العظام إلا أنه من الأمور
~~الشرعية دون الأدلة الخارجية التي يعرف بها التوحيد وبطلان الشرك فلا
~~يحسن اعتبار تسبب اجتناب الأوثان عنه. وأما ما ادعى عدم بعده فبعيد جدا
~~وإنكار ذلك مكابرة فتأمل.

# وقوله تعالى: { واجتنبوا قول الزور } تعميم بعد تخصيص فإن
~~عبادة الأوثان رأس الزور لما فيها من ادعاء الاستحقاق كأنه تعالى لما حث
~~على تعظيم الحرمات أتبع ذلك بما فيه رد لما كانت الكفرة عليه من تحريم
~~البحائر والسوائب ونحوهما والافتراء على الله تعالى بأنه حكم بذلك، ولم
~~يعطف { قول الزور } على { الرجس } بل أعاد العامل لمزيد
~~الاعتناء، والمراد من الزور مطلق الكذب وهو من الزور بمعنى الانحراف فإن
~~الكذب منحرف عن الواقع والإضافة بيانية، وقيل: هو أمر باجتناب شهادة
~~الزور لما أخرج أحمد وأبو داود / وابن ماجه والطبراني وغيرهم عن ابن
~~مسعود أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح فلما انصرف قائما قال:
~~عدلت شهادة الزور الإشراك بالله تعالى ثلاث مرات ثم تلا هذه الآية.

# وتعقب بأنه لا نص فيما ذكر من الخبر مع ما في سنده في بعض الطرق من
~~المقال على التخصيص لجواز بقاء الآية على العموم وتلاوتها لشمولها لذلك،
~~وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل أنه قال يعني بقول الزور الشرك بالكلام
~~وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت فيقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا
~~شريكا هو لك تملكه وما ملك وهو قول بالتخصيص. ولا يخفى أن التعميم أولى
~~منه وإن لاءم المقام كتخصيص بعضهم ذلك بقول المشركين هذا حلال وهذا حرام.

### || [22.31]

# { حنفآء لله } مائلين عن كل دين زائع إلى الدين الحق مخلصين له
~~تعالى { غير مشركين به } أي شيئا من الأشياء فيدخل في ذلك
~~الأوثان دخولا أوليا وهما حالان مؤكدتان من واو

# فاجتنبوا

# [الحج: 30] وجوز أن يكون حالا من واو

# واجتنبوا

# [الحج: 30] وأخر التبري عن التولي ليتصل ms06930 بقوله تعالى: { ومن
~~يشرك بالله فكأنما خر من السماء } وهي جملة مبتدأة
~~مؤكدة لما قبلها من الاجتناب من الإشراك، وإظهار الاسم الجليل لإظهار
~~كمال قبح الإشراك، وقد شبه الإيمان بالسماء لعلوه والإشراك بالسقوط منها
~~فالمشرك ساقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر وهذا السقوط إن كان في حق
~~المرتد فظاهر وهو في حق غيره باعتبار الفطرة وجعل التمكن والقوة بمنزلة
~~الفعل كما قيل في قوله تعالى:

# والذين كفروا أولياؤهم الطغوت يخرجونهم
~~من النور إلى الظلمت

# [البقرة: 257] { فتخطفه الطير } فإن الأهواء المردية توزع
~~أفكاره وفي ذلك تشبيه الأفكار الموزعة بخطف جوارح الطير وهو مأخوذ من
~~قوله تعالى:

# ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشكسون

# [الزمر: 29] وأصل الخطف الاختلاس بسرعة.

# وقرأ نافع { فتخطفه } بفتح الخاء والطاء مشددة. وقرأ الحسن وأبو رجاء
~~والأعمش { فتخطفه } بكسر التاء والخاء والطاء مشددة، وعن الحسن كذلك إلا
~~أنه فتح الطاء مشددة. وقرأ الأعمش أيضا { تخطه } بغير فاء وإسكان الخاء
~~وفتح الطاء مخففة، والجملة على هذه القراءة في موضع الحال، وأما على
~~القراءات الأول فالفاء للعطف وما بعدها عطف على { خر } وفي إيثار
~~المضارع إشعار باستحضار تلك الحالة العجيبة في مشاهد المخاطب تعجيبا له،
~~وجوز أبو البقاء أن يكون الكلام بتقدير فهو يخطفه والعطف من عطف الجملة
~~على الجملة.

# { أو تهوى به الريح } أي تسقطه وتقذفه. وقرأ أبو جعفر وأبو
~~رجاء { الرياح }  { فى مكان سحيق } بعيد فإن الشيطان قد طوح به
~~في الضلالة، وفي ذلك تشبيه الشيطان المضل بالريح المهوية وهو مأخوذ من
~~قوله تعالى:

# ألم تر أنا أرسلنا الشيطين على الكفرين
~~تؤزهم أزا

# [مريم: 83] فالتشبيه في الآية مفرق. والظاهر أن { تهوي } عطف على {
~~تخطف } و(أو) للتقسيم على معنى أن مهلكه إما هوى يتفرق به في شعب الخسار
~~أو شيطان يطوح به في مهمه البوار، وفرق بين خاطر النفس والشيطان فلا يرد
~~ما قاله ابن المنير من أن الأفكار من نتائج وساوس الشيطان، والآية سيقت
~~لجعلهما شيئين، وفي تفسير القاضي أنها للتخيير على معنى أنت مخير بين أن ms06931
~~تشبه المشرك بمن خر من السماء فتخطفه الطير وبين من خر من السماء فتهوي
~~به الريح في مكان سحيق أو للتنويع على معنى أن المشبه به نوعان والمشبه
~~بالنوع الأول الذي توزع لحمه في / بطون جوارح الطير المشرك الذي لا خلاص
~~له من الشرك ولا نجاة أصلا، والمشبه بالنوع الثاني الذي رمته الريح في
~~المهاوي المشرك الذي يرجى خلاصه على بعد، وقال ابن المنير: إن الكافر
~~قسمان لا غير، مذبذب متمادي على الشك وعدم التصميم على ضلالة واحدة وهذا
~~مشبه بمن اختطفته الطير وتوزعته فلا يستولي طائر على قطعة منه إلا
~~انتهبها منه آخر وتلك حال المذبذب لا يلوح له خيال إلا اتبعه وترك ما كان
~~عليه، ومشرك مصمم على معتقد باطل لو نشر بالمناشير لم يكع ولم يرجع لا
~~سبيل إلى تشكيكه ولا مطمع في نقله عما هو عليه فهو فرح مبتهج بضلالته
~~وهذا مشبه في قراره على الكفر باستقرار من هوت به الريح إلى واد سافل هو
~~أبعد الأحياز عن السماء فاستقر فيه انتهى، ولا يخفى أن ما ذكرناه أوفق
~~بالظاهر.

# وجوز غير واحد أن يكون من التشبيهات المركبة فكأنه سبحانه قال: من أشرك
~~بالله تعالى فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعده بأن صور حاله بصورة حال من
~~خر من السماء فاختطفته الطير فتفرق قطعا في حواصلها أو عصفت به الريح
~~حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة، وجعل في «الكشف» (أو) على هذا
~~للتخيير وليس بمتعين فيما يظهر، وعلى الوجهين تفريق التشبيه وتركيبه في
~~الآية تشبيهان. وذكر الطيبي أن فيها على التركيب تشبيهين، و { تهوي }
~~عطف على { خر } وعلى التفريق تشبيها واحدا و { تهوي } عطف على {
~~تخطف } وزعم أن في عبارة «الكشاف» ما يؤذن بذلك وهو غير مسلم.

### || [22.32]

# { ذلك } أي الأمر ذلك أو امتثلوا ذلك { ومن يعظم شعئر
~~الله } أي البدن الهدايا كما روي عن ابن عباس ومجاهد وجماعة وهي جمع
~~شعيرة أو شعارة بمعنى العلامة كالشعار، وأطلقت على البدن الهدايا لأنها
~~من معالم الحج أو ms06932 علامات طاعته تعالى وهدايته. وقال الراغب: لأنها تشعر
~~أي تعلم بأن تدمى بشعيرة أي حديدة يشعر بها، ووجه الإضافة على الأوجه
~~الثلاثة لا يخفى، وتعظيمها أن تختار حسانا سمانا غالية الأثمان، روي
~~أنه صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة
~~من ذهب، وعن عمر أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلثمائة دينار وقد سأل النبي
~~صلى الله عليه وسلم أن يبيعها ويشتري بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك وقال: بل
~~أهدها، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يسوق البدن مجللة بالقباطي
~~فيتصدق بلحومها وبجلالها، وقال زيد بن أسلم: الشعائر ست: الصفا والمروة
~~والبدن والجمار والمسجد الحرام وعرفة والركن، وتعظيمها إتمام ما يفعل
~~بها، وقال ابن عمر والحسن ومالك وابن زيد: الشعائر مواضع الحج كلها من
~~منى وعرفة والمزدلفة والصفا والمروة والبيت وغير ذلك وهو نحو قول زيد.
~~وقيل: هي شرائع دينه تعالى وتعظيمها التزامها، والجمهور على الأول وهو
~~أوفق لما بعد.

# و { من } إما شرطية أو موصولة وعلى التقديرين لا بد في قوله تعالى: {
~~فإنها من تقوى القلوب } من ضمير يعود إليها أو ما يقوم
~~مقامه فقيل إن التقدير فإن تعظيمها الخ، والتعظيم مصدر مضاف إلى مفعوله
~~ولا بد له من فاعل وهو ليس إلا ضميرا يعود إلى { من } فكأنه قيل فإن
~~تعظيمه إياها، و { من } تحتمل أن تكون للتعليل أي فإن تعظيمها لأجل
~~تقوى القلوب وأن تكون لابتداء الغاية أي فإن تعظيمها ناشىء من تقوى
~~القلوب، وتقدير هذا المضاف واجب على ما قيل من حيث إن الشعائر نفسها لا
~~يصح الإخبار عنها بأنها من التقوى بأي معنى كانت { من }. وقال
~~الزمخشري: التقدير فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه
~~المضافات ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد / من راجع من الجزاء
~~إلى { من } ليرتبط به اه. وتعقبه أبو حيان بأن ما قدره عار من راجع
~~إلى { من } ولذا لما سلك جمع مسلكه في تقدير المضافات قيل التقدير فإن
~~تعظيمها منه ms06933 من أفعال الخ أو فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب منهم
~~فجاؤا بضمير مجرور عائد إلى { من } في آخر الكلام أو في أثنائه، وبعض
~~من سلك ذلك لم يقدر منه ولا منهم لكن التزم جعل اللام في { القلوب }
~~بدلا من الضمير المضاف إليه على رأي الكوفيين للربط أي تقوى قلوبهم.

# والدماميني جعل الرابط في تقدير الزمخشري فاعل المصدر المحذوف لفهم
~~المعنى فلا يكون ما قدره عاريا عن الراجع إلى { من } كما زعمه أبو
~~حيان فإن المحذوف المفهوم بمنزلة المذكور.

# وقال صاحب «الكشف»: في الانتصار له أيضا: أراد أنه على ماقدره يكون
~~عموم ذوي تقوى القلوب بمنزلة الضمير فتقدير منه كما فعل البيضاوي ليس
~~بالوجه. واعترض صاحب «التقريب» تقدير المضافين الأخيرين أعني أفعال وذوي
~~بأنه إنما يحتاج إليه إذا جعل { من } للتبعيض وأما إذا جعل للابتداء
~~فلا إذ المعنى حينئذ فإن تعظيمها ناشىء من تقوى القلوب وهو قول بأحد
~~الوجهين اللذين سمعتهما أولا، ولم يرتض ذلك صاحب «الكشف» قال: إن إضمار
~~الأفعال لأن المعنى إن التعظيم باب من التقوى ومن أعظم أبوابها لا أن
~~التعظيم صادر من ذي تقوى. ومنه يظهر أن الحمل على أن التعظيم ناشىء من
~~تقوى القلوب. والاعتراض بأن قول الزمخشري: إنما يستقيم إذا حمل على
~~التبعيض ليس على ما ينبغي على أنه حينئذ إن قدر من تقوى قلوبهم على
~~المذهب الكوفي أو من تقوى القلوب منهم اتسع الخرق على الراقع، ثم التقوى
~~إن جعلت متناولة للأفعال والتروك على العرف الشرعي فالتعظيم بعض البتة
~~وإن جعلت خاصة بالتروك فمنشأ التعظيم منها غير لائح إلا على التجوز
~~انتهى.

# واعترض بأن دعواه أن المعنى على أن التعظيم باب من التقوى دون أن
~~التعظيم صادر من ذي تقوى دعوى بلا شاهد، وبأنه لا تظهر الدلالة على أنه
~~من أعظم أبواب التقوى كما ذكره، وبأن القول بعدم الاحتياج إلى الإضمار
~~على تقدير أن يكون التعظيم بعضا من التقوى صلح لا يرضى به الخصم. وبأنه
~~إذا صح الكلام على التجوز لا يستقيم ms06934 قول الزمخشري: لا يستقيم الخ. وتعقب
~~بأنه غير وارد، أما الأول فلأن السياق للتحريض على تعظيم الشعائر وهو
~~يقتضي عده من التقوى بل من أعظمها وكونه ناشئا منها لا يقتضي كونه منها
~~بل ربما يشعر بخلافه، وأما الثاني فلأن الدلالة على الأعظمية مفهومة من
~~السياق كما إذا قلت: هذا من أفعال المتقين والعفو من شيم الكرام والظلم
~~من شيم النفوس كما يشهد به الذوق، وأما الثالث فلأنه لم يدع عدم الاحتياج
~~إلى الإضمار على تقدير كون التعظيم بعضا بل يقول الرابط العموم كما قال
~~أولا، وأما الرابع فلأن صحة الكلام بدون تقدير على التجوز لكونه خفيا
~~في قوة الخطا إذ لا قرينة عليه والتبعيض متبادر منه فلا غبار إلا على نظر
~~المعترض.

# وأقول: لا يخفى أنه كلما كان التقدير أقل كان أولى فيكون قول من قال:
~~التقدير فإن تعظيمها من تقوى القلوب أولى من قول من قال: التقدير فإن
~~تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، و(من) في ذلك للتبعيض، وما يقتضيه
~~السياق من تعظيم أمر هذا التعظيم يفهم من جعله بعض تقوى القلوب بناء على
~~أن تقييد التقوى بالقلوب للإشارة إلى أن التقوى قسمان، تقوى القلوب
~~والمراد بها التقوى الحقيقية الصادقة التي يتصف بها المؤمن الصادق.

# وتقوى الأعضاء والمراد بها التقوى الصورية الكاذبة التي يتصف بها
~~المنافق الذي كثيرا / ما تخشع أعضاؤه وقلبه ساه لاه. والتركيب أشبه
~~التراكيب بقولهم: العفو من شيم الكرام فمتى فهم منه كون العفو من أعظم
~~أبواب الشيم فليفهم من ذلك كون التعظيم من أعظم أبواب التقوى والفرق
~~تحكم. ولعل كون الإضافة لهذه الإشارة أولى من كونها لأن القلوب منشأ
~~التقوى والفجور والآمرة بهما فتدبر. ومن الناس من لم يوجب تقدير التعظيم
~~وأرجع ضمير { فإنها } إلى الحرمة أو الخصلة كما قيل نحو ذلك في قوله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت "

# أو إلى مصدر مؤنث مفهوم من { يعظم } أي التعظيمة.

# واعترض هذا بأن المصدر الذي تضمنه الفعل لا يؤنث إلا إذا اشتهر ms06935 تأنيثه
~~كرحمة وهذا ليس كذلك ونظر فيه. نعم إن اعتبار ذلك مما لا يستلذه الذوق
~~السليم، ومنه يعلم حال اعتبار التعظيمات بصيغة الجمع، على أنه قيل عليه:
~~إنه يوهم أن التعظيمة الواحدة ليست من التقوى، ولا يدفعه أنه لا اعتبار
~~بالمفهوم أو أن ذلك من مقابلة الجمع بالجمع كما لا يخفى.

# وإذا اعتبر المذهب الكوفي في لام { القلوب } لم يحتج في الآية إلى
~~إضمار شيء أصلا. وذهب بعض أهل الكمال إلى أن الجزاء محذوف تقديره فهم
~~متقون حقا لدلالة التعليل القائم مقامه عليه. وتعقب بأن الحذف خلاف
~~الأصل وما ذكر صالح للجزائية باعتبار الإعلام والإخبار كما عرف في
~~أمثاله، وأنت تعلم أن هذا التقدير ينساق إلى الذهن ومثله كثير في الكتاب
~~الجليل. وقرىء { القلوب } بالرفع على أنه فاعل بالمصدر الذي هو {
~~تقوى } واستدل الشيعة ومن يحذو حذوهم بالآية على مشروعية تعظيم قبور
~~الأئمة وسائر الصالحين بإيقاد السرج عليها وتعليق مصنوعات الذهب والفضة
~~ونحو ذلك مما فاقوا به عبدة الأصنام ولا يخفى ما فيه.

### || [22.33]

# { لكم فيها } أي في الشعائر بالمعنى السابق { منفع } هي درها
~~ونسلها وصوفها وركوب ظهورها { إلى أجل مسمى } وهو وقت أن
~~يسميها ويوجبها هديا وحينئذ ليس لهم شيء من منافعها قاله ابن عباس في
~~رواية مقسم ومجاهد وقتادة والضحاك، وكذا عند الإمام أبي حنيفة فإن
~~المهدي عنده بعد التسمية والإيجاب لا يملك منافع الهدي أصلا لأنه لو ملك
~~ذلك لجاز له أن يؤجره للركوب وليس له ذلك اتفاقا، نعم يجوز له الانتفاع
~~عند الضرورة وعليه يحمل ما روي عن أبي هريرة

# " أنه صلى الله عليه وسلم مر برجل يسوق هديه وهو في جهاد فقال عليه
~~الصلاة والسلام: اركبها فقال يا رسول الله: إنها هدي فقال: اركبها ويلك "

# وقال عطاء: منافع الهدايا بعد إيجابها وتسميتها هديا أن تركب ويشرب
~~لبنها عند الحاجة إلى أجل مسمى وهو وقت أن تنحر وإلى ذلك ذهب الشافعي،
~~فعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهرا "

# واعترض ms06936 على ما تقدم بأن مولى أم الولد يملك الانتفاع بها وليس له أن
~~يبيعها فلم لا يجوز أن يكون الهدي كذلك لا يملك المهدي بيعه وإجارته
~~ويملك الانتفاع به بغير ذلك، وقيل الأجل المسمى وقت أن تشعر فلا تركب
~~حينئذ إلا عند الضرورة. وروى أبو رزين عن ابن عباس الأجل المسمى وقت
~~الخروج من مكة، وفي رواية أخرى عنه وقت الخروج والانتقال من هذه الشعائر
~~إلى غيرها، وقيل الأجل المسمى يوم القيامة ولا يخفى ضعفه.

# { ثم محلها } أي وجوب نحرها على أن يكون محل مصدرا ميميا
~~بمعنى الوجوب من حل الدين إذا وجب أو وقت نحرها على أن يكون اسم زمان،
~~وهو على الاحتمالين معطوف على { منفع } والكلام على تقدير مضاف. /
~~وقوله تعالى: { إلى البيت العتيق } في موضع الحال أي منتهية
~~إلى البيت، والمراد به ما يليه بعلاقة المجاورة فإنها لا تنتهي إلى البيت
~~نفسه وإنما تنتهي إلى ما يقرب منه، وقد جعلت منى منحرا ففي الحديث

# " كل فجاج مكة منحر وكل فجاج منى منحر "

# وقال القفال: هذا في الهدايا التي تبلغ منى وأما الهدي المتطوع به إذا
~~عطب قبل بلوغ مكة فمنحره موضعه، وقالت الإمامية: منحر هدي الحج منى ومنحر
~~هدي العمرة المفردة مكة قبالة الكعبة بالحزورة، و { ثم } للتراخي
~~الزماني أو الرتبي أي لكم فيها منافع دنيوية إلى أجل مسمى وبعده لكم
~~منفعة دينية مقتضية للثواب الأخروي وهو وجوب نحرها أو وقت نحرها، وفي ذلك
~~مبالغة في كون نفس النحر منفعة، والتراخي الرتبي ظاهر وأما التراخي
~~الزماني فهو باعتبار أول زمان الثبوت فلا تغفل.

# والمعنى على القول بأن المراد من الشعائر مواضع الحج: لكم في تلك
~~المواضع منافع بالأجر والثواب الحاصل بأداء ما يلزم أداؤه فيها إلى أجل
~~مسمى هو انقضاء أيام الحج ثم محلها أي محل الناس من إحرامهم إلى البيت
~~العتيق أي منته إليه بأن يطوفوا به طواف الزيارة يوم النحر بعد أداء ما
~~يلزم في هاتيك المواضع فإضافة المحل إليها لأدنى ملابسة؛ وروي نحو ذلك ms06937 عن
~~مالك في «الموطأ» أو لكم فيها منافع التجارات في الأسواق إلى وقت
~~المراجعة ثم وقت الخروج منها منتهية إلى الكعبة بالإحلال بطواف الزيارة
~~أو لكم منافع دنيوية وأخروية إلى وقت المراجعة الخ، وهكذا يقال على ما
~~روي عن زيد بن أسلم من تخصيصها بالست، وعلى القول بأن المراد بها شرائع
~~الدين لكم في مراعاتها منافع دنيوية وأخروية إلى انقطاع التكليف ثم محلها
~~الذي توصل إليه إذا روعيت منته إلى البيت العتيق وهو الجنة أو محل
~~رعايتها منته إلى البيت العتيق وهو معبد للملائكة عليهم السلام، وكونه
~~منتهى لأنه ترفع إليه الأعمال، وقيل كون محلها منتهيا إلى البيت العتيق
~~أي الكعبة كما هو المتبادر باعتبار أن محل بعضها كالصلاة والحج منته إلى
~~ذلك، وقيل: غير ذلك والكل مما لا ينبغي أن يخرج عليه كلام أدنى الناس
~~فضلا عن كلام رب العالمين، وأهون ما قيل: إن الكلام على هاتيك الروايات
~~متصل بقوله تعالى:

# وأحلت لكم الأنعم

# [الحج: 30] وضمير { فيها } لها.

### || [22.34]

# { ولكل أمة جعلنا منسكا } عطف على قوله سبحانه

# لكم فيها منفع

# [الحج: 33] أو على قوله تعالى:

# ومن يعظم

# [الحج:32] الخ وما في البين اعتراض على ما قيل، وكأني بك تختار الأول؛
~~وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام عليه عند نظير الآية، والمنسك موضع
~~النسك إذا كان اسم مكان أو النسك إذا كان مصدرا، وفسره مجاهد هنا بالذبح
~~وإراقة الدماء على وجه التقرب إليه تعالى فجعله مصدرا وحمل النسك على
~~عبادة خاصة وهو أحد استعمالاته وإن كان في الأصل بمعنى العبادة مطلقا
~~وشاع في أعمال الحج. وقال الفراء: المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد
~~في خير وبر وفسره هنا بالعيد، وقال قتادة: هو الحج. وقال ابن عرفة {
~~منسكا } أي مذهبا من طاعته تعالى. واختار الزمخشري ما روي عن مجاهد
~~وهو الأوفق أي شرع لكل أهل دين أن يذبحوا له تعالى على وجه التقرب لا
~~لبعض منهم، فتقديم الجار والمجرور على الفعل للتخصيص.

# وقرأ الأخوان وابن سعدان وأبو حاتم عن أبي ms06938 عمرو ويونس ومحبوب وعبد
~~الوارث { منسكا } بكسر السين، قال ابن عطية وهو في هذا شاذ ولا يجوز في
~~القياس ويشبه أن يكون الكسائي سمعه من العرب، قال الأزهري: الفتح والكسر
~~/ فيه لغتان مسموعتان.

# { ليذكروا اسم الله } خاصة دون غيره تعالى كما يفهمه السياق
~~والسباق، وفي تعليل الجعل بذلك فقط تنبيه على أن المقصود الأهم من شرعية
~~النسك ذكره عز وجل { على ما رزقهم من بهيمة الأنعام }
~~عند ذبحها، وفيه تنبيه على أن القربان يجب أن يكون من الأنعام فلا يجوز
~~بالخيل ونحوها. والفاء في قوله تعالى: { فإلهكم إله وحد
~~} قيل للتعليل وما بعدها علة لتخصيص اسم الله تعالى بالذكر، والفاء في
~~قوله سبحانه: { فله أسلموا } لترتيب ما بعدها من الأمر بالإسلام
~~على وحدانيته عز وجل، وقيل: الفاء الأولى لترتيب ما بعدها على ما قبلها
~~أيضا فإن جعله تعالى لكل أمة من الأمم منسكا يدل على وحدانيته جل وعلا،
~~ولا يخفى ما في وجه الدلالة من الخفاء، وتكلف بعضهم في بيانه بأن شرع
~~المنسك لكل أمة ليذكروا اسم الله تعالى يقتضي أن يكون سبحانه إلها لهم
~~لئلا يلزم السفه ويلزم من كونه تعالى إلها لهم أن يكون عز وجل واحدا
~~لأنه لا يستحق الألوهية أصلا من لم يتفرد بها فإن الشركة نقص وهو كما
~~ترى.

# وفي «الكشف» لما كانت العلة لقوله سبحانه: { لكل أمة جعلنا
~~منسكا } ذكر اسمه تعالى على المناسك ومعلوم أن الذكر إنما يكون ذكرا
~~عند مواطأة القلب اللسان وذكر القلب إشعار بالتعظيم جاء قوله تعالى: {
~~فله أسلموا } مسببا عنه تسببا حسنا.

# واعترض بقوله تعالى: { فإلهكم إله وحد } لأنه يؤكد
~~الأمر بالإخلاص ويقوي السبب تقوية بالغة ويؤكد أيضا كون الذكر هو
~~المقصود من شرعية النسك انتهى، وهو يشعر بأن الفاء الأولى للاعتراض
~~والفاء الثانية للترتيب. ولعل ما ذكر أولا أظهر، وأما ما قيل من أن
~~الفاء الأولى للتعليل والمعلل محذوف والمعنى إنما اختلفت التكاليف
~~باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح لا لتعدد الإله فإن إلهكم
~~إله واحد فمما لا ينبغي ms06939 أن يخرج عليه كلام الله تعالى الجليل كما لا
~~يخفى، وإنما قيل: { إله وحد } ولم يقل واحد لما أن المراد بيان
~~أنه تعالى واحد في ذاته كما أنه واحد في إلهيته؛ وتقديم الجار على الأمر
~~للقصر، والمراد أخلصوا له تعالى الذكر خاصة واجعلوه لوجهه سالما خالصا
~~لا تشوبوه بإشراك.

# { وبشر المخبتين } خطاب له صلى الله عليه وسلم، والمخبتون
~~المطمئنون كما روي عن مجاهد أو المتواضعون كما روي عن الضحاك وقال عمرو
~~بن أوس: هم الذين لا يظلمون الناس وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقال سفيان: هم
~~الراضون بقضاء الله تعالى. وقال الكلبي: هم المجتهدون في العبادة، وهو
~~من الإخبات وأصله كما قال الراغب: نزول الخبت وهو المطمئن من الأرض، ولا
~~يخفى حسن موقع ذلك هنا من حيث إن نزول الخبت مناسب للحاج.

### || [22.35]

# { الذين إذا ذكر الله وجلت } أي خافت { قلوبهم }
~~منه عز وجل لإشراق أشعة الجلال عليها { والصبرين على ما
~~أصابهم } من مشاق التكاليف ومؤنات النوائب كالأمراض والمحن والغربة
~~عن الأوطان ولا يخفى حسن موقع ذلك هنا أيضا، والظاهر أن الصبر على
~~المكاره مطلقا ممدوح. وقال الرازي: يجب الصبر على ما كان من قبل الله
~~تعالى، وأما على ما يكون من قبل الظلمة فغير واجب بل يجب دفعه على من
~~يمكنه ذلك ولو بالقتال انتهى وفيه نظر { والمقيمى الصلوة } في
~~أوقاتها، ولعل ذكر ذلك هنا لأن السفر مظنة التقصير في إقامة الصلاة.

# وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وأبو عمرو في رواية { الصلوة } بالنصب
~~على المفعولية لمقيمي وحذفت النون منه تخفيفا كما في بيت «الكتاب»:

# الحافظو عورة العشيرة لا

# تأتيهم من ورائهم نطف

# / بنصب عورة ونظير ذلك قوله:

# إن الذي حانت بفلج دماؤهم

# هم القوم كل القوم يا أم مالك

# وقوله:

# أبني كليب أن عمي اللذا

# قتلا الملوك وفككا الأغلالا

# وقرأ ابن مسعود والأعمش { والمقيمين الصلوة } بإثبات النون
~~ونصب الصلاة على الأصل، وقرأ الضحاك { والمقيم الصلاة } بالإفراد
~~والإضافة { ومما رزقنهم ينفقون } في وجوه الخير ومن ذلك
~~إهداء الهدايا التي يغالون فيها. ms06940

### || [22.36]

# { والبدن جعلنها لكم من شعئر الله } أي من
~~أعلام دينه التي شرعها الله تعالى، والبدن جمع بدنة وهي كما قال الجوهري:
~~ناقة أو بقرة تنحر بمكة. وفي «القاموس» هي من الإبل والبقر كالأضحية من
~~الغنم تهدى إلى مكة وتطلق على الذكر والأنثى وسميت بذلك لعظم بدنها لأنهم
~~كانوا يسمنونها ثم يهدونها، وكونها من النوعين قول معظم أئمة اللغة وهو
~~مذهب الحنفية فلو نذر نحر بدنة يجزئه نحر بقرة عندهم وهو قول عطاء وسعيد
~~بن المسيب، وأخرج عبد بن حميدة وابن المنذر عن ابن عمر رضي الله تعالى
~~عنهما لا تعلم البدن إلا من الإبل والبقر. وفي «صحيح مسلم» عن جابر رضي
~~الله تعالى عنه كنا ننحر البدنة عن سبعة فقيل والبقرة فقال: وهل هي إلا
~~من البدن.

# وقال صاحب «البارع» من اللغويين: إنها لا تطلق على ما يكون من البقر،
~~وروي ذلك عن مجاهد والحسن وهو مذهب الشافعية فلا يجزي عندهم من نذر نحر
~~بدنة نحر بقرة، وأيد بما رواه أبو داود عن جابر قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة "

# فإن العطف يقتضي المغايرة وفيما يأتي آخرا تأييد لذلك أيضا، والظاهر
~~أن استعمال البدنة فيما يكون من الإبل أكثر وإن كان أمر الإجزاء متحدا.
~~ولعل مراد جابر بقوله في البقرة وهل هي إلا من البدن أن حكمها حكمها وإلا
~~فيبعد جهل السائل بالمدلول اللغوي ليرد عليه بذلك، ويمكن أن يقال فيما
~~روي عن ابن عمر: أن مراده بالبدن فيه البدن الشرعية، ولعله إذا قيل
~~باشتراكها بين ما يكون من النوعين يحكم العرف أو نحوه في التعيين فيما
~~إذا نذر الشخص بدنة ويشير إلى ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد
~~عن يعقوب الرياحي عن أبيه قال: أوصى إلي رجل وأوصى ببدنة فأتيت ابن
~~عباس فقلت له: إن رجلا أوصى إلي وأوصى ببدنة فهل تجزي عني بقرة؟ قال:
~~نعم ثم قال: ممن صاحبكم؟ فقلت: من رياح قال: ومتى اقتنى بنو ms06941 رياح البقر
~~إلى الإبل وهم صاحبكم إنما البقر لأسد وعبد القيس فتدبر.

# وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وشيبة وعيسى { البدن } بضم الباء والدال،
~~قيل وهو الأصل كخشب وخشبة وإسكان الدال تخفيف منه، ورويت هذه القراءة عن
~~نافع وأبي جعفر وقرأ ابن أبي إسحاق أيضا بضم الباء والدال وتشديد
~~النون فاحتمل أن يكون اسما مفردا بنى على فعل كعتل واحتمل أن يكون
~~التشديد من التضعيف الجائز في الوقف وأجري الوصل مجرى الوقف، والجمهور
~~على نصب { البدن } على الاشتغال أي وجعلنا البدن جعلناها، وقرىء بالرفع
~~على الابتداء، وقوله تعالى: { لكم } ظرف متعلق بالجعل، و { من
~~شعائر الله } في موضع المفعول الثاني له.

# وقوله تعالى: { لكم فيها خير } أي نفع في الدنيا وأجر في الآخرة
~~كما روي عن ابن عباس وعن السدي الاقتصار على الأجر جملة مستأنفة مقررة
~~لما قبلها.

# { فاذكروا اسم الله عليها } بأن تقولوا عند ذبحها بسم
~~الله والله أكبر اللهم منك ولك. وقد أخرج ذلك / جماعة عن ابن عباس، وفي
~~«البحر» بأن يقول عند النحر: الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر
~~اللهم منك وإليك. { صواف } أي قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن فهو جمع
~~صافة ومفعوله مقدر. وقرأ ابن عباس وابن عمر وابن مسعود والباقر ومجاهد
~~وقتادة وعطاء والكلبي والأعمش بخلاف عنه { صوافن } بالنون جمع صافنة وهو
~~إما من صفن الرجل إذا صف قدميه فيكون بمعنى صواف أو من صفن الفرس إذا قام
~~على ثلاث وطرف سنبك الرابعة لأن البدنة عند الذبح تعقل إحدى يديها فتقوم
~~على ثلاث، وعقلها عند النحر سنة، فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما «أنه رأى رجلا قد أناخ بدنته وهو ينحرها
~~فقال: ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم». والأكثرون على
~~عقل اليد اليسرى، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن ابن سابط رضي الله تعالى عنه
~~أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يعقلون يد البدنة اليسرى
~~وينحرونها قائمة على ما بقي من قوائمها. وأخرج ms06942 عن الحسن قيل له: كيف تنحر
~~البدنة؟ قال: تعقل يدها اليسرى إذا أريد نحرها، وذهب بعض إلى عقل اليمنى؛
~~فقد أخرج ابن أبي شيبة أيضا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان
~~ينحرها وهي معقولة يدها اليمنى، وقيل لا فرق بين عقل اليسرى وعقل اليمنى،
~~فقد أخرج ابن أبي شيبة أيضا عن عطاء قال: اعقل أي اليدين شئت. وأخرج
~~جماعة عن ابن عمر أنه فسر { صواف } بقائمات معقولة إحدى أيديهن فلا
~~فرق في المراد بين صواف وصوافن على هذا أصلا، لكن روي عن مجاهد أن
~~الصواف على أربع والصوافن على ثلاث.

# وقرأ أبو موسى الأشعري والحسن ومجاهد وزيد بن أسلم وشقيق وسليمان التيمي
~~والأعرج { صوافي } بالياء جمع صافية أي خوالص لوجه الله عز وجل لا يشرك
~~فيها شيء كما كانت الجاهلية تشرك، ونون الياء عمر وبن عبيد وهو خلاف
~~الظاهر لأن { صوافي } ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وخرج على
~~وجهين، أحدهما: أنه وقف عليه بألف الإطلاق لأنه منصوب ثم نون تنوين
~~الترنم لا تنوين الصرف بدلا من الألف، وثانيهما أنه على لغة من يصرف ما
~~لا ينصرف لا سيما الجمع المتناهي ولذا قال بعضهم:

# والصرف في الجمع أتى كثيرا

# حتى ادعى قوم به التخييرا

# وقرأ الحسن أيضا { صواف } بالتنوين والتخفيف على لغة من ينصب
~~المنقوص بحركة مقدرة ثم يحذف الياء فأصل { صواف } صوافي حذفت الياء
~~لثقل الجمع واكتفى بالكسرة التي قبلها ثم عوض عنها التنوين ونحوه:

# ولو أن واش باليمامة داره

# وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا

# وقد تبقى الياء ساكنة كما في قوله:

# يا باري القوس بريا ليست تحسنها

# لا تفسدنها وأعط القوس باريها

# وعلى ذلك قراءة بعضهم { صوافي } بإثبات الياء ساكنة بناء على أنه كما
~~في القراءة المشهورة حال من ضمير { عليها } ولو جعل كما قيل بدلا من
~~الضمير لم يحتج إلى التخريج على لغة شاذة.

# { فإذا وجبت جنوبها } أي سقطت على الأرض وهو كناية عن الموت.
~~وظاهر ذلك مع ما تقدم من الآثار يقتضي أنها ms06943 تذبح وهي قائمة، وأيد به كون
~~البدن من الإبل دون البقر لأنه لم تجر عادة بذبحها قائمة وإنما تذبح
~~مضطجعة وقلما شوهد نحر / الإبل وهي مضطجعة { فكلوا منها
~~وأطعموا القنع } أي الراضي بما عنده وبما يعطى من غير مسألة
~~ولا تعرض لها، وعليه حمل قول لبيد:

# فمنهم سعيد آخذ بنصيبه

# ومنهم شقي بالمعيشة قانع

# { والمعتر } أي المعترض للسؤال من أعتره إذا تعرض له، وتفسيرهما
~~بذلك مروي عن ابن عباس وجماعة، وقال محمد بن كعب ومجاهد وإبراهيم والحسن
~~والكلبي: { القنع } السائل كما في قول عدي بن زيد:

# وما خنت ذا عهد وأيت بعهده

# ولم أحرم المضطر إذ جاء قانعا

# { والمعتر } المعترض من غير سؤال، فالقانع قيل على الأول من قنع
~~يقنع كتعب يتعب قنعا إذا رضي بما عنده من غير سؤال، وعلى الثاني من قنع
~~يقنع كسأل يسأل لفظا ومعنى قنوعا. وعلى ذلك جاء قول الشاعر:

# العبد حر إن قنع

# والحر عبد إن قنع

# فاقنع ولا تطمع فما

# شيء يشين سوى الطمع

# فلا يكون { القنع } على هذا من الأضداد لاختلاف الفعلين، ونص على
~~ذلك الخفاجي حاكما بتوهم من يقول بخلافه. وفي «الصحاح» نقل القول بأنه
~~من الأضداد عن بعض أهل العلم ولم يتعقبه بشيء، ونقل عنه أيضا أنه يجوز
~~أن يكون السائل سمي قانعا لأنه يرضى بما يعطي قل أو كثر ويقبله ولا يرد
~~فيكون معنى الكلمتين راجعا إلى الرضا، وإلى كون قنع بالكسر بمعنى رضي
~~وقنع بالفتح بمعنى سأل ذهب الراغب وجعل مصدر الأول قناعة وقنعانا ومصدر
~~الثاني قنوعا. ونقل عن بعضهم أن أصل ذلك من القناع وهو ما يغطى به الرأس
~~فقنع بالكسر لبس القناع ساترا لفقره كقولهم: خفي إذا لبس الخفاء وقنع
~~إذا رفع قناعه كاشفا لفقره بالسؤال نحو خفي إذا رفع الخفاء، وأيد كون
~~القانع بمعنى الراضي بقراءة أبي رجاء { القنع } بوزن الحذر بناء
~~على أنه لم يرد بمعنى السائل بخلاف القانع فإنه ورد بالمعنيين والأصل
~~توافق القراءات، وعن مجاهد { القنع } الجار وإن كان غنيا وأخرج
~~ابن ms06944 أبي شيبة عنه وعن ابن جبير أن القانع أهل مكة والمعتر سائر الناس،
~~وقيل: المعتر الصديق الزائر، والذي اختاره من هذه الأقوال أولها.

# وقرأ الحسن { والمعتري } اسم فاعل من اعترى وهو واعتر بمعنى. وقرأ عمرو
~~وإسماعيل كما نقل ابن خالويه { المعتر } بكسر الراء بدون ياء، وروى ذلك
~~المقري عن ابن عباس، وجاء ذلك أيضا عن أبي رجاء وحذفت الياء تخفيفا
~~منه واستغناء بالكسرة عنها.

# واستدل بالآية على أن الهدي يقسم أثلاثا ثلث لصاحبه وثلث للقانع وثلث
~~للمعتر وروي ذلك عن ابن مسعود، وقال محمد بن جعفر رضي الله تعالى عنهما
~~بقسمته أثلاثا أيضا إلى أنه قال: أطعم القانع والمعتر ثلثا والبائس
~~الفقير ثلثا وأهلي ثلثا وفي القلب من صحته شيء. وقال ابن المسيب: ليس
~~لصاحب الهدي منه إلا الربع وكأنه عد القانع والمعتر والبائس الفقير ثلاثة
~~وهو كما ترى، قال ابن عطية: وهذا كله على جهة الاستحسان لا الفرض، وكأنه
~~أراد بالاستحسان الندب فيكون قد حمل كلا الأمرين في الآية على الندب. وفي
~~«التيسير» أمر { كلوا } للإباحة ولو لم يأكل جاز وأمر { أطعموا }
~~للندب ولو صرفه كله لنفسه لم يضمن شيئا، وهذا في كل هدي نسك ليس بكفارة
~~وكذا الأضحية، وأما الكفارة فعليه التصدق بجميعها فما أكله / أو أهداه
~~لغني ضمنه. وفي «الهداية» يستحب له أن يأكل من هدي التطوع والمتعة
~~والقران وكذا يستحب أن يتصدق على الوجه الذي عرف في الضحايا وهو قول بنحو
~~ما يقتضيه كلام ابن عطية في كلا الأمرين. وأباح مالك الأكل من الهدي
~~الواجب إلا جزاء الصيد والأذى والنذر، وأباحه أحمد إلا من جزاء الصيد
~~والنذر، وعند الحسن الأكل من جميع ذلك مباح وتحقيق ذلك في كتب الفقه.

# { كذلك } أي مثل ذلك التسخير البديع المفهوم من قوله تعالى: {
~~صواف }  { سخرنها لكم } مع كمال عظمها ونهاية قوتها فلا
~~تستعصي عليكم حتى إنكم تأخذونها منقادة فتعقلونها وتحبسونها صافة قوائمها
~~ثم تطعنون في لباتها ولولا تسخير الله تعالى لم تطق ولم تكن بأعجز من بعض
~~الوحوش التي هي ms06945 أصغر منها جرما وأقل قوة وكفى ما يتأبد من الإبل شاهدا
~~وعبرة. وقال ابن عطية: كما أمرناكم فيها بهذا كله سخرناها لكم ولا يخفى
~~بعده { لعلكم تشكرون } أي لتشكروا إنعامنا عليكم بالتقرب
~~والإخلاص.

### || [22.37]

# { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها } أي لن يصيب رضا
~~الله تعالى اللحوم المتصدق بها ولا الدماء المهراقة بالنحر من حيث إنها
~~لحوم ودماء { ولكن يناله التقوى منكم } ولكن يصيبه ما
~~يصحب ذلك من تقوى قلوبكم التي تدعوكم إلى تعظيمه تعالى والتقرب له سبحانه
~~والإخلاص له عز وجل. وقال مجاهد: أراد المسلمون أن يفعلوا فعل المشركين
~~من الذبح وتشريح اللحم ونصبه حول الكعبة ونضحها بالدماء تعظيما لها
~~وتقربا إليه تعالى فنزلت هذه الآية، وروي نحوه عن ابن عباس وغيره وقرأ
~~يعقوب وجماعة { لن تنال. ولكن تناله } بالتاء. وقرأ أبو جعفر
~~الأول بالتاء والثاني بالياء آخر الحروف، وعن يحيى بن يعمر والجحدري
~~أنهما قرآ بعكس ذلك. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { لن
~~ينال. ولكن يناله } بالبناء لما يسم فاعله في الموضعين {
~~ولحومها ولا دماءها } بالنصب.

# { كذلك سخرها لكم } كرره سبحانه تذكيرا للنعمة وتعليلا له
~~بقوله تعالى: { لتكبروا الله } أي لتعرفوا عظمته تعالى باقتداره
~~على ما لا يقدر عليه غيره عز وجل فتوحدوه بالكبرياء، وقيل: أي لتقولوا
~~الله أكبر عند الإحلال أو الذبح { على ما هداكم } أي على هدايته
~~وإرشاده إياكم إلى طريق تسخيرها وكيفية التقرب بها، فما مصدرية، وجوز أن
~~تكون موصوفة وأن تكون موصولة والعائد محذوف، ولا بد أن يعتبر منصوبا عند
~~من يشترط في حذف العائد المجرور أن يكون مجرورا بمثل ما جر به الموصول
~~لفظا ومعنى ومتعلقا، و { على } متعلقة بتكبروا لتضمنه معنى الشكر أو
~~الحمد كأنه قيل: لتكبروه تعالى شاكرين أو حامدين على ما هداكم، وقال
~~بعضهم: على بمعنى اللام التعليلية ولا حاجة إلى اعتبار التضمين، ويؤيد
~~ذلك قول الداعي على الصفا: الله أكبر على ما هدانا والحمد لله تعالى على
~~ما أولانا، ولا يخفى أن لعدم اعتبار التضمين هنا ms06946 وجها ليس فيما نحن فيه
~~فافهم.

# { وبشر المحسنين } أي المخلصين في كل ما يأتون ويذرون في أمور
~~دينهم. وعن ابن عباس هم الموحدون.

# ومن باب الإشارة في الآيات: { يأيها الناس اتقوا ربكم
~~} بالإعراض عن السوى وطلب الجزاء

# إن زلزلة الساعة

# [الحج: 1] وهي مبادي القيامة الكبرى { يوم ترونها تذهل
~~كل مرضعة } وهي مواد الأشياء فإن لكل شيء مادة ملكوتية ترضع
~~رضيعها من الملك وتربيه في مهد الاستعداد { وتضع كل ذات حمل
~~} وهي الهيولات / { حملها } وهي الصور يوم تبدل الأرض غير الأرض
~~والسموات { وترى الناس سكرى } الحيرة

# وما هم بسكرى

# [الحج: 2] المحبة، قيل سكر الأعداء من رؤية القهريات، وسكر الموافقين من
~~رؤية بدائع الأفعال، وسكر المريدين من لمعان الأنوار. وسكر المحبين من
~~كشوف الأسرار، وسكر المشتاقين من ظهور سني الصفات، وسكر العاشقين من
~~مكاشفة الذات.

# وسكر المقربين من الهيبة والجلال، وسكر العارفين من الدخول في حجال
~~الوصال، وسكر الموحدين من استغراقهم في بحار الأولية، وسكر الأنبياء
~~والمرسلين عليهم السلام من اطلاعهم على أسرار الأزلية:

# ألم بنا ساق يجل عن الوصف

# وفي طرفه خمر وخمر على الكف

# فأسكر أصحابي بخمرة كفه

# وأسكرني والله من خمرة الطرف

# { ومن الناس من يعبد الله على حرف } الآية يدخل فيه
~~من يعبد الله تعالى طمعا في الكرامات ومحمدة الخلق ونيل دنياهم فإن رأى
~~شيئا من ذلك سكن إلى العبادة وإن لم ير تركها وتهاون فيها { خسر
~~الدنيا } بفقدان الجاه والقبول والافتضاح عند الخلق

# والأخرة

# [الحج: 11] ببقائه في الحجاب عن مشاهدة الحق واحتراقه بنار البعد

# من كان يظن أن لن ينصره الله فى الدنيا
~~والأخرة فليمدد بسبب إلى السماء

# [الحج: 15] الآية فيه إشارة إلى حسن مقام التسليم والرضا بما فعل الحكيم
~~جل جلاله

# وإذ بوأنا لإبرهيم مكان البيت أن لا تشرك
~~بى شيئا وطهر بيتى للطائفين والقآئمين
~~والركع السجود

# [الحج: 26] فيه من تعظيم أمر الكعبة ما فيه، وقد جعلها الله تعالى
~~مثالا لعرشه وجعل الطائفين بها من البشر كالملائكة الحافين من حول العرش
~~يسبحون بحمد ربهم إلا أن ms06947 تسبيح البشر وثناءهم عليه عز وجل بكلمات إلهية
~~قرآنية فيكونون من حيث تسبيحهم وثناؤهم بتلك الكلمات من حيث إنها كلماته
~~تعالى نوابا عنه عز وجل في ذلك ويكون أهل القرآن وهم كما في الحديث أهل
~~الله تعالى وخاصته، وللكعبة أيضا امتياز على العرش وسائر البيوت الأربعة
~~عشر لأمر ما نقل إلينا أنه في العرش ولا في غيره من تلك البيوت وهو الحجر
~~الأسود الذي جاء في الخبر أنه يمين الله عز وجل ثم إنه تعالى جعل لبيته
~~أربعة أركان لسر إلهي وهي في الحقيقة ثلاثة لأنه شكل مكعب الركن الذي
~~يلي الحجر كالحجر في الصورة مكعب الشكل ولذلك سمي الكعبة تشبيها بالكعب،
~~ولما جعل الله تعالى له بيتا في العالم الكبير جعل نظيره في العالم
~~الصغير وهو قلب المؤمن، وقد ذكروا أنه أشرف من هذا البيت «ما وسعني أرضي
~~ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن» وجعل الخواطر التي تمر عليه
~~كالطائفين وفيها مثلهم المحمود والمذموم، وجعل محل الخواطر فيه كالأركان
~~التي للبيت فمحل الخاطر الإلهي كركن الحجر ومحل الخاطر الملكي كالركن
~~اليماني ومحل الخاطر النفسي كالمكعب الذي في الحجر لا غير وليس للخاطر
~~الشيطاني فيه محل، وعلى هذا قلوب الأنبياء عليهم السلام، وقد يقال: محل
~~الخاطر النفسي كالركن الشامي ومحل الخاطر الشيطاني كالركن العراقي، وإنما
~~جعل ذلك للركن العراقي لأن الشارع شرع أن يقال عنده: أعوذ بالله تعالى من
~~الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وعلى هذا قلوب المؤمنين ما عدا الأنبياء
~~عليهم السلام، وأودع سبحانه فيه كنزا أراد صلى الله عليه وسلم أن يخرجه
~~فلم يفعل لمصلحة رآها، وكذا أراد عمر فامتنع اقتداء برسول الله صلى الله
~~عليه وسلم.

# وكذلك أودع جل وعلا في قلب الكامل كنز العلم به عز وجل. وارتفاع البيت
~~على ما مر سبعة وعشرون ذراعا وربع ذراع. وقال بعضهم: ثمانية وعشرون
~~ذراعا، / وعليه يكون ذلك نظير منازل القلب التي تقطعها كواكب الإيمان
~~السيارة لإظهار حوادث تجري في النفس كما تقطع السيارة منازلها في الفلك
~~لإظهار الحوادث ms06948 في العالم العنصري إلى غير ذلك مما لا يعرفه إلا أهل
~~الكشف.

# لكم فيها منفع إلى أجل مسمى ثم محلها
~~إلى البيت العتيق

# [الحج: 33] أي إلى ما يليه فإن النحر بمنى وجعلت محلا للقرابين على ما
~~ذكر الشيخ الأكبر محي الدين قدس سره لأنها من بلوغ الأمنية ومن بلغ المنى
~~المشروع فقد بلغ الغاية. وفي نحر القرابين إتلاف أرواح عن تدبير أجسام
~~حيوانية لتتغذى بها أجسام إنسانية فتنظر أرواحها إليها في حال تفريقها
~~فتدبرها إنسانية بعد ما كانت تدبرها إبلا أو بقرا، وهذه مسألة دقيقة لم
~~يفطن لها إلا من نور الله تعالى بصيرته من أهل الله تعالى انتهى. وتعقله
~~مفوض إلى أهله فاجهد أن تكون منهم.

# وبشر المخبتين * الذين إذا ذكر الله وجلت
~~قلوبهم

# [الحج: 34-35] حسبما يحصل لهم من التجلي عند ذلك، وقد يحصل من الذكر
~~طمأنينة القلب لاقتضاء التجلي إذ ذاك ذلك، وذكر بعضهم أن لكل اسم تجليا
~~خاصا فإذا ذكر الله تعالى حصل حسب الاستعداد ومن ههنا يحصل تارة وجل
~~وتارة طمأنينة؛ و { إذا } لا تقتضي الكلية بل كثيرا ما يؤتى بها في
~~الشرطية الجزئية، وقيل العارف متى سمع الذكر من غيره تعالى وجل قلبه
~~ومتى سمعه منه عز وجل اطمأن. ويفهم من ظاهر كلامهم أن السامع للذكر إما
~~وجل أو مطمئن ولم يصرح بقسم آخر فإن كان فالباقي على حاله قبل السماع،
~~وأكثر مشايخ زماننا يرقصون عند سماع الذكر فما أدري أينشأ رقصهم عن وجل
~~منه تعالى أم عن طمأنينة؟ وسيظهر ذلك يوم تبلى السرائر وتظهر الضمائر

# والبدن جعلنها لكم من شعئر الله لكم فيها
~~خير فاذكروا اسم الله عليها صواف

# [الحج: 36] قد تقدم لك أنهم ينحرون البدن معقولة اليد اليسرى قائمة على
~~ما بقي من قوائمها، وذكروا في سر ذلك أنه لما كان نحرها قربة أراد صلى
~~الله عليه وسلم المناسبة في صفة نحرها في الوترية فأقامها على ثلاث قوائم
~~لأن الله تعالى وتر يحب الوتر والثلاثة أول الإفراد فلها أول المراتب في
~~ذلك ms06949 والأولية وترية أيضا، وجعلها قائمة لأن القيومية مثل الوترية صفة
~~إلهية فيذكر الذي ينحرها مشاهدة القائم على كل نفس بما كسبت، وقد صح أن
~~المناسك إنما شرعت لإقامة ذكر الله تعالى، وشفع الرجلين لقوله تعالى:

# والتفت الساق بالساق

# [القيامة: 29] وهو اجتماع أمر الدنيا بالآخرة، وأفرد اليمين من يد البدن
~~حتى لا تعتمد إلا على وتر له الاقتدار. وكان العقل في اليد اليسرى لأنها
~~خلية عن القوة التي لليمنى والقيام لا يكون إلا عن قوة. وقد أخرج مسلم عن
~~ابن عباس أنه قال:

# " صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته
~~فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت عنها الدم وقلدها نعلين ثم ركب
~~راحلته "

# الحديث. والسر في كون هديه عليه الصلاة والسلام من الإبل - مع أنه جاء
~~فيها أنها شياطين ولذا كرهت الصلاة في معاطنها الإشارة إلى أن مقامه عليه
~~الصلاة والسلام رد البعداء من الله تعالى إلى حال التقريب. وفي إشعارها
~~في سنامها الذي هو أرفع ما فيها إشعار منه صلى الله عليه وسلم بأنه عليه
~~الصلاة والسلام أتى عليهم من صفة الكبرياء الذي كانوا عليه في نفوسهم
~~فليجتنبوها فإن الدار الآخرة إنما جعلت للذين لا يريدون علوا في الأرض
~~ولا فسادا، ووقع الإشعار في الصفحة اليمنى لأن اليمين محل الاقتدار
~~والقوة، والصفحة من الصفح ففي ذلك إشعار بأن الله تعالى يصفح عمن هذه
~~صفته إذا طلب القرب من الله تعالى وزال عن كبريائه الذي أوجب له البعد،
~~وجعل عليه الصلاة والسلام الدلالة على إزالة الكبرياء في شيطنة البدن في
~~تعليق النعال في رقابها إذ لا يصفع بالنعال إلا أهل الهون والمذلة ومن
~~كان بهذه المثابة فما بقي فيه كبرياء تشهد، وعلق / النعال بقلائد العهن
~~ليتذكر بذلك ما أراد الله تعالى وتكون الجبال كالعهن المنفوش، وقد ذكروا
~~لجميع أفعال الحج أسرارا من هذا القبيل، وعندي أن أكثرها تعبدية وأن
~~أكثر ما ذكروه من قبيل الشعر والله تعالى الموفق للسداد.

### || [22.38]

# { إن الله يدافع عن الذين ms06950 ءامنوا } كلام مستأنف مسوق
~~لتوطين قلوب المؤمنين ببيان أن الله تعالى ناصرهم على أعدائهم بحيث لا
~~يقدرون على صدهم عن الحج وذكر أن ذلك متصل بقوله تعالى:

# إن الذين كفروا ويصدون

# [الحج: 25] وإن ما وقع في البين من ذكر الشعائر مستطرد لمزيد تهجين
~~فعلهم وتقبيحهم لازدياد قبح الصد بازدياد تعظيم ما صد عنه، وتصديره بكلمة
~~التحقيق لإبراز الاعتناء التام بمضمونه، وصيغة المفاعلة إما للمبالغة أو
~~للدلالة على تكرر الدفع فإنها قد تتجرد عن وقوع الفعل المتكرر من
~~الجانبين فيبقى تكرره كالممارسة أي إن الله تعالى يبالغ في دفع غائلة
~~المشركين وضررهم الذي من جملته الصد عن سبيل الله تعالى والمسجد الحرام
~~مبالغة من يغالب فيه أو يدفعها عنهم مرة بعد أخرى حسبما يتجدد منهم القصد
~~إلى الإضرار بهم كما في قوله تعالى:

# كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله

# [المائدة: 64].

# وقرأ أبو عمرو وابن كثير { يدفع } والمفعول محذوف كما أشير إليه، وفي
~~«البحر» ((أنه لم يذكر ما يدفعه سبحانه عنهم ليكون أفخم وأعظم وأعم))
~~وأنت تعلم أن المقام لا يقتضي العموم بل هو غير صحيح.

# وقوله تعالى: { إن الله لا يحب كل خوان كفور }
~~تعليل لما في ضمن الوعد الكريم من الوعيد للمشركين وإيذان بأن دفعهم
~~بطريق القهر والخزي. وقيل: تعليل للدفاع عن المؤمنين ببغض المدفوعين على
~~وجه يتضمن أن العلة في ذلك الخيانة والكفر، وأوثر { لا يحب } على
~~يبغض تنبيها على مكان التعريض وأن المؤمنين هم أحباء الله تعالى، ولعل
~~الأول أولى لإيهام هذا إن الآية من قبيل قولك: إني أدفع زيدا عن عمرو
~~لبغضي زيدا وليس في ذلك كثير عناية بعمرو أي ان الله تعالى يبغض كل خوان
~~في أماناته تعالى وهي أوامره تعالى شأنه ونواهيه أو في جميع الأمانات
~~التي هي معظمها كفور لنعمه عز وجل، وصيغة المبالغة فيهما لبيان أن
~~المشركين كذلك لا للتقييد المشعر بمحبة الخائن والكافر أو لأن خيانة
~~أمانة الله تعالى وكفران نعمته لا يكونان حقيرين بل هما أمران عظيمان أو
~~لكثرة ما خانوا ms06951 فيه من الأمانات وما كفروا به من النعم أو للمبالغة في
~~نفي المحبة على اعتبار النفي أولا وإيراد معنى المبالغة ثانيا كما قيل
~~في قوله تعالى:

# وأن الله ليس بظلم للعبيد

# [الحج:10] وقد علمت ما فيه. وأيا ما كان فالمراد نفي الحب عن كل فرد
~~فرد من الخونة الكفرة.

### || [22.39]

# { أذن } أي رخص، وقرأ ابن عباس وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي {
~~أذن } بالبناء للفاعل أي أذن الله تعالى { للذين يقتلون } أي
~~يقاتلهم المشركون والمأذون فيه القتال وهو في قوة المذكور لدلالة المذكور
~~عليه دلالة نيرة. وقرأ أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب { يقتلون } على
~~صيغة المبنى للفاعل أي يريدون أن يقاتلوا المشركين في المستقبل ويحرصون
~~عليه فدلالته على المحذوف أنور { بأنهم ظلموا } أي بسبب أنهم
~~ظلموا. والمراد بالموصول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين في مكة
~~فقد نقل الواحدي وغيره أن المشركين كانوا يؤذونهم وكانوا يؤتون النبي
~~عليه الصلاة والسلام بين مضروب ومشجوج ويتظلمون إليه صلوات الله تعالى /
~~وسلامه عليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزلت هذه
~~الآية وهي أول آية نزلت في القتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية على
~~ما روى الحاكم في «المستدرك» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأخرجه
~~عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية أن
~~أول آية نزلت فيه

# وقتلوا في سبيل الله الذين يقتلونكم

# [البقرة: 190] وفي «الإكليل» للحاكم أن أول آية نزلت في ذلك

# إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم
~~وأمولهم

# [التوبة: 111]، وروى البيهقي في «الدلائل» وجماعة أنها نزلت في أناس
~~مؤمنين خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة فاتبعهم كفار قريش فأذن الله
~~تعالى لهم في قتالهم وعدم التصريح بالظالم لمزيد السخط تحاشيا عن ذكره.

# { وإن الله على نصرهم لقدير } وعد لهم بالنصر وتأكيد
~~لما مر من العدة وتصريح بأن المراد به ليس مجرد تخليصهم من أيدي المشركين
~~بل تغليبهم وإظهارهم عليهم، وقد أخرج الكلام على سنن الكبرياء فإن الرمزة
~~والابتسامة ms06952 من الملك الكبير كافية في تيقن الفوز بالمطلوب وقد أوكد
~~تأكيدا بليغا زيادة في توطين نفوس المؤمنين.

### || [22.40]

# { الذين أخرجوا من ديرهم } في حيز الجر على أنه صفة
~~للموصول قبل، أو بيان له أو بدل منه أو في محل النصب على المدح أو في محل
~~الرفع بإضمار مبتدأ، والجملة مرفوعة على المدح، والمراد الذين أخرجهم
~~المشركون من مكة { بغير حق } متعلق بالإخراج أي أخرجوا بغير ما
~~يوجب إخراجهم. وجوز أن يكون صفة مصدر محذوف أي أخرجوا إخراجا كائنا
~~بهذه الصفة، واختار الطبرسي كونه في موضع الحال أي كائنين بغير حق مترتب
~~عليهم يوجب إخراجهم.

# وقوله تعالى: { إلا أن يقولوا ربنا الله } استثناء متصل
~~من { حق } و(أن) وما بعدها في تأويل مصدر بدل منه لما في غير من معنى
~~النفي، وحاصل المعنى لا موجب لإخراجهم إلا التوحيد وهو إذا أريد بالموجب
~~الموجب النفس الأمري على حد قول النابغة:

# ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

# بهن فلول من قراع الكتائب

# وجوز أن يكون الإبدال من غير وفي (أخرجوا) معنى النفي أي لم يقروا في
~~ديارهم إلا بأن يقولوا الخ وهو كما ترى، وجوز أن يكون الاستثناء منقطعا
~~وأوجبه أبو حيان أي ولكن أخرجوا بقولهم ربنا الله، وأوجب نصب ما بعد
~~(إلا) كما أوجبوه في قولهم: ما زاد إلا ما نقص وما نفع إلا ما ضر، ورد
~~كونه متصلا وكون ما بعد (إلا) بدلا من { حق } بما هو أشبه شيء
~~بالمغالطة، ويفهم من كلامه جواز أن تكون (إلا) بمعنى سوى صفة لحق أي
~~أخرجوا بغير حق سوى التوحيد، وحاصله أخرجوا بكونهم موحدين.

# { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت
~~صومع وبيع } تحريض على القتال المأذون فيه بإفادة أنه تعالى أجرى
~~العادة بذلك في الأمم الماضية لينتظم به الأمر وتقوم الشرائع وتصان
~~المتعبدات من الهدم فكأنه لما قيل:

# أذن للذين يقتلون

# [الحج: 39] الخ قيل فليقاتل المؤمنون فلولا القتال وتسليط الله تعالى
~~المؤمنين على المشركين في كل عصر وزمان لهدمت متعبداتهم ولذهبوا شذر مذر،
~~وقيل: ms06953 المعنى لولا دفع الله بعض الناس ببعض بتسليط مؤمني هذه الأمة على
~~كفارها لهدمت المتعبدات المذكورة إلا أنه تعالى سلط المؤمنين على
~~الكافرين فبقيت هذه المتعبدات بعضها للمؤمنين وبعضها لمن في حمايتهم من
~~أهل الذمة وليس بذاك، وقال مجاهد: أي لولا دفع / ظلم قوم بشهادة العدول
~~ونحو ذلك لهدمت الخ. وقال قوم: أي لولا دفع ظلم الظلمة بعدل الولاة،
~~وقالت فرقة: أي لولا دفع العذاب عن الأشرار بدعاء الأخيار، وقال قطرب: أي
~~لولا الدفع بالقصاص عن النفوس. وقيل بالنبيين عليهم السلام عن المؤمنين
~~والكل مما لا يقتضيه المقام ولا ترتضيه ذوو الأفهام.

# والصوامع جمع صومعه بوزن فعولة وهي بناء مرتفع حديد الأعلى والأصمع من
~~الرجال الحديد القول، وقال الراغب: ((هي كل بناء متصمع الرأس أي متلاصقه
~~والأصمع اللاصقة أذنه برأسه)) وهو قريب من قريب، وكانت قبل الإسلام كما
~~قال قتادة مختصة برهبان النصارى وبعباد الصابئة ثم استعملت في مئذنة
~~المسلمين، والمراد بها هنا متعبد الرهبان عند أبي العالية ومتعبد
~~الصابئة عند قتادة ولا يخفى أنه لا ينبغي إرادة ذلك حيث لم تكن الصابئة
~~ذات ملة حقة في وقت من الأوقات، والبيع واحدها بيعة بوزن فعلة وهي مصلى
~~النصارى ولا تختص برهبانهم كالصومعة، قال الراغب: فإن يكن ذلك عربيا في
~~الأصل فوجه التسمية به لما قال سبحانه:

# إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم

# [التوبة: 111] الآية، وقيل هي كنيسة اليهود.

# وقرأ أهل المدينة ويعقوب { ولولا دفاع } بالألف. وقرأ الحرميان وأيوب
~~وقتادة وطلحة وزائدة عن الأعمش والزعفراني { لهدمت } بالتخفيف، والتضعيف
~~باعتبار كثرة المواضع.

# { وصلوت } جمع صلاة وهي كنيسة اليهود، وقيل: معبد للنصارى دون
~~البيعة والأول أشهر، وسميت الكنيسة بذلك لأنها يصلى فيها فهي مجاز من
~~تسمية المحل باسم الحال، وقيل: هي بمعناها الحقيقي وهدمت بمعنى عطلت أو
~~في الكلام مضاف مقدر وليس بذاك، وقيل: { صلوت } معرب صلوثا بالثاء
~~المثلثة والقصر ومعناها بالعبرانية المصلى. وروي عن أبي رجاء والجحدري
~~وأبي العالية ومجاهد أنهم قرأوا بذلك. والظاهر أنه على هذا القول اسم
~~جنس لا علم ms06954 قبل التعريب وبعده لكن ما رواه هرون عن أبي عمرو من عدم
~~تنوينه ومنع صرفه للعلمية والعجمة يقتضي أنه علم جنس إذ كونه اسم موضع
~~بعينه كما قيل بعيد فعليه كان ينبغي منع صرفه على القراءة المشهورة فلذا
~~قيل إنه صرف لمشابهته للجمع لفظا فيكون كعرفات، والظاهر أنه نكر إذ جعل
~~عاما لما عرب، وأما القول بأن القائل به لا ينونه فتكلف قاله الخفاجي.

# وقرأ جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما { صلوات } بضم الصاد واللام،
~~وحكى عنه ابن خالويه بكسر الصاد وسكون اللام وحكيت عن الجحدري، وحكي عنه
~~أيضا { صلوات } بضم الصاد وفتح اللام وحكيت عن الكلبي، وقرأ أبو
~~العالية في رواية { صلوات } بفتح الصاد وسكون اللام، وقرأ الحجاج بن يوسف
~~{ صلوات } بضم الصاد واللام من غير ألف وحكيت عن الجحدري أيضا، وقرأ
~~مجاهد { صلوتا } بضمتين وتاء مثناة بعدها ألف، وقرأ الضحاك والكلبي {
~~صلوث } بضمتين من غير ألف وبثاء مثلثة، وقرأ عكرمة { صلويثا } بكسر الصاد
~~وإسكان اللام وواو مكسورة بعدها ياء بعدها ثاء مثلثة بعدها ألف، وحكي عن
~~الجحدري أيضا { صلواث } بضم الصاد وسكون اللام وواو مفتوحة بعدها ألف
~~بعدها ثاء مثلثة، وحكي عن مجاهد أنه قرأ كذلك إلا أنه بكسر الصاد، وحكى
~~ابن خالويه وابن عطية عن الحجاج والجحدري { صلوب } بضمتين وباء موحدة على
~~أنه جمع صليب كظريف وظروف وجمع فعيل على فعول شاذ فهذه عدة قراآت قلما
~~يوجد مثلها في كلمة واحدة.

# { ومسجد } جمع مسجد وهو معبد معروف للمسلمين، وخص بهذا الاسم
~~اعتناء بشأنه من حيث إن السجود أقرب ما يكون العبد / فيه إلى ربه عز وجل،
~~وقيل: لاختصاص السجود في الصلاة بالمسلمين، ورد بقوله تعالى:

# يمريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع
~~الراكعين

# [آل عمران: 43] وحمل السجود فيها على المعنى اللغوي بعيد، وقال ابن
~~عطية: الأسماء المذكورة تشترك الأمم في مسمياتها إلا البيعة فإنها مختصة
~~بالنصارى في عرف كل لغة، والأكثرون على أن الصوامع للرهبان والبيع
~~للنصارى والصلوات لليهود والمساجد للمسلمين.

# ولعل تأخير ذكرها مع أن الظاهر ms06955 تقديمها لشرفها لأن الترتيب الوجودي كذلك
~~أو لتقع في جوار مدح أهلها أو للتبعيد من قرب التهديم، ولعل تأخير {
~~صلوت } عن { بيع } مع مخالفة الترتيب الوجودي له للمناسبة بينها
~~وبين المساجد كذا قيل، وقيل إنما جيء بهذه المتعبدات على هذا النسق
~~للانتقال من شريف إلى أشرف فإن البيع أشرف من الصوامع لكثرة العباد فيها
~~فإنها معبد للرهبان وغيرهم والصوامع معبد للرهبان فقد وكنائس اليهود أشرف
~~من البيع لأن حدوثها أقدم وزمان العبادة فيها أطول، والمساجد أشرف من
~~الجميع لأن الله تعالى قد عبد فيها بما لم يعبد به في غيرها. ولعل المراد
~~من قوله تعالى: { لهدمت } الخ المبالغة في ظهور الفساد ووقوع
~~الاختلال في أمر العباد لولا تسليط الله تعالى المحقين على المبطلين لا
~~مجرد تهديم متعبدات للمليين.

# { يذكر فيها اسم الله كثيرا } في موضع الصفة لمساجد، وقال
~~الضحاك ومقاتل والكلبي: في موضع الصفة للجميع واستظهره أبو حيان، وكون
~~كون بيان ذكر الله عز وجل في الصوامع والبيع والكنائس بعد انتساخ شرعيتها
~~مما لا يقتضيه المقام ليس بشيء لأن الانتساخ لا ينافي بقاءها ببركة ذكر
~~الله تعالى فيها مع أن معنى الآية عام لماقبل الانتساخ كما مر.

# { ولينصرن الله من ينصره } أي وبالله أي لينصرن الله
~~تعالى من ينصر دينه أو من ينصر أولياءه ولقد أنجز الله تعالى وعده حيث
~~سلط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرة الروم
~~وأورثهم أرضهم وديارهم { إن الله لقوي } على كل ما يريده من
~~مراداته التي من جملتها نصرهم { عزيز } لا يمانعه شيء ولا يدافعه.

### || [22.41]

# { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة
~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن
~~المنكر } وصف للذين أخرجوا مقطوع أو غير مقطوع. وجوز أن يكون بدلا،
~~والتمكين السلطنة ونفاذ الأمر، والمراد بالأرض جنسها، وقيل مكة، والمراد
~~بالصلاة الصلاة المكتوبة وبالزكاة الزكاة المفروضة وبالمعروف التوحيد
~~وبالمنكر الشرك على ما روي عن زيد بن أسلم. ولعل الأولى في الأخيرين
~~التعميم، والوصف بما ذكر كما روي عن عثمان رضي الله تعالى ms06956 عنه ثناء قبل
~~بلاء يعني أن الله تعالى أثنى عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا
~~قالوا: وفيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم
~~أجمعين وذلك على مافي «الكشف» لأن الآية مخصوصة بالمهاجرين لأنهم
~~المخرجون بغير حق والممكنون في الأرض منهم الخلفاء دون غيرهم فلو لم تثبت
~~الأوصاف الباقية لزم الخلف في المقال تعالى الله سبحانه عنه لدلالته على
~~أن كل ممكن منهم يلزمه التوالي لعموم اللفظ، ولما كان التمكين واقعا تم
~~الاستدلال دون نظر إلى استدعاء الشرطية الوقوع كالكلام المقرون بلعل وعسى
~~من العظماء فإن لزوم التالي مقتضى اللفظ لا محالة ولما وقع المقدم لزم
~~وقوعه أيضا، وفي ثبوت التالي ثبوت حقية الخلافة البتة وهي واردة على
~~صيغة / الجمع المنافية للتخصيص بعلي وحده رضي الله تعالى عنه، وعن الحسن
~~وأبي العالية هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم والأولى على هذا أن يجعل
~~الموصول بدلا من قوله تعالى:

# من ينصره

# [الحج:40] كما أعربه الزجاج، وكذا يقال على ما روي عن ابن عباس أنهم
~~المهاجرون والأنصار والتابعون، وعلى ما روي عن أبي نجيح أنهم الولاة.
~~وأنت تعلم أن المقام لا يقتضي إلا الأول.

# { ولله } خاصة { عقبة الامور } فإن مرجعها إلى حكمه تعالى
~~وتقديره فقط، وفيه تأكيد للوعد بإعلاء كلمته وإظهار أوليائه

### || [22.42-44]

# { وأصحب مدين } تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وصيغة
~~المضارع في الشرط مع تحقق التكذيب لما أن المقصود تسليته عليه الصلاة
~~والسلام عما يترتب على التكذيب من الحزن المتوقع أو للإشارة إلى أنه مما
~~لا ينبغي تحققه وإلحاق { كذب } تاء التأنيث لأن الفاعل وهو { قوم
~~} اسم جمع يحوز تذكيره وتأنيثه ولا حاجة لتأويله بالأمة أو القبيلة كما
~~فعل أبو حيان ومن تبعه، وفي اختيار التأنيث حط لقدر المكذبين ومفعول كذب
~~محذوف لكمال ظهور المراد. وجوز أن يكون الفعل منزلا منزلة اللازم أي
~~فعلت التكذيب واستغنى في عاد وثمود عن ذكر القوم لاشتهارهم بهذا الاسم
~~الأخصر والأصل في التعبير العلم فلذا لم يقل ms06957 قوم صالح وقوم هود ولا علم
~~لغير هؤلاء، ولم يقل وقوم شعيب قيل لأن قومه المكذبين له عليه السلام هم
~~هؤلاء دون أهل الأيكة لأنهم وإن أرسل عليه السلام إليهم فكذبوه أجنبيون،
~~وتكذيب هؤلاء أيضا أسبق وأشد، والتخصيص لأن التسلية للنبي عليه الصلاة
~~والسلام عن تكذيب قومه أي وإن يكذبك قومك فاعلم أنك لست بأوحدى في ذلك
~~فقد كذبت قبل تكذيب قومك إياك قوم نوح الخ.

# { وكذب موسى } المكذب له عليه السلام هم القبط وليسوا قومه بل
~~قومه عليه السلام بنو إسرائيل ولم يكذبوه بأسرهم ومن كذبه منهم تاب إلا
~~اليسير وتكذيب اليسير من القوم كلا تكذيب ألا ترى أن تصديق اليسير من
~~المذكورين قبل عد كلا تصديق ولهذا لم يقل وقوم موسى كما قيل: قوم نوح
~~وقوم إبراهيم وأما أنه لم يقل والقبط بل أعيد الفعل مبنيا للمفعول
~~فللإيذان بأن تكذيبهم له عليه الصلاة والسلام في غاية الشناعة لكون آياته
~~في كمال الوضوح.

# { فأمليت للكفرين } أي أمهلتهم حتى انصرمت حبال آجالهم.
~~والفاء لترتيب إمهال كل فريق من فرق المكذبين على تكذيب ذلك الفريق لا
~~لترتيب إمهال الكل على تكذيب الكل. ووضع الظاهر موضع المضمر العائد على
~~المكذبين لذمهم بالكفر والتصريح بمكذبي موسى عليه السلام حيث لم يذكروا
~~فيما قبل تصريحا { ثم أخذتهم } أي أخذت كل فريق من فريق
~~المكذبين بعد انقضاء مدة إملائه وإمهاله. والأخذ كناية عن الإهلاك {
~~فكيف كان نكير } أي إنكاري عليهم بتغيير ما هم عليه من الحياة
~~والنعمة وعمارة البلاد وتبديله لضده فهو مصدر من نكرت عليه إذا فعلت
~~فعلا يردعه بمعنى الإنكار كالنذير بمعنى الإنذار. وياء الضمير المضاف
~~إليها محذوفة للفاصلة وأثبتها بعض القراء، والاستفهام للتعجب كأنه قيل
~~فما أشد ما كان إنكاري عليهم، وفي الجملة إرهاب لقريش.

### || [22.45]

# وقوله تعالى: { فكأين من قرية } منصوب بمضمر يفسره قوله تعالى:
~~{ أهلكنها } أي فأهلكنا كثيرا من القرى أهلكناها، والجملة بدل
~~من قوله / سبحانه

# فكيف كان نكير

# [الحج: 44] أو مرفوع على الابتداء وجملة { أهلكنها } خبره أي
~~فكثير من ms06958 القرى أهلكناها، واختار هذا أبو حيان قال: الأجود في إعراب {
~~كأين } أن تكون مبتدأ وكونها منصوبة بفعل مضمر قليل. وقرأ أبو عمرو
~~وجماعة { أهلكتها } بتاء المتكلم على وفق

# فأمليت للكفرين ثم أخذتهم

# [الحج: 44] ونسبة الإهلاك إلى القرى مجازية والمراد إهلاك أهلها، ويجوز
~~أن يكون الكلام بتقدير مضاف، وقيل: الإهلاك استعارة لعدم الانتفاع بها
~~بإهلاك أهلها.

# وقوله تعالى: { وهى ظلمة } جملة حالية من مفعول (أهلكنا)،
~~وقوله تعالى: { فهى خاوية } عطف على { أهلكنها } فلا محل
~~له من الإعراب أو محله الرفع كالمعطوف عليه، ويجوز عطفه على جملة {
~~كأين } الخ الاسمية واختاره بعضهم لقضية التشاكل، والفاء غير مانعة
~~بناء على ترتب الخواء على الإهلاك لأنه على نحو زيد أبوك فهو عطوف عليك،
~~وجوز عطفه على الجملة الحالية، واعترض بأن خواءها ليس في حال إهلاك أهلها
~~بل بعده، وأجيب بأنها حال مقدرة ويصح عطفها على الحال المقارنة أو يقال
~~هي حال مقارنة أيضا بأن يكون إهلاك الأهل بخوائها عليهم، ولا يخفى أن
~~كلا الجوابين خلاف الظاهر، والخواء إما بمعنى السقوط من خوى النجم إذا
~~سقط، وقوله تعالى: { على عروشها } متعلق به، والمراد بالعروش
~~السقوف، والمعنى فهي ساقطة حيطانها على سقوفها بأن تعطل بنيانها فخرت
~~سقوفها ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف، وإسناد السقوط على العروش
~~إليها لتنزيل الحيطان منزلة كل البنيان لكونها عمدة فيه، وإما بمعنى
~~الخلو من خوت الدار تخوى خواء إذا خلت من أهلها، ويقال: خوى البطن يخوي
~~خوى إذا خلا من الطعام، وجعل الراغب أصل معنى الخواء هذا وجعل خوى النجم
~~من ذلك فقال: يقال خوى النجم وأخوى إذا لم يكن منه عند سقوطه مطر تشبيها
~~بذلك فقوله تعالى: { على عروشها } إما متعلق به أو متعلق بمحذوف
~~وقع حالا، و { على } بمعنى مع أي فهي خالية مع بقاء عروشها وسلامتها،
~~ويجوز على تفسير الخواء بالخلو أن يكون { على عروشها } خبرا بعد
~~خبر أي فهي خالية وهي على عروشها أي قائمة مشرفة على عروشها على أن
~~السقوف سقطت إلى الأرض وبقيت الحيطان ms06959 قائمة وهي مشرفة على السقوف
~~الساقطة، وإسناد الإشراف إلى الكل مع كونه حال الحيطان لما مر آنفا.

# { وبئر معطلة } عطف على { قرية } والبئر من بأرت أي حفرت
~~وهي مؤنثة على وزن فعل بمعنى مفعول وقد تذكر على معنى القليب وتجمع على
~~(أبآر وآبار وأبؤر وآبر وبئار)، وتعطيل الشيء إبطال منافعه أي وكم بئر
~~عامرة في البوادي تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها.

# وقرأ الجحدري والحسن وجماعة { معطلة } بها لتخفيف من أعطله بمعنى
~~عطله.

# { وقصر مشيد } عطف على ما تقدم أيضا أي وكم قصر مرفوع البنيان
~~أو مبني بالشيد بالكسر أي الجص أخليناه عن ساكنيه كما يشعر به السياق
~~ووصف البئر بمعطلة قيل وهذا يؤيد كون معنى { خاوية على عروشها
~~} خالية مع بقاء عروشها، وفي «البحر» ينبغي أن يكون { بئر. وقصر } من
~~حيث عطفهما على { قرية } داخلين معها في حيز الإهلاك مخبرا به عنهما
~~بضرب من التجوز أي وكم بئر معطلة وقصر مشيد أهلكنا أهلهما. وزعم بعضهم
~~عطفهما على { عروشها } وليس بشيء، وظاهر التنكير فيهما عدم إرادة
~~معين منهما، وعن ابن عباس أن البئر كانت لأهل عدن من اليمن وهي الرس، وعن
~~كعب الأحبار أن القصر بناه عاد الثاني. / وعن الضحاك وغيره أن القصر على
~~قلة جبل بحضرموت والبئر بسفحه وأن صالحا عليه السلام نزل عليها مع أربعة
~~آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم الله تعالى من العذاب، وسميت حضرموت بفتح
~~الراء والميم ويضمان ويبنى ويضاف لأن صالحا عليه السلام حين حضرها مات،
~~وعند البئر بلدة اسمها حاضورا بناها قوم صالح وأمروا عليها جلهس بن جلاس
~~وأقاموا بها زمانا ثم كفروا وعبدوا صنما وأرسل الله تعالى إليهم حنظلة
~~بن صفوان نبيا فقتلوه في السوق فأهلكهم الله تعالى عن آخرهم وعطل سبحانه
~~بئرهم وقصرهم. وجوز أن يكون إرادة ذلك بطريق التعريض وفيه بعد.

### || [22.46]

# { أفلم يسيروا فى الأرض } حث لهم على السفر للنظر والاعتبار
~~بمصارع الهالكين هذا إن كانوا لم يسافروا وإن كانوا سافروا فهو حث على
~~النظر والاعتبار، وذكر المسير لتوقفه ms06960 عليه، وجوز أن يكون الاستفهام
~~للإنكار أو التقرير، وأيا ما كان فالعطف على مقدر يقتضيه المقام، وقوله
~~تعالى: { فتكون لهم } منصوب في جواب الاستفهام عند ابن عطية وفي
~~جواب التقرير عند الحوفي وفي جواب النفي عند بعض، ومذهب البصريين أن
~~النصب بإضمار أن وينسبك منها ومن الفعل مصدر يعطف على مصدر متوهم. ومذهب
~~الكوفيين أنه منصوب على الصرف إذ معنى الكلام الخبر صرفوه عن الجزم على
~~العطف على { يسيروا } وردوه إلى أخي الجزم وهو النصب وهو كما ترى.
~~ومذهب الجرمي أن النصب بالفاء نفسها. وقرأ مبشر بن عبيد { فيكون }
~~بالياء التحتية { قلوب يعقلون بها } أي يعلمون بها ما يجب أن
~~يعلم من التوحيد فمفعول { يعقلون } محذوف لدلالة المقام عليه، وكذا
~~يقال في قوله تعالى: { أو ءاذان يسمعون بها } أي يسمعون بها
~~ما يجب أن يسمع من الوحي أو من أخبار الأمم المهلكة ممن يجاورهم من الناس
~~فإنهم أعرف منهم بحالهم.

# { فإنها لا تعمى الأبصر ولكن تعمى القلوب
~~التى فى الصدور } ضمير { فإنها } للقصة فهو مفسر بالجملة
~~بعده، ويجوز في مثله التذكير باعتبار الشأن، وعلى ذلك قراءة عبد الله {
~~فإنه } وحسن التأنيث هنا وقوع ما فيه تأنيث بعده، وقيل: يجوز أن
~~يكون ضميرا مبهما مفسرا بالأبصار، وكان الأصل فإنها الأبصار لا تعمى
~~على أن جملة { لا تعمى } من الفعل والفاعل المستتر خبر بعد خبر فلما
~~ترك الخبر الأول أقيم الظاهر مقام الضمير لعدم ما يرجع إليه ظاهرا فصار
~~فاعلا مفسرا للضمير. واعترضه أبو حيان بأنه لا يجوز لأن الضمير المفسر
~~بمفرد بعده محصور في أمور وهي باب رب وباب نعم وبئس وباب الاعمال وباب
~~البدل وباب المبتدأ والخبر وما هنا ليس منها. ورد بأنه من باب المبتدأ
~~والخبر نحو

# إن هى إلا حياتنا الدنيا

# [الأنعام: 29] ولا يضره دخول الناسخ، وفيه نظر، والمعنى أنه لا يعتد
~~بعمى الأبصار وإنما يعتد بعمى القلوب فكأن عمى الأبصار ليس بعمى بالإضافة
~~إلى عمى القلوب، فالكلام تذييل لتهويل ما بهم من عدم فقه القلب وأنه
~~العمى ms06961 الذي لا عمى بعده بل لا عمى إلا هو أو المعنى إن أبصارهم صحيحة
~~سالمة لا عمى بها وإنما العمى بقلوبهم فكأنه قيل: أفلم يسيروا فتكون لهم
~~قلوب ذات بصائر فإن الآفة ببصائر قلوبهم لا بأبصار عيونهم وهي الآفة التي
~~كل آفة دونها كأنه يحثهم على إزالة المرض وينعى عليهم تقاعدهم عنها، ووصف
~~القلوب بالتي في الصدور على ما قال الزجاج للتأكيد كما في / قوله تعالى:

# يقولون بأفوههم

# [آل عمران: 167] وقولك: نظرت بعيني.

# وقال الزمخشري: ((قد تعورف واعتقد أن العمى على الحقيقة مكانه البصر وهو
~~أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها واستعماله في القلب استعارة ومثل فلما
~~أريد إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن
~~الأبصار احتاج هذا التصوير إلى زيادة تعيين وفضل تعريف ليتقرر أن مكان
~~العمى هو القلوب لا الأبصار كما تقول: ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك
~~الذي بين فكيك وهو في حكم قولك: ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك
~~فلتة ولا سهوا مني ولكن تعمدت به إياه بعينه تعمدا)).

# وهذه الآية على ما قيل نزلت في ابن أم مكتوم حين سمع قوله تعالى:

# ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الأخرة أعمى

# [الإسراء: 72] فقال: يا رسول الله أنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة
~~أعمى؟ وربما يرجح بهذه الرواية إن صحت المعنى الأول إذ حصول الجواب
~~بالآية عليه ظاهر جدا فكأنه قيل له: أنت لا تدخل تحت عموم { ومن كان
~~} الخ لأن عمى الأبصار في الدنيا ليس بعمى في الحقيقة في جنب عمى القلوب
~~والذي يدخل تحت عموم ذلك من اتصف بعمى القلب، وهذا يكفي في الجواب سواء
~~كان معنى قوله تعالى: { ومن كان فى هذه أعمى فهو فى
~~الأخرة أعمى } ومن كان في الدنيا أعمى القلب فهو في الآخرة كذلك
~~أو ومن كان في الدنيا أعمى للقلب فهو في الآخرة أعمى البصر لأنه فيها
~~تبلى السرائر فيظهر عمى القلب بصورة عمى البصر، نعم في صحة الرواية نظر.
~~وفي «الدر ms06962 المنثور» ((أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال في هذه الآية:
~~ذكر لنا أنها نزلت في عبد الله بن زائدة يعني ابن أم مكتوم، ولا يخفى حكم
~~الخبر إذا روي هكذا.

# واستدل بقوله تعالى: { أفلم يسيروا } الخ على استحباب السياحة
~~في الأرض وتطلب الآثار. وقد أخرج ابن أبي حاتم في كتاب «التفكر» عن مالك
~~بن دينار قال: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن اتخذ نعلين من
~~حديد وعصا ثم سح في الأرض فاطلب الآثار والعبر حتى تحفى النعلان وتنكسر
~~العصا، وبقوله تعالى: { فتكون } الخ على أن محل العقل القلب لا
~~الرأس، قاله الجلال السيوطي في «أحكام القرآن العظيم». وقال الإمام
~~الرازي: ((في الآية دلالة على أن العقل هو العلم وعلى أن محله هو
~~القلب))، وأنت تعلم أن كون العقل هو العلم هو اختيار أبي إسحق
~~الإسفرائيني واستدل عليه بأنه يقال لمن عقل شيئا علمه ولمن علم شيئا
~~عقله، وعلى تقدير التغاير لا يقال ذلك وهو غير سديد لأنه إن أريد بالعلم
~~كل علم يلزم منه أن لا يكون عاقلا من فاته بعض العلوم مع كونه محصلا
~~لما عداه وإن أريد بعض العلوم فالتعريف غير حاصل لعدم التمييز وما ذكر من
~~الاستدلال غير صحيح لجواز أن يكون العلم مغايرا للعقل وهما متلازمان.

# وقال الأشعري: لا فرق بين العقل والعلم إلا في العموم والخصوص والعلم
~~أعم من العقل فالعقل إذا علم مخصوص فقيل: هو العلم الصارف عن القبيح
~~الداعي إلى الحسن وهو قول الجبائي، وقيل: هو العلم بخير الخيرين وشر
~~الشرين وهو قول لبعض المعتزلة أيضا ولهم أقوال أخر، والذي اختاره القاضي
~~أبو بكر أنه بعض العلوم الضرورية كالعلم باستحالة اجتماع الضدين وأنه لا
~~واسطة بين النفي والإثبات وأن الموجود لا يخرج عن أن يكون قديما أو
~~حادثا ونحو ذلك. واحتج إمام الحرمين على صحة ذلك وإبطال ما عداه بما
~~ذكره الآمدي في «أبكار الأفكار» بما له وعليه. واختار المحاسبي عليه
~~الرحمة أنه غريزة يتوصل بها إلى المعرفة، ورد ms06963 بأنه إن أراد بالغريزة
~~العلم / لزمه ما لزم القائل بأنه العلم وإن أراد بها غير العلم فقد لا
~~يسلم وجود أمر وراء العلم يتوصل به إلى المعرفة. وقال صاحب «القاموس» بعد
~~نقل عدة أقوال في العقل: ((والحق أنه نور روحاني به تدرك النفس العلوم
~~الضرورية والنظرية))، ولعنا نحقق ذلك في موضع آخر إن شاء الله تعالى.

# ثم إن في محلية القلب للعلم خلافا بين العقلاء فالمشهور عن الفلاسفة أن
~~محل العلم المتعلق بالكليات والجزئيات المجردة النفس الناطقة ومحل العلم
~~المتعلق بالجزئيات المادية قوى جسمانية قائمة بأجزاء خاصة من البدن وهي
~~منقسمة إلى خمس ظاهرة وخمس باطنة وتسمى الأولى الحواس الظاهرة والثانية
~~الحواس الباطنة وأمر كل مشهور. وزعم بعض متفلسفة المتأخرين أن المدرك
~~للكليات والجزئيات إنما هو النفس والقوى مطلقا غير مدركة بل آلة في
~~إدراك النفس وذهب إليه بعض منا. وفي «أبكار الأفكار» بعد نقل قولي
~~الفلاسفة: وأما أصحابنا فالبنية المخصوصة غير مشترطة عندهم بل كل جزء من
~~أجزاء بدن الإنسان إذا قام به إدراك وعلم فهو مدرك عالم، وكون ذلك مما
~~يقوم بالقلب أو غيره مما لا يجب عقلا ولا يمتنع لكن دل الشرع على القيام
~~بالقلب لقوله تعالى:

# إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب

# [ق: 37] وقوله سبحانه: { فتكون لهم قلوب يعقلون بها }
~~وقوله عز وجل

# أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها

# [محمد: 24] انتهى.

# ولا يخفى أن الاستدلال بما ذكر على محلية القلب للعلم لا يخلو عن شيء،
~~نعم لا ينكر دلالة الآيات على أن للقلب الإنساني لما أودع فيه مدخلا
~~تاما في الإدراك، والوجدان يشهد بمدخلية ما أودع في الدماغ في ذلك
~~أيضا، ومن هنا لا أرى للقول بأن لأحدهما مدخلا دون الآخر وجها، وكون
~~الإنسان قد يضرب على رأسه فيذهب عقله لا يدل على أن لما أودع في الدماغ
~~لا غير مدخلا في العلم كما لا يخفى على من له قلب سليم وذهن مستقيم
~~فتأمل.

### || [22.47]

# { ويستعجلونك بالعذاب } الضمير لقريش كان صلى الله عليه ms06964
~~وسلم يحذرهم عذاب الله تعالى ويوعدهم ميجئه وهم ينكرون ذلك أشد الإنكار
~~ويطلبون مجيئه استهزاء وتعجيزا له صلى الله عليه وسلم فأنكر عليهم ذلك،
~~فالجملة خبر لفظا واستفهام وإنشاء معنى، وقوله تعالى: { ولن يخلف
~~الله وعده } جملة حالية جيء بها لبيان بطلان إنكارهم العذاب في
~~ضمن استعجالهم به كأنه قيل: كيف تنكرون مجيء العذاب الموعود والحال أنه
~~تعالى لا يخلف وعده، وقد سبق الوعد فلا بد من مجيئة أو اعتراضية لما ذكر
~~أيضا.

# وقوله تعالى: { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما
~~تعدون } جملة مستأنفة إن كانت الأولى حالية ومعطوفة عليها إن كانت
~~اعتراضية سيقت لتحقيق إنكار الاستعجال وبيان خطئهم فيه ببيان كمال سعة
~~ساحة حلمه تعالى وإظهار غاية ضيق عطنهم المستتبع لكون المدة القصيرة عنده
~~تعالى مددا طوالا عندهم حسبما ينطق به قوله تعالى:

# إنهم يرونه بعيدا * ونراه قريبا

# [المعارج: 6-7] ولذا يرون مجيئه بعيدا ويتخذونه ذريعة إلى إنكاره
~~ويجترؤون على الاستعجال به ولا يدرون أن معيار تقدير الأمور كلها وقوعا
~~وإخبارا ما عنده من المقدار. وقراءة الأخوين وابن كثير { يعدون } على
~~صيغة الغيبة أي يعده المستعجلون أوفق لهذا المعنى، وقد جعل الخطاب في
~~قراءة الجمهور لهم أيضا بطريق الالتفات لكن الظاهر أنه للرسول صلى الله
~~عليه وسلم ومن معه من المؤمنين، وقيل: المراد بوعده تعالى ما جعل لهلاك
~~كل أمة من موعد معين وأجل مسمى كما في قوله تعالى:

# يستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم
~~العذاب

# [العنكبوت: 53] فتكون الجملة الأولى مطلقا مبينة لبطلان الاستعجال / به
~~ببيان استحالة مجيئه قبل وقته الموعود، والجملة الأخيرة بيان لبطلانه
~~ببيان ابتنائه على استطالة ما هو قصير عنده تعالى على الوجه المار بيانه،
~~وحينئذ لا يكون في النظم الكريم تعرض لإنكارهم مجيئه الذي دسوه تحت
~~الاستعجال، ويكتفي في رد ذلك ببيان عاقبة من قبلهم من أمثالهم، وأيا ما
~~كان فالعذاب المستعجل به العذاب الدنيوي وهو الذي يقتضيه السباق والسياق.
~~وقيل: المراد بالعذاب العذاب الأخروي والمراد باليوم المذكور يوم ذلك
~~العذاب واستطالته لشدته فإن ms06965 أيام الترحة مستطالة وأيام الفرحة مستقصرة
~~كما قيل:

# تمتع بأيام السرور فإنها

# قصار وأيام الهموم طوال

# وعلى ذلك جاء قوله:

# ليلى وليلي نفى نومي اختلافهما

# بالطول والطول يا طوبى لو اعتدلا

# يجود بالطول ليلي كلما بخلت

# بالطول ليلى وإن جادت به بخلا

# فيكون قد رد عليهم إنكار مجيء العذاب بالجملة الأولى وأنكر عليهم
~~الاستعجال به وإن كان ذلك على وجه الاستهزاء بالجملة الثانية فكأنه قيل:
~~كيف تنكرون مجيئه وقد سبق به الوعد ولن يخلف الله تعالى وعده فلا بد من
~~مجيئه حتما وكيف تستعجلون به واليوم الواحد من أيامه لشدته يرى كألف سنة
~~مما تعدون، ويقال نحو ذلك على القول بأن المراد باليوم أحد أيام الآخرة
~~فإنها اعتبرت طوالا أو أنها تستطال لشدة عذابها.

# واعترض بأن ذلك مما لا يساعده السباق ولا السياق، وقال الفراء: تضمنت
~~الآية عذاب الدنيا والآخرة وأريد بالعذاب المستعجل به عذاب الدنيا أي لن
~~يخلف الله تعالى وعده في إنزال العذاب بكم في الدنيا وإن يوما من أيام
~~عذابكم في الآخرة كألف سنة من سني الدنيا، ولا يخلو عن حسن إلا أن فيه
~~بعدا كما لا يخفى.

# واستدل المعتزلة بقوله تعالى: { لن يخلف الله وعده } على
~~أن الله سبحانه لا يغفر للعصاة لأن الوعد فيه بمعنى الوعيد وقد أخبر
~~سبحانه أنه لا يخلفه والمغفرة تستلزم الخلف المستلزم للكذب المحال عليه
~~تعالى. وأجاب أهل السنة بأن وعيدات سائر العصاة إنشاءات أو إخبارات عن
~~استحقاقهم ما أوعدوا به لا عن إيقاعه أو هي إخبارات عن إيقاعه مشروطة
~~بعدم العفو وترك التصريح بالشرط بزيادة الترهيب ولا كذلك وعيدات الكفار
~~فإنها محض إخبارات عن الإيقاع غير مشروطة بشرط أصلا كمواعيد المؤمنين،
~~والداعي للتفرقة الجمع بين الآيات، وأنت تعلم أن ظاهر هذا أن وعيدات
~~الكفار بالعذاب الدنيوي كوعيداتهم بالعذاب الأخروي لا يتطرقها عدم الوقوع
~~فلا يجوز العفو عن عذابهم مطلقا متى وعد به، وعندي في التسوية بين
~~الأمرين تردد، ويعلم من ذلك حال هذا الجواب على تقدير حمل العذاب في
~~الآية ms06966 على العذاب الدنيوي الأوفق للمقام والوعد على الوعد به. وأجاب
~~بعضهم هنا بأن المراد بالوعد وعده تعالى بالنظرة والإمهال وهو مقابل
~~للوعيد في نظر الممهل ولا خلاف في أن الله تعالى لا يخلف الوعد المقابل
~~للوعيد وأن ما يؤدي به خبر محض لا شرط فيه؛ وقيل: المراد به وعده تعالى
~~نبيه صلى الله عليه وسلم بإنزال العذاب المستعجل به عليهم وذلك مقابل
~~للوعيد من حيث إن فيه خيرا له عليه الصلاة والسلام، ولا مانع من أن يكون
~~شيء واحد خيرا وشرا بالنسبة إلى شخصين فقد قيل:

# مصائب قوم عند قوم فوائد

# وحينئذ لا دليل للمعتزلة في الآية على دعواهم.

### || [22.48]

# { وكأين من قرية } أي كم من سكنة قرية { أمليت لها }
~~كما أمليت لهؤلاء حتى أنكروا مجيء ما وعد / من العذاب واستعجلوا به
~~استهزاء وتعجيزا لرسلهم عليهم السلام كما فعل هؤلاء، والجملة عطف على ما
~~تقدمها جيء بها لتحقيق الرد كما تقدم فلذا جيء بالواو، وجيء في نظيرتها
~~السابقة بالفاء قيل: لأنها أبدلت من جملة مقرونة بها، وفي إعادة الفاء
~~تحقيق للبدلية، وقيل: جيء بالفاء هناك لأن الجملة مترتبة على ما قبلها
~~ولم يجيء بها هنا لعدم الترتب، وقوله تعالى: { وهى ظلمة } جملة
~~حالية مفيدة لكمال حلمه تعالى ومشعرة بطريق التعريض بظلم المستعجلين أي
~~أمليت لها والحال أنها ظالمة مستوجبة لتعجيل العقوبة كدأب هؤلاء { ثم
~~أخذتها } بالعذاب والنكال بعد طول الإملاء والإمهال { وإلى
~~المصير } أي إلى حكمي مرجع جميع الناس أو جميع أهل القرية لا إلى أحد
~~غيري لا استقلالا ولا شركة فأفعل بهم ما أفعل مما يليق بأعمالهم،
~~والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبله، ومصرح بما أفاده ذلك بطريق التعريض
~~من أن مآل أمر المستعجلين أيضا ما ذكر من الأخذ الوبيل.

### || [22.49]

# ظاهر السياق يقتضي أن المراد بالناس المشركون فإن الحديث مسوق لهم فكأنه
~~قيل: قل يا أيها المشركون المستعجلون بالعذاب إنما أنا منذر لكم إنذارا
~~بينا بما أوحي إلي من أنباء الأمم المهلكة من غير أن يكون لي دخل ms06967 في
~~إتيان ما تستعجلون من العذاب الموعود حتى تستعجلوني به فوجه الاقتصار على
~~الإنذار ظاهر، وأما وجه ذكر المؤمنين وثوابهم في قوله تعالى:

### || [22.50]

# فالزيادة في إغاظة المشركين فهو بحسب المآل إنذار، ويجوز أن يقال: إن
~~قوله سبحانه: { فالذين ءامنوا } الآية تفصيل لمن نجع فيه الإنذار
~~من الناس المشركين ومن بقي منهم على كفره غير ناجح فيه ذلك كأنه قيل:
~~أنذر يا محمد هؤلاء الكفرة المستعجلين بالعذاب وبالغ فيه فمن آمن ورجع
~~عما هو عليه فله كذا ومن داوم على كفره واستمر على ما هو عليه فله كذا،
~~واختاره الطيبي وهو كما في «الكشف» حسن وعليه لا يكون التقسيم داخلا في
~~المقول بخلاف الوجه الأول.

# وقال بعض المحققين: (الناس) عام للمؤمن والكافر والمنذر به قيام الساعة،
~~وإنما كان صلى الله عليه وسلم نذيرا مبينا لأن بعثه عليه الصلاة
~~والسلام من أشراطها فاجتمع فيه الإنذار قالا وحالا بقوله:

# أنا لكم نذير مبين

# [الحج: 49] كقوله صلى الله عليه وسلم الثابت في «الصحيحين»

# " أنا النذير العريان "

# وقد دل على ذلك تعقيب الخطاب بالإنذار تفصيل حال الفريقين عند قيامها
~~اه. ولا مانع منه لولا ظاهر السياق، وكون المؤمنين لا ينذرون لا سيما
~~وفيهم الصالح والطالح مما لا وجه له، ومن منع من العموم لذلك قال:
~~التقدير عليه بشير ونذير ونقل هذا عن الكرماني؛ ثم المغفرة تحتمل أن تكون
~~لما ندر من الذين آمنوا من الذنوب وذلك لا ينافي وصفهم بعمل الصالحات،
~~وتحتمل أن تكون لما سلف منهم قبل الإيمان والرجوع عما كانوا عليه،
~~والمراد بالرزق الكريم هنا الجنة كما يشعر به وقوعه بعد المغفرة وكذلك في
~~جميع القرآن على ما أخرجه ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي، ومعنى
~~الكريم في صفات غير الآدميين الفائق.

### || [22.51]

# { والذين سعوا فى ءايتنا } أي بذلوا الجهد في إبطالها
~~فسموها تارة سحرا وتارة / شعرا وتارة أساطير الأولين.

# وأصل السعي الإسراع في المشي ويطلق على الإصلاح والإفساد يقال: سعى في
~~أمر فلان إذا أصلحه أو أفسده بسعيه فيه ms06968 { معجزين } أي مسابقين
~~للمؤمنين؛ والمراد بمسابقتهم مشاقتهم لهم ومعارضتهم فكلما طلبوا إظهار
~~الحق طلب هؤلاء إبطاله، وأصله من عاجزه فاعجزه وعجزه إذا سابقه فسبقه فإن
~~كلا من المتسابقين يريد إعجاز الآخر عن اللحاق. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو
~~والجحدري وأبو السمال والزعفراني { معجزين } بالتشديد أي مثبطين الناس عن
~~الإيمان. وقال أبو علي الفارسي: ناسبين المسلمين إلى العجز كما تقول:
~~فسقت فلانا إذا نسبته إلى الفسق وهو المناسب لقوله تعالى:

# يستعجلونك بالعذاب

# [الحج: 47] وقرأ ابن الزبير { معجزين } بسكون العين وتخفيف الزاي
~~من أعجزك إذا سبقك ففاتك، قال صاحب «اللوامح»: والمراد هنا ظانين أنهم
~~يعجزوننا وذلك لظنهم أنهم لا يبعثون، وفسر { معجزين } في قراءة
~~الجمهور بمثل ذلك، والوصف على جميع القراءات حال من ضمير { سعوا }
~~وليست مقدرة على شيء منها كما يظهر للمتأمل { أولئك } الموصوفون
~~بما ذكر { أصحب الجحيم } أي ملازمو النار الشديدة التأجج، وقيل
~~هو اسم دركة من دركات النار.

### || [22.52]

# { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا
~~إذا تمنى ألقى الشيطن فى أمنيته } «من» الأولى
~~ابتدائية، والثانية مزيدة لاستغراق الجنس، والجملة المصدرة بإذا في موضع
~~الحال عند أبي حيان، وقيل: في موضع الصفة وأفرد الضمير بتأويل كل واحد
~~أو بتقدير جملة مثل الجملة المذكورة كما قيل في قوله تعالى:

# والله ورسوله أحق أن يرضوه

# [التوبة: 62] والظاهر أن «إذا» شرطية ونص على ذلك الحوفي لكن قالوا: إن
~~«إلا» في النفي إما أن يليها مضارع نحو ما زيد إلا يفعل وما رأيت زيدا
~~إلا يفعل أو يليها ماض بشرط أن يتقدمه فعل كقوله تعالى:

# وما يأتيهم من رسول إلا كانوا

# [الحجر: 11] الخ أو يكون الماضي مصحوبا بقد نحو ما زيد إلا قد قام،
~~ويشكل عليه هذه الآية إذ لم يلها فيها مضارع ولا ماض بل جملة شرطية فإن
~~صح ما قالوه احتيج إلى التأويل، وأول ذلك في «البحر» بأن «إذا» جردت
~~للظرفية وقد فصل بها وبما أضيفت إليه بين إلا والفعل الماضي الذي هو
~~«ألقى» وهو فصل جائز فتكون إلا ms06969 قد وليها ماض في التقدير ووجد الشرط، وعطف
~~«نبي» على «رسول» يدل على المغايرة بينهما وهو الشائع، ويدل على المغايرة
~~أيضا ما روي أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الأنبياء فقال: مائة ألف
~~وأربعة وعشرون ألفا قيل: فكم الرسل منهم؟ قال: ثلثمائة وثلاثة عشر جما
~~غفيرا، وقد أخرج ذلك  كما قال السيوطي  أحمد وابن راهويه في
~~«مسنديهما» من حديث أبي أمامة، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» والحاكم في
~~«مستدركه» من حديث أبي ذر. وزعم ابن الجوزي أنه موضوع وليس كذلك، نعم
~~قيل في سنده ضعف جبر بالمتابعة؛ وجاء في رواية الرسل ثلثمائة وخمسة عشر.

# واختلفوا هنا في تفسير كل منهما فقيل: الرسول ذكر حر بعثه الله تعالى
~~بشرع جديد يدعو الناس إليه والنبي يعمه ومن بعثه لتقرير شرع سابق
~~كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى عليهم السلام، وقيل:
~~الرسول ذكر حر بعثه الله تعالى إلى قوم بشرع جديد بالنسبة إليهم وإن لم
~~يكن / جديدا في نفسه كإسماعيل عليه السلام إذ بعث لجرهم أولا والنبي
~~يعمه ومن بعث بشرع غير جديد كذلك، وقيل: الرسول ذكر حر له تبليغ في
~~الجملة وإن كان بيانا وتفصيلا لشرع سابق والنبي من أوحي إليه ولم يؤمر
~~بتبليغ أصلا أو أعم منه ومن الرسول، وقيل: الرسول من الأنبياء من جمع
~~إلى المعجزة كتابا منزلا عليه والنبي غير الرسول من لا كتاب له، وقيل:
~~الرسول من له كتاب أو نسخ في الجملة والنبي من لا كتاب له ولا نسخ، وقيل
~~الرسول من يأتيه الملك عليه السلام بالوحي يقظة والنبي يقال له ولمن
~~يوحى إليه في المنام لا غير، وهذا أغرب الأقوال ويقتضي أن بعض الأنبياء
~~عليه السلام لم يوح إليه إلا مناما وهو بعيد ومثله لا يقال بالرأي.

# وأنت تعلم أن المشهور أن النبي في عرف الشرع أعم من الرسول فإنه من
~~أوحي إليه سواء أمر بالتبليغ أم لا والرسول من أوحي إليه وأمر بالتبليغ
~~ولا يصح إرادة ذلك لأنه إذا قوبل العام بالخاص ms06970 يراد بالعام ما عدا الخاص
~~فمتى أريد بالنبي ما عدا الرسول كان المراد به من لم يؤمر بالتبليغ وحيث
~~تعلق به الإرسال صار مأمورا بالتبليغ فيكون رسولا فلم يبق في الآية بعد
~~تعلق الإرسال رسول ونبي مقابل له فلا بد لتحقيق المقابلة أن يراد
~~بالرسول من بعث بشرع جديد وبالنبي من بعث لتقرير شرع من قبله أو يراد
~~بالرسول من بعث بكتاب وبالنبي من بعث بغير كتاب أو يراد نحو ذلك مما
~~يحصل به المقابلة مع تعلق الإرسال بهما.

# والتمني  على ما قال أبو مسلم  نهاية التقدير ومنه المنية وفاة
~~الإنسان للوقت الذي قدره الله تعالى، والأمنية على ما قال الراغب الصورة
~~الحاصلة في النفس من التمني، وقال غير واحد: التمني القراءة وكذا
~~الأمنية، وأنشدوا قول حسان في عثمان رضي الله تعالى عنهما:

# تمنى كتاب الله أول ليلة

# تمني داود الزبور على رسل

# وفي «البحر» أن ذلك راجع إلى الأصل المنقول عن أبي مسلم فإن التالي
~~يقدر الحروف ويتصورها فيذكرها شيئا فشيئا، والمراد بذلك هنا عند كثير
~~القراءة، والآية مسوقة لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم بأن السعي في
~~إبطال الآيات أمر معهود وأنه لسعي مردود، والمعنى وما أرسلنا من قبلك
~~رسولا ولا نبيا إلا وحاله أنه إذا قرأ شيئا من الآيات ألقى الشيطان
~~الشبه والتخيلات فيما يقرؤه على أوليائه ليجادلوه بالباطل ويردوا ما جاء
~~به كما قال تعالى:

# وإن الشيطين ليوحون إلى أوليائهم
~~ليجدلوكم

# [الأنعام: 121] وقال سبحانه

# وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شيطين الإنس
~~والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا

# [الأنعام: 112] وهذا كقولهم عند سماع قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم

# حرم عليكم الميتة

# [البقرة: 173] إنه يحل ذبيح نفسه ويحرم ذبيح الله تعالى، وقولهم على ما
~~في بعض الروايات عند سماع قراءته عليه الصلاة والسلام:

# إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم

# [الأنبياء: 98] إن عيسى عبد من دون الله تعالى والملائكة عليهم السلام
~~عبدوا من دون الله تعالى.

# { فينسخ الله ما يلقى الشيطن } أي فيبطل ما ms06971 يلقيه من
~~تلك الشبه ويذهب به بتوفيق النبي صلى الله عليه وسلم لرده أو بإنزال ما
~~يرده { ثم يحكم الله ءايته } أي يأتي بها محكمة مثبتة لا
~~تقبل الرد بوجه من الوجوه، و { ثم } للتراخي الرتبي فإن الإحكام أعلا
~~رتبة من النسخ، وصيغة المضارع في الفعلين للدلالة على الاستمرار التجددي،
~~وإظهار الجلالة في موقع الإضمار لزيادة التقرير والإيذان بأن الألوهية من
~~موجبات إحكام آياته تعالى الباهرة.

# ومثل ذلك في زيادة التقرير إظهار «الشيطان» { والله عليم } مبالغ
~~في العلم بكل ما من شأنه أن يعلم ومن جملته ما يصدر من الشيطان وأوليائه
~~{ حكيم } في كل / ما يفعل ومن جملته تمكين الشيطان من إلقاء الشبه
~~وأوليائه من المجادلة بها وإبداؤه تعالى ردها، والإظهار ههنا لما ذكر
~~أيضا مع ما فيه من تأكيد استقلال الاعتراض التذييلي.

### || [22.53]

# { ليجعل ما يلقى الشيطن } أي الذي يلقيه، وقيل: إلقاءه
~~{ فتنة } أي عذابا. وفي «البحر» ابتلاء واختبارا { للذين فى
~~قلوبهم مرض } أي شك ونفاق وهو المناسب لقوله تعالى في المنافقين

# فى قلوبهم مرض

# [البقرة: 10] وتخصيص المرض بالقلب مؤيد له لعدم إظهار كفرهم بخلاف
~~الكافر المجاهر { والقاسية قلوبهم } أي الكفار المجاهرين،
~~وقيل: المراد من الأولين عامة الكفار ومن الأخيرين خواصهم كأبي جهل
~~والنضر وعتبة، وحمل الأولين على الكفار مطلقا والأخيرين على المنافقين
~~لأنهم أحق بوصف القسوة لعدم انجلاء صدأ قلوبهم بصيقل المخالطة للمؤمنين
~~ليس بشيء.

# { وإن الظلمين } أي الفريقين المذكورين فوضع الظاهر موضع
~~ضميرهم تسجيلا عليهم بالظلم مع ما وصفوا به من المرض والقسوة { لفى
~~شقاق بعيد } أي عداوة شديدة ومخالفة تامة، ووصف الشقاق بالبعد مع
~~أن الموصوف به حقيقة هو معروضه للمبالغة، والجملة اعتراض تذييلي مقرر
~~لمضمون ما قبله، ولام { ليجعل } للتعليل وهو عند الحوفي متعلق ب

# يحكم

# [الحج: 52] وعند ابن عطية ب

# ينسخ

# [الحج: 52] وعند غيرهما ب

# ألقى

# [الحج: 52] لكن التعليل لما ينبىء عنه إلقاء الشيطان من تمكينه تعالى
~~إياه من ذلك في حق النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لعطف قوله تعالى:

### || [22.54]

# { وليعلم الذين ms06972 أوتوا العلم أنه الحق من
~~ربك } وكون ضمير { أنه } للقرآن، وقيل لا حاجة للتخصيص وضمير {
~~أنه } لتمكين الشيطان من الإلقاء أي وليعلم العلماء أن ذلك التمكين
~~هو الحق المتضمن للحكمة البالغة لأنه مما جرت به عادته تعالى في جنس
~~الإنس من لدن آدم عليه السلام، وضميرا { به. وله } في قوله تعالى:
~~{ فيؤمنوا به } أي يثبتوا على الإيمان أو يزدادوا إيمانا {
~~فتخبت له قلوبهم } بالانقياد والخشية للقرآن على التخصيص
~~وللرب على التعميم، وجعلهما لتمكين الشيطان لا سيما الثاني مما لا وجه
~~له. ورجح ما قاله ابن عطية بأن أمر التعليل عليه أظهر أي فينسخ الله
~~تعالى ما يلقيه الشيطان ويرده ليجعله بسبب الرد وظهور فساد التمسك به
~~عذابا للمنافقين والكافرين أي سببا لعذابهم حيث استرسلوا معه مع ظهور
~~فساده أو اختبارا لهم هل يرجعون عنه وليعلم الذين أوتوا العلم أن القرآن
~~هو الحق حيث بطل ما أورد من الشبه عليه ولم يبطل هو، وقد يقال مثل ذلك
~~على ما ذهب إليه الحوفي، ولا يبعد أن يكون قوله تعالى { ليجعل } الخ
~~متعلقا بمحذوف أي فعل ذلك ليجعل الخ والإشارة إلى النسخ والأحكام ويجعل
~~{ ليجعل } علة النسخ { وليعلم } علة لفعل الإتيان بالآيات
~~محكمة، ويجوز أن تكون الإشارة إلى التمكين المفهوم مما تقدم مع النسخ
~~والإحكام ويجعل { ليجعل } علة لفعل التمكين وما بعد علة لما بعد،
~~ويجوز أيضا أن ترجع الضمائر في { أنه. وبه. وله } للموحى الذي
~~يقرأه كل من الرسل والأنبياء عليهم السلام المفهوم من الكلام فلا حاجة
~~للتخصيص.

# وأيا ما كان فقوله تعالى: { وإن الله لهاد الذين
~~ءامنوا إلى صرط مستقيم } اعتراض مقرر لما قبله، والمراد
~~بالذين آمنوا المؤمنين من هذه الأمة على تقدير التخصيص أو المؤمنون
~~مطلقا على تقدير التعميم، والمراد بالصراط المستقيم النظر الصحيح الموصل
~~إلى الحق الصريح أي أنه تعالى لهادي المؤمنين في الأمور الدينية خصوصا
~~في المداحض والمشكلات التي من جملتها رد شبه الشياطين عن آيات الله عز
~~وجل. / وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة { لهاد } بالتنوين.

### || [22.55] ms06973

# { ولا يزال الذين كفروا فى مرية } أي في شك { منه
~~} أي من القرآن؛ وقيل: من الرسول، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الموحى على
~~ما سمعت و { من } على جميع ذلك ابتدائية، وجوز أن يرجع إلى ما ألقى
~~الشيطان واختير عليه أن (من) سببية فإن مرية الكفار فيما جاءت به الرسل
~~عليهم السلام بسبب ما ألقى الشيطان في الموحى من الشبه والتخيلات فتأمل {
~~حتى تأتيهم الساعة } أي القيامة نفسها كما يؤذن به قوله
~~تعالى: { بغتة } أي فجأة فإنها الموصوفة بالإتيان كذلك، وقيل:
~~أشراطها على حذف المضاف أو على التجوز. وقيل: الموت على أن التعريف في {
~~الساعة } للعهد.

# { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم } أي منفرد عن سائر الأيام
~~لا مثل له في شدته أو لا يوم بعده كأن كل يوم يلد ما بعده من الأيام فما
~~لا يوم بعده يكون عقيما، والمراد به الساعة بمعنى يوم القيامة أيضا
~~كأنه قيل أو يأتيهم عذابها فوضع ذلك موضع ضميرها لمزيد التهويل والتخويف.
~~و { أو } في محلها لتغاير الساعة وعذابها وهي لمنع الخلو وكأن المراد
~~المبالغة في استمرارهم على المرية، وقيل: المراد بيوم عقيم يوم موتهم
~~فإنه لا يوم بعده بالنسبة إليهم، وقيل: المراد به يوم حرب يقتلون فيه،
~~ووصف بالعقيم لأن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كأنهن عقم لم يلدن أو
~~لأن المقاتلين يقال لهم أبناء الحرب فإذا قتلوا وصف يوم الحرب بالعقيم،
~~وفيه على الأول مجاز في الإسناد ومجاز في المفرد من جعل الثكل عقما،
~~وكذا على الثاني لأن الولود والعقيم هي الحرب على سبيل الاستعارة
~~بالكناية فإذا وصف يوم الحرب بذلك كان مجازا في الإسناد، ومن ثم قيل:
~~إنه مجاز موجه من قولهم ثوب موجه له وجهان، وقيل: هو الذي لا خير فيه
~~يقال: ريح عقيم إذا لم تنشىء مطرا ولم تلقح شجرا، وفيه على هذا استعارة
~~تبعية لأن ما في اليوم من الصفة المانعة من الخير جعل بمنزلة العقم، وخص
~~غير واحد هذا اليوم بيوم بدر فإنه يوم حرب قتل فيه ms06974 عتاة الكفرة ويوم لا
~~خير فيه لهم، ويصح أيضا أن يكون وصفه بعقيم لتفرده بقتال الملائكة عليهم
~~السلام فيه، وأنت تعلم أن الظاهر مما يأتي بعد إن شاء الله تعالى تعين
~~تفسير هذا اليوم بيوم القيامة.

# هذا وجوز أن يراد من الشيطان شيطان الإنس كالنضر بن الحرث كان يلقي
~~الشبه إلى قومه وإلى الوافدين يثبطهم بها عن الإسلام، وقيل: ضمير {
~~أمنيته } للشيطان والمراد بها الصورة الحاصلة في النفس من تمني
~~الشيء و { فى } للسببية مثلها في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " أن امرأة دخلت النار في هرة "

# أي ألقى الشيطان بسبب أمنيته الشبه وأبداها ليبطل بها الآيات. وقيل: {
~~تمنى } قرأ و { أمنيته } قراءته والضمير للنبي أو الرسول و { في }
~~على ظاهرها، والمراد بما يلقي الشيطان ما يقع للقارىء من إبدال كلمة
~~بكلمة أو حرف بحرف أو تغيير إعراب سهوا، وقيل: المراد ما يلقيه في
~~الآيات المتشابهة من الاحتمالات التي ليست مرادا لله تعالى، وقيل: تمنى
~~هيأ وقدر في نفسه ما يهواه و { أمنيته } قراءته، والمعنى إذا تمنى
~~إيمان قومه وهدايتهم ألقى الشيطان إلى أوليائه شبها فينسخ الله تعالى
~~تلك الشبه ويحكم الآيات الدالة على دفعها، وقيل: { تمنى } قدر في
~~نفسه ما يهواه و { أمنيته } تشهيه وما يلقيه الشيطان ما يوجب
~~اشتغاله في الدنيا، وجعله فتنة باعتبار ما يظهر منه من الاشتغال بأمور
~~الدنيا، ونسخه إبطاله بعصمته عن الركون إليه والإرشاد إلى ما يزينه.

# / وقيل: { تمنى } قرأ و { أمنيته } قراءته وما يلقي الشيطان
~~كلمات تشابه الوحي يتكلم بها الشيطان بحيث يظن السامع أنها من قراءة
~~النبي، وقد روي أن الآية نزلت حين قرأ عليه الصلاة والسلام

# أفرءيتم اللت والعزى * ومنوة الثالثة
~~الأخرى

# [النجم: 19-20] فألقى الشيطان في سكتته محاكيا نغمته عليه الصلاة
~~والسلام بحيث يسمعه من حوله تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى فظن
~~المشركون أنه عليه الصلاة والسلام هو المتكلم بذلك ففرحوا وسجدوا معه لما
~~سجد آخر السورة، وقيل: المتكلم بذلك بعض المشركين وظن سائرهم أنه عليه
~~الصلاة والسلام هو ms06975 المتكلم به، وقيل: إنه صلى الله عليه وسلم هو الذي
~~تكلم بذلك عامدا لكن مستفهما على سبيل الإنكار والاحتجاج على المشركين،
~~وجعل من إلقاء الشيطان لما ترتب عليه من ظن المشركين أنه مدح لآلهتهم،
~~ولا يمنع ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي لأن الكلام في الصلاة كان
~~جائزا إذ ذاك.

# وقيل: بل كان ساهيا، فقد أخرج عبد بن حميد من طريق يونس عن ابن شهاب
~~قال: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قرأ عليهم { والنجم }
~~فلما بلغ { أفرءيتم اللت والعزى * ومنوة
~~الثالثة اللأخرى } [النجم: 19-20] قال: إن شفاعتهن ترتجى وسها
~~رسول الله عليه الصلاة والسلام ففرح المشركون بذلك فقال صلى الله عليه
~~وسلم: «ألا إنما ذلك من الشيطان "

# فأنزل الله تعالى

# وما أرسلنا

# حتى بلغ

# عذاب يوم عقيم

# [الحج: 52  55]، قال الجلال السيوطي: وهو خبر مرسل صحيح الإسناد، وقيل:
~~تكلم بذلك ناعسا. فقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: بينا نبي الله
~~صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام إذ نعس فألقى الشيطان على لسانه كلمة
~~فتكلم بها قال: (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى وإن شفاعتهن
~~لترتجى وإنها لمع الغرانيق العلا) فحفظها المشركون وأخبرهم الشيطان أن
~~نبي الله صلى الله عليه وسلم قد قرأها فزلت ألسنتهم فأنزل الله تعالى: {
~~وما أرسلنا } الآية.

# وقيل: { تمنى } قدر في نفسه ما يهواه و { أمنيته } قراءته
~~وما يلقي الشيطان كلمات تشابه الوحي، فقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق
~~موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: أنزلت سورة النجم وكان المشركون يقولون:
~~لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه ولكنه لا يذكر من
~~خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر وكان
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم
~~وتكذيبهم وأحزنه ضلالتهم فكان يتمنى هداهم فلما أنزل الله تعالى سورة
~~النجم قال:

# أفرءيتم اللت والعزى * ومنوة الثالثة
~~الأخرى

# [النجم: ms06976 19-20] ألقى الشيطان عندها كلمات فقال: وإنهن لهن الغرانيق
~~العلا وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته فوقعت
~~هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة وزلت بهما ألسنتهم وتباشروا بهما
~~وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه فلما بلغ رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم آخر النجم سجد وسجد كل من حضر من مسلم أو مشرك ففشت
~~تلك الكلمة في الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة فأنزل الله
~~تعالى:

# وما أرسلنا

# [الحج: 52] الآيات.

# وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم حين ألقاها الشيطان تكلم بها ظانا
~~أنها وحي حتى نبهه جبريل عليه السلام، ففي «الدر المنثور» أخرج ابن جرير
~~وابن المنذر وابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال:

# " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة النجم فلما بلغ {
~~أفرءيتم اللت والعزى * ومنوة الثالثة
~~اللأخرى } [النجم: 19-20] ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلا
~~وإن / شفاعتهن لترتجى قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا
~~ثم جاءه جبريل عليهما الصلاة والسلام بعد ذلك فقال: اعرض علي ما جئتك
~~به فلما بلغ تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى قال له جبريل عليهما
~~السلام: لم آتك بهذا، هذا من الشيطان "

# فأنزل الله تعالى:

# وما أرسلنا

# [الحج: 52] الآية.

# وأخرج البزار والطبري وابن مردويه والضياء في «المختارة» بسند رجاله
~~ثقات من طريق سعيد عن ابن عباس نحو ذلك لكن ليس فيه حديث السجود وفيه
~~أيضا مغايرة يسيرة غير ذلك، وجاء حديث السجود في خبر آخر عنه أخرجه
~~البزار وابن مردويه أيضا من طريق أمية بن خالد عن شعبة لكن قال في
~~إسناده: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب فشك في وصله، وفي رواية
~~أبي حاتم عن السدي أن جبريل عليه السلام قال له عليه الصلاة والسلام حين
~~عرض عليه ذلك: معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا فاشتد عليه عليه الصلاة
~~والسلام فأنزل الله تعالى وطيب نفسه

# وما أرسلنا

# [الحج: ms06977 52] الآية قيل: ولمشابهة ما ألقى الشيطان للوحي المنزل وكونه في
~~أثنائه أطلق على إبطاله اسم النسخ الشائع إيقاعه على ما هو وحي حقيقة لكن
~~لا يخفى أن النسخ الشرعي لا يتعلق بنحو ما ذكر من الأخبار فلا بد من
~~تأويل ما لذلك.

# وقد أنكر كثير من المحققين هذه القصة فقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة
~~من جهة النقل. وقال القاضي عياض في «الشفا»: ((يكفيك في توهين هذا الحديث
~~أنه لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند (صحيح) سليم متصل وإنما
~~أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف
~~كل صحيح وسقيم)).

# وفي «البحر» أن هذه القصة سئل عنها الإمام محمد بن إسحاق جامع «السيرة
~~النبوية» فقال: هذا من وضع الزنادقة وصنف في ذلك «كتابا». وذكر الشيخ
~~أبو منصور الماتريدي في كتاب «حصص الأتقياء» الصواب أن قوله: تلك
~~الغرانيق العلا من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة حتى يلقوا
~~بين الضعفاء وأرقاء الدين ليرتابوا في صحة، الدين وحضرة الرسالة بريئة من
~~مثل هذه الرواية.

# وذكر غير واحد أنه يلزم على القول بأن الناطق بذلك النبي صلى الله عليه
~~وسلم بسبب إلقاء الشيطان الملبس بالملك أمور: منها تسلط الشيطان عليه
~~عليه الصلاة والسلام وهو صلى الله عليه وسلم بالإجماع معصوم من الشيطان
~~لا سيما في مثل هذا من أمور الوحي والتبليغ والاعتقاد، وقد قال سبحانه:

# إن عبادى ليس لك عليهم سلطن

# [الحجر: 42] وقال تعالى:

# إنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا

# [النحل: 99] إلى غير ذلك، ومنها زيادته صلى الله عليه وسلم في القرآن ما
~~ليس منه وذلك مما يستحيل عليه عليه الصلاة والسلام لمكان العصمة، ومنها
~~اعتقاد النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس بقرآن أنه قرآن مع كونه بعيد
~~الالتئام متناقضا ممتزج المدح بالذم وهو خطأ شنيع لا ينبغي أن يتساهل في
~~نسبته إليه صلى الله عليه وسلم، ومنها أنه إما أن يكون عليه الصلاة
~~والسلام عند نطقه بذلك معتقدا ما اعتقده المشركون من ms06978 مدح آلهتهم بتلك
~~الكلمات وهو كفر محال في حقه صلى الله عليه وسلم وإما أن يكون معتقدا
~~معنى آخر مخالفا لما اعتقدوه ومباينا لظاهر العبارة ولم يبينه لهم مع
~~فرحهم وادعائهم أنه مدح آلهتهم فيكون مقرا لهم على الباطل وحاشاه صلى
~~الله عليه وسلم أن يقر على ذلك. ومنها كونه صلى الله عليه وسلم اشتبه
~~عليه ما يلقيه الشيطان بما يلقيه عليه الملك وهو يقتضي أنه عليه الصلاة
~~والسلام على غير بصيرة فيما يوحى إليه، ويقتضي أيضا جواز تصور الشيطان
~~بصورة الملك ملبسا على النبي ولا يصح ذلك كما قال في «الشفا» لا في أول
~~الرسالة ولا بعدها والاعتماد في ذلك دليل المعجزة.

# / وقال ابن العربي: تصور الشيطان في صورة الملك ملبسا على النبي
~~كتصوره في صورة النبي ملبسا على الخلق وتسليط الله تعالى له على ذلك
~~كتسليطه في هذا فكيف يسوغ في لب سليم استجازة ذلك. ومنها التقول على الله
~~تعالى إما عمدا أو خطأ أو سهوا، وكل ذلك محال في حقه عليه الصلاة
~~والسلام، وقد اجتمعت الأمة على ما قال القاضي عياض على عصمته صلى الله
~~عليه وسلم فيما كان طريقه البلاغ من الأقوال عن الأخبار بخلاف الواقع لا
~~قصدا ولا سهوا، ومنها الإخلال بالوثوق بالقرآن فلا يؤمن فيه التبديل
~~والتغيير، ولا يندفع كما قال البيضاوي بقوله تعالى:

# فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله
~~آياته

# [الحج: 52] لأنه أيضا يحتمل إلى غير ذلك.

# وذهب إلى صحتها الحافظ ابن حجر في «شرح البخاري» وساق طرقا عن ابن عباس
~~وغيره ثم قال: وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإما منقطع لكن كثرة
~~الطرق تدل على أن لها أصلا مع أن لها طريقا متصلا بسند صحيح أخرجه
~~البزار وطريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط «الصحيحين»، أحدهما: ما
~~أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب، والثاني: ما أخرجه أيضا
~~من طريق المعتمر بن سليمان وحماد بن سلمة فرقهما عن داود بن أبي هند عن
~~أبي العالية، ms06979 ثم أخذ في الرد على أبي بكر بن العربي والقاضي عياض في
~~إنكارهما الصحة.

# وذهب إلى صحة القصة أيضا خاتمة المتأخرين الشيخ إبراهيم الكوراني ثم
~~المدني، وذكر بعد كلام طويل أنه تحصل من ذلك أن الحديث أخرجه غير واحد من
~~أهل الصحة وأنه رواه ثقات بسند سليم متصل عن ابن عباس وبثلاث أسانيد
~~صحيحة عن ثلاث من التابعين من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة وهم سعيد
~~بن جبير وأبو بكر بن عبد الرحمن وأبو العالية، وقد قال السيوطي في «لباب
~~النقول في أسباب النزول»: قال الحاكم في «علوم الحديث»: إذا أخبر
~~الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا
~~فإنه حديث مسند ومشى عليه ابن الصلاح وغيره ثم قال: ما جعلناه من قبيل
~~المسند من الصحابي إذا وقع من تابعي فهو مرفوع أيضا لكنه مرسل فقد يقبل
~~إذا صح السند إليه وكان من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة كمجاهد
~~وعكرمة وسعيد بن جبير أو اعتضد بمرسل ونحو ذلك، فعلى هذا يكون الخبر في
~~هذه القصة مسندا من الطريق المتصلة بابن عباس مرسلا مرفوعا من الطرق
~~الثلاثة والزيادة فيه التي رواها الثقات عن ابن عباس في غير رواية
~~البخاري ليست مخالفة لما في البخاري عنه فلا تكون شاذة فإطلاق الطعن فيه
~~من حيث النقل ليس في محله.

# وأجاب عما يلزم على تقدير كون الناطق بذلك النبي صلى الله عليه وسلم،
~~أما عن الأول فبأن السلطان المنفي عن العباد المخلصين هو الإغواء أعني
~~التلبيس المخل بأمر الدين وهو الذي وقع الإجماع على أن النبي عليه
~~الصلاة والسلام معصوم منه وأما غير المخل فلا دليل على نفيه ولا إجماع
~~على العصمة منه وما هنا غير مخل لعدم منافاته للتوحيد كما يبين إن شاء
~~الله تعالى بل فيه تأديب وتصفية وترقية للحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم
~~لأنه عليه الصلاة والسلام تمنى هدى الكل ولم يكن ذلك مرادا لله تعالى
~~والأكمل في العبودية فناء إرادته في إرادة الحق سبحانه ms06980 فليس عليه عليه
~~الصلاة والسلام الإلقاء حالة تمني هدي الكل المصادم للقدر والمنافي لما
~~هو الأكمل ليترقى إلى الأكمل وقد حصل ذلك بهذه المرة ولذا لم يقع التلبيس
~~مرة أخرى بل كان يرسل بعد من بين يديه ومن خلفه رصد ليعلم أن قد أبلغوا
~~رسالة ربه سبحانه، وفي ترتيب الإلقاء على التمني ما يفهم العتاب عليه.

# وأما عن الثاني فبأن المستحيل المنافي للعصمة أن يزيد عليه الصلاة
~~والسلام فيه من تلقاء نفسه أي يزيد فيه ما يعلم أنه ليس منه وما هنا /
~~ليس كذلك لأنه عليه الصلاة والسلام إنما تبع فيه الإلقاء الملبس عليه في
~~حالة خاصة فقط تأديبا أن يعود لمثل تلك الحالة.

# وأما عن الثالث فبأنه يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم نطق به
~~على فهم أنه استفهام إنكاري حذف منه الهمزة أو حكاية عنهم بحذف القول
~~وحينئذ لا يكون بعيد الالتئام ولا متناقضا ولا ممتزج المدح بالذم ولا
~~بد من التزام أحد الأمرين على تقدير صحة الخبر لمكان العصمة، والنكتة في
~~التعبير كذلك إيهام الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم أنه عليه الصلاة
~~والسلام مدح آلهتهم ويحصل ذلك مراد الله تعالى المشار إليه بقوله سبحانه:

# ليجعل

# [الحج: 53] الخ.

# وأما عن الرابع فبأنا نختار الشق الثاني بناء على أنه استفهام حذف منه
~~الهمزة أو حكاية بحذف القول، وعلى التقديرين يكون عليه الصلاة والسلام
~~معتقدا لمعنى مخالف لما اعتقدوه؛ ولا يلزم منه التقرير على الباطل لأنه
~~بين بطلان معتقدهم بقوله تعالى بعد:

# إن هى إلا أسماء سميتموها أنتم وءاباؤكم ما
~~أنزل الله بها من سلطن

# [النجم: 23] فإن ما لم ينزل الله تعالى به سلطانا لا ترجى شفاعته إذ لا
~~شفاعة إلا من بعد إذن إلهي لقوله تعالى بعد:

# وكم من ملك فى السموات لا تغنى شفعتهم
~~شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى

# [النجم: 26].

# وأما عن الخامس فبأن هذا الاشتباه في حالة خاصة للتأديب لا يقتضي أن
~~يكون صلى الله عليه وسلم على غير ms06981 بصيرة فيما يوحى إليه في غير تلك
~~الحالة، وأما قول القاضي عياض: لا يصح أن يتصور الشيطان بصورة الملك
~~ويلبس عليه عليه الصلاة والسلام فإن أراد به أنه لا يصح أن يلبس تلبيسا
~~قادحا فهو مسلم لكنه لم يقع وإن أراد مطلقا ولو كان غير مخل فلا دليل
~~عليه، ودليل المعجزة إنما ينفي الاشتباه المخل بأمر النبوة المنافي
~~للتوحيد القادح في العصمة وما ذكر غير مخل بل فيه تأديب بما يتضمن تنقية
~~وترقية إلى الأكمل في العبودية.

# وأما ما ذكر ابن العربي فقياس مع الفارق لأن تصور الشيطان في صورة
~~النبي مطلقا منفي بالنص الصحيح وتصوره في صورته ملبسا على الخلق إغواء
~~يعم وهو سلطان منفي بالنص عن المخلصين، وأما تصوره في صورة الملك في حالة
~~خاصة ملبسا على النبي بما لا يكون منافيا للتوحيد لما يريد الله تعالى
~~بذلك تأديبا ولإيهامه خلاف المراد فتنة لقوم فليس من السلطان المنفي ولا
~~بالتصور الممنوع لعدم إخلاله بمقام النبوة.

# وأما عن السادس فبأن التقول تكلف القول ومن لا يتبع إلا من يلقى إليه من
~~الله تعالى حقيقة أو اعتقادا ناشئا من تلبيس غير مخل لا تكلف للقول
~~عنده فلا تقول على الله تعالى أصلا؛ وما أشبه هذه القصة بما تضمنه حديث
~~ذي اليدين فالتلبيس عليه عليه الصلاة والسلام في الإلقاء في حالة التمني
~~تأديبا كإيقاع السهو عليه صلى الله عليه وسلم في الصلاة باعتقاد التمام
~~تشريعا والنطق بما ألقاه الشيطان في حالة خاصة مما لا ينافي التوحيد على
~~أنه قرآن بناء على اعتقاد أن الملقي ملك تلبيسا للتأديب كالنطق بالسلام
~~ثم ب«لم أنس» معتقدا أنه مطابق للواقع بناء على اعتقاد التمام سهوا،
~~ووقوع البيان على لسان جبريل عليه السلام ثم النسخ والإحكام كوقوع البيان
~~على لسان الصحابي ثم التدارك وسجود السهو فكما أن السهو للتشريع غير
~~قادح في منصب النبوة كذلك الاشتباه في الإلقاء للتأديب غير قادح، وكما أن
~~النطق ب«لم أنس» مع تبين أنه عليه الصلاة والسلام قد نسي صدق بناء ms06982 على
~~اعتقاد التمام سهوا كذلك النطق بما يلقيه الشيطان في تلك الحالة على أنه
~~قرآن بناء على اعتقاد أن الملقي ملك صدق ولا شيء من الصدق بالتقول فلا
~~شيء من النطق بما يلقيه الشيطان في تلك الحالة به، وما ذكر عن القاضي
~~عياض من حكاية الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية كما
~~قال الحافظ ابن حجر متعقب.

# وأما عن السابع فبأنه لا إخلال بالوثوق بالقرآن عند الذين أوتوا العلم
~~والذين آمنوا لأن وثوق كل منهما / تابع لوثوق متبوعهم الصادق الأمين فإذا
~~جزم بشيء أنه كذا جزموا به وإذا رجع عن شيء بعد الجزم رجعوا كما هو شأنهم
~~في نسخ غير هذا من الآيات التي هي كلام الله تعالى لفظا ومعنى إذ قبل
~~نسخ ما نسخ لفظه كانوا جازمين بأنهم متعبدون بتلاوته وبعد النسخ جزموا
~~بأنهم ما هم متعبدين بتلاوته، وما نسخ حكمه كانوا جازمين بأنهم مكلفون
~~بحكمه وبعد النسخ جزموا بأنهم ما هم مكلفين به، فقول البيضاوي: إن ذلك لا
~~يندفع بقوله تعالى:

# فينسخ الله

# [الحج: 52] الخ لأنه أيضا يحتمله ليس بشيء، وبيانه أنه إن أراد أنه
~~يحتمله عند الفرق الأربع المذكورة في الآيات وهم الذين في قلوبهم مرض
~~والقاسية قلوبهم والذين أوتوا العلم والذين آمنوا فهو ممنوع لدلالة قوله
~~تعالى:

# وليعلم

# [الحج: 54] الخ على انتفاء الاحتمال عند فريقين من الفرق الأربع بعد
~~النسخ والأحكام، وإن أراد أنه يحتمله في الجملة أي عند بعض دون بعض فهو
~~مسلم وغير مضر لعدم إخلاله بالوثوق بالقرآن عند الذين أوتوا العلم والذين
~~آمنوا، وأما إخلاله بالنسبة إلى الفريقين الآخرين فهو مراد الله عز وجل.

# هذا واعترض على الجواب الأول بأن التلبيس بحيث يشتبه الأمر على النبي
~~صلى الله عليه وسلم فيعتقد أن الشيطان ملك مخل بمقام النبوة ونقص فيه فإن
~~الولي الذي هو دونه عليه الصلاة والسلام بمراتب لا يكاد يخفى عليه الطائع
~~من العاصي فيدرك نور الطاعة وظلمة المعصية فكيف بمن هو سيد الأنبياء ونور
~~عيون قلوب الأولياء يلتبس ms06983 عليه من هو محض نور بمن محض ديجور، واشتباه
~~جبريل عليه السلام عليه صلى الله عليه وسلم في بعض المرات حتى لم يعرفه
~~إلى أن ذهب فقال:

# " والذي نفسي بيده ما شبه علي منذ أتاني قبل مرتي هذه وما عرفته حتى
~~ولى "

# إذا صح ليس من قبيل اشتباه الشيطان به عليه السلام إذ يجوز أن يكون من
~~اشتباه ملك بملك وكل منهما نوراني، وقد كان يأتيه صلى الله عليه وسلم غير
~~جبريل عليه السلام من الملائكة الكرام، وأن يكون من اشتباه ملك بواحد من
~~البشر نوراني أيضا لم يكن رآه عليه الصلاة والسلام قبل ذلك كالخضر
~~وإلياس مثلا إن قلنا بحياتهما.

# وأيضا قال المحققون: إن الأنبياء عليهم السلام ليس لهم خاطر شيطاني،
~~وكون ذلك ليس منه بل كان مجرد إلقاء على اللسان دون القلب ممنوع ألا ترى
~~أنه قال تعالى:

# ألقى الشيطن فى أمنيته

# [الحج: 52] دون ألقى الشيطان على لسانه، وتسمية القراءة أمنية لما أن
~~القارىء يقدر الحروف في قلبه أولا ثم يذكرها شيئا فشيئا، وأيضا حفظه
~~صلى الله عليه وسلم لذلك إلى أن أمسى كما جاء في بعض الروايات فنبهه عليه
~~جبريل عليهما السلام يبعد كون الإلقاء على اللسان فقط، على أنا لو سلمنا
~~ذلك وقلنا: إن الشيطان ألقى على لسانه صلى الله عليه وسلم ولم يلق في
~~قلبه كما هو شأن الوحي المشار إليه بقوله تعالى:

# نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من
~~المنذرين

# [الشعراء: 193-194] وقلنا: إن ذلك مما يعقل للزم أن يعلم صلى الله عليه
~~وسلم من خلو قلبه واشتغال لسانه أن ذلك ليس من الوحي في شيء ولم يحتج إلى
~~أن يعلمه جبريل عليه السلام، والقول بأنه لبس الحال عليه عليه الصلاة
~~والسلام للتأديب والترقية إلى المقام الأكمل في العبودية وهو فناء إرادته
~~صلى الله عليه وسلم في إرادة مولاه عز وجل حيث تمنى إيمان الكل وحرص عليه
~~ولم يكن مراد الله تعالى مما لا ينبغي أن يلتفت إليه لأن القائل به زعم
~~أن ms06984 التأديب بذلك كان بعد قوله تعالى:

# وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن
~~تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السمآء
~~فتأتيهم بآية ولو شآء الله لجمعهم على
~~الهدى فلا تكونن من الجاهلين

# [الأنعام: 35] ولا شك أن التأديب به لم يبق ولم يذر ولم يقرن بما فيه
~~تسلية أصلا فإذا قيل والعياذ بالله تعالى: إن ذلك لم ينجع فكيف ينجع ما
~~دونه، وأيضا أية دلالة في الآية على التأديب وهي لم تخرج مخرج العتاب بل
~~مخرج التسلية على أبلغ وجه عما كان يفعل المشركون من السعي في إبطال
~~الآيات، ولا نسلم أن / ترتيب الإلقاء على التمني مع ما في السباق والسياق
~~مما يدل على التسلية عن ذلك يجدي نفعا في هذا الباب كما لا يخفى على ذوي
~~الألباب.

# ويرد على قوله: إنه بعد حصول التأديب بما ذكر كان يرسل من بين يديه ومن
~~خلفه رصد يحفظونه من إلقاء الشيطان أنه لم يدل دليل على تخصيص الإرسال
~~بما بعد ذلك بل الظاهر أن ذلك كان في جميع الأوقات فقد أخرج عبد بن حميد
~~وابن جرير عن الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى:

# إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين
~~يديه ومن خلفه رصدا

# [الجن: 27] قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث إليه الملك
~~بالوحي بعث معه ملائكة يحرسونه من بين يديه ومن خلفه أن يتشبه الشيطان
~~بالملك، وقد ذكروا أن  كان  في ذلك للاستمرار.

# وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: ما جاء جبريل عليه
~~السلام بالقرآن إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا ومعه أربعة من
~~الملائكة حفظة، وهذا صريح في ذلك ولا شك أن هذا الإلقاء عند من يقول به
~~كان عند نزول الوحي، فقد أخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي عن
~~ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو يصلي إذ نزلت عليه قصة
~~آلهة العرب فجعل يتلوها فسمعه المشركون فقالوا: إنا نسمعه يذكر آلهتنا ms06985
~~بخير فدنوا منه فبينما هو يتلوها وهو يقول:

# أفرءيتم اللت والعزى * ومنوة الثالثة
~~الأخرى

# [النجم: 19-20] ألقى الشيطان تلك الغرانيق العلا منها الشفاعة ترتجى
~~فعلى هذا ونحوه يكون الرصد موجودا مع عدم ترتب أثره عليه؛ والقول بأن
~~جبريل عليه السلام ومن معه تنحوا عنه حتى ألقى الشيطان ما ألقى بناء على
~~ما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال في آية الرصد: كان النبي صلى
~~الله عليه وسلم قبل أن يلقي الشيطان في أمنيته يدنون منه فلما ألقى
~~الشيطان في أمنيته أمرهم أن يتنحوا عنه قليلا فإن المراد من قوله فيه:
~~فلما ألقى فلما أراد أن يلقى في حيز المنع وكذا صحة هذا الخبر، ثم أية
~~فائدة في إنزال الرصد إذا لم يحصل به الحفظ بل كيف يسمى رصدا. ومما ذكر
~~في هذا الاعتراض يعلم ما في الجواب الثاني من الاعتراض وهو ظاهر، وقد
~~يقال: إن إعجاز القرآن معلوم له صلى الله عليه وسلم ضرورة كما ذهب إليه
~~أبو الحسن الأشعري بل قال القاضي: إن كل بليغ أحاط بمذاهب العرب وغرائب
~~الصنعة يعلم ضرورة إعجازه، وذكر أن الإعجاز يتعلق بسورة أو قدرها من
~~الكلام بحيث يتبين فيه تفاضل قوي البلاغة فإذا كانت آية بقدر حروف سورة
~~وإن كانت كسورة الكوثر فهو معجز، وعلى هذا يمتنع أن يأتي الجن والإنس ولو
~~كان بعضهم لبعض ظهيرا بمقدار أقصر سورة منه تشبهه في البلاغة ومتى أتى
~~أحد بما يزعم فيه ذلك لم تنفق سوقه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وكذا عند كل بليغ محيط بما تقدم ولم يخف على الرسول عليه الصلاة والسلام
~~ولا على ذلك البليغ عدم إعجازه فلا يشتبه عنده بالقرآن أصلا، ولا شك أن
~~ما ألقى الشيطان على ما في بعض الروايات حروفه بقدر حروف سورة الكوثر بل
~~أزيد إن اعتبر الحرف المشدد بحرفين وهو وإنهن لهن الغرانيق العلا وإن
~~شفاعتهن لهي التي ترتجى الوراد فيما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن
~~عقبة عن ابن ms06986 شهاب.

# وجاء في رواية ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم بسند قال السيوطي:
~~هو صحيح عن أبي العالية أنه ألقى تلك الغرانيق العلا وشفاعتهن ترتجى
~~وترتضى ومثلهن لا ينسى وحروفه أزيد من حروفها إذا لم يعتبر الحرف المشدد
~~في شيء منهما بحرفين أما إذا اعتبر فحروفها أزيد بواحد فإن كان ما ذكر
~~مما يتعلق به الإعجاز / فإن كان معجزا لزم أن يكون من الله تعالى لا من
~~إلقاء عدوه ضرورة عجزه كسائر الجن والإنس عن الإتيان بذلك، وإن لم يكن
~~مما يتعلق به الإعجاز فهو كلام غير يسير يتنبه البليغ الحاذق إذا سمعه
~~أثناء كلام فوقه بمراتب لكونه ليس منه فيبعد كل البعد أن يخفى عليه عليه
~~الصلاة والسلام قصور بلاغته عن بلاغة شيء من آيات القرآن سواء قلنا
~~بتفاوتها في البلاغة كما اختاره أبو نصر القشيري وجماعة، أم قلنا بعدم
~~التفاوت كما اختاره القاضي فيعتقد أنه قرآن حتى ينبهه جبريل عليه السلام
~~لا سيما وقد تكرر على سمعه الشريف سكر الآيات ومازجت لحمه ودمه، والواحد
~~منا وإن لم يكن من البلاغة بمكان إذا ألف شعر شاعر وتكرر على سمعه يعلم
~~إذا دس بيت أو شطر في قصيدة له أن ذلك ليس له وقد يطالب بالدليل فلا يزيد
~~على قوله لأن النفس مختلف، وهذا البعد متحقق عندي على تقدير كون الملقى
~~ما في الرواية الشائعة وهو تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى أيضا
~~لا سيما على قول جماعة: إن الإعجاز يتعلق بقليل القرآن وكثيره من الجمل
~~المفيدة لقوله تعالى:

# فليأتوا بحديث مثله

# [الطور: 34] والقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم خفي عليه ذلك للتأديب
~~فيه ما فيه، ولا يبعد استحقاق قائله للتأنيب.

# وما ذكره في الجواب عن الثالث من أنه لا بد من حمل الكلام على الاستفهام
~~أو حذف القول وهو دون الأول إذا صح الخبر صحيح لكن إثبات صحة الخبر أشد
~~من خرط القتاد فإن الطاعنين فيه من حيث النقل علماء أجلاء عارفون بالغث
~~والسمين من الأخبار وقد ms06987 بذلوا الوسع في تحقيق الحق فيه فلم يرووه إلا
~~مردودا وما ألقى الشيطان إلى أوليائه معدودا وهم أكثر ممن قال بقبوله
~~ومنهم من هو أعلم منه، ويغلب على الظن أنهم وقفوا على رواته في سائر
~~الطرق فرأوهم مجروحين وفات ذلك القائل بالقبول، ولعمري أن القول بأن هذا
~~الخبر مما ألقاه الشيطان على بعض ألسنة الرواة ثم وفق الله تعالى جمعا
~~من خاصته لإبطاله أهون من القول بأن حديث الغرانيق مما ألقاه الشيطان على
~~لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نسخه سبحانه وتعالى لا سيما وهو
~~مما لم يتوقف على صحته أمر ديني ولا معنى آية ولا ولا.. سوى أنها يتوقف
~~عليها حصول شبه في قلوب كثير من ضعفاء المؤمنين لا تكاد تدفع إلا بجهد
~~جهيد، ويؤيد عدم الثبوت مخالفته لظواهر الايات فقد قال سبحانه في وصف
~~القرآن:

# لا يأتيه البطل من بين يديه ولا من خلفه
~~تنزيل من حكيم حميد

# [فصلت: 42] والمراد بالباطل ما كان باطلا في نفسه وذلك الملقى كذلك وإن
~~سوغ نطق النبي صلى الله عليه وسلم به تأويله بأحد التأويلين، والمراد
~~بلا يأتيه استمرار النفي لا نفي الاستمرار. وقال عز وجل:

# إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون

# [الحجر: 9] فجيء بالجملة الاسمية مؤكدة بتأكيدين ونسب فيها الحفظ
~~المحذوف متعلقه إفادة للعموم إلى ضمير العظمة وفي ذلك من الدلالة على
~~الاعتناء بأمر القرآن ما فيه.

# وقد استدل بالآية من استدل على حفظ القرآن من الزيادة والنقص وما علينا
~~ما قيل في ذلك، وكون الإلقاء المذكور لا ينافي الحفظ لأنه نسخ ولم يبق
~~إلا زمانا يسيرا لا يخلو عن نظر، والظاهر أنه وإن لم يناف الحفظ في
~~الجملة لكنه ينافي الحفظ المشار إليه في الآية على ما يتقضيه ذلك
~~الاعتناء، ثم إن قيل: بما روي عن الضحاك من أن سورة الحج كلها مدنية لزم
~~بقاء ما ألقى الشيطان قرآنا في اعتقاد رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~والمؤمنين زمانا طويلا والقول بذلك من الشناعة بمكان، وقال جل ms06988 وعلا:

# إن هو إلا وحى يوحى

# [النجم: 4] والظاهر أن الضمير لما ينطق به عليه الصلاة والسلام مما
~~يتعلق بالدين، ومن هنا / أخرج الدارمي عن يحيى بن أبي كثير أنه قال:
~~كان جبريل عليه السلام ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن.

# والمتبادر من لحن الخطاب أن جميع ما ينطق به عليه الصلاة والسلام من ذلك
~~ليس عن إلقاء شيطاني كما أنه ليس عن هوى، وبقيت آيات أخر في هذا الباب
~~ظواهرها تدل على المدعى أيضا، وتأويل جميع الظواهر الكثيرة لقول شرذمة
~~قليلة بصحة الخبر المنافي لها مع قول جم غفير بعد الفحص التام بعدم صحته
~~مما لا يميل إليه القلب السليم ولا يرتضيه ذو الطبع المستقيم، ويبعد
~~القول بثبوته أيضا عدم إخراج أحد من المشايخ الكبار له في شيء من «الكتب
~~الست» مع أنه مشتمل على قصة غريبة وفي الطباع ميل إلى سماع الغريب
~~وروايته ومع إخراجهم حديث سجود المشركين معه صلى الله عليه وسلم حين سجد
~~آخر النجم، فقد روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن
~~مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ

# والنجم

# [النجم:1] فسجد فيها وسجد كل من كان معه غير أن شيخا من قريش أخذ كفا
~~من حصى أو تراب ورفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا. وروى البخاري أيضا
~~والترمذي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد بالنجم وسجد
~~معه المسلمون والمشركون والجن والإنس إلى غير ذلك، وليس لأحد أن يقول: إن
~~سجود المشركين يدل على أنه كان في السورة ما ظاهره مدح آلهتهم وإلا لما
~~سجدوا لأنا نقول: يجوز أن يكونوا سجدوا لدهشة أصابتهم وخوف اعتراهم عند
~~سماع السورة لما فيها من قوله تعالى:

# وأنه أهلك عادا الأولى * وثمود فما أبقى
~~وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى
~~* والمؤتفكة أهوى * فغشها ما غشى

# [النجم:50-54] إلى آخر الآيات فاستشعروا نزول مثل ذلك بهم، ولعلهم لم
~~يسمعوا قبل ذلك مثلها منه صلى الله عليه وسلم وهو قائم بين يدي ربه ms06989
~~سبحانه في مقام خطير وجمع كثير وقد ظنوا من ترتيب الأمر بالسجود على ما
~~تقدم أن سجودهم ولو لم يكن عن إيمان كاف في دفع ما توهموه، ولا تستبعد
~~خوفهم من سماع مثل ذلك منه صلى الله عليه وسلم فقد نزلت سورة حم السجدة
~~بعد ذلك كما جاء مصرحا به في حديث عن ابن عباس ذكره السيوطي في أول
~~«الإتقان» فلما سمع عتبة بن ربيعة قوله تعالى فيها:

# فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صعقة مثل صعقة
~~عاد وثمود

# [فصلت: 13] أمسك على فم رسول الله صلى الله عليه وسلم وناشده الرحم
~~واعتذر لقومه حين ظنوا به أنه صبأ وقال: كيف وقد علمتم أن محمدا إذا قال
~~شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب. وقد أخرج ذلك البيهقي في
~~«الدلائل» وابن عساكر في حديث طويل عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى
~~عنه.

# ويمكن أن يقال على بعد: إن سجودهم كان لاستشعار مدح آلهتهم ولا يلزم منه
~~ثبوت ذلك الخبر لجواز أن يكون ذلك الاستشعار من قوله تعالى:

# أفرءيتم اللت والعزى * ومنوة الثالثة
~~الاخرى

# [النجم: 19-20] بناء على أن المفعول محذوف وقدروه حسبما يشتهون أو على
~~أن المفعول

# ألكم الذكر وله الأنثى

# [النجم: 21] وتوهموا أن مصب الإنكار فيه كون المذكورات إناثا والحب
~~للشيء يعمي ويصم، وليس هذا بأبعد من حملهم تلك الغرانيق العلا وإن
~~شفاعتهن لترتجى على المدح حتى سجدوا لذلك آخر السورة مع وقوعه بين ذمين
~~المانع من حمله على المدح في البين كما لا يخفى على من سلمت عين قلبه عن
~~الغين.

# واعترض على الجواب الرابع بأن سجودهم كان مع رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم آخرا بعد سماع قوله تعالى:

# إن هى إلا أسماء سميتموها أنتم وءاباؤكم ما
~~أنزل الله بها من سلطن

# [النجم: 23] فكان ينبغي التنبيه بعد السجود، ولعلهم أرجعوا ضمير { هي
~~} للأسماء وهي قولهم اللات والعزى ومناة كما هو أحد احتمالين فيه ذكرهما
~~الزمخشري، فيكون / المعنى ما هذه الأسماء إلا أسماء سميتم بها بهواكم
~~وشهوتكم ليس ms06990 لكم على صحة التسمية بها برهان تتعلقون به، وحينئذ لا يكون
~~فيه دليل على رد ما فهموه مما ألقى الشيطان من مدح آلهتهم بأنها الغرانيق
~~العلا، ويحتمل أنهم أولوه على وجه آخر وباب التأويل واسع.

# واعترض على قوله في الجواب الخامس: إن هذا الاشتباه في حالة خاصة
~~للتأديب لا يقتضي أن يكون صلى الله عليه وسلم على غير بصيرة فيما يوحى
~~إليه في غير تلك الحالة بأن المعترض لم يرد أنه إذا اشتبه الأمر عليه
~~عليه الصلاة والسلام مرة يلزم أن يكون على غير بصيرة فيما يوحى إليه في
~~غيرها بل أراد أن اللائق بمقام النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون على
~~بصيرة في جميع ما يوحى إليه وأنه متى اشتبه عليه عليه الصلاة والسلام في
~~حالة من الأحوال لم تبق الكلية كلية وهو خلاف المراد.

# وفي «التنقيح» ((أن الوحي إما ظاهر أو باطن أما الظاهر فثلاثة أقسام،
~~الأول: ما ثبت بلسان الملك فوقع في سمعه صلى الله عليه وسلم بعد علمه
~~بالمبلغ بآية قاطعة - والمراد بها كما قال ابن ملك: العلم الضروري بأن
~~المبلغ ملك نازل بالوحي من الله تعالى - والقرآن من هذا القبيل، والثاني:
~~ما وضح له صلى الله عليه وسلم بإشارة الملك من غير بيان بالكلام كما قال
~~عليه الصلاة والسلام:

# " إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها "

# الحديث وهذا يسمى خاطر الملك، والثالث: ما تبدى لقلبه الشريف بلا شبهة
~~بإلهام من الله تعالى بأن أراه بنور من عنده كما قال تعالى:

# لتحكم بين الناس بما أراك الله

# [النساء: 105] وكل ذلك حجة مطلقا بخلاف الإلهام للولي فإنه لا يكون حجة
~~على غيره، وأما الباطن فما ينال بالرأي والاجتهاد وفيه خلاف)) إلى آخر ما
~~قال، وهو ظاهر في أنه صلى الله عليه وسلم على بصيرة في جميع ما يوحى إليه
~~من القرآن لأنه جعله من القسم الأول من أقسام الوحي الظاهر، ويعلم منه
~~عدم ثبوت تكلمه صلى الله عليه وسلم بما ms06991 ألقى الشيطان لأنه عند زاعمه يكون
~~قد اعتقده عليه الصلاة والسلام قرآنا ووحيا من الله تعالى فيجب على ما
~~سمعت أن يكون عليه الصلاة والسلام قد علم ذلك علما ضروريا فحيث إنه ليس
~~كذلك في نفس الأمر يلزم انقلاب العلم جهلا، واستثناء هذه المادة من
~~العموم مما لا دليل عليه عند الزاعم سوى الخبر الذي زعم صحته وبنى عليه
~~تفسير الآية بما فسرها به وذلك أول المسألة.

# ويجوز أن يقال: إنه أراد أنه إذا وقع الاشتباه مرة اقتضى أن لا يكون
~~عليه الصلاة والسلام على بصيرة في شيء مما يوحى إليه بعد لأن احتمال
~~التأديب على تعاطي ما ليس أكمل بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم قائم
~~والعصمة من ذلك ممنوعة فقد وقع منه صلى الله عليه وسلم بعد هذه القصة
~~التي زعمها الخصم ما عوتب عليه كقصة الأسراء المشار إليها بقوله تعالى:

# ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في
~~الأرض

# [الأنفال: 67] الآية، وكقصة الإذن المشار إليها بقوله تعالى:

# عفا الله عنك لم أذنت لهم

# [التوبة: 43] وكقصة زينب رضي الله تعالى عنها المشار إليها بقوله تعالى:

# وإذا تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت
~~عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى
~~نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق
~~أن تخشه

# [الأحزاب: 37] ودعوى أن التأديب بذلك على غير التمني مما لا تقتضيه
~~الحكمة فلا يمكن وقوعه مما لم يقم عليه دليل، وقصارى ما تفيده الآية أن
~~الإلقاء مشروط بالتمني أو في وقته بناء على الخلاف في أن { إذا }
~~للشرط أو لمجرد الظرفية وعند انتفاء ذلك الشرط أو عدم تحقق ذلك الوقت
~~يبقى الإلقاء على العدم الأصلي إن لم يكن هناك ما يقوم مقام ذلك الشرط أو
~~ذلك الوقت. / ولا شك أن صدور خلاف الأكمل لا سيما إذا كان كالتمني أو
~~فوقه أو وقت صدوره مما يقوم مقام ذلك فيما يقتضيه فيلزم حينئذ أن يكون
~~صلى الله عليه وسلم في كل وحي متوقفا غير جازم بأنه وحي لا ms06992 تلبيس إلى أن
~~يتضح له عليه الصلاة والسلام عدم صدور خلاف الأكمل بالنسبة إليه منه وفي
~~ذلك من البشاعة ما فيه.

# واعترض على قوله في الجواب أيضا: إن ما قاله ابن العربي قياس مع
~~الفارق الخ بأنه غير حاسم للقيل والقال إذ لنا أن نقول: خلاصة ما أشار
~~إليه ابن العربي أنه قد صح بل تواتر قوله صلى الله عليه وسلم:

# " من رآني في المنام فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي "

# والظاهر أنه لا يتمثل به صلى الله عليه وسلم أصلا لا للمخلصين ولا
~~لغيرهم لعموم  من  ولزوم مطابقة التعليل المعلل وإذا لم يتمثل مناما
~~فلأن لا يتمثل يقظة من باب أولى، وعلله الشراح بلزوم اشتباه الحق
~~بالباطل.

# وقالت الصوفية في ذلك: إن المصطفى صلى الله عليه وسلم وإن ظهر بجميع
~~أسماء الحق تعالى وصفاته تخلقا وتحققا فمقتضى رسالته للخلق أن يكون
~~الأظهر فيه حكما وسلطنة من صفات الحق سبحانه وأسمائه جل شأنه الهداية
~~والاسم الهادي والشيطان مظهر الاسم المضل والظاهر بصفة الضلالة فهما ضدان
~~فلا يظهر أحدهما بصفة الآخر، والنبي صلى الله عليه وسلم خلق للهداية فلو
~~ساغ ظهور إبليس بصورته لزال الاعتماد عليه الصلاة والسلام فلذلك عصمت
~~صورته صلى الله عليه وسلم عن أن يظهر بها شيطان اه، ولا شك أن نسبة
~~جبريل عليه السلام إليه صلى الله عليه وسلم وكذا إلى سائر إخوانه
~~الأنبياء عليهم السلام نسبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأمة فإذا
~~استحال تمثل الشيطان بالنبي يقظة أو مناما لأحد من أمته مخلصا أو غير
~~مخلص خوف الاشتباه وزوال الاعتماد وكمال التضاد فليقل باستحالة تمثله
~~بجبريل عليه السلام لذلك ومن ادعى الفرق فقد كابر.

# وتعقب ما ذكره في الجواب السادس بأن كون المتتبع لما يعتقده وحيا
~~للتلبيس غير منقول صحيح إلا أن القول باعتقاد ما ليس قرآنا قرآنا
~~للتلبيس الناشيء عن إرادة التأديب بسبب تمني إيمان الجميع الغير المراد
~~له تعالى ليس به، وكون التلبيس للتأديب كالسهو في الصلاة للتشريع لا يخفى ms06993
~~ما فيه.

# وأورد على قوله في الجواب السابع: أنه لا إخلال بالوثوق بالقرآن عند
~~الذين أوتوا العلم والذين آمنوا لأن وثوق كل منهما تابع لوثوق متبوعهم
~~الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم أنه إذا فتح باب التلبيس لا يوثق
~~بالوثوق في شيء أصلا لجواز أن يكون كل وثوق ناشئا عن تلبيس كالوثوق بأن
~~تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى قرآن فلما تطرق الاحتمال الوثوق
~~جاز أن يتطرق الرجوع ولا يظهر فرق بينهما فلا يعول حينئذ على جزم ولا على
~~رجوع. وقوله فيما ذكره البيضاوي عليه الرحمة: ليس بشيء ليس بشيء لأن منع
~~الاحتمال عند الفرق الأربع بعد القول بجواز التلبيس مكابرة والآية التي
~~ادعى دلالتها على انتفاء الاحتمال عند فريقين بعد النسخ والإحكام فيها
~~أيضا ذلك الاحتمال، والحق أنه لا يكاد يفتح باب قبول الشرائع ما لم يسد
~~هذا الباب. ولا يجدي نفعا كون الحكمة المشار إليها بقوله تعالى:

# والله عليم حكيم

# [الحج: 52] آبية عن بقاء التلبيس فلا أقل من أن يتوقف قبول معظم ما يجيء
~~به النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن يتبين كونه ليس داخلا في باب
~~التلبيس / مع أنا نرى الصحابة رضي الله تعالى عنهم يسارعون إلى امتثال
~~الأوامر عند إخباره صلى الله عليه وسلم إياهم بوحي الله تعالى إليه بها
~~من من غير انتظار ما يجيء بعد ذلك فيها مما يحقق أنها ليست عن تلبيس
~~فافهم والله تعالى الموفق.

# وتوسط جمع في أمر هذه القصة فلم يثبتوها كما أثبتها الكوراني عفا الله
~~تعالى عنه من أنه صلى الله عليه وسلم نطق بما نطق عمدا معتقدا للتلبيس
~~أنه وحي حاملا له على خلاف ظاهره ولم ينفوها بالكلية كما فعل أجلة أثبات
~~وإليه أميل بل أثبتوها على وجه غير الوجه الذي أثبته الكوراني واختلفوا
~~فيه على أوجه تعلم مما أسلفناه من نقل الأقوال في الآية وكلها عندي مما
~~لا ينبغي أن يلتفت إليها. وفي «شرح الجوهرة الأوسط» أن حديث تلك الغرانيق
~~الخ ظاهره مخالف للقواطع فيجب تأويله إن ms06994 صح بما هو مذكور في موضعه مما
~~أقربه على نظر فيه أن الشيطان ترصد قراءته عليه الصلاة والسلام وكان يرتل
~~القراءة إذ ذاك عند البيت فحين انتهى عليه الصلاة والسلام إلى قوله
~~تعالى:

# أفرءيتم اللت والعزى * ومنوة الثالثة
~~الأخرى

# [النجم: 19-20] وكان منه عليه الصلاة والسلام وقفة ما للترتيل أدرج ذلك
~~في تلاوته محاكيا صوته صلى الله عليه وسلم فظن أنه من قوله عليه الصلاة
~~والسلام وليس به انتهى، والنظر الذي أشار إليه لا يخفى على من أحاط بما
~~قدمناه خبرا وأخذت العناية بيديه، وأقبح الأقوال التي رأيناها في هذا
~~الباب وأظهرها فسادا أنه صلى الله عليه وسلم أدخل تلك الكلمة من تلقاء
~~نفسه حرصا على إيمان قومه ثم رجع عنها، ويجب على قائل ذلك التوبة

# كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا
~~كذبا

# [الكهف: 5]، وقريب منه ما قيل إنها كانت قرآنا منزلا في وصف الملائكة
~~عليهم السلام فلما توهم المشركون أنه يريد عليه الصلاة والسلام مدح
~~آلهتهم بها نسخت، وأنت تعلم أن تفسير الآية أعنى قوله تعالى:

# وما أرسلنا

# [الحج: 52] الخ لا يتوقف على ثبوت أصل لهذه القصة، وأقرب ما قيل في
~~تفسيرها على القول بعدم الثبوت ما قدمناه، وقيل: هو بعيد صدقوا لكن عن
~~إيهام الإخلال بمقام النبوة ونحو ذلك، واستفت قلبك إن كنت ذا قلب سليم.

# هذا وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في «المصاحف» عن عمرو بن دينار
~~قال: كان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقرأ (وما أرسلنا من قبلك من
~~رسول ولا نبي ولا محدث) فنسخ (ولا محدث) والمحدثون صاحب يس ولقمان ومؤمن
~~آل فرعون وصاحب موسى عليه السلام.

### || [22.56]

# { الملك } أي السلطان القاهر والاستيلاء التام والتصرف على الإطلاق
~~{ يومئذ } أي يوم إذا تأتيهم الساعة أو عذابها؛ وقيل أي يوم إذ تزول
~~مريتهم وليس بذلك، ومثله ما قيل أي يوم إذ يؤمنون { لله } وحده بلا
~~شريك أصلا بحيث لا يكون فيه لأحد تصرف من التصرفات في أمر من الأمور لا
~~حقيقة ولا مجاز ms06995 أو لا صورة ولا معنى كما في الدنيا فإن للبعض فيها تصرفا
~~صوريا في الجملة والتنوين في إذ عوض عن المضاف إليه، وإضافة يوم إليه من
~~إضافة العام إلى الخاص وهو متعلق بالاستقرار الواقع خبرا.

# وقوله سبحانه: { يحكم بينهم } جملة مستأنفة وقعت جواب سؤال نشأ
~~من الإخبار بكون الملك يومئذ لله، وضمير الجمع للفريقين المؤمنين
~~ولكافرين لذكرهما أولا واشتمال التفصيل عليهما آخرا، نعم ذكر الكافرين
~~قبيله ربما يوهم تخصيصه بهم كأنه قيل: فماذا يصنع سبحانه بالفريقين
~~حينئذ؟ فقيل: يحكم بينهم بالمجازاة، وجوز أن تكون حالا من الاسم الجليل.

# { فالذين ءامنوا وعملوا الصلحت } وهم الذين لا
~~مرية لهم فيما أشير إليه سابقا كيفما كان متعلق الإيمان { في جنت
~~النعيم } أي مستقرون في جنات مشتملة على النعم / الكثيرة.

### || [22.57]

# { والذين كفروا وكذبوا بآيتنا } وهم الذين لا
~~يزالون في مرية من ذلك، وفي متعلق الكفر احتمالات كاحتمالات متعلق
~~الإيمان وزيادة وهي احتمال أن يكون متعلقه الآيات، والظاهر أن المراد بها
~~الآيات التنزيلية، وجوز أن يراد بها الأدلة وأن يراد بها الأعم ويتحصل
~~مما ذكر خمسة عشر احتمالا في الآية، ولعل أولاها ما قرب به العطف إلى
~~التأسيس فتأمل، والموصول مبتدأ أول وقوله تعالى: { فأولئك } مبتدأ
~~ثان وهو إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة، وما فيه من
~~معنى البعد للإيذان ببعد المنزلة في الشر والفساد.

# وقوله سبحانه: { لهم عذاب } جملة اسمية من مبتدأ وخبر مقدم عليه
~~وقعت خبرا للمبتدأ الثاني أو { لهم } خبر له و { عذاب } مرتفع على
~~الفاعلية بالاستقرار في الجار والمجرور لاعتماد على المبتدأ وجملة
~~المبتدأ الثاني وخبره خبر للمبتدأ الأول، وتصديره بالفاء قيل للدلالة على
~~أن تعذيب الكفار بسبب قبائحهم ولذا جيء بأولئك. وقيل لهم عذاب بلام
~~الاستحقاق وكان الظاهر في عذاب كما قيل

# في جنت

# [الحج: 56] وجعل تجريد خبر الموصول الأول عنها للإيذان بأن إثابة
~~المؤمنين بطريق التفضل لا لإيجاب محاسنهم إياها، ولا ينافي ذلك قوله
~~تعالى:

# فلهم أجر غير ممنون

# [التين: 6] ونحوه لأنها بمقتضى وعده تعالى ms06996 على الإثابة عليها قد تجعل
~~سببا، وقيل جيء بالفاء لأن الكلام لخروجه مخرج التفصيل بتقدير أما فكأنه
~~قيل: فأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك الخ وليس بشيء لأن ذلك
~~يقتضي تقدير أما في قوله تعالى:

# فالذين ءامنوا

# [الحج: 56] الخ ولا يتسنى فيه لعدم الفاء في الخبر.

# وقوله تعالى: { مهين } صفة لعذاب مؤكدة لما أفاده التنوين من
~~الفخامة، ولم يتعرض لوصف هؤلاء الكفرة بعمل السيئات كما تعرض لوصف
~~المؤمنين بعمل الصالحات قيل لظهور عدم اتصافهم بغيره أعني العمل الصالح
~~الذي شرعه الله تعالى على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام بعد كفرهم
~~وتكذيبهم بالآيات، وقيل مبالغة في تهويل أمر الكفر حيث أخبر سبحانه أن
~~للمتصف به دون عمل السيئات عذابا مهينا ولو تعرض لذلك لأفاد أن ذلك
~~العذاب للمتصف بالمجموع فيضعف التهويل، والقول بأن المراد من التكذيب
~~بالآيات عمل السيئات أو في الكلام صنعة الاحتباك والأصل فالذين آمنوا
~~وصدقوا بآياتنا وعملوا الصالحات في جنات النعيم والذين كفروا وكذبوا
~~بآياتنا وعملوا السيئات فأولئك لهم عذاب مهين خلاف الظاهر كما لا يخفى.

### || [22.58]

# { والذين هاجروا فى سبيل الله } أي في الجهاد حسبما
~~يلوح به قوله تعالى: { ثم قتلوا أو ماتوا } أي في تضاعيف
~~المهاجرة. وقرأ ابن عامر { قتلوا } بالتشديد، ومحل الموصول الرفع على
~~الابتداء، وقوله تعالى: { ليرزقنهم الله } جواب لقسم محذوف
~~والجملة خبره على الأصح من جواز وقوع القسم وجوابه خبرا، ومن منع أضمر
~~قولا هو الخبر والجملة محكية به.

# وقوله سبحانه: { رزقا حسنا } إما مفعول ثان ليرزق على أنه من باب
~~النقض والذبح أي مرزوقا حسنا أو مصدر مبين للنوع، والمراد به عند بعض
~~ما يكون للشهداء في البرزخ من الرزق، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن
~~مردويه عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم يقول:

# " من مات مرابطا أجري عليه الرزق وأمن من الفتانين "

# واقرؤا إن شئتم { والذين هاجروا في سبيل الله ثم
~~قتلوا أو ماتوا } [الحج: 58] إلى قوله تعالى

# حليم

# [الحج: 59] وقد ms06997 نص سبحانه في آية أخرى على أن الذين يقتلون في سبيل الله
~~تعالى أحياء / عند ربهم يرزقون وليس ذلك في تلك الآية إلا في البرزخ وقال
~~آخرون: المراد به ما لا ينقطع أبدا من نعيم الجنة. ورد بأن ذلك لا
~~اختصاص له بمن هاجر في سبيل الله ثم قتل أو مات بل يكون للمؤمنين كلهم.
~~وتعقب بأن عدم الاختصاص ممنوع فإن تنكير { رزقا } يجوز أن يكون
~~للتنويع ويختص ذلك النوع بأولئك المهاجرين، وقيل المراد تشريفهم وتبشيرهم
~~بهذا الوعد الصادر ممن لا يخلف الميعاد المقترن بالتأكيد القسمي ويكفي
~~ذلك في تفضيلهم على سائر المؤمنين كما في المبشرين من الصحابة رضي الله
~~تعالى عنهم وفيه نظر. وقال الكلبي: هو الغنيمة، وقال الأصم: هو العلم
~~والفهم كقول شعيب عليه السلام:

# ورزقني منه رزقا حسنا

# [هود: 88] ويرد عليهما أنه تعالى جعل هذا الرزق جزاء على قتلهم أو موتهم
~~في تضاعيف المهاجرة في سبيل الله تعالى فلا يصح أن يكون في الدنيا ولعل
~~قائل ذلك يقول: إنه في الآخرة وفيها تتفاوت مراتب العلم أيضا.

# وظاهر الآية على ما قيل: استواء من قتل ومن مات مهاجرا في سبيل الله
~~تعالى في الرتبة وبه أخذ بعضهم. وذكر أنه لما مات عثمان بن مظعون وأبو
~~سلمة بن عبد الأسد قال بعض الناس: من قتل من المهاجرين أفضل ممن مات حتف
~~أنفه فنزلت الآية مسوية بينهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي
~~حاتم عن فضالة بن عبيد الأنصاري الصحابي أنه كان بموضع فمروا بجنازتين
~~إحداهما قتيل والأخرى متوفى فمال الناس على القتيل في سبيل الله تعالى
~~فقال: والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت اسمعوا كتاب الله تعالى فقال:
~~{ والذين هاجروا فى سبيل الله ثم قتلوا أو
~~ماتوا } الآية.

# ويؤيد ذلك بما روي عن أنس قال: قال صلى الله عليه وسلم:

# " المقتول في سبيل الله تعالى والمتوفى في سبيل الله تعالى بغير قتل هما
~~في الأجر شريكان "

# فإن ظاهر الشركة يشعر بالتسوية، وظاهر القول بالتسوية أن المتوفى
~~مهاجرا ms06998 في سبيل الله تعالى شهيدا كالقتيل وبه صرح بعضهم، وفي «البحر»
~~أن التسوية في الوعد بالرزق الحسن لا تدل على تفضيل في المعطى ولا تسوية
~~فإن يكن تفضيل فمن دليل آخر، وظاهر الشريعة أن المقتول أفضل انتهى، وما
~~تقدم في سبيل النزول غير مجمع عليه، فقد روي أن طوائف من الصحابة رضي
~~الله تعالى عنهم قالوا: يا نبي الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما
~~أعطاهم الله تعالى من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا
~~معك فنزلت، واستدل بعضهم بهذا أيضا على التسوية، وقال مجاهد: نزلت في
~~طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة للهجرة فتبعهم المشركون وقاتلوهم، وعلى
~~هذا القول ليس المراد من المهاجرة في سبيله تعالى المهاجرة في الجهاد،
~~وأيا ما كان فهذا ابتداء كلام غير داخل في حيز التفصيل. ويوهم ظاهر كلام
~~بعضهم الدخول وأنه تعالى أفراد المهاجرين بالذكر مع دخولهم دخولا أوليا
~~في

# الذين آمنوا وعملوا الصالحات

# [الحج: 56] تفخيما لشأنهم وهو كما ترى.

# { وإن الله لهو خير الرزقين } فإنه جل وعلا يرزق بغير
~~حساب مع أن ما يرزقه لا يقدر عليه أحد غيره سبحانه وأن غيره تعالى إنما
~~يرزق مما رزقه هو جل شأنه. واستدل بذلك على أنه قد يقال لغيره تعالى رازق
~~والمراد به معطي، والأولى عندي أن لا يطلق رازق على غيره تعالى وأن لا
~~يتجاوز عما ورد. وأما إسناد الفعل إلى غيره تعالى كرزق الأمير الجندي
~~وأرزق فلانا من كذا فهو أهون من إطلاق رازق ولعله مما لا بأس به، وصرح
~~الراغب بأن الرزاق لا يقال إلا لله تعالى. والجملة اعتراض تذييلي مقرر
~~لما قبله.

### || [22.59-60]

# / وقوله تعالى: { ليدخلنهم مدخلا يرضونه } استئناف
~~مقرر لمضمون قوله سبحانه:

# ليرزقنهم الله

# [الحج: 58] أو بدل منه مقصود منه تأكيده. و { مدخلا } إما اسم مكان
~~أريد به الجنة كما قال السدي وغيره أو درجات فيها مخصوصة بأولئك
~~المهاجرين كما قيل، وقيل هو خيمة من درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم لها
~~سبعون ألف مصراع، ms06999 أو مصدر ميمي، وهو على الاحتمال الأول مفعول ثان
~~للإدخال وعلى الثاني مفعول مطلق، ووصفه بيرضونه على الاحتمالين لما أنهم
~~يرون إذا أدخلوا ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقيل
~~على الثاني: إن رضاهم لما أن إدخالهم من غير مشقة تنالهم بل براحة
~~واحترام. وقرأ أهل المدينة { مدخلا } بالفتح والباقون بالضم.

# { وإن الله لعليم } بالذي يرضيهم فيعطيهم إياه أو لعليم
~~بأحوالهم وأحوال أعدائهم الذين هاجروا لجهادهم { حليم } فلا يعاجل
~~أعداءهم بالعقوبة، وبهذا يظهر مناسبة هذا الوصف لما قبله وفيه أيضا
~~مناسبة لما بعد.

# { ذلك } قد حقق أمره { ومن عاقب بمثل ما عوقب به }
~~أي من جازى الجاني بمثل ماجنى به عليه، وتسمية ما وقع ابتداء عقابا مع
~~أن العقاب كما قال غير واحد جزاء الجناية لأنه يأتي عقبها وهو في الأصل
~~شيء يأتي عقب شيء للمشاكلة أو لأن الابتداء لما كان سببا للجزاء أطلق
~~عليه مجازا مرسلا بعلاقة السببية، وقال بعض المحققين: يجوز أن يقال: لا
~~مشاكلة ولا مجاز بناء على أن العرف جار على إطلاقه على ما يعذب به وإن لم
~~يكن جزاء جناية، و { من } موصولة وجوز أن تكون شرطية سد جواب القسم
~~الآتي مسد جوابها، والجملة مستأنفة، والباء في الموضعين قيل للسبب لا
~~للآلة وإليه ذهب أبو البقاء، وقال الخفاجي: باء { بمثل } آلية لا
~~سببية لئلا يتكرر مع قوله تعالى: { به } والمنساق إلى ذهني القاصر
~~كونها في الموضعين للآلة وفيما ذكره الخفاجي نظر فتأمل. { ثم بغي
~~عليه } بالمعاودة إلى العقاب { لينصرنه الله } على من بغى
~~عليه لا محالة عند كره للانتقام منه.

# { إن الله لعفو غفور } تعليل للنصرة حيث كانت لمن ارتكب
~~خلاف الأولى من العفو عن الجاني المندوب إليه والمستوجب للمدح عنده تعالى
~~ولم ينظر في قوله تعالى:

# فمن عفا وأصلح فأجره على الله

# [الشورى: 40].

# وأن تعفوا أقرب للتقوى

# [البقرة: 237]

# ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور

# [الشورى: 43] بأن ذلك لأنه لا يلوم على ترك الأولى إذا روعي الشريطة ms07000 وهي
~~عدم العدوان. وفيه تعريض بمكان أولية العفو لأن ذكر الصفتين يدل على أن
~~هناك شبه جناية، وإظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار للإشارة إلى أن ذلك
~~من مقتضى الألوهية.

# وحمل الجملة على ما ذكر أحد أوجه ثلاثة ذكرها الزمخشري في بيان مطابقة
~~ذكر العفو الغفور هذا الموضع.

# وثانيها: أنه دل بذلك على أنه تعالى قادر على العقوبة لأنه لا يوصف
~~بالعفو إلا القادر على ضده. قال في «الكشف»: فهو أي { إن الله }
~~الخ على هذا أيضا تعليل للنصرة وأن المعاقب يستحق فوق ذلك وإنما
~~الاكتفاء بالمثل لمكان عفو الله تعالى وغفرانه سبحانه، وفيه إدماج أيضا
~~للحث على العفو وهذا وجه وجيه اه، وثالثها: أنه دل بذلك على نفي اللوم
~~على ترك الأولى حسبما قرر أولا إلا أن الجملة عليه خبر ثان لقوله تعالى:
~~{ ومن عاقب بمثل ما عوقب به } والخبر الآخر قوله تعالى:
~~{ لينصرنه الله } فيكون قد أخبر عنه بأنه لا يلومه على ترك
~~العفو وأنه ضامن لنصره في إخلاله ثانيا بذلك. / وجعل ذلك بعضهم من
~~التقديم والتأخير ولا ضرورة إليه، وقيل: إن العفو ليس لارتكاب المعاقب
~~خلاف الأولى بل لأن المماثلة من كل الوجوه متعسرة فيحتاج للعفو عما وقع
~~فيها وليس بذاك.

# ونقل الطيبي عن الإمام أن الآية نزلت في قوم مشركين لقوا قوما من
~~المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فقالوا: إن أصحاب محمد صلى الله عليه
~~وسلم يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم فناشدهم المسلمون بأن
~~يكفوا عن القتال فأبوا فقاتلوهم فنصر المسلمون ووقع في أنفسهم شيء من
~~القتال في الشهر الحرام فأنزل الله تعالى الآية، ثم قال: فعلى هذا أمر
~~المطابقة ظاهر ويكون أوفق لتأليف النظم، وذلك أن لفظة { ذلك } فصل
~~للخطاب وقوله تعالى: { ومن عاقب } شروع في قصة أخرى لأولئك السادة
~~بعد قوله سبحانه

# والذين هجروا

# [الحج: 58] الآيتين اه.

# وتعقب بأن الآية تقتضي ابتداء ثم جزاء ثم بغيا ثم جزاء والقصة لم تدل
~~عليه إلا أن يجعل ما بينهم من التعادي معاقبة بالمثل ويجعل ms07001 البغي
~~مناواتهم لقتال المسلمين في الشهر الحرام وهو خلاف الظاهر، وأما الموافقة
~~لتأليف النظم فعلى ما ذكره غيره أبين لأنه لما ذكر حال المقتولين منهم
~~والميتين منهم قيل الأمر ذلك فيما يرجع إلى حال الآخرة وفيما يرجع إلى
~~حال الدنيا إنهم لهم المنصورون لأنهم بين معاقب وعاف وكلاهما منصوران أما
~~الأول فنصا وأما الثاني فمن فحوى الخطاب أعني مفهوم الموافقة، وفيه وعيد
~~شديد للباغي وأنه مخذول في الدارين مسلوك في قرن من كان في مرية حتى أتته
~~الساعة أو العذاب اه، وهو كلام رصين، ولا يعكر عليه قولهم: إنه أتى بذلك
~~للاقتضاب فتأمل. وعن الضحاك أن الآية مدنية وهي في القصاص والجراحات.

# واستدل بها الشافعي على وجوب رعاية المماثلة في القصاص، وعندنا لا قود
~~إلا بالسيف كما جاء في الخبر والمراد به السلاح وخبر «من غرق غرقناه ومن
~~حرق حرقناه» لم يصح وبتسليم صحته محمول على السياسة، وينبغي أن يعلم أن
~~المعاقبة بالمثل على الإطلاق غير مشروعة فإن الرجل قد يعاقب بنحو يا زاني
~~وقد قالوا: إنه إذا قيل له ذلك فقال لا بل أنت زان حد هو والقائل
~~الأول فليحفظ.

### || [22.61]

# { ذلك } إشارة إلى النصر المدلول عليه بقوله تعالى:

# لينصرنه

# [الحج: 60] وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبته، وقيل لعدم ذكر
~~المشار إليه صريحا، ومحله الرفع على الابتداء وخبره قوله سبحانه: {
~~بأن الله يولج اليل فى النهار ويولج النهار
~~فى اليل } والباء فيه سببية، والسبب ما دل عليه ما بعد بطريق اللزوم
~~أي ذلك النصر كائن لسبب أن الله تعالى شأنه قادر على تغليب بعض مخلوقاته
~~على بعض والمداولة بين الأشياء المتضادة ومن شأنه ذلك. وعبر عن ذلك
~~بإدخال أحد الملوين في الآخر بأن يزيد فيه ما ينقص من الآخر كما هو
~~الأوفق بالإيلاج، أو بتحصيل أحدهما في مكان الآخر كما قيل لا بأن يجعل
~~بين كل نهارين ليلا وبين كل ليلين نهارا كما قد توهم لكونه أظهر المواد
~~وأوضحها أو كائن بسبب أنه تعالى خالق الليل والنهار ms07002 ومصرفهما فلا يخفى
~~[عليه] ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير والشر والبغي والانتصار
~~كما قيل.

# وعلى الأول قوله تعالى: { وأن الله سميع } بكل المسموعات التي
~~من جملتها ما يقول المعاقب { بصير } بكل المبصرات التي من جملتها ما
~~يقع منه من الأفعال من تتمة الحكم لا بد منه إذ لا بد للناصر من القدرة
~~على نصر المظلوم ومن العلم بأنه كذلك، وعلى الثاني هو تتميم وتأكيد
~~والأول أولى، وقيل: لا يبعد أن يكون المعنى ذلك النصر بسبب تعاقب الليل
~~والنهار وتناوب الأزمان والأدوار / إلى أن يجيء الوقت الذي قدوه الملك
~~الجبار لانتصار المظلوم وغلبته، وفيه أنه لا محصل له ما لم يلاحظ قدرة
~~الفاعل لذلك، وقيل: يجوز أن تكون الإشارة إلى الاتصاف بالعفو والغفران أي
~~ذلك الاتصاف بسبب أنه تعالى لم يؤاخذ الناس بذنوبهم فيجعل الليل والنهار
~~سرمدا فتتعطل المصالح، وفيه أنه مع كونه لا يناسب السياق غير ظاهر لا
~~سيما إذا لوحظ عطف قوله تعالى: { وأن الله سميع بصير } على
~~مدخول الباء فيما قبل.

### || [22.62]

# نعم الإشارة إلى الاتصاف في قوله تعالى: { ذلك بأن الله هو
~~الحق } فالمعنى ذلك الاتصاف بكمال القدرة الدال عليه قوله تعالى:

# يولج اليل فى النهار

# [الحج: 61] الخ وكمال العلم الدال عليه

# سميع بصير

# [الحج: 61] بسبب أن الله تعالى الواجب لذاته الثابت في نفسه وحده فإن
~~وجوب وجوده ووحدته يستلزمان أن يكون سبحانه هو الموجد لسائر المصنوعان
~~ولا بد في إيجاده لذلك حيث كان على أبدع وجه وأحكمه من كمال العلم على ما
~~بين في موضعه، وقيل: إن وجوب الوجود وحده متكفل بكل كمال حتى الوحدة، أو
~~المعنى ذلك الاتصاف بسبب أن الله تعالى الثابت الإلهية وحده ولا يصح لها
~~إلا من كان كامل القدرة كامل العلم.

# { وأن ما يدعون من دونه } إلها { هو البطل } أي
~~المعدوم في حد ذاته أو الباطل الإلهية، والحصر يحتمل أن يكون غير مراد
~~وإنما جيء به للمشاكلة ويحتمل أن يكون مرادا على معنى أن جميع ما يدعون
~~من ms07003 دونه هو الباطل لا بعضه دون بعض. وقيل هو باعتبار كمال بطلانه وزيادة
~~{ هو } هنا دون ما في سورة لقمان [30] من نظير هذه الآية لأن ما هنا
~~وقع بين عشر آيات كل آية مؤكدة مرة أو مرتين ولهذا أيضا زيدت اللام في
~~قوله تعالى الآتي

# وإن الله لهو الغنى الحميد

# [الحج: 64] دون نظيره في تلك السورة [لقمان: 26]، ويمكن أن يقال تقدم في
~~هذه السورة ذكر الشيطان فلهذا ذكرت هذه المؤكدات بخلاف سورة لقمان فإنه
~~لم يتقدم ذكر الشيطان هناك بنحو ما ذكر ههنا قاله النيسابوري، ويجوز أن
~~يكون زيادة { هو } في هذا الموضع لأن المعلل فيه أزيد منه في ذلك
~~الموضع فتأمل.

# { وأن الله هو العلى } على جميع الأشياء { الكبير }
~~عن أن يكون له سبحانه شريك لا شيء أعلى منه تعالى شأنا وأكبر سلطانا.
~~وقرأ الحسن { وإن ما } بكسر الهمزة، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر
~~وأبو بكر { تدعون } بالتاء على خطاب المشركين. وقرأ مجاهد واليماني
~~وموسى الأسواري { يدعون } بالياء التحتية مبنيا للمفعول على أن الواو
~~لما فإنه عبارة عن الآلهة، وأمر التعبير عنها بما ثم إرجاع ضمير العقلاء
~~إليها ظاهر فلا تغفل.

### || [22.63]

# { ألم تر أن الله أنزل من السماء } أي من جهة العلو
~~{ ماء } أي ألم تعلم ذلك، وجوز كون الرؤية بصرية نظرا للماء المنزل،
~~والاستفهام للتقرير، وقوله تعالى: { فتصبح الأرض مخضرة }
~~أي فتصير، وقيل تصبح على حقيقتها والحكم بالنظر إلى بعض الأماكن تمطر
~~السماء فيها ليلا فتصبح الأرض مخضرة، والأول أولى عطف على { أنزل }
~~والفاء مغنية عن الرابط فلا حاجة إلى تقدير بإنزاله، والتعقيب عرفي أو
~~حقيقي وهو إما باعتبار الاستعداد التام للإخضرار أو باعتباره نفسه وهو
~~كما ترى، وجوز أن تكون الفاء لمحض السبب فلا تعقيب فيها، والعدول عن
~~الماضي إلى المضارع لإفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان كما تقول:
~~أنعم علي فلان عام كذا فأروح وأغدو شاكرا له ولو قلت: فرحت وغدوت لم
~~يقع ذلك الموقع أو لاستحضار الصورة البديعة ولم ينصب الفعل في ms07004 جواب
~~الاستفهام هنا في شيء من القراءات فيما نعلم وصرح غير واحد بامتناعه، ففي
~~«البحر» أنه / يمتنع النصب هنا لأن النفي إذا دخل عليه الاستفهام وإن كان
~~يقتضي تقريرا في بعض الكلام هو معامل معاملة النفي المحض في الجواب ألا
~~ترى قوله تعالى:

# ألست بربكم قالوا بلى

# [الأعراف: 172] وكذلك في الجواب بالفاء إذا أجبت النفي كان على معنيين
~~في كل منهما ينتفي الجواب فإذا قلت: ما تأتينا فتحدثنا بالنصب فالمعنى ما
~~تأتينا محدثا إنما تأتينا ولا تحدث، ويجوز أن يكون المعنى أنك لا تأتينا
~~فكيف تحدثنا فالحديث منتف في الحالتين والتقرير بأداة الاستفهام كالنفي
~~المحض في الجواب يثبت ما دخلته همزة الاستفهام وينفي الجواب فيلزم من ذلك
~~هنا إثبات الرؤية وانتفاء الاخضرار وهو خلاف المراد، وأيضا جواب
~~الاستفهام ينعقد منه مع الاستفهام شرط وجزاء ولا يصح أن يقال هنا إن تر
~~إنزال الماء تصبح الأرض مخضرة لأن اخضرارها ليس مترتبا على علمك أو
~~رؤيتك إنما هو مترتب على الإنزال اه.

# وإلى انعكاس المعنى على تقدير النصب ذهب الزمخشري حيث قال: لو نصب الفعل
~~جوابا للاستفهام لأعطى ما هو عكس الغرض لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب
~~بالنصب إلى نفي الاخضرار لكن تعقبه صاحب «الفرائد» حيث قال: لا وجه لما
~~ذكره صاحب «الكشاف» ولا يلزم المعنى الذي ذكر بل يلزم من نصبه أن يكون
~~مشاركا لقوله تعالى: { ألم تر } تابعا له ولم يكن تابعا لأنزل
~~ويكون مع ناصبه مصدرا معطوفا على المصدر التي تضمنه { ألم تر }
~~والتقدير ألم تكن لك رؤية إنزال الماء من السماء وإصباح الأرض مخضرة وهذا
~~غير مراد من الآية بل المراد أن يكون إصباح الأرض مخضرة بإنزال الماء
~~فيكون حصول اخضرار الأرض تابعا للإنزال معطوفا عليه اه وفيه بحث.

# وقال صاحب «التقريب» في ذلك: إن النصب بتقدير إن وهو علم للاستقبال
~~فيجعل الفعل مترقبا والرفع جزم بإخباره وتلخيصه أن الرفع جزم بإثباته
~~والنصب ليس جزما بإثباته لا أنه جزم بنفيه، ولا يخفى أنه إن صح في نفسه
~~لا ms07005 يطابق مغزى الزمخشري، وعلل أبو البقاء امتناع النصب بأمرين، أحدهما
~~انتفاء سببية المستفهم عنه لما بعد الفاء كما تقدم عن «البحر»، والثاني
~~أن الاستفهام المذكور بمعنى الخبر فلا يكون له جواب وإلى هذا ذهب الفراء
~~فقال: { ألم تر } خبر كما تقول في الكلام اعلم أن الله تعالى يفعل
~~كذا فيكون كذا، وقال سيبويه: وسألته يعني الخليل عن قوله تعالى: { ألم
~~تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض
~~مخضرة } فقال هذا واجب وهو تنبيه كأنك قلت: أتسمع؟ وفي النسخة
~~الشرقية من «الكتاب» انتبه أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا.

# وقال بعض المتأخرين: يجوز أن يعتبر تسبب الفعل عن النفي ثم يعتبر دخول
~~الاستفهام التقريري فيكون المعنى حصل منك رؤية إنزال الله تعالى الماء
~~فإصباح الأرض مخضرة لأن الاستفهام المذكور الداخل على النفي يكون في معنى
~~نفي النفي وهو إثبات، فإن قلت: الرؤية لا تكون سببا لا نفيا ولا
~~إثباتا للاخضرار، قلت: الرؤية مقحمة والمقصود هو الإنزال أو هي كناية
~~عنه لأنها تلزمه مع أنه يكفي التشبيه بالسبب كما نص عليه الرضي في ما
~~تأتينا فتحدثنا في أحد اعتباريه، واختار هذا في الاستدلال على عدم جواز
~~النصب أن النصب مخلص المضارع للاستقبال اللائق بالجزائية على ما قرر في
~~علم النحو ولا يمكن ذلك في الآية الكريمة كما ترى. وبالجملة إن الذي عليه
~~المحققون أن من جوز النصب هنا لم يصب، وأن المعنى المراد عليه ينقلب.
~~وقرىء { مخضرة } بفتح الميم وتخفيف الضاد مثل مبقلة ومجزرة أي ذات خضرة.

# { إن الله لطيف } أي متفضل على العباد بإيصال / منافعهم إليهم
~~برفق ومن ذلك إنزال الماء من السماء واخضرار الأرض بسببه { خبير } أي
~~عليم بدقائق الأمور ومنها مقادير مصالح عباده. وقال ابن عباس: لطيف
~~بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط، وقال مقاتل: لطيف باستخراج
~~النبات خبير بكيفية خلقه، وقال الكلبي: لطيف بأفعاله خبير بأعمال عباده،
~~وقال ابن عطية: اللطيف هو المحكم للأمور برفق، ونقل الآمدي أنه العالم
~~بالخفيات، وأنت تعلم ms07006 أنه المعنى المشهور للخبير، وفسره بعضهم بالمخبر ولا
~~يناسب المقام كتفسير اللطيف بما لا تدركه الحاسة.

### || [22.64]

# { له ما في السموات وما في الأرض } خلقا وملكا
~~وتصرفا فاللام للاختصاص التام { وإن الله لهو الغنى }
~~الذي لا يفتقر إلى شيء أصلا { الحميد } الذي حمده بصفاته وأفعاله
~~جميع خلقه قالا أو حالا.

### || [22.65]

# { ألم تر أن الله سخر لكم ما فى الأرض } أي جعل
~~ما فيها من الأشياء مذللة لكم معدة لمنافعكم تتصرفون فيها كيف شئتم،
~~وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر غير مرة من الاهتمام
~~بالمقدم والتشويق إلى المؤخر { والفلك } بالنصب وإسكان اللام. وقرأ
~~ابن مقسم والكسائي عن الحسن بضمها وهو معطوف على { ما } عطف الخاص على
~~العام تنبيها على غرابة تسخيرها وكثرة منافعها. وجوز أن يكون عطفا على
~~الاسم الجليل، وقوله تعالى: { تجرى فى البحر بأمره } على
~~الأول حال منه وعلى الثاني خبر لأن وتكون الواو قد عطفت الاسم على الاسم
~~والخبر على الخبر وهو خلاف الظاهر. وفي «البحر» هو إعراب بعيد عن
~~الفصاحة. وقرأ السلمي والأعرج وطلحة وأبو حيوة والزعفراني { والفلك
~~} بالرفع على الابتداء وما بعده خبره والجملة مستأنفة. وجوز أن تكون
~~حالية، وقيل: يجوز أن يكون الرفع بالعطف على محل { أن } مع اسمها وهو
~~على طرز العطف على الاسم.

# { ويمسك السماء أن تقع على الأرض } أي عن أن تقع عليها
~~فالكلام على حذف حرف الجر و { أن } وما بعدها في تأويل مصدر منصوب أو
~~مجرور على القولين المشهورين في ذلك، وجعل بعضهم ذلك في موضع المفعول
~~لأجله بتقدير كراهة أن تقع عند البصريين، والكوفيون يقدرون لئلا تقع.
~~وقال أبو حيان: الظاهر أن { تقع } في موضع نصب بدل اشتمال من السماء
~~أي ويمنع وقوع السماء على الأرض. ورد بأن الإمساك بمعنى اللزوم يتعدى
~~بالباء وبمعنى الكف بعن وكذا بمعنى الحفظ والبخل كما في «تاج المصادر»
~~وأما بمعنى المنع فهو غير مشهور. وتعقب بأنه ليس بشيء لأنه مشهور مصرح به
~~في «كتب اللغة»، قال الراغب: يقال أمسكت عنه ms07007 كذا أي منعته قال تعالى:

# هل هن ممسكت رحمته

# [الزمر: 38] وكنى عن البخل بالإمساك اه، وصرح به الزمخشري والبيضاوي في
~~تفسير قوله تعالى:

# إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا

# [فاطر: 41] نعم الأظهر هو الإعراب الأول.

# والمراد بإمساكها عن الوقوع على الأرض حفظ تماسكها بقدرته تعالى بعد أن
~~خلقها متماسكة آنا فآنا. وعدم تعلق إرادته سبحانه بوقوعها قطعا قطعا،
~~وقيل إمساكه تعالى إياها عن ذلك بجعلها محيطة لا ثقيلة ولا خفيفة، وهذا
~~مبني على اتحاد السماء والفلك وعلى قول الفلاسفة المشهور / بأن الفلك لا
~~ثقيل ولا خفيف، وبنوا ذلك على زعمهم استحالة قبوله الحركة المستقيمة
~~وفرعوا عليه أنه لا حال ولا بارد ولا رطب ولا يابس، واستدلوا على استحالة
~~قبوله الحركة المستقيمة بما أبطله المتكلمون في «كتبهم». والمعروف من
~~مذهب سلف المسلمين أن السماء غير الفلك وأن لها أطيطا لقوله عليه الصلاة
~~والسلام:

# " أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو
~~ساجد "

# وأنها ثقيلة محفوظة عن الوقوع بمحض إرادته سبحانه وقدرته التي لا
~~يتعاصاها شيء لا لاستمساكها بذاتها. وذكر بعض المتكلمين لنفي ذلك أنها
~~مشاركة في الجسمية لسائر الأجسام القابلة للميل الهابط فتقبله كقبول
~~غيرها وللبحث فيه على زعم الفلاسفة مجال، والتعبير بالمضارع لإفادة
~~الاستمرار التجددي أي يمسكها آنا فآنا من الوقوع.

# { إلا بإذنه } أي بمشيئته، والاستثناء مفرغ من أعم الأسباب، وصح
~~ذلك في الموجب قيل لصحة إرادة العموم أو لكون { يمسك } فيه معنى
~~النفي أي لا يتركها تقع بسبب من الأسباب كمزيد مرور الدهور عليها وكثقلها
~~بما فيها إلا بسبب مشيئته وقوعها، وقيل: استثناء من أعم الأحوال أي لا
~~يتركها تقع في حال من الأحوال إلا في كونها ملتبسة بمشيئته تعالى ولعل ما
~~ذكرناه أظهر. وفي «البحر» أن الجار والمجرور متعلق بتقع، وقال ابن عطية:
~~يحتمل أن يتعلق بيمسك لأن الكلام يقتضي بغير عمد ونحوه فكأنه أراد إلا
~~بإذنه فبه يمسكها ولو كان كما قال لكان التركيب بدون إلا انتهى، ولعمري
~~إن ms07008 ما قاله ابن عطية لا يقوله من له أدنى روية كما لا يخفى، ثم إنه لا
~~دلالة في الآية على وقوع الإذن بالوقوع، وقيل فيها إشارة إلى الوقوع وذلك
~~يوم القيامة فإن السماء فيه تتشقق وتقع على الأرض، وأنا ليس في ذهني من
~~الآيات أو الأخبار ما هو صريح في وقوع السماء على الأرض في ذلك اليوم
~~وإنما هي صريحة في المور والانشقاق والطي والتبدل وكل ذلك لا يدل على
~~الوقوع على الأرض فضلا عن أن يكون صريحا فيه.

# والظاهر أن المراد بالسماء جنسها الشامل للسموات السبع، ويؤيده ما
~~أخرجه الطبراني عن ابن عباس قال: إذا أتيت سلطانا مهيبا تخاف أن يسطو
~~بك فقل: الله أكبر الله أكبر من خلقه جميعا الله أكبر مما أخاف وأحذر
~~أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو الممسك السموات السبع أن يقعن على الأرض
~~إلا بإذنه من شر عبدك فلان وجنوده وأتباعه وأشياعه من الجن والإنس إلهي
~~كن لي جارا من شرهم جل ثناؤك وعز جارك وتبارك اسمك لا إله غيرك ثلاث
~~مرات.

# والظاهر أيضا أن مساق الآية للامتنان لا للوعيد كما جوزه بعضهم، ويؤيد
~~ذلك قوله تعالى: { إن الله بالناس لرءوف رحيم } حيث سخر
~~لهم ما سخر ومن عليهم بالأمن مما يحول بينهم وبين الانتفاع به من وقوع
~~السماء على الأرض، وقيل حيث هيأ لهم أسباب معايشهم وفتح عليهم أبواب
~~المنافع وأوضح لهم مناهج الاستدلال بالآيات التكوينية والتنزيلية، وجعل
~~الجملة تعليلية لما في ضمن { ألم تر أن الله سخر } الخ
~~أظهر فيما قلنا، والرأفة قيل ما تقتضي درء المضار، والرحمة قيل ما تقتضي
~~جلب المصالح، ولكون درء المضرة أهم من جلب المصلحة قدم رؤوف على رحيم،
~~وفي كل مما امتن به سبحانه درء وجلب، نعم قيل إمساك السماء عن الوقوع
~~أظهر في الدرء ولتأخيره وجه لا يخفى، وقال بعضهم: الرأفة أبلغ من الرحمة
~~وتقديم { رؤف } للفاصلة. وذهب جمع إلى أن الرحمة أعم ولعله الظاهر،
~~وتقديم { بالناس } للاهتمام وقيل للفاصلة والفصل بين الموضعين مما ms07009 لا
~~يستحسن.

### || [22.66]

# { وهو الذى أحياكم } بعد أن كنتم جمادا عناصر ونطفا حسبما
~~فصل في مطلع / السورة الكريمة { ثم يميتكم } عند مجيء آجالكم {
~~ثم يحييكم } عند البعث { إن الإنسن لكفور } أي جحود
~~بالنعم مع ظهورها وهذا وصف للجنس بوصف بعض أفراده، وقيل المراد بالإنسان
~~الكافر وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد، وعن ابن عباس أيضا أنه قال: هو
~~الأسود بن عبد الأسد وأبو جهل وأبي بن خلف ولعل ذلك على طريق التمثيل.

### || [22.67]

# { لكل أمة } كلام مستأنف جيء به لزجر معاصريه عليه الصلاة
~~والسلام من أهل الأديان السماوية عن منازعته عليه الصلاة والسلام ببيان
~~حال ما تمسكوا به من الشرائع وإظهار خطئهم في النظر أي لكل أمة معينة من
~~الأمم الخالية والباقية { جعلنا } وضعنا وعينا { منسكا } أي
~~شريعة خاصة، وتقديم الجار والمجرور على الفعل للقصر لا لأمة أخرى منهم،
~~والكلام نظير قولك لكل من فاطمة وزينب وهند وحفصة أعطيت ثوبا خاصا إذا
~~كنت أعطيت فاطمة ثوبا أحمر وزينب ثوبا أصفر وهندا ثوبا أسود وحفصة
~~ثوبا أبيض فإنه بمعنى لفاطمة أعطيت ثوبا أحمر لا لأخرى من أخواتها
~~ولزينب أعطيت ثوبا أصفر لا لأخرى منهن وهكذا، وحاصل المعنى هنا عينا كل
~~شريعة لأمة معينة من الأمم بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها
~~إلى شريعة أخرى لا استقلالا ولا اشتراكا.

# وقوله تعالى: { هم ناسكوه } صفة لمنسكا مؤكدة للقصر، والضمير لكل
~~أمة باعتبار خصوصها أي تلك الأمة المعينة ناسكون به وعاملون لا أمة أخرى؛
~~فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام منسكهم ما في
~~التوراة هم عاملون به لا غيرهم والتي كانت من مبعث عيسى عليه السلام إلى
~~مبعث نبينا صلى الله عليه وسلم منسكهم ما في الإنجيل هم عاملون به لا
~~غيرهم، وأما الأمة الموجودة عند مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ومن
~~بعدهم من الموجودين إلى يوم القيامة فهم أمة واحدة منسكهم ما في القرآن
~~ليس إلا.

# والفاء في قوله سبحانه: { فلا ينزعنك فى الأمر } أي ms07010 أمر
~~الدين لترتيب النهي على ما قبلها فإن تعيينه تعالى لكل أمة من الأمم التي
~~من جملتها أمته عليه الصلاة والسلام شريعة مستقلة بحيث لا تتخطى أمة منهم
~~ما عين لها موجب لطاعة هؤلاء له صلى الله عليه وسلم وعدم منازعتهم إياه
~~في أمر الدين زعما منهم أن شريعتهم ما عين لآبائهم مما في التوراة
~~والإنجيل فإن ذلك شريعة لمن مضى قبل انتساخه وهؤلاء أمة مستقلة شريعتهم
~~ما في القرآن فحسب، والظاهر أن المراد نهيهم حقيقة عن النزاع في ذلك.
~~واختار بعضهم كونه كناية عن نهيه صلى الله عليه وسلم عن الالتفات إلى
~~نزاعهم المبني على زعمهم المذكور لأنه أنسب بقوله تعالى الآتي { وادع
~~} الخ، وأمر الأنسبية عليه ظاهر إلا أنه في نفسه خلاف الظاهر، وقال
~~الزجاج: هو نهي له عليه الصلاة والسلام عن منازعتهم كما تقول: لا يضاربنك
~~زيد أي لا تضاربنه وذلك بطريق الكناية، وهذا إنما يجوز على ما قيل وبحث
~~فيه في باب المفاعلة للتلازم فلا يجوز في مثل لا يضربنك زيد أن تريد لا
~~تضربنه.

# وتعقب بأنه لا يساعده المقام.

# وقرىء { فلا ينزعنك } بالنون الخفيفة. وقرأ أبو مجلز ولاحق
~~بن حميد { فلا ينزعنك } بكسر الزاي على أنه من النزع بمعنى
~~الجذب كما في «البحر»، والمعنى كما قال ابن جني فلا يستخفنك عن دينك إلى
~~أديانهم فتكون بصورة المنزوع عن شيء إلى غيره. وفي «الكشاف» أن المعنى
~~اثبت في دينك ثباتا لا يطمعون أن يجذبوك ليزيلوك عنه، والمراد زيادة /
~~التثبيت له عليه الصلاة والسلام بما يهيج حميته ويلهب غضبه لله تعالى
~~ولدينه ومثله كثير في القرآن. وقال الزجاج: هو من نازعته فنزعته أنزعه أي
~~غلبته، فالمعنى لا يغلبنك في المنازعة والمراد بها منازعة الجدال يعني أن
~~ذلك من باب المغالبة، لكن أنت تعلم أنها عند الجمهور تقال في كل فعل
~~فاعلته ففعلته أفعله بضم العين ولا تكسر إلا شذوذا، وزعم الكسائي ورده
~~العلماء أن ما كان عينه أو لامه حرف حلق لا يضم بل يترك على ما ms07011 كان عليه
~~فيكون ما هنا على توجيه الزجاج شاذا عند الجمهور. وقال سيبويه: كما في
~~«المفصل»: وليس في كل شيء يكون هذا أي باب المغالبة ألا ترى أنك تقول:
~~نازعني فنزعته استغنى عنه بغلبته، ثم إن المراد من لا يغلبنك في المنازعة
~~لا تقصر في منازعتهم حتى يغلبوك فيها، وفيه مبالغة في التثبيت فليس هناك
~~نهى له صلى الله عليه وسلم عن فعل غيره.

# هذا وما ذكرنا من تفسير المنسك بالشريعة هو رواية عطاء عن ابن عباس
~~واختاره القفال، وقال الإمام: هو الأقرب، وقيل: هو مصدر بمعنى النسك أي
~~العبادة، قال ابن عطية: يعطي ذلك { هم ناسكوه } وقيل: هو اسم زمان،
~~وقيل: اسم مكان، وكان الظاهر ناسكون فيه إلا أنه اتسع في ذلك، وقال
~~مجاهد: هو الذبح. وأخرج ذلك الحاكم وصححه والبيهقي في «الشعب» عن علي بن
~~الحسن رضي الله تعالى عنهما؛ وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما وعبد بن حميد عن عكرمة، وجعل ضمير { ينزعنك } للمشركين.

# والأمر المتنازع فيه أمر الذبائح لما ذكر من أن الآية نزلت بسبب قول
~~الخزاعيين بديل بن ورقاء وبشر بن سفيان ويزيد بن خنيس للمؤمنين ما لكم
~~تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله تعالى. ومنهم من اقتصر على جعل
~~محل النزاع أمر النسائك وجعله عبارة عن قول الخزاعيين المذكور. وتعقبه
~~شيخ الإسلام بأنه مما لا سبيل إليه أصلا كيف لا وأنه يستدعي أن يكون أكل
~~الميتة وسائر ما يدين به المشركون من الأباطيل من المناسك التي جعلها
~~الله تعالى لبعض الأمم ولا يرتاب في بطلانه عاقل. وأجيب بأن المعنى عليه
~~لا ينازعنك المشركون في أمر النسائك فإنه لكل أمة شريعة شرعناها وأعلمناك
~~بها فكيف ينازعون بما ليس له عين ولا أثر فيها، وقيل: المعنى عليه لا
~~تلتفت إلى نزاع المشركين في أمر الذبائح فإنا جعلنا لكل أمة من أهل
~~الأديان ذبحا هم ذابحوه.

# وحاصله لا تلتفت إلى ذلك فإن الذبح شرع قديم للأمم غير مختص بأمتك وهذا
~~مما ms07012 لا شك في صحته، ومن قال بصحة الآثار وعض عليها بالنواجذ لا يكاد يجد
~~أولى منه في بيان حاصل الآية على ما تقتضيه، ومن لم يكن كذلك ورأى أن
~~الآية متى احتملت معنى جزلا لا محذور فيه قيل به وإن لم يذكره أحد من
~~السلف فعليه بما ذكرناه أولا في تفسير الآية.

# وأيا ما كان فالظاهر أنه إنما لم تعطف هذه الجملة كما عطف قوله تعالى:

# ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا

# [الحج: 34] الخ لضعف الجامع بينها وبين ما تقدمها من الآيات بخلاف ذلك.
~~وفي «الكشف» بيانا لكلام «الكشاف» في توجيه العطف هناك وتركه هنا أن
~~الجامع هناك قوي مقتض للعطف فإن قوله تعالى:

# لكم فيها

# [الحج: 33] أي في الشعائر منافع دينية ودنيوية كوجوب نحرها منتهية إلى
~~البيت العتيق كالإعادة لما في قوله تعالى:

# ليشهدوا منفع لهم ويذكروا اسم الله فى
~~أيام معلومت

# [الحج: 28] إلا أن فيه تخصيصا بالمخاطبين فعطف عليه

# ولكل أمة جعلنا منسكا

# [الحج: 34] للذكر لتتم الإعادة، والغرض من هذا الأسلوب أن يبين أنه شرع
~~قديم وأنه / لم يزل متضمنا لمنافع جليلة في الدارين، وأما فيما نحن فيه
~~فأين حديث النسائك من حديث تعداد الآيات والنعم الدالة على كمال العلم
~~والقدرة والحكمة والرحمة، ولعمري إن شرعية النسائك لكل أمة وإن كانت من
~~الرحمة والنعمة لكن النظر إلى المجانسة بين النعم وما سيق له الكلام
~~فالحالة مقتضية للقطع، وذكره ههنا لهذه المناسبة على نحو خفي ضيق اه،
~~وهو حسن وظاهره تفسير النسك بالذبح.

# وذكر الطيبي أن ما تقدم عطف على قوله تعالى:

# ومن يعظم شعئر الله

# [الحج: 32] الخ وهو من تتمة الكلام مع المؤمنين أي الأمر ذلك والمطلوب
~~تعظيم شعائر الله تعالى وليس هذا مما يختص بكم إذ كل أمة مخصوصة بنسك
~~وعبادة. وهذه الآية مقدمة نهي النبي صلى الله عليه وسلم عما يوجب نزاع
~~القوم تسلية له وتعظيم لأمره حيث جعل أمره منسكا ودينا يعني شأنك وشأن
~~أمثالك من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ترك المنازعة مع الجهال
~~وتمكينهم من ms07013 المناظرة المؤدية إلى النزاع وملازمة الدعوة إلى التوحيد أو
~~لكل أمة من الأمم الخالية المعاندة جعلنا طريقا ودينا هم ناسكوه فلا
~~ينازعنك هؤلاء المجادلة. سمى دأبهم نسكا لإيجابهم ذلك على أنفسهم
~~واستمرارهم عليه تهكما بهم ومسلاة لرسوله صلى الله عليه وسلم مما كان
~~يلقى منهم، وأما اتصاله بما سبق من الآيات فإن قوله تعالى:

# ولا يزال الذين كفروا فى مرية منه

# [الحج: 55] يوجب القلع عن إنذار القوم والإياس منهم ومتاركتهم والآيات
~~المتخللة كالتأكيد لمعنى التسلية فجيء بقوله تعالى: { لكل أمة
~~جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينزعنك } تحريضا له
~~عليه الصلاة والسلام على التأسي بالأنبياء السالفة في متاركة القوم
~~والإمساك عن مجادلتهم بعد الإياس من إيمانهم وينصره قوله تعالى:

# الله يحكم بينكم يوم القيمة

# [الحج: 69] فالربط على طريقة الاستئناف وهو أقوى من الربط اللفظي. والذي
~~يدور عليه قطب هذه السورة الكريمة الكلام في مجادلة القوم ومعانديهم
~~والنعي عليهم بشدة شكيمتهم ألا ترى كيف افتتحها بقوله سبحانه:

# ومن الناس من يجدل فى الله

# [الحج: 3] وكررها وجعلها أصلا للمعنى المهتم به وكلما شرع في أمر كر
~~إليه تثبيتا لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم ومسلاة لصدره الشريف عليه
~~الصلاة والسلام فلا يقال: إن هذه الآية واقعة مع أباعد عن معناها انتهى،
~~ولعمري إنه أبعد عن ربوع التحقيق وفسر الآية الكريمة بما لا يليق. وقد
~~تعقب في «الكشف» اتصاله بما ذكر بأنه لا وجه له فقد تخلل ما لا يصلح
~~لتأكيد معنى التسلية المذكورة أعني قوله تعالى:

# ومن عاقب

# [الحج: 60] الآيات لا سيما على ما آثره من جعلها في المقاتلين في الشهر
~~الحرام ولو سلم فلا مدخل للاستئناف وهو تمهيد لما بعده أعني قوله تعالى:
~~{ فلا ينزعنك } الخ، وأما قوله والذي يدور عليه الخ فهو مسلم
~~وهو عليه لا له فتأمل والله تعالى الموفق للصواب.

# { وادع } أي وادع هؤلاء المنازعين أو الناس كافة على أنهم داخلون
~~فيهم دخولا أوليا { إلى ربك } إلى توحيده وعبادته حسبما بين في
~~منسكهم وشريعتهم { إنك لعلى هدى } أي طريق ms07014 موصل إلى الحق ففيه
~~استعارة مكنية وتخييليتها على، وقوله تعالى: { مستقيم } أي سوي أو
~~أحدهما تخييل والآخر ترشيح، ثم المراد بهذا الطريق إما الدين والشريعة أو
~~أدلتها، والجملة استئناف في موضوع التعليل.

### || [22.68]

# { وإن جدلوك } في أمر الدين وقد ظهر الحق ولزمت الحجة { فقل
~~} لهم على سبيل الوعيد / { الله أعلم بما تعملون } من
~~الأباطيل التي من جملتها المجادلة فمجازيكم عليها، وهذا إن أريد به
~~الموادعة كما جزم به أبو حيان فهو منسوخ بآية القتال.

### || [22.69]

# { الله يحكم بينكم } تسلية له صلى الله عليه وسلم؛ والخطاب
~~عام للفريقين المؤمنين والكافرين وليس مخصوصا بالكافرين كالذي قبله ولا
~~داخلا في حيز القول، وجوز أن يكون داخلا فيه على التغليب أي الله يفصل
~~بين المؤمنين منكم والكافرين { يوم القيمة } بالثواب والعقاب
~~كما فصل في الدنيا بثبوت حجج المحق دون المبطل { فيما كنتم فيه
~~تختلفون } أي من أمر الدين، وقيل الجدال والاختلاف في أمر الذبائح،
~~ومعنى الاختلاف ذهاب كل إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر.

### || [22.70]

# { ألم تعلم } استئناف مقرر لمضمون ما قبله، والاستفهام للتقرير
~~أي قد علمت { أن الله يعلم ما فى السماء والأرض } فلا
~~يخفى عليه شيء من الأشياء التي من جملتها أقوال الكفرة وأعمالهم { إن
~~ذلك } أي ما في السماء والأرض { فى كتب } هو كما روي عن ابن
~~عباس اللوح المحفوظ، وذكر رضي الله تعالى عنه أن طوله مسيرة مائة عام
~~وأنه كتب فيه ما هو كائن في علم الله تعالى إلى يوم القيامة، وأنكر ذلك
~~أبو مسلم وقال: المراد من الكتاب الحفظ والضبط أي أن ذلك محفوظ عنده
~~تعالى، والجمهور على خلافه، والمراد من الآية أيضا تسليته عليه الصلاة
~~والسلام كأنه قيل: إن الله يعلم الخ فلا يهمنك أمرهم مع علمنا به وحفظنا
~~له { إن ذلك } أي ما ذكر من العلم والإحاطة بما في السماء والأرض
~~وكتبه في اللوح والحكم بينكم، وقيل { ذلك } إشارة إلى الحكم فقط، وقيل
~~إلى العلم فقط، وقيل إلى كتب ذلك في اللوح، ولعل كونه إشارة إلى ms07015 الثلاثة
~~بتأويل ما ذكر أولى { على الله يسير } فإن علمه وقدرته جل جلاله
~~مقتضى ذاته فلا يخفى عليه شيء ولا يعسر عليه مقدور، وتقديم الجار
~~والمجرور لمناسبة رؤوس الآي أو للقصر أي يسير عليه جل وعلا لا على غيره.

### || [22.71]

# { ويعبدون من دون الله } حكاية لبعض أباطيل المشركين
~~وأحوالهم الدالة على كمال سخافة عقولهم وركاكة آرائهم وهي بناء أمرهم على
~~غير مبنى دليل سمعي أو عقلي وإعراضهم عما ألقي إليهم من سلطان بين هو
~~أساس الدين أي يعبدون متجاوزين عبادة الله تعالى { ما لم ينزل
~~به } أي بجواز عبادته { سلطنا } أي حجة، والتنكير للتقليل، وهذا
~~إشارة إلى الدليل السمعي الحاصل من جهة الوحي.

# وقوله سبحانه: { وما ليس لهم به علم } إشارة إلى الدليل
~~العقلي أي ما ليس لهم بجواز عبادته علم من ضرورة العقل أو استدلاله،
~~والحاصل يعبدون من دون الله ما لا دليل من جهة السمع ولا من جهة العقل
~~على جواز عبادته، وتقديم الدليل السمعي لأن الاستناد في أكثر العبادات
~~إليه مع أن التمسك به في هذا المقام أرجى في الخلاص إن حصل لوم من التمسك
~~بالدليل العقلي، وإن شككت فارجع إلى نفسك فيما إذا لامك شخص على فعل فإنك
~~تجدها مائلة إلى الجواب بأني فعلت كذا لأنك أخبرتني برضاك بأن أفعله أكثر
~~من ميلها إلى الجواب بأني فعلته لقيام الدليل العقلي وهو كذا على رضاك به
~~وإنكار ذلك مكابرة، وقد يقال: إنما قدم هنا ما يشير إلى الدليل السمعي
~~لأنه إشارة إلى دليل سمعي يدل على جواز تلك العبادة منزل من جهته تعالى
~~غير مقيد بقيد بخلاف ما يشير إلى الدليل العقلي فإن فيه إشارة إلى دليل
~~عقلي خاص بهم، وحاصله أن التقديم والتأخير للإطلاق / والتقييد وإن لم
~~يكونا لشيء واحد فافهم.

# وقال العلامة الطيبي: في اختصاص الدليل السمعي بالسلطان والتنزيل
~~ومقابله بالعلم دليل واضح على أن الدليل السمعي هو الحجة القاطعة وله
~~القهر والغلبة وعند ظهوره تضمحل الآراء وتتلاشى الأقيسة ومن عكس ضل
~~الطريق وحرم التوفيق ms07016 وبقي متزلزلا في ورطات الشبه؛ وإن شئت فانظر إلى
~~التنكير في { سلطنا. وعلم } وقسهما على قول الشاعر:

# له حاجب في كل أمر يشينه

# وليس له عن طالب العرف حاجب

# لتعلم الفرق إلى آخر ما قال، ومنه يعلم وجه للتقديم واحتمال آخر في
~~تنوين { سلطنا } غير ما قدمنا، وظاهره أن الدليل السمعي يفيد
~~اليقين مطلقا وأنه مقدم على الدليل العقلي، ومذهب المعتزلة وجمهور
~~الأشاعرة أنه لا يفيد اليقين مطلقا لتوقف ذلك على أمور كلها ظنية فتكون
~~دلالته أيضا ظنية لأن الفرع لا يزيد على الأصل في القوة، والحق أنه قد
~~يفيد اليقين في الشرعيات دون العقليات بقرائن مشاهدة أو متواترة تدل على
~~انتفاء الاحتمالات.

# وذكر الفاضل الرومي في «حواشيه على شرح المواقف» بعد بحث أن الحق أنه قد
~~يفيد اليقين في العقليات أيضا وأما أنه مقدم على الدليل العقلي فالذي
~~عليه علماؤنا خلافه، وأنه متى عارض الدليل العقلي الدليل السمعي وجب
~~تأويل الدليل السمعي إلى ما لا يعارضه الدليل العقلي إذ لا يمكن العمل
~~بهما ولا بنقيضهما، وتقديم السمع على العقل إبطال للأصل بالفرع وفيه
~~إبطال الفرع وإذا أدى إثبات الشيء إلى إبطاله كان مناقضا لنفسه وكان
~~باطلا لكن ظاهر كلام محي الدين بن العربي قدس سره في مواضع من
~~«فتوحاته» القول بأنه مقدم، ومن ذلك قوله في الباب الثلاثمائة والثمانية
~~والخمسين من أبيات:

# كل علم يشهد الشرع له

# هو علم فبه فلتعتصم

# وإذا خالفه العقل فقل

# طورك الزم ما لكم فيه قدم

# وقوله في الباب الأربعمائة والاثنين والسبعين:

# على السمع عولنا فكنا أولي النهي

# ولا علم فيما لا يكون عن السمع

# إلى غير ذلك وهو كأكثر كلامه من وراء طور العقل.

# { وما للظلمين } أي وما لهم إلا أنه عدل إلى الظاهر تسجيلا
~~عليهم بالظلم مع تعليل الحكم به، وجوز أن لا يكون هناك عدول، والمراد ما
~~يعمهم وغيرهم ودخولهم أولى، و { من } في قوله تعالى: { من نصير }
~~سيف خطيب، والمراد نفي أن يكون لهم بسبب ظلمهم من يساعدهم في الدنيا ms07017
~~بنصرة مذهبهم وتقرير رأيهم ودفع ما يخالفه وفي الآخرة بدفع العذاب عنهم.

### || [22.72]

# { وإذا تتلى عليهم ءايتنا } عطف على

# يعبدون

# [الحج: 71] وما بينهما اعتراض، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار
~~التجددي، وقوله تعالى: { بينت } حال من الآيات أي واضحات الدلالة
~~على العقائد الحقة والأحكام الصادقة أو على بطلان ما هم عليه من عبادة
~~غير الله تعالى. { تعرف فى وجوه الذين كفروا } أي في
~~وجوههم، والعدول على نحو ما تقدم، والخطاب إما لسيد المخاطبين صلى الله
~~عليه وسلم أو لمن يصح أن يعرف كائنا من كان { المنكر } أي الإنكار
~~على أنه مصدر ميمي، والمراد علامة الإنكار أو الأمر المستقبح من التجهم
~~والبسور والهيئات الدالة على ما يقصدونه وهو الأنسب بقوله تعالى: {
~~يكدون يسطون بالذين يتلون عليهم ءايتنا } /
~~أي يثبون ويبطشون بهم من فرط الغيظ والغضب لأباطيل أخذوها تقليدا، ولا
~~يخفى ما في ذلك من الجهالة العظيمة، وكان المراد أنهم طول دهرهم يقاربون
~~ذلك وإلا فقد سطوا في بعض الأوقات ببعض الصحابة التالين كما في «البحر»،
~~والجملة في موقع الحال من المضاف إليه، وجوز أن يكون من { الوجوه } على
~~أن المراد بها أصحابها وليس بالوجه. وقرأ عيسى بن عمر { يعرف }
~~بالبناء للمفعول { المنكر } بالرفع.

# { قل } على وجه الوعيد والتقريع { أفأنبئكم } أي أخاطبكم أو
~~أتسمعون فأخبركم { بشر من ذلكم } الذي فيكم من غيظكم على التالين
~~وسطوكم عليهم أو مما أصابكم من الضجر بسبب ما تلي عليكم { النار } أي
~~هو أو هي النار على أنه خبر مبتدأ محذوف والجملة جواب لسؤال مقدر كأنه
~~قيل: ما هو؟ وقيل هو مبتدأ خبره قوله تعالى: { وعدها الله
~~الذين كفروا } وهو على الوجه الأول جملة مستأنفة، وجوز أن يكون
~~خبرا بعد خبر. وقرأ ابن أبي عبلة وإبراهيم بن يوسف عن الأعشى وزيد بن
~~علي رضي الله تعالى عنهما { النار } بالنصب على الاختصاص، وجملة {
~~وعدها } الخ مستأنفة أو حال من { النار } بتقدير قد أو بدونه على
~~الخلاف، ولم يجوزوا في قراءة الرفع الحالية على الإعراب الأول إذ ليس في
~~الجملة ms07018 ما يصح عمله في الحال. وجوز في النصب أن يكون من باب الاشتغال
~~وتكون الجملة حينئذ مفسرة. وقرأ ابن أبي إسحاق وإبراهيم بن نوح عن
~~قتيبة { النار } بالجر على الإبدال من { شر } ، وفي الجملة احتمالا
~~الاستئناف والحالية، والظاهر معنى أن يكون الضمير في { وعدها } هو
~~المفعول الثاني والأول الموصول أي وعد الذين كفروا إياها، والظاهر لفظا
~~أن يكون المفعول الأول والثاني الموصول كأن النار وعدت بالكفار لتأكلهم {
~~وبئس المصير } النار.

### || [22.73]

# { يأيها الناس ضرب مثل } أي بين لكم حال مستغربة أو قصة
~~بديعة رائقة، حقيقة بأن تسمى مثلا وتسير في الأمصار والأعصار، وعبر عن
~~بيان ذلك بلفظ الماضي لتحقق الوقوع، ومعنى المثل في الأصل المثل ثم خص
~~بما شبه بمورده من الكلام فصار حقيقة ثم استعير لما ذكر، وقيل المثل على
~~حقيقته و { ضرب } بمعنى جعل أي جعل لله سبحانه شبه في استحقاق العبادة
~~وحكي ذلك عن الأخفش، والكلام متصل بقوله تعالى:

# ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطنا

# [الحج: 71] { فاستمعوا له } أي للمثل نفسه استماع تدبر وتفكر أو
~~لأجله ما أقول فقوله تعالى: { إن الذين تدعون من دون
~~الله } إلى آخره بيان للمثل وتفسير له على الأول وتعليل لبطلان جعلهم
~~معبوداتهم الباطلة مثلا لله تعالى شأنه في استحقاق العبادة على الثاني،
~~ومنهم من جعله على ما ذكرنا وعلى ما حكي عن الأخفش تفسيرا أما على الأول
~~فللمثل نفسه بمعناه المجازي وأما على الثاني فلحال المثل بمعناه الحقيقي،
~~فإن المعنى جعل الكفار لله مثلا فاستمعوا لحاله وما يقال فيه، والحق
~~الذي لا ينكره إلا مكابر أن تفسير الآية بما حكي فيه عدول عن المتبادر.
~~والظاهر أن الخطاب في { أيها الناس } لجميع المكلفين لكن الخطاب
~~في { تدعون } للكفار. واستظهر بعضهم كون الخطاب في الموضعين للكفار
~~والدليل على خصوص الأول الثاني، وقيل هو في الأول للمؤمنين ناداهم سبحانه
~~ليبين لهم خطأ الكافرين، وقيل هو في الموضعين عام وأنه في الثاني كما في
~~قولك: أنتم يا بني تميم / قتلتم فلانا وفيه ms07019 بحث. وقرأ الحسن ويعقوب
~~وهرون والخفاف ومحبوب عن أبي عمرو { يدعون } بالياء التحتية
~~مبنيا للفاعل كما في قراءة الجمهور. وقرأ اليماني وموسى الأسواري {
~~يدعون } بالياء من تحت أيضا مبنيا للمفعول، والراجع للموصول على
~~القراءتين السابقتين محذوف.

# { لن يخلقوا ذبابا } أي لا يقدرون على خلقه مع صغره وحقارته،
~~ويدل على أن المراد نفي القدرة السباق مع قوله تعالى: { ولو
~~اجتمعوا له } أي لخلقه فإن العرف قاض بأنه لا يقال: لن يحمل
~~الزيدون كذا ولو اجتمعوا لحمله إلا إذا أريد نفي القدرة على الحمل، وقيل
~~جاء ذلك من النفي بلن فإنها مفيدة لنفي مؤكد فتدل على منافاة بين المنفي
~~وهو الخلق والمنفي عنه وهو المعبودات الباطلة فتفيد عدم قدرتها عليه،
~~والظاهر أن هذا لا يستغني عن معونة المقام أيضا، وأنت تعلم أن في إفادة
~~(لن) النفي المؤكد خلافا؛ فذهب الزمخشري إلى إفادتها ذلك وأن تأكيد
~~النفي هنا للدلالة على أن خلق الذباب منهم مستحيل وقال في «أنموذجه»
~~بإفادتها التأبيد. وذهب الجمهور وقال أبو حيان: هو الصحيح إلى عدم
~~إفادتها ذلك وهي عندهم أخت لا لنفي المستقبل عند الإطلاق بدون دلالة على
~~تأكيد أو تأبيد وأنه إذا فهم فهو من خارج وبواسطة القرائن وقد يفهم كذلك
~~مع كون النفي بلا فلو قيل هنا لا يخلقون ذبابا ولو اجتمعوا له لفهم ذلك،
~~ويقولون في كل ما يستدل به الزمخشري لمدعاه: إن الإفادة فيه من خارج ولا
~~يسلمون أنها منها ولن يستطيع إثباته أبدا.

# والانتصار له بأن سيفعل في قوة مطلقة عامة ولن يفعل نقيضه فيكون في قوة
~~الدائمة المطلقة ولا يتأتى ذلك إلا بإفادة لن التأبيد ليس بشيء أصلا كما
~~لا يخفى، وكأن الذي أوقع الزمخشري في الغفلة فقال ما قال اعتمادا على ما
~~لا ينتهض دليلا شدة التعصب لمذهبه الباطل واعتقاده العاطل نسأل الله
~~تعالى أن يحفظنا من الخذلان.

# والذباب اسم جنس ويجمع على أذبة وذبان بكسر الذال فيهما وحكى في «البحر»
~~ضمها في ذبان أيضا، وهو مأخوذ من الذب أي الطرد والدفع ms07020 أو من الذب بمعنى
~~الاختلاف أي الذهاب والعود وهو أنسب بحال الذباب لما فيه من الاختلاف حتى
~~قيل: إنه منحوت من ذب آب أي طرد فرجع، وجواب { لو } محذوف لدلالة ما
~~قبله عليه، والجملة معطوفة على شرطية أخرى محذوفة ثقة بدلالة هذه عليها
~~أي لو لم يجتمعوا له ويتعاونوا عليه لن يخلقوه ولو اجتمعوا له وتعاونوا
~~عليه لن يخلقوا وهما في موضع الحال كأنه قيل: لن يخلقوا ذبابا على كل
~~حال. وقال بعضهم: الواو للحال { ولوا اجتمعوا له } بجوابه
~~حال، وقال آخرون: إن { لو } هنا لا تحتاج إلى جواب لأنها انسلخت عن
~~معنى الشرطية وتمحضت للدلالة على الفرض والتقدير، والمعنى لن يخلقوا
~~ذبابا مفروضا اجتماعهم.

# { وإن يسلبهم الذباب شيئا } بيان لعجزهم عن أمر آخر دون
~~الخلق أي وإن يأخذ الذباب منها شيئا { لا يستنقذوه منه } أي
~~لا يقدروا على استنقاذه منه مع غاية ضعفه. والظاهر أن استنقذ بمعنى نقذ،
~~وفي الآية من تجهيلهم في إشراكهم بالله تعالى القادر على جميع الممكنات
~~المتفرد بإيجاد كافة الموجودات عجزة لا تقدر على خلق أقل الأحياء وأذلها
~~ولو اجتمعوا له ولا على استنقاذ / ما يختطفه منهم ما لا يخفى. والآية وإن
~~كانت نازلة في الأصنام فقد كانوا كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما يطلونها بالزعفران ورؤسها بالعسل ويغلقون عليها فيدخل الذباب من
~~الكوى فيأكله، وقيل: كانوا يضمخونها بأنواع الطيب فكان الذباب يذهب بذلك
~~إلا أن الحكم عام لسائر المعبودات الباطلة.

# { ضعف الطالب والمطلوب } تذييل لما قبل اختبار أو تعجب
~~والطالب عابد غير الله تعالى والمطلوب الآلهة كما روي عن السدي والضحاك،
~~وكون عابد ذلك طالبا لدعائه إياه واعتقاده نفعه، وضعفه لطلبه النفع من
~~غير جهته، وكون الآخر مطلوبا ظاهرا كضعفه، وقيل الطالب الذباب يطلب ما
~~يسلبه عن الآلهة والمطلوب الآلهة على معنى المطلوب منه ما يسلب.

# وروى ابن مردويه وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما، واختاره الزمخشري أن الطالب الأصنام والمطلوب الذباب، وفي هذا
~~التذييل حينئذ ms07021 إيهام التسوية وتحقيق أن الطالب أضعف لأنه قدم عليه أن هذا
~~الخلق الأقل هو السالب وذلك طالب خاب عن طلبته ولما جعل السلب المسلوب
~~لهم وأجراهم مجرى العقلاء أثبت لهم طلبا ولما بين أنهم أضعف من أذل
~~الحيوانات نبه به على مكان التهكم بذلك. ومن الناس من اختار الأول لأنه
~~أنسب بالسياق إذ هو لتجهيلهم وتحقير ءالهتهم فناسب إرادتهم وآلهتهم من
~~هذا التذييل.

### || [22.74]

# { ما قدروا الله حق قدره } قال الحسن والفراء: أي ما
~~عظموه سبحانه حق تعظيمه فإن تعظيمه تعالى حق تعظيمه أن يوصف بما وصف به
~~نفسه ويعبد كما أمر أن يعبد وهؤلاء لم يفعلوا ذلك فإنهم عبدوا من دونه من
~~لا يصلح للعبادة أصلا وفي ذلك وصفه سبحانه بما نزه عنه سبحانه من ثبوت
~~شريك له عز وجل. وقال الأخفش: أي ما عرفوه حق معرفته فإن معرفته تعالى حق
~~معرفته التصديق به سبحانه موصوفا بما وصف به نفسه وهؤلاء لم يصدقوا به
~~كذلك لشركهم به وعبادتهم من دونه من سمعت حاله، وقيل: حق المعرفة أن يعرف
~~سبحانه بكنهه وهذا هو المراد في قوله عليه الصلاة والسلام:

# " سبحانك ما عرفناك حق معرفتك "

# وأنت تعلم أن الظاهر أن قوله تعالى: { ما قدروا } الخ إخبار عن
~~المشركين وذم لهم ومتى كان المراد منه نفي المعرفة بالكنه كان الأمر
~~مشتركا بينهم وبين الموحدين فإن المعرفة بالكنه لم تقع لأحد من الموحدين
~~أيضا عند المحققين ويشير إلى ذلك الخبر المذكور لدلالته على عدم حصولها
~~لأكمل الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام وإذا لم تحصل له صلى الله
~~عليه وسلم فعدم حصولها لغيره بالطريق الأولى، واحتمال حمل المعرفة
~~المنفية فيه على اكتناه الصفات لا يخفى حاله، وكذا احتمال حصول المعرفة
~~بالكنه له عليه الصلاة والسلام بعد الإخبار المذكور، وقوله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " تفكروا في آلاء الله تعالى ولا تفكروا في ذاته فإنكم لن تقدروا قدره "

# والظاهر عموم الحكم دون اختصاصه بالمخاطبين إذ ذاك.

# وقول الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه: العجز عن درك ms07022 الإدراك إدراك،
~~وقول علي كرم الله تعالى وجهه متما له بيتا: والبحث عن سر ذات الله
~~إشراك بل قال حجة الإسلام الغزالي وشيخه إمام الحرمين والصوفية والفلاسفة
~~بامتناع معرفته سبحانه بالكنه. ونقل عن أرسطوا أنه قال في ذلك: كما تعتري
~~العين عند التحديق في جرم الشمس ظلمة وكدورة تمنعها عن تمام الإبصار كذلك
~~تعتري العقل عند إرادة اكتناه ذاته تعالى حيرة ودهشة تمنعه عن اكتناهه
~~سبحانه. / ولا يخفى أنه لا يصلح برهانا للامتناع وغاية ما يقال: إنه
~~خطابي لا يحصل به إلا الظن الغير الكافي في مثل هذا المطلب، ومثله
~~الاستدلال بأن جميع النفوس المجردة البشرية وغيرها مهذبة كانت أو لا أنقص
~~تجردا وتنزها من الواجب تعالى والأنقص يمتنع له اكتناه من هو أشد
~~تجردا وتنزها منه كامتناع اكتناه الماديات للمجردات، وكذا الاستدلال
~~بكونه تعالى أقرب إلينا من حبل الوريد فيمتنع إدراكه كما يمتنع إدراك
~~البصر ما اتصل به، وأحسن من ذلك كله ما قيل: إن معرفة كنهه ليست بديهية
~~بالضرورة بالنسبة إلى شخص وإلى وقت فلا تحصل لأحد في وقت بالضرورة فتكون
~~كسبية والكسب إما بحد تام أو ناقص وهو محال مستلزم لتركب الواجب لوجوب
~~تركب الحد من الجنس القريب أو البعيد ومن الفصل مع أن الحد الناقص لا
~~يفيد الكنه، وأما الحد البسيط بمفرد فمحال بداهة فإن ذلك المفرد إن كان
~~عين ذاته يلزم توقف معرفة الشيء على معرفة نفسه من غير مغايرة بينهما ولو
~~بالإجمال والتفصيل كما في الحد المركب مع حده التام، وإن كان غيره فلا
~~يكون حدا بل هو رسم أو مفهوم آخر غير محمول عليه وإما برسم تام أو ناقص
~~ولا شيء منهما مما يفيد الكنه بالضرورة.

# واعترض بأن عدم إمكان البداهة بالنسبة إلى جميع الأشخاص وإلى جميع
~~الأوقات يحتاج إلى دليل فربما تحصل بعد تهذيب النفس بالشرائع الحقة
~~وتجريدها عن الكدورات البشرية والعوائق الجسمانية، ولو سلمنا عدم إمكان
~~البداهة كذلك فلنا أن نختار كون المعرفة مما تكتسب بالحد التام المركب من
~~الجنس والفصل ms07023 وغاية ما يلزم منه التركب العقلي وليس بمحال إلا إن قلنا
~~بأنه يستلزم التركب الخارجي المستلزم للاحتياج إلى الأجزاء المنافي لوجوب
~~الوجود، ونحن لا نقول بذلك لأن المختار عند جمع أن أجزاء الماهية مأخوذة
~~من أمر واحد بسيط وهي متحدة ماهية ووجودا فتكون أمورا انتزاعية لا
~~حقيقية فلا استلزام، نعم يكون ذلك إن قلنا: إن الأجزاء مأخوذة من أمور
~~متغايرة بحسب الخارج لكن لا نقول به لأنه إن قيل حينئذ بتغاير الأجزاء
~~أنفسها ماهية ووجودا كما ذهب إليه طائفة يرد لزوم عدم صحة الحمل بينها
~~ضرورة أن الموجودين بوجودين متغايرين لا يحمل أحدهما على الآخر كزيد
~~وعمرو، وإن قيل بتغايرها ماهية لا وجودا ليصح الحمل كما ذهب إليه طائفة
~~أخرى يرد لزوم قيام الوجود الواحد بالشخص بموجودات متعددة متغايرة
~~بالماهية، ولو سلمنا الاستلزام بين التركب العقلي والتركب الخارجي فلنا
~~أن نقول: لا نسلم أنه لا شيء من الرسم مما يفيد الكنه بالضرورة كيف وهو
~~مفيد فيما إذا كان الكنه لازما للرسم لزوما بينا بالمعنى الأخص بل
~~يمكن إفادة كل رسم إياه على قاعدة الأشعري من استناد جميع الممكنات إليه
~~تعالى بلا شرط وإن لم تقع تلك الإفادة أصلا إذ الكلام في امتناع حصول
~~الكنه بالكسب كذا قالوا.

# واستدل الملا صدرا على نفي الأجزاء العقلية له تعالى بأن حقيقته سبحانه
~~أنية محضة ووجود بحت فلو كان له عز وجل جنس وفصل لكان جنسه مفتقرا إلى
~~الفصل لا في مفهومه ومعناه بل في أن يوجد ويحصل بالفعل فحينئذ يقال: ذلك
~~الجنس لا يخلو إما أن يكون وجودا محضا أو ماهية غير الوجود، فعلى الأول
~~يلزم أن يكون ما فرضنا فصلا ليس بفصل إذ الفصل ما به يوجد الجنس وهذا
~~إنما يتصور إذا لم يكن حقيقة الجنس حقيقة الوجود، وعلى الثاني يلزم أن
~~يكون الواجب تعالى ذا ماهية وقد حقق أن نفس الوجود حقيقته بلا شوب،
~~وأيضا لو كان له تعالى جنس لكان مندرجا تحت مقولة الجوهر وكان أحد
~~الأنواع الجوهرية / فيكون مشاركا ms07024 لسائرها في الجنس؛ وقد برهن على
~~إمكانها وحقق أن إمكان النوع يستلزم إمكان الجنس المستلزم لإمكان كل واحد
~~من أفراد ذلك الجنس من حيث كونه مصداقا له إذ لو امتنع الوجود على الجنس
~~من حيث هو جنس أي مطلقا لكان ممتنعا على كل فرد فإذا يلزم من ذلك
~~إمكان الواجب - تعالى عن ذلك علوا كبيرا - ومبنى هذا أن حقيقة الواجب
~~تعالى هو الوجود البحت وهو مما ذهب الحكماء وأجلة من المحققين، وليس
~~المراد من هذا الوجود المعنى المصدري الذي لا يجهله أحد فإنه مما لا شك
~~في استحالة كونه حقيقة الواجب سبحانه بل هو بمعنى مبدأ الآثار على ما
~~حققه الجلال الدواني وأطال الكلام فيه في «حواشيه على شرح التجريد» وفي
~~«شرحه للهياكل النورية» وفي غيرهما من «رسائله»، وللملا صدرا في هذا
~~المقام والبحث في كلام الجلال كلام طويل عريض وقد حقق الكلام بطرز آخر
~~يطلب من كتابه «الأسفار» بيد أنا نذكر هنا من كلامه سؤالا وجوابا
~~يتعلقان فيما نحن فيه فنقول:

# قال فإن قلت: كيف يكون ذات الباري سبحانه عين حقيقة الوجود والوجود
~~بديهي التصور وذات الباري مجهول الكنه؟ قلت: قد مر أن شدة الظهور وتأكد
~~الوجود هناك مع ضعف قوة الإدراك وضعف الوجود ههنا صارا منشأين لاحتجابه
~~تعالى عنا وإلا فذاته تعالى في غاية الإشراق والإنارة، فإن رجعت وقلت: إن
~~كان ذات الباري نفسه الوجود فلا يخلو إما أن يكون الوجود حقيقة الذات كما
~~هو المتبادر أو يكون صادقا عليها صدقا عرضيا كما يصدق عليه تعالى
~~مفهوم الشيء، وعلى الأول إما أن يكون المراد به هذا المعنى العام البديهي
~~التصور المنتزع من الموجودات أو معنى آخر والأول ظاهر الفساد والثاني
~~يقتضي أن يكون حقيقته تعالى غير ما يفهم من لفظ الوجود كسائر الماهيات
~~غير أنك سميت تلك الحقيقة بالوجود كما إذا سمي إنسان بالوجود ومن البين
~~أنه لا أثر لهذه التسمية في الأحكام وأن هذا القسم راجع إلى الواجب ليس
~~الوجود الذي الكلام فيه ويلزم أن يكون الواجب ms07025 تعالى ذا ماهية وقد يرهن أن
~~كل ذي ماهية معلول، وعلى الثاني وهو أن يصدق عليه تعالى صدقا عرضيا فلا
~~يخفى أن ذلك لا يغنيه عن السبب بل يستدعي أن يكون موجودا ولذلك ذهب
~~جمهور المتأخرين من الحكماء إلى أن الوجود معدوم فأقول: منشأ هذا الإشكال
~~حسبان أن معنى كون هذا العام المشترك عرضيا أن للمعروض موجودية وللعارض
~~موجودية أخرى كالماشي بالنسبة إلى الحيوان والضاحك بالقياس إلى الإنسان
~~وليس كذلك بل هذا المفهوم عنوان وحكاية للوجودات العينية ونسبته إليها
~~نسبة الإنسانية إلى الإنسان والحيوانية إلى الحيوان فكما أن مفهوم
~~الإنسانية صح أن يقال: إنها عين الإنسان لأنها مرآة لملاحظته وحكاية عن
~~جهته صح أن يقال: إنها غيره لأنها أمر نسبي والإنسان ماهية جوهرية،
~~وبالجملة الوجود ليس كالإمكان حتى لا يكون بإزائه شيء يكون المعنى
~~المصدري حكاية عنه بل كالسواد الذي قد يراد به نفس المعنى النسبي أعني
~~الأسودية وقد يراد به ما يكون به الشيء أسود أعني الكيفية المخصوصة فكما
~~أن السواد إذا فرض قيامه بذاته صح أن يقال ذاته عين الأسودية وإذا فرض
~~جسم متصف به لم يجز أن يقال إن ذاته عين الأسودية مع أن هذا الأمر لكونه
~~اعتبارا ذهنيا زائد على الجميع، إذا تقرر هذا قلنا في الجواب في
~~الترديد الأول: نختار الشق الأول وهو أن الوجود حقيقة الذات قولك في
~~الترديد الثاني إما أن يكون ذلك الوجود ما يفهم من لفظ الوجود الخ نختار
~~/ منه ما بإزاء ما يفهم من هذا اللفظ أعني حقيقة الوجود الخارجي الذي هذا
~~المفهوم حكاية عنه فإن للوجود عندنا حقيقة في كل موجود كما أن للسواد
~~حقيقة في كل أسود لكن في بعض الموجودات مخلوط بالنقائص والإعدام وفي
~~بعضها ليس كذلك وكما أن السوادات متفاوتة في السوادية بعضها أقوى وأشد
~~وبعضها أضعف وأنقص كذلك الموجودات بل الوجودات متفاوتة في الموجودية
~~كمالا ونقصانا، ولنا أيضا أن نختار الشق الثاني من شقي الترديد الأول
~~إلا أن هذا المفهوم الكلي وإن كان عرضيا بمعنى ms07026 أنه ليس له بحسب كونه
~~مفهوما عنوانيا وجود في الخارج حتى يكون عينا لشيء لكنه حكاية عن نفس
~~حقيقة الوجود القائم بذاته وصادق عليه بحيث يكون منشأ صدقه ومصداق حمله
~~عليها نفس تلك الحقيقة لا شيئا آخر يقوم به كسائر العرضيات في صدقها على
~~الأشياء فصدق هذا المفهوم على الوجود الخاص يشبه صدق الذاتيات من هذه
~~الجهة، فعلى هذا لا يرد علينا قولك: صدق الوجود عليه لا يغنيه عن السبب
~~لأنه لم يكن يغنيه عن السبب لو كان موجوديته بسبب عروض هذا المعنى أو
~~قيام حصة من الوجود وليس كذلك بل ذلك الوجود الخاص بذاته موجود كما أنه
~~بذاته وجود سواء حمل عليه مفهوم الوجود أو لم يحمل، والذي ذهب الحكماء
~~إلى أنه معدوم ليس هو الوجودات الخاصة بل هذا الأمر العام الذهني الذي
~~يصدق على الأنيات والخصوصيات الوجودية انتهى.

# وما أشار إليه من تعدد الوجودات قال به المشاؤون وهي عند الأكثرين حقائق
~~متخالفة متكثرة بأنفسها لا بمجرد عارض الإضافة إلى الماهيات لتكون
~~متماثلة الحقيقة ولا بالفصول ليكون الوجود المطلق جنسا لها، وقال بعضهم
~~بالاختلاف بالحقيقة حيث يكون بينها من الاختلاف ما بالتشكيك كوجود الواجب
~~ووجود الممكن وكذا وجود المجردات ووجود الأجسام؛ وقالت طائفة من الحكماء
~~المتألهين إنه ليس في الخارج إلا وجود واحد شخصي مجهول الكنه وهو ذات
~~الواجب تعالى شأنه وأما الممكنات المشاهدة فليس لها وجود بل ارتباط
~~بالوجود الحقيقي الذي هو الواجب بالذات ونسبة إليه، نعم يطلق عليها أنها
~~موجودة بمعنى أن لها نسبة إلى الواجب تعالى فمفهوم الموجود أعم من الوجود
~~القائم بذاته ومن الأمور المنتسبة إليه نحوا من الانتساب وصدق المشتق لا
~~ينافي قيام مبدأ الاشتقاق بذاته الذي مرجعه إلى عدم قيامه بالغير ولا كون
~~ما صدق عليه أمرا منتسبا إلى المبدأ لا معروضا له بوجه من الوجوه كما
~~في الحداد والمشمس على أن أمر إطلاق أهل اللغة وأرباب اللسان لا عبرة به
~~في تصحيح الحقائق، وقالوا: كون المشتق من المعقولات الثانية والبديهيات
~~الأولية لا ms07027 يصادم كون المبدأ حقيقة متأصلة متشخصة مجهولة الكنه وثانوية
~~المعقول وتأصله قد يختلف بالقياس إلى الأمور ولا يخفى ما فيه من الأنظار،
~~ومثله ما دار على ألسنة طائفة من المتصوفة من أن حقيقة الواجب المطلق
~~تمسكا بأنه لا يجوز أن يكون عدما أو معدوما وهو ظاهر ولا ماهية موجودة
~~بالوجود أو مع الوجود تعليلا أو تقييدا لما في ذلك من الاحتياج
~~والتركيب فتعين أن يكون وجودا وليس هو الوجود الخاص لأنه إن أخذ مع
~~المطلق فمركب أو مجرد المعروض فمحتاج ضرورة احتياج المقيد إلى المطلق،
~~ومتمسكهم هذا أوهن من بيت العنكبوت.

# والذي حققته من «كتب الشيخ الأكبر» قدس سره و«كتب أصحابه» أن الله
~~سبحانه ليس عبارة عن الوجود المطلق بمعنى الكلي الطبيعي الموجود في
~~الخارج في ضمن أفراده ولا بمعنى أنه معقول في النفس مطابق لكل واحد من
~~جزئياته في الخارج على معنى أن ما في النفس لو وجد في أي شخص من الأشخاص
~~الخارجية لكان ذلك الشخص بعينه من غير تفاوت أصلا / بل بمعنى عدم التقيد
~~بغيره مع كونه موجودا بذاته، ففي الباب الثاني من «الفتوحات» أن الحق
~~تعالى موجود بذاته لذاته مطلق الوجود غير مقيد بغيره ولا معلول من شيء
~~ولا علة لشيء بل هو خالق المعلولات والعلل، والملك القدوس الذي لم يزل.
~~وفي «النصوص» للصدر القونوي تصور اطلاق الحق يشترط فيه أن يتعقل بمعنى
~~أنه وصف سلبي لا يمعنى أنه إطلاق ضده التقييد بل هو إطلاق عن الوحدة
~~والكثرة المعلومتين وعن الحصر أيضا في الإطلاق والتقييد وفي الجمع بين
~~كل ذلك والتنزيه عنه فيصح في حقه كل ذلك حال تنزهه عن الجميع.

# وذكر بعض الأجلة أن الله تعالى عند السادة الصوفية هو الوجود الخاص
~~الواجب الوجود لذاته القائم بذاته المتعين بذاته الجامع لكل كمال المنزه
~~عن كل نقص المتجلي فيما يشاء من المظاهر مع بقاء التنزيه ثم قال: وهذا ما
~~يقتضيه أيضا قول الأشعري بأن الوجود عين الذات مع قوله الأخير في كتابه
~~«الأبانة» بإجراء المتشابهات على ms07028 ظواهرها مع التنزيه بليس كمثله شيء.

# وتحقيق ذلك أنه قد ثبت بالبرهان أن الواجب الوجود لذاته موجود فهو إما
~~الوجود المجرد عن الماهية المتعين بذاته أو الوجود المقترن بالماهية
~~المتعين بحسبها أو الماهية المعروضة للوجود المتعين بحسبها أو المجموع
~~المركب من الماهية والوجود المتعين بحسبها لا سبيل إلى الرابع لأن
~~التركيب من لوازمه الاحتياج ولا إلى الثالث لاحتياج الماهية في تحققها
~~الخارجي إلى الوجود ولا إلى الثاني لاحتياج الوجود إلى الماهية في تشخصه
~~بحسبها والاحتياج في الجميع ينافي الوجوب الذاتي فتعين الأول فالواجب
~~سبحانه الموجود لذاته هو الوجود المجرد عن الماهية المتعين بذاته، ثم هو
~~إما أن يكون مطلقا بالإطلاق الحقيقي وهو الذي لا يقابله تقييد القابل
~~لكل إطلاق وتقييد وإما أن يكون مقيدا بقيد مخصوص لا سبيل إلى الثاني لأن
~~المركب من القيد ومعروضه من لوازمه الاحتياج المنافي للوجوب الذاتي فتعين
~~الأول فواجب الوجود لذاته هو الوجود المجرد عن الماهية القائم بذاته
~~المتعين بذاته المطلق بالإطلاق الحقيقي، وأهل هذا القول ذهبوا إلى أنه
~~ليس في الخارج إلا وجود واحد وهو الوجود الحقيقي وأنه لا موجود سواه
~~وماهيات الممكنات أمور معدومة متميزة في أنفسها تميزا ذاتيا وهي ثابتة
~~في العلم لم تشم رائحة الوجود ولا تشمه أبدا لكن تظهر أحكامها في الوجود
~~المفاض وهو النور المضاف ويسمى العماء والحق المخلوق به وهؤلاء هم
~~المشهورون بأهل الوحدة، ولعل القول الذي نقلناه عن بعض الحكماء المتألهين
~~يرجع إلى قولهم وهو طور ما وراء طور العقل وقد ضل بسببه أقوام وخرجوا من
~~ربقة الإسلام، وبالجملة إن القول بأن حقيقة الواجب تعالى غير معلومة لأحد
~~علما اكتناهيا إحاطيا عقليا أو حسيا مما لا شبهة عندي في صحته وإليه
~~ذهب المحققون حتى أهل الوحدة، والقول بخلاف ذلك المحكي عن بعض المتكلمين
~~لا ينبغي أن يلتفت إليه أصلا، ولا أدري هل تمكن معرفة الحقيقة أو لا
~~تمكن؟ ولعل القول بعدم إمكانها أوفق بعظمته تعالى شأنه وجل عن إحاطة
~~العقول سلطانه، وأما شهود الواجب بالبصر ففي وقوعه ms07029 في هذه النشأة خلاف
~~بين أهل السنة وأما في النشأة الآخرة فلا خلاف فيه سوى أن بعض الصوفية
~~قالوا: إنه لا يقع إلا باعتبار مظهر ما وأما باعتبار الإطلاق الحقيقي
~~فلا، وأما شهوده سبحانه بالقلب فقد قيل بوقوعه في هذه النشأة لكن على
~~معنى شهود نوره القدسي ويختلف ذلك باختلاف الاستعداد لا على معنى شهود
~~نفس الذات والحقيقة ومن ادعى ذلك فقد اشتبه عليه الأمر فادعى ما ادعى.

# / هذا ومن الناس من قال: لا مانع من أن يراد من { حق قدره } حق
~~معرفته ويراد من حق معرفته المعرفة بالكنه وكونها غير حاصلة لأحد مؤمنا
~~كان أو غيره لا يضر فيما نحن فيه لأن المراد إثبات عظمته تعالى المنافية
~~لما عليه المشركون وكونه سبحانه لا يعرف أحد كنه حقيقته يستدعي العظمة
~~على أتم وجه فتأمل جميع ذلك والله تعالى الموفق للصواب.

# { إن الله لقوى } على جميع الممكنات { عزيز } غالب على
~~جميع الأشياء وقد علمت حال آلهتهم المقهورة لأذل العجزة، والجملة في موضع
~~التعليل لما قبلها.

### || [22.75]

# { الله يصطفى } أي يختار { من الملئكة رسلا }
~~يتوسطون بينه تعالى وبين الأنبياء عليهم السلام بالوحي { ومن الناس
~~} أي ويصطفى من الناس رسلا يدعون من شاء إليه تعالى ويبلغونهم ما نزل
~~عليهم والله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته، وتقديم رسل الملائكة عليهم
~~السلام لأنهم وسائط بينه تعالى وبين رسل الناس، وعطف { من الناس }
~~على { من الملئكة } وهو مقدم تقدير على { رسلا } فلا حاجة
~~إلى التقدير وإن كان رسل كل موصوفة بغير صفة الآخرين كما أشرنا إليه،
~~وقيل: إن المراد الله يصطفي من الملائكة رسلا إلى سائرهم في تبليغ ما
~~كلفهم به من الطاعات ومن الناس رسلا إلى سائرهم في تبليغ ما كلفهم به
~~أيضا وهذا شروع في إثبات الرسالة بعد هدم قاعدة الشرك وردم دعائم
~~التوحيد. وفي بعض الأخبار أن الآية نزلت بسبب قول الوليد بن المغيرة

# أأنزل عليه الذكر من بيننا

# [ص: 8] الآية وفيها رد لقول المشركين الملائكة بنات الله ونحوه من
~~أباطيلهم.

# { إن الله ms07030 سميع } بجميع المسموعات ويدخل في ذلك أقوال الرسل {
~~بصير } بجميع المبصرات ويدخل في ذلك أحوال المرسل إليهم، وقيل: إن
~~السمع والبصر كناية عن علمه تعالى بالأشياء كلها بقرينة قوله سبحانه: {
~~يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم... }

### || [22.76]

# { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } لأنه كالتفسير
~~لذلك، ولعل الأول أولى، وهذا تعميم بعد تخصيص، وضمير الجمع للمكلفين على
~~ما قيل، أي يعلم مستقبل أحوالهم وماضيها، وعن الحسن أول أعمالهم وآخرها،
~~وعن علي بن عيسى أن الضمير لرسل الملائكة والناس والمعنى عنده يعلم ما
~~كان قبل خلق الرسل وما يكون بعد خلقهم.

# { وإلى الله ترجع الأمور } كلها لا إلى غيره سبحانه لا
~~اشتراكا ولا استقلالا لأنه المالك لها بالذات فلا يسئل جل وعلا عما
~~يفعل من الاصطفاء وغيره كذا قيل، ويعلم منه أنه مرتبط بقوله تعالى:

# الله يصطفي

# [الحج: 75] الخ وكذا وجه الارتباط، ويجوز أن يكون مرتبطا بقوله سبحانه:
~~{ يعلم } الخ على معنى وإليه تعالى ترجع الأمور يوم القيامة فلا أمر
~~ولا نهي لأحد سواه جل شأنه هناك فيجازي كلا حسبما علم من أعماله ولعله
~~أولى مما تقدم ويمكن أن يقال: هو مرتبط بما ذكر لكن على طرز آخر وهو أن
~~يكون إشارة إلى تعميم آخر للعلم أي إليه تعالى ترجع الأمور كلها لأنه
~~سبحانه هو الفاعل لها جميعا بواسطة وبلا واسطة أو بلا واسطة في الجميع
~~على ما يقوله الأشعري فيكون سبحانه عالما بها. ووجه ذلك على ما قرره
~~بعضهم أنه تعالى عالم بذاته على أتم وجه وذاته تعالى علة مقتضية لما سواه
~~والعلم التام بالعلة أو بجهة كونها علة يقتضي العلم التام بمعلولها فيكون
~~علمه تعالى بجميع ما عداه لازما لعلمه بذاته كما أن وجود ما عداه تابع
~~لوجود ذاته سبحانه وفي ذلك بحث طويل عريض.

### || [22.77]

# { يأيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا } أي صلوا
~~وعبر عن الصلاة بهما لأنهما أعظم أركانها وأفضلها / والمراد أن مجموعهما
~~كذلك وهو لا ينافي تفضيل أحدهما على الآخر ولا تفضيل القيام أو السجود
~~على كل ms07031 واحد واحد من الأركان، وقيل: المعنى اخضعوا لله تعالى وخروا له
~~سجدا، وقيل: المراد الأمر بالركوع والسجود بمعناهما الشرعي في الصلاة
~~فإنهم كانوا في أول إسلامهم يركعون في صلاتهم بلا سجود تارة ويسجدون بلا
~~ركوع أخرى فأمروا بفعل الأمرين جميعا فيها حكاه في «البحر» ولم نره في
~~أثر يعتمد عليه، وتوقف فيه صاحب «المواهب» وذكره الفراء بلا سند {
~~واعبدوا ربكم } بسائر ما تعبدكم سبحانه به كما يؤذن به ترك
~~المتعلق، وقيل: المراد أمرهم بأداء الفرائض. وقوله تعالى: { وافعلوا
~~الخير } تعميم بعد تخصيص أو مخصوص بالنوافل وعن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أنه أمر بصلة الأرحام ومكارم الأخلاق { لعلكم
~~تفلحون } في موضع الحال من ضمير المخاطبين أي افعلوا كل ذلك وأنتم
~~راجون به الفلاح غير متيقنين به واثقين بأعمالكم.

# والآية آية سجدة عند الشافعي وأحمد وابن المبارك وإسحق رضي الله تعالى
~~عنهم لظاهر ما فيها من الأمر بالسجود ولما تقدم عن عقبة بن عامر رضي الله
~~تعالى عنه قال قلت: يا رسول الله أفضلت سورة الحج على سائر القرآن
~~بسجدتين؟ قال:

# " نعم فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما "

# ، وبذلك قال علي كرم الله تعالى وجهه وعمر وابنه عبد الله وعثمان وأبو
~~الدرداء وأبو موسى وابن عباس في إحدى الروايتين عنه رضي الله تعالى عنهم،
~~وذهب أبو حنيفة ومالك والحسن وابن المسيب وابن جبير وسفيان الثوري رضي
~~الله تعالى عنهم إلى أنها ليست آية سجدة، قال ابن الهمام: ((لأنها مقرونة
~~بالأمر بالركوع والمعهود في مثله من القرآن كونه أمرا بما هو ركن للصلاة
~~بالاستقراء نحو

# واسجدى واركعى

# [آل عمران: 43] وإذا جاء الاحتمال سقط الاستدلال، وما روي من حديث عقبة
~~قال الترمذي: إسناده ليس بالقوي وكذا قال أبو داود وغيره)) انتهى.

# وانتصر الطيبي لإمامه الشافعي رضي الله تعالى عنه فقال: الركوع مجاز عن
~~الصلاة لاختصاصه بها وأما السجود فلما لم يختص حمل على الحقيقة لعموم
~~الفائدة ولأن العدول إلى المجاز من غير صارف أو نكتة غير جائز والمقارنة
~~لا توجب ذلك، وتعقبه صاحب ms07032 «الكشف» بأن للقائل أن يقول: المقارنة تحسن
~~ذلك، وتوافق الأمرين في الفرضية أو الإيجاب على المذهبين من المقتضيات
~~أيضا، ثم رجع إلى الانتصار فقال: الحق إن السجود حيث ثبت ليس من مقتضى
~~خصوص تلك الآية لأن دلالة الآية غير مقيدة بحال التلاوة بل إنما ذلك بفعل
~~الرسول صلى الله عليه وسلم أو قوله فلا مانع من كون الآية دالة على فرضية
~~سجود الصلاة ومع ذلك تشرع السجدة عند تلاوتها لما ثبت من الرواية
~~الصحيحة، وفيه أنه إن أراد أن ما ثبت دليل مستقل على مشروعيتها من غير
~~مدخل للآية فذلك على ما فيه مما لم يقله الشافعي ولا غيره، وإن أراد أن
~~الآية تدل على ذلك كما تدل على فرضية سجود الصلاة وما ثبت كاشف عن تلك
~~الدلالة فذلك قول بخفاء تلك الدلالة والتزام أن الأمر بالسجود لمطلق
~~الطلب الشامل لما كان على سبيل الإيجاب كما في طلب سجود الصلاة ولما كان
~~على سبيل الندب كما في طلب سجود التلاوة فإنه سنة عند الشافعي رضي الله
~~تعالى عنه ولعله يتعين عنده ذلك ولا محذور فيه بل لا معدل عنه إن صح
~~الحديث لكن قد سمعت آنفا ما قيل فيه، ولك أن تقول: إنه قد قوي بما أخرجه
~~أبو داود وابن ماجه وابن مردويه والبيهقي عن عمرو بن العاص أن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في / القرآن منها ثلاث في المفصل
~~وفي سورة الحج سجدتان وبعمل كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم الظاهر
~~في كونه عن سماع منه صلى الله عليه وسلم أو رؤية لفعله ذلك.

### || [22.78]

# { وجهدوا فى الله } أي لله تعالى أو في سبيله سبحانه،
~~((والجهاد كما قال الراغب استفراغ الوسع في مدافعة العدو وهو ثلاثة أضرب:
~~مجاهدة العدو الظاهر كالكفار، ومجاهدة الشيطان ومجاهدة النفس)) وهي أكبر
~~من مجاهدة العدو الظاهرة كما يشعر به ما أخرج البيهقي وغيره عن جابر قال:

# " قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم غزاة فقال: «قدمتم ms07033 خير مقدم
~~من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قيل وما الجهاد الأكبر؟ قال: «مجاهدة
~~العبد هواه "

# وفي إسناده ضعف مغتفر في مثله. والمراد هنا عند الضحاك جهاد الكفار حتى
~~يدخلوا في الإسلام، ويقتضي ذلك أن تكون الآية مدنية لأن الجهاد إنما أمر
~~به بعد الهجرة. وعند عبد الله بن المبارك جهاد الهوى والنفس، والأولى أن
~~يكون المراد به ضروبه الثلاثة وليس ذلك من الجمع بين الحقيقة والمجاز في
~~شيء، وإلى هذا يشير ما روى جماعة عن الحسن أنه قرأ الآية وقال: إن الرجل
~~ليجاهد في الله تعالى وما ضرب بسيف، ويشمل ذلك جهاد المبتدعة والفسقة
~~فإنهم أعداء أيضا ويكون بزجرهم عن الابتداع والفسق.

# { حق جهده } أي جهادا فيه حقا فقدم حقا وأضيف على حد جرد
~~قطيفة، وحذف حرف الجر وأضيف جهاد إلى ضميره تعالى على حد قوله:

# ويوم شهدناه سليما وعامرا

# وفي «الكشاف» الإضافة تكون لأدنى ملابسة واختصاص، فلما كان الجهاد
~~مختصا بالله تعالى من حيث أنه مفعول لوجهه سبحانه ومن أجله صحت إضافته
~~إليه، وأيا ما كان فنصب { حق } على المصدرية، وقال أبو البقاء: إنه
~~نعت لمصدر محذوف أي جهادا حق جهاده، وفيه أنه معرفة فكيف يوصف به النكرة
~~ولا أظن أن أحدا يزعم أن الإضافة إذا كانت على الاتساع لا تفيد تعريفا
~~فلا يتعرف بها المضاف ولا المضاف إليه.

# والآية تدل على الأمر بالجهاد على أتم وجه بأن يكون خالصا لله تعالى لا
~~يخشى فيه لومة لائم وهي محكمة. ومن قال كمجاهد والكلبي: إنها منسوخة
~~بقوله تعالى:

# فاتقوا الله ما استطعتم

# [التغابن: 16] فقد أراد بها أن يطاع سبحانه فلا يعصى أصلا وفيه بحث لا
~~يخفى، وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال:
~~قال لي عمر رضي الله تعالى عنه: ألسنا كنا نقرأ وجاهدوا في الله حق جهاده
~~في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله؟ قلت: بلى فمتى هذا يا أمير المؤمنين؟
~~قال: إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء، وأخرجه البيهقي ms07034 في
~~«الدلائل» عن المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه قال: قال عمر لعبد
~~الرحمن بن عوف فذكره، ولا يخفى عليك حكم هذه القراءة، وقال النيسابوري:
~~((قال العلماء لو صحت هذه الرواية فلعل هذه الزيادة من تفسيره صلى الله
~~عليه وسلم وليست من نفس القرآن وإلا لتواترت)) وهو كما ترى.

# { هو اجتبكم } أي هو جل شأنه اختاركم لا غيره سبحانه، والجملة
~~مستأنفة لبيان علة الأمر بالجهاد فإن المختار إنما يختار من يقوم بخدمته
~~ومن قربه العظيم يلزمه دفع أعدائه ومجاهدة نفسه بترك ما لا يرضاه ففيها
~~تنبيه على المقتضي للجهاد.

# وفي قوله تعالى: { وما جعل عليكم فى الدين } أي في جمع
~~أموره ويدخل فيه الجهاد دخولا أوليا { من حرج } أي ضيق بتكليف ما
~~يشتد القيام به عليكم إشارة إلى أنه لا مانع لهم عنه، والحاصل أنه تعالى
~~أمرهم بالجهاد وبين أنه لا عذر لهم في تركه حيث وجد المقتضي وارتفع
~~المانع. / ويجوز أن يكون هذا إشارة إلى الرخصة في ترك بعض ما أمرهم
~~سبحانه به حيث شق عليهم لقوله صلى الله عليه وسلم:

# " إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم "

# فانتفاء الحرج على هذا بعد ثبوته بالترخيص في الترك بمقتضى الشرع وعلى
~~الأول انتفاء الحرج ابتداء، وقيل: عدم الحرج بأن جعل لهم من كل ذنب
~~مخرجا بأن رخص لهم في المضايق وفتح عليهم باب التوبة وشرع لهم الكفارات
~~في حقوقه والأروش والديات في حقوق العباد، ولا يخفى أن تعميمه للتوبة
~~ونحوها خلاف الظاهر وإن روي ذلك من طريق ابن شهاب عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما. وفي «الحواشي الشهابية» أن الظاهر أن حق جهاده تعالى لما
~~كان متعسرا، ذيله بهذا ليبين أن المراد ما هو بحسب قدرتهم لا ما يليق به
~~جل وعلا من كل الوجوه. وذكر الجلال السيوطي أن هذه الآية أصل قاعدة
~~المشقة تجلب التيسير، وهو أوفق بالوجه الثاني فيها.

# { ملة أبيكم إبرهيم } نصب على المصدرية بفعل دل عليه ما
~~قبله من نفي الحرج بعد حذف مضاف ms07035 أي وسع دينكم توسعة ملة أبيكم أو على
~~الاختصاص بتقدير أعني بالدين ونحوه وإليهما ذهب الزمخشري، وقال الحوفي
~~وأبو البقاء: نصب على الإغراء بتقدير اتبعوا أو الزموا أو نحوه، وقال
~~الفراء: نصب بنزع الخافض أي كملة أبيكم، والمراد بالملة إما ما يعم
~~الأصول والفروع أو ما يخص الأصول فتأمل ولا تغفل، و { إبراهيم }
~~منصوب بمقدر أيضا أو مجرور بالفتح على أنه بدل أو عطف بيان، وجعله عليه
~~السلام أباهم لأنه أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كالأب لأمته من
~~حيث إنه سبب لحياتهم الأبدية ووجودهم على الوجه المعتد به في الآخرة أو
~~لأن أكثر العرب كانوا من ذريته عليه السلام فغلبوا على جميع أهل ملته صلى
~~الله عليه وسلم.

# { هو } أي الله تعالى كما روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة
~~وسفيان، ويدل عليه ما سيأتي بعد في الآية وقراءة أبي رضي الله تعالى عنه
~~{ الله }  { سمكم المسلمين من قبل } أي من قبل نزول
~~القرآن وذلك في الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل { وفى هذا } أي
~~في القرآن، والجملة مستأنفة، وقيل إنها كالبدل من قوله تعالى: { هو
~~اجتبكم } ولذا لم تعطف، وعن ابن زيد والحسن أن الضمير لإبراهيم
~~عليه السلام واستظهره أبو حيان للقرب وتسميته إياهم بذلك من قبل في قوله:

# ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة
~~مسلمة لك

# [البقرة: 128] وقوله هذا سبب لتسميتهم بذلك في هذا لدخول أكثرهم في
~~الذرية فجعل مسميا لهم فيه مجازا، ويلزم عليه الجمع بين الحقيقة
~~والمجاز وفي جوازه خلاف مشهور، وقال أبو البقاء: المعنى على هذا وفي هذا
~~بيان تسميته إياكم بهذا الاسم حيث حكى في القرآن مقالته، وقال ابن عطية:
~~يقدر عليه وسميتكم في هذا المسلمين، ولا يخفى ما في كل ذلك من التكلف.
~~واستدل بالآية من قال: إن التسمية بالمسلمين مخصوص بهذه الأمة وفيه نظر.

# { ليكون الرسول } يوم القيامة { شهيدا عليكم } أنه قد
~~بلغكم، ويدل هذا القول منه تعالى على قبول شهادته عليه الصلاة والسلام
~~لنفسه اعتمادا على عصمته ولعل هذا ms07036 من خواصه صلى الله عليه وسلم في ذلك
~~اليوم وإلا فالمعصوم يطالب في الدنيا بشاهدين إذا ادعى شيئا لنفسه كما
~~يدل على ذلك قصة الفرس وشهادة خزيمة رضي الله تعالى عنه، وأيضا لو كان
~~كل معصوم تقبل شهادته لنفسه في ذلك اليوم لما احتيج إلى شهادة هذه الأمة
~~على الأمم حين يشهد عليهم أنبياؤهم / فينكرون كما ذكر ذلك كثير من
~~المفسرين في تفسير قوله تعالى: { وتكونوا شهداء على الناس }
~~ورد أنه يؤتى بالأمم وأنبيائهم فيقال لأنبيائهم: هل بلغتم أممكم؟
~~فيقولون: نعم بلغناهم فينكرون فيؤتى بهذه الأمة فيشهدون أنهم قد بلغوا
~~فتقول الأمم لهم: من أين عرفتم؟ فيقولون: عرفنا ذلك بإخبار الله تعالى في
~~كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق أو شهيدا عليكم بإطاعة من أطاع
~~وعصيان من عصى، ولعل علمه صلى الله عليه وسلم بذلك بتعريف الله تعالى
~~بعلامات تظهر له في ذلك الوقت تسوغ له عليه الصلاة والسلام الشهادة، وكون
~~أعمال أمته تعرض عليه عليه الصلاة والسلام وهو في البرزخ كل أسبوع أو
~~أكثر أو أقل إذا صح لا يفيد العلم بأعيان ذوي الأعمال المشهود عليهم وإلا
~~أشكل ما رواه أحمد في «مسنده» والشيخان عن أنس وحذيفة قالا: «قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم

# " ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا
~~دوني فأقول: يا رب أصيحابي أصيحابي فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا
~~بعدك "

# وربما أشكل هذا على تقدير صحة حديث العرض سواء أفاد العلم بالأعيان أم
~~لا، وإذا التزم صحة ذلك الحديث وأنه صلى الله عليه وسلم لم يستحضر أعمال
~~أولئك الأقوام حين عرفهم فقال ما قال وأن المراد من  إنك لا تدري  الخ
~~مجرد تعظيم أمر ما أحدثوه بعد وفاته عليه الصلاة والسلام لا نفي العلم به
~~يبقى من مات من أمته طائعا أو عاصيا في زمان حياته صلى الله عليه وسلم
~~ولم يكن علم بحاله أصلا كمن آمن ومات ولم يسمع صلى الله عليه وسلم به
~~فإن عرض الأعمال في ms07037 حقه لم يجيء في خبر أصلا، والقول بعدم وجود شخص كذلك
~~بعيد، ومن زعم أنه صلى الله عليه وسلم يعلم أعمال أمته ويعرفهم واحدا
~~واحدا حيا وميتا ولذا ساغت شهادته عليهم بالطاعة والمعصية يوم القيامة
~~لم يأت بدليل، والآية لا تصلح دليلا له إلا بهذا التفسير وهو محل البحث،
~~على أن في حديث الإفك ما يدل على خلافه.

# وزعم بعضهم أن معرفته صلى الله عليه وسلم للطائع والعاصي من أمته لما
~~أنه يحضر سؤالهم في القبر عنه عليه الصلاة والسلام كما يؤذن بذلك ما ورد
~~أنه يقال للمقبور: ما تقول في هذا الذي بعث إليكم؟ واسم الإشارة يستدعي
~~مشارا إليه محسوسا مشاهدا وهو كما ترى. واختار بعض أن الشهادة بذلك
~~على بعض الأمة وهم الذين كانوا موجودين في وقته صلى الله عليه وسلم وعلم
~~حالهم من طاعة وعصيان. والخطاب في { عليكم } إما خاص بهم أو عام على
~~سبيل التغليب وفيه ما فيه فتدبر، وقيل على في { عليكم } بمعنى اللام
~~كما في قوله تعالى:

# وما ذبح على النصب

# [المائدة: 3] فالمعنى شهيدا لكم، والمراد بشهادته لهم تزكيته إياهم إذا
~~شهدوا على الأمم ولا يخفى بعده، واللام متعلقة بسماكم على الوجهين في
~~الضمير وهي للعاقبة على ماقيل، وقال الخفاجي: لا مانع من كونها للتعليل
~~فإن تسمية الله تعالى أو إبراهيم عليه السلام لهم بالمسلمين حكم بإسلامهم
~~وعدالتهم وهو سبب لقبول شهادة الرسول عليه الصلاة والسلام الداخل فيهم
~~دخولا أوليا وقبول شهادتهم على الأمم وفيه نوع خفاء.

# { فأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة } أي فتقربوا إليه
~~تعالى لما خصكم بهذا الفضل والشرف بأنواع الطاعات، وتخصيص هذين الأمرين
~~بالذكر لإنافتهما وفضلهما { واعتصموا بالله } أي ثقوا به تعالى
~~في جميع أموركم { هو مولكم } ناصركم ومتولي أموركم { فنعم
~~المولى ونعم النصير } هو إذ لا مثل له تعالى في الولاية
~~والنصرة فإن من تولاه لم يضع ومن نصره لم يخذل بل لا ولي ولا ناصر في
~~الحقيقة سواه عز وجل، وفي / هذا إشارة إلى أن قصارى الكمال الاعتصام
~~بالله تعالى ms07038 وتحقيق مقام العبودية وهو وراء التسمية والاجتباء، وجوز أن
~~يكون { هو مولكم } تتميما للاجتباء وليس بذاك.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { إن الله يدافع عن
~~الذين ءامنوا } كيد عدوهم من الشيطان والنفس

# إن الله لا يحب كل خوان كفور

# [الحج: 38] ويدخل في ذلك الشيطان والنفس، وصدق الوصفين عليهما ظاهر جدا
~~بل لا خوان ولا كفور مثلهما

# الذين إن مكنهم فى الأرض أقاموا الصلوة

# [الحج: 41] الخ فيه إشارة إلى حال أهل التمكين وأنهم مهديون هادون فلا
~~شطح عندهم ولا يضل أحد بكلماتهم

# فكأين من قرية أهلكنها وهى ظالمة فهى
~~خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد

# [الحج: 45] قيل: في القرية الظالمة إشارة إلى القلب الغافل عن الله
~~تعالى، وفي البئر المعطلة إشارة إلى الذهن الذي لم يستخرج منه الأفكار
~~الصافية، وفي القصر المشيد إشارة إلى البدن المشتمل على حجرات القوى.

# فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور

# [الحج: 46] فيه إشارة إلى سوء حال المحجوبين المنكرين فإن قلوبهم عمي عن
~~رؤية أنوار أهل الله تعالى فإن لهم أنوارا لا ترى إلا بعين القلب وبهذه
~~العين تدرك حقائق الملك ودقائق الملكوت، وفي الحديث:

# " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى "

# وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون

# [الحج: 47] قد تقدم الكلام في اليوم وانقسامه فتذكر { فالذين
~~ءامنوا وعملوا الصلحت لهم مغفرة } أي ستر عن
~~الأغيار من أن يقفوا على حقيقتهم كما يشير ما يروونه من الحديث القدسي

# " أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم أحد غيري "

# ورزق كريم

# [الحج: 50] وهو العلم اللدني الذي به غذاء الأرواح. وقال بعضهم: رزق
~~القلوب حلاوة العرفان ورزق الأسرار مشاهدة الجمال ورزق الأرواح مكاشفة
~~الجلال وإلى هذا الرزق يشير عليه الصلاة والسلام بقوله:

# " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني "

# والإشارة في قوله تعالى:

# وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا
~~تمنى ألقى الشيطن فى أمنيته

# [الحج: 52] الآيات على قول من زعم صحة حديث الغرانيق إلى أنه ينبغي أن
~~يكون العبد فناء في ms07039 إرادة مولاه عز وجل وإلا ابتلي بتلبيس الشيطان ليتأدب
~~ولا يبقى ذلك التلبيس لمنافاته الحكمة { والذين هاجروا فى
~~سبيل الله } عن أوطان الطبيعة في طلب الحقيقة { ثم قتلوا }
~~بسيف الصدق والرياضة { أو ماتوا } بالجذبة عن أوصاف البشرية

# ليرزقنهم الله رزقا حسنا

# [الحج: 58] هو رزق دوام الوصلة كما قيل: أو هو كالرزق الكريم

# ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه
~~لينصرنه الله

# [الحج: 60] فيه إشارة إلى نصر السالك الذي عاقب نفسه بالمجاهدة بعد أن
~~عاقبته بالمخالفة ثم ظلمته باستيلاء صفاتها

# وإن جدلوك فقل الله أعلم بما تعملون

# [الحج: 68] أخذ الصوفية منه ترك الجدال مع المنكرين وذكر بعضهم أن
~~الجدال معهم عبث كالجدال مع العنين في لذة الجماع

# وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينت تعرف فى
~~وجوه الذين كفروا المنكر

# [الحج: 72] الآية فيه إشارة إلى ذم المتصوفة الذين إذا سمعوا الآيات
~~الرادة عليهم ظهر عليهم التجهم والبسور وهم في زماننا كثيرون فإنا لله
~~وإنا إليه راجعون، وفي قوله تعالى:

# إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا

# [الحج: 73] الخ إشارة إلى ذم الغالين في أولياء الله تعالى حيث يستغيثون
~~بهم في الشدة غافلين عن الله تعالى وينذرون لهم النذور والعقلاء منهم
~~يقولون: إنهم وسائلنا إلى الله تعالى وإنما ننذر لله عز وجل ونجعل ثوابه
~~للولي، ولا يخفى أنهم في دعواهم الأولى أشبه الناس بعبدة الأصنام
~~القائلين

# ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى

# [الزمر: 3]، ودعواهم الثانية لا بأس بها لو لم يطلبوا منهم بذلك شفاء
~~مريضهم أو رد غائبهم أو نحو / ذلك، والظاهر من حالهم الطلب، ويرشد إلى
~~ذلك أنه لو قيل: انذروا لله تعالى واجعلوا ثوابه لوالديكم فإنهم أحوج من
~~أولئك الأولياء لم يفعلوا، ورأيت كثيرا منهم يسجد على أعتاب حجر قبور
~~الأولياء، ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعا في قبورهم لكنهم متفاوتون فيه
~~حسب تفاوت مراتبهم، والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة أو
~~خمسة وإذا طولبوا بالدليل قالوا: ثبت ذلك بالكشف قاتلهم الله تعالى ما
~~أجهلهم ms07040 وأكثر افترائهم، ومنهم من يزعم أنهم يخرجون من القبور ويتشكلون
~~بأشكال مختلفة، وعلماؤهم يقولون: إنما تظهر أرواحهم متشكلة وتطوف حيث
~~شاءت وربما تشكلت بصورة أسد أو غزال أو نحوه وكل ذلك باطل لا أصل له في
~~الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة، وقد أفسد هؤلاء على الناس دينهم وصاروا
~~ضحكة لأهل الأديان المنسوخة من اليهود والنصارى وكذا لأهل النحل
~~والدهرية، نسأل الله تعالى العفو والعافية. { وجهدوا فى الله
~~حق جهده } شامل لجميع أنواع المجاهدة، ومنها جهاد النفس وهو
~~بتزكيتها بأداء الحقوق وترك الحظوظ، وجهاد القلب بتصفيته وقطع تعلقه عن
~~الكونين، وجهاد الروح بإفناء الوجود، وقد قيل:

# وجودك ذنب لا يقاس به ذنب

# { واعتصموا بالله } تمسكوا به جل وعلا في جميع أحوالكم { هو
~~مولكم } على الحقيقة { فنعم المولى } في إفناء وجودكم

# ونعم النصير

# [الحج: 78] في إبقائكم، وما أعظم هذه الخاتمة لقوم يعقلون وسبحان ربك رب
~~العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

### | [23 - سورة المؤمنون]

### || [23.1]

# والفلاح الفوز بالمرام، وقيل: البقاء في الخير، والإفلاح الدخول في ذلك
~~كالإبشار الذي هو الدخول بالبشارة، وقد يجىء متعديا وعليه قراءة طلحة بن
~~مصرف وعمرو بن عبيد { أفلح } بالبناء للمفعول، و { قد } لثبوت أمر
~~متوقع وتحققه، والظاهر أنه هنا الفلاح لأن (قد) دخلت على فعله وهو متوقع
~~الثبوت من حال المؤمنين، وجعله الزمخشري الإخبار بثباته وذلك لأن الفلاح
~~مستقبل أبرز في معرض الماضي مؤكدا بقد دلالة على تحققه فيفيد تحقق
~~البشارة وثباتها كأنه قيل: قد تحقق أن المؤمنين من أهل الفلاح في الآخرة،
~~وجوز أن يكون جملة { قد أفلح } جواب قسم محذوف، وقد ذكر الزجاج في
~~قوله تعالى:

# قد أفلح من زكها

# [الشمس: 9] أنه جواب القسم المذكور قبله بتقدير اللام.

# وقرأ ورش عن نافع { قد أفلح } بإلقاء حركة الهمزة على الدال
~~وحذفها لفظا لالتقاء الساكنين كما قال أبو البقاء وهما الهمزة الساكنة
~~بعد نقل حركتها والدال الساكنة بحسب الأصل لأنه لا يعتد بحركتها العارضة.
~~وقرأ طلحة أيضا { قد أفلحوا } بضم الهمزة والحاء وإلقاء ms07041 واو
~~الجمع وهي مخرجة على لغة أكلوني البراغيث، وقول ابن عطية هي قراءة مردودة
~~مردود، وعن عيسى بن عمر قال: سمعت طلحة يقرأ { قد أفلحوا
~~المؤمنون } فقلت له: أتلحن؟ قال: نعم كما لحن أصحابي، ولعل مراده
~~أن مرجع قراءتي الرواية ومتى صحت في شيء / لا يكون لحنا في نفس الأمر
~~وإن كان كذلك ظاهرا، وإثبات الواو في الرسم مروي عن «كتاب ابن خالويه».
~~وفي «اللوامح» أنها حذفت في الدرج لالتقاء الساكنين وحملت الكتابة على
~~ذلك فهي محذوفة فيها أيضا، ونظير ذلك

# يمح الله البطل

# [الشورى: 24] وقد جاء حذف الواو لفظا وكتابة والاكتفاء بالضمة الدالة
~~عليها كما في قوله:

# ولو أن الأطبا كان حولي

# وكان مع الأطباء الاساة

# وهو ضرورة عند بعض النحاة. والمراد بالمؤمنين قيل إما المصدقون بما علم
~~ضرورة أنه من دين نبينا صلى الله عليه وسلم من التوحيد والنبوة والحشر
~~الجسماني والجزاء ونظائرها فقوله تعالى: { الذين هم في
~~صلاتهم خاشعون }

### || [23.2]

# { الذين هم فى صلاتهم خشعون } وما عطف عليه صفات
~~مخصصة لهم، وإما الآتون بفروعه أيضا كما ينبىء عنه إضافة الصلاة إليهم
~~فهي صفات موضحة أو مادحة لهم، وفي بعض الآثار ما يؤيد كونها مخصصة وجعل
~~الزمخشري الإضافة للإشارة إلى أنهم هم المنتفعون بالصلاة دون المصلى له
~~عز وجل. والخشوع التذلل مع خوف وسكون للجوارح، ولذا قال ابن عباس فيما
~~رواه عنه ابن جرير وغيره: خاشعون خائفون ساكنون. وعن مجاهد أنه هنا غض
~~البصر وخفض الجناح، وقال مسلم بن يسار وقتادة: تنكيس الرأس، وعن علي كرم
~~الله تعالى وجهه ترك الالتفات. وقال الضحاك: وضع اليمين على الشمال. وعن
~~أبي الدرداء إعظام المقام وإخلاص المقال واليقين التام وجمع الاهتمام،
~~ويتبع ذلك ترك الالتفات وهو من الشيطان فقد روى البخاري وأبو داود
~~والنسائي

# " عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة
~~العبد "

# وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة أنه قال في مرضه: ms07042 أقعدوني أقعدوني
~~فإن عندي وديعة أودعنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " لا يلتفت أحدكم في صلاته فإن كان لا بد فاعلا ففي غير ما افترض الله
~~تعالى عليه "

# وترك العبث بثيابه أو شيء من جسده، وإنكار منافاته للخشوع مكابرة، وقد
~~أخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» لكن بسند ضعيف عن أبي هريرة عن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال:

# " لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه "

# ، وترك رفع البصر إلى السماء وإن كان المصلي أعمى وقد جاء النهي عنه،
~~فقد أخرج مسلم وأبو داود وابن ماجه عن جابر بن سمرة قال: «قال النبي صلى
~~الله عليه وسلم:

# " لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم
~~"

# وكان قبل نزول الآية غير منهي عنه، فقد أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه
~~والبيهقي في «سننه» عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت
~~{ الذين هم فى صلاتهم خشعون } فطأطأ رأسه، وترك
~~الاختصار "

# وهو وضع اليد على الخاصرة وقد ذكروا أنه مكروه. وجاء عنه صلى الله عليه
~~وسلم:

# " الاختصار في الصلاة راحة أهل النار "

# أي إن ذلك فعل اليهود في صلاتهم استراحة وهم أهل النار لا أن لهم فيها
~~راحة، كيف وقد قال تعالى:

# لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون

# [الزخرف: 75] ومن أفعالهم أيضا فيها التميل وقد جاء النهي عنه.

# أخرج الحكيم الترمذي من طريق القاسم بن محمد عن أسماء بنت أبي بكر عن
~~أم رومان والدة عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: رآني أبو بكر رضي الله
~~تعالى عنه أتميل في صلاتي فزجرني زجرة كدت أنصرف / عن صلاتي ثم قال:
~~«سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " إذا قام أحدكم في الصلاة فليسكن أطرافه لا يتميل تميل اليهود فإن سكون
~~الأطراف في الصلاة من تمام الصلاة "

# وقال في «الكشاف»: من الخشوع أن يستعمل الآداب وذكر من ذلك ms07043 توقي كف
~~الثوب والتمطي والتثاؤب والتغميض وتغطية الفم والسدل والفرقعة والتشبيك
~~وتقليب الحصى. وفي «البحر» نقلا عن «التحرير» أنه اختلف في الخشوع هل هو
~~من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها؟ على قولين والصحيح الأول ومحله
~~القلب اه، والصحيح عندنا خلافه، نعم الحق أنه شرط القبول لا الإجزاء.
~~وفي «المنهاج» و«شرحه» لابن حجر: ((ويسن الخشوع في كل صلاته بقلبه بأن لا
~~يحضر فيه غير ما هو فيه وإن تعلق بالآخرة وبجوارحه بأن لا يعبث بأحدها،
~~وظاهر أن هذا مراد النووي من الخشوع لأنه سيذكر الأول بقوله: ويسن دخول
~~الصلاة بنشاط وفراغ قلب إلا أن يجعل ذلك سببا له ولذا خصه بحالة الدخول.
~~وفي الآية المراد كل منهما كما هو ظاهر أيضا، وكان سنة لثناء الله تعالى
~~في كتابه العزيز على فاعليه ولانتفاء ثواب الصلاة بانتفائه كما دلت عليه
~~الأحاديث الصحيحة، ولأن لنا وجها اختاره جمع أنه شرط للصحة لكن في البعض
~~فيكره الاسترسال مع حديث النفس والعبث كتسوية ردائه أو عمامته لغير ضرورة
~~من تحصيل سنة أو دفع مضرة، وقيل يحرم اه))، وللإمام في هذا المقام كلام
~~طويل من أراده فليرجع إليه.

# وتقديم الظرف قيل لرعاية الفواصل، وقيل ليقرب ذكر الصلاة من ذكر الإيمان
~~فإنهما أخوان وقد جاء إطلاق الإيمان عليها في قوله تعالى:

# وما كان الله ليضيع إيمنكم

# [البقرة: 143] وقيل للحصر على معنى الذين هم في جميع صلاتهم دون بعضها
~~خاشعون، وفي تقديم وصفهم بالخشوع في الصلاة على سائر ما يذكر بعد ما لا
~~يخفى من التنويه بشأن الخشوع، وجاء أن الخشوع أول ما يرفع من الناس، ففي
~~خبر رواه الحاكم وصححه أن عبادة بن الصامت قال: يوشك أن تدخل المسجد فلا
~~ترى فيه رجلا خاشعا. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في «الزهد»، والحاكم
~~وصححه عن حذيفة قال:

# " أول ما تفقدون من دينكم الخشوع وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة وتنتقض
~~عرى الإسلام عروة عروة "

# الخبر.

### || [23.3]

# { والذين هم عن اللغو } وهو ما لا يعتد به من الأقوال
~~والأفعال، ms07044 وعن ابن عباس تفسيره بالباطل، وشاع في الكلام الذي يورد لا عن
~~روية وفكر فيجري مجرى اللغاء وهو صوت العصافير ونحوها من الطير. وقد يسمى
~~كل كلام قبيح لغوا، ويقال فيه كما قال أبو عبيدة لغو ولغا نحو عيب وعاب،
~~وأنشد:

# عن اللغا ورفث التكليم

# { معرضون } في عامة أوقاتهم لما فيه من الحالة الداعية إلى
~~الإعراض عنه مع ما فيهم من الاشتغال بما يعنيهم، وهذا أبلغ من أن يقال:
~~لا يلهون من وجوه، جعل الجملة اسمية دالة على الثبات والدوام، وتقديم
~~الضمير المفيد لتقوي الحكم بتكريره، والتعبير في المسند بالاسم الدال كما
~~شاع على الثابت، وتقديم الظرف عليه المفيد للحصر، وإقامة الإعراض مقام
~~الترك ليدل على تباعدهم عنه رأسا مباشرة وتسببا وميلا وحضورا فإن
~~أصله أن يكون / في عرض أي ناحية غير عرضه.

### || [23.4]

# الظاهر أن المراد بالزكاة المعنى المصدري  أعني التزكية  لأنه الذي
~~يتعلق به فعلهم، وأما المعنى الثاني وهو القدر الذي يخرجه المزكي فلا
~~يكون نفسه مفعولا لهم فلا بد إذا أريد من تقدير مضاف، أي لأداء الزكاة
~~فاعلون أو تضمين { فعلون } معنى مؤدون وبذلك فسره التبريزي إلا أنه
~~تعقب بأنه لا يقال فعلت الزكاة أي أديتها، وإذا أريد المعنى الأول أدى
~~وصفهم بفعل التزكية إلى أداء العين بطريق الكناية التي هي أبلغ، وهذا أحد
~~الوجوه للعدول عن والذين يزكون إلى ما في النظم الكريم.

# وجميع ما مر آنفا في بيان أبلغية

# والذين هم عن اللغو معرضون

# [المؤمنون: 3] من والذين لا يلهون جار هنا سوى الوجه الخامس اتفاقا
~~والرابع عند بعض لأن المقدم متعلق تعلق الجار والمجرور بما بعده، كيف
~~واللام زائدة لتقوية العمل من وجهين، تقديم المعمول وكون العامل اسما.
~~وقال بعض آخر: يمكن جريان مثله حيث قدم المعمول مع ضعف عامله لا للتخصيص
~~بل لكونه مصب الفائدة، ويجوز اعتبار التخصيص الإضافي أيضا بالنسبة إلى
~~الإنفاق فيما لا يليق. ووصفهم بذلك بعد وصفهم بالخشوع في الصلاة للدلالة
~~على أنهم لم يألوا جهدا بالعبادة البدنية والمالية، وتوسيط حديث ms07045 الإعراض
~~بينهما لكمال ملابسته بالخشوع في الصلاة وإلا فأكثر ما تذكر هاتان
~~العبادتان في القرآن معا بلا فاصل.

# وعن أبي مسلم أن الزكاة هنا بمعنى العمل الصالح كما في قوله تعالى:

# خيرا منه زكوة

# [الكهف: 81] واختار الراغب أن الزكاة بمعنى الطهارة واللام للتعليل،
~~والمعنى والذين يفعلون ما يفعلون من العبادة ليزكيهم الله تعالى أو
~~ليزكوا أنفسهم، ونقل نحوه الطيبي عن صاحب «الكشف» فقال: قال صاحب
~~«الكشف»: معنى الآية الذين هم لأجل الطهارة وتزكية النفس عاملون الخير،
~~ويرشد إلى ذلك قوله تعالى:

# قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى

# [الأعلى: 14-15] و

# قد أفلح من زكها

# [الشمس: 9] فإن القرآن يفسر بعضه بعضا ولا ينبغي أن يعدل عن تفسير بعضه
~~ببعض ما أمكن، وقال بعض الأجلة: إن اقتران ذلك بالصلاة ينادي على أن
~~المراد وصفهم بأداء الزكاة الذي هو عبادة مالية، وتنظير ما نحن فيه
~~بالآيتين بعيد لأنهما ليستا من هذا القبيل في شيء، وربما يقال: الفصل
~~بينهما يشعر بما اختاره الراغب ومن حذا حذوه، وأيضا كون السورة مكية
~~والزكاة فرضت بالمدينة يؤيده لئلا يحتاج إلى التأويل بما مر فتدبر.

# وأيا ما كان فالآية في أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة، وقول بعض زنادقة
~~الأعاجم الذين حرموا ذوق العربية: ألا قيل مؤدون بدل { فعلون } من
~~محض الجهل والحماقة التي أعيت من يداويها فإنه لو فرض أن القرآن وحاشا
~~لله سبحانه كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهو عليه الصلاة والسلام الذي
~~مخضت له الفصاحة زبدها وأعطته البلاغة مقودها وكان صلى الله عليه وسلم
~~بين مصاقع نقاد لم يألوا جهدا في طلب طعن ليستريحوا به من طعن الصعاد،
~~وقد جاء نظير ذلك في كلام أمية بن أبي الصلت قال:

# المطعمون الطعام في السنة

# الأزمة والفاعلون للزكوات

# ولم يرد عليه أحد من فصحاء العرب ولا أعابوه، واختار الزمخشري في هذا
~~حمل الزكاة على العين وتقدير المضاف دون الآية، وعلل بجمعها وهو إنما
~~يكون للعين دون المصدر. وتعقب بأنه قد جاء كثير من المصادر مجموعة
~~كالظنون ms07046 والعلوم والحلوم والأشغال وغير ذلك، وهي إذا اختلف فالأكثرون على
~~جواز جمعها وقد اختلفت ههنا بحسب متعلقاتها فإن إخراج النقد غير إخراج
~~الحيوان وإخراج الحيوان غير إخراج النبات فليحفظ.

### || [23.5-6]

# { إلا على أزوجهم أو ما ملكت أيمنهم } وصف
~~لهم بالعفة وهو وإن استدعاه وصفهم بالإعراض عن اللغو إلا أنه جىء به
~~اعتناء بشأنه، ويجوز أن يقال: إن ما تقدم وإن استدعى وصفهم بأصل العفة
~~لكن جىء بهذا لما فيه من الإيذان بأن قوتهم الشهوية داعية لهم إلى ما لا
~~يخفى وأنهم حافظون لها عن استيفاء مقتضاها وبذلك يتحقق كمال العفة،
~~واللام للتقوية كما مر في نظيره، و { على } متعلق بحافظون لتضمينه
~~معنى ممسكون على ما اختاره أبو حيان والإمساك يتعدى بعلى كما في قوله
~~تعالى:

# أمسك عليك زوجك

# [الأحزاب: 37] وذهب جمع إلى اعتبار معنى النفي المفهوم من الإمساك ليصح
~~التفريغ فكأنه قيل حافظون فروجهم لا يرسلونها على أحد إلا على أزواجهم،
~~وقال بعضهم: لا يلزم ذلك لصحة العموم هنا فيصح التفريغ في الإيجاب. وفي
~~«الكشف» الوجه أن يقال: ما في الآية من قبيل حفظت على الصبي ماله إذا
~~ضبطه مقصورا عليه لا يتعداه، والأصل حافظون فروجهم على الأزواج لا
~~تتعداهن ثم قيل غير حافظين إلا على الأزواج تأكيدا على تأكيد، وعلى هذا
~~تضمين معنى النفي الذي ذكره الزمخشري من السياق واستدعاء الاستثناء
~~المفرغ ذلك ولم يؤخذ مما في الحفظ من معنى المنع والإمساك لأن حرف
~~الاستعلاء يمنعه انتهى وفيه ما فيه.

# ويا ليت شعري كيف عد حرف الاستعلاء مانعا عن ذلك مع أن كون الإمساك مما
~~يتعدى به أمر شائع. وقال الفراء وتبعه ابن مالك وغيره: إن { على } هنا
~~بمعنى من أي إلا من أزواجهم كما أن من بمعنى على في قوله تعالى:

# ونصرنه من القوم

# [الأنبياء: 77] أي على القوم، وقيل هي متعلقة بمحذوف وقع حالا من ضمير
~~{ حفظون } والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي حافظون لفروجهم في
~~جميع الأحوال إلا حال كونهم والين وقوامين على أزواجهم من قولك: كان ms07047 فلان
~~على فلانة فمات عنها، ومنه قولهم: فلانة تحت فلان ولذا سميت المرأة
~~فراشا أو متعلقة بمحذوف يدل عليه { غير ملومين } كأنه قيل يلامون
~~إلا على أزواجهم أي يلامون على كل مباشر إلا على ما أطلق لهم فإنهم غير
~~ملومين عليه، وكلا الوجهين ذكرهما الزمخشري. واعترض بأنهما متكلفان
~~ظاهرا فيهما العجمة، وأورد على الأخير أن إثبات اللوم لهم في أثناء
~~المدح غير مناسب مع أنه لا يختص بهم، وكون ذلك على فرض عصيانهم وهو مثل
~~قوله تعالى:

# فمن ابتغى

# [المؤمنون: 7] الخ لا يدفعه كما توهم؛ ولا يجوز أن تتعلق بملومين
~~المذكور بعد، لما قال أبو البقاء من أن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها وأن
~~المضاف إليه لا يعمل فيما قبله.

# والمراد مما ملكت أيمانهم السريات، والتخصيص بذلك للإجماع على عدم حل
~~وطء المملوك الذكر، والتعبير عنهن  بما  على القول باختصاصها بغير
~~العقلاء لأنهن يشبهن السلع بيعا وشراء أو لأنهن لأنوثتهن المنبئة عن
~~قلة عقولهن جاريات مجرى غير العقلاء، وهذا ظاهر فيما إذا كن من الجركس أو
~~الروم أو نحوهم فكيف إذا كن من الزنج والحبش وسائر السودان فلعمري إنهن
~~حينئذ إن لم يكن من نوع البهائم فما نوع البهائم منهن ببعيد، والآية
~~خاصة بالرجال فإن التسري للنساء لا يجوز بالإجماع، وعن قتادة قال تسرت
~~امرأة غلاما فذكرت لعمر رضي الله تعالى عنه فسألها ما حملك على هذا؟
~~فقالت: كنت أرى أنه يحل لي ما يحل للرجال من ملك اليمين فاستشار عمر فيها
~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: تأولت كتاب الله تعالى على غير
~~تأويله فقال رضي الله تعالى عنه: لا جرم لا أحلك لحر بعده أبدا كأنه
~~عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها وأمر العبد / أن لا يقربها، ولو كانت المرأة
~~متزوجة بعبد فملكته فأعتقته حالة الملك انفسخ النكاح عند فقهاء الأمصار.

# وقال النخعي والشعبي وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة: يبقيان على
~~نكاحهما.

# { فإنهم غير ملومين } تعليل لما يفيده الاستثناء من عدم
~~حفظ فروجهم من ms07048 المذكورات أي فإنهم غير ملومين على ترك حفظها منهن. وقيل
~~الفاء في جواب شرط مقدر أي فإن بذلوا فروجهم لأزواجهم أو إمائهم فإنهم
~~غير ملومين على ذلك، والمراد بيان جنس ما يحل وطؤه في الجملة وإلا فقد
~~قالوا: يحرم وطء الحائض والأمة إذا زوجت والمظاهر منها حتى يكفر وهذا
~~مجمع عليه.

# وفي الجمع بين الأختين من ملك اليمين وبين المملوكة وعمتها أو خالتها
~~خلاف على ما في «البحر»، وذكر الآمدي في «الإحكام» أن عليا كرم الله
~~تعالى وجهه احتج على جواز الجمع بين الأختين في الملك بقوله تعالى: {
~~أو ما ملكت أيمنهم }.

### || [23.7]

# { فمن ابتغى وراء ذلك } أي المذكور من الحد المتسع وهو أربع
~~من الحرائر وما شاء من الإماء، وانتصاب { وراء } على أنه مفعول {
~~أبتغى } أي خلاف ذلك وهو الذي ذهب إليه أبو حيان، وقال بعض المحققين:
~~إن { وراء } ظرف لا يصلح أن يكون مفعولا به وإنما هو ساد مسد المفعول
~~به، ولذا قال الزمخشري: أي فمن أحدث ابتغاء وراء ذلك { فأولئك
~~هم العادون } الكاملون في العدوان المتناهون فيه كما يشير إليه
~~الإشارة والتعريف وتوسيط الضمير المفيد لجعلهم جنس العادين أو جميعهم،
~~وفي الآية رعاية لفظ { من } ومعناها ويدخل فيما { وراء ذلك } الزنا
~~واللواط ومواقعة البهائم وهذا مما لا خلاف فيه.

# واختلف في وطء جارية أبيح له وطؤها فقال الجمهور: هو داخل فيما وراء ذلك
~~أيضا فيحرم وهو قول الحسن وابن سيرين وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله
~~تعالى عنهما، فقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد الرزاق عنه أنه سئل عن امرأة
~~أحلت جاريتها لزوجها فقال: لا يحل لك أن تطأ فرجا أي غير فرج زوجتك إلا
~~فرجا إن شئت بعت وإن شئت وهبت وإن شئت أعتقت، وعن ابن عباس أنه غير داخل
~~فلا يحرم، فقد أخرج عبد الرزاق عنه رضي الله تعالى عنه قال: إذا أحلت
~~امرأة الرجل أو ابنته أو أخته له جاريتها فليصبها وهي لها وهو قول طاوس،
~~أخرج عنه عبد الرزاق أيضا أنه قال: ms07049 هو أحل من الطعام فإن ولدت فولدها
~~للذي أحلت له وهي لسيدها الأول، وأخرج عن عطاء أنه قال: كان يفعل ذلك يحل
~~الرجل وليدته لغلامه وابنه وأخيه وأبيه والمرأة لزوجها وقد بلغني أن
~~الرجل يرسل وليدته لصديقه وإلى هذا ذهبت الشيعة، والآية ظاهرة في رده
~~لظهور أن المعارة للجماع ليست بزوجة ولا مملوكة وكذا قوله تعالى:

# فإن خفتم ألا تعدلوا فوحدة أو ما ملكت
~~أيمنكم

# [النساء: 3] فإن السكوت في معرض البيان يفيد الحصر خصوصا إذا كان
~~المقام مقتضيا لذكر جميع ما لا يجب العدل فيه، وفي عدم وجوب العدل تكون
~~العارية أقدم من الكل إذ لا يجب فيها إلا تحمل منة مالك الفرج فقط وكذا
~~قوله سبحانه:

# ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنت
~~المؤمنت فمن ما ملكت أيمنكم

# [النساء: 25]  إلى قوله تعالى :

# ذلك لمن خشى العنت منكم وأن تصبروا خير
~~لكم

# [النساء: 25] فإنه لو جازت العارية لما كان خوف العنت والحاجة إلى نكاح
~~الإماء وإلى الصبر على ترك نكاحهن متحققا، ونحوه قوله سبحانه:

# وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى
~~يغنيهم الله من فضله

# [النور: 33] فإنه لو كانت العارية جائزة لم يؤمر الذين لا يجدون نكاحا
~~بالاستعفاف، ولعل الرواية السابقة عن ابن عباس غير صحيحة.

# وكذا اختلف في المتعة فذهبت الشيعة أيضا / إلى جوازها، ويرد عليهم بما
~~ذكرنا من الآيات الظاهرة في تحريم العارية، وأخرج عبد الرزاق وأبو داود
~~في «ناسخه» عن القاسم بن محمد أنه سئل عن المتعة فقال: هي محرمة في كتاب
~~الله تعالى وتلا:

# والذين هم لفروجهم حفظون

# [المؤمنون: 5] الآية وقرر وجه دلالة الآية على ذلك أن المستمتع بها ليست
~~ملك اليمين ولا زوجة فوجب أن لا تحل له أما أنها ليست ملك اليمين فظاهر
~~وأما أنها ليست زوجة له فلأنهما لا يتوارثان بالإجماع ولو كانت زوجة لحصل
~~التوارث لقوله تعالى:

# ولكم نصف ما ترك أزوجكم

# [النساء: 12] وتعقبه في «الكشف» بأن لهم أن يقولوا: إنها زوجة يكشف
~~الموت عن بينونتها قبيله كما أنها تبين بانقضاء الأجل ms07050 قضاء لحق التعليق
~~والتأجيل، وحاصله منع استفسار في الملازمة إن أريد لو كانت زوجة حال
~~الحياة لم يفد وإن أريد بعد الموت فالملازمة ممنوعة فإن قيل: لا تبين
~~بالموت كالنكاح المؤبد. أجيب بأنه قياس في عين ما افترق النكاحان به وهو
~~فاسد بالإجماع. وتعقب هذا شيخ الإسلام لخفاء معناه عليه بأنه ليس للترديد
~~معنى محصل ولو قيل: إن أريد لو كانت زوجة حال الحياة فالملازمة ممنوعة
~~وإن أريد بعد الموت لم يفد لكان له وجه، وقال هو في رد الاستدلال: لهم أن
~~يقولوا إنها زوجة له في الجملة وأما إن كل زوجة ترث فهم لا يسلمونه.

# وقال بعضهم: الحق أن الآية دليل على الشيعة فإن ظاهر كلامهم أنها ليست
~~بزوجة أصلا حيث ينفون عنها لوازم الزوجية بالكلية من العدة والطلاق
~~والإيلاء والظهار وحصول الإحصان وإمكان اللعان والنفقة والكسوة والتوارث
~~ويقولون بجواز جمع ما شاء بالمتعة ولا شك أن نفي اللازم دليل نفي
~~الملزوم. وتعقب بأن هذا حق لو سلم أنهم ينفون اللوازم كلها لكنه لا يسلم،
~~ونفي بعض اللوازم لا يكفي في الرد عليهم إذا قالوا: إن الزوجية قسمان
~~كاملة وغير كاملة إذ بنفي ذلك البعض إنما ينتفي القسم الأول وهو لا
~~يضرهم.

# وقيل: الذي يقتضيه الإنصاف أن الآية ظاهرة في تحريم المتعة فإن المستمتع
~~بها لا يقال لها زوجة في العرف ولا يقصد منها ما هو السر في مشروعية
~~النكاح من التوالد والتناسل لبقاء النوع بل مجرد قضاء الوطر وتسكين دغدغة
~~المني ونحو ذلك، وزعم أنه يتم الاستدلال بالآية بهذا الطرز على التحريم
~~سواء نفيت اللوازم أم لم تنف كما هو مذهب بعض القائلين بالحل كما سنشير
~~إليه إن شاء الله تعالى. ولعل الأقرب إلى الإنصاف أن يقال: متى قيل بنفي
~~اللوازم من حصول الإحصان وحرمة الزيادة على الأربع ونحو ذلك كانت الآية
~~دليلا على الحرمة لأن المتبادر من الزوجية فيها الزوجية التي يلزمها مثل
~~ذلك وهو كاف في الاستدلال على مثل هذا المطلب الفرعي، ومتى لم يقل بنفي ms07051
~~اللوازم ولم يفرق بينها وبين النكاح المؤبد إلا بالتوقيت وعدمه لم تكن
~~الآية دليلا على التحريم.

# هذا ولي ههنا بحث لم أر من تعرض له وهو أنه قد ذكر في «الصحيحين» أن
~~النبي صلى الله عليه وسلم حرم المتعة يوم خيبر، وفي «صحيح مسلم» أنه
~~عليه الصلاة والسلام حرمها يوم الفتح، ووفق ابن الهمام بأنها حرمت مرتين
~~مرة يوم خيبر ومرة يوم الفتح وذلك يقتضي أنها كانت حلالا قبل هذين
~~اليومين، وقد سمعت آنفا ما يدل على أن هذه الآية مكية بالاتفاق فإذا
~~كانت دالة على التحريم كما سمعت عن القاسم بن محمد وروى مثله ابن المنذر
~~وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن عائشة رضي الله تعالى عنها لزم أن تكون
~~محرمة بمكة يوم نزلت الآية وهو قبل هذين اليومين فتكون قد حرمت ثلاث مرات
~~ولم أر أحدا صرح بذلك، وإذا التزمناه يبقى شيء آخر وهو عدم تمامية
~~الاستدلال بها وحدها على تحريم المتعة لمن يعلم أنها أحلت بعد نزولها كما
~~لا يخفى، لا يقال: ((إن للناس في المكي والمدني اصطلاحات ثلاثة، الأول:
~~أن المكي ما نزل قبل الهجرة / والمدني ما نزل بعدها سواء نزل بالمدينة أم
~~بمكة عام الفتح أم عام حجة الوداع أم بسفر من الأسفار، الثاني: أن المكي
~~ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة والمدني ما نزل بالمدينة وعلى هذا تثبت
~~الواسطة فما نزل بالأسفار لا يطلق عليه مكي ولا مدني الثالث: أن المكي ما
~~وقع خطابا لأهل مكة والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة))، وحينئذ يمكن
~~أن تكون هذه الآية مكية بالاصطلاح الثاني وتكون نازلة يوم الفتح يوم حرمت
~~المتعة في المرة الثانية ولا يكون التحريم إلا مرتين ويكون استدلال من
~~استدلوا بها من الصحابة والتابعين وغيرهم على التحريم وإن علموا أن
~~المتعة أحلت بعد الهجرة في بعض الغزوات مما لا غبار عليه، وإذا التزم هذا
~~الاصطلاح في مكية جميع السورة المجمع عليها حسبما سمعت عن «البحر» ينحل
~~إشكال حمل الزكاة على الزكاة الشرعية مع فرضيتها ms07052 بالمدينة بأن يقال: إن
~~أوائل السورة نزلت بعد فرضية الزكاة في المدينة عام الفتح في مكة لأنا
~~نقول: لا شبهة في أنه يمكن كون الآية مكية بالاصطلاح الثاني وكونها نازلة
~~يوم الفتح وكذلك يمكن كون كل السورة أو أغلبها مكيا بذلك الإصطلاح وكل
~~ما بني على ذلك صحيح بناء عليه إلا أن المتبادر من المكي والمدني المعنى
~~المصطلح عليه أولا لأن الإصطلاح الأول أشهر الاصطلاحات الثلاثة كما قاله
~~الجلال السيوطي في «الاتقان».

# فالظاهر من قولهم: إن هذه السورة مكية أنها نزلت قبل الهجرة بل قد صرح
~~الجلال المذكور بأنها إلا ما استثني منها مما سمعته مكية على الاصطلاح
~~الأول دون الثاني ولا يجزم مثله بذلك إلا عن وقوف فما ذكر مجرد تجويز أمر
~~لا يساعد على ثبوته صريح نقل بل النقل الصريح مساعد على خلافه وهو المرجع
~~فيما نحن فيه.

# فقد قال القاضي أبو بكر في «الانتصار»: إنما يرجع في معرفة المكي
~~والمدني لحفظ الصحابة والتابعين، وكونهما قد يعرفان بالقياس على ما ذكره
~~الجعبري وغيره مع عدم جدواه ليس بشيء، نعم إذا جعل استدلال الصحابي أو
~~التابعي المطلع على إباحة المتعة بعد الهجرة بها قولا باستثنائها عن
~~أخواتها من آيات السورة وحكما عليها بنزولها بعد الهجرة دونهن فالأمر
~~واضح، وستطلع أيضا إن شاء الله تعالى على ما يوجب استثناء غير ذلك،
~~وبالجملة متى قيل المدار في أمثال هذه المقامات صريح النقل تعين القول
~~بأن الآية مكية بمعنى أنها نزلت قبل الهجرة.

# وأشكل الاستدلال بها على تحريم المتعة بعد تحليلها بعد الهجرة لكون دليل
~~التحليل مخصصا لعمومها، ومذهب الأئمة الأربعة جواز تخصيص عموم القرآن
~~بالسنة مطلقا وهو المختار ويحتاج حينئذ إلى دليل غيرها على التحريم،
~~وبعد ثبوت الدليل تكون هي دليلا آخر بمعونته وهذا الدليل الأخبار
~~الصحيحة من تحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها وقد تقدم بعضها.
~~وفي «صحيح مسلم» عنه عليه الصلاة والسلام:

# " كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وقد حرم الله تعالى ذلك إلى يوم
~~القيامة ms07053 "

# وأخرج الحازمي بسنده إلى جابر قال:

# " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك حتى إذا كنا عند
~~العقبة مما يلي الشام جاءت نسوة فذكرنا تمتعنا [منهن] وهن يظعن في رحالنا
~~فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إليهن وقال: من هؤلاء النسوة؟
~~فقلنا: يا رسول الله نسوة تمتعنا منهن فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~حتى احمرت وجنتاه وتمعر وجهه وقام فينا خطيبا فحمد الله تعالى وأثنى
~~عليه ثم نهى عن المتعة فتوادعنا يومئذ الرجال والنساء ولم نعد ولا نعود
~~إليها أبدا "

# وقد روى تحريمها عنه عليه الصلاة والسلام أيضا علي كرم الله تعالى وجهه
~~وجاء ذلك في «صحيح مسلم» ووقع على ما قيل إجماع الصحابة على أنها حرام /
~~وصح عند بعض رجوع ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلى القول بالحرمة بعد
~~قوله بحلها مطلقا أو وقت الاضطرار إليها، واستدل ابن الهمام على رجوعه
~~بما رواه الترمذي عنه أنه قال: إنما كانت المتعة في أول الإسلام كان
~~الرجل يقدم البلد ليس له بها معرفة فيتزوج [المرأة] بقدر ما يرى أنه مقيم
~~فتحفظ له متاعه وتصلح له شأنه حتى إذا نزلت الآية

# إلا على أزوجهم أو ما ملكت أيمنهم
~~فإنهم غير ملومين

# [المؤمنون: 6] قال ابن عباس: فكل فرج سواهما فهو حرام، ولا أدري ما عنى
~~بأول الإسلام فإن عنى ما كان في مكة قبل الهجرة أفاد الخبر أنها كانت
~~تفعل قبل إلى أن نزلت الآية فإن كان نزولها قبل الهجرة فلا إشكال في
~~الاستدلال بها على الحرمة لو لم يكن بعد نزولها إباحة لكنه قد كان ذلك،
~~وإن عنى ما كان بعد الهجرة أوائلها وأنها كانت مباحة إذ ذاك إلى أن نزلت
~~الآية كان ذلك قولا بنزول الآية بعد الهجرة وهو خلاف ما روي عنه من أن
~~السورة مكية المتبادر منه الاصطلاح الأول ولعله يلتزم ذلك؛ ويقال: إن
~~استدلاله بالآية قول باستثنائها كما مر آنفا أو يقال: إن هذا الخبر لم
~~يصح، ويؤيد هذا ms07054 قول العلامة ابن حجر: إن حكاية الرجوع عن ابن عباس لم تصح
~~بل صح كما قال بعضهم عن جمع أنهم وافقوه في الحل لكن خالفوه فقالوا: لا
~~يترتب على ذلك أحكام النكاح، وبهذا نازع الزركشي في حكاية الإجماع فقال:
~~الخلاف محقق وإن ادعى جمع نفيه انتهى. ويفهم منه أن ابن عباس يدخل
~~المستمتع بها في الأزواج وحينئذ لا تقوم الآية دليلا عليه فتدبر. ونسب
~~القول بجواز المتعة إلى مالك رضي الله تعالى عنه وهو افتراء عليه بل هو
~~كغيره من الأئمة قائل بحرمتها بل قيل إنه زيادة على القول بالحرمة يوجب
~~الحد على المستمتع ولم يوجبه غيره من القائلين بالحرمة لمكان الشبهة.

# وكذا اختلف في استمناء الرجل بيده ويسمى الخضخضة وجلد عميرة، فجمهور
~~الأئمة على تحريمه وهو عندهم داخل فيما { وراء ذلك } ، وكان أحمد بن
~~حنبل يجيزه لأن المني فضلة في البدن فجاز إخراجها عند الحاجة كالفصد
~~والحجامة، وقال ابن الهمام: يحرم فإن غلبته الشهوة ففعل إرادة تسكينها به
~~فالرجاء أن لا يعاقب. ومن الناس من منع دخوله فيما ذكر ففي «البحر» ((كان
~~قد جرى لي في ذلك كلام مع قاضي القضاة أبي الفتح محمد بن علي بن مطيع
~~القشيري بن دقيق العيد فاستدل على منع ذلك بهذه الآية فقلت: إن ذلك خرج
~~مخرج ما كانت العرب تفعله من الزنا والتفاخر به في أشعارها وكان ذلك
~~كثيرا فيهم بحيث كان في بغاياهم صاحبات رايات ولم يكونوا ينكرون ذلك
~~وأما جلد عميرة فلم يكن معهودا فيهم ولا ذكره أحد منهم في شعر فيما
~~علمناه فليس بمندرج فيما وراء ذلك)) انتهى، وأنت تعلم أنه إذا ثبت أن جلد
~~عميرة كناية عن الاستمناء باليد عند العرب كما هو ظاهر عبارة «القاموس»
~~فالظاهر أن هذا الفعل كان موجودا فيما بينهم وإن لم يكن كثيرا شائعا
~~كالزنا فمتى كان ذلك من أفراد العام لم يتوقف اندراجه تحته على شيوعه
~~كسائر أفراده.

# وفي «الإحكام» إذا كان من عادة المخاطبين تناول طعام خاص مثلا فورد
~~خطاب عام ms07055 بتحريم الطعام نحو حرمت عليكم الطعام فقد اتفق الجمهور من
~~العلماء على إجراء اللفظ على عمومه في تحريم كل طعام على وجه يدخل فيه
~~المعتاد وغيره وإن العادة لا تكون منزلة للعموم على تحريم المعتاد دون
~~غيره خلافا لأبي حنيفة عليه الرحمة وذلك لأن الحجة إنما هي في اللفظ
~~الوارد وهو مستغرق لكل مطعوم بلفظه ولا ارتباط له بالعوائد وهو حاكم على
~~العوائد فلا تكون العوائد حاكمة عليه، نعم لو كانت العادة في الطعام
~~المعتاد أكله قد خصصت بعرف الاستعمال اسم الطعام بذلك الطعام كما خصصت
~~الدابة بذوات القوائم الأربع لكان لفظ الطعام منزلا عليه دون غيره ضرورة
~~تنزيل مخاطبة الشارع للعرب على ما هو المفهوم لهم من لغتهم. / والفرق أن
~~العادة أولا إنما هي مطردة في اعتياد أكل ذلك الطعام المخصوص فلا تكون
~~قاضية على ما اقتضاه عموم لفظ الطعام، وثانيا هي مطردة في تخصيص اسم
~~الطعام بذلك الطعام الخاص فتكون قاضية على الاستعمال الأصلي اه، ومنه
~~يعلم أن الاستمناء باليد إن كان قد جرت عادة العرب على إطلاق ما وراء ذلك
~~عليه وجرت على إطلاقه على ما عداه من الزنا ونحوه لم يدخل ذلك الفعل في
~~العموم عند الجمهور.

# ومن الناس من استدل على تحريمه بشيء آخر نحو ما ذكره المشايخ من قوله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " ناكح اليد ملعون "

# وعن سعيد بن جبير عذب الله تعالى أمة كانوا يعبثون بمذاكيرهم، وعن عطاء
~~سمعت قوما يحشرون وأيديهم حبالى وأظن أنهم الذين يستمنون بأيديهم والله
~~تعالى أعلم، وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من محله. ولا يخفى أن كل ما
~~يدخل في العموم تفيد الآية حرمة فعله على أبلغ وجه؛ ونظير ذلك إفادة قوله
~~تعالى:

# ولا تقربوا الزنى

# [الإسراء: 32] حرمة فعل الزنا فافهم.

### || [23.8]

# { والذين هم لأمنتهم وعهدهم رعون } قائمون
~~بحفظها وإصلاحها، وأصل الرعي حفظ الحيوان إما بغذائه الحافظ لحياته أو
~~بذب العدو عنه، ثم استعمل في الحفظ مطلقا. والأمانات جمع أمانة وهي في
~~الأصل مصدر لكن أريد بها ms07056 هنا ما ائتمن عليه إذ الحفظ للعين لا للمعنى
~~وأما جمعها فلا يعين ذلك إذ المصادر قد تجمع كما قدمنا غير بعيد، وكذا
~~العهد مصدر أريد به ما عوهد عليه لذلك. والآية عند أكثر المفسرين عامة في
~~كل ما ائتمنوا عليه وعوهدوا من جهة الله تعالى ومن جهة الناس كالتكاليف
~~الشرعية والأموال المودعة والأيمان والنذور والعقود ونحوها، وجمعت
~~الأمانة دون العهد قيل لأنها متنوعة متعددة جدا بالنسبة إلى كل مكلف من
~~جهته تعالى ولا يكاد يخلو مكلف من ذلك ولا كذلك العهد. وجوز بعض المفسرين
~~كونها خاصة فيما ائتمنوا عليه وعوهدوا من جهة الناس وليس بذاك، ويجوز
~~عندي أن يراد بالأمانات ما ائتمنهم الله تعالى عليه من الأعضاء والقوى،
~~والمراد برعيها حفظها عن التصرف بها على خلاف أمره عز وجل. وأن يراد
~~بالعهد ما عاهدهم الله تعالى عليه مما أمرهم به سبحانه بكتابه وعلى لسان
~~رسوله صلى الله عليه وسلم، والمراد برعيه حفظه عن الإخلال به وذلك بفعله
~~على أكمل وجه فحفظ الأمانات كالتخلية وحفظ العهد كالتحلية. وكأنه جل وعلا
~~بعد أن ذكر حفظهم لفروجهم ذكر حفظهم لما يشملها وغيرها، ويجوز أن تعمم
~~الأمانات بحيث تشمل الأموال ونحوها وجمعها لما فيها لمن التعدد المحسوس
~~المشاهد فتأمل. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو في رواية { لأمانتهم } بالإفراد.

### || [23.9]

# { والذين هم على صلوتهم } المكتوبة عليهم كما أخرج ابن
~~المنذر عن أبي صالح وعبد بن حميد عن عكرمة { يحافظون } بتأديتها في
~~أوقاتها بشروطها وإتمام ركوعها وسجودها وسائر أركانها كما روي عن قتادة.
~~وأخرج جماعة عن ابن مسعود أنه قيل له: إن الله تعالى يكثر ذكر الصلاة في
~~القرآن

# الذين هم على صلاتهم دائمون

# [المعارج: 23]

# والذين هم على صلاتهم يحفظون

# [المعارج: 34] قال ذاك على مواقيتها قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على
~~فعلها وعدم تركها قال: تركها الكفر، وقيل: المحافظة عليها المواظبة على
~~فعلها على أكمل وجه. وجيء بالفعل دون الاسم كما في سائر رؤس الآي السابقة
~~لما في الصلاة من التجدد والتكرر ولذلك جمعت ms07057 في قراءة السبعة ما عدا
~~الأخوين / وليس ذلك تكريرا لما وصفهم به أولا من الخشوع في جنس الصلاة
~~للمغايرة التامة بين ماهنا وما هناك كما لا يخفى.

# وفي تصدير الأوصاف وختمها بأمر الصلاة تعظيم لشأنها، وتقديم الخشوع
~~للاهتمام به فإن الصلاة بدونه كلا صلاة بالإجماع وقد قالوا: صلاة بلا
~~خشوع جسد بلا روح، وقيل: تقديمه لعموم ما هنا له.

### || [23.10]

# { أولئك } إشارة إلى المؤمنين باعتبار اتصافهم بما ذكر من
~~الصفات، وإيثارها على الاضمار للإشعار بامتيازهم بها عن غيرهم ونزولهم
~~منزلة المشار إليهم حسا، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو طبقتهم
~~وبعد درجتهم في الفضل والشرف، أي: أولئك المنعوتون بالنعوت الجليلة
~~المذكورة { هم الورثون } أي الأحقاء أن يسموا وراثا دون من عداهم
~~ممن لم يتصف بتلك الصفات من المؤمنين، وقيل: ممن ورث رغائب الأموال
~~والذخائر وكرائمهما.

### || [23.11]

# { الذين يرثون الفردوس } صفة كاشفة أو عطف بيان أو بدل،
~~وأيا ما كان ففيه بيان لما يرثونه وتقييد للوراثة بعد إطلاقها تفخيما
~~لها وتأكيدا، والفردوس أعلا الجنان، أخرج عبد بن حميد والترمذي وقال:
~~حسن صحيح غريب عن أنس رضي الله تعالى عنه

# " أن الربيع بنت النضر أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ابنها
~~الحرث بن سراقة أصيب يوم بدر أصابه سهم غرب فقالت: أخبرني عن حارثة فإن
~~كان أصاب الجنة احتسبت وصبرت وإن كان لم يصب الجنة اجتهدت في الدعاء فقال
~~النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها جنان في جنة وإن ابنك أصاب الفردوس
~~الأعلى والفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها "

# وعلى هذا لا إشكال في الحصر على ما أشرنا إليه أولا فإن غير المتصف بما
~~ذكر من الصفات وإن دخل الجنة لا يرث الفردوس التي هي أفضلها، وبتقدير
~~إرثه إياها فهو ليس حقيقا بأن يسمى وارثا لما أن ذلك إنما يكون في
~~الأغلب بعد كد ونصب، وإرثهم إياها من الكفار حيث فوتوها على أنفسهم لأنه
~~تعالى خلق لكل منزلا في الجنة ومنزلا في النار. أخرج سعيد بن منصور
~~وابن ماجه وابن ms07058 جرير وابن المنذر وغيرهم عن أبي هريرة قال: «قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم

# " ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات
~~فدخل النار ورث أهل الجنة منزلة فذلك قوله تعالى: { أولئك هم
~~الورثون } "

# وقيل الإرث استعارة للاستحقاق وفي ذلك من المبالغة ما فيه لأن الإرث
~~أقوى أسباب الملك، واختير الأول لأنه تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~على ما صححه القرطبي.

# { هم فيها } أي في الفردوس وهو على ما ذكره ابن الشحنة مما يؤنث
~~ويذكر. وذكر بعضهم أن التأنيث باعتبار أنه اسم للجنة أو لطبقتها العليا،
~~وقد تقدم لك تمام الكلام في الفردوس. { خلدون } لا يخرجون منها
~~أبدا، والجملة إما مستأنفة مقررة لما قبلها وإما حال مقدرة من فاعل {
~~يرثون } أو مفعوله كما قال أبو البقاء إذ فيها ذكر كل منهما، ومعنى
~~الكلام لا يموتون ولا يخرجون منها.

### || [23.12]

# لما ذكر سبحانه أولا أحوال السعداء عقبه بذكر مبدئهم ومآل أمرهم في ضمن
~~ما يعمهم وغيرهم وفي ذلك إعظام للمنة عليهم وحث على الاتصاف بالصفات
~~الحميدة وتحمل مؤن التكليفات الشديدة أو لما ذكر إرث الفردوس عقبه بذكر
~~البعث لتوقفه عليه أو لما حث على عبادته سبحانه وامتثال أمره عقبه بما
~~يدل على ألوهيته لتوقف العبادة على ذلك ولعل الأول أولى في وجه مناسبة
~~الآية لما قبلها، ويجوز أن يكون مجموع الأمور المذكورة، واللام واقعة في
~~جواب القسم والواو للاستئناف. / وقال ابن عطية: هي عاطفة جملة كلام على
~~جملة وإن تباينتا في المعاني وفيه نظر. والمراد بالإنسان الجنس، والسلالة
~~من سللت الشيء من الشيء إذا استخرجته منه فهي ما سل من الشيء واستخرج منه
~~فإن فعالة اسم لما يحصل من الفعل فتارة تكون مقصودة منه كالخلاصة وأخرى
~~غير مقصودة منه كالقلامة والكناسة والسلالة من قبيل الأول فإنها مقصودة
~~بالسل. وذكر الزمخشري أن هذا البناء يدل على القلة، و(من) الأولى
~~ابتدائية متعلقة بالخلق، و(من) الثانية يحتمل أن تكون كذلك إلا أنها
~~متعلقة بسلالة ms07059 على أنها بمعنى مسلولة أو متعلقة بمحذوف وقع صفة لسلالة،
~~ويحتمل أن تكون على هذا تبعيضية وأن تكون بيانية، وجوز أن يكون { من
~~طين } بدلا أوعطف بيان بإعادة الجار.

# وخلق جنس الإنسان مما ذكر باعتبار خلق أول الأفراد وأصل النوع وهو آدم
~~عليه السلام منه فيكون الكل مخلوقا من ذلك خلقا إجماليا في ضمن خلقه
~~كما مر تحقيقه، وقيل: خلق الجنس من ذلك باعتبار أنه مبدأ بعيد لأفراد
~~الجنس فإنهم من النطف الحاصلة من الغذاء الذي هو سلالة الطين وصفوته،
~~وفيه وصف الجنس بوصف أكثر أفراده لأن خلق آدم عليه السلام لم يكن كذلك أو
~~يقال ترك بيان حاله عليه السلام لأنه معلوم، واقتصر على بيان حال أولاده
~~وجاء ذلك في بعض الروايات عن ابن عباس، وقيل المراد بالطين آدم عليه
~~السلام على أنه من مجاز الكون، والمراد بالسلالة النطفة وبالإنسان الجنس
~~ووصفه بما ذكر باعتبار أكثر أفراده أو يقال كما قيل آنفا، ولا يخفى خفاء
~~قرينة المجاز وعدم تبادر النطفة من السلالة. وقيل المراد بالإنسان آدم
~~عليه السلام وروي ذلك عن جماعة وما ذهبنا إليه أولا أولى.

### || [23.13]

# والضمير في قوله تعالى: { ثم جعلنه نطفة } عائد على الجنس
~~باعتبار أفراده المغايرة لآدم عليه السلام، وإذا أريد بالإنسان أولا آدم
~~عليه السلام فالضمير على ما في «البحر» عائد على غير مذكور وهو ابن آدم،
~~وجاز لوضوح الأمر وشهرته وهو كما ترى أو على الإنسان، والكلام على حذف
~~مضاف أي ثم جعلنا نسله، وقيل يراد بالإنسان أولا آدم عليه السلام وعند
~~عود الضمير عليه ما تناسل منه على سبيل الاستخدام، ومن البعيد جدا أن
~~يراد بالإنسان أفراد بني آدم والضمير عائد عليه ويقدر مضاف في أول الكلام
~~أي ولقد خلقنا أصلا الإنسان الخ، ومثله أن يراد بالإنسان الجنس أو آدم
~~عليه السلام والضمير عائد على { سللة } والتذكير بتأويل المسلول أو
~~الماء أي ثم صيرنا السلالة نطفة. والظاهر أن { نطفة } في سائر
~~الوجوه مفعولا ثانيا للجعل على أنه بمعنى التصيير وهو على ms07060 الوجه الأخير
~~ظاهر، وأما على وجه عود الضمير على الإنسان فلا بد من ارتكاب مجاز الأول
~~بأن يراد بالإنسان ما سيصير إنسانا، ويجوز أن يكون الجعل بمعنى الخلق
~~المتعدي إلى مفعول واحد ويكون { نطفة } منصوبا بنزع الخافض واختاره
~~بعض المحققين أي ثم خلقنا الإنسان من نطفة كائنة { فى قرار } أي
~~مستقر وهو في الأصل مصدر من قر يقر قرارا بمعنى ثبت ثبوتا وأطلق على
~~ذلك مبالغة؛ والمراد به الرحم ووصفه بقوله تعالى: { مكين } أي متمكن
~~مع أن التمكن وصف ذي المكان وهو النطفة هنا على سبيل المجاز كما يقال
~~طريق سائر، وجوز أن يقال: إن الرحم نفسها متمكنة ومعنى تمكنها أنها لا
~~تنفصل لثقل حملها أو لا تمج ما فيها فهو كناية عن جعل النطفة محرزة مصونة
~~وهو وجه وجيه.

### || [23.14]

# { ثم خلقنا النطفة علقة } أي دما جامدا وذلك بإفاضة
~~أعراض الدم عليها / فتصيرها دما بحسب الوصف، وهذا من باب الحركة في
~~الكيف { فخلقنا العلقة مضغة } أي قطعة لحم بقدر ما يمضغ لا
~~استبانة ولا تمايز فيها، وهذا التصيير على ما قيل بحسب الذات كتصيير
~~الماء حجرا وبالعكس، وحقيقته إزالة الصورة الأولى عن المادة وإفاضة صورة
~~أخرى عليها وهو من باب الكون والفساد ولا يخلو ذلك من الحركة في الكيفية
~~الاستعدادية فإن استعداد الماء مثلا للصورة الأولى الفاسدة يأخذ في
~~الانتقاص واستعداده للصورة الثانية الكائنة يأخذ في الاشتداد ولا يزال
~~الأول ينقص والثاني يشتد إلى أن تنتهي المادة إلى حيث تزول عنها الصورة
~~الأولى فتحدث فيها الثانية دفعة فتتوارد هذه الاستعدادات التي هي من
~~مقولة الكيف على موضوع واحد.

# { فخلقنا المضغة } غالبها ومعظمها أو كلها { عظما }
~~صغارا وعظاما حسبما تقتضيه الحكمة وذلك التصيير بالتصليب لما يراد جعله
~~عظاما من المضغة؛ وهذا أيضا تصيير بحسب الوصف فيكون من الباب الأول.
~~وفي كلام العلامة البيضاوي إشارة ما إلى مجموع ما ذكرنا وهو يستلزم القول
~~بأن النطفة والعلقة متحدان في الحقيقة وإنما الاختلاف بالأعراض كالحمرة
~~والبياض مثلا وكذا المضغة والعظام متحدان في الحقيقة ms07061 وإنما الاختلاف
~~بنحو الرخاوة والصلابة وأن العلقة والمضغة مختلفان في الحقيقة كما أنهما
~~مختلفان بالاعراض. والظاهر أنه تتعاقب في جميع هذه الأطوار على مادة
~~واحدة صور حسب تعاقب الاستعدادات إلى أن تنتهي إلى الصورة الإنسانية،
~~ونحن نقول به إلى أن يقوم الدليل على خلافه فتدبر.

# { فكسونا العظم } المعهودة { لحما } أي جعلناه ساترا لكل
~~منها كاللباس، وذلك اللحم يحتمل أن يكون من لحم المضغة بأن لم تجعل كلها
~~عظاما بل بعضها ويبقى البعض فيمد على العظام حتى يسترها، ويحتمل أن يكون
~~لحما آخر خلقه الله تعالى على العظام من دم في الرحم. وجمع { العظام
~~} دون غيرها مما في الأطوار لأنها متغايرة هيئة وصلابة بخلاف غيرها، ألا
~~ترى عظم الساق وعظم الأصابع وأطراف الأضلاع، وعدة العظام مطلقا على ما
~~قيل مائتان وثمانية وأربعون عظما وهي عدة رحم بالجمل الكبير، وجعل بعضهم
~~هذه عدة أجزاء الإنسان والله تعالى أعلم.

# وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبان والمفضل والحسن وقتادة وهرون
~~والجعفي ويونس عن أبي عمرو، وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما بإفراد {
~~العظام } في الموضعين اكتفاء باسم الجنس الصادق على القليل والكثير مع
~~عدم اللبس كما في قوله:

# كلوا في بعض بطنكم تعفوا

# واختصاص مثل ذلك بالضرورة على ما نقل عن سيبويه لا يخلو عن نظر، وفي
~~الإفراد هنا مشاكلة لما ذكر قبل في الأطوار كما ذكره ابن جني.

# وقرأ السلمي وقتادة أيضا والأعرج والأعمش ومجاهد وابن محيصن بإفراد
~~الأول وجمع الثاني، وقرأ أبو رجاء وإبراهيم بن أبي بكر ومجاهد أيضا
~~بجمع الأول وإفراد الثاني.

# { ثم أنشأنه خلقا ءاخر } مباينا للخلق الأول مباينة ما
~~أبعدها حيث جعل حيوانا ناطقا سميعا بصيرا وأودع كل عضو منه وكل جزء
~~عجائب وغرائب لا تدرك بوصف ولا تبلغ بشرح، ومن هنا قيل:

# وتزعم أنك جرم صغير

# وفيك انطوى العالم الأكبر

# / وقيل الخلق الآخر الروح والمراد بها النفس الناطقة. والمعنى أنشأنا له
~~أو فيه خلقا آخر، والمتبادر من إنشاء الروح خلقها وظاهر العطف بثم يقتضي
~~حدوثها ms07062 بعد حدوث البدن وهو قول أكثر الإسلاميين وإليه ذهب أرسطو، وقيل
~~إنشاؤها نفخها في البدن وهو عند بعض عبارة عن جعلها متعلقة به، وعند أكثر
~~المسلمين جعلها سارية فيه، وإذا أريد بالروح الروح الحيوانية فلا كلام في
~~حدوثها بعد البدن وسريانها فيه، وقيل: الخلق الآخر القوى الحساسة، وقال
~~الضحاك ويكاد يضحك منه فيما أخرجه عنه عبد بن حميد: الخلق الآخر الأسنان
~~والشعر فقيل له: أليس يولد وعلى رأسه الشعر؟ فقال: فأين العانة والإبط،
~~وما أشرنا إليه من كون { ثم } للترتيب الزماني هو ما يقتضيه أكثر
~~استعمالاتها، ويجوز أن تكون للترتيب الرتبي فإن الخلق الثاني أعظم من
~~الأول ورتبته أعلى. وجاءت المعطوفات الأول بعضها بثم وبعضها بالفاء ولم
~~يجيء جميعها بثم أو بالفاء مع صحة ذلك في مثلها للإشارة إلى تفاوت
~~الاستحالات فالمعطوف بثم مستبعد حصوله مما قبله فجعل الاستبعاد عقلا أو
~~رتبة بمنزلة التراخي والبعد الحسي لأن حصول النطفة من أجزاء ترابية غريب
~~جدا وكذا جعل النطفة البيضاء السيالة دما أحمر جامدا بخلاف جعل الدم
~~لحما مشابها له في اللون والصورة وكذا تصليب المضغة حتى تصير عظما
~~وكذا مد لحمها عليه ليستره كذا قيل ولا يخلو عن قيل وقال.

# واستدل الإمام أبو حنيفة بقوله تعالى: { ثم أنشأنه } الخ على
~~أن من غصب بيضة فأفرخت عنده لزمه ضمان البيضة لا الفرخ لأنه خلق آخر، قال
~~في «الكشف»: وفي هذا الاستدلال نظر على أصل مخالفيه لأن مباينته للأول لا
~~تخرجه عن ملكه عندهم، وقال صاحب «التقريب»: إن تضمينه للفرخ لكونه جزءا
~~من المغصوب لا لكونه عينه أو مسمى باسمه، وفي هذا بحث، وفي المسألة خلاف
~~كثير وكلام طويل يطلب من «كتب الفروع المبسوطة».

# وقال الإمام: ((قالوا في الآية دلالة على بطلان قول النظام: إن الإنسان
~~هو الروح لا البدن فإنه تعالى بين فيها أن الإنسان مركب من هذه الأشياء،
~~وعلى بطلان قول الفلاسفة: إن الإنسان لا ينقسم وإنه ليس بجسم)) وكأنهم
~~أرادوا أن الإنسان هو النفس الناطقة والروح الأمرية المجردة فإنها التي ms07063
~~ليست بجسم عندهم ولا تقبل الانقسام بوجه وليست داخل البدن ولا خارجه.

# { فتبارك الله } فتعالى وتقدس شأنه سبحانه في علمه الشامل
~~وقدرته الباهرة، و { تبرك } فعل ماض لا يتصرف والأكثر إسناده إلى
~~غير مؤنث، والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة
~~والإشعار بأن ما ذكر من الأفاعيل العجيبة من أحكام الألوهية وللإيذان بأن
~~حق كل من سمع ما فصل من أثار قدرته عز وجل أو لاحظه أن يسارع إلى التكلم
~~به إجلالا وإعظاما لشؤونه جل وعلا.

# { أحسن الخلقين } نعت للاسم الجليل، وإضافة أفعل التفضيل
~~محضة فتفيده تعريفا إذا أضيف إلى معرفة على الأصح. وقال أبو البقاء: لا
~~يجوز أن يكون نعتا لأنه نكرة وإن أضيف لأن المضاف إليه عوض عن  من 
~~وهكذا جميع باب أفعل منك وجعله بدلا وهو يقل في المشتقات أو خبر مبتدأ
~~مقدر أي هو أحسن الخالقين والأصل عدم التقدير، وتميز أفعل محذوف لدلالة
~~الخالقين عليه أي أحسن الخالقين خلقا فالحسن للخلق قيل: نظيره قوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " إن الله تعالى جميل يحب الجمال "

# أي جميل فعله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعا
~~فاستتر، والخلق بمعنى التقدير وهو وصف يطلق على غيره تعالى كما في قوله
~~تعالى:

# وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير

# [المائدة: 110] وقول زهير:

# ولأنت تفري ما خلقت

# وبعض القوم يخلق ثم لا يفري

# وفي معنى ذلك تفسيره بالصنع كما فعل ابن عطية، ولا يصح تفسيره بالإيجاد
~~عندنا إذ لا خالق بذلك المعنى غيره تعالى إلا أن يكون على الفرض
~~والتقدير. والمعتزلة يفسرونه بذلك لقولهم بأن العبد خالق لأفعاله وموجود
~~لها استقلالا فالخالق الموجد متعدد عندهم، وقد تكفلت «الكتب الكلامية»
~~بردهم. ومعنى حسن خلقه تعالى اتقانه وإحكامه، ويجوز أن يراد بالحسن مقابل
~~القبح وكل شيء منه عز شأنه حسن لا يتصف بالقبح أصلا من حيث إنه منه فلا
~~دليل فيه للمعتزلة بأنه تعالى لا يخلق الكفر والمعاصي كما لا يخفى.

# روي أن عبد الله بن سعيد بن أبي سرح كان يكتب ms07064 لرسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فأملى عليه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى:

# ولقد خلقنا الإنسن

# [المؤمنون: 12] حتى إذا بلغ عليه الصلاة والسلام { ثم أنشأناه
~~خلقا آخر } نطق عبد الله بقوله تعالى: { فتبارك الله } الخ
~~قبل إملائه فقال له عليه الصلاة والسلام: هكذا نزلت فقال عبد الله: إن
~~كان محمد نبيا يوحى إليه فأنا نبي يوحى إلي فارتد ولحق بمكة كافرا ثم
~~أسلم قبل وفاته عليه الصلاة والسلام وحسن إسلامه، وقيل: مات كافرا. وطعن
~~بعضهم في صحة هذه الرواية بأن السورة مكية وارتداده بالمدينة كما تقتضيه
~~الرواية. وأجيب بأنه يمكن الجمع بأن تكون الآية نازلة بمكة واستكتبها صلى
~~الله عليه وسلم إياه بالمدينة فكان ما كان أو يلتزم كون الآية مدنية لهذا
~~الخبر، وقوله: إن السورة مكية باعتبار الأكثر وعلى هذا يكون اقتصار
~~الجلال السيوطي على استثناء قوله تعالى:

# حتى إذا أخذنا مترفيهم

# [المؤمنون: 64] إلى قوله سبحانه:

# مبلسون

# [المؤمنون: 77] قصورا فتذكر. وتروى هذه الموافقة عن معاذ بن جبل. أخرج
~~ابن راهويه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في «الأوسط» وابن
~~مردويه عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: «أملى علي رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم هذه الآية

# ولقد خلقنا الإنسن من سللة من طين

# [المؤمنون: 12] إلى قوله تعالى: { خلقا ءاخر } فقال معاذ بن جبل
~~رضي الله تعالى عنه { فتبارك الله أحسن الخلقين }
~~فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له معاذ: مم ضحكت يا رسول الله؟
~~قال: بها ختمت» ورويت أيضا عن عمر رضي الله تعالى عنه، أخرج الطبراني
~~وأبو نعيم في «فضائل الصحابة» وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما قال: لما نزلت

# ولقد خلقنا الإنسن من سللة من طين

# [المؤمنون: 12] إلى آخر الآية قال عمر رضي الله تعالى عنه: {
~~فتبارك الله أحسن الخلقين } فنزلت كما قال. وأخرج ابن
~~عساكر وجماعة عن أنس أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يفتخر بذلك ويذكر
~~أنها إحدى موافقاته الأربع لربه عز وجل، ثم إن ms07065 ذلك من حسن نظم القرآن
~~الكريم حيث تدل صدور كثير من آياته على إعجازها، وقد مدحت بعض الأشعار
~~بذلك فقيل:

# قصائد إن تكن تتلى على ملاء

# صدورها علمت منها قوافيها

# لا يقال: فقد تكلم البشر ابتداء بمثل نظم القرآن الكريم وذلك قادح في
~~إعجازه لما أن الخارج عن قدرة البشر على الصحيح ما كان مقدار أقصر سورة
~~منه على أن إعجاز هذه الآية الكريمة منوط بما قبلها كما تعرب عنه الفاء
~~فإنها اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله.

### || [23.15]

# { ثم إنكم بعد ذلك } أي بعد ما ذكر من الأمور العجيبة
~~حسبما ينبىء عنه ما في اسم الإشارة من معنى البعد المشعر بعلو رتبة
~~المشار إليه وبعد منزلته في الفضل والكمال / وكونه بذلك ممتازا منزلا
~~منزلة الأمور الحسية { لميتون } أي لصائرون إلى الموت لا محالة كما
~~يؤذن به اسمية الجملة و(إن) واللام وصيغة النعت الذي هو للثبوت، وقرأ زيد
~~بن علي رضي الله تعالى عنهما وابن أبي عبلة وابن محيصن { لمايتون } وهو
~~اسم فاعل يراد به الحدوث، قال الفراء وابن مالك: إنما يقال مايت في
~~الاستقبال فقط.

### || [23.16]

# { ثم إنكم يوم القيمة } عند النفخة الثانية {
~~تبعثون } من قبوركم للحساب والمجازاة بالثواب والعقاب، ولم يؤكد
~~سبحانه أمر البعث تأكيده لأمر الموت مع كثرة المترددين فيه والمنكرين له
~~اكتفاء بتقديم ما يغني عن كثرة التأكيد ويشيد أركان الدعوى أتم تشييد من
~~خلقه تعالى الإنسان من سلالة من طين ثم نقله من طور إلى طور حتى أنشأه
~~خلقا آخر يستغرق العجائب ويستجمع الغرائب فإن في ذلك أدل دليل على حكمته
~~وعظيم قدرته عز وجل على بعثه وإعادته وأنه جل وعلا لا يهمل أمره ويتركه
~~بعد موته نسيا منسيا مستقرا في رحم العدم كأن لم يكن شيئا، ولما
~~تضمنت الجملة السابقة المبالغة في أنه تعالى شأنه أحكم خلق الإنسان
~~وأتقنه بالغ سبحانه عز وجل في تأكيد الجملة الدالة على موته مع أنه غير
~~منكر لما أن ذلك سبب لاستبعاد العقل إياه أشد استبعاد حتى يوشك ms07066 أن ينكر
~~وقوعه من لم يشاهده وسمع أن الله جل جلاله أحكم خلق الإنسان وأتقنه غاية
~~الإتقان، وهذا وجه دقيق لزيادة التأكيد في جملة الدالة على الموت وعدم
~~زيادته في الجملة الدالة على البعث لم أر أني سبقت إليه.

# وقيل في ذلك: إنه تعالى شأنه لما ذكر في الآيات السابقة من التكليفات ما
~~ذكر نبه على أنه سبحانه أبدع خلق الإنسان وقلبه في الأطوار حتى أوصله إلى
~~طور هو غاية كماله وبه يصح تكليفه بنحو تلك التكليفات وهو كونه حيا
~~عاقلا سميعا بصيرا وكان ذلك مستدعيا لذكر طور يقع فيه الجزاء على ما
~~كلفه تعالى به وهو أن يبعث يوم القيامة فنبه سبحانه عليه بقوله { ثم
~~إنكم يوم القيمة تبعثون } فالمقصود الأهم بعد بيان
~~خلقه وتأهله للتكليف بيان بعثه لكن وسط حديث الموت لأنه برزخ بين طوره
~~الذي تأهل به للأعمال التي تستدعي الجزاء وبين بعثه فلا بد من قطعه
~~للوصول إلى ذلك فكأنه قيل: أيها المخلوق العجيب الشأن إن ماهيتك وحقيقتك
~~تفنى وتعدم ثم إنها بعينها من الأجزاء المتفرقة والعظام البالية والجلود
~~المتمزقة المتلاشية في أقطار الشرق والغرب تبعث وتنشر ليوم الجزاء لإثابة
~~من أحسن فيما كلفناه به وعقاب من أساء فيه، فالقرينة الثانية وهي الجملة
~~الدالة على البعث لم تفتقر إلى التوكيد افتقار الأولى وهي الجملة الدالة
~~على الموت لأنها كالمقدمة لها وتوكيدها راجع إليها، ومنه يعلم سر نقل
~~الكلام من الغيبة إلى الخطاب انتهى، وفيه من البعد ما فيه.

# وقيل: إنما بولغ في القرينة الأولى لتمادي المخاطبين في الغفلة فكأنهم
~~نزلوا منزلة المنكرين لذلك وأخليت الثانية لوضوح أدلتها وسطوع براهينها،
~~قال الطيبي: هذا كلام حسن لو ساعد عليه النظم الفائق، وربما يقال: إن
~~شدة كراهة الموت طبعا التي لا يكاد يسلم منها أحد نزلت منزلة شدة
~~الإنكار فبولغ في تأكيد الجملة الدالة عليه، وأما البعث فمن حيث إنه حياة
~~بعد الموت لا تكرهه النفوس ومن حيث إنه مظنة للشدائد تكرهه فلما لم يكن
~~حاله كحال الموت ولا ms07067 كحال الحياة بل بين بين أكدت الجملة الدالة عليه
~~تأكيدا واحدا.

# وهذا وجه للتأكيد لم يذكره أحد من علماء المعاني ولا يضر فيه ذلك إذا
~~كان وجيها في نفسه، وتكرير حرف التراخي للإيذان بتفاوت المراتب. وقد
~~تضمنت الآية ذكر تسعة أطوار ووقع الموت فيها الطور الثامن ووافق ذلك أن
~~من يولد لثمانية أشهر من حمله قلما يعيش، ولم يذكر سبحانه طور الحياة في
~~القبر لأنه من جنس الإعادة.

### || [23.17]

# { ولقد خلقنا فوقكم } / بيان لخلق ما يحتاج إليه بقاؤهم
~~إثر بيان خلقهم، وقيل: استدلال على البعث أي خلقنا في جهة العلو من غير
~~اعتبار فوقيتها لهم لأن تلك النسبة إنما تعرض بعد خلقهم { سبع
~~طرائق } هي السموات السبع، و { طرائق } جمع طريقة بمعنى مطروقة
~~من طرق النعل والخوافي إذا وضع طاقاتها بعضها فوق بعض قاله الخليل
~~والفراء والزجاج، فهذا كقوله تعالى:

# طباقا

# [الملك: 3] ولكل من السبع نسبة وتعلق بالمطارقة فلا تغليب، وقيل: جمع
~~طريقة بمعناها المعروف وسميت السموات بذلك لأنها طرائق الملائكة عليهم
~~السلام في هبوطهم وعروجهم لمصالح العباد أو لأنها طرائق الكواكب في
~~مسيرها. وقال ابن عطية: يجوز أن يكون الطرائق بمعنى المبسوطات من طرقت
~~الحديد مثلا إذا بسطته وهذا لا ينافي القول بكريتها، وقيل: سميت طرائق
~~لأن كل سماء طريقة وهيئة غير هيئة الأخرى، وأنت تعلم أن الظاهر أن الهيئة
~~واحدة، نعم أودع الله تعالى في كل سماء ما لم يودعه سبحانه في الأخرى
~~فيجوز أن تكون تسميتها طرائق لذلك.

# { وما كنا عن الخلق } أي عن جميع المخلوقات التي من جملتها
~~السموات السبع { غفلين } مهملين أمره بل نفيض على كل ما تقتضيه
~~الحكمة، ويجوز أن يراد بالخلق الناس، والمعنى أن خلقنا السموات لأجل
~~منافعهم ولسنا غافلين عن مصالحهم، وأل على الوجهين للاستغراق وجوز أن
~~تكون للعهد على أن المراد بالخلق المخلوق المذكور وهو السموات السبع أي
~~وما كنا عنها غافلين بل نحفظها عن الزوال والاختلال وندبر أمرها،
~~والإظهار في مقام الإضمار للاعتناء بشأنها، وإفراد الخلق على سائر الأوجه
~~لأنه ms07068 مصدر في الأصل أو لأن المتعدد عنده تعالى في حكم شيء واحد.

### || [23.18]

# { وأنزلنا من السماء ماء } هو المطر عند كثير من المفسرين،
~~والمراد بالسماء جهة العلو أو السحاب أو معناها المعروف ولا يعجز الله
~~تعالى شيء، وكان الظاهر على هذا  منها  بدل { السماء } ليعود الضمير
~~على الطرائق إلا أنه عدل عنه إلى الإضمار لأن الإنزال منها لا يعتبر فيه
~~كونها طرائق بل مجرد كونها جهة العلو، وتقديم الجار والمجرور على المفعول
~~الصريح للاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، وقوله تعالى: { بقدر }
~~صفة { ماء } أي أنزلنا ماء متلبسا بمقدار ما يكفيهم في حاجاتهم
~~ومصالحهم أو بتقدير لائق لاستجلاب منافعهم ودفع مضارهم، وجوز على هذا أن
~~يكون في موضع الحال من الضمير، وقيل: هو صفة لمصدر محذوف أي إنزالا
~~متلبسا بذلك، وقيل: في الجار والمجرور غير ذلك.

# { فأسكناه فى الأرض } أي جعلناه ثابتا قارا فيها ومن ذلك
~~ماء العيون ونحوها، ومعظم الفلاسفة يزعمون أن ذلك الماء من انقلاب البخار
~~المحتبس في الأرض ماء إذا مال إلى جهة منها وبرد وليس لماء المطر دخل
~~فيه، وكونه من السماء باعتبار أن لأشعة الكواكب التي فيها مدخلا فيه من
~~حيث الفاعلية. وقال ابن سينا في «نجاته»: هذه الأبخرة المحتبسة في الأرض
~~إذا انبعثت عيونا أمدت البحار بصب الأنهار إليها ثم ارتفع من البحار
~~والبطائح وبطون الجبال خاصة أبخرة أخرى ثم قطرت ثانيا إليها فقامت بدل
~~ما يتحلل منها على الدور دائما. وما في الآية يؤيد ما ذهب إليه أبو
~~البركات البغدادي منهم فقد قال في «المعتبر»: إن السبب في العيون
~~والقنوات وما يجري مجراها هو ما يسيل من الثلوج ومياه الأمطار لأنا نجدها
~~تزيد بزيادتها وتنقص / بنقصانها وإن استحالة الأهوية والأبخرة المنحصرة
~~في الأرض لا مدخل لها في ذلك فإن باطن الأرض في الصيف أشد بردا منه في
~~الشتاء فلو كان ذلك سبب استحالتها لوجب أن تكون العيون والقنوات ومياه
~~الآبار في الصيف أزيد وفي الشتاء أنقص مع أن الأمر بخلاف ذلك على ما دلت ms07069
~~عليه التجربة انتهى، واختار القاضي حسين المبيدي أن لكل من الأمرين
~~مدخلا، واعترض على دليل أبي البركات بأنه لا يدل إلا على نفي كون تلك
~~الاستحالة سببا تاما وأما على أنها لا مدخل لها أصلا فلا. والحق ما
~~يشهد له كتاب الله تعالى فهو سبحانه أعلم بخلقه، وكل ما يذكره الفلاسفة
~~في أمثال هذه المقامات لا دليل لهم عليه يفيد اليقين كما أشار إليه شارح
~~«حكمة العين».

# وقيل: المراد بهذا الماء ماء أنهار خمسة، فقد روي عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " أنزل الله تعالى من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار سيحون وهو نهر الهند
~~وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق والنيل وهو نهر مصر
~~أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها
~~على جناحي جبريل عليه السلام فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعل
~~فيها منافع للناس في أصناف معايشهم وذلك قوله تعالى: { وأنزلنا من
~~السماء ماء بقدر فأسكناه فى الأرض } فإذا كان عند
~~خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله تعالى جبريل عليه السلام فرفع من الأرض
~~القرآن والعلم كله والحجر من ركن البيت ومقام إبراهيم عليه السلام
~~وتابوت موسى عليه السلام بما فيه وهذه الأنهار الخمسة فيرفع كل ذلك إلى
~~السماء فذلك قول الله تعالى: { وإنا على ذهاب به
~~لقدرون } فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدنيا
~~والآخرة "

# ولا يخفى على المتتبع أن هذا الخبر أخرجه ابن مردويه والخطيب بسند ضعيف،
~~نعم حديث

# " أربعة أنهار من الجنة سيحان وجيحان - وهما غير سيحون وجيحون لأنهما
~~نهران بالعواصم عند المصيصة وطرسوس وسيحون وجيحون نهر الهند وبلخ كما
~~سمعت على ما قاله عبد البر - والفرات والنيل "

# صحيح لكن الكلام في تفسير الآية بذلك. وعن مجاهد أنه حمل الماء على ما
~~يعم ماء المطر وماء البحر وقال: ليس في الأرض ماء إلا وهو من السماء،
~~وأنت تعلم أن الأوفق بالأخبار وبما يذكر بعد في ms07070 الآية الكريمة كون المراد
~~به ما عدا ماء البحر.

# { وإنا على ذهاب به } أي على إزالته بإخراجه عن المائية أو
~~بتغويره بحيث يتعذر استخراجه أو بنحو ذلك { لقدرون } كما كنا
~~قادرين على إنزاله، فالجملة في موضع الحال. وفي تنكير { ذهاب } إيماء
~~إلى كثرة طرقه لعموم النكرة وإن كانت في الإثبات وبواسطة ذلك تفهم
~~المبالغة في الإثبات، وهذه الآية أكثر مبالغة من قوله تعالى:

# قل أرءيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم
~~بماء معين

# [الملك: 30].

# وذكر صاحب «التقريب» ثمانية عشر وجها للأبلغية، الأول أن ذلك على الفرض
~~والتقدير، وهذا الجزم على معنى أنه أدل على تحقيق ما أوعد به وإن لم يقع.
~~الثاني التوكيد بإن. الثالث اللام في الخبر. الرابع أن هذه في مطلق الماء
~~المنزل من السماء وتلك في ماء مضاف إليهم. الخامس أن الغائر قد يكون
~~باقيا بخلاف الذاهب. السادس ما في تنكير { ذهاب } من المبالغة.
~~السابع إسناده ههنا إلى مذهب بخلافه ثمت حيث قيل

# غورا

# [الملك:30]. الثامن ما في ضمير المعظم نفسه من الروعة. التاسع ما في {
~~قادرون } من الدلالة على القدرة عليه والفعل الواقع من القادر أبلغ.
~~العاشر ما في جمعه. الحادي عشر ما في لفظ { به } من الدلالة على أن ما
~~يمسكه / فلا مرسل له، الثاني عشر إخلاؤه من التعقيب بإطماع وهنالك ذكر
~~الاتيان المطمع.

# الثالث عشر تقديم ما فيه الإيعاد وهو الذهاب على ما هو كالمتعلق له أو
~~متعلقة على المذهبين البصري والكوفي. الرابع عشر ما بين الجملتين الاسمية
~~والفعلية من التفاوت ثباتا وغيره. الخامس عشر ما في لفظ { أصبح } من
~~الدلالة على الانتقال والصيرورة. السادس عشر أن الإذهاب ههنا مصرح به.
~~وهنالك مفهوم من سياق الاستفهام. السابع عشر أن هنالك نفي ماء خاص أعني
~~المعين بخلافه ههنا. الثامن عشر اعتبار مجموع هذه الأمور التي يكفي كل
~~منها مؤكدا. ثم قال: هذا ما يحضرنا الآن والله تعالى أعلم اه. وفي
~~النفس من عد الأخير وجها شيء.

# وقد يزاد على ذلك فيقال: التاسع عشر إخباره تعالى ms07071 نفسه به من دون أمر
~~للغير ههنا بخلافه هنالك فإنه سبحانه أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن
~~يقول ذلك. العشرون عدم تخصيص مخاطب ههنا وتخصيص الكفار بالخطاب هنالك.
~~الحادي والعشرون التشبيه المستفاد من جعل الجملة حالا كما أشرنا إليه
~~فإنه يفيد تحقيق القدرة ولا تشبيه ثمت. الثاني والعشرون إسناد القدرة
~~إليه تعالى مرتين، وقد زاد بعض أجلة أهل العصر العاصرين سلاف التحقيق من
~~كرم أذهانهم الكريمة أكرم عصر أعني به ثالت الرافعي والنواوي أخي الملا
~~محمد أفندي الزهاوي فقال: الثالث والعشرون تضمين الإيعاد هنا إيعادهم
~~بالإبعاد عن رحمة الله تعالى لأن ذهب به يستلزم مصاحبة الفاعل المفعول
~~وذهاب الله تعالى عنهم مع الماء بمعنى ذهاب رحمته سبحانه عنهم ولعنهم
~~وطردهم عنها ولا كذلك ما هناك. الرابع والعشرون أنه ليس الوقت للذهاب
~~معينا هنا بخلافه في

# إن أصبح

# [الملك:30] فإنه يفهم منه أن الصيرورة في الصبح على أحد استعمالي أصبح
~~ناقصا. الخامس والعشرون أن جهة الذهاب به ليست معينة بأنها السفل.
~~السادس والعشرون ان الإيعاد هنا بما لم يبتلوا به قط بخلافه بما هنالك.
~~السابع والعشرون أن الموعد به هنا إن وقع فهم هالكون البتة. الثامن
~~والعشرون أنه لم يبق هنا لهم متشبث ولو ضعيفا في تأميل امتناع الموعد به
~~وهناك حيث أسند الإصباح غورا إلى الماء ومعلوم أن الماء لا يصبح غورا
~~بنفسه كما هو تحقيق مذهب الحكيم أيضا احتمل أن يتوهم الشرطية مع صدقها
~~ممتنعة المقدم فيأمنوا وقوعه. التاسع والعشرون أن الموعد به هنا يحتمل في
~~بادي النظر وقوعه حالا بخلافه هناك فإن المستقبل متعين لوقوعه لمكان {
~~إن } وظاهر أن التهديد بمحتمل الوقوع في الحال أهول ومتعين الوقوع في
~~الاستقبال أهون. الثلاثون أن ما هنا لا يحتمل غير الإيعاد بخلاف ما هناك
~~فإنه يحتمل ولو علم بعد أن يكون المراد به الامتنان بأنه

# إن أصبح ماؤكم غورا

# [الملك: 30] فلا يأتيكم بماء معين سوى الله تعالى، ويؤيده ما سن بعده من
~~قول الله ربنا ورب العالمين انتهى فتأمل ولا تغفل ms07072 والله تعالى الهادي
~~لأسرار كتابه.

# واختيرت المبالغة ههنا على ما قاله بعض المحققين لأن المقام يقتضيها إذ
~~هو لتعداد آيات الآفاق والأنفس على وجه يتضمن الدلالة على القدرة والرحمة
~~مع كمال عظمة المتصف بهما ولذا ابتدىء بضمير العظمة مع التأكيد بخلاف ما
~~ثمت فإنه تتميم للحث على العبادة والترغيب فيها وهو كاف في ذلك.

### || [23.19]

# { فأنشأنا لكم به } أي بذلك الماء وهو ظاهر فيما عليه السلف،
~~وقال الخلف: المراد أنشأنا عنده { جنت من نخيل وأعنب }
~~قدمهما لكثرتهما وكثرة الانتفاع بهما لا سيما في الحجاز والطائف والمدينة
~~{ لكم فيها } أي في الجنات { فوكه كثيرة } / تتفكهون بها
~~وتتنعمون زيادة على المعتاد من الغذاء الأصلي، والمراد بها ما عدا ثمرات
~~النخيل والأعناب. { ومنها } أي من الجنات والمراد من زروعها وثمارها،
~~و(من) ابتدائية وقيل إنها تبعيضية ومضمونها مفعول { تأكلون }
~~والمراد بالأكل معناه الحقيقي. وجوز أن يكون مجازا أو كناية عن التعيش
~~مطلقا أي ومنها ترزقون وتحصلون معايشكم من قولهم فلان يأكل من حرفته،
~~وجوز أن يعود الضميران للنخيل والأعناب أي لكن في ثمراتها أنواع من
~~الفواكه الرطب والعنب والتمر والزبيب والدبس من كل منهما وغير ذلك وطعام
~~تأكلونه فثمرتهما جامعة للتفكه والغذاء بخلاف ثمرة ما عداهما وعلى هذا
~~تكون الفاكهة مطلقة على ثمرتهما. وذكر الراغب في الفاكهة قولين: الأول
~~أنها الثمار كلها، والثاني أنها ما عدا العنب والرمان، وصاحب «القاموس»
~~اختار الأول وقال: قول مخرج التمر والرمان منها مستدلا بقوله تعالى:

# فيهما فكهة ونخل ورمان

# [الرحمن: 68] باطل مردود، وقد بينت ذلك مبسوطا في «اللامع المعلم
~~العجاب» اه.

# وأنت تعلم أن للفقهاء خلافا في الفاكهة فذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنها
~~التفاح والبطيخ والمشمش والكمثرى ونحوها لا العنب والرمان والرطب، وقال
~~صاحباه: المستثنيات أيضا فاكهة وعليه الفتوى، ولا خلاف كما في القهستاني
~~نقلا عن الكرماني في أن اليابس منها كالزبيب والتمر وحب الرمان ليس
~~بفاكهة. وفي «الدر المختار» أن الخلاف بين الإمام وصاحبيه خلاف عصر،
~~فالعبرة فيمن حلف لا يأكل الفاكهة العرف فيحنث بأكل ما ms07073 يعد فاكهة عرفا
~~ذكر ذلك الشمني وأقره الغزي، ولا يخفى أن شيئا واحدا يقال له فاكهة في
~~عرف قوم ولا يقال له ذلك في عرف آخرين، ففي «النهر» عن «المحيط» ما روي
~~من أن الجوز واللوز فاكهة فهو في عرفهم أما في عرفنا فإنه لا يؤكل للتفكه
~~اه، ثم إني لم أر أحدا من اللغويين ولا من الفقهاء عد الدبس فاكهة
~~فتدبر ولا تغفل.

### || [23.20]

# { وشجرة } بالنصب عطف على

# جنت

# [المؤمنون:19]، وقرىء بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف، والأولى تقديره
~~مقدما أي أنشأنا لكن شجرة { تخرج من طور سيناء } وهو جبل موسى
~~عليه السلام الذي ناجى ربه سبحانه عنده وهو بين مصر وأيلة، ويقال لها
~~اليوم العقبة، وقيل بفلسطين من أرض الشام، ويقال له طور سينين، وجمهور
~~العرب على فتح سين سيناء والمد، وبذلك قرأ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى
~~عنه ويعقوب وأكثر السبعة وهو اسم للبقعة. والطور اسم للجبل المخصوص أو
~~لكل جبل وهو مضاف إلى { سيناء } كما أجمعوا عليه. ويقصد تنكيره على
~~الأول كما في سائر الأعلام إذا أضيفت، وعلى الثاني يكون طور سيناء كمنارة
~~المسجد. وجوز أن يكون كامرىء القيس بمعنى أنه جعل مجموع المضاف والمضاف
~~إليه علما على ذلك العلم، وقيل سيناء اسم لحجارة بعينها أضيف الجبل
~~إليها لوجودها عنده، وروي هذا عن مجاهد وفي «الصحاح» طور سيناء جبل
~~بالشام وهو طور أضيف إلى سيناء وهو شجر. وقيل هو اسم الجبل. والإضافة من
~~إضافة العام إلى الخاص كما في جبل أحد. وحكي هذا القول في «البحر» عن
~~الجمهور لكن صحح القول بأنه اسم البقعة. وهو ممنوع من الصرف للألف /
~~الممدودة فوزنه فعلاء كصحراء، وقيل: منع من الصرف للعلمية والعجمة، وقيل:
~~للعلمية والتأنيث بتأويل البقعة ووزنه فيعال لا فعلال إذ لا يوجد هذا
~~الوزن في غير المضاعف في كلام العرب إلا نادرا كخزعال لظلع الإبل حكاه
~~الفراء ولم يثبته أبو البقاء.

# والأكثرون على أنه ليس بعربي بل هو إما نبطي أو حبشي وأصل معناه الحسن
~~أو ms07074 المبارك، وجوز بعض أن يكون عربيا من السناء بالمد وهو الرفعة أو
~~السنا بالقصر وهو النور. وتعقبه أبو حيان بأن المادتين مختلفتان لأن عين
~~السناء أو السنا نون وعين سيناء ياء. ورد بأن القائل بذلك يقول إنه فيعال
~~ويجعل عينه النون وياءه مزيدة وهمزته منقلبة عن واو، وقرأ الحرميان وأبو
~~عمرو والحسن { سيناء } بكسر السين والمد وهي لغة لبني كنانة وهو أيضا
~~ممنوع من الصرف للألف الممدودة عند الكوفيين لأنهم يثبتون أن همزة فعلاء
~~تكون للتأنيث. وعند البصريين ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة أو العلمية
~~والتأنيث لأن ألف فعلاء عندهم لا تكون للتأنيث بل للإلحاق بفعلال كعلباء
~~وحرباء وهو ملحق بقرطاس وسرداح وهمزته منقلبة عن واو أو ياء لأن الإلحاق
~~يكون بهما، وقال أبو البقاء: همزة سيناء بالكسر أصل مثل حملاق وليست
~~للتأنيث إذ ليس في الكلام مثل حمراء والياء أصل إذ ليس في الكلام سناء،
~~وجوز بعضهم أن يكون فيعالا كديماس، وقرأ الأعمش { سينا } بالفتح والقصر،
~~وقرىء { سينا } بالكسر والقصر فألفه للتأنيث إن لم يكن أعجميا.

# والمراد بهذه الشجرة شجرة الزيتون وتخصيصها بالذكر من بين سائر الأشجار
~~لاستقلالها بمنافع معروفة. وقد قيل هي أول شجرة نبتت بعد الطوفان وتعمر
~~كثيرا، ففي «التذكرة» أنها تدوم ألف عام ولا تبعد صحته لكن علله بقوله:
~~لتعلقها بالكوكب العالي وهو بعيد الصحة. وفي «تفسير الخازن» قيل تبقى
~~ثلاثة آلاف سنة وتخصيصها بالوصف بالخروج من الطور مع خروجها من سائر
~~البقاع أيضا وأكثر ما تكون في المواضع التي زاد عرضها على ميلها واشتد
~~بردها وكانت جبلية ذا تربة بيضاء أو حمراء لتعظيمها أو لأنه المنشأ
~~الأصلي لها، ولعل جعله للتعظيم أولى فيكون هذا مدحا لها باعتبار مكانها.

# وقوله تعالى: { تنبت بالدهن } مدحا لها باعتبار ما هي عليه في
~~نفسها، والباء للملابسة والمصاحبة مثلها في قولك: جاء بثياب السفر وهي
~~متعلقة بمحذوف وقع حالا من ضمير الشجرة أي تنبت ملتبسة بالدهن وهو عصارة
~~كل ما فيه دسم. والمراد به هنا الزيت وملابستها به باعتبار ملابسة ms07075 ثمرها
~~فإنه الملابس له في الحقيقة. وجوز أن تكون الباء متعلقة بالفعل معدية له
~~كما في قولك: ذهبت بزيد كأنه قيل: تنبت الدهن بمعنى تتضمنه وتحصله. ولا
~~يخفى أن هذا وإن صح إلا أن إنبات الدهن غير معروف في الاستعمال.

# وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وسلام وسهل ورويس والجحدري { تنبت } بضم
~~التاء المثناة من فوق وكسر الباء على أنه من باب الإفعال، وخرج ذلك على
~~أنه من أنبت بمعنى نبت فالهمزة فيه ليست للتعدية وقد جاء كذلك في قول
~~زهير:

# رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم

# قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل

# وأنكر ذلك الأصمعي وقال: إن الرواية في البيت نبت بدون همزة مع أنه
~~يحتمل أن تكون همزة أنبت فيه إن كانت للتعدية بتقدير مفعول أي أنبت البقل
~~ثمره أو ما يأكلون، ومنهم من خرج ما في الآية على ذلك وقال: التقدير تنبت
~~زيتونها بالدهن، والجار والمجرور على هذا في موضع الحال من المفعول أو من
~~الضمير / المستتر في الفعل؛ وقيل: الباء زائدة كما في قوله تعالى:

# ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة

# [البقرة:195] ونسبة الإنبات إلى الشجرة بل وإلى الدهن مجازية قال
~~الخفاجي: ويحتمل تعدية أنبت بالباء لمفعول ثان.

# وقرأ الحسن والزهري وابن هرمز { تنبت } بضم أوله وفتح ما قبل آخره
~~مبنيا للمفعول، والجار والمجرور في موضع الحال، وقرأ زر بن حبيش { تنبت
~~} من الأفعال { الدهن } بالنصب وقرأ سليمان بن عبد الملك والأشهب {
~~بالدهان } جمع دهن كرماح جمع رمح، وما رووا من قراءة عبد الله (تخرج
~~الدهن) وقراءة أبي (تثمر بالدهن) محمول على التفسير على ما في «البحر»
~~لمخالفته سواد المصحف المجمع عليه ولأن الرواية الثابتة عنهما كقراءة
~~الجمهور.

# { وصبغ للأكلين } معطوف على الدهن، ومغايرته له التي يقتضيها
~~العطف باعتبار المفهوم وإلا فذاتهما واحدة عند كثير من المفسرين وقد جاء
~~كثيرا تنزيل تغاير المفهومين منزلة تغاير الذاتين، ومنه قوله:

# إلى الملك القرم وابن الهمام

# وليث الكتيبة في المزدحم

# والمعنى تنبت بالشيء الجامع بين كونه دهن يدهن به ويسرح منه وكونه ms07076
~~إداما يصبغ فيه الخبز أي يغمس للائتدام قال في «المغرب» يقال: صبغ الثوب
~~بصبغ حسن وصباغ ومنه الصبغ والصباغ من الإدام لأن الخبز يغمس فيه ويلون
~~به كالخل والزيت، وظاهر هذا اختصاصه بكل إدام مائع وبه صرح في «المصباح».
~~وصرح بعضهم بأن إطلاق الصبغ على ذلك مجاز، ولعل في كلام «المغرب» نوع
~~إشارة إليه. وروي عن مقاتل أنه قال: الدهن الزيت والصبغ والزيتون وعلى
~~هذا يكون العطف من عطف المتغايرين ذاتا وهو الأكثر في العطف، ولا بد أن
~~يقال عليه إن الصبغ الإدام مطلقا وهو ما يؤكل تبعا للخبز في الغالب
~~مائعا كان أم جامدا والزيتون أكثر ما يأكله الفقراء في بلادنا تبعا
~~للخبز والأغنياء يأكلونه تبعا لنحو الأرز وقلما يأكلونه تبعا للخبز،
~~وأنا مشغوف به مذ أنا يافع فكثيرا ما آكله تبعا واستقلالا، وأما الزيت
~~فلم أر في أهل بغداد من اصطبغ منه وشذ من أكل منهم طعاما هو فيه وأكثرهم
~~يعجب ممن يأكله ومنشأ ذلك قلة وجوده عندهم وعدم الفهم له فتعافه نفوسهم.
~~وقد كنت قديما تعافه نفسي وتدريجا ألفته والحمد لله تعالى، فقد كان صلى
~~الله عليه وسلم يأكله، وصح أنه صلى الله عليه وسلم طبخ له لسان شاة بزيت
~~فأكل منه، وأخرج أبو نعيم في «الطب» عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم

# " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه شفاء من سبعين داء منها الجذام "

# وأخرج الترمذي في الأطعمة عن عمر رضي الله تعالى عنه مرفوعا

# " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة "

# لكن قال بعضهم: هذا الأمر لمن قدر على استعماله ووافق مزاجه وهو كذلك
~~فلا اعتراض على من لم يوافق مزاجه في عدم استعماله بل الظاهر حرمة
~~استعماله عليه إن أضر به كما قالوا بحرمة استعمال الصفراوي للعسل ولا فرق
~~في ذلك بين الأكل والادهان فإن الادهان به قد يضر كالأكل، قال ابن القيم:
~~الدهن في البلاد الحارة كالحجاز من [آكد] أسباب حفظ الصحة وإصلاح البدن
~~وهو كالضروري لأهلها ms07077 وأما في البلاد الباردة فضار وكثرة دهن الرأس بالزيت
~~فيها فيه خطر على البصر انتهى.

# وقرأ عامر بن عبد الله { وصباغا } وهو بمعنى صبغ كما مرت إليه الإشارة
~~ومنه دبغ ودباغ. ونصبه بالعطف على موضع { بالدهن } وفي «تفسير ابن
~~عطية»: وقرأ عامر بن عبد قيس (ومتاعا للآكلين) وهو محمول على التفسير.

### || [23.21]

# { وإن لكم فى الأنعم لعبرة } بيان للنعم الواصلة
~~إليهم من جهة الحيوان إثر بيان النعم الفائضة من جهة الماء والنبات وقد
~~بين أنها مع كونها في نفسها نعمة ينتفعون بها على وجوه شتى عبرة لا بد من
~~أن / يعتبروا بها ويستدلوا بأحوالها على عظيم قدرة الله عز وجل وسابغ
~~رحمته ويشكروه ولا يكفروه. وخص هذا بالحيوان لما أن محل العبرة فيه أظهر.

# وقوله تعالى: { نسقيكم مما فى بطونها } تفصيل لما فيها من
~~مواقع العبرة. وما في بطونها عبارة إما عن الألبان فمن تبعيضية والمراد
~~بالبطون الأجواف فإن اللبن في الضروع أو عن العلف الذي يتكون منه اللبن
~~فمن ابتدائية والبطون على حقيقتها. وأيا ما كان فضمير { بطونها }
~~للأنعام باعتبار نسبة ما للبعض إلى الكل لا للإناث منها على الاستخدام
~~لأن عموم ما بعده يأباه، وقرىء بفتح النون وبالتاء أي تسقيكم الأنعام.

# { ولكم فيها منفع كثيرة } غير ما ذكر من أصوافها
~~وأشعارها وأوبارها { ومنها تأكلون } الظاهر أن الأكل على معناه
~~الحقيقي و(من) تبعيضية لأن من أجزاء الأنعام ما لا يؤكل. وتقديم المعمول
~~للفاصلة أو للحصر الإضافي بالنسبة إلى الحمير ونحوها أو الحصر باعتبار ما
~~في { تأكلون } من الدلالة على العادة المستمرة. وكان هذا بيان
~~لانتفاعهم بأعيانها وما قبله بيان لانتفاعهم بمرافقها وما يحصل منها.
~~ويجوز عندي ولم أر من صرح به أن يكون الأكل مجازا أو كناية عن التعيش
~~مطلقا كما سمعت قبل أي ومنها ترزقون وتحصلون معايشكم.

### || [23.22]

# في البر والبحر بأنفسكم وأثقالكم. وضمير { عليها } للأنعام باعتبار
~~نسبة ما للبعض إلى الكل أيضا. ويجوز أن يكون لها باعتبار أن المراد بها
~~الإبل على سبيل الاستخدام لأنها هي المحمول ms07078 عليها عندهم والمناسبة للفلك
~~فإنها سفائن البر قال ذو الرمة في صيدحه:

# سفينة بر تحت خدي زمامها

# وهذا مما لا بأس به. وأما حمل الأنعام من أول الأمر على الإبل فلا يناسب
~~مقام الامتنان ولا سياق الكلام، وفي الجمع بينهما وبين الفلك في إيقاع
~~الحمل عليها مبالغة في تحملها للحمل، قيل: وهذا هو الداعي إلى تأخير هذه
~~المنفعة مع كونها من المنافع الحاصلة منها عن ذكر منفعة الأكل المتعلقة
~~بعينها.

### || [23.23]

# { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } شروع في بيان إهمال
~~الناس وتركهم النظر والاعتبار فيما عدد سبحانه من النعم وما حاقهم من
~~زوالها وفي ذلك تخويف لقريش. وتقديم قصة نوح عليه السلام على سائر القصص
~~مما لا يخفى وجهه، وفي إيرادها إثر قوله تعالى:

# وعليها وعلى الفلك تحملون

# [المؤمنون:22] من حسن الموقع ما لا يوصف، وتصديرها بالقسم لإظهار كمال
~~الاعتناء بمضمونها، والكلام في نسب نوح عليه السلام وكمية لبثه في قومه
~~ونحو ذلك قد مر، والأصح أنه عليه السلام لم تكن رسالته عامة بل أرسل إلى
~~قوم مخصوصين { فقال } متعطفا عليهم ومستميلا لهم إلى الحق {
~~يقوم اعبدوا الله } أي اعبدوه وحده كما يفصح عنه قوله تعالى
~~في سورة [هود: 26]

# ألا تعبدوا إلا الله

# وترك التقييد به للإيذان بأنها هي العبادة فقط وأما العبادة مع الإشراك
~~فليست من العبادة في شيء رأسا، وقوله تعالى: { ما لكم من إله
~~غيره } استئناف مسوق لتعليل العبادة المأمور بها أو تعليل الأمر بها،
~~و { غيره } بالرفع صفة لإله باعتبار محله الذي هو الرفع على أنه
~~فاعل  بلكم  أو مبتدأ خبره { لكم } أو محذوف و { لكم } للتخصيص
~~والتبيين أي ما لكم في الوجود إله غيره تعالى. وقرىء { غيره } بالجر
~~اعتبارا للفظ { إله }.

# { أفلا تتقون } الهمزة لإنكار الواقع واستقباحه والفاء للعطف
~~على مقدر يقتضيه المقام أي أتعرفون ذلك أي مضمون قوله تعالى { ما لكم
~~من إله غيره } فلا تتقون عذابه تعالى الذي يستوجبه ما أنتم
~~عليه من ترك عبادته سبحانه وحده وإشراككم به عز وجل في العبادة ms07079 ما لا
~~يستحق الوجود لولا إيجاد الله تعالى إياه فضلا عن استحقاق العبادة
~~فالمنكر عدم الاتقاء مع تحقق ما يوجبه، ويجوز أن يكون التقدير ألا
~~تلاحظون فلا تتقون فالمنكر كلا الأمرين فالمبالغة حينئذ في الكمية وفي
~~الأول في الكيفية، وتقدير مفعول { تتقون } حسبما أشرنا إليه أولى من
~~تقدير بعضهم إياه زوال النعم ولا نسلم أن المقام يقتضيه كما لا يخفى.

### || [23.24]

# { فقال الملؤا } أي الأشراف { الذين كفروا من قومه
~~} وصف الملأ بالكفر مع اشتراك الكل فيه للإيذان بكمال عراقتهم وشدة
~~شكيمتهم فيه، وليس المراد من ذلك إلا ذمهم دون التمييز عن أشراف آخرين
~~آمنوا به عليه السلام إذ لم يؤمن به أحد من أشرافهم كما يفصح عنه قول:

# ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا

# [هود: 27] وقال الخفاجي: يصح أن يكون الوصف بذلك للتمييز وإن لم يؤمن
~~بعض أشرافهم وقت التكلم بهذا الكلام لأن من أهله عليه السلام المتبعين له
~~أشرافا؛ وأما قول:

# ما نراك

# [هود:27] الخ فعلى زعمهم أو لقلة المتبعين له من الأشراف، وأيا ما كان
~~فالمعنى فقال الملأ لعوامهم { ما هذا إلا بشر مثلكم } أي
~~في الجنس والوصف من غير فرق بينكم وبينه وصفوه عليه السلام بذلك مبالغة
~~في وضع رتبته العالية وحطها عن منصب النبوة، ووصفوه بقوله سبحانه: {
~~يريد أن يتفضل عليكم } إغضابا للمخاطبين عليه عليه
~~السلام وإغراء لهم على معاداته، والتفضل طلب الفضل وهو كناية عن السيادة
~~كأنه قيل: يريد أن يسودكم ويتقدمكم بادعاء الرسالة مع كونه مثلكم، وقيل:
~~صيغة التفعل مستعارة للكمال فإنه ما يتكلف له يكون على أكمل وجه فكأنه
~~قيل: يريد كمال الفضل عليكم.

# { ولو شاء الله لأنزل ملئكة } بيان لعدم رسالة البشر
~~على الإطلاق على زعمهم الفاسد بعد تحقيق بشريته عليه السلام أي ولو شاء
~~الله تعالى إرسال الرسول لأرسل رسلا من الملائكة، وإنما قيل { لأنزل
~~} لأن إرسال الملائكة لا يكون إلا بطريق الإنزال فمفعول المشيئة مطلق
~~الإرسال المفهوم من الجواب لا نفس مضمونه كما في قوله تعالى:

# ولو شآء لهداكم ms07080

# [النحل: 9] ولا بأس في ذلك، وأما القول بأن مفعول المشيئة إنما يحذف إذا
~~لم يكن أمرا غريبا وكان مضمون الجزاء فهو ضابطة للحذف المطرد فيه لا
~~مطلقا فإنه كسائر المفاعيل يحذف ويقدر بحسب القرائن، وعلى هذا يجوز أن
~~يقال: التقدير ولو شاء الله تعالى عبادته وحده لأنزل ملائكة يبلغوننا ذلك
~~عنه عز وجل وكان هذا منهم طعن في قوله عليه السلام لهم:

# اعبدوا الله

# [هود: 50] وكذا قوله تعالى: { ما سمعنا بهذا في آبآئنا
~~الأولين } بل هو طعن فيما ذكر على التقدير الأول أيضا وذلك بناء
~~على أن { هذا } إشارة إلى الكلام المتضمن الأمر بعبادة الله عز وجل
~~خاصة والكلام على تقدير مضاف أي ما سمعنا بمثل هذا الكلام في آبائنا
~~الماضين قبل بعثته عليه السلام، وقدر المضاف لأن عدم السماع بكلام نوح
~~المذكور لا يصلح للرد فإن السماع بمثله كاف للقبول، وقيل: الإشارة إلى
~~نفس هذا الكلام مع قطع النظر عن المشخصات فلا حاجة إلى تقدير المضاف وهو
~~كلام وجيه؛ ثم إن قولهم هذا إما لكونهم وآبائهم في فترة وإما لفرط غلوهم
~~في التكذيب والعناد وانهماكهم في الغي والفساد، وأيا ما كان ينبغي أن
~~يكون هو الصادر عنهم في مبادي دعوته عليه السلام كما ينبىء عنه الفاء
~~الظاهرة في التعقيب في قوله تعالى: { فقال الملأ } الخ.

# وقيل: { هذا } إشارة إلى نوح عليه السلام على معنى ما سمعنا بخبر
~~نبوته، وقيل: إلى اسمه وهو لفظ نوح / والمعنى لو كان نبيا لكان له ذكر
~~في آبائنا الأولين، وعلى هذين القولين يكون قولهم المذكور من متأخري قومه
~~المولودين بعد بعثته بمدة طويلة فيكون المراد من آبائهم الأولين من مضى
~~قبلهم في زمنه عليه الصلاة والسلام، وصدور ذلك عنهم في أواخر أمره عليه
~~السلام وقيل: بعد مضي آبائهم ولا يلزم أن يكون في الأواخر، وعليهما أيضا
~~يكون قولهم:

### || [23.25]

# { إن هو } أي ما هو { إلا رجل به جنة } أي جنون أو جن
~~يخبلونه ولذلك يقول ما يقول { فتربصوا به } فاحتملوه واصبروا
~~عليه وانتظروا { حتى ms07081 حين } لعله يفيق مما هو فيه محمولا على ترامي
~~أحوالهم في المكابرة والعناد وإضرابهم عما وصفوه عليه السلام به من
~~البشرية وإرادة التفضل إلى وصفه بما ترى وهم يعرفون أنه عليه السلام أرجح
~~الناس عقلا وأرزنهم قولا، وهو على ما تقدم محمول على تناقض مقالاتهم
~~الفاسدة قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون.

### || [23.26]

# { قال } استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال عليه السلام بعد ما سمع
~~منهم هذه الأباطيل؟ فقيل: قال لما رآهم قد أصروا على ما هم فيه وتمادوا
~~على الضلال حتى يئس من إيمانهم بالكلية وقد أوحى إليه

# وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من
~~قد آمن

# [هود: 36] { رب انصرنى } بإهلاكهم بالمرة بناء على أنه حكاية
~~إجمالية لقوله عليه السلام:

# رب لا تذر على الأرض من الكفرين ديارا

# [نوح: 26] الخ، والباء في قوله تعالى: { بما كذبون } للسببية أو
~~للبدل و(ما) مصدرية أي بسبب تكذيبهم إياي أو بدل تكذيبهم، وجوز أن تكون
~~الباء آلية و(ما) موصولة أي انصرني بالذي كذبوني به وهو العذاب الذي
~~وعدتهم إياه ضمن قولي:

# إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم

# [الأعراف: 59] وحاصله انصرني بإنجاز ذلك، ولا يخفى ما في حذف مثل هذا
~~العائد من الكلام. وقرأ أبو جعفر وابن محيصن { رب } بضم الباء ولا يخفى
~~وجهه.

### || [23.27]

# { فأوحينا إليه } عقيب ذلك، وقيل: بسبب ذلك { أن اصنع
~~الفلك }  { أن } مفسرة لما في الوحي من معنى القول { بأعيننا
~~} ملتبسا بمزيد حفظنا ورعايتنا لك من التعدي أو من الزيغ في الصنع {
~~ووحينا } وأمرنا وتعليمنا لكيفية صنعها، والفاء في قوله تعالى: {
~~فإذا جاء أمرنا } لترتيب مضمون ما بعدها على إتمام صنع الفلك،
~~والمراد بالأمر العذاب كما في قوله تعالى:

# لا عاصم اليوم من أمر الله

# [هود:43] فهو واحد الأمور لا الأمر بالركوب فهو واحد الأوامر كما قيل،
~~والمراد بمجيئه كمال اقترابه أو ابتداء ظهوره أي إذا جاء إثر تمام الفلك
~~عذابنا، وقوله سبحانه: { وفار التنور } بيان وتفسير لمجىء الأمر.
~~روي أنه قيل له عليه السلام إذا فار التنور ms07082 اركب أنت ومن معك وكان تنور
~~آدم عليه السلام فصار إلى نوح عليه السلام فلما نبع منه الماء أخبرته
~~امرأته فركبوا. واختلفوا في مكانه فقيل كان في مسجد الكوفة أي في موضعه
~~عن يمين الداخل من باب كندة اليوم، وقيل: كان في عين وردة من الشام،
~~وقيل: بالجزيرة قريبا من الموصل، وقيل: التنور وجه الأرض، وقيل: فار
~~التنور مثل كحمى الوطيس، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه فسر { وفار
~~التنور } بطلع الفجر فقيل: معناه إن فوران التنور كان عند طلوع
~~الفجر وفيه بعد، وتمام الكلام في ذلك قد تقدم لك.

# { فاسلك فيها } أي ادخل فيها يقال سلك فيه أي دخل فيه وسلكه فيه
~~أي أدخله فيه، ومنه قوله تعالى:

# ما سلككم فى سقر

# [المدثر: 42] { من كل } أي من كل أمة { زوجين } أي فردين
~~مزدوجين كما يعرب عنه قوله تعالى: / { اثنين } فإنه ظاهر في الفردين
~~دون الجمعين. وقرأ أكثر القراء من { كل زوجين } بالإضافة على أن
~~المفعول { اثنين } أي اسلك من كل أمتي الذكر والأنثى واحدين مزدوجين
~~كجمل وناقة وحصان ورمكة. روي أنه عليه السلام لم يحمل في الفلك من ذلك
~~إلا ما يلد ويبيض وأما ما يتولد من العفونات كالبق والذباب والدود فلم
~~يحمل شيئا منه، ولعل نحو البغال ملحقة في عدم الحمل بهذا الجنس لأنه
~~يحصل بالتوالد من نوعين فالحمل منهما مغن عن الحمل منه إذا كان الحمل
~~لئلا ينقطع النوع كما هو الظاهر فيحتاج إلى خلق جديد كما خلق في ابتداء
~~الأمر. والآية صريحة في أن الأمر بالإدخال كان قبل صنعه الفلك، وفي سورة
~~[هود: 40]

# حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل
~~فيها من كل زوجين

# فالوجه أن يحمل على أنه حكاية لأمر آخر تنجيزي ورد عند فوران التنور
~~الذي نيط به الأمر التعليقي اعتناء بشأن المأمور به أو على أن ذلك هو
~~الأمر السابق بعينه لكن لما كان الأمر التعليقي قبل تحقق المعلق به في حق
~~إيجاب المأمور به بمنزلة العدم جعل كأنه إنما حدث ms07083 عند تحققه فحكى على
~~صورة التنجيز.

# { وأهلك } قيل عطف على { اثنين } على قراءة الإضافة وعلى {
~~زوجين } على قراءة التنوين، ولا يخفى اختلال المعنى عليه فهو منصوب
~~بفعل معطوف على { فاسلك } أي واسلك أهلك، والمراد بهم أمة الإجابة
~~الذين آمنوا به عليه الصلاة والسلام سواء كانوا من ذوي قرابته أم لا وجاء
~~إطلاق الأهل على ذلك، وإنما حمل عليه هنا دون المعنى المشهور ليشمل من
~~آمن ممن ليس ذا قرابة فإنهم قد ذكروا في سورة هود والقرآن يفسر بعضه
~~بعضا، وعلى هذا يكون قوله تعالى: { إلا من سبق عليه
~~القول منهم } استثناء منقطعا، واختار بعضهم حمل الأهل على
~~المشهور وإرادة امرأته وبنيه منه كما في سورة هود وحينئذ يكون الاستثناء
~~متصلا كما كان هناك، وعدم ذكر من آمن للاكتفاء بالتصريح به ثمت مع دلالة
~~ما في الاستثناء وكذا ما بعده على أنه ينبغي إدخاله، وتأخير الأمر بإدخال
~~الأهل على التقديرين عما ذكر من إدخال الأزواج لأن إدخال الأزواج يحتاج
~~إلى مزاولة الأعمال منه عليه السلام وإلى معاونة أهله إياه وأما هم فإنما
~~يدخلون باختيارهم، ولأن في المؤخر ضرب تفصيل بذكر الاستثناء وغيره
~~فتقديمه يخل بتجاوب النظم الكريم، والمراد بالقول القول بالإهلاك،
~~والمراد بسبق ذلك تحققه في الأزل أو كتابة ما يدل عليه في اللوح المحفوظ
~~قبل أن تخلق الدنيا، وجىء بعلى لكون السابق ضارا كما جىء باللام في قوله
~~تعالى:

# إن الذين سبقت لهم منا الحسنى

# [الأنبياء: 101] لكون السابق نافعا.

# { ولا تخطبنى فى الذين ظلموا } أي لا تكلمني فيهم
~~بشفاعة وإنجاء لهم من الغرق ونحوه، وإذا كان المراد بهم من سبق عليه
~~القول فالإظهار في مقام الإضمار لا يخفى وجهه { إنهم مغرقون }
~~تعليل للنهي أو لما ينبىء عنه من عدم قبول الشفاعة لهم أي أنهم مقضي
~~عليهم بالإغراق لا محالة لظلمهم بالإشراك وسائر المعاصي ومن هذا شأنه لا
~~ينبغي أن يشفع له أو يشفع فيه وكيف ينبغي ذلك وهلاكه من النعم التي يؤمر
~~بالحمد عليها كما يؤذن به قوله تعالى:

### || [23.28] ms07084

# { فإذا استويت أنت ومن معك } من أهلك وأتباعك { على
~~الفلك فقل الحمد لله الذى نجانا من القوم
~~الظلمين } فإن الحمد على الإنجاء منهم متضمن للحمد على إهلاكهم،
~~وإنما قيل ما ذكر ولم يقل فقل الحمد لله الذي أهلك القوم الظالمين لأن
~~نعمة الإنجاء أتم، وقال الخفاجي: إن في ذلك إشارة إلى أنه لا ينبغي
~~المسرة بمصيبة / أحد ولو عدوا من حيث كونها مصيبة له بل لما تضمنته من
~~السلامة من ضرره أو تطهير الأرض من وسخ شركه وإضلاله. وأنت تعلم أن الحمد
~~هنا رديف الشكر فإذا خص بالنعمة الواصلة إلى الشاكر لا يصح أن يتعلق
~~بالمصيبة من حيث إنها مصيبة وهو ظاهر، وفي أمره عليه السلام بالحمد على
~~نجاة أتباعه إشارة إلى أنه نعمة عليه أيضا.

### || [23.29]

# { وقل رب أنزلنى } في الفلك { منزلا } أي إنزالا أو موضع
~~إنزال { مباركا } يتسبب لمزيد الخير في الدارين { وأنت خير
~~المنزلين } أي من يطلق عليه ذلك، والدعاء بذلك إذا كان بعد الدخول
~~فالمراد إدامة ذلك الإنزال ولعل المقصود إدامة البركة، وجوز أن يكون دعاء
~~بالتوفيق للنزول في أبرك منازلها لأنها واسعة، وإن كان قبل الدخول فالأمر
~~واضح. وروى جماعة عن مجاهد أن هذا دعاء أمر نوح عليه السلام أن يقوله عند
~~النزول من السفينة فالمعنى رب أنزلني منها في الأرض منزلا الخ، وأخذ منه
~~قتادة ندب أن يقول راكب السفينة عند النزول منها { رب أنزلنى }
~~الخ، واستظهر بعضهم الأول إذ العطف ظاهر في أن القولين وقت الاستواء،
~~وأعاد { قل } لتعدد الدعاء، والأول متضمن دفع مضرة ولذا قدم وهذا لجلب
~~منفعة. وأمره عليه السلام أن يشفع دعاءه ما يطابقه من ثنائه عز وجل
~~توسلا به إلى الإجابة فإن الثناء على المحسن يكون مستدعيا لإحسانه. وقد
~~قالوا: الثناء على الكريم يغني عن سؤاله، وإفراده عليه السلام بالأمر مع
~~شركة الكل في الاستواء لإظهار فضله عليه السلام وأنه لا يليق غيره منهم
~~للقرب من الله تعالى والفوز بعز الحضور في مقام الإحسان مع الإيماء إلى
~~كبريائه عز ms07085 وجل وأنه سبحانه لا يخاطب كل أحد من عباده والإشعار بأن في
~~دعائه عليه السلام وثنائه مندوحة عما عداه.

# وقرأ أبو بكر والمفضل وأبو حيوة وابن أبي عبلة وأبان { منزلا } بفتح
~~الميم وفتح الزاي أي مكان نزول. وقرأ أبو بكر عن عاصم { منزلا } بفتح
~~الميم وكسر الزاي. قال أبو علي: يحتمل أن يكون المنزل على هذه القراءة
~~مصدرا وأن يكون موضع نزول.

### || [23.30]

# { إن فى ذلك } الذي ذكر مما فعل به عليه السلام وبقومه {
~~لأيت } جليلة يستدل بها أولو الأبصار ويعتبر ذوو الاعتبار { وإن
~~كنا لمبتلين } إن مخففة من إن واللام فارقة بينها وبين إن
~~النافية وليست إن نافية واللام بمعنى إلا والجملة حالية أي وإن الشأن كنا
~~مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد أو مختبرين بهذه الآيات عبادنا
~~لننظر من يعتبر ويتذكر، والمراد معاملين معاملة المختبر وهذا كقوله
~~تعالى:

# ولقد تركنها ءاية فهل من مدكر

# [القمر: 15].

### || [23.31]

# { ثم أنشأنا من بعدهم } أي من بعد إهلاك قوم نوح عليه
~~السلام { قرنا ءاخرين } هم عاد أو ثمود.

### || [23.32]

# { فأرسلنا فيهم رسولا منهم } هو هود أو صالح عليهما
~~السلام، والأول هو المأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وإليه ذهب
~~أكثر المفسرين، وأيد بقوله تعالى حكاية عن هود

# واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح

# [الأعراف: 69] وبمجىء قصة عاد بعد قصة قوم نوح في سورة الأعراف وسورة
~~هود وغيرهما؛ واختار أبو سليمان الدمشقي والطبري الثاني واستدلا عليه
~~بذكر الصيحة آخر القصة والمعروف أن قوم صالح هم المهلكون بها دون قوم
~~هود، وسيأتي الجواب عنه إن شاء الله تعالى، وجعل القرن ظرفا للإرسال كما
~~في قوله تعالى:

# كذلك أرسلناك فى أمة

# [الرعد: 30] لا غاية له كما في قوله تعالى:

# لقد أرسلنا نوحا إلى قومه

# [الأعراف: 59] للإيذان من أول الأمر أن من أرسل إليهم لم يأتهم من غير
~~مكانهم بل إنما نشأ فيما بين أظهرهم.

# و(أن) في قوله تعالى: { أن اعبدوا الله } مفسرة لتضمن الإرسال
~~معنى القول أي قلنا لهم على ms07086 لسان الرسول اعبدوا الله، وجوز كونها مصدرية
~~ولا مانع من وصلها بفعل الأمر وقبلها جار مقدر أي أرسلنا فيهم رسولا بأن
~~اعبدوا الله وحده { ما لكم من إله غيره أفلا
~~تتقون } الكلام فيه كالكلام في نظيره المار في قصة نوح عليه السلام.

### || [23.33]

# { وقال الملأ } أي الأشراف { من قومه } بيان لهم، وقوله
~~تعالى: { الذين كفروا وكذبوا بلقاء الاخرة } أي
~~بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب أو بالمعاد أو بالحياة الثانية
~~صفة للملأ جىء بها ذما لهم وتنبيها على غلوهم في الكفر، ويجوز أن تكون
~~للتمييز إن كان في ذلك القرن من آمن من الأشراف، وتقديم { من قومه }
~~هنا على الصفة مع تأخيره في القصة السابقة لئلا يطول الفصل بين البيان
~~والمبين لو جىء به بعد الصفة وما في حيزها مما تعلق بالصلة مع ما في ذلك
~~من توهم تعلقه بالدنيا أو يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه لو جىء به بعد
~~الوصف وقبل العطف كذا قيل. وتعقب بأنه لا حاجة إلى ارتكاب جعل {
~~الذين } صفة للملأ وإبداء نكتة للتقديم المذكور مع ظهور جواز جعله
~~صفة لقومه.

# ورد بأن الداعي لارتكابه عطف قوله تعالى: { وأترفنهم فى
~~الحيوة الدنيا } أي نعمناهم ووسعنا عليهم فيها على الصلة فيكون
~~صفة معنى للموصوف بالموصول والمتعارف إنما هو وصف الأشراف بالمترفين دون
~~غيرهم وكذا الحال إذا لم يعطف وجعل حالا من ضمير { كذبوا } وأنت
~~تعلم أنا لا نسلم أن المتعارف إنما هو وصف الأشراف بالمترفين ولئن سلمنا
~~فوصفهم بذلك قد يبقى مع جعل الموصول صفة لقومه بأن يجعل جملة {
~~أترفنهم } حالا من { الملأ } بدون تقدير قد أو بتقديرها أي
~~قال الملأ في حق رسولنا { ما هذا إلا بشر مثلكم } الخ في
~~حال إحساننا عليهم.

# نعم الظاهر لفظا عطف جملة { أترفنهم } على جملة الصلة،
~~والأبلغ معنى جعلها حالا من الضمير لإفادته الإساءة إلى من أحسن وهو
~~أقوى في الذم، وجىء بالواو العاطفة في { وقال الملأ } هنا ولم يجأ
~~بها بل جىء بالجملة مستأنفة استئنافا بيانيا في موضع ms07087 آخر لأن ما نحن
~~فيه حكاية لتفاوت ما بين المقالتين أعني مقالة المرسل ومقالة المرسل
~~إليهم لا حكاية المقاولة لأن المرسل إليهم قالوا ما قالوا بعضهم لبعض
~~وظاهر إباء ذلك الاستئناف وأما هنالك فيحق الاستئناف لأنه في حكاية
~~المقاولة بين المرسل والمرسل إليهم واستدعاء مقام المخاطبة ذلك بين كذا
~~في «الكشف»، ولا يحسم مادة السؤال إذ يقال معه: لم حكى هنالك المقاولة
~~وهنا التفاوت بين المقالتين ولم يعكس؟ ومثل هذا يرد على من علل الذكر هنا
~~والترك هناك بالتفنن بأن يقال: إنه لو عكس بأن ترك هنا وذكر هناك لحصل
~~التفنن أيضا، وأنا لم يظهر لي السر في ذلك، وأما الإتيان بالواو هنا
~~والفاء في

# فقال الملؤا

# [المؤمنون: 24] في قصة نوح عليه السلام فقد قيل: لعله لأن كلام الملأ
~~هنا لم يتصل بكلام رسولهم بخلاف كلام قوم نوح عليه السلام والله تعالى
~~أعلم بحقائق الأمور.

# ولا يخفى ما في قولهم { ما هذا } الخ من المبالغة في توهين أمر
~~الرسول عليه السلام وتهوينه قاتلهم الله / ما أجهلهم.

# وقوله تعالى: { يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما
~~تشربون } تقرير للمماثلة، والظاهر أن { ما } الثانية موصولة
~~والعائد إليها ضمير مجرور حذف مع الجار لدلالة ما قبله عليه والحذف هنا
~~مثله في قولك: مررت بالذي مررت في استيفاء الشرائط، وحسنه هنا كون {
~~تشربون } فاصلة. وفي «التحرير» زعم الفراء حذف العائد المجرور مع
~~الجار في هذه الآية وهذا لا يجوز عند البصريين، والآية إما لا حذف فيها
~~أو فيها حذف المفعول فقط لأن (ما) إذا كانت مصدرية لم تحتج إلى عائد وإن
~~كانت موصولة فالعائد المحذوف ضمير منصوب على المفعولية متصل بالفعل
~~والتقدير مما تشربونه اه، وهذا تخريج على قاعدة البصريين ويفوت عليه
~~فصاحة معادلة التركيب على أن الوجه الأول محوج إلى تأويل المصدر باسم
~~المفعول وبعد ذلك يحتاج إلى تكلف لصحة المعنى ويحتاج إلى ذلك التكلف على
~~الوجه الثاني أيضا إذ لا يشرب أحد من مشروبهم ولا من الذي يشربونه وإنما
~~يشرب من فرد آخر ms07088 من الجنس فلا بد من إرادة الجنس على الوجهين.

### || [23.34]

# { ولئن أطعتم بشرا مثلكم } فيما ذكر من الأحوال
~~والصفات أي إن امتثلتم بأوامره { إنكم إذا لخسرون }
~~عقولكم ومغبونون في آرائكم حيث أذللتم أنفسكم، واللام موطئة للقسم وجملة
~~{ إنكم لخسرون } جواب القسم، و { إذا } فيما أميل إليه
~~ظرفية متعلقة بما تدل عليه النسبة بين المبتدأ والخبر من الثبوت أو
~~بالخبر واللام لا تمنع عن العمل في مثل ذلك، وجواب الشرط محذوف دل عليه
~~المذكور. قال أبو حيان: ولو كان هذا هو الجواب للزمت الفاء فيه بأن يقال:
~~فإنكم الخ بل لو كان بالفاء في تركيب غير القرآن الكريم لم يكن ذلك
~~التركيب جائزا إلا عند الفراء، والبصريون لا يجيزونه وهو عندهم خطأ اه.
~~وذكر بعضهم أن { إذا } هنا للجزاء والجواب وتكلف لذلك ولا يدعو إليه
~~سوى ظن وجوب اتباع المشهور وأن الحق في أمثال هذه المقامات منحصر فيما
~~عليه الجمهور، وفي «همع الهوامع» وكذا في «الإتقان» للجلال السيوطي في
~~هذا البحث ما ينفعك مراجعته فراجعه.

### || [23.35]

# { أيعدكم } استئناف مسوق لتقرير ما قبله من زجرهم عن اتباعه عليه
~~السلام بإنكار وقوع ما يدعوهم للإيمان به واستبعاده، وقوله تعالى: {
~~أنكم } على تقدير حرف الجر أي بأنكم، ويجوز أن لا يقدر نحو وعدتك
~~الخير { إذا متم } بكسر الميم من مات يمات، وقرىء بضمها من مات
~~يموت { وكنتم ترابا وعظما } أي وكان بعض أجزائكم من اللحم
~~ونظائره ترابا وبعضها عظاما نخرة مجردة عن اللحوم والأعصاب، وتقديم
~~التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابه من الأجزاء البادية أو وكان
~~متقدموكم ترابا صرفا ومتأخروكم عظاما، وقوله تعالى: { أنكم }
~~تأكيد لأنكم الأول لطول الفصل بينه وبين خبره الذي هو قوله تعالى: {
~~مخرجون } و(إذا) ظرف متعلق به أي أيعدكم أنكم مخرجون من قبوركم
~~أحياء كما كنتم أولا إذا متم وكنتم ترابا. واختار هذا الإعراب الفراء
~~والجرمي والمبرد، ولا يلزم من ذلك كون الإخراج وقت الموت كما لا يخفى
~~خلافا لما توهمه أبو نزار الملقب بملك النحاة. ورده السخاوي ونقله عنه
~~الجلال ms07089 السيوطي في «الأشباه» والمنقول عن سيبويه أن { أنكم } بدل من
~~{ أنكم } الأول وفيه معنى التأكيد وخبر (أن) الأولى محذوف لدلالة
~~خبر الثانية عليه أي أيعدكم أنكم تبعثون إذا متم وهذا الخبر المحذوف هو
~~العامل في (إذا)، ولا يجوز أن يكون / هو الخبر لأن ظرف الزمان لا يخبر به
~~عن الجثة، وإذا أول بحذف المضاف أي إن إخراجكم إذا متم جاز، وكان المبرد
~~يأبى البدل لكونه من غير مستقبل إذ لم يذكر خبر (أن) الأولى.

# وذهب الأخفش إلى أن { أنكم مخرجون } مقدر بمصدر مرفوع بفعل
~~محذوف تقديره يحدث إخراجكم، فعلى هذا التقدير يجوز أن تكون الجملة
~~الشرطية خبر { أنكم } الأول ويكون جواب { إذا } ذلك الفعل المحذوف،
~~ويجوز أن يكون ذلك الفعل هو خبر (أن) ويكون عاملا في (إذا)، وبعضهم يحكي
~~عن الأخفش أنه يجعل { أنكم مخرجون } فاعلا بإذا كما يجعل
~~الخروج في قولك: يوم الجمعة الخروج فاعلا بيوم على معنى يستقر الخروج
~~يوم الجمعة. وجوز بعضهم أن يكون { أنكم مخرجون } مبتدأ و {
~~إذا متم } خبرا على معنى إخراجكم إذا متم وتجعل الجملة خبر (أن)
~~الأولى، قال في «البحر»: وهذا تخريج سهل لا تكلف فيه ونسبه السخاوي في
~~«سفر السعادة» إلى المبرد، والذي يقتضيه جزالة النظم الكريم ما ذكرناه عن
~~الفراء ومن معه. وفي قراءة عبد الله { أيعدكم إذا متم }
~~بإسقاط { أنكم } الأولى.

### || [23.36]

# { هيهات } اسم لبعد وهو في الأصل اسم صوت وفاعله مستتر فيه يرجع
~~للتصديق أو الصحة أو الوقوع أو نحو ذلك مما يفهمه السياق فكأنه قيل بعد
~~التصديق أو الصحة أو الوقوع، وقوله تعالى: { هيهات } تكرير لتأكيد
~~البعد، والغالب في هذه الكلمة مجيئها مكررة وجاءت غير مكررة في قول جرير:

# وهيهات خل بالعقيق نواصله

# وقوله سبحانه: { لما توعدون } بيان لمرجع ذلك الضمير فاللام
~~متعلقة بمقدر كما في سقيا له أي التصديق أو الوقوع المتصف بالبعد كائن
~~لما توعدون، ولا ينبغي أن يقال: إنه متعلق بالضمير الراجع إلى المصدر كما
~~في قوله:

# وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم

# وما هو ms07090 عنها بالحديث المرجم

# فإن إعمال ضمير المصدر وإن ذهب إليه الكوفيون نادر جدا لا ينبغي أن
~~يخرج عليه كلام الله تعالى، وقيل: لم يثبت والبيت قابل للتأويل وهذا كله
~~مع كون الضمير بارزا فما ظنك إذا كان مستترا، والقول بأن الفاعل محذوف
~~وليس بضمير مستتر وهو مصدر كالوقوع والتصديق والجار متعلق به مما لا
~~ينبغي أن يلتفت إليه أصلا لا سيما إذا كان ذلك المصدر المحذوف معرفا
~~كما لا يخفى، ويجوز أن يكون الفاعل ضمير البعد واللام للبيان كأنه قيل:
~~فعل البعد ووقع ثم قيل لماذا؟ فقيل: لما توعدون، وقيل: فاعل { هيهات
~~} (ما توعدون) واللام سيف خطيب، وأيد بقراءة ابن أبي عبلة { هيهات هيهات
~~ما توعدون } بغير لام. ورد بأنها لم تعهد زيادتها في الفاعل، وقيل: هيهات
~~بمعنى البعد وهو مبتدأ مبني اعتبارا لأصله خبره { لما توعدون } أي
~~البعد كائن لما توعدون ونسب هذا التفسير للزجاج. وتعقبه في «البحر» بأنه
~~ينبغي أن يكون تفسير معنى لا تفسير إعراب لأنه لم تثبت مصدرية {
~~هيهات }.

# وقرأ هارون عن أبي عمرو { هيهاتا هيهاتا } بفتحهما منونتين للتنكير
~~كما في سائر أسماء الأفعال إذا نونت فهو اسم فعل نكرة، وقيل: هو على هذه
~~القراءة اسم متمكن منصوب على المصدرية. وقرأ أبو حيوة والأحمر بالضم
~~والتنوين، قال صاحب «اللوامح»: يحتمل على هذا أن تكون { هيهات }
~~اسما متمكنا مرتفعا بالابتداء و { لما توعدون } خبره والتكرار
~~للتأكيد، ويحتمل أن يكون اسما للفعل والضم للبناء مثل حوب في زجر الإبل
~~لكنه / نون لكونه نكرة اه، وقيل: هو اسم متمكن مرفوع على الفاعلية أي
~~وقع بعد، وعن سيبويه أنها جمع كبيضات، وأخذ بعضهم منه تساوي مفرديهما في
~~الزنة فقال مفردها هيهة كبيضة. وفي رواية عن أبي حيوة أنه ضمهما من غير
~~تنوين تشبيها لهما بقبل وبعد في ذلك. وقرأ أبو جعفر وشيبة بالكسر فيهما
~~من غير تنوين، وروي هذا عن عيسى وهو لغة في تميم وأسد.

# وعنه أيضا عن خالد بن إلياس أنهما قرآ بكسرهما والتنوين.

# وقرأ خارجة بن مصعب ms07091 عن أبي عمرو والأعرج وعيسى أيضا بالإسكان فيهما،
~~فمنهم من يبقي التاء ويقف عليها كما في مسلمات، ومنهم من يبدلها هاء
~~تشبيها بتاء التأنيث ويقف على الهاء، وقيل: الوقف على الهاء لاتباع
~~الرسم، والذي يفهم من «مجمع البيان» أن { هيهات } بالفتح تكتب بالهاء
~~كأرطاة وأصلها هيهية كزلزلة قلبت الياء الثانية ألفا لتحركها وانفتاح ما
~~قبلها وكذا هيهات بالرفع والتنوين، وهي على هذا اسم معرب مفرد، ومتى
~~اعتبرت جمعا كتبت بالتاء وذلك إذا كانت مكسورة منونة أو غير منونة ونقل
~~ذلك عن ابن جني. وقرأ { أيهاه } بإبدال الهمزة من الهاء الأولى والوقف
~~بالسكون على الهاء، والذي أميل إليه أن جميع هذه القراءات لغات والمعنى
~~واحد، وفي هذه الكلمة ما يزيد على أربعين لغة وقد ذكر ذلك في «التكميل
~~لشرح التسهيل» وغيره.

### || [23.37]

# { وقالوا إن هى إلا حياتنا الدنيا } أصله إن الحياة
~~إلا حياتنا الدنيا ثم وضع الضمير موضع الحياة لأن الخبر يدل عليها
~~ويبينها فالضمير عائد على متأخر وعوده كذلك جائز في صور، منها إذا فسر
~~بالخبر كما هنا كذا قالوا. واعترض بأن الخبر موصوف فتلاحظ الصفة في ضميره
~~كما هو المشهور في الضمير الراجع إلى موصوف وحينئذ يصير التقدير إن
~~حياتنا الدنيا إلا حياتنا الدنيا. وأجيب بأن الضمير قد يعود إلى الموصوف
~~بدون صفته، وهذا في الآخرة يعود إلى القول بأن الضمير عائد على ما يفهم
~~من جنس الحياة ليفيد الحمل ما قصدوه من نفي البعث فكأنهم قالوا: لا حياة
~~إلا حياتنا الدنيا ومن ذلك يعلم خطأ من قال: إنه كشعري شعري، ومن هذا
~~القبيل على رأي قولهم: هي العرب تقول ما شاءت، وقوله:

# هي النفس ما حملتها تتحمل

# وللدهر أيام تجور وتعدل

# وفي «الكشف» ليس المعنى النفس النفس لأنه لا يصلح الثاني حينئذ تفسيرا
~~والجملة بعدها بيانا بل الضمير راجع إلى معهود ذهني أشير إليه ثم أخبر
~~بما بعده كما في هذا أخوك انتهى فتأمل ولا تغفل.

# وقوله تعالى: { نموت ونحيا } جملة مفسرة لما ادعوه من أن الحياة
~~هي ms07092 الحياة الدنيا وأرادوا بذلك يموت بعضنا ويولد بعض وهكذا، وليس المراد
~~بالحياة حياة أخرى بعد الموت إذ لا تصلح الجملة حينئذ للتفسير ولا يذم
~~قائلها وناقضت قولهم: { وما نحن بمبعوثين } وقيل: أرادوا
~~بالموت العدم السابق على الوجود أو أرادوا بالحياة بقاء أولادهم فإن بقاء
~~الأولاد في حكم حياة الآباء ولا يخفى بعده، ومثله على ما قيل - وأنا لا
~~أراه كذلك - أن القوم كانوا قائلين بالتناسخ فحياتهم بتعلق النفس التي
~~فارقت أبدانهم بأبدان أخر عنصرية تنقلت في الأطوار حتى استعدت لأن تتعلق
~~بها تلك النفس المفارقة فزيد مثلا إذا مات تتعلق نفسه ببدن آخر قد استعد
~~في الرحم للتعلق ثم يولد فإذا مات أيضا تتعلق نفسه ببدن آخر كذلك وهكذا
~~إلى ما لا يتناهى، وهذا مذهب لبعض / التناسخية وهم مليون ونحليون، ويمكن
~~أن يقال: إن هذا على حد قوله تعالى لعيسى عليه السلام:

# إني متوفيك ورافعك إلى

# [آل عمران: 55] على قول فإن العطف فيه بالواو وهي لا تقتضي الترتيب
~~فيجوز أن تكون الحياة التي عنوها الحياة التي قبل الموت ويحتمل أنهم
~~قالوا نحيا ونموت إلا أنه لما حكى عنهم قيل: { نموت ونحيا } ليكون
~~أوفق بقوله تعالى: { إن هى إلا حياتنا الدنيا } ثم المراد
~~بقولهم { وما نحن } الخ استمرار النفي وتأكيده.

### || [23.38]

# { إن هو } أي ما هو { إلا رجل افترى على الله
~~كذبا } فيما يدعيه من إرساله تعالى إياه وفيما يعدنا من أن الله تعالى
~~يبعثنا { وما نحن له بمؤمنين } بمصدقين فيما يقوله، والمراد
~~أيضا استمرار النفي وتأكيده.

### || [23.39]

# { قال } أي رسولهم عند يأسه من إيمانهم بعدما سلك في دعوتهم كل مسلك
~~متضرعا إلى الله عز وجل { رب انصرنى } عليهم وانتقم لي منهم {
~~بما كذبون } أي بسبب تكذيبهم إياي وإصرارهم عليه أو بدل تكذيبهم،
~~ويجوز أن تكون الباء آلية و(ما) موصولة كما مر في قصة نوح عليه السلام.

### || [23.40]

# { قال } تعالى إجابة لدعائه وعدة بما طلب. { عما قليل } أي عن
~~زمان قليل فما صلة بين الجار والمجرور جيء بها لتأكيد معنى القلة ms07093 و {
~~قليل } صفة لزمان حذف واستغنى به عنه ومجيئه كذلك كثير، وجوز أن تكون
~~{ ما } نكرة تامة و { قليل } بدلا منها، وأن تكون نكرة موصوفة
~~بقليل، و { عن } بمعنى بعد هنا وهي متعلق بقوله تعالى: {
~~ليصبحن ندمين } وتعلقها بكل من الفعل والوصف محتمل، وجاز
~~ذلك مع توسط لام القسم لأن الجار كالظرف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره.
~~وقال أبو حيان: جمهور أصحابنا على أن لام القسم لا يتقدمها معمول ما
~~بعدها سواء كان ظرفا أم جارا ومجرورا أو غيرهما، وعليه يكون ذلك
~~متعلقا بمحذوف يدل عليه ما قبله والتقدير عما قليل تنصر أو ما بعده أي
~~يصبحون عما قليل ليصبحن الخ، ومذهب الفراء وأبي عبيدة أنه يجوز تقديم
~~معمول (ما) في حيز هذه اللام عليها مطلقا، و { يصبح } بمعنى يصير أي
~~بالله تعالى ليصيرن نادمين على ما فعلوا من التكذيب بعد زمان قليل وذلك
~~وقت نزول العذاب في الدنيا ومعاينتهم له، وقيل: بعد الموت، وفي «اللوامح»
~~عن بعضهم { لتصبحن } بتاء على المخاطبة فلو ذهب ذاهب إلى أن القول من
~~الرسول إلى الكفار بعدما أجيب دعاؤه لكان جائزا.

### || [23.41]

# { فأخذتهم الصيحة } أي صيحة جبريل عليه السلام صاح عليه
~~السلام بهم فدمرهم، وهذا على القول بأن القرن قوم صالح عليه السلام ظاهر،
~~ومن قال: إنهم قوم هود عليه السلام أشكل ظاهر هذا عليه بناءا على أن
~~المصرح به في غير هذه السورة أنهم أهلكوا بريح عاتية، وأجاب بأن جبريل
~~عليه السلام صاح بهم من الريح كما روي في بعض الأحاديث، وفي ذكر كل على
~~حدة إشارة إلى أن كلا لو انفرد لتدميرهم لكفى، ويجوز أن يراد بالصيحة
~~العقوبة الهائلة والعذاب المصطلم كما في قوله:

# صاح الزمان بآل برمك صيحة

# خروا لشدتها على الأذقان

# { بالحق } متعلق بالأخذ أي بالأمر الثابت الذي لا مدفع له كما في
~~قوله تعالى:

# وجاءت سكرة الموت بالحق

# [ق: 19] أو بالعدل من الله عز وجل من قولك: فلان يقضي بالحق إذا كان
~~عادلا في قضاياه أو بالوعد ms07094 الصدق الذي وعده الرسول في ضمن قوله تعالى:

# عما قليل ليصبحن ندمين

# [المؤمنون: 40] { فجعلنهم غثاء } أي كغثاء السيل وهو ما
~~يحمله من الورق والعيدان البالية ويجمع على أغثاء شذوذا وقد تشدد ثاؤه
~~كما في قول امرىء القيس:

# كأن ذرى رأس المجيمر غدوة

# من السيل والغثاء فلكة مغزل

# { فبعدا للقوم الظلمين } يحتمل الإخبار والدعاء، والبعد
~~ضد القرب والهلاك وفعلهما ككرم وفرح والمتعارف الأول في الأول والثاني في
~~الثاني وهو منصوب بمقدر أي بعدوا بعدا من رحمة الله تعالى أو من كل خير
~~أو من النجاة أو هلكوا هلاكا، ويجب حذف ناصب هذا المصدر عند سيبويه فيما
~~إذا كان دعائيا كما صرح به في «الدر المصون»، واللام لبيان من دعى عليه
~~أو أخبر ببعده فهي متعلقة بمحذوف لا ببعدا، ووضع الظاهر موضع الضمير
~~إيذانا بأن إبعادهم لظلمهم.

### || [23.42]

# { ثم أنشأنا من بعدهم } أي بعد هلاكهم { قرونا
~~ءاخرين } هم عند أكثر المفسرين قوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب وغير ذلك.

### || [23.43]

# { ما تسبق من أمة أجلها } أي ما تتقدم أمة من الأمم
~~المهلكة الوقت الذي عين لهلاكهم فمن سيف خطيب جيء بها لتأكيد الاستغراق
~~المستفاد من النكرة الواقعة في سياق النفي، وحاصل المعنى ما تهلك أمة من
~~الأمم قبل مجيء أجلها { وما يستئخرون } ذلك الأجل ساعة، وضمير
~~الجمع عائد على { أمة } باعتبار المعنى.

### || [23.44]

# { ثم أرسلنا رسلنا } عطف على

# أنشأنا

# [المؤمنون:42] لكن لا على معنى أن إرسالهم متراخ عن إنشاء القرون
~~المذكورة جميعا بل على معنى أن إرسال كل رسول متأخر عن إرسال قرن مخصوص
~~بذلك الرسول كأنه قيل: ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين قد أرسلنا إلى كل
~~قرن منهم رسولا خاصا به، والفصل بين المعطوفين بالجملة المعترضة
~~للمسارعة إلى بيان هلاك أولئك القرون على وجه إجمالي، وتعليق الإرسال
~~بالرسل نظير تعليق القتل بالقتيل في «من قتل قتيلا» وللعلماء فيه
~~توجيهات.

# { تترا } من المواترة وهو التتابع مع فصل ومهلة على ما قاله الأصمعي
~~واختاره الحريري في «الدرة». وفي «الصحاح» المواترة المتابعة ولا ms07095 تكون
~~المواترة بين الأشياء إلا إذا وقعت بينها فترة وإلا فهي مداركة ومثله في
~~«القاموس»، وعن أبي علي أنه قال: المواترة أن يتبع الخبر الخبر والكتاب
~~الكتاب فلا يكون بينهما فصل كثير، ونقل في «البحر» عن بعض أن المواترة
~~التتابع بغير مهلة، وقيل: هو التتابع مطلقا، والتاء الأولى بدل من الواو
~~كما في تراث وتجاه ويدل على ذلك الاشتقاق، وجمهور القراء والعرب على عدم
~~تنوينه فألفه للتأنيث كألف دعوى وذكرى وهو مصدر في موضع الحال والظاهر
~~أنه حال من المفعول، والمراد كما قال أبو حيان والراغب وغيرهما ثم أرسلنا
~~رسلنا متواترين، وقيل: حال من الفاعل والمراد أرسلنا متواترين. وقيل هو
~~صفة لمصدر مقدر أي إرسالا متواترا، وقيل مفعول مطلق لأرسلنا لأنه بمعنى
~~واترنا.

# وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وقتادة وأبو جعفر وشعبة وابن محيصن والإمام
~~الشافعي عليه الرحمة { تترى } بالتنوين وهو / لغة كنانة، قال في
~~«البحر»: وينبغي عند من ينون أن تكون الألف فيه للإلحاق كما في أرطى
~~وعلقى لكن ألف الإلحاق في المصادر نادرة، وقيل: إنها لا توجد فيها. وقال
~~الفراء: يقال تتر في الرفع وتتر في الجر وتترا في النصب فهو مثل صبر ونصر
~~ووزنه فعل لا فعلى ومتى قيل تترى بالألف فألفه بدل التنوين كما في صبرت
~~صبرا عند الوقف. ورد بأنه لم يسمع فيه إجراء الحركات الثلاث على الراء
~~وعلى مدعيه الإثبات. وأيضا كتبه بالياء يأبى ذلك، وما ذكرنا من مصدرية {
~~تترى } هو المشهور، وقيل: هو جمع، وقيل: اسم جمع وعلى القولين هو حال
~~أيضا.

# وقوله تعالى: { كل ما جاء أمة رسولها كذبوه }
~~استئناف مبين لمجيء كل رسول لأمته ولما صدر عنهم عند تبليغ الرسالة،
~~والمراد بالمجيء إما التبليغ وإما حقيقة المجيء للإيذان بأنهم كذبوه في
~~أول الملاقاة، وإضافة الرسول إلى الأمة مع إضافة كلهم فيما سبق إلى نون
~~العظمة لتحقيق أن كل رسول جاء أمته الخاصة به لا أن كلهم جاؤا كل الأمم
~~وللإشعار بكمال شناعة المكذبين وضلالهم حيث كذبوا الرسول المعين لهم،
~~وقيل: أضاف ms07096 سبحانه الرسول مع الإرسال إليه عز وجل ومع المجيء إلى المرسل
~~إليهم لأن الإرسال الذي هو مبدأ الأمر منه تعالى والمجيء الذي هو منتهاه
~~إليهم.

# { فأتبعنا بعضهم بعضا } في الهلاك حسبما تبع بعضهم بعضا
~~في مباشرة سببه وهو تكذيب الرسول { وجعلنهم أحاديث } جمع
~~أحدوثه وهو ما يتحدث به تعجبا وتلهيا كأعاجيب جمع أعجوبة وهو ما يتعجب
~~منه أي جعلناهم أحاديث يتحدث بها على سبيل التعجب والتلهي، ولا تقال
~~الأحدوثة عند الأخفش إلا في الشر. وجوز أن يكون جمع حديث وهو جمع شاذ
~~مخالف للقياس كقطيع وأقاطيع ويسميه الزمخشري اسم جمع، والمراد إنا
~~أهلكناهم ولم يبق إلا خبرهم { فبعدا لقوم لا يؤمنون }
~~اقتصر ههنا على وصفهم بعدم الإيمان حسبما اقتصر على حكاية تكذيبهم
~~إجمالا، وأما القرون الأولون فحيث نقل عنهم ما مر من الغلو وتجاوز الحد
~~في الكفر والعدوان وصفوا بالظلم.

### || [23.45]

# { ثم أرسلنا موسى وأخاه هرون بئايتنا } أي
~~بالآيات المعهودة وهي الآيات التسع وقد تقدم الكلام في تفصيلها وما قيل
~~فيه. و { هرون } بدل أو عطف بيان، وتعرض لإخوته لموسى عليهما السلام
~~للإشارة إلى تبعيته له في الإرسال { وسلطن مبين } أي حجة
~~واضحة أو مظهرة للحق، والمراد بها عند جمع العصا، وإفرادها بالذكر مع
~~اندراجها في الآيات لتفردها بالمزايا حتى صارت كأنها شيء آخر، وجوز أن
~~يراد بها الآيات والتعاطف من تعاطف المتحدين في الماصدق لتغاير مدلوليهما
~~كعطف الصفة على الصفة مع اتحاد الذات وقد مر نظيره آنفا أو هو من باب
~~قولك: مررت بالرجل والنسمة المباركة حيث جرد من نفس الآيات سلطان مبين
~~وعطف عليه مبالغة، والإتيان به مفردا لأنه مصدر في الأصل أو للاتحاد في
~~المراد، وعن الحسن أن المراد بالآيات التكاليف الدينية وبالسلطان المبين
~~المعجز، وقال أبو حيان: يجوز أن يراد بالآيات نفس المعجزات وبالسلطان
~~المبين كيفية دلالتها لأنها وإن شاركت آيات الأنبياء عليهم السلام في أصل
~~الدلالة على الصدق فقد فارقتها في قوة دلالتها على ذلك وهو كما ترى،
~~ويمكن أن يقال: المراد بالسلطان تسلط موسى ms07097 عليه السلام في المحاورة
~~والاستدلال على الصانع / عز وجل وقوة الجأش والإقدام.

### || [23.46]

# { إلى فرعون وملئه } أي أشراف قومه خصوا بالذكر لأن إرسال
~~بني إسرائيل وهو مما أرسلا عليهما السلام لأجله منوط بآرائهم، ويمكن أن
~~يراد بالملأ قومه فقد جاء استعماله بمعنى الجماعة مطلقا {
~~فاستكبروا } عن الانقياد لما أمروا به ودعوا إليه من الإيمان
~~وإرسال بني إسرائيل وترك تعذيبهم، وليست الدعوة مختصة بإرسال بني إسرائيل
~~وإطلاقهم من الأسر ففي سورة [النازعات: 7191]

# اذهب إلى فرعون إنه طغى * فقل هل لك إلى
~~أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى

# وأيضا فيما نحن فيه ما يدل على عدم الاختصاص.

# { وكانوا قوما علين } متكبرين أو متطاولين بالبغي والظلم؛
~~والمراد كانوا قوما عادتهم العلو.

### || [23.47]

# { فقالوا } عطف على

# استكبروا

# [المؤمنون: 46] وما بينهما اعتراض مقرر للاستكبار، والمراد فقالوا فيما
~~بينهم بطريق المناصحة { أنؤمن لبشرين مثلنا } ثنى البشر
~~لأنه يطلق على الواحد كقوله تعالى:

# بشرا سويا

# [مريم: 17] ويطلق على الجمع كما في قوله تعالى:

# فإما ترين من البشر أحدا

# [مريم: 26] ولم يثن (مثل) نظرا إلى كونه في حكم المصدر، ولو أفرد البشر
~~لصح لأنه اسم جنس يطلق على الواحد وغيره، وكذا لو ثنى المثل فإنه جاء
~~مثنى في قوله تعالى:

# يرونهم مثليهم

# [آل عمران: 13] ومجموعا في قوله سبحانه:

# ثم لا يكونوا أمثلكم

# [محمد: 38] نظرا إلى أنه في تأويل الوصف إلا أن المرجح لتثنية الأول
~~وإفراد الثاني الإشارة بالأول إلى قلتهما وانفرادهما عن قومهما مع كثرة
~~الملأ واجتماعهم وبالثاني إلى شدة تماثلهم حتى كأنهم مع البشرين شيء واحد
~~وهوأدل على ما عنوه.

# وهذه القصص كما ترى تدل على أن مدار شبه المنكرين للنبوة قياس حال
~~الأنبياء عليهم السلام على أحوالهم بناء على جهلهم بتفاصيل شؤون الحقيقة
~~البشرية وتباين طبقات أفرادها في مراقي الكمال ومهاوي النقصان بحيث يكون
~~بعضها في أعلى عليين وهم المختصون بالنفوس الزكية المؤيدون بالقوة
~~القدسية المتعلقون لصفاء جواهرهم بكلا العالمين اللطيف والكثيف فيتلقون
~~من جانب ويلقون إلى جانب ولا يعوقهم التعلق بمصالح الخلق عن التبتل إلى ms07098
~~حضرة الحق وبعضها في أسفل سافلين وهم كأولئك الجهلة الذين هم كالأنعام بل
~~هم أضل سبيلا. ومن العجب أنهم لم يرضوا للنبوة ببشر، وقد رضي أكثرهم
~~للإلهية بحجر فقاتلهم الله تعالى ما أجهلهم، والهمزة للإنكار أي لا نؤمن
~~لبشرين مثلنا.

# { وقومهما } يعنون سائر بني إسرائيل { لنا عبدون } خادمون
~~منقادون لنا كالعبيد ففي { عبدون } استعارة تبعية نظرا إلى متعارف
~~اللغة. ونقل الخفاجي عن الراغب أنه صرح بأن العابد بمعنى الخادم حقيقة،
~~وقال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان للملك عابدا، وجوز الزمخشري الحمل
~~على حقيقة العبادة فإن فرعون كان يدعي الإلهية فادعى للناس العبادة على
~~الحقيقة. واعترض بأن الظاهر أن هذا القول من الملأ وهو يأبى ذلك، وكونهم
~~قالوه على لسان فرعون كما يقول خواص ملك: نحن ذوو رعية كثيرة وملك طويل
~~عريض ومرادهم ان ملكنا ذو رعية الخ خلاف الظاهر، وقيل عليه أيضا على
~~تقدير أن يكون القائل فرعون: لا يلزم من ادعائه الإلهية عبادة بني
~~إسرائيل له أو كونه يعتقد أو يدعي عبادتهم على الحقيقة له؛ وأنت تعلم أنه
~~متى سلم أن القائل فرعون وأنه يدعي الإلهية لا يقدح / في إرادته حقيقة
~~العبادة عدم اعتقاده ذلك لأنه على ما تدل عليه بعض الآثار كثيرا ما يظهر
~~خلاف ما يبطن حتى أنها تدل على أن دعواه الإلهية من ذلك، نعم الأولى
~~تفسير { عبدون } بخادمون وهو مما يصح إسناده إلى فرعون وملئه،
~~وكأنهم قصدوا بذلك التعريض بشأن الرسولين عليهما السلام وحط رتبتهما
~~العلية عن منصب الرسالة من وجه آخر غير البشرية.

# واللام في { لنا } متعلقة بعابدون قدمت عليه رعاية للفواصل، وقيل
~~للحصر أي لنا عابدون لا لهما، والجملة حال من فاعل { نؤمن } مؤكدة
~~لإنكار الايمان لهما بناء على زعمهم الفاسد المؤسس على قياس الرياسة
~~الدينية على الرياسة الدنيوية الدائرة على التقدم في نيل الحظوظ الدنيوية
~~من المال والجاه كدأب قريش حيث قالوا:

# لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين
~~عظيم

# [الزخرف: 31] وجهلهم بأن مناط الاصطفاء للرسالة هو السبق في ms07099 حيازة
~~النعوت العلية والملكات السنية التي يتفضل الله تعالى بها على من يشاء من
~~خلقه.

### || [23.48]

# { فكذبوهما } فاستمروا على تكذيبهما وأصروا واستكبروا استكبارا
~~{ فكانوا من المهلكين } بالغرق في بحر القلزم، والتعقيب
~~باعتبار آخر زمان التكذيب الذي استمروا عليه، وقيل: تعقيب التكذيب بذلك
~~بناء على أن المراد محكوم عليهم بالإهلاك، وقيل: الفاء لمحض السببية أي
~~فكانوا بسبب تكذيب الرسولين من المهلكين.

### || [23.49]

# { ولقد ءاتينا } بعد إهلاكهم وإنجاء بني إسرائيل من مملكتهم {
~~موسى الكتب } أي التوراة، وحيث كان إيتاؤه عليه السلام إياها
~~لإرشاد قومه إلى الحق كما هو شأن الكتب الإلهية جعلوا كأنهم أوتوها
~~فقيل: { لعلهم يهتدون } أي إلى طريق الحق علما وعملا لما
~~تضمنته من الاعتقاديات والعمليات. وجوز أن يكون الكلام على تقدير مضاف أي
~~آتينا قوم موسى وضمير { لعلهم } عائد عليه، وقيل أريد بموسى عليه
~~السلام قومه كما يقال تميم وثقيف للقبيلة. وتعقب بأن المعروف في مثله
~~إطلاق أبي القبيلة عليهم وإطلاق موسى عليه السلام على قومه ليس من هذا
~~القبيل وإن كان لا مانع منه، ولم يجعل ضمير { لعلهم } لفرعون وملئه
~~لظهور أن التوراة إنما نزلت بعد إغراقهم لبني إسرائيل وقد يستشهد على ذلك
~~بقوله تعالى:

# ولقد ءاتينا موسى الكتب من بعد ما أهلكنا
~~القرون الأولى

# [القصص: 43] بناء على أن المراد بالقرون الأولى ما يعم فرعون وقومه ومن
~~قبلهم من المهلكين كقوم نوح وهود لا ما يخص من قبلهم من الأمم المهلكين
~~لأن تقييد الأخبار بإتيانه عليه السلام الكتاب بأنه بعد إهلاك من تقدم من
~~الأمم معلوم فلو لم يدخل فرعون وقومه لم يكن فيه فائدة كما قيل، ولم يذكر
~~هرون مع موسى عليهما السلام اقتصارا على من هو كالأصل في الإيتاء، وقيل
~~لأن الكتاب نزل بالطور وهرون عليه السلام كان غائبا مع بني إسرائيل.

### || [23.50]

# { وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية } أية آية دالة على عظيم
~~قدرتنا بولادته منها من غير مسيس بشر، فالآية أمر واحد مشترك بينهما فلذا
~~أفردت، وجوز أن يكون الكلام على تقدير مضاف أي جعلنا ms07100 حال ابن مريم وأمه
~~آية أو جعلنا ابن مريم وأمه ذوي آية وأن يكون على حذف آية من الأول
~~لدلالة الثاني عليه أو بالعكس أي جعلنا ابن مريم آية لما ظهر فيه عليه
~~السلام من الخوارق كتكلمه في المهد بما تكلم صغيرا وإحيائه الموتى
~~وإبرائه الأكمه والأبرص وغير ذلك كبيرا وجعلنا أمه آية بأن ولدت من غير
~~مسيس، وقال الحسن: إنها عليها / السلام تكلمت في صغرها أيضا حيث قالت:

# هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير
~~حساب

# [آل عمران: 37] ولم تلتقم ثديا قط، وقال الخفاجي: لك أن تقول: إنما
~~يحتاج إلى توجيه إفراد الآية بما ذكر إذا أريد أنها آية على قدرة الله
~~تعالى أما إذا كانت بمعنى المعجزة أو الإرهاص فلا لأنها إنما هي لعيسى
~~عليه السلام لنبوته دون مريم اه. ولا يخفى ما فيه والوجه عندي ما تقدم،
~~والتعبير عن عيسى عليه السلام بابن مريم وعن مريم بأمه للإيذان من أول
~~الأمر بحيثية كونهما آية فإن نسبته عليه السلام إليها مع أن النسب إلى
~~الآباء دالة على أن لا أب له أي جعلنا ابن مريم وحدها من غير أن يكون له
~~أب وأمه التي ولدته خاصة من غير مشاركة الأب آية، وتقديمه عليه السلام
~~لأصالته فيما ذكر من كونه آية كما قيل إن تقديم أمه في قوله تعالى:

# وجعلنها وابنها ءاية للعلمين

# [الأنبياء: 91] لأصالتها فيما نسب إليها من الإحصان والنفخ.

# ثم اعلم أن الذي أجمع عليه الإسلاميون أنه ليس لمريم ابن سوى عيسى عليه
~~السلام. وزعم بعض النصارى قاتلهم الله تعالى أنها بعد أن ولدت عيسى تزوجت
~~بيوسف النجار وولدت منه ثلاثة أبناء، والمعتمد عليه عندهم أنها كانت في
~~حال الصغر خطيبة يوسف النجار وعقد عليها ولم يقربها ولما رأى حملها بعيسى
~~عليه السلام هم بتخليتها فرأى في المنام ملكا أوقفه على حقيقة الحال
~~فلما ولدت بقيت عنده مع عيسى عليه السلام فجعل يربيه ويتعهده مع أولاد له
~~من زوجة غيرها فأما هي فلم يكن ms07101 يقربها أصلا. والمسلمون لا يسلمون أنها
~~كانت معقودا عليها ليوسف ويسلمون أنها كانت خطيبته وأنه تعهدها وتعهد
~~عيسى عليه السلام ويقولون: كان ذلك لقرابته منها.

# { وءاوينهما } أي جعلناهما يأويان { إلى ربوة } هي ما
~~ارتفع من الأرض دون الجبل. واختلف في المراد بها هنا فأخرج وكيع وابن
~~أبي شيبة وابن المنذر وابن عساكر بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال في قوله
~~تعالى: { إلى ربوة } أنبئنا أنها دمشق، وأخرج ابن عساكر عن عبد
~~الله بن سلام وعن يزيد بن شجرة الصحابي وعن سعيد بن المسيب وعن قتادة عن
~~الحسن أنهم قالوا: الربوة هي دمشق، وفي ذلك حديث مرفوع أخرجه ابن عساكر
~~عن أبي أمامة بسند ضعيف.

# وأخرج جماعة عن أبي هريرة أنه قال: هي الرملة من فلسطين، وأخرج ذلك ابن
~~مردويه من حديثه مرفوعا، وأخرج الطبراني في «الأوسط» وجماعة عن مرة
~~البهزي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الربوة الرملة،
~~وأخرج ابن جرير وغيره عن الضحاك أنه قال: هي بيت المقدس، وأخرج هو وغيره
~~أيضا عن قتادة أنه قال: كنا نحدث أن الربوة بيت المقدس، وذكروا عن كعب
~~أن أرضه كبد الأرض وأقربها إلى السماء بثمانية عشر ميلا ولذا كان
~~المعراج ورفع عيسى عليه السلام منه، وهذا القول أوفق بإطلاق الربوة على
~~ما سمعت من معناها، وأخرج ابن المنذر وغيره عن وهب وابن جرير وغيره عن
~~ابن زيد الربوة مصر، وروي عن زيد بن أسلم أنه قال: هي الإسكندرية، وذكروا
~~أن قرى مصر كل واحدة منها على ربوة مرتفعة لعموم النيل في زيادته جميع
~~أرضها فلو لم تكن القرى على الربى لغرقت.

# وذكر أن سبب هذا الإيواء أن ملك ذلك الزمان عزم على قتل عيسى عليه
~~السلام ففرت به أمه إلى أحد هذه الأماكن التي ذكرت كذا في «البحر»، ورأيت
~~في «إنجيل متى» أن عيسى عليه السلام لما ولد في بيت لحم في أيام هيرودس
~~الملك وافى جماعة من / المجوس من المشرق إلى أورشليم يقولون: أين المولود
~~ملك ms07102 اليهود فقد رأينا نجمه في المشرق وجئنا لنسجد له فلما سمع هيرودس
~~اضطرب وجمع رؤساء الكهنة وكتبة الشعب فسألهم أين يولد المسيح؟ فقالوا: في
~~بيت لحم فدعا المجوس سرا وتحقق منهم الزمان الذي ظهر لهم فيه النجم
~~وأرسلهم إلى بيت لحم وقال لهم: اجهدوا في البحث عن هذا المولود فإذا
~~وجدتموه فأخبروني لأسجد له معكم فذهبوا فوجدوه مع مريم فسجدوا وقربوا
~~القرابين ورأوا في المنام أن لا يرجعوا إلى هيرودس فذهبوا إلى كورتهم
~~ورأى يوسف في المنام ملكا يقول له قم فخذ الطفل وأمه واهرب إلى مصر وكن
~~هناك حتى أقول لك فإن هيرودس قد عزم على أن يطلب الطفل ليهلكه فقام وأخذ
~~الطفل وأمه ليلا ومضى إلى مصر وكان هناك إلى وفاة هيرودس فلما توفي رأى
~~يوسف الملك في المنام يقول له: قم فخذ الطفل وأمه واذهب إلى أرض إسرائيل
~~فقد مات من يطلب نفس الطفل فقام وأخذهما وجاء إلى أرض إسرائيل فلما سمع
~~أن أرشلاوس قد ملك على اليهودية بعد أبيه هيرودس خاف أن يذهب هناك فأخبر
~~في المنام وذهب إلى تخوم الجليل فسكن في مدينة تدعى ناصرة اه، فإن صح
~~هذا كان الظاهر أن الربوة في أرض مصر أو ناصرة من أرض الشام والله تعالى
~~أعلم.

# وقرأ أكثر القراء { ربوة } بضم الراء وهي لغة قريش. وقرأ أبو إسحق
~~السبيعي { ربوة } بكسرها، وابن أبي إسحق { رباة } بضم الراء وبالألف،
~~وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما والأشهب العقيلي والفرزدق والسلمي في
~~نقل صاحب «اللوامح» بفتحها وبالألف. وقرىء بكسرها وبالألف.

# { ذات قرار } أي مستقر من أرض منبسطة، والمراد أنها في واد فسيح
~~تنبسط به نفس من يأوى إليه، وقال مجاهد: ذات ثمار وزروع، والمراد أنها
~~محل صالح لقرار الناس فيه لما فيه من الزروع والثمار وهو أنسب بقوله
~~تعالى: { ومعين } أي وماء معين أي جار، ووزنه فعيل على أن الميم
~~أصلية من معن بمعنى جرى، وأصله الإبعاد في الشيء ومنه أمعن النظر. وفي
~~«البحر» معن الشيء معانة كثر أو ms07103 من الماعون، وإطلاقه على الماء الجاري
~~لنفعه، وجوز أن يكون وزنه مفعول كمخيط على أن الميم زائدة من عانه أدركه
~~بعينه كركبه إذا ضربه بركبته وإطلاقه على الماء الجاري لما أنه في
~~الأغلب يكون ظاهرا مشاهدا بالعين، ووصف الماء بذلك لأنه الجامع لانشراح
~~الصدر وطيب المكان وكثرة المنافع.

### || [23.51]

# { يأيها الرسل كلوا من الطيبت } حكاية لرسول الله
~~صلى الله عليه وسلم على وجه الإجمال لما خوطب به كل رسول في عصره جيء بها
~~إثر حكاية إيواء عيسى وأمه عليهما السلام إلى الربوة إيذانا بأن ترتيب
~~مبادي النعم لم تكن من خصائص عيسى عليه السلام بل إباحة الطيبات شرع قديم
~~جرى عليه جميع الرسل عليهم السلام ووصوا به أي وقلنا لكل رسول كل من
~~الطيبات واعمل صالحا فعبر عن تلك الأوامر المتعددة المتعلقة بالرسل
~~بصيغة الجمع عند الحكاية إجمالا للإيجاز أو حكاية لما ذكر لعيسى وأمه
~~عليهما السلام عند إيوائهما إلى الربوة ليقتديا بالرسل في تناول ما رزقا
~~كأنه قبل آويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين وقلنا أو قائلين لهما هذا أي
~~اعلمناهما أو معلميهما أن الرسل كلهم خوطبوا بهذا فكلا واعملا اقتداء
~~بهم، وجوز أن يكون نداء لعيسى عليه السلام وأمرا له بأن يأكل من
~~الطيبات، فقد جاء في حديث مرسل عن حفص / ابن أبي جبلة عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم أنه قال في قوله تعالى: { يأيها الرسل } الخ:
~~ذاك عيسى ابن مريم كان يأكل من غزل أمه. وعن الحسن ومجاهد وقتادة والسدي
~~والكلبي أنه نداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخطاب له والجمع
~~للتعظيم واستظهر ذلك النيسابوري، وما وقع في «شرح التلخيص» تبعا للرضي
~~من أن قصد التعظيم بصيغة الجمع في غير ضمير المتكلم لم يقع في الكلام
~~القديم خطأ لكثرته في كلام العرب مطلقا بل في جميع الألسنة وقد صرح به
~~الثعالبي في «فقه اللغة».

# والمراد بالطيبات على ما اختاره شيخ الإسلام وغيره ما يستطاب ويستلذ من
~~مباحات المأكل والفواكه، واستدل له بأن السياق يقتضيه والأمر ms07104 عليه
~~للإباحة والترفيه وفيه إبطال للرهبانية التي ابتدعتها النصارى، وقيل
~~المراد بالطيبات ما حل والأمر تكليفي، وأيد بتعقيبه بقوله تعالى: {
~~واعملوا صلحا } أي عملا صالحا، وقد يؤيد بما أخرجه أحمد في
~~«الزهد» وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن أم عبد الله أخت
~~شداد بن أوس رضي الله تعالى عنها أنها بعثت إلى النبي صلى الله عليه
~~وسلم بقدح لبن عند فطره وهو صائم فرد إليها رسولها أنى لك هذا اللبن؟
~~قالت: من شاة لي فرد إليها رسولها أنى لك الشاة؟ فقالت: اشتريتها من مالي
~~فشرب منه عليه الصلاة والسلام فلما كان من الغد أتته أم عبد الله فقالت:
~~يا رسول الله بعثت إليك بلبن فرددت إلي الرسول فيه فقال صلى الله عليه
~~وسلم لها:

# " بذلك أمرت الرسل قبلي أن لا تأكل إلا طيبا ولا تعمل إلا صالحا "

# وكذا بما أخرجه مسلم والترمذي وغيرهما عن أبي هريرة قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس إن الله تعالى طيب لا
~~يقبل إلا طيبا وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {
~~يأيها الرسل كلوا من الطيبت واعملوا صلحا
~~} وقال: { يأيها الذين ءامنوا كلوا من طيبات ما
~~رزقنكم } [البقرة: 172] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر
~~ومطمعه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام يمد يديه إلى السماء
~~يا رب يا رب فأنى يستجاب لذلك "

# وتقديم الأمر بأكل الحلال لأن أكل الحلال معين على العمل الصالح. وجاء
~~في بعض الأخبار أن الله تعالى لا يقبل عبادة من في جوفه لقمة من حرام،
~~وصح «أيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به». ولعل تقديم الأمر الأول على
~~تقدير حمل الطيب على ما يستلذ من المباحات لأنه أوفق بقوله تعالى:

# وآويناهمآ إلى ربوة ذات قرار ومعين

# [المؤمنون: 50] وفي الأمر بعده بالعمل الصالح حث على الشكر.

# { إني بما تعملون عليم } من الأعمال الظاهرة والباطنة {
~~عليم } فأجازيكم عليه. وفي «البحر» أن هذا تحذير للرسل عليهم السلام
~~في الظاهر والمراد ms07105 أتباعهم.

### || [23.52]

# { وإن هذه } أي الملة والشريعة، وأشير إليها بهذه للإشارة إلى
~~كمال ظهور أمرها في الصحة والسداد وانتظامها بسبب ذلك في سلك الأمور
~~المشاهدة { أمتكم } أي ملتكم وشريعتكم والخطاب للرسل عليهم السلام
~~على نحو ما مر؛ وقيل عام لهم ولغيرهم وروي ذلك عن مجاهد، والجملة على ما
~~قال الخفاجي عطف على جملة

# إنى بما تعملون عليم

# [المؤمنون: 51] فالواو من المحكي، وقيل هي من الحكاية وقد عطفت قولا
~~على قول، والتقدير قلنا يا أيها الرسل كلوا الخ وقلنا لهم إن هذه أمتكم
~~ولا يخفى بعده. وقيل: الواو ليست للعطف والجملة بعدها مستأنفة غير معطوفة
~~على ما قبلها وهو كما ترى. وقوله سبحانه: { أمة واحدة } حال
~~مبنية من الخبر والعامل فيها معنى الإشارة أي أشير إليها في حال كونها
~~شريعة متحدة / في الأصول التي لا تتبدل بتبدل الأعصار؛ وقيل: { هذه
~~} إشارة إلى الأمم الماضية للرسل، والمعنى إن هذه جماعتكم جماعة واحدة
~~متفقة على الإيمان والتوحيد في العبادة.

# { وأنا ربكم } أي من غير أن يكون لي شريك في الربوبية، وهذه
~~الجملة عطف على جملة { إن هذه } الخ المعطوفة على ما تقدم وهما
~~داخلان في حيز التعليل للعمل الصالح لأن الظاهر أن قوله سبحانه:

# إني بما تعملون عليم

# [المؤمنون: 51] تعليل لذلك، ولعل المراد بالعمل الصالح ما يشمل العقائد
~~الحقة والأعمال الصحيحة، واقتضاء المجازاة والربوبية لذلك ظاهر وأما
~~اقتضاء اتحاد الشريعة في الأصول التي لا تتبدل لذلك فباعتبار أنه دليل
~~حقية العقائد وحقيتها تقتضي الإتيان بها والإتيان بها يقتضي الإتيان
~~بغيرها من الأعمال الصالحة بل قيل لا يصح الاعتقاد مع ترك العمل، وعلى
~~هذا يكون قوله تعالى: { فاتقون } كالتصريح بالنتيجة فيكون الكلام
~~نظير قولك: العالم حادث لأنه متغير وكل متغير حادث فالعالم حادث. وفي
~~«إرشاد العقل السليم» أن ضمير الخطاب في قوله تعالى: { ربكم } وفي
~~قوله سبحانه: { فاتقون } للرسل والأمم جميعا على أن الأمر في حق
~~الرسل للتهييج والإلهاب وفي حق الأمة للتحذير والإيجاب، والفاء لترتيب
~~الأمر أو وجوب الامتثال به على ما قبله ms07106 من اختصاص الربوبية به سبحانه
~~واتحاد الأمة فإن كلا منهما موجب للاتقاء حتما، والمعنى فاتقون في شق
~~العصا والمخالفة بالإخلال بموجب ما ذكر.

# وقرأ الحرميان وأبو عمرو { وأن } بفتح الهمزة وتشديد النون، وخرج على
~~تقدير حرف الجر أي ولأن هذه الخ، والجار والمجرور متعلق باتقون، قال
~~الخفاجي: والكلام في الفاء الداخلة عليه كالكلام في فاء قوله تعالى:

# فإيي فارهبون

# [النحل: 51] وهي للسببية وللعطف على ما قبله وهو

# اعملوا

# [المؤمنون: 51] والمعنى اتقوني لأن العقول متفقة على ربوبيتي والعقائد
~~الحقة الموجبة للتقوى انتهى، ولا يخلو عن شيء. وجوز أن تكون { أن هذه }
~~الخ على هذه القراءة معطوفا على

# ما تعملون

# [المؤمنون: 51] والمعنى أني عليم بما تعملون وبأن هذه أمتكم أمة واحدة
~~الخ فهو داخل في حيز المعلوم. وضعف بأنه لا جزالة في المعنى عليه، وقيل:
~~هو معمول لفعل محذوف أي واعلموا أن هذه أمتكم الخ وهذا المحذوف معطوف على

# اعملوا

# ولا يخفى أن هذا التقدير خلاف الظاهر. وقرأ ابن عامر { وأن } بفتح
~~الهمزة وتخفيف النون على أنها المخففة من الثقيلة ويعلم توجيه الفتح مما
~~ذكرنا.

### || [23.53]

# { فتقطعوا أمرهم } الضمير لما دل عليه الأمة من أربابها إن
~~كانت بمعنى الملة أو لها إن كانت بمعنى الجماعة، وجوز أن يراد بالأمة
~~أولا الملة وعند عود الضمير عليها الجماعة على أن ذلك من باب الاستخدام،
~~والمراد حكاية ما ظهر من أمم الرسل عليهم السلام من مخالفة الأمر، والفاء
~~لترتيب عصيانهم على الأمر لزيادة تقبيح حالهم، وتقطع بمعنى قطع كتقدم
~~بمعنى قدم؛ والمراد بأمرهم أمر دينهم إما على تقدير مضاف أو على جعل
~~الإضافة عهدية أي قطعوا أمر دينهم وجعلوه أديانا مختلفة مع اتحاده، وجوز
~~أن يراد بالتقطع التفرق، و { أمرهم } منصوب بنزع الخافض أي فتفرقوا
~~وتحزبوا في أمرهم، ويجوز أن يكون { أمرهم } على هذا نصبا على التمييز
~~عند الكوفيين المجوزين تعريف التمييز.

# { بينهم زبرا } أي قطعا جمع زبور بمعنى فرقة، ويؤيده / أنه
~~قرىء { زبرا } بضم الزاي وفتح الباء فإنه مشهور ثابت في جمع زبرة بمعنى ms07107
~~قطعة وهو حال من { أمرهم } أو من واو { تقطعوا } أو مفعول ثان له
~~فإنه مضمن معنى جعلوا، وقيل: هو جمع زبور بمعنى كتاب من زبرت بمعنى كتبت
~~وهو مفعول ثان لتقطعوا المضمن معنى الجعل أي قطعوا أمر دينهم جاعلين له
~~كتبا. وجوز أن يكون حالا من { أمرهم } على اعتبار تقطعوا لازما
~~أي تفرقوا في أمرهم حال كونه مثل الكتب السماوية عندهم. وقيل: إنها حال
~~مقدرة أو منصوب بنزع الخافض أي في كتب، وتفسير { زبرا } بكتب رواه
~~جماعة عن قتادة كما في «الدر المنثور»، ولا يخفى خفاء المعنى عليه ولا
~~يكاد يستقيم إلا بتأويل فتدبر.

# وقرىء { زبرا } بإسكان الباء للتخفيف كرسل في رسل، وجاء {
~~فتقطعوا } هنا بالفاء إيذانا بأن ذلك اعتقب الأمر وفيه مبالغة في
~~الذم كما أشرنا إليه، وجاء في سورة الأنبياء [93] بالواو فاحتمل معنى
~~الفاء واحتمل تأخر تقطعهم عن الأمر. وجاء هنا

# وأنا ربكم فاتقون

# [المؤمنون: 52] وهو أبلغ في التخويف والتحذير مما جاء هناك من قوله
~~تعالى هناك:

# وأنا ربكم فاعبدون

# [الأنبياء: 92] لأن هذه جاءت عقيب إهلاك طوائف كثيرين قوم نوح والأمم
~~الذين من بعدهم وفي تلك السورة وإن تقدمت أيضا قصة نوح وما قبلها فإنه
~~جاء بعدها ما يدل على الإحسان واللطف التام في قصة أيوب وزكريا ومريم
~~فناسب الأمر بالعبادة لمن هذه صفته عز وجل قاله أبو حيان، وما ذكره أولا
~~غير واف بالمقصود، وما ذكره ثانيا قيل عليه: إنه مبني على أن الآية
~~تذييل للقصص السابقة أو لقصة عيسى عليه السلام لا ابتداء كلام فإنه
~~حينئذ لا يفيد ذلك إلا أن يراد أنه وقع في الحكاية لهذه المناسبة فتأمل.

# { كل حزب } من أولئك المتحزبين { بما لديهم } من الأمر
~~الذي اختاروه { فرحون } مسرورون منشرحو الصدر، والمراد أنهم معجبون
~~به معتقدون أنه الحق، وفي هذا من ذم أولئك المتحزبين ما فيه.

### || [23.54]

# { فذرهم فى غمرتهم } خطاب له صلى الله عليه وسلم في شأن
~~قريش الذين تقطعوا في أمر الدين الحق، والغمرة الماء الذي يغمر القامة
~~وأصلها من الستر ms07108 والمراد بها الجهالة بجامع الغلبة والاستهلاك، وكأنه لما
~~ذكر سبحانه في ضمن ما كان من أمم الأنبياء عليهم السلام توزعهم واقتسامهم
~~ما كان يجب اجتماعه واتفاق الكلمة عليه من الدين وفرحهم بفعلهم الباطل
~~ومعتقدهم العاطل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: فإذ ذاك دعهم في جهلهم
~~هذا الذي لا جهل فوقه تخلية وخذلانا ودلالة على اليأس من أن ينجع القول
~~فيهم وضمن التسلية في ذكر الغاية أعني قوله سبحانه: { حتى حين }
~~فإن المراد بذلك حين قتلهم وهو يوم بدر على ما روي عن مقاتل، أو موتهم
~~على الكفر الموجب للعذاب أو عذابهم، وفي التنكير والإبهام ما لا يخفى من
~~التهويل. وجوز أن يقال: شبه حال هؤلاء مع ما هم عليه من محاولة الباطل
~~والانغماس فيه بحال من يدخل في الماء الغامر للعب والجامع تضييع الوقت
~~بعد الكدح في العمل، والكلام حينئذ على منوال سابقه أعني قوله تعالى:

# كل حزب بما لديهم فرحون

# [المؤمنون: 53] لما جعلوا فرحين غرورا جعلوا لاعبين أيضا والأول أظهر؛
~~وقد يجعل الكلام عليه أيضا استعارة تمثيلية بل هو أولى عند البلغاء كما
~~لا يخفى.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وأبو حيوة والسلمي { في غمراتهم } على
~~الجمع لأن لكل واحد غمرة.

### || [23.55]

# { أيحسبون أنما نمدهم به } أي الذي نعطيهم إياه
~~ونجعله مددا لهم، فما موصولة اسم (أن) ولا يضر كونها / موصولة لأنها في
~~الإمام كذلك لسر لا نعرفه. وقوله تعالى: { من مال وبنين } بيان
~~لها. وتقديم المال على البنين مع كونهم أعز منه قد مر وجهه.

### || [23.56]

# وقوله سبحانه: { نسارع لهم فى الخيرت } خبر

# أن

# [المؤمنون: 55] والراجع إلى الاسم محذوف أي أيحسبون أن الذي نمدهم به من
~~المال والبنين نسارع به لهم فيما فيه خيرهم وإكرامهم على أن الهمزة
~~لإنكار الواقع واستقباحه وحذف هذا العائد لطول الكلام مع تقدم نظيره في
~~الصلة إلا أن حذف مثله قليل، وقال هشام بن معاوية: الرابط هو الاسم
~~الظاهر وهو { الخيرات } وكأن المعنى نسارع لهم فيه ثم أظهر فقيل في
~~الخيرات، ms07109 وهذا يتمشى على مذهب الأخفش في إجازته نحو زيد قام أبو عبد الله
~~إذا كان أبو عبد الله كنية لزيد، قيل: ولا يجوز أن يكون الخبر

# من مال وبنين

# [المؤمنون: 55] لأن الله تعالى أمدهم بذلك فلا يعاب ولا ينكر عليهم
~~اعتقاد المدد به كما يفيده الاستفهام الإنكاري. وتعقب بأنه لا يبعد أن
~~يكون المراد ما نجعله مددا نافعا لهم في الآخرة ليس المال والبنين بل
~~الاعتقاد والعمل الصالح كقوله تعالى:

# يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله
~~بقلب سليم

# [الشعراء: 88-89] وفيه ما فيه. وما ذكرنا من كون

# ما

# [المؤمنون: 55] موصولة هو الظاهر، ومن جوز كونها مصدرية وجعل المصدر
~~الحاصل بعد السبك اسم

# أن

# [المؤمنون: 55] وخبرها { نسارع } على تقدير مسارعة بناء على أن
~~الأصل أن نسارع فحذفت أن وارتفع الفعل لم يوف القرآن الكريم حقه، وكذا من
~~جعلها كافة كالكسائي ونقل ذلك عنه أبو حيان، وجوز عليه الوقف على

# بنين

# [المؤمنون: 55] معللا بأن ما بعد يحسب قد انتظم مسندا ومسندا إليه من
~~حيث المعنى وإن كان في تأويل مفرد وهو كما ترى.

# وقرأ ابن وثاب { إنما نمدهم } [المؤمنون: 55] بكسر همزة (إن).
~~وقرأ ابن كثير في رواية { يمدهم } بالياء. وقرأ السلمي وعبد الرحمن بن
~~أبي بكرة { يسارع } بالياء وكسر الراء فإن كان فاعله ضميره تعالى
~~فالكلام في الرابط على ما سمعت، وإن كان ضمير الموصول فهو الرابط. وعن
~~ابن أبي بكرة المذكور أنه قرأ { يسارع } بالياء وفتح الراء مبنيا
~~للمفعول. وقرأ الحر النحوي { نسرع } بالنون مضارع أسرع. وقرىء على ما في
~~«الكشاف» { يسرع } بالياء مضارع أسرع أيضا وفي فاعله الاحتمالان المشار
~~إليهما آنفا.

# { بل لا يشعرون } عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي كلا لا
~~نفعل ذلك بل لا يشعرون أي ليس من شأنهم الشعور إن هم إلا كالأنعام بل هم
~~أضل حتى يتأملوا ويتفكروا في ذلك أهو استدراج أم مسارعة ومبادرة في
~~الخيرات. ومن هنا قيل: من يعص الله تعالى ولم ير نقصانا فيما أعطاه
~~سبحانه من ms07110 الدنيا فليعلم أنه مستدرج قد مكر به، وقال قتادة: لا تعتبروا
~~الناس بأموالهم وأولادهم ولكن اعتبروهم بالإيمان والعمل الصالح.

### || [23.57]

# الكلام فيه نظير ما مر في نظيره في سورة الأنبياء [28] بيد أن في
~~استمرار الإشفاق هنا في الدنيا والآخرة للمؤمنين ترددا

### || [23.58]

# { والذين هم بآيات ربهم } المنزلة والمنصوبة في الآفاق
~~والأنفس، والباء للملابسة وهي متعلقة بقوله تعالى: { يؤمنون } أي
~~يصدقون، والمراد التصديق بمدلولها إذ لا مدح في التصديق بوجودها،
~~والتعبير بالمضارع دون الاسم للإشارة إلى أنه كلما وقفوا على آية آمنوا
~~بها وصدقوا بمدلولها.

### || [23.59]

# { والذين هم بربهم لا يشركون } فيخلصون العبادة له عز
~~وجل فالمراد نفي الشرك الخفي / كالرياء بالعبادة كذا قيل، وقد اختار بعض
~~المحققين التعميم أي لا يشركون به تعالى شركا جليا ولا خفيا ولعله
~~الأولى، ولا يغني عن ذلك وصفهم بالإيمان بآيات الله تعالى. وجوز أن يراد
~~مما سبق وصفهم بتوحيد الربوبية ومما هنا وصفهم بتوحيد الألوهية، ولم
~~يقتصر على الأول لأن أكثر الكفار متصفون بتوحيد الربوبية

# ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض
~~ليقولن الله

# [لقمان: 25] ولا يأباه التعرض لعنوان الربوبية فإنه في المواضع الثلاثة
~~للإشعار بالعلية وذلك العنوان يصلح لأن يكون علة لتوحيد الألوهية كما لا
~~يخفى.

### || [23.60]

# { والذين يؤتون ما ءاتوا } أي يعطون ما أعطوا من الصدقات {
~~وقلوبهم وجلة } خائفة من أن لا يقبل منهم وأن لا يقع على
~~الوجه اللائق فيؤاخذوا به. وقرأت عائشة وابن عباس وقتادة والأعمش والحسن
~~والنخعي { يأتون ما ءاتوا } من الإتيان لا الإيتاء فيهما. وأخرج
~~ابن مردويه وسعيد بن منصور عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قرأ كذلك
~~وأطلق عليها المفسرون قراءة رسول الله عليه الصلاة والسلام يعنون أن
~~المحدثين نقلوها عنه صلى الله عليه وسلم ولم يروها القراء من طرقهم.
~~والمعنى عليها يفعلون من العبادات ما فعلوه وقلوبهم وجلة، وروي نحو هذا
~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد أخرج أحمد والترمذي وابن ماجه
~~والحاكم وصححه وابن المنذر وابن جرير وجماعة عن عائشة رضي الله تعالى ms07111
~~عنها قالت: قلت يا رسول الله قول الله { والذين يأتون ما
~~ءاتوا وقلوبهم وجلة } أهو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو
~~مع ذلك يخاف الله تعالى؟ قال: لا ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويصلي وهو مع
~~ذلك يخاف الله تعالى أن لا يتقبل منه، وجملة { قلوبهم وجلة } في
~~القراءتين في موضع الحال من ضمير الجمع في الصلة الأولى، والتعبير
~~بالمضارع فيها للدلالة على الاستمرار وفي الثانية للدلالة على التحقق.

# وقوله تعالى: { أنهم إلى ربهم رجعون } بتقدير اللام
~~التعليلية وهي متعلقة بوجلة أي خائفة من عدم القبول وعدم الوقوع على
~~الوجه اللائق لأنهم راجعون إليه تعالى ومبعوثون يوم القيامة وحينئذ
~~تنكشف الحقائق ويحتاج العبد إلى عمل مقبول لائق

# فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل
~~مثقال ذرة شرا يره

# [الزلزلة: 7-8]. وجوز أن يكون بتقدير من الابتدائية التي يتعدى بها
~~الوجل أي وجلة من أن رجوعهم إليه عز وجل على أن مناط الوجل أن لا يقبل
~~ذلك منهم وأن لا يقع على الوجه اللائق فيؤاخذوا به حينئذ لا مجرد رجوعهم
~~إليه عز وجل، وقد يؤيد الوجه الأول بقراءة الأعمش { إنهم } بكسر الهمزة،
~~ولعل التعبير بالجملة الإسمية المخبر فيها بالوصف دون الفعل المضارع
~~للمبالغة في تحقق الرجوع حتى كأنه من الأمور الثابتة المستمرة كذا قيل.
~~وجوز على بعد أن يكون المراد من الرجوع المذكور الرجوع إليه عز وجل
~~بالعبودية، فوجه التعبير بالجملة الاسمية عليه أظهر من أن يخفى، ووجه
~~تعليل الخوف من عدم القبول وعدم وقوع فعلهم كائنا ما كان على الوجه
~~اللائق بأنهم راجعون إليه تعالى بالعبودية عدم وجوب قبول عملهم عليه
~~تعالى حينئذ لأنه سبحانه مالك وللمالك أن يفعل بملكه ما يشاء وظهور
~~نقصهم كيف كانوا عن كماله جل جلاله والناقص مظنة أن لا يأتي بما يليق
~~بالكامل لا سيما إذا كان ذلك الكامل هو الله عز وجل الذي لا يتناهى كماله
~~ولا أراك ترى في هذا / الوجه كلفا سوى كلف البعد فتأمل.

# ثم إن الموصولات الأربع على ما قاله ms07112 شيخ الإسلام وغيره ((عبارة عن طائفة
~~واحدة متصفة بما ذكر في حيز صلاتها من الأوصاف الأربعة لا عن طوائف كل
~~واحدة منها متصفة بواحد من الأوصاف المذكورة كأنه قيل: إن الذين هم من
~~خشية ربهم مشفقون وبآيات ربهم يؤمنون الخ، وإنما كرر الموصول إيذانا
~~باستقلال كل واحدة من تلك الصفات بفضيلة باهرة على حيالها وتنزيلا
~~لاستقلالها منزلة استقلال الموصوف بها))، وهذا جار على كلتا القراءتين في
~~قوله تعالى: { والذين يؤتون ما ءاتوا } وللعلامة الطيبي في
~~هذا المقام كلام لا أظنك تستطيبه كيف وفيه القول بأن الذين هم بربهم لا
~~يشركون والذين يأتون ما أتوا وقلوبهم وجلة هم العاصون من أمة محمد صلى
~~الله عليه وسلم وهو في غاية البعد. وقد ذكر الإمام أن الصفة الرابعة
~~نهاية مقامات الصديقين.

### || [23.61]

# { أولئك } إشارة إلى من ذكر باعتبار اتصافهم بتلك الصفات، وما
~~فيه من معنى البعد للإشعار ببعد رتبتهم في الفضل وهو مبتدأ خبره قوله
~~تعالى: { يسرعون فى الخيرت } والجملة من المبتدأ وخبره خبر
~~(أن) والكلام استئناف مسوق لبيان من له المسارعة في الخيرات إثر إقناط
~~الكفار عنها وإبطال حسبانهم الكاذب أي أولئك المنعوتون بما فصل من النعوت
~~الجليلة خاصة دون أولئك الكفرة يسارعون في نيل الخيرات التي من جملتها
~~الخيرات العاجلة الموعودة على الأعمال الصالحة كما في قوله تعالى:

# فاتهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الأخرة

# [آل عمران: 148] وقوله سبحانه:

# وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن
~~الصالحين

# [العنكبوت: 27] فقد أثبت لهم ما نفى عن أضدادهم خلا أنه غير الأسلوب حيث
~~لم يقل أولئك يسارع لهم في الخيرات بل أسند المسارعة إليهم إيماء إلى
~~استحقاقهم لنيل الخيرات بمحاسن أعمالهم، وإيثار كلمة في على كلمة إلى
~~للإيذان بأنهم متقلبون في فنون الخيرات لا أنهم خارجون عنها متوجهون
~~إليها بطريق المسارعة كما في قوله تعالى:

# وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة

# [آل عمران: 133] الآية.

# { وهم لها } أي للخيرات التي من جملتها ما سمعت، والجار والمجرور
~~متعلق بقوله تعالى: { سبقون } وهو إما منزل منزلة ms07113 اللازم أي فاعلون
~~السبق أو مفعوله محذوف أي سابقون الناس أو الكفار، وهو يتعدى باللام
~~وبإلى فيقال: سبقت إلى كذا ولكذا، والمراد بسبقهم إلى الخيرات ظفرهم بها
~~ونيلهم إياها. وجعل أبو حيان هذه الجملة تأكيدا للجملة الأولى، وقيل
~~سابقون متعد للضمير بنفسه واللام مزيدة، وحسن زيادتها كون العامل فرعيا
~~وتقدم المعمول المضمر أي وهم سابقون إياها، والمراد بسبقهم إياها لازم
~~معناه أيضا وهو النيل أي وهم ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في
~~الدنيا فلا يرد ما قيل: إن سبق الشيء الشيء يدل على تقدم السابق على
~~المسبوق فكيف يقال: هم يسبقون الخيرات والاحتياج إلى إرادة اللازم على
~~هذا الوجه أشد منه على الوجه السابق ولهذا مع التزام الزيادة فيه قيل إنه
~~وجه متكلف.

# وجوز أن يكون المراد بالخيرات الطاعات وضمير { لها } لها أيضا واللام
~~للتعليل وهو متعلق بما بعده، والمعنى يرغبون في الطاعات والعبادات أشد
~~الرغبة وهم لأجلها فاعلون السبق أو لأجلها سابقون الناس إلى الثواب أو
~~إلى الجنة، وجوز على تقدير أن يراد بالخيرات الطاعات أن يكون { لها }
~~خبر المبتدأ و { سبقون } خبرا بعد خبر، ومعنى { هم لها } أنهم
~~معدون لفعل مثلها من الأمور العظيمة، وهذا كقولك لمن يطلب منه حاجة / لا
~~ترجى من غيره: أنت لها وهو من بليغ كلامهم، وعلى ذلك قوله:

# مشكلات أعضلت ودهت

# يا رسول الله أنت لها

# ورجح هذا الوجه الطبري بأن اللام متمكنة في هذا المعنى. وعن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما ما هو ظاهر في جعل { لها } خبرا وإن لم يكن
~~ظاهرا في جعل الضمير للخيرات بمعنى الطاعات، ففي «البحر» نقلا عنه أن
~~المعنى سبقت لهم السعادة في الأزل فهم لها، وأنت تعلم أن أكثر هذه الأوجه
~~خلاف الظاهر وأن التفسير الأول للخيرات أحسن طباقا للآية المتقدمة. ومن
~~الناس من زعم أن ضمير { لها } للجنة. ومنهم من زعم أنه للأمم وهو كما
~~ترى. وقرأ الحر النحوي { يسرعون } مضارع أسرع يقال: أسرعت إلى الشيء
~~وسرعت إليه بمعنى واحد و { يسرعون } كما ms07114 قال الزجاج أبلغ من
~~يسرعون، ووجه بأن المفاعلة تكون من اثنين فتقتضي حث النفس على السبق لأن
~~من عارضك في شيء تشتهي أن تغلبه فيه.

### || [23.62]

# { ولا نكلف نفسا إلا وسعها } جملة مستأنفة سيقت للتحريض
~~على ما وصف به أولئك المشار إليهم من فعل الطاعات ببيان سهولته وكونه غير
~~خارج عن حد الوسع والطاقة أي عادتنا جارية على أن لا نكلف نفسا من
~~النفوس إلا ما في وسعها وقدر طاقتها على أن المراد استمرار النفي بمعونة
~~المقام لا نفي الاستمرار أو للترخيص فيما هو قاصر عن درجة أعمال أولئك
~~[الصالحين] ببيان أنه تعالى لا يكلف عباده إلا ما في وسعهم فإن لم يبلغوا
~~في فعل الطاعات مراتب السابقين فلا عليهم بعد أن يبذلوا طاقتهم ويستفرغوا
~~وسعهم. قال مقاتل: من لم يستطع القيام فليصل قاعدا ومن لم يستطع القعود
~~فليوم إيماء.

# وقوله سبحانه: { ولدينا كتب ينطق بالحق } تتمة لما
~~قبله ببيان أحوال ما كلفوه من الأعمال وأحكامها المترتبة عليها من الحساب
~~والثواب والعقاب، والمراد بالكتاب صحائف الأعمال التي يقرؤونها عند
~~الحساب حسبما يؤذن به الوصف فهو كما في قوله تعالى:

# هذا كتبنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا
~~نستنسخ ما كنتم تعملون

# [الجاثية: 29] و { الحق } المطابق للواقع والنطق به مجاز عن إظهاره
~~أي عندنا كتاب يظهر الحق المطابق للواقع على ما هو عليه ذاتا ووصفا
~~ويبينه للناظر كما يبينه النطق ويظهره للسامع فيظهر هناك جلائل الأعمال
~~ودقائقها ويرتب عليها أجزيتها إن خيرا فخير وإن شرا فشر. وقيل: المراد
~~بالكتاب صحائف يقرؤونها فيها ما ثبت لهم في اللوح المحفوظ من الجزاء وهو
~~دون القول الأول، وأدون منه ما قيل: إن المراد به القرآن الكريم.

# وقوله تعالى: { وهم لا يظلمون } لبيان فضله عز وجل وعدله في
~~الجزاء على أتم وجه إثر بيان لطفه سبحانه في التكليف وكتب الأعمال على ما
~~هي عليه أي لا يظلمون في الجزاء بنقص ثواب أو زيادة عذاب بل يجزون بقدر
~~أعمالهم التي كلفوها ونطقت بها صحائفها بالحق، وجوز أن ms07115 يكون تقريرا لما
~~قبل من التكليف وكتب الأعمال أي لا يظلمون بتكليف ما ليس في وسعهم ولا
~~بكتب بعض أعمالهم التي من جملتها أعمال غير السابقين بناء على قصورها عن
~~درجة أعمال السابقين بل يكتب كل منها على مقاديرها وطبقاتها.

### || [23.63]

# وقوله عز وجل: { بل قلوبهم فى غمرة من هذا } إضراب
~~عما قبله ورجوع إلى بيان حال الكفرة فالضمير للكفرة أي بل قلوب الكفرة في
~~غفلة وجهالة من هذا الذي بين في القرآن من أن لديه تعالى كتابا / ينطق
~~بالحق ويظهر لهم أعمالهم السيئة على رؤوس الأشهاد فيجزون بها كما ينبىء
~~عنه ما سيأتي إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه:

# قد كانت آياتي تتلى عليكم

# [المؤمنون: 66] الخ، وقيل: الإشارة إلى القرآن الكريم وما بين فيه
~~مطلقا وروي ذلك عن مجاهد، وقيل: إلى ما عليه أولئك الموصوفون بالأعمال
~~الصالحة وروي هذا عن قتادة، وقيل: إلى الدين بجملته، وقيل إلى النبي صلى
~~الله عليه وسلم والأول أظهر.

# { ولهم أعمل } سيئة كثيرة { من دون ذلك } الذي ذكر من
~~كون قلوبهم في غمرة مما ذكر وهي فنون كفرهم ومعاصيهم التي من جملتها
~~طعنهم في القرآن الكريم المشار إليه في قوله تعالى:

# مستكبرين به سمرا تهجرون

# [المؤمنون: 67]. وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس أن المراد بالغمرة
~~الكفر والشك وأن { ذلك } إشارة إلى هذا المذكور، والمعنى لهم أعمال
~~دون الكفر. وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أن { ذلك } كهذا إشارة إلى
~~ما وصف به المؤمنون من الأعمال الصالحة أي لهم أعمال متخطية لما وصف به
~~المؤمنون أي أضداد ما وصفوا به مما وقع في حيز الصلات وهذا غاية الذم لهم
~~{ هم لها عملون } أي مستمرون عليها معتادون فعلها ضارون بها لا
~~يفطمون عنها و { عاملون } عامل في الضمير قبله واللام للتقوية.

# هذا وقال أبو مسلم: إن الضمير في قوله تعالى: { بل... هم } الخ عائد
~~على المؤمنين الموصوفين بما تقدم من الصفات كأنه سبحانه قال بعد وصفهم:
~~ولا نكلف نفسا إلا وسعها ونهايته ما أتى ms07116 به هؤلاء المشفقون ولدينا كتاب
~~يحفظ أعمالهم ينطق بالحق فلا يظلمون بل يوفى عليهم ثواب [كل] أعمالهم، ثم
~~وصفهم سبحانه بالحيرة في قوله تعالى: { بل قلوبهم فى غمرة }
~~فكأنه عز وجل قال: وهم مع ذلك الوجل والخوف كالمتحيرين في [جعل] أعمالهم
~~أهي مقبولة أم مردودة ولهم أعمال من دون ذلك أي لهم أيضا من النوافل
~~ووجوه البر سوى ما هم عليه انتهى، قال الإمام: وهو الأولى لأنه إذا أمكن
~~رد الكلام إلى ما يتصل به من ذكر المشفقين كان أولى من رده إلى ما بعد
~~منه خصوصا وقد يرغب المرء في فعل الخير بأن يذكر أن أعماله محفوظة كما
~~[قد] يحذر بذلك من الشر، وقد يوصف المرء لشدة فكره في أمر آخرته بأن قلبه
~~في غمرة ويراد أنه قد استولى عليه الفكر في قبول عمله أو رده وفي أنه هل
~~أداه كما يجب أو قصر، و { هذا } على هذا إشارة إلى إشفاقهم ووجلهم
~~انتهى، ولا يخفى ما فيه على من ليس قلبه في غمرة.

### || [23.64]

# { حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب }  { حتى }
~~على ما في «الكشاف» هي التي يبتدأ بعدها الكلام وهي مع ذلك غاية لما
~~قبلها كأنه قيل: لا يزالون يعملون أعمالهم إلى حيث إذا أخذنا الخ، وقال
~~ابن عطية: هي ابتداء لا غير، و { إذا } الأولى والثانية يمنعان من أن
~~تكون غاية ل

# عاملون

# [المؤمنون: 63] وفيه نظر، و { إذا } شرطية شرطها { أخذنا } وهي
~~مضافة إليه وجزاؤها قوله تعالى: { إذا هم يجئرون } وهي معمولة
~~له و(إذا) فيه فجائية نائبة مناب الفاء، وقال الحوفي: حتى غاية وهي عاطفة
~~و(إذا) ظرف يضاف إلى ما بعده فيه معنى الشرط و(إذا) الثانية في موضع جواب
~~الأولى ومعنى الكلام عامل في (إذا) الأولى والعامل في الثانية {
~~أخذنا } انتهى. وهو كلام مخبط يبعد صدوره من مثل هذا الفاضل.

# والمترف المتوسع في النعمة. والمراد بالعذاب ما أصابهم يوم بدر من القتل
~~والأسر كما روي عن ابن عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة، وقد قتل وأسر في
~~ذلك اليوم ms07117 كثير من صناديدهم ورؤسائهم. والجؤار مثل الخوار يقال جأر الثور
~~يجأر إذا صاح وجأر الرجل إلى / الله تعالى إذا تضرع بالدعاء كما في
~~«الصحاح» وفي «الأساس» ((جأر الداعي إلى الله تعالى ضج ورفع صوته))
~~والمراد به الصراخ إما مطلقا أو باستغاثة. وضميرا الجمع راجعان على ما
~~رجع إليه الضمائر السابقة في { مترفيهم } و { لهم } و

# قلوبهم

# [المؤمنون: 63] وغيرها وهم كفار أهل مكة لكن بإرادة من بقي منهم بعد أخذ
~~المترفين بالقتل. قال ابن جريج المعذبون قتلى بدر والذين يجأرون أهل مكة
~~لأنهم ناحوا واستغاثوا. وفي «إنسان العيون» أن قريشا ناحوا على قتلاهم
~~في بدر شهرا وجز نساؤهم شعورهن وكن يأتين بفرس الرجل أو راحلته ويسترنها
~~بالستور وينحن حولها ويخرجن بها إلى الأزقة إلى أن أشير عليهم بترك ذلك
~~خوف الشماتة. وقال الربيع بن أنس: المراد بالجؤار الجزع إذ هو سبب الصراخ
~~وفيه بعد لخفاء قرينة المجاز. وعن الضحاك أن المراد بالعذاب عذاب الجوع
~~وذلك أنه صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال:

# " اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين مثل سني يوسف "

# فاستجيب له عليه الصلاة والسلام فأصابتهم سنة أكلوا فيها الجيف والجلود
~~والعظام المحرقة والعلهز. وفي الأخبار ما يدل على أن ذلك كان قبل الهجرة.
~~وفيها أيضا ما يدل على أنه كان قبلها. ووفق البيهقي بأنه لعله كان
~~مرتين. وسيأتي ذلك قريبا إن شاء الله تعالى.

# وتخصيص المترفين بالذكر لأنه إذا جاع المترف جاع غيره من باب أولى،
~~وقيل: المراد بالعذاب عذاب الآخرة، وتخصيص المترفين بما ذكر لغاية ظهور
~~انعكاس حالهم وانتكاس أمرهم وكون ذلك أشق عليهم ولأنهم مع كونهم متمنعين
~~محميين بحماية غيرهم من المنعة والحشم لقوا ما لقوا من الحالة الفظيعة
~~فلأن يلقاها من عداهم من الحماة والخدم أولى وأقدم.

# وقال شيخ الإسلام: إن هذا القول هو الحق لأن العذاب الأخروي هو الذي
~~يفاجئون عنده الجؤار فيجابون بالرد والإقناط من النصر وأما عذاب يوم بدر
~~فلم يوجد لهم عنده جؤار حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: ms07118

# ولقد أخذنهم بالعذاب فما استكانوا لربهم
~~وما يتضرعون

# [المؤمنون: 76] فإن المراد بهذا العذاب ما جرى عليهم يوم بدر من القتل
~~والأسر حتما وأما عذاب الجوع فإن قريشا وإن تضرعوا فيه إلى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم لكن لم يرد عليهم بالإقناط حيث روي أنه عليه الصلاة
~~والسلام دعا بكشفه فكشف عنهم ذلك انتهى، وستعلم إن شاء الله تعالى ما
~~فيه، نعم حمل العذاب على ذلك أوفق بجعل ما في حيز { حتى } غاية لما
~~قبلها.

### || [23.65]

# { لا تجئروا اليوم } على تقدير القول أي قلنا لهم ذلك،
~~والكلام استئناف مسوق لبيان إقناطهم وعدم انتفاعهم بجؤارهم، والمراد
~~باليوم الوقت الحاضر الذي اعتراهم فيه ما اعتراهم، والتقييد بذلك لزيادة
~~إقناطهم والمبالغة في إفادة عدم نفع جؤارهم. وقال شيخ الإسلام: إن ذلك
~~لتهويل اليوم والإيذان بتفويتهم وقت الجؤار؛ والمراد بالقول على ما قيل:
~~ما كان بلسان الحال كما في قوله:

# امتلأ الحوض وقال قطني

# وجوز أن يراد به حقيقة القول وصدوره إما من الله تعالى وإما من الملائكة
~~عليهم السلام، والظاهر على هذا الوجه أن يكون القول في الآخرة وكونه في
~~الدنيا مع عدم إسماعهم إياه لا يخلو عن شيء، وتقديره فعل الأمر مسندا
~~إلى ضميره صلى الله عليه وسلم أي قل لهم من قبلنا لا تجأروا بعيد جدا،
~~ومن الناس من جوز كون القول المقدر جواب

# إذا

# [المؤمنون: 64] الشرطية وحينئذ يكون

# إذا هم يجئرون

# [المؤمنون: 64] قيدا للشرط أو بدلا من { إذا } [المؤمنون: 64]
~~الأولى، وعلى الأول المعنى أخذنا مترفيهم وقت جؤارهم أو حال مفاجأتهم
~~لجواز أن تكون { إذا } ظرفية أو فجائية حينئذ، ولم يجوز جعل النهي
~~المذكور جوابا لخلوه / عن الفاء اللازمة فيه إذا وقع كذلك. وتعقب هذا
~~القول بأنه لا يخفى أن المقصود الأصلي من الجملة الشرطية هو الجواب فيؤدي
~~ذلك إلى أن يكون مفاجأتهم الجؤار غير مقصود أصلي.

# وقوله تعالى: { إنكم منا لا تنصرون } تعليل للنهي عن
~~الجؤار ببيان عدم نفعه؛ و(من) ابتدائية أي لا يلحقكم منا نصرة تنجيكم مما
~~أنتم فيه، ms07119 وجوز أن تكون (من) صلة النصر وضمن معنى المنع أو تجوز به عنه
~~أي لا تمنعون منا. وتعقب بأنه لا يساعده سباق النظم الكريم لأن جؤارهم
~~ليس إلى غيره تعالى حتى يرد عليهم بعدم منصوريتهم من قبله تعالى ولا
~~سياقه فإن قوله تعالى: { قد كانت ءايتي تتلى عليكم }.

### || [23.66]

# { قد كانت ءايتي تتلى عليكم } إلى آخره صريح في أنه
~~تعليل لعدم لحوق النصر من جهته تعالى بسبب كفرهم بالآيات ولو كان النصر
~~المنفي متوهما من الغير لعلل بعجزه أو بعزة الله تعالى وقوته، وأنت تعلم
~~أنهم المشركون الذين شركاؤهم نصب أعينهم ولم يقيد الجؤار بكونه إلى الله
~~تعالى وأمر التعليل سهل، وقد يقال: المعنى على هذا الوجه دعوى الصراخ
~~فإنه لا يمنعكم منا ولا ينفعكم عندنا فقد ارتكبتم أمرا عظيما وإثما
~~كبيرا لا يدفعه ذلك، ثم لا يخفى ما في كلام المتعقب بعد، والمراد قد
~~كانت آياتي تتلى عليكم قبل أن يأخذ مترفيكم العذاب { فكنتم } عند
~~تلاوتها { على أعقبكم تنكصون } أي تعرضون عن سماعها أشد
~~الإعراض فضلا عن تصديقها والعمل بها، والنكوص الرجوع، والأعقاب جمع عقب
~~وهو مؤخر الرجل ورجوع الشخص على عقبه رجوعه في طريقه الأولى كما يقال رجع
~~عوده على بدئه، وجعل بعضهم التقييد بالأعقاب من باب التأكيد كما في بصرته
~~بعيني بناء على أن النكوص الرجوع قهقرى وعلى الأعقاب، وأيا ما كان فهو
~~مستعار للإعراض. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه «تنكصون» بضم الكاف.

### || [23.67]

# { مستكبرين به } أي بالبيت الحرام. والباء للسببية. وسوغ هذا
~~الإضمار مع أنه لم يجر له ذكر اشتهار استكبارهم وافتخارهم بأنهم خدام
~~البيت وقوامه وهذا ما عليه جمهور المفسرين، وقريب منه كون الضمير للحرم،
~~وقال في «البحر»: الضمير عائد على المصدر الدال عليه

# تنكصون

# [المؤمنون: 66] وتعقب بأنه لا يفيد كثير معنى فإن ذلك مفهوم من جعل
~~مستكبرين حالا. واعترض عليه بما فيه بحث. وذكر منذر بن سعيد أن الضمير
~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحسنه أن في قوله تعالى:

# قد كانت ءايتى ms07120 تتلى عليكم

# [المؤمنون: 66] دلالة عليه عليه الصلاة والسلام. والباء إما للتعدية على
~~تضمين الاستكبار معنى التكذيب أو جعله مجازا عنه وإما للسببية لأن
~~استكبارهم ظهر ببعثته صلى الله عليه وسلم. وجوز أن يعود على القرآن
~~المفهوم من الآيات أو عليها باعتبار تأويلها به وأمر الباء كما سمعت
~~آنفا، وجوز أن تكون متعلقة بقوله تعالى: { سمرا } أي تسمرون بذكر
~~القرآن والطعن فيه؛ وذلك أنهم كانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون
~~وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميته سحرا وشعرا، والمعنى على ذلك وإن
~~لم يعلق به { به } ويجوز على تقدير تعلقه بسامرا عود الضمير على
~~النبي عليه الصلاة والسلام، وكذا يجوز كون المعنى عليه وإن لم يعلق به،
~~وقيل: هي متعلقة بتهجرون وفيه من البعد ما فيه، ونصب { سامرا } على
~~الحال وهو اسم جمع كالحاج والحاضر والجامل والباقر، وقيل: هو مصدر وقع
~~حالا على التأويل المشهور فهو / يشمل القليل والكثير باعتبار أصله؛ ولا
~~يخفى أن مجيء المصدر على وزن فاعل نادر ومنه العافية والعاقبة. والسمر في
~~الأصل ظل القمر وسمي بذلك على ما في «المطلع» لسمرته، وفي «البحر» هو ما
~~يقع على الشجر من ضوء القمر، وقال الراغب: هو سواد الليل ثم أطلق على
~~الحديث بالليل. وفسر بعضهم السامر بالليل المظلم، وكونه هنا بهذا المعنى
~~وجعله منصوبا بما بعده على نزع الخافض ليس بشيء.

# وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو حيوة وابن محيصن وعكرمة والزعفراني
~~ومحبوب عن أبي عمرو «سمرا» بضم السين وشد الميم مفتوحة جمع سامر، وابن
~~عباس أيضا وزيد بن علي وأبو رجاء وأبو نهيك «سمارا» بزيادة ألف بعد
~~الميم وهو جمع سامر أيضا وهما جمعان مقيسان في مثل ذلك.

# { تهجرون } من الهجر بفتح فسكون بمعنى القطع والترك، والجملة في
~~موضع الحال أي تاركين الحق أو القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم، وعن
~~ابن عباس تهجرون البيت ولا تعمرونه بما يليق به من العبادة. وجاء الهجر
~~بمعنى الهذيان كما في «الصحاح» يقال: هجر المريض يهجر هجرا إذا هذى،
~~وجوز ms07121 أن يكون المعنى عليه أي تهذون في شأن القرآن أو النبي عليه الصلاة
~~والسلام أو أصحابه رضي الله تعالى عنهم أو ما يعم جميع ذلك.

# وفي «الدر المصون» أن ما كان بمعنى الهذيان هو الهجر بفتحتين. وجوز أن
~~يكون من الهجر بضم فسكون وهو الكلام القبيح، قال الراغب: ((الهجر
~~الكلام [القبيح] المهجور لقبحه وأهجر فلان إذا أتى بهجر من الكلام عن قصد
~~وهجر المريض إذا أتى بذلك من غير قصد)). وفي «المصباح» هجر المريض في
~~كلامه هذى والهجر بالضم اسم ومصدر بمعنى الفحش من هجر كقتل وفيه لغة أخرى
~~أهجر بالألف وعلى هذه اللغة قراءة ابن عباس وابن محيصن ونافع وحميد {
~~تهجرون } بضم التاء وكسر الجيم وهي تبعد كون { تهجرون } في قراءة
~~الجمهور من الهجر بمعنى القطع.

# وقرأ ابن أبي عاصم بالياء على سبيل الالتفات. وقرأ ابن مسعود وابن عباس
~~أيضا وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهم، وعكرمة وأبو نهيك وابن محيصن
~~أيضا وأبو حيوة { تهجرون } بضم التاء وفتح الهاء وكسر الجيم وشدها على
~~أنه من مضاعف هجر من الهجر بالفتح أو بالضم فالمعنى تقطعون أو تهذون أو
~~تفحشون كثيرا.

### || [23.68]

# { أفلم يدبروا القول } الهمزة لإنكار الواقع واستقباحه
~~والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي افعلوا ما فعلوا من النكوص
~~والاستكبار والهجر فلم يتدبروا القرآن ليعلموا بما فيه من وجوه الإعجاز
~~أنه الحق من ربهم فيؤمنوا به، و «أم» في قوله تعالى: { أم جاءهم
~~ما لم يأت ءاباءهم الأولين } منقطعة، وما فيها من معنى بل
~~للإضراب والانتقال من التوبيخ بما ذكر إلى التوبيخ بآخر، والهمزة لإنكار
~~الوقوع لا لإنكار الواقع أي بل أجاءهم من الكتاب ما لم يأت آباءهم
~~الأولين حتى استبعدوه فوقعوا فيما وقعوا فيه من الكفر والضلال بمعنى أن
~~مجيء الكتب من جهته تعالى إلى الرسل عليهم السلام لينذروا بها الناس سنة
~~قديمة له تعالى لا تكاد تنكر وأن مجيء القرآن على طريقته فمم ينكرونه؟
~~وقيل: المعنى أفلم يتدبروا القرآن ليخافوا عند تدبر آياته وأقاصيصه مثل ms07122
~~ما نزل بمن قبلهم من المكذبين أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم
~~الأولين حين خافوا الله تعالى فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه فالمراد
~~بآباءهم المؤمنون كإسمعيل عليه السلام وعدنان وقحطان، وكأن وصفهم
~~بالأولين على هذا لإخراج الأقربين. / وفي الخبر

# " لا تسبوا مضر وربيعة فإنهما كانا مسلمين ولا تسبوا قسا فإنه كان
~~مسلما ولا تسبوا الحرث بن كعب ولا أسد بن خزيمة ولا تميم بن مرة فإنهم
~~كانوا على الإسلام وما شككتم في شيء فلا تشكوا في أن تبعا كان مسلما "

# وروي أن ضبة بن أد كان مسلما وكان على شرطة سليمان بن داود عليهما
~~السلام. وفي «الكشف» أن جعل فائدة التدبر استعقاب العلم فالهمزة في
~~المنقطعة للتقرير وإثبات أنهم مصرون على التقليد فلذلك لم يتدبروا ولم
~~يعلموا، وإن جعلت الاعتبار والخوف فالهمزة فيها للإنكار أو التقرير
~~تهكما اه فتدبر، ثم لا يخفى أن إسناد المجيء إلى الأمن غير ظاهر ظهور
~~إسناده إلى الكتاب وبهذا تنحط درجة هذا الوجه عن الوجه الأول.

### || [23.69]

# { أم لم يعرفوا رسولهم } إضراب وانتقال من التوبيخ بما
~~ذكر إلى التوبيخ بوجه آخر، والهمزة لإنكار الوقوع أيضا أي بل ألم يعرفوه
~~عليه الصلاة والسلام بالأمانة والصدق وحسن الأخلاق إلى غير ذلك من
~~الكمالات اللائقة بالأنبياء عليهم السلام. وقد صح أن أبا طالب يوم نكاح
~~النبي صلى الله عليه وسلم خطب بمحضر رؤساء مضر وقريش فقال: الحمد لله
~~الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضىء معد وعنصر مضر وجعلنا
~~حضنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا الحكام
~~على الناس ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن برجل إلا رجح به
~~فإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل وأمر حائل ومحمد من قد عرفتم
~~قرابته وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من
~~مالي كذا وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل. وفي هذا دليل واضح
~~على أنهم عرفوه ms07123 صلى الله عليه وسلم بغاية الكمال وإلا لأنكروا قول أبي
~~طالب فيه عليه الصلاة والسلام ما قال.

# { فهم له منكرون } الفاء سببية لتسبب الإنكار عن عدم المعرفة
~~فالجملة داخلة في حيز الإنكار ومآل المعنى هم عرفوه بالكمال اللائق
~~بالأنبياء عليهم السلام فيكف ينكرونه، واللام للتقوية، وتقديم المعمول
~~للتخصيص أو الفاصلة، والكلام على تقدير مضاف أي منكرون لدعواه أو لرسالته
~~عليه الصلاة والسلام.

### || [23.70]

# { أم يقولون به جنة } انتقال إلى توبيخ آخر والهمزة لإنكار
~~الواقع كالأولى، أي بل أيقولون به جنة أي جنون مع أنه عليه الصلاة
~~والسلام أرجح الناس عقلا وأثقبهم رأيا وأوفرهم رزانة، وقد روعي في هذه
~~التوبيخات الأربع التي اثنان منها متعلقان بالقرآن والباقيان به عليه
~~الصلاة والسلام الترقي من الأدنى إلى الأعلى كما بينه شيخ الإسلام. وقوله
~~تعالى: { بل جاءهم بالحق } إضراب عما يدل عليه ما سبق أي ليس
~~الأمر كما زعموا في حق القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم بل جاءهم بالحق
~~أي بالصدق الثابت الذي لا محيد عنه، والمراد به التوحيد ودين الإسلام
~~الذي تضمنه القرآن ويجوز أن يراد به القرآن.

# { وأكثرهم للحق كرهون } لما في جبلتهم من كمال الزيغ
~~والانحراف، والظاهر أن الضمائر لقريش، وتقييد الحكم بأكثرهم لأن منهم من
~~أبى الإسلام واتباع الحق حذرا من تعيير قومه أو نحو ذلك لا كراهة للحق
~~من حيث هو حق، فلا يرد ما قيل: إن من أحب شيئا كره ضده فمن أحب البقاء
~~على الكفر فقد كره / الانتقال إلى الإيمان ضرورة، وقال ابن المنير: يحتمل
~~أن يحمل الأكثر على الكل كما حمل القليل على النفي وفيه بعد، وكذا ما
~~اختاره من كون ضمير { أكثرهم } للناس كافة لا لقريش فقط فيكون
~~الكلام نظير قوله تعالى

# وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين

# [يوسف: 103] وقد يقال: حيث كان المراد إثبات الكراهة للحق على سبيل
~~الاستمرار وعلم الله تعالى أن فيهم من يؤمن ويتبع الحق لم يكن بد من
~~تقييد الحكم بالأكثر، والظاهر بناء على القاعدة الأغلبية في إعادة
~~المعرفة ms07124 أن الحق الثاني عين الحق الأول، وأظهر في مقام الإضمار لأنه أظهر
~~في الذم والضمير ربما يتوهم عوده للرسول عليه الصلاة والسلام، وقيل:
~~اللام في الأول للعهد وفي الثاني للاستغراق أو للجنس أي وأكثرهم للحق أي
~~حق كان لا لهذا الحق فقط كما ينبىء عنه الإظهار كارهون، وتخصيص أكثرهم
~~بهذا الوصف لا يقتضي إلا عدم كراهة بعضهم لكل حق من الحقوق وذلك لا ينافي
~~كراهتهم لهذا الحق وفيه بحث إذ لا يكاد يسلم أن أكثرهم كارهون لكل حق،
~~وكذا الظاهر أن يراد بالحق في قوله تعالى:

### || [23.71]

# { ولو اتبع الحق أهواءهم } الحق الذي جاء به النبي صلى
~~الله عليه وسلم وجعل الاتباع حقيقيا والإسناد مجازيا، وقيل مآل المعنى
~~لو اتبع النبي صلى الله عليه وسلم أهواءهم فجاءهم بالشرك بدل ما أرسل به
~~{ لفسدت السموت والأرض ومن فيهن } أي لخرب الله
~~تعالى العالم وقامت القيامة لفرط غضبه سبحانه وهو فرض محال من تبديله
~~عليه الصلاة والسلام ما أرسل به من عنده، وجوز أن يكون المراد بالحق
~~الأمر المطابق للواقع في شأن الألوهية والاتباع مجازا عن الموافقة أي لو
~~وافق الأمر المطابق للواقع أهواءهم بأن كان الشرك حقا لفسدت السموات
~~والأرض حسبما قرر في قوله تعالى:

# لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا

# [الأنبياء: 22] ولعل الكلام عليه اعتراض للإشارة إلى أنهم كرهوا شيئا
~~لا يمكن خلافه أصلا فلا فائدة لهم في هذه الكراهة. واعترض بأنه لا يناسب
~~المقام وفيه بحث، وكذا ما قيل: إن ما يوافق أهواءهم هو الشرك في الألوهية
~~لأن قريشا كانوا وثنية وهو لا يستلزم الفساد والذي يستلزمه إنما هو
~~الشرك في الربوبية كما تزعمه الثنوية وهم لم يكونوا كذلك كما ينبىء عنه
~~قوله تعالى:

# ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض
~~ليقولن الله

# [لقمان: 25]. وجوز أن يكون المعنى لو وافق الحق مطلقا أهواءهم لخرجت
~~السموات والأرض عن الصلاح والانتظام بالكلية، والكلام استطراد لتعظيم
~~شأن الحق مطلقا بأن السموات والأرض ما قامت ولا من فيهن وإلا به ولا
~~يخلو عن ms07125 حسن.

# وقيل: المراد بالحق هو الله تعالى. وقد أخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن
~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح وحكاه بعضهم عن
~~ابن جريج والزمخشري عن قتادة والمعنى عليه: لو كان الله تعالى يتبع
~~أهواءهم ويفعل ما يريدون فيشرع لهم الشرك ويأمرهم به لم يكن سبحانه إلها
~~فتفسد السماوات والأرض. وهذا مبني على أن شرع الشرك نقص يجب تنزيه الله
~~تعالى عنه. وقد ذكر ذلك الخفاجي وذكر أنه قد قام الدليل العقلي عليه وأنه
~~لا خلاف فيه. ولعل الكلام عليه اعتراض أيضا للإشارة إلى عدم إمكان إرسال
~~النبي عليه الصلاة والسلام إليهم بخلاف ما جاء به مما لا يكرهونه
~~فكراهتهم لما جاء به عليه الصلاة والسلام لا تجديهم نفعا فالقول بأنه
~~بعيد عن مقتضى المقام ليس في محله. وقيل: المعنى عليه لو فعل الله تعالى
~~ما يوافق أهواءهم لاختل نظام العالم لما أن آراءهم متناقضة. وفيه إشارة
~~إلى فساد عقولهم وأنهم لذلك كرهوا ما كرهوه من الحق الذي / جاء به عليه
~~الصلاة والسلام وهو كما ترى. وقرأ ابن وثاب { ولو اتبع } بضم الواو.

# { بل أتينهم بذكرهم } انتقال من تشنيعهم بكراهة الحق
~~إلى تشنيعهم بالإعراض عما جبل عليه كل نفس من الرغبة فيما فيه خيرها
~~والمراد بالذكر القرآن الذي هو فخرهم وشرفهم حسبما ينطق به قوله تعالى:

# وإنه لذكر لك ولقومك

# [الزخرف: 44] أي بل أتيناهم بفخرهم وشرفهم الذي كان يجب عليهم أن يقبلوا
~~عليه أكمل إقبال ويقبلوا ما فيه أكمل قبول { فهم } بما فعلوا من
~~النكوص { عن ذكرهم } أي فخرهم وشرفهم خاصة { معرضون } لا عن
~~غير ذلك مما لا يوجب الإقبال عليه والاعتناء به. وفي وضع الظاهر موضع
~~الضمير مزيد تشنيع لهم وتقريع. والفاء لترتيب ما بعدها من إعراضهم عن
~~ذكرهم على ما قبلها من الإتيان بذكرهم، ومن فسر { الحق } في قوله
~~تعالى:

# بل جاءهم بالحق

# [المؤمنون: 70] بالقرآن الكريم قال هنا: في إسناد الإتيان بالذكر إلى
~~نون العظمة بعد إسناده إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ms07126 تنويه بشأن النبي
~~صلى الله عليه وسلم وتنبيه على كونه عليه الصلاة والسلام بمثابة عظيمة
~~منه عز وجل. وفي إيراد القرآن الكريم عند نسبته إليه صلى الله عليه وسلم
~~بعنوان الحقية وعند نسبته إليه تعالى بعنوان الذكر من النكتة السرية
~~والحكمة العبقرية ما لا يخفى فإن التصريح بحقيته المستلزمة لحقية من جاء
~~به هو الذي يقتضيه مقام حكاية ما قاله المبطون في شأنه وأما التشريف
~~فإنما يليق به تعالى لا سيما رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد المشرفين.

# وقيل: المراد بذكرهم ما تمنوه بقولهم:

# لو أن عندنا ذكرا من الأولين * لكنا عباد
~~الله المخلصين

# [الصافات:168-169] فكأنه قيل: بل أتيناهم الكاتب الذي تمنوه. وعن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد بالذكر الوعظ. وأيد بقراءة عيسى {
~~بذكراهم } بألف التأنيث، ورجح القولان الأولان بأن التشنيع عليهما أشد
~~فإن الإعراض عن وعظهم ليس بمثابة إعراضهم عن شرفهم وفخرهم أو عن كتابهم
~~الذي تمنوه في الشناعة والقباحة. وقيل: إن الوعظ فيه بيان ما يصلح به حال
~~من يوعظ فالتشنيع بالإعراض عنه لا يقصر عن التشنيع بالإعراض عن أحد ذينك
~~الأمرين ولا يخفى ما فيه من المكابرة. وقرأ ابن أبي إسحق وعيسى بن عمر
~~ويونس عن أبي عمرو { بل أتيتهم } بتاء المتكلم، وابن أبي إسحق وعيسى
~~أيضا وأبو حيوة والجحدري وابن قطيب وأبو رجاء { بل أتيتهم } بتاء الخطاب
~~للرسول صلى الله عليه وسلم وأبو عمرو في رواية { ءاتينهم } بالمد
~~ولا حاجة على هذه القراءة إلى ارتكاب مجاز أو دعوى حذف مضاف كما في قراءة
~~الجمهور على تقدير جعل الباء للمصاحبة. وقرأ قتادة { نذكرهم } بالنون
~~مضارع ذكر.

### || [23.72]

# { أم تسئلهم } متعلق بقوله تعالى:

# أم يقولون به جنة

# [المؤمنون:70] فهو انتقال إلى توبيخ آخر، وغير للخطاب لمناسبته ما
~~بعده، وكان المراد أم يزعمون أنك تسألهم على أداء الرسالة { خرجا } أي
~~جعلا فلأجل ذلك لا يؤمنون بك، وقوله تعالى: { فخراج ربك خير }
~~أي رزقه في الدنيا وثوابه في الآخرة تعليل لنفي السؤال المستفاد من
~~الإنكار أي ms07127 لا تسألهم ذلك فإن ما رزقك الله تعالى في الدنيا والعقبى خير
~~[لك] من ذلك لسعته ودوامه وعدم تحمل منة الرجال فيه. وفي التعرض لعنوان
~~الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من تعليل الحكم
~~وتشريفه صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى.

# والخرج بإزاء الدخل يقال لكل ما تخرجه إلى غيرك والخراج غالب في الضريبة
~~على الأرض ففيه إشعار / بالكثرة واللزوم فيكون أبلغ ولذلك عبر به عن عطاء
~~الله تعالى، وكذا على ما قيل من أن الخرج ما تبرعت به والخراج ما لزمك
~~واللزوم بالنسبة إليه تعالى إنما هو لفضل وعده عز وجل، وقيل الخرج أعم من
~~الخراج وساوى بينهما بعضهم.

# وقرأ ابن عامر { خرجا * فخرج } وحمزة والكسائي { خرجا
~~فخراج } للمشاكلة. وقرأ الحسن وعيسى { خراجا فخرج } وكأن
~~اختيار { خراجا } في جانبه عليه الصلاة والسلام للإشارة إلى قوة تمكنهم
~~في الكفر واختيار { خرجا } في جانبه تعالى للمبالغة في حط قدر خراجهم
~~حيث كان المعنى فالشيء القليل منه عز وجل خير من كثيرهم فما الظن بكثيره
~~جل وعلا.

# { وهو خير الرزقين } تأكيد لخيرية خراجه سبحانه وتعالى فإن من
~~كان خير الرازقين يكون رزقه خيرا من رزق غيره. واستدل الجبائي بذلك على
~~أنه سبحانه لا يساويه أحد في الإفضال على عباده وعلى أن العباد قد يرزق
~~بعضهم بعضا.

### || [23.73]

# تشهد العقول السليمة باستقامته ليس فيه شائبة اعوجاج توجب الاتهام، قال
~~الزمخشري: ((ولقد ألزمهم عز وجل الحجة وأزاح عللهم في هذه الآيات بأن
~~الذي أرسل إليهم رجل معروف أمره وحاله مخبور سره وعلنه خليق بأن يجتبى
~~مثله للرسالة من بين ظهرانيهم وأنه لم يعرض له حتى يدعي مثل هذه الدعوى
~~العظيمة بباطل ولم يجعل ذلك سلما إلى النيل من دنياهم واستعطاء أموالهم
~~ولم يدعهم إلا إلى دين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم مع إبراز المكنون
~~من أدوائهم وهو إخلالهم بالتدبر والتأمل واستهتارهم بدين الآباء الضلال
~~من غير برهان وتعللهم بأنه مجنون بعد ظهور الحق وثبات التصديق من الله
~~تعالى بالمعجزات والآيات النيرة ms07128 وكراهتهم للحق وإعراضهم عما فيه حظهم من
~~الذكر)) اه. وهو من الحسن بمكان.

### || [23.74]

# { وأن الذين لا يؤمنون بالأخرة } هم كفرة قريش المحدث
~~عنهم فيما مر وصفوا بذلك تشنيعا لهم مما هم عليه من الانهماك في الدنيا
~~وزعمهم أن لا حياة بعدها وإشعار بعلة الحكم فإن الإيمان بالآخرة وخوف ما
~~فيها من الدواهي من أقوى الدواعي إلى طلب الحق وسلوك سبيله، وجوز أن يكون
~~المراد بهم ما يعمهم وغيرهم من الكفرة المنكرين للحشر ويدخلون في ذلك
~~دخولا أوليا { عن الصرط } المستقيم الذي تدعو إليه {
~~لنكبون } أي لعادلون وقيل: المراد بالصراط جنسه أي أنهم عن جنس
~~الصراط فضلا عن الصراط المستقيم الذي تدعوهم إليه لناكبون، ورجح بأنه
~~أدل على كمال ضلالهم وغاية غوايتهم لما أنه ينبىء عن كون ما ذهبوا إليه
~~مما لا يطلق عليه اسم الصراط ولو كان معوجا، وفيه أن التعليل بمضمون
~~الصلة لا يساعد إلا على إرادة الصراط المستقيم، وأظن أنه قد نكب عن
~~الصراط من زعم أن المراد به هنا الصراط الممدود على متن جهنم وهو طريق
~~الجنة أي أنهم يوم القيامة عن طريق الجنة لمائلون يمنة ويسرة إلى النار.

### || [23.75]

# { ولو رحمنهم وكشفنا ما بهم من ضر } أي من سوء
~~حال، قيل: هو ما عراهم بسبب أخذ مترفيهم بالعذاب يوم بدر أعني الجزع
~~عليهم وذلك بإحيائهم وإعادتهم إلى الدنيا بعد القتل أي ولو رحمناهم
~~وكشفنا ضرهم بإرجاع مترفيهم إليهم { للجوا } لتمادوا { في
~~طغينهم } إفراطهم في الكفر والاستكبار وعداوة الرسول / صلى الله
~~عليه وسلم والمؤمنين { يعمهون } عامهين مترددين في الضلال يقال عمه
~~كمنع وفرح عمها وعموها وعموهة وعمهانا، وقيل: هو ما هم فيه من شدة
~~الخوف من القتل والسبي ومزيد الاضطراب من ذلك لما رأوا ما حل بمترفيهم
~~يوم بدر وكشفه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالكف عن قتالهم وسبيهم
~~بعد أو بنحو ذلك وهو وجه ليس بالبعيد وقيل: المراد بالضر عذاب الآخرة أي
~~أنهم في الرداءة والتمرد إلى أنهم لو رحموا وكشف عنهم عذاب النار ms07129 وردوا
~~إلى الدنيا لعادوا لشدة لجاجهم فيما هم عليه وفيه من البعد ما فيه.

# واستظهر أبو حيان أن المراد به القحط والجوع الذي أصابهم بدعاء رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم وذكر أنه مروي عن ابن عباس وابن جريج، وقد دعا
~~عليهم صلى الله عليه وسلم بذلك في مكة يوم ألقى عليه المشركون وهو قائم
~~يصلي عند البيت سلى جزور فقال:

# " اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف "

# ودعا بذلك أيضا بالمدينة، فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام مكث شهرا
~~إذا رفع رأسه من الركعة الثانية من صلاة الفجر بعد قوله

# " سمع الله لمن حمده "

# يقول:

# " اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة
~~والمستضعفين من المؤمنين بمكة اللهم اشدد وطأتك "

# الخ، وربما فعل ذلك بعد رفعه من الركعة الأخيرة من صلاة العشاء، وكلتا
~~الروايتين ذكرهما برهان الدين الحلبي في «سيرته»، والكثير على أنه الجوع
~~الذي أصابهم من منع ثمامة الميرة عنهم، وذلك أن ثمامة بن أثال الحنفي
~~جاءت به إلى المدينة سرية محمد بن مسلمة حين بعثها صلى الله عليه وسلم
~~إلى بني بكر ابن كلاب فأسلم بعد أن امتنع من الإسلام ثلاثة أيام ثم خرج
~~معتمرا فلما قدم بطن مكة لبى وهو أول من دخلها ملبيا ومن هنا قال
~~الحنفي:

# ومنا الذي لبى بمكة معلنا

# برغم أبي سفيان في الأشهر الحرم

# فأحذته قريش فقالوا: لقد اجترأت علينا وقد صبوت يا ثمامة قال: أسلمت
~~واتبعت خير دين دين محمد صلى الله عليه وسلم والله لا يصل إليكم حبة من
~~اليمامة وكانت ريفا لأهل مكة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم ثم خرج ثمامة إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا حتى أضر
~~بهم الجوع وأكلت قريش العلهز فكتبت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء
~~بالجوع إنك تأمر بصلة الرحم وأنت قد قطعت أرحامنا فكتب ms07130 رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم إلى ثمامة رضي الله تعالى عنه خل بين قومي وبين ميرتهم
~~ففعل، وفي رواية أن أبا سفيان جاءه صلى الله عليه وسلم فقال: ألست الخ،
~~ووجه الجمع ظاهر وكان هذا قبل الفتح بقليل.

# وعندي أن { لو } تبعد هذا القول كما لا يخفى، نعم أخرج ابن جرير
~~وجماعة عن ابن عباس ما هو نص في أن قصة ثمامة سبب لنزول قوله تعالى: {
~~ولقد أخذنهم بالعذاب }.

### || [23.76]

# { ولقد أخذنهم بالعذاب } إلى آخره فيكون الجوع مرادا
~~من العذاب المذكور فيه على ذلك، ولا يرد على من قال به قوله تعالى: {
~~فما استكانوا } فما خضعوا بذلك { لربهم } لأن له أن يقول:
~~المراد بالخضوع له عز وجل الانقياد لأمره سبحانه والإيمان به جل وعلا وما
~~كان منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس منه في شيء، والمشهور أن
~~المراد بالعذاب ما نالهم يوم بدر من القتل والأسر، ولا يرد على من فسر
~~العذاب في قوله سبحانه

# حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب

# [المؤمنون: 64] به أيضا لزوم المنافاة بين ما هناك من قوله تعالى:

# إذا هم يجأرون

# [المؤمنون: 64] وما هنا من نفي الاستكانة لربهم ونفي التضرع / المستفاد
~~من قوله سبحانه: { وما يتضرعون } إذ له أن يقول: الجؤار مطلق
~~الصراخ وهو غير الاستكانة لله عز وجل وغير التضرع إليه سبحانه وهو ظاهر،
~~وكذا إذا أريد بالجؤار الصراخ باستغاثة بناء على أن المراد بالاستكانة له
~~تعالى ما علمت آنفا من الانقياد لأمره عز وجل وأن التضرع ما كان عن صميم
~~الفؤاد والجؤار ما لم يكن كذلك، وكأن التعبير هناك بالجؤار للإشارة إلى
~~أن استغاثتهم كانت أشبه شيء بأصوات الحيوانات، وقيل: ما تقدم لبيان حال
~~المقتولين وما هنا لبيان حال الباقين، وعبر في التضرع بالمضارع ليفيد
~~الدوام إلا أن المراد دوام النفي لا نفي الدوام أي وليس من عادتهم التضرع
~~إليه تعالى أصلا، ولو حمل ذلك على نفي الدوام كما هو الظاهر لا يرد ما
~~يتوهم من المنافاة بين قوله تعالى:

# إذا ms07131 هم يجأرون

# [المؤمنون: 64] وقوله سبحانه: { وما يتضرعون } أيضا.

# واستكان استفعل من الكون، وأصل معناه انتقل من كون إلى كون كاستحجر ثم
~~غلب العرف على استعماله في الانتقال من كون الكبر إلى كون الخضوع فلا
~~إجمال فيه عرفا، وقال أبو العباس أحمد بن فارس: سئلت عن ذلك في بغداد لما
~~دخلتها زمن الإمام الناصر وجمع لي علماءها فقلت واستحسن مني: هو مشتق من
~~قول العرب: كنت لك إذا خضعت وهي لغة هذيلية وقد نقلها أبو عبيدة في
~~«الغريبين» وعليه يكون من باب قر واستقر، ولا يجعل من استفعل المبني
~~للمبالغة مثل استعصم واستحسر إلا أن يراد في الآية حينئذ المبالغة في
~~النفي لا نفي المبالغة، وقيل هو من الكين اللحمة المستبطنة في الفرج لذلة
~~المستكين، وجوز الزمخشري أن يكون افتعل من السكون والألف إشباع كما في
~~قوله:

# وأنت من الغوائل حين ترمى

# ومن ذم الرجال بمنتزاح

# وقوله:

# أعوذ بالله من العقراب

# الشائلات عقد الأذناب

# واعترض بأن الإشباع المذكور مخصوص بضرورة الشعر وبأنه لم يعهد كونه في
~~جميع تصاريف الكلمة واستكان جميع تصاريفه كذلك فهو يدل على أنه ليس مما
~~فيه إشباع.

### || [23.77]

# { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد } من
~~عذاب الآخرة كما ينبىء عنه التهويل بفتح الباب والوصف بالشدة وإلى هذا
~~ذهب الجبائي، و { حتى } مع كونها غاية للنفي السابق مبتدأ لما بعدها
~~من مضمون الشرطية كأنه قيل: هم مستمرون على هذه الحال حتى إذا فتحنا
~~عليهم يوم القيامة بابا ذا عذاب شديد { إذا هم فيه } أي في ذلك
~~الباب أو في ذلك العذاب أو بسبب الفتح أقوال { مبلسون } متحيرون
~~آيسون من كل خير أو ذوو حزن من شدة البأس وهذا كقوله تعالى

# ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون

# [الروم: 12]

# لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون

# [الزخرف: 75] وقيل: هذا الباب استيلاء النبي صلى الله عليه وسلم
~~والمؤمنين عليهم يوم الفتح وقد أيسوا في ذلك اليوم من كل ما كانوا
~~يتوهمونه من الخير. وأخرج ابن جرير أنه الجوع الذي أكلوا فيه ms07132 العلهز. وعن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه القتل يوم بدر. وروت الإمامية  وهم
~~بيت الكذب  عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه أن ذلك عذاب يعذبون به في
~~الرجعة، ولعمري لقد افتروا على الله تعالى الكذب وضلوا ضلالا بعيدا،
~~والوجه في الآية عندي ما تقدم، والظهار أن هذه الآيات مدنية وبعض من قال
~~بمكيتها ادعى أن فيها إخبارا عن المستقبل بالماضي للدلالة على تحقق
~~الوقوع.

### || [23.78]

# { وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصر } لتحسوا بها
~~الآيات التنزيلية والتكوينية { والأفئدة } لتتكفروا / بها في
~~الآيات وتستدلوا بها إلى غير ذلك من المنافع، وقدم السمع لكثرة منافعه،
~~وأفرد لأنه مصدر في الأصل ولم يجمعه الفصحاء في الأكثر، وقيل: أفرد لأنه
~~يدرك به نوع واحد من المدركات وهو الأصوات بخلاف البصر فإنه يدرك به
~~الأضواء والألوان والأكوان والأشكال وبخلاف الفؤاد فإنه يدرك به أنواع
~~شتى من التصورات والتصديقات. وفي الآية إشارة إلى الدليل الحسي والعقلي،
~~وتقديم ما يشير إلى الأول قد تقدم فتذكر فما في العهد من قدم.

# { قليلا ما تشكرون } أي شكرا قليلا تشكرون تلك النعم
~~الجليلة لأن العمدة في الشكر صرف تلك القوى التي هي في أنفسها نعم باهرة
~~إلى ما خلقت هي له فنصب { قليلا } على أنه صفة مصدر محذوف، والقلة على
~~ظاهرها بناء على أن الخطاب للناس بتغليب المؤمنين، وجوز أن تكون بمعنى
~~النفي بناء على أن الخطاب للمشركين على سبيل الالتفات، وقيل: هو للمؤمنين
~~خاصة وليس بشيء، والأولى عندي كونه للمشركين خاصة مع جواز كون القلة على
~~ظاهرها كما لا يخفى على المتدبر؛ و { ما } على سائر الأقوال مزيدة
~~للتأكيدة.

### || [23.79]

# { وهو الذى ذرأكم فى الأرض } أي خلقكم وبثكم فيها {
~~وإليه تحشرون } أي تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم لا إلى غيره
~~تعالى فما لكم لا تؤمنون به سبحانه وتشكرونه عز وجل.

### || [23.80]

# { وهو الذى يحيى ويميت } من غير أن يشاركه في ذلك شيء من
~~الأشياء { وله } تعالى شأنه خاصة { اختلف اليل والنهار
~~} أي هو سبحانه وتعالى المؤثر في ms07133 اختلافهما أي تعاقبهما من قولهم: فلان
~~يختلف إلى فلان أي يتردد عليه بالمجيء والذهاب أو تخالفهما زيادة ونقصا،
~~وقيل: المعنى لأمره تعالى وقضائه سبحانه اختلافهما ففي الكلام مضاف مقدر،
~~واللام عليه يجوز أن تكون للتعليل { أفلا تعقلون } أي ألا
~~تتفكرون فلا تعقلون أو أتتفكرون فلا تعقلون بالنظر والتأمل أن الكل صار
~~منا وأن قدرتنا تعم جميع الممكنات التي من جملتها البعث. وقرأ أبو عمرو
~~في رواية { يعقلون } على أن الالتفات إلى الغيبة لحكاية سوء حال
~~المخاطبين [لغيرهم]، وقيل: على أن الخطاب الأول لتغليب المؤمنين وليس
~~بذاك.

### || [23.81]

# { بل قالوا } عطف على مضمر يقتضيه المقام أي فلم يعقلوا بل قالوا:
~~{ مثل ما قال الأولون } أي آباؤهم ومن دان بدينهم من الكفرة
~~المنكرين للبعث.

### || [23.82]

# تفسير لما قبله من المبهم وتفصيل لما فيه من الإجمال وقد مر الكلام فيه.

### || [23.83]

# { لقد وعدنا نحن وءاباؤنا هذا } البعث { من قبل }
~~متعلق بالفعل من حيث إسناده إلى المعطوف عليه والمعطوف على ما هو الظاهر،
~~وصح ذلك بالنسبة إليهم لأن الأنبياء المخبرين بالبعث كانوا يخبرون به
~~بالنسبة إلى جميع من يموت، ويجوز أن يكون متعلقا به من حيث إسناده إلى
~~آبائهم لا إليهم أي ووعد آباؤنا من قبل أو بمحذوف وقع حالا من آبائنا أي
~~كائنين من قبل { إن هذا } أي ما هذا { إلا أسطير
~~الأولين } أي أكاذيبهم التي سطروها جمع أسطورة كأحدوثة وأعجوبة وإلى
~~هذا ذهب المبرد وجماعة، وقيل: جمع أسطار جمع سطر كفرس وأفراس، والأول كما
~~قال الزمخشري أوفق لأن جمع المفرد أولى وأقيس ولأن بنية أفعولة تجيء لما
~~فيه التلهي فيكون حينئذ كأنه قيل مكتوبات لا طائل تحتها.

### || [23.84]

# { قل لمن الأرض ومن فيها } من المخلوقات تغليبا للعقلاء على
~~غيرهم / { إن كنتم تعلمون } جوابه محذوف ثقة بدلالة الاستفهام
~~عليه أي إن كنتم من أهل العلم ومن العقلاء أو عالمين بذلك فأخبروني به.
~~وفي الآية من المبالغة في الاستهانة بهم وتقرير فرط جهالتهم ما لا يخفى.
~~ويقوي هذا أنه أخبر عن الجواب قبل أن ms07134 يجيبوا فقال سبحانه:

### || [23.85]

# { سيقولون لله } فإن بداهة العقل تضطرهم إلى الاعتراف بأنه
~~سبحانه خالقها فاللام للملك باعتبار الخلق { قل } أي عند اعترافهم بذلك
~~تبكيتا لهم { أفلا تذكرون } أي أتعلمون أو أتقولون ذلك فلا
~~تتذكرون أي من فطر الأرض ومن فيها ابتداء قادر على إعادتها ثانيا فإن
~~البدء ليس بأهون من الإعادة بل الأمر بالعكس في قياس العقول. وقرىء {
~~تتذكرون } على الأصل.

### || [23.86]

# أعيد لفظ الرب تنويها بشأن العرش ورفعا لمحله من أن يكون تبعا
~~للسموات وجودا وذكرا. وقرأ ابن محيصن { العظيم } بالرفع نعتا
~~للرب.

### || [23.87]

# { سيقولون لله } قرأ أبو عمرو ويعقوب بغير لام فيه وفيما بعده
~~ولم يقرأ على ما قيل في السابق بترك اللام والقراءة بغير لام على الظاهر
~~وباللام على المعنى وكلا الأمرين جائزان فلو قيل: من صاحب هذه الدار؟
~~فقيل: زيد كان جوابا عن لفظ السؤال، ولو قيل: لزيد لكان جوابا على
~~المعنى لأن معنى من صاحب هذه الدار؟ لمن هذه الدار وكلا الأمرين وارد في
~~كلامهم، أنشد صاحب «المطلع»:

# إذا قيل من رب المزالف والقرى

# ورب الجياد الجرد قلت لخالد

# وأنشد الزجاج:

# وقال السائلون لمن حفرتم

# فقال المخبرون لهم وزير

# { قل } إفحاما لهم وتوبيخا { أفلا تتقون } أي أتعلمون ذلك
~~ولا تقون أنفسكم عقابه على ترك العمل بموجب العلم حيث تكفرون به تعالى
~~وتنكرون ما أخبر به من البعث وتثبتون له سبحانه شريكا.

### || [23.88]

# { قل من بيده ملكوت كل شىء } مما ذكر ومما لم يذكر؛
~~وصيغة الملكوت للمبالغة في الملك فالمراد به الملك الشامل الظاهر، وقيل:
~~المالكية والمدبرية، وقيل: الخزائن { وهو يجير } أي يمنع من يشاء
~~ممن يشاء { ولا يجار عليه } ولا يمنع أحد منه جل وعلا أحدا،
~~وتعدية الفعل بعلى لتضمينه معنى النصرة أو الاستعلاء { إن كنتم
~~تعلمون } تكرير لاستهانتهم وتجهيلهم على ما مر.

### || [23.89]

# { سيقولون لله } ملكوت كل شيء والوصف بأنه الذي يجير ولا يجار
~~عليه { قل } تهجينا لهم وتقريعا { فأنى تسحرون } كيف أو من
~~أين تخدعون وتصرفون عن الرشد مع علمكم به إلى ms07135 ما أنتم عليه من البغي فإن
~~من لا يكون مسحورا مختل العقل لا يكون كذلك، وهذه الآيات الثلاث أعني

# قل لمن

# [المؤمنون: 84] إلى هنا على ما قرر في «الكشف» تقرير للسابق وتمهيد
~~للاحق وقد روعي في السؤال فيها قضية الترقي فسئل عمن له الأرض ومن فيها،
~~وقيل: { من } تغليبا للعقلاء ولأنه يلزم أن يكون له غيرهم من طريق
~~الأولى ثم سئل عمن له السموات والعرش العظيم والأرض بالنسبة إليه كلا
~~شيء ثم سئل عمن بيده ملكوت كل شيء فأتى بأعم العام وكلمة الإحاطة وأوثر
~~الملكوت وهو الملك الواسع، وقيل:

# بيده

# [المؤمنون: 88] تصويرا وتخييلا وكذلك روعي هذه النكتة في الفواصل
~~فعيروا أولا بعدم التذكر فإن أيسر النظر يكفي في انحلال عقدهم ثم بعدم
~~الاتقاء وفيه وعيد ثم بالتعجب من خدع عقولهم فتخيل الباطل / حقا والحق
~~باطلا وأنى لها التذكر والخوف.

### || [23.90]

# { بل أتينهم بالحق } إضراب عن قولهم

# إن هذا إلا أسطير الأولين

# [المؤمنون: 83] والمراد بالحق الوعد بالبعث وقيل: ما يعمه والتوحيد ويدل
~~على ذلك السياق. وقرىء { بل أتيتهم } بتاء المتكلم. وقرأ ابن أبي إسحق
~~بتاء الخطاب { وإنهم لكذبون } في قولهم:

# إن هذا إلا أسطير الأولين

# [المؤمنون: 83] أو في ذلك وقولهم بما ينافي التوحيد.

### || [23.91]

# { ما اتخذ الله من ولد } لتنزهه عز وجل عن الاحتياج وتقدسه
~~تعالى عن مماثلة أحد. { وما كان معه من إله } يشاركه
~~سبحانه في الألوهية { إذا لذهب كل إله بما خلق } أي
~~لاستبد بالذي خلقه واستقل به تصرفا وامتاز ملكه عن ملك الآخر {
~~ولعلا بعضهم على بعض } ولوقع التحارب والتغالب بينهم كما
~~هو الجاري فيما بين الملوك والتالي باطل لما يلزم من ذلك نفي ألوهية
~~الجميع أو ألوهية ما عدا واحدا منهم وهو خلاف المفروض أو لما أنه يلزم
~~أن لا يكون بيده تعالى وحده ملكوت كل شيء وهو باطل في نفسه لما برهن عليه
~~في الكلام وعند الخصم لأنه يقول باختصاص ملكوت كل شيء به تعالى كما يدل
~~عليه السؤال والجواب السابقان آنفا كذا قيل، ولا يخفى ms07136 أن اللزوم في
~~الشرطية المفهومة من الآية عادي لا عقلي ولذا قيل: إن الآية إشارة إلى
~~دليل إقناعي للتوحيد لا قطعي.

# وفي «الكشف»: قد لاح لنا من لطف الله تعالى وتأييده أن الآية برهان نير
~~على توحيده سبحانه، وتقريره أن مرجح الممكنات الواجب الوجود تعالى شأنه
~~جل عن كل كثرة أما كثرة المقومات أو الأجزاء الكمية فبينة الانتفاء
~~لإيذانها بالإمكان، وأما التعدد مع الاتحاد في الماهية فكذلك للافتقار
~~إلى المميز ولا يكون مقتضى الماهية لاتحادهما فيه فيلزم الإمكان، ثم
~~المميزان في الطرفين صفتا كمال لأن الاتصاف بما لا كمال فيه نقص فهما
~~ناقصان ممكنان مفتقران في الوجود إلى مكمل خارج هو الواجب بالحقيقة،
~~وكذلك الافتقار في كمال ما للوجود يوجب الإمكان لإيجابه أن يكون فيه أمر
~~بالفعل وأمر بالقوة واقتضائه التركيب والإمكان. ومن هنا قال العلماء: إن
~~واجب الوجود بذاته واجب بجميع صفاته ليس له أمر منتظر ومع الاختلاف في
~~الماهية يلزم أن لا يكون المرجح مرجحا أي لا يكون الإله إلها لأن كل
~~واحد واحد من الممكنات إن استقلا بترجيحه لزم توارد العلتين التامتين على
~~معلول شخصي وهو ظاهر الاستحالة فكونه مرجحا إلها يوجب الافتقار إليه
~~وكون غيره مستقلا بالترجيح يوجب الاستغناء عنه فيكون مرجحا غير مرجح في
~~حالة واحدة، وإن تعاونا فكمثل إذ ليس ولا واحد منهما بمرجح وفرضا مرجحين
~~مع ما فيه من العجز عن الإيجاد والافتقار إلى الآخر، وإن اختص كل منهما
~~ببعض مع أن الافتقار إليهما على السواء لزم اختصاص ذلك المرجح بمخصص
~~يخصصه بذلك البعض بالضرورة وليس الذات لأن الافتقار إليهما على السواء
~~فلا أولوية للترجيح من حيث الذات ولا معلول الذات لأنه يكون ممكنا
~~والكلام فيه عائد فيلزم الحال من الوجهين الأولين أعني الافتقار إلى مميز
~~غير الذات ومقتضاها ولزوم النقص لكل واحد لأن هذا المميز صفة كمال ثم
~~مخصص كل بذلك التمييز هو الواجب الخارج لا هما، وإلى المحال الأول
~~الإشارة بقوله تعالى: { إذا لذهب كل إله بما خلق }
~~وهو لازم على ms07137 تقدير التخالف في الماهية واختصاص كل ببعض، وخص هذا القسم
~~لأن ما سواه أظهر استحالة، وإلى / الثاني الإشارة بقوله سبحانه: {
~~ولعلا بعضهم على بعض } أي إما مطلقا وإما من وجه فيكون
~~العالي هو الإله أو لا يكون ثم إله أصلا وهذا لازم على تقديري التخالف
~~والاتحاد والاختصاص وغيره فهو تكميل للبرهان من وجه وبرهان ثان من آخر،
~~فقد تبين ولا كفرق الفجر أنه تعالى هو الواحد الأحد جعل وجوده زائدا على
~~الماهية أولا فاعلا بالاختيار أولا، وليس برهان الوحدة مبنيا على أنه
~~تعالى فاعل بالاختيار كما ظنه الإمام الرازي قدس سره انتهى، وهو كلام
~~يلوح عليه مخايل التحقيق، وربما يورد عليه بعض مناقشات تندفع بالتأمل
~~الصادق.

# وما أشرنا إليه من انفهام قضية شرطية من الآية ظاهر جدا على ما ذهب
~~إليه الفراء فقد قال: إن { إذا } حيث جاءت بعدها اللام فقبلها لو مقدرة
~~إن لم تكن ظاهرة نحو { إذا لذهب كل إله بما خلق }
~~فكأنه قيل: لو كان معه ءالهة كما تزعمون لذهب كل الخ. وقال أبو حيان: {
~~إذا } حرف جواب وجزاء ويقدر قسم يكون { لذهب } جوابا له، والتقدير
~~والله إذا أي إن كان معه من إله لذهب وهو في معنى ليذهبن كقوله تعالى:

# ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا

# [الروم: 51] أي ليظلن لأن إذا تقتضي الاستقبال وهو كما ترى. وقد يقال:
~~إن { إذا } هذه ليست الكلمة المعهودة وإنما هي إذا الشرطية حذفت
~~جملتها التي تضاف إليها وعوض عنها التنوين كما في يومئذ والأصل إذا كان
~~معه من إله لذهب الخ، والتعبير بإذا من قبيل مجاراة الخصم، وقيل: {
~~كل إله } لما أن النفي عام يفيد استغراق الجنس و { ما } في {
~~بما خلق } موصولة حذف عائدها كما أشرنا إليه. وجوز أن تكون مصدرية
~~ويحتاج إلى نوع تكلف لا يخفى. ولم يستدل على انتفاء اتخاذ الولد إما
~~لغاية ظهور فساده أو للاكتفاء بالدليل الذي أقيم على انتفاء أن يكون معه
~~سبحانه إله بناء على ما قيل إن ابن الإله يلزم أن يكون ms07138 إلها إذ الولد
~~يكون من جنس الوالد وجوهره وفيه بحث.

# { سبحن الله عما يصفون } مبالغة في تنزيهه تعالى عن
~~الولد والشريك، و(ما) موصولة وجوز أن تكون مصدرية. وقرىء { تصفون } بتاء
~~الخطاب.

### || [23.92]

# { علم الغيب والشهدة } أي كل غيب وشهادة، وجر {
~~علم } على أنه بدل من الاسم الجليل أو صفة له لأنه أريد به الثبوت
~~والاستمرار فيتعرف بالإضافة. وقرأ جماعة من السبعة وغيرهم برفعه على أنه
~~خبر مبتدأ محذوف أي هو عالم، والجر أجود عند الأخفش والرفع أبرع عند ابن
~~عطية، وأيا ما كان فهو على ما قيل إشارة إلى دليل آخر على انتفاء الشريك
~~بناء على توافق المسلمين والمشركين في تفرده تعالى بذلك. وفي «الكشف» أن
~~في قوله سبحانه: { علم } الخ إشارة إلى برهان آخر راجع إلى إثبات
~~العلو أو لزوم الجهل الذي هو نقص وضد العلو لأن المتعددين لا سبيل لهما
~~إلى أن يعلم كل واحد حقيقة الآخر كعلم ذلك الآخر بنفسه بالضرورة وهو نوع
~~جهل وقصور، ثم علمه به يكون انفعاليا تابعا لوجود المعلوم فيكون في
~~إحدى صفات الكمال  أعني العلم  مفتقرا وهو يؤذن بالنقصان والإمكان.

# { فتعلى } الله { عما يشركون } تفريع على كونه تعالى
~~عالما بذلك كالنتيجة لما أشار إليه من الدليل. وقال ابن عطية: الفاء
~~عاطفة كأنه قيل علم الغيب والشهادة فتعالى كما تقول زيد شجاع فعظمت
~~منزلته على معنى شجع فعظمت، ويحتمل أن يكون المعنى فأقول تعالى الخ على
~~أنه إخبار مستأنف.

### || [23.93]

# { قل رب إما ترينى } / أي إن كان لا بد من أن تريني لأن (ما)
~~والنون زيدتا للتأكيد { ما يوعدون } أي الذي يوعدونه من العذاب
~~الدنيوي المستأصل وأما العذاب الأخروي فلا يناسب المقام.

### || [23.94]

# أي قرينا لهم فيما هم فيه من العذاب، ووضع الظاهر موضع الضمير للإشارة
~~إلى استحقاقهم للعذاب، وجاء الدعاء قبل الشرط وقبل الجزاء مبالغة في
~~الابتهال والتضرع، واختير لفظ الرب لما فيه من الإيذان بأنه سبحانه
~~المالك الناظر في مصالح العبد، وفي أمره صلى الله عليه وسلم أن يدعو بذلك
~~مع ms07139 أنه عليه الصلاة والسلام في حرز عظيم من أن يجعل قرينا لهم إيذان
~~بكمال فظاعة العذاب الموعود وكونه بحيث يجب أن يستعيذ منه من لا يكاد
~~يمكن أن يحيق به وهو متضمن رد إنكارهم العذاب واستعجالهم به على طريقة
~~الاستهزاء. وقيل أمر صلى الله عليه وسلم بذلك هضما لنفسه وإظهارا لكمال
~~العبودية، وقيل لأن شؤم الكفرة قد يحيق بمن سواهم كقوله تعالى:

# واتقوا فتنة لا تصيبن الذين الذين ظلموا
~~منكم خاصة

# [الأنفال: 25] وروي عن الحسن أنه جل شأنه أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم
~~بأن له في أمته نقمة ولم يطلعه على وقتها أهو في حياته أم بعدها فأمره
~~بهذا الدعاء. وقرأ الضحاك وأبو عمران الجوني { ترئني } بالهمز بدل الياء
~~وهو كما في «البحر» إبدال ضعيف.

### || [23.95]

# { وإنا على أن نريك ما نعدهم } من العذاب {
~~لقدرون } ولكنا لا نفعل بل نؤخره عنهم لعلمنا بأن بعضهم أو بعض
~~أعقابهم سيؤمنون أو لأنا لا نعذبهم وأنت فيهم، وقيل قد أراه سبحانه ذلك
~~وهو ما أصابهم يوم بدر أو فتح مكة، قال شيخ الإسلام: ولا يخفى بعده فإن
~~المتبادر أن يكون ما يستحقونه من العذاب الموعود عذابا هائلا مستأصلا
~~لا يظهر على يديه صلى الله عليه وسلم للحكمة الداعية إليه.

### || [23.96]

# { ادفع بالتى هى أحسن } أي ادفع بالحسنة التي هي أحسن
~~الحسنات التي يدفع بها { السيئة } بأن تحسن إلى المسيء في مقابلتها
~~ما استطعت، ودون هذا في الحسن أن يحسن إليه في الجملة، ودونه أن يصفح عن
~~إساءته فقط، وفي ذلك من الحث له صلى الله عليه وسلم إلى ما يليق بشأنه
~~الكريم من حسن الأخلاق ما لا يخفى، وهو أبلغ من ادفع بالحسنة السيئة
~~لمكان { أحسن } والمفاضلة فيه على حقيقتها على ماذكرنا وهو وجه حسن
~~في الآية، وجوز أن تعتبر المفاضلة بين الحسنة والسيئة على معنى أن الحسنة
~~في باب الحسنات أزيد من السيئة في باب السيئات ويطرد هذا في كل مفاضلة
~~بين ضدين كقولهم: العسل أحلى من الخل فإنهم يعنون أنه ms07140 في الأصناف الحلوة
~~أميز من الخل في الأصناف الحامضة، ومن هذا القبيل ما يحكى عن أشعب الماجن
~~أنه قال: نشأت أنا والأعمش في حجر فلان فما زال يعلو وأسفل حتى استوينا
~~فإنه عن استواءهما في بلوغ كل منهما الغاية حيث بلغ هو الغاية في التدلي
~~والأعمش الغاية في التعلي، وعلى الوجهين لا يتعين هذا الأحسن وكذا
~~السيئة. وأخرج ابن أبي حاتم. وأبو نعيم في «الحلية» عن أنس أنه قال في
~~الآية: يقول الرجل لأخيه ما ليس فيه فيقول: إن كنت كاذبا فأنا أسأل الله
~~تعالى أن يغفر لك وإن كنت صادقا فأنا أسأل الله تعالى أن يغفر لي. وقيل:
~~التي هي أحسن شهادة أن لا إله إلا الله والسيئة الشرك، وقال عطاء
~~والضحاك: التي هي أحسن / السلام والسيئة الفحش، وقيل: الأول الموعظة
~~والثاني المنكر، واختار بعضهم العموم وأن ما ذكر من قبيل التمثيل، والآية
~~قيل: منسوخة بآية السيف، وقيل: هي محكمة لأن الدفع المذكور مطلوب ما لم
~~يؤد إلى ثلم الدين والإزراء بالمروءة.

# { نحن أعلم بما يصفون } أي بوصفهم إياك أو بالذي يصفونك به
~~مما أنت بخلافه، وفيه وعيد لهم بالجزاء والعقوبة وتسلية لرسول الله صلى
~~الله عليه وسلم وإرشاد له عليه الصلاة والسلام إلى تفويض أمره إليه عز
~~وجل. والظاهر من هذا أن الآية آية موادعة فافهم.

### || [23.97]

# أي وساوسهم المغرية على خلاف ما أمرت به، وهي جمع همزة، والهمز النخس
~~والدفع بيد أو غيرها، ومنه مهماز الرائض لحديدة تربط على مؤخر رجله ينخس
~~به الدابة لتسرع أو لتثب، وإطلاق ذلك على الوسوسة والحث على المعاصي لما
~~بينهما من الشبه الظاهر، والجمع للمرات أو لتنوع الوساوس أو لتعدد
~~الشياطين.

### || [23.98]

# أي من حضورهم حولي في حال من الأحوال، وتخصيص حال الصلاة وقراءة القرآن
~~كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وحال حلول الأجل كما روي عن
~~عكرمة لأنها أحرى الأحوال بالاستعاذة منها لا سيما الحال الأخيرة ولذا
~~قيل: اللهم إني أعوذ بك من النزع عند النزع، وإلى ms07141 العموم ذهب ابن زيد،
~~وفي الأمر بالتعوذ من الحضور بعد الأمر بالتعوذ من همزاتهم مبالغة في
~~التحذير من ملابستهم، وإعادة الفعل مع تكرير النداء لإظهار كمال الاعتناء
~~بالمأمور به وعرض نهاية الابتهال في الاستدعاء. ويسن التعوذ من همزات
~~الشياطين وحضورهم عند إرادة النوم، فقد أخرج أحمد وأبو داود والنسائي
~~والترمذي وحسنه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:

# " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من
~~الفزع بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ومن
~~همزات الشياطين وأن يحضرون ".

### || [23.99]

# { حتى إذا جاء أحدهم الموت }  { حتى } ابتدائية
~~وغاية لمقدر يدل عليه ما قبلها والتقدير فلا أكون كالكفار الذين تهمزهم
~~الشياطين وتحضرهم حتى إذا جاء الخ، ونظير ذلك قوله:

# فيا عجبا حتى كليب تسبني

# فإن التقدير يسبني كل الناس حتى كليب إلا أنه حذفت الجملة هنا لدلالة ما
~~بعد حتى، وقيل إن هذا الكلام مردود على

# يصفون

# [المؤمنون: 96] الثاني على معنى أن حتى متعلقة بمحذوف يدل عليه كأنه
~~قيل: لا يزالون على سوء المقالة والطعن في حضرة الرسالة حتى إذا الخ،
~~وقوله تعالى:

# وقل رب

# [المؤمنون: 97] الخ اعتراض مؤكد للإغضاء المدلول عليه بقوله سبحانه:

# ادفع بالتى هى أحسن

# [المؤمنون: 96] الخ بالاستعاذة به تعالى من الشياطين أن يزلوه عليه
~~الصلاة والسلام عما أمر به، وقيل على

# يصفون

# [المؤمنون: 91] الأول أو على

# يشركون

# [المؤمنون: 92] وليس بشيء. وجوز الزمخشري أن يكون مرورا على قوله
~~تعالى:

# وإنهم لكذبون

# [المؤمنون:90] ويكون من قوله سبحانه

# ما اتخذ الله من ولد

# [المؤمنون: 91] إلى هذا المقام كالاعتراض تحقيقا لكذبهم ولاستحقاقهم
~~جزاءه وليس بالوجه، ويفهم من كلام ابن عطية أنه يجوز أن تكون { حتى }
~~هنا ابتدائية لا غاية لما قبلها، وتعقبه أبو حيان بأنها إذا كانت
~~ابتدائية لا تفارقها الغاية، والظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه أن ضمير {
~~أحدهم } راجع إلى الكفار.

# والمراد من مجيء الموت ظهور أماراته أي إذا ظهر لأحدهم أي أحد كان منهم
~~أمارات الموت وبدت ms07142 له أحوال / الآخرة { قال } تحسرا على ما فرط في جنب
~~الله تعالى: { رب ارجعون } أي ردني إلى الدنيا، والواو لتعظيم
~~المخاطب وهو الله تعالى كما في قوله:

# ألا فارحموني يا إله محمد

# فإن لم أكن أهلا فأنت له أهل

# وقول الآخر:

# وإن شئت حرمت النساء سواكم

# وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا

# والحق أن التعظيم يكون في ضمير المتكلم والمخاطب بل والغائب والاسم
~~الظاهر وإنكار ذلك غير رضي والإيهام الذي يدعيه ابن مالك هنا لا يلتفت
~~إليه. وقيل: الواو لكون الخطاب للملائكة عليهم السلام والكلام على تقدير
~~مضاف أي يا ملائكة ربي ارجعوني، وجوز أن يكون { رب } استغاثة به تعالى
~~و { ارجعوني } خطاب للملائكة عليهم السلام، وربما يستأنس لذلك بما أخرجه
~~ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: زعموا أن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال لعائشة رضي الله تعالى عنها:

# " إن المؤمن إذا عاين الملائكة قالوا: نرجعك إلى دار الدنيا؟ قال: إلى
~~دار الهموم والأحزان بل قدوما إلى الله تعالى وأما الكافر فيقولون له
~~نرجعك؟ فيقول: رب ارجعوني "

# وقال المازني: جمع الضمير ليدل على التكرار فكأنه قال: رب ارجعني ارجعني
~~ارجعني، ومثل ذلك تثنية الضمير في قفا نبك ونحوه.

# واستشكل ذلك الخفاجي بأنه إذا كان أصل ارجعوا مثلا ارجع ارجع ارجع لم
~~يكن ضمير الجمع بل تركيبه الذي فيه حقيقة فإذا كان مجازا فمن أي أنواعه
~~وكيف دلالته على المراد وما علاقته وإلا فهو مما لا وجه له. ومن غريبه أن
~~ضميره كان مفردا واجب الاستتار فصار غير مفرد واجب الإظهار ثم قال: لم
~~تزل هذه الشبهة قديما في خاطري والذي خطر لي أن لنا استعارة أخرى غير ما
~~ذكر في المعاني ولكونها لا علاقة لها بالمعنى لم تذكر وهي استعارة لفظ
~~مكان لفظ آخر لنكتة بقطع النظر عن معناه وهو كثير في الضمائر كاستعمال
~~الضمير المجرور الظاهر مكان المرفوع المستتر في كفى به حتى لزم انتقاله
~~عن صفة إلى صفة أخرى ومن لفظ إلى آخر وما ms07143 نحن فيه من هذا القبيل فإنه غير
~~الضمائر المستترة إلى ضمير جمع ظاهر فلزم الاكتفاء بأحد ألفاظ الفعل وجعل
~~دلالة ضمير الجمع على تكرر الفعل قائما مقامه في التأكيد من غير تجوز
~~فيه. ولابن جني في «الخصائص» كلام يدل على ما ذكرناه فتأمل انتهى كلامه.

# ولعمري لقد أبعد جدا، ولعل الأقرب أن يقال: أراد المازني أنه جمع
~~الضمير للتعظيم بتنزيل المخاطب الواحد منزلة الجماعة المخاطبين ويتبع ذلك
~~كون الفعل الصادر منه بمنزلة الفعل الصادر من الجماعة ويتبعهما كون {
~~ارجعوني } مثلا بمنزلة ارجعني ارجعني ارجعني لكن إجراء نحو هذا في نحو 
~~قفا نبك  لا يتسنى إلا إذا قيل بأنه قد يقصد بضمير التثنية التعظيم كما
~~قد يقصد ذلك بضمير الجمع؛ ولم يخطر لي أني رأيته فليتتبع وليتدبر.

### || [23.100]

# { لعلى أعمل صلحا فيما تركت } أي في الإيمان الذي
~~تركته، ولعل للترجي وهو إما راجع للعمل والإيمان لعلمه بعدم الرجوع أو
~~للعمل فقط لتحقيق إيمانه إن رجع فهو كما في قولك: لعلي أربح في هذا المال
~~أو كقولك: لعلي أبني على أس أي أأسس ثم أبني، وقيل: فيما تركت من المال
~~أو من الدنيا جعل مفارقة ذلك تركا له، ويجوز أن تكون لعل للتعليل. / وفي
~~«البرهان» حكى البغوي عن الواحدي أن جميع ما في القرآن من لعل فإنها
~~للتعليل إلا قوله تعالى:

# لعلكم تخلدون

# [الشعراء: 129] فإنها للتشبيه. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن
~~أبي مالك نحوه، ثم إن طلب الرجعة ليس من خواص الكفار. فعن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أن مانع الزكاة وتارك الحج المستطيع يسألان الرجعة عند
~~الموت. وأخرج الديلمي عن جابر بن عبد الله قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حضر الإنسان الوفاة يجمع له كل
~~شيء يمنعه عن الحق فيجعل بين عينيه فعند ذلك يقول: { رب ارجعون *
~~لعلي أعمل صلحا فيما تركت } [المؤمنون:99-100] "

# وهذا الخبر يؤيد أن المراد مما تركت المال ونحوه.

# { كلا } ردع عن طلب الرجعة واستبعاد لها. { إنها } أي قوله

# رب ms07144 ارجعون

# [المؤمنون: 99] الخ { كلمة هو قائلها } لا محالة لا يخليها
~~ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة وتسلط الندم عليه فتقديم المسند إليه
~~للتقوى أو هو قائلها وحده فالتقديم للاختصاص، ومعنى ذلك أنه لا يجاب
~~إليها ولا تسمع منه بتنزيل الإجابة والاعتداد منزلة قولها حتى كأن المعتد
~~بها شريك لقائلها. ومثل هذا متداول متداول فيقول من كلمة صاحبه بما لا
~~جدوى تحته: اشتغل أنت وحدك بهذه الكلمة فتكلم واستمع يعني أنها مما لا
~~تسمع منك ولا تستحق الجواب. والكلمة هنا بمعنى الكلام كما في قولهم: كلمة
~~الشهادة وهي في هذا المعنى مجاز عند النحاة، وأما عند اللغويين فقيل
~~حقيقة، وقيل مجاز مشهور. والظاهر أن { كلا } وما بعدها من كلامه
~~تعالى، وأبعد جدا من زعم أن { كلا } من قول من عاين الموت وأنه يقول
~~ذلك لنفسه على سبيل التحسر والندم.

# { ومن ورائهم } أي أمامهم وقد مر تحقيقه، والضمير لأحدهم والجمع
~~باعتبار المعنى لأنه في حكم كلهم كما أن الإفراد في الضمائر الأول
~~باعتبار اللفظ { برزخ } حاجز بينهم وبين الرجعة { إلى يوم
~~يبعثون } من قبورهم وهو يوم القيامة، وهذا تعليق لرجعتهم إلى الدنيا
~~بالمحال كتعليق دخولهم الجنة بقولهم سبحانه:

# حتى يلج الجمل فى سم الخياط

# [الأعراف: 40] وعن ابن زيد أن المراد من ورائهم حاجز بين الموت والبعث
~~في القيامة من القبور باق إلى يوم يبعثون، وقيل: حاجز بينهم وبين الجزاء
~~التام باق إلى يوم القيامة فإذا جاء ذلك اليوم جوزوا على أتم وجه.

### || [23.101]

# { فإذا نفخ فى الصور } لقيام الساعة وهي النفخة الثانية التي
~~يقع عندها البعث والنشور، وقيل: المعنى فإذا نفخ في الأجساد أرواحها على
~~أن الصور جمع صورة على نحو بسر وبسرة لا القرن، وأيد بقراءة ابن عباس
~~والحسن وابن عياض { فى الصور } بضم الصاد وفتح الواو، وقراءة أبي
~~رزين { فى الصور } بكسر الصاد وفتح الواو فإن المذكور في هاتين
~~القراءتين جمع صورة لا بمعنى القرن قطعا والأصل توافق معاني القراءات،
~~ولا تنافي بين النفخ في الصور بمعنى القرن الذي جاء في ms07145 الخبر ودلت عليه
~~آيات أخر وبين النفخ في الصور جمع صورة فقد جاء أن هذا النفخ عند ذاك {
~~فلا أنسب بينهم يومئذ } أي يوم إذ نفخ في الصور كما هي
~~بينهم اليوم، والمراد أنها لا تنفعهم شيئا فهي منزلة منزلة العدم لعظم
~~الهول واشتغال كل بنفسه بحيث يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته
~~وبنيه.

# وقد أخرج ابن المبارك في «الزهد» وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم
~~وأبو نعيم في «الحلية» وابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال:
~~إذا كان يوم القيامة جمع الله تعالى الأولين والآخرين / وفي لفظ «يؤخذ
~~بيد العبد أو الأمة يوم القيامة على رؤوس الأولين والآخرين ثم ينادي مناد
~~ألا إن هذا فلان بن فلان فمن كان له حق قبله فليأت إلى حقه  وفي لفظ 
~~من كان له مظلمة فليجيء ليأخذ حقه فيفرح والله المرء أن يكون له الحق على
~~والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيرا ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى: {
~~فإذا نفخ فى الصور فلا أنسب بينهم } » وهذا الأثر
~~يدل على أن هذا الحكم غير خاص بالكفرة بل يعمهم وغيرهم، وقيل: هو خاص بهم
~~كما يقتضيه سياق الآية، وقيل لا ينفع نسب يومئذ إلا نسبه صلى الله عليه
~~وسلم. فقد أخرج البزار والطبراني والبيهقي وأبو نعيم والحاكم والضياء في
~~«المختارة» عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم يقول:

# " كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي "

# وقد أخرج جماعة نحوه عن مسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه مرفوعا،
~~وأخرج ابن عساكر نحوه مرفوعا أيضا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وهو
~~خبر مقبول لا يكاد يرده إلا من في قلبه شائبة نصب، نعم ينبغي القول بأن
~~نفع نسبه صلى الله عليه وسلم إنما هو بالنسبة للمؤمنين الذين تشرفوا به
~~وأما الكافر والعياذ بالله تعالى فلا نفع له بذلك أصلا، وقد يقال: إن
~~هذا الخبر لا ينافي ms07146 إرادة العموم في الآية بأن يكون المراد نفي الالتفات
~~إلى الأنساب عقيب النفخة الثانية من غير فصل حسبما يؤذن به الفاء
~~الجزائية فإنها على المختار تدل على التعقيب ويكون المراد تهويل شأن ذلك
~~الوقت ببيان أنه يذهل فيه كل أحد عمن بينه وبينه نسب ولا يلتفت إليه ولا
~~يخطر هو بباله فضلا عن أنه ينفعه أو لا ينفعه، وهذا لا يدل على عدم نفع
~~كل نسب فضلا عن عدم نفع نسبه صلى الله عليه وسلم، وعن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما وحكي عن الجبائي أن المراد أنه لا يفتخر يومئذ بالأنساب كما
~~يفتخر بها في الدنيا وإنما يفتخر هناك بالأعمال والنجاة من الأهوال فحيث
~~لم يفتخر بها ثمت كانت كأنها لم تكن، فعلى هذا وكذا على ما تقدم يكون
~~قوله تعالى: { فلا أنسب } من باب المجاز.

# وجوز أن يكون فيه صفة مقدرة أي فلا أنساب نافعة أو ملتفتا إليها أو
~~مفتخرا بها وليس بذاك، والظاهر أن العامل في { يومئذ } هو العامل
~~في { بينهم } لا { أنسب } لما لا يخفى.

# { ولا يتساءلون } أي ولا يسأل بعضهم بعضا عن حاله وممن هو ونحو
~~ذلك لاشتغال كل منهم بنفسه عن الالتفات إلى أبناء جنسه وذلك عقيب النفخة
~~الثانية من غير فصل أيضا فهو مقيد بيومئذ وإن لم يذكر بعده اكتفاء بما
~~تقدم، وكأن كلا الحكمين بعد تحقق أمر تلك النفخة لديهم ومعرفة أنها لماذا
~~كانت، وحينئذ يجوز أن يقال: إن قولهم:

# من بعثنا من مرقدنا

# [يس: 52] قبل تحقق أمر تلك النفخة لديهم فلا إشكال، ويحتمل أن كلا
~~الحكمين في مبدأ الأمر قبل القول المذكور كأنهم حين يسمعون الصيحة يذهلون
~~عن كل شيء الأنساب وغيرها كالنائم إذا صيح به صيحة مفزعة فهب من منامه
~~فزعا ذاهلا عمن عنده مثلا فإذا سكن روعهم في الجملة قال قائلهم:

# من بعثنا من مرقدنا

# [يس: 52] وقيل: لا نسلم أن قولهم:

# من بعثنا من مرقدنا

# [يس: 52] أنه كان بطريق التساؤل، وعلى الاحتمالين لا يشكل هذا مع قوله
~~تعالى في ms07147 شأن الكفرة يوم القيامة

# وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون

# [الصافات: 27] وفي شأن المؤمنين

# فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون

# [الصافات: 50] فإن تساؤل الكفرة المنفي في موطن وتساؤلهم المثبت في موطن
~~آخر ولعله عند جهنم وهو بعد النفخة الثانية بكثير، وكذا تساؤل المؤمنين
~~بعدها بكثير أيضا فإنه في الجنة كما يرشد إليه الرجوع إلى ما قبل الآية،
~~وقد يقال: إن التساؤل المنفي هنا تساؤل التعارف ونحوه مما يترتب عليه دفع
~~مضرة / أو جلب منفعة والتساؤل المثبت لأهل النار تساؤل وراء ذلك وقد بينه
~~سبحانه بقوله عز من قائل:

# قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين

# [الصافات: 28] الآية، وقد بين جل وعلا تساؤل أهل الجنة بقوله سبحانه:

# قال قائل منهم إنى كان لى قرين

# [الصافات: 51] الآية، وهو أيضا نوع آخر من التساؤل ليس فيه أكثر من
~~الاستئناس دون دفع مضرة عمن يتكلم معه أو جلب منفعة له.

# وقيل المنفي التساؤل بالأنساب فكأنه قيل لا أنساب بينهم ولا يسأل بعضهم
~~بعضا بها، والمراد أنها لا تنفع في نفسها وعندهم والآية في شأن الكفرة
~~وتساؤلهم المثبت في آية أخرى ليس تساؤلا بالأنساب وهو ظاهر فلا إشكال.
~~وروى جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن وجه الجمع بين
~~النفي هنا والإثبات في قوله سبحانه:

# وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون

# [الصافات: 27] فقال: إن نفي التساؤل في النفخة الأولى حين لا يبقى على
~~وجه الأرض شيء وإثباته في النفخة الثانية، وعلى هذا فالمراد عنده بقوله
~~تعالى: { فإذا نفخ فى الصور } فإذا نفخ النفخة الأولى وهذه
~~إحدى روايتين عنه رضي الله تعالى عنه، والرواية الثانية حمله على النفخة
~~الثانية، وحينئذ يختار في وجه الجمع أحد الأوجه التي أشرنا إليها. وقرأ
~~ابن مسعود { ولا يساءلون } بتشديد السين.

### || [23.102]

# { فمن ثقلت موازينه } أي موزونات حسناته من العقائد
~~والأعمال، ويجوز أن تكون الموازين جمع ميزان ووجه جمعه قد مر والمعنى
~~عليه من ثقلت موازينه بالحسنات { فأولئك هم المفلحون }
~~الفائزون بكل مطلوب الناجون عن كل مهروب.

### || [23.103]

# { ومن خفت موزينه ms07148 } أي موازين أعماله الحسنة أو أعماله التي
~~لا وزن لها ولا اعتداد بها وهي أعماله السيئة كذا قيل؛ وهو مبني على
~~اختلافهم في وزن أعمال الكفرة فمن قال به قال بالأول ومن لم يقل به قال
~~بالثاني، وقد تقدم الكلام في نظير هذه الآية في سورة الأعراف [9] فتذكر.
~~{ فأولئك الذين خسروا أنفسهم } ضيعوها بتضييع زمان
~~استكمالها وأبطلوا استعدادها لنيل كمالها، واسم الإشارة في الموضعين
~~عبارة عن الموصول، وجمعه باعتبار معناه كما أن إفراد الضميرين في الصلتين
~~باعتبار لفظه.

# { فى جهنم خلدون } خبر ثان لأولئك، وجوز أن يكون خبر مبتدأ
~~محذوف أي هم خالدون في جهنم، والجملة إما استئنافية جيء بها لبيان
~~خسرانهم أنفسهم، وإما خبر ثان لأولئك أيضا، وجوز أن يكون { الذين }
~~نعتا لاسم الإشارة و { خلدون } هو الخبر، وقيل: { خلدون }
~~مع معموله بدل من الصلة، قال الخفاجي: أي بدل اشتمال لأن خلودهم في جهنم
~~يشتمل على خسرانهم، وجعل كذلك نظرا لأنه بمعنى يخلدون في جهنم وبذلك
~~يصلح لأن يكون صلة كما يقتضيه الإبدال من الصلة، وظاهر صنيع الزمخشري
~~يقتضي ترجيح هذا الوجه وليس عندي بالوجه كما لا يخفى وجهه. وتعقب أبو
~~حيان القول بأن { فى جهنم خلدون } بدل فقال ((هذا بدل غريب
~~وحقيقته أن يكون البدل ما يتعلق به { فى جهنم } أي استقروا، وكأنه
~~من بدل الشيء من الشيء وهما لمسمى واحد على سبيل المجاز لأن من خسر نفسه
~~استقر في جهنم)) وأنت تعلم أن الظاهر تعلق { فى جهنم } بخالدون وأن
~~تعليقه بمحذوف وجعل ذلك المحذوف بدلا وإبقاء { خلدون } مفلتا مما
~~لا ينبغي أن يلتفت إليه مع ظهور الوجه الذي لا تكلف فيه.

### || [23.104]

# وقوله تعالى: { تلفح وجوههم النار } جملة حالية أو مستأنفة.
~~واللفح مس لهب النار الشيء وهو كما قال الزجاج أشد من النفح تأثيرا،
~~والمراد تحرق وجوههم النار، وتخصيص الوجوه / بذلك لأنها أشرف الأعضاء
~~فبيان حالها أزجر عن المعاصي المؤدية إلى النار وهو السر في تقديمها على
~~الفاعل. { وهم فيها كلحون } متقلصو الشفاه عن الأسنان من أثر ms07149
~~ذلك اللفح، وقد صح من رواية الترمذي وجماعة عن أبي سعيد الخدري رضي الله
~~تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في الآية

# " تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى
~~حتى تضرب سرته "

# وأخرج ابن مردويه والضياء في «صفة النار» عن أبي الدرداء قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { تلفح } الخ:
~~تلفحهم لفحة فتسيل لحومهم على أعقابهم "

# ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الكلوح بسور الوجه وتقطيبه.
~~وقرأ أبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة { كلحون } بغير ألف جمع
~~كلح كحذر.

### || [23.105]

# { ألم تكن ءايتي تتلى عليكم } على إضمار القول أي
~~يقال لهم تعنيفا وتوبيخا وتذكيرا لما به استحقوا ما ابتلوا به من
~~العذاب ألم تكن آياتي تتلى عليكم في الدنيا { فكنتم بها
~~تكذبون } حينئذ.

### || [23.106]

# { قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا } أي استولت علينا
~~وملكتنا شقاوتنا التي اقتضاها سوء استعدادنا كما يومىء إلى ذلك إضافتها
~~إلى أنفسهم. وقرأ شبل في اختياره { شقوتنا } بفتح الشين. وقرأ عبد الله
~~والحسن وقتادة وحمزة والكسائي والمفضل عن عاصم وأبان والزعفراني وابن
~~مقسم { شقاوتنا } بفتح الشين وألف بعد القاف. وقرأ قتادة أيضا والحسن في
~~رواية خالد بن حوشب عنه { شقاوتنا } بالألف وكسر الشين وهي في جميع ذلك
~~مصدر ومعناها ضد السعادة، وفسرها جماعة بسوء العاقبة التي علم الله تعالى
~~أنهم يستحقونها بسوء أعمالهم ونسب ذلك لجمهور المعتزلة، وعن الأشاعرة أن
~~المراد بها ما كتبه الله تعالى عليهم في الأزل من الكفر والمعاصي، وقال
~~الجبائي: المراد بها الهوى وقضاء اللذات مجازا من باب إطلاق المسبب على
~~السبب، وأيا ما كان فنسبة الغلب إليها لاعتبار تشبيهها بمن يتحقق منه
~~ذلك ففي الكلام استعارة مكنية تخييلية.

# ولعل الأولى أن يخرج الكلام مخرج التمثيل ومرادهم بذلك على جميع الأقوال
~~في الشقوة الاعتراف بقيام حجة الله تعالى عليهم لأن منشأها على جميع
~~الأقوال عند التحقيق ما هم عليه في أنفسهم فكأنهم قالوا: ربنا غلب ms07150 علينا
~~أمر منشؤه ذواتنا { وكنا } بسبب ذلك { قوما ضالين } عن الحق
~~مكذبين بما يتلى من الآيات فما تنسب إلى حيف في تعذيبنا، ولا يجوز أن
~~يكون اعتذارا بما علمه الله تعالى فيهم وكتبه عليهم من الكفر أي غلب
~~علينا ما كتبته علينا من الشقاوة وكنا في علمك قوما ضالين أو غلب علينا
~~ما علمته وكتبته وكنا بسبب ذلك قوما ضالين فما وقع منا من التكذيب
~~بآياتك لا قدرة لنا على رفعه وإلا لزم انقلاب العلم جهلا وهو محال لأن
~~ذلك باطل في نفسه لا يصلح للاعتذار فإنه سبحانه ما كتب إلا ما علم وما
~~علم إلا ما هم عليه في نفس الأمر من سوء الاستعداد المؤدي إلى سوء
~~الاختيار فإن العلم على ما حقق في موضعه تابع للمعلوم، ويؤيد دعوى
~~الاعتراف قوله تعالى حكاية عنهم.

### || [23.107]

# أي ربنا أخرجنا من النار وارجعنا إلى الدنيا فإن عدنا بعد ذلك إلى ما
~~كنا عليه فيها من الكفر والمعاصي فإنا متجاوزون الحد في الظلم لأن
~~اجتراءهم على هذا الطلب أوفق بكون ما قبله اعترافا فإنه كثيرا ما يهون
~~به المذنب غضب من أذنب إليه، والاعتذار وإن كان كذلك بل أعظم إلا أن هذا
~~الاعتذار أشبه شيء بالاعتراض الموجب لشدة الغضب الذي لا يحسن معه الإقدام
~~على مثل / هذا الطلب، هذا مع أنهم لو لم يعتقدوا أن ذلك عذر مقبول
~~والاعتذار به نافع لم يقدموا عليه؛ ومع هذا الاعتقاد لا حاجة بهم إلى طلب
~~الإخراج والإرجاع، ولا يقال مثل هذا على تقدير كونه اعترافا لأنهم إنما
~~قالوه تمهيدا للطلب المذكور لما أنه مظنة تسكين لهب نار الغضب على ما
~~سمعت، ثم إن القول لعلهم ظنوا تغير ما هم عليه من سوء الاستعداد لو عادوا
~~لما شاهدوا من حالهم في ذلك اليوم ولذلك طلبوا ما طلبوا. وفي قولهم: {
~~عدنا } إشارة إلى أنهم حين الطلب على الإيمان والطاعة فيكون الموعود
~~على تقدير الرجعة إلى الدنيا الثبات عليهما لينتفعوا بهما بعد أن يموتوا
~~ويحشروا فتأمل.

### || [23.108]

# { قال ms07151 } الله سبحانه إقناطا لهم أشد إقناط { اخسئوا فيها } أي
~~ذلوا وانزجروا انزجار الكلاب إذا زجرت من خسأت الكلب إذا زجرته فخسأ أي
~~انزجر أو اسكتوا سكوت هوان ففيه استعارة مكنية قرينتها تصريحية { ولا
~~تكلمون } باستدعاء الإخراج من النار والرجع إلى الدنيا، وقيل: لا
~~تكلمون في رفع العذاب، ولعل الأول أوفق بما قبله وبالتعليل الآتي، وقيل:
~~لا تكلمون أبدا وهو آخر كلام يتكلمون به. أخرج ابن أبي الدنيا في «صفة
~~النار» عن حذيفة

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى إذا قال لأهل النار
~~اخسئوا فيها ولا تكلمون عادت وجوههم قطعة لحم ليس فيها أفواه ولا مناخر
~~يتردد النفس في أجوافهم "

# وأخرج الطبراني والبيهقي في «البعث» وعبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد»
~~والحاكم وصححه وجماعة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن أهل جهنم
~~ينادون مالكا { ليقض علينا ربك } فيذرهم أربعين عاما لا
~~يجيبهم ثم يجيبهم

# إنكم ماكثون

# [الزخرف: 77] ثم ينادون ربهم

# ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون

# [المؤمنون: 107] فيذرهم مثلي الدنيا لا يجيبهم ثم يجيبهم { اخسئوا
~~فيها ولا تكلمون } قال: فما نبس القوم بعدها بكلمة وما هو إلا
~~الزفير والشهيق.

# وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وغيرهما عن محمد بن كعب قال: لأهل
~~النار خمس دعوات يجيبهم الله تعالى في أربعة فإذا كانت الخامسة لم
~~يتكلموا بعدها أبدا يقولون:

# ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين
~~فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل

# [غافر: 11] فجيبهم الله تعالى:

# ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم وإن
~~يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلى الكبير

# [غافر: 12] ثم يقولون:

# ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صلحا
~~إنا موقنون

# [السجدة: 12] فيجيبهم الله تعالى:

# فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ إنا
~~نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون

# [السجدة: 14] ثم يقولون:

# ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك
~~ونتبع الرسل

# فيجيبهم الله تعالى:

# أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال

# [إبراهيم: 44] ثم يقولون:

# ربنا أخرجنا نعمل صلحا غير الذى كنا ms07152
~~نعمل

# [فاطر: 37] فيجيبهم الله تعالى:

# أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم
~~النذير فذوقوا فما للظلمين من نصير

# [فاطر: 37] ثم يقولون:

# ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين *
~~ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظلمون

# [المؤمنون: 106-107] فيجيبهم الله تعالى: { اخسئوا فيها ولا
~~تكلمون } فلا يتكلمون بعدها أبدا، وفي بعض الآثار أنهم يلهجون بكل
~~دعاء ألف سنة، ويشكل على هذه الأخبار ظواهر الخطابات الآتية كما لا يخفى
~~ولعلها لا يصح منها شيء وتصحيح الحاكم محكوم عليه بعدم الاعتبار والله
~~تعالى أعلم.

### || [23.109]

# { إنه } تعليل لما قبله من الزجر عن الدعاء أي إن الشأن. وقرأ أبي
~~وهارون العتكي { أنه } بفتح الهمزة أي لأن الشأن { كان } في الدنيا
~~التي تريدون الرجعة إليها { فريق من عبادى } وهم المؤمنون، /
~~وقيل: هم الصحابة، وقيل: أهل الصفة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. {
~~يقولون ربنا ءامنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت
~~خير الرحمين }.

### || [23.110]

# { فاتخذتموهم سخريا } أي هزؤا أي أسكتوا عن الدعاء
~~بقولكم

# ربنا

# [المؤمنون: 109] الخ لأنكم كنتم تستهزئون بالداعين خوفا من هذا اليوم
~~بقولهم:

# ربنا ءامنا

# [المؤمنون: 109] الخ { حتى أنسوكم } بتشاغلكم بالاستهزاء بهم {
~~ذكري } أي خوف عقابي في هذا اليوم. { وكنتم منهم
~~تضحكون } وذلك غاية الاستهزاء، وقيل: التعليل على معنى إنما خسأناكم
~~كالكلب ولم نحتفلكم إذ دعوتم لأنكم استهزأتم غاية الاستهزاء بأوليائي حين
~~دعوا واستمر ذلك منكم حتى نسيتم ذكري بالكلية ولم تخافوا عقابي فهذا
~~جزاؤكم، وقيل: خلاصة معنى الآية أنه كان فريق من عبادي يدعون فتشاغلتم
~~بهم ساخرين واستمر تشاغلكم باستهزائهم إلى أن جركم ذلك إلى ترك ذكري في
~~أوليائي فلم تخافوني في الاستهزاء بهم، ثم قيل: وهذا التذنيب لازم ليصح
~~قوله تعالى:

# إنه كان

# [المؤمنون: 109] الخ تعليلا ويرتبط الكلام ويتلاءم مع قوله سبحانه: {
~~وكنتم منهم تضحكون } ولو لم يرد به ذلك يكون إنساء الذكر
~~كالأجنبي في هذا المقام، وفيه تسخط عظيم لفعلهم ذلك ودلالة على اختصاص
~~بالغ لأولئك العباد المسخور منهم كما نبه عليه أولا في قوله تعالى:

# من عبادي

# [المؤمنون: 109] وختمه بقوله سبحانه: ms07153 { إني جزيتهم } إلى قوله
~~تعالى:

# هم الفائزون

# [المؤمنون: 111] وزاد في خسئهم بإعزاز أضدادهم انتهى ولا يخلو عن بحث.

# وقرأ نافع وحمزة والكسائي { سخريا } بضم السين وباقي السبعة
~~بكسرها، والمعنى عليهما واحد وهو الهزؤ عند الخليل وأبي زيد الأنصاري
~~وسيبويه وقال أبو عبيدة والكسائي والفراء: مضموم السين بمعنى الاستخدام
~~من غير أجرة ومكسورها بمعنى الاستهزاء، وقال يونس: إذا أريد الاستخدام ضم
~~السين لا غير وإذا أريد الهزؤ جاز الضم والكسر، وهو في الحالين مصدر زيدت
~~فيه ياء النسبة للمبالغة كما في أحمري.

### || [23.111]

# وقوله تعالى: { إنى جزيتهم اليوم بما صبروا } أي بسبب
~~صبرهم على أذيتكم. استئناف لبيان حسن حالهم وأنهم انتفعوا بما آذوهم،
~~وفيه إغاظة لهم، وقوله سبحانه: { أنهم هم الفائزون } إما في
~~موضع المفعول الثاني للجزاء وهو يتعدى له بنفسه وبالباء كما قال الراغب
~~أي جزيتهم فوزهم بمجامع مراداتهم كما يؤذن به معمول الوصف حال كونهم
~~مخصوصين بذلك كما يؤذن به توسيط ضمير الفصل وأما في موضع جر بلام تعليل
~~مقدرة أي لفوزهم بالتوحيد المؤدي إلى كل سعادة، ولا يمنع من ذلك تعليل
~~الجزاء بالصبر لأن الأسباب لكونها ليست عللا تامة يجوز تعددها. وقرأ
~~زيد بن علي وحمزة والكسائي وخارجة عن نافع { إنهم } بالكسر على أن
~~الجملة استئناف معلل للجزاء، وقيل: مبين لكيفيته فتدبر.

### || [23.112]

# { قال } الله تعالى شأنه أو الملك المأمور بذلك لا بعض رؤساء أهل
~~النار كما قيل، تذكيرا لما لبثوا فيما سألوا الرجعة إليه من الدنيا بعد
~~التنبيه على استحالته وفيه توبيخ على إنكارهم الآخرة. وقرأ حمزة والكسائي
~~وابن كثير { قل } على الأمر للملك لا لبعض الرؤساء كما قيل ولا لجميع
~~الكفار على إقامة الواحد مقام الجماعة كما زعمه الثعالبي { كم
~~لبثتم فى الأرض } التي تدعون أن ترجعوا إليها / أي كم أقمتم
~~فيها أحياء { عدد سنين } تمييز لكم وهي ظرف زمان للبثتم، وقال: أبو
~~البقاء { عدد } بدل من { كم } ، وقرأ الأعمش والمفضل عن عاصم {
~~عددا } بالتنوين فقال أبو الفضل الرازي { سنين } نصب على الظرف {
~~وعددا } مصدر أقيم ms07154 مقام الاسم فهو نعت مقدم على المنعوت، وتجويز أن يكون
~~معنى { لبثتم } عددتم بعيد، وقال أبو البقاء: { سنين } على هذه
~~القراءة بدل من { عددا }.

### || [23.113]

# { قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } استقصارا لمدة
~~لبثهم بالنسبة إلى ما تحققوه من طول زمان خلودهم في النار، وقيل:
~~استقصروها لأنها كانت أيام سرورهم بالنسبة إلى ما هم فيه وأيام السرور
~~قصار، وقيل: لأنها كانت منقضية والمنقضي لا يعتني بشأنه فلا يدري مقداره
~~طولا وقصرا فيظن أنه كان قصيرا { فاسأل العادين } أي
~~المتمكنين من العد فإنا بما دهمنا من العذاب بمعزل من ذلك أو الملائكة
~~العادين لأعمار العباد وأعمالهم على ما رواه جماعة عن مجاهد وقرأ الحسن
~~والكسائي في رواية { العادين } بتخفيف الدال أي الظلمة فإنهم يقولون كما
~~نقول. كان الأتباع يسمون الرؤساء بذلك لظلمهم إياهم بإضلالهم. وقرىء {
~~العاديين } بتشديد الياء جمع عادي نسبة إلى قوم عاد والمراد بهم المعمرون
~~لأن قوم عاد كانوا يعمرون كثيرا، أي فاسئل القدماء المعمرين فإنهم أيضا
~~يستقصرون مدة لبثهم.

### || [23.114]

# { قال } أي الله تعالى أو الملك. وقرأ الأخوان { قل } على الأمر كما
~~قرآ فيما مر كذلك. وفي «الدر المصون» الفعلان في مصاحف الكوفة بغير ألف
~~وبألف في مصاحف مكة والمدينة والشام والبصرة، ونقل مثله عن ابن عطية، وفي
~~«الكشاف» عكس ذلك وكأن الرسم بدون ألف يحتمل حذفها من الماضي على خلاف
~~القياس وفي رسم المصحف من الغرائب ما لا يخفى فلا تغفل. { إن
~~لبثتم } أي ما لبثتم { إلا قليلا } تصديق لهم في مقالتهم.

# { لو أنكم كنتم تعلمون } أي تعلمون شيئا أو لو كنتم من
~~أهل العلم، و { لو } شرطية وجوابها محذوف ثقة بدلالة الكلام عليه أي لو
~~كنتم تعلمون لعلمتم يومئذ قصر أيام الدنيا كما علمتم اليوم ولعملتم
~~بموجب ذلك ولم يصدر منكم ما أوجب خلودكم في النار، وقولنا لكم:

# اخسئوا فيها ولا تكلمون

# [المؤمنون: 108] وقيل المعنى لو كنتم تعلمون قلة لبثكم في الدنيا
~~بالنسبة للآخرة ما اغتررتم بها وعصيتم، وكأن نفي العلم بذلك عنهم على هذا
~~لعدم ms07155 عملهم بموجبه ومن لم يعمل بعلمه فهو والجاهل سواء. وقدر أبو البقاء
~~الجواب لما أجبتم بهذه المدة، ولعله يجعل الكلام السابق ردا عليهم لا
~~تصديقا وإلا لا يصح هذا التقدير، وجوز أن تكون { لو } للتمني فلا
~~تحتاج لجواب، ولا ينبغي أن تجعل وصلية لأنها بدون الواو نادرة أو غير
~~موجودة.

# هذا وقال غير واحد من المفسرين: المراد سؤالهم عن مدة لبثهم في القبور
~~حيث إنهم كانوا يزعمون أنهم بعد الموت يصيرون ترابا ولا يقومون من
~~قبورهم أبدا. وزعم ابن عطية أن هذا هو الأصوب وأن قوله سبحانه فيما بعد:

# وأنكم إلينا لا ترجعون

# [المؤمنون: 115] يقتضيه وفيه منع ظاهر، ويؤيد ما ذهبنا إليه ما روي
~~مرفوعا

# " أن الله تعالى إذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قال: يا أهل
~~الجنة كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قال:
~~لنعم ما أنجزتم في يوم أو بعض يوم رحمتي ورضواني وجنتي امكثوا فيها
~~خالدين مخلدين ثم يقول: يا أهل النار كم لبثتم في الأرض عدد / سنين قالوا
~~لبثنا يوما أو بعض يوم فيقول بئسما أنجزتم في يوم أو بعض يوم ناري وسخطي
~~امكثوا فيها خالدين مخلدين ".

### || [23.115]

# { أفحسبتم أنما خلقنكم عبثا } أي ألم تعلموا
~~شيئا فحسبتم أنما خلقناكم بغير حكمة حتى أنكرتم البعث فعبثا حال من نون
~~العظمة أي عابثين أو مفعول له أي أفحسبتم أنما خلقناكم للعبث وهو ما خلا
~~عن الفائدة مطلقا أو عن الفائدة المعتد بها أو عما يقاوم الفعل كما ذكره
~~الأصوليون. واستظهر الخفاجي إرادة المعنى الأول هنا واختار بعض المحققين
~~الثاني { وأنكم إلينا لا ترجعون } عطف على { أنما
~~خلقنكم } أي أفحسبتم ذلك وحسبتم أنكم لا تبعثون. وجوز أن يكون
~~عطفا على { عبثا } والمعنى أفحسبتم أنما خلقناكم للعبث ولترككم غير
~~مرجوعين أو عابثين ومقدرين أنكم إلينا لا ترجعون. وفي الآية توبيخ لهم
~~على تغافلهم وإشارة إلى أن الحكمة تقتضي تكليفهم وبعثهم للجزاء. وقرأ
~~الأخوان { ترجعون } بفتح التاء من الرجوع.

### || [23.116]

# { فتعلى الله } استعظام ms07156 له تعالى ولشؤونه سبحانه التي يصرف
~~عليها عباده جل وعلا من البدء والإعادة والإثابة والعقاب بموجب الحكمة
~~البالغة أي ارتفع سبحانه بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاته
~~وأفعاله وعن خلو أفعاله عن الحكم والمصالح الحميدة. { الملك الحق
~~} أي الحقيق بالمالكية على الإطلاق إيجادا وإعداما بدأ وإعادة إحياء
~~وإماتة عقابا وإثابة وكل ما سواه مملوك له مقهور تحت ملكوتيته، وقيل:
~~الحق أي الثابت الذي لا يزول ولا يزول ملكه، وهذا وإن كان أشهر إلا أن
~~الأول أوفق بالمقام.

# { لا إله إلا هو } فإن كل ما عداه عبيده تعالى: { رب
~~العرش الكريم } وهو جرم عظيم وراء عالم الأجسام والأجرام وهو
~~أعظمها وقد جاء في وصف عظمه ما يبهر العقول فيلزم من كونه تعالى ربه كونه
~~سبحانه رب كل الأجسام والأجرام، ووصف بالكريم لشرفه وكل ما شرف في بابه
~~وصف بالكرم كما في قوله تعالى:

# وزروع ومقام كريم

# [الدخان: 26] وقوله سبحانه:

# وقل لهما قولا كريما

# [الإسراء: 23] إلى غير ذلك. وقد شرف بما أودع الله تعالى فيه من
~~الأسرار، وأعظم شرف له تخصيصه باستوائه سبحانه عليه، وقيل إسناد الكرم
~~إليه مجازي والمراد الكريم ربه أو المراد ذلك على سبيل الكناية، وقيل: هو
~~على تشبيه العرش لنزول الرحمة والبركة منه بشخص كريم ولعل ما ذكرناه هو
~~الأظهر. وقرأ أبان بن تغلب وابن محيصن وأبو جعفر وإسماعيل عن ابن كثير {
~~الكريم } بالرفع على أنه صفة الرب، وجوز أن يكون صفة للعرش على القطع
~~وقد يرجح بأنه أوفق بقراءة الجمهور.

### || [23.117]

# { ومن يدع } أي يعبد { مع الله } أي مع وجوده تعالى وتحققه
~~سبحانه { إلها آخر } إفرادا أو إشراكا أو من يعبد مع عبادة الله
~~تعالى إلها آخر كذلك، ويتحقق هذا في الكافر إذا أفرد معبوده الباطل
~~بالعبادة تارة وأشركه مع الله تعالى أخرى، وقد يقتصر على إرادة الإشراك
~~في الوجهين ويعلم حال من عبد غير الله سبحانه إفرادا بالأولى. وذكر {
~~ءاخر } قيل إنه للتصريح بألوهيته تعالى وللدلالة على الشريك فيها وهو
~~المقصود فليس ذكره تأكيدا ms07157 لما تدل عليه المعية وإن جوز ذلك فتأمل.

# نعم قوله تعالى: { لا برهان له به } صفة لازمة لإلها لا
~~مقيدة جىء بها للتأكيد، وبناء الحكم المستفاد من جزاء الشرط من الوعيد
~~بالجزاء على قدر ما يستحق تنبيها على أن التدين بما لا دليل عليه ممنوع
~~فضلا عما دل / الدليل على خلافه، ويجوز أن يكون اعتراضا بين الشرط
~~والجزاء جىء به للتأكيد كما في قولك: من أحسن إلى زيد لا أحق منه
~~بالإحسان فالله تعالى مثيبه. ومن الناس من زعم أنه جواب الشرط دون قوله
~~تعالى: { فإنما حسابه عند ربه } وجعله تفريعا على الجملة
~~وليس بصحيح لأنه يلزم عليه حذف الفاء في جواب الشرط ولا يجوز ذلك كما قال
~~أبو حيان إلا في الشعر. والحساب كناية عن المجازاة كأنه قيل: من يعبد
~~إلها مع الله تعالى فالله سبحانه مجاز له على قدر ما يستحقه.

# { إنه لا يفلح الكفرون } أي إن الشأن لا يفلح الخ. وقرأ
~~الحسن وقتادة { أنه } بالفتح على التعليل أو جعل الحاصل من السبك خبر
~~{ حسابه } أي حسابه عدم الفلاح، وهذا على ما قال الخفاجي من باب:

# تحية بينهم ضرب وجيع

# وبهذا مع عدم الاحتياج إلى التقدير رجح هذا الوجه على سابقه وتوافق
~~القراءتين عليه في حاصل المعنى، ورجح الأول بأن التوافق عليه أتم، وأصل
~~الكلام على الأخبار فإنما حسابه عند ربه أنه لا يفلح هو فوضع {
~~الكفرون } موضع الضمير لأن { من يدع } في معنى الجمع وكذلك
~~حسابه أنه لا يفلح في معنى حسابهم أنهم لا يفلحون. وقرأ الحسن { يفلح }
~~بفتح الياء واللام، وما ألطف افتتاح هذه السورة بتقدير فلاح المؤمنين
~~وإيراد عدم فلاح الكافرين في اختتامها، ولا يخفى ما في هذه الجمل من
~~تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه سبحانه بعد ما سلاه بذكر مآل
~~من لا ينجع دعاؤه فيه أمره بما يرمز إلى متاركة مخالفيه فقال جل وعلا: {
~~وقل رب... }.

### || [23.118]

# { وقل رب } وقرأ ابن محيصن { رب } بالضم { اغفر وارحم
~~وأنت خير الرحمين } والظاهر أن ms07158 طلب كل من المغفرة والرحمة على
~~وجه العموم له عليه الصلاة والسلام ولمتبعيه وهو أيضا أعم من طلب أصل
~~الفعل والمداومة عليه فلا إشكال، وقد يقال في دفعه غير ذلك، وفي تخصيص
~~هذا الدعاء بالذكر ما يدل على أهمية ما فيه، وقد علم صلى الله عليه وسلم
~~أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أن يقول نحوه في صلاته. فقد أخرج
~~البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان وجماعة عن أبي بكر
~~رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي
~~قال:

# " قل اللهم أني ظلمت نفسي ظلما كثيرا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت
~~فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم "

# ولقراءة هذه الآيات أعني قوله تعالى:

# أفحسبتم

# [المؤمنون: 115] إلى آخر السورة على المصاب نفع عظيم وكذا المداومة على
~~قراءة بعضها في السفر. أخرج الحكيم الترمذي وابن المنذر وأبو نعيم في
~~«الحلية» وآخرون عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قرأ في أذن مصاب

# أفحسبتم

# [المؤمنون: 115] حتى ختم السورة فبرأ فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " والذي نفسي بيده لو أن رجلا موقنا قرأ بها على جبل لزال "

# وأخرج ابن السني وابن منده وأبو نعيم في «المعرفة» بسند حسن من طريق
~~محمد بن إبراهيم بن الحرث التميمي عن أبيه قال: بعثنا رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم في سرية وأمرنا أن نقول إذا أمسينا وأصبحنا

# أفحسبتم أنما خلقنكم عبثا وأنكم إلينا
~~لا ترجعون

# [المؤمنون: 115] فقرأناها فغنمنا وسلمنا هذا والله تعالى المسؤول لكل
~~خير.

# / ومن باب الإشارة في الآيات: قيل

# قد أفلح المؤمنون

# [المؤمنون: 1] أي وصلوا إلى المحل الأعلى والقربة والسعادة

# الذين هم فى صلاتهم خشعون

# [المؤمنون: 2] ظاهرا وباطنا، والخشوع في الظاهر انتكاس الرأس والنظر
~~إلى موضع السجود وإلى ما بين يديه وترك الالتفات والطمأنينة في الأركان
~~ونحو ذلك، والخشوع في الباطن سيكون النفس عن الخواطر والهواجس الدنيوية
~~بالكلية أو ترك الاسترسال معها وحضور القلب لمعاني القراءة والأذكار ms07159
~~ومراقبة السر بترك الالتفات إلى المكونات واستغراق الروح في بحر المحبة،
~~والخشوع شرط لصحة الصلاة عند بعض الخواص نقل الغزالي عن أبي طالب المكي
~~عن بشر الحافي من لم يخشع فسدت صلاته وهو قول لبعض الفقاء وتفضيله في
~~كتبهم، ولا خلاف في أنه لا ثواب في قول أو فعل من أقوال أو أفعال الصلاة
~~أدي مع الغفلة؛ وما أقبح مصل يقول

# الحمد لله رب العلمين

# [الفاتحة: 2] وهو غافل عن الرب جل شأنه متوجه بشراشره إلى الدرهم
~~والدينار ثم يقول:

# إياك نعبد وإياك نستعين

# [الفاتحة: 5] وليس في قلبه وفكره غيرهما، ونحو هذا كثير، ومن هنا قال
~~الحسن: كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع. وقد ذكروا أن
~~الصلاة معراج المؤمن أفترى مثل صلاة هذا تصلح لذلك حاش لله تعالى من زعم
~~ذلك فقد افترى

# والذين هم عن اللغو معرضون

# [المؤمنون: 3] قال بعضهم: اللغو كل ما يشغل عن الحق عز وجل. وقال أبو
~~عثمان: كل شيء فيه للنفس حظ فهو لغو، وقال أبو بكر بن طاهر: كل ما سوى
~~الله تعالى فهو لغو

# والذين هم للزكوة فعلون

# [المؤمنون: 4] هي تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة

# والذين هم لفروجهم حفظون إلا على أزوجهم
~~أو ما ملكت أيمنهم فإنهم غير ملومين

# [المؤمنون: 5-6] إشارة إلى استيلائهم على القوة الشهوية فلا يتجاوزون
~~فيها ما حد لهم، وقيل: الإشارة فيه إلى حفظ الأسرار أي والذين هم ساترون
~~لما يقبح كشفه من الأسرار عن الأغيار إلا على أقرانهم ومن ازدوج معهم أو
~~على مريديهم الذين هم كالعبيد لهم { والذين هم لأمنتهم
~~} قال محمد بن الفضل: سائر جوارحهم { وعهدهم } الميثاق الأزلي

# رعون

# [المؤمنون: 8] فهم حسنو الأفعال والأقوال والاعتقادات

# والذين هم على صلاتهم يحافظون

# [المؤمنون: 9] فيؤدونها بشرائطها ولا يفعلون فيها وبعدها ما يضيعها
~~كالرياء والعجب

# ولقد خلقنا الإنسن من سللة من طين

# [المؤمنون: 12] قيل المخلوق من ذلك هو الهيكل المحسوس وأما الروح فهي
~~مخلوقة من نور إلهي يعز على العقول إدراك حقيقته، وفي قوله سبحانه:

# ثم أنشأناه ms07160 خلقا آخر فتبارك الله أحسن
~~الخالقين

# [المؤمنون: 14] إشارة إلى نفخ تلك الروح المخلوقة من ذلك النور وهي
~~الحقيقة الآدمية المرادة في قوله صلى الله عليه وسلم

# " خلق الله تعالى ءادم على صورته "

# أي على صفته سبحانه من كونه حيا عالما مريدا قادرا إلى غير ذلك من
~~الصفات

# ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن
~~الخلق غفلين

# [المؤمنون: 17] إشارة إلى مراتب النفس التي بعضها فوق بعض وكل مرتبة
~~سفلى منها تحجب العليا أو إشارة إلى حجب الحواس الخمس الظاهرة وحاستي
~~الوهم والخيال، وقيل غير ذلك { وأنزلنا من السماء } قيل أي
~~سماء العناية { ماء } أي ماء الرحمة { بقدر } أي بمقدار استعداد
~~السالك

# فأسكناه فى الأرض

# [المؤمنون: 18] أي أرض وجوده { فأنشأنا لكم به جنت من
~~نخيل } أي نخيل المعارف { وأعناب } أي أعناب الكشوف، وقيل النخيل
~~إشارة إلى علوم الشريعة والأعناب إشارة إلى علوم الطريقة { لكم
~~فيها فوكه كثيرة } هي ما كان منها زائدا على الواجب

# ومنها تأكلون

# [المؤمنون: 19] إشارة إلى ما كان واجبا لا يتم قوام الشريعة والطريقة
~~بدونه { وشجرة تخرج من طور سيناء } إشارة إلى النور الذي
~~يشرق من طور القلب بواسطة ما حصل له من / التجلي الإلهي

# تنبت بالدهن وصبغ للأكلين

# [المؤمنون: 20] أي تنبت بالجامع لهذين الوصفين وهو الاستعداد، والآكلين
~~إشارة إلى المتغذين بأطعمة المعارف

# ادفع بالتى هى أحسن السيئة

# [المؤمنون: 96] فيه من الأمر بمكارم الأخلاق ما فيه.

# وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الرحمين

# [المؤمنون: 118] فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي الاغترار بالأعمال وإرشاد
~~إلى التشبث برحمة الملك المتعال، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لطاعته ويغفر
~~لنا ما ارتكبناه من مخالفته ويتفضل علينا بأعظم مما نؤمله من رحمته كرامة
~~لنبيه الكريم وحبيبه الذي هو بالمؤمنين رؤوف رحيم صلى الله تعالى عليه
~~وعلى له وصحبه وسلم وشرف وعظم وكرم.

### | [24 - سورة النور]

### || [24.1]

# بسم الله الرحمن الرحيم { سورة } خبر مبتدأ محذوف أي هذه سورة
~~وأشير إليها بهذه تنزيلا لها منزلة الحاضر المشاهد. وقوله تعالى: {
~~أنزلنها } مع ما عطف عليه صفات ms07161 لها مؤكدة لما أفاده التنكير من
~~الفخامة من حيث الذات بالفخامة من حيث الصفات على ما ذكره شيخ الإسلام،
~~والقول بجواز أن تكون للتخصيص احترازا عما هو قائم بذاته تعالى ليس بشيء
~~أصلا كما لا يخفى. وجوز أن تكون { سورة } مبتدأ محذوف الخبر أي مما
~~يتلى عليكم أو فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها الخ. وذكر بعضهم أنه قصد
~~من هذه الجملة الامتنان والمدح والترغيب لا فائدة الخبر ولا لازمها وهو
~~كون المخبر عالما بالحكم للعلم بكل ذلك، والكلام فيما إذا قصد به مثل
~~هذا إنشاء على ما اختاره في «الكشف» وهو ظاهر قول الإمام المرزوقي في
~~قوله:

# قومي هموا قتلوا أميم أخي

# هذا الكلام تحزن وتفجع وليس بإخبار، واختار آخرون أن الجملة خبرية مراد
~~بها معناها إلا أنها إنما أوردت لغرض سوى إفادة الحكم أو لازمه وإليه ذهب
~~السيالكوتي، وأول كلام المرزوقي بأن المراد بالإخبار فيه الإعلام، وتحقيق
~~ذلك في موضعه. واعترض شيخ الإسلام هذا الوجه بما بحث فيه. وجوز ابن عطية
~~أن تكون { سورة } مبتدأ والخبر قوله تعالى:

# الزانية والزانى

# [النور: 2] الخ وفيه من البعد / ما فيه والوجه الوجيه هو الأول، وعندي
~~في أمثال هذه الجملة أن الإثبات فيها متوجه إلى القيد، وقد ذكر ذلك الشيخ
~~عبد القاهر وهو هنا إنزالها وفرضها، وإنزال آيات بينات فيها لأجل أن
~~يتذكر المخاطبون أو مرجوا تذكرهم فتأمل.

# وقرأ عمر بن عبد العزيز ومجاهد وعيسى بن عمر الثقفي البصري وعيسى بن عمر
~~الهمداني الكوفي وابن أبي عبلة وأبو حيوة ومحبوب عن أبي عمرو وأم
~~الدرداء { سورة } بالنصب على أنها مفعول فعل محذوف أي اتل، وقدر بعضهم
~~اتلوا بضمير الجمع لأن الخطابات الآتية بعده كذلك وليس بلازم لأن الفعل
~~متضمن معنى القول فيكون الكلام حينئذ نظير قوله تعالى:

# قل أطيعوا الله

# [آل عمران: 32] ولا شك في جوازه.

# وجوز الزمخشري أن تكون نصبا على الإغراء أي دونك سورة، ورده أبو حيان
~~بأنه لا يجوز حذف أداة الإغراء لضعفها في العمل لما أن عملها بالحمل على ms07162
~~الفعل، وكلام ابن مالك يقتضي جوازه وزعم أنه مذهب سيبويه وفيه بحث، وجوز
~~غير واحد كون ذلك من باب الاشتغال وهو ظاهر على مذهب من لا يشترط في
~~المنصوب على الاشتغال صحة الرفع على الابتداء وأما على مذهب من يشترط ذلك
~~فغير ظاهر لأن { سورة } نكرة لا مسوغ لها فلا يجوز رفعها على
~~الابتداء، ولعل من يشترط ذلك ويقول بالنصب على الاشتغال هنا يجعل النكرة
~~موصوفة بما يدل عليه التنوين كأنه قيل: سورة عظيمة كما قيل في  شرا هر
~~ذا ناب .

# وقال الفراء: نصب { سورة } على أنها حال من ضمير النصب في {
~~أنزلنها } والحال من الضمير يجوز أن يتقدم عليه انتهى، ولعل
~~الضمير على هذا للأحكام المفهومة من الكلام فكأنه قيل: أنزلنا الأحكام
~~سورة أي في حال كونها سورة من سور القرآن وإلى هذا ذهب في «البحر»، وربما
~~يقال: يجوز أن يكون الضمير للسورة الموجودة في العلم من غير ملاحظة
~~تقييدها بوصف، و { سورة } المذكورة موصوفة بما يدل عليه تنوينها فكأنه
~~قيل: أنزلنا السورة حال كونها سورة عظيمة، ولا يخفى أن كل ذلك تكلف لا
~~داعي إليه مع وجود الوجه الذي لا غبار عليه.

# وقوله تعالى: { وفرضنها } إما على تقدير مضاف أي فرضنا أحكامها
~~وإما على اعتبار المجاز في الإسناد حيث أسند ما للمدلول للدال لملابسة
~~بينهما تشبه الظرفية، ويحتمل على بعد أن يكون في الكلام استخدام بأن يراد
~~بسورة معناها الحقيقي وبضميرها معناها المجازي أعني الأحكام المدلول
~~عليها بها. والفرض في الأصل قطع الشيء الصلب والتأثير فيه، والمراد به
~~هنا الإيجاب على أتم وجه فكأنه قيل: أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجابا
~~قطعيا وفي ذكر ذلك براعة استهلال على ماقيل.

# وقرأ عبد الله وعمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة وأبو عمرو وابن كثير {
~~وفرضناها } بتشديد الراء لتأكيد الإيجاب والإشارة إلى زيادة لزومه أو
~~لتعدد الفرائض وكثرتها أو لكثرة المفروض عليهم من السلف والخلف. وفي
~~«الحواشي الشهابية» قد فسر { فرضنها } بفصلناها ويجري فيه ما ذكر
~~أيضا.

# { وأنزلنا فيها } أي في ms07163 هذه السورة { ءايت بينات } يحتمل
~~أن يراد بها الآيات التي نيطت بها الأحكام المفروضة وأمر الظرفية عليه
~~ظاهر. ومعنى كونها بينات وضوح دلالتها على أحكامها لا على معانيها مطلقا
~~لأنها أسوة لأكثر الآيات في ذلك، وتكرير { أنزلنا } مع استلزام إنزال
~~السورة إنزالها إبراز كمال العناية بشأنها، ويحتمل أن يراد بها جميع آيات
~~السورة والظرفية حينئذ باعتبار اشتمال الكل على كل واحد من أجزائه، ومعنى
~~كونها بينات أنها / لا إشكال فيها يحوج إلى تأويل كبعض الآيات، وتكرير {
~~أنزلنا } مع ظهور أن إنزال جميع الآيات عين إنزال السورة لاستقلالها
~~بعنوان رائق داع إلى تخصيص إنزالها بالذكر إبانة لخطرها ورفعا لمحلها
~~كقوله تعالى:

# ونجيناهم من عذاب غليظ

# [هود: 58] بعد قوله سبحانه:

# نجينا هودا والذين ءامنوا معه برحمة منا

# [هود: 58] والاحتمال الأول أظهر. وقال الإمام: إنه تعالى ذكر في أول
~~السورة أنواعا من الأحكام والحدود وفي آخرها دلائل التوحيد فقوله تعالى:
~~{ فرضنها } إشارة إلى الأحكام المبينة أولا، وقوله سبحانه: {
~~وأنزلنا فيها ءايت بينات } إشارة إلى ما بين من دلائل
~~التوحيد ويؤيده قوله عز وجل: { لعلكم تذكرون } فإن الأحكام
~~لم تكن معلومة حتى يتذكرونها انتهى.

# وهو عندي وجه حسن، نعم قيل فيما ذكره من التأييد نظر إذ لمن ذهب إلى
~~الاحتمال الأول أن يقول: المراد من التذكر غايته وهو اتقاء المحارم
~~بالعمل بموجب تلك الآيات، ولقائل أن يقول: إن هذا محوج إلى ارتكاب المجاز
~~في التذكر دون ما ذكره الإمام فإن التذكر عليه على معناه المتبادر ويكفي
~~هذا القدر في كونه مؤيدا. وأصل { تذكرون } تتذكرون حذف إحدى
~~التاءين وقرىء بإدغام الثانية منهما في الذال.

### || [24.2]

# { الزانية والزانى } شروع في تفصيل الأحكام التي أشير إليها
~~أولا. ورفع { الزانية } على أنها خبر مبتدأ محذوف والكلام على حذف
~~مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه والأصل ما يتلى عليكم أو في الفرائض أي
~~المشار إليها في قوله تعالى:

# وفرضنها

# [النور: 1] حكم الزانية والزاني. والفاء في قوله تعالى: { فاجلدوا
~~كل واحد منهما مائة جلدة } سببية وقيل سيف خطيب، وذهب
~~الفراء والمبرد ms07164 والزجاج إلى أن الخبر جملة { فاجلدوا } الخ، والفاء
~~في المشهور لتضمن المبتدأ معنى الشرط إذ اللام فيه وفيما عطف عليه موصولة
~~أي التي زنت والذي زنى فاجلدوا الخ، وبعضهم يجوز دخول الفاء في الخبر إذا
~~كان في المبتدأ معنى يستحق به أن يترتب عليه الخبر وإن لم يكن هناك موصول
~~كما في قوله:

# وقائلة خولان فانكح فتاتهم

# فإن هذه القبيلة مشهورة بالشرف والحسن شهرة حاتم بالسخاء وعنترة
~~بالشجاعة وذلك معنى يستحق به أن يترتب عليه الأمر بالنكاح وعلى هذا يقوى
~~أمر دخول الفاء هنا كما لا يخفى. وقال العلامة القطب: جيء بالفاء لوقوع
~~المبتدأ بعد أما تقديرا أي أما الزانية والزاني فاجلدوا الخ، ونقل عن
~~الأخفش أنها سيف خطيب، والداعي لسيبويه على ما ذهب إليه ما يفهم من
~~«الكتاب» كما قيل من أن النهج المألوف في كلام العرب إذا أريد بيان معنى
~~وتفصيله اعتناء بشأنه أن يذكر قبله ماهو عنوان وترجمة له وهذا لا يكون
~~إلا بأن يبنى على جملتين فما ذهب إليه في الآية أولى لذلك مما ذهب إليه
~~غيره، وأيضا هو سالم من وقوع الإنشاء خبرا والدغدغة التي فيه، وأمر
~~الفاء عليه ظاهر لا يحتاج إلى تكلف، وقال أبو حيان: سبب الخلاف أن سيبويه
~~والخليل يشترطان في دخول الفاء الخبر كون المبتدأ موصولا بما يقبل
~~مباشرة أداة الشرط وغيرهما لا يشترط ذلك.

# وقرأ عبد الله { والزان } بلا ياء تخفيفا. وقرأ عيسى الثقفي ويحيى بن
~~يعمر وعمرو بن قائد وأبو جعفر وشيبة وأبو السمال ورويس { الزانية
~~والزانى } بنصبهما على إضمار فعل يفسره الظاهر، والفاء على ما قال
~~ابن جني لأن مآل المعنى إلى الشرط والأمر في الجواب يقترن بها فيجوز
~~زيدا فاضربه لذلك ولا يجوز زيدا فضربته بالفاء لأنها لا تدخل في جواب
~~الشرط إذا كان ماضيا.

# والمراد هنا على ما في بعض «شروح الكشاف» إن أردتم معرفة حكم الزانية
~~والزاني فاجلدوا الخ، وقيل: إن جلدتم الزانية والزاني فاجلدوا الخ وهو لا
~~يدل على الوجوب المراد؛ وقيل دخلت الفاء ms07165 لأن حق المفسر / أن يذكر عقب
~~المفسر كالتفصيل بعد الإجمال في قوله تعالى:

# فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم

# [البقرة: 54] ويجوز أن تكون عاطفة والمراد جلد بعد جلد وذلك لا ينافي
~~كونه مفسرا للمعطوف عليه لأنه باعتبار الاتحاد النوعي انتهى.

# وأنت تعلم أنه لم يعهد العطف بالفاء فيما اتحد فيه لفظ المفسر والمفسر
~~وقد نصوا على عدم جواز زيدا فضربته بالاتفاق فلو ساغ العطف فيما ذكر
~~لجاز هذا على معنى ضرب بعد ضرب، على أن كون المراد فيما نحن فيه جلد بعد
~~جلد مما لا يخفى ما فيه فالظاهر ما نقل عن ابن جني، والمشهور أن سيبويه
~~والخليل يفضلان قراءة النصب لمكان الأمر، وغيرهما من البصريين والكوفيين
~~يفضلون الرفع لأنه كالإجماع في القراءة وهو أقوى في العربية لأن المعنى
~~عليه من زنى فاجلدوه كذا قال الزجاج. وقال الخفاجي بعد نقله كلام سيبويه
~~في هذا المقام: ليس في كلام سيبويه شيء مما يدل على التفضيل كما سمعت بل
~~يفهم منه أن الرفع في نحو ذلك أفصح وأبلغ من النصب من جهة المعنى وأفصح
~~من الرفع على أن الكلام جملة واحدة من جهة المعنى واللفظ معا فليراجع
~~وليتأمل. والجلد ضرب الجلد وقد اطرد صوغ فعل المفتوح العين الثلاثي من
~~أسماء الأعيان فيقال رأسه وظهره وبطنه إذا ضرب رأسه وظهره وبطنه، وجوز
~~الراغب أن يكون معنى جلده ضربه بالجلد نحو عصاه ضربه بالعصا، والمراد هنا
~~المعنى الأول فإن الأخبار قد دلت على أن الزانية والزاني يضربان بسوط لا
~~عقدة عليه ولا فرع له، وقيل: إن كون الجلد بسوط كذلك كان في زمن عمر رضي
~~الله تعالى عنه بإجماع الصحابة وأما قبله فكان تارة باليد وتارة بالنعل
~~وتارة بالجريدة الرطبة وتارة بالعصا.

# ثم الظاهر من ضرب الجلد أعم من أن يكون بلا واسطة أو بواسطة، وزعم بعضهم
~~وليس بشيء أن الظاهر أن يكون بلا واسطة وأنه ربما يستأنس به لما ذهب إليه
~~أصحابنا وبه قال مالك من أنه ينزع عن الزاني عند الجلد ثيابه إلا ms07166 الإزار
~~فإنه لا ينزع لستر عورته به، وعن الشافعي وأحمد أنه يترك عليه قميص أو
~~قميصان، وروى عبد الزراق بسنده عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه أتي برجل
~~في حد فضربه وعليه كساء قسطلاني، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لا
~~يحل في هذه الأمة تجريد ولا مد، وأما الإمرأة فلا ينزع عنها ثيابها عندنا
~~إلا الفرو والمحشو ووجهه ظاهر. وفي بعض الأخبار ما يدل على أن الرجل
~~والمرأة في عدم نزع الثياب إلا الفرو والمحشو سواء، وكأن من لا يقول بنزع
~~الثياب يقول: إن الجلد في العرف الضرب مطلقا وليس خاصا بضرب الجلد بلا
~~واسطة، نعم ربما يقال: إن في اختياره على الضرب إشارة إلى أن المراد ضرب
~~يؤلم الجلد وكأنه لهذا قيل ينزع الفرو والمحشو فإن الضرب في الأغلب لا
~~يؤلم جلد من عليه واحد منهما.

# وينبغي أن لا يكون الضرب مبرحا لأن الإهلاك غير مطلوب، ومن هنا قالوا:
~~إن كان من وجب عليه الحد ضعيف الخلقة فخيف عليه الهلاك يجلد جلدا ضعيفا
~~يحتمله، وكذا قالوا: يفرق الضرب على أعضاء المحدود لأن جمعه في عضو قد
~~يفسده وربما يفضي إلى الهلاك. وينبغي أن يتقى الوجه والمذاكير لما روي
~~موقوفا على علي كرم الله تعالى وجهه أنه أتي برجل سكران أو في حد فقال:
~~اضرب واعط كل عضو حقه واتق الوجه والمذاكير، وكذا الرأس لأنه مجمع الحواس
~~الباطنة فربما يفسد وهو إهلاك معنى، وكان أبو يوسف يقول باتقائه ثم رجع
~~وقال يضرب ضربة واحدة، وروي عنه أنه استثنى البطن والصدر وفيه نظر إلا أن
~~يقال: كان الضرب في زمانه / كالضرب الذي يفعله ظلمة زماننا وحيئنذ ينبغي
~~أن يقول باستثناء الرأس قطعا، وعن مالك أنه خص الظهر وما يليه بالجلد
~~لما صح من

# " قوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية البينة وإلا فحد في ظهرك "

# وأجيب بأن المراد بالظهر فيه نفسه أي فحد ثابت عليك بدليل ما ثبت عن
~~كبار الصحابة من عمر وعلي وابن مسعود رضي ms07167 الله تعالى عنهم، وقوله عليه
~~الصلاة والسلام:

# " إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه "

# فإنه في نحو الحد فما سواه داخل في الضرب، ثم خص منه الفرج بدليل
~~الإجماع، وعن محمد في التعزير ضرب الظهر وفي الحدود ضرب الأعضاء.

# ثم هذا الضرب يكون للرجل قائما غير ممدود وللمرأة قاعدة وجاء ذلك عن
~~علي كرم الله تعالى وجهه، وكأن وجهه أن مبنى الحد على التشهير زجرا
~~للعامة عن مثله والقيام أبلغ فيه، والمرأة مبنى أمرها على الستر فيكتفي
~~بتشهير الحد فقط من غير زيادة، وإن امتنع الرجل ولم يقف أو لم يصبر فلا
~~بأس بربطه على أسطوانة أو إمساك أحد له. والمراد من العدد المفروض في جلد
~~كل واحد منهما أعني مائة جلدة مايقال له مائة جلدة بوجه من الوجوه وإن لم
~~تتعين الأولى والثانية والثالثة وهكذا إلى تمام المائة فلو ضربه مائة رجل
~~بمائة سوط دفعة واحدة كفى في الحد بل قالوا: جاز أن تجمع الأسواط فيضرب
~~مرة واحدة بحيث يصيبه كل واحد منها وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه
~~ضرب في حد بسوط له طرفان أربعين ضربة فحسب كل ضربة بضربتين.

# وقدمت الزانية على الزاني مع أن العادة تقديم الزاني عليها لأنها هي
~~الأصل إذ الباعثة فيها أقوى ولولا تمكينها لم يزن. واشتقاقهما من الزنا
~~وهو مقصور في اللغة الفصحى وهي لغة أهل الحجاز وقد يمد في لغة أهل نجد
~~وعليها قال الفرزدق:

# أبا طاهر من يزن يعرف زناؤه

# ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا

# والزنا في عرف اللغة والشرع على ما قيل وطء الرجل المرأة في القبل في
~~غير الملك وشبهة الملك، وفيه أنه يرد عليه زنى المرأة فإنه زنى ولا يصدق
~~عليه التعريف، وما قيل في الجواب عنه: إنه فعل الوطىء أمر مشترك بين
~~الرجل والمرأة فإذا وجد بينهما يتصف كل منهما به وتسمى هي واطئة ولذا
~~سماها سبحانه وتعالى زانية ولا يخفى ما فيه مع أن في التعريف ما لا يصلحه
~~هذا الجواب لو كان صحيحا. والحق ms07168 أن زناها لغة تمكينها من زنى الرجل بها
~~وأنه إذا أريد تعريف الزنا المراد في الآية بحيث يشمل زناها فلا بد من
~~زيادة التمكين بالنسبة إليها بل زيادته بالنسبة إلى كل منهما وأن يقال:
~~هو إدخال المكلف الطائع قدر حشفته قبل مشتهاة حالا أو ماضيا بلا ملك أو
~~شبهة أو تمكينه من ذلك أو تمكينها في دار الإسلام ليصدق على ما لو كان
~~مستلقيا فقعدت على ذكره فتركها حتى أدخلته فإنهما يحدان في هذه الصورة
~~وليس الموجود منه سوى التمكين، ويعلم من هذا التعريف أنه لا حل على
~~الصبي والمجنون ومن أكرهه السلطان، ولا على من أولج في دبر أو في فرج
~~صغيرة غير مشتهاة أو ميتة أو بهيمة بخلاف من أولج في فرج عجوز، ولا على
~~من زنى في دار الحرب، ولا على من زنى مع شبهة، وفي بعض ما ذكر كلام يطلب
~~من «كتب الفقه».

# والحكم عام فيمن زنى وهو محصن وفي غيره لكن نسخ في حق المحصن قطعا فإن
~~الحكم في حقه الرجم، ويكفينا في تعيين الناسخ القطع بأمره صلى الله عليه
~~وسلم بالرجم وفعله في زمانه عليه الصلاة والسلام مرات فيكون من نسخ
~~الكتاب بالسنة القطعية.

# وقد أجمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن تقدم من السلف وعلماء الأمة
~~وأئمة المسلمين على أن المحصن يرجم بالحجارة حتى يموت، وإنكار الخوارج
~~ذلك باطل لأنهم إن أنكروا حجية إجماع الصحابة رضي / الله تعالى عنهم فجعل
~~مركب، وإن أنكروا وقوعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنكارهم حجية
~~خبر الواحد فهو بعد بطلانه بالدليل ليس مما نحن فيه لأن ثبوت الرجم منه
~~عليه الصلاة والسلام متواتر المعنى كشجاعة علي كرم الله تعالى وجهه وجود
~~حاتم، والآحاد في تفاصيل صوره وخصوصياته وهم كسائر المسلمين يوجبون العمل
~~بالمتواتر معنى كالمتواتر لفظا إلا أن انحرافهم عن الصحابة والمسلمين
~~وترك التردد إلى علماء المسلمين والرواة أوقعهم في جهالات كثيرة لخفاء
~~السمع عنهم والشهرة، ولذا حين عابوا على عمر بن عبد العزيز في ms07169 القول
~~بالرجم من كونه ليس في كتاب الله تعالى ألزمهم بأعداد الركعات ومقادير
~~الزكوات فقالوا: ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم والمسلمين فقال لهم:
~~وهذا أيضا كذلك، وقد كوشف بهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وكاشف
~~بهم حيث قال كما روى البخاري: خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل:
~~لا نجد الرجم في كتاب الله تعالى عز وجل فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله
~~عز وجل ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة أو كان
~~الحبل أو الاعتراف، وروى أبو داود أنه رضي الله تعالى عنه خطب وقال:

# " إن الله عز وجل بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه
~~كتابا فكان فيما أنزل عليه آية الرجم يعني بها قوله تعالى: الشيخ
~~والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم
~~فقرأناها ووعيناها إلى أن قال وإني خشيت أن يطول بالناس زمان فيقول قائل:
~~لا نجد الرجم "

# الحديث بطرقه، وقال: لولا أن يقال: إن عمر زاد في الكتاب لكتبتها على
~~حاشية المصحف الشريف.

# ومن الناس من ذهب إلى أن الناسخ الآية المنسوخة التي ذكرها عمر رضي الله
~~تعالى عنه.

# وقال العلامة ابن الهمام: إن كون الناسخ السنة القطعية أولى من كون
~~الناسخ ما ذكر من الآية لعدم القطع بثبوتها قرآنا، ثم نسخ تلاوتها وإن
~~ذكرها عمر رضي الله تعالى عنه وسكت الناس فإن كون الإجماع السكوتي حجة
~~مختلف فيه وبتقدير حجيته لا نقطع بأن جميع المجتهدين من الصحابة رضي الله
~~تعالى عنهم كانوا إذ ذاك حضورا ثم لا شك في أن الطريق في ذلك إلى عمر
~~رضي الله تعالى عنه ظني ولهذا والله تعالى أعلم قال علي كرم الله تعالى
~~وجهه حين جلد شراحة ثم رجمها: جلدتها بكتاب الله تعالى ورجمتها بسنة رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم ولم يعلل الرجم بالقرآن المنسوخ التلاوة، ويعلم
~~من قوله المذكور كرم الله تعالى وجهه أنه قائل بعدم نسخ عموم الآية فيكون ms07170
~~رأيه أن الرجم حكم زائد في حق المحصن ثبت بالسنة وبذلك قال أهل الظاهر
~~وهو رواية عن أحمد، واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود من قوله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " الثيب بالثيب جلد مائة ورمي الحجارة "

# وفي رواية غيره

# " ورجم بالحجارة "

# وعند الحنفية لا يجمع بين الرجم والجلد في المحصن وهو قول مالك والشافعي
~~ورواية أخرى عن أحمد لأن الجلد يعرى عن المقصود الذي شرع الحد له وهو
~~الانزجار أو قصده إذا كان القتل لاحقا له، والعمدة في استدلالهم على ذلك
~~أنه صلى الله عليه وسلم لم يجمع بينهما قطعا، فقد تظافرت الطرق أنه صلى
~~الله عليه وسلم بعد سؤاله ماعزا عن الإحصان وتلقينه الرجوع لم يزد على
~~الأمر بالرجم فقال: اذهبوا به فارجموه، وقال أيضا عليه الصلاة والسلام:

# " اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت بذلك فارجمها "

# ولم يقل فاجلدها ثم ارجمها، وجاء في باقي الحديث الشريف

# " فاعترفت فأمر بها صلى الله عليه وسلم فرجمت "

# وقد تكرر الرجم في زمانه صلى الله عليه وسلم ولم يرو أحد أنه جمع بينه
~~وبين الجلد فقطعنا بأنه لم يكن إلا الرجم فوجب كون الخبر السابق منسوخا
~~وإن لم يعلم خصوص الناسخ. وأجيب عما فعل علي كرم الله تعالى وجهه من
~~الجمع بأنه رأى / لا يقاوم ما ذكر من القطع عن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وكذا لا يقاوم إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ويحتمل أن يقال:
~~إنه كرم الله تعالى وجهه لم يثبت عنده الإحصان إلا بعد الجلد وهو بعيد
~~جدا كما يظهر من الرجوع إلى القصة والله تعالى أعلم، وإحصان الرجم يتحقق
~~بأشياء نظمها بعضهم فقال:

# شروط إحصان أتت ستة

# فخذها عن النص مستفهما

# بلوغ وعقل وحرية

# ورابعها كونه مسلما

# وعقد صحيح ووطء مباح

# متى اختل شرط فلن يرجما

# وزاد غير واحد كون واحد من الزوجين مساويا الآخر في شراط الإحصان وقت
~~الإصابة بحكم النكاح, فلو تزوج الحر المسلم البالغ العاقل أمة أو صبية أو
~~مجنونة أو ms07171 كتابية ودخل بها لا يصير محصنا بهذا الدخول حتى لو زنى من بعد
~~لا يرجم، وكذا لو تزوجت الحرة البالغة العاقلة المسلمة من عبد أو مجنون
~~أو صبي ودخل بها لا تصير محصنة فلا ترجم لو زنت بعد.

# وذكر ابن الكمال شرطا آخر وهو أن لا يبطل إحصانهما بالارتداد، فلو
~~ارتدا والعياذ بالله تعالى ثم أسلما لم يعد إلا بالدخول بعده ولو بطل
~~بجنون أو عته عاد بالإفاقة، وقيل بالوطء بعده. والشافعي لا يشترط
~~المساواة في شرائط الإحصان وقت الإصابة فلا رجم عنده في المسألتين
~~السابقتين، وكذا لا يشترط الإسلام فلو زنى الذمي الثيب الحر يجلد عندنا
~~ويرجم عنده وهو رواية عن أبي يوسف وبه قال أحمد، وقول مالك كقولنا.

# واستدل المخالف بما في «الصحيحين» من حديث عبد الله بن عمر رضي الله
~~تعالى عنهما أن اليهود جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له
~~أن امرأة منهم ورجلا زنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجدون
~~في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام:
~~كذبتم فيما زعمتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فسردوها فوضع أحدهم يعني
~~عبد الله بن صوريا يده على آية الرجم وقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له
~~عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده فإذا آية الرجم فقالوا: صدق يا محمد
~~فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فرجما.

# ودليلنا ما رواه إسحق بن راهويه في «مسنده» قال: أخبرنا عبد العزيز بن
~~محمد حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " من أشرك بالله فليس بمحصن "

# وقد رفع هذا الخبر كما قال إسحق مرة ووقف أخرى، ورواه الدارقطني في
~~«سننه» وقال: لم يرفعه غير إسحق بن راهويه، ويقال: إنه رجع عن ذلك
~~والصواب أنه موقوف اه. وفي «العناية» أن لفظ إسحق كما تراه ليس فيه
~~رجوع وإنما ذكره عن الراوي أنه مرة رفعه ومرة أخرجه مخرج الفتوى ولم ms07172
~~يرفعه ولا شك في أن مثله بعد صحة الطريق إليه محكوم برفعه على ما هو
~~المختار في علم الحديث من أنه إذا تعارض الرفع والوقف حكم بالرفع وبعد
~~ذلك إذا خرج من طرق فيها ضعف لا يضر.

# وأجاب بعض أجلة أصحابنا بأنه كان الرجم مشروعا بدون اشتراط الإسلام حين
~~رجم صلى الله عليه وسلم الرجل والمرأة اليهوديين وذلك بما أنزله الله
~~تعالى إليه عليه الصلاة والسلام، وسؤاله صلى الله عليه وسلم اليهود عما
~~يجدونه في التوراة في شأنه ليس لأن يعلم حكمه من ذلك.

# والقول بأنه عليه الصلاة والسلام كان أول ما قدم المدينة مأمورا بالحكم
~~بما في التوراة ممنوع بل ليس ذلك إلا ليبكتهم بترك الحكم بما أنزل الله
~~تعالى عليهم فلما حصل الغرض حكم صلى الله عليه وسلم برجمهما بشرعه
~~الموافق / لشرعهم وإذا علم أن الرجم كان ثابتا في شرعنا حال رجمها بلا
~~اشتراط الإسلام وقد ثبت حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما المفيد
~~لاشتراط الإسلام وليس تاريخ يعرف به تقدم اشتراط الإسلام على عدم اشتراطه
~~أو تأخره عنه حصل التعارض بين فعله صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين
~~وقوله المذكور فيطلب الترجيح، وقد قالوا: إذا تعارض القول والفعل ولم
~~يعلم المتقدم من المتأخر يقدم القول على الفعل، وفيه وجه آخر وهو أن
~~تقديم هذا القول موجب لدرء الحد وتقديم ذلك الفعل يوجب الاحتياط في إيجاب
~~الحد والأولى في الحدود ترجيح الرافع عند التعارض. ولا يخفى أن كل مترجح
~~فهو محكوم بتأخره اجتهادا فيكون المعول عليه في الحكم حديث ابن عمر رضي
~~الله تعالى عنهما، وقول المخالف: إن المراد بالمحصن فيه المحصن الذي يقتص
~~له من المسلم خلاف الظاهر لأن أكثر استعمال الإحصان في إحصان الرجم.

# ورد بعضهم بالآية على القائلين: إن حد زنا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب
~~سنة وهم الإمام الشافعي والإمام أحمد والثوري والحسن بن صالح، ووجه الرد
~~أن قوله تعالى: { الزانية والزانى } الخ شروع في بيان حكم الزنا
~~ما هو فكان المذكور تمام ms07173 حكمه وإلا كان تجهيلا لا بيانا وتفصيلا إذ
~~يفهم منه أنه تمام وليس بتمام في الواقع فكان مع الشروع في البيان أبعد
~~من البيان لأنه أوقع في الجهل المركب وقبله كان الجهل بسيطا فيفهم
~~بمقتضى ذلك أن حد الزانية والزاني ليس إلا الجلد، وأخصر من هذا أن المقام
~~مقام البيان فالسكوت فيه يفيد الحصر، وقال المخالف: لو سلمنا الدلالة على
~~الحصر وأن المذكور تمام الحكم ليكون المعنى أن حد كل ليس إلا الجلد فذلك
~~منسوخ بما صح من رواية عبادة بن الصامت عنه صلى الله عليه وسلم:

# " البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام "

# وأجيب بأنه بعد التسليم لا تصح دعوى النسخ بما ذكر لأنه خبر الواحد
~~وعندنا لا يجوز نسخ الكتاب به؛ والقول بأن الخبر المذكور قد تلقته الأمة
~~بالقبول لا يجدي نفعا لأنه إن أريد بتلقيه بالقبول إجماعهم على العمل به
~~فممنوع، فقد صح عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه لا يقول بتغريبهما وقال
~~حسبهما من الفتنة أن ينفيا، وفي رواية كفى بالنفي فتنة، وإن أريد إجماعهم
~~على صحته بمعنى صحه سنده فكثير من أخبار الآحاد كذلك ولم تخرج بذلك عن
~~كونها آحادا، على أنه ليس فيه أكثر من كون التغريب واجبا ولا يدل على
~~أنه واجب بطريق الحد بل ما في «صحيح البخاري» من قول أبي هريرة: إن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وإقامة الحد
~~ظاهر في أن النفي ليس من الحد لعطفه عليه، وكونه استعمل الحد في جزء
~~مسماه وعطف على الجزء الآخر بعيد فجاز كونه تعزيرا لمصلحة، وقد يغرب
~~الإمام لمصلحة يراها في غير ما ذكر كما صح أن عمر بن الخطاب رضي الله
~~تعالى عنه غرب نصر بن حجاج إلى البصرة بسبب أنه لجماله افتتن بعض النساء
~~به فسمع قائلة يقال إنها أم الحجاج الثقفي ولذا قال له عبد الملك يوما
~~با ابن المتمنية تقول:

# هل من سبيل إلى خمر فأشربها

# أو هل سبيل إلى نصر ms07174 بن حجاج

# إلى فتى ماجد الاعراق مقتبل

# سهل المحيا كريم غير ملجاج

# / والقول بأنه لا يجتمع التعزيز مع الحد لا يخفى ما فيه. وادعى الفقيه
~~المرغيناني أن الخبر المذكور منسوخ فإن شطره الثاني الدال على الجمع بين
~~الجلد والرجم منسوخ كما علمت؛ وفيه أنه لا لزوم فيجوز أن تروى جمل نسخ
~~بعضها وبعضها لم ينسخ، نعم ربما يكون نسخ أحد الشطرين مسهلا لتطرق
~~احتمال نسخ الشطر الآخر فيكون هذا الاحتمال قائما فيما نحن فيه فيضعف عن
~~درجة الآحاد التي لم يتطرق ذلك الاحتمال إليها فيكون أحرى أن لا ينسخ ما
~~أفاده الكتاب من أن الحد هو الجلد لا غير على ما سمعت تقريره فتأمل.

# ثم إن التغريب ليس مخصوصا بالرجل عند أولئك الأئمة فقد قالوا: تغرب
~~المرأة مع محرم وأجرته عليها في قول وفي بيت المال في آخر، ولو امتنع ففي
~~قول يجبره الإمام وفي آخر لا، ولو كانت الطريق آمنة ففي تغريبها بلا محرم
~~قولان، وعند مالك والأوزاعي إنما ينفى الرجل ولا تنفى المرأة لقوله عليه
~~الصلاة والسلام:

# " البكر بالبكر "

# الخ، وقال غيرهما ممن تقدم: إن الحديث يجب أن يشملها فإن أوله

# " خذوا عني قد جعل الله تعالى لهن سبيلا البكر البكر "

# الخ وهو نص على أن النفي والجلد سبيل للنساء والبكر يقال على الأنثى ألا
~~ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام:

# " البكر تستأذن "

# ومع قطع النظر عن كل ذلك قد يقال: إن هذا من المواضع التي تثبت الأحكام
~~فيه في النساء بالنصوص المفيدة إياها للرجال بتنقيح المناط.

# هذا ثم لا يخفى أن الظاهر من { الزانية والزانى } ما يشمل
~~الرقيق وغيره فيكون مقدار الحد في الجميع واحدا لكن قوله تعالى:

# فعليهن نصف ما على المحصنت من العذاب

# [النساء: 25] الآية أخرجت الإماء فإن الآية نزلت فيهن، وكذا أخرجت
~~العبيد إذ لا فرق بين الذكر والأنثى بتنقيح المناط فيرجع في ذلك إلى
~~دلالة النص بناء على أنه لا يشترط في الدلالة أولوية المسكوت بالحكم من
~~المذكور بل المساواة تكفي فيه وقيل ms07175 تدخل العبيد بطريق التغليب عكس
~~القاعدة وهي تغليب الذكور.

# ولا يشترط الإحصان في الرقيق لما روى مسلم وأبو داود والنسائي عن علي
~~كرم الله تعالى وجهه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم من أحصن ومن لم يحصن "

# وفيه دليل على أن الشرط أعني الإحصان في الآية الدالة على تنصيف الحد لا
~~مفهوم له، ونقل عن ابن عباس وطاوس أنه لا حد على الأمة حتى تحصن بزوج،
~~وفيه اعتبار المفهوم، ثم هذا الإحصان شرط للجلد لأن الرجم لا يتنصف،
~~وللشافعي في تغريب العبد أقوال: يغرب سنة، يغرب نصف سنة، لا يغرب أصلا.

# والخطاب في قوله تعالى: { فاجلدوا } لأئمة المسلمين ونوابهم.
~~واختلف في إقامة المولى الحد على عبده فعندنا لا يقيمه إلا بإذن الإمام؛
~~وقال الشافعي ومالك وأحمد يقيمه من غير إذن، وعن مالك إلا في الأمة
~~المزوجة، واستثنى الشافعي من المولى الذمي والمكاتب والمرأة، وكذا اختلف
~~في إقامة الخارجي المتغلب الحد فقيل يقيم وقيل لا، وأدلة الأقوال
~~المذكورة وتحقيق ما هو الحق منها في محله. والظاهر أن إقامة الحد المذكور
~~بعد تحقق الزنا بإحدى الطرق المعلومة، وقال إسحق: إذا وجد رجل وامرأة في
~~ثوب واحد يجلد كل واحد منهما مائة جلدة وروي ذلك عن عمر وعلي رضي الله
~~تعالى عنهما، وقال عطاء والثوري ومالك وأحمد: يؤدبان على مذاهبهم في
~~الأدب.

# { ولا تأخذكم بهما رأفة } تلطف ومعاملة برفق وشفقة { فى
~~دين الله } في طاعته وإقامة حده الذي شرعه عز وجل، والمراد النهي عن
~~/ التخفيف في الجلد بأن يجلدوهما جلدا غير مؤلم أو بأن يكون أقل من مائة
~~جلدة. وقال أبو مجلز ومجاهد وعكرمة وعطاء: المراد النهي عن إسقاط الحد
~~بنحو شفاعة كأنه قيل: أقيموا عليهما الحد ولا بد، وروي معنى ذلك عن ابن
~~عمر وابن جبير، وفي هذا دليل على أنه لا يجوز الشفاعة في إسقاط الحد،
~~والظاهر أن المراد عدم جواز ذلك بعد ثبوت سبب الحد عند الحاكم، وأما قبل
~~الوصول إليه والثبوت ms07176 فإن الشفاعة عند الرافع لمن اتصف بسبب الحد إلى
~~الحاكم ليطلقه قبل الوصول وقبل الثبوت تجوز، ولم يخصوا ذلك بالزنا لما صح

# " أنه عليه الصلاة والسلام أنكر على حبه أسامة بن زيد حين شفع في
~~فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية السارقة قطيفة، وقيل حليا فقال
~~له: أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟ ثم قام فخطب فقال: أيها الناس إنما
~~ضل من قلبكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف
~~أقاموا عليه الحد وأيم الله تعالى لو أن فاطمة بنت محمد سرقت - وحاشاها -
~~لقطعت يدها "

# وكما تحرم الشفاعة يحرم قبولها فعن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه
~~أنه قال: إذا بلغ الحد إلى الإمام فلا عفا الله تعالى عنه إن عفا.

# و { بهما } قيل متعلق بمحذوف على البيان أي أعني بهما، وقيل بترأفوا
~~محذوفا أي ولا ترأفوا بهما، ويفهم صنيع أبي البقاء اختيار تعلقه بتأخذ
~~والباء للسببية أي ولا تأخذكم بسببهما رأفة ولم يجوز تعلقه برأفة معللا
~~بأن المصدر لا يتقدم معموله عليه، وعندي هو متعلق بالمصدر ويتوسع في
~~الظرف ما لا يتوسع في غيره. وقد حقق ذلك العلامة سعد الملة والدين في أول
~~«شرح التلخيص» بما لا مزيد عليه. و { فى دين } قيل متعلق بتأخذ وعليه
~~أبو البقاء، وقيل متعلق بمحذوف وقع صفة لرأفة. وقرأ علي كرم الله تعالى
~~وجهه والسلمي وابن مقسم وداود بن أبي هند عن مجاهد { ولا يأخذكم }
~~بالياء التحتية لأن تأنيث { رأفة } مجازي وحسن ذلك الفصل. وقرأ ابن
~~كثير { رأفة } بفتح الهمزة، وابن جريج { رءافة } بألف بعد الهمزة على
~~وزن فعالة وروي ذلك عن عاصم وابن كثير، ونقل أبو البقاء أنه قرأ { رافة }
~~بقلب الهمزة ألفا وهي في كل ذلك مصدر مسموع إلا أن الأشهر في الاستعمال
~~ما وافق قراءة الجمهور.

# { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } من باب
~~التهييج والإلهاب كما يقال: إن كنت رجلا فافعل كذا ولا شك في رجوليته
~~وكذا المخاطبون هنا مقطوع بإيمانهم لكن قصد ms07177 تهييجهم وتحريك حميتهم ليجدوا
~~في طاعة الله تعالى ويجتهدوا في إجراء أحكامه على وجهها. وذكر {
~~اليوم الآخر } لتذكير ما فيه من العقاب في مقابلة الرأفة بهما.

# { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } أي ليحضره
~~زيادة في التنكيل فإن التفضيح قد ينكل أكثر من التعذيب أو لذلك وللعبرة
~~والموعظة، وعن نصر بن علقمة أن ذلك ليدعى لهما بالتوبة والرحمة لا
~~للتفضيح وهو في غاية البعد من السياق، والأمر هنا على ما يدل عليه كلام
~~الفقهاء للندب. واختلف في هذه الطائفة فأخرج عبد بن حميد وغيره عن ابن
~~عباس أنه قال: الطائفة الرجل فما فوقه وبه قال أحمد، وقال عطاء وعكرمة
~~وإسحق بن راهويه: اثنان فصاعدا وهو القول المشهور لمالك، وقال قتادة
~~والزهري: ثلاثة فصاعدا، وقال الحسن: عشرة، وعن الشافعي وزيد: أربعة وهو
~~قول لمالك، قال الخفاجي: وتحقيق المقام أن الطائفة في الأصل اسم فاعل
~~مؤنث من الطواف الدوران أو الإحاطة فهي إما صفة نفس أي نفس طائفة فتطلق
~~على الواحد أو صفة جماعة أي جماعة طائفة فتطلق على ما فوقه فهي /
~~كالمشترك بين تلك المعاني فتحمل في كل مقام على ما يناسبه. وذكر الراغب
~~أنها إذا أريد بها الواحد يصح أن تكون جمعا كني به عن الواحد ويصح أن
~~تكون مفردا والتاء فيها كما في رواية، وفي «حواشي العضد» للهروي يصح أن
~~يقال للواحد طائفة ويراد نفس طائفة فهي من الطواف بمعنى الدوران.

# وفي «شرح البخاري» حمل الشافعي الطائفة في مواضع من القرآن على أوجه
~~مختلفة بحسب المواضع فهي في قوله تعالى:

# فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة

# [التوبة: 122] واحد فأكثر واحتج به على قبول خبر الواحد وفي قوله تعالى:

# وليشهد عذابهما طائفة

# [النور: 2] أربعة وفي قوله سبحانه:

# فلتقم طائفة منهم معك

# [النساء: 102] ثلاثة، وفرقوا في هذه المواضع بحسب القرائن، أما في
~~الأولى فلأن الإنذار يحصل به، وأما في الثانية فلأن التشنيع فيه أشد،
~~وأما في الثالثة فلضمير الجمع بعد قوله تعالى:

# وليأخذوا أسلحتهم

# [النساء: 102] وأقله ثلاثة وكونها مشتقة من الطواف ms07178 لا ينافيه لأنه يكون
~~بمعنى الدوران أو هو الأصل وقد لا ينظر إليه بعد الغلبة فلذا قيل: إن
~~تاءها للنقل انتهى ولا يخلو عن بحث. والحق أن المراد بالطائفة هنا جماعة
~~يحصل بهم التشهير والزجر وتختلف قلة وكثرة بحسب اختلاف الأماكن والأشخاص
~~فرب شخص يحصل تشهيره وزجره بثلاثة وآخر لا يحصل تشهيره وزجره بعشرة،
~~وللقائل بالأربعة هنا وجه وجيه كما لا يخفى.

### || [24.3]

# { الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة } تقبيح لأمر
~~الزاني أشد تقبيح ببيان أنه بعد أن رضي بالزنا لا يليق به أن ينكح
~~العفيفة المؤمنة فبينهما كما بين سهيل والثريا فترى هذه شامية إذا ما
~~استقلت وترى ذاك إذا ما استقل يمانيا وإنما يليق به أن ينكح زانية هي في
~~ذلك طبقه ليوافق  كما قيل  شن طبقه أو مشركة هي أسوأ منه حالا وأقبح
~~أفعالا فلا ينكح خبر مراد منه لا يليق به أن ينكح كما تقول: السلطان لا
~~يكذب أي لا يليق به أن يكذب نزل فيه عدم لياقة الفعل منزلة عدمه وهو كثير
~~في الكلام، ثم المراد اللياقة وعدم اللياقة من حيث الزنا فيكون فيه من
~~تقبيح الزنا ما فيه.

# ولا يشكل صحة نكاح الزاني المسلم الزانية المسلمة وكذا العفيفة المسلمة،
~~وعدم صحة نكاحه المشركة المذكورة في الآية إذا فسرت بالوثنية بالإجماع
~~لأن ذلك ليس من اللياقة وعدم اللياقة من حيث الزنا بل من حيثية أخرى
~~يعلمها الشارع كما لا يخفى، وعلى هذا الطرز قوله تعالى: { والزانية
~~لا ينكحها إلا زان أو مشرك } أي الزانية بعد أن رضيت
~~بالزنا فولغ فيها كلب شهوة الزاني لا يليق أن ينكحها من حيث أنها كذلك
~~إلا من هو مثلها وهو الزاني أو من هو أسوأ حالا منها وهو المشرك، وأما
~~المسلم العفيف فأسد غيرته يأبى ورود جفرتها:

# وتجتنب الأسود ورود ماء

# إذا كان الكلاب يلغن فيه

# ولا يشكل على هذا صحة نكاحه إياها وعدم صحة نكاح المشرك سواء فسر
~~بالوثني أو بالكتابي ليحتاج إلى الجواب وهو ظاهر.

# والإشارة ms07179 في قوله سبحانه: { وحرم ذلك على المؤمنين }
~~يحتمل أن تكون للزنا المفهوم مما تقدم والتحريم عليه على ظاهره وكذا
~~المؤمنين، ولعل هذه الجملة وما قبلها متضمنة لتعليل ما تقدم من الأمر
~~والنهي ولذا لم يعطف قوله سبحانه: { الزانى لا ينكح } الخ عليه
~~كما عطف قوله عز وجل الآتي

# والذين يرمون المحصنت

# [النور: 4] الخ، وأمر إشعار ما تقدم بالتحريم سهل. وتخصيص المؤمنين
~~بالتحريم عليهم على رأي من يقول: إن الكفار غير مكلفين بالفروع ظاهر،
~~وأما على رأي من يقول بتكليفهم بها كالأصول وإن لم تصح منهم إلا بعد
~~الإيمان فتخصيصهم بالذكر لشرفهم، ويحتمل أن تكون لنكاح الزانية وعليه
~~فالمراد من التحريم المنع وبالمؤمنين المؤمنون الكاملون، ومعنى منعهم عن
~~نكاح الزواني جعل نفوسهم أبية عن الميل إليه فلا يليق ذلك بهم، ولا يأبى
~~حمل الآية على ما قرر فيها ما روي في سبب نزولها مما أخرج أبو داود
~~والترمذي وحسنه والحاكم وصححه والبيهقي وابن المنذر وغيرهم عن عمرو بن
~~شعيب عن أبيه عن جده قال:

# " كان رجل يقال له مرثد يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة وكانت
~~امرأة بغي بمكة يقال لها عناق وكانت صديقة له وإنه وعد رجلا من أسارى
~~مكة بحمله قال فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة
~~فجاءت عناق فأبصرت سواد ظل تحت الحائط فلما انتهت إلي عرفتني فقالت:
~~مرثد؟ فقلت: مرثد فقالت: مرحبا وأهلا هلم فبت عندنا الليلة قلت: يا
~~عناق حرم الله تعالى الزنا قالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم
~~قال فتبعني ثمانية وسلكت الخندمة فانتهيت إلى غار أو كهف فدخلت فجاؤوا
~~حتى قاموا على رأسي فطل بولهم على رأسي وعماهم الله تعالى عني ثم رجعوا
~~ورجهت إلى صاحبي فحملته حتى قدمت المدينة فأتيت رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فقلت: يا رسول الله أنكح عناق؟ فأمسك فلم يرد علي شيئا حتى نزل {
~~الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة } الآية فقال
~~رسول الله عليه الصلاة والسلام: ms07180 يا مرثد { الزانى لا ينكح إلا
~~زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان
~~أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين } فلا تنكحها "

# لأن تفريع النهي فيه عن نكاح تلك البغي مما لا شبهة في صحته على تقدير
~~كون الآية المفرع عليها لتقبيح أمر الزاني والزانية فكأنه قيل: إذا علمت
~~أمر الزانية وأنها بلغت في القبح إلى حيث لا يليق أن ينكحها إلا مثلها أو
~~من هو أسوأ حالا فلا تنكحها. نعم في هذا الخبر ما هو أوفق بجعل الإشارة
~~فيما مر إلى نكاح الزانية ويعلم منه وجه تقديم { الزانى } والإخبار عن
~~الزانية بأنه لا ينكحها إلا زان أو مشرك على خلاف ما تقتضيه المقابلة.

# هذا وللعلماء في هذه الآية الجليلة كلام كثير لا بأس بنقل ما تيسر منه
~~وإبداء بعض ما قيل فيه ثم انظر فيه وفيما قدمناه واختر لنفسك ما يحلو
~~فأقول: نقل عن الضحاك والقفال، وقال النيسابوري: إنه أحسن الوجوه في
~~الآية أن قوله سبحانه { الزانى لا ينكح } الخ حكم مؤسس على الغالب
~~المعتاد جيء به لزجر المؤمنين عن نكاح الزواني بعد زجرهم عن الزنا وذلك
~~أن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا والتقحب لا يرغب غالبا في نكاح
~~الصوالح من النساء اللاتي على خلاف صفته وإنما يرغب في فاسقة خبيثة من
~~شكله أو في مشركة والفاسقة الخبيثة المسافحة كذلك لا يرغب في نكاحها
~~الصلحاء من الرجال وينفرون عنها وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من
~~الفسقة أو المشركين، ونظير هذا الكلام لا يفعل الخير إلا تقي فإنه جار
~~مجرى الغالب.

# ومعنى التحريم على المؤمنين على هذا قيل التنزيه وعبر به عنه للتغليظ،
~~ووجه ذلك أن نكاح الزواني متضمن التشبه بالفساق والتعرض للتهمة والتسبب
~~لسوء القالة والطعن في النسب إلى كثير من المفاسد، وقيل: التحريم على
~~ظاهره وذلك الفعل يتضمن محرمات والحرمة ليست راجعة إلى نفسه العقد ليكون
~~العقد باطلا وعلى القولين الآية محكمة، ولا يخفى أن حمل الزاني والزانية
~~على من شأنهما الزنا والتقحب لا يخلو ms07181 عن بعد لأنهما فيما تقدم لم يكونا
~~بهذا المعنى / والظاهر الموافقة، وأيضا لا يكاد يسلم أن الغالب عدم رغبة
~~من شأنه الزنا في نكاح العفائف ورغبته في الزواني أو المشركات فكثيرا ما
~~شاهدنا كثيرا من الزناة يتحرون في النكاح أكثر من تحري غيرهم فلا يكاد
~~أحدهم ينكح من في أقاربها شبهة زنا فضلا عن أن تكون فيها وقليلا ما
~~سمعنا برغبة الزاني في نكاح زانية أو مشركة، وأيضا في حمل التحريم على
~~التنزيه نوع بعد وكذا حمله على ظاهره مع التزام أن الحرمة ليست راجعة إلى
~~نفس العقد.

# وفي «البحر» روي عن ابن عمر وابن عباس وأصحابه أن الآية في قوم مخصوصين
~~كانوا يزنون في جاهليتهم ببغايا مشهورات فلما جاء الإسلام وأسلموا لم
~~يمكنهم الزنا فأرادوا لفقرهم زواج أولئك النسوة إذ كان من عادتهن الإنفاق
~~على من تزوجهن فنزلت الآية لذلك، والإشارة بالزاني إلى أحد أولئك القوم
~~أطلق عليه اسم الزنا الذي كان في الجاهلية للتوبيخ، ومعنى { لا ينكح
~~إلا زانية أو مشركة } لا يريد أن يتزوج إلا زانية أو مشركة
~~أي لا تنزع نفسه إلا إلى هذه الخسائس لقلة انضباطها، والإشارة  بذلك 
~~إلى نكاح أولئك البغايا والتحريم على ظاهره. ويريد على هذا التأويل أن
~~الإجماع على أن الزانية لا يجوز أن يتزوجها مشرك انتهى.

# وأنت تعلم أن هذا لا يرد بعد حمل نفي النكاح على نفي إرادة التزوج إذ
~~يكون المعنى حينئذ الزانية لا يريد أن يتزوجها إلا زان أو مشرك وليس في
~~الإجماع ما يأباه، وفيه أيضا كلام ستعلمه قريبا إن شاء الله تعالى. نعم
~~كون { الزانى } إشارة إلى أحد أولئك القوم وهم من المهاجرين رضوان
~~الله تعالى عليهم أجمعين كما جاء في آثار كثيرة وقد أسلموا وتابوا من
~~الزنا محل تردد إذ يبعد كل البعد أن يسمي الله عز وجل بالزنا صحابيا كان
~~قد زنى قبل إسلامه ثم أسلم وتاب فخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ويطلق
~~سبحانه عليه هذا الوصف الشنيع الذي غفره تبارك وتعالى له ms07182 بمجرد أنه مال
~~إلى نكاح زانية بسبب ما به من الفقر قبل العلم بحظر ذلك مع أنهم كانوا
~~نادين على فراق من ينكحونهن إذا وجدوا عنهن غنى. فقد أخرج ابن أبي حاتم
~~عن مقاتل أنه قال: لما قدم المهاجرون المدينة قدموها وهم بجهد إلا قليل
~~منهم والمدينة غالية السعر شديدة الجهد وفي السوق زوان متعالنات من أهل
~~الكتاب وإماء لبعض الأنصار قد رفعت كل امرأة منهن على بابها علامة لتعرف
~~أنها زانية وكن من أخصب أهل المدينة وأكثرهم خيرا فرغب أناس من مهاجري
~~المسلمين فيما يكتسبن للذي فيهم من الجهد فأشار بعضهم على بعض لو تزوجنا
~~بعض هؤلاء الزواني فنصيب من فضول ما يكتسبن فقال بعضهم: نستأمر رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فأتوه فقالوا: يا رسول الله قد شق علينا الجهد ولا
~~نجد ما نأكل وفي السوق بغايا نساء أهل الكتاب وولائدهن وولائد الأنصار
~~يكتسبن لأنفسهن فيصلح لنا أن نتزوج منهن فنصيب من فضول ما يكتسبن فإذا
~~وجدنا عنهن غنى تركناهن فأنزل الله تعالى الآية.

# وأيضا اطلاق الزاني عليه بهذا المعنى لا يوافق اطلاق الزانية على إحدى
~~صاحبات الرايات، وكذا لا يوافق إطلاق الزاني على من أطلق عليه في قوله
~~سبحانه: { الزانية والزانى فاجلدوا } الخ.

# وقال أبو مسلم وأبو حيان وأخرجه أبو داود في «ناسخه» والبيهقي في سننه،
~~والضياء في «المختارة» وجماعة من طريق ابن جبير عن ابن عباس أن النكاح
~~بمعنى الوطء أي الزنا و { ذلك } إشارة إليه، والمعنى الزاني لا يطأ في
~~وقت زناه إلا زانية من المسلمين أو أخس منها وهي المشركة والزانية لا
~~يطأها حين زناها إلا زان / من المسلمين أو أخس منه وهو المشرك وحرم الله
~~تعالى الزنا على المؤمنين.

# وتعقب بأنه لا يعرف النكاح في كتاب الله تعالى إلا بمعنى التزويج وبأنه
~~يؤدي إلى قولك الزاني لا يزني إلا بزانية والزانية لا تزني إلا بزان وهو
~~غير مسلم إذ قد يزني الزاني بغير زانية يعلم أحدهما بالزنا والآخر جاهل
~~به يظن الحل، وإذا ms07183 ادعي أن ذلك خارج مخرج الغالب كان من الإخبار
~~بالواضحات، وإن حمل النفي على النهي كان المعنى نهي الزاني عن الزنا إلا
~~بزانية وبالعكس وهو ظاهر الفساد.

# وأجيب عن الأول بأن جل العلماء على أن النكاح في قوله تعالى:

# حتى تنكح زوجا غيره

# [البقرة: 230] بمعنى الوطء دون العقد وردوا على من فسره بالعقد وزعم أن
~~المطلقة ثلاثا تحل لزوجها الأول بعقد الثاني عليها دون وطء، وعن الثاني
~~بأنه إخبار خارج مخرج الغالب أريد به تشنيع أمر الزنا ولذلك زيدت
~~المشركة، والاعتراض بالوضوح ليش بشيء. وللفاضل سري الدين المصري كلام
~~طويل في ذلك، وما قيل: إنه حينئذ يكون كقوله تعالى:

# الخبيثت للخبيثين

# [النور: 26] الخ فيحصل التكرار ستعلم إن شاء الله تعالى أنه لا يتم إلا
~~في قول. وقيل: النكاح بمعنى التزوج والنفي بمعنى النهي وعبر به عنه
~~للمبالغة، وأيد بقراءة عمرو بن عبيد { لا ينكح } بالجزم والتحريم على
~~ظاهره.

# قال ابن المسيب: وكان الحكم عاما في الزناة أن لا يتزوج أحدهم إلا
~~زانية ثم جاءت الرخصة ونسخ ذلك بقوله تعالى:

# وأنكحوا الأيمى منكم

# [النور: 32] وقوله سبحانه:

# فانكحوا ما طاب لكم من النساء

# [النساء: 3] وروي القول بالنسخ عن مجاهد، وإلى ذلك ذهب الإمام الشافعي
~~قال في «الأم»: اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: { الزانى لا
~~ينكح إلا زانية } الخ اختلافا متباينا، قيل: هي عامة ولكنها
~~نسخت؛ أخبرنا سفيان عن يحيى عن سعيد بن المسيب أنه قال: هي منسوخة
~~نسختها

# وأنكحوا الأيمى منكم

# [النور: 32] فهي أي الزانية من أيامى المسلمين كما قال ابن المسيب إن
~~شاء الله تعالى، ولنا دلائل من الكتاب والسنة على فساد غير هذا القول
~~وبسط الكلام، وقد نقل هذا عن الإمام الشافعي البقاعي ثم قال: إن الشافعي
~~لم يرد أن هذا الحكم نسخ بآية الأيامى فقط بل مع ما انضم إليها من
~~الإجماع وغيره من الآيات والأحاديث بحيث صير ذلك دلالتها على ما تناولته
~~متيقنا كدلالة الخاص على ما تناوله فلا يقال: إنه خالف أصله في أن الخاص
~~لا ms07184 ينسخ بالعام بل العام المتأخر محمول على الخاص لأن ما تناوله الخاص
~~متيقن وما تناوله العام مظنون اه.

# والجبائي يزعم أن النسخ بالإجماع ولعله أراد أنه كاشف عن ناسخ وإلا
~~فالإجماع لا يكون ناسخا كما بين في علم الأصول، نعم في تحقق الإجماع هنا
~~كلام. واعترض هذا الوجه بأنه يلزم عليه حل نكاح المشرك للمسلمة، وأقول:
~~إن نكاح الكافر للمسلمة كان حلالا قبل الهجرة وبعدها إلى سنة الست وفيها
~~بعد الحديبية نزلت آية التحريم كما صرح بذلك العلامة ابن حجر الهيتمي
~~وغيره، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج بنته زينب رضي الله
~~تعالى عنها لأبي العاص بن الربيع قبل البعثة وبعث عليه الصلاة والسلام
~~ثم هاجر وهاجرت معه وهي في نكاح أبي العاص ولم يكن مؤمنا إذ ذاك واستمر
~~الأمر على ذلك إلى سنة الست فلما نزلت آية التحريم لم يلبث إلا يسيرا
~~حتى جاء وأظهر إسلامه رضي الله تعالى عنه فردها صلى الله عليه وسلم له
~~بنكاحه الأول. فيحتمل أن يكون النكاح المذكور حلالا عند نزول الآية التي
~~من فيها بأن يكون نزولها قبل سنة الست / ثم نسخ، وفي هذه السورة آيات
~~نصوا على أن نزولها كان قبل ذلك وهي قوله تعالى:

# إن الذين جاءوا بالإفك

# [النور: 11] الخ قال: إنها نزلت عام غزوة بني المصطلق وكانت سنة خمسة
~~لليلتين خلتا من شعبان فلعل هذه الآية من هذا القبيل بل في أثر رواه ابن
~~أبي شيبة عن ابن جبير وذكره العراقي وابن حجر ما ظاهره أن هذه الآية
~~مكية فإذا انضم هذا إلى ما روي عن ابن المسيب وقال به الشافعي يكون فيها
~~نسخان لكن لم أر من نبه على ذلك، وإذا صح كان هذا الوجه أقل من الأوجه
~~السابقة مؤنة وكأني بك لا تفضل عليه غيره.

# وذهب قوم إلى أن حرمة التزوج بالزانية أو من الزاني إن لم تظهر التوبة
~~من الزنا باقية إلى الآن، وعندهم أنه إن زنى أحد الزوجين يفسد النكاح
~~بينهما، وقال بعضهم: ms07185 لا ينفسخ إلا أن الرجل يؤمر بطلاق زوجته إذا زنت فإن
~~أمسكها أثم، وعند بعض من العلماء أن الزنا عيب من العيوب التي يثبت بها
~~الخيار فلو تزوجت برجل فبان لها أنه ممن يعرف بالزنا ثبت لها الخيار في
~~البقاء معه أو فراقه، وعن الحسن أن حرمة نكاح الزاني للعفيفة إنما هي
~~فيما إذا كان مجلودا وكذا حرمة نكاح العفيف للزانية إنما هي إذا كانت
~~مجلودة فالمجلود عنده لا يتزوج إلا مجلودة والمجلودة لا يتزوجها إلا
~~مجلود وهو موافق لما في بعض الأخبار. فقد أخرج أبو داود وابن المنذر
~~وجماعة عن أبي هريرة قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله "

# وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر «أن رجلا تزوج امرأة ثم إنه زنى فأقيم
~~عليه الحد فجاؤوا به إلى علي كرم الله تعالى وجهه ففرق بينه وبين امرأته
~~وقال له: لا تتزوج إلا مجلودة مثلك، وعن ابن مسعود والبراء بن عازب أن من
~~زنى بامرأة لا يجوز له أن يتزوجها أصلا، وأبو بكر الصديق وابن عمر وابن
~~عباس وجابر وجماعة من التابعين والأئمة على خلافه. واستدل على ذلك بما
~~أخرجه الطبراني والدارقطني من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:

# " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل زنى بامرأة وأراد أن يتزوجها
~~فقال: الحرام لا يحرم الحلال "

# هذا ومن أضعف ما قيل في الآية: إنه يجوز أن يكون معناها ما في الحديث من
~~أن من زنى تزني امرأته ومن زنت يزنى زوجها فتأمل جميع ذاك والله عز وجل
~~يتولى هداك.

# وقرأ أبو البرهسم { وحرم } بالبناء للفاعل وهو الله تعالى، وزيد بن علي
~~رضي الله تعالى عنهما { وحرم } بفتح الحرم وضم الراء.

### || [24.4]

# { والذين يرمون المحصنت } شروع في بيان حكم من نسب
~~الزنا إلى غيره بعد بيان حكم من فعله. والموصول على ما اختاره العلامة
~~الثاني في «التلويح» منصوب بفعل محذوف يدل فعل الأمر بعد عليه أي اجلدوا
~~الذين، ويجوز أن يكون ms07186 في محل رفع على الابتداء ولا يخفى عليك خبره.
~~والآية نزلت في امرأة عويمر كما في «صحيح البخاري»، وعن سعيد بن جبير
~~أنها نزلت بسبب قصة الإفك. والرمي مجاز عن الشتم:

# وجرح اللسان كجرج اليد

# والمراد الرمي بالزنا كما يدل عليه إيراد ذلك عقيب الزواني مع جعل
~~المفعول { المحصنت } الدال على النزاهة عن الزنا وهذا كالصريح في
~~ذلك، وربما يدعى أن اشتراط أربعة من الشهود يشهدون بتحقق ما رمي به كما
~~يدل عليه قوله تعالى: { ثم لم يأتوا بأربعة شهداء
~~فاجلدوهم ثمانين جلدة } قرينة على المراد بناء على العلم
~~بأنه لا شيء يتوقف ثبوته بالشهادة على شهادة أربعة إلا الزنا. والظاهر أن
~~المراد النساء المحصنات وعليه يكون ثبوت وجوب جلد رامي المحصن بدلالة
~~النص للقطع بإلغاء الفارق وهو صفة / الأنوثة واستقلال دفع عار ما نسب
~~إليه بالتأثير بحيث لا يتوقف فهمه على ثبوت أهلية الاجتهاد، وكذا ثبوت
~~وجوب جلد رامية المحصن أو المحصنة بتلك الدلالة وإلا فالذين يرمون للجمع
~~المذكر، وتخصيص الذكور في جانب الرامي والإناث في جانب المرمي لخصوص
~~الواقعة، وقيل المراد الفروج المحصنات وفيه أن إسناد الرمي يأباه مع ما
~~فيه من التوصيف بالمحصنات من مخالفة الظاهر. وقال ابن حزم وحكاه
~~الزهراوي: المراد الأنفس المحصنات؛ واستدل له أبو حيان بقوله تعالى:

# والمحصنت من النساء

# [النساء: 24] فإنه لولا أن المحصنات صالح للعموم لم يقيد. وتعقب بأن (من
~~النساء) هناك قرينة على العموم ولا قرينة هنا، وجعل كون حكم الرجال كذلك
~~قرينة لا يخلو عن شيء فالأولى الاعتماد على ما تقدم. والإحصان هنا لا
~~يتحقق إلا بتحقق العفة عن الزنا وهو معناه المشهور وبالحرية والبلوغ
~~والعقل والإسلام. قال أبو بكر الرازي: ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في
~~ذلك. ولعل غيره علم كما ستعلم إن شاء الله تعالى.

# وثبوته بإقرار القاذف أو شهادة رجلين أو رجل وامرأتين خلافا لزفر. ووجه
~~اعتبار العفة عن الزنا ظاهر لكن في «شرح الطحاوي» في الكلام على العفة
~~عدم الاقتصار على كونها عن الزنا حيث قال ms07187 فيها: بأن لم يكن وطىء امرأة
~~بالزنا ولا بشبهة ولا بنكاح فاسد في عمره فإن كان فعل ذلك مرة يريد
~~النكاح الفاسد تسقط عدالته ولا حد على قاذفه، وكذا لو وطىء في غير الملك
~~كما إذا وطىء جارية مشتركة بينه وبين غيره سقطت عدالته، ولو وطىء في
~~الملك إلا أنه محرم فإنه ينظر إن كانت الحرمة مؤقتة لا تسقط عدالته كما
~~إذا وطىء امرأته في الحيض أو أمته المجوسية وإن كانت مؤبدة سقطت عدالته
~~كما إذا وطىء أمته وهي أخته من الرضاعة.

# ولو مس امرأة أو نظر إلى فرجها بشهوة ثم تزوج بنتها فدخل بها أو أمها لا
~~يسقط إحصانه عند أبي حنيفة عليه الرحمة وعندهما يسقط، ولو وطىء امرأة
~~بالنكاح ثم تزوج بها سقط إحصانه انتهى.

# والمذكور في غير كتاب أن أبا حنيفة يشترط في سقوط الحد عن قاذف الواطىء
~~في الحرمة المؤبدة كون تلك الحرمة ثابتة بحديث مشهور كحرمة وطء المنكوحة
~~بلا شهود الثابتة بقوله عليه الصلاة والسلام:

# " لا نكاح إلا بشهود "

# وهو حديث مشهور أو ثابتة بالإجماع كموطوأة أبيه بالنكاح أو بملك اليمين
~~لو تزوجها الابن أو اشتراها فوطئها، ومثل ذلك عنده وطء مزنيته فإنه لا
~~يعتبر الخلاف عند ثبوت الحرمة بالنص وهنا قد ثبتت به لقوله تعالى:

# ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء

# [النساء: 22] وإنما يعتبره إذا ثبتت بقياس أو احتياط كثبوتها بالنظر إلى
~~الفرج والمس بشهوة فإن ثبوتها فيما ذكر لإقامة السبب مقام المسبب
~~احتياطا، ومن هذا يعلم حال فروع كثيرة فليحفظ.

# وما ذكر من سقوط إحصان من وطىء أمته وهي أخته من الرضاع فيه خلاف الكرخي
~~فإنه قال، لا يسقط الإحصان بوطئها وهو قول الشافعي ومالك وأحمد لقيام
~~الملك فكان كوطء أمته المجوسية، وفيه أن الحرمة في وطء المجوسية يمكن
~~ارتفاعها فتكون مؤقتة وحرمة الرضاع لا يمكن ارتفاعها فلم يكن المحل
~~قابلا للحل أصلا، واشترط في الملك أن لا يظهر فساده بالاستحقاق فلو
~~اشترى جارية فوطئها ثم استحقت فقذفه إنسان لا يحد، وفي ms07188 «كافي الحاكم
~~والقهستاني والفتح» أن الوطء في الشراء الفاسد يسقط / الحد عن القاذف
~~وحمله بعضهم على ما ذكرنا. وقال بعض الأجلة: كما يشترط العفة عن الزنا
~~يشترط السلامة عن تهمته ويحترز به عن قذف ذات ولد ليس له أب معروف فإنهم
~~ذكروا أنه لا يحد قاذفها لمكان التهمة، وقد ذكر ذلك الحصكفي في باب
~~اللعان من «شرح تنوير الأبصار»، ولا تقاس اللواطة على الزنا فلو قذف بها
~~لا يحد القاذف خلافا لأبي يوسف ومحمد وقد اختلفا في أحكام كثيرة ذكرها
~~زين الدين في «بحره».

# وأما اعتبار الحرية فلأنها يطلق عليها اسم الإحصان قال الله تعالى:

# فعليهن نصف ما على المحصنت من العذاب

# [النساء: 25] فإن المراد بالمحصنات فيه الحرائر فالرقيق ليس محصنا بهذا
~~المعنى وكونه محصنا بمعنى آخر كالإسلام وغيره فيكون محصنا من وجه دون
~~وجه وذلك شبهة في إحصانه فوجب درء الحد عن قاذفه فلا يحد حتى يكون محصنا
~~بجميع المفهومات التي يطلق عليها لفظ الإحصان إلا ما أجمع على عدم
~~اعتباره في تحقق الإحصان وهو كون المقذوفة زوجة أو كون المقذوف زوجا
~~فإنه جاء بمعناه في قوله تعالى:

# والمحصنت من النساء

# [النساء: 24] أي المتزوجات ولا يعتبر في إحصان القذف بل في إحصان الرجم،
~~ثم لا شك في أن الإحصان أطلق بمعنى الحرية كما سمعت وبمعنى الإسلام في
~~قوله عز وجل:

# فإذا أحصن

# [النساء: 25] قال ابن مسعود: أسلمن وهذا يكفي في إثبات اعتبار الإسلام
~~في الإحصان، وعن داود عدم اشتراط الحرية وأنه يحد قاذف العبد.

# وأما اعتبار العقل والبلوغ ففيه إجماع إلا ما روي عن أحمد عليه الرحمة
~~من أن الصبي الذي يجامع مثله محصن فيحد قاذفه، والأصح عنه موافقة
~~الجماعة، وقول مالك في الصبية التي يجامع مثلها يحد قاذفها خصوصا إذا
~~كانت مراهقة فإن الحد لعلة إلحاق العار ومثلها يلحقها العار، وكذا قوله
~~وقول الليث: إنه يحد قاذف المجنون لذلك، والجماعة يمنعون كون الصبي
~~والمجنون يلحقهما العار بنسبتهما إلى الزنا بل ربما يضحك من نسبهما إليه
~~إما لعدم صحة ms07189 قصده منهما وإما لعدم مخاطبتهما بالمحرمات وما أشبه ذلك،
~~ولو فرضنا لحوق عار بالمراهق فليس ذلك على الكمال فيندرىء الحد، ومثل
~~الصبي والمجنون في أنه ربما يضحك من نسبة الزنا إليهما الرتقاء والمجبوب
~~بل هما أولى بذلك لعدم تصوره فيهما ولذا لا يحد بقذفهما، وإلا ما روي عن
~~سعيد وابن أبي ليلى من أنه يحد بقذف الذمية إذا كان لها ولد مسلم، وكذا
~~ما قيل: إنه يحد بقذفها إذا كانت تحت مسلم.

# ثم إن الإسلام والحرية إذا لم يكونا موجودين وقت الزنا المقذوف به بل
~~كانا موجودين وقت القذف لا يفيدان شيئا فلو قذف امرأة مسلمة زنت في
~~نصرانيتها أو رجلا مسلما زنى في نصرانيته وقال: زنيت وأنت كافرة أو
~~زنيت وأنت كافر أو قذف معتقا زنى وهو عبد أو معتقة زنت وهي أمة وقال:
~~زنيت أو زنيت وأنت عبد أو أنت أمة لا يحد، وكذا المكاتب والمكاتبة
~~والكافر الحربي إذا زنى في دار الحرب ثم أسلم، ويفهم من كلامهم أن البلوغ
~~والعقل كالاسلام والحرية في ذلك، فقد صرحوا فيما اذا قال: زنيت وأنت
~~صغيرة أو زنيت وأنت مجنون بأنه لا يحد، وكأن المدار في درء الحد الصدق في
~~كل ذلك، ومن هنا قال في «المبسوط»: إن الموطوأة إذا كانت مكرهة يسقط
~~إحصانها ولا يحد قاذفها كما يسقط إحصان المكره الواطىء ولا يحد قاذفه لأن
~~الإكراه يسقط الإثم ولا يخرج الفعل به من أن يكون زنى، لكن ذكر فيه أن من
~~قذف زانيا لا حد عليه سواء قذفه بذلك الزنا بعينه أو بزنى آخر من جنسه
~~أو أبهم في حالة القذف، ووجه أن الله تعالى أوجب الحد على من رمى المتصف
~~بالإحصان وبالزنا لا يبقى إحصان فلا يثبت الحد خلافا لإبراهيم وابن أبي
~~ليلى، نعم إذا كان القذف بزنا تاب عنه المقذوف يعزر القاذف، وهذا يقتضي
~~أنه لا يحتاج سقوط الحد في المسائل السابقة إلى التقييد / فليتأمل.

# ولو تزوج مجوسي بأمه أو بنته ثم أسلم ففسخ النكاح فقذفه مسلم في ms07190 حال
~~إسلامه يحد عند أبي حنيفة عليه الرحمة بناء على ما يراه من أن أنكحة
~~المجوس لها حكم الصحة. وقال الإمامان: لا يحد بناء على أن ليس لها حكم
~~الصحة وهو قول الأئمة الثلاثة، ولا يعلم خلاف بين من يعتبر الحرية في
~~الإحصان في أنه لا حد على من قذف مكاتبا مات وترك وفاء لتمكن الشبهة في
~~شرط الحد وهو الإحصان لاختلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم في أنه مات
~~حرا أو عبدا وذلك يوجب درء الحد ولأنه يدرأ بالشبهة، لا يحد من قذف
~~أخرس فإن هناك احتمال أن يصدقه لو نطق ولا يعول على إشارته هنا وإن
~~قالوا: إنها تقوم مقام عبارته في بعض الأحكام لقيام الاحتمال فيها.

# واشترطوا أيضا أن يوجد الإحصان وقت الحد حتى لو ارتد المقذوف سقط الحد
~~ولو أسلم بعد، وكذا لو زنى أو وطىء وطأ حراما أو صار معتوها أو أخرس
~~وبقي ذلك لم يحد كما في «كافي الحاكم»، واشترطوا أيضا أن لا يموت قبل أن
~~يحد القاذف لأن الحد لا يورث، وأن لا يكون المقذوف ولد القاذف أو ولد
~~ولده فلا يحد من قذف أحدهما إلى غير ذلك مما ستعلم بعضه إن شاء الله
~~تعالى.

# ولم يصرح أكثر الفقهاء بشروط القاذف، ويفهم من كلامهم أنه يشترط فيه أن
~~يكون  بالغا  فلا يحد الصبي إذا قذف ويعزر  عاقلا  فلا يحد
~~المجنون ولا السكران إلا إذا سكر بمحرم  ناطقا  فلا يحد الأخرس لعدم
~~التصريح بالزنا، وصرح بهذا ابن الشلبي عن «النهاية»  طائعا  فلا يحد
~~المكره  قاذفا في دار العدل  فلا يحد القاذف في دار الحرب أو البغي،
~~وفي الآية إشارة إلى بعض ذلك، ويحتمل أن يعد من الشروط كونه عالما
~~بالحرمة حقيقة أو حكما بأن يكون ناشئا في دار الإسلام، لكن في «كافي
~~الحاكم» حربي دخل دار الإسلام بأمان فقذف مسلما يحد في قوله الأخير وهو
~~قول صاحبيه، وظاهره أنه يحد ولو كان قذفه في فور دخوله، ولعل وجهه أن
~~الزنا حرام في كل ملة ms07191 فيحرم القذف به أيضا فلا يصدق بالجهل.

# ويشترط أن يكون القذف بصريح الزنا بأي لسان كان كما صرح به جمع من
~~الفقهاء وألحقوا به بعض ألفاظ ثبت الحد بها بالأثر والإجماع فيحد بقوله:
~~زنيت أو زاني بياء ساكنة وكذا يا زانىء بهمزة مضمومة عند أبي حنيفة
~~وأبي يوسف خلافا لمحمد فلا يحد بذلك عنده لأنه حقيقة عنده في الصعود.

# وتعقب بأن ذلك إنما يفهم منه إذا ذكر مقرونا بمحل الصعود، على أنه
~~ينبغي أن يكون المذهب أنه لو قيل مع ذكر محل الصعود في حالة الغضب
~~والسباب يكون قذفا، فقد جزم في «المبسوط» بالحد فيما إذا قال: زنأت في
~~الجبل أو على الجبل في حالة الغضب ولو قال لامرأة: يا زاني حد اتفاقا،
~~وعلله في «الجوهرة» بأن الأصل في الكلام التذكير، ولو قال للرجل: يا
~~زانية لا يحد عند الإمام وأبي يوسف لأنه أحال كلامه فوصف الرجل بصفة
~~المرأة، وقال محمد: يحد لأن الهاء تدخل للمبالغة كما في علامة. وأجيب
~~بأن كونها للمبالغة مجاز بل هي لما عهد لها من التأنيث ولو كانت في ذلك
~~حقيقة فالحد لا يجب للشك، ويحد بقوله: أنت أزنى من فلان أو مني على ما في
~~«الظهيرية» وهو الظاهر، لكن في «الفتح» عن «المبسوط» أنه لا حد في أنت
~~أزنى من فلان أو أزنى الناس، وعلله في «الجوهرة» بأن معناه أنت أقدر على
~~الزنا، وفي «الفتح» بأن أفعل في مثله يستعمل للترجيح في العلم فكأنه قال:
~~أنت أعلم بالزنا، ولا يخفى أن قصد ذلك في حالة السباب بعيد، وفي
~~«الخانية» في أنت أزنى الناس أو أزنى من فلان الحد، وفي أنت أزنى مني لا
~~حد، ولا يخفى أن التفرقة غير ظاهرة، وقد يقال: إن قوله: أنت أزنى من
~~فلان فيه نسبة فلان إلى الزنا وتشريك المخاطب معه في ذلك بخلاف أنت أزنى
~~مني لأن فيه نسبة نفسه / إلى الزنا وذلك غير قذف فلا يكون قذفا للمخاطب
~~لأنه تشريك له فيما ليس بقذف، ويحد بلست لأبيك ms07192 لما فيه من نسبة الزنا إلى
~~الأم ولما جاء في الأثر عن ابن مسعود لا حد إلا في قذف محصنة أو نفي
~~رجل من أبيه، وقيد بكونه في حالة الغضب إذ هو في حالة الرضا يراد به
~~المعاتبة بنفي مشابهته له، وذكر أن مقتضى القياس أن لا حد به مطلقا
~~لجواز أن ينفي النسب من أبيه من غير أن تكون الأم زانية من كل وجه بأن
~~تكون موطوأة بشبهة ولدت في عدة الواطىء لكن ترك ذلك للأثر.

# ولا حد بالتعريض كأن يقول ما أنا بزان أو ليست أمي زانية وبه قال
~~الشافعي وسفيان الثوري وابن شبرمة والحسن بن صالح وهو الرواية المشهورة
~~عن أحمد، وقال مالك وهو رواية عن أحمد: يحد بالتعريض لما روى الزهري عن
~~سالم عن ابن عمر قال: كان عمر رضي الله تعالى عنه يضرب الحد بالتعريض،
~~وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه جلد رجلا بالتعريض، ولأنه إذا عرف
~~المراد بدليله من القرينة صار كالصريح، وللجماعة أن الشارع لم يعتبر مثله
~~فإنه حرم صريح خطبة المتوفى عنها زوجها في العدة وأباح التعريض فقال
~~سبحانه:

# لا تواعدوهن سرا

# [البقرة: 235] وقال تعالى:

# ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة
~~النساء أو أكننتم

# [البقرة: 235] فإذا ثبت من الشرع عدم اتحاد حكمهما في غير الحد لم يجز
~~أن يعتبر مثله على وجه يوجب الحد المحتاط في درئه، وهو أولى من الاستدلال
~~بأنه صلى الله عليه وسلم لم يلزم الحد للذي قال: يا رسول الله إن امرأتي
~~ولدت غلاما أسود يعرض بنفسه لأن إلزام حد القذف متوقف على الدعوى
~~والمرأة لم تدع ذلك.

# ولا حد بوطئك فلان وطأ حراما أو جامعك حراما أو فجرت بفلانة أو يا
~~حرام زاده أو اذهب فقل لفلان: إنك زان فذهب الرسول فقال له ذلك عنه بأن
~~قال: فلان يقول إنك زان لا إذا قال له: إنك زان فإنه يحد الرسول حينئذ،
~~واستيفاء ما فيه حد وما لا حد فيه في «كتب الفقه».

# وقولنا في ms07193 كذا حد على إرادة إذا تحقق الشرط المفهوم من قوله سبحانه: {
~~ثم لم يأتوا } الخ، واشترط الإتيان بأربعة شهداء تشديدا على
~~القاذف، ويشترط كونهم رجالا لما صرحوا به من أنه لا مدخل لشهادة النساء
~~في الحدود، وظاهر إتيان التاء في العدد مشعر باشتراط كونهم كذلك، ولا
~~يشترط فيهم العدالة ليلزم من عدم الإتيان بأربعة شهداء عدول الجلد لما
~~صرح به في «الملتقط» من أنه لو أتى بأربعة فساق فشهدوا أن الأمر كما قال
~~درىء الحد عن القاذف والمقذوف والشهود، ووجه ذلك أن في الفاسق نوع قصور
~~وإن كان من أهل الأداء والتحمل ولذا لو قضى بشهادته نفذ عندنا فيثبت
~~بشهادتهم شبهة الزنا فيسقط الحد عنهم وعن القاذف وكذا عن المقذوف لاشتراط
~~العدالة في الثبوت، ولو كانوا عميانا أو عبيدا أو محدودين في قذف فإنهم
~~يحدون للقذف دون المشهود عليه لعدم أهلية الشهادة فيهم كما قيل. والظاهر
~~أن القاذف يحد أيضا لأن الشهود إذا حدوا مع أنهم إنما تكلموا على وجه
~~الشهادة دون القذف فحد القاذف أولى، والظاهر أن المراد ثم لم يأتوا
~~بأربعة شهداء يشهدون على من رمى بأنه زنى، والمتبادر أن يكون ذلك عن
~~معاينة لكن قال في «الفتح»: لو شهد رجلان أو رجل وامرأتان على إقرار
~~المقذوف بالزنا يدرأ عن القاذف الحد وكذا عن الثلاثة أي الرجل والمرأتين
~~لأن الثابت بالبينة كالثابت فكأنا سمعناه إقراره بالزنا انتهى. وأنت تعلم
~~أن البينة على الإقرار لا تعتبر بالنسبة إلى حد المقذوف لأنه إن كان
~~منكرا فقد رجع بالإنكار عن الإقرار وهو موجب لدرء الحد فتغلو البينة،
~~وإن أقر بشرطه لا تسمع فإنها إنما تسمع مع الإقرار في سبع / مواضع ليس
~~هذا الموضع منها.

# ويشترط اجتماع شهود الزنا في مجلس الحاكم بأن يأتوا إليه مجتمعين أو
~~فرادى ويجتمعوا فيه ويقوم منهم إلى الحاكم واحد بعد واحد فإن لم يأتوا
~~كذلك بأن أتوا متفرقين أو اجتمعوا خارج مجلس الحاكم ودخلوا واحدا بعد
~~واحد لم تعتبر شهادتهم وحدوا حد القذف. والظاهر أنه يجوز ms07194 أن يكون أحد
~~الشهود زوج المقذوفة لاندراجه في { أربعة شهداء } وبه قال أبو
~~حنيفة وأصحابه وروي ذلك عن الحسن والشعبي وقال مالك والشافعي: يلاعن
~~الزوج وتحد الثلاثة، وروي مثله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

# وظاهر الآية أنه إذا لم يأت القاذف بتمام العدة بأن أتى باثنين أو ثلاثة
~~منها جلد وحده ولا يجلد الشاهد إلا أن المأثور جلده، فقد روي أنه شهد على
~~المغيرة بالزنا شبل بن معبد البجلي وأبو بكرة وأخوه نافع وتوقف زياد فحد
~~الثلاثة عمر رضي الله تعالى عنه بمحضر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم
~~ولم ينكروا عليه وهم هم.

# وفي كلمة { ثم } إشعار بجواز تأخير الإتيان بالشهود كما أن في كلمة {
~~لم } إشارة إلى تحقق العجز عن الإتيان بهم وتقرره.

# وفي غير كتاب من «كتب الفروع» لأصحابنا أن القاذف إذا عجز عن الشهود
~~للحال واستأجل لإحضارهم زاعما أنهم في المصر يؤجل مقدار قيام الحاكم من
~~مجلسه فإن عجز حد ولا يكفل ليذهب لطلبهم بل يحبس ويقال: ابعث إليهم من
~~يحضرهم عند الإمام وأبي يوسف في أحد قوليه لأن سبب وجوب الحد ظهر عند
~~الحاكم فلا يكون له أن يؤخر الحد لتضرر المقذوف بتأخير دفع العار عنه
~~والتأخير مقدار قيامه من المجلس قليل لا يتضرر به، وفي قول أبي يوسف
~~الآخر وهو قول محمد يكفل أي بالنفس إلى ثلاثة أيام.

# وكان أبو بكر الرازي يقول: مراد أبي حنيفة أن الحاكم لا يجبره على
~~إعطاء الكفيل فإما إذا سمحت نفسه به فلا بأس لأن تسليم نفسه مستحق عليه
~~والكفيل بالنفس إنما يطالب بهذا القدر، وذكر ابن رستم عن محمد أنه إذا لم
~~يكن له من يأتي بالشهود يبعث معه الحاكم واحدا ليرده عليه.

# والأمر في قوله سبحانه: { فاجلدوهم } لولاة الأمر ونوابهم.
~~والظاهر وجوب الجلد وإن لم يطالب المقذوف وبه قال ابن أبي ليلى، وقال
~~أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي: لا يحد إلا بمطالبته. وقال مالك
~~كذلك إلا أن يكون الإمام سمعه يقذفه فيحده إن كان ms07195 مع الإمام شهود عدول
~~وإن لم يطالب المقذوف كذا قال أبو حيان. وللمقذوف المطالبة وإن كان آمرا
~~للقاذف بقذفه لأن بالأمر لا يسقط الحد كما نقل الحصكفي ذلك عن «شرح
~~التكملة» ثم لا يخفى أن القول بأن القاذف لا يحد إلا بمطالبة المقذوف
~~ظاهر في أن الحد حق العبد ويشهد لذلك أحكام كثيرة ذكرها أصحابنا.

# منها أنه لا تبطل الشهادة على ما يوجبه بالتقادم. ومنها أنه لا يدفعه
~~الرجوع عن الإقرار بموجبه. ومنها أنه يقام على المستأمن وإنما يؤاخذ
~~المستأمن بما هو من حقوق العباد. ومنها أنه يقدم استيفاء على استيفاء حد
~~الزنا وحد السرقة وشرب الخمر. ومنها أنه يقيمه القاضي بعلمه إذا علمه في
~~أيام قضائه ولذا لو قذف بحضرته يحده.

# وعندنا أحكام تشهد بأنه حق الله عز وجل. منها أن استيفاءه إلى الإمام
~~وهو إنما يتعين نائبا في استيفاء حق الله تعالى وأما حق العبد فاستيفاؤه
~~إليه. ومنها أنه لا يحلف القاذف إذا أنكر سببه وهو القذف ولم تقم عليه
~~بينة. ومنها أنه لا ينقلب مالا عند السقوط. ومنها أنه يتنصف بالرق كسائر
~~العقوبات الواجبة / حقا له عز وجل، وذكر ابن الهمام أنه لا خلاف في أن
~~فيه حق الله تعالى وحق العبد إلا أن الشافعي مال إلى تغليب حق العبد
~~باعتبار حاجته وغنى الحق سبحانه وتعالى ونحن صرنا إلى تغليب حق الله
~~تعالى لأن ما للعبد من الحقوق يتولى استيفاءه مولاه فيصير حق العبد
~~موجبا لتغليب حق الله تعالى لا مهدرا ولا كذلك عكسه أي لو غلب حق العبد
~~لزم أن لا يستوفى حق الله عز وجل إلا بأن يجعل ولاية استيفائه إليه وذلك
~~لا يجوز إلا بدليل ينصبه الشرع على إنابة العبد في الاستيفاء ولم يثبت
~~ذلك بل الثابت هو استنابة الإمام حتى كان هو الذي يستوفيه كسائر الحدود
~~التي هي حقه سبحانه وتعالى.

# ويتفرع على الخلاف أن من ثبت أنه قذف فمات قبل إقامة الحد على القاذف لا
~~يورث عنه إقامة الحد عندنا إذ الإرث ms07196 يجري في حقوق العباد بشرط كونها
~~مالا أو ما يتصل بالمال أو ما ينقلب إليه وتورث عنده، وأن الحد لا يسقط
~~عندنا بعد ثبوته إلا أن يقول المقذوف: لم يقذفني أو كذب شهودي وحينئذ
~~يظهر أن القذف لم يقع موجبا للحد لا أنه وقع ثم سقط بقوله ذلك وهذا كما
~~إذا صدقه المقذوف، وقال زين الدين: إن المقذوف إذا عفا لم يكن للإمام
~~استيفاء الحد لعدم الطلب فإذا عاد وطلب يقيمه ويلغو العفو، وعند الشافعي
~~يصح العفو وعن أبي يوسف مثله، وكان المراد أنه إذا عفا سقط الحد ولا
~~ينفع العود إلى المطالبة وأنه لا يجوز الاعتياض عنه عندنا وبه قال مالك،
~~وعنده يجوز وهو قول أحمد وأنه يجري فيه التداخل عندنا لا عنده وبقولنا
~~قال مالك والثوري والشعبي والنخعي والزهري وقتادة وطاوس وحماد وأحمد في
~~رواية حتى إذا حد إلا سوطا فقذف آخر فإنه يتم الأول ولا شيء للثاني.

# وكذا إذا قذف واحدا مرات أو جماعة بكلمة مثل أنتم زناة أو بكلمات مثل
~~أنت يا زيد زان وأنت يا عمرو زان وأنت يا بشر زان في يوم أو أيام يحد
~~حدا واحدا إذا لم يتخلل حد بين القذفين. ووافقنا الشافعي في الحد
~~الواحد لقاذف جماعة بكلمة مرة واحدة، وفي «الظهيرية» من قذف إنسانا فحد
~~ثم قذفه ثانيا لم يحد، والأصل فيه ما روي أن أبا بكرة لما شهد على
~~المغيرة فحد لما سمعت كان يقول بعد ذلك في المحافل: أشهد أن المغيرة لزان
~~فأراد عمر رضي الله تعالى عنه أن يحده ثانيا فمنعه علي كرم الله تعالى
~~وجهه فرجع إلى قوله وصارت المسألة إجماعا اه، والظاهر أن هذا فيما إذا
~~قذفه ثانيا بالزنا الأول أو أطلق لحمل اطلاقه على الأول لأن المحدود
~~بالقذف يكرر كلامه لاظهار صدقه فيما حد به كما فعل أبو بكرة فإنه لم يرد
~~أن المغيرة لزان أنه زان غير الزنا الأول، أما إذا قذفه بعد الحد بزنا
~~آخر فإنه يحد به كما في «الفتح».

# وذكر ms07197 صدر الإسلام أبو اليسر في «مبسوطه» الصحيح أن الغالب في هذا الحد
~~حق العبد كما قال الشافعي لأن أكثر الأحكام تدل عليه والمعقول يشهد له
~~وهو أن العبد ينتفع به على الخصوص، وقد نص محمد في الأصل على أن حد القذف
~~كالقصاص حق العبد، وتفويضه إلى الإمام لأن كل أحد لا يهتدي إلى إقامته
~~ولأنه ربما يريد المقذوف موته لحنقه فيقع متلفا، وإنما لا يورث لأنه
~~مجرد حق ليس مالا ولا بمنزلته فهو كخيار الشرط وحق الشفعة بخلاف القصاص
~~فإنه ينقلب إلى المال، وأيضا هو في معنى ملك العين لأن من له القصاص
~~يملك إتلاف العين وملك الإتلاف ملك العين عند الناس فصار من عليه القصاص
~~كالملك لمن له القصاص فيملكه / الوارث في حق استيفاء القصاص، وإنما لا
~~يصح عفوه لأنه متعنت فيه لأنه رضا بالعار والرضا بالعار عار ولا يخفى ما
~~في ذلك من الأبحاث.

# والشافعي يستدل بالآية لعدم التداخل فإن مقتضاها ترتب الحكم على الوصف
~~المشعر بالعلية فيتكرر بتكرره. ويجاب بأن الإجماع لما كان على دفع الحدود
~~بالشبهات كان مقيدا لما اقتضته الآية من التكرر عند التكرر بالتكرر
~~الواقع من بعد الحد الأول بل هذا ضروري لظهور أن المخاطبين بالإقامة في
~~قوله تعالى: { فاجلدوهم } هم الحكام ولا يتعلق بهم هذا الخطاب إلا
~~بعد الثبوت عندهم فكان حاصل الآية إيجاب الحد إذا ثبت عندهم السبب وهو
~~الرمي وهو أعم من كونه بوصف الكثرة أو القلة فإذا ثبت وقوعه منه كثيرا
~~كان موجبا للجلد ثمانين ليس غير فإذا جلد ذلك وقع الامتثال، ثم هو عليه
~~الرحمة ترك مقتضى التكرر بالتكرر فيما إذا قذف واحدا مرة ثم قذفه ثانيا
~~بذلك الزنا فإنه لا يحد مرتين عنده أيضا، وكذا في حد الزنا والشرب فإنه
~~إذا زنى ألف مرة أو شرب كذلك لا يحد إلا مرة، فالحق أن استدلاله بالآية
~~لا يخلص فإنه ملجىء إلى ترك مثلها من آية أخرى وهي آية حد الزنا فيعود
~~إلى أن هذا حق آدمي بخلاف الزنا فكان ms07198 المبني هو إثبات أنه حق الله عز وجل
~~أو حق العبد، والنظر الدقيق يقتضي أن الغالب فيه حق الله سبحانه وتعالى
~~فتدبر.

# ثم الظاهر أن الرمي المراد في الآية لا يتوقف على حضور المرمى وخطابه
~~فقذف المحصن حاضرا أو غائبا له الحكم المذكور كما في «التاتارخانية»
~~نقلا عن «المضمرات» واعتمده في «الدرر»، ويدل على أن الغيبة كالحضور حده
~~صلى الله عليه وسلم أهل الإفك مع أنه لم يشافه أحد منهم به من نزهها الله
~~تعالى عنه، فما في «حاوي الزاهدي» سمع من أناس كثيرة أن فلانا يزني
~~بفلانة فتكلم بما سمعه منهم مع آخر في غيبة فلان لا يجب حد القذف لأنه
~~غيبة لا رمي وقذف بالزنا لأن الرمي والقذف به إنما يكون بالخطاب كقوله:
~~يا زاني يا زانية ضعيف لا يعول عليه.

# والظاهر أيضا أنه لا فرق بين رمي الحي ورمي الميت فإذا قال: أبوك زان
~~أو أمك زانية كان قاذفا ويحد عند تحقق الشرط لا لو قال: جدك زان فإنه لا
~~حد عليه لما في «الظهيرية» من أنه لا يدري أي جد هود وفي «الفتح» لأن في
~~أجداده من هو كافر فلا يكون قاذفا ما لم يعين محصنا. ويطالب بحد القذف
~~للميت من يقع القدح في نسبه بالقذف وهو الوالد وإن علا والولد وإن سفل،
~~ولا يطالبان عن غائب خلافا لابن أبي ليلى لعدم اليأس عن مطالبته ولأنه
~~يجوز أن يصدق القاذف، وولد البنت كولد الابن في هذا الفصل خلافا لما روي
~~عن محمد، وتثبت المطالبة للمحروم عن الميراث بقتل أو رق أو كفر، نعم ليس
~~للعبد أن يطالب مولاه بقذف أمه الحرة التي قذفها في حال موتها، وعند زفر
~~إذا كان الولد عبدا أو كافرا لا حق له فيها مطلقا، وتثبت للأبعد مع
~~وجود الأقرب فيطالب ولد الولد مع وجود الولد خلافا لزفر ولو عفا بعضهم
~~كان لغيره المطالبة لأنها لدفع العار عن نفسه، والأم كالأب تطالب بحد قذف
~~ولادها لا أم الأم وأبوها، ولا يطالب الابن ms07199 أباه وجده وإن علا بقذف أمه
~~وهو قول الشافعي وأحمد ورواية عن مالك، والمشهور عنه أن للابن أن يطالب
~~الأب بقذف الأم فيقيم عليه الحد وهو قول أبي ثور وابن المنذر لعموم
~~الآية أو إطلاقها ولأنه حد هو حق الله عز وجل ولا يمنع من إقامته قرابة
~~الولاد.

# وأجيب بأن عموم قوله تعالى:

# فلا تقل لهما أف

# [الإسراء: 23] مانع من إقامة الولد الحد على أبيه ولا فائدة للمطالبة
~~سوى ذلك والمانع مقدم، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " لا يقاد الوالد بولده ولا السيد بعبده "

# وأجمعوا على أنه لا يقتص / منه بقتل ولده ولا شك أن إهدار جنايته على
~~نفس الولد توجب إهدارها في عرضه بطريق الأولى مع أن القصاص متيقن سببه
~~والمغلب فيه حق العبد بخلاف حد القذف فيهما.

# ولا حق لأخي الميت وعمه وعمته وخاله وخالته في المطالبة بحد قذفه. وعند
~~الشافعي ومالك عليهما الرحمة تثبت المطالبة لكل وارث وهو رواية غريبة عن
~~محمد، وللشافعية فيمن يرثه ثلاثة أوجه، الأول: جميع الورثة. والثاني: غير
~~الوارث بالزوجية. والثالث: ذكور العصبات لا غير. والظاهر أن مطالبة من له
~~المطالبة بالحد غير واجبة عليه بل في «التاتارخانية» وحسن أن لا يرفع
~~القاذف إلى القاضي ولا يطالب بالحد وحسن من الإمام أن يقول للمطالب أعرض
~~عنه ودعه اه. وكأنه لا فرق في هذا بين أن يعلم الطالب صدق القاذف وأن
~~يعلم كذبه. وما نقل في «القنية» من أن المقذوف إذا كان غير عفيف في السر
~~له مطالبة القاذف ديانة فيه نظر لا يخفى.

# وظاهر الآية أنه لا فرق بين أن يكون الرامي حرا وأن يكون عبدا فيجلد
~~كل منهما إذا قذف وتحقق الشرط ثمانين جلدة، وبذلك قال عبد الله بن مسعود
~~والأوزاعي وجمهور الأئمة على أن العبد ينصف له الحد لما علمت أول السورة.
~~وإذا أريد إقامة الحد على القاذف لا يجرد من ثيابه إلا في قول مالك لأن
~~سببه وهو النسبة إلى الزنا كذبا غير مقطوع به لجواز كونه ms07200 صادقا غير أنه
~~عاجز عن البيان. نعم ينزع عنه الفرو والثوب المحشو لأنهما يمنعان من وصول
~~الألم إليه كذا في «عامة الكتب»، ومقتضاه أنه لو كان عليه ثوب ذو بطانة
~~غير محشو لا ينزع. والظاهر كما في «الفتح» أنه لو كان هذا الثوب فوق قميص
~~نزع لأنه يصير مع القميص كالمحشو أو قريبا من ذلك ويمنع إيصال الألم
~~وكيف لا والضرب هنا أخف من ضرب الزنا.

# هذا وقرأ أبو زرعة وعبد الله بن مسلم { بأربعة } بالتنوين فشهداء
~~بدل أو صفة. وقيل حال أو تمييز وليس بذاك، وهي قراءة فصيحة ورجحها ابن
~~جني على قراءة الجمهور بناء على إطلاق قولهم: إنه إذا اجتمع اسم العدد
~~والصفة كان الاتباع أجود من الإضافة. وتعقب بأن ذاك إذا لم تجر الصفة
~~مجرى الأسماء في مباشرتها العوامل وأما إذا جرت ذلك المجرى فحكمها حكمها
~~في العدد وغيره غاية ما في الباب أنه يجوز فيها الإبدال بعد العدد نظرا
~~إلى أنها غير متمحضة الاسمية و { شهداء } من ذلك القبيل  فأربعة
~~شهداء  بالإضافة أفصح من { أربعة شهداء } بالتنوين والاتباع.

# وقال ابن عطية: وسيبويه يرى أن تنوين العدد وترك إضافته إنما يجوز في
~~الشعر انتهى، وكأنه أراد الطعن في هذه القراءة على هذا القول، وفيه أن
~~سيبويه إنما يرى ذلك في العدد الذي بعده اسم نحو ثلاثة رجال دون الذي
~~بعده صفة فإنه على التفصيل الذي ذكر كما قال أبو حيان.

# وقوله سبحانه: { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } أي مدة
~~حياتهم كما هو الظاهر، عطف على { اجلدوا } داخل في حكمه تتمة له كأنه
~~قيل: فاجلدوهم وردوا شهادتهم أي فأجمعوا لهم الجلد والرد، ورد شهادتهم
~~عند الإمام أبي حنيفة عليه الرحمة معلق باستيفاء الجلد فلو شهدوا قبل
~~الجلد أو قبل تمام استيفائه قبلت شهادتهم، وقيل: ترد إذا ضربوا سوطا،
~~وقيل: ترد إذا أقيم عليهم الأكثر، ومن الغريب ما روى ابن الهمام عن مالك
~~أنه مع قوله: إن للابن أن يطالب بحد والده إذا قذف أمه قال: إنه إذا حد ms07201
~~الأب سقطت عدالة الابن / لمباشرته سبب عقوبة أبيه أي وكذا عدالة الأب
~~وهذا ظاهر.

# وقوله تعالى: { وأولئك هم الفسقون } كلام مستأنف مبين
~~لسوء حالهم في حكم الله عز وجل، وما في اسم الإشارة من معنى البعد
~~للإيذان ببعد منزلتهم في الشر والفساد أي أولئك هم المحكوم عليهم بالفسق
~~والخروج عن الطاعة والتجاوز عن الحدود الكاملون فيه كأنهم هم المستحقون
~~لإطلاق اسم الفاسق عليهم لا غيرهم من الفسقة، ويعلم مما أشرنا إليه أنهم
~~فسقة عند الشرع الحاكم بالظاهر لا أنهم كذلك في نفس الأمر وعند الله عز
~~وجل العالم بالسرائر لاحتمال صدقهم مع عجزهم عن الإتيان بالشهداء كما لا
~~يخفى، وصرح بهذا بعض المفسرين.

# وجوز أن يكون المراد الإخبار عن فسقهم عند الله تعالى وفي علمه، ووجهه
~~إذا كانوا كاذبين ظاهر، وأما وجهه إذا كانوا صادقين فهو أنهم هتكوا ستر
~~المؤمنين وأوقعوا السامع في الشك من غير مصلحة دينية بذلك والعرض مما أمر
~~الله تعالى بصونه إذا لم يتعلق بهتكه مصلحة فكانوا فسقة غير ممتثلين أمره
~~عز وجل، ولا يخفى حسن حمل الآية على هذا المعنى وهو أوفق لما ذكره
~~الحصكفي في «شرح الملتقى» نقلا عن النجم الغزي من أن الرمي بالزنا من
~~الكبائر وإن كان الرامي صادقا ولا شهود له عليه ولو من الوالد لولده وإن
~~لم يحد به بل يعزر ولو غير محصن؛ وشرط الفقهاء الإحصان إنما هو لوجوب
~~الحد لا لكونه كبيرة، وقد روى الطبراني عن واثلة عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم أنه قال:

# " من قذف ذميا حد له يوم القيامة بسياط من نار "

# وهذه مسألة مختلف فيها، ففي «شرح جمع الجوامع» للعلامة المحلي قال
~~الحليمي: قذف الصغيرة والمملوكة والحرة المتهتكة من الصغائر لأن الإيذاء
~~في قذفهن دونه في الحرة الكبيرة المستترة، وقال ابن عبد السلام: قذف
~~المحصن في خلوة بحيث لا يسمعه إلا الله تعالى والحفظة ليس بكبيرة موجبة
~~للحد لانتفاء المفسدة أما قذف الرجل زوجته إذا أتت بولد يعلم أنه ليس منه
~~فمباح، وكذا جرح ms07202 الراوي والشاهد بالزنا إذا علم بل هو واجب انتهى، وظاهر
~~ما نقل عن ابن عبد السلام نفي إيجاب الحد لا نفي كونه كبيرة أيضا لشيوع
~~توجه النفي إلى القيد في مثله، وإن قلنا: إنه هنا لنفي القيد والمقيد فهو
~~ظاهر كما قال الزركشي فيما إذا كان صادقا لا فيما إذا كان كاذبا لجرأته
~~على الله تعالى جل شأنه فهو كبيرة وإن كان في الخلوة، ولعل ما ذكره من
~~وجوب جرح الشاهد بالزنا إذا علم مقيد بما إذا قدر على الإتيان بالشهود،
~~والأولى عندي فيما إذا كان الضرر في قبول شهادته عليه يسيرا عدم الجرح
~~بذلك وإن قدر على إثباته، وما ذكره في جرح الراوي لا يتم فيما أرى على
~~رأي من يعتبر الجرح المجرد عن بيان السبب، ولا يبعد القول بأن الرمي منه
~~ما هو كفر كرمي عائشة رضي الله تعالى عنها سواء كان جهرا أو سرا وسواء
~~كان بخصوص الذي برأه الله تعالى منه أو بغيره وكذا رمي سائر أمهات
~~المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وكذا القول في مريم عليها السلام، ومنه ما
~~هو كبيرة دون الكفر ومثاله ظاهر، ومنه ما هو صغيرة كرمي المملوكة
~~والصغيرة، ومنه ما هو واجب كرمي شاهد على مسلم معصوم الدم بما يكون سببا
~~لقتله لو قبلت شهادته وعلم كونها زورا وتعين ذلك لرد شهادته وصيانة ذلك
~~المسلم من القتل ولو كان رميه مع إقامة البينة عليه بالزنا موجبا لرجمه،
~~ومنه ما هو سنة كرمي ترتبت عليه مصلحة دون مصلحة الرمي الواجب.

### || [24.5]

# وقوله تعالى: { إلا الذين تابوا } أي رجعوا عما قالوا وندموا
~~/ على ما تكلموا استثناء من الفاسقين كما صرح به أكثر الأصحاب. وقال
~~بعضهم: المستثنى منه في الحقيقة

# أولئك

# [النور: 4] وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلق بذلك. ومحل المستثنى
~~النصب لأنه عن موجب. وقوله عز وجل: { من بعد ذلك } لتهويل المتوب
~~عنه أي من بعدما اقترفوا ذلك الذنب العظيم الهائل. وقوله تعالى: {
~~وأصلحوا } على معنى وأصلحوا أعمالهم بالاستحلال ممن رموه. وهذا ms07203
~~ظاهر إن كان قد بقي حيا فإن كان قد مات فلعل الاستغفار له يقوم مقام
~~الاستحلال منه كما قيل في نظير المسألة. فإن كانوا قد رموا أمواتا
~~فالظاهر أنهم يستحلون ممن خاصمهم وطلب إقامة الحد عليهم. ويحتمل أن يغني
~~عنه الاستغفار لمن رموه. والجمع بين الاستحلال من أولئك المخاصمين
~~والاستغفار للمرميين أولى ولم أر من تعرض لذلك.

# وكون الاستثناء من الجملة الأخيرة مذهب الحنفية فعندهم لا تقبل شهادة
~~المحدود في قذف وإن تاب وأصلح لكن قالوا: إن حد الكافر ثم أسلم قبلت
~~شهادته وإن لم تكن تقبل قبل على أهل الذمة، ووجهه أن النص موجب لرد
~~شهادته الناشئة عن أهليته الثابتة له عند القذف ولذا قيل

# ولا تقبلوا لهم شهادة

# [النور: 4] دون ولا تقبلوا شهادتهم أي ولا تقبلوا منهم شهادة من
~~الشهادات حال كونها حاصلة لهم عند الرمي والشهادة التي كانت حاصلة للكافر
~~عند الرمي هي الشهادة على أبناء جنسه فتدخل تحت الرد، وأما الشهادة التي
~~اعتبرت بعد الإسلام فغير تلك الشهادة ولهذا قبلت على أهل الإسلام وغيرهم
~~فلم تدخل تحت الرد، وهذا بخلاف العبد إذا حد في قذف ثم أعتق فإنه لا تقبل
~~شهادته لأنه لم تكن له شهادة من قبل للرق فلزم كون تتميم حده برد شهادته
~~التي تجددت له، وقد طلب الفرق بينه وبين من زنى في دار الحرب ثم خرج إلى
~~دار الإسلام فإنه لا يحد حيث توقف حكم الموجب في العبد إلى أن أمكن ولم
~~يتوقف في الزنا في دار الحرب إلى الامكان بالخروج إلى دار الإسلام. وأجيب
~~بأن الزنا في دار الحرب لم يقع موجبا أصلا لعدم قدرة الإمام فلم يكن
~~الإمام مخاطبا بإقامته أصلا لأن القدرة شرط التكليف لو حد بعد خروجه من
~~غير سبب آخر كان بلا موجب وغير الموجب لا ينقلب موجبا بنفسه خصوصا في
~~الحد المطلوب درؤه، وأما قذف العبد فموجب حال صدوره للحد غير أنه لم يكن
~~تمامه في الحال فيتوقف تتميمه على حدوث ذلك بعد العتق كذا قيل. ms07204

# وقال في «المبسوط» في الفرق بين الكافر إذا أسلم بعد الحد والعبد إذا
~~اعتق بعده: إن الكافر استفاد بالإسلام عدالة لم تكن موجودة له عند إقامة
~~الحد وهذه العدالة لم تكن مجروحة بخلاف العبد فإنه بالعتق لا يستفيد
~~عدالة لم تكن من قبل وقد صارت عدالته مجروحة بإقامة الحد، ثم لا فرق في
~~العبد بين أن يكون حد ثم أعتق وبين أن يكون أعتق ثم حد حيث لم تقبل
~~شهادته في الصورتين، وأما الكافر فإنه لو قذف محصنا ثم أسلم ثم حد لا
~~تقبل شهادته، ومقتضى الآية عدم قبول كل شهادة للمحدود حادثة كانت أو
~~قديمة لما أن { شهادة } نكرة وهي واقعة في حيز النهي فتفيد العموم
~~كالنكرة الواقعة في حيز النفي، وهذا يعكر على ما مر من قبول شهادة الكافر
~~المحدود إذا أسلم.

# وأجاب العلامة ابن الهمام بأن التكليف بما في الوسع وقد كلف الحكام برد
~~شهادته فالامتثال إنما يتحقق برد شهادة قائمة فحيث ردت تحقق الامتثال وتم
~~وقد حدثت أخرى فلو ردت كانت غير مقتضى إذ الموجب أخذ مقتضاه وللبحث فيه
~~مجال، ومقتضى العموم أيضا عدم قبول شهادة المحدود في الديانات وغيرها
~~وهي رواية «المنتقى»، وفي رواية أخرى أنها تقبل في الديانات وكأنهم
~~اعتبروها رواية وخبرا لا شهادة ورب شخص ترد شهادته / وتقبل روايته.
~~وأورد على العموم أنهم اكتفوا في النكاح بشهادة المحدودين. وأجيب بأن
~~الشهادة هناك بمعنى الحضور وإنما يكتفي به في انعقاد النكاح وقد صرحوا
~~بأن للنكاح حكمين حكم الانعقاد وحكم الإظهار ولا يقبل في الثاني إلا
~~شهادة من تقبل شهادته في سائر الأحكام كما في «شرح الطحاوي». والحاصل أن
~~الآية تدل على وجوب رد شهادة المحدود على الحكام بمعنى أنه إذا شهد عندهم
~~على حكم وجب عليهم رد شهادته ويندرج في ذلك شهادته في النكاح لأنه يشهد
~~عندهم إذا وقع التجاحد فلا يعكر على العموم اعتبار حضوره مجلس النكاح في
~~صحة انعقاده إذ ذلك أمر وراء ما نحن فيه كذا قيل فليتدبر.

# وذهب الشافعي إلى ms07205 قبول شهادة المحدود إذا تاب، والمراد بتوبته أن يكذب
~~نفسه في قذفه، ومبنى الخلاف على المشهور الخلاف فيما إذا جاء استثناء بعد
~~جمل مقترنة بالواو هل ينصرف للجملة الأخيرة أو إلى الكل أو هناك تفصيل
~~فالذي ذهب إليه أصحاب الشافعي انصرافه إلى الكل، والذي ذهب إليه أصحاب
~~أبي حنيفة انصرافه للجملة الأخيرة، وقال القاضي عبد الجبار وأبو الحسين
~~البصري وجماعة من المعتزلة إن كان الشروع في الجملة الثانية إضرابا عن
~~الأولى ولا يضمر فيها شيء بما في الأولى فالاستثناء مختص بالجملة الأخيرة
~~لأن الظاهر أنه لم ينتقل عن الجملة الأولى مع استقلالها بنفسها إلى غيرها
~~إلا وقد تم مقصوده منها وذلك على أربعة أقسام، الأول: أن تختلف الجملتان
~~نوعا كما لو قال: أكرم بني تميم والنحاة البصريون إلا البغاددة إذ
~~الجملة الأولى أمر والثانية خبر، الثاني: أن يتحدا نوعا ويختلفا اسما
~~وحكما كما لو قال: أكرم بني تميم واضرب ربيعة إلا الطوال إذ هما أمران،
~~الثالث: أن يتحدا نوعا ويشتركا حكما لا اسما كما لو قال: سلم على بني
~~تميم وسلم على بني ربيعة إلا الطوال، الرابع: أن يتحدا نوعا ويشتركا
~~اسما لا حكما ولا يشترك الحكمان في غرض من الأغراض كما لو قال سلم على
~~بني تميم واستأجر بني تميم إلا الطوال، وقوة اقتضاء اختصاص الاستثناء
~~بالجملة الأخيرة في هذه الأقسام على هذا الترتيب وإن لم يكن الشروع في
~~الجملة الثانية إضرابا عن الأولى بأن كان بين الجملتين نوع تعلق
~~فالاستثناء ينصرف إلى الكل وذلك على أربعة أقسام أيضا، الأول: أن يتحد
~~الجملتان نوعا واسما لا حكما غير أن الحكمين قد اشتركا في غرض واحد
~~كما لو قال: أكرم بني تميم وسلم على بني تميم إلا الطوال لاشتراكهما في
~~غرض الإعظام، الثاني أن يتحد الجملتان نوعا ويختلفا حكما واسم الأولى
~~مضمر في الثانية كما لو قال: أكرم بني تميم واستأجرهم إلا الطوال،
~~الثالث: بعكس ما قبله كما لو قال: أكرم بني تميم وربيعة إلا الطوال،
~~الرابع: أن يختلف نوع ms07206 الجمل إلا أنه قد أضمر في الأخيرة ما تقدم أو كان
~~غرض الأحكام المختلفة فيها واحدا وجعل آية الرمي التي نحن فيها من ذلك
~~حيث قيل: إن جملها مختلفة النوع من حيث إن قوله تعالى: { فاجلدوهم
~~ثمانين جلدة } أمر وقوله سبحانه: { ولا تقبلوا لهم
~~شهادة أبدا } نهى وقوله جل وعلا

# وأولئك هم الفسقون

# [النور: 4] خبر وهي داخلة أيضا تحت القسم الأول من هذه الأقسام الأربعة
~~لاشتراك أحكام هذه الجمل في غرض الانتقام والإهانة وداخلة أيضا تحت
~~القسم الثاني من جهة إضمار الاسم المتقدم فيها.

# وذهب الشريف المرتضى من الشيعة إلى القول بالاشتراك، وذهب القاضي أبو
~~بكر والغزالي وجماعة إلى الوقف، وقال الآمدي: المختار أنه مهما ظهر كون
~~الواو للابتداء فالاستثناء يكون مختصا بالجملة الأخيرة كما في القسم
~~الأول من الأقسام الثمانية لعدم تعلق إحدى الجملتين بالأخرى وهو ظاهر
~~وحيث أمكن أن تكون الواو للعطف أو الابتداء كما في باقي الأقسام السبعة
~~فالواجب الوقف، وذكر حجج المذاهب بما لها وعليها في «الإحكام»، وفي
~~«التلويح» وغيره أنه لا خلاف في جواز رجوع الاستثناء إلى كل / وإنما
~~الخلاف في الأظهر وفيه نظر فإن بعض حجج القائلين برجوعه إلى الجملة
~~الأخيرة قد استدل بما يدل على عدم جواز رجوعه للجميع، قال القلانسي: إن
~~نصب ما بعد الاستثناء في الإثبات إنما كان بالفعل المتقدم بإعانة إلا على
~~ما ذهب إليه أكابر البصريين فلو قيل برجوعه إلى الجميع لكان ما بعد إلا
~~منتصبا بالأفعال المقدرة في كل جملة ويلزم منه اجتماع عاملين على معمول
~~واحد وذلك لا يجوز لأنه بتقدير مضادة أحدهما للآخر في العمل يلزم أن يكون
~~المعمول الواحد مرفوعا منصوبا معا وهو محال ولأنه إن كان كل منهما
~~مستقلا في العمل لزم عدم استقلاله ضرورة أنه لا معنى لكون كل مستقلا
~~إلا أن الحكم ثبت به دون غيره وإن لم يكن كل منهما مستقلا لزم خلاف
~~المفروض، وإن كان المستقل البعض دون البعض لزم الترجيح بلا مرجح، ووجه
~~دلالته وإن بحث فيه على عدم ms07207 جواز رجوعه للجميع ظاهر.

# وكما اختلف الأصوليون في ذلك اختلف النحاة فيه ففي «شرح اللمع» أنه يختص
~~بالأخيرة وأن تعليقه بالجميع خطأ للزوم تعدد العامل في معمول واحد إلا
~~على القول بأن العامل إلا أو تمام الكلام وقال أبوحيان: ((لم أر من تكلم
~~على هذه المسألة من النحاة غير المهاباذي وابن مالك فاختار ابن مالك عود
~~الاستثناء إلى الجمل كلها كالشرط، واختار المهاباذي عوده إلى الجملة
~~الأخيرة)) وقال الولي بن العراقي: لم يطلق ابن مالك عوده إلى الجمل كلها
~~بل استثنى من ذلك ما إذا اختلف العامل والمعمول كقولك: اكس الفقراء وأطعم
~~أبناء السبيل إلا من كان مبتدعا فقال في هذه الصورة: إنه يعود إلى
~~الأخير خاصة، ونقل عن أبي علي الفارسي القول برجوعه إلى الأخيرة مطلقا
~~وهذا كقول الحنفية في المشهور، والحق أنهم إنما يقولون برجوعه إلى
~~الأخيرة فقط إذا تجرد الكلام عن دليل رجوعه إلى الكل أما إذا وجد الدليل
~~عمل به وذلك كما في قوله تعالى في المحاربين

# أن يقتلوا أو يصلبوا

# [المائدة: 33] إلى قوله سبحانه:

# إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم

# [المائدة: 34] فإن قوله تعالى:

# من قبل أن تقدروا عليهم

# [المائدة: 34] يقتضي رجوعه إلى الكل فإنه لو عاد إلى الأخيرة أعني قوله
~~سبحانه:

# ولهم عذاب عظيم

# [المائدة: 33] لم يبق للتقييد بذلك فائدة للعلم بأن التوبة تسقط العذاب
~~فليس فائدة { من قبل } الخ إلا سقوط الحد وعلى مثل ذلك ينبغي حمل قول
~~الشافعية بأن يقال: إنهم أرادوا رجوع الاستثناء إلى الكل إذا لم يكن دليل
~~يقتضي رجوعه إلى الأخيرة.

# وذكر بعض أجلة المحققين أن الحنفية إنما قالوا برجوع الاستثناء إلى
~~الجملة الأخيرة هنا لأن الجملتين الأوليين وردتا جزاء لأنهما أخرجتا بلفظ
~~الطلب مخاطبا بهما الأئمة ولا يضر اختلافهما أمرا ونهيا والجملة
~~الأخيرة مستأنفة بصيغة الإخبار دفعا لتوهم استبعاد كون القذف سببا
~~لوجوب العقوبة التي تندرىء بالشبهة وهي قائمة هنا لأن القذف خبر يحتمل
~~الصدق وربما يكون حسبة، ووجه الدفع أنهم فسقوا بهتك ستر العفة بلا ms07208 فائدة
~~حيث عجزوا عن الإثبات فلذا استحقوا العقوبة وحيث كانت مستأنفة توجه
~~الاستثناء إليها.

# ونقل عن الشافعي أنه جعل

# ولا تقبلوا

# [النور: 4] استئنافا منقطعا عن الجملة السابقة وأبى أن يكون من تتمة
~~الحد لأنه لا مناسبة بين الجلد وعدم قبول الشهادة وجعل الاستثناء مصروفا
~~إليه بجعل من تاب مستثنى من ضمير { لهم } ويكون قوله تعالى:

# وأولئك هم الفسقون

# [النور: 4] اعتراضا جاريا مجرى التعليل لعدم قبول الشهادة غير منقطع
~~عما قبله ولهذا جاز توسطه بين المستثنى والمستثنى منه ولا تعلق للاستثناء
~~به، وآثر ذلك ابن الحاجب في «أماليه» حيث قال: إن الاستثناء لا يرجع إلى
~~الكل أما الجلد فبالاتفاق، وأما قوله تعالى:

# وأولئك هم الفسقون

# [النور: 4] / فلأنه إنما جيء به لتقرير منع الشهادة فلم يبق إلا الجملة
~~الثانية فيرجع إليها، وتعقب بأن استنئاف

# ولا تقبلوا

# [النور: 4] الخ في غاية البعد، والمراد من عدم قبول الشهادة ردها
~~ومناسبته للجلد ظاهرة لأن كلا منهما مؤلم زاجر عن ارتكاب جريمة الرمي
~~وكم من شخص لا يتألم بالضرب كما يتألم برد شهادته، وربما يقال: إن رد
~~الشهادة قطع للآلة الخائنة معنى وهي اللسان فيكون كقطع اليد حقيقة في
~~السرقة، ومن أنصف رأي مناسبته للجلد أتم من مناسبة التغريب له لأن
~~التغريب ربما يكون سببا لزيادة الوقوع في الزنا لقلة من يراقب ويستحي
~~منه في الغربة وقد تضطر المرأة إذا غربت إلى ما يسد رمقها فتسلم نفسها
~~لتحصيل ذلك، وأيضا الجلد فعل يلزم على الإمام فعله والرد المراد من عدم
~~القبول كذلك وقد خوطب بكلتا الجملتين الإنشائيتين لفظا ومعنى الأئمة
~~وبهذا يقوى أمر المناسبة.

# واعترض الزيلعي على القول بأن جملة

# وأولئك هم الفسقون

# [النور: 4] تعليل لرد الشهادة فقال: لا جائز أن يكون رد شهادته لفسقه
~~لأن الثابت بالنص في خبر الفاسق هو التوقف لقوله تعالى:

# إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا

# [الحجرات: 6] لا الرد وعلة الرد هنا ليست إلا أنه حد انتهى، وفيه نظر
~~ولم يجعل الشافعي على هذا النقل الجملة المذكورة مع كونها جارية مجرى
~~التعليل ms07209 لما قبلها معطوفة عليه لما قال غير واحد من أن العطف بالواو يمنع
~~قصد التعليل لرد الشهادة بسبب الفسق لأن العلة لا تعطف على الحكم بالواو
~~بل إنما تذكر بالفاء، وكذا ينبغي أن لا تكون معطوفة على ما أشير إليه
~~سابقا من أنها علة لاستحقاق العقوبة إذ ذلك غير منطوق، وانتصر للشافعي
~~عليه الرحمة فيما ذهب إليه من قبول شهادته إذا تاب بأنه إذا جعلت الجملة
~~تعليلا للرد يتم ذلك ولو سلم رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة من
~~الجمل المتعاقبة بالواو لوجوب زوال الحكم بزوال العلة، ولا أظنه يدفع إلا
~~بالتزام أنها ليست للتعليل.

# وقال بعضم: لا انقطاع بين الجمل عند الشافعي، ومقتضى أصله المشهور رجوع
~~الاستثناء إلى الجميع فيلزم حينئذ سقوط الجلد بالتوبة لكنه لا يقول بذلك
~~لأن تحقيق مذهبه أن الرجوع إلى الكل قد يعدل عنه وذلك عند قيام الدليل
~~وظهور المانع والمانع هنا من رجوعه إلى الجملة الأولى على ما قيل الإجماع
~~على عدم سقوط الجلد بالتوبة لما فيه من حق العبد، وأولى منه ما أومأ إليه
~~القاضي البيضاوي من أن الاستسلام للجلد من تتمة التوبة فكيف يعود إليه،
~~ولا يمكن أن يقال: إن عدم قبول الشهادة والتفسيق من تتمتها أيضا كما لا
~~يخفى.

# وقيل: يجوز أن تخرج الآية على أصله المشهور، ولا مانع من رجوع الاستثناء
~~إلى الجملة الأولى أيضا لما أن المستثنى { الذين تابوا
~~وأصلحوا } ومن جملة الإصلاح الاستحلال وطلب العفو من المقذوف وعند
~~وقوع ذلك يسقط الجلد أيضا، وفيه أن كون طلب العفو من الإصلاح غير نافع
~~لأن الجلد لا يسقط بطلب العفو بل بالعفو وهو ليس من جملة هذا الإصلاح إذ
~~العفو فعل المقذوف وهذا الإصلاح فعل القاذف فلم يصح صرف الاستثناء إلى
~~الكل كما هو أصله المشهور.

# وقال الزمخشري: الذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها أن يكون الجمل الثلاث
~~بمجموعهن جزاء الشرط، والمعنى ومن قذف فأجمعوا لهم بين الأجزئة الثلاثة
~~إلا الذين تابوا منهم فيعودون غير مجلودين ولا مردودي الشهادة ولا
~~مفسقين، قال ms07210 في «الكشف»: وهذا جار على أصل الشافعي من أن الاستثناء يرجع
~~إلى الكل وانضم إليه ههنا أن الجمل دخلت في حيز الشرط فصرن كالمفردات.
~~وتعقب القول بدخوله قوله تعالى:

# وأولئك هم الفسقون

# [النور: 4] في حيز الجزاء بأن دليل عدم المشاركة في الشرط يقتضي عدم
~~الدخول فإنه جملة خبرية غير مخاطب بها الأئمة لإفراد الكاف في {
~~أولئك } فهو عطف على الجملة الإسمية أي { الذين يرمون }
~~الخ أو مستأنف لحكاية حال / الرامين عند الشرع، وأورد عليه أن عطف الخبر
~~على الإنشاء وعكسه لاختلاف الأغراض شائعان في الكلام وأن إفراد كاف
~~الخطاب مع الإشارة جائز في خطاب الجماعة كقوله تعالى:

# ثم عفونا عنكم من بعد ذلك

# [البقرة: 25] على أن التحقيق أن

# الذين يرمون

# [النور: 4] منصوب بفعل محذوف أي اجلدوا الذين الخ فهو أيضا جملة فعلية
~~إنشائية مخاطب بها الأئمة فالمانع المذكور قائم هنا مع زيادة العدول عن
~~الأقرب إلى الأبعد ولو سلم أن { الذين } مبتدأ فلا بد في الإنشائية
~~الواقعة موقع الخبر من تأويل وصرف عن الإنشائية عند الأكثر وحينئذ يصح
~~عطف

# أولئك هم الفسقون

# [النور: 4] عليه.

# وقال الزمخشري: معنى { أولئك هم الفسقون } فسقوهم
~~والإنصاف يحكم بعدم ظهور دخول الجملة الأخيرة في حيز الجزاء وجميع ما
~~ذكروه إنما يفيد الصحة لا الظهور. ولعل الظاهر أنها استئناف تذييلي لبيان
~~سوء حال الرامين في حكم الله تعالى وحينئذ عود الاستئناف إليه ظاهر، لا
~~يقال: إن ذلك ينفي الفائدة لأنه معلوم شرعا أن التوبة تنزيل الفسق من
~~غير هذه الآية لأنا نقول: لا شبهة في أن العلم بذلك من طريق السمع وقد
~~ذكر الدال عليه منه وكون آية أخرى تفيده لا يضر للقطع بأن طريق القرآن
~~تكرار الدوال خصوصا إذا كان التأكيد مطلوبا.

# هذا وإلى ما ذهب إليه أبو حنيفة من عدم قبول شهادة المحدود في القذف إذا
~~تاب ذهب الحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وقد روى ذلك عن
~~كل الجلال السيوطي في «الدر المنثور» وإلى ما ذهب إليه الشافعي من قبول ms07211
~~شهادته ذهب مالك وأحمد، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وطاوس ومجاهد
~~والشعبي والزهري ومحارب وشريح ومعاوية بن قرة وعكرمة وسعيد بن جبير على
~~ما ذكره الطيبي وعد ابن جبير من القائلين كقول الشافعي يخالفه ما سمعت
~~آنفا، وعد ابن الهمام شريحا ممن قال كقول أبي حنيفة وعن ابن عباس
~~روايتان، وفي «صحيح البخاري» جلد عمر رضي الله تعالى عنه أبا بكرة وشبل
~~بن معبد ونافعا بقذف المغيرة ثم استتابهم وقال من تاب قبلت شهادته، ومن
~~تتبع تحقق أن أكثر الفقهاء قائلون كقول الشافعي عليه الرحمة ودعوى إجماع
~~فقهاء التابعين عليه غير صحيحة كما لا يخفى والله تعالى أعلم.

# ووجه التعليل المستفاد من قوله تعالى: { فإن الله غفور
~~رحيم } على القولين ظاهر لكن قيل إنه على قول أبي حنيفة أظهر وهو
~~تعليل لما يفيده الاستثناء ولا محل له من الإعراب، وجوز أبو البقاء كون {
~~الذين } مبتدأ وهذه الجملة خبره والرابط محذوف أي لهم. واختار
~~الجمهور الاستئناف والاستثناء وهو على ما ذهب إليه أصحابنا منقطع، وبينه
~~أبو زيد الدبوسي في «التقويم» بما حاصله أن المستثنى وإن دخل في الصدر
~~لكن لم يقصد إخراجه من حكمه على ما هو معنى الاستثناء المتصل بل قصد
~~إثبات حكم آخر له وهو أن التائب لا يبقى فاسقا. وتعقبه العلامة الثاني
~~بأنه إنما يتم إذا لم يكن معنى

# هم الفسقون

# [النور: 4] الثبات والدوام وإلا فلا تعذر للاتصال فلا وجه للانقطاع،
~~وبينه فخر الإسلام بأن المستثنى غير داخل في صدر الكلام لأن التائب ليس
~~بفاسق ضرورة أنه عبارة عمن قام به الفسق والتائب ليس كذلك لزوال الفسق
~~بالتوبة، وهذا مبني على أنه يشترط في حقيقة اسم الفاعل بقاء معنى الفعل،
~~وأما إذا لم يشترط ذلك فيتحقق التناول لكن لا يصح الإخراج لأن التائب ليس
~~بمخرج ممن كان فاسقا في الزمان الماضي.

# واعترض بأن المستثنى منه على تقدير اتصال الاستثناء ليس هو الفاسقين بل
~~الذين حكم عليهم بذلك وهم { الذين يرمون } المشار إليه بقوله
~~تعالى:

# وأولئك

# [النور: ms07212 4] ولا شك أن التائبين داخلون فيهم مخرجون عن حكمهم / وهو الفسق
~~كأنه قيل جميع القاذفين فاسقون إلا التائبين منهم كما يقال القوم منطلقون
~~إلا زيدا استثناء متصلا بناء على أن زيدا داخل في القوم مخرج عن حكم
~~الانطلاق فيصح الاستثناء المتصل سواء جعل المستثنى منه بحسب اللفظ هو
~~القوم أو الضمير المستتر في منطلقون بناء على أنه أقرب وإن عمل الصفة في
~~المستثنى أظهر، وليس المراد أن المستثنى منه لفظا هو لفظ القوم البتة
~~وإذا جعل المستثنى منه ضمير منطلقون فمعنى الكلام أن زيدا داخل في
~~الذوات المحكوم عليهم بالإطلاق مخرج عن حكم الانطلاق كما في قولنا انطلق
~~القوم إلا زيدا وكذا الكلام في الآية.

# وأجيب بأن الفاسقين ههنا إما أن يكون بمعنى الفاسق على قصد الدوام
~~والثبات أو بمعنى من صدر عنه الفسق في الزمان الماضي أو من قام به الفسق
~~في الجملة ماضيا كان أو حالا فإن أريد الأول فالتائب ليس بفاسق ضرورة
~~قضاء الشارع بأن التائب ليس بفاسق حقيقة. ومن شرط الاستثناء المتصل أن
~~يكون الحكم متناولا للمستثنى على تقدير السكوت عن الاستثناء وهذا مراد
~~فخر الإسلام بعدم تناول الفاسقين للتائبين بخلاف منطلقون فإنه يدخل فيه
~~زيد على تقدير عدم الاستثناء وإن أريد الثاني أو الثالث فلا صحة لإخراج
~~التائب عن الفاسقين لأنه فاسق بمعنى صدور الفسق عنه في الجملة ضرورة أنه
~~قاذف والقذف فسق.

# ولا يخفى أن منع عدم دخول التائبين في الفاسقين بالمعنى الذي ذكرنا ومنع
~~عدم صحة إخراجهم عنهم بالمعنى الآخر غير موجه وأن الاستدلال على دخولهم
~~بأنه قد حكم بالفسق على { أولئك } المشار به إلى

# الذين يرمون

# [النور: 4] وهو عام ليس بصحيح للإجماع القاطع على أنه لا فسق مع التوبة
~~وكفى به مخصصا اه. وفيه أن الإجماع لا يكون مخصصا فيما نحن فيه لكونه
~~متراخيا عن النص ضرورة أنه لا إجماع إلا بعد زمان النبي صلى الله عليه
~~وسلم فالحكم بالفسق على { أولئك } المشار به إلى

# الذين يرمون

# [النور: 4] وهو عام فيتم الاستدلال. ms07213

# وأجيب عن هذا بأن المراد بالتخصيص قصر العام على بعض ما يتناوله اللفظ
~~لا التخصيص المصطلح وهو كما ترى. وفي قوله: ومن شرط الاستثناء المتصل الخ
~~بحث يعلم مما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبا. وقال العلامة: الظاهر كون
~~الاستثناء متصلا أي أولئك الذين يرمون محكوم عليهم بالفسق إلا التائبين
~~منهم فإنه غير محكوم عليهم بالفسق لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له
~~وكأنه أراد أنهم غير محكوم عليهم بالفسق الدائم وهو المحكوم به عليه في
~~الصدر بقرينة الجملة الاسمية.

# وذكر بعض الأفاضل في توجيه كونه متصلا أن دخول المستثنى في المستثنى
~~منه إنما يكون باعتبار تناول المستثنى منه وشموله إياه لا بحسب ثبوته له
~~في الواقع كيف ولو ثبت الحكم له لما صح استثناؤه فههنا

# الذين يرمون

# [النور: 4] شامل للتائبين منهم فلا يضر في صحة الاستثناء أنهم ليسوا
~~بفاسقين وأن التوبة تنافي ثبوت الفسق كما إذا لم يدخل زيد في الانطلاق
~~فإنه يصح استثناؤه باعتبار دخوله في القوم مثل انطلق القوم إلا زيدا.

# والحاصل أنه يكفي في الاستثناء دخول المستثنى في حكم المستثنى منه بحسب
~~دلالة اللفظ وإن لم يدخل فيه بحسب دليل خارج كما يقال: خلق الله تعالى كل
~~شيء إلا ذاته سبحانه وصفاته العلى، قال العلامة: ويمكن الجواب عن هذا
~~بأنه لا فائدة للاستثناء المتصل على هذا التقدير لأن خروج المستثنى من
~~حكم المستثنى منه معلوم فيحمل على المنقطع المفيد لفائدة جديدة وهذا مراد
~~فخر الإسلام بعدم دخول التائبين في صدر الكلام وبحث فيه بأن عدم التناول
~~الشرعي مستفاد من الاستثناء المذكور في الآية والحديث أعني

# " التائب من الذنب كمن لا ذنب / له "

# مبين له فلا وجه لمنع وجود الفائدة وبأن كون خروج المستثنى من حكم
~~المستثنى منه معلوما هنا غير معلوم لمكان الخلاف في اشتراط بقاء الفعل
~~وبأن الفائدة الجديدة في المنقطع التي يعرى عنها المتصل غير ظاهرة. وقال
~~أيضا: لا يقال لم لا يجوز أن يكون المستثنى منه هو الفاسقون ويكون
~~الاستثناء لإخراج التائبين ms07214 منهم في الحكم الذي هو الحمل على أولئك
~~القاذفين والإثبات له فإن الاستثناء كما يجوز من المحكوم به يجوز من غيره
~~كما يقال: كرام أهل بلدتنا أغنياؤهم إلا زيدا بمعنى أن زيدا وإن كان
~~غنيا لكنه خارج عن الحمل على الكرام لأنا نقول: فحينئذ يلزم أن يكون
~~التائبون من الفاسقين ولا يكونوا من القاذفين والأمر بالعكس، وقد يقال:
~~إن الاستثناء منقطع على معنى أنهم فاسقون في جميع الأحوال إلا حال
~~التوبة، ولا يخفى أنه يحتاج إلى تكليف في التقدير أي إلا حال توبة الذين
~~الخ أو إلا توبة القاذفين أي وقت توبتهم على أن يجعل { الذين } حرفا
~~مصدريا لا اسما موصولا وضمير { تابوا } عائدا على

# أولئك

# [النور: 4] وبعد اللتيا والتي يكون الاستثناء مفرغا متصلا لا منقطعا
~~انتهى فتأمل.

### || [24.6]

# { والذين يرمون أزوجهم } بيان لحكم الرامين لأزواجهم
~~خاصة وهو ناسخ لعموم المحصنات وكانوا قبل نزول هذه الآية يفهمون من آية

# والذين يرمون

# [النور: 4] الخ أن حكم من رمى الأجنبية وحكم من رمى زوجته سواء فقد أخرج
~~أبو داود وجماعة عن ابن عباس قال:

# " لما نزلت و { الذين يرمون المحصنت } [النور: 4] الآية
~~قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: « يا معشر الأنصار ألا تسمعوا ما يقول سيدكم؟
~~قالوا: يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور والله ما تزوج امرأة قط إلا
~~بكرا وما طلق امرأة فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها من شدة غيرته فقال:
~~سعد والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من عند الله تعالى ولكني
~~تعجبت إني لو وجدت لكاعا قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه
~~حتى آتي بأربعة شهداء فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته قال: فما لبثوا
~~يسيرا حتى جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم فغدا على
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء
~~فوجدت عندها ms07215 رجلا فرأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم ما جاء به واشتد عليه واجتمعت الأنصار فقالوا: قد ابتلينا بما قال
~~سعد بن عبادة الآن يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة
~~والسلام هلال بن أمية وتبطل شهادته في المسلمين فقال: هلال والله إني
~~لأرجو أن يجعل الله تعالى لي منها مخرجا فقال: يا رسول الله إني قد أرى
~~ما اشتد عليك مما جئت به والله تعالى يعلم إني لصادق فوالله إن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه إذا نزل على رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم عليه الصلاة والسلام الوحي وكان إذا نزل عليه عليه الصلاة
~~والسلام الوحي عرفوا ذلك في تربد جلده فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي
~~فنزلت { والذين يرمون أزوجهم } الآية فسري عن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فقال أبشر يا هلال قد كنت أرجو ذلك من ربي،
~~وقال عليه الصلاة والسلام أرسلوا إليها فجاءت فتلاها رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم عليهما وذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا
~~فقال: هلال والله يا رسول الله لقد صدقت عليها فقالت: كذب فقال: رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: لاعنوا بينهما "

# الحديث، ومنه وكذا من رواية أخرى ذكرها البخاري في «صحيحه» والترمذي
~~وابن ماجه يعلم أن قصة هلال سبب نزول الآية.

# وقيل: نزلت في عاصم بن عدي، وقيل: في عويمر بن نصر العجلاني؛ وفي «صحيح
~~البخاري» ما يشهد له بل قال السهيلي إن هذا هو الصحيح ونسب غيره للخطأ،
~~والمشهور / كما في «البحر» أن نازلة هلال قبل نازلة عويمر. وأخرج أبو
~~يعلى وابن مردويه عن أنس أنه قال: لأول لعان كان في الإسلام ما وقع بين
~~هلال بن أمية وزوجته. ونقل الخفاجي هنا عن السبكي إشكالا وأنه قال: إنه
~~إشكال صعب وارد على آية اللعان والسرقة والزنا وهو أن ما تضمن الشرط نص
~~في العلية مع الفاء ومحتمل لها بدونها ولتنزيله منزلة الشرط يكون ما ms07216
~~تضمنه من الحدث مستقبلا لا ماضيا فلا ينسحب حكمه على ما قبله ولا يشمل
~~ما قبله من سبب النزول، وتعقبه بأنه لا صعوبة فيه بل هو أسهل من شرب
~~الماء البارد في حر الصيف لأن هذا وأمثاله معناه إن أردتم معرفة هذا
~~الحكم فهو كذا فالمستقبل معرفة حكمه وتنفيذه وهو مستقبل في سبب النزول
~~وغيره، والقرينة على أن المراد هذا أنها نزلت في أمر ماض أريد بيان حكمه
~~ولذا قالوا: دخول سبب النزول قطعي. ولا حاجة إلى القول بأن الشرط قد يدخل
~~على الماضي ولا أن ما تضمن الشرط لا يلزمه مساواته لصريحه من كل وجه ولا
~~أن دخول ما ذكر بدلالة النص لفساده هنا انتهى. ثم إن المراد هنا نظير ما
~~مر والذين يرمون بالزنا أزواجهم المدخول بهن وغير المدخول بهن وكذا
~~المعتدات في طلاق رجعي.

# { ولم يكن لهم شهداء } أربعة يشهدون بما رموهن به من
~~الزنا. وقرىء { تكن } بالتاء الفوقية وقراءة الجمهور أفصح { إلا
~~أنفسهم } بدل من { شهداء } لأن الكلام غير موجب والمختار فيه
~~الإبدال أو إلا بمعنى غير صفة لشهداء ظهر إعرابها على ما بعدها لكونها
~~على صورة الحرف كما قالوا في أل الموصولة الداخلة على أسماء الفاعلين
~~مثلا، وفي جعلهم من جملة الشهداء إيذان كما قيل من أول الأمر بعدم إلغاء
~~قولهم بالمرة ونظمه في سلك الشهادة وبذلك ازداد حسن إضافة الشهادة إليهم
~~في قوله تعالى: { فشهدة أحدهم } أي شهادة كل واحد منهم وهو
~~مبتدأ وقوله سبحانه: { أربع شهدات } خبره أي فشهادتهم المشروعة
~~أربع شهادات { بالله } متعلق بشهادات، وجوز بعضهم تعلقه بشهادة.
~~وتعقب بأنه يلزم حينئذ الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي وهو الخبر،
~~وأنت تعلم أن في كون الخبر أجنبيا كلاما وأن بعض النحويين أجاز الفصل
~~مطلقا وبعضهم أجازه فيما إذا كان المعمول ظرفا كما هنا. وقرأ الأكثر {
~~أربع } بالنصب على المصدرية والعامل فيه { شهادة } وهي خبر مبتدأ
~~محذوف أي فالواجب شهادة أو مبتدأ خبره محذوف أي فعليهم شهادة أو فشهادة
~~أحدهم أربع شهادات بالله واجبة ms07217 أو كافية، ولا خلاف في جواز تعلق الجار
~~على هذه القراءة بكل من الشهادة والشهادات وإنما الخلاف في الأولى.

# { إنه لمن الصدقين } أي فيما رماها به من الزنا، والأصل
~~على أنه الخ فحذف الجار وكسرت إن وعلق العامل عنها باللام للتأكيد، ولا
~~يختص التعليق بأفعال القلوب بل يكون فيما يجري مجراها ومنه الشهادة
~~لإفادتها العلم، وجوز أن تكون الجملة جوابا للقسم بناء على أن الشهادة
~~هنا بمعنى القسم حتى قال الراغب إنه يفهم منها ذلك وإن لم يذكر {
~~بالله } وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك.

### || [24.7]

# { والخامسة } أي والشهادة الخامسة للأربع المتقدمة أي الجاعلة لها
~~خمسا بانضمامها إليهن، وإفرادها [عنهن] مع كونها شهادة أيضا لاستقلالها
~~بالفحوى ووكادتها في إفادتها ما يقصد بالشهادة من تحقيق الخبر وإظهار
~~الصدق، وهي مبتدأ خبره قوله تعالى: { أن لعنت الله عليه
~~إن كان من الكذبين } فيما رماها به من الزنا.

### || [24.8]

# { ويدرؤا } أي يدفع { عنها العذاب } أي العذاب الدنيوي وهو
~~الحبس عندنا والحد عند الشافعي، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق الكلام
~~فيه { أن تشهد أربع شهادات بالله إنه } أي الزوج /
~~{ لمن الكذبين } فيما رماها به من الزنا.

### || [24.9]

# { والخامسة } بالنصب عطفا على

# أربع شهدات

# [النور: 8] وقوله تعالى: { أن غضب الله عليها إن كان }
~~أي الزوج { من الصدقين } فيما رماها به من الزنا بتقدير حرف
~~الجر أي بأن غضب الخ، وجوز أن تكون { أن } وما بعدها بدلا من {
~~الخامسة } وتخصيص الغضب بجانب المرأة للتغليظ عليها لما أنها مادة
~~الفجور ولأن النساء كثيرا ما يستعملن اللعن فربما يتجرين على التفوه به
~~لسقوط وقعه عن قلوبهن بخلاف غضبه جل جلاله.

# وقرأ طلحة والسلمي والحسن والأعمش وخالد بن أياس بنصب { الخامسة }
~~في الموضعين وقد علمت وجه النصب في الثاني، وأما وجه النصب في الأول فهو
~~عطف { الخامسة } على

# أربع شهدات

# [النور: 8] على قراءة من نصب { أربع } وجعلها مفعولا لفعل محذوف يدل
~~عليه المعنى على قراءة من رفع { أربع } أي ويشهد الخامسة، والكلام في

# أن لعنة

# [النور: 7] الخ ms07218 كما سمعت في { أن غضب } الخ. وقرأ نافع { أن
~~لعنة } بتخفيف { أن } ورفع { لعنة } و { أن غضب } بتخفيف أن
~~وغضب فعل ماض والجلالة بعد مرفوعة، و { أن } في الموضعين مخففة من
~~الثقيلة واسمها ضمير الشأن، ولم يؤت بأحد الفواصل من قد والسين ولا بينها
~~وبين الفعل في الموضع الثاني لكون الفعل في معنى الدعاء فما هناك نظير
~~قوله تعالى:

# أن بورك من في النار

# [النمل: 8] فلا غرابة في هذه القراءة خلافا لما يوهمه كلام ابن عطية.
~~وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى وسلام وعمرو بن ميمون والأعرج ويعقوب
~~بخلاف عنهما { أن لعنة } كقراءة نافع و { أن غضب } بتخفيف { أن } و {
~~غضب } مصدر مرفوع.

# هذا وظاهر قوله تعالى:

# والذين يرمون أزوجهم

# [النور: 6] العموم والمذكور في «كتب الأصحاب» أنه يشترط في القاذف
~~وزوجته التي قذفها أن يكون لهما أهلية أداء الشهادة على المسلم فلا يجري
~~اللعان بين الكافرين والمملوكين ولا إذا كان أحدهما مملوكا أو صبيا أو
~~مجنونا أو محدودا في قذف، ويشترط في الزوجة كونها مع ذلك عفيفة عن
~~الزنا وتهمته بأن لم توطأ حراما لعينه ولو مرة بشبهة أو بنكاح فاسد ولم
~~يكن لها ولد بلا أب معروف في بلد القذف، واشتراط هذا لأن اللعان قائم
~~مقام حد القذف في حق الزوج كما يشير إليه ما قدمناه من الخبر لكن بالنسبة
~~إلى كل زوجة على حدة لا مطلقا ألا ترى أنه لو قذف بكلمة أو كلمات أربع
~~زوجات له بالزنا لا يجزيه لعان واحد لهن بل لا بد أن يلاعن كلا منهن،
~~ولو قذف أربع أجنبيات كذلك حد حدا واحدا بهن، فمتى لم تكن الزوجة ممن
~~يحد قاذفها كما إذا لم تكن عفيفة لم يتحقق في قذفها ما يوجب الحد ليقام
~~اللعان مقامه، وأما اشتراط كونهما ممن له أهلية أداء الشهادة فلأن اللعان
~~شهادات مؤكدات بالأيمان عندنا خلافا للشافعي فإنه عنده أيمان مؤكدة وهو
~~الظاهر من قول مالك وأحمد فيقع ممن كان أهلا لليمين وهو ممن يملك الطلاق
~~فكل من ms07219 يملكه فهو أهل للعان عنده فيكون من كل زوج عاقل وإن كان كافرا أو
~~عبدا.

# واستدل على أن اللعان أيمان مؤكدة بقوله سبحانه:

# فشهدة أحدهم أربع شهدات بالله

# [النور: 6] وذلك أن قوله تعالى: { بالله } محكم في اليمين والشهادة
~~محتملة لليمين ألا يرى أنه لو قال: أشهد ينوي به اليمين كان يمينا فيحمل
~~المحتمل على المحكم لأن حمله على حقيقته متعذر لأن المعهود في الشرع عدم
~~قبول شهادة الإنسان لنفسه بخلاف يمينه، وكذا المعهود شرعا عدم تكرر
~~الشهادة في موضع بخلاف اليمين فإن تكرره معهود في القسامة، ولأن /
~~الشهادة محلها الإثبات واليمين للنفي فلا يتصور تعلق حقيقتهما بأمر واحد
~~فوجب العمل بحقيقة أحدهما ومجاز الآخر فليكن المجاز لفظ الشهادة لما سمعت
~~من الموجبين.

# واستدل أصحابنا على أنه شهادات مؤكدة بأيمان بالآية أيضا لأن الحمل على
~~الحقيقة يجب عند الإمكان وقوله سبحانه وتعالى:

# ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم

# [النور: 6] أثبت أنهم شهداء لأن الاستثناء من النفي إثبات وجعل الشهداء
~~مجازا عن الحالفين يصير المعنى ولم يكن لهم حالفون إلا أنفسهم وهو غير
~~مستقيم لأنه يفيد أنه إذا لم يكن للذين يرمون أزواجهم من يحلف لهم يحلفون
~~لأنفسهم وهذا فرع تصور حلف الإنسان لغيره ولا وجود له أصلا فلو كان معنى
~~اليمين حقيقيا للفظ الشهادة كان هذا صارفا عنه إلى مجازه كيف وهو مجازي
~~لها ولو لم يكن هذا كان إمكان العمل بالحقيقة موجبا لعدم الحمل على
~~اليمين فكيف وهذا صارف عن المجاز وما توهم كونه صارفا مما ذكر غير لازم
~~قوله قبول الشهادة لنفسه وتكرر الأداء لا عهد بهما قلنا: وكل من الحلف
~~لغيره والحلف لإيجاب الحكم لا عهد به بل اليمين لرفع الحكم فإن جاز شرعية
~~هذين الأمرين في محل بعينه ابتداء جاز أيضا شرعية ذلك ابتداء بل هي
~~أقرب لعقلية كون التعدد في ذلك أربعا بدلا عما عجز عنه من إقامة شهود
~~الزنا وهم أربع وعدم قبول الشهادة له عند التهمة ولذا تثبت عند عدمها
~~أعظم ثبوت قال الله ms07220 عز وجل:

# شهد الله أنه لا إله إلا هو

# [آل عمران: 18] فغير بعيد أن تشرع عند ضعفها بواسطة تأكيدها باليمين
~~وإلزام اللعنة والغضب إن كان كاذبا مع عدم ترتب موجبها في حق كل من
~~الشاهدين إذ موجب شهادة كل إقامة الحد على الآخر وليس ذلك بثابت هنا بل
~~الثابت عند الشهادتين هو الثابت بالأيمان وهو اندفاع موجب دعوى كل عن
~~الآخر، وإنما قيل عندهما ولم يقل بهما لأن هذا الاندفاع ليس موجب
~~الشهادتين بل هو موجب تعارضهما، وأما قوله: واليمين للنفي الخ فمحله ما
~~إذا وقعت في إنكار دعوى مدع وإلا فقد يحلف على إخبار بأمر نفي أو إثبات
~~وهنا كذلك فإنها على صدقه في الشهادة، والحق أنها على ما وقعت الشهادة به
~~وهو كونه من الصادقين فيما رماها به كما إذا جمع أيمانا على أمر واحد
~~يخبر به فإن هذا هو حقيقة كونها مؤكدة للشهادة إذ لو اختلف متعلقهما لم
~~يكن أحدهما مؤكدا للآخر.

# وأورد على اشتراط الأهلية لأداء الشهادة أنهم قالوا: إن اللعان يجري بين
~~الأعميين والفاسقين مع أنه لا أهلية لهما لذلك. ودفع بأنهما من أهل
~~الأداء إلا أنه لا يقبل للفسق ولعدم تمييز الأعمى بين المشهود له وعليه
~~وهنا هو قادر على أن يفصل بين نفسه وزوجته فيكون أهلا لهذه الشهادة دون
~~غيرها، وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة أن الأعمى لا يلاعن وعمم
~~القهستاني الأهلية فقال: ولو بحكم القاضي والفاسق يصح القضاء بشهادته
~~وكذا الأعمى على القول بصحتها فيما يثبت بالتسامع كالموت والنكاح والنسب
~~وهذا بخلاف المحدود بالقذف فإنه لا يصح القضاء بشهادته، ولعل مراد ابن
~~كمال باشا بقوله: لو قضى بشهادة المحدود بالقذف نفذ نفاذ الحكم بصحتها
~~ممن يراها كشافعي على ما قيل وهو خلاف ظاهر كلامه كما لا يخفى على من رجع
~~إليه.

# ويشترط كون القذف في دار الإسلام وكونه بصريح الزنا فلا لعان بالقذف
~~باللواط عند الإمام وعندهما فيه لعان ولا لعان بالقذف كناية وتعريضا
~~والقذف بصريحه نحو أن يقال: أنت زانية ms07221 أو يا زانية أو رأيتك تزنين،
~~والمشهور عن مالك أن القذف بالأولين يوجب الحد والذي يوجب اللعان القذف
~~بالأخير وهو قول الليث وعثمان ويحيى بن سعيد، وضعف بأن الكل رمي بالزنا
~~وهو السبب كما تدل عليه الآية فلا فرق، وبمنزلة القذف بالصريح نفي نسب
~~ولدها منه أو من غيره. / وفي «المحيط» و «المبتغى» إذا نفى الولد فقال:
~~ليس هذا بابني ولم يقذفها بالزنا لا لعان بينهما لأن النفي ليس بقذف لها
~~بالزنا يقينا لاحتمال أن يكون الولد من غيره بوطء شبهة وهو احتمال ساقط
~~لا يلتفت إليه كما حققه زين في «البحر».

# ويشترط في وجوب اللعان طلب الزوجة في مجلس القاضي كما في «البدائع» إذا
~~كان القذف بصريح الزنا لأن اللعان حقها فإنه لدفع العار عنها وبذلك قالت
~~الأئمة الثلاث أيضا، وإذا كان القذف بنفي الولد فيشترط طلب القاذف لأنه
~~حقه أيضا لاحتياجه إلى نفي من ليس ولده عنه ويجب عليه هذا النفي إذا
~~تيقن أن الولد ليس منه لما في السكوت أو الإقرار من استلحاق نسب من ليس
~~منه وهو حرام كنفي نسب من هو منه، فقد روى أبو داود والنسائي أنه عليه
~~الصلاة والسلام قال حين نزلت آية الملاعنة:

# " أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله تعالى في شيء ولن
~~يدخلها الله تعالى جنته وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عز
~~وجل عنه يوم القيامة وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين "

# وإن احتمل أن يكون الولد منه فلا يجب بل قد يباح وقد يكون خلاف الأولى
~~بحسب قوة الاحتمال وضعفه، وقد يضعف الاحتمال إلى حد لا يباح معه النفي
~~كأن أتت امرأته المعروفة بالعفاف بولد لا يشبهه فعن أبي هريرة

# " أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن امرأتي ولدت غلاما أسود
~~فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم قال ما ألوانها؟ قال: حمر قال: فهل فيها
~~أورق؟ قال: نعم قال: فكيف ذلك؟ قال: نزعه عرق قال: فلعل هذا نزعه عرق ms07222 "

# وذكروا فيما إذا كانت متهمة برجل فأتت بولد يشبهه وجهين إباحة النفي
~~وعدمها.

# وأما القذف بصريح الزنا فمع التحقق يباح ويجوز أن يستر عليها ويمسكها
~~لظاهر ما روي من

# " أن رجلا قال: يا رسول الله إن امرأتي لا ترد يد لامس قال: طلقها قال:
~~إني أحبها قال: فأمسكها "

# وفيه احتمال آخر ذكره شراح الحديث ومع عدم التحقق لا يباح ذلك، والأفضل
~~للزوجة أن لا تطالب باللعان وتستر الأمر وللحاكم أن يأمرها وإذا طلبت وقد
~~أقر الزوج بقذفها أو ثبت بالبينة - وهي رجلان لا رجل وامرأتان إذ لا
~~شهادة للنساء في الحدود، وما في «النهر» و «الدر المنتقى» من جواز ذلك
~~سبق قلم - لاعن إن كان مصرا وعجز عن البينة على زناها أو على إقرارها به
~~أو على تصديقها له أو أقام البينة على ذلك ثم عمي الشاهدان أو فسقا أو
~~ارتدا وهذا بخلاف ما إذا ماتا أو غابا بعد ما عدلا فإنه حينئذ لا يقضي
~~باللعان فإن امتنع حبسه الحاكم حتى تبين منه بطلاق أو غيره أو يلاعن أو
~~يكذب نفسه فيحد، وعند الشافعي إن امتنع حد حد القذف وكذا إذا لاعن
~~فامتنعت تحد عنده حد الزنا وعندنا تحبس حتى تلاعن أو تصدقه فيرتفع سبب
~~وجوب لعانهما وهو التكاذب على ما قيل، والأوجه كون السبب القذف والتكاذب
~~شرطه، وكما لا لعان مع التصديق إذا كان بلفظ صدقت لا حد عليها ولو أعادت
~~ذلك أربع مرات في مجالس متفرقة لأن التصديق المذكور ليس بإقرار قصدا
~~وبالذات فلا يعتبر في وجوب الحد بل في درئه فيندفع به اللعان ولا يجب به
~~الحد وكذا يندفع بذلك كما في «كافي الحاكم» الحد عن قاذفها بعد ولو صدقته
~~في نفي الولد فلا حد ولا لعان أيضا وهو ولدهما لأن النسب إنما ينقطع
~~بحكم اللعان ولم يوجد وهو حق الولد فلا يصدقان في إبطاله وما في «شرحي
~~الوقاية والنقاية» من أنها إذا صدقته ينتفي غير صحيح كما نبه عليه في
~~«شرح الدرر والغرر».

# ووجه قول الشافعي ms07223 بالحد عند الامتناع أن الواجب بالقذف مطلقا الحد
~~لعموم قوله سبحانه:

# والذين يرمون المحصنت

# [النور: 4] الخ إلا أنه يتمكن من دفعه فيما إذا كانت المقذوفة زوجة
~~باللعان تخفيفا عليه فإذا لم يدفعه به يحد وكذا المرأة تلاعن بعدما أوجب
~~الزوج عليها اللعان بلعانه فإذا امتنعت حدت للزنا ويشير إليه قوله /
~~سبحانه وتعالى:

# ويدرؤا عنها العذاب

# [النور: 8] ووجه قولنا إن قوله تعالى:

# والذين يرمون أزوجهم

# [النور: 6] إلى قوله تعالى:

# فشهدة أحدهم

# [النور: 6] الخ يفهم منه كيفما كانت القراءة أن الواجب في قذف الزوجات
~~اللعان ولا ينكر ذلك إلا مكابر فإما أن يكون ناسخا أو مخصصا لعموم ذلك
~~العام والظاهر عندنا كونه ناسخا لتراخي نزوله كما تشهد له الأخبار
~~الصحيحة والمخصص لا يكون متراخي النزول وعلى التقديرين يلزم كون الحكم
~~الثابت في قذف الزوجات إنما هو ما تضمنته الآية من اللعان حال قيام
~~الزوجية كما هو الظاهر فلا يجب غيره عند الامتناع عن إيفائه بل يحبس
~~لإيفائه كما في كل حق امتنع من هو عليه عن إيفائه ولم يتعين كون المراد
~~من العذاب في الآية الحد لجواز كونه الحبس وإذا قام الدليل على أن اللعان
~~هو الواجب وجب حمله عليه.

# قيل: والعجب من الشافعي عليه الرحمة لا يقبل شهادة الزوج عليها بالزنا
~~مع ثلاثة عدول ثم يوجب الحد عليها بقوله وحده وإن كان عبدا فاسقا،
~~وأعجب منه أن اللعان يمين عنده وهو لا يصلح لإيجاب المال ولا لإسقاطه بعد
~~الوجوب وأسقط به كل من الرجل والمرأة الحد عن نفسه وأوجب به الرجم الذي
~~هو أغلظ الحدود على المرأة، فإن قال: إنما يوجب عليها لنكولها بامتناعها
~~عن اللعان قلنا: هو أيضا من ذلك العجب فإن كون النكول إقرارا فيه شبهة
~~والحد مما يندفع بها مع أنه غاية ما يكون بمنزلة إقراره مرة، ثم إن هذه
~~الشبهة أثرت عنده في منع إيجاب المال مع أنه يثبت مع الشبهة فكيف يوجب
~~الرجم به وهو أغلظ الحدود وأصعبها إثباتا وأكثرها شروطا انتهى، وليراجع
~~في ذلك «كتب ms07224 الشافعية».

# وفي «النهر» نقلا عن الاسبيجابي أنهما يحبسان إذا امتنعا عن اللعان
~~بعد الثبوت، ثم قال: وينبغي حمله على ما إذا لم تعف المرأة كما في
~~«البحر»، وعندي في حبسها بعد امتناعه نوع إشكال لأن اللعان لا يجب عليها
~~إلا بعد لعانه فقبله ليس امتناعا لحق وجب عليها انتهى.

# وأجاب الطحطاوي بأنه بعد الترافع منهما صار إمضاء اللعان حق الشرع فإذا
~~لم تعف وأظهرت الامتناع تحبس بخلاف ما إذا أبى هو فقط فلا تحبس انتهى.
~~وقيل: ليس المراد امتناعهما في آن واحد بل المراد امتناعه بعد المطالبة
~~به وامتناعها بعد لعانه فتأمل. والمتبادر من الشهادة ما كان قولا حقيقة،
~~ولذا قالوا: لا لعان لو كانا أخرسين أو أحدهما لفقد الركن وهو لفظ أشهد،
~~وعلل أيضا بأن هناك شبهة احتمال تصديق أحدهما للآخر لو كان ناطقا والحد
~~يدرأ بالشبهة وكتابة الأخرس في هذا الفصل كإشارته لا يعول عليها، وذكروا
~~لو طرأ الخرس بعد اللعان قبل التفريق فلا تفريق ولا حد.

# ويشعر ظاهر الآية بتقديم لعان الزوج وهو المأثور في السنة فلو بدأ
~~القاضي بأمرها فلاعنت قبله فقد أخطأ السنة ولا يجب كما في «الغاية» أن
~~تعيد لعانها بعد وبه قال مالك. وفي «البدائع» ينبغي أن تعيد لأن اللعان
~~شهادة المرأة وشهادتها تقدح في شهادة الزوج فلا تصح إلا بعد وجود شهادته
~~ولهذا يبدأ بشهادة المدعي في باب الدعوى ثم بشهادة المدعى عليه بطريق
~~الدفع له، ونقل ذلك عن الشافعي وأحمد عليهما الرحمة وأشهب من المالكية،
~~والوجه ما تقدم فقد أعقب في الآية الرمي بشهادة أحدهم وشهادتها الدارئة
~~عنها العذاب فيكون هذا المجموع بعد الرمي، وليس في الآية ما يدل على
~~الترتيب بين أجزاء المجموع، وهذا نظير ما قرره بعض أجلة الأصحاب في قوله
~~تعالى:

# إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم
~~وأيديكم إلى المرافق

# [المائدة: 6] الآية في بيان أنه لا يدل على فرضية الترتيب كما يقوله
~~الشافعية.

# وظاهر الآية أنه لا يجب في لعانه أن يأتي بضمير المخاطبة ولا في لعانها
~~أن ms07225 تأتي بضمير المخاطب، ففي الهداية صفة اللعان أن / يبتدىء به القاضي
~~فيشهد أربع مرات يقول في كل مرة: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما
~~رميتها به من الزنا ويقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين
~~فيما رميتها به من الزنا يشير في جميع ذلك ثم تشهد المرأة أربع مرات تقول
~~في كل مرة أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا وتقول في
~~الخامسة: غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا
~~والأصل فيه الآية. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يأتي بلفظ المواجهة
~~ويقول فيما رميتك به من الزنا أي وتأتي هي بذلك أيضا وتقول: إنك لمن
~~الكاذبين فيما رميتني به من الزنا لأنه أقطع للاحتمال وهو احتمال إضمار
~~مرجع للضمير الغائب غير المراد، ووجه الأول أن لفظة المغايبة إذا انضمت
~~إليها الإشارة انقطع الاحتمال، وعن الليث أنه يكتفى في اللعان بالكيفية
~~المذكورة في الآية ويأتي الملاعن مكان ضمير الغائب بضمير المتكلم في
~~شهادته مطلقا وتأتي الملاعنة بذلك في شهادتها الخامسة فتدخل على على ياء
~~الضمير، والمراد من الاكتفاء بالكيفية المذكورة أنه لا يحتاج إلى زيادة
~~فيما رميتها به من الزنا في شهادته وإلى زيادة فيما رماني به من الزنا في
~~شهادتها، وما ذكر من الإتيان بضمير المتكلم هو الظاهر ولم يؤت به في
~~النظم الكريم لتتسق الضمائر وتكون في جميع الآية على طرز واحد مع ما في
~~ذلك من نكتة رعاية التالي على ما قيل، وليس في الآية التفات أصلا كما
~~توهم بعض من أدركناه من فضلاء العصر، وأما ما أشير من عدم الاحتياج إلى
~~زيادة ما تقدم فالظاهر أن الأحوط خلافه وقد جاءت تلك الزيادة فيما وقع في
~~زمانه صلى الله عليه وسلم من اللعان بين هلال وزوجته على ما في بعض
~~الروايات.

# وذكر الأصحاب أنه يزيد في صورة اللعان بالقذف بنفي الولد بعد قوله: لمن
~~الصادقين قوله فيما رميتك به من نفي الولد وإنها تزيد بعد لمن ms07226 الكاذبين
~~قولها فيما رميتني به من نفي الولد، ولو كان القذف بالزنا ونفي الولد ذكر
~~في اللعان الأمران، ونقل أبو حيان عن مالك أن الملاعن يقول ((أشهد بالله
~~إني رأيتها تزني والملاعنة تقول أشهد بالله ما رآني أزني وعن الشافعي أن
~~الزوج يقول: أشهد بالله إني لصادق فيما رميت به زوجتي فلانة بنت فلان
~~ويشير إليها إن كانت حاضرة أربع مرات ثم يقعده الإمام ويذكره الله تعالى
~~فإن رآه يريد أن يمضي أمر من يضع يده على فيه فإن لم يمتنع تركه وحينئذ
~~يقول الخامسة ويأتي بياء الضمير مع على وإن كان قد قذفها بأحد يسميه
~~بعينه واحدا أو اثنين في كل شهادة، وإن نفى ولدها زاد وأن هذا الولد ولد
~~زنا ما هو مني)) والتخويف بالله عز وجل مشروع في حق المتلاعنين، فقد صح
~~في قصة هلال أنه لما كان الخامسة قيل له اتق الله تعالى واحذر عقابه فإن
~~عذاب الدنيا أسهل من عذاب الآخرة وإن هذه هي الموجبة التي توجب عليك
~~العقاب، وقيل: نحو ذلك لامرأته عند الخامسة أيضا.

# وفي ظاهر الآية رد على الشافعي عليه الرحمة حيث قال إنه بمجرد لعان
~~الزوج تثبت الفرقة بينهما وذلك لأن المتبادر أنها تشهد الشهادات وهي زوجة
~~ومتى كانت الفرقة بلعان الزوج لم تبق زوجة عند لعانها، والذي ذهب إليه
~~أبو حنيفة عليه الرحمة أنه إذا وقع التلاعن ثبتت حرمة الوطء ودواعيه عن
~~الملاعن فإن طلقها فذاك وإن لم يطلقها بانت بتفريق الحاكم وإن لم يرضيا
~~بالفرقة، ولو فرق خطأ بعد وجود الأكثر من كل منهما صح، ويشترط كون
~~التفريق بحضورهما وحضور الوكيل كحضور الأصيل ويتوارثان قبله، ولو زالت
~~أهلية اللعان بعده فإن كان بما يرجى زواله كجنون فرق وإلا لا، وقال زفر:
~~تقع الفرقة بتلاعنهما.

# وإن أكذب نفسه من بعد اللعان والتفريق، وحد أم لم يحد يحل له تزوجها عند
~~أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف إذا افترق المتلاعنان / فلا يجتمعان
~~أبدا وثبتت بينهما حرمة كحرمة الرضاع وبه قالت الأئمة ms07227 الثلاثة، وأدلة
~~هذه الأقوال وما لها وما عليها تطلب من «كتب الفقه المبسوطة».

# واستدل بمشروعية اللعان على جواز الدعاء باللعن على كاذب معين فإن قوله:

# لعنة الله عليه إن كان من الكذبين

# [النور: 7] دعاء على نفسه باللعن على تقدير كذبه وتعليقه على ذلك لا
~~يخرجه عن التعيين، نعم يقال إن مشروعيته إن كان صادقا فلو كان كاذبا
~~فلا يحل له. واستدل الخوارج على أن الكذب كفر لاستحقاق من يتصف به اللعن
~~وكذا الزنا كفر لاستحقاق فاعله الغضب فإن كلا من اللعن والغضب لا يستحقه
~~إلا الكافر لأن اللعن الطرد عن الرحمة وهو لا يكون إلا لكافر والغضب أعظم
~~منه. وفيه أنه لا يسلم أن اللعن في أي موضع وقع بمعنى الطرد عن الرحمة
~~فإنه قد يكون بمعنى الإسقاط عن درجة الأبرار وقد يقصد به إظهار خساسة
~~الملعون، وكذا لا يسلم اختصاص الغضب بالكافر وإن كان أشد من اللعن والله
~~تعالى أعلم.

### || [24.10]

# التفات إلى خطاب الرامين والمرميات بطريق التغليب لتوفية مقام الامتنان
~~حقه، وجواب { لولا } محذوف لتهويله حتى كأنه لا توجد عبارة تحيط
~~ببيانه، وهذا الحذف شائع في كلامهم. قال جرير:

# كذب العواذل لو رأين مناخنا

# بحزيز رامة والمطي سوام

# ومن أمثالهم لو ذات سوار لطمتني، فكأنه قيل: لولا تفضله تعالى عليكم
~~ورحمته سبحانه وأنه تعالى مبالغ في قبول التوبة حكيم في جميع أفعاله
~~وأحكامه التي من جملتها ما شرع لكم من حكم اللعان لكان مما لا يحيط به
~~نطاق البيان، ومن جملته أنه تعالى لو لم يشرع لهم ذلك لوجب على الزوج حد
~~القذف مع أن الظاهر صدقه لأنه أعرف بحال زوجته وأنه لا يفتري عليها
~~لاشتراكهما في الفضاحة، وبعد ما شرع لهم لو جعل شهاداته موجبة لحد الزنا
~~عليها لفات النظر إليها، ولو جعل شهاداتها موجبة لحد القذف عليه لفات
~~النظر له، ولا ريب في خروج الكل عن سنن الحكمة والفضل والرحمة، فجعل
~~شهادات كل منهما مع الجزم بكذب أحدهما حتما دارئة لما توجه إليه من
~~الغائلة الدنيوية، ms07228 وقد ابتلي الكاذب منهما في تضاعيف شهاداته من العذاب
~~بما هو أتم مما درأته عنه وأطم وفي ذلك من أحكام الحكم البالغة وآثار
~~التفضل والرحمة ما لا يخفى أما على الصادق فظاهر؛ وأما على الكاذب فهو
~~إمهاله والستر عليه في الدنيا ودرء الحد عنه وتعريضه للتوبة حسبما ينبىء
~~عنه التعرض لعنوان توابيته تعالى فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع رحمته وأدق
~~حكمته قاله شيخ الإسلام. وعن ابن سلام تفسير الفضل بالإسلام ولا يخفى أنه
~~مما لا يقتضيه المقام، وعن أبي مسلم أنه أدخل في الفضل النهي عن الزنا
~~ويحسن ذلك لو جعلت الجملة تذييلا لجميع ما تقدم من الآيات وفيه من البعد
~~ما فيه.

### || [24.11]

# { إن الذين جاءوا بالإفك } أي بأبلغ ما يكون من الكذب
~~والافتراء وكثيرا ما يفسر بالكذب مطلقا، وقيل: هو البهتان لا تشعر به
~~حتى يفجأك، وجوز فيه فتح الهمزة والفاء وأصله من الأفك بفتح فسكون وهو
~~القلب والصرف لأن الكذب مصروف عن الوجه الذي يحق، والمراد به ما أفك به
~~الصديقة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، على أن اللام فيه للعهد، وجوز
~~حمله على الجنس قيل فيفيد القصر كأنه لا إفك إلا ذلك الإفك. وفي لفظ
~~المجىء إشارة إلى أنهم أظهروه من عند أنفسهم من غير أن يكون له أصل.
~~وتفصيل القصة ما أخرجه البخاري وغيره عن عروة

# " عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: « كان رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول
~~الله / صلى الله عليه وسلم معه  قالت عائشة  فأقرع بيننا في غزوة غزاها
~~فخرج سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما نزل الحجاب فأنا
~~أحمل في هودجي وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم من [غزوته] تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة
~~بالرحيل [فقمت حين آذنوا بالرحيل] فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني
~~أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي ms07229 من جزع ظفار قد انقطع فالتمست عقدي وحبسني
~~ابتغاؤه وأقبل الرهط الذي كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على
~~بعيري الذي كنت ركبت وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافا لم
~~يثقلهن اللحم إنما نأكل العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج
~~حين رفعوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعد ما
~~استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فأممت منزلي الذي كنت به
~~وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني
~~فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج فأصبح
~~عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني [حين رآني] وكان يراني قبل
~~الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني
~~كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلته فوطىء على يديها
~~فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في
~~نحر الظهيرة فهلك في من هلك وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن
~~سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب
~~الإفك لا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنما يدخل علي رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف فذاك الذي
~~يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت فخرجت معي أم مسطح قبل
~~المناصع وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ
~~الكنف قريبا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط
~~فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة
~~أبي رهم بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها
~~مسطح بن أثاثة فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي قد فرغنا من شأننا فعثرت ms07230 أم
~~مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد
~~بدرا؟ قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟ قالت: قلت وما قال؟ فأخبرتني
~~بقول أهل الإفك فازددت مرضا على مرضي فلما رجعت إلى بيتي ودخل علي
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: كيف تيكم؟ فقلت: أتأذن لي أن آتي
~~أبوي؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما قالت: فأذن لي
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث
~~الناس؟ قالت: يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند
~~رجل [يحبها] ولها ضرائر إلا كثرن عليها قالت: فقلت سبحان الله أو لقد
~~تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا
~~أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ابن
~~أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله قالت:
~~فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من
~~براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال: يا رسول الله أهلك وما
~~نعلم إلا خيرا وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله
~~عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل / الجارية تصدقك قالت: فدعا رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت
~~بريرة: لا والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا أغمصه عليها أكثر من
~~أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله فقال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبي ابن سلول
~~قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: يا معشر
~~المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت
~~على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا ms07231 خيرا وما كان
~~يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله أنا
~~أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج
~~أمرتنا ففعلنا أمرك قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك
~~رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله
~~ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد [بن معاذ] فقال لسعد
~~بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار
~~الحيان من الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه
~~وسلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى
~~سكتوا وسكت قالت: فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم قالت:
~~فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع
~~يظناني أن البكاء فالق كبدي قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي
~~فاستأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي قالت: فبينا
~~نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس قالت:
~~ولم يجلس عندي منذ قيل في ما قيل قبلها وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في
~~شأني قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعد
~~يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت
~~ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب
~~إلى الله تاب الله عليه قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة فقلت لأبي: أجب رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فيما قال قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله فقلت
~~لأمي: أجيبي رسول الله قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله قالت: فقلت
~~وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ ms07232 كثيرا من القرآن: إني والله لقد علمت
~~أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم: إني
~~برية والله يعلم أني برية لا تصدقوني ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم
~~أني منه برية لتصدقني والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا قول أبي يوسف {
~~فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون }
~~[يوسف: 18] [قالت ثم تحولت] فاضطجعت على فراشي وأنا حينئذ أعلم أني برية
~~وأن الله مبرئني ببراءتي ولكن [والله] ما كنت أظن أن الله منزل في شأني
~~وحيا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن
~~كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله
~~بها قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من
~~أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى أنه ليتحدر
~~منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الذي ينزل عليه
~~قالت: فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سري عنه وهو
~~يضحك فكان أول كلمة تكلم بها: يا عائشة أما الله فقد برأك فقالت أمي:
~~قومي إليه فقلت: والله لا أقوم [إليه] ولا أحمد إلا الله وأنزل الله {
~~إن الذين جاءوا بالإفك } [النور: 11] "

# العشر الآيات كلها.

# والظاهر أن قوله تعالى: / { عصبة منكم } خبر { إن } وإليه
~~ذهب الحوفي وأبو البقاء، وقال ابن عطية: هو بدل من ضمير { جاؤوا } والخبر
~~جملة قوله تعالى: { لا تحسبوه شرا لكم } والتقدير إن فعل
~~الذين وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة من أن يكون { عصبة } الخبر
~~انتهى، ولا يخفى أنه تكلف. والفائدة في الإخبار على الأول قيل: التسلية
~~بأن الجائين بذلك الإفك فرقة متعصبة متعاونة، وذلك من أمارات كونه إفكا
~~لا أصل له، وقيل: الأولى أن تكون التسلية بأن ذلك مما لم يجمع عليه بل
~~جاء به شرذمة منكم، وزعم أبو البقاء أنه بوصف العصبة بكونها منهم أفاد
~~الخبر، ms07233 وفيه نظر. والخطاب في { منكم } على ما أميل إليه لمن ساءه ذلك
~~من المؤمنين ويدخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وأم رومان
~~وعائشة وصفوان دخولا أوليا.

# وأصل العصبة الفرقة المتعصبة قلت أو كثرت وكثر إطلاقها على العشرة فما
~~فوقها إلى الأربعين وعليه اقتصر في «الصحاح» وتطلق على أقل من ذلك ففي
~~مصحف حفصة { عصبة أربعة }. وقد صح أن عائشة رضي الله تعالى عنها عدت
~~المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول وحمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب
~~رضي الله تعالى عنها وزوجة طلحة بن عبيد الله ومسطح ابن أثاثة وحسان بن
~~ثابت، ومن الناس من برأ حسان وهو خلاف ما في «صحيح البخاري» وغيره. نعم
~~الظاهر أنه رضي الله تعالى عنه لم يتكلم به عن صميم قلب وإنما نقله عن
~~ابن أبي لعنه الله تعالى، وقد جاء أنه رضي الله تعالى عنه اعتذر عما نسب
~~إليه في شأن عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:

# حصان رزان ماتزن بريبة

# وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

# حليلة خير الناس دينا ومنصبا

# نبي الهدى ذي المكرمات الفواضل

# عقيلة حي من لؤي بن غالب

# كرام المساعي مجدهم غير زائل

# مهذبة قد طيب الله خيمها

# وطهرها من كل سوء وباطل

# فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتمو

# فلا رفعت سوطي إلي أناملي

# وكيف وودي ما حييت ونصرتي

# لآل رسول الله زين المحافل

# له رتب عال على الناس كلهم

# تقاصر عنه سورة المتطاول

# فإن الذي قد قيل ليس بلائط

# ولكنه قول امرىء بي ما حل

# وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تكرمه بعد ذلك وتذكره بخير وإن صح أنها
~~قالت له حين أنشدها أول هذه الأبيات: لكنك لست كذلك، فقد أخرج ابن سعد عن
~~محمد بن سيرين أن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تأذن لحسان وتدعو له
~~بالوسادة وتقول: لا تؤذوا حسانا فإنه كان ينصر رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم بلسانه. وأخرج ابن جرير من طريق الشعبي عنها أنها قالت: ms07234 ما سمعت
~~بشيء أحسن من شعر حسان وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة قوله لأبي سفيان
~~بن الحرث بن عبد المطلب:

# هجوت محمدا وأجبت عنه

# وعند الله في ذاك الجزاء

# فإن أبي ووالدتي وعرضي

# لعرض محمد منكم وقاء

# أتشتمه ولست له بكفؤ

# فشركما لخيركما الفداء

# / لساني صارم لا عيب فيه

# وبحري لا تكدره الدلاء

# وعد بعضهم مع الأربعة المذكورين زيد بن رفاعة ولم نر فيه نقلا صحيحا،
~~وقيل إنه خطأ.

# ومعنى { منكم } من أهل ملتكم وممن ينتمي إلى الإسلام سواء كان كذلك
~~في نفس الأمر أم لا فيشمل ابن أبي لأنه ممن ينتمي إلى الإسلام ظاهرا
~~وإن كان كافرا في نفس الأمر، وقيل إن قوله تعالى: { منكم } خارج مخرج
~~الأغلب وأغلب أولئك العصبة مؤمنون مخلصون، وكذا الخطاب في { لا
~~تحسبوه شرا لكم } وقيل: الخطاب في الأول للمسلمين وفي هذا
~~لسيد المخاطبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر وعائشة وصفوان
~~رضي الله تعالى عنهم والكلام مسوق لتسليتهم. وأخرج ابن أبي حاتم
~~والطبراني عن سعيد بن جبير أن الخطاب في الثاني لعائشة وصفوان، وأبعد عن
~~الحق من زعم أنه للذين جاؤوا بالإفك وتكلف للخيرية ما تكلف، ولعل نسبته
~~إلى الحسن لا تصح. والظاهر أن ضمير الغائب في { لا تحسبوه } عائد
~~على الإفك. وجوز أن يعود على القذف وعلى المصدر المفهوم من { جآءوا }
~~وعلى ما نال المسلمين من الغم والكل كما ترى، وعلى ما ذهب إليه ابن عطية
~~يعود على المحذوف المضاف إلى اسم (إن) الذي هو الاسم في الحقيقة؛ ونهوا
~~عن حسبان ذلك شرا لهم إراحة لبالهم بإزاحة ما يوجب استمرار بلبالهم.

# وأردف سبحانه النهي عن ذلك بالإضراب بقوله عز وجل: { لكم بل هو
~~خير لكم } اعتناء بأمر التسلية، والمراد بل هو خير عظيم لكم
~~لنيلكم بالصبر عليه الثواب العظيم وظهور كرامتكم على الله عز وجل بإنزال
~~ما فيه تعظيم شأنكم وتشديد الوعيد فيمن تكلم بما أحزنكم، والآيات المنزلة
~~في ذلك على ما سمعت آنفا عن عائشة رضي الله ms07235 تعالى عنها عشرة.

# وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه قال: نزلت ثماني عشرة آية
~~متواليات بتكذيب من قذف عائشة وبراءتها. وأخرج الطبراني عن الحكم بن
~~عتيبة قال: إنه سبحانه أنزل فيها خمس عشرة آية من سورة النور ثم قرأ حتى
~~بلغ

# الخبيثت للخبيثين

# [النور: 26] وكأن الخلاف مبني على الخلاف في رؤس الآي، وفي كتاب «العدد»
~~للداني ما يوافق المروي عن ابن جبير.

# { لكل امرىء منهم } أي من الذي جاؤوا بالإفك { ما اكتسب
~~من الإثم } أي جزاء ما اكتسب وذلك بقدر ما خاض فيه فإن بعضهم تكلم
~~وبعضهم ضحك كالمعجب الراضي بما سمع وبعضهم أكثر وبعضهم أقل. { والذى
~~تولى كبره } بكسر الكاف. وقر الحسن والزهري وأبو رجاء ومجاهد
~~والأعمش وأبو البرهسم وحميد وابن أبي عبلة وسفيان الثوري ويزيد بن قطيب
~~ويعقوب والزعفراني وابن مقسم وعمرة بنت عبد الرحمن وسورة عن الكسائي
~~ومحبوب عن أبي عمرو { كبره } بضم الكاف وهو ومكسورها مصدران لكبر الشيء
~~عظم ومعناهما واحد، وقيل: الكبر بالضم المعظم وبالكسر البداءة بالشيء،
~~وقيل: الإثم، والجمهور على الأول أي والذي تحمل معظمه { منهم } أي من
~~الجائين به { له عذاب عظيم } في الدنيا والآخرة أو في الآخرة
~~فقط. وفي التعبير بالموصول وتكرير الإسناد وتنكير العذاب ووصفه بالعظم من
~~تهويل الخطب ما لا يخفى.

# والمراد بالذي تولى كبره كما في «صحيح البخاري» عن الزهري عن عروة عن
~~عائشة رضي الله تعالى عنها عبد الله بن أبي عليه اللعنة وعلى ذلك أكثر
~~المحدثين. / وكان لعنه الله تعالى يجمع الناس عنده ويذكر لهم ما يذكر من
~~الإفك، وهو أول من اختلقه وأشاعه لإمعانه في عداوة رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم، وعذابه في الآخرة بعد جعله في الدرك الأسفل من النار لا يقدر
~~قدره إلا الله عز وجل، وأما في الدنيا فوسمه بميسم الذل وإظهار نفاقه على
~~رؤس الأشهاد وحده حدين على ما أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر رضي
~~الله تعالى عنهما من أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن ms07236 نزلت الآيات خرج إلى
~~المسجد فدعا أبا عبيدة بن الجراح فجمع الناس ثم تلا عليهم ما أنزل الله
~~تعالى من البراءة لعائشة وبعث إلى عبد الله بن أبي فجيء به فضربه عليه
~~الصلاة والسلام حدين وبعث إلى حسان ومسطح وحمنة فضربوا ضربا وجيعا
~~ووجئوا في رقابهم، وقيل: حد حدا واحدا، فقد أخرج الطبراني عن ابن عباس
~~أنه فسر العذاب في الدنيا بجلد رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه ثمانين
~~جلدة وعذابه في الآخرة بمصيره إلى النار، وقيل: إنه لم يحد أصلا لأنه لم
~~يقر ولم يلتزم إقامة البينة عليه تأخيرا لجزائه إلى يوم القيامة كما أنه
~~لم يلتزم إقامة البينة على نفاقه وصدور ما يوجب قتله لذلك وفيه نظر.

# وزعم بعضهم أنه لم يحد مسطح، وآخرون أنه لم يحد أحد ممن جاء بالإفك إذ
~~لم يكن إقرار ولم يلتزم إقامة بينة. وفي «البحر» أن المشهور حد حسان
~~ومسطح وحمنة، وقد أخرجه البزار وابن مردويه بسند حسن عن أبي هريرة، وقد
~~جاء ذلك في أبيات ذكرها ابن هشام في «ملخص السيرة» لأبن اسحق وهي:

# لقد ذاق حسان الذي كان أهله

# وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح

# تعاطوا برجم الغيب أمر نبيهم

# وسخطة ذي العرش الكريم فانزحوا

# وآذوا رسول الله فيها فجللوا

# مخازي بغي يمموها وفضحوا

# وصب عليهم محصدات كأنها

# شآبيب قطر من ذرى المزن تسفح

# وقيل: الذي تولى كبره حسان، واستد بما في «صحيح البخاري» أيضا عن مسروق
~~قال: دخل حسان على عائشة فشبب وقال حصان البيت قالت: لكنك لست كذلك قلت:
~~تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله تعالى:

# والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم

# [النور: 11] فقالت: وأي عذاب أشد من العمى، وجاء في بعض الأخبار أنها
~~قيل لها: أليس الله تعالى يقول: { والذى تولى كبره } الآية؟
~~فقالت: أليس أصابه عذاب عظيم أليس قد ذهب بصره وكسع بالسيف؟ تعني الضربة
~~التي ضربها إياه صفوان حين بلغه عنه أنه يتكلم في ذلك، فإنه يروى أنه
~~ضربه بالسيف على رأسه ms07237 لذلك ولأبيات عرض فيها به وبمن أسلم من العرب من
~~مضر وأنشد:

# تلق ذباب السيف مني فإنني

# غلام إذا هوجيت لست بشاعر

# ولكنني أحمى حماي وأتقى

# من الباهت الرأي البرىء والظواهر

# وكاد يقتله بتلك الضربة. فقد روي ابن إسحق أنه لما ضربه وثب عليه ثابت
~~بن قيس بن شماس فجمع يديه إلى عنقه بحبل ثم انطلق به إلى دار بني الحرث
~~بن الخزرج فلقيه عبد الله بن رواحة فقال: ما هذا؟ قال: أما أعجبك ضرب
~~حسان بالسيف والله ما أراد إلا قد قتله فقال له عبد الله: هل علم رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم بذلك وبما صنعت؟ قال: لا والله قال: لقد اجترأت
~~اطلق الرجل فأطلقه فأتوا رسول الله عليه الصلاة والسلام فذكروا ذلك له
~~فدعا حسان وصفوان فقال صفوان: يا رسول الله ءاذاني وهجاني فاحتملني الغضب
~~فضربته فقال صلى الله عليه وسلم: يا حسان أتشوهت على قومي بعد أن هداهم
~~الله تعالى للإسلام / ثم قال: أحسن يا حسان في الذي أصابك فقال: هي لك يا
~~رسول الله فعوضه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها بيرحاء وكان طلحة بن
~~سهل أعطاها إياه عليه الصلاة والسلام ووهبه أيضا سيرين أمة قبطية فولدت
~~له عبد الرحمن بن حسان.

# وفي رواية في «صحيح البخاري» عن عائشة أيضا رضي الله تعالى عنها أنها
~~قالت في { الذى تولى كبره منهم } هو أي المنافق ابن أبي
~~وحمنة، وقيل: هو وحسان ومسطح، وعذاب المنافق الطرد وظهور نفاقه وعذاب
~~الأخيرين بذهاب البصر، ولا يأبى إرادة المتعدد إفراد الموصول لما في
~~«الكشف» من أن { الذى } يكون جمعا وإفراد ضميره جائز باعتبار إرادة
~~الجمع أو الفوج أو الفريق أو نظرا إلى أن صورته صورة المفرد، وقد جاء
~~أفراده في قوله تعالى:

# والذى جاء بالصدق وصدق به

# [الزمر: 33] وجمعه في قوله سبحانه

# وخضتم كالذي خاضوا

# [التوبة: 69] والمشهور جواز استعمال { الذى } جمعا مطلقا. واشترط
~~ابن مالك في «التسهيل» أن يراد به الجنس لا جمع مخصوص فإن أريد الخصوص
~~قصر على ms07238 الضرورة. هذا ولا يخفى أن إرادة الجمع هنا لا تخلو عن بعد، والذي
~~اختاره إرادة الواحد وأن ذلك الواحد هو عدو الله تعالى ورسوله صلى الله
~~عليه وسلم والمؤمنين ابن أبي، وقد روى ذلك الزهري عن سعيد بن المسيب
~~وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبد الله بن عتبة وكلهم سمع عائشة تقول
~~{ الذى تولى كبره } عبد الله بن أبي، وقد تظافرت روايات
~~كثيرة على ذلك، والذاهبون إليه من المفسرين أكثر من الذاهبين منهم إلى
~~غيره.

# ومن الإفك الناشىء من النصب قول هشام بن عبد الملك عليه من الله تعالى
~~ما يستحق حين سئل الزهري عن { الذى تولى كبره } فقال له: هو
~~ابن أبي كذبت هو علي  يعني به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله
~~تعالى وجهه  وقد روى ذلك عن هشام البخاري والطبراني وابن مردويه
~~والبيهقي في «الدلائل»، ولا بدع من أموي الافتراء على أمير المؤمنين علي
~~كرم الله تعالى وجهه ورضي عنه. وأنت تعلم أن قصارى ما روي عن الأمير رضي
~~الله تعالى عنه أنه قال لأخيه وابن عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين
~~استشاره يا رسول الله لم يضيق الله تعالى عليك والنساء سواها كثير وإن
~~تسأل الجارية تصدقك. وفي رواية أنه قال: يا رسول الله قد قال الناس وقد
~~حل لك طلاقها، وفي رواية أنه رضي الله تعالى عنه ضرب بريرة وقال: اصدقي
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في ذلك شيء مما يصلح مستندا لذلك
~~الأموي الناصبي.

# وجل غرض الأمير مما ذكر أن يسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو
~~فيه من الغم، غاية ما في الباب أنه لم يسلك في ذلك مسلك أسامة وهو أمر
~~غير متعين، ومن دقق النظر عرف مغزى الأمير كرم الله تعالى وجهه وأنه بعيد
~~عما يزعمه النواصب بعد ما بين المشرق والمغرب فليتدبر.

### || [24.12]

# { لولا إذ سمعتموه } التفات إلى خطاب الخائضين ما عدا من
~~تولى كبره منهم، واستظهر أبو حيان كون ms07239 الخطاب للمؤمنين دونه، واختير
~~الخطاب لتشديد ما في لولا التحضيضية من التوبيخ، ولتأكيد التوبيخ عدل إلى
~~الغيبة في قوله تعالى: { ظن المؤمنون والمؤمنت
~~بأنفسهم خيرا } لكن لا بطريق الإعراض عن المخاطبين وحكاية جناياتهم
~~لغيرهم بل بالتوسل بذلك إلى وصفهم بما يوجب الإتيان بالمحضض عليه ويقتضيه
~~اقتضاء تاما ويزجرهم عن ضده زجرا بليغا وهو الإيمان وكونه مما يحملهم
~~على إحسان الظن ويكفهم عن إساءته بأنفسهم أي بأبناء جنسهم وأهل ملتهم
~~النازلين منزلة أنفسهم كقوله تعالى:

# ولا تلمزوا أنفسكم

# [الحجرات: 11] وقوله سبحانه:

# ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم

# [البقرة: 85] ولا حاجة إلى تقدير مضاف أي ظن بعض المؤمنين والمؤمنات
~~بأنفس بعضهم الآخر وإن قيل بجوازه مما لا ريب فيه فإخلالهم بموجب ذلك
~~الوصف أقبح وأشنع والتوبيخ عليه أدخل مع ما فيه من التوسل به إلى توبيخ
~~الخائضات والمشهور منهن حمنة؛ ثم إن كان المراد بالإيمان الإيمان الحقيقي
~~فإيجابه لما ذكر واضح والتوبيخ خاص بالمتصفين به، وإن كان مطلق الإيمان
~~الشامل لما يظهره المنافقون أيضا فإيجابه له من حيث إنهم كانوا يحترزون
~~عن إظهار ما ينافي مدعاهم فالتوبيخ حينئذ متوجه إلى الكل، والنكتة في
~~توسيط معمول الفعل المحضض عليه بينه وبين أداة التحضيض وإن جاز ذلك
~~مطلقا أي سواء كان المعمول الموسط ظرفا أو غيره تخصيص التحضيض بأول وقت
~~السماع وقصر التوبيخ واللوم على تأخير الإتيان بالمحضض عليه عن ذلك الآن
~~والتردد فيه ليفيد أن عدم الإتيان به رأسا في غاية ما يكون من القباحة
~~والشناعة أي كان الواجب على المؤمنين والمؤمنات أن يظنوا أول ما سمعوا
~~ذلك الإفك ممن اخترعه بالذات أو بالواسطة من غير تلعثم وتردد بأهل ملتهم
~~من آحاد المؤمنين والمؤمنات خيرا.

# { وقالوا } في ذلك الآن { هذا إفك مبين } أي ظاهر مكشوف
~~كونه إفكا فكيف بأم المؤمنين حليلة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت
~~المهاجرين رضي الله تعالى عنهما. ويجوز أن يكون المعنى هلا ظن المؤمنين
~~والمؤمنات أول ما سمعوا ذلك خيرا بأهل ملتهم عائشة وصفوان وقالوا الخ.

### || [24.13]

# { لولا ms07240 جاءو عليه بأربعة شهداء } إما من تمام القول
~~المحضض عليه مسوق لتوبيخ السامعين على ترك إلزام الخائضين أي هلا جاء
~~الخائضون بأربعة شهداء يشهدون على ثبوت ما قالوا: { فإذ لم
~~يأتوا بالشهداء } الأربعة، وكان الظاهر فإذا لم يأتوا بهم إلا
~~أنه عدل إلى ما في النظم الجليل لزيادة التقرير { فأولئك } إشارة
~~إلى الخائضين، وما فيها من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفساد أي
~~فأولئك المفسدون { عند الله } أي في حكمه وشريعته { هم
~~الكذبون } أي المحكوم عليهم بالكذب شرعا أي بأن خبرهم لم يطابق
~~في الشرع الواقع، وقيل: المعنى فأولئك في علم الله تعالى هم الكاذبون
~~الذين لم يطابق خبرهم الواقع في نفس الأمر لأن الآية في خصوص عائشة رضي
~~الله تعالى عنها وخبر أهل الإفك فيها غير مطابق للواقع في نفس الأمر في
~~علمه عز وجل. وتعقب بأن خصوص السبب لا ينافي عموم الحكم مع أن ظاهر
~~التقييد بالظرف يأبى ذلك. وجعله من قبيل قوله تعالى:

# الئن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا

# [الأنفال: 66] خلاف الظاهر، وأيا ما كان فالحصر للمبالغة، وإما كلام
~~مبتدأ مسوق من جهته سبحانه وتعالى تقريرا لكون ذلك إفكا.

### || [24.14]

# { ولولا فضل الله } أي تفضله سبحانه: { عليكم
~~ورحمته } إياكم { فى الدنيا } بفنون النعم التي من جملتها
~~الإمهال للتوبة { و } في { الأخرة } بضروب الآلاء التي من جملتها
~~العفو والمغفرة بعد التوبة، وفي الكلام نشر على ترتيب اللف، وجوز أن
~~يتعلق { فى الدنيا والأخرة } بكل من فضل الله تعالى ورحمته،
~~والمعنى لولا الفضل العام والرحمة العامة في كلا الدارين { لمسكم }
~~عاجلا { فى ما أفضتم فيه } أي بسبب ما خضتم فيه من حديث الإفك.
~~والإبهام لتهويل أمره واستهجان ذكره أفاض في الحديث وخاض وهضب واندفع
~~بمعنى، والإفاضة في ذلك مستعارة من إفاضة الماء في الإناء، و { لولا }
~~امتناعية وجوابها { لمسكم }  { عذاب عظيم } / يستحقر دونه
~~التوبيخ والجلد. والخطاب لغير ابن أبي من الخائضين، وجوز أن يكون لهم
~~جميعا. وتعقب بأن ابن أبي رأس المنافقين لاحظ له من رحمة ms07241 الله تعالى في
~~الآخرة لأنه مخلد في الدرك الأسفل من النار.

### || [24.15]

# { إذ تلقونه بألسنتكم } بحذف إحدى التاءين و { إذ }
~~ظرف للمس، وجوز أن يكون ظرفا لأفضتم وليس بذاك، والضمير المنصوب لما أي
~~لمسكم ذلك العذاب العظيم وقت تلقيكم ما أفضتم فيه من الأفك وأخذ بعضكم
~~إياه من بعض بالسؤال عنه. والتلقي والتلقف والتلقن متقاربة المعاني إلا
~~أن في التلقي معنى الاستقبال وفي التلقف معنى الخطف والأخذ بسرعة وفي
~~التلقن معنى الحذق والمهارة.

# وقرأ أبي رضي الله تعالى عنه { تتلقونه } على الأصل، وشد التاء البزي،
~~وأدغم الذال في التاء النحويان وحمزة. وقرأ ابن السميقع { تلقونه } بضم
~~التاء والقاف وسكون اللام مضارع ألقى، وعنه { تلقونه } بفتح التاء
~~والقاف وسكون اللام مضارع لقى، وقرأت عائشة. وابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما. وعيسى. وابن يعمر. وزيد بن علي بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف
~~من ولق الكلام كذبه حكاه السرقسطي، وفيه رد على من زعم أن ولق إذا كان
~~بمعنى كذب لا يكون متعديا وهو ظاهر كلام ابن سيده وارتضاء أبو حيان ولذا
~~جعل ذلك من باب الحذف والإيصال والأصل تلقون فيه، وروي عن عائشة رضي الله
~~تعالى عنها أنها كانت تقرأ ذلك وتقول: الولق الكذب، وقال ابن أبي مليكة:
~~وكانت أعلم بذلك من غيرها لأنه نزل فيها. وقال ابن الأنباري: من ولق
~~الحديث أنشأه واخترعه، وقيل: من ولق الكلام دبره، وحكى الطبري وغيره أن
~~هذه اللفظة مأخوذة من الولق الذي هو الإسراع بالشيء بعد الشيء كعدو في
~~أثر عدو وكلام في أثر كلام ويقال: ناقة ولقى سريعة، ومنه الأولق للمجنون
~~لأن العقل باب من السكون والتماسك والجنون باب من السرعة والتهافت.

# وعن ابن جني أنه إذا فسر ما في الآية بما ذكر يكون ذلك من باب الحذف
~~والإيصال، والأصل تسرعون فيه أو إليه. وقرأ زيد بن أسلم وأبو جعفر {
~~تألقونه } بفتح التاء وهمزة ساكنة بعدها لام مكسورة من الألق وهو الكذب.
~~وقرأ يعقوب في رواية المازني { تيلقونه } بتاء فوقانية مكسورة بعدها ياء ms07242
~~ولام مفتوحة كأنه مضارع ولق بكسر اللام كما قال تيجل مضارع وجل، وعن
~~سفيان بن عيينة سمعت أمي تقرأ { إذ تثقفونه } من ثقفت الشيء إذا طلبته
~~فأدركته جاء مثقلا ومخففا أي تتصيدون الكلام في الإفك من ههنا ومن
~~ههنا. وقرىء { تقفونه } من قفاه إذا تبعه أي تتبعونه.

# { وتقولون بأفوهكم ما ليس لكم به علم } أي
~~تقولون قولا مختصا بالأفواه من غير أن يكون له مصداق ومنشأ في القلوب
~~لأنه ليس تعبيرا عن علم به في قلوبكم فهذا كقوله تعالى:

# يقولون بأفوههم ما ليس فى قلوبهم

# [آل عمران:167]. وقال ابن المنير: يجوز أن يكون قوله سبحانه: {
~~تقولون بأفوهكم } توبيخا كقولك: أتقول ذلك بملء فيك فإن
~~القائل ربما رمز وعرض وربما تشدق جازما كالعالم، وقد قيل هذا في قوله
~~سبحانه:

# بدت البغضاء من أفوههم

# [آل عمران: 118] وقال صاحب «الفرائد»: يمكن أن يقال فائدة ذكر {
~~بأفوهكم } أن لا يظن أنهم قالوا ذلك بالقلب لأن القول يطلق على
~~غير الصادر من الأفواه كما في قوله تعالى:

# قالتا أتينا طائعين

# [فصلت: 11] وقول الشاعر:

# امتلأ الحوض وقال قطني

# مهلا رويدا قد ملأت بطني

# / فهو تأكيد لدفع المجاز، وأنت تعلم أن السياق يقتضي الأول وإليه ذهب
~~الزمخشري، وكان الظاهر وتقولونه بأفواهكم إلا أنه عدل عنه إلى ما في
~~النظم الجليل لما لا يخفى.

# { وتحسبونه هينا } سهلا لا تبعة له. { وهو عند الله
~~عظيم } أي والحال أنه عند الله عز وجل أمر عظيم لا يقادر قدره في
~~الوزر واستجرار العذاب، والجملتان الفعليتان معطوفتان على جملة {
~~تلقونه } داخلتان معها في حيز { إذ } فيكون قد علق مس العذاب
~~العظيم بتلقي الإفك بألسنتهم والتحدث به من غير روية وفكر وحسبانهم ذلك
~~مما لا يعبأ به وهو عند الله عز وجل عظيم.

### || [24.16]

# { ولولا إذ سمعتموه } ممن اخترعه أو المتابع له { قلتم }
~~تكذيبا له وتهويلا لما ارتكبه { ما يكون لنا أن نتكلم }
~~أي ما يمكننا وما يصدر عنا بوجه من الوجوه التكلم { بهذا } إشارة
~~إلى القول الذي سمعوه باعتبار شخصه. وجوز أن ms07243 يكون إشارة إلى نوعه فإن قذف
~~آحاد الناس المتصفين بالإحصان محرم شرعا، وجاء عن حذيفة مرفوعا أنه
~~يهدم عمل مائة سنة فضلا عن تعرض الصديقة حرمة رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم، والكلام في توسيط الظرف على نحو ما مر.

# { سبحنك } تعجب ممن تفوه به، وأصله أن يذكر عند معاينة العجيب من
~~صنائعه تعالى شأنه تنزيها له سبحانه من أن يصعب عليه أمثاله ثم كثر حتى
~~استعمل في كل متعجب منه واستعماله فيما ذكر مجاز متفرع على الكناية،
~~ومثله في استعماله للتعجب لا إله إلا الله، والعوام يستعملون الصلاة على
~~النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام أيضا ولم يسمع في لسان الشرع
~~بل قد صرح بعض الفقهاء بالمنع منه.

# وجوز أن يكون { سبحنك } هنا مستعملا في حقيقته والمراد تنزيه
~~الله تعالى شأنه من أن يصم نبيه عليه الصلاة والسلام ويشينه فإن فجور
~~الزوجة وصمة في الزوج تنفر عنه القلوب وتمنع عن اتباعه النفوس ولذا صان
~~الله تعالى أزواج الأنبياء عليهم السلام عن ذلك، وهذا بخلاف الكفر فإن
~~كفر الزوجة ليس وصمة في الزوج، وقد ثبت كفر زوجتي نوح عليهما السلام كذا
~~قيل، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبا ما يتعلق به، وعلى هذا يكون {
~~سبحنك } تقريرا لما قبله وتمهيدا لقوله سبحانه { هذا
~~بهتن } أي كذب يبهت ويحير سامعه لفظاعته { عظيم } لا يقدر قدره
~~لعظمة المبهوت عليه فإن حقارة الذنوب وعظمها كثيرا ما يكونان باعتبار
~~متعلقاتها، والظاهر أن التوبيخ للسامعين الخائضين لا للسامعين مطلقا،
~~فقد روي عن سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل في أمر عائشة رضي
~~الله تعالى عنها قال: سبحانك هذا بهتان عظيم. وعن سعيد بن المسيب أنه
~~قال: كان رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعا شيئا من
~~ذلك قالا ما ذكر أسامة بن زيد بن حارثة وأبو أيوب رضي الله تعالى عنهما.
~~وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: إن امرأة أبي
~~أيوب ms07244 الأنصاري قالت له: يا أبا أيوب ألا تسمع ما يتحدث به الناس؟ فقال:
~~ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم، ومنشأ هذا الجزم على
~~ما قاله الإمام الرازي العلم بأن زوجة الرسول عليه الصلاة والسلام لا
~~يجوز أن تكون فاجرة، وعلل بأن ذلك ينفر عن الاتباع فيخل بحكمة البعثة
~~كدناءة الآباء وعهر الأمهات، وقد نص العلامة الثاني على أن من شروط
~~النبوة السلامة عن ذلك بل / عن كل ما ينفر عن الاتباع.

# واستشكل ذلك بأنه إذا كان ما ذكر شرطا فكيف علمه من سمعت حتى قالوا ما
~~قالوا وخفي الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال كما في «صحيح
~~البخاري» وغيره:

# " يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى
~~وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله تعالى وتوبي إليه "

# وجاء في بعض الروايات

# " يا عائشة إن كنت فعلت هذا الأمر فقولي لي حتى أستغفر الله تعالى لك "

# وكذا خفي على صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فقد أخرج
~~البزار بسند صحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه لما نزل عذرها قبل
~~أبو بكر رضي الله تعالى عنه رأسها فقالت: ألا عذرتني فقال: أي سماء تظلني
~~وأي أرض تقلني إن قلت ما لا أعلم؟

# وأجيب بأن ذلك ليس من الشروط العقلية للنبوة كالأمانة والصدق بل هو من
~~الشروط الشرعية والعادية كما قال اللقاني فيجوز أن يقال: إنه لم يكن
~~معلوما قبل وإنما علم بعد نزول آيات براءة عائشة رضي الله تعالى عنها،
~~وعدم العلم بمثل ذلك لا يقدح في منصب النبوة، وأما دعوى علم من ذكر به
~~فلا دليل عليها، وقولهم ذلك يجوز أن يكون ناشئا عن حسن الظن لا عن علم
~~بكون السلامة من المنفر عن الاتباع من شروط النبوة، ويشهد لهذا نظرا إلى
~~بعض القائلين والظاهر تساويهم ما أخرجه ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر
~~وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن بعض الأنصار أن ms07245 امرأة أبي
~~أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا: ألا تسمع ما يقول الناس في
~~عائشة رضي الله تعالى عنها؟ قال: بلى وذلك الكذب أكنت أنت فاعلة يا أم
~~أيوب؟ قالت: لا والله فقال: فعائشة رضي الله تعالى عنها والله خير منك
~~وأطيب إنما هذا كذب وإفك باطل، وروى قريبا منه الحاكم وابن عساكر عن
~~أفلح مولى أبي أيوب، ولعله المعنى ببعض الأنصار في الخبر السابق، ولم
~~يقل صلى الله عليه وسلم نحو ذلك لحسن الظن لشدة غيرته عليه الصلاة
~~والسلام والغيور لا يكاد يعول في مثل ذلك على حسن الظن، ويمكن أن يكون
~~قولهم ذلك ناشئا عن العلم بكون السلامة من المنفر عن الاتباع من شروط
~~النبوة بأن يكونوا قد تفطنوا لكون حكمة البعثة تقتضي تلك السلامة وقد
~~يتفطن العالم لما لا يتفطن له من هو أعلم منه.

# وجوز أن يدعي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عالما بعدم جواز فجور
~~نساء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لما فيه من النفرة المخلة بحكمة
~~البعثة لكن أراد عليه الصلاة والسلام أن يظهر أمر براءة الصديقة رضي الله
~~تعالى عنها ظهور الشمس في رابعة النهار بحيث لا يبقى فيها خفاء عند أحد
~~من الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم، وما عراه من الهم إنما هو أمر
~~طبيعي حصل بسبب خوض المنافقين ومن تبعهم وشيوع ما لا أصل له من الباطل
~~بين الناس، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان عالما بأن السلامة من
~~المنفر من شروط النبوة لكن خشي من الله عز وجل الذي لا يجب عليه شيء أن
~~لا يجعل ما خاض المنافقون وأتباعهم فيه من المنفر بأن لا يرتب سبحانه خلق
~~النفرة في القلوب عليه ليمنع من الاتباع فتختل حكمة البعثة فداخله عليه
~~الصلاة والسلام من الهم ما داخله وجعل يتتبع الأمر على أتم وجه وما ذلك
~~إلا من مزيد العلم ونهاية الحزم، ونظيره من وجه خوفه عليه الصلاة والسلام
~~من قيام الساعة عند اشتداد الريح بحيث ms07246 لا يستطيع أن ينام ما دام الأمر
~~كذلك حتى تمطر السماء. وقيل: يجوز أن لا يعد فجور الزوجة منفرا إلا إذا
~~أمسكت بعد العلم به فلم لا يجوز أن يقع فيجب طلاقها / وإذا طلقت لا يتحقق
~~المنفر المخل بالحكمة.

# هذا ولا يخفى عليك ما في بعض الاحتمالات من البحث بل بعضها في غاية
~~البعد عن ساحة القبول، ولعل الحق أنه عليه الصلاة والسلام قد أخفى عليه
~~أمر الشرطية إلى أن اتضح أمر البراءة ونزلت الآيات فيها لحكمة الابتلاء
~~وغيره مما الله تعالى أعلم به، وأن قول أولئك الأصحاب رضي الله تعالى
~~عنهم: سبحانك هذا بهتان عظيم لم يكن ناشئا إلا عن حسن الظن، ولم يتمسك
~~به صلى الله عليه وسلم لأنه لا يحسم القال والقيل ولايرد به شيء من
~~الأباطيل، ولا ينبغي لمن يؤمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أن
~~يخالج قلبه بعد الوقوف على الآيات والأخبار شك في طهارة نساء الأنبياء
~~عليهم الصلاة والسلام عن الفجور في حياة أزواجهن وبعد وفاتهم عنهن. ونسب
~~للشيعة قذف عائشة رضي الله تعالى عنها بما برأها الله تعالى منه وهم
~~ينكرون ذلك أشد الإنكار وليس في كتبهم المعول عليها عندهم عين منه ولا
~~أثر أصلا، وكذلك ينكرون ما نسب إليهم من القول بوقوع ذلك منها بعد وفاته
~~صلى الله عليه وسلم وليس له أيضا في كتبهم عين ولا أثر.

# والظاهر أنه ليس في الفرق الإسلامية من يختلج في قلبه ذلك فضلا عن
~~الإفك الذي برأها الله عز وجل منه.

### || [24.17]

# { يعظكم الله } أي ينصحكم { أن تعودوا لمثله أبدا
~~} أي كراهة أن تعودوا أو لئلا تعودوا أو يعظكم في العود أي في شأنه وما
~~فيه من الإثم والمضار كما يقال وعظته في الخمر وما فيها من المضار أو
~~يزجركم عن العود على تضمين الوعظ معنى الزجر، ويقال عاده وعاد إليه وعاد
~~له وعاد فيه بمعنى، والمراد بأبدا مدة الحياة. { إن كنتم
~~مؤمنين } من باب إن كنت أبا لك فلم لا تحسن إلي ms07247 يتضمن تذكيرهم
~~بالإيمان الذي هو العلة في الترك والتهيج لإبرازه في معرض الشك وفيه طرف
~~من التوبيخ.

### || [24.18]

# { ويبين الله لكم الأيت } أي ينزلها مبينة ظاهرة
~~الدلالة على معانيها، والمراد بها الآيات الدالة على الشرائع ومحاسن آداب
~~معاملة المسلمين، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتفخيم شأن
~~البيان. { والله عليم } بأحوال جميع مخلوقاته جلها ودقها {
~~حكيم } في جميع أفعاله فأنى يمكن صدق ما قيل في حق حرم من اصطفاه
~~لرسالته وبعثه إلى كافة الخلق ليرشدهم إلى الحق ويزكيهم ويطهرهم تطهيرا؟
~~وإظهار الاسم الجليل ههنا لتأكيد استقلال الاعتراض التذييلي والإشعار
~~بعلية الألوهية للعلم والحكمة.

### || [24.19]

# { إن الذين يحبون } أي يريدون ويقصدون { أن تشيع } أن
~~تنتشر { الفحشة } أي الخصلة المفرطة في القبح وهي الفرية والرمي
~~بالزنا أو نفس الزنا كما روي عن قتادة، والمراد بشيوعها شيوع خبرها { فى
~~الذين ءامنوا } متعلق بتشيع أي تشيع فيما بين الناس. وذكر
~~المؤمنين لأنهم العمدة فيهم أو بمضمر هو حال من الفاحشة أي كائنة في حق
~~المؤمنين وفي شأنهم والمراد بهم المحصنون والمحصنات كما روي عن ابن عباس
~~{ لهم } بسبب ذلك { عذاب أليم فى الدنيا } مما يصيبه من
~~البلاء كالشلل والعمى { و } في { الآخرة } من عذاب النار ونحوه،
~~وترتب ذلك على المحبة ظاهر على ما نقل عن الكرماني من أن أعمال القلب
~~السيئة كالحقد والحسد ومحبة شيوع الفاحشة يؤاخذ العبد إذا وطن نفسه
~~عليها، ويعلم من الآية على أتم وجه سوء حال من نزلت الآية فيهم كابن أبي
~~ومن وافقه قلبا وقالبا وأن لهم الحظ / الأوفر من العذابين حيث أحبوا
~~الشيوع وأشاعوا.

# وقال بعضهم: المراد من محبة الشيوع الإشاعة بقرينة ترتب العذاب عليها
~~فإنه لا يترتب إلا على الإشاعة دون المحبة التي لا اختيار فيها، وإن سلم
~~أن المراد بها محبة تدخل تحت الاختيار وهي مما يترتب عليها العذاب قلنا:
~~إن ذلك هو العذاب الأخروي دون العذاب الدنيوي مثل الحد، وقد فسر ابن عباس
~~وابن جبير العذاب الأليم في الدنيا هنا بالحد وهو لا يترتب على ms07248 المحبة
~~مطلقا بالاتفاق، ومن هنا قيل أيضا: إن ذكر المحبة من قبيل الاكتفاء عن
~~ذكر الشيء وهو الإشاعة بذكر مقتضيه تنبيها على قوة المقتضي، وقيل: إن
~~الكلام على التضمين أي يشيعون الفاحشة محبين شيوعها لأن كلا معنى المحبة
~~والإشاعة مقصودان.

# واستشكل تفسير العذاب الأليم في الدنيا بالحد بأنه لا يضم إليه العذاب
~~الأليم في الآخرة لأن الحدود مكفرة. وأجيب بأن حكم الآية مخصوص بمن أشاع
~~ذلك في حق أم المؤمنين، وقيل: الحد لمن نقل الإفك من المسلمين والعذاب
~~الأخروي لأبي عذرته ابن أبي والموصول عام لهما، على أن في كون الحدود
~~مطلقا مكفرة خلافا فبعضهم قال به فيما عدا الردة وبعضهم أنكره وبعضهم
~~توقف فيه لحديث أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال:

# " لا أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا "

# ولعل الأنسب بمساق النظم الكريم من تقبيح الخائضين في الإفك المشيعين له
~~هو ما ذكرناه أولا، والمراد بالموصول إما هم على أن يكون للعهد الخارجي
~~كما روي عن مجاهد وابن زيد؛ والتعبير بالمضارع في الصلة للإشارة إلى
~~زيادة تقبيحهم بأنه قد صارت محبتهم لشيوع الفاحشة عادة مستمرة، وأما ما
~~يعمهم وغيرهم من كل من يتصف بمضمون الصلة على إرادة الجنس ويدخل أولئك
~~المشيعون دخولا أوليا كما قيل. { والله يعلم } جميع الأمور
~~التي من جملتها ما في الضمائر من المحبة المذكورة وكذا وجه الحكمة في
~~تغليظ الوعيد { وأنتم لا تعلمون } ما يعلمه سبحانه وتعالى.

# والجملة اعتراض تذييلي جيء به تقريرا لثبوت العذاب له وتعليلا له،
~~قيل: المعنى والله يعلم ما في ضمائرهم فيعاقبهم عليه في الآخرة وأنتم لا
~~تعلمون ذلك بل تعلمون ما يظهر لكم من أقوالهم فعاقبوا عليه في الدنيا.

### || [24.20]

# { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } الخطاب على ما
~~أخرج الطبراني عن ابن عباس لمسطح وحسان وحمنة، أو لمن عدا ابن أبي
~~وأضرابه من المنافقين الخائضين، وهذا تكرير للمنة بترك المعاجلة بالعقاب
~~للتنبيه على كمال عظم الجريرة وقوله سبحانه وتعالى: { وأن الله
~~رءوف رحيم } عطف على { فضل الله } وإظهار الاسم ms07249 الجليل
~~لتربية المهابة والإشعار باستتباع صفة الألوهية للرأفة والرحمة، وتغيير
~~سبكه وتصديره بحرف التحقيق لما أن المراد بيان اتصافه تعالى في ذاته
~~بهاتين الصفتين الجليلتين على الدوام والاستمرار لا بيان حدوث تعلقهما
~~بهم كما أنه المراد بالمعطوف عليه وجواب { لولا } محذوف كما مر. وهذه
~~نظير الآية المارة في آخر حديث اللعان إلا أن في التعقيب بالرؤوف الرحيم
~~بدل

# تواب حكيم

# [النور: 10] هنالك ما يؤذن بأن الذنب في هذا أعظم وكأنه لا يرتفع إلا
~~بمحض رأفته تعالى وهو أعظم من أن يرتفع بالتوبة كما روي عن ابن عباس من
~~خاض في حديث الإفك وتاب لم تقبل توبته والغرض التغليظ فلا تغفل.

### || [24.21]

# { يأيها الذين ءامنوا لا تتبعوا خطوت
~~الشيطن } أي لا تسلكوا مسالكه في كل ما تأتون وما تذرون / والكلام
~~كناية عن اتباع الشيطان وامتثال وساوسه فكأنه قيل: لا تتبعوا الشيطان في
~~شيء من الأفاعيل التي من جملتها إشاعة الفاحشة وحبها.

# وقرأ نافع والبزي في رواية ابن ربيعة عنه وأبو عمرو وأبو بكر وحمزة {
~~خطوت } بسكون الطاء وقرىء بفتحها أيضا. وهو في جميع ذلك جمع خطوة بضم
~~الخاء وسكون الطاء اسم لما بين القدمين، وأما الخطوة (بفتح الخاء) فهو
~~مصدر خطا والأصل في الاسم إذا جمع أن تحرك عينه فرقا بينه وبين الصفة
~~فيضم اتباعا للفاء أو يفتح تخفيفا وقد يسكن.

# { ومن يتبع خطوت الشيطن } وضع الظاهران موضع ضميري
~~الخطوات والشيطان حيث لم يقل ومن يتبعها أو من يتبع خطواته لزيادة
~~التقرير والمبالغة [في التنفير والتحذير] { فإنه يأمر
~~بالفحشاء } هو ما أفرط قبحه كالفاحشة { والمنكر } هو ما ينكره
~~الشرع، وضمير (إنه) للشيطان؛ وقيل للشأن وجواب الشرط مقدر سد ما بعد
~~الفاء مسده وهو في الأصل تعليل للجملة الشرطية وبيان لعلة النهي كأنه
~~قيل: من يتبع الشيطان ارتكب الفحشاء والمنكر فإنه لا يأمر إلا بهما ومن
~~كان كذلك لا يجوز اتباعه وطاعته وقد قرر ذلك النسفي وابن هشام في الباب
~~الخامس من «المغنى». وتعقب بأنه يأباه ما نص عليه النحاة من أن ms07250 الجواب لا
~~يحذف إلا إذا كان الشرط ماضيا حتى عدوا من الضرورة قوله:

# لئن تك قد ضاقت على بيوتكم

# ليعلم ربي أن بيتي أوسع

# وأجيب بأن الآية ليست من قبيل ما ذكروه في البيت فإنه مما حذف فيه
~~الجواب رأسا وهذا مما أقيم مقامه ما يصح جعله جوابا بحسب الظاهر. وقال
~~أبو حيان: الضمير عائد على من الشرطية ولم يعتبر في الكلام حذفا أصلا،
~~والمعنى على ذلك من يتبع الشيطان فإنه يصير رأسا في الضلال بحيث يكون
~~آمرا بالفحشاء والمنكر وهو مبني على اشتراط ضمير في جواب الشرط الاسمي
~~يعود إليه وسيأتي إن شاء الله تعالى ما فيه.

# { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } بما من جملته
~~إنزال هاتيك الآيات البينات والتوفيق للتوبة الممحصة من الذنوب وكذا شرع
~~الحدود المكفرة لما عدا الردة منها على ما ذهب إليه جمع وأجابوا عن حديث
~~أبي هريرة السابق آنفا بأنه كان قبل أن يوحى إليه صلى الله عليه وسلم
~~بذلك { ما زكى } أي ما طهر من دنس الذنوب. وقرأ روح والأعمش { ما زكى
~~} بالتشديد والإمالة، وكتب { زكى } المخفف بالياء مع أنه من ذوات الواو
~~وحقها أن تكتب بالألف، قال أبو حيان: لأنه قد يمال أو حملا على المشدد،
~~ومن قوله تعالى: { منكم } بيانية، وفي قوله سبحانه: { من أحد }
~~سيف خطيب و { أحد } في حيز الرفع على الفاعلية على القراءة الأولى وفي
~~محل النصب على المفعولية على القراءة الثانية والفاعل عليها ضميره تعالى
~~أي ما زكى الله تعالى منكم أحدا { أبدا } لا إلى غاية { ولكن
~~الله يزكى } يظهر { من يشآء } من عباده بإفاضة آثار فضله ورحمته
~~عليه وحمله على التوبة وقبولها منه كما فعل سبحانه بمن سلم عن داء النفاق
~~ممن وقع في شرك الإفك منكم.

# { والله سميع } مبالغ في سمعه الأقوال التي من جملتها ما أظهروه
~~من التوبة { عليم } بجميع المعلومات التي من جملتها نياتهم، وفيه حث
~~لهم على الإخلاص في التوبة. وإظهار الاسم الجليل للإيذان باستدعاء /
~~الألوهية للسمع والعلم مع ما فيه من ms07251 تأكيد الاستقلال التذييلي.

### || [24.22]

# { ولا يأتل } أي لا يحلف افتعال من الألية. وقال أبو عبيدة
~~واختاره أبو مسلم: أي لا يقصر من الألو بوزن الدلو والألو بوزن العتو،
~~قيل: والأول أوفق بسبب النزول وذلك أنه صح عن عائشة وغيرها أن أبا بكر
~~رضي الله تعالى عنه حلف لما رأى براءة ابنته أن لا ينفق على مسطح شيئا
~~أبدا وكان من فقراء المهاجرين الأولين الذين شهدوا بدرا وكان ابن
~~خالته، وقيل: ابن أخته رضي الله تعالى عنه فنزلت { ولا يأتل } الخ
~~وهذا هو المشهور. وعن محمد بن سيرين أن أبا بكر حلف لا ينفق على رجلين
~~كانا يتيمين في حجره حيث خاضا في أمر عائشة أحدهما مسطح فنزلت، وعن ابن
~~عباس والضحاك أنه قطع جماعة من المؤمنين منهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه
~~منافعهم عمن قال في الإفك وقالوا: والله لا نصل من تكلم فيه فنزلت. وقرأ
~~عبد الله بن عباس بن ربيعة وأبو جعفر مولاه وزيد بن أسلم { يتأل } مضارع
~~تألى بمعنى حلف، قال الشاعر

# تألى ابن أوس حلفة ليردني

# إلى نسوة لي كأنهن مقائد

# وهذه القراءة تؤيد المعنى الأول ليأتل { يأتل أولوا الفضل
~~منكم } أي الزيادة في الدين { والسعة } أي في المال { أن
~~يؤتوا } أي على أن لا يؤتوا أو كراهة أن يؤتوا أو لا يقصروا في أن
~~يؤتوا. وقرأ أبو حيوة وابن قطيب وأبو البرهسم { تؤتوا } بتاء الخطاب
~~على الالتفات. { أولى القربى والمسكين
~~والمهجرين فى سبيل الله } صفات لموصوف واحد بناء على ما
~~علمت من أن الآية نزلت على الصحيح بسبب حلف أبي بكر أن لا ينفق على مسطح
~~وهو متصف كما سمعت بها فالعطف لتنزيل تغاير الصفات منزلة تغاير
~~الموصوفات، والجمع وإن كان السبب خاصا لقصد العموم وعدم الاكتفاء بصفة
~~للمبالغة في إثبات استحقاق مسطح ونحوه الإيتاء فإن من اتصف بواحدة من هذه
~~الصفات إذا استحقه فمن جمعها بالطريق الأولى. وقيل: هي لموصوفات أقيمت هي
~~مقامها وحذف المفعول الثاني لغاية ظهوره أي أن يؤتوهم شيئا.

# { وليعفوا ms07252 } ما فرط منهم { وليصفحوا } بالإغضاء عنه. وقرأ
~~عبد الله والحسن وسفيان بن الحسين وأسماء بنت يزيد { ولتعفوا ولتصفحوا }
~~بتاء الخطاب على وفق قوله تعالى: { ألا تحبون أن يغفر
~~الله لكم } أي بمقابلة عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم {
~~والله غفور رحيم } مبالغ في المغفرة والرحمة مع كمال قدرته
~~سبحانه على المؤاخذة وكثرة ذنوب العباد الداعية إليها، وفيه ترغيب عظيم
~~في العفو ووعد كريم بمقابلته كأنه قيل: ألا تحبون أن يغفر الله لكم فهذا
~~من موجباته، وصح أن أبا بكر لما سمع الآية قال: بلى والله يا ربنا إنا
~~لنحب أن تغفر لنا وأعاد له نفقته، وفي رواية أنه صار يعطيه ضعفي ما كان
~~يعطيه أولا.

# ونزلت هذه الآية على ما أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بعد أن أقبل مسطح
~~إلى أبي بكر معتذرا فقال: جعلني الله تعالى فداك والله الذي أنزل على
~~محمد صلى الله عليه وسلم ما قذفتها وما تكلمت بشيء مما قيل لها أي خال
~~فقال أبو بكر: ولكن قد ضحكت وأعجبك الذي قيل فيها فقال مسطح: لعله يكون
~~قد كان بعض ذلك.

# وفي الآية من الحث على مكارم الأخلاق ما فيها. واستدل بها على فضل
~~الصديق رضي الله تعالى عنه لأنه داخل في أولي الفضل قطعا لأنه وحده أو
~~مع جماعة سبب النزول، ولا يضر في ذلك عموم / الحكم لجميع المؤمنين كما هو
~~الظاهر، ولا حاجة إلى دعوى أنها فيها خاصة والجمع للتعظيم، وكونه مخصوصا
~~بضمير المتكلم مردود على أن فيها من ارتكاب خلاف الظاهر ما فيها، وأجاب
~~الرافضة بأن المراد بالفضل الزيادة في المال، ويرد عليه أنه حينئذ يتكرر
~~مع قوله سبحانه { والسعة } وادعى الإمام أنها تدل على أن الصديق رضي
~~الله تعالى عنه أفضل من جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وبين ذلك بما
~~هو بعيد عن فضله، وذكر أيضا دلالتها على وجوه من مدحه رضي الله تعالى
~~عنه وأكثرها للبحث فيها مجال.

# واستدل بها على أن ما لا يكون ردة من المعاصي ms07253 لا يحبط العمل وإلا لما
~~سمى الله تعالى مسطحا مهاجرا مع أنه صدر منه ما صدر، وعلى أن الحلف على
~~ترك الطاعة غير جائز لأنه تعالى نهى عنه بقوله سبحانه: { لا يأتل }
~~ومعناه على ما يقتضيه سبب النزول لا يحلف، وظاهر هذا حمل النهي على
~~التحريم، وقيل: هو للكراهة، وقيل: الحق أن الحلف على ترك الطاعة قد يكون
~~حراما، وقد يكون مكروها، فالنهي هنا لطلب الترك مطلقا وفيه بحث. وذكر
~~جمهور الفقهاء أنه إذا حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو
~~خير وليكفر عن يمينه كما جاء في الحديث، وقال بعضهم: إذا حلف فليأت الذي
~~هو خير وذلك كفارته كما جاء في حديث آخر. وتعقب بأن المراد من الكفارة في
~~ذلك الحديث تكفير الذنب لا الكفارة الشرعية التي هي بإحدى الخصال.

### || [24.23]

# { إن الذين يرمون المحصنت } قد تقدم تفسيرها {
~~الغفلت } عما يرمين به بمعنى أنه لم يخطر لهن ببال أصلا لكونهن
~~مطبوعات على الخير مخلوقات من عنصر الطهارة ففي هذا الوصف من الدلالة على
~~كمال النزاهة ما ليس في المحصنات { المؤمنت } أي المتصفات
~~بالإيمان بكل ما يجب أن يؤمن به من الواجبات والمحظورات وغيرها إيمانا
~~حقيقيا تفصيليا كما ينبىء عنه تأخير المؤمنات عما قبلها مع أصالة وصف
~~الإيمان فإنه للإيذان بأن المراد بها المعنى الوصفي المعرب عما ذكر لا
~~المعنى الإسمي المصحح لإطلاق الاسم في الجملة كما هو المتبادر على تقدير
~~التقديم، كذا في «إرشاد العقل السليم» وفرع عليه كون المراد بذلك عائشة
~~الصديقة رضي الله تعالى عنها، وروي ما ظاهره ذلك عن ابن عباس وابن جبير،
~~والجمع على هذا باعتبار أن رميها رمي لسائر أمهات المؤمنين لاشتراك الكل
~~في النزاهة والانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونظير ذلك جمع {
~~المرسلين } في قوله سبحانه وتعالى:

# كذبت قوم نوح المرسلين

# [الشعراء: 105] وقيل: المراد أمهات المؤمنين فيدخل فيهن الصديقة دخولا
~~أوليا. وروي ما يؤيده عن أبي الجوزاء والضحاك وجاء أيضا عن ابن عباس
~~ما يقتضيه، فقد أخرج ms07254 عند سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني وابن مردويه
~~أنه رضي الله تعالى عنه قرأ سورة النور ففسرها فلما أتى على هذه الآية {
~~إن الذين } الخ قال: هذه في عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه
~~وسلم ولم يجعل لمن فعل ذلك توبة وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير
~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم التوبة ثم قرأ

# والذين يرمون المحصنت ثم لم يأتوا
~~بأربعة شهداء

# [النور: 4]إلى قوله تعالى:

# إلا الذين تابوا

# [النور: 5] الخبر، وظاهره أنه لا تقبل توبة من قذف إحدى الأزواج
~~الطاهرات رضي الله تعالى عنهن. وقد جاء عنه في بعض الروايات التصريح بعدم
~~قبول توبة من خاض في أمر عائشة رضي الله تعالى عنها، ولعل ذلك منه خارج
~~مخرج المبالغة في تعظيم أمر الإفك كما ذكرنا أولا وإلا فظاهر الآيات
~~قبول توبته وقد تاب من تاب من الخائضين كمسطح وحسان وحمنة ولو علموا أن
~~توبتهم لا تقبل لم يتوبوا. نعم ظاهر / هذه الآية على ما سمعت من المراد
~~من الموصوف بتلك الصفات كفر قاذف أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن لأن
~~الله عز وجل رتب على رميهن عقوبات مختصة بالكفار والمنافقين فقال سبحانه:
~~{ لعنوا } أي بسبب رميهم إياهن { فى الدنيا والآخرة } حيث
~~يلعنهم اللاعنون والملائكة في الدارين { ولهم } مع ما ذكر من اللعن {
~~عذاب عظيم } هائل لا يقادر قدره لغاية عظم ما اقترفوه من الجناية.
~~وكذا ذكر سبحانه أحوالا مختصة بأولئك فقال عز وجل: { يوم تشهد
~~عليهم... }

### || [24.24]

# { يوم تشهد عليهم } الخ، ودليل الاختصاص قوله سبحانه

# ويوم يحشر أعداء الله

# [فصلت: 19] إلى آخر الآيات الثلاث، ومن هنا قيل: إنه لا يجوز أن يراد
~~بالمحصنات الخ المتصفات بالصفات المذكورة أمهات المؤمنين وغيرهن من نساء
~~الأمة لأنه لا ريب في أن رمي غير أمهات المؤمنين ليس بكفر، والذي ينبغي
~~أن يعول الحكم عليه بكفر من رمى إحدى أمهات المؤمنين بعد نزول الآيات
~~وتبين أنهن طيبات سواء استباح الرمي أم قصد الطعن برسول الله صلى الله
~~عليه وسلم ms07255 أم لم يستبح ولم يقصد، ولم يقصد، وأما من رمى قبل فالحكم بكفره
~~مطلقا غير ظاهر.

# والظاهر أنه يحكم بكفره إن كان مستبيحا أو قاصدا الطعن به عليه الصلاة
~~والسلام كابن أبي لعنه الله تعالى فإن ذلك مما يقتضيه إمعانه في عداوة
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحكم بكفره إن لم يكن كذلك كحسان ومسطح
~~وحمنة فإن الظاهر أنهم لم يكونوا مستحلين ولا قاصدين الطعن بسيد المرسلين
~~صلى الله عليه وسلم وعلى آله أجمعين وإنما قالوا ما قالوا تقليدا فوبخوا
~~على ذلك توبيخا شديدا.

# ومما يدل دلالة واضحة على عدم كفر الرامين قبل بالرمي أنه عليه الصلاة
~~والسلام لم يعاملهم معاملة المرتدين بالإجماع وإنما أقام عليهم حد القذف
~~على ما جاء في بعض الروايات، فالآية بناء على القول بخصوص المحصنات وهو
~~الذي تعضده أكثر الروايات إن كانت لبيان حكم من يرمي عائشة أو إحدى أمهات
~~المؤمنين مطلقا بعد تلك القصة كما هو ظاهر الفعل المضارع الواقع صلة
~~الموصول فأمر الوعيد المذكور فيها على القول بأنه مختص بالكفار
~~والمنافقين ظاهر لما سمعت من القول بكفر الرامي لإحدى أمهات المؤمنين بعد
~~مطلقا، وإن كانت لبيان حكم من رمى قبل احتاج أمر الوعيد إلى القول بأن
~~المراد بالموصول أناس مخصوصون رموا عائشة رضي الله تعالى عنها استباحة
~~لعرضها وقصدا إلى الطعن برسول الله صلى الله عليه وسلم كابن أبي
~~وإخوانه المنافقين عليهم اللعنة، وعلى هذا يكون التعبير بالمضارع
~~لاستحضار الصورة التي هي من أغرب الغرائب أو للإشارة كما قيل إلى أن
~~شأنهم الرمي وأنه يتجدد منهم آنا فآنا. وعلى هذا يمكن أن يقال: المراد
~~بيان حكم من لم يتب من الرمي فإن التائب من فعل قلما يقال فيه إن شأنه
~~ذلك الفعل فيكون الوعيد مخصوصا بمن لم يتب.

# والذي تقتضيه الأخبار أن كل من وقع في تلك المعصية تاب سوى اللعين ابن
~~أبي وأشياعه من المنافقين. وعن ابن عباس أنها نزلت فيه خاصة ولا يخفى
~~وجه الجمع عليه. وقيل المراد بيان ms07256 حكم من رمى والوعيد مشروط بعدم التوبة
~~ولم يذكر للعلم به من القواعد المستقرة إذا لذنب كيفما كان يغفر بالتوبة،
~~فلا حاجة إلى أن يقال: المراد إن الذين شأنهم الرمي ليشعر بعدم التوبة،
~~والظاهر أن من لم يتب بعد نزول هذه الآيات كافر وليس هو إلا اللعين
~~وأشياعه المنافقين.

# / واختار جمع - وقال النحاس: هو أحسن ما قيل - أن الحكم عام فيمن يرمي
~~الموصوفات بالصفات المذكورة من نساء الأمة، ورميهن إن كان مع استحلال فهو
~~كفر فيستحق فاعله الوعيد المذكور إن لم يتب على ما علم من القواعد؛ وإن
~~كان بدون استحلال فهو كبيرة وليس بكفر، ويحتاج في هذا إلى منع اختصاص تلك
~~العقوبات والأحوال بالكفار والمنافقين أو التزام القول بأن ذلك ثابت
~~للجنس ويكفي فيه ثبوته لبعض أفراده ولا شك أن فيها من يموت كافرا. وفي
~~«البحر» يناسب أن تكون هذه الآية كما قيل نزلت في مشركي مكة كانت المرأة
~~إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفوها وقالوا: خرجت لتفجر قاله أبو حمزة
~~اليماني، ويؤيده قوله تعالى: { يوم تشهد } الخ اه.

# وأنت تعلم أن الأوفق بالسياق والسباق ما عليه الأكثر من نزولها في شأن
~~أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وحكم رمي سائر أمهاتهم حكم رميها
~~وكذا حكم رمي سائر أزواج الأنبياء عليهم السلام وكذا أمهاتهم، وعندي أن
~~حكم رمي بنات النبي عليه الصلاة والسلام كذلك لا سيما بضعته الطاهرة
~~الكريمة فاطمة الزهراء صلى الله تعالى على أبيها وعليها وسلم ولم أر من
~~تعرض لذلك فتدبر.

# واعلم أنه لا خلاف في جواز لعن كافر معين تحقق موته على الكفر إن لم
~~يتضمن إيذاء مسلم أو ذمي إذا قلنا باستوائه مع المسلم في حرمة الإيذاء،
~~أما إن تضمن ذلك حرم. ومن الحرام لعن أبي طالب على القول بموته كافرا،
~~بل هو من أعظم ما يتضمن ما فيه إيذاء من يحرم إيذاؤه، ثم إن لعن من يجوز
~~لعنه لا أرى أنه يعد عبادة إلا إذا تضمن مصلحة شرعية، وأما لعن كافر معين ms07257
~~حي فالمشهور أنه حرام ومقتضى كلام حجة الإسلام الغزالي أنه كفر لما فيه
~~من سؤال تثبيته على الكفر الذي هو سبب اللعنة وسؤال ذلك كفر؛ ونص الزركشي
~~على ارتضائه حيث قال عقبه: فتفطن لهذه المسألة فإنها غريبة وحكمها متجه
~~وقد زل فيه جماعة. وقال العلامة ابن حجر في ذلك: ينبغي أن يقال إن أراد
~~بلعنه الدعاء عليه بتشديد الأمر أو أطلق لم يكفر وإن أراد سؤال بقائه على
~~الكفر أو الرضا ببقائه عليه كفر. ثم قال: فتدبر ذلك حق التدبر فإنه تفصيل
~~متجه قضت به كلماتهم اه.

# وكلعن الكافر الحي المعين بالشخص في الحرمة لعن الفاسق كذلك، وقال
~~السراج البلقيني: بجواز لعن العاصي المعين واحتج على ذلك بحديث
~~«الصحيحين»

# " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان لعنتها
~~الملائكة حتى تصبح "

# وهو ظاهر فيما يدعيه؛ وقول ولده الجلال البلقيني في بحثه معه: يحتمل أن
~~يكون لعن الملائكة لها ليس بالخصوص بل بالعموم بأن يقولوا: لعن الله من
~~دعاها زوجها إلى فراشه فأبت فبات غضبان بعيد جدا. ومما يؤيد قول السراج
~~خبر مسلم أنه صلى الله عليه وسلم مر بحمار وسم في وجهه فقال:

# " لعن الله من فعل هذا "

# وهو أبعد عن الاحتمال الذي ذكره ولده، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم
~~لعن قبائل من العرب بأعيانهم فقال:

# " اللهم العن رعلا وذكوان وعصية عصوا الله تعالى ورسوله "

# ، وفيه نوع تأييد لذلك أيضا، لكن قيل: إنه يجوز أن يكون قد علم عليه
~~الصلاة والسلام موتهم أو موت أكثرهم على الكفر فلم يلعن صلى الله عليه
~~وسلم إلا من علم موته عليه، ولا يخفى عليك الأحوط في هذا الباب، فقد صح

# " من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه "

# وأرى الدعاء للعاصي المعين بالصلاح أحب من لعنه على القول بجوازه، وأرى
~~لعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوصف / أو بالشخص عبادة من
~~حيث أن فيه اقتداء برسول الله عليه الصلاة والسلام، وكذا لعن من لعنه ms07258
~~الله تعالى على الوجه الذي لعنه سبحانه به.

# هذا وقوله عز وجل: { يوم تشهد } الخ إما متصل بما قبله مسوق
~~لتقرير العذاب العظيم بتعيين وقت لحلوله وتهويله ببيان ظهور جناية
~~الرامين المستتبعة لعقوباتها على كيفية هائلة وهيئة خارقة للعادات فيوم
~~ظرف لما في

# لهم

# [النور: 23] من معنى الاستقرار لا لعذاب كما ذهب إليه الحوفي لما في
~~جواز إعمال المصدر الموصوف من الخلاف، وقيل: لإخلاله بجزالة المعنى وفيه
~~نظر، وإما منقطع عنه على أنه ظرف لا ذكر محذوفا أو ل

# يوفيهم

# [النور: 25] الآتي كما قيل بكل، واختير أنه ظرف لفعل مؤخر وقد ضرب عنه
~~الذكر صفحا للإيذان بأن العبارة لا تكاد تحيط بتفصيل ما يقع فيه من
~~العظائم.

# والكلام مسوق لتهويل اليوم بتهويل ما يحويه كأنه قيل: يوم تشهد عليهم {
~~ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون
~~} يظهر من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به نطاق المقال على أن الموصول
~~المذكور عبارة عن جميع أعمالهم السيئة وجناياتهم القبيحة لا عن جناياتهم
~~المعهودة فقط.

# ومعنى شهادة الجوارح المذكورة بها أنه عز وجل ينطقها بقدرته فتخبر كل
~~جارحة منها بما صدر عنها من أفاعيل صاحبها لا أن كلا منها يخبر بجنايتهم
~~المعهودة فحسب. والموصول المحذوف عبارة عنها وعن فنون العقوبات المترتبة
~~عليها كافة لا عن إحداهما خاصة ففيه من ضروب التهويل بالإجمال والتفصيل
~~ما لا مزيد عليه قاله شيخ الإسلام، ثم قال: وجعل الموصول المذكور عبارة
~~عن [خصوص] جنايتهم المعهودة وحمل شهادة الجوارح على إخبار الكل بها فقط
~~تحجير للواسع وتهوين للأمر الرادع والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل
~~للدلالة على استمرارهم على هاتيك الأعمال في الدنيا (وتجددها منهم آنا
~~فآنا).

# وتقديم { عليهم } على الفاعل للمسارعة إلى [بيان] كون الشهادة ضارة
~~لهم مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر اه ولا يخلو عن حسن. وجوز أن تكون
~~الشهادة بما ذكر مجازا عن ظهور آثاره على هاتيك الأعضاء بحيث يعلم من
~~يشاهدهم ما عملوه وذلك بكيفية يعلمها الله تعالى. واعترض بأنه معارض
~~بقوله تعالى:

# أنطقنا الله ms07259 الذى أنطق كل شىء

# [فصلت: 21]. وأجيب بأن مجوز ما ذكر يجعل النطق مجازا عن الدلالة
~~الواضحة كما قيل به في قولهم نطقت الحال أو يقول: هذا في حال وذاك في حال
~~أو كل منهما في قوم.

# ولا يخفى أن الظاهر بقاء الشهادة على حقيقتها إلا أنه استشكل ذلك بأنه
~~حينئذ يلزم التعارض بين ما هنا وقوله تعالى في سورة يس [65]

# اليوم نختم على أفوههم

# الآية لأن الختم على الأفواه ينافي شهادة الألسن. وأجيب بأن المراد من
~~الختم على الأفواه منعهم عن التكلم بالألسنة التي فيها وذلك لا ينافي نطق
~~الألسنة نفسها الذي هو المراد من الشهادة كما أشرنا إليه فإن الألسنة في
~~الأول آلة للفعل وفي الثاني فاعلة له فيجتمع الختم على الأفواه وشهادة
~~الألسن بأن يمنعوا عن التكلم بالألسنة وتجعل الألسنة نفسها ناطقة متكلمة
~~كما جعل سبحانه الذراع المسموم ناطقا متكلما حتى أخبر النبي صلى الله
~~عليه وسلم بأنه مسموم. وللمعتزلة في ذلك كلام. وقيل في التوفيق يجوز أن
~~يكون كل من الختم والشهادة في موطن وحال، وأن يكون الشهادة في حق الرامين
~~والختم في حق الكفرة، وكأنه لما كانت هذه الآية في حق القاذف بلسانه وهو
~~مطالب معه بأربعة شهداء ذكر فيها خمسة أيضا وصرح باللسان الذي به عمله
~~ليفضحه جزاء له من جنس عمله قاله الخفاجي وقال: إنها نكتة / سرية والله
~~تعالى أعلم بأسرار كتابه فتدبر. وقرأ الأخوان والزعفراني وابن مقسم وابن
~~سعدان { يشهد } بالياء آخر الحروف ووجهه ظاهر.

### || [24.25]

# وقوله تعالى: { يومئذ } ظرف لقوله سبحانه: { يوفيهم الله
~~دينهم الحق } والتنوين عوض عن الجملة المضافة إليها، والتوفية
~~إعطاء الشيء وافيا، والدين هنا الجزاء ومنه «كما تدين تدان»، والحق
~~الموجد بحسب مقتضى الحكمة، وقريب منه تفسيره بالثابت الذي يحق أن يثبت
~~لهم لا محالة أي يوم إذ تشهد عليهم أعضاؤهم المذكورة بأعمالهم القبيحة
~~يعطيهم الله تعالى جزاءهم المطابق لمقتضى الحكمة وافيا تاما؛ والكلام
~~استئناف مسوق لبيان ترتيب حكم الشهادة عليها متضمن لبيان ذلك المبهم
~~المحذوف فيما سبق على ms07260 وجه الإجمال، وجوز أن يكون { يومئذ } بدلا من

# يوم تشهد

# [النور: 24] من جوز تعلق ذاك بيوفيهم.

# وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { يوفيهم } مخففا. وقرأ عبد
~~الله ومجاهد وأبو روق وأبو حيوة { الحق } بالرفع على أنه صفة للاسم
~~الجليل، ويجوز الفصل بالمفعول بين الموصوف وصفته، ومعنى الحق على هذه
~~القراءة على ما قال الراغب الموجد للشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، وفسره
~~بعضهم بالعادل، والأكثرون على تفسيره بالواجب لذاته، وكذا في قوله
~~سبحانه: { ويعلمون أن الله هو الحق المبين }
~~والمبين إما من أبان اللازم أي الظاهر حقيته على تقدير جعله نعتا للحق
~~أو الظاهر ألوهيته عز وجل على تقدير جعله خبرا ثانيا أو من أبان
~~المتعدي أي المظهر للأشياء كما هي في أنفسها.

# وجملة { يعلمون } معطوفة على جملة { يوفيهم الله } فإن
~~كانت مقيدة بما قيدت به الأولى فالمعنى يوم إذ تشهد عليهم أعضاؤهم
~~المذكورة بأعمالهم القبيحة يعلمون أن الله الخ، وإن لم تكن مقيدة بذلك
~~جاز أن يكون المعنى ويعلمون عند معاينتهم الأهوال والخطوب أن الله الخ،
~~والظاهر أن للشهادة على الأول وللمعاينة على الثاني دخلا في حصول العلم
~~بمضمون ما في حيز { يعلمون } فتأمل لتعرف كيفية الاستدلال على ذلك
~~فإن فيه خفاء لا سيما مع ملاحظة الحصر المأخوذ من تعريف الطرفين وضمير
~~الفصل.

# وقيل: إن علم الخلق بصفاته تعالى يوم القيامة ضروري وإن تفاوتوا في ذلك
~~من بعض الوجوه فيعلمون ما ذكر من غير مدخلية أحد الأمرين، ولعل فائدة هذا
~~العلم يأسهم من إنقاذ أحد إياهم مما هم فيه أو انسداد باب الاعتراض
~~المروح للقلب في الجملة عليهم أو تبين خطئهم في رميهم حرم رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم بالباطل لما أن حقيته تأبى كونه عز وجل حقا أي موجدا
~~للأشياء بحسب ما تقتضيه الحكمة لما قدمنا من أن فجور زوجات الأنبياء
~~عليهم السلام مخل بحكمة البعثة، وكذا تأبى كونه عز وجل حقا أي واجبا
~~لذاته بناء على أن الوجوب الذاتي يستتبع الاتصاف بالحكمة بل بجميع
~~الصفات ms07261 الكاملة.

# وهذه الجملة ظاهرة جدا في أن الآية في ابن أبي وأضرابه من المنافقين
~~الرامين حرم الرسول صلى الله عليه وسلم لأن المؤمن عالم أن الله تعالى هو
~~الحق المبين منذ كان في الدنيا لا أنه يحدث له علم ذلك يوم القيامة. ومن
~~ذهب إلى أنها في الرامين من المؤمنين أو فيهم وفي غيرهم من المنافقين
~~قال: يحتمل أن يكون المراد من العلم بذلك التفات الذهن وتوجهه إليه ولا
~~يأبى ذلك كونه حاصلا قبل. وقد حمل السيد السند قدس سره في «حواشي
~~المطالع» العلم في قولهم في تعريف الدلالة كون الشيء بحالة يلزم من العلم
~~به العلم بشيء آخر على ذلك لئلا يرد أنه يلزم على الظاهر أن لا يكون للفظ
~~دلالة عند التكرار لامتناع علم المعلوم. ويحتمل أن يكون قد نزل علمهم
~~الحاصل قبل منزلة غير الحاصل لعدم ترتب ما يقتضيه من الكف عن الرمي /
~~عليه ومثل هذا التنزيل شائع في الكتاب الجليل. ويحتمل أن يكون المراد
~~يعلمون عيانا مقتضى أن الله هو الحق المبين  أعني الانتقام من الظالم
~~للمظلوم  ويحتمل غير ذلك. وأنت تعلم أن الكل خلاف الظاهر فتدبر

### || [24.26]

# وقوله تعالى: { الخبيثت } الخ كلام مستأنف مؤسس على السنة
~~الجارية فيما بين الخلق على موجب أن لله تعالى ملكا يسوق الأهل إلى
~~الأهل، وقول القائل:

# إن الطيور على أشباهها تقع

# أي الخبيثات من النساء { للخبيثين } من الرجال أي مختصات بهم لا
~~يتجاوزنهم إلى غيرهم، على أن اللام للاختصاص { والخبيثون } أيضا {
~~للخبيثت } لأن المجانسة من دواعي الانضمام { والطيبت }
~~منهن { للطيبين } منهم { والطيبون } أيضا { للطيبت
~~} منهن بحيث لا يتجاوزونهن إلى من عداهن وحيث كان رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم أطيب الأطيبين وخيرة الأولين والآخرين تبين كون الصديقة رضي
~~الله تعالى عنها من أطيب الطيبات بالضرورة واتضح بطلان ماقيل فيها من
~~الخرافات حسبما نطق به قوله سبحانه: { أولئك مبرءون مما
~~يقولون } على أن الإشارة إلى أهل البيت النبوي رجالا ونساء ويدخل
~~في ذلك الصديقة رضي الله تعالى عنها دخولا أوليا، ms07262 وقيل: إلى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم والصديقة وصفوان، وقال الفراء: إشارة إلى الصديقة
~~وصفوان والجمع يطلق على ما زاد على الواحد.

# وفي الآية على جميع الأقوال تغليب أي أولئك منزهون مما يقوله أهل الإفك
~~في حقهم من الأكاذيب الباطلة. وجعل الموصوف للصفات المذكورة النساء
~~والرجال حسبما سمعت رواه الطبراني عن ابن عباس ضمن خبر طويل، ورواه
~~الإمامية عن أبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما، واختاره أبو
~~مسلم والجبائي وجماعة وهو الأظهر عندي. وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس
~~أخرجها الطبراني أيضا وابن مردويه وغيرهما أن الخبيثات والطيبات صفتان
~~للكلم والخبيثون والطيبون صفتان للخبيثين من الناس وروي ذلك عن الضحاك
~~والحسن، و { الخبيثون } عليه شامل للرجال والنساء على سبيل التغليب
~~وكذا { الطيبون } و { أولئك } إشارة إلى الطيبين وضمير {
~~يقولون } للخبيثين، وقيل للآفكين أي الخبيثات من الكلم للخبيثين من
~~الرجال والنساء أي مختصة ولائقة بهم لا ينبغي أن تقال في حق غيرهم وكذا
~~الخبيثون من الفريقين أحقاء بأن يقال في حقهم خبائث الكلم والطيبات من
~~الكلم للطيبين من الفريقين مختصة وحقيقة بهم وهم أحقاء بأن يقال في شأنهم
~~طيبات الكلم أولئك الطيبون مبرؤن عن الاتصاف مما يقول الخبيثون وقيل
~~الآفكون في حقهم فمآله تنزيه الصديقة رضي الله تعالى عنها أيضا.

# وقيل: المراد الخبيثات من القول مختصة بالخبيثين من فريقي الرجال
~~والنساء لا تصدر عن غيرهم والخبيثون من الفريقين مختصون بالخبيثات من
~~القول متعرضون لها والطيبات من القول للطيبين من الفريقين أي مختصة بهم
~~لا تصدر عن غيرهم والطيبون من الفريقين مختصون بالطيبات من القول لا يصدر
~~عنهم غيرها أولئك الطيبون مبرؤن مما يقول الخبيثون أي لا يصدر عنهم مثل
~~ذلك، وروي ذلك عن مجاهد، والكلام عليه على حذف مضاف إلى ما؛ ومآله الحط
~~على الآفكين وتنزيه القائلين سبحانك هذا بهتان عظيم.

# { لهم مغفرة } عظيمة لما لا يخلو البشر عنه من الذنب، وحسنات
~~الأبرار سيئات المقربين { ورزق كريم } هو الجنة كما / قاله أكثر
~~المفسرين، ويشهد له قوله ms07263 تعالى في سورة الأحزاب [13] في أمهات المؤمنين

# وأعتدنا لها رزقا كريما

# فإن المراد به ثمت الجنة بقرينة { أعتدنا } والقرآن يفسر بعضه
~~بعضا.

# وفي هذه الآيات من الدلالة على فضل الصديقة ما فيها، ولو قلبت القرآن
~~كله وفتشت عما أوعد به العصاة لم تر الله عز وجل قد غلظ في شيء تغليظه في
~~الإفك وهو دال على فضلها أيضا، وكانت رضي الله تعالى عنها تتحدث بنعمة
~~الله تعالى عليها بنزول ذلك في شأنها.

# فقد أخرج ابن أبي شيبة عنها أنها قالت: خلال في لم تكن في أحد من
~~الناس إلا ما آتى الله تعالى مريم ابنة عمران والله ما أقول هذا إني
~~أفتخر على صواحباتي قيل: وما هن؟ قالت: نزل الملك بصورتي وتزوجني رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم لسبع سنين وأهديت له لتسع سنين وتزوجني بكرا لم
~~يشركه في أحد من الناس وأتاه الوحي وأنا وإياه في لحاف واحد وكنت من
~~أحب الناس إليه ونزل في آيات من القرآن كادت الأمة تهلك فيهن ورأيت
~~جبريل عليه السلام ولم يره أحد من نسائه غيري وقبض في بيتي لم يله أحد
~~غير الملك وأنا. وأخرج ابن مردويه عنها أنها قالت: لقد نزل عذري من
~~السماء ولقد خلقت طيبة عند طيب ولقد وعدت مغفرة وأجرا عظيما.

# وفي قوله سبحانه: { لهم مغفرة ورزق كريم } بناء على
~~شموله عائشة رضي الله تعالى عنها رد على الرافضة القائلين بكفرها وموتها
~~على ذلك وحاشاها لقصة وقعة الجمل مع أشياء افتروها ونسبوها إليها، ومما
~~يرد زعم ذلك أيضا قول عمار بن ياسر في خطبته حين بعثه الأمير كرم الله
~~تعالى وجهه مع الحسن رضي الله تعالى عنه يستنفران أهل المدينة وأهل
~~الكوفة: إني لأعلم أنها زوجة نبيكم عليه الصلاة والسلام في الدنيا
~~والآخرة ولكن الله تعالى ابتلاكم ليعلم أتطيعونه أم تطيعونها، ومما يقضي
~~منه العجب ما رأيته في بعض «كتب الشيعة» من أنها خرجت من أمهات المؤمنين
~~بعد تلك الوقعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأمير ms07264 كرم الله تعالى
~~وجهه: قد أذنت لك أن تخرج بعد وفاتي من الزوجية من شئت من أزواجي فأخرجها
~~كرم الله تعالى وجهه من ذلك لما صدر منها معه ما صدر، ولعمري إن هذا مما
~~يكاد يضحك الثكلى، وفي حسن معاملة الأمير كرم الله تعالى وجهه إياها رضي
~~الله تعالى عنها بعد استيلائه على العسكر الذي صحبها الثابت عند الفريقين
~~ما يكذب ذلك، ونحن لا نشك في فضلها رضي الله تعالى عنها لهذه الآيات ولما
~~جاء في مدحها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يكن من ذلك سوى ما
~~أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه
~~عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فضل عائشة على النساء كفضل
~~الثريد على الطعام "

# لكني مع هذا لا أقول بأنها أفضل من بضعته صلى الله عليه وسلم الكريمة
~~فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها والوجه لا يخفى، وفي هذا المقام أبحاث
~~تطلب من محلها.

# ثم إن الذي أراه أن إنزال هذه الآيات في أمرها لمزيد الاعتناء بشأن
~~الرسول عليه الصلاة والسلام ولجبر قلب صاحبه الصديق رضي الله تعالى عنه
~~وكذا قلب زوجته أم رومان فقد اعتراهما من ذلك الإفك ما الله تعالى أعلم
~~به ولمزيد انقطاع عائشة رضي الله تعالى عنها إليه عز وجل مع فضلها
~~وطهارتها في نفسها. وقد جاء في خبر غريب ذكره ابن النجار في «تاريخ
~~بغداد» بسنده عن أنس ابن مالك رضي الله تعالى قال: «كنت جالسا عند أم
~~المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها لأقر عينها بالبراءة وهي تبكي فقالت:
~~هجرني القريب والبعيد حتى هجرتني / الهرة وما عرض علي طعام ولا شراب
~~فكنت أرقد وأنا جائعة ظامئة فرأيت في منامي فتى فقال لي: مالك؟ فقلت:
~~حزينة مما ذكر الناس فقال: ادعي بهذه الدعوات يفرج الله تعالى عنك فقلت:
~~وما هي؟ فقال قولي يا سابغ النعم ويا دافع النقم ويا فارج الغمم ويا كاشف
~~الظلم ms07265 يا أعدل من حكم يا حسيب من ظلم يا ولي من ظلم يا أول بلا بداية ويا
~~آخر بلا نهاية يا من له اسم بلا كنية اللهم اجعل لي من أمري فرجا
~~ومخرجا قالت: فانتبهت وأنا ريانة شبعانة وقد أنزل الله تعالى فرجي،
~~ويسمى هذا الدعاء دعاء الفرج فليحفظ وليستعمل.

# ثم إنه عز وجل إثر ما فصل الزواجر عن الزنا وعن رمي العفائف عنه شرع في
~~تفصيل الزواجر عما عسى يؤدي إلى أحدهما من مخالطة الرجال بالنساء ودخولهم
~~عليهن في أوقات الخلوات وتعليم الآداب الجميلة والأفاعيل المرضية
~~المستتبعة لسعادة الدارين فقال سبحانه: { يأيها الذين ءامنوا
~~لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم }

### || [24.27]

# { يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير
~~بيوتكم } الخ. وسبب النزول على ما أخرج الفريابي وغيره من طريق عدي
~~بن ثابت عن رجل من الأنصار أن امرأة قالت: يا رسول الله إني أكون في بيتي
~~على الحالة التي لا أحب أن يراني عليها أحد ولا ولد ولا والد فيأتيني آت
~~فيدخل علي فكيف أصنع؟ فنزلت: { يأيها الذين ءامنوا } الخ.
~~وإضافة البيوت إلى ضمير المخاطبين لامية اختصاصية، والمراد عند بعض
~~الاختصاص الملكي، ووصف البيوت بمغايرة بيوتهم بهذا المعنى خارج مخرج
~~العادة التي هي سكنى كل أحد في ملكه وإلا فالآجر والمعير أيضا منهيان عن
~~الدخول بغير إذن. وقال بعضهم: المراد اختصاص السكنى أي غير بيوتكم التي
~~تسكنونها لأن كون الآجر والمعير منهيين كغيرهما عن الدخول بغير إذن دليل
~~على عدم إرادة الاختصاص الملكي فيحمل ذلك على الاختصاص المذكور فلا حاجة
~~إلى القول بأن ذاك خارج مخرج العادة. وقرىء { بيوتا غير بيوتكم } بكسر
~~الباء لأجل الياء.

# { حتى تستأنسوا } أي تستأذنوا من يملك الإذن من أصحابها،
~~وتفسيره بذلك أخرجه ابن أبي حاتم وابن الأنباري في «المصاحف» وابن جرير
~~وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. ويخالفه ما روى الحاكم
~~وصححه والضياء في «المختارة» والبيهقي في «شعب الإيمان» وناس آخرون عنه
~~أنه قال في { حتى تستأنسوا } أخطأ الكاتب وإنما هي { حتى ms07266
~~تستأذنوا } لكن قال أبو حيان: من روى عن ابن عباس إنه قال ذلك فهو طاعن
~~في الإسلام ملحد في الدين وابن عباس برىء من ذلك القول انتهى.

# وأنت تعلم أن تصحيح الحاكم لا يعول عليه عند أئمة الحديث لكن للخبر
~~المذكور طرق كثيرة، وكتاب الأحاديث «المختارة» للضياء كتاب معتبر، فقد
~~قال السخاوي في «فتح المغيث» في تقسيم أهل المسانيد: ومنهم من يقتصر على
~~الصالح للحجة كالضياء في «مختارته»، والسيوطي يعد ما عد في ديباجة «جمع
~~الجوامع» «الكتب الخمسة» وهي «صحيح البخاري» و «صحيح مسلم» و «صحيح ابن
~~حبان» و «المستدرك» و «المختارة» للضياء قال: وجميع ما في «الكتب الخمسة»
~~صحيح. ونقل الحافظ ابن رجب في «طبقات الحنابلة» عن بعض الأئمة أنه قال:
~~كتاب «المختارة» خير من «صحيح الحاكم» فوجود هذا الخبر هناك مع ما ذكر من
~~تعدد طرقه يبعد ما قاله أبو حيان، وابن الأنباري أجاب عن هذا الخبر ونحوه
~~من الأخبار الطاعنة بحسب الظاهر في تواتر القرآن المروية عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما  وسيأتي في تفسير هذه السورة إن شاء الله تعالى بعضها
~~أيضا  بأن الروايات ضعيفة ومعارضة بروايات / أخر عن ابن عباس أيضا
~~وغيره وهذا دون طعن أبي حيان وأجاب ابن اشته عن جميع ذلك بأن المراد
~~الخطأ في الاختيار وترك ما هو الأولى بحسب ظنه رضي الله تعالى عنه لجمع
~~الناس عليه من الأحرف السبعة لا أن الذي كتب خطأ خارج عن القرآن.

# واختار الجلال السيوطي هذا الجواب وقال: هو أولى وأقعد من جواب ابن
~~الأنباري، ولا يخفى عليك أن حمل كلام ابن عباس على ذلك لا يخلو عن بعد
~~لما أن ما ذكر خلاف ظاهر كلامه، وأيضا ظن ابن عباس أولوية ما أجمع سائر
~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم على خلافه مما سمع من رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم في العرضة الأخيرة بعيد، وكأنهم رأوا أن التزام ذلك أهون من
~~إنكار ثبوت الخبر عن ابن عباس مع تعدد طرقه وإخراج الضياء إياه في ms07267
~~«مختارته» ويشجع على هذا الإنكار اعتقاد جلالة ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما وثبوت الإجماع على تواتر خلاف ما يقتضيه ظاهر كلامه فتأمل.

# واستعمال الاستئناس بمعنى الاستئذان بناء على أنه استفعال من آنس الشيء
~~بالمد علمه أو أبصره وإبصاره طريق إلى العلم فالاستئناس استعلام
~~والمستأذن طالب العلم بالحال مستكشف أنه هل يراد دخوله أو لا؟. وقيل
~~الاستئناس خلاف الاستيحاش فهو من الأنس بالضم خلاف الوحشة. والمراد به
~~المأذونية فكأنه قيل: حتى يؤذن لكم فإن من يطرق بيت غيره لا يدري أيؤذن
~~له أم لا؟ فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه فإذا أذن له استأنس، وهو في
~~ذلك كناية أو مجاز، وقيل: الاستئناس من الإنس بالكسر بمعنى الناس أي حتى
~~تطلبوا معرفة من في البيوت من الإنس. وضعف بأن فيه اشتقاقا من جامد كما
~~في المسرج أنه مشتق من السراج وبأن معرفة من في البيت لا تكفي بدون الإذن
~~فيوهم جواز الدخول بلا إذن. ومن الناس من رجحه بمناسبته لقوله تعالى:

# فإن لم تجدوا فيها أحدا

# [النور: 28] ولا يكافىء التضعيف بما سمعت.

# وذهب الطبري إلى أن المعنى حتى تؤنسوا أهل البيت من أنفسكم بالاستئذان
~~ونحوه وتؤنسوا أنفسكم بأن تعلموا أن قد شعر بكم ولا يخفى ما فيه. وقيل:
~~المعنى حتى تطلبوا علم أهل البيت، والمراد حتى تعلموهم على أتم وجه،
~~ويرشد إلى ذلك ما روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال: قلنا يا رسول الله
~~ما الاستئناس؟ فقال:

# " يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة يتنحنح يؤذن أهل البيت "

# وما أخرجه ابن المنذ وجماعة عن مجاهد أنه قال: تستأنسوا تنحنحوا
~~وتنخموا، وقيل المراد حتى تؤنسوا أهل البيت بإعلامهم بالتسبيح أو نحوه،
~~والخبران المذكوران لا يأبيانه وكلا القولين كما ترى، وفي دلالة ما ذكر
~~من تفسير الاستئناس في الخبر على ما سبق له بحث سنشير إليه إن شاء الله
~~تعالى.

# { وتسلموا على أهلها } أي الساكنين فيها. وظاهر الآية أن
~~الاستئذان قبل التسليم وبه قال بعضهم. وقال النووي: الصحيح المختار تقديم
~~التسليم على الاستئذان، فقد ms07268 أخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله
~~تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " السلام قبل الكلام "

# وابن أبي شيبة والبخاري في «الأدب المفرد» عن أبي هريرة فيمن يستأذن
~~قبل أن يسلم قال: لا يؤذن له حتى يسلم، وأخرج ابن أبي شيبة وابن وهب في
~~كتاب «المجالس» عن زيد بن أسلم قال: أرسلني أبي إلى ابن عمر رضي الله
~~تعالى عنهما فجئته فقلت: أألج؟ فقال: ادخل فلما دخلت قال: مرحبا يا ابن
~~أخي لا تقل أألج ولكن قل: السلام عليكم فإذا قيل: وعليك فقل: / أأدخل؟
~~فإذا قالوا: ادخل فادخل. وأخرج قاسم بن أصبغ وابن عبد البر في «التمهيد»
~~عن ابن عباس قال: استأذن عمر رضي الله تعالى عنه على النبي صلى الله
~~عليه وسلم فقال: السلام على رسول الله السلام عليكم أيدخل عمر؟ واختار
~~الماوردي التفصيل وهو أنه إن وقعت عين المستأذن على من في البيت قبل
~~دخوله قدم السلام وإلا قدم الاستئذان، والظاهر أن الاستئذان بما يدل على
~~طلب الإذن صريحا والمأثور المشهور في ذلك أأدخل؟ كما سمعت، وجوز أن يكون
~~بما يفهم منه ذلك مطلقا وجعلوا منه التسبيح والتكبير ونحوهما مما يحصل
~~به إيذان أهل البيت بالجائي فإن في إيذانهم دلالة ما على طلب الإذن منهم،
~~وحملوا ما تقدم من حديث أبي أيوب وكلام مجاهد على ذلك.

# وهو على ما روي عن عطاء واجب على كل محتلم ويكفي فيه المرة الواحدة على
~~ما يقتضيه ظاهر الآية وأخرج البيهقي في «الشعب» وابن أبي حاتم عن قتادة
~~أنه قال: كان يقال الاستئذان ثلاثا فمن لم يؤذن له فيهن فليرجع، أما
~~الأولى: فيسمع الحي، وأما الثانية: فيأخذوا حذرهم، وأما الثالثة: فإن
~~شاؤوا أذنوا وإن شاؤوا ردوا. وفي الأمر بالرجوع بعد الثلاث حديث مرفوع
~~أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري. وذكر أبو حيان
~~أنه لا يزيد على الثلاث إلا إن تحقق أن من في البيت لم يسمع.

# وظاهر الآية مشروعية الاستئذان إذا أريد ms07269 الدخول على المحارم، وقد أخرج
~~مالك في «الموطأ» عن عطاء بن يسار

# " أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أأستأذن على أمي؟ قال: نعم
~~قال: ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: أتحب أن تراها
~~عريانة؟ قال الرجل: لا قال: فاستأذن عليها "

# وأخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن مسعود عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم
~~وأخواتكم، وهو أيضا على ما يقتضيه بعض الآثار مشروع للنساء إذا أردن
~~دخول بيوت غير بيوتهن.

# فقد أخرج ابن أبي حاتم عن أم إياس قالت: كنت في أربع نسوة نستأذن على
~~عائشة رضي الله تعالى عنها فقلت: ندخل؟ فقالت: لا فقال واحد: السلام
~~عليكم أندخل؟ قالت: ادخلوا ثم قالت: { يأيها الذين ءامنوا
~~لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم } الخ؛ وإذا صح ذلك ففي
~~الآية نوع تغليب، ووجه مشروعية الاستئذان لهن نحو وجه مشروعيته للرجال
~~فإن أهل البيت قد يكونون على حال لا يحبون اطلاع النساء عليه كما لا
~~يحبون اطلاع الرجال. وصح من حديث أخرجه الشيخان وغيرهما

# " إنما جعل الاستئذان من أجل النظر "

# ومن هنا لا ينبغي النظر في قعر البيت قبل الاستئذان، وقد أخرج الطبراني
~~عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " من كان يشهد أني رسول الله فلا يدخل على أهل بيت حتى يستأذن ويسلم
~~فإذا نظر في قعر البيت فقد دخل "

# وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخرج أبو داود والبخاري في
~~«الأدب المفرد» عن عبد الله بن بشر إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من
~~تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول السلام عليكم» وذلك أن
~~الدور لم يكن عليها يومئذ ستور فاستقبال الباب ربما يفضي إلى النظر.

# وظاهر الآية أيضا مشروعية الاستئذان للأعمى لدخوله في عموم الموصول،
~~ووجهها كراهة اطلاعه بواسطة السمع على ما لا يحب أهل البيت اطلاعه عليه
~~من الكلام مثلا. وفي «الكشاف» إنما شرع الاستئذان لئلا يوقف على الأحوال
~~التي يطويها الناس في العادة ms07270 عن غيرهم / ويتحفظون من اطلاع أحد عليها ولم
~~يشرع لئلا يطلع الدامر على عورة أحد ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر
~~إليه فقط، وهو تعليل حسن إلا أنه يحتاج القول بذلك إلى القول بأن قوله
~~عليه الصلاة والسلام «إنما جعل الاستئذان من أجل النظر» خارج مخرج
~~الغالب. وجىء بإنما لمزيد الاعتناء لا للحصر وقد صرحوا بمجىء إنما لذلك
~~فلا تغفل.

# ثم اعلم أن الاستئذان والتسليم متغايران لكن ظاهر بعض الأخبار يقتضي أن
~~الاستئذان داخل في التسليم كما أن بعضها يقتضي مغايرته له وعدم دخوله
~~فيه، ووجه جعله من التسليم أنه بدونه كالعدم لما أن السنة فيه أن يقرن
~~بالتسليم. هذا وفي مصحف عبد الله كما أخرج ابن جرير وغيره عن إبراهيم {
~~حتى وتسلموا على أهلها وتستأذنوا }.

# { ذلكم } إشارة على ما قيل إلى الدخول بالاستئذان والتسليم المفهوم
~~من الكلام، وقيل: إشارة إلى المذكور في ضمن الفعلين المغيا بهما أي
~~الاستئذان والتسليم { خير لكم } من الدخول بغتة والدخول على تحية
~~الجاهلية، فقد كان الرجل منهم إذا أراد أن يدخل بيتا غير بيته يقول:
~~حييتم صباحا حييتم مساء فيدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف،
~~وخيرية المفضل عليه قيل على زعمهم لما في الانتظار من المذلة ولعدم تحية
~~الجاهلية حسنة كما هو عادة الناس اليوم في قولهم: صباح الخير ومساء
~~الخير، ولعل الأولى أن يقال: إن ذلك من قبيل الخل أحلى من العسل. وجوز أن
~~يكون { خير } صفة فلا تقدير.

# وقوله تعالى: { لعلكم تذكرون } تعليل على ما اختاره جمع
~~لمحذوف أي أرشدتم إلى ذلك أو قيل لكم هذا كي تتذكروا وتتعظوا وتعملوا
~~بموجبه.

### || [24.28]

# { فإن لم تجدوا فيها أحدا } بأن كانت خالية من الأهل {
~~فلا تدخلوها } واصبروا { حتى يؤذن لكم } من جهة من
~~يملك الإذن عند وجدانكم إياه، ووجه ذلك أن الدخول في البيوت الخالية من
~~غير إذن سبب للقيل والقال، وفيه تصرف بملك الغير بغير رضاه وهو يشبه
~~الغصب، وهذه الآية لبيان حكم البيوت الخالية عن أهلها كما أن ms07271 الآية
~~الأولى لبيان حكم البيوت التي فيها أهلها. وجوز أن تكون هذه تأكيدا لأمر
~~الاستئناس وأنه لا بد منه والأمر دائر عليه، والمعنى فإن لم تجدوا فيها
~~أحدا من الآذنين أي ممن يملك الإذن فلا تدخلوها الخ ويفيد هذا حرمة دخول
~~ما فيه من لا يملك الإذن كعبد وصبي من دون إذن من يملكه، ومن اختار
~~الأول قال: إن حرمة ما ذكر ثابتة بدلالة النص فتأمل.

# وقال سبحانه: { فإن لم تجدوا } إلى آخره دون فإن لم يكن فيها
~~أحد لأن المعتبر وجد انها خالية من الأهل مطلقا أو ممن يملك الإذن سواء
~~كان فيها أحد في الواقع أم لم يكن كذا قيل. وعليه فالمراد من قولهم في
~~تفسير ذلك بأن كانت خالية كونها خالية بحسب الاعتقاد، وكذا يقال في نظيره
~~فلا تغفل.

# ثم إن ما أفادته الآيتان من الحكم قد خصصه الشرع فجوز الدخول لإزالة
~~منكر توقفت على الدخول من غير إذن أهل البيت والدخول في البيت الخالي
~~لإطفاء حريق فيه أو نحو ذلك. وقد ذكر الفقهاء الصور التي فيها الدخول من
~~غير إذن ممن يملك الإذن فلتراجع. وقيل: المراد بالإذن في قوله سبحانه: {
~~حتى يؤذن لكم } ما يعم الإذن دلالة وشرعا ولذا وقع بصيغة
~~المجهول وحينئذ لا حاجة إلى / القول بالتخصيص وفيه خفاء.

# { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا } أي إن أمرتم من جهة أهل
~~البيت بالرجوع سواء كان الآمر من يملك الإذن أم لا فارجعوا ولا تلحوا {
~~هو } أي الرجوع { أزكى لكم } أي أطهر مما لا يخلو عنه اللج
~~والعناد والوقوف على الأبواب بعد القول المذكور من دنس الدناءة والرذالة
~~أو أنفع لدينكم ودنياكم على أن { أزكى } من الزكاة بمعنى النمو.

# والظاهر أن صيغة أفعل في الوجهين للمبالغة، وقيدنا الوقوف على الأبواب
~~بما سمعت لأنه ليس فيه دناءة مطلقا، فقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أنه كان يأتي دور الأنصار لطلب الحديث فيقعد على الباب ولا يستأذن
~~حتى يخرج إليه الرجل فإذا خرج ورآه قال: يا ms07272 ابن عم رسول الله لو أخبرتني
~~بمكانك فيقول: هكذا أمرنا أن نطلب العلم، وكأنه رضي الله تعالى عنه عد
~~ذلك من التواضع وهو من أقوى أسباب الفتوح لطالب العلم، وقد أعطاني الله
~~عز وجل نصيبا وافيا منه فكنت أكثر التلامذة تواضعا وخدمة للمشايخ
~~والحمد لله تعالى على ذلك { والله بما تعملون عليم } فيعلم
~~ما تأتون وما تذرون مما كلفتموه فيجازيكم عليه.

### || [24.29]

# { ليس عليكم جناح أن تدخلوا } أي بغير استئذان {
~~بيوتا غير مسكونة } أي موضوعة لسكنى طائفة مخصوصة فقط بل
~~ليتمتع بها من يحتاج إليها كائنا من كان من غير أن يتخذها سكنا كالربط
~~والخانات والحوانيت والحمامات وغيرها فإنها معدة لمصالح الناس كافة كما
~~ينبىء عنه قوله تعالى: { فيها متاع لكم } فإنه صفة للبيوت أو
~~استئناف جار مجرى التعليل لنفي الجناح أي فيها حق تمتع لكم كالاستكنان من
~~الحر والبرد وإيواء الأمتعة والرحال والشراء والبيع والاغتسال وغيرها مما
~~يليق بحال البيوت وداخليها فلا بأس بدخولها بغير استئذان من داخليها من
~~قبل ولا ممن يتولى أمرها ويقوم بتدبيرها.

# وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل أنه لما نزل قوله تعالى:

# يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا

# [النور: 27] الخ قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله فكيف
~~بتجار قريش الذين يختلفون من مكة والمدينة والشام وبيت المقدس ولهم بيوت
~~معلومة على الطريق فكيف يستأذنون ويسلمون وليس فيها سكان؟ فرخص سبحانه في
~~ذلك فأنزل قوله تعالى: { ليس عليكم } الخ، وعنى الصديق رضي الله
~~تعالى عنه بالبيوت المعلومة الخانات التي في الطرق وهي في الآية أعم من
~~ذلك، ولا عبرة بخصوص السبب فما روي عن ابن جبير ومحمد بن الحنفية والضحاك
~~وغيرهم من تفسيرها فيها بذلك من باب التمثيل، وكذا ما أخرجه جماعة عن
~~عطاء وعبد بن حميد وإبراهيم النخعي أنها البيوت الخربة التي تدخل للتبرز،
~~وأما ما روي عن ابن الحنفية أيضا من أنها دور مكة فهو من باب التمثيل
~~أيضا لكن صحة ذلك مبنية على القول بأن دور مكة غير مملوكة ms07273 والناس فيها
~~شركاء وقد علمت ما في المسألة من الخلاف.

# وأخرج أبو داود في «الناسخ» وابن جرير عن ابن عباس أن قوله سبحانه

# يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير
~~بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها

# [النور: 27] قد نسخ بقوله تعالى: { ليس عليكم جناح } الخ
~~واستثنى منه البيوت الغير المسكونة، وروى حديث الاستثناء عكرمة والحسن
~~وهو الذي يقتضيه ظاهر خبر / مقاتل وإليه ذهب الزمخشري. وتعقبه أبو حيان
~~بأنه لا يظهر ذلك لأن الآية الأولى في البيوت المملوكة والمسكونة وهذه
~~الاية في البيوت المباحة التي لا اختصاص لها بواحد دون واحد. والذي
~~يقتضيه النظم الجليل أن البيوت فيما تقدم أعم من هذه البيوت فيكون ما ذكر
~~تخصيصا لذلك وهو المعنى بالاستثناء فتدبر ولا تغفل.

# { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } وعيد لمن يدخل
~~مدخلا من هذه المداخل لفساد أو اطلاع على عورات.

### || [24.30]

# { قل للمؤمنين } شروع في بيان أحكام كلية شاملة للمؤمنين كافة
~~يندرج فيها حكم المستأذنين عند دخولهم البيوت اندارجا أوليا. وتلوين
~~الخطاب وتوجيهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفويض ما في حيزه من
~~الأوامر والنواهي إليه عليه الصلاة والسلام قيل لأنها تكاليف متعلقة
~~بأمور جزئية كثيرة الوقوع حرية بأن يكون الآمر بها والمتصدي لتدبيرها
~~حافظا ومهيمنا عليهم. وقيل: إن ذلك لما أن بعض المؤمنين جاء إلى رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم كالمستدعي لأن يقول له ما في حيز القول. فقد
~~أخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: مر رجل على عهد رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم في طريق من طرقات المدينة فنظر إلى امرأة ونظرت
~~إليه فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجابا به
~~فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط وهو ينظر إليها إذ استقبله الحائط فشق
~~أنفه فقال: والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فأخبره أمري فأتاه فقص عليه قصته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا
~~عقوبة ذنبك وأنزل الله ms07274 تعالى: { قل للمؤمنين }.

# { يغضوا من أبصرهم } ومفعول القول مقدر، و { يغضوا
~~} جواب لقل لتضمنه معنى حرف الشرط كأنه قيل: إن تقل لهم غضوا يغضوا، وفيه
~~إيذان بأنهم لفرط مطاوعتهم لا ينفك فعلهم عن أمره عليه الصلاة والسلام
~~وأنه كالسبب الموجب له وهذا هو المشهور.

# وجوز أن يكون { يغضوا } جوابا للأمر المقدر المقول للقول. وتعقب
~~بأن الجواب لا بد أن يخالف المجاب إما في الفعل والفاعل نحو ائتني أكرمك
~~أو في الفعل نحو أسلم تدخل الجنة أو في الفاعل نحو قم أقم ولا يجوز أن
~~يتوافقا فيه، وأيضا الأمر للمواجهة و { يغضوا } غائب ومثله لا
~~يجوز، وقيل عليه: إنه لم لا يجوز أن يكون من قبيل «من كانت هجرته» الحديث
~~ولا نسلم أنه لا يجاب الأمر بلفظ الغيبة إذا كان محكيا بالقول لجواز
~~التلوين حنيئذ وفيه بحث، ومن أنصف لا يرى هذا الوجه وجيها وهو على ما
~~فيه خلاف الظاهر جدا. وجوز الطبرسي وغيره أن يكون { يغضوا } مجزوما
~~بلام أمر مقدرة لدلالة { قل } أي قل لهم ليغضوا والجملة نصب على
~~المفعولية للقول. وغض البصر إطباق الجفن على الجفن، و { من } قيل صلة
~~وسيبويه يأبى ذلك في مثل هذا الكلام والجواز مذهب الأخفش، وقال ابن
~~عطية: يصح أن تكون (من) لبيان الجنس ويصح أن تكون لابتداء الغاية. وتعقبه
~~في «البحر» بأنه لم يتقدم مبهم لتكون (من) لبيان الجنس على أن الصحيح
~~أنها ليس من موضوعاتها أن تكون لبيان الجنس انتهى، والجل على أنها هنا
~~تبعيضية، والمراد غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل، وجعل الغض
~~عن بعض المبصر غض بعض البصر وفيه كما في «الكشف» كناية حسنة.

# ثم إن غض البصر عما يحرم النظر إليه واجب ونظرة الفجأة التي لا تعمد
~~فيها معفو عنها، فقد أخرج أبو داود والترمذي وغيرهما عن بريدة رضي الله
~~تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم /

# " لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة "

# وبدأ سبحانه بالإرشاد إلى غض البصر ms07275 لما في ذلك من سد باب الشر فإن النظر
~~باب إلى كثير من الشرور وهو بريد الزنا ورائد الفجور، وقال بعضهم:

# كل الحوادث مبدأها من النظر

# ومعظم النار من مستصغر الشرر

# والمرء ما دام ذا عين يقلبها

# في أعين العين موقوف على الخطر

# كم نظرة فعلت في قلب فاعلها

# فعل السهام بلا قوس ولا وتر

# يسر نا ظره ما ضر خاطره

# لا مرحبا بسرور عاد بالضرر

# والظاهر أن الإرشاد لكل واحد من المؤمنين ولفظ الجمع لا يأبى ذلك،
~~والظاهر أيضا أن المؤمنين أعم من العباد وغيرهم، وزعم بعضهم جواز أن
~~يكون المراد بهم العباد والمؤمنين المخلصين على أن يكون المعنى قل
~~للمؤمنين الكاملين يغضوا من أبصارهم { ويحفظوا فروجهم } أي
~~عما لا يحل لهم من الزنا واللواطة، ولم يؤت هنا بمن التبعيضية كما أتى
~~بها فيما تقدم لما أنه ليس فيه حسن كناية كما في ذلك. وفي «الكشاف» دخلت
~~{ من } في غض البصر دون حفظ الفرج دلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى
~~أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وثديهن وأعضادهن وسوقهن
~~وأقدامهن وكذلك الجواري المستعرضات للبيع والأجنبية ينظر إلى وجهها
~~وكفيها وقدميها في إحدى الروايتين وأما أمر الفرج فمضيق، وكفاك فرقا أن
~~أبيح النظر إلا ما اشتثنى منه وحظر الجماع إلا ما استثنى منه انتهى، وقال
~~صاحب «الفرائد»: يمكن أن يقال المراد غض البصر عن الأجنبية والأجنبية يحل
~~النظر إلى بعضها وأما الفرج فلا طريق إلى الحل فيه أصلا بالنسبة إلى
~~الأجنبية فلا وجه لدخول { من } فيه وفيه تأمل، وقيل: لم يؤت بمن هنا
~~لأن المراد من حفظ الفروج سترها. فقد أخرج ابن المنذر وجماعة عن أبي
~~العالية أنه قال: كل آية يذكر فيها حفظ الفرج فهو من الزنا إلا هذه الآية
~~في النور { ويحفظوا فروجهم }

# ويحفظن فروجهن

# [النور: 31] فهو أن لا يراها أحد، وروي نحوه عن أبي زيد، والستر مأمور
~~به مطلقا. وتعقب بأنه يجوز الكشف في مواضع فلو جيء بمن لكان فيه إشارة
~~إلى ذلك، ms07276 وتفسير حفظ الفروج هنا خاصة بسترها قيل لا يخلو عن بعد لمخالفته
~~لما وقع في القرآن الكريم كما اعترف به من فسره بما ذكر.

# واختار بعض المدققين أن المراد من ذلك حفظ الفروج عن الإفضاء إلى ما لا
~~يحل وحفظها عن الإبداء لأن الحفظ لعدم ذكر صلته يتناول القسمين، وذكر أن
~~الحفظ عن الإبداء يستلزم الآخر من وجهين عدم خلوه عن الإبداء عادة وكون
~~الحفظ عن الإبداء بل الأمر بالتستر مطلقا للحفظ عن الإفضاء، ومن هنا
~~تعلم أن من ضعف ما روي عن أبي العالية وابن زيد بعدم تعرض الآية عليه
~~بحفظ الفرج عن الزنا لم يصب المحز.

# { ذلك } أي ما ذكر من الغض والحفظ { أزكى لهم } أي أطهر من
~~دنس الريبة أو أنفع من حيث الدين والدنيا فإن النظر بريد الزنا وفيه من
~~المضار الدينية أو الدنيوية ما لا يخفى وأفعل للمبالغة دون التفضيل.

# وجوز أن يكون للتفضيل على معنى أزكى من كل شيء نافع أو مبعد عن الريبة،
~~وقيل على معنى أنه أنفع من الزنا والنظر الحرام فإنهم يتوهمون لذة ذلك
~~نفعا { إن الله خبير بما يصنعون } لا يخفى عليه شيء مما
~~يصدر عنهم من الأفاعيل التي من جملتها إجالة النظر واستعمال سائر الحواس
~~وتحريك الجوارح وما يقصدون بذلك / فليكونوا على حذر منه عز وجل في كل ما
~~يأتون وما يذرون.

### || [24.31]

# { وقل للمؤمنت يغضضن من أبصرهن } فلا ينظرن
~~إلى ما لا يحل لهن النظر إليه، كالعورات من الرجال والنساء وهي ما بين
~~السرة والركبة، وفي «الزواجر» لابن حجر المكي كما يحرم نظر الرجل للمرأة
~~يحرم نظرها إليه ولو بلا شهوة ولا خوف فتنة، نعم إن كان بينهما محرمية
~~نسب أو رضاع أو مصاهرة نظر كل إلى ما عدا ما بين سرة الآخر وركبته.
~~والمذكور في بعض «كتب الأصحاب» إن كان نظرها إلى ما عدا ما بين السرة
~~والركبة بشهوة حرم وإن بدونها لا يحرم. نعم غضها بصرها من الأجانب أصلا
~~أولى بها وأحسن، فقد أخرج أبو داود ms07277 والترمذي وصححه والنسائي والبيهقي في
~~«سننه» عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة
~~قالت: فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه الصلاة والسلام فقال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: احتجبا منه فقلت: يا رسول الله هو أعمى لا
~~يبصر قال: أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟، واستدل به من قال بحرمة نظر
~~المرأة إلى شيء من الرجل الأجنبي مطلقا، ولا يبعد القول بحرمة نظر
~~المرأة إلى المرأة ما عدا ما بين السرة والركبة إذا كان بشهوة ولا تستبعد
~~وقوع هذا النظر فإنه كثير ممن يستعملن السحاق من النساء والعياذ بالله
~~تعالى.

# { ويحفظن فروجهن } أي عما لا يحل لهن من الزنا والسحاق أو
~~من الإبداء أو مما يعم ذلك والإبداء { ولا يبدين زينتهن } أي
~~ما يتزين به من الحلى ونحوه { إلا ما ظهر منها } أي إلا ما جرت
~~العادة والجبلة على ظهوره والأصل فيه الظهور كالخاتم والفتخة والكحل
~~والخضاب فلا مؤاخذة في إبدائه للأجانب وإنما المؤاخذة في إبداء ما خفي من
~~الزينة كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط. وذكر
~~الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتستر لأن هذه الزين واقعة على
~~مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها إلا لمن استثني في الآية بعد وهي
~~الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن فنهى عن إبداء الزين
~~نفسها ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع - بدليل أن
~~النظر إليها غير ملابسة لها كالنظر إلى سوار امرأة يباع في السوق لا مقال
~~في حله - كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنا في الحظر ثابت القدم في
~~الحرمة شاهدا على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين الله تعالى
~~في الكشف عنها كذا في «الكشاف»، وهو على ما قال الطيبي مشعر بأن ما ذكر
~~من باب الكناية على نحو قولهم: فلان طاهر الجيب طاهر الذيل.

# وقال صاحب «الفرائد»: هو من باب إطلاق اسم الحال على المحل فالمراد
~~بالزينة مواقعها فيكون حرمة النظر إلى ms07278 المواقع بعبارة النص بدلالته وهي
~~أقوى، وفيه بحث. وقيل: الكلام على تقدير مضاف أي لا يبدين مواقع زينتهن.
~~وقال ابن المنير: الزينة على حقيقتها وما يأتي إن شاء الله تعالى من قوله
~~عز وجل: { ولا يضربن بأرجلهن } الآية يحقق أن إبداء
~~الزينة مقصود بالنهي، وأيضا لو كان المراد من الزينة موقعها للزم أن يحل
~~للأجانب النظر إلى ما ظهر من مواقع الزين الظاهرة وهذا باطل لأن كل بدن
~~الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة
~~كالمعالجة وتحمل الشهادة، وأنت تعلم أن ابن المنير مالكي وما ذكره مبني
~~على مذهبه وما ذكره الزمخشري مبني على المشهور من مذهب الإمام أبي حنيفة
~~من أن مواقع الزين الظاهرة من الوجه والكفين والقدمين ليست بعورة /
~~مطلقا فلا يحرم النظر إليها، وقد أخرج أبو داود وابن مردويه والبيهقي عن
~~عائشة رضي الله تعالى عنها أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى
~~الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال يا أسماء إن المرأة
~~إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفه صلى
~~الله عليه وسلم، وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس أنه قال
~~في قوله تعالى: { إلا ما ظهر منها } رقعة الوجه وباطن الكف،
~~وأخرجا عن ابن عمر أنه قال: الوجه والكفان ولعل القدمين عندهما كالكفين
~~إلا أنهما لم يذكراهما اكتفاء بالعلم بالمقايسة فإن الحرج في سترهما أشد
~~من الحرج في ستر الكفين لا سيما بالنسبة إلى أكثر نساء العرب الفقيرات
~~اللاتي يمشين لقضاء مصالحهن في الطرقات.

# ومذهب الشافعي عليه الرحمة كما في «الزواجر» أن الوجه والكفين ظهرهما
~~وبطنهما إلى الكوعين عورة في النظر من المرأة ولو أمة على الأصح وإن كانا
~~ليسا عورة من الحرة في الصلاة، وفي «المنهاج وشرحه» لابن حجر في باب شروط
~~الصلاة: عورة الأمة ولو مبعضة ومكاتبة وأم ولد كعورة الرجل ما بين السرة
~~والركبة في الأصح وعورة الحرة ولو غير ms07279 مميزة والخنثى الحر ما سوى الوجه
~~والكفين وإنما حرم نظرهما كالزائد على عورة الأمة لأن ذلك مظنة الفتنة،
~~ويجب في الخلوة ستر سوأة الأمة كالرجل وما بين سرة وركبة الحرة فقط إلا
~~لأدنى غرض كتبريد وخشية غبار على ثوب يجمله انتهى.

# وذكر في «الزواجر» حرمة نظر سائر ما انفصل من المرأة لأن رؤية البعض
~~ربما جر إلى رؤية الكل فكان اللائق حرمة نظره أيضا بل قال: حرم أئمتنا
~~النظر لقلامة ظفر المرأة المنفصلة ولو من يدها، وذهب بعض الشافعية إلى حل
~~النظر إلى الوجه والكف إن أمنت الفتنة وليس بمعول عليه عندهم، وفسر بعض
~~أجلتهم ما ظهر بالوجه والكفين بعد أن ساق الآية دليلا على أن عورة الحرة
~~ما سواهما، وعلل حرمة نظرهما بمظنة الفتنة فدل ذلك على أنه ليس كل ما
~~يحرم نظره عورة، وأنت تعلم أن إباحة إبداء الوجه والكفين حسبما تقتضيه
~~الآية عندهم مع القول بحرمة النظر إليهما مطلقا في غاية البعد فتأمل.

# واعلم أنه إذا كان المراد النهي عن إبداء مواقع الزينة، وقيل: بعمومها
~~الوجه والكفين والتزم القول بكونهما عورة وحرمة إبدائهما لغير من استثنى
~~بعد يجوز أن يكون الاستثناء في قوله تعالى: { إلا ما ظهر منها
~~} من الحكم الثابت بطريق الإشارة وهو المؤاخذة في دار الجزاء، ويكون
~~المعنى أن ما ظهر منها من غير إظهار كأن كشفته الريح مثلا فهن غير
~~مؤاخذات به في دار الجزاء، وفي حكم ذلك ما لزم إظهاره لنحو تحمل شهادة
~~ومعالجة طبيب، وروى الطبراني والحاكم وصححه وابن المنذر وجمع آخرون عن
~~ابن مسعود أن ما ظهر الثياب والجلباب، وفي رواية الاقتصار على الثياب
~~وعليها اقتصر أيضا الإمام أحمد. وقد جاء إطلاق الزينة عليها في قوله
~~تعالى:

# خذوا زينتكم عند كل مسجد

# [الأعراف: 31] على ما في «البحر»، وجاء في بعض الروايات عن ابن عباس أن
~~ما ظهر الكحل والخاتم والقرط والقلادة. وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة أنه
~~الكف وثغرة النحر، وعن الحسن أنه الخاتم والسوار، وروي غير ذلك، ولا يخفى ms07280
~~أن بعض الأخبار ظاهر في حمل الزينة على المعنى المتبادر منها وبعضها ظاهر
~~في حملها على مواقعها، وقال ابن بحر: الزينة تقع على محاسن الخلق التي
~~فعلها الله تعالى وعلى ما يتزين به من فضل لباس، والمراد في الآية النهي
~~عن إبداء ذلك لمن ليس بمحرم واستثنى ما لا يمكن إخفاؤه في بعض الأوقات
~~كالوجه والأطراف، وأنكر بعضهم إطلاق الزينة على الخلقة، قال في «البحر»:
~~والأقرب دخولها / في الزينة وأي زينة أحسن من الخلقة المعتدلة.

# { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } إرشاد إلى كيفية
~~إخفاء بعض مواقع الزينة بعد النهي عن إبدائها، والخمر جمع خمار ويجمع في
~~القلة على أخمرة وكلا الجمعين مقيس وهو المقنعة التي تلقيها المرأة على
~~رأسها من الخمر وهو الستر، والجيوب جمع جيب وهو فتح في أعلى القميص يبدو
~~منه بعض الجسد، وأصله على ما قيل من الجيب بمعنى القطع؛ وفي «الصحاح»
~~تقول: جبت القميص أجوبه وأجيبه إذا قورت جيبه، قال الراجز:

# باتت تجيب أدعج الظلام

# جيب البيطر مدرع الهمام

# وإطلاقه على ما ذكر هو المعروف لغة، وأما إطلاقه على ما يكون في الجنب
~~لوضع الدراهم ونحوها كما هو الشائع بيننا اليوم فليس من كلام العرب كما
~~ذكره ابن تيمية لكنه ليس بخطأ بحسب المعنى.

# والمراد من الآية كما روي ابن أبي حاتم عن ابن جبير أمرهن بستر نحورهن
~~وصدورهن بخمرهن لئلا يرى منها شيء وكان النساء يغطين رؤوسهن بالخمر
~~ويسدلنها كعادة الجاهلية من وراء الظهر فيبدو نحورهن وبعض صدورهن، وصح
~~أنه لما نزلت هذه الآية سارع نساء المهاجرين إلى امتثال ما فيها فشققن
~~مروطهن فاختمرن بها تصديقا وإيمانا بما أنزل الله تعالى من كتابه، وعدى
~~يضرب بعلى على ما قال أبو حيان لتضمينه معنى الوضع والإلقاء، وقيل معنى
~~الشد، وظاهر كلام الراغب أنه يتعدى بعلى بدون تضمين. وقرأ عباس عن أبي
~~عمرو { وليضربن } بكسر اللام وطلحة { بخمرهن } بسكون الميم، وقرأ غير
~~واحد من السبعة { جيوبهن } بكسر الجيم والضم هو الأصل لأن فعلا يجمع على
~~فعول في الصحيح ms07281 والمعتل كفلوس وبيوت والكسر لمناسبة الياء، وزعم الزجاج
~~أنها لغة رديئة.

# { ولا يبدين زينتهن } كرر النهي لاستثناء بعض مواد الرخصة
~~عنه باعتبار الناظر بعد ما استثنى عنه بعض مواد الضرورة باعتبار المنظور
~~{ إلا لبعولتهن } أي أزواجهن فإنهم المقصودون بالزينة
~~والمأمورات نساؤهم بها لهم حتى أن لهم ضربهن على تركها ولهم النظر إلى
~~جميع بدنهن حتى المحل المعهود كما في «إرشاد العقل السليم». وكره النظر
~~إلى ذلك أكثر الشافعية وحرمه بعضهم، وقيل: إنه خلاف الأولى وهو على ما
~~قال الخفاجي: مذهب الحنفية وتفصيله في «الهداية» وفيما ذكرنا إشارة إلى
~~وجه تقديم (بعولتهن).

# { أو ءابائهن أو ءاباء بعولتهن أو أبنائهن
~~أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بنى
~~إخوانهن أو بنى أخوتهن } لكثرة المخالطة الضرورية
~~بينهم وبينهن وقلة توقع الفتنة من قبلهم ولهم أن ينظروا منهن ما يبدو عند
~~المهنة والخدمة وهذا الحكم ليس خالصا بالآباء الأقربين بل آباء الآباء
~~وإن علوا كذلك ومثلهم آباء الأمهات وكذا ليس خاصا بالأبناء والبنين
~~الصلبيين بل يعمهم وأبناء الأبناء وبني البنين وإن سفلوا، والمراد
~~بالإخوان ما يشمل الأعيان وهم الأخوة لأب واحد وأم واحدة وبني العلات وهم
~~أولاد الرجل من نسوة شتى والأخياف وهم أولاد المرأة من آباء شتى ونظير
~~ذلك يقال في الأخوات، واستعمل { بني } معهم دون أبناء لأنه أوفق
~~بالعموم وأكثر استعمالا في الجماعة ينتمون إلى شخص مع عدم اتحاد صنف
~~قرابتهم فيما بينهم ألا ترى أنك كثيرا ما تسمع بني آدم وبني تميم وقلما
~~تسمع أبناء آدم وأبناء تميم وفيما نحن فيه قد يجتمع للمرأة ابن أخ شقيق
~~وابن أخ لأب وابن أخ لأم بل قد يجتمع لها أبناء أخ شقيق أو إخوة أشقاء
~~أعيان وبنو علات وأبناء أخ / أو إخوة لأب وأبناء أخ أو إخوة لأم كذلك
~~ويتأتى مثل ذلك في ابن الأخت لكن لا يتصور هنا بنو العلات كما لا يتصور
~~في أبناء الأخ الأخياف والاجتماع في أبنائهن وأبناء بعولتهن وإن اتفق
~~لكنه ليس بتلك المثابة.

# وقيل اختير في الأخيرين { بني ms07282 } لأنه لو جيء بأبناء تلاقت همزتان
~~إحداهما همزة أبناء والثانية همزة إخوان أو أخوات وهو على ما فيه لا يحسم
~~مادة السؤال إذ للسائل أن يقول بعد: لم اختير في الأولين { أبناء }
~~دون بني ويحتاج إلى نحو أن يقال اختير ذلك لأنه أوفق بآباء، وقيل اختير {
~~أبناء } في الأولين لهذا، واختير بني في { بنى أخوتهن }
~~ليكون المضاف والمضاف إليه من نوع واحد، وفي بني إخوانهن للمشاكلة وفيه
~~ما فيه.

# ولم يذكر سبحانه الأعمام والأخوال مع أنهم كما قال الحسن وابن جبير
~~كسائر المحارم في جواز إبداء الزينة لهم قيل لأنهم في معنى الإخوان من
~~حيث كون الجد سواء كان أب الأب أو أب الأم في معنى الأب فيكون ابنه في
~~معنى الأخ، وقيل لم يذكرهم سبحانه لما أن الأحوط أن يستترن عنهم حذارا
~~من أن يصفوهن لأبنائهم فيؤدي ذلك إلى نظر الأبناء إليهن. وأخرج ذلك ابن
~~المنذر وابن أبي شيبة عن الشعبي. وفيه من الدلالة على وجوب التستر من
~~الأجانب ما فيه. وضعف بأنه يجري في آباء البعولة إذ لو رأوا زينتهن لربما
~~وصفوهن لأبنائهم وهم ليسوا محارم فيؤدي إلى نظرهم إليهن لا سيما إذا كن
~~خليات، وقيل لم يذكروا اكتفاء بذكر الآباء فإنهم عند الناس بمنزلتهم لا
~~سيما الأعمام وكثيرا ما يطلق الأب على العم، ومنه قوله تعالى:

# وإذ قال إبرهيم لأبيه ءازر

# [الأنعام: 74] ثم أن المحرمية المبيحة للإبداء كما تكون من جهة النسب
~~تكون من جهة الرضاع فيجوز أن يبدين زينتهن لآبائهن وأبنائهن مثلا من
~~الرضاع.

# { أو نسائهن } المختصات بهن بالصحبة والخدمة من حرائر المؤمنات
~~فإن الكوافر لا يتحرجن أن يصفنهن للرجال فهن في إبداء الزينة لهن كالرجال
~~الأجانب، ولا فرق في ذلك بين الذمية وغيرها وإلى هذا ذهب أكثر السلف.
~~وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في «سننه» عن عمر بن الخطاب
~~رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه أما بعد
~~فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات ms07283 مع نساء أهل الشرك
~~فإنه من قبلك عن ذلك فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تنظر
~~إلى عورتها إلا من كانت من أهل ملتها. وفي «روضة النووي» في نظر الذمية
~~إلى المسلمة وجهان أصحهما عند الغزالي أنها كالمسلمة وأصحهما عند البغوي
~~المنع، وفي «المنهاج» له الأصح تحريم نظر ذمية إلى مسلمة، ومقتضاه أنها
~~معها كالأجنبي واعتمده جمع من الشافعية، وقال ابن حجر: الأصح تحريم
~~نظرها إلى ما لا يبدو في المهنة من مسلمة غير سيدتها ومحرمها ودخول
~~الذميات على أمهات المؤمنين الوارد في الأحاديث الصحيحة دليل لحل نظرها
~~منها ما يبدو في المهنة.

# وقال الإمام الرازي: ((المذهب أنها كالمسلمة، والمراد بنسائهن جميع
~~النساء، وقول السلف محمول على الاستحباب)) وهذا القول أرفق بالناس اليوم
~~فإنه لا يكاد يمكن احتجاب المسلمات عن الذميات.

# { أو ما ملكت أيمنهن } أي من الإماء ولو كوافر وأما
~~العبيد فهم كالأجانب، وهذا مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وأحد
~~قولين في مذهب الشافعي عليه الرحمة وصححه كثير من الشافعية والقول الآخر
~~أنهم كالمحارم وصحح أيضا، ففي «المنهاج وشرحه» لابن حجر: والأصح أن نظر
~~العبد العدل - ولا يكفي العفة عن / الزنا فقط غير المشترك والمبعض وغير
~~المكاتب كما في «الروضة» عن القاضي وأقره وإن أطالوا في رده - إلى سيدته
~~المتصفة بالعدالة كالنظر إلى محرم فينظر منها ما عدا ما بين السرة
~~والركبة وتنظر منه ذلك ويلحق بالمحرم أيضا في الخلوة والسفر ا ه
~~بتلخيص، وإلى كون العبد كالأمة ذهب ابن المسيب ثم رجع عنه وقال: لا
~~يغرنكم آية النور فإنها في الإناث دون الذكور، وعلل بأنهم فحول ليسوا
~~أزواجا ولا محارم والشهوة متحققة فيهم لجواز النكاح في الجملة كما في
~~«الهداية».

# وروي عن ابن مسعود والحسن وابن سيرين أنهم قالوا: لا ينظر العبد إلى شعر
~~مولاته، وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن طاوس أنه سئل هل يرى غلام
~~المرأة رأسها وقدمها؟ قال: ما أحب ذلك إلا أن يكون غلاما يسيرا فأما
~~رجل ذو لحية ms07284 فلا، ومذهب عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما، وروي عن
~~بعض أئمة أهل البيت رضي الله تعالى عنهم أنه يجوز للعبد أن ينظر من سيدته
~~ما ينظر أولئك المستثنون. وروي عن عائشة أنها كانت تمتشط وعبدها ينظر
~~إليها وانها قالت لذكوان: إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حر، وعن مجاهد
~~كانت أمهات المؤمنين لا يحتجبن عن مكاتبهن ما بقي عليه درهم.

# وأخرج أحمد في «مسنده» وأبو داود وابن مردويه والبيهقي عن أنس رضي الله
~~تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة رضي الله تعالى عنها
~~بعبد قد وهبه لها وعلى فاطمة رضي الله تعالى عنها ثوب إذا قنعت به رأسها
~~لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى النبي صلى
~~الله عليه وسلم ما تلقى قال: إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك.

# والذي يقتضيه ظاهر الآية عدم الفرق بين الذكر والأنثى لعموم (ما) ولأنه
~~لو كان المراد الإناث خاصة لقيل أو إمائهن فإنه أخصر ونص في المقصود،
~~وإذا ضم الخبر المذكور إلى ذلك قوي القول بعدم الفرق والتفصي عن ذلك صعب،
~~وأحسن ما قيل في الجواب عن الخبر أن الغلام فيه كان صبيا إذ الغلام يختص
~~حقيقة به فتأمل، وخرج بإضافة الملك إليهن عبد الزوج فهو والأجنبي سواء
~~قيل: وجعله بعضهم كالمحرم لقراءة { أو ما ملكت أيمنكم }.

# { أو التبعين غير أولى الإربة من الرجال } أي
~~الذين يتبعون ليصيبوا من فضل الطعام غير أصحاب الحاجة إلى النساء وهم
~~الشيوخ الطاعنون في السن الذين فنت شهواتهم والممسوحون الذين قطعت ذكورهم
~~وخصاهم، وفي المجبوب وهو الذي قطع ذكره والخصي وهو من قطع خصاه خلاف
~~واختير أنهما في حرمة النظر كغيرهما من الأجانب وكان معاوية يرى جواز نظر
~~الخصي ولا يعتد برأيه وهو على ما قيل أول من اتخذ الخصيان، وعن ميسون
~~الكلابية أن معاوية دخل عليها ومعه خصي فتقنعت منه فقال: هو خصي فقالت:
~~يا معاوية أترى أن المثلة به تحلل ما حرم ms07285 الله تعالى، وليس له أن يستدل
~~بما روي أن المقوقس أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم خصيا فقبله إذ لا
~~دلالة فيه على جواز إدخاله على النساء.

# وأخرج ابن جرير وجماعة عن مجاهد أن غير أولي الإربة الأبله الذي لا يعرف
~~أمر النساء وروي ذلك عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه، وعن ابن جبير
~~أنه المعتوه ومثله المجنون كما قال ابن عطية. وأخرج ابن المنذر وغيره عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه المخنث الذي لا يقوم زبه لكن أخرج
~~مسلم وأبو دواد والنسائي وغيرهم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان
~~رجل يدخل على أزواج / النبي صلى الله عليه وسلم مخنث فكانوا يعدونه من
~~غير أولي الإربة فدخل النبي عليه الصلاة والسلام يوما وهو عند بعض نسائه
~~وهو ينعت امرأة قال: إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال
~~النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أرى هذا يعرف ما ههنا لا يدخل عليكن
~~فحجبوه، وجاء أنه عليه الصلاة والسلام أخرجه فكان بالبيداء يدخل كل جمعة
~~يستطعم، ولعل الأولى حمل غير أولي الإربة على الذين لا حاجة لهم بالنساء
~~ولا يعرفون شيئا من أمورهن بحيث لا تحدثهم أنفسهم بفاحشة ولا يصفوهن
~~للأجانب ولا أرى الاكتفاء في غير أولي الإربة بعدم الحاجة إلى النساء إذ
~~لا تنتفي به مفسدة الإبداء بالكلية كما لا يخفى. ولعل في الخبر نوع إيماء
~~إلى هذا؛ وفي «المنهاج وشرحه» لابن حجر عليه الرحمة، والأصح أن نظر
~~الممسوح ذكره كله وأنثياه بشرط أن لا يبقى فيه ميل للنساء أصلا وإسلامه
~~في المسلمة ولو أجنبيا لأجنبية متصفة بالعدالة كالنظر إلى محرم فينظر
~~منها ما عدا ما بين السرة والركبة وتنظر منه ذلك ويلحق بالمحرم أيضا في
~~الخلوة والسفر ويعلم منه أن التمثيل بالممسوح فيما سبق ليس على إطلاقه،
~~وأما الشيخ الهم والمخنث فهما عند الشافعية في النظر إلى الأجنبيات ليسا
~~كالممسوح، وصححوا أيضا أن المجنون يجب الاحتجاب منه فلا تغفل.

# وجر { غير } قيل ms07286 على البدلية لا الوصفية لاحتياجها إلى تكلف جعل
~~التابعين لعدم تعينهم كالنكرة كما قاله الزجاج أو جعل { غير } متعرفا
~~بالإضافة هنا مثلها في الفاتحة [7] وفيه نظر. وقرأ ابن عامر وأبو بكر {
~~غير } بالنصب على الحال والاستثناء.

# { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورت النساء }
~~أي الأطفال الذين لم يعرفوا ما العورة ولم يميزوا بينها وبين غيرها على
~~أن { لم يظهروا } الخ من قولهم ظهر على الشيء إذا اطلع عليه فجعل
~~كناية عن ذلك أو الذين لم يبلغوا حد الشهوة والقدرة على الجماع على أنه
~~من ظهر على فلان إذا قوي عليه ومنه قوله تعالى:

# فأصبحوا ظهرين

# [الصف: 14] ويشمل الطفل الموصوف بالصفة المذكورة بهذا المعنى المراهق
~~الذي لم يظهر منه تشوق للنساء، وقد ذكر بعض أئمة الشافعية أنه كالبالغ
~~فيلزم الاحتجاب منه على الأصح كالمراهق الذي ظهر منه ذلك، ويشمل أيضا من
~~دون المراهق لكنه بحيث يحكي ما يراه على وجهه. وذكروا في غير المراهق أنه
~~إن كان بهذه الحيثية فكالمحرم وإلا فكالعدم فيباح بحضوره ما يباح في
~~الخلوة فلا تغفل.

# والظاهر أن { الطفل } عطف على قوله تعالى: { لبعولتهن } أو
~~على ما بعده من نظائره لا على { الرجال } وكلام أبي حيان ظاهر في أنه
~~عطف عليه وليس بشيء، ثم هو مفرد محلى بأل الجنسية فيعم ولهذا كما قال في
~~«البحر»: وصف بالجمع فكأنه قيل: أو الأطفال كما هو المروي عن مصحف حفصة،
~~ومثل ذلك قولهم: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض، وقيل هو مفرد
~~وضع موضع الجمع، ونحوه قوله تعالى:

# ثم يخرجكم طفلا

# [غافر: 67]. وتعقب بأن وضع المفرد موضع الجمع لا ينقاس عند سيبويه وما
~~هنا عنده من باب المفرد المعرف بلام الجنس وهو يعم بدليل صحة الاستثناء
~~منه، والآية المذكورة يحتمل أن تكون عنده على معنى ثم يخرج كل واحد منكم
~~طفلا كما قيل في قوله تعالى:

# وأعتدت لهن متكأ

# [يوسف: 31] أنه على معنى واعتدت لكل واحدة منهن متكأ فلا يتعين كون {
~~طفلا } فيها مما لا ينقاس عنده، وقال الراغب: ms07287 إن { طفلا } يقع على
~~الجمع كما يقع على المفرد ونص على / ذلك الجوهري، وكذا قال بعض النحاة:
~~إنه في الأصل مصدر فيقع على القليل والكثير والأمر على هذا ظاهر جدا.

# والعورات جمع عورة وهي في الأصل ما يحترز من الاطلاع عليه وغلبت في سوأة
~~الرجل والمرأة؛ ولغة أكثر العرب تسكين الواو في الجمع وهي قراءة الجمهور.

# وروي عن ابن عامر أنه قرأ { عورات } بفتح الواو، والمشهور أن تحريك
~~الواو وكذا الياء في مثل هذا الجمع لغة هذيل بن مدركة. ونقل ابن خالويه
~~في كتاب «شواذ القراآت» أن ابن أبي إسحق والأعمش قرآ { عورات } بالفتح
~~ثم قال: وسمعنا ابن مجاهد يقول: هو لحن، وإنما جعله لحنا وخطأ من قبل
~~الرواية وإلا فله مذهب في العربية فإن بني تميم يقولون: روضات وجوزات
~~وعورات بالفتح فيها وسائر العرب بالإسكان، وقال الفراء: العرب على تخفيف
~~ذلك إلا هذيلا فتثقل ما كان من هذا النوع من ذوات الياء والواو؛ وأنشدني
~~بعضهم:

# أبو بيضات رائح متأوب

# رفيق بمسح المنكبين سبوح

# { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين } أي ما
~~يسترنه عن الرؤية { من زينتهن } أي لا يضربن بأرجلهن الأرض
~~ليتقعقع خلاخلهن فيعلم أنهن ذوات خلاخل فإن ذلك مما يورث الرجال ميلا
~~إليهن ويوهم أن لهن ميلا إليهم. أخرج ابن جرير عن حضرمي أن امرأة اتخذت
~~خلخالا من فضة واتخذت جزعا فمرت على قوم فضربت برجلها فوقع الخلخال على
~~الجزع فصوت فأنزل الله تعالى { ولا يضربن } الخ، والنساء اليوم
~~على جعل الخرز ونحوها في جوف الخلخال فإذا مشين به ولو هونا صوت، ولهن
~~من أنواع الحلي غير الخلخال ما يصوت عند المشيء أيضا لا سيما إذا كان مع
~~ضرب الرجل وشدة الوطء، ومن الناس من يحرك شهوته وسوسة الحلي أكثر من
~~رؤيته. وفي النهي عن إبداء صوت الحلي بعد النهي عن إبداء عينه من النهي
~~عن إبداء مواضعه ما لا يخفى. وربما يستدل بهذا النهي على النهي عن استماع
~~صوتهن. والمذكور في معتبرات «كتب الشافعية» وإليه أميل أن ms07288 صوتهن ليس
~~بعورة فلا يحرم سماعه إلا إن خشي منه فتنة، وكذا إن التذ به كما بحثه
~~الزركشي. وأما عند الحنفية فقال الإمام ابن الهمام: صرح في «النوازل» أن
~~نغمة المرأة عورة ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:

# " التكبير للرجال والتصفيق للنساء "

# فلا يحسن أن يسمعه الرجل اه.

# ثم اعلم أن عندي مما يلحق بالزينة المنهي عن إبدائها ما يلبسه أكثر
~~مترفات النساء في زماننا فوق ثيابهن ويتسترن به إذا خرجن من بيوتهن وهو
~~غطاء منسوج من حرير ذي عدة ألوان وفيه من النقوش الذهبية أو الفضية ما
~~يبهر العيون، وأرى أن تمكين أزواجهن ونحوهم لهن من الخروج بذلك ومشيهن به
~~بين الأجانب من قلة الغيرة وقد عمت البلوى بذلك، ومثله ما عمت به البلوى
~~أيضا من عدم احتجاب أكثر النساء من إخوان بعولتهن وعدم مبالاة بعولتهن
~~بذلك وكثيرا ما يأمرونهن به. وقد تحتجب المرأة منهم بعد الدخول أياما
~~إلى أن يعطوها شيئا من الحلي ونحوه فتبدو لهم ولا تحتجب منهم بعد وكل
~~ذلك مما لم يأذن به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وأمثال ذلك
~~كثير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

# { وتوبوا إلى الله جميعا } تلوين للخطاب وصرف له عن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم إلى الكل بطريق التغليب لإبراز كمال العناية بما
~~في حيزه من أمر التوبة وأنها من معظمات المهمات الحقيقية بأن يكون سبحانه
~~وتعالى الآمر / بهما لما أنه لا يكاد يخلو أحد من المكلفين عن نوع تفريط
~~في إقامة مواجب التكاليف كما ينبغي لا سيما في الكف عن الشهوات.

# وقد أخرج أحمد والبخاري في «الأدب المفرد» ومسلم وابن مردويه والبيهقي
~~في «شعب الإيمان» عن الأغر رضي الله تعالى عنه قال: «سمعت رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم يقول: يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه كل
~~يوم مائة مرة» والمراد بالتوبة على هذا التوبة عما في الحال، وعن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد التوبة عما ms07289 كانوا يفعلونه قبل من
~~إرسال النظر وغير ذلك وهو وإن جب بالإسلام لكنه يلزم الندم عليه والعزم
~~على الكف عنه كلما يتذكر، وقد قالوا: إن هذا يلزم كل تائب عن خطيئة إذا
~~تذكرها، ومنه يعلم أن ما يفعله كثير ممن يزعمون التوبة من نقل ما فعلوه
~~من الذنوب على وجه التبجح والاستلذاذ دليل عن عدم صدق توبتهم.

# وفي تكرير الخطاب بقوله تعالى: { أيه المؤمنون } تأكيد
~~للإيجاب وإيذان بأن وصف الإيمان موجب للامتثال حتما، وفي هذا دليل على
~~أن المعاصي لا تخرج عن الإيمان. وقرأ ابن عامر { أيه المؤمنون }
~~بضم الهاء، ووجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف فلما سقطت الألف
~~لالتقاء الساكنين أتبعت حركتها حركة ما قبلها، وضم ها التي للتنبيه بعد
~~أي لغة لبني مالك رهط شقيق بن مسلمة. ووقف بعضهم بسكون الهاء لأنها كتبت
~~في المصحف بلا ألف بعدها. ووقف أبو عمرو والكسائي ويعقوب  كما في
~~«النشر»  بالألف على خلاف الرسم { لعلكم تفلحون } أي لكي
~~تفوزوا بذلك بسعادة الدارين أو مرجوا فلا حكم.

### || [24.32]

# { وأنكحوا الأيمى منكم } بعدما زجر سبحانه عن السفاح
~~ومباديه القريبة والبعيدة أمر بالنكاح فإنه مع كونه مقصودا بالذات من
~~حيث كونه مناطا لبقاء النوع على وجه سالم من اختلاط الأنساب مزجرة من
~~ذلك. و { الايمى }  كما نقل في «التحرير» عن أبي عمرو وإليه ذهب
~~الزمخشري  مقلوب أيايم جمع أيم لأن فيعل لا يجمع على فعالى أي إن أصله
~~ذلك فقدمت الميم وفتحت للتخفيف فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما
~~قبلها وذهب ابن مالك ومن تبعه إلى أن جمع شاذ لا قلب فيه ووزنه فعالى وهو
~~ظاهر كلام سيبويه. والأيم قال النضر بن شميل: كل ذكر لا أنثى معه وكل
~~أنثى لا ذكر معها بكرا أو ثيبا ويقال: آم وآمت إذا لم يتزوجا بكرين
~~كانا أو ثيبين قال:

# فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي

# وإن كنت أفتى منكم أتأيم

# وقال التبريزي في «شرح ديوان أبي تمام»: قد كثر استعمال هذه الكلمة في
~~الرجل إذا ماتت امرأته ms07290 وفي المرأة إذا مات زوجها، وفي الشعر القديم ما
~~يدل على أن ذلك بالموت وبترك الزوج من غير موت قال الشماخ:

# يقر لعيني أن أحدث أنها

# وأن لم أنلها أيم لم تزوج

# انتهى، وفي «شرح كتاب سيبويه» لأبي بكر الخفاف: الأيم التي لا زوج لها
~~وأصله هي التي كانت متزوجة ففقدت زوجها برزء طرأ عليها ثم قيل في البكر
~~مجازا لأنها لا زوج لها، وعن محمد أنها الثيب واستدل به بما روى أنه صلى
~~الله عليه وسلم قال:

# " الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها "

# حيث قابلها بالبكر، وفيه أنه يجوز أن تكون مشتركة لكن أريد منها ذلك
~~لقرينة المقابلة؛ والأكثرون على ما قاله النضر / أي زوجوا من لا زوج له
~~من الأحرار والحرائر.

# { والصلحين من عبادكم وإمائكم } على أن الخطاب
~~للأولياء والسادات، والمراد بالصلاح معناه الشرعي، واعتباره في الأرقاء
~~لأن من لا صلاح له منهم بمعزل من أن يكون خليقا بأن يعتني مولاه بشأنه
~~ويشفق عليه ويتكلف في نظم مصالحه بما لا بد منه شرعا وعادة من بذل المال
~~والمنافع بل ربما يحصل له ضرر منه بتزويجه فحقه أن يستبقيه عنده ولما لم
~~يكن من لا صلاح له من الأحرار والحرائر بهذه المثابة لم يعتبر صلاحهم.
~~وقيل المراد بالصلاح معناه اللغوي أي الصالحين للنكاح والقيام بحقوقه.

# والأمر هنا قيل للوجوب وإليه ذهب أهل الظاهر، وقيل للندب وإليه ذهب
~~الجمهور. ونقل الإمام [الرازي] عن أبي بكر الرازي أن الآية وإن اقتضت
~~[بظاهرها] الإيجاب إلا أنه أجمع السلف على أنه لم يرد [به] الإيجاب، ويدل
~~عليه أمور، أحدها: أن الإنكاح لو كان واجبا لكان النقل بفعله من النبي
~~صلى الله عليه وسلم ومن السلف مستفيضا شائعا لعموم الحاجة [إليه] فلما
~~وجدنا عصره عليه الصلاة والسلام وسائر الأعصار بعده قد كانت فيه أيامى من
~~الرجال والنساء ولم ينكر ذلك ثبت أنه لم يرد بالأمر الإيجاب، وثانيها:
~~أنا أجمعنا على أن الأيم الثيب لو أبت التزويج لم يكن للولي ms07291 إجبارها،
~~وثالثها: اتفاق الكل على أنه لا يجب على السيد تزويج أمته وعبده فيقتضي
~~للعطف عدم الوجوب في الجميع، ورابعها: أن اسم الأيامى ينتظم الرجال
~~والنساء فلما لزم في الرجال تزويجهم بإذنهم لزم ذلك في النساء انتهى،
~~وقال الإمام نفسه: ظاهر الأمر للوجوب فيدل على أن الولي يجب عليه تزويج
~~موليته وإذا ثبت هذا وجب أن لا يجوز النكاح إلا بولي وإلا لفوتت المولية
~~على الولي المكنة من أداء هذا الواجب وإنه غير جائز.

# والجواب عما نقل عن أبي بكر أن جميع ما ذكره تخصيصات تطرقت إلى الآية
~~والعام بعد التخصيص يبقى حجة فوجب [أن يبقى حجة فيما] إذا التمست المرأة
~~الأيم من الولي التزويج وجب انتهى.

# وفي «الإكليل» استدل بعموم الآية من أباح نكاح الإماء بلا شرط ونكاح
~~العبد الحرة. وأنت تعلم أنها لم تبق على العموم، والذي أميل إليه أن
~~الأمر لمطلق الطلب وأن المراد من الإنكاح المعاونة والتوسط في النكاح أو
~~التمكين منه، وتوقف صحته في بعض الصور على الولي يعلم من دليل آخر.

# والاستدلال بهذه الآية على اشتراط الولي وعلى أن له الجبر في بعض الصور
~~لا يخلو عن بحث ودون تمامه خرط القتاد فتدبر. وقرأ الحسن ومجاهد { من
~~عبيدكم } بالياء مكان الألف وفتح العين وهو كالعباد جمع عبد إلا أن
~~استعماله في المماليك أكثر من استعمال العباد فيهم.

# { إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله } الظاهر
~~أنه وعد من الله عز وجل بالإغناء، وأخرج ذلك ابن جرير وابن المنذر وابن
~~أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ولا يبعد أن يكون في ذلك سد
~~لباب التعلل بالفقر وعده مانعا من المناكحة.

# وفي الآية شرط مضمر وهو المشيئة فلا يرد أن كثيرا من الفقراء تزوج ولم
~~يحصل له الغنى ودليل الإضمار قوله تعالى:

# وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله
~~إن شاء

# [التوبة:28] وكونه واردا في منع الكفار عن الحرم لا يأبى الدلالة كما
~~توهم أو قوله تعالى: { والله وسع } أي غني ذو ms07292 سعة لا يرزأه إغناء
~~الخلائق إذ لا نفاد لنعمته ولا غاية لقدرته { عليم } يبسط الرزق لمن
~~يشاء ويقدر حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة فإن مآل هذا إلى المشيئة وهو
~~السر في اختيار { عليم } دون كريم مع أنه أوفق بواسع نظرا إلى
~~الظاهر.

# وفي «الانتصاف» فأن قيل / العزب كذلك فإن غناه معلق بالمشيئة أيضا فلا
~~وجه للتخصيص، فالجواب أنه قد تقرر في الطباع الساكنة إلا الأسباب أن
~~العيال سبب للفقر وعدمهم سبب توفر المال فأريد قطع هذا التوهم المتمكن
~~بأن الله تعالى قد ينمي المال مع كثرة العيال التي هي في الوهم سبب لقلة
~~المال وقد يحصل الإقلال مع العزوبة والواقع يشهد فدل على أن ذلك الارتباط
~~الوهمي باطل وأن الغنى والفقر بفعل الله تعالى مسبب الأسباب ولا توقف
~~لهما إلا على المشيئة فإذا علم الناكح أن النكاح لا يؤثر في الإقتار لم
~~يمنعه في الشروع فيه، ومعنى الآية حينئذ أن النكاح لا يمنعهم الغنى من
~~فضل الله تعالى فعبر عن نفي كونه مانعا عن الغنى بوجوده معه، ومنه قوله
~~تعالى:

# فإذا قضيت الصلوة فانتشروا فى الأرض

# [الجمعة:10] فإن ظاهره الأمر بالانتشار عند انقضاء الصلاة والمراد تحقيق
~~زوال المانع وأن الصلاة إذا قضيت فلا مانع من الانتشار فعبر عن نفي مانع
~~الانتشار بما يقتضي تقاضي الانتشار مبالغة انتهى.

# وقال بعضهم في الفرق بين المتزوج والعزب: إن الغنى للمتزوج أقرب وتعلق
~~المشيئة به أرجى للنص على وعده دون العزب وكذلك يوجد الحال إذا استقرىء.
~~وتعقب بأن فيه غفلة عن قوله تعالى:

# وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته

# [النساء: 130] وكذا عن قوله سبحانه:

# وليستعفف

# [النور: 33] الخ، وأشار صاحب «الكشف» إلى أن في هذه الآية والتي بعدها
~~وعدا للمتزوج والعزب معا بالغنى فلا ورود للسؤال قال إنه تعالى أمر
~~الأولياء أن لا يبالوا بفقر الخاطب بعد وجود الصلاح ثقة بلطف الله تعالى
~~في الإغناء ثم أمر الفقراء بالاستعفاف إلى وجدان الغني تأميلا لهم وأدمج
~~سبحانه أن مدار الأمر على العفة والصلاح على التقديرين وهو ms07293 الجواب عن
~~سؤال المعترض انتهى.

# ولا يخفى عليك أن الأخبار الدالة على وعد الناكح بالغنى كثيرة ولم نجد
~~في وعد العزب الذي ليس بصدد النكاح من حيث هو كذلك خبرا. فقد أخرج عبد
~~الرزاق وأحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه
~~والبيهقي في «سننه» عن أبي هريرة قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة حق على الله تعالى عونهم
~~الناكح يريد العفاف والمكاتب يريد الأداء والغازي في سبيل الله تعالى "

# وأخرج الخطيب في «تاريخه» عن جابر قال:

# " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو إليه الفاقة فأمره أن
~~يتزوج "

# وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: أطيعوا
~~الله تعالى فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى قال
~~تعالى: { إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله }.

# وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة في «المصنف» عن عمر بن الخطاب رضي الله
~~تعالى عنه قال: ابتغوا الغنى في الباءة  وفي لفظ  ابتغوا الغنى في
~~النكاح يقول الله تعالى: { إن يكونوا فقراء يغنهم الله
~~من فضله }. وأخرج الثعلبي. والديلمي عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما:

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: التمسوا الرزق بالنكاح "

# إلى غير ذلك من الأخبار، ولغنى الفقير إذا تزوج سبب عادي وهو مزيد
~~اهتمامه في الكسب والجد التام في السعي حيث ابتلي بمن تلزمه نفقتها شرعا
~~وعرفا، وينضم إلى ذلك مساعدة المرأة له وإعانتها إياه على أمر دنياه،
~~وهذا كثير في العرب وأهل القرى فقد وجدنا فيهم من تكفيه امرأته أمر معاشه
~~ومعاشها بشغلها، وقد ينضم إلى ذلك حصول أولاد له فيقوى أمر التساعد
~~والتعاضد، وربما يكون للمرأة أقارب / يحصل له منهم الإعانة بحسب مصاهرته
~~إياهم ولا يوجد ذلك في العزب، ويشارك هذا الفقير المتزوج الفقير الذي هو
~~بصدد التزوج بمزيد الاهتمام في الكسب لكن هذا الاهتمام لتحصيل ما يتزوج
~~به وربما يكون لذلك ولتحصيل ما يحسن به حاله بعد التزوج، ms07294 ولا يخفى أن حال
~~الامرأة المتزوجة وحال الامرأة التي بصدد التزوج على نحو حال الرجل
~~والفرق يسير.

# هذا والظاهر من كلام بعضهم أن ما ذكر في الأيامى والصالحين مطلقا وأمر
~~تذكير الضمير ظاهر، وقيل: هو في الأحرار والحرائر خاصة وبذلك صرح الطبرسي
~~لأن الأرقاء لا يملكون وإن ملكوا ولذا لا يرثون ولا يورثون، والمتبادر من
~~الإغناء بالفضل أن يملكوا ما به يحصل الغنى ويدفع الحاجة وهو لا يتحقق مع
~~بقاء الرق، نعم إذا أريد بالإغناء التوسعة ودفع الحاجة سواء كان ذلك بما
~~يملك أم لا فلا بأس بالعموم فتدبر. وجوز أن تكون الآية في الأحرار خاصة
~~بأن يكون المراد منها نهى الأولياء عن التعلل بفقرهم إذا استنكحوهم، وأن
~~تكون في المستنكحين من الرجال مطلقا والمراد نهي الأولياء عن ذلك أيضا
~~فتدبر جميع ذلك. واحتج بعضهم  كما قال ابن الفرس  بالآية على أن النكاح
~~لا يفسخ بالعجز عن النفقة لأنه سبحانه وعد فيها بالغنى، وفيه مناقشة لا
~~تخفى.

### || [24.33]

# { وليستعفف } إرشاد للتائقين العاجزين عن مبادي النكاح وأسبابه
~~إلى ما هو أولى لهم وأحرى بهم، أي وليجتهد في العفة وصون النفس {
~~الذين لا يجدون نكاحا } أي أسباب نكاح أو لا يتمكنون مما
~~ينكح به من المال على أن فعالا اسم آلة كركاب لما يركب به { حتى
~~يغنيهم الله من فضله } عدة كريمة بالتفضل عليهم بالغنى
~~ولطف بهم في استعفافهم وربط على قلوبهم وإيذان بأن فضله تعالى أولى
~~بالأعفاء وأدنى من الصلحاء. واستدل بالآية بعض الشافعية على ندب ترك
~~النكاح لمن لا يملك أهبته مع التوقان، وكثير من الناس ذهب إلى استحبابه
~~له لآية

# إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله

# [النور: 32] وحملوا الأمر بالاستعفاف في هذه الآية على من لم يجد زوجة
~~بجعل فعال صفة بمعنى مفعول ككتاب بمعنى مكتوب، ولا يخفى أن الغاية
~~المذكورة تبعده، ولا يلزم من الفقر وجدان الأهبة المفسرة عندهم بالمهر
~~وكسوة فصل التمكين ونفقة يومه، والمذكور في معتبرات «كتبنا» أن النكاح
~~يكون واجبا عند التوقان أي شدة ms07295 الاشتياق بحيث يخاف الوقوع في الزنا لو
~~لم يتزوج وكذا فيما يظهر لو كان لا يمكنه منع نفسه عن النظر المحرم أو عن
~~الاستمناء بالكف ويكون فرضا بأن كان لا يمكنه الاحتراز عن الزنا إلا به
~~بأن لم يقدر على التسري أو الصوم الكاسر للشهوة كما يدل عليه حديث

# " ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء "

# فلو قدر على شيء من ذلك لم يبق النكاح فرضا أو واجبا عينا بل هو أو
~~غيره مما يمنعه من الوقوع في المحرم، وكلا القسمين مشروط بملك المهر
~~والنفقة، وزاد في «البحر» شرطا آخر فيهما وهو عدم خوف الجور ثم قال: فإن
~~تعارض خوف الوقوع في الزنا لو لم يتزوج وخوف الجور لو تزوج قدم الثاني
~~ويكره التزوج حينئذ كما أفاده الكمال في «الفتح» ولعله لأن الجور معصية
~~متعلقة بالعباد دون المنع من الزنا وحق العبد مقدم عند التعارض لاحتياجه
~~وغنى المولى عز وجل انتهى.

# ومقتضاه الكراهة أيضا عند عدم ملك المهر والنفقة لأنهما حق عبد أيضا
~~وإن خاف الزنا لكن ذكروا أنه يندب استدانة المهر ومقتضاه أنه يجب إذا خاف
~~الزنا وإن لم يملك المهر إذا قدر على استدانته، وهذا مناف للاشتراط
~~السابق إلا أن يقال: / الشرط ملك النفقة والمهر ولو بالاستدانة أو يقال:
~~هذا في العاجز عن الكسب ومن ليس له جهة وفاء. وذكر بعض الأجلة أنه ينبغي
~~حمل ما ذكروا من ندب الاستدانة على ندبها إذا ظن القدرة على الوفاء
~~وحينئذ فإذا كانت مندوبة مع هذا الظن عند أمنه من الوقوع في الزنا ينبغي
~~وجوبها عند تيقن الزنا بل ينبغي وجوبها حينئذ وإن لم يغلب على ظنه قدرة
~~الوفاء وهو معذور فيما أرى عند الله عز وجل إذا فعل ومات ولم يترك وفاء
~~فتأمل.

# ويكون مكروها عند خوف الجور كما سمعت، وحراما عند تيقنه لأن النكاح
~~إنما شرع لمصلحة تحصين النفس وتحصيل الثواب وبالجور يأثم ويرتكب المحرمات
~~فتنعدم المصالح لرجحان هذه المفاسد، ويكون سنة مؤكدة في الأصح حالة
~~القدرة على ms07296 الوطء والمهر والنفقة مع عدم الخوف من الزنا والجور وترك
~~الفرائض والسنن فلو لم يقدر على واحد من الثلاثة الأول أو خاف واحدا من
~~الثلاثة الأخيرة فلا يكون النكاح سنة في حقه كما أفاده في «البدائع»،
~~ويفهم من «أشباه ابن نجيم» توقف كونه سنة على النية، وذكر في «الفتح»
~~((أنه إذا لم يقترن بها كان مباحا لأن المقصود منه حينئذ مجرد قضاء
~~الشهوة ومبنى العبادة على خلافه)) فلا يثاب والنية التي يثاب بها أن ينوي
~~منع نفسه وزوجته عن الحرام، وكذا نية تحصيل ولد تكثر به المسلمون وكذا
~~نية الاتباع وامتثال الأمر وهو عندنا أفضل من الاشتغال بتعلم وتعليم كما
~~في «درر البحار» وأفضل من التخلي للنوافل كما نص عليه غير واحد.

# وفي بعض معتبرات «كتب الشافعية» أن النكاح مستحب لمحتاج إليه يجد أهبته
~~من مهر وكسوة فصل التمكين ونفقة يومه ولا يستحب لمن في دار الحرب النكاح
~~مطلقا خوفا على ولده التدين بدينهم والاسترقاق ويتعين حمله على من لم
~~يغلب على ظنه الزنا لو لم يتزوج إذ المصلحة المحققة الناجزة مقدمة على
~~المصلحة المستقبلة المتوهمة وإنه إن فقد الأهبة استحب تركه لقوله تعالى:
~~{ وليستعفف } الآية ويكسر شهوته بالصوم للحديث، وكونه يثير
~~الحرارة والشهوة إنما هو بابتدائه فإن لم تنكسر به تزوج، ولا يكسرها بنحو
~~كافور فيكره بل يحرم على الرجل والمرأة إن أدى إلى اليأس من النسل، وقول
~~جمع: إن الحديث يدل على حل قطع العاجز الباءة بالأدوية مردود على أن
~~الأدوية خطيرة وقد استعمل قوم الكافور فأورثهم عللا مزمنة ثم أرادوا
~~الاحتيال لعود الباءة بالأدوية الثمينة فلم تنفعهم، فإن لم يحتج للنكاح
~~كره له إن فقد الأهبة وإلا يفقدها مع عدم حاجته له فلا يكره له لقدرته
~~عليه ومقاصده لا تنحصر في الوطء والتخلي للعبادة أفضل منه فإن لم يتعبد
~~فالنكاح أفضل في الأصح كما قال النووي لأن البطالة تفضي إلى الفواحش فإن
~~وجد الأهبة وبه علة كهرم أو مرض دائم أو تعنن كذلك كره له لعدم حاجته ms07297 مع
~~عدم تحصين المرأة المؤدي غالبا إلى فسادها، وبه يندفع قول «الإحياء» يسن
~~لنحو الممسوح تشبها بالصالحين كما يسن إمرار الموسى على رأس الأصلع،
~~وقول الفزاري: أي نهى ورد في نحو المجبوب والحاجة لا تنحصر في الجماع،
~~ولو طرأت هذه الأحوال بعد العقد فهل يلحق بالابتداء أو لا لقوة الدوام
~~تردد فيه الزركشي والثاني هو الوجه كما هو ظاهر انتهى، وفيه ما لم يتعرض
~~له في «كتب أصحابنا» فيما علمت لكن لا تأباه قواعدنا.

# ثم إن الظاهر أن الآية خاصة بالرجال فهم المأمورون بالاستعفاف عند العجز
~~عن مبادي النكاح وأسبابه، نعم يمكن القول بعمومها واعتبار الغليب إذا
~~أريد بالنكاح ما ينكح لكن قد علمت ما فيه ولا تتوهمن من هذا أنه لا
~~يندب الاستعفاف للنساء أصلا لظهور أنه قد يندب في بعض الصور بل من تأمل
~~أدنى تأمل يرى جريان الأحكام في نكاحهن لكن لم أر من صرح به من أصحابنا،
~~نعم نقل بعض الشافعية عن «الأم» ندب النكاح للتائقة وألحق بها محتاجة
~~للنفقة وخائفة من اقتحام فجرة. / وفي «التنبيه» من جاز لها النكاح إن
~~احتاجته ندب لها ونقله الأذرعي عن أصحاب الشافعي ثم بحث وجوبه عليها إذا
~~لم تندفع عنها الفجرة إلا به ولا دخل للصوم فيها وبما ذكر علم ضعف قول
~~الزنجاني: يسن لها مطلقا إذ لا شيء عليها مع ما فيه من القيام بأمرها
~~وسترها، وقول غيره: لا يسن لها مطلقا لأن عليها حقوقا للزوج خطيرة لا
~~يتيسر لها القيام بها بل لو علمت من نفسها عدم القيام بها ولم تحتج له
~~حرم عليها اه، ولا يخفى أن ما ذكره بعد بل متجه واستدل بعضهم بالآية على
~~بطلان نكاح المتعة لأنه لو صح لم يتعين الاستعفاف على فاقد المهر، وظاهر
~~الآية تعينه ولا يلزم من ذلك تحريم ملك اليمين لأن من لا يقدر على النكاح
~~لعدم المهر لا يقدر على شراء الجارية غالبا ذكره إلكيا وهو كما ترى. {
~~والذين يبتغون الكتب } بعدما أمر سبحانه بإنكاح صالحي
~~المماليك ms07298 الأحقاء بالإنكاح أمر جل وعلا بكتابة من يستحقها منهم ليصير
~~حرا فيتصرف في نفسه، وأخرج ابن السكن في معرفة الصحابة عن عبد الله بن
~~صبيح قال: كنت مملوكا كالحويطب بن عبد العزى فسألته الكتابة فأبى فنزلت
~~{ والذين يبتغون } الخ ويلوح من هذا أن عبد الله المذكور أول
~~من كوتب، وربما يتخيل منه أن الكتابة كانت معلومة من قبل لكن نقل الخفاجي
~~عن الدميري أنه قال: الكتابة لفظة إسلامية وأول من كاتبه المسلمون عبد
~~لعمر رضي الله تعالى عنه يسمى أبا أمية. وصرح ابن حجر أيضا بأنها لفظة
~~إسلامية لا تعرفها الجاهلية، والله تعالى أعلم. والكتاب مصدر كاتب
~~كالمكاتبة ونظيره العتاب والمعاتبة أي والذين يطلبون منكم المكاتبة.

# { مما ملكت أيمنكم } ذكورا كانوا أو إناثا، وهو عندنا
~~شرعا إعتاق المملوك يدا حالا ورقبة مآلا وركنه الإيجاب بلفظ الكتابة
~~أو ما يؤدي معناه والقبول نحو أن يقول المولى؛ كاتبتك على كذا درهما
~~تؤديه إلي وتعتق ويقول المملوك: قبلته وبذلك يخرج من يد المولى دون ملكه
~~فإذا أدى كل البدل عتق وخرج من ملكه، ومعناه كتب الحروف أي جمعها وإطلاقه
~~على ما ذكر لأن فيه ضم حرية اليد إلى حرية الرقبة أو لأن البدل يكون في
~~الأغلب منجما بنجوم يضم بعضها إلى بعض أو لأنه يكتب المملوك على نفسه
~~لمولاه ثمنه ويكتب المولى له عليه العتق وهذا أوفق بصيغة المفاعلة أعني
~~المكاتبة.

# وفي «إرشاد العقل السليم» قالوا: معناه كتبت لك على نفسي أن تعتق مني
~~إذا وفيت بالمال وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك أو كتبت عليك الوفاء
~~بالمال وكتبت علي العتق عنده، ثم قال: والتحقيق أن المكاتبة اسم للعقد
~~الحاصل من مجموع كلامي المالك والمملوك كسائر العقود الشرعية المنعقدة
~~بالإيجاب والقبول. ولا ريب في أن ذلك لا يصدر حقيقة إلا من المتعاقدين
~~وليس وظيفة كل منهما في الحقيقة إلا الإتيان بأحد شطريه معربا عما يتم
~~من قبله ويصدر عنه من الفعل الخاص به من غير تعرض لما يتم من قبل صاحبه
~~ويصدر ms07299 عنه من فعله الخاص به إلا أن كلا من ذينك الفعلين لما كان بحيث لا
~~يمكن تحققه في نفسه إلا منوطا بتحقق الآخر ضرورة أن التزام العتق
~~بمقابلة البدل من جهة المولى لا يتصور تحققه وتحصله إلا بالتزام البدل من
~~طرف العبد كما أن عقد البيع الذي هو تمليك المبيع بالثمن من جهة البائع
~~لا يمكن تحققه إلا بتملكه به من جانب المشتري لم يكن بد من تضمين أحدهما
~~الآخر وقت الإنشاء فكما أن قول البائع بعت إنشاء لعقد البيع على معنى أنه
~~إيقاع لما يتم من قبله أصالة ولما يتم من قبل المشتري ضمنا إيقاعا
~~متوقفا على رأيه توقفا شبيها بتوقف عقد الفضولي كذلك قول المولى
~~كاتبتك على كذا إنشاء لعقد الكتابة أي إيقاع لما يتم من قبله من التزام
~~العتق / بمقابلة البدل أصالة ولما يتم من قبل العبد من التزام البدل
~~ضمنا إيقاعا متوقفا على قبوله فإذا قبل تم العقد اه.

# وبه ينحل إشكال صعب وارد على إسناد أفعال العقود وهو أنه إذا كان ركن كل
~~منها الإيجاب والقبول يلزم أن لا يصح نحو بعت كذا بكذا مثلا لأن المتكلم
~~به لم يوقع إلا ما يتم من قبله وليس ذلك بيعا شرعيا إذ لا بد في البيع
~~الشرعي من فعل آخر أعني قبول المشتري وهو مما لم يوقعه المتكلم المذكور.
~~والحاصل أن إسناد باع إلى ضمير المتكلم يقتضي أنه أوقع البيع مع أنه لم
~~يوقع إلا أحد ركنيه فكيف يصح الإسناد؟، ووجه انحلال هذا بما ذكر ظاهر إلا
~~أنه أورد عليه أن فيه دعوى يكذبها وجدان كل عاقد عاقل ألا ترى أنك إذا
~~قلت بعت مثلا لا يخطر ببالك إيقاع ضمني منك لشراء غيرك إيقاعا متوقفا
~~على رأيه أصلا بل قصارى ما يخطر بالبال إيقاعه الشراء دون إيقاعك لشرائه
~~على نحو فعل الفضولي ومن ادعى ذلك فقد كابر وجدانه.

# وأجيب بأن الأمور الضمنية قد تعتبر شرعا وإن لم تقصد كما يرشد إلى ذلك
~~أنهم اعتبروا في قول القائل ms07300 لآخر: اعتق عبدك عني بكذا فأعتقه البيع
~~الضمني بركنيه وإن لم يكن القائل خاطرا بباله ذلك وقاصدا له. وبحث فيه
~~بأنهم إنما اعتبروا أولا العتق الذي هو مدلول اللفظ والمقصود منه
~~ترجيحا لجانب الحرية ثم لما رأوا أن ذلك موقوف على الملك الموقوف على
~~البيع حسب العادة الغالبة اعتبروا البيع ليتم لهم الاعتبار الأول ولم
~~يعتبروه مدلولا للفظ العتق أصلا ليشترط القصد وإن أوهمه تسميتهم إياه
~~بيعا ضمنيا بخلاف ما نحن فيه على ما سمعت فإن إيقاع القبول قد توقف
~~عليه ماهية البيع الشرعي واعتبر مدلولا ضمنيا له بحيث صار عندهم كما
~~يقتضيه ظاهر كلام «الإرشاد» نحو بعت بمعنى أوقعت إيجابا مني أصالة
~~وقبولا منك نيابة وظاهر في مثل ذلك تحقق القصد وحيث نفى بالوجدان قصد
~~إيقاع القبول نيابة علم أنه ليس مدلولا ضمنيا.

# ومن الناس من تفصى عن الإشكال بالتزام أن البيع هو الإيجاب والقبول شرط
~~صحته فقول القائل بعت إنشاء لبيع يحتمل الصحة وعدمها ومتى قال الآخر
~~اشتريت تعينت الصحة وأن قولهم ركن البيع الإيجاب والقبول من المسامحات
~~الشائعة أو بالتزام أن للبيع ونحوه إطلاقين، أحدهما: العقد الحاصل من
~~مجموع الإيجاب والقبول كما في نحو قولك: وقع البيع بين زيد وعمرو
~~وثانيهما: الإيجاب فقط كما في نحو قولك بعته كذا فلم يشتر والبيع الدال
~~عليه بعت الإنشائي من هذا القبيل فلا إشكال في إسناده إلى المتكلم فتأمل
~~وتدبر.

# وفي هذا المقام أبحاث تركناها خوفا من مزيد البعد عما نحن بصدده والله
~~تعالى الموفق.

# و { الذين } يحتمل أن يكون في محل رفع على الابتداء والخبر قوله
~~تعالى: { فكتبوهم } وهو بتقدير القول بناءا على المشهور من أن
~~الجملة الإنشائية لا تقع خبرا عن المبتدأ إلا كذلك، وقال بعض المحققين:
~~لا حاجة في مثل هذا إلى التأويل لأنه في معنى الشرط والجزاء ولذا جىء في
~~الخبر بالفاء. ويحتمل أن يكون في محل نصب على أنه مفعول لمحذوف يفسره
~~المذكور والفاء فيه لتضمن الشرط أيضا؛ وفي «البحر» يجوز أن تقول: زيدا
~~فاضرب ms07301 وزيدا اضرب فإذا دخلت الفاء كان التقدير تنبه فاضرب فالفاء في
~~جواب أمر محذوف اه. وأنت تعلم أنه لا يحتاج إلى هذا في الآية، وذكر بعض
~~الأفاضل أن الفاء فيها على الاحتمال الثاني لأن حق المفسر أن يعقب
~~المفسر، والمراد كتابة بعد كتابة فإن في الموالي كثرة / وكذا في
~~المكاتبين فليس الأمر به للمولى بالنسبة إلى مكاتب واحد اه.

# وهو يشبه الرطانة بالأعجمية.

# والأمر للندب على الصحيح، وقيل هو للوجوب وهو مذهب عطاء وعمرو بن دينار
~~والضحاك وابن سيرين وداود، وما أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير
~~عن أنس بن مالك قال: سألني سيرين المكاتبة فأبيت عليه فأتى عمر بن الخطاب
~~رضي الله تعالى عنه فأقبل علي بالدرة وتلا قوله تعالى: { فكتبوهم
~~} الخ وفي رواية كاتبه أو لأضربنك بالدرة ظاهر في القول بالوجوب، وجمهور
~~الأئمة كمالك والشافعي وغيرهما على أن المكاتبة بعد الطلب وتحقق الشرط
~~الآتي إن شاء الله تعالى مندوبة بيد أن من قال منهم بأن ظاهر الأمر
~~للوجوب كالشافعي لم يقل بظاهره هنا لأنه بعد الحظر وهو بيع ماله بماله
~~للإباحة، وادعى أن ندبها من دليل آخر.

# وظاهر الآية جواز الكتابة سواء كان البدل حالا أو مؤجلا أو منجما أو
~~غير منجم لمكان الإطلاق وإلى ذلك ذهب الحنفية. وذهب جمهور الشافعية إلى
~~أنه يشترط أن يكون منجما بنجمين فأكثر فلا تجوز بدون أجل وتنجيم مطلقا،
~~وقيل إن ملك السيد بعض العبد وباقيه حر لم يشترط أجل وتنجيم، ورده
~~محققوهم وأجابوا عن دعوى إطلاق الآية بأن الكتابة تشعر بالتنجيم فتغني عن
~~التقييد لأنه يكتب أنه يعتق إذا أدى ما عليه ومثله لا يكون في الحال.
~~واعترضوا أيضا على القول بصحة الكتابة الحالة بأن الكتابة لو عقدت حالة
~~توجهت المطالبة عليه في الحال وليس له مال يؤديه فيه فيعجز عن الأداء
~~فيرد إلى الرق فلا يحصل مقصود العقد، وهذا كما لو أسلم فيما لا يوجد عند
~~حلول الأجل فإنه لا يجوز. وأنت تعلم ما في دعوى إشعار الكتابة ms07302 بالتنجيم
~~وأنها تضر الشافعية لأن التنجيم الذي تشعر به الكتابة على زعمهم يتحقق
~~بنجم واحد فيقتضي أن تجوز به كما ذهب إليه أكثر العلماء وهم لا يجوزون
~~ذلك ويشترطون نجمين فأكثر. وما ذكروه في الاعتراض ليس بشيء فإنه لا عجز
~~مع أمر المسلمين بإعانته بالصدقة والهبة والقرض، والقياس على السلم لا
~~يصح لظهور الفارق، ولعل ما ذكر كالبيع لمن لا يملك الثمن ولا شك في صحته
~~كذا قيل وفيه بحث. وقال ابن خويزمنداد: إذا كانت الكتابة على مال معجل
~~كانت عتقا على مال ولم تكن كتابة، والفرق بين العتق على مال والكتابة
~~مذكور في موضعه.

# { إن علمتم فيهم خيرا } أي أمانة وقدرة على الكسب، وبهما
~~الخير فسره الشافعي وذكر البيضاوي أنه روي هذا التفسير مرفوعا وجاء نحو
~~ذلك في بعض الروايات عن ابن عباس، وفسرت الأمانة بعدم تضييع المال، قيل
~~ويحتمل أن يكون المراد بها العدالة لكن يشترط على هذا الاستحباب المكاتبة
~~أن لا يكون العبد معروفا بإنفاق ما بيده بالطاعة لأن مثل هذا لا يرجى له
~~عتق بالكتابة.

# وأخرج أبو داود في «المراسيل» والبيهقي في «سننه» عن يحيى بن أبي كثير
~~قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {
~~فكتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } إن علمتم فيهم حرفة،
~~وظاهره الاكتفاء بالقدرة على الكسب وعدم اشتراط الأمانة، وهو قول نقله
~~ابن حجر عن بعضهم، وتعقبه بأن المكاتب إذا لم يكن أمينا يضيع ما كسبه
~~فلا يحصل المقصود. وأخرج عبد بن حميد عن عبيدة السلماني وقتادة وإبراهيم
~~وأبي صالح أنهم فسروا الخير بالأمانة / وظاهر كلامهم الاكتفاء بها وعدم
~~اشتراط القدرة على الكسب، ونقله أيضا ابن حجر عن بعضهم وتعقبه بأن
~~المكاتب إذا لم يكن قادرا على الكسب كان في مكاتبته ضرر على السيد ولا
~~وثوق بإعانته بنحو الصدقة والزكاة. وأخرج ابن مردويه عن علي كرم الله
~~تعالى وجهه أنه فسر الخير بالمال، وأخرجه جماعة عن ابن عباس وعن ابن
~~جريج، وروي عن مجاهد وعطاء والضحاك، وتعقب بأن ذلك ms07303 ضعيف لفظا ومعنى أما
~~لفظا فلأنه لا يقال فيه مال بل عنده أو له مال، وأما معنى فلأن العبد لا
~~مال له ولأن المتبادر من الخير غيره وإن أطلق الخير على المال في قوله
~~تعالى:

# كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك
~~خيرا الوصية

# [البقرة: 180]. وأجيب بأنه يمكن أن يكون المراد بالخير عند هؤلاء الأجلة
~~القدرة على كسب المال إلا أنهم ذكروا ما هو المقصود الأصلي منه تساهلا
~~في العبارة ومثله كثير. وقال أبو حيان: الذي يظهر من الاستعمال أنه الدين
~~تقول: فلان فيه خير فلا يتبادر إلى الذهن إلا الصلاح. وتعقب بأنه لا
~~يناسب المقام ويقتضي أن لا يكاتب غير المسلم.

# وفسره كثير من أصحابنا بأن لا يضروا المسلمين بعد العتق وقالوا: إن غلب
~~ظن الضرر بهم بعد العتق فالأفضل ترك مكاتبتهم، وظاهر التعليق بالشرط أنه
~~إذا لم يعلموا فيهم خيرا لا يستحب لهم مكاتبتهم أو لا تجب عليهم، وهذا
~~للخلاف في أن الأمر هل هو للندب أو للوجوب فلا تفيد الآية عدم الجواز عند
~~انتفاء الشرط فإن غاية ما يلزم انتفاءه انتفاء المشروط وليس هو فيها إلا
~~الأمر الدال على الوجوب أو الندب، ومن قال: إنه للإباحة التزم أن الشرط
~~هنا لا مفهوم له لجريه على العادة في مكاتبة من علم خيريته كذا قيل.
~~والذي أراه حرمة المكاتبة إذا علم السيد أن المكاتب لو عتق أضر المسلمين.
~~ففي «التحفة» لابن حجر - في باب الكتابة عند قول النووي هي مستحبة إن
~~طلبها رقيق أمين قوي على كسب ولا تكره بحال - ما نصه: ((لكن بحث البلقيني
~~كراهتها لفاسق يضيع كسبه في الفسق ولو استولى عليه السيد لامتنع من ذلك،
~~وقال هو وغيره: بل [قد] ينتهي الحال للتحريم أي وهو قياس حرمة الصدقة
~~والقرض إذا علم أن من أخذهما يصرفهما في محرم، ثم رأيت الأذرعي بحثه فيمن
~~علم [منه] أنه يكتسب بطريق الفسق وهو صريح فيما ذكرته إذ المدار على
~~تمكينه بسببها من المحرم)) اه، وما ذكر من المدار موجود ms07304 فيها قلنا، ثم
~~المراد من العلم الظن القوي وهو مدار أكثر الأحكام الشرعية.

# { وءاتوهم من مال الله الذين ءاتكم } الظاهر أنه
~~أمر للموالي بإيتاء المكاتبين شيئا من أموالهم إعانة لهم، وفي حكمه حط
~~شيء من مال الكتابة ويكفي في ذلك أقل ما يتمول وأخرج عبد الرزاق وابن
~~المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهما من طريق عبد الله
~~بن حبيب عن علي كرم الله تعالى وجهه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
~~قال:

# " يترك للمكاتب الربع "

# وجاء هذا أيضا في بعض الروايات موقوفا على علي كرم الله تعالى وجهه،
~~وقال ابن حجر الهيتمي: هو الأصح ولعل ذلك اجتهاد منه رضي الله تعالى عنه.
~~وادعاء أن هذا لا يقال من قبل الرأي فهو في حكم المرفوع ممنوع، ولهذا
~~الخبر وقول ابن راهويه: أجمع أهل التأويل على أن الربع هو المراد بالآية
~~قالوا: إن الأفضل إيتاء الربع، واستحسن ابن مسعود والحسن / إيتاء الثلث،
~~وابن عمر رضي الله تعالى عنهما إيتاء السبع، وقتادة إيتاء العشر.

# والأمر بالإيتاء عندنا للندب وقال الشافعية: للوجوب إذ لا صارف عنه،
~~وصرحوا بأنه يلزم السيد أو وارثه مقدما له على مؤن التجهيز. أما الحط عن
~~المكاتب كتابة صحيحة لجزء من المال المكاتب عليه أو دفع جزء من المعقود
~~عليه بعد أخذه أو من جنسه إليه وأن الحط أولى من الدفع لأنه المأثور عن
~~الصحابة ولأن الإعانة فيه محققة والمدفوع قد ينفقه في جهة أخرى، وهو في
~~النجم الأخير أفضل، والأصح أن وقت الوجوب قبل العتق ويتضيق إذا بقي من
~~النجم قدر ما يفي به من مال الكتابة، وشاع أنهم يقولون بوجوب الحط. ويرده
~~قوله صلى الله عليه وسلم:

# " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم "

# إذ لو وجب الحط لسقط عنه الباقي حتما، وأيضا لو وجب الحط لكان وجوبه
~~معلقا بالعقد فيكون العقد موجبا ومسقطا معا، وأيضا هو عقد معاوضة
~~فلا يجبر على الحطيطة كالبيع، قيل: معنى { آتوهم } أقرضوهم، وقيل: هو أمر
~~لهم بالإنفاق عليهم بعد أن ms07305 يؤدوا ويعتقوا. وإضافة المال إليه تعالى ووصفه
~~بإيتائه تعالى إياهم للحث على الامتثال بالأمر بتحقيق المأمور به فإن
~~ملاحظة وصول المال إليهم من جهته سبحانه مع كونه عز وجل هو المالك
~~الحقيقي له من أقوى الدواعي إلى صرفه إلى الجهة المأمور بها.

# وقيل: هو أمر ندب لعامة المسلمين بإعانة المكاتبين بالتصدق عليهم. وأخرج
~~ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أنه أمر للولاة أن يعطوهم من الزكاة وهذا
~~نحو ما ذكر في «الكشاف» من أنه أمر للمسلمين على وجه الوجوب بإعانة
~~المكاتبين وإعطائهم سهمهم الذي جعل الله تعالى لهم في بيت المال كقوله
~~سبحانه:

# وفي الرقاب

# [التوبة:60] عند أبي حنيفة وأصحابه، ويحل للمولى إذا كان غنيا أن يأخذ
~~ما تصدق به على المكاتب لتبدل الملك كما فيما إذا اشترى الصدقة من فقير
~~أو وهبها الفقير له فإن المكاتب يتملكه صدقة والمولى عوضا عن العتق،
~~وكذا الحكم لو عجز بعد أداء البعض عن الباقي فأعيد إلى الرق أو أعتق من
~~غير جهة الكتابة، والعلة تبدل الملك أيضا عند محمد وفيه خفاء لأن ما أخذ
~~لم يقع عوضا عن العتق، أما فيما إذا أعيد إلى الرق فظاهر، وأما فيما إذا
~~أعتق من غير جهة الكتابة فلأن العتق لم يكن مشروطا بأداء ذلك فتدبر.
~~وعلل أبو يوسف المسألة بأنه لا خبث في نفس الصدقة وإنما الخبث في فعل
~~الآخذ لكونه إذلالا بالآخذ ولا يجوز ذلك له من غير حاجة والأخذ لم يوجد
~~من السيد. وأورد عليه أنه ينافي جعلها أوساخ الناس في الحديث. ونقل عن
~~الشافعي أنه إذا أعيد المكاتب إلى الرق أو أعتق من غير جهة الكتابة يلزم
~~السيد رد ما أخذه إلا أن يتلف قبله لأن ما دفع للمكاتب لم يقع موقعه ولم
~~يترتب عليه الغرض المطلوب. قال الطيبي: وبهذا يظهر أن قياس ذلك على
~~الصدقة التي اشتريت من الفقير غير صحيح، والمدار عندي اختلاف جهتي الملك
~~فمتى تحقق لم تبق شبهة في الحل، وقد صح أن بريرة مولاة عائشة رضي ms07306 الله
~~تعالى عنها جاءت بعد العتق بلحم بقر فقالت عائشة للنبي صلى الله عليه
~~وسلم: هذا ما تصدق به على بريرة فقال عليه الصلاة والسلام:

# " هو لها صدقة ولنا هدية "

# فأشار عليه الصلاة والسلام إلى حله لآل البيت الذين لا تحل لهم الصدقة
~~باختلاف جهتي الملك فتأمل، وللمكاتبة أحكام كثيرة تطلب من «كتب الفقه».

# { ولا تكرهوا فتيتكم على البغاء } أخرج مسلم وأبو
~~داود عن جابر رضي الله تعالى عنه أن جارية لعبد الله بن أبي بن سلول
~~يقال لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة كان يكرههما على الزنا فشكتا ذلك
~~إلى / رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي
~~قال: كان لعبد الله بن أبي جارية تدعى معاذة فكان إذا نزل ضيف أرسلها له
~~ليواقعها إرادة الثواب منه والكرامة له فأقبلت الجارية إلى أبي بكر رضي
~~الله تعالى عنه فشكت ذلك إليه فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم
~~فأمره بقبضها فصاح عبد الله بن أبي من يعذرنا من محمد صلى الله عليه
~~وسلم يغلبنا على مماليكنا؟ فنزلت، وقيل: كانت لهذا اللعين ست جوار معاذة
~~ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة يكرههن على البغاء وضرب عليهن ضرائب
~~فشكت ثنتان منهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت.

# وقيل: نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما على الزنا أحدهما ابن أبي،
~~وأخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه أنهم كانوا في الجاهلية
~~يكرهون إماءهم على الزنا يأخذون أجورهن فنهوا عن ذلك في الإسلام. ونزلت
~~الآية، وروي نحوه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعلى جميع الروايات
~~لا اختصاص للخطاب بمن نزلت فيه الآية بل هي عامة في سائر المكلفين.

# والفتيات جمع فتاة وكل من الفتى والفتاة كناية مشهورة عن العبد والأمة
~~مطلقا وقد أمر الشارع صلى الله عليه وسلم بالتعبير بهما مضافين إلى ياء
~~المتكلم دون العبد والأمة مضافين إليه فقال عليه الصلاة والسلام:

# " لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي ولكن فتاي وفتاتي ms07307 "

# وكأنه صلى الله عليه وسلم كره العبودية لغيره عز وجل ولا حجر عليه
~~سبحانه في إضافة الأخيرين إلى غيره تعالى شأنه، وللعبارة المذكورة في هذا
~~المقام باعتبار مفهومها الأصلي حسن موقع ومزيد مناسبة لقوله سبحانه: {
~~على البغاء } وهو زنا النساء كما في «البحر» من حيث صدوره عن شوابهن
~~لأنهن اللاتي يتوقع منهن ذلك غالبا دون من عداهن من العجائز والصغائر.

# وقوله عز وجل: { إن أردن تحصنا } ليس لتخصيص النهي بصورة
~~إرادتهن التعفف عن الزنا وإخراج ما عداها عن حكمه كما إذا كان الإكراه
~~بسبب كراهتهن الزنا لخصوص الزاني أو لخصوص الزمان أو لخصوص المكان أو
~~لغير ذلك من الأمور المصححة للإكراه في الجملة بل هو للمحافظة على عادة
~~من نزلت فيهم الآية حيث كانوا يكرهونهن على البغاء وهن يردن التعفف عنه
~~مع وفور شهوتهن الآمرة بالفجور وقصورهن في معرفة الأمور الداعية إلى
~~المحاسن الزاجرة عن تعاطي القبائح، وفيه من الزيادة لتقبيح حالهم
~~وتشنيعهم على ما كانوا يفعلونه من القبائح ما لا يخفى فإن من له أدنى
~~مروءة لا يكاد يرضى بفجور من يحويه حرمه من إمائه فضلا عن أمرهن به أو
~~إكراههن عليه لا سيما عند إرادة التعفف وتوفر الرغبة فيها كما يشعر به
~~التعبير بأردن بلفظ الماضي. وإيثار كلمة { إن } على إذا لأن إرادة
~~التحصن من الإماء كالشاذ النادر أو للإيذان بوجوب الانتهاء عن الإكراه
~~عند كون إرادة التحصن في حيز التردد والشك فكيف إذا كانت محققة الوقوع
~~كما هو الواقع.

# ويعلم من توجيه هذا الشرط مع ما أشرنا إليه من بيان حسن موقع الفتيات
~~هنا باعتبار مفهومها الأصلي أنه لا مفهوم لها ولو فرضت صفة لأن شرط
~~اعتبار المفهوم عند القائلين به أن لا يكون المذكور خرج مخرج الغالب، وقد
~~تمسك جمع بالآية لإبطال القول بالمفهوم فقالوا: إنه لو اعتبر يلزم جواز
~~الإكراه عند عدم إرادة التحصن والإكراه على الزنا غير جائز بحال من
~~الأحوال إجماعا ومما ذكرنا يعلم الجواب عنه. وفي «شرح المختصر الحاجبي»
~~للعلامة العضد الجواب ms07308 عن ذلك، أولا: أنه مما خرج مخرج الأغلب إذ الغالب
~~/ أن الإكراه عند إرادة التحصن ولا مفهوم في مثله، وثانيا: أن المفهوم
~~اقتضى ذلك وقد انتفى لمعارض أقوى منه وهو الإجماع، وقد يجاب عنه بأنه يدل
~~على عدم الحرمة عند عدم الإرادة وأنه ثابت إذ لا يمكن الإكراه حينئذ
~~لأنهن إذ لم يردن التحصن لم يكرهن البغاء والإكراه إنما هو إلزام فعل
~~مكروه وإذا لم يمكن لم يتعلق به التحريم لأن شرط التكليف الإمكان ولا
~~يلزم من عدم التحريم الإباحة انتهى، ولعل ما ذكرناه أولا هو الأولى،
~~وجعل غير واحد زيادة التقبيح والتشنيع جوابا مستقلا بتغيير يسير ولا
~~بأس به.

# وزعم بعضهم أن { إن أردن } راجع إلى قوله تعالى:

# وأنكحوا الايمى منكم

# [النور: 32] وهو مما يقضي منه العجب وبالجملة لا حجة في ذلك لمبطلي
~~القول بالمفهوم كذا لا حجة لهم في قوله تعالى: { لتبتغوا عرض
~~الحيوة الدنيا } فإنه كما في «إرشاد العقل السليم» ((قيد
~~للإكراه لا باعتبار أنه مدار للنهي عنه بل باعتبار أنه المعتاد فيما
~~بينهم أيضا جىء به تشنيعا لهم فيما هم عليه من احتمال الوزر الكبير
~~لأجل النزر الحقير أي لا تفعلوا ما أنتم عليه من إكراههن على البغاء لطلب
~~المتاع السريع الزوال الوشيك الاضمحلال، فالمراد بالابتغاء الطلب المقارن
~~لنيل المطلوب واستيفائه بالفعل إذ هو الصالح لكونه غاية للإكراه مترتبا
~~عليه لا المطلق المتناول للطلب السابق الباعث عليه)).

# ولا اختصاص لعرض الحياة الدنيا بكسبهن أعني أجورهن التي يأخذنها على
~~الزنا بهن وإن كان ظاهر كثير من الأخبار يقتضي ذلك بل ما يعمه وأولادهن
~~من الزنا وبذلك فسره سعيد بن جبير كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم وفي بعض
~~الأخبار ما يشعر بأنهم كانوا يكرهونهن على ذلك للأولاد.

# أخرج الطبراني والبزار وابن مردويه بسند صحيح عن ابن عباس أن جارية لعبد
~~الله بن أبي كانت تزني في الجاهلية فولدت له أولادا من الزنا فلما حرم
~~الله تعالى الزنا قال لها: مالك لا تزنين؟ قالت: والله لا أزني أبدا ms07309
~~فضربها فأنزل الله تعالى: { ولا تكرهوا } الآية، ولا يقتضي هذا
~~وأمثاله تخصيص العرض بالأولاد كما لا يخفى.

# وسمعت أن بعض قبائل أعراب العراق كآل عزة يأمرون جواريهم بالزنا للأولاد
~~كفعل الجاهلية ولا يستغرب ذلك من الأعراب لا سيما في مثل هذه الأعصار
~~التي عرا فيها كثيرا من رياض الأحكام الشرعية في كثير من المواضع إعصار
~~فإنهم أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.

# وقوله تعالى: { ومن يكرههن } إلى آخره جملة مستأنفة سيقت لتقرير
~~النهي وتأكيد وجوب العمل ببيان خلاص المكرهات من عقوبة المكره عليه عبارة
~~ورجوع غائلة الإكراه إلى المكرهين إشارة أي ومن يكرههن على ما ذكر من
~~البغاء { فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم }
~~لهن كما في قراءة ابن مسعود وقد أخرجها عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن
~~سعيد بن جبير عنه لكن بتقديم { لهن } على { غفور رحيم } ورويت
~~كذلك أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وينبىء عنه على ما قيل
~~قوله تعالى: { من بعد إكراههن } أي كونهن مكرهات على أن
~~الإكراه مصدر المبني للمفعول فإن توسيطه بين اسم إن وخبرها للإيذان بأن
~~ذلك هو السبب للمغفرة والرحمة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وغيرهما عن
~~مجاهد أنه قال: غفور رحيم لهن وليست لهم، وكان الحسن إذا قرأ الآية يقول:
~~لهن والله لهن، وفي تخصيص ذلك بهن وتعيين مداره على ما سمعت مع سبق ذكر
~~المكرهين / أيضا في الشرطية دلالة على كونهم محرومين من المغفرة والرحمة
~~بالكلية كأنه قيل: لا لهم أو لا له ولظهور هذا التقدير اكتفى به عن
~~العائد إلى اسم الشرط اللازم في الجملة الشرطية على الأصح كما في
~~«المغني».

# وقيل: في توجيه أمر العائد: إن { إكراههن } مصدر مضاف إلى
~~المفعول وفاعل المصدر ضمير محذوف عائد على اسم الشرط والمحذوف كالملفوظ
~~والتقدير من بعد إكراههم إياهن. ورده أبو حيان بأنهم لم يعدوا في الروابط
~~الفاعل المحذوف للمصدر في نحو هند عجبت من ضرب زيد وإن ms07310 كان المعنى من
~~ضربها زيدا فلم يجوزوا هذا التركيب ولا فرق بينه وبين ما نحن فيه، وقيل:
~~جواب الشرط محذوف والمذكور تعليل لما يفهم من ذلك المحذوف والتقدير ومن
~~يكرههن فعليه وبال إكراههن لا يتعدى إليهن فإن الله من بعد إكراههن غفور
~~رحيم لهن، وفيه عدول عن الظاهر وارتكاب مزيد إضمار بلا ضرورة، وكون ذلك
~~لتسبب الجزاء على الشرط ليس بشيء. وقال في «البحر»: الصحيح أن التقدير
~~غفور رحيم لهم ليكون في جواب الشرط ضمير يعود على اسم الشرط المخبر عنه
~~بجملة الجواب ويكون ذلك مشروطا بالتوبة، وفيه إخلال بجزالة النظم الجليل
~~وتهوين لأمر النهي في مقام التهويل وأمر الربط لا يتوقف على ذلك، ومثله
~~ما قيل: إن التقدير لهما فالوجه ما تقدم.

# والجار والمجرور في قراءة من سمعت قال ابن جني: متعلق بغفور لأنه أدنى
~~إليه ولأن فعولا أقعد في التعدي من فعيل، ويجوز أن يتعلق برحيم لأجل حرف
~~الجر إذا قدر خبرا بعد خبر، ولم يقدر صفة لغفور لامتناع تقدم الصفة على
~~موصوفها والمعمول إنما يصح وقوعه حيث يقع عامله وليس الخبر كذلك، وأيضا
~~يحسن في الخبر لأن رتبة الرحمة أعلى من رتبة المغفرة لأن المغفرة مسببة
~~عنها فكأنها متقدمة معنى وإن تأخرت لفظا والمعنى على تعلقه بهما كما لا
~~يخفى.

# وتعليق المغفرة لهن مع كونهن مكرهات لا إثم لهن بناء على أن المكره غير
~~مكلف ولا إثم بدون تكليف، وتفصيل المسألة في الأصول قيل: لشدة المعاقبة
~~على المكره لأن المكرهة مع قيام العذر إذا كانت بصدد المعاقبة حتى احتاجت
~~إلى المغفرة فما حال المكره وللدلالة على أن حد الإكراه الشرعي
~~والمصابرة إلى أن ينتهي إليه فيرتكب ضيق والله تعالى يغفر ذلك بلطفه.
~~وقيل: لغاية تهويل أمر الزنا وحث المكرهات على التشبث في التجافي عنه أو
~~لاعتبار أنهن وإن كن مكرهات لا يخلون في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة
~~بحكم الجبلة البشرية.

### || [24.34]

# { ولقد أنزلنا إليكم ءايت مبينت } كلام
~~مستأنف جىء به في تضاعيف ما ورد من الآيات ms07311 السابقة واللاحقة لبيان جلالة
~~شؤونها المستوجبة للإقبال الكلي على العمل بمضمونها، وصدر بالقسم المعربة
~~عنه اللام لإبراز كمال العناية بشأنه أي وبالله لقد أنزلنا إليكم في هذه
~~السورة الكريمة آيات مبينات لكل ما لكم حاجة إلى بيانه من الحدود وسائر
~~الأحكام والآداب وغير ذلك مما هو من مبادي بيانها على أن { مبينت
~~} من بين المتعدي والمفعول محذوف وإسناد التبيين إلى الآيات مجازي أو
~~آيات واضحات صدقتها الكتب القديمة والعقول السليمة على أنها من بين بمعنى
~~تبين اللازم أي آيات تبين كونها آيات من الله تعالى، ومنه المثل قد بين
~~الصبح لذي عينين. وقرأ الحرميان وأبو عمرو وأبو بكر { مبينت } على
~~صيغة المفعول أي آيات بينها الله تعالى وجعلها واضحة الدلالة على الأحكام
~~والحدود وغيرها، وجوز أن يكون الأصل مبينا فيها الأحكام فاتسع في الظرف
~~بإجرائه مجرى المفعول.

# / { ومثلا من الذين خلوا من قبلكم } عطف على {
~~ءايت } أي وأنزلنا مثلا كائنا من قبيل أمثال الذين مضوا من قبلكم
~~من القصص العجيبة والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة والكلمات
~~الجارية على ألسنة الأنبياء عليهم السلام فينتظم قصة عائشة رضي الله
~~تعالى عنها المحاكية لقصة يوسف عليه السلام وقصة مريم رضي الله تعالى
~~عنها حيث أسند إليهما مثل ما أسند إلى عائشة من الإفك فبرأهما الله تعالى
~~منه وسائر الأمثال الواردة في هذه السورة الكريمة انتظاما أوليا، وهذا
~~أوفق بتعقيب الكلام بما سيأتي إن شاء الله تعالى من التمثيلات من تخصيص
~~الآيات بالسوابق وحمل المثل على القصة العجيبة فقط.

# { وموعظة } تتعظون بها وتنزجرون عما لا ينبغي من المحرمات
~~والمكروهات وسائر ما يخل بمحاسن الآداب فهي عبارة عما سبق من الآيات
~~والمثل لظهور كونها من المواعظ بالمعنى المذكور، ويكفي في العطف التغاير
~~العنواني المنزل منزلة التغاير الذاتي، وقد خصت الآيات بما يبين الحدود
~~والأحكام والموعظة بما يتعظ به كقوله تعالى:

# ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله

# [النور: 2] وقوله سبحانه:

# لولا إذ سمعتموه

# [النور: 12] الخ وغير ذلك من الآيات الواردة في شأن الآداب؛ وقيدت ms07312
~~الموعظة بقوله سبحانه: { للمتقين } مع شمولها للكل حسب شمول
~~الإنزال حثا للمخاطبين على الاغتنام بالانتظام في سلك المتقين ببيان
~~أنهم المغتنمون لآثارها المقتبسون من أنوارها فحسب، وقيل: المراد بالآيات
~~المبينات والمثل والموعظة جميع ما في القرآن المجيد من الآيات والأمثال
~~والمواعظ.

### || [24.35]

# { الله نور السموات والارض } النور في اللغة  على ما
~~قال ابن السكيت  الضياء وهذا ظاهر في عدم الفرق بين النور والضياء، وفرق
~~بينهما جمع وإن كان إطلاق أحدهما على الآخر شائعا فقال الإمام السهيلي
~~في «الروض» في قول ورقة

# ويظهر في البلاد ضياء نور

# يقيم به البرية أن يموجا

# إنه يوضح معنى النور والضياء وإن الضياء هو المنتشر عن النور والنور هو
~~الأصل، وفي التنزيل

# فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم

# [البقرة: 17]

# هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا

# [يونس: 5] لأن نور القمر لا ينتشر عنه ما ينتشر عن الشمس لا سيما في
~~طرفي الشهر، وقال الفلاسفة: الضياء ما يكون للشيء من ذاته والنور ما يفيض
~~عليه من مقابلة المضىء وعلى هذا جاء فيما زعم إسلاميوهم قوله تعالى:

# هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا

# [يونس: 5] فإن اختلاف تشكلات القمر بالقرب والبعد من الشمس مع خسوفه وقت
~~حيلولة الأرض بينه وبينها دليل على أن نوره فائض عليه من مقابلتها، وأنت
~~تعلم أن في هذا مقالا لعلماء الإسلام وقد قدمنا ما فيه في غير هذا
~~المقام، ولعل الأولى في وجه الفرق ما تقدم آنفا في كلام السهيلي. وذكر
~~بعض المحققين أنه يعلم من كلامهم أن لكل من النور والضياء جهة أبلغية،
~~فجهة أبلغية النور كونه أصلا ومبدأ للضياء وجهة أبلغية الضياء أن
~~الإبصار بالفعل بمدخليته. وادعى بعضهم أن النور على الإطلاق أبلغ من
~~الضياء للآية التي نحن فيها، وفيه بحث يعلم إن شاء الله تعالى أثناء
~~تفسيرها.

# واعلم أن الفلاسفة اختلفوا في حقيقة النور فمنهم من زعم أنه أجسام صغار
~~تنفصل عن المضىء وتتصل بالمستضىء وأبطل بعدة أوجه، الأول: أنه لو كان
~~جسما متحركا لكانت حركته طبيعية والحركة ms07313 الطبيعية إلى جهة واحدة دون
~~سائر الجهات لكن / النور يقع على الجسم في كل جهة كانت له، والثاني: أنه
~~إذا دخل من كوة ثم سددناها دفعة فتلك الأجزاء النورانية إما أن تكون
~~باقية في البيت فيلزم أن يكون البيت مستنيرا كما كان قبل السد وليس كذلك
~~وإما أن تكون خارجة من الكوة قبل انسدادها وهو محال لأن السد كان سبب
~~انقطاعها فلا بد أن يكون سابقا عليه بالذات أو بالزمان وإما أن تكون غير
~~باقية أصلا فيلزم أن يكون تخلل جسم بين جسمين موجبا انعدام أحدهما وهو
~~معلوم الفساد، والثالث: أن كون تلك الأجسام الصغار أنوارا إما أن يكون
~~هو عين كونها أجساما وهو باطل لأن المفهوم من النورية مغاير للمفهوم من
~~الجسمية وإما أن يكون مغايرا لها بأن تكون تلك الأجسام حاملة لتلك
~~الكيفية منفصلة من المضيء متصلة بالمستضيء فإن لم تكن تلك الأجسام محسوسة
~~فهو ظاهر البطلان لأنها حينئذ كيف تكون واسطة لإحساس غيرها وإن كانت
~~محسوسة كانت ساترة لما وراءها ويجب أنها كلما ازدادت اجتماعا ازدادت
~~سترا لكن الأمر بالعكس فإن النور كلما ازداد قوة ازداد إظهارا،
~~والرابع: أن الشمس إذا طلعت من الأفق يستنير وجه الأرض كله دفعه ومن
~~البعيد أن تنتقل تلك الأجزاء من الفلك الرابع إلى وجه الأرض في تلك
~~اللحظة اللطيفة، ولا يخفى حاله على القول باستحالة الخرق على الأفلاك،
~~والخامس: أن انفصال الأجزاء من الأجرام الكوكبية يستلزم الذبول والانتقاص
~~وخلو مواضعها عن تمام مقدارها أو مقدار أجزائها أو كونها دائمة التحليل
~~مع إيراد البدل عما يتحلل عن جرمها فتكون أجسامها أجساما مستحيلة غذائية
~~كائنة فاسدة وذلك محال في الفلكيات.

# وتعقبها بعض متأخريهم بأنها في غاية الضعف أما الأول: فلأن كون النور
~~جسما لا يستلزم كونه متحركا ولا كون حدوثه بالحركة بل هو مما يوجد دفعة
~~بلا حركة، وأما الثاني: فلقائل أن يقول: إن قيام المجعول بلا مادة إنما
~~يكون بالفاعل الجاعل إياه مع اشتراط عدم الحجاب المانع عن الإفاضة فإذا
~~طرأ المانع ms07314 لم تقع الإفاضة فينعدم المفاض بلا مادة باقية عنه لأن وجوده
~~لم يكن بشركة المادة فكذا عدمه فعند انسداد الباب المانع عن الإفاضة
~~ينعدم الشعاع عن البيت دفعة، ولا فرق في ذلك بين كونه عرضا أو جوهرا
~~والسر فيهما جميعا أن النور مطلقا ليس حصوله من جهة انفعال المادة
~~وشركة الهيولى كسائر الجواهر والأعراض الانفعاليات ولذلك لا ينعدم شيء
~~منها دفعة لو فرض حجاب بنيها وبين المبدأ الفاعلي إلا بعد زمان واستحالة.
~~وأما الذي ذكر ثالثا فجوابه أن المغايرة في المفهوم لا تنافي الاتحاد
~~والعينية في الوجود فما ذكر مغالطة من باب الاشتباه بين مفهوم الشيء
~~وحقيقته، وأما المذكور رابعا وخامسا فلأن مبناه على الانفصال والقطع
~~للمسافة لا على مجرد الجوهرية والجسمية.

# هذا وذهب بعضهم إلى أنه عرض من الكيفيات المحسوسة وقالوا: هو غني عن
~~التعريف كسائر المحسوسات، وتعريفه بأنه كمال أول للشفاف من حيث إنه شفاف
~~أو بأنه كيفية لا يتوقف الإبصار بها على الإبصار بشيء آخر تعريف بما هو
~~أخفى وكأن المراد به التنبيه على بعض خواصه. ومن هؤلاء من قال: إنه نفس
~~ظهور اللون، ومنهم من قال بمغايرتهما واستدلوا بأوجه، الأول: أن ظهور
~~اللون إشارة إلى تجدد أمر فهو إما اللون أو صفة نسبية أو غير نسبية
~~والأول باطل لأن النور إما أن يجعل عبارة عن تجدد اللون أو اللون
~~المتجدد، والأول: يقتضي أن لا يكون مستنيرا إلا في آن تجدده، والثاني:
~~يوجب كون الضوء نفس اللون فلا يبقى لقولهم: الضوء هو ظهور اللون معنى،
~~وإن جعلوا الضوء كيفية ثبوتية زائدة على ذات اللون وسموه / بالظهور فذلك
~~نزاع لفظي، وإن زعموا أن ذلك الظهور تجدد حالة نسبية فهو باطل لأن الضوء
~~أمر غير نسبي وإلا لكان أمرا عقليا واقعا تحت مقولة المضاف فلم يكن
~~محسوسا أصلا لكن الحس البصري مما ينفعل عنه ويتضرر بالشديد منه حتى
~~يبطل.

# والأمور الذهنية لا تؤثر مثل هذا التأثير فإذا لم يكن أمرا نسبيا لم
~~يمكن تفسيره بالحالة النسبية، الثاني: أن البياض ms07315 قد يكون مضيئا مشرقا
~~وكذا السواد فلو كان ضوء كل منهما عين ذاته لزم أن يكون بعض الضوء ضد
~~بعضه وهو محال لأن ضد الضوء الظلمة، والثالث: أن اللون يوجد بدون الضوء
~~كما في الجسم الملون في الظلمة وكذا الضوء يوجد بدن اللون كما في البلور
~~إذا وقع عليه الضوء فهما متغايران لوجود كل منهما بدون الآخر، والرابع:
~~أن الجسم الأحمر مثلا المضيء إذا انعكس عنه إلى مقابله فتارة ينعكس
~~الضوء عنه إلى جسم آخر وتارة ينعكس منه اللون والضوء معا إذا قويا حتى
~~يحمر المنعكس إليه فلو كان مجرد ظهور اللون لاستحال أن يفيد غيره لمعانا
~~ساذجا، وليس لقائل أن يقول: هذا البريق عبارة عن إظهار اللون في ذلك
~~القابل لأنه يقال: فلماذا إذا اشتد لون الجسم المنعكس منه ضوؤه أخفى ضوء
~~المنعكس إليه وأبطله وأعطاه لون نفسه.

# وقال بعض المتأخرين: استقر الرأي على أن النور المحسوس بما هو محسوس
~~عبارة عن نحو وجود الجوهر المبصر الحاضر عند النفس في غير هذا العالم
~~وأما الذي في الخارج بإزائه فلا يزيد وجوده على وجود اللون والأوجه التي
~~ذكرت لمغايرتهما مقدوحة، أما الوجه الأول: فهو مقدوح بأن ظهور اللون
~~عبارة عن وجوده وهو صفة حقيقية من شأنها أن ينسب ويضاف إلى القوة المدركة
~~وبهذا الاعتبار يقع له التجدد قولهم: يوجب أن يكون الضوء نفس اللون قلنا:
~~نعم ولكنهما متغايران بالاعتبار كما أن الماهية والوجود في كل شيء متحدان
~~بالذات متغايران بالاعتبار فإن النور والضوء يرجع معناه إلى وجود خاص
~~عارض لبعض الأجسام والظلمة عبارة عن عدم ذلك الوجود الخاص بالكلية والظل
~~عبارة عن عدمه في الجملة واللون عبارة عن امتزاج يقع بين حامل هذا الوجود
~~النوري وحامل عدمه على أنحاء مختلفة فليست الألوان إلا مراتب تراكيب
~~الأنوار والأدلة الموردة على إبطال ذلك ضعيفة فعلى هذا صح قولهم: النور
~~هو ظهور اللون وصح أيضا قول من يقول إنه غير اللون لأن النور بما هو نور
~~لا يختلف إذ لا يعتبر فيه امتزاج ms07316 ولا شوب مع عدم أو ظلمة والألوان
~~مختلفة.

# وأما الوجه الثاني: فهو أيضا مندفع بما مهد وبأن اللون وإن لم يكن غير
~~النور إلا أن مراتب الأنوار مختلفة شدة وضعفا، ومع هذا الاختلاف قد
~~تختلف بوجوه أخر بحسب تركيبات وامتزاجات كثيرة تقع بين أعداد من النور
~~وإمكانها وفعليتها وأصلها وفرعها وأعداد من الظلمة أعني عدم ذلك النور
~~وإمكانها وفعليتها وأصلها وفرعها فإن هذه الألوان أمور مادية في الأكثر
~~أو متعلقة بها والمادة منبع الانقسام والتركيب بين الوجودات والإعدام
~~والإمكانات فليس بعجب أن يحصل من ضروب تركيبات النور بالظلمة هذه الألوان
~~التي نراها فتقع تلك الأقسام في محالها على الوجه المذكور ثم يقع عليها
~~نور آخر بمقابلة المنير.

# ومن قال بأن النور عين اللون لم يقل بأن كل نور عين كل لون كما أن من
~~قال بأن الوجود عين الماهية لم يقل بأن كل وجود عين كل ماهية ليلزمه أن
~~لا يطرد وجود على وجود ولا تضاد وجود لوجود فالألوان متخالفة الأحكام
~~وبعضها أمور متضادة لكن بما هي ألوان لا بما هي أنوار كما أن الموجودات
~~متخالفة الأحكام وبعضها / أشياء متضادة لكن بما هي ماهيات لا بما هي
~~موجودات مع أن الوجود والماهية واحد.

# وأما الوجه الثالث: فسبيل دفعه سهل بما بين وكذا الوجه الرابع بأدنى
~~اعمال روية فإن عدم ظهور اللون قد يكون لضعف اللمعان الواقع على شيء وقد
~~يكون لشدة اللمعان فالواقع على المقابل من عكس المضيء الملون قد يكون
~~ضوءه فقط وذلك عند قصور الضوء واللون أو قصور استعداد القابل المقابل وقد
~~يكون كلاهما لقوتهما وقوة استعداد المنعكس إليه، على أن الكلام في مباحث
~~العكوس طويل، وكون المنعكس من الجسم المضيء إلى جسم آخر ضوءه دون لونه
~~ربما كان لأجل صقالته فإن الصقيل قد يكون ذا لون وضوء لكن المنعكس منه
~~إلى مقابله ليس إلا ما حصل من نير آخر بتوسطه على نسبة وضعية مخصوصة
~~بينهما له إليهما لا اللون والضوء اللذان يستقران فيه فالمنعكس في ذلك
~~المقابل ms07317 ليس إلا الضوء فقط من ذلك النير لا من المنعكس منه إلا أن يكون
~~المنعكس إليه أيضا جسما صقيلا فيقع فيه حكاية منهما أي الضوء واللون
~~أو من أحدهما أيضا.

# هذا غاية ما قالوه في النور المحسوس الذي يظهر به الأجسام على الأبصار؛
~~ولهم في النور إطلاق آخر وهو الظاهر بذاته والمظهر لغيره وقالوا: هو بهذا
~~المعنى مساو للوجود بل نفسه فيكون حقيقة بسيطة كالوجود منقسما كانقسامه،
~~فمنه نور واجب لذاته قاهر على ما سواه، ومنه أنوار عقلية ونفسية وجسمية،
~~والواجب تعالى نور الأنوار غير متناهي الشدة وما سواه سبحانه أنوار
~~متناهية الشدة بمعنى أن فوقها ما هو أشد منها وإن كان بعضها كالأنوار
~~العقلية لا تقف آثارها عند حد، والكل من لمعات نوره عز وجل حتى الأجسام
~~الكثيفة فإنها أيضا من حيث الوجود لا تخلو عن نور لكنه مشوب بظلمات
~~الإعدام والإمكانات.

# إذا علمت هذا فاعلم أن إطلاق النور على الله سبحانه وتعالى بالمعنى
~~اللغوي والحكمي السابق غير صحيح لكمال تنزهه جل وعلا عن الجسمية والكيفية
~~ولوازمهما، وإطلاقه عليه سبحانه بالمعنى المذكور وهو الظاهر بذاته
~~والمظهر لغيره قد جوزه جماعة منهم حجة الإسلام الغزالي فإنه قدس سره بعد
~~أن ذكر في رسالته «مشكاة الأنوار» معنى النور ومراتبه قال: إذا عرفت أن
~~النور يرجع إلى الظهور والإظهار فاعلم أن لا ظلمة أشد من كتم العدم لأن
~~المظلم سمي مظلما لأنه ليس بظاهر للأبصار مع أنه موجود في نفسه فما ليس
~~موجودا أصلا كيف لا يستحق أن يكون هو الغاية في الظلمة. وفي مقابلته
~~الوجود وهو النور فإن الشيء ما لم يظهر في ذاته لا يظهر لغيره، والوجود
~~ينقسم إلى ما للشيء من ذاته وإلى ما له من غيره، فما له الوجود من غيره
~~فوجوده مستعار لا قوام له بنفسه بل إذا اعتبر ذاته من حيث ذاته فهو عدم
~~محض وإنما هو وجود من حيث نسبته إلى غيره وذلك ليس بوجود حقيقي، فالوجود
~~الحق هو الله تعالى كما أن النور الحق ms07318 هو الله عز وجل، وقد قال قبل هذا:
~~أقول ولا أبالي إن إطلاق اسم النور على غير النور الأول مجاز محض إذ كل
~~ما سواه سبحانه إذا اعتبر ذاته فهو في ذاته من حيث ذاته لا نور له بل
~~نورانيته مستعارة من غيره ولا قوام لنورانيته المستعارة بنفسها بل بغيرها
~~ونسبة المستعار إلى المستعير مجاز محض، وفسر النور في هذه الآية أعني
~~قوله تعالى: { الله نور السموات والأرض } بذلك، ثم أشار
~~إلى وجه الإضافة إلى { السموات والأرض } بقوله: لا ينبغي أن
~~يخفى عليك ذلك بعد أن عرفت أنه تعالى هو النور ولا نور سواه وإنه كل
~~الأنوار والنور الكلي لأن النور عبارة عما تنكشف به الأشياء وأعلى منه ما
~~تنكشف به وله ومنه وليس فوقه / نور منه اقتباسه واستمداده بل ذلك له في
~~ذاته لذاته لا من غيره، ثم عرفت أن هذا لا يتصف به إلا النور الأول، ثم
~~عرفت أن السموات والأرض مشحونة نورا من طبقتي النور أعني المنسوب إلى
~~البصر والمنسوب إلى البصيرة أي إلى الحسن والعقل كنور الكواكب وجواهر
~~الملائكة وكالأنوار المشاهدة المنبسطة على كل ما على الأرض وكأنوار
~~النبوة والقرآن إلى غير ذلك.

# وهذا منزع صوفي والصوفية لا يتحاشون من القول بأنه - سبحانه وتعالى عما
~~يقول الظالمون علوا كبيرا - هو الكل بل هو هو لا هوية لغيره إلا
~~بالمجاز ويقولون: لا إله إلا الله توحيد العوام ولا إله إلا هو توحيد
~~الخواص لأنه أتم وأخص وأشمل وأحق وأدق وأدخل لصاحبه في الفردانية المحضة
~~والوحدانية الصرفة، وقد قال بذلك الغزالي في «رسالته» المذكورة أيضا،
~~وأنت تعلم أنه مما لا يهتدي إليه بنور الاستدلال بل هو طور وراء طور
~~العقل لا يهتدى إليه إلا بنور الله عز وجل.

# وجوز بعض المحققين كون المراد من النور في الآية الموجود كأنه قيل: الله
~~موجد السموات والأرض، ووجه ذلك بأنه مجاز مرسل باعتبار لازم معنى النور
~~وهو الظهور في نفسه وإظهاره لغيره وقيل: هو استعارة والمستعار منه النور
~~بمعنى الظاهر بنفسه ms07319 المظهر لما سواه والمستعار له الواجب الوجود الموجد
~~لما عداه، وكون المراد به مفيض الإدراك ومعطيه مجازا مرسلا أو استعارة
~~والكلام على حذف مضاف أي نور أهل والسموات والأرض، وهذا قريب مما أخرجه
~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: الله نور السموات والأرض هادي
~~أهل السموات والأرض وهو وجه حسن، وجاء في رواية أخرى أخرجها ابن جرير
~~عنه رضي الله تعالى عنه أنه فسر النور بالمدبر فقال: الله نور السموات
~~والأرض يدبر الأمر فيهما، وروي ذلك عن مجاهد أيضا، وجعل ذلك بعضهم من
~~التشبيه البليغ.

# ووجه الشبه كون كل من التدبير والنور سبب الاهتداء إلى المصالح. وجوز أن
~~يكون هناك استعارة تصريحية. وتعقب بأن ذكر طرفي التشبيه وهو الله تعالى
~~والنور ينافي ذلك وأجيب بأن ذكرهما إنما ينافيه إذا كان على وجه ينبىء عن
~~التشبيه وكان كل من المشبه والمشبه به مذكورا بعينه وهنا لم يشبه الله
~~سبحانه بالنور بل شبه المدبر به وذكر جزئي يصدق عليه المشبه أو كلي يشمله
~~لا ينافي ذلك كما أشار إليه صاحب «الكشاف» في مواضع منه وصرح به أهل
~~المعاني، وقيل: المراد به المنزه من كل عيب، ومن ذلك قولهم: امرأة نوار
~~أي بريئة من الريبة بالفحشاء وهو من باب المجاز أيضا، وقيل: الكلام على
~~حذف مضاف كما في زيد كرم أي ذو نور، ويؤيده كما قيل قوله تعالى بعد {
~~مثل نوره } و { يهدى الله لنوره }. وقيل: نور بمعنى منور
~~وروي ذلك عن الحسن وأبي العالية والضحاك وعليه جماعة من المفسرين،
~~ويؤيده قراءة بعضهم { منور } وكذا قراءة علي كرم الله تعالى وجهه وأبي
~~جعفر وعبد العزيز المكي وزيد بن علي وثابت بن أبي حفصة والقورصي ومسلمة
~~بن عبد الملك وأبي عبد الرحمن السلمي وعبد الله بن عباس بن أبي ربيعة {
~~نور } فعلا ماضيا { والارض } بالنصب.

# وتنويره سبحانه السموات والأرض قيل بالشمس والقمر وسائر الكواكب ونسب
~~إلى الحسن ومن معه، وقيل: ms07320 تنوير السموات بالملائكة عليهم السلام وتنوير
~~الأرض بالأنبياء عليهم السلام والعلماء ونسب إلى أبي بن كعب، والتنوير
~~على الأول حسي وعلى الثاني عقلي.

# وقيل وهو الذي أختاره: تنويره سبحانه إياهما بما فيهما من الآيات
~~التكوينية / والتنزيلية الدالة على وجوده ووحدانيته وسائر صفاته عز وجل
~~والهادية إلى صلاح المعاش والمعاد.

# والجملة استئناف مسوق إما لتحقيق أن بيانه تعالى المأذن به قوله سبحانه:

# ولقد أنزلنا إليكم ءايت مبينت

# [النور: 34] الآية ليس مقصورا على ما ورد في هذه السورة الكريمة، وإما
~~لتقرير ما في القرآن الجليل من البيان، ويتأتى نحو هذا على بعض الأقوال
~~السابقة في بيان المراد بالنور وهو وجه قوي في مناسبة الآية لما قبلها
~~ولا يكاد يظهر مثله على بعض آخر منها. وذكر العلامة الطيبي في بيان
~~المناسبة كلاما فيه الغث والسمين إن أردته فارجع إليه.

# وتخصيص السموات والأرض بالذكر لأنهما المقر المعروف للمكلفين المحتاجين
~~لما يدلهما ويهديهما لما سبق. وقال العلامة البيضاوي بعد ذكر عدة
~~احتمالات في المراد بالنور: إن إضافته إليهما للدلالة على سعة إشراقه أو
~~لاشتمالهما على الأنوار الحسية والعقلية وقصور الإدراكات البشرية عليهما
~~وعلى المتعلق بهما والمدلول لهما، وقيل المراد بهما العالم كله كإطلاق
~~المهاجرين والأنصار على جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وتعقب بأن هذا
~~من إطلاق اسم البعض على الكل مجازا وقد اشترط في «التلويح» أن يكون الكل
~~مركبا تركيبا حقيقيا ولم يثبت في اللغة إطلاق الأرض على مجموع الأرض
~~والسماء والإنسان على الآدمي والسبع. وأجيب بأنه لا يتعين كونه مجازا
~~لجواز كونه كناية، ولو سلم فيما في «التلويح» غير مسلم أو هو أغلبي، فقد
~~ذكر الزمخشري في قوله تعالى:

# لا يخفى عليه شىء في الأرض ولا فى السماء

# [آل عمران: 5] أنه عبر عن جميع العالم بالسماء والأرض، وقال العلامة في
~~«شرحه»: إنه من إطلاق الجزء على الكل فالمعنى حينئذ الله نور العالم كله.

# { مثل نوره } أي أدلته سبحانه العقلية والسمعية في السموات
~~والأرض التي هدى بها من شاء إلى ما فيه صلاحه وحكي ms07321 هذا عن أبي مسلم
~~وينتظم ذلك القرآن انتظاما أوليا، وعن ابن عباس والحسن وزيد بن أسلم أن
~~المراد بالنور هنا القرآن كما يعرب عنه ما قبل من وصف آياته بالإنزال
~~والتبيين، وقد صرح بكونه نورا أيضا في قوله تعالى:

# وأنزلنا إليكم نورا مبينا

# [النساء: 174] وقيل المراد به الحق فقد جاء استعارة النور له كاستعارة
~~الظلمة للباطل في قوله سبحانه:

# الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمت
~~إلى النور

# [البقرة: 257] أي من أنواع الباطل إلى الحق ووجه الشبه الظهور، ومن
~~أمثالهم الحق أبلج، ويكفي ذلك في جواز الاستعارة ولا تتوقف على تحقق ما
~~في النور من معنى الإظهار في الحق، نعم إذا تحقق ذلك أيضا فهو نور على
~~نور لكن رجح ضعف تفسيره بما ذكر دون القرآن بأنه يأباه مقام بيان شأن
~~الآيات ووصفها بما ذكر من التبيين مع عدم سبق ذكر الحق.

# وفي «الكشف» المراد بالحق الذي فسر النور به ما يقابل الباطل وهو يتناول
~~التوحيد والشرائع وما دل عليه بدليل السمع والعقل، وليس المراد به كون
~~السموات والأرض دليلين على وجود فاطرهما بل ذلك أيضا داخل في عموم
~~اللفظ انتهى، ويضعف عليه أمر هذا التضعيف، وقيل المراد به الهدى الذي دل
~~عليه الآيات المبينات، وقيل: الهدى مطلقا، فقد أخرج ابن جرير وابن
~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عباس أنه
~~قال: مثل نوره مثل هداه في قلب المؤمن، وأخرج ابن جرير عن أنس قال: إن
~~إلهي يقول نوري هداي؛ وذكر بعضهم أن تفسيره بالهدى مختار الأكثرين وأن
~~تفسيره بالحق بالمعنى العام يوافقه، وقيل: المراد به المعارف والعلوم
~~التي أفاضها عز وجل على قلب المؤمن وإضافة ذلك إليه سبحانه لأنه مفاضه
~~تعالى، وعن أبي بن كعب والضحاك تفسيره بالإيمان الذي أعطاه سبحانه
~~المؤمن ووفقه إليه. / وجاء في بعض الروايات عن ابن عباس تفسيره بالطاعات
~~التي حلى بها جل شأنه قلب المؤمن فيشمل الإيمان وسائر الأعمال القلبية
~~الحميدة، وقيل المراد بنوره رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ms07322 وقد جاء إطلاق
~~النور عليه عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى:

# قد جاءكم من الله نور وكتب مبين

# [المائدة: 15] على قول، وقيل: غير ذلك مما ستعلمه إن شاء الله تعالى.

# والضمير على جميع هذه الأقوال راجع إليه تعالى كما هو الظاهر. وجوز رجوع
~~الضمير إلى المؤمن وروي ذلك عن عكرمة وهو إحدى الروايات وصححها الحاكم عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وروي أيضا عن أبي بن كعب بل أخرج عبد
~~بن حميد وابن الانباري في «المصاحف» عن الشعبي أنه قال قرأ أبي بن كعب
~~{ مثل نور المؤمن } وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن أبي العالية أن أبيا
~~قرأ { مثل نور من ءامن به } أو قال: { مثل من ءامن به }. وفي «البحر» روي
~~عن أبي أنه قرأ { مثل نور المؤمنين } وقيل: الضمير راجع إلى محمد صلى
~~الله عليه وسلم وروى ذلك جماعة عن ابن عباس عن كعب الأحبار، وحكاه أبو
~~حيان عن ابن جبير أيضا، وقيل: هو راجع إلى القرآن، وقيل: إلى الإيمان،
~~ولا يخفى أن رجوع الضمير إلى غير مذكور في الكلام إذا لم يكن في الكلام
~~ما يدل عليه أو كان لكن كانت دلالته عليه خفية خلاف الظاهر جدا لا سيما
~~إذا فات المقصود من الكلام على ذلك. والمراد بالمثل الصفة العجبية أي صفة
~~نوره سبحانه العجيبة الشأن.

# { كمشكاة } أي كصفتها في الإنارة والتنوير، وقال أبو حيان: أي كنور
~~مشكاة وهي الكوة غير النافذة كما قال ابن عباس وأبو مالك وابن جبير وسعيد
~~بن عياض والجمهور، وقال أبو موسى: هي الحديدة أو الرصاصة التي تكون فيها
~~الفتيلة في جوف الزجاجة وعن مجاهد أنها الحديدة التي يعلق بها القنديل
~~وهو كما ترى، والمعول عليه قول الجمهور، وعن ابن عطية أنه أصح الأقوال،
~~وعلى جميعها هو لفظ حبشي معرب كما قال ابن قتيبة والكلبي وغيرهما، وقيل:
~~رومي معرب، وقال الزجاج كما في «مجمع البيان»: يجوز أن يكون عربيا فيكون
~~مفعلة والأصل مشكوة فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وإلى ms07323 أن
~~أصل ألفها الواو ذهب ابن جني، واستدل عليه بأن العرب قد نحوا بها منحاة
~~الواو كما فعلوا بالصلاة.

# وقرأ الكسائي برواية الدوري بالإمالة.

# { فيها مصباح } سراج ضخم ثاقب، وقيل الفتيلة المشتعلة {
~~المصباح فى زجاجة } في قنديل من الزجاج الصافي الأزهر، وضم
~~الزاي لغة الحجاز وكسرها وفتحها لغة قيس، وبالفتح قرأ أبو رجاء ونصر بن
~~عاصم في رواية ابن مجاهد. وقرأ بعضهم بالكسر أيضا وكذا قرىء بهما في
~~قوله تعالى: { الزجاجة كأنها كوكب درى } مضيء متلألىء
~~كالزهرة في صفائه وزهرته منسوب إلى الدر فوزنه فعلي، وجوز أن يكون أصله
~~درىء بهمزة آخره كما قرأ به حمزة وأبو بكر فقلبت ياء وأدغمت في الياء
~~فوزنه فعيل وهو من الدرء بمعنى الدفع فإنه يدفع الظلام بضوئه أو يدفعه
~~بعض ضوئه بعضا من لمعانه، وجوز أن يكون من الدرء بمعنى الجري وليس بذاك
~~ومثله ما قيل إنه من درأ إذا طلع بغتة وفاجأ ولا يخفى على المتتبع أن
~~فعيلا قليل في كلامهم ففي «اللباب» فعيل غريب لا نظير له إلا مريق لحب
~~العصفر أو ما سمن من الخيل وعلية وسرية وذرية قاله أبو علي، وفي «البحر»
~~سمع أيضا مريخ للذي في داخل القرن اليابس وفيه لغتان ضم الميم وكسرها.
~~وقال الفراء: لم يسمع إلا مريق وهو أعجمي / وسيبويه عد ذلك من أبنية
~~العرب ولم يثبت بعضهم هذا الوزن أصلا.

# وقال أبو عبيد: أصل { دريء } دروء كسبوح فجعلت الضمة كسرة للاستثقال
~~والواو ياء لانكسار ما قبلها كما قالوا في عتو عتي فوزنه فعول وكذا
~~قيل في سرية وذرية، وجعل بعضهم سرية من السر وهو النكاح أو الإخفاء والضم
~~من تغييرات النسب فوزنه فعلية كما في «الصحاح»، والأخفش يرى أنه من
~~السرور وقد أبدلت الراء الأخيرة ياء وهو معهود في الفعل فقد قالوا: تسررت
~~جارية وتسريت كما قالوا: تظننت وتظنيت فوزنه على هذا كما قال الخفاجي
~~فعليلة، وجعل بعضهم ذرية نسبة إلى الذر على غير القياس لإخراجهم كالذر من
~~ظهر آدم عليه السلام.

# وقرأ قتادة ms07324 وزيد بن علي والضحاك { دري } بفتح الدال، وروي ذلك عن نصر بن
~~عاصم وأبي رجاء وابن المسيب.

# وقرأ الزهري { دري } بكسر الراء وقرأ أبو عمرو والكسائي دريء بالكسرة
~~والهمزة آخره، وهو بناء كثير في الأسماء نحو سكين وفي الأوصاف نحو سكير.
~~وقرأ قتادة أيضا وأبان بن عثمان وابن المسيب وأبو رجاء وعمرو بن قائد
~~والأعمش ونصر بن عاصم { دريء } بالهمز وفتح الدال، قال ابن جني: وهذا
~~عزيز لم يحفظه منه إلا السكينة بفتح السين وشد الكاف في لغة حكاها أبو
~~زيد وقرء { دءري } بتقديم الهمزة ساكنة على الراء وهي من نادر الشواذ.

# وفي إعادة المصباح والزجاجة معرفين إثر سبقهما منكرين والإخبار عنهما
~~بما بعدهما مع انتظام الكلام بأن يقال: كمشكاة فيها مصباح في زجاجة كأنها
~~كوكب دري من تفخيم شأنهما ورفع مكانتهما بالتفسير إثر الإبهام والتفصيل
~~بعد الإجمال وبإثبات ما بعدهما لهما بطريق الإخبار المنبىء عن القصد
~~الأصلي دون الوصف المنبىء عن الإشارة إلى الثبوت في الجملة ما لا يخفى.
~~والجملة الأولى في محل الرفع على أنها صفة لمصباح والجملة الثانية في محل
~~الجر على أنها صفة لزجاجة واللام مغنية كما في «مجمع البيان» و«إرشاد
~~العقل السليم» عن الرابط كأنه قيل: فيها مصباح هو في زجاجة هي كأنها كوكب
~~دري.

# { يوقد من شجرة } أي يبتدأ إيقاد المصباح من شجرة {
~~مبركة } أي كثيرة المنافع بأن رويت ذبالته بزيتها، وقيل إنما
~~وصفت بالبركة لأنها تنبت في الأرض التي بارك الله تعالى فيها للعالمين،
~~وقيل بارك فيها سبعون نبيا منهم إبراهيم عليه السلام { زيتونة }
~~بدل من { شجرة } وقال أبو علي: عطف بيان عليها وهو مبني على مذهب
~~الكوفيين من تجويزهم عطف البيان في النكرات، وأما البصريون فلا يجوزونه
~~إلا في المعارف. وفي إبهام الشجرة ووصفها بالبركة ثم الإبدال عنها أو
~~بيانها تفخيم لشأنها، وقد جاء في الحديث مدح الزيت لأنه منها، أخرج عبد
~~بن حميد في «مسنده» والترمذي وابن ماجه عن عمر رضي الله تعالى عنه أن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms07325 قال:

# " ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة "

# وأخرج البيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها ذكر عندها الزيت
~~فقالت:

# " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أن يؤكل ويدهن ويسعط به ويقول
~~إنه من شجرة مباركة "

# وهو في حد ذاته ممدوح، ففي الحديث أنه مصحة من الباسور وذكر له الأطباء
~~منافع كثيرة، وكان صلى الله عليه وسلم يأكل الخبز به وأكل عليه الصلاة
~~والسلام اللسان مطبوخا بالشعير وفيه الزيت والتوابل فليحفظ.

# وقرى الأخوان وأبو بكر والحسن وزيد بن علي وقتادة وابن وثاب وطلحة وعيسى
~~والأعمش { توقد } بالتاء المثناة من فوق مضارع أوقدت مبنيا للمفعول على
~~أن الضمير القائم مقام الفاعل للزجاجة وإسناد الفعل إليها قيل على سبيل
~~المبالغة، وقيل هو / بتقدير مضاف أي مصباحها وقرأ الحسن والسلمي وقتادة
~~أيضا وابن محيصن وسلام ومجاهد وابن أبي إسحاق والمفضل عن عاصم { توقد }
~~بالتاء الفوقية أيضا مضارع توقد وأصله تتوقد بتاءين فخفف بحذف أحدهما.

# وذكر الخفاجي أنها قراءة أبي عمرو وابن كثير والإسناد فيها للزجاجة على
~~ما مر. وقرأ السلمي وقتادة وسلام أيضا { يوقد } بالياء التحتية على أنه
~~مضارع توقد أيضا، وجاء كذلك عن الحسن وابن محيصن، وأصله يتوقد أي
~~المصباح فحذفت التاء وهو غير معروف مع الياء وإنما المعروف هو الحذف عند
~~اجتماع التاءين المتماثلين. ووجه ذلك على ما قال ابن جني أنه شبه فيه حرف
~~مضارعة بحرف مضارعة يعني الياء بالتاء فعومل معاملته كما شبهت التاء
~~والنون في تعد ونعد بياء يعد فحذف الواو معهما كما حذفت فيه لوقوعها بين
~~ياء وكسرة. وقرىء { توقد } بالتاء من فوق على صيغة الماضي من التفعل
~~والضمير للمصباح أي ابتداء توقد المصباح من شجرة.

# { لا شرقية ولا غربية } أي ضاحية للشمس لا يظلها جبل
~~ولا شجر ولا يحجبها عنها شيء من حين تطلع إلى أن تغرب وذلك أحسن لزيتها،
~~وروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والكلبي وهو تفسير بلازم المعنى
~~أعني به كونها بين الشرق والغرب. وعن ابن زيد أي ms07326 ليست من شجر الشرق ولا
~~من شجر الغرب لأن ما اختص بإحدى الجهتين كان أقل زينا وأضعف ضوأ لكنها
~~من شجر الشام وهي ما بين المشرق والمغرب وزيتونها أجود ما يكون، وقال أبو
~~حيان في «تذكرته»: المعنى ليست في مشرقة أبدا أي في موضع لا يصيبه ظل
~~وليست في مقناة أبدا أي في موضع لا تصيبه الشمس، وحاصله ليست الزيتونة
~~تصيبها الشمس خاصة ولا الظل خاصة ولكن يصيبها هذا في وقت وهذا في وقت،
~~وقال الفراء والزجاج: المعنى لا شرقية فقط ولا غربية فقط لكنها شرقية
~~غربية أي تصيبها الشمس عند طلوعها وغروبها، وأنت تعلم أنه لا بد من تقدير
~~قيد فقط بعد كل من شرقية وغربية كما سمعت ليتوجه النفي إليه فيفيد
~~التركيب اجتماع الأمرين وإلا فظاهره نفيهما، وعن «المطلع» أن هذا كقول
~~الفرزدق:

# بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم

# ولم تكثر القتلى بها حين سلت

# إذ معناه شاموا سيوفهم وأكثروا بها القتلى، وتعقبه في «الكشف» بأنه لا
~~استدلال بالبيت على ذلك لجواز أن يريد لم يشيموا غير مكثري القتلى على
~~الحال وإفادته المعنى المذكور واضحة حينئذ، وعن ابن عباس أنها في دوحة
~~أحاطت بها فليست منكشفة لا من جهة الشرق ولا من جهة الغرب، وتعقب بأن هذا
~~لا يصح عن ابن عباس لأنها إذا كانت بهذه الصفة فسد جناها، وعن الحسن أن
~~هذا مثل وليست من شجر الدنيا إذ لو كانت في الدنيا لكانت شرقية أو غربية،
~~وعن عكرمة أنها من شجرة الجنة ولعله إنما جزم بذلك لما ذكر الحسن ولا
~~يخفى ما فيه، وقرأ الضحاك { لا شرقية ولا غربية } بالرفع
~~أي هي لا شرقية ولا غربية.

# وقال أبو حيان: أي لا هي شرقية ولا غربية، ولعل ما ذكرنا أولى، والجملة
~~في موضع الصفة لزيتونة.

# { يكاد زيتها يضىء ولو لم تمسسه نار } أي هو في
~~الصفاء والإنارة بحيث يكاد يضيء بنفسه من غير مساس نار أصلا، وكلمة {
~~لو } في أمثال هذه المواقع ليست لبيان انتفاء الشيء لانتفاء غيره في ms07327
~~الزمان الماضي فلا يلاحظ لها جواب قد حذف ثقة بدلالة ما قبلها عليه
~~ملاحظة قصدية إلا عند القصد إلى بيان الإعراب على القواعد الصناعية بل هي
~~لبيان تحقق ما يفيده الكلام السابق من الحكم الموجب أو المنفي على كل حال
~~/ مفروض من الأحوال المقارنة له إجمالا بإدخالها على أبعدها منه، والواو
~~الداخلة عليها لعطف الجملة المذكورة على جملة محذوفة مقابلة لها عند
~~الجزولي ومن وافقه، ومجموع الجملتين في حيز النصب على الحالية من المستكن
~~في الفعل الموجب أو المنفي، وتقدير الآية الكريمة: يكاد زيتها يضىء لو
~~مسته نار ولو لم تمسسه نار أي يضىء كائنا على كل حال من وجود شرط
~~الإضاءة وعدمه، وحذفت الجملة الأولى حسبما هو المطرد في الباب ثقة بدلالة
~~الثانية عليها دلالة واضحة.

# وقال الزمخشري: الواو للحال ومقتضاه أن { لو } مع ما بعدها حال
~~فالتقدير والحال لو كان أو لو لم يكن كذا أي مفروضا ثبوته أو انتفاؤه،
~~لكن الزمخشري ومثله المرزوقي يقدر ولو كان الحال كذا. وتعقب ذلك بأن
~~أدوات الشرط لا تصلح للحالية لأنها تقتضي عدم التحقق والحال يقتضي خلافه،
~~والتزم لذلك أنه انسلخ عنها الشرطية وأنها مؤولة بالحال كما أن الحال
~~تكون في معنى الشرط نحو لأفعلنه كائنا ما كان أي إن كان هذا أو غيره
~~ولذا لا تحتاج إلى الجزاء أصلا، وإنما قدر الحال بعد لو على ما قيل:
~~إشارة إلى أنه قصد إلى جعل الجملة حالا قبل دخول الشرط المنافي له ثم
~~دخلت { لو } تنبيها على أنها حال غير محققة؛ واعترض الرضي القول بأنها
~~عاطفة بأنه لو كان كذلك لوقع التصريح بالمعطوف عليه في الاستعمال وليس
~~كذلك وذهب إلى أنها اعتراضية. ويجوز الاعتراض في آخر الكلام والمقصود منه
~~التأكيد. وأجيب عن اعتراضه بأن ظهور ترتب الجزاء على المعطوف عليه أغنى
~~عن ذكره حتى كان ذكره تكرارا، وبالجملة الذي عطف عليه الأكثرون وارتضوه
~~كونها عاطفة، وبجعل مجموع الجملتين في موضع الحال على ما سمعت يندفع ما
~~يتوهم من أن كاد تنافي اعتبار ms07328 العطف هنا فتأمل.

# وقرأ ابن عباس والحسن { يمسسه } بالياء التحتية وحسنه الفصل وكون الفاعل
~~غير حقيقي التأنيث.

# { نور على نور } أي هو نور عظيم كائن على نور على أن يكون {
~~نور } خبر مبتدأ محذوف والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة له مؤكدة
~~لما أفاده التنكير من الفخامة، والجملة فذلكة للتمثيل وتصريح بما حصل منه
~~وتمهيد لما يعقبه فالمراد من الضمير النور الذي مثلت صفته العظيمة الشأن
~~بما سمعت لا النور المشبه به وحمله عليه لا يليق كما قيل بشأن التنزيل
~~الجليل، وليس معنى كونه نورا فوق نور أنه نور واحد معين أو غير معين فوق
~~نور آخر مثله ولا أنه مجموع نورين اثنين فقط بل إنه نور متضاعف من غير
~~تحديد لتضاعفه بحد معين وتحديد مراتب تضاعف ما مثل به من نور المشكاة بما
~~ذكر لكونه أقصى مراتب تضاعفه عادة فإن المصباح إذا كان في مكان متضايق
~~كالمشكاة كان أضوأ له وأجمع لنوره بسبب انضمام الشعاع المنعكس منه إلى
~~أصل الشعاع بخلاف المكان المتسع فإن الضوء ينبث فيه وينتشر والقنديل أعون
~~شيء على زيادة الإنارة وكذلك الزيت وصفاؤه وليس وراء هذه المراتب مما
~~يزيد نورها إشراقا ويمده بإضاءة مرتبة أخرى عادة.

# والظاهر عندي أن التشبيه الذي تضمنته الآية الكريمة من تشبيه المعقول
~~وهو نوره تعالى بمعنى أدلته سبحانه لكن من حيث إنها أدلة أو القرآن أو
~~التوحيد والشرائع وما دل عليه بدليل السمع والعقل أو الهدى أو نحو ذلك
~~بالمحسوس وهو نور المشكاة المبالغ في نعته وأنه ليس في المشبه به أجزاء
~~ينتزع منها الشبه ليبنى عليه أنه مركب أو مفرق، وذكر أنه إذا كان المراد
~~تشبيه النور بمعنى الهدى الذي دلت عليه الآيات المبينات / فهو من التشبيه
~~المركب العقلي وقد شبه فيه الهيئة المنتزعة بأخرى فإن النور وإن كان لفظه
~~مفردا دال على متعدد وكذا إذا كان المراد تشبيه ما نور الله تعالى به
~~قلب المؤمن من المعارف والعلوم بنور المشكاة المنبث فيها من مصباحها، وفي
~~«الحواشي الطيبة الطيبية» ms07329 بعد اختيار أن المراد بالنور الهداية بوحي
~~ينزله ورسول يبعثه ما هو ظاهر في أن التشبيه من التشبيه المفرق بل صرح
~~بذلك أخيرا، واستدل عليه بأن التكرير في الآية يستدعي ذلك وقد أطال
~~الكلام في هذا المقام، ومنه أن المشبهات المناسبة على هذا المعنى صدر
~~الرسول صلى الله عليه وسلم وقلبه الشريف واللطيفة الربانية فيه والقرآن
~~وما يتأثر منه القلب عند استمداده. والتفصيل أنه شبه صدره عليه الصلاة
~~والسلام بالمشكاة لأنه كالكوة ذو وجهين فمن وجد يقتبس النور من القلب
~~المستنير ومن آخر يفيض ذلك النور المقتبس على الخلق وذلك لاستعداده
~~بانشراحه مرتين مرة في صباه وأخرى عند إسرائه قال الله تعالى:

# أفمن شرح الله صدره للإسلم فهو على نور من
~~ربه

# [الزمر: 22] وهذا تشبيه صحيح قد اشتهر عن جماعة من المفسرين، روى محي
~~السنة عن كعب هذا مثل ضربه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم المشكاة
~~صدره والزجاجة قلبه والمصباح فيه النبوة والشجرة المباركة شجرة النبوة،
~~وروى الإمام عن بعضهم أن المشكاة صدر محمد عليه الصلاة والسلام والزجاجة
~~قلبه والمصباح ما في قلبه من الدين، وفي «حقائق السلمي» عن أبي سعيد
~~الخراز المشكاة جوف محمد صلى الله عليه وسلم والزجاجة قلبه الشريف
~~والمصباح النور الذي فيه، وشبه قلبه صلوات الله تعالى وسلامه عليه
~~بالزجاجة المنعوتة بالكوكب الدري لصفائه وإشراقه وخلوصه عن كدورة الهوى
~~ولوث النفس الأمارة وانعكاس نور اللطيفة إليه. وشبهت اللطيفة القدسية
~~المزهرة في القلب بالمصباح الثاقب. أخرج الإمام أحمد في «مسنده» عن أبي
~~سعيد الخدري قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القلوب أربعة قلب أجود فيه مثل
~~السراج يزهر  وفيه  أما القلب الأجود فقلب المؤمن سراجه فيه نوره "

# الحديث، وشبه نفس القرآن بالشجرة المباركة لثبات أصلها وتشعب فروعها
~~وتأديها إلى ثمرات لا نهاية لها قال الله تعالى:

# كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها
~~فى السماء * تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها

# [إبراهيم: 24-25] الآية. وروى محي السنة عن الحسن وابن زيد الشجرة
~~المباركة ms07330 شجرة الوحي يكاد زيتها يضىء تكاد حجة القرآن تتضح وإن لم تقرأ.
~~وشبه ما يستمده نور قلبه الشريف صلوات الله تعالى وسلامه عليه من القرآن
~~وابتداء تفويته منه بالزيت الصافي قال الله تعالى:

# وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت
~~تدرى ما الكتب ولا الإيمن ولكن جعلنه
~~نورا نهدى به من نشآء من عبادنا

# [الشورى: 52] فكما جعل سبحانه القرآن سبب توقده منه في قوله تعالى: {
~~يوقد من شجرة مبركة } جعل ضوءه مستفادا من انعكاس نور
~~اللطيفة إليه في قوله عز وجل: { ولو لم تمسسه نار }.

# والمعنى على ما ذكر في «إنسان العين» يكاد سر القرآن يظهر للخلق قبل
~~دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه مسحة من معنى قوله:

# رق الزجاج ورقت الخمر

# فتشابها وتشاكل الأمر

# فكأنما خمر ولا قدح

# وكأنما قدح ولا خمر

# ومنه وصفت الشجرة بكونها لا شرقية ولا غربية وعن ابن عباس تشبيه فؤاده
~~صلى الله عليه وسلم بالكوكب الدري وأن الشجرة المباركة إبراهيم عليه
~~السلام. ومعنى لا شرقية ولا غربية أنه ليس بنصراني فيصلي نحو المشرق ولا
~~يهودي فيصلي نحو المغرب. والزيت الصافي دين إبراهيم عليه السلام، وقد
~~يقال على تفريق التشبيه لكن / على مشرع آخر شبه القرآن بالمصباح على ما
~~سبق ونفسه صلى الله عليه وسلم الزكية الطاهرة بالشجرة لكونها نابتة من
~~أرض الدين متشعبة فروعها إلى سماء الإيمان متدلية أثمارها إلى فضاء
~~الإخلاص والإحسان وذلك لاستقامتها بمقتضى قوله تعالى:

# فاستقم كما أمرت

# [هود: 112] غير مائلة إلى طرفي الإفراط والتفريط وذلك معنى قوله تعالى:
~~{ لا شرقية ولا غربية } ويشبه ما محض من تلك الثمرات بعد
~~التصفية التامة للتهيئة وقبول الآثار بالزيت الصافي لوفور قوة استعدادها
~~للاستضاءة للدهنية القابلة للاشتعال، ومن ثم خصت شجرة الزيتون لأن لب
~~ثمرتها الزيت الذي تشتعل به المصابيح، وخص هذا الدهن لمزيد إشراقه مع قلة
~~الدخان يكاد زيت استعداده صلوات الله تعالى وسلامه عليه لصفائه وزكائه
~~يضىء ولو لم يمسسه نور القرآن، روى البغوي عن محمد بن كعب القرظي تكاد ms07331
~~محاسن محمد صلى الله عليه وسلم تظهر للناس قبل أن يوحى إليه، قال ابن
~~رواحة:

# لو لم يكن فيه آيات مبينة

# كانت بداهته تنبيك عن خبره

# وفي «حقائق السلمي» ثمل نوره في عبده المخلص والمشكاة القلب والمصباح
~~النور الذي قذف فيه والمعرفة تضىء في قلب العارف بنور التوفيق يوقد من
~~شجرة مباركة يضىء على شخص مبارك تتبين أنوار باطنه على آداب ظاهره وحسن
~~معاملته زيتونه لا شرقية ولا غربية جوهرة صافية لا لها حظ في الدنيا ولا
~~في الآخرة لاختصاصها بموالاة العزيز الغفار وتفردها بالفرد الجبار إلى
~~غير ذلك، وجعل بعضهم التشبيه من المركب الوهمي بناء على أن المراد من
~~النور المشبه الهدى من حيث إنه محفوف بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم. وكان
~~الظاهر على هذا دخول الكاف على المصباح دون المشكاة المشتملة عليه، ومن
~~هنا قيل إن في الآية قلبا، ووجه بعضهم دخولها على المشكاة بأن المشتمل
~~مقدم على المشتمل عليه في رأي العين فقدم لفظا ودخل الكاف عليه رعاية
~~لذلك، وقيل إنه على هذا أيضا تشبيه مفرق لأنه شبه الهدى بالمصباح
~~والجهالات بظلم استلزمتها وهو كما ترى.

# ومن الناس من جعل التشبيه مفرقا لكن بنى كلامه على ما أسسه الفلاسفة
~~فجعل النور المشبه ما منح الله تعالى به عباده من القوى الخمس الدراكة
~~المترتبة التي نيط بها المعاش وهي القوة الحساسة أعني الحس المشترك الذي
~~يدرك المحسوسات بجواسيس الحواس الخمس الظاهرة والقوة الخيالية التي تحفظ
~~صور تلك المحسوسات لتعرضها على القوة العقلية متى شاء والقوة العقلية
~~المدركة للحقائق الكلية والقوة الفكرية التي تأخذ المعارف العقلية
~~فتؤلفها على وجه يحصل به العلم بالمجهولات والقوة القدسية التي يختص بها
~~الأنبياء والأولياء وتنجلي فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت، وجعل ما في
~~حيز الكاف عبارة عن أمور شبه بكل منها واحد من هذه الخمس فقال: شبهت
~~القوة الحساسة بالمشكاة من حيث إن محلها تجويف في مقدم الدماغ كالكوة تضع
~~فيه الحواس الظاهرة ما تحس به وبذلك يضىء، وشبهت القوة الخيالية بالزجاجة
~~من حيث ms07332 أنها تقبل الصور المدركة من الجوانب كما تقبل الزجاجة الأنوار
~~الحسية من الجوانب ومن حيث إنها تضبط الأنوار العقلية وتحفظها كما تحفظ
~~الزجاجة الأنوار الحسية، ومن حيث أنها تستنير بما يشتمل عليها من
~~المعقولات، وشبهت القوة العقلية بالمصباح لإضاءتها بالإدراكات والمعارف
~~وشبهت القوة الفكرية بالشجرة المباركة من حيث إنها تؤدي إلى نتائج كثيرة
~~هي بمنزلة ثمرات الشجرة، واعتبرت زيتونة لأن لها فضيلة على سائر الأشجار
~~من حيث أن لب ثمرتها / هو الزيت الذي له منافع جمة، منها أنه مادة
~~المصابيح والأنوار الحسية وله من بين سائر الأدهان خاصية زيادة الإشراق
~~وقلة الدخان، واعتبار وصف { لا شرقية ولا غربية } في
~~جانب المشبه من حيث أن القوة الفكرية مجردة عن اللواحق الجسمية أو من حيث
~~إن انتفاعها ليس مختصا بجانب الصور ولا بجانب المعاني، وشبهت القوة
~~القدسية بالزيت الذي يكاد يضىء من غير أن تمسسه نار من حيث إنها لكمال
~~صفائها وشدة استعدادها لا تحتاج إلى تعليم أو تفكر.

# واعترض بأن حق النظم الكريم على هذا أن يقال: مثل نوره كمشكاة وزجاجة
~~ومصباح وشجرة مباركة زيتونة وزيت يكاد يضىء ولو لم تمسسه نار حتى يفيد
~~تشبيه كل واحد بكل واحد. وأجيب بأنه لما كان كل من هذه الحواس يأخذ ما
~~يدركه مما قبله كما يأخذ المظروف من ظرفه أشار سبحانه إلى ذلك بأداة
~~الظرفية دلالة على بديع صنعه سبحانه وحكمته جل شأنه.

# وجوز أن يراد تشبيه النور المراد به القوة العقلية للنفس بمراتبها بذلك
~~ومراتبها أربع، الأولى: أن تكون النفس خالية عن جميع العلوم الضرورية
~~والنظرية مستعدة لها كما في مبدأ الطفولية وتسمى القوة العقلية في هذه
~~المرتبة بالعقل الهيولاني لأنها كالهيولى في أنها في ذاتها خالية عن جميع
~~الصور قابلة لها، وثانيتها: أن تستعمل آلاتها أي الحواس مطلقا فيحصل لها
~~علوم أولية، وتستعد لاكتساب علوم نظرية وتسمى القوة المذكورة في هذه
~~المرتبة عقلا بالملكة لحصول ملكة الانتقال إلى النظريات لها بسبب تلك
~~الأوليات، وثالثتها: أن تصير النظريات مخزونة عندها وتحصل لها ms07333 ملكة
~~استحضارها متى شاءت من غير تجشم كسب جديد وتسمى تلك القوة في هذه المرتبة
~~عقلا بالفعل لحصول تلك العلوم لها بالقوة القريبة من الفعل، ورابعتها:
~~أن ترتب العلوم الأولية وتدرك العلوم النظرية مشاهدة إياها بالفعل وتسمى
~~تلك القوة في هذه المرتبة عقلا مستفادا لاستفادتها من العقل الفعال
~~فشبهت القوة بالمرتبة الأولى بالمشكاة الخالية في بدء الأمر عن الأنوار
~~الحسية المستعدة للاستنارة بها وبالمرتبة الثانية بالزجاجة المتلألئة في
~~نفسها القابلة للأنوار الفائضة عليها من النير الخارجي وبالمرتبة الثالثة
~~بالمصباح الذي اشتعلت فتيلته المشبعة من الزيت وبالمرتبة الرابعة بالنور
~~المتضاعف المشار إليه بقوله تعالى: { نور على نور }.

# والشيخ ابن سينا بعد أن بين المراتب حمل مفردات التنزيل عليها، وحقق في
~~«المحاكمات» وجه الترتيب فيها حيث جعل الزجاجة في المشكاة والمصباح في
~~الزجاجة بأن هناك استعدادا محضا كما في المرتبة الأولى واستعداد اكتساب
~~كما في المرتبة الثانية واستعداد استحضار كما في المرتبة الثالثة ولا شك
~~أن استعداد الاكتساب بحسب الاستعداد المحض واستعداد الاستحضار بحسب
~~استعداد الاكتساب فتكون الزجاجة التي هي عبارة عن العقل بالملكة كأنما هي
~~في المشكاة التي هي عبارة عن العقل الهيولاني والمصباح وهو العقل بالفعل
~~في الزجاجة التي هي العقل بالملكة لأنه إنما يحصل باعتبار حصول العقل
~~أولا وحيث إن العقل بالملكة إنما يخرج من القوة إلى الفعل بالفكر أو
~~بالحدس أو بالقوة القدسية أشير إلى الفكر بالشجرة الزيتونة وإلى الحدس
~~بالزيت وإلى القوة القدسية بيكاد زيتها يضىء؛ ودفع ما يظهر من عدم انطباق
~~ما ذكر على النظم الجليل لأنه وصف فيه الشجرة بما سمعت من الصفات، وهذه
~~أمور متباينة لا يجوز وصف أحدها بالآخر بأن الشجرة الزيتونة شيء واحد
~~فإذا ترقت في أطوارها حصل لها زيت إذا ترقى وصفا كاد يضىء؛ وكذلك
~~الاكتساب قوة نفسية هي فكرة فإذا ترقت كانت حدسا، ثم قوة قدسية فهي وإن
~~كانت متباينة ترجع إلى شيء واحد كالشجرة / وذكر أن قوله تعالى: { لا
~~شرقية ولا غربية } إشارة إلى أنها ليست من عالم الحس ms07334 الذي
~~لا يخلو عن أحد الأمرين، ولا يخفى عليك أن هذا مع تكلفه وابتنائه على ما
~~أسسه الفلاسفة الذين هم في عمى عن نور الشريعة ولله تعالى در من قال
~~فيهم:

# قطعت الإخوة عن معشر

# بهم مرض من كتاب «الشفا»

# فماتوا على دين أرسطالس

# وعشنا على سنة المصطفى

# لا يناسب المقام ولا ينتظم معه أطراف الكلام، وفيه ما يقتضي أن قوله
~~تعالى: { نور على نور } داخل في التمثيل وفيه خلاف، ثم أعلم أنه
~~يعلم بمعونة ما ذكرنا حال التشبيه على سائر الأقوال في المراد بالنور،
~~ولعل ما ذكرناه فيه أتم نورا وأشد ظهورا والله تعالى أعلم بحقائق
~~الأمور،

# ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور

# [النور: 40].

# { يهدى الله لنوره } أي يهدي سبحانه هداية خاصة موصلة إلى
~~المطلوب حتما لذلك النور المتضاعف العظيم الشأن، وإظهاره في مقام
~~الإضمار لزيادة تقريره وتأكيد فخامته الذاتية بفخامته الإضافية الناشئة
~~من إضافته إلى ضميره عز وجل { من يشآء } هدايته من عباده بأن يوفقهم
~~سبحانه لفهم وجوه دلالة الأدلة العقلية والسمعية التي نور بها السموات
~~والأرض على وجه ينتفعون به أو بأن يوفقهم لفهم ما في القرآن من دلائل
~~حقيته وكونه من عنده عز وجل من الإعجاز والإخبار عن الغيب وغير ذلك من
~~موجبات الإيمان وفيه احتمالات أخر بحسب ما في النور من الأقوال، وأيا ما
~~كان ففيه إيذان بأن مناط هذه الهداية وملاكها ليس إلا مشيئته تعالى وأن
~~إظهار الأسباب بدونها بمعزل عن الإفضاء إلى المطالب:

# إذا لم يك التوفيق عونا لطالب

# طريق الهدى أعيت عليه مطالبه

# { ويضرب الله الأمثال للناس } في تضاعيف الهداية حسبما
~~يقتضيه حالهم فإن لضرب المثل دخلا عظيما في باب الإرشاد لأنه إبراز
~~للمعقول في هيئة المحسوس وتصوير لأوابد المعاني بصورة المأنوس ولذلك مثل
~~جل وعلا نوره المراد به ما يشمل القرآن أو القرآن المبين فقط بنور
~~المشكاة. وإظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار على ما في «إرشاد العقل
~~السليم» للإيذان باختلاف [حال] ما أسند إليه تعالى من ms07335 الهداية الخاصة
~~وضرب الأمثال الذي هو من قبيل الهداية العامة كما يفصح عنه تعليق الأولى
~~بمن شاء والثانية بالناس كافة.

# { والله بكل شيء عليم } معقولا كان أو محسوسا ظاهرا كان
~~أو باطنا ومن قضيته أن تتعلق مشيئته تعالى بهداية من يليق بها ويستحقها
~~من الناس دون من عداهم لمخالفته الحكمة التي هي مبني التكوين والتشريع
~~وأن تكون هدايته سبحانه العامة على فنون مختلفة وطرائق شتى حسبما تقتضيه
~~أحوالهم وتقوم به الحجة له تعالى عليهم، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما
~~قبله، وقيل جىء بها لوعد من تدبر الأمثال ووعيد من لم يكترث بها، وقيل
~~لبيان أن فائدة ضرب الأمثال التي هي التوضيح إنما هي للناس وليس بذاك.
~~وإظهار الاسم الجليل لتأكيد استقلال الجملة والإشعار بعلة الحكم، وبما
~~ذكر آنفا من اختلاف حال المحكوم به ذاتا وتعلقا.

### || [24.36-37]

# { فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه
~~يسبح له فيها بالغدو والأصال * رجال } الخ استئناف
~~لبيان حال من حصلت لهم الهداية لذلك النور وذكر بعض أعمالهم القلبية
~~والقالبية، فالجار والمجرور  أعني / متعلق قوله تعالى: { فى بيوت }
~~ب { يسبح } وفيها تكرير، لذلك جىء به للتأكيد والتذكير بما بعد في
~~الجملة، وللإيذان بأن التقديم للاهتمام دون الحصر، ومثل ما ذكر في
~~التكرير للتأكيد قوله تعالى:

# ففى رحمة الله هم فيها خلدون

# [آل عمران:107] وقولك مررت بزيد به، وبعض النحاة أعرب نحو ذلك بدلا كما
~~في «شرح التسهيل»، وفي «المغني» هو من توكيد الحرف بإعادة ما دخل عليه
~~مضمرا وليس الجار والمجرور توكيدا للجار والمجرور لأن الظاهر لكونه
~~أقوى لا يؤكد بالضمير، وليس المجرور بدلا بإعادة الجار لأنه لا يبدل
~~مضمر من مظهر وإنما جوزه بعض النحاة قياسا، وأنت تعلم أن ما ذكر غير
~~وارد لأن المجموع بدل أو توكيد، وأتى بالظاهر هربا من التكرار، و {
~~رجال } فاعل { يسبح } وتأخيره عن الظروف لأن في وصفه نوع طول فيخل
~~تقديمه بحسن الانتظام وقال الرماني { فى بيوت } متعلق ب

# يوقد

# [النور: 35]، وقال الحوفي: متعلق بمحذوف وقع صفة ms07336 ل

# مشكاة

# [النور:35]، وقيل هو صفة لمصباح، وقيل صفة لزجاجة، وهو على هذه الأقوال
~~الأربعة تقييد للممثل به للمبالغة فيه، والتنوين في الموصوف للنوعية لا
~~للفردية لينافي ذلك جمع البيوت. وأورد على ما ذكر أن شيئا منه لا يليق
~~بشأن التنزيل الجليل كيف لا وأن ما بعد قوله تعالى:

# ولو لم تمسسه نار

# [النور: 35] على ما هو الحق أو بعد قوله سبحانه: { نور على نور
~~} على ما قيل إلى قوله تعالى:

# بكل شىء عليم

# [النور: 35] كلام متعلق بالممثل قطعا فتوسيطه بين أجزاء التمثيل مع
~~كونه من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه بالأجنبي يؤدي إلى كون ذكر حال
~~المنتفعين بالتمثيل المهديين لنوره تعالى بطريق الاستتباع والاستطراد مع
~~كون بيان حال أضدادهم مقصودا بالذات ومثل هذا مما لا عهد به في كلام
~~الناس فضلا أن يحمل عليه الكلام المعجز. وتعقبه الخفاجي بأنه زخرف من
~~القول إذ لا فصل فيه وما قبله إلى هنا من المثل، والظاهر عندي أن التمثيل
~~قد تم عند قوله تعالى:

# ولو لم تمسسه نار

# [النور: 35] وقيل هو متعلق بسبحوا أو نحوه محذوفا وتلك الجملة على ما
~~قيل مترتبة على ما قبلها وترك الفاء للعلم به كما في نحو قم يدعوك،
~~ومنعوا تعلقه بيذكر لأنه من صلة (أن) فلا يعمل فيما قبله، والمراد
~~بالبيوت المساجد كلها كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة
~~ومجاهد.

# وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أنه قال: إنما هي أربع مساجد لم يبنهن
~~إلا نبي، الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وبيت المقدس بناه
~~داود وسليمان عليهما السلام ومسجد المدينة ومسجد قباء بناهما رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم. وعن الحسن أن المراد بها بيت المقدس والجمع من حيث
~~أن فيه مواضع يتميز بعضها عن بعض وهو خلاف الظاهر جدا. وأخرج ابن مردويه
~~عن أنس بن مالك وبريدة قال:

# " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه الآية { فى بيوت } الخ
~~فقام إليه عليه الصلاة والسلام رجل فقال أي بيوت ms07337 هذه يا رسول الله؟ فقال
~~صلى الله عليه وسلم بيوت الأنبياء عليهم السلام فقام إليه أبو بكر رضي
~~الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله هذا البيت منها - لبيت علي وفاطمة رضي
~~الله تعالى عنهما - قال: نعم من أفاضلها "

# وهذا إن صح لا ينبغي العدول عنه. وقال أبو حيان ((الظاهر أنها مطلقة
~~تصدق على المساجد والبيوت التي تقع فيها الصلاة والعلم)) وجوز أن يراد
~~بها صلاة المؤمنين أو أبدانهم بأن تشبه صلاتهم الجامعة للعبادات القولية
~~والفعلية أو أبدانهم المحيطة بالأنوار بالبيوت المذكورة  أعني المساجد 
~~ثم يستعار اسمها لذلك. وتعقب بأنه لا حسن فيما ذكر وأظنك لا تكتفي بهذا
~~المقدار من الجرح.

# والمراد بالإذن الأمر وبالرفع التعظيم أي أمر سبحانه بتعظيم قدرها، وروي
~~هذا عن الحسن والضحاك، ولا يخفى أنه إذا أريد بها المساجد فتعظيم قدرها
~~يكون بأشياء شتى كصيانتها عن / دخول الجنب والحائض والنفساء ولو على وجه
~~العبور وقد قالوا بتحريم ذلك وإدخال نجاسة فيها يخاف منها التلويث ولذا
~~قالوا: ينبغي لمن أراد أن يدخل المسجد أن يتعاهد النعل والخف عن النجاسة
~~ثم يدخل فيه احترازا عن تلويث المسجد، ومنع إدخال الميت فيها ومنع إدخال
~~الصبيان والمجانين وهو حرام حيث غلب تنجيسهم وإلا فهو مكروه، وقد جاء
~~الأمر بتجنيبهم عن المساجد مطلقا. أخرج ابن ماجه عن واثلة بن الأسقع عن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع
~~أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها
~~في الجمع "

# ومنع إنشاد الضالة وإنشاد الأشعار، فقد أخرج الطبراني وابن السني وابن
~~منده عن ثوبان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " من رأيتموه ينشد شعرا في المسجد فقولوا فض الله تعالى فاك ثلاث مرات
~~ومن رأيتموه ينشد ضالة في المسجد فقولوا: لا وجدتها ثلاث مرات "

# الحديث. وينبغي أن يقيد المنع من إنشاد الشعر بما إذا كان فيه شيء مذموم
~~كهجو المسلم وصفة الخمر وذكر النساء والمردان وغير ذلك مما هو ms07338 مذموم
~~شرعا، وأما إذا كان مشتملا على مدح النبوة والإسلام أو كان مشتملا على
~~حكمة أو باعثا على مكارم الأخلاق والزهد ونحو ذلك من أنواع الخير فلا
~~بأس بإنشاده فيها.

# ومنع إلقاء القملة فيه بعد قتلها وهو مكروه تنزيها على ما صرح به بعض
~~المتأخرين، ويندب أن لا تلقى حية في المسجد، فقد أخرج ابن أبي شيبة
~~وأحمد عن رجل من الأنصار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إذا وجد أحدكم القملة في المسجد فليصرها في ثوبه حتى يخرجها "

# ومنع البول فيها ولو في إناء وقد صرحوا بحرمة ذلك، وفي «الأشباه» وأما
~~الفصد في المسجد في إناء فلم أره، وينبغي أن لا فرق أي لأن كلا من البول
~~والدم نجس مغلظ، ومنع إلقاء البصاق فيها.

# وفي «البدائع» يكره التوضىء في المسجد لأنه مستقذر طبعا فيجب تنزيه
~~المسجد عنه كما يجب تنزيهه عن المخاط والبلغم، وأخرج ابن أبي شيبة عن
~~الشعبي

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في قبلة المسجد نخامة فقام إليها
~~فحكها بيده الشريفة صلى الله عليه وسلم ثم دعا بخلوق فلطخ مكانها "

# فقال الشعبي: هو سنة، وذكروا أن إلقاء النخامة فوق الحصير أخف من وضعها
~~تحته فإن اضطر إليه دفنها، وفي حديث أخرجه ابن أبي شيبة عن أنس مرفوعا

# " التفل في المسجد خطيئة وكفارته أن يواريه "

# وروى الطبراني في «الأوسط» عن ابن عباس مرفوعا أيضا نحوه، ومنع الوطء
~~فيها وفوقها كالتخلي وصرحوا بحرمة ذلك، ومنع دخول من اكل ذا رائحة كريهة
~~فيها كالثوم والبصل والكراث وآكل الفجل إذا تجشأ كذلك، وقد كان الرجل في
~~زمان النبي صلى الله عليه وسلم إذا وجد منه ريح الثوم يؤخذ بيده ويخرج
~~إلى البقيع، والظاهر أن الأبخر أو من به صنان مستحكم حكمه حكم آكل الثوم
~~والبصل، وكذا حكم من رائحة ثيابه كريهة كثياب الزياتين والدباغين، وعن
~~مالك أن الزياتين يتأخرون ولا يتقدمون إلى الصف الأول ويقعدون في أخريات
~~الناس، ومنع النوم والأكل فيها لغير معتكف، ومنع الجلوس فيها ms07339 للمصيبة أو
~~للتحدث بكلام الدنيا.

# ومنع اتخاذها طريقا وهو مكروه أو حرام. وقد جاء النهي عن ذلك في حديث
~~رواه ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعا. وأخرج ابن أبي
~~شيبة عن ابن مسعود أن اتخاذها طريقا من أشراط الساعة؛ وفي «القنية»
~~معتاد ذلك يأثم ويفسق، نعم إن كان هناك عذر لم يكره المرور، ومن تعظيمها
~~رشها وقمها، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن زيد / بن أسلم قال: كان المسجد
~~يرش ويقم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

# وأخرج عن يعقوب بن زيد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتبع غبار
~~المسجد بجريدة؛ وكذا تعليق القناديل فيها وفرشها بالآجر والحصير، وفي
~~«مفتاح السعادة» ولأهل المسجد أن يفرشوا المسجد بالآجر والحصير ويعلقوا
~~القناديل لكن من مال أنفسهم لا من مال المسجد إلا بأمر الحاكم، ولعل محل
~~ذلك ما لم يعين الواقف شيئا من ريع الوقف لذلك، وينبغي أن يكون إيقاد
~~القناديل الكثيرة فيها في ليالي معروفة من السنة كليلة السابع والعشرين
~~من رمضان الموجب لاجتماع الصبيان وأهل البطالة ولعبهم ورفع أصواتهم
~~وامتهانهم بالمساجد بدعة منكرة، وكذا ينبغي أن يكون فرشها بالقطائف
~~المنقوشة التي تشوش على المصلين وتذهب خشوعهم كذلك.

# ومن التعظيم أيضا تقديم الرجل اليمنى عند دخولها واليسرى عند الخروج
~~منها، وصلاة الداخل ركعتين قبل الجلوس إذا كان دخوله لغير الصلاة على ما
~~ذكره بعضهم، وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال:

# " اعطوا المساجد حقها قيل: وما حقها؟ قال: ركعتان قبل أن تجلس "

# ومن ذلك أيضا بناؤها رفيعة عالية لا كسائر البيوت لكن لا ينبغي تزيينها
~~بما يشوش على المصلين، وفي حديث أخرجه ابن ماجه والطبراني عن جبير بن
~~مطعم مرفوعا أنها لا تبنى بالتصاوير ولا تزين بالقوارير.

# وفسر بعضهم الرفع ببنائها رفيعة كما في قوله تعالى:

# وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت
~~وإسمعيل

# [البقرة: 127] والأولى عندي تفسيره بما سبق وجعل بنائها كذلك داخلا في
~~العموم ويدخل فيه أمور ms07340 كثيرة غير ما ذكرنا وقد ذكرها الفقهاء وأطالوا
~~الكلام فيها. وزعم بعض المفسرين أن إسناد الرفع إليها مجاز، والمراد ترفع
~~الحوائج فيها إلى الله تعالى، وقيل: ترفع الأصوات بذكر الله عز وجل فيها،
~~ولا يخفى ما فيه، وفي التعبير عن الأمر بالإذن تلويح بأن اللائق بحال
~~المأمور أن يكون متوجها إلى المأمور به قبل الأمر به ناويا لتحقيقه
~~كأنه مستأذن في ذلك فيقع الأمر به موقع الأمر فيه.

# والمراد بذكر اسمه تعالى شأنه ما يعم جميع أذكاره تعالى، وجعل من ذلك
~~المباحث العلمية المتعلقة به عز وجل، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~المراد به توحيده عز وجل وهو قول: لا إله إلا الله، وعنه أيضا المراد
~~تلاوة كتابه سبحانه. وقيل: ذكر أسمائه تعالى الحسنى. والظاهر ما قدمنا،
~~وعطف الذكر على الرفع من قبيل عطف الخاص على العام فإن ذكر اسمه تعالى
~~فيها من أنواع تعظيمها، وليس من عطف التفسير في شيء خلافا لمن توهمه.

# والتسبيح التنزيه والتقديس ويستعمل باللام وبدونها كما في قوله تعالى:

# سبح اسم ربك الأعلى

# [الأعلى: 1] والمراد به إما ظاهره أو الصلاة لاشتمالها عليه وروي هذا عن
~~ابن عباس والحسن والضحاك وعن ابن عباس كل تسبيح في القرآن صلاة، وأيد
~~إرادة الصلاة هنا تعيين الأوقات بقوله سبحانه: { بالغدو والأصال
~~} والغدو جمع غداة كقني وقناة أو مصدر أطلق على الوقت الغدو، وأيد بأن
~~أبا مجلز قرأ { والإيصال } مصدرا أي الدخول في وقت الأصيل، و {
~~الأصال } كما قال الجوهري جمع أصيل كشريف وأشراف، واختاره جماعة مع أن
~~جمع فعيل على أفعال ليس بقياسي.

# واختار الزمخشري أنه جمع أصل كعنق وأعناق؛ والأصل كالأصيل العشي وهو من
~~زوال الشمس إلى الصباح فيشمل الأوقات ما عدا الغداة وهي من أول النهار
~~إلى الزوال ويطلقان على أول النهار وآخره، وإفرادهما بالذكر لشرفهما
~~وكونهما أشهر ما يقع فيه المباشرة للأعمال والاشتغال بالأشغال. وعن ابن
~~عباس أنه حمل الغداة على وقت الضحى وهو مقتضى ما أخرج ابن أبي شيبة
~~والبيهقي في «شعب الإيمان» ms07341 عنه رضي / الله تعالى عنه من قوله: «إن صلاة
~~الضحى لفي القرآن وما يغوص عليها إلا غواص وتلا الآية حتى بلغ {
~~الأصال }.

# وقرأ ابن عامر وأبو بكر والبحتري عن حفص ومحبوب عن أبي عمرو والمنهال
~~عن يعقوب والمفضل وأبان { يسبح } بالياء التحتية والبناء للمفعول ونائب
~~الفاعل { له } أو { فيها } إن لم يتعلق { فى بيوت } به أو {
~~بالغدو } والأولية للأول لأنه ولي الفعل والإسناد إليه حقيقي دون
~~الأخيرين. وجوز أن يكون المجرور فيما ذكر نائب الفاعل والجار فيه زائدا،
~~وفيه ارتكاب لما لا داعي إليه، ورفع { رجال } على هذه القراءة على أنه
~~فاعل لفعل محذوف أو خبر مبتدأ محذوف على ما في «البحر» أي يسبح له أو
~~المسبح له رجال. والجملة استئناف بياني وقع جوابا لسؤال نشأ من الكلام
~~السابق، وهذا نظير قوله:

# ليبك يزيد ضارع لخصومة

# (ومختبط مما تطيح الطوائح)

# وهو قياسي عند الكثير فيجوز عندهم أن يقال: ضربت هند زيد بتقدير ضربها
~~أو ضاربها زيد. وليس هذا كذكر الفاعل تمييزا بعد الفعل المبني للمفعول
~~نحو ضرب أخوك رجلا المصرح بعدم جوازه ابن هشام في الباب الخامس من
~~«المغني» وإن أوهمت العلة أنه مثله فتأمل.

# وقرأ أبو حيوة وابن وثاب { تسبح } بالتاء الفوقية والبناء للفاعل وهو {
~~رجال } والتأنيث لأن جمع التكثير كثيرا ما يعامل معاملة المؤنث، وقرى
~~أبو جعفر { تسبح } بالتاء الفوقية والبناء للمفعول وهو قوله تعالى: {
~~بالغدو والأصال } على أن الباء زائدة والإسناد مجازي بجعل
~~الأوقات المسبح فيها ربها مسبحة، وجوز أبو حيان أن يكون الإسناد إلى ضمير
~~التسبيحة الدالة عليه { تسبح } أي تسبح هي أي التسبيحة كما قالوا في
~~قوله تعالى:

# ليجزى قوما

# [الجاثية:14] على قراءة من بنى { يجزى } للمفعول أي ليجزي هو أي
~~الجزاء. قال في «إرشاد العقل السليم»: وهذا أولى من التوجيه الأول إذ ليس
~~هنا مفعول صريح.

# وضعفه بعضهم هنا بأن الوحدة لا تناسب المقام، وأجيب بالتزام كون الوحدة
~~جنسية. وأيا ما كان فرفع { رجال } على هذه القراءة على الفاعلية أو
~~الخبرية كما سمعت آنفا. ms07342 والتنوين فيه على جميع القراءات للتفخيم.

# وقوله سبحانه: { لا تلهيهم تجرة } صفة له مؤكدة لما أفاده
~~التنوين من الفخامة مفيدة لكمال تبتلهم إلى الله تعالى من غير صارف
~~يلويهم ولا عاطف يثنيهم كائنا ما كان. وتخصيص الرجال بالذكر لأنهم
~~الأحقاء بالمساجد. فقد أخرج أحمد والبيهقي عن أم سلمة عن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم

# " خير مساجد النساء قعر بيوتهن "

# وتخصيص التجارة التي هي المعاوضة مطلقا بذلك لكونها أقوى الصوارف عندهم
~~وأشهرها أي لا يشغلهم نوع من أنواع التجارة { ولا بيع } أي ولا فرد
~~من أفراد البياعات وإن كان في غاية الربح. وإفرادهم بالذكر مع اندراجه
~~تحت التجارة للإيذان بإنافته على سائر أنواعها لأن ربحه متيقن ناجز وربح
~~ما عداه متوقع في ثاني الحال عند البيع فلم يلزم من نفي إلهاء ما عداه
~~نفي إلهائه ولذلك كرر كلمة { لا } لتذكير النفي وتأكيده، وجوز أن يراد
~~بالتجارة المعاوضة الرابحة وبالبيع المعاوضة مطلقا فيكون ذكره بعدها من
~~باب التعميم بعد التخصيص للمبالغة.

# ونقل عن الواقدي أن المراد بالتجارة هو الشراء لأنه أصلها ومبدؤها فلا
~~تخصيص ولا تعميم، وقيل: المراد بالتجارة الجلب لأنه الغالب فيها فهو لازم
~~لها عادة. ومنه يقال: تجر في كذا أي جلبه. ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي
~~حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة عن رسول الله / صلى الله عليه وسلم أنه
~~قال في هؤلاء الموصوفين بما ذكر: هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل
~~الله تعالى.

# وأخرج الديلمي. وغيره عن أبي سعيد الخدري مرفوعا نحوه، وفي ذلك أيضا
~~ما يقتضي أنهم كانوا تجارا وهو الذي يدل عليه ظاهر الآية لأنه لا يقال
~~فلان لا تلهيه التجارة إلا إذا كان تاجرا وروي ذلك عن ابن عباس. أخرج
~~الطبراني وابن مردويه عنه أنه قال: أما والله لقد كانوا تجارا فلم تكن
~~تجارتهم ولا بيعهم يلهيهم عن ذكر الله تعالى، وبه قال الضحاك، وقيل: إنهم
~~لم يكونوا تجارا والنفي راجع للقيد والمقيد كما في قوله:

# على لا حب لا يهتدي ms07343 بمناره

# كأنه قيل: لا تجارة لهم ولا بيع فيلهيهم فإن الآية نزلت فيمن فرغ عن
~~الدنيا كأهل الصفة، وأنت تعلم أن الآية على الأول المؤيد بما سمعت أمدح
~~ولم نجد لنزولها فيمن فرغ عن الدنيا سندا قويا أو ضعيفا ولا يكتفى في
~~هذا الباب بمجرد الاحتمال.

# { عن ذكر الله } بالتسبيح والتحميد ونحوهما { وإقام
~~الصلاة } أي إقامتها لمواقيتها من غير تأخير. والأصل أقوام فنقلت
~~حركة الواو لما قبلها فالتقى ساكنان فحذفت فقيل: إقام، وعن الزجاج أنه
~~قلبت الواو ألفا ثم حذف لاجتماع ألفين.

# وأورد عليه أنه لا داعي إلى قلبها ألفا مع فقد شرطه وهو أن لا يسكن ما
~~بعدها. وأوجب الفراء لجواز هذا الحذف تعويض التاء فيقال: إقامة أو
~~الإضافة كما هنا، وعلى هذا جاء قوله:

# إن الخليط أجدوا البين وانجردوا

# وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا

# فإنه أراد عدة الأمر. وتأول خالد بن كلثوم ما في البيت على أن عد جمع
~~عدوة بمعنى ناحية كأن الشاعر أراد نواحي الأمر وجوانبه. ومذهب سيبويه
~~جواز الحذف من غير تعويض التاء أو الإضافة { وإيتآء الزكاة } أي
~~المال الذي فرض إخراجه للمستحقين كما روي عن الحسن. ويدل على تفسير
~~الزكاة بذلك دون الفعل ظاهر إضافة الإيتاء إليها. وعن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما تفسير إيتاء الزكاة بإخلاص طاعة الله تعالى وفيه بعد كما
~~ترى، وإيراد هذا الفعل ههنا وإن لم يكن مما يفعل في البيوت لكونه قرينة
~~لا تفارق إقامة الصلاة في عامة المواضع مع ما فيه من التنبيه على أن
~~محاسن أعمالهم غير منحصرة فيما يقع في المساجد، وكذا قوله تعالى: {
~~يخافون } إلى آخره فإنه صفة أخرى لرجال أو حال من مفعول { لا
~~تلهيهم } أو استئناف مسوق للتعليل. وأيا ما كان فليس خوفهم
~~مقصورا على كونهم في المساجد.

# وقوله تعالى: { يوما } مفعول ليخافون على تقدير مضاف أي عقاب يوم وهو
~~له أو بدونه، وجعله ظرفا لمفعول محذوف بعيد وأما جعله ظرفا ليخافون
~~والمفعول محذوف فليس بشيء أصلا، إذ المراد أنهم يخافون في ms07344 الدنيا يوما
~~{ تتقلب فيه القلوب والأبصر } لا أنهم يخافون شيئا
~~في ذلك اليوم الموصوف بأنه تتقلب فيه الخ، والمراد به يوم القيامة ومعنى
~~تقلب القلوب والأبصار فيه اضطرابها وتغيرها أنفسها فيه من الهول والفزع
~~كما في قوله تعالى:

# وإذ زاغت الأبصر وبلغت القلوب الحناجر

# [الأحزاب: 10] أو تغير أحوالها بأن تفقه القلوب ما لم تكن تفقه وتبصر
~~الأبصار ما لم تكن تبصر أو بأن تتوقع القلوب النجاة تارة وتخاف الهلاك
~~أخرى وتنظر الأبصار يمينا تارة وشمالا أخرى لما أن أغلب أهل الجمع لا
~~يدرون من أي ناحية يؤخذ بهم ولا من / أي جهة يؤتون كتبهم، وقيل: المراد
~~تقلب فيه القلوب والأبصار على جمر جهنم وليس بشيء، ومثله قول الجبائي: إن
~~المراد تنتقل من حال إلى حال فتلفحها النار ثم تنضجها ثم تحرقها، وقرأ
~~ابن محيصن { تتقلب } بإسكان التاء الثانية.

### || [24.38]

# وقوله سبحانه: { ليجزيهم الله } متعلق على ما استظهره أبو
~~حيان ب

# يسبح

# [النور: 36]، وجوز أبو البقاء أن يتعلق بلا تلهيهم أو بيخافون ولا يخفى
~~أن تعلقه بأحد المذكورين محوج إلى تأويل، ولعل تعلقه بفعل محذوف يدل عليه
~~ما حكى عنهم أولى من جميع ذلك أي يفعلون ما يفعلون من التسبيح والذكر
~~وإيتاء الزكاة والخوف من غير صارف لهم عن ذلك ليجزيهم الله تعالى: {
~~أحسن ما عملوا } واللام على سائر الأوجه للتعليل وقال أبو
~~البقاء: يجوز أن تكون لام الصيرورة كالتي في قوله تعالى:

# ليكون لهم عدوا وحزنا

# [القصص: 8] وموضع الجملة حال والتقدير يخافون ملهمين ليجزيهم الله وهو
~~كما ترى، والجزاء المقابلة والمكافأة على ما يحمد ويتعدى إلى الشخص
~~المجزي بعن قال تعالى:

# لا تجزى نفس عن نفس شيئا

# [البقرة: 48] وإلى ما فعله ابتداء بعلى تقول جزيته على فعله وقد يتعدى
~~إليه بالباء فيقال جزيته بفعله وإلى ما وقع في مقابلته بنفسه وبالباء،
~~قال الراغب: يقال جزيته كذا وبكذا، والظاهر أن أحسن هو ما وقع في
~~المقابلة فيكون الجزاء قد تعدى إليه بنفسه ويحتاج إلى تقدير مضاف أي
~~ليجزيهم أحسن جزاء عملهم ms07345 أو الذي عملوه حسبما وعد لهم بمقابلة حسنة واحدة
~~عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ليكون الأحسن من جنس الجزاء. وجوز أن يكون
~~الأحسن هو الفعل المجزي عليه أو به الشخص وليس هناك مضاف محذوف والكلام
~~على حذف الجار أي ليجزيهم على أحسن أو بأحسن ما عملوا. وأحسن العمل أدناه
~~المندوب فاحترز به عن الحسن وهو المباح إذ لا جزاء له ورجح الأول بسلامته
~~عن حذف الجار الذي هو غير مقيس في مثل ما نحن فيه بخلاف حذف المضاف فإنه
~~كثير مقيس، وجوز أن يكون المضاف المحذوف قبل «أحسن» أي جزاء أحسن ما
~~عملوا، والظاهر أن المراد بما عملوا أعم مما سبق وبعضهم فسره به. {
~~ويزيدهم من فضله } أي يتفضل عليهم بأشياء لم توعد لهم
~~بخصوصياتها أو بمقاديرها ولم يخطر ببالهم كيفياتها ولا كميتها بل إنما
~~وعدت بطريق الإجمال في مثل قوله تعالى:

# للذين أحسنوا الحسنى وزيادة

# [يونس: 26] وقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عنه عز وجل:

# " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب
~~بشر "

# إلى غير ذلك من المواعيد الكريمة التي من جملتها قوله سبحانه: {
~~والله يرزق من يشاء بغير حساب } فإنه تذييل مقرر
~~للزيادة ووعد كريم بأنه تعالى يعطيهم غير أجزية أعمالهم من الخيرات ما لا
~~يفي به الحساب، والموصول عبارة عمن ذكرت صفاتهم الجميلة كأنه قيل والله
~~يرزقهم بغير حساب، ووضعه موضع ضميرهم للتنبيه بما في حيز الصلة على أن
~~مناط الرزق المذكور محض مشيئته تعالى لا أعمالهم المحكية كما أنها المناط
~~لما سبق من الهداية لنوره عز وجل وللإيذان بأنهم ممن شاء الله تعالى أن
~~يرزقهم كما أنهم ممن شاء سبحانه أن يهديهم لنوره حسبما يعرب عنه ما فصل
~~من أعمالهم الحسنة فإن جميعها من آثار الهداية.

### || [24.39]

# { والذين كفروا } إلى آخره عطف على ما قبله عطف القصة على
~~القصة أو على مقدر ينساق إليه ما قبله كأنه قيل الذين آمنوا أعمالهم
~~حالا ومآلا كما وصف والذين كفروا { أعملهم كسراب ms07346 } أي
~~أعمالهم التي هي من أبواب البر كصلة الأرحام وفك العناة / وسقاية الحاج
~~وعمارة البيت وإغاثة الملهوفين وقرى الأضياف ونحو ذلك على ما قيل، وقيل
~~أعمالهم التي يظنون الانتفاع بها سواء كان مما يشترط فيها الإيمان كالحج
~~أم كانت مما لا يشترط فيها ذلك كسقاية الحاج وسائر ما تقدم، وقيل المراد
~~بها ما يشمل الحسن والقبيح ليتأتى التشبيهان، وسيأتي إن شاء الله تعالى
~~الكلام في ذلك. والسراب بخار رقيق يرتفع من قعور القيعان فإذا اتصل به
~~ضوء الشمس أشبه من بعيد الماء السارب أي الجاري، واشترط فيه الفراء
~~اللصوق في الأرض، وقيل هو ما ترقرق من الهواء في الهجير في فيافي الأرض
~~المنبسطة، وقيل: هو الشعاع الذي يرى نصف النهار عند اشتداد الحر في البر
~~يخيل للناظر أنه ماء سارب، قال الشاعر:

# فلما كففنا الحرب كانت عهودكم

# كلمع سراب في الفلا متألق

# وإلى هذا ذهب الطبرسي، وفسر الآل بأنه شعاع يرتفع بين السماء والأرض
~~كالماء ضحوة النهار { بقيعة } متعلق بمحذوف هو صفة لسراب أي كائن
~~بقيعة وهي الأرض المنبسطة المستوية، وقيل هي جمع قاع كجيرة في جار ونيرة
~~في نار. وقرأ مسلمة بن محارب { بقيعات } بتاء طويلة على أنه جمع قيعة
~~كديمات وقيمات في ديمة وقيمة، وعنه أيضا أنه قرأ { بقيعاة } بتاء مدورة
~~ويقف عليها بالهاء فيحتمل أن يكون جمع قيعة ووقف بالهاء على لغة طيء كما
~~قالوا: البناه والأخواه، ويحتمل كما قال صاحب «اللوامح» أن يكون مفردا
~~وأصله قيعة كما في قراءة الجمهور لكنه أشبع الفتحة فتولدت منها الألف.

# { يحسبه الظمآن مآء } صفة أخرى لسراب. وجوز أن يكون هو الصفة
~~وبقيعة ظرفا لما يتعلق به الكاف وهو الخبر؛ والحسبان الظن على المشهور
~~وفرق بينهما الراغب بأن الظن أن يخطر النقيضان بباله ويغلب أحدهما على
~~الآخر والحسبان أن يحكم بأحدهما من غير أن يخطر الآخر بباله فيعقد عليه
~~الأصبع ويكون بعرض أن يعتريه فيه شك. وتخصيص الحسبان بالظمآن مع شموله
~~لكل من يراه كائنا من كان من العطشان والريان لتكميل ms07347 التشبيه بتحقيق
~~شركة طرفية في وجه الشبه الذي هو المطلع المطمع والمقطع المؤيس. وقرأ
~~شيبة وأبو جعفر ونافع بخلاف عنهما { الظمان } بحذف الهمزة ونقل حركتها
~~إلى الميم.

# { حتى إذا جاءه } أي إذا جاء العطشان ما حسبه ماء، وقيل إذا جاء
~~موضعه { لم يجده }  أي لم يجد ما حسبه ماء وعلق رجاءه به { شيئا
~~} أصلا لا محققا ولا مظنونا [كما] كان يراه من قبل فضلا عن وجدانه
~~ماء، ونصب { شيئا } قيل على الحالية، وأمر الاشتقاق سهل، وقيل على أنه
~~مفعول ثان لوجد بناء على أنها من أخوات ظن، وجوز أن يكون منصوبا على
~~البدلية من الضمير، ويجوز إبدال النكرة من المعرفة بلا نعت إذا كان
~~مفيدا كما صرح به الرضي، واختار أبو البقاء أنه منصوب على المصدرية كأنه
~~قيل لم يجده وجدانا وهو كما ترى.

# { ووجد الله عنده } عطف على جملة { لم يجده } فهو داخل
~~في التشبيه أي ووجد الظمآن مقدوره تعالى من الهلاك عند السراب المذكور،
~~وقيل أي وجد الله تعالى محاسبا إياه على أن العندية بمعنى الحساب لذكر
~~التوفية بعد بقوله سبحانه: { فوفاه حسابه } أي أعطاه وافيا
~~كاملا حساب عمله وجزاءه أو أتم حسابه بعرض الكتبة ما قدمه { والله
~~سريع الحساب } لا يشغله حساب عن حساب.

# وفي «إرشاد العقل السليم» أن بيان أحوال الكفرة بطريق التمثيل قد تم
~~بقوله سبحانه: { لم يجده شيئا } ، وقوله / تعالى: { ووجد }
~~الخ بيان لبقية أحوالهم العارضة لهم بعد ذلك بطريق التكملة لئلا يتوهم أن
~~قصارى أمرهم هو الخيبة والقنوط فقط كما هو شأن الظمآن. ويظهر أنه يعتريهم
~~بعد ذلك من سوء الحال ما لا قدر للخيبة عنده أصلا فليست الجملة معطوفة
~~على { لم يجده شيئا } بل على ما يفهم منه بطريق التمثيل من عدم
~~وجدان الكفرة من أعمالهم [المذكورة] عينا ولا أثرا كما في قوله تعالى:

# وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء
~~منثورا

# [الفرقان: 23] كيف لا وأن الحكم بأن أعمال الكفرة كسراب يحسبه الظمآن
~~ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا حكم ms07348 بأنها بحيث يحسبونها في الدنيا نافعة
~~لهم في الآخرة حتى إذا جاءوها لم يجدوها شيئا كأنه قيل: حتى إذا جاء
~~الكفرة يوم القيامة أعمالهم التي كانوا في الدنيا يحسبونها نافعة لهم في
~~الآخرة لم يجدوها شيئا ووجدوا الله أي حكمه وقضاءه عند المجيء، وقيل:
~~عند العمل فوفاهم أي أعطاهم وافيا حسابهم أي حساب أعمالهم المذكورة
~~وجزاءها فإن اعتقادهم لنفعها بغير إيمان وعملهم بموجبه كفر على كفر موجب
~~للعقاب قطعا، وإفراد الضميرين الراجعين إلى { الذين كفروا } إما
~~لإرادة الجنس كالظمآن الواقع في التمثيل وإما للحمل على كل واحد منهم،
~~وكذا إفراد ما يرجع إلى أعمالهم انتهى، ولا يخفى ما فيه من البعد وارتكاب
~~خلاف الظاهر.

# وأيا ما كان فالمراد بالظمآن مطلق الظمآن، وقيل المراد به الكافر،
~~وإليه ذهب الزمخشري قال: «شبه سبحانه ما يعمله من لا يعتقد الإيمان بسراب
~~يراه الكافر بالساهرة وقد غلبه عطش [يوم] القيامة فيحسبه ماء فيأتيه فلا
~~يجده ويجد زبانية الله تعالى عنده يأخذونه فيسقونه الحميم والغساق» وكأنه
~~مأخوذ مما أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق السدي
~~في غرائبه عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " إن الكفار يبعثون يوم القيامة وردا عطاشا فيقولون أين الماء فيمثل
~~لهم السراب فيحسبونه ماء فينطلقون إليه فيجدون الله تعالى عنده فيوفيهم
~~حسابهم والله سريع الحساب "

# ،واستطيب ذلك العلامة الطيبي حيث قال: إنما قيد المشبه به برؤية الكافر
~~وجعل أحواله ما يلقاه يوم القيامة ولم يطلق لقوله تعالى: { ووجد
~~الله عنده } الخ لأنه من تتمة أحوال المشبه به، وهذا الأسلوب أبلغ
~~لأن خيبة الكافر أدخل وحصوله على خلاف ما يؤمله أعرق. وتعقبه أبو حيان
~~بأنه يلزم من حمل الظمآن على الكافر تشبيه الشيء بنفسه. ورد بأن التشبيه
~~على ما ذكره جار الله تمثيلي أو مقيد لا مفرق كما توهم فلا يلزم من اتحاد
~~بعض المفردات في الطرفين تشبيه الشيء بنفسه كاتحاد الفاعل في  أراك تقدم
~~رجلا وتؤخر أخرى ، وبالجملة هو أحسن مما في «الإرشاد» ms07349 كما لا يخفى على
~~من سلم ذهنه من غبار العناد.

# والآية على ما روي عن مقاتل نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان تعبد
~~ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام ولا يأبى ذلك
~~قوله تعالى: { والذين كفروا } لأنه غير خاص بسبب النزول وإن دخل
~~فيه دخولا أوليا، ولا يرد عليه أن الآية مدنية نزلت بعد بدر وعتبة قتل
~~في بدر فإن كثيرا من الآيات نزل بسبب الأموات وليس في ذلك محذور أصلا،
~~ثم لا يبعد أن يكون في حكم هؤلاء الكفرة الفلاسفة ومتبعوهم من المتزيين
~~بزي الإسلام فإن اعتقاداتهم وأعمالهم حيث لم تكن على وفق الشرع كسراب
~~بقيعة.

### || [24.40]

# { أو كظلمت } عطف على

# كسراب

# [النور: 39]، وكلمة (أو) قيل لتقسيم حال أعمالهم الحسنة، وجوز الإطلاق
~~باعتبار وقتين فإنها كالسراب في الآخرة من حيث عدم نفعها وكالظلمات في
~~الدنيا من حيث خلوها عن نور الحق، وخص / هذا بالدنيا لقوله تعالى: {
~~ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } فإنه
~~ظاهر في الهداية والتوفيق المخصوص بها، والأول بالآخرة لقوله تعالى:

# ووجد

# [النور: 39] الخ وقدم أحوال الآخرة التي هي أعظم وأهم لاتصال ذلك بما
~~يتعلق بها من قوله سبحانه:

# ليجزيهم

# [النور: 38] الخ ثم ذكر أحوال الدنيا تتميما لها. وجوز أن يعكس ذلك
~~فيكون المراد من الأول تشبيه أعمالهم بالسراب في الدنيا حال الموت، ومن
~~الثاني تشبيهها بالظلمات في القيامة كما في الحديث

# " الظلم ظلمات يوم القيامة "

# ويكون ذلك ترقيا مناسبا للترتيب الوقوعي وليس بذلك لما سمعت.

# وقيل للتنويع، وذلك أنه أثر ما مثلت أعمالهم التي كانوا يعتمدون عليها
~~أقوى اعتماد ويفتخرون بها في كل واد وناد بما ذكر من حال السراب مثلت
~~أعمالهم القبيحة التي ليس فيها شائبة خيرية يغتر بها المغترون بالظلمات
~~المذكورة، وزعم الجرجاني أن المراد هنا تشبيه كفرهم فقط وهو كما ترى.
~~والظاهر على التنويع أن يراد من الأعمال في قوله تعالى:

# أعملهم

# [النور: 39] ما يشمل النوعين. واعترض بأنه يأبى ذلك قوله تعالى:

# ووجد ms07350 الله عنده

# [النور: 39] بناء على دخوله في التشبيه لأن أعمالهم الصالحة وإن سلم
~~أنها لا تنفع مع الكفر لا وخامة في عاقبتها كما يؤذن به قوله سبحانه: {
~~ووجد } الخ. وأجيب بأنه ليس فيه ما يدل على أن سبب العقاب الأعمال
~~الصالحة بل وجد أن العقاب بسبب قبائح أعمالهم لكنها ذكرت جميعها لبيان أن
~~بعضها جعل هباء منثور أو بعضها معاقب به. وجوز أن تكون للتخيير في
~~التشبيه لمشابهة أعمالهم الحسنة أو مطلقا السراب لكونها لاغية لا منفعة
~~فيها، والظلمات المذكورة لكونها خالية عن نور الحق، واختاره الكرماني.
~~واعترض بأن الرضي كغيره ذكر أنها لا تكون للتخيير إلا في الطلب. وأجيب
~~بأنه وإن اشتهر ذلك فقد ذهب كثير إلى عدم اختصاصه به كابن مالك والزمخشري
~~ووقوعه في التشبيه كثير، وأيا ما كان فليس في الكلام مضاف محذوف. وقال
~~أبو علي الفارسي: فيه مضاف محذوف والتقدير أو كذي ظلمات، ودل عليه ما
~~يأتي من قوله سبحانه: { إذا أخرج يده } والتشبيه عنده هنا يحتمل
~~أن يكون للأعمال على نمط التشبيه السابق ويقدر أو كأعمال ذي ظلمات.
~~ويحتمل أن يكون للكفرة ويقدر أو هم كذي ظلمات والكل خلاف الظاهر، وأمر
~~الضمير سيظهر لك إن شاء الله تعالى.

# وقرأ سفيان بن حسين { أو كظلمت } بفتح الواو، ووجه ذلك في
~~«البحر» ((بأنه جعلها واو عطف تقدمت عليها الهمزة التي لتقرير التشبيه
~~الخالي عن محض الاستفهام)) وقيل هي { أو } التي في قراءة الجمهور وفتحت
~~الواو للمجاورة كما كسرت الدال لها في قوله تعالى:

# الحمد لله

# [الفاتحة: 2] على بعض القراآت.

# { فى بحر لجى } أي عميق كثير الماء منسوب إلى اللج وهو معظم ماء
~~البحر. وقيل اللجة وهي أيضا معظمه وهو صفة { بحر } وكذا جملة قوله
~~تعالى { يغشه } أي يغطي ذلك البحر ويستره بالكلية { موج } وقدمت
~~الأولى لإفرادها. وقيل الجملة صفة ذي المقدر والضمير راجع إليه، وقد علمت
~~حال ذلك التقدير وقوله تعالى: { من فوقه موج } جملة من مبتدأ
~~وخبر محلها الرفع على أنها صفة لموج أو الصفة الجار ms07351 والمجرور وما بعده
~~فاعل له لاعتماده على الموصوف. والمراد يغشاه أمواج متراكمة متراكبة
~~بعضها على بعض، وقوله تعالى: { من فوقه سحاب } صفة لموج الثاني
~~على أحد الوجهين المذكورين أي من فوق ذلك الموج سحاب ظلماني ستر أضواء
~~النجوم، وفيه إيماء إلى غاية تراكم الأمواج / وتضاعفها حتى كأنها بلغت
~~السحاب.

# { ظلمت } خبر مبتدأ محذوف أي هي ظلمات { بعضها فوق بعض
~~} أي متكاثفة متراكمة، وهذا بيان لكمال شدة الظلمات كما أن قوله تعالى:

# نور على نور

# [النور: 35] بيان لغاية قوة النور خلا أن ذلك متعلق بالمشبه وهذا
~~بالمشبه به كما يعرب عنه ما بعده. وأجاز الحوفي أن يكون { ظلمت }
~~مبتدأ خبره قوله تعالى: { بعضها فوق بعض }. وتعقبه أبو حيان
~~وتبعه ابن هشام بأن الظاهر أنه لا يجوز لما فيه من الابتداء بالنكرة من
~~غير مسوغ إلا أن يقدر صفة لها يؤذن بها التنوين أي ظلمات كثيرة أو عظيمة
~~وهو تكلف. وأجاز أيضا أن يكون { بعضها } بدلا من { ظلمت }.
~~وتعقب بأنه لا يجوز من جهة المعنى لأن المراد والله تعالى أعلم الإخبار
~~بأنها ظلمات وأن بعض تلك الظلمات فوق بعض أي هي ظلمات متراكمة لا الإخبار
~~بأن بعض ظلمات فوق بعض من غير إخبار بأن تلك الظلمات السابقة متراكمة.
~~وقرأ قنبل { ظلمت } بالجر على أنه بدل من { ظلمت } الأولى لا
~~تأكيد لها. وجملة { بعضها فوق بعض } في موضع الصفة له. وقرأ
~~البزي { سحاب ظلمت } بإضافة سحاب إلى ظلمات وهذه الإضافة
~~كالإضافة في لجين الماء أو لبيان أن ذلك السحاب ليس سحاب مطر ورحمة.

# { إذا أخرج } أي من ابتلي بها، وإضماره من غير ذكر لدلالة المعنى
~~عليه دلالة واضحة. وكذا تقدير ضمير يرجع إلى { ظلمت } واحتيج إليه
~~لأن جملة { إذا أخرج } الخ في موضع الصفة لظلمات ولا بد لها من
~~رابط ولا يتعين ما أشرنا إليه.

# وقيل: ضمير الفاعل عائد على اسم الفاعل المفهوم من الفعل على حد «لا
~~يشرب الخمر وهو مؤمن» أي إذا أخرج المخرج فيها { يده } وجعلها بمرأى
~~منه قريبة من ms07352 عينيه لينظر إليها { لم يكد يراها } أي لم يقرب من
~~رؤيتها وهي أقرب شيء إليه فضلا عن أن يراها. وزعم ابن الأنباري زيادة {
~~يكد }. وزعم الفراء والمبرد أن المعنى لم يرها إلا بعد الجهد فإنه قد
~~جرى العرف أن يقال: ما كاد يفعل ولم يكد يفعل في فعل قد فعل بجهد مع
~~استبعاد فعله وعليه جاء قوله تعالى:

# فذبحوها وما كادوا يفعلون

# [البقرة: 71] ومن هنا خطأ ابن شبرمة ذا الرمة بقوله:

# إذا غير النأي المحبين لم يكد

# رسيس الهوى من حب مية يبرح

# وناداه يا أبا غيلان أراه قد برح ففك وسلم له ذو الرمة ذلك فغير لم يكد
~~بلم يكن أو لم أجد. والتحقيق أن الذي يقتضيه لم يكد وما كان يفعل أن
~~الفعل لم يكن من أصله ولا قارب في الظن أن يكون ولا يشك في هذا.

# وقد علم أن كاد موضوعة لشدة قرب الفعل من الوقوع ومشارفته فمحال أن يوجب
~~نفيه وجود الفعل لأنه يؤدي إلى أن يكون ما قارب كذلك فالنظر إلى أنه إذا
~~لم يكن المعنى على أن ثمت حالا يبعد معها أن تكون ثم تغيرت كما في قوله
~~تعالى:

# فذبحوها

# [البقرة: 71] الخ يلتزم الظاهر ويجعل المعنى أن الفعل لم يقارب أن يكون
~~فضلا عن أن يكون والآية على ذلك وكذا البيت، وقد ذكر أن لم يكد فيهما
~~جواب { إذا } فيكون مستقبلا وإذا قلت: إذا خرجت لم أخرج فقد نفيت
~~خروجا في المستقبل فاستحال أن يكون المعنى فيهما على أن الفعل قد كان.
~~وهذا التحقيق خلاصة ما حقق الشيخ في «دلائل الاعجاز»، ومنه يعلم تخطئة من
~~زعم أن كاد نفيها إثبات وإثباتها نفي.

# وفي «الحواشي الشهابية» أن نفي كاد على التحقيق المذكور أبلغ من نفي
~~الفعل الداخلة عليه لأن نفي مقاربته / يدل على نفيه بطريق برهاني إلا أنه
~~إذا وقع في الماضي لا ينافي ثبوته في المستقبل وربما أشعر بأنه وقع بعد
~~اليأس منه كما في آية البقرة، وإذا وقع في المستقبل لا ينافي وقوعه ms07353 في
~~الماضي فإن قامت قرينة على ثبوته فيه أشعر بأنه انتفى وأيس منه بعد ما
~~كان ليس كذلك كما في هذه الآية فإنه لشدة الظلمة لا يمكنه رؤية يده التي
~~كانت نصب عينيه، ثم فرع على هذا أن لك أن تقول: إن مراد من قال: إن نفيها
~~إثبات وإثباتها نفي أن نفيها في الماضي يشعر بالثبوت في المستقبل وعكسه
~~كما سمعت، وهذا وجه تخطئة ابن شبرمة وتغيير ذي الرمة لأن مراده أن قديم
~~هواها لم يقرب من الزوال في جميع الأزمان ونفيه في المستقبل يوهم ثبوته
~~في الماضي فلا يقال: إنهما من فصحاء العرب المستشهد بكلامهم فيكف خفي ذلك
~~عليهما ولذا استبعده في «الكشف» وذهب إلى أن قصتهما موضوعة وأوصى بحفظ
~~ذلك حيث قال: فاحفظه فإنه تحقيق أنيق وتوفيق دقيق سنح بمحض اللطف
~~والتوفيق انتهى.

# ولعمري إن ما أول به كلام القائل بعيد غاية البعد ولا أظنه يقع موقع
~~القبول عنده ونفي كل فعل في الماضي لا ينافي ثبوته في المستقبل ونفيه في
~~المستقبل لا ينافي وقوعه في الماضي ولا اختصاص لكاد بذلك فيا ليت شعري هل
~~دفع الإيهام ما عير إليه ذو الرمة بيته فتأمل ذاك والله تعالى يتولى
~~هداك.

# ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن مانع الرؤية شدة الظلمة وهو كذلك لأن شرط
~~الرؤية بحسب العادة في هذه النشأة الضوء سواء كانت بمحض خلق الله تعالى
~~كما ذهب إليه أهل الحق أو كانت بخروج الشعاع من العين على هيئة مخروط
~~مصمت أو مؤلف من خطوط مجتمعة في الجانب الذي يلي الرأس أولا على هيئة
~~مخروط بل على استواء لكن مع ثبوت طرفه الذي يلي العين واتصاله بالمرئي أو
~~بتكيف الشعاع الذي في العين بكيفية الهواء وصيرورة الكل آلة للرؤية كما
~~ذهب إليه فرق الرياضيين أو كانت بانطباع شبح المرئي في جزء من الرطوبة
~~الجليدية التي تشبه البرد والجمد كما ذهب إليه الطبيعيون، وهذان المذهبان
~~هما المشهوران للفلاسفة ونسب للإشراقيين منهم. واختاره شهاب الدين القتيل
~~أن الرؤية بمقابلة المستنير ms07354 للعضو الباصر الذي فيه رطوبة صقلية وإذا وجدت
~~هذه الشروط مع زوال المانع يقع للنفس علم إشراقي حضوري على المبصر فتدركه
~~النفس مشاهدة ظاهرة جلية بلا شعاع ولا انطباع، واختار الملا صدرا أنها
~~بإنشاء صورة مماثلة للمرئي بقدرة الله تعالى من عالم الملكوت النفساني
~~مجردة عن المادة الخارجية حاضرة عند النفس المدركة قائمة بها قيام الفعل
~~بفاعله لا قيام المقبول بقابله، وتحقيق ذلك بما له وما عليه في مبسوطات
~~«كتب الفلسفة» وربما يظن أن الظلمة سواء كانت وجودية أو عدم ملكة من شروط
~~الرؤية كالضوء لكن بالنسبة إلى بعض الأجسام كالأشياء التي تلمع بالليل.
~~ونفي ابن سينا ذلك وقال: لا يمكن أن تكون الظلمة شرطا لوجود اللوامع
~~مبصرة وذلك لأن المضيء مرئي سواء كان الرائي في الظلمة أو في الضوء
~~كالنار نراها مطلقا، وأما الشمس فإنما لا يمكننا أن نراها في الظلمة
~~لأنها متى طلعت لم تبق الظلمة، وأما الكواكب واللوامع فإنما ترى في
~~الظلمة دون النهار لأن ضوء الشمس غالب على ضوئها وإذا انفعل الحس عن
~~الضوء القوي لا جرم لا ينفعل عن الضعيف، فأما في الليل فليس هناك ضوء
~~غالب على ضوئها فلا جرم ترى، وبالجملة فصيرورتها غير مرئية ليس لتوقف ذلك
~~على الظلمة بل لوجود المانع عن الرؤية وهو وجود الضوء الغالب انتهى،
~~ويمكن أن يقال: إن ضوء الشمس على ما ذكر مانع عن رؤية اللوامع ورفع مانع
~~الرؤية شرط لها ودفع الضوء هو الظلمة فالظلمة شرط رؤية اللوامع بالليل
~~وهو المطلوب فتدبر ولا تغفل / والله تعالى أعلم بحقائق الأمور.

# { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور }
~~اعتراض تذييلي جىء به لتقرير ما أفاده التمثيل من كون أعمال الكفار كما
~~فصل وتحقيق أن ذلك لعدم هدايته تعالى إياهم لنوره، وإيراد الموصول
~~للإشارة بما في حيز الصلة إلى علة الحكم وأنهم ممن لم يشأ الله تعالى
~~هدايتهم أي من لم يشأ الله تعالى أن يهديه الله سبحانه لنوره في الدنيا
~~فما له هداية ما من ms07355 أحد أصلا فيها، وقيل: معنى الآية من لم يكن له نور
~~في الدنيا فلا نور له في الآخرة. وقيل: كلا الأمرين في الآخرة، والمعنى
~~من لم ينوره الله تعالى بعفوه ويرحمه برحمته يوم القيامة فلا رحمة له من
~~أحد فيها والمعول عليه ما تقدم. والظاهر أن المراد تشبيه أعمال الكفرة
~~بالظلمات المتكاثفة من غير اعتبار أجزاء في طرفي التشبيه يعتبر تشبيه
~~بعضها ببعض، ومنهم من اعتبر ذلك فقال: الظلمات الأعمال الفاسدة
~~والمعتقدات الباطلة والبحر اللجي صدر الكافر وقلبه والموج الضلال
~~والجهالة التي قد غمرت قلبه والموج الثاني الفكر المعوجة والسحاب شهوته
~~في الكفر وإعراضه عن الإيمان. وقيل: الظلمات أعمال الكافر والبحر هواه
~~العميق القعر الكثير الخطر الغريق هو فيه والموج ما يغشى قلبه من الجهل
~~والغفلة. والموج الثاني ما يغشاه من شك وشبهة والسحاب ما يغشاه من شرك
~~وحيرة فيمنعه من الاهتداء والكل كما ترى ولو جعل من باب الإشارة لهان
~~الأمر.

# ومن باب الإشارة: ما قيل إن في قوله تعالى:

# وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين

# [النور: 2] إشارة إلى أنه ينبغي للشيخ إذا أراد تأديب المريد وكسر نفسه
~~الأمارة أن يؤدبه بمحضر طائفة من المريدين الذين لا يحتاجون إلى تأديب.
~~ومن هنا قال أبو بكر بن طاهر: لا يشهد مواضع التأديب إلا من لا يستحق
~~التأديب وهم طائفة من المؤمنين لا المؤمنون أجمع، والزنا عندهم إشارة إلى
~~الميل للدنيا وشهواتها، وفي قوله تعالى:

# الزانى لا ينكح إلا زانية

# [النور: 3] الخ. وقوله تعالى:

# الخبيثت للخبيثين

# [النور: 26] الخ إشارة إلى أنه لا ينبغي للأخيار معاشرة الأشرار، إن
~~الطيور على أشباهها تقع. وفي قوله تعالى:

# لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم

# [النور: 11] إشارة إلى أنه لا ينبغي لمن يشنع عليه المنكرون من المشايخ
~~أن يحزن من ذلك ويظنه شرا له فإنه خير له موجب لترقيه.

# وفي قوله تعالى:

# ولا يأتل أولوا الفضل

# [النور: 22] الخ إشارة إلى أنه ينبغي للشيوخ والأكابر أن لا يهجروا
~~أصحاب العثرات وأهل الزلات من المريدين وأن لا ms07356 يقطعوا إحسانهم وفيوضاتهم
~~عنهم، وفي قوله تعالى:

# يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير
~~بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها

# [النور: 27] إشارة إلى أنه لا ينبغي لمن يريد الدخول على الأولياء أن
~~يدخل حتى يجد روح القبول والإذن بإفاضة المدد الروحاني على قلبه المشار
~~إليه بالاستئناس فإنه قد يكون للولي حال لا يليق للداخل أن يحضره فيه
~~وربما يضره ذلك، وأطرد بعض الصوفية ذلك فيمن يريد الدخول لزيارة قبور
~~الأولياء قدس الله تعالى أسرارهم فقال: ينبغي لمن أراد ذلك أن يقف بالباب
~~على أكمل ما يكون من الأدب ويجمع حواسه ويعتمد بقلبه طالبا الإذن ويجعل
~~شيخه واسطة بينه وبين الولي المزور في ذلك فإن حصل له انشراح صدر ومدد
~~روحاني وفيض باطني فليدخل وإلا فليرجع، وهذا هو المعنى بأدب الزيارة
~~عندهم ولم نجد ذلك عن أحد من السلف الصالح. والشيعة عند زيارتهم للأئمة
~~رضي الله تعالى عنهم ينادي أحدهم أأدخل يا أمير المؤمنين أو يا ابن بنت
~~رسول الله عليه الصلاة والسلام أو نحو ذلك ويزعمون أن علامة الإذن حصول
~~رقة القلب ودمع العين وهو أيضا مما لم / نعرفه عن أحد من السلف ولا ذكره
~~فقهاؤنا وما أظنه إلا بدعة ولا يعد فاعلها إلا مضحكة للعقلاء، وكون
~~المزور حيا في قبره لا يستدعي الاستئذان في الدخول لزيارته، وكذا ما
~~ذكره بعض الفقهاء من أنه ينبغي للزائر التأدب مع المزور كما يتأدب معه
~~حيا كما لا يخفى. وقد رأيت بعد كتابتي هذه في «الجوهر المنتظم في زيارة
~~القبر المعظم» صلى الله تعالى على صاحبه وسلم لابن حجر المكي ما نصه: قال
~~بعضهم: وينبغي أن يقف  يعني الزائر  بالباب وقفة لطيفة كالمستأذن في
~~الدخول على العظماء انتهى. وفيه أنه لا أصل لذلك ولا حال ولا أدب يقتضيه
~~انتهى. ومنه يعلم أنه إذا لم يشرع ذلك في زيارة قبره عليه الصلاة والسلام
~~فعدم مشروعيته في زيارة غيره من باب أولى فاحفظ ذاك والله تعالى يعصمنا
~~من البدع وإياك. وقيل في قوله تعالى:

# قل ms07357 للمؤمنين يغضوا من أبصرهم

# [النور: 30] الخ إن فيه أمرا بغض بصر النفس عن مشتيهات الدنيا وبصر
~~القلب عن رؤية الأعمال ونعيم الآخرة وبصر السر عن الدرجات والقربات وبصر
~~الروح عن الالتفات إلى ما سوى الله تعالى وبصر الهمة عن أن يرى نفسه
~~أهلا لشهود الحق تنزيها له تعالى وإجلالا، وأمرا بحفظ فرج الباطن عن
~~تصرفات الكونين فيه، والإشارة بأمر النساء بعدم إبداء الزينة إلا لمن
~~استثنى إلى أنه لا ينبغي لمن تزين بزينة الأسرار أن يظهرها لغير المحارم
~~ومن لم يسترها عن الأجانب.

# وبقوله تعالى: { وأنكحوا الأيمى منكم } الخ إلى النكاح
~~المعنوي وهو أن يودع الشيخ الكامل في رحم القلب من صلب الولاية نطفة
~~استعداد قبول الفيض الإلهي. وقد أشير إلى هذا الاستعداد بقوله سبحانه:

# إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله

# [النور: 32] ثم قال جل وعلا: { وليستعفف } أي ليحفظ { الذين
~~لا يجدون } شيخا في الحال أرحام قلوبهم عن تصرفات الدنيا والهوى
~~والشيطان { حتى يغنيهم الله من فضله } بأن يوفق لهم
~~شيخا كاملا أو يخصهم سبحانه بجذبة من جذباته، وأشير بقوله تعالى: {
~~والذين يبتغون الكتب } الخ إلى أن المريد إذا طلب الخلاص
~~عن قيد الرياضة لزم إجابته إن علم فيه الخير وهو التوحيد والمعرفة
~~والتوكل والرضا والقناعة وصدق العمل والوفاء بالعهد ووجب أن يؤتى بعض
~~المواهب التي خصها الله تعالى بها الشيخ. وأشير بقوله تعالى:

# ولا تكرهوا

# [النور: 33] الخ إلى أن النفس إذا لم تكن مائلة إلى التصرف في الدنيا لم
~~تكره عليه. ولهم في قوله تعالى:

# الله نور السموات والأرض

# [النور: 35] كلام طويل عريض وفيما قدمنا ما يصلح أن يكون من هذا الباب.
~~وذكر أن قوله تعالى:

# رجال لا تلهيهم تجرة ولا بيع عن ذكر الله

# [النور: 37] مما يدخل في عمومه أهل الطريقة العلية النقشبندية الذين حصل
~~لهم الذكر القلبي ورسخ في قلوبهم بحيث لا يغفلون عنه سبحانه في حال من
~~الأحوال وهذا وإن ثبت لغيرهم أيضا من أرباب الطرائق فإنما يثبت في
~~النهايات دون المبادي كما يثبت لأهل ms07358 تلك الطريقة. وفي «مكتوبات الإمام
~~الرباني» قدس سره ما يغني عن الإطالة في شرح أحوال هؤلاء القوم وبيان
~~منزلتهم في الذكر والحضور بين سائر الأقوام حشرنا الله تعالى وإياهم تحت
~~لواء النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل إن قوله تعالى:

# ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور

# [النور: 40] إشارة لما ورد في حديث

# " خلق الله تعالى الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه منه
~~اهتدى ومنه أخطأه ضل "

# والله تعالى الموفق لصالح العمل.

### || [24.41]

# { ألم تر أن الله يسبح له من فى السموات
~~والأرض } الخ استئناف خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم / للإيذان
~~كما في «إرشاد العقل السليم» بأن الله تعالى قد أفاض عليه أعلى مراتب
~~النور وأجلاها وبين له من أسرار الملك والملكوت أدقها وأخفاها. وقال
~~الطبرسي ((هو بيان للآيات التي جعلها نورا)) والخطاب له عليه الصلاة
~~والسلام والمراد به جميع المكلفين. والهمزة للتقرير والرؤية هنا بمعنى
~~العلم والظاهر أن إطلاقها عليه حقيقة. وقيل هي حقيقة في الإبصار وإطلاقها
~~على العلم استعارة أو مجاز لعلاقة اللزوم، وأيا ما كان فالمراد لم تعلم
~~بالوحي أو بالمكاشفة أو بالاستدلال أن الله تعالى ينزهه آنا فآنا في
~~ذاته وصفاته وأفعاله عن كل ما لا يليق بشأنه الجليل من نقص أو خلل
~~تنزيها معنويا تفهمه العقول السليمة جميع من في السموات والأرض من
~~العقلاء وغيرهم كائنا ما كان فإن كل موجود من الموجودات الممكنة مركبا
~~كان أو بسيطا فهو من حيث ذاته ووجوده وأحواله المتجددة له يدل على صانع
~~واجب الوجود متصف بصفات الكمال منزه عن كل ما لا يليق بشأن من شؤونه
~~الجليلة وقد نبه سبحانه على كمال قوة تلك الدلالة وغاية وضوحها حيث عبر
~~عنها بما يخص العقلاء من التسبيح الذي هو أقوى مراتب التنزيه وأظهرها
~~تنزيلا للسان الحال منزلة لسان المقال وتخصيص التنزيه بالذكر مع دلالة
~~ما فيهما على اتصافه تعالى بنعوت الكمال أيضا لما أن مساق الكلام لتقبيح
~~حال الكفرة في إخلالهم بالتنزيه ms07359 بجعلهم الجمادات شركاء له سبحانه في
~~الألوهية ونسبتهم إياه عز وجل إلى اتخاذ الولد ونحو ذلك مما تعالى الله
~~عنه علوا كبيرا.

# وإطلاق (من) على العقلاء وغيرهم بطريق التغليب، ولا يغني عن اعتباره أو
~~اعتبار مجاز مثله إسناد التسبيح المختص بالعقلاء بحسب الظاهر كما توهمه
~~بعض الأجلة، وحمل بعضهم التسبيح على معنى مجازي شامل لتسبيح العقلاء
~~وغيرهم ويسمى عموم المجاز. ورد بأن بعضا من العقلاء وهم الكفرة من
~~الثقلين لا يسبحونه بذلك المعنى قطعا وإنما تسبيحهم ما ذكر من الدلالة
~~التي يشاركهم فيها غير العقلاء أيضا. وفي ذلك من تخطئتهم وتعييرهم ما
~~فيه، والقول بأن الكفرة يسبحون كالمؤمنين لكن من حيث لا يشعرون كما قال
~~الحلاج: جحودي لك تقديس مما لا يقبله ذوو العقول وحري بأن لا يكون من
~~المقبول. وقال بعضهم إذا كانت (من) للتغليب يندرج في عمومها العقلاء
~~المطيعون والعقلاء العاصون وغير العقلاء مطلقا فيحمل التسبيح على معنى
~~مجازي يصح نسبته إلى كل مما ذكر وأي مانع من ذلك وهو كما ترى. واستظهر
~~أبو حيان إبقاء التسبيح على ظاهره وتخصيص (من) بالعقلاء المطيعين وما ذكر
~~أولا أولى.

# { والطير } بالرفع عطفا على { من } وتخصيصها بالذكر عليه مع
~~اندراجها في جملة ما في الأرض لعدم استمرار قرارها فيها واستقلالها بصنع
~~بارع وإنشاء رائع قصد بيان تسبيحها من تلك الجهة لوضوح إنبائها عن كمال
~~قدرة صانعها ولطف تدبير مبدعها حسبما يعرب عنه التقييد بقوله تعالى: {
~~صافت } أي تسبحه الطير حال كونها صافات أجنحتها فإن إعطاءه تعالى
~~للأجرام الثقيلة ما يتمكن به من الوقوف في الجو والحركة كيف تشاء من
~~الأجنحة والأذناب الخفيفة وإرشادها إلى كيفية استعمالهما بالقبض والبسط
~~والتحريك يمينا وشمالا ونحو ذلك حجة واضحة الدلالة على كمال قدرة
~~الصانع المجيد، وغاية حكمة المبدىء المعيد. والعطف على ما استظهره أبو
~~حيان على { من } أيضا وقد صرح بذلك، ونقل عن الجمهور أن تسبيحها حقيقي
~~وظاهره أنه على نحو تسبيح العقلاء من الثقلين، ولعل ملتزم ذلك لا يلتزم
~~وجوب كون التسبيح الحقيقي بالألفاظ ms07360 المألوفة لنا وإلا لا يتسنى القول بأن
~~تسبيحها حقيقي مع هذا الوجوب لفقد الألفاظ المألوفة لنا منها. ويجوز أن
~~يقال: إنه / تعالى ألهم الطير تسبيحا مخصوصا يليق بها هو غير التسبيح
~~الحالي الذي هو الدلالة السابقة ويقدر فعل رافع لها يراد منه ذلك المعنى
~~الملهم أي ويسبح الطير. وتخصيص تسبيحها بذلك المعنى بالذكر لما أن
~~أصواتها أظهر وجودا وأقرب حملا على التسبيح لكن التقييد بالحال على هذا
~~حاله في الحسن دون حاله على ما سبق.

# وقرأ الأعرج { والطير } بالنصب على أنه مفعول معه، وقرأ الحسن وخارجة عن
~~نافع { والطير صافات } برفعهما على الابتداء والخبرية، والظاهر على هذه
~~القراءة أن قوله تعالى: { كل قد علم صلاته وتسبيحه }
~~خبر بعد خبر وعلى قراءة الجمهور استئناف جىء به لبيان كمال عراقة كل واحد
~~مما ذكر من الطير وما اندرج في عموم { من فى السموات والأرض
~~} في التنزيه ورسوخ قدمه فيه بتمثيل حاله بحال من يعلم ما يصدر عنه من
~~الأفاعيل فيفعلها عن قصد ونية لا عن اتفاق بلا روية، وقد أدمج سبحانه في
~~تضاعيفه الإشارة إلى أن لكل واحد من الأشياء المذكورة مع ما ذكر من
~~التنزيه حاجة ذاتية إليه تعالى واستفاضة منه عز وجل لما يهمه بلسان
~~استعداده، وتحقيقه أن كل واحد من الموجودات الممكنة في حد ذاته بمعزل عن
~~استحقاق الوجود لكنه مستعد لأن يفيض عليه منه تعالى ما يليق بشأنه من
~~الوجود وما يتبعه من الكمالات ابتداء وبقاء فهو مستفيض منه تعالى على
~~الاستمرار فيفيض عليه في كل آن من فنون الفيوض المتعلقة بذاته وصفاته ما
~~لا يحيط به نطاق البيان بحيث لو انقطع ما بينه وبين العناية الربانية من
~~العلاقة لانعدم بالمرة، وقد عبر عن تلك الاستفاضة المعنوية بالصلاة التي
~~هي الدعاء والابتهال لتكميل التمثيل، وتقديمها على التسبيح في الذكر
~~لتقدمها عليه في الرتبة كذا في «إرشاد العقل السليم»، والكلام عليه
~~استعارة تمثيلية والمضاف إليه الذي ناب عنه تنوين { كل } ما يشمل
~~المذكور المصرح به والمندرج تحت العموم حتى ms07361 الجماد وضمير { علم } وكذا
~~ضميرا { صلاته وتسبيحه } لكل واحد وإليه ذهب الزجاج.

# وزعم بعضهم أنه يكون في { علم } على ذلك استعارة تبعية وقال في بيان
~~ذلك: إنه يشبه دلالة كل واحد من المذكورين على الحق بلسان الحق والمقال
~~وميل كل منهم إلى النفع اختيارا أو طبعا بعلم التسبيح والصلاة فيطلق
~~على كل واحد من تلك الدلالة والميل اسم العلم على سبيل الاستعارة ويشتق
~~منه لفظ علم، ومن له أدنى ذوق لا يرتضيه، وجوز أيضا أن يكون الصلاة
~~مجازا عن الميل والتسبيح مجازا عن الدلالة ومع هذا قيل إنه وإن صح غير
~~مناسب للتمثيل، وزعم بعض أن الأولى أن يجعل المضاف إليه غير شامل للجماد
~~وليس بذاك، وجوز أن يكون ضميرا { صلاته وتسبيحه } لله تعالى
~~على أن الإضافة للمفعول، وجوز أن يكون لكل واحد مما في السموات والأرض
~~ويكون ضمير { علم } لله عز وجل.

# وقال غير واحد: يجوز أن لا يكون هناك استعارة والعلم على حقيقته ويراد
~~به مطلق الإدراك ويراد بما ناب عنه التنوين أنواع الطير أو أفرادها
~~وبالصلاة والتسبيح ما ألهمه الله عز وجل كل واحد من الدعاء والتسبيح
~~المخصوصين به، ولا بعد في هذا الإلهام فقد ألهم سبحانه كل نوع من أنواع
~~الحيوانات علوما دقيقة لا يكاد يهتدي إليها جهابذة العقلاء وهذا مما لا
~~سبيل إلى إنكاره أصلا كيف لا وإن القنفذ مع كونه أبعد الحيوانات من
~~الإدراك قالوا: إنه يحس بالشمال والجنوب قبل هبوبهما فيغير المدخل إلى
~~جحره، والجملة على هذا لبيان كمال الرسوخ في الأمرين وأن صدورهما عن
~~الطير ليس بطريق الاتفاق بلا روية بل عن علم وإتقان نظير ما مر لكن لا
~~على سبيل التمثيل، وقدر فعل رافع للطير / عليه أي ويسبح الطير كما تقدم
~~ولم تجعل معطوفة على { من } مرفوعة برافعها قيل لأنه يؤدي إلى أن يراد
~~بالتسبيح الدال عليه الفعل المذكور معنى مجازي شامل للتسبيح المقالي
~~والحالي من العقلاء وغيرهم، وقد تقدم ما فيه. وجوز جعل ما ناب عنه
~~التنوين ما يشمل الطير ms07362 وغيره من المندرج في العموم السابق، وفيه أن مما
~~اندرج في العموم الجماد ولا ينسب إليه العلم وإن كان بمعنى مطلق الإدراك
~~والتزم أن له علما وأنه سبحانه ألهمه صلاة وتسبيحا لائقين به مما لا
~~يرتضيه كثير من الناس، وقد تقدم لك ما يتعلق بهذا المقام في سورة الإسراء
~~[44] فتذكر.

# وجوز بعضهم على تقدير حمل العلم على المعنى الحقيقي أن يكون عطف التسبيح
~~على الصلاة من عطف التفسير، وأنت تعلم أنه إذا قبل ذلك على ذلك التقدير
~~فما المانع من قبوله على التقدير السابق من جعل الاستعارة تمثيلية، نعم
~~يفوت حينئذ الإدماج الذي أشير إليه فيما مر وهو ليس بمانع، والحق أن
~~احتمال التفسير بعيد ولا داعي إلى ارتكابه بل يفوت عليه ما يفوت كما لا
~~يخفى.

# وقوله تعالى: { والله عليم بما يفعلون } أي بالذي يفعلونه
~~اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله. و { ما } إما عبارة عن الدلالة
~~الشاملة لجميع الموجودات من العقلاء وغيرهم والتعبير عنها بالفعل مسندا
~~إلى ضمير العقلاء لما أشرنا إليه أول الكلام، وإما عبارة عنها وعن
~~التسبيح الخاص بالطير معا أو عن تسبيح الطير فقط فالفعل على حقيقته
~~وإسناده إلى ضمير العقلاء لما مر، والاعتراض حينئذ مقرر لتسبيح الطير
~~فقط وعلى الأولين لتسبيح الكل، وإما عبارة عن الأعم من الصلاة والتسبيح
~~وغيرهما من الأفعال الصادرة عمن في السموات والأرض والأحوال العارضة له
~~والاعتراض حينئذ مقرر لمضمون { كل قد علم } أي الله تعالى صلاته
~~وتسبيحه وأمر التعبير بالفعل والإسناد إلى ضمير العقلاء لا يخفى، ولتعدد
~~الأوجه فيما مر تعددت الاحتمالات هنا فتأمل ولا تغفل.

# وقرأ الحسن وعيسى وسلام وهارون عن أبي عمرو { تفعلون } بتاء الخطاب،
~~وفيه كما قيل وعيد وتخويف ولعل الظاهر أن الخطاب فيه للكفرة، وربما يجوز
~~أن يكون ضمير الجمع على قراءة الجمهور لهم أيضا على أن المراد بالجملة
~~تخويفهم لإعراضهم عن تسبيحه تعالى بعد أن أخبر سبحانه عمن أخبر بأنه قد
~~علم صلاته وتسبيحه، وهذا وإن كان بعيدا إلا أن في القراءة المذكورة نوع ms07363
~~تأييد له.

### || [24.42]

# { ولله ملك السموات والأرض } لا لغيره تعالى
~~استقلالا أو اشتراكا لأنه سبحانه الخالق لهما ولما فيهما من الذوات
~~والصفات وهو المتصرف في جميعها إيجادا وإعداما وإبداء وإعادة، وقوله
~~تعالى: { وإلى الله } أي إليه عز وجل خاصة لا إلى غيره أصلا {
~~المصير } أي رجوع الكل بالفناء والبعث بيان لاختصاص الملك به تعالى
~~في المنتهى إثر بيان اختصاصه به تعالى في المبتدأ، وقيل: إن الجملة لبيان
~~أن ما يرى من ظهور بعض الآثار على أيدي المخلوقات لا ينافي الحصر السابق
~~بإفادة أن الانتهاء إليه تعالى لا إلى غيره ويكفي ذلك في الحصر ولعل
~~الأول أولى، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة
~~والإشعار بعلة الحكم

### || [24.43]

# وقوله تعالى: { ألم تر أن الله يزجى سحابا } الخ
~~كالتأكيد لما قبله والتنوير له. والإزجاء سوق الشيء برفق وسهولة، وقيل:
~~سوق الثقيل برفق وغلب على ما ذكر بعض الأجلة في سوق شيء يسير أو غير معتد
~~به، ومنه البضاعة المزجاة أي المسوقة شيئا بعد شيء على قلة وضعف، وقيل:
~~أي التي تزجي أي تدفع للرغبة عنها. وفي التعبير بيزجي على ما ذكر إيماء
~~إلى أن السحاب / بالنسبة إلى قدرته تعالى مما لا يعتد به، وهو اسم جنس
~~جمعي واحده سحابة، والمعنى كما في «البحر» يسوق سحابة إلى سحابة { ثم
~~يؤلف بينه } بأن يوصل سحابة بسحابة، وقال غير واحد: السحاب واحد
~~كالعماء والمراد يؤلف بين أجزائه وقطعه وهذا لأن بين لا تضاف لغير متعدد
~~وبهذا التأويل يحصل التعدد كما قيل به في قوله: بين الدخول فحومل،
~~واستغنى بعضهم عنه بجعل السحاب اسم جنس جمعي على ما سمعت. وقرأ ورش عن
~~نافع { يؤلف } غير مهموز { ثم يجعله ركاما } أي متراكما
~~بعضه فوق بعض.

# { فترى الودق } أي المطر شديدا كان أو ضعيفا إثر تراكمه
~~وتكاثفه، وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بجيلة عن أبيه أنه فسر الودق
~~بالبرق ولم نره لغيره والذي رأيناه في معظم «التفاسير» و«كتب اللغة» أنه
~~المطر { يخرج من خلاله } أي من ms07364 فتوقه ومخارجه التي حدثت
~~بالتراكم والانعصار وهو جمع خلل كجبال وجبل، وقيل: هو مفرد كحجاب وحجاز،
~~وأيد بقراءة ابن عباس وابن مسعود وابن زيد والضحاك ومعاذ العنبري عن أبي
~~عمرو والزعفراني { من خلله } والمراد حينئذ الجنس. والجملة في موضع
~~الحال من { الودق } لأن الرؤية بصرية، وفي تعقيب الجعل المذكور
~~برؤيته خارجا لا بخروجه من المبالغة في سرعة الخروج على طريقة قوله
~~تعالى:

# فقلنا اضرب بعصاك البحر فانفلق

# [الشعراء: 63] ومن الاعتناء بتقرير الرؤية ما لا يخفى.

# { وينزل من السماء } أي من السحاب فإن كل ما علاك سماء، وكأن
~~العدول عنه إلى السماء للإيماء إلى أن للسمو مدخلا فيما ينزل بناء على
~~المشهور في سبب تكون البرد، وجوز أن يراد بها جهة العلو وللإيماء المذكور
~~ذكرت مع التنزيل { من جبال } أي من قطع عظام تشبه الجبال في العظم
~~على التشبيه البليغ كما في قوله تعالى:

# حتى إذا جعله نارا

# [الكهف: 96] والمراد بها قطع السحاب، ومن الغريب الذي لا تساعده اللغة
~~كما في «الدرر والغرر الرضوية» قول الأصبهاني: إن الجبال ما جبله الله
~~تعالى أي خلقه من البرد { فيها } أي في السماء، والجار والمجرور في
~~موضع الصفة لجبال، وقوله تعالى: { من برد } وهو معروف، وسمي بردا
~~لأنه يبرد وجه الأرض أي يقشره من بردت الشيء بالمبرد مفعول { ينزل }
~~على أن (من) تبعيضية، وقيل: زائدة على رأي الأخفش والأوليان لابتداء
~~الغاية، والجار والمجرور الثاني بدل من الأول بدل اشتمال أو بعض أي ينزل
~~مبتدأ من السماء من جبال كائنة فيها بعض برد أو بردا.

# وزعم الحوفي أن (من) الثانية للتبعيض كالثالثة مع قوله بالبدلية وهو خطأ
~~ظاهر، وقيل: (من) الأولى ابتدائية والثانية للتبعيض واقعة موقع المفعول،
~~وقيل: زائدة على رأي الأخفش أيضا والثالثة للبيان أي ينزل مبتدأ من
~~السماء بعض جبال أو جبالا كائنة فيها التي هي برد فالمنزل برد، وعن
~~الأخفش أن { من } الثانية و(من) الثالثة زائدتان وكل من المجرورين في
~~محل نصب أما الأول فعلى المفعولية لينزل وأما الثاني فعلى البدلية منه ms07365 أي
~~ينزل من السماء جبالا بردا ومآله ينزل من السماء بردا. وقال الفراء:
~~هما زائدتان إلا أن المجرور بأولاهما في موضع نصب على المفعولية والمجرور
~~بثانيتهما في موضع رفع إما على أنه مبتدأ و { فيها } خبره والضمير من {
~~فيها } للجبال أي ينزل من السماء جبالا في تلك الجبال برد لا شيء آخر
~~من حصى وغيره، وإما على أنه فاعل { فيها } لأنه قد اعتمد على الموصوف
~~أعني الجبال وضميره راجع إليها أيضا:

# والمراد بالجبال على غير ما قول الكثرة مجازا وقد جاء استعمالها فيها
~~كذلك في قول ابن مقبل:

# / إذا مت عن ذكر القوافي فلن ترى

# لها شاعرا مني أطب وأشعرا

# وأكثر بيتا شاعر ضربت له

# بطون جبال الشعر حتى تيسرا

# ويقال: عنده جبل من ذهب وجبل من علم. وعن مجاهد والكلبي وأكثر المفسرين
~~أن المراد بالسماء المظلة وبالجبال حقيقتها قالوا: إن الله تعالى خلق في
~~السماء جبالا من برد كما خلق في الأرض جبالا من حجر وليس في العقل ما
~~ينفيه من قاطع فيجوز إبقاء الآية على ظاهرها كما قيل، والمشهور بين أهل
~~الحكمة أن انبعاث قوى السماويات وأشعتها قد يوجب تصعيد أجسام لطيفة
~~مرتفعة عن الماء ممتزجة مع الهواء وهي التي تسمى بخارا ولثقله بالنسبة
~~إلى الدخان لرطوبته ويبس الدخان يقف في حيز الهواء بحيث لا يكون واصلا
~~إليه الحرارة الكائنة من الشعاع المنعكس عن جرم الأرض ويكون متباعدا عن
~~المتسخن بحرارة النار فيبقى في الطبقة الباردة من الهواء فيبرد ويتكاثف
~~بالتصاعد شيئا فشيئا فيرتكم منه سحاب فيقطر مطرا إما كله أو بعضه
~~ويتفرق بعضه لبقائه على صورته الهوائية واستحالة ما قطر إلى صورته
~~المائية فإن طالت مسافتها اتصلت فكانت قطراتها أكبر وإن اشتد البرد عليها
~~صارت بردا أو نزلت ثلجا وامتنع تصاعد البخار عند ذلك فيبرد وجه الأرض
~~مع برد الجو فيكون من ذلك البرد القوي فإن صادف ريحا اشتد البرد
~~لإزالتها البخار الأرضي وإن لم يصادف ريحا أذاب البخار الثلج وسخن وجه
~~الأرض، وذكروا أنه كلما طالت ms07366 المسافة حتى اتصلت وكبرت القطرات وصادف
~~البرد كان البرد أكبر مقدارا وقد ينعقد المطر بردا داخل السحاب ثم ينزل
~~وذلك في الربيع عندما يصيبه سخونة من خارجه فتبطن البرودة في داخله عند
~~انحلاله قطرات فيجمد وقد يكون البخار أكثر تكاثفا فلا يقوى على الارتفاع
~~ويبرد بسرعة بما يوافيه من برد الليل لعدم الشعاع، وليس بحيث يصير سحابا
~~فيكون منه الطل وقد يجمد في الأعالي قبل تراكمه فيكون منه الصقيع وقد
~~يتكاثف الهواء لإفراط البرد فينعقد سحابا ويمطر بحاله، والحق أن كل ذلك
~~مستند إلى إرادة الله عز وجل ومشيئته سبحانه المبنية على الحكم والمصالح
~~والأسباب التي ذكرت عادية ولا أرى بأسا بالقول بذلك، وباعتبار أن أول
~~الأسباب القوى السماوية وأشعتها صح أن يقال: إن الإنزال مبتدأ من السماء
~~على ما أشار إليه العلامة البيضاوي في الكلام على سورة البقرة، وحمل
~~الآية على ما يوافق المشهور لا يخل بجزالتها بل هي عليه أجزل وعن شكوك
~~العوام أبعد لا سيما أهل الجبال الذين قد يمطرون وينزل على أرضهم البرد
~~وهم فوق الجبال في الشمس.

# { فيصيب به } أي بما ينزل من البرد { من يشآء } أي يصيبه
~~فيناله ما يناله من ضرر في ماله ونفسه { ويصرفه عن من يشاء }
~~أن يصرفه عنه فينجو من غائلته. ورجوع الضميرين إلى البرد هو الظاهر. وفي
~~«البحر» يحتمل رجوعهما إلى الودق والبرد وجرى فيهما مجرى اسم الإشارة
~~كأنه قيل فيصيب بذلك ويصرف ذلك والمطر أغلب في الإصابة والصرف وأبلغ في
~~المنفعة والامتنان اه وفيه بعد ومنع ظاهر.

# { يكاد سنا برقه } أي ضوء برق السحاب الموصوف بما مر من
~~الإزجاء والتأليف وغيرهما، وإضافة البرق إليه قبل الإخبار بوجوده فيه
~~للإيذان بظهور أمره واستغنائه على التصريح به وعلى ما سمعت عن أبي بجيلة
~~لا يحتاج إلى هذا ورجوع الضمير إلى البرد أي برق البرد الذي يكون معه ليس
~~بشيء، وتقدم الكلام في حقيقة البرق فتذكر.

# وقرأ طلحة بن مصرف { سناء } ممدودا { برقه } بضم الباء وفتح الراء
~~جمع برقة بضم الباء ms07367 وهي المقدار / من البرق كالغرفة واللقمة، وعنه أيضا
~~أنه قرأ { برقه } بضم الباء والراء أتبع حركة الراء لحركة الباء كما
~~قيل نظيره في

# ظلمت

# [النور: 40] والسناء ممدودا بمعنى العلو وارتفاع الشأن، وهو هنا كناية
~~عن قوة الضوء، وقرىء { يكاد سنا } بإدغام الدال في السين.

# { يذهب بالأبصر } أي يخطفها من فرط الإضاءة وسرعة ورودها؛
~~وفي إطلاق الأبصار مزيد تهويل لأمره وبيان لشدة تأثيره فيها كأنه يكاد
~~يذهب بها ولو عند الإغماض، وهذا من أقوى الدلائل على كمال القدرة من حيث
~~إنه توليد للضد من الضد.

# وقرأ أبو جعفر { يذهب } بضم الياء وكسر الهاء، وذهب الأخفش وأبو حاتم
~~إلى تخطئته في هذه القراءة قالا: لأن الباء تعاقب الهمزة، ولا يجوز
~~اجتماع أداتي تعدية، وقد أخطآ في ذلك لأنه لم يكن ليقرأ إلا بما روي وقد
~~أخذ القراءة عن سادات التابعين الآخذين عن جلة الصحابة أبي وغيره رضي
~~الله تعالى عنهم ولم ينفرد هو بها كما زعم الزجاج بل قرأ أيضا كذلك شيبة
~~وخرج ذلك على زيادة الباء أي يذهب الأبصار وعلى أن الباء بمعنى من كما في
~~قوله:

# فلثمت فاها قابضا بقرونها

# شرب النزيف ببرد ماء الحشرج

# والمفعول محذوف أي يذهب النور من الأبصار، وأجاز الحريري كما نقل عنه
~~الطيبي الجمع بين أداتي تعدية.

### || [24.44]

# { يقلب الله اليل والنهار } بإتيان أحدهما بعد الآخر،
~~أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد وغيرهما
~~مما يقع فيهما من الأمور التي من جملتها ما ذكر من إزجاء السحاب وما ترتب
~~عليه، وكأن الجملة على هذا استئناف لبيان الحكمة فيما مر، وعلى الأولين
~~استئناف لبيان أنه عز وجل لا يتعاصاه ما تقدم من الإزجاء وما بعده، وقيل
~~هي معطوفة على ما تقدم داخلة في حيز الرؤية وأسقط حرف العطف لقصد التعداد
~~وهو كما ترى.

# { إن فى ذلك } إشارة إلى ما فصل آنفا، وما فيه من معنى البعد مع
~~قرب المشار إليه للإيذان بعلو رتبته وبعد منزلته { لعبرة } لدلالة
~~واضحة على وجود الصانع القديم ووحدته ms07368 وكمال قدرته وإحاطة علمه بجميع
~~الأشياء ونفاذ مشيئته وتنزهه عما لا يليق بشأنه العلي، ودلالة ذلك على
~~الوحدة بواسطة برهان التمانع وإلا ففيه خفاء بخلاف دلالته على ما عدا ذلك
~~فإنها واضحة { لأولى الأبصر } أي لكل من له بصيرة يراجعها
~~ويعملها فالأبصار هنا جمع بصر بمعنى البصيرة بخلافها فيما سبق. وقيل: هو
~~بمعنى البصر الظاهر كما هو المتبادر منه، والتعبير بذلك دون البصائر
~~للإيذان بوضوح الدلالة.

# وتعقب بأنه يلزم عليه ذهاب حسن التجنيس وارتكاب ما هو كالإيطاء. واشتهر
~~أنه ليس في القرآن جناس تام غير ما في قوله تعالى:

# ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا
~~غير ساعة

# [الروم: 55] وفيه كلام نقله السيوطي في «الإتقان» ناشىء عند من دقق
~~النظر من عدم الإتقان، واستنبط شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني موضعا آخر
~~وهو هذه الآية الكريمة وهو لا يتم إلا على ما قلنا، وأشار إليه البيضاوي
~~وغيره ولعل من اختار المتبادر راعى أن حسن تلك الإشارة فوق حسن التجنيس
~~فتأمل.

### || [24.45]

# { والله خلق كل دابة } أي كل حيوان يدب على الأرض،
~~وأدخلوا في ذلك الطير والسمك، وظاهر كلام بعض أئمة التفسير أن الملائكة
~~والجن / يدخلون في عموم الدابة، ولعلها عنده كل ما دب وتحرك مطلقا ومعظم
~~اللغويين يفسرها بما سمعت، والتاء فيها للنقل إلى الاسمية لا للتأنيث،
~~وقيل دابة واحد داب كخائنة وخائن. وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب والأعمش
~~{ خلق } اسم فاعل { كل دابة } بالجر بالإضافة { من ماء }
~~هو جزء مادته وخصه بالذكر لظهور مزيد احتياج الحيوان بعد كمال تركيبه
~~إليه وأن امتزاج الأجزاء الترابية به إلى غير ذلك، أو ماء مخصوص هو
~~النطفة فالتنكير على الأول للإفراد النوعي، وعلى الثاني للإفراد الشخصي.
~~وجوز أن يكون عليهما لذلك، وكلمة { كل } على الثاني للتكثير كما في
~~قوله تعالى:

# يجبى إليه ثمرات كل شىء

# [القصص: 57] لأن من الدواب ما يتولد لا عن نطفة. وزعم بعضهم أنها على
~~الأول لذلك أيضا بناء على شمول الدابة للملائكة المخلوقين من نور وللجن
~~المخلوقين من نار، وادعى ms07369 أيضا أن من الإنس من لم يخلق من ماء أيضا وهو
~~آدم وعيسى عليهما السلام فإن الأول خلق من التراب والثاني خلق من الروح
~~ولا يخفى ما فيه، وجوز أن يعتبر العموم في { كل } ويراد بالدابة ما
~~يخلق بالتوالد بقرينة من ماء أي نطفة وفيه بحث وقيل ما من شيء دابة كان
~~أو غيره إلا وهو مخلوق من الماء فهو أصل جميع المخلوقات لما روي أن أول
~~ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ثم خلق من ذلك
~~الماء النار والهواء والنور وخلق منها الخلق، وأيا ما كان فمن متعلقة
~~بخلق. وقال القفال واستحسنه الإمام: هي متعلقة بمحذوف وقع صفة لدابة
~~فالمراد الإخبار بأنه تعالى خلق كل دابة كائنة أو متولدة من الماء فعموم
~~الدابة عنده مخصص بالصفة وعموم { كل } على ظاهره. والظاهر أنه متعلق
~~بخلق وهو أوفق بالمقام كما لا يخفى على ذوي الأفهام. وتنكير الماء هنا
~~وتعريفه في قوله تعالى:

# وجعلنا من الماء كل شىء حى

# [الأنبياء: 30] لأن القصد هنا إلى معنى الإفراد شخصا أو نوعا والقصد
~~هناك إلى معنى الجنس وأن حقيقة الماء مبدأ كل شيء حي.

# { فمنهم من يمشى على بطنه } كالحيات والسمك وتسمية
~~حركتها مشيا مع كونها زحفا مجاز للمبالغة في إظهار القدرة وأنها تزحف
~~بلا آلة كشبه المشي وأقوى، ويزيد ذلك حسنا ما فيه من المشاكلة لذكر
~~الزاحف مع الماشين، ونظير ما هنا من وجه قوله تعالى:

# يد الله فوق أيديهم

# [الفتح:10] على رأي { ومنهم من يمشى على رجلين }
~~كالإنس والطير { ومنهم من يمشى على أربع } كالنعم
~~والوحش.

# والظاهر أن المراد أربع أرجل فيفيد إطلاق الرجل على ما تقدم من قوائم
~~ذوات القوائم الأربع وقد جاء إطلاق اليد عليه وعدم ذكر من يمشي على أكثر
~~من أربع كالعناكب وأم أربع وأربعين وغير ذلك من الحشرات لعدم الاعتداد
~~بها مع الإشارة إليها بقوله سبحانه: { يخلق الله ما يشاء } أي
~~مما ذكر ومما لم يذكر بسيطا كان أو مركبا على ما يشاء ms07370 من الصور
~~والأعضاء والحركات والطبائع والقوى والأفاعيل.

# وزعم الفلاسفة أن اعتماد ماله أكثر من أربع من الحيوان إنما هو على أربع
~~ولا دليل لهم على ذلك. وفي مصحف أبي (ومنهم من يمشي على أكثر) وهو ظاهر
~~في خلاف ما يزعمون لكنه لم يثبت قرآنا. وتذكير الضمير في { منهم }
~~لتغليب العقلاء، وبنى على تغليبهم في الضمير التعبير بمن واقعة على ما لا
~~يعقل قاله الرضي، وظاهر بعض العبارات يشعر باعتبار التغليب في { كل
~~دابة } وليس بمراد بل المراد أن ذلك لما شمل العقلاء وغيرهم على طريق
~~الاختلاط لزم اعتبار ذلك في الضمير العائد عليه وتغليب العقلاء فيه،
~~ويفهم من كلام بعض المحققين أن / لا تغليب في { من } الأولى والثالثة
~~بل هو في الثانية فقط، وقد يقال: لا تغليب في الثلاثة بعد اعتباره في
~~الضمير فتدبر. وترتيب الأصناف حسبما رتبت لتقديم ما هو أعرف في القدرة؛
~~ولا ينافي ذلك كون المشي على البطن بمعنى الزحف مجازا كما توهم. وإظهار
~~الاسم الجليل في موضع الإضمار لتفخيم شأن الخلق المذكور والإيذان بأنه من
~~أحكام الألوهية، والإظهار في قوله سبحانه: { إن الله على كل
~~شىء قدير } أي فيفعل ما يشاء كما يشاء لذلك أيضا مع تأكيد استقلال
~~الاستئناف التعليلي.

### || [24.46]

# { لقد أنزلنا ءايت مبينت } أي لكل ما يليق بيانه من
~~الأحكام الدينية والأسرار التكوينية أو واضحات في أنفسها، وهذا كالمقدمة
~~لما بعده ولذا لم يأت بالعاطف فيه كما أتى سبحانه به فيما مر من قوله
~~تعالى:

# ولقد أنزلنا إليكم ءايت مبينت ومثلا من
~~الذين خلوا

# [النور: 34] الآية، ومن اختلاف المساق يعلم وجه ذكر { إليكم } هناك
~~وعدم ذكره هنا. { والله يهدى من يشاء } هدايته بتوفيقه للنظر
~~الصحيح فيها والتدبر لمعانيها { إلى صرط مستقيم } موصل إلى
~~حقيقة الحق والفوز بالجنة.

### || [24.47]

# { ويقولون ءامنا بالله وبالرسول } شروع في بيان أحوال
~~بعض من لم يشأ الله تعالى هدايته إلى صراط مستقيم وهم صنف من الكفرة الذي
~~سبق وصف أعمالهم. أخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة أنها نزلت في المنافقين ms07371
~~وروي عن الحسن نحوه، وقيل نزلت في بشر المنافق دعاه يهودي في خصومة
~~بينهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا هو اليهودي إلى كعب بن
~~الأشرف ثم تحاكما إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فحكم لليهودي فلم
~~يرض المنافق بقضائه عليه الصلاة والسلام وقال: نتحاكم إلى عمر رضي الله
~~تعالى عنه فلما ذهبا إليه قال له اليهودي: قضى لي النبي صلى الله عليه
~~وسلم فلم يرض بقضائه فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ فقال: نعم فقال: مكانكما
~~حتى أخرج إليكما فدخل رضي الله تعالى عنه بيته وخرج بسيفه فضرب عنق ذلك
~~المنافق حتى برد وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله تعالى ورسوله صلى
~~الله عليه وسلم فنزلت، وقال جبريل عليه السلام: إن عمر فرق بين الحق
~~والباطل فسمى لذلك الفاروق، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
~~وقال الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي كرم الله تعالى
~~وجهه خصومة في أرض فتقاسما فوقع لعلي ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة فقال
~~المغيرة: بعني أرضك فباعها إياه وتقابضا فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا
~~ينالها الماء فقال لعلي كرم الله تعالى وجهه: اقبض أرضك فإنما اشتريتها
~~إن رضيتها ولم أرضها فإن الماء لا ينالها فقال علي: قد اشتريت ورضيتها
~~وقبضتها وأنت تعرف حالها لا أقبلها منك ودعاه إلى أن يخاصمه إلى رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما محمد فلست آتيه فإنه يبغضني وأنا أخاف
~~أن يحيف علي فنزلت، وعلى هذا وما قبله جميع الضمير لعموم الحكم أو لأن مع
~~القائل طائفة يساعدونه ويشايعونه في تلك المقالة كما في قولهم بنو فلان
~~قتلوا قتيلا والقاتل واحد منهم.

# وإعادة الباء للمبالغة في دعوى الإيمان وكذا التعبير عنه صلى الله عليه
~~وسلم بعنوان الرسول وقولهم مع ذلك { وأطعنا } أي وأطعنا الله تعالى
~~والرسول صلى الله عليه وسلم في الأمر والنهي { ثم يتولى } أي
~~يعرض عما يقتضيه هذا القول من قبول الحكم الشرعي عليه { فريق منهم ms07372
~~من بعد ذلك } أي من بعدما صدر عنهم من ادعاء الإيمان بالله تعالى
~~وبالرسول صلى الله عليه وسلم والطاعة لهما، وما في ذلك من معنى البعد
~~للإيذان بكونه أمرا معتدا به واجب المراعاة.

# { وما أولئك } إشارة إلى القائلين { آمنا } الخ وهم
~~المنافقون / جميعهم لا إلى الفريق المتولي منهم فقط، وما فيه من معنى
~~البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الكفر والفساد أي وما أولئك الذين يدعون
~~الإيمان والطاعة ثم يتولى بعضهم الذين يشاركونهم في العقد والعمل {
~~بالمؤمنين } أي المؤمنين حقيقة كما يعرب عنه اللام أي ليسوا
~~بالمؤمنين المعهودين بالإخلاص والثبات عليه، ونفي الإيمان بهذا المعنى
~~عنهم مقتض لنفيه عن الفريق على أبلغ وجه وآكده ولذا اختير كون الإشارة
~~إليهم، وجوز أن تكون للفريق على أن المراد بهم فريق منافقون، وضمير {
~~يقولون } للمؤمنين مطلقا، والحكم على أولئك الفريق بنفي الإيمان
~~لظهور أمارة التكذيب الذي هو التولي منهم، و { ثم } على هذا حسبما
~~قرره الطيبي للاستبعاد كأنه قيل كيف يدخلون في زمرة المؤمنين الذين
~~يقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يعرضون ويتجاوزون عن فريق المؤمنين
~~ويرغبون عن تلك المقالة وهذا بعيد عن العاقل المميز، وعلى الأول حسبما
~~قرره أيضا للتراخي في الرتبة إيذانا بارتفاع درجة كفر الفريق المتولي
~~عنهم انحطاط درجة أولئك.

# وفي «الكشف» أن الكلام على تقدير كون الإشارة إلى القائلين لا إلى
~~الفريق المتولي وحده كالاستدراك وفيه دلاله على توغل المتولين في الكفر
~~وأصل الكفر وشامل للطائفتين، وأما على تقدير اختصاص الإشارة بالمتولين
~~ففائدة { ثم } استبعاد التولي بعد تلك المقالة، وفائدة الإخبار إظهار
~~أنهم لم يثبتوا على قولهم كأنه قيل: يقولون هذا ثم يوجد فيهم ما يضاده
~~فلا يكون في دليل خطابه أن غيرهم مؤمن انتهى، وعليه فضمير { يقولون }
~~للمنافقين الشاملين للفريق المتولي لا للمؤمنين مطلقا على الوجهين
~~فتأمل.

### || [24.48]

# { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم }
~~أي وبين خصومهم، وضمير { يحكم } للرسول عليه الصلاة والسلام، وجوز أن
~~يكون الضمير عائدا إلى ما يفهم من الكلام أي المدعو إليه وهو شامل ms07373 لله
~~تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام لكن المباشر للحكم هو الرسول صلى الله
~~عليه وسلم، وذكر الله تعالى على الوجهين لتفخيمه عليه الصلاة والسلام
~~والإيذان بجلالة محله عنده تعالى وأن حكمه في الحقيقة حكم الله عز وجل
~~فقد قالوا: إنه إذا ذكر اسمان متعاطفان والحكم إنما هو لأحدهما كما في
~~نحو قوله تعالى:

# يخدعون الله والذين ءامنوا

# [البقرة: 9] أفاد قوة اختصاص المعطوف بالمعطوف عليه وإنهما بمنزلة شيء
~~واحد بحيث يصح نسبة أوصاف أحدهما وأحواله إلى الآخر، وضمير { دعوا }
~~يعود إلى ما يعود إليه ضمير

# يقولون

# [النور: 47] أي وإذا دعي المنافقون أو المؤمنون مطلقا { إذا فريق
~~منهم معرضون } أي فاجأ فريق منهم الإعراض عن المحاكمة إليه
~~عليه الصلاة والسلام لكون الحق عليهم وعلمهم بأنه صلى الله عليه وسلم لا
~~يحكم إلا بالحق، والجملة الشرطية شرح للتولي ومبالغة فيه حيث أفادت
~~مفاجأتهم الإعراض عقب الدعوة دون الحكم عليهم مع ما في الجملة الاسمية
~~الواقعة جزاء من الدلالة على الثبوت والاستمرار على ما هو المشهور،
~~والتعبير ببينهم دون عليهم لأن المتعارف قول أحد المتخاصمين للآخر: اذهب
~~معي إلى فلان ليحكم بيننا لا عليك وهو الطريق المنصف، وقيل: هذا الإعراض
~~إذا اشتبه عليهم الأمر، ولذا قال سبحانه: { بينهم } لا عليهم وفي
~~ذلك زيادة في المبالغة في ذمهم وفيه بحث.

### || [24.49]

# { وإن يكن لهم الحق } أي لا عليهم كما يؤذن به تقديم الخبر
~~{ يأتوا إليه } أي إلى الرسول / صلى الله عليه وسلم {
~~مذعنين } منقادين لعلمهم بأنه عليه الصلاة والسلام يحكم لهم،
~~والظاهر تعلق إلى بيأتوا.

# وجوز تعلقها بمذعنين على أنها بمعنى اللام أو على تضمين الإذعان معنى
~~الإسراع وفسره الزجاج بالإسراع مع الطاعة، وتقديم المعمول للاختصاص أو
~~للفاصلة أو لهما، وعبر بإذا فيما مر إشارة إلى تحقق الشرط وبأن هنا إشارة
~~إلى عدم تحققه وفي ذلك أيضا ذم لهم.

### || [24.50]

# وقوله تعالى: { أفى قلوبهم مرض أم ارتابوا أم
~~يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله } ترديد لسبب
~~الإعراض المذكور فمدار الاستفهام ما يفهم من الكلام كأنه ms07374 قيل: أسبب
~~إعراضهم عن المحاكمة إليه صلى الله عليه وسلم أنهم مرضى القلوب لكفرهم
~~ونفاقهم أم سببه أنهم ارتابوا وشكوا في أمر نبوته عليه الصلاة والسلام مع
~~ظهور حقيتها أم سببه أنهم يخافون أن يحيف ويجور الله تعالى شأنه عليهم
~~ورسوله صلى الله عليه وسلم.

# وهذا نظير قولك أفيه مرض أم غاب عن البلد أم يخاف من الواشي بعد قول:
~~هجر الحبيب مثلا فإن كون المعنى أسبب هجره أن فيه مرضا أم سببه أنه غاب
~~عن البلد أم سببه أنه يخاف من الواشي ظاهر جدا وهو كثير في المحاورات
~~إلا أن الاستفهام في الآية إنكاري وهو لإنكار السببية.

# وقوله تعالى: { بل أولئك هم الظلمون } تعيين للسبب بعد
~~إبطال سببية جميع ما تقدم ففيه تأكيد لما يفيده الاستفهام كأنه قيل: ليس
~~شيء ما ذكر سببا لذلك الإعراض، أما الأولان فلأنه لو كان شيء منهما
~~سببا له لأعرضوا عن المحاكمة إليه صلى الله عليه وسلم عند كون الحق لهم
~~ولما أتوا إليه عليه الصلاة والسلام مذعنين لحكمه لتحقق نفاقهم وارتيابهم
~~حينئذ أيضا، وأما الثالث فلانتفائه رأسا حيث كانوا لا يخافون الحيف
~~أصلا لمعرفتهم بتفاصيل أحواله عليه الصلاة والسلام في الأمانة والثبات
~~على الحق بل سبب ذلك أنهم هم الظالمون يريدون أن يظلموا من الحق له عليهم
~~ولا يتأتى مرامهم مع الانقياد إلى المحاكمة إليه عليه الصلاة والسلام
~~فيعرضون عنها لأنه صلى الله عليه وسلم يقضي بالحق عليهم، فمناط النفي
~~المستفاد من الاستفهام الإنكاري والإضراب الإبطالي في الأولين هو وصف
~~سببيتهما للإعراض فقط مع تحققهما في نفسهما، وفي الثالث هو الأصل والوصف
~~جميعا، وإذا خص الارتياب بما له جهة مصححة لعروضه لهم في الجملة كما فعل
~~البعض حيث جعل المعنى أم ارتابوا بأن رأوا منه صلى الله عليه وسلم تهمة
~~فزالت ثقتهم ويقينهم به عليه الصلاة والسلام كان مناط النفي في الثاني
~~كما في الثالث كذا قرره بعض الأجلة، و { أم } عليه متصلة وقد ذهب إلى
~~أنها كذلك الزمخشري والبيضاري حيث جعلا ما ms07375 تقدم تقسيما لسبب الإعراض إلا
~~أن الأول جعل الإضراب عن الأخير من الأمور الثلاثة ووجه بأنه أدل على ما
~~كانوا عليه وأدخل في الإنكار من حيث إنه يناقض تسرعهم إليه صلى الله عليه
~~وسلم إذا كان الحق لهم على الغير، والثاني جعله إضرابا عن الأخيرين منها
~~لتحقيق القسم الأول، وقال: وجه التقسيم أن امتناعهم عن المحاكمة إليه صلى
~~الله عليه وسلم إما أن يكون لخلل فيهم أو في الحاكم، والثاني إما أن يكون
~~محققا أو متوقعا وفسر الارتياب برؤية مثل تهمة تزيل يقينهم ثم قال:
~~وكلاهما باطلان فتعين الأول.

# أما الأول فظاهر. وأما الثاني فلأن منصب النبوة وفرط أمانته عليه الصلاة
~~والسلام يمنعه وظلمهم يعم خلل عقيدتهم وميل نفوسهم إلى الحيف.

# وقال العلامة الطيبي: الحق أن بل إضراب عن نفس التقسيم وهو إضراب
~~انتقالي، كأنه قيل: دع التقسيم / فإنهم هم الكاملون في الظلم الجامعون
~~لتلك الأوصاف فلذلك صدوا عن حكومتك يدل عليه الإتيان باسم الإشارة
~~والخطاب وتعريف الخبر بلام الجنس وتوسيط ضمير الفصل، ونقل عن الإمام ما
~~يدل على أن (أم) منقطعة قال: أثبتهم على كل واحد من هذه الأوصاف فكان في
~~قلوبهم مرض وهو النفاق فكان فيها ارتياب فكانوا يخافون الحيف، ووجه
~~الإضراب أن كلا مسبب عن الآخر علم على وجوده وزيادة، واعترض بأنه لا يجب
~~التسبب إلا أن يدعي في هذه المادة خصوصا، وصرح أبو حيان بأنها منقطعة
~~وبأن الاستفهام للتوقيف والتوبيخ ليقروا بأحد هذه الأوجه التي عليهم في
~~الإقرار بها ما عليهم ويستعمل في الذم والمدح كما في قوله:

# ألست من القوم الذين تعاهدوا

# على اللؤم والفحشاء في سالف الدهر

# وقوله:

# ألستم خير من ركب المطايا

# وأندى العالمين بطون راح

# ولا يخفى أن الأظهر أنها متصلة والتلازم بين الأمور الثلاثة ممنوع على
~~أنه لا يضر وأن معنى الآية ما ذكرناه أولا، وتقديم { عليهم } على
~~الرسول لتأكيد أن حكمه عليه الصلاة والسلام هو حكم الله تعالى، ووجه
~~اختلاف أساليب الجمل يظهر بأدنى تأمل.

### || [24.51]

# وقوله سبحانه: { إنما كان ms07376 قول المؤمنين إذا دعوا
~~إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا
~~سمعنا وأطعنا } جار على عادته تعالى في اتباع ذكر المحق المبطل
~~والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكاره لما لا ينبغي، ونصب { قول } على أنه
~~خبر (كان) و(إن) مع ما في حيزها في تأويل مصدر اسمها، ونص سيبويه في مثل
~~ذلك على جواز العكس فيرفع { قول } على الاسمية وينصب المصدر الحاصل من
~~السبك على الخبرية. وقد قرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن أبي إسحق
~~والحسن برفع { قول } على ذلك، قال الزمخشري: والنصب أقوى لأن الأولى
~~للاسمية ما هو أوغل في التعريف وذلك هو المصدر الذي أول به { أن
~~يقولوا } لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف { قول المؤمنين }
~~فإنه يحتمله كما إذا اختزلت عنه الإضافة، وقيل في وجه أعرفيته أنه لا
~~يوصف كالضمير، ولا يخفى أنه لا دخل له في الأعرفية، ثم أنت تعلم أن
~~المصدر الحاصل من سبك (أن) والفعل لا يجب كونه مضافا في كل موضع ألا ترى
~~أنهم قالوا في قوله تعالى:

# وما كان هذا القرءان أن يفترى

# [يونس: 37] إنه بمعنى ما كان هذا القرآن افتراء. وذكر أن جواز تنكيره
~~مذهب الفارسي وهو متعين في نحو أن يقوم رجل إذ هومؤول قطعا بقيام رجل
~~وهو نكرة بلا ريب.

# وفي «إرشاد العقل السليم» أن النصب أقوى صناعة لكن الرفع أقعد معنى
~~وأوفى لمقتضى المقام لما أن مصب الفائدة وموقع البيان في الجمل هو الخبر
~~فالأحق بالخبرية ما هو أكثر إفادة وأظهر دلالة على الحدوث وأوفر اشتمالا
~~على نسب خاصة بعيدة من الوقوع في الخارج وفي ذهن السامع ولا ريب في أن
~~ذلك ههنا في (أن) مع ما في حيزها أتم وأكمل فإذن هو أحق بالخبرية، وأما
~~ما تفيده الإضافة من النسبة المطلقة الإجمالية فحيث كانت قليلة الجدوى
~~سهلة الحصول خارجا وذهنا كان حقها أن تلاحظ ملاحظة مجملة وتجعل عنوانا
~~للموضوع فالمعنى إنما كان مطلق القول الصادر عن المؤمنين إذا دعوا إلى
~~الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ms07377 ليحكم بينهم وبين خصومهم أن يقولوا
~~سمعنا الخ أي خصوصية هذا القول المحكي عنهم لا قولا آخر أصلا، وأما
~~النصب فالمعنى عليه إنما كان قولا للمؤمنين خصوصية قولهم { سمعنا }
~~الخ ففيه من جعل أخص النسبتين وأبعدهما / وقوعا وحضورا في الأذهان
~~وأحقهما بالبيان مفروغا عنها عنوانا للموضوع وإبراز ما هو بخلافها في
~~معرض القصد الأصلي ما لا يخفى انتهى.

# وبحث فيه بعضهم بأن مساق الآية يقتضي أن يكون قول المؤمنين سمعنا وأطعنا
~~في مقابلة إعراض المنافقين فحيث ذم ذلك على أتم وجه ناسب أن يمدح هذا،
~~ولا شك أن الأنسب في مدحه الإخبار عنه لا الإخبار به فينبغي أن يجعل {
~~أن يقولوا سمعنا وأطعنا } اسم كان و { قول
~~المؤمنين } خبرها وفي ذلك مدح لقولهم { سمعنا وأطعنا } إذ
~~معنى كونه قول المؤمنين أنه قول لائق بهم ومن شأنهم على أن الأهم
~~بالإفادة كون ذلك القول الخاص هو قولهم: { إذا دعوا إلى الله
~~ورسوله ليحكم بينهم } أي قولهم المقيد بما ذكر ليظهر أتم
~~ظهور مخالفة حال قولهم { سمعنا وأطعنا } وحال قول المنافقين

# آمنا بالله وبالرسول وأطعنا

# [النور: 47] فتدبر فإنه لا يخلو عن دغدغة. والظاهر أن المراد من {
~~أطعنا } هنا من غير المراد منه فيما سبق فكأنهم أرادوا سمعنا كلامكم
~~وأطعنا أمركم بالذهاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينكم
~~وبيننا، وقيل المعنى قبلنا قولكم وانقدنا له وأجبنا إلى حكم الله تعالى
~~ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعن ابن عباس ومقاتل أن المعنى سمعنا قول
~~النبي صلى الله عليه وسلم وأطعنا أمره، وقيل المراد من الطاعة الثبوت أو
~~الإخلاص لتغاير ما مر وهو كما ترى.

# وقرأ الجحدري وخالد بن إلياس { ليحكم } بالبناء للمفعول مجاوبا
~~لدعوا، وكذلك قرأ أبو جعفر هنا وفيما مر ونائب الفاعل ضمير المصدر أي
~~ليحكم هو أي الحكم، والمعنى ليفعل الحكم كما في قوله تعالى:

# وحيل بينهم

# [سبأ: 54]. { وأولئك } إشارة إلى المؤمنين باعتبار صدور القول
~~المذكور عنهم، ومافيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبتهم وبعد منزلتهم في
~~الفضل أي ms07378 وأولئك المنعوتون بما ذكر من النعت الجليل { هم
~~المفلحون } أي هم الفائزون بكل مطلوب والناجون عن كل محذور.

### || [24.52]

# { ومن يطع الله ورسوله } استئناف جيء به لتقرير مضمون ما
~~قبله من حسن حال المؤمنين وترغيب من عداهم في الانتظام في سلكهم أي ومن
~~يطع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كائنا من كان فيما أمرا به من
~~الأحكام اللازمة والمتعدية، وعن ابن عباس أنه قال: ومن يطع الله ورسوله
~~في الفرائض والسنن وهو يحتمل اللف والنشر وعلى ذلك جرى في «البحر» {
~~ويخش الله } على ما مضى من ذنوبه { ويتقه } فيما يستقبل {
~~فأولئك } الموصوفون بما ذكر من الطاعة والخشية والاتقاء { هم
~~الفائزون } بالنعيم المقيم لا من عداهم.

# وقرأ أبو جعفر وقالون عن نافع ويعقوب { ويتقه } بكسر القاف وكسر
~~الهاء من غير إشباع. وقرأ أبو عمرو وحمزة في رواية العجلي وخلاد وأبو بكر
~~في رواية حماد ويحيى بكسر القاف وسكون الهاء. وقرأ حفص بسكون القاف وكسر
~~الهاء مشبعة والباقون بكسر القاف وكسر الهاء مشبعة بحيث يتولد ياء، ووجه
~~ذلك أبو علي بأن الأصل في هاء الضمير إذا كان ما قبلها متحركا أن تشبع
~~حركتها كما في يؤته ويؤده، ووجه عدم الإشباع أن ما قبل الضمير ساكن
~~تقديرا ولا إشباع بحركته فيما إذا سكن ما قبله كفيه ومنه، ووجه إسكان
~~الهاء أنها هاء السكت وهي تسكن في كلامهم، وقيل: هي هاء الضمير لكن أجريت
~~مجرى هاء السكت فسكنت وكثيرا ما يجري الوصل مجرى الوقف، وقد حكي عن
~~سيبويه أنه سمع من يقول: هذه أمة الله في الوصل والوقف، ووجه قراءة حفص
~~أنه أعطى { يتقه } حكم كتف لكونه على وزنه فخفف بسكون / وسطه لجعله
~~ككلمة واحدة كما خفف يلدا في قوله:

# وذي ولد لم يلده أبوان

# وعن ابن الأنباري أنه لغة لبعض العرب في كل معتل حذف آخره فيقولون لم أر
~~زيدا يسقطون الحرف للجزم ثم يسكنون ما قبل، وعلى ذلك قوله:

# ومن يتق فإن الله معه

# ورزق الله مؤتاب وغاد

# وقوله:

# قالت ms07379 سليمى اشتر لنا سويقا

# وهات خبز البر أو دقيقا

# والهاء إما للسكت وحركت لالتقاء الساكنين أو ضمير، وكان القياس ضمها
~~حينئذ كما في منه لكن السكون لعروضه لم يعتد به ولئلا ينتقل من كسر لضم
~~تقديرا، وضعف الأول لتحريك هاء السكت وإثباتها في الوصل كذا قيل فلا
~~تغفل.

### || [24.53]

# { وأقسموا بالله } حكاية لبعض آخر من أكاذيب الكفرة المنافقين
~~مؤكدا بالأيمان الفاجرة فهو عود على بدء، والقسم الحلف وأصله من القسامة
~~وهي أيمان تقسم على متهمين بقتل حسبما بين في «كتب الفقه» ثم صار اسما
~~لكل حلف، وقوله سبحانه: { جهد أيمنهم } نصب على أنه مصدر مؤكد
~~لفعله المحذوف، وجملة ذلك الفعل مع فاعله في موضع الحال أو هو نصب على
~~الحال أي حلفوا به تعالى يجهدون أيمانهم جهدا أو جاهدين أيمانهم، ومعنى
~~جهد اليمين بلوغ غايتها بطريق الاستعارة من قولهم: جهد نفسه إذا بلغ أقصى
~~وسعها وطاقتها، والمراد أقسموا بالغين أقصى مراتب اليمين في الشدة
~~والوكادة، وجوز أن يكون مصدرا مؤكدا لأقسموا أي أقسموا إقسام اجتهاد في
~~اليمين، قال مقاتل: من حلف بالله تعالى فقد اجتهد في اليمين.

# والظاهر هنا أنهم غلظوا الأيمان وشددوها ولم يكتفوا بقول والله { لئن
~~أمرتهم } أي بالخروج كما يدل عليه قوله تعالى: { ليخرجن }
~~والمراد بهذا الخروج الخروج للجهاد كما أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل.
~~وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما يدل على أن المراد
~~الخروج من الأموال. وأيا ما كان فالجملة جواب لأقسموا وجواب الشرط محذوف
~~لدلالة هذه الجملة عليه وهي حكاية بالمعنى والأصل لنخرجن بصيغة المتكلم
~~مع الغير، وقيل: الأصل لخرجنا إلا أنه أريد حكاية الحال الماضية فعبر
~~بذلك. وتعقب بأن المعتبر زمان الحكم وهو مستقبل.

# { قل } أي ردا عليهم وزجرا لهم عن التفوه بتلك الأيمان وإظهارا
~~لعدم القبول لكونهم كاذبين فيها { لا تقسموا } على ما ينبىء عنه
~~كلامكم من الطاعة { طاعة معروفة } خبر مبتدأ محذوف أي طاعتكم
~~طاعة، والجملة تعليل للنهي كأنه قيل لا تقسموا على ما تدعون ms07380 من الطاعة
~~لأن طاعتكم طاعة معروفة بأنها واقعة باللسان فقط من غير مواطأة من القلب
~~لا يجهلها أحد من الناس، وقيل التقدير المطلوب منكم طاعة معروفة معلومة
~~لا يشك فيها كطاعة الخلص من المؤمنين، وقيل: { طاعة } مبتدأ خبره
~~محذوف أي طاعة معروفة متوسطة على قدر الاستطاعة أمثل وأولى بكم من قسمكم،
~~واختاره الزجاج، وقيل مرفوع بفعل مقدر أي لتكن طاعة معروفة منكم، وضعف
~~الكل بأنه مما لا يساعده المقام والأخير بأن فيه حذف الفعل في غير موضع
~~الحذف. وقال البقاعي: لا تقدير في الكلام و { طاعة } مبتدأ خبره {
~~معروفة } وسوغ الابتداء بالنكرة أنها أريد بها / الحقيقة فتعم
~~والعموم من المسوغات، ولم تعرف لئلا يتوهم أن تعريفها للعهد.

# والجملة تعليل لنهي أي لا تقسموا فإن الطاعة معروفة منكم ومن غيركم لا
~~تخفى فقد جرت سنة الله تعالى على أن العبد وإن اجتهد في إخفاء الطاعة لا
~~بد وأن يظهر سبحانه مخايلها على شمائله، وكذا المعصية فلا فائدة في إظهار
~~ما يخالف الواقع، وفي الأحاديث ما يشهد لما ذكر، فقد روى الطبراني عن
~~جندب (ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله تعالى رداءها) وروى الحاكم وقال:
~~صحيح الإسناد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله لإنسان
~~كائنا من كان "

# وهذا المعنى على ما قيل حسن لكنه خلاف الظاهر. وقرأ زيد بن علي واليزيدي
~~{ طاعة معروفة } بالنصب على تقدير تطيعون طاعة معروفة نفاقية،
~~وقيل أطيعوا طاعة معروفة حقيقية وطاعة بمعنى إطاعة كما في قوله تعالى:

# أنبتكم من الأرض نباتا

# [نوح: 71].

# { إن الله خبير بما تعملون } من الأعمال الظاهرة
~~والباطنة التي من جملتها ما تظهرونه من الأكاذيب المؤكدة بالأيمان
~~الفاجرة وما تضمرونه من الكفر والنفاق والعزيمة على مخادعة المؤمنين
~~وغيرها من فنون الشر والفساد والمراد الوعيد بأنه تعالى مجازيهم بجميع
~~أعمالهم السيئة التي منها نفاقهم، وفي «الإرشاد» أن الجملة تعليل للحكم
~~بأن طاعتهم طاعة نفاقية مشعر بأن مدار ms07381 شهرة أمرها فيما بين المؤمنين
~~إخباره تعالى بذلك ووعيد لهم بالمجازاة.

### || [24.54]

# { قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } كرر الأمر بالقول
~~لإبراز كمال العناية به والإشعار باختلافهما حيث أن المقول في الأول نهي
~~بطريق الرد والتبكيت، وفي الثاني أمر بطريق التكليف والتشريع، وفي تكرر
~~فعل الإطاعة والعدول عن أطيعوني إلى أطيعوا الرسول ما لا يخفى من الحث
~~على الطاعة وإطلاقها عن وصف الصحة والإخلاص ونحوهما بعد وصف طاعتهم بما
~~تقدم للتنبيه على أنها ليست من الطاعة في شيء.

# وقوله تعالى: { فإن تولوا } خطاب للمنافقين الذين أمر عليه
~~الصلاة والسلام أن يقول لهم ما سمعت وارد من قبله عز وجل غير داخل في حيز
~~{ قل } على ما اختاره صاحب «التقريب» وغيره وفيه تأكيد للأمر السابق
~~والمبالغة في إيجاب الامتثال به والحمل عليه بالترهيب والترغيب لما أن
~~تغيير الكلام المسوق لمعنى من المعاني وصرفه عن سننه المسلوك ينبىء عن
~~اهتمام جديد بشأنه من المتكلم ويستجلب مزيد رغبة فيه من السامع لا سيما
~~إذا كان ذلك بتغيير الخطاب بالواسطة بالذات كما هنا، والفاء لترتيب ما
~~بعدها على تبليغه عليه الصلاة والسلام للمأمور به إليهم، وعدم التصريح
~~للإيذان بغاية مسارعته صلى الله عليه وسلم إلى تبليغ ماأمر به وعدم
~~الحاجة إلى الذكر أي إن تتولوا عن الطاعة إثر ما أمركم الرسول صلى الله
~~عليه وسلم بها { فإنما عليه } أي على الرسول عليه الصلاة
~~والسلام { ما حمل } أي ما أمر به من التبليغ وقد شاهدتموه عند قوله {
~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول }  { وعليكم ما
~~حملتم } أي ما أمرتم به من الطاعة، ولعل التعبير بالتحميل أولا
~~للإشعار بثقل الوحي في نفسه، وثانيا للإشعار بثقل الأمر عليهم، وقيل:
~~لعل التعبير بذلك في جانبهم للإشعار بثقله وكون مؤنه باقية في عهدتهم بعد
~~كأنه قيل: وحيث توليتم عن ذلك فقد بقيتم تحت ذلك الحمل الثقيل؛ والتعبير
~~به في جانبه عليه الصلاة والسلام للمشاكلة والفاء واقعة في جواب الشرط
~~وما بعدها قائم مقام الجواب أو جواب على حد ما في قوله تعالى: ms07382

# وما بكم من نعمة فمن الله

# [النحل: 53] كأنه قيل فإن تتولوا فاعلموا أنما عليه الخ.

# هذا واختار بعضهم دخول الجملة الشرطية في حيز القول. قال الطيبي:
~~الظاهر أنه تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم: أطيعوا
~~الله وأطيعوا الرسول ولا يخاف مضرتهم فكان أصل الكلام قل أطيعوا الله
~~وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليك ما حملت وعليهم ما حملوا بمعنى فما
~~يضرونك شيئا وإنما يضرون أنفسهم على الماضي والغيبة في { تولوا }
~~فصرف الكلام إلى المضارع، والخطاب في تتولوا بحذف إحدى التاءين بمعنى فما
~~ضررتموه وإنما ضررتم أنفسكم لتكون المواجهة بالخطاب أبلغ في تبكيتهم،
~~وجعل ذلك جاريا مجرى الالتفات وجعله غيره التفاتا حقيقيا من حيث إنهم
~~جعلوا أولا غيبا حيث أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بخطابهم بقل لهم ثم
~~خوطبوا بأن تتولوا استقلالا من الله تعالى لا من رسوله صلى الله عليه
~~وسلم، ولا يخفى أن حمل الآية على الخطاب الاستقلالي الغير الداخل تحت
~~القول أدخل في التبكيت.

# وفي «الإحكام» [للآمدي] أنه استدل بهذه الآية على أن الأمر للوجوب لأنه
~~تعالى أمر بالإطاعة ثم هدد بقوله تعالى: { فإن تولوا } الخ
~~والتهديد على المخالفة دليل الوجوب. وتعقب بأنه لا نسلم أن ذلك للتهديد
~~بل للإخبار وإن سلمنا أنه للتهديد فهو دليل على الوجوب فيما هدد على تركه
~~ومخالفته من الأوامر وليس فيه ما يدل على أن كل أمر مهدد بمخالفته بدليل
~~أمر الندب فإن المندوب مأمور به وليس مهددا على مخالفته وإذا انقسم
~~الأمر إلى مهدد عليه وغير مهدد عليه وجب اعتقاد الوجوب فيما هدد عليه دون
~~غيره وبه يخرج الجواب عن كل صيغة أمر هدد على مخالفتها وحذر منها ووصف
~~مخالفها بكونه عاصيا وبه يدفع أكثر ما ذكره القائلون بالوجوب في معرض
~~الاستدلال على دعواهم فتدبر.

# { وإن تطيعوه } فيما أمركم به عليه الصلاة والسلام من الطاعة {
~~تهتدوا } إلى الحق الذي هو المقصد الأصلي الموصل إلى كل خير المنجي
~~عن كل شر، ولعل في تقديم الشق الأول وتأخير ms07383 هذا إشارة إلى أن الترهيب
~~أولى بهم وأنهم ملابسون لما يقتضيه، وفي «الإرشاد» تأخير بيان حكم
~~الإطاعة عن بيان حكم التولي لما في تقديم الترهيب من تأكيد الترغيب
~~وتقريبه مما هو من بابه من الوعد الكريم، وقوله تعالى: { وما على
~~الرسول إلا البلغ المبين } اعتراض تذييلي مقرر لما قبله
~~من أن غائلة التولي وفائدة الإطاعة مقصورتان على المخاطبين، وآل إما
~~للجنس المنتظم له صلى الله عليه وسلم انتظاما أوليا أو للعهد أي ما على
~~جنس الرسول كائنا من كان أو ما على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا
~~التبليغ الموضح لكل ما يحتاج إلى الإيضاح أو الواضح في نفسه على أن
~~المبين من أبان المتعدي بمعني بان اللازم، وقد علمتم أنه عليه الصلاة
~~والسلام قد فعله بما لا مزيد عليه وإنما بقي ما عليكم.

### || [24.55]

# وقوله تعالى: { وعد الله الذين ءامنوا منكم } خطاب
~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه ففي الآية تنويع الخطاب حيث
~~خاطب سبحانه المقسمين على تقدير التولي ثم صرفه تعالى عنهم إلى المؤمنين
~~الثابتين وهو كالاعتراض بناء على ما سيأتي إن شاء الله تعالى من كون

# وأقيموا الصلاة

# [النور: 56] عطفا على قوله سبحانه:

# أطيعوا الله

# [النور: 54] وفائدته أنه لما أفاد الكلام السابق أنه ينبغي أن يأمرهم
~~بالطاعة كفاحا ولا يخاف مضرتهم أكد بأنه عليه الصلاة والسلام هو الغالب
~~ومن معه فأنى للخوف مجال، وإن شئت فاجعله استئنافا جيء به لتأكيد / ما
~~يفيده الكلام من نفي المضرة على أبلغ وجه من غير اعتبار كونه اعتراضا
~~فإن في العطف المذكور ما ستسمعه إن شاء الله تعالى؛ و(من) بيانية، ووسط
~~الجار والمجرور بين جملة { آمنوا } والجملة المعطوفة عليها الداخلة معها
~~في حيز الصلة أعني قوله تعالى:

# { وعملوا الصلحات } مع التأخير في قوله تعالى:

# وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصلحت
~~منهم مغفرة وأجرا عظيما

# [الفتح: 29] قيل للدلالة على أن الأصل في ثبوت الاستخلاف الإيمان، ولهذا
~~كان الأصح عدم الانعزال بالفسق الطارىء ودل عليه صحاح الأحاديث ومدخلية
~~الصلاح ms07384 في ابتداء البيعة وأما في المغفرة والأجر العظيم فكلاهما أصل فكان
~~المناسب التأخير. وقد يقال: إن ذلك لتعجيل مسرة المخاطبين حيث إن الآية
~~سيقت لذلك. وقيل: الخطاب للمقسمين والكلام تتميم لقوله تعالى:

# وإن تطيعوه تهتدوا

# [النور: 54] ببيان ما لهم في العاجل من الاستخلاف وما يترتب عليه وفي
~~الآجل ما لا يقادر قدره على ما أدمج في قوله سبحانه:

# لعلكم ترحمون

# [النور: 56] والجار للتبعيض وأمر التوسيط على حاله، ولم يرتضه بعض
~~الأجلة لأن { ءامنوا } إن كان ماضيا على حقيقته لم يستقم إذ لم يكن
~~فيهم من كان آمن حال الخطاب وإن جعل بمعنى المضارع على المألوف من إخبار
~~الله تعالى فمع نبوه عن هذا المقام لم يكن دليلا على صحة أمر الخلفاء
~~ولم يطابق الواقع أيضا لأن هؤلاء الأجلاء لم يكن من بعض من آمن من أولئك
~~المخاطبين ولا كان في المقسمين من نال الخلافة انتهى، وفيه شيء، ولعله لا
~~يضر بالغرض وارتضى أبو السعود تعلق الكلام بذلك وادعى أنه استئناف مقرر
~~لما في قوله تعالى:

# وإن تطيعوه تهتدوا

# [النور: 54] الخ من الوعد الكريم معرب عنه بطريق التصريح ومبين لتفاصيل
~~ما أجمل فيه من فنون السعادات الدينية والدنيوية التي هي من آثار
~~الاهتداء ومتضمن لما هو المراد بالطاعة التي نيط بها الاهتداء وأن المراد
~~بالذين آمنوا كل من اتصف بالإيمان بعد الكفر على الإطلاق من أي طائفة كان
~~وفي أي وقت كان لا من آمن من طائفة المنافقين فقط ولا من آمن بعد نزول
~~الآية الكريمة فحسب ضرورة عموم الوعد الكريم وأن الخطاب ليس للرسول عليه
~~الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين المخلصين أو من يعمهم وغيرهم من
~~الأمة ولا للمنافقين خاصة بل هو لعامة الكفرة وأن من للتبعيض، وقال في
~~نكتة التوسيط: إنه لإظهار أصالة الإيمان وعراقته في استتباع الآثار
~~والأحكام والإيذان بكونه أول ما يطلب منهم وأهم ما يجب عليهم، وأما
~~التأخير في آية سورة الفتح فلأن (من) هناك بيانية والضمير للذين معه عليه
~~الصلاة والسلام من خلص المؤمنين ms07385 ولا ريب في أنهم جامعون بين الإيمان
~~والأعمال الصالحة مثابرون عليها فلا بد من ورود بيانهم بعد ذكر نعوتهم
~~الجليلة بكمالها انتهى.

# وأنت تعلم أن كون الخطاب لعامة الكفرة خلاف الظاهر، وحمل الفعل الماضي
~~على ما يعم الماضي والمستقبل كذلك وفيما ذكره أيضا بعد عن سبب النزول،
~~فقد أخرج ابن المنذر والطبراني في «الأوسط» والحاكم وصححه وابن مردويه
~~والبيهقي في «الدلائل» والضياء في «المختارة» عن أبي بن كعب رضي الله
~~تعالى عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم [وأصحابه] المدينة
~~وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح
~~ولا يصبحون إلا فيه فقالوا أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا
~~نخاف إلا الله تعالى فنزلت: { وعد الله الذين ءامنوا
~~منكم } الآية ولا يتأتى معه الاستدلال بالآية على صحة أمر الخلفاء
~~أصلا، ولعله لا يقول به ويستغنى عنه بما هو أوضح دلالة، وعن ابن عباس
~~ومجاهد عامة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأطلقا الأمة وهي تطلق على
~~أمة الإجابة وعلى أمة الدعوة لكن / الأغلب في الاستعمال الإطلاق الأول
~~فلا تغفل.

# وإذا كانت (من) بيانية فالمعنى وعد الله الذين آمنوا الذين هم أنتم {
~~ليستخلفنهم فى الارض } أي ليجعلهم خلفاء متصرفين فيها
~~تصرف الملوك في مماليكهم أو خلفاء من الذين كانوا يخافونهم من الكفرة بأن
~~ينصرهم عليهم ويورثهم أرضهم، والمراد بالأرض على ما قيل جزيرة العرب،
~~وقيل مأواه عليه الصلاة والسلام من مشارق الأرض ومغاربها ففي الصحيح

# " زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها
~~"

# واللام واقعة في جواب القسم المحذوف ومفعول وعد الثاني محذوف دل عليه
~~الجواب أي وعد الله الذين آمنوا استخلافهم وأقسم لستخلفنهم، ويجوز أن
~~ينزل وعده تعالى لتحقق إنجازه لا محالة منزلة القسم وإليه ذهب الزجاج
~~ويكون { ليستخلفنهم } منزل منزلة المفعول فلا حذف.

# و(ما) في قوله تعالى: { كما استخلف } مصدرية والجار والمجرور
~~متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر محذوف أي ليستخلفنهم استخلافا كائنا
~~كاستخلافه ms07386 { الذين من قبلهم } وهم بنو اسرائيل استخلفهم الله
~~عز وجل في الشام بعد إهلاك الجبابرة وكذا في مصر على ما قيل من أنها صارت
~~تحت تصرفهم بعد هلاك فرعون وإن لم يعودوا إليها أو هم ومن قبلهم من الأمم
~~المؤمنة الذين أسكنهم الله تعالى في الأرض بعد إهلاك أعدائهم من الكفرة
~~الظالمين.

# وقرىء { كما استخلف } بالبناء للمفعول فيكون التقدير ليستخلفنهم في
~~الأرض فيستخلفون فيها استخلافا أي مستخلفية كائنة كمستخلفية الذين من
~~قبلهم. { وليمكنن لهم دينهم } عطف على {
~~ليستخلفنهم } والكلام فيه كالكلام فيه، وتأخيره عنه مع كونه
~~أجل الرغائب الموعودة وأعظمها لما أنه كالأثر للاستخلاف المذكور. وقيل:
~~لما أن النفوس إلى الحظوظ العاجلة أميل فتصدير المواعيد بها في الاستمالة
~~أدخل. والتمكين في الأصل جعل الشيء في مكان ثم استعمل في لازمه وهو
~~التثبيت والمعنى ليجعلن دينهم ثابتا مقررا بأن يعلي سبحانه شأنه ويقوي
~~بتأييده تعالى أركانه ويعظم أهله في نفوس أعدائهم الذين يستغرقون النهار
~~والليل في التدبير لإطفاء أنواره ويستنهضون الرجال والخيل للتوصل إلى
~~إعفاء آثاره فيكونون بحيث ييأسون من التجمع لتفريقهم عنه ليذهب من البين
~~ولا تكاد تحدثهم أنفسهم بالحيلولة بينهم وبينه ليعود أثرا بعد عين.
~~وقيل: المعنى ليجعله مقررا ثابتا بحيث يستمرون على العمل بأحكامه
~~ويرجعون إليه في كل ما يأتون وما يذرون، وأصل التمكين جعل الشيء مكانا
~~لآخر والتعبير عن ذلك به للدلالة على كمال ثبات الدين ورصانة أحكامه
~~وسلامته عن التغيير والتبديل لابتنائه على تشبيهه بالأرض في الثبات
~~والقرار مع ما فيه من مراعاة المناسبة بينه وبين الاستخلاف في الأرض
~~انتهى، وفيه بحث.

# وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح للمسارعة إلى بيان كون
~~الموعود من منافعهم مع التشويق إلى المؤخر ولأن في توسيطه بينه وبين وصفه
~~أعني قوله تعالى: { الذى ارتضى لهم } وتأخيره عن الوصف من
~~الإخلال بجزالة النظم الكريم ما لا يخفى. وفي إضافة الدين وهو دين
~~الإسلام إليهم ثم وصفه بارتضائه لهم من مزيد الترغيب فيه والتثبيت عليه
~~ما فيه { وليبدلنهم } بالتشديد، وقرأ ابن كثير ms07387 وأبو بكر والحسن
~~وابن محيصن بالتخفيف من الإبدال، وأخرج ذلك عبد بن حميد عن عاصم وهو عطف
~~على { ليستخلفنهم } أو { ليمكنن }  { من بعد
~~خوفهم } بمقتضى البشرية في الدنيا / من أعدائهم في الدين { أمنا
~~} لا يقادر قدره، وقيل: الخوف في الدنيا من عذاب الآخرة والأمن في الآخرة
~~ورجح بأن الكلام عليه أبعد من احتمال التأكيد بوجه من الوجوه بخلافه على
~~الأول. وأنت تعلم أن الأول أوفق بالمقام والأخبار الواردة في سبب النزول
~~تقتضيه وأمر احتمال التأكيد سهل.

# { يعبدوننى } جوز أن تكون الجملة في موضع نصب على الحال إما من {
~~الذين } الأول لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد لأن (ما) في حيز
~~الصلة من الإيمان وعمل الصالحات بصيغة الماضي لما دل على أصل الاتصاف به
~~جيء بما ذكر حالا بصيغة المضارع الدال على الاستمرار التجددي وإما من
~~الضمير العائد عليه في { ليستخلفنهم } أو في { ليبدلنهم } ،
~~وجوز أن تكون مستأنفة إما لمجرد الثناء على أولئك المؤمنين على معنى هم
~~يعبدونني وإما لبيان علة الاستخلاف وما انتظم معه في سلك الوعد.

# وقوله تعالى: { لا يشركون بى شيئا } حال من الواو في {
~~يعبدونني } أو من { الذين } أو بدل من الحال أو استئناف. ونصب
~~{ شيئا } على أنه مفعول به أي شيئا مما يشرك به أو مفعول مطلق أي
~~شيئا من الإشراك. ومعنى العبادة وعدم الإشراك ظاهر. وأخرج عبد بن حميد
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في قوله سبحانه: {
~~يعبدوننى لا يشركون بى شيئا } لا يخافون أحدا غيري،
~~وأخرج هو وجماعة عن مجاهد نحوه ولعلهما أرادا بذلك تفسير { لا
~~يشركون بى شيئا } وكأنهما عدا خوف غير الله تعالى نوعا من
~~الإشراك، واختير على هذا حالية الجملة من الواو كأنه قيل: يعبدونني غير
~~خائفين أحدا غيري، وجوز أن يكونا قد أرادا بيان المراد بمجموع {
~~يعبدوننى لا يشركون } الخ وكأنهما ادعيا أن عدم خوف أحد غيره
~~سبحانه من لوازم العبادة والتوحيد وأن جملة { يعبدوننى } الخ
~~استئناف لبيان ما يصلون إليه في الأمن كأنه قيل: يأمنون إلي ms07388 حيث لا
~~يخافون أحدا غير الله تعالى ولا يخفى ما في التعبير بضمير المتكلم وحده
~~في { يعبدونني } و { لا يشركون بي } دون ضمير الغائب ودون
~~ضمير العظمة من اللطافة.

# { ومن كفر } أي ومن ارتد من المؤمنين { بعد ذلك } أي بعد
~~حصول الموعود به { فأولئك } المرتدون البعداء عن الحق { هم
~~الفسقون } أي الكاملون في الفسق والخروج عن حدود الكفر والطغيان
~~إذ لا عذر لهم حينئذ ولا كجناح بعوضة، وقيل: كفر من الكفران لا من الكفر
~~مقابل الإيمان وروي ذلك عن أبي العالية وكمالهم في الفسق لعظم النعمة
~~التي كفروها، وقيل: { ذلك } إشارة إلى الوعد السابق نفسه، وفي «إرشاد
~~العقل السليم» أن المعنى ومن اتصف بالكفر بأن ثبت واستمر عليه ولم يتأثر
~~بما مر من الترغيب والترهيب بعد ذلك الوعد الكريم بما فصل من المطالب
~~العالية المستوجبة لغاية الاهتمام بتحصيلها فأولئك هم الكاملون في الفسق،
~~وكون المراد بكفر ما ذكر أنسب بالمقام من كون المراد به ارتد أو كفر
~~النعمة انتهى. والأولى عندي ما تقدم فإنه الظاهر. وفي الكلام عليه تعظيم
~~لقدر الموعود به من حيث أنه لا يبقى بعد حصوله عذر لمن يرتد، وقوة
~~مناسبته للمقام لا تخفى. وهو ظاهر قول حذيفة رضي الله تعالى عنه فقد أخرج
~~ابن مردويه عن أبي الشعثاء قال: كنت جالسا مع حذيفة وابن مسعود رضي
~~الله تعالى عنهما فقال حذيفة: ذهب النفاق إنما كان النفاق على عهد رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم وإنما هو الكفر بعد الإيمان فضحك ابن مسعود ثم
~~قال: بم تقول؟ قال: بهذه الآية { وعد الله الذين ءامنوا
~~منكم وعملوا الصلحات } إلى آخر / الآية وكأن ضحك ابن
~~مسعود كان استغرابا لذلك وسكوته بعد الاستدلال ظاهر في ارتضائه لما فهمه
~~معدن سر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآية.

# و { من } تحتمل أن تكون موصولة وتحتمل أن تكون شرطية وجملة { من
~~كفر } الخ قيل معطوفة على جملة { وعد الله } الخ أو على جملة
~~محذوفة كأنه قيل: من آمن فهم الفائزون ومن ms07389 كفر الخ، وقيل: إن هذه الجملة
~~وكذا جملة { يعبدوننى } استئناف بياني أما ذلك في الأول فالسؤال
~~ناشىء من قوله تعالى: { وعد الله } الخ فكأنه قيل: فما ينبغي
~~للمؤمنين بعد هذا الوعد الكريم أو بعد حصوله؟ فقيل: يعبدونني لا يشركون
~~بي شيئا. وأما في الثانية فالسؤال ناشىء من الجواب المذكور فكأنه قيل
~~فإن لم يفعلوا فماذا؟ فقيل: ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وجزاؤهم
~~معلوم وهو كما ترى.

# هذا واستدل كثير بهذه الآية على صحة خلافة الخلفاء الأربعة رضي الله
~~تعالى عنهم لأن الله تعالى وعد فيها من في حضرة الرسالة من المؤمنين
~~بالاستخلاف وتمكين الدين والأمن العظيم من الأعداء ولا بد من وقوع ما وعد
~~به ضرورة امتناع الخلف في وعده تعالى ولم يقع ذلك المجموع إلا في عهدهم
~~فكان كل منهم خليفة حقا باستخلاف الله تعالى إياه حسبما وعد جل وعلا ولا
~~يلزم عموم الاستخلاف لجميع الحاضرين المخاطبين بل وقوعه فيهم كبنو فلان
~~قتلوا فلانا فلا ينافي ذلك عموم الخطاب الجميع وكون (من) بيانية، وكذا
~~لا ينافيه ما وقع في خلافة عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما من الفتن لأن
~~المراد من الأمن الأمن من أعداء الدين وهم الكفار كما تقدم.

# وأقامها بعض أهل السنة دليلا على الشيعة في اعتقادهم عدم صحة خلافة
~~الخلفاء الثلاثة، ولم يستدل بها على صحة خلافة الأمير كرم الله تعالى
~~وجهه لأنها مسلمة عند الشيعة والأدلة كثيرة عند الطائفتين على من ينكرها
~~من النواصب عليهم من الله تعالى ما يستحقون فقال: إن الله تعالى وعد فيها
~~جمعا من المؤمنين الصالحين الحاضرين وقت نزولها بما وعد من الاستخلاف
~~وما معه ووعده سبحانه الحق ولم يقع ذلك إلا في عهد الثلاثة، والإمام
~~المهدي لم يكن موجودا حين النزول قطعا بالإجماع فلا يمكن حمل الآية على
~~وعده بذلك، والأمير كرم الله تعالى وجهه وإن كان موجودا إذ ذاك لكن لم
~~يرج الدين المرضي كما هو حقه في زمانه رضي الله تعالى عنه بزعم الشيعة بل
~~صار ms07390 أسوأ حالا بزعمهم مما كان في عهد الكفار كما صرح بذلك المرتضى في
~~«تنزيه الأنبياء والأئمة» عليهم السلام بل كل «كتب الشيعة» تصرح بأن
~~الأمير وشيعته كانوا يخفون دينهم ويظهرون دين المخالفين تقية ولم يكن
~~الأمن الكامل حاصلا أصلا في زمانه رضي الله تعالى عنه فقد كان أهل
~~الشام ومصر والمغرب ينكرون أصل إمامته ولا يقبلون أحكامه وهم كفرة بزعم
~~الشيعة وأغلب عسكر الأمير يخافونهم ويحذرون غاية الحذر منهم، ومع هذا
~~الأمير فرد فلا يمكن إرادته من (الذين آمنوا) ليكون هو رضي الله تعالى
~~عنه مصداق الآية كما يزعمون فإن حمل لفظ الجمع على واحد خلاف أصولهم إذ
~~أقل الجمع عندهم ثلاثة أفراد، وأما الأئمة الآخرون الذين ولدوا بعد فلا
~~احتمال لإرادتهم من الآية إذ ليسوا بموجودين حال نزولها ولم يحصل لهم
~~التسلط في الأرض ولم يقع رواج دينهم المرتضى لهم وما كانوا آمنين بل
~~كانوا خائفين من أعداء الدين متقين منهم كما أجمع عليه الشيعة فلزم أن
~~الخلفاء الثلاثة هم مصداق الآية فتكون خلافتهم حقة وهو المطلوب.

# / وزعم الطبرسي أن الخطاب للنبي وأهل بيته صلى الله عليه وسلم فهم
~~الموعودون بالاستخلاف وما معه ويكفي في ذلك تحقق الموعود في زمن المهدي
~~رضي الله تعالى عنه، ولا ينافي ذلك عدم وجوده عند نزول الآية لأن الخطاب
~~الشفاهي لا يخص الموجودين، وكذا لا ينافي عدم حصوله للكل لأن الكلام نظير
~~بنو فلان قتلوا فلانا، واستدل على ذلك بما روى العياشي بإسناده عن علي
~~بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ الآية فقال: هم والله شيعتنا أهل
~~البيت يفعل ذلك بهم على يد رجل منا وهو مهدي هذه الأمة وهو الذي قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فيه:

# " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله تعالى ذلك اليوم حتى يلي
~~رجل من عترتي اسمه اسمي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا "

# وزعم أنه روي مثل ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله تعالى ms07391 عنهما
~~وهذا على ما فيه مما يأباه السياق والأخبار الصحيحة الواردة في سبب
~~النزول. وأخبار الشيعة لا يخفي حالها لا سيما على من وقف على «التحفة
~~الأثنى عشرية». نعم ورد من طريقنا ما يستأنس به لهم في هذا المقام لكنه
~~لا يعول عليه أيضا مثل أخبارهم وهو ما أخرجه عبد بن حميد عن عطية أنه
~~عليه الصلاة والسلام قرأ الآية فقال: أهل البيت ههنا وأشار بيده إلى
~~القبلة.

# وزعم بعضهم نحو ما سمعت عن الطبرسي إلا أنه قال: هي في حق جميع أهل
~~البيت علي كرم الله تعالى وجهه وسائر الأئمة الإثنى عشر وتحقق ذلك فيهم
~~زمن الرجعة حين يقوم القائم رضي الله تعالى عنه، وزعم أنها أحد أدلة
~~الرجعة، وهذا قد زاد في الطنبور نغمة.

# وقال الملا عبد الله المشهدي في كتابه «إظهار الحق» لإبطال الاستدلال
~~بها على صحة خلافة الخلفاء الثلاثة: يحتمل أن يكون الاستخلاف بالمعنى
~~اللغوي وهو الإتيان بواحد خلف آخر أي بعده كما في قوله تعالى في حق بني
~~إسرائيل:

# عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم فى
~~الأرض

# [الأعراف: 129] فقصارى ما يثبت أنهم خلفاء بالمعنى اللغوي وليس النزاع
~~فيه بل هو في المعنى الاصطلاحي وهو معنى مستحدث بعد رحلة النبي صلى الله
~~عليه وسلم اه.

# وأجيب بأنه لو تم هذا لا يتم لهم الاستدلال على خلافة الأمير كرم الله
~~تعالى وجهه بالمعنى المصطلح بحديث

# " أنت مني بمنزلة هرون من موسى "

# المعتضد بما حكاه سبحانه عن موسى عليه السلام من قوله لهرون

# اخلفنى فى قومى

# [الأعراف: 142] وبما يروونه من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " يا علي أنت خليفتي من بعدي "

# وكذا لا يتم لهم الاستدلال على إمامة الأمير كرم الله تعالى وجهه بما
~~تضمن لفظ الإمام لأنه لم يستعمل في الكتاب المجيد بالمعنى المصطلح أصلا
~~وإنما استعمل بمعنى النبي والمرشد والهادي والمقتدى به في أمر خيرا كان
~~أو شرا أو متى ادعى فهم المعنى المصطلح من ذلك بطريق اللزوم فليدع فهم
~~المعنى المصطلح من الخليفة كذلك وربما ms07392 يدعي أن فهمه منه أقوى لأنه مقرون
~~حيث وقع في الكتاب العزيز بلفظ { في الأرض } الدال على التصرف العام
~~الذي هو شأن الخليفة بذلك المعنى على أن مبني الاستدلال على خلافة
~~الثلاثة بهذه الآية ليس مجرد لفظ الاستخلاف حتى يتم غرض المناقش فيه بل
~~ذلك مع ملاحظة إسناد إلى الله تعالى، وإذا أسند الاستخلاف اللغوي إلى
~~الله عز وجل فقد صار استخلافا شرعيا، وقد يستفتي في هذه المسألة من
~~علماء الشيعة فيقال: إن اتيان بني إسرائيل بمكان آل فرعون والعمالقة
~~وجعلهم متصرفين في أرض مصر والشام هل كان حقا أو لا؟ ولا أظنهم يقولون
~~إلا أنه حق وحينئذ يلزمهم أن يقولوا به في الآية لعدم الفرق وبذلك يتم
~~الغرض هذا حاصل ما قيل في هذا المقام.

# / والذي أميل إليه أن الآية ظاهرة في نزاهة الخلفاء الثلاثة رضي الله
~~تعالى عنهم عما رماهم الشيعة به من الظلم والجور والتصرف في الأرض بغير
~~الحق لظهور تمكين الدين والأمن التام من أعدائه في زمانهم ولا يكاد يحسن
~~الامتنان بتصرف باطل عقباه العذاب الشديد. وكذا لا يكاد يحسن الامتنان
~~بما تضمنته الآية على أهل عصرهم مع كونهم الرؤساء الذين بيدهم الحل
~~والعقد، لو كانوا وحاشاهم كما يزعم الشيعة فيهم، ومتى ثبت بذلك نزاهتهم
~~عما يقولون اكتفينا به وهذا لا يتوقف إلا على اتصافهم بالإيمان والعمل
~~الصالح حال نزول الآية وإنكار الشيعة له إنكار للضروريات، وكون المراد
~~بالآية عليا كرم الله تعالى وجهه أو المهدي رضي الله تعالى عنه أو أهل
~~البيت مطلقا مما لا يقوله منصف.

# وفي كلام الأمير كرم الله تعالى وجهه ما يقتضي بسوقه خلاف ما عليه
~~الشيعة ففي «نهج البلاغة» أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما
~~استشار الأمير كرم الله تعالى وجهه لانطلاقه لقتال أهل فارس حين تجمعوا
~~للحرب قال له: إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلة وهو
~~دين الله تعالى الذي أظهره وجنده الذي أعزه وأيده حتى بلغ ما بلغ وطلع
~~حيث ms07393 طلع ونحن على موعود من الله تعالى حيث قال عز اسمه { وعد الله
~~الذين ءامنوا منكم وعملوا الصلحات
~~ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من
~~قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم
~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا } والله تعالى منجز
~~وعده وناصر جنده ومكان القيم في الإسلام مكان النظام من الخرز فإن انقطع
~~النظام تفرق ورب متفرق لم يجتمع والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم
~~كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب وأصلهم
~~دونك نار الحرب فإنك إن شخصت من هذه الأرض تنقضت عليك العرب من أطرافها
~~وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك وكان
~~قد آن للأعاجم أن ينظروا إليك غدا يقولون هذا أصل العرب فإذا قطعتموه
~~استرحتم فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك فأما ما ذكرت من عددهم
~~فإنا لم نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة اه
~~فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك.

### || [24.56]

# { وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة وأطيعوا
~~الرسول } جوز أن يكون عطفا على

# أطيعوا الله

# [النور:54] داخلا معه في حيز القول والفاصل ليس بأجنبي من كل وجه فإنه
~~وعد على المأمور به وبعضه من تتمته. وفي «الكشاف» ليس ببعيد أن يقع بين
~~المعطوف والمعطوف عليه فاصل وإن طال لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف
~~عليه والفاصل يؤكد المغايرة ويرشحها لأن المجاورة مظنة الاتصال والاتحاد
~~فيكون تكرير الأمر بإطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام للتأكيد، وأكد دون
~~الأمر بطاعة الله تعالى لما أن في النفوس لا سيما نفوس العرب من صعوبة
~~الانقياد للبشر ما ليس فيها من صعوبة الانقياد لله تعالى ولتعليق الرحمة
~~بها أو بالمندرجة هي فيه وهي الجمل الواقعة في حيز القول بقوله تعالى: {
~~لعلكم ترحمون } كما علق الاهتداء بالإطاعة في قوله تعالى:

# وإن تطيعوه تهتدوا

# [النور: 54] والإنصاف أن هذا العطف بعيد بل قال بعضهم: إنه مما لا يليق
~~بجزالة النظم الكريم.

# وجوز أن يكون عطفا على

# يعبدوننى

# [النور: 55] وفيه تخصيص بعد التعميم، ms07394 وكان الظاهر أن يقال يعبدونني لا
~~يشركون بي شيئا ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الرسول لعلهم
~~يرحمون، لكن عدل عن ذلك إلى ما ذكر التفاتا لخطاب لمزيد الاعتناء وحسنه
~~هنا الخطاب في

# منكم

# [النور: 55]. وتعقب بأنه مما لا وجه له لأنه بعد تسليم الالتفات وجواز
~~عطف الإنشاء على الإخبار لا يناسب ذلك؛ وكون الجملة السابقة حالا أو /
~~استئنافا بيانيا. والذي أختاره كونه عطفا على مقدر ينسحب عليه الكلام
~~ويستدعيه النظام فإنه سبحانه لما ذكر

# ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفسقون

# [النور: 55] فهم النهي عن الكفر فكأنه قيل: فلا تكفروا وأقيموا الصلاة
~~الخ. وجوز أن يكون انفهام المقدر من مجموع ما تقدم من قوله تعالى:

# قل أطيعوا الله

# [النور: 54] الخ، حيث إنه يوجب الأمر بالإيمان والعمل الصالح فكأنه قيل
~~فآمنوا واعملوا الصالحات وأقيموا الخ، وجوز في { أطيعوا } أن يكون
~~أمرا باطاعته صلى الله عليه وسلم بجميع الأحكام الشرعية المنتظمة للآداب
~~المرضية، وأن يكون أمرا بالإطاعة فيما عدا الأمرين السابقين فيكون ذكره
~~لتكميلهما كأنه قيل: وأطيعوا الرسول في سائر ما يأمركم به، وقوله تعالى:
~~{ لعلكم } الخ متعلق بالأوامر الثلاثة، وجعل على الأول متعلقا
~~بالأخير

### || [24.57]

# وقوله تعالى: { لا تحسبن الذين كفروا } الخ بيان لمآل
~~الكفرة في الدنيا والآخرة بعد بيان تناهيهم في الفسق وفوز أضدادهم
~~بالرحمة المطلقة المستتبعة لسعادة الدارين، وفي ذلك أيضا رفع استبعاد
~~تحقق الوعد السابق مع كثرة عدد الكفرة وعددهم والخطاب لكل من يتأتى منه
~~الحسبان نظير ما في قوله تعالى:

# ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم

# [السجدة: 12]. وجوز أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل التعريض
~~بمن صدر منه ذلك كقوله:

# إياك أعني فاسمعي يا جارة

# أو الإشارة إلى أن الحسبان المذكور بلغ في القبح والمحذورية إلى حيث
~~ينهي من يمتنع صدوره عنه فكيف بمن يكن ذلك منه كما قيل في قوله تعالى:

# ولا تكونن من المشركين

# [الأنعام: 14] فقول أبي حيان: إن جعل الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم
~~ليس بجيد لأن مثل هذا الحسبان ms07395 لا يتصور وقوعه منه عليه الصلاة والسلام
~~ليس بجيد لما فيه من الغفلة عما ذكر؛ ومحل الموصول نصب على أنه مفعول أول
~~للحسبان وقوله تعالى: { معجزين } ثانيهما وقوله تعالى: { فى
~~الارض } ظرف لمعجزين لكن لا لإفادة كون الإعجاز المقصود بالنفي فيها
~~لا في غيرها فإن ذلك غني عن البيان بل لإفادة شمول عدم الإعجاز لجميع
~~أجزائها أي لا تحسبنهم معجزين الله تعالى عن إدراكهم وإهلاكهم في قطر من
~~أقطار الأرض بما رحبت وإن هربوا منها كل مهرب. وقرأ حمزة وابن عامر {
~~يحسبن } بالياء آخر الحروف على أن الفاعل كل أحد كأنه قيل لا يحسبن
~~حاسب الكافرين معجزين له عز وجل في الأرض أو ضميره صلى الله عليه وسلم
~~لتقدم ذكره عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى:

# وأطيعوا الرسول

# [النور: 56] وإليه ذهب أبو علي.

# وزعم أبي حيان أنه ليس بجيد لما تقدم ليس بجيد لما تقدم أو ضمير الكافر
~~أي لا يحسبن الكافر الذين كفروا معجزين، ونقل ذلك عن علي بن سليمان أو
~~الموصول والمفعول الأول محذوف كأنه قيل: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم
~~معجزين في الأرض، وذكر أن الأصل على هذا لا يحسبنهم الذين كفروا معجزين
~~ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول وكأن الذي سوغ ذلك أن الفاعل
~~والمفعولين لما كانت كالشيء الواحد اقتنع بذكر اثنين عن ذكر الثالث،
~~وتعقبه في «البحر» بأن هذا الضمير ليس من الضمائر التي يفسرها ما بعدها
~~فلا يجوز كون الأصل لا يحسبهم الذين الخ كما لا يجوز ظنه زيد قائما،
~~وقال الكوفيون { معجزين } المفعول الأول و { فى الارض }
~~المفعول الثاني، والمعنى لا يحسبن الذين كفروا أحدا يعجز الله تعالى في
~~الأرض حتى يطمعوا في مثل ذلك، قال الزمخشري: وهذا معنى قوي جيد، وتعقب
~~بأنه بمعزل عن المطابقة لمقتضى المقام ضرورة أن مصب الفائدة هو المفعول
~~الثاني ولا فائدة في بيان كون المعجزين في الأرض.

# ورد بأنه وإن كان / مصب الفائدة جعل مفروغا منه وإنما المطلوب بيان
~~المحل أي لا يعجزوه سبحانه في الأرض ms07396 والإنصاف أن ما ذكر خلاف الظاهر،
~~والظاهر إنما هو تعلق { فى الارض } بمعجزين وأيا ما كان فالقراءة
~~المذكورة صحيحة وإن اختلفت مراتب تخريجاتها قوة وضعفا، ومن ذلك يعلم ما
~~في قول النحاس ما علمت أحدا من أهل العربية بصريا ولا كوفيا إلا وهو
~~يخطىء قراءة حمزة، فمنهم من يقول: هي لحن لأنه لم يأت إلا بمفعول واحد
~~ليحسبن، وممن قال هذا أبو حاتم انتهى من قلة الوقوف ومزيد الهذيان
~~والجسارة على الطعن في متواتر من القرآن، ولعمري لو كانت القراءة بالرأي
~~لكان اللائق بمن خفي عليه وجه قراءة حمزة أن لا يتكلم بمثل ذلك الكلام
~~ويتهم نفسه ويحجم عن الطعن في ذلك الإمام.

# وقوله تعالى: { ومأواهم النار } عطف على جملة النهي بتأويلها
~~بجملة خبرية لأن المقصود بالنهي عن الحسبان تحقيق نفي الحسبان كأنه قيل
~~[ليس] الذين كفروا معجزين ومأواهم النار. وجوز أن يكون عطفا على مقدر
~~لأن الأول وعيد الدنيا كأنه قيل فهم مقهورون في الدنيا بالاستئصال ومخزون
~~في الآخرة بعذاب النار؛ وعن صاحب «النظم» تقديره بل هم مقدور عليهم
~~ومحاسبون ومأواهم النار. قال في «الكشف»: وجعله حالا على معنى لا ينبغي
~~الحسبان لمن مأواه النار كأنه قيل أني للكافر هذا الحسبان وقد أعد له
~~النار، والعدول إلى { ومأواهم النار } للمبالغة في التحقق وأن
~~ذلك معلوم لهم لا ريب وجه حسن خال عن كلف الكلفة ألم به بعض الأئمة
~~انتهى، ولا يخفى أن في ظاهره ميلا إلى بعض تخريجات قراءة { يحسبن } بياء
~~الغيبة. وتعقب في «البحر» تأويل جملة النهي لتصحيح العطف عليها بقوله:
~~«الصحيح أنه يجوز عطف الجمل على اختلافها بعضا على بعض وإن لم تتحد في
~~النوعية وهو مذهب سيبويه». والمأوى اسم مكان، وجوز فيه المصدرية والأول
~~أظهر، وقوله تعالى: { ولبئس المصير } جواب لقسم مقدر والمخصوص
~~بالذم محذوف أي وبالله لبئس المصير هي أي النار، والجملة اعتراض تذييلي
~~مقرر لما قبله، وفي إيراد النار بعنوان كونها مأوى ومصيرا لهم إثر نفي
~~فوتهم بالهرب في الأرض كل مهرب من الجزالة ms07397 ما لا غاية وراءه فلله تعالى
~~در شأن التنزيل.

### || [24.58]

# { يأيها الذين ءامنوا } الخ رجوع عند الأكثرين إلى بيان
~~تتمة الأحكام السابقة بعد تمهيد ما يوجب الامتثال بالأوامر والنواهي
~~الواردة فيها وفي الأحكام اللاحقة من التمثيلات والترغيب والترهيب والوعد
~~والوعيد. وفي «التحقيق» ويحتمل أن يقال: إنه مما يطاع الله تعالى ورسوله
~~صلى الله عليه وسلم فيه، وتخصيصه بالذكر لأن دخوله في الطاعة باعتبار أنه
~~من الآداب أبعد من غيره. والخطاب إما للرجال خاصة والنساء داخلات في
~~الحكم بدلالة النص أو للفريقين تغليبا، واعترض الأول بأن الآية نزلت
~~بسبب النساء، فقد روي أن أسماء بنت أبي مرثد دخل عليها غلام كبير لها في
~~وقت كرهت دخوله فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن خدمنا
~~وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها فنزلت، وقد ذكر في «الإتقان» أن
~~دخول سبب النزول في الحكم قطعي. وأجيب بأنه ما المانع من أن يعلم الحكم
~~في السبب بطريق الدلالة والقياس الجلي ويكون ذلك في حكم الدخول، ونقل عن
~~السبكي أنه ظني فيجوز إخراجه؛ وتمام الكلام في ذلك في «كتب الأصول».

# ثم ما ذكر في سبب النزول ليس مجمعا عليه، فقد روي أن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم بعث وقت الظهيرة إلى عمر رضي الله تعالى / عنه غلاما من
~~الأنصار يقال له مدلج وكان رضي الله تعالى عنه نائما فدق عليه الباب
~~ودخل فاستيقظ وجلس فانكشف منه شيء فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لوددت أن
~~الله تعالى نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعة
~~إلا بإذن فانطلق معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآية قد
~~نزلت فخر ساجدا، وهذا أحد موافقات رأيه الصائب رضي الله تعالى عنه
~~للوحي. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال: كان أناس من أصحاب رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم يعجبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات
~~فيغتسلوا ثم يخرجون إلى الصلاة فأمرهم الله تعالى أن يأمروا المملوكين
~~والغلمان أن ms07398 لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن بقوله تعالى: {
~~يأيها الذين ءامنوا }.

# ويعلم منه أن الأمر في قوله سبحانه: { ليستأذنكم الذين
~~ملكت أيمنكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم
~~} وإن كان في الظاهر للمملوكين والصبيان لكنه في الحقيقة للمخاطبين
~~فكأنهم أمروا أن يأمروا المذكورين بالاستئذان وبهذا ينحل ما قيل: كيف
~~يأمر الله عز وجل من لم يبلغ الحلم بالاستئذان وهو تكليف ولا تكليف قبل
~~البلوغ، وحاصله أن الله تعالى لم يأمره حقيقة وإنما أمر سبحانه الكبير أن
~~يأمره بذلك كما أمره أن يأمره بالصلاة، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم
~~أنه قال:

# " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء
~~عشر سنين "

# وأمره بما ذكر ونحوه من باب التأديب والتعليم ولا إشكال فيه، وقيل:
~~الأمر للبالغين من المذكورين على الحقيقة ولغيرهم على وجه التأديب، وقيل:
~~هو للجميع على الحقيقة والتكليف يعتمد التمييز ولا يتوقف على البلوغ
~~فالمراد بالذين لم يبلغوا الحلم المميزون من الصغار وهو كما ترى.

# واختلف في هذا الأمر فذهب بعض إلى أنه للوجوب، وذهب الجمهور إلى أنه
~~للندب وعلى القولين هو محكم على الصحيح وسيأتي تمام الكلام في ذلك.
~~والجمهور على عموم { الذين ملكت أيمنكم } في العبيد
~~والإماء الكبار والصغار، وعن ابن عمر ومجاهد أنه خاص بالذكور كما هو ظاهر
~~الصيغة وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما، وقال
~~السلمي: إنه خاص بالإناث وهو قول غريب لا يعول عليه، وعن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما تخصيصه بالصغار وهو خلاف الظاهر جدا.

# والمراد بالذين لم يبلغوا الحلم الصبيان ذكورا وإناثا على ما يقتضيه
~~ما مر في سابقه عن الجمهور وخص بالمراهقين منهم، و { منكم } لتخصيصهم
~~بالأحرار ويشعر به المقابلة أيضا. وفي «البحر» هو عام في الأطفال عبيدا
~~كانوا أو أحرارا. وكني عن القصور عن درجة البلوغ بما ذكر لأن الاحتلام
~~أقوى دلائله، وقد اتفق الفقهاء على أنه إذا احتلم الصبي فقد بلغ،
~~واختلفوا فيما إذا بلغ خمس عشرة ms07399 سنة ولم يحتلم فقال أبو حنيفة في
~~المشهور: لا يكون بالغا حتى يتم له ثماني عشرة سنة وكذا الجارية إذ لم
~~تحتلم أو لم تحض أو لم تحبل لا تكون بالغة عنده حتى يتم لها سبع عشرة
~~سنة، ودليله قوله تعالى:

# ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن
~~حتى يبلغ أشده

# [الأنعام: 152] وأشد الصبي كما روي عن ابن عباس وتبعه القتيبي ثماني
~~عشرة سنة وهو أقل ما قيل فيه فيبنى الحكم عليه للتيقن به غير أن الإناث
~~نشؤهن وإدراكهن أسرع فنقص في حقهن سنة لاشتمالها على الفصول الأربعة التي
~~يوافق واحد منها المزاج لا محالة، وقال صاحباه والشافعي وأحمد: إذا بلغ
~~الغلام والجارية خمس عشرة سنة فقد بلغا وهو رواية عن الإمام رضي الله
~~تعالى عنه أيضا وعليه الفتوى.

# ولهم أن العادة الفاشية أن لا يتأخر البلوغ فيهما عن هذه المدة وقيدت
~~العادة بالفاشية لأنه قد يبلغ الغلام في اثنتي عشرة سنة وقد تبلغ الجارية
~~في تسع سنين، واستدل بعضهم على ما تقدم بما روى ابن عمر رضي الله تعالى /
~~عنهما أنه عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وله أربع عشرة سنة
~~فلم يجزه وعرض عليه عليه الصلاة والسلام يوم الخندق وله خمس عشرة سنة
~~فأجازه، واعترض أبو بكر الرازي على ذلك بأن أحدا كان في سنة ثلاث
~~والخندق في سنة خمس فكيف يصح ما ذكر في الخبر، وأيضا لا دلالة فيه على
~~المدعي لأن الإجازة في القتال لا تعلق لها بالبلوغ فقد لا يؤذن البالغ
~~لضعفه ويؤذن غير البالغ لقوته وقدرته على حمل السلاح.

# ولعل عدم إجازته عليه الصلاة والسلام ابن عمر رضي الله تعالى عنهما
~~أولا إنما كان لضعفه ويشعر بذلك أنه صلى الله عليه وسلم ما سأله عن
~~الاحتلام والسن.

# ومما تفرد به الشافعي رضي الله تعالى عنه على ما قيل جعل الإنبات دليلا
~~على البلوغ واحتج له بما روى عطية القرظي أن النبي صلى الله عليه وسلم
~~أمر بقتل من أنبت من ms07400 قريظة واستحياء من لم ينبت قال: فنظروا إلي فلم أكن
~~قد أنبت فاستبقاني صلى الله عليه وسلم؛ وتعقبه أبو بكر الرازي بأن هذا
~~الخبر لا يجوز إثبات الشرع بمثله فإن عطية هذا مجهول لا يعرف إلا من هذا
~~الخبر، وأيضا هو مختلف الألفاظ ففي بعض رواية أن النبي صلى الله عليه
~~وسلم أمر بقتل من جرت عليه المواسي، وأيضا يجوز أن يكون الأمر بقتل من
~~أنبت ليس لأنه بالغ بل لأنه قوي فإن الإنبات يدل على القوة البدنية،
~~وانتصر للشافعي بأن الاحتمال مردود بما روي عن عثمان رضي الله تعالى عنه
~~أنه سئل عن غلام فقال: هل اخضر إزاره فإنه يدل على أن ذلك كان كالأمر
~~المتفق عليه فيما بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ثم المشهور عن
~~الشافعي عليه الرحمة جعل ذلك دليلا على البلوغ في حق أطفال الكفار،
~~وتكلف الشافعية في الانتصار له ورد التشنيع عليه بما لا يخفى ما فيه على
~~من راجعه.

# ومن الغريب ما روي عن قوم من السلف أنهم اعتبروا في البلوغ أن يبلغ
~~الإنسان في طوله خمسة أشبار، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال:
~~إذا بلغ الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه الحدود يقتص له ويقتص منه. وعن
~~ابن سيرين عن أنس قال: أتي أبو بكر رضي الله تعالى عنه بغلام قد سرق
~~فأمر به فشبر فنقص أنملة فخلى عنه، وبهذا المذهب أخذ الفرزدق في قوله
~~يمدح يزيد بن المهلب:

# ما زال مذ عقدت يداه إزاره

# وسما فأدرك خمسة الأشبار

# يدني كتائب من كتائب تلتقي

# بالطعن يوم تجاول وغوار

# وأكثر الفقهاء لا يقولون به لأن الإنسان قد يكون دون البلوغ ويكون
~~طويلا وفوق البلوغ ويكون قصيرا فلا عبرة بذلك. ولعل الأخبار السابقة لا
~~تصح. وما نقل عن الفرزدق لا يتعين إرادة البلوغ فيه، ومن الناس من قال:
~~إنه أراد بخمسة الأشبار القبر كما قال الآخر:

# عجبا لأربع أذرع في خمسة

# في جوفه جبل أشم كبير

# هذا وقرأ الحسن وأبو عمرو ms07401 في رواية { الحلم } بسكون اللام وهي لغة
~~تميم، وذكر الراغب أن الحلم بالضم والحلم السكون كلاهما مصدر حلم في نومه
~~بكذا بالفتح إذا رآه في المنام يحلم بالضم ولم يخص ذلك بلغة دون أخرى،
~~وعن بعضهم عد حلما بالفتح مصدرا لذلك أيضا، وفي «الصحاح» الحلم بالضم
~~ما يراه النائم تقول منه: حلم بالفتح واحتلم وتقول حلمت بكذا وحلمته
~~أيضا فيتعدى بالباء وبنفسه قال:

# فحلمتها وبنور فيدة دونها

# لا يبعدن خيالها المحلوم

# والحلم بكسر الحاء الأناة تقول منه: حلم الرجل بالضم إذا صار حليما،
~~وفي «القاموس» الحلم بالضم وبضمتين الرؤيا جمعه أحلام ثم قال: وحلم به
~~وعنه رأى له رؤيا أو رآه في النوم والحلم بالضم والاحتلام الجماع في
~~النوم / والاسم الحلم كعتق والحلم بالكسر الأناة والعقل وجمعه أحلام
~~وحلوم اه، والظاهر أن ما نحن فيه بمعنى الجماع في النوم وهو الاحتلام
~~المعروف ووجه الكناية السابقة عليه ظاهر. وقال الراغب: الحلم زمان البلوغ
~~وسمي الحلم لكونه جديرا صاحبه بالحلم أي الأناة وضبط النفس عن هيجان
~~الغضب وفي النفس منه شيء.

# { ثلاث مرات } أي ثلاث أوقات في اليوم والليلة، والتعبير عنها
~~بالمرات للإيذان بأن مدار طلب الاستئذان مقارنة تلك الأوقات لمرور
~~المستأذنين بالمخاطبين لا أنفسها فنصب { ثلاث مرات } على الظرفية
~~للاستئذان وهو الذي ذهب إليه الجمهور ويدل على ما ذكر قوله تعالى: { من
~~قبل صلوة الفجر } الخ فإن الظاهر أنه في محل النصب أو الجر
~~كما قيل إنه بدل من { ثلث } أو من { مرات } بدل مفصل من مجمل.
~~وجوز أن يكون في محل الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي أحدها من قبل الخ
~~وهو أيضا يدل على ما ذكرنا، واختار في «البحر» أن المعنى ثلاث استئذانات
~~كما هو الظاهر فإنك إذا قلت: ضربت ثلاث مرات لا يفهم منه إلا ثلاث ضربات،
~~ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام

# " الاستئذان ثلاث "

# ، وعليه يكون { ثلاث مرات } مفعولا مطلقا للاستئذان و { من
~~قبل } الخ ظرف له. وشرع الاستئذان من قبل صلاة الفجر لظهور أنه وقت
~~القيام ms07402 عن المضاجع وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة وكل ذلك مظنة انكشاف
~~العورة. وأيضا كثيرا ما يجنب الشخص ليلا فيغتسل في ذلك الوقت ويستحى
~~من الاطلاع عليه في تلك الحالة ولو مستور العورة.

# { وحين تضعون ثيبكم } أي وحين تخلعون ثيابكم التي
~~تلبسونها في النهار وتحطونها عنكم { من الظهيرة } بيان للحين،
~~والظهيرة كما قال الراغب وقت الظهر، وفي «القاموس» هي حد انتصاف النهار
~~أو إنما ذلك في القيظ. وجوز أن تكون { من } أجلية والكلام على حذف مضاف
~~أي وحين تضعون ثيابكم من أجل حر الظهيرة، وفسر بعضهم الظهيرة بشدة الحر
~~عند انتصاف النهار فلا حاجة إلى الحذف؛ و { حين } عطف على { من قبل
~~} وهو ظاهر على تقدير كونه في محل نصب، وأما على التقديرين الآخرين
~~فيلتزم القول ببناء حين على الفتح وإن أضيف إلى مضارع كما قيل في قوله
~~تعالى:

# هذا يوم ينفع الصدقين صدقهم

# [المائدة:119] على قراءة فتح ميم يوم. والتصريح بمدار الأمر أعني وضع
~~الثياب في هذا الحين دون ما قبل وما بعد لما أن التجرد عن الثياب فيه
~~لأجل القيلولة لقلة زمانها كما ينبىء عنه إيراد الحين مضافا إلى فعل
~~حادث متقض ووقوعها في النهار الذي هو مئنة لكثرة الورود والصدور ومظنة
~~لظهور الأحوال وبروز الأمور ليس من التحقق والاطراد بمنزلة ما في الوقتين
~~المذكورين فإن تحقق المدار فيهما أمر معروف لا يحتاج إلى التصريح به.

# { ومن بعد صلوة العشاء } ضرورة أنه وقت التجرد عن لباس
~~اليقظة والالتحاف بثياب النوم وكثيرا ما يتعاطى فيه مقدمات الجماع وإن
~~كان الأفضل تأخيره لمن لا يغتسل على الفور إلى آخر الليل، ويعلم مما ذكر
~~في حيز بيان حكمة مشروعية الاستئذان في الوقت الأول والوقت الأخير أن
~~المراد بالقبلية والبعدية المذكورتين ليس مطلقهما المتحقق في الوقت
~~الممتد المتخلل بين صلاة الفجر وصلاة العشاء بل المراد بهما طرفا ذلك
~~الوقت الممتد المتصلان اتصالا عاديا بالصلاتين المذكورتين وعدم التعرض
~~للأمر بالاستئذان في الباقي / من الوقت الممتد إما لانفهامه بعد الأمر
~~بالاستئذان في الأوقات المذكورة ms07403 من باب الأولى، وإما لندرة الوارد فيه
~~جدا كما قيل، وقيل إن ذاك لجريان العادة على أن من ورد فيه لا يرد حتى
~~يعلم أهل البيت لما في الورود ودخول البيت فيه من دون إعلام أهله من
~~التهمة ما لا يخفى.

# وقوله تعالى: { ثلاث عورات } خبر مبتدأ محذوف، وقوله سبحانه: {
~~لكم } متعلق بمحذوف وقع صفة له أي هن ثلاث عورات كائنة لكم، والعورة
~~الخلل ومنه أعور الفارس وأعور المكان إذا اختل حاله والأعور المختل
~~العين، وعورة الإنسان سوأته وأصلها كما قال الراغب: من العار وذلك لما
~~يلحق في ظهورها من العار أي المذمة، وضميرهن المحذوف للأوقات الثلاثة،
~~والكلام على حذف مضاف أي هن ثلاث أوقات يختل فيها التستر عادة، وقدر أبو
~~البقاء المضاف قبل { ثلث } فقال: أي هي أوقات ثلاث عورات أولا حذف
~~فيه، وإطلاق العورات على الأوقات المذكورة المشتملة عليها للمبالغة كأنها
~~نفس العورات. والجملة استئناف مسوق لبيان علة طلب الاستئذان في تلك
~~الأوقات. وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي { ثلث } بالنصب على أنه بدل من {
~~ثلاث مرات } وجوز أبو البقاء كونه بدلا من الأوقات المذكورة،
~~وكونه منصوبا بإضمار أعني.

# وقرأ الأعمش { عورت } بفتح الواو وهي لغة هذيل بن مدركة وبني تميم.

# { ليس عليكم ولا عليهم } أي على الذين ملكت أيمانكم
~~والذين لم يبلغوا الحلم منكم { جناح } أي في الدخول بغير استئذان {
~~بعدهن } أي بعد كل واحدة من تلك العورات الثلاث وهي الأوقات
~~المتخللة بين كل اثنين منهن، وإيرادها بعنوان البعدية مع أن كل وقت من
~~تلك الأوقات قبل كل عورة من العورات كما أنها بعد أخرى منهن لتوفية حق
~~التكليف والترخيص الذي هو عبارة عن رفعه إذ الرخصة إنما تتصور في فعل يقع
~~بعد زمان وقوع الفعل المكلف كذا في «إرشاد العقل السليم»، وظاهره أنه لا
~~حرج في الدخول بغير استئذان في الوقت المتخلل بين ما بعد صلاة العشاء وما
~~قبل صلاة الفجر بالمعنى السابق للبعدية والقبلية، ومقتضى ما قدمنا ثبوت
~~الحرج في ذلك فيكون كالمستثنى مما ذكر. وكان ms07404 الظاهر أن يقال: ليس عليهم
~~جناح بعدهن وعدم التعرض لنفي أن يكون على المخاطبين جناح لأن المأمورين
~~ظاهرا فيما تقدم بالاستئذان في العورات الثلاث هم المماليك والمراهقون
~~الأحرار لا غير، وإن اعتبر المأمورون في الحقيقة فيما مر كان الظاهر
~~ههنا أن يقال: ليس عليكم جناح بعدهن مقتصرا عليه، ولعل اختيار ما في
~~النظم الجليل لرعاية المبالغة في الإذن بترك الاستئذان فيما عدا تلك
~~الثلاث حيث نفى الجناح عن المأمورين به فيها ظاهرا وحقيقة.

# والظاهر أن المراد بالجناح الإثم الشرعي، واستشكل بأنه يفهم من الآية
~~ثبوت ذلك للمخاطبين إذا دخل المماليك والذين لم يبلغوا الحلم منهم عليهم
~~من غير استئذان في تلك العورات مع أنه لا تزر وازرة وزر أخرى وثبوته
~~للمماليك والصغار كذلك مع أن الصغار غير مكلفين فلا يتصور في حقهم الإثم
~~الشرعي. وأجيب بأن ثبوت ذلك لمن ذكر بواسطة المفهوم ولا عبرة به عندنا،
~~وعلى القول باعتباره يمكن أن يكون ثبوته للمخاطبين حينئذ لتركهم تعليمهم
~~والتمكين من الدخول عليهم ويبقى إشكال ثبوته للصغار ولا مدفع له إلا
~~بالتزام القول بأن التكليف يعتمد التمييز ولا يتوقف على البلوغ وهو خلاف
~~ما عليه جمهور الأئمة. / ويرد على القول بأن ثبوت ذلك لمن ذكر بواسطة
~~المفهوم بحث لا يخفى. والتزم في الجواب كون المراد بالجناح الإثم العرفي
~~الذي مرجعه ترك الأولى والأخلق من حيث المروءة والأدب وجواز ثبوت ذلك
~~للمكلف وغير المكلف مما لا كلام فيه فكأن المعنى ليس عليكم أيها المؤمنون
~~جناح في دخولهم عليكم بعدهن لترككم تعليمهم وتمكينكم إياهم منه المفضي
~~إلى الوقوف على ما تأبى المروءة والغيرة الوقوف عليه ولا عليهم جناح في
~~ذلك لإخلالهم بالأدب المفضي إلى الوقوف على ما تكره ذوو الطباع السليمة
~~الوقوف عليه وينفعون منه.

# ولا يأبى ذلك تقدم الأمر السابق ولا ما في «الإرشاد» من بيان نكتة
~~إيراد العورات الثلاث بعنوان البعدية بما سمعت فتدبر فإنه دقيق.

# وذهب بعضهم إلى أن قوله تعالى:

# يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير
~~بيوتكم حتى تستأنسوا ms07405 وتسلموا على أهلها

# [النور: 27] منسوخ بهذه الآية حيث دلت على جواز الدخول بدون استئذان بعد
~~الأوقات الثلاث ودل ذلك على خلافه ومن ذهب إليه قال: إنها في الصبيان
~~ومماليك المدخول عليه وآية الاستئذان في الأحرار البالغين ومماليك الغير
~~في حكمهم فلا منافاة ليلتزم النسخ.

# ثم اعلم أن نفي الجناح بعدهن على من ذكر ليس على عمومه فإنه متى تحقق أو
~~ظن كون أهل البيت على حال يكرهون اطلاع المماليك والمراهقين من الأحرار
~~عليها كانكشاف عورة أحدهم ومعاشرته لزوجته أو أمته إلى غير ذلك لا ينبغي
~~الدخول عليهم بدون استئذان سواء كان ذلك في إحدى العورات الثلاث أو في
~~غيرها والأمر بالاستئذان فيها ونفي الجناح بعدها بناء على العادة
~~الغالبة من كون أهل البيت في الأوقات الثلاث المذكورة على حال يقتضي
~~الاستئذان وكونهم على حال لا يقتضيه في غيرها.

# هذا وفي الآية توجيه آخر ذكره أبو حيان وظاهر صنيعه اختياره وعليه اقتصر
~~أبو البقاء وهو أن التقدير ليس عليكم ولا عليهم جناح بعد استئذانهم فيهن
~~فحذف الفاعل وحرف الجر فبقي بعد استئذانهن ثم حذف المصدر فصار بعدهن،
~~وعليه تقل مؤنة الكلام في الآية إلا أنه خلاف الظاهر جدا. والجمهور على
~~ما سمعت أولا في معناها، والظاهر أن الجملة على القراءتين السابقتين في
~~(ثلاث) مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها، وفي «الكشاف» أنها إذا رفع {
~~ثلث } كانت في محل رفع على الوصف والمعنى هن ثلاث مخصوصة بالاستئذان
~~وإذا نصب لم يكن لها محل وكانت كلاما مقررا للاستئذان في تلك الأحوال
~~خاصة. وقال في ذلك صاحب «التقريب»: إن رفع الحرج وراء الأوقات الثلاثة
~~مقصود في نفسه فإذا وصف به { ثلاث عورات } نصبا وهو بدل من {
~~ثلاث مرات } كان التقدير ليستأذنكم هؤلاء في ثلاث عورات مخصوصة
~~بالاستئذان. ويدفعه وجوه مستفادة من علم المعاني. أحدها: اشتراط تقدم علم
~~السامع بالوصف وهو منتف إذ لم يعلم إلا من هذا. والثاني: جعل الحكم
~~المقصود وصفا للظرف فيصير غير مقصود. والثالث: أن الأمر بالاستئذان في
~~المرات الثلاث حاصل وصفت ms07406 بأن لا حرج وراءها أو لم توصف فيضيع الوصف. وأما
~~إذا وصف المرفوع فيزول الدوافع لأنه ابتداء تعليم أي هن ثلاث مخصوصة
~~بالاستئذان وصفة للخبر المقصود ولم يتقيد أمر الاستئذان به فليتأمل فإنه
~~دقيق جليل انتهى.

# وتعقب بأن الوجهين الأخيرين ساقطان لا طائل تحتهما والأول هو الوجه. فإن
~~قيل: هو مشترك الإلزام قيل: قد تقدم في قوله تعالى: { ليستأذنكم
~~} ما يرشد إلى العلم بذلك وليست الجملة الأخيرة من أجزائه كما هي كذلك
~~على فرض جعلها صفة للبدل ولا يحتاج مع هذا إلى حديث أن رفع الحرج وراء
~~الأوقات الثلاثة مقصود في نفسه بل قيل هو في نفسه ليس بشيء فقد قال
~~الطيبي: إن المقصود الأولي الاستئذان في الأوقات المخصوصة ورفع الحرج في
~~غيرها / تابع له لقول المحدث رضي الله تعالى عنه لوددت أن الله عز وجل
~~نهى آباءنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعة إلا بإذن ثم انطلق إلى
~~النبي صلى الله عليه وسلم وقد نزلت الآية.

# وفي «الكشف» أنه جىء به أي بالكلام الدال على رفع الحرج أعني { ليس
~~عليكم } الخ على رفع { ثلث } مؤكدا للسالف على طريق الطرد
~~والعكس وكذلك إذا نصب وجعل استئنافا وأما إذا جعل وصفا فيفوت هذا
~~المعنى وهذا أيضا من الدوافع انتهى فتأمل ولا تغفل.

# وقوله تعالى: { طوافون عليكم } خبر مبتدأ محذوف أي هم طوافون.
~~والجملة استئناف ببيان العذر المرخص في ترك الاستئذان وهو المخالطة
~~الضرورية وكثرة المداخلة. وفيه دليل على تعليل الأحكام الشرعية وكذا في
~~الفرق بين الأوقات الثلاث وغيرها بأنها عورات. وقوله عز وجل: {
~~بعضكم على بعض } جوز أن يكون مبتدأ وخبرا ومتعلق الجار كون
~~خاص حذف لدلالة ما قبله عليه أي بعضكم طائف على بعض، وجوز أن يكون
~~معمولا لفعل محذوف أي يطوف بعضكم على بعض. وقال ابن عطية: { بعضكم
~~} بدل من { طوافون } ، وتعقبه في «البحر» ((بأنه إن أراد أنه بدل من
~~{ طوافون } نفسه فلا يجوز لأنه يصير التقدير هم بعضكم على بعض وهو
~~معنى لا يصح وإن أراد أنه ms07407 بدل من الضمير فيه فلا يصح أيضا إن قدر الضمير
~~ضمير غيبة لتقديرهم لأنه يصير التقدير هم يطوف بعضكم على بعض وإن جعل
~~التقدير أنتم يطوف عليكم بعضكم على بعض فيدفعه أن { عليكم } يدل على
~~أنهم هم المطوف عليهم وأنتم طوافون يدل على أنهم طائفون فيتعارضان))
~~وقيل: يقدر أنتم طوافون ويراد بأنتم المخاطبون والغيب من المماليك
~~والصبيان وهو كما ترى. وجوز أبو البقاء كون الجملة بدلا من التي قبلها
~~وكونها مبينة مؤكدة، ولا يخفى عليك ما تضمنته من جبر قلوب المماليك
~~بجعلهم بعضا من المخاطبين وبذلك يقوى أمر العلية. وقرأ ابن أبي عبلة {
~~طوافين } بالنصب على الحال من ضمير (عليهم).

# { كذلك } إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعد على ما مر تفصيله في تفسير
~~قوله تعالى:

# وكذلك جعلنكم أمة وسطا

# [البقرة: 143] وفي غيره أيضا أي مثل ذلك التبيين { يبين الله
~~لكم الآيت } الدالة على ما فيه نفعكم وصلاحكم أي ينزلها مبينة
~~واضحة الدلالة لا أنه سبحانه يبينها بعد أن لم تكن كذلك، وتقديم الجار
~~والمجرور على المفعول الصريح لما مر غير مرة، وقيل: يبين علل الأحكام.
~~وتعقب بأنه ليس بواضح مع أنه مؤد إلى تخصيص الآيات بما ذكر ههنا. {
~~والله عليم } مبالغ في العلم بجميع المعلومات فيعلم أحوالكم {
~~حكيم } في جميع أفاعيله فيشرع لكم ما فيه صلاحكم معاشا ومعادا.

### || [24.59]

# { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم } لما بين سبحانه آنفا
~~حكم الأطفال من أنهم لا يحتاجون إلى الاستئذان في غير الأوقات الثلاثة
~~عقب جل وعلا ببيان حالهم إذا بلغوا دفعا لما عسى أن يتوهم أنهم وإن
~~كانوا أجانب ليسوا كسائر الأجانب بسبب اعتيادهم الدخول فاللام في {
~~الأطفال } للعهد إشارة إلى

# الذين لم يبلغوا الحلم

# [النور: 58] المجعولين قسيما للمماليك أي إذا بلغ الأطفال الأحرار
~~الأجانب { فليستأذنوا } إذا أرادوا الدخول عليكم { كما
~~استأذن الذين من قبلهم } أي الذين ذكروا من قبلهم في قوله
~~تعالى:

# يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير
~~بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها

# [النور: 27] وجوز أن تكون القبلية باعتبار الوصف ms07408 لا باعتبار الذكر في
~~النظم الجليل بقرينة ذكر البلوغ وحكم الطفولية أي الذين بلغوا من قبلهم.
~~وأخرج هذا ابن أبي حاتم عن مقاتل وزعم بعضهم أنه أظهر. / وتعقب بأن
~~المراد بالتشبيه بيان كيفية استئذان هؤلاء وزيادة إيضاحه ولا يتسنى ذلك
~~إلا بتشبيهه باستئذان المعهودين عند السامع، ولا ريب في أن بلوغهم قبل
~~بلوغ هؤلاء مما لا يخطر ببال أحد وإن كان الأمر كذلك في الواقع وإنما
~~المعهود المعروف ذكرهم قبل ذكرهم، فالمعنى فليستأذنوا استئذانا كائنا
~~مثل استئذان المذكورين قبلهم بأن يستأذنوا في جميع الأوقات ويرجعوا إن
~~قيل لهم ارجعوا حسبما فصل فيما سلف.

# وكون المراد بالأطفال الأطفال الأحرار الأجانب قد ذهب إليه غير واحد،
~~وقال بعض الأجلة: المراد بهم ما يعم الأحرار والمماليك فيجب الاستئذان
~~على من بلغ من الفريقين وأوجب هذا استئذان العبد البالغ على سيدته لهذه
~~الآية، وقال في «البحر» { منكم } أي من أولادكم وأقربائكم. وأخرج ابن
~~أبي حاتم نحو هذا التفسير عن سعيد بن جبير. وأخرج عن سعيد بن المسيب أنه
~~قال: يستأذن الرجل على أمه فإنما نزلت: { وإذا بلغ الأطفال
~~منكم الحلم } في ذلك. وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في «الأدب»
~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عطاء أنه سأل ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أأستأذن على أختي؟ قال: نعم قلت: إنها في حجري وأنا
~~أنفق عليها وإنها معي في البيت أأستأذن عليها؟ قال: نعم إن الله تعالى
~~يقول:

# ليستأذنكم الذين ملكت أيمنكم والذين لم
~~يبلغوا الحلم

# [النور: 58] الآية فلم يأمر هؤلاء بالاستئذان إلا في العورات الثلاث
~~وقال تعالى: { وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم
~~فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم }
~~فالإذن واجب على خلق الله تعالى أجمعين، وروي عنه رضي الله تعالى عنه أنه
~~قال: آية لا يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن وإني لآمر جارتي يعني زوجته
~~أن تستأذن علي، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عليكم أن تستأذنوا على
~~آبائكم وأمهاتكم وأخواتكم، ونقل عن بعضهم أن وجوب الاستئذان المستفاد من ms07409
~~الأمر الدال عليه في الآية منسوخ وأنكر ذلك سعيد بن جبير روي عنه يقولون:
~~هي منسوخة لا والله ما هي منسوخة ولكن الناس تهاونوا بها، وعن الشعبي
~~ليست منسوخة فقيل له: إن الناس لا يعملون بها فقال: الله تعالى المستعان،
~~وقيل: ذلك مخصوص بعدم الرضا وعدم باب يغلق كما كان في العصر الأول.

# { كذلك يبين الله لكم ءايته والله عليم
~~حكيم } الكلام فيه كالذي سبق، والتكرير للتأكيد والمبالغة في طلب
~~الاستئذان، وإضافة الآيات إلى ضمير الجلالة لتشريفها وهو مما يقوي أمر
~~التأكيد والمبالغة.

### || [24.60]

# { والقواعد من النساء } أي العجائز وهو جمع قاعد كحائض وطامث
~~فلا يؤنث لاختصاصه ولذا جمع على فواعل لأن التاء فيه كالمذكورة أو هو
~~شاذ، قال ابن السكيت: امرأة قاعد قعدت عن الحيض، وقال ابن قتيبة: سميت
~~العجائز قواعد لأنهن يكثرن القعود لكبر سنهن، وقال ابن ربيعة: لقعودهن عن
~~الاستمتاع حيث أيسن ولم يبق لهن طمع في الأزواج فقوله تعالى: {
~~اللتى لا يرجون نكاحا } أي لا يطمعن فيه لكبرهن صفة كاشفة
~~{ فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن } أي الثياب
~~الظاهرة التي لا يفضي وضعها لكشف العورة كالجلباب والرداء والقناع الذي
~~فوق الخمار. وأخرج ابن المنذر عن ميمون بن مهران أنه قال: في مصحف أبي
~~بن كعب ومصحف ابن مسعود { فليس عليهن جناح أن يضعن
~~جلبيبهن } وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أنهما كانا يقرآن كذلك، ولعله لذلك اقتصر بعض في تفسير
~~الثياب على الجلباب. والجملة خبر { القواعد } والفاء إما لأن اللام
~~في القواعد موصولة بمعنى اللاتي وإما لأنها موصوفة بالموصول.

# وقوله / تعالى: { غير متبرجت بزينة } حال، وأصل التبرج
~~التكلف في إظهار ما يخفى من قولهم: سفينة بارج لا غطاء عليها، والبرج سعة
~~العين بحيث يرى بياضها محيطا بسوادها كله لا يغيب منه شيء، وقيل: أصله
~~الظهور من البرج أي القصر ثم خص بأن تتكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها
~~وإظهار محاسنها، وليست الزينة مأخوذة في مفهومه حتى يقال: إن ذكر الزينة ms07410
~~من باب التجريد. والظاهر أن الباء للتعدية، وقيل: زائدة في المفعول لأنهم
~~يفسرون التبرج بمتعد، ففي «القاموس» تبرجت أظهرت زينتها للرجال وفيه نظر.
~~والمراد بالزينة الزينة الخفية لسبق العلم باختصاص الحكم بها ولما في لفظ
~~التبرج من الإشعار، والتنكير لإفادة الشياع وأن زينة ما وإن دقت داخلة في
~~الحكم أي غير مظهرات زينة مما أمر بإخفائه في قوله تعالى:

# ولا يبدين زينتهن

# [النور: 31].

# { وأن يستعففن } بترك الوضع والتستر كالشواب { خير لهن
~~} من الوضع لبعده من التهمة فلكل ساقطة لاقطة. وذكر ابن المنير للآية
~~معنى استحسنه الطيبي فقال ((يظهر لي والله تعالى أعلم أن قوله تعالى: {
~~غير متبرجت بزينة } من باب:

# على لا حب لا يهتدى بمناره

# أي لا منار فيه فيهتدى به وكذلك المراد والقواعد من النساء لا زينة لهن
~~فيتبرجن بها لأن الكلام فيمن هن بهذه المثابة، وكأنه الغرض من ذلك أن
~~هؤلاء استعفافهن عن وضع الثياب خير لهن فما ظنك بذوات الزينة من الشواب،
~~وأبلغ ما في ذلك أنه جعل عدم وضع الثياب في حق القواعد من الاستعفاف
~~إيذانا بأن وضع الثياب لا مدخل له في العفة هذا في القواعد فكيف
~~بالكواعب)) { والله سميع } مبالغ في سمع جميع ما يسمع فيسمع بما
~~يجري بينهن وبين الرجال من المقاولة { عليم } فيعلم سبحانه مقاصدهن.
~~وفيه من الترهيب ما لا يخفى.

### || [24.61]

# { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا
~~على المريض حرج } في «كتاب الزهراوي» عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أن هؤلاء الطوائف كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأصحاء حذارا من
~~استقذارهم إياهم وخوفا من تأذيهم بأفعالهم وأوضاعهم فنزلت. وقيل: كانوا
~~يدخلون على الرجال لطلب الطعام فإذا لم يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى
~~بيوت آبائهم وأمهاتهم أو إلى بعض من سماهم الله تعالى في الآية الكريمة
~~فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون: ذهب بنا إلى بيت غيره ولعل أهله كارهون
~~لذلك. وكذا كانوا يتحرجون من الأكل من أموال الذين كانوا إذا خرجوا إلى
~~الغزو وخلفوا هؤلاء الضعفاء ms07411 في بيوتهم ودفعوا إليهم مفاتيحها وأذنوا لهم
~~أن يأكلوا مما فيها مخافة أن لا يكون إذنهم عن طيب نفس منهم. وكان غير
~~هؤلاء أيضا يتحرجون من الأكل في بيوت غيرهم، فعن عكرمة كانت الأنصار في
~~أنفسها قزازة لا تأكل من البيوت الذي ذكر الله تعالى، وقال السدي: كان
~~الرجل يدخل بيت أبيه أو بيت أخيه أو أخته فتتحفه المرأة بشيء من الطعام
~~فيتحرج لأجل أنه ليس ثم رب البيت.

# والحرج لغة كما قال الزجاج الضيق من الحرجة وهو الشجر الملتف بعضه ببعض
~~لضيق المسالك فيه، وقال الراغب: هو في الأصل مجتمع الشيء ثم أطلق على
~~الضيق وعلى الإثم، والمعنى على الرواية الأولى ليس على هؤلاء حرج في
~~أكلهم مع الأصحاء، ويقدر على سائر الروايات ما يناسب ذلك مما لا يخفى. و
~~{ على } معناها في جميع / ذلك، وروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~أنه لما نزل

# لا تأكلوا أمولكم بينكم بالباطل

# [النساء:29] تحرج المسلمون عن مؤاكلة الأعمى لأنه لا يبصر موضع الطعام
~~الطيب والأعرج لأنه لا يستطيع المزاحمة على الطعام والمريض لأنه لا
~~يستطيع استيفاء الطعام فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقيل: كانت العرب ومن
~~بالمدينة قبل البعث تجتنب الأكل مع أهل هذه الأعذار لمكان جولان يد
~~الأعمى وانبساط جلسة الأعرج وعدم خلو المريض من رائحة تؤذي أو جرح ينض أو
~~أنف يذن فنزلت. ومن ذهب إلى هذا جعل { على } بمعنى في أي ليس في
~~مؤاكلة الأعمى حرج وهكذا وإلا لكان حق التركيب ليس عليكم أن تأكلوا مع
~~الأعمى حرج وكذا يقال فيما بعد وفيه بعد لا يخفى.

# وقيل: لا حاجة إلى أن يقدر محذوف بعد قوله تعالى: { حرج } حسبما أشير
~~إليه إليه إذ المعنى ليس على الطوائف المعدودة { ولا على
~~أنفسكم } حرج { أن تأكلوا } أنتم وهم معكم { من بيوتكم
~~} الخ، وإلى كون المعنى كذلك ذهب مولانا شيخ الإسلام ثم قال: وتعميم
~~الخطاب للطوائف المذكورة أيضا يأباه ما قبله وما بعده فإن الخطاب فيهما
~~لغير أولئك الطوائف حتما ولعل ms07412 ما تقدم أولى، وأما تعميم الخطاب فلا أقول
~~به أصلا؛ وعن ابن زيد والحسن وذهب إليه الجبائي وقال أبو حيان: هو القول
~~الظاهر أن الحرج المنفي عن أهل العذر هو الحرج في القعود عن الجهاد وغيره
~~مما رخص لهم فيه والحرج المنفي عمن بعدهم الحرج في الأكل من البيوت
~~المذكورة، قال صاحب «الكشاف»: والكلام عليه صحيح لالتقاء الطائفتين في أن
~~كلا منفي عنه الحرج، ومثاله أن يستفتي مسافر عن الإفطار في رمضان وحاج
~~مفرد عن تقديم الحلق على النحر فتقول: ليس على المسافر حرج أن يفطر ولا
~~عليك يا حاج أن تقدم الحلق على النحر وهو تحقيق لأمر العطف وذلك أنه لما
~~كان فيه غرابة لبعد الجامع بادىء النظر أزاله بأن الغرض لما كان بيان
~~الحكم كفاء الحوادث والحادثتان وإن تباينتا كل التباين إذا تقارنتا في
~~الوقوع والاحتياج إلى البيان قرب الجامع بينهما ولا كذلك إذا كان الكلام
~~في غير معرض الإفتاء والبيان، وليس هذا القول منه بناء على أن الاكتفاء
~~في تصور ما كاف في الجامعية كما ظن، وبهذا يظهر الجواب عما اعترض به على
~~هذه الرواية من أن الكلام عليها لا يلائم ما قبله ولاما بعده لأن ملاءمته
~~لما بعده قد عرفت وجهها، وأما ملاءمته لما قبله فغير لازمة إذ لم يعطف
~~عليه، وربما يقال في وجه ذكر نفي الحرج عن أهل العذر بترك الجهاد
~~ومايشبهه مما رخص لهم فيه أثناء بيان الاستئذان ونحوه: إن نفي الحرج عنهم
~~بذلك مستلزم عدم وجوب الاستئذان منه صلى الله عليه وسلم لترك ذلك فلهم
~~القعود عن الجهاد ونحوه من غير استئذان ولا إذن كما أن للمماليك والصبيان
~~الدخول في البيوت في غير العورات الثلاث من غير استئذان ولا إذن من أهل
~~البيت، ومثل هذا يكفي وجها في توسيط جملة أثناء جمل ظاهرة التناسب، ويرد
~~عليه شيء عسى أن يدفع بالتأمل، وإنما لم يذكر الحرج في قوله تعالى: {
~~ولا على أنفسكم } بأن يقال: ولا على أنفسكم حرج اكتفاء بذكره
~~فيما مر والأواخر ms07413 محل الحذف، ولم يكتف بحرج واحد بأن يقال: ليس على
~~الأعمى والأعرج والمريض وأنفسكم حرج أن تأكلوا دفعا لتوهم خلاف المراد،
~~وقيل: حذف الحرج آخرا للإشارة إلى مغايرته للمذكور ولا تقدح في دلالته
~~عليه لا سيما إذا قلنا: إن الدال غير منحصر فيه وهو كما ترى.

# ومعنى { على أنفسكم } كما في «الكشاف» عليكم وعلى من في مثل
~~حالكم من المؤمنين، وفيه كما في «الكشف» إشارة إلى فائدة إقحام النفس وأن
~~الحاصل / ليس على الضعفاء المطعمين ولا على الذاهبين إلى بيوت القرابات
~~ومن مثل حالهم وهم الأصدقاء حرج.

# وقيل: إن فائدة إقحامها الإشارة إلى أن الأكل المذكور مع أنه لا حرج فيه
~~لا يخل بقدر من له شأن وهو وجه حسن دقيق لا يلزمه استعمال اللفظ في
~~حقيقته ومجازه ظاهرا، وكان منشأه كثرة إقحام النفس في ذوي الشأن، ومن
~~ذلك قوله تعالى:

# كتب ربكم على نفسه الرحمة

# [الأنعام: 54] ولم يقل سبحانه كتب ربكم عليه الرحمة، وقوله عز وجل في
~~الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي» دون أن يقول جل وعلا:
~~إني حرمت الظلم علي إلى غير ذلك مما يعرفه المتتبع المنصف، وما قيل من
~~أن فائدة الإقحام الإشارة إلى أن التجنب عن الأكل المذكور لا يخلو عن
~~رعاية حظ النفس مع خفائه لا يلائم إلا بعض الروايات السابقة في سبب
~~النزول، ونحو ما قيل من أنها أقحمت للإشارة إلى أن نفي الحرج عن
~~المخاطبين في الأكل من البيوت المذكورة لذواتهم بخلاف نفي الحرج عن أهل
~~الأعذار في الأكل منها فإنه لكونهم مع المخاطبين وذهابهم بهم إليها،
~~والتعرض لنفي الحرج عنهم في أكلهم من بيوتهم مع ظهور انتفاء ذلك لإظهار
~~التسوية بينه وبين قرنائه كما في قوله تعالى:

# تكلم الناس فى المهد وكهلا

# [آل عمران: 46] لكن ذلك فيما نحن فيه من أول الأمر. ولم يتعرض لبيوت
~~أولادهم لظهور أنها كبيوتهم، وذكر جمع أنها داخلة في بيوت المخاطبين، فقد
~~روى أبو داود وابن ماجه «أنت ومالك لأبيك» وفي حديث رواه ms07414 الشيخان
~~وغيرهما:

# " إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه "

# وقال بعضهم: المراد ببيوت المخاطبين بيوت أولادهم وأضافها إليهم لمزيد
~~اختصاصها بهم كما يشهد به الشرع والعرف، وقيل: المعنى أن تأكلوا من
~~بيوتكم من مال أولادكم وأزواجكم الذين هم في بيوتكم ومن جملة عيالكم وهو
~~كما ترى.

# { أو بيوت ءابائكم أو بيوت أمهتكم } وقرأ حمزة
~~بكسر الهمزة والميم، والكسائي وطلحة بكسر الهمزة وفتح الميم { أو
~~بيوت إخونكم أو بيوت أخوتكم أو بيوت
~~أعممكم أو بيوت عمتكم أو بيوت أخولكم
~~أو بيوت خلتكم أو ما ملكتم مفاتحه } أي أو
~~مما تحت أيديكم وتصرفكم من بستان أو ماشية وكالة أو حفظا وهو الذي
~~يقتضيه كلام ابن عباس. فقد روى عنه غير واحد أنه قال: ذاك وكيل الرجل
~~وقيمه في ضيعته وماشيته فلا بأس عليه أن يأكل من ثمر حائطه ويشرب من لبن
~~ماشيته ولا يحمل ولا يدخر. وقال السدي: هو الرجل يولى طعام غيره ويقوم
~~عليه فلا بأس أن يأكل منه. وقال ابن جرير: هو الزمن يسلم إليه مفتاح
~~البيت ويؤذن له بالتصرف فيه، وقيل: ولي اليتيم الذي له التصرف بماله فإنه
~~يباح له الأكل منه بالمعروف.

# وملك المفتاح على جميع ذلك كناية عن كونه الشيء تحت يد الشخص وتصرفه.
~~والعطف على ما أشرنا إليه على ما بعد { من } وعن قتادة أن المراد بما
~~ملكتم مفاتحه العبيد فالعطف على ما بعد { بيوت } والتقدير أو بيوت
~~الذين ملكتم مفاتحهم. وكان ملك المفتاح لما شاع كناية لم ينظر فيه إلى أن
~~المتصرف مما يتوصل إليه بالمفتاح أولا ومثله كثير، أو هو ترشيح لجري
~~العبيد مجرى الجماد من الأموال المشعر به استعمال ما فيهم، ولا يخفى عليك
~~بعد هذا القول وأنه يندرج بيوت العبيد في قوله تعالى: { بيوتكم }
~~لأن العبد لا ملك له، وإرادة المعتوقين منهم بقرينة { ملكتم } بلفظ
~~الماضي مما لا ينبغي أن يلتفت إليه. وقرأ ابن جبير { ملكتم } بضم الميم
~~وكسر اللام مشددة و { مفاتيحه } بياء بعد / التاء جمع مفتاح. ms07415 وقرأ قتادة
~~وهرون عن أبي عمرو { مفتاحه } بالإفراد وهو آلة الفتح وكذا المفتح كما
~~في «القاموس»، وقال الراغب: المفتح والمفتاح ما يفتح به وجمعه مفاتيح
~~ومفاتح. وفي بعض الكتب أن جمع مفتح مفاتح وجمع مفتاح مفاتيح.

# { أو صديقكم } أي أو بيوت صديقكم وهو من يصدق في مودتكم وتصدق في
~~مودته يقع على الواحد والجمع، والمراد به هنا الجمع، وقيل: المفرد، وسر
~~التعبير به دون أصدقائكم الإشارة إلى قلة الأصدقاء حتى قيل:

# صاد الصديق وكاف الكيمياء معا

# لا يوجدان فدع عن نفسك الطمعا

# ونقل عن هشام بن عبد الملك أنه قال: نلت ما نلت حتى الخلافة وأعوزني
~~صديق لا أحتشم منه، وقيل: إنه إشارة إلى أن شأن الصداقة رفع الإثنينية،
~~ورفع الحرج في الأكل من بيت الصديق لأنه أرضى بالتبسط وأسر به من كثير من
~~ذوي القرابة؛ روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الصديق أكبر من
~~الوالدين إن الجهنميين لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات
~~فقالوا:

# فما لنا من شفعين * ولا صديق حميم

# [الشعراء: 100-101]. وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه من عظم حرمة
~~الصديق أن جعله الله تعالى من الأنس والثقة والانبساط ورفع الحشمة بمنزلة
~~النفس والأب والأخ، وقيل لأفلاطون: من أحب إليك أخوك أم صديقك؟ فقال: لا
~~أحب أخي إلا إذا كان صديقي، وقد كان السلف ينبسطون بأكل أصدقائهم من
~~بيوتهم ولو كانوا غيبا. يحكى عن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من
~~أصدقائه وقد استلوا سلالا من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة وهم
~~مكبون عليها يأكلون فتهللت أسارير وجهه سرورا وضحك وقال: هكذا وجدناهم
~~هكذا وجدناهم يريد كبراء الصحابة ومن لقيهم من البدريين، وكان الرجل منهم
~~يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء فإذا حضر مولاها
~~فأخبرته أعتقها سرورا بذلك، وهذا شيء قد كان:

# إذا الناس ناس والزمان زمان

# وأما اليوم فقد طوي فيما أعلم بساطه واضمحل - والأمر لله تعالى فسطاطه
~~وعفت آثاره وأفلت أقماره وصار الصديق اسما للعدو الذي ms07416 يخفى عداوته
~~وينتظر لك حرب الزمان وغارته فآه ثم آه ولا حول ولا قوة إلا بالله:

# ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى

# عدوا له ما من صداقته بد

# ثم إن نفي الحرج في الأكل المذكور ومشروط بما إذا علم الآكل رضا صاحب
~~المال بإذن صريح أو قرينة، ولا يرد أنه إذا وجد الرضا جاز الأكل من مال
~~الأجنبي والعدو أيضا فلا يكون للتخصيص وجه لأن تخصيص هؤلاء لاعتياد
~~التبسط بنيهم فلا مفهوم له، وقال أبو مسلم: هذا في الأقارب الكفرة أباح
~~سبحانه في هذه الآية ما حظره في قوله سبحانه:

# لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الأخر
~~يوادون من حاد الله ورسوله

# [المجادلة: 22] وليس بشيء.

# وقيل: كان ذلك في صدر الإسلام ثم نسخ بقوله صلى الله عليه وسلم:

# " لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفسه منه "

# وقوله عليه الصلاة والسلام من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما:

# " لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه "

# ، وقوله تعالى:

# لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا

# [النور: 27] الآية، وقوله عز وجل:

# لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى
~~طعام غير نظرين إنه

# [الأحزاب: 53] فإنهم إذا منعوا من منزله صلى الله عليه وسلم إلا بالشرط
~~المذكور هو عليه الصلاة والسلام أكرم الناس وأقلهم حجابا فغيره صلى الله
~~عليه وسلم يعلم بالطريق الأولى. / وأنت تعلم أنه لا حاجة إلى القول
~~بالنسخ بناء على ما قلنا أولا.

# واحتج بالآية بعض أئمة الحنفية على أنه لا قطع بسرقة مال المحارم مطلقا
~~لا فرق في ذلك بين الوالدين والمولودين وبين غيرهم لأنها دلت على إباحة
~~دخول دارهم بغير إذنهم فلا يكون مالهم محرزا ومجرد احتمال إرادة الظاهر
~~وعدم النسخ كاف في الشهبة المدرئة للحد، وبحث فيه بأن درء الحدود
~~بالشبهات ليس على إطلاقه عندهم كما يعلم من أصولهم، وأورد عليه أيضا أنه
~~يستلزم أن لا تقطع يد من سرق من الصديق، وأجيب عن هذا بأن الصديق متى قصد
~~سرقة مال صديقه انقلب ms07417 عدوا، وتعقب بأن الشرع ناظر إلى الظاهر لا إلى
~~السرائر. وقرىء { صديقكم } بكسر الصاد اتباعا لحركة الدال حكى ذلك
~~حميد الخزاز.

# { ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا } أي مجتمعين وهو
~~نصب على الحال من فاعل { تأكلوا } وهو في الأصل بمعنى كل ولا يفيد
~~الاجتماع خلافا للفراء، ودل عليه هنا لمقابلته بقوله تعالى: { أو
~~أشتاتا } فإنه عطف عليه داخل في حكمه وهو جمع شت على أنه صفة كالحق
~~يقال: أمر شت أي متفرق أو على أنه في الأصل مصدر وصف به مبالغة.

# والآية على ما ذهب أكثر المفسرين كلام مستأنف مسوق لبيان حكم آخر من جنس
~~ما بين قبله، وقد نزلت على ما روي عن ابن عباس والضحاك وقتادة في بني ليث
~~بن عمرو من كنانة تحرجوا أن يأكلوا طعامهم منفردين وكان الرجل منهم لا
~~يأكل ويمكث يومه حتى يجد ضيفا يأكل معه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل
~~شيئا وربما قعد الرجل منهم والطعام بين يديه لا يتناوله من الصباح إلى
~~الرواح وربما كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من
~~يشاربه فإذا أمسى ولم يجد أحدا أكل، قيل: وهذا التحرج سنة موروثة من
~~الخليل عليه الصلاة والسلام، وقد قال حاتم:

# إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له

# أكيلا فإني لست آكله وحدي

# وفي الحديث

# " شر الناس من أكل وحده وضرب عبده ومنع رفده "

# وهذا الذم لاعتياده بخلا بالقرى ونفي الجناح عن وقوعه أحيانا بيانا
~~لأنه لا إثم فيه ولا يذم به شرعا كما ذمت به الجاهلية فلا حاجة إلى
~~القول بأن الوعيد في الحديث لمن اجتمعت فيه الخصال الثلاث دون الانفراد
~~بالأكل وحده فإنه يقتضي أن كلا منها على الانفراد غير منهي عنه وليس
~~كذلك، والقول بأنهم أهل لسان لا يخفى عليهم مثله ولكن لمجيء الواو بمعنى
~~أو تركوا كل واحد منها احتياطا لا وجه له لأن هؤلاء المتحرجين لم
~~يتمسكوا بالحديث، وكون الواو بمعنى أو توهم لا عبرة به، ولا شك أن اجتماع
~~الأيدي على ms07418 الطعام سنة فتركه بغير داع مذمة انتهى.

# وعن عكرمة وأبي صالح أنه نزلت في قوم من الأنصار كانوا إذا نزل بهم ضيف
~~لا يأكلون إلا معه فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاؤا، وقيل: كان الغني يدخل
~~على الفقير من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى طعامه فيقول: إني لأتحرج أن
~~آكل معك وأنا غني وأنت فقير وروي ذلك عن ابن عباس، وقال الكلبي: كانوا
~~إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاما عزلوا للأعمى ونحوه طعاما على حدة فبين الله
~~تعالى أن ذلك ليس بواجب. وقيل: كانوا يأكلون فرادى خوفا أن يزيد أحدهم
~~على الآخر في الأكل أو أن يحصل من الاجتماع ما ينفر أو يؤذي فنزلت لنفي
~~وجوب ذلك، وأيا ما كان فالعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وقيل: الآية
~~من تتمة ما قبلها على معنى أنها وقعت جوابا لسؤال نشأ منه كأن سائلا
~~يقول: هل نفي الحرج في الأكل من بيوت / من ذكر خاص فيما إذا كان الأكل مع
~~أهل تلك البيوت أم لا؟ فأجيب بقوله تعالى: { ليس عليكم جناح
~~أن تأكلوا جميعا } أي مجتمعين مع أهل تلك البيوت في الأكل أو
~~أشتاتا أي متفرقين بأن يأكل كل منكم وحده ليس معه صاحب البيت وما ألطف
~~نفي الحرج فيما اتسعت دائرته ونفي الجناح فيما ورد فيه بين أمرين والنكات
~~لا يجب اطرادها كذا قيل فتدبر.

# { فإذا دخلتم } شروع في بيان الأدب الذي ينبغي رعايته عند
~~مباشرة ما رخص فيه بعد بيان الرخصة فيه { بيوتا } أي من البيوت
~~المذكورة كما يؤذن به الفاء { فسلموا على أنفسكم } أي على
~~أهلها كما أخرج ذلك ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في «شعب الإيمان»
~~عن ابن عباس. وقريب منه ما أخرجه عبد الرزاق وجماعة عن الحسن أن المعنى
~~فليسلم بعضكم على بعض نظير قوله تعالى:

# فاقتلوا أنفسكم

# [البقرة: 54] والتعبير عن أهل تلك البيوت بالأنفس لتنزيلهم منزلتها لشدة
~~الاتصال، وفي «الانتصاف» ((في التعبير عنهم بذلك تنبيه على السر الذي
~~اقتضى إباحة الأكل من تلك البيوت المعدودة وأن ذلك ms07419 إنما كان لأنها
~~بالنسبة إلى الداخل كبيت نفسه للقرابة ونحوها)) وقيل: المراد السلام على
~~أهلها على أبلغ وجه لأن المسلم إذا ردت تحيته عليه فكأنه سلم على نفسه
~~كما أن القاتل لاستحقاقه القتل بفعله كأنه قاتل نفسه. وأخرج عبد الرزاق
~~وابن جرير والحاكم وصححه وغيرهم عن ابن عباس أنه قال في الآية: هو المسجد
~~إذا دخلته فقل السلام علينا وعلى عباد الله تعالى الصالحين فحمل البيوت
~~فيها على المساجد والسلام على الأنفس على ظاهره، وقيل: المراد بيوت
~~المخاطبين وأهلهم، وذكر أن الرجل إذا دخل على أهله سن له أن يقول: السلام
~~عليكم تحية من عند الله مباركة طيبة فإن لم يجد أحدا فليقل السلام علينا
~~من ربنا وروي هذا عن عطاء، وقيل السلام على الأنفس على ظاهره والمراد
~~ببيوت بيوت الكفار وذكر أن داخلها وكذا داخل البيوت الخالية يقول ما سمعت
~~آنفا عن ابن عباس، وقيل: يقول على الكفار يقول: السلام على من اتبع
~~الهدى، ولا يخفى المناسب للمقام، والسلام بمعنى السلامة من الآفات؛ وقيل:
~~اسم من أسمائه عز وجل وقد مر الكلام في ذلك على أتم وجه فتذكر.

# { تحية من عند الله } أي ثابتة بأمره تعالى مشروعة من لدنه
~~عز وجل، فالجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لتحية، وجوز أن يتعلق
~~بتحية فإنها طلب الحياة وهي من عنده عز وجل، وأصل معناها أن تقول حياك
~~الله تعالى أي أعطاك سبحانه الحياة ثم عمم لكل دعاء، وانتصابها على
~~المصدرية لسلموا على طريق قعدت جلوسا فكأنه قيل فسلموا تسليما أو فحيوا
~~تحية { مبركة } بورك فيها بالأجر كما روي عن مقاتل، قال الضحاك:
~~في السلام عشر حسنات ومع الرحمة عشرون ومع البركات ثلاثون { طيبة }
~~تطيب بها نفس المستمع، والظاهر أنه يزيد المسلم ما ذكر في سلامه، وعن بعض
~~السلف زيادته كما مر آنفا، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أنه قال: ما أخذت التشهد إلا من كتاب الله تعالى سمعت الله
~~تعالى يقول: { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا ms07420 على
~~أنفسكم تحية من عند الله مبركة طيبة }
~~فالتشهد في الصلاة التحيات المباركات الطيبات لله.

# { كذلك يبين الله لكم الأيت } تكرير لمزيد التأكيد، وفي
~~ذلك تفخيم فخيم للأحكام المختتمة به { لعلكم تعقلون } ما في
~~تضاعيفها من الشرائع والأحكام وتعملون بموجبها وتحوزون بذلك سعادة
~~الدارين، / وفي تعليل هذا التبيين بهذه الغاية القصوى بعد تذييلي الأولين
~~بما يوجبهما من الجزالة ما لا يخفى. وذكر بعض الأجلة أنه سبحانه بدأ
~~السورة بقوله تعالى:

# وأنزلنا فيهآ آيات بينات

# [النور: 1] وختمها بقوله عز وجل: { كذلك يبين الله لكم
~~الآيت } ثم جعل تبارك وتعالى ختام الختم قوله سبحانه: { إنما
~~المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله }

### || [24.62]

# { إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله }
~~الخ دلالة على أن ملاك ذلك كله والمنتفع بتلك الآيات جمع من سلم نفسه
~~لصاحب الشريعة صلوات الله تعالى وسلامه عليه كالميت بين يدي الغاسل لا
~~يحجم ولا يقدم دون إشارته صلى الله عليه وسلم ولهذه الدقيقة أورد هذه
~~الآية شهاب الحق والدين أبوحفص عمر السهروردي قدس سره في باب سير المريد
~~مع الشيخ ونبه بذلك أن كل ما يرسمه من أمور الدين فهو أمر جامع. وقال شيخ
~~الإسلام: إن هذا استئناف جيء به في أواخر الأحكام السابقة تقريرا لها
~~وتأكيدا لوجوب مراعاتها وتكميلا لها ببيان بعض آخر من جنسها، وإنما ذكر
~~الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم صلة للموصول الواقع خبرا
~~للمبتدأ مع تضمنه له قطعا تقريرا لما قبله وتمهيدا لما بعده وإيذانا
~~بأنه حقيق بأن يجعل قرينا للإيمان المذكور منتظما في سلكه فقوله تعالى:
~~{ وإذا كانوا معه على أمر جامع } الخ معطوف على {
~~ءامنوا } داخل معه في حيز الصلة وبذلك يصح الحمل، والحصر باعتبار
~~الكمال أي إنما الكاملون في الإيمان الذين آمنوا بالله تعالى ورسوله صلى
~~الله عليه وسلم عن صميم قلوبهم وأطاعوا في جميع الأحكام التي من جملتها
~~ما فصل من قبل من الأحكام المتعلقة بعامة أحوالهم المطردة في الوقوع
~~وأحوالهم الواقعة بحسب الاتفاق كما إذا كانوا معه عليه الصلاة ms07421 والسلام
~~على أمر مهم يجب اجتماعهم في شأنه كالجمعة والأعياد والحروب وغيرها من
~~الأمور الداعية إلى الاجتماع لغرض من الأغراض. وعن ابن زيد أن الأمر
~~الجامع الجهاد؛ وقال الضحاك: وابن سلام: هو كل صلاة فيها خطبة كالجمعة
~~والعيدين والاستسقاء، وعن ابن جبير هو الجهاد وصلاة الجمعة والعيدين، ولا
~~يخفى أن الأولى العموم وإن كانت الآية نازلة في حفر الخندق ولعل ما ذكر
~~من باب التمثيل. ووصف الأمر بالجمع مع أنه سبب له للمبالغة، والظاهر أن
~~ذلك من المجاز العقلي، وجوز أن يكون هناك استعارة مكنية. وقرأ اليماني {
~~على أمر جميع } وهو بمعنى جامع أو مجموع له على الحذف والإيصال
~~{ لم يذهبوا } عنه صلى الله عليه وسلم { حتى يستأذنوه
~~} عليه الصلاة والسلام في الذهاب فيأذن لهم به فيذهبون فالغاية هي الإذن
~~الحاصل بعد الاستئذان والاقتصار على الاستئذان لأنه الذي يتم من قبلهم
~~وهو المعتبر في كمال الإيمان لا الأذن ولا الذهاب المترتب عليه واعتباره
~~في ذلك لما أنه كالمصداق لصحته والمميز للمخلص عن المنافق فإن ديدنه
~~التسلل للفرار.

# ولتعظيم ما في الذهاب بغير إذنه عليه الصلاة والسلام من الجناية
~~وللتنبيه على ذلك عقب سبحانه بقوله عز وجل: { إن الذين
~~يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله
~~ورسوله } فقد جعل فيه المستأذنين هم المؤمنون عكس الأول دلالة على
~~أنهما متعاكسان سواء بسواء ومنه يلزم أنه كالمصداق لصحة الإيمانين وكذلك
~~من اسم الإشارة لدلالته على أن استئهال الإيمانين لذلك { فإذا
~~استأذنوك } بيان لما هو وظيفته صلى الله عليه وسلم في هذا الباب
~~إثر بيان ما هو وظيفة المؤمنين، والفار لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي
~~بعد ما تحقق أن الكاملين في الإيمان هم المستأذنون فإذا استأذنوك لبعض
~~شأنهم } أي لبعض أمرهم المهم وخطبهم الملم { فأذن لمن شئت
~~منهم } تفويض للأمر إلى رأيه صلى الله عليه وسلم.

# واستدل به على أن بعض الأحكام مفوضة إلى رأيه صلى الله عليه وسلم، وهذه
~~مسألة التفويض المختلف في جوازها بين الأصوليين ((وهي أن يفوض الحكم إلى
~~المجتهد فيقال ms07422 له: احكم بما شئت فإنه صواب فأجاز ذلك قوم لكن اختلفوا
~~فقال موسى بن عمران بجواز ذلك مطلقا للنبي وغيره من العلماء، وقال أبو
~~علي الجبائي بجواز ذلك للنبي خاصة في أحد قوليه، وقد نقل عن الإمام
~~الشافعي عليه الرحمة في «الرسالة» ما يدل على التردد بين الجواز والمنع
~~ومنع من ذلك الباقون. والمجوزون اختلفوا في الوقوع، قال الآمدي: والمختار
~~الجواز دون الوقوع))، وقد أطال الكلام في هذا المقام فليراجع. والذي أميل
~~إليه جواز أن يفوض الحكم إلى المجتهد إذا علم أنه يحكم ترويا لا تشيها
~~ويكون التفويض حينئذ كالأمر بالاجتهاد، والأليق بشأن الله تعالى وشأن
~~رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينزل ما هنا على ذلك وتكون المشيئة مقيدة
~~بالعلم بالمصلحة. وذكر بعض الفضلاء أنه لا خلاف في جواز أن يقال: احكم
~~بما شئت ترويا بل الخلاف في جواز أن يقال: احكم بما شئت تشهيا كيفما
~~اتفق، وأنت تعلم أنه بعد التقييد لا يكون ما نحن فيه من محل النزاع. ومن
~~الغريب ما قيل: إن المراد ممن شئت منهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه
~~ولا يخفى ما فيه.

# { واستغفر لهم الله } فإن الاستئذان وإن كان لعذر قوي لا
~~يخلو عن شائبة تقديم أمر الدنيا على أمر الآخرة. وتقديم { لهم }
~~للمبادرة إلى أن الاستغفار للمستأذنين لا للإذن.

# { أن الله غفور } مبالغ في مغفرة فرطات العباد { رحيم }
~~مبالغ في إفاضة شآبيب الرحمة عليهم، والجملة تعليل للمغفرة الموعودة في
~~ضمن الاستغفار لهم، وقد بالغ جل شأنه في الاحتفال برسوله صلوات الله
~~تعالى وسلامه عليه فجعل سبحانه الاستئذان للذهاب عنه ذنبا محتاجا
~~للاستغفار فضلا عن الذهاب بدون إذن ورتب الإذن على الاستئذان لبعض شأنهم
~~لا على الاستئذان مطلقا ولا على الاستئذان لأي أمر مهما كان أو غير مهم
~~ومع ذلك علق الإذن بالمشيئة، وإذا اعتبرت وجوه المبالغة في قوله تعالى: {
~~إنما المؤمنون } إلى هنا وجدتها تزيد على العشرة.

# وفي «أحكام القرآن» للجلال السيوطي أن في الآية دليلا على وجوب
~~استئذانه صلى ms07423 الله عليه وسلم قبل الانصراف عنه عليه الصلاة والسلام في كل
~~أمر يجتمعون عليه، قال الحسن: وغير الرسول صلى الله عليه وسلم من الأئمة
~~مثله في ذلك لما فيه من أدب الدين وأدب النفس، وقال ابن الفرس: لا خلاف
~~في الغزو أنه يستأذن إمامه إذا كان له عذر يدعوه إلى الانصراف واختلف في
~~صلاة الجمعة إذا كان له عذر كالرعاف وغيره فقيل يلزمه الاستئذان سواء كان
~~إمامه الأمير أم غيره أخذا من الآية وروي ذلك عن مكحول والزهري.

### || [24.63]

# { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم
~~بعضا } استئناف مقرر لمضمون ما قبله، والالتفات لإبراز مزيد الاعتناء
~~بشأنه أي لا تقيسوا دعاءه عليه الصلاة والسلام إياكم على دعاء بعضكم
~~بعضا في حال من الأحوال وأمر من الأمور التي من جملتها المساهلة فيه
~~والرجوع عن مجلسه عليه الصلاة والسلام بغير استئذان فإن ذلك من المحرمات،
~~وإلى نحو هذا ذهب أبو مسلم واختاره المبرد والقفال. وقيل المعنى لا
~~تحسبوا دعاءه صلى الله عليه وسلم عليكم كدعاء بعضكم / على بعض فتعرضوا
~~لسخطه ودعائه عليكم عليه الصلاة والسلام بمخالفة أمره والرجوع عن مجلسه
~~بغير استئذان ونحو ذلك، وهو مأخوذ مما جاء في بعض الروايات عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما وروي عن الشعبي. وتعقبه ابن عطية بأن لفظ الآية
~~يدفع هذا المعنى، وكأنه أراد أن الظاهر عليه على بعض، وقيل: إنه يأباه {
~~بينكم } وهو في حيز المنع. وقيل: المعنى لا تجعلوا دعاءه عليه
~~الصلاة والسلام ربه عز وجل كدعاء صغيركم كبيركم وفقيركم غنيكم يسأله
~~حاجته فربما أجابه وربما رده فإن دعاءه صلى الله عليه وسلم مستجاب لا مرد
~~له عند الله عز وجل فتعرضوا لدعائه لكم بامتثال أمره واستئذانه عند
~~الانصراف عنه إذا كنتم معه على أمر جامع وتحققوا قبول استغفاره لكم ولا
~~تتعرضوا لدعائه عليكم بضد ذلك.

# ولا يخفى وجه تقرير الجملة لما قبلها على هذين القولين؛ لكن بحث في دعوى
~~أن جميع دعائه عليه الصلاة والسلام مستجاب بأنه قد صح أنه صلى ms07424 الله عليه
~~وسلم سأل الله تعالى في أمته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعه، وهو ظاهر
~~في أنه قد يرد بعض دعائه عليه الصلاة والسلام. وتعقب بأنه كيف يرد وقد
~~قال الله تعالى:

# ادعونى أستجب لكم

# [غافر: 60] وفي الحديث:

# " إن الله تعالى لا يرد دعاء المؤمن وإن تأخر "

# وقد قال الإمام السهيلي في «الروض»: الاستجابة أقسام إما تعجيل ما سأل
~~أو أن يدخر له خير مما طلب أو يصرف عنه من البلاء بقدر ما سأل من الخير،
~~وقد أعطي صلى الله عليه وسلم عوضا من أن لا يذيق بعضهم بأس بعض الشفاعة
~~وقال:

# " أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها في الآخرة عذاب عذابها في الدنيا
~~الزلزال والفتن "

# كما في أبي داود فإذا كانت الفتنة سببا لصرف عذاب الآخرة عن الأمة فلا
~~يقال: ما أجاب دعاءه صلى الله عليه وسلم لأن عدم استجابته أن لا يعطى ما
~~سأل أولا يعوض عنه ما هو خير منه، والمراد بالمنع في الحديث منع ذلك
~~بخصوصه لا عدم استجابة الدعاء بذلك بالمعنى المذكور، وتمام الكلام في هذا
~~المقام يطلب من محله.

# وقيل: المعنى لا تجعلوا نداءه عليه الصلاة والسلام وتسميته كنداء بعضكم
~~بعضا باسمه ورفع الصوت به والنداء من وراء الحجرات ولكن بلقبه المعظم
~~مثل يا نبي الله ويا رسول الله مع التوقير والتواضع وخفض الصوت. أخرج
~~ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في «الدلائل» عن ابن عباس قال:
~~كانوا يقولون: يا محمد يا أبا القاسم فنهاهم الله تعالى عن ذلك بقوله
~~سبحانه: { لا تجعلوا } الآية إعظاما لنبيه صلى الله عليه وسلم
~~فقالوا: يا نبي الله يا رسول الله، وروي نحو هذا عن قتادة الحسن وسعيد
~~بن جبير ومجاهد. وفي «أحكام القرآن» للسيوطي أن في هذا النهي تحريم ندائه
~~صلى الله عليه وسلم باسمه. والظاهر استمرار ذلك بعد وفاته إلى الآن. وذكر
~~الطبرسي أن من جملة المنهي عنه النداء بيا ابن عبد الله فإنه مما ينادي
~~به العرب بعضهم بعضا. وتعقب هذا القول ms07425 بأن الآية عليه لا تلائم السباق
~~واللحاق. وقال بعضهم: وجه الارتباط بما قبلها عليه الإرشاد إلى أن
~~الاستئذان ينبغي أن يكون بقولهم: يا رسول الله إنا نستأذنك ونحوه، وكذا
~~خطاب من معه في أمر جامع إياه صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يكون بنحو يا
~~رسول الله لا بنحو يا محمد، ويكفي هذا القدر من الارتباط بما قبل ولا
~~حاجة إلى بيان المناسبة بأن في كل منهما ما ينافي التعظيم اللائق بشأنه
~~العظيم صلى الله عليه وسلم، نعم الأظهر في معنى الآية ما ذكرناه أولا
~~كما لا يخفى.

# وقرأ الحسن ويعقوب في رواية { نبيكم } بنون مفتوحة وباء مكسورة وياء آخر
~~الحروف مشددة بدل { بينكم } الظرف في قراءة الجمهور، وخرج على أنه
~~بدل من { الرسول } ولم يجعل نعتا له لأنه مضاف إلى الضمير والمضاف
~~إليه في رتبة العلم / وهو أعرف من المعرف بأل ويشترط في النعت أن يكون
~~دون المنعوت أو مساويا له في التعريف، وقال أبو حيان: ينبغي أن يجوز
~~النعت لأن { الرسول } قد صار علما بالغلبة كالبيت للكعبة فقد تساويا
~~في التعريف.

# { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم } وعيد لمن
~~هو بضد أولئك المؤمنين الذين لم يذهبوا حتى يستأذنوه عليه الصلاة
~~والسلام، والتسلل الخروج من البين على التدريج والخفية و { قد }
~~للتحقيق، وجوز أن تكون لتقليل المتسللين في جنب معلوماته تعالى وأن تكون
~~للتكثير إما حقيقة أو استعارة ضدية، وقال أبو حيان: إن قول بعض النحاة
~~بإفادة قد التكثير إذا دخلت على المضارع غير صحيح وإنما التكثير مفهوم من
~~سياق الكلام كما في قول زهير:

# أخى ثقة لا يهلك الخمر ماله

# ولكنه قد يهلك المال نائله

# فإن سياق الكلام للمدح يفهم منه ذلك أي قد يعلم الله الذين يخرجون من
~~الجماعة قليلا قليلا على خفية.

# { لواذا } أي ملاوذة بأن يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج. وأخرج أبو داود
~~في «مراسيله» عن مقاتل قال: كان لا يخرج أحد لرعاف أو إحداث حتى يستأذن
~~النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بأصبعه ms07426 التي تلي الإبهام فيأذن له
~~النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بيده وكان من المنافقين من تثقل
~~عليه الخطبة والجلوس في المسجد فكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام
~~المنافق إلى جنبه يستتر به حتى يخرج فأنزل الله تعالى: { قد يعلم }
~~الآية. وقيل يلوذ به إراءة أنه من أتباعه. ونصب { لواذا } على
~~المصدرية أو الحالية بتأويل ملاوذين وهو مصدر لاوذ لعدم قلب واوه ياء
~~تبعا لفعله ولو كان مصدر لاذ لقيل لياذا كقياما. وقرأ يزيد بن قطيب {
~~لواذا } بفتح اللام فاحتمل أن يكون مصدر لاذ ولم تقلب واوه ياء لأنه لا
~~كسرة قبلها فهو كطواف مصدر طاف، واحتمل أن يكون مصدر لاوذ وفتحة اللام
~~لأجل فتحة الواو.

# والفاء في قوله تعالى: { فليحذر الذين يخلفون عن
~~أمره } لترتيب الحذر أو الأمر به على ما قبلها من علمه تعالى
~~بأحوالهم فإنه مما يوجب الحذر البتة. والمخالفة كما قال الراغب: أن يأخذ
~~كل واحد طريقا غير طريق الآخر في حاله أو فعله والأكثر استعمالها بدون
~~عن فيقال خالف زيد عمرا وإذا استعملت بعن فذاك على تضمين معنى الإعراض.
~~وقيل الخروج أي يخالفون معرضين أو خارجين عن أمره. وقال ابن الحاجب: عدى
~~يخالفون بعن لما في المخالفة من معنى التباعد والحيد كأنه قيل الذين
~~يحيدون عن أمره بالمخالفة وهو أبلغ من أن يقال: يخالفون أمره. وقيل على
~~تضمين معنى الصد، وقيل إذا عدي بعن يراد به الصد دون تضمين ويتعدى إلى
~~مفعول بنفسه يقال: خالف زيدا عن الأمر أي صده عنه والمفعول عليه هنا
~~محذوف أي يخالفون المؤمنين أي يصدونهم عن أمره وحذف المفعول لأن المراد
~~تقبيح حال المخالف وتعظيم أمر المخالف عنه فذكر الأهم وترك ما لا اهتمام
~~به وقد يتعدى بإلى فيقال خالف إليه إذا أقبل نحوه. وقال ابن عطية: { عن
~~} هنا بمعنى بعد، والمعنى يقع خلافهم بعد أمره كما تقول: كان المطر عن
~~ريح وأطعمته عن جوع. وقال أبو عبيدة والأخفش: هي زائدة أي يخالفون أمره
~~وضمير { أمره } لله عز ms07427 وجل فإن الأمر له سبحانه في الحقيقة أو للرسول
~~صلى الله عليه وسلم فإنه المقصود بالذكر، والأمر له قيل الطلب أو الشأن
~~أو ما يعمهما، ولا يخفى أن في تجويز كل على كل من الاحتمالين في الضمير
~~نظرا فلا تغفل. وقرىء { يخلفون } بالتشديد أي يخلفون أنفسهم عن أمره.

# / { أن تصيبهم فتنة } أي بلاء ومحنة في الدنيا كما روي عن
~~مجاهد وعن ابن عباس تفسير الفتنة بالقتل. وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى
~~عنه تفسيرها بتسليط سلطان جائر، وعن السدي ومقاتل تفسيرها بالكفر والأول
~~أولى. { أو يصيبهم عذاب أليم } أي في الآخرة، وقيل في
~~الدنيا، والمراد بالعذاب الأليم القتل وبالفتنة ما دونه وليس بشيء. وكلمة
~~{ أو } لمنع الخلو دون الجمع. وإعادة الفعل صريحا للاعتناء بالتهديد
~~والتحذير.

# وشاع الاستدلال بالآية على أن الأمر للوجوب فإنه تعالى أوجب فيها على
~~مخالف الأمر الحذر عن العذاب وذلك تهديد على مخالفة الأمر وهو دليل كون
~~الأمر للوجوب إذ لا تهديد على ترك غير الواجب، وأيضا بناء حكم الحذر عن
~~العذاب إلى المخالف يقتضي أن يكون حذره عنه من حيث المخالفة، وذلك إنما
~~يكون إذا أفضى إلى العذاب كما في قولك فليحذر الشاتم للأمير أن يضربه ولا
~~إفضاء في ترك غير الواجب. وهذا الأمر أعني { فليحذر } بخصوصه
~~مستعمل في الإيجاب إذ لا معنى لندب الحذر عن العقاب أو إباحته، وأيضا
~~إشعار الآية بوجوب الحذر غير خاف بقرينة ورودها في معرض الوعيد بتوقع
~~إصابة العذاب على أنه لو حمل الأمر المذكور على أنه للندب يحصل المطلوب
~~وذلك لأن التحذير عما لم يعلم أو لم يظن تحققه ولا تحقق ما يفضي إلى
~~وقوعه في الجملة سفه غير جائز بمعنى أنه مخالف للحكمة ولهذا يلام من يحذر
~~عن سقوط الجدار المحكم الغير المائل، وأيا ما كان يندفع ما يقال: لا
~~نسلم أن قوله تعالى: { فليحذر } للوجوب لأنه عين محل النزاع إذ
~~يكفي في المطلوب على ما قررنا استعماله في الندب أيضا، والقول بأن معنى
~~مخالفة الأمر عدم اعتقاد حقيته ms07428 أو حمله على غير ما هو عليه بأن يكون
~~للوجوب أو الندب مثلا فيحمل على غيره بعيد جدا، والظاهر المتبادر إلى
~~الفهم أنه ترك الامتثال والإتيان بالمأمور به فلا يترك إلى ذلك إلا
~~بدليل.

# واعترض بأنه بعد هذا القيل والقال لا يدل على أن جميع الأوامر حقيقة في
~~الوجوب لإطلاق الأمر. وأجيب بأن { أمره } مصدر مضاف وهو يفيد العموم
~~حيث فقدت قرينة العهد على أن الإطلاق كاف في المطلوب، وهو كون الأمر
~~المطلق للوجوب خاصة إذ لو كان حقيقة لغيره أيضا لم يترتب التهديد على
~~مخالفة مطلق الأمر. وقال بعض الأجلة: لا قائل بالفصل في صيغ الأمر بأن
~~بعضها للوجوب وبعضها لغيره. وزعم بعضهم أن الاستدلال لا يتم إذا أريد
~~بالأمر الطلب، ولو فسر بالشأن وكان الضمير للرسول عليه الصلاة والسلام
~~لزم من القول بدلالتها على الوجوب أن يكون كل ما يفعله صلى الله عليه
~~وسلم واجبا علينا ولا قائل به.

# والزمخشري فسره بالدين والطاعة.

# وقال صاحب «الكشف»: إن الاستدلال بالآية على أن الأمر للوجوب مشهور،
~~سواء فسر بما ذكر لأن الطاعة امتثال الأمر القولي أو فسر على الحقيقة،
~~وأما إذا جعل إشارة إلى ما سبق من الأمر الجامع ومعنى { يخلفون
~~عن أمره } ينصرفون عنه فلا وليس بالوجه وإن آثره جمع لفوات
~~المبالغة والتناول الأولى والعدول عن الحقيقة في لفظ الأمر ثم المخالفة
~~من غير ضرورة انتهى. وهذا الذي آثره جمع ذكره الطيبي عن البغوي ثم قال:
~~هذا هو التفسير الذي عليه التعويل ويساعد عليه النظم والتأويل لأن الأمر
~~حينئذ بمعنى الشأن وواحد الأمور، وبيانه إن ما قبله حديث في الأمر
~~الجامع وهو الأمر الذي يجمع عليه الناس ومدح من لزم مجلس رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم ولم يذهب عنه وذم من فارقه بغير الإذن وأمر بالاستغفار في
~~حق من فارق بالإذن لأن / قوله تعالى: { فأذن لمن شئت منهم }
~~[النور: 62] يؤذن أن القوم ثلاث فرق المأذون في الذهاب بعد الاستئذان
~~والمتخلف عنه ثم المتخلف إما أن يدوم في مجلسه ms07429 عليه الصلاة والسلام ولم
~~يذهب وهم المؤمنون المخلصون أو يتسلل لواذا وهم المنافقون وقوله تعالى: {
~~فليحذر } الخ مترتب على القسم الثالث على سبيل الوعيد والفعل
~~المضارع يفيد معنى الدأب والعادة وقد أقيم المظهر موضع المضمر علة
~~لاستحقاقهم فتنة الدارين انتهى وقد كشف عن بعض ما فيه صاحب «الكشف» نعم
~~قيل عليه: إن فوات المبالغة والتناول لا يقاوم العهد ولا عدول عن الحقيقة
~~لأن الأمر حقيقة في الحادثة وكذا المخالفة فيما ذكر ولو سلم فهو مشترك
~~الإلزام فإن الأمر ليس حقيقة في الأمر العام وقوله: بلا ضرورة ممنوع فإن
~~إضافة العهد صارفة. وتعقب بأن هذا مكابرة ومنع مجرد لا يسمع فإن الأبلغية
~~لا شبهة فيها فإن تهديد من لم يمتثل أمره عليه الصلاة والسلام أشد من
~~تركه بلا إذن وكون الأمر حقيقة في الطلب هو الأصح في الأصول والمخالفة
~~المقارنة للأمر لا شبهة في أن حقيقتها عدم الامتثال واشتراك الإلزام ليس
~~بتام لأن أمره إذا عم يشمل الأمر الجامع بمعنى الطلب أيضا وعهد الإضافة
~~ليس بمتعين حتى يعد صارفا كذا قيل وفيه بحث فتأمل.

# وقد يقال بناء على كون الأمر المذكور إشارة إلى الأمر الجامع: إنه جىء
~~بأو في قوله: { أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب
~~أليم } لما أن الأمر الجامع إما أن يكون أمرا دنيويا كالتشاور في
~~الأمور الحربية فالانصراف عنه مظنة إصابة المحنة الدنيوية للمنصرفين وإما
~~أن يكون أمرا دينيا كإقامة الجمعة التي فيها تعظيم شعائر الإسلام
~~فالانصراف عنه مظنة إصابة العذاب الأخروي. وبالجملة لا استدلال بالآية
~~على اعتبار العهد وأما إذا لم يعتبر فقد استدل بها، وقد سمعت شيئا من
~~الكلام في ذلك وتمامه جرحا وتعديلا وغير ذلك في «كتب الأصول».

### || [24.64]

# { ألا إن لله ما فى السموات والأرض } من الموجودات
~~بأسرها خلقا وملكا وتصرفا، إيجادا وإعداما، بدءا وإعادة، لا لأحد
~~غيره شركة أو استقلالا { قد يعلم ما أنتم عليه } أيها
~~المكلفون من الأحوال والأوضاع التي من جملتها الموافقة والمخالفة
~~والإخلاص والنفاق ودخول المنافقين مع أن الخطاب فيما ms07430 قبل للمؤمنين بطريق
~~التغليب، وقوله تعالى: { ويوم يرجعون إليه } خاص بالمنافقين
~~وهو مفعول به عطف على { ما أنتم } أي يعلم يوم يرجع المنافقون
~~المخالفون للأمر إليه عز وجل للجزاء والعقاب. وتعليق علمه بيوم رجعهم لا
~~برجعهم لزيادة تحقيق علمه سبحانه بذلك وغاية تقريره لما أن العلم بوقت
~~وقوع الشيء مستلزم للعلم بوقوع الشيء على أبلغ وجه وآكده، وفيه إشعار بأن
~~علمه جل وعلا بنفس رجعهم من الظهور بحيث لا يحتاج إلى البيان قطعا.
~~ويجوز أن يكون الخطاب السابق خاصا بهم أيضا فيتحقق التفاتان التفات من
~~الغيبة إلى الخطاب في { أنتم } والتفات من الخطاب إلى الغيبة في {
~~يرجعون } والعطف على حاله. وجوز أن يكون على مقدر أي ما أنتم عليه
~~الآن ويوم الخ فإن الجملة الاسمية تدل على الحال في ضمن الدوام والثبوت.
~~وقيل: يجوز أن يكون { يوم } ظرفا لمحذوف يعطف على ما قبله أي
~~وسيحاسبهم يوم أو نحو ذلك ولا أرى اختصاصه بالوجه الثاني في الخطاب. وفي
~~«البحر» بعد ذكر الوجهين فيه والظاهر عطف { يوم } على { ما أنتم
~~عليه } وقال ابن عطية: يجوز أن يكون التقدير والعلم يظهر لكم أو نحو
~~هذا يوم فيكون { يوم } نصبا على الظرفية بمحذوف وقد للتحقيق وفيها
~~الاحتمالان المتقدمان آنفا، وقد مر غير مرة ما يراد بمثل هذه الجملة من
~~الوعيد أو الوعد. ولا يخفى المناسب لكل من / الاحتمالات في { أنتم.
~~ويرجعون } وقرأ ابن يعمر وابن أبي إسحاق وأبو عمرو { يرجعون } مبنيا
~~للمفعول. { فينبئهم بما عملوا } أي بعملهم أو بالذي عملوه
~~من الأعمال السيئة التي من جملتها مخالفة الأمر فيرتب سبحانه عليه ما
~~يليق به من التوبيخ والجزاء أو فينبئهم بما عملوا خيرا أو شرا فيرتب
~~سبحانه على ذلك ما يليق به إن خيرا فخير وإن شرا فشر { والله
~~بكل شيء عليم } لا يخفى عليه شيء من الأشياء. والجملة تذييل مقرر
~~لما قبله. وإظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار لتأكيد استقلال الجملة
~~والإشعار بعلة الحكم، وتقديم الظرف لرعاية رؤوس الآي. وقيل وفيه بحث: إنه
~~للحصر ms07431 على معنى والله عليم بكل شيء لا ببعض الأشياء كما يزعمه بعض جهلة
~~الفلاسفة ومن حذا حذوهم حفظنا الله تعالى والمسلمين مما هم عليه من
~~الضلالات وجعل لنا نورا نهتدي به إذا ادلهم ليل الجهالات.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات ما قيل في قوله تعالى: { ألم تر
~~أن الله يزجى سحابا } إلى آخره أنه إشارة إلى جمع العناصر
~~الأربعة وتركيب الإنسان منها ثم خروج مطر الإحساس من عينيه وأذنيه مثلا
~~وينزل من سماء العقل الفياض برد حقائق العلوم فيصيب به من يشاء فتظهر
~~آثاره عليه ويصرفه عمن يشاء حسبما تقتضيه الحكمة الإلهية { يكاد
~~سنا برقه } نور تجليه

# يذهب بالأبصار

# [النور: 43] بأن يعطلها عن الإبصار ويفني أصحابها عنها لما أن الإدراك
~~بنوره فوق الإدراك بنور الأبصار

# يقلب الله اليل والنهار

# [النور: 44] إشارة إلى ليل المحو ونهار الصحو أو ليل القبض ونهار البسط
~~أو ليل الجلال ونهار الجمال أو نحو ذلك. وقيل: يزجى سحاب المعاصي إلى أن
~~يتراكم فترى مطر التوبة يخرج من خلاله كما خرج من سحاب

# وعصى ءادم

# [طه: 121] مطر

# ثم اجتبه ربه

# [طه: 122] وينزل من سماء القلوب من جبال القسوة فيها من برد القهر يقلب
~~الله ليل المعصية لمن يشاء إلى نهار الطاعة وبالعكس { والله خلق
~~كل دابة من ماء } تقدم الكلام في الماء { فمنهم من
~~يمشى على بطنه } يعتمد في سيره على الباطن وهم أهل الجذبة
~~المغمورون في بحار المحبة { ومنهم من يمشي على رجلين }
~~يعتمد في سيره الشريعة والطريقة لكن فيما يتعلق به خاصة منهما وهم صنف من
~~الكاملين سكنوا زوايا الخمول ولم يخالطوا الناس ولم يشتغلوا بالإرشاد {
~~ومنهم من يمشى على أربع } يعتمد في سيره الشريعة
~~والطريقة فيما يتعلق به وبغيره منهما وهم صنف آخر من الكاملين برزوا
~~للناس وخالطوهم واشتغلوا بالإرشاد وعملوا في أنفسهم بما تقتضيه الشريعة
~~والطريقة وعاملوا الناس والمريدين بذلك أيضا.

# يخلق الله ما يشاء

# [النور: 45] فلا يبعد أن يكون في خلقه من يمشي على أكثر كالكاملين الذين
~~أوقفهم الله تعالى على ms07432 أسرار الملك والملكوت وما حده لكل أمة من الأمم
~~ونوع من أنواع المخلوقات فعاملوا بعد أن عملوا في أنفسهم ما يليق بهم كل
~~أمة وكل نوع بما حد له

# كل قد علم صلاته وتسبيحه

# [النور: 41].

# وفي قوله تعالى:

# ويقولون ءامنا بالله وبالرسول

# [النور: 47] الآيات إشارة إلى أحوال المنكرين في القلب على المشايخ
~~وأحوال المصدقين بهم قلبا وقالبا وفي قوله سبحانه:

# وإن تطيعوه تهتدوا

# [النور: 54] إشارة إلى أن طاعة الرسول سبب لحصول المكاشفات ونحوها، قال
~~أبو عثمان: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر
~~الهوى على نفسه نطق بالبدعة لأن الله تعالى يقول: { وإن تطيعوه
~~تهتدوا } وفي قوله تعالى:

# إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله
~~وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا
~~حتى يستذنوه

# [النور: 62] إشارة إلى أنه لا ينبغي للمريد الاستبداد بشيء قال عبد الله
~~الرازي: قال قوم من أصحاب أبي عثمان لأبي عثمان أوصنا فقال: عليكم
~~بالاجتماع على الدين وإياكم / ومخالفة الأكابر والدخول في شيء من الطاعات
~~إلا بإذنهم ومشورتهم وواسوا المحتاجين بما أمكنكم فإذا فعلتم أرجو أن لا
~~يضيع الله تعالى لكم سعيا { لا تجعلوا دعاء الرسول
~~بينكم كدعاء بعضكم بعضا } فيه من تعظيم أمر الرسول صلى
~~الله عليه وسلم ما فيه، وذكر أن «الشيخ في جماعته كالنبي في أمته»
~~فينبغي أن يحترم في مخاطبته ويميز على غيره { فليحذر الذين
~~يخلفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم
~~عذاب أليم } [النور: 36] قال أبو سعيد الخراز: الفتنة إسباغ النعم
~~مع الاستدراج، وقال الجنيد قدس سره: قسوة القلب عن معرفة المعروف
~~والمنكر، وقال بعضهم: طبع على القلوب والعذاب الأليم هو عذاب البعد
~~والحجاب عن الحضرة نعوذ بالله تعالى من ذلك ونسأله سبحانه التوفيق إلى
~~أقوم المسالك فلا رب غيره ولا يرجى إلا خيره.

### | [25 - سورة الفرقان]

### || [25.1]

# أي تعالى جل شأنه في ذاته وصفاته وأفعاله على أتم وجه وأبلغه كما يشعر
~~به إسناد صيغة التفاعل إليه تعالى وهذا الفعل لا يسند في الأغلب إلى غيره ms07433
~~تعالى ومثله  تعالى  ولا يتصرف فلا يجىء منه مضارع ولا أمر ولا ولا في
~~الأغلب أيضا وإلا فقد قرأ أبي كما سيأتي إن شاء الله تعالى تباركت
~~الأرض ومن حولها، وجاء كما في «الكشف» تباركت النخلة أي تعالت، وحكى
~~الأصمعي أن أعرابيا صعد رابية فقال لأصحابه: تباركت عليكم، وقال الشاعر:

# إلى الجذع جذع النخلة المتبارك

# وقال الخليل: معنى تبارك تمجد، وقال الضحاك: تعظم وهو قريب من قريب، وعن
~~الحسن والنخعي أن المعنى تزايد خيره وعطاؤه وتكاثر وهي إحدى روايتين عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ثانيتهما أن المعنى لم يزل، ولا يزال
~~وتحقيق ذلك أن تبارك من البركة وهي في الأصل مأخوذة من برك البعير وهو
~~صدره ومنه برك البعير إذا ألقى بركه على الأرض واعتبر فيه معنى اللزوم
~~فقيل براكاء الحرب وبروكاؤها للمكان الذي يلزمه الابطال وسمي محبس الماء
~~بركة كسدرة ثم أطلقت على ثبوت الخير الإلهي في الشيء ثبوت الماء في
~~البركة، وقيل: لما فيه ذلك الخير مبارك ولما كان الخير الإلهي يصدر من
~~حيث لا يحس وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير
~~محسوسة هو مبارك وفيه بركة؛ فمن اعتبر معنى اللزوم كابن عباس بناء على
~~الرواية الثانية عنه قال: المعنى لم يزل ولا يزال أو نحو ذلك، ومن اعتبر
~~معنى التزايد انقسم إلى طائفتين فطائفة جعلوه باعتبار كمال الذات في
~~نفسها ونقصان ما سواها ففسروا ذلك / بالتعالي ونحوه وطائفة جعلوه باعتبار
~~كمال الفعل ففسروه بتزايد الخير وتكاثره ولا اعتبار للتغير المبني على
~~اعتبار معنى اللزوم لقلة فائدة الكلام عليه وعدم مناسبة ذلك المعنى لما
~~بعد، ومن هنا ردد الجمهور المعنى بين ما ذكرناه أولا وما روي عن الحسن
~~ومن معه؛ وترتيب وصفه تعالى بقوله سبحانه: { تبرك } بالمعنى الأول
~~على إنزاله جل شأنه الفرقان لما أنه ناطق بعلو شأنه سبحانه وسمو صفاته
~~وابتناء أفعاله على أساس الحكم والمصالح وخلوها عن شائبة الخلل بالكلية
~~وترتيب ذلك بالمعنى الثاني عليه لما فيه ms07434 من الخير الكثير لأنه هداية
~~ورحمة للعالمين، وفيه ما ينتظم به أمر المعاش والمعاد وكلا المعنيين
~~مناسب للمقام ورجح الأول بأنه أنسب به لمكان قوله تعالى: { ليكون
~~للعلمين نذيرا } فقد قال الطيبي في اختصاص النذير دون البشير
~~سلوك طريقة براعة الاستهلال والإيذان بأن هذه السورة مشتملة على ذكر
~~المعاندين المتخذين لله تعالى ولدا وشريكا الطاعنين في كتبه ورسله
~~واليوم الآخر، وهذا المعنى يؤيد تأويل تبارك بتزايد عن كل شيء وتعالى عنه
~~في صفاته وأفعاله جل وعلا لإفادته صفة الجلال والهيبة وإيذانه من أول
~~الأمر بتعاليه سبحانه عما يقول الظالمون علوا كبيرا وهو من الحسن
~~بمكان.

# و { الفرقان } مصدر فرق الشيء من الشيء وعنه إذا فصله، ويقال أيضا
~~كما ذكره الراغب فرقت بين الشيئين إذا فصلت بينهما سواء كان ذلك بفصل
~~يدركه البصر أو بفصل تدركه البصيرة، والتفريق بمعناه إلا أنه يدل على
~~التكثير دونه، وقيل إن الفرق في المعاني والتفريق في الأجسام والمراد به
~~القرآن وإطلاقه عليه لفصله بين الحق والباطل بما فيه من البيان أو بين
~~المحق والمبطل لما فيه من الإعجاز أو لكونه مفصولا بعضه عن بعض في نفسه
~~أو في الإنزال حيث لم ينزل دفعة كسائر الكتب، وسيأتي إن شاء الله تعالى
~~ما يقوله الصوفية في ذلك فهو مصدر بمعنى الفاعل أو بمعنى المفعول، ويجوز
~~أن يكون ذلك من باب هي إقبال وإدبار فلا تغفل.

# والمراد بعبده نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإيراده عليه الصلاة
~~والسلام بذلك العنوان لتشريفه والإيذان بكونه صلوات الله تعالى وسلامه
~~عليه في أقصى مراتب العبودية والتنبيه على أن الرسول لا يكون إلا عبدا
~~للمرسل ردا على النصارى. وقيل: المراد بالفرقان جميع الكتب السماوية
~~لأنها كلها فرقت بين الحق والباطل وبعبده الجنس الشامل لجميع من نزلت
~~عليهم، وأيد بقراءة ابن الزبير { على عباده } ، ولا يخفى ما في
~~ذلك من البعد، والمراد بالعباد في قراءة ابن الزبير الرسول عليه الصلاة
~~والسلام وأمته، والإنزال كما يضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يضاف
~~إلى ms07435 أمته كما في قوله تعالى:

# لقد أنزلنا إليكم

# [الأنبياء:10] لأنه واصل إليهم ونزوله لأجلهم فكأنه منزل عليهم وإن كان
~~إنزاله حقيقة عليه عليه الصلاة والسلام، وقيل: المراد بالجمع هو صلى الله
~~عليه وسلم وعبر عنه به تعظيما، وضمير { يكون } عائد على { عبده } ،
~~وقيل على { الفرقان } وإسناد الإنذار إليه مجاز، وقيل على الموصول
~~الذي هو عبارة عنه تعالى، ورجح بأنه العمدة المسند إليه الفعل والإنذار
~~من صفاته عز وجل كما في قوله تعالى:

# إنا كنا منذرين

# [الدخان: 3] وقيل على التنزيل المفهوم من { نزل } ، والمتبادر إلى
~~الفهم هو الأول وهو الذي يقتضيه ما بعد. والنذير صفة مشبهة بمعنى منذر.
~~وجوز أن يكون مصدرا بمعنى إنذار كالنكير بمعنى إنكار وحكم الإخبار
~~بالمصدر شهير، والإنذار إخبار فيه تخويف ويقابله التبشير ولم يتعرض له
~~لما مر آنفا.

# والمراد بالعالمين عند جمع من العالمين الإنس والجن ممن عاصره صلى الله
~~عليه وسلم إلى يوم القيامة. ويؤيده قراءة ابن الزبير { للعالمين للجن
~~والإنس } وإرساله صلى الله عليه وسلم إليهم معلوم من الدين بالضرورة
~~فيكفر منكره، وكذا الملائكة عليهم السلام كما رجحه جمع محققون كالسبكي
~~ومن تبعه ورد على من / خالف ذلك، وادعى بعضهم دلالة الآية عليه لأن
~~العالم ما سوى الله تعالى وصفاته العلى فيشمل الملائكة عليهم السلام.

# وصيغة جمع العقلاء للتغليب أو جمع بعد تخصيصه بالعقلاء.

# ومن قال كالبارزي: إنه عليه الصلاة والسلام أرسل حتى إلى الجمادات بعد
~~جعلها مدركة لظاهر خبر مسلم «وأرسلت إلى الخلق كافة» لم يخصص واكتفى
~~بالتغليب وفائدة الإرسال للمعصوم وغير المكلف طلب إذعانهما لشرفه عليه
~~الصلاة والسلام ودخولهما تحت دعوته واتباعه تشريفا على سائر المرسلين
~~عليهم السلام.

# وتقديم الجار والمجرور على متعلقه للتشويق ومراعاة الفواصل وللحصر أيضا
~~على القول الأول في العالمين. وإبراز تنزيل الفرقان في معرض الصلة التي
~~حقها أن تكون معلومة الثبوت للموصول عند السامع مع إنكار الكفرة له
~~لإجرائه مجرى المعلوم المسلم تنبيها على قوة دلائله وكونه بحيث لا يكاد
~~يجهله أحد كقوله تعالى:

# لا ريب فيه

# [البقرة: ms07436 2] وكذا يقال في نظائره من الصلات التي ينكرها الكفرة. وقال
~~بعضهم: لا حاجة لما ذكر إذ يكفي في الصلة أن تكون معلومة للسامع المخاطب
~~بها ولا يلزم أن تكون معلومة لكل سامع، والمخاطب بها هنا هو رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام عالم بثبوتها للموصول، وفي
~~«شرح التسهيل» أنه لا يلزم فيها أن تكون معلومة وأن تعريف الموصول كتعريف
~~أل يكون للعهد والجنس وأنه قد تكون صلته مبهمة للتعظيم كما في قوله:

# فإن أستطع أغلب وأن يغلب الهوى

# فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه

# وما ذكر أولا من تنزيلها منزلة المعلوم أبلغ لكونه كناية عما ذكر
~~مناسبة للرد على من أنكر النبوة وتوحيد الله تعالى.

### || [25.2]

# { الذى له ملك السموات والأرض } أي له سبحانه خاصة
~~دون غيره لا استقلالا ولا اشتراكا السلطان القاهر والاستيلاء الباهر
~~عليهما المستلزم للقدرة التامة والتصرف الكلي فيهما وفيما فيهما إيجادا
~~وإعداما وإحياء وإماتة وأمرا ونهيا حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على
~~الحكم والمصالح، ومحل الموصول الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. والجملة
~~مستأنفة مقررة لما قبلها أو على أنه نعت للموصول الأول أو بيان له أو بدل
~~منه، وما بينهما ليس بأجنبي لأنه من تمام الصلة ومتعلق بها فلا يضر
~~الفصل به بين التابع والمتبوع كما في «البحر» أو محله الرفع أو النصب على
~~المدح بتقدير هو أو أمدح. واختار الطيبي أن محله الرفع على الإبدال
~~وعلله بقوله لأن من حق الصلة أن تكون معلومة عند المخاطب وتلك الصلة لم
~~تكن معلومة عند المعاندين فأبدل { الذى له } الخ بيانا وتفسيرا
~~وهو بعيد من مثله وسبحان من لا يعاب عليه شيء.

# { ولم يتخذ ولدا } أي لم ينزل أحدا منزلة الولد، وقيل أي لم
~~يكن له ولد كما يزعم الذين يقولون في حق المسيح وعزير والملائكة عليهم
~~السلام ما يقولون فسبحان الله عما يصفون، والجملة معطوفة على ما قبلها من
~~الجملة الظرفية وكذا قوله تعالى: { ولم يكن له شريك فى
~~الملك } أي ملك السموات والأرض، ms07437 وأفرد بالذكر مع أن ما ذكر من
~~اختصاص ملكهما به تعالى مستلزم له قطعا للتصريح ببطلان زعم الثنوية
~~القائلين بتعدد الآلهة والرد في نحورهم وتوسيط نفي اتخاذ الولد بينهما
~~للتنبيه على استقلاله وأصالته / والاحتراز عن توهم كونه تتمة للأول.

# { وخلق كل شىء } أي أحدثه إحداثا جاريا على سنن التقدير
~~والتسوية حسبما اقتضته إرادته المبنية على الحكم البالغة كخلقة الإنسان
~~من مواد مخصوصة وصور وأشكال معينة { فقدره } أي هيأه لما أرد به من
~~الخصائص والأفعال اللائقة به { تقديرا } بديعا لا يقادر قدره ولا
~~يبلغ كنهه كتهيئة الإنسان للفهم والإدراك والنظر والتدبر في أمور المعاد
~~والمعاش واستنباط الصنائع المتنوعة ومزاولة الأعمال المختلفة إلى غير ذلك
~~فلا تكرار في الآية لما ظهر من أن التقدير الدال عليه الخلق بمعنى
~~التسوية والمعبر عنه بلفظه بمعنى التهيئة وهما غيران والخلق على هذا على
~~حقيقته، ويجوز أن يكون الخلق مجازا بل منقولا عرفيا في معنى الإحداث
~~والإيجاد غير ملاحظ فيه التقدير وإن لم يخل عنه ولهذا صح التجوز ويكون
~~التصريح بالتقدير دلالة على أن كل واحد مقصود بالذات فكأنه قيل وأوجد كل
~~شيء فقدره في إيجاده لم يوجد متفاوتا بل أوجده متناصفا متناسبا. وقيل
~~التقدير الثاني هو التقدير للبقاء إلى الأجل المسمى فكأنه قيل وأوجد كل
~~شيء على سنن التقدير فأدامه إلى الأجل المسمى والقول الأول مختار الزجاج
~~وهو كما في «الكشف» أظهر والفاء عليه للتعقيب مع الترتيب.

# وزعم بعضهم أن في الكلام قلبا وهو على ما فيه لا يدفع لزوم التكرار
~~بدون أحد الأوجه المذكورة كما لا يخفى. وجملة { خلق } الخ عطف على ما
~~تقدم وفيها رد على الثنوية القائلين بأن خالق الشر غير خالق الخير ولا
~~يضر كونه معلوما مما تقدم لأنها تفيد فائدة جديدة لما فيها من الزيادة،
~~وقيل: هي رد على من يعتقد اعتقاد المعتزلة في أفعال الحيوانات
~~الاختيارية. وفي «إرشاد العقل السليم» أنها جارية مجرى التعليل لما قبلها
~~من الجمل المنتظمة في سلك الصلة فإن خلقه تعالى لجميع الأشياء على النمط ms07438
~~البديع كما يقتضي استقلاله تعالى باتصافه بصفات الألوهية يقتضي انتظام كل
~~ما سواه كائنا ما كان تحت ملكوته القاهر بحيث لا يشذ من ذلك شيء ومن كان
~~كذلك كيف يتوهم كونه ولدا له سبحانه أو شريكا في ملكه عز وجل، وذكر
~~الطيبي أن قوله تعالى: { له ملكوت السموات والأرض }
~~توطئة وتمهيد لقوله سبحانه: { لم يتخذ ولدا ولم يكن له
~~شريك فى الملك } وأردف بقوله تعالى: { وخلق كل شىء }
~~لما أن كونه سبحانه بديع السموات والأرض وفاطرهما ومالكهما مناف لاتخاذ
~~الولد والشريك قال تعالى:

# بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد

# [الأنعام: 101] الآية، وقد يقال: إن هذه الجملة تصريح بما علم قبل ليكون
~~التشنيع على المشركين بقوله سبحانه: { واتخذوا من دونه
~~ءالهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون }

### || [25.3]

# { واتخذوا من دونه ءالهة لا يخلقون شيئا وهم
~~يخلقون } أظهر، وضمير { اتخذوا } للمشركين المفهوم من قوله
~~تعالى:

# ولم يكن له شريك فى الملك

# [الفرقان: 2] أو من المقام، وقوله سبحانه:

# نذيرا

# [الفرقان: 1]، وقال الكرماني: للكفار وهم مندرجون في قوله تعالى:

# للعلمين

# [الفرقان: 1] والمراد حكاية أباطيلهم في أمر التوحيد والنبوة وإظهار
~~بطلانها بعد أن بين سبحانه حقيقة الحق في مطلع السورة الكريمة أي اتخذوا
~~لأنفسهم متجاوزين الله تعالى الذي ذكر بعض شؤنه العظيمة آلهة لا يقدرون
~~على خلق شيء من الأشياء وهم مخلوقون لله تعالى أو هم يختلقهم عبدتهم
~~بالنحت والتصوير، ورجح المعنى الأول بأن الكلام عليه أشمل ولا يختص
~~بالأصنام بخلافه على الثاني ويكون التعبير بالمضارع عليه في {
~~يخلقون } المبني للمفعول لمشاكلة { يخلقون } المبني للفاعل مع
~~استحضار الحال الماضية، ورجح المعنى الثاني بأنه أنسب بالمقام لأن الذين
~~أنذرهم نبينا صلى الله عليه وسلم / شفاها عبدة الأصنام وأن الأحكام
~~الآتية أوفق بها، نعم فيه تفسير الخلق بالافتعال كما في قوله تعالى:

# وتخلقون إفكا

# [العنكبوت: 17] لأنه الذي يصح نسبته لغيره عز وجل وكذا الخلق بمعنى
~~التقدير كما في قوله زهير:

# ولأنت تفري ما خلقت وبع

# ض القوم يخلق ثم لا يفري

# والمتبادر منه إيجاد الشيء مقدرا ms07439 بمقدار كما هو المراد من سابقه،
~~وتفسيره بذلك أيضا كما فعل الزمخشري بعيد كذا قيل. وتعقب بأنه يجوز أن
~~يراد منه هذا المتبادر والأصنام بذواتها وصورها وأشكالها مخلوقة لله
~~تعالى عند أهل الحق لأن أفعال العباد وما يترتب عليها وينشأ منها من
~~الآثار مخلوقة له عز وجل عندهم كما حقق بل لو قيل بتعين هذه الإرادة على
~~ذلك الوجه لم يبعد.

# وقوله تعالى: { ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا }
~~لبيان حالهم بعد خلقهم ووجودهم، والمراد لا يقدرون على التصرف في ضر ما
~~ليدفعوه عن أنفسهم ولا في نفع ما حتى يجلبوه إليهم، ولما كان دفع الضر
~~أهم أفيد أولا عجزهم عنه، وقيل: { لأنفسهم } ليدل على غاية عجزهم
~~لأن من لا يقدر على ذلك في حق نفسه فلأن لا يقدر عليه في حق غيره من باب
~~أولى. ومن خص الأحكام في الأصنام قال: إن هذا لبيان ما لم يدل عليه ما
~~قبله من مراتب عجزهم وضعفهم فإن بعض المخلوقين العاجزين عن الخلق ربما
~~يملك دفع الضر وجلب النفع في الجملة كالحيوان، وقد يقال: التصرف في الضر
~~والنفع بالدفع والجلب على الإطلاق ليس على الحقيقة إلا لله عز وجل كما
~~ينبىء عنه قوله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم:

# قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله

# [الأعراف: 188].

# وقوله تعالى: { ولا يملكون موتا ولا حيوة ولا
~~نشورا } أي لا يقدرون على التصرف في شيء منها بإماتة الأحياء وإحياء
~~الموتى في الدنيا وبعثهم في الأخرى للتصريح بعجزهم عن كل واحد مما ذكر
~~على التفصيل والتنبيه على أن الإله يجب أن يكون قادرا على جميع ذلك.
~~وتقديم الموت لمناسبة الضر المقدم.

### || [25.4]

# { وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك } القائلون 
~~كما أخرجه جمع عن قتادة  هم مشركو العرب لا جميع الكفار بقرينة ادعاء
~~إعانة بعض أهل الكتاب له صلى الله عليه وسلم وقد سمى منهم في بعض
~~الروايات النضر بن الحرث وعبد الله بن أمية ونوفل بن خويلد، ويجوز أن
~~يراد ms07440 غلاتهم كهؤلاء ومن ضامهم، وروى عن ابن عباس ما يؤيده، وروي عن
~~الكلبي ومقاتل أن القائل هو النضر والجمع لمشايعة الباقين له في ذلك،
~~ومن خص ضمير

# اتخذوا

# [الفرقان: 3] بمشركي العرب وجعل الموصول هنا عبارة عنهم كلهم جعل وضع
~~الموصول موضع ضميرهم لذمهم بما في حيز الصلة والإيذان بأن ما تفوهوا به
~~كفر عظيم، وفي كلمة { هذا } حط لرتبة المشار إليه أي قالوا ما هذا
~~إلا كذب مصروف عن وجهه.

# { افتراه } يريدون أنه اخترعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم
~~ينزل عليه عليه الصلاة والسلام { وأعانه عليه } أي على افترائه
~~واختراعه أو على الإفك { قوم ءاخرون } يعنون اليهود بأن يلقوا إليه
~~صلى الله عليه وسلم أخبار الأمم الدارجة وهو عليه الصلاة والسلام يعبر
~~عنها بعبارته، وقيل: هم عداس، وقيل: عائش مولى حويطب بن عبد العزى ويسار
~~مولى العلاء بن الحضرمي وجبر مولى عامر وكانوا كتابيين يقرؤن التوراة
~~أسلموا وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعهدهم فقيل ما قيل، وقال
~~المبرد: عنوا بقوم آخرين المؤمنين لأن آخر لا يكون إلا من جنس الأول،
~~وفيه أن الاشتراك في الوصف غير لازم ألا ترى قوله تعالى:

# فئة تقتل فى سبيل الله وأخرى كافرة

# [آل عمران: 13].

# { فقد جاءوا } أي الذين كفروا كما هو الظاهر { ظلما } منصوب
~~بجاءوا فإن جاء وأتى يستعملان فعل معنى فعل فيتعديان تعديته كما قال
~~الكسائي، واختار هذا الوجه الطبرسي وأنشد قول طرفة:

# على غير ذنب جئته غير أنني

# نشدت فلم أغفل حمولة معبد

# وقال الزجاج: منصوب بنزع الخافض فهو من باب الحذف والإيصال، وجوز أبو
~~البقاء كونه حالا أي ظالمين، والأول أولى، والتنوين فيه للتفخيم أي جاؤا
~~بما قالوا ظلما هائلا عظيما لا يقادر قدره حيث جعلوا الحق البحت الذي
~~لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إفكا مفترى من قبل البشر وهو
~~من جهة نظمه الرائق وطرازه الفائق بحيث لو اجتمعت الإنس والجن على
~~مباراته لعجزوا عن الإتيان بمثل آية من آياته ومن جهة اشتماله على ms07441 الحكم
~~الخفية والأحكام المستتبعة للسعادات الدينية والدنيوية والأمور الغيبية
~~بحيث لا تناله عقول البشر ولا تحيط بفهمه القوى والقدر، وكذا التنوين في
~~{ وزورا } أي وكذبا عظيما لا يبلغ غايته حيث قالوا ما لا احتمال فيه
~~للصدق أصلا، وسمي الكذب زورا لازوراره أي ميله عن جهة الحق والفاء
~~لترتيب ما بعدها على ما قبلها لكن لا على أنهما أمران متغايران حقيقة يقع
~~أحدهماعقيب الآخر أو يحصل بسببه بل على أن الثاني عين الأول حقيقة وإنما
~~الترتيب بحسب التغاير الاعتباري، و(قد) لتحقيق ذلك المعنى فإن ما جاءه من
~~الظلم والزور هو عين ما حكى عنهم لكنه لما كان مغايرا له في المفهوم
~~وأظهر منه بطلانا رتب عليه بالفاء ترتيب اللازم على الملزوم تهويلا
~~لأمره كما قاله شيخ الإسلام، وقيل: ضمير { جاؤا } عائد على قوم آخرين،
~~والجملة من مقول الكفار وأرادوا أن أولئك المعينين جاءوا ظلما بإعانتهم
~~وزورا بما أعانوا به وهو كما ترى.

### || [25.5]

# { وقالوا أسطير الأولين } بعدما جعلوا الحق الذي لا محيد
~~عنه إفكا مختلقا بإعانة البشر بينوا على زعمهم الفاسد كيفية الإعانة.
~~وتقدم الكلام في أساطير وهي خبر مبتدأ محذوف أي هذه أو هو أو هي أساطير،
~~وقوله تعالى: { اكتتبها } خبر ثان، وقيل: حال بتقدير قد. وتعقب بأن
~~عامل الحال إذا كان معنويا لا يجوز حذفه كما في «المغني»، وفيه أنه غير
~~مسلم كما في «شرحه»، وجوز أن يكون { أسطير } مبتدأ وجملة {
~~اكتتبها } الخبر ومرادهم كتبها لنفسه والإسناد مجازي كما في بنى
~~الأمير المدينة، والمراد أمر بكتابتها أو يقال حقيقة أكتبت أمر بالكتابة
~~فقد شاع افتعل بهذا المعنى كاحتجم وافتصد إذا أمر بالحجامة والفصد، وقيل
~~قالوا ذلك لظنهم أنه يكتب حقيقة أو لمحض الافتراء عليه عليه الصلاة
~~والسلام بناء على علمهم أنه لم يكن يكتب صلى الله عليه وسلم، وقيل:
~~مرادهم جمعها من كتب الشيء جمعه والجمهور على الأول.

# وقرأ طلحة { اكتتبها } مبنيا للمفعول والأصل اكتتبها له كاتب فحذف
~~اللام وأفضى الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها إياه كتب ثم حذف ms07442 الفاعل لعدم
~~تعلق الغرض العلمي بخصوصه فبنى الفعل للمفعول وأسند للضمير فانقلب
~~مرفوعا مستترا بعد أن كان منصوبا بارزا، وهذا مبني على جواز إقامة
~~المفعول الغير الصريح مقام الفاعل مع وجود الصريح وهو هنا ضمير الأساطير
~~وهو الذي ارتضاه الرضي وغيره، وجمهور البصريين على عدم الجواز وتعين
~~المفعول الصريح للإقامة فيقال عندهم: اكتتبته، وعليه قول الفرزدق:

# / ومنا الذي اختير الرجال سماحة

# وجودا إذا هب الرياح الزعازع

# بنصب الرجال وعلى الأول كان حق التركيب اختيره الرجال بالرفع فإن الأصل
~~اختاره من الرجال مختار وظاهر أنه إذا عمل فيه ما تقدم يصير إلى ما ذكر.

# { فهي تملي عليه } أي تلقى تلك الأساطير عليه بعد اكتتابها
~~ليحفظها من أفواه من يمليها عليه من ذلك المكتتب لكونه أميا لا يقدر على
~~أن يتلقاها منه بالقراءة فالإملاء الإلقاء للحفظ بعد الكتابة استعارة لا
~~الإلقاء للكتابة كما هو المعروف حتى يقال: إن الظاهر العكس بأن يقال:
~~أمليت عليه فهو يكتتبها أو المعنى أراد اكتتابها أو طلب كتابتها فأمليت
~~عليه أي عليه نفسه أو على كاتبه فالإملاء حينئذ باق على ظاهره. وقرأ طلحة
~~وعيسى (تتلى) بالتاء بدل الميم { بكرة وأصيلا } أي دائما أو قبل
~~انتشار الناس وحين يأتون إلى مساكنهم وعنوا بذلك أنها تملي عليه خفية
~~لئلا يقف الناس على حقيقة الحال، وهذه جراءة عظيمة منهم قاتلهم الله
~~تعالى أنى يؤفكون، وعن الحسن أن { اكتتبها } الخ من قول الله عز وجل
~~يكذبهم به، وإنما يستقيم أن لو افتتحت الهمزة في { اكتتبها }
~~للاستفهام الذي هو معنى الإنكار، ووجه أن يكون نحو قول حضرمي بن عامر وقد
~~خرج يتحدث في مجلس قوم وهو في حلتين له فقال جزء بن سنان بن مؤلة: والله
~~إن حضرميا لجذل بموت أخيه إن ورثه:

# أفرح أن أرزأ الكرام وأن

# أورث زودا شصايصا نبلا

# من أبيات، وحق للحسان على ما في «الكشاف» أن يقف على (الأولين).

### || [25.6]

# { قل } لهم ردا عليهم وتحقيقا للحق { أنزله الذى يعلم
~~السر فى السموات والأرض } وصفه تعالى بإحاطة علمه ms07443 بجميع
~~المعلومات الخفية والجلية المعلومة من باب أولى للإيذان بانطواء ما أنزله
~~على أسرار مطوية عن عقول البشر مع ما فيه من التعريض بمجازاتهم بجناياتهم
~~المحكية التي هي من جملة معلوماته تعالى أي ليس ذلك كما تزعمون بل هو أمر
~~سماوي أنزله الله تعالى الذي لا يعزب عن علمه شيء من الأشياء وأودع فيه
~~فنون الحكم والأسرار على وجه بديع لا تحوم حوله الأفهام حيث أعجزكم قاطبة
~~بفصاحته وبلاغته وأخبركم بمغيبات مستقبلة وأمور مكنونة لا يهتدي إليها
~~ولا يوقف إلا بتوفيق الله تعالى العليم الخبير عليها، وإذا أرادوا ب

# بكرة وأصيلا

# [الفرقان: 5] خفية عن الناس ازداد موقع السر حسنا.

# وأما التذييل بقوله تعالى: { إنه كان غفورا رحيما } فهو
~~للتنبيه على أنهم استوجبوا العذاب على ما هم عليه من الجنايات المحكية
~~لكن أخر عنهم لما أنه سبحانه أزلا وأبدا مستمر على المغفرة والرحمة
~~المستتبعتين للتأخير فكأنه قيل إنه جل وعلا متصف بالمغفرة والرحمة على
~~الاستمرار فلذلك لا يعجل عقوبتكم على ما أنتم عليه مع كمال استيجابه
~~إياها وغاية قدرته سبحانه عليها ولولا ذلك لصب عليكم العذاب صبا، وذكر
~~الطيبي أن فيه على هذا الوجه معنى التعجب كما في قوله تعالى:

# لقد استكبروا فى أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا

# [الفرقان: 21]. وجوز أن يكون الكلام كناية عن الاقتدار العظيم على
~~عقوبتهم لأنه لا يوصف بالمغفرة والرحمة إلا القادر على العقوبة، وفي
~~إيثارها تعيير لهم ونعي على فعلهم يعني أنكم فيما أنتم عليه بحيث يتصدى
~~لعذابكم من صفته المغفرة والرحمة وليس بذاك، وقال صاحب «الفرائد»: يمكن
~~أن يقال: ذكر المغفرة والرحمة بعد ذلك لأجل / أن يعرفوا أن هذه الذنوب
~~العظيمة المتجاوزة عن الحد مغفورة إن تابوا وأن رحمته واصلة إليهم بعدها
~~وأن لا ييأسوا من رحمته تعالى بما فرط منهم مع إصرارهم على ما هم عليه من
~~المعاداة والمخاصمة الشديدة وهو كما ترى.

### || [25.7]

# { وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام } الخ نزلت
~~في جماعة من كفار قريش، أخرج ابن أبي إسحق وابن جرير وابن المنذر ms07444 عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن
~~حرب والنضر بن الحرث وأبا البحتري والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود
~~والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن
~~خلف والعاصي بن وائل ونبيه بن الحجاج ومنبه بن الحجاج اجتمعوا فقال بعضهم
~~لبعض: ابعثوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم وكلموه وخاصموه حتى تعذروا منه
~~فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فجاءهم عليه الصلاة
~~والسلام فقالوا: يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر منك فإن كنت إنما جئت بهذا
~~الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا وإن كنت تطلب الشرف فنحن نسودك
~~وإن كنت تريد ملكا ملكناك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " ما بي مما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم
~~ولا الملك عليكم ولكن الله تعالى بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا
~~وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم فإن
~~تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر
~~لأمر الله تعالى حتى يحكم الله عز وجل بيني وبينكم "

# قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضنا عليك فسل لنفسك سل
~~ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك وسله أن يجعل لك
~~جنانا وقصورا من ذهب وفضة تغنيك عما تبتغي فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس
~~المعاش كما نلتمسه حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم
~~فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " ما أنا بفاعل ما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت إليكم بهذا ولكن
~~الله تعالى بعثني بشيرا ونذيرا "

# فأنزل الله تعالى في قولهم ذلك { وقالوا مال هذا الرسول
~~} الخ. وقد سيق هنا لحكاية جنايتهم المتعلقة بخصوص المنزل عليه الفرقان
~~بعد حكاية جنايتهم التي تتعلق بالمنزل.

# و(ما) استفهامية بمعنى إنكار الوقوع ونفيه في محل رفع على ms07445 الابتداء
~~والجار والمجرور بعدها متعلق بمحذوف خبر لها، وقد وقعت اللام مفصولة عن
~~هذا المجرور بها في خط الإمام وهي سنة متبعة، وعنوا بالإشارة والتعبير
~~بالرسول الاستهانة والتهكم، وجملة { يأكل الطعام } حال من {
~~الرسول } والعامل فيها ما عمل في الجار من معنى الاستقرار؛ وجوز أن
~~يكون الجار والمجرور أي أي شيء وأي سبب حصل لهذا الزاعم أنه رسول حال
~~كونه يأكل الطعام كما نأكل { ويمشى فى الأسواق } لابتغاء
~~الأرزاق كما نفعله على توجيه الإنكار والنفي إلى السبب فقط مع تحقق
~~المسبب الذي هو مضمون الجملة الحالية.

# ومن الناس من جوز جعل الجملة استئنافية والأولى ما ذكرنا، ومرادهم
~~استبعاد الرسالة المنافية لأكل الطعام وطلب المعاش على زعمهم فكأنهم
~~قالوا: إن صح ما يدعيه فما باله لم يخالف حاله حالنا وليس هذا إلا لعمههم
~~وركاكة عقولهم وقصور أبصارهم على المحسوسات فإن تميز الرسل عليهم السلام
~~عما عداهم ليس بأمور جسمانية وإنما هو بأمور نفسانية أعني ما جبلهم الله
~~تعالى عليه من الكمال كما يشير إليه قوله تعالى:

# قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما
~~إلهكم إله واحد

# [الكهف: 110] واستدل بالآية على إباحة دخول الأسواق للعلماء وأهل الدين
~~والصلاح خلافا لمن كرهه لهم. / { لولا أنزل إليه ملك
~~فيكون معه نذيرا }.

### || [25.8]

# { أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل
~~منها } تنزل عما تقدم كأنهم قالوا: إن لم توجد المخالفة بيننا وبينه
~~في الأكل والتعيش فهلا يكون معه من يخالف فيهما يكون ردءا له في الإنذار
~~فإن لم توجد فهلا يخالفنا في أحدهما وهو طلب المعاش بأن يلقى إليه من
~~السماء كنز يستظهر به ويرتفع احتياجه إلى التعيش بالكلية فإن لم يوجد فلا
~~أقل من رفع الاحتياج في الجملة بإتيان بستان يتعيش بريعه كما للدهاقين
~~والمياسير من الناس. والزمخشري ذكر أنهم عنوا بقولهم

# ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى
~~الأسواق

# [الفرقان: 7] أنه كان يجب أن يكون ملكا ثم نزلوا عن ملكيته إلى صحبة
~~ملك له يعينه ثم نزلوا عن ذلك إلى ms07446 كونه مرفودا بكنز ثم نزلوا فاقتنعوا
~~بأن يكون له بستان يأكل منه ويرتزق. قيل الجملة الأخيرة فقط تنزل منهم
~~وما قبل استئناف جوابا عما يقال كيف يخالف حاله صلى الله عليه وسلم
~~حالكم وبأي شيء يحصل ذلك ويتميز عنكم؟ ولا يخفى ما فيه.

# ونصب { يكون } على جواب التحضيض، وقرىء { فيكون } بالرفع حكاه
~~أبو معاذ، وخرج على أن يكون معطوف على

# أنزل

# [الفرقان: 7] لأنه لو وقع موقعه المضارع لكان مرفوعا لأنك تقول ابتداء
~~لولا ينزل بالرفع وقد عطف عليه { يلقى } و { تكون } وهما مرفوعان
~~أو هو جواب التحضيض على إضمار هو أي فهو يكون، ولا يجوز في مثل هذا
~~التركيب نصب { يلقى } وتكون بالعطف على يكون المنصوب لأنهما في حكم
~~المطلوب بالتحضيض لا في حكم الجواب.

# ولعل التعبير أولا بالماضي مع أن الأصل في لولا التي للتحضيض أو العرض
~~دخولها على المضارع لأن إنزال الملك مع قطع النظر عن أن يكون معه عليه
~~الصلاة والسلام نذيرا أمر متحقق لم يزل مدعيا له صلى الله عليه وسلم
~~فما أخرجوا الكلام حسبما يدعيه عليه الصلاة والسلام وإن لم يكن مسلما
~~عندهم، وفيه نوع تهكم منهم قاتلهم الله تعالى بخلاف الإلقاء وحصول الجنة،
~~ولعل في التعبير بالمضارع فيهما وإن كان هو الأصل إشارة إلى الاستمرار
~~التجددي كأنهم طلبوا شيئا لا ينفد. وذكر ابن هشام في «المغني» عن الهروي
~~أنه قال بمجىء لولا للاستفهام ومثل له بمثالين أحدهما قوله تعالى: {
~~لولا أنزل إليه ملك } ، وتعقب ذلك بأنه معنى لم يذكره أكثر
~~النحويين، والظاهر أنها في المثال المذكور مثلها في قوله تعالى:

# لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء

# [النور: 13]، وذكر أنها في ذلك للتوبيخ والتنديم وهي حينئذ تختص
~~بالماضي، ولا يخفى أنه إن عنى بقوله تعالى:

# لولا أنزل إليه ملك

# [الفرقان: 7] ما وقع هنا فأمر كونها فيه للتوبيخ والتنديم في غاية
~~الخفاء فتدبر.

# وقرأ قتادة والأعمش { أو يكون } بالياء آخر الحروف، وقرأ زيد بن علي
~~وحمزة والكسائي وابن وثاب وطلحة والأعمش { نأكل } بالنون إسنادا للفعل
~~إلى ضمير ms07447 الكفر القائلين ماذكر.

# { وقال الظلمون } هم القائلون الأولون وإنما وضع المظهر موضع
~~ضميرهم تسجيلا عليهم بالظلم فيما قالوه لكونه إضلالا خارجا عن حد
~~الضلال مع ما فيه من نسبته صلى الله عليه وسلم إلى ما يشهد العقل والنقل
~~ببراءته منه أو إلى ما لا يصلح أن يكون متمسكا لما يزعمون من نفي
~~الرسالة، وقيل: يحتمل أن يكون المراد، وقال الكاملون في الظلم منهم وأيا
~~ما كان فالمراد أنهم قالوا للمؤمنين { إن تتبعون } أي ما تتبعون {
~~إلا رجلا مسحورا } سحر فغلب على عقله فالمراد بالسحر ما به
~~اختلال العقل، وقيل: أصيب سحره أي رئته فاختل حاله كما يقال مرؤس أي أصيب
~~رأسه، وقيل: يسحر بالطعام وبالشراب أي يغذى أو ذا سحر أي رئة على أن
~~مفعول للنسب وأرادوا أنه عليه الصلاة والسلام بشر مثلهم، وقيل أي ذا سحر
~~بكسر السين وعنوا  قاتلهم الله تعالى  ساحرا، والأظهر على ما في
~~«البحر» التفسير الأول، وذكر هو الأنسب بحالهم.

### || [25.9]

# { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } استعظام / للأباطيل التي
~~اجترؤا على التفوه بها وتعجيب منها، أي انظر كيف قالوا في حقك الأقاويل
~~العجيبة الخارجة عن العقول الجارية لغرابتها مجرى الأمثال واخترعوا لك
~~تلك الصفات والأحوال الشاذة البعيدة من الوقوع { فضلوا فلا
~~يستطيعون سبيلا } فبقوا متحيرين ضلالا لا يجدون في القدح في
~~نبوتك قولا يستقرون عليه وإن كان باطلا في نفسه فالفاء الأولى سببية
~~ومتعلق { ضلوا } غير منوي والفاء الثانية تفسيرية أو فضلوا عن طريق
~~الحق فلا يجدون طريقا موصولا إليه فإن من اعتاد استعمال هذه الأباطيل
~~لا يكاد يهتدي إلى استعمال المقدمات الحقة فالفاء في الموضعين سببية
~~ومتعلق { ضلوا } منوي ولعل الأول أولى، والمراد نفي أن يكون ما أتوا
~~به قادحا في نبوته صلى الله عليه وسلم ونفي أن يكون عندهم مايصلح للقدح
~~قطعا على أبلغ وجه فإن القدح فيها إنما يكون في القدح بالمعجزات الدالة
~~عليها وما أتوا به لا يفيد ذلك أصلا وأنى لهم بما يفيده.

### || [25.10]

# أي تكاثر خير الذي إن شاء ms07448 وهب لك في الدنيا شيئا خيرا لك مما اقترحوه
~~وهو أن يجعل لك مثل ما وعدك في الآخرة من الجنات والقصور كذا في
~~«الكشاف»، وعن مجاهد إن شاء جعل لك جنات في الآخرة وقصورا في الدنيا ولا
~~يخفى ما فيه، وقيل: المراد إن شاء جعل ذلك في الآخرة، ودخلت { إن } على
~~فعل المشيئة تنبيها على أنه لا ينال ذلك إلا برحمته تعالى وأنه معلق على
~~محض مشيئته سبحانه وليس لأحد من العباد على الله عز وجل حق لا في الدنيا
~~ولا في الآخرة، والأول أبلغ في تبكيت الكفار والرد عليهم، ولا يرد كما
~~زعم ابن عطية قوله تعالى:

# بل كذبوا بالساعة

# [الفرقان: 11] كما ستعلمه إن شاء الله تعالى.

# والظاهر أن الإشارة إلى ما اقترحوه من الكنز والجنة وخيرية ما ذكر من
~~الجنة لما فيه من تعدد الجنة وجريان الأنهار والمساكن الرفيعة في تلك
~~الجنان بأن يكون في كل منها مسكن أو في كل مساكن ومن الكنز لما أنه مطلوب
~~لذاته بالنسبة إليه وهو إنما يطلب لتحصيل مثل ذلك وهو أيضا أظهر في
~~الأبهة وأملأ لعيون الناس من الكنز، وعدم التعرض لجواب الاقتراح الأول
~~لظهور منافاته للحكمة التشريعية وربما يعلم من كثير من الآيات كذا قيل.

# وفي «إرشاد العقل السليم» أن الإشارة إلى ما اقترحوه من أن يكون له صلى
~~الله عليه وسلم جنة يأكل منها { وجنت } بدل من { خيرا } محقق
~~لخيريته مما قالوا لأن ذلك كان مطلقا عن قيد التعدد وجريان الأنهار،
~~وتعلق ذلك بمشيئته تعالى للإيذان بأن عدم الجعل لعدم المشيئة المبنية على
~~الحكم والمصالح، وعدم التعرض لجواب الاقتراحين الأولين للتنبيه على
~~خروجهما عن دائرة العقل واستغنائهما عن الجواب لظهور بطلانهما ومنافاتهما
~~للحكمة التشريعية وإنما الذي له وجه في الجملة هو الاقتراح الأخير فإنه
~~غير مناف للحكمة بالكلية فإن بعض الأنبياء عليهم السلام قد أوتوا في
~~الدنيا مع النبوة ملكا عظيما انتهى. وهذ الذي ذكره في الإشارة جعله
~~الإمام الرازي قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وما ذكر ms07449 أولا استظهره
~~أبو حيان وحكاه عن مجاهد، وحكى عن ابن عباس أنها إشارة إلى ما عيروا به
~~من أكل الطعام والمشي في الأسواق وقال: إنه بعيد، وحكاه الإمام عن عكرمة
~~وكأني بك تختار ما اختاره صاحب «الإرشاد».

# والظاهر أن { يجعل } مجزوم فيكون معطوفا على محل الجزاء الذي هو
~~جعل وهو جزاء أيضا وقد جيء به جملة استقبالية على الأصل في الجزاء، فقد
~~ذكر أهل المعاني أن الأصل في جملتي إن الشرطية أن تكونا فعليتين
~~استقباليتين لفظا كما أنهما مستقبلتان معنى، والعدول عن ذلك في اللفظ لا
~~يكون إلا لنكتة.

# / وكأن التعبير على هذا بالجملتين الماضويتين لفظا في { إن شاء
~~جعل } الخ لزيادة تبكيت الكفار فيما اقترحوا من جنسه. ولما لم يقترحوا
~~ما هو جنس جعل القصور لم يسلك فيه ذلك المسلك فتدبر، وقيل: كان الظاهر
~~نعد التعبير أولا في الجزاء بالماضي أن يعبر به هنا أيضا لكنه عدل إلى
~~المضارع لأن جعل القصور في الجنان مستقبل بالنسبة إلى جعل الجنان، ثم إن
~~هذا العطف يقتضي عدم دخول القصور في الخير المبدل منه قوله سبحانه: {
~~جنت } وكان ما تقدم عن «الكشاف» بيان لحاصل المعنى بمعونة السياق.
~~وجوز أن يكون مرفوعا أدغمت لامه في لام { لك } لكن إدغام المثلين إذا
~~تحرك أولهما إنما هو مذهب أبي عمرو، والذي قرأ بالتسكين من السبعة هو
~~وحمزة والكسائي ونافع وفي رواية محبوب عنه أنه قرأ بالرفع بلا إدغام وهي
~~قراءة ابن عامر وابن كثير ومجاهد وحميد وأبي بكر، والعطف على هذه
~~القراءة واحتمال الإدغام عند ابن عطية على المعنى في { جعل } لأن جواب
~~الشرط موضع استئناف ألا يرى أن الجملة من المبتدأ والخبر قد تقع موقع
~~جواب الشرط.

# وقال الزمخشري: هو معطوف على { جعل } لأن الشرط إذا كان ماضيا جاز
~~في جوابه الجزم والرفع كقول زهير في مدح هرم بن سنان:

# وإن أتاه خليل يوم مسغبة

# يقول لا غائب مالي ولا حرم

# ومذهب سيبويه أن الجواب في مثل ذلك محذوف وأن المضارع المرفوع على نية ms07450
~~التقديم، وذهب الكوفيون والمبرد إلى أنه هو الجواب وأنه على حذف الفاء.
~~والتركيب عند الجمهور فصيح سائغ في النثر كالشعر، وحكى أبو حيان عن بعض
~~أصحابه أنه لا يجوز إلا في الضرورة إذ لم يجيء إلا في الشعر، وتمام
~~الكلام في تحقيق المذاهب في محله.

# وقال الحوفي وأبو البقاء: الرفع على الاستئناف قيل وهو استئناف نحوي،
~~والكلام وعد له صلى الله عليه وسلم بجعل تلك القصور في الآخرة ولذا عدل
~~عن الماضي إلى المضارع الدال على الاستقبال، وقيل: هو استئناف بياني كأن
~~قائلا يقول: كيف الحال في الآخرة؟ فقيل: يجعل لك فيها قصورا، وجعل
~~بعضهم على الاستئناف هذا الجعل في الدنيا أيضا على معنى إن شاء جعل لك
~~في الدنيا جنات ويجعل لك في تلك الجنات قصورا إن تحققت الشرطية وهو كما
~~ترى، وقيل: الرفع بالعطف على { تجري } صفة بتقدير ويجعل فيها أي
~~الجنات، وليس بشيء. وقرأ عبيد الله بن موسى وطلحة بن سليمان { ويجعل }
~~بالنصب على إضمار أن، ووجه على ما نقل عن السيرافي أن الشرط لما كان غير
~~مجزوم أشبه الاستفهام، وقيل: لما كان غير واقع حال المشارطة أشبه النفي،
~~وقد ذكر النصب بعده سيبويه، وقال إنه ضعيف، وقيل: الفعل مرفوع وفتح لامه
~~اتباعا للام { لك } نظير ما قيل في قوله:

# لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت

# حمامة في غصون ذات أوقال

# من أنه فتح راء غير اتباعا لهمزة أن وهو أحد وجهين في البيت، ونظير
~~الآية في هذه القراآت قول النابغة:

# فإن يهلك أبو قابوس يهلك

# ربيع الناس والشهر الحرام

# ونأخذ بعده بذناب عيش

# أجب الظهر ليس له سنام

# فإنه يروى في نأخذ الجزم والرفع والنصب.

### || [25.11]

# { بل كذبوا بالساعة } انتقال إلى حكاية نوع آخر / من
~~أباطيلهم متعلق بأمر المعاد وما قبل كان متعلقا بأمر التوحيد وأمر
~~النبوة ولا يضر في ذلك العود إلى ما يتعلق بالكلام السابق، واختلاف
~~أساليب الحكاية لاختلاف المحكي، وما ألطف تصدير حكاية ما يتعلق بالآخرة
~~ببل الانتقالية.

# وقوله تعالى: { وأعتدنا لمن ms07451 كذب بالساعة سعيرا }
~~الخ لبيان ما لهم في الآخرة بسبب أي هيأنا لهم نارا عظيمة شديدة
~~الاشتعال شأنها كيت وكيت بسبب تكذيبهم بها على ما يشعر به وضع الموصول
~~موضع ضميرهم أو لكل من كذب بها كائنا من كان وهم داخلون في ذلك دخولا
~~أوليا. ووضع الساعة موضع ضميرها للمبالغة في التشنيع، وهذا الاعتداد وإن
~~كان ليس بسبب تكذيبهم بها خاصة بل يشاركه في السببية له ارتكابهم
~~الأباطيل في أمر التوحيد وأمر النبوة إلا أنه لما كانت الساعة نفسها هي
~~العلة القريبة لدخولهم السعير أشير بما ذكر إلى سببية التكذيب بها
~~لدخولها ولم يتعرض للإشارة إلى سببية شيء آخر؛ وقيل إن من كذب بالساعة
~~صار كالاسم لأولئك المشركين والمكذبين برسول الله صلى الله عليه وسلم
~~والمكذبين بالساعة أي الجامعين للأوصاف الثلاثة لأن التكذيب بها أخص
~~صفاتهم القبيحة وأكثر دورانا على ألسنتهم إذ من الكفار من يشرك ويكذب
~~برسول الله عليه الصلاة والسلام ولا يكذب بالساعة. فالمراد من يكذب
~~بالساعة أولئك الصنف من الكفرة وهو كما ترى.

# وقيل: إن قوله تعالى { بل كذبوا بالساعة } عطف على قوله
~~تعالى:

# قالوا مال هذا الرسول

# [الفرقان: 7] الخ وإضراب عنه إلى ما هو أعجب منه على معنى أن ذلك تكذيب
~~للرسول صلى الله عليه وسلم وهذا تكذيب لله سبحانه وتعالى ففي «صحيح
~~البخاري» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك  إلى قوله تعالى  فأما
~~تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان "

# وظاهره أن أعجبية التكذيب بالساعة لأنه تكذيب لله عز وجل، وقال بعضهم:
~~إن الأعجبية لأنهم أنكروا قدرة الله تعالى على الإعادة مع ما شاهدوه في
~~الأنفس والآفاق وما ارتكز في أوهامهم من أن الإعادة أهون من الإبداء وليس
~~ذلك لأنه تكذيب الله عز وجل فإنهم لم يسمعوا أمر الساعة إلا من النبي
~~صلى الله عليه وسلم فهو تكذيب له عليه الصلاة والسلام فيه، وأنت تعلم أن
~~في الحديث إشارة إلى ما ms07452 ارتضاه.

# وقيل: اضراب عن ذاك على معنى أتوا بأعجب منه حيث كذبوا بالساعة وأنكروها
~~والحال أنا قد اعتدنا لمن كذب بها سعيرا فإن جراءتهم على التكذيب بها
~~وعدم خوفهم مما أعد لمن كذب بها من أنواع العذاب أعجب من القول السابق.

# وتعقب بأنه لا نسلم كون الجراءة على التكذيب بالساعة أعجب من الجراءة
~~على القول السابق بعد ظهور المعجزة ولا نسلم أن انضمام عدم الخوف مما
~~يترتب عليه إذا كان ذلك الترتب في الساعة المكذب بها يفيد شيئا وفيه
~~تأمل.

# وقيل: هو إضراب عن ذلك على معنى أتوا بأعجب منه حيث كذبوا بالساعة التي
~~أخبر بها جميع الأنبياء عليهم السلام فالجراءة على التكذيب بها جراءة على
~~التكذيب بهم والجراءة على التكذيب بهم أعجب من الجراءة على القول السابق.
~~وتعقب بأن مرادهم من القول السابق نفي نبوته عليه الصلاة والسلام وتكذيبه
~~وحاشاه ثم حاشاه من الكذب في دعواه إياها لعدم مخالفة حاله صلى الله عليه
~~وسلم حالهم واتصافه بما زعموا منافاته للرسالة وذلك موجود ومتحقق في جميع
~~الأنبياء عليهم السلام، فتكذيبه صلى الله عليه وسلم لذلك تكذيب لهم أيضا
~~فلا يكون التكذيب بالساعة على ما ذكر أعجب من تكذيب النبي صلى الله عليه
~~وسلم لاشتراك التكذيبين في كونهما في حكم تكذيب الكل. وقيل: هو متصل
~~بقوله تعالى:

# تبارك الذى إن شاء

# [الفرقان: 10] الخ الواقع جوابا لهم والمنبىء عن الوعد بالجنات والقصور
~~في الآخرة مسوق لبيان أن ذلك لا يجدي نفعا على طريقة قول من قال:

# / عوجوا لنعم فحيوا دمنة الدار

# ماذا تحيون من نؤى وأحجار

# والمعنى أنهم لا يؤمنون بالساعة فكيف يقتنعون بهذا الجواب وكيف يصدقون
~~بتعجيل مثل ما وعدك في الآخرة. وقيل: إضراب عن الجواب إلى بيان العلة
~~الداعية لهم إلى التكذيب، والمعنى بل كذبوا بالساعة فقصرت أنظارهم على
~~الحظوظ الدنيوية وظنوا أن الكرامة ليست إلا بالمال وجعلوا خلو يدك عنه
~~ذريعة إلى تكذيبك.

### || [25.12]

# وقوله تعالى: { إذا رأتهم } إلى آخره صفة للسعير والتأنيث
~~باعتبار النار، وقيل لأنه علم لجهنم ms07453 كما روي عن الحسن. وفيه أنه لو كان
~~كذلك لامتنع دخول أل عليه ولمنع من الصرف للتأنيث والعلمية. وأجيب بأن
~~دخول أل للمح الصفة وهي تدخل الأعلام لذلك كالحسن والعباس وبأنه صرف
~~للتناسب ورعاية الفاصلة، أو لتأويله بالمكان وتأنيثه هنا للتفنن، وإسناد
~~الرؤية إليها حقيقة على ما هو الظاهر وكذا نسبة التغيظ والزفير فيما بعد
~~إذ لا امتناع في أن يخلق الله تعالى النار حية مغتاظة زافرة على الكفار
~~فلا حاجة إلى تأويل الظواهر الدالة على أن لها إدراكا كهذه الآية، وقوله
~~تعالى:

# يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من
~~مزيد

# [ق: 30] وقوله صلى الله عليه وسلم كما في «صحيح البخاري»:

# " شكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في
~~الشتاء ونفس في الصيف "

# إلى غير ذلك، وإذا صح ما أخرجه الطبراني وابن مردويه من طريق مكحول عن
~~أبي أمامة قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده
~~من بين عيني جهنم قالوا: يا رسول الله هل لجهنم من عين؟ قال: نعم أما
~~سمعتم الله تعالى يقول: { إذا رأتهم من مكان بعيد } فهل
~~تراهم إلا بعينين "

# كان ما قلناه هو الصحيح. وإسنادها إليها لا إليهم للإيذان بأن التغيظ
~~والزفير منها لهيجان غضبها عليهم عند رؤيتها إياهم.

# { من مكان بعيد } هو أقصى ما يمكن أن يرى منه، وروي أنه هنا
~~مسيرة خمسمائة عام. وأخرج آدم بن أبي إياس في «تفسيره» عن ابن عباس أنه
~~مسيرة مائة عام وحكي ذلك عن السدى والكلبي وروي أيضا عن كعب، وقيل:
~~مسيرة سنة وحكاه الطبرسي عن الإمام أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه،
~~ونسبه في «إرشاد العقل السليم» إلى السدي والكلبي { سمعوا لها
~~تغيظا } أي صوت تغيظ ليصح تعلق السماع به. وفي «مفردات الراغب»
~~الغيظ أشد الغضب والتغيظ هو إظهار الغيظ وقد يكون ذلك مع صوت مسموع كما
~~في هذه الآية. وقيل: أريد بالسماع مطلق الإدراك كأنه قيل: أدركوا لها
~~تغيظا { وزفيرا ms07454 } هو إخراج النفس بعد مده على ما في «القاموس»،
~~وقال الراغب: هو ترديد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه وشاع استعماله في نفس
~~صوت ذلك النفس، ولا شبهة في أنه مما يتعلق به السماع ولذا استشكلوا تعلق
~~السماع بالتغيظ دون الزفير فأولوا لذلك بما سمعت، وقال بعضهم: إن ما ذكر
~~من قبيل قوله:

# ورأيت زوجك قد غدا

# متقلدا سيفا ورمحا

# وهو بتقدير سمعوا لها وأدركوا تغيظا وزفيرا ويعاد كل إلى ما يناسبه.
~~ومن الناس من قال: الكلام خارج مخرج المبالغة بجعل التغيظ مع أنه ليس من
~~المسموعات مسموعا، والتنوين فيه وفي { زفيرا } للتفخيم.

# وقد جاء في الآثار ما يدل على شدة زفيرها أعاذنا الله تعالى منها، ففي
~~خبر أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم / بسند صحيح عن ابن عباس أنها تزفر
~~زفرة لا يبقى أحد إلا خاف. وأخرج ابن المنذر وابن جرير وغيرهما عن عبيد
~~بن عمير أنه قال في قوله تعالى: { سمعوا لها } الخ: إن جهنم لتزفر
~~زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا ترعد فرائصه حتى إن إبراهيم
~~عليه السلام ليجثو على ركبتيه ويقول: يا رب لا أسألك اليوم إلا نفسي.
~~وأخرج أبو نعيم عن كعب قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله تعالى الأولين
~~والآخرين في صعيد واحد فنزلت الملائكة صفوفا فيقول الله تعالى لجبريل
~~عليه السلام: ائت بجهنم فيأتي بها تقاد بسبعين ألف زمام حتى إذا كانت من
~~الخلائق على قدر مائة عام زفرت زفرة طارت لها أفئدة الخلائق ثم زفرت
~~ثانية فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه ثم تزفر الثالثة
~~فتبلغ القلوب الحناجر وتذهل العقول فيفزع كل امرىء إلى عمله حتى إن
~~إبراهيم عليه السلام يقول: بخلتي لا أسألك إلا نفسي ويقول موسى عليه
~~السلام: بمناجاتي لا أسألك إلا نفسي ويقول عيسى عليه السلام: بما أكرمتني
~~لا أسألك إلا نفسي لا أسألك مريم التي ولدتني ومحمد صلى الله عليه وسلم
~~يقول: أمتى أمتى لا أسألك اليوم نفسي فيجيبه الجليل جل ms07455 جلاله إن أوليائي
~~من أمتك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فوعزتي لأقرن عينك ثم تقف الملائكة
~~عليهم السلام بين يدي الله تعالى ينتظرون ما يؤمرون وهذه الأخبار ظاهرة
~~في أن النار هي التي تزفر وأن الزفير على حقيقته.

# وزعم بعضهم أن زفيرها صوت لهيبها واشتعالها، وقيل: إن كلا من الرؤية
~~والتغيظ والزفير لزبانيتها ونسبته إليها على حذف المضاف ونقل ذلك عن
~~الجبائي، وقيل: إن قوله تعالى: { رأتهم } من قوله صلى الله عليه
~~وسلم

# " إن المؤمن والكافر لا تتراءى ناراهما "

# وقولهم: دورهم تتراءى وتتناظر كأن بعضها يرى بعضا على سبيل الاستعارة
~~بالكناية والمجاز المرسل، وجوز أن يكون من باب التمثيل، وأيا ما كان
~~فالمراد إذا كانت بمرأى منهم، وقوله سبحانه: { سمعوا لها
~~تغيظا } على تشبيه صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره وفيه استعارة
~~تصريحية أو مكنية وجوز أن تكون تمثيلية، وقد ذكر هذا التأويل الزمخشري
~~مقدما له؛ وذكر بعض الأئمة أن هذا مذهب المعتزلة لأنهم جعلوا البينة
~~شرطا في الحياة.

# وفي «الكشف» الأشبه أن ذلك ليس لأن البنية شرط ومن أين العلم بأن بنية
~~نار الآخرة بحيث لا تستعد للحياة بل لأنه لا بد من ارتكاب خلاف الظاهر من
~~جعل الشيء المعروف جماديته حيا ناطقا فكان خبرا على خلاف المعتاد أو
~~الحمل على المجاز التمثيلي الشائع في كلامهم لا سيما في كلام الله تعالى
~~ورسله عليهم السلام وإذ لاح الوجه فكن الحاكم في ترك الظاهر إلى هذا أو
~~ذاك.

# وفتح هذا الباب لا يجر إلى مذهب الفلاسفة كما توهم صاحب «الانتصاف» ولا
~~يخالف تعبدنا بالظواهر فإن ما يدعونه أيضا ليس بظاهر انتهى، وأنت تعلم
~~بعد الإغماض عن المناقشة فيما ذكر أن الحمل على الحقيقة هنا أبلغ في
~~التهويل ولعله يهون أمر الخبر على خلاف المعتاد؛ وهذا إن لم يصح الخبر
~~السابق أما إذا صح فلا ينبغي العدول عما يقتضيه وليس لأحد قول مع قوله
~~صلى الله عليه وسلم فإنه الأعلم بظاهر الكتاب وخافيه.

### || [25.13]

# { وإذا ألقوا منها مكانا } أي في مكان ms07456 فهو منصوب على
~~الظرفية و { منها } حال منه لأنه في الأصل صفة، وجوز تعلقه بألقوا.
~~وقوله تعالى: { ضيقا } صفة لمكانا مقيدة لزيادة شدة [فإن] الكرب مع
~~الضيق كما أن الروح مع السعة وهو السر في وصف الجنة بأن عرضها السموات
~~والأرض. وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أسيد أن رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم / سئل عن قوله تعالى: { وإذا ألقوا } الخ فقال: والذي
~~نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط، وعن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أنها تضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح. وقال
~~الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يحطهم الداخلون فيزدحمون، وقرأ
~~ابن كثير { ضيقا } بسكون الياء.

# { مقرنين } حال من ضمير { ألقوا } أي إذا ألقوا منها مكانا
~~ضيقا حال كونهم مقرنين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالجوامع، وقيل:
~~مقرنين مع الشياطين في السلاسل كل كافر مع شيطانه وفي أرجلهم الأصفاد،
~~وحكي عن الجبائي، وقرأ أبو شيبة صاحب معاذ بن جبل { مقرنون } بالرفع
~~ونسبها ابن خالويه إلى معاذ، ووجهها على ما في «البحر» كونه بدلا من
~~ضمير { ألقوا } بدل نكرة من معرفة.

# { دعوا هنالك } أي في ذلك المكان الهائل { ثبورا } أي هلاكا
~~كما قال الضحاك وقتادة وهو مفعول { دعوا } أي نادوا ذلك فقالوا: يا
~~ثبوراه على معنى احضر فهذا وقتك، وجعل غير واحد النداء بمعنى التمني
~~فيتمنون الهلاك ليسلموا مما هو أشد منه كما قيل أشد من الموت ما يتمنى
~~معه الموت. وجوز أبو البقاء نصب { ثبورا } على المصدرية لدعوا على
~~معنى دعوا دعاء، وقيل: على المصدرية لفعل محذوف ومفعول { دعوا } مقدر
~~أي دعوا من لا يجيبهم قائلين ثبرنا ثبورا وكلا القولين كما ترى. ولا
~~اختصاص لدعاء الثبور بكفرة الإنس فإنه يكون للشيطان أيضا. أخرج أحمد
~~وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن
~~مردويه والبيهقي في «البعث» بسند صحيح عن أنس قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أول من يكسى حلة من النار ms07457 إبليس
~~فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه وذريته من بعده وهو ينادي يا ثبوراه
~~ويقولون يا ثبورهم حتى يقف على النار فيقول يا ثبوراه ويقولون يا ثبورهم
~~"

# الحديث، وفي بعض الروايات أن أول من يقول ذلك إبليس ثم يتبعه أتباعه،
~~وظاهره شمول الاتباع كفرة الإنس والجن، ولا يتوهم اختصاص ذلك ببعض كفرة
~~الإنس بناء على ما قيل إن الآية نزلت في أبي جهل وأصحابه لما لا يخفى.

### || [25.14]

# وقوله تعالى: { لا تدعوا اليوم ثبورا وحدا } على تقدير
~~قول إما منصوب على أنه حال من فاعل

# دعوا

# [الفرقان: 13] أي دعوا مقولا لهم ذلك حقيقة كما هو الظاهر بأن تخاطبهم
~~الملائكة لتنبيههم على خلود عذابهم وأنهم لا يجابون إلى ما يدعونه أو لا
~~ينالون ما يتمنونه من الهلاك المنجي أو تمثيلا لهم وتصويرا لحالهم بحال
~~من يقال له ذلك من غير أن يكون هناك قول وخطاب كما قيل أي دعوه حال كونهم
~~أحقاء بأن يقال لهم ذلك، وإما لا محل له من الإعراب على أنه معطوف على ما
~~قبله أي إذا ألقوا منها مكانا ضيقا دعوا ثبورا فيقال لهم: لا تدعوا
~~الخ، أو على أنه مستأنف وقع جوابا عن سؤال مقدر ينسحب عليه الكلام كأنه
~~قيل: فماذا يكون عند دعائهم المذكور؟ فقيل: يقال لهم ذلك، والمراد به
~~إقناطهم عما علقوا به أطماعهم من الهلاك وتنبيههم على أن عذابهم الملجىء
~~لهم إلى ذلك أبدي لاخلاص لهم منه على أبلغ وجه حيث أشار إلى أن المخلص
~~مما هم فيه من العذاب عادة غير مخلص وما يخلص غير ممكن فكأنه قيل: لا
~~تدعوا اليوم هلاكا واحدا فإنه لا يخلصكم.

# { وادعوا ثبورا } وهلاكا { كثيرا } لا غاية لكثرته لتخلصوا
~~به وأنى بالهلاك الكثير.

# / ومن لم يمت بالسيف مات بغيره

# تعددت الأسباب والموت واحد

# وهذا معنى دقيق لم أعلم أن أحدا ذكره. وقيل: وصف الثبور بالكثرة
~~باعتبار كثرة الألفاظ المشعرة به فكأنه قيل: لا تقولوا يا ثبوراه فقط
~~وقولوا يا ثبوراه يا هلا كاه يا ويلاه يا لهفاه ms07458 إلى غير ذلك وهو كما ترى.
~~وقال شيخ الإسلام: وصفه بذلك بحسب كثرة الدعاء المتعلق به لا بحسب كثرته
~~في نفسه فإن ما يدعونه ثبور واحد في حد ذاته لكنه كلما تعلق به دعاء من
~~تلك الأدعية الكثيرة صار كأنه ثبور مغاير لما تعلق به دعاء آخر، وتحقيقه
~~لا تدعوه دعاء واحدا وادعوه أدعية كثيرة فإن ما أنتم فيه من العذاب
~~لغاية شدته وطول مدته مستوجب لتكرير الدعاء في كل آن، ثم قال: وهذا أدل
~~على فظاعة العذاب وهوله من جعل تعدد الدعاء وتجدده لتعدد العذاب بتعدد
~~أنواعه وألوانه أو لتعدده بتجدد الجلود كما لا يخفى، وأما ما قيل من أن
~~المعنى إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا إنما هو ثبور كثير إما لأن
~~العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته أو لأنهم كلما نضجت
~~جلودهم بدلوا جلودا غيرها فلا غاية لهلاكهم فلا يلائم المقام كيف وهم
~~إنما يدعون هلاكا ينهى عذابهم وينجيهم منه فلا بد أن يكون الجواب
~~إقناطا لهم عن ذلك ببيان استحالته ودوام ما يوجب استدعاءه من العذاب
~~الشديد انتهى.

# وتعقب القول بأن وصف الثبور بالكثرة بحسب كثرة الدعاء بأنه لا يناسب
~~النظم وكذا كونه بحسب كثرة الألفاظ المشعرة بالثبور لأنه كان الظاهر أن
~~يقال دعاء كثيرا، وأما قوله: وأما ما قيل الخ فهو لا يخلو عن بحث فتأمل.
~~وحكى علي بن عيسى ما ثبرك عن هذا الأمر أي ما صرفك عنه، وجوز أن يكون
~~الثبور في الآية من ذلك كأنهم ندموا على ما فعلوا فقالوا: واصرفاه عن
~~طاعة الله تعالى كما يقال: واندماه فأجيبوا بما أجيبوا، وتقييد النهي
~~والأمر باليوم لمزيد التهويل والتفظيع والتنبيه على أنه ليس كسائر الأيام
~~المعهودة التي يخلص من عذابها ثبور واحد، ويجوز أن يكون ذلك لتذكيرهم
~~بالساعة التي أصابهم ما أصابهم بسبب التكذيب بها ففيه زيادة إيلام لهم.
~~وقرأ عمر بن محمد { ثبورا } بفتح الثاء في ثلاثتها وفعول بفتح الفاء في
~~المصادر قليل نحو القفول.

### || [25.15]

# { قل } تقريعا ms07459 لهم وتهكما بهم وتحسيرا على ما فاتهم { أذلك }
~~إشارة إلى ما ذكر من السعير باعتبار اتصافها بما فصل من الأحوال الهائلة
~~فإنها التي كثيرا ما تقابل بالجنة، وما فيه من معنى البعد للإشعار
~~بكونها في الغاية القاصية من الهول والفظاعة. وقيل: إشارة إلى ما ذكر من
~~الجنة والكنز في قولهم:

# أو يلقى إليه كنز

# [الفرقان: 8] الخ. وقيل: إلى الجنة والقصور المجعولة في الدنيا على
~~تقدير المشيئة، وكلا القولين لا يعول عليهما لا سيما الأخير، أي أذلك
~~الذي ذكر من السعير التي أعتدت لمن كذب بالساعة وشأنها كيت وكيت وشأن
~~أهلها ذيت ذيت { خير أم جنة الخلد التى وعد
~~المتقون } أي وعدها المتقون لأن وعد تتعدى لمفعولين وهذا المحذوف
~~هو العائد على الموصول. وإضافة الجنة إلى الخلد إن كانت نسبة الإضافة
~~معلومة للمدح فإن المدح يكون بما هو معلوم، وإن لم تكن معلومة فلإفادة
~~خلود الجنة، ولا يخدشه قوله تعالى:

# خلدين

# [الفرقان: 16] بعد لأنه للدلالة على خلود أهلها لا خلودها في نفسها وإن
~~تلازما أو أن ذلك للتمييز عن جنات الدنيا. وقيل: إن جنة الخلد علم كجنة
~~عدن، والمراد بالمتقين المتصفون بمطلق التقوى لا بالمرتبة الثانية أو
~~الثالثة منها فقط، ويدل عليه مقابلتهم بالكافرين في النظم الكريم، وقيل:
~~يجوز أن يراد الكاملون في التقوى ووعدها إياهم وعد دخولها ابتداء دون /
~~سبق عذاب وهو مختص بهم وليس بذاك. والترديد والتفضيل في { خير } مع
~~أنه لا شك في أنه لا خيرية في السعير للتهكم والتقريع كما أشرنا إليه.

# وقال ابن عطية: حيث كان الكلام استفهاما جاز فيه مجيء لفظة التفضيل بين
~~الجنة والسعير في الخير لأن الموقف جائز له أن يوقف محاوره على ما شاء
~~ليرى هل يجيبه بالصواب أو بالخطأ، وإنما منع سيبويه وغيره من التفضيل إذا
~~كان الكلام خبرا لأن فيه مخالفة الواقع، وأما إذا كان استفهاما فذلك
~~سائغ، وقال أبو حيان ((إن { خير } هنا ليس للدلالة على الأفضلية بل هو
~~على ما جرت به عادة العرب في بيان فضل الشيء ms07460 وخصوصيته بالفضل دون مقابله
~~كقول حسان:

# فشركما لخيركما الفداء

# وقولهم الشقاء أحب إليك أم السعادة والعسل أحلى من الخل، وقوله تعالى
~~حكاية عن يوسف عليه السلام

# السجن أحب إلي

# [يوسف:33] ولا اختصاص لذلك في استفهام أو خبر. وما ذكر من أمثلة الخبر
~~يرد على ابن عطية إلا أن يقيد الخير الذي ادعى منع سيبويه فيه بما لم يكن
~~الحكم فيه واضحا أما إذا كان الحكم فيه واضحا للسامع بحيث لا يختلج في
~~ذهنه ولا يتردد في الأفضل فإن التفضيل يجوز فيه)) وقد تقدم تحقيق الكلام
~~في هذا المقام وما أشرنا إليه هنا أولى بالاعتبار مما أشار ابن عطية وأبو
~~حيان إليه.

# { كانت } تلك الجنة { لهم } أي في علم الله تعالى أو في اللوح أو
~~المراد تكون على أنه وعد من أكرم الأكرمين عبر عنه بالماضي على طريق
~~الاستعارة لتحقيق وقوعه فإنه سبحانه لا يخلف الميعاد، وجوز أن يكون هذا
~~باعتبار تقدم وعده تعالى في كتبه وعلى لسان رسله عليهم الصلاة والسلام
~~إياهم بها { جزاء } على أعمالهم بمقتضى الوعد لا بالإيجاب { ومصيرا
~~} ينقلبون إليه، ولم يكتف بقوله تعالى: { كانت لهم جزاء } لعدم
~~استلزامه ذلك فقد يثبت الملك في الدنيا إنسانا ببستان مثلا ولا يراه
~~فضلا عن أن يسكن فيه، وجملة { كانت لهم } الخ على ما ذكره الطبرسي
~~في موضع الحال من الضمير المحذوف العائد على الموصول في { وعد
~~المتقون } بتقدير قد أو بدونه، وجوز أن تكون بدلا من { وعد
~~المتقون } وتفسيرا له، وأن تكون استئنافا في موضع التعليل. وذكر
~~الزمخشري ما يشعر بأن هذه الجملة تذييل لتذكير النعمة بما خولهم الله
~~تعالى وطيب عيشهم في ذلك المكان الرافع على وجه يتضمن ضد ذلك لأضدادهم
~~فكأنه قيل كانت لهم جزاء موفورا لا يدخل تحت الوصف ومصيرا أي مصيرا لا
~~يقادر قدره وليس كمصير الكفرة المشار إليه بقوله سبحانه:

# وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا

# [الفرقان: 13] ويعلم منه فائدة ذكر المصير مع ذكر الجزاء فتأمل.

### || [25.16]

# وقوله سبحانه: { لهم فيها ما يشاءون } قيل استئناف ms07461 وقع جوابا
~~لسؤال نشأ مما قبله حيث أفاد أن الجنة مسكن لهم والساكن في دار يحتاج إلى
~~أشياء كثيرة لتطيب نفسه بسكناها فكأن سائلا يقول: ما لهم إذا صاروا إليها
~~وسكنوا فيها؟ فقيل لهم فيها ما يشاؤون. وقال الطبرسي: الجملة في موضع
~~الحال من قوله تعالى:

# المتقون

# [الفرقان: 15] و(ما) موصولة مبتدأ والعائد محذوف و { لهم } خبره و {
~~فيها } متعلق بما تعلق به أي كائن لهم فيها الذي يشاؤونه من فنون
~~الملاذ والمشتهيات وأنواع النعيم الروحاني والجسماني، ولعل كل فريق منهم
~~يقتنع بما أبيح له من درجات النعيم ويرى ما هو فيه ألذ الأشياء ولا تمتد
~~أعناق هممهم إلى ما فوق ذلك من المراتب العالية ولا يخطر بباله ما يخطر
~~طلبة ولا يتأتى له فلا يشاء آحاد المؤمنين رتبة الأنبياء عليهم السلام
~~ولا يتعرضون للشفاعة لمن كتب عليه الخلود في النار مثلا فلا يلزم الحرمان
~~ولا تساوي مراتب أهل الجنان، وعلى ضد هؤلاء فيما ذكر أهل النار فقد قال
~~سبحانه فيهم

# وحيل بينهم وبين ما يشتهون

# [سبأ: 54]. / { خلدين } حال من أحد ضمائرهم على ما قيل وظاهره عدم
~~الترجيح، وقال بعض الأفاضل: جعله حالا من الأول يقتضي كونها حالا مقدرة
~~ومن الثالث يوهم تقييد المشيئة بها فخير الأمور أوسطها، ورجح بعضهم
~~الثالث لقربه والتقييد غير مخل بل مهم، وجوز كونها حالا من المتقين ولا
~~يخفى حاله. ولبعض الأجلة ههنا كلام فيه بحث ذكره الحمصي في «حواشي
~~التصريح» فليراجع.

# { كان } أي الوعد بما ذكر أو الموعود المفهوم من الكلام فيشمل الوعد
~~بالجنة وبحصول ما يشاؤون لهم فيها وبالخلود على الأول والجنة وحصول
~~المرادات والخلود الموعود بها على الثاني، وقال بعضهم: الضمير للخلود،
~~وآخر لحصول ما يشاؤون لهم فيها أو له ولكون الجنة جزاء ومصيرا،
~~والإفراد باعتبار ما ذكر ويغني عنه ما سمعت، والأكثرون على أنه لما
~~يشاؤون وهو اسم (كان) وقوله تعالى: { على ربك } متعلق بها أو
~~بمحذوف وقع حالا من قوله سبحانه: { وعدا } وهو خبرها، ولم يجوز تعلق
~~الجار به سواء كان ms07462 باقيا على مصدريته أو مؤولا باسم المفعول أي موعودا
~~لما علمت من الخلاف في مرجع الضمير بناء على منع تقديم معمول المصدر
~~عليه وإن كان مؤولا بغيره أو كان المقدم ظرفا وفيه خلاف. وجوز أن يكون
~~{ على ربك } متعلقا بمحذوف هو الخبر و { وعدا } مصدرا
~~مؤكدا، والأظهر أن يجعل هو الخبر أي كان ذلك وعدا أو موعودا {
~~مسئولا } أي حقيقا أن يسئل ويطلب لكونه مما يتنافس فيه المتنافسون
~~أو سببا لحصول ذلك فمسؤوليته كناية عن كونه أمرا عظيما، ويجوز أن يراد
~~كون الموعود مسؤولا حقيقة بمعنى يسأله الناس في دعائهم بقولهم:

# ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك

# [آل عمران: 194]، وقال سعيد بن أبي هلال: سمعت أبا حازم رضي الله تعالى
~~عنه يقول: إذا كان يوم القيامة يقول المؤمنون: ربنا عملنا لك بما أمرتنا
~~فأنجز لنا ما وعدتنا فذلك قوله تعالى: { وعدا مسؤولا }. وأخرج ابن
~~أبي حاتم من طريق سعيد هذا عن محمد بن كعب القرظي أنه قال في الآية: إن
~~الملائكة عليهم السلام لتسأل ذلك في قولهم:

# ربنا وأدخلهم جنت عدن التى وعدتهم

# [غافر: 8] والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة
~~والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم والإشعار بأنه عليه الصلاة والسلام
~~هو الفائز بمغانم الوعد الكريم.

# واستشكلت الآية على مذهب الأشاعرة لأنها تدل على الوجوب على الله تعالى
~~لمكان { على } وعندهم لا يجب عليه سبحانه شيء لاستلزام ذلك سلب
~~الاختيار وعدم استحقاق الحمد. وأجيب بأن الوجوب الذي تدل عليه الآية وجوب
~~بمقتضى الوعد والممتنع إيجاب الإلجاء والقسر من خارج لأنه السالب
~~للاختيار الموجب للمفسدة دون إيجابه تعالى على نفسه شيئا بمقتضى وعده
~~وكرمه فإنه مسبوق بالإرادة والوجوب الناشىء من الإرادة لا ينافي
~~الاختيار، وهذا ظاهر إذا كان الوعد حادثا وأما إذا كان قديما فالسابقية
~~والمسبوقية بحسب الذات وذلك لا يستلزم الحدوث، أو يقال: الحادث بالإرادة
~~تعلقه بالموعود به فافهم.

### || [25.17]

# { ويوم يحشرهم } نصب على أنه مفعول لمضمر مقدم معطوف على قوله
~~تعالى:

# قل أذلك

# [الفرقان: 15] الخ أي ms07463 قل لهم ذلك واذكر لهم بعد التقريع والتحسير يوم
~~يحشرهم الله عز وجل، والمراد تذكيرهم بما فيه من الحوادث الهائلة على ما
~~سمعت في نظائره أو على أنه ظرف لمضمر مؤخر قد حذف للتنبيه على كمال هوله
~~وفظاعة ما فيه والإيذان بأن العبارة لا تحيط ببيانه أي ويوم يحشرهم يكون
~~من الأحوال والأهوال ما لا يفي ببيانه المقال.

# / وقرأ الحسن وطلحة وابن عامر وكثير من السبعة { نحشرهم } بنون
~~العظمة بطريق الالتفات من الغيبة إلى التكلم. وقرأ الأعرج { يحشرهم }
~~بكسر الشين، قال صاحب «اللوامح»: في كل القرآن وهو القياس في الأفعال
~~المتعدية الثلاثية لأن يفعل بضم العين قد يكون من اللازم الذي هو فعل
~~بضمها في الماضي، وقال ابن عطية: وهي قليلة في الاستعمال قوية في القياس
~~لأن يفعل بكسر العين في المتعدي أقيس من يفعل بضم العين، وفيه كلام ذكره
~~أبو حيان في «البحر».

# { وما يعبدون من دون الله } عطف على مفعول { يحشرهم
~~} وليست الواو للمعية وجوز ذلك أبو البقاء، والمراد بالموصول عند الضحاك
~~وعكرمة والكلبي الأصنام بناء أن السياق فيها وينطقها الله تعالى الذي
~~لا يعجزه شيء، وقيل: تتكلم بلسان الحال وليس بذاك. وأخرج جماعة عن مجاهد
~~أن المراد به الملائكة وعيسى وعزير وأضرابهم من العقلاء الذين عبدوا من
~~دون الله سبحانه وتعالى وهو قول الجمهور على ما في «البحر» لأن السؤال
~~والجواب يقتضيانه لاختصاصهما بالعقلاء عادة وإن كان الجماد ينطق يومئذ،
~~وجاء فيما يشبه الاستفهام الآتي النص عليهم نحو قوله تعالى:

# ثم يقول للملئكة أهؤلاء إياكم كانوا
~~يعبدون

# [سبأ: 40] وقوله سبحانه:

# أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون
~~الله

# [المائدة: 116] والظاهر أن المراد  بما  على هذا القول العقلاء
~~المعبودون الذين ليس منهم إضلال كالملائكة والأنبياء عليهم السلام لا ما
~~يشملهم والشياطين مثلا فإن الجواب يأبى ذلك بظاهره كما لا يخفى، وأطلقت
~~{ ما } على العقلاء إما على أنها تطلق عليهم حقيقة أو مجازا أو باعتبار
~~الوصف كأنه قيل: أو معبوديهم، وقال بعض الأجلة: المراد ما يعم العقلاء
~~وغيرهم ms07464 إما لأن كلمة ما موضوعة للكل كما ينبىء عنه أنك إذا رأيت شبحا
~~من بعيد تقول: ما هو؟ أو لأنه أريد بها الوصف فلا تختص حينئذ بغير
~~العقلاء كما إذا أريد بها الذات أو لتغليب الأصنام على غيرها تنبيها على
~~بعدهم عن استحقاق العبادة وتنزيلهم في ذلك منزلة من لا علم له ولا قدرة
~~أو اعتبارا لغلبة عبدتها وكثرتهم.

# { فيقول } أي الله عز وجل للمعبودين من دونه إثر حشر الكل تقريعا
~~للعبدة وتبكيتا لهم. وقرأ الحسن وطلحة وابن عامر { فنقول } بنون العظمة
~~أيضا، ومن قرأ ممن عداهم هناك بالنون وهنا بالياء كان على قراءته هنا
~~التفاتا من التكلم إلى الغيبة، وفي نون العظمة هناك إشارة إلى أن الحشر
~~أمر عظيم.

# { ءأنتم أضللتم عبادى هؤلاء } بأن دعوتموهم إلى عبادتكم
~~وإضافة { عبادى } قيل للترحم أو لتعظيم جرمهم لعبادة غير خالقهم أو
~~لتعظيم أمر إضلالهم بدعوتهم إلى عبادتهم مع كونهم عبادا لله عز وجل و {
~~هؤلاء } بدل منه، وجوز أن يكون نعتا له { أم هم ضلوا
~~السبيل } أي عن السبيل بأنفسهم لا خلالهم بالنظر الصحيح وإعراضهم عن
~~المرشد من كتاب أو رسول فحذف الجار وأوصل الفعل إلى المفعول كقوله تعالى:

# وهو يهدي السبيل

# [الأحزاب: 4] والأصل إلى السبيل أو للسبيل. وذكر بعض الأجلة أنه لم يقل
~~عن السبيل للمبالغة فإن ضله بمعنى فقده وضل عنه بمعنى خرج عنه، والأول
~~أبلغ لأنه يوهم أنه لا وجود له رأسا. وتقديم الضميرين على الفعلين لما
~~أن المراد بالسؤال التقريعي هو المتصدي للفعل لا نفسه.

### || [25.18]

# { قالوا } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية السؤال كأنه قيل:
~~فماذا قالوا في الجواب؟ فقيل قالوا: { سبحنك } وكان الظاهر أن
~~يعبر بالمضارع لمكان

# يقول

# [الفرقان: 17] أولا، وكأن / العدول إلى الماضي للدلالة على تحقق
~~التنزيه والتبرئة وأنه حالهم في الدنيا، وقيل: للتنبيه على أن إجابتهم
~~بهذا القول هو محل الاهتمام فإن بها التبكيت والإلزام فدل بالصيغة على
~~تحقق وقوعها. وسبحان إما للتعجب مما قيل لهم إما لأنهم جمادات لا قدرة
~~لها على ms07465 شيء أو لأنهم ملائكة أو أنبياء معصومون أو أولياء عن مثل ذلك
~~محفوظون وإما هو كناية عن كونهم موسومين بتسبيحه تعالى وتوحيده فكيف
~~يتأتى منهم إضلال عباده وإما هو على ظاهره من التنزيه والمراد تنزيهه
~~تعالى عن الأضداد، وهو على سائر الأوجه جواب إجمالي إلا أن في كونه كذلك
~~على الأخير نوع خفاء بالنسبة إلى الأولين.

# وقوله تعالى: { ما كان ينبغى لنا } الخ كالتأكيد لذلك والتفصيل
~~له. وجعل الطيبي قولهم: { سبحنك } توطئة وتمهيدا للجواب لقولهم:
~~{ ما كان } الخ أي ما صح وما استقام لنا { أن نتخذ من دونك
~~من أولياء } أي أولياء على أن { من } مزيدة لتأكيد النفي. ويحسن
~~زيادتها بعد النفي والمنفي وإن كان { كان } لكن هذا معمول معمولها
~~فينسحب النفي عليه. والمراد نفي أن يكونوا هم مضليهم على أبلغ وجه كأنهم
~~قالوا: ما صح وما استقام لنا أن نتخذ متجاوزين إياك أولياء نعبدهم لما
~~بنا من الحالة المنافية له فأنى يتصور أن نحمل غيرنا على أن يتخذ وليا
~~غيرك فضلا أن يتخذنا وليا، وجوز أن يكون المعنى ما كان ينبغي لنا أن
~~نتخذ من دونك أتباعا فإن الولي كما يطلق على المتبوع يطلق على التابع
~~ومنه أولياء الشيطان أي أتباعه.

# وقرأ أبو عيسى الأسود القارىء { ينبغى } بالبناء للمفعول. وقال ابن
~~خالويه: زعم سيبويه أن ذلك لغة. وقرأ أبو الدرداء وزيد بن ثابت وأبو رجاء
~~ونصر بن علقمة وزيد بن علي وأخوه الباقر رضي الله تعالى عنهما ومكحول
~~والحسن وأبو جعفر وحفص بن عبيد والنخعي والسلمي وشيبة وأبو بشر
~~والزعفراني { نتخذ } مبنيا للمفعول، وخرج ذلك الزمخشري على أنه من اتخذ
~~المتعدي إلى مفعولين والمفعول الأول ضمير المتكلم القائم مقام الفاعل
~~والثاني { من أولياء } و(من) تبعضية لا زائدة أي أن يتخذونا بعض
~~الأولياء، ولم يجوز زيادتها بناء على ما ذهب إليه الزجاج من أنها لا
~~تزاد في المفعول الثاني، وعلله في «الكشف» بأنه محمول على الأول يشيع
~~بشيوعه ويخص كذلك، ومراده أنه إذا كان محمولا لإيراد صدقه على غيره
~~فيشيع ms07466 ويخص كذلك في الإرادة فلا يرد زيد حيوان فإن المحمول باق على عمومه
~~مع خصوص الموضوع، وقيل: مراده أن الاختلاف لا يناسب مع إمكان الاتحاد
~~والمثال ليس كذلك.

# والزمخشري لما بنى كلامه على ذلك المذهب والتزم التبعيض جاء الإشكال في
~~تنكير { أولياء } فأجاب بأنه للدلالة على الخصوص وامتيازهم بما
~~امتازوا وهو للتنويع على الحقيقة.

# وقال السجاوندي: المعنى ما ينبغي لنا أن نحسب من بعض ما يقع عليه اسم
~~الولاية فضلا عن الكل فإن الولي قد يكون معبودا ومالكا وناصرا
~~ومخدوما. والزجاج خفي عليه أمر هذه القراءة على مذهبه فقال: هذه القراءة
~~خطأ لأنك تقول: ما اتخذت من أحد وليا ولا يجوز ما اتخذت أحدا من ولي
~~لأن (من) إنما دخلت لأنها تنفي واحدا في معنى جميع ويقال: ما من أحد
~~قائما وما من رجل محبا لما يضره ولا يقال: ما قائم من أحد وما رجل من
~~محب لما يضره ولا وجه عندنا لهذا البتة ولو جاز هذا لجاز في

# فما منكم من أحد عنه حجزين

# [الحاقة: 47] / ما منكم أحد عنه من حاجزين. وأجاز الفراء هذه القراءة عن
~~ضعف وزعم أن { من أولياء } هو الاسم وما في { يتخذ } هو الخبر
~~كأنه يجعله على القلب انتهى.

# ونقل صاحب «المطلع» عن صاحب «النظم» أنه قال: الذي يوجب سقوط هذه
~~القراءة أن (من) لا تدخل إلا على مفعول لا مفعول دونه نحو قوله تعالى:

# ما كان لله أن يتخذ من ولد

# [مريم: 35] فإذا كان قبل المفعول مفعول سواه لم يحسن دخولها كما في
~~الآية على هذه القراءة ولا يخفى عليك أن في الإقدام على القول بأنها خطأ
~~أو ساقطة مع روايتها عمن سمعت من الأجلة خطرا عظيما ومنشأ ذلك الجهل
~~ومفاسده لا تحصى. وذهب ابن جني إلى جواز زيادة (من) في المفعول الثاني
~~فيقال: ما اتخذت زيدا من وكيل على معنى ما اتخذته وكيلا أي وكيل كان من
~~أصناف الوكلاء. ومعنى الآية على هذا المنوال ما ينبغي لنا أن يتخذونا من
~~دونك أولياء أي ms07467 أولياء أي ما يقع عليه اسم الولاية. وجوز أن يكون {
~~نتخذ } على هذه القراءة مما له مفعول واحد و { من دونك } صلة
~~و { من أولياء } حال و { من } زائدة وعزا هذا في «البحر» إلى ابن
~~جني. وجوز بعضهم كون { نتخذ } في القراءة المشهورة من اتخذ المتعدي
~~لمفعولين، وجعل أبو البقاء على هذا { من أولياء } المفعول الأول
~~بزيادة من و { من دونك } المفعول الثاني وعلى كونه من المتعدي لواحد
~~يكون هذا حالا.

# وقرأ الحجاج «أن نتخذ من دونك أولياء» فبلغ عاصما فقال: مقت المخدج أو
~~ما علم أن فيها من.

# وقوله تعالى: { ولكن متعتهم وءاباءهم } الخ استدراك
~~مسوق لبيان أنهم هم الضالون بعد بيان تنزههم عن إضلالهم على أبلغ وجه كما
~~سمعت، وقد نعى عليهم سوء صنيعهم حيث جعلوا أسباب الهداية أسبابا للضلالة
~~أي ما أضللناهم ولكن متعتهم وآباءهم بأنواع النعم ليعرفوا حقها ويشكروها
~~فاستغرقوا في الشهوات وانهمكوا فيها { حتى نسوا الذكر } أي
~~غفلوا عن ذكرك والإيمان بك أو عن توحيدك، أو عن التذكر لنعمك وآيات
~~ألوهيتك ووحدتك.

# وفي «البحر» الذكر ما ذكر به الناس على ألسنة الأنبياء عليهم السلام أو
~~الكتب المنزلة أو القرآن، ولا يخفى ما في الأخير إذا قيل: بعموم الكفار
~~والمخبر عنهم في الآية وشمولهم كفار هذه الأمة وغيرهم { وكانوا } أي
~~في علمك الأزلي المتعلق بالأشياء على ما هي عليه في أنفسها أو بما سيصدر
~~عنهم فيما لا يزال باختيارهم وسوء استعدادهم من الأعمال السيئة { قوما
~~بورا } هالكين على أن { بورا } مصدر وصف به الفاعل مبالغة ولذلك
~~يستوي فيه الواحد والجمع، وأنشدوا:

# فلا تكفروا ما قد صنعنا إليكم

# وكافوا به فالكفر بور لصانعه

# وقول ابن الزبعرى:

# يا رسول المليك إن لساني

# راتق ما فتقت إذ أنا بور

# أو جمع بائر كعوذ في عائذ وتفسيره بهالكين رواه ابن جرير وغيره عن
~~مجاهد، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن
~~ذلك فقال: هلكى بلغة عمان وهم من اليمن، وقيل: بورا فاسدين في ms07468 لغة الأزد
~~ويقولون: أمر بائر أي فاسد وبارت البضاعة إذا فسدت. وقال الحسن: بورا لا
~~خير فيهم من قولهم: أرض بور أي متعطلة لا نبات فيها، وقيل: بورا عميا
~~عن الحق. والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله على ما قال أبو
~~السعود. / وقال الخفاجي: هي حال بتقدير قد أو معطوفة على مقدر أي كفروا
~~وكانوا أو على ما قبلها.

# وقد شنع الزمخشري بما ذكر من السؤال والجواب على أهل السنة فقال: فيه
~~كسر بين لقول من يزعم أن الله تعالى يضل عباده على الحقيقة حيث يقول
~~سبحانه للمعبودين من دونه: أأنتم أضللتم أم هم ضلوا بأنفسهم فيتبرؤن من
~~إضلالهم ويستعيذون به أن يكونوا مضلين ويقولون: بل أنت تفضلت من غير
~~سابقة على هؤلاء وآبائهم تفضل جواد كريم فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون
~~سبب الشكر سبب الكفر ونسيان الذكر وكان ذلك سبب هلاكهم فإذا برأت
~~الملائكة والرسل عليهم السلام أنفسهم من نسبة الإضلال الذي هو عمل
~~الشياطين إليهم واستعاذوا منه فهم لربهم الغني العدل أشد تبرئة وتنزيها
~~منه. ولقد نزهوه تعالى حين أضافوا إليه سبحانه التفضل بالنعمة والتمتيع
~~بها وأسندوا نسيان الذكر والتسبب به للبوار إلى الكفرة فشرحوا الإضلال
~~المجازي الذي أسنده الله تعالى إلى ذاته في قوله سبحانه:

# يضل من يشاء

# [الرعد: 27] ولو كان سبحانه هو المضل على الحقيقة لكان الجواب العتيد أن
~~يقولوا بل أنت أضللتهم انتهى.

# وأجاب صاحب «الفرائد» عن قوله: فيتبرؤن من إضلالهم الخ بأنهم إنما تبرؤا
~~لأنهم يستحقون العذاب بإضلالهم ولم يكن منهم فوجب عليهم أن يقولوا ذلك
~~ليندفع عنهم ما يستحقون به من العذاب وذلك أنهم مسؤولون عما يفعلون والله
~~عز وجل لا يسأل عما يفعل فيلحق بهم النقصان إن ثبت عليهم ولا يمكن لحوقه
~~به تعالى لأنه سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وعن قوله: ولقد نزهوه
~~حيث أضافوا الخ بأن قولهم { ولكن متعتهم } الخ لا ينافي
~~نسبة الإضلال إليه سبحانه على الحقيقة وأيضا ما يؤدي إلى الضلال إذا كان
~~منه ms07469 تعالى وكان معلوما له عز وجل أنهم يضلون به كان فيه ما في الإضلال
~~بالحقيقة فوجب على مذهبه أنه لا يجوز عليه سبحانه مع أنهم نسبوه إليه
~~سبحانه، وعن قوله: ولو كان تعالى هو المضل على الحقيقة لكان الجواب
~~العتيد أنت أضللتهم بأن هذا غير مستقيم لأنه تعالى ما سألهم إلا عن أحد
~~الأمرين وما ذكر لا يصلح جوابا له بل هو جواب لمن قال: من أضلهم انتهى.

# وذكر في «الكشف» جوابا عن الأخير أنه ليس السؤال عن تعيين من أضل لأنه
~~تعالى عالم به وإنما هو سؤال تقريع على نحو

# أأنت قلت للناس

# [المائدة: 116] فلو قالوا: أنت أضللتهم لم يطابق وإنما الجواب ما أجابوا
~~به كما أجاب عيسى عليه السلام بقوله:

# سبحانك ما يكون لي

# [المائدة: 16] إلخ وقد اقتدى بالإمام في ذلك، وذكر أيضا قبل هذا الجواب
~~أنه لو قيل: إن في { متعتهم وءاباءهم } ما يدل على أنه تعالى
~~الفاعل الحقيقي للإضلال وأنه لا ينسب إليه سبحانه أدبا لكان وجها ولا
~~ينبغي أن يكون ذلك بعد التسليم المقصود من الجواب بمتعتهم الخ بأن يكون
~~المراد الجواب بأنت أضللتهم لكن عدل عنه إلى ما في النظم الجليل أدبا
~~لأن الجواب بذلك مما لا يقتضيه السياق كما لا يخفى.

# وقال ابن المنير: إن جواب المسؤولين بما ذكر يدل على معتقدهم الموافق
~~لما عليه أهل الحق لأن أهل الحق يعتقدون أن الله تعالى وإن خلق لهم
~~الضلال إلا أن للعباد اختيارا فيه وعندهم أن كل فعل اختياري له نسبتان
~~إن نظر إلى كونه مخلوقا فهو منسوب إلى الله تعالى وإن نظر إلى كونه
~~مختارا للعبد فهو منسوب للعبد وهؤلاء المجيبون نسبوا النسيان أي
~~الانهماك في الشهوات الذي ينشأ عنه النسيان إلى الكفرة لأنهم اختاروه
~~لأنفسهم فصدقت نسبته إليهم ونسبوا السبب الذي اقتضى نسيانهم وانهماكهم في
~~الشهوات إلى الله تعالى وهو استدراجهم ببسط النعم عليهم (وصبها صبا) فلا
~~تنافي بين معتقد أهل الحق ومضمون ما قالوا في الجواب بل هما متواطئان على
~~أمر ms07470 واحد انتهى.

# ولا يخفى ما في بيان التوافق من النظر. وقد يقال: حيث كان المراد من
~~الاستفهام تقريع المشركين وعلم / المستفهمين بذلك مما لا ينبغي أن ينكر
~~لا سيما إذا كانوا الملائكة والأنبياء عليهم السلام جىء بالجواب متضمنا
~~ذلك على أتم وجه مشتملا على تحقق الأمر في منشأ ضلالهم كل ذلك للاعتناء
~~بمراده تعالى من تقريعهم وتبكيتهم ولذا لم يكتفوا في الجواب ب

# هم ضلوا

# [الفرقان: 17] بل افتتحوا بالتسبيح ثم نفوا عن أنفسهم الإضلال على وجه
~~من المبالغة ليس وراءه وراء ثم أفادوا أنهم ضلوا بعد تحقق ما ينبغي أن
~~يكون ذريعة لهم إلى الاهتداء من تمتيعهم بأنواع النعم وذلك من أقبح
~~الضلال ونبهوا على زيادة قبحه فوق ما ذكر بالتعبير عنه بنسيان الذكر ثم
~~ذكروا منشأ ضلالهم والأصل الأصيل فيه بقولهم: { وكانوا قوما
~~بورا } إما على معنى كانوا في نفس الأمر قوما فاسدين وإن شئت قلت
~~هالكين ونحوه مما تقدم فظهروا على حسب ما كانوا لأن ما في نفس الأمر لا
~~يتغير أو على معنى كانوا في العلم التابع للمعلوم في نفسه كذلك فظهروا
~~على حسب ذلك لئلا يلزم الانقلاب المحال، وحاصله أن منشأ ضلالهم فساد
~~استعدادهم في نفسه من غير مدخلية للغير في التأثير فيه وهذا شأن جميع
~~ماهيات الأشياء في أنفسها فإن مدخلية الغير إنما هي في نحو وجودها
~~الخارجي لا غير، وإلى هذا ذهب جمع من الفلاسفة والصوفية وشيد أركانه
~~الشيخ إبراهيم الكوراني عليه الرحمة في أكثر كتبه فإن كان مقبولا فلا
~~بأس في تخريج الآية الكريمة عليه فتدبر.

### || [25.19]

# وقوله تعالى: { فقد كذبوكم } حكاية لاحتجاجه تعالى على العبدة
~~بطريق تلوين الخطاب وصرفه عن المعبودين عند تمام جوابهم وتوجيهه إلى
~~العبدة مبالغة في تقريعهم وتبكيتهم على تقدير قول مرتب على الجواب أي
~~فقال الله تعالى عند ذلك: قد كذبكم المعبودون أيها الكفرة، وقال بعض
~~الأجلة: الفاء فصيحة مثلها في قول عباس بن الأحنف:

# قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا

# ثم القفول فقد جئنا خراسانا

# والتقدير هنا ms07471 قلنا أو قال تعالى إن قلتم إنهم آلهة فقد كذبوكم { بما
~~تقولون } أي في قولكم على أن الباء بمعنى في و(ما) مصدرية والجار
~~والمجرور متعلق بالفعل والقول بمعنى المقول، ويجوز أن تكون (ما) موصولة
~~والعائد محذوف أي في الذي تقولونه، وجوز أن تكون الباء صلة والمجرور بدل
~~اشتمال من الضمير المنصوب في { كذبوكم } والمراد بمقولهم أنهم آلهة
~~أو هؤلاء أضلونا، وتعقب بأن تكذيبهم في هذا القول لا تعلق له بما بعده من
~~عدم استطاعتهم للصرف والنصر أصلا وإنما الذي يستتبعه تكذيبهم في زعمهم
~~أنهم آلهتهم وناصروهم وفيه نظر كما سنشير إليه قريبا إن شاء الله تعالى.
~~وقيل: الخطاب للمعبودين أي فقد كذبكم العابدون أيها المعبودون في قولكم

# سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ من دونك من
~~أوليآء

# [الفرقان: 18] حيث زعموا أنكم آلهة، والمراد الحكم على أولئك المكذبين
~~بالكفر على وجه فيه استزادة غيظ المعبودين عليهم وجعله مفرعا عليه ما
~~سيأتي إن شاء الله تعالى. والفاء أيضا فصيحة، والجملة جزاء باعتبار
~~الإخبار، وقيل: هو خطاب للمؤمنين في الدنيا أي فقد كذبكم أيها المؤمنون
~~الكفرة في الدنيا فيما تقولونه من التوحيد وجىء بالكلام ليفرع عليه ما
~~بعد وكلا القولين كما ترى والثاني أبعدهما، وقرأ أبو حيوة { يقولون }
~~بالياء آخر الحروف وهي رواية عن ابن كثير وقنبل، والخطاب في {
~~كذبوكم } للعابدين وضمير الجمع فيه وفي { يقولون } للمعبودين
~~أي فقد كذبكم أيها العبدة المعبودون بزعمكم بقولهم

# سبحانك

# [الفرقان: 18] الخ والباء للملابسة أو الاستعانة، وفيه أيضا القولان
~~السابقان أي فقد كذبكم أيها المعبودون العبدة بقولهم إنكم آلهة أو فقد
~~كذبكم أيها المؤمنون الكفار في التوحيد بقولهم: إن هؤلاء المحكي عنهم
~~آلهة.

# / { فما تستطيعون } أي فما تملكون أيها العبدة { صرفا } أي
~~دفعا للعذاب عن أنفسكم بوجه من الوجوه كما يعرب عنه التنكير أي لا
~~بالذات ولا بالواسطة، وقيل: حيلة من قولهم: إنه ليتصرف في أموره أي يحتال
~~فيها، وقيل: توبة، وقيل: فدية والأول أظهر فإن أصل الصرف رد الشيء من
~~حالة إلى أخرى وإطلاقه على ms07472 الحيلة أو التوبة أو الفدية مجاز، والمراد فما
~~تملكون دفعا للعذاب قبل حلوله { ولا نصرا } أي فردا من أفراد
~~النصر أي العون لا من جهة أنفسكم ولا من جهة غيركم بعد حلوله، وقيل:
~~نصرا جمع ناصر كصحب جمع صاحب وليس بشيء.

# والفاء لترتيب عدم الاستطاعة على ما قبلها من التكذيب لكن لا على معنى
~~أنه لولاه لوجدت الاستطاعة حقيقة بل في زعمهم حيث كانوا يزعمون أنهم
~~يدفعون عنهم العذاب وينصرونهم وفيه ضرب تهكم بهم، والمراد من التكذيب
~~المرتب عليه ما ذكر تكذيبهم بقولهم إنهم آلهة، ويجوز أن يراد به تكذيبهم
~~بقولهم: هؤلاء أضلونا وهو متضمن نفي كونهم آلهة وبذلك يتم أمر الترتيب.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وأكثر السبعة { يستطيعون } بالياء
~~التحتية أي فما يستطيع آلهتكم دفعا للعذاب عنكم، وقيل حيلة لدفعه، وقيل
~~فدية عنكم ولا نصرا لكم، وقيل في معنى الآية على تقدير كون الخطاب
~~السابق للمؤمنين إنه سبحانه أراد أن هؤلاء الكفرة شديدو الشكيمة في
~~التكذيب الموجب للتعذيب فما تستطيعون أنتم صرفهم عنه ولا نصرا لكم فيما
~~يصيبهم مما يستوجبه من العذاب هذا على قراءة حفص { تستطيعون }
~~بالتاء الفوقية؛ وأما على قراءة الجماعة { يستطيعون } بالياء
~~فالمعنى ما يستطيعون صرفا لأنفسهم عما هم عليه ولا نصرا لها فيما
~~استوجبوه بتكذيبهم من العذاب أو فيما يستطيعون صرفكم عن الحق الذي أنتم
~~عليه ولا نصرا لأنفسهم من العذاب انتهى وهو كما ترى.

# { ومن يظلم } أي يكفر { منكم } أيها المكلفون ويعبد من دون الله
~~تعالى إلها آخر كهؤلاء الكفرة { نذقه } في الآخرة { عذابا
~~كبيرا } لا يقادر قدره وهو عذاب النار، وقرىء { يذقه } على أن الضمير
~~لله عز وجل، وقيل: لمصدر (يظلم) أي يذقه الظلم والإسناد مجازي، وتفسير
~~الظلم بالكفر هو المروي عن ابن عباس والحسن وابن جريج وأيد بأن المقام
~~يقتضيه فإن الكلام في الكفر ووعيده من مفتتح السورة، وجوز أن يراد به ما
~~يعم الشرك وسائر المعاصي والوعيد بالعذاب لا ينافي العفو بالنسبة إلى غير
~~المشرك لما حقق في موضعه. ms07473 واختار الطيبي التفسير الأول وجعل الخطاب
~~للكفار أيضا لأن الكلام فيهم من أول وقد سبق { فقد كذبوكم }
~~وهذه الآية لما يجري عليهم من الأهوال والنكال من لدن قوله تعالى:

# إذا رأتهم من مكان بعيد

# [الفرقان: 12] ومعنى { ومن يظلم } حينئذ ومن يدم على الظلم. وفي
~~«الكشف» الوجه أن الخطاب عام والظلم الكفر { ومن يظلم } مظهر أقيم
~~مقام المضمر تنبيها على توغلهم في الكفر وتجاوزهم حد الإنصاف والعدل إلى
~~محض الاعتساف والجدل فيما رموا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان
~~الأصل فلا يستطيعون صرفا ولا نصرا ونذيقهم عذابا كبيرا أو نذيقكم على
~~اختلاف القراءتين والحمل على من يدم على الظلم منكم ليختص الخطاب بالكفار
~~صحيح أيضا ولكن تفوته النكتة التي ذكرناها انتهى. ولا يخفى أن كونه من
~~إقامة المظهر مقام المضمر خلاف الظاهر فتأمل.

### || [25.20]

# { وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم
~~ليأكلون الطعام ويمشون فى الأسواق } قيل هو تسلية له
~~صلى الله عليه وسلم عن قولهم

# مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في
~~الأسواق

# [الفرقان: 7] بأن لك في سائر الرسل عليهم السلام / أسوة حسنة فإنهم
~~كانوا كذلك، وقال الزجاج: احتجاج عليهم في قولهم ذلك كأنه قيل كذلك كان
~~من خلا من الرسل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فكيف يكون محمد صلى الله
~~عليه وسلم بدعا من الرسل عليهم السلام. ورده الطيبي بأنه لا يساعد عليه
~~النظم الجليل لأنه قد أجيب عن تعنتهم بقوله تعالى:

# انظر كيف ضربوا لك الأمثال

# [الإسراء: 48] وتعقبه في «الكشف» بقوله: ولقائل أن يقول هذا جواب آخر
~~كما أجيب هنالك من أوجه على ما نقل عن الإمام وجعل قوله تعالى:

# بل كذبوا

# [الفرقان: 11] جوابا ثالثا وعقبه بقوله تعالى:

# وأعتدنا لمن كذب بالساعة

# [الفرقان: 11] لمكان المناسبة وتم الوعيد ثم أجابهم سبحانه جوابا آخر
~~يتضمن التسلية أيضا وهذا يساعد عليه النظم الجليل، والجملة التي بعد
~~(إلا) قيل صفة ثانية لموصوف مقدر قبل { من المرسلين } والمعنى ما
~~أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا آكلين وماشين.

# وتعقب بأن فيه الفصل ms07474 بين الموصوف والصفة بإلا وقد رده أكثر النحاة كما
~~في «المغني»، ومن هنا جعلها بعضهم صفة لموصوف مقدر بعد إلا وذلك بدل مما
~~حذف قبل وأقيمت صفته مقامه، والمعنى ما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين
~~إلا رجالا أو رسلا أنهم الخ، وفيه الفصل بين البدل والمبدل منه وهو
~~جائز عندهم. وقدر الفراء بعد إلا من وهي تحتمل أن تكون موصولة وأن تكون
~~نكرة موصوفة، وجعل بعضهم الجملة في محل نصب بقول محذوف وجملة القول صفة
~~أي إلا رجالا أو رسلا قيل إنهم الخ وهو كما ترى، وقال ابن الأنباري:
~~الجملة حالية والاستثناء من أعم الأحوال والتقدير إلا وإنهم. قال أبو
~~حيان: وهو المختار، وقدر الواو بناء على أن الاكتفاء في مثل هذه الجملة
~~الحالية بالضمير غير فصيح، وربما يختار عدم التقدير ويمنع دعوى عدم
~~الفصاحة أو يحمل ذلك على غير المقترن بإلا لأنه في الحقيقة بدل، ووجه كسر
~~إن وقوعها في الابتداء ووقوع اللام بعدها أيضا. وقرىء { أنهم }
~~بالفتح على زيادة اللام بعدها وتقدير جار قبلها أي لأنهم يأكلون الخ.
~~والمراد ما جعلناهم رسلا إلى الناس إلا لكونهم مثلهم، وقرأ علي كرم الله
~~تعالى وجهه وابن مسعود وعبد الرحمن بن عبد الله { يمشون } بتشديد الشين
~~المفتوحة مع ضم الياء مبنيا للمفعول أي يمشيهم حوائجهم أو الناس
~~والتضعيف للتكثير كما في قول الهذلي:

# يمشي بيننا حانوت خمر

# وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي كما في «البحر» { يمشون } بضم الياء والشين
~~مع التشديد مبنيا للفاعل وهو مبالغة يمشي المخفف فهي مطابقة للقراءة
~~المشهورة ولا يحتاج إلى تقدير يمشيهم حوائجهم ونحوه. وأنشدوا قوله:

# ومشى بأغصان المباءة وابتغى

# قلائص منها صعبة وذلول

# وقوله:

# فقد تركت خزينة كل وغد

# يمشي بين خاتام وطاق

# وفي بعض نسخ «الكشاف» ما يدل على أنه لم يظفر بهذه القراءة.

# وقوله تعالى: { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون
~~} قيل تسلية له صلى الله عليه وسلم أيضا لكن عن قولهم:

# أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة

# [الفرقان: 8] أي وجعلنا أغنياءكم أيها ms07475 الناس ابتلاء لفقرائكم لننظر هل
~~يصبرون { وكان ربك بصيرا } أي عالما بالصواب فيما يبتلى به
~~وغيره فلا يضيقن صدرك ولا تستخفنك أقاويلهم، وقيل تصبير له عليه الصلاة
~~والسلام على ما قالوه واستبدعوه من أكله الطعام ومشيه في الأسواق بعد
~~الاحتجاج عليهم بسائر الرسل، والكلام من تلوين الخطاب بتعميمه لسائر
~~الرسل عليهم السلام بطريق التغليب على ما اختاره بعضهم، والمراد بالبعض
~~الأول كفار الأمم واختصاصهم بالرسل مصحح لأن / يعدوا بعضا منهم وبالبعض
~~الثاني رسلهم على معنى جعلنا كل بعض معين من الأمم فتنة لبعض معين من
~~الرسل كأنه قيل وجعلنا كل أمة مخصوصة من الأمم الكافرة فتنة لرسولها
~~المعين. وإنما لم يصرح بذلك تعويلا على شهادة الحال، وحاصله جرت سنتنا
~~بموجب حكمتنا على ابتلاء المرسلين بأممهم وبمناصبتهم لهم العداوة وإطلاق
~~ألسنتهم فيهم بالأقاويل الخارجة عن حد الإنصاف وسلوكهم في أذاهم كل مسلك
~~لنعلم صبرهم أو هو خطاب للناس كافة على ما قيل وهو الظاهر، والبعض الأول
~~أعم من الكفار والأغنياء والأصحاء وغيرهم ممن يصلح أن يكون فتنة والبعض
~~الثاني أعم من الرسل والقراء والمرضى وغيرهم ممن يصلح أن يفتن. والكلام
~~عليه مفيد لتصبره صلى الله عليه وسلم على ما قالوه وزيادة، وقيل: المراد
~~بالبعض الأول من لا مال له من المرسلين وبالبعض الثاني أممهم ويدخل في
~~ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته دخولا أوليا فكأنه قيل جعلناك فتنة
~~لأمتك لأنك لو كنت صاحب كنوز وجنات لكان ميلهم إليك وطاعتهم لك للدنيا أو
~~ممزوجة بالدنيا وإنما بعثناك لا مال لك ليكون طاعة من يطيعك منهم خالصة
~~لوجه الله تعالى من غير طمع دنيوي وكذا حال سائر من لا مال له من
~~المرسلين مع أممهم والأظهر عموم الخطاب والبعضين وهو الذي تقتضيه الآثار
~~وإليه ذهب ابن عطية فقال: ذلك عام للمؤمن والكافر فالصحيح فتنة للمريض
~~والغنى فتنة للفقير والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس
~~الكفار في عصره وكذلك العلماء وحكام العدل، وقد تلا ابن القاسم هذه الآية
~~حين رأى أشهب انتهى. ms07476

# واختار ذلك أبو حيان. ولا يضر فيه خصوص سبب النزول. فقد روي عن الكلبي
~~أنها نزلت في أبي جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل ومن في طبقتهم
~~قالوا: إن أسلمنا وقد أسلم قبلنا عمار وصهيب وبلال وفلان وفلان ترفعوا
~~علينا إدلالا بالسابقة.

# والاستفهام إما في حيز التعليل للجعل ومعادله محذوف كما حذف فيما لا
~~يحصى من الأمثلة والتقدير لنعلم أتصبرون أم لا أي ليظهر ما في علمنا.
~~وقرينة تقدير العلم تضمن الفتنة إياه. وإما أن لا يكون في حيز التعليل
~~وليس هناك معادل محذوف بأن يكون للترغيب والتحريض والمراد اصبروا فإني
~~ابتليت بعضكم ببعض. ويجوز أن لا يقدر معادل على تقدير اعتبار التعليل
~~أيضا بأن يكون الخطاب للرسل عليهم السلام على ما سمعت. وجعل ابن عطية
~~الخطاب فيما سبق عاما وفي { أتصبرون } خاصا بالمؤمنين الذين جعل
~~إمهال الكفار فتنة لهم في ضمن العموم السابق وقدر معادلا فقال: كأنه جعل
~~إمهال الكفار فتنة للمؤمنين ثم وقفهم أتصبرون أم لا. وجعل قوله تعالى: {
~~وكان ربك بصيرا } وعدا للصابرين ووعيدا للعاصين. وجعله بعضهم
~~وعدا للرسول صلى الله عليه وسلم بالأجر الجزيل لصبره الجميل مع مزيد
~~تشريف له عليه الصلاة والسلام بالالتفات إلى اسم الرب مضافا إلى ضميره
~~صلى الله عليه وسلم. وجوز أن يكون وعيدا لأولئك المعاندين له عليه
~~الصلاة والسلام جىء به إتماما للتسلية أو التصبر وليس بذاك.

# واستدل بالآية على القضاء والقدر فإنها أفادت أن أفعال العباد كعداوة
~~الكفار وإيذائهم بجعل الله تعالى وإرادته والفتنة بمعنى الابتلاء وإن لم
~~تكن من أفعال العباد إلا أنها مفضية ومستلزمة لما هو منها، وفيه من
~~الخفاء ما فيه.

### || [25.21]

# وقوله تعالى: { وقال الذين لا يرجون لقاءنا } الخ شروع
~~في حكاية بعض آخر من أقاويلهم الباطلة وبيان بطلانها إثر حكاية إبطال
~~أباطيلهم السابقة وذكر ما يتعلق بذلك، والجملة معطوفة على قوله تعالى:

# وقالوا مال هذا الرسول

# [الفرقان: 7] إلى آخره، ووضع الموصول موضع الضمير للتنبيه بما في حيز
~~الصلة على أن ما يحكى عنهم من ms07477 الشناعة بحيث لا يصدر عمن يرجو لقاء الله
~~عز وجل، والرجاء في المشهور الأمل وقد فسر أحدهما بالآخر أكثر اللغويين،
~~وفي «فروق ابن هلال» الأمل رجاء يستمر ولذا قيل للنظر في الشيء إذا استمر
~~وطال تأمل، وقيل: الأمل يكون في الممكن والمستحيل والرجاء يخص الممكن.
~~وفي «المصباح» الأمل ضد اليأس وأكثر ما يستعمل فيما يبعد حصوله والطمع
~~يكون فيما قرب حصوله والرجاء بين الأمل والطمع فإن الراجي يخاف أن لا
~~يحصل مأموله ولذا استعمل بمعنى الطمع انتهى، وفسره أبو عبيدة وقوم
~~بالخوف، وقال الفراء: هذه الكلمة تهامية وهي أيضا من لغة هذيل إذا كان
~~مع الرجاء جحد ذهبوا به إلى معنى الخوف فيقولون: فلان لا يرجو ربه سبحانه
~~يريدون لا يخاف ربه سبحانه، ومن ذلك

# ما لكم لا ترجون لله وقارا

# [نوح: 13] أي لا تخافون لله تعالى عظمة وإذا قالوا: فلان يرجو ربه فهذا
~~على معنى الرجاء لا على معنى الخوف، وقال الشاعر:

# إذا لسعته النحل لم يرج لسعها

# وحالفها في بيت نوب عواسل

# وقال آخر:

# لا يرتجي حين يلاقي الذائدا

# أسبعة لاقت له أو واحدا

# انتهى، وذكر أن استعمال الرجاء في معنى الخوف مجاز لأن الراجي لأمر يخاف
~~فواته، وأصل اللقاء مقابلة الشيء ومصادفته وهو مراد من قال: الوصول إلى
~~الشيء لا المماسة ويطلق على الرؤية لأنها وصول إلى المرئي، ولقاؤه تعالى
~~هنا كناية عن لقاء جزائه يوم القيامة أو المراد ذلك بتقدير مضاف؛ والمعنى
~~على التفسير المشهور للرجاء وقال الذين لا يأملون لقاء جزائنا بالخير
~~والثواب على الطاعة لتكذيبهم بالبعث، وعلى التفسير الآخر وقال الذين لا
~~يخافون لقاء جزائنا بالشر والعقاب على المعصية لتكذيبهم بالبعث كذا قيل.
~~وقيل المراد به رؤيته تعالى في الآخرة والرجاء عليه بمعنى الأمل دون
~~الخوف إذ لا معنى لكون الرؤية مخوفة وهو خلاف الظاهر وإن لم يأبه ما بعد
~~إذ يكون المعنى عليه إن الذين لا يرجون رؤيتنا في الآخرة التي هي مظنة
~~الرؤية لكثير من الناس اقترحوا رؤيتنا في الدنيا التي ليست ms07478 مظنة لذلك.

# وقد يقال: نفي رجاء لقائه تعالى كناية عن إنكار البعث والحشر ولعله أولى
~~مما تقدم أي وقال الذين ينكرون البعث والحشر { لولا أنزل علينا
~~الملئكة } أي هلا أنزلوا علينا فيخبرونا بصدق محمد صلى الله عليه
~~وسلم { أو نرى ربنا } فيخبرنا بذلك كما روي عن ابن جريج وغيره
~~وفي طلب إنزال ملائكة للتصديق دون إنزال ملك إشارة إلى أنهم بلغوا في
~~التكذيب مبلغا لا ينفع معه تصديق ملك واحد وإذا اعتبرت أل في الملائكة
~~للاستغراق الحقيقي كانت الإشارة إلى قوة تكذيبهم أقوى، وتزداد القوة إذا
~~اعتبر في / { علينا } معنى كل واحد منا ولم يعتبر توزيع، ويشير أيضا
~~إلى قوة ذلك تعبيرهم بالمضارع الدال على الاستمرار التجددي في { أو
~~نرى ربنا } كأنهم لم يكتفوا برؤيته تعالى وإخباره سبحانه بصدق
~~رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يروه سبحانه ويخبرهم مرارا بذلك، ولا
~~يأبى قصد الاستمرار من المضارع كون الأصل في { لولا } التي للتحضيض
~~أو العرض أن تدخل على المضارع وما لم يكن مضارعا يؤول به، ولعل عدولهم
~~إلى الماضي في جانب إنزال الملائكة المعطوف عليه وإن كان في تأويل
~~المضارع على نحو ما قدمنا في تفسير قوله تعالى:

# لولا أنزل إليه ملك

# [الفرقان: 7] فتذكر فما في العهد من قدم.

# وقيل: المعنى لولا أنزل علينا الملائكة فيبلغون أمر الله تعالى ونهيه
~~بدل محمد صلى الله عليه وسلم أو نرى ربنا فيخبرنا بذلك من غير توسيط أحد.
~~ورجح الأول بأن السياق لتكذيبه صلى الله عليه وسلم وحاشاه ثم حاشاه من
~~الكذب والتعنت في طلب مصدق له عليه الصلاة والسلام لا لطلب من يفيدهم
~~الأمر والنهي سواه صلى الله عليه وسلم، ولا نسلم أن { لولا أنزل
~~علينا الملئكة } يتكرر عليه مع

# لولا أنزل إليه ملك

# [الفرقان: 7] السابق لظهور الفرق بين المطلوبين فيهما ولو فرض لزوم
~~التكرار بينهما فهو لا يضر كما لا يخفى. وانتصر للأخير بأن المقام ليس
~~إلا لذكر المكذبين وحكاية أباطيلهم الناشئة عن تكذيبهم. وقد عد فيما سبق
~~بعضا منها متضمنا تعنتهم ms07479 في طلب مصدق له صلى الله عليه وسلم فالأولى أن
~~يكون ما هنا حكاية نوع آخر منها ليكون أبعد عن التكرار وأدل على العناد
~~والاستكبار.

# ولعل قوله تعالى: { لقد استكبروا فى أنفسهم وعتوا
~~عتوا كبيرا } أنسب بما ذكر. ومعنى { استكبروا فى
~~أنفسهم } أوقعوا الاستكبار في شأنها وعدوها كبيرة الشأن، وفيه تنزيل
~~الفعل المتعدي منزلة اللازم كما في قوله:

# يجرح في عراقيبها نصلي

# والعتو تجاوز الحد في الظلم وهو المصدر الشائع لعتا، واللام واقعة في
~~جواب القسم أي والله لقد استكبروا في شأن أنفسهم وتجاوزوا الحد في الظلم
~~والطغيان تجاوزا كبيرا بالغا أقصى غايته حيث كذبوا الرسول عليه الصلاة
~~والسلام ولم ينقادوا لبشر مثلهم يوحى إليه في أمرهم ونهيهم ولم يكترثوا
~~بمعجزاته القاهرة وآياته الباهرة فطلبوا ما لا يكاد ترنوا إليه أحداق
~~الأمم وراموا ما لا يحظى به إلا بعض أولي العزم من الرسل صلى الله عليهم
~~وسلم.

# وقد فسر { استكبروا فى أنفسهم } بأضمروا الاستكبار وهو
~~الكفر والعناد في قلوبهم وهو أظهر مما تقدم وما تقدم أبلغ وأوفق لما
~~انتصر له. وكذا فسر العتو بالنبو عن الطاعة وما تقدم أبلغ وأوفق بذلك
~~أيضا. وفي تعقيب حكاية باطل أولئك الكفرة بالجملة القسمية إيذان بغاية
~~قبح ما هم عليه وإشعار بالتعجب من استكبارهم وعتوهم وهو من الفحوى في
~~الحقيقة ومثل ذلك شائع في الكلام تقول لمن جنى جناية: فعلت كذا وكذا
~~استعظاما وتعجبا منه؛ ويستعمل في سائر الألسنة وجعل الزمخشري من ذلك
~~قول مهلهل:

# وجارة جساس أبأنا بنابها

# كليبا غلت ناب كليب بواؤها

# والطيبي قوله تعالى:

# كبرت كلمة

# [الكهف: 5]، وتعقب بأن ذلك ليس من هذا القبيل لأن الثلاثي المحول إلى
~~فعل لفظا أو تقديرا موضوع للتعجب كما صرح به النحاة؛ وذكر الإمام مختار
~~القول الأول في تفسير { لولا أنزل } الخ أن هذه الجملة جواب لقولهم
~~{ لولا أنزل } الخ من عدة أوجه، أحدها: أن القرآن لما ظهر كونه
~~معجزا فقد ثبتت نبوته / صلى الله عليه وسلم فبعد ذلك لا يكون اقتراح هذه
~~الآيات إلا ms07480 محض استكبار. وثانيها: أن نزول الملائكة عليهم السلام لو حصل
~~لكان أيضا من جملة المعجزات ولا يدل على الصدق لخصوص كونه نزول الملك بل
~~لعموم كونه معجزا فيكون قبول ذلك ورد الآخر ترجيحا لأحد المثلين من غير
~~مرجح. وثالثها: أنهم بتقدير رؤية الرب سبحانه وتصديقه لرسوله صلى الله
~~عليه وسلم لا يستفيدون علما أزيد من تصديق المعجز إذ لا فرق بين أن يقول
~~النبي: اللهم إن كنت صادقا فأحي هذا الميت فيحييه عز وجل وبين أن يقول:
~~إن كنت صادقا فصدقني فيصدقه فتعيين أحد الطريقين محض العناد، ورابعها:
~~أن العبد ليس له أن يعترض على مولاه إما بحكم المالكية عند الأشعري أو
~~بحكم المصلحة عند المعتزلي، وخامسها: أن السائل الملح المعاند الذي لا
~~يرضى بما ينعم عليه مذموم وإظهار المعجز من جملة الأيادي الجسيمة فرد
~~إحداهما واقتراح الأخرى ليس من الأدب في شيء. وسادسها: لعل المراد أني لو
~~علمت أنهم ليسوا مستكبرين وعاتين لأعطيتهم مطلوبهم لكني علمت أنهم إنما
~~سألوا لأجل المكابرة والعناد فلا جرم لا أعطيهم، وسابعها: لعلهم عرفوا من
~~أهل الكتاب أن الله تعالى لا يرى في الدنيا وأنه لا ينزل الملائكة عليهم
~~السلام على عوام الخلق ثم أنهم علقوا إيمانهم على ذلك فهم مستكبرون
~~ساخرون انتهى وفيه ما لا يخلو عن بحث.

# واستدلت الأشاعرة بقوله تعالى: { لا يرجون لقاءنا } على أن رؤية
~~الله تعالى ممكنة. واستدلت المعتزلة بقوله سبحانه: { لقد
~~استكبروا... وعتو } على أنها ممتنعة ولا يخفى ضعف الاستدلالين.

### || [25.22]

# { يوم يرون الملئكة } استئناف مسوق لبيان ما يلقونه عند
~~مشاهدة الملائكة عليهم السلام بعد استعظام طلبهم إنزالهم عليهم وبيان
~~كونه في غاية الشناعة. وإنما قيل: { يوم يرون } دون أن يقال يوم
~~تنزل الملائكة إيذانا من أول الأمر بأن رؤيتهم لهم ليست على طريق
~~الإجابة إلى ما طلبوه بل على وجه آخر لم يمر ببالهم. { ويوم } منصوب
~~على الظرفية بما يدل عليه قوله تعالى: { لا بشرى يومئذ
~~للمجرمين } فإنه في معنى لا يبشر يومئذ المجرمون والعدول إلى نفي ms07481
~~الجنس للمبالغة في نفي البشرى فكأنه قيل لا يبشرون يوم يرون الملائكة،
~~وقدر بعضهم يمنعون البشرى أو يفقدونها والأول أبعد من احتمال توهم تهوين
~~الخطب، وقدر بعضهم لا بشرى قبل يوم وجعله ظرفا لذلك، وجوز أبو البقاء
~~تعلقه بيعذبون مقدرا لدلالة { لا بشرى } الخ عليه وكونه معمولا لا
~~ذكر مقدرا قال: أبو حيان وهو أقرب.

# وقال صاحب «الفرائد»: يمكن أن يكون منصوبا بينزل مضمرا لقولهم:

# لولا أنزل علينا الملئكة

# [الفرقان: 21] كأنه قيل ينزل الملائكة يوم يرونهم، ولا يقال: كيف يكون
~~وقت الرؤية وقتا للإنزال لأنا نقول: الظرف يحتمل ذلك لسعته واستحسنه
~~الطيبي فقال هو قول لا مزيد عليه لأنه إذا انتصب بينزل يلتئم الكلامان
~~لأن قوله تعالى: { يوم يرون } الخ نشر لقوله تعالى:

# لولا أنزل

# [الفرقان: 21] الخ، وقوله سبحانه:

# وقدمنا

# [الفرقان: 23] نشر لقوله عز وجل:

# أو نرى ربنا

# [الفرقان: 21] ولم يجوز الأكثرون تعلقه ببشرى المذكور لكونه مصدرا وهو
~~لا يعمل متأخرا وكونه منفيا بلا ولا يعمل ما بعدها فيما قبلها. و {
~~يومئذ } تأكيد للأول أو بدل منه أو خبر { وللمجرمين } تبيين متعلق
~~بمحذوف كما في سقيا له أو خبر ثان أو هو ظرف لما يتعلق به اللام أو لبشرى
~~إن قدرت منونة غير مبنية مع لا فإنها لا تعمل إذ لو عمل اسم لا طال وأشبه
~~المضاف فينتصب.

# وفي «البحر» ((احتمل بشرى أن يكون مبنيا مع لا واحتمل أن يكون في نية
~~التنوين منصوب اللفظ ومنع من الصرف للتأنيث اللازم فإن كان مبنيا مع لا
~~احتمل أن يكون الخبر { يومئذ } و { للمجرمين } خبر بعد خبر أو نعت
~~لبشرى أو متعلق بما تعلق به الخبر، وأن يكون { يومئذ } صفة لبشرى
~~والخبر { للمجرمين } ويجىء خلاف سيبويه / والأخفش هل الخبر لنفس
~~لا أو للمبتدأ الذي هو مجموع لا وما بنى معها. وإن كان في نية التنوين
~~وهو معرب جاز أن يكون { يومئذ } معمولا لبشرى وأن يكون صفة والخبر
~~{ للمجرمين } ، وجاز أن يكون { يومئذ } خبرا { وللمجرمين }
~~صفة، وجاز أن يكون { يومئذ } خبرا و { للمجرمين ms07482 } خبرا بعد
~~خبر والخبر إذا كان الاسم ليس مبنيا للا نفسها بالإجماع.

# وقال الزمخشري: يومئذ تكرير ولا يجوز ذلك سواء أريد بالتكرير التوكيد
~~اللفظي أم أريد به البدل لأن { يوم } منصوب بما تقدم ذكره من اذكر أو
~~من يفقدون وما بعد لا العاملة في الاسم لا يعمل فيه ما قبلها وعلى تقديره
~~يكون العامل فيه ما قبلها)) انتهى. ولا يخفى عليك ما في الاحتمالات التي
~~ذكرها. وأما ما اعترض به على الزمخشري فتعقب بأن الجملة المنفية معمولة
~~لقول مضمر وقع حالا من الملائكة التي هي معمول ليرون و { يرون } معمول
~~ليوم فلا وما في حيزها من تتمة الظرف الأول من حيث إنه معمول لبعض ما في
~~حيزه ومثله لا يعد محذورا مع أن كون لا لها الصدر مطلقا أو إذا بنى
~~معها اسمها ليس بمسلم عند جميع النحاة لأنها لكثرة دورها خرجت عن الصدارة
~~فتأمل، هذا ما وقفنا عليه للمتقدمين في إعراب الآية وما فيه من الجرح
~~والتعديل.

# وقال بعض العصريين: يجوز تعلق { يوم } بكبيرا وتقييد كبره بذلك
~~اليوم ليس لنفي كبره في نفسه بل لظهور موجبه في ذلك اليوم ونظيره لزيد
~~علم عظيم يوم يباحث الخصوم وتكون جملة { لا بشرى يومئذ
~~للمجرمين } استئنافا لبيان ذلك وهو كما ترى، وأيا ما كان
~~فالمراد بذلك اليوم على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يوم
~~الموت، وقال أبو حيان: الظاهر أنه يوم القيامة لقوله تعالى بعد:

# وقدمنا إلى ما عملوا

# [الفرقان: 23] الخ وفيه نظر.

# ونفي البشرى كناية عن إثبات ضدها كما أن نفي المحبة في مثل قوله تعالى:

# فإن الله لا يحب الكفرين

# [آل عمران: 32] كناية عن البغض والمقت فيدل على ثبوت النذرى لهم على
~~أبلغ وجه، والمراد بالمجرمين أولئك الذين لا يرجون لقاءه تعالى، ووضع
~~المظهر موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالإجرام مع ما هم عليه من الكفر
~~والعناد وإيذانا بعلة الحكم، ومن اعتبر المفهوم في مثله ادعى إفادة
~~الآية عدم تحقق الحكم في غيرهم، وقد دل قوله تعالى ms07483 في حق المؤمنين:

# تتنزل عليهم الملئكة ألا تخافوا ولا
~~تحزنوا وأبشروا

# [فصلت: 30] الخ على حصول البشرى لهم، وقيل: المراد بهم ما يعم العصاة
~~والكفار الذين لا يرجون لقاءه تعالى، ويفيد الكلام سلب البشرى عن الكفار
~~على أتم وجه لدلالته على أن المانع من حصول البشرى هو الإجرام ولا إجرام
~~أعظم من إجرام الذين لا يرجون لقاءه عز وجل ويقولون ما يقولون فهم أولى
~~به.

# ولا يتم استدلال المعتزلة بالآية عليه في نفي العفو والشفاعة للعصاة
~~لأنها لا تفيد النفي في جميع الأوقات فيجوز أن يبشر العصاة بما ذكر في
~~وقت آخر. وتعقب بأن الجملة قبل النفي لكونها اسمية تفيد الاستمرار فبعد
~~دخول النفي إرادة نفي استمرار البشرى للمجرمين بمعنى أن البشرى تكون لهم
~~لكن لا تستمر مما لا يظن أن أحدا يذهب إليه فيتعين إرادة استمرار النفي
~~كما في قوله تعالى في حق أضدادهم

# لا خوف عليهم ولا هم يحزنون

# [يونس: 62] فحينئذ لا يتسنى قوله: إنها لا تفيد النفي في جميع الأوقات،
~~فالأولى أن يراد بالمجرمين من سمعت حديثهم.

# { ويقولون } عطف على لا يبشرون أو يمنعون البشرى أو نحوه المقدر
~~قبل { يوم }. وجوز أن يكون عطفا على ما قبله باعتبار ما يفهم منه
~~كأنه قيل: يشاهدون أهوال القيامة ويقولون، وأن / يكون عطفا على {
~~يرون } وجملة { لا بشرى } حال بتقدير القول فلا يضر الفصل به،
~~وضمير الجمع على ما استظهره أبو حيان لأنهم المحدث عنهم وحكاه الطبرسي عن
~~مجاهد وابن جريج للذين لا يرجون أي ويقول أولئك الكفرة { حجرا
~~محجورا } وهي كلمة تقولها العرب عند لقاء عدو موتور أو هجوم نازلة
~~هائلة يضعونها موضع الاستعاذة حيث يطلبون من الله تعالى أن يمنع المكروه
~~فلا يلحقهم فكأن المعنى نسأل الله تعالى أن يمنع ذلك منعا ويحجره حجرا.

# وقال الخليل: كان الرجل يرى الرجل الذي يخاف منه القتل في الجاهلية في
~~الأشهر الحرم فيقول: حجرا محجورا أي حرام عليك التعرض لي في هذا الشهر
~~فلا يبدؤه بشر، وقال أبو عبيدة: هي عوذة للعرب ms07484 يقولها من يخاف آخر في
~~الحرم أو في شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة، وقال أبو علي الفارسي: مما
~~كانت العرب تستعمله ثم ترك قولهم حجرا محجورا، وهذا كان عندهم لمعنيين،
~~أحدهما: أن يقال عند الحرمان إذا سئل الإنسان فقال ذلك علم السائل أنه
~~يريد أن يحرمه، ومنه قول المتلمس:

# حنت إلي النخلة القصوى فقلت لها

# حجر حرام ألا تلك الدهاريس

# والمعنى الآخر الاستعاذة كان الإنسان إذا سافر فرأى ما يخاف قال: حجرا
~~محجورا أي حرام عليك التعرض لي انتهى. وذكر سيبويه { حجرا } من
~~المصادر المنصوبة غير المتصرفة وأنه واجب إضمار ناصبها، وقال: ويقول
~~الرجل للرجل أتفعل كذا فيقول: حجرا وهي من حجره إذا منعه لأن المستعيذ
~~طالب من الله تعالى أن يمنع المكروه من أن يلحقه والأصل فيه فتح الحاء،
~~وقرىء به كما قال أبو البقاء لكن لما خصوا استعماله بالاستعاذة أو
~~الحرمان صار كالمنقول فلما تغير معناه تغير لفظه عما هو أصله وهو الفتح
~~إلى الكسر وقد جاء فيه الضم أيضا وهي قراءة أبي رجاء والحسن والضحاك
~~ويقال فيه حجرى بألف التأنيث أيضا؛ ومثله في التغيير عن أصله قعدك الله
~~تعالى بسكون العين وفتح القاف، وحكي كسرها عن المازني وأنكره الأزهري
~~وقعيدك وهو منصوب على المصدرية، والمراد رقيبك وحفيظك الله تعالى ثم نقل
~~إلى القسم فقيل قعدك أو قعيدك الله تعالى لا تفعل، وأصله بإقعاد الله
~~تعالى أي إدامته سبحانه لك وكذا عمرك الله بفتح الراء وفتح العين وضمها
~~وهو منصوب على المصدرية ثم اختص بالقسم، وأصله بتعميرك الله تعالى أي
~~بإقرارك له بالبقاء، وما ذكر من أنه لازم النصب على المصدرية بفعل واجب
~~الإضمار اعترض عليه في «الدر المصون» بما أنشده الزمخشري:

# قالت وفيها حيدة وذعر

# عوذ بربي منكم وحجر

# فإنه وقع فيه مرفوعا، ووصفه بمحجورا للتأكيد كشعر شاعر وموت مايت وليل
~~أليل، وذكر أن مفعولا هنا للنسب أي ذو حجر وهو كفاعل يأتي لذلك، وقيل:
~~إنه على الإسناد المجازي وليس بذاك، والمعنى أنهم يطلبون نزول الملائكة ms07485
~~عليهم السلام وهم إذا رأوهم كرهوا لقاءهم أشد كراهة وفزعوا منهم فزعا
~~شديدا، وقالوا ما كانوا يقولونه عند نزول خطب شنيع وحلول بأس فظيع،
~~وقيل: ضمير { يقولون } للملائكة وروي ذلك عن أبي سعيد الخدري والضحاك
~~وقتادة وعطية ومجاهد على ما في «الدر المنثور» قالوا: إن الملائكة يقولون
~~للكفار حجرا محجورا أي حراما محرما عليكم البشرى أي جعلها الله تعالى
~~حراما عليكم.

# / وفي بعض الروايات أنهم يطلبون البشرى من الملائكة عليهم السلام
~~فيقولون ذلك لهم، وقال بعضهم: يعنون حراما محرما عليكم الجنة وحكاه في
~~«مجمع البيان» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: الغفران، وفي جعل
~~{ حجرا } نصبا على المفعولية لجعل مقدرا كما أشير إليه بحث، والظاهر
~~على ما ذكر أن إيراد هذه الكلمة للحرمان وهو المعنى الأول من المعنيين
~~اللذين ذكرهما الفارسي { ويقولون } على هذا القول قيل معطوف على ما
~~عطف عليه على القول بأن ضميره للكفرة، وقيل: معطوف على جملة يقولون
~~المقدرة قبل { لا بشرى } الواقعة حالا. وقال الطيبي: هو حال من {
~~الملئكة } بتقدير وهم يقولون نظير قولهم: قمت وأصك وجهه وعلى
~~الأول هو عطف على { يرون }.

### || [25.23]

# { وقدمنا } أي عمدنا وقصدنا كما روي عن ابن عباس وأخرجه ابن أبي
~~شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {
~~إلى ما عملوا } في الدنيا { من عمل } فخيم كصلة رحم وإغاثة
~~ملهوف وقرى ضيف ومن على أسير وغير ذلك من مكارمهم ومحاسنهم التي لو كانوا
~~عملوها مع الإيمان لنالوا ثوابها، والجار والمجرور بيان لما وصحة البيان
~~باعتبار التنكير كصحة الاستثناء في

# إن نظن إلا ظنا

# [الجاثية: 32] لكن التنكير ههنا للتفخيم كما أشرنا إليه. وجوز أن يكون
~~للتعميم ودفع ما يتوهم من العهد في الموصول أي عمدنا إلى كل عمل عملوه
~~خال عن الإيمان، ولعل الأول أنسب بقوله تعالى: { فجعلناه هباء }
~~مثل هباء في الحقارة وعدم الجدوى، وهو على ما أخرج عبد الرزاق والفريابي
~~وابن أبي حاتم عن علي كرم الله تعالى وجهه وهج الغبار يسطع ms07486 ثم يذهب.
~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه الشرر الذي
~~يطير من النار إذا اضطرمت، وفي رواية أخرى عنه أنه الماء المهراق. وعن
~~يعلى بن عبيد أنه الرماد. وأخرج جماعة عن مجاهد والحسن وعكرمة وأبي مالك
~~وعامر أنه شعاع الشمس في الكوة وكأنهم أرادوا ما يرى فيه من الغبار كما
~~هو المشهور عند اللغويين، قال الراغب: الهباء دقاق التراب وما انبث في
~~الهواء فلا يبدو إلا في أثناء ضوء الشمس في الكوة ويقال: هبا الغبار يهبو
~~إذا ثار وسطع، ووصف بقوله تعالى: { منثورا } مبالغة في إلغاء أعمالهم
~~فإن الهباء تراه منتظما مع الضوء فإذا حركته الريح تناثر وذهب كل مذهب
~~فلم يكف أن شبه أعمالهم بالهباء حتى جعل متناثرا لا يمكن جمعه والانتفاع
~~به أصلا، ومثل هذا الإرداف يسمى في البديع بالتتميم والإيغال، ومنه قول
~~الخنساء:

# أغر أبلج تأتم الهداة به

# كأنه علم في رأسه نار

# حيث لم يكفها أن جعلته علما في الهداية حتى جعلته في رأسه نار، وقيل:
~~وصف بالمنثور أي المتفرق لما أن أغراضهم في أعمالهم متفرقة فيكون جعل
~~أعمالهم هباء متفرقا جزاء من جنس العمل، وجوز أن يكون مفعولا بعد
~~مفعول لجعل وهو مراد من قال: مفعولا ثالثا لها على معنى جعلناه جامعا
~~لحقارة الهباء والتناثر، ونظير ذلك قوله تعالى:

# كونوا قردة خسئين

# [البقرة: 65] أي جامعين للمسخ والخسء، وفيه خلاف ابن درستويه حيث لم
~~يجوز أن يكون لكان خبران وقياس قوله: أن يمنع أن يكون لجعل مفعول ثالث،
~~ومع هذا الظاهر الوصفية، وفي الكلام استعارة تمثيلية حيث مثلت حال هؤلاء
~~الكفرة وحال أعمالهم التي عملوها / في كفرهم بحال قوم خالفوا سلطانهم
~~واستعصوا عليه فقدم إلى أشيائهم وقصد إلى ما تحت أيديهم فأفسدها وجعلها
~~شذر مذر ولم يترك لها من عين ولا أثر، واللفظ المستعار وقع فيه استعمال 
~~قدم  بمعنى عمد وقصد لاشتهاره فيه وإن كان مجازا كما يشير إليه كلام
~~«الأساس»، ويسمى القصد الموصل إلى المقصد قدوما لأنه مقدمته، وتضمن ms07487
~~التمثيل تشبيه أعمالهم المحبطة بالهباء المنثور بدون استعارة، فلا إشكال
~~على ما قيل، والكلام في ذلك طويل فليطلب من محله.

# وجعل بعضهم القدوم في حقه عز وجل عبارة عن حكمه، وقيل: الكلام على حذف
~~مضاف أي قدم ملائكتنا، وأسند ذلك إليه عز وجل لأنه عن أمره سبحانه، ونقل
~~عن بعض السلف أنه لا يؤول في قوله تعالى:

# وجاء ربك

# [الفجر: 22] وقوله سبحانه:

# هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من
~~الغمام

# [البقرة: 210] على ما هو عادتهم في الصفات المتشابهة، وقياس ذلك عدم
~~التأويل في الآية، ولعله من هنا قيل: إن تأويل الزمخشري لها بناء على
~~معتقده من إنكار الصفات، والقلب إلى التأويل فيها أميل.

# وأنت إن لم تؤول القدوم فلا بد لك أن تؤول جعلها هباء منثورا بإظهار
~~بطلانها بالكلية وإلغائها عن درجة الاعتبار بوجه من الوجوه، ولا يأبى
~~ذلك السلف.

### || [25.24]

# { أصحب الجنة } هم المؤمنون المشار إليهم في قوله تعالى:

# قل أذلك خير أم جنة الخلد التى وعد
~~المتقون

# [الفرقان: 15] { يومئذ } أي يوم إذ يكون ما ذكر من القدوم إلى
~~أعمالهم وجعلها هباء منثورا، أو من هذا وعدم التبشير، وقولهم: حجرا
~~محجورا { خير مستقرا } المستقر المكان الذي يستقر فيه في أكثر
~~الأوقات للتجالس والتحادث { وأحسن مقيلا } المقيل المكان الذي
~~يؤوى إليه للاسترواح إلى الأزواج والتمتع بمغازلتهن، سمي بذلك لأن التمتع
~~به يكون وقت القيلولة غالبا، وقيل: هو في الأصل مكان القيلولة  وهي
~~النوم نصف النهار  ونقل من ذلك إلى مكان التمتع بالأزواج لأنه يشبهه في
~~كون كل منهما محل خلوة واستراحة فهو استعارة، وقيل: أريد به مكان
~~الاسترواح مطلقا استعمالا للمقيد في المطلق فهو مجاز مرسل، وإنما لم
~~يبق على الأصل لما أنه لا نوم في الجنة أصلا. وأخرج ابن المبارك في
~~«الزهد» وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم
~~وصححه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لا ينتصف النهار من يوم القيامة
~~حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء، ثم قرأ { أصحب الجنة يومئذ
~~خير ms07488 مستقرا وأحسن مقيلا } وقرأ (إن مقيلهم لإلى
~~الجحيم) وأخذ منه بعضهم أن المراد بالمستقر موضع الحساب، وبالمقيل محل
~~الاستراحة بعد الفراغ منه، ومعنى يقيل هؤلاء يعني أصحاب الجنة ينقلون
~~إليها وقت القيلولة، وقيل: المستقر والمقيل في المحشر قبل دخول الجنة، أو
~~المستقر فيها والمقيل فيه. فقد أخرج ابن جرير عن سعيد الصواف قال: بلغني
~~أن يوم القيامة يقصر على المؤمن حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس،
~~وإنهم ليقيلون في رياض حتى يفرغ الناس من الحساب، وذلك قوله تعالى: {
~~أصحب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن
~~مقيلا } وفي وصفه بزيادة الحسن مع حصول الخيرية بعطفه على المستقر رمز
~~إلى أن لهم ما يتزين به من حسن الصور وغيره من التحاسين. فإن حسن المنزل
~~إن لم يكن باعتبار ما يرجع لصاحبه لم تتم المسرة به، والتفضيل المعتبر
~~فيهما المسرة إما لإرادة الزيادة على الإطلاق، أي هم في أقصى ما يكون من
~~خيرية المستقر وحسن المقيل وإما بالإضافة إلى ما للكفرة المتنعمين في
~~الدنيا / أو إلى ما لهم في الآخرة بطريق التهكم بهم.

# هذا وتفسير المستقر والمقيل بالمكانين حسبما سمعت هو المشهور وهو أحد
~~احتمالات تسعة، وذلك أنهم جوزوا أن يكون كلاهما اسم مكان أو اسم زمان أو
~~مصدرا وأن يكون الأول اسم مكان والثاني اسم زمان أو مصدرا وأن يكون
~~الأول اسم زمان والثاني اسم مكان أو مصدرا وأن يكون الأول مصدرا
~~والثاني اسم مكان أو اسم زمان. وما شئت تخيل في خيرية زمان أصحاب الجنة
~~وأحسنيته وكذا في خيرية استقرارهم وأحسنية استراحتهم يومئذ.

### || [25.25]

# { ويوم تشقق السماء بالغمم } العامل في { يوم }
~~إما اذكر أو ينفرد الله تعالى بالملك الدال عليه قوله تعالى:

# الملك يومئذ الحق للرحمن

# [الفرقان: 26] وقيل العامل ذاك بمعناه المذكور. وقيل: إنه معطوف على

# يومئذ

# [الفرقان: 24] أو

# يوم يرون

# [الفرقان: 22] و { تشقق } تتفتح والتعبير به دونه للتهويل. وأصله تتشقق
~~فحذفت إحدى التاءين كما في

# تلظى

# [الليل: 14] وقرأ الحرميان وابن عامر بإدغام التاء في الشين لما بينهما
~~من المقاربة؛ ms07489 والظاهر أن المراد بالسماء المظلة لنا وبالغمام السحاب
~~المعروف والباء الداخلة عليه باء السبب، أي تشقق السماء بسبب طلوع الغمام
~~منها، ولا مانع من أن تشقق به كما يشق السنام بالشفرة والله تعالى على كل
~~شيء قدير. وحديث امتناع الخرق على السماء حديث خرافة.

# وقيل: باء الحال وهي باء الملابسة. واستظهر بعضهم أي تشقق متغيمة. وقيل:
~~بمعنى عن وإليه ذهب الفراء، والفرق بين قولك انشقت الأرض بالنبات وانشقت
~~عنه أن معنى الأول أن الله تعالى شقها بطلوعه فانشقت به ومعنى الثانى أن
~~التربة ارتفعت عنه عند طلوعه، وقيل: المراد بالغمام غمام أبيض رقيق مثل
~~الضبابة ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. وأخرج ابن أبي حاتم عن
~~مجاهد أنه الغمام الذي يأتي الله تعالى فيه يوم القيامة المذكور في قوله
~~سبحانه:

# هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من
~~الغمام

# [البقرة: 210] قال ابن جريج: وهو غمام زعموا أنه في الجنة، وعن مقاتل أن
~~المراد بالسماء ما يعم السماوات كلها وتشقق سماء سماء، وروي ذلك عن ابن
~~عباس، فقد أخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في «الأهوال» وابن جرير
~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه رضي الله تعالى عنه أنه قرأ هذه الآية
~~إلى قوله تعالى: { ونزل الملئكة تنزيلا } أي تنزيلا
~~عجيبا غير معهود فقال: يجمع الله تعالى الخلق يوم القيامة في صعيد واحد
~~الجن والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق فتنشق السماء الدنيا
~~فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس وجميع الخلق فيحيطون
~~بجميعهم فتقول أهل الأرض: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا، ثم تنشق السماء
~~الثانية فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الدنيا ومن الجن والإنس
~~وجميع الخلق فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم والجن والإنس وجميع
~~الخلق ثم تنشق السماء الثالثة فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء
~~الثانية والدنيا وجميع الخلق فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم وبالجن
~~والإنس وجميع الخلق، ثم ينزل أهل السماء الرابعة وهم أكثر من أهل الثالثة
~~والثانية والأولى وأهل الأرض، ms07490 ثم ينزل أهل السماء الخامسة وهم أكثر ممن
~~تقدم، ثم أهل السماء السادسة كذلك، ثم أهل السماء السابعة وهم أكثر من
~~أهل السماوات وأهل الأرض، ثم ينزل ربنا في ظلل من الغمام وحوله الكروبيون
~~وهم أكثر من أهل السماوات السبع والإنس والجن وجميع الخلق لهم قرون ككعوب
~~القنا وهم تحت العرش لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتقديس لله تعالى ما
~~بين أخمص أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، ومن فخذه إلى ترقوته مسيرة
~~خمسمائة عام، ومن ترقوته إلى موضع القرط مسيرة خمسمائة عام وما فوق ذلك /
~~خمسمائة عام، ونزول الرب جل وعلا من المتشابه، وكذا قوله: «وحوله
~~الكروبيون» وأهل التأويل يقولون: المراد بذلك نزول الحكم والقضاء، فكأنه
~~قيل: ثم ينزل حكم الرب وحوله الكروبيون أي معه، وأما نزول الملائكة مع
~~كثرتهم وعظم أجسامهم فلا يمنع عنه ما يشاهد من صغر الأرض لأن الأرض يومئذ
~~تمتد بحيث تسع أهلها وأهل السماوات أجمعين، وسبحان من لا يعجزه شيء، ثم
~~الخبر ظاهر في أن الملائكة عليهم السلام لا ينزلون في الغمام، وذكر بعضهم
~~في الآية أن السماء تنفتح بغمام يخرج منها، وفي الغمام الملائكة ينزلون
~~وفي أيديهم صحائف الأعمال.

# وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء { ونزل } ماضيا مبنيا للفاعل مشددا، وعنه
~~أيضا «وأنزل» مبنيا للفاعل وجاء مصدره تنزيلا وقياسه إنزالا إلا أنه
~~لما كان معنى أنزل ونزل واحدا جاء مصدر أحدهما للآخر كما قال الشاعر:

# حتى تطويت انطواء الخصب

# كأنه قال: حتى انطويت، وقرأ الأعمش وعبد الله في نقل ابن عطية «وأنزل»
~~ماضيا رباعيا مبنيا للمفعول، وقرأ جناح بن حبيش والخفاف عن أبي عمرو
~~«ونزل» ثلاثيا مخففا مبنيا للفاعل، وقرأ أبو معاذ وخارجة عن أبي عمرو
~~«ونزل» بضم النون وشد الزاي وكسرها ونصب «الملائكة» وخرجها ابن جني بعد
~~أن نسبها إلى ابن كثير وأهل مكة على أن الأصل ننزل كما وجد في بعض
~~المصاحف فحذفت النون التي هي فاء الفعل تخفيفا لالتقاء النونين، وقرأ
~~أبي «ونزلت» ماضيا مشددا مبنيا للمفعول بتاء التأنيث. وقال صاحب
~~«اللوامح» ms07491 عن الخفاف عن أبي عمرو «ونزل» مخففا مبنيا للمفعول و
~~«الملائكة» بالرفع فإن صحت القراءة فإنه حذف منها المضاف وأقيم المضاف
~~إليه مقامه، والتقدير ونزل نزول الملائكة فحذف النزول ونقل إعرابه إلى
~~الملائكة بمعنى نزل نازل الملائكة لأن المصدر يكون بمعنى الاسم اه، وقال
~~الطيبي: قال ابن جني: نزل بالبناء للمفعول غير معروف لأن نزل لا يتعدى
~~إلى مفعول به ولا يقاس بجن حيث أنه مما لا يتعدى إلى المفعول فلا يقال
~~جنه الله تعالى بل أجنه الله تعالى، وقد بني للمفعول لأنه شاذ والقياس
~~عليه مرود فإما أن يكون ذلك لغة نادرة وإما أن يكون من حذف المضاف أي نزل
~~نزول الملائكة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه قال العجاج:

# حتى إذا اصطفوا له حذارا

# فحذارا منصوب مصدرا لا مفعولا به يريد اصطفوا له اصطفافا حذارا
~~ونزل نزول الملائكة على حذ قولك: هذا نزول منزول وصعود مصعود وضرب مضروب
~~وقريب منه، وقد قيل قول وقد خيف منه خوف فاعرف ذلك فإنه أمثل ما يحتج به
~~لهذه القراءة اه. وهو أحسن من كلام صاحب «اللوامح». وعن أبي عمرو أيضا
~~أنه قرأ { وتنزلت الملائكة } فهذه مع قراءة الجمهور وما في بعض المصاحف
~~عشرة قراءات وما كان منها بصيغة المضارع وجهه ظاهر، وأما ما كان بصيغة
~~الماضي فوجهه على ما قيل الإشارة إلى سرعة الفعل.

### || [25.26]

# { الملك يومئذ الحق للرحمن } أي السلطنة القاهرة
~~والاستيلاء الكلي العام الثابت صورة ومعنى ظاهرا وباطنا بحيث لا زوال
~~له ثابت للرحمن يوم إذ تشقق السماء وتنزل للملائكة، فالملك مبتدأ و {
~~الحق } صفته و { للرحمن } خبره و { يومئذ } ظرف لثبوت
~~الخبر للمبتدأ، وفائدة التقييد أن ثبوت الملك له تعالى خاصة يومئذ وأما
~~فيما عداه من أيام الدنيا فيكون لغيره عز وجل أيضا تصرف صوري في الجملة
~~واختار هذا بعض المحققين، ولعل أمر الفصل بين الصفة والموصوف بالظرف
~~المذكور سهل، وقيل: «الملك» مبتدأ و «يومئذ» متعلق به وهو بمعنى /
~~المالكية { والحق } خبره و { للرحمن } متعلق بالحق. وتعقب
~~بأنه ms07492 لا يظهر حينئذ نكتة إيراد المسند معرفا فإن الظاهر عليه أن يقال:
~~الملك يومئذ حق للرحمن. وأجيب بأن في تعلقه بما ذكر تأكيد لما يفيده
~~تعريف الطرفين، وقيل: هو متعلق بمحذوف على التبيين كما في سقيا لك
~~والمبين من له الملك، وقيل: متعلق بمحذوف وقع صفة للحق وهو كما ترى،
~~وقيل: «يومئذ» هو الخبر و «الحق» نعت للملك و «للرحم#1648;ن» متعلق به،
~~وفيه الفصل بين الصفة والموصوف بالخبر فلا تغفل. ومنعوا تعلق {
~~يومئذ } فيما إذا لم يكن خبرا بالحق وعللوا ذلك بأنه مصدر والمصدر
~~لا تتقدم عليه صلته ولو ظرفا وفيه بحث.

# والجملة على أكثر الاحتمالات السابقة في عامل

# يوم

# [الفرقان: 25] استئناف مسوق لبيان أحوال ذلك اليوم وأهواله، وإيراده
~~تعالى بعنوان الرحمانية للإيذان بأن اتصافه عز وجل بغاية الرحمة لا يهون
~~الخطب على الكفرة المشار إليه بقوله تعالى: { وكان يوما على
~~الكفرين عسيرا } أي وكان ذلك اليوم مع كون الملك فيه لله تعالى
~~المبالغ في الرحمة بعباده شديدا على الكافرين، والمراد شدة ما فيه من
~~الأهوال، وفسر الراغب العسير بما لا يتيسر فيه أمر؛ والجملة اعتراض
~~تذييلي مقرر لما قبله، وفيها إشارة إلى كون ذلك اليوم يسيرا للمؤمنين
~~وفي الحديث

# " إنه يهون على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة صلاها في
~~الدنيا ".

### || [25.27]

# { ويوم يعض الظلم على يديه } قال الطبرسي: العامل
~~في { يوم } اذكر محذوفا؛ ويجوز أن يكون معطوفا على ما قبله، والظاهر
~~أن أل في الظالم للجنس فيعم كل ظالم وحكى ذلك أبو حيان عن مجاهد وأبي
~~رجاء، وذكر أن المراد بفلان فيما بعد الشيطان، وقيل: لتعريف العهد،
~~والمراد بالظالم عقبة بن أبي معيط لعنه الله تعالى وبفلان أبي بن خلف،
~~فقد روي أنه كان عقبة بن أبي معيط لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما فدعا
~~عليه أهل مكة كلهم وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم ويعجبه
~~حديثه وغلب عليه الشقاء فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاما ثم دعا رسول
~~الله صلى ms07493 الله عليه وسلم إلى طعامه فقال: ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى
~~تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فقال: اطعم يا ابن أخي فقال صلى
~~الله عليه وسلم: ما أنا بالذي أفعل حتى تقول فشهد بذلك وطعم عليه الصلاة
~~والسلام من طعامه فبلغ ذلك أبي بن خلف فأتاه فقال: أصبوت يا عقبة وكان
~~خليله فقال: والله ما صبوت ولكن دخل علي رجل فأبى أن يطعم من طعامي
~~إلا أن أشهد له فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم فشهدت له فطعم
~~فقال: ما أنا بالذي أرضى عنك حتى تأتيه فتفعل كذا وذكر فعلا لا يليق إلا
~~بوجه القائل اللعين ففعل عقبة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا
~~ألقاك خارجا عن مكة إلا علوت رأسك بالسيف.

# وفي رواية إن وجدتك خارجا من جبال مكة أضرب عنقك صبرا فلما كان يوم
~~بدر وخرج أصحابه أبى أن يخرج فقال له أصحابه: اخرج معنا قال: قد وعدني
~~هذا الرجل إن وجدني خارجا من جبال مكة أن يضرب عنقي صبرا فقالوا: لك
~~جمل أحمر لا يدرك فلو كانت الهزيمة طرت عليه فخرج معهم فلما هزم الله
~~تعالى المشركين رحل به جمله في جدد من الأرض فأخذ أسيرا في سبعين من
~~قريش وقدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر عليا كرم الله تعالى
~~وجهه.

# / وفي رواية ثابت بن أبي الأفلح بأن يضرب عنقه فقال أتقتلني من بين
~~هؤلاء؟ قال: نعم قال: بم؟ قال: بكفرك وفجورك وعتوك على الله تعالى ورسوله
~~عليه الصلاة والسلام، وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم صرح له بما فعل
~~معه ثم ضربت عنقه، وأما أبي بن خلف فمع فعله ذلك قال: والله لأقتلن
~~محمدا صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال:
~~بل أقتله إن شاء الله تعالى فأفزعه ذلك وقال لمن أخبره: أنشدك بالله
~~تعالى أسمعته يقول ذلك؟ قال نعم فوقعت في نفسه لما علموا أن ms07494 رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم ما قال قولا إلا كان حقا فلما كان يوم أحد خرج مع
~~المشركين فجعل يلتمس غفلة النبي عليه الصلاة والسلام ليحمل عليه فيحول
~~رجل من المسلمين بين النبي عليه الصلاة والسلام وبينه فلما رأى ذلك رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: خلوا عنه فأخذ الحربة فرماه بها
~~فوقعت في ترقوته فلم يخرج منه دم كثير واحتقن الدم في جوفه فخر يخور كما
~~يخور الثور فأتى أصحابه حتى احتملوه وهو يخور فقالوا: ما هذا فوالله ما
~~بك إلا خدش فقال: والله لو لم يصبني إلا بريقه لقتلني أليس قد قال: أنا
~~أقتله، والله لو أن الذي بي بأهل ذي المجاز لقتلهم فما لبث إلا يوما أو
~~نحو ذلك حتى ذهب إلى النار فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروي هذا القول
~~عن ابن عباس وجماعة، وفي رواية أخرى عن ابن عباس أن الظالم أبي بن خلف
~~وفلان عقبة.

# وعض اليدين إما على ظاهره، وروي ذلك عن الضحاك وجماعة قالوا: يأكل يديه
~~إلى المرفق ثم تنبت ولا يزال كذلك كلما أكلها نبتت وإما كناية عن فرط
~~الحسرة والندامة، وكذا عض الأنامل والسقوط في اليد وحرق الأسنان والأرم
~~ونحوها لأنها لازمة لذلك في العادة والعرف وفي المثل يأكل يديه ندما
~~ويسيل دمعه دما، وقال الشاعر:

# أبى الضيم والنعمان يحرق نابه

# عليه فأفضى والسيوف معاقله

# والفعل عض على وزن فعل مكسور العين، وحكى الكسائي عضضت بفتح العين.

# { يقول يليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا } الجملة مع
~~موضع الحال من الظالم أو جملة مستأنفة أو مبينة لما قبلها و {
~~يليتنى } الخ مقول القول، ويا إما لمجرد التنبيه من غير قصد إلى
~~تعيين المنبه أو المنادى محذوف يا قومي ليتني، وأل في { الرسول } إما
~~للجنس فيعم كل رسول وإما للعهد فالمراد به رسول هذه الأمة محمد صلى الله
~~عليه وسلم والأول إذا كانت أل في الظالم للجنس والثاني إذا كانت للعهد،
~~وتنكير { سبيلا } إما للشيوع أو للوحدة وعدم تعريفه لادعاء ms07495 تعينه أي
~~يا ليتني اتخذت طريقا إلى النجاة أي طريق كان أو طريقا واحدا وهو طريق
~~الحق ولم تتشعب بي طرق الضلالة.

### || [25.28]

# { يا ويلتى } بقلب ياء المتكلم ألفا كما في صحارى، وقرأ الحسن
~~وابن قطيب (يا ويلتي) بكسر التاء والياء على الأصل، وقرأت فرقة بالإمالة،
~~قال أبو علي: وترك الإمالة أحسن لأن الأصل في هذه اللفظة الياء فأبدلت
~~الكسرة فتحة والياء ألفا فرارا من الياء فمن أمال رجع إلى الذي عنه فر
~~أولا، وأيا ما كان فالمعنى يا هلكتي تعالى واحضري فهذا أوانك {
~~ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا } أراد بفلان الشيطان أو من
~~أضله في الدنيا كائنا من كان أو أبيا ان كان الظالم عقبة، أو عقبة إن
~~كان الظالم أبيا وهو كناية عن علم مذكر وفلانة عن علم مؤنث، واشترط ابن
~~الحاجب في فلان أن يكون محكيا بالقول كما هنا، ورده في «شرح التسهيل»
~~بأنه سمع خلافه كثيرا كقوله:

# وإذا فلان مات عن أكرومة

# دفعوا معاوز فقره بفلان

# وتقدير القول فيه غير ظاهر، والفلان والفلانة كناية عن غير العاقل من
~~الحيوانات كما قال الراغب، وفل / وفلة كناية عن نكرة من يعقل فالأول
~~بمعنى رجل والثاني بمعنى امرأة، ووهم ابن عصفور وابن مالك. وصاحب
~~«البسيط» كما في «البحر» في قولهم: فل كناية عن العلم كفلان ويختص
~~بالنداء إلا ضرورة كما في قوله:

# في لجة أمسك فلان عن فل

# وليس مرخم فلان خلافا للفراء، واختلفوا في لام فل وفلان فقيل واو،
~~وقيل: ياء، وكنوا بهن بفتح الهاء وتخيف النون عن أسماء الأجناس كثيرا،
~~وقد كنى به عن الأعلام كما في قوله:

# والله أعطاك فضلا عن عطيته

# على هن وهن فيما مضى وهن

# فإنه على ما قال الخفاجي أراد عبد الله، وإبراهيم وحسنا. والخليل من
~~الخلة بضم الخاء بمعنى المودة أطلق عليها ذلك إما لأنها تتخلل النفس أي
~~تتوسطها، وأنشد:

# قد تخللت مسلك الروح مني

# وبه سمي الخليل خليلا

# وإما لأنها تخلها فتؤثر فيها تأثير السهم في الرمية، وإما لفرط الحاجة ms07496
~~إليها، وهذا التمني وإن كان مسوقا لابراز الندم والحسرة لكنه متضمن لنوع
~~تعلل واعتذار بتوريك جنايته إلى الغير.

### || [25.29]

# وقوله تعالى: { لقد أضلنى عن الذكر } تعليل لتمنيه
~~المذكور وتوضيح لتعلله، وتصديره باللام القسمية للمبالغة في بيان خطئه
~~وإظهار ندمه وحسرته أي والله لقد أضلني فلان عن ذكر الله تعالى أو عن
~~موعظة الرسول عليه الصلاة والسلام أو عن كلمة الشهادة أو عن القرآن {
~~بعد إذ جاءنى } أي وصل إلي وعلمته أو تمكنت منه فلا دلالة في
~~الآية على إيمان من أنزلت فيه ثم ارتداده { وكان الشيطن
~~للإنسن خذولا } مبالغا في الخذلان وهو ترك المعاونة والنصرة
~~وقت الحاجة ممن يظن فيه ذلك، والجملة اعتراض مقرر لمضمون ما قبله إما من
~~جهته تعالى أو من تمام كلام الظالم على أنه سمى خليله شيطانا بعد وصفه
~~بالإضلال الذي هو أخص الأوصاف الشيطانية أو على أنه أراد بالشيطان إبليس
~~لأنه الذي حمله على مخالة المضلين ومخالفة الرسول الهادي عليه الصلاة
~~والسلام بوسوسته وإغوائه فإن وصفه بالخذلان يشعر بأنه كان يعده في الدنيا
~~ويمنيه بأن ينفعه في الآخرة وهو أوفق لحال إبليس عليه اللعنة.

### || [25.30]

# { وقال الرسول } عطف على قوله تعالى:

# وقال الذين لا يرجون لقاءنا

# [الفرقان: 21] الخ وما بينهما اعتراض مسوق لاستعظام ما قالوه وبيان ما
~~يحيق بهم من الأهوال والخطوب، والمراد بالرسول نبينا صلى الله عليه وسلم
~~وشرف وعظم وكرم، وإيراده عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة لتحقيق الحق
~~والرد على نحورهم حيث كان ما حكى عنهم قدحا في رسالته صلى الله عليه
~~وسلم أي قالوا كيت وكيت وقال الرسول إثر ما شاهد منهم غاية العتو ونهاية
~~الطغيان بطريق البث إلى ربه عز وجل والشكوى عليهم { رب إن قومى }
~~الذين حكى عنهم ما حكى من الشنائع { اتخذوا هذا القرءان }
~~الجليل الشأن المشتمل على ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم { مهجورا } أي
~~متروكا بالكلية ولم يؤمنوا به ولم يرفعوا إليه رأسا ولم يتأثروا بوعيده
~~ووعده، فمهجورا من الهجر بفتح الهاء بمعنى الترك وهو الظاهر، وروي ذلك ms07497
~~عن مجاهد والنخعي وغيرهما.

# واستدل ابن الفرس بالآية على كراهة هجر المصحف وعدم تعاهده بالقراءة
~~فيه، وكأن ذلك لئلا يندرج من لم يتعاهد القراءة فيه تحت ظاهر / النظم
~~الكريم فإن ظاهره ذم الهجر مطلقا وإن كان المراد به عدم القبول لا عدم
~~الاشتغال مع القبول ولاما يعمهما فإن كان مثل هذا يكفي في الاستدلال فذاك
~~وإلا فليطلب دليل آخر للكراهة. وأورد بعضهم في ذلك خبرا وهو «من تعلم
~~القرآن وعلق مصحفه لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقا به
~~يقول: يا رب عبدك هذا اتخذني مهجورا اقض بيني وبينه» وقد تعقب هذا الخبر
~~العراقي بأنه روي عن أبي هدبة وهو كذاب، والحق أنه متى كان ذلك مخلا
~~باحترام القرآن والاعتناء به كره بل حرم وإلا فلا.

# وقيل: مهجورا من الهجر بالضم على المشهور أي الهذيان وفحش القول
~~والكلام على الحذف والإيصال أي جعلوه مهجورا فيه إما على زعمهم الباطل
~~نحو ما قالوا: إنه

# أساطير الأولين اكتتبها

# [الفرقان: 5] وإما بأن هجروا فيه ورفعوا أصواتهم بالهذيان لما قرىء لئلا
~~يسمع كما قالوا:

# لا تسمعوا لهذا القرءان والغوا فيه

# [فصلت: 26] وجوز أن يكون مصدرا من الهجر بالضم كالمعقول بمعنى العقل
~~والمجلود بمعنى الجلادة أي اتخذوه نفس الهجر والهذيان، ومجيء مفعول
~~مصدرا مما أثبته الكوفيون لكن على قلة، وفي هذه الشكوى من التخويف
~~والتحذير ما لا يخفى فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا شكوا إلى
~~الله تعالى قومهم عجل لهم العذاب ولم ينظروا.

# وقيل: إن { قال } الخ عطف على

# يعض الظلم

# [الفرقان: 27]، والمراد ويقول الرسول إلا أنه عدل إلى الماضي لتحقق
~~الوقوع مع عدم قصد الاستمرار التجددي المراد بمعونة المقام في بعض وإن
~~كان إخبارا عما في الآخرة.

# وحال عطفه على

# وكان الشيطن

# [الفرقان: 29] الخ على أنه من كلامه تعالى لا يخفى حالة، وقول الرسول
~~ذلك يوم القيامة وهو كالشهادة على أولئك الكفرة وليس بتخويف وإلى ذلك
~~ذهبت فرقة منهم أبو مسلم، والأول أنسب بقوله تعالى: { وكذلك
~~جعلنا لكل نبى عدوا من ms07498 المجرمين... }.

### || [25.31]

# { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين }
~~فإنه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحمل له على الاقتداء بمن قبله
~~من الأنبياء عليهم السلام، والبلية إذا عمت هانت، والعدو يحتمل أن يكون
~~واحدا وجمعا أي كما جعلنا لك أعداء من المشركين يقولون ما يقولون
~~ويفعلون ما يفعلون من الأباطيل جعلنا لكل نبي من الأنبياء الذين هم
~~أصحاب الشريعة والدعوة إليها عدوا من مرتكبي الجرائم والآثام ويدخل في
~~ذلك آدم عليه السلام لدخول الشياطين وقابيل في المجرمين ويكتفى بدخول
~~قابيل إن أريد بالمجرمين مجرمو الإنس أو مجرمو أمة النبي، وقيل: الكلية
~~بمعنى الكثرة، والمراد بجعل الأعداء جعل عداوتهم وخلقها وما ينشأ منها
~~فيهم لا جعل ذواتهم، ففي ذلك رد على المعتزلة في زعمهم إن خالق الشر غيره
~~تعالى شأنه.

# وقوله تعالى: { وكفى بربك هاديا ونصيرا } وعد كريم له
~~عليه الصلاة والسلام بالهداية إلى كافة مطالبه والنصر على أعدائه أي كفاك
~~مالك أمرك ومبلغك إلى الكمال هاديا لك إلى ما يوصلك إلى غاية الغايات
~~التي من جملتها تبليغ ما أنزل إليك وإجراء أحكامه في أكناف الدنيا إلى أن
~~يبلغ الكتاب أجله وناصرا لك عليهم على أبلغ وجه. وقدر بعضهم متعلق
~~«هاديا» إلى طريق قهرهم، وقيل: المعنى هاديا لمن آمن منهم ونصيرا لك
~~على غيره، وقيل: هاديا للأنبياء إلى التحرز عن عداوة المجرمين بالاعتصام
~~بحبله ونصيرا لهم عليهم وهو كما ترى. ونصب الوصفين على الحال أو
~~التمييز.

### || [25.32]

# { وقال الذين كفروا } حكاية لنوع آخر من أباطيلهم، والمراد
~~بهم المشركون كما صح عن ابن عباس وهم القائلون أولا، والتعبير عنهم
~~بعنوان الكفر لذمهم به والإشعار بعلة الحكم، وقيل: المراد بهم طائفة من
~~اليهود { لولا نزل عليه القرءان } أي أنزل عليه كخبر بمعنى
~~أخبر فلا قصد فيه إلى التدريج / لمكان { جملة وحدة } فإنه لو قصد
~~ذلك لتدافعا إذ يكون المعنى لولا فرق القرآن جملة واحدة والتفريق ينافي
~~الجملية، وقيل: عبر بذلك للدلالة على كثرة المنزل في نفسه، ونصب { جملة }
~~على الحال و ms07499 { وحدة } على أنه صفة مؤكدة له أي هلا أنزل القرآن عليه
~~عليه الصلاة والسلام دفعة غير مفرق كما أنزلت التوراة والإنجيل والزبور
~~على ما تدل عليه الأحاديث والآثار حتى كاد يكون إجماعا كما قال السيوطي
~~ورد على من أنكر ذلك من فضلاء عصره، فقول ابن الكمال إن التوراة أنزلت
~~منجمة في ثماني عشرة سنة ويدل عليه نصوص التوراة ولا قاطع بخلافه من
~~الكتاب والسنة ناشيء من نقصان الاطلاع.

# وهذا الاعتراض مما لا طائل تحته لأن الإعجاز مما لا يختلف بنزوله جملة
~~أو مفرقا مع أن للتفريق فوائد، منها ما ذكره الله تعالى بعد، وقيل: إن
~~شاهد صحة القرآن إعجازه وذلك ببلاغته وهي بمطابقته لمقتضى الحال في كل
~~جملة منه ولا يتيسر ذلك في نزوله دفعة واحدة فلا يقاس بسائر الكتب فإن
~~شاهد صحتها ليس الإعجاز. وفيه أن قوله: ولا يتيسر الخ ممنوع فإنه يجوز أن
~~ينزل دفعة واحدة مع رعاية المطابقة المذكورة في كل جملة لما يتجدد من
~~الحوادث الموافقة لها الدالة على أحكامها. وقد صح أنه نزل كذلك إلى
~~السماء الدنيا فلو لم يكن هذا لزم كونه غير معجز فيها ولا قائل به بل قد
~~يقال إن هذا أقوى في إعجازه والبليغ يفهم من سياق الكلام ما يقتضيه
~~المقام فافهم.

# { كذلك لنثبت به فؤادك } استئناف وارد من جهته تعالى لرد
~~مقالتهم الباطلة وبيان بعض الحكم في تنزيله تدريجا، ومحل الكاف نصب
~~على أنها صفة لمصدر مؤكد لمضمر معلل بما بعده، وجوز نصبها على الحالية، {
~~وذلك } إشارة إلى ما يفهم من كلامهم أي تنزيلا مثل ذلك التنزيل الذي
~~قدحوا فيه واقترحوا خلافه نزلناه لا تنزيلا مغايرا له أو نزلناه
~~مماثلا لذلك التنزيل لنقوى به فؤادك فإن في تنزيله مفرقا تيسيرا لحفظ
~~النظم وفهم المعاني وضبط الكلام والوقوف على تفاصيل ما روعي فيه من الحكم
~~والمصالح وتعدد نزول جبريل عليه السلام وتجدد إعجاز الطاعنين فيه في كل
~~جملة مقدار أقصر سورة تنزل منه، ولذلك فوائد غير ما ذكر أيضا، منها
~~معرفة ms07500 الناسخ المتأخر نزوله من المنسوخ المتقدم نزوله المخالف لحكمه
~~ومنها انضمام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية فإنه يعين على معرفة
~~البلاغة لأنه بالنظر إلى الحال يتنبه السامع لما يطابقها ويوافقها إلى
~~غير ذلك.

# وقيل: قوله تعالى: { كذلك } من تمام كلام الكفرة والكاف نصب على
~~الحال من القرآن أو الصفة لمصدر { نزل } المذكور أو لجملة، والإشارة إلى
~~تنزيل الكتب المتقدمة، ولام «لنثبت» لام التعليل والمعلل محذوف نحو ما
~~سمعت أولا أي نزلناه مفرقا لنثبت الخ، وقال أبو حاتم: هي لام القسم،
~~والتقدير والله لنثبتن فحذف النون وكسرت اللام وقد حكى ذلك عنه أبو حيان،
~~والظاهر أنها عنده كذلك على القولين في { كذلك }. وتعقبه بأنه قول
~~غاية الضعف وكأنه ينحو إلى مذهب الأخفش أن جواب القسم يتلقى بلام كي وجعل
~~منه

# ولتصغى إليه أفئدة

# [الأنعام: 113] الخ وهو مذهب مرجوح. وقرأ عبد الله «ليثبت» بالياء أي
~~ليثبت الله تعالى.

# وقوله تعالى: { ورتلناه ترتيلا } عطف على الفعل المحذوف
~~المعلل بما ذكر، وتنكير «ترتيلا» للتفخيم أي كذلك نزلناه ورتلناه
~~ترتيلا بديعا لا يقادر قدره، وترتيله تفريقه آية بعد آية قاله النخعي
~~والحسن وقتادة. وقال ابن عباس: بيناه بيانا فيه ترسل، وقال السدى:
~~فصلناه تفصيلا، وقال مجاهد: جعلنا بعضه إثر بعض، وقيل: هو الأمر بترتيل
~~قراءته بقوله تعالى:

# ورتل القرءان ترتيلا

# [المزمل: 4] وقيل: قرأناه عليك بلسان جبريل / عليه السلام شيئا فشيئا
~~في عشرين أو في ثلاث وعشرين سنة على تؤدة وتمهل وهو مأخوذ من قولهم: ثغر
~~مرتل أي مفلج الأسنان غير متلاصقها.

### || [25.33]

# { ولا يأتونك بمثل } من الأمثال التي من جملتها اقتراحاتهم
~~القبيحة الخارجة عن دائرة العقول الجارية لذلك مجرى الأمثال أي لا يأتونك
~~بكلام عجيب هو مثل في البطلان يريدون به القدح في نبوتك ويظهرونه لك {
~~إلا جئنك } في مقابلته { بالحق } أي بالجواب الحق الثابت
~~الذي ينحى عليه بالإبطال ويحسم مادة القيل والقال كما مر من الأجوبة
~~الحقة القالعة لعروق أسئلتهم الشنيعة الدامغة لها بالكلية، وقوله تعالى:
~~{ وأحسن تفسيرا } عطف على { الحق } أي جئناك بأحسن ms07501 تفسيرا
~~أي بما هو أحسن أو على محل { بالحق } أي استحضرنا لك وأنزلنا عليك
~~الحق وأحسن تفسيرا أي كشفا وبيانا على معنى أنه في غاية ما يكون من
~~الحسن في حد ذاته لا أن ما يأتون به له حسن في الجملة وهذا أحسن منه،
~~وهذا نظير قولهم: الله تعالى أكبر أي له غاية الكبرياء في حد ذاته وبعضهم
~~قدر مفضلا عليه فقال: أي وأحسن تفسيرا من مثلهم وحسنه على زعمهم أو هو
~~تهكم، وتعقب الأول بأنه يفوت عليه معنى التسلية لأن المراد لا يهلك ما
~~اقترحوه من قولهم:

# لولا أنزل عليه القرءان جملة

# [الفرقان: 32] فإن تنزيله مفرقا أحسن مما اقترحوه لفوائد شتى وفيه منع
~~ظاهر، وقيل: المراد بالتفسير المعنى، والمراد وأحسن معنى لأنه يقال:
~~تفسير كذا كذا أي معناه فهو مصدر بمعنى المفعول لأن المعنى مفسر كدرهم
~~ضرب الأمير، ورد بأن المفسر اسم مفعول هو الكلام لا المعنى لأنه يقال
~~فسرت الكلام لا معناه. وقال الطيبي: وضع التفسير موضع المعنى من وضع
~~السبب موضع المسبب لأن التفسير سبب لظهور المعنى وكشفه، وقيل عليه: إنه
~~فرق بين المعنى وظهوره فلا يتم التقريب وقد يكتفي بسببيته له في الجملة.

# وأيا ما كان فهو نصب على التمييز والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال
~~فالجملة في محل النصب على الحالية أي لا يأتونك بمثل في حال من الأحوال
~~أي إلا حال إنزالنا عليك واستحضارنا لك الحق وأحسن تفسيرا، وجعل ذلك
~~مقارنا لإتيانهم وإن كان بعده للدلالة على المسارعة إلى إبطال ما أتوا
~~به تثبيتا لفؤاده صلى الله عليه وسلم، وجوز أن يكون المثل عبارة عن
~~الصفة الغريبة التي كانوا يقترحون كونه عليه الصلاة والسلام عليها من
~~الاستغناء عن الأكل والشرب وحيازة الكنز والجنة ونزول القرآن عليه جملة
~~واحدة على معنى لا يأتوك بحالة عجيبة يقترحون اتصافك بها قائلين هلا كان
~~على هذه الحالة إلا أعطيناك نحن من الأحوال الممكنة ما يحق لك في حكمتنا
~~ومشيئتنا أن تعطاه وما هو أحسن، وتعقب بأنه يأباه الاستثناء المذكور ms07502 فإن
~~المتبادر منه أن يكون ما أعطاه الله تعالى من الحق مترتبا على ما أتوا
~~به من الأباطيل دامغا لها ولا ريب في أن ما أتاه الله تعالى من الملكات
~~السنية اللائقة بالرسالة قد أتاه من أول الأمر لا بمقابلة ما حكى عنهم من
~~الاقتراحات لأجل دمغها، وإبطالها.

# وأجيب بأن معنى { إلا جئنك } الخ على ذلك إلا أظهرنا فيك ما
~~يكشف عن بطلان ما أتوا به وهو كما ترى فالحق التعويل على الأول.

# والمشهور أن الإتيان والمجيء بمعنى لكن عبر أولا بالإتيان وثانيا
~~بالمجيء للتفنن وكراهة أن يتحد ما ينسب إليه عز وجل وما ينسب إليهم لفظا
~~مع كون ما أتوا به في غاية القبح والبطلان وما جاء به سبحانه في غاية
~~الحقية والحسن، وفرق الراغب بينهما فقال المجيء كالإتيان لكن المجيء أعم
~~لأن الإتيان مجيء بسهولة، ومنه قيل للسيل المار على وجهه أتي وأتاوي،
~~والإتيان قد يقال باعتبار القصد وإن لم يكن / منه الحصول والمجيء يقال
~~اعتبارا بالحصول، ولعل في التعبير بالإتيان أولا والمجيء ثانيا على
~~هذا إشارة إلى أن ما يأتون به من الأمثال في نفسه من الأمور التي تتخيل
~~بسهولة ولا تحتاج إلى إعمال فكر بخلاف ما يكون في مقابلته فإنه في نفسه
~~من الأمور العقلية التي صقلها الفكر فلا يجد أحد سبيلا إلى ردها والطعن
~~فيها أو إلى أن فعلهم لخروجه عن حيز القبول منزل منزلة العدم حتى كأنهم
~~لم يتحقق منهم القصد دون الحصول بخلاف ما كان من قبله عز وجل فتأمل والله
~~تعالى أعلم بأسرار كتابه.

### || [25.34]

# { الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم } أي
~~يحشرون ماشين على وجوههم. فقد روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم

# " يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف، صنفا مشاة وصنفا ركبانا
~~وصنفا على وجوههم قيل يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم؟ قال إن الذي
~~أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم أما إنهم يتقون
~~بوجوههم كل حدث وشوك "

# وهذا يحتمل ms07503 أن يكون بمس وجوههم وسائر ما في جهتها من صدورهم وبطونهم
~~ونحوها الأرض وأن يكون بنكسهم على رؤسهم، وجعل وجوههم إلى ما يلي الأرض
~~وارتفاع أقدامهم وسائر أبدانهم، ولعل الحديث أظهر في الأول، وقيل: إن
~~الملائكة عليهم السلام تسحبهم وتجرهم على وجوههم إلى جهنم والأمر عليه
~~ظاهر لا غرابة فيه، وقيل: الحشر على الوجه مجاز عن الذلة المفرطة والخزي
~~والهوان، وقيل: هو من قول العرب مر فلان على وجهه إذا لم يدر أين ذهب،
~~وقيل: الكلام كناية أو استعارة تمثيلية والمراد أنهم يحشرون متعلقة
~~قلوبهم بالسفليات من الدنيا وزخارفها متوجهة وجوههم إليها، ولعل كون هذه
~~الحال في الحشر باعتبار بقاء آثارها وإلا فهم هناك في شغل شاغل عن التوجه
~~إلى الدنيا وزخارفها وتعلق قلوبهم بها، ومحل الموصول قيل إما النصب
~~بتقدير أذم أو أعني أو الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين أو على
~~أنه مبتدأ.

# وقوله تعالى: { أولئك } بدل منه أو بيان له، وقوله تعالى: {
~~شر مكانا وأضل سبيلا } خبر له أو اسم الإشارة مبتدأ ثان و
~~{ شر } خبره، والجملة خبر الموصول، وقال صاحب «الفرائد»: يمكن أن يكون
~~الموصول بدلا من الضمير في

# يأتونك

# [الفرقان: 33] و { أولئك شر مكانا } كلام مستأنف، ولعل
~~الأقرب كون الموصول مبتدأ وما بعده خبره قال الطيبي: وذلك من باب كلام
~~المنصف وإرخاء العنان. وفصل { الذين يحشرون } عما قبله
~~استئنافا لأن التسلية السابقة حركت منه صلى الله عليه وسلم بأن يسأل
~~فإذا بماذا أجيبهم وما يكون قولي لهم؟ فقيل قل لهم الذين يحشرون على
~~وجوههم إلى جهنم الخ يعني مقصودكم من هذا التعنت تحقير مكاني وتضليل
~~سبيلي وما أقول لكم أنتم كذلك بل أقول الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم
~~شر مكانا وأضل سبيلا فانظروا بعين الإنصاف وتفكروا من الذي هو أولى
~~بهذا الوصف منا ومنكم لتعلموا أن مكانكم شر من مكاننا وسبيلكم أضل من
~~سبيلنا. وعليه قوله تعالى:

# إنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلل مبين

# [سبأ: 24] فالمكان الشرف والمنزلة. ويجوز ms07504 أن يراد به الدار والمسكن. {
~~وشر. وأضل } محمولان على التفضيل على طريقة قوله تعالى:

# قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من
~~لعنه الله وغضب عليه

# [المائدة: 60] وجعل صاحب «الفرائد» ذلك لإثبات كل الشر لمكانهم وكل
~~الضلال لسبيلهم. ووصف السبيل بالضلال من باب الإسناد المجازي للمبالغة
~~والآية على ما سمعت متصلة بما قبلها من قوله تعالى:

# ولا يأتونك

# [الفرقان: 33] الخ وقال الكرماني هي متصلة بقوله تعالى

# أصحاب الجنة يومئذ

# [الفرقان: 24] الآية قيل ويجوز أن تكون / متصلة بقوله سبحانه:

# وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين

# [الفرقان: 31] انتهى. وما ذكر أولا أبعد مغزى.

### || [25.35]

# وقوله تعالى: { ولقد ءاتينا موسى الكتب } الخ جملة
~~مستأنفة سيقت لتأكيد ما مر من التسلية والوعد بالهداية والنصر في قوله
~~تعالى:

# وكفى بربك هاديا ونصيرا

# [الفرقان: 31] على ما قدمناه بحكاية ما جرى بين من ذكر من الأنبياء
~~عليهم السلام وبين قومهم حكاية إجمالية كافية فيما هو المقصود. واللام
~~واقعة في جواب القسم أي وبالله تعالى لقد آتينا موسى التوراة أي أنزلناها
~~عليه بالآخرة، وقيل: المراد بالكتاب الحكم والنبوة ولا يخفى بعده {
~~وجعلنا معه } الظرف متعلق بجعلنا، وقوله تعالى: { أخاه }
~~مفعول أول له وقوله سبحانه: { هرون } بدل من { أخاه } أو عطف
~~بيان له وقوله عز وجل: { وزيرا } مفعول ثان له وتقدم معنى الوزير ولا
~~ينافي هذا قوله تعالى:

# ووهبنا له من رحمتنآ أخاه هارون نبيا

# [مريم: 53] لأنه وإن كان نبيا فالشريعة لموسى عليه السلام وهو تابع له
~~فيها كما أن الوزير متبع لسلطانه.

### || [25.36]

# { فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا
~~بئايتنا } هم فرعون وقومه والظاهر تعلق بآياتنا بكذبوا. والمراد
~~بها دلائل التوحيد المودعة في الأنفس والآفاق أو الآيات التي جاءت بها
~~الرسل الماضية عليهم السلام أو التسع المعلومة. والتعبير عن التكذيب
~~بصيغة الماضي على الاحتمالين الأولين ظاهر وعلى الأخير قيل: لتنزيل
~~المستقبل لتحققه منزلة الماضي. وتعقب بأنه لا يناسب المقام. وقال العلامة
~~أبو السعود: لم يوصف القوم لهما عند إرسالهما إليهم بهذا الوصف ضرورة
~~تأخر تكذيب ms07505 الآيات التسع عن إظهارها المتأخر عن ذهابهما المتأخر عن الأمر
~~به بل إنما وصفوا بذلك عند الحكاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بيانا
~~لعلة استحقاقهم لما يحكى بعده من التدمير وبحث فيه بما فيه تأمل، وجوز أن
~~يكون الظرف متعلقا باذهبا فمعنى { كذبوا } فعلوا التكذيب.

# { فدمرنهم تدميرا } عجيبا هائلا لا يقادر قدره ولا يدرك
~~كنهه والمراد به أشد الهلاك. وأصله كسر الشيء على وجه لا يمكن إصلاحه
~~والفاء فصيحة والأصل فقلنا اذهبا إلى القوم فذهبا إليهم ودعواهم إلى
~~الإيمان فكذبوهما واستمروا على ذلك فدمرناهم فاقتصر على حاشيتي القصة
~~اكتفاء بما هو المقصود. وقيل: معنى فدمرناهم فحكمنا بتدميرهم فالتعقيب
~~باعتبار الحكم وليس في الإخبار بذلك كثير فائدة. وقيل: الفاء لمجرد
~~الترتيب وهو كما ترى.

# وعطف { قلنا } على { جعلنا } المعطوف على

# آتينا

# [الفرقان: 35] بالواو التي لا تقتضي ترتيبا على الصحيح فيجوز تقدمه مع
~~ما يعقبه على إيتاء الكتاب فلا يرد أن إيتاء الكتاب وهو التوراة بعد هلاك
~~فرعون وقومه فلا يصح الترتيب والتعرض لذلك في مطلع القصة مع أنه لا مدخل
~~له في إهلاك القوم لما أنه بعد للإيذان من أول الأمر ببلوغه عليه السلام
~~غاية الكمال التي هي إنجاء بني إسرائيل من ملكة فرعون وإرشادهم إلى طريق
~~الحق بما في التوراة من الأحكام إذ به يحصل تأكيد الوعد بالهداية على
~~الوجه الذي ذكر سابقا.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والحسن ومسلمة بن محارب (فدمراهم) على
~~الأمر لموسى وهارون عليهما السلام.، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أيضا
~~كذلك إلا أنه مؤكد بالنون الشديدة، وعنه كرم الله تعالى وجهه { فدمرا }
~~أمرا لهما بهم بباء الجر وكأن ذلك من قبيل:

# تجرح في عراقيبها نصلي

# وحكى في «الكشاف» عنه أيضا كرم الله تعالى وجهه { فدمرتهم } بتاء
~~الضمير.

### || [25.37]

# { وقوم نوح } منصوب بمضمر يدل عليه قوله تعالى:

# فدمرنهم

# [الفرقان: 36] أي ودمرنا قوم نوح، وجوز الحوفي وأبو حيان كونه معطوفا
~~على مفعول { فدمرناهم }. ورد بأن تدمير / قوم نوح ليس مترتبا على تكذيب
~~فرعون وقومه ms07506 فلا يصح عطفه عليه. وأجيب بأنه ليس من ضرورة ترتب تدميرهم
~~على ما قبله ترتب تدمير هؤلاء عليه لا سيما وقد بين سببه بقوله تعالى: {
~~لما كذبوا الرسل } أي نوحا ومن قبله من الرسل عليهم السلام
~~أو نوحا وحده فإن تكذيبه عليه السلام تكذيب للكل لاتفاقهم على التوحيد
~~أو أنكروا جواز بعثة الرسل مطلقا، وتعريف الرسل على الأول عهدي، ويحتمل
~~أن يكون للاستغراق إذ لم يوجد وقت تكذيبهم غيرهم، وعلى الثاني استغراقي
~~لكن على طريق المشابهة والادعاء، وعلى الثالث للجنس أو للاستغراق
~~الحقيقي، وكأن المجيب أراد أن اعتبار العطف قبل الترتيب فيكون المرتب
~~مجموع المتعاطفين ويكفي فيه ترتب البعض. وقيل: المقصود من العطف التسوية
~~والتنظير كأنه قيل: دمرناهم كقوم نوح فتكون الضمائر لهم. والرسل نوح
~~وموسى وهارون عليهم السلام ولا يخفى ما فيه.

# واختار جمع كون منصوبا باذكر محذوفا، وقيل: هو منصوب بمضمر يفسره قوله
~~تعالى: { أغرقنهم } ويرجحه على الرفع تقدم الجمل الفعلية. ولا
~~يخفى أنه إنما يتسنى ذلك على مذهب الفارسي من كون  لما  ظرف زمان وأما
~~إذا كانت حرف وجود لوجود فلا لأن { أغرقنهم } حينئذ يكون جوابا
~~لها فلا يفسر ناصبا. ولعل أولى الأوجه الأول، و { أغرقنهم }
~~استئناف مبين لكيفية تدميرهم كأنه قيل: كيف كان تدميرهم؟ فقيل: أغرقناهم
~~بالطوفان { وجعلنهم } أي جعلنا إغراقهم أو قصتهم { للناس
~~ءاية } أي آية عظيمة يعتبر بها من شاهدها أو سمعها وهو مفعول ثان
~~لجعلنا و { للناس } متعلق به أو متعلق بمحذوف وقع حالا من { ءاية
~~} إذ لو تأخر عنها لكان صفة لها { وأعتدنا للظلمين
~~عذابا أليما } أي جعلناه معدا لهم في الآخرة أو في البرزخ أو
~~فيهما. والمراد بالظالمين القوم المذكورون، والإظهار في موقع الإضمار
~~للإيذان بتجاوزهم الحد في الكفر والتكذيب أو جميع الظالمين الذين لم
~~يعتبروا بما جرى عليهم من العذاب فيدخل في زمرتهم قريش دخولا أوليا.
~~ويحتمل العذاب الدنيوي وغيره.

### || [25.38]

# { وعادا } عطف على

# قوم نوح

# [الفرقان: 37] أي ودمرنا عادا أو واذكر عادا على ما قيل، ولا يصح أن
~~يكون ms07507 عطفا إذا نصب على الاشتغال لأنهم لم يغرقوا. وقال أبو إسحاق هو
~~معطوف على  هم  من

# وجعلنهم للناس ءاية

# [الفرقان: 37] ويجوز أن يكون معطوفا على محل

# الظلمين

# [الفرقان: 37] فإن الكلام بتأويل وعدنا الظالمين اه ولا يخفى بعد
~~الوجهين { وثمودا } الكلام فيه وفيما بعده كما فيما قبله. وقرأ عبد
~~الله وعمرو بن ميمون والحسن وعيسى { وثمود } غير مصروف على تأويل
~~القبيلة، وروي ذلك عن حمزة وعاصم والجمهور بالصرف، ورواه عبد بن حميد عن
~~عاصم على اعتبار الحي أو أنهم سموا بالأب الأكبر.

# { وأصحب الرس } عن ابن عباس هم قوم ثمود، ويبعده العطف لأنه
~~يقتضي التغاير، وقال قتادة: هم أهل قرية من اليمامة يقال لها الرس والفلج
~~قيل قتلوا نبيهم فهلكوا وهم بقية ثمود وقوم صالح، وقال كعب ومقاتل
~~والسدي: أهل بئر يقال له الرس بأنطاكية الشام قتلوا فيها صاحب يس وهو
~~حبيب النجار. وقيل: هم قوم قتلوا نبيهم ورسوه في بئر أي دسوه فيه، وقال
~~وهب والكلبي: أصحاب الرس وأصحاب الأيكة قومان أرسل إليهما شعيب، وكان
~~أصحاب الرس قوما من عبدة الأصنام وأصحاب آبار ومواش فدعاهم / إلى
~~الإسلام فتمادوا في طغيانهم وفي إيذائه عليه السلام فبينما هم حول الرس
~~وهي البئر غير المطوية كما روي عن أبي عبيدة انهارت بهم وبدارهم، وقال
~~علي كرم الله تعالى وجهه فيما نقله الثعلبي: هم قوم عبدوا شجرة يقال
~~لها: شاه درخت رسوا نبيهم في بئر حفروه له في حديث طويل، وقيل: هم أصحاب
~~النبي حنظلة بن صفوان كانوا مبتلين بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطير
~~وكان فيها من كل لون وسميت عنقاء لطول عنقها وكانت تسكن جبلهم الذي يقال
~~له فتح وتنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد ولإتيانها بهذا الأمر
~~الغريب سميت مغربا، وقيل: لأنها اختطفت عروسا، وقيل: لغروبها أي
~~غيبتها، وقيل: لأن وكرها كان عند مغرب الشمس، ويقال فيها عنقاء مغرب
~~بالتوصيف والإضافة مع ضم الميم وفتحها فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة
~~فهلكت ثم أنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا، وقيل: هم قوم ms07508 أرسل إليهم نبي
~~فأكلوة، وقيل: قوم نساؤهم سواحق وقيل: قوم بعث إليهم أنبياء فقتلوهم
~~ورسوا عظامهم في بئر، وقيل: هم أصحاب الأخدود والرس هو الأخدود. وفي
~~رواية عن ابن عباس أنه بئر أذربيجان. وقيل: الرس ما بين نجران إلى اليمن
~~إلى حضرموت. وقيل: هو ماء ونخل لبني أسد. وقيل: نهر من بلاد المشرق بعث
~~الله تعالى إلى أصحابه نبيا من أولاد يهوذا بن يعقوب فكذبوه فلبث فيهم
~~زمانا فشكا إلى الله تعالى منهم فحفروا له بئرا وأرسلوه فيه وقالوا:
~~نرجو أن ترضى عنا آلهتنا فكانوا عليه يومهم يسمعون أنين نبيهم فدعا
~~بتعجيل قبض روحه فمات وأظلتهم سحابة سوداء أذابتهم كما يذوب الرصاص.

# وروى عكرمة ومحمد بن كعب القرظي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أصحاب
~~الرس أخذوا نبيهم فرسوه في بئر وأطبقوا عليه صخرة فكان عبد أسود قد آمن
~~به يجيء بطعام إلى البئر فيعينه الله تعالى على تلك الصخرة فيرفعها
~~فيعطيه ما يغذيه به ثم يرد الصخرة على فم البئر إلى أن ضرب الله تعالى
~~على أذن ذلك الأسود فنام أربع عشرة سنة، وأخرج أهل القرية نبيهم فآمنوا
~~به في حديث طويل ذكر فيه أن ذلك الأسود أول من يدخل الجنة. وهذا إذا صح
~~كان القول الذي لا يمكن خلافه لكن يشكل عليه إيرادهم هنا. وأجاب عنه
~~الطبري بأنه يمكن أنهم كفروا بعد ذلك فأهلكوا فذكرهم الله تعالى مع من
~~ذكر من المهلكين، وملخص الأقوال أنهم قوم أهلكهم الله تعالى بتكذيب من
~~أرسل إليهم.

# { وقرونا } أي أهل قرون وتقدم الكلام في القرن { بين ذلك } أي
~~المذكور من الأمم، وللتعدد حسن (بين) من غير عطف { كثيرا } يطول
~~الكلام جدا بذكرها، ولا يبعد أن يكون قد علم رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم مقدارها، وقوله تعالى:

# ومنهم من لم نقصص عليك

# [غافر: 78] ليس نصا في نفي العلم بالمقدار كما لا يخفى. وفي «إرشاد
~~العقل السليم» لعل الاكتفاء في شؤون تلك القرون بهذا البيان الإجمالي لما
~~أن كل قرن منها لم ms07509 يكن في الشهرة وغرابة القصة بمثابة الأمم المذكورة.

### || [25.39]

# { وكلا } منصوب بمضر يدل عليه ما بعده فإن ضرب المثل في معنى
~~التذكير والتحذير. والمحذوف الذي عوض عنه التنوين عبارة إما عن الأمم
~~التي لم تذكر أسباب إهلاكهم وإما عن الكل فإن ما حكى عن فرعون وقومه وعن
~~قوم نوح عليه السلام تكذيبهم للآيات والرسل لا عدم التأثر من الأمثال
~~المضروبة أي ذكرنا وأنذرنا كل واحد من المذكورين { ضربنا له
~~الأمثال } أي بينا لكل القصص العجيبة الزاجرة عما هم عليه من الكفر
~~والمعاصي بواسطة الرسل عليهم السلام، وقيل: ضمير { له } للرسول عليه
~~الصلاة والسلام، والمعنى / وكل الأمثال ضربناه للرسول فيكون { كلا }
~~منصوبا بضربنا { والأمثال } بدلا منه على ما في «البحر»، وفيه أنه أبعد
~~من ذهب إلى ذلك، وعندي أنه مما لا ينبغي أن يفسر به كلام الله تعالى.

# وقوله تعالى: { وكلا } مفعول مقدم لقوله سبحانه: { تبرنا
~~تتبيرا } وتقديمه للفاصلة، وقيل: لإفادة القصر على أن المعنى كلا
~~لا بعضا، وتعقب بأن لفظ  كل  يفيد ذلك ويمكن توجيه ذلك بالعناية، وأصل
~~التتبير التفتيت، قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتته فقد تبرته ومنه التبر
~~لفتات الذهب والفضة. والمراد به التمزيق والإهلاك أي أهلكنا كل واحد منهم
~~إهلاكا عجيبا هائلا لما أنهم لم يتأثروا بذلك ولم يرفعوا له رأسا
~~وتمادوا على ماهم عليه من الكفر والعدوان.

### || [25.40]

# { ولقد أتوا } جملة مستأنفة مسوقة لبيان مشاهدة كفار قريش لآثار
~~هلاك بعض الأمم المتبرة وعدم اتعاظهم بها. وتصديرها بالقسم لتقرير
~~مضمونها اعتناء به. وأتى مضمن معنى مر لتعديه بعلى، والمعنى بالله لقد مر
~~قريش في متاجرهم إلى الشام. { على القرية التى أمطرت
~~مطر السوء } وهي سذوم وهي أعظم قرى قوم لوط سميت باسم قاضيها سذوم
~~بالذال المعجمة على ما صححه الأزهري واعتمده في «الكشف»، وفي المثل أجور
~~من سذوم أهلكها الله تعالى بالحجارة وهو المراد بمطر السوء وكذا أهلك
~~سائر قراهم وكانت خمسا إلا قرية واحدة وهي زغر لم يهلكها لأن أهلها لم
~~يعملوا العمل الخبيث كما روي ms07510 عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وإفراد
~~القرية بالذكر لما أشرنا إليه وانتصب { مطر } على أنه مفعول ثان
~~لأمطرت على معنى أعطيت أو أوليت أو على أنه مصدر مؤكد بحذف الزوائد أي
~~إمطار السوء كما قيل في

# أنبتكم من الأرض نباتا

# [نوح: 17]، وجوز أبو البقاء أن يكون صفة لمحذوف أي إمطارا مثل مطر
~~السوء وليس بشيء. وقرأ زيد بن علي (مطرت) ثلاثيا مبنيا للمفعول؛ ومطر
~~مما يتعدى بنفسه. وقرأ أبو السمال { مطر السوء } بضم السين.

# { أفلم يكونوا يرونها } توبيخ على تركهم التذكر عند مشاهدة
~~ما يوجبه. والهمزة لإنكار نفي استمرار رؤيتهم لها وتقرير استمرارها حسب
~~استمرار ما يوجبها من إتيانهم عليها لا لإنكار استمرار نفي رؤيتهم وتقرير
~~رؤيتهم لها، والفاء لعطف مدخولها على مقدر يقتضيه المقام أي ألم يكونوا
~~ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها أو أكانوا ينظرون إليها فلم يكونوا
~~يرونها في مرار مرورهم ليتعظوا بما كانوا يشاهدونه من آثار العذاب.
~~والمنكر في الأول [ترك] النظر وعدم الرؤية معا وفي الثاني عدم الرؤية مع
~~تحقق النظر الموجب لها عادة كذا في «إرشاد العقل السليم». ولم يقل: أفلم
~~يرونها مع أنه أخصر وأظهر قصدا لإفادة التكرار مع الاستمرار ولم يصرح في
~~أول الآية بنحو ذلك بأن يقال: ولقد كانوا يأتون بدل ولقد أتوا للإشارة
~~إلى أن المرور ولو مرة كاف في العبرة فتأمل.

# وقوله تعالى: { بل كانوا لا يرجون نشورا } إما إضراب عما
~~قبله من عدم رؤيتهم لآثار ما جرى على أهل القرى من العقوبة وبيان لكون
~~عدم اتعاظهم بسبب إنكارهم لكون ذلك عقوبة لمعاصيهم لا لعدم رؤيتهم
~~لآثارها خلا أنه اكتفى عن التصريح بإنكارهم ذلك بذكر ما يستلزمه من إنكار
~~الجزاء الأخروي وقد كنى عن ذلك بعدم رجاء النشور، والمراد بالرجاء التوقع
~~مجازا كأنه قيل: بل كانوا لا يتوقعون النشور المستتبع للجزاء الأخروي
~~وينكرونه ولا يرون لنفس من النفوس نشورا أصلا مع / تحققه حتما وشموله
~~للناس عموما واطراده وقوعا فكيف يعترفون بالجزاء الدنيوي في حق طائفة
~~خاصة مع عدم ms07511 الاطراد والملازمة بينه وبين المعاصي حتى يتذكروا ويتعظوا
~~بما شاهدوه من آثار الهلاك وإنما يحملونه على الاتفاق، وإما انتقال من
~~التوبيخ بما ذكر من ترك التذكير إلى التوبيخ بما هو أعظم منه من عدم رجاء
~~النشور، وحمل الرجاء على التوقع وعموم النشور أوفق بالمقام. وقيل: هو على
~~حقيقته أعنى انتظار الخير. والمراد بالنشور نشور فيه خير كنشور المسلمين.
~~وجوز أن يكون الرجاء بمعنى الخوف على لغة تهامة، والمراد بالنشور نشورهم
~~والكل كما ترى.

### || [25.41]

# { وإذا رأوك إن يتخذونك } أي ما يتخذونك { إلا
~~هزوا } على معنى ما يفعلون به إلا اتخاذك هزوا أي موضع هزو أو مهزوا
~~به فهزوا إما مصدر بمعنى المفعول مبالغة أو هو بتقدير مضاف وجملة { إن
~~يتخذونك } جواب { إذا } ، وهي كما قال أبو حيان وغيره تنفرد بوقوع
~~جوابها المنفي بأن ولا وما بدون فاء بخلاف غيرها من أدوات الشرط. وقوله
~~تعالى: { أهذا الذى بعث الله رسولا } مقول قول مضمر أي
~~يقول أهذا الخ. والجملة في موضع الحال من فاعل { يتخذونك } أو مستأنفة في
~~جواب ماذا يقولون؟ وجوز أن تكون الجواب وجملة { إن يتخذونك }
~~معترضة، وقائل ذلك أبو جهل ومن معه، وروي أن الآية نزلت فيه، والإشارة
~~للاستحقار كما في يا عجبا لابن عمرو هذا، وعائد الموصول محذوف أي بعثه و
~~{ رسولا } حال منه وهو بمعنى مرسل. وجوز أبو البقاء أن يكون مصدرا
~~حذف منه المضاف أي ذا رسول أي رسالة وهو تكلف مستغنى عنه، وإخراج بعث
~~الله تعالى إياه صلى الله عليه وسلم رسولا بجعله صلة وهم على غاية
~~الإنكار تهكم واستهزاء وإلا لقالوا: أبعث الله هذا رسولا. وقيل: إن ذلك
~~بتقدير أهذا الذي بعث الله رسولا في زعمه، وما تقدم أوفق بحال أولئك
~~الكفرة مع سلامته من التقدير.

### || [25.42]

# { إن كاد } إن مخففة من إن واسمها عند بعض ضمير الشأن محذوف أي إنه
~~كاد { ليضلنا عن ءالهتنا } أي ليصرفنا عن عبادتها صرفا
~~كليا بحيث يبعدنا عنها لا عن عبادتها فقط، والعدول إلى الإضلال لغاية
~~ضلالهم بادعاء ms07512 أن عبادتها طريق سوي. { لولا أن صبرنا عليها }
~~ثبتنا عليها واستمسكنا بعبادتها، و { لولا } في أمثال هذا الكلام يجري
~~مجرى التقييد للحكم المطلق من حيث المعنى دون اللفظ، وهذا اعتراف منهم
~~بأنه صلى الله عليه وسلم قد بلغ من الاجتهاد في الدعوة إلى التوحيد
~~وإظهار المعجزات وإقامة الحجج والبينات ما شارفوا به أن يتركوا دينهم
~~لولا فرط لجاجهم وغاية عنادهم، ولا ينافي هذا استحقارهم واستهزاءهم
~~السابق لأن هذا من وجه وذاك من وجه آخر زعموه سببا لذلك قاتلهم الله
~~تعالى. وقيل: إن كلامهم قد تناقض لاضطرابهم وتحيرهم فإن الاستفهام السابق
~~دال على الاستحقار وهذا دال على قوة حجته وكمال عقله صلى الله عليه وسلم
~~ففيما حكاه سبحانه عنهم تحميق لهم وتجهيل لاستهزائهم بما استعظموه. وقيل
~~عليه: إنه ليس بصريح في اعترافهم بما ذكر بل الظاهر أنه أخرج في معرض
~~التسليم تهكما كما في قولهم

# بعث الله رسولا

# [الفرقان: 41] وفيه منع ظاهر والتناقض مندفع كما لا يخفى.

# { وسوف يعلمون حين يرون العذاب } الذي يستوجبه كفرهم
~~وعنادهم { من أضل سبيلا } أي يعلمون جواب هذا على أن { من }
~~استفهامية مبتدأ و { أضل } خبرها والجملة في موضع مفعولي {
~~يعلمون } إن كانت / تعدت إلى مفعولين أو في موضع مفعول واحد إن كانت
~~متعدية إلى واحد أو يعلمون الذي هو أضل على أن (من) موصولة مفعول {
~~يعلمون } و(أضل) خبر مبتدأ محذوف والجملة صلة الموصول. وحذف صدر
~~الصلة وهو العائد لطولها بالتمييز، وكان أولئك الكفرة لما جعلوا دعوته
~~صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد إضلالا حيث قالوا { إن كاد
~~ليضلنا عن ءالهتنا } الخ والمضل لغيره لا بد أن يكون ضالا
~~في نفسه جيء بهذه الجملة ردا عليهم ببيان أنه عليه الصلاة والسلام هاد
~~لا مضل على أبلغ وجه فإنها تدل على نفي الضلال عنه صلى الله عليه وسلم
~~لأن المراد أنهم يعلمون أنهم في غاية الضلال لا هو ونفي اللازم يقتضي نفي
~~ملزومه فيلزمه أن يكون عليه الصلاة والسلام هاديا لا مضلا، وفي تقييد
~~العلم بوقت رؤية ms07513 العذاب وعيد لهم وتنبيه على أنه تعالى لا يهملهم وإن
~~أمهلهم.

### || [25.43]

# { أرءيت من اتخذ إلهه هواه } تعجيب لرسول الله صلى
~~الله عليه وسلم من شناعة حالهم بعد حكاية قبائحهم من الأقوال والأفعال
~~والتنبيه على ما لهم من المصير والمآل وتنبيه على أن ذلك من الغرابة بحيث
~~يجب أن يرى ويتعجب منه، والظاهر أن  رأى  بصرية و { من } مفعولها وهي
~~اسم موصول والجملة بعدها صلة، و { اتخذ } متعدية لمفعولين أولهما {
~~هواه } وثانيهما { إلهه } وقدم على الأول للاعتناء به من حيث
~~أنه الذي يدور عليه أمر التعجيب لا من حيث أن الإله يستحق التعظيم
~~والتقديم كما قيل أي أرأيت الذي جعل هواه إلها لنفسه بأن أطاعه وبنى
~~عليه أمر دينه معرضا عن استماع الحجة الباهرة وملاحظة البرهان النير
~~بالكلية على معنى انظر إليه وتعجب منه، وقال ابن المنير في تقديم المفعول
~~الثاني هنا نكتة حسنة وهي إفادة الحصر فإن الكلام قبل دخول (أرأيت.
~~واتخذ) الأصل فيه هواه إلهه على أن هواه مبتدأ خبره إلهه فإذا قيل إلهه
~~هواه كان من تقديم الخبر على المبتدأ وهو يفيد الحصر فيكون معنى الآية
~~حينئذ أرأيت من لم يتخذ معبوده إلا هواه وذلك أبلغ في ذمه وتوبيخه.

# وقال صاحب «الفرائد»: تقديم المفعول الثاني يمكن حيث يمكن تقديم الخبر
~~على المبتدأ والمعرفتان إذا وقعتا مبتدأ وخبرا فالمقدم هو المبتدأ فمن
~~جعل ما هنا نظير قولك: علمت منطلقا زيدا فقد غفل عن هذا، ويمكن أن
~~يقال: المتقدم ههنا يشعر بالثبات بخلاف المتأخر فتقدم { إلهه }
~~يشعر بأنه لا بد من إله فهو كقولك اتخذ ابنه غلامه فإنه يشعر بأن له
~~ابنا ولا يشعر بأن له غلاما فهذا فائدة تقديم إلهه على هواه. وتعقب ذلك
~~الطيبي فقال: لا يشك في أن مرتبة المبتدأ التقديم وأن المعرفتين أيهما
~~قدم كان المبتدأ لكن صاحب المعاني لا يقطع نظره عن أصل المعنى فإذا قيل:
~~زيد الأسد فالأسد هو المشبه به أصالة ومرتبته التأخير عن المشبه بلا نزاع
~~فإذا جعلته مبتدأ في قولك: ms07514 الأسد زيد فقد أزلته عن مقره الأصلي للمبالغة،
~~وما نعني بالمقدم إلا المزال عن مكانه لا القار فيه فالمشبه به ههنا
~~إلاله والمشبه الهوى لأنهم نزلوا أهواءهم في المتابعة منزلة الإله فقدم
~~المشبه به الأصلي وأوقع مشبها ليؤذن بأن الهوى في باب استحقاق العبادة
~~عندهم أقوى من الإله عز وجل كقوله تعالى:

# قالوا إنما البيع مثل الربوا

# [البقرة: 275] ولمح صاحب «المفتاح» إلى هذا المعنى في كتابه.

# وأما المثال الذي أورده صاحب «الفرائد» فمعنى قوله: اتخذ ابنه غلامه جعل
~~ابنه كالغلام يخدمه في مهنة أهله وقوله: اتخذ غلامه ابنه جعل غلامه كابنه
~~مكرما مدللا اه، وأنت تعلم ما في قوله: إن المعرفتين أيهما قدم كان
~~المبتدأ فإن الحق أن الأمر دائر مع القرينة والقرينة هنا قائمة على أن {
~~إلهه } الخبر وهي عقلية لأن المعنى على ذلك فلا حاجة إلى جعل ذلك
~~من التقديم المعنوي، وقال شيخ الإسلام: من توهم أنهما على الترتيب بناء
~~على / تساويهما في التعريف فقد زل عنه أن المفعول الثاني في هذا الباب هو
~~الملتبس بالحالة الحادثة؛ وفي ذلك رد على أبي حيان حيث أوجب كونهما على
~~الترتيب.

# ((ونقل عن بعض المدنيين أنه قرأ { ءالهة } منونة على الجمع وجعل ذلك
~~على التقديم والتأخير، والمعنى جعل كل جنس من هواه إلها، وذكر أيضا أن
~~ابن هرمز قرأ { إلهة } على وزن فعالة وهو أيضا من التقديم والتأخير أي
~~جعل هواه الهة بمعنى مألوهة أي معبودة والهاء للمبالغة فلذلك صرفت، وقيل:
~~بل الإلاهة الشمس ويقال ألاهة بضم الهمزة وهي غير مصروفة للعلمية
~~والتأنيث لكنها لما كانت مما يدخلها لام التعريف في بعض اللغات صارت
~~بمنزلة ما كان فيه اللام ثم نزعت فلذلك صرفت وصارت كالمنكر بعد التعريف
~~قاله صاحب «اللوامح»)) وهو كما ترى.

# والآية نزلت على ما قيل في الحرث بن قيس السهمي كان كلما هوى حجرا
~~عبده، وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: كان الرجل
~~يعبد الحجر الأبيض زمانا من الدهر في الجاهلية فإذا وجد ms07515 أحسن منه رمى به
~~وعبد الآخر فأنزل الله تعالى { أرأيت } الخ. وزعم بعضهم لهذا ونحوه
~~أن هواه بمعنى مهويه وليس بلازم كما لا يخفى. وأخرج ابن المنذر وابن أبي
~~حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية كلما هوى شيئا
~~ركبه وكلما اشتهى شيئا أتاه لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى فالآية شاملة
~~لمن عبد غير الله تعالى حسب هواه ولمن أطاع الهوى في سائر المعاصي وهو
~~الذي يقتضيه كلام الحسن، فقد أخرج عنه عبد بن حميد أنه قيل له: أفي أهل
~~القبلة شرك؟ فقال: نعم المنافق مشرك إن المشرك يسجد للشمس والقمر من دون
~~الله تعالى وإن المنافق عبد هواه ثم تلا هذه الآية، والمنافق عند الحسن
~~مرتكب المعاصي كما ذكره غير واحد من الأجلة. وقد أخرج الطبراني وأبو نعيم
~~في «الحلية» عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله تعالى أعظم عند الله عز وجل
~~من هوى يتبع "

# ولا يكاد يسلم على هذا من عموم الآية إلا من اتبع ما اختاره الله تعالى
~~لعباده وشرعه سبحانه لهم في كل ما يأتي ويذر، وعليه يدخل الكافر فيما ذكر
~~دخولا أوليا.

# { أفأنت تكون عليه وكيلا } استئناف مسوق لاستبعاد كونه
~~صلى الله عليه وسلم حفيظا على هذا المتخذ يزجره عما هو عليه من الضلال
~~ويرشده إلى الحق طوعا أو كرها وإنكار له، والفاء لترتيب الإنكار على ما
~~قبله من الحالة الموجبة له كأنه قيل: أبعد ما شاهدت غلوه في طاعة الهوى
~~تعسره على الانقياد إلى الهدى شاء أو أبى، وجوز أن تكون رأى علمية وهذه
~~الجملة في موضع المفعول الثاني وليس بذاك.

### || [25.44]

# وقوله تعالى: { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو
~~يعقلون } إضراب وانتقال عن الإنكار المذكور إلى إنكار حسبانه صلى
~~الله عليه وسلم إياهم ممن يسمع أو يعقل حسبما ينبىء عنه جده عليه الصلاة
~~والسلام في الدعوة واهتمامه ms07516 بالإرشاد والتذكير على معنى أنه لا ينبغي أن
~~يقع أي بل أتحسب أن أكثرهم يسمعون حق السماع ما تتلو عليهم من الآيات
~~القرآنية أو يعقلون ما أظهر لهم من الآيات الآفاقية والأنفسية فتعتني في
~~شأنهم وتطمع في إيمانهم، ولما كان الدليل السمعي أهم نظرا للمقام من
~~الدليل العقلي قيل: { يسمعون أو يعقلون } وقيل: المعنى بل
~~أتحسب أن أكثرهم يسمعون حق السماع ما تتلو عليهم من الآيات أو يعقلون ما
~~في تضاعيفها من المواعظ الزاجرة عن القبائح الداعية إلى المحاسن فتجتهد
~~في دعوتهم وتهتم / بإرشادهم وتذكيرهم ولعل ما قلناه أولى فتدبر. وأيا ما
~~كان فضمير { أكثرهم } لمن باعتبار معناه وضمير

# عليه

# [الفرقان: 43] له أيضا باعتبار لفظه واختير الجمع هنا لمناسبة إضافة
~~الأكثر لهم وأفرد فيما قبله لجعلهم في اتفاقهم على الهوى كشيء واحد،
~~وقيل: ضمير { أكثرهم } للكفار لا لمن لأن قوله: { تعالى } عليه
~~يأباه وليس بشيء، وضميرا الفعلين للأكثر لا لما أضيف إليه، وتخصيص الأكثر
~~لأن منهم من سبقت له العناية الأزلية بالإيمان بعد الاتخاذ المذكور،
~~ومنهم من سمع أو عقل لكنه كابر استكبارا وخوفا على الرياسة.

# وقوله تعالى: { إن هم إلا كالأنعم } الخ جملة مستأنفة
~~لتقرير النكير وتأكيده وحسم مادة الحسبان بالمرة والضمير للأكثر أو لمن،
~~واكتفى عن ذكر الأكثر بما قبله أي ما هم في عدم الانتفاع بما يقرع آذانهم
~~من قوارع الآيات وانتفاء التدبر بما يشاهدونه من الدلائل البينات إلا
~~كالبهائم التي هي مثل في الغفلة وعلم في الضلالة { بل هم أضل }
~~منها { سبيلا } لما أنها تنقاد لصاحبها الذي يتعهدها وتعرف من يحسن
~~إليها ومن يسىء إليها وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها وتهتدي لمراعيها
~~ومشاربها وتأوي إلى معاطنها ومرابضها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم سبحانه
~~وخالقهم ورازقهم ولا يعرفون إحسانه تعالى إليهم من إساءة الشيطان المزين
~~لهم اتباع الشهوات الذي هو عدو مبين ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم
~~المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك ولا يهتدون للحق
~~الذي هو المشرع الهني والمورد العذب الروي، ms07517 ولأنها إن لم تعتقد حقا
~~مستتبعا لاكتساب الخير لم تعتقد باطلا مستوجبا لاقتراف الشر بخلاف
~~هؤلاء حيث مهدوا قواعد الباطل وفرعوا عليها أحكام الشرور ولأن أحكام
~~جهالتها وضلالتها مقصورة على أنفسها لا تتعدى إلى أحد وجهالة هؤلاء مؤدية
~~إلى ثوران الفتنة والفساد وصد الناس عن سنن السداد وهيجان الهرج والمرج
~~فيما بين العباد ولأنها غير معطلة لقوة من القوى المودعة فيها بل صارفة
~~لها إلى ما خلقت له فلا تقصير من قبلها في طلب الكمال وأما هؤلاء فهم
~~معطلون لقواهم العقلية مضيعون للفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها.

# واستدل بالآية على أن البهائم لا تعلم ربها عز وجل، ومن ذهب إلى أنها
~~تعلمه سبحانه وتسبحه كما هو مذهب الصوفية وجماعة من الناس قال: إن هذا
~~خارج مخرج الظاهر، وقيل: المراد إن هم إلا كالأنعام في عدم الانتفاع
~~بالآيات القرآنية والدلائل الأنفسية والآفاقية فإن الأنعام كذلك والعلم
~~بالله تعالى الحاصل لها ليس استدلاليا بل هو فطري، وكونهم أضل سبيلا من
~~الأنعام من حيث إنها رزقت علما بربها تعالى فهي تسبحه عز وجل به وهؤلاء
~~لم يرزقوا ذلك فهم في غاية الضلالة.

### || [25.45]

# وقوله تعالى: { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } الخ
~~بيان لبعض دلائل التوحيد إثر بيان جهالة المعرضين عنها وضلالهم، والخطاب
~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم والهمزة للتقرير والرؤية بصرية لأنها التي
~~تتعدى بإلى، وفي الكلام مضاف مقدر حذف وأقيم المضاف إليه مقامه أي ألم
~~تنظر إلى صنع ربك لأنه ليس المقصود رؤية ذات الله عز وجل، وكون  إلى 
~~اسما واحد الآلاء وهي النعم بعيد جدا، وجوز أن تكون علمية وليس هناك
~~مضاف مقدر وتعديتها بإلى لتضمين معنى الانتهاء أي ألم ينته علمك إلى أن
~~ربك كيف مد الظل والأول أولى.

# وذكر بعض الأجلة أنه يحتمل أن يكون حق التعبير ألم تر إلى الظل كيف مده
~~ربك فعدل عنه إلى ما في النظم الجليل / إشعارا بأن المعقول المفهوم من
~~هذا الكلام لوضوح برهانه وهو دلالة حدوثه وتصرفه على ms07518 الوجه النافع بأسباب
~~ممكنة على أن ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس منه،
~~وقال الفاضل الطيبي: لو قيل ألم تر إلى الظل كيف مده ربك كان الانتقال
~~من الأثر إلى المؤثر والذي عليه التلاوة كان عكسه والمقام يقتضيه لأن
~~الكلام في تقريع القوم وتجهيلهم في اتخاذهم الهوى إلها مع وضوح هذه
~~الدلائل ولذلك جعل ما يدل على ذاته تعالى مقدما على أفعاله في سائر
~~آياته

# وهو الذى جعل لكم اليل

# [الفرقان: 47]

# وهو الذى أرسل الريح

# [الفرقان: 48]

# ولو شئنا لبعثنا

# [الفرقان: 51] وروى السلمي في «الحقائق» عن بعضهم مخاطبة العام

# أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت

# [الغاشية: 17] ومخاطبة الخاص { ألم تر إلى ربك } انتهى، وفي
~~«الإرشاد» ((لعل توجيه الرؤية إليه سبحانه مع أن المراد تقرير رؤيته عليه
~~الصلاة والسلام لكيفية مد الظل للتنبيه على أن نظره عليه الصلاة والسلام
~~غير مقصور على ما يطالعه من الآثار والصنائع بل مطمح أنظاره صلى الله
~~عليه وسلم معرفة شؤون الصانع المجيد)) جل جلاله ولعل هذا هو سر ما روي عن
~~السلمي، وقيل: إن التعبير المذكور للإشعار بأن المقصود العلم بالرب علما
~~يشبه الرؤية، ونقل الطبرسي عن الزجاج أنه فسر الرؤية بالعلم وذكر أن
~~الكلام من باب القلب، والتقدير ألم تر إلى الظل كيف مده ربك ولا حاجة إلى
~~ذلك.

# والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام
~~لتشريفه صلى الله عليه وسلم وللإيذان بأن ما يعقبه من آثار ربوبيته تعالى
~~ورحمته جل وعلا، { وكيف } منصوب بمد على الحالية وهي معلقة لتر إن لم
~~تكن الجملة مستأنفة، وفي «البحر» أن الجملة الاستفهامية التي يتعلق عنها
~~فعل القلب ليس باقية على حقيقة الاستفهام وفيه بحث، وذكر بعض الأفاضل أن
~~كيف للاستفهام وقد تجرد عن الاستفهام وتكون بمعنى الحال نحو انظر إلى كيف
~~تصنع، وقد جوزه الدماميني في هذه الآية على أنه بدل اشتمال من المجرور
~~وهو بعيد انتهى، ولا يخفى أنه يستغني على ذلك عن اعتبار المضاف لكنه لا
~~يعادل البعد.

# والمراد بالظل ms07519 على ما رواه جماعة عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن
~~وأيوب بن موسى وإبراهيم التيمي والضحاك وأبي مالك الغفاري وأبي العالية
~~وسعيد بن جبير ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وذلك أطيب الأوقات فإن
~~الظلمة الخالصة تنفر عنها الطباع وتسد النظر وشعاع الشمس يسخن الجو ويبهر
~~البصر، ومن هنا كان ظل الجنة ممدودا كما قال سبحانه:

# وظل ممدود

# [الواقعة: 30]. وقيل: المراد به ما يكون من مقابلة كثيف كجبل أو بناء أو
~~شجر للشمس عند ابتداء طلوعها، ومد الظل من باب ضيق فم القربة، فالمعنى
~~ألم تنظر إلى صنع ربك كيف أنشأ ظلا أي مظلا كان عند ابتداء طلوع الشمس
~~ممتدا إلى ما شاء الله عز وجل واختاره شيخ الإسلام وتعقب ما تقدم بقوله:
~~غير سديد إذ لا ريب في أن المراد تنبيه الناس على عظيم قدرة الله عز وجل
~~وبالغ حكمته سبحانه فيما يشاهدونه فلا بد أن يراد بالظل ما يتعارفونه من
~~حالة مخصوصة يشاهدونها في موضع يحول بينه وبين الشمس جسم مخالفة لما في
~~جوانبه من مواقع ضح الشمس، وما ذكر وإن كان في الحقيقة ظلا للأفق
~~الشرقي لكنهم لا يعدونه ظلا ولا يصفونه بأوصافه المعهودة اه وفيه منع
~~ظاهر، وهو أظهر على ما ذكره أبو حيان في الاعتراض على ذلك من أنه لا يسمى
~~ظلا فقد قال الراغب وكفى به حجة في اللغة ((الظل ضد الضح وهو أعم من
~~الفىء فإنه يقال: ظل الليل وظل الجنة ويقال لكل موضع لم تصل إليه الشمس
~~ظل ولا يقال الفىء إلا لما زال عنه الشمس)) انتهى، وظاهر قوله تعالى:

# وظل ممدود

# [الواقعة: 30] في وصف الجنة يقتضي أنهم يعدون مثل ما ذكر ظلا.

# وقيل: هو ما كان من غروب / الشمس إلى طلوعها وحكي ذلك عن الجبائي
~~والبلخي. وقيل: هو ما كان يوم خلق الله تعالى السماء وجعلها كالقبة ودحا
~~الأرض من تحتها فألقت ظلها عليها وليس بشيء، وإن فسر { ألم تر }
~~بألم تعلم لما في تطبيق ما يأتي من تتمة الآية عليه ms07520 من التكلف وارتكاب
~~خلاف الظاهر، وربما يفوت عليه المقصود الذي سيق له النظم الكريم، وربما
~~يختلج في بعض الأذهان جواز أن يراد به ما يشمل جميع ما يصدق عليه أنه ظل
~~فيشمل ظل الليل وما بين الفجر وطلوع الشمس وظل الأشياء الكثيفة المقابلة
~~للشمس كالجبال وغيرها فإذا شرع في تطبيق الآية على ذلك عدل عنه كما لا
~~يخفى، وللصوفية في ذلك كلام طويل سنذكر إن شاء الله تعالى شيئا منه،
~~وجمهور المفسرين على الأول، والقول الثاني أسلم من القال والقيل.

# وقوله تعالى: { ولو شاء لجعله ساكنا } جملة اعتراضية بين
~~المتعاطفين للتنبيه من أول الأمر على أنه لا مدخل للأسباب العادية من قرب
~~الشمس إلى الأفق الشرقي على الأول أو قيام الشاخص الكثيف على الثاني،
~~وإنما المؤثر فيه حقيقة المشيئة والقدرة، ومفعول المشيئة محذوف وهو مضمون
~~الجزاء كما هو القاعدة المستمرة في أمثال هذا التركيب أي ولو شاء جعله
~~ساكنا لجعله ساكنا أي ثابتا على حاله ظلا أبدا كما فعل عز وجل في ظل
~~الجنة أو لجعله ثابتا على حاله من الطول والامتداد وذلك بأن لا يجعل
~~سبحانه للشمس على نسخه سبيلا بأن يطلعها ولا يدعها تنسخه أو بأن لا
~~يدعها تغيره باختلاف أوضاعها بعد طلوعها، وقيل: بأن يجعلها بعد الطلوع
~~مقيمة على وضع واحد وليس بذاك، وإنما عبر عن ذلك بالسكون قيل: لما أن
~~مقابله الذي هو زواله لما كان تدريجيا كان أشبه شيء بالحركة، وقيل: لما
~~أن مقابله الذي هو تغير حاله حسب تغير الأوضاع بين الظل وبين الشمس يرى
~~رأي العين حركة وانتقالا.

# وأفاد الزمخشري أنه قوبل مد الظل الذي هو انبساطه وامتداده بقوله تعالى:
~~{ ساكنا } والسكون إنما يقابل الحركة فيكون قد أطلق { مد الظل }
~~على الحركة مجازا من باب تسمية الشيء باسم ملابسه أو سببه كما قرره
~~الطيبي وذكر أنه عدل عن حرك إلى مد مع أنه أظهر من مد في تناوله
~~الانبساط والامتداد ليدمج فيه معنى الانتفاع المقصود بالذات وهو معرفة
~~أوقات الصلوات فإن اعتبار الظل ms07521 فيها بالامتداد دون الانبساط وتمم معنى
~~الإدماج بقوله تعالى:

# ثم قبضنه إلينا قبضا يسيرا

# [الفرقان: 46] أي بالتدرج والمهل لمعرفة الساعات والأوقات وفيه لمحة من
~~معنى قوله تعالى:

# يسئلونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس

# [البقرة: 189] اه.

# ولا يبعد أن يقال: إن التعبير بمد لما أن الظل المذكور ظل الأفق الشرقي،
~~وقد اعتبر المشرق والمغرب طرفي جهتي الأرض طولا والشمال والجنوب طرفي
~~جهتيها عرضا أو لأن ظهوره في الأرض وطول المعمور منها الذي يسكنه من
~~يشاهد الظل أكثر من عرض المعمور منها إذ الأول كما هو المشهور نصف دور
~~أعني مائة وثمانين درجة، والثاني دون ذلك على جميع الأقوال فيه فيكون
~~الظل بالنظر إلى الرائين في المعمور من الأرض ممتدا ما بين جهتي شرقيه
~~وغربيه أكثر مما بين جهتي شماليه وجنوبيه، وربما يقال: إن ذلك لما أن
~~مبدأ الظل الفجر الأول وضوؤه يرى مستطيلا ممتدا كذنب السرحان ويلتزم
~~القول بأنه لا يذهب بالكلية وإن ضعف بل يبقى حتى يمده ضوء الفجر الثاني
~~فيرى منبسطا والله تعالى أعلم.

# وقوله سبحانه: { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } عطف على
~~{ مد } داخل في حكمه أي ثم جعلنا طلوع الشمس دليلا على ظهوره للحس
~~فإن الناظر إلى الجسم الملون حال قيام / الظل عليه لا يظهر له شيء سوى
~~الجسم ولونه ثم إذا طلعت الشمس ووقع ضوؤها على الجسم ظهر له أن الظل
~~كيفية زائدة على الجسم ولونه:

# والضد يظهر حاله الضد

# قاله الرازي والطبري وغيرهما، وقيل: أي ثم جعلناها دليلا على وجوده أي
~~علة له لأن وجوده بحركة الشمس إلى الأفق وقربها منه عادة ولا يخفى ما فيه
~~أو ثم جعلناها علامة يستدل بأحوالها المتغيرة على أحواله من غير أن يكون
~~بينهما سببية وتأثير قطعا حسبما نطق به الشرطية المعترضة، ومن الغريب
~~الذي لا ينبغي أن يخرج عليه كلام الله تعالى المجيد أن على بمعنى مع أي
~~ثم جعلنا الشمس مع الظل دليلا على وحدانيتنا على معنى جعلنا الظل دليلا
~~وجعلنا الشمس دليلا على وحدانيتنا. والالتفات ms07522 إلى نون العظمة للإيذان
~~بعظم قدر هذا الجعل لما يستتبعه من المصالح التي لا تحصى أو لما في الجعل
~~المذكور العاري عن التأثير مع ما يشاهد بين الظل والشمس من الدوران
~~المطرد المنبىء عن السببية من مزيد الدلالة على عظم القدرة ودقة الحكمة،
~~و(ثم) إما للتراخي الرتبي ويعلم وجهه مما ذكر، وإما للتراخي الزماني كما
~~هو حقيقة معناها بناء على طول الزمان بين ابتداء الفجر وطلوع الشمس.

### || [25.46]

# وقوله سبحانه: { ثم قبضنه إلينا قبضا يسيرا } عطف
~~على

# مد

# [الفرقان: 45] داخل في حكمه أيضا أي ثم أزلناه بعد ما أنشأناه ممتدا
~~عند إيقاع شعاع الشمس موقعه أو بإيقاعه كذلك ومحوناه على مهل قليلا
~~قليلا حسب سير الشمس، وهذا ظاهر على القول بأن المراد بالظل ظل الشاخص
~~من جبل ونحوه، وأما على القول بأن المراد به ما بين الطلوعين فلأنه إذا
~~عم لا يزول دفعة واحدة بطلوع الشمس في أفق لكروية الأرض واختلاف الآفاق
~~فقد تطلع في أفق ويزول ما عند أهله من الظل وهي غير طالعة في أفق آخر
~~وأهله في طرف من ذلك الظل ومتى ارتفعت عن الأفق الأول حتى بانت من أفقهم
~~زال ما عندهم من الظل فزوال الظل بعد عمومه تدريجي كذا قيل. وقيل لا حاجة
~~إلى ذلك فإن زواله تدريجي نظرا إلى أفق واحد أيضا بناء على أنه يبقى
~~منه بعد طلوع الشمس ما لم يقع على موقعه شعاعها لمانع جبل ونحوه ويزول
~~ذلك تدريجا حسب حركة الشمس ووقوع شعاعها على ما لم يقع عليه ابتداء
~~طلوعها، وكأن التعبير عن تلك الإزالة بالقبض وهو كما قال الطبرسي: جمع
~~الأجزاء المنبسطة لما أنه قد عبر عن الأحداث بالمد.

# وقوله سبحانه: { إلينا } للتنصيص على كون مرجع الظل إليه عز وجل لا
~~يشاركه حقيقة أحد في إزالته كما أن حدوثه منه سبحانه لا يشاركه حقيقة فيه
~~أحد، و(ثم) يحتمل أن تكون للتراخي الزماني وأن تكون للتراخي الرتبي نحو
~~ما مر، ومن فسر الظل بما كان يوم خلق الله تعالى السماء ms07523 كالقبة ودحا
~~الأرض من تحتها فألقت ظلها عليها جعل معنى

# ثم جعلنا

# [الفرقان: 45] الخ ثم خلقنا الشمس وجعلناها مسلطة على ذلك الظل وجعلناها
~~دليلا متبوعا له كما يتبع الدليل في الطريق فهو يزيد وينقص ويمتد ويقلص
~~ثم قبضناه قبضا سهلا لا عسر فيه. ويحتمل أن يكون قبضه عند قيام الساعة
~~بقرينة (إلينا) وكذا { يسيرا } وذلك بقبض أسبابه وهي الأجرام التي
~~تلقي الظل فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه كما ذكر إنشاءه بإنشاء
~~أسبابه، والتعبير بالماضي لتحققه ولمناسبة ما ذكر معه، و(ثم) للتراخي
~~الزماني وفيه ما فيه كما أشرنا إليه.

### || [25.47]

# { وهو الذى جعل لكم اليل لباسا } بيان لبعض بدائع
~~آثار قدرته عز وجل وروائع أحكام رحمته ونعمته الفائضة على الخلق، وتلوين
~~الخطاب / لتوفية مقام الامتنان حقه، واللام متعلقة بجعل وتقديمها على
~~مفعوليه للاعتناء ببيان كون ما بعد من منافعهم، وفي تعقيب بيان أحوال
~~الظل ببيان أحكام الليل الذي هو ظل الأرض من لطف المسلك ما لا مزيد عليه
~~أي وهو الذي جعل لنفعكم الليل كاللباس يستركم بظلامه كما يستركم اللباس {
~~و } جعل { النوم } الذي يقع فيه غالبا بسبب استيلاء الأبخرة على
~~القوى عادة، وقيل: بشم نسيم يهب من تحت العرش ولا يكاد يصح. { سباتا }
~~راحة للأبدان بقطع الأفاعيل التي تكون حال اليقظة، وأصل السبت القطع،
~~وقيل: يوم السبت لما جرت العادة من الاستراحة فيه على ما قيل، وقيل: لأن
~~الله تعالى لم يخلق فيه شيئا، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة:
~~مسبوت، وإلى هذا ذهب أبو مسلم. وقال أبو حيان: ((السبات ضرب من الإغماء
~~يعتري اليقظان مرضا فشبه النوم به، والسبت الإقامة في المكان فكان النوم
~~سكونا ما)).

# { وجعل النهار نشورا } أي ذا نشور ينتشر فيه الناس لطلب
~~المعاش فهو كقوله تعالى:

# وجعلنا النهار معاشا

# [النبأ: 11] وفي جعله نفس النشور مبالغة، وقيل: نشورا بمعنى ناشرا على
~~الإسناد المجازي، وجوز أن يراد بالسبات الموت لما فيه من قطع الإحساس أو
~~الحياة، وعبر عن النوم به لما بينهما من المشابهة التامة ms07524 في انقطاع أحكام
~~الحياة، وعليه قوله تعالى:

# وهو الذى يتوفكم باليل

# [الأنعام: 60] وقوله سبحانه:

# الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت
~~فى منامها

# [الزمر: 42] وبالنشور البعث أي وجعل النهار زمان بعث من ذلك السبات أو
~~نفس البعث على سبيل المبالغة. وأبى الزمخشري الراحة في تفسير السبات
~~وقال: إنه يأباه النشور في مقابلته إباء العيوف الورد وهو مرنق، وكأن ذلك
~~لأن النشور في القرآن لا يكاد يوجد بمعنى الانتشار والحركة لطلب المعاش،
~~وعلل في «الكشف» إباء الزمخشري بذلك وبأن الآيات السابقة واللاحقة مع ما
~~فيها من التذكير بالنعمة والقدرة أدمج فيها الدلالة على الإعادة فكذلك
~~ينبغي أن لا يفرق بين هذه وبين أترابها. وكأنه جعل جعل الليل لباسا
~~والنوم فيه سباتا بمجموعه مقابل جعل النهار نشورا ولهذا كرر (جعل) فيه
~~لما في النشور من معنى الظهور والحركة الناصبة أو معنى الظهور والبعث ولم
~~يسلك في آية سورة النبأ هذا المسلك لما لا يخفى.

### || [25.48]

# { وهو الذى أرسل الريح } وقرأ ابن كثير بالتوحيد على
~~إرادة الجنس بأل أو الاستغراق فهو في معنى الجمع موافقة لقراءة الجمهور،
~~وقال ابن عطية: قراءة الجمع أوجه لأن الريح متى وردت في القرآن مفردة فهي
~~للعذاب ومتى كانت للمطر والرحمة جاءت مجموعة لأن ريح المطر تتشعب وتتذأب
~~وتتفرق وتأتي لينة من ههنا وههنا وشيئا إثر شيء وريح العذاب تأتي
~~جسدا واحدا لا تتذأب ألا ترى أنها تحطم ما تجد وتهدمه. وقال الرماني:
~~جمعت رياح الرحمة لأنها ثلاثة لواقح الجنوب والصبا والدبور، وأفردت ريح
~~العذاب لأنها واحدة لا تلقح وهي الدبور،

# " وفي قوله صلى الله عليه وسلم إذا هبت الريح: اللهم اجعلها رياحا ولا
~~تجعلها ريحا "

# إشارة إلى ما ذكر، وأنت تعلم أن في كلام ابن عطية غفولا عن التأويل
~~الذي تتوافق به القراءتان، وقد ذكر في «البحر» أنه لا يسوغ أن يقال في
~~تلك القراءة أنها أوجه من القراءة الأخرى مع أن كلا منهما متواتر، وأل
~~في الريح للجنس فتعم، وما ذكر في التفرقة بين المفرد ms07525 والمجموع أكثري أو
~~عند عدم القرينة أو في المنكر كما جاء في الحديث، وسيأتي إن شاء الله
~~تعالى في سورة الروم [46] ما يتعلق بهذا المبحث.

# / { بشرا } تخفيف بشرا بضمتين جمع بشور بمعنى مبشر أي أرسل الرياح
~~مبشرات، وقرىء { نشرا } بالنون والتخفيف جمع نشور كرسول ورسل، و {
~~نشرا } بضم النون والشين وهو جمع لذلك أيضا أي أرسلها ناشرات للسحاب
~~من النشر بمعنى البعث لأنها تجمعه كأنها تحييه لا من النشر بمعنى التفريق
~~لأنه غير مناسب إلا أن يراد به السوق مجازا، و { نشرا } بفتح النون
~~وسكون الشين على أنه مصدر وصف به مبالغة، وجوز أن يكون مفعولا مطلقا
~~لأرسل لأنه بمعنى نشر والكل متواتر. وروي عن ابن السميقع أنه قرأ { بشرى
~~} بألف التأنيث { بين يدى رحمته } أي قدام المطر وقد استعيرت
~~الرحمة له ورشحت الاستعارة أحسن ترشيح، وجوز أن يكون في الكلام استعارة
~~تمثيلية و { بشرا } من تتمة الاستعارة داخل في جملتها.

# والالتفات إلى نون العظمة في قوله تعالى: { وأنزلنا من السماء
~~} لإبراز كمال العناية بالإنزال لأنه نتيجة ما ذكر من إرسال الرياح أي
~~أنزلناه بعظمتنا بما رتبنا من إرسال الرياح من جهة العلو التي ليست مظنة
~~الماء أو من السحاب أو من الجرم المعلوم، وقد تقدم تفصيل الكلام في ذلك {
~~ماء طهورا } الظاهر أنه نعت الماء، وعليه قيل معناه بليغ الطهارة
~~زائدها، ووجه في «البحر» المبالغة بأنها راجعة إلى الكيفية باعتبار أنه
~~لم يشبه شيء آخر مما في مقره أو ممره أو ما يطرح فيه كمياه الأرض، وفسره
~~ثعلب بما كان طاهرا في نفسه مطهرا لغيره.

# وتعقبه الزمخشري بأنه إن كان ما قاله شرحا لبلاغته في الطهارة كان
~~سديدا وإلا فليس فعول من التفعيل في شيء، وقال غيره: إن أخذ التطهير فيه
~~يأباه لزوم الطهارة والمبالغة في اللازم لا توجب التعدي.

# وأجاب صاحب «الكشف» بأنه لما لم تكن الطهارة في نفسها قابلة للزيادة
~~رجعت المبالغة فيها إلى انضمام معنى التطهير إليها لا أن اللازم صار
~~متعديا، وتعقبه المولى الدواني بأن ms07526 فيه تأملا من حيث إن انضمام معنى
~~التطهير لما كان مستفادا من المبالغة بمعونة عدم قبول الزيادة كانت
~~المبالغة في الجملة سببا للتعدي، ثم قال: ويمكن التفصي بأن المعنى
~~اللازم باق بحاله، والمبالغة أوجبت انضمام المتعدي إليه لا تعدية ذلك
~~اللازم وبينهما فرقان، وذكر بعض الأجلة أن إفادة المبالغة تعلق الفعل
~~بالغير مما لا يساعده لغة ولا عرف وأين هذا التعلق في قول جرير:

# إلى رجح الأكفال غيد من الظبا

# عذاب الثنايا ريقهن طهور

# ومثله قوله تعالى:

# وسقهم ربهم شرابا طهورا

# [الإنسان: 21] ومن هذا وأمثاله اختار بعضهم كون المبالغة راجعة إلى
~~الكيفية على ما سمعت عن «البحر»، وقال بعض المحققين: إن { طهورا } هنا
~~اسم لما يتطهر به كما في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " التراب طهور المؤمن "

# وفعول كما قال الأزهري في كتاب «الزاهر» يكون اسم آلة لما يفعل به الشيء
~~كغسول ووضوء وفطور وسحور إلى غير ذلك كما يكون صفة بمعنى فاعل كأكول أو
~~مفعول كصبوب بمعنى مصبوب واسم جنس كذنوب ومصدرا وهو نادر كقبول فيفيد
~~التطهير للغير وضعا، ويمكن حمل ما روي عن ثعلب على هذا، واعتبار كونه
~~طاهرا في نفسه لأن كونه مطهرا للغير فرع ذلك، وجعل على هذا بدلا من
~~(ماء) أو عطف بيان له لا نعتا فيكون التركيب نحو أرسلت إليك ماء وضوءا.
~~وأنت تعلم أن المتبادر فيما نحن فيه كونه نعتا فإن أمكن ذلك على هذا
~~الوجه بنوع تأويل كان أبعد عن / القيل والقال، وحكى سيبويه أن طهورا جاء
~~مصدر التطهر في قولهم: تطهرت طهورا حسنا، وذكر أن منه قوله عليه الصلاة
~~والسلام:

# " لا صلاة إلا بطهور "

# وحمل ما في الآية على ذلك مما لا ينبغي. وأيا ما كان ففي توصيف الماء
~~به إعظام للمنة كما لا يخفى.

### || [25.49]

# { لنحيى به } أي بما أنزلنا من الماء الطهور { بلدة ميتا
~~} ليس فيها نبات وذلك بإنبات النبات به؛ والمراد بالبلدة الأرض كما في
~~قوله:

# أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة

# قليل بها الأصوات إلا بغامها

# وجوز أن ms07527 يراد بها معناها المعروف، وتنكيرها للتنويع، وتذكير صفتها لأنها
~~بمعنى البلد أو لأن { ميتا } من أمثلة المبالغة التي لا تشبه المضارع
~~في الحركات والسكنات وهو يدل على الثبوت فأجري مجرى الجوامد، ولام {
~~لنحيى } متعلق بأنزلنا وتعلقه بطهورا ليس بشيء. وقرأ عيسى وأبو
~~جعفر { ميتا } بالتشديد، قال أبو حيان: ورجح الجمهور التخفيف لأنه
~~يماثل فعلا من المصادر فكما وصف المذكر والمؤنث بالمصدر فكذلك بما أشبهه
~~بخلاف المشدد فإنه يماثل فاعلا من حيث قبوله للتاء إلا فيما خص المؤنث
~~نحو طامث.

# { ونسقيه } أي ذلك الماء الطهور وعند جريانه في الأودية أو
~~اجتماعه في الحياض والمناقع والآباء { مما خلقنا أنعما
~~وأناسى كثيرا } أي أهل البوادي الذين يعيشون بالحياء، ولذلك نكر
~~الأنعام والأناسي فالتنكير للتنويع. وتخصيص هذا النوع بالذكر لأن أهل
~~القرى والأمصار يقيمون بقرب الأنهار والمنابع فبهم وبما لهم من الأنعام
~~غنية عن سقي السماء وسائر الحيوانات تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب
~~غالبا، ومساق الآيات الكريمة كا هو للدلالة على عظم القدرة كذلك هو
~~لتعداد أنواع النعمة فالأنعام حيث كانت قنية للإنسان وعامة منافعهم
~~ومعايشهم منوطة بها قدم سقيها على سقيهم كما قدم عليها إحياء الأرض فإنه
~~سبب لحياتها وتعيشها فالتقديم من قبيل تقديم الأسباب على المسببات، وجوز
~~أن يكون تقديم ما ذكر على سقي الأناسي لأنهم إذا ظفروا بما يكون سقي
~~أرضهم ومواشيهم لم يعدموا سقياهم، وحاصله أنه من باب تقديم ما هو الأهم
~~والأصل في باب الامتنان، وذكر سقي الأناسي على هذا إرداف وتتميم
~~للاستيعاب، و(من) تبعيضية أو بيانية و { كثيرا } صفة للمتعاطفين لا
~~على البدل.

# وقرأ عبد الله وأبو حيوة وابن أبي عبلة والأعمش وعاصم وأبو عمرو في
~~رواية عنهما { ونسقيه } بفتح النون ورويت عن عمر بن الخطاب رضي الله
~~تعالى عنه وأسقى وسقى لغتان، وقيل: أسقاه بمعنى جعل السقيا له وهيأها، و
~~{ أناسي } جمع إنسان عند سيبويه وأصله أناسين فقلبت نونه ياء وأدغمت فيما
~~قبلها. وذهب الفراء والمبرد والزجاج إلى أنه جمع إنسي، قال في «البحر»:
~~والقياس ms07528 أناسية كما قالوا في مهلبى مهالبة. وفي «الدر المصون» أن فعالى
~~إنما يكون جمعا لما فيه ياء مشددة إذا لم يكن للنسب ككرسي وكراسي وما
~~فيه ياء النسب يجمع على أفاعلة كأزرقي وأزارقة وكون ياء إنسي ليست للنسب
~~بعيد فحقه أن يجمع على أناسية، وقال في «التسهيل»: أنه أكثري، وعليه لا
~~يرد ما ذكر.

### || [25.50]

# { كثيرا ولقد صرفنه } الضمير للماء المنزل من السماء
~~كالضميرين السابقين، وتصريفه تحويل أحواله وأوقاته وإنزاله على أنحاء
~~مختلفة أي وبالله تعالى لقد صرفنا المطر { بينهم } أي بين الناس /
~~في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة والصفات المتفاوتة من وابل وطل
~~وغيرهما { ليذكروا } أي ليعتبروا بذلك { فأبى أكثر
~~الناس إلا كفورا } أي لم يفعل إلا كفران النعمة وإنكارها رأسا
~~بإضافتها لغيره عز وجل بأن يقول: مطرنا بنوء كذا معتقدا أن النجوم فاعلة
~~لذلك ومؤثرة بذواتها فيه، وهذا الاعتقاد والعياذ بالله تعالى كفر، وفي
~~«الكشاف» وغيره أن من اعتقد أن الله عز وجل خالق الأمطار وقد نصب الأنواء
~~دلائل وأمارات عليها وأراد بقوله مطرنا بنوء كذا مطرنا في وقت سقوط النجم
~~الفلاني في المغرب مع الفجر لا يكفر، وظاهره أنه لا يأثم أيضا، وقال
~~الإمام: من جعل الأفلاك والكواكب مستقلة باقتضاء هذه الأشياء فلا شك في
~~كفره وأما من قال: إنه سبحانه جبلها على خواص وصفات تقتضي هذه الحوادث
~~فلعله لا يبلغ خطؤه إلى حد الكفر. وسيأتي إن شاء الله تعالى منا في هذه
~~المسألة كلام أرجو من الله تعالى أن تستحسنه ذوو الأفهام ويتقوى به كلام
~~الإمام.

# ورجوع ضمير

# أنزلنا

# [الفرقان: 48] إلى الماء المنزل مروى عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد
~~وعكرمة وأخرج جماعة عن الأول وصححه الحاكم أنه قال: ما من عام بأقل مطرا
~~من عام ولكن الله تعالى يصرفه حيث يشاء ثم قرأ هذه الآية. وأخرج الخرائطي
~~في «مكارم الأخلاق» عن الثاني مثله، ويفهم من ذلك حمل التصريف على
~~التقسيم، وقال بعضهم: هو راجع إلى القول المفهوم من السياق وهو ما ذكر
~~فيه إنشاء السحاب وإنزال ms07529 القطر لما ذكر من الغايات الجليلة وتصريفه
~~تكريره وذكره على وجوه ولغات مختلفة، والمعنى ولقد كررنا هذا القول
~~وذكرناه على أنحاء مختلفة في القرآن وغيره من الكتب السماوية بين الناس
~~من المتقدمين والمتأخرين ليتفكروا ويعرفوا بذلك كمال قدرته تعالى وواسع
~~رحمته عز وجل في ذلك فأبى أكثرهم ممن سلف وخلف إلا كفران النعمة وقلة
~~الاكتراث بها أو إنكارها رأسا بإضافتها لغيره تعالى شأنه، واختار هذا
~~القول الزمخشري، وقال أبو السعود: هو الأظهر، وأخرج ابن المنذر وابن أبي
~~حاتم عن عطاء الخراساني أنه عائد على القرآن ألا ترى قوله تعالى بعد:

# وجهدهم به

# [الفرقان: 52] وحكاه في «البحر» عن ابن عباس أيضا والمشهور عنه ما
~~تقدم، ولعل المراد ما ذكر فيه من الأدلة على كمال قدرته تعالى وواسع
~~رحمته عز وجل أو نحو ذلك فتأمل، وأما ما قيل إنه عائد على الريح فليس
~~بشيء.

### || [25.51]

# نبيا ينذر أهلها فتخف عليك أعباء النبوة لكن لم نشأ ذلك وقصرنا الأمر
~~عليك إجلالا لك وتعظيما.

### || [25.52]

# { فلا تطع الكفرين } فيما يريدونك عليه وهو تهييج له صلى
~~الله عليه وسلم وللمؤمنين.

# { وجهدهم به } أي بالقرآن كما أخرج ابن جرير وابن المنذر عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وذلك بتلاوة ما فيه من البراهين والقوارع
~~والزواجر والمواعظ وتذكير أحوال الأمم المكذبة { جهادا كبيرا } فإن
~~دعوة كل العالمين على الوجه المذكور جهاد كبير لا يقادر قدره كما
~~وكيفا، وترتيب ما ذكر على ما قبله حسبما تقتضيه الفاء باعتبار أن قصر
~~الرسالة عليه عليه الصلاة والسلام نعمة جليلة ينبغي شكرها وما ذكر نوع من
~~الشكر فكأنه قيل: بعثناك نذيرا لجميع القرى وفضلناك وعظمناك ولم نبعث في
~~كل قرية نذيرا فقابل ذلك بالثبات والاجتهاد في الدعوة وإظهار الحق، وفي
~~«الكشف» لبيان النظم الكريم أنه لما ذكر ما يدل على حرصه صلى الله عليه
~~وسلم على طلب هداهم وتمارضهم في ذلك في قوله سبحانه:

# أرءيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه
~~وكيلا

# [الفرقان: 43] وذنب بدلائل القدرة والنعمة والرحمة دلالة ms07530 على أنهم لا
~~ينفع فيهم الاحتشاد وأنهم يغمطون مثل هذه النعم ويغفلون عن عظمة موجدها
~~سبحانه وجعلوا كالأنعام وأضل وختم بأنه ليس لهم مراد إلا كفور نعمته
~~تعالى، قيل:

# ولو شئنا

# [الفرقان: 51] على معنى أنا عظمناك بهذا الأمر لتستقل بأعبائه وتحوز ما
~~ادخر لك من جنس جزائه فعليك بالمجاهدة والمصابرة ولا عليك من تلقيهم
~~الدعوة بالإباء والمشاجرة وبولغ فيه فجعل حرصه صلى الله عليه وسلم على
~~إيمان هؤلاء المطبوع على قلوبهم طاعة لهم، وقيل: فلا تطعهم. ومدار السورة
~~على ما ذكره الطيبي على كونه صلى الله عليه وسلم مبعوثا على الناس كافة
~~ينذرهم ما بين أيديهم وما خلفهم ولهذا جعل براعة استهلالها

# تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون
~~للعلمين نذيرا

# [الفرقان: 1] والآية على ما سمعت متعلقة بقوله تعالى:

# أرأيت

# [الفرقان: 43] إلى آخر الآيات، وفيها من التنويه بشأنه عليه الصلاة
~~والسلام ما فيها وليست مسوقة للتأديب كما وهم. وقيل: هي متعلقة بما عندها
~~على معنى ولو شئنا لقسمنا النذير بينهم، كما قسمنا المطر بينهم ولكنا
~~نفعل ما هو الأنفع لهم في دينهم ودنياهم فبعثناك إليهم كافة فلا تطع الخ،
~~وفيه من الدلالة على قصور النظر ما فيه.

# هذا وجوز أن يكون ضمير { به } عائدا على ترك طاعتهم المفهوم من
~~النهي، ولعل الباء حينئذ للملابسة والمعنى وجاهدهم بما ذكر من أحكام
~~القرآن الكريم ملابسا ترك طاعتهم كأنه قيل: وجاهدهم بالشدة والعنف لا
~~بالملائمة والمداراة كما في قوله تعالى:

# يأيها النبى جهد الكفر والمنفقين
~~واغلظ عليهم

# [التحريم: 9] وإلا ورد عليه أن مجرد ترك الطاعة يتحقق بلا دعوة أصلا
~~وليس فيه شائبة الجهاد فضلا عن الجهاد الكبير، وجوز أيضا أن يكون لما
~~دل عليه قوله عز وجل:

# ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيرا

# [الفرقان: 51] من كونه صلى الله عليه وسلم نذير كافة القرى لأنه لو بعث
~~في كل قرية نذيرا لوجب على كل نذير مجاهدة قريته فاجتمعت على رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم تلك المجاهدات كلها فكبر من أجل ذلك جهاده ms07531 وعظم فقيل
~~له عليه الصلاة والسلام: وجاهدهم بسبب كونك نذير كافة القرى جهادا
~~كبيرا جامعا لكل مجاهدة. وتعقب بأن بيان سبب كبر المجاهدة بحسب الكمية
~~ليس فيه مزيد فائدة فإنه بين بنفسه وإنما اللائق بالمقام بيان سبب كبرها
~~وعظمها في الكيفية، وجوز أبو حيان أن يكون الضمير للسيف. وأنت تعلم أن
~~السورة مكية ولم يشرع في مكة الجهاد بالسيف، ومع هذا لا يخفى ما فيه،
~~ويستدل بالآية على الوجه المأثور على عظم جهاد العلماء لأعداء الدين بما
~~يوردون عليهم من الأدلة وأوفرهم حظا المجاهدون بالقرآن منهم.

### || [25.53]

# { وهو الذى مرج البحرين } أي أرسلهما في مجاريهما كما
~~يرسل الخيل في المرج كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ويقال في
~~هذا أمرج أيضا على ما قيل إلا أن مرج لغة الحجاز وأمرج لغة نجد. وأصل
~~المرج كما قال الراغب: الخلط، ويقال: مرج أمرهم أي اختلط، وسمي المرعى
~~مرجا لاختلاط النبات فيه، والمراد بالبحرين الماء الكثير العذب والماء
~~الكثير الملح من غير تخصيص ببحرين معينين، وهذا رجوع إلى ما تقدم من ذكر
~~الأدلة.

# وقوله تعالى: { هذا عذب فرات } الخ أي شديد العذوبة ووزنه
~~فعال من فرته وهو مقلوب من رفته إذا كسره لأنه يكسر سورة العطش ويقمعها،
~~وقيل؛ هو البارد كما في «مجمع البيان» إما استئناف أو حال بتقدير القول
~~أي يقال فيهما هذا عذب فرات { وهذا ملح أجاج } وقيل: هي حال
~~من / غير تقدير قول على معنى مرج البحرين مختلفين عذوبة شديدة وملوحة
~~كذلك، واسم الإشارة غني غناء الضمير، والأجاج شديد الملوحة كما أشرنا
~~إليه أطلق عليه لأن شربه يزيد أجيج العطش، وقال الراغب: هو شديد الملوحة
~~والحرارة من أجيج النار انتهى، وقيل: هو المر وحكاه الطبرسي عن قتادة،
~~وقيل الحار فهو يقابل الفرات عند من فسره بالبارد.

# وقرأ طلحة بن مصرف وقتيبة عن الكسائي { ملح } بفتح الميم وكسر اللام هنا
~~وكذا في فاطر [12]، قال أبو حاتم: وهذا منكر في القراءة، وقال أبو الفتح:
~~أراد مالحا فخفف بحذف الألف ms07532 كما قيل برد في بارد في قوله:

# أصبح قلبي صردا

# لا يشتهي أن يردا

# إلا عرادا عردا

# وصلينا بردا

# وعكنا ملتبدا

# وقيل: مخفف مليح لأنه ورد بمعنى مالح، وقال أبو الفضل الرازي في كتاب
~~«اللوامح»: هي لغة شاذة قليلة فليس مخففا من شيء، نعم هو كملح في قراءة
~~الجمهور بمعنى مالح، والأفصح أن يقال في وصف الماء: ماء ملح دون ماء مالح
~~وإن كان صحيحا كما نقل الأزهري ذلك عن الكسائي، وقد اعترف أيضا بصحته
~~ثعلب، وقال الخفاجي: الصحيح أنه مسموع من العرب كما أثبته أهل اللغة
~~وأنشدوا لإثباته شواهد كثيرة وعليه فمن خطأ الإمام أبا حنيفة رضي الله
~~تعالى عنه بقوله: ماء مالح فقد أخطأ جاهلا بقدر هذا الإمام.

# { وجعل بينهما برزخا } أي حاجزا وهو لفظ عربي، وقيل:
~~أصله برزه فعرب، والمراد بهذا الحاجز كما أخرج عبد بن حميد وابن جرير
~~وابن أبي حاتم عن الحسن ما يحول بينهما من الأرض كالأرض الحائلة بين
~~دجلة ويقال لها بحر لعظمها ولشيوع إطلاق البحر على النهر العظيم صار
~~حقيقة فيه أيضا فلا إشكال في التثنية، وإن أبيت صيرورته حقيقة فاعتبار
~~التغليب يرفع الإشكال وبين البحر الكبير، والمراد حيلولتها في مجاريها
~~وإلا فهي تنتهي إلى البحر وكذا سائر الأنهار العظام، ودلالة هذا الجعل
~~على كمال قدرته عز وجل كونه على خلاف مقتضى الطبيعة فإن مقتضى طبيعة
~~الماء أن يكون متضام الأجزاء مجتمعا غامرا للأرض محيطا بها من جميع
~~جهاتها إحاطة الهواء به ومقتضى طبيعة الأرض أن تكون متضامة الأجزاء أيضا
~~لا غور فيها ولا نجد مغمورة بالماء واقعة في جوفه كمركز الدائرة كما قرر
~~ذلك الفلاسفة وذكروا في سبب انكشاف ما انكشف من الأرض ووقوع الأغوار
~~والأنجاد فيها ما لا يخلو عن قيل وقال، و { بينهما } ظرف الجعل،
~~ويجوز أن يكون حالا من { برزخا } ، والظاهر أن تنوين { برزخا }
~~للتعظيم أي وجعل بينهما برزخا عظيما حيث إنه على كثرة مرور الدهور لا
~~يتخلله ماء أحد البحرين حتى يصل إلى الآخر فيغير طعمه.

# { وحجرا ms07533 محجورا } أي وتنافرا مفرطا كأن كلا منهما يتعوذ من
~~الآخر بتلك المقالة، والمراد لزوم كل منهما لصفته من العذوبة والملوحة
~~فلا ينقلب البحر العذب ملحا في مكانه ولا البحر الملح عذبا في مكانه
~~وذلك من كمال قدرته تعالى وبالغ حكمته عز وجل فإن العذوبة والملوحة ليستا
~~بسبب طبيعة الأرض ولا بسبب طبيعة الماء وإلا لكان الكل عذبا أو الكل
~~ملحا، وذكر في حكمة جعل البحر الكبير ملحا أن لا ينتن بطول المكث
~~وتقادم الدهور؛ قيل: وهو السر في جعل دمع العين ملحا، وفيه حكم أخرى
~~الله تعالى أعلم بها. والظاهر إن { حجرا } عطف على { برزخا } أي
~~وجعل بينهما هذه الكلمة، والمراد بذلك ما سمعت آنفا وهو من أبلغ الكلام
~~وأعذبه، وقيل: هو منصوب بقول مقدر أي ويقولان حجرا محجورا، وعن الحسن
~~أن / المراد من الحجر ما حجر بينهما من الأرض وتقدم تفسير البرزخ بنحو
~~ذلك، وكان الجمع بينهما حينئذ لزيادة المبالغة في أمر الحاجز وما قدمنا
~~أولى وأبعد مغزى.

# وقيل: المراد بالبرزخ حاجز من قدرته عز وجل غير مرئي وبقوله سبحانه: {
~~حجرا محجورا } التميز التام وعدم الاختلاط، وأصله كلام يقوله
~~المستعيد لما يخافه كما تقدم تفصيله، وحاصل معنى الآية أنه تعالى هو الذي
~~جعل البحرين مختلطين في مرأى العين ومنفصلين في التحقيق بقدرته عز وجل
~~أكمل انفصال بحيث لا يختلط العذب بالملح ولا الملح بالعذب ولا يتغير طعم
~~كل منهما بالآخر أصلا. وحكي هذا عن الأكثرين وفيه أنه خلاف المحسوس فإن
~~الأنهار العظيمة كدجلة وما ينضم إليها والنيل وغيرهما مما يشاهده الناس
~~إذا اتصلت في البحر تغير طعم غير قليل منها في جهة المتصل وكذا يتغير طعم
~~غير قليل من البحر في جهة المتصل أيضا ويختلف التغير قلة وكثرة باختلاف
~~الورود لاختلاف أسبابه من الهواء وغيره قوة وضعفا كما أخبر به مبلغ
~~التواتر ولم يخبر أحد أنه شاهد في الأرض بحرين أحدهما عذب والآخر ملح،
~~وقد اتصل أحدهما بالآخر من غير تغير لطعم شيء منهما أصلا، ولا مساغ عند
~~من ms07534 له أدنى ذوق لجعل الآية في بحرين في الأرض كذلك لكنهما لم يشاهدهما
~~أحد كما لا يخفى، ولا أرى وجها لتفسير الآية بما ذكر والتزام هذا ونحوه
~~من التكلفات الباردة مع ظهور الوجه الذي لا كدورة فيه عند المنصف إلا
~~تسبب طعن الكفرة في القرآن العظيم وسوء الظن بالمسلمين.

# وقيل: المراد بالبرزخ الواسطة أي وجعل بين البحر العذب الشديد العذوبة
~~والبحر الملح الشديد الملوحة ماء متوسطا ليس بالشديد العذوبة ولا
~~بالشديد الملوحة وهو قطعة من العذب الفرات عند موضع التلاقي مازجها شيء
~~من الملح الأجاج فكسر سورة عذوبتها وقطعة من الملح الأجاج عند موضع
~~التلاقي أيضا مازجها شيء من العذب الفرات فكسر سورة ملوحتها ويكون
~~التنافر البليغ بينهما المفهوم من قوله سبحانه: { وحجرا محجورا
~~} فيما عدا ذلك وهو ما لم يتأثر بصاحبه منهما، بل بقي على صفته من
~~العذوبة الشديدة والملوحة الشديدة وهو كما ترى.

# وحكى في «البحر» أن المبارد بالبحرين بحران معينان هما بحر الروم وبحر
~~فارس. وذكره في «الدر المنثور» عن الحسن برواية ابن أبي حاتم وهو من
~~العجب العجاب لأن كلا هذين البحرين ملح أجاج فكيف يصح إرادتهما هنا مع
~~قوله تعالى: { هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج } نعم قد
~~يصح فيما سيأتي إن شاء الله تعالى من آية سورة الرحمن [19-20] أعني قوله
~~سبحانه:

# مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا
~~يبغيان

# لعدم ذكر ما يمنعه هناك، وما روي عن الحسن إن صح فلعله في تلك الآية،
~~ووهم السيوطي في روايته في الكلام على هذه الآية، وأخرج ابن أبي حاتم عن
~~سعيد بن جبير أن البحرين هما بحر السماء وبحر الأرض وذكر مثله في «البحر»
~~عن ابن عباس وأنهما يلتقيان كل عام، وهذا شيء أنا لا أقول به في الآية
~~ولا أعتقد صحة روايته عمن سمعت وإن كان مناسبة الآية عليه لما تقدم من
~~قوله تعالى:

# وأنزلنا من السماء ماء طهورا

# [الفرقان: 48] على القول بأن المطر من بحر في السماء أتم ودلالتها على
~~كمال قدرته تعالى أظهر؛ ms07535 وأما أنت فبالخيار والله تعالى ولي التوفيق.

### || [25.54]

# { وهو الذى خلق من الماء بشرا } هو الماء الذي خمر به
~~طينة آدم عليه السلام أو جعله جزءا من مادة البشر لتجتمع وتسلس وتستعد
~~لقبول الإشكال والهيئات، فالمراد بالماء الماء المعروف وتعريفه للجنس
~~والمراد بالبشر آدم عليه السلام وتنوينه للتعظيم أو جنس البشر الصادق
~~عليه عليه السلام وعلى ذريته، و(من) / ابتدائية، ويجوز أن يراد بالماء
~~النطفة وحينئذ يتعين حمل البشر على أولاد آدم عليه السلام.

# { فجعله نسبا وصهرا } أي قسمه قسمين ذوي نسب أي ذكورا ينسب
~~إليهم وذوات صهر أي إناثا يصاهر بهن فهو كقوله تعالى:

# فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى

# [القيامة: 39] فالواو للتقسيم والكلام على تقدير مضاف حذف ليدل على
~~المبالغة ظاهرا وعدل عن ذكر وأنثى ليؤذن بالانشعاب نصا، وهذ الجعل
~~والتقسيم مما لا خفاء فيه على تقدير أن يراد بالبشر الجنس، وأما على
~~تقدير أن يراد به آدم عليه السلام فقيل: هو باعتبار الجنس وفي الكلام ما
~~هو من قبيل الاستخدام نظير ما في قولك: عندي درهم ونصفه، وقيل: لا حاجة
~~إلى اعتبار ذلك والكلام من باب الحذف والإيصال، أي جعل منه وقد جيء به
~~على الأصل في نظير هذه الآية وهو ما سمعته آنفا، وقيل: معنى جعل آدم
~~نسبا وصهرا خلق حواء منه وإبقاؤه على ما كان عليه من الذكورة. وتعقيب
~~جعل الجنس قسمين خلق آدم أو الجنس باعتبار خلقه أو جعل قسمين من آدم خلقه
~~عليه السلام كما تؤذن به الفاء ظاهر، وربما يتوهم أن الضمير المنصوب في
~~جعله عائد على الماء والفاء مثلها في قوله تعالى:

# ونادى نوح ربه فقال رب

# [هود: 45] الخ وقوله تعالى:

# وكم من قرية أهلكنها فجاءها بأسنا بيتا أو
~~هم قائلون

# [الأعراف: 4] وليس بشي. وعن علي كرم الله تعالى وجهه أن النسب ما لا يحل
~~نكاحه والصهر ما يحل نكاحه، وفي رواية أخرى عنه رضي الله تعالى عنه النسب
~~ما لا يحل نكاحه والصهر قرابة الرضاع، وتفسير الصهر بذلك مروي عن الضحاك
~~أيضا. ms07536

# { وكان ربك قديرا } مبالغا في القدرة حيث قدر على أن يخلق من
~~مادة واحدة بشرا ذا أعضاء مختلفة وطباع متباعدة، وجعله قسمين متقابلين {
~~وكان } في مثل هذا الموضع للاستمرار. وإذا قلنا بأن الجملة الإسمية
~~نفسها تفيد ذلك أيضا أفاد الكلام استمرارا على استمرار. وربما أشعر ذلك
~~بأن القدرة البالغة من مقتضيات ذاته جل وعلا. ومن العجب ما زعمه بعض من
~~يدعي التفرد بالتحقيق ممن صحبناه من علماء العصر رحمة الله تعالى عليه أن
~~{ كان } في مثله للاستمرار فيما لم يزل والجملة الاسمية للاستمرار فيما
~~لا يزال فيفيد جمعهما استمرار ثبوت الخبر للمبتدأ أزلا وأبدا، ويعلم
~~منه مبلغ الرجل في العلم.

### || [25.55]

# { ويعبدون من دون الله } الذي شأنه تعالى شأنه ما ذكر { ما
~~لا ينفعهم } إن عبدوه { ولا يضرهم } إن لم يعبدوه، والمراد
~~بذلك الأصنام أو كل ما عبد من دون الله عز وجل وما من مخلوق يستقل بالنفع
~~والضر { وكان الكفر على ربه } الذي ذكرت آثار ربوبيته جل
~~وعلا { ظهيرا } أي مظاهرا كما قال الحسن ومجاهد وابن زيد، وفعيل
~~بمعنى مفاعل كثير ومنه نديم وجليس، والمظاهرة المعاونة أي يعاون الشيطان
~~على ربه سبحانه بالعداوة والشرك، والمراد بالكافر الجنس فهو إظهار في
~~مقام الإضمار لنعي كفرهم عليهم. وقيل: هو أبو جهل والآية نزلت فيه، وقال
~~عكرمة: هو إبليس عليه اللعنة، والمراد يعاون المشركين على ربه عز وجل بأن
~~يغريهم على معصيته والشرك به عز وجل، وقيل: المراد يعاون على أولياء الله
~~تعالى. وجوز أن يكون هذا مرادا على سائر الاحتمالات في الكافر. وقيل:
~~المراد بظهيرا مهينا من قولهم: ظهرت به إذا نبذته خلف ظهرك أي كان من
~~يعبد من دون الله تعالى ما لا ينفعه ولا يضره مهينا على ربه / عز وجل لا
~~خلاق له عنده سبحانه قاله الطبري، ففعيل بمعنى مفعول، والمعروف أن {
~~ظهيرا } بمعنى معين لا بمعنى مظهور به.

### || [25.56]

# { وما أرسلنك } في حال من الأحوال { إلا } حال كونك {
~~مبشرا } للمؤمنين { ونذيرا } أي ومنذرا مبالغا في الإنذار
~~للكافرين، ولتخصيص ms07537 الإنذار بهم وكون الكلام فيهم والإشعار بغاية إصرارهم
~~على ما هم فيه من الضلال اقتصر على صيغة المبالغة فيه، وقيل: المبالغة
~~باعتبار كثرة المنذرين فإن الكفرة في كل وقت أكثر من المؤمنين. وبعضهم
~~اعتبر كثرتهم بإدخال العصاة من المؤمنين فيهم أي ونذيرا للعاصين مؤمنين
~~كانوا أو كافرين والمقام يقتضي التخصيص بالكافرين كما لا يخفى، والمراد:
~~ما أرسلناك إلا مبشرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين فلا تحزن على عدم
~~إيمانهم.

### || [25.57]

# { قل } لهم دافعا عن نفسك تهمة الانتفاع بإيمانهم { ما
~~أسئلكم عليه } أي على تبليغ الرسالة الذي ينبىء عنه الإرسال
~~أو على المذكور من التبشير والإنذار، وقيل: على القرآن { من أجر }
~~أي أجر ما من جهتكم { إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه } أي
~~إلى رحمته ورضوانه { سبيلا } أي طريقا، والاستثناء عند الجمهور منقطع
~~أي لكن ما شاء أن يتخذ إلى ربه سبحانه سبيلا أي بالإنفاق القائم مقام
~~الأجر كالصدقة والنفقة في سبيل الله تعالى ليناسب الاستدراك فليفعل، وذهب
~~البعض إلى أنه متصل، وفي الكلام مضاف مقدر أي إلا فعل من شاء أن يتخذ إلى
~~ربه سبيلا بالإيمان والطاعة حسبما أدعو إليهما، وهو مبني على الادعاء
~~وتصوير ذلك بصورة الأجر من حيث أنه مقصود الإتيان به، وهذا كالاستثناء في
~~قوله:

# ولا عيب فيهم غير أن نزيلهم

# يعاب بنسيان الأحبة والوطن

# وفي ذلك قلع كلي لشائبة الطمع وإظهار لغاية الشفقة عليهم حيث جعل ذلك مع
~~كون نفعه عائدا إليهم عائدا إليه صلى الله عليه وسلم، وقيل: المعنى ما
~~أسألكم عليه أجرا إلا أجر من آمن أي إلا الأجر الحاصل لي من إيمانه فإن
~~الدال على الخير كفاعله وحينئذ لا يحتاج إلى الادعاء والتصوير السابق،
~~والأولى ما فيه قلع شائبة الطمع بالكلية.

### || [25.58]

# { وتوكل على الحى الذى لا يموت } في الإغناء عن
~~أجورهم والاستكفاء عن شرورهم، وكأن العدول عن وتوكل على الله إلى ما في
~~النظم الجليل ليفيد بفحواه أو بترتب الحكم فيه على وصف مناسب عدم صحة
~~التوكل على غير المتصف بما ذكر من ms07538 الحياة والبقاء، أما عدم صحة التوكل
~~على من لم يتصف بالحياة كالأصنام فظاهر وأما عدم صحته على من لم يتصف
~~بالبقاء بأن كان ممن يموت فلأنه عاجز ضعيف فالمتوكل عليه أشبه شيء بضعيف
~~عاد بقرملة، وقيل: لأنه إذا مات ضاع من توكل عليه. وأخرج ابن أبي الدنيا
~~في «التوكل» والبيهقي في «شعب الإيمان» عن عقبة بن أبي ثبيت قال: مكتوب
~~في التوراة لا توكل على ابن آدم فإن ابن آدم ليس له قوام، ولكن توكل على
~~الحي الذي لا يموت. وقرأ بعض السلف هذه الآية فقال: لا يصح لذي عقل أن
~~يثق بعدها بمخلوق.

# { وسبح بحمده } أي ونزهه سبحانه ملتبسا بالثناء عليه تعالى
~~بصفات الكمال طالبا لمزيد الإنعام بالشكر على سوابغه عز وجل فالباء
~~للملابسة، والجار والمجرور في موضع الحال، وقدم التنزيه لأنه تخلية وهي
~~أهم من التحلية، وفي الحديث:

# " من قال سبحان الله وبحمده غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر "

# { وكفى به بذنوب عباده } ما ظهر منها وما بطن كما يؤذن به
~~الجمع / المضاف فإنه من صيغ العموم أو قوله تعالى: { خبيرا } لأن
~~الخبرة معرفة بواطن الأمور كما ذكره الراغب ومن علم البواطن علم الظواهر
~~بالطريق الأولى فيدل على ذلك مطابقة والتزاما. والظاهر أن { بذنوب }
~~متعلق بخبيرا وهو حال أو تمييز. وباء { به } زائدة في فاعل { كفى }
~~، وجوز أن يكون { بذنوب } صلة كفى، والجملة مسوقة لتسليته صلى الله
~~عليه وسلم ووعيد الكفار أي أنه عز وجل مطلع على ذنوب عباده بحيث لا يخفى
~~عليه شيء منها فيجازيهم عليها ولا عليك إن آمنوا أو كفروا.

### || [25.59]

# { الذى خلق السموات والأرض وما بينهما فى
~~ستة أيام ثم استوى على العرش } قد سلف تفسيره. ومحل
~~الموصول الجر على أنه صفة أخرى للحي، ووصف سبحانه بالصفة الفعلية بعد
~~وصفه جل وعلا بالأبدية التي هي من الصفات الذاتية والإشارة إلى اتصافه
~~تعالى بالعلم الشامل لتقرير وجوب التوكل عليه جل جلاله وتأكيده فإن من
~~أنشأ هذه الأجرام العظام على هذا النمط الفائق والنسق الرائق ms07539 بتدبير متين
~~وترتيب رصين في أوقات معينة مع كمال قدرته سبحانه على إبداعها دفعة بحكم
~~جليلة وغايات جميلة لا تقف على تفاصيلها العقول أحق من يتوكل عليه وأولى
~~من يفوض الأمر إليه.

# وقوله تعالى: { الرحمن } مرفوع على المدح أي هو الرحمن وهو في
~~الحقيقة وصف آخر للحي كما في قراءة زيد بن عبد الرحمن بالجر مفيد لزيادة
~~تأكيد ما ذكر من وجوب التوكل عليه جل شأنه وإن لم يتبعه في الإعراب لما
~~تقرر من أن المنصوب والمرفوع مدحا وإن خرجا عن التبعية لما قبلهما صورة
~~حيث لم يتبعاه في الإعراب وبذلك سميا قطعا لكنهما تابعان له حقيقة، ألا
~~ترى كيف التزموا حذف الفعل والمبتدأ روما لتصوير كل منهما بصورة متعلق
~~من متعلقات ما قبله وتنبيها على شدة الاتصال بينهما وإنما قطعوا
~~للافتنان الموجب لإيقاظ السامع وتحريكه إلى الجد في الإصغاء. وجوز أن
~~يكون الموصول في محل نصب على الاختصاص وأن يكون في محل رفع على أنه خبر
~~مبتدأ محذوف صفة له أو مبتدأ و { الرحمن } خبره، وجوز أن يكون {
~~الرحمن } بدلا من المستكن في { استوى } ويجوز على مذهب
~~الأخفش أن يكون { الرحمن } مبتدأ، وقوله تعالى: { فسئل به
~~خبيرا } خبره على حد تخريجه قول الشاعر:

# وقائلة خولان فانكح فتاتهم

# وهو بعيد، والظاهر أن هذه جملة منقطعة عما قبلها إعرابا، والفاء فصيحة
~~والجار والمجرور صلة اسأل. والسؤال كما يعدى بعن لتضمنه معنى التفتيش
~~يعدى بالباء لتضمنه معنى الاعتناء. وعليه قول علقمة بن عبيدة:

# فإن تسألوني بالنساء فإنني

# خبير بأدواء النساء طبيب

# فلا حاجة إلى جعلها بمعنى عن كما فعل الأخفش والزجاج، والضمير راجع إلى
~~ما ذكر إجمالا من الخلق والاستواء. والمعنى إن شئت تحقيق ما ذكر أو
~~تفصيل ما ذكر فاسأل معتنيا به خبيرا عظيم الشأن محيطا بظواهر الأمور
~~وبواطنها وهو الله عز وجل يطلعك على جلية الأمر. والمسؤول في الحقيقة
~~تفاصيل ما ذكر لا نفسه إذ بعد بيانه لا يبقى إلى السؤال حاجة ولا في
~~تعديته بالباء المبنية على تضمينه معنى ms07540 الاعتناء المستدعي لكون المسؤول
~~أمرا خطيرا مهتما بشأنه غير حاصل للسائل فائدة فإن نفس الخلق
~~والاستواء بعد الذكر ليس / كذلك كما لا يخفى.

# وكون التقدير إن شككت فيه فاسأل به خبيرا على أن الخطاب له صلى الله
~~عليه وسلم والمراد غيره عليه الصلاة والسلام بمعزل عن السداد، وقيل: {
~~به } صلة { خبيرا } قدم لرؤس الآي. وجوز أن يكون الكلام من باب
~~التجريد نحو رأيت به أسدا أي رأيت برؤيته أسدا فكأنه قيل هنا فاسأل
~~بسؤاله خبيرا، والمعنى إن سألته وجدته خبيرا، والباء عليه ليست صلة
~~فإنها باء التجريد وهي على ما ذهب إليه الزمخشري سببية والخبير عليه هو
~~الله تعالى أيضا. وقد ذكر هذا الوجه السجاوندي. واختاره صاحب «الكشف»
~~قال: وهو أوجه ليكون كالتتميم لقوله تعالى: { الذى خلق } الخ فإنه
~~لإثبات القدرة مدمجا فيه العلم، وكون ضمير (به) راجعا إلى ما ذكر من
~~الخلق والاستواء.

# والخبير في الآية هو الله تعالى مروي عن الكلبي، وروي تفسير الخبير {
~~به } تعالى عن ابن جريج أيضا. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~الخبير هو جبريل عليه السلام، وقيل: هو من وجد ذلك في الكتب القديمة
~~المنزلة من عنده تعالى أي فاسأل بما ذكر من الخلق والاستواء من علم به من
~~أهل الكتب ليصدقك، وقيل: إذا أريد بالخبير من ذكر فضمير { به } للرحمن،
~~والمعنى إن أنكروا إطلاق الرحمن عليه تعالى فاسأل به من يخبرك من أهل
~~الكتاب ليعرفوا مجيء ما يرادفه في كتبهم. وفيه أنه لا يناسب ما قبله ولأن
~~فيه عود الضمير للفظ { الرحمن } دون معناه وهو خلاف الظاهر ولأنه
~~كان الظاهر حينئذ أن يؤخر عن قوله تعالى:

# وما الرحمن

# [الفرقان: 60]. وقيل: الخبير محمد صلى الله عليه وسلم وضمير { به }
~~للرحمن؛ والمراد فاسأل بصفاته والخطاب لغيره صلى الله عليه وسلم ممن لم
~~يعلم ذلك وليس بشيء كما لا يخفى، وقيل: ضمير { به } للرحمن، والمراد
~~فاسأل برحمته وتفاصيلها عارفا يخبرك بها أو المراد فاسأل برحمته حال
~~كونه عالما بكل شيء على أن { خبيرا } حال ms07541 من الهاء لا مفعول اسأل كما
~~في الأوجه السابقة. وجوز أبو البقاء أن يكون { خبيرا } حالا من {
~~الرحمن } إذا رفع باستوى. وقال: يضعف أن يكون حالا من فاعل اسأل
~~لأن الخبير لا يسأل إلا على جهة التوكيد مثل

# وهو الحق مصدقا

# [البقرة: 91] والوجه الأقرب الأولى في الآية من بين الأوجه المذكورة لا
~~يخفى، وقرىء { فسل }.

### || [25.60]

# { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن } القائل رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم أو الله عز وجل على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام.
~~ولا يخفى موقع هذا الاسم الشريف هنا. وفيه كما قال الخفاجي: معنى «أقرب
~~ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» { قالوا } على سبيل التجاهل والوقاحة
~~{ وما الرحمن } كما قال فرعون

# وما رب العالمين

# [الشعراء: 23] حين قال له موسى عليه السلام

# إني رسول من رب العالمين

# [الأعراف: 104] وهو عالم به عز وجل كما يؤذن بذلك قول موسى عليه السلام
~~له:

# لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات
~~والأرض بصائر

# [الإسراء: 102]، والسؤال يحتمل أن يكون عن المسمى ووقع بما دون من لأنه
~~مجهول بزعمهم فهو كما يقال للشبح المرئي ما هو؟ فإذا عرف أنه من ذوي
~~العلم قيل من هو، ويحتمل أن يكون عن معنى الاسم ووقوعه بما حينئذ ظاهر.
~~وقيل: سألوا عن ذلك لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله تعالى كما يطلقون
~~الرحيم والرحوم والراحم عليه تعالى أو لأنهم ظنوا أن المراد به غيره عز
~~وجل فقد شاع فيما بينهم تسمية مسيلمة برحمن اليمامة فظنوا أنه المراد
~~بحمل التعريف على العهد. وقيل: لأنه كان عبرانيا وأصله رخمان بالخاء
~~المعجمة فعرب ولم يسمعوه. والأظهر عندي أن ذلك عن تجاهل وأن السؤال عن
~~المسمى ولذا قالوا: { أنسجد لما تأمرنا } أي للذي تأمرنا
~~بالسجود له من غير أن نعرفه. فما موصولة / والعائد محذوف. وأصل الجملة
~~المشتملة عليه ما أشرنا إليه. ثم صار تأمرنا بسجوده ثم تأمرنا سجوده
~~كأمرتك الخير ثم تأمرناه بحذف المضاف ثم تأمرنا. واعتبار الحذف تدريجا
~~مذهب أبي الحسن ومذهب سيبويه أنه حذف ms07542 كل ذلك من غير تدريج، ويحتمل أن
~~تكون (ما) نكرة موصوفة وأمر العائد على ما سمعت. ويجوز أن تكون مصدرية
~~واللام تعليلية والمسجود له محذوف أو متروك أي أنسجد له لأجل أمرك إيانا
~~أو أنسجد لأجل أمرك إيانا. وقرأ ابن مسعود والأسود بن زيد وحمزة والكسائي
~~{ يأمرنا } بالياء من تحت على أن الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا
~~القول قول بعضهم لبعض.

# { وزادهم } أي الأمر بالسجود للرحمن، والإسناد مجازي. والجملة
~~معطوفة على { قالوا } أي قالوا ذلك وزادهم { نفورا } عن الإيمان
~~وفي «اللباب» أن فاعل { زادهم } ضمير السجود لما روي أنه صلى الله
~~عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم سجدوا فتباعدوا عنهم مستهزئين،
~~وعليه فليست معطوفة على جواب { إذا } بل على مجموع الشرط والجواب كما
~~قيل: وفي  لا يستقدمون  من قوله تعالى:

# فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا
~~يستقدمون

# [الأعراف: 34] والأول أولى وأظهر.

### || [25.61]

# { تبارك الذى جعل فى السماء بروجا } الظاهر أنها
~~البروج الإثنا عشر المعروفة، وأخرج ذلك الخطيب في كتاب «النجوم» عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما، وهي في الأصل القصور العالية وأطلقت عليها
~~على طريق التشبيه لكونها للكواكب كالمنازل الرفيعة لساكنيها ثم شاع فصار
~~حقيقة فيها، وعن الزجاج أن البرج كل مرتفع فلا حاجة إلى التشبيه أو
~~النقل. واشتقاقه من التبرج بمعنى الظهور، والذي يقتضيه مشرب أهل الحديث
~~أنها في السماء الدنيا ولا مانع منه عقلا لا سيما إذا قلنا بعظم ثخنها
~~بحيث يسع الكواكب وما تقتضيه على ما ذكره أهل الهيئة وهي عندهم أقسام
~~الفلك الأعظم المسمى على ما قيل بالعرش ولم يرد فيما أعلم إطلاق السماء
~~عليه وإن كان صحيحا لغة سميت بأسماء صور من الثوابت في الفلك الثامن
~~وقعت في محاذاتها وقت اعتبار القسمة وتلك الصور متحركة بالحركة البطيئة
~~كسائر الثوابت، وقد قارب في هذه الأزمان أن تخرج كل صورة عما حاذته أولا
~~وابتداؤها عندهم من نقطة الاعتدال الربيعي وهي نقطة معينة من معدل النهار
~~لا تتحرك بحركة الفلك الثامن ملاقية لنقطة ms07543 أخرى من منقطة البروج تتحرك
~~بحركته وإذا لم يتحرك مبدأ البروج بتلك الحركة لم يتحرك ما عداها، وقد
~~جعل الله تعالى ثلاثة منها ربيعية وهي الحمل والثور والجوزاء وتسمى
~~التوأمين أيضا، وثلاثة صيفية وهي السرطان والأسد والسنبلة وتسمى العذراء
~~أيضا وهذه الستة شمالية وثلاثة خريفية وهي الميزان والعقرب والقوس ويسمى
~~الرامي أيضا، وثلاثة شتوية وهي الجدي والدلو ويسمى الدالي وساكب الماء
~~أيضا. والحوت وتسمى السمكتين وهذه الستة جنوبية، ولحلول الشمس في كل من
~~الإثني عشر يختلف الزمان حرارة وبرودة والليل والنهار طولا وقصرا وبذلك
~~يظهر بحكم جري العادة في عالم الكون والفساد آثار جليلة من نضج الثمار
~~وإدراك الزروع ونحو ذلك مما لا يخفى، ولعل ذلك هو وجه البركة في جعلها.
~~وأما ما يزعمه أهل الأحكام من الآثار إذا كان شيء منها طالعا وقت
~~الولادة أو شروع في عمل من الأعمال أو وقت حلول الشمس نقطة الحمل الذي هو
~~مبدأ السنة الشمسية في المشهور فهو محض ظن ورجم بالغيب وسيأتي إن شاء
~~الله تعالى الكلام في ذلك مفصلا، ولهم في تقسيمها إلى مذكر ومؤنث وليلي
~~ونهاري وحار / وبارد وسعد ونحس إلى غير ذلك كلام طويل ولعلنا نذكر شيئا
~~منه بعد إن شاء الله تعالى، ومن أراده مستوفى فليرجع إلى «كتبهم».

# ثم الظاهر أن البروج المجعولة مما لا دخل للاعتبار فيها، والمذكور في
~~كلام أهل الهيئة أنها حاصلة من اعتبار فرض ست دوائر معلومة قاطعة للعالم
~~فيكون للاعتبار دخل فيها وإن لم تكن في ذلك كأنياب الأغوال لوجود مبدأ
~~الانتزاع فيها فإن كان الأمر على هذا الطرز عند أهل الشرع بأن يعتبر
~~تقسيم ما هي فيه إلى اثنتي عشرة قطعة وتسمى كل قطعة برجا فالظاهر أن
~~المراد بجعله تعالى إياها جعل ما يتم به ذلك الاعتبار ويتحقق به أمر
~~التفاوت والاختلاف بين تلك البروج، وفيه من الخير الكثير ما فيه، وقيل:
~~إن في الآية إيماء إلى أن اعتبار التقسيم كان عن وحي، والمشهور أن من
~~اعتبر ذلك أولا هرمس وهو على ms07544 ما قيل إدريس عليه السلام فتأمل.

# وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أن البروج قصور على أبواب السماء فيها
~~الحرس، وقيل: هي القصور في الجنة، قال الأعمش: وكان أصحاب عبد الله
~~يقرؤون { في السماء قصورا } وتعقب بأنه يأباه السياق لأن الآية قد سيقت
~~للتنبيه على ما يقوم به الحجة على الكفرة الذين لا يسجدون للرحمن جل شأنه
~~وبيان أنه المستحق للسجود ببيان آثار قدرته سبحانه وكماله جل جلاله،
~~والظاهر أن يكون ذلك بذكر أمور مدركة معلومة لهم وتلك القصور ليست كذلك،
~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد أنها النجوم، وروي ذلك عن قتادة
~~أيضا، وعن أبي صالح تقييدها بالكبار وأطلق عليها ذلك لعظمها وظهورها لا
~~سيما التي من أول المراتب الثلاثة للقدر الأول من الأقدار الستة. وأنت
~~تعلم أنه لم يعهد إطلاق البروج على النجوم فالأولى أن يراد بها المعنى
~~الأول المروي عن ابن عباس الذي هو أظهر من الشمس.

# { وجعل فيها } أي في السماء، وقيل: في البروج { سراجا } هي
~~الشمس كقوله تعالى:

# وجعل الشمس سراجا

# [نوح: 16] وقرأ عبد الله وعلقمة والأعمش والأخوان { سرجا } بالجمع
~~مضموم الراء، وقرأ الأعمش أيضا والنخعي وابن وثاب كذلك إلا أنهم سكنوا
~~الراء وهو على ما قيل من قبيل:

# إن إبرهيم كان أمة

# [النحل: 120] لأن الشمس لعظمها وكمال إضاءتها لأنها سرج كثيرة أو الجمع
~~باعتبار الأيام والمطالع، وقد جمعت لهذين الأمرين في قول الشاعر:

# لمعان برق أو شعاع شموس

# وعلى هذا القول تتحد القراءتان، وقال بعض الأجلة: الجمع على ظاهره،
~~والمراد به الشمس والكواكب الكبار، ومنهم من فسره بالكواكب الكبار،
~~واعترض على الأول بأنه يلزم تخصيص القمر بالذكر في قوله تعالى: {
~~وقمرا منيرا } بعد دخوله في السرج، والمناسب تخصيص الشمس لكمال
~~مزيتها على ما سواها. ورد بأنه بعد تسليم دخوله في السرج خص بالذكر لأن
~~سنيهم قمرية ولذا يقدم الليل على النهار وتعتبر الليلة لليوم الذي بعدها
~~فهم أكثر عناية به مع أنه على ما ذكره يلزمه ترك ذكر الشمس وهي أحق
~~بالذكر من ms07545 غيرها والاعتذار عنه بأنها لشهرتها كأنها مذكورة ولذا لم تنظم
~~مع غيرها في قرن لا يجدي.

# والقمر معروف ويطلق عليه بعد الليلة الثالثة إلى آخر الشهر، قيل: وسمي
~~بذلك لأنه يقمر ضوء الكواكب، وفي «الصحاح» لبياضه. وفي وصفه ما يشعر
~~بالاعتناء به. وعلى الفرق المشهور بين الضوء والنور يكون في وصفه بمنيرا
~~دون مضيئا إشارة إلى أن ما يشاهد فيه مستفاد / من غيره وهو الشمس بل قال
~~غير واحد: إن نور جميع الكواكب مستفاد منها وإن لم يظهر اختلاف تشكلاته
~~بالقرب والبعد منها كما في نور القمر.

# وقرأ الحسن والأعمش والنخعي وعصمة عن عاصم { وقمرا } بضم القاف
~~وسكون الميم؛ واستظهر أبو حيان أنها لغة في القمر كالرشد والرشد والعرب
~~والعرب، وقيل: هو جمع قمراء وهي الليلة المنيرة بالقمر والكلام على حذف
~~مضاف أي وذا قمر أي صاحب ليال قمر، والمراد بهذا الصاحب القمر نفسه ويكون
~~قوله سبحانه: { منيرا } صفة لذلك المضاف المحذوف لأن المحذوف قد
~~يعتبر بعد حذفه كما في قول حسان رضي الله تعالى عنه:

# بردى يصفق بالرحيق السلسل

# فإنه يريد ماء بردى ولذا قال يصفق بالياء من تحت ولو لم يراع المضاف
~~لقال تصفق بالتاء.

### || [25.62]

# { وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة } أي ذوي خلفة
~~يخلف كل منهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه. وروي هذا عن
~~ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير. وقيل: بأن يعقبه ويجيء بعده وهو اسم
~~للحالة من خلف كالركبة والجلسة من ركب وجلس ونصبه على أنه مفعول ثان لجعل
~~أو حال إن كان بمعنى خلق. وجعله بعضهم بمعنى اختلافا والمراد الاختلاف
~~في الزيادة والنقصان كما قيل أو في السواد والبياض كما روي عن مجاهد أو
~~فيما يعم ذلك وغيره كما هو محتمل؛ وفي «البحر» يقال: بفلان خلفة واختلاف
~~إذا اختلف كثيرا إلى متبرزه. ومن هذا المعنى قول زهير:

# بها العين والآرام يمشين خلفة

# وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم

# وقول الآخر يصف امرأة تنتقل من منزل في الشتاء إلى منزل في ms07546 الصيف دأبا:

# ولها بالماطرون إذا

# أكل النمل الذي جمعا

# خلفة حتى إذا ارتبعت

# سكنت من جلق بيعا

# في بيوت وسط دسكرة

# حولها الزيتون قد ينعا

# انتهى. وجوز عليه أن يكون المراد يذهب كل منهما ويجيء كثيرا. واعتبار
~~المضاف المقدر على حاله وكذا فيما قبله. وفي «القاموس» الخلف والخلفة
~~بالكسر المختلف، وعليه لا حاجة إلى تقدير المضاف، والمعنى جعلهما مختلفين
~~والإفراد لكونه مصدرا في الأصل.

# { لمن أراد أن يذكر } أي ليكونا وقتين للمتذكر من فاته
~~ورده من العبادة في أحدهما تداركة في الآخر، وروي هذا عن جماعة من السلف،
~~وروى الطيالسي وابن أبي حاتم أن عمر رضي الله تعالى عنه أطال صلاة الضحى
~~فقيل له صنعت شيئا لم تكن تصنعه قال: إنه بقي علي من وردى شيء فأحببت
~~أن أتمه أو قال: أقضيه وتلا هذه الآية. وكأن التذكر مجاز عن أداء ما فات
~~وهو مما يتوقف الأداء عليه، وفي الكلام تقدير كما أشير إليه. ويجوز أن
~~يكون تقدير معنى لا إعراب.

# { أو أراد شكورا } أن يشكر الله تعالى بأداء نوع من العبادة لم
~~يكن وردا له. وفي «مجمع البيان» المعنى لمن أراد النافلة بعد أداء
~~الفريضة، ويجوز أن يكون المعنى لمن أراد أن يتذكر ويتفكر في بدائع صنع
~~الله تعالى فيعلم أنه لا بد لما ذكر من صانع حكيم واجب الذات ذي رحمة على
~~العباد أو أراد أن يشكر الله سبحانه على ما فيهما من النعم وهو وجه حسن
~~يكاد لا يلتفت لغيره لو لم يكن مأثورا، والظاهر أن اللام على هذا صلة {
~~جعل } ولما كان ظهور فائدة ذلك لمن أراد التذكر أو أراد الشكر اقتصر
~~عليه، وجوز أن تكون للتعليل و { أو } للتنويع على معنى الاشتمال على /
~~هذين المعنيين أو للتخيير على معنى الاستقلال بكل ولا منع من الاجتماع.
~~وفائدة هذا الأسلوب إفادة الاستقلال ولو ذكر الواو بدلها لتوهم المعية،
~~ولعل في التعبير أولا بأن والفعل دون المصدر الصريح كما في الشق الثاني
~~مع أنه أخصر إيماء إلى الاعتناء بأمر ms07547 التذكر فتذكر.

# وقرأ أبي بن كعب { أن يتذكر } وهو أصل ليذكر فابدل التاء ذالا
~~وأدغم. وقرأ النخعي وابن وثاب وزيد بن علي وطلحة وحمزة { أن يذكر
~~} مضارع ذكر الثلاثي بمعنى تذكر.

### || [25.63]

# { وعباد الرحمن } كلام مستأنف لبيان أوصاف خلص عباد الله
~~تعالى وأحوالهم الدنيوية والأخروية بعد بيان حال النافرين عن عبادته
~~سبحانه والسجود له عز وجل، وإضافتهم إلى الرحمن دون غيره من أسمائه تعالى
~~وضمائره عز وجل لتخصيصهم برحمته أو لتفضيلهم على من عداهم لكونهم مرحومين
~~منعما عليهم كما يفهم من فحوى الإضافة إلى مشتق. وفي ذلك أيضا تعريض
~~بمن قالوا:

# وما الرحمن

# [الفرقان: 60] والأكثرون أن عبادا هنا جمع عبد، وقال ابن بحر: جمع عابد
~~كصاحب وصحاب وراجل ورجال ويوافقه قراءة اليماني { وعباد } بضم العين
~~وتشديد الباء فإنه جمع عابد بالإجماع وهو على هذا من العبادة وهي أن يفعل
~~ما يرضاه الرب وعلى الأول من العبودية وهي أن يرضي ما يفعله الرب، وقال
~~الراغب: العبودية إظهار التذلل والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل.
~~وفرق بعضهم بينهما بأن العبادة فعل المأمورات وترك المنهيات رجاء الثواب
~~والنجاة من العقاب بذلك والعبودية فعل المأمورات وترك المنهيات لا لما
~~ذكر بل لمجرد إحسان الله تعالى عليه. قيل: وفوق ذلك العبودة وهو فعل
~~وترك ما ذكر لمجرد أمره سبحانه ونهيه عز وجل واستحقاقه سبحانه الذاتي لأن
~~يعظم ويطاع، وإليه الإشارة بقوله تعالى:

# فصل لربك

# [الكوثر: 2] وقرأ الحسن { وعبد } بضم العين والباء وهو كما قال الأخفش
~~جمع عبد كسقف وسقف وأنشد:

# أنسب العبد إلى آبائه

# أسود الجلدة من قوم عبد

# وهو على كل حال مبتدأ وفي خبره قولان: الأول أنه ما في آخر السورة
~~الكريمة من الجملة المصدرة باسم الإشارة، والثاني وهو الأقرب أنه قوله
~~تعالى: { الذين يمشون على الأرض هونا } والهون مصدر
~~بمعنى اللين والرفق. ونصبه إما على أنه نعت لمصدر محذوف أي مشيا هونا
~~أو على أنه حال من ضمير { يمشون } والمراد يمشون هينين في تؤدة
~~وسكينة ووقار وحسن سمت لا يضربون بأقدامهم ولا ms07548 يخفقون بنعالهم أشرا
~~وبطرا، وروي نحو هذا عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والفصيل بن عياض وغيرهم،
~~وعن الإمام أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه أن الهون مشي الرجل بسجيته
~~التي جبل عليها لا يتكلف ولا يتبختر. وأخرج الآمدي في «شرح ديوان الأعشى»
~~بسنده عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه رأى غلاما يتبختر في مشيته فقال
~~له: إن البخترة مشية تكره إلا في سبيل الله تعالى وقد مدح الله تعالى
~~أقواما بقوله سبحانه: { وعباد الرحمن الذين يمشون
~~على الأرض هونا } فاقصد في مشيتك. وقيل: المشي الهون مقابل
~~السريع وهو مذموم. فقد أخرج أبو نعيم في «الحلية» عن أبي هريرة وابن
~~النجار عن ابن عباس قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن "

# وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران إن { هونا } بمعنى حلماء
~~بالسريانية فيكون حالا لا غير. والظاهر / أنه عربي بمعنى اللين والرفق.
~~وفسره الراغب بتذلل الإنسان في نفسه لما لا يلحق به غضاضة وهو الممدوح
~~ومنه الحديث

# " المؤمن هين لين "

# والظاهر بقاء المشي على حقيقته وأن المراد مدحهم بالسكينة والوقار فيه
~~من غير تعميم. نعم يلزم من كونهم يمشون كذلك أنهم هينون لينون في سائر
~~أمورهم بحكم العادة على ما قيل. واختار ابن عطية أن المراد مدحهم بعدم
~~الخشونة والفظاظة في سائر أمورهم وتصرفاتهم. والمراد أنهم يعيشون بين
~~الناس هينين في كل أمورهم. وذكر المشي لما أنه انتقال في الأرض وهو
~~يستدعي معاشرة الناس ومخالطتهم واللين مطلوب فيها غاية الطلب. ثم قال:
~~وإما أن يكون المراد مدحهم بالمشي وحده هونا فباطل فكم ماش هونا رويدا
~~وهو ذئب أطلس. وقد كان صلى الله عليه وسلم يتكفأ في مشيه كأنما يمشي في
~~صبب وهو عليه الصلاة والسلام الصدر في هذه الآية. وفيه بحث من وجهين فلا
~~تغفل. وقرأ اليماني والسلمي { يمشون } مبنيا للمفعول مشددا.

# { وإذا خاطبهم الجهلون } أي السفهاء وقليلو الأدب كما في
~~قوله:

# ألا لا يجهلن أحد علينا

# فنجهل فوق جهل الجاهلينا ms07549

# { قالوا سلاما } بيان لحالهم في المعاملة مع غيرهم إثر بيان حالهم
~~في أنفسهم أو بيان لحسن معاملتهم وتحقيق للينهم عند تحقق ما يقتضي خلاف
~~ذلك إذا خلي الإنسان وطبعه أي إذا خاطبوهم بالسوء قالوا تسلما منكم
~~ومتاركة لا خير بيننا وبينكم ولا شر، فسلاما مصدر أقيم مقام التسليم وهو
~~مصدر مؤكد لفعله المضمر، والتقدير نتسلم تسلما منكم، والجملة مقول
~~القول. وإلى هذا ذهب سيبويه في «الكتاب» ومنع أن يراد السلام المعروف بأن
~~الآية مكية والسلام في النساء وهي مدنية ولم يؤمر المسلمون بمكة أن
~~يسلموا على المشركين. وقال الأصم: هو سلام توديع لا تحية كقول إبراهيم
~~عليه السلام لأبيه

# سلم عليك

# [مريم: 47] ولا يخفى أنه راجع إلى المتاركة وهو كثير في كلام العرب.
~~وقال مجاهد: المراد قالوا قولا سديدا. وتعقب بأن هذا تفسير غير سديد
~~لأن المراد ههنا يقولون هذه اللفظة لا أنهم يقولون قولا ذا سداد بدليل
~~قوله تعالى:

# سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين

# [القصص: 55]. ورده صاحب «الكشف» بأن تلك الآية لا تخالف هذا التفسير فإن
~~قولهم { سلام عليكم } من سداد القول أيضا كيف والظاهر أن خصوص
~~اللفظ غير مقصود بل هو أو ما يؤدي مؤداه أيضا من كل قول يدل على
~~المتاركة مع الخلو عن الإثم واللغو وهو حسن لا غبار عليه.

# وفي بعض التواريخ كما في «البحر» أن إبراهيم بن المهدي كان منحرفا عن
~~علي كرم الله تعالى وجهه فرآه في النوم قد تقدم إلى عبور قنطرة فقال له:
~~إنما تدعي هذا الأمر بامرأة ونحن أحق به منك فحكى ذلك على المأمون ثم
~~قال: ما رأيت له بلاغة في الجواب كما يذكر عنه فقال له المأمون: فما
~~أجابك به قال: كان يقول لي: سلاما سلاما فقال المأمون: يا عم قد أجابك
~~بأبلغ جواب ونبهه على هذه الآية فخزي إبراهيم واستحي عليه من الله تعالى
~~ما يستحق، والظاهر أن المراد مدحهم بالإغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم في
~~الكلام ولا تعرض في الآية لمعاملتهم مع الكفرة فلا تنافي آية ms07550 القتال
~~ليدعي نسخها بها لأنها مكية وتلك مدنية.

# ونقل عن أبي العالية واختاره ابن عطية أنها نسخت بالنظر إلى الكفرة
~~بآية القتال.

### || [25.64]

# وقوله تعالى: { والذين يبيتون لربهم سجدا وقيما
~~} بيان لحالهم في معاملتهم مع ربهم. وكان الحسن إذا قرأ ما تقدم يقول:
~~هذا وصف نهارهم وإذا قرأ هذه قال: هذا وصف ليلهم والبيتوتة أن يدركك
~~الليل / نمت أو لم تنم و { لربهم } متعلق بما بعده. وقدم للفاصلة
~~والتخصيص. والقيام جمع قائم أو مصدر أجري مجراه أي يبيتون ساجدين وقائمين
~~لربهم سبحانه أي يحيون الليل كلا أو بعضا بالصلاة، وقيل: من قرأ شيئا
~~من القرآن بالليل في صلاة فقد بات ساجدا وقائما، وقيل: أريد بذلك فعل
~~الركعتين بعد المغرب والركعتين بعد العشاء، وقيل: من شفع وأوتر بعد أن
~~صلى العشاء فقد دخل في عموم الآية. وبالجملة في الآية حض على قيام الليل
~~في الصلاة. وقدم السجود على القيام ولم يعكس وإن كان متأخرا في الفعل
~~لأجل الفواصل ولأنه أقرب ما يكون العبد فيه من ربه سبحانه وإباء
~~المستكبرين عنه في قوله تعالى:

# وإذا قيل

# [الفرقان: 60] الآية. وقرأ أبو البرهسم { سجودا } على وزن قعودا وهو
~~أوفق بقياما.

### || [25.65]

# { والذين يقولون } في أعقاب صلواتهم أو في عامة أوقاتهم {
~~ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان
~~غراما } أي لازما كما أخرجه الطستي عن ابن عباس وأنشد رضي الله تعالى
~~عنه في ذلك قول بشر بن أبي خازم:

# ويوم النسار ويوم الجفار

# كانا عذابا وكانا غراما

# ومثله قول الأعشى:

# إن يعاقب يكن غراما وان يع

# ط جزيلا فإنه لا يبالي

# وهذا اللزوم إما للكفار أو المراد به الامتداد كما في لزوم الغريم. وفي
~~رواية أخرى عنه تفسيره بالفظيع الشديد. وفسره بعضهم بالمهلك، وفي حكاية
~~قولهم هذا مزيد مدح لهم ببيان أنهم مع حسن معاملتهم مع الخلق واجتهادهم
~~في عبادة الحق يخافون العذاب ويبتهلون إلى ربهم عز وجل في صرفه عنهم غير
~~محتفلين بأعمالهم كقوله تعالى:

# والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم
~~إلى ms07551 ربهم رجعون

# [المؤمنون: 60] وفي ذلك تحقيق إيمانهم بالبعث والجزاء، والظاهر أن قوله
~~تعالى: { إن عذابها } الخ من كلام الداعين وهو تعليل لاستدعائهم
~~المذكور بسوء حال عذابها، وكذا قوله تعالى: { إنها ساءت
~~مستقرا ومقاما }.

### || [25.66]

# وهو تعليل لذلك بسوء حالها في نفسها. وترك العطف للإشارة إلى أن كلا
~~منهما مستقل بالعلية، وقيل: تعليل لما علل به أولا، وضعفه ابن هشام في
~~«التذكرة» بأنه لا مناسبة بين كون الشيء غراما وكونه ساء مستقرا. وأجيب
~~بأنه بملاحظة اللزوم والمقام فإن المقام من شأنه اللزوم، وقيل: كلتا
~~الجملتين من كلامه تعالى ابتداء علل بهما القول على نحو ما تقدم أو علل
~~ذلك بأولاهما وعللت الأولى بالثانية، وجوز كون إحداهما مقولة والأخرى
~~ابتدائية والكل كما ترى. و { ساءت } في حكم بئست والمخصوص بالذم محذوف
~~تقديره هي وهو الرابط لهذه الجملة بما هي خبر عنه إن لم يكن ضمير القصة.
~~و { مستقر } تمييز وفيها ضمير مبهم عائد على { مستقرا }
~~مفسر به وأنث لتأويل المستقر بجهنم أو مطابقة للمخصوص، ألا ترى إلى ذي
~~الرمة كيف أنث الزورق على تأويل السفينة حيث كان المخصوص مؤنثا في قوله:

# أو حرة عيطل ثبجاء مجفرة

# دعائم الزور نعمت زورق البلد

# قيل: ويجوز أن تكون { ساءت } بمعنى أحزنت فهي فعل متصرف متعد وفاعله
~~ضمير جهنم ومفعوله محذوف أي أحزنت أهلها وأصحابها و { مستقرا }
~~تمييز أو حال وهو مصدر بمعنى الفاعل أو اسم مكان وليس بذاك. والظاهر أن {
~~مستقرا } ومقاما كقوله:

# وألفى قولها كذبا ومينا

# وحسنه كون المقام يستدعي التطويل أو كونه فاصلة. وقيل: المستقر للعصاة
~~والمقام للكفرة و(إن) في الموضعين للاعتناء بشأن الخبر. وقرأت فرقة {
~~ومقاما } / بفتح الميم أي مكان قيام.

### || [25.67]

# { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا } أي لم يتجاوزوا حد
~~الكرم { ولم يقتروا } أي ولم يضيقوا تضييق الشحيح، وقال أبو عبد
~~الرحمن الجيلي: الإسراف هو الإنفاق في المعاصي والقتر الإمساك عن طاعة،
~~وروي نحو ذلك عن ابن عباس ومجاهد وابن زيد، وقال عون بن عبد الله بن
~~عتبة: الإسراف أن تنفق ms07552 مال غيرك. وقرأ الحسن وطلحة والأعمش وحمزة
~~والكسائي وعاصم { يقتروا } بفتح الياء وضم التاء ومجاهد وابن كثير وأبو
~~عمرو بفتح الياء وكسر التاء ونافع وابن عامر بضم الياء وكسر التاء (وقرأ
~~العلاء ابن سبابة واليزيدي بضم الياء وفتح القاف وكسر التاء) مشددة وكلها
~~لغات في التضييق. وأنكر أبو حاتم لغة أقتر رباعيا هنا وقال: إنما يقال
~~أقتر إذا افتقر ومنه

# وعلى المقتر قدره

# [البقرة: 236] وغاب عنه ما حكاه الأصمعي وغيره من أقتر بمعنى ضيق.

# { وكان } إنفاقهم { بين ذلك } المذكور من الإسراف والقتر {
~~قواما } وسطا وعدلا سمي به لاستقامة الطرفين وتعادلهما كأن كلا
~~منهما يقاوم الآخر كما سمي سواء لاستوائهما. وقرأ حسان { قواما } بكسر
~~القاف، فقيل: هما لغتان بمعنى واحد وقيل: هو بالكسر ما يقام به الشيء،
~~والمراد به هنا ما يقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص. وهو خبر ثان
~~لكان مؤكد للأول وهو { بين ذلك } أو هو الخبر و { بين ذلك }
~~إما معمول لكان على مذهب من يرى أن كان الناقصة تعمل في الظرف وإما حال
~~من { قواما } لأنه لو تأخر لكان صفة، وجوز أن يكون ظرفا لغوا
~~متعلقا به أو { بين ذلك } هو الخبر و { قواما } حال مؤكدة،
~~وأجاز الفراء أن يكون «بين ذلك» اسم كان وبني لإضافته إلى مبني كقوله
~~تعالى:

# ومن خزى يومئذ

# [هود: 66] في قراءة من فتح الميم. ومنه قول الشاعر:

# لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت

# حمامة في غصون ذات أوقال

# وتعقبه الزمخشري بأنه من جهة الإعراب لا بأس له ولكن المعنى ليس بقوي
~~لأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة فليس في الخبر الذي هو معتمد
~~الفائدة فائدة. وحاصله أن الكلام عليه من باب كان الذاهب جاريته صاحبها
~~وهو غير مفيد. ولا يخفى أنه غير وارد على قراءة «قواما» بالكسر على
~~القول الثاني فيه وعلى غير ذلك متجه. وما قيل من أنه من باب شعري شعري
~~والمعنى كان قواما معتبرا مقبولا غير مقبول لأنه مع بعده إنما ورد
~~فيما اتحد ms07553 لفظه وما نحن فيه ليس كذلك. وكذا ما قيل: إن «بين ذلك» أعم من
~~القوام بمعنى العدل الذي يكون نسبة كل واحد من طرفيه إليه على السواء فإن
~~ما بين الاقتار والإسراف لا يلزم أن يكون قواما بهذا المعنى إذ يجوز أن
~~يكون دون الإسراف بقليل وفوق الإقتار بقليل فإنه تكلف أيضا إذ ما بينهما
~~شامل لحاق الوسط وما عداه كالوسط من غير فرق ومثله لا يستعمل في
~~المخاطبات لإلغازه، وقيل: لأنه بعد تسليم جواز الإخبار عن الأعم بالأخص
~~يبعد أن يكون مدحهم بمراعاة حاق الوسط مع ما فيه من الحرج الذي نفي عن
~~الإسلام.

# وفيه أنه لا شك في جواز الاخبار عن الأعم بالأخص نحو الذي جاءني زيد
~~والقائل لم يرد إلحاق الحقيقي بل التقريبي كما يدل عليه قوله بقليل ولا
~~حرج في مثله فتأمل.

# ولعل الإخبار عن إنفاقهم بما ذكر بعد قوله تعالى: { إذا أنفقوا
~~لم يسرفوا ولم يقتروا } المستلزم لكون / إنفاقهم كذلك
~~للتنصيص على أن فعلهم من خير الامور فقد شاع «خير الأمور أوساطها»،
~~والظاهر أن المراد بالإنفاق ما يعم إنفاقهم على أنفسهم وإنفاقهم على
~~غيرها والقوام في كل ذلك خير، وقد أخرج أحمد والطبراني عن أبي الدرداء
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم:

# " من فقه الرجل رفقه في معيشته "

# وأخرج ابن ماجه في «سننه» عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت "

# وحكي عن عبد الملك بن مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز عليه الرحمة حين
~~زوجه ابنته فاطمة ما نفقتك فقال له عمر: الحسنة بين السيئتين ثم تلا
~~الآية. وقد مدح الشعراء التوسط في الأمور والاقتصاد في المعيشة قديما
~~وحديثا، ومن ذلك قوله:

# ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد

# كلا طرفي قصد الأمور ذميم

# وقول حاتم:

# إذا أنت قد أعطيت بطنك سؤله

# وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا

# وقول الآخر:

# إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت

# ولم ينهها تاقت إلى كل باطل

# وساقت ms07554 إليه الإثم والعار بالذي

# دعته إليه من حلاوة عاجل

# إلى غير ذلك.

### || [25.68]

# { والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر } أي لا
~~يشركون به غيره سبحانه. { ولا يقتلون النفس التى حرم
~~الله } أي حرمها الله تعالى بمعنى حرم قتلها لأن التحريم إنما يتعلق
~~بالأفعال دون الذوات فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه مبالغة في
~~التحريم { إلا بالحق } متعلق بلا يقتلون والاستثناء مفرغ من أعم
~~الأسباب أي لا يقتلونها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق المزيل لحرمتها
~~وعصمتها كالزنا بعد الإحصان والكفر بعد الإيمان، وجوز أن يكون صفة لمصدر
~~محذوف أي لا يقتلونها نوعا من القتل إلا قتلا ملتبسا بالحق وأن يكون
~~حالا أي لا يقتلونها في حال من الأحوال إلا حال كونهم ملتبسين بالحق.
~~وقيل: يجوز أن يكون متعلقا بالقتل المحذوف والاستثناء أيضا من أعم
~~الأسباب أي لا يقتلون النفس التي حرم الله تعالى قتلها بسبب من الأسباب
~~إلا بسبب الحق. ويكون الاستثناء مفرغا في الإثبات لاستقامة المعنى
~~بإرادة العموم أو لكون حرم نفيا معنى, ولا يخفى ما فيه من التكلف {
~~ولا يزنون } ولا يطؤن فرجا محرما عليهم.

# والمراد من نفي هذه القبائح العظيمة التعريض بما كان عليه أعداؤهم من
~~قريش وغيرهم وإلا فلا حاجة إليه بعد وصفهم بالصفات السابقة من حسن
~~المعاملة وإحياء الليل بالصلاة ومزيد خوفهم من الله تعالى لظهور
~~استدعائها نفي ما ذكر عنهم. ومنه يعلم حل ما قيل الظاهر عكس هذا الترتيب
~~وتقديم التخلية على التحلية فكأنه قيل: والذين طهرهم الله تعالى وبرأهم
~~سبحانه مما أنتم عليه من الإشراك وقتل النفس المحرمة كالموؤدة والزنا.
~~وقيل: إن التصريح بنفي الإشراك مع ظهور إيمانهم لهذا أو لإظهار كمال
~~الاعتناء والإخلاص وتهويل أمر القتل والزنا بنظمهما في سلكه، وقد صح من
~~رواية البخاري ومسلم والترمذي

# " عن ابن مسعود قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أكبر؟
~~قال: أن تجعل لله تعالى ندا وهو خلقك قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك
~~خشية أن يطعم معك قلت: ms07555 ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك فأنزل الله تعالى
~~تصديق ذلك { والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر }
~~الآية> "

# وأخرج الشيخان وأبو داود والنسائي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن
~~ناسا من أهل الشرك قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا ثم أتوا محمدا صلى
~~الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما
~~عملنا كفارة فنزلت { والذين لا يدعون مع الله إلها
~~ءاخر } الآية ونزلت

# قل يأ عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم

# [الزمر: 53] الآية.

# وقد ذكر الإمام الرازي أن ذكر هذا بعد ما تقدم لأن الموصوف بتلك الصفات
~~قد يرتكب هذه الأمور تدينا فبين سبحانه أن المكلف لا يصير بتلك الخلال
~~وحدها من عباد الرحمن حتى ينضاف إلى ذلك كونه مجانبا لهذه الكبائر وهو
~~كما ترى.

# وجوز أن يقال في وجه تقديم التحلية على التخلية كون الأوصاف المذكورة في
~~التحلية أوفق بالعبودية التي جعلت عنوان الموضوع لظهور دلالتها على ترك
~~الأنانية ومزيد الانقياد والخوف والاقتصاد في التصرف بما أذن المولى
~~بالتصرف فيه. ولا يأبى هذا قصد التعريض بما ذكر في التخلية. ويؤيد هذا
~~القصد التعقيب بقوله عز وجل: { ومن يفعل ذلك يلق أثاما }
~~أي ومن يفعل ما ذكر يلق في الآخرة عقابا لا يقادر قدره. وتفسير الأثام
~~بالعقاب مروي عن قتادة وابن زيد ونقله أبو حيان عن أهل اللغة وأنشد قوله:

# جزى الله ابن عورة حيث أمسى

# عقوقا والعقوق له أثام

# وأخرج ابن الأنبارى عن ابن عباس أنه فسره لنافع بن الأزرق بالجزاء وأنشد
~~قول عامر بن الطفيل:

# وروينا الأسنة من صداه

# ولاقت حمير منا أثاما

# والفرق يسير. وقال أبو مسلم: الأثام الإثم والكلام عليه على تقدير مضاف
~~أي جزاء أثام أو هو مجاز من ذكر السبب وإرادة المسبب، وقال الحسن: هو اسم
~~من أسماء جهنم، وقيل: اسم بئر فيها، وقيل: اسم جبل. وروى جماعة عن عبد
~~الله بن عمر ومجاهد أنه واد في جهنم، وقال مجاهد: فيه قيح ودم. وأخرج ابن
~~المبارك ms07556 في «الزهد» عن شفى الأصبحي أن فيه حيات وعقارب في فقار إحداهن
~~مقدار سبعين قلة من سم والعقرب منهن مثل البغلة الموكفة، وعن عكرمة اسم
~~لأودية في جهنم فيها الزناة.

# وقرىء «يلق» بضم الياء وفتح اللام والقاف مشددة. وقرأ ابن مسعود وأبو
~~رجاء «يلقى» بألف كأنه نوى حذف الضمة المقدرة على الألف فأقرت الألف.
~~وقرأ أبو مسعود أيضا { أياما } جمع يوم يعني شدائد، واستعمال الأيام
~~بهذا المعنى شائع ومنه يوم ذو أيام وأيام العرب لوقائعهم ومقاتلتهم.

### || [25.69]

# { يضعف له العذاب يوم القيمة } بدل من

# يلق

# [الفرقان: 68] بدل كل من كل أو بدل اشتمال. وجاء الإبدال من المجزوم
~~بالشرط في قوله:

# متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا

# تجد حطبا جزلا ونارا تأججا

# { ويخلد فيه } أي في ذلك العذاب المضاعف { مهانا } ذليلا
~~مستحقرا فيجتمع له العذاب الجسماني والروحاني. وقرأ الحسن وأبو جعفر
~~وابن كثير { يضعف } بالياء والبناء للمفعول وطرح الألف والتضعيف.
~~وقرأ شيبة وطلحة بن سليمان وأبو جعفر أيضا { نضعف } بالنون مضمومة وكسر
~~العين مضعفة و { العذاب } بالنصب، وطلحة بن مصرف «يضاعف» مبنيا
~~للفاعل و { العذاب } بالنصب. وقرأ طلحة بن سليمان { وتخلد } بتاء
~~الخطاب على الالتفات المنبىء عن شدة الغضب مرفوعا. وقرأ أبو حيوة {
~~وتخلد } مبنيا للمفعول مشدد اللام مجزوما. ورويت عن أبي عمرو، وعنه
~~كذلك مخففا. وقرأ أبو بكر عن عاصم { يضاعف... ويخلد } بالرفع فيهما،
~~وكذا ابن عامر والمفضل عن عاصم { يضاعف... ويخلد } مبنيا للمفعول
~~مرفوعا مخففا. والأعمش / بضم الياء مبنيا للمفعول مشددا مرفوعا وقد
~~عرفت وجه الجزم، وأما الرفع فوجهه الاستئناف، ويجوز جعل الجملة حالا من
~~فاعل

# يلق

# [الفرقان: 68]، والمعنى يلق أثاما مضاعفا له العذاب، ومضاعفته مع قوله
~~تعالى:

# وجزاء سيئة سيئة مثلها

# [الشورى: 40] وقوله سبحانه:

# ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها

# [الأنعام: 160] قيل لانضمام المعصية إلى الكفر، ويدل عليه قوله تعالى.

### || [25.70]

# { إلا من تاب وءامن وعمل عملا صلحا } فإن استثناء
~~المؤمن يدل على اعتبار الكفر في المستثنى منه. وأورد عليه أن تكرر لا
~~النافية يفيد نفي كل ms07557 من تلك الأفعال بمعنى لا يوقعون شيئا منها فيكون

# ومن يفعل ذلك

# [الفرقان: 68] بمعنى ومن يفعل شيئا من ذلك ليتحد مورد الإثبات والنفي
~~فلا دلالة على الانضمام، والمستثنى من جمع بين ما ذكر من الإيمان والتوبة
~~والعمل الصالح فيكون المستثنى منه غير جامع لها، فلعل الجواب أن المضاعفة
~~بالنسبة إلى عذاب ما دون المذكورات.

# وتعقب بأن الجواب المذكور لا بعد فيه وإن لم يذكر ما دونها إلا أن
~~الإيراد ليس بشيء لأن الكلام تعريض للكفرة ومن يفعل شيئا من ذلك منهم
~~فقد ضم معصيته إلى كفره ولو لم يلاحظ ذلك على ما اختاره لزم أن من ارتكب
~~كبيرة يكون مخلدا ولا يخفى فساده عندنا، وما ذكر من اتحاد مورد الإثبات
~~والنفي ليس بلازم. ثم إن في الكلام قرينة على أن المستثنى منه من جمع بين
~~أضدادها كما علمت ولذا جمع بين الإيمان والعمل الصالح مع أن العمل مشروط
~~بالإيمان فذكره للإشارة إلى انتفائه عن المستثنى منه ولذا قدم التوبة
~~عليه، ويحتمل أن تقديمها لأنها تخلية، وقال بعضهم: ليس المراد بالمضاعفة
~~المذكورة ضم قدرين متساويين من العذاب كل منهما بقدر ما تقتضيه المعصية
~~بل المراد لازم ذلك وهو الشدة فكأنه قيل: ومن يفعل ذلك يعذب عذابا
~~شديدا ويكون ذلك العذاب الشديد جزاء كل من تلك الأفعال ومماثلا له،
~~والقرينة على المجاز قوله تعالى:

# ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها

# [الأنعام: 160] ونحوه، ويراد من الخلود المكث الطويل الصادق بالخلود
~~الأبدي وغيره، ويكون لمن أشرك باعتبار فرده الأول، ولمن ارتكب إحدى
~~الكبيرتين الأخيرتين باعتبار فرده الآخر وهو كما ترى، ومثله ما قيل من أن
~~المضاعفة لحفظ ما تقتضيه المعصية فإن الأمر الشديد إذا دام هان.

# هذا والظاهر أن الاستثناء متصل على ما هو الأصل فيه، وقال أبو حيان:
~~الأولى عندي أن يكون منقطعا أي لكن من تاب الخ لأن المستثنى منه على
~~تقدير الاتصال محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب فيصير التقدير إلا من تاب
~~وآمن وعمل عملا صالحا فلا يضاعف له ms07558 العذاب، ولا يلزم من انتفاء التضعيف
~~لقاء العذاب غير المضعف، وفيه إن قوله تعالى الآتي: { فأولئك }
~~الخ احتراس لدفع توهم ثبوت أصل العذاب بإفادة أنهم لا يلقونه أصلا على
~~أكمل وجه، وقيل أيضا في ترجيح الانقطاع: إن الاتصال مع قطع النظر عن
~~إيهامه ثبوت أصل العذاب بل وعن إيهامه الخلود غير مهان يوهم أن مضاعفة
~~العمل الصالح شرط لنفي الخلود مع أنه ليس كذلك.

# ثم أية ضرورة تدعو إلى أن يرتكب ما فيه إيهام ثم يتشبث بأذيال الاحتراس،
~~على أن الظاهر أن يجعل (من) مبتدأ والجملة المقرونة بالفاء خبره وقرنت
~~بذلك لوقوعها خبرا عن الموصول كما في قولك: الذي يأتيني فله درهم، وأنا
~~أميل لما مال إليه أبو حيان لمجموع ما ذكر، وذكر الموصوف في قوله سبحانه:
~~{ وعمل عملا صلحا } مع جريان الصالح والصالحات مجرى الاسم
~~للاعتناء به والتنصيص على مغايرته للأعمال السابقة.

# { فأولئك } إشارة إلى الموصول، والجمع باعتبار معناه كما أن
~~الإفراد في الأفعال الثلاثة باعتبار لفظه أي فأولئك الموصوفون بالتوبة
~~والإيمان والعمل الصالح.

# { يبدل الله } في الدنيا { سيئاتهم حسنت } بأن يمحو
~~سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم كما يشير إلى ذلك كلام
~~كثير من السلف، وقيل: المراد بالسيئات والحسنات ملكتهما لأنفسهما أي يبدل
~~عز وجل بملكة السيئات ودواعيها في النفس ملكة الحسنات بأن يزيل الأولى
~~ويأتي بالثانية، وقيل: هذا التبديل في الآخرة، والمراد بالسيئات والحسنات
~~العقاب والثواب مجازا من باب إطلاق السبب وإرادة المسبب، والمعنى يعفو
~~جل وعلا عن عقابهم ويتفضل سبحانه عليهم بدله بالثواب، وإلى هذا ذهب
~~القفال والقاضي، وعن سعيد بن المسيب وعمرو بن ميمون ومكحول أن ذلك بأن
~~تمحى السيئات نفسها يوم القيامة من صحيفة أعمالهم ويكتب بدلها الحسنات،
~~واحتجوا بالحديث الذي رواه مسلم في «الصحيح» عن أبي ذر قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم

# " يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وينحى عنه
~~كبارها فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا وهو يقر لا ينكر وهو مشفق من
~~الكبائر ms07559 فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة فيقول: إن لي ذنوبا لم
~~أرها هنا قال: ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت
~~نواجذه "

# ، ونحو هذا ما أخرجه ابن أبي حاتم. وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال
~~رسول الله عليه الصلاة والسلام

# " ليأتين ناس يوم القيامة ودوا أنهم استكثروا من السيئات قيل: من هم؟
~~قال صلى الله عليه وسلم الذين يبدل الله تعالى سيئاتهم حسنات "

# ويسمى هذا التبديل كرم العفو، وكأنه لذلك قال أبو نواس:

# تعض ندامة كفيك مما

# تركت مخافة الذنب السرورا

# ولعل المراد أنه تغفر سيئاته ويعطى بدل كل سيئة ما يصلح أن يكون ثواب
~~حسنة تفضلا منه عز وجل وتكرما لا أنه يكتب له أفعال حسنات لم يفعلها
~~ويثاب عليها، وفي كلام أبي العالية ما هو ظاهر في إنكار تمني الاستكثار
~~من السيآت، فقد أخرج عبد بن حميد عنه أنه قيل له: إن أناسا يزعمون أنهم
~~يتمنون أن يستكثروا من الذنوب فقال: ولم ذلك؟ فقيل: يتأولون هذه الآية {
~~فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنت } وكان أبو
~~العالية إذا أخبر بما لا يعلم قال: آمنت بما أنزل الله تعالى من كتابه
~~فقال ذلك ثم تلا هذه الآية

# يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما
~~عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا
~~بعيدا

# [آل عمران: 30] وكأنه ظن أن ما تلاه مناف لما زعموه من التمني، ويمكن أن
~~يقال: إن ما دلت عليه تلك الآية يكون قبل الوقوف على التبديل والله تعالى
~~أعلم.

# { وكان الله غفورا رحيما } اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما
~~قبله.

### || [25.71]

# { ومن تاب } أي عن المعاصي التي فعلها بتركها بالكلية والندم عليها
~~{ وعمل صلحا } يتلافى به ما فرط منه أو ومن خرج عن جنس المعاصي
~~وإن لم يفعله ودخل في الطاعات { فإنه يتوب إلى الله } أي
~~يرجع إليه سبحانه بذلك { متابا } أي رجوعا عظيم الشأن مرضيا عنده
~~تعالى ماحيا للعقاب محصلا للثواب، أو فإنه يتوب إلى الله / تعالى ذي ms07560
~~اللطف الواسع الذي يحب التائبين ويصطنع إليهم أو فإنه يرجع إلى الله
~~تعالى أو إلى ثوابه سبحانه مرجعا حسنا، وأيا ما كان فالشرط والجزاء
~~متغايران، وهذا لبيان حال من تاب من جميع المعاصي وما تقدم لبيان من تاب
~~من أمهاتها فهو تعميم بعد تخصيص.

### || [25.72]

# { والذين لا يشهدون الزور } أي لا يقيمون الشهادة الكاذبة
~~كما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه والباقر رضي الله تعالى عنه فهو من
~~الشهادة، و { الزور } منصوب على المصدر أو بنزع الخافض أي شهادة الزور
~~أو بالزور، ويفهم من كلام قتادة أن الشهادة هنا بمعنى يعم ما هو المعروف
~~منها، أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أنه قال: أي لا يساعدون أهل
~~الباطل على باطلهم ولا يؤملونهم فيه. وأخرج جماعة عن مجاهد أن المراد
~~بالزور الغناء، وروي نحوه عن محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنه، وضم
~~الحسن إليه النياحة، وعن قتادة أنه الكذب، وعن عكرمة أنه لعب كان في
~~الجاهلية، وعن ابن عباس أنه صنم كانوا يلعبون حوله سبعة أيام، وفي رواية
~~أخرى عنه أنه عيد المشركين وروي ذلك عن الضحاك، وعن هذا أنه الشرك
~~فيشهدون على هذه الأقوال من الشهود بمعنى الحضور، و { الزور } مفعول
~~به بتقدير مضاف أي محال الزور؛ وجوز أن يراد بالزور ما يعم كل شيء باطل
~~مائل عن جهة الحق من الشرك والكذب والغناء والنياحة ونحوها فكأنه قيل: لا
~~يشهدون مجالس الباطل لما في ذلك من الإشعار بالرضا به، وأيضا من حام حول
~~الحمى يوشك أن يقع فيه.

# { وإذا مروا } على طريق الاتفاق { باللغو } بما ينبغي أن
~~يلغى ويطرح مما لا خير فيه { مروا كراما } أي مكرمين أنفسهم عن
~~الوقوف عليه والخوض فيه معرضين عنه.

# وفسر الحسن اللغو كما أخرج عنه ابن أبي حاتم بالمعاصي، وأخرج هو وابن
~~عساكر

# " عن إبراهيم بن ميسرة قال: بلغني أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مر
~~بلهو معرضا ولم يقف فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد أصبح ابن ms07561 مسعود
~~وأمسى كريما ثم تلا إبراهيم { وإذا مروا باللغو مروا
~~كراما } "

# وقيل: المراد باللغو الكلام الباطل المؤذي لهم أو ما يعمه والفعل المؤذي
~~وبالكرم العفو والصفح عمن آذاهم، وإليه يشير ما أخرجه جماعة عن مجاهد أنه
~~قال في الآية: إذا أوذوا صفحوا وجعل الكلام على هذا بتقدير مضاف أي إذا
~~مروا بأهل اللغو أعرضوا عنهم كما قيل:

# ولقد أمر على اللئيم يسبني

# فمضيت ثمت قلت لا يعنيني

# ولا يخفى أنه ليس بلازم، وقيل: اللغو القول المستهجن، والمراد بمرورهم
~~عليه إتيانهم على ذكره وبكرمهم الكف عنه والعدول إلى الكناية، وإليه
~~يومىء ما أخرجه جماعة عن مجاهد أيضا أنه قال: فيها كانوا إذا أتوا على
~~ذكر النكاح كنوا عنه، وعمم بعضهم وجعل ما ذكر من باب التمثيل، وجوز أن
~~يراد باللغو الزور بالمعنى العام أعني الأمر الباطل عبر عنه تارة بالزور
~~لميله عن جهة الحق وتارة باللغو لأنه من شأنه أن يلغى ويطرح، ففي الكلام
~~وضع المظهر موضع المضمر، والمعنى والذين لا يحضرون الباطل وإذا مروا به
~~على طريق الاتفاق أعرضوا عنه.

### || [25.73]

# { والذين إذا ذكروا بئايت ربهم } القرآنية
~~المنطوية على المواعظ والأحكام / { لم يخروا عليها صما
~~وعميانا } أي أكبوا عليها سامعين بآذان واعية مبصرين بعيون راعية
~~فالنفي متوجه إلى القيد على ما هو الأكثر في لسان العرب، وفي التعبير بما
~~ذكر دون أكبوا عليها سامعين مبصرين ونحوه تعريض لما عليه الكفرة
~~والمنافقون إذا ذكروا بآيات ربهم، والخرور السقوط على غير نظام وترتيب،
~~وفي التعبير به مبالغة في تأثير التذكير بهم، وقيل: ضمير (عليها) للمعاصي
~~المدلول عليها باللغو، والمعنى إذا ذكروا بآيات ربهم المتضمنة للنهي عن
~~المعاصي والتخويف لمرتكبها لم يفعلوها ولم يكونوا كمن لا يسمع ولا يبصر
~~وهو كما ترى.

### || [25.74]

# { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزوجنا
~~وذريتنا قرة أعين } بتوفيقهم للطاعة كما روي عن ابن
~~عباس والحسن وعكرمة ومجاهد، فإن المؤمن الصادق إذا رأى أهله قد شاركوه في
~~الطاعة قرت بهم عينه وسر قلبه وتوقع نفعهم له في الدنيا ms07562 حيا وميتا
~~ولحوقهم به في الأخرى، وذكر أنه كان في أول الإسلام يهتدي الأب والابن
~~كافر والزوج والزوجة كافرة فلا يطيب عيش ذلك المهتدي فكان يدعو بما ذكر،
~~وعن ابن ابن عباس قرة عين الوالد بولده أن يراه يكتب الفقه، و(من)
~~ابتدائية متعلقة بهب أي هب لنا من جهتهم. وجوز أن تكون بيانية كأنه قيل:
~~هب لنا قرة أعين ثم بينت القرة وفسرت بقوله سبحانه: { من أزوجنا
~~وذريتنا } وهذا مبني على مجيء (من) للبيان وجواز تقدم المبين
~~على المبين، وقرة العين كناية عن السرور والفرح وهو مأخوذ من القر وهو
~~البرد لأن دمعة السرور باردة ولذا يقال في ضده: أسخن الله تعالى عينه،
~~وعليه قول أبي تمام:

# فأما عيون العاشقين فأسخنت

# وأما عيون الشامتين فقرت

# وقيل: هو مأخوذ من القرار لأن ما يسر يقر النظر به ولا ينظر إلى غيره،
~~وقيل: في الضد أسخن الله تعالى عينه على معنى جعله خائفا مترقبا ما
~~يحزنه ينظر يمينا وشمالا وأماما ووراء لا يدري من أين يأتيه ذلك بحيث
~~تسخن عينه لمزيد الحركة التي تورث السخونة، وفيه تكلف، وقيل: { أعين
~~} بالتنكير مع أن المراد بها أعين القائلين وهي معينة لقصد تنكير المضاف
~~للتعظيم وهو لا يكون بدون تنكير المضاف إليه، وجمع القلة على ما قال
~~الزمخشري لأن أعين المتقين قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم. وتعقبه أبو
~~حيان وابن المنير بأن المتقين وإن كانوا قليلا بالإضافة إلى غيرهم إلا
~~أنهم في أنفسهم على كثرة من العدد والمعتبر في إطلاق جمع القلة أن يكون
~~المجموع قليلا في نفسه لا بالإضافة إلى غيره، وأجيب بأن المراد أنه
~~استعمل الجمع المذكور في معنى القلة مجردا عن العدد بقرينة كثرة
~~القائلين وعيونهم، واستظهر ابن المنير أن ذلك لأن المحكي كلام كل واحد من
~~المتقين فكأنه قيل: يقول كل واحد منهم هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة
~~أعين فتدبر وتأمل في وجه اختيار هذا الجمع في غير هذا الموضع مما لا
~~يتأتى فيه ما ذكروه ههنا. وأنا أظن أنه ms07563 اختير الأعين جمعا للعين
~~الباصرة والعيون جمعا للعين الجارية في جميع القرآن الكريم ويخطر لي في
~~وجه ذلك شيء لا أظنه وجيها ولعلك تفوز بما يغنيك عن ذكره والله تعالى
~~ولي التوفيق. وقرأ طلحة وأبو عمرو وأهل الكوفة غير حفص { وذريتنا } على
~~الإفراد.

# وقرأ عبد الله وأبو الدرداء وأبو هريرة { قرأت } على الجمع.

# { واجعلنا للمتقين إماما } أي اجعلنا / بحيث يقتدون بنا
~~في إقامة مراسم الدين بإفاضة العلم والتوفيق للعمل، وإمام يستعمل مفردا
~~وجمعا كهجان والمراد به هنا الجمع ليطابق المفعول الأول لجعل، واختير
~~على أئمة لأنه أوفق بالفواصل السابقة واللاحقة، وقيل: هو مفرد وأفرد مع
~~لزوم المطابقة لأنه اسم جنس فيجوز إطلاقه على معنى الجمع مجازا بتجريده
~~من قيد الوحدة أو لأنه في الأصل مصدر وهو لكونه موضوعا للماهية شامل
~~للقليل والكثير وضعا فإذا نقل لغيره قد يراعى أصله أو لأن المراد واجعل
~~كل واحد منا أو لأنهم كنفس واحدة لاتحاد طريقتهم واتفاق كلمتهم.

# وفي «إرشاد العقل السليم» بعد نقل ما ذكر أن مدار التوجيه على أن هذا
~~الدعاء صدر عن الكل على طريق المعية وهو غير واقع أو عن كل واحد وهو غير
~~ثابت، فالظاهر أنه صدر عن كل واحد قول واجعلني للمتقين إماما فعبر عنهم
~~للإيجاز بصيغة الجمع وأبقى { إماما } على حاله. وتعقب بأن فيه تكلفا
~~وتعسفا مع مخالفته للعربية وأنه ليس مداره على ذلك بل أنهم شركوا في
~~الحكاية في لفظ واحد لاتحاد ما صدر عنهم مع أنه يجوز اختيار الثاني لأن
~~التشريك في الدعاء أدعى للإجابة فاعرف ولا تغفل.

# وروي عن مجاهد أن إماما جمع آم بمعنى قاصد كصيام جمع صائم، والمعنى
~~اجعلنا قاصدين للمتقين مقتدين بهم، وما ذكر أولا أقرب كما لا يخفى وليس
~~في ذلك كما قال النخعي: طلب للرياسة بل مجرد كونهم قدوة في الدين وعلماء
~~عاملين، وقيل: في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين مما ينبغي أن
~~يطلب، وإعادة الموصول في المواقع السبعة مع كفاية ذكر الصلات بطريق العطف
~~على ms07564 صلة الموصول الأول للإيذان بأن كل واحد مما ذكر في حيز صلة الموصولات
~~المذكورة وصف جليل على حياله له شأن خطير حقيق بأن يفرد له موصوف مستقل
~~ولا يجعل شيء من ذلك تتمة لغيره، وتوسيط العاطف بين الموصولات لتنزيل
~~الاختلاف العنواني منزلة الاختلاف الذاتي كما عرفته فيما سبق غير مرة.

### || [25.75]

# { أولئك } إشارة إلى المتصفين بما فصل في حيز الصلات من حيث
~~اتصافهم به؛ وفيه دلالة على أنهم متميزون منتظمون بسببه في سلك الأمور
~~المشاهدة، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل، وهو
~~مبتدأ خبره جملة قوله تعالى: { يجزون الغرفة } والجملة على
~~الأقرب استئناف لا محل لها من الإعراب مبينة لما لهم في الآخرة من
~~السعادة الأبدية إثر بيان ما لهم في الدنيا من الأعمال السنية، و {
~~الغرفة } الدرجة العالية من المنازل وكل بناء مرتفع عال، وقد فسرت
~~هنا على ما روي عن ابن عباس ببيوت من زبرجد ودر وياقوت. وأخرج الحكيم
~~الترمذي في «نوادر الأصول» عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~أنه:

# " قال فيها بيوت من ياقوتة حمراء أو زبرجدة خضراء أو درة بيضاء ليس فيها
~~فصم ولا وصم "

# ، وقيل: أعلى منازل الجنة، ولا يأباه الخبر لجواز أن تكون الغرف
~~الموصوفة فيه هناك، وروي عن الضحاك أنها الجنة، وقيل: السماء السابعة،
~~وعلى تفسيرها بجمع، ويؤيده قوله تعالى:

# وهم فى الغرفت ءامنون

# [سبأ: 37] وقرىء فيه (في الغرفة) يكون المراد بها الجنس وهو يطلق على
~~الجمع كما سمعت آنفا، وإيثار الجمع هنالك على ما قال الطيبي لأنها رتبت
~~على الإيمان والعمل الصالح ولا خفاء في تفاوت الناس فيهما وعلى ذلك
~~تتفاوت الأجزية، وههنا رتب على مجموع الأوصاف الكاملة فلذا جىء بالواحد
~~دلالة على أن الغرف لا تتفاوت.

# { بما صبروا } أي بسبب صبرهم على أن الباء للسببية و(ما) مصدرية،
~~وقيل: هي للبدل كما في قوله:

# فليت لي بهم قوما إذا ركبوا

# شنوا الإغارة فرسانا وركبانا

# أي بدل صبرهم ولم يذكر متعلق الصبر ليعم ما سلف ms07565 من عبادتهم فعلا وتركا
~~وغيره من أنواع العبادة والكل مدمج فيه فإنه إما عن المعاصي وإما على
~~الطاعات وإما على الله تبارك وتعالى وهو أعلى منهما ويعلم من ذلك وجه
~~إيثار { صبروا } على فعلوا { ويلقون فيها تحية
~~وسلما } أي تحييهم الملائكة عليهم السلام ويدعون لهم بطول الحياة
~~والسلامة عن الآفات أو يحيي بعضهم بعضا ويدعو له بذلك، والمراد من
~~الدعاء به التكريم وإلقاء السرور والمؤانسة وإلا فهو متحقق لهم ويعطون
~~التبقية والتخليد مع السلامة من كل آفة فليس هناك دعاء أصلا. وقرأ طلحة
~~ومحمد اليماني وأهل الكوفة غير حفص { يلقون } بفتح الياء وسكون اللام
~~وتخفيف القاف.

### || [25.76]

# { خلدين فيها } لا يموتون ولا يخرجون، وهو حال من ضمير

# يجزون

# [الفرقان: 75] أو من ضمير

# يلقون

# [الفرقان: 75]. { حسنت مستقرا ومقاما } مقابل

# ساءت مستقرا

# [الفرقان: 66] معنى ومثله إعرابا فتذكر ولا تغفل.

### || [25.77]

# { قل } أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبين للناس أن الفائزين
~~بتلك النعماء الجليلة التي يتنافس فيها المتنافسون إنما نالوها بما عدد
~~من محاسنهم ولولاها لم يعتد بهم أصلا أي قل للناس مشافها لهم بما صدر
~~عن جنسهم من خير وشر { ما يعبؤا بكم ربى } أي أي عبء يعبأ بكم
~~وأي اعتداد يعتد بكم { لولا دعاؤكم } أي عبادتكم له عز وجل حسبما
~~مر تفصيله، فإن ما خلق له الإنسان معرفة الله تعالى وطاعته جل وعلا وإلا
~~فهو والبهائم سواء فما متضمنة لمعنى الاستفهام وهي في محل النصب وهي
~~عبارة عن المصدر، وأصل العبء الثقل وحقيقة قولهم: ما عبأت به ما اعتددت
~~له من فوادح همي ومما يكون عبأ علي كما تقول: ما اكترثت له أي ما
~~أعتددت له من كوارثي ومما يهمني. وقال الزجاج: معناه أي وزن يكون لكم
~~عنده تعالى لولا عبادتكم، ويجوز أن تكون (ما) نافية أي ليس يعبأ، وأيا
~~ما كان فجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه أي لولا دعاؤكم لما اعتد
~~بكم، وهذا بيان لحال المؤمنين من المخاطبين.

# وقوله سبحانه: { فقد كذبتم } بيان لحال الكفرة ms07566 منهم، والمعنى
~~إذا أعلمتكم أن حكمي أني لا أعتد بعبادي إلا لعبادتهم فقد خالفتم حكمي
~~ولم تعملوا عمل أولئك المذكورين، فالفاء مثلها في قوله: فقد جئنا خراسانا
~~والتكذيب مستعار للمخالفة، وقيل: المراد فقد قصرتم في العبادة على أنه من
~~قولهم: كذب القتال إذا لم يبالغ فيه، والأول أولى وإن قيل: إن المراد من
~~التقصير في العبادة تركها. وقرأ عبد الله وابن عباس وابن الزبير { فقد
~~كذب الكفرون } وهو على معنى كذب الكافرون منكم لعموم الخطاب
~~للفريقين على ما أشرنا إليه وهو الذي اختاره الزمخشري واستحسنه صاحب
~~«الكشف»، واختار غير واحد أنه خطاب لكفرة قريش، والمعنى عليه عند بعض ما
~~يعبأ بكم لولا عبادتكم له سبحانه أي لولا إرادته تعالى التشريعية
~~لعبادتكم له تعالى لما عبأ بكم ولا خلقكم، وفيه معنى من قوله تعالى:

# ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

# [الذاريات: 56] وقيل: المعنى ما يعبأ بكم لولا دعاؤه سبحانه إياكم إلى
~~التوحيد على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أي لولا إرادة ذلك. وقيل:
~~المعنى ما يبالي سبحانه بمغفرتكم لولا دعاؤكم معه آلهة أو ما يفعل
~~بعذابكم لولا شرككم كما / قال تعالى:

# ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم

# [النساء: 147]، وقيل: المعنى ما يعبأ بعذابكم لولا دعاؤكم إياه تعالى
~~وتضرعكم إليه في الشدائد كما قال تعالى:

# فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله

# [العنكبوت: 65] وقال سبحانه:

# فأخذنهم بالبأساء والضراء لعلهم
~~يتضرعون

# [الأنعام: 42]، وقيل: المعنى ما خلقكم سبحانه وله إليكم حاجة إلا أن
~~تسألوه فيعطيكم وتستغفروه فيغفر لكم، وروي هذا عن الوليد بن الوليد رضي
~~الله تعالى عنه. وأنت تعلم أن ما آثره الزمخشري لا ينافي كون الخطاب
~~لقريش من حيث المعنى فقد خصص بهم في قوله تعالى: { فقد كذبتم }.

# { فسوف يكون لزاما } أي جزاء التكذيب أو أثره لازما يحيق بكم
~~حتى يكبكم في النار كما يعرب عنه الفاء الدالة على لزوم ما بعدها لما
~~قبلها فضمير { يكون } لمصدر الفعل المتقدم بتقدير مضاف أو على التجوز،
~~وإنما لم يصرح بذلك للإيذان بغاية ظهوره ms07567 وتهويل أمره وللتنبيه على أنه
~~مما لا يكتنهه البيان. وقيل: الضمير للعذاب، وقد صرح به من قرأ { يكون
~~العذاب لزاما } ، وصح عن ابن مسعود أن اللزام قتل يوم بدر، وروي
~~عن أبي ومجاهد وقتادة وأبي مالك، ولعل إطلاقه على ذلك لأنه لوزم فيه
~~بين القتلى { لزاما }. وقرأ ابن جريج (تكون) بتاء التأنيث على معنى
~~تكون العاقبة، وقرأ المنهال وأبان بن ثعلب وأبو السمال { لزاما } بفتح
~~اللام مصدر لزم يقال: لزم لزوما ولزاما كثبت ثبوتا وثباتا، ونقل ابن
~~خالويه عن أبي السمال أنه قرأ { لزام } على وزن حذام جعله مصدرا
~~معدولا عن اللزمة كفجار المعدول عن الفجرة والله تعالى أعلم.

# هذا ومن باب الإشارة: قيل في قوله تعالى:

# وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى
~~الأسواق

# [الفرقان: 7] إشارة قصور حال المنكرين على أولياء الله تعالى حيث
~~شاركوهم في لوازم البشرية من الأكل والشرب ونحوهما وقالوا في قوله تعالى:

# وجعلنا بعضكم لبعض فتنة

# [الفرقان: 20] إن وجه فتنته النظر إليه نفسه والغفلة فيه عن ربه سبحانه،
~~ويشعر هذا بأن كل ما سوى الله تعالى فتنة من هذه الحيثية. وقال ابن عطاء
~~في قوله تعالى:

# وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء
~~منثورا

# [الفرقان: 23] أطلعناهم على أعمالهم فطالعوها بعين الرضا فسقطوا من
~~أعيننا بذلك وجعلنا أعمالهم هباء منثورا، وهذه الآية وإن كانت في وصف
~~الكفار لكن في الحديث أن في المؤمنين من يجعل عمله هباء كما تضمنته، فقد
~~أخرج أبو نعيم في «الحلية» والخطيب في «المتفق والمفترق» عن سالم مولى
~~أبي حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " ليجاءن يوم القيامة بقوم معهم حسنات مثل جبال تهامة حتى إذا جىء بهم
~~جعل الله تعالى أعمالهم هباء ثم قذفهم في النار، قال سالم: بأبي وأمي
~~يا رسول الله حل لنا هؤلاء القوم قال: كانوا يصومون ويصلون ويأخذون هنئة
~~من الليل ولكن كانوا إذا عرض عليهم شيء من الحرام وثبوا عليه فأدحض الله
~~تعالى أعمالهم "

# وذكر في قوله تعالى:

# ويوم يعض الظلم ms07568

# [الفرقان: 27] الآية أن حكمه عام في كل متحابين على معصية الله تعالى.
~~وعن مالك بن دينار نقل الأحجار مع الأبرار خير من أكل الخبيص مع الفجار،
~~وفي قوله تعالى:

# وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين

# [الفرقان: 31] أنه يلزم من هذا مع قولهم كل ولي على قدم نبي أن يكون
~~لكل ولي عدو يتظاهر بعدواته، وفيه إشارة إلى سوء حال من يفعل ذلك مع
~~أولياء الله تعالى، ولذا قيل: إن عداوتهم علامة سوء الخاتمة والعياذ
~~بالله تعالى، وفي قوله تعالى:

# الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم

# [الفرقان: 34] إشارة إلى أنهم كانوا متوجهين إلى جهة الطبيعة ولذا حشروا
~~منكوسين، وفي قوله تعالى:

# أرءيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه
~~وكيلا

# [الفرقان: 43] إنه عام في كل من مال إلى هوى نفسه واتبعه فيما توجه
~~إليه، ومن هنا دقق العارفون النظر في مقاصد أنفسهم حتى إنهم إذا أمرتهم
~~بمعروف لم يسارعوا إليه وتأملوا ماذا أرادت بذلك فقد حكي عن بعضهم أن
~~نفسه لم تزل تحثه على الجهاد في سبيل الله تعالى فاستغرب ذلك منها لعلمه
~~أن النفس أمارة بالسوء فأمعن النظر فإذا هي قد ضجرت من العبادة فأرادت
~~الجهاد رجاء أن تقتل فتستريح مما هي فيه من النصب ولم تقصد بذلك الطاعة
~~بل قصدت الفرار منها، وقيل في قوله تعالى: { ألم تر إلى ربك
~~كيف مد الظل } الآية أي ألم تر كيف مد ظل عالم الأجسام

# ولو شاء لجعله ساكنا

# [الفرقان: 45] في كتم العدم ثم جعلنا شمس عالم الأرواح على وجود ذلك
~~الظل دليلا بأن كانت محركة لها إلى غايتها المخلوقة هي لأجلها فعرف من
~~ذلك أنه لولا الأرواح لم تخلق الأجساد، وفي قوله تعالى:

# ثم قبضنه إلينا قبضا يسيرا

# [الفرقان: 46] إشارة إلى أن كل مركب فإنه سينحل إلى بسائطه إذا حصل على
~~كماله الأخير؛ وبوجه آخر الظل ما سوى نور الأنوار يستدل به على صانعه
~~الذي هو شمس عالم الوجود. وهذا شأن الذاهبين من غيره سبحانه إليه عز وجل،
~~وفي قوله ms07569 تعالى: { ثم جعلنا } إشارة إلى مرتبة أعلى من ذلك وهي
~~الاستدلال به تعالى على غيره سبحانه كقوله تعالى:

# أو لم يكف بربك أنه على كل شىء شهيد

# [فصلت: 53] وهذه مرتبة الصديقين. وقوله سبحانه: { ثم قبضنه }
~~كقوله تعالى:

# كل شىء هالك إلا وجهه

# [القصص: 88]

# ألا إلى الله تصير الأمور

# [الشورى: 53] وبوجه آخر الظل حجاب الذهول والغفلة والشمس شمس تجلي
~~المعرفة من أفق العناية عند صباح الهداية ولو شاء سبحانه لجعله دائما لا
~~يزول، وإنما يستدل على الذهول بالعرفان، وفي قوله تعالى: { ثم
~~قبضنه } إشارة إلى أن الكشف التام يحصل بالتدريج عند انقضاء مدة
~~التكليف { وهو الذى جعل لكم اليل لباسا } تستترون به
~~عن رؤية الأجانب لكم واطلاعهم على حالكم من التواجد وسكب العبرات {
~~والنوم سباتا } راحة لأبدانكم من نصب المجاهدات

# وجعل النهار نشورا

# [الفرقان: 47] تنتشرون فيه لطلب ضرورياتكم { وهو الذى أرسل
~~الريح } أي رياح الاشتياق على قلوب الأحباب { بشرا بين
~~يدى رحمته } من التجليات والكشوف

# وأنزلنا

# [الفرقان: 48] من سماء الكرم ماء حياة العرفان { لنحيى به
~~بلدة ميتا } أي قلوبا ميتة { ونسقيه مما خلقنا
~~أنعما } وهم الذين غلبت عليهم الصفات الحيوانية يسقيهم سبحانه
~~ليردهم إلى القيام بالعبادات

# وأناسى كثيرا

# [الفرقان: 49] وهم الذين سكنوا إلى رياض الأنس يسقيهم سبحانه من ذلك
~~ليفطمهم عن مراضع الإنسانية إلى المشارب الروحانية { ولقد
~~صرفنه } أي القرآن الذي هو ماء حياة القلوب بينهم {
~~ليذكروا } به موطنهم الأصلي

# فأبى أكثر الناس إلا كفورا

# [الفرقان: 50] بنعمة القرآن وما عرفوا قدرها { وهو الذى مرج
~~البحرين } بحر الروح وبحر النفس { هذا } وهو بحر الروح {
~~عذب فرات } من الصفات الحميدة الربانية، و { هذا } وهو بحر
~~النفس { ملح أجاج } من الصفات الذميمة الحيوانية

# وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا

# [الفرقان: 53] فحرام على الروح أن يكون منشأ الصفات الذميمة وعلى النفس
~~أن تكون معدن الصفات الحميدة. وذكر أن البرزخ هو القلب، وقال ابن عطاء:
~~تلاطمت صفتان فتلاقيتا في قلوب الخلق فقلوب أهل المعرفة منورة بأنوار
~~الهداية مضيئة بضياء الإقبال وقلوب أهل النكرة مظلمة بظلمات المخالفة
~~معرضة ms07570 عن سنن التوفيق وبينهما قلوب العامة ليس لها علم بما يرد عليها وما
~~يصدر منها ليس معها خطاب ولا لها جواب، وقيل: البحر العذب إشارة إلى بحر
~~الشريعة وعذوبته لما أن الشريعة سهلة لا حرج فيها ولا دقة في معانيها
~~ولذلك / صارت مورد الخواص والعوام، والبحر الملح إشارة إلى بحر الحقيقة
~~وملوحته لما أن الحقيقة صعبة المسالك لا يكاد يدرك ما فيها عقل السالك،
~~والبرزخ إشارة إلى الطريقة فإنها ليست بسهلة كالشريعة ولا صعبة كالحقيقة
~~بل بين بين

# تبارك الذى جعل فى السماء بروجا

# [الفرقان: 61] قيل: هو إشارة إلى أنه سبحانه جعل في سماء القلوب بروج
~~المنازل والمقامات وهي اثنا عشر التوبة والزهد والخوف والرجاء والتوكل
~~والصبر والشكر واليقين والإخلاص والتسليم والتفويض والرضا وهي منازل
~~الأحوال السيارة شمس التجلي وقمر المشاهدة وزهرة الشوق ومشترى المحبة
~~وعطارد الكشوف ومريخ الفناء وزحل البقاء { وعباد الرحمن
~~الذين يمشون على الأرض هونا } بغير فخر ولا خيلاء لما
~~شاهدوا من كبرياء الله تعالى وجلاله جل شأنه. وذكر بعضهم أن هؤلاء العباد
~~يعاملون الأرض معاملة الحيوان لا الجماد ولذا يمشون عليها هونا {
~~وإذا خاطبهم الجهلون } وهم أبناء الدنيا

# قالوا سلاما

# [الفرقان: 63] أي سلامة من الله تعالى من شركم أو إذا خاطبهم كل ما سوى
~~الله تعالى من الدنيا والآخرة وما فيهما من اللذة والنعيم وتعرض لهم
~~ليشغلهم عما هم فيه { قالوا سلاما } سلام متاركة وتوديع

# والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما

# [الفرقان: 64] لما علموا أن الصلاة معراج المؤمن والليل وقت اجتماع
~~المحب بالحبيب:

# نهاري نهار الناس حتى إذا بدا

# لي الليل هزتني إليك المضاجع

# أقضي نهاري بالحديث وبالمنى

# ويجمعني والهم بالليل جامع

# والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم
~~إن عذابها كان غراما

# [الفرقان: 65] إشارة إلى مزيد خوفهم من القطيعة والبعد عن محبوبهم وذلك
~~ما عنوه بعذاب جهنم لا العذاب المعروف فإن المحب الصادق يستعذبه مع
~~الوصال ألا تسمع ما قيل:

# فليت سليمى في المنام ضجيعتي

# في جنة الفردوس أو في جهنم

# والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ms07571 ولم يقتروا

# [الفرقان: 67] إشارة إلى أن فيوضاتهم حسب قابلية المفاض عليه لا يسرفون
~~فيها بأن يفيضوا فوق الحاجة ولا يقترون بأن يفيضوا دون الحاجة أو إلى
~~أنهم إذا أنفقوا وجودهم في ذات الله تعالى وصفاته جل شأنه لم يبالغوا في
~~الرياضة إلى حد تلف البدن ولم يقتروا في بذل الوجود بالركون إلى الشهوات
~~{ والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر } برفع
~~حوائجهم إلى الأغيار { ولا يقتلون النفس التى حرم
~~الله } قتلها { إلا بالحق } أي إلا بسطوة تجلياته تعالى

# ولا يزنون

# [الفرقان: 68] بالتصرف في عجوز الدنيا ولا ينالون منها شيئا إلا بإذنه
~~تعالى { والذين لا يشهدون الزور } لا يحضرون مجالس الباطل
~~من الأقوال والأفعال { وإذا مروا باللغو } وهو ما لا يقربهم
~~إلى محبوبهم

# مروا كراما

# [الفرقان: 72] معرضين عنه

# والذين إذا ذكروا بئايت ربهم لم يخروا
~~عليها صما وعميانا

# [الفرقان: 73] بل أقبلوا عليها بالسمع والطاعة مشاهدين بعيون قلوبهم
~~أنوار ما ذكروا به من كلام ربهم { والذين يقولون ربنا هب
~~لنا من أزوجنا } من ازدوج معنا وصحبنا وذرايتنا الذين أخذوا عنا
~~{ قرة أعين } بأن يوفقوا للعمل الصالح

# واجعلنا للمتقين إماما

# [الفرقان: 74] وهم الفائزون بالفناء والبقاء الأتمين { أولئك
~~يجزون الغرفة } وهو مقام العندية { بما صبروا } في
~~البداية على تكاليف الشريعة، وفي الوسط على التأدب بآداب الطريقة، وفي
~~النهاية على ما تقتضيه الحقيقة { ويلقون فيها تحية } هي
~~أنس الأسرار بالحي القيوم

# وسلما

# [الفرقان: 75] وهو سلامة القلوب من خطور القطيعة

# خلدين فيها حسنت مستقرا ومقاما

# [الفرقان: 76] لأنها مشهد الحق ومحل رضا المحبوب المطلق، نسأل الله
~~تعالى أن يمن علينا برضائه ويمنحنا بسوابغ نعمائه وآلائه بحرمة سيد
~~أنبيائه وأحب أحبائه صلى الله عليه وسلم وشرف قدره وعظم.

### | [26 - سورة الشعراء]

### || [26.1]

# تقدم الكلام في أمثاله إعرابا وغيره والكلام هنا كالكلام هناك بيد أنه
~~أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب أنه قال في هذا الطاء من ذي الطول
~~والسين من القدوس والميم من الرحمن، وأمال فتحة الطاء حمزة والكسائي وأبو
~~بكر وقرأ نافع كما روى عنه ms07572 أبو علي الفارسي في «الحجة» بين بين ولم يمل
~~صرفا لأن الألف منقلبة عن ياء فلو أميلت إليها انتقض غرض القلب وهو
~~التخفيف. وروى بعض عنه أنه قرأ كباقي السبعة من غير إمالة أصلا نظرا
~~إلى أن الطاء حرف استعلاء يمنع من الإمالة، وقرأ حمزة بإظهار نون سين
~~لأنه في الأصل لكونه أحد أسماء الحروف المقطعة منفصل عما بعده وأدغمها
~~الباقون لما رأوها متصلة في حكم كلمة واحدة خصوصا على القول بالعلمية،
~~وقرأ عيسى بكسر الميم من { طسم } هنا وفي القصص، وجاء كذلك عن نافع، وفي
~~مصحف عبد الله ط س م من غير اتصال وهي قراءة أبي جعفر.

### || [26.2]

# إشارة إلى السورة، وما في ذلك من معنى البعد للتنبيه على بعد منزلة
~~المشار إليه في الفخامة، والمراد بالكتاب القرآن وبالمبين الظاهر إعجازه
~~على أنه من أبان بمعنى بان والكلام على تقدير مضاف أو على أن الإسناد فيه
~~مجازي، وجوز أن يكون المبين من أبان المتعدي ومفعوله محذوف أي الأحكام
~~الشرعية أو الحق، والأول أنسب بالمقام، والمعنى هذه آيات مخصوصة من
~~القرآن مترجمة باسم مستقل، والمراد ببيان كونها بعضا منه وصفها بما
~~اشتهر به الكل من النعوت الجليلة، وقيل: الإشارة إلى القرآن والتأنيث
~~لرعاية الخبر، والمراد بالكتاب السورة، والمعنى آيات هذا القرآن المؤلف
~~من الحروف المبسوطة كآيات هذه السورة المتحدى بها فأنتم عجزتم عن الإتيان
~~بمثل هذه السورة فحكم تلك الآيات كذلك وهو كما ترى. ومن الناس من فسر {
~~الكتب المبين } باللوح المحفوظ ووصفه بالمبين لإظهاره أحوال
~~الأشياء للملائكة عليهم السلام والأولى ما سمعته أولا.

### || [26.3]

# { لعلك بخع نفسك } أي قاتل إياها من شدة الوجد كما قال
~~الليث وأنشد قول الفرزدق:

# ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه

# لشيء نحته عن يديه المقادر

# وقال الأخفش والفراء يقال بخع يبخع بخعا وبخوعا أي أهلك من شدة الوجد
~~وأصله الجهد، ومنه قول عائشة في عمر رضي الله تعالى عنهما بخع الأرض أي
~~جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك، وقال الكسائي بخع الأرض ms07573 بالزراعة
~~جعلها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة؛ وقال الزمخشري وتبعه المطرزي: أصل
~~البخع أن تبلغ بالذبح البخاع بكسر الباء وهو عرق مستبطن الفقار وذلك أقصى
~~حد الذبح، ولم يطلع على ذلك ابن الأثير مع مزيد بحثه ولا ضير في ذلك.

# وقرأ زيد بن علي وقتادة رحمهم الله تعالى { باخع نفسك } بالإضافة على
~~خلاف الأصل فإن الأصل في اسم الفاعل إذا استوفى شروط العمل أن يعمل على
~~ما أشار إليه سيبويه في «الكتاب»، وقال الكسائي: العمل والإضافة سواء،
~~وذهب أبو حيان إلى أن الإضافة أحسن من العمل، و(لعل) في مثل هذا الموضع
~~لإشفاق المتكلم، ولما استحال في حقه سبحانه جعلوه متوجها إلى المخاطب،
~~ولما كان غير واقع منه أيضا قالوا: المراد الأمر به لدلالة الإنكار
~~المستفاد من سوق الكلام عليه فكأنه قيل: أشفق على نفسك أن تقتلها وجدا
~~وحسرة على ما فاتك من إسلام قومك، وقال العسكري: هي في مثل هذا الموضع
~~موضوعة موضع النهي، والمعنى لا تبخع نفسك، وقيل: وضعت موضع الاستفهام
~~والتقدير هل أنت باخع، وحكي مثله عن ابن عطية إلا أنه قال: المراد
~~الإنكار أي لا تكن باخعا نفسك.

# { ألا يكونوا مؤمنين } تعليل للبخع، ولما لم يصح كون عدم
~~كونهم في المستقبل مؤمنين كما يفيده ظاهر الكلام علة لذلك لعدم المقارنة
~~والعلة ينبغي أن تقارن المعلول قدروا  خيفة  فقالوا: خيفة أن لا يؤمنوا
~~بذلك الكتاب المبين، ومن الأجلة من لم يقدر ذلك بناء على أن المراد
~~لاستمرارهم على عدم قبول الإيمان بذلك الكتاب لأن كلمة كان للاستمرار
~~وصيغة الاستقبال لتأكيده وأريد استمرار النفي؛ وجوز أن يكون الكون بمعنى
~~الصحة والمعنى لامتناع إيمانهم والقول بأن فعل الكون أتى به لأجل الفاصلة
~~ليس بشيء.

### || [26.4]

# وقوله تعالى: { إن نشأ } الخ استئناف لتعليل الأمر بإشفاقه على
~~نفسه صلى الله عليه وسلم أو النهي عن البخع، ومفعول المشيئة محذوف وهو
~~على المشهور ما دل عليه مضمون الجزاء، وجوز أن يكون مدلولا عليه بما قبل
~~أي إن نشأ إيمانهم { ننزل عليهم من السماء ءاية ms07574 } ملجئة
~~لهم إلى الإيمان قاسرة عليه كما نتق الجبل فوق بني إسرائيل وتقديم
~~الظرفين على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق
~~إلى المؤخر. وقرأ أبو عمرو في رواية هارون عنه { إن يشأ ينزل } على
~~الغيبة والضمير له تعالى، وفي بعض المصاحف (لو شئنا لأنزلنا) { فظلت
~~أعنقهم لها خضعين } أي منقادين وهو خبر عن الأعناق وقد
~~اكتسبت التذكير وصفة العقلاء من المضاف إليه فأخبر عنها لذلك بجمع من
~~يعقل كما نقله أبو حيان عن بعض أجلة علماء العربية. واختصاص جواز مثل ذلك
~~الشعر كما حكاه السيرافي عن النحويين مما لم يرتضه المحققون ومنهم أبو
~~العباس وهو ممن خرج الآية على ذلك، وجوزأن يكون ذلك لما أنها وصفت بفعل
~~لا يكون إلا مقصودا للعاقل وهو الخضوع كما في قوله تعالى:

# رأيتهم لى ساجدين

# [يوسف: 4] وأن يكون الكلام على حذف مضاف وقد روعي بعد حذفه أي أصحاب
~~أعناقهم، ولا يخفى أن هذا التقدير ركيك مع الإضافة إلى ضميرهم، وقال
~~الزمخشري: / أصل الكلام فظلوا لها خاضعين فأقحمت الأعناق لبيان موضع
~~الخضوع لأنه يتراءى قبل التأمل لظهور الخضوع في العنق بنحو الانحناء أنه
~~هو الخاضع دون صاحبه وترك الجمع بعد الإقحام على ما كان عليه قبل. وقال
~~الكسائي: إن (خاضعين) حال للضمير المجرور لا للأعناق. وتعقبه أبو البقاء
~~فقال: هو بعيد في التحقيق لأن { خضعين } يكون جاريا على غير فاعل
~~{ ظلت } فيفتقر إلى إبراز ضمير الفاعل فكان يجب أن يكون خاضعين هم
~~فافهم.

# وقال ابن عباس ومجاهد وابن زيد والأخفش: الأعناق الجماعات يقال: جاءني
~~عنق من الناس أي جماعة، والمعنى ظلت جماعاتهم أي جملتهم. وقيل: المراد
~~بها الرؤساء والمقدمون مجازا كما يقال لهم: رؤس وصدور فيثبت الحكم
~~لغيرهم بالطريق الأولى، وظاهر كلامهم أن إطلاق العنق على الجماعة مطلقا
~~رؤساء أم لا حقيقة وذكر الطيبي عن «الأساس» أن من المجاز أتاني عنق من
~~الناس للجماعة المتقدمة وجاؤا رسلا رسلا وعنقا عنقا والكلام يأخذ
~~بعضه بأعناق بعض ثم قال: يفهم من تقابل رسلا رسلا ms07575 لقوله: عنقا عنقا
~~أن في إطلاق الأعناق على الجماعات اعتبار الهيئة المجتمعة فيكون المعنى
~~فظلوا خاضعين مجتمعين على الخضوع متفقين عليه لا يخرج أحد منهم عنه.

# وقرأ عيسى وابن أبي عبلة { خاضعة } وهي ظاهرة على جميع الأقوال في
~~الأعناق بيد أنه إذا أريد بها ما هو جمع العنق بمعنى الجارحة كان الإسناد
~~إليها مجازيا و { لها } في القراءتين صلة (ظلت) أو الوصف والتقديم
~~للفاصلة أو نحو ذلك لا للحصر، و(ظلت) عطف على { ننزل } ولا بد من تأويل
~~أحد الفعلين بما هو من نوع الآخر لأنه وإن صح عطف الماضي على المضارع إلا
~~أنه هنا غير مناسب فإنه لا يترتب الماضي على المستقبل بالفاء التعقيبية
~~أو السببية ولا يعقل ذلك والمعقول عكسه، وبتأويل أحد الفعلين يدفع ذلك
~~لكن اختار بعضهم تأويل (ظلت) بتظل وكأن العدول عنه إليه ليؤذن الماضي
~~بسرعة الانفعال وأن نزول الآية لقوة سلطانه وسرعة ترتب ما ذكر عليه كأنه
~~كان واقعا قبله، وبعضهم تأويل (ننزل) بأنزلنا، ولعل وضعه موضعه لاستحضار
~~صورة إنزال تلك الآية العظيمة الملجئة إلى الإيمان وحصول خضوع رقابهم عند
~~ذلك في ذهن السامع ليتعجب منه فتأمل.

# وقرأ طلحة { فتظل } بفك الإدغام والجزم، وضعف الحريري في «درة الغواض»
~~الفك في مثل ذلك، ورجح صاحب «الكشف» القراءة بأنها أبلغ لإفادة الماضي ما
~~سمعته آنفا.

# هذا والظاهر أنه لم يتحقق إنزال هذه الآية لأن سنة الله تعالى تكليف
~~الناس بالإيمان من دون إلجاء، نعم إذا قيل: المراد آية مذلة لهم كما روي
~~عن قتادة جاز أن يقال بتحقق ذلك، ولعل ما روي عن ابن عباس كما في «البحر»
~~و «الكشاف» من قوله نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية ستكون لنا عليهم
~~الدولة فتذل أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزة ناظر إلى هذا، وعن
~~أبي حمزة الثمالي أن الآية صوت يسمع من السماء في نصف شهر رمضان وتخرج
~~له العواتق من البيوت، وهذا قول بتحقق الإنزال بعد وكأن ذلك زمان المهدي
~~رضي الله تعالى عنه، ومن صحة ms07576 ما ذكر من الأخبار في القلب شيء والله تعالى
~~أعلم.

### || [26.5]

# بيان لشدة شكيمتهم وعدم ارعوائهم عما كانوا عليه من الكفر والتكذيب بغير
~~ما ذكر من الآية الملجئة تأكيدا لصرف رسول الله / صلى الله عليه وسلم عن
~~الحرص على إسلامهم. و(من) الأولى مزيدة لتأكيد العموم، وجوز أن تكون
~~تبعيضية، والجار والمجرور متعلق بمحذوف هو صفة لمقدر كما نشير إليه إن
~~شاء الله تعالى، والثانية لابتداء الغاية مجازا متعلقة بيأتيهم أو
~~بمحذوف هو صفة لذكر، وأيا ما كان ففيه دلالة على فضله وشرفه وشناعة ما
~~فعلوا به. والتعرض لعنوان الرحمة لتغليظ شناعتهم وتهويل جنايتهم فإن
~~الإعراض عما يأتيهم من جنابه جل وعلا على الإطلاق شنيع قبيح وعما يأتيهم
~~بموجب رحمته تعالى لمحض منفعتهم أشنع وأقبح أي ما يأتيهم تذكير وموعظة أو
~~طائفة من القرآن من قبله عز وجل بمقتضى رحمته الواسعة يجدد تنزيله حسبما
~~تقتضيه الحكمة والمصلحة إلا جددوا إعراضا عنه واستمروا على ما كانوا
~~عليه، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال محله النصب على الحالية من مفعول {
~~يأتيهم } بإضمار قد أو بدونه على الخلاف المشهور أي ما يأتيهم من
~~ذكر في حال من الأحوال إلا حال كونهم معرضين عنه.

### || [26.6]

# { فقد كذبوا } أي بالذكر الذي يأتيهم تكذيبا صريحا مقارنا
~~للاستهزاء به ولم يكتفوا بالإعراض عنه حيث جعلوه تارة سحرا وتارة أساطير
~~الأولين وأخرى شعرا. وقال بعض الفضلاء: أي فقد تموا على التكذيب وكان
~~تكذيبهم مع ورود ما يوجب الإقلاع من تكرير إتيان الذكر كتكذيبهم أول مرة،
~~وللتنبيه على ذلك عبر عنه بما يعبر عن الحادث ويشعر باعتبار مقارنة
~~الاستهزاء حسبما أشير إليه قوله تعالى: { فسيأتيهم أنبؤا ما
~~كانوا به يستهزئون } لاقتضائه تقدم الاستهزاء، وقيل: إن ذاك
~~لدلالة الإعراض والتكذيب على الاستهزاء، والمراد بأنباء ذلك ما سيحيق بهم
~~من العقوبات العاجلة والآجلة وكل آت قريب، وقيل من عذاب يوم بدر أو يوم
~~القيامة والأول أولى، وعبر عن ذلك بالأنباء لكونه مما أنبأ به القرآن
~~العظيم أو لأنهم بمشاهدته يقفون على حقيقة حال ms07577 القرآن كما يقفون على
~~الأحوال الخافية عنهم باستماع الأنباء. وفيه تهويل له لأن النبأ يطلق على
~~الخبر الخطير الذي له وقع عظيم أي فسيأتيهم لا محالة مصداق ما كانوا
~~يستهزؤن به قبل من غير أن يتدبروا في أحواله ويقفوا عليها.

### || [26.7]

# وقوله تعالى: { أو لم يروا إلى الأرض } بيان لإعراضهم عن
~~الآيات التكوينية بعد بيان إعراضهم عن الآيات التنزيلية، والهمزة للإنكار
~~التوبيخي والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي أأصروا على ما هم عليه
~~من الكفر بالله تعالى وتكذيب ما يدعوهم إلى الإيمان به عز وجل ولم ينظروا
~~إلى عجائب الأرض الزاجرة لهم عن ذلك والداعية إلى الإيمان به تعالى، وقال
~~أبو السعود بعد جعل الهمزة للإنكار والعطف على مقدر يقتضيه المقام: أي
~~افعلوا ما فعلوا من الاعراض عن الآيات والتكذيب والاستهزاء بها ولم
~~ينظروا إلى عجائب الأرض الزاجرة عما فعلوا والداعية إلى الإقبال على ما
~~أعرضوا عنه انتهى.

# وهو ظاهر في أن الآية مرتبطة بما قبلها من قوله تعالى:

# وما يأتيهم

# [الشعراء: 5] الخ وهو قريب بحسب اللفظ إلا أن فيه أن النظر إلى عجائب
~~الأرض لا يظهر كونه زاجرا عن التكذيب بكون القرآن منزلا من الله عز وجل
~~وداعيا إلى الإقبال إليه، وقال ابن كمال: التقدير ألم يتأملوا في عجائب
~~قدرته تعالى ولم ينظروا انتهى. والظاهر أن الآية عليه ابتداء كلام فافهم،
~~وقيل: هو بيان لتكذيبهم بالمعاد إثر بيان تكذيبهم بالمبدأ وكفرهم به عز
~~وجل والعطف على مقدر أيضا، والتقدير أكذبوا بالبعث ولم ينظروا إلى عجائب
~~الأرض الزاجرة عن التكذيب بذلك والأول أولى وأظهر، وأيا ما كان فالكلام
~~على حذف مضاف كما أشير إليه، وجوز أن / يراد من الأرض عجا ئبها مجازا.

# وقوله تعالى: { كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم }
~~استئناف مبين لما في الأرض من الآيات الزاجرة عن الكفر الداعية إلى
~~الإيمان. و(كم) خبرية في موضع نصب على المفعولية بما بعدها وهي مفيدة
~~للكثرة وجيء بكل معها لإفادة الإحاطة والشمول فيفيد أن كثرة أفراد كل صنف
~~صنف ms07578 فيكون المعنى انبتنا فيها شيئا كثيرا من كل صنف على أن (من)
~~تبعيضية أو كثرة الأصناف فيكون المعنى أنبتنا فيها شيئا كثيرا هو كل
~~صنف على أن (من) بيانية، وأيا ما كان فلا تكرار بينهما، وقد يقال:
~~المعنى أو لم ينظروا إلى نفس الأرض التي هي طبيعة واحدة كيف جعلناها
~~منبتا لنباتات كثيرة مختلفة الطبائع وحينئذ ليس هناك حذف مضاف ولا مجاز
~~ويكون قوله تعالى: { كم أنبتنا فيها } الخ بدل اشتمال بحسب
~~المعنى وهو وجه حسن فافهمه لئلا تظن رجوعه إلى ما تقدم واحتياجه إلى ما
~~احتاج إليه من الحذف أو التجوز.

# والزوج الصنف كما أشرنا إليه، وذكر الراغب أن كل ما في العالم زوج من
~~حيث إن له ضدا ما أو مثلا ما أو تركيبا ما بل لا ينفك بوجه من تركيب،
~~والكريم من كل شيء مرضيه ومحموده، ومنه قوله:

# حتى يشق الصفوف من كرمه

# فإنه أراد من كونه مرضيا في شجاعته وهو صفة لزوج أي من كل زوج كثير
~~المنافع وهي تحتمل التخصيص والتوضيح، ووجه الأول دلالته على ما يدل عليه
~~غيره في شأن الواجب تعالى وزيادة حيث يدل على النعمة الزاجرة لهم عما هم
~~عليه أيضا، ووجه الثاني التنبيه على أنه تعالى ما أنبت شيئا إلا وفيه
~~فائدة كما يؤذن به قوله تعالى:

# هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا

# [البقرة: 29] وأيا ما كان فالظاهر عدم دخول الحيوان في عموم المنبت،
~~وذهب بعض إلى دخوله بناء على أن خلقه من الأرض إنبات له كما يشير إليه
~~قوله تعالى:

# والله أنبتكم من الأرض نباتا

# [نوح: 17] وعن الشعبي التصريح بدخول الإنسان فيه، فقد روي عنه أنه قال:
~~الناس من نبات الأرض فمن صار إلى الجنة فهو كريم ومن صار إلى النار فبضد
~~ذلك.

### || [26.8]

# { إن فى ذلك } أي الإنبات أو المنبت { لآية } عظيمة دالة على
~~ما يجب عليهم الإيمان به من شؤونه عز وجل، وما ألطف ما قيل في وصف
~~النرجس:

# تأمل في رياض الورد وانظر

# إلى آثار ms07579 ما صنع المليك

# عيون من لجين شاخصات

# على أهدابها ذهب سبيك

# على قضب الزبرجد شاهدات

# بأن الله ليس له شريك

# { وما كان أكثرهم مؤمنين } قيل: أي وما كان في علم الله
~~تعالى ذلك واعترض بناء على أنه يفهم من السياقة العلية بأن علمه تعالى
~~ليس علة لعدم إيمانهم لأن العلم تابع للمعلوم لا بالعكس. ورد بأن معنى
~~كونه علمه تعالى تابعا للمعلوم أن علمه سبحانه في الأزل بمعلوم معين
~~حادث تابع لماهيته بمعنى أن خصوصية العلم وامتيازه عن سائر العلوم إنما
~~هو باعتبار أنه علم بهذه الماهية وأما وجود الماهية فيما لا يزال فتابع
~~لعلمه تعالى الأزلي التابع لماهيته بمعنى أنه تعالى لما علمها في الأزل
~~على هذه الخصوصية لزم أن تتحقق وتوجد فيما لا يزال كذلك فنفس موتهم على
~~الكفر وعدم إيمانهم متبوع لعلمه الأزلي ووقوعه تابع له، ونقل عن سيبويه
~~أن { كان } صلة والمعنى وما أكثرهم مؤمنين فالمراد الإخبار عن حالهم في
~~الواقع لا في علم الله تعالى الأزلي وارتضاه شيخ الإسلام، وقال: هو
~~الأنسب بمقام بيان عتوهم وغلوهم في المكابرة والعناد مع تعاقد موجبات /
~~الإيمان من جهته عز وجل وأما نسبة كفرهم إلى علمه تعالى [وقضائه] فربما
~~يتوهم منها كونهم معذورين فيه بحسب الظاهر ويحتاج حينئذ إلى تحقيق عدم
~~العذر بما يخفى على العلماء المتقنين، والمعنى على الزيادة وما أكثرهم
~~مؤمنين مع عظم الآية الموجبة للإيمان لغاية تماديهم في الكفر والضلالة
~~وانهماكهم في الغي والجهالة، ويجوز على قياس ما مر عن بعض الأجلة في قوله
~~تعالى:

# ألا يكونوا مؤمنين

# [الشعراء: 3] أن يقال: إن { كان } للاستمرار واعتبر بعد النفي فالمراد
~~استمرار نفي إيمان أكثرهم مع عظم الآية الموجبة لإيمانهم، وفيه من تقبيح
~~حالهم ما فيه. وهذا المعنى وإن تأتي على تقدير إسقاط { كان } بأن يعتبر
~~الاستمرار الذي تفيده الجملة الاسمية بعد النفي أيضا إلا أنه فرق بين
~~الاستمرارين بعد اعتبار (كان) قوة وضعفا فتدبر، ونسبة عدم الإيمان إلى
~~أكثرهم لأن منهم من لم يكن كذلك.

### || [26.9]

# { وإن ربك ms07580 لهو العزيز } أي الغالب على كل ما يريده من
~~الأمور التي من جملتها الانتقام من هؤلا الكفرة { الرحيم } أي
~~المبالغ في الرحمة ولذلك يمهلهم ولا يؤاخذهم بغتة بما اجترؤا عليه من
~~العظائم الموجبة لفنون العقوبات أو العزيز في انتقامه ممن كفر الرحيم لمن
~~تاب وآمن أو العزيز في انتقامه من الكفرة الرحيم لك بأن يقدر من يؤمن بك
~~إن لم يؤمن هؤلاء، والتعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله
~~عليه وسلم من تشريفه عليه الصلاة والسلام والعدة الخفية له صلى الله عليه
~~وسلم ما لا يخفى، وتقديم العزيز لأن ما قبله أظهر في بيان القدرة أو لأنه
~~أدل على دفع المضار الذي هو أهم من جلب المصالح.

### || [26.10]

# { وإذ نادى ربك موسى } كلام مستأنف مقرر لسوء حالهم ومسل
~~له صلى الله عليه وسلم أيضا لكن بنوع آخر من أنواع التسلية على ما قيل:
~~و { إذ } منصوب على المفعولية بمقدر خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم
~~معطوف على ما قبله عطف القصة على القصة، والتقدير عند بعض واذكر في نفسك
~~وقت ندائه تعالى أخاك موسى عليه السلام وما جرى له مع قومه من التكذيب مع
~~ظهور الآيات وسطوع المعجزات لتعلم أن تكذيب الأمم لأنبيائهم ليس بأول
~~قارورة كسرت ولا بأول صحيفة نشرت فيهون عليك الحال وتستريح نفسك مما أنت
~~فيه من البلبال. وعند شيخ الإسلام واذكر لقومك وقت ندائه تعالى موسى عليه
~~السلام وذكرهم بما جرى على قوم فرعون بسبب تكذيبهم إياه عليه السلام
~~زاجرا لهم عما هم عليه من التكذيب وتحذيرا من أن يحيق بهم مثل ما حاق
~~بهم حتى يتضح لديك أنهم في غاية العناد والإصرار لا يردعهم أخذ أضرابهم
~~من المكذبين الأشرار ولا يؤثر فيهم الوعظ والإنذار، وهذا التقدير يناسب
~~صدر القصة الآتية أعني قوله تعالى:

# واتل عليهم نبأ إبرهيم

# [الشعراء: 69] والأول يناسب القصص المصدرة ب

# كذبت

# [الشعراء: 105]على ما قيل. والأظهر عندي تقدير واذكر لقومك لوضوح اقتضاء

# واتل عليهم

# [الشعراء: 69] له. ولا نسلم اقتضاء ms07581 تلك القصص المصدرة بكذبت تقدير اذكر
~~في نفسك وأمر المناسبة مشترك وإن سلم اختصاصها به فهي لا تقاوم الاقتضاء
~~المذكور. نعم الأظهر أن يكون وجه التسلي بما ذكر كونه عليه الصلاة
~~والسلام ليس بدعا من الرسل ولا قومه بدعا من الأقوام في التكذيب مع ظهور
~~الآيات وسطوع المعجزات وقد تضمن الأمر بذكر ذلك لهم الأمر بالتسلي به على
~~أتم وجه فتدبر. وأيا ما كان فوجه توجيه الأمر بالذكر إلى الوقت مع أن
~~المقصود ذكر ما فيه قد مر مرارا. وقيل: إن ذلك المقدر معطوف على مقدر
~~آخر أي خذ الآيات أو ترقب إتيان الأنباء واذكر وهو تكلف لا حاجة إليه.
~~وقيل: { إذ } ظرف لقال بعد وليس بذاك. ومعنى نادى دعا. وقيل: / أمر.

# { أن ائت } أي بأن ائت على أن أن مصدرية حذف عنها حرف الجر أو أي
~~ائت على أنها مفسرة. { القوم الظلمين } بالكفر والمعاصي
~~واستعباد بني إسرائيل وذبح أبنائهم وليس هذا مطلع ما ورد في حيز النداء
~~وإنما هو ما فصل في سورة طه من قوله تعالى:

# إنى أنا ربك

# [طه: 12] إلى قوله سبحانه:

# لنريك من ءايتنا الكبرى

# [طه: 23] وسنة القرآن الكريم إيراد ما جرى في قصة واحدة من المقالات
~~بعبارات شتى وأساليب مختلفة لاقتضاء المقام ما يكون فيه من العبارات كما
~~حقق في موضعه.

### || [26.11]

# { قوم فرعون } عطف بيان للقوم الظالمين جيء به للإيذان بأنهم علم
~~في الظلم كأن معنى القوم الظالمين وترجمته قوم فرعون، وقال أبو البقاء:
~~بدل منه؛ ورجح أبو حيان الأول بأنه أقضى لحق البلاغة لإيذانه بما سمعت،
~~ولعل الاقتصار على القوم للعلم بأن فرعون أولى بما ذكر وقد خص في بعض
~~المواضع للدلالة على ذلك، وجوز أن يقال قوم فرعون شامل له شمول بني آدم
~~آدم عليه السلام { ألا يتقون } حال بتقدير القول أي ائتهم قائلا
~~لهم ألا يتقون. وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار وشقيق بن سلمة وحماد بن
~~سلمة وأبو قلابة بتاء الخطاب، ويجوز في مثل ذلك الخطاب والغيبة فيقال قل ms07582
~~لزيد تعطي عمرا كذا ويعطي عمرا كذا. وقرىء بكسر النون مع الخطاب
~~والغيبة والأصل يتقونني فحذفت إحدى النونين لاجتماع المثلين وحذفت ياء
~~المتكلم اكتفاء بالكسرة. وقول موسى عليه السلام ذلك بطريق النيابة عنه عز
~~وجل نظير ما في قوله تعالى:

# وإذا سألك عبادي عني فإني قريب

# [البقرة: 186] فكأنه قيل: ائتهم قائلا قولي لهم ألا تتقونني، وقال
~~الزمخشري هو كلام مستأنف أتبعه عز وجل إرساله إليهم للإنذار والتسجيل
~~عليهم بالظلم تعجيبا لموسى عليه السلام من حالهم التي شنعت في الظلم
~~والعسف ومن أمنهم العواقب وقلة خوفهم وحذرهم من أيام الله عز وجل، وقراءة
~~الخطاب على طريقة الالتفات إليهم وجبههم وضرب وجوههم بالإنكار والغضب
~~عليهم، وإجراء ذلك في تكليم المرسل إليهم في معنى إجرائه بحضرتهم وإلقائه
~~في مسامعهم لأنه مبلغه ومنهيه وناشره بين الناس فلا يضر كونهم غيبا
~~حقيقة في وقت المناجاة، وفيه مزيد حث على التقوى لمن تدبر وتأمل انتهى.

# والاستئناف عليه قيل: بياني بتقدير لم هذا الأمر؟، وقيل: هو نحوي إذ لا
~~حاجة إلى هذا السؤال بعد ذكرهم بعنوان الظلم ودفع بالعناية، ولعل ما
~~ذكرناه أسرع تبادرا إلى الفهم. وقال أيضا: يحتمل أن يكون { ألا
~~يتقون } حالا من الضمير في

# الظلمين

# [الشعراء: 10] أي يظلمون غير متقين الله تعالى وعقابه عز وجل فأدخلت
~~همزة الإنكار على الحال دلالة على إنكار عدم التقوى والتوبيخ عليه ليفيد
~~إنكار الظلم من طريق الأولى فإن فائدة الإتيان بهذه الحال الإشعار بأن
~~عدم التقوى هو الذي جرأهم على الظلم. وتعقبه أبو حيان بأنه خطأ فاحش لأن
~~فيه مع الفصل بين العامل والمعمول بالأجنبي لزوم إعمال ما قبل: الهمزة
~~فيما بعدها. وأجيب بمنع كون الفاصل أجنبيا وأنه يتوسع في الهمزة وهو كما
~~ترى، وجوز أيضا في { ألا يتقون } بالياء التحتية وكسر النون أن
~~يكون بمعنى ألا يا ناس اتقون نحو قوله تعالى:

# ألا يسجدوا

# [النمل: 25] فتكون { ألا } كلمة واحدة للعرض ويا ندائية سقطت ألفها
~~لالتقاء الساكنين وحذف المنادى وما بعده فعل أمر ويكون إسقاط الألفين
~~مخالفا للقياس، ms07583 ولا يخفى أنه تخريج بعيد وأن الظاهر أن ألا للعرض المضمن
~~الحض على التقوى في جميع القراءات.

### || [26.12]

# { قال } استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال موسى عليه السلام؟ فقيل:
~~قال متضرعا إلى الله عز وجل. / { رب إنى أخاف أن يكذبون }
~~من أول الأمر.

### || [26.13]

# { ويضيق صدرى ولا ينطلق لسانى } معطوفان على خبر

# إن

# [الشعراء: 12] فيفيد أن فيه عليه السلام ثلاث علل. خوف التكذيب وضيق
~~الصدر وامتناع انطلاق اللسان والظاهر ثبوت الأمرين الأخيرين في أنفسهما
~~غير متفرعين على التكذيب ليدخلا تحت الخوف لكن قرأ الأعرج وطلحة وعيسى
~~وزيد بن علي وأبو حيوة وزائدة عن الأعمش ويعقوب بنصب الفعلين عطفا على

# يكذبون

# [الشعراء: 12] فيفيد دخولهما تحت الخوف ولأن الأصل توافق القراءتين قيل
~~إنهما متفرعان على ذلك كأنه قيل: رب إني أخاف تكذيبهم إياي ويضيق صدري
~~انفعالا منه ولا ينطلق لساني من سجن اللكنة وقيد العي بانقباض الروح
~~الحيواني الذي تتحرك به العضلات الحاصل عند ضيق الصدر واغتمام القلب،
~~والمراد حدوث تلجلج اللسان له عليه السلام بسبب ذلك كما يشاهد في كثير من
~~الفصحاء إذا اشتد غمهم وضاقت صدورهم فإن ألسنتهم تتلجلج حتى لا تكاد تبين
~~عن مقصود، هذا إن قلنا: إن هذا الكلام كان بعد دعائه عليه السلام بحل
~~العقدة واستجابة الله تعالى له بإزالتها بالكلية أو المراد ازدياد ما كان
~~فيه عليه السلام إن قلنا: إنه كان قبل الدعاء أو بعده لكن لم تزل العقدة
~~بالكلية وإنما انحل منها ما كان يمنع من أن يفقه قوله عليه السلام فصار
~~يفقه قوله مع بقاء يسير لكنة، وقال بعضهم: لا حاجة إلى حديث التفرع بل
~~هما داخلان تحت الخوف بالعطف على

# يكذبون

# [الشعراء: 12] كما في قراءة النصب وذلك بناء على ما جوزه البقاعي من
~~كون

# أخاف

# [الشعراء: 12] بمعنى أعلم أو أظن فتكون أن مخففة من الثقيلة لوقوعها بعد
~~ما يفيد علما أو ظنا، ويلتزم على هذا كون { أخاف } في قراءة النصب
~~على ظاهره لئلا تأبى ذلك ويدعي اتحاد المآل، وحكى أبو عمرو الداني ms07584 عن
~~الأعرج أنه قرأ بنصب { يضيق } ورفع { ينطلق } ، والكلام في ذلك يعلم مما
~~ذكر، وأيا ما كان فالمراد من ضيق الصدر ضيق القلب وعبر عنه بما ذكر
~~مبالغة ويراد منه الغم، ثم هذا الكلام منه عليه السلام ليس تشبثا بأذيال
~~العلل والاستعفاء عن امتثال أمره عز وجل وتلقيه بالسمع والطاعة بل هو
~~تمهيد عذر في استدعاء عون له على الامتثال وإقامة الدعوة على أتم وجه فإن
~~ما ذكره ربما يوجب اختلال الدعوة وانتباذ الحجة وقد تضمن هذا الاستدعاء
~~قوله تعالى: { فأرسل إلى هرون } كأنه قال أرسل جبريل عليه
~~السلام إلى هارون واجعله نبيا وآزرني به واشدد به عضدي لأن في الإرسال
~~إليه عليه السلام حصول هذه الأغراض كلها لكن بسط في سورة القصص واكتفى
~~ههنا بالأصل عما في ضمنه. ومن الدليل على أن المعنى على ذلك لا أنه تعلل
~~وقوع { فأرسل } معترضا بين الأوائل والرابعة أعني

# ولهم

# [الشعراء: 14] الخ فاذن بتعلقه بها ولو كان تعللا لآخر وليس أمره
~~بالإتيان مستلزما لما استدعاه عليه السلام، وتقدير مفعول { أرسل }
~~ما أشرنا إليه قد ذهب إليه غير واحد، وبعضهم قدر ملكا إذ لا جزم في أنه
~~عليه السلام كان يعلم إذ ذاك أن جبريل عليه السلام رسول الله عز وجل إلى
~~من يستنبئه سبحانه من البشر، وفي الخبر أن الله تعالى أرسل موسى إلى
~~هارون وكان هارون بمصر حين بعث الله تعالى موسى نبيا بالشام، وأخرج ابن
~~أبي حاتم عن السدي قال: أقبل موسى عليه السلام إلى أهله فسار بهم نحو
~~مصر حتى أتاها ليلا فتضيف على أمه وهو لا يعرفهم في ليلة كانوا يأكلون
~~الطفيشل فنزلت في جانب الدار فجاء هارون عليه السلام فلما أبصر ضيفه سأل
~~عنه أمه فأخبرته / أنه ضيف فدعاه فأكل معه فلما قعدا تحدثا فسأله هارون
~~من أنت؟ قال: أنا موسى فقام كل واحد منهما إلى صاحبه فاعتنقه فلما أن
~~تعارفا قال له موسى: يا هارون انطلق معي إلى فرعون فإن الله تعالى قد
~~أرسلنا إليه قال هارون: ms07585 سمعا وطاعة فقامت أمهم فصاحت وقالت: أنشدكما
~~بالله تعالى أن لا تذهبا إلى فرعون فيقتلكما فأبيا فانطلقا إليه ليلا
~~الخبر والله تعالى أعلم بصحته.

### || [26.14]

# { ولهم على ذنب } أي تبعة ذنب فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه
~~مقامه أو سمي باسمه مجازا بعلاقة السببية، والمراد به قتل القبطي خباز
~~فرعون بالوكزة التي وكزها وقصته مبسوطة في غير موضع، وتسميته ذنبا بحسب
~~زعمهم كما ينبىء عنه قوله تعالى { لهم }: { فأخاف } إن أتيتهم
~~وحدي { أن يقتلون } بسبب ذلك، ومراده عليه السلام بهذا استدفاع
~~البلية خوف فوات مصلحة الرسالة وانتشار أمرها كما هو اللائق بمقام أولي
~~العزم من الرسل عليهم السلام فإنهم يتوقون لذلك كما كان يفعل صلى الله
~~عليه وسلم حتى نزل عليه

# والله يعصمك من الناس

# [المائدة: 67]، ولعل الحق أن قصد حفظ النفس معه لا ينافي مقامهم. وفي
~~«الكشاف» أنه عليه السلام فرق أن يقتل قبل أداء الرسالة، وظاهره أنه وإن
~~كان نبيا غير عالم بأنه يبقى حتى يؤدي الرسالة وإليه ذهب بعضهم لاحتمال
~~أنه إنما أمر بذلك بشرط التمكين مع أن له تعالى نسخ ذلك قبله. وقال
~~الطيبي: الأقرب أن الأنبياء عليهم السلام يعلمون إذا حملهم الله تعالى
~~على أداء الرسالة أنه سبحانه يمكنهم وأنهم سيبقون إلى ذلك الوقت وفيه منع
~~ظاهر، وفي «الكشف» أنه على القولين يصح قول الزمخشري فرق الخ لأن ذلك كان
~~قبل الاستنباء فإن النداء كان مقدمته ولا أظنك تقول به.

### || [26.15]

# وقوله تعالى: { قال كلا فاذهبا بئايتنا } إجابة له
~~عليه السلام إلى الطلبتين حيث وعده عز وجل دفع بلية الأعداء بردعه عن
~~الخوف وضم إليه أخاه بقوله: { اذهبا } فكأنه قال له عز وجل: ارتدع عن
~~خوف القتل فإنك بأعيننا فاذهب أنت وأخوك هارون الذي طلبته، وجاء النشر
~~على عكس اللف لاختصاص ما قدم بموسى عليه السلام وظاهر السياق يقتضي عدم
~~حضور هارون ففي الخطاب المذكور تغليب والفعل معطوف على الفعل الذي يدل
~~عليه { كلا } كما أشرنا إليه، وقيل: الفاء فصيحة، والمراد بالآيات ما
~~بعثهما الله تعالى ms07586 به من المعجزات وفيها رمز إلى أنها تدفع ما يخافه.

# وقوله عز وجل: { إنا معكم مستمعون } تعليل للردع عن الخوف
~~ومزيد تسلية لهما بضمان كمال الحفظ والنصرة كقوله تعالى:

# إننى معكما أسمع وأرى

# [طه: 46] والخطاب لموسى وهارون ومن يتبعهما من بني إسرائيل فيتضمن
~~الكلام البشارة بالإشارة إلى علو أمرهما واتباع القوم لهما، وذهب سيبويه
~~إلى أنه لهما عليهما السلام ولشرفهما وعظمتهما عند الله تعالى عوملا في
~~الخطاب معاملة الجمع، واعترض بأنه يأباه ما بعده وما قبله من ضمير
~~التثنية، وقيل: هو لهما عليهما السلام ولفرعون واعتبر لكون الموعود بمحضر
~~منه وإن شئت ضم إلى ذلك قوم فرعون أيضا، واعترض بأن المعية العامة 
~~أعني المعية العلمية  لا تختص بأحد لقوله تعالى:

# ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم

# [المجادلة: 7] والمعية الخاصة وهي معية الرأفة والنصرة لا تليق بالكافر
~~ولو بطريق التغليب، وأجيب بأن خصوص المعية لا يلزم أن يكون بما ذكر بل
~~بوجه آخر وهو تخليص أحد المتخاصمين من الآخر بنصرة المحق والانتقام من
~~المبطل، وأيا ما كان فالظرف في موضع الخبر لإن و { مستمعون } خبر
~~ثان أو الخبر { مستمعون } والظرف متعلق به أو متعلق بمحذوف وقع
~~حالا من ضميره وتقديمه للاهتمام أو / الفاصلة أو الاختصاص بناء على أن
~~يراد بالمعية الاستماع في حقه عز وجل وهو مجاز عن السمع اختير للمبالغة
~~لأن فيه تسلما للإدراك وهو مما ينزه الله تعالى عنه سواء كان بحاسة أم
~~لا فسقط ما قيل من أن السمع في الحقيقة إدراك بحاسة فإن أريد به مطلق
~~الإدراك فالاستماع مثله فلا حاجة إلى التجوز فيه، وإلى التجوز هنا ذهب
~~غير واحد، وقال بعضهم: { إنا معكم مستمعون } جملة استعارة
~~تمثيلية مثل سبحانه حاله عز وجل بحال ذي شوكة قد حضر مجادلة قوم يستمع ما
~~يجري بينهم ليمد أولياءه ويظهرهم على أعدائهم مبالغة في الوعد بالإعانة
~~وحينئذ لا تجوز في شيء من مفرداته ولا يكون { مستمعون } مطلقا
~~عليه تعالى فلا يحتاج إلى جعله بمعنى سامعين إلا أن ms07587 يقال: إنه في
~~المستعار منه كذلك لأن المقصود السمع دون الاستماع الذي قد لا يوصل إليه
~~لكنه كما ترى.

# وجوز أن يكون { إنا معكم } فقط تمثيلا لحاله عز وجل في نصره
~~وإمداده بحال من ذكر ويكون الاستماع مجازا عن السمع وهو بحسب ظاهره
~~لكونه لم يطلق عليه سبحانه كالسمع كالقرينة وإن كان مجازا والقرينة في
~~الحقيقة عقلية وهي استحالة حضوره تعالى شأنه في مكان، ولا بد على هذا من
~~أن يقال: إن الاستماع المذكور في تقرير التمثيل ليس هو الواقع في النظم
~~الكريم بل هو من لوازم حضور الحكم للخصومة وفيه بعد. ثم إن ما ذكروه وإن
~~كان مبنيا على جعل الخطاب لموسى وهارون وفرعون يمكن إجراؤه على جعله
~~لهما عليهما السلام ولمن يتبعهما أولهما فقط أيضا بأدنى عناية فافهم ولا
~~تغفل. وزعم بعضهم أن المعية والاستماع على حقيقتهما ولا تمثيل، والمراد
~~أن ملائكتنا معكم مستمعون وهو مما لا ينبغي أن يستمع، ولا بد في الكلام
~~على هذا التقدير من إرادة الإعانة والنصرة وإلا فبمجرد معية الملائكة
~~عليهم السلام واستماعهم لا يطيب قلب موسى عليه السلام. والفاء في قوله
~~تعالى: { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب
~~العلمين }.

### || [26.16]

# لترتيب ما بعدها على ما قبلها من الوعد الكريم، وليس هذا مجرد تأكيد
~~للأمر بالذهاب لأن معناه الوصول إلى المأتي لا مجرد التوجه إلى المأتي
~~كالذهاب. وأفرد الرسول هنا لأنه مصدر بحسب الأصل وصف به كما يوصف بغيره
~~من المصادر للمبالغة كرجل عدل فيجري فيه كما يجري فيه من الأوجه، ولا
~~يخفى الأوجه منها، وعلى المصدرية ظاهر قول كثير عزة:

# لقد كذب الواشون ما فهت عندهم

# بسر ولا أرسلتهم برسول

# وأظهر منه قول العباس بن مرداس:

# إلا من مبلغ عنى خفافا

# رسولا بيت أهلك منتهاها

# أو لاتحادهما للأخوة أو لوحدة المرسل أو المرسل به أو لأن قوله تعالى: {
~~إنا } بمعنى إن كلامنا فصح إفراد الخبر كما يصح في ذلك، وفائدته
~~الإشارة إلى أن كلا منهما مأمور بتبليغ ذلك ولو منفردا، وفي التعبير ms07588
~~برب العالمين رد على اللعين ونقض لما كان أبرمه من ادعاء الألوهية وحمل
~~لطيف له على امتثال الأمر.

### || [26.17]

# و { أن } في قوله تعالى: { أن أرسل معنا بنى إسرءيل }
~~مفسرة لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول، وجوز أبو حيان كونها
~~مصدرية على معنى إنا رسوله عز وجل بالأمر بالإرسال وهو بمعنى الإطلاق
~~والتسريح كما في قولك: أرسلت الحجر من يدي وأرسل الصقر، والمراد خلهم
~~يذهبوا معنا إلى فلسطين وكانت مسكنهما عليهما / السلام، وكان بنو إسرائيل
~~قد استعبدوا أربعمائة سنة وكانت عدتهم حين أرسل موسى عليه السلام ستمائة
~~وثلاثين ألفا على ما ذكره البغوي.

### || [26.18]

# { قال } أي فرعون لموسى عليه السلام بعد ما أتياه وقالا له ما أمرا
~~به، ويروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب:
~~إن ههنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين فقال: ائذن له لعلنا نضحك
~~منه فأذن له فدخلا فأديا إليه الرسالة فعرف موسى عليه السلام فقال عند
~~ذلك: { ألم نربك فينا وليدا } وفي خبر آخر أنهما أتيا ليلا
~~فقرع الباب ففزع فرعون وقال: من هذا الذي يضرب بابي هذه الساعة؟ فأشرف
~~عليهما البواب فكلمهما فقال له موسى: إنا رسول رب العالمين فأتى فرعون
~~وقال: إن ههنا إنسانا مجنونا يزعم أنه رسول رب العالمين فقال: أدخله
~~فدخل فقال ما قص الله تعالى، وأراد اللعين من قوله: { ألم نربك }
~~الخ الامتنان، و { فينا } على تقدير المضاف أي منازلنا، والوليد فعيل
~~بمعنى مفعول يقال لمن قرب عهده بالولادة، وإن كان على ما قال الراغب: يصح
~~في الأصل لمن قرب عهده أو بعد كما يقال لما قرب عهده بالاجتناء جنى فإذا
~~كبر سقط عنه هذا الاسم، وقال بعضهم: كأن دلالته على قرب العهد من صيغة
~~المبالغة، وكون الولادة لا تفاوت فيها نفسها.

# { ولبثت فينا من عمرك سنين } قيل: لبث فيهم ثلاثين سنة
~~ثم خرج إلى مدين وأقام به عشر سنين ثم عاد إليهم يدعوهم إلى الله تعالى
~~ثلاثين سنة ثم بقي بعد الغرق ms07589 خمسين، وقيل: لبث فيهم اثنتي عشرة سنة ففر
~~بعد أن وكز القبطي إلى مدين فأقام به عشر سنين يرعى غنم شعيب عليه السلام
~~ثم ثماني عشرة سنة بعد بنائه على امرأته بنت شعيب فكمل له أربعون سنة
~~فبعثه الله تعالى وعاد إليهم يدعوهم إليه عز وجل والله تعالى أعلم.

# وقرأ أبو عمرو في رواية { من عمرك } بإسكان الميم، والجار والمجرور في
~~موضع الحال من { سنين } كما هو المعروف في نعت النكرة إذا قدم.

### || [26.19]

# { وفعلت فعلتك التى فعلت } يعني قتل القبطي. وبخه به
~~بعد ما امتن وعظمه عليه بالإبهام الذي في الموصول، وأراد في ذلك القدح في
~~نبوته عليه السلام. وقرأ الشعبي { فعلتك } بكسر الفاء يريد الهيئة وكانت
~~قتلة بالوكز، والفتح في قراءة الجمهور لإرادة المرة { وأنت من
~~الكفرين } أي بنعمتي حيث عمدت إلى قتل رجل من خواصي كما روي عن
~~ابن زيد أو وأنت حينئذ من جملة القوم الذين تدعي كفرهم الآن كما حكي عن
~~السدي، وهذا الحكم منه بناء على ما عرفه من ظاهر حاله عليه السلام إذ
~~ذاك لاختلاطه بهم والتقية معهم بعدم الإنكار عليهم وإلا فالأنبياء عليهم
~~السلام معصومون عن الكفر قبل النبوة وبعدها، وقيل: كان ذلك افتراء منه
~~عليه عليه السلام، واستبعد بأنه لو علم بإيمانه أولا لسجنه أو قتله،
~~والجملة على الاحتمالين في موضع الحال من إحدى التائين في الفعلين
~~السابقين. وجوز أن يكون ذلك حكما مبتدأ عليه عليه السلام بأنه من
~~الكافرين بإلهيته كما روي عن الحسن أو ممن يكفرون في دينهم حيث كانت لهم
~~آلهة يعبدونهم أو من الكافرين بالنعم المعتادين لغمطها ومن اعتاد ذلك لا
~~يكون مثل هذه الجناية بدعا منه، فالجملة مستأنفة أو معطوفة على ما
~~قبلها، والأولى عندي ما تقدم من جعل الجملة حالا لتكون مع نظيرتها في
~~الجواب على طرز واحد لتعين الحالية هناك ولما يتضمن كلام اللعين أمرين
~~تصدى عليه / السلام لردهما على سبيل اللف والنشر المشوش فرد أولا ما
~~وبخه به قدحا في نبوته أعني قوله: ms07590 { وفعلت فعلتك } الخ
~~اعتناء بذلك واهتماما به وذلك بما حكاه سبحانه عنه بقوله جل وعلا: {
~~قال فعلتها... }.

### || [26.20]

# { قال فعلتها } أي تلك الفعلة { إذا } أي إذ ذاك على ما آثره
~~بعض المحققين سقى الله تعالى ثراه من أن { إذا } ظرف مقطوع عن الإضافة
~~مؤثرا فيه الفتحة على الكسرة لخفتها وكثرة الدور، وأقر عليه السلام
~~بالقتل لثقته بحفظ الله تعالى له، وقيد الفعل بما يدفع كونه قادحا في
~~النبوة وهو جملة { وأنا من الضالين } أي من الجاهلين وقد جاء
~~كذلك في قراءة ابن عباس وابن مسعود كما نقله أبو حيان في «البحر» لكنه
~~قال: ويظهر أن ذاك تفسير للضالين لا قراءة مروية عن الرسول صلى الله عليه
~~وسلم، وأراد عليه السلام بذلك على ما روي عن قتادة أنه فعل ذلك جاهلا به
~~غير متعمد إياه فإنه عليه السلام إنما تعمد الوكز للتأديب فأدى إلى ما
~~أدى، وفي معنى ما ذكر ما روي عن ابن زيد من أن المعنى وأنا من الجاهلين
~~بأن وكزتي تأتي على نفسه، وقيل: المعنى فعلتها مقدما عليها من غير
~~مبالاة بالعواقب على أن الجهل بمعنى الإقدام من غير مبالاة كما فسر بذلك
~~في قوله:

# ألا لا يجلهن أحد علينا

# فنجهل فوق جهل الجاهلينا

# وهذا مما يحسن على بعض الأوجه في تقرير الجواب المذكور، قيل: إن الضلال
~~ههنا المحبة كما فسر بذلك في قوله تعالى:

# تالله إنك لفى ضللك القديم

# [يوسف: 95] وعنى عليه السلام أنه قتل القبطي غيرة لله تعالى حيث كان
~~عليه السلام من المحبين له عز وجل وهو كما ترى، ومثله ما قيل أراد من
~~الجاهلين بالشرائع، وفسر الضلال بذلك في قوله تعالى:

# ووجدك ضالا فهدى

# [الضحى: 7]، وقال أبو عبيدة: من الناسين، وفسر الضلال بالنسيان في قوله
~~تعالى:

# أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى

# [البقرة: 282] وعليه قيل المراد فعلتها ناسيا حرمتها، وقيل: ناسيا أن
~~وكزي ذلك مما يفضي إلى القتل عادة؛ والذي أميل إليه من بين هذه الأقوال
~~ما روي عن قتادة، وسيأتي إن شاء الله ms07591 تعالى في سورة القصص ما يتعلق بهذا
~~المقام وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن جريج عن ابن مسعود أنه قرأ {
~~فعلتها إذ أنا من الضالين }.

### || [26.21]

# { ففررت } أي خرجت هاربا { منكم لما خفتكم } أي حين
~~توقعت مكروها يصيبني منكم وذلك حين قيل له:

# إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك

# [القصص: 20] ومن هنا يعلم وجه جمع ضمير الخطاب، وقرأ حمزة في رواية
~~(لما) بكسر اللام وتخفيف الميم على أن اللام حرف جر و(ما) مصدرية أي
~~لخوفي إياكم { فوهب لى ربى حكما } أي نبوة أو علما وفهما
~~للأشياء على ما هي عليه والأول مروي عن السدي، وتأول بعضهم ذلك بأنه أراد
~~علما هو من خواص النبوة فيكون الحكم بهذا المعنى أخص منه بالمعنى
~~الثاني، وقرأ عيسى { حكما } بضم الكاف { وجعلنى من
~~المرسلين } إشارة على ظاهر الأول من تفسيري الحكم إلى تفضله تعالى
~~عليه برتبة هي فوق رتبة النبوة أعني رتبة الرسالة ولم يقل فوهب لي ربي
~~حكما ورسالة أو وجعلني رسولا إعظاما لأمر الرسالة وتنبيها لفرعون على
~~أن رسالته عليه السلام ليس أمرا مبتدعا بل هو مما جرت به سنة الله
~~تعالى شأنه، وحاصل الرد أن ما ذكرت من نسبة القتل إلى مسلم لكنه ليس مما
~~أوبخ به ويقدح في نبوتي لأنه كان قبل النبوة من غير تعمد حيث كان الوكز
~~للتأديب وترتب عليه ذلك، ورد ثانيا امتنانه الذي تضمنه قوله:

# ألم نربك فينا وليدا

# [الشعراء: 18] الخ فقال: { وتلك نعمة تمنها... }.

### || [26.22]

# { وتلك } أي التربية المفهومة من قوله:

# ألم نربك

# [الشعراء: 18] الخ { نعمة تمنها } أي تنعم بها { على } فهو
~~من باب الحذف والإيصال، وتمن من المنة بمعنى الإنعام والمضارع لاستحضار
~~الصورة، وجوز أن يكون من المن والمعنى تلك نعمة تعدها علي فليس / هناك
~~حذف وإيصال، والمضارع قيل على ظاهره من الاستقبال وفيه منع ظاهر { أن
~~عبدت بنى إسرءيل } أي ذللتهم واتخذتهم عبيدا يقال: عبدت
~~الرجل وأعبدته إذا اتخذته عبدا. قال الشاعر:

# علام يعبدني قومي وقد كثرت

# فيهم أباعر ما شاؤوا وعبدان

# و(أن) وما ms07592 بعدها في تأويل مصدر مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف والجملة
~~حالية أو مفسرة أو على أنه بدل من { تلك } أو (نعمة) أو عطف أو منصوب
~~على أنه بدل من الهاء في { تمنها } أو مجرور بتقدير الباء السببية
~~أو اللام على أحد القولين في محل (أن) وما بعدها بعد حذف الجار، والقول
~~الآخر أن محله النصب، وحاصل الرد إن ما ذكرت نعمة ظاهرا وهي في الحقيقة
~~نقمة حيث كانت بسبب إذلال قومي وقصدك إياهم بذبح أبنائهم ولولا ذلك لم
~~أحصل بين يديك ولم أكن في مهد تربيتك، وقيل: { تلك } إشارة إلى خصلة
~~شنعاء مبهمة لا يدرى ما هي إلا بتفسيرها و { أن عبدت } عطف بيان
~~لها، والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها علي، وحاصل الرد إنكار ما
~~امتن به أيضا. ويريد حمل الكلام على رد كون ذلك نعمة في الحقيقة قراءة
~~الضحاك «وتلك نعمة مالك أن تمنها علي»، وإلى ذلك ذهب قتادة وكذا الأخفش
~~والفراء إلا أنهما قالا بتقدير همزة الاستفهام للإنكار بعد الواو، والأصل
~~وأتلك نعمة الخ، وأبى بعض النحاة حذف حرف الاستفهام في مثل هذا الموضع.
~~وقال أبو حيان: ((الظاهر أن هذا الكلام إقرار منه عليه السلام بنعمة
~~فرعون كأنه يقول: وتربيتك إياي نعمة علي من حيث أنك عبدت غيري وتركتني
~~واتخذتني ولدا لكن لا يدفع ذلك رسالتي وإلى هذا التأويل ذهب السدي
~~والطبري)) وليس بذاك. وأيا ما كان فالآية ظاهرة في أن كفر الكافر لا
~~يبطل نعمته. وذهب بعضهم أن الكفر يبطل النعمة لئلا يجتمع استحقاق المدح
~~واستحقاق الذم، وفيه أنه لا ضير في ذلك لاختلاف جهتي الاستحقاقين.

# هذا وذهب الزمخشري إلى أن { إذا } في قوله تعالى

# فعلتها إذا

# [الشعراء: 20] جواب وجزاء وبين وجه كون الكلام جزاء بقوله: قول

# وفعلت فعلتك

# [الشعراء: 19] فيه معنى أنك جازيت نعمتي بما فعلت فقال له موسى عليه
~~السلام: نعم فعلتها مجازيا لك تسليما لقوله كأن نعمته عنده جديرة بأن
~~تجازى بنحو ذلك الجزاء. واعترض بأن هذا لا يلائم قوله:

# وأنا من ms07593 الضالين

# [الشعراء: 20] لأنه يدل على أنه اعترف بأنه فعل ذلك جاهلا أو ناسيا.
~~وفي «الكشف» تحقيق ما ذكره الزمخشري أن الترتيب الذي هو معنى الشرط
~~والجزاء حاصل ولما كانا ماضيين كان ذلك تقديريا كأنه قال: إن كان ذلك
~~كفرانا بنعمتك فقد فعلته جزاء، ولكن الوصف أي كونه كفرانا غير مسلم.
~~وأمده بقوله: { وتلك نعمة تمنها } وفيه القول بالموجب
~~أيضا. وقوله:

# وأنا من الضالين

# [الشعراء: 20] على هذا كأنه اعتذار ثان أي كنت تستحق ذلك عندي وأيضا
~~كنت من الحائدين عن منهج الصواب لا في اعتقاد استحقاق مكافأة صنيعك بمثل
~~تلك ولكن في الإقدام قبل الإذن من الملك العلام، والحاصل أنه نسبه إلى
~~مقابلة الإحسان بالإساءة وقررها بكونه كافرا، فأجاب عليه السلام بأن
~~المقابلة حاصلة ولكن أين الإحسان وما كنت كافرا بك فإنه عين الهدى بل
~~ضالا في الإقدام على الفعل وما كنت كافرا لنعمة منعم أصلا ولكن كنت
~~فاعلا لذلك خطأ، ومنه ظهر أن قوله:

# وأنا من الضالين

# [الشعراء: 20] لا ينافي تقرير الزمخشري بل يؤيده اه.

# / ولا يخفى أن الأوفق بحديث الجزاء أن يكون المراد بقوله: فعلتها وأنا
~~من الضالين فعلتها مقدما عليها من غير مبالاة على أن الضلال بمعنى الجهل
~~المفسر بالإقدام من غير مبالاة لكن التزام كون { إذا } هنا للجواب
~~والجزاء التزام ما لا يلزم فإن الصحيح الذي قال به الأكثرون أنها قد
~~تتمحض للجواب، وفي «البحر» أنهم حملوا ما في هذه الآية على ذلك، وتوجيه
~~كونها للجزاء فيها بما ذكر لا يخلو عن تكلف، والأظهر عندي معنى ما آثره
~~بعض أفاضل المحققين من أنها ظرف مقطوع عن الإضافة ولا أرى فيه ما يقال
~~سوى أنه معنى لم يذكره أكثر علماء العربية، وهم لم يحيطوا بكل شيء علما،
~~وإن أبيت هذا فهي للجواب فقط، ومن العجيب قول ابن عطية: إنها هنا صلة في
~~الكلام ثم قوله: وكأنها بمعنى حينئذ ولو اكتفى به على أنه تفسير معنى
~~لكان له وجه فتأمل، والله تعالى أعلم.

### || [26.23]

# { قال فرعون } مستفهما عن المرسل ms07594 سبحانه { وما رب
~~العلمين } وتحقيق ذلك على ما قال العلامة الطيبي أنه عز وجل لما
~~أمرهما بقوله سبحانه:

# فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العلمين

# [الشعراء: 16]

# أن أرسل معنا بنى إسرءيل

# [الشعراء: 17] فلا بد أن يكونا ممتثلين مؤديين لتلك الرسالة بعينها عند
~~اللعين فلما أديت عنده اعترض أولا بقوله:

# ألم نربك فينا وليدا

# [الشعراء: 18] إلى آخره وثانيا بقوله: { وما رب العلمين }
~~ولذلك جىء بالواو العاطفة وكرر (قال) للطول فكأنه قال: أأنت الرسول وما
~~رب العالمين؟ وقال الزمخشري: إن اللعين لما قال له بوابه: إن ههنا من
~~يزعم أنه رسول رب العالمين قال له عند دخوله: وما رب العالمين؟ واعترض
~~بأنه نظم مختل لسبق المقاولة بينهم كما أشار إليه هو في سابق كلامه.
~~وانتصر له صاحب «الكشف» فقال: أراد أنه تعالى ذكر مرة

# فقولا إنا رسولا ربك فأرسل

# [طه: 47] وأخرى

# فقولا إنا رسول رب العلمين

# [الشعراء: 16] والقصة واحدة والمجلس واحد فحمله على أن الثاني ما أداه
~~البواب من لسانه عليه السلام والأول ما خاطبه به موسى عليه السلام مشافهة
~~وأن اللعين أخذ أولا: في الطعن فيه وأن مثله ممن قرف برذائل الأخلاق لا
~~يرشح لمنصب عال فضلا عما ادعاه؛ وثانيا: في السؤال عن شأن من ادعى
~~الرسالة عنه استهزاء، ومن هذا تبين أن سبق المقاولة لا يدل على اختلال
~~النظم الذي أشار إليه انتهى.

# وجوز بعضهم وقوع الأمر مرتين وأن فرعون سأل أولا بقوله:

# فمن ربكما يموسى

# [طه: 49] وسأل ثانيا بقوله: { وما رب العلمين } وقد قص
~~الله تعالى الأول فيما أنزل جل وعلا أولا وهو سورة طه والثاني فيما
~~أنزله سبحانه ثانيا وهو سورة الشعراء، فقد روي عن ابن عباس أن سورة طه
~~نزلت ثم الواقعة ثم طسم الشعراء، وقال آخر: يحتمل أنهما إنما قالا:

# إنا رسول رب العلمين

# [الشعراء: 16] والاقتصار في سورة طه على ذكر ربوبيته تعالى لفرعون
~~لكفايته فيما هو المقصود، وعلى القول بوقوع الأمر مرتين قيل: إن فرعون
~~سأل في المرة الأولى بقوله:

# من ربكما

# [طه: 49] طلبا للوصف ms07595 المشخص كما يقتضيه ظاهر الجواب خلافا للسكاكي في
~~دعواه أنه سؤال عن الجنس كأنه قال: أبشر هو أم ملك أم جني؟ والجواب من
~~الأسلوب الحكيم وأخرى بما رب العالمين طلبا للماهية والحقيقة انتقالا
~~لما هو أصعب ليتوصل بذلك إلى بعض أغراضه الفاسدة حسبما قص الله تعالى
~~بعد، و { ما } يسئل بها عن الحقيقة مطلقا سواء كان المسؤول عن حقيقته
~~من أولي العلم أولا فلا يتوهم أن حق الكلام حينئذ أن يقال من رب
~~العالمين؟ حتى يوجه بأنه لإنكار اللعين له عز وجل عبر بما، ولما كان
~~السؤال عن الحقيقة مما لا يليق بجنابه جل وعلا.

### || [26.24]

# { قال } عليه السلام عادلا عن جوابه إلى ذكر صفاته عز وجل على نهج
~~الأسلوب الحكيم إشارة إلى تعذر بيان الحقيقة { رب السموات
~~والأرض وما بينهما } والكلام في امتناع معرفة الحقيقة وعدمه
~~قد مر عليك فتذكر، ورفع { رب } على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو رب
~~السماوات والأرض وما بينهما من العناصر والعنصريات { إن كنتم
~~موقنين } أي إن كنتم موقنين بالأشياء محققين لها علمتم ذلك أو إن
~~كنتم موقنين بشيء من الأشياء فهذا أولى بالإيقان لظهوره وإنارة دليله فإن
~~هذه الأجرام المحسوسة ممكنة لتركبها وتعددها وتغير أحوالها فلها مبدأ
~~واجب لذاته ثم ذلك المبدأ لا بد أن يكون مبدأ لسائر الممكنات ما يمكن أن
~~يحس بها وما لا يمكن وإلا لزم تعدد الواجب أو استغناء بعض الممكنات عنه
~~وكلاهما محال، وجواب (أن) محذوف كما أشرنا إليه.

### || [26.25]

# { قال } فرعون عند سماع جوابه عليه السلام خوفا من أن يعلق منه في
~~قلوب قومه شيء { لمن حوله } من أشراف قومه، قال ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما: كانوا خمسمائة رجل عليهم الأساور وكانت للملوك خاصة { ألا
~~تستمعون } جوابه يريد التعجيب منه والإزراء بقائله وكان ذلك لعدم
~~مطابقته للسؤال حيث لم يبين فيه الحقيقة المسؤول عنها وكونه في زعمه
~~نظرا لما عليه قومه من الجهالة غير واضح في نفسه لخفاء العلم بإمكان ما
~~ذكر أو حدوثه الذي هو ms07596 علة الحاجة إلى المبدأ الواجب لذاته عليهم وقد بالغ
~~اللعين في الإشارة إلى عدم الاعتداد بالجواب المذكور حيث أوهم أن مجرد
~~استماعهم له كاف في رده وعدم قبوله، وكان موسى عليه السلام لما استشعر
~~ذلك من اللعين: { قال ربكم ورب ءابائكم الأولين }.

### || [26.26]

# { قال } عدولا إلى ما هو أوضح وأقرب إعطاء لمنصب الإرشاد حقه حسب
~~الإمكان لتعذر الوقوف على الحقيقة كما سمعت: { ربكم ورب
~~ءابائكم الأولين } فإن الحدوث والافتقار إلى واجب مصور حكيم في
~~المخاطبين وآبائهم الذين ذهبوا وعدموا أظهر والنظر في الأنفس أقرب وأوضح
~~من النظر في الآفاق؛ ولما رأى اللعين ذلك وقوي عنده خوف فتنة قومه: {
~~قال إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون }.

### || [26.27]

# { قال } مبالغا في الرد والإشارة إلى عدم الاعتداد بذلك مصرحا بما
~~ينفر قلوبهم عن قائله وقبول ما يجىء به. { إن رسولكم الذى
~~أرسل إليكم لمجنون } حيث يسئل عن شيء ويجيب عن شيء آخر
~~وينبه على ما في جوابه ولا ينتبه، وسماه رسولا بطريق الاستهزاء، وأضافه
~~إلى مخاطبيه ترفعا من أن يكون مرسلا إلى نفسه وأكد ذلك بالوصف، وفيه
~~إثارة لغضبهم واستدعاء لإنكارهم رسالته بعد سماع الخبر ترفعا بأنفسهم عن
~~أن يكونوا أهلا لأن يرسل إليهم مجنون. وقرأ مجاهد وحميد والأعرج {
~~أرسل } على بناء الفاعل أي الذي أرسله ربه إليكم، وكأنه عليه السلام
~~لما رأى خشونة في رد اللعين وإيماء منه إلى أنه عليه السلام لم يتنبه لما
~~في جوابه الأول من الخفاء عند قومه بل كان عدوله عنه إلى الجواب الثاني
~~لما رماه به عليه اللعنة: { قال رب المشرق والمغرب وما
~~بينهما... }.

### || [26.28]

# { قال } عليه السلام تفسيرا لجوابه الأول وإزالة لخفائه ليعلم أن
~~العدول ليس إلا لظهور ما عدل إليه ووضوحه وقربه إلى الناظر لا لما رمى به
~~وحاشاه مع الإشارة إلى تعذر بيان الحقيقة أيضا بالإصرار على الجواب
~~بالصفات { رب المشرق والمغرب وما بينهما } وذلك
~~لأنه لم يكن في الجواب الأول تصريح باستناد حركات السماوات وما فيها
~~وتغيرات أحوالها وأوضاعها / وكون الأرض تارة ms07597 مظلمة وأخرى منورة إلى الله
~~تعالى، وفي هذا إرشاد إلى ذلك فإن ذكر المشرق والمغرب منبىء عن شروق
~~الشمس وغروبها المنوطين بحركات السماوات وما فيها على نمط بديع يترتب
~~عليه هذه الأوضاع الرصينة وكل ذلك أمور حادثة لا شك في افتقارها إلى محدث
~~قادر عليم حكيم، وارتكب عليه السلام الخشونة كما ارتكب معه بقوله: { إن
~~كنتم تعقلون } أي ان كنتم تعقلون شيئا من الأشياء أو ان كنتم من
~~أهل العقل علمتم أن الأمر كما قلته وأشرت إليه فإن فيه تلويحا إلى أنهم
~~بمعزل من دائرة العقل وأنهم الأحقاء بما رموه به عليه السلام من الجنون.

# وقرأ عبد الله وأصحابه والأعمش { رب المشرق والمغرب }
~~على الجمع فيهما، ولما سمع اللعين منه عليه السلام تلك المقالات المبنية
~~على أساس الحكم البالغة وشاهد شدة حزمه وقوة عزمه على تمشية أمره وأنه
~~ممن لا يجارى في حلبة المحاورة: { قال لئن اتخذت إلها
~~غيرى لأجعلنك من المسجونين }.

### || [26.29]

# { قال } ضاربا صفحا عن المقاولة إلى التهديد كما هو ديدن المحجوج
~~العنيد: { لئن اتخذت إلها غيرى لأجعلنك من
~~المسجونين } وفيه مبالغة في رده عن دعوى الرسالة حيث أراد منه ما
~~أراد ولم يقنع منه عليه السلام بترك دعواها وعدم التعرض له، وفيه أيضا
~~عتو آخر حيث أوهم أن موسى عليه السلام متخذ له إلها في ذلك الوقت وأن
~~اتخاذه غيره الها بعد مشكوك، وبالغ في الإبعاد على تقدير وقوع ذلك حيث
~~أكد الفعل بما أكد وعدل عن لأسجننك الأخصر لذلك أيضا فإن أل في
~~(المسجونين) للعهد فكأنه قال: لأجعلنك ممن عرفت أحوالهم في سجوني، وكان
~~عليه اللعنة يطرحهم في هوة عميقة قيل: عمقها خمسمائة ذراع وفيها حيات
~~وعقارب حتى يموتوا. هذا وقال بعضهم: السؤال هنا وفي سورة طه عن الوصف
~~والقصة واحدة والمجلس واحد واختلاف العبارات فيها لاقتضاء كل مقام ما عبر
~~به فيه ويلتزم القول بأن الواقع هو القدر المشترك بين جميع تلك العبارات،
~~وبهذا ينحل اشكال اختلاف العبارات مع دعوى اتحاد القصة والمجلس لكن تعيين ms07598
~~القدر المشترك الذي يصح أن يعبر عنه بكل من تلك العبارات يحتاج إلى نظر
~~دقيق مع مزيد لطف وتوفيق.

# ثم إن العلماء اختلفوا في أن اللعين هل كان يعلم أن للعالم ربا هو الله
~~عز وجل أو لا؟ فقال بعضهم: كان يعلم ذلك بدليل

# لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات
~~والأرض

# [الإسراء: 102] ومنهم من استدل بطلبه شرح الماهية زعما منه أن فيه
~~الاعتراف بأصل الوجود وذكروا أن ادعاءه الألوهية وقوله:

# أنا ربكم الأعلى

# [النازعات: 24] إنما كان ارهابا لقومه الذين استخفهم ولم يكن ذلك عن
~~اعتقاد وكيف يعتقد أنه رب العالم وهو يعلم بالضرورة أنه وجد بعد أن لم
~~يكن ومضى على العالم ألوف من السنين وهو ليس فيه ولم يكن له إلا ملك مصر
~~ولذا قال شعيب لموسى عليهما السلام: لما جاءه في مدين

# لا تخف نجوت من القوم الظلمين

# [القصص: 25].

# وقال بعضهم: إنه كان جاهلا بالله تعالى ومع ذلك لا يعتقد في نفسه أنه
~~خالق السماوات والأرض وما فيهما بل كان دهريا نافيا للصانع سبحانه
~~معتقدا وجوب الوجود بالذات للأفلاك وإن حركاتها أسباب لحصول الحوادث
~~ويعتقد أن من ملك قطرا وتولى أمره لقوة طالعة استحق العبادة من أهله
~~وكان ربا لهم ولهذا خصص ألوهيته وربوبيته ولم يعمهما حيث قال:

# ما علمت لكم من إله غيري

# [القصص: 38]

# وأنا ربكم الأعلى

# [النازعات: 24]، وجوز أن يكون / من الحلولية القائلين بحلول الرب سبحانه
~~وتعالى في بعض الذوات ويكون معتقدا حلوله عز وجل فيه ولذلك سمى نفسه
~~إلها، وقيل: كان يدعي الألوهية لنفسه ولغيره وهو ما كان يعبده من دون
~~الله عز وجل كما يدل عليه ظاهر قوله تعالى:

# ويذرك وءالهتك

# [الأعراف: 127] وهو وكذا ما قبله بعيد.

# والذي يغلب على الظن ويقتضيه أكثر الظواهر أن اللعين كان يعرف الله عز
~~وجل وأنه سبحانه هو خالق العالم إلا أنه غلبت عليه شقوته وغرته دولته
~~فاظهر لقومه خلاف علمه فأذعن منهم له من كثر جهله ونزر عقله، ولا يبعد أن
~~يكون في الناس من ms07599 يذعن بمثل هذه الخرافات ولا يعرف أنها مخالفة
~~للبديهيات، وقد نقل لي من أثق به أن رجلين من أهل نجد قبل ظهور أمر
~~الوهابي فيما بينهم بينما هما في مزرعة لهما إذ مر بهما طائر طويل
~~الرجلين لم يعهدا مثله في تلك الأرض فنزل بالقرب منهما فقال أحدهما
~~للآخر: ما هذا؟ فقال له: لا ترفع صوتك هذا ربنا فقال له معتقدا صدق ذلك
~~الهذيان: سبحانه ما أطول كراعيه وأعظم جناحيه، وأما من له عقل منهم ولا
~~يخفى عليه بطلان مثل ذلك فيحتمل أن يكون قد وافق ظاهرا لمزيد خوفه من
~~فرعون أو مزيد رغبته بما عنده من الدنيا كما نشاهد كثيرا من العقلاء
~~وفسقة العلماء وافقوا جبابرة الملوك في أباطيلهم العلمية والعملية حبا
~~للدنيا الدنية أو خوفا مما يتوهمونه من البلية، ويحتمل أن يكون قد اعتقد
~~ذلك حقيقة بضرب من التوجيه وإن كان فاسدا كزعم الحلول ونحوه، والمنكر
~~على القائل أنا الحق والقائل ما في الجبة إلا الله يزعم أن معتقدي صدقهما
~~كمعتقدي صدق فوعون في قوله:

# أنا ربكم الأعلى

# [النازعات: 24] وسؤال اللعين لموسى عليه السلام حكاية لما وقع في عبارته
~~بقوله:

# وما رب العلمين

# [الشعراء: 23] كان لإنكاره لظاهر أن يكون للعالمين رب سواه، وجواب موسى
~~عليه السلام له لم يكن إلا لابطال ما يدعيه ظاهرا وإرشاد قومه إلى ما هو
~~الحق الحقيق بالقبول ولذا لم يقصر الخطاب في الأجوبة عليه، والتعجيب
~~المفهوم من قوله:

# ألا تستمعون

# [الشعراء: 25] لزعمه ظاهرا أنه عليه السلام ادعى خلاف أمر محقق وهي
~~ربوبية نفسه، ولما داخله من خوف إذعان قومه لما قاله موسى عليه السلام ما
~~داخله بالغ في صرفهم عن قبول الحق بقوله:

# إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون

# [الشعراء: 27] ولما رأى أن ذلك لم يفد في دفع موسى عليه السلام عن إظهار
~~الحق وإبطال ما كان يظهره من الباطل ذب عن دعواه الباطلة بالتهديد وتشديد
~~الوعيد فقال: { لئن اتخذت إلها غيرى لأجعلنك
~~من المسجونين } ولعل أجوبته عليه السلام مشيرة إلى إبطال اعتقاد ms07600
~~نحو الحلول بأن فيه الترجيح بلا مرجح وبأنه يستلزم المربوبية لما فيه من
~~التغير، وبعد هذا القول عندي قول بعضهم: إنه عليه اللعنة كان دهريا إلى
~~آخره ما سمعته آنفا، والتعجيب لزعمه حقيقة أنه عليه السلام ادعى خلاف
~~أمر محقق وهو ربوبية نفسه عليه اللعنة والله تعالى أعلم، ولما رأى عليه
~~السلام فظاظة فرعون: { قال أو لو جئتك بشىء مبين }.

### || [26.30]

# { قال } على جهة التلطف به والطمع في إيمانه { أو لو جئتك
~~بشىء مبين } أي تفعل [بي] ذلك ولو جئتك بشيء مبين أي موضح لصدق
~~دعواي يريد به المعجزة فإنها جامعة بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته
~~وبين الدلالة على صدق دعوى من ظهرت على يده والتعبير عنها بشيء للتهويل،
~~والواو للعطف على جملة مقابلة للجملة المذكورة، ومجموع الجملتين
~~المتعاطفتين في موضع الحال، و { لو } لبيان تحقيق ما يفيده الكلام
~~السابق من الحكم على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال
~~بإدخالها على أبعدها منه وأشدها منافاة له ليظهر تحققه مع ما عداه من
~~الأحوال بطريق الأولوية أي أتفعل في ذلك حال عدم مجيئي بشيء مبين وحال
~~مجيئي به، وتصدير المجيء بلو دون إن ليس لبيان / استبعاده في نفسه بل
~~بالنسبة إلى فرعون، وجعل بعضهم الواو للحال على معنى أن الجملة التي
~~بعدها حال أي أتفعل في ذلك جائيا بشيء مبين وهو ظاهر كلام «الكشاف» هنا،
~~وظاهر كلام «الكشف» أن الاستفهام للإنكار على معنى لا تقدر على فعل ذلك
~~مع أنى نبي بالمعجزة، والظاهر تعلق هذا الكلام بالوعيد الصادر من اللعين
~~فذلك في تفسيره إشارة إلى جعله عليه السلام من المسجونين فكأنه قال:
~~أتجعلني من المسجونين إن اتخذت إلها غيرك ولو جئتك بشيء مبين؟ وعلى ذلك
~~حمل الطيبي كلام «الكشاف» ثم قال: يمكن أن يقال إن الواو عاطفة وهي
~~تستدعي معطوفا عليه وهو ما سبق في أول المكالمة بين نبي الله تعالى
~~وعدوه، والهمزة مقحمة بين المعطوف والمعطوف عليه للتقرير، والمعنى أتقر
~~بالوحدانية وبرسالتي إن جئتك بعد الاحتجاج ms07601 بالبراهين القاهرة والمعجزات
~~الباهرة الظاهرة. و { لو } بمعنى أن عز بز، ويؤيد هذا التأويل ما في
~~الاعراف

# قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معى بنى
~~إسرءيل * قال إن كنت جئت بئاية فأت بها إن كنت
~~من الصدقين

# [الأعراف: 105-106] انتهى. وهو كما ترى. وفيه جعل { مبين } من أبان
~~اللازم بمعنى بان، وجعله من أبان المتعدي وحذف المفعول كما أشرنا إليه
~~أنسب للمقام، ولما سمع فرعون هذا الكلام من موسى عليه السلام: { قال
~~فأت به إن كنت من الصدقين }.

### || [26.31]

# { قال } حيث طمع أن يجد موضع معارضة { فأت به } أي بشيء مبين {
~~إن كنت من الصدقين } أي فيما يدل عليه كلامك من أنك تأتي
~~بشيء موضح لصدق دعواك أو من الصادقين في دعوى الرسالة من رب العالمين،
~~وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه أي إن كنت من الصادقين فأت به،
~~وقدره الزمخشري أتيت به، والمشهور تقديره من جنس الدليل. وقال الحوفي:
~~يجوز أن يكون ما تقدم هو الجواب وجاز تقديم الجواب لأن حذف الشرط لم يعمل
~~في اللفظ شيئا، وقد بهت الزمخشري عامله الله تعالى بعدله أهل السنة بما
~~هم منه برآء كما بينه صاحب «الكشف» وغيره فارجع إليه إن أردته.

### || [26.32]

# { فألقى } موسى بعد أن قال له فرعون ذلك { عصاه فإذا هى
~~ثعبان مبين } ظاهر ثعبانيته أي ليس بتمويه وتخييل كما يفعله
~~السحرة، والثعبان أعظم ما يكون من الحيات واشتقاقه من ثعب الماء بمعنى
~~جرى جريا متسعا، وسمي به لجريه بسرعة من غير رجل كأنه ماء سائل،
~~والظاهر أن نفس العصا انقلبت ثعبانا وليس ذلك بمحال إذا كان بسلب الوصف
~~الذي صارت به عصا وخلقه وصف الذي يصير ثعبانا بناء على رأي بعض
~~المتكلمين من تجانس الجواهر واستوائها في قبول الصفات إنما المحال
~~انقلابها ثعبانا مع كونها عصا لامتناع كون الشيء الواحد في الزمن الواحد
~~عصا وثعبانا، وقيل: إن ذلك بخلق الثعبان بدلها وظواهر الآيات تبعد ذلك،
~~وقد جاء في الأخبار ما يدل على مزيد عظم هذا الثعبان ولا ms07602 يعجز الله تعالى
~~شيء، وقد مر بيان كيفية الحال.

### || [26.33]

# { ونزع يده } من جيبه { فإذا هى بيضاء للنظرين }
~~أي بياضها يجتمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة، وكان بياضا
~~نورانيا. روي أنه لما أبصر أمر العصا قال: هل لك غيرها؟ فأخرج عليه
~~السلام يده فقال: ما هذه؟ قال: يدي فأدخلها في أبطه ثم نزعها ولها شعاع
~~يكاد يغشى الأبصار ويسد الأفق.

### || [26.34]

# { قال للملإ } أشراف قومه { حوله } منصوب لفظا على الظرفية
~~وهو ظرف مستقر وقع حالا أي مستقرين حوله. وجوز أن يكون في موضع الصفة
~~للملأ على حد:

# ولقد أمر على اللئيم يسبني

# والأول أسهل وأنسب. / ومن العجيب ما نقله أبو حيان عن الكوفيين أنهم
~~يجعلون الملأ اسم موصول و «حوله» متعلق بمحذوف وقع صلة له كأنه قيل: قال
~~للذين استقروا حوله { إن هذا لسحر عليم } فائق في علم
~~السحر.

### || [26.35]

# { يريد أن يخرجكم } قسرا { من أرضكم } التي نشأتم فيها
~~وتوطنتموها { بسحره } وفي هذا غاية التنفير عنه عليه السلام وابتغاء
~~الغوائل له إذ من أصعب الأشياء على النفوس مفارقة الوطن لا سيما إذا كان
~~ذلك قسرا وهو السر في نسبة الإخراج والأرض إليهم { فماذا تأمرون
~~} أي أي أمر تأمرون فمحل { ماذا } النصب على المصدرية و { تأمرون
~~} من الأمر ضد النهي ومفعوله محذوف أي تأمروني، وفي جعله عبيده بزعمه
~~آمرين له مع ما كان يظهره لهم من دعوى الألوهية والربوبية ما يدل على أن
~~سلطان المعجرة بهره وحيره حتى لا يدري أي طرفيه أطول فزل عند ذكر دعوى
~~الألوهية وحط عن منكبيه كبرياء الربوبية وانحط عن ذروة الفرعنة إلى حضيض
~~المسكنة ولهذا أظهر استشعار الخوف من استيلائه عليه السلام على ملكه.
~~وجوز أن يكون { ماذا } في محل النصب على المفعولية وأن يكون «تأمرون»
~~من المؤامرة بمعنى المشاورة لأمر كل بما يقتضيه رأيه ولعل ما تقدم أولى.

### || [26.36]

# { قالوا أرجه وأخاه } أي أخر أمرهما إلى أن تأتيك السحرة من
~~أرجأته إذا أخرته، ومنه المرجئة وهم الذين يؤخرون العمل لا يأتونه
~~ويقولون: ms07603 لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة.

# وقرأ أهل المدينة والكسائي وخلف { أرجه } بكسر الهاء، وعاصم وحمزة {
~~أرجه } بغير همز وسكون الهاء، والباقون «أرجئه» بالهمز وضم الهاء،
~~وقال أبو علي: لا بد من ضم الهاء مع الهمزة ولا يجوز غيره، والأحسن أن لا
~~يبلغ بالضم إلى الواو، ومن قرأ بكسر الهاء فأرجه عنده من أرجيته بالياء
~~دون الهمزة والهمز على ما نقل الطيبي أفصح، وقد توصل الهاء المذكورة
~~بياء فيقال: أرجهي كما يقال مررت بهي، وذكر الزجاج أن بعض الحذاق بالنحو
~~لا يجوز إسكان نحو هاء { أرجه } أعني هاء الإضمار، وزعم بعض النحويين
~~جواز ذلك واستشهد عليه ببيت مجهول ذكره الطبرسي: وقال هو شعر لا يعرف
~~قائله والشاعر يجوز أن يخطىء. وقال بعض الأجلة: الإسكان ضعيف لأن هذه
~~الهاء إنما تسكن في الوقف لكنه أجري الوصل مجرى الوقف، وقيل: المعنى
~~احبسه، ولعلهم قالوا ذلك لفرط الدهشة أو تجلدا ومداهنة لفرعون وإلا فكيف
~~يمكنه أن يحبسه مع ما شاهد منه من الآيات { وابعث فى المدائن
~~حشرين } شرطاء يحشرون السحرة ويجمعونهم عندك.

### || [26.37]

# { يأتوك } مجزوم في جواب الأمر أي إن تبعثهم يأتوك { بكل
~~سحار } كثير العمل بالسحر { عليم } فائق في علمه، ولكون المهم هنا
~~هو العمل أتوا بما يدل على التفضيل فيه، وقرأ الأعمش وعاصم في رواية {
~~بكل ساحر عليم }.

### || [26.38]

# { فجمع السحرة } أي المعهودون على أن التعريف كما في «المفتاح»
~~عهدي، وقال الفاضل المحقق: إن المعهود قد يكون عاما مستغرقا كما هنا
~~ولا منافاة بينهما كما يتوهم وفيه بحث فتأمل. { لميقت يوم
~~معلوم } لما وقت به من ساعات يوم معين وهو وقت الضحى من يوم الزينة
~~على أن الميقات من صفات الزمان، وفي «الكشاف» هو ما وقت به أي حدد من
~~زمان أو مكان ومنه مواقيت الإحرام.

### || [26.39]

# { وقيل للناس } / استبطاء لهم في الاجتماع وحثا على التبادر
~~إليه { هل أنتم مجتمعون } في ذلك الميقات فالاستفهام مجاز عن
~~الحث والاستعجال كما في قول تأبط شرا:

# هل أنت باعث ms07604 دينار لحاجتنا

# أو عبد رب أخا عون بن مخراق

# فإنه يريد ابعث أحدهما إلينا سريعا ولا تبطىء به.

### || [26.40]

# { لعلنا نتبع السحرة } أي في دينهم { إن كانوا هم
~~الغلبين } لا موسى عليه السلام، وليس مرادهم بذلك إلا أن لا
~~يتبعوا موسى عليه السلام في دينه لكن ساقوا كلامهم مساق الكناية حملا
~~للسحرة على الاهتمام والجد في المغالبة، وجوز أن يكون مرادهم اتباع
~~السحرة أي الثبات على ما كانوا عليه من الدين ويدعي أنهم كانوا على ما
~~يريد فرعون من الدين. والظاهر أن فرعون غير داخل في القائلين، وعلى تقدير
~~دخوله لم يجوز بعضهم إرادة المعنى الحقيقي لهذا الكلام لامتناع اتباع
~~مدعي الإلهية السحرة، وجوزه آخرون لاحتمال أن يكون قال ذلك لما استولى
~~عليه من الدهشة من أمر موسى عليه السلام كما طلب الأمر ممن حوله لذلك،
~~ولعل إتيانهم بإن للإلهاب وإلا فالأوفق بمقامهم أن يقولوا إذا كانوا هم
~~الغالبين.

### || [26.41]

# { فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أإن لنا
~~لاجرا } أي لأجرا عظيما { إن كنا نحن الغلبين } لا
~~موسى عليه السلام ولعلهم أخرجوا الشرط على أسلوب ما وقع في كلام القائلين
~~موافقة لهم وإلا فلا يناسب حالهم إظهار الشك في غلبتهم.

### || [26.42]

# { قال } فرعون لهم { نعم } لكم ذلك { وإنكم } مع ذلك { إذا
~~لمن المقربين } عندي، قيل: قال لهم: تكونون أول من يدخل علي
~~وآخر من يخرج عني. و { إذا } عند جمع على ما تقتضيه في المشهور من
~~الجواب والجزاء، ونقل الزركشي في «البرهان» عن بعض المتأخرين أنها هنا
~~مركبة من { إذا } التي هي ظرف زمان ماض والتنوين الذي هو عوض عن جملة
~~محذوفة بعدها وليست هي الناصبة للمضارع. وقد ذهب إلى ذلك في نظير الآية
~~الكافيجي. والقاضي تقي الدين بن رزين. وأنا ممن يقول بإثبات هذا المعني
~~لها. والمعنى عليه وإنكم إذا غلبتم أو إذا كنتم الغالبين لمن المقربين.
~~وقرىء { نعم } بفتح النون وكسر العين وذلك لغة في { نعم }.

### || [26.43]

# { قال لهم موسى } أي بعد ما قال له السحرة:

# إمآ أن تلقي ms07605 وإمآ أن نكون أول من ألقى

# [طه: 65] { ألقوا ما أنتم ملقون } لم يرد عليه السلام
~~الأمر بالسحر والتمويه حقيقة فإن السحر حرام وقد يكون كفرا فلا يليق
~~بالمعصوم الأمر به بل الإذن بتقديم ما علم بإلهام أو فراسة صادقة أو
~~قرائن الحال أنهم فاعلوه البتة ولذا قال: { ما أنتم ملقون }
~~ليتوصل بذلك إلى إبطاله. وهذا كما يؤمر الزنديق بتقرير حجته لترد وليس في
~~ذلك الرضا الممتنع فإنه الرضا على طريق الاستحسان وليس في الإذن المذكور
~~ومطلق الرضا غير ممتنع، وما اشتهر من قولهم: الرضا بالكفر كفر ليس على
~~إطلاقه كما عليه المحققون من الفقهاء والأصوليين.

### || [26.44]

# { فألقوا حبلهم وعصيهم وقالوا } أي وقد قالوا
~~عند الإلقاء { بعزة فرعون } أي بقوته التي يمتنع بها من الضيم
~~من قولهم: أرض عزاز أي صلبة { إنا لنحن الغلبون } لا موسى
~~عليه السلام، والظاهر أن هذا قسم منهم بعزته عليه اللعنة على الغلبة
~~وخصوها بالقسم هنا لمناسبتها للغلبة / وقسمهم على ذلك لفرط اعتقادهم في
~~أنفسهم وإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر. وفي ذلك إرهاب لموسى
~~عليه السلام بزعمهم، وعدلوا عن الخطاب إلى الغيبة في قولهم { بعزة
~~فرعون } تعظيما له، وهذا القسم من نوع أقسام الجاهلية، وقد سلك كثير
~~من المسلمين في الإيمان ما هو أشنع من أيمانهم لا يرضون بالقسم بالله
~~تعالى وصفاته عز وجل ولا يعتدون بذلك حتى يحلف أحدهم بنعمة السلطان أو
~~برأسه أو برأس المحلف أو بلحيته أو بتراب قبر أبيه فحينئذ يستوثق منه،
~~ولهم أشياء يعظمونها ويحلفون بها غير ذلك، ولا يبعد أن يكون الحلف بالله
~~تعالى كذبا أقل إثما من الحلف بها صدقا وهذا مما عمت به البلوى ولا
~~حوال ولا قوة إلا بالله تعالى العلي العظيم، وقال ابن عطية بعد أن ذكر
~~أنه قسم: والأحرى أن يكون على جهة التعظيم والتبرك باسمه إذا كانوا
~~يعبدونه كما تقول: إذا ابتدأت بشيء بسم الله تعالى وعلى بركة رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك.

### || [26.45]

# { فألقى موسى عصه ms07606 فإذا هى تلقف } أي تبتلع بسرعة،
~~وأصل التلقف الأخذ بسرعة. وقرأ أكثر السبعة { تلقف } بفتح اللام والتشديد
~~والأصل تتلقف فحذفت إحدى التاءين. والتعبير بالمضارع لاستحضار السورة
~~والدلالة على الاستمرار { ما يأفكون } أي الذي يقلبونه من حاله
~~الأول وصورته بتمويههم وتزويرهم فيخيلون حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى.
~~فما موصولة حذف عائدها للفاصلة، وجوز أن تكون مصدرية أي تلقف أفكهم تسمية
~~للمأفوك به مبالغة.

### || [26.46]

# أي خروا ساجدين إثر ما شاهدوا ذلك من غير تلعثم وتردد لعلمهم بأن مثل
~~ذلك خارج عن حدود السحر وأنه أمر إلهي قد ظهر على يده عليه السلام
~~لتصديقه، وعبر عن الخرور بالإلقاء لأنه ذكر مع الإلقاءات فسلك به طريق
~~المشاكلة وفيه أيضا مع مراعاة المشاكلة أنهم حين رأوا ما رأوا لم
~~يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين كأنهم أخذوا فطرحوا طرحا
~~فهناك استعارة تبعية زادت حسنها المشاكلة، وبحث في ذلك بعضهم بأن الله
~~تعالى خالق خرورهم عند أهل الحق وخلقه هو الإلقاء فلا حاجة إلى التجوز.
~~وأنت تعلم أن إيجاد خرورهم وخلقه فيهم لا يسمى إلقاء حقيقة ولغة، ثم ظاهر
~~كلامهم أن فاعل الإلقاء لو صرح به هو الله عز وجل بما خولهم من التوفيق،
~~وجوز الزمخشري أن يكون إيمانهم أو ما عاينوا من المعجزة الباهرة ثم قال:
~~ولك أن لا تقدر فاعلا لأن { ألقى } بمعنى خروا وسقطوا. وتعقب هذا
~~أبو حيان بأنه ليس بشيء إذ لا يمكن أن يبنى الفعل للمفعول الذي لم يسم
~~فاعله إلا وقد حذف الفاعل فناب ذلك عنه أما أنه لا يقدر فاعل فقول ذاهب
~~عن الصواب، ووجه ذلك صاحب «الكشف» بأنه أراد أنه لا يحتاج إلى تقدير فاعل
~~آخر غير من أسند إليه المجهول لأنه فاعل الإلقاء ألا ترى أنك لو فسرت سقط
~~بألقى نفسه لصح. والطيبي بأنه أراد أنه لا يحتاج إلى تعيين فاعل لأن
~~المقصود الملقى لا تعيين من ألقاه كما تقول قتل الخارجي. وأنت تعلم أن
~~التعليل الذي ذكره الزمخشري إلى ما اختاره صاحب «الكشف» أقرب. ms07607 وبالجملة
~~لا بد من تأويل كلام صاحب «الكشاف» فإنه أجل من أن يريد ظاهره الذي يرد
~~عليه ما أورده أبو حيان.

# وفي سجود السحرة وتسليمهم دليل على أن منتهى السحر تمويه وتزويق يخيل
~~شيئا لا حقيقة له لأن السحر أقوى ما كان في زمن موسى عليه السلام ومن
~~أتى به فرعون أعلم أهل عصره به وقد بذلوا جهدهم وأظهروا أعظم ما عندهم /
~~منه ولم يأتوا إلا بتمويه وتزويق كذا قيل. والتحقيق أن ذلك هو الغالب في
~~السحر لا أن كل سحر كذلك. وقول القزويني: إن دعوى أن في السحر تبديل صورة
~~حقيقة من خرافات العوام وأسمار النسوة فإن ذلك مما لا يمكن في سحر أبدا
~~لا يخلو عن مجازفة، واستدل بذلك أيضا على أن التبحر في كل علم نافع فإن
~~أولئك السحرة لتبحرهم في علم السحر علموا حقية ما أتى به موسى عليه
~~السلام وأنه معجزة فانتفعوا بزيادة علمهم لأنه أداهم إلى الاعتراف بالحق
~~والإيمان لفرقهم بين المعجزة والسحر.

# وتعقب بأن هذا إنما يثبت حكما جزئيا كما لا يخفى، وذكر بعض الأجلة
~~أنهم إنما عرفوا حقية ذلك بعد أن أخذ موسى عليه السلام العصا فعادت كما
~~كانت وذلك أنهم لم يروا لحبالهم وعصيهم بعد أثرا، وقالوا: لو كان هذا
~~سحرا لبقيت حبالنا وعصينا؛ ولعلها على هذا صارت أجزاء هبائية وتفرقت أو
~~عدمت لانقطاع تعلق الإرادة بوجودها. وقال الشيخ الأكبر قدس سره في الباب
~~السادس عشر والباب الأربعين من «الفتوحات»: إن العصا لم تلقف إلا صور
~~الحيات من الحبال والعصي وأما هي فقد بقيت ولم تعدم كما توهمه بعض
~~المفسرين ويدل عليه قوله تعالى:

# تلقف ما صنعوا

# [طه: 69] وهو لم يصنعوا إلا الصور ولولا ذلك لوقعت الشبهة للسحرة في عصا
~~موسى عليه السلام فلم يؤمنوا انتهى ملخصا فتأمل.

### || [26.47]

# بدل اشتمال من { ألقى } [الشعراء: 46] لما بين الإلقاء المذكور وهذا
~~القول من الملابسة أو حال بإضمار قد أو بدونه، ويحتمل أن يكون استئنافا
~~بيانيا كأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل: { قالوا ءامنا برب ms07608
~~العلمين }.

### || [26.48]

# عطف بيان لرب العالمين أو بدل منه جيء به لدفع توهم إرادة فرعون حيث كان
~~قومه الجهلة يسمونه بذلك وللإشعار بأن الموجب لإيمانهم به تعالى ما أجراه
~~سبحانه على أيديهما من المعجزة القاهرة. ومعنى كونه تعالى ربهما أنه جل
~~وعلا خالقهما ومالك أمرهما. وجوز أن يكون إضافة الرب إليهما باعتبار
~~وصفهما له سبحانه بما تقدم من قول موسى عليه السلام:

# رب السموات والأرض وما بينهما

# [الشعراء: 24] وقوله:

# ربكم ورب ءابائكم الأولين

# [الشعراء: 26] وقوله:

# رب المشرق والمغرب وما بينهما

# [الشعراء: 28] فكأنهم قالوا: ءامنا برب العالمين الذي وصفه موسى وهرون،
~~ولا يخفى ما فيه وإن سلم سماعهم للوصف المذكور بعد أن حشروا من المدائن.

### || [26.49]

# { قال } فرعون للسحرة { ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم }
~~أي بغير أن آذن لكم بالإيمان له كما في قوله تعالى:

# قبل أن تنفد كلمت ربى

# [الكهف: 109] لا أن الإذن منه ممكن أو متوقع { إنه لكبيركم
~~الذى علمكم السحر } فتواطأتم على ما فعلتم فيكون كقوله:

# إن هذا لمكر مكرتموه

# [الأعراف: 123] الخ أو علمكم شيئا دون شيء فلذلك غلبكم كما قيل، ولا
~~يرد عليه أنه لا يتوافق الكلامان حينئذ إذ يجوز أن يكون فرعون قال كلا
~~منهما وإن لم يذكرا معا هنا، وأراد اللعين بذلك التلبيس على قومه كيلا
~~يعتقدوا أنهم آمنوا عن بصيرة وظهور حق. وقرأ الكسائي وحمزة وأبو بكر وروح
~~«أآمنتم» بهمزتين.

# { فلسوف تعلمون } وبال ما فعلتم. واللام قيل للابتداء دخلت
~~الخبر لتأكيد مضمون الجملة والمبتدأ محذوف أي فلأنتم سوف تعلمون، وليست
~~للقسم لأنها لا تدخل على المضارع إلا مع النون المؤكدة. وجمعها مع سوف
~~للدلالة على أن العلم كائن لا محالة وأن تأخر / لداع، وقيل: هي للقسم
~~وقاعدة التلازم بينها وبين النون فيما عدا صورة الفصل بينها وبين الفعل
~~بحرف التنفيس وصورة الفصل بينهما بمعمول الفعل كقوله تعالى:

# لإلى الله تحشرون

# [آل عمران: 158] وقال أبو علي: هي اللام التي في لاقومن ونابت سوف عن
~~إحدى نوني التأكيد فكأنه قيل: فلتعلمن، وقوله تعالى حكاية عنه: ms07609 {
~~لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف
~~ولأصلبنكم أجمعين } بيان لمفعول { تعلمون } المحذوف
~~الذي أشرنا إليه وتفصيل لما أجمل ولذا فصل وعطف بالفاء في محل آخر، وقد
~~مر معنى { من خلف }.

### || [26.50]

# { قالوا } أي السحرة { لا ضير } أي لا ضرر علينا فيما ذكرت من
~~قطع الأيدي وما معه، والضمير مصدر ضار وجاء مصدره أيضا ضورا، وهو اسم
~~لا وخبرها محذوف وحذفه في مثل ذلك كثير، وقوله تعالى: { إنا إلى
~~ربنا } أي الذي آمنا به { منقلبون } تعليل لنفي الضمير أي لا ضير
~~في ذلك بل لنا فيه نفع عظيم لما يحصل لنا من الصبر عليه لوجه الله تعالى
~~من الثواب العظيم أو لا ضير علينا فيما تفعل لأنه لا بد من الموت بسبب من
~~الأسباب والانقلاب إلى الله عز وجل:

# ومن لم يمت بالسيف مات بغيره

# تعددت الأسباب والموت واحد

# وحاصله نفي المبالاة بالقتل معللا بأنه لا بد من الموت، ونظير ذلك قول
~~علي كرم الله تعالى وجهه: لا أبالي أوقعت على الموت أم وقع الموت علي،
~~أو لا ضير علينا في ذلك لأن مصيرنا ومصيرك إلى رب يحكم بيننا فينتقم لنا
~~منك، وفي معنى ذلك قوله:

# إلى ديان يوم الدين نمضي

# وعند الله تجتمع الخصوم

# ولم يرتضه بعضهم لأن فيه تفكيك الضمائر لكونها للسحرة فيما قبل وبعد
~~ومنع بدخولهم في ضمير الجمع فتأمل.

### || [26.51]

# وقوله تعالى: { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا
~~خطينا أن كنا } أي لأن كنا { أول المؤمنين } تعليل
~~ثان لنفي الضير ولم يعطف إيذانا بأنه مما يستقل بالعلية، وقيل إن عدم
~~العطف لتعلق التعليل بالمعلل الأول مع تعليله وجوز أن يكون تعليلا للعلة
~~والأول أظهر أي لا ضير علينا في ذلك إنا نظمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا
~~لكوننا أول المؤمنين، والطمع إما على بابه كما استظهره أبو حيان لعدم
~~الوجوب على الله عز وجل، وإما بمعنى التيقن كما قيل به في قول إبراهيم
~~عليه السلام:

# والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين

# [الشعراء: 82] وقولهم: { أول المؤمنين } يحتمل ms07610 أنهم أرادوا به
~~أول المؤمنين من اتباع فرعون أو أول المؤمنين من أهل المشهد أو أول
~~المؤمنين من أهل زمانهم، ولعل الإخبار بكونهم كذلك لعدم علمهم بمؤمن
~~سبقهم بالإيمان فهو إخبار مبني على غالب الظن ولا محذور فيه كذا قيل،
~~وقيل: أرادوا أول من أظهر الإيمان بالله تعالى وبرسوله عند فرعون كفاحا
~~بعد الدعوة وظهور الآية فلا يرد مؤمن من آل فرعون وآسية، وكذا لا يرد بنو
~~إسرائيل لأنهم  كما في «البحر»  كانوا مؤمنين قبلهم إما لعدم علم
~~السحرة بذلك أو لأن كلا من المذكورين لم يظهر الإيمان بالله تعالى
~~ورسوله عند فرعون كفاحا بعد الدعوة وظهور الآية فتأمل.

# وقرأ أبان بن تغلب. وأبو معاذ { أن كنا } بكسر همزة { إن } وخرج على
~~أن إن شرطية والجواب محذوف يدل عليه ما قبله أي إن كنا أول المؤمنين فإنا
~~نطمع، وجعل صاحب «اللوامح» الجواب { إنا نطمع } المتقدم وقال: /
~~جاز حذف الفاء منه لتقدمه وهو مبني على مذهب الكوفيين وأبي زيد والمبرد
~~حيث يجوزون تقديم جواب الشرط، وعلى هذا فالظاهر أنهم لم يكونوا متحققين
~~بأنهم أول المؤمنين، وقيل: كانوا متحققين ذلك لكنهم أبرزوه في صورة الشك
~~لتنزيل الأمر المعتمد منزلة غيره تمليحا وتضرعا لله تعالى، وفي ذلك هضم
~~النفس والمبالغة في تحري الصدق والمشاكلة مع { نطمع } على ما هو
~~الظاهر فيه، وجوز أبو حيان أن تكون أن هي المخففة من الثقيلة ولا يحتاج
~~إلى اللام الفارقة لدلالة الكلام على أنهم مؤمنون فلا احتمال للنفي، وقد
~~ورد مثل ذلك في الفصيح ففي الحديث:

# " إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب العسل "

# ، وقال الشاعر:

# ونحن أباة الضيم من آل مالك

# وإن مالك كانت كرام المعادن

# وعلى هذا الوجه يكونون جازمين بأنهم أول المؤمنين أتم جزم. واختلف في أن
~~فرعون هل فعل بهم ما أقسم عليه أولا؟ والأكثرون على أنه لم يفعل لظاهر
~~قوله تعالى:

# أنتما ومن اتبعكما الغلبون

# [القصص: 35] وبعض هؤلاء زعم أنهم لما سجدوا رأوا الجنات والنيران وملكوت
~~السماوات والأرض وقبضت أرواحهم ms07611 وهم ساجدون، وظواهر الآيات تكذيب أمر
~~الموت في السجود، وأما رؤية أمر ما ذكر فلا جزم عندي بصدقه والله تعالى
~~أعلم.

### || [26.52]

# { وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادى } وذلك بعد سنين
~~أقام بين ظهرانيهم يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات فلم يزيدوا إلا
~~عتوا وعنادا حسبما فصل في سورة الأعراف [130] بقوله تعالى:

# ولقد أخذنا ءال فرعون بالسنين

# الآيات. وقرىء { أن اسر } بكسر النون ووصل الألف من سرى. وقرأ اليماني {
~~أن سر } أمرا من سار يسير { إنكم متبعون } تعليل للأمر
~~بالإسراء أي يتبعكم فرعون وجنوده مصبحين فأسر ليلا بمن معك حتى لا
~~يدركوكم قبل الوصول إلى البحر بل يكونون على أثركم حين تلجون البحر
~~فيدخلون مداخلكم فأطبقه عليهم فأغرقهم.

### || [26.53]

# { فأرسل فرعون } الفاء فصيحة أي فأسري بهم وأخبر فرعون بذلك
~~فأرسل { فى المدائن } أي مدائن مصر { حشرين } جامعين للعساكر
~~ليتبعوهم.

### || [26.54]

# { إن هؤلآء } يريد بني إسرائيل والكلام على إرادة القول، والظاهر
~~أنه حال أي قائلا إن هؤلاء { لشرذمة } أي طائفة من الناس، وقيل:
~~هي السفلة منهم، وقيل: بقية كل شيء خسيس، ومنه ثوب شراذم وشراذمة أي خلق
~~مقطع، قال الراجز:

# جاء الشتاء وقميصي أخلاق

# شراذم يضحك منه التواق

# وقرىء { لشرذمة } بإضافة شر مقابل خير إلى ذمة، قال أبو حاتم: وهي قراءة
~~من لا يؤخذ منه ولم يروها أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {
~~قليلون } صفة شرذمة، وكان الظاهر قليلة إلا أنه جمع باعتبار أن
~~الشرذمة مشتملة على أسباط كل سبط منهم قليل، وقد بالغ اللعين في قلتهم
~~حيث ذكرهم أولا باسم دال على القلة وهو شرذمة ثم وصفهم بالقلة ثم جمع
~~القليل للإشارة إلى قلة كل حزب منهم وأتى بجمع السلامة وقد ذكر أنه دال
~~على القلة، واستقلهم بالنسبة إلى جنوده. فقد أخرج ابن أبي حاتم عن السدي
~~أن موسى عليه السلام خرج في ستمائة ألف وعشرين ألفا لا يعد فيهم ابن
~~عشرين لصغره ولا ابن ستين لكبره وتبعهم فرعون على مقدمته هامان في ألف
~~ألف وسبعمائة ألف / حصان، ms07612 وقيل: أرسل فرعون في أثرهم ألف ألف وخمسمائة
~~ألف ملك مسور مع كل ملك ألف وخرج هو في جمع عظيم وكانت مقدمته سبعمائة
~~ألف رجل كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة، وهم كانوا على ما روي عن ابن
~~عباس ستمائة ألف وسبعين ألفا، وأنا أقول: إنهم كانوا أقل من عساكر فرعون
~~ولا أجزم بعدد في كلا الجمعين، والأخبار في ذلك لا تكاد تصح وفيها
~~مبالغات خارجة عن العادة. والمشهور عند اليهود أن بني إسرائيل كانوا حين
~~خرجوا من مصر ستمائة ألف رجل خلا الأطفال وهو صريح ما في التوراة التي
~~بأيديهم. وجوز أن يراد بالقلة الذلة لا قلة العدد بل هي مستفادة من شرذمة
~~يعني أنهم لقلتهم أذلاء لا يبالى بهم ولا يتوقع غلبتهم، وقيل: الذلة
~~مفهومة من شرذمة بناء على أن المراد منها بقية كل شيء خسيس أو السفلة من
~~الناس، و { قليلون } إما صفة لها أو خبر بعد خبر لإن، والظاهر ما
~~تقدم.

### || [26.55]

# لفاعلون ما يغيظنا من مخالفة أمرنا والخروج بغير إذننا مع ما عندهم من
~~أموالنا المستعارة، فقد روي أن الله تعالى أمرهم أن يستعيروا الحلي من
~~القبط فاستعاروه وخرجوا به، وتقديم { لنا } للحصر والفاصلة واللام
~~للتقوية أو تنزيل المتعدي منزلة اللازم.

### || [26.56]

# أي إنا لجمع من عاداتنا الحذر والاحتراز واستعمال الحزم في الأمور، أشار
~~أولا إلى عدم ما يمنع اتباعهم من شوكتهم ثم إلى تحقق ما يدعو إليه من
~~فرط عداوتهم ووجوب التيقظ في شأنهم حثا عليه أو اعتذارا بذلك إلى أهل
~~المدائن كيلا يظن به عليه العلة ما يكسر سلطانه.

# وقرأ جمع من السبعة وغيرهم { حذرون } بغير ألف، وفرق بين حاذر بالألف
~~وحذر بدونها بأن الأول اسم فاعل يفيد التجدد والحدوث والثاني صفة مشبهة
~~تفيد الثبات، وقريب منه ما روي عن الفراء والكسائي أن الحذر من كان الحذر
~~في خلقته فهو متيقظ منتبه، وقال أبو عبيدة: هما بمعنى واحد، وذهب سيبويه
~~إلى أن حذرا يكون للمبالغة وأنه يعمل كما يعمل حاذر فينصب المفعول ms07613 به،
~~وأنشد:

# حذر أمورا لا تضير وآمن

# ما ليس منجيه من الأقدار

# وقد نوزع في ذلك بما هو مذكور في «كتب النحو». وعن ابن عباس وابن جبير
~~والضحاك وغيرهم أن الحاذر التام السلاح، وفسروا ما في الآية بذلك، وكأنه
~~بمعنى صاحب حذر وهي آلة الحرب سميت بذلك مجازا، وحمل على ذلك قوله
~~تعالى:

# خذوا حذركم

# [النساء: 71]. وقرأ سميط بن عجلان وابن أبي عمار وابن السميقع { حادرون
~~} بالألف والدال المهملة من قولهم: عين حدرة أي عظيمة وفلان حادر أي
~~متورم. قال ابن عطية: والمعنى ممتلئون غيظا وأنفة. وقال ابن خالويه:
~~الحادر السمين القوي الشديد، والمعنى أقوياء أشداء، ومنه قول الشاعر:

# أحب الصبي السوء من أجل أمه

# وأبغضه من بغضها وهو حادر

# وقيل: المعنى تامو السلاح على هذه القراءة أيضا أخذا من الحدارة بمعنى
~~الجسامة والقوة فإن تام السلاح يتقوى به كما يتقوى بأعضائه، و { جميع
~~} على جميع القراآت والمعاني بمعنى الجمع وليست التي يؤكد بها كما أشرنا
~~إليه ولو كانت هي المؤكدة لنصبت.

### || [26.57]

# { فأخرجنهم } أي فرعون وجنوده أي خلقنا فيهم داعية الخروج
~~بهذا / السبب الذي تضمنته الآيات الثلاث فحملتهم عليه أو خلقنا خروجهم {
~~من جنت وعيون } كانت لهم بحافتي النيل كما روي عن ابن عمر
~~وغيره.

### || [26.58]

# { وكنوز } أي أموال كنزوها وخزنوها تحت الأرض. وخصت بالذكر لأن
~~الأموال الظاهرة أمور لازمة لهم لأنها من ضروريات معاشهم فإخراجهم عنها
~~معلوم بالضرورة. وقيل: لأن أموالهم الظاهرة قد انطمست بالتدمير. وتعقب
~~بأن الإخراج قبل الانطماس إذ من جملة الأموال الظاهرة الجنات والإخبار
~~عنهم بأنهم أخرجوا منها بعنوان كونها جنات والأصل فيه الحقيقة. وعلى
~~تقدير تسليم أنه بعد يرد أن المدمر ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا
~~يعرشون وهو مفسر بالقصور والعمارات والجنان فيبقى ما سوى ذلك غير محكوم
~~عليه بالتدمير من الأموال الظاهرة مع أنهم أخرجوا منه أيضا فيحتاج توجيه
~~عدم التعرض له بغير ما ذكر. وقيل: المراد بالكنوز أموالهم الباطنة
~~والظاهرة وأطلق عليها ذلك لأنها لم ينفق منها في طاعة الله ms07614 تعالى، ونقل
~~ذلك عن مجاهد والأول أوفق باللغة. وأكثر جهلة أهل مصر يزعمون أن هذه
~~الكنوز في المقطم من أرض مصر وأنها موجودة إلى الآن وقد بذلوا على
~~إخراجها أموالا كثيرة لشياطين المغاربة وغيرهم فلم يظفروا إلا بالتراب
~~أو حجر الكذان، وقال ابن جبير: المراد بالعيون عيون الذهب وهو خلاف
~~المتبادر، ومثله ما قاله الضحاك من أن المراد بالكنوز الأنهار.

# { ومقام كريم } هي المساكن الحسان كما قال النقاش، وعن ابن لهيعة
~~أنها كانت بالفيوم من أرض مصر، وقيل: مجالس الأمراء والأشراف والحكام
~~التي تحفها الأتباع، وقيل: الأسرة في الكلل، وحكى الماوردي أنها مرابط
~~الخيل، وعن ابن عباس ومجاهد والضحاك أنها المنابر للخطباء وقرأ قتادة
~~والأعرج { ومقام } بضم الميم من أقام.

### || [26.59]

# { كذلك } إما في موضع نصب على أن يكون صفة لمصدر مقدر أي إخراجا
~~مثل ذلك الإخراج أخرجنا، والإشارة إلى مصدر الفعل أو في موضع جر على أن
~~يكون صفة لمقام أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، وعلى الوجهين
~~لا يرد أنه يلزم تشبيه الشيء بنفسه كما زعم أبو حيان لما مر تحقيقه أو في
~~موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك، والمراد تقرير الأمر
~~وتحقيقه. واختار هذا الطيبي فقال: هو أقوى الوجوه ليكون قوله تعالى: {
~~وأورثنها بنى إسرءيل } أي ملكناها لهم تمليك الإرث عطفا
~~عليه، والجملتان معترضتان بين المعطوف عليه وهو

# فأخرجنهم

# [الشعراء: 57] والمعطوف وهو قوله تعالى: { فأتبعوهم مشرقين
~~}.

### || [26.60]

# { فأتبعوهم } لأن الإتباع عقب الإخراج لا إلايراث. قال الواحدي:
~~إن الله تعالى رد بني إسرائيل إلى مصر بعدما أغرق فرعون وقومه فأعطاهم
~~جميع ما كان لقوم فرعون من الأموال والعقار والمساكن، وعلى غير هذا الوجه
~~يكون { أورثنا } [الشعراء: 59] عطف على { أخرجناهم } [الشعراء:
~~57] ولا بد من تقدير نحو فأردنا إخراجهم وإيراث بني إسرائيل ديارهم
~~فخرجوا وأتبعوهم انتهى، ويفهم من كلام بعضهم أن جملة

# أورثناها

# [الشعراء: 59] الخ معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه في جميع الأوجه،
~~وما ذكر عن الواحدي من أن الله تعالى رد بني ms07615 إسرائيل إلى مصر بعدما أغرق
~~فرعون وقومه ظاهره وقوع ذلك بعد الغرق من غير تطاول مدة. وأظهر منه في
~~هذا ما روي عن الحسن قال: كما عبروا البحر ورجعوا وورثوا ديارهم
~~وأموالهم؛ ورأيت في بعض الكتب أنهم رجعوا مع موسى عليه السلام وبقوا معه
~~في مصر عشر سنين، وقيل: إنه رجع بعضهم بعد إغراق فرعون وهم الذين أورثوا
~~أموال القبط وذهب الباقون مع موسى عليه السلام إلى أرض الشام. / وقيل:
~~إنهم بعد أن جاوزوا البحر ذهبوا إلى الشام ولم يدخلوا مصر في حياة موسى
~~عليه السلام وملكوها زمن سليمان عليه السلام، والمذكور في التوراة التي
~~بأيدي اليهود اليوم صريح في أنهم بعد أن جاوزوا البحر توجهوا إلى أرض
~~الشام وقد فصلت قصة ذهابهم إليها وأكثر التواريخ على هذا وظواهر كثير من
~~الآيات تقتضي ما ذكره الواحدي والله تعالى أعلم، ومعنى { أتبعوهم }
~~لحقوهم يقال: تبعت القوم فأتبعهم أي تلوتهم فلحقتهم كأن المعنى فجعلتهم
~~تابعين لي بعدما كنت تابعا لهم مبالغة في اللحوق، وضمير الفاعل لقوم
~~فرعون والمفعول لبني إسرائيل. وقرأ الحسن { فاتبعوهم } بوصل الهمزة وشد
~~التاء.

# { مشرقين } أي داخلين في وقت شروق الشمس أي طلوعها من أشرق زيد دخل
~~في وقت الشروق كأصبح دخل في وقت الصباح وأمسى دخل في وقت المساء، وقال
~~أبو عبيدة: هو من أشرق توجه نحو الشرق كأنجد توجه نحو نجد وأعرق توجه نحو
~~العراق أي فاتبعوهم متوجهين نحو الشرق، والجمهور على الأول، وعن السدي أن
~~الله تعالى ألقى على القبط الموت ليلة خرج موسى عليه السلام بقومه فمات
~~كل بكر رجل منهم فشغلوا عن طلبهم بدفنهم حتى طلعت الشمس ومثل ذلك في
~~التوراة بزيادة موت أبكار بهائمهم أيضا، والوصف حال من الفاعل، وقيل: هو
~~حال من المفعول. ومعنى { مشرقين } في ضياء بناء على ما روي أن بني
~~إسرائيل كانوا في ضياء، وكان فرعون وقومه في ضباب وظلمة تحيروا فيها حتى
~~جاوز بنو إسرائيل البحر ولا يكاد يصح ذلك لقوله تعالى: { فلما
~~تراءا الجمعان... }.

### || [26.61]

# { فلما تراءى ms07616 الجمعان } أي تقاربا بحيث رأى كل واحد منهما
~~الآخر، نعم ذكر في التوراة ما حاصله أن بني إسرائيل لما خرجوا كان أمامهم
~~نهارا عمود من غمام وليلا عمود من نار ليدلهم ذلك على الطريق فلما
~~طلبهم فرعون ورأوا جنوده خافوا جدا ولاموا موسى عليه السلام في الخروج
~~وقالوا له: أمن عدم القبور بمصر أخرجتنا لنموت في البر أما قلنا لك: دعنا
~~نخدم المصريين فهو خير من موتنا في البر فقال لهم موسى: لا تخافوا
~~وانظروا إغاثة الله تعالى لكم ثم أوحى الله تعالى إلى موسى أن يضرب بعصاه
~~البحر فتحول عمود الغمام إلى ورائهم وصار بينهم وبين فرعون وجنوده ودخل
~~الليل ولم يتقدم أحد من جنود فرعون طول الليل وشق البحر ثم دخل بنو
~~إسرائيل وليس في هذا ما يصحح أمر الحالية المذكورة فتأمل.

# وقرأ الأعمش وابن وثاب { ترا } بغير همز على مذهب التخفيف بين بين ولا
~~يصح تحقيقها بالقلب للزوم ثلاث ألفات متسقة وذلك مما لا يكون أبدا قاله
~~أبو الفضل الرازي، وقال ابن عطية وقرأ حمزة { تريئي } بكسر الراء وبمد ثم
~~بهمز، وروي مثله عن عاصم وروي عنه أيضا { تراءى } بالفتح والمد، وقال
~~أبو جعفر أحمد بن علي الأنصاري في كتابه «الإقناع» { تراءى الجمعان
~~} في الشعراء إذا وقف عليها حمزة والكسائي أما لا الألف المنقلبة عن لام
~~الفعل، وحمزة يميل ألف تفاعل وصلا ووقفا كإمالة الألف المنقلبة. وقرىء
~~{ فلما تراءت الفئتان }.

# { قال أصحب موسى إنا لمدركون } أي لملحقون جاؤا
~~بالجملة الاسمية مؤكدة بحرفي التأكيد للدلالة على تحقق الإدراك واللحاق
~~وتنجيزهما، وأرادوا بذلك التحزن وإظهار الشكوى طلبا للتدبير. وقرأ
~~الأعرج وعبيد بن عمير { لمدركون } بفتح الدال مشددة وكسر الراء من
~~الإدراك بمعنى الفناء والاضمحلال يقال: أدرك الشيء إذا فنى تتابعا وأصله
~~التتابع وهو ذهاب أحد على أثر آخر ثم صار في عرف اللغة بمعنى الهلاك وأن
~~يفنى شيئا فشيئا حتى يذهب جميعه، وقد جاء التتابع بهذا المعنى في قول
~~الحماسي:

# أبعد بني أمي الذين تتابعوا

# أرجى حياة أم من ms07617 الموت أجزع

# والمعنى إنا لهالكون على أيديهم شيئا فشيئا.

### || [26.62]

# { قال } موسى عليه السلام ردعا لهم عن ذلك وإرشادا إلى أن تدبير
~~الله عز وجل يغني عن تدبيره: { كلا } لن يدركوكم { إن معى ربى
~~} بالحفظ والنصرة { سيهدين } قريبا إلى ما فيه نجاتكم منهم ونصركم
~~عليهم، ولم يشركهم عليه السلام في المعية والهداية إخراجا للكلام على
~~حسب ما أشاروا إليه في قولهم

# إنا لمدركون

# [الشعراء: 61] من طلب التدبير منه عليه السلام، وقيل: لما كان عليه
~~السلام هو الأصل وغيره تبع له محفوظون منصورون بواسطته وشرفه وكرامته
~~قال: { معى } دون معنا وكذا قال: { سيهدين } دون سيهدينا، وقيل:
~~قال ذلك جزاء لهم على غفلتهم عن قوله تعالى له عليه السلام

# أنتما ومن اتبعكما الغلبون

# [القصص: 35] حتى خافوا فقالوا ما قالوا فإن الظاهر أنهم سمعوا ذلك من
~~موسى عليه السلام في مدة بقائهم معه في مصر أو غفلتهم عن عناية الله
~~تعالى بهم حين كانوا مع القبط في مصر حيث لم يصبهم ما أصابهم من الدم
~~ونحوه من الآيات المقتضية بواسطة حسن الظن إنجاءهم منهم حين أمروا
~~بالخروج فلحقوهم وكان تأديبه لهم على ذلك بمجرد عدم إشراكهم فيما ذكر لا
~~أنه نفاه عنهم كما يتوهم من تقديم الخبر فإن تقديمه لأجل الاهتمام بأمر
~~المعية التي هي مدار النجاة المطلوبة، وقيل: للحصر لكن بالنسبة إلى فرعون
~~وجمعه، وقيل: على القول الثاني في توجيه عدم إشراكهم: إنه للحصر بالنسبة
~~إليهم أيضا على معنى إن معي أولا وبالذات ربي لا معكم كذلك، وقيل: قدم
~~المعية هنا وأخرت في قوله تعالى:

# إن الله معنا

# [التوبة: 40] لأن المخاطب هنا بنو إسرائيل وهم أغبياء يعرفون الله عز
~~وجل بعد النظر والسماع من موسى عليه السلام والمخاطب هناك الصديق رضي
~~الله تعالى عنه وهو ممن يرى الله تعالى قبل كل شيء، ولاختلاف المقام نظم
~~نبينا صلى الله عليه وسلم صاحبه معه في المعية ولم يقدم له ردعا وزجرا
~~وخاطبه على نحو مخاطبة الله تعالى له عليه الصلاة والسلام عند تسليته بما ms07618
~~صورته النهي عن الحزن، وأتى بالاسم الجامع وهو لفظ الله دون اسم مشعر
~~بصفة واحدة مثلا ولم يكن كلام موسى عليه السلام ومخاطبته لقومه على هذا
~~الطرز وسبحان من فضل بعض العالمين على بعض. وزعم بعضهم أن في الكلام
~~حذفا والتقدير إن معي وعد ربي ولذلك قال: { معى } دون معنا وفيه ما
~~فيه.

### || [26.63]

# { فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر } هو
~~القلزم على الصحيح، وقيل: بحر من وراء مصر يقال له اساف، وقيل: النيل،
~~والظاهر أن هذا الإيحاء كان بعد القول المذكور ولم يكن مأمورا بالضرب
~~يوم الأمر بالإسراء، فقد أخرج ابن عبد الحكم عن مجاهد أنه لما انتهى موسى
~~عليه السلام وبنو إسرائيل إلى البحر قال مؤمن آل فرعون: يا نبي الله أين
~~أمرت فإن البحر أمامك وقد غشينا آل فرعون فقال: أمرت بالبحر فاقتحم مؤمن
~~آل فرعون فرسه فرده التيار فجعل موسى عليه السلام لا يدري كيف يصنع وكان
~~الله تعالى قد أوحى إلى البحر أن أطع موسى وآية ذلك إذا ضربك بعصاه فأوحى
~~الله تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر.

# وأخرج أيضا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن موسى لما
~~انتهى إلى البحر أقبل يوشع بن نون على فرسه فمشى على الماء واقتحم غيره
~~خيولهم فرسوا في الماء، وقال أصحاب موسى:

# إنا لمدركون

# [الشعراء: 61] فدعا موسى ربه فغشيتهم ضبابة حالت بينهم وبينه؛ وقيل له:
~~اضرب بعصاك البحر؛ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن الله
~~تعالى أوحى إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر وأوحى إلى البحر أن اسمع لموسى
~~وأطع / إذا ضربك فبات البحر له أفكل أي رعدة لا يدرى من أي جوانبه يضربه،
~~وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام أن
~~موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر قال: يا من كان قبل كل شيء والمكون
~~لكل شيء والكائن بعد كل شيء اجعل لنا مخرجا فأوحى الله تعالى إليه ms07619 أن
~~أضرب بعصاك البحر.

# " وروي أنه عليه السلام قال: اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وإليك
~~المستغاث وأنت المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم "

# ، وفي «الدر المنثور» من رواية ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعا ما يدل
~~على أنه عليه السلام قال ذلك حين الانفلاق.

# { فانفلق } أي فضربه فانفلق فالفاء فصيحة، وزعم ابن عصفور في مثل
~~هذا التركيب أن المحذوف هو ضرب، وفاء انفلق والفاء الموجودة هي فاء ضرب
~~وهذا أشبه شيء بلغى العصافير وكأنه كان سكران حين قاله، وفي هذا الحذف
~~إشارة إلى سرعة امتثاله عليه السلام، وإنما أمر عليه السلام بالضرب فضرب
~~وترتب الانفلاق عليه إعظاما لموسى عليه السلام بجعل هذه الآية العظيمة
~~مترتبة على فعله ولو شاء عز وجل لفلقه بدون ضربه بالعصا، ويروى أنه لم
~~ينفلق حتى كناه بأبي خالد فقال انفلق أبا خالد: وكان بأمر الله تعالى
~~إياه بذلك، وعن قيس بن عباد أنه عليه السلام حين جاءه قال له: انفلق أبا
~~خالد فقال: لن أنفلق لك يا موسى أنا أقدم منك وأشد خلقا فنودي عند ذلك
~~اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق، وفي رواية ابن مسعود أنه عليه السلام حين
~~انتهى إليه قال: انفرق فقال له: لقد استكبرت يا موسى وهل انفرقت لأحد من
~~ولد آدم فأوحى الله تعالى إليه أن أضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق، وفي
~~حديث أخرجه الخطيب في «المتفق والمفترق» عن أبي الدرداء مرفوعا أنه
~~عليه السلام ضربه فتأطط كما يتأطط العرش ثم ضربه الثانية فمثل ذلك ثم
~~ضربه الثالثة فانصدع وهذا صريح في أن الضرب كان ثلاثا، وقيل: ضربه مرة
~~واحدة فانفلق، وقيل: ضربه اثنتي عشرة مرة فانفلق في كل مرة عن مسلك لسبط.

# وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير أنه قال: كان البحر ساكنا لا يتحرك
~~فلما كان ليلة ضربه موسى بالعصا صار يمد ويجزر ولا أظن لهذا صحة، والظاهر
~~أن المد والجزر كانا قبل أن يخلق الله تعالى موسى عليه السلام ولا ينبغي
~~لعاقل اعتقاد غيره، ms07620 ومثل هذا عندي كثير من الأخبار السابقة، والأسلم
~~الاقتصار على ما قص الله تعالى من أنه أوحى سبحانه إلى موسى أن أضرب
~~بعصاك البحر فضربه فانفلق.

# { فكان كل فرق كالطود العظيم } أي كالجبل المنيف
~~الثابت في مقره، وظاهر الآية أن الطود مطلق الجبل، وقال في «الصحاح»
~~الطود الجبل العظيم. والمراد بالفرق قطعة من الماء ارتفعت فصار ما تحتها
~~كالسرداب على ما ذكره بعض الأجلة، وحينئذ لا إشكال في قول من قال: إن
~~الفروق اثنا عشرة والمسالك كذلك بعدة أسباط بني إسرائيل وقد سلك كل سبط
~~منهم في مسلك منها، والمشهور أن الفرق قطعة انفصلت من الماء عما يقابلها
~~وحينئذ لا يتأتى ذلك القول بل لا بد عليه على ما قيل من كون الفروق ثلاثة
~~عشر حتى يحصل في خلالها اثنا عشر مسلكا بعدد الأسباط، وقيل: إذا كانت
~~الفروق اثني عشر فلا بد أن تكون المسالك ثلاثة عشر لأن الفرق الأول
~~والثاني عشر لا بد أن يكون منفصلين عما يحاذيهما من البحر فيكون بين كل
~~منهما وبين ما يحاذيه من البحر مسلك وإن لم يكن كسائر المسالك بين فرقين
~~إذ لو اتصلا لم يميزا عنه ولم يتحقق حينئذ اثنا عشر فرقا بل أقل، ولا
~~بعد في أن يختار كون الفروق اثني عشر والمسالك ثلاثة عشر بجعل الفرق
~~الأول والثاني عشر منفصلين عما يحاذيهما من البحر بين كل / منهما وبينه
~~مسلك، ويقال: إن كل سبط من الأسباط الإثني عشر سلك في مسلك وسلك في
~~الثالث عشر من آمن بموسى عليه السلام من القبط انتهى.

# وأورد عليه أنه لم يذكر في الآثار أن المسالك ثلاثة عشر وإنما المذكور
~~فيها أنها اثنا عشر ومن ادعى لك فعليه البيان، والأبعد عن القيل والقال
~~ما تقدم عن بعض الأجلة وأثر قدرة الله تعالى عليه أعظم، وخلق الداعية إلى
~~سلوك ذلك في قلوب الداخلين لا سيما قوم فرعون أغرب وكذا الاحتياج إلى
~~الكوى أظهر.

# فقد روي أن بني إسرائيل قالوا: نخاف أن يغرق بعضنا ولا نشعر فجعل ms07621 الله
~~تعالى بينهم كوى حتى يرى بعضهم بعضا، نعم قيل عليه: إن في بعض الآثار ما
~~يأباه، فقد أخرج أبو العباس محمد بن إسحاق السراج في «تاريخه». وابن عبد
~~البر في «التمهيد» من طريق يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أن صاحب الردم كتب إلى معاوية يسأله عن أشياء منها مكان طلعت فيه
~~الشمس لم تطلع قبل ولا بعد فيه فلم يعلم معاوية جواب ذلك فكتب يسأل ابن
~~عباس فأجاب عن كل إلى أن قال: وأما المكان الذي طلعت فيه الشمس لم تطلع
~~قبل ولا بعد فيه فالمكان الذي انفلق من البحر لبني إسرائيل فإن كون الفرق
~~مقببا كالسرداب مانع من طلوع الشمس وشروقها على الأرض من غير واسطة كما
~~هو الظاهر من السؤال.

# وأجيب بأنه بعد تسليم صحة الخبر لا إباء لجواز شروق الشمس على أرض الفرق
~~المقبب من غير واسطة من جهة المدخل والمخرج أو شروقها على أرض البحر قبل
~~التقبيب ولم يتعرض المفسرون هنا فيما وقفت عليه لكيفية الانفلاق، وقد
~~رأيت فيما ينسب إلى «كليات أبي البقاء» أنه قد ورد أن بني إسرائيل لما
~~دخلوا البحر خرجوا من الجانب الذي دخلوا منه وحينئذ لا يتأتى ذلك على كون
~~الانفلاق خطيا وإنما يتأتى على كونه قوسيا ثم إنه ذكر في عدة الفروق
~~والمسالك كلاما ظاهره الاختلال، وقد تصدى بعض الفضلاء لشرحه وتوجيهه بما
~~لا يخلو عن تعسف، وحاصل ما ذكره ذلك البعض مع زيادة ما أنه يحتمل إذا كان
~~انفلاق البحر إلى اثني عشر فرقا أن يكون الفرق الأول والثاني عشر متصلين
~~بالبر الشطي بأن يكون الماء الواقع حذاء كل منهما من جهة البر مرتفعا
~~ومنضما إلى كل ومعدود من أجزائه بحيث يصير الماء المرتفع المنضم والفرق
~~الأصلي المنضم إليه فرقا واحدا متصلا طرفه بالبر من غير فصل بينه
~~وبينه بشيء.

# وأورد عليه أنه يلزم عليه أن تكون المسالك أحد عشر فيحتاج إلى سلوك
~~سبطين معا أو متعاقبا في مسلك واحد أوسع من سائر ms07622 المسالك أو مساو له
~~ولا خفاء في أنه خلاف الظاهر والمأثور، وأيضا يلزم أن يكون كل من
~~الفرقين الأول والثاني عشر أعظم غلظا من كل من البواقي لما سمعت من
~~الانضمام والظاهر تساويها فيه، وأيضا يلزم خروج الماء الملاصق للبر عما
~~الأصل فيه من غير داع إليه ويحتمل أن يكون الماء الواقع حذاء كل من الأول
~~والثاني عشر من جهة البر مرتفعا بمعنى ذاهبا ويكون الفرقان المذكوران
~~متصلين بالبر باعتبار أنهما متصلان بالمسلكين الظاهرين من تحت الماء
~~الذاهب المتصلين بالبر.

# ويرد عليه بعض ما ورد على سابقه وبقاء سبط من بني إسرائيل أو سبطين بلا
~~حاجب لهم عن فرعون وجنوده من الماء. ويحتم أن يكونا منفصلين عن البر بأن
~~يبقى الماء المتصل به على حاله بحرا من غير ارتفاع وحينئذ يحتمل أن تكون
~~المسالك ثلاثة عشر باعتبار انكشاف الأرض بين الفرق الأول والبحر الباقي
~~على حاله المتصل / بالبر فيكون هذا المسلك خارج الطود الأول وانكشافها
~~بين الفرق الثاني عشر والبحر الباقي على حاله المتصل بالبر من الجانب
~~الآخر فيكون هذا المسلك خارج الفرق الثاني عشر، وعلى هذا الاحتمال يلزم
~~تعطل أحد المسالك أو التزام سلوك من آمن من القبط فقط فيه، ويحتمل أن
~~تكون المسالك اثني عشر كالفروق بأن يكون الانكشاف بين الفرق الأول والبحر
~~الباقي على حالة المتصل بالبر من جهة فرعون وجنوده فقط أو يكون الانكشاف
~~بين الفرق الثاني عشر والبحر الباقي على حاله من الجانب الآخر فقط، وهذا
~~بعيد لعظم هذا القوس المنكشف جدا وطول زمان قطعه، فالظاهر وقوع احتمال
~~كون الانكشاف بين الفرق الأول والبحر الباقي على حاله من جهة فرعون،
~~وبالجملة احتمال انفصال الفرقين الأول والأخير وكون الانكشاف بين الأول
~~والبحر مما يلي فرعون دون الأخير والبحر مما يلي الجانب الآخر واتحاد
~~المسالك والفروق في كون كل اثني عشر هو الأقرب للوقوع اه.

# ولا يخفى أنه يلزم عليه أن لا يكون جميع المسالك في خلال الفروق فإن لم
~~يتعين القول بكون جميعها فيه إذ ليس ms07623 في الآثار أكثر من كون المسالك اثني
~~عشر مسلكا فلا بأس به، وإن استحسنت ما تقدم عن بعض الأجلة في المراد
~~بالفرق فاعتبره على تقدير كون الانفلاق قوسيا أيضا، ثم إن ما ذكر من
~~كون الخروج من جهة الدخول لم أره في غير ما ينسب إلى «كليات أبي البقاء»
~~وهو أوفق بالقول برجوع موسى عليه السلام وقومه إلى مصر بعد الخروج من
~~البحر وإغراق فرعون وجنوده فيه وتوقف ذلك على كون الانفلاق قوسيا لأنه
~~لو كان خطيا يلزم أن يكون الرجوع في طريق الدخول وهو ظاهر البطلان لأن
~~الأعداء في أثرهم، واحتمال أن تكون المسالك الخطية ثلاثة عشر وأن بني
~~إسرائيل سلكوا اثني عشر منها واتبعهم فيها فرعون وجنوده وخرجوا قبل أن
~~يصلوا إليهم ودخلوا جميعا في المسلك الثالث عشر من الجانب المخالف لجانب
~~دخولهم متوجهين فيه إلى جانب دخولهم فلم يخرجوا حتى صار جميع أعدائهم في
~~تلك المسالك الاثني عشر التي اتبعوهم فيها فخرجوا وغشي أعداءهم من اليم
~~ما غشيهم لا يخفى ما فيه، والقول بالعود إلى مصر مع القول بأن الانفلاق
~~كان خطيا يتوقف على هذا أو على الانفلاق مرة أخرى أو على العبور بالسفن
~~أو سلوك طريق إلى مصر غير الطريق الذي سلكوه خارجين منها إلى البحر.

# والظاهر أنه لم يكن شيء من ذلك، ولا بأس على ما قيل بالقول بكون
~~الانفلاق قوسيا سواء قلنا بالرجوع إلى مصر أم لا، وما يقال عليه من أنه
~~يلزم حينئذ أن تكون مداخل تلك المسالك ومخارجها في جانب فرعون وجنوده
~~وذلك مما يوجب خوف بني إسرائيل من الدخول لاحتمال أن يدخل عليهم أعداؤهم
~~من الطرف الآخر الذي هو محل الخروج فيلاقوهم في الطريق على طرف الثمام
~~كما لا يخفى على ذوي الأفهام.

# وجوز على القول بأن الانفلاق كان قوسيا أن يكون دخول موسى عليه السلام
~~وقومه من أحد طرفي القوس ودخول فرعون وجنوده من الطرف الآخر ليلاقوا موسى
~~عليه السلام وقومه حتى إذا كمل الجمعان دخولا رجع موسى عليه السلام ms07624
~~وقومه القهقرى حتى إذا خرجوا جميعا أغرق الله تعالى فرعون وجنوده أو حتى
~~إذا كمل جمع موسى عليه السلام دخولا وبان لهم أول الداخلين لملاقاتهم
~~رجعوا القهقرى حتى إذا خرجوا جميعا وقد كمل جمع فرعون دخولا أهلك الله
~~تعالى عدوهم فغشيه من اليم ما غشيه وهو كما ترى.

# / والذي ذهب إليه أهل الكتاب أن الانفلاق كان خطيا وأن المسالك اثني
~~عشر مسلكا لكل سبط مسلك ولا تقبيب هناك وأنه قد فتحت لهم كوى ليرى
~~القريب قريبه ويرى الرجل من سبط زوجته من سبط آخر وأنهم خرجوا من الجهة
~~المقابلة لجهة دخولهم وتوجهوا إلى أرض الشام، وليس في كتابنا ما هو نص في
~~تكذيبه بل في الأخبار ما يشهد بصحة بعضه، واتحاد الفروق والمسالك في
~~العدد يحتاج إلى نقل صحيح يثبته، والآية هنا لا تدل على أكثر من تعدد
~~الفروق والله تعالى أعلم، وحكى يعقوب عن بعض القراء أنه قرأ { كل فلق }
~~باللام بدل الراء، قال الراغب: الفرق يقارب الفلق لكن الفلق يقال
~~اعتبارا بالانشقاق والفرق يقال اعتبارا بالانفصال، ومنه الفرقة للجماعة
~~المنفردة من الناس.

### || [26.64]

# { وأزلفنا } عطف على { أوحينا } [الشعراء: 63]، وقيل: على
~~محذوف يقتضيه السياق والتقدير فأدخلنا بني إسرائيل فيما انفلق من البحر
~~وأزلفنا { ثم } أي هنالك { الأخرين } أي فرعون وجنوده أي قربناهم
~~من قوم موسى عليه السلام حتى دخلوا على أثرهم مداخلهم، وجوز أن يراد
~~قربنا بعضهم من بعض وجمعناهم لئلا ينجو منهم أحد. أخرج ابن عبد الحكم عن
~~مجاهد قال: كان جبريل عليه السلام بين الناس بين بني إسرائيل وبين آل
~~فرعون فجعل يقول لبني إسرائيل: ليلحق آخركم بأولكم ويستقبل آل فرعون
~~فيقول: رويدكم ليلحقكم آخركم فقالت بنو إسرائيل: ما رأينا سائقا أحسن
~~سياقا من هذا وقال آل فرعون: ما رأينا وازعا أحسن زعة من هذا.

# وقرأ الحسن وأبو حيوة { وزلفنا } بدون همزة، وقرأ أبي وابن عباس وعبد
~~الله بن الحرث { وأزلفنا } بالقاف عوض الفاء أي أزلقنا أقدامهم،
~~والمعنى أذهبنا عزهم كقوله:

# تداركتما عبسا وقد ثل عرشها

# وذبيان ms07625 إذ زلت بأقدامها النعل

# ويحتمل أن يجعل الله تعالى طريقهم في البحر على خلاف ما جعله لبني
~~إسرائيل يبسا فيزلقهم فيه. هذا وقال صاحب «اللوامح»: قيل من قرأ بالقاف
~~أراد بالآخرين فرعون وقومه ومن قرأ بالفاء أراد بهم موسى عليه السلام
~~وأصحابه أي جمعنا شملهم وقربناهم بالنجاة. ولا يخفى أنه يبعد إرادة موسى
~~عليه السلام وأصحابه من الآخرين قوله سبحانه: { وأنجينا موسى
~~ومن معه أجمعين }.

### || [26.65]

# أي وأنجيناهم من الهلاك في أيدي أعدائهم ومن الغرق في البحر بحفظه على
~~تلك الهيئة إلى أن خرجوا إلى البر، وقيل: { ومن معه } للإشارة إلى
~~أن إنجاءهم كان ببركة مصاحبة موسى عليه السلام ومتابعته، وقيل: لينتظم من
~~آمن به عليه السلام من القبط إذ لو قيل وقومه لتبادر منه بنو إسرائيل
~~وفيه بحث.

### || [26.66]

# فرعون وجنوده بإطباق البحر عليهم بعد خروج موسى عليه السلام ومن معه
~~وكان له وجبة. روي عن ابن عباس أن بني إسرائيل لما خرجوا سمعوا وجبة
~~البحر فقالوا: ما هذا؟ فقال موسى عليه السلام: غرق فرعون وأصحابه فرجعوا
~~ينظرون فألقاهم البحر على الساحل، والتعبير عن فرعون وجنوده بالآخرين
~~للتحقير، والظاهر أن { ثم } للتراخي الزماني، ولعل الأولى حملها على
~~التراخي المعنوي لما بين المعطوفين من المباعدة المعنوية.

### || [26.67]

# { إن فى ذلك } إشارة إلى ما ذكر من القصة، وما فيه من معنى البعد
~~لتعظيم شأن المشار إليه؛ وقيل: لبعد المسافة بالنظر إلى مبدأ القصة {
~~لآية } أي لآية عظيمة توجب الإيمان بموسى عليه السلام وتصديقه بما جاء
~~به، وأريد بها على ما قيل انقلاب العصا ثعبانا وخروج يده عليه / السلام
~~بيضاء للناظرين وانفلاق البحر وأفردت للاتحاد المدلول.

# { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي أكثر قوم فرعون الذين أمر
~~موسى عليه السلام أن يأتيهم وهم القبط على ما استظهره أبو حيان حيث لم
~~يؤمن منهم سوى مؤمن آل فرعون وآسية امرأة فرعون، وبعض السحرة على القول
~~بأن بعضهم من القبط لا كلهم كما عليه أهل الكتاب وهو الذي يقتضيه ظاهر
~~كلام بعض منا، والعجوز التي ms07626 دلت موسى على قبر يوسف عليهما السلام ليلة
~~الخروج من مصر ليحمل عظامه معه، وقيل: المراد بالآية ما كان في البحر من
~~إنجاء موسى عليه السلام ومن معه وإغراق الآخرين، وضمير { أكثرهم }
~~للناس الموجودين بعد الإغراق والإنجاء من قوم فرعون الذين لم يخرجوا معه
~~لعذر ومن بني إسرائيل.

# والمراد بالإيمان المنفي عنهم التصديق اليقيني الجازم الذي لا يقبل
~~الزوال أصلا أي وما كان أكثر الناس الموجودين بعد تحقق هذه الآية
~~العظيمة وظهورها مصدقين تصديقا يقينيا جازما لا يقبل الزوال فإن
~~الباقين في مصر من القبط لم يؤمن أحد منهم مطلقا وأكثر بني إسرائيل
~~كانوا غير متيقنين ولذا سألوا بقرة يعبدونها وعبدوا العجل فلا يقال لهم
~~مؤمنون بالمعنى المذكور، ويكفي في إيمان البعض الذي يدل عليه المفهوم كون
~~البعض المؤمن من بني إسرائيل وحيث كان المراد وما كان أكثرهم بعد تحقق
~~آيتي الإغراق والإنجاء وظهورهما مؤمنين لا يصح جعل الضمير للقبط إلا
~~ببيان الأقل المؤمن والأكثر الكافر منهم بعد تحقق الآيتين، وما ذكر في
~~بيان الأقل المؤمن منهم ليس كذلك إذ إيمان من ذكر كان في ابتداء الرسالة
~~على أن العجوز من بني إسرائيل كما جاء في حديث أخرجه الفريابي وعبد بن
~~حميد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي موسى مرفوعا بل أخرج ابن عبد
~~الحكم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~أنها شارح ابنة أشير بن يعقوب عليه السلام فهي بنت أخي يوسف عليه السلام
~~فتكون أقرب من موسى عليه السلام إلى إسرائيل.

# وأجيب بأن من يرجع الضمير على القبط لا يلزمه أن يفسر الآية بالإغراق
~~والإنجاء بل يقول: المراد بها المعجزات من العصا واليد وانفلاق البحر
~~ويقول: إن إيمان الأقل بعد تحقق بعضها كاف لاتحاد مدلولها في تحقق
~~المفهوم، وأما إرجاع الضمير على الناس الموجودين بعد الإغراق والإنجاء من
~~بني إسرائيل وقوم فرعون الذين لم يخرجوا معه فخلاف الظاهر وكذا حمل
~~الإيمان على ما ذكر وجعل أكثر بني إسرائيل المخصوصين بالإنجاء ms07627 غير مؤمنين
~~وإن حصل منهم عند وقوع بعض الآيات ما لا ينبغي صدوره من المؤمنين فإنهم
~~لم يستمروا عليه.

# فقد أخرج الخطيب في «المتفق والمفترق»

# " عن أبي الدرداء جعل النبي صلى الله عليه وسلم يصفق بيديه ويعجب من
~~بني إسرائيل وتعنتهم "

# لما حضروا البحر وحضر عدوهم جاؤوا موسى عليه السلام فقالوا: قد حضرنا
~~العدو فماذا أمرت قال: أن أنزل ههنا فإما أن يفتح لي ربي ويهزمهم وإما
~~أن يفرق لي هذا البحر فانطلق نفر منهم حتى وقعوا في البحر فأوحى الله
~~تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه فتأطط كما يتأطط العرش ثم ضربه
~~الثانية فمثل ذلك ثم ضربه الثالثة فانصدع فقالوا هذا عن غير سلطان موسى
~~فجازوا البحر فلم يسمع بقوم أعظم ذنبا ولا أسرع توبة منهم.

# ومتى حمل الإيمان على ما ذكر وصح نفي الإيمان عمن صدر منه ما يدل على
~~عدم رسوخه جاز إرجاع الضمير / على بني إسرائيل خاصة فإن أكثرهم لم يكونوا
~~راسخين فيه. وظاهر عبارة بعضهم يوهم إرجاعه إليهم وليس ذاك بشيء، وقد سلك
~~شيخ الإسلام في تفسير الآية مسلكا تفرد في سلوكه فيما أظن فقال: (إن في
~~ذلك) أي في جميع ما فصل مما صدر عن موسى عليه السلام وظهر على يديه من
~~المعجزات القاهرة ومما فعل فرعون وقومه من الأقوال والأفعال وما فعل بهم
~~من العذاب والنكال { لآية } أي أية آية، وآية عظيمة لا تكاد توصف موجبة
~~لأن يعتبر بها المعتبرون ويقيسوا شأن النبي صلى الله عليه وسلم بشأن
~~موسى عليه السلام وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين ويجتنبوا تعاطي ما
~~كانوا يتعاطونه من الكفر والمعاصي ومخالفة الرسول ويؤمنوا بالله ويطيعوا
~~رسوله صلى الله عليه وسلم كيلا يحل بهم [مثل] ما حل بأولئك أو إن فيما
~~فصل في القصة من حيث حكايته عليه السلام إياها على ما هي عليه من غير أن
~~يسمعها من أحد لآية عظيمة دالة على أن ذلك بطريق الوحي الصادق موجبة
~~للإيمان بالله تعالى وحده وطاعة رسوله صلى الله ms07628 عليه وسلم (وما كان
~~أكثرهم) أي أكثر هؤلاء الذين سمعوا قصتهم منه عليه الصلاة والسلام
~~(مؤمنين) لا بأن يقيسوا شأنه صلى الله عليه وسلم بشأن موسى عليه السلام
~~وحال أنفسهم بحال أولئك المكذبين المهلكين ولا بأن يتدبروا في حكايته
~~عليه الصلاة والسلام لقصتهم من غير أن يسمعها من أحد مع كون كل من
~~الطريقين مما يؤدي إلى الإيمان قطعا، ومعنى { ما كان أكثرهم
~~مؤمنين } ما أكثرهم مؤمنين على أن { كان } زائدة كما هو رأي
~~سيبويه فيكون كقوله تعالى:

# وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين

# [يوسف: 103] وهو إخبار منه تعالى بما سيكون من المشركين بعد سماع الآيات
~~الناطقة بالقصة تقريرا لما مر من قوله تعالى:

# ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا
~~عنه معرضين * فقد كذبوا

# [الشعراء: 5-6] الخ، وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على استقرارهم على
~~عدم الإيمان واستمرارهم عليه. ويجوز أن تجعل { كان } بمعنى صار كما في
~~قوله تعالى:

# وكان من الكفرين

# [البقرة: 34] فالمعنى وما صار أكثرهم مؤمنين مع ما سمعوا من الآية
~~العظيمة الموجبة للإيمان بما ذكر من الطريقين فيكون الإخبار بعدم
~~الصيرورة قبل الحدوث للدلالة على كمال تحققه وتقرره كقوله تعالى:

# أتى أمر الله فلا تستعجلوه

# [النحل: 1] وادعى إن هذا التفسير هو الذي تقتضيه جزالة النظم الكريم من
~~مطلع السورة الكريمة إلى آخر القصص السبع بل إلى آخر السورة الكريمة
~~اقتضاء بينا. ثم قال: وأما ما قيل من أن ضمير { أكثرهم } لأهل
~~عصر فرعون من القبط وغيرهم وأن المعنى وما كان أكثر أهل مصر مؤمنين حيث
~~لم يؤمن منهم إلا آسية ومؤمن آل فرعون والعجوز التي دلت على قبر يوسف
~~عليه السلام وبنو إسرائيل بعد ما نجوا سألوا بقرة يعبدونها واتخذوا العجل
~~وقالوا:

# لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة

# [البقرة: 55] فبمعزل عن التحقيق كيف لا ومساق كل قصة من القصص الواردة
~~في السورة الكريمة سوى قصة إبراهيم عليه السلام إنما هو لبيان حال طائفة
~~معينة قد عتوا عن أمر ربهم وعصوا رسله كما يفصح عنه ms07629 تصدير القصص بتكذيبهم
~~المرسلين بعد ما شاهدوا ما بأيديهم من الآيات العظام ما يوجب عليهم
~~الإيمان ويزجرهم عن الكفر والعصيان وأصروا على ما هم عليه من التكذيب
~~فعاقبهم الله تعالى لذلك بالعقوبة الدنيوية وقطع دابرهم بالكلية فكيف
~~يمكن أن يخبر عنهم بعدم إيمان أكثرهم لا سيما بعد الإخبار بهلاكهم وعد
~~المؤمنين من جملتهم أولا وإخراجهم منها آخرا مع عدم مشاركتهم لهم في
~~شيء مما حكى عنهم من الجنايات أصلا مما يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله.
~~ورجوع ضمير { أكثرهم } في قصة إبراهيم / عليه السلام إلى قومه مما
~~لا سبيل إليه أيضا أصلا لظهور أنهم ما ازدادوا بما سمعوه منه إلا
~~طغيانا وكفرا حتى اجترؤا على تلك العظيمة التي فعلوها به فكيف يعبر
~~عنهم بعدم إيمان أكثرهم وإنما آمن له لوط فنجاهما الله تعالى إلى الشام
~~فتدبر اه.

# وتعقب بأن فيها محذورا من عدة أوجه. أما أولا: فلأن حمل (كان) على
~~الصلة مع ظهور الوجه الصحيح غير صحيح. وقد لزم هنا بعد هذا حمل الجملة
~~الاسمية باعتبار الاستمرار على أنهم لا يكونون بعد نزول هذه الآية
~~مؤمنين.

# وإن جعل بمعنى صار يلزم جعله مضارعا لكن عدل عنه للدلالة على كمال
~~التحقق. وهذا أيضا مع إمكان المعنى العاري عن الاحتياج لذلك غير مناسب.
~~أما ثانيا: فلأن إرجاع ضمير { أكثرهم } إلى قوم نبينا صلى الله
~~عليه وسلم صرف عن مرجعه المتقدم المذكور لفظا سيما في القصص الآتية
~~المصدرة ب

# كذبت

# [الشعراء: 105]. وأما ثالثا: فلأن قوله: لا بأن يقيسوا شأنه عليه
~~الصلاة والسلام بشأن موسى عليه السلام الخ لا يخلو عن صعوبة إذ الأمر
~~المشترك بينهما عليهما الصلاة والسلام ليس إلا أن كلا منهما نبي مؤيد
~~بالمعجزات مطلقا. وأما إن نظر إلى خصوصيات المعجزات فلا يخفى أنه لا
~~مشاركة بينهما، وكذا قياس حالهم على حال فرعون وقومه لا يخلو عنها على
~~هذا القياس. وأما رابعا: فلأن قوله تعالى: { إن فى ذلك لآية }
~~الخ قد ذكر على هذا النسق في سبعة مواضع ولا بد من تنسيق ms07630 تفسيره على نظام
~~واحد فيها مهما أمكن. ومن جملة ذلك ما في قصة نبي الله تعالى لوط عليه
~~السلام وقد ذكر فيها من حال قومه فعلهم الشنيع المعهود ثم إهلاك جميعهم.
~~وما في قصة نبي الله تعالى شعيب عليه السلام وقد ذكر فيها من حال أصحاب
~~الأيكة عملهم المتعلق بالكيل والوزن ثم إهلاك جميعهم من غير تصريح بحيثية
~~كفر كل قوم فلا يناسب فيهما أن يقال: إن في ذلك لآية موجبة لإيمان قريش
~~بأن يقيسوا حال أنفسهم بحال أولئك المهلكين ويجتنبوا تعاطي ما كانوا
~~يتعاطون من المعاصي هذا على الطريق الأول.

# وأما «الطريق الثاني» ففيه أيضا عدة محذورات. أما أولا وثانيا: فلما
~~ذكر أولا وثانيا. وأما ثالثا: فلأن كلا من كلتا القصتين ذكر هنا على
~~وجه الإجمال وذكر مفصلا في سورة أخرى وكل منهما ذكر محدث بحسب نزوله فلا
~~وجاهة في أن يقال: وما أكثرهم مؤمنين بك بأن يتدبروا في حكايتك لقصتهم من
~~غير أن تسمعها من أحد بناء على أنهم قد سمعوها منه عليه الصلاة والسلام
~~مفصلة قبل نزول هذه الآية مع أن كون حكايته صلى الله عليه وسلم ذلك من
~~غير أن يسمعه من أحد مما يؤدي إلى إيمانهم قطعا محل تردد، وأما رابعا:
~~فلأن آخر هذه القصة قوله تعالى:

# وأنجينا

# [الشعراء: 65]

# ثم أغرقنا

# [الشعراء: 66] وكذا آخر قصة لوط عليه السلام قوله تعالى:

# فنجينه

# [الشعراء: 170]

# ثم دمرنا

# [الشعراء: 172]

# وأمطرنا

# [الشعراء: 173] فالمتبادر أن تكون الإشارة إلى نفس المحكي المشتمل على
~~الأفعال العجيبة الإلهية لا إلى حكايتها. وأما ما قاله في تزييف ما قيل
~~فليس بشيء أيضا لأن نسبة التكذيب إلى كل قوم من الأقوام الذين نسب إليهم
~~إنما هي باعتبار الأكثر كما يرشد إليه قوله تعالى في قصة قوم نوح عليه
~~السلام حكاية عنهم بعد أن قال سبحانه:

# كذبت قوم نوح المرسلين

# [الشعراء: 105]

# قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون

# [الشعراء: 111] وقوله عز وجل بعد ذلك حكاية عن نوح عليه السلام ما قال
~~في جوابهم

# وما أنا بطارد المؤمنين

# [الشعراء: 114] فيكون ms07631 ضمير { أكثرهم } راجعا إلى القوم غير ملاحظ
~~فيهم ذلك. ومثله كثير في الكلام؛ ويراد بالأكثر في المواضع السبعة جمع
~~موصوفون بزيادة الكثرة سواء كان البعض المؤمن واحدا أو أكثر فلا يرد أنه
~~كيف يعبر عن قوم إبراهيم عليه السلام بعدم إيمان أكثرهم وإنما آمن / له
~~لوط عليه السلام فتأمل انتهى، ولا يخفى ما فيه من الغث والسمين.

# وأنا أختار كما اختار شيخ الإسلام رجوع الضمير إلى قوم نبينا عليه
~~الصلاة والسلام وأول السورة الكريمة وآخرها في الحديث عنهم وتسليته صلى
~~الله عليه وسلم عما قالوه في شأن كتابه الأكرم ونهيه صريحا وإشارة عن أن
~~يذهب بنفسه الشريفة عليهم حسرات وكل ذلك يقتضي اقتضاء لا ريب فيه رجوع
~~الضمير إلى قومه عليه الصلاة والسلام ويهون أمر عدم رجوعه إلى الأقرب
~~لفظا ويكون الارتباط على هذا بين الآيات أقوى. وأختار أن الإشارة إلى ما
~~تضمنته القصة وأن المعنى إن فيما تضمنته هذه القصة لآية عظيمة دالة على
~~ما يجب على قومك الإيمان به من شؤونه عز وجل وما كان أكثرهم مؤمنين بذلك
~~وكذا يقال في جميع ما يأتي إن شاء الله تعالى وكل ذلك على نمط ما تقدم.
~~وكذا الكلام في { كان } وما يتعلق بالجملة.

### || [26.68]

# والكلام في قوله تعالى: { وإن ربك لهو العزيز الرحيم
~~} كالكلام فيما تقدم أيضا، ولعل تخريج ما ذكر على هذا الوجه أحسن من
~~تخريج شيخ الإسلام فتأمل والله تعالى أعلم بحقائق ما أنزله من الكلام.

### || [26.69]

# { واتل عليهم } عطف على المضمر العامل في

# إذ نادى

# [الشعراء: 10] الخ أي اذكر ذلك لقومك واتل عليهم { نبأ إبرهيم }
~~أي خبره العظيم الشأن حسبما أوحي إليك ليتأكد عندك لعدم تأثرهم بما فيه
~~العلم بشدة عنادهم. وتغيير الأسلوب لمزيد الاعتناء بأمر هذه القصة لأن
~~عدم الإيمان بعد وقوفهم على ما تضمنته أقوى دليل على شدة شكيمتهم لما أن
~~إبراهيم عليه السلام جدهم الذي يفتخرون بالانتساب إليه والتأسي به عليه
~~السلام.

### || [26.70]

# { إذ قال } منصوب على الظرفية لنبأ على ما ذهب إليه أبو ms07632 البقاء أي
~~نبأه وقت قوله { لأبيه وقومه } أو على المفعولية لاتل على أنه
~~بدل من

# نبأ

# [الشعراء: 69] على ما يقتضيه كلام الحوفي أي أتل عليهم وقت قوله لهم: {
~~ما تعبدون } على أن المتلو ما قاله عليه السلام لهم في ذلك الوقت.
~~وضمير { قومه } عائد على إبراهيم، وقيل: عائد على أبيه ليوافق قوله
~~تعالى:

# إنى أراك وقومك فى ضلل مبين

# [الأنعام: 74] ويلزم عليه التفكيك. وسألهم عليه السلام عما يعبدون ليبني
~~على جوابهم أن ما يعبدونه بمعزل عن استحقاق العبادة بالكلية لا للاستعلام
~~إذ ذلك معلوم مشاهد له عليه السلام.

### || [26.71]

# لم يقتصروا على الجواب الكافي بأن يقولوا أصناما كما في قوله تعالى:

# ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا

# [النحل: 30]

# ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو

# [البقرة: 219] إلى غير ذلك بل أطنبوا فيه بإظهار الفعل وعطف دوام عكوفهم
~~على أصنامهم مع أنه لم يسأل عنه قصدا إلى إبراز ما في نفوسهم الخبيثة من
~~الابتهاج والافتخار بذلك وهو على ما في «الكشف» من الأسلوب الأحمق،
~~والمراد بالظلول الدوام كما في قولهم: لو ظل الظلم هلك الناس، وتكون ظل
~~على هذا تامة. وقد قال بمجيئها كذلك ابن مالك وأنكره بعض النحاة، وقيل:
~~فعل الشيء نهارا فقد كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل فتكون ظل على هذا
~~ناقصة دالة على ثبوت خبرها لاسمها في النهار. واختار بعض الأجلة الأول
~~لتبادر الدوام وكونه أبلغ مناسبا لمقام الابتهاج والافتخار، واختار
~~الزمخشري الثاني لأنه أصل المعنى وهو مناسب للمقام أيضا لأنه يدل على
~~إعلانهم الفعل لافتخارهم به. و { عكفين } على الأول حال وعلى
~~الثاني خبر والجار متعلق به. وإيراد اللام دون على لإفادة معنى زائد
~~كأنهم قالوا نظل لأجلها / مقبلين على عبادتها أو مستديرين حولها. وهذا
~~أيضا على ما قيل من جملة إطنابهم.

### || [26.72]

# { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من تفصيل جوابهم { هل
~~يسمعونكم } دخل فعل السماع على غير مسموع، ومذهب الفارسي أنه
~~حينئذ يتعدى إلى اثنين ولا بد أن يكون الثاني مما يدل على صوت فالكاف
~~هنا عنده مفعول ms07633 أول والمفعول الثاني محذوف والتقدير هل يسمعونكم تدعون
~~وحذف لدلالة قوله تعالى: { إذ تدعون } عليه. ومذهب غيره أنه حينئذ
~~متعد إلى واحد، وإذا وقعت بعده جملة ملفوظة أو مقدرة فهي في موضع الحال
~~منه إن كان معرفة وفي موضع الصفة له إن كان نكرة. وجوز فيها البدلية
~~أيضا. وإذا دخل على مسموع تعدى إلى واحد اتفاقا، ويجوز أن يكون ما هنا
~~داخلا على ذلك على أن التقدير هل يسمعون دعاءكم فحذف المضاف لدلالة {
~~إذ تدعون } أيضا عليه، وقيل: السماع هنا بمعنى الإجابة كما في
~~قوله صلى الله عليه وسلم:

# " اللهم إني أعوذ بك من دعاء لا يسمع "

# ومنه قوله عز وجل:

# إنك سميع الدعاء

# [آل عمران: 38] أي هل يجيبونكم وحينئذ لا نزاع في أنه متعد لواحد ولا
~~يحتاج إلى تقدير مضاف. والأولى إبقاؤه على ظاهر معناه فإنه أنسب بالمقام،
~~نعم ربما يقال: إن ما قيل أوفق بقراءة قتادة ويحيى بن يعمر {
~~يسمعونكم } بضم الياء وكسر الميم من أسمع والمفعول الثاني محذوف
~~تقديره الجواب. و { إذ } ظرف لما مضى. وجىء بالمضارع لاستحضار الحال
~~الماضية وحكايتها. وإما كون هل تخلص المضارع للاستقبال فلا يضر هنا لأن
~~المعتبر زمان الحكم لا زمان التكلم وهو هنا كذلك لأن السماع بعد الدعاء،
~~وقال أبو حيان: لا بد من التجوز في { إذ } بأن تجعل بمعنى إذا أو
~~التجوز في المضارع بأن يجعل بمعنى الماضي. واعتبار الاستحضار أبلغ في
~~التبكيت. وقرىء بإدغام ذال { إذ } في تاء { تدعون } وذلك بقلبها
~~تاء وإدغامها في التاء.

### || [26.73]

# { أو ينفعونكم } بسبب عبادتكم لهم { أو يضرون } أي
~~يضرونكم بترككم لعبادتهم إذ لا بد للعبادة لا سيما عند كونها على ما
~~وصفتم من المبالغة فيها من جلب نفع أو دفع ضر. وترك المفعول للفاصلة.
~~ويدل عليه ما قبله، وقيل: المراد أو يضرون من أعرض عن عبادتهم كائنا من
~~كان وهو خلاف الظاهر الذي يقتضيه العطف.

### || [26.74]

# أضربوا عن أن يكون لهم سمع أو نفع أو ضر اعترافا بما لا سبيل لهم إلى
~~إنكاره ms07634 واضطروا إلى إظهار أن لا سند لهم سوى التقليد فكأنهم قالوا: لا
~~يسمعون ولا ينفعوننا ولا يضرون وإنما وجدنا آباءنا يفعلون مثل فعلنا
~~ويعبدونهم مثل عبادتنا فاقتدينا بهم. وتقديم المفعول المطلق للفاصلة.

### || [26.75]

# أي أنظرتم فأبصرتم أو تأملتم فعلمتم أي شيء استدمتم على عبادته أو أي
~~شيء تعبدونه.

### || [26.76]

# { أنتم وءاباؤكم الأقدمون } والكلام إنكار وتوبيخ يتضمن
~~بطلان آلهتهم وعبادتها وأن عبادتها ضلال قديم لا فائدة في قدمه إلا ظهور
~~بطلانه كما يؤذن بهذا وصف آبائهم بالأقدمين.

### || [26.77]

# وقوله تعالى: { فإنهم عدو لى } قيل: تعليل لما يفهم من ذلك
~~من إني لا أعبدهم أو لا تصح عبادتهم؛ وقيل: خبر ل

# ما كنتم

# [الشعراء: 75] إذ المعنى أفأخبركم وأعلمكم بمضمون هذا. واختار بعض
~~الأجلة أنه بيان وتفسير لحال ما يعبدونه التي لو أحاطوا بها علما لما
~~عبدوه أي فاعلموا أنهم أعداء لعابديهم الذين يحبونهم كحب الله تعالى لما
~~أنهم يتضررون من جهتهم تضرر الرجل من جهة عدوه فإطلاق العدو عليهم من باب
~~التشبيه البليغ. / وجوز أن يكون من باب المجاز العقلي بإطلاق وصف السبب
~~على المسبب من حيث إن المغري والحامل على عبادتهم هو الشيطان الذي هو عدو
~~مبين للإنسان والأول أظهر. والداعي للتأويل أن الأصنام لكونها جمادات لا
~~تصلح للعداوة. وما قيل: إن الكلام على القلب والأصل فإني عدو لهم ليس
~~بشيء.

# وقال النسفي: العدو اسم للمعادي والمعادي جميعا فلا يحتاج إلى تأويل
~~ويكون كقوله:

# وتالله لاكيدن أصنمكم

# [الأنبياء: 57] وصور الأمر في نفسه تعريضا لهم كما في قوله تعالى:

# ومالى لا أعبد الذى فطرنى وإليه ترجعون

# [يس: 22] ليكون أبلغ في النصح وأدعى للقبول ومن هنا استعمل الأكابر
~~التعريض في النصح. ومنه ما يحكي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أن رجلا
~~واجهه بشيء فقال: لو كنت بحيث أنت لاحتجت إلى أدب. وسمع رجل ناسا
~~يتحدثون في الحجر فقال: ما هو بيتي ولا بيتكم. وضمير { إنهم } عائد
~~على

# ما

# [الشعراء: 75] وجمع مراعاة لمعناها. وإفراد العدو مع أنه خبر عن الجمع
~~إما لأنه مصدر ms07635 في الأصل فيطلق على الواحد المذكر وغيره أو لاتحاد الكل في
~~معنى العداوة أو لأن الكلام بتقدير فإن كلا منهم أو لأنه بمعنى النسب أي
~~ذو كذا فيستوي فيه الواحد وغيره كما قيل.

# وقوله سبحانه: { إلا رب العلمين } استثناء منقطع من ضمير {
~~إنهم } عند جماعة منهم الفراء. واختاره الزمخشري أي لكن رب العالمين
~~ليس كذلك فإنه جل وعلا ولي من عبده في الدنيا والآخرة لا يزال يتفضل عليه
~~بالمنافع. وقال الزجاج: هو استثناء متصل من ذلك الضمير العائد على

# ما كنتم تعبدون

# [الشعراء: 75] ويعتبر شموله لله عز وجل وفي آبائهم الأقدمين من عبد الله
~~جل وعلا من غير شك أو يقال: إن المخاطبين كانوا مشركين وهم يعبدون الله
~~تعالى والأصنام. وتخصيص الأصنام هنا بالذكر للرد لا لأن عبادتهم مقصورة
~~عليها ولو سلم أنه لذلك فهو باعتبار دوام العكوف وذلك لا ينافي عبادتهم
~~إياه عز وجل أحيانا، وقال الجرجاني: إن الاستثناء من { ما كنتم
~~تعبدون } و { إلا } بمعنى دون وسوى وفي الآية تقديم وتأخير والأصل
~~أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون إلا رب العالمين أي دون رب
~~العالمين فإنهم عدو لي ولا يخفى ما فيه.

### || [26.78]

# { الذى خلقنى } صفة لرب العالمين. ووصفه تعالى بذلك وبما عطف
~~عليه مع اندراج الكل تحت ربوبيته تعالى للعالمين زيادة في الإيضاح في
~~مقام الإرشاد، وقيل: تصريحا بالنعم الخاصة به عليه السلام وتفصيلا لها
~~لكونها أدخل في اقتضاء تخصيص العبادة به تعالى وقصر الالتجاء في جلب
~~المنافع الدينية والدنيوية ودفع المضار العاجلة والآجلة عليه تعالى. {
~~فهو يهدين } عطف على الصلة أي فهو يهديني وحده جل شأنه إلى كل ما
~~يهمني ويصلحني من أمور المعاش والمعاد هداية متصلة بحين الخلق ونفخ الروح
~~متجددة على الاستمرار كما ينبىء عنه الفاء وصيغة المضارع فإنه تعالى
~~يهدي كل ما خلقه لما خلق له هداية متدرجة من مبتدأ إيجاده إلى منتهى أجله
~~يتمكن بها من جلب منافعه ودفع مضاره إما طبعا وإما اختيارا مبدؤها
~~بالنسبة إلى الإنسان هداية الجنين لامتصاص ms07636 دم الطمث في المشهور ومنتهاها
~~الهداية إلى طريق الجنة والتنعم بنعيمها المقيم.

# وجوز الحوفي وغيره كون الموصول مبتدأ وجملة { هو يهدينى } خبره
~~ودخلت الفاء في خبره لتضمنه معنى الشرط نحو الذي يأتيني فله درهم. وتعقبه
~~أبو حيان بأن الفاء إنما يؤتى بها في خبر الموصول لتضمنه معنى الشرط إذا
~~كان عاما وهنا لا يتخيل فيه العموم فليس ما نحن فيه نظير المثال وأيضا
~~الفعل الذي هو خلق مما لا يمكن فيه تجدد بالنسبة إلى إبراهيم عليه السلام
~~فلعل ذلك على مذهب الأخفش من جواز زيادة الفاء في الخبر مطلقا نحو زيد
~~فاضربه، وأجيب بأن اشتراط / العموم غير مسلم كما فصله الرضي وإنما هو
~~أغلبي، وبأن مطلق الخلق مما يمكن فيه التجدد وهو ممكن الإرادة وإن ظهر
~~في صورة المخصوص وتسبب الخلق للهداية بمقتضى الحكمة، وقيل: إنه سبب
~~للإخبار بها لتحققها وليس بشيء ويلزم على الإعراب المذكور أن يكون
~~الموصول في قوله سبحانه:

### || [26.79]

# مبتدأ محذوف الخبر لدلالة ما قبله عليه، وكذا اللذان بعده، ولا يخفى ما
~~في ذلك لفظا ومعنى فاللائق بجزالة التنزيل الإعراب الأول وعليه يكون
~~الموصول عطفا على الموصول الأول. وإنما كرر الموصول في المواضع الثلاثة
~~مع كفاية عطف ما في حيز الصلة من الجمل الست على صلة الموصول الأول
~~للإيذان بأن كل واحدة من تلك الصلات نعت جليل له تعالى مستقل في استيجاب
~~الحكم، حقيق بأن تجري عليه عز وجل بحيالها ولا تجعل من روادف غيرها،
~~والظاهر أن المراد إطعام الطعام المعروف وسقي الشراب المعهود وجىء بهو
~~هنا دون الخلق لشيوع إسناد الإطعام والسقي إلى غيره عز وجل بخلاف الخلق
~~وعلى هذا القياس فيما جىء فيه بهو وما ترك مما يأتي إن شاء الله تعالى.
~~وعن أبي بكر الوراق أن المعنى يطعمني بلا طعام ويسقيني بلا شراب كما جاء

# " إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني "

# وهو مشرب صوفي. وأتى بهذين الصفتين بعدما تقدم لما أن دوام الحياة وبقاء
~~نظام خلق الإنسان بالغذاء والشراب ما سلك فيهما مسلك العدل ms07637 وهو أشد
~~احتياجا إليهما منه إلى غيرهما ألا ترى أن أهل النار وهم في النار لم
~~يشغلهم ما هم فيه من العذاب عن طلبهما فقالوا:

# أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله

# [الأعراف: 50].

### || [26.80]

# عطف على

# يطعمنى ويسقين

# [الشعراء: 79] نظم معهما في سلك الصلة لموصول واحد لما أن الصحة والمرض
~~من متفرعات الأكل والشرب غالبا:

# فإن الداء أكثر ما تراه

# يكون من الطعام أو الشراب

# وقالت الحكماء: لو قيل لأكثر الموتى ما سبب آجالكم لقالوا: التخم ونسبة
~~المرض الذي هو نقمة إلى نفسه والشفاء الذي هو نعمة إلى الله جل شأنه
~~لمراعاة حسن الأدب كما قال الخضر عليه السلام:

# فأردت أن أعيبها

# [الكهف: 79] وقال:

# فأراد ربك أن يبلغا أشدهما

# [الكهف: 82] ولا يرد إسناده الإماتة وهي أشد من المرض إليه عز وجل في
~~قوله: { والذى يميتنى ثم يحيين }.

### || [26.81]

# ((لإمكان الفرق بأن الموت قد علم واشتهر أنه قضاء محتوم من الله عز وجل
~~على سائر البشر وحكم عام لا يخص ولا كذلك المرض فكم من معافى منه إلى أن
~~يبغته الموت فالتأسي بعموم الموت يسقط أثر كونه نقمة فيسوغ الأدب نسبته
~~إليه تعالى وأما المرض فلما كان يخص به بعض البشر دون بعض كان نقمة محققة
~~فاقتضى العلو في الأدب أن ينسبه الإنسان إلى نفسه باعتبار السبب الذي لا
~~يخلو منه. ويؤيد ذلك أن كل ما ذكر مع غير المرض أخبر عن وقوعه بتا
~~وجزما لأنه أمر لا بد منه وأما المرض فلما كان قد يتفق وقد لا أورده
~~مقرونا بشرط إذا فقال:

# وإذا مرضت

# [الشعراء: 80] وكان يمكنه أن يقول: والذي أمرضني فيشفيني كما قال في
~~غيره فما عدل عن المطابقة والمجانسة المأثورة إلا لذلك)) كذا قاله ابن
~~المنير.

# وقال الزمخشري: ((إنما قال: (مرضت) دون أمرضني لأن كثيرا من أسباب
~~المرض يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك)) وكأنه إنما
~~عدل في التعليل عن حسن الأدب لما رأى أنه عليه السلام أضاف الإماتة إليه
~~عز وجل وهي أشد ms07638 من المرض ولم يخطر له الفرق بما مر أو نحوه وغفل عن أن
~~المعنى الذي أبداه في المرض ينكسر بالموت أيضا فإن المرض كما يكون بسبب
~~تفريط / الإنسان في المطعم وغيره كذلك الموت الناشىء عن سبب هذا المرض
~~الذي يكون بتفريط الإنسان وقد أضاف عليه السلام الإماتة مطلقا إليه عز
~~شأنه.

# وقال بعض الأجلة بعد التعليل بحسن الأدب في وجه إسناد الإماتة إليه
~~تعالى: إنها حيث كانت معظم خصائصه عز وجل كالإحياء بدءا وإعادة وقد نيطت
~~أمور الآخرة جميعا بها وبما بعدها من البعث نظمهما في سمط واحد في قوله:
~~{ والذى يميتنى ثم يحيين } على أن الموت لكونه ذريعة إلى
~~نيله عليه السلام للحياة الأبدية بمعزل من أن يكون غير مطبوع عنده عليه
~~السلام انتهى، وأولى من هذه العلاوة ما قيل: إن الموت لأهل الكمال وصلة
~~إلى نيل المحاب الأبدية التي يستحقر دونها الحياة الدنيوية وفيه تخليص
~~العاصي من اكتساب المعاصي، ثم إن حمل المرض والشفاء على ما هو الظاهر
~~منهما هو الذي ذهب إليه المفسرون. وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أن
~~المعنى وإذا مرضت بالذنوب فهو يشفيني بالتوبة ولعله لا يصح وإن صح فهو من
~~باب الإشارة لا العبارة، و { ثم } في قوله: { ثم يحيين }
~~للتراخي الزماني لأن المراد بالإحياء الإحياء للبعث وهو متراخ عن الإماتة
~~في الزمان في نفس الأمر وإن كان كل آت قريب، وأثبت ابن أبي إسحاق ياء
~~المتكلم في

# يهدينى

# [الشعراء: 78] وما بعده وهي رواية عن نافع.

### || [26.82]

# استعظم عليه السلام ما عسى يندر منه من فعل خلاف الأولى حتى سماه خطيئة.
~~وقيل: أراد بها قوله:

# إنى سقيم

# [الصافات: 89] وقوله:

# بل فعله كبيرهم هذا

# [الأنبياء: 63]، وقوله لسارة هي أختي، ويدل على أنه عليه السلام عدها من
~~الخطايا ما ورد في حديث الشفاعة من امتناعه عليه السلام من أن يشفع حياء
~~من الله عز وجل لصدور ذلك عنه. وفيه أنه وإن صح عدها من الخطايا بالنظر
~~إليه عليه السلام لما قالوا: إن حسنات الأبرار ms07639 سيئات المقربين إلا أنه لا
~~يصح إرادتها هنا لما أنها إنما صدرت عنه عليه السلام بعد هذه المقاولة
~~الجارية بينه وبين قومه. أما الثالثة فظاهرة لوقوعها بعد مهاجرته عليه
~~السلام إلى الشام؛ وأما الأوليان فلأنهما وقعتا مكتنفتين بكسر الأصنام،
~~ومن البين أن جريان هذه المقالات فيما بينهم كان في مبادي الأمر، وهذا
~~أولى مما قيل: إنها من المعاريض وهي لكونها في صورة الكذب يمتنع لها من
~~تصدر عنه من الشفاعة ولكونها ليست كذبا حقيقة لا تفتقر إلى الاستغفار
~~فلا يصح إرادتها هنا لأن ذلك الامتناع ليس إلا لعده إياها من الخطايا
~~ومتى عدت منها افتقرت إلى الاستغفار، وقيل: أراد بها ما صدر عنه عند رؤية
~~الكوكب والقمر والشمس من قوله:

# هذا ربى

# [الأنعام: 77] وكان ذلك قبل هذه المقاولة كما لا يخفى، وقد تقدم أن ذلك
~~ليس من الخطيئة في شيء، وقيل: أراد بها ما عسى يندر منه من الصغائر وهو
~~قريب مما تقدم، وقيل: أراد بها خطيئة من يؤمن به عليه السلام كما قيل
~~نحوه في قوله تعالى:

# ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر

# [الفتح: 2]، وهو كما ترى والطمع على ظاهره ولم يجزم عليه السلام لعلمه
~~أن لا وجوب على الله عز وجل. وعن الحسن أن المراد به اليقين وليس بذاك.
~~والظرفان متعلقان بيغفر. والإتيان بالأول للإشارة إلى أن نفع مغفرته
~~تعالى إنما يعود إليه عليه السلام. وتعليق المغفرة بيوم الدين مع أن
~~الخطيئة إنما تغفر في الدنيا لأن أثرها يتبين يومئذ ولأن في ذلك تهويلا
~~لذلك اليوم وإشارة إلى وقوع الجزاء فيه إن لم تغفر. وفي هذه الجملة من
~~التلطف بأبيه وقومه في الدعوة إلى الإيمان ما فيها. وقرأ الحسن / {
~~خطاياي } على الجمع.

### || [26.83]

# { رب هب لى حكما } لما ذكر لهم من صفاته عز وجل مما يدل على
~~كمال لطفه تعالى به ما ذكر حمله ذلك على مناجاته تعالى ودعائه لربط
~~العتيد وجلب المزيد. والمراد بالحكم على ما اختاره الإمام الحكمة التي هي
~~كمال القوة العلمية ms07640 بأن يكون عالما بالخير لأجل العمل به. وقيل: الأولى
~~أن يفسر بكمال العلم المتعلق بالذات والصفات وسائر شؤنه عز وجل وأحكامه
~~التي يتعبد بها. وقيل: هي النبوة. ورد بأنها كانت حاصلة له عليه السلام،
~~فالمطلوب إما عين الحاصل وهو محال ضرورة امتناع تحصيل الحاصل أو غيره وهو
~~محال أيضا لأن الشخص الواحد لا يكون نبيا مرتين. وأجيب بمنع كونها
~~حاصلة وقت الدعاء سلمنا ذلك إلا أنه لا محذور لجواز أن يكون المراد طلب
~~كمالها ويكون بمزيد القرب والوقوف على الأسرار الإلهية والأنبياء عليهم
~~السلام متفاوتون في ذلك. وجوز أن يكون المراد طلب الثبات ولا يجب على
~~الله تعالى شيء.

# والمراد بقوله: { وألحقنى بالصلحين } طلب كمال القوة
~~العملية بأن يكون موفقا لأعمال ترشحه للانتظام في زمرة الكاملين
~~الراسخين في الصلاح المنزهين عن كبائر الذنوب وصغائرها. وقدم الدعاء
~~الأول على الثاني لأن القوة العلمية مقدمة على القوة العملية لأنه يمكن
~~أن يعلم الحق وإن لم يعمل به وعكسه غير ممكن. ولأن العلم صفة الروح
~~والعمل صفة البدن فكما أن الروح أشرف من البدن كذلك العلم أشرف من العمل.
~~وقيل: المراد بالحكم الحكمة التي هي الكمال في العلم والعمل. والمراد
~~بقوله: { وألحقنى } الخ طلب الكمال في العمل. وذكره بعد ذلك تخصيص
~~بعد تعميم اعتناء بالعمل من حيث إنه النتيجة والثمرة للعلم. وقيل: المراد
~~بالأول ما يتعلق بالمعاش وبالثاني ما يتعلق بالمعاد. وقيل: المراد بالحكم
~~رياسة الخلق وبالإلحاق بالصالحين التوفيق للعدل فيما بينهم مع القيام
~~بحقوقه تعالى. وقيل: المراد بهذا الجمع بينه عليه السلام وبين الصالحين
~~في الجنة. وأنت تعلم أنه لا يحسن بعد هذا الدعاء طلبه أن يكون من ورثة
~~جنة النعيم. والأولى عندي أن يفسر الحكم بالحكمة بمعنى الكمال في العلم
~~والعمل والإلحاق بالصالحين بجعل منزلته كمنزلتهم عنده عز وجل والمراد
~~بطلب ذلك أن يكون علمه وعمله مقبولين إذ ما لم يقبلا لا يلحق صاحبهما
~~بالصالحين ولا تجعل منزلته كمنزلتهم. وكأنه لذلك عدل عن قول: رب هب لي
~~حكما وصلاحا أو رب ms07641 هب لي حكما واجعلني من الصالحين إلى ما في النظم
~~الكريم فتأمل ولا تغفل.

### || [26.84]

# أي اجعل لنفعي ذكرا صادقا في جميع الأمم إلى يوم القيامة. وحاصله خلد
~~صيتي وذكري الجميل في الدنيا وذلك بتوفيقه للآثار الحسنة والسنن المرضية
~~لديه تعالى المستحسنة التي يقتدي بها الآخرون ويذكرونه بسببها بالخير وهم
~~صادقون. فاللسان مجاز عن الذكر بعلاقة السببية واللام للنفع ومنه يستفاد
~~الوصف بالجميل، وتعريف { الأخرين } للاستغراق والكلام مستلزم لطلب
~~التوفيق للآثار الحسنة التي أشرنا إليها وكأنه المقصود بالطلب على أبلغ
~~وجه ولا بأس بأن يريد تخليد ذكره بالجميل ومدحه بما كان عليه عليه السلام
~~في زمانه ولكون الثناء الحسن مما يدل على محبة الله تعالى ورضائه كما ورد
~~في الحديث يحسن طلبه من الأكابر من هذه الجهة والقصد كل القصد هو الرضا.

# ويحتمل أن يراد بالآخرين آخر أمة يبعث فيها نبي وأنه عليه السلام طلب
~~الصيت الحسن والذكر الجميل فيهم ببعثة نبي فيهم يجدد أصل دينه ويدعو
~~الناس إلى ما كان يدعوهم إليه من التوحيد معلما لهم أن ذلك ملة /
~~إبراهيم عليه السلام فكأنه طلب بعثة نبي كذلك في آخر الزمان لا تنسخ
~~شريعته إلى يوم القيامة وليس ذلك إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقد
~~طلب بعثته عليهما الصلاة والسلام بما هو أصرح مما ذكر أعني قوله:

# وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آيتك

# [البقرة: 129] الخ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم:

# " أنا دعوة إبراهيم عليه السلام "

# وقيل إذا أريد ذلك فلا بد من تقدير مضاف في كلامه عليه السلام أي اجعل
~~لي صاحب لسان صدق في الآخرين أو جعل اللسان مجازا عن الداعي بإطلاق
~~الجزء على الكل لأن الدعوة باللسان فكأنه قال: اجعل لي داعيا إلى الحق
~~صادقا في الآخرين، ولا يخفى أن فيما ذكرناه غنى عن ذلك كله. وفي
~~«تعليقات شيخ مشايخنا العلامة صبغة الله الحيدري طاب ثراه على تفسير
~~البيضاوي» في هذه الآية كلام ناشيء من قلة إمعان النظر فلا تغتر به.

# واستدل الإمام مالك ms07642 بهذه الآية على أنه لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى
~~عليه صالحا، وفائدة ذلك بعد الموت على ما قال بعض الأجلة انصراف الهمم
~~إلى ما به يحصل له عند الله تعالى زلفى وأنه قد يصير سببا لاكتساب
~~المثني أو غيره نحو ما أثنى به فيثاب فيشاركه فيه المثنى عليه كما هو
~~مقتضى

# " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة "

# ولا يخفى عليك أن الأمور بمقاصدها.

### || [26.85]

# { واجعلنى } في الآخرة { من ورثة جنة النعيم } قد مر
~~معنى وراثة الجنة فتذكر. واستدل بدعائه عليه السلام بهذا بعدما تقدم من
~~الأدعية على أن العمل الصالح لا يوجب دخول الجنة وكذا كون العبد ذا منزلة
~~عند الله عز وجل وإلا لاستغنى عليه السلام بطلب الكمال في العلم والعمل
~~وكذا بطلب الإلحاق بالصالحين ذوي الزلفى عنده تعالى عن طلب ذلك، وأنت
~~تعلم أنه تحسن الإطالة في مقام الابتهال ولا يستغنى بملزوم عن لازم في
~~المقال فالأولى الاستدلال على ذلك بغير ما ذكر وهو كثير مشتهر، هذا وفي
~~بعض الآثار ما يدل على مزيد فضل هذه الأدعية. أخرج ابن أبي الدنيا في
~~«الذكر» وابن مردويه من طريق الحسن عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم

# " إذا توضأ العبد لصلاة مكتوبة فأسبغ الوضوء ثم خرج من باب داره يريد
~~المسجد فقال حين يخرج بسم الله { الذي خلقني فهو يهدين }
~~هداه الله تعالى للصواب - ولفظ ابن مردويه - لصواب الأعمال { والذي
~~هو يطعمني ويسقين } أطعمه الله تعالى من طعام الجنة وسقاه من
~~شراب الجنة { وإذا مرضت فهو يشفين } شفاه الله تعالى وجعل
~~مرضه كفارة لذنوبه { والذي يميتني ثم يحيين } أحياه الله
~~تعالى حياة السعداء وأماته ميتة الشهداء { والذي أطمع أن
~~يغفر لي خطيئتي يوم الدين } غفر الله تعالى له خطاياه
~~كلها ولو كانت مثل زبد البحر { رب هب لي حكما وألحقني
~~بالصالحين } وهب الله تعالى له حكما وألحقه بصالح من مضى وصالح من
~~بقي { واجعل لي لسان ms07643 صدق في الآخرين } كتب في ورقة بيضاء
~~أن فلان بن فلان من الصادقين ثم يوفقه الله تعالى بعد ذلك للصدق {
~~واجعلني من ورثة جنة النعيم } [الشعراء: 78-85] جعل
~~الله تعالى له القصور والمنازل في الجنة "

# وكان الحسن رضي الله تعالى عنه يزيد فيه واغفر لوالدي كما ربياني صغيرا
~~وكأنه أخذ من قوله:

### || [26.86]

# { واغفر لأبى } قال ابن عباس كما أخرج عنه ابن أبي حاتم أي امنن
~~عليه بتوبة يستحق بها مغفرتك، وحاصله وفقه للإيمان كما يلوح به تعليله
~~بقوله: { إنه كان من الضالين } وهذا ظاهر إذا كان هذا الدعاء
~~قبل موته وإن كان بعد الموت فالدعاء بالمغفرة على ظاهره وجاز الدعاء بها
~~لمشرك والله تعالى لا يغفر أن يشرك به لأنه لم يوح إليه عليه السلام بذلك
~~إذ ذاك والعقل لا يحكم بالامتناع، وفي «شرح مسلم» للنووي / أن كونه عز
~~وجل لا يغفر الشرك مخصوص بهذه الأمة وكأن قبلهم قد يغفر وفيه بحث، وقيل:
~~لأنه كان يخفي الإيمان تقية من نمروذ ولذلك وعده بالاستغفار فلما تبين
~~عداوته للإيمان في الدنيا بالوحي أو في الآخرة تبرأ منه. وقوله على هذا:
~~{ من الضالين } بناء على ما ظهر لغيره من حاله أو معناه من الضالين
~~في كتم إيمانه وعدم اعترافه بلسانه تقية من نمروذ، والكلام في هذا المقام
~~طويل وقد تقدم شيء منه فتذكر.

### || [26.87]

# { ولا تخزنى } بتعذيب أبي أو ببعثه في عداد الضالين بعدم توفيقه
~~للإيمان أو بمعاتبتي على ما فرطت أو بنقص رتبتي عن بعض الوراث أو
~~بتعذيبي وحيث كانت العاقبة مجهولة وتعذيب من لا ذنب له جائز عقلا، صح
~~هذا الطلب منه عليه السلام، وقيل: يجوز أن يكون ذلك تعليما لغيره وهو من
~~الخزي بمعنى الهوان أو من الخزاية بفتح الخاء بمعنى الحياء { يوم
~~يبعثون } أي الناس كافة، والإضمار وإن لم يسبق ذكرهم لما في عموم
~~البعث من الشهرة الفاشية المغنية عنه، وقيل: الضمير للضالين والكلام من
~~تتمة الدعاء لأبيه كأنه قال: لا تخزني يوم يبعث الضالون وأبي فيهم، ولا ms07644
~~يخفى أنه يجوز على الأول أن يكون من تتمة الدعاء لأبيه أيضا، واستظهر
~~ذلك لأن الفصل بالدعاء لأبيه بين الدعوات لنفسه خلاف الظاهر، وعلى ما ذكر
~~يكون قد دعا لأشد الناس التصاقا به بعد أن فرغ من الدعاء لنفسه.

### || [26.88]

# { يوم لا ينفع مال ولا بنون } بدل من

# يوم يبعثون

# [الشعراء: 87] جىء به تأكيدا لتهويل ذلك اليوم وتمهيدا لما يعقبه من
~~الاستثناء وهو إلى قوله تعالى:

# إن فى ذلك لآية

# [الشعراء: 103] الخ من كلام إبراهيم عليه السلام، وابن عطية بعد أن أعرب
~~الظرف بدلا من الظرف الأول قال: إن هذه الآيات عندي منقطعة عن كلام
~~إبراهيم عليه السلام وهي إخبار من الله عز وجل تتعلق بصفة ذلك اليوم الذي
~~طلب إبراهيم أن لا يخزيه الله تعالى فيه، ولا يخفى عدم صحة ذلك مع
~~البدلية، والمراد بالبنون معناه المتبادر، وقيل: المراد بهم جميع
~~الأعوان، وقيل: المعنى يوم لا ينفع شيء من محاسن الدنيا وزينتها، واقتصر
~~على ذكر المال والبنين لأنهما معظم المحاسن والزينة.

### || [26.89]

# وقوله تعالى: { إلا من أتى الله بقلب سليم } استثناء
~~من أعم المفاعيل، و { من } محل نصب أي يوم لا ينفع مال وإن كان مصروفا
~~في الدنيا إلى وجوه البر والخيرات ولا بنون وإن كانوا صلحاء مستأهلين
~~للشفاعة أحدا إلا من أتى الله بقلب سليم عن مرض الكفر والنفاق ضرورة
~~اشتراط نفع كل منهما بالإيمان، وفي هذا تأييد لكون استغفاره عليه السلام
~~لأبيه طلبا لهدايته إلى الإيمان لاستحالة طلب مغفرته بعد موته كافرا مع
~~علمه عليه السلام بعدم نفعه لأنه من باب الشفاعة، وقيل: هو استثناء من
~~فاعل { ينفع } و(من) في محل رفع بدل منه والكلام على تقدير مضاف إلى
~~(من) أي لا ينفع مال ولا بنون إلا مال وبنو من أتى الله بقلب سليم حيث
~~أنفق ماله في سبيل البر وأرشد بنيه إلى الحق وحثهم على الخير وقصد بهم أن
~~يكونوا عبادا لله تعالى مطيعين شفعاء له يوم القيامة، وقيل: هو استثناء
~~مما دل عليه المال والبنون ms07645 دلالة الخاص على العام أعني مطلق الغنى
~~والكلام بتقدير مضاف أيضا كأنه قيل: يوم لا ينفع غنى إلا غنى من أتى
~~الله بقلب سليم وغناه سلامة قلبه وهو من الغنى الديني وقد أشير إليه في
~~بعض الأخبار. أخرج أحمد والترمذي وابن ماجه

# " عن ثوبان قال: لما نزلت { والذين يكنزون الذهب
~~والفضة } [التوبة: 34] الآية قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم: لو علمنا أي المال خير اتخذناه فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: أفضله لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة صالحة تعين المؤمن على إيمانه "

# وقيل: هو استثناء منقطع من

# مال

# [الشعراء: 88] والكلام أيضا على تقدير مضاف / أي لا ينفع مال ولا بنون
~~إلا حال من أتى الله بقلب سليم، والمراد بحاله سلامة قلبه، قال الزمخشري:
~~ولا بد من تقدير المضاف ولو لم يقدر لم يحصل للاستثناء معنى، ومنع ذلك
~~أبو حيان بأنه لو قدر مثلا لكن من أتى الله بقلب سليم يسلم أو ينتفع
~~يستقيم المعنى. وأجاب عنه في «الكشف» بأن المراد أنه على طريق الاستثناء
~~من مال لا يتحصل المعنى بدون تقدير المضاف، وما ذكره المانع استدراك من
~~مجموع الجملة إلى جملة أخرى وليس من المبحث في شيء، ولما لم يكن هذا
~~مناسبا للمقام جعله الزمخشري مفروغا عنه فلم يلم عليه بوجه، وقد جوز
~~اتصال الاستثناء بتقدير الحال على جعل الكلام من باب:

# تحية بينهم ضرب وجيع

# ومثاله أن يقال: هل لزيد مال وبنون فتقول ماله وبنوه سلامة قلبه تريد
~~نفي المال والبنين عنه وإثبات سلامة القلب بدلا عن ذلك.

# هذا وكون المراد من القلب السليم القلب السليم عن مرض الكفر والنفاق هو
~~المأثور عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن سيرين وغيرهم، وقال الإمام: هو
~~الخالي عن العقائد الفاسدة والميل إلى شهوات الدنيا ولذاتها ويتبع ذلك
~~الأعمال الصالحات إذ من علامة سلامة القلب تأثيرها في الجوارح. وقال
~~سفيان: هو الذي ليس فيه غير الله عز وجل، وقال الجنيد قدس سره: هو اللديغ
~~من خشية الله تعالى القلق ms07646 المنزعج من مخافة القطيعة وشاع إطلاق السليم في
~~لسان العرب على اللديغ، وقيل: هو الذي سلم من الشرك والمعاصي وسلم نفسه
~~لحكم الله تعالى وسالم أولياءه وحارب أعداءه وأسلم حيث نظر فعرف واستسلم
~~وانقاد لله تعالى وأذعن لعبادته سبحانه، والأنسب بالمقام المعنى المأثور
~~وما ذكر من تأويلات الصوفية، وقال في «الكشاف» فيما نقل عن الجنيد قدس
~~سره وما بعده: إنه من بدع التفاسير وصدقه أبو حيان بذلك في شأن الأول.

### || [26.90]

# عطف على

# لا ينفع

# [الشعراء: 88] وصيغة الماضي فيه وفيما بعده من الجمل المنتظمة معه في
~~سلك العطف للدلالة على تحقق الوقوع وتقرره كما أن صيغة المضارع في
~~المعطوف عليه للدلالة على الاستمرار وهو متوجه إلى النفع فيدل الكلام على
~~استمرار انتفاء النفع واستمراره حسبما يقتضيه مقام التهويل أي قربت الجنة
~~للمتقين عن الكفر، وقيل: عنه وعن سائر المعاصي بحيث يشاهدونها من الموقف
~~ويقفون على ما فيها من فنون المحاسن فيبتهجون بأنهم المحشورون إليها.

### || [26.91]

# الضالين عن طريق الحق وهو التقوى والإيمان، أي جعلت بارزة لهم بحيث
~~يرونها مع ما فيها من أنواع الأحوال الهائلة ويتحسرون على أنهم المسوقون
~~إليها، وفي اختلاف الفعلين على ما ذكره بعض المحققين ترجيح لجانب الوعد
~~لأن التعبير بالإزلاف وهو غاية التقريب يشير إلى قرب الدخول وتحققه ولذا
~~قدم لسبق رحمته تعالى بخلاف الإبراز وهو الإراءة ولو من بعد فإنه مطمع في
~~النجاة كما قيل من العمود إلى العمود فرج، وقال ابن كمال: في اختلاف
~~الفعلين دلالة على أن أرض الحشر قريبة من الجحيم، وحاصله أن الجنة بعيدة
~~من أرض المحشر بعدا مكانيا والنار قريبة منها قربا مكانيا فلذا أسند
~~الإزلاف أي التقريب إلى الجنة دون الجحيم، قيل: ولعله مبني على أن الجنة
~~في السماء وأن النار تحت الأرض وأن تبديل الأرض يوم القيامة بمدها وإذهاب
~~كريتها إذ حينئذ يظهر أمر البعد والقرب لكن لا يخفى أن كون الجنة في
~~السماء مما يعتقده أهل السنة وليس في ذلك خلاف بينهم يعتد به وأما كون
~~النار ms07647 تحت الأرض ففيه توقف، وقال الجلال السيوطي في «إتمام الدراية»:
~~نعتقد أن الجنة في السماء ونقف عن النار ونقول: محلها حيث / لا يعلمه إلا
~~الله تعالى فلم يثبت عندي حديث اعتمده في ذلك، وقيل: تحت الأرض انتهى،
~~وكون تبديل الأرض بمدها وإذهاب كريتها قول لبعضهم، واختار الإمام
~~القرطبي بعد أن نقل في «التذكرة» أحاديث كثيرة أن تبديل الأرض بمعنى أن
~~الله سبحانه يخلق أرضا أخرى بيضاء من فضة لم يسفك عليها دم حرام ولا جرى
~~فيها ظلم قط، والأولى أن يقال في بعد الجنة وقرب النار من أرض المحشر: إن
~~الوصول إلى الجنة بالعبور على الصراط وهو منصوب على متن جهنم كما نطقت به
~~الأخبار فالوصول إلى جهنم أولا وإلى الجنة آخرا بواسطة العبور وهو ظاهر
~~في القرب والبعد.

# ثم أن ظاهر الآية يقتضي أن الجنة تنقل عن مكانها اليوم يوم القيامة إذ
~~التقريب يستدعي النقل وليس في الأحاديث على ما نعلم ما يدل على ذلك نعم
~~جاء فيها ما يدل على نقل النار. ففي «التذكرة» أخرج مسلم عن عبد الله بن
~~مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك "

# ، والظاهر أن معنى يؤتى بها يجاء بها من المحل الذي خلقها الله تعالى
~~فيه وقد صرح بذلك في «التذكرة»، وقال أبو بكر الرازي في «أسئلته» فإن
~~قيل: قال الله تعالى

# وأزلفت الجنة للمتقين

# [الشعراء: 90] أي قربت والجنة لا تنتقل عن مكانها ولا تحول قلنا: معناه
~~وأزلفت المتقون إلى الجنة وهذا كما يقال الحاج إذا دنوا إلى مكة قربت مكة
~~منا، وقيل: معناه أنها كانت محجوبة عنهم فلما رفعت الحجب بينها وبينهم
~~كان ذلك تقريبا انتهى، ويرد على الأخير أنه يمكن أن يقال مثله في الجحيم
~~وحينئذ يسئل عن وجه اختلاف الفعلين.

# ويرد على القول بأن الجنة لا تنتقل عن مكانها أنه خلاف ظاهر الآية ولا
~~يلزم لصحة القول به نقل حديث يدل على نقلها يومئذ فلا ms07648 مانع من القول به
~~وتفويض الكيفية إلى علم من لا يعجزه شيء وهو بكل شيء عليم وإذا أريد
~~التأويل فليكن ذلك بحمل التقريب على التقريب بحسب الرؤية وإن لم يكن هناك
~~نقل فقد يرى الشيء قريبا وإن كان في نفس الأمر في غاية البعد كما يشاهد
~~ذلك في النجوم، وقد يقرب البعيد في الرؤية بواسطة المناطر والآلات
~~الموضوعة لذلك وقد ينعكس الحال بواسطتها أيضا فيرى القريب بعيدا ومتى
~~جاز وقوع ذلك بواسطة الآلات في هذه النشأة جاز أن يقع في النشأة الأخرى
~~بما لا يعلمه إلا اللطيف الخبير فتأمل والله تعالى أعلم.

# وقرأ الأعمش { فبرزت } بالفاء، وقرأ مالك بن دينار { وبرزت } بالفتح
~~والتخفيف { والجحيم } بالرفع على الفاعلية.

### || [26.92]

# { وقيل لهم أين ما كنتم } في الدنيا { تعبدون }
~~تستمرون على عبادته.

### || [26.93]

# { من دون الله } أي أين آلهتكم الذين كنتم تزعمون أنهم شفعاؤكم في
~~هذا الموقف { هل ينصرونكم } بدفع ما تشاهدون من الجحيم وما فيها
~~من العذاب { أو ينتصرون } بدفع ذلك عن أنفسهم، وهذا سؤال تقريع لا
~~يتوقع له جواب ولذلك قيل: { فكبكبوا فيها... }.

### || [26.94]

# { فكبكبوا فيها } أي ألقوا في الجحيم على وجوههم مرة بعد أخرى
~~إلى أن يستقروا في قعرها فالكبكبة تكرير الكب وهو مما ضوعف فيه الفاء كما
~~قال الزجاج وجمهور البصريين، وذهب الكوفيون إلى أن الثالث بدل من مثل
~~الثاني فأصل كبكب عندهم كبب فأبدل من الباء الثانية كاف وضمير الجمع لما
~~يعبدون من دون الله وهم الأصنام وأكد بالضمير المنفصل أعني { هم } وكلا
~~الضميرين للعقلاء واستعملا / في الأصنام تهكما أو بناء على إعطائها
~~الفهم والنطق أي كبكب فيها الأصنام { والغاوون } الذين عبدوها.
~~والتعبير عنهم بهذا العنوان دون العابدون للتسجيل عليهم بوصف الغواية،
~~وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم يؤخرون في الكبكبة عنها
~~ليشاهدوا سوء حالها فينقطع رجاؤهم قبل دخول الجحيم. وعن السدي أن ضمير {
~~كبكبوا } ومؤكده لمشركي العرب والغاوون سائر المشركين وقيل: الضمير
~~للمشركين مطلقا ويراد بهم التبعة والغاوون هم القادة المتبعون، وقيل:
~~الضمير لمشركي ms07649 الإنس مطلقا و { الغاوون } الشياطين والكل كما ترى
~~ويبعد الأخير قوله تعالى: { وجنود إبليس... }.

### || [26.95]

# { وجنود إبليس } فإن الظاهر أن المراد منه الشياطين وأنه عطف
~~على ما قبله والعطف يقتضي المغايرة بالذات في الأغلب، ولا حاجة إلى
~~تخريجه على الأقل وجعله من باب:

# إلى الملك الندب وابن الهمام

# وقيل: المراد بجنود إبليس متبعوه من عصاة الثقلين، واختار بعض الأجلة
~~الأولى وادعى أنه الوجه لأن السياق والسباق في بيان سوء حال المشركين في
~~الجحيم وقد قال ذلك إبراهيم عليه السلام لقومه المشركين فلا وجاهة لذكر
~~حال قوم آخرين في هذا الحال بل لا وجود لهم في القصة وذكر الشياطين مع
~~المشركين لكونهم المسولين لهم عبادة الأصنام، ولا يخفى أن للتعميم وجها
~~أيضا من حيث إن فيه مزيد تهويل لذلك اليوم، وقوله تعالى: { أجمعون
~~} تأكيد للضمير وما عطف عليه.

### || [26.96]

# وقوله سبحانه: { قالوا } الخ استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ عما
~~قبله كأنه لما قيل كبكب الآلهة والغاوون عبدتها والشياطين الداعون إليها
~~قيل: فما وقع؟ فقيل: قالوا أي العبدة الغاوون { وهم } أي الغاوون {
~~فيها يختصمون } أي يخاصمون من معهم من الأصنام والشياطين،
~~والجملة في موضع الحال، والمراد قالوا معترفين بخطئهم وانهماكهم في
~~الضلالة متحسرين معيرين لأنفسهم والحال أنهم بصدد مخاصمة من معهم مخاطبين
~~لآلهتهم حيث يجعلها الله تعالى أهلا للخطاب.

### || [26.97]

# { إن } مخففة من المثقلة واسمها على ما قيل ضمير الشأن محذوف واللام
~~فارقة بينها وبين النافية كما ذهب إليه البصريون أي إنه أي الشأن كنا في
~~ضلال مبين، وذهب الكوفيون إلى أن (إن) نافية واللام بمعنى إلا أي ما كنا
~~إلا في ضلال واضح لا خفاء فيه، ووصفهم له بالوضوح للمبالغة في إظهار
~~ندمهم وتحسرهم وبيان خطئهم في رأيهم مع وضوح الحق كما ينبىء عنه تصديرهم
~~قسمهم بحرف التاء المشعرة بالتعجب على ما قيل.

### || [26.98]

# وقوله سبحانه: { إذ نسويكم برب العلمين } ظرف لكونهم
~~في ضلال مبين، وقيل: لمحذوف دل عليه الكلام أي ضللنا، وقيل: للضلال
~~المذكور وإن كان فيه ضعف صناعي ms07650 من حيث إن المصدر الموصوف لا يعمل بعد
~~الوصف، ويهون أمر ذلك كون المعمول ظرفا، وقيل: ظرف لمبين، وجوز أن تكون
~~{ إذ } تعليلية كما قيل به في قوله تعالى:

# ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم فى العذاب
~~مشتركون

# [الزخرف: 39]. وصيغة المضارع لاستحضار الصورة الماضية أي تالله لقد كنا
~~في غاية الضلال الفاحش وقت تسويتنا إياكم أو لأنا سويناكم أيها الأصنام
~~في استحقاق العبادة برب العالمين الذي أنتم أدنى مخلوقاته وأذلهم
~~وأعجزهم.

### || [26.99]

# { وما أضلنا إلا المجرمون } الظاهر بناء على ما تقدم من
~~أن الاختصام مع الأصنام والشياطين أن يكون المراد بالمجرمين الشياطين
~~ليكون ذلك من الاختصام معهم وإن لم يورد على وجه الخطاب كما أن ما تقدم
~~من الاختصام مع الأصنام، وكون / المراد بهم ذلك مروي عن مقاتل، وفي
~~«إرشاد العقل السليم» أنه بيان لسبب ضلالهم بعد اعترافهم بصدوره عنهم،
~~والمراد بالمجرمين رؤساؤهم وكبراؤهم، وفي قوله تعالى:

# ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا
~~السبيلا

# [الأحزاب: 67]. وعن السدي هم الأولون الذين اقتدوا بهم، وقيل: من دعاهم
~~إلى عبادة الأصنام من الجن والإنس. وعن ابن جريج أنهم إبليس وابن آدم
~~القاتل لأنه أول من سن القتل والمعاصي، والقصر قيل بالنسبة إلى الأصنام،
~~ولعلهم أرادوا بنفي الإضلال عنها إهانتها بأنها لا قدرة لها؛ وفيه تأكيد
~~لكونهم في ضلال مبين، ولعل الأولى كونه قصرا حقيقيا بادعاء أنهم
~~الأوحديون في سببية الإضلال حتى أن سببية غيرهم له كلا سببية، وهذا واضح
~~في الشياطين لأن إضلال غيرهم من الكبراء ونحوهم بواسطة إضلالهم لأنهم
~~الذين يزينون الباطل للمتبوع والتابع، ويمكن أن يعتبر في غيرهم بضرب من
~~التأويل وذلك إذا أريد بالمجرمين غيرهم، ثم إن المشركين لا يزالون في
~~حيرة يوم القيامة لا يدرون بم يتشبثون فلا يضر إسنادهم الإضلال تارة إلى
~~شيء وأخرى إلى غيره على أن الإسناد إلى كل باعتبار هذا.

# وجوز أن يكون الاختصام بين العبدة بعضهم مع بعض، والخطاب في

# نسويكم

# [الشعراء: 98] للأصنام من غير التزام القول بجعلهم أهلا له بل هو كخطاب
~~المضطر ms07651 للحجر والشجر، وفيه مبالغة في التحسر والندامة، والمعنى أن العبدة
~~مع تخاصم بعضهم مع بعض بأن يقول أحدهم للآخر: أنت مبدأ ضلالي ولولا أنت
~~لكنت مؤمنا اعترفوا بجرمهم وتعجبوا وبينوا سببه، وجوز أيضا أن يكون من
~~الأصنام ينطقهم الله تعالى فيخاصمون العبدة فضمير { هم } عائد عليهم،
~~والمعنى قال العبدة معترفين بضلالهم متعجبين منه مبينين سببه:

# إن كنا

# [الشعراء: 97] الخ والحال إن الأصنام يخاصمونهم قائلين: نحن جمادات
~~متبرئون عن جميع المعاصي وأنتم اتخذتمونا آلهة فألقيتمونا في هذه الورطة.
~~وهذا كله على تقدير كون جملة

# قالوا

# [الشعراء: 96] مستأنفة كما هو الظاهر. وجوز أن يكون

# جنود إبليس

# [الشعراء: 95] مبتدأ وجملة { قالوا } الخ خبره وضمير { قالوا }
~~وكذا ما بعده عائد عليه.

# وأنت تعلم أنه مع كونه خلاف الظاهر لا يتسنى على تقدير أن يراد بجنود
~~إبليس الشياطين لما أن المقول المذكور لا يصح أن يكون منهم وإذا أريد بهم
~~متبعوه من عصاة الثقلين عبدة الأصنام وغيرهم يرد أن المقول المذكور قول
~~فرقة منهم وهي العبدة فإسناده إلى الجميع خلاف الظاهر؛ ويبعد كل البعد بل
~~لو قيل بفساده لم يبعد احتمال كون كل شخص سواء كان من عبدة الأصنام أو
~~غيره يخاصم مع كل من يصادفه من غير صلاحية الآخر للاختصام ويقول ما ذكر
~~للأصنام لغاية الحيرة والضجرة، نعم لو أريد بجنود إبليس على تقدير كونه
~~مبتدأ ورجوع الضمائر إليه الغاوون بعينهم وتكون الإضافة للعهد، والتعبير
~~عنهم بهذا العنوان بعد التعبير عنهم بالعنوان السابق لتذليلهم لم يبعد
~~جدا.

# ومن الناس من جوز الابتدائية والخبرية المذكورتين وفسر الجنود بالعصاة
~~مطلقا. وجعل ضمير { قالوا } للغاوون وضمير { وهم - و - يختصمون }
~~[الشعراء: 96] للجنود أو للأصنام وفيه مع خروج الآية عليه عن حسن
~~الانتظام ما لا يخفى على ذوي الأفهام.

### || [26.100-101]

# وقوله تعالى: { فما لنا من شفعين * ولا صديق حميم }
~~مرتب على ما اعترفوا به من عظم الجناية وظهور الضلالة. والمراد التلهف
~~والتأسف على فقد شفيع يشفع لهم مما هم فيه أو صديق شفيق يهمه ذلك، وقد
~~ترقوا لمزيد انحطاط ms07652 حالهم في التأسف حيث نفوا أولا أن يكون لهم من
~~ينفعهم في تخليصهم من العذاب بشفاعته / ونفوا ثانيا أن يكون لهم من يهمه
~~أمرهم ويشفق عليهم ويتوجع لهم وإن لم يخلصهم وأتى بالشافع في سياق النفي
~~جمعا وإن كان حكم هذا الجمع في الاستغراق لمكان (من) الزائدة حكم المفرد
~~بلا خلاف إنما الخلاف فيما إذا لم تزد من بعد النفي داخلة على الجمع
~~رعاية لما كانوا يأتون به في الإثبات من الجمع.

# وقال في «الكشاف»: ((جمع الشافع لكثرة الشفعاء ووحد الصديق لقلته ألا
~~ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم نهضت جماعة وافرة من أهل بلده رحمة
~~له وحسبة وإن لم تسبق له بأكثرهم معرفة وأما الصديق الصادق في ودادك الذي
~~يهمه ما يهمك فهو أعز من بيض الأنوق، ويجوز أن يريد بالصديق الجمع)) أي
~~فإنه يطلق عليه لما أنه على زنة المصدر بخلاف الشافع. وذكر البيضاوي في
~~توحيد الصديق وجها آخر أيضا، وهو أن الصديق الواحد يسعى أكثر مما يسعى
~~الشفعاء، وحاصله أن الواحد في معنى الجمع بحسب العادة فلذا اكتفى به لما
~~فيه من المطابقة المعنوية كما قيل:

# الناس ألف منهمو كواحد

# وواحد كالألف إن أمر عنا

# وقال بعض الكملة: إن إيراد الشافعين بصيغة الجمع لمجرد مصلحة الفاصلة،
~~وأما إيراد الصديق مفردا فلأن المقام مقام المفرد ومصلحة الفاصلة حصلت
~~قبله وهو كما ترى، وقال سعد أفندي: لا يبعد أن يكون جمع الأول وإفراد
~~الثاني إشارة إلى أنه لا فرق بين الاستغراقين، وفيه أن إيثار صيغة لإفادة
~~مسئلة عربية ليس من دأب القرآن المجيد، والذي أميل إليه أن الإفراد على
~~الأصل والجمع وإن أدى مؤداه على سنن ما كانوا يقولونه ويزعمونه في الدنيا
~~من تعدد الشفعاء ولا يضر في ذلك كون المنفي هنا أعم من المثبت هناك من
~~حيث شموله للأصنام والكبراء والملائكة والأنبياء عليهم السلام كما هو
~~المتبادر إلى الفهم، وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة عن ابن جريج أن
~~المعنى: فما لنا من شافعين من أهل ms07653 السماء ولا صديق حميم من أهل الأرض.

# وزعم بعضهم أنهم عنوا بالشافعين هنا ما عنوا بالمجرمين من كبرائهم
~~وساداتهم وفرعوا النفي على قولهم:

# ومآ أضلنا إلا المجرمون

# [الشعراء: 99] فكأنهم قالوا: سادتنا وكبراؤنا الذين أضلونا مجرمون
~~معذبون مثلنا فلم يقدروا على السعي في نفعنا والشفاعة لنا، وفي «الكشاف»
~~فما لنا من شافعين كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين ولا
~~صديق كما نرى لهم أصدقاء فإنه لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون قال
~~تعالى:

# الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين

# [الزخرف: 67] أو فما لنا من شافعين ولا صديق حميم من الذين كنا نعدهم
~~شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله
~~تعالى وكان لهم الأصدقاء من شياطين الإنس أو أرادوا أنهم وقعوا في مهلكة
~~علموا أن الشفعاء والأصدقاء لا ينفعونهم ولا يدفعون عنهم فقصدوا بنفيهم
~~نفي ما يتعلق بهم من النفع لأن ما لا ينفع حكمه حكم المعدوم انتهى.

# والظاهر على هذا الأخير أن الكلام كناية عن شدة الأمر بحيث لا ينفع فيه
~~أحد ولو أدنى نفع وهو وجه وجيه، والوجه الأول لا يكاد يتسنى على مذهب
~~المعتزلة الذين لا يجوزون الشفاعة في الخلاص من النار بعد دخولها أو قبله
~~لأن الظاهر من قولهم فما لنا من شافعين كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من
~~الملائكة والنبيين فما لنا من شافعين يخلصونا من النار كما نرى المؤمنين
~~لهم شفعاء من الملائكة والنبيين يخلصونهم منها فارتضاء الزمخشري لهذا
~~الوجه غريب اللهم إلا أن يقال: المراد التشبيه باعتبار مطلق الشفاعة
~~والمعتزلة / يجوزون بعض أصنافها كالشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لكن
~~لا يخلو عن بعد والله تعالى أعلم.

### || [26.102]

# و (لو) في قوله تعالى: { فلو أن لنا كرة } مستعملة في
~~التمني بدليل نصب قوله سبحانه: { فنكون من المؤمنين } في
~~جوابها وأصلها لو الامتناعية وحيث إن التمني يكون لما يمتنع أريد بها ذلك
~~مجازا مرسلا أو استعارة تبعية ثم شاع حتى صارت كالحقيقة في ذلك، وقيل:
~~هي حقيقة فيما ذكر؛ ms07654 وقيل: أصلها المصدرية وليس بشيء. والمعنى فليت لنا
~~رجعة إلى الدنيا فإن نكون من المؤمنين فلا ينالنا إذا متنا فبعثنا مثل ما
~~نحن فيه من العذاب الذي لا ينفع فيه أحد، وجوز كون لو شرطية وجوابها
~~محذوف والتقدير لفعلنا من الخيرات كيت وكيت أو لخلصنا من العذاب أو لكان
~~لنا شفعاء وأصدقاء أو ما أضلنا المجرمون، والتقدير الأول أجزل، ويقدر
~~المحذوف بعد { فنكون } الخ لأن المصدر المتحصل منه معطوف على {
~~كرة } أي فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين لفعلنا الخ.

# وتعقب شيخ الإسلام ذلك بأنه إنما يفيد تحقق مضمون الجواب على تقدير تحقق
~~كرتهم وإيمانهم معا من غير دلالة على استلزام الكرة للإيمان أصلا مع
~~أنه المقصود حتما، وفي قوله: من غير دلالة الخ بحث على ما قيل حيث يمكن
~~أن يقال: حاصل الآية إن تيسر لنا الرجعة والإيمان المتعقب إياها لفعلنا
~~من عبادات أهل الإيمان ما يقصر عنه العبارة، والتزام ثمرات الإيمان
~~التزام للإيمان أولا، ومقصودهم بيان استلزام الرجعة لفعل الخيرات كلها،
~~وأما نفس الإيمان بعد هذه المشاهدة فلا يحتاج إلى البيان.

# وقال بعض الناس: إن قولهم { فنكون من المؤمنين } بمعنى
~~فنكون من المقبول إيمانهم وقبول الله تعالى إيمانهم لا يترتب على رجعتهم
~~البتة بل يجوز أن يتخلف فلا بد أن يكون مرادهم إن تيسر لنا الرجعة وإن
~~قبل إيماننا لفعلنا الخ فليس المقصود الدلالة على استلزام الكرة للإيمان
~~كما زعم شيخ الإسلام، ونوقش فيه بأن تيسر الرجعة إنما يكون لرحمة الله
~~تعالى وعفوه وهي تستلزم قبول إيمانهم، والحق أنه لا ينبغي الالتفات إلى
~~احتمال شرطية لو والتكلف له مع جزالة المعنى الظاهر المتبادر.

### || [26.103-104]

# والكلام في قوله تعالى: { إن في ذلك لأية وما كان
~~أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز
~~الرحيم } قد تقدم آنفا فلا حاجة إلى إعادته وقد علمت مختارنا في ذلك
~~فتذكر فما في العهد من قدم، ولشيخ الإسلام كلام في هذه الآية لا يخفى ما
~~فيه على المتأمل فتأمل.

### || [26.105]

# القوم كما في «المصباح» ms07655 يذكر ويؤنث وكذلك كل اسم جمع لا واحد له من لفظه
~~نحو رهط ونفر ولذا يصغر على قويمة، وقيل: هو مذكر ولحقت فعله علامة
~~التأنيث على إرادة الأمة والجماعة منه. وتكذيبهم المرسلين باعتبار إجماع
~~الكل على التوحيد وأصول الشرائع التي لا تختلف باختلاف الأزمنة والأعصار،
~~وجوز أن يراد بالمرسلين نوح عليه السلام بجعل اللام للجنس فهو نظير قولك:
~~فلان يركب الدواب ويلبس البرود وماله إلا دابة واحدة وبرد واحد.

### || [26.106]

# و { إذ } في قوله تعالى: { إذ قال لهم } ظرف للتكذيب على أنه
~~عبارة عن زمان مديد وقع فيه ما وقع من الجانبين إلى تمام الأمر كما أن
~~تكذيبهم عبارة عما صدر منهم من حين ابتداء دعوته عليه السلام إلى
~~انتهائها، وزعم بعضهم أن { إذ } للتعليل أي كذبت لأجل أن قال لهم: {
~~أخوهم نوح } أي نسيبهم كما يقال: يا أخا العرب ويا أخا تميم، وعلى
~~ذلك قوله:

# لا يسألون أخاهم حين يندبهم

# في النائبات على ما قال برهانا

# والضمير لقوم نوح، وقيل: هو للمرسلين والأخوة المجانسة وهو خلاف الظاهر
~~{ ألا تتقون } الله عز وجل حيث تعبدون غيره.

### || [26.107]

# { إني لكم رسول } من الله تعالى أرسلني لمصلحتكم { أمين }
~~مشهور بالأمانة فيما بينكم، وقيل: أمين على أداء رسالته جل شأنه.

### || [26.108]

# فيما آمركم به من التوحيد والطاعة لله تعالى، وقدم الأمر بتقوى الله
~~تعالى على الأمر بالطاعة لأن تقوى الله تعالى سبب لطاعته عليه السلام.

### || [26.109]

# { وما أسئلكم عليه } أي على ما أنا متصد له من الدعاء
~~والنصح { من أجر } أي ما أطلب منكم على ذلك أجرا أصلا لا مالا
~~ولا غيره { إن أجرى } فيما أتولاه { إلا على رب
~~العلمين } فهو سبحانه الذي يؤجرني في ذلك تفضلا منه لا غيره.

### || [26.110]

# والفاء في قوله تعالى: { فاتقوا الله وأطيعون } لترتيب ما
~~بعدها على ما قبلها من تنزهه عليه السلام من الطمع كما أن نظيرتها
~~السابقة لترتيب ما بعدها على كونه رسولا من الله تعالى بما فيه نفع
~~الدارين مع أمانته، والتكرير للتأكيد والتنبيه على ms07656 أن كلا منهما مستقل
~~في إيجاب التقوى والطاعة فكيف إذا اجتمعا، وقرىء { إن أجرى } بسكون
~~الياء وهو والفتح لغتان مشهورتان في مثل ذلك اختلف النحاة في أيتهما
~~الأصل.

### || [26.111]

# أي وقد اتبعك على أن الجملة في موضع الحال وقد لازمه فيها إذا كان فعلها
~~ماضيا وكثير من الأجلة لا يوجب ذلك، وقرأ عبد الله وابن عباس والأعمش
~~وأبو حيوة والضحاك وابن السميقع وسعيد بن أبي سعيد الأنصاري وطلحة
~~ويعقوب { وأتباعك } جمع تابع كصاحب وأصحاب، وقيل: جمع تبيع كشريف وأشراف،
~~وقيل: جمع تبع كبطل وأبطال، وهو مرفوع على الابتداء و { الأرذلون }
~~خبره، والجملة في موضع الحال أيضا، وقيل: معطوف على الضمير المستتر في {
~~نؤمن } وحسن ذلك للفصل بلك و { الأرذلون } صفته، ولا يخفى أنه
~~ركيك معنى، وعن اليماني { وأتباعك } بالجر عطفا على الضمير في { لك }
~~وهو قليل وقاسه الكوفيون و { الارذلون } رفع بإضمارهم، وهو جمع
~~الأرذل على الصحة والرذالة الخسة والدناءة، والظاهر أنهم إنما استرذلوا
~~المؤمنين به عليه السلام لسوء أعمالهم يدل عليه قوله في الجواب: { قال
~~وما علمى بما كانوا يعملون }.

### || [26.112]

# أي ما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر وبناء الأحكام عليها دون التجسس
~~والتفتيش عن البواطن، وما استفهامية، وقال الحوفي والطبرسي: نافية، وعليه
~~يكون في الكلام حذف أي وما علمي بما كانوا يعملون ثابت.

### || [26.113]

# { إن حسابهم } أي ما محاسبتهم على ما يعملون { إلا على
~~ربى } فاعتبار البواطن من شؤونه عز وجل وهو المطلع عليها { لو
~~تشعرون } أي بشيء من الأشياء أو لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك
~~لكنكم لستم كذلك فلذا قلتم ما قلتم، وأل على هذا الوجه للجنس، وقال جمع:
~~إن استرذالهم إياهم لقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: لكونهم من أهل الصناعات
~~الدنيئة، وقد كانوا كما روي عن عكرمة حاكة وأساكفة، وقيل: لا تضاع نسبهم،
~~ومنشأ ذلك على الجميع سخافة عقولهم وقصور أنظارهم لأن الفقر ليس من
~~الرذالة في شيء:

# قد يدرك المجد الفتى ورداؤه

# خلق وجيب قميصه مرقوع

# وكذا خسة الصناعة لا تزري بالشرف الأخروي ولا ms07657 تلحق التقي نقيصة عند الله
~~عز وجل، وقد أنشد أبو العتاهية:

# وليس على عبد تقي نقيصة

# إذا صحح التقوى وإن حاك أو حجم

# ومثلها صفة النسب فقد قيل:

# أبي الإسلام لا أب لي سواه

# إذا افتخروا بقيس أو تميم

# وما ذكره الفقهاء في باب الكفاءة مبني على عرف العامة لانتظام أمر
~~المعاش ونحوه على أنه روي عن الإمام مالك عدم اعتبار شيء من ذلك أصلا
~~وأن المسلمين كيفما كانوا أكفاء بعضهم لبعض، وأل على هذه الأقوال للعهد.
~~والجواب بما ذكر عما أشاروا إليه بقولهم ذلك من أن إيمانهم لم يكن عن نظر
~~وبصيرة وإنما كان لحظ نفساني كحصول شوكة بالاجتماع ينتظمون بها في سلك
~~ذوي الشرف ويعدون بها في عدادهم، وحاصله وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر
~~دون الشق عن القلوب والتفتيش عما في السرائر فما يضرني عدم إخلاصهم في
~~إيمانهم كما تزعمون؛ وجوز أن يقال: إنهم لما قالوا:

# واتبعك الأرذلون

# [الشعراء: 111] وعنوا الذين لا نصيب لهم من الدنيا أو الذين اتضعت
~~أنسابهم أو كانوا من أهل الصنائع الدنيئة تغابى عليه السلام عن مرادهم
~~وخيل لهم أنهم عنوا بالأرذلين من لا إخلاص له في العمل ولم يؤمن عن نظر
~~وبصيرة فأجابهم بما ذكر كأنه ما عرف من الأرذلين إلا ذلك، ولو جعل هذا
~~نوعا من الأسلوب الحكيم لم يبعد عندي، وفيه من لطف الرد عليهم وتقبيح ما
~~هم عليه ما لا يخفى، وزعم بعضهم أنهم عنوا بالأرذلين نساءه عليه السلام
~~وبنيه وكناته وبنى بنيه واسترذالهم لعضة النسب لا يتصور في جميعهم حقيقة
~~كما لا يخفى فلا بد عليه من اعتبار التغليب ونحوه، وقرأ الأعرج وأبو زرعة
~~وعيسى بن عمر الهمداني { يشعرون } بياء الغيبة.

### || [26.114]

# وقوله تعالى: { وما أنا بطارد المؤمنين } جواب عما أوهمه
~~كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك حيث جعلوا اتباعهم مانعا
~~عنه، وقد نزلوا لذلك منزلة من يدعي أنه عليه السلام ممن يطرد المؤمنين
~~وأنه ممن يشترك معه فيه فقدم المسند إليه وأولى حرف النفي لإفادة أن ذلك ms07658
~~ليس شأنه بل شأن المخاطبين. وجوز أن يكون التقديم للتقوى وهو أقل مؤنة
~~كما لا يخفى، وقيل: إنهم طلبوا منه عليه السلام طردهم فأجابهم بذلك كما
~~طلب رؤساء قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم طرد من آمن به من
~~الضعفاء فنزلت

# ولا تطرد الذين يدعون ربهم

# [الأنعام: 52] الآية.

### || [26.115]

# وقوله تعالى: { إن أنا إلا نذير مبين } كالعلة له أي ما
~~أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين وزجرهم عما لا يرضيه سبحانه وتعالى
~~سواء كانوا من الأشرفين أو الأرذلين فكيف يتسنى لي طرد من زعمتم أنهم
~~أرذلون. وحاصله أنا مقصور على إنذار المكلفين لا أتعداه إلى طرد الأرذلين
~~منهم أو ما علي إلا إنذاركم بالبرهان الواضح وقد فعلته وما علي استرضاء
~~بعضكم بطرد الآخرين، وحاصله أنا مقصور على إنذاركم لا أتعداه إلى
~~استرضائكم. وقيل: إن مجموع الجملتين جواب وإن إيلاء الضمير حرف النفي يدل
~~على أنهم زعموا أنه عليه السلام موصوف بصفتين، إحداهما: اتباع أهوائهم
~~بطرد المؤمنين لأجل أن يؤمنوا، وثانيتهما: أنه نذير مبين فقصر الحكم على
~~الثاني دون الأول ولا يخلو عن بحث.

### || [26.116-117]

# { قالوا لئن لم تنته ينوح } عما أنت عليه { لتكونن
~~من المرجومين } أي المرميين بالحجارة كما روي عن قتادة، وهو توعد
~~بالقتل كما روي عن الحسن، وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أن المعنى من
~~المشتومين على أن الرجم مستعار للشتم كالطعن، وفي «إرشاد العقل السليم»
~~((أنهم قاتلهم / الله تعالى قالوا ذلك في أواخر الأمر ومعنى قوله تعالى:
~~{ قال رب إن قومى كذبون } استمروا على تكذيبي وأصروا
~~عليه بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة ولم يزدهم دعائي إلا فرارا))
~~وهذا ليس بإخبار بالاستمرار على التكذيب لعلمه عليه السلام أن عالم الغيب
~~والشهادة أعلم ولكنه أراد إظهار ما يدعو عليهم لأجله وهو تكذيب الحق لا
~~تخويفهم له واستخفافهم به في قولهم: { لئن لم تنته ينوح
~~لتكونن من المرجومين } [الشعراء: 116] تلطفا في فتح باب
~~الإجابة، وقيل: لدفع توهم الخلق فيه المتجاوز أو الحدة، وقيل: إنه خبر لم ms07659
~~يقصد منه الإعلام أصلا وإنما أورد لغرض التحزن والتفجع كما في قوله:

# قومي هم قتلوا أميم أخي

# فلئن رميت يصيبني سهمي

# ويبعد ذلك في الجملة تفريع الدعاء عليهم بقوله تعالى: { فافتح
~~بينى وبينهم فتحا... }.

### || [26.118]

# { فافتح بينى وبينهم فتحا } على ذلك أي أحكم بيننا بما
~~يستحقه كل واحد منا من الفتاحة بمعنى الحكومة، و { فتحا } مصدر، وجوز
~~أن يكون مفعولا به على أنه بمعنى مفتوحا وهذه حكاية إجمالية لدعائه
~~عليه السلام المفصل في سورة نوح { ونجنى ومن معى من
~~المؤمنين } أي من قصدهم أو شؤم أعمالهم، وفيه إشعار بحلول العذاب
~~بهم.

### || [26.119]

# { فأنجينه ومن معه } على حسب دعائه عليه السلام { فى
~~الفلك المشحون } أي المملوء بهم وبما يحتاجون إليه حالا
~~كالطعام أو مالا كالحيوان. والفلك يستعمل واحدا وجمعا، وحيث أتى في
~~القرآن الكريم فاصلة استعمل مفردا أو غير فاصلة استعمل جمعا كما في
~~«البحر».

### || [26.120]

# { ثم أغرقنا بعد } أي بعد إنجائهم، و { ثم } للتفاوت
~~الرتبي، ولذا قال سبحانه بعد { بعد }  { البقين } أي من قومه.

### || [26.121-122]

# الكلام فيه نظير الكلام فيما تقدم، وكذا الكلام في قوله تعالى: {
~~كذبت عاد المرسلين }.

### || [26.123]

# بيد أن تأنيث الفعل هنا باعتبار أن المراد بعاد القبيلة وهو اسم أبيهم
~~الأقصى، وكثيرا ما يعبر عن القبيلة إذا كانت عظيمة بالأب وقد يعبر عنها
~~ببني أو بآل مضافا إليه فيقال: بنو فلان أو آل فلان، وكذا الكلام في
~~قوله سبحانه: { إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون...
~~}.

### || [26.124-127]

# وحكاية الأمر بالتقوى والإطاعة ونفي سؤال الأجر في القصص الخمس وتصديرها
~~بذلك للتنبيه على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق والطاعة فيما
~~يقرب المدعو إلى الثواب ويبعده من العقاب وأن الأنبياء عليهم السلام
~~مجتمعون على ذلك وإن اختلفوا في بعض فروع الشرائع المختلفة باختلاف
~~الأزمنة والأعصار وأنهم عليهم السلام منزهون عن المطامع الدنيوية
~~بالكلية. ولعله لم يسلك هذا المسلك في قصتي موسى وإبراهيم عليهما السلام
~~تفننا مع ذكر ما يشعر بذلك، وقيل: إن ما ذكر ثمة أهم وكانت ms07660 منازل عاد
~~بين عمان وحضرموت وكانت أخصب البلاد وأعمرها فجعلها الله تعالى مفاوز
~~ورمالا، ويشير إلى عمارتها قوله تعالى: { أتبنون بكل ريع...
~~}.

### || [26.128]

# { أتبنون بكل ريع } أي طريق كما روي عن ابن عباس وقتادة.
~~وأخرج ابن جرير وجماعة عن مجاهد أن الريع الفج بين الجبلين. وعن أبي صخر
~~أنه الجبل والمكان / المرتفع عن الأرض. وعن عطاء أنه عين الماء.
~~والأكثرون على أنه المكان المرتفع وهو رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما، ومنه ريع النبات وهو ارتفاعه بالزيادة والنماء. وقرأ ابن أبي
~~عبلة { ريع } بفتح الراء.

# { ءاية } أي علما كما روي عن الحبر رضي الله تعالى عنه، وقيل: قصرا
~~عاليا مشيدا كأنه علم وإليه ذهب النقاش وغيره واستظهره ابن المنير؛
~~ويمكن حمل ما روي عن الحبر عليه وحينئذ فقوله تعالى: { تعبثون }
~~على معنى تعبثون ببنائها لما أنهم لم يكونوا محتاجين إليها وإنما بنوها
~~للفخر بها. والعبث ما لا فائدة فيه حقيقة أو حكما، وقد ذم رفع البناء
~~لغير غرض شرعي في شريعتنا أيضا، وقيل: إن عبثهم في ذلك من حيث أنهم
~~بنوها ليهتدوا بها في أسفارهم والنجوم تغني عنها. واعترض بأن الحاجة تدعو
~~لذلك لغيم مطبق أو ما يجري مجراه. وأجيب بأن الغيم نادر لا سيما في ديار
~~العرب مع أنه لو احتيج إليها لم يحتج إلى أن تجعل في كل ريع فيكون بناؤها
~~كذلك عبثا. وقال الفاضل اليمني: إن أماكنها المرتفعة تغني عنها فهي عبث،
~~وقيل: كانوا يبنون ذلك ليشرفوا على المارة والسابلة فيسخروا منهم ويعبثوا
~~بهم: وروي ذلك عن الكلبي والضحاك، وعن مجاهد وابن جبير أن الآية برج
~~الحمام كانوا يبنون البروج في كل ريع ليلعبوا بالحمام ويلهوا به، وقيل:
~~بيت العشار يبنونه بكل رأس طريق فيجلسون فيه ليعشروا مال من يمر بهم. وله
~~نظير في بلادنا اليوم، ولا مستعان إلا بالله العلي العظيم. والجملة في
~~موضع الحال وهي حال مقدرة على بعض الأقوال.

### || [26.129]

# { وتتخذون } أي تعملون { مصانع } أي مآخذ للماء ومجاري تحت
~~الأرض كما روي ms07661 عن قتادة، وفي رواية أخرى عنه أنها برك الماء. وعن مجاهد
~~أنها القصور المشيدة، وقيل: الحصون المحكمة. وأنشدوا قول لبيد:

# وتبقى جبال بعدنا ومصانع

# وليس بنص في المدعى { لعلكم تخلدون } أي راجين أن تخلدوا في
~~الدنيا أو عاملين عمل من يرجو الخلود فيها فلعل على بابها من الرجاء،
~~وقيل: هي للتعليل وفي قراءة عبد الله { كى تخلدون }. وقال ابن زيد: هي
~~للاستفهام على سبيل التوبيخ والهزء بهم أي هل أنتم تخلدون، وكون لعل
~~للاستفهام مذهب كوفي، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: المعنى كأنكم
~~خالدون وقرىء بذلك كما روي عن قتادة، وفي حرف أبي { كأنكم تخلدون }
~~وظاهر ما ذكر أن لعل هنا للتشبيه، وحكى ذلك صريحا الواحدي. وفي
~~«البرهان» هو معنى غريب لم يذكره النحاة. ووقع في «صحيح البخاري» أن لعل
~~في الآية للتشبيه انتهى.

# وقرأ قتادة { تخلدون } مبنيا للمفعول مخففا ويقال: خلد الشيء وأخلده
~~غيره، وقرأ أبي وعلقمة { تخلدون } مبنيا للمفعول مشددا كما قال
~~الشاعر:

# وهل ينعمن إلا سعيد مخلد

# قليل هموم ما يبيت بأوجال

### || [26.130]

# { وإذا بطشتم } أي أردتم البطش بسوط أو سيف { بطشتم
~~جبارين } مسلطين غاشمين بلا رأفة ولا قصد تأديب ولا نظر في العاقبة.
~~وأول الشرط بما ذكر ليصح التسبب وتقييد الجزاء بالحال لا يصححه لأن
~~المطلق ليس سببا للمقيد، وقيل: لا يضر الاتحاد لقصد المبالغة، وقيل:
~~الجزائية باعتبار الإعلام والإخبار وهو كما ترى. ونظير الآية قوله:

# متى تبعثوها تبعثوها دميمة

# ودل توبيخه عليه السلام إياهم بما ذكر على استيلاء حب / الدنيا والكبر
~~على قلوبهم حتى أخرجهم ذلك عن حد العبودية.

### || [26.131]

# { فاتقوا الله } واتركوا هذه الأفعال { وأطيعون } فيما
~~أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم.

### || [26.132]

# أي بالذي تعرفونه من النعم فما موصولة والعائد محذوف والعلم بمعنى
~~المعرفة.

### || [26.133]

# وقوله تعالى: { أمدكم بأنعم وبنين } منزل منزلة بدل
~~البعض كما ذكره غير واحد من أهل المعاني، ووجهه عندهم أن المراد التنبيه
~~على نعم الله تعالى والمقام يقتضي اعتناء بشأنه لكونه مطلوبا في نفسه أو
~~ذريعة إلى غيره ms07662 من الشكر بالتقوى، وقوله سبحانه: { أمدكم
~~بأنعم } الخ أوفى بتأدية ذلك المراد لدلالته على النعم بالتفصيل
~~من غير إحالة على علم المخاطبين المعاندين فوزانه وزان  وجهه  في
~~أعجبني زيد وجهه لدخول الثاني في الأول لأن { ما تعلمون } يشمل
~~الأنعام وما بعدها من المعطوفات، ولا يخفى ما في التفصيل بعد الإجمال من
~~المبالغة، وفي «البحر» أن قوله تعالى: { بأنعم } على مذهب بعض
~~النحويين بدل من قوله سبحانه:

# بما تعلمون

# [الشعراء: 132] وأعيد العامل كقوله تعالى:

# اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسئلكم
~~أجرا

# [يس: 20-21] والأكثرون لا يجعلون مثل هذا إبدالا وإنما هو عندهم من
~~تكرار الجمل وإن كان المعنى واحدا ويسمى التتبيع، وإنما يجوز أن يعاد
~~العامل عندهم إذا كان حرف جر دون ما يتعلق به نحو مررت بزيد بأخيك انتهى.
~~ونقل نحوه عن السفاقسي، وقال أبو حيان: الجملة مفسرة لما قبلها ولا موضع
~~لها، وبدأ بذكر الأنعام لأنها تحصل بها الرياسة والقوة على العدو والغنى
~~الذي لا تكمل اللذة بالبنين وغيرهم في الأغلب إلا به وهي أحب الأموال إلى
~~العرب ثم بالبنين لأنهم معينوهم على الحفظ والقيام عليها ومن ذلك يعم وجه
~~قرنهما، ووجه قرن الجنات والعيون في قوله تعالى: { وجنت وعيون
~~}.

### || [26.134]

# ظاهر وكذا وجه قرنهما مع الأنعام.

### || [26.135]

# وقوله سبحانه: { إنى أخاف عليكم } الخ في موضع التعليل أي إني
~~أخاف عليكم إن لم تتقوا وتقوموا بشكر هذه النعم: { عذاب يوم
~~عظيم } في الدنيا والآخرة فإن كفران النعمة مستتبع للعذاب كما أن
~~شكرها مستلزم لزيادتها قال تعالى:

# لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابى
~~لشديد

# [إبراهيم: 7] وعلل بما ذكر دون استلزام التقوى للزيادة لأن زوال النعمة
~~يحزن فوق ما تسر زيادتها ودرء المضار مقدم على جلب المنافع.

### || [26.136]

# فإنا لا نرعوي عما نحن عليه قالوا ذلك على سبيل الاستخفاف وعدم المبالاة
~~بما خوفهم به عليه السلام، وعدلوا عن أم لم تعظ الذي يقتضيه الظاهر
~~للمبالغة في بيان قلة اعتدادهم بوعظه عليه السلام لما في كلامهم على ما
~~في النظم الجليل ms07663 من استواء وعظه والعدم الصرف البليغ وهو عدم كونه من
~~عداد الواعظين وجنسهم، وقيل: في وجه المبالغة إفادة كان الاستمرار و {
~~الوعظين } الكمال واعتبارهما بقرينة المقام بعد النفي أي سواء علينا
~~أوعظت أم استمر انتفاء كونك من زمرة من يعظ انتفاء كاملا بحيث لا يرجى
~~منك نقيضه، وقال في «البحر»: إن المقابلة بما ذكر لأجل الفاصلة كما في
~~قوله تعالى:

# سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صمتون

# [الأعراف: 193] وكثيرا ما يحسن مع الفواصل ما لا يحسن دونه وليس بشيء
~~كما لا يخفى.

# وروي عن أبي عمرو والكسائي إدغام الظاء في التاء في { وعظت } وبالإدغام
~~قرأ ابن محيصن والأعمش إلا أن الأعمش زاد ضمير المفعول فقرأ { أوعظتنا }
~~وينبغي أن يكون إخفاء لأن الظاء مجهورة مطبقة والتاء مهموسة منفتحة
~~فالظاء أقوى منها والإدغام إنما يحسن في المتماثلين أو في المتقاربين إذا
~~كان الأول أنقص من الثاني. / وأما إدغام الأقوى في الأضعف فلا يحسن، وإذا
~~جاء شيء من ذلك في القرآن بنقل الثقات وجب قبوله وإن كان غيره أفصح
~~وأقيس.

### || [26.137-138]

# وقوله تعالى: { إن هذا إلا خلق الأولين } تعليل لما
~~أدعوه من المساواة أي ما هذا الذي جئتنا به إلا عادة الأولين يلفقون مثله
~~ويدعون إليه أو ما هذا الذي نحن عليه من الحياة والموت إلا عادة قديمة لم
~~يزل الناس عليها أو ما هذا الذي نحن عليه من الدين إلا عادة الأولين
~~الذين تقدمونا من الآباء وغيرهم ونحن بهم مقتدون.

# وقرأ أبو قلابة والأصمعي عن نافع { خلق } بضم الخاء وسكون اللام،
~~والمعنى عليه كما تقدم، وقرأ عبد الله وعلقمة والحسن وأبو جعفر وأبو عمرو
~~وابن كثير والكسائي { خلق } بفتح الخاء وسكون اللام أي ما هذا إلا اختلاق
~~الأولين وكذبهم، ويؤيد هذا المعنى ما روى علقمة عن عبد الله أنه قرأ {
~~إلا اختلاق الأولين } ويكون هذا كقول سائر الكفرة

# أسطير الأولين

# [الأنعام: 25] أو ما خلقنا هذا إلا خلق الأولين نحيى كما حيوا ونموت كما
~~ماتوا، ومرادهم إنكار البعث والحساب المفهوم من تهديدهم بالعذاب، ولعل ms07664
~~قولهم: { وما نحن بمعذبين } أي على ما نحن عليه من الأعمال
~~أصرح في ذلك.

### || [26.139]

# { فكذبوه } أي أصروا على تكذيبه عليه السلام { فأهلكنهم
~~} بسببه بريح صرصر. { إن في ذلك لأية وما كان أكثرهم
~~مؤمنين }.

### || [26.140-141]

# هو اسم عجمي عند بعض والأكثرون على أنه عربي وترك صرفه لأنه اسم قبيلة،
~~وهو فعول من الثمد وهو الماء القليل الذي لا مادة له ومنه قيل فلان مثمود
~~ثمدته النساء أي قطعن مادة مائه لكثرة غشيانه لهن ومثمود إذا كثر عليه
~~السؤال حتى نفد مادة ماله أو ما يبقى في الجلد أو ما يظهر في الشتاء
~~ويذهب في الصيف. وفي «القاموس» ثمود قبيلة ويصرف وتضم الثاء وقرىء به
~~أيضا. وفي «سبائك الذهب» أنه في الأصل اسم لأبي القبيلة ثم نقل وجعل
~~اسما لها، ووجه تأنيث الفعل هنا نظير ما تقدم في قوله تعالى:

# كذبت عاد

# [الشعراء: 123] وكذا الكلام في قوله سبحانه: { إذ قال لهم
~~أخوهم صلح ألا تتقون }.

### || [26.142-145]

# وكذا الكلام في قوله سبحانه { إذ قال لهم أخوهم صلح
~~ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله
~~وأطيعون * وما أسئلكم عليه من أجر إن أجرى
~~إلا على رب العلمين } كالكلام فيما تقدم.

### || [26.146-148]

# وقوله تعالى: { أتتركون فى ما ههنا ءامنين } إنكار لأن
~~يتركوا فيما هم فيه من النعمة آمنين عن عذاب يوم عظيم فالاستفهام مثله في
~~قوله تعالى السابق:

# أتبنون

# [الشعراء: 128] وقوله تعالى اللاحق:

# أتأتون

# [الشعراء: 165] وكأن القوم اعتقدوا ذلك فأنكره عليه السلام عليهم، وجوز
~~أن يكون الاستفهام للتقرير تذكيرا للنعمة في تخليته تعالى إياهم وأسباب
~~نفعهم آمنين من العدو ونحوه واستدعاء لشكر ذلك بالإيمان. وفي «الكشف» أن
~~هذا أوفق في هذا المقام، وما موصولة و { ههنا } إشارة إلى المكان
~~الحاضر القريب أي أتتركون في الذي استقر في مكانكم هذا من النعمة، وقوله
~~تعالى: { في جنت وعيون * وزروع ونخل طلعها
~~هضيم } بدل من { ما ههنا } بإعادة الجار كما قال أبو البقاء وغيره،
~~وفي الكلام إجمال وتفصيل نحو ما تقدم في قصة عاد. وجوز أن ms07665 يكون ظرفا
~~لآمنين الواقع حالا وليس بذاك، والهضيم الداخل بعضه في بعض كأنه هضم أي
~~شدخ. وسأل عنه نافع بن الأزرق ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال له:
~~المنضم بعضه إلى بعض فقال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما ما سمعت قول
~~امرىء القيس:

# دار لبيضاء العوارض طفلة

# مهضومة الكشحين ريا المعصم

# / وقال الأزهري: هو اللطيف أول ما يخرج، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير
~~نوى وروي عن الحسن. وقيل: هو المتدلي لكثرة ثمره، وقيل: هو النضيج من
~~الرطب وروي عن عكرمة، وقيل: الرطب المذنب وروي عن يزيد بن أبي زياد،
~~فوصف الطلع بالهضيم إما حقيقة أو مجاز وهو حقيقة وصف لثمره، وجعل بعضهم
~~على بعض الأقوال الطلع مجازا عن الثمر لأوله إليه، والنخل اسم جنس جمعي
~~يذكر كما في قوله تعالى:

# كأنهم أعجاز نخل منقعر

# [القمر: 20] ويؤنث كما هنا، وليس ذلك لأن المراد به الإناث فإنه معلوم
~~بقرينة المقام ولو ذكر الضمير. وإفراده بالذكر مع دخوله في الجنات لفضله
~~على سائر أشجارها أو لأن المراد بها غيره من الأشجار.

### || [26.149]

# أي أشرين بطرين كما روي عن ابن عباس ومحمد بن العلاء، وجاء في رواية
~~أخرى عن ابن عباس تفسيره بنشطين مهتمين، وقال أبو صالح: أي حاذقين وبذلك
~~فسره الراغب. وقال ابن زيد: أي أقوياء، وأنت تعلم أن هذه الجملة داخلة في
~~حيز الاستفهام السابق والأوفق به على القول الأول القول الأول وعلى القول
~~الثاني كل من الأقوال الباقية وكلها سواء في ذلك إلا أنه يفهم من كلام
~~بعضهم أن الفراهة حقيقة في النشاط مجاز في غيره وعليه يترجح تفسيره
~~بنشطين إذا أريد التذكير.

# وقرأ أبو حيوة وعيسى والحسن { تنحتون } بفتح الحاء. وقرىء { تنحاتون }
~~بألف بعد الحاء إشباعا، وعن عبد الرحمن بن محمد عن أبيه أنه قرأ {
~~ينحتون } بالياء آخر الحروف وكسر الحاء، وعن أبي حيوة والحسن أيضا
~~أنهما قرآ بالياء التحتية وفتح الحاء. وقرأ عبد الله وابن عباس وزيد بن
~~علي والكوفيون وابن عامر { فارهين } بألف بعد ms07666 الفاء، وقراءة الجمهور أبلغ
~~لما ذكروا في حاذر وحذر. وقرأ مجاهد { متفرهين }.

### || [26.150-151]

# كأنه عنى بالخطاب جمهور قومه وبالمسرفين كبراءهم وأعلامهم في الكفر
~~والإضلال وكانوا تسعة رهط. ونسبة الإطاعة إلى الأمر مجاز وهي للآمر حقيقة
~~وفي ذلك من المبالغة ما لا يخفى وكونه لا يناسب المقام فيه بحث. ويجوز أن
~~تكون الإطاعة مستعارة للامتثال لما بينهما من الشبه في الإفضاء إلى فعل
~~ما أمر به أو مجازا مرسلا عنه للزومه له. ويحتمل أن يكون هناك استعارة
~~مكنية وتخييلية، وجوز عليه أن يكون الأمر واحد الأمور وفيه من البعد ما
~~فيه والإسراف تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان وإن كان ذلك في الإنفاق
~~أشهر، والمراد به هنا زيادة الفساد وقد أوضح ذلك على ما قيل بقوله تعالى:
~~{ الذين يفسدون فى الأرض }.

### || [26.152]

# { الذين يفسدون فى الأرض } ولعل المراد ذمهم بالضلال في
~~أنفسهم بالكفر والمعاصي وإضلالهم غيرهم بالدعوة لذلك، وللإيماء إلى عدم
~~اختصاص شؤم فعلهم بهم حثا على امتثال النهي قيل { فى الأرض }
~~والمراد بها أرض ثمود، وقيل: الأرض كلها ولما كان { يفسدون } لا
~~ينافي إصلاحهم أحيانا أردف بقوله تعالى: { ولا يصلحون } لبيان
~~كمال إفسادهم وأنه لم يخالطه إصلاح أصلا.

### || [26.153-154]

# { قالوا إنمآ أنت من المسحرين } أي الذين سحروا
~~كثيرا حتى غلب على عقولهم، وقيل: أي من ذوي السحر أي الرئة فهو كناية عن
~~كونه من الأناسي فقوله تعالى: { ما أنت إلا بشر مثلنا } على
~~هذا تأكيد له وعلى الأول هو مستأنف للتعليل أي أنت مسحور لأنك بشر مثلنا
~~لا تميز لك علينا فدعواك إنما هي لخلل في عقلك { فأت بآية } أي
~~بعلامة / على صحه دعواك { إن كنت من الصدقين } فيها.

### || [26.155]

# { قال هذه ناقة } أي بعد ما أخرجها الله تعالى بدعائه. روي
~~أنهم اقترحوا عليه ناقة عشراء تخرج من صخرة عينوها ثم تلد سقبا فقعد
~~عليه السلام يتذكر فقال له: جبريل عليه السلام صل ركعتين وسل ربك ففعل
~~فخرجت الناقة وبركت بين أيديهم ونتجت سقبا مثلها في العظم فعند ذلك ms07667 قال
~~لهم: هذه ناقة { لها شرب } أي نصيب مشروب من الماء كالسقى والقيت
~~للنصيب من السقي والقوت وكان هذا الشرب من عين عندهم. وفي «مجمع البيان»
~~عن علي كرم الله تعالى وجهه أن تلك العين أول عين نبعت في الأرض وقد
~~فجرها الله عز وجل لصالح عليه السلام { ولكم شرب يوم
~~معلوم } فاقتنعوا بشربكم ولا تزاحموها على شربها. وقرأ ابن أبي
~~عبلة { شرب } بضم الشين فيهما، واستدل بالآية على جواز قسمة ماء نحو
~~الآبار على هذا الوجه.

### || [26.156]

# { ولا تمسوها بسوء } كضرب وعقر { فيأخذكم عذاب
~~يوم عظيم } وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه وهو أبلغ من عظم
~~العذاب وهذا من المجاز في النسبة، وجعل { عظيم } صفة { عذاب } والجر
~~للمجاورة نحو هذا جحر ضب خرب ليس بشيء.

### || [26.157]

# { فعقروها } نسب العقر إليهم كلهم مع أن عاقرها واحد منهم - وهو
~~قدار بن سالف وكان نساجا على ما ذكره غير واحد، وجاء في رواية أن مسطعا
~~ألجأها إلى مضيق في شعب فرماها بسهم فأصاب رجلها فسقطت ثم ضربها قدار -
~~لما روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين فكانوا يدخلون على
~~المرأة في خدرها فيقولون: أترضين؟ فتقول: نعم وكذلك الصبيان فرضوا
~~جميعا، وقيل: لأن العقر كان بأمرهم ومعاونتهم جميعا كما يفصح عنه قوله
~~تعالى:

# فنادوا صحبهم فتعاطى فعقر

# [القمر: 29] وفيه بحث.

# { فأصبحوا ندمين } خوفا من حلول العذاب كما قال جمع، وتعقب
~~بأنه مردود بقوله تعالى: { وقالوا } أي بعد ما عقروها:

# يا صالح ائتنا بما تعدنآ إن كنت من المرسلين

# [الأعراف: 77]، وأجيب بأن قوله بعد ما عقروها في حيز المنع إذ الواو لا
~~تدل على الترتيب فيجوز أن يريدوا بما تعدنا من المعجزة أو الواو حالية أي
~~والحال أنهم طلبوها من صالح ووعدوه الإيمان بها عند ظهورها مع أنه يجوز
~~ندم بعض وقول بعض آخر ذلك بإسناد ما صدر من البعض إلى الكل لعدم نهيهم
~~عنه أو نحو ذلك أو ندموا كلهم أولا خوفا ثم قست قلوبهم وزال خوفهم أو
~~على العكس، ms07668 وجوز أن يقال: إنهم ندموا على عقرها ندم توبة لكنه كان عند
~~معاينة العذاب وعند ذلك لا ينفع الندم، وقيل: لم ينفعهم ذلك لأنهم لم
~~يتلافوا ما فعلوا بالإيمان المطلوب منهم. وقيل: ندموا على ترك سقبها ولا
~~يخفى بعده، ومثله ما قيل: إنهم ندموا على عقرها لما فاتهم به من لبنها،
~~فقد روي أنه إذا كان يومها أصدرتهم لبنا ما شاؤوا.

### || [26.158]

# { فأخذهم العذاب } الموعود وكان صيحة خمدت لها أبدانهم وانشقت
~~قلوبهم وماتوا عن آخرهم وصب عليهم حجارة خلال ذلك. { إن في ذلك
~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }.

### || [26.159-161]

# { إذ قال لهم أخوهم لوط } وكانوا من أصهاره عليه السلام {
~~ألا تتقون }.

### || [26.162-165]

# إنكار وتوبيخ. والإتيان كناية عن الوطء. و { الذكران } جمع ذكر
~~مقابل الأنثى. والظاهر أن { من العلمين } متصل به أي أتأتون
~~الذكران من أولاد بني آدم على فرط كثرتهم وتفاوت أجناسهم وغلبة إناثهم
~~على ذكرانهم كأن الإناث قد أعوزتكم فالمراد بالعالمين الناس لأن المأتي
~~الذكور منهم خاصة والقرينة إيقاع الفعل والجمع بالواو والنون من غير نظر
~~إلى تغليب. وأما خروج الملك والجن فمن الضرورة العقلية. ويجوز أن يكون
~~متصلا بتأتون أي أتأتون من بين من عداكم من العالمين الذكران لا يشارككم
~~فيه غيركم فالمراد بالعالمين كل من يتأتى منه الإتيان. والعالم على هذا
~~ما يعلم به الخالق سبحانه. والجمع للغليب وخروج غيره لما مر. ولا يضر كون
~~الحمار والخنزير يأتيان الذكور في أمر الاختصاص للندرة أو لإسقاطهما عن
~~حيز الاعتبار، وجوز أن يراد بالعالمين على الوجه الثاني الناس أيضا،
~~وإذا قيل بشمولهم لمن تقدم من العالمين تفيد الآية أنهم أول من سن هذه
~~السنة السيئة كما يفصح عنه قوله تعالى:

# ما سبقكم بها من أحد من العلمين

# [الأعراف: 80].

### || [26.166]

# { وتذرون ما خلق لكم ربكم } لأجل استمتاعكم، وكلمة {
~~من } في قوله تعالى: { من أزوجكم } للبيان إن أريد بما جنس
~~الإناث، ولعل في الكلام حينئذ مضافين محذوفين أي وتذرون إتيان فروج ما
~~خلق لكم أو للتبعيض إن أريد بما العضو المباح ms07669 من الأزواج. ويؤيده قراءة
~~ابن مسعود { ما أصلح لكم ربكم من أزوجكم } وحينئذ
~~يكتفى بتقدير مضاف واحد أي وتذرون إتيان ما خلق ويكون في الكلام على ما
~~قيل تعريض بأنهم كانوا يأتون نساءهم أيضا في محاشهن ولم يصرح بإنكاره
~~كما صرح بإنكار إتيان الذكران لأنه دونه في الإثم. وهو على المشهور عند
~~أهل السنة حرام بل كبيرة. وقيل: هو مباح، وقد تقدم الكلام في ذلك مبسوطا
~~عند الكلام في قوله تعالى:

# نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم

# [البقرة: 223] وقيل: ليس في الكلام مضاف محذوف أصلا، والمراد ذمهم بترك
~~ما خلق لهم وعدم الالتفات إليه بوجه من الوجوه فضلا عن الإتيان، وأنت
~~تعلم أن المعنى ظاهر على التقدير.

# وقوله تعالى: { بل أنتم قوم عادون } إضراب انتقالي والعادي
~~المتعدي في ظلمة المتجاوز فيه الحد ومتعلقه مقدر وهو إما عام أو خاص أي
~~بل أنتم قوم متعدون متجاوزون الحد في جميع المعاصي وهذا من جملتها أو
~~متجاوزون عن حد الشهوة حيث زدتم على سائر الناس بل أكثر الحيوانات. وقيل:
~~متجاوزون الحد في الظلم حيث ظلمتم بإتيان ما لم يخلق للإتيان وترك إتيان
~~ما خلق له، وفي «البحر» أن / تصدير الجملة بضمير الخطاب تعظيما لفعلهم
~~وتنبيها على أنهم مختصون بذلك كأنه قيل: بل أنتم قوم عادون لا غيركم.

### || [26.167]

# { قالوا لئن لم تنته يلوط } عن توبيخنا وتقبيح أمرنا أو
~~عما أنت عليه من دعوى الرسالة ودعوتنا إلى الإيمان وإنكار ما أنكرته من
~~أمرنا { لتكونن من المخرجين } أي من المنفيين من قريتنا
~~المعهودين، وكأنهم كانوا يخرجون من غضبوا عليه بسبب من الأسباب، وقيل:
~~بسبب إنكار تلك الفاحشة من بينهم على عنف وسوء حال، ولهذا هددوه عليه
~~السلام بذلك، وعدلوا عن لنخرجنك الأخصر إلى ما ذكر؛ ولا يخفى ما في
~~الكلام من التأكيد.

### || [26.168]

# أي من المبغضين غاية البغض، قال الراغب: يقال قلاه ويقليه فمن جعله من
~~الواو فهو من القلو أي الرمي من قولهم: قلت الناقة براكبها قلوا وقلوت
~~بالقلة إذا رميتها فكأن المقلو ms07670 يقذفه القلب من بغضه فلا يقبله. ومن جعله
~~من الياء فهو من قليت السويق على المقلاة فكأن شدة البغض تقلي الفؤاد
~~والكبد وتشويهما، فقول أبي حيان: إن قلى بمعنى أبغض يائي، والذي بمعنى
~~طبح وشوى واوي ناشئ من قلة الاطلاع، والعدول عن قالي إلى ما في النظم
~~الجليل لأنه أبلغ فإنه إذا قيل: قالي لم يفد أكثر من تلبسه بالفعل بخلاف
~~قوله: { من القلين } إذ يفيد أنه مع تلبسه من قوم عرفوا واشتهروا
~~به فيكون راسخ القدم عريق العرف فيه، وقد صرح بذلك ابن جني وغيره، واللام
~~في { لعملكم } قيل للتبيين كما في سقيا لك فهو متعلق بمحذوف أعني  أعني
~~، وقيل: هي للتقوية ومتعلقها عند من يرى تعلق حرف التقوية محذوف أي إني
~~من القالين لعملكم من القالين. وقيل: هي متعلقة بالقالين المذكور ويتوسع
~~في الظروف ما لا يتوسع في غيرها فتقدم حيث لا يقدم غيرها، والمراد بعملهم
~~إما ما أنكره عليه السلام عليهم من إتيان الذكران وترك ما خلق ربهم
~~سبحانه لهم وإما ما يشمل ذلك وسائر ما نهاهم عنه وأمرهم بضده من الأعمال
~~القلبية والقالبية، وقابل عليه السلام تهديدهم ذلك بما ذكر تنبيها على
~~عدم الاكتراث به وأنه راغب في الخلاص من سوء جوارهم لشدة بغضه لعملهم
~~ولذلك أعرض عن محاورتهم وتوجه إلى الله تعالى قائلا: { رب نجنى
~~وأهلى مما يعملون }.

### || [26.169]

# أي من شؤم عملهم أو الذي يعملونه وعذابه الدنيوي. وقيل: يحتمل أن يكون
~~دعاء بالنجاة من التلبس بمثل عملهم وهو بالنسبة إلى الأهل دونه عليه
~~السلام إذ لا يخشى تلبسه بذلك لمكان العصمة. واعترض بأن العذاب كذلك إذ
~~لا يعذب من لم يجن وفيه منع ظاهر. كيف وقد قال سبحانه:

# واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم
~~خاصة

# [الأنفال: 25]. وقيل: قد يدعو المعصوم بالحفظ عن الوقوع فيما عصم عنه
~~كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام:

# واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام

# [إبراهيم: 35] وهو مسلم إلا أن الظاهر أن المراد النجاة مما ينالهم بسبب ms07671
~~عملهم من العذاب الدنيوي. ويؤيده ظاهر قوله تعالى: { فنجينه
~~وأهله أجمعين }.

### || [26.170-171]

# والظاهر أن المراد بأهله أهل بيته. وجوز أن يكون المراد بهم من تبع دينه
~~مجازا فيشمل أهل بيته المؤمنين وسائر من آمن به. وقيل: لا حاجة إلى هذا
~~التعميم إذ لم يؤمن به عليه السلام إلا أهل بيته. والمراد بهذه العجوز
~~امرأته عليه السلام وكانت كافرة مائلة إلى القوم راضية بفعلهم. والتعبير
~~عنها بالعجوز للإيماء / إلى أنه مما لا يشق أمر هلاكها على لوط عليه
~~السلام وسائر أهله بمقتضى الطبيعة البشرية. وقيل: للإيماء إلى أنها قد
~~عسيت في الكفر ودامت فيه إلى أن صارت عجوزا، والغابر الباقي بعد مضي من
~~معه. وأنشد ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في ذلك قول عبيد بن الأبرص:

# ذهبوا وخلفني المخلف فيهم

# فكأنني في الغابرين غريب

# والمراد فنجيناه وأهله من العذاب بإخراجهم من بينهم ليلا عند مشارفة
~~حلوله بهم إلا عجوزا مقدرة في الباقين في العذاب بعد سلامة من خرج.
~~وإنما اعتبر البقاء في العذاب دون البقاء في الدار لما روي أنها خرجت مع
~~لوط عليه السلام فأصابها حجر في الطريق فهلكت، وقيل: المراد من الباقين
~~في الدار بناء على أنها لهلاكها كأنها ممن بقي فيها أو أنها خرجت ثم رجعت
~~فهلكت كما في بعض الروايات أو أنها لم تخرج مع لوط عليه السلام أصلا كما
~~في البعض الآخر منها. وقيل: الغابر طويل العمر وكأنه إنما أطلق عليه ذلك
~~لبقائه مع مضي من كان معه. والمراد وصف العجوز بأنها طاعنة في السن. وقرأ
~~عبد الله كما روى عنه مجاهد (وواعدنا أن نؤتيه أهله أجمعين * إلا عجوزا
~~في الغابرين).

### || [26.172]

# أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه وكان ذلك الائتفاك. والظاهر العطف على {
~~نجينا } [الشعراء: 170] والتدمير متراخ عن التنجية من مطلق العذاب
~~فلا حاجة إلى القول بأن المراد أردنا تنجيته أو حكمنا بها أو معنى {
~~فنجينه } فاستجبنا دعاءه في تنجيته وكل ذلك خلاف الظاهر. وجوز
~~الطيبي كون { ثم } للتراخي في الرتبة.

### || [26.173]

# { وأمطرنا عليهم مطرا } أي ms07672 نوعا من المطر غير معهود فقد
~~كان حجارة من سجيل كما صرح به في قوله تعالى:

# فلما جاء أمرنا جعلنا عليها سافلها
~~وأمطرنا عليها حجارة من سجيل

# [هود: 82]. وجمع الأمران لهم زيادة في اهانتهم. وقيل: كان الائتفاك
~~لطائفة والأمطار لأخرى منهم. وكانت هذه على ما روي عن مقاتل للذين كانوا
~~خارجين من القرية لبعض حوائجهم ولعله مراد قتادة بالشذاذ فيما روي عنه {
~~فساء مطر المنذرين } اللام فيه للجنس وبه يتسنى وقوع المضاف
~~إليه فاعل ساء بناء على أنها بمعنى بئس. والمخصوص بالذم محذوف وهو مطرهم
~~وإذا لم تكن ساء كذلك جاز كونها للعهد.

### || [26.174-177]

# { إن في ذلك لأية وما كان أكثرهم مؤمنين *
~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم * كذب أصحب
~~لئيكة المرسلين } الأيكة الغيضة التي تنبت ناعم الشجر وهي
~~غيضة من ساحل البحر إلى مدين يسكنها طائفة وكانوا ممن بعث إليهم شعيب
~~عليه السلام وكان أجنبيا منهم ولذلك قيل: { إذ قال لهم شعيب
~~ألا تتقون } ولم يقل أخوهم، وقيل: { الأيكة } الشجر الملتف
~~وكان شجرهم الدوم وهو المقل، وعلى القولين { أصحب لأيكة } غير
~~أهل مدين، ومن غريب النقل عن ابن عباس أنهم هم أهل مدين.

# وقرأ الحرميان وابن عامر { ليكة } بلام مفتوحة بعدها ياء بغير ألف ممنوع
~~الصرف هنا، وفي ص؛ قال أبو عبيدة: وجدنا في بعض «كتب التفسير» أن { ليكة
~~} اسم للقرية و { الأيكة } البلاد كلها كمكة وبكة ورأيتها في الإمام
~~مصحف عثمان رضي الله تعالى عنه في الحجر و { ق }  { الأيكة } وفي
~~الشعراء و { ص }  { ليكة } واجتمعت مصاحب الأمصار كلها بعد ذلك ولم
~~تختلف، وفي «الكشاف» من قرأ بالنصب، وزعم أن { ليكة } بوزن ليلة / اسم
~~بلد فتوهم قاد إليه خط المصحف حيث وجدت مكتوبة هنا وفي { ص } بغير ألف،
~~وفي المصحف أشياء كتبت على خلاف الخط المصطلح عليه وإنما كتبت في هاتين
~~السورتين على حكم لفظ اللافظ كما يكتب أصحاب النحو الآن لان والأولى لولى
~~لبيان لفظ المخفف. وقد كتبت في سائر القرآن على الأصل والقصة واحدة على
~~أن { ليكة ms07673 } اسم لا يعرف انتهى، وتعقب بأنه دعوى من غير ثبت وكفى ثبتا
~~للمخالف ثبوت القراءة في السبعة وهي متواترة كيف وقد انضم إليه ما سمعت
~~عن بعض كتبت التفسير. وإن لم تعول عليه فما روى البخاري في «صحيحه» {
~~الأيكة } وليكة الغيضة، هذا وإن الأسماء المرتجلة لا منع منها، وفي
~~«البحر» ((أن كون مادة ل ى ك مفقودة في لسان العرب كما تشبث به من أنكر
~~هذه القراءة المتواترة إن صح لا يضر وتكون التكلمة عجمية ومواد كلام
~~العجم مخالفة في كثير مواد كلام العرب فيكون قد اجتمع على منع صرفها
~~العلمية والعجمة والتأنيث، وبالجملة إنكار الزمخشري صحة هذه القراءة يقرب
~~من الردة والعياذ بالله تعالى. وقد سبقه في ذلك المبرد وابن قتيبة
~~والزجاج والفارسي والنحاس))، وقرىء { ليكة } بحذف الهمزة وإلقاء حركتها
~~على اللام والجر بالكسرة وتكتب على حكم لفظ اللافظ بدون همزة وعلى الأصل
~~بالهمزة وكذا نظائرها.

### || [26.178-181]

# { أوفوا الكيل } أي أتموه { ولا تكونوا من
~~المخسرين } أي حقوق الناس بالتطفيف ولعل المبالغة المستفادة من
~~التركيب متوجهة إلى النهي أو أنه لا يعتبر المفهوم لنحو ما قيل في قوله
~~تعالى:

# لا تأكلوا الربا أضعفا مضعفة

# [آل عمران: 130] وأيا ما كان ففي النهي المذكور تأكيد للأمر السابق
~~عليه.

### || [26.182]

# { وزنوا } الموزونات. { بالقسطاس المستقيم } أي بالميزان
~~السوي، وقيل: القسطاس القبان وروي ذلك عن الحسن، وهو عند بعض معرب رومي
~~الأصل ومعناه العدل وروي ذلك عن مجاهد. وعند آخرين عربي فقيل: هو من
~~القسط ووزنه فعلاع بتكرير العين شذوذا إذ هي لا تكرر وحدها مع الفصل
~~باللام، وقيل: من قسطس وهو رباعي ووزنه فعلال، والمراد الأمر بوفاء الوزن
~~وإتمامه والنهي عن النقص دون النهي عن الزيادة، والظاهر أنه لم ينه عنها
~~ولم يؤمر بها في الكيل والوزن، وكأن ذلك دليل على أن من فعلها فقد أحسن
~~ومن لم يفعلها فلا عليه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معنى {
~~وزنوا } الخ وعدلوا أموركم كلها بميزان العدل الذي جعله الله تعالى
~~لعباده، والظاهر إذ ms07674 عادل سبحانه به { أوفوا الكيل } ما تقدم.
~~وقرأ أكثر السبعة { بالقسطاس } بضم القاف.

### || [26.183]

# { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي لا تنقصوهم شيئا من
~~حقوقهم أي حق كان فإضافة أشياء جنسية ويجوز أن تكون للاستغراق، والمراد
~~مقابلة الجمع بالجمع فيكون المعنى لا تبخسوا أحدا شيئا، وجوز أن يكون
~~الجمع للإشارة إلى الأنواع فإنهم كانوا يبخسون كل شيء جليلا كان أو
~~حقيرا، وهذا تعميم بعد تخصيص بعض المراد بالذكر لغاية إنهماكهم فيه،
~~وقيل: المراد بأشيائهم الدراهم والدنانير وبخسها بالقطع من أطرافها
~~ولولاه لم يجمع. وبخس مما يتعدى إلى اثنين فالمنصوبان مفعولاه، وقيل هو
~~متعد لواحد فالثاني بدل اشتمال { ولا تعثوا فى الأرض
~~مفسدين } بالقتل والغارة وقطع الطريق ونحو ذلك. والعثو الفساد أو
~~أشده و «مفسدين» حال مؤكدة، وجوز أن يكون المراد مفسدين / آخرتكم فتكون
~~حالا مؤسسة.

### || [26.184]

# أي وذوي الجبلة أي الخلقة والطبيعة أو والمجبولين على أحوالهم التي بنوا
~~عليها وسبلهم التي قيضوا لسلوكها المتقدمين عليكم من الأمم، وجاء في
~~رواية عن ابن عباس أن الجبلة الجماعة إذا كانت عشرة آلاف كأنها شبهت على
~~ما قيل بالقطعة العظيمة من الجبل، وقيل: هي الجماعة الكثيرة مطلقا كأنها
~~شبهت بما ذكر أيضا.

# وقرأ أبو حصين والأعمش والحسن بخلاف عنه { الجبلة } بضم الجيم والباء
~~وشد اللام. وقرأ السلمي { الجبلة } بكسر الجيم وسكون الباء كالخلقة، وفي
~~نسخة عنه بفتح الجيم وسكون الباء قيل وتشديد اللام في القراءتين
~~للمبالغة.

### || [26.185-186]

# { قالوا إنما أنت من المسحرين * وما أنت إلا
~~بشر مثلنا } الكلام فيه نظير ما تقدم في قصة ثمود بيد أنه أدخل
~~الواو بين الجملتين هنا للدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف
~~للرسالة فكيف إذا اجتمعا وأرادوا بذلك المبالغة في التكذيب، ولم تدخل
~~هناك حيث لم يقصد إلا معنى واحد وهو كونه مسحرا ثم قرر بكونه بشرا
~~مثلهم كذا في «الكشاف»، وفي «الكشف» أن فيه ما يلوح إلى اختصاص كل بموضعه
~~وإن الكلام هنالك في كونه مثلهم غير ممتاز بما يوجب الفضيلة ولهذا عقبوه
~~بقولهم:

# فأت ms07675 بآية

# [الشعراء: 154] فدل على أنهم لم يجعلوا البشرية منافية للنبوة وإنما
~~جعلوا الوصف تمهيدا للاشتراك وأنه أبدع في دعواه، وههنا ساقوا ذلك مساق
~~ما ينافي النبوة فجعلوا كل واحد صفة مستقلة في المنافاة ليكون أبلغ.
~~وجعلوا إنكار النبوة أمرا مفروغا ولذا عقبوه بقولهم: { وإن
~~نظنك } الخ، وقال النيسابوري في وجه الاختصاص إن صالحا عليه
~~السلام قلل في الخطاب فقللوا في الجواب وأكثر شعيب عليه السلام في الخطاب
~~ولهذا قيل له: خطيب الأنبياء فأكثروا في الجواب، ولعله أراد أن شعيبا
~~عليه السلام بالغ في زجرهم فبالغوا في تكذيبه ولا كذلك صالح عليه السلام
~~مع قومه فتأمل.

# و { إن } في قوله سبحانه { وإن نظنك لمن الكذبين } هي
~~المخففة من الثقيلة واللام في { لمن } هي الفارقة، وقال الكوفيون: إن
~~نافية واللام بمعنى إلا وهو خلاف مشهور أي وإن الشأن نظنك من الكاذبين في
~~الدعوى أو ما نظنك إلا من الكاذبين فيها، ومرادهم أنه عليه السلام وحاشاه
~~راسخ القدم في الكذب في دعواه الرسالة أو فيها وفي دعوى نزول العذاب الذي
~~يشعر به الأمر بالتقوى من التهديد. وظاهر حالهم أنهم عنوا بالظن الإدراك
~~الجازم.

### || [26.187]

# وقوله عز وجل: { فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت
~~من الصدقين } من الاقتراح الذي تحته كل الإنكار على نحو

# إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا
~~حجارة من السماء

# [الأنفال: 32] ولعلهم قابلوا به ما أشعر به الأمر بالتقوى مما ذكرنا، و
~~«كسفا» أي قطعا كما روي عن ابن عباس وقتادة جمع كسفة كقطعة. وقرأ
~~الأكثرون «كسفا» بكسر الكاف وسكون السين وهو أيضا جمع كسفة مثل سدرة
~~وسدر، وقيل: الكسف والكسفة كالريع والريعة وهي القطعة، والمراد بالسماء
~~إما المظلمة وهو الظاهر وإما السحاب، والظاهر أن الجار والمجرور متعلق
~~بمحذوف وقع صفة لما قبله وتعلقه بأسقط في غاية السقوط، وجوز عليه أن يراد
~~بالسماء جهة العلو، وجواب (إن) محذوف دل عليه (فأسقط) ومن جوز تقدم
~~الجواب جعله الجواب.

### || [26.188]

# أي هو تعالى أعلم بأعمالكم من الكفر والمعاصي وبما ms07676 تستوجبون عليها من
~~العذاب / فسينزله عليكم حسبما تستوجبون في وقته المقدر له لا محالة.

### || [26.189]

# { فكذبوه } فاستمروا على تكذيبه وكذبوه تكذيبا بعد تكذيب {
~~فأخذهم عذاب يوم الظلة } وذلك على ما أخرج عبد بن حميد
~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس أن الله تعالى
~~بعث عليهم حرا شديدا فأخذ بأنفاسهم فدخلوا أجواف البيوت فدخل عليهم
~~فخرجوا منها هرابا إلى البرية فبعث الله تعالى عليهم سحابة فأظلتهم من
~~الشمس وهي الظلة فوجدوا لها بردا ولذة فنادى بعضهم بعضا حتى إذا
~~اجتمعوا تحتها أسقطها الله عز وجل عليهم نارا فأكلتهم جميعا. وجاء في
~~كثير من الروايات أن الله عز وجل سلط عليهم الحر سبعة أيام ولياليهن ثم
~~كان ما كان من الخروج إلى البرية وما بعده وكان ذلك على نحو ما اقترحوه
~~لا سيما على القول بأنهم عنوا بالسماء السحاب، وفي إضافة العذاب إلى يوم
~~الظلة دون نفسها إيذان بأن لهم عذابا آخر غير عذاب الظلة وفي ترك بيانه
~~تعظيم لأمره. وقد أخرج ابن جرير والحاكم وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أنه قال: من حدثك من العلماء ما عذاب يوم الظلة فكذبه،
~~وكأنه أراد بذلك مجموع عذاب الظلة الذي ذكر في الخبر السابق والعذاب
~~الآخر الذي آذنت به الإضافة إلى اليوم { إنه كان عذاب يوم
~~عظيم } أي في الشدة والهول وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية
~~التامة.

### || [26.190-191]

# هذا آخر القصص السبع التي سيقت لما علمته سابقا، ولعل الاقتصار على هذا
~~العدد على ما قيل لأنه عدد تام وأنا أفوض العلم بسر ذلك وكذا العلم بسر
~~ترتيب القصص على هذا الوجه لحضرة علام الغيوب جل شأنه.

### || [26.192]

# وقوله سبحانه: { وإنه لتنزيل رب العلمين } الخ عود
~~لما في مطلع السورة الكريمة من التنويه بشأن القرآن العظيم ورد ما قال
~~المشركون فيه فالضمير راجع إلى القرآن، وقيل: هو تقرير لحقية تلك القصص
~~وتنبيه على إعجاز القرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الإخبار ms07677 عنها
~~ممن لم يتعلمها لا يكون إلا وحيا من الله عز وجل، فالضمير لما ذكر من
~~الآيات الكريمة الناطقة بتلك القصص المحكية، وجوز أن يكون للقرآن الذي هي
~~من جملته والإخبار عن ذلك بتنزيل للمبالغة. والمراد إنه لمنزل من الله
~~تعالى ووصفه سبحانه بربوبية العالمين للإيذان بأن تنزيله من أحكام تربتيه
~~عز وجل ورأفته بالكل.

### || [26.193]

# { نزل به } أي أنزله على أن الباء للتعدية. وقال أبو حيان وابن
~~عطية: هي للمصاحبة والجار والمجرور في موضع الحال كما في قوله تعالى:

# وقد دخلوا بالكفر

# [المائدة: 61] أي نزل مصاحبا له { الروح الأمين } يعني جبرائيل
~~عليه السلام، وعبر عنه بالروح لأنه يحيى به الخلق في باب الدين أو لأنه
~~روح كله لا كالناس الذين في أبدانهم روح، ووصف عليه السلام بالأمين لأنه
~~أمين وحيه تعالى وموصله إلى من شاء من عباده جل شأنه من غير تغيير وتحريف
~~أصلا. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وابن عامر { نزل به الروح الأمين }
~~بتشديد الزاي ونصب (الروح. والأمين) أي جعل الله تعالى الروح الأمين
~~نازلا به.

### || [26.194]

# { على قلبك } متعلق بنزل لا بالأمين. والمراد بالقلب إما الروح
~~وهو أحد إطلاقاته كما قال الراغب. وكون الإنزال عليه على ما قال غير واحد
~~لأنه المدرك والمكلف دون / الجسد. وقد يقال: لما كان له صلى الله عليه
~~وسلم جهتان جهة ملكية يستفيض بها وجهة بشرية يفيض بها جعل الإنزال على
~~روحه صلى الله عليه وسلم لأنها المتصفة بالصفات الملكية التي يستفيض بها
~~من الروح الأمين. وللإشارة إلى ذلك قيل { على قلبك } دون عليك
~~الأخصر. وقيل: إن هذا لأن القرآن لم ينزل في الصحف كغيره من الكتب، وإما
~~العضو المخصوص وهو الإطلاق المشهور. وتخصيصه بالإنزال عليه قيل للإشارة
~~إلى كمال تعقله صلى الله عليه وسلم وفهمه ذلك المنزل حيث لم تعتبر واسطة
~~في وصوله إلى القلب الذي هو محل العقل كما يقتضيه ظاهر كثير من الآيات
~~والأحاديث ويشهد له العقل على ما لا يخفى على من كان له قلب أو ألقى ms07678
~~السمع وهو شهيد. وقد أطال في الانتصار لذلك الإمام [الرازي] في «تفسيره».
~~ورد على من ذهب إلى أن الدماغ محل العقل، وقيل: للإشارة إلى صلاح قلبه
~~عليه الصلاة والسلام وتقدسه حيث كان منزلا لكلامه تعالى ليعلم منه حال
~~سائر أجزائه صلى الله عليه وسلم فإن القلب رئيس جميع الأعضاء وملكها ومتى
~~صلح الملك صلحت الرعية وفي الحديث:

# " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد
~~كله ألا وهي القلب "

# ، وقد يقال: يجوز أن يكون التخصيص لأن الله تعالى جعل لقلب رسوله صلى
~~الله عليه وسلم سمعا مخصوصا يسمع به ما ينزل عليه من القرآن تمييزا
~~لشأنه على سائر ما يسمعه ويعيه على حد ما قيل وذكره النووي في «شرح صحيح
~~مسلم» في قوله تعالى:

# ما كذب الفؤاد ما رأى

# [النجم: 11] من أن الله عز وجل جعل لفؤاده عليه الصلاة والسلام بصرا
~~فرآه به سبحانه ليلة المعراج. وهذا كله على القول بأن جبرائيل عليه
~~السلام ينزل بالألفاظ القرآنية المحفوظة له بعد أن نزل القرآن جملة من
~~اللوح المحفوظ إلى بيت العزة أو التي يحفظها من اللوح عند الأمر بالإنزال
~~أو التي يوحي بها إليه أو التي يسمعها منه سبحانه على ما قاله بعض أجلة
~~السلف عنده فيلقيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم على ما هي عليه من غير
~~تغيير أصلا. وكذا على القول بأن جبرائيل عليه السلام ألقى عليه المعاني
~~القرآنية وأنه عبر عنها بهذه الألفاظ العربية ثم نزل بها كذلك فألقاها
~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وأما على القول بأنه عليه السلام إنما
~~نزل بالمعاني خاصة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأنه عليه الصلاة
~~والسلام علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب فقيل: إن القلب بمعنى
~~العضو المخصوص لا غير وتخصيصه لأن المعاني إنما تدرك بالقوة المودعة فيه،
~~وقيل: يجوز أن يراد به الروح وروحه عليه الصلاة والسلام لغاية تقدسها
~~وكمالها في نفسها تدرك المعاني من غير توسط آلة.

# ومن الناس من ms07679 ذهب إلى هذا القول وجعل الآية دليلا له وهو قول مرجوح.
~~ومثله القول بأن جبرائيل عليه السلام ألقى عليه المعاني فعبر عنها بألفاظ
~~فنزل بما عبر هو به. والقول الراجح أن الألفاظ منه عز وجل كالمعاني لا
~~مدخل لجبرائيل عليه السلام فيها أصلا. وكان النبي صلى الله عليه وسلم
~~يسمعها ويعيها بقوى إلهية قدسية لا كسماع البشر إياها منه عليه الصلاة
~~والسلام وتنفعل عند ذلك قواه البشرية، ولهذا يظهر على جسده الشريف صلى
~~الله عليه وسلم ما يظهر ويقال لذلك: برحاء الوحى حتى يظن في بعض الأحايين
~~أنه أغمي عليه عليه الصلاة والسلام. وقد يظن أنه صلى الله عليه وسلم
~~أغفى. وعلى هذا يخرج ما رواه مسلم

# " عن أنس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا إذ أغفى
~~إغفاءه ثم رفع رأسه متبسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: أنزل
~~علي آنفا سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم { إنا أعطينك
~~الكوثر * فصل لربك وانحر * إن شانئك هو
~~الأبتر } "

# [الكوثر: 1  3] ولا يحتاج من قال: إن الأشبه / أن القرآن كله نزل في
~~اليقظة إلى تأويل هذا الخبر عليه الصلاة والسلام خطر له في تلك الإغفاءة
~~سورة الكوثر التي نزلت قبلها في اليقظة أو عرض عليه الكوثر الذي أنزلت
~~فيه السورة فقرأها عليهم، ثم إنه على ما قيل من أن بعض القرآن نزل عليه
~~عليه الصلاة والسلام وهو نائم استدلالا بهذا الخبر يبقى ما قلناه من
~~سماعه عليه الصلاة والسلام ما ينزل إليه صلى الله عليه وسلم ووعيه إياه
~~بقوى إلهية قدسية ونومه عليه الصلاة والسلام لا يمنع من ذلك كيف وقد صح
~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " تنام عيني ولا ينام قلبي "

# وقد ذكر بعض المتصدرين في محافل الحكمة من المتأخرين في بيان كيفية نزول
~~الكلام وهبوط الوحي من عند الله تعالى بواسطة الملك على قلب النبي صلى
~~الله عليه وسلم أن الروح الإنساني إذا تجرد عن البدن، وخرج عن وثاقه من
~~بيت قالبه وموطن ms07680 طبعه مهاجرا إلى ربه سبحانه لمشاهدة آياته الكبرى وتطهر
~~عن درن المعاصي واللذات والشهوات والوساوس العادية والمتعلقات لاح له نور
~~المعرفة والايمان بالله تعالى وملكوته الأعلى وهذا النور إذا تأكد وتجوهر
~~كان جوهرا قدسيا يسمى في لسان الحكمة النظرية بالعقل الفعال وفي لسان
~~الشريعة النبوية بالروح القدسي وبهذا النور الشديد العقلي يتلألأ فيه
~~أسرار ما في الأرض والسماء ويتراءى منه حقائق الأشياء كما يتراءى بالنور
~~الحسي البصري الأشباح المثالية في قوة البصر إذا لم يمنع حجاب، والحجاب
~~ههنا هو آثار الطبيعة (وشواغل هذه الأولى فإذا عريت) النفس عن دواعي
~~الطبيعة والاشتغال بما تحتها من الشهوة والغضب والحس والتخيل وتوجهت
~~بوجهها شطر الحق وتلقاء عالم الملكوت الأعلى اتصلت بالسعادة القصوى فلاح
~~لها سر الملكوت وانعكس عليها قدس اللاهوت ورأت عجائب آيات الله تعالى
~~الكبرى، ثم إن هذه الروح إذا كانت قدسية شديدة القوى قوية الآثار لقوة
~~اتصالها بما فوقها فلا يشغلها شأن عن شأن ولا يمنعها جهة فوقها عن جهة
~~تحتها فتضبط الطرفين وتسع قوتها الجانبين لشدة تمكنها في الحد المشترك
~~بين الملك والملكوت [لا] كالأرواح الضعيفة التي إذا مالت إلى جانب غاب
~~عنها الجانب الآخر وإذا ركنت إلى مشعر من المشاعر ذهلت عن المشعر الآخر
~~وإذا توجهت هذه الروح القدسية التي لا يشغلها شأن عن شأن ولا تصرفها نشأة
~~عن نشأة وتلقت المعارف الإلهية بلا تعلم بشري بل من الله تعالى يتعدى
~~تأثيرها إلى قواها ويتمثل لروحه البشري صورة ما شاهده بروحه القدسي وتبرز
~~منها إلى ظاهر الكون فتتمثل للحواس الظاهرة سيما السمع والبصر لكونهما
~~أشرف الحواس الظاهرة فيرى ببصره شخصا محسوسا في غاية الحسن والصباحة
~~ويسمع بسمعه كلاما منظوما في غاية الجودة والفصاحة، فالشخص هو الملك
~~النازل بإذن الله تعالى الحامل للوحي الإلهي، والكلام هو كلام الله تعالى
~~وبيده لوح فيه كتاب هو كتاب الله تعالى، وهذا الأمر المتمثل بما معه أو
~~فيه ليس مجرد صورة خيالية لا وجود لها في خارج الذهن والتخيل كما يقوله
~~من لاحظ له ms07681 من علم الباطن ولا قدم له في أسرار الوحي والكتاب كبعض أتباع
~~المشائين معاذ الله تعالى عن هذه العقيدة الناشئة عن الجهل بكيفية
~~الإنزال والتنزيل ثم قال: إنارة قلبية وإشارة عقلية عليك أن تعلم أن
~~للملائكة ذوات حقيقة وذوات إضافية مضافة إلى ما دونها إضافة النفس إلى
~~البدن الكائن في النشأة الآخرة فأما ذواتها الحقيقية فإنما هي أمرية
~~قضائية قولية وأما ذواتها الإضافية فإنما هي خلقية قدرية تنشأ منها
~~الملائكة اللوحية وأعظمهم إسرافيل عليه السلام وهؤلاء الملائكة اللوحية
~~يأخذون الكلام الإلهي والعلوم اللدنية من الملائكة القلمية ويثبتونها في
~~صحائف ألواحهم القدرية الكتابية، وإنما كان / يلاقي النبي صلى الله عليه
~~وسلم في معراجه الصنف الأول من الملائكة ويشاهد روح القدس في اليقظة فإذا
~~اتصلت الروح النبوية بعالمهم عالم الوحي الرباني يسمع كلام الله تعالى
~~وهو إعلام الحقائق بالمكالمة الحقيقية وهي الإفاضة والاستفاضة في مقام
~~قاب قوسين أو أدنى وهو مقام القرب ومقعد الصدق ومعدن الوحي والإلهام،
~~وكذا إذا عاشر النبي الملائكة الأعلين يسمع صريف أقلامهم وإلقاء كلامهم
~~وهو كلام الله تعالى النازل في محل معرفتهم وهي ذواتهم وعقولهم لكونهم في
~~مقام القرب، ثم إذا نزل عليه الصلاة والسلام إلى ساحة الملكوت السماوي
~~يتمثل له صورة ما عقله وشاهده في لوح نفسه الواقعة في عالم الأرواح
~~القدرية السماوية ثم يتعدى منه الأثر إلى الظاهر، وحينئذ يقع للحواس شبه
~~دهش ونوم لما أن الروح القدسية لضبطها الجانبين تستعمل المشاعر الحسية
~~لكن لا في الأغراض الحيوانية بل في سبيل السلوك إلى الرب سبحانه فهي
~~تشائع الروح في سبيل معرفته تعالى وطاعته فلا جرم إذا خاطبه الله تعالى
~~خطابا من غير حجاب خارجي سواء كان الخطاب بلا واسطة أو بواسطة الملك
~~واطلع على الغيب فانطبع في فص نفسه النبوية نقش الملكوت وصورة الجبروت
~~تنجذب قوة الحس الظاهر إلى فوق ويتمثل لها صورة غير منفكة عن معناها
~~وروحها الحقيقي لا كصورة الأحلام والخيالات العاطلة عن المعنى فيتمثل لها
~~حقيقة الملك بصورته المحسوسة بحسب ما يحتملها فيرى ms07682 ملكا على غير صورته
~~التي كانت له في عالم الأمر لأن الأمر إذا نزل صار خلقا مقدرا فيرى
~~صورته الخلقية القدرية ويسمع كلاما مسموعا بعد ما كان وحيا معقولا أو
~~يرى لوحا بيده مكتوبا فالموحى إليه يتصل بالملك أولا بروحه العقلي
~~ويتلقى منه المعارف الإلهية ويشاهد ببصره العقلي آيات ربه الكبرى ويسمع
~~بسمعه العقلي كلام رب العالمين من الروح الأعظم، ثم إذا نزل عن هذا
~~المقام الشامخ الإلهي يتمثل له الملك بصورة محسوسة بحسه ثم ينحدر إلى حسه
~~الظاهر ثم إلى الهواء وهكذا الكلام في كلامه فيسمع أصواتا وحروفا
~~منظومة مسموعة يختص هو بسماعها دون غيره فيكون كل من الملك وكلامه وكتابه
~~قد تأدى من غيبه إلى شهادته ومن باطن سره إلى مشاعره، وهذه التادية ليست
~~من قبيل الانتقال والحركة للملك الموحى من موطنه ومقامه إذ كل له مقام
~~معلوم لا يتعداه ولا ينتقل عنه بل مرجع ذلك إلى انبعاث نفسي النبي عليه
~~الصلاة والسلام من نشأة الغيب إلى نشأة الظهور، ولهذا كان يعرض له شبه
~~الدهش والغشي ثم يرى ويسمع ثم يقع منه الإنباء والإخبار فهذا معنى تنزيل
~~الكتاب وإنزال الكلام من رب العالمين انتهى.

# وفيه ما تأباه الأصول الإسلامية مما لا يخفى عليك.

# وقد صرح غير واحد من المحدثين والمفسرين وغيرهم بانتقال الملك وهو جسم
~~عندهم ولم يؤول أحد منهم نزوله فيما نعلم، نعم أولوا نزول القرآن
~~وإنزاله. قال الأصفهاني في أوائل «تفسيره»: اتفق أهل السنة والجماعة على
~~أن كلام الله تعالى منزل واختلفوا في معنى الإنزال، فمنهم من قال: إظهار
~~القراءة، ومنهم من قال: إن الله تعالى ألهم كلامه جبريل عليه السلام، وهو
~~في السماء وعلمه قراءته ثم جبريل أداه في الأرض وهو يهبط في المكان وفي
~~ذلك طريقتان، إحداهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم انخلع من صورة
~~البشرية إلى صورة الملكية وأخذه من جبريل عليه السلام، وثانيتهما: أن
~~الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذه النبي صلى الله عليه وسلم منه،
~~والأولى أصعب الحالين انتهى؛ وقال ms07683 الطيبي: لعل نزول القرآن على الرسول
~~عليه الصلاة والسلام أن يتلقفه الملك تلقفا روحانيا أو يحفظه من اللوح
~~المحفوظ فينزل به إلى الرسول ويلقيه عليه.

# / وقال القطب في «حواشي الكشاف»: الإنزال في اللغة الإيواء وبمعنى تحريك
~~الشيء من علو إلى سفل وكلاهما لا يتحققان في الكلام فهو مستعمل بمعنى
~~مجازي فمن قال: القرآن معنى قائم بذات الله تعالى فإنزاله أن توجد
~~الكلمات والحروف الدالة على ذلك المعنى ويثبتها في اللوح المحفوظ. ومن
~~قال: القرآن هو الألفاظ الدالة على المعنى القائم بذاته تعالى فإنزاله
~~مجرد إثباته في اللوح المحفوظ، وهذا المعنى مناسب لكونه مجازا عن أول
~~المعنيين اللغويين. ويمكن أن يكون المراد بإنزاله إثباته في السماء
~~الدنيا بعد الإثبات في اللوح المحفوظ وهذا مناسب للمعنى الثاني، والمراد
~~بإنزال الكتب على الرسل أن يتلقفها الملك من الله تعالى تلقفا روحانيا
~~أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها فيلقيها عليهم انتهى وفيه بحث لا
~~يخفى، وعندي أن إنزاله إظهاره في عالم الشهادة بعد أن كان في عالم الغيب.

# ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن جميع القرآن نزل به الروح الأمين على قلبه
~~الشريف صلى الله عليه وسلم وهذا ينافي ما قيل: إن آخر سورة البقرة كلمه
~~الله تعالى بها ليلة المعراج حيث لا واسطة احتجاجا بما أخرجه مسلم عن
~~ابن مسعود

# " لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهي إلى سدرة المنتهى "

# الحديث وفيه:

# " فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس وأعطي خواتيم سورة
~~البقرة وغفر لمن لا يشرك من أمته بالله تعالى شيئا المقحمات "

# ، وأجيب بعد تسليم أن يكون ما ذكر دليلا لذلك يجوز أن يكون قد نزل
~~جبريل عليه السلام بما ذكر أيضا تأكيدا وتقريرا أو نحو ذلك، وقد ثبت
~~نزوله عليه السلاة بالآية الواحدة مرتين لما ذكر، وجوز أن تكون الآية
~~باعتبار الأغلب، واعتبر بعضهم كونها كذلك لأمر آخر وهو أن من القرآن ما
~~نزل به إسرافيل عليه السلام وهو ما كان في أول النبوة وفيه أن ms07684 ذلك لم
~~يثبت أصلا.

# وفي «الإتقان» أخرج الإمام أحمد في «تاريخه» من طريق داود بن أبي هند
~~عن الشعبي قال: أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم النبوة وهو ابن
~~أربعين سنة فقرن بنبوته إسرافيل عليه السلام ثلاث سنين فكان يعلمه الكلمة
~~والشيء ولم ينزل عليه القرآن على لسانه فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته
~~جبريل عليه فنزل عليه القرآن على لسانه عشر سنين انتهى، وهو صريح في خلاف
~~ذلك وإن كان فيه ما يخالف الصحيح المشهور من أن جبريل عليه السلام هو
~~الذي نزل عليه عليه الصلاة والسلام بالوحي من أول الأمر إلا أنه نزل عليه
~~صلى الله عليه وسلم غيره عليه السلام من الملائكة أيضا ببعض الأمور،
~~وكثيرا ما ينزلون لتشييع الآيات القرآنية مع جبريل عليه وعليهم السلام.

# ومن الناس من اعتبر كونها باعتبار الأغلب لأن إنزال جبريل عليه السلام
~~قد لا يكون على القلب بناءا على ما ذكره الشيخ محيى الدين قدس سره في
~~الباب الرابع عشر من «الفتوحات» من قوله: اعلم أن الملك يأتي النبي عليه
~~الصلاة والسلام بالوحي على حالين تارة ينزل بالوحي على قلبه وتارة يأتيه
~~في صورة جسدية من خارج فيلقي ما جاء به إلى ذلك النبي على أذنه فيسمعه
~~أو يلقيه على بصره فيبصره فيحصل له من النظر ما يحصل من السمع سواء.

# وتعقب بأنه لا حاجة إلى ما ذكر، وما نقل عن محي الدين قدس سره لا يدل
~~على أن نزول الوحي إلى كل نبي يكون على هذين الحالين فيجوز أن يكون نزول
~~الوحي إلى نبينا عليه الصلاة والسلام على الحال الأولى فقط سلمنا دلالته
~~على العموم وأن نزول الوحي إلى نبينا عليه الصلاة والسلام قد يكون بتمثل
~~الملك بناء على بعض الأخبار الصحيحة في ذلك لكن لا نسلم أنه يدل على أن
~~نزول الوحي إذا كان الموحى قرآنا يكون على الحال الثانية سلمنا دلالته
~~على ذلك لكن لا نسلم صحة جعله مبني لتأويل الآية، وكيف يؤول كلام الله
~~تعالى لكلام ms07685 / مناف لظاهره صدر من غير معصوم، ويكفي محي الدين قدس سره
~~من علماء الشريعة أن يؤولوا كلامه ليوافق كلام الله عز وجل فيسلم من
~~الطعن، ولعل من يؤول في مثل ذلك يحسن الظن بمحي الدين قدس سره ويقول:
~~إنه لم يقل ذلك إلا لدليل شرعي فقد قال قدس سره في الكلام على الإذن من
~~«الفتوحات»: اعلم أني لم أقرر بحمد الله تعالى في كتابي هذا ولا غيره قد
~~أمرا غير مشروع وما خرجت عن الكتاب والسنة في شيء من تصانيفي، وقال في
~~الباب السادس والستين وثلاثمائة من الكتاب المذكور جميع ما أتكلم به في
~~مجالسي وتأليفي إنما هو من حضرة القرآن العظيم فإني أعطيت مفاتيح العلم
~~فيه فلا أستمد قط في علم من العلوم إلا منه كل ذلك حتى لا أخرج عن مجالسة
~~الحق تعالى في مناجاته بكلامه أو بما تضمنه كلامه سبحانه إلى غير ذلك
~~فالداعي للتأويل في الحقيقة ذلك الدليل لا نفس كلامه قدس سره العزيز وهو
~~اللائق بالمسلمين الكاملين.

# وقوله تعالى: { لتكون من المنذرين } متعلق بنزل أي نزل به
~~لتنذرهم بما في تضاعيفه من العقوبات الهائلة. وإيثار ما في النظم الكريم
~~للدلالة على انتظامه صلى الله عليه وسلم في سلك أولئك المنذرين المشهورين
~~في حقية الرسالة وتقرر العذاب المنذر به، وكذا قوله سبحانه:

### || [26.195]

# متعلق بنزل عند جمع من الأجلة ويكون حينئذ على ما قال الشهاب بدلا من

# به

# [الشعراء: 193] بإعادة العامل، وتقديم

# لتكون

# [الشعراء: 194] الخ للاعتناء بأمر الإنذار ولئلا يتوهم أن كونه عليه
~~الصلاة والسلام من جملة المنذرين المذكورين متوقف على كون الإنزال بلسان
~~عربي مبين، واستحسن كون الباء للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال
~~من ضمير { به } أي نزل به ملتبسا بلغة عربية واضحة المعنى ظاهرة
~~المدلول لئلا يبقى لهم عذر، وقيل: بلغة مبينة لهم ما يحتاجون إليه من
~~أمور دينهم ودنياهم على أن { مبين } من أبان المتعدي، والأول أظهر.

# وجوز أن يتعلق الجار والمجرور بالمنذرين أي لتكون من الذين أنذروا بلغة
~~العرب وهم هود ms07686 وصالح وإسماعيل وشعيب ومحمد صلى الله عليه وسلم، وزاد
~~بعضهم خالد بن سنان وصفوان بن حنظلة عليهما السلام. وتعقب بأنه يؤدي إلى
~~أن غاية الإنزال كونه عليه السلام من جملة المنذرين باللغة العربية فقط
~~من هود وصالح وشعيب عليهم السلام، ولا يخفى فساده كيف لا، والطامة الكبرى
~~في باب الإنذار ما أنذره نوح وموسى عليهما السلام، وأشد الزواجر تأثيرا
~~في قلوب المشركين ما أنذره إبراهيم عليه السلام لانتمائهم إليه وادعائهم
~~أنهم على ملته عليه السلام، وذكر بعضهم أن المراد على هذا الوجه أنك
~~أنذرتهم كما أنذر آباؤهم الأولون وأنك لست بمبتدع بهذا فكيف كذبوك، والحق
~~أن الوجه المذكور دون الوجه السابق، وأما أنه فاسد معنى كما يقتضيه كلام
~~المتعقب فلا.

### || [26.196]

# أي وإن ذكر القرآن لفي الكتاب المتقدمة على أن الضمير للقرآن والكلام
~~على حذف مضاف وهذا كما يقال: إن فلانا في دفتر الأمير. وقيل: المراد وإن
~~معناه لفي الكتب المتقدمة وهو باعتبار الأغلب فإن التوحيد وسائر ما يتعلق
~~بالذات والصفات وكثيرا من المواعظ والقصص مسطور في الكتب السابقة فلا
~~يضر أن منه ما ليس في ذلك بحسب الظن الغالب كقصة الإفك وما كان في نكاح
~~امرأة زيد وما تضمنه صدر سورة التحريم وغير ذلك. واشتهر عن الإمام أبي
~~حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه جوز قراءة القرآن بالفارسية والتركية
~~والهندية وغير ذلك من اللغات مطلقا استدلالا بهذه الآية. وفي رواية /
~~تخصيص الجواز بالفارسية لأنها أشرف اللغات بعد العربية لخبر لسان «أهل
~~الجنة العربي والفارسي الدري». وفي رواية أخرى أنها إنما تجوز بالفارسية
~~إذا كان ثناء كسورة الإخلاص أما إذا كان غيره فلا تجوز. وفي أخرى أنها
~~إنما تجوز بالفارسية في الصلاة إذا كان المصلي عاجزا عن العربية وكان
~~المقروء ذكرا وتنزيها أما القراءة بها في غير الصلاة أو في الصلاة وكان
~~القاريء يحسن العربية أو في الصلاة وكان القارىء عاجزا عن العربية لكن
~~كان المقروء من القصص والأوامر والنواهي فإنها لا تجوز، وذكر أن هذا قول
~~صاحبيه. وكان رضي ms07687 الله تعالى عنه قد ذهب إلى خلافه ثم رجع عنه إليه. وقد
~~صحح رجوعه عن القول بجواز القراءة بغير العربية مطلقا جمع من الثقات
~~المحققين. وللعلامة حسن الشرنبلالي رسالة في تحقيق هذه المسألة سماها
~~«النفحة القدسية في أحكام قراءة القرآن وكتابته بالفارسية» فمن أراد
~~التحقيق فليرجع إليها. وكان رجوع الإمام عليه الرحمة عما اشتهر عنه لضعف
~~الاستدلال بهذه الآية عليه كما لا يخفى على المتأمل.

# وفي «الكشف» أن القرآن كان هو المنزل للإعجاز إلى آخر ما يذكر في معناه
~~فلا شك أن الترجمة ليست بقرآن وإن كان هو المعنى القائم بصاحبه فلا شك
~~أنه غير ممكن القراءة، فإن قيل: هو المعنى المعبر عنه بأي لغة كان قلنا
~~لا شك في اختلاف الأسامي باختلاف اللغات وكما لا يسمى القرآن بالتوراة لا
~~يسمى التوراة بالقرآن فالأسماء لخصوص العبارات فيها مدخل لا أنها لمجرد
~~المعنى المشترك اه، وفيه بحث فإن قوله تعالى:

# ولو جعلنه قرءانا أعجميا

# [فصلت: 44] يستلزم تسميته قرآنا أيضا لو كان أعجميا فليس لخصوص
~~العبارة العربية مدخل في تسميته قرآنا، والحق أن قرآنا المنكر لم يعهد
~~فيه نقل عن المعنى اللغوي فيتناول كل مقروء، أما القرآن باللام فالمفهوم
~~منه العربي في عرف الشرع فلخصوص العبارة مدخل في التسمية نظرا إليه،
~~وقد جاء كذلك في الآية الدالة على وجوب القراءة أعني قوله سبحانه:

# فاقرءوا ما تيسر من القرءان

# [المزمل: 20] وبذلك تم المقصود، وجعل { من } فيه للتبعيض وإرادة المعنى
~~من هذا البعض لا يخفى ما فيه، وقيل: ضمير { إنه } عائد على رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم وليس بواضح. وقرأ الأعمش { زبر } بسكون الباء.

### || [26.197]

# { أو لم يكن لهم ءاية } الهمزة للتقرير أو للإنكار والنفي
~~والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل: اغفلوا عن ذلك ولم يكن
~~لهم آية دالة على أنه تنزيل رب العالمين وإنه لفي زبر الأولين على أن {
~~لهم } متعلق بالكون قدم على اسمه وخبره للاهتمام أو بمحذوف هو حال من
~~{ ءاية } قدمت عليها لكونها نكرة و { ءاية } خبر ms07688 للكون قدم على اسمه
~~الذي هو قوله تعالى: { أن يعلمه علماء بني إسرائيل }
~~لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، والعلم بمعنى
~~المعرفة والضمير للقرآن أي ألم يكن لهم آية معرفة علماء بني إسرائيل
~~القرآن بنعوته المذكورة في كتبهم، وعن قتادة أن الضمير للنبي صلى الله
~~عليه وسلم، وقيل: العلم على معناه المشهور والضمير للحكم السابق في قوله
~~تعالى:

# وإنه لتنزيل رب العلمين * نزل به الروح
~~الأمين * على قلبك

# [الشعراء: 192194] الخ وفيه بعد كما لا يخفى.

# وذكر الثعلبي عن ابن عباس أن أهل مكة بعثوا إلى أحبار يثرب يسألونهم عن
~~النبي فقالوا: هذا زمانه وذكروا نعته وخلطوا في أمر محمد صلى الله عليه
~~وسلم فنزلت الآية في ذلك، وهو ظاهر في أن الضمير له عليه الصلاة والسلام
~~ويؤيده كون الآية مكية. وقال مقاتل: هي مدنية، وعلماء بني إسرائيل عبد
~~الله بن سلام ونحوه كما روي عن ابن عباس ومجاهد، وذلك أن جماعة منهم
~~أسلموا ونصوا على مواضع من التوراة والإنجيل / فيها ذكر الرسول صلى الله
~~عليه وسلم، وقيل: علماؤهم من أسلم منهم ومن لم يسلم، وقيل: أنبياؤهم
~~فإنهم نبهوا على ذلك وهو خلاف الظاهر، ولعل أظهر الأقوال كون المراد به
~~معاصريه صلى الله عليه وسلم من علماء أهل الكتابين المسلمين وغيرهم.

# وقرأ ابن عامر والجحدري { تكن } بالتأنيث و { ءاية } بالرفع وجعلت
~~اسم (تكن) و { أن يعلمه } خبرها. وضعف بأن فيه الإخبار عن النكرة
~~بالمعرفة، ولا يدفعه كون النكرة ذات حال بناء على أحد الاحتمالين في {
~~لهم } ، وجوز أن يكون { ءاية } الاسم و { لهم } متعلقا بمحذوف
~~هو الخبر و { أن يعلمه } بدلا من الاسم أو خبر مبتدأ محذوف، وأن
~~يكون الاسم ضمير القصة و { لهم ءاية } مبتدأ وخبر والجملة خبر
~~(تكن) و { أن يعلمه } بدلا أو خبر مبتدأ محذوف. وأن يكون الاسم
~~ضمير القصة و { ءاية } خبر { أن يعلمه } والجملة خبر (تكن) وأن
~~تكون (تكن) تامة و { ءاية } فاعلا و { أن يعلمه } بدلا أو
~~خبرا لمحذوف و { لهم } إما ms07689 حالا أو متعلقا بتكن.

# وقرأ ابن عباس { تكن } بالتأنيث و { ءاية } بالنصب كقراءة من قرأ {
~~ثم لم تكن } بالتأنيث { فتنتهم } بالنصب

# إلا أن قالوا

# [الأنعام: 23] وكقول لبيد يصف العير والأتان:

# فمضى وقدمها وكانت عادة

# منه إذا هي عردت أقدامها

# وذلك إما على تأنيث الاسم لتأنيث الخبر، وإما لتأويل { أن يعلمه }
~~بالمعرفة وتأويل (أن قالوا) بالمقالة وتأويل الإقدام بالمتقدمة، ودعوى
~~اكتساب التأنيث فيه من المضاف إليه ليس بشيء لفظ شرطه المشهور. وقرأ
~~الجحدري (تعلمه) بالتأنيث على أن المراد جماعة علماء بني إسرائيل وكتب في
~~المصحف { علمؤا } بواو بين الميم والألف. ووجه ذلك بأنه على لغة من يميل
~~ألف علماء إلى الواو كما كتبوا الصلوة والزكوة والربوا بالواو على تلك
~~اللغة.

### || [26.198]

# { ولو نزلنه } أي القرآن كما هو بنظمه الرائق المعجز {
~~على بعض الأعجمين } الذين لا يقدرون على التكلم بالعربية، وهو
~~جمع أعجمي كما في «التحرير» وغيره إلا أنه حذف ياء النسب منه تخفيفا
~~مثله الأشعرين جمع أشعري في قول الكميت:

# ولو جهزت قافية شرودا

# لقد دخلت بيوت الأشعرينا

# وقد قرأه الحسن وابن مقسم بياء النسب على الأصل، وقال ابن عطية: هو جمع
~~أعجم وهو الذي لا يفصح وإن كان عربي النسب والعجمي هو الذي نسبته في
~~العجم خلاف العرب وإن كان أفصح الناس انتهى. واعترض بأن أعجم مؤنثه عجماء
~~وأفعل فعلاء لا يجمع جمع سلامة، وأجيب بأن الأعجم في الأصل البهيمة
~~العجماء لعدم نطقها ثم نقل أو تجوز به عما ذكر وهو بذلك المعنى ليس له
~~مؤنث على فعلاء فلذلك جمع جمع السلامة، وتعقب بأنه قد صرح العلامة محمد
~~بن أبي بكر الرازي في كتابه «غرائب القرآن» بأن الأعجم هو الذي لا يفصح
~~والأنثى العجماء ولو سلم أنه ليس له بذلك المعنى مؤنث فالأصل مراعاة
~~أصله. وفيه أن كون ارتفاع المانع لعارض مجوزا مما صرح به النحاة. ثم إن
~~كون أفعل فعلاء لا يجمع جمع سلامة مذهب البصريين، والفراء وغيره من
~~الكوفيين يجوزونه فلعل من قال: إنه جمع أعجم قاله بناء ms07690 على ذلك. وظاهر
~~الجمع المذكور يقتضي أن يكون المراد به العقلاء، وعن بعضهم أنه جمع أعجم
~~مرادا به ما لا يعقل من الدواب العجم وجمع جمع العقلاء لأنه وصف
~~بالتنزيل عليه وبالقراءة في قوله تعالى: { فقرأه عليهم... }.

### || [26.199]

# { فقرأه عليهم } فإن الظاهر رجوع ضمير الفاعل إلى بعض الأعجمين
~~وهما من صفات العقلاء، والمراد بيان فرط عنادهم وشدة شكيمتهم في /
~~المكابرة كأنه قيل: ولو نزلناه بهذا النظم الرائق المعجز على من لا يقدر
~~على التكلم بالعربية أو على ما ليس من شأنه التكلم أصلا من الحيوانات
~~العجم فقرأه عليهم قراءة صحيحة خارقة للعادة { ما كانوا به
~~مؤمنين } مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء، وقيل: المراد
~~بالأعجمين جمع أعجم أعم من أن يكون عاقلا أو غيره، ونقل ذلك الطبرسي عن
~~عبد الله بن مطيع، وذكر أنه روي عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية وهو
~~على بعير فأشار إليه وقال: هذا من الأعجمين. والطبري على ما في «البحر»
~~يروي نحو هذا عن ابن مطيع، والمراد أيضا بيان فرط عنادهم، وقيل: هو جمع
~~أعجم مرادا به ما لا يعقل وضمير الفاعل في { قرأه } للنبي صلى الله
~~عليه وسلم وضمير { عليهم } لبعض الأعجمين وكذا ضمير { كانوا }
~~والمعنى لو نزلنا هذا القرآن على بعض البهائم فقرأه محمد صلى الله عليه
~~وسلم على أولئك البهائم ما كانوا أي أولئك البهائم مؤمنين به فكذلك هؤلاء
~~لأنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلا، ولا يخفى ما فيه، وقيل: المراد ولو
~~نزلناه على بعض الأعجمين بلغة العجم فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين لعدم
~~فهمهم ما فيه، وأخرج ذلك عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة وهو
~~بعيد عما يقتضيه مقام بيان تماديهم في المكابرة والعناد واستند بعضهم
~~بالآية عليه في منع أخذ العربية في مفهوم القرآن إذ لا يتصور على تقدير
~~أخذها فيه تنزيله بلغة العجم إذ يستلزم ذلك كون الشيء الواحد عربيا
~~وعجميا وهو محال.

# وأجيب بأن ضمير

# نزلناه

# [الشعراء: 198] ليس راجعا إلى القرآن ms07691 المخصوص المأخوذ في مفهومه
~~العربية بل إلى مطلق القرآن ويراد منه ما يقرأ أعم من أن يكون عربيا أو
~~غيره، وهذا نحو رجوع الضمير للعام في ضمن الخاص في قوله تعالى:

# وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره

# [فاطر: 11] الآية فإن ضمير (عمره) راجع إلى شخص بدون وصفه بمعمر إذ لا
~~يتصور نقص عمر المعمر كما لا يخفى. وقال بعضهم في الجواب: إن الكلام على
~~حذف مضاف، والمراد { ولو نزلنا } معناه بلغة العجم على بعض
~~الأعجمين فتدبر؛ وفي لفظ { بعض } على كل الأقوال إشارة إلى كون ذلك
~~المفروض تنزيله عليه واحدا من عرض تلك الطائفة كائنا من كان و { به }
~~متعلق بمؤمنين، ولعل تقديمه عليه للاهتمام وتوافق رؤس الآي. والضمير في
~~قوله تعالى: { كذلك سلكناه في قلوب المجرمين }.

### || [26.200]

# على ما يقتضيه انتظام الضمائر السابقة واللاحقة في سلك واحد للقرآن
~~وإليه ذهب الرماني وغيره، والمعنى على ما قيل مثل ذلك السلك البديع
~~المذكور سلكناه أي أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين ففهموا معانيه وعرفوا
~~فصاحته وأنه خارج عن القوى البشرية وقد انضم إليه علم أهل الكتابين بشأنه
~~وبشارة الكتب المنزلة بإنزاله.

### || [26.201]

# فقوله تعالى: { لا يؤمنون به } جملة مستأنفة مسوقة لبيان أنهم
~~لا يتأثرون بأمثال تلك الأمور الداعية إلى الإيمان بل يستمرون على ما هم
~~عليه { حتى يروا العذاب الأليم } الملجىء إلى الإيمان به
~~وحينئذ لا ينفعهم ذلك. والمراد بالمجرمين المشركون الذين عادت عليهم
~~الضمائر من { لهم * وعليهم * وكانوا } وعدل عن ضميرهم إلى
~~ما ذكر تأكيدا لذمهم، وقال الزمخشري في معنى ذلك: أي مثل هذا السلك
~~سلكناه في قلوبهم وهكذا مكناه وقررناه فيها وعلى مثل هذه الحال وهذه
~~الصفة من الكفر به والتكذيب له وضعناه فيها فكيف ما فعل بهم وصنع، وعلى
~~أي وجه دبر أرهم فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه من جحوده وإنكاره
~~كما قال سبحانه:

# ولو نزلنا عليك كتبا فى قرطاس فلمسوه
~~بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر
~~مبين

# [الأنعام: 7] وموقع قوله تعالى: ms07692 { لا يؤمنون به } الخ مما قبله
~~موقع الموضح والملخص لأنه مسوق لثباته مكذبا مجحودا في قلوبهم فاتبع ما
~~يقرر هذا المعنى من أنهم لا يزالون على التكذيب به وجحوده حتى يعاينوا
~~الوعيد. ويجوز أن يكون حالا أي سلكناه فيها غير مؤمن به اه.

# وتعقب بأن الأول هو الأنسب بمقام بيان غاية عنادهم ومكابرتهم مع تعاضد
~~أدلة الإيمان وتناجد مبادىء الهداية والإرشاد وانقطاع أعذارهم بالكلية،
~~وقد يقال: إن هذا التفسير أوفق بتسليته صلى الله عليه وسلم التي هي
~~كالمبنى لهذه السورة الكريمة وبها صدرت حيث قال سبحانه:

# لعلك بخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين

# [الشعراء: 3] كأنه جل وعلا بعد أن ذكر فرط عنادهم وشدة شكيمتهم في
~~المكابرة وهو تفسير واضح في نفسه فهو عندي أولى مما تقدم.

# وفي «المطلع» أن الضمير للتكذيب والكفر المدلول عليه بقوله تعالى:

# ما كانوا به مؤمنين

# [الشعراء: 199] وبه قال يحيى بن سلام، وروي عن ابن عباس والحسن،
~~والمعنى وكذلك سلكنا التكذيب بالقرآن والكفر به في قلوب مشركي مكة ومكناه
~~فيها، وقوله تعالى: { لا يؤمنون } الخ واقع موقع الإيضاح لذلك ولا
~~يظهر على هذا الوجه كونه حالا ولا أرى لهذا المعنى كثرة بعد عن قول من
~~قال أي على مثل هذا السلك سلكنا القرآن وعلى مثل هذه الحال وهذه الصفة من
~~الكفر به والتكذيب له وضعناه في قلوبهم، وحاصل الأول كذلك سلكنا التكذيب
~~بالقرآن في قلوبهم. وحاصل هذا وكذلك سلكنا القرآن بصفة التكذيب به في
~~قلوبهم فتأمل، وجوز جعل الضمير للبرهان الدال عليه قوله تعالى:

# أو لم يكن لهم ءاية أن يعلمه علماء بنى
~~إسرءيل

# [الشعراء: 197] وهو بعيد لفظا ومعنى.

# هذا وذهب بعضهم إلى أن المراد بالمجرمين غير الكفرة المتقدمين الذين
~~عادت عليهم الضمائر وهم مشركو مكة من المعاصرين لهم وممن يأتي بعدهم
~~و(ذلك) إشارة إلى السلك في قلوب أولئك المشركين أي مثل ذلك السلك في قلوب
~~مشركي مكة سلكناه في قلوب المجرمين غيرهم لاشتراكهم في الوصف، وقوله
~~سبحانه: { لا يؤمنون به } الخ بيان لحال المشركين المتقدمين ms07693
~~الذين اعتبروا في جانب المشبه به أو إيضاح لحال المجرمين وبيان لما
~~يقتضيه التشبيه وهو كما ترى.

# ونقل في «البحر» عن ابن عطية أنه أريد مجرمي كل أمة أي إن سنة الله
~~تعالى فيهم أنهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب فلا ينفعهم الإيمان بعد تلبس
~~العذاب بهم، وهذا على جهة المثال لقريش أي هؤلاء كذلك، وكشف الغيب بما
~~تضمنته الآية يوم بدر انتهى، وكأنه جعل ضمير

# سلكناه

# [الشعراء: 200] لمطلق الكفر لا للكفر بالقرآن، وضمير { به } لله تعالى
~~أو لما أمروا بالإيمان به للقرآن وإلا فلا يكاد يتسنى ذلك، وعلى كل حال
~~لا ينبغي أن يعول عليه.

### || [26.202]

# { فيأتيهم } أي العذاب { بغتة } أي فجأة { وهم لا
~~يشعرون } أي بإتيانه.

### || [26.203]

# { فيقولوا } أي تحسرا على ما فات من الإيمان وتمنيا للإمهال
~~لتلافي ما فرطوه { هل نحن منظرون } أي مؤخرون، والفاء في
~~الموضعين عاطفة وهي كما يدل عليه كلام «الكشاف» للتعقيب الرتبي دون
~~الوجودي كأنه قيل: حتى يكون رؤيتهم للعذاب الأليم فما هو أشد منها وهو
~~مفاجأته فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة نظير ما في قولك إن أسأت مقتك
~~الصالحون فمقتك الله تعالى، فلا يرد أن البغت من غير شعور لا يصح تعقبه
~~للرؤية في الوجود، وقال سري الدين المصري عليه الرحمة في توجيه ما تدل
~~عليه الفاء من التعقيب: إن رؤية العذاب تكون تارة بعد تقدم / أماراته
~~وظهور مقدماته ومشاهدة علاماته وأخرى بغتة لا يتقدمها شيء من ذلك فكانت
~~رؤيتهم العذاب محتاجة إلى التفسير فعطف عليها بالفاء التفسيرية قوله
~~تعالى: { يأتيهم بغتة } [الشعراء: 202] وصح بينهما معنى التعقيب لأن
~~مرتبة المفسر في الذكر أن يقع بعد المفسر كما فعل في التفصيل بالقياس إلى
~~الإجمال كما يستفاد من تحقيقات الشريف في «شرح المفتاح». ويمكن أن تكون
~~الآية من باب القلب كما هو أحد الوجوه في قوله تعالى:

# وكم من قرية أهلكنها فجاءها بأسنا

# [الأعراف: 4] للمبالغة في مفاجأة رؤيتهم العذاب حتى كأنهم رأوه قبل
~~المفاجأة، والمعنى: حتى يأتيهم العذاب الأليم بغتة فيروه انتهى. ms07694 وجعلها
~~بعضهم للتفصيل، واعترض على ما قال صاحب «الكشاف» بأن العذاب الأليم منطو
~~على شدة البغت فلا يصح الترتيب والتعقيب الرتبي وهو وهم كما لا يخفى.
~~والظاهر أن جملة

# وهم لا يشعرون

# [الشعراء: 202] حال مؤكدة لما يفيده (بغتة) فإنها كما قال الراغب مفاجأة
~~الشيء من حيث لا يحتسب.

# ثم إن هذه الرؤية وما بعدها إن كانت في الدنيا كما قيل فإتيان العذاب
~~الأليم فيها بغتة مما لا خفاء فيه لأنه قد يفاجئهم فيها ما لم يكن يمر
~~بخاطرهم على حين غفلة. وإن كانت في الآخرة فوجه إتيانه فيها بغتة على ما
~~زعمه بعضهم أن المراد به أن يأتيهم من غير استعداد له وانتظار فافهم،
~~واختار بعضهم أن ذلك أعم من أن يكون في الدنيا أو في الآخرة.

# وقرأ الحسن وعيسى { تأتيهم } بتاء التأنيث، وخرج ذلك الزمخشري على أن
~~الضمير للساعة وأبو حيان عن أنه للعذاب بتأويل العقوبة، وقال أبو الفضل
~~الرازي: للعذاب، وأنث لاشتماله على الساعة فاكتسى منها التأنيث وذلك
~~لأنهم كانوا يسألون عذاب القيامة تكذيبا بها انتهى وهو في غاية الغرابة
~~وكأنه اعتبر إضافة العذاب إلى الساعة معنى بناء على أن المراد بزعمه حتى
~~يروا عذاب الساعة الأليم، وقال: باكتسائه التأنيث منها بسبب إضافته إليها
~~لأن الإضافة إلى المؤنث قد تكسي المضاف المذكر التأنيث كما في قوله:

# كما شرقت صدر القناة من الدم

# ولم أر أحدا سبقه إلى ذلك. وقرأ الحسن { بغتة } بالتحريك، وفي حرف أبي
~~رضي الله تعالى عنه { ويروه بغتة }.

### || [26.204]

# أي يطلبونه قبل أوانه وذلك قولهم:

# فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا
~~بعذاب أليم

# [الأنفال: 32]. وقولهم:

# فأتنا بما تعدنآ

# [الأعراف: 70] ونحوهما.

### || [26.205]

# { أفرأيت } أي فأخبر { إن متعنهم سنين } أي مدة من
~~الزمان بطول الأعمار وطيب المعاش أو عمر الدنيا على ما روي عن عكرمة.
~~وعبر عن ذلك بما ذكر إشارة إلى قلته.

### || [26.206]

# أي الذين كانوا يوعدونه من العذاب.

### || [26.207]

# { ما أغنى عنهم } أي أي شيء أو أي غناء أغنى عنهم { ما
~~كانوا يمتعون } أي ms07695 كونهم ممتعين ذلك التمتيع المديد على أن (ما)
~~مصدرية كما هو الأولى أو الذي كانوا يمتعونه من متاع الحياة الدنيا على
~~أنها موصولة حذف عائدها. وأيا ما كان فالاستفهام للنفي والإنكار. وقيل:
~~(ما) نافية أي لم يغن عنهم ذلك في دفع العذاب أو تخفيفه، والأول أولى
~~لكونه أوفق لصورة الاستخبار وأدل على انتفاء الإغناء على أبلغ وجه وآكده.
~~وفي ربط النظم الكريم ثلاثة أوجه كما في «الكشاف» ((الأول: أن قوله
~~سبحانه:

# أفرأيت

# [الشعراء: 205] الخ متصل بقوله تعالى:

# هل نحن منظرون

# [الشعراء: 203] وقوله جل وعلا:

# أفبعذابنا يستعجلون

# [الشعراء: 204] معترض للتبكيت وإنكار أن يستعجل العذاب من هو معرض لعذاب
~~يسأل فيه النظرة والإمهال طرفة عين فلا يجاب / إليها)) والمعنى على هذا
~~كما في «الكشف» أنه لما ذكر أنهم لا يؤمنون دون مشاهدة العذاب قال
~~سبحانه: إن هذا العذاب الموعود وإن تأخر أياما قلائل فهو لاحق بهم لا
~~محالة وهنالك لا ينفعهم ما كانوا فيه من الاغترار المثمر لعدم الإيمان،
~~وأصل النظم الكريم لا يؤمنون حتى يروا العذاب وكيت وكيت فإن متعناهم سنين
~~ثم جاءهم هذا العذاب الموعود فأي شيء أو فأي غناء يغني عنهم تمتيعهم تلك
~~الأيام القلائل فجىء بفعل الرؤية والاستفهام ليكون في معنى أخبر إفادة
~~لمعنى التعجب والإنكار وأن من حق هذه القصة أن يخبر بها كل أحد حتى
~~يتعجب. ووسط

# أفبعذابنا يستعجلون

# [الشعراء: 204] للتبكيت والهمزة فيه للإنكار، وجىء بالفاء دلالة على
~~ترتبه على السابق كأنه لما وصف العذاب قيل: أيستعجل هذا العذاب عاقل. وفي
~~«الإرشاد» اختيار أن قوله تعالى:

# أفرأيت

# [الشعراء: 105] متصل بقوله سبحانه:

# هل نحن منظرون

# [الشعراء: 203] وجعل الفاء لترتيب الاستخبار على ذلك القول وهي متقدمة
~~على الهمزة معنى وتأخيرها عنها صورة لاقتضاء الهمزة الصدارة وإن

# أفبعذابنا يستعجلون

# [الشعراء: 204] معترض للتوبيخ والتبكيت وجعل الفاء فيه للعطف على مقدر
~~يقتضيه المقام أي أيكون حالهم كما ذكر من الاستنظار عند نزول العذاب
~~الأليم فيستعجلون بعذابنا وبينهما من التنافي ما لا يخفى على أحد أو
~~أيغفلون عن ذلك مع تحققه وتقرره ms07696 فيستعجلون الخ، وصاحب «الكشف» بعد أن قرر
~~كما ذكرنا قال: إن العطف على مقدر في هذا الوجه لا وجه له، ولعل المنصف
~~يقول: لكل وجهة.

# ((والثاني: أن قوله تعالى: { أفبعذابنا يستعجلون } كلام
~~يوبخون به يوم القيامة عند قولهم فيه { هل نحن منظرون } حكى لنا
~~لطفا { ويستعجلون } عليه في معنى استعجلتم)) إذ كذلك يقال لهم ذلك
~~اليوم، وكأن أمر الترتيب أو العطف على مقدر، وارتباط { أفرأيت }
~~الخ بقولهم: { هل نحن منظرون } على نحو ما تقدم في الوجه
~~السابق.

# ((والثالث: أن قوله تعالى: { أفبعذابنا يستعجلون } متصل
~~بما بعده غير مترتب على ما قبله وذلك أن استعجالهم بالعذاب إنما كان
~~لاعتقادهم أنه غير كائن ولا لاحق بهم وأنهم ممتعون بأعمار طوال في سلامة
~~وأمن فقال عز وجل: { أفبعذابنا يستعجلون } أشرا وبطرا
~~واستهزاء واتكالا على الأمل الطويل ثم قال سبحانه: هب أن الأمر كما
~~يعتقدون من تمتيعهم وتعميرهم فإذا لحقهم الوعيد بعد ذلك ما ينفعهم حينئذ
~~ما مضى من طول أعمارهم وطيب معايشهم)) وعلى هذا يكون { فبعذابنا } الخ
~~عطفا على مقدر بلا خلاف نحو أيستهزؤن فبعذابنا يستعجلون. وقوله تعالى: {
~~أفرأيت } الخ تعجبا من حالهم مترتبا على الاستهزاء والاستعجال،
~~والكلام نظير ما تقول لمخاطبك: هل تغتر بكثرة العشائر والأموال فاحسب
~~أنها بلغت فوق ما تؤمل أليس بعده الموت وتركهما على حسرة. وهذا الوجه
~~أظهر من الوجه الذي قبله، وأيا ما كان فقوله سبحانه: { بعذابنا } متعلق
~~بيستعجلون قدم عليه للإيذان بأن مصب الإنكار والتوبيخ كون المستعجل به
~~عذابه جل جلاله مع ما فيه على ما قيل من رعاية الفواصل. وقرىء {
~~يمتعون } من الإمتاع وفي الآية موعظة عظيمة لمن له قلب. روي عن
~~ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له: عظني
~~فلم يزده على تلاوة هذه الآية فقال ميمون: لقد وعظت فأبلغت.

### || [26.208]

# { ومآ أهلكنا من قرية } من القرى المهلكة { إلا لها
~~منذرون } قد أنذروا أهلها إلزاما للحجة، والجار والمجرور متعلق
~~بمحذوف وقع خبرا مقدما و { منذرون } مبتدأ، والجملة في موضع ms07697 الحال
~~من { قرية } قاله أبو حيان ثم قال: الإعراب أن يكون { لها } في
~~موضع الحال وارتفع { منذرون } بالجار والمجرور أي إلا كائنا لها
~~منذرون فيكون من مجىء الحال مفردا لا جملة، ومجىء الحال من المنفي كقولك
~~ما مررت بأحد / إلا قائما فصيح انتهى، وفي الوجهين مجىء الحال من
~~النكرة. وحسن ذلك على ما قيل عمومها لوقوعها في حيز النفي مع زيادة من
~~قبلها، وكأن هذا القائل جعل العموم مسوغا لمجىء الحال قياسا على جعلهم
~~إياه مسوغا للابتداء بالنكرة لاشتراك العلة. وذهب الزمخشري إلى أن {
~~لها منذرون } جملة في موضع الصفة لقرية ولم يجوز أبو حيان كون
~~الجملة الواقعة بعد (إلا) صفة ثم قال: مذهب الجمهور إنه لا تجىء الصفة
~~بعد إلا معتمدة على أداة الاستثناء نحو ما جاءني أحد إلا راكب وإذا سمع
~~خرج على البدل أي إلا رجل راكب. ويدل على صحة هذا المذهب أن العرب تقول:
~~ما مررت بأحد إلا قائما ولا يحفظ من كلامها ما مررت بأحد إلا قائم فلو
~~كانت الجملة في موضع الصفة للنكرة لورد المفرد بعد إلا صفة لها فإن كانت
~~الصفة غير معتمدة على الأداة جاءت الصفة بعد إلا نحو ما جاءني أحد إلا
~~زيد خير من عمرو فإن التقدير ما جاءني أحد خير من عمرو إلا زيد انتهى
~~فتذكر. وأيا ما كان فضمير { لها } للقرية التي هي لما سمعت في معنى
~~الجمع فكأنه قيل وما أهلكنا القرى إلا لها منذرون على معنى أن للكل
~~منذرين أعم من أن يكون لكل قرية منها منذر واحد أو أكثر.

### || [26.209]

# وقوله تعالى: { ذكرى } منصوب على الحال من الضمير في

# منذرون

# [الشعراء: 208]عند الكسائي وعلى المصدر عند الزجاج فعلى الحال إما أن
~~يقدر ذوي ذكرى أو يقدر مذكرين أو يبقى على ظاهره اعتبارا للمبالغة. وعلى
~~المصدر فالعامل { منذرون } لأنه في معنى مذكرون فكأنه قيل: مذكرون
~~ذكرى أي تذكرة. وأجاز الزمخشري ((أن يكون مفعولا له على معنى أنهم
~~ينذرون لأجل الموعظة والتذكرة وأن يكون مرفوعا على أنه ms07698 خبر مبتدأ محذوف
~~بمعنى هذه ذكرى، والجملة اعتراضية أو صفة بمعنى منذرون ذوو ذكرى أو
~~مذكرين أو جعلوا نفس الذكرى مبالغة لإمعانهم في التذكرة وإطنابهم فيها،
~~وجوز أيضا أن يكون متعلقا بأهلكنا على أنه مفعول له والمعنى ما أهلكنا
~~من قرية ظالمين إلا بعد ما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون
~~إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم فلا يعصوا مثل عصيانهم ثم قال: وهذا هو الوجه
~~المعول عليه)). وبين ذلك في «الكشف» بقوله: لأنه وعيد للمستهزئين وبأنهم
~~يستحقون أن يجعلوا نكالا وعبرة لغيرهم كالأمم السوالف حيث فعلوا مثل
~~فعلهم من الاستهزاء والتكذيب فجوزوا بما جوزوا وحينئذ يتلائم الكلام
~~انتهى.

# وتعقب بأن مذهب الجمهور أن ما قبل إلا لا يعمل فيما بعدها إلا أن يكون
~~مستثنى أو مستثنى منه أو تابعا له غير معتمد على الأداة والمفعول له ليس
~~واحدا من هذه الثلاثة فلا يجوز أن يتعلق بأهلكنا. ويتخرج جواز ذلك على
~~مذهب الكسائي والأخفش وإن كانا لم ينصبا على المفعول له هنا وكان ذلك لما
~~في نصبه عليه من التكلف وأمر الالتئام سهل كما لا يخفى.

# { وما كنا ظلمين } أي ليس شأننا أن يصدر عنا بمقتضى الحكمة
~~ما هو في صورة الظلم لو صدر من غيرنا بأن نهلك أحدا قبل إنذاره أو بأن
~~نعاقب من لم يظلم. ولإرادة نفي أن يكون ذلك من شأنه عز شأنه قال: { وما
~~كنا } دون وما نظلم.

### || [26.210]

# متعلق بقوله تعالى:

# وإنه لتنزيل رب العلمين

# [الشعراء: 192] الخ وهو رد لقول مشركي قريش إن لمحمد صلى الله عليه وسلم
~~تابعا من الجن يخبره كما تخبر الكهنة وأن القرآن مما ألقاه إليه عليه
~~الصلاة والسلام. والتعبير بالتفعيل لأن النزول لو وقع لكان بالاستراق
~~التدريجي، وقرأ الحسن وابن السميقع { الشياطون } فقال أبو حاتم: هو غلط
~~من الحسن أو عليه، وقال النحاس: هو غلط عند جميع النحويين. وقال المهدوي:
~~هو غير جائز في العربية، وقال الفراء: غلط الشيخ ظن أنها النون التي على
~~هجائين، وقال النضر بن شميل: إن جاز أن ms07699 يحتج بقول العجاج ورؤبة فهلا جاز
~~أن يحتج / بقول الحسن وصاحبه مع أنا نعلم أنهما لم يقرآ به إلا وقد سمعا
~~فيه، وقال يونس بن حبيب. سمعت أعرابيا يقول دخلت بساتين من ورائها
~~بساتون فقلت: ما أشبه هذا بقراءة الحسن انتهى.

# ووجهت هذه القراءة بأنه لما كان آخره كآخر يبرين وفلسطين وقد قيل فيهما
~~يبرون وفلسطون أجري فيه نحو ما أجري فيهما فقيل الشياطون. وحقه على هذا
~~على ما في «الكشاف» أن يشتق من الشيطوطة وهي الهلاك، وفي «البحر» نقلا
~~عن بعضهم إن كان اشتقاقه من شاط أي احترق يشيط شوطة كان لقراءتهما وجه.
~~قيل: ووجهها أن بناء المبالغة منه شياط وجمعه الشياطون فخففا الياء وقد
~~روي عنهما التشديد وقرأ به غيرهما، وقال بعض: إنه جمع شياط مصدر شاط كخاط
~~خياطا كأنهما ردا الوصف إلى المصدر بمعناه مبالغة ثم جمعا والكل كما
~~ترى، وقال صاحب «الكشف»: لا وجه لتصحيح هذه القراءة البتة. وقد أطنب ابن
~~جني في تصحيحها ثم قال: وعلى كل حال فالشياطون غلط. وأبو حيان لا يرضى
~~بكونه غلطا ويقول: قرأ به الحسن وابن السميقع والأعمش ولا يمكن أن يقال:
~~غلطوا لأنهم من العلم ونقل القرآن بمكان والله تعالى أعلم. والذي أراه
~~أنه متى صح رفع هذه القراءة إلى هؤلاء الأجلة لزم توجيهها فإنهم لا
~~يقرؤون إلا عن رواية كغيرهم من القراء في جميع ما يقرؤونه عندنا، وزعم
~~المعتزلة أن بعض القراءات بالرأي.

### || [26.211]

# { وما ينبغى لهم } أي وما يصح وما يستقيم لهم ذلك { وما
~~يستطيعون } أي وما يقدرون على ذلك أصلا.

### || [26.212]

# { إنهم } أي الشياطين { عن السمع } لما يتكلم به الملائكة
~~عليهم السلام في السماء { لمعزولون } أي ممنوعون بالشهب بعد أن
~~كانوا ممكنين كما يدل عليه قوله تعالى:

# وأنا لمسنا السماء فوجدنها ملئت حرسا
~~شديدا وشهبا * وأنا كنا نقعد منها مقعد
~~للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا

# [الجن: 8-9] والمراد تعليل ما تقدم على أبلغ وجه لأنهم إذا كانوا
~~ممنوعين عن سماع ما تتكلم به ms07700 الملائكة في السماء كانوا ممنوعين من أخذ
~~القرآن المجيد من اللوح المحفوظ أو من بيت العزة أو من سماعه إذ يظهره
~~الله عز وجل لمن شاء في سمائه من باب أولى، وقيل: المعنى إنهم لمعزولون
~~عن السمع لكلام الملائكة عليهم السلام لأنه مشروط بالمشاركة في صفات
~~الذات وقبول فيضان الحق والانتقاش بالصور الملكوتية ونفوسهم خبيثة
~~ظلمانية شريرة بالذات لا تقبل ذلك والقرآن الكريم مشتمل على حقائق
~~ومغيبات لا يمكن تلقيها إلا من الملائكة عليهم السلام.

# وتعقب بأنه إن أراد أن السمع لكلام الملائكة عليهم السلام مطلقا مشروط
~~بصفات هم متصفون بنقائضها فهو غير مسلم، كيف وقد ثبت أن الشياطين كانوا
~~يسترقون السمع وظاهر الآيات أنهم إلى اليوم يسترقونه ويخطفون الخطفة
~~فيتبعهم شهاب ثاقب. وأيضا لو كان ما ذكر شرطا للسمع وهو منتف فيهم فأي
~~فائدة للحرس ومنعهم عن السمع بالرجوم. وأيضا لو صح ما ذكر لم يتأت لهم
~~سماع القرآن العظيم من الملائكة عليهم السلام سواء كان مشتملا على
~~الحقائق والمغيبات أم لا فما فائدة في قوله: والقرآن مشتمل الخ إلى غير
~~ذلك. وإن أراد أن السمع لكلام الملائكة عليهم السلام إذا كان وحيا
~~منزلا على الأنبياء عليهم السلام مشروط بما ذكر فهو مع كونه خلاف ظاهر
~~الكلام غير مسلم أيضا كيف وقد ثبت أن جبريل عليه السلام حين ينزل
~~بالقرآن ينزل معه رصد حفظا للوحي من الشيطان وقد قال عز وجل:

# فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من
~~رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه
~~رصدا * ليعلم أن قد أبلغوا رسلت ربهم

# [الجن: 2628] وأيضا ظاهر العزل عن السمع يقتضي أنهم كانوا ممكنين منه
~~قبل ثم منعوا عنه فيلزم على ما ذكر أنهم كانوا يسمعون الوحي من قبل مع أن
~~نفوسهم خبيثة ظلمانية شريرة بالذات / فيبطل كون المشاركة المذكورة شرطا
~~للسمع، فإن ادعى أن الشرط كان موجودا إذ ذاك ثم فقد والتزم القول بجواز
~~تغير ما بالذات فهو مما لم يقم عليه دليل وقياس جميع الشياطين على ms07701 إبليس
~~عليه اللعنة مما لا يخفى حاله فتدبر. وبالجملة الذي أميل إليه في معنى
~~الآية ما ذكرته أولا وسيأتي قريبا إن شاء الله تعالى ما يتعلق بذلك،
~~وجوز كون ضمير { أنهم } للمشركين. والمراد أنهم لا يصغون للحق
~~لعنادهم، وفي الآية شمة من قوله تعالى:

# والذين كفروا أولياؤهم الطغوت يخرجونهم
~~من النور إلى الظلمت

# [البقرة: 257] وهو بعيد جدا.

### || [26.213]

# خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم مع استحالة صدور المنهي عنه عليه
~~الصلاة والسلام تهييجا وحثا لازدياد الإخلاص فهو كناية عن أخلص في
~~التوحيد حتى لا ترى معه عز وجل سواه. وفيه لطف لسائر المكلفين ببيان أن
~~الإشراك من القبح والسوء بحيث ينهى عنه من لم يمكن صدوره عنه فكيف بمن
~~عداه. وكأن الفاء فصيحة أي إذا علمت ما ذكر فلا تدع مع الله إلها آخر.

### || [26.214]

# { وأنذر } العذاب الذي يستتبعه الشرك والمعاصي { عشيرتك
~~الأقربين } أي ذوي القرابة القريبة أو الذين هم أكثر قربا إليك من
~~غيرهم. والعشيرة على ما قال الجوهري: رهط الرجل الأدنون. وقال الراغب هم
~~أهل الرجل الذين يتكثر بهم أي يصيرون له بمنزلة العدد الكامل وهو العشرة.
~~واشتهر أن طبقات الأنساب ست، الأولى: الشعب بفتح الشين وهو النسب الأبعد
~~كعدنان، الثانية: القبيلة وهي ما انقسم فيه الشعب كربيعة ومضر. الثالثة:
~~العمارة بكسر العين وهي ما انقسم فيه أنساب القبيلة كقريش وكنانة.
~~الرابعة: البطن وهو ما انقسم فيه أنساب العمارة كبني عبد مناف وبني
~~مخزوم. الخامسة: الفخذ وهو ما انقسم فيه أنساب البطن كبني هاشم وبني
~~أمية. السادسة: الفصيلة وهي ما انقسم فيه أنساب الفخذ كبني العباس وبني
~~عبد المطلب وليس دون الفصيلة إلا الرجل وولده.

# وحكى أبو عبيد عن ابن الكلبي عن أبيه تقديم الشعب ثم القبيلة ثم
~~الفصيلة ثم العمارة ثم الفخذ فأقام الفصيلة مقام العمارة في ذكرها بعد
~~القبيلة والعمارة مقام الفصيلة في ذكرها قبل الفخذ ولم يحك ما يخالفه ولم
~~يذكر في الترتيبين العشيرة، وفي «البحر» أنها تحت الفخذ فوق الفصيلة،
~~والظاهر أن ذلك ms07702 على الترتيب الأول. وحكى بعضهم - بعد أن نقل الترتيب
~~المذكور - عن النووي عليه الرحمة أنه قال في «تحرير التنبيه»: وزاد بعضهم
~~العشيرة قبل الفصيلة. ويفهم من كلام البعض أن العشيرة إذا وصفت بالأقرب
~~اتحدت مع الفصيلة التي هي سادسة الطبقات، وأنت تعلم أن الأقربية إذا كانت
~~مأخوذة في مفهومها كما يفهم من كلام الجوهري تستغني دعوى الاتحاد عن
~~الوصف المذكور.

# وفي «كليات أبي البقاء» كل جماعة كثيرة من الناس يرجعون إلى أب مشهور
~~بأمر زائد فهو شعب كعدنان ودونه القبيلة وهي ما انقسمت فيها أنساب الشعب
~~كربيعة ومضر، ثم العمارة وهي ما انقسمت فيها أنساب القبيلة كقريش وكنانة،
~~ثم البطن وهي ما انقسمت فيها أنساب العمارة كبني عبد مناف وبني مخزوم، ثم
~~الفخذ وهي ما انقسمت فيها أنساب البطن كبني هاشم وبني أمية، ثم العشيرة
~~وهي ما انقسمت فيها أنساب الفخذ كبني العباس وبني أبي طالب والحي يصدق
~~على الكل لأنه للجماعة المتنازلين بمربع منهم انتهى. ولم يذكر فيه
~~الفصيلة وكأنه يذهب إلى اتحادها بالعشيرة.

# ووجه تخصيص عشيرته صلى الله عليه وسلم الأقربين بالذكر مع عموم رسالته /
~~عليه الصلاة والسلام دفع توهم المحاباة وأن الاهتمام بشأنهم أهم وأن
~~البداءة تكون بمن يلي ثم من بعده كما قال سبحانه:

# قاتلوا الذين يلونكم من الكفار

# [التوبة: 123] وفي كيفية الإنذار أخبار كثيرة، منها ما أخرجه البخاري

# " عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «لما نزلت { وأنذر
~~عشيرتك الأقربين } صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا
~~فجعل ينادي يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا
~~لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو فجاء أبو لهب وقريش فقال:
~~أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟
~~قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقا قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب
~~شديد فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا فنزلت { تبت
~~يدا أبى لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما ms07703 كسب
~~} [المسد: 1، 2]» "

# ومنها ما أخرجه أحمد وجماعة عن أبي هريرة قال: لما نزلت { وأنذر
~~عشيرتك الأقربين } دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا
~~وعم وخص فقال:

# " يا معشر قريش انقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا
~~يا معشر بني كعب ابن لؤي انقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا
~~ولا نفعا يا معشر بني قصي انقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا
~~ولا نفعا يا معشر بني عبد مناف انقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم
~~ضرا ولا نفعا يا معشر بني عبد المطلب انقذوا أنفسكم من النار فإني لا
~~أملك لكم ضرا ولا نفعا يا فاطمة بنت محمد انقذي نفسك من النار فإني لا
~~أملك لك ضرا ولا نفعا إلا أن لكم رحما وسأبلها ببلالها "

# وجاء في بعض الروايات

# " أنه صلى الله عليه وسلم لما نزلت الآية جمع عليه الصلاة والسلام بني
~~هاشم فأجلسهم على الباب وجمع نساءه وأهله فأجلسهم في البيت ثم اطلع عليهم
~~فأنذرهم، "

# وجاء في بعض آخر منها

# " أنه عليه الصلاة والسلام أمر عليا كرم الله تعالى وجهه أن يصنع
~~طعاما ويجمع له بني عبد المطلب ففعل وجمعهم وهم يومئذ أربعون رجلا
~~فبعد أن أكلوا أراد صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى
~~الكلام فقال: لقد سحركم صاحبكم فتفرقوا ثم دعاهم من الغد إلى مثل ذلك ثم
~~بدرهم بالكلام فقال: يا بني عبد المطلب إني أنا النذير إليكم من الله
~~تعالى والبشير قد جئتكم بما لم يجىء به أحد جئتكم بالدنيا والآخرة
~~فأسلموا تسلموا وأطيعوا تهتدوا "

# إلى غير ذلك من الأخبار والروايات وإذا صح الكل فطريق الجمع أن يقال
~~بتعدد الإنذار. ومن الروايات ما يتمسك به الشيعة فيما يدعونه في أمر
~~الخلافة وهو مؤول أو ضعيف أو موضوع (وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم
~~المخلصين).

### || [26.215]

# { واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } أمر له
~~صلى الله عليه وسلم بالتواضع على سبيل الاستعارة التبعية أو ms07704 التمثيلية أو
~~المجاز المرسل وعلاقته اللزوم، ويستعمل في التكبر رفع الجناح وعلى ذلك
~~جاء قول الشاعر:

# وأنت الشهير بخفض الجناح

# فلا تك في رفعه أجدلا

# و { من } قيل: بيانية لأن من اتبع في أصل معناه أعم ممن اتبع لدين أو
~~غيره ففيه إبهام وبذكر المؤمنين المراد بهم المتبعون للدين زال ذلك،
~~وقيل: للتبعيض بناء على شيوع من اتبع فيمن اتبع للدين وحمل المؤمنين على
~~من صدق باللسان ولو نفاقا ولا شك أن المتبعين للدين بعض المؤمنين بهذا
~~المعنى، وجوز أن يحمل على من شارف وإن لم يؤمن. ولا شك أيضا أن المتبعين
~~المذكورين بعضهم وفي الآية على القولين أمر بالتواضع لمن اتبع للدين.
~~وقال بعضهم: على تقدير كونها بيانية أن المؤمنين يراد بهم الذين لم
~~يؤمنوا بعد وشارفوا لأن يؤمنوا كالمؤلفة مجاز باعتبار الأول وكان - من
~~اتبعك - شائعا في من آمن حقيقة ومن آمن مجازا فبين بقوله تعالى: { من
~~المؤمنين } أن المراد بهم المشارفون أي تواضع للمشارفين استمالة
~~وتأليفا، وعلى تقدير كونها تبعيضية يراد بالمؤمنين الذين قالوا آمنا وهم
~~صنفان: صنف صدق واتبع وصنف ما وجد منهم إلا التصديق فقيل: من المؤمنين
~~وأريد بعض الذين صدقوا واتبعوا أي تواضع لبعض المؤمنين وهم الذين اتبعوك
~~محبة ومودة. وعلى هذا يكون الذين أمر صلى الله عليه وسلم بالتواضع لهم
~~على تقدير البيان غير الذي أمر عليه الصلاة والسلام بالتواضع لهم على
~~تقدير التبعيض. وقال بعض الأجلة الاتباع والإيمان توأمان إذ المتبادر من
~~اتباعه عليه الصلاة والسلام اتباعه الديني وكذا المتبادر من الإيمان
~~الإيمان الحقيقي، وذكر { من المؤمنين } لإفادة التعميم كذكر

# يطير بجناحيه

# [الأنعام: 38] بعد طائر في قوله تعالى: { ولا طائر يطير
~~بجناحيه } وتفيد الآية الأمر بالتواضع لكل من آمن من عشيرته صلى
~~الله عليه وسلم وغيرهم.

# وقال الطيبي: الإجراء على أفانين البلاغة أن يحمل الكلام على أسلوب وضع
~~المظهر موضع المضمر وأن الأصل وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن
~~اتبعك منهم فعدل إلى المؤمنين ليعم ويؤذن أن صفة الإيمان هي التي يستحق ms07705
~~أن يكرم صاحبها ويتواضع لأجلها من اتصف بها سواء كان من عشيرتك أو غيرهم
~~وليس هذا بالبعيد لكني أختار كون (من) بيانية وأن عموم من اتبعك باعتبار
~~أصل معناه. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: لما نزلت

# وأنذر عشيرتك الأقربين

# [الشعراء: 214] بدأ صلى الله عليه وسلم بأهل بيته وفصيلته فشق ذلك على
~~المسلمين فأنزل الله تعالى: { واخفض جناحك لمن اتبعك
~~من المؤمنين }.

### || [26.216]

# الظاهر أن الضمير المرفوع في { عصوك } عائد على من أنذر صلى الله
~~عليه وسلم بإنذارهم وهم العشيرة أي فإن عصوك ولم يتبعوك بعد إنذارهم فقل:
~~إني برىء من عملكم أو الذي تعملونه من دعائكم مع الله تعالى إلها آخر،
~~وجوز أن يكون عائدا على الكفار المفهوم من السياق، وقيل: هو عائد على من
~~اتبع من المؤمنين أي فإن عصوك يا محمد في الأحكام وفروع الإسلام بعد
~~تصديقك والإيمان بك وتواضعك لهم فقل: إني برىء مما تعملون من المعاصي أي
~~أظهر عدم رضاك بذلك وإنكاره عليهم. وذكر على هذا أنه صلى الله عليه وسلم
~~لو أمر بالبراءة منهم ما بقي شفيعا للعصاة يوم القيامة، والآية على غير
~~هذا القول منسوخة. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أنه قال: أمره سبحانه
~~بهذا ثم نسخه فأمره بجهادهم، وفي «البحر» هذه موادعة نسختها آية السيف.

### || [26.217]

# فهو سبحانه يقهر من يعصيك منهم ومن غيرهم بعزته وينصرك برحمته، وتقديم
~~وصف العزة قيل لأنه أوفق بمقام التسلي عن المشاق اللاحقة من القوم إليه
~~صلى الله عليه وسلم، وجوز أن يكون ذلك لأن العزة كالعلة المصححة للتوكل
~~والرحمة كالعلة الداعية إليه، وفسره غير واحد بتفويض الرجل أمره إلى من
~~يملك أمره ويقدر على أن ينفعه ويضره. وقالوا: المتوكل من إن دهمه أمر لم
~~يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله تعالى، وذكر بعضهم أن هذا من أحط
~~مراتب التوكل وأدناها، ونقل عن بعض العارفين أنه فيما بين الناس على ثلاث
~~درجات. الأولى: التوكل مع الطلب ومعاطاة السبب على ms07706 نية شغل النفس ونفع
~~الخلق وترك الدعوى، والثانية: التوكل مع إسقاط الطلب وغض العين عن السبب
~~اجتهادا في تصحيح التوكل وقمع تشرف النفس تفرغا إلى حفظ الواجبات.
~~والثالثة: التوكل مع معرفة التوكل النازعة / إلى الخلاص من علة التوكل،
~~وذلك أن يعلم أن الله تعالى لم يترك أمرا مهملا بل فرغ من الأشياء كلها
~~وقدرها وشأنه سبحانه سوق المقادير إلى المواقيت، فالمتوكل من أراح نفسه
~~من كد النظر والمطالعة السبب سكونا إلى ما سبق من القسمة مع استواء
~~الحالين وهو أن يعلم أن الطلب لا ينفع والتوكل لا يمنع ومتى طالع بتوكله
~~عوضا كان توكله مدخولا وقصده معلولا وإذا خلص من رق الأسباب ولم يلاحظ
~~في توكله سوى خالص حق الله تعالى كفاه الله تعالى كل مهم. وبين العلامة
~~الطيبي أن في قوله تعالى: { وتوكل } الخ إشارة إلى المراتب الثلاث
~~بما فيه خفاء.

# وفي مصاحف أهل المدينة والشام «فتوكل» بالفاء، وبه قرأ نافع وابن عامر
~~وأبو جعفر وشيبة، وخرج على الإبدال من جواب الشرط. وجعل في «الكشاف»
~~الفاء للعطف وما بعده معطوفا على

# فقل

# [الشعراء: 216] أو

# فلا تدع

# [الشعراء: 213] وما ذكر أولا أظهر.

### || [26.218]

# أي إلى الصلاة.

### || [26.219]

# { وتقلبك } أي ويرى سبحانه تغيرك من حال كالجلوس والسجود إلى آخر
~~كالقيام { فى السجدين } أي فيما بين المصلين إذا أممتهم، وعبر
~~عنهم بالساجدين لأن السجود حالة مزيد قرب العبد من ربه عز وجل وهو أفضل
~~الأركان على ما نص عليه جمع من الأئمة، وتفسير هذه الجملة بما ذكر مروي
~~عن ابن عباس وجماعة من المفسرين إلا أن منهم من قال: المراد حين تقوم إلى
~~الصلاة بالناس جماعة، وقيل: المعنى يراك حين تقوم للتهجد ويرى تقلبك أي
~~ذهابك ومجيئك فيما بين المتهجدين لتتصفح أحوالهم وتطلع عليهم من حيث لا
~~يشعرون وتستبطن سرائرهم وكيف يعملون لآخرتهم كما روي أنه لما نسخ فرض
~~قيام الليل طاف صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما
~~يصنعون حرصا على كثرة طاعاتهم فوجدها كبيوت النحل لما سمع ms07707 لها من
~~دندنتهم بذكر الله تعالى والتلاوة. وعن مجاهد أن المراد بقوله سبحانه: {
~~وتقلبك فى السجدين } تقلب بصره عليه الصلاة والسلام فيمن
~~يصلي خلفه فإنه صلى الله عليه وسلم كان يرى من خلفه، ففي «صحيح البخاري»
~~عن أنس قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~بوجهه فقال:

# " أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري "

# وفي رواية أبي داود عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
~~يقول:

# " استووا استووا استووا والذي نفسي بيده إني لأراكم من خلفي كما أراكم
~~من بين يدي "

# ولا يخفى بعد حمل ما في الآية على ما ذكر.

# وقيل: المراد بالساجدين المؤمنون، والمعنى يراك حين تقوم لأداء الرسالة
~~ويرى تقلبك وترددك فيما بين المؤمنين أو معهم فيما فيه إعلان أمر الله
~~تعالى وإعلاء كلمته سبحانه، وتفسير الساجدين بالمؤمنين مروي عن ابن عباس
~~وقتادة إلا أن كون المعنى ما ذكر لا يخلو عن خفاء. وعن ابن جبير أن
~~المراد بهم الأنبياء عليهم السلام، والمعنى ويرى تقلبك كما يتقلب غيرك من
~~الأنبياء عليهم السلام في تبليغ ما أمروا بتبليغه وهو كما ترى، وتفسير
~~الساجدين بالأنبياء رواه جماعة منهم الطبراني والبزار وأبو نعيم عن ابن
~~عباس أيضا إلا أنه رضي الله تعالى عنه فسر التقلب فيهم بالتنقل في
~~أصلابهم حتى ولدته أمه عليه الصلاة والسلام، وجوز على حمل التقلب على
~~التنقل في الأصلاب أن يراد بالساجدين / المؤمنون.

# واستدل بالآية على إيمان أبويه صلى الله عليه وسلم كما ذهب إليه كثير من
~~أجلة أهل السنة، وأنا أخشى الكفر على من يقول فيهما رضي الله تعالى عنهما
~~على رغم أنف علي القاري وأضرابه بضد ذلك إلا أني لا أقول بحجية الآية
~~على هذا المطلب، ورؤية الله تعالى انكشاف لائق بشأنه عز شأنه غير
~~الانكشاف العلمي ويتعلق بالموجود والمعدوم الخارجي عند العارفين، وقالوا:
~~إن رؤية الله تعالى للمعدوم نظير رؤية الشخص القيامة ونحوها في المنام
~~وكثير من المتكلمين انكروا تعلقها بالمعدوم، ومنهم من أرجعها إلى ms07708 صفة
~~العلم وتحقيق ذلك في محله، وفي وصفه تعالى برؤيته حاله صلى الله عليه
~~وسلم التي بها يستأهل ولايته بعد وصفه بما تقدم تحقيق للتوكل وتوطين
~~لقلبه الشريف عليه الصلاة والسلام عليه.

# وقرأ جناح بن حبيش { ويقلبك } مضارع قلب مشددا. وخرج ذلك أبو حيان على
~~العطف على

# يراك

# [الشعراء: 218] وجوز العطف على

# تقوم

# [الشعراء: 218]. وفي الكلام على هذه القراءة إشارة إلى وقوع تقلبه صلى
~~الله عليه وسلم في الساجدين على وجه الكمال وكمال التقلب في الصلاة كونه
~~بخشوع يغفل معه عما سوى الله تعالى.

### || [26.220]

# { إنه هو السميع } بكل ما يصح تعلق السمع به ويندرج فيه ما
~~يقوله صلى الله عليه وسلم { العليم } بكل ما يصح تعلق العلم به
~~ويندرج فيه ما يعمله أو ينويه عليه الصلاة والسلام، وفي الجملة الاسمية
~~إشارة إلى أنه سبحانه متصف بما ذكر أزلا وأبدا ولا توقف لذلك على وجود
~~المسموعات والمعلومات في الخارج، والحصر فيها حقيقي أي هو تعالى كذلك لا
~~غيره سبحانه وتعالى. وكأن الجملة متعلقة بالجملتين الواقعتين في حيز
~~الجزاء جيء بها للتحريض على القول السابق والتوكل، وجوز أن تكون متعلقة
~~بما في حيز الصلة المراد منها التحريض على إيقاع الأقوال والأفعال التي
~~في الصلاة على أكمل وجه فتأمل.

### || [26.221]

# وقوله تعالى: { هل أنبئكم على من تنزل الشيطين
~~} الخ مسوق لبيان استحالة تنزل الشياطين على رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم بعد بيان امتناع تنزلهم بالقرآن، وهذه الجملة وقوله تعالى:

# وإنه لتنزيل رب العلمين

# [الشعراء: 192] الخ وقوله سبحانه:

# وما تنزلت به الشيطين

# [الشعراء: 210] الخ أخوات وفرق بينهن بآيات ليست في معناهن ليرجع إلى
~~المجيء بهن وتطرية ذكر ما فيهن كرة بعد كرة فيدل بذلك على أن المعنى الذي
~~نزلن فيه من المعاني التي اشتدت عناية الله تعالى بها، ومثاله أن يحدث
~~الرجل بحديث وفي صدره اهتمام بشيء منه وفضل عناية فتراه يعيد ذكره ولا
~~ينفك عن الرجوع إليه، والاستفهام للتقرير و { على من } متعلق بتنزل
~~قدم عليه لصدارة المجرور وتقديم الجار لا ms07709 يضر كما بين في النحو، وقال
~~الزمخشري في ذلك: إن (من) متضمنة معنى الاستفهام وليس معنى التضمن أن
~~الاسم دل على معنيين معا معنى الاسم ومعنى الحرف وإنما معناه أن الأصل
~~أمن فحذف حرف الاستفهام واستمر الاستعمال على حذفه كما حذف من هل والأصل
~~أهل كما قال:

# سائل فوارس يربوع بشدتنا

# أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم

# فإذا أدخلت حرف الجر على (من) فقدر الهمزة قبل حرف الجر في ضميرك كأنك
~~تقول: أعلى من تنزل الشياطين كقولك: أعلى زيد مررت اه. وتعقبه صاحب
~~«الفرائد» بقوله: يشكل ما ذكر بقولهم: من أين أنت ومن أين جئت وقوله
~~تعالى:

# من أى شىء خلقه

# [عبس: 18] وقوله فيم: وبم ومم وحتام ونحوها. وأجاب صاحب «الكشف» بأنه لا
~~إشكال في نحو من أين أنت؟ لأن التقدير أمن البصرة أم من الكوفة مثلا ولا
~~يخفى أنه / لا يحتاج على ما حققه النحاة إلى جميع ذلك.

# وجملة { على من تنزل } الخ في موضع نصب بأنبئكم لأنه معلق
~~بالاستفهام وهي إما سادة مسد المفعول الثاني إن قدرت الفعل متعديا
~~لاثنين ومسد مفعولين إن قدرته متعديا لثلاثة، والمراد هل أعلمكم جواب
~~هذا الاستفهام  أعني على من تنزل الشياطين  وأصل تنزل تتنزل فحذفت إحدى
~~التاءين. والكلام على معنى القول عند أبي حيان كأنه قيل: قل يا محمد هل
~~أنبئكم على من تنزل الشياطين.

### || [26.222]

# { تنزل على كل أفاك } أي كثير الإفك وهو الكذب { أثيم
~~} كثير الإثم، و { كل } للتكثير وجوز أن تكون للإحاطة ولا بعد في
~~تنزلها على كل كامل في الإفك والإثم كالكهنة نحو شق بن رهم بن نذير وسطيح
~~بن ربيعة بن عدي. والمراد بواسطة التخصيص في معرض البيان أو السياق أو
~~مفهوم المخالفة عند القائل به قصر تنزلهم على كل من اتصف بما ذكر من
~~الصفات وتخصيص له بهم لا يتخطاهم إلى غيرهم وحيث كانت ساحة رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم منزهة عن أن يحوم حولها شائبة شيء من تلك الأوصاف اتضح
~~استحالة تنزلهم عليه عليه ms07710 الصلاة والسلام.

### || [26.223]

# { يلقون } أي الأفاكون { السمع } أي سمعهم إلى الشياطين، وإلقاء
~~السمع مجاز عن شدة الإصغاء للتلقي فكأنه قيل: يصغون أشد إصغاء إلى
~~الشياطين فيتلقون منهم ما يتلقون { وأكثرهم } أي الأفاكين {
~~كذبون } فيما يقولونه من الأقاويل، والأكثرية باعتبار أقوالهم على
~~معنى أن هؤلاء قلما يصدقون في أقوالهم وإنما هم في أكثرها كاذبون ومآله
~~وأكثر أقوالهم كاذبة لا باعتبار ذواتهم حتى يلزم من نسبة الكذب إلى
~~أكثرهم كون أقلهم صادقين على الإطلاق ويلتزم لذلك كون الأكثر بمعنى الكل.
~~وليس معنى الأفاك من لا ينطق إلا بالإفك حتى يمتنع منه الصدق بل من يكثر
~~الإفك فلا ينافيه أن يصدق نادرا في بعض الأحايين، وجوز أن يكون السمع
~~بمعنى المسموع وإلقاؤه مجاز عن ذكره أن يلقي الأفاكون إلى الناس المسموع
~~من الشياطين وأكثرهم كاذبون فيما يحكون عن الشياطين ولم يرتضه بعضهم
~~لبعده أو لقلة جدواه على ما قيل.

# واختلف في سبب كون أكثر أقوالهم كاذبة فقيل: هو بعد البعثة كونهم يتلقون
~~منهم ظنونا وأمارات إذ ليس لهم من علم الغيب نصيب وهم محجوبون عن خبر
~~السماء ولعدم صفاء نفوسهم قلما تصدق ظنونهم ومع ذلك يضم الأفاكون إليها
~~لعدم وفائها بمرادهم على حسب تخيلاتهم أشياء لا يطابق أكثرها الواقع،
~~وقبل البعثة إذ كانوا غير محجوبين عن خبر السماء وكانوا يسمعون من
~~الملائكة عليهم السلام ما يسمعونه من الأخبار الغيبية يحتمل أن يكون كثرة
~~غلط الأفاكين في الفهم لقصور فهمهم عنهم، ويحتمل أن يكون ضمهم إلى ما
~~يفهمونه من الحق أشياء من عند أنفسهم لا يطابق أكثرها الواقع، ويحتمل أن
~~يكون كثرة غلط الشياطين الذين يوحون إليهم في الفهم عن الملائكة عليهم
~~السلام لقصور فهمهم عنهم، ويحتمل أن يكون ضم الشياطين إلى ما يفهمونه من
~~الحق من الملائكة عليهم السلام أشياء من عند أنفسهم لا يطابق أكثرها
~~الواقع، ويحتمل أن يكون مجموع ما ذكر.

# وقيل: هو قبل البعثة يحتمل أن يكون أحد هذه الأمور وأما بعد البعثة فهو
~~كثرة خلطهم الكذب فيما تخطفه الشياطين ms07711 عند استراقهم السمع من الملائكة
~~ويلقونه إليهم. فقد أخرج البخاري ومسلم وابن مردويه عن عائشة رضي الله
~~تعالى عنها قالت:

# " سأل أناس النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال: إنهم ليسوا بشيء
~~فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثون أحيانا بالشيء يكون حقا قال تلك /
~~الكلمة من الحق يحفظها الجني فيقذفها في أذن وليه فيخلطون فيها أكثر من
~~مائة كذبة "

# وقيل: هو قبل البعثة وبعدها كثرة خلط الأفاكين الكذب فيما يتلقونه من
~~الشياطين، أما كثرته قبل البعثة فلظاهر الخبرالمذكور، وأما كثرته بعد
~~البعثة فلما أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن
~~أبي حاتم عن قتادة أنه قال في هذه الآية: كانت الشياطين تصعد إلى السماء
~~فتستمع ثم تنزل إلى الكهنة فتخبرهم فتحدث الكهنة بما أنزلت به الشياطين
~~من السمع وتخلط به الكهنة كذبا كثيرا فيحدثون به الناس فأما ما كان من
~~سمع السماء فيكون حقا وأما ما خلطوه به من الكذب فيكون كذبا، ولا يخفى
~~أن القول بأن الشياطين بعد البعثة يلقون ما يسترقونه من السمع إلى الكهنة
~~غير مجمع عليه، ومن القائلين به من يجوز أن يكون ضمير { يلقون } في
~~الآية راجعا إلى الشياطين، والمعنى يلقي الشياطين المسموع من الملأ
~~الأعلى قبل أن يرجموا من بعض المغيبات إلى أوليائهم وأكثرهم كاذبون فيما
~~يوحون به إليهم، إذ لا يسمعونهم على نحو ما تكلمت به الملائكة عليهم
~~السلام لشرارتهم أو لقصور فهمهم أو ضبطهم أو إفهامهم، وقيل: المعنى عليه
~~ينصت الشياطين ويستمعون إلى الملأ الأعلى قبل الرجم وأكثرهم كاذبون فيما
~~يوحون به إلى أوليائهم بعد لشرارتهم أو لأنهم لا يسمعون في أنفسهم أو لا
~~يسمعون أولياءهم بعد ذلك السمع كلام الملائكة عليهم السلام على وجهه.

# وجملة { يلقون } على تقدير كون الضمير للأفاكين صفة ل

# كل أفاك

# [الشعراء: 222] لأنه في معنى الجمع سواء أريد بإلقاء السمع الإصغاء إلى
~~الشياطين أو إلقاء المسموع إلى الناس، وجوز أن تكون استئنافا إخبارا
~~بحالهم على كلا التقديرين لما أن كلا من تلقيهم ms07712 من الشياطين وإلقائهم
~~إلى الناس يكون بعد التنزل، واستظهر تقدير المبتدأ على هذا، وأن تكون
~~استئنافا مبنيا على السؤال كأنه قيل: ما يفعلون عند تنزل الشياطين أو
~~ما يفعلون بعد تنزلهم؟ فقيل: يلقون إليهم أسماعهم ليحفظوا ما يوحون به
~~إليهم أو يلقون ما يسمعونه منهم إلى الناس، وجوز أن تكون حالا منتظرة
~~على التقديرين أيضا. وهي على تقدير كون الضمير للشياطين، والمعنى ما
~~سمعت أولا قيل: تحتمل أن تكون استئنافا مبينا للغرض من التنزل مبنيا
~~على السؤال عنه كأنه قيل لم تنزل عليهم؟ فقيل: يلقون إليهم ما سمعوه، وأن
~~تكون حالا منتظرة من ضمير الشياطين أي تنزل على كل أفاك أثيم ملقين ما
~~يسمعونه من الملأ الأعلى إليهم؛ وعلى ذلك التقدير والمعنى ما سمعت ثانيا
~~قيل: لا يجوز أن تكون استئنافا نظير ما ذكر آنفا ولا أن تكون حالا
~~أيضا لأن إلقاء السمع بمعنى الإنصات مقدم على التنزل المذكور فكيف يكون
~~غرضا منه أو حالا مقارنة أو منتظرة ويتعين كونها استئنافا للأخبار
~~بحالهم. وتعقب بأنه غير سديد لأن ذكر حالهم السابقة على تنزلهم المذكور
~~قبله غير خليق بجزالة التنزيل، ومن هنا قيل: أن جعل الضمير للشياطين وحمل
~~إلقاء السمع على إنصاتهم وتسمعهم إلى الملأ الأعلى مما لا سبيل إليه وفيه
~~نظر، وجملة { هم كاذبون } استئنافية أو تحتمل الاستئنافية والحالية.

# هذا واعلم أن ههنا إشكالا واردا على بعض الاحتمالات في الآية لأنها
~~عليه تفيد أن الشياطين يسمعون من الملائكة عليهم السلام ما يسمعونه
~~ويلقونه إلى الأفاكين: وقد تقدم ما يدل على منعهم عن السمع أعني قوله
~~تعالى:

# إنهم عن السمع لمعزولون

# [الشعراء: 212]. وأجيب بأن المراد بالسمع فيما تقدم السمع المعتد به
~~وفيما ههنا السمع في الجملة ويراد به / الخطفة المذكورة في قوله سبحانه:

# إلا من خطف الخطفة

# [الصافات: 10] والكلمة المذكورة في خبر «الصحيحين» وابن مردويه السابق
~~آنفا.

# واعترض بأن من خطف لا يبقى حيا إلى أن يوصل ما خطفه إلى وليه لظاهر
~~قوله تعالى:

# إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ms07713

# [الصافات: 10] فإن ظاهره أنه يهلك بالشهاب الذي لحقه. وأجيب بأن نفي
~~بقائه حيا غير مسلم، ولا نسلم أن الآية ظاهرة فيما ذكر إذ ليس فيها أكثر
~~من اتباع الشهاب الثاقب إياه وهو يحتمل الزجر كما يحتمل الإهلاك فليرد
~~اتباعه للزجر مع بقائه حيا فإن الخبر المذكور يقتضي بقاءه كذلك. وجاء عن
~~ابن عباس أن الشياطين كانوا لا يحجبون عن السماوات وكانوا يدخلونها
~~ويأتون بأخبارها فيلقون إلى الكهنة فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من
~~ثلاث سماوات فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السماوات كلها
~~فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب وهو الشعلة من النار
~~فلا يخطىء أبدا فمنهم من يقتله ومنهم من يحرق وجهه ومنهم من يخبله فيصير
~~غولا يضل الناس في البراري، وقيل: إن المراد بالسمع فيما تقدم سمع الوحي
~~وفيما هنا سمع المغيبات غيره وهم غير ممنوعين عنه قبل البعثة وبعدها،
~~وهذا مأخوذ من كلام عبد الرحمن بن خلدون في «مقدمة تاريخه» التي لم ينسج
~~على منوالها وان كان للطعن فيها مجال قال: إن الآيات إنما دلت على منع
~~الشياطين من نوع واحد من أخبار السماء وهو ما يتعلق بخبر البعثة ولم
~~يمنعوا مما سوى ذلك، بل ربما يقال: إن في كلامه بعد إشعارا ما بأن المنع
~~إنما كان بين يدي النبوة فقط لا قبل ذلك ولا بعده. ولا يخفى أن الظواهر
~~تشهد بمنعهم مطلقا إلى يوم القيامة، بل قد يدعى أن في الآيات ما يدل على
~~أن حفظ السماء بالكواكب لم يحدث وان خلقها لذلك وهو ظاهر في أنهم كانوا
~~ممنوعين أيضا قبل ولادته صلى الله عليه وسلم من خبر السماء، ويشكل هذا
~~على ظاهر العزل إلا أن يدعى أن المنع قبل لم يكن بمثابة المنع بعد فالعزل
~~عما كان يجعل المنع شديدا بالنسبة إليه. وفي «اليواقيت والجواهر في
~~عقائد الأكابر» لمولانا عبد الوهاب الشعراني عليه الرحمة الصحيح أن
~~الشياطين ممنوعون من السمع منذ بعث رسول الله صلى الله عليه ms07714 وسلم إلى يوم
~~القيامة وبتقدير استراقهم فلا فلا يتوصلون إلى الإنس ليخبروهم بما
~~استرقوه بل تحرقهم الشهب وتفنيهم انتهى.

# قيل ويلزم القائلين بهذا حمل ما في خبر «الصحيحين» على كهان كانوا قبل
~~البعثة وقد أدركهم السائلون وهو الذي يقتضيه كلام القاضي أيضا. فقد نقل
~~النووي عنه في «شرحه صحيح مسلم» أنه قال: كانت الكهانة في العرب ثلاثة
~~أضرب، أحدها أن يكون للإنسان ولي من الجن يخبره بما يسترقه من السمع من
~~السماء وهذا القسم بطل من حين بعث نبينا صلى الله عليه وسلم إلى آخر ما
~~قال: وهو ظاهر كلام البوصيري حيث يقول:

# بعث الله عند مبعثه الشه

# ب حراسا وضاق عنها الفضاء

# تطرد الجن عن مقاعد للسم

# ع كما يطرد الذئب الرعاء

# فمحت آية الكهانة آيا

# ت من الوحي ما لهن انمحاء

# وقد قيل في الجواب عن الإشكال نحو هذا وهو أن تنزل الشياطين وإلقاءهم ما
~~يسمعونه من السماء إلى أوليائهم حسبما تفيده الآية المذكورة في أحد
~~محاملها إنما كان قبل البعثة حيث لم يكن حينئذ منع أو كان لكنه لم يكن
~~شديدا. والمنع من السمع الذي يفيده قوله تعالى:

# إنهم عن السمع لمعزولون

# [الشعراء: 212] إنما كان / بعد البعثة وكان على أتم وجه، وهذا مشكل عندي
~~بابن الصياد وما كان منه فإنهم عدوه من الكهان،

# " وقد صح إنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام حين سأله عن أمره: يأتيني
~~صادق وكاذب وأن النبي صلى الله عليه وسلم امتحنه فأضمر له آية الدخان
~~وهي قوله تعالى: { فارتقب يوم تأتى السماء بدخان
~~مبين } [الدخان: 10] وقال صلى الله عليه وسلم: خبأت لك خبأ فقال ابن
~~الصياد: هو الدخ أي الدخان وهي لغة فيه كما ذهب إليه الجمهور فقال له
~~النبي صلى الله عليه وسلم: «أخسأ فلن تعدو قدرك» "

# وقد قال القاضي كما نقل النووي عنه أيضا: أصح الأقوال أنه لم يهتد من
~~الآية التي أضمرها النبي عليه الصلاة والسلام إلا لهذا اللفظ الناقص على
~~عادة الكهان إذا ألقى الشيطان إليهم بقدر ما يخطف ms07715 قبل أن يدركه الشهاب
~~ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:

# " أخسأ فلن تعدو قدرك "

# أي القدر الذي يدركه الكهان من الاهتداء إلى بعض الشيء وما لا يبين منه
~~حقيقته ولا يصل به إلى بيان وتحقيق أمور الغيب، وقد يقال في دفع هذا
~~الإشكال: إن ابن الصياد كان من الضرب الثاني من الكهان وهم الذين تخبرهم
~~الشياطين بما يطرأ أو يكون في أقطار الأرض وما خفي عنهم مما قرب أو بعد،
~~والصحيح جواز وجودهم بعد البعثة خلافا للمعتزلة وبعض المتكلمين حيث
~~قالوا باستحالة وجود هذا الضرب، وكذا الضرب السابق آنفا، وأنه يحتمل أن
~~يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أسر إلى بعض أصحابه الذين كانوا معه
~~ما أضمره أو كانت سورة الدخان مكتوبة في يده صلى الله عليه وسلم أو كتب
~~الآية وحدها في يده عليه الصلاة والسلام، وكلا القولين الأخيرين حكاهما
~~الداودي بعض العلماء كما في «شرح صحيح مسلم».

# وأيا ما كان يكون ابن الصياد قد أخبر بأمر طارىء تطلع عليه الشياطين
~~بدون استراق السمع من السماء وليس ذلك من الاطلاع على ما في القلب في
~~شيء، ومع ذلك لم يخبر به تاما بل أخبر به على نحو إخبار الكهان السابقين
~~على زمن البعثة الذين هم من الضرب الأول في النقص. ولعل مراد القاضي
~~بقوله: إنه لم يهتد من الآية التي أضمرها صلى الله عليه وسلم إلا لهذا
~~اللفظ الناقص على عادة الكهان إذا ألقى الشيطان إليهم بقدر ما يخطف الخ
~~تشبيه حاله مع أنه من الضرب الثاني بحال من تقدمه من الكهان الذين هم من
~~الضرب الأول وإلا لأشكل كلامه هذا مع ما نقلناه عنه أولا كما لا يخفى،
~~وكأنه يقول برجم المسترقين للسمع قبل البعثة أيضا إلا أنه لم يكن بمثابة
~~ما كان بعد البعثة، وقد ذهب إلى هذا جمع من المحدثين.

# ومن الناس من قال: إن الشيطان إذا خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ألقى ما
~~يخطفه إلى من تحته قبل أن يدركه الشهاب ثم إن ms07716 من تحته يوصل ذلك إلى
~~الكاهن ولا يكاد يصح ذلك، وقيل: إن ما يلقيه الشياطين إلى الكهنة بعد
~~البعثة هو ما يسمعونه من الملائكة عليهم السلام في العنان وهو المراد
~~بقوله تعالى: { يلقون السمع } وما هم ممنوعون عنه هو السمع من
~~الملائكة عليهم السلام في السماء وهو المراد بقوله تعالى:

# إنهم عن السمع لمعزولون

# [الشعراء: 212] واستدل لذلك بما أخرجه البخاري وابن المنذر عن عائشة رضي
~~الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " الملائكة تحدث في العنان - والعنان الغمام - بالأمر [يكون] في الأرض
~~فيسمع الشيطان الكلمة فيقرها في أذن الكاهن كما يقر القارورة فيزيدون
~~معها مائة كذبة "

# ولا يخفى أنه ليس في الخبر تعرض للسمع من الملائكة عليهم السلام في
~~السماء بالمعنى المعروف لا نفيا ولا إثباتا، وقد يختار القول بأن
~~الشياطين إنما منعوا بعد البعثة عن سمع ما يعتد به من علم الغيب من
~~ملائكة السماء أو العنان ومن خطف خطفة يعتد بها من ذلك اتبعه الشهاب
~~وأهلكه ولم يدعه يوصلها بوجه من الوجوه إلى الكهنة، وأما سمع ما لا يعتد
~~به فقد يقع / لهم ويوصلونه إلى الكهنة فيخلطون به من الكذب ما يخلطون،
~~فحيث حكم عليهم بالعزل عن السمع أريد بالسمع السمع الكامل المعتد به وحيث
~~حكم عليهم بإلقاء السمع أريد بالسمع السمع في الجملة وأدنى ما يصدق عليه
~~أنه سمع، والظاهر أن ما حصل لابن الصياد كان من هذا السمع ولا يكاد يعدل
~~عن ذلك، ويقال: إنه كان من الضرب الثاني للكهانة إلا إن ثبت أحد الشقوق
~~الثلاثة وفي ثبوت ذلك كلام، نعم قوله صلى الله عليه وسلم

# " خبأت "

# ظاهر في أن هناك ما يخبأ في كف أو كم أو نحوهما والآية ما لم تكتب لا
~~تكون كذلك، ولهذا احتاج القائلون بأنه صلى الله عليه وسلم إنما أضمر له
~~الآية في قلبه إلى تأويل خبأت بأضمرت. ويمكن أن يقال على بعد: إن
~~الشياطين قد منعوا بعد البعثة عن السمع مطلقا بالشهب المحرقة لهم،
~~وإرجاع ضمير ms07717 { يلقون } إلى الشياطين ضعيف لأن المقام في بيان من
~~يتنزلون عليه لا بيان حالهم أو إلقاء سمعهم بمعنى إصغائهم إلى الملأ
~~الأعلى و { أكثرهم } بمعنى كلهم والتعبير به للإشارة إلى أن
~~الأكثرية المذكورة كافية في المقصود، والمراد يصغون ليسمعوا فلا يسمعون
~~إلا أنه أقيم { وأكثرهم كاذبون } مقام لا يسمعون أو إلقاء السمع بمعنى
~~إلقاء ما يسمعه الناس من الأفاكين إليهم ولا يلزم من ذلك أن يكونوا سمعوه
~~من الملائكة عليهم السلام إذ يجوز أن يكونوا اخترعوه من عند أنفسهم ظنا
~~وتخمينا وألقوه إلى أوليائهم ولا يبعد صدقهم في بعضه. والأمر في تسميته
~~مسموعا هين وما ورد في حديث «الصحيحين» وابن مردويه محمول على ما كان
~~قبل البعثة، ويقال: إنهم كانوا يسمعون في الجملة وقد يحمل ما في الآية
~~على ذلك وإليه ذهب بعضهم، وحمل خطف الكلمة فيه على حدسها بواسطة بعض
~~الأوضاع الفلكية ونحو ذلك ليجوز اعتبار كونه بعد البعثة مما لا أظن أحدا
~~يرتضيه، وليس في قصة ابن الصياد ما هو نص في أن ما قاله كان عن سمع من
~~الملائكة عليهم السلام ألقاه الشيطان إليه. وكأني بك تستبعد تحدث
~~الملائكة عليهم السلام في السماء بما أضمره صلى الله عليه وسلم وصعود
~~الشياطين حين السؤال من غير ريث واستراقهم ونزولهم في أسرع وقت بما أجاب
~~به ابن الصياد وما هو الأضرب من ضروب الكهانة.

# وتحقيق أمرها على ما ذكره الفاضل عبد الرحمن بن خلدون أن للنفس
~~الإنسانية استعدادا للانسلاخ عن البشرية إلى الروحانية التي فوقها ويحصل
~~من ذلك لمحة للبشر من صنف الأتقياء بما فطروا عليه من ذلك ولا يحتاجون
~~فيه إلى اكتساب ولا استعانة بشيء من المدارك ولا من التصورات ولا من
~~الأفعال البدنية كلاما أو حركة ولا بأمر من الأمور ويعطي التقسيم العقلي
~~أن ههنا صنفا آخر من البشر ناقصا عن رتبة هذا الصنف نقصان الضد عن ضده
~~الكامل وهو صنف من البشر مفطور على أن تتحرك قوته العقلية حركتها الفكرية
~~بالإرادة عندما يتبعها النزوع لذلك وهي ms07718 ناقصة عنه فيتشبث لأعمال الحيلة
~~بأمور جزئية محسوسة أو متخيلة كالأجسام الشفافة وعظام الحيوان وسجع
~~الكلام وما سنح من طير أو حيوان ويديم ذلك الإحساس والتخيل مستعينا به
~~في ذلك الانسلاخ الذي يقصده ويكون كالمشيع له وهذه القوة التي هي مبدأ في
~~هذا الصنف لذلك الإدراك هي الكهانة ولكون هذه النفوس مفطورة على النقص
~~والقصور عن الكمال كان إدراكها الجزئيات أكثر من إدراكها الكليات وتكون
~~مشتغلة بها غافلة عن الكليات ولذلك كثيرا ما تكون المتخيلة فيهم في غاية
~~القوة وتكون الجزئيات عندها حاضرة عتيدة وهي لها كالمرآة تنظر فيها
~~دائما ولا يقوى الكاهن على الكمال في إدراك المعقولات لأن نقصانه فطري
~~ووحيه شيطاني، وأرفع أحوال هذا الصنف أن يستعين بالكلام الذي فيه السجع
~~والموازنة / ليشتغل به عن الحواس ويقوى في الجملة على ذلك الانسلاخ
~~الناقص فيهجس في قلبه من تلك الحركة والذي يشيعها من ذلك الأجنبي ما
~~يقذف على لسانه وربما صدق ووافق الحق وربما كذب لأنه يتمم أمر نقصه
~~بأجنبي عن ذات المدارك ومباين لها غير ملائم فيعرض له الصدق والكذب
~~جميعا ويكون غير موثوق به وربما يفزع إلى الظنون والتخمينات حرصا على
~~الظفر بالإدراك بزعمه وتمويها على السائلين، ولما كان انسلاخ النبي
~~عليه الصلاة والسلام عن البشرية واتصاله بالملأ الأعلى من غير مشيع ولا
~~استعانة بأجنبي كان صادقا في جميع ما يأتي به وكان الصدق من خواص
~~النبوة، ولهذا

# " قال صلى الله عليه وسلم لابن الصياد حين سأله كاشفا عن حاله بقوله
~~عليه الصلاة والسلام: كيف يأتيك هذا الأمر؟ فقال: يأتيني صادق وكاذب: خلط
~~عليك الأمر "

# يريد عليه الصلاة والسلام نفي النبوة عنه بالإشارة إلى أنها مما لا
~~يعتبر فيه الكذب بحال، وإنما قيل: أرفع أحوال هذا الصنف السجع لأن معين
~~السجع أخف من سائر المعينات من المرئيات والمسموعات وتدل خفة المعين على
~~قرب ذلك الانسلاخ والاتصال والبعد فيه عن العجز في الجملة، ولا انحصار
~~لعلوم الكهان فيما يكون من الشياطين بل كما تكون من الشياطين تكون من ms07719
~~أنفسهم بانسلاخها انسلاخا غير تام واتصالها في الجملة بواسطة بعض
~~الأسباب بعالم لا تحجب عنه الحوادث المستقبلة وغيرها فانقطاع خبر السماء
~~بعد البعثة عن الشياطين بالرجم إن سلم لا يدل على انقطاع الكهانة. ثم إن
~~هؤلاء الكهان إذا عاصروا زمن النبوة فإنهم عارفون بصدق النبي ودلالة
~~معجزته ولأن لهم بعض الوجدان من أمر النبوة ولا يصدهم عن الإيمان ويدعوهم
~~إلى العناد إلا وساوس المطامع بحصول النبوة لهم كما وقع لأمية ابن أبي
~~الصلت فإنه كان يطمع أن يكون نبيا وكذا وقع لابن الصياد ومسيلمة
~~وغيرهما، وربما تنقطع تلك الأماني فيؤمنون أحسن إيمان كما وقع لطليحة
~~الأسدي وقارب بن الأسود وكان لهما في الفتوحات الإسلامية من الآثار ما
~~يشهد بحسن الإيمان، وذكر في بيان استعداد بعض الأشخاص أعم من أن يكونوا
~~كهانا أو غيرهم للإخبار بالأمور الغيبية قبل ظهورها كلاما طويلا،
~~حاصله أن النفس الإنسانية ذات روحانية ولها بذاتها الإدراك من غير واسطة
~~لكنها محجوبة عنه بالانغماس في البدن والحواس وشواغلها لأن الحواس أبدا
~~جاذبة لها إلى الظاهر بما فطرت عليه من الإدراك الجسماني وربما تنغمس عن
~~الظاهر إلى الباطن فيرتفع حجاب البدن لحظة إما بالخاصة التي هي للإنسان
~~على الإطلاق مثل النوم أو بالخاصة الموجودة في بعض الأشخاص كالكهنة أهل
~~السجع وأهل الطرق بالحصى والنوى والناظرين في الأجسام الشفافة من المرايا
~~والمياه وقلوب الحيوانات وأكبادها وعظامها وقد يلحق بهم المجانين أو
~~بالرياضة الدينية مثل أهل الكشف من الصوفية أو السحرية مثل أهل الكشف من
~~الجوكية فتلتفت حينئذ إلى الذوات التي فوقها من الملأ الأعلى لما بين
~~أفقها وأفقهم من الاتصال في الوجود وتلك الذوات إدراك محض وعقول بالفعل
~~وفيها صور الموجودات وحقائقها كما قرر في محله فيتجلى فيها شيء من تلك
~~الصور وتقتبس منها علما، وربما وقعت تلك الصور المدركة إلى الخيال
~~فيصرفها في القوالب المعتادة ثم تراجع الحس بما أدركت إما مجردا أو في
~~قوالبه فتخبر به انتهى.

# ولا يخفى أن فيه ذهابا إلى ما يقوله الفلاسفة في الملأ ms07720 الأعلى وكثيرا
~~ما يسمونه عالم المجردات وقد يسمونه عالم العقول وهي محصورة في المشهور
~~عنهم في عشرة ولا دليل لهم على هذا الحصر ولذا قال بعض متأخريهم بأنها لا
~~تكاد تحصى، وللمتكلمين والمحققين من السلف في ذلك كلام لا يتسع هذا
~~الموضع لذكره، وأنا أقول ولا ينكره إلا جهول: لله عز وجل / خواص في
~~الأزمنة والأمكنة والأشخاص ولا يبعد بعد انقطاع خبر السماء عن الشياطين
~~بالرجم أن يجعل لبعض النفوس الإنسانية خاصية التكلم بما يصدق كلا أو
~~بعضا مع اطلاع وكشف يفيد العلم بما أخبر به أو بدون ذلك بأن ينطقه
~~سبحانه بشيء فيتكلم به من غير علم بالمخبر به ويوافق الواقع. وقد اتفق لي
~~ذلك وعمري نحو خمسن سنين وذلك أني رجعت من الكتاب إلى البيت وشرعت ألعب
~~فيه على عادة الأطفال فنهتني والدتي رحمها الله تعالى عن ذلك وأمرتني
~~بالنوم لأستيقظ صباحا فأذهب إلى الكتاب فقلت لها: غدا يقتل الوزير ولا
~~أذهب إلى الكتاب وهو مما لا يكاد يمر بفكر فلم تلتفت إلى ذلك وأنامتني
~~فلما أصبحت تأهبت للذهاب فجاء ابن أخت لها وأسر إليها كلاما لم أسمعه
~~فتغير حالها ومنعتي عن الذهاب ولا أدري لم ذلك فأردت الخروج إلى الدرب
~~لألعب مع أمثالي فمنعتني أيضا فقعدت وهي مضطربة البال تطلب أحدا يخبرها
~~عن حال والدي عليه الرحمة حيث ذهب قبيل طلوع الشمس إلى المدرسة فخرجت إلى
~~الدرب على حين غفلة منها فوجدت الناس بين راكض ومسرع يتحدثون بأن الوزير
~~قتله بعض خدمه وهو في صلاة الفجر فرجعت إليها مسرعا مسرورا بصدق كلامي
~~وكنت قد أنسيته ولم يخطر ببالي حتى سمعت الناس يتحدثون بذلك.

# وفي «اليواقيت والجواهر» للشعراني عليه الرحمة في بحث الفرق بين المعجزة
~~والكهانة أن الكهانة كلمات تجري على لسان الكاهن ربما توافق وربما تخالف
~~وفيه شمة مما ذكرنا هذا والله تعالى أعلم.

# والظاهر على ما قيل أن قوله تعالى:

# هل أنبئكم

# [الشعراء: 221] الخ كلام مسوق منه تعالى لبيان تنزيه النبي صلى الله
~~عليه وسلم عن ms07721 أن يكون وحاشاه ممن تنزل عليه الشياطين وإبطال لقولهم في
~~القرآن إنه من قبيل ما يلقى إلى الكهنة، وفي «البحر» ما هو ظاهر في أنه
~~على معنى القول أي قل يا محمد هل أنبئكم الخ وهو مسوق للتنزيه والإبطال
~~المذكورين.

### || [26.224-225]

# وقوله تعالى: { والشعراء يتبعهم الغاوون } مسوق لتنزيهه
~~عليه الصلاة والسلام أيضا عن أن يكون وحاشاه من الشعراء وإبطال زعم
~~الكفرة أن القرآن من قبيل الشعر. والمتبادر منه الكلام المنظوم المقفى
~~ولذلك قال كثير من المفسرين: إنهم رموه عليه الصلاة والسلام بكونه آتيا
~~بشعر منظوم مقفى حتى تأولوا عليه ما جاء في القرآن مما يكون موزونا
~~بأدنى تصرف كقوله تعالى:

# ولا تقتلوا النفس التى حرم الله

# [الإسراء: 33] ويكون بهذا الاعتبار شطرا من الطويل وكقوله سبحانه:

# إن قرون كان من قوم موسى

# [القصص: 76] ويكون من المديد، وكقوله عز وجل:

# فأصبحوا لا يرى إلا مسكنهم

# [الأحقاف: 25] ويكون من البسيط، وقوله تبارك وتعالى:

# ألا بعدا لعاد قوم هود

# [هود: 60] ويكون من الوافر، وقوله جل وعلا:

# صلوا عليه وسلموا تسليما

# [الأحزاب: 56] ويكون من الكامل إلى غير ذلك مما استخرجوه منه من سائر
~~البحور، وقد استخرجوا منه ما يشبه البيت التام كقوله تعالى:

# ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم
~~مؤمنين

# [التوبة: 14].

# وتعقب ذلك بأنهم لم يقصدوا هذا المقصد فيما رموه به صلى الله عليه وسلم
~~إذ لا يخفى على الأغبياء من العجم فضلا عن بلغاء العرب أن القرآن الذي
~~جاء به صلى الله عليه وسلم ليس على أساليب الشعر وهم ما قالوا فيه عليه
~~الصلاة والسلام شاعر إلا لما جاءهم بالقرآن واستخراج ما ذكر ونحوه منه
~~ليس إلا لمزيد فصاحته وسلاسته ولم يؤت به لقصد النظم. ولو اعتبر في كون
~~الكلام شعرا إمكان استخراج كلام منظوم منه لكان كثير من الأطفال شعراء
~~فإن كثيرا / من كلامهم يمكن فيه ذلك، والظاهر أنهم إنما قصدوا رميه صلى
~~الله عليه وسلم بأنه وحاشاه ثم حاشاه يأتي بكلام مخيل لا حقيقة له، ولما
~~كان ذلك غالبا في الشعراء الذين ms07722 يأتون بالمنظوم من الكلام عبروا عنه
~~عليه الصلاة والسلام بشاعر وعما جاء به بالشعر، ومعنى الآية والشعراء
~~يجاريهم ويسلك مسلكهم ويكون من جملتهم الغاوون الضالون عن السنن الحائرون
~~فيما يأتون ومايذرون ولا يستمرون على وتيرة واحدة في الأفعال والأقوال
~~والأحوال لا غيرهم من أهل الرشد المهتدين إلى طريق الحق الثابتين عليه،
~~والحصر مستفاد من بناء { يتبعهم } الخ على الشعراء عند الزمخشري
~~كما قرره في تفسير قوله تعالى:

# الله يستهزىء بهم

# [البقرة: 15] وقوله سبحانه:

# والله يقدر اليل والنهار

# [المزمل: 20] ومن لا يرى الحصر في مثل هذا التركيب يأخذه من الوصف
~~المناسب أعني أن الغواية جعلت علة للاتباع فإذا انتفت انتفى وقوله تعالى:
~~{ ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون } استشهاد على أن
~~الشعراء إنما يتبعهم الغاوون وتقرير له. والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية
~~للإشارة إلى أن حالهم من الجلاء والظهور بحيث لا يختص برؤيته راء دون
~~راء. وضمير الجمع للشعراء أي ألم تر أن الشعراء في كل واد من أودية القيل
~~والقال وفي كل شعب من شعاب الوهم والخيال وفي كل مسلك من مسالك الغي
~~والضلال يهيمون على وجوههم لا يهتدون إلى سبيل معين من السبل بل يتحيرون
~~في سباسب الغواية والسفاهة ويتيهون في تيه الصلف والوقاحة ديدنهم تمزيق
~~الأعراض المحمية والقدح في الأنساب الطاهرة السنية والنسيب بالحرم والغزل
~~والابتهار والتردد بين طرفي الإفراط والتفريط في المدح والهجاء.

### || [26.226]

# من الأفاعيل غير مكترثين بما يستتبعه من اللوم فكيف يتوهم أن يتبعهم في
~~مسلكهم ذلك ويلحق بهم وينتظم في سلكهم من تنزهت ساحته عن أن يحوم حولها
~~شائبة الاتصاف بشيء من الأمور المذكورة واتصف بمحاسن الصفات الجليلة
~~وتخلق بمكارم الأخلاق الجميلة وحاز جميع الكمالات القدسية وفاز بجملة
~~الملكات السنية الانسية مستقرا على أقوم منهاج مستمرا على صراط مستقيم
~~لا يرى له العقل السليم من هاج ناطقا بكل أمر رشيد داعيا إلى صراط الله
~~تعالى العزيز الحميد مؤيدا بمعجزات قاهرة وآيات ظاهرة مشحونة بفنون
~~الحكم الباهرة وصنوف المعارف الباهرة مستقلة بنظم رائق ms07723 وأسلوب فائق أعجز
~~كل منطيق ماهر وبكت كل مفلق ساحر.

# هذا وقد قيل في تنزيهه صلى الله عليه وسلم عن أن يكون من الشعراء إن
~~أتباع الشعراء الغاوون وأتباعه عليه الصلاة والسلام ليسوا كذلك. وتعقب
~~بأنه لا ريب في أن تعليل عدم كونه صلى الله عليه وسلم منهم بكون أتباعه
~~عليه الصلاة والسلام غير غاوين مما لا يليق بشأنه العالي، وقيل: ضمير
~~الجمع للغاوين، وتعقب بأن المحدث عنهم الشعراء، وعن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أن الغاوين هم الرواية الذين يحفظون شعر الشعراء ويروونه
~~عنهم مبتهجين به. وفي رواية أخرى عنه أنهم الذين يستحسنون أشعارهم وإن لم
~~يحفظوها، وعن مجاهد وقتادة أنهم الشياطين. وروي عن ابن عباس أيضا أن
~~الآية نزلت في شعراء المشركين عبد الله بن الزبعري وهبيرة بن وهب
~~المخزومي ومسافع بن عبد مناف وأبو عزة الجمحي وأمية بن أبي الصلت قالوا:
~~نحن نقول مثل قول محمد وكانوا يهجونه ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم
~~يستمعون أشعارهم وأهاجيهم وهم الغاوون الذين يتبعونهم. وأخرج ابن جرير
~~وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضا أنه قال: تهاجى رجلان على عهد رسول
~~/ الله صلى الله عليه وسلم أحدهما من الأنصار والآخر من قوم آخرين، وكان
~~مع كل واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء فأنزل الله تعالى

# والشعراء

# [الشعراء: 224] الآيات وفي القلب من صحة الخبر شيء، والظاهر من السياق
~~أنها نزلت للرد على الكفرة الذين قالوا في القرآن ما قالوا.

# وقرأ عيسى بن عمر { والشعراء } بالنصب على الاشتغال. وقرأ السلمي والحسن
~~بخلاف عنه { يتبعهم } مخففا. وقرأ الحسن وعبد الوارث عن أبي عمرو {
~~يتبعهم } بالتشديد وتسكين العين تخفيفا وقد قالوا: عضد بسكون الضاد
~~فغيروا الضمة واقعة بعد الفتحة فلأن يغيروها واقعة بعد الكسرة أولى، وروى
~~هارون فتح العين عن بعضهم، واستشكله أبو حيان، وقيل: إنه للتخفيف أيضا،
~~واختياره على السكون لحصول الغرض به مع أن فيه مراعاة الأصل في الجملة
~~لما بين الحركتين من المشاركة الجنسية ولا كذلك ما بين الضم والسكون ms07724 وهو
~~غريب كما لا يخفى.

### || [26.227]

# { إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت وذكروا
~~الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا } استثناء
~~للشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله عز وجل ويكون أكثر
~~أشعارهم في التوحيد والثناء على الله سبحانه وتعالى والحث على الطاعة
~~والحكمة والموعظة والزهد في الدنيا والترهيب عن الركون إليها والاغترار
~~بزخارفها والافتتان بملاذها الفانية والترغيب فيما عند الله تعالى ونشر
~~محاسن رسوله صلى الله عليه وسلم ومدحه وذكر معجزاته ليتغلغل حبه في
~~سويداء قلوب السامعين وتزداد رغباتهم في اتباعه ونشر مدائح آله وأصحابه
~~وصلحاء أمته لنحو ذلك ولو وقع منهم في بعض الأوقات هجو وقع بطريق
~~الانتصار ممن هجاهم من غير اعتداء ولا زيادة كما يشير إليه قراءة بعضهم {
~~وانتصروا بمثل ما ظلموا }.

# وقيل: المراد بالمستثنين شعراء المؤمنين الذين كانوا ينافحون عن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم ويكافحون هجاة المشركين، واستدل لذلك بما أخرج
~~عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة إن هذه الآية نزلت في رهط من
~~الأنصار هاجوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم كعب بن مالك وعبد
~~الله بن رواحة وحسان بن ثابت وعن السدي نحوه، وبما أخرج جماعة عن أبي
~~حسن سالم البراد أنه قال: لما نزلت

# والشعراء

# [الشعراء: 224] الآية جاء عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك
~~وهم يبكون فقالوا: يا رسول الله لقد أنزل الله تعالى هذه الآية وهو يعلم
~~أنا شعراء هلكنا فأنزل الله تعالى { إلا الذين ءامنوا } الخ
~~فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاها عليهم. وأنت تعلم أن العبرة
~~لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ قوله تعالى: { إلا الذين آمنوا } إلى آخر
~~الصفات فقال: هم أبو بكر وعمر وعلي وعبد الله بن رواحة ولعله من باب
~~الاقتصار على بعض ما يدل عليه اللفظ فقد جاء عنه في بعض الروايات ما يشعر
~~بالعموم.

# هذا واستدل بالآية على ذم الشعر ms07725 والمبالغة في المدح والهجو وغيرهما من
~~فنونه وجوازه في الزهد والأدب ومكارم الأخلاق وجواز الهجو لمن ظلم
~~انتصارا كذا قيل، واعلم أن الشعر باب من الكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح،
~~وفي الحديث:

# " إن من الشعر لحكمة "

# وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعر وأجاز عليه

# " وقال عليه الصلاة والسلام لحسان رضي الله تعالى عنه: اهجهم يعني
~~المشركين فإن روح القدس سيعينك "

# وفي رواية:

# " اهجهم وجبريل معك "

# / وأخرج ابن سعد عن ابن بريدة أن جبريل عليه السلام أعان حسانا على
~~مدحته النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين بيتا، وأخرج أحمد والبخاري في
~~«التاريخ» وأبو يعلى وابن مردويه

# " عن كعب بن مالك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى أنزل
~~في الشعراء ما أنزل فكيف ترى فيه؟ فقال: إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه
~~والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل "

# ، وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وهم في سفر أين حسان بن ثابت
~~فقال: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: خذ فجعل ينشده ويصغي إليه حتى فرغ
~~من نشيده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لهذا أشد عليهم من وقع
~~النبل "

# ويروى عن هشام بن عروة عن أبيه عن

# " عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى لحسان بن
~~ثابت منبرا في المسجد ينشد عليه الشعر "

# وأخرج الديلمي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعا الشعراء الذين
~~يموتون في الإسلام يأمرهم الله تعالى أن يقولوا شعرا يتغنى به الحور
~~العين لأزواجهن في الجنة والذين ماتوا في الشرك يدعون بالويل والثبور في
~~النار، وقد أنشد كل من الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم أجمعين
~~الشعر، وكذا كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فمن شعر أبي بكر رضي
~~الله تعالى عنه:

# أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث

# أرقت وأمر في العشيرة حادث

# ترى من لؤى فرقة لا يصدها

# عن الكفر تذكير ولا ms07726 بعث باعث

# رسول أتاهم صادق فتكذبوا

# عليه وقالوا لست فينا بماكث

# ولما دعوناهم إلى الحق أدبروا

# وهروا هرير المجحرات اللواهث

# فكم قد مثلنا فيهم بقرابة

# وترك التقي شيء لهم غير كارث

# فإن يرجعوا عن كفرهم وعقوقهم

# فما طيبات الحل مثل الخبائث

# وإن يركبوا طغيانهم وضلالهم

# فليس عذاب الله عنهم بلابث

# ونحن أناس من ذؤابة غالب

# لنا العز منها في الفروع الأثائث

# فأولى برب الراقصات عشية

# حراجيج تخدي في السريح الرثائث

# كأدم ظباء حول مكة عكف

# يردن حياض البئر ذات النبائث

# لئن لم يفيقوا عاجلا من ضلالهم

# ولست إذا ءاليت يوما بحانث

# لتبتدرنهم غارة ذات مصدق

# تحرم أطهار النساء الطوامث

# تغادر قتلى يعصب الطير حولهم

# ولا ترأف الكفار رأف ابن حارث

# فأبلغ بني سهم لديك رسالة

# وكل كفور يبتغي الشر باحث

# فإن تشعثوا عرضي على سوء رأيكم

# فإني من أعراضكم غير شاعث

# ومن شعر عمر رضي الله تعالى عنه وكان من أنقد أهل زمانه للشعر وأنفذهم
~~فيه معرفة:

# توعدني كعب ثلاثا يعدها

# ولا شك أن القول ما قاله كعب

# وما بي خوف الموت إني لميت

# ولكن خوف الذنب يتبعه الذنب

# / وقوله يروى للأعور الثنى:

# هون عليك فإن الأمور

# بكف الإله مقاديرها

# فليس بآتيك منهيها

# ولا قاصر عنك مأمورها

# ومنه وقد لبس بردا جديدا فنظر الناس إليه، ويروى لورقة بن نوفل من
~~أبيات:

# لا شي مما ترى تبقى بشاشته

# يبقى الإله ويفنى المال والولد

# لم تغن عن هرمز يوما خزائنه

# والخلد حاوله عاد فما خلدوا

# ولا سلميان إذ تجري الرياح له

# والإنس والجن فيما بينها ترد

# حوض هنا لك مورود بلا كذب

# لا بد من ورده يوما كما وردوا

# ومن شعر عثمان رضي الله تعالى عنه:

# غنى النفس يغني النفس حتى يكفها

# وإن عضها حتى يضر بها الفقر

# ومن شعر علي كرم الله تعالى وجهه وكان مجودا حتى قيل: إنه أشعر الخلفاء
~~رضي الله تعالى عنهم يذكر همدان ونصرهم إياه في صفين:

# ولما رأيت الخيل تزحم بالقنا

# نواصيها حمر النحور دوامي

# وأعرض ms07727 نقع في السماء كأنه

# عجاجة دجن ملبس بقتام

# ونادى ابن هند في الكلاع وحمير

# وكندة في لخم وحي جذام

# تيممت همدان الذين هم هم

# إذا ناب دهر جنتي وسهامي

# فجاوبني من خيل همدان عصبة

# فوارس من همدان غير لئام

# فخاضوا لظاها واستطاروا شرارها

# وكانوا لدى الهيجا كشرب مدام

# فلو كنت بوابا على باب جنة

# لقلت لهمدان ادخلوا بسلام

# وقد جمعوا ما نسب إليه رضي الله تعالى عنه من الشعر في ديوان كبير ولا
~~يصح منه إلا اليسير، ومن شعر ابنه الحسن رضي الله تعالى عنهما وقد خرج
~~على أصحابه مختضبا:

# نسود أعلاها وتأبى أصولها

# فليت الذي يسود منها هو الأصل

# ومن شعر الحسين رضي الله تعالى عنه وقد عاتبه أخوه الحسن رضي الله تعالى
~~عنه في امرأته:

# لعمرك إنني لأحب دارا

# تحل بها سكينة والرباب

# أحبهما وأبذل جل مالي

# وليس للائمي عندي عتاب

# ومن شعر فاطمة رضي الله تعالى عنها قالته يوم وفاة أبيها عليه الصلاة
~~والسلام:

# ماذا على من شم تربة أحمد

# أن لا يشم مدى الزمان غواليا

# صبت علي مصائب لو أنها

# صبت على الأيام صرن لياليا

# ومن شعر العباس رضي الله تعالى عنه يوم حنين يفتخر بثبوته مع رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم:

# ألا هل أتى عرسي مكري وموقفي

# بوادي حنين والأسنة تشرع

# وقولي إذا ما النفس جاشت لها قرى

# وهام تدهدي والسواعد تقطع

# وكيف رددت الخيل وهي مغيرة

# بزوراء تعطي باليدين وتمنع

# نصرنا رسول الله في الحرب سبعة

# وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا

# ومن شعر ابنه عبد الله رضي الله تعالى عنهما:

# إذا طارقات الهم ضاجعت الفتى

# وأعمل فكر الليل والليل عاكر

# وباكرني في حاجة لم يجد لها

# سواي ولا من نكبة الدهر ناصر

# فرجت بمالي همه من مقامه

# وزايله هم طروق مسامر

# وكان له فضل علي بظنه

# بي الخير أني للذي ظن شاكر

# وهلم جرا إلى حيث شئت، وليس من بني عبد المطلب كما قيل رجالا ولا نساء
~~من لم يقل الشعر ms07728 حاشا النبي صلى الله عليه وسلم ليكون ذلك أبلغ في أمره
~~عليه الصلاة والسلام، ولأجلة التابعين ومن بعدهم من أئمة الدين وفقهاء
~~المسلمين شعر كثير أيضا، ومن ذلك قول الشافعي رضي الله تعالى عنه:

# ومتعب العيس مرتاح إلى بلد

# والموت يطلبه في ذلك البلد

# وضاحك والمنايا فوق هامته

# لو كان يعلم غيبا مات من كمد

# من كان لم يؤت علما في بقاء غد

# فما يفكر في رزق لبعد غد

# والاستقصاء في هذا الباب يحتاج إلى إفراده بكتاب وفيما ذكر كفاية، وقد
~~مدحه أيضا غير واحد من الأجلة فعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى
~~أبي موسى الأشعري مر من قبلك بتعلم الشعر فإنه يدل على معالي الأخلاق
~~وصواب الرأي ومعرفة الأنساب، وعن علي كرم الله تعالى وجهه الشعر ميزان
~~العقول. وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: إذا قرأتم شيئا من
~~كتاب الله تعالى فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب فإن الشعر ديوان
~~العرب، وما أخرجه أحمد وابن أبي شيبة عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه
~~قال: بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عرض شاعر ينشد
~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

# " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتلىء شعرا "

# حمله الشافعي عليه الرحمة على الشعر المشتمل على الفحش، وروي نحوه عن
~~عائشة رضي الله تعالى عنها، فقد أخرج الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس
~~عن عائشة أنه بلغها أن أبا هريرة يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
~~«لأن يمتلىء جوف أحدكم» الحديث فقالت: رحم الله تعالى أبا هريرة إنما قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلىء شعرا "

# من الشعر الذي هجيت به يعني نفسه الشريفة عليه الصلاة والسلام ذكر ذلك
~~المرشدي في «فتاواه» نقلا عن كتاب «بستان الزاهدين»، ولا يخفى أنه يبعد
~~الحمل المذكور التعبير بيمتلىء فإن الكثير والقليل مما فيه فحش أو هجو
~~لسيد ms07729 الخلق صلى الله عليه وسلم سواء، وما أحسن قول الماوردي: الشعر في
~~كلام العرب مستحب ومباح ومحظور فالمستحب ما حذر من الدنيا ورغب في الآخرة
~~وحث على مكارم الأخلاق والمباح ما سلم من فحش أو كذب والمحظور نوعان كذب
~~وفحش وهما جرح في قائله وأما منشده فإن حكاه اضطرارا لم يكن جرحا أو
~~اختيارا جرح، وتبعه على ذلك الروياني وجعل الروياني ما فيه الهجو لمسلم
~~سواء كان بصدق أو كذب من المحظور أيضا، ووافقه جماعة إلا أن إثم الصادق
~~أخف من إثم الكاذب كما قال القمولي.

# وإثم الحاكي / على ما قال الرافعي دون إثم المنشد، وقال الأذرعي: ليس
~~هذا على إطلاقه بل إذا استوى الحاكي والمنشد أما إذا أنشده ولم يذعه
~~فأذاعه الحاكي فإثمه أشد بلا شك، واحترز بقيد المسلم عما فيه الهجو لكافر
~~فإن فيه تفصيلا.

# وفصل بعضهم ما فيه الهجو لمسلم أيضا وذلك أن كثيرا من العلماء أطلقوا
~~جواز هجو الكافر استدلالا بأمره صلى الله عليه وسلم حسانا ونحوه بهجو
~~المشركين، وقال بعضهم: محل ذلك الكفار على العموم وكذا المعين الحربي
~~ميتا كان أو حيا حيث لم يكن له قريب معصوم يتأذى به، وأما الذمي أو
~~المعاهد أو الحربي الذي له قريب ذمي أو مسلم يتأذى به فلا يجوز هجوه كما
~~قاله الأذرعي وابن العماد وغيرهما؛ وقالوا: إن هجو حسان وإن كان في معين
~~لكنه في حربي، وعلى التنزل فهو ذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فيكون من القرب فضلا عن المباحات، وألحق الغزالي وتبعه جمع المبتدع
~~بالحربي فيجوز هجوه ببدعته لكن لمقصد شرعي كالتحذير من حجهته، وجوز ابن
~~العماد هجو المرتد دون تارك الصلاة والزاني المحصن، وما قاله في المرتد
~~واضح لأنه كالحربي بل أقبح وفي الأخيرين محله حيث لم يتجاهر أما
~~المتجاهر بفسقه فيجوز هجوه بما تجاهر به فقط لجواز غيبته بذلك فقط. وقال
~~البلقيني: الأرجح تحريم هجو المتجاهر المذكور لا لقصد زجره لأنه قد يتوب
~~وتبقى وصمة الشعر السائر عليه ولا كذلك الكافر ms07730 إذا أسلم. ورد بأن مجاهرته
~~بالمعصية وعدم مبالاته بالناس وكلامهم فيه صيراه غير محترم ولا مراعى فهو
~~المهدر لحرمة نفسه بالنسبة لما تجاهر به فلم يبال ببقاء تلك الوصمة عليه.
~~نعم لو قيل بحرمة إنشاده بعد التوبة إذا كان يتأذى به هو أو قريبة المسلم
~~أو الذمي أو بعد موته إذا كان يتأذى به من ذكر لم يبعد.

# وذكر جماعة أن من جملة المحظور أيضا ما فيه تشبيب بغلام ولو غير معين
~~مع ذكر أنه يعشقه أو بامرأة أجنبية معينة وإن لم يذكرها بفحش أو بامرأة
~~مبهمة مع ذكرها بالفحش ولم يفرقوا بين إنشاء ذلك وإنشاده، واعتبر بعضهم
~~التعيين في الغلام كالمرأة فلا يحرم التشبيب بمبهم.

# قال الأذرعي وهو الأقرب والأول ضعيف جدا، وقال أيضا: يجب القطع بأنه
~~إذا شبب بحليلته ولم يذكر سوى المحبة والشوق أو ذكر شيئا من التشبيهات
~~الظاهرة أنه لا يضر وكذا إذا ذكر امرأة مجهولة ولم يذكر سوءا. وفي
~~«الإحياء» ((في حرمة التشبيب بنحو وصف الخدود والأصداغ وسائر أوصاف
~~النساء نظر، والصحيح أنه لا يحرم نظمه ولا إنشاده بصوت وغير صوت، وعلى
~~المستمع أن [لا] ينزله على امرأة معينة فإن نزله على حليلته جاز أو على
~~غيرها فهو العاصي بالتنزيل ومن هذا وصفه فينبغي أن يجتنب السماع))، وذكر
~~بعض الفضلاء أن ما يحرم إنشاؤه قد لا تحرم روايته فإن المغازي روي فيها
~~قصائد الكفار الذين هاجوا فيها الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولم ينكر ذلك
~~أحد،

# " وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم أذن في الشعر الذي تقاولت به الشعراء
~~في يومي بدر وأحد وغيرهما إلا قصيدة ابن أبي الصلت الحائية انتهى "

# ، قال الأذرعي: ولا شك في هذا إذا لم يكن فيه فحش ولا أذى لحي ولا ميت
~~من المسلمين ولم تدع حاجة إليه، وقد ذم العلماء جريرا والفرزدق في
~~تهاجيهما ولم يذموا من استشهد بذلك على إعراب وغيره من علم اللسان، ويجب
~~حمل كلام الأئمة على غير ذلك مما هو عادة أهل اللعب والبطالة ms07731 وعلى إنشاد
~~شعر شعراء العصر إذا كان إنشاؤه حراما إذ ليس فيه إلا أذى أو وقيعة في
~~الأحياء / أو إساءة الأحياء في أمواتهم أو ذكر مساوي الأموات وغير ذلك
~~وليس مما يحتج به في اللغة ولا غيرها فلم يبق إلا اللعب بالأعراض، وزاد
~~بعض حرمة شعر فيه تعريض وجعل التعريض في الهجو كالتصريح وله وجه وجيه.

# وقال آخر: إن ما فيه فخر مذموم وقليله ككثيره، والحق أن ذلك إن تضمن
~~غرضا شرعيا فلا بأس به، وللسلف شعر كثير من ذلك وقد تقدم لك بعض منه،
~~وحمل الأكثرون الخبر السابق على ما إذا غلب عليه الشعر وملك نفسه حتى
~~اشتغل به عن القرآن والفقه ونحوهما ولذلك ذكر الامتلاء، والحاصل أن
~~المذموم امتلاء القلب من الشعر بحيث لا يتسع لغيره ولا يلتفت إليه. وليس
~~في الخبر ذم إنشائه ولا إنشاده لحاجة شرعية وإلا لوقع التعارض بينه وبين
~~الأخبار الصحيحة الدالة على حل ذلك وهي أكثر من أن تحصى وأبعد من أن تقبل
~~التأويل كما لا يخفى. وما روي عن الإمام الشافعي من قوله:

# ولولا الشعر بالعلماء يزري

# لكنت اليوم أشعر من لبيد

# محمول على نحو ما حمل الأكثرون الخبر عليه وإلا فما قاله شعر، وفي معناه
~~قول شيخنا علاء الدين علي أفندي تغمده الله تعالى برحمته مخاطبا خاتمة
~~الوزراء في الزوراء داود باشا من أبيات:

# ولو لداعيه يرضى الشعر منقبة

# لقمت ما بين منشيه ومنشده

# هذا وسيأتي إن شاء الله تعالى كلام يتعلق بهذا البحث أيضا عند الكلام
~~في قوله تعالى:

# وما علمنه الشعر وما ينبغى له

# [يس: 69] ومن اللطائف أن سليمان بن عبد الملك سمع قول الفرزدق:

# فبتن بجانبي مصرعات

# وبت أفض أغلاق الختام

# فقال له قد وجب عليك الحد فقال يا أمير المؤمنين: قد درأ الله تعالى عني
~~الحد بقوله سبحانه:

# وأنهم يقولون ما لا يفعلون

# [الشعراء: 226].

# { وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون }
~~تهديد شديد ووعيد أكيد لما في { سيعلم } من تهويل متعلقه وفي { الذين
~~ظلموا } من الإطلاق والتعميم، وقد ms07732 كان السلف الصالح يتواعظون بها،
~~وختم بها أبو بكر رضي الله تعالى عنه وصيته حين عهد لعمر رضي الله تعالى
~~عنه وذلك أنه أمر عثمان رضي الله تعالى عنه أن يكتب في مرض موته حينئذ
~~بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة عند آخر
~~عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة في الحال التي يؤمن فيها الكافر ويتقي
~~فيها الفاجر ويصدق فيها الكاذب أني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن
~~يعدل فذاك ظني به ورجائي فيه وأن يجر ويبدل فلا علم لي بالغيب والخير
~~أردت ولكل امرىء ما اكتسب { وسيعلم الذين ظلموا أي
~~منقلب ينقلبون }.

# وتفسير الظلم بالكفر وإن كان شائعا في عدة مواضع من القرآن الكريم إلا
~~أن الأنسب على ما قيل هنا الإطلاق لمكان قوله تعالى: { من بعد ما
~~ظلموا } وقال الطيبي: سياق الآية بعد ذكر المشركين الذين آذوا رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم وما لقي منهم من الشدائد كما مر من أول السورة
~~يؤيد تفسير الظلم بالكفر. وروى محي السنة الذين ظلموا أشركوا وهجوا رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم. وقرأ ابن عباس. وابن أرقم عن الحسن { أي منفلت
~~ينفلتون } بالفاء والتاء الفوقية من الانفلات بمعنى النجاة، والمعنى إن
~~الظالمين يطمعون أن ينفلتوا من عذاب الله تعالى وسيعلمون أن ليس لهم وجه
~~من وجوه الانفلات { وسيعلم } هنا معلقة وأي استفهام مضاف إلى {
~~منقلب } والناصب له { ينقلبون } ، والجملة سادة مسد المفعولين
~~كذا في «البحر». / وقال أبو البقاء: أي منقلب مصدر نعت لمصدر محذوف
~~والعامل { ينقلبون } أي ينقلبون انقلابا أي منقلب ولا يعمل فيه
~~(يعلم) لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله: وتعقب بأنه تخليط لأن أيا
~~إذا وصف بها لم تكن استفهاما. وقد صرحوا بأن الموصوف بها قسيم
~~الاستفهامية، وتحقيق انقسام - أي - يطلب من «كتب النحو» والله تعالى
~~أعلم.

# ومما قيل في بعض الآيات من باب الإشارة:

# طسم

# [الشعراء: 1] قال الجنيد: الطاء طرب التائبين في ميدان الرحمة، والسين
~~سرور العارفين في ميدان ms07733 الوصلة، والميم مقام المحبين في ميدان القربة،
~~وقيل: الطاء طهارة القدم من الحدثان والسين سناء صفاته تعالى التي تكشف
~~في مرايا البرهان، والميم مجده سبحانه الذي ظهر بوصف البهاء في قلوب أهل
~~العرفان. وقيل: الطاء طهارة قلب نبيه صلى الله عليه وسلم عن تعلقات
~~الكونين، والسين سيادته صلى الله عليه وسلم على الأنبياء والمرسلين عليهم
~~السلام، والميم مشاهدته عليه الصلاة والسلام جمال رب العالمين، وقيل:
~~الطاء شجرة طوبى والسين سدرة المنتهى والميم محمد صلى الله عليه وسلم،
~~وقيل غير ذلك

# لعلك بخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين

# [الشعراء: 3] الخ فيه إشارة إلى كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته
~~وأن الحرص على إيمان الكافر لا يمنع سوابق الحكم

# وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظلمين *
~~قوم فرعون ألا يتقون

# [الشعراء: 10-11] إلى آخر القصة فيه إشارة إلى حسن التعاضد في المصالح
~~الدينية والتلطف بالضال في إلزامه بالحجج القطعية وأنه لا ينبغي عدم
~~الاحتفال بمن ربيته صغيرا ثم رأيته وقد منحه الله تعالى ما منحه من فضله
~~كبيرا، وقال بعضهم: إن فيه إشارة إلى ما في الأنفس وجعل موسى إشارة إلى
~~موسى القلب وفرعون إشارة إلى فرعون النفس وقومه إشارة إلى الصفات
~~النفسانية وبني إسرائيل إشارة إلى الصفات الروحانية والفعلة إشارة إلى
~~قتل قبطي الشهوة والعصا إشارة إلى عصا الذكر أعني لا إله إلا الله واليد
~~إشارة إلى يد القدرة وكونها بيضاء إشارة إلى كونها مؤيدة بالتأييد الإلهي
~~والناظرين إشارة إلى أرباب الكشف الذين ينظرون بنور الله تعالى والسحرة
~~إشارة إلى الأوصاف البشرية والأخلاق الردية والناس إشارة إلى الصفات
~~الناسوتية والأجر إشارة إلى الحظوظ الحيوانية والحبال إشارة إلى حبال
~~الحيل والعصي إشارة إلى عصي التمويهات والمخيلات والمدائن إشارة إلى
~~أطوار النفس وهكذا. وعلى هذا الطريق سلكوا في الإشارة في سائر القصص،
~~فجعلوا إبراهيم إشارة إلى القلب وأباه وقومه إشارة إلى الروح وما يتولد
~~منها والأصنام إشارة إلى ما يلائم الطباع من العلويات والسفليات وهكذا
~~مما لا يخفى على من له ms07734 قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وللشيخ الأكبر قدس
~~سره في هذه القصص كلام عجيب من أراده فليطلبه في «كتبه» وهو قدس سره ممن
~~ذهب إلى أن خطيئة إبراهيم عليه السلام التي أرادها بقوله:

# والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين

# [الشعراء: 82] كانت إضافة المرض إلى نفسه في قوله:

# وإذا مرضت فهو يشفين

# [الشعراء: 80] وقد ذكر قدس سره أنه اجتمع مع إبراهيم عليه السلام فسأله
~~عن مراده بها فأجابه بما ذكر. وقال في باب أسرار الزكاة من «الفتوحات» إن
~~قول الرسول

# إن أجرى إلا على رب العلمين

# [الشعراء: 109] لا يقدح في كمال عبوديته فإن قوله ذلك لأن يعلم أن كل
~~عمل خالص يطلب الأجر بذاته وذلك لا يخرج العبد عن أوصاف العبودية فإن
~~العبد في صورة الأجير وليس بأجير حقيقة إذ لا يستأجر السيد عبده بل
~~يستأجر / الأجنبي وإنما العمل نفسه يقتضي الأجرة وهو لا يأخذها وإنما
~~يأخذها العامل وهو العبد فهو قابض الأجرة من الله تعالى فأشبه الأجير في
~~قبض الأجرة وخالفه بالاستئجار اه. وحقق أيضا ذلك في الباب السادس عشر
~~والثلاثمائة من «الفتوحات»، وذكر في الباب السابع عشر والأربعمائة منها
~~أن أجر كل نبي يكون على قدر ما ناله من المشقة الحاصلة له من المخالفين

# وما تنزلت به الشيطين * وما ينبغى لهم وما
~~يستطيعون * إنهم عن السمع لمعزولون

# [الشعراء: 210212] فيه إشارة إلى أنه ليس للشيطان قوة حمل القرآن لأنه
~~خلق من نار وليس لها قوة حمل النور ألا ترى أن نار الجحيم كيف تستغيث عند
~~مرور المؤمن عليها وتقول: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي ولنحو ذلك ليس
~~له قوة على سمعه، وهذا بالنسبة إلى أول مراتب ظهوره فلا يرد أنه يلزم على
~~ما ذكر أن الشياطين لا يسمعون آيات القرآن إذا تلوناها ولا يحفظونها وليس
~~كذلك. نعم ذكر أنهم لا يقدرون أن يسمعوا آية الكرسي وآخر البقرة وذلك
~~لخاصية فيهما

# وأنذر عشيرتك الأقربين

# [الشعراء: 214] فيه إشارة إلى أن النسب إذا لم ينضم إليه الإيمان لا ms07735
~~ينفع شيئا، ولما كان حجاب القرابة كثيفا أمر صلى الله عليه وسلم بإنذار
~~عشيرته الأقربين

# واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين

# [الشعراء: 215] هم أهل النسب المعنوي الذي هو أقرب من النسب الصوري كما
~~أشار إليه ابن الفارض قدس سره بقوله:

# نسب أقرب في شرع الهوى

# بيننا من نسب من أبوي

# وأنا أحمد الله تعالى كما هو أهله على أن جعلني من الفائزين بالنسبين
~~حيث وهب لي الإيمان وجعلني من ذرية سيد الكونين صلى الله عليه وسلم فها
~~أنا من جهة أم أبي من ذرية الحسن ومن جهة أبي من ولد الحسين رضي الله
~~تعالى عنهما.

# نسب كأن عليه من شمس الضحى

# نورا ومن فلق الصباح عمودا

# والله عز وجل هو ولي الإحسان المتفضل بصنوف النعم على نوع الإنسان
~~والصلاة والسلام على سيد العالمين وآله وصحبه أجمعين.

### | [27 - سورة النمل]

### || [27.1]

# { طس } قرىء بالإمالة وعدمها، والكلام فيه كالكلام في نظائره من
~~الفواتح. { تلك } إشارة إلى السورة المذكورة، وأداة البعد للإشارة إلى
~~بعد المنزلة في الفضل والشرف أو إلى / الآيات التي تتلى بعد نظير الإشارة
~~في قوله تعالى:

# الم ذلك الكتاب

# [البقرة: 1-2] أو إلى مطلق الآيات، ومحله الرفع على الابتداء خبره قوله
~~تعالى: { ءايت القرءان } والجملة مستأنفة أو خبر لقوله تعالى: {
~~طس } وإضافة { ءايت } إلى { القرءان } لتعظيم شأنها فإن المراد
~~به المنزل المبارك المصدق لما بين يديه الموصوف بالكمالات التي لا نهاية
~~لها، ويطلق على كل المنزل عليه صلى الله عليه وسلم للإعجاز وعلى بعض منه،
~~وجوز هنا إرادة كل من المعنيين وإذا أريد الثاني فالمراد بالبعض جميع
~~المنزل عند نزول السورة.

# وقوله تعالى: { وكتب مبين } عطف على { القرءان } والمراد
~~به القرآن وعطفه عليه مع اتحاده معه في الصدق كعطف إحدى الصفتين على
~~الأخرى كما في قولهم: هذا فعل السخي والجواد الكريم، وتنوينه للتفخيم، و
~~{ المبين } إما من أبان المتعدي أي مظهر ما في تضاعيفه من الحكم
~~والأحكام وأحوال القرون الأولى وأحوال الآخرة التي من جملتها الثواب
~~والعقاب أو سبيل الرشد ms07736 والغي أو نحو ذلك، والمشهور في أمثال هذا الحذف
~~أنه يفيد العموم، وإما من أبان اللازم بمعنى بان أي ظاهر الإعجاز أو ظاهر
~~الصحة للإعجاز، وهو على الاحتمالين صفة مادحة لكتاب مؤكدة لما أفاده
~~التنوين من الفخامة.

# ولما كان في التنكير نوع من الفخامة وفي التعريف نوع آخر وكان الغرض
~~الجمع للاستيعاب الكامل عرف القرآن ونكر الكتاب وعكس في الحجر [1]، وقدم
~~المعرف في الموضعين لزيادة التنويه، ولما عقبه سبحانه بالحديث عن الخصوص
~~ههنا قدم كونه قرآنا لأنه أدل على خصوص المنزل على محمد صلى الله عليه
~~وسلم للإعجاز كذا في «الكشف». وقال بعض الأجلة: قدم الوصف الأول ههنا
~~نظرا إلى حال تقدم القرآنية على حال الكتابية، وعكس هنالك لأن المراد
~~تفخيمه من حيث اشتماله على كمال جنس الكتب الإلهية حتى كأنه كلها ومن حيث
~~كونه ممتازا عن غيره نسيج وحده بديعا في بابه والإشارة إلى امتيازه عن
~~سائر الكتب بعد التنبيه على انطوائه على كمالات غيره من الكتب أدخل في
~~المدح لئلا يتوهم من أول الأمر أن امتيازه عن غيره لاستقلاله بأوصاف خاصة
~~به من غير اشتماله على نعوت كمال سائر الكتب الكريمة، وفي هذا حمل أل على
~~الجنس في الكتاب. والظاهر أنها في { القرءان } للعهد فيختلف معناها
~~في الموضعين وإليه يشير ظاهر كلام «الكشاف» كما قيل، واعتذر له بأنه إذا
~~رجع المعنيان إلى التفخيم فلا بأس بمثل هذا الاختلاف، وجوز أن تكون في
~~الموضعين للعهد وأن تكون فيهما للجنس فتأمل، وقيل: إن اختصاص كل من
~~الموضعين بما اختص به من تعيين الطريق.

# وجوز أن يراد بالكتاب اللوح المحفوظ وإبانته أنه خط فيه ما هو كائن إلى
~~يوم القيامة فهو يبينه للناظرين فيه، وتأخيره هنا عن القرآن باعتبار تعلق
~~علمنا به وتقديمه في الحجر عليه باعتبار الوجود الخارجي فإن القرآن بمعنى
~~المقروء لنا مؤخر عن اللوح المحفوظ ولا يخفى أن إرادة غير اللوح من
~~الكتاب أظهر. وقال بعضهم: لا يساعد إرادة اللوح منه ههنا إضافة الآيات
~~إليه إذ لا عهد ms07737 باشتماله على الآيات ولا وصفه بالهداية والبشارة إذ هما
~~باعتبار إبانته فلا بد من اعتبارها بالنسبة إلى الناس الذين من جملتهم
~~المؤمنون لا إلى الناظرين فيه.

# وقرأ ابن أبي عبلة { وكتب مبين } برفعهما، وخرج على حذف
~~المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي وآيات كتاب، وقيل: يجوز عدم اعتبار
~~الحذف والكتاب لكونه مصدرا في الأصل يجوز الإخبار به عن المؤنث، وقيل:
~~رب شيء يجوز تبعا ولا يجوز استقلالا ألا ترى أنهم حظروا جاءتني زيد
~~وأجازوا جاءتني / هند وزيد.

### || [27.2]

# وقوله تعالى: { هدى وبشرى } في حيز النصب على الحالية من

# ءايت

# [النمل: 1]على إقامة المصدر مقام الفاعل فيه للمبالغة كأنها نفس الهدى
~~والبشارة، والعامل معنى الإشارة وهو الذي سمته النحاة عاملا معنويا.
~~وجوز أبو البقاء على قراءة الرفع في

# كتاب

# [النمل: 1] كون الحال منه ثم قال: ويضعف أن يكون من المجرور ويجوز أن
~~يكون حالا من الضمير في

# مبين

# [النمل: 1] على القراءتين، وجوز أبو حيان كون النصب على المصدرية أي
~~تهدي هدى وتبشر بشرى أو الرفع على البدلية من

# ءايت

# [النمل: 1] واشتراط الكوفيين في إبدال النكرة من المعرفة شرطين اتحاد
~~اللفظ وأن تكون النكرة موصوفة نحو قوله تعالى:

# لنسفعا بالناصية * ناصية كذبة

# [العلق: 15-16] غير صحيح كما في «شرح التسهيل» لشهادة السماع بخلافه أو
~~على أنه خبر بعد خبر لتلك أو خبر لمبتدأ محذوف أي هي هدى وبشرى.

# { للمؤمنين } يحتمل أن يكون قيدا للهدى والبشرى معا، ومعنى
~~هداية الآيات لهم وهم مهتدون أنها تزيدهم هدى قال سبحانه:

# فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم
~~يستبشرون

# [التوبة: 124] وأما معنى تبشيرها إياهم فظاهر لأنها تبشرهم برحمة من
~~الله تعالى ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم كذا قيل، وفي «الحواشي
~~الشهابية» أن الهدى على هذا الاحتمال، إما بمعنى الاهتداء أو على ظاهره
~~وتخصيص المؤمنين لأنهم المنتفعون به وإن كانت هدايتها عامة، وجعل
~~المؤمنين بمعنى الصائرين للإيمان تكلف كحمل هداهم على زيادته، ويحتمل أن
~~يكون قيدا للبشرى فقط ويبقى الهدى على العموم وهو بمعنى الدلالة
~~والإرشاد أي ms07738 هدى لجميع المكلفين وبشرى للمؤمنين.

### || [27.3]

# { الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة } صفة مادحة
~~للمؤمنين، وكنى بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة عن عمل الصالحات مطلقا،
~~وخصا لأنهما على ما قيل أما العبادة البدنية والمالية، والظاهر أنه
~~حمل الزكاة على الزكاة المفروضة. وتعقب بأن السورة مكية والزكاة إنما
~~فرضت بالمدينة، وقيل كان في مكة زكاة مفروضة إلا أنها لم تكن كالزكاة
~~المفروضة بالمدينة فلتحمل في الآية عليها، وقيل: الزكاة هنا بمعنى
~~الطهارة من النقائص وملازمة مكارم الأخلاق وهو خلاف المشهور في الزكاة
~~المقرونة بالصلاة ويبعده تعليق الإيتاء بها.

# وقوله تعالى: { وهم بالأخرة يوقنون } يحتمل أن يكون معطوفا
~~على جملة الصلة، ويحتمل أن يكون في موضع الحال من ضمير الموصول، ويحتمل
~~أن يكون استئنافا جىء به للقصد إلى تأكيد ما وصف المؤمنون به من حيث إن
~~الإيقان بالآخرة يستلزم الخوف المستلزم لتحمل مشاق التكليف فلا بد من
~~إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وقد أقيم الضمير فيه مقام اسم الإشارة المفيد
~~لاكتساب الخلافة بالحكم باعتبار السوابق فكأنه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون
~~ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون بالآخرة،
~~وسمي الزمخشري هذا الاستئناف اعتراضا وكونه لا يكون إلا بين شيئين يتعلق
~~أحدهما بالآخر كالمبتدأ والخبر غير مسلم عنده. واختار هذا الاحتمال فقال:
~~إنه الوجه ويدل عليه أنه عقد الكلام جملة ابتدائية وكرر فيها المبتدأ
~~الذي هو { هم } حتى صار معناها وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء
~~الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل
~~المشاق انتهى. وأنكر ابن المنير إفادة نحو هذا التركيب الاختصاص وادعى أن
~~تكرار الضمير للتطرية لمكان الفصل بين الضميرين بالجار والمجرور، والحق
~~أنه يفيد ذلك كما صرحوا به / في نحو هو عرف، وكذا يفيد التأكيد لما فيه
~~من تكرار الضمير. وزعم أبو حيان أن فيما ذكره الزمخشري دسيسة الاعتزال،
~~ولا يخفى أنه ليس في كلامه أكثر من الإشارة إلى أن المؤمن العاصي لم يوقن
~~بالآخرة حق الإيقان، ولعل جعل ذلك دسيسة مبني على أنه بنى ذلك ms07739 على مذهبه
~~في أصحاب الكبائر وقوله فيهم بالمنزلة بين المنزلتين. وأنت تعلم أن القول
~~بما اختاره في الآية لا يتوقف على القول المذكور؛ وتغيير النظم الكريم
~~على الوجهين الأولين لما لا يخفى، وتقديم { بالأخرة } في جميع
~~الأوجه لرعاية الفاصلة، وجوز أن يكون للحصر الإضافة كما في «الحواشي
~~الشهابية».

### || [27.4]

# { إن الذين لا يؤمنون بالأخرة } بيان لأحوال الكفرة
~~بعد [بيان] أحوال المؤمنين أي لا يؤمنون بها وبما فيها من الثواب على
~~الأعمال الصالحة والعقاب على الأعمال السيئة حسبما ينطق به القرآن {
~~زينا لهم أعملهم } القبيحة بما ركبنا فيهم من الشهوات
~~والأماني حتى رأوها حسنة { فهم يعمهون } يتحيرون ويترددون [على
~~التجدد] والاستمرار في الاشتغال بها والانهماك فيها من غير ملاحظة لما
~~يتبعها [من نفع وضر]. والفاء لترتيب المسبب على السبب. ونسبة التزيين
~~إليه عز وجل عند الجماعة حقيقة وكذا التزيين نفسه، وذهب الزمخشري إلى أن
~~التزيين إما مستعار للتمتيع بطول العمر وسعة الرزق وإما حقيقة وإسناده
~~إليه سبحانه وتعالى مجاز وهو حقيقة للشيطان كما في قوله تعالى:

# زين لهم الشيطن أعملهم

# [الأنفال: 48]. والمصحح لهذا المجاز إمهاله تعالى الشيطان وتخليته حتى
~~يزين لهم، والداعي له إلى أحد الأمرين إيجاب رعاية الأصلح عليه عز وجل.
~~ونسب إلى الحسن أن المراد بالأعمال الأعمال الحسنة وتزيينها بيان حسنها
~~في أنفسها حالا واستتباعها لفنون المنافع مآلا أي زينا لهم الأعمال
~~الحسنة فهم يترددون في الضلال والإعراض عنها. والفاء عليه لترتيب ضد
~~المسبب على السبب كما في قولك: وعظته فلم يتعظ، وفيه إيذان بكمال عتوهم
~~ومكابرتهم وتعكيسهم [في] الأمور، وتعقب هذا القول بأن التزيين قد ورد
~~غالبا في غير الخير نحو قوله تعالى:

# زين للناس حب الشهوت

# [آل عمران: 14]

# زين للذين كفروا الحيوة الدنيا

# [البقرة: 212]

# زين لكثير من المشركين

# [الأنعام: 137] الخ ووروده في الخير قليل نحو قوله تعالى:

# حبب إليكم الإيمن وزينه فى قلوبكم

# [الحجرات: 7] ويبعد حمل الأعمال على الأعمال الحسنة إضافتها إلى ضميرهم
~~وهم لم يعملوا حسنة أصلا. وكون إضافتها إلى ذلك باعتبار أمرهم بها،
~~وإيجابها عليهم ms07740 لا يدفع البعد. وذكر الطيبي أنه يؤيد ما ذكر أولا أن
~~وزان فاتحة هذه السورة إلى ههنا وزان فاتحة البقرة فقوله تعالى: { إن
~~الذين لا يؤمنون بالأخرة } كقوله تعالى:

# إن الذين كفروا

# [البقرة: 6] وقوله سبحانه: { زينا لهم أعملهم } كقوله
~~جل وعلا:

# ختم الله على قلوبهم

# [البقرة: 7] وقد سبق بيان وجه دلالة ذلك على مذهب الجماعة هناك وأن
~~التركيب من باب تحقيق الخبر وأن المعنى استمرارهم على الكفر وأنهم بحيث
~~لا يتوقع منهم الإيمان ساعة فساعة أمارة لرقم الشقاء عليهم في الأزل
~~والختم على قلوبهم وأنه تعالى زين لهم سوء أعمالهم فهم لذلك في تيه
~~الضلال يترددون وفي بيداء الكفر يعمهون، ودل على هذا التأويل إيقاع لفظ
~~المضارع في صلة الموصول والماضي في خبره وترتيب قوله تعالى: { فهم
~~يعمهون } بالفاء عليه، واختصاص الخطاب بما يدل على الكبرياء
~~والجبروت من باب تحقيق الخبر نحو قول الشاعر:

# إن التي ضربت بيتا مهاجرة

# بكوفة الجند غالت ودها غول

# وفي الأخبار الصحيحة ما ينصر هذا التأويل أيضا.

### || [27.5]

# { أولئك } إشارة إلى المذكورين الموصوفين بالكفر والعمه وهو
~~مبتدأ خبره { الذين لهم سوء العذاب } يحتمل أن يكون المراد
~~لهم ذلك في الدنيا بأن يقتلوا أو يؤسروا أو تشدد عليهم سكرات الموت لقوله
~~تعالى: { وهم فى الأخرة هم الأخسرون } ويحتمل أن يكون
~~المراد لهم ذلك في الدارين وهو الذي استظهره أبو حيان ويكون قوله تعالى:
~~{ وهم } الخ لبيان أن ما في الآخرة أعظم العذابين بناء على أن
~~الأخسرين أفعل تفضيل، والتفضيل باعتبار حاليهم في الدارين أي هم في
~~الآخرة أخسر منهم في الدنيا لا غيرهم كما يدل عليه تعريف الجزأين على
~~معنى أن خسرانهم في الآخرة أعظم من خسرانهم في الدنيا من حيث إن عذابهم
~~في الآخرة غير منقطع أصلا وعذابهم في الدنيا منقطع ولا كذلك غيرهم من
~~عصاة المؤمنين لأن خسرانهم في الآخرة ليس أعظم من خسرانهم في الدنيا من
~~هذه الحيثية فإن عذابهم في الآخرة ينقطع ويعقبه نعيم الأبد حتى يكادوا لا
~~يخطر ببالهم أنهم عذبوا ms07741 كذا قيل.

# وقال بعضهم: إن التفضيل باعتبار ما في الآخرة أي هم في الآخرة أشد الناس
~~خسرانا لا غيرهم لحرمانهم الثواب واستمرارهم في العقاب بخلاف عصاة
~~المؤمنين، ويلزم من ذلك كون عذابهم في الآخرة أعظم من عذابهم في الدنيا
~~ويكفي هذا في البيان، وقال الكرماني: إن أفعل هنا للمبالغة لا للشركة،
~~قال أبو حيان: كأنه يقول: ليس للمؤمن خسران البتة حتى يشركه فيه الكافر
~~ويزيد عليه ولم يتفطن لكون المراد أن خسران الكافر في الآخرة أشد من
~~خسرانه في الدنيا فالاشتراك الذي يدل عليه أفعل إنما هو بين ما في الآخرة
~~وما في الدنيا اه كلامه. وكأنه يسلم أن ليس للمؤمن خسران البتة وفيه بحث
~~لا يخفى، وتقديم { فى الأخرة } إما للفاصلة أو للحصر.

### || [27.6]

# وقوله تعالى: { وإنك لتلقى القرءان } كلام مستأنف سيق بعد
~~بيان بعض شؤون القرآن الكريم تمهيدا لما يعقبه من الأقاصيص، وتصديره
~~بحرفي التأكيد لإبراز كمال العناية بمضمونه وبني الفعل للمفعول وحذف
~~الفاعل وهو جبريل عليه السلام للدلالة عليه في قوله تعالى:

# نزل به الروح الأمين

# [الشعراء: 193] ولقى المخفف يتعدى لواحد والمضاعف يتعدى لاثنين وهما هنا
~~نائب الفاعل والقرآن، والمراد وإنك لتعطى القرآن تلقنه { من لدن
~~حكيم عليم } أي أي حكيم وأي عليم، وفي تفخيمهما تفخيم لشأن القرآن
~~وتنصيص على علو طبقته عليه الصلاة والسلام في معرفته والإحاطة بما فيه من
~~الجلائل والدقائق، ((والحكمة - كما قال الراغب - من الله عز وجل معرفة
~~الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان معرفة الموجودات وفعل
~~الخيرات)) وجمع بينها وبين العلم مع أنه داخل في معناها لغة كما سمعت
~~لعمومه إذ هو يتعلق بالمعدومات ويكون بلا عمل ودلالة الحكمة على أحكام
~~العمل وإتقانه وللإشعار بأن ما في القرآن من العلوم منها ما هو حكمة
~~كالشرائع ومنها ما هو ليس كذلك كالقصص والأخبار الغيبية.

### || [27.7]

# وقوله تعالى: { إذ قال موسى لأهله } منصوب على المفعولية
~~بمضمر خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بتلاوة بعض من القرآن الذي
~~تلقاه صلى الله عليه ms07742 وسلم من لدنه عز وجل تقريرا لما قبله وتحقيقا له
~~أي اذكر لهم وقت قول موسى عليه السلام لأهله، وجوز أن تكون { إذ }
~~ظرفا لعليم. وتعقبه في «البحر» بأن ذلك ليس بواضح إذ يصير الوصف مقيدا
~~بالمعمول، وقال في «الكشف»: ما يتوهم من دخل التقييد بوقت معين مندفع إذ
~~ليس مفهوما معتبرا عند المعتبر ولأنه لما كان تمهيد القصة حسن أن يكون
~~قيدا لها كأنه قيل: ما أعلمه حيث فعل بموسى عليه السلام ما فعل، ولما
~~كان ذلك من دلائل العلم والحكمة على الإطلاق لم يضر التقييد بل نفع
~~لرجوعه بالحقيقة إلى نوع من التعليل والتذكيرا ه. ولا يخفى أن الظاهر مع
~~هذا هو الوجه الأول.

# ثم إن قول موسى عليه السلام { إني آنست نارا سآتيكم
~~منها بخبر } كان في أثناء سيره خارجا من مدين عند وادي طوى وكان
~~عليه السلام قد حاد عن الطريق في ليلة باردة مظلمة فقدح فأصلد زنده فبدا
~~له من جانب الطور نار، والمراد بالخبر الذي يأتيهم به من جهة النار الخبر
~~عن حال الطريق لأن من يذهب لضوء نار على الطريق يكون كذلك؛ ولم يجرد
~~الفعل عن السين إما للدلالة على بعد مسافة النار في الجملة حتى لا
~~يستوحشوا إن أبطأ عليه السلام عنهم أو لتأكيد الوعد بالإتيان فإنها كما
~~ذكره الزمخشري تدخل في الوعد لتأكيده وبيان أنه كائن لا محالة وإن تأخر،
~~وما قيل من أن السين للدلالة على تقريب المدة دفعا للاستيحاش إنما ينفع
~~على ما قيل في اختياره على سوف دون التجريد الذي يتبادر من الفعل معه
~~الحال الذي هو أتم في دفع الاستيحاش. ولعل الأولى اعتبار كونه للتأكيد،
~~لا يقال: إنه عليه السلام لم يتكلم بالعربية وما ذكر من مباحثها لأنا
~~نقول: ما المانع من أن يكون في غير اللغة العربية ما يؤدي مؤداها بل
~~حكاية القول عنه عليه السلام بهذه الألفاظ يقتضي أنه تكلم في لغته بما
~~يؤدي ذلك ولا بد، وجمع الضمير إن صح أنه لم يكن معه ms07743 عليه السلام غير
~~امرأته للتعظيم وهو الوجه في تسمية الله تعالى شأنه امرأة موسى عليه
~~السلام بالأهل مع أنه جماعة الأتباع.

# { أو ءاتيكم بشهاب قبس } أي بشعلة نار مقبوسة أي مأخوذة من
~~أصلها فقبس صفة شهاب أو بدل منه، وهذه قراءة الكوفيين ويعقوب، وقرأ باقي
~~السبعة والحسن { بشهاب قبس } بالإضافة واختارها أبو الحسن وهي
~~إضافة بيانية لما بينهما من العموم والخصوص كما في ثوب خز فإن الشهاب
~~يكون قبسا وغير قبس، والعدتان على سبيل الظن ولذلك عبر عنهما بصيغة
~~الترجي في سورة طه فلا تدافع بين ما وقع هنا وما وقع هناك، والترديد
~~للدلالة على أنه عليه السلام إن لم يظفر بهما لم يعدم أحدهما بناء على
~~ظاهر الأمر وثقة بسنة الله عز وجل أنه لا يكاد يجمع حرمانين على عبده.

# وقيل: يجوز أن يقال الترديد لأن احتياجه عليه السلام إلى أحدهما لا لهما
~~لأنه كان في حال الترحال وقد ضل عن الطريق فمقصوده أن يجد أحدا يهدي إلى
~~الطريق فيستمر في سفره فإن لم يجده يقتبس نارا ويوقدها ويدفع ضرر البرد
~~في الإقامة. وتعقب بأنه قد ورد في القصة أنه عليه السلام كان قد ولد له
~~عند الطور ابن في ليلة شاتية وظلمة مثلجة وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته
~~فرأى النار فقال لأهله ما قال وهو يدل على احتياجه لهما معا لكنه تحرى
~~عليه السلام الصدق فأتى بأو.

# { لعلكم تصطلون } أي رجاء أو لأجل أن تستدفئوا بها،
~~والصلاء بكسر الصاد والمد ويفتح بالقصر الدنو من النار لتسخين البدن وهو
~~الدفؤ ويطلق على النار نفسها أو هو بالكسر الدفؤ / وبالفتح النار.

### || [27.8]

# { فلما جاءها } أي النار التي قال فيها

# إنى ءانست نارا

# [النمل: 7] وقيل: الضمير للشجرة وهو كما ترى، وما ظنه داعيا ليس بداع
~~لما أشرنا إليه { نودى } أي موسى عليه السلام من جانب الطور { أن
~~بورك } معناه أي بورك على أن (أن) مفسرة لما في النداء من معنى القول
~~دون حروفه. وجوز أن تكون (أن) المخففة من الثقيلة واسمها ms07744 ضمير الشأن،
~~ومنعه بعضهم لعدم الفصل بينها وبين الفعل بقد أو السين أو سوف أو حرف
~~النفي وهو مما لا بد منه إذا كانت مخففة لما في «الحجة» لأبي علي
~~الفارسي أنها لما كانت لا يليها إلا الأسماء استقبحوا أن يليها الفعل من
~~غير فاصل. وأجيب بأن ما ذكر ليس على إطلاقه. فقد صرحوا بعدم اشتراط الفصل
~~في مواضع، منها ما يكون الفعل فيه دعاء فلعل من جوز كونها المخففة ههنا
~~جعل { بورك } دعاء على أنه يجوز أن يدعي أن الفصل بإحدى المذكورات في
~~غير ما استثنى أغلبي لقوله:

# علموا أن يؤملون فجادوا

# قبل أن يسألوا بأعظم سؤل

# وجوز أن تكون المصدرية الناصبة للأفعال و { بورك } حينئذ إما خبر أو
~~إنشاء للدعاء. وادعى الرضي أن (بورك) إذا جعل دعاء فإن مفسرة لا غير لأن
~~المخففة لا يقع بعدها فعل إنشائي إجماعا وكذا المصدرية وهو مخالف لما
~~ذكره النحاة، ودعوى الإجماع ليست بصحيحة، والقول بأنه يفوت معنى الطلب
~~بعد التأويل بالمصدر قد تقدم ما فيه، وفي «الكشف» يمنع عن جعلها مصدرية
~~عدم سداد المعنى لأن { بورك } إذ ذاك ليس يصلح بشارة وقد قالوا: إن
~~تصدير الخطاب بذلك بشارة لموسى عليه السلام بأنه قد قضي له أمر عظيم
~~تنتشر منه في أرض الشأم كلها البركة وهذا بخلاف ما إذا كان { بورك }
~~تفسيرا للشأن اه وفيه نظر، وعلى الوجهين الكلام على حذف حرف الجر أي
~~نودي بأن الخ، والجار والمجرور متعلق بما عنده وليس نائب الفاعل بل نائب
~~الفاعل ضمير موسى عليه السلام، وقيل: هو نائب الفاعل ولا ضمير. وقال
~~بعضهم في الوجه الأول أيضا إن الضمير القائم مقام الفاعل ليس لموسى عليه
~~السلام بل هو لمصدر الفعل أي نودي هو أي النداء، وفسر النداء بما بعده،
~~والأظهر في الضمير رجوعه لموسى وفي (أن) أنها مفسرة وفي { بورك } أنه
~~خبر وهو من البركة وقد تقدم معناها، وقيل: هنا المعنى قدس وطهر وزيد
~~خيرا.

# { من فى النار ومن حولها } ذهب جماعة إلى أن في ms07745 الكلام
~~مضافا مقدرا في موضعين أي من في مكان النار ومن حول مكانها قالوا:
~~ومكانها البقعة التي حصلت فيها وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله
~~تعالى:

# نودى من شاطىء الواد الأيمن فى البقعة
~~المباركة

# [القصص: 30] وتدل على ذلك قراءة أبي { تباركت الأرض ومن حولها }
~~واستظهر عموم (من) لكل من في ذلك الوادي وحواليه من أرض الشام الموسومة
~~بالبركات لكونها مبعث الأنبياء عليهم السلام وكفاتهم أحياءا وأمواتا
~~ولا سيما تلك البقعة التي كلم الله تعالى موسى عليه السلام فيها. وقيل:
~~(من في النار) موسى عليه السلام (ومن حولها) الملائكة الحاضرون عليهم
~~السلام، وأيد بقراءة أبي فيما نقل أبو عمرو الداني وابن عباس ومجاهد
~~وعكرمة (ومن حولها من الملائكة) وهي عند كثير تفسير لا قراءة لمخالفتها
~~سواد المصحف المجمع عليه، وقيل: الأول الملائكة والثاني موسى عليهم
~~السلام، واستغنى بعضهم عن تقدير المضاف بجعل الظرفية مجازا عن القرب
~~التام، وذهب إلى القول الثاني في المراد / بالموصولين، وأيا ما كان
~~فالمراد بذلك بشارة موسى عليه السلام.

# والمراد بقوله تعالى على ما قيل: { وسبحن الله رب
~~العلمين } تعجيب له عليه السلام من ذلك وإيذان بأن ذلك مريده
~~ومكونه رب العالمين تنبيها على أن الكائن من جلائل الأمور وعظائم
~~الشؤون، ومن أحكام تربيته تعالى للعالمين أو خبر له عليه السلام بتنزيهه
~~سبحانه لئلا يتوهم من سماع كلامه تعالى التشبيه بما للبشر أو طلب منه
~~عليه السلام لذلك. وجوز أن يكون تعجيبا صادرا منه عليه السلام بتقدير
~~القول أي وقال سبحان الله الخ، وقال السدي: هو من كلام موسى عليه السلام
~~قاله لما سمع النداء من الشجرة تنزيها لله تعالى عن سمات المحدثين،
~~وكأنه على تقدير القول أيضا، وجعل المقدر عطفا على { نودى }. وقال
~~ابن شجرة: هو من كلام الله تعالى ومعناه وبورك من سبح الله تعالى رب
~~العالمين، وهذا بعيد من دلالة اللفظ جدا، وقيل: هو خطاب لنبينا صلى الله
~~عليه وسلم، مراد به التنزيه وجعل معترضا بين ما تقدم وقوله تعالى: {
~~يموسى إنه أنا الله ms07746 العزيز الحكيم... }.

### || [27.9]

# { يموسى إنه أنا الله العزيز الحكيم } فإنه متصل
~~معنى بذلك والضمير للشأن، وقوله سبحانه: { أنا الله } مبتدأ وخبر و
~~{ العزيز الحكيم } نعتان للاسم الجليل ممهدتان لما أريد إظهاره على
~~يده من المعجزة أي أنا الله القوي القادر على ما لا تناله الأوهام من
~~الأمور العظام التي من جملتها أمر العصا واليد الفاعل كل ما أفعله بحكمة
~~بالغة وتدبير رصين، والجملة خبران مفسرة لضمير الشأن. وجوز أن يكون
~~الضمير راجعا إلى ما دل عليه الكلام وهو المكلم المنادي و { أنا }
~~خبر أي إن مكلمك المنادي لك أنا، والاسم الجليل عطف بيان لأنا، وتجوز
~~البدلية عند من جوز إبدال الظاهر من ضمير المتكلم بدل كل، ويجوز أن يكون
~~{ أنا } توكيدا للضمير و { الله } الخبر. وتعقب أبو حيان إرجاع
~~الضمير للمكلم المنادي بأنه إذا حذف الفاعل وبنى فعله للمفعول لا يجوز
~~عود ضمير على ذلك المحذوف لأنه نقض للغرض من حذفه والعزم على أن لا يكون
~~محدثا عنه، وفيه أنه لم يقل أحد أنه عائد على الفاعل المحذوف بل على ما
~~دل عليه الكلام ولو سلم فلا امتناع في ذلك إذا كان في جملة أخرى؛ وأيضا
~~قوله والعزم على أن لا يكون محدثا عنه غير صحيح لأنه قد يكو محدثا عنه
~~ويحذف للعلم به وعدم الحاجة إلى ذكره، ثم إن الحمل مفيد من غير رؤية لأنه
~~عليه السلام علمه سبحانه علم اليقين بما وقر في قلبه فكأنه رآه عز وجل.

# هذا وفي قوله تعالى:

# أن بورك من فى النار

# [النمل: 8] الخ أقوال أخر، الأول: أن المراد بمن في النار نور الله
~~تعالى وبمن حولها الملائكة عليهم السلام وروي ذلك عن قتادة. والزجاج.
~~والثاني: أن المراد بمن في النار الشجرة التي جعلها الله محلا للكلام
~~وبمن حولها الملائكة عليهم السلام أيضا ونقل هذا عن الجبائي وفي ما ذكر
~~إطلاق { من } على غير العالم. والثالث: ما أخرجه ابن جرير، وابن أبي
~~حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال في قوله تعالى: { أن ms07747 بورك من فى
~~النار } يعني تبارك وتعالى نفسه كان نور رب العالمين في الشجرة (ومن
~~حولها) يعني الملائكة عليهم السلام، واشتهر عنه كون المراد بمن في النار
~~نفسه تعالى وهو مروي أيضا عن الحسن وابن جبير وغيرهما كما في «البحر».
~~وتعقب ذلك الإمام بأنا نقطع بأن هذه الرواية عن ابن عباس موضوعة مختلقة.
~~وقال أبو حيان: إذا ثبت ذلك عن ابن عباس ومن ذكر أول على حذف أي بورك من
~~قدرته وسلطانه في النار.

# وذهب الشيخ إبراهيم الكوراني في رسالته «تنبيه العقول على تنزيه الصوفية
~~عن اعتقاد التجسيم والعينية والاتحاد والحلول» إلى صحة الخبر عن الحبر
~~رضي الله تعالى عنه وعدم احتياجه إلى التأويل المذكور فإن الذي دعا
~~المؤولين أو الحاكمين بالوضع إلى التأويل أو الحكم بالوضع ظن دلالته على
~~الحلول المستحيل عليه تعالى وليس كذلك بل ما يدل عليه هو ظهوره سبحانه في
~~النار وتجليه فيها وليس ذلك من الحلول في شيء فإن كون الشيء مجلي لشيء
~~ليس كونه محلا له فإن الظاهر في المرآة مثلا خارج عن المرآة بذاته
~~قطعا بخلاف الحال في محل فإنه حاصل فيه ثم إن تجليه تعالى وظهوره في
~~المظاهر يجامع التنزيه.

# ومعنى الآية عنده فلما جاءها نودي أن بورك أي قدس أي نحو ذلك من تجلى
~~وظهر في صورة النار لما اقتضته الحكمة لكونها مطلوبة لموسى عليه السلام
~~ومن حولها من الملائكة أو منهم ومن موسى عليهم السلام، وقوله تعالى: {
~~وسبحن الله } دفع لما يتوهمه التجلي في مظهر النار من التشبيه
~~أي وسبحان الله عن التقيد بالصورة والمكان والجهة وإن ظهر فيها بمقتضى
~~الحكمة لكونه موصوفا بصفة رب العالمين الواسع القدوس الغني عن العالمين
~~ومن هو كذلك لا يتقيد بشيء من صفات المحدثات بل هو جل وعلا باق على
~~إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق في حال تجليه وظهوره فيما شاء من المظاهر.
~~ولهذا ورد في الحديث الصحيح

# " سبحانك حيث كنت "

# فأثبت له تعالى التجلي في الحيث ونزهه عن أن يتقيد بذلك { يموسى
~~إنه ms07748 } أي المنادي المتجلي في النار { أنا الله العزيز } فلا
~~أتقيد بمظهر للعزة الذاتية لكني (الحكيم) ومقتضى الحكمة الظهور في صورة
~~مطلوبك. وذكر أن تقدير المضاف كما فعل بعض المفسرين عدول عن الظاهر لظن
~~المحذور فيه وقد تبين أن لا محذور فلا حاجة إلى العدول انتهى.

# وكأني بك تقول: هذا طور ما وراء طور العقول. ثم إنه لا مانع على أصول
~~الصوفية أن يريدوا بمن حولها الله عز وجل أيضا إذ ليس في الدار عندهم
~~غيره سبحانه ديار، ولا بعد في أن تكون الآية عند ابن عباس إن صح عنه ما
~~ذكر من المتشابه والمذاهب فيه معلومة عندك. والأوفق بالعامة التأويل بأن
~~يقال: المراد أن بورك من ظهر نوره في النار. ولعل في خبر الحبر السابق ما
~~يشير إليه. وإضافة النور إليه تعالى لتشريف المضاف وهو نور خاص كان
~~مظهرا لعظيم قدرته تعالى وعظمته. وسمعت من بعض أجلة المشايخ يقول: إن
~~هذا النور لم يكن عينا ولا غيرا على نحو قول الأشعري في صفاته عز وجل
~~الذاتية وهو أيضا، منزع صوفي يرجع بالآخرة إلى حديث التجلي والظهور كما
~~لا يخفى فتأمل.

### || [27.10]

# { وألق عصاك } عطف على

# بورك

# [النمل: 8] منتظم معه في سلك تفسير النداء أي نودي أن بورك وأن ألق
~~عصاك، ويدل عليه قوله تعالى: { وأن ألق عصاك } بعد قوله سبحانه:

# أن يموسى إنى أنا الله

# [القصص: 30، 31] بتكرير أن فإن القرآن يفسر بعضه بعضا وهذا ما اختاره
~~الزمخشري. وأورد عليه أن تجديد النداء في قوله تعالى: { يموسى } الخ
~~يأباه. ورد بأنه ليس بتجديد نداء لأنه من جملة تفسير النداء المذكور،
~~وقيل: لا يأباه لأنه جملة معترضة وفيه بحث، واعترض أيضا بأن { بورك }
~~إخبار { وألق } إنشاء ولا يعطف الإنشاء على الإخبار، ومن هنا قيل؛ إن
~~العطف على ذلك بتقدير وقيل له: الق أو العطف على مقدر أي افعل ما آمرك
~~وألق، وفيه أنه في مثل هذا يجوز عطف الإنشاء على الإخبار لكون النداء في
~~معنى القول بل أجاز سيبويه جاء زيد ومن ms07749 عمر بالعطف. ولا يرد هذا أصلا
~~على من يجعل { بورك } إنشاء، ويرد على من جعل العطف على افعل محذوفا
~~أن الظاهر حينئذ فألق بالفاء، واختار أبو حيان كون العطف على جملة

# إنه أنا الله العزيز الحكيم

# [النمل: 9] ولم يبال باختلاف / الجملتين اسمية وفعلية وإخبارية وإنشائية
~~لما ذكر أن الصحيح عدم اشتراط تناسب الجملتين المتعاطفتين في ذلك لما
~~سمعت آنفا عن سيبويه.

# والفاء في قوله تعالى: { فلما رءاها تهتز } فصيحة تفصح عن
~~جملة قد حذفت ثقة بظهورها ودلالة على سرعة وقوع مضمونها كأنه قيل:
~~فألقاها فانقلبت حية فلما أبصرها تتحرك بشدة اضطراب، وجملة { تهتز }
~~في موضع الحال من مفعول رأى فإنها بصرية كما أشرنا إليه لا علمية كما
~~قيل. وقوله تعالى: { كأنها جان } في موضع حال أخرى منه أو هو حال
~~من ضمير { تهتز } على طريقة التداخل، والجان الحية الصغيرة السريعة
~~الحركة شبهها سبحانه في شدة حركتها واضطرابها مع عظم جثتها بصغار الحيات
~~السريعة الحركة فلا ينافي هذا قوله تعالى في موضع آخر:

# فإذا هى ثعبان مبين

# [الأعراف: 107]. وقيل: يجوز أن يكون الإخبار عنها بصفات مختلفة باعتبار
~~تنقلها فيها، وقرأ الحسن والزهري وعمرو بن عبيد: { جأن } بهمزة مفتوحة
~~هربا من التقاء الساكنين وإن كان على حده كما قيل: دأبة وشأبة. {
~~ولى مدبرا } أي انهزم { ولم يعقب } أي ولم يرجع على عقبه
~~من عقب المقاتل إذا كر بعد الفرار قال الشاعر:

# فما عقبوا إذ قيل هل من معقب

# ولا نزلوا يوم الكريهة منزلا

# وهذا مروي عن مجاهد، وقريب منه قول قتادة: أي لم يلتفت وهو الذي ذكره
~~الراغب، وكان ذلك منه عليه السلام لخوف لحقه، قيل: لمقتضى البشرية فإن
~~الإنسان إذا رأى أمرا هائلا جدا يخاف طبعا أو لما أنه ظن أن ذلك لأمر
~~أريد وقوعه به، ويدل على ذلك قوله سبحانه: { يموسى لا تخف } أي
~~من غيري أي مخلوق كان حية أو غيرها ثقة بي واعتمادا علي أو لا تخف
~~مطلقا على تنزيل الفعل منزلة اللازم، وهذا إما لمجرد الإيناس دون ms07750 إرادة
~~حقيقة النهي وإما للنهي عن منشأ الخوف وهو الظن الذي سمعته.

# وقوله تعالى: { إنى لا يخاف لدى المرسلون } تعليل للنهي
~~عن الخوف، وهو على ما قيل يؤيد أن الخوف كان للظن المذكور وأن المراد {
~~لا تخف } مطلقا، والمراد من { لدى } في حضرة القرب مني وذلك حين
~~الوحي. والمعنى أن الشأن لا ينبغي للمرسلين أن يخافوا حين الوحي إليهم بل
~~لا يخطر ببالهم الخوف وإن وجد ما يخاف منه لفرط استغراقهم إلى تلقي
~~الأوامر وانجذاب أرواحهم إلى عالم الملكوت، والتقييد بلدي لأن المرسلين
~~في سائر الأحيان أخوف الناس من الله عز وجل فقد قال تعالى:

# إنما يخشى الله من عباده العلماء

# [فاطر: 28] ولا أعلم منهم بالله تعالى شأنه، وقيل: المعنى لا تخف من
~~غيري أو لا تخف مطلقا فإن الذي ينبغي أن يخاف منه أمثالك المرسلون إنما
~~هو سوء العاقبة وأن الشأن لا يكون للمرسلين عندي سوء عاقبة ليخافوا منه.
~~والمراد بسوء العاقبة ما في الآخرة لا ما في الدنيا لئلا يرد قتل بعض
~~المرسلين عليهم الصلاة والسلام، والمراد بلدي على ما قال الخفاجي: عند
~~لقائي وفي حكمي على ما قال ابن الشيخ.

# وأيا ما كان يلزم مما ذكر أن المرسلين عليهم السلام لا يخافون سوء
~~العاقبة لأن الله تعالى آمنهم من ذلك فلو خافوا لزم أن لا يكونوا واثقين
~~به عز وجل وهذا هو الصحيح كما في «الحواشي الشهابية» عند الأشعري، وظاهر
~~الآثار يقتضي أنهم عليهم السلام كانوا يخافون ذلك، فقد روي أنه عليه
~~الصلاة والسلام كان يكثر أن يقول:

# " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك / فقالت له عائشة رضي الله تعالى
~~عنها يوما: يا رسول الله إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء فهل تخشى؟ فقال
~~صلى الله عليه وسلم: وما يؤمنني يا عائشة وقلوب العباد بين إصبعين من
~~أصابع الرحمن إذا أراد يقلب قلب عبده "

# وظاهر بعض الآيات يقتضي ذلك أيضا مثل قوله تعالى:

# فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخسرون

# [الأعراف: 99] وكون الله تعالى آمنهم من ms07751 ذلك إن أريد به ما جاء في ضمن
~~تبشيرهم بالجنة فقد صح أن المبشرين بالجنة من الصحابة رضي الله تعالى
~~عنهم كانوا يخافون من سوء العاقبة مع علمهم ببشارته تعالى إياهم بالجنة،
~~ويعلم منه أن الخوف يجتمع مع البشارة، ولا يلزم من ذلك عدم الوثوق به عز
~~وجل لأنه لاحتمال أن يكون هناك شرط لم يظهره الله تعالى لهم للابتلاء
~~ونحوه من الحكم الإلهية، وإن أريد به ما كان بصريح ءامنتكم من سوء
~~العاقبة كان هذا الاحتمال قائما أيضا فيه ويحصل الخوف من ذلك، وإن أريد
~~به ما اقتضاه جعله تعالى إياهم معصومين من الكفر ونحوه.

# ورد أن الملائكة عليهم السلام جعلهم الله تعالى معصومين من ذلك أيضا
~~وهم يخافون. ففي الأثر لما مكر بإبليس بكى جبرائيل وميكائيل عليهما
~~السلام فقال الله عز وجل لهما: ما يبكيكما؟ قالا: يا رب ما نأمن مكرك
~~فقال تعالى: هكذا كونا لا تأمنا مكري، ولعل ذلك لأن العصمة عندنا على ما
~~يقتضيه أصل استناد الأشياء كلها إلى الفاعل المختار ابتداء كما في
~~«المواقف» و«شرحه» الشريف الشريفي أن لا يخلق الله تعالى في الشخص ذنبا،
~~وعند الحكماء بناء على ما ذهبوا إليه من القول بالإيجاب واعتبار استعداد
~~القوابل ملكة تمنع الفجور وتحصل ابتداء بالعلم بمثالب المعاصي ومناقب
~~الطاعات وتتأكد بتتابع الوحي بالأوامر والنواهي وهي بكلا المعنيين لا
~~تقتضي استحالة الذنب، أما عدم اقتضائها ذلك بالمعنى الأول فلأن عدم خلقه
~~تعالى إياه ليس بواجب عليه سبحانه ليكون خلقه مستحيلا عليه تعالى ومتى
~~لم يكن الخلق مستحيلا عليه تعالى فكيف يحصل الأمن من المكر، وأما عدم
~~اقتضائها ذلك بالمعنى الثاني فلأن زوال تلك الملكة ممكن أيضا واقتضاء
~~العلم بالمثالب والمناقب إياها ابتداء وتأكدها بتتابع الوحي ليس من
~~الضروريات العقلية ومتى كان الأمر كذلك لا يحصل الأمن بمجرد حصول الملكة،
~~نعم قال قوم: العصمة تكون خاصية في نفس الشخص أو في بدنه يمتنع بسببها
~~صدور الذنب عنه، وقد يستند إليه من يقول بالأمن، ولا يخفى أنه لو سلم ms07752
~~تمام الاستدلال به على هذا المطلب فهو في حد ذاته غير صحيح. ففي «المواقف
~~وشرحه» أنه يكذب هذا القول أنه لو كان صدور الذنب ممتنعا لما استحق
~~النبي عليه الصلاة والسلام المدح بترك الذنب إذ لا مدح بترك ما هو ممتنع
~~لأنه ليس بمقدور داخلا تحت الاختيار، وأيضا فالإجماع على أن الأنبياء
~~عليهم السلام مكلفون بترك الذنوب مثابون به ولو كان صدور الذنب ممتنعا
~~عنهم لما كان الأمر كذلك، وأيضا فقوله تعالى:

# قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى

# [الكهف: 110] يدل على مماثلتهم عليهم السلام لسائر الناس فيما يرجع إلى
~~البشرية والامتياز بالوحي فلا يمتنع صدور الذنب عنهم كما لا يمتنع صدوره
~~عن سائر البشر اه.

# وذكر الخفاجي في «شرح الشفاء» عن ابن الهمام أنه قال في «التحرير»:
~~العصمة عدم القدرة على المعصية وخلق مانع عنها غير ملجىء، ثم قال: وهو
~~مناسب لقول الماتريدي العصمة لا تزيل المحنة أي الابتلاء المقتضى لبقاء
~~الاختيار، ومعناه كما في «الهداية» أنها لا تجبره على الطاعة ولا تعجزه
~~عن المعصية بل هي لطف من / الله تعالى تحمله على فعله وتزجره عن الشر مع
~~بقاء الاختيار وتحقيق للابتلاء اه، وهو ظاهر على عدم الاستحالة الذاتية
~~لصدور الذنب، ولعل ما وقع في كلام بعض الأجلة من استحالة وقوع الذنب منهم
~~عليهم السلام محمول على الاستحالة الشرعية كما يؤذن به كلام العلامة ابن
~~حجر في «شرح الهمزية».

# وبالجملة الذي تقتضيه الظواهر ويشهد له العقل أن الأنبياء عليهم السلام
~~يخافون ولا يأمنون مكر الله تعالى لأنه وإن استحال صدور الذنب عنهم شرعا
~~لكنه غير مستحيل عقلا بل هو من الممكنات التي يصح تعلق قدرة الله تعالى
~~بها ومع ملاحظة إمكانه الذاتي وأن الله تعالى لا يجب عليه شيء وقيام
~~احتمال تقييد المطلق بما لم يصرح به لحكمة كالمشيئة لا يكاد يأمن معصوم
~~من مكر الملك الحي القيوم فالأنبياء والملائكة كلهم خائفون ومن خشيته
~~سبحانه عز وجل مشفقون، وليس لك أن تخص خوفهم بخوف الإجلال إذ الظاهر
~~العموم ولا ms07753 دليل على الخصوص يعود عليه عند فحول الرجال، نعم قال يقال
~~بإمكان حصول الأمن من المكر وذلك بخلق الله تعالى علما ضروريا في العبد
~~بعدم تحقق ما يخاف منه في وقت من الأوقات أصلا لعلم الله تعالى عدم
~~تحققه كذلك وإن كان ممكنا ذاتيا، ولعله يحصل لأهل الجنة لتتم لذتهم
~~فيها فقد قيل:

# فإن شئت إن تحيا حياة هنية

# فلا تتخذ شيئا تخاف له فقدا

# ولا يبعد حصوله لمن شاء الله تعالى من عباده يوم القيامة قبل دخولها
~~أيضا، ولم تقم أمارة عندي على حصوله في هذه النشأة لأحد والله تعالى
~~أعلم فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك، وروى الإمام عن بعضهم أنه قال
~~معنى الآية: إني إذا أمرت المرسلين بإظهار معجز فينبغي أن لا يخافوا فيما
~~يتعلق بإظهار ذلك وإلا فالمرسل قد يخاف لا محالة.

### || [27.11]

# وقوله تعالى: { إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء
~~فإنى غفور رحيم } الاستثناء فيه منقطع عند كثير إلا أنه روي عن
~~الفراء والزجاج وغيرهما أن المراد بمن ظلم من أذنب من غير الأنبياء عليهم
~~السلام، قال صاحب «المطلع»: والمعنى عليه لكن من ظلم من سائر العباد ثم
~~تاب فإني أغفر له، وقال جماعة: إن المراد به من فرطت منه صغيرة ما وصدر
~~منه خلاف الأولى بالنسبة إلى شأنه من المرسلين عليهم السلام. والمراد
~~استدراك ما يختلج في الصدر من نفي الخوف عن كلهم وفيهم من صدر منه ذلك،
~~والمعنى عليه لكن من صدر منهم ما هو في صورة الظلم ثم تاب فإني أغفر له
~~فلا ينبغي أن يخاف أيضا، وهو شامل على ما قيل لمن فعل منهم شيئا من ذلك
~~قبل رسالته، وخصه بعضهم بمن صدر منه شيء من ذلك قبل النبوة وقال: يؤيده
~~لفظة { ثم } فإنها ظاهرة في التراخي الزماني، ولعل الظاهر كونه خاصا
~~بمن صدر منه بعد الرسالة لظهور المرسل في المتلبس بالرسالة لا فيمن يتلبس
~~بها بعد أو الأعم، وكأن فيما ذكر على الوجهين الأولين تعريضا بما وقع من ms07754
~~موسى عليه السلام من وكزه القبطي واستغفاره، وتسميته ظلما مشاكلة لقوله
~~عليه السلام

# ظلمت نفسي

# [القصص: 16]، ولم يجعلوه على هذا متصلا مع دخول المستثنى في المستثنى
~~منه أعني المرسلين مطلقا لأنه لو كان متصلا لزم إثبات الخوف لمن فرطت
~~منه صغيرة ما منهم لاستثنائه من الحكم وهو نفي الخوف عنهم ونفي النفي
~~إثبات وذلك خلاف المراد فلا يكون متصلا بل هو شروع في حكم آخر.

# ورجح الطيبي ما قاله الجماعة بأن مقام تلقي الرسالة وابتداء المكالمة
~~مع الكليم يقتضي إزالة الخوف بالكلية وهو ظاهر على ما قالوه، وروي عن
~~الحسن ومقاتل وابن جريج والضحاك ما يقتضي أنه استثناء متصل / والظاهر
~~أنهم أرادوا بمن من أراده الجماعة؛ وفي اتصاله على ما سمعت خفاء. وربما
~~يقال: إن من يطلق الاتصال عليه في رأي الجماعة يكتفي في الاتصال بمجرد
~~كون المستثنى من جنس المستثنى منه فإن كفى فذاك وإلا يلتزم إثبات الخوف
~~ويجعل { بدل } عطفا على مستأنف محذوف كأنه قيل: إلا من فرطت منه
~~صغيرة فإن يخاف فمن فرط ثم تاب غفر له فلا يخاف. وحاصله إلا من ظلم فإنه
~~يخاف أولا ويزول عنه الخوف بالتوبة آخرا، وعن الفراء في رواية أخرى عنه
~~أنه استثناء متصل من جملة محذوفة والتقدير وإنما يخاف غيرهم إلا من ظلم.
~~ورده النحاس بأن الاستثناء من محذوف لا يجوز ولو جاز هذا لجاز أن يقال:
~~لا تضرب القوم إلا زيدا على معنى وإنما أضرب غيرهم إلا زيدا وهذا ضد
~~البيان والمجيء بما لا يعرف معناه انتهى وهو كما قال.

# ولا يجدي نفعا القول باعتبار مفهوم المخالفة.

# وقالت فرقة: إن إلا بمعنى الواو والتقدير ولا من ظلم الخ. وتعقبه في
~~«البحر» بأنه ليس بشيء للمباينة التامة بين إلا والواو فلا تقع إحداهما
~~موقع الاخرى. وحسن الظن يجوز أنهم لم يصرحوا بكون إلا بمعنى الواو وإنما
~~فهم من نسبه إليه من تقديرهم وهو يحتمل أن يكون تقدير معنى لا إعراب فلا
~~تغفل، والظاهر انقطاع الاستثناء، ولعل الأوفق بشأن المرسلين أن ms07755 يراد بمن
~~ظلم من ارتكب ذنبا كبيرا أو صغيرا من غيرهم، و { ثم } يحتمل أن
~~تكون للتراخي الزماني فتفيد الآية المغفرة لمن يدل على الفور من باب
~~أولى، ويحتمل أن تكون للتراخي الرتبي وهو ظاهر بين الظلم والتبديل
~~المذكور. والتبديل قد يتعدى إلى مفعولين بنفسه نحو

# بدلنهم جلودا غيرها

# [النساء: 56] وقد يتعدى إلى أحدهما بنفسه وإلى الآخر بالباء أو بمن وهو
~~المذهوب به والمبدل منه نحو بدله بخوفه أو من خوفه أمنا وقد يتعدى إلى
~~واحد نحو بدلت الشيء أي غيرته ومنه

# فمن بدله بعد ما سمعه

# [البقرة: 181] والمعنى هنا على المتعدي إلى مفعولين. وقد تعدى إلى
~~أحدهما وهو المبدل منه بالباء أو بمن فكأنه قيل: ثم بدل بظلمه أو من ظلمه
~~حسنا. ويشير إليه قوله تعالى: { بعد سوء } وحاصله ثم ترك الظلم وأتى
~~بحسن، والمراد به التوبة، فيكون المعنى في الآخرة إلا من ظلم ثم تاب وعدل
~~عنه إلى ما في النظم الجليل لأنه أوفق بمقام الإيناس كذا قيل، والظاهر
~~عليه إن إسناد التبديل إلى من ظلم حقيقي، وقيل: إن المعنى ثم رفع الظلم
~~والسوء ومحاه من صحيفة أعماله ووضع مكانه الحسن بسبب توبته نظير ما في
~~قوله تعالى:

# يبدل الله سيئاتهم حسنت

# [الفرقان: 70]، وإسناد التبديل إلى { من ظلم } على هذا مجازي لأنه سبب
~~لتبديل الله تعالى له بتوبته، وكأني بك تختار الأول، ومحل { من } على
~~كل من تقديري انقطاع الاستثناء واتصاله ظاهر. والظاهر أنها موصولة في
~~التقديرين. ولا يخفى إنها إذا اعتبرت منصوبة المحل على الاستثناء أو
~~مرفوعته على البدل تكون جملة { فإني } الخ مستأنفة. ومن قدر في الكلام
~~محذوفا وعطف عليه { بدل } ، وقال: التقدير من ظلم ثم بدل جعل الجملة
~~خبر { من } ، وجوز بعضهم أن تكون شرطية وجملة { فإني } الخ جوابها
~~فتأمل ولا تغفل.

# وقرأ أبو جعفر وزيد بن أسلم { إلا من ظلم } بفتح الهمزة وتخفيف
~~اللام على أن { ألا } حرف استفتاح. وجعل أبو حيان { من } على هذه
~~القراءة شرطية ولا أراه واجبا. وقرأ محمد بن عيسى ms07756 الأصبهاني { حسنى }
~~على وزن فعلى ممنوع الصرف. وقرأ ابن مقسم { حسنا } بضم الحاء والسين
~~منونا. وقرأ مجاهد وأبو حيوة وابن أبي علي والأعمش وأبو عمرو في رواية
~~الجعفي وعصمة وعبد الوارث وهارون وعياش { حسنا } بفتح الحاء والسين مع
~~التنوين.

### || [27.12]

# { وأدخل يدك فى جيبك } أي جيب / قميصك وهو مدخل الرأس منه
~~المفتوح إلى الصدر لا ما يوضع فيه الدراهم ونحوها كما هو معروف الآن لأنه
~~مولد، ولم يقل سبحانه: في كمك لأنه عليه السلام كان لابسا إذ ذاك مدرعة
~~من صوف لا كم لها، وقيل: الجيب القميص نفسه لأنه يجاب أي يقطع فهو فعل
~~بمعنى مفعول، وقال السدي: { فى جيبك } أي تحت إبطك. ولعل مراده أن
~~المعنى أدخلها في جيبك وضعها تحت إبطك، وكانت مدرعته عليه السلام على ما
~~روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا أزرار لها، وقد ورد في بعض
~~الآثار أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان مطلق القميص في بعض الأوقات، ففي
~~«سنن أبي داود» باب في حل الأزرار ثم أخرج فيه من طريق معاوية بن قرة
~~قال:

# " حدثني أبي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من مزينة
~~فبايعناه وإن قميصه لمطلق "

# " ، وفي رواية البغوي في «معجم الصحابة» لمطلق الأزرار قال: فبايعته، ثم
~~أدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم "

# قال عروة فما رأيت معاوية ولا أباه قط إلا مطلقي أزرارهما، ولا يزرانها
~~أبدا وجاء أيضا أنه عليه الصلاة والسلام أمر بزر الأزرار. فقد أخرج
~~الطبراني عن زيد بن أبي أوفى

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى عثمان بن عفان رضي الله
~~تعالى عنه فإذا أزراره محلولة فزرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده
~~وقال: اجمع عطفي ردائك على نحرك "

# وفي هذين الأثرين ما هو ظاهر في أن جيب القميص كان إذا ذاك على الصدر
~~كما هو اليوم عند العرب، وهو يبطل القول بأنه خلاف السنة وأنه من شعائر
~~اليهود، وأمره تعالى إياه عليه السلام بإدخال ms07757 يده في جيبه مع أنه سبحانه
~~قادر على أن يجعلها بيضاء من غير إدخال للامتحان وله سبحانه أن يمتحن
~~عباده بما شاء.

# والظاهر أن قوله تعالى: { تخرج } جواب الأمر لأن خروجها مترتب على
~~إدخالها، وقيل: في الكلام حذف تقديره وأدخل يدك في جيبك تدخل وأخرجها
~~تخرج فحذف من الأول ما أثبت مقابله في الثاني ومن الثاني ما أثبت مقابله
~~في الأول فيكون في الكلام صنعة الاحتباك وهو تكلف لا حاجة إليه، وقوله
~~تعالى: { بيضاء } حال وكذا قوله تعالى: { من غير سوء } وهو
~~احتراس وقد تقدم الكلام فيه، وكذا قوله سبحانه: { فى تسع ءايت }
~~أي آية معدودة من جملة تسع آيات أو معجزة لك معها على أن التسع هي الفلق
~~والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة - وهي جعل أسبابهم حجارة
~~- والجدب في بواديهم والنقصان في مزارعهم ولمن عد العصا واليد من التسع
~~أن يعد الجدب والنقصان في المزارع واحدا ولا يعد الفلق منها لأنه عليه
~~السلام لم يبعث به إلى فرعون وأن تقدمه بيسير؛ ومن عده يقول: يكفي
~~معاينته له في البعث به أو هو بعث به لمن آمن من قومه ولمن تخلف من القبط
~~ولم يؤمن، وفي «التقريب» أن الطمسة والجدب والنقصان يرجع إلى شيء واحد
~~فالتسع هذا الواحد والعصا واليد وما بقي من المذكورات.

# وذهب صاحب «الفرائد» إلى أن الجراد القمل واحد، والجدب والنقصان واحد،
~~وجوز أن يكون في تسع منقطعا عما قبله متعلقا بمحذوف أي اذهب في تسع
~~آيات. ويدل على ذلك قوله تعالى:

# فلما جاءتهم ءايتنا

# [النمل: 13] وفي بمعنى مع، ونظير هذا الحذف ما في قوله:

# أتوا ناري فقلت منون أنتم

# فقالوا الجن قلت عموا ظلاما

# وقلت إلى الطعام فقال منهم

# فريق يحسد الإنس الطعاما

# فإن التقدير هلموا إلى الطعام. ويتعلق بهاذ المحذوف قوله تعالى: {
~~إلى فرعون وقومه } وعلى ما تقدم يتعلق / بمحذوف وقع حالا
~~أي مبعوثا أو مرسلا إلى فرعون، وأيا ما كان فقوله تعالى: { إنهم
~~كانوا قوما فسقين } مستأنف استئنافا بيانيا كأنه قيل لم
~~أرسلت ms07758 إليهم بما ذكر؟ فقيل: إنهم الخ، والمراد بالفسق إما الخروج عما
~~ألزمهم الشرع إياه إن قلنا بأنهم قد أرسل قبل موسى عليه السلام من يلزمهم
~~اتباعه وهو يوسف عليه السلام، وإما الخروج عما ألزمه العقل واقتضاء
~~الفطرة إن قلنا بأنه لم يرسل إليهم أحد قبله عليه السلام.

### || [27.13]

# { فلما جاءتهم ءايتنا } أي ظهرت لهم على يد موسى عليه
~~السلام، فالمجيء مجاز عن الظهور وإسناده إلى الآيات حقيقي، وقال بعض
~~الأجلة: المجيء حقيقة وإسناده إلى الآيات مجازي وهو حقيقة لموسى عليه
~~السلام ولما بينهما من الملابسة لكونها معجزة له عليه السلام ساغ ذلك.
~~ولعل النكتة في العدول عن

# فلما جآءهم موسى بآياتنا

# [القصص: 36] إلى ما في النظم الجليل الإشارة إلى أن تلك الآيات خارجة عن
~~طوقه عليه السلام كسائر المعجزات وأنه لم يكن له عليه السلام تصرف في
~~بعها وكونه معجزة له لإخباره به ووقوعه بدعائه ونحوه، ولا ينافي هذا
~~الإسناد إليه لكونها جارية على يده للإعجاز في قوله سبحانه:

# فلما جاءهم موسى بئايتنا

# [القصص: 36] في محل آخر، وقد بين بعضهم وجها لاختصاص كل منهما بمحله
~~بأن ثمة ذكر مقاولته عليه السلام ومجادلتهم معه فناسب الإسناد إليه، وهنا
~~لما لم يكن كذلك ناسب الإسناد إليها لأن المقصود بيان جحودهم بها، وإضافة
~~الآيات للعهد، وفي إضافتها إلى ضمير العظمة ما لا يخفى من تعظيم شأنها.

# { مبصرة } حال من (الآيات) أي بينة واضحة، وجعل الإبصار لها وهو
~~حقيقة لمتأمليها للملابسة بينها وبينهم لأنهم إنما يبصرون بسبب تأملهم
~~فيها فالإسناد مجازي من باب الإسناد إلى السبب، ويجوز أن يراد مبصرة كل
~~من نظر إليها من العقلاء أو من فرعون وقومه لقوله تعالى:

# واستيقنتها أنفسهم

# [النمل: 14] أي جاعلته بصيرا من أبصره المتعدي بهمزة النقل من بصر
~~والإسناد أيضا مجازي. ويجوز أن تجعل الآيات كأنها تبصر فتهدي لأن العمى
~~لا تقدر على الاهتداء فضلا أن تهدي غيرها فيكون في الكلام استعارة مكنية
~~تخييلية مرشحة، قال في «الكشف» وهذا الوجه أبلغ، وقيل: إن فاعلا أطلق
~~للمفعول فالمجاز ms07759 إما في الطرف أو في الإسناد فتأمل.

# وقرأ قتادة وعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما { مبصرة } بفتح
~~الميم والصاد على وزن مسبعة، وأصل هذه الصيغة أن تصاغ في الأكثر لمكان
~~كثر فيه مبدأ الاشتقاق فلا يقال: مسبعة مثلا إلا لمكان يكثر فيه السباع
~~لا لما فيه سبع واحد ثم تجوز بها عما هو سبب لكثرة الشيء وغلبته كقولهم:
~~الولد مجبنة ومبخلة أي سبب لكثرة جبن الوالد وكثرة بخله وهو المراد هنا
~~أي سببا لكثرة تبصر الناظرين فيها، وقال أبو حيان: هو مصدر أقيم مقام
~~الاسم وانتصب على الحال أيضا.

# { قالوا هذا } أي الذي نراه أو نحوه { سحر مبين } أي واضح
~~سحريته على أن { مبين } من أبان اللازم.

### || [27.14]

# { وجحدوا بها } أي وكذبوا بها { واستيقنتها أنفسهم
~~} أي علمت علما يقينيا أنها آيات من عند الله تعالى، والاستيقان أبلغ
~~من الإيقان. وفي «البحر» أن استفعل هنا بمعنى تفعل كاستكبر بمعنى تكبر،
~~والأبلغ أن تكون الواو للحال والجملة بعدها حالية إما بتقدير قد أو
~~بدونها { ظلما } أي للآيات كقوله تعالى:

# بما كانوا بآيتنا يظلمون

# [الأعراف: 9] وقد ظلموا بها / أي ظلم حيث حطوها عن رتبتها العالية
~~وسموها سحرا، وقيل: ظلما لأنفسهم وليس بذاك { وعلوا } أي ترفعا
~~واستكبارا عن الإيمان بها كقوله تعالى:

# والذين كذبوا بئايتنا واستكبروا عنها

# [الأعراف: 36] وانتصابهما إما على العلية من { جحدوا } وهي على ما
~~قيل باعتبار العاقبة والادعاء كما في قوله: لدوا للموت وابنوا للخراب،
~~وأما على الحال من فاعله أي جحدوا بها ظالمين عالين، ورجح الأول بأنه
~~أبلغ وأنسب بقوله تعالى: { فانظر كيف كان عقبة
~~المفسدين } أي ما آل إليه فرعون وقومه من الإغراق على الوجه الهائل
~~الذي هو عبرة للظالمين، وإنما لم يذكر تنبيها على أنه عرضة لكل ناظر
~~مشهور لدى كل باد وحاضر. وأدخل بعضهم في العاقبة حالهم في الآخرة من
~~الإحراق والعذاب الأليم. وفي إقامة الظاهر مقام الضمير ذم لهم وتحذير
~~لأمثالهم.

# وقرأ عبد الله وابن وثاب والأعمش وطلحة وأبان بن تغلب { وعليا } بقلب
~~الواو ياء ms07760 وكسر العين واللام، وأصله فعول لكنهم كسروا العين اتباعا،
~~وروي ضمها عن ابن وثاب والأعمش وطلحة.

### || [27.15]

# { ولقد ءاتينا داوود وسليمن علما } كلام مستأنف
~~مسوق لتقرير ما سبق من أنه عليه السلام تلقى القرآن من لدون حكيم عليم
~~كقصة موسى عليه السلام، وتصديره بالقسم لإظهار كمال الاعتناء بمضمونه أي
~~آتينا كل واحد منهما طائفة من العلم لائقة به من علم الشرائع والأحكام
~~وغير ذلك مما يختص بكل منهما كصنعة لبوس ومنطق الطير، وخصها مقاتل بعلم
~~القضاء، وابن عطاء بالعلم بالله عز وجل، ولعل الأولى ما ذكر أو علما
~~سنيا غزيرا فالتنوين على الأول للتقليل وهو أوفق بكون القائل هو الله
~~عز وجل فإن كل علم عنده سبحانه قليل وعلى الثاني للتعظيم والتكثير؛ وهو
~~أوفق بامتنانه جل جلاله فإنه سبحانه الملك العظيم فاللائق بشأنه الامتنان
~~بالعظيم الكثير فلكل وجهة، وربما يرجح الثاني، ومما ينبغي أن لا يلتفت
~~إليه كون التنوين للنوعية أي نوعا من العلم والمراد به علم الكيمياء.

# { وقالا } أي قال كل منهما شكرا لما أوتيه من العلم { الحمد
~~لله الذى فضلنا } بما آتانا من العلم { على كثير من
~~عباده المؤمنين } على أن عبارة كل منهما فضلني إلا أنه عبر
~~عنهما عند الحكاية بصيغة المتكلم مع الغير إيجازا، وحكاية الأقوال
~~المتعددة سواء كانت صادرة عن المتكلم أو عن غيره بعبارة جامعة للكل مما
~~ليس بعزيز، ومن ذلك قوله تعالى:

# يأيها الرسل كلوا من الطيبت

# [المؤمنون: 51] قيل وبهذا ظهر حسن موقع العطف بالواو دون الفاء إذ
~~المتبادر من العطف بالفاء ترتب حمد كل منهما على إيتاء ما أوتي كل منهما
~~لا على إيتاء ما أوتي نفسه فقط. وتعقب بأنه إذا سلم ما ذكر فالعطف بالواو
~~أيضا يتبادر معه كون حمد كل منهما على إيتاء ما أوتي كل منهما فما يمنع
~~من ذلك مع الواو يمنع نحوه مع الفاء، وقال العلامة الزمخشري: ((عطف
~~بالواو دون الفاء مع أن الظاهر العكس كما في قولك: أعطيته فشكر إشعارا
~~بأن ما قالاه بعض ما أحدث ms07761 فيهما إيتاء العلم وشيء من مواجبه فأضمر ذلك ثم
~~عطف عليه التحميد كأنه قال سبحانه: ولقد آتيناهما علما فعملا فيه وعلماه
~~وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة، وقالا: الحمد لله الذي فضلنا)).

# وحاصله أن إيتاء العلم من جلائل النعم وفواضل المنح / يستدعي إحداث
~~الشكر أكثر مما ذكر فجىء بالواو لأنها تستدعي إضمارا فيضمر ما يقتضيه
~~موجب الشكر من قوله: فعملا به وعلماه فإنه شكر فعلي، وقوله: وعرفا حق
~~النعمة فيه والفضيلة فإنه شكر قلبي، وبقوله تعالى: { وقالا } الخ تتم
~~أنواع الشكر لأنه شكر لساني، وفي الطي إيماء بأن المطوي جاوز حد الإحصاء،
~~ويعلم مما ذكر أن هذا الوجه لاختيار العطف بالواو أولى مما ذهب إليه
~~السكاكي من تفويض الترتب إلى العقل لأن المقام يستدعي الشكر البالغ وهو
~~ما يستوعب الأنواع وعلى ما ذهب إليه يكون بنوع القولي منها وحده، وهو
~~أولى مما قيل أيضا: إنه لم يعطف بالفاء لأن الحمد على نعم عظيمة من
~~جملتها العلم ولو عطف بالفاء لكان الحمد عليه فقط لأن السياق ظاهر في أن
~~الحمد عليه لا على ما يدخل هو في جملته، وهل هناك على ما ذكره العلامة
~~تقدير حقيقة أم لا؟ قولان، وممن ذهب إلى الأول من يسمي هذه الواو الواو
~~الفصيحة، والظاهر أن المراد من الكثير المفضل عليه من لم يؤت مثل علمهما
~~عليهما السلام، وقيل: ذاك ومن لم يؤت علما أصلا.

# وتعقب بأنه يأباه تبيين الكثير بعباده تعالى المؤمنين فإن خلوهم عن
~~العلم بالمرة مما لا يمكن، وفي تخصيصهما الكثير بالذكر إشارة إلى أن
~~البعض مفضلون عليهما كذا قيل، والمتبادر من البعض القليل، وفي «الكشاف»
~~أن في قوله تعالى: { على كثير } أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما
~~كثير. وتعقب بأن فيه نظرا إذ يدل بالمفهوم على أنهما لم يفضلا على
~~القليل فإما أن يفضل القليل عليهما أو يساوياه فلا بل يحتمل الأمرين.
~~ورده صاحب «الكشف» بأن الكثير لا يقابله القليل في مثل هذا المقام بل يدل
~~على أن حكم الأكثر بخلافه، ولما بعد ms07762 تساوى الأكثر من حيث العادة لا سيما
~~والأصل التفاوت حكم صاحب «الكشاف» بأنه يدل على أنه فضل عليهما أيضا
~~كثير على أن العرف طرح التساوي في مثله عن الاعتبار وجعل التقابل بين
~~المفضل والمفضل عليه، ألا ترى أنهم إذا قالوا: لا أفضل من زيد فهم أنه
~~أفضل من الكل انتهى.

# وفي الآية أوضح دليل على فضل العلم وشرف أهله حيث شكرا على العلم وجعلاه
~~أساس الفضل ولم يعتبرا دونه مما أوتياه من الملك العظيم وتحريض للعلماء
~~على أن يحمدوا الله تعالى على ما آتاهم من فضله وأن يتواضعوا ويعتقدوا أن
~~في عباد الله تعالى من يفضلهم في العلم، ونعم ما قال أمير المؤمنين عمر
~~بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حين نهى على المنبر عن التغالي في المهور
~~فاعترضت عليه عجوز بقوله تعالى:

# وآتيتم إحداهن قنطارا

# [النساء: 20] الآية: كل الناس أفقه من عمر، وفيه من جبر قلب العجوز وفتح
~~باب الاجتهاد ما فيه، وجعل الشيعة له من المثالب من أعظم المثالب وأعجب
~~العجائب. ولعل في الآية إشارة إلى جواز أن يقول العالم: أنا عالم. وقد
~~قال ذلك جملة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم منهم أمير المؤمنين علي كرم
~~الله تعالى وجهه وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وما شاع من
~~حديث «من قال أنا عالم فهو جاهل» إنما يعرف من كلا يحيى بن أبي كثير
~~موقوفا عليه على ضعف في إسناده [إليه]، ويحيى هذا من صغار التابعين
~~فإنه رأى أنس بن مالك وحده، وقد وهم بعض الرواة فرفعه إلى النبي صلى
~~الله عليه وسلم، وتحقيقه في «أعذب المناهل» للجلال السيوطي.

### || [27.16]

# { وورث سليمن داوود } أي قام مقامه في النبوة والملك وصار
~~نبيا ملكا بعد موت أبيه داود عليهما السلام فوراثته إياه مجاز عن قيامه
~~مقامه فيما ذكر بعد موته، وقيل: المراد وراثة النبوة فقط، وقيل: وراثة
~~الملك فقط، وعن الحسن ونسبه الطبرسي إلى أئمة أهل البيت أنها وراثة
~~المال، وتعقب بأنه قد صح

# " نحن معاشر الأنبياء لا ms07763 نورث "

# وقد ذكره الصديق والفاروق رضي الله تعالى عنهما بحضرة جمع من الصحابة
~~وهم الذين لا يخافون في الله تعالى لومة لائم ولم ينكره أحد منهم عليهما.
~~وأخرج أبو داود والترمذي

# " عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن
~~العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكن
~~ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر "

# وروى محمد بن يعقوب الرازي في «الكافي» عن أبي البحتري عن أبي عبد
~~الله جعفر الصادق أنه قال ذلك أيضا.

# ومما يدل على أن هذه الوراثة ليست وراثة المال ما روى الكليني عن أبي
~~عبد الله أن سليمان ورث داود وأن محمدا ورث سليمان صلى الله عليه وسلم،
~~وأيضا وراثة المال لا تختص بسليمان عليه السلام فإنه كان لداود عدة
~~أولاد غيره كما رواه الكليني عنه أيضا، وذكر غيره أنه عليه السلام توفي
~~عن تسعة عشر ابنا فالإخبار بها عن سليمان ليس فيه كثير نفع وإن كان
~~المراد الإخبار بما يلزمها من بقاء سليمان بعد داود عليهما السلام فما
~~الداعي للعدول عما يفيده من غير خفاء مثل وقال سليمان بعد موت أبيه داود
~~«يا أيها الناس» الخ. وأيضا السياق والسباق يأبيان أن يكون المراد وراثة
~~المال كما لا يخفى على منصف، والظاهر أن الرواية عن الحسن غير ثابتة وكذا
~~الرواية عن أئمة أهل البيت رضي الله تعالى عنهم، فقد سمعت في رواية
~~الكليني عن الصادق رضي الله تعالى عنه ما ينافي ثبوتها، ووراثة غير المال
~~شائعة في الكتاب الكريم فقد قال عز من قائل:

# ثم أورثنا الكتب

# [فاطر: 32]، وقال سبحانه:

# فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتب

# [الأعراف: 169] ولا يضر تفاوت القرينة فافهم. وكان عمره يوم توفي داود
~~عليهما السلام اثنتي عشرة سنة أو ثلاث عشرة وكان داود قد أوصى له بالملك
~~فلما توفي ملك وعمره ما ذكر، وقيل: إن داود عليه السلام ولاه على بني
~~إسرائيل في حياته حكاه في «البحر».

# { وقال } تشهيرا لنعمة الله تعالى وتعظيما لقدرها ms07764 ودعاء للناس إلى
~~التصديق بنبوته بذكر المعجزات الباهرات التي أوتيها لا افتخارا {
~~يأيها الناس } الظاهر عمومه جميع الناس الذين يمكن عادة
~~مخاطبتهم.

# وقال بعض الأجلة: المراد به رؤساء مملكته وعظماء دولته من الثقلين
~~وغيرهم، والتعبير عنهم بما ذكر للتغليب، وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي
~~أنه قال: الناس عندنا أهل العلم { علمنا منطق الطير } أي نطقه
~~وهو في المتعارف كل لفظ يعبر به عما في الضمير مفردا أو مركبا، وقد
~~يطلق على كل ما يصوت به على سبيل الاستعارة المصرحة، ويجوز أن يعتبر
~~تشبيه المصوت بالإنسان ويكون هناك استعارة بالكناية وإثبات النطق
~~تخييلا، وقيل يجوز أيضا أن يراد بالنطق مطلق الصوت على أنه مجاز مرسل
~~وليس بذاك. ويحتمل الأوجه الثلاثة قوله:

# لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت

# حمامة في غصون ذات أوقال

# وقد يطلق على ذلك للمشاكلة كما في قولهم: الناطق والصامت للحيوان
~~والجماد، والذي علمه عليه السلام من منطق الطير هو على ما قيل ما يفهم
~~بعضه من بعض من معانيه وأغراضه، ويحكى أنه عليه السلام مر على بلبل في
~~شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه فقال لأصحابه أتدرون ما يقول؟ قالوا: الله
~~تعالى ونبيه أعلم قال: يقول أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء. وصاحت
~~فاختة فأخبر أنها تقول ليت ذا الخلق لم يخلقوا، وصاح طاوس فقال يقول كما
~~تدين تدان، وصاح هدهد فقال: يقول استغفروا الله تعالى يا مذنبون، وصاح
~~طيطوى فقال: يقول كل حي ميت وكل جديد / بال، وصاح خطاف فقال: يقول قدموا
~~خيرا تجدوه، وصاحت رخمة فقال: تقول سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه،
~~وصاح قمري فأخبر أنه يقال: سبحان ربي الأعلى، وقال الحدأ: يقول كل شيء
~~هالك إلا الله تعالى، والقطاة تقول: من سكت سلم، والببغاء يقول: ويل لمن
~~الدنيا همه؛ والديك يقول: اذكروا الله تعالى يا غافلون. والنسر يقول: يا
~~ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت. والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس.
~~والضفدع يقول: سبحان ربي القدوس. والقنبرة تقول: اللهم العن مبغض ms07765 محمد
~~وآل محمد، والزرزور يقول: اللهم إني أسألك قوت يوم بيوم يا رزاق. والدراج
~~يقول: الرحمن على العرش استوى انتهى. ونظم الضفدع في سلك المذكورات من
~~الطير ليس في محله، ومع هذا الله تعالى أعلم بصحة هذه الحكاية.

# وقيل: كانت الطير تكلمه عليه السلام معجزة له نحو ما وقع من الهدهد في
~~القصة الآتية. وقيل: علم عليه السلام ما تقصده الطير في أصواتها في سائر
~~أحوالها فيفهم تسبيحها ووعظها وما تخاطبه به عليه السلام وما يخاطب به
~~بعضها بعضا. وبالجملة علم من منطقها ما علم الإنسان من منطق بني صنفه،
~~ولا يستبعد أن يكون للطير نفوس ناطقة ولغات مخصوصة تؤدي بها مقاصدها كما
~~في نوع الإنسان إلا أن النفوس الإنسانية أقوى وأكمل، ولا يبعد أن تكون
~~متفاوتة تفاوت النفوس الإنسانية الذي قال به من قال.

# ويجوز أن يعلم الله تعالى منطقها من شاء من عباده ولا يختص ذلك
~~بالأنبياء عليهم السلام، ويجري ما ذكرناه في سائر الحيوانات. وذهب بعض
~~الناس إلى أن سليمان عليه علم منطقها أيضا إلا أنه نص على الطير لأنها
~~كانت جندا من جنوده يحتاج إليها في التظليل من الشمس وفي البعث في
~~الأمور، ولا يخفى أن الآية لا تدل على ذلك فيحتاج القول به إلى نقل صحيح،
~~وزعم بعضهم أنه عليه السلام علم أيضا منطق النبات فكان يمر على الشجرة
~~فتذكر له منافعها ومضارها. ولم أجد في ذلك خبرا صحيحا. وكثير من
~~الحكماء من يعرف خواص النبات بلونه وهيئته وطعمه وغير ذلك. ولا يحتاج في
~~معرفتها إلى نطقه بلسان القال.

# والضمير في { علمنا * وأوتينا } قيل: له ولأبيه عليهما السلام وهو خلاف
~~الظاهر. والأولى كونه له عليه السلام. ولما كان ملكا مطاعا خاطب رعيته
~~على عادة الملوك لمراعاة قواعد السياسة من التمهيد لما يراد من الرعية من
~~الطاعة والانقياد في الأوامر والنواهي ولم يكن ذلك تعاظما وتكبرا منه
~~عليه السلام، ومراعاة قواعد السياسة للتوصل بها إلى ما فيه رضا الله عز
~~وجل من الأمور المهمة. وقد أمر ms07766 نبينا صلى الله عليه وسلم العباس بحبس
~~أبي سفيان حتى تمر عليه الكتائب يوم الفتح لذلك، و { كل } في الأصل
~~للإحاطة وترد للتكثير كثيرا نحو قولك: فلان يقصده كل أحد ويعلم كل شيء
~~وهي كناية في ذلك أو مجاز مشهور. وهذا المعنى هو المراد هنا إذا جعلت {
~~من } صلة وهو المناسب لمقام التحدث بالنعم، وإن لم تجعل صلة فهي على
~~أصلها فيما قيل. وأنت تعلم أنه لا يتسنى ذلك إلا إذا أريد الكل المجموعي
~~وهو كما ترى. وفي «البحر» أن قوله تعالى: { علمنا منطق الطير
~~} إشارة إلى النبوة. وقوله سبحانه: { وأوتينا من كل شىء } إشارة
~~إلى الملك. والجملتان كالشرح للميراث. وعن مقاتل أنه أريد بما أوتيه
~~النبوة والملك وتسخير الجن والإنس والشياطين والريح. وعن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما هو ما يهمه عليه السلام من أمر الدنيا والآخرة. وقد
~~يقال: إنه ما يحتاجه الملك من آلات الحرب وغيرها.

# { إن هذا } إشارة إلى ما ذكر من / التعليم والإيتاء { لهو
~~الفضل } والإحسان من الله تعالى { المبين } الواضح الذي لا يخفى
~~على أحد أو إن هذا الفضل الذي أوتيته لهو الفضل المبين. فيكون من كلامه
~~عليه السلام قطعا ذيل به ما تقدم منه ليدل على أنه إنما قال ما قال على
~~سبيل الشكر كما قال صلى الله عليه وسلم:

# " أنا سيد ولد آدم ولا فخر "

# بالراء المهملة آخره كما في الرواية المشهورة أي أقول هذا القول شكرا
~~لا فخرا. ويقرب من هذا المعنى ولا فخز بالزاي كما في الرواية الغير
~~المشهورة.

### || [27.17]

# { وحشر لسليمن جنوده } أي جمع له عساكره من الأماكن
~~المختلفة { من الجن والإنس والطير } بيان للجنود كما في
~~«البحر» وغيره. ولا يلزم من ذلك أن يكون الجنود المحشورون له عليه السلام
~~جميع الجن وجميع الإنس وجميع الطير إذ يأبى ذلك مع قطع النظر عن العقل
~~قصة بلقيس الآتية بعد، وكذا قصة الهدهد. ونقل عن بعضهم أنه عليه السلام
~~كان يأتيه من كل صنف من الطير واحد وهو نص في أن ms07767 المحشور ليس جميع الطير.
~~ولا يكاد يصح إرادة الجميع في الجميع على ما ذكره الإمام في الآية أيضا
~~وهو أن المعنى أنه جعل الله تعالى كل هذه الأصناف جنوده لأنه وإن لم
~~يستدع الحضور والاجتماع في موضع واحد بل يكفي فيه مجرد الانقياد والدخول
~~في حيطة تصرفه والاتباع له حيث كانوا لإباء قصة بلقيس أيضا عنه فإن
~~المناسب الإخبار بهذا الجعل بعد الإخبار بدخولها ومن معها في حيطة تصرفه.

# والظاهر أن هذا الحشر ليس إلا جمع العساكر ليذهب بهم إلى محاربة من لم
~~يدخل في ربقة طاعته عليه السلام. وكونه ليذهب بهم إلى مكة شكرا على ما
~~وفق له من بناء بيت المقدس خلاف الظاهر، لكن إذا صح فيه خبر قبل، وأن
~~المجموع من الأنواع المذكورة ما يليق بشأنه وأبهته وعظمته سواء جعلت {
~~من } بيانية أو تبعيضية، وكونه عليه السلام أحد المؤمنين الذين ملكا
~~المعمورة بأسرها إذا سلمنا صحة الخبر الدال عليه وسلامته من المعارض وأنه
~~نص في المطلوب لا يستدعي سوى دخول سكان المعمورة في عداد رعيته وحيطة
~~ملكته وليس ذلك دفعيا بل هو إن صح كان بحسب التدريج. وقد ذكر بعض
~~المؤرخين أن بلقيس إنما دخلت تحت طاعته في السنة الخامسة والعشرين من
~~ملكه، وكانت مدة ملكه عليه السلام أربعين سنة وكذا كانت مدة ملك أبيه
~~داود عليهما السلام.

# والظاهر أن الحاشر لكل نوع من الأنواع الثلاثة أشخاص منهم فيكون من كل
~~نوع أشخاص مأمورون بذلك معدون له. ولا تستبعد ذلك في الطير إذا كنت من
~~المؤمنين بقصة الهدهد، ولا يلزمك التزام ما قاله الإمام من أن الله تعالى
~~جعل للطير عقلا في أيام سليمان عليه السلام ولم يجعل لها ذلك في أيامنا
~~فما عليك بأس إذا قلت بأنها على حالة واحدة اليوم وذلك اليوم. ولا نعني
~~بعقلها إلا ما تهتدي به لأغراضها، ووجود ذلك اليوم فيها وكذا في غيرها من
~~سائر الحيوانات مما لا ينكره إلا مكابر، وما علينا أن نقول: إن عقولها من
~~حيث هي كعقول ms07768 الإنسان من حيث هي. ولعل فيها من يهتدي إلى ما لا يهتدي
~~إليه الكثير من بني آدم كالنحل، ولعمري إنها لو كانت خالية من العقل كما
~~يقال وفرض وجود العقل فيها لا أظن أنها تصنع بعد وجوده أحسن مما تصنعه
~~اليوم وهي خالية منه ولا يجب أن يكون كل عاقل مكلفا فلتكن الطيور كسائر
~~العقلاء الذين لم يبعث إليهم نبي يأمرهم وينهاهم، ويجوز أيضا أن تكون
~~عارفة بربها مؤمنة به جل وعلا من غير أن يبعث إليها نبي كمن ينشأ بشاهق
~~جبل وحده ويكون مؤمنا بربه سبحانه بل كونها مؤمنة / بالله تعالى مسبحة
~~له وكذا سائر الحيوانات مما تشهد له ظواهر الآيات والأخبار، وقد قدمنا
~~بعضا من ذلك وليس عندنا ما يجب له التأويل، وبالغ بعضهم فزعم أنها مكلفة
~~وفيها وكذا في غيرها من الحيوانات أنبياء لهم شرائع خاصة واستدل عليه بما
~~استدل والمشهور إكفار من زعم ذلك.

# وقد نص على إكفاره جمع من الفقهاء، وتخصيص الأنواع الثلاثة بالذكر ظاهر
~~في أنه عليه السلام لم يسخر له الوحش. وفي خبر أخرجه الحاكم عن محمد بن
~~كعب ما هو ظاهر في تسخيره له عليه السلام أيضا، وسنذكره قريبا إن شاء
~~الله تعالى لكنه لا يعول عليه.

# وتقديم الجن للمسارعة إلى الإيذان بكمال قوة ملكه عليه السلام وعزة
~~سلطانه من أول الأمر لما أن الجن طائفة عاتية وقبيلة طاغية ماردة بعيدة
~~من الحشر والتسخير. ولم يقدم الطير على الإنس مع أن تسخيرها أشق أيضا
~~وأدل على قوة الملك وعزة السلطان لئلا يفصل بين الجن والإنس المتقابلين
~~والمشتركين في كثير من الأحكام. وقيل في تقديم الجن: إن مقام التسخير لا
~~يخلو من تحقير وهو مناسب لهم وليس بشيء لأن التسخير للأنبياء عليهم
~~السلام شرف لأنه في الحقيقة لله عز وجل الذي سخر كل شيء. وإذا اعتبر في
~~نفسه فالتعليل بذلك غير مناسب للمقام ويكفي هذا في عدم قبوله.

# { فهم يوزعون } أي يحبس أولهم ليلحق آخرهم فيكونوا مجتمعين لا
~~يتخلف منهم أحد وذلك للكثرة ms07769 العظيمة، ويجوز أن يكون ذلك لترتيب الصفوف
~~كما هو المعتاد في العساكر والأول أولى وفيه مع الدلالة على الكثرة
~~والإشعار بكمال مسارعتهم إلى السير الدلالة على أنهم كانوا مسوسين غير
~~مهملين لا يتأذى أحد بهم. وأصل الوزع الكف والمنع، ومنه قول عثمان رضي
~~الله تعالى عنه: ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن. وقول الحسن لا بد
~~للقاضي من وزعة، وقول الشاعر:

# ومن لم يزعه لبه وحياؤه

# فليس له من شيب فوديه وازع

# وتخصيص حبس أوائلهم بالذكر دون سوق أواخرهم مع أن التلاحق يحصل بذلك
~~أيضا لأن في ذلك شفقة على الطائفتين، أما الأوائل فمن جهة أن يستريحوا
~~في الجملة بالوقوف عن السير وأما الأواخر فمن جهة أن لا يجهدوا أنفسهم
~~بسرعة السير، وقيل: إن ذلك لما أن أواخرهم غير قادرين على ما يقدر عليه
~~أوائلهم من السير السريع، وأخرج الطبراني، والطستي في «مسائله» عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أنه يحبس أولهم على آخرهم حتى تنام الطير
~~والله تعالى أعلم بصحة الخبر.

# والظاهر أن هذا الوزع إذا لم يكن سيرهم بتسيير الريح في الجو، والأخبار
~~في قصته عليه السلام كثيرة. فقد أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال:
~~كان يوضع لسليمان ثلاثمائة ألف كرسي فيجلس مؤمني الإنس مما يليه ومؤمني
~~الجن من ورائهم ثم يأمر الطير فتظله ثم يأمر الريح فتحمله فيمرون على
~~السنبلة فلا يحركونها، وأخرج الحاكم عن محمد بن كعب قال: بلغنا أن سليمان
~~عليه السلام كان معسكره مائة فرسخ خمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للجن،
~~وخمس وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير وكان له ألف بيت من قوارير على
~~الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة وسبعمائة سرية فيأمر الريح العاصف فترفعه ثم
~~يأمر الرخاء فتسير به. وأوحى الله عز وجل إليه وهو يسير بين السماء
~~والأرض إني قد زدتك في ملكك أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت
~~به الريح إليك وألقته في سمعك. ويروى أن الجن نسجت له / عليه السلام
~~بساطا من ذهب ms07770 وإبريسم فرسخا في فرسخ ومنبره في وسطه من ذهب فيصعد عليه
~~وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة فتقعد الأنبياء عليهم السلام على
~~كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن
~~والشياطين وتظله الطير بأجنحتها وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة
~~شهر.

# وأخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» وابن المنذر عن وهب بن منبه
~~قال: مر سليمان عليه السلام وهو في ملكه وقد حملته الريح على رجل حراث من
~~بني إسرائيل فلما رآه قال: سبحان الله لقد أوتي آل داود ملكا فحملتها
~~الريح فوضعتها في أذنه فقال: ائتوني بالرجل قال: ماذا قلت؟ فأخبره فقال
~~سليمان: إني خشيت عليك الفتنة لثواب سبحان الله عند الله يوم القيامة
~~أعظم مما رأيت آل داود أوتوا فقال الحراث: أذهب الله تعالى همك كما أذهبت
~~همي. وفي بعض الروايات أنه عليه السلام نزل ومشى إلى الحراث وقال: إنما
~~مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه ثم قال: لتسبيحة واحدة يقبلها الله
~~تعالى خير مما أوتي آل داود، وأكثر الأخبار في هذا الشأن لا يعول عليها
~~فعليك بالإيمان بما نطق به القرآن ودلت عليه الأخبار الصحيحة وإياك من
~~الانتصار لما لا صحة له مما يذكره كثير من القصاص والمؤرخين مما فيه
~~مبالغات شنيعة بمجرد أنها أمور ممكنة يصح تعلق قدرته عز وجل بها فتفتح
~~بذلك باب السخرية بالدين والعياذ بالله تعالى، ولا يبعد أن يكون أكثر ما
~~تضمن مثل ذلك من وضع الزنادقة يريدون به التنفير عن دين الإسلام.

### || [27.18]

# { حتى إذا أتوا على وادى النمل } حتى هي التي يبتدأ
~~بها الكلام ومع ذلك هي غاية لما قبلها وهي ههنا غاية لما ينبىء عنه
~~قوله تعالى:

# فهم يوزعون

# [النمل: 17] من السير كأنه قيل: فساروا حتى إذا أتوا الخ، ووادي النمل
~~واد بأرض الشام كثير النمل على ما روي عن قتادة ومقاتل، وقال كعب: هو
~~وادي السدير من أرض الطائف، وقيل: واد بأقصى اليمن وهو معروف عند العرب
~~مذكور في ms07771 أشعارها، وقيل: هو واد تسكنه الجن والنمل مراكبهم وهذا عندي مما
~~لا يلتفت إليه. وتعدية الفعل إليه بكلمة على مع أنه يتعدى بنفسه أو بإلى
~~- إما لأن إتيانهم كان من جانب عال فعدى بها للدلالة على ذلك كما قال
~~المتنبي:

# ولشد ما جاوزت قدرك صاعدا

# ولشد ما قربت عليك الأنجم

# لما كان قرب الأنجم، وإن أراد بها أبيات شعره من فوق، وإما لأن المراد
~~بالإتيان عليه قطعه وبلوغ آخره من قولهم: أتى على الشيء إذا أنفده وبلغ
~~آخره. ثم الإتيان عليه بمعنى قطعه مجاز عن إرادة ذلك وإلا لم يكن للتحذير
~~من الحطم الآتي وجه إذ لا معنى له بعد قطع الوادي الذي فيه النمل
~~ومجاوزته، والظاهر على الوجهين أنهم أتوا عليه مشاة، ويحتمل أنهم كانوا
~~يسيرون في الهواء فأرادوا أن ينزلوا هناك فأحست النملة بنزولهم فأنذرت
~~النمل.

# { قالت نملة } جواب (إذا). والظاهر أنها صوتت بما فهم سليمان
~~عليه السلام منه معنى { يأيها النمل ادخلوا مسكنكم
~~لا يحطمنكم سليمن وجنوده وهم لا يشعرون }
~~وهذا كما يفهم عليه السلام من أصوات الطير ما يفهم، ولا يقدح في ذلك أنه
~~عليه السلام لم يعلم إلا منطق الطير إما لأنها كانت من الطير ذات جناحين
~~كما أخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي وهو عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن
~~المنذر عن قتادة، وكم رأينا نملة لها جناحان تطير بهما، وكون ذلك لا
~~يقتضي عدها من الطير محل نظر وإما لأن فهم ما ذكر وقع له عليه السلام هذه
~~المرة فقط ولم يطرد كفهم أصوات الطير، وليس في الآية / السابقة ولا في
~~الأخبار ما ينفي فهم ما يقصده غير الطير من الحيوانات بدون اطراد، وقال
~~ابن بحر: إنها نطقت بذلك معجزة لسليمان عليه السلام كما نطق الضب والذراع
~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال مقاتل: وقد سمع عليه السلام قولها من
~~ثلاثة أميال، ويلزم على هذا أنها أحست بنزولهم من هذه المسافة. والسمع من
~~سليمان منها غير بعيد لأن الريح كما جاء في ms07772 الآثار توصل الصوت إليه أو
~~لأن الله تعالى وهبه إذ ذاك قوة قدسية سمع بها إلا أن إحساس النملة من
~~تلك المسافة بعيد، والمشهور عند العرب بالإحساس من بعيد القراد حتى ضربوا
~~به المثل.

# وأنت تعلم أنه لا ضرر في إنكار صحة هذا الخبر، وقيل: إنه عليه السلام لم
~~يسمع صوتا أصلا وإنما فهم ما في نفس النملة إلهاما من الله تعالى،
~~وقال الكلبي: أخبره ملك بذلك وإلى أنه لم يسمع صوتا يشير قول جرير:

# لو كنت أوتيت كلام الحكل

# علم سليمان كلام النمل

# فإنه أراد بالحكل ما لا يسمع صوته؛ وقال بعضهم: كأنها لما رأتهم متوجهين
~~إلى الوادي فرت عنهم مخافة حطمهم فتبعها غيرها وصاحت صيحة تنبهت بها ما
~~بحضرتها من النمل فتبعتها فشبه ذلك بمخاطبة العقلاء ومناصحتهم ولذلك
~~أجروا مجراهم حيث جعلت هي قائلة وما عداها من النمل مقولا له فيكون
~~الكلام خارجا مخرج الاستعارة التمثيلية، ويجوز أن يكون فيه استعارة
~~مكنية. وأنت تعلم أنه لا ضرورة تدعو إلى ذلك. ومن تتبع أحوال النمل لا
~~يستبعد أن تكون له نفس ناطقة فإنه يدخر في الصيف ما يقتات به في الشتاء
~~ويشق ما يدخره من الحبوب نصفين مخافة أن يصيبه الندى فينبت إلا الكزبرة
~~والعدس فإنه يقطع الواحدة منهما أربع قطع ولا يكتفى بشقها نصفين لأنها
~~تنبت كما تنبت إذا لم تشق. وهذا وأمثاله يحتاج إلى علم كلي استدلالي وهو
~~يحتاج إلى نفس ناطقة. وقد برهن شيخ الأشراف على ثبوت النفس الناطقة لجميع
~~الحيوانات. وظواهر الآيات والأخبار الصحيحة تقتضيه كما سمعت قديما
~~وحديثا فلا حاجة بك إلى أن تقول: يجوز أن يكون الله تعالى قد خلق في
~~النملة إذ ذاك النطق وفيما عداها من النمل العقل والفهم وأما اليوم فليس
~~في النمل ذلك.

# ثم إنه ينبغي أن يعلم أن الظاهر أن علم النملة بأن الآتي هو سليمان عليه
~~السلام وجنوده كان عن إلهام منه عز وجل وذلك كعلم الضب برسول صلى الله
~~عليه وسلم حين تكلم معه وشهد برسالته ms07773 عليه الصلاة والسلام، والظاهر أيضا
~~أنها كانت كسائر النمل في الجثة، وفيه اليوم ما يقرب من الذبابة ويسمى
~~بالنمل الفارسي، وبالغ بعض القصاص في كبرها ولا يصح له مستند. وفي بعض
~~الآثار أنها كانت عرجاء واسمها طاخية، وقيل: جرمى، وفي «البحر» اختلف في
~~اسمها العلم ما لفظه وليت شعري من الذي وضع لها لفظا يخصها أبنو آدم أم
~~النمل انتهى، والذي يذهب إلى أن للحيوانات نفوسا ناطقة لا يمنع أن تكون
~~لها أسماء وضعها بعضها لبعض لكن لا بألفاظ كألفاظنا بل بأصوات تؤدى على
~~نحو مخصوص من الأداء ولعله يشتمل على أمور مختلفة كل منها يقوم مقام حرف
~~من الحروف المألوفة لنا إذا أراد أن يترجم عنها من عرفها من ذوي النفوس
~~القدسية ترجمها بما نعرف، ويقرب هذا لك أن بعض كلام الإفرنج وأشباههم لا
~~نسمع منه إلا كما نسمع من أصوات العصافير ونحوها وإذا ترجم لنا بما نعرفه
~~ظهر مشتملا على الحروف المألوفة.

# والظاهر أن تاء { نملة } للوحدة فتأنيث الفعل لمراعاة ظاهر التأنيث
~~فلا دليل في ذلك على أن النملة كانت أنثى قاله بعضهم. / وعن قتادة أنه
~~دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم - وكان أبو حنيفة رضي
~~الله تعالى عنه حاضرا وهو غلام حدث - فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت
~~ذكرا أم أنثى؟ فسألوه فأفحم فقال أبو حينفة: كانت أنثى فقيل له: من أين
~~عرفت؟ فقال من كتاب الله تعالى وهو قوله تعالى: { قالت نملة } ولو
~~كان ذكرا لقال سبحانه قال نملة، وذلك أن النملة مثل الحمامة والشاة في
~~وقوعها على الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم: حمامة ذكر
~~وحمامة أنثى وهو وهي كذا في «الكشاف»، وتعقبه ابن المنير فقال: لا أدري
~~العجب منه أم من أبي حنيفة إن ثبت ذلك عنه، وذلك أن النملة كالحمامة
~~والشاة تقع على الذكر وعلى الأنثى لأنه اسم جنس فيقال: نملة ذكر ونملة
~~أنثى كما يقولون: حمامة ذكر وحمامة أنثى وشاة ذكر وشاة أنثى فلفظها مؤنث
~~ومعناها محتمل فيمكن ms07774 أن تؤنث لأجل لفظها وإن كانت واقعة على ذكر بل هذا
~~هو الفصيح المستعمل، ألا ترى قوله صلى الله عليه وسلم:

# " لا يضحى بعوراء ولا عمياء ولا عجفاء "

# كيف أخرج عليه الصلاة والسلام هذه الصفات على اللفظ مؤنثة ولا يعني صلى
~~الله عليه وسلم الإناث من الأنعام خاصة فحينئذ قوله تعالى: { قالت
~~نملة } روعي فيه تأنيث اللفظ وأما المعنى فيحتمل التذكير والتأنيث
~~على حد سواء، وكيف يسأل أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه بهذا ويفحم به
~~قتادة مع غزارة علمه، والأشبه أن ذلك لا يصح عنهما اه.

# وقال ابن الحاجب عليه الرحمة: التأنيث اللفظي هو أن لا يكون بإزائه ذكر
~~في الحيوان كظلمة وعين، ولا فرق بين أن يكون حيوانا أو غيره كدجاجة
~~وحمامة إذا قصد به مذكر فإنه مؤنث لفظي، ولذلك كان قول من زعم أن النملة
~~في قوله تعالى: { قالت نملة } أنثى لورود تاء التأنيث في {
~~قالت } وهما لجواز أن يكون مذكرا في الحقيقة، وورود تاء التأنيث
~~كورودها في الفعل المؤنث اللفظي نحو جاءت الظلمة. وأجاب بعض فضلاء ما
~~وراء النهر وقال لعمري: أنه قد تعسف ههنا ابن الحاجب وترك الواجب حيث
~~اعترض على إمام أهل الإسلام، واعتراضه بقوله: وورود تاء التأنيث كورودها
~~الخ ليش بشيء إذ لو كان جائزا أن يؤتى بتاء التأنيث في الفعل لمجرد صورة
~~التأنيث في الفاعل المذكر الحقيقي لكان ينبغي جواز أن يقال: جاءتني طلحة
~~مع أنه لا يجوز، وجوابه عن ذلك في «شرحه» بقوله: وليس ذلك كتأنيث أسماء
~~الأعلام فإنها لا يعتبر فيها إلا المعنى دون اللفظ خلافا للكوفيين.

# والسر فيه أنهم نقلوها عن معانيها إلى مدلول آخر فاعتبروا فيها المدلول
~~الثاني، ولو اعتبروا تأنيثها لكان اعتبارا للمدلول الأول فيفسد المعنى
~~فلذلك لا يقال: أعجبتني طلحة تناقض محض كأنه نسي ما أمضى في صدر «كتابه»
~~من قوله فإن سمي به مذكر فشرطه الزيادة يعني فإن سمي بالمؤنث المعنوي
~~فشرطه الزيادة على ثلاثة أحرف فلا يخفى على من له أدنى مسكة أن عقرب ms07775 مع
~~أن علامة التأنيث فيه مقدرة العلمية لا تمنعها عن اعتبار تأنيثها حتى
~~تمنع من الصرف فكيف تمنع العلمية عن اعتبار التأنيث في طلحة مع أن علامة
~~التأنيث فيه لفظية فإذن ليس طرح التاء عن الفعل إلا لأن التاء إنما يجاء
~~بها علامة لتأنيث الفاعل، والفاعل ههنا مذكر حقيقي فكذا النملة لو كان
~~مذكرا لكان هو مع طلحة حذو القذة بالقذة. وينصر قول أبي حنيفة رضي الله
~~تعالى عنه ما نقل عن ابن السكيت: هذا بطة ذكر وهذا حمامة ذكر وهذا شاة
~~إذا عنيت كبشا وهذا بقرة إذا عنيت ثورا فإن عنيت به أنثى قلت: هذه بقرة
~~اه. وارتضاه الطيبي ثم قال فظهر أن القول ما قالت حذام والمذهب ما سلكه
~~الإمام.

# وفي «الكشف» / إن التاء في نملة للوحدة فهي في حكم المؤنث اللفظي جاز أن
~~تعامل معاملته كتمر وتمرة على ما نص عليه في «المفصل»، ولا يشكل بنحو
~~طلحة حيث لم يجز إلحاق فعله التاء لأن أسماء الأعلام يعتبر فيها المعنى
~~دون اللفظ خلافا للكوفيين إلى آخر ما ذكره ابن الحاجب، ولا نقض باعتبار
~~التأنيث في عقرب إن سمي به مذكر ولا في طلحة نفسه باعتبار منع الصرف على
~~ما ظنه بعض فضلاء ما وراء النهر. وصوبه شيخنا الطيبي لأن اعتبار المعنى
~~هو فيما يرجع إلى المعنى لا فيما يرجع إلى اللفظ، وإلحاق العلامة باعتبار
~~الفاعل إما للتأنيث الحقيقي وإما لشبه التأنيث من الوحدة أو الجمعية
~~ونحوها فإذا لم يبق المعنى أعني التأنيث وشبه التأنيث فلا وجه للإلحاق.
~~وأما منع الصرف فلا نظر فيه إلى معنى التأنيث بل إلى هذه الزيادة لفظا
~~أو تقديرا وذلك غير مختلف في المنقول والمنقول عنه، وكفاك دليلا
~~لاعتبار اللفظ وحده في هذا الحكم تفرقتهم في سقر بين تسمية المذكر به
~~والمؤنث دون عقرب فلو تأمل المناقض لكان ما أورده عليه لا له هذا، وإن
~~الإمام رضي الله تعالى عنه كوفي والقاعدة على أصله مهدومة انتهى. وهو
~~كلام متين. والحزم القول بعدم صحة هذه ms07776 الحكاية فأبو حنيفة رضي الله تعالى
~~عنه من عرفت وإن كان إذ ذاك غلاما حدثا وقتادة بن دعامة السدوسي بإجماع
~~العارفين بالرجال كان بصيرا بالعربية فيبعد كل البعد وقوع ما ذكر منهما
~~والله تعالى أعلم.

# والحطم الكسر والمراد به الإهلاك. والنهي في الظاهر لسليمان عليه السلام
~~وجنوده وهو في الحقيقة نهى على طريق الكناية للنمل عن التوقف حتى تحطم
~~لأن الحطم غير مقدور لها نحو قولك: لا أرينك ههنا فإنه في الظاهر نهي
~~للمتكلم عن رؤية المخاطب والمقصود نهي المخاطب عن الكون بحيث يراه
~~المتكلم فالجملة استئناف أو بدل اشتمال من جملة { ادخلوا
~~مسكنكم } ، وقول بعضهم: إذا كان المعنى النهي عن التوقف حتى تحطم
~~يحصل الاتحاد بين الجملتين يقتضي أنه بدل كل من كل بناء على أن الأمر
~~بالشيء عين النهي عن ضده وعلى ما ذكر لا حاجة إليه؛ وبالجملة اعتراض أبي
~~حيان على وجه الإبدال باختلاف مدلولي الجملتين ليس في محله، وجوز
~~الزمخشري كون (لا يحطمنكم) جوابا للأمر، أعني - ادخلوا - و { لا } حينئذ
~~نافية وتعقب بأن دخول النون في جواب الشرط مخصوص بضرورة الشعر كقوله:

# مهما تشأ منه فزارة تعطه

# ومهما تشأ منه فزارة يمنعا

# وفي «الكتاب» وهو قليل في الشعر شبهوه بالنهي حيث كان مجزوما غير واجب.
~~وأرادت النملة على ما في «الكشاف» لا يحطمنكم جنود سليمان فجاءت بما هو
~~أبلغ ونحوه قوله:

# عجبت من نفسي ومن إشفاقها

# حيث أراد عجبت من إشفاق نفسي فجاء بما هو أبلغ للإجمال والتفصيل. وتعقب
~~ذلك في «البحر» بأن فيه القول بزيادة الأسماء وهي لا تجوز بل الظاهر
~~إسناد الحطم إليه عليه السلام وإلى جنوده والكلام على حذف مضاف أي خيل
~~سليمان وجنوده أو نحو ذلك مما يصح تقديره وللبحث فيه مجال وجملة { وهم
~~لا يشعرون } حال من مجموع المتعاطفين والضمير لهما. وجوز أن تكون
~~حالا من الجنود والضمير لهم، وأيا ما كان ففي تقييد الحطم بعدم الشعور
~~بمكانهم المشعر بأنه لو شعروا بذلك لم يحطموا ما يشعر بغاية أدب النملة
~~مع ms07777 سليمان عليه السلام وجنوده، وليت من طعن في أصحاب النبي صلى الله
~~عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم تأسى بها فكف عن ذلك وأحسن الأدب، وروي
~~أن سليمان / عليه السلام لما سمع قول النملة: { يأيها النمل }
~~الخ قال ائتوني بها فأتوا بها فقال لم حذرت النمل ظلمي؟ أما علمت أني
~~نبي عدل فلم قلت: { ادخلوا مسكنكم لا يحطمنكم
~~سليمن وجنوده } فقالت: أما سمعت قولي { وهم لا
~~يشعرون } ومع ذلك أني لم أرد حطم النفوس وإنما أردت حطم القلوب خشيت
~~أن يروا ما أنعم الله تعالى به عليك من الجاه والملك العظيم فيقعوا في
~~كفران النعم فلا أقل من أن يشتغلوا بالنظر إليك عن التسبيح فقال لها
~~سليمان عظيني فقالت أعلمت لم سمي أبوك داود؟ قال: لا قالت: لأنه داوى
~~جراحة قلبه وهل تدري لم سميت سليمان؟ قال: لا قالت: لأنك سليم القلب
~~والصدر.

# ثم قالت: أتدرى لم سخر الله تعالى لك الريح؟ قال لا قالت أخبرك الله
~~تعالى بذلك أن الدنيا كلها ريح فمن اعتمد عليها فكأنما اعتمد على الريح.
~~وهذا ظاهر الوضع كما لا يخفى وفيه ما يشبه كلام الصوفية والله تعالى أعلم
~~بصحة ما روي من أنها أهدت إليه نبقة وأنه عليه السلام دعا للنمل بالبركة.
~~وجوز أن تكون جملة { هم لا يشعرون } في موضع الحال من النملة
~~والضمير للجنود كالضمائر السابقة في قوله تعالى:

# فهم يوزعون

# [النمل: 17] وقوله سبحانه: { حتى إذا أتوا } وهي من كلامه
~~تعالى أي قالت ذلك في حال كون الجنود لا يشعرون به وليس بشيء وقد يقرب
~~منه ما قيل إنه يجوز أن تكون الجملة معطوفة على مقدر وهي من كلامه عزو جل
~~كأنه قيل: فهم سليمان ما قالت والجنود لا يشعرون بذلك.

# وقرأ الحسن وطلحة ومعتمر بن سليمان وأبو سليمان التيمي (نملة) بضم الميم
~~كسمرة، وكذلك النمل كالرجل والرجل لغتان، وعن أبي سليمان التيمي (نملة)
~~و(نمل) بضم النون والميم. وقرأ شهر بن حوشب { مسكنكم } على الإفراد. وعن
~~أبي { ادخلن مساكنكن لا يحطمنكن } مخففة ms07778 النون التي قبل الكاف. وقرأ
~~الحسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى بن عمر الهمداني الكوفي ونوح القاضي بضم
~~الياء وفتح الحاء وشد الطاء والنون مضارع حطم مشددا. وعن الحسن بفتح
~~الياء وإسكان الحاء وشد الطاء وعنه كذلك مع كسر الحاء وأصله يحتطمنكم من
~~الاحتطام. وقرأ ابن أبي إسحاق وطلحة ويعقوب وأبو عمرو في رواية عبيد
~~كقراءة الجمهور إلا أنهم سكنوا نون التأكيد، وقرأ الأعمش بحذف النون وجزم
~~الميم. ولا خلاف على هذه القراءة في جواز أن يكون الفعل مجزوما في جواب
~~الأمر.

### || [27.19]

# { فتبسم ضحكا من قولها } تفريع على ما تقدم فلا حاجة
~~إلى تقدير معطوف عليه أي فسمعها فتبسم وجعل الفاء فصيحة كما قيل. ولعله
~~عليه السلام إنما تبسم من ذلك سرورا بما ألهمت من حسن حاله وحال جنوده
~~في باب التقوى والشفقة وابتهاجا بما خصه الله تعالى به من إدراك ما هو
~~همس بالنسبة إلى البشر وفهم مرادها منه. وجوز أن يكون ذلك تعجبا من
~~حذرها وتحذيرها واهتدائها إلى تدبير مصالحها ومصالح بني نوعها، والأول
~~أظهر مناسبة لما بعد من الدعاء. وانتصب { ضحكا } على الحال أي
~~شارعا في الضحك أعني قد تجاوز حد التبسم إلى الضحك أو مقدر الضحك بناء
~~على أنه حال مقدرة كما نقله الطيبي عن بعضهم. وقال أبو البقاء هو حال
~~مؤكدة وهو يقتضي كون التبسم والضحك بمعنى والمعروف الفرق بينهما قال ابن
~~حجر: التبسم مبادىء الضحك من غير صوت والضحك انبساط الوجه حتى تظهر
~~الأسنان من السرور مع صوت خفي فإن كان فيه صوت يسمع / من بعيد فهو
~~القهقهة، وكأن من ذهب إلى اتحاد التبسم والضحك خص ذلك بما كان من
~~الأنبياء عليهم السلام فإن ضحكهم تبسم، وقد قال البوصيري في مدح نبينا
~~صلى الله عليه وسلم:

# سيد ضحكه التبسم والم

# شي الهوينا ونومه الإغفاء

# وروى البخاري

# " عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: ما رأيته صلى الله عليه وسلم
~~مستجمعا قط ضاحكا أي مقبلا على الضحك بكليته إنما كان يتبسم "

# ، والذي يدل عليه ms07779 مجموع الأحاديث أن تبسمه عليه الصلاة والسلام أكثر من
~~ضحكه وربما ضحك حتى بدت نواجذه. وكونه ضحك كذلك مذكور في حديث «آخر أهل
~~النار خروجا منها وأهل الجنة دخولا الجنة». وقد أخرجه البخاري ومسلم
~~والترمذي وكذا في حديث أخرجه البخاري في المواقع أهله في رمضان، وليس في
~~حديث عائشة السابق أكثر من نفيها رؤيتها إياه صلى الله عليه وسلم
~~مستجمعا ضاحكا وهو لا ينافي وقوع الضحك منه في بعض الأوقات حيث لم تره.

# وأول الزمخشري ما روي من أنه صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه بأن
~~الغرض منه المبالغة في وصف ما وجد منه عليه الصلاة والسلام من الضحك
~~النبوي وليس هناك ظهور النواجذ وهي أواخر الأضراس حقيقة، ولعله إنما لم
~~يقل سبحانه: فتبسم من قولها بل جاء جل وعلا بضاحكا نصبا على الحال
~~ليكون المقصود بالإفادة التجاوز إلى الضحك بناء على أن المقصود من الكلام
~~الذي فيه قيد إفادة القيد نفيا أو إثباتا، وفيه إشعار بقوة تأثير قولها
~~فيه عليه السلام حيث أداه ما عراه منه إلى أن تجاوز حد التبسم آخذا في
~~الضحك ولم يكن حاله التبسم فقط.

# وكأنه لما لم يكن قول فضحك من قولها في إفادة ما ذكرنا مثل ما في النظم
~~الجليل لم يؤت به، وفي «البحر» أنه لما كان التبسم يكون للاستهزاء وللغضب
~~كما يقولون: تبسم تبسم الغضبان وتبسم تبسم المستهزىء وكان الضحك إنما
~~يكون للسرور والفرح أتى سبحانه بقوله تعالى: { ضحكا } لبيان أن
~~التبسم لم يكن استهزاء ولا غضبا انتهى.

# ولا يخفى أن دعوى أن الضحك لا يكون إلا للسرور والفرح يكذبها قوله
~~تعالى:

# إن الذين أجرموا كانوا من الذين ءامنوا
~~يضحكون

# [المطففين: 29] فإن هذا الضحك كان من مشركي قريش استهزاء بفقرائهم كعمار
~~وصهيب وخباب وغيرهم كما ذكره المفسرون ولم يكن للسرور والفرح. وكذا قوله
~~تعالى:

# فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون

# [المطففين: 34] كما هو الظاهر. وإن هرعت إلى التأويل قلنا: الواقع
~~يكذبها فإن أنكرت ضحك منك أولوا الألباب، وفيه أيضا ms07780 غير ذلك فتأمل والله
~~تعالى الهادي إلى صوب الصواب، وقرأ ابن السميقع { ضحكا } على أنه مصدر
~~في موضع الحال، وجوز أن يكون منصوبا على أنه مفعول مطلق نحو شكرا في
~~قولك حمد شكرا.

# { وقال رب أوزعنى أن أشكر نعمتك } أي اجعلني أزع
~~شكر نعمتك، أي أكفه وأرتبطه لا ينفلت عني وهو مجاز عن ملازمة الشكر
~~والمداومة عليه فكأنه قيل: رب اجعلني مداوما على شكر نعمتك، وهمزة أوزع
~~للتعدية، ولا حاجة إلى اعتبار التضمين. وكون التقدير رب يسر لي أن أشكر
~~نعمتك وازعا إياه وعن ابن عباس أن المعنى اجعلني أشكر. وقال ابن زيد: أي
~~حرضني. وقال أبو عبيدة أي أولعني. وقال الزجاج فيما قيل أي ألهمني.
~~وتأويله في اللغة كفني عن الأشياء التي تباعدني عنك. قال الطيبي فعلى
~~هذا هو كناية تلويحية فإنه طلب أن يكفه عما يؤدي إلى كفران النعمة بأن
~~يلهمه ما به تقيد النعمة من الشكر. وإضافة النعمة للاستغراق أي جميع
~~نعمك. وقرىء { أوزعنى } بفتح الياء.

# { التى أنعمت } أي أنعمتها، وأصله أنعمت بها إلا أنه اعتبر
~~الحذف والإيصال لفقد شرط حذف العائد المجرور وهو أن يكون مجرورا بمثل ما
~~جربه الموصول لفظا ومعنى ومتعلقا، ومن لا يقول باطراد ذلك لا يعتبر ما
~~ذكر ولا أرى فيه بأسا { على وعلى والدى } أدرج ذكر والديه
~~تكثيرا للنعمة فإن الإنعام عليهما إنعام عليه من وجه مستوجب للشكر أو
~~تعميما لها فإن النعمة عليه عليه السلام يرجع نفعها إليهما، والفرق بين
~~الوجهين ظاهر، واقتصر على الثاني في «الكشاف» وهو أوفق بالشكر. وكون
~~الدعاء المذكور بعد وفاة والديه عليهما السلام قطعا، ورجح الأول بأنه
~~أوفق بقوله تعالى:

# اعملوا آل داوود شكرا

# [سبأ: 13] بعد قوله سبحانه

# ولقد ءاتينا داوود منا فضلا

# [سبأ: 10] الخ، وقوله تعالى:

# ولسليمن الريح

# [الأنبياء: 81] الخ فتدبر فإنه دقيق.

# { وأن أعمل صلحا } عطف على { أن أشكر } فيكون عليه
~~السلام قد طلب جعله مداوما على العمل الصالح أيضا. وكأنه عليه السلام
~~أراد بالشكر الشكر باللسان المستلزم للشكر بالجنان وأردفه بما ذكر ms07781
~~تتميما له لأن عمل الصالح شكر بالأركان، وفي «البحر» أنه عليه السلام
~~سأل أولا شيئا خاصا وهو شكر النعمة وثانيا شيئا عاما وهو عمل
~~الصالح، وقوله تعالى: { ترضه } قيل صفة مؤكدة أو مخصصة ان أريد به
~~كمال الرضا، واختير كونه صفة مخصصة. والمراد بالرضا القبول وهو ليس من
~~لوازم العمل الصالح أصلا لا عقلا ولا شرعا.

# { وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصلحين } أي في
~~جملتهم. والكلام عن الزمخشري كناية عن جعله من أهل الجنة. وقدر بعضهم
~~الجنة مفعولا ثانيا لأدخلني، وعلى كونه كناية لا حاجة إلى التقدير،
~~والداعي لأحد الأمرين على ما قيل دفع التكرار مع ما قبل لأنه إذا عمل
~~عملا صالحا كان من الصالحين البتة إذ لا معنى للصالح إلا العامل عملا
~~صالحا، وأردف طلب المداومة على عمل الصالح بطلب إدخاله الجنة لعدم
~~استلزام العمل الصالح بنفسه إدخال الجنة، ففي الخبر

# " لن يدخل أحدكم الجنة عمله قيل ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا
~~أن يتغمدني الله تعالى برحمته "

# وكأن في ذكر { برحمتك } في هذا الدعاء إشارة إلى ذلك. ولا يأبى ما
~~ذكر قوله تعالى:

# تلك الجنة التى أورثتموها بما كنتم تعملون

# [الزخرف: 72] لأن سببية العمل للإيراث برحمة الله تعالى. وقال الخفاجي:
~~لك أن تقول إنه عليه السلام عد نفسه غير صالح تواضعا أي فلا يحتاج إلى
~~التقدير ولا إلى نظم الكلام في سلك الكناية، ولا يخفى أن هذا لا يدفع
~~السؤال باغناء الدعاء بالمداومة على عمل الصالح عنه. وقيل: المراد أن
~~يجعله سبحانه في عداد الأنبياء عليهم السلام ويثبت اسمه مع أسمائهم ولا
~~يعز له عن منصب النبوة الذي هو منحة إلهية لا تنال بالأعمال ولذا ذكر
~~الرحمة في البين، ونقل الطبرسي عن ابن عباس ما يلوح بهذا المعنى. وقيل:
~~المراد أدخلني في عداد الصالحين واجعلني أذكر معهم إذا ذكروا.

# وحاصله طلب الذكر الجميل الذي لا يستلزمه عمل الصالح إذ قد يتحقق من شخص
~~في نفس الأمر ولا يعده الناس في عداد الصالحين. وفي هذا الدعاء ms07782 شمة من
~~دعاء إبراهيم عليه السلام

# واجعل لى لسان صدق فى الأخرين

# [الشعراء: 84] ومقاصد الأنبياء في مثل ذلك أخروية، وقيل: يحتمل أنه أراد
~~بعمل الصالح القيام بحقوق الله عز وجل وأراد بالصالح في قوله: { فى
~~عبادك الصلحين } القيام بحقوقه تعالى وحقوق عباده فيكون من
~~قبيل التعميم بعد التخصيص وتعيين ما هو الأولى من هذه الأقوال مفوض إلى
~~فكرك والله تعالى الهادي، وكان دعاؤه عليه السلام على ما في بعض الآثار
~~بعد / أن دخل النمل مساكنهن، قال في «الكشاف»: روي أن النملة أحست بصوت
~~الجنود ولا تعلم أنهم في الهواء فأمر سليمان عليه السلام الريح فوقفت
~~لئلا يذعرن حتى دخلن مساكنهن ثم دعا بالدعوة.

### || [27.20]

# { وتفقد الطير } أي أراد معرفة الموجود منها من غيره، وأصل
~~التفقد معرفة الفقد، والظاهر أنه عليه السلام تفقد كل الطير وذلك بحسب ما
~~تقتضيه العناية بأمور الملك والاهتمام بالرعايا لا سيما الضعفاء منها؛
~~قيل وكان يأتيه من كل صنف واحد فلم ير الهدهد، وقيل: كانت الطير تظله من
~~الشمس وكان الهدهد يستر مكانه الأيمن فمسته الشمس فنظر إلى مكان الهدهد
~~فلم يره، وعن عبد الله بن سلام أن سليمان عليه السلام نزل بمفازة لا ماء
~~فيها وكان الهدهد يرى الماء في باطن الأرض فيخبر سليمان بذلك فيأمر الجن
~~فتسلخ الأرض عنه في ساعة كما تسلخ الشاة فاحتاجوا إلى الماء فتفقد لذلك
~~الطير فلم ير الهدهد.

# { فقال مالي لا أرى الهدهد } وهو طائر معروف منتن يأكل
~~الدم فيما قيل ويكنى بأبي الأخبار وأبي الربيع وأبي ثمامة وبغير ذلك
~~مما ذكره الدميري، وتصغيره على القياس هديهد، وزعم بعضهم أنه يقال في
~~تصغيره هداهد بقلب الياء ألفا، وأنشدوا:

# كهداهد كسر الرماة جناحه

# ونظير ذلك دوابه وشوابه في دويبه وشويبه.

# والظاهر أن قوله عليه السلام ذلك مبني على أنه ظن حضوره ومنع مانع له من
~~رؤيته أي عدم رؤيتي إياه مع حضوره لأي سبب ألساتر أم لغيره ثم لاح له أنه
~~غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: { أم كان من ms07783 الغائبين } كأنه
~~يسأل عن صحة ما لا ح له، فأم هي المنقطعة كما في قولهم إنها لا بل أم
~~شاء. وقال ابن عطية: مقصد الكلام الهدهد غاب ولكنه أخذ اللازم من مغيبه
~~وهو أن لا يراه فاستفهم على جهة التوقيف عن اللازم وهذا ضرب من الإيجاز،
~~والاستفهام الذي في قوله { مالي } ناب مناب الهمزة التي تحتاجها (أم)
~~انتهى. وظاهره أن (أم) متصلة والهمزة قائمة مقام همزة الاستفهام فالمعنى
~~عنده أغاب عني الآن فلم أره حال التفقد أم كان ممن غاب قبل ولم أشعر
~~بغيبته والحق ما تقدم، وقيل في الكلام قلب والأصل ما للهدهد لا أراه، ولا
~~يخفى أنه لا ضرورة إلى ادعاء ذلك، نعم قيل هو أوفق بكون التفقد للعناية.

# وذكر أن اسم هذا الهدهد يعفور، وكون الهدهد يرى الماء تحت الأرض رواه
~~ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأخرج ابن أبي حاتم وسعيد بن منصور
~~عن يوسف بن ماهك أن ابن عباس حين قال ذلك اعترض عليه نافع بن الأزرق
~~كعادته بأنه كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخ ويوضع فيه الحبة وتستر بالتراب
~~فيصطاد فقال رضي الله تعالى عنه إن البصر ينفع ما لم يأت القدر فإذا جاء
~~القدر حال دون البصر فقال ابن الأزرق: لا أجادلك بعدها بشيء ولا مانع من
~~أن يقال: يجوز أن يرى الحبة أيضا إلا أنه لا يعرف أن التقاطها من الفخ
~~يوجب اصطياده، وكثير من الطيور وسائر الحيوانات يصطاد بما يراه بنوع
~~حيلة.

# ويجوز أيضا أن يراها ويعرف المكيدة في وضعها إلا أن القدر يغلب عليه
~~فيظن أنه ينجو إذا التقطها بأحد وجوه يتخيلها فيكون نظير من يخوض المهالك
~~لظن النجاة مع مشاهدة هلاك الكثير ممن خاضها قبله وإذا أراد الله تعالى
~~بقوم أمرا سلب من ذوي العقول عقولهم، نعم أن رؤيته الماء تحت الأرض وإن
~~جاز على ما تقتضيه أصول الأشاعرة أمر يستبعده العقل جدا ولا جزم ms07784 لي بصحة
~~الخبر السابق، وتصحيح الحاكم / محكوم عليه عند المحدثين بما تعلم، ومثله
~~ما تقدم عن ابن سلام وكذا غيره من الأخبار التي وقفت عليها في هذا الشأن،
~~وليس في الآية إشارة إلى ذلك بل الظاهر بناء على ما يقتضيه حال سليمان
~~عليه السلام إن التفقد كان منه عليه السلام عناية بأمور ملكه واهتماما
~~بضعفاء جنده، وكأنه عليه السلام أخرج كلامه كما حكاه النظم الجليل لغلبة
~~ظنه أنه لم يصبه ما أهلكه وليكون ذلك مع التفقد من باب الجمع بين صفتي
~~الجمال والجلال وهو الأكمل في شأن الملوك، ولعل ما وقع من حديث النملة
~~كان كالحالة المذكورة له عليه السلام للتفقد.

# وعلى ما تقدم عن ابن سلام أن الحالة المذكرة بل الداعية هي النزول في
~~المفازة التي لا ماء فيها، وكون الهدهد قناقنه، ويحكون في ذلك أن سليمان
~~عليه السلام حين تم له بناء بيت المقدس تجهز ليحج بحشره فوافى الحرم
~~وأقام به ما شاء وكان يقرب كل يوم طول مقامه خمسة آلاف بقرة وخمسة آلاف
~~ناقة وعشرين ألف شاة وقال لأشراف من معه إن هذا مكان يخرج منه نبي عربي
~~صفته كذا وكذا يعطي النصر على من عاداه وينصر بالرعب من مسيرة شهر القريب
~~والبعيد عنده سواء في الحق لا تأخذه في الله تعالى لومة لائم قالوا: فبأي
~~دين يدين يا نبي الله؟ فقال: بدين الحنيفية فطوبى لمن آمن به وأدركه
~~فقالوا: كم بيننا وبين خروجه؟ قال: مقدار ألف عام فليبلغ الشاهد منكم
~~الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل عليهم السلام، ثم عزم على السير
~~إلى اليمن فخرج من مكة صباحا يؤم سهيلا فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك
~~مسيرة شهر فرأى أرضا أعجبته خضرتها فنزل ليتغذى ويصلي فلم يجدوا الماء
~~فكان ما كان.

# وفي بعض الآثار ما يعارض حكاية الحج، فقد روي عن كعب الأحبار أن سليمان
~~عليه السلام سار من اصطخر يريد اليمن فمر على مدينة الرسول عليه الصلاة
~~والسلام فقال: هذه دار هجرة نبي يكون آخر الزمان ms07785 طوبى لمن اتبعه، ولما
~~وصل إلى مكة رأى حول البيت أصناما تعبد فجاوزه فبكى البيت فأوحى الله
~~تعالى إليه ما يبكيك؟ قال يا رب أبكاني أن هذا نبي من أنبيائك ومعه قوم
~~من أوليائك مروا علي ولم يهبطوا ولم يصلوا عندي والأصنام تعبد حولي من
~~دونك فأوحى الله تعالى إليه لا تبك فإني سوف أبكيك وجوها سجدا وأنزل
~~فيك قرآنا جديدا وأبعث منك نبيا في آخر الزمان أحب أنبيائي إلي
~~وأجعل فيك عمارا من خلقي يعبدونني وأفرض عليهم فريضة يرفون إليك رفيف
~~النسر إلى وكره ويحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضها
~~وأطهرك من الأوثان وعبدة الشيطان، ثم مضى سليمان حتى أتى على وادي النمل،
~~ولا يظهر الجمع بين الخبرين، ولعل المقدار الذي يصح من الأخبار أنه عليه
~~السلام لما تم له بناء بيت المقدس حج وأكثر من تقريب القرابين وبشر
~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وقصد اليمن وتفقد الطير فلم ير الهدهد فتوعده
~~بقوله: { لأعذبنه عذابا شديدا }.

### || [27.21]

# { لأعذبنه عذابا شديدا } قيل بنتف ريشه وروي ذلك عن ابن
~~عباس ومجاهد وابن جريج. والظاهر أن المراد جميع ريشه، وقال يزيد بن رومان
~~بنتف ريش جناحيه، وقال ابن وهب بنتف نصف ريشه. وزاد بعضهم مع النتف
~~إلقاءه للنمل وآخر تركه في الشمس، وقيل: ذلك بطليه بالقطران وتشميسه وقيل
~~بحبسه في القفص، وقيل بجمعه مع غير جنسه، وقيل بإبعاده من خدمة سليمان
~~عليه السلام، وقيل بالتفريق بينه وبين إلفه، وقيل بإلزامه خدمة أقرانه.
~~وفي «البحر» الأجود أن يجعل كل من الأقوال من باب التمثيل وهذا التعذيب
~~للتأديب ويجوز أن يبيح الله تعالى له ذلك لما رأى فيه من المصلحة
~~والمنفعة كما أباح سبحانه / ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع
~~وإذا سخر له الطير ولم يتم ما سخر من أجله إلا بالتأديب والسياسة جاز أن
~~يباح له ما يستصلح به. وفي «الاكليل» للجلال السيوطي قد يستدل بالآية على
~~جواز تأديب الحيوانات والبهائم بالضرب عند تقصيرها في المشي أو إسراعها
~~أو ms07786 نحو ذلك. وعلى جواز نتف ريش الحيوان لمصلحة بناء على أن المراد
~~بالتعذيب المذكور نتف ريشه. وذكر فيه أن ابن العربي استدل بها على أن
~~العذاب على قدر الذنب لا على قدر الجسد، وعلى أن الطير كانوا مكلفين إذ
~~لا يعاقب على ترك فعل إلا من كلف به اه فلا تغفل.

# { أو لأاذبحنه } كالترقي من الشديد إلى الأشد فإن في الذبح
~~تجريع كأس المنية. وقد قيل:

# كل شيء دون المنية سهل

# { أو ليأتيني بسلطن مبين } أي بحجة تبين عذرة في
~~غيبته. وما ألطف التعبير بالسلطان دون الحجة هنا لما أن ما أتى به من
~~العذر انجر إلى الإتيان ببلقيس وهي سلطان، ثم إن هذا الشق وإن قرن بحرف
~~القسم ليس مقسما عليه في الحقيقة وإنما المقسم عليه حقيقة الأولان وأدخل
~~هذا في سلكهما للتقابل. وهذا كما في «الكشف» نوع من التغليب لطيف المسلك،
~~ومآل كلامه عليه السلام ليكونن أحد الأمور على معنى إن كان الإتيان
~~بالسلطان لم يكن تعذيب ولاذبح وإن لم يكن كان أحدهما فأو في الموضعين
~~للترديد. وقيل: هي في الأول للتخيير بين التعذيب والذبح، وفي الثاني
~~للترديد بينهما وبين الإتيان بالسلطان وهو كما ترى.

# وزعم بعضهم أنها في الأول للتخيير وفي الثاني بمعنى إلا وفيه غفلة عن
~~لام القسم، وجوز أن تكون الأمور الثلاثة مقسما عليها حقيقة، وصح قسمه
~~عليه السلام على الإتيان المذكور لعلمه بالوحي أنه سيكون أو غلبة ظنه
~~بذلك لأمر قام عنده يفيدها وإلا فالقسم على فعل الغير في المستقبل من دون
~~علم أو غلبة ظن به لا يكاد يسوغ في شريعة من الشرائع.

# وتعقب بأن قوله:

# سننظر أصدقت أم كنت من الكذبين

# [النمل: 27] ينافي حصول العلم وما حاكاه له. ودفع المنافاة بأنه يجوز أن
~~يأتي بحجة لا يعلم سليمان عليه السلام ولا يظن صدقها وكذبها غير سديد إذ
~~قوله: { مبين } يأباه. وبالجملة الوجه ما ذكر أولا فتأمل. وقرأ عيسى
~~بن عمر { ليأتين } بنون مشددة مفتوحة بغير ياء، وكتب في الإمام { لا
~~أذبحنه } بزيادة ms07787 ألف بين الذال والألف المتصلة باللام ولا يعلم وجهه
~~كأكثر ما جاء فيه مما يخالف الرسم المعروف، وقيل: هو التنبيه على أن
~~الذبح لم يقع.

# وقال ابن خلدون في «مقدمة تاريخه»: إن الكتابة العربية كانت في غاية
~~الإتقان والجودة في حمير ومنهم تعلمها مضر إلا أنهم لم يكونوا مجيدين
~~لبعدهم عن الحضارة وكان الخط العربي أول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من
~~الإتقان والجودة وإلى التوسط لمكان العرب من البداوة والتوحش وبعدهم عن
~~الصنائع وما وقع في رسم المصحف من الصحابة رضي الله تعالى عنهم من الرسوم
~~المخالفة لما اقتضته أقيسة رسوم الخط وصناعته عند أهلها كزيادة الألف في
~~{ لا أذبحنه } من قلة الإجادة لصنعة الخط واقتفاء السلف رسمهم ذلك من باب
~~التبرك. وتوجيه بعض المغفلين تلك المخالفة بما وجهه بها ليس بصحيح.
~~والداعي له إذا ذلك تنزيه الصحابة عن النقص لما زعم أن الخط كمال ولم
~~يتفطن لأن الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية وذلك ليس بكمال في حقهم
~~إذ الكمال في الصنائع إضافي وليس بكمال مطلق إذ لا يعود نقصه على الذات
~~في الدين ونحوه وإنما يعود على أسباب المعاش. وقد كان النبي عليه الصلاة
~~والسلام أميا وكان ذلك كمالا في حقه وبالنسبة إلى مقامه عليه الصلاة
~~والسلام. ومثل الأمية تنزهه عليه الصلاة والسلام عن الصنائع العملية التي
~~هي أسباب المعاش والعمران ولا يعد / ذلك كمالا في حقنا إذ هو صلى الله
~~عليه وسلم منقطع إلى ربه عز وجل ونحن متعاونون على الحياة الدنيا ومن هنا
~~قال عليه الصلاة والسلام:

# " أنتم أعلم بأمور دنياكم "

# انتهى ملخصا.

# وأنت تعلم أن كون زيادة الألف في { لا أذبحنه } لقلة اجادتهم رضي الله
~~تعالى عنهم صنعة الكتابة في غاية البعد، وتعليل ذلك بما تقدم من التنبيه
~~على عدم وقوع الذبح كذلك وإلا لزادوها في { لأعذبنه } لأن التعذيب لم يقع
~~أيضا. وما أشار إليه من أن الإجادة في الخط ليس بكمال في حقهم إن أراد
~~به أن تحسين الخط وإخراجه على صور متناسبة ms07788 يستحسنها الناظر وتميل إليها
~~النفوس كسائر النقوش المستحسنة ليس بكمال في حقهم ولا يضر بشأنهم فقده
~~فمسلم لكن هذا شيء وما نحن فيه شيء، وإن أراد به أن الإتيان بالخط على
~~وجهه المعروف عند أهله من وصل ما يصلونه وفصل مايفصلونه ورسم ما يرسمونه
~~وترك ما يتركونه ليس بكمال فهذا محل بحث ألا ترى أنه لا يعترض على العالم
~~بقبح الخط وخروجه عن الصور الحسنة والهيآت المستحسنة ويعترض عليه بوصل ما
~~يفصل وفصل ما يوصل ورسم ما لا يرسم وعدم رسم ما يرسم ونحو ذلك إن لم يكن
~~ذلك لنكتة.

# والظاهر أن الصحابة الذين كتبوا القرآن كانوا متقنين رسم الخط عارفين ما
~~يقتضي أن يكتب وما يقتضي أن لا يكتب، وما يقتضي أن يوصل وما يقتضي أن لا
~~يوصل إلى غير ذلك لكن خالفوا القواعد في بعض المواضع لحكمة؛ ويستأنس لذلك
~~بما أخرجه ابن الأنباري في كتابه «التكملة» عن عبد الله بن فروخ قال: قلت
~~لابن عباس يا معشر قريش أخبروني عن هذا الكتاب العربي هل كنتم تكتبونه
~~قبل أن يبعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم تجمعون منه ما اجتمع
~~وتفرقون منه ما افترق مثل الألف واللام والنون؟ قال: نعم قلت: وممن
~~أخذتموه؟ قال: من حرب بن أمية قلت: وممن أخذه حرب؟ قال: من عبد الله بن
~~جدعان قلت: وممن أخذه عبد الله بن جدعان؟ قال: من أهل الأنبار قلت: وممن
~~أخذه أهل الأنبار؟ قال: من طار طرأ عليهم من أهل اليمن قلت: وممن أخذ ذلك
~~الطارىء؟ قال: من الخلجان بن القسم كاتب الوحي لهود النبي عليه السلام
~~وهو الذي يقول:

# في كل عام سنة تحدثونها

# ورأى على غير الطريق يعبر

# وللموت خير من حياة تسبنا

# بها جرهم فيمن يسب وحمير

# انتهى، وفي كتاب «محاضرة الأوائل ومسامرة الأواخر» أن أول من اشتهر
~~بالكتابة في الإسلام من الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب
~~وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم، والظاهر أنهم لم يشتهروا في ذلك ms07789 إلا
~~لإصابتهم فيها. والقول بأن هؤلاء الأجلة وسائر الصحابة لم يعرفوا مخالفة
~~رسم الألف هنا لما يقتضيه قوانين أهل الخط وكذا سائر ما وقع من المخالفة
~~مما لا يقدم عليه من له أدنى أدب وإنصاف. ومثل هذا القول بأنه يحتمل أنه
~~عرف ذلك من عرف منهم إلا أنه ترك تغييره إلى الموافق للقوانين أو وافقه
~~على الغلط للتبرك، ومن الناس من جوز أن يكون ما وقع من الصحابة من الرسم
~~المخالف بسبب قلة مهارة من أخذوا عنه صنعة الخط فيكون هو الذي خالف في
~~مثل ذلك ولم يعلموا أنه خالف فالقصور إن كان ممن أخذوا عنه وأما هم فلا
~~قصور فيهم إذ لم يخلوا بالقواعد التي أخذوها وإخلالهم بقواعد لم تصل
~~إليهم ولم يعلموا بها / لا يعد قصورا، وهذا قريب مما تقدم إلا أنه ليس
~~فيه ما فيه من البشاعة، ثم أن الإنصاف بعد كل كلام يقتضي الإقرار بقوة
~~دعوى أن المخالفة لضعف صناعة الكتابة إذ ذاك إن صح أنها وقعت أيضا في
~~غير الإمام من المكاتبات وغيرها ولعله لم يصح وإلا لنقل فتأمل والله
~~تعالى يتولى هداك.

### || [27.22]

# { فمكث غير بعيد } الظاهر أن الضمير للهدهد و { بعيد } صفة
~~زمان والكلام بيان لمقدر كأنه قيل: ما مضى من غيبته بعد التهديد؟ فقيل:
~~مكث غير بعيد أي مكث زمانا غير مديد، ووصف زمان مكثه بذلك للدلالة على
~~إسراعه خوفا من سليمان عليه السلام وليعلم كيف كان الطير مسخرا له،
~~وقيل: الضمير لسليمان وهو كما ترى، وقيل: { بعيد } صفة مكان أي فمكث
~~الهدهد في مكان غير بعيد من سليمان، وجعله صفة الزمان أولى، ويحكى أنه
~~حين نزل سليمان عليه السلام حلق الهدهد فرأى هدهدا واسمه فيما قيل عفير
~~واقعا فانحط إليه فوصف له ملك سليمان وما سخر له من كل شيء وذكر له
~~صاحبه ملك بلقيس، وذهب معه لينظر فما رجع إلا بعد العصر، وفي بعض الآثار
~~أنه عليه السلام لما لم يره دعا عريف الطير وهو النسر فسأله فلم يجد عنده ms07790
~~علمه ثم قال لسيد الطير وهو العقاب: على به فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل
~~فقصدته فناشدها الله تعالى وقال: بحق الله الذي قواك وأقدرك علي إلا
~~رحمتني فتركته وقالت: ثكلتك أمك إن نبي الله تعالى قد حلف ليعذبنك أو
~~ليذبحنك قال: وما استثنى؟ قالت: بلى قال:

# أو ليأتينى بسلطن مبين

# [النمل: 21] فقال: نجوت إذا فلما قرب من سليمان أرخى ذنبه وجناحيه يجرها
~~على الأرض تواضعا له فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه فقال: يا نبي
~~الله تعالى اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل فارتعد سليمان وعفا عنه - وعن
~~عكرمة أنه إنما عفا لأنه كان بارا بأبويه يأتيهما بالطعام فيزقهما
~~لكبرهما - ثم سأله:

# { فقال أحطت بما لم تحط به } أي علما ومعرفة وحفظته من
~~جميع جهاته، وابتداء كلامه بذلك لترويجه عنده عليه السلام وترغيبه في
~~الإصغاء إلى اعتذاره واستمالة قلبه نحو قبوله فإن النفس للاعتذار المنبىء
~~عن أمر بديع أقبل وإلى تلقي ما لا تعلمه أميل، وأيد ذلك بقوله: {
~~وجئتك من سبإ بنبإ يقين } حيث فسر إبهامه السابق نوع
~~تفسير وأراد عليه السلام أنه كان بصدد إقامة خدمة مهمة له حيث عبر عما
~~جاء به بالنبأ الذي هو الخبر الخطير والشأن الكبير ووصفه بما وصفه، وقال
~~الزمخشري: إن الله تعالى ألهم الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام على ما
~~أوتي من فضل النبوة والحكمة والعلوم الجمة والإحاطة بالمعلومات الكثيرة
~~ابتلاء له في علمه وتنبيها على أن في أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علما
~~بما لم يحط به لتتحاقر إليه نفسه ويصغر إليه علمه ويكون لطفا له في ترك
~~الإعجاب الذي هو فتنة العلماء وأعظم بها فتنة انتهى.

# وتعقب بأن ما أحاط به من الأمور المحسوسة التي لا تعد الإحاطة بها فضيلة
~~ولا الغفلة عنها نقيصة لعدم توقف إدراكها إلا على مجرد إحساس يستوي فيه
~~العقلاء وغيرهم وماذا صدر عنه عليه السلام مع ما حكى عنه ما حكى من الحمد
~~والشكر والدعاء حتى يليق بالحكمة الإلهية تنبيهه عليه السلام على تركه ms07791
~~واعترض بأن قوله: { أحطت } الخ ظاهر في أنه كلام مدل بعلمه مصغر لما
~~عند صاحبه وأن العلم بالأمور المحسوسة وإن لم يكن فضيلة إلا أن فقده
~~بالنسبة إلى سليمان عليه السلام وملكه وإلقاء الريح الأخبار في سمعه يدل
~~على ما يدل، وفي التنبيه المذكور تثبيت منه تعالى له عليه السلام على
~~الحمد والشكر وهو مما يناسب دعاؤه السابق بقوله:

# رب أوزعنى أن أشكر نعمتك

# [النمل: 19]، ولعل الأولى والأظهر مع هذا ما ذكر أولا.

# و { سبإ } منصرف على أنه لحي من الناس سموا باسم أبيهم سبأ بن يشجب
~~بن يعرب بن قحطان.

# " وفي حديث فروة وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سبأ اسم رجل
~~ولد عشرة من الولد تيامن منهم ستة وتشاءم أربعة "

# والستة حمير وكندة والأزد واشعر وخثعم، والأربعة لخم. وجذام وعاملة
~~وغسان؛ وقيل: سبأ لقب لأبي هذا الحي من قحطان اسمه عبد شمس، وقيل: عامر،
~~ولقب بذلك لأنه أول من سبى.

# وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { من سبأ } بفتح الهمزة غير مصروف على أنه اسم
~~للقبيلة ثم سميت به مأرب سبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث، وجوز أن يراد
~~به على الصرف الموضع المخصوص وعلى منع الصرف المدينة المخصوصة، وأشندوا
~~على صرفه قوله:

# الواردون وتيم في ذرى سبأ

# قد عض أعناقهم جلد الجواميس

# وقرأ قنبل من طريق النبال بإسكان الهمزة وخرج على إجراء الوصل مجرى
~~الوقف، وقال مكي: الإسكان في الوصل بعيد غير مختار ولا قوي، وقرأ الأعمش
~~{ من سبإ } بكسر الهمزة من غير تنوين حكاها عنه ابن خالويه وابن عطية،
~~وخرجت على أن الجر بالكسرة لرعاية ما نقل عنه فإنه في الأصل اسم الرجل أو
~~مكان مخصوص وحذف التنوين لرعاية ما نقل إليه فإنه جعل اسما للقبية أو
~~للمدينة وهو كما ترى، وقرأ ابن كثير في رواية { من سبى } بتنوين الباء
~~على وزن رحى جعله مقصورا مصروفا، وذكر أبو معاذ أنه قرأ { من سبأى }
~~بسكون الباء وهمزة مفتوحة غير منونة على وزن فعلى فهو ممنوع ms07792 من الصرف
~~للتأنيث اللازم. وروى ابن حبيب عن اليزيدي { من سبا } بألف ساكنة كما في
~~قولهم: تفرقوا أيدي سبا، وقرأ فرقة { بنبا } بالألف عوض الهمزة وكأنها
~~قراءة من قرأ سبا بالألف لتتوازن الكلمتان كما توازنت في قراءة من قرأهما
~~بالهمزة المكسورة والتنوين، وفي «التحرير» أن مثل { من سبا بنبا } يسمى
~~تجنيس التصريف وهو أن تنفرد كل من الكلمتين بحرف كما في قوله تعالى:

# ذلكم بما كنتم تفرحون فى الأرض بغير الحق
~~وبما كنتم تمرحون

# [غافر: 75] وحديث

# " الخيل معقود بنواصيها الخير "

# وقال الزمخشري: إن قوله تعالى: { من سبا بنبا } من جنس الكلام الذي سماه
~~المحدثون البديع، وهو من محاسن الكلام الذي يتعلق باللفظ بشرط أن يجيء
~~مطبوعا أو يصيغه عالم بجوهر الكلام يحفظ معه صحة المعنى وسداده، ولقد
~~جاء ههنا زائدا على الصحة فحسن وبدع لفظا ومعنى ألا ترى لو وضع مكان {
~~بنبا } بخبر لكان المعنى صحيحا، وهو كما جاء أصح لما في النبأ من
~~الزيادة التي يطابقها وصف الحال اه. وهذه الزيادة كون الخبر ذا شأن،
~~وكون النبأ بمعنى الخبر الذي له شأن مما صرح به غير واحد من اللغويين.
~~والظاهر أنه معنى وضعي له. وزعم بعضهم أنه ليس بوضعي وليس بشيء، وقول
~~المحدثين: أنبأنا أحط درجة من أخبرنا غير وارد لأنه اصطلاح لهم.

# وقرأ الجمهور { فمكث } بضم الكاف، والفتح قراءة عاصم وأبي عمرو في
~~رواية الجعفي وسهل وروح وقرأ أبي { فمكث ثم قال } وعبد الله { فمكث فقال
~~} ، وكلتا القراءتين في الحقيقة على ما في «البحر» تفسير لا قراءة
~~لمخالفتها سواد المصحف. وقرىء في السبعة { أحطت } بإدغام التاء في الطاء
~~مع بقاء صفة الإطباق وليس بإدغام حقيقي. / وقرأ ابن محيصن بإدغام حقيقي.
~~واعترض ابن الحاجب القراءة الأولى بأن الإطباق وهو رفع اللسان إلى ما
~~يحاذيه من الحنك للتصويت بصوت الحرف المخرج لا يستقيم إلا بنفس الحرف وهو
~~الطاء هنا والإدغام يقتضي إبدالها تاء وهو ينافي وجود ذلك لأنه يقتضي أن
~~تكون موجودة وغير موجودة وهو تناقض فالتحقيق أن نحو أحطت ms07793 بالإطباق ليس
~~فيه إدغام ولكنه لما أمكن النطق بالثاني مع الأول من غير ثقل على اللسان
~~كان كالنطق بالمثل بعد المثل فأطلق عليه الإدغام توسعا قاله الطيبي.
~~وفي «النشر» أن التاء تدغم في الطاء في قوله تعالى:

# وأقم الصلوة طرفى النهار

# [هود: 114] وفي «التسهيل» أنه إذا أدغم المطبق يجوز إبقاء الاطباق
~~وعدمه. وقال سيبويه: كل كلام عربي كذا في «الحواشي الشهابية» فتأمل.

# وفي قوله تعالى: { أحطت } الخ دليل بإشارة النص والإدماج على بطلان
~~قول الرافضة: إن الإمام ينبغي أن لا يخفى عليه شيء من الجزئيات، ولا يخفى
~~أنهم إن عنوا بذلك أنه يجب أن يكون الإمام عالما على التفصيل بأحكام
~~جميع الحوادث الجزئية التي يمكن وقوعها وأن يكون مستحضرا الجواب الصحيح
~~عن كل ما يسأل عنه فبطلان كلامهم في غاية الظهور، وقد سئل علي كرم الله
~~تعالى وجهه وهو على منبر الكوفة عن مسألة فقال: لا أدري فقال السائل: ليس
~~مكانك هذا مكان من يقول: لا أدري فقال الإمام كرم الله تعالى وجهه: بلى
~~والله هذا مكان من يقول لا أدري وأما من لا يقول ذلك فلا مكان له يعني به
~~الله عز وجل وإن عنوا أنه يجب أن يكون عالما بجميع القواعد الشرعية
~~وبكثير من الفروع الجزئية لتلك القواعد بحيث لو حدثت حادثة ولا يعلم
~~حكمها يكون متمكنا من استنباط الحكم فيها على الوجه الصحيح فذاك حق وهو
~~في معنى قول الجماعة يجب أن يكون الإمام مجتهدا. وتمام الكلام في هذا
~~المقام يطلب من محله.

### || [27.23]

# وقوله تعالى: { إنى وجدت امرأة تملكهم } أي تتصرف بهم
~~ولا يعترض عليها أحد استئناف لبيان ما جاء به من النبأ وتفصيل له إثر
~~إجمال وعني بهذه المرأة بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان من نسل يعرب بن
~~قحطان، ويقال: من نسل تبع الحميري. وروى ابن عساكر عن الحسن أن اسم هذه
~~المرأة ليلى وهو خلاف المشهور، وقيل: اسم أبيها السرح بن الهداهد. ويحكى
~~أنه كان أبوها ملك أرض اليمن كلها وورث الملك ms07794 من أربعين أبا ولم يكن له
~~ولد غيرها فغلبت بعده على الملك ودانت لها الأمة. وفي بعض الآثار أنه لما
~~مات أبوها طمعت في الملك وطلبت من قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وأبى
~~آخرون فملكوا عليهم رجلا يقال: إنه ابن عمها وكان خبيثا فأساء السيرة
~~في أهل مملكته حتى كان يفجر بنساء رعيته فأرادوا خلعه فلم يقدروا عليه
~~فلما رأت ذلك أدركتها الغيرة فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه فأجابها وقال:
~~ما منعني أن ابتدئك بالخطبة إلا اليأس منك قالت: لا أرغب عنك لأنك كفؤ
~~كريم فاجمع رجال أهلي وأخطبني فجمعهم وخطبها فقالوا: لا نراها تفعل فقال:
~~بلى إنها رغبت في فذكروا لها ذلك فقالت: نعم فزوجوها منه فلما زفت إليه
~~خرجت مع أناس كثير من حشمه وخدمها فلما خلت به سقته الخمر حتى سكر فقتلته
~~وحزت رأسه وانصرفت إلى منزلها فلما أصبحت أرسلت إلى وزرائه وأحضرتهم
~~وقرعتهم، وقالت: أما كان فيكم من يأنف من الفجور بكرائم عشيرته ثم أرتهم
~~إياه قتيلا، وقالت: اختاروا رجلا تملكوه عليكم فقالوا: لا نرضى غيرك
~~فملكوها وعلموا أن ذلك النكاح كان مكرا وخديعة منها.

# واشتهر أن أمها جنية. / وقد أخرج ذلك ابن أبي شيبة وابن المنذر عن
~~مجاهد والحكيم الترمذي وابن مردويه عن عثمان بن حاضر أن أمها امرأة من
~~الجن يقال لها بلقمة بنت شيصا. وابن أبي حاتم عن زهير بن محمد أن أمها
~~فارعة الجنية. وفي «التفسير الخازني» أن أباها شراحيل كان يقول لملوك
~~الأطراف: ليس أحد منكم كفؤا لي وأبى أن يتزوج فيهم فخطب إلى الجن فزوجوه
~~امرأة يقال لها ريحانة بنت السكن وسبب وصوله إلى الجن حتى خطب إليهم على
~~ما قيل إنه كان كثير الصيد فربما اصطاد الجن وهم على صور الظباء فيخلى
~~عنهم فظهر له ملك الجن وشكره على ذلك واتخذه صديقا فخطب ابنته فزوجه
~~إياها. وقيل: إنه خرج متصيدا فرأى حيتين يقتتلان بيضاء وسوداء وقد ظهرت
~~السوداء على البيضاء فقتل السوداء وحمل البيضاء وصب عليها الماء فأفاقت
~~فأطلقها ms07795 فلما رجع إلى داره جلس وحده منفردا فإذا هو معه شاب جميل فخاف
~~منه فقال: لا تخف أنا الحية البيضاء الذي أحييتني والأسود الذي قتلته هو
~~عبد لنا تمرد علينا وقتل عدة منا وعرض عليه المال فقال: لا حاجة لي به
~~ولكن إن كان لك بنت فزوجينها فزوجه ابنته فولدت له بلقيس انتهى، وأخرج
~~ابن جرير وأبو الشيخ في «العظمة» وابن مردويه وابن عساكر

# " عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أبوي بلقيس
~~كان جنيا» "

# والذي ينبغي أن يعول عليه عدم صحة هذا الخبر.

# وفي «البحر» ((قد طولوا في قصصها يعني بلقيس بما لم يثبت في القرآن ولا
~~الحديث الصحيح)) وأن ما ذكر من الحكايات أشبه شيء بالخرافات فإن الظاهر
~~على تقدير وقوع التناكح بين الإنس والجن الذي قيل يصفع السائل عنه
~~لحماقته وجهله أن لا يكون توالد بينهما، وقد ذكر عن الحسن فيما روى ابن
~~عساكر أنه قيل بحضرته: إن ملكة سبأ أحد أبويها جني فقال: لا يتوالدون أي
~~أن المرأة من الإنس لا تلد من الجن والمرأة من الجن لا تلد من الإنس. نعم
~~روي عن مالك ما يقتضي صحة ذلك. ففي «الأشباه والنظائر» لابن نجيم ((روى
~~أبو عثمان [عن] سعيد بن داود الزبيدي قال: كتب قوم من أهل اليمن إلى مالك
~~يسألونه عن نكاح الجن وقالوا: إن ههنا رجلا من الجن زعم أنه يريد
~~الحلال فقال: ما أرى بأسا في الدين ولكن أكره إذا وجدت امرأة حامل قيل
~~لها من زوجك؟ قالت: من الجن فيكثر الفساد في الإسلام بذلك)) انتهى، ولعله
~~لم يثبت عن مالك لظهور ما يرد على تعليل الكراهة، ثم ليت شعري إذا حملت
~~الجنية من الإنسي هل تبقى على لطافتها فلا ترى والحمل على كثافته فيرى أو
~~يكون الحمل لطيفا مثلها فلا يريان فإذا تم أمره تكثف وظهر كسائر بني آدم
~~أو تكون متشكلة بشكل نساء بني آدم ما دام الحمل في بطنها وهو فيه يتغذى
~~وينمو بما يصل ms07796 إليه من غذائها وكل الشقوق لا يخلو عن استبعاد كما لا
~~يخفى.

# وإيثار { وجدت } على رأيت لما أشير إليه فيما سبق من الإيذان بكونه
~~عند غيبته بصدد خدمته عليه السلام بإبراز نفسه في معرض من يتفقد أحوالها
~~ويتعرفها كأنها طلبته وضالته ليعرضها على سليمان عليه السلام، وقيل:
~~للإشعار بأن ما ظفر به أمر غير معلوم أولا لأن الوجدان بعد الفقد وفيه
~~رمز بغرابة الحال، وضمير { تملكهم } لسبأ على أنه اسم للحي أو
~~لأهلها المدلول عليهم بذكر مدينتهم على أنها اسم لها.

# وليس في الآية ما يدل على جواز أن تكون المرأة ملكة ولا حجة في عمل قوم
~~كفرة على مثل هذا المطلب.

# " وفي «صحيح البخاري» من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم
~~لما بلغه أن أهل فارس قد ملكوا بنت كسرى قال: «لن يفلح قوم ولوا
~~أمرهم امرأة» "

# ونقل عن محمد بن جرير أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية ولم يصح عنه وفي
~~الأشباه لا ينبغي أن تولي القضاء وإن صح منها بغير الحدود والقصاص، وذكر
~~أبو حيان أنه نقل عن أبي حنيفة عليه الرحمة أنها تقضي فيما تشهد فيه لا
~~على الإطلاق / ولا أن يكتب لها منشور بأن فلانة مقدمة على الحكم وإنما
~~ذلك على سبيل التحكيم لها.

# { وأوتيت من كل شىء } أي من الأشياء التي تحتاج إليها الملوك
~~بقرينة { تملكهم } ، وقد يقال: ليس الغرض إلا إفادة كثرة ما أوتيت.
~~والجملة تحتمل أن تكون عطفا على جملة { تملكهم } وأن تكون حالا
~~من ضمير تملكهم المرفوع بتقدير قد أو بدونه { ولها عرش عظيم }
~~قال ابن عباس كما أخرجه عنه ابن جرير وابن المنذر أي سرير كريم من ذهب
~~وقوائمه من جوهر ولؤلؤ حسن الصنعة غالي الثمن، وروي عنه أيضا أنه كان
~~ثلاثين ذراعا في ثلاثين ذراعا وكان طوله في السماء ثلاثين ذراعا
~~أيضا، وقيل: كان طوله ثمانين في ثمانين وارتفاعه ثمانين. وأخرج ابن أبي
~~حاتم عن زهير بن محمد أنه سرير من ذهب وصفحتاه مرصعتان بالياقوت والزبرجد ms07797
~~طوله ثمانون ذراعا في عرض أربعين ذراعا، وقيل: كان من ذهب مكللا بالدر
~~والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر وقوائمه من الياقوت والزمرد وعليه سبعة
~~أبيات على كل بيت باب مغلق، وقيل: غير ذلك والله تعالى أعلم بحقيقة
~~الحال، وبالجملة فالظاهر أن المراد بالعرش السرير، وقال أبو مسلم المراد
~~به الملك ولا داعي إليه. واستعظام الهدهد لعرشها مع ما كان يشاهده من ملك
~~سليمان عليه السلام إما بالنسبة إلى حالها أو إلى عروش أمثالها من
~~الملوك، وجوز أن يكون ذلك لأنه لم يكن لسليمان عليه السلام مثله وإن كان
~~عظيم الملك فإنه قد يوجد لبعض أمراء الأطراف شيء لا يكون للملك الذي هم
~~تحت طاعته. وأيا ما كان فوصفه بذلك بين يديه عليه السلام لما ذكر أولا
~~من ترغيبه عليه السلام في الإصغاء إلى حديثه، وفيه توجيه لعزيمته عليه
~~السلام نحو تسخيرها ولذلك عقبه بما يوجب غزوها من كفرها وكفر قوامها حيث
~~قال: { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون
~~الله... }.

### || [27.24]

# { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله }
~~أي يعبدونها متجاوزين عبادة الله تعالى. قال الحسن: كانوا مجوسا يعبدون
~~الأنوار، وقيل: كانوا زنادقة. والظاهر أن هذه الجملة استئناف كلام وأن
~~الوقف على

# عظيم

# [النمل: 23] قال صاحب «المرشد»: ولا يوقف على { عرش } وقد زعم بعضهم
~~جوازه وقال معناه عظيم عند الناس. وقد أنكر هذا الوقف أبو حاتم وغيره من
~~المتقدمين ونسبوا القائل به إلى الجهل، وقول من قال معناه عظيم عبادتهم
~~للشمس من دون الله تعالى قول ركيك لا يعتد به وليس في الكلام ما يدل
~~عليه، وفي «الكشاف» من نوكي القصاص من وقف على

# عرش

# [النمل: 23] يريد عظيم إن وجدتها فر من استعظام الهدهد عرشها فوقع في
~~عظيمة وهي نسخ كتاب الله تعالى { وزين لهم الشيطن
~~أعملهم } التي هي عبادة الشمس ونظائرها من أصناف الكفر والمعاصي،
~~والجملة تحتمل العطف على جملة { يسجدون } والحالية من الضمير على
~~نحو ما مر آنفا { فصدهم } أي الشيطان، وجوز كون الضمير للتزيين
~~المفهوم من الفعل أي فصدهم ms07798 تزيين الشيطان { عن السبيل } أي سبيل
~~الحق والصواب { فهم } بسبب ذلك { لا يهتدون } إليه

### || [27.25]

# وقوله تعالى { ألا يسجدوا لله } أي لئلا يسجدوا واللام
~~للتعليل وهو متعلق بصدهم أو بزين. والفاء في { فصدهم } لا يلزم أن
~~تكون سببية لجواز كونها تفريعية أو تفصيلية أي فصدهم عن ذلك لأجل أن لا
~~يسجدوا لله عز وجل أو زين لهم ذلك لأجل أن لا يسجدوا له تعالى، وجوز أن
~~تكون أن وما بعدها في تأويل مصدر وقع بدلا من { أعمالهم } وما بينهما
~~اعتراض كأنه قيل وزين لهم الشيطان عدم السجود لله تعالى، وتعقب بأنه ظاهر
~~في عد عدم السجود من الأعمال وهو بعيد، وجوز أن يكون ذلك بدلا من {
~~السبيل } و { لا } زائدة مثلها في قوله تعالى:

# لئلا يعلم أهل الكتب

# [الحديد: 29] كأنه قيل فصدهم عن السجود لله تعالى، وجوز أن يكون بتقدير
~~إلى و { لا } زائدة أيضا والجار والمجرور متعلق بيهتدون كأنه قيل فهم لا
~~يهتدون إلى السجود له عز وجل، وأنت تعلم أن زيادة  لا  وإن وقعت في
~~الفصيح خلاف الظاهر، وجوز أن لا يكون هناك تقدير والمصدر خبر مبتدأ محذوف
~~أي دأبهم عدم السجود، وقيل: التقدير هي أي أعمالهم عدم السجود وفيه ما مر
~~آنفا.

# وقرأ ابن عباس وأبو جعفر والزهري والسلمي والحسن وحميد والكسائي { ألا
~~} بالتخفيف على أنها للاستفتاح ويا حرف نداء والمنادى محذوف أي ألا يا
~~قوم اسجدوا كما في قوله:

# ألا يا اسلمى ذات الدمالج والعقد

# ونظائره الكثيرة. وسقطت ألف يا وألف الوصل في اسجدوا وكتبت الياء متصلة
~~بالسين على خلاف القياس. ووقف الكسائي في هذه القراءة على ياء وابتدأ
~~باسجدوا وهو وقف اختيار، وفي «البحر» الذي أذهب إليه أن مثل هذا التركيب
~~الوارد عن العرب ليست يا فيه للنداء والمنادى محذوف لأن المنادى عندي لا
~~يجوز حذفه لأنه قد حذف الفعل العامل في النداء وانحذف فاعله لحذفه فلو
~~حذفنا المنادى لكان في ذلك حذف جملة النداء وحذف متعلقه وهو المنادي وإذا
~~لم نحذفه كان دليلا على ms07799 العامل فيه وهو جملة النداء وليس حرف النداء حرف
~~جواب كنعم وبلى ولا وأجل فيجوز حذف الجملة بعده كما يجوز حذفها بعدهن
~~لدلالة ما سبق من السؤال على الجملة المحذوفة. فيا عندي في تلك التراكيب
~~حرف تنبيه أكد به { ألا } التي للتنبيه وجاز ذلك لاختلاف الحرفين ولقصد
~~المبالغة في التوكيد. وإذا كان قد وجد التأكيد في اجتماع الحرفين
~~المختلفي اللفظ العاملين في قوله:

# فأصبحن لا يسألنني عن بما به

# والمتفقي اللفظ العاملين أيضا في قوله:

# فلا والله لا يلفي لما بي

# ولا للما بهم أبدا دواء

# وجاز ذلك وإن عدوه ضرورة أو قليلا فاجتماع غير العاملين وهما مختلفا
~~اللفظ يكون جائزا.

# وليس - يا - في قوله:

# يا لعنة الله والأقوام كلهم

# حرف نداء عندي بل حرف تنبيه جاء بعده المبتدا وليس مما حذف فيه المنادى
~~لما ذكرناه انتهى، وللبحث فيه مجال. وعلى هذه القراءة يحتمل أن يكون
~~الكلام استئنافا من كلام الهدهد أما خطابا لقوم سليمان عليه السلام
~~للحث على عبادة الله تعالى أو لقوم بلقيس لتنزيلهم منزلة المخاطبين.
~~ويحتمل أن يكون استئنافا من جهة الله عز وجل أو من سليمان عليه السلام
~~كما قيل وهو حينئذ بتقدير القول. ولعل الأظهر احتمال كونه استئنافا من
~~جهته عز وجل وخاطب سبحانه به هذه الأمة. والجملة معترضة ويوقف على هذه
~~القراءة على { يهتدون } استحسانا ويوجب ذلك زيادة عدة آيات هذه
~~السورة على ما قالوه فيها عند بعض، وقيل: لا يوجبها فإن الآيات توقيفية
~~ليس مدارها على الوقف وعدمه فتأمل. والفرق بين القراءتين معنى أن في
~~الآية على الأولى ذما على ترك السجود وفيها على الثانية أمرا بالسجود.
~~وأيا ما كان فالسجود واجب عند قراءة الآية، وزعم الزجاج وجوبه على
~~القراءة الثانية وهو مخالف لما صرح به الفقهاء ولذا قال الزمخشري إنه غير
~~مرجوع إليه. وقرأ الأعمش: { هلا يسجدون } على التحضيض وإسناد الفعل
~~إلى ضمير الغائبين. وفي قراءة أبي { ألا تسجدون } على العرض وإسناد
~~الفعل إلى ضمير المخاطبين، وفي حرف عبد الله { ألا هل ms07800 تسجدون } بألا
~~الاستفتاحية وهل الاستفهامية. وإسناد الفعل إلى ضمير المخاطبين قاله ابن
~~عطية. وفي «الكشاف» ما فيه مخالفة ما له والعالم بحقيقة الحال هو الله عز
~~وجل.

# { الذى يخرج الخبء فى السموات والأرض } أي يظهر
~~الشيء المخبوء فيهما كائنا ما كان فالخبء مصدر أريد به اسم المفعول.
~~وفسره بعضهم هنا بالمطر والنبات، وروي ذلك عن ابن زيد. وأخرج ابن أبي
~~حاتم عن سعيد بن المسيب أنه فسره بالماء والأولى التعميم كما روى ذلك
~~جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. { وفى السموات } متعلق
~~بالخبء، وعن الفراء أن { فى } بمعنى من فالجار والمجرور على هذا متعلق
~~بيخرج والظاهر ما تقدم. واختيار هذا الوصف لما أنه أوفق بالقصة حيث تضمنت
~~ما هو أشبه شيء بإخراج الخبء وهو إظهار أمر بلقيس وما يتعلق به. وعلى هذا
~~القياس اختيار ما ذكر بعد من صفاته عز وجل، وقيل: إن تخصيص هذا الوصف
~~بالذكر لما أن الهدهد أرسخ في معرفته والإحاطة بأحكامه بمشاهدة آثاره
~~التي من جملتها ما أودعه الله تعالى في نفسه من القدرة على معرفة الماء
~~تحت الأرض. وأنت تعلم أن كون الهدهد أودع فيه القدرة على ما ذكر مما لم
~~يجيء فيه خبر يعول عليه، وأيضا التعليل المذكور لا يتسنى على قراءة ابن
~~عباس والستة الذين معه { ألا يسجدوا } بالتخفيف إذا جعل الكلام استئنافا
~~من جهته عز وجل أو من جهة سليمان عليه السلام وقرأ أبي وعيسى { الخب }
~~بنقل حركة الهمزة إلى الباء وحذف الهمزة.

# وحكى ذلك سيبويه عن قوم من بني تميم وبني أسد. وقرأ عكرمة بألف بدل
~~الهمزة فلزم فتح ما قبلها وهي قراءة عبد الله ومالك بن دينار، وخرجت على
~~لغة من يقول في الوقف هذا الخبو ومررت بالخبي ورأيت الخبا وأجرى الوصل
~~مجرى الوقف. وأجاز الكوفيون أن يقال في المرأة والكمأه المراة والكماة
~~بإبدال الهمزة ألفا وفتح ما قبلها. وذكر أن هذا الإبدال لغة. وجوز أن
~~يكون { الخبء } من ذلك ومنعه الزمخشري مدعيا أن ذلك لغة ضعيفة
~~مسترذلة. ms07801 وعلل بأن الهمزة إذا سكن ما قبلها فطريق تخفيفها الحذف لا القلب
~~كما يقال في الكمء كمه. وتعقبه في «الكشف» فقال: تخريجه على الوقف فيه
~~ضعفان لأن الوقف على ذلك الوجه ليس من لغة الفصحاء وأجراء الوصل مجرى
~~الوقف فيما لا يكثر استعماله كذلك. وأما تلك اللغة فعن الكوفيين أنها
~~قياس انتهى. وزعم أبو حاتم أن الخبا بالألف لا يجوز أصلا وهو من قصور
~~العلم. قال المبرد: كان أبو حاتم دون أصحابه في النحو ولم يلحق بهم إلا
~~أنه إذا خرج من بلدتهم لم يلق أعلم منه.

# وأشير بعطف قوله تعالى: { ويعلم ما تخفون وما تعلنون }
~~على { يخرج } إلى أنه تعالى يخرج ما في العالم الإنساني من الخفايا
~~كما يخرج ما في العالم الكبير من الخبايا لما أن المراد يظهر ما تخفونه
~~من الأحوال فيجازيكم بها وذكر ما تعلنون لتوسيع دائرة العلم أو للتنبيه
~~على تساويهما بالنسبة إلى العلم الإلهي كذا قيل. ويشعر كلام بعضهم بأنه
~~أشير بما تقدم إلى كمال قدرته تعالى وبهذا إلى كمال علمه عز وجل وأنه
~~استوى فيه الباطن والظاهر. وقدم { ما تخفون } لذلك مع مناسبته لما
~~قبله من الخبء، وقدم وصفه تعالى بإخراج الخبء من السماوات لأنه أشد
~~ملاءمة للمقام، والخطاب على ما قيل إما للناس أو لقوم سليمان أو لقوم
~~بلقيس. وفي الكلام التفات. وقرأ الحرميان والجمهور { ما يخفون وما يعلنون
~~} بياء الغيبة، وفي «الكشاف» عن أبي أنه قرأ { ألا تسجدون لله الذي يخرج
~~الخبء من السماء والارض ويعلم سركم وما تعلنون }.

### || [27.26]

# في معنى التعليل لوصفه عز وجل بكمال القدرة وكمال العلم. و { العظيم
~~} بالجر صفة العرش وهو نهاية الأجرام فلا جرم فوقه، وفي الآثار من وصف
~~عظمه ما يبهر / العقول ويكفي ذلك أن الكرسي الذي نطق الكتاب العزيز بأنه
~~وسع السماوات والأرض بالنسبة إليه كحلقة في فلاة، وهو عند الفلاسفة محدد
~~الجهات وذهبوا إلى أنه جسم كري خال عن الكواكب محيط بسائر الأفلاك محرك
~~لها قسرا من المشرق إلى المغرب ولا يكاد ms07802 يعلم مقدار ثخنه إلا الله
~~تعالى، وفي الأخبار الصحيحة ما يأبى بظاهره بعض ذلك. وأيا ما كان فبين
~~عظمه وعظم عرش بلقيس بون عظيم. وقرأ ابن محيصن. وجماعة { العظيم } بالرفع
~~فاحتمل أن يكون صفة للعرش مقطوعة بتقدير هو فتستوي القراءتان معنى.
~~واحتمل أن يكون صفة للرب.

### || [27.27]

# { قال } استئناف بياني كأنه قيل: فماذا فعل سليمان عليه السلام عند
~~قوله ذلك؟ فقيل قال: { سننظر } أي فيما ذكرته من النظر بمعنى التأمل
~~والتفكر، والسين للتأكيد أي سنتعرف بالتجربة البتة { أصدقت أم
~~كنت من الكذبين } جملة معلق عنها الفعل للاستفهام. وكان مقتضى
~~الظاهر أم كذبت وإيثار ما عليه النظم الكريم للإيذان بأن كذبه في هذه
~~المادة يستلزم انتظامه في سلك الموسومين بالكذب الراسخين فيه فإن مساق
~~هذه الأقاويل الملفقة مع ترتيب أنيق يستميل قلوب السامعين نحو قبولها من
~~غير أن يكون لها مصداق أصلا لا سيما بين يدي نبي عظيم تخشى سطوته لا
~~يكاد يصدر إلا عمن رسخت قدمه في الكذب والإفك وصار سجية له حتى لا يملك
~~نفسه عنه في أي موطن كان، وزعم بعضهم أن ذاك لمراعاة الفاصلة وليس بشيء
~~أصلا، وفي الآية على ما في «الإكليل» قبول الوالي عذر رعيته ودرء
~~العقوبة عنهم وامتحان صدقهم فيما اعتذروا به.

### || [27.28]

# وقوله تعالى: { اذهب بكتابى هذا فألقه إليهم }
~~استئناف مبين لكيفية النظر الذي وعده عليه السلام بعدما كتب كتابه في ذلك
~~المجلس أو بعده، فهذا إشارة إلى الحاضر وتخصيصه عليه السلام إياه
~~بالرسالة دون سائر ما تحت ملكه من أمناء الجن الأقوياء على التصرف
~~والتعرف لما عاين فيه من مخايل العلم والحكمة ولئلا يبقى له عذر أصلا،
~~وفي الآية دليل على جواز إرسال الكتب إلى المشركين من الإمام لإبلاغ
~~الدعوة والدعاء إلى الإسلام. وقد كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
~~كسرى وقيصر وغيرهما من ملوك العرب، وقرىء في السبعة { فألقه } بكسر الهاء
~~وياء بعدها وباختلاس الكسرة وبسكون الهاء، وقرأ مسلم بن جندب بضم الهاء
~~وواو بعدها.

# { ثم تول عنهم } أي ms07803 تنح. وحمل على ذلك لأن التولي بالكلية
~~ينافي قوله: { فانظر ماذا يرجعون } إلا أن يحمل على القلب كما
~~زعم ابن زيد وأبو علي وهو غير مناسب. وأمره عليه السلام إياه بالتنحي من
~~باب تعليم الأدب مع الملوك كما روي عن وهب. والنظر بمعنى التأمل والتفكر
~~و { ماذا } إما كلمة استفهام في موضع المفعول ليرجعون ورجع تكون متعدية
~~كما تكون لازمة أو مبتدأ وجملة { يرجعون } خبره. وإما أن تكون ما
~~استفهامية مبتدأ وذا اسم موصول بمعنى الذي خبره وجملة { يرجعون }
~~صلة الموصول والعائد محذوف. وأيا ما كان فالجملة معلق عنها فعل القلب
~~فمحلها النصب على إسقاط الخافض، وقيل: النظر بمعنى الانتظار كما في قوله
~~تعالى:

# انظرونا نقتبس من نوركم

# [الحديد: 13] فلا تعليق بل كلمة { ماذا } موصول في موضع المفعول كذا
~~قيل، والظاهر أنه بمعنى التأمل وأن المراد فتأمل وتعرف ماذا يرد بعضهم
~~على بعض من القول. وهذا ظاهر في أن الله تعالى أعطى الهدهد قوة يفهم بها
~~ما يسمعه من / كلامهم، والتعبير بالإلقاء لأن تبليغه لا يمكن بدونه. وجمع
~~الضمير لأن المقصود تبليغ ما فيه لجميع القوم والكشف عن حالهم بعده.

### || [27.29]

# { قالت } أي بعد ما ذهب الهدهد بالكتاب فألقاه إليهم وتنحى عنهم
~~حسبما أمر به، وإنما طوى ذكره إيذانا بكمال مسارعته إلى إقامة ما أمر به
~~من الخدمة وإشعارا بالاستغناء عن التصريح به لغاية ظهوره. روي أنه عليه
~~السلام كتب كتابه وطبعه بالمسك وختمه بخاتمه ودفعه إلى الهدهد فذهب به
~~فوجدها راقدة في قصرها بمأرب وكانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح
~~تحت رأسها فدخل من كوة وطرح الكتاب على نحرها وهي مستلقية، وفي رواية بين
~~ثدييها، وقيل: نقرها فانتبهت فزعة، وقيل: أتاها والقادة والجنود حواليها
~~فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت رأسها فألقى الكتاب في حجرها فلما رأت
~~الخاتم ارتعدت وخضعت فقالت ما قالت، وقيل: كانت في البيت كوة تقع الشمس
~~منها كل يوم فإذا نظرت إليها سجدت فجاء الهدهد فسدها بجناحيه فرأت ذلك
~~وقامت إليه فألقى الكتاب إليها ms07804 وكانت قارئة كاتبة عربية من نسل يعرب بن
~~قحطان واشتهر أنها من نسل تبع الحميري وكان الخط العربي في غاية الإحكام
~~والإتقان والجودة في دولة التبابعة وهو المسمى بالخط الحميري وكان بحمير
~~كتابة تسمى المسند حروفها منفصلة وكانوا يمنعون من تعليمها إلا بإذنهم
~~ومن حمير تعلم مضر، وقد تقدم بعض الكلام في ذلك. واختار ابن خلدون القول
~~بأنه تعلم الكتابة العربية من التبابعة وحمير أهل الحيرة وتعلمها منهم
~~أهل الحجاز وظاهر كون بلقيس من العرب وأنها قرأت الكتاب يقتضي أن الكتاب
~~كان عربيا، ولعل سليمان عليه السلام كان يعرف العربي وإن لم يكن من
~~العرب، ومن علم منطق الطير لا يبعد أن يعلم منطق العرب الذي هو أشرف
~~منطق. ويحتمل أن يكون عنده من يعرف ذلك وكذا من يعرف غيره من اللغات
~~كعادة الملوك يكون عندهم من يتكلم بعدة لغات ليترجم لهم ما يحتاجونه،
~~ويجوز أن يكون الكتاب غير عربي بل بلغة سليمان عليه السلام وقلمه وكان
~~قلمه كما نقل عن الإمام أحمد البوني كاهنيا وكان عند بلقيس من ترجمه لها
~~وأعلمها بما فيه فجمعت أشراف قومها وأخبرتهم بذلك واستشارتهم كما حكى
~~سبحانه عنها بقوله جل وعلا قالت:

# { يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم } الخ،
~~وأقدم سليمان عليه السلام على كتابة الكتاب إليها كذلك قول الهدهد

# وأوتيت من كل شىء

# [النمل: 23] والمترجم من الأشياء التي يحتاج إليها الملك وأن اللائق
~~بشأنه وعظمته أن لا يترك لسانه ويتشبه بها في لسانها، ويحتمل أنها كانت
~~بنفسها تعرف تلك الكتابة فقرأت الكتاب لذلك، ورجح احتمال أن يكون الكتاب
~~غير عربي بأن الكتابة لها بالعربية تستدعي الوقوف على حالها وهو عليه
~~السلام ما وقف عليه بعد.

# وتعقب بأنه دله على كونها عربية قول الهدهد

# جئتك من سبإ بنبإ يقين * إنى وجدت امرأة
~~تملكهم

# [النمل: 22-23] فإنه عليه السلام ممن لا يخفى عليه كون سبأ من العرب
~~والظاهر كون ملكتهم منهم.

# ووصفت الكتاب بالكرم لكونه مختوما ففي الحديث

# " كرم الكتاب ختمه "

# ، وفي «شرح أدب ms07805 الكاتب» يقال أكرمت الكتاب فهو كريم إذا ختمته، وقال ابن
~~المقفع: من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخف به، وقد فسر ابن
~~عباس وقتادة وزهير بن محمد { الكريم } هنا بالمختوم، وفيه كما قيل
~~استحباب ختم الكتاب لكرم مضمونه وشرفه أو لكرم / مرسله وعلو منزلته وعلمت
~~ذلك بالسماع أو بكون كتابه مختوما باسمه على عادة الملوك والعظماء أو
~~بكون رسوله به الطير أو لبداءته باسم الله عز وجل أو لغرابة شأنه ووصوله
~~إليها على منهاج غير معتاد، وقيل: أن ذلك لظنها إياه بسبب أن الملقى له
~~طير أنه كتاب سماوي وليس بشيء. وبناء { ألقي } للمفعول لعدم الاهتمام
~~بالفاعل، وقيل: لجهلها به أو لكونه حقيرا. وقال الشيخ الأكبر قدس سره في
~~«الفصوص»: من حكمة بلقيس كونها لم تذكر من ألقى إليها الكتاب وما ذاك إلا
~~لتعلم أصحابها أن لها اتصالا إلى أمور لا يعلمون طريقها. وفي ذلك سياسة
~~منها أورثت الحذر منها في أهل مملكتها وخواص مدبريها وبهذا استحقت
~~التقديم عليهم انتهى. وتأكيد الجملة للاعتناء بشأن الحكم، وأما التأكيد
~~في قوله تعالى: { إنه من سليمن وإنه بسم الله
~~الرحمن الرحيم }.

### || [27.30]

# فلذلك أيضا أو لوقوعه في جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ممن هذا الكتاب
~~وماذا مضمونه؟ فقيل: إنه من سليمان الخ، ويحسن التأكيد بأن في جواب
~~السؤال ولا أرى فرقا في ذلك بين المحقق والمقدر، ويعلم مما ذكر أن ضمير
~~{ إنه } الأول للكتاب وضمير { إنه } الثاني للمضمون وإن لم يذكر،
~~وليس في الآية ما يدل على أنه عليه السلام قدم اسمه على اسم الله عز وجل،
~~وعلمها بأنه من سليمان يجوز أن يكون لكتابة اسمه بعد. وقد أخرج ابن أبي
~~حاتم عن يزيد بن رومان أنه قال: كتب سليمان بسم الله الرحمن الرحيم من
~~سليمان بن داود إلى بلقيس ابنة ذي شرح وقومها  أن لا تعلوا  الخ، وجوز
~~أن يكون لكتابته في ظاهر الكتاب وكان باطن الكتاب { بسم الله }
~~الخ، وقيل: ضمير { إنه } الأول للعنوان وإنه عليه السلام عنون الكتاب ms07806
~~باسمه مقدما له فكتب من سليمان بسم الله الخ واستظهر هذا أبو حيان ثم
~~قال: وقدم عليه السلام اسمه لاحتمال أن يبدر منها ما لا يليق إذ كانت
~~كافرة فيكون اسمه وقاية لاسم الله عز وجل وهو كما ترى.

# وكتابة البسملة في أوائل الكتب مما جرت به سنة نبينا صلى الله عليه وسلم
~~بعد نزول هذه الآية بلا خلاف، وأما قبله فقد قيل إن كتبه عليه الصلاة
~~والسلام لم تفتتح بها، فقد أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وغيرهما عن
~~الشعبي قال: كان أهل الجاهلية يكتبون باسمك اللهم فكتب النبي صلى الله
~~عليه وسلم أول ما كتب باسم اللهم حتى نزلت

# بسم الله مجريها ومرساها

# [هود: 41] فكتب بسم الله ثم نزلت

# ادعو الله أو ادعوا الرحمن

# [الإسراء: 110] فكتب بسم الله الرحمن ثم نزلت آية النمل { إنه من
~~سليمان } الآية فكتب بسم الله الرحمن الرحيم وأخرج أبو داود في
~~«مراسيله» عن أبي مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب باسمك
~~اللهم فلما نزلت { إنه من سليمان } الآية كتب بسم الله الخ،
~~وروي نحو ذلك عن ميمون بن مهران وقتادة، وهذا عندي مما لا يكاد يتسنى مع
~~القول بنزول البسملة قبل نزول هذه الآية وهذا القول مما لا ينبغي أن يذهب
~~إلى خلافه، فقد قال الجلال السيوطي في «إتقانه» اختلف في أول ما نزل من
~~القرآن على أقوال، أحدها: وهو الصحيح

# اقرأ باسم ربك

# [العلق: 1] واحتج له بعده أخبار منها خبر الشيخين في بدء الوحي وهو
~~مشهور، وثانيها:

# يأيها المدثر

# [المدثر: 1] وثالثها: سورة الفاتحة، ورابعها: البسملة ثم قال وعندي أن
~~هذا لا يعد قولا برأسه فإنه من ضرورة نزول السورة نزول البسملة معها فهي
~~أول آية نزلت على الإطلاق اه.

# وهو يقوي ما قلناه فإن البسملة إذا كانت أول آية نزلت كانت هي المفتتح
~~لكتاب الله تعالى وإذا كانت كذلك كان اللائق بشأنه صلى الله عليه وسلم أن
~~يفتتح بها كتبه كما افتتح الله تعالى بها كتابه وجعلها أول المنزل منه. ms07807
~~والقول بأنها نزلت قبل إلا أنه عليه الصلاة والسلام لم يعلم مشروعيتها في
~~أوائل الكتب والرسائل حتى نزلت هذه الآية المتضمنة لكتابة سليمان عليه
~~السلام إياها في كتابه إلى أهل سبأ مما لا يقدم عليه إلا جاهل / بقدره
~~عليه الصلاة والسلام.

# وذكر بعض الأجلة أنها إذا كتبت في الكتب والرسائل فالأولى أن تكتب سطرا
~~وحدها. وفي «أدب الكاتب» للصولي أنهم يختارون أن يبدأ الكاتب بالبسملة من
~~حاشية القرطاس ثم يكتب الدعاء مساويا لها ويستقبحون أن يخرج الكلام عن
~~البسملة فاضلا بقليل ولا يكتبونها وسطا ويكون الدعاء فاضلا اه. وما
~~ذكر من كتابة الدعاء بعدها لم يكن في الصدر الأول وإنما كان فيه كتابة من
~~فلان إلى فلان. وتقديم اسم الكاتب على اسم المكتوب له مشروع وإن كان
~~الأول مفضولا والثاني فاضلا، ففي «البحر» عن أنس ما كان أحد أعظم حرمة
~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أصحابه إذا كتبوا إليه كتابا بدؤا
~~بأنفسهم. وقال أبو الليث في «البستان» له: ولو بدأ بالمكتوب إليه جاز لأن
~~الأمة قد أجمعت عليه وفعلوه انتهى. وظاهر الآية أن البسملة ليست من
~~الخصوصيات، وقال بعضهم: إنها منها لكن باللفظ العربي والترتيب المخصوص،
~~وما في كتاب سليمان عليه السلام لم تكن باللفظ العربي وترجمت لنا به
~~وليس ذلك ببعيد.

# وقرأ عبد الله { وإنه من سليمان } بزيادة واو، وخرجه أبو
~~حيان على أنها عاطفة للجملة بعدها على جملة

# إنى ألقي

# [النمل: 29]، وقيل: هي واو الحال والجملة حالية، وقرأ عكرمة وابن أبي
~~عبلة { أنه من سليمان وأنه } بفتح همزة أن في الموضعين،
~~وخرج على الإبدال من

# كتاب

# [النمل: 29] أي ألقي إلي أنه الخ أو على أن يكون التقدير لأنه الخ
~~كأنها عللت كرم الكتاب بكونه من سليمان وبكونه مصدرا باسم الله عز وجل،
~~وقرأ أبي { أن من سليمان وأن بسم الله } بفتح الهمزة
~~وسكون النون، وخرج على أن أن هي المفسرة لأنه قد تقدمت جملة فيها معنى
~~القول أو على أنها المخففة من الثقيلة وحذفت الهاء. ms07808

### || [27.31]

# و { أن } في قوله تعالى: { ألا تعلوا على } يحتمل أن تكون
~~مفسرة و(لا) ناهية. ويحتمل أن تكون مصدرية ناصبة للفعل و(لا) نافية،
~~وقيل: يجوز كونها ناهية أيضا، ومحل المصدر الرفع على أنه بدل من

# كتاب

# [النمل: 29] أو خبر لمبتدأ مضمر يليق بالمقام أي مضمونه أن لا تعلوا
~~علي أي أن لا تتكبروا علي كما يفعل جبابرة الملوك، وقرأ ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما في رواية وهب بن منبه والأشهب العقيلي { أن لا
~~تغلوا } بالغين المعجمة من الغلو وهي مجاوزة الحد أي أن لا تتجاوزا
~~حدكم { وأتونى مسلمين } عطف على ما قبله فإن كانت فيه (لا)
~~ناهية فعطف الأمر عليه ظاهر وإن كانت نافية وأن مصدرية فعطفه عليه من عطف
~~الإنشاء على الإخبار والكلام فيه مشهور، والأكثرون على جوازه في مثل هذا.

# والمراد بالإسلام الإيمان أي وأتوني مؤمنين، وقيل: المراد به الانقياد
~~أي ائتوني منقادين مستسلمين. والدعوة على الأول دعوة النبوة وعلى الثاني
~~دعوة الملك واللائق بشأنه عليه السلام هو الأول. وفي بعض الآثار كما
~~ستعلم إن شاء الله تعالى ما يؤيده. ولا يرد أنه يلزم عليه أن يكون الأمر
~~بالإيمان قبل إقامة الحجة على رسالته فيكون استدعاء للتقليد لأن الدعوة
~~المذكورة هي الدعوة الأولى التي لا تستدعي إظهار المعجزة وإقامة الحجة،
~~وعادة الأنبياء عليهم السلام الدعوة إلى الإيمان أولا فإذا عورضوا
~~أقاموا الدليل وأظهروا المعجزة؛ وفيما نحن فيه لم يصدر معارضة، وقيل: إن
~~الدعوة ما كانت إلا مقرونة بإقامة الحجة لأن إلقاء الكتاب إليها على تلك
~~الحالة التي ذكرت فيما مر أولا معجزة باهرة دالة على رسالته عليه السلام
~~دلالة بينة. وتعقب بأن كون الإلقاء المذكور معجزة غير واضح خصوصا وهي لم
~~تقارن التحدي، ورجح / الثاني بأن قولها:

# إن الملوك

# [النمل: 34] الخ صريح في دعوة الملك والسلطنة. وأجيب بأن ذاك لعدم
~~تيقنها رسالته عليه السلام حينئذ أو هو من باب الاحتيال لجلب القوم إلى
~~الإجابة بإدخال الروع عليهم من حيثية كونه عليه السلام ملكا وهذا كما
~~ترى.

# والظاهر ms07809 أنه لم يكن في الكتاب أكثر مما قص الله تعالى وهو إحدى
~~الروايتين عن مجاهد، وثانيتهما: أن فيه - السلام على من اتبع الهدى أما
~~بعد فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين -، وفي بعض الآثار أن نسخة الكتاب - من
~~عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ السلام على من اتبع الهدى -
~~إلى آخر ما ذكر، ولعلها على ما هو الظاهر عرفت أنهم المعنيون بالخطاب من
~~قرائن الأحوال، وقد تضمن ما قصه سبحانه البسملة التي هي هي في الدلالة
~~على صفاته تعالى صريحا والتزاما والنهي عن الترفع الذي هو أم الرذائل
~~والأمر بالإسلام الجامع لأمهات الفضائل فيا له كتاب في غاية الإيجاز
~~ونهاية الإعجاز، وعن قتادة كذلك كانت الأنبياء عليهم السلام تكتب جملا
~~لا يطيلون ولا يكثرون.

# هذا ولم أر في الآثار ما يشعر بأنه عليه السلام كتب ذلك على الكاغد أو
~~الرق أو غيرهما، واشتهر على ألسنة الكتاب أن الكتاب كان من الكاغد
~~المعروف وأن الهدهد أخذه من طرفه بمنقاره فابتل ذلك الطرف بريقه وذهب منه
~~شيء وكان ذلك الزاوية اليمنى من جهة أسفل الكتاب، وزعموا أن قطعهم شيئا
~~من القرطاس من تلك الزاوية تشبيها لما يكتبونه بكتاب سليمان عليه السلام
~~وهذا مما لا يعول عليه ولسائر أرباب الصنائع والحرف حكايات من هذا القبيل
~~وهي عند العقلاء أحاديث خرافة.

### || [27.32]

# { قالت يأيها الملؤا أفتونى فى أمرى } كررت حكاية
~~قولها للإيذان بغاية اعتنائها بما في حيزها، والإفتاء على ما قال صاحب
~~«المطلع» الإشارة على المستفتي فيما حدث له من الحادثة بما عند المفتي من
~~الرأي والتدبير وهو إزالة ما حدث له من الإشكال كالإشكاء إزالة الشكوى،
~~وفي «المغرب» اشتقاق الفتوى من الفتى لأنها جواب في حادثة أو إحداث حكم
~~أو تقوية لبيان مشكل، وأيا ما كان فالمعنى أشيروا علي بما عندكم من
~~الرأي والتدبير فيما حدث لي وذكرت لكم خلاصته، وقصدت بما ذكرت استعطافهم
~~وتطييب نفوسهم ليساعدوها ويقوموا معها وأكدت ذلك بقولها: { ما كنت
~~قطعة أمرا حتى تشهدون } أي ما أقطع ms07810 أمرا من الأمور
~~المتعلقة بالملك إلا بمحضركم وبموجب آرائكم، والإتيان بكان للإيذان بأنها
~~استمرت على ذلك أو لم يقع منها غيره في الزمن الماضي فكذا في هذا و {
~~حتى تشهدون } غاية للقطع. واستدل بالآية على استحباب المشاورة
~~والاستعانة بالآراء في الأمور المهمة، وفي قراءة عبد الله { ما كنت
~~قاضية أمرا }.

### || [27.33]

# { قالوا } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية قولها كأنه قيل: فماذا
~~قالوا في جوابها؟ فقيل قالوا: { نحن أولوا قوة } في الأجساد
~~والعدد { وأولوا بأس شديد } أي نجدة وشجاعة مفرطة وبلاء في
~~الحرب قيل: كان أهل مشورتها ثلاثمائة واثني عشر رجلا كل واحد على عشرة
~~آلاف، وروي ذلك عن قتادة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان
~~لصاحبة سليمان اثنا عشر ألف قيل تحت يد كل قيل مائة ألف، وقيل: كان تحت
~~يدها أربعمائة ملك كل ملك على كورة تحت يد كل ملك أربعمائة ألف مقاتل /
~~ولها ثلثمائة وزير يدبرون ملكها ولها اثنا عشر ألف قائد كل قائد تحت يده
~~اثنا عشر ألف مقاتل، وهذه الأخبار إلى الكذب أقرب منها إلى الصدق، ولعمري
~~أن أرض اليمن لتكاد تضيق عن العدد الذي تضمنه الخبران الأخيران، وليت
~~شعري ما مقدار عدد رعيتها الباقين الذين تحتاج إلى هذا العسكر والقواد
~~والوزراء لسياستهم وضبط أمورهم وتنظيم أحوالهم.

# { والأمر إليك } تسليم للأمر إليها بعد تقدم ما يدل على القوة
~~والشجاعة حتى لا يتوهم أنه من العجز، والأمر بمعناه المعروف أو المعنى
~~الشأن وهو مبتدأ { وإليك } متعلق بمحذوف وقع خبرا له ويقدر مؤخرا
~~ليفيد الحصر المقصود لفهمه من السياق أي والأمر إليك موكول. { فانظرى
~~ماذا تأمرين } من الصلح والمقاتلة نطعك ونتبع رأيك، وقيل: أرادوا
~~نحن من أبناء الحرب لا من أبناء الرأي والمشورة وإليك الرأي والتدبير
~~فانظري ماذا ترين نكن في الخدمة فلما أحست منهم الميل إلى الحراب والعدول
~~عن السنن الصواب شرعت في تزييف مقالتهم المنبئة عن الغفلة عن شأن سليمان
~~عليه السلام حسبما تعتقده، وذلك قوله تعالى: { قالت إن الملوك
~~إذا ms07811 دخلوا قرية... }.

### || [27.34]

# { قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية } من القرى على
~~منهاج المقاتلة والحراب { أفسدوها } بتخريب عماراتها وإتلاف ما فيها
~~من الأموال. { وجعلوا أعزة أهلها أذلة } بالقتل
~~والأسر والإجلاء وغير ذلك من فنون الإهانة والإذلال، ولم يقل وأذلوا أعزة
~~أهلها مع أنه أخصر للمبالغة في التصيير والجعل { وكذلك يفعلون
~~} تصديق لها من جهته عز وجل على ما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أو هو
~~من كلامها جاءت به تأكيدا لما وصفت من حالهم بطريق الاعتراض التذييلي
~~وتقرير له بأن ذلك عادتهم المستمرة فالضمير للملوك، وقيل: هو لسليمان ومن
~~معه فيكون تأسيسا لا تأكيدا. وتعقب بأن التأكيد لازم على ذلك أيضا
~~للإندراج تحت الكلية وكأنها أرادت على ما قيل: إن سليمان ملك والملوك هذا
~~شأنهم وغلبتنا عليه غير محققة ولا اعتماد على العدد والعدة والشجاعة
~~والنجدة فربما يغلبنا فيكون ما يكون فالصلح خير، وقيل: إنها غلب على ظنها
~~غلبته حيث رأت أنه سخر له الطير فجعل يرسله بأمر خاص إلى شخص خاص مغلق
~~عليه الأبواب فأشارت لهم إلى أنه يغلب عليهم إذا قاتلوه فيفسد القرى ويذل
~~الأعزة وأفسدت بذلك رأيهم وما أحسته منهم من الميل إلى مقاتلته عليه
~~السلام وقررت رأيها بقولها: { وإنى مرسلة إليهم بهدية
~~فناظرة بم يرجع المرسلون }.

### || [27.35]

# حتى أعمل بما يقتضيه الحال، وهذا ظاهر في أنها لم تثق بقبوله عليه
~~السلام هديتها. وروي أنها قالت لقومها: إن كان ملكا دنياويا أرضاه
~~المال وعملنا معه بحسب ذلك وإن كان نبيا لم يرضه المال وينبغي أن نتبعه
~~على دينه، والهدية اسم لما يهدى كالعطية اسم لما يعطى، والتنوين فيها
~~للتعظيم؛ و { ناظرة } عطف على { مرسلة } و { بم } متعلق
~~بيرجع. ووقع للحوفي أنه متعلق بناظرة وهو وهم فاحش كما في «البحر»،
~~والنظر معلق والجملة في موضع المفعول به له والجملة الاسمية الدالة على
~~الثبات المصدرة بحرف التحقيق للإيذان بأنها مزمعة على رأيها لا يلويها
~~عنه صارف ولا يثنيها عاطف.

# واختلف في هديتها فعن ابن عباس أنها كانت ms07812 مائة وصيف ومائة وصيفة، وقال
~~وهب وغيره: عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية فألبست الجواري
~~لبس الغلمان الأقبية والمناطق وألبست الغلمان / لباس الجواري وجعلت في
~~أيديهم أساور الذهب وفي أعناقهم أطواق الذهب وفي آذانهم أقرطة وشنوفا
~~مرصعة بأنواع الجواهر وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على
~~خمسمائة برذون على كل فرس سرج من الذهب مرصع بالجوهر وعليه أغشية الديباج
~~وبعثت إليه لبنات من ذهب ولبنات من فضة وتاجا مكللا بالدر والياقوت
~~وأرسلت بالمسك والعنبر والعود وعمدت إلى حق فجعلت فيه درة عذراء وخرزة
~~جزع معوجة الثقب ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمت
~~إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتابا تذكر فيه الهدية
~~وقالت فيه: إن كنت نبيا ميز بين الغلمان والجواري وأخبر بما في الحق قبل
~~أن تفتحه ثم قالت للرسول: فإن أخبر فقل له اثقب الدرة ثقبا مستويا
~~وأدخل في الخرزة خيطا من غير علاج إنس ولا جن وقالت للغلمان: إذا كلمكم
~~سليمان فكلموه بكلام فيه تأنيث وتخنث يشبه كلام النساء وأمرت الجواري أن
~~يكلموه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثم قالت للرسول: انظر إلى الرجل
~~إذا دخلت فإن نظر إليك نظرا فيه غضب فاعلم أنه ملك فلا يهولنك منظره
~~فأنا أعز منه وإن رأيت الرجل بشاشا لطيفا فاعلم أنه نبي فتفهم منه
~~قوله ورد الجواب فانطلق الرجل بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سلمان
~~فأخبره الخبر فأمر عليه السلام الجن أن يضربوا لبنا من الذهب والفضة
~~ففعلوا وأمرهم بعمل ميدان مقدار تسع فراسخ وأن يفرشوا فيه لبن الذهب
~~والفضة وأن يخلو قدر تلك اللبنات التي معهم وأن يعملوا حول الميدان
~~حائطا مشرفا من الذهب والفضة ففعلوا ثم قال: أي دواب البر والبحر أحسن
~~فقالوا: يا نبي الله ما رأينا أحسن من دواب في البحر يقال لها كذا وكذا
~~مختلفة ألوانها لها أجنحة وأعراف ونواص قال علي بها الساعة فأتوه بها
~~قال: شدوها عن يمين الميدان وشماله وقال للجن: علي ms07813 بأولادكم فاجتمع منهم
~~خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان وعلى شماله وأمر الجن والإنس
~~والشياطين والوحوش والسباع والطير ثم قعد في مجلسه على سريره ووضع أربعة
~~آلاف كرسي على يمينه وعلى شماله وأمر جميع الإنس والجن والشياطين والوحوش
~~والسباع والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه وشماله فلما دنا القوم من الميدان
~~ونظروا إلى ملك سليمان عليه السلام ورأوا الدواب التي لم يروا مثلها تروث
~~على لبن الذهب والفضة تصاغرت إليهم أنفسهم وخبؤا ما كان معهم من الهدايا،
~~وقيل: إنهم لما رأوا ذلك الموضع الخالي من اللبنات خاليا خافوا أن
~~يتهموا بذلك فوضعوا ما معهم من اللبن فيه ولما نظروا إلى الشياطين هالهم
~~ما رأوا وفزعوا فقالت لهم الشياطين: جوزوا لا بأس عليكم وكانوا يمرون على
~~كراديس الجن والوحش والطير حتى وقفوا بين يدي سليمان فأقبل عليهم بوجه
~~طلق وتلقاهم ملقى حسنا وسألهم عن حالهم فأخبره رئيس القوم بما جاؤوا فيه
~~وأعطاه الكتاب فنظر فيه وقال: أين الحق فأتى به فحركه فجاء جبريل عليه
~~السلام فأخبره بما فيه فقال لهم: إن فيه درة غير مثقوبة وجزعة معوجة
~~الثقب قال الرسول: صدقت فاثقب الدرة وأدخل الخيط في الجزعة فقال سليمان
~~عليه السلام من لي بثقبها وسأل الجن والإنس فلم يكن عندهم علم ذلك ثم سأل
~~الشياطين فقالوا نرسل إلى الأرضة فلما جاءت أخذت شعرة بفيها ونفذت في
~~الدرة حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها: ما حاجتك؟ قالت: تصير رزقي في
~~الشجر فقال: لك ذلك ثم قال: من لهذه الخرزة؟ فقالت دودة بيضاء: أنا لها
~~يا نبي الله فأخذت الخيط بفيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر
~~فقال: ما حاجتك؟ قالت: يكون رزقي في الفواكه فقال: لك ذلك ثم ميز / بين
~~الغلمان والجواري أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فجعلت الجارية تأخذ
~~الماء بيدها وتضرب بها الأخرى وتغسل وجهها والغلام يأخذ الماء بيديه
~~ويضرب به وجهه وكانت الجارية تصب الماء على باطن ساعديها والغلام على
~~ظاهره ثم رد سليمان عليه السلام الهدية كما ms07814 أخبر الله تعالى، وقيل: إنها
~~أنفذت مع هداياها عصا كان يتوارثها ملوك حمير وقالت: أريد أن تعرفني
~~رأسها من أسفلها وبقدح ماء وقالت: تملؤه ماء رواء ليس من الأرض ولا من
~~السماء فأرسل عليه السلام العصا إلى الهواء وقال أي الطرفين سبق إلى
~~الأرض فهو أصلها وأمر بالخيل فأجريت حتى عرقت وملأ القدح من عرقها وقال:
~~هذا ليس من ماء الأرض ولا من ماء السماء اه.

# وكل ذلك أخبار لا يدرى صحتها ولا كذبها، ولعل في بعضها ما يميل القلب
~~إلى القول بكذبه والله تعالى أعلم.

### || [27.36]

# { فلما جآء سليمن } في الكلام حذف أي فأرسلت الهدية فلما
~~جاء الخ، وضمير { جاء } للرسول، وجوز أن يكون لما أهدت إليه والأول
~~أولى، وقرأ عبد الله { فلما جاؤا } أي المرسلون { قال
~~أتمدونن بمال } خطاب للرسول والمرسل تغليبا للحاضر على الغائب
~~وإطلاقا للجمع على الاثنين، وجوز أن يكون للرسول ومن معه وهو أوفق
~~بقراءة عبد الله، ورجح الأول لما فيه من تشديد الإنكار والتوبيخ
~~المستفادين من الهمزة على ما قيل وتعميمهما لبلقيس وقومها، وأيد بمجىء
~~قوله تعالى:

# ارجع إليهم

# [النمل: 37] بالإفراد؛ وتنكير { مال } للتحقير.

# وقرأ جمهور السبعة { تمدونن } بنونين وأثبت بعض الياء. وقرأ حمزة بإدغام
~~نون الرفع في نون الوقاية وإثبات ياء المتكلم. وقرأ المسيبي عن نافع
~~بنون واحدة خفيفة والمحذوف نون الوقاية، وجوز أن يكون الأولى فرفعه
~~بعلامة مقدرة كما قيل في قوله:

# أبيت أسري وتبيتي تدلكي

# وجهك بالعنبر والمسك الذكي

# { فما ءاتاني الله } أي من النبوة والملك الذي لا غاية وراءه {
~~خير مما ءاتاكم } أي من المال الذي من جملته ما جئتم به، وقيل:
~~عنى بما آتاه المال لأنه المناسب للمفضل عليه والأول أولى لأنه أبلغ،
~~والجملة تعليل للإنكار والكلام كناية عن عدم القبول لهديتهم، وليس المراد
~~منه الافتخار بما أوتيه فكأنه قيل: أنكر إمدادكم إياي بمال لأن ما عندي
~~خير منه فلا حاجة لي إلى هديتكم ولا وقع لها عندي، والظاهر أن الخطاب
~~المذكور كان أول ما جاؤه كما يؤذن به ms07815 قوله تعالى: { فلما جاء
~~سليمان } الخ، ولعل ذلك لمزيد حرصه على إرشادهم إلى الحق، وقيل:
~~لعله عليه السلام قال لهم ما ذكر بعد أن جرى بينهم وبينه ما جرى مما في
~~خبر وهب وغيره، واستدل بالآية على استحباب رد هدايا المشركين. والظاهر أن
~~الأمر كذلك إذا كان في الرد مصلحة دينية لا مطلقا، وإنما لم يقل: وما
~~آتاني الله خير مما آتاكم لتكون الجملة حالا لما أن مثل هذه الحال وهي
~~الحال المقررة للإشكال يجب أن تكون معلومة بخلاف العلة وهي هنا ليست
~~كذلك.

# وقوله تعالى: { بل أنتم بهديتكم تفرحون } إضراب عما
~~ذكر من إنكار الإمداد بالمال وتعليله إلى بيان ما حملهم عليه من قياس
~~حاله عليه السلام على حالهم وهو قصور همتهم على الدنيا والزيادة فيها
~~فالمعنى أنتم تفرحون بما يهدى إليكم لقصور همتكم على الدنيا وحبكم
~~الزيادة فيها، ففي ذلك من الحط عليهم ما لا يخفى، والهدية مضافة إلى
~~المهدى إليه وهي تضاف إلى ذلك كما تضاف إلى المهدي أو إضراب / عن ذلك إلى
~~التوبيخ بفرحهم بهديتهم التي أهدوها إليه عليه السلام فرح افتخار وامتنان
~~واعتداد بها، وفائدة الإضراب التنبيه على أن إمداده عليه السلام بالمال
~~منكر قبيح، وعد ذلك مع أنه لا قدر له عنده عليه السلام مما يتنافس فيه
~~المتنافسون أقبح والتوبيخ به أدخل، قيل: وينبىء عن اعتداهم بتلك الهدية
~~التنكير في قول بلقيس:

# وإنى مرسلة إليهم بهدية

# [النمل: 35] بعد عدها إياه عليه السلام ملكا عظيما. وكذا ما تقدم في
~~خبر وهب وغيره من حديث الحق والجزعة وتغيير زي الغلمان والجواري وغير
~~ذلك، وقيل: فرحهم بما أهدوه إليه عليه السلام من حيث توقعهم به ما هو
~~أزيد منه فإن الهدايا للعظماء قد تفيد ما هو أزيد منها ما لا أو غيره
~~كمنع تخريب ديارهم هنا، وقيل: الكلام كناية عن الرد، والمعنى أنتم من
~~حقكم أن تفرحوا بأخذ الهدية لا أنا فخذوها وافرحوا وهو معنى لطيف إلا أن
~~فيه خفاء.

### || [27.37]

# { ارجع } أمر للرسول ولم يجمع الضمير ms07816 كما جمعه فيما تقدم من قوله:

# أتمدونن

# [النمل: 36] الخ لاختصاص الرجوع به بخلاف الإمداد ونحوه، وقيل: هو أمر
~~للهدهد محملا كتابا آخر وأخرج ذلك ابن أبي حاتم عن زهير بن زهير.
~~وتعقب بأنه ضعيف دراية ورواية. وقرأ عبد الله { ارجعوا } على أنه أمر
~~للمرسلين والفعل هنا لازم أي انقلب وانصرف { إليهم } أي إلى بلقيس
~~وقومها { فلنأتينهم } أي فوالله لنأتينهم { بجنود لا
~~قبل لهم بها } أي لا طاقة لهم بمقاومتها ولا قدرة لهم على
~~مقابلتها وأصل القبل المقابلة فجعل مجازا أو كناية عن الطاقة والقدرة
~~عليها. وقرأ عبد الله { بهم }  { ولنخرجنهم } عطف على جواب
~~القسم { منها } أي من سبأ { أذلة } أي حال كونهم أذلة بعدما
~~كانوا فيه من العز والتمكين، وفي جمع القلة تأكيد لذلتهم، وقوله تعالى: {
~~وهم صغرون } حال أخرى، والصغار وإن كان بمعنى الذل إلا أن
~~المراد به هنا وقوعهم في أسر واستعباد فيفيد الكلام أن إخراجهم بطريق
~~الأسر لا بطريق الإجلاء وعدم وقوع جواب القسم لأنه كان معلقا بشرط قد
~~حذف عند الحكاية ثقة بدلالة الحال عليه كأنه قيل: ارجع إليهم فليأتوني
~~مسلمين وإلا فلنأتينهم الخ.

### || [27.38]

# في الكلام حذف أي فرجع الرسول إليها وأخبرها بما أقسم عليه سليمان
~~فتجهزت للمسير إليه إذ علمت أنه نبي ولا طاقة لها بقتاله، فروي أنها
~~أمرت عند خروجها فجعل عرشها في آخر سبعة أبيات بعضها في جوف بعض في آخر
~~قصر من قصورها وغلقت الأبواب ووكلت به حراسا يحفظونه وتوجهت إلى سليمان
~~في أقيالها وأتباعهم وأرسلت إلى سليمان إني قادمة عليك بملوك قومي حتى
~~أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، قال عبد الله بن شداد: فلما كانت
~~على فرسخ من سليمان قال: (أيكم يأتيني بعرشها) وعن ابن عباس كان سليمان
~~مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه فنظر ذات يوم رهجا
~~قريبا منه فقال: ما هذا؟ فقالوا: بلقيس فقال: أيكم الخ، ومعنى مسلمين
~~على ما روي عنه طائعين، وقال بعضهم: هو بمعنى مؤمنين.

# واختلفوا في مقصوده ms07817 عليه السلام من استدعائه عرشها، فعن ابن عباس وابن
~~زيد أنه عليه السلام استدعى ذلك ليريها القدرة التي هي من عند الله تعالى
~~وليغرب عليها، ومن هنا قال في «الكشاف»: لعله / أوحي إليه عليه السلام
~~باستيثاقها من عرشها فأراد أن يغرب عليها ويريها بذلك بعض ما خصه الله
~~تعالى به من إجراء العجائب على يده مع اطلاعها على عظيم قدرة الله تعالى
~~وعلى ما يشهد لنبوة سليمان عليه السلام ويصدقها انتهى، وتقييد الإتيان
~~بقوله: { قبل } الخ لما أن ذلك أبدع وأغرب وأبعد من الوقوع عادة وأدل
~~على عظيم قدرة الله عز وجل وصحة نبوته عليه السلام وليكون اطلاعها على
~~بدائع المعجزات في أول مجيئها. وقال الطبري: أراد عليه السلام أن يختبر
~~صدق الهدهد في قوله:

# ولها عرش عظيم

# [النمل: 23] واستبعد ذلك لعدم احتياجه عليه السلام إلى هذا الاختبار
~~فإن أمارة الصدق في ذلك في غاية الوضوح لديه عليه السلام لا سيما إذا صح
~~ما روي عن وهب. وغيره. وقيل: أراد أن يؤتى به فينكر ويغير ثم ينظر أتثبته
~~أم تنكره اختبارا لعقلها. وقال قتادة: وابن جريج: إنه عليه السلام أراد
~~أخذه قبل أن يعصمها وقومها الإيمان ويمنع أخذ أموالهم. قال في «الكشف»:
~~فيه أن حل الغنائم مما اختص به نبينا صلى الله عليه وسلم، وقال في
~~«التحقيق» لا يناسب رد الهدية وتعليله بقوله:

# فما ءاتن الله خير مما آتاكم

# [النمل: 36]. وأجيب بأن هذا ليس من باب أخذ الغنائم وإنما هو من باب أخذ
~~مال الحربي والتصرف بغير رضاه مع أن الظاهر أنه بوحي فيجوز أنه من
~~خصوصياته لحكمة ولم يكن ذلك هدية لها حتى لا يناسب الرد السابق وفيه بحث،
~~ولعل الألصق بالقلب أن ذاك لينكره فيمتحنها اختبارا لعقلها مع إراءتها
~~بعض خوارقه الدالة على صحة نبوته وعظيم قدرة الله عز وجل. ثم الظاهر أن
~~هذا القول بعد رد الهدية وهو الذي عليه الجمهور. وفي رواية عن ابن عباس
~~أنه عليه السلام قال ذلك حين ابتدأ النظر في صدق الهدهد ms07818 من كذبه لما قال:

# ولها عرش عظيم

# [النمل: 23] ففي ترتيب القصص تقديم وتأخير وأظن أنه لا يصح هذا عن ابن
~~عباس.

### || [27.39]

# { قال عفريت } أي خبيث مارد { من الجن } بيان له إذ يقال
~~للرجل الخبيث المنكر الذي يعفر أقرانه، وقرأ أبو حيوة { عفريت } بفتح
~~العين. وقرأ أبو رجاء وأبو السمال وعيسى ورويت عن أبي بكر الصديق رضي
~~الله تعالى عنه { عفرية } بكسر العين وسكون الفاء وكسر الراء بعدها ياء
~~مفتوحة بعدها تاء التأنيث، وقال ذو الرمة:

# كأنه كوكب في أثر عفرية

# مصوب في سواد الليل منقضب

# وقرأ فرقة { عفر } بلا ياء ولا تاء ويقال في لغة طيىء وتميم: عفراة بألف
~~بعدها تاء التأنيث، وفيه لغة سادسة عفارية؛ وتاء عفريت زائدة للمبالغة في
~~المشهور. وفي «النهاية» الياء في عفرية وعفارية للإلحاق بشرذمة وعذافرة
~~والهاء فيهما للمبالغة والتاء في عفريت للإلحاق بقنديل اه. واسم هذا
~~العفريت على ما أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس
~~صخر. وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن شعيب الجبائي أن اسمه كوزن. وأخرج
~~ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان أن اسمه كوزي. وقيل: اسمه ذكوان.

# { أنا ءاتيك به } أي بعرشها، وآتي يحتمل أن يكون مضارعا وأن
~~يكون اسم فاعل. قيل: وهو الأنسب بمقام ادعاء الإتيان به في المدة
~~المذكورة في قوله تعالى: { قبل أن تقوم من مقامك } أي من
~~مجلسك الذي تجلس فيه للحكومة وكان عليه السلام يجلس من الصبح إلى الظهر
~~في كل يوم قاله قتادة ومجاهد ووهب وزهير بن محمد وقيل: أي قبل أن تستوي
~~من جلوسك قائما { وإنى عليه لقوى } لا يثقل علي حمله.
~~والقوة صفة تصدر عنها الأفعال الشاقة ويطيق بها من قامت / به لتحمل
~~الأجرام العظيمة ولذا اختير قوي على قادر هنا، وظاهر كلام بعضهم أن في
~~الكلام حذفا فمنهم من قال: أي على حمله ومنهم قال: أي على الإتيان به،
~~ورجح الثاني بالتبادر نظرا إلى أول الكلام. والأول بأنه أنسب بقوله لقوي
~~{ أمين } لا أقتطع ms07819 منه شيئا ولا أبدله.

### || [27.40]

# { قال الذى عنده علم من الكتب } فصله عما قبله
~~للإيذان بما بين القائلين ومقالتيهما وكيفيتي قدرتيهما على الإتيان به من
~~كمال التباين أو لإسقاط الأول عن درجة الاعتبار. واختلف في تعيين هذا
~~القائل فالجمهور ومنهم ابن عباس ويزيد بن رومان والحسن على أنه آصف بن
~~برخيا بن شمعيا بن منكيل، واسم أمه باطورا من بني إسرائيل كان وزير
~~سليمان على المشهور، وفي «مجمع البيان» أنه وزيره وابن أخته وكان صديقا
~~يعلم الاسم الأعظم، وقيل كان كاتبه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد أنه
~~رجل اسمه اسطوم، وقيل: اسطورس. وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد أنه
~~رجل يقال له ذو النور. وأخرج هو أيضا عن ابن لهيعة أنه الخضر عليه
~~السلام، وعن قتادة أن اسمه مليخا؛ وقيل: ملخ. وقيل: تمليخا. وقيل: هود.
~~وقالت جماعة هو ضبة بن أد جد بني ضبة من العرب وكان فاضلا يخدم سليمان
~~كان على قطعة من خيله، وقال النخعي هو جبريل عليه السلام، وقيل: هو ملك
~~آخر أيد الله تعالى به سليمان عليه السلام، وقال الجبائي: هو سليمان نفسه
~~عليه السلام. ووجه الفصل عليه واضح فإن الجملة حينئذ مستأنفة استئنافا
~~بيانيا كأنه قيل: فما قال سليمان عليه السلام حين قال العفريت ذلك؟
~~فقيل: قال الخ ويكون التعبير عنه بما في النظم الكريم للدلالة على شرف
~~العلم وأن هذه الكرامة كانت بسببه، ويكون الخطاب في قوله: { أنا
~~ءاتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } للعفريت وإنما لم
~~يأت به أولا بل استفهم القوم بقوله:

# أيكم يأتينى بعرشها

# [النمل: 38] ثم قال ما قال وأتى به قصدا لأن يريهم أنه يتأتى له ما لا
~~يتهيأ لعفاريت الجن فضلا عن غيرهم.

# وتخصيص الخطاب بالعفريت لأنه الذي تصدى لدعوى القدرة على الإتيان به من
~~بينهم، وجعله لكل أحد كما في قوله تعالى:

# ذلك أدنى أن لا تعولوا

# [النساء: 3] غير ظاهر بالنسبة إلى ما ذكر. وآثر هذا القول الإمام وقال
~~إنه أقرب لوجوه. الأول: أن ms07820 الموصول موضوع في اللغة لشخص معين بمضمون
~~الصلة المعلومة عند المخاطب والشخص المعلوم بأن عنده علم الكتاب هو
~~سليمان وقد تقدم في هذ السورة ما يستأنس به لذلك فوجب إرادته وصرف اللفظ
~~إليه وآصف وإن شاركه في مضمون الصلة لكن هو فيه أتم لأنه نبي وهو أعلم
~~بالكتاب من أمته. الثاني: أن إحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة
~~عالية فلو حصلت لأحد من أمته دونه لاقتضى تفضيل ذلك عليه عليه السلام
~~وأنه غير جائز. الثالث: أنه لو افتقر في إحضاره إلى أحد من أمته لاقتضى
~~قصور حاله في أعين الناس.

# الرابع: أن ظاهر قوله عليه السلام فيما بعد { هذا من فضل ربى
~~} الخ يقتضي أن ذلك الخارق قد أظهره الله تعالى بدعائه عليه السلام اه.
~~وللمناقشة فيه مجال.

# واعترض على هذا القول بعضهم بأن الخطاب في { ءاتيك } يأباه فإن حق
~~الكلام عليه أن يقال: أنا آتي به قبل أن يرتد إلى الشخص طرفه مثلا، وقد
~~علمت دفعه. وبأن المناسب أن يقال فيما بعد - فلما أتى به - دون {
~~فلما رءاه } الخ. وأجيب عن هذا بأن قوله ذاك للإشارة إلى أنه لا
~~حول ولا قوة له فيه، ولعل الأظهر أن القائل أحد أتباعه. ولا يلزم من ذلك
~~أنه عليه السلام لم يكن قادرا على الإتيان به / كذلك فإن عادة الملوك
~~تكليف أتباعهم بمصالح لهم لا يعجزهم فعلها بأنفسهم فليكن ما نحن فيه
~~جاريا على هذه العادة، ولا يضر في ذلك كون الغرض مما يتم بالقول وهو
~~الدعاء ولا يحتاج إلى إعمال البدن وإتعابه كما لا يخفى.

# وفي «فصوص الحكم» كان ذلك على يد بعض أصحاب سليمان عليه السلام ليكون
~~أعظم لسليمان في نفوس الحاضرين، وقال القيصري: كان سليمان قطب وقته
~~ومتصرفا وخليفة على العالم وكان آصف وزيره وكان كاملا وخوارق العادات
~~قلما تصدر من الأقطاب والخلفاء بل من وراثهم وخلفائهم لقيامهم بالعبودية
~~التامة واتصافهم بالفقر الكلي فلا يتصرفون لأنفسهم في شيء، ومن منن الله
~~تعالى عليهم أن يرزقهم صحبة العلماء الأمناء ms07821 يحملون منهم أثقالهم وينفذون
~~أحكامهم وأقوالهم اه، وما في «الفصوص» أقرب لمشرب أمثالنا على أن ما ذكر
~~لا يخلو عن بحث على مشرب القوم أيضا. وفي «مجمع البيان» روى العياشي
~~بإسناده قال: التقى موسى بن محمد بن علي بن موسى ويحيى بن أكثم فسأله عن
~~مسائل منها: هل كان سليمان محتاجا إلى علم آصف؟ فلم يجب حتى سأل أخاه
~~علي بن محمد فقال: اكتب له لم يعجز سليمان عن معرفة ما عرف آصف لكنه عليه
~~السلام أحب أن يعرف أمته من الجن والإنس أنه الحجة من بعده، وذلك من علم
~~سليمان أودعه آصف بأمر الله ففهمه الله تعالى ذلك لئلا يختلف في إمامته
~~كما فهم سليمان في حياة داود لتعرف إمامته من بعده لتأكيد الحجة على
~~الخلق اه وهو كما ترى.

# والمراد بالكتاب الجنس المنتظم لجميع الكتب المنزلة؛ وقيل: اللوح
~~المحفوظ، وكون المراد به ذلك على جميع الأقوال السابقة في الموصول بعيد
~~جدا، وقيل: المراد به الذي أرسل إلى بلقيس، و(من) ابتدائية وتنكير {
~~علم } للتفخيم والرمز إلى أنه علم غير معهود، قيل: كان ذلك العلم باسم
~~الله تعالى الأعظم الذي إذا سئل به أجاب، وقد دعا ذلك العالم به فحصل
~~غرضه، وهو يا حي يا قيوم، وقيل يا ذا الحلال والإكرام، وقيل الله الرحمن
~~وقيل: هو بالعبرانية آهيا شراهيا.

# وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الزهري أنه دعا بقوله: يا إلهنا وإله
~~كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت ائتني بعرشها.

# والطرف تحريك الأجفان وفتحها للنظر إلى شيء ثم تجوز به عن النظر
~~وارتداده انقطاعه بانضمام الأجفان ولكونه أمرا طبيعيا غير منوط بالقصد
~~أوثر الارتداد على الرد، فالمعنى آتيك به قبل أن ينضم جفن عينك بعد فتحه،
~~وقيل: لا حاجة إلى اعتبار التجوز في الطرف إذ المراد قبل ارتداد تحريك
~~الأجفان بطبقها بعد فتحها وفيه نظر، والكلام جار على حقيقته وليس من باب
~~التمثيل للسرعة، فقد روي أن آصف قال لسليمان عليه السلام: مد عينيك حتى
~~ينتهي طرفك ms07822 فمد طرفه فنظر نحو اليمن فقبل أن يرتد إليه حضر العرش عنده.
~~وقيل: هو من باب التمثيل فيحتمل أن يكون قد أتى به في مدة طلوع درجة أو
~~درجتين أو نحو ذلك. وعن ابن جبير وقتادة أن الطرف بمعنى المطروف أي من
~~يقع إليه النظر، وأن المعنى قبل أن يصل إليك من يقع طرفك عليه في أبعد ما
~~ترى إذا نظرت أمامك وهو كما ترى.

# { فلما رءاه مستقرا عنده } أي فلما / رأى سليمان عليه
~~السلام العرش ساكنا عنده قارا على حاله التي كان عليها { قال }
~~تلقيا للنعمة بالشكر جريا على سنن إخوانه الأنبياء عليهم السلام وخلص
~~عباد الله عز وجل { هذا } أي الإتيان بالعرش أو حضوره بين يدي في هذه
~~المدة القصيرة، وقيل: أي التمكن من إحضاره بالواسطة أو بالذات { من
~~فضل ربى } أي تفضله جل شأنه علي من غير استحقاق ذاتي لي له ولا
~~عمل مني يوجبه عليه سبحانه وتعالى، وفي الكلام حذف أي فأتاه به فرآه فلما
~~رآه الخ وحذف ما حذف للدلالة على كمال ظهوره واستغنائه عن الإخبار به
~~وللإيذان بكمال سرعة الإتيان به كأنه لم يقع بين الوعد به ورؤيته عليه
~~السلام إياه شيء ما أصلا، وفي تقييد رؤيته باستقراره عنده تأكيد لهذا
~~المعنى لإيهامه أنه لم يتوسط بينهما ابتداء الإتيان أيضا كأنه لم يزل
~~موجودا عنده. فمستقرا منتصب على الحال و { عنده } متعلق به. وهو على
~~ما أشرنا إليه كون خاص ولذا ساغ ذكره. وظن بعضهم أنه كون عام فأشكل عليهم
~~ذكره مع قول جمهور النحاة: إن متعلق الظرف إذا كان كونا عاما وجب حذفه
~~فالتزم بعضهم لذلك كون الظرف متعلقا برآه لا به. ومنهم من ذهب كابن مالك
~~إلى أن حذف ذلك أغلبي وأنه قد يظهر كما في هذه الآية. وقوله:

# لك العز إن مولاك عز وإن يهن

# فأنت لدى بحبوحة الهون كائن

# وأنت تعلم أنه يمكن اعتبار ما في البيت كونا خاصا كالذي في الآية.

# وفي كيفية وصول العرش إليه عليه السلام حتى ms07823 رآه مستقرا عنده خلاف.
~~فأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس أنه قال لم يجر
~~عرش صاحبة سبأ بين السماء والأرض ولكن انشقت به الأرض فجرى تحت الأرض حتى
~~ظهر بين يدي سليمان وإلى هذا ذهب مجاهد وابن سابط وغيرهما. وقيل نزل بين
~~يدي سليمان عليه السلام من السماء وكان عليه السلام إذ ذاك في أرض الشام
~~على ما قيل رجع إليها من صنعاء وبينها وبين مأرب محل العرش نحو من مسافة
~~شهرين. وعلى القول بأنه كان في صنعاء فالمسافة بين محله ومحل العرش نحو
~~ثلاثة أيام. وأيا ما كان فقطعه المسافة الطويلة في الزمن القصير أمر
~~ممكن وقد أخبر بوقوعه الصادق فيجب قبوله. وقد اتفق البر والفاجر على وقوع
~~ما هو أعظم من ذلك وهو قطع الشمس في طرفة عين آلافا من الفراسخ مع أن
~~نسبة عرش بلقيس إلى جرمها نسبة الذرة إلى الجبل، وقال الشيخ الأكبر قدس
~~سره: إن آصف تصرف في عين العرش فأعدمه في موضعه وأوجده عند سليمان من حيث
~~لا يشعر أحد بذلك إلا من عرف الخلق الجديد الحاصل في كل آن وكان زمان
~~وجوده عين زمان عدمه وكل منهما في آن وكان عين قول آصف عين الفعل في
~~الزمان فإن القول من الكامل بمنزلة كن من الله تعالى. ومسألة حصول العرش
~~من أشكل المسائل إلا عند من عرف ما ذكرناه من الإيجاد والإعدام فما قطع
~~العرش مسافة ولا زويت له أرض ولا خرقها اه ملخصا. وله تتمة ستأتي إن
~~شاء الله تعالى. وما ذكره من أنه كان بالإعدام والإيجاد مما يجوز عندي
~~وإن لم أقل بتجدد الجواهر تجدد الأعراض عند الأشعري إلا أنه خلاف ظاهر
~~الآية. واستدل بها على ثبوت الكرامات. وأنت تعلم أن الاحتمال يسقط
~~الاستدلال.

# وعلل عليه السلام تفضله تعالى بذلك عليه بقوله: { ليبلونى } أي
~~ليعاملني معاملة المبتلى أي المختبر { ءأشكر } على ذلك بأن أراه محض
~~فضله تعالى من غير حول من جهتي / ولا قوة وأقوم بحقه { أم ms07824 أكفر }
~~بأن أجد لنفسي مدخلا في البين أو أقصر في إقامة مواجبه كما هو شأن سائر
~~النعم الفائضة على العباد، وأخرج ابن المنذر وابن جرير عن ابن جريج أن
~~المعنى ليبلوني أأشكر إذا أتيت بالعرش أم أكفر إذا رأيت من هو أدنى مني
~~في الدنيا أعلم مني، ونقل مثله في «البحر» عن ابن عباس والظاهر عدم صحته،
~~وأبعد منه عن الصحة ما أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال لما رآه
~~مستقرا عنده جزع وقال: رجل غيري أقدر على ما عند الله عز وجل مني، ولعل
~~الحق الجزم بكذب ذلك، وجملة { أأشكر } الخ في موضع نصب على أنها مفعول
~~ثان لفعل البلوى وهو معلق بالهمزة عنها إجراء له مجرى العلم وإن لم يكن
~~مرادفا له.

# وقيل: محله النصب على البدل من الياء.

# { ومن شكر فإنما يشكر لنفسه } أي لنفعها لأنه يربط
~~به القيد ويستجلب المزيد ويحط به عن ذمته عبء الواجب ويتخلص عن وصمة
~~الكفران { ومن كفر } أي لم يشكر { فإن ربى غنى } عن شكره
~~{ كريم } بترك تعجيل العقوبة والإنعام مع عدم الشكر أيضا، والظاهر أن
~~(من) شرطية والجملة المقرونة بالفاء جواب الشرط، وجوز أن يكون الجواب
~~محذوفا دل عليه ما قبله من قسيمه والمذكور قائم مقامه أي ومن كفر فعلى
~~نفسه أي فضرر كفرانه عليها. وتعقب بأنه لا يناسب قوله: { كريم } وجوز
~~أيضا أن تكون (من) موصولة ودخلت الفاء في الخبر لتضمنها معنى الشرط.

### || [27.41]

# { قال } أي سليمان عليه السلام كررت الحكاية مع كون المحكي سابقا
~~ولاحقا من كلامه عليه السلام تنبيها على ما بين السابق واللاحق من
~~المخالفة لما أن الأول من باب الشكر لله عز وجل والثاني أمر لخدمه {
~~نكروا لها عرشها } أي اجعلوه بحيث لا يعرف ولا يكون ذلك إلا
~~بتغييره عما كان عليه من الهيئة والشكل، ولعل المراد التغيير في الجملة.
~~روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك إنه كان بالزيادة فيه والنقص منه، وقيل:
~~بنزع ما عليه من الجواهر، وقيل: بجعل أسفله أعلاه ومقدمه ms07825 مؤخره، ولام {
~~لها } للبيان كما في

# هيت لك

# [يوسف: 23] فيدل على أنها المرادة خاصة بالتنكير { ننظر } بالجزم على
~~أنه جواب الأمر. وقرأ أبو حيوة بالرفع على الاستئناف { أتهتدى } إلى
~~معرفته أو إلى الجواب اللائق بالمقام. وقيل: إلى الإيمان بالله تعالى
~~ورسوله عليه السلام إذا رأت تقدم عرشها وقد خلفته مغلقة عليه الأبواب
~~موكلة عليه الحراس والحجاب وحكاه الطبرسي عن الجبائي، وفيه أنه لا يظهر
~~مدخلية التنكير في الإيمان { أم تكون } أي بالنسبة إلى علمنا { من
~~الذين لا يهتدون } أي إلى ما ذكر من معرفة عرشها أو الجواب
~~اللائق بالمقام فإن كونها في نفس الأمر منهم وإن كان أمرا مستمرا لكن
~~كونها منهم عند سليمان عليه السلام وقومه أمر حادث يظهر بالاختبار.

### || [27.42]

# { فلما جاءت } شروع في حكاية التجربة التي قصدها سليمان عليه
~~السلام أي فلما جاءت بلقيس سليمان وقد كان العرش منكرا بين يديه { قيل
~~} أي من جهة سليمان بالذات أو بالوساطة { أهكذا عرشك } أي أمثل
~~هذا العرش الذي ترينه عرشك الذي تركتيه ببلادك، ولم يقل: أهذا عرشك لئلا
~~يكون تلقينا لها فيفوت ما هو المقصود من الأمر بالتنكير من إبراز العرش
~~في معرض الإشكال والاشتباه حتى يتبين لديه عليه السلام حالها وقد ذكرت
~~عنده عليه السلام بسخافة العقل. / وفي بعض الآثار أن الجن خافوا من أن
~~يتزوجها فيرزق منها ولدا يحوز فطنة الإنس وخفة الجن حيث كانت لها نسبة
~~إليهم فيضبطهم ضبطا قويا فرموها عنده بالجنون وإن رجليها كحوافر
~~البهائم فلذا اختبرها بهذا وبما يكون سببا للكشف عن ساقيها، ومن لم يقل
~~بنسبتها إلى الجن: يقول لعلها رماها حاسد بذلك فأراد عليه السلام
~~اختبارها ليقف على حقيقة الحال، ومنهم من يقول: ليس ذاك إلا ليقابلها
~~بمثل ما فعلت هي حيث نكرت الغلمان والجواري وامتحنته عليه السلام بالدرة
~~العذراء والجزعة المعوجة الثقب وكون ذلك في عرشها الذي يبعد كل البعد
~~إحضاره مع بعد المسافة وشدة محافظتها له أتم وأقوى ويتضمن أيضا من إظهار
~~المعجزة ما لا يخفى، وهذا عندي ألصق ms07826 بالقلب من غيره.

# { قالت كأنه هو } أجابت بما أنبأ عن كمال رجاحة عقلها حيث لم
~~تجزم بأنه هو لاحتمال أن يكون مثله بل أتت بكأن الدالة كما قيل على غلبة
~~الظن في اتحاده معه مع الشك في خلافه وليست كأن هنا للدلالة على التشبيه
~~كما هو الغالب فيها. وذكر ابن المنير في «الانتصاف» ما يدل على أنها تفيد
~~قوة الشبه فقال: ((الحكمة في عدول بلقيس في الجواب عن هكذا هو المطابق
~~للسؤال إلي { كأنه هو } أن { كأنه هو } عبارة من قوي عنده
~~الشبه حتى شكك نفسه في التغاير بين الأمرين وكاد يقول هو هو وتلك حال
~~بلقيس، وأما هكذا هو فعبارة جازم بتغاير الأمرين حاكم بوقوع الشبه بينهما
~~لا غير فلا تطابق حالها فلذا عدلت عنها إلى ما في النظم الجليل)).

# { وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين } من تتمة
~~كلامها على ما اختاره جمع من المفسرين كأنها استشعرت بما شاهدته اختبار
~~عقلها وإظهار معجزة لها ولما كان الظاهر من السؤال هو الأول سارعت إلى
~~الجواب بما أنبأ عن كمال رجاحة عقلها، ولما كان إظهار المعجزة دون ذلك في
~~الظهور ذكرت ما يتعلق به آخرا وهو قولها: { وأوتينا } الخ وفيه
~~دلالة على كمال عقلها أيضا، ومعناه وأوتينا العلم بكمال قدرة الله تعالى
~~وصحة نبوتك من قبل هذه المعجزة أو من قبل هذه الحالة بما شاهدناه من أمر
~~الهدهد وما سمعناه من رسلنا إليك من الآيات الدالة على ذلك وكنا مؤمنين
~~من ذلك الوقت فلا حاجة إلى إظهار هذه المعجزة، ولك أن تجعله من تتمة ما
~~يتعلق بالاختبار وحاصله لا حاجة إلى الاختيار لأني آمنت قبل وهذا كاف في
~~الدلالة على كمال عقلي.

# وجوز أن يكون لبيان منشأ غلبة الظن بأنه عرشها والداعي إلى حسن الأدب في
~~محاورته عليه السلام أي وأوتينا العلم بإتيانك بالعرش من قبل الرؤية أو
~~من قبل هذه الحالة بالقرائن أو الإخبار وكنا من ذلك الوقت مؤمنين،
~~والتعبير بنون العظمة جار على سنن تعبيرات الملوك وفيه تعظيم لأمر ms07827
~~إسلامها وليس ذاك لإرادة نفسها ومن معها من قومها إذ يبعده قوله تعالى: {
~~وصدها ما كانت تعبد من دون الله... }.

### || [27.43]

# { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } وهو بيان من
~~جهته عز وجل لما كان يمنعها من إظهار ما ادعت من الإسلام إلى الآن أي
~~صدها عن إظهار ذلك يوم أوتيت العلم الذي يقتضيه عبادتها القديمة للشمس،
~~فما مصدرية والمصدر فاعل (صد)، وجوز كونها موصولة واقعة على الشمس وهي
~~فاعل أيضا والإسناد مجازي على الوجهين. وقوله تعالى: { إنها كانت
~~من قوم كفرين } تعليل لسببية عبادتها المذكورة للصد أي إنها
~~كانت من قوم راسخين في الكفر فلذلك لم تكن قادرة على إظهار إسلامها وهي
~~بين ظهرانيهم إلى أن حضرت بين يدي / سليمان عليه السلام. وقرأ سعيد بن
~~جبير وابن أبي عبلة { أنها } بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل أي
~~لأنها أو جعل المصدر بدلا من فاعل (صد) بدل اشتمال.

# وقيل: قوله تعالى:

# وأوتينا

# [النمل: 42] الخ من كلام قوم سليمان عليه السلام كأنهم لما سمعوها أجابت
~~السؤال بقولها:

# كأنه هو

# [النمل: 42] قالوا: قد أصابت في جوابها فطبقت المفصل وهي عاقلة لبيبة
~~وقد رزقت الإسلام وعلمت قدرة الله عز وجل وصحة النبوة بالآيات التي تقدمت
~~وبهذه الآية العجيبة من أمر عرشها وعطفوا على ذلك قولهم: وأوتينا العلم
~~بالله تعالى وبقدرته وبصحة ما جاء من عنده سبحانه قبل علمها ولم نزل على
~~دين الإسلام، وكان هذا منهم شكرا لله تعالى على فضلهم عليها وسبقهم إلى
~~العلم بالله تعالى والإسلام قبلها، ويومىء إلى هذا المطوي جعل علمهم
~~وإسلامهم قبلها، وقوله تعالى: { وصدها } الخ على هذا يحتمل أن يكون
~~من تتمة كلام القوم. ويحتمل أن يكون ابتداء إخبار من جهته عز وجل. وعن
~~مجاهد وزهير بن محمد أن

# وأوتينا

# [النمل: 42] من كلام سليمان عليه السلام وفي { وصدها } الخ عليه
~~أيضا احتمال، ولا يخفى ما في جعل { وأوتينا } الخ من كلام القوم أو
~~من سليمان عليه السلام من البعد والتكلف وليس في ذلك جهة حسن سوى ms07828 اتساق
~~الضمائر المؤنثة. وقيل: إن { وأوتينا } الخ من تتمة كلامها. وقوله
~~تعالى: { وصدها } الخ ابتداء إخبار من جهته تعالى لبيان حسن حالها
~~وسلامة إسلامها عن شوب الشرك بجعل فاعل (صدها) ضميره عز وجل أو ضمير
~~سليمان عليه السلام.

# و(ما) مصدرية أو موصولة قبلها حرف جر مقدر أي صدها الله تعالى أو سليمان
~~عن عبادتها من دون الله أو عن الذي تعبده من دونه تعالى. ونقل ذلك أبو
~~حيان عن الطبري وتعقبه بقوله: وهو ضعيف لا يجوز إلا في الشعر نحو قوله:

# تمرون الديار ولم تعوجوا

# وليس من مواضع حذف حرف الجر. وأنت تعلم أن المعنى مع هذا مما لا ينشرح
~~له الصدر، وأبعد بعضهم كل البعد فزعم أن قوله تعالى: { وصدها } الخ
~~متصل بقوله سبحانه:

# أتهتدى أم تكون من الذين لا يهتدون

# [النمل: 41] والواو فيه للحال وقد مضمرة. وفي «البحر» إنه قول مرغوب عنه
~~لطول الفصل بينهما ولأن التقديم والتأخير لا يذهب إليه إلا عند الضرورة.
~~ولعمري من أنصف رأى أن ما ذكر مما لا ينبغي أن يخرج عليه كلام الله تعالى
~~المجيد، وأنا أقول بعد القيل والقال: إن وجه ربط هذه الجمل مما يحتاج إلى
~~تدقيق النظر فليتأمل والله تعالى الموفق.

### || [27.44]

# { قيل لها ادخلى الصرح } استئناف بياني كأنه قيل فماذا قيل
~~لها بعد الامتحان المذكور؟ فقيل: { قيل لها ادخلى } الخ ولم يعطف
~~على قوله تعالى:

# أهكذا عرشك

# [النمل: 42] لئلا يفوت هذا المعنى. وجىء بلها هنا دون ما مر لمكان
~~أمرها، و { الصرح } القصر وكل بناء عال ومنه

# ابن لى صرحا

# [غافر: 36] وهو من التصريح وهو الإعلان البالغ. وقال مجاهد { الصرح
~~} هنا البركة. وقال ابن عيسى الصحن وصرحة الدار ساحتها. وروي أن سليمان
~~عليه السلام أمر الجن قبل قدومها فبنوا له على طريقها قصرا من زجاج أبيض
~~وأجرى من تحته الماء وألقى فيه من دواب البحر السمك وغيره. وفي رواية
~~أنهم بنوا له صرحا وجعلوا له طوابيق من قوارير كأنها الماء وجعلوا في
~~باطن الطوابيق كل ما يكون من ms07829 الدواب في البحر ثم أطبقوه - وهذا أوفق
~~بظاهر الآية - ووضع سريره في صدره فجلس عليه وعكفت عليه الطير والجن
~~والإنس وفعل ذلك امتحانا لها أيضا على ما قيل، وقيل: ليزيدها استعظاما
~~لأمره وتحقيقا لنبوته وثباتا على الدين، وقيل لأن الجن قالوا له عليه
~~السلام إنها شعراء / السابقين ورجلها كحافر الحمار فأراد الكشف عن حقيقة
~~الحال بذلك، وقال الشيخ الأكبر قدس سره ما حاصله إنه أراد أن ينبهها
~~بالفعل على أنها صدقت في قولها في العرش

# كأنه هو

# [النمل: 42] حيث إنه انعدم في سبأ ووجد مثله بين يديه فجعل لها صرحا في
~~غاية اللطف والصفاء كأنه ماء صاف وليس به، وهذا غاية الإنصاف منه عليه
~~السلام ولا أظن الأمر كما قال والله تعالى أعلم. واستدل بالآية على القول
~~بأن أمرها بدخول الصرح ليتوصل به إلى كشف حقيقة الحال على إباحة النظر
~~قبل الخطبة وفيه تفصيل مذكور في كتب الفقه.

# { فلما رأته } أي رأت صحته بناء على أن الصرح بمعنى القصر {
~~حسبته لجة } أي ظنته ماء كثيرا { وكشفت عن ساقيها }
~~لئلا تبتل أذيالها كما هو عادة من يريد الخوض في الماء، وقرأ ابن كثير
~~برواية قنبل { سأقيها } بهمز ألف سأق حملا له على جمعه سؤق وأسؤق فإنه
~~يطرد في الواو المضمومة هي أو ما قبلها قلبها همزة فأنجر ذلك بالتبعية
~~إلى المفرد الذي في ضمنه.

# وفي «البحر» حكى أبو علي أن أباحية النميري كان يهمز كل واو قبلها ضمة
~~وأنشد:

# أحب المؤقدين إلى مؤسى

# وفي «الكشف» الظاهر أن الهمز لغة في ساق ويشهد له هذه القراءة الثابتة
~~في السبعة. وتعقب بأنه يأباه الاشتقاق. وأيا ما كان فقول من قال: إن هذه
~~القراءة لا تصح لا يصح { قال } أي سليمان عليه السلام حين رأى ما
~~اعتراها من الدهشة والرعب، وقيل: القائل هو الذي أمرها بدخول الصرح وهو
~~خلاف الظاهر { إنه } أي ما حسبته لجة { صرح ممرد } أي مملس
~~ومنه الأمرد للشاب الذي لا شعر في وجهه وشجرة مرداء لا ورق عليها ورملة
~~مرداء ms07830 لا تنبت شيئا والمارد المتعري من الخير { من قوارير } من
~~الزجاج وهو جمع قارورة.

# { قالت } حين عاينت هذا الأمر العظيم { رب إنى ظلمت نفسى
~~} أي بما كنت عليه من عبادة الشمس، وقيل: بظني السوء بسليمان عليه السلام
~~حيث ظنت أنه يريد إغراقها في اللجة وهو بعيد. ومثله ما قيل أرادت ظلمت
~~نفسي بامتحاني سليمان حتى امتحنني لذلك بما أوجب كشف ساقي بمرأى منه {
~~وأسلمت مع سليمن } تابعة له مقيدة به، وما في قوله تعالى:
~~{ لله رب العلمين } من الالتفات إلى الاسم الجليل لإظهار
~~معرفتها بألوهيته تعالى وتفرده باستحقاق العبادة وربوبيته لجميع
~~الموجودات التي من جملتها ما كانت تعبده قبل ذلك من الشمس، وكأن هذا
~~القول تجديد لإسلامها على أتم وجه وقد أخرجته مخرجا لا أنانية فيه ولا
~~كبر أصلا كما لا يخفى.

# واختلف في أمرها بعد الإسلام فقيل إنه عليه السلام تزوجها وأحبها وأقرها
~~على ملكها وأمر الجن فبنوا لها سيلحين وغمدان وكان يزورها في الشهر مرة
~~فيقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له. وأخرج ابن عساكر عن سلمة بن عبد الله
~~بن ربعي أنه عليه السلام أمهرها بعلبك، وذكر غير واحد أنها حين كشفت عن
~~ساقيها أبصر عليهما شعرا كثيرا فكره أن يتزوجها كذلك فدعا الأنس فقال:
~~ما يذهب بهذا؟ فقالوا: يا رسول الله المواسي فقال: المواسي تقطع ساقي
~~المرأة، وفي رواية أنه قيل لها ذلك فقالت لم يمسسني الحديد قط فكره
~~سليمان المواسي وقال: إنها تقطع ساقيها ثم دعا الجن فقالوا مثل ذلك ثم
~~دعا الشياطين فوضعوا له النورة، قال ابن عباس وكان ذلك اليوم أول يوم
~~رؤيت فيه النورة، وعن عكرمة أن أول من / وضع النورة شياطين الإنس وضعوها
~~لبلقيس وهو خلاف المشهور، ويروى أن الحمام وضع يومئذ. وفي «تاريخ
~~البخاري»

# " عن أبي موسى الأشعري قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من
~~صنعت له الحمامات سليمان» "

# وأخرج الطبراني وابن عدي في «الكامل» والبيهقي في «شعب الإيمان» عنه
~~أيضا قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ms07831

# " أول من دخل الحمام سليمان فلما وجد حره قال أوه من عذاب الله تعالى "

# وروي عن وهب أنه قال: زعموا أن بلقيس لما أسلمت قال لها سليمان: اختاري
~~رجلا من قومك أزوجكه فقالت: أمثلي يا نبي الله تنكح الرجال وقد كان في
~~قومي من الملك والسلطان ما كان؟ قال: نعم إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك
~~وما ينبغي لك أن تحرمي ما أحل الله تعالى لك فقالت: زوجني إن كان لا بد
~~من ذلك ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه ثم ردها إلى اليمن وسلط زوجها ذا
~~تبع على اليمن ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال اعمل لذي تبع ما استعملك
~~فيه فلم يزل بها ملكا يعمل له فيها حتى مات سليمان فلما أن حال الحول
~~وتبين الجن موته عليه السلام أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في
~~جوف اليمن صرخ بأعلى صوته با معشر الجن إن الملك سليمان قد مات فارفعوا
~~أيديكم فرفعوا أيديهم وتفرقوا وانقضى ملك ذي تبع وملك بلقيس مع ملك
~~سليمان عليه السلام.

# وقال عون بن عبد الله: سأل رجل عبد الله بن عتبة هل تزوج سليمان بلقيس
~~فقال انتهى أمرها إلى قولها: { أسلمت مع سليمن لله
~~رب العلمين } قيل: يعني لا علم لنا وراء ذلك.

# والمشهور أنه عليه السلام تزوجها وإليه ذهب جماعة من أهل الأخبار. وأخرج
~~البيهقي في «الزهد» عن الأوزاعي قال: كسر برج من أبراج تدمر فأصابوا فيه
~~امرأة حسناء دعجاء مدمجة كأن أعطافها طي الطوامير عليها عمامة طولها
~~ثمانون ذراعا مكتوب على طرف العمامة بالذهب (بسم الله الرحمن الرحيم أنا
~~بلقيس ملكة سبأ زوجة سليمان بن داود عليهما السلام ملكت من الدنيا كافرة
~~ومؤمنة ما لم يملكه أحد قبلي ولا يملكه أحد بعدي صار مصيري إلى الموت
~~فاقصروا يا طالبي الدنيا) والله تعالى أعلم بصحة الخبر، وكم في هذه
~~القصة من أخبار الله تعالى أعلم بالصحيح منها، والقصة في نفسها عجيبة وقد
~~اشتملت على أشياء خارقة للعادة بل يكاد ms07832 العقل يحيلها في أول وهلة، ومما
~~يستغرب ولله تعالى فيه سر خفي خفاء أمر بلقيس على سليمان عدة سنين كما
~~قاله غير واحد مع أن المسافة بينه وبينها لم تكن في غاية البعد وقد سخر
~~الله تعالى له من الجن والشياطين والطير والريح ما سخر وهذا أغرب من خفاء
~~أمر يوسف على يعقوب عليهما السلام بمراتب، وسبحان من لا يعزب عن علمه
~~مثقال ذرة في السماوات وفي الأرض، وهذا وللصوفية في تطبيق ما في هذه هذه
~~القصة على ما في الأنفس كلام طويل، ولعل الأمر سهل على من له أدنى ذوق
~~بعد الوقوف على بعض ما مر من تطبيقاتهم ما في بعض القصص على ذلك والله
~~تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

### || [27.45]

# { ولقد أرسلنا } عطف على قوله تعالى:

# ولقد ءاتينا داوود وسليمن علما

# [النمل: 15] مسوق لما سيق هو له، واللام واقعة في جواب قسم محذوف أي
~~وبالله لقد أرسلنا { إلى ثمود أخاهم صلحا } وإنما أقسم
~~على ذلك اعتناء بشأن الحكم، و { صلحا } بدل من { أخهم } أو
~~عطف بياني، وأن في قوله تعالى: { أن اعبدوا الله } مفسرة لما في
~~الإرسال من معنى القول دون حروفه. وجوز كونها مصدرية حذف منها حرف الجر
~~أي بأن، وقيل لأن ووصلها بالأمر جائز لا ضير فيه كما مر. / وقرىء بضم
~~النون اتباعا لها للباء { فإذا هم فريقان يختصمون } أي
~~فاجآ ارسالنا تفرقهم واختصامهم فآمن فريق وكفر فريق وكان ما حكى الله
~~تعالى في محل آخر بقوله سبحانه:

# قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين
~~استضعفوا لمن ءامن منهم

# [الأعراف: 75] الآية. فإذا فجائية والعامل فيها مقدر لا { يختصمون
~~} خلافا لأبي البقاء لأنه صفة «فريقان» كما قال ومعمول الصفة لا يتقدم
~~على الموصوف، وقيل: هذا حيث لا يكون المعمول ظرفا، وضمير «يختصمون»
~~لمجموع الفريقين ولم يقل يختصمان للفاصلة، ويوهم كلام بعضهم أن الجملة
~~خبر ثان وهو كما ترى، و «هم» راجع إلى ثمود لأنه اسم للقبيلة، وقيل: إلى
~~هؤلاء المذكورين ليشمل صالحا عليه السلام والفريقان حينئذ أحدهما ms07833 صالح
~~وحده وثانيهما قومه. والحامل على هذا كما ذكره ابن عادل العطف بالفاء
~~فإنها تؤذن أنهم عقيب الإرسال بلا مهلة صاروا فريقين ولا يصير قومه عليه
~~السلام فريقين إلا بعد زمان. وفيه أنه يأباه قوله تعالى:

# اطيرنا بك وبمن معك

# [النمل: 47] وتعقيب كل شيء بحسبه على أنه يجوز كون الفاء لمجرد الترتيب.
~~ولعل فريق الكفرة أكثر ولذا ناداهم بقوله يا قوم كما حكى عنه في قوله
~~تعالى: { قال يقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل
~~الحسنة... }.

### || [27.46]

# { قال يقوم } لجعله في حكم الكل أي قال عليه السلام للفريق
~~الكافر منهم بعد ما شاهد منهم ما شاهد من نهاية العتو والعناد حتى بلغوا
~~من المكابرة إلى أن قالوا له عليه السلام

# ياصالح ائتنا بما تعدنآ إن كنت من المرسلين

# [الأعراف: 77] متلطفا بهم يا قوم { لم تستعجلون بالسيئة
~~} أي بالعقوبة التي تسوءكم { قبل الحسنة } أي التوبة فتؤخرونها
~~إلى حين نزولها حيث كانوا من جهلهم وغوايتهم يقولون إن وقع إيعاده تبنا
~~حينئذ وإلا فنحن على ما نحن عليه { لولا تستغفرون الله } أي
~~هلا تستغفرونه تعالى قبل نزولها { لعلكم ترحمون } بقبولها إذ
~~سنة الله تعالى عدم القبول عند النزول. وقد خاطبهم عليه السلام على حسب
~~تخمينهم وجهلهم في ذلك بأن ما خمنوه من التوبة إذ ذاك فاسدة وأن
~~استعجالهم ذلك خارج من المعقول. والتقابل بين السيئة والحسنة بالمعنى
~~الذي سمعت حاصل من كون أحدهما حسنا والآخر سيئا، وقيل: المراد بالسيئة
~~تكذيبهم إياه عليه السلام وكفرهم به وبالحسنة تصديقهم وإيمانهم، والمراد
~~من قوله: { لم تستعجلون } الخ لومهم على المسارعة إلى تكذيبهم
~~إياه وكفرهم به وحضهم على التوبة من ذلك بترك التكذيب والإيمان. وحاصله
~~لومهم على إيقاع التكذيب عند الدعوة دون التصديق وحضهم على تلافي ذلك.
~~وإيهام الكلام انتفاء اللوم على إيقاع التكذيب بعد التصديق مما لا يكاد
~~يلتفت إليه. ولا يخفى بعد طي الكشح عن المناقشة فيما ذكر أن المناسب لما
~~حكى الله تعالى عن القوم في سورة الأعراف ولما جاء في الآثار هو المعنى
~~الأول. ومن ms07834 هنا ضعف ما روي عن مجاهد من تفسير الحسنة برحمة الله تعالى
~~لتقابل السيئة المفسرة بعقوبته عز وجل ويكون المراد من استعجالهم
~~بالعقوبة قبل الرحمة طلبهم إياها دون الرحمة فتأمل.

### || [27.47]

# { قالوا اطيرنا } أصله تطيرنا، وقرىء به فأدغمت التاء في الطاء
~~وزيدت همزة الوصل ليتأتى الابتداء، والتطير التشاؤم عبر عنه بذلك لما
~~أنهم كانوا إذا خرجوا مسافرين فيمرون بطائر يزجرونه فإن مر سانحا بأن مر
~~من ميامن الشخص إلى مياسره تيمنوا وإن مر بارحا بأن مر من المياسر إلى
~~الميامن تشاءموا لأنه لا يمكن للمار به كذلك أن يرميه حتى ينحرف فلما
~~نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان سببا لهما من قدر الله
~~تعالى وقسمته عز وجل أو من عمل العبد الذي هو سبب الرحمة والنعمة أي
~~تشاءمنا { بك وبمن معك } في دينك حيث تتابعت علينا الشدائد 
~~وقد كانوا قحطوا  أولم نزل في اختلاف وافتراق مذ اخترعتم دينكم،
~~وتشاؤمهم يحتمل أن يكون من المجموع وأن يكون من كل من المتعاطفين.

# / { قال طائركم } أي سببكم الذي منه ينالكم ما ينالكم من الشر {
~~عند الله } وهو قدره سبحانه أو عملكم المكتوب عنده عز وجل { بل
~~أنتم قوم تفتنون } اضراب من بيان طائرهم الذي هو مبدأ ما يحيق
~~بهم إلى ذكر ما هو الداعي إليه أي بل أنتم قوم تختبرون بتعاقب السراء
~~والضراء أو تعذبون أو يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم الطيرة، وجاء {
~~تفتنون } بتاء الخطاب على مراعاة { أنتم } وهو الكثير في لسان
~~العرب، ويجوز في مثل هذا التركيب يفتنون بياء الغيبة على مراعاة لفظ {
~~قوم } وهو قليل في لسانهم.

### || [27.48]

# { وكان فى المدينة } أي مدينة ثمود وقريتهم وهي الحجر {
~~تسعة رهط } هو اسم جمع يطلق على العصابة دون العشرة كما قال
~~الراغب؛ وفي «الكشاف» هو من الثلاثة أو من السبعة إلى العشرة، وقيل: بل
~~يقال إلى الأربعين وليس بمقبول، وأصله على ما نقل عن الكرماني من الترهيط
~~وهو تعظيم اللقم وشدة الأكل، وقد أضيف العدد إليه. وقد اختلف في جواز
~~إضافته ms07835 إلى اسم اجلمع فذهب الأخفش إلى أنه لا ينقاس وما ورد من الإضافة
~~إليه فهو على سبيل الندور، وقد صرح سيبويه أنه لا يقال ثلاث غنم. وذهب
~~قوم إلى أنه يجوز ذلك وينقاس وهو مع ذلك قليل، وفصل قوم بين أن يكون اسم
~~الجميع للقليل كرهط ونفر وذود فيجوز أن يضاف إليه إجراء له مجرى جمع
~~القلة أو للكثير أو يستعمل لهما فلا يجوز إضافته إليه بل إذا أريد تمييزه
~~به جيء به مقرونا بمن كخمسة من القوم، وقال تعالى:

# فخذ أربعة من الطير

# [البقرة: 260] وهو قول المازني. واختار غير واحد أن إضافة تسعة إلى رهط
~~ههنا باعتبار أن رهطا لكونه اسم جمع للقليل في حكم أشخاص ونحوه من جموع
~~القلة وهي يضاف إليها العدد كتسعة أشخاص وتسع أنفس وهذا معنى قولهم: إن
~~وقوع رهط تمييزا لتسعة باعتبار المعنى فكأنه قيل تسعة أشخاص، وقيل أي
~~تسعة أنفس. وتأنيث العدد لأن المذكور في النظم الكريم { رهط } وهو
~~مذكر فليس ذاك من غير الفصيح كقوله ثلاثة أنفس وثلاث ذود، نعم تقدير ما
~~تقدم أسلم من المناقشة، وأما ما قيل أي تسعة رجال ففيه الغفلة عما أشرنا
~~إليه، ثم إنه ليس المراد أن الرهط بمعنى الشخص أو بمعنى النفس بل إن
~~التسعة من الأشخاص أو من الأنفس هي الرهط فليس المعدود بالتسعة ما دل
~~عليه الرهط من الجماعة ليكون هناك تسع جماعات لا تسعة أفراد. وقال الإمام
~~الأقرب أن يكون المراد تسعة جمع إذ الظاهر من الرهط الجماعة، ثم يحتمل
~~أنهم كانوا قبائل، ويحتمل أنهم دخلوا تحت العدد لاختلاف صفاتهم وأحوالهم
~~لا لاختلاف النسب اه، وقيل: كان هؤلاء التسعة رؤساء مع كل واحد منهم
~~رهط، ولذا قيل تسعة رهط وأسماؤهم عن وهب: الهذيل بن عبد رب وغنم بن غنم
~~ودباب بن مهرج وعمير بن كردبة وعاصم بن مخرمة وسبيط بن صدقة وسمعان بن
~~صفى وقدار بن سالف وهم الذين سعوا في عقر الناقة وكانوا عتادة قوم صالح
~~ومن أبناء أشرافهم، وأخرج ابن أبي ms07836 حاتم عن ابن عباس أن أسماءهم دعمى
~~ودعيم وهرمى وهريم ودواب وصواب ودياب ومسطح وقدار وهو الذي عقر الناقة.

# { يفسدون فى الأرض } لا في المدنية فقط إفسادا بحتا لا
~~يخالطه شيء من الصلاح كما ينطق به قوله تعالى: { ولا يصلحون } أي
~~لا يفعلون شيئا من الإصلاح أو لا يصلحون شيئا من الأشياء، والمراد أن
~~عادتهم المستمرة ذلك الإفساد كما يؤذن به المضارع، والجملة في موضع الصفة
~~لرهط أو لتسعة.

### || [27.49]

# { قالوا } استئناف بيان بعض ما فعلوا من الفساد أي قال بعضهم لبعض في
~~أثناء المشاورة في أمر صالح / عليه السلام. وكان ذلك على ما روي عن ابن
~~عباس بعد أن عقروا الناقة أنذرهم بالعذاب، وقوله:

# تمتعوا فى داركم ثلثة أيام

# [هود: 65] الخ { تقاسموا بالله } أمر من التقاسم أي التحالف
~~وقع مقول القول وهو قول الجمهور. وجوز أن يكون فعلا ماضيا بدلا من {
~~قالوا } أو حالا من فاعله بتقدير قد أو بدونها أي قالوا متقاسمين
~~ومقول القول { لنبيتنه وأهله } الخ، وجوز أبو حيان على هذا
~~أن يكون (بالله) من جملة المقول. والبيات مباغتة العدو ومفاجأته بالإيقاع
~~به ليلا وهو غافل. وأرادوا قتله عليه السلام وأهله ليلا وهم غافلون.
~~وعن الاسكندر أنه أشير عليه بالبيات فقال: ليس من آيين الملوك استراق
~~الظفر.

# وقرأ ابن أبي ليلى { تقسموا } بغير ألف وتشديد السين، والمعنى كما
~~في قراءة الجمهور وقرأ الحسن وحمزة والكسائي { لتبيتنه } بالتاء على خطاب
~~بعضهم لبعض. وقرأ مجاهد وابن وثاب وطلحة والأعمش { ليبيتنه } بياء
~~الغيبة. و { تقاسموا } على هذه القراءة لا يصح إلا أن يكون خبرا
~~بخلافه عن القراءتين الأوليين فإنه يصح أن يكون خبرا كما يصح أن يكون
~~أمرا. وذلك لأن الأمر خطاب والمقسم عليه بعده لو نظر إلى الخطاب وجب تاء
~~الخطاب ولو نظر إلى صيغة قولهم عند الحلف وجب النون فأما ياء الغائب فلا
~~وجه له. وإما إذا جعل خبرا فهو على الغائب كما تقول حلف ليفعلن.

# { ثم لنقولن لوليه } أي لولي صالح. والمراد به طالب ثأره
~~من ذوي ms07837 قرابته إذا قتل. وقرأ { لتقولن } بالتاء من قرأ { لتبيتنه } كذلك.
~~وقرأ { ليقولن } بياء الغيبة من قرأ بها فيما تقدم. وقرأ حميد بن
~~قيس الأول بياء الغيبة وهذا بالنون. قيل: والمعنى على ذلك قالوا متقاسمين
~~بالله ليبيتنه قوم منا ثم لنقولن جميعنا لوليه { ما شهدنا مهلك
~~أهله } أي ما حضرنا هلاكهم على أن { مهلك } مصدر كمرجع أو مكان
~~هلاكهم على أنه للمكان أو زمان هلاكهم على أنه للزمان. والمراد نفي شهود
~~الهلاك الواقع فيه. واختاروا نفي شهود مهلك أهله على نفي قتلهم إياهم
~~قصدا للمبالغة كأنهم قالوا ما شهدنا ذلك فضلا عن أن نتولى إهلاكهم.
~~ويعلم من ذلك نفي قتلهم صالحا عليه السلام أيضا لأن من لم يقتل أتباعه
~~كيف يقتله، وقيل في الكلام حذف أي ما شهدنا مهلك أهله ومهلكه، واستظهره
~~أبو حيان ثم قال وحذف مثل هذا المعطوف جائز في الفصيح كقوله تعالى:

# سرابيل تقيكم الحر

# [النحل: 81] أي والبرد وقال الشاعر:

# فما كان بين الخير لو جاء سالما

# أبو حجر الا ليال قلائل

# أي بين الخير وبيني اه وفيه ما لا يخفى. وقيل: الضمير في { أهله }
~~يعود على الولي. والمراد بأهل الولي صالح وأهله. واعترض بأنه لو أريد أهل
~~الولي لقيل أهلك أو أهله. ومنع بأن ذلك غير لازم فقد قرىء

# قل للذين كفروا ستغلبون

# [آل عمران: 12] بالخطاب والغيبة ووجه ذلك ظاهر. نعم رجوع الضمير إلى
~~الولي خلاف الظاهر كما لا يخفى. وقرأ الجمهور { مهلك } بضم الميم وفتح
~~اللام من أهلك وفيه الاحتمالات الثلاث. وقرأ أبو بكر { مهلك } بفتحهما
~~على أنه مصدر.

# { وإنا لصدقون } عطف على { ما شهدنا } كما ذهب إليه
~~الزجاج. والمعنى ونحلف وإنا لصادقون. وجوز أن تكون الواو للحال أي والحال
~~إنا لصادقون فيما ذكرنا واستشكل ادعاؤهم الصدق في ذلك وهم عقلاء ينفرون
~~عن الكذب ما أمكن. وأجيب بأن حضور الأمر غير مباشرته في العرف لأنه لا
~~يقال لمن قتل رجلا أنه حضر قتله وإن كان الحضور لازما للمباشرة فحلفوا
~~على المعنى العرفي على العادة في الإيمان ms07838 وأوهموا الخصم / أنهم أرادوا
~~معناه اللغوي فهم صادقون غير حانثين، وكونهم من أهل التعارف أيضا لا يضر
~~بل يفيد فائدة تامة، وقال الزمخشري كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحا
~~وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين، ثم قالوا ما شهدنا مهلك أهله فذكروا
~~أحدهما كانوا صادقين لأنهم فعلوا البياتين جميعا لا أحدهما. وتعقب بأن
~~من فعل أمرين وجحد أحدهما لم يكن في كذبه شبهة وإنما تتم الحيلة لو فعلوا
~~أمرا واحدا وادعى عليهم فعل أمرين فجحدوا المجموع ولذا لم يختلف
~~العلماء في أن من حلف لا أضرب زيدا فضرب زيدا وعمرا كان حانثا بخلاف
~~من حلف لا أضرب زيدا وعمرا ولا آكل رغيفين فأكل أحدهما فإنه محل خلاف
~~للعلماء في الحنث وعدمه، والحق أن تبرئتهم من الكذب فيما ذكر غير لازمة
~~حتى يتكلف لها وهم الذين كذبوا على الله تعالى ورسوله عليه السلام
~~وارتكبوا ما هو أقبح من الكذب فيما ذكر، ومقصود الزمخشري تأييد ما يزعمه
~~هو وقومه من قاعدة التحسين والتقبيح بالعقل بموافقة قوم صالح عليها ولا
~~يكاد يتم له ذلك.

### || [27.50]

# { ومكروا مكرا } بهذه المواضعة { ومكرنا مكرا وهم
~~يشعرون } أي أهلكناهم إهلاكا غير معهود أو جازينا مكرهم من حيث لا
~~يحتسبون.

### || [27.51]

# { فانظر كيف كان عقبة مكرهم } شروع في بيان ما ترتب
~~على ما باشروه من المكر، والظاهر أن { كيف } خبر مقدم لكان و {
~~عقبة } الاسم أي كان عاقبة مكرهم واقعة على وجه عجيب يعتبر به،
~~والجملة في محل نصب على أنها مفعول انظر وهي معلقة لمكان الاستفهام،
~~والمراد تفكر في ذلك. وقوله تعالى: { أنا دمرنهم } في تأويل
~~مصدر وقع بدلا من { عقبة مكرهم } أو خبر مبتدأ محذوف هو ضمير
~~العاقبة، والجلمة مبينة لما في عاقبة مكرهم من الإبهام أي هو أو هي
~~تدميرنا وإهلاكنا إياهم { وقومهم } الذين لم يكونوا منهم في مباشرة
~~التبييت { أجمعين } بحيث لم يشذ منهم شاذ أو هو على تقدير الجار أي
~~لتدميرنا إياهم أو بتدميرنا إياهم ويكون ذلك تعليلا لما ينبىء عنه الأمر
~~بالنظر في ms07839 كيفية عاقبة أمرهم من الهول والفظاعة. وجوز بعضهم كونه بدلا
~~من { كيف } ، وقال آخرون: لا يجوز ذلك لأن البدل عن الاستفهام يلزم
~~فيه إعادة حرفه كقولك كيف زيد أصحيح أم مريض؟ وجوز أن يكون هو الخبر لكان
~~وتكون { كيف } حينئذ حالا والعامل فيها (كان) أو ما يدل عليه الكلام
~~من معنى الفعل، ويجوز أن تكون (كان) تامة و { كيف } عليه حال لا غير
~~والاحتمالات الجائزة في { أنا دمرنهم } لا تخفى.

# وقرأ الأكثر { إنا } بكسر الهمزة فكيف خبر { كان } و { عقبة }
~~اسمها جملة { أنا دمرنهم } استئناف لتفسير العاقبة، وجوز أن
~~تكون خبر مبتدأ محذوف. قال الخفاجي: الظاهر أنه الشأن أو ضميره لا شيء
~~آخر مما يحتاج للعائد ليعترض عليه بعدم العائد. ولا يرد عليه أن ضمير
~~الشأن المرفوع منع كثير من النحويين حذفه فإنه غير مسلم، ويجوز أن تكون {
~~كان } تامة و { كيف } حال كما تقدم ولم يجوز الجمهور كونها ناقصة
~~والخبر جملة { إنا دمرنهم } لعدم الرابط، وقيل: يجوز ويكفي
~~للربط وجود ما يرجع إلى متعلق المبتدأ إذ رجوعه إليه نفسه غير لازم وهو
~~تكلف وإنما يتمشى على مذهب الأخفش القائل إذا قام بعض الجملة مقام مضاف
~~إلى العائد اكتفى به وغيره من النحاة يأباه، وجوز أبو حيان على كلتا
~~القراءتين أن تكون «كان» زائدة و { عقبة } مبتدأ و { كيف } خبر
~~مقدم له. / وقرأ أبي «أن دمرناهم» بأن التي من شأنها أن تنصب المضارع
~~ويجري في المصدر الاحتمالات السابقة فيه على قراءة { أنا } بفتح
~~الهمزة.

# هذا وفي كيفية التدمير خلاف. فروي أنه كان لصالح عليه السلام مسجد في
~~الحجر في شعب يصلي فيه فقالوا زعم صالح أنه يفرغ منا بعد ثلاث فنحن نفرغ
~~منه ومن أهله قبل الثلاث فخرجوا إلى الشعب وقالوا إذا جاء يصلي قتلناه ثم
~~رجعنا إلى أهله فقتلناهم فبعث الله تعالى صخرة من الهضب حيالهم فبادروا
~~فطبقت عليهم فم الشعل فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم وعذب
~~الله تعالى كلا منهم في مكانه ونجى ms07840 صالحا ومن معه، وقيل: جاؤوا بالليل
~~شاهري سيوفهم، وقد أرسل الله تعالى ملائكة ملء دار صالح عليه السلام
~~فرموهم بالحجارة يرونها ولا يرون راميا وهلك سائر القوم بالصيحة وقيل:
~~إنهم عزموا على تبييته عليه السلام وأهله فأخبر الله تعالى بذلك صالحا
~~فخرج عنهم ثم أهلكهم بالصيحة وكان ذلك يوم الأحد.

### || [27.52]

# { فتلك بيوتهم } جملة مقررة لما قبلها. وقوله تعالى: {
~~خاوية } أي خالية أو ساقطة متهدمة أعاليها على أسافلها كما روي عن
~~ابن عباس { بما ظلموا } أي بسبب ظلمهم المذكور حال من «بيوتهم»
~~والعامل فيها معنى الإشارة. وقرأ عيسى بن عمر { خاوية } بالرفع على
~~أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي خاوية أو خبر بعد خبر لتلك أو خبر لها و {
~~بيوتهم } بدل وبيوتهم هذه هي التي قال فيها صلى الله عليه وسلم
~~لأصحابه عام تبوك

# " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين "

# الحديث. وهي بوادي القرى بين المدينة والشام.

# { إن فى ذلك } أي فيما ذكر من التدمير العجيب بظلمهم { لآية }
~~لعبرة عظيمة { لقوم يعلمون } أي ما من شأنه أن يعلم من الأشياء
~~أو لقوم يتصفون بالعلم، وقيل: لقوم يعلمون هذه القصة وليس بشيء، وفي هذه
~~الآية على ما قيل دلالة على [أن] الظلم يكون سببا لخراب الدور. وروي عن
~~ابن عباس أنه قال أجد في كتاب الله تعالى أن الظلم يخرب البيوت وتلا هذه
~~الآية، وفي التوراة ابن آدم لا تظلم يخرب بيتك، قيل وهو إشارة إلى هلاك
~~الظالم إذ خراب بيته متعقب هلاكه، ولا يخفى أن كون الظلم بمعنى الجور
~~والتعدي على عباد الله تعالى سببا لخراب البيوت مما شوهد كثيرا في هذه
~~الأعصار، وكونه بمعنى الكفر كذلك ليس كذلك. نعم لا يبعد أن يكون على
~~الكفرة يوم تخرب فيه بيوتهم إن شاء الله تعالى.

### || [27.53]

# { وأنجينا الذين ءامنوا } صالحا ومن معه من المؤمنين {
~~وكانوا يتقون } من الكفر والمعاصي اتقاء مستمرا فلذا خصوا
~~بالنجاة. روي أن الذين آمنوا به عليه السلام كانوا أربعة آلاف خرج بهم
~~صالح إلى ms07841 حضرموت وحين دخلها مات ولذلك سميت بهذا الاسم وبنى المؤمنون بها
~~مدينة يقال لها حاضورا، وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر.

### || [27.54]

# { ولوطا } منصوب بمضمر معطوف على

# أرسلنا

# [النمل: 45] في صدر قصة صالح عليه السلام داخل معه في حيز القسم أي
~~وأرسلنا لوطا { إذ قال لقومه } ظرف للإرسال على أن المراد به
~~أمر ممتد وقع فيه الإرسال وما جرى بينه وبين قومه من الأحوال والأقوال.
~~وجوز أن يكون منصوبا بإضمار اذكر معطوفا على ما تقدم عطف قصة على قصة و
~~{ إذ } بدل منه بدل اشتمال وليس بذاك. وقيل: هو معطوف على

# صالحا

# [النمل: 45]. وتعقب بأنه غير مستقيم لأن صالحا بدل أو عطف بيان لأخاهم
~~وقد قيد بقيد مقدم عليه وهو

# إلى ثمود

# [النمل: 45] فلو عطف عليه تقيد به ولا يصح لأن لوطا عليه السلام لم
~~يرسل إلى ثمود وهو متعين إذا تقدم القيد بخلاف ما لو تأخر، وقيل إن تعينه
~~غير مسلم إذ يجوز عطفه على مجموع القيد والمقيد لكنه خلاف المألوف في
~~الخطابيات وارتكاب مثله تعسف لا يليق، وجوز أن يكون عطفا على

# الذين ءامنوا

# [النمل: 53] / وتعقب بأنه لا يناسب أساليب سرد القصص من عطف إحدى
~~القصتين على الأخرى لا على تتمة الأولى وذيلها كما لا يخفى.

# { أتأتون الفحشة } أي أتفعلون الفعلة المتناهية في القبح
~~والسماجة، والاستفهام انكاري. وقوله تعالى: { وأنتم تبصرون }
~~جملة حالية من فاعل { تأتون } مفيدة لتأكيد الإنكار فإن تعاطي القبيح من
~~العالم بقبحه أقبح وأشنع، و { تبصرون } من بصر القلب أي أتفعلونها
~~والحال أنكم تعلمون علما يقينيا كونها كذلك. ويجوز أن يكون من بصر
~~العين أي وأنتم ترون وتشاهدون كونها فاحشة على تنزيل ذلك لظهوره منزلة
~~المحسوس، وقيل: مفعول { تبصرون } من المحسوسات حقيقة أي وأنتم
~~تبصرون آثار العصاة قبلكم أو وأنتم ينظر بعضكم بعضا لا يستتر ولا يتحاشى
~~من إظهار ذلك لعدم أكتراثكم به، ووجه إفادة الجملة على الاحتمالين تأكيد
~~الإنكار أيضا ظاهر.

### || [27.55]

# وقوله تعالى: { أئنكم لتأتون الرجال شهوة } تثنية
~~للإنكار وبيان لما يأتونه من ms07842 الفاحشة بطريق التصريح بعد الإبهام، وتحلية
~~الجملة بحرفي التأكيد للإيذان بأن مضمونها مما لا يصدق وقوعه أحد لكمال
~~شناعته، وإيراد المفعول بعنوان الرجولية دون الذكورية لتربية التقبيح
~~وبيان اختصاصه ببني آدم، وتعليل الإتيان بالشهوة تقبيح على تقبيح لما
~~أنها ليست في محله، وفيه إشارة إلى أنهم مخطؤون في محلها فعلا، وفي قوله
~~تعالى: { من دون النساء } أي متجاوزين النساء اللاتي هن محال الشهوة
~~إشارة إلى أنهم مخطئون فيه تركا، ويعلم مما ذكرنا أن { شهوة } مفعول
~~له للإتيان، وجوز أن يكون حالا.

# { بل أنتم قوم تجهلون } أي تفعلون فعل الجاهلين بقبح ذلك
~~أو يجهلون العاقبة أو الجهل بمعنى السفاهة والمجون أي بل أنتم قوم سفهاء
~~ماجنون كذا في «الكشاف»، وأيا ما كان فلا ينافي قوله تعالى:

# وأنتم تبصرون

# [النمل: 54] ولم يرتض ذلك الطيبي وزعم أن كلمة الاضراب تأباه: ووجه
~~الآية بأنه تعالى لما أنكر عليهم فعلهم على الإجمال وسماه فاحشة وقيده
~~بالحال المقررة لجهة الإشكال تتميما للإنكار بقوله تعالى: { وأنتم
~~تبصرون } أراد مزيد ذلك التوبيخ والإنكار فكشف عن حقيقة تلك الفاحشة
~~وأشار سبحانه إلى ما أشار ثم أضرب عن الكل بقوله سبحانه: { بل أنتم
~~} الخ أي كيف يقال لمن يرتكب هذه الفحشاء وأنتم تعلمون فأولى حرف الإضراب
~~ضمير { أنتم } وجعلهم قوما جاهلين والتفت في { تجهلون } موبخا
~~معيرا اه وفيه نظر.

# والقول بالالتفات هنا مما قاله غيره أيضا وهو التفات من الغيبة التي في
~~{ قوم } إلى الخطاب في { تجهلون } وتعقبه الفاضل السيالكوتي بأنه
~~وهم إذ ليس المراد بقوم قوم لوط حتى يكون المعبر عنه في الأسلوبين واحدا
~~كما هو شرط الالتفات بل معنى كلي حمل على قوم لوط عليه السلام. وقال بعض
~~الأجلة: إن الخطاب فيه مع أنه صفة لقوم وهو اسم ظاهر - من قبيل الغائب
~~لمراعاة المعنى لأنه متحد مع { أنتم } لحمله عليه، وجعله غير واحد مما
~~غلب فيه الخطاب، وأورد عليه أن في التغليب تجوزا ولا تجوز هنا. وأجيب
~~بأن نحو { تجهلون } موضوع للخطاب مع جماعة لم يذكروا بلفظ غيبة ms07843 وهنا
~~ليس كذلك فكيف لا يكون فيه تجوز، وقيل قولهم إن في التغليب تجوزا خارج
~~مخرج الغالب، وقال الفاضل السيالكوتي إن قوله تعالى: { بل أنتم }
~~الخ من المجاز باعتبار ما كان فإن المخاطب في { تجهلون } باعتبار
~~كون القوم مخاطبين في التعبير بأنتم فلا يرد أن اللفظ لم يستعمل فيه في
~~غير ما وضع له ولا الهيئة التركيبية ولم يسند الفعل إلى غير ما هو له
~~فيكون هناك مجاز فافهم.

### || [27.56]

# { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا ءال
~~لوط } أي من اتبع دينه وإخراجه عليه السلام يعلم من باب أولى. وقال بعض
~~المحققين: المراد بآل لوط هو عليه السلام ومن تبع دينه كما يراد من بني
~~آدم آدم وبنوه، وأيا ما كان فلا تدخل امرأته عليه السلام فيهم، وقوله
~~سبحانه: { إلا } الخ استثناء مفرغ واقع في موقع اسم { كان } ، وقرأ
~~الحسن وابن أبي إسحاق { جواب } بالرفع فيكون ذاك واقعا موقع الخبر،
~~وقد مر تحقيق الكلام في مثل هذا التركيب، وفي قوله تعالى: { من
~~قريتكم } بإضافة القرية إلى - كم - تهوين لأمر الإخراج، وقوله جل
~~وعلا: { إنهم أناس يتطهرون } تعليل للأمر على وجه يتضمن
~~الاستهزاء أي إنهم أناس يزعمون التطهر والتنزه عن أفعالنا أو عن الأقذار
~~ويعدون فعلنا قذرا وهم متكلفون بإظهار ما ليس فيهم، والظاهر أن هذا
~~الجواب صدر عنهم في المرة الأخيرة من مراتب مواعظه عليه السلام بالأمر
~~والنهي لا أنه لم يصدر عنه كلام آخر غيره.

### || [27.57]

# { فأنجينه وأهله } أي بعد إهلاك القوم فالفاء فصيحة {
~~إلا امرأته قدرنها } أي قدرنا كونها { من
~~الغبرين } أي الباقين في العذاب، وقدر المضاف لأن التقدير يتعلق
~~بالفعل لا بالذات، وجاء في آية أخرى ما يقتضي ذلك، وهو قوله تعالى:

# قدرنآ إنها لمن الغبرين

# [الحجر: 60]. وقرأ أبو بكر { قدرنها } بتخفيف الدال.

### || [27.58]

# { وأمطرنا عليهم مطرا } غير معهود { فساء مطر
~~المنذرين } أي فبئس مطر المنذرين مطرهم، وقد مر مثل هذا فارجع إلى
~~ما ذكرناه عنده.

### || [27.59]

# { قل الحمد لله وسلم على عباده الذين
~~اصطفى ms07844 } إثر ما قص سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم قصص
~~الأنبياء المذكورين وأخبارهم الناطقة بكمال قدرته تعالى وعظم شأنه سبحانه
~~وبما خصهم به من الآيات القاهرة والمعجزات الباهرة الدالة على جلالة
~~أقدارهم وصحة أخبارهم، وقد بين على ألسنتهم صحة الإسلام والتوحيد وبطلان
~~الكفر والإشراك وأن من اقتدى بهم فقد اهتدى ومن أعرض عنهم فقد تردى في
~~مهاوي الردى، وشرح صدره الشريف صلى الله عليه وسلم بما في تضاعيف تلك
~~القصص من فنون المعارف الربانية، ونور قلبه بأنوار الملكات السبحانية
~~الفائضة من عالم القدس، وقرر بذلك فحوى قوله تعالى:

# وإنك لتلقى القرءان من لدن حكيم عليم

# [النمل: 6].

# أمر صلى الله عليه وسلم أن يحمده بأتم وجه على تلك النعم ويسلم على كافة
~~الأنبياء عليهم السلام الذين من جملتهم من قصت أخبارهم وشرحت آثارهم
~~عرفانا لفضلهم وأداءا لحق تقدمهم واجتهادهم في الدين، فالمراد بالعباد
~~المصطفين الأنبياء عليهم السلام لدلالة المقام، وقوله تعالى في آية أخرى:

# وسلم على المرسلين

# [الصافات: 181] وقيل: هذا أمر له صلى الله عليه وسلم بحمده تعالى على
~~هلاك الهالكين من كفار الأمم، والسلام على الأنبياء وأتباعهم الناجين صلى
~~الله عليهم وسلم، والسلام على غير الأنبياء عليهم السلام إذا لم يكن
~~استقلالا مما لا خلاف في جوازه، ولعل المنصف لا يرتاب في جوازه على عباد
~~الله تعالى المؤمنين مطلقا، وقيل: أمر / له عليه الصلاة والسلام بالحمد
~~على ما خصه جل وعلا به من رفع عذاب الاستئصال عن أمته ومخالفتهم لمن
~~قبلهم ممن ذكرت قصته من الأمم المستأصلة بالعذاب، وبالسلام على الأنبياء
~~الذين صبروا على مشاق الرسالة. فالمراد بالمصطفين الأنبياء خاصة، وأخرج
~~عبد بن حميد والبزار وابن جرير وغيرهم عن ابن عباس أنه قال فيهم: هم
~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اصطفاهم الله تعالى لنبيه عليه الصلاة
~~والسلام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سفيان الثوري أنه قال في {
~~وسلم } الخ: نزلت في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة. وهذا
~~ظاهر في القول بجواز السلام على ms07845 غير الأنبياء استقلالا كما هو مذهب
~~الحنابلة وغيرهم، والكلام على جميع هذه الأقوال متصل بما قبله، وجعله
~~الزمخشري من باب الاقتضاب كأنه خطبة مبتدأة حيث قال: ((أمر رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على وحدانيته تعالى
~~وقدرته على كل شيء وحكمته أعني قوله سبحانه: { آلله } الخ، وأن يستفتح
~~بتحميده والسلام على أنبيائه والمصطفين من عباده. وفيه تعليم حسن وتوقيف
~~على أدب جميل وبعث على التيمن بالذكرين والتبرك بهما والاستظهار بمكانهما
~~على قبول ما يلقى إلى السامعين وإصغائهم إليه وإنزاله من قلوبهم المنزلة
~~التي يبغيها المسمع، ولقد توارثت العلماء والخطباء والوعاظ كابرا عن
~~كابر هذا الأدب فحمدوا الله تعالى وصلوا على رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم أمام كل علم مفاد وقبل كل موعظة وتذكرة وفي مفتتح كل خطبة، وتبعهم
~~المتراسلون فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني وغير ذلك من
~~الحوادث التي لها شأن)) انتهى، ولعل جعل ذلك تخلصا من قصص الأنبياء
~~عليهم السلام إلى ما جرى له صلى الله عليه وسلم مع المشركين أولى، وأبعد
~~الأقوال القول باتصاله بما قبله، وجعل ذلك أمرا للوط عليه السلام بأن
~~يحمده تعالى على إهلاك كفرة قومه، وأن يسلم على من اصطفاه بالعصمة عن
~~الفواحش والنجاة عن الهلاك لعدم ملاءمته لما بعده واحتياجه إلى تقدير:
~~وقلنا له، وعزا هذا القول ابن عطية للفراء، وقال: هذه عجمة من الفراء،
~~والظاهر أن { سلم } مبتدأ وما بعده خبره، والجملة معطوفة على {
~~الحمد لله } داخلة معه في حيز القول.

# وقرأ أبو السمال { الحمد لله } بفتح اللام.

# { آلله } بالمد لقلب همزة الاستفهام ألفا والأصل أألله. { خير
~~أما يشركون } والظاهر أن { ما } موصولة والعائد محذوف أي آلله
~~الذي ذكرت شؤونه العظيمة خير أم الذي يشركونه من الأصنام، و { خير }
~~أفعل تفضيل ومرجع الترديد إلى التعريض بتبكيت الكفرة من جهته عز وجل
~~وتسفيه آرائهم الركيكة والتهكم بهم إذ من البين أن ليس فيما أشركوه به
~~سبحانه شائبة خير حتى يمكن أن يوازن بينه وبين ms07846 من هو خير محض، وقيل: {
~~خير } ليست للتفضيل مثلها في قولك: الصلاة خير تعني خيرا من الخيور،
~~والمختار الأول، واستظهره أبو حيان، وقال: ((كثيرا ما يجيء هذا النوع من
~~أفعل التفضيل حيث يعلم ويتحقق أنه لا شركة هناك، وإنما يذكر على سبيل
~~إلزام الخصم وتنبيهه على الخطأ ويقصد بالاستفهام في مثل ذلك إلزامه
~~الإقرار بحصر التفضيل في جانب واحد وانتفائه عن الآخر، واستظهر أيضا كون
~~المراد بالخيرية الخيرية في الذات، وقيل: الخيرية فيما يتعلق بها، وفي
~~الكلام حذف في موضعين، والتقدير أعبادة الله تعالى خير أم عبادة ما
~~يشركون، وقيل: (ما) مصدرية والحذف في موضع واحد، والتقدير أتوحيد الله
~~خير أم إشراكهم)) ولا داعي لجميع ذلك، وأيا ما كان فضمير الغائب لقريش
~~ونحوهم من المشركين، وقيل: لأولئك المهلكين وليس بشيء.

# وقرأ الأكثرون - تشركون - بالتاء الفوقانية على توجيه الخطاب لمن ذكرنا
~~من الكفرة / وهو الأليق بما بعده من سياق النظم الكريم، وجعل أبو البقاء
~~هذه الجملة من جملة القول المأمور به وتعقب بأنه يأباه قوله تعالى:

# فأنبتنا

# [النمل: 60] الخ فإنه صريح في أن التبكيت من قبله عز وجل بالذات، وحمله
~~على أنه حكاية منه عليه الصلاة والسلام لما أمر به بعبادته كما في قوله
~~سبحانه:

# قل ياعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم

# [الزمر: 53] تعسف ظاهر من غير داع إليه،

# " وفي بعض الآثار أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: بل
~~الله خير وأبقى وأجل وأكرم "

### || [27.60]

# و { أم } في قوله تعالى: { أمن خلق السموت والأرض }
~~منقطعة لا متصلة كالسابقة، وبل المقدرة على القراءة الأولى - وهي قراءة
~~الحسن وقتادة وعاصم وأبي عمرو - للإضراب والانتقال من التبكيت تعريضا
~~إلى التصريح به خطابا على وجه أظهر منه لمزيد التأكيد والتشديد، وأما
~~على القراءة الثانية فلتثنية التبكيت وتكرير الإلزام كنظائرها الآتية،
~~والهمزة لحملهم على الإقرار بالحق الذي لا محيص لمن له أدنى تمييز عن
~~الإقرار به، و(من) مبتدأ خبره محذوف مع (أم) المعادلة للهمزة تعويلا على
~~ما سبق في الاستفهام الأول خلا ms07847 - أن تشركون - المقدر ههنا بتاء الخطاب
~~على القراءتين معا، وهكذا في المواضع الأربعة الآتية، والمعنى أم من خلق
~~قطري العالم الجسماني ومبدأي منافع ما بينهما { وأنزل لكم }
~~التفات إلى خطاب الكفرة على القراءة الأولى لتشديد التبكيت والإلزام،
~~واللام تعليلية أي وأنزل لأجلكم ومنفعتكم { من السماء ماء } أي
~~نوعا منه وهو المطر { فأنبتنا به } بمقتضى الحكمة لا أن الإنبات
~~موقوف عليه عقلا، وقيل: أي أنبتنا عنده { حدائق } جمع حديقة وهي كما
~~في «البحر» البستان سواء أحاط به جدار أم لا، وهو ظاهر إطلاق تفسير ابن
~~عباس حيث فسر الحدائق لابن الأزرق بالبساتين ولم يقيد، وقال الزمخشري: هي
~~البستان عليه حائط من الإحداق وهو الإحاطة، وهو مروي عن الضحاك، وقال
~~الراغب: هي قطعة من الأرض ذات ماء سميت حديقة تشبيها بحدقة العين في
~~الهيئة وحصول الماء فيها، ولعل الأظهر ما في «البحر» وكأن وجه تسمية
~~البستان عليه حديقة أن من شأنها أن تحدق بالحيطان أو تصرف نحوها الإحداق
~~وتنظر إليها { ذات بهجة } أي ذات حسن ورونق يبتهج به الناظر ويسر.

# { ما كان لكم } أي ما صح وما أمكن لكم { أن تنبتوا
~~شجرها } فضلا عن خلق ثمرها وسائر صفاتها البديعة خير أم ما تشركون،
~~وتقدير الخبر هكذا هو ما اختاره الزمخشري وتبعه غيره. وقال ابن عطية:
~~يقدر الخبر يكفر بنعمته ويشرك به ونحو هذا في المعنى، وقال أبو الفضل
~~الرازي في كتاب «اللوامح» له: ولا بد من إضمار معادل وذلك المضمر
~~كالمنطوق لدلالة الفحوى عليه، والتقدير أم من خلق السماوات والأرض كمن لم
~~يخلق، وكذلك يقدر في أخواتها، وقد أظهر في غير هذا الموضع ما أضمر هنا
~~كقوله تعالى:

# أفمن يخلق كمن لا يخلق

# [النحل: 17] انتهى، ولعل الأولى ما اختاره جار الله وكذا يقال فيما بعد.

# وقرأ الأعمش { أمن } بالتخفيف على أن الهمزة للاستفهام، و(من) بدل من
~~الاسم الجليل وتقديم صلتي الإنزال على مفعوله لما مر مرارا من التشويق
~~إلى المؤخر، والالتفات إلى التكلم بنون العظمة لتأكيد اختصاص الفعل بحكم
~~المقابلة بذاته تعالى ms07848 والإيذان بأن إنبات تلك الحدائق المختلفة الأصناف
~~والأوصاف والألوان والطعوم والروائح والأشكال مع مالها من الحسن البارع
~~والبهاء الرائع بماء واحد أمر عظيم لا يكاد يقدر عليه إلا هو وحده عز
~~وجل، ورشح ذلك بقوله تعالى: { ما كان لكم } الخ سواء كان صفة
~~لحدائق أو حالا / أو استئنافا، وتوحيد وصفها السابق أعني ذات بهجة لما
~~أن المعنى جماعة حدائق ذات بهجة، وهذا شائع في جمع التسكير كقوله تعالى:

# أزوج مطهرة

# [البقرة: 25] وكذلك الحال في ضمير { شجرها }. وقرأ ابن أبي عبلة (ذوات)
~~بالجمع (بهجة) بفتح الهاء.

# { ءإله مع الله } أي أإله آخر كائن مع الله تعالى الذي ذكر بعض
~~أفعاله التي لا يكاد يقدر عليها غيره حتى يتوهم جعله شريكا له تعالى في
~~العبادة، وهذا تبكيت لهم بنفي الألوهية عما يشركونه به عز وجل في ضمن
~~النفي الكلي على الطريقة البرهانية بعد تبكيتهم بنفي الخيرية عنه بما ذكر
~~من الترديد فإن أحدا ممن له أدنى تمييز كما لا يقدر على إنكار انتفاء
~~الخيرية عنه بالمرة لا يكاد يقدر على إنكار انتفاء الألوهية عنه رأسا لا
~~سيما بعد ملاحظة انتفاء أحكامها عما سواه عز وجل، وكذا الحال في المواقع
~~الأربعة الآتية، وقيل: المراد نفي أن يكون معه تعالى إله آخر في الخلق،
~~وما عطف عليه لكن لا على أن التبكيت بنفس ذلك النفي فقط فإنهم لا ينكرونه
~~حسبما يدل عليه قوله تعالى:

# ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض
~~ليقولن الله

# [لقمان: 25] بل بإشراكهم به تعالى مايعترفون بعدم مشاركته له سبحانه
~~فيما ذكر من لوازم الألوهية كأنه قيل: أإله آخر مع الله في خواص الألوهية
~~حتى يجعل شريكا له تعالى في العبادة، وقيل: المعنى أغيره يقرن به سبحانه
~~ويجعل له شريكا في العبادة مع تفرده جل شأنه بالخلق والتكوين، فالإنكار
~~للتوبيخ والتبكيت مع تحقق المنكر دون النفي كما في الوجهين السابقين،
~~ورجح بأنه الأظهر الموافق لقوله تعالى:

# وما كان معه من إله

# [المؤمنون: 91] والأوفى بحق المقام لإفادته نفي وجود إله آخر معه تعالى ms07849
~~رأسا لا نفي معيته في الخلق وفروعه فقط.

# وقرأ هشام عن ابن عامر { آاله } بتوسيط مدة بين الهمزتين وإخراج الثانية
~~بين بين، وقرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير (أإلها) بالنصب على إضمار فعل
~~يناسب المقام مثل أتجعلون أو أتدعون أو أتشركون.

# { بل هم قوم يعدلون } إضراب وانتقال من تبكيتهم بطريق
~~الخطاب إلى بيان سوء حالهم وحكايته لغيرهم و { يعدلون } من العدول
~~بمعنى الانحراف أي بل هم قوم عادتهم العدول عن طريق الحق بالكلية
~~والانحراف عن الاستقامة في كل أمر من الأمور فلذلك يفعلون ما يفعلون من
~~العدول عن الحق الواضح الذي هو التوحيد والعكوف على الباطل البين الذي هو
~~الإشراك، وقيل: من العدل بمعنى المساواة أي يساوون به غيره تعالى من
~~آلهتهم، وروي ذلك عن ابن زيد، والأول أنسب بما قبله، وقيل: الكلام عليه
~~خال عن الفائدة.

### || [27.61]

# { أمن جعل الأرض قرارا } أي جعلها بحيث يستقر عليها الإنسان
~~والدواب بإبداء بعضها من الماء ودحوها وتسويتها حسبما يدور عليه منافعهم
~~ فقرارا  بمعنى مستقرا لا بمعنى قارة غير مضطربة كما زعم الطبرسي فإن
~~الفائد على ذلك أتم، والجعل إن كان تصييريا فالمنصوبان مفعولان وإلا
~~فالثاني حال مقدرة، وجملة قوله تعالى: { أمن جعل } الخ على ما قيل:
~~بدل من قوله سبحانه:

# أمن خلق السموات

# [النمل: 60] إلى آخر ما بعدها من الجمل الثلاث وحكم الكل واحد، وقال بعض
~~الأجلة: الأظهر أن كل واحدة منها إضراب وانتقال من التبكيت بما قبلها إلى
~~التبكيت بوجه آخر داخل في الإلزام بجهة من الجهات، وإلى الإبدال ذهب صاحب
~~«الكشاف»، وسننقل إن شاء الله تعالى عن صاحب «الكشف» ما فيه الكشف عن
~~وجهه { وجعل خللها } أي أوساطها جمع خلل، وأصله الفرجة بين
~~الشيئين فهو ظرف حل محل الحال من قوله تعالى: { أنهرا } وساغ ذلك
~~مع كونه نكرة لتقدم الحال أو المفعول الثاني - لجعل - و { أنهارا }
~~هو المفعول الأول، والمراد بالأنهار ما يجري فيها لا المحل / الذي هو
~~الشق أي جعل خلالها أنهارا جارية تنتفعون بها.

# { وجعل لها } أي لصلاح ms07850 أمرها { رواسى } أي جبالا ثوابت فإن
~~لها مدخلا عاديا اقتضته الحكمة في انكشاف المسكون منها وانحفاظها عن
~~الميد بأهلها؛ وتكون المياه الممدة للأنهار المفضية لنضارتها في حضيضها
~~إلى غير ذلك، وذكر بعضهم في منفعة الجبال تكون المعادن فيها ونبع
~~المنابع من حضيضها ولم يتعرض لمنفعة منعها الأرض عن الحركة والميلان،
~~وعلل ترك التعرض بأنه لو كان المقصود ذلك لذكر عقب جعل الأرض قرارا، ومن
~~أنصف رأى أن منع الجبال الأرض عن الحركة والميلان اللذين يخرجان الأرض عن
~~حيز الانتفاع ويجعلان وجودها كعدمها من أهم ما يذكر هنا لأنه مما به صلاح
~~أمرها ورفعة شأنها، وذكر { لها } دون فيها أو عليها ظاهر في أن المراد
~~ما هو من هذا القبيل من المنافع فتأمل. وإرجاع ضمير { لها } للأنهار
~~ليكون المعنى وجعل لامدادها رواسي ينبع من حضيضها الماء فيمدها لا يخفى
~~ما فيه { وجعل بين البحرين } أي العذب والملح - عن الضحاك -
~~أو بحري فارس والروم - عن الحسن - أو بحري العراق والشام - عن السدي -
~~أبو بحري السماء والأرض - عن مجاهد - { حاجزا } فاصلا يمنع من
~~الممازجة، وقد مر الكلام في تحقيق ذلك فتذكر.

# { ءإله مع الله } في الوجود أو في إبداع هذه البدائع على ما مر {
~~بل أكثرهم لا يعلمون } أي شيئا من الأشياء علما معتدا
~~به وذلك لا يفهمون بطلان ما هم عليه من الشرك مع كمال ظهوره.

### || [27.62]

# { أمن يجيب المضطر إذا دعاه } وهو الذي أحوجته شدة من
~~الشدائد وألجأته إلى اللجأ والضراعة إلى الله عز وجل، فهو اسم مفعول من
~~الاضطرار الذي هو افتعال من الضرورة، ويرجع إلى هذا تفسير ابن عباس له
~~بالمجهود، وتفسير السدي بالذي لا حول ولا قوة له، وقيل: المراد بذلك
~~المذنب إذا استغفر، واللام فيه على ما قيل: للجنس لا للاستغراق حتى يلزم
~~إجابة كل مضطر وكم من مضطر لا يجاب. وجوز حمله على الاستغراق لكن الإجابة
~~مقيدة بالمشيئة كما وقع ذلك في قوله تعالى:

# فيكشف ما تدعون إليه إن شاء

# [الأنعام: 41] ومع هذا كره النبي صلى ms07851 الله عليه وسلم أن يقول الشخص:
~~اللهم اغفر لي إن شئت؛ وقال عليه الصلاة والسلام:

# " إنه سبحانه لا مكره له "

# ، والمعتزلة يقيدونها بالعلم بالمصلحة لإيجابهم رعاية المصالح عليه جل
~~وعلا، وقال صاحب «الفرائد»: ما من مضطر دعا إلا أجيب وأعيد نفع دعائه
~~إليه إما في الدنيا وإما في الآخرة، وذلك أن الدعاء طلب شيء فإن لم يعط
~~ذلك الشيء بعينه يعط ما هو أجل منه أو إن لم يعط هذا الوقت يعط بعده اه.

# وظاهره حمله على الاستغراق من دون تقييد للإجابة، ولا يخفى أنه إذا فسرت
~~الإجابة بإعطاء السائل ما سأله حسبما سأل لا بقطع سؤاله سواء كان
~~بالإعطاء المذكور أم بغيره لم يستقم ما ذكره، وقال العلامة الطيبي:
~~التعريف للعهد لأن سياق الكلام في المشركين يدل عليه الخطاب بقوله تعالى:
~~{ ويجعلكم خلفاء } والمراد التنبيه على أنهم عند اضطرارهم في
~~نوازل الدهر وخطوب الزمان كانوا يلجأون إلى الله تعالى دون الشركاء
~~والأصنام، ويدل على التنبيه قوله تعالى: { أءله مع الله
~~قليلا ما تذكرون } قال صاحب «المفتاح»: كانوا إذا حزبهم أمر
~~دعوا الله تعالى دون أصنامهم، فالمعنى إذا حزبكم أمر أو قارعة من قوارع
~~الدهر إلى أن تصيروا آيسين من الحياة من يجيبكم إلى كشفها ويجعلكم بعد
~~ذلك تتصرفون في البلاد كالخلفاء { ءإله مع الله } فلا يكون المضطر
~~عاما ولا الدعاء فإنه مخصوص بمثل قضية الفلك، وقد أجيبوا إليه في قوله
~~تعالى:

# حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم

# [يونس: 22] الآية اه. وأنت تعلم أنه بعيد غاية البعد، ولعل الأولى
~~الحمل على الجنس والتقييد بالمشيئة وهو سبحان لا يشاء إلا ما تقتضيه
~~الحكمة، والدعاء بشيء من قبيل أحد الأسباب العادية له فافهم.

# { ويكشف السوء } أي يرفع عن الإنسان ما يعتريه من الأمر الذي
~~يسوؤه، وقيل: الكشف أعم من الدفع والرفع، وعطف هذه الجملة على ما قبلها
~~من قبيل عطف العام على الخاص، وقيل: المعنى ويكشف سوءه أي المضطر، أو
~~ويكشف عنه السوء والعطف من قبيل عطف التفسير فإن إجابة المضطر ms07852 هي كشف
~~السوء عنه الذي صار مضطرا بسببه وهو كما ترى.

# { ويجعلكم حلفاء الأرض } أي خلفاء من قبلكم من الأمم في
~~الأرض بأن ورثكم سكناها والتصرف فيها بعدهم، وقيل: المراد بالخلافة الملك
~~والتسلط، وقرأ الحسن (ونجعلكم) بنون العظمة.

# { ءإله مع الله } الذي هذه شؤونه ونعمه تعالى: { قليلا ما
~~تذكرون } أي تذكرا قليلا، أو زمانا قليلا تتذكرون - فقليلا -
~~نصب على المصدرية، أو على الظرفية لأنه صفة مصدر أو ظرف مقدر، و - ما -
~~مزيدة على التقديرين لتأكيد معنى القلة التي أريد بها العدم، أو ما يجري
~~مجراه في الحقارة وعدم الجدوى، ومفعول { تذكرون } محذوف للفاصلة،
~~فقيل: التقدير تذكرون نعمه، وقيل: تذكرون مضمون ما ذكر من الكلام، وقيل:
~~تذكرون ما مر لكم من البلاء والسرور، ولعل الأولى نعمه المذكورة،
~~وللإيذان بأن المتذكر في غاية الوضوح بحيث لا يتوقف إلا على التوجه إليه
~~كان التذييل بنفي التذكر، وقرأ الحسن والأعمش وأبو عمرو - يذكرون - بياء
~~الغيبة، وقرأ أبو حيوة - تتذكرون - بتاءين.

### || [27.63]

# { أمن يهديكم فى ظلمت البر والبحر } أي يرشدكم
~~في ظلمات الليالي في البر والبحر بالنجوم ونحوها من العلامات، وإضافة
~~الظلمات إلى البر والبحر للملابسة وكونها فيهما، وجوز أن يراد بالظلمات
~~الطرق المشبهات مجازا فإنها كالظلمات في إيجاب الحيرة. { ومن يرسل
~~الريح بشرا بين يدى رحمته } قد تقدم تفسير نظير هذه
~~الجملة { ءإله مع الله } نفي لأن يكون معه سبحانه إله آخر، وقوله
~~تعالى: { تعالى الله عما يشركون } تقرير وتحقيق له، وإظهار
~~الاسم الجليل في موضع الإضمار للإشعار بعلة الحكم أي تعالى وتنزه بذاته
~~المنفردة بالألوهية المستتبعة لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال والجمال،
~~المقتضية لكون جميع المخلوقات مقهورة تحت قدرته { عما يشركون }
~~أي عن وجود ما يشركونه به سبحانه بعنوان كونه إلها وشريكا له تعالى، أو
~~تعالى الله عن شركة أو مقارنة ما يشركونه به سبحانه، ويجوز أن تكون - ما
~~- مصدرية أي تعالى الله عن إشراكهم، وقرىء { عما تشركون } بتاء
~~الخطاب.

### || [27.64]

# { أمن يبدأ الخلق } أي يوجده مبتدئا له { ثم يعيده }
~~يكرر إيجاده ويرجعه ms07853 كما كان، وذلك بعد إهلاكه ضرورة أن الإعادة لا تعقل
~~إلا بعده، والظاهر أن المراد بهذا ما يكون من الإعادة بالبعث بعد الموت،
~~فأل في (الخلق) ليست للاستغراق لأن منه ما لا يعاد بالإجماع، ومنه ما في
~~إعادته خلاف بين المسلمين، وتفصيله في محله. واستشكل الحمل على الإعادة
~~بالبعث بأن الكلام مع المشركين وأكثرهم منكرون لذلك فكيف يحمل الكلام
~~عليه ويخاطبون به خطاب المعترف؟ وأجيب بأن تلك الإعادة لوضوح براهينها
~~جعلوا كأنهم معترفون بها لتمكنهم من معرفتها فلم يبق لهم عذر في الإنكار؛
~~وقيل: إن منهم من اعترف بها، والكلام بالنسبة إليه وليس بذاك، وأما تجويز
~~كون أل للجنس وأن المراد بالبدء والإعادة ما يشاهد في عالم الكون والفساد
~~من / إنشاء بعض الأشياء وإهلاكها، ثم إنشاء أمثالها وذلك مما لا ينكره
~~المشركون المنكرون للإعادة بعد الموت فليس بشيء أصلا كما لا يخفى.

# { ومن يرزقكم من السماء والأرض } أي بأسباب سماوية
~~وأرضية قد رتبها على ترتيب بديع تقتضيه الحكمة التي عليها بني أمر
~~التكوين { ءإله } آخر موجود { مع الله } حتى يجعل شريكا له
~~سبحانه في العبادة.

# وقوله تعالى: { قل هاتوا برهنكم } أمر له عليه الصلاة
~~والسلام بتبكيتهم إثر تبكيت أي هاتوا برهانا عقليا أو نقليا يدل على
~~أن معه عز وجل إلها، وقيل: أي هاتوا برهانا على أن غيره تعالى يقدر على
~~شيء مما ذكر من أفعاله عز وجل، وتعقب بأن المشركين لا يدعون ذلك صريحا
~~ولا يلتزمون كونه من لوازم الألوهية وإن كان منها في الحقيقة فمطالبتهم
~~بالبرهان عليه لا على صريح دعواهم مما لا وجه له، وفي إضافة البرهان إلى
~~ضميرهم تهكم بهم لما فيها من إيهام أن لهم برهانا وأنى لهم ذلك، وقيل:
~~إن الإضافة لزيادة التبكيت كأنه قيل: نحن نقنع منكم بما تعدونه أنتم أيها
~~الخصوم برهانا يدل على ذلك وإن لم نعده نحن ولا أحد من ذوي العقول كذلك،
~~مع هذا أنتم عاجزون عن الإتيان به { إن كنتم صدقين } أي في تلك
~~الدعوى، واستدل به على ms07854 أن الدعوى لا تقبل ما لم تنور بالبرهان.

# هذا وفي «الكشف» أن مبنى هذه الآيات الترقي لأن الكلام في إثبات أن لا
~~خيرية في الأصنام مع أن كل خير منه تبارك وتعالى، فأجمل أولا بذكر اسمه
~~سبحانه الجامع في قوله تعالى:

# ءآلله

# [النمل: 59] ثم أخذ في المفصل فجعل خلق السماوات والأرض تمهيدا لإنزال
~~الماء وإنبات الحدائق لا بل للأخير، يدل عليه الالتفات هنالك والتأكيد
~~بقوله تعالى:

# ما كان لكم أن تنبتوا

# [النمل: 60] كأنه يذكر سبحانه ما فيها من المنافع الكثيرة لونا وطعما
~~ورائحة واسترواح ظل. ولما أثبت أنه فعله الخاص أنكر أن يكون له شريك
~~وجعلهم عادلين عن منهج الصواب أو عادلين به سبحانه من لا يستحق، والأول
~~أظهر، ثم ترقى منه إلى ما هو أكثر لهم خيرا وأظهر في نفعهم من جعل الأرض
~~قرارا وما عقبه، فذكر جل وعلا ما لا يتم الإنبات المذكور إلا به مع
~~منافع يتصاغر لديها منفعة الإنبات، وعقبه بجهلهم المطلق المنتج للعدول
~~المذكور، وأسوأ منه وأسوأ، ثم بالغ في الترقي فذكر ما هو لصيق بهم دون
~~واسطة من دفع أو نفع فخص إجابتهم عند الاضطرار، وعم بكشف السوء والمضار،
~~هذا فيما يرجع إلى دفعه المحذور وإقامتهم خلفاء في الأرض ينتفعون بها
~~وبما فيها كما أحبوا، وهذا أتم من الأولين وأعم وأجل موقعا وأهم، ولهذا
~~فصل بعدم التذكر وبولغ فيه تلك المبالغات، وأما ذكر الهداية في ظلمات
~~البر والبحر وذكر إرسال الرياح المبشرة استطرادا لمناسبة حديث الرياح مع
~~الهداية في البحر، فمن متممات الخلافة وإجابة المضطر وكشف السوء فافهم.
~~ونبه على هذا بأنه فصل بقوله تعالى:

# تعالى الله عما يشركون

# [النمل: 63] ثم ختم ذلك كله بالإضراب عن هذا الأسلوب بتذكير نعمتي
~~الإيجاد والإعادة، فكل نعمة دونهما لتوقف النعم الدنيوية والأخروية
~~عليها، وعقبه بإجمال يتضمن جميع ما عدده أولا وزيادة أعني رزقهم من
~~السماء والأرض، وأدمج في تأخيره أنه دون النعمتين ولهذا بكتهم بطلب
~~البرهان فيما ليس وسجل بكذبهم دلالة على تعلقه بالكل وأن هذه الخاتمة ms07855
~~ختام مسكي، والمعرض عن تشام نفحاته مسكي، وعن هذا التقرير ظهر وجه
~~الإبدال مكشوف النقاب والحمد لله تعالى المنعم الوهاب اه. وفي «غرة
~~التنزيل» للراغب ما يؤيده، وقد لخصه الطيبي في «شرح الكشاف»، والله
~~تعالى أعلم بأسرار كتابه.

### || [27.65]

# { قل لا يعلم من فى السموت والأرض الغيب إلا
~~الله } بعد ما تحقق تفرده تعالى بالألوهية ببيان اختصاصه بالقدرة
~~الكاملة التامة والرحمة الشاملة العامة عقب بذكر ما لا ينفك عنه، وهو
~~اختصاصه تعالى بعلم الغيب تكميلا لما قبله وتمهيدا لما بعده من أمر
~~البعث، وفي «البحر» قيل: سأل الكفار عن وقت القيامة - التي وعدوها -
~~الرسول صلى الله عليه وسلم وألحوا عليه عليه الصلاة والسلام فنزل قوله: {
~~قل لا يعلم } الآية، فمناسبتها على هذا لما قبلها من قوله تعالى:

# أمن يبدأ الخلق ثم يعيده

# [النمل: 64] أتم مناسبة، والظاهر المتبادر إلى الذهن أن (من) فاعل {
~~يعلم } وهو موصول أو موصوف، و { الغيب } مفعوله، والاسم الجليل مرفوع على
~~البدلية من { من } والاستثناء على ما قيل: منقطع تحقيقا متصل تأويلا
~~على حد ما في قول الراجز:

# وبلدة ليس بها أنيس

# إلا اليعافير وإلا العيس

# بناءا على إدخال اليعافر في الأنيس بضرب من التأويل فيفيد المبالغة في
~~نفي علم الغيب عمن في السماوات والأرض بتعليق علمهم إياه بما هو بين
~~الاستحالة من كونه تعالى منهم كأنه قيل: إن كان الله تعالى ممن فيهما
~~ففيهم من يعلم الغيب يعني أن استحالة علمهم الغيب كاستحالة أن يكون الله
~~تعالى منهم، ونظير هذا مما لا استثناء فيه قوله:

# تحية بينهم ضرب وجيع

# وقيل: هو منقطع على حد الاستثناء في قوله:

# عشية ما تغني الرماح مكانها

# ولا النبل إلا المشرفي المصمم

# يعني أنه من اتباع أحد المتباينين الآخر نحو ما أتاني زيد إلا عمرو، وما
~~أعانه إخوانكم إلا إخوانه، وقد ذكرهما سيبويه، وذكر ابن مالك أن الأصل
~~فيهما: ما أتاني أحد إلا عمرو، وما أعانه أحد إلا إخوانه فجعل مكان أحد
~~بعض مدلوله وهو زيد وإخوانكم، ولو لم يذكر الدخلاء ms07856 فيمن نفى عنه الإتيان
~~والإعانة، ولكن ذكرا توكيدا لقسطهما من النفي دفعا لتوهم المخاطب أن
~~المتكلم لم يخطر له هذا الذي أكد به، فذكر تأكيدا، وعليه يكون الأصل في
~~الآية: لا يعلم أحد الغيب إلا الله فحذف أحد وجعل مكانه بعض مدلوله وهو {
~~من في السماوات والأرض } والبعض الآخر من ليس فيهما، ويكفي في كونه
~~مدلولا له صدقه عليه ولا يجب في ذلك وجوده في الخارج، فقد صرحوا أن من
~~الكلي ما يمتنع وجود بعض أفراده أو كلها في الخارج على أن من أجلة
~~الإسلاميين من قال بوجود شيء غير الله عز وجل، وليس في السماوات ولا في
~~الأرض وهو الروح الأمرية فإنها لا مكان لها عندهم على نحو العقول المجردة
~~عند الفلاسفة، وقال: إن شرط الاتباع في هذا النوع أن يستقيم حذف المستثنى
~~منه والاستغناء عنه بالمستثنى فإن لم يوجد هذا الشرط تعين النصب عند
~~التميمي والحجازي كما في قوله تعالى:

# لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم

# [هود: 43] فإن الاستغناء فيه بالمستثنى عما قبله ممتنع إلا بتكلف، وزعم
~~المازني أن اتباع المنقطع من تغليب العاقل على غيره، ويلزم عليه أن يختص
~~بأحد وشبهه وهو فاسد - كما قال ابن خروف - لأن ما يبدل منه في هذا الباب
~~غير ما ذكر أكثر من أن يحصى اه.

# وكلام الزمخشري يوم صدره أن الاستثناء هنا من قبيل الاستثناء في
~~المثالين اللذين ذكرهما سيبويه، وفي البيت الذي ذكرناه قبيلهما، ويفهم
~~عجزه أنه من قبيل الاستثناء في الرجز السابق، وأن الداعي إلى اختيار
~~المذهب التميمي نكتة المبالغة التي سمعتها، وقد صرحوا أن إفادة تلك
~~النكتة إنما تتأتى إذا جعل الاستثناء منقطعا تحقيقا متصلا تأويلا،
~~ولعل الحق أنه إذا أريد الدلالة على قوة النفي تعين جعل الاستثناء نحو
~~الاستثناء في قوله: { وبلدة } / الخ، وإذا أريد الدلالة على عموم النفي
~~تعين جعله نحو الاستثناء في قولهم: ما أعانه إخوانكم إلا إخوانه فتدبر،
~~وجوز كونه متصلا كما هو الأصل في الاستثناء على أن المراد بمن ms07857 في
~~السماوات والأرض من اطلع عليهما اطلاع الحاضر فيهما مجازا مرسلا أو
~~استعارة، وأيا ما كان فهو معنى مجازي عام له تعالى شأنه ولذوي العلم من
~~خلقه وهو المخلص من لزوم ارتكاب الجمع بين الحقيقة والمجاز المختلف في
~~صحته كما فعله بعض القائلين بالاتصال، وقيل: يعلق الجار والمجرور على ذلك
~~التقدير بنحو يذكر من الأفعال المنسوبة على الحقيقة إلى الله تعالى وإلى
~~المخلوقين لا بنحو استقر مما لا يصح نسبته إليه سبحانه على الحقيقة أي لا
~~يعلم من يذكر في السماوات والأرض الغيب إلا الله، ويجوز تعليقه باستقر
~~أيضا إلا أنه يجعل مسندا إلى مضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه أي لا
~~يعلم من استقر ذكره في السماوات والأرض الغيب إلا الله فحذف الفعل
~~والمضاف واستتر الضمير لكونه مرفوعا، وهذا ما قبله كما ترى، واعترض حديث
~~الاتصال بأنه يلزم عليه التسوية بينه تعالى وبين غيره في إطلاق لفظ واحد
~~وهو أمر مذموم، فقد أخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن عدي بن حاتم

# " أن رجلا خطب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من يطع الله
~~ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
~~بئس خطيب القوم أنت قل ومن يعص الله ورسوله "

# ، وأجيب بأن ذلك مما يذم إذا صدر من البشر أما إذا صدر منه تعالى فلا
~~يذم على أن كونه مما يذم إذا صدر من البشر مطلقا ممنوع، فقد روى البخاري
~~ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان من كان الله تعالى ورسوله أحب
~~إليه مما سواهما "

# الحديث، ولعل مدار الذم والمدح تضمن ذلك نكتة لطيفة وعدم تضمنه إياها،
~~وقد قيل في حديث أنس: النكتة في تثنية الضمير الإيماء إلى أن المعتبر هو
~~المجموع المركب من المحبتين، والنكتة في إفراده في حديث عدي الإشعار بأن
~~كلا من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، وقد مر الكلام في هذا المبحث
~~فتذكر، ms07858 وجوز أن يعرب من مفعول - { يعلم } و { الغيب } - بدل اشتمال منه،
~~والاسم الجليل فاعل { يعلم } ويكون استثناء مفرغا أي لا يعلم غيب
~~من في السماوات والأرض إلا الله ولا يخفى بعده.

# والغيب في الأصل مصدر غابت الشمس وغيرها إذا استترت عن العين، واستعمل
~~في الشيء الغائب الذي لم تنصب له قرينة وكون ذلك غيبا باعتباره بالناس
~~ونحوهم لا بالله عز وجل فإنه سبحانه لا يغيب عنه تعالى شيء لكن لا يجوز
~~أن يقال: إنه جل وعلا لا يعلم الغيب قصدا إلى أنه لا غيب بالنسبة إليه
~~ليقال يعلمه، وقد شنع الشيخ أحمد الفاروقي السرهندي المشهور بالإمام
~~الرباني في «مكتوباته» - على من قال ذلك قاصدا ما ذكر - أتم تشنيع كما
~~هو عادته جزاه الله تعالى خيرا فيمن لم يتأدب بآداب الشريعة الغراء.

# والظاهر عموم الغيب، وقيل: المراد به الساعة، وقيل: ما يضمره أهل
~~السماوات والأرض في قلوبهم، وقيل: المراد جنس الغيب، ويلزم من نفي علم
~~جنسه عن غيره عز وجل نفي علم كل فرد من أفراده عن ذلك الغير، ولا يضر في
~~ذلك أن الآية لا تدل حينئذ على ثبوت علم كل غيب له عز وجل بل قصارى ما
~~تدل عليه ثبوت علم جنس الغيب له سبحانه لأنه المنفي صريحا عن المستثنى
~~منه ولا يلزم من ثبوت علم هذا الجنس ثبوت علم كل فرد من أفراده لأنها لم
~~تسق للاستدلال بها على ذلك، وكم وكم من دليل عقلي ونقلي يدل عليه، وتعقب
~~بأن الغيب من حيث إنه غيب لا يتفاوت فمتى ثبت العلم ببعض أفراده ثبت
~~العلم بجميعها دفعا للزوم الترجيح بلا مرجح فتأمل.

# / واختار بعضهم الاستغراق أي لا يعلم من في السماوات والأرض كل غيب إلا
~~الله فإنه سبحانه يعلم كل غيب لأنه الأوفق بالمقام، واعترض بأنه يلزم أن
~~يكون من أهل السماوات والأرض من يعلم بعض الغيوب، وظاهر كلام كثير من
~~الأجلة يأبى ذلك، ويؤيده ما أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وأحمد
~~وجماعة من المحدثين من حديث مسروق عن عائشة ms07859 رضي الله تعالى عنها أنها
~~قالت: من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم يخبر الناس بما يكون في غد -
~~وفي بعض الروايات - يعلم ما في غد فقد أعظم على الله تعالى الفرية والله
~~تعالى يقول: { قل لا يعلم من فى السموات والأرض
~~الغيب إلا الله } ، وجوز بعضهم أن يكون منهم من يعلم بعض
~~الغيوب، ففي «بيان قواطع الإسلام» تأليف العلامة ابن حجر بعد الرد على من
~~أكفر من قيل له: أتعلم الغيب؟ فقال: نعم لأن فيما قاله تكذيب النص وهو
~~قوله تعالى:

# وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو

# [الأنعام: 59] وقوله تعالى:

# علم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا
~~من ارتضى من رسول

# [الجن: 26-27] ما نصه: وعلى كل فالخواص يجوز أن يعلموا الغيب في قضية أو
~~قضايا كما وقع لكثير منهم واشتهر، والذي اختص به تعالى إنما هو علم
~~الجميع وعلم مفاتح الغيب المشار إليها بقوله تعالى:

# وعنده مفاتح الغيب

# [الأنعام: 59] الآية، وينتج من هذا التقرير أن من ادعى علم الغيب في
~~قضية أو قضايا لا يكفر وهو محمل ما في «الروضة»، ومن ادعى علمه في سائر
~~القضايا يكفر وهو محمل ما في أصلها إلا أن عبارته لما كانت مطلقة تشمل
~~هذا وغيره ساغ للنووي الاعتراض عليه فإن أطلق فلم يرد شيئا، فالأوجه ما
~~اقتضاه كلام النووي من عدم الكفر انتهى.

# ولعل الحق أن يقال: إن علم الغيب المنفي عن غيره جل وعلا هو ما كان
~~للشخص لذاته أي بلا واسطة في ثبوته له، وهذا مما لا يعقل لأحد من أهل
~~السماوات والأرض لمكان الإمكان فيهم ذاتا وصفة وهو يأبى ثبوت شيء لهم
~~بلا واسطة، ولعل في التعبير عن المستثنى منه بمن في السماوات والأرض
~~إشارة إلى علة الحكم، وما وقع للخواص ليس من هذا العلم المنفي في شيء
~~ضرورة أنه من الواجب عز وجل أفاضه عليهم بوجه من وجوه الإفاضة فلا يقال:
~~إنهم علموا الغيب بذلك المعنى ومن قاله كفر قطعا، وإنما يقال: إنهم
~~أظهروا أو ms07860 اطلعوا - بالبناء للمفعول - على الغيب أو نحو ذلك مما يفهم
~~الواسطة في ثبوت العلم لهم، ويؤيد ما ذكر أنه لم يجىء في القرآن الكريم
~~نسبة علم الغيب إلى غيره تعالى أصلا، وجاء الإظهار على الغيب لمن ارتضى
~~سبحانه من رسول لا يقال: يجوز على هذا أن يقال: أعلم فلان الغيب بالبناء
~~للمفعول أيضا على معنى أن الله تعالى أعلمه وعرفه ذلك بطريق من طرق
~~الإعلام والتعريف، ومتى جاز هذا جاز أن يقال: علم فلان الغيب بقصد نسبة
~~علمه الحاصل من إعلامه إليه لأنا نقول: لا كلام في جواز - أعلم - بالبناء
~~للمفعول، وإنما الكلام في قولك: ومتى جاز هذا جاز أن يقال الخ، فنقول: إن
~~أريد بالجواز في تالي الشرطية الجواز معنى أي الصحة من حيث المعنى فمسلم
~~لكن ليس كل ما جاز معنى بهذا المعنى جاز شرعا استعماله، وإن أريد الجواز
~~شرعا بمعنى عدم المنع من استعماله فهو ممنوع لما فيه من الإيهام
~~والمصادمة لظواهر الآيات كآية { قل لا يعلم من فى
~~السموات والأرض الغيب إلا الله } وغيرها؛وقد سمعت
~~عن الإمام الرباني قدس سره النوراني أنه حط كل الحط على من قال: الله
~~سبحانه لا يعلم الغيب متأولا له بما تقدم لما فيه من المصادمة للنصوص
~~القرآنية وغيرها، وفي ذلك من سوء الأدب ما فيه، وقد شنعوا أيضا على من
~~قال: أكره الحق وأحب الفتنة وأفر من الرحمة مريدا بالحق الموت وبالفتنة
~~المال أو الولد وبالرحمة المطر لما في ظاهره من الشناعة والبشاعة ما لا
~~يخفى، / نعم لا يكفر قائل ذلك بذلك القصد ويلزمه التعزير كيلا يعود إلى
~~قوله.

# ثم إن علم غير الغيب من المحسوسات والمعقولات وإن كان لا يثبت لشيء من
~~الممكنات بلا واسطة في الثبوت أيضا إلا أنه في نسبته لشيء منها لم يعتبر
~~إلا اتصافه به غير مقيد بنفي تلك الواسطة لما أنه لم يرد حصر ذلك العلم
~~به عز وجل ونفيه عمن سواه جل وعلا بل صرح في مواضع أكثر من أن تحصى
~~بنسبته إلى ms07861 غيره سبحانه ولو ورد فيه ما ورد في علم الغيب لا التزم فيه ما
~~التزم فيه، وعلى ما تقرر لا يكون علم العقول بما لم يكن بعد من الحوادث
~~على ما يزعمه الفلاسفة من علم الغيب بل هو لو سلم علم حصل لهم من الفياض
~~المطلق جل شأنه بطريق من الطرق التي تقتضيها الحكمة فلا ينبغي أن يقال
~~فيهم: إنهم عالمون بالغيب، وقائله إما كافر أو مسلم آثم، وكذا يقال في
~~علم بعض المرتاضين من المسلمين الصوفية والكفرة الجوكية فإن كل ما يحصل
~~لهم من ذلك فإنما هو بطريق الفيض ومراتبه وأحواله لا تحصى، والتأهل له قد
~~يكون فطريا، وقد يكون كسبيا، وطرق اكتسابه متشعبة لا تكاد تستقصى،
~~وإفاضة ذلك على كفرة المرتاضين وإن أشبهت إفاضته على المؤمنين المتقين
~~إلا أن بين الأمرين فرقا عظيما عند المحققين، وقد ذكر بعض المتصوفة أنه
~~ما من حق إلا وقد جعل له باطل يشبهه لأن الدار دار فتنة وأكثر ما فيها
~~محنة، ويلحق بعلم المرتاضين من الجوكية علم بعض المتصوفة المنسوبين إلى
~~الإسلام المهملين أكثر أحكامه الواجبة عليهم المنهمكين في ارتكاب
~~المحظورات في نهارهم وليلهم، فلا ينبغي اعتقاد أن ذلك كرامة بل هو نقمة
~~مفضية إلى حسرة وندامة.

# وأما علم النجومي بالحوادث الكونية حسبما يزعمه فليس من هذا القبيل لأن
~~تلك الحوادث التي يخبر بها ليست من الغيب بالمعنى الذي ذكرناه إذ هي وإن
~~كانت غائبة عنا إلا أنها على زعمه مما نصب لها قرينة من الأوضاع الفلكية
~~والنسب النجومية من الاقتران والتثليث والتسديس والمقابلة ونحو ذلك،
~~وعلمه بدلالة القرائن التي يزعمها ناشىء من التجربة وما تقتضيه طبائع
~~النجوم والبروج التي دل عليها بزعمه اختلاف الآثار في عالم الكون والفساد
~~فلا أرى العلم بها إلا كعلم الطبيب الحاذق إذا رأى صفراويا مثلا علم
~~رتبة مزاجه وحققها يأكل مقدارا معينا من العسل أنه يعتريه بعد ساعة أو
~~ساعتين كذا وكذا من الألم، وإطلاق علم الغيب على ذلك فيه ما فيه، وإن
~~أبيت إلا تسمية ms07862 ذلك غيبا فالعلم به لكونه بواسطة الأسباب لا يكون من علم
~~الغيب المنفي عن غيره تعالى في شيء وكذا كل علم بخفي حصل بواسطة سبب من
~~الأسباب كعلمنا بالله تعالى وصفاته العلية وعلمنا بالجنة والنار ونحو
~~ذلك، على أنك إذا أنصفت تعلم أن ما عند النجومي ونحوه ليس علما حقيقيا
~~وإنما هو ظن وتخمين مبني على ما هو أوهن من بيت العنكبوت كما سنحقق ذلك
~~بما لا مزيد عليه في محله اللائق به إن شاء الله تعالى.

# وأقوى ما عنده معرفة زمني الكسوف والخسوف وأزمنة تحقق النسب المخصوصة
~~بين الكواكب وهي ناشئة من معرفة مقادير الحركات للكواكب والأفلاك الكلية
~~والجزئية وهي أمور محسوسة تدرك بالأرصاد والآلات المعمولة لذلك وبالجملة
~~علم الغيب بلا واسطة كلا أو بعضا مخصوص بالله جل وعلا لا يعلمه أحد من
~~الخلق أصلا، ومتى اعتبر فيه نفي الواسطة بالكلية تعين أن يكون من
~~مقتضيات الذات فلا يتحقق فيه تفاوت بين غيب وغيب، فلا بأس بحمل أل في {
~~الغيب } على الجنس، ومتى حملت على الاستغراق فاللائق أن لا يعتبر في
~~الآية سلب العموم بل يعتبر عموم السلب، ويلتزم أن القاعدة أغلبية، وكذا
~~يقال في السلب والعموم في جانب الفاعل فتأمل؛ فهذا ما عندي ولعل ما عندك
~~خير منه؛ والله تعالى أعلم.

# / { وما يشعرون أيان يبعثون } أي متى ينشرون من القبور
~~مع كونه مما لا بد لهم منه، ومن أهم الأمور عندهم - فأيان - اسم استفهام
~~عن الزمان، ولذا قيل: إن أصلها أي آن أي أي زمان، وإن كان المعروف
~~خلافه وهي معمولة ليبعثون، والجملة في موضع النصب - بيشعرون - وعلقت {
~~يشعرون } لمكان الاستفهام، وضمير الجمع للكفرة وإن كان عدم الشعور
~~بما ذكر عاما لئلا يلزم التفكيك بينه وبين ما يذكر بعد من الضمائر
~~الخاصة بهم قطعا، وقيل: الكل لمن وإسناد خواص الكفرة إلى الجميع من قبيل
~~بنو فلان فعلوا كذا والفاعل بعض منهم، وفيه بحث.

# وقرأ السلمي - إيان - بكسر الهمزة وهي لغة بني سليم.

### || [27.66]

# { بل ادارك علمهم في الآخرة ms07863 } إضراب عما تقدم على وجه
~~يفيد تأكيده وتقريره، وأصل { ادارك } تدارك فأدغمت التاء في الدال
~~فسكنت فاجتلبت همزة الوصل وهو من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك
~~وهو مراد من فسر التدارك هنا بالاضمحلال والفناء، وإلا فأصل التدارك
~~التتابع والتلاحق مطلقا، { وفي الأخرة } متعلق - بعلمهم - والعلم
~~يتعدى بفي كما يتعدى بالباء، وهي حينئذ بمعنى الباء كما نص عليه الفراء
~~وابن عطية وغيرهما، والمعنى بل تتابع علمهم في شأن الآخرة التي ما ذكر من
~~البعث حال من أحوالها حتى انقطع وفنى ولم يبق لهم علم بشيء مما سيكون
~~فيها قطعا مع توفر أسبابه فهو ترق عن وصفهم بجهل فاحش إلى وصفهم بجهل
~~أفحش، وليس تدارك علمهم بذلك على معنى أنه كان لهم علم به على الحقيقة
~~فانتفى شيئا فشيئا، بل على طريقة المجاز بتنزيل أسباب العلم ومباديه من
~~الدلائل العقلية والسمعية منزلة نفسه، وإجراء تساقطها عن درجة اعتبارهم
~~كلما لاحظوها مجرى تتابعها إلى الانقطاع. وجوز أن يكون الكلام على تقدير
~~مضاف أي  ادارك  أسباب علمهم، والتدارك مجاز عما ذكر من التساقط.

# وقوله تعالى: { بل هم فى شك منها } إضراب وانتقال عن عدم
~~علمهم بها إلى ما هو أفحش منه على نحو ما مر وهو حيرتهم في ذلك أي بل هم
~~في شك عظيم من نفس الآخرة وتحققها كمن تحير في أمر لا يجد عليه دليلا
~~فضلا عن الأمور التي ستقع فيها، وقوله سبحانه: { بل هم منها
~~عمون } إضراب وانتقال عن وصفهم بكونهم شاكين إلى وصفهم بما هو أفظع
~~منه وهو كونهم عميا قد اختلت بصائرهم بالكلية بحيث لا يكادون يدركون
~~طريق العلم بها وهو الدلائل الدالة على أنها كائنة لا محالة، فالمراد
~~عمون عن دلائلها أو عمون عن كل ما يوصلهم إلى الحق ويدخل فيه دلائلها
~~دخولا أوليا، و { منها } متعلق - بعمون - قدم عليه رعاية للفواصل،
~~ولعل تعديته بمن دون عن لجعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه، والكفر بالعاقبة
~~والجزاء يدع الشخص عاكفا على تحصيل مصالح بطنه وفرجه لا يتدبر ولا ms07864 يتبصر
~~فيما عدا ذلك.

# وجوز أن يكون { ادارك } بمعنى استحكم وتكامل ووصفهم باستحكام علمهم
~~بذلك وتكامله من باب التهكم بهم كما تقول لأجهل الناس: ما أعلمك على سبيل
~~الهزء، ومآل التهكم المذكور نفي علمهم بذلك كما في الوجه السابق لكن على
~~الوجه الأبلغ، والإضرابان من باب الترقي من الوصف بالفظيع إلى الوصف
~~بالأفظع نحو ما تقدم وهو وجه حسن، ويشعر كلام بعض المحققين بترجيحه على
~~ما ذكرنا أولا.

# وجوز أيضا أن يكون المراد - بالادراك - الاستحكام لكن على معنى استحكم
~~أسباب علمهم بأن القيامة كائنة لا محالة من الآيات القاطعة والحجج
~~الساطعة وتمكنوا من المعرفة فضل تمكن وهم جاهلون في ذلك، وفيه / أن دلالة
~~النظم الكريم على إرادة وهم جاهلون ليست بواضحة. وقال الكرماني: التدارك
~~التتابع، والمراد بالعلم هنا الحكم والقول؛ والمعنى بل تتابع منهم القول
~~والحكم في الآخرة وكثر منهم الخوض فيها، فنفاها بعضهم وشك فيها بعضهم
~~واستبعدها بعضهم وفيه ما فيه. وقيل: إن { في الآخرة } متعلق - بادارك -
~~وإليه ذهب الزجاج والطبرسي، واقتضته بعض الآثار المروية عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما، والمعنى على هذا عند بعضهم بل استحكم في الآخرة علمهم
~~بما جهلوه في الدنيا حيث رأوا ذلك عيانا، وكان الظاهر يدارك بصيغة
~~الاستقبال إلا أنه عبر بصيغة الماضي لتحقق الوقوع. وقيل: التدارك عليه من
~~تداركت أمر فلان إذا تلافيته، ومفعوله هنا محذوف أي بل تدارك في الآخرة
~~علمهم ما جهلوه في الدنيا أي تلافاه، وحاصل المعنى بل علموا ذلك في
~~الآخرة حين لم ينفعهم العلم، والتعبير بصيغة الماضي على ما علمت، ولا
~~يخفى أن في وجه ترتيب الإضرابات الثلاث حسب ما في النظم الكريم على هذين
~~الوجهين خفاءا فتدبر.

# وقرأ أبي (أم تدارك) على الأصل وجعل أم بدل { بل } ، وقرأ سليمان بن
~~يسار { بل أدرك } بنقل حركة الهمزة إلى اللام وشد الدال بناءا على
~~[أن] وزنه افتعل، فأدغم الدال وهي فاء الكلمة في التاء بعد قلبها دالا
~~فصار فيه قلب الثاني للأول كما في قولهم: أثرد وأصله ms07865 اثترد من الثرد،
~~والهمزة المحذوفة المنقول حركتها إلى اللام هي همزة الاستفهام أدخلت على
~~ألف الوصل فانحذفت ألف الوصل ثم انحذفت هي وألقيت حركتها على لام (بل)،
~~وقرأ أبو رجاء والأعرج وشيبة وطلحة وتوبة العنبري كذلك إلا أنهم كسروا
~~لام { بل } ، وروي ذلك عن ابن عياش وعاصم والأعمش.

# وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر وأهل مكة - بل أدرك - على وزن أفعل
~~بمعنى تفاعل، ورويت عن أبي بكر عن عاصم، وقرأ عبد الله في رواية وابن
~~عباس في رواية أبي حيوة وغيره عنه والحسن وقتادة وابن محيصن - بل آدرك
~~- بمدة بعد همزة الاستفهام، وأصله أأدرك فقلبت الثانية ألفا تخفيفا
~~كراهة الجمع بين همزتين، وأنكر أبو بكر بن أبي العلاء هذه الرواية، وقال
~~أبو حاتم: لا يجوز الاستفهام بعد { بل } لأن بل للإيجاب، والاستفهام في
~~هذا الموضع إنكار بمعنى لم يكن كما في قوله تعالى:

# أشهدوا خلقهم

# [الزخرف: 19] أي لم يشهدوا خلقهم فلا يصح وقوعهما معا للتنافي الذي بين
~~الإيجاب والإنكار اه. وقد أجاز بعض المتأخرين - كما قال أبو حيان -
~~الاستفهام بعد { بل } وشبهه بقول القائل: أخبزا أكلت، بل أماءا شربت
~~على ترك الكلام الأول والأخذ في الثاني، وقرأ مجاهد - أم أدرك - جعل أم
~~بدل { بل } وأدرك على وزن أفعل، وقرأ ابن عباس في رواية أيضا { بل
~~أدارك } بهمزة داخلة على { ادارك } فتسقط همزة الوصل المجتلبة لأجل
~~الإدغام والنطق بالساكن، وقرأ ابن مسعود أيضا (بل أأدرك) بهمزتين همزة
~~الاستفهام وهمزة أفعل، وقرأ الحسن أيضا والأعرج - بل أدرك - بهمزة،
~~وإدغام فاء الكلمة وهي الدال في فاء افتعل بعد صيرورة التاء دالا، وقرأ
~~ورش في رواية - بل ادرك - بحذف همزة أدرك، ونقل حركتها إلى اللام، وقرأ
~~ابن عباس أيضا - بلى أدرك - بحرف الإيجاب الذي يوجب به المستفهم المنفي،
~~وقرأ - بل آأدارك - بألف بين الهمزتين.

# فهذه عدة قراآت فما فيه منها استفهام صريح أو مضمن فهو إنكار ونفي، وما
~~فيه بلى فقد قال فيه أبو حاتم: إن كان بلى جوابا لكلام تقدم جاز أن ms07866
~~يستأنف بعده كأن قوما أنكروا ما تقدم من القدرة / فقيل لهم: بلى إيجابا
~~لما نفوا، ثم استؤنف بعده الاستفهام وعودل بقوله تعالى: { بل هم فى
~~شك منها } بمعنى أم هم في شك منها لأن حروف العطف قد تتناوب، وكف عن
~~الجملتين بقوله تعالى: { بل هم منها عمون } اه، يعني أن المعنى
~~أأدرك علمهم بالآخرة أم شكوا؟ فبل بمعنى أم عودل بها الهمزة، وتعقبه في
~~«البحر» بأن جعل بل بمعنى أم ومعادلتها لهمزة الاستفهام ضعيف جدا، وقال
~~بعض المحققين: ما فيه بلى فإثبات لشعورهم وتفسير له بالإدراك على وجه
~~التهكم الذي هو أبلغ وجوه النفي والإنكار وما بعده من قوله تعالى: { بل
~~هم فى شك } الخ إضراب عن التفسير مبالغة في النفي ودلالة على أن
~~شعورهم بها أنهم شاكون فيها بل أنهم منها عمون فهو على منوال:

# تحية بينهم ضرب وجيع

# أو رد وإنكار لشعورهم على أن الإضراب إبطالي فافهم.

### || [27.67]

# وقوله تعالى: { وقال الذين كفروا أءذا كنا ترابا
~~وءاباؤنا أءنا لمخرجون } كالبيان لجهلهم بالآخرة وعما هم
~~منها ووضع الموصول موضع ضميرهم لذمهم بما في حيز صلته والإشعار بعلة
~~حكمهم الباطل الذي تضمنه مقول القول، و - إذا - ظرف لمحذوف دل عليه -
~~مخرجون - أي أنخرج إذا كنا ترابا ولا مساغ لأن يكون ظرفا {
~~لمخرجون } لأن كلا من الهمزة وإن اللام على ما قيل: مانعة من عمل
~~ما بعدها فيما قبلها فكيف بها إذا اجتمعت، ولم يعتبر بعضهم اللام مانعة
~~بناءا على ما قرر في النحو من جواز تقدم معمول خبر إن المقرون باللام
~~عليه نحو إن زيدا طعامك لآكل، ويكفي حينئذ مانعان وأظن أن من قال:
~~يتوسع في الظروف ما لا يتوسع في غيرها لا يقول باطراد الحكم في مثل هذا
~~الموضع ومرادهم بالإخراج الإخراج من القبور، وجوز أن يكون الإخراج من حال
~~الفناء إلى الحياة، والأول هو الظاهر، وتقييد الإخراج بوقت كونهم ترابا
~~ليس لتخصيص الإنكار بالإخراج حينئذ فقط فإنهم منكرون للإحياء بعد الموت
~~مطلقا وإن كان البدن على حاله بل ms07867 لتقوية الإنكار بتوجيهه إلى الإخراج في
~~حالة منافية له بزعمهم، وقوله سبحانه: { وءاباؤنا } عطف على اسم كان
~~واستغنى بالفصل بالخبر عن الفصل بالتأكيد، وتكرير الهمزة في  أئنا 
~~للمبالغة والتشديد في الإنكار، وتحلية الجملة بأن واللام لتأكيد الإنكار
~~لا لإنكار التأكيد كما يوهمه ظاهر النظم الكريم، فإن تقديم الهمزة
~~لأصالتها في الصدارة، والضمير في  أئنا  لهم ولآبائهم لأن الكون ترابا
~~قد تناولهم وآباءهم.

# وقرأ ابن كثير وأبو عمرو - أئذا وأئنا - بالجمع بين الاستفهامين، وقلب
~~الثانية ياءا وفصل بينهما بألف أبو عمرو. وقرأ نافع - إذا - بهمزة واحدة
~~مكسورة فهمزة الاستفهام مقدرة مع الفعل المقدر لأن المعنى ليس على الخبر،
~~و - آينا - بهمزة الاستفهام وقلب الثانية ياءا وبينهما مدة، وقرأ آخرون
~~- أئذا - باستفهام ممدود أننا بنونين من غير استفهام.

### || [27.68]

# { لقد وعدنا هذا } أي الإخراج المذكور { نحن وءاباؤنا
~~من قبل } أي من قبل وعد محمد صلى الله عليه وسلم، وتقديم الموعود على
~~{ نحن } هنا للدلالة على أنه هو الذي تعمد بالكلام وقصد به حتى كأن ما
~~سواه مطرح وعلاوة له كما ينبىء عن ذلك ذكر ما صدر منهم أنفسهم مؤكدا
~~مقررا مكررا؛ وتأخيره عنه في آية سورة المؤمنين [83] لرعاية الأصل، ولا
~~مقتضى للعدول إذ لم يذكر هناك سوى اتباعهم أسلافهم في الكفر وإنكار البعث
~~من غير نعي ذلك عليهم، والجملة استئناف مسوق لتقرير الإنكار وتصديرها
~~بالقسم لمزيد التأكيد، وقوله تعالى: { إن هذا إلا أسطير
~~الأولين } تقرير إثر تقرير.

### || [27.69]

# بسبب تكذيبهم الرسل عليهم الصلاة والسلام / فيما دعوهم إليه من الإيمان
~~بالله عز وجل وحده وباليوم الآخر الذي تنكرونه فإن في مشاهدة عاقبتهم ما
~~فيه كفاية لأولي الأبصار، وفي التعبير عن المكذبين بالمجرمين الأعم منه
~~بحسب المفهوم لطف بالمؤمنين في ترك الجرائم لما فيه من إرشادهم إلى أن
~~الجرم مطلقا مبغوض لله عز وجل.

### || [27.70]

# { ولا تحزن عليهم } لإصرارهم على الكفر والتكذيب { ولا
~~تكن فى ضيق } أي في حرج صدر { مما يمكرون } أي من مكرهم
~~فإن الله تعالى يعصمك من الناس.

# وقرأ ابن كثير ms07868 { ضيق } بكسر الضاد وهو مصدر أيضا، وجوز أن يكون مفتوح
~~الضاد مخففا من ضيق، وقد قرىء كذلك أي لا تكن في أمر ضيق، وكره أبو علي
~~كون ذلك مخففا مما ذكر لأنه يقتضي حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، وليس
~~من الصفات التي تقوم مقام الموصوف باطراد، وفيه بحث.

### || [27.71]

# { ويقولون متى هذا الوعد } أي العذاب العاجل الموعود
~~وكأنهم فهموا وعدهم بالعذاب من الأمر بالسير والنظر في عاقبة أمثالهم
~~المكذبون، ويعلم منه وجه للتعبير  بيقولون  وعدم إجرائه على سنن ما
~~قبله أعني

# وقال الذين كفروا

# [النمل: 67] وسؤالهم عن وقت إتيان هذا العذاب على سبيل الاستهزاء
~~والإنكار، ولذا قالوا: { إن كنتم صدقين } عانين إن كنتم صادقين
~~في إخباركم بإتيانه فبينوا لنا وقته، والجمع باعتبار شركة المؤمنين في
~~الإخبار بذلك.

### || [27.72]

# أصل معنى ردف تبع والمراد به هنا لحق، ووصل وهو مما يتعدى بنفسه وباللام
~~كنصح. وقيل: اللام مزيدة لتأكيد وصول الفعل إلى المفعول به كما زيدت
~~الباء لذلك في قوله تعالى:

# ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة

# [البقرة: 195]، وقيل: إن اللام لتضمين { ردف } معنى دنا وهو يتعدى
~~باللام كما يتعدى بمن وإلى كما في «الأساس» ولتضمينه ذلك عدى بمن في
~~قوله:

# فلما ردفنا من عمير وصحبه

# تولوا سراعا والمنية تعنق

# وقيل: اللام داخلة على المفعول لأجله والمفعول به الذي يتعدى إليه الفعل
~~بنفسه محذوف أي ردف الخلق لأجلكم ولا يخفى ضعفه، وقيل: إن الكلام تم عند
~~{ ردف } على أن فاعله ضمير يعود على الوعد، ثم استأنف بقوله تعالى: {
~~لكم بعض الذى تستعجلون } على أن { بعض } مبتدأ، و {
~~لكم } متعلق بمحذوف وقع خبرا له، ولا يخفى ما فيه من التفكيك للكلام
~~والخروج عن الظاهر لغير داع لفظي ولا معنوي، والمعنى قل عسى أن يكون
~~لحقكم ووصل إليكم بعض الذي تستعجلون حلوله وتطلبونه وقتا فوقتا،
~~والمراد بهذا البعض عذاب يوم بدر، وقيل: عذاب القبر وليس بذاك، ونسبة
~~استعجال ذلك إليهم بناءا على ما يقتضيه ما هم عليه من التكذيب
~~والاستهزاء وإلا فلا استعجال منهم حقيقة، ms07869 والترجي المفهوم من عسى قيل:
~~راجع إلى العباد. وقال الزمخشري: إن عسى ولعل وسوف في وعد الملوك ووعيدهم
~~تدل على صدق الأمر وجده وما لا مجال للشك بعده، وإنما يعنون بذلك إظهار
~~وقارهم وأنهم لا يعجلون بالانتقام لإدلالهم بقهرهم وغلبتهم ووثوقهم بأن
~~عدوهم لا يفوتهم وأن الرمزة إلى الأغراض كافية من جهتهم، فعلى ذلك جرى
~~وعد الله تعالى ووعيده سبحانه انتهى. / وعليه ففي الكلام استعارة تمثيلية
~~ولا يخفى حسن ذلك، وإيثار ما عليه النظم الكريم على أن يقال: عسى أن
~~يردفكم الخ لكونه أدل على تحقق الوعد، وقرأ ابن هرمز { ردف } بفتح
~~الدال وهو لغة فيه.

### || [27.73]

# { وإن ربك لذو فضل على الناس } أي لذو إفضال وإنعام
~~كثير على كافة الناس، ومن جملة إفضاله عز وجل وإنعامه تعالى تأخير عقوبة
~~هؤلاء على ما يرتكبونه من المعاصي { ولكن أكثرهم لا
~~يشكرون } أي لا يشكرونه جل وعلا على إفضاله سبحانه عليهم ومنهم
~~هؤلاء، وقيل: لا يعرفون حق فضله تعالى عليهم تعبيرا عن انتفاء معرفتهم
~~ذلك بانتفاء ما يترتب عليها من الشكر.

### || [27.74]

# { وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم } أي ما تخفيه من
~~الأسرار التي من جملتها عداوتك { وما يعلنون } أي وما يظهرونه من
~~الأقوال والأفعال التي من جملتها ما حكى عنهم فليس تأخير عقوبتهم لخفاء
~~حالهم عليه سبحانه، أو فيجازيهم على ذلك، وفعل القلب إذا كان مثل الحب
~~والبغض والتصديق والتكذيب والعزم المصمم على طاعة أو معصية فهو مما يجازي
~~عليه، وفي الآية إيذان بأن لهم قبائح غير ما حكى عنهم، وتقديم الاكتنان
~~ليظهر المراد من استواء الخفي والظاهر في علمه جل وعلا، أو لأن مضمرات
~~الصدور سبب لما يظهر على الجوارح، وإلى الرمز إلى فساد صدورهم التي هي
~~المبدأ لسائر أفعالهم أوثر ما عليه النظم الكريم على أن يقال: وإن ربك
~~ليعلم ما يكنون وما يعلنون.

# وقرأ ابن محيصن وحميد وابن السميقع { تكن } بفتح التاء وضم الكاف من
~~كن الشيء ستره وأخفاه.

### || [27.75]

# { وما من غائبة فى السماء والأرض } أي من ms07870 شيء خفي ثابت
~~الخفاء فيهما؛ على أن { غائبة } صفة غلبت في هذا المعنى فكثر عدم
~~إجرائها على الموصوف ودلالتها على الثبوت وإن لم تنقل إلى الاسمية كمؤمن
~~وكافر، فتاؤها ليست للتأنيث إذ لم يلاحظ لها موصوف تجري عليه كالراوية
~~للرجل الكثير الرواية فهي تاء مبالغة، ويجوز أن تكون صفة منقولة إلى
~~الاسمية سمي بها ما يغيب ويخفى، والتاء فيها للنقل كما في الفاتحة،
~~والفرق بين المغلب والمنقول - على ما قال الخفاجي - أن الأول يجوز إجراؤه
~~على موصوف مذكر بخلاف الثاني.

# والظاهر عموم الغائبة أي ما من غائبة كائنة ما كانت { إلا فى
~~كتب مبين } أي بين، أو مبين لما فيه لمن يطالعه وينظر فيه من
~~الملائكة عليهم السلام وهو اللوح المحفوظ، واشتماله على ذلك إن كان
~~متناهيا لا إشكال فيه وإن كان غير متناه ففيه إشكال ظاهر ضرورة قيام
~~الدليل على تناهي الأبعاد واستحالة وجود ما لا يتناهى، ولعل وجود الأشياء
~~الغير المتناهية في علم الله تعالى في اللوح المحفوظ على نحو ما يزعمونه
~~من وجود الحوادث في «الجفر الجامع» وإن لم يكن ذلك حذو القذة بالقذة.
~~وقيل: المراد بالكتاب المبين علمه تعالى الأزلي الذي هو مبدأ لإظهار
~~الأشياء بالإرادة والقدرة، وقيل: حكمه سبحانه الأزلي وإطلاق الكتاب على
~~ما ذكر من باب الاستعارة ولا يخفى ما في ذلك. وقيل: المراد به القرإن
~~واشتماله على كل غائبة على نحو ما ذكرنا في اشتمال اللوح المحفوظ عليه،
~~وقد ذكر أن بعض العارفين استخرج من الفاتحة أسماء السلاطين العثمانية
~~ومدد سلطنتهم إلى آخر من يتسلطن منهم أدام الله تعالى ملكهم إلى يوم
~~الدين ووفقهم لما فيه صلاح المسلمين. وذكر بعضهم في هذا الوجه أنه مناسب
~~لما بعد من وصف القرآن وفيه ما فيه، وقال الحسن: الغائبة هو / يوم
~~القيامة وأهوالها، وقال صاحب «الغنيان»: الحوادث والنوازل، وقيل: أعمال
~~العباد، وقيل: ما غاب من عذاب السماء والأرض، والعموم أولى، وروي ذلك عن
~~ابن عباس، فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أنه قال: في ms07871 الآية يقول
~~سبحانه: ما من شيء في السماء والأرض سرا وعلانية إلا يعلمه سبحانه
~~وتعالى، وأخذ منه بعضهم حمل الكتاب على العلم الأزلي، وفيه نظر لجواز أن
~~يكون قد جعل كون ذلك في كتاب مبين كناية عن علمه تعالى به. وذهب أبو حيان
~~إلى أنه رضي الله تعالى عنه اعتبر في الآية حذف أحد المتقابلين اكتفاءا
~~بالآخر وكلامه رضي الله تعالى عنه محتمل لذلك، ويحتمل أنه ذكر العلانية
~~في بيان المعنى لأن من علم السر علم العلانية من باب أولى، ويحتمل أن ذلك
~~لأنه ما من علانية إلا وهي غيب بالنسبة إلى بعض الأشخاص، فيكون قد أشار
~~رضي الله تعالى عنه ببيان المعنى وذكر السر والعلانية فيه إلى أن المراد
~~- بغائبة - في الآية ما يشملهما وهو ما اتصف بالغيبة أعم من أن تكون
~~مطلقة أو إضافية كذا قيل فتدبر.

### || [27.76]

# لما ذكر سبحانه ما يتعلق بالمبدأ والمعاد ذكر تعالى ما يتعلق بالنبوة
~~فإن القرآن أعظم ما تثبت به نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم فذكر جل وعلا
~~أنه يقص على بني إسرائيل، والمراد بهم - كما روي عن قتادة - اليهود
~~والنصارى أكثر ما تجدد واستمر اختلافهم فيه على وجهه ويبين لهم حقيقة
~~الأمر فيه وذلك مما يقتضي إسلامهم لو تأملوا وأنصفوا لكنهم لم يفعلوا
~~وكابروا مثلكم أيها المشركون، ومما اختلفوا فيه أمر المسيح عليه السلام،
~~فمن قائل: هو الله تعالى، ومن قائل: ابن الله سبحانه، ومن قائل: ثالث
~~ثلاثة، ومن قائل: هو نبي كغيره من الأنبياء عليهم السلام، ومن قائل: هو
~~- وحاشاه - كاذب في دعواه النبوة وينسب مريم فيه إلى ما هي منزهة عنه رضي
~~الله تعالى عنها وهم اليهود الذين كذبوه، وأمر النبي المبشر به في
~~التوراة، فمن قائل: هو يوشع عليه السلام، ومن قائل: هو عيسى عليه السلام،
~~ومن قائل: إنه لم يأت إلى الآن وسيأتي آخر الزمان. ومما اختلفوا فيه أمر
~~الخنزير فقالت اليهود: بحرمة أكله، وقالت النصارى: بحله إلى غير ذلك.

### || [27.77]

# على الإطلاق فيدخل فيهم من ms07872 آمن من بني إسرائيل دخولا أوليا، وتخصيص
~~المؤمنين بهم كما فعل بعضهم خلاف الظاهر، وتخصيص المؤمنين بالذكر مع أنه
~~رحمة للعالمين لأنهم المنتفعون به.

### || [27.78]

# { إن ربك يقضى بينهم } أي بين بني إسرائيل الذين اختلفوا أو
~~بين المؤمنين وبين الناس { بحكمه } قيل: أي بحكمته جل شأنه، ويدل عليه
~~قراءة جناح بن حبيش (بحكمه) - بكسر الحاء وفتح الكاف - جمع حكمة مضاف إلى
~~ضميره تعالى، وقيل: المراد بالحكم المحكوم به إطلاقا للمصدر على اسم
~~المفعول، والمراد بالمحكوم به الحق والعدل، وعلى الوجهين لم يبق على
~~المعنى المصدري، والداعي لذلك أن - يقضي - بمعنى يحكم فلو بقي الحكم على
~~المعنى المصدري لصار الكلام نحو قولك: زيد يضرب بضربه وهو لا يقال مثله
~~في كلام عربي، وأورد عليه أنه يصح أن يقال ذلك على معنى يضرب بضربه وهو
~~لا يقال مثله في كلام عربي، وأورد عليه أنه يصح أن يقال ذلك على معنى
~~يضرب بضربه المعروف بالشدة مثلا، فالمعنى هنا يحكم بحكمه المعروف
~~بملابسة الحق، أو يحكم بحكم نفسه تعالى لا بحكم غيره عز شأنه كالبشر،
~~وقيل عليه: ليس المانع لصحة مثل هذا القول إضافة المصدر إلى ضمير الفاعل
~~فإنه لا كلام في صحته كإضافته إلى ضمير المفعول في -

# وسعى لها سعيها

# [الإسراء: 19] إنما المانع دخول الباء على المصدر المؤكد، ثم إن المعنى
~~الأول يوهم أن له سبحانه حكما غير معروف / بملابسة الحق، والثاني إنما
~~يظهر لو قدم بحكمه، وفيه أنه على ما ذكر ليس بمصدر مؤكد، وعدم الجواز في
~~المصدر النوعي لا سيما إذا كان من غير لفظه ليس بمسلم، وأيضا الظاهر أن
~~المانع بزعم المؤول لزوم اللغوية لو لم يؤول بما ذكر، والأولى إبقاؤه على
~~المصدرية، وجل الإضافة للعهد، وكون المعنى كما قال المورد: يحكم بحكمه
~~المعروف بملابسة الحق وأمر التوهم على طرف الثمام؛ وأيا ما كان فالضمير
~~المجرور عائد على الرب سبحانه وعوده على القرآن على أن المعنى يحكم
~~بالحكم الذي تضمنه القرآن واشتمل عليه من إثابة المحق وتعذيب المبطل
~~وحينئذ لا ms07873 يحتاج إلى كثرة القيل والقال لا يخفى ما في من القيل والقال
~~على من له أدنى تمييز بأساليب المقال { وهو العزيز } فلا يرد حكمه
~~سبحانه وقضاؤه جل جلاله { العليم } بجميع الأشياء التي من جملتها ما
~~يقضي به.

### || [27.79]

# والفاء في قوله تعالى: { فتوكل على الله } لترتيب الأمر على
~~ما ذكر من شؤونه عز وجل فإنها موجبة للتوكل عليه تعالى وداعية إلى الأمر
~~به؛ وفي ذكره تعالى بالاسم الجامع تأييد لذلك أي فتوكل على الله الذي هذا
~~شأنه فإنه يوجب على كل أحد أن يتوكل عليه ويفوض جميع أموره إليه جل وعلا،
~~وقوله تعالى: { إنك على الحق المبين } تعليل صريح للتوكل
~~عليه تعالى بكونه عليه الصلاة والسلام على الحق البين. أو الفاصل بينه
~~وبين الباطل، أو بين المحق والمبطل فإن كونه صلى الله عليه وسلم كذلك مما
~~يوجب الوثوق بحفظه تعالى ونصرته وتأييده لا محالة.

### || [27.80]

# وقوله سبحانه: { إنك لا تسمع الموتى } الخ تعليل آخر
~~للتوكل الذي هو عبارة عن التبتل إلى الله تعالى وتفويض الأمر إليه سبحانه
~~والإعراض عن التشبث بما سواه، وقد علل أولا بما يوجبه من جهته تعالى
~~أعني قضاءه عز وجل بالحق وعزته وعلمه تبارك وتعالى، وثانيا بما يوجبه من
~~جهته عليه الصلاة والسلام على أحد الوجهين أعني كونه صلى الله عليه وسلم
~~على الحق ومن جهته تعالى على الوجه الآخر أعني إعانته تعالى وتأييده
~~تعالى للمحق، ثم علل ثالثا بما يوجبه لكن لا بالذات بل بواسطة إيجابه
~~للإعراض عن التشبث بما سواه تعالى، فإن كونهم كالموتى والصم والعمي موجب
~~لقطع الطمع عن مشايعتهم ومعاضدتهم رأسا، وداع إلى تخصيص الاعتضاد به
~~تعالى، وهو المعني بالتوكل عليه جل شأنه، وجوز أن يكون قوله تعالى: {
~~إنك لا تسمع } الخ استئنافا بيانيا وقع جوابا لسؤال نشأ مما
~~قبله، أعني

# إنك على الحق المبين

# [النمل: 79] كأنه قيل: ما بالهم غير مؤمنين بمن هو على الحق المبين
~~فقيل: { إنك لا تسمع الموتى } الخ. وتعقب بأنه يأباه
~~السياق، واعترض بالمنع.

# وإنما شبهوا بالموتى ms07874 على ما قيل لعدم تأثرهم بما يتلى عليهم من القوارع،
~~وإطلاق الإسماع عن المفعول لبيان عدم سماعهم لشيء من المسموعات، وقيل:
~~لعل المراد تشبيه قلوبهم بالموتى فيما ذكر من عدم الشعور فإن القلب مشعر
~~من المشاعر أشير إلى بطلانه بالمرة، ثم بين بطلان مشعري الأذن والعين كما
~~في قوله تعالى:

# لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا
~~يبصرون بها ولهم ءاذان لا يسمعون بها

# [الأعراف: 179] وإلا فبعد تشبيه أنفسهم بالموتى لا يظهر لتشبيههم بالصم
~~والعمي مزيد مزية وكأنه لهذ قال في «البحر»: أي موتى القلوب، أو شبهوا
~~بالموتى لأنهم لا ينتفعون بما يتلى عليهم فقدم احتمال نسبة الموت إلى
~~قلوبهم.

# وتعقب بأن ما ذكر تخيل بارد لأن القلب يوصف بالفقه والفهم لا السمع، وما
~~ذكر أولا من أنهم أنفسهم شبهوا بالموتى هو الظاهر، ووجهه أنه على طريق
~~التسليم والنظر لأحوالهم كأنه قيل: كيف تسمعهم الأرشاد / إلى طريق الحق
~~وهم موتى وهذا بالنظر لأول الدعوة ولو أحييناهم لم يفد أيضا لأنهم صم،
~~وقد ولوا مدبرين وهذا بالنظر لحالهم بعد التبليغ البليغ ونفرتهم عنه، ثم
~~إنا لو أسمعناهم أيضا فهم عمي لا يهتدون إلى العمل بما يسمعون، وهذا
~~خاتمة أمرهم، ويعلم من هذا ما في ذلك من مزيد المزية الخالية عن التكلف.
~~وجوز أن يكون التشبيه لطوائف على مراتبهم في الضلال، فمنهم من هو كالميت
~~ومن هو كالأصم ومن هو كالأعمى، وهو وإن كان وجها خفيف المؤنة إلا أنه
~~خلاف الظاهر أيضا.

# { ولا تسمع الصم الدعاء } أي الدعوة إلى أمر من الأمور،
~~وتقييد النفي بقوله تعالى: { إذا ولوا مدبرين } لتتميم
~~التشبيه وتأكيد النفي فإنهم مع صممهم عن الدعاء إلى الحق معرضون عن
~~الداعي مولون على أدبارهم، ولا ريب في أن الأصم لا يسمع الدعاء مع كون
~~الداعي بمقابلة صماخه قريبا منه، فكيف إذا كان خلفه بعيدا منه، ومثله
~~في التتميم قول امرىء القيس:

# حملت ردينيا كأن سنانه

# سنا لهب لم يتصل بدخان

# وقرأ ابن كثير - لا يسمع الصم الدعاء - بالياء التحتانية ms07875 وفتح الميم
~~ورفع الصم.

### || [27.81]

# { وما أنت بهدى العمى عن ضللتهم } أي وما أنت
~~بصارف العمي عن ضلالتهم هاديا لهم هداية موصلة إلى المطلوب لفقد الشرط
~~العادي للاهتداء وهو البصر، و { عن } متعلقة بالهداية باعتبار تضمنها
~~معنى الصرف كما أشرنا إليه، وجوز أبو البقاء أن تعلق بالعمي ويكون المعنى
~~أن العمى صدر عن ضلالتهم وفيه بعد، وإيراد الجملة الاسمية للمبالغة في
~~نفي الهداية.

# وقرأ يحيى بن الحرث وأبو حيوة - بهاد - بالتنوين { العمى } بالنصب،
~~وقرأ الأعمش وطلحة وابن وثاب وابن يعمر وحمزة - تهدي - مضارع هدى { العمى
~~} بالنصب، وقرأ ابن مسعود - وما أن تهتدي - بزيادة أن بعدما كما في قول
~~امرىء القيس:

# حلفت لها بالله حلفة فاجر

# لناموا فما أن من حديث ولا صال

# و - تهتدي - مضارع اهتدى، و { العمى } بالرفع.

# { إن تسمع } أي ما تسمع إسماعا يجدي السامع نفعا. { إلا من
~~يؤمن بئايتنا } أي [من] من شأنهم الإيمان بها وهم الذين
~~ليسوا موتى ولا صما ولا عميا. وقال بعض الأجلة: أي إلا من هو في علم
~~الله تعالى كذلك، واعترض بأن صيغة الاستقبال وإن صحت باعتبار تعلق العلم
~~فيما لا يزال إلا أن المناسب صيغة المضي، واختار المعترض أن المعنى إلا
~~الذين يصدقون أن القرآن كلام الله تعالى إذ حينئذ تثبت نبوته صلى الله
~~عليه وسلم فيقبل قوله ويجدي إسماعه نفعا، وتعقب بأنه ينتقض الحصر
~~بالمصدقين في الاستقبال إن كانت الصيغة للحال وبالمصدقين في الحال إن
~~كانت للاستقبال، وإذا دفع لزوم الانتقاض بجعلها لهما لزم استعمال المشترك
~~في معنييه معا أو الجمع بين الحقيقة والمجاز، وأجيب بأن المراد الحال
~~ويدخل غيره فيه بدلالة النص من غير تكليف. وقال بعض المحققين: قد يراد
~~بالمضارع الاستقبال الشامل لجميع الأزمنة فإن الاستقبال كما يكون بالنظر
~~لزمان الحكم والتكلم على ما حقق في الأصول يجوز أن يكون بالنظر إلى علم
~~القائل أيضا فيشمل من يؤمن هنا من آمن حالا كما يشمل من يؤمن استقبالا
~~فلا غبار في المعنى الذي اختاره ذلك المعترض من هذه الحيثية، ms07876 / نعم قيل:
~~إن فيه شبه تحصيل الحاصل لأن التصديق بالقرآن هو استماعه النافع، ولعل من
~~عدل عنه إنما عدل لذلك، ولم يعبأ بالمغايرة بين ذينك الأمرين الظاهرة بعد
~~النظر الصحيح، والحق أن ما ذكر من شبه تحصيل الحال على طرف الثمام لظهور
~~الفرق بين الإسماع المراد في الآية والتصديق بأن القرآن كلام الله تعالى
~~كما لا يخفى.

# وجوز أن يراد بالآيات المعجزات التي أظهرها الله تعالى على يده عليه
~~الصلاة والسلام الشاملة للآيات التنزيلية والتكوينية وأن يراد بها الآيات
~~التكوينية فقط، والإيمان بها التصديق بكونها آيات الله تعالى وليست من
~~السحر وإذا أريد بالإسماع النافع على هذا إسماع الآيات التنزيلية ليؤتى
~~بما تضمنته من الاعتقادات والأعمال كأن الكلام أبعد وأبعد من أن يكون فهي
~~شبه تحصيل الحاصل إلا أن ذلك لا يخلو عن شيء، وفي «إرشاد العقل السليم»
~~أن إيراد الإسماع في النفي والإثبات دون الهداية مع قربها بأن يقال: إن
~~تهدي إلا من يؤمن الخ لما أن طريق الهداية هو إسماع الآيات التنزيلية
~~فافهم.

# وقوله تعالى: { فهم مسلمون } قيل: تعليل لإيمانهم بها كأنه قيل:
~~فإنهم منقادون للحق في كل وقت. وقيل: مخلصون لله تعالى من قوله تعالى:

# بلى من أسلم وجهه لله

# [البقرة: 112]، وقيل: هو تعليل لما يدل عليه الكلام من أنهم يسمعون
~~إسماعا نافعا لهم، وفي توحيد الضمير تارة وجمعه أخرى رعاية للفظ (من)
~~ومعناها.

# واستدل بقوله سبحانه: { إنك لا تسمع الموتى } على أن
~~الميت لا يسمع كلام الناس مطلقا، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل الكلام
~~في ذلك في سورة الروم على أتم وجه.

### || [27.82]

# { وإذا وقع القول عليهم } بيان لما أشير إليه بقوله
~~تعالى:

# بعض الذى تستعجلون

# [النمل: 72] من بقية ما يستعجلونه من الساعة ومباديها، والمراد بالقول
~~ما نطق من الآيات الكريمة بمجيء الساعة وما فيها من فنون الأهوال التي
~~كانوا يستعجلونها وبوقوعه قيامها وحصولها عبر عن ذلك به للإيذان بشدة
~~وقعها وتأثيرها، وإسناده إلى القول لما أن المراد بيان وقوعها من حيث
~~إنها مصداق للقول ms07877 الناطق بمجيئها، وقد أريد بالوقوع دنوه واقترابه كما في
~~قوله تعالى:

# أتى أمر الله

# [النحل: 1] ففيه مجاز المشارفة أي إذا دنا وقوع مدلول القول المذكور
~~الذي لا يكادون يسمعونه ومصداقه.

# { أخرجنا لهم دابة من الأرض } وذلك على ما أخرج ابن
~~مردويه من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا، وهو وجماعة عن ابن عمر رضي
~~الله تعالى عنهما موقوفا «حين يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: «أكثروا الطواف بالبيت من قبل أن
~~يرفع وينسى الناس مكانه، وأكثروا تلاوة القرآن من قبل أن يرفع، قيل: وكيف
~~يرفع ما في صدور الرجال؟ قال: يسري عليهم ليلا فيصبحون منه فقراء وينسون
~~قول لا إله إلا الله ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم فذلك حين يقع القول
~~عليهم»، وهذا ظاهر في أن خروج الدابة حين لا يبقى في الأرض خير، ويقتضي
~~ذلك أن يكون بعد موت عيسى والمهدي وأتباعهما عليهم السلام، وسيأتي إن شاء
~~الله تعالى من الأخبار ما هو ناطق بأنها تخرج وعيسى يطوف بالبيت ومعه
~~المسلمون. وأخرج نعيم بن حماد عن وهب بن منبه قال: أول الآيات الروم
~~والثانية الدجال والثالثة يأجوج ومأجوج والرابعة عيسى والخامسة الدخان
~~والسادسة الدابة، وصوب السفاريني أنها قبل الدخان، والحق أنها تخرج وفي
~~الناس مؤمن وكافر، فالظاهر أن الخبر المذكور عن ابن مسعود غير صحيح، ويدل
~~على ما ذكرنا / من الحق ما أخرج أحمد والطيالسي ونعيم بن حماد وعبد بن
~~حميد والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم
~~وابن مروديه والبيهقي في «البعث» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " تخرج دابة الأرض ومعها عصا موسى وخاتم سليمن عليهما السلام فتجلو وجه
~~المؤمن بالخاتم وتخطم أنف الكافر بالعصا حتى يجتمع الناس على الخوان يعرف
~~المؤمن من الكافر "

# وقد اختلفت الروايات فيها اختلافا كثيرا، فحكى أبو حيان في «البحر»
~~والدميري في «حياة الحيوان» رواية أنه يخرج في كل بلد دابة مما هو مبثوث
~~نوعها في ms07878 الأرض فليست دابة واحدة، وعليه يراد بدابة الجنس الصادق
~~بالمتعدد، وأكثر الروايات أنها دابة واحدة وهو الصحيح، فالتعبير عنها
~~باسم الجنس وتأكيد إبهامه بالتنوين الدال على التفخيم من الدلالة على
~~غرابة شأنها وخروج أوصافها عن طور البيان ما لا يخفى، وعلى كونها واحدة
~~اختلف فيها أيضا فقيل: هي من الإنس واستؤنس له بما روى محمد بن كعب
~~القرظي قال: سئل علي كرم الله تعالى وجهه عن الدابة فقال: أما والله إنها
~~ليست بدابة لها ذنب ولكن لها لحية، وفي «الميزان» للذهبي عن جابر الجعفي
~~- وهو كذاب - قال أبو حنيفة: ما لقيت أكذب منه أنه كان يقول: هي من الإنس
~~وإنها علي نفسه كرم الله تعالى وجهه؛ وعلى ذلك جمع من إخوانه الشيعة ولهم
~~في ذلك روايات: منها ما رواه علي بن إبراهيم في «تفسيره» عن أبي عبد
~~الله رضي الله تعالى عنه قال: قال رجل لعمار بن ياسر: يا أبا اليقظان آية
~~في كتاب الله تعالى أفسدت قلبي، قال عمار: وأية آية هي؟! فقال: قوله
~~تعالى: { وإذا وقع القول عليهم } الآية فأية دابة هذه؟ قال
~~عمار: والله ما أجلس ولا آكل ولا أشرب حتى أريكها فجاء عمار مع الرجل إلى
~~أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه وهو يأكل تمرا وزبدا فقال: يا
~~أبا اليقظان هلم فجلس عمار يأكل معه فتعجب الرجل منه فلما قام عمار قال
~~الرجل: سبحان الله حلفت أنك لا تجلس ولا تأكل ولا تشرب حتى ترينيها قال
~~عمار: قد أريتكها إن كنت تعقل، وروى العياشي هذه القصة بعينها عن أبي ذر
~~أيضا وكل ما يروونه في ذلك كذب صريح، وفيه القول بالرجعة التي لا ينتهض
~~لهم عليها دليل.

# وفي بعض الآثار ما يعارض ما ذكر، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن النزال بن
~~سبرة قال: قيل لعلي كرم الله تعالى وجهه: إن ناسا يزعمون أنك دابة
~~الأرض، فقال: والله إن لدابة الأرض لريشا وزغبا ومالي ريش ولا زغب وأن
~~لها لحافرا ومالي من حافر وأنها لتخرج ms07879 من حفز الفرس الجواد ثلاثا وما
~~خرج ثلثها، والمشهور - وهو الحق - أنها دابة ليست من نوع الإنسان، فقيل:
~~هي الثعبان الذي كان في جوف الكعب واختطفته العقاب حين أرادت قريش بناء
~~البيت الحرام فمنعهم وأن العقاب التي اختطفته ألقته بالحجون فالتقمته
~~الأرض، وذكر ذلك الدميري عن ابن عباس، والأكثرون على أنها غيرها.

# أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن الزبير أنه وصف الدابة فقال:
~~رأسها رأس ثور وعينها عين خنزير وأذنها أذن فيل وقرنها قرن أيل وعنقها
~~عنق نعامة وصدرها صدر أسد ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة هرة وذنبها ذنب
~~كبش وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا - زاد ابن جرير -
~~بذراع آدم عليه السلام. ونقل السفاريني عن كعب أنه قال: صوتها صوت حمار،
~~وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس أنه قال: الدابة مؤلفة ذات زغب وريش فيها
~~من ألوان الدواب كلها وفيها من كل أمة سيما وسيماها من هذه الأمة أنها
~~تتكلم / بلسان عربي مبين، وعن أبي هريرة أنه قال: فيها من كل لون وما
~~بين قرنيها فرسخ للراكب، وفي رواية أخرى عن ابن عباس أن لها عنقا مشرفا
~~يراها من بالمشرق كما يراها من بالمغرب ولها وجه كوجه الإنسان ومنقار
~~كمنقار الطير ذات وبر وزغب، وعن وهب وجهها وجه رجل وسائر خلقها كخلق
~~الطير، وصرح في بعض الروايات بأن لها جناحين، وذكر بعضهم أن طولها ستون
~~ذراعا.

# واختلف في محل خروجها فقيل: المسجد الحرام لما أخرج ابن جرير عن حذيفة
~~بن اليمان قال:

# " ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدابة فقال حذيفة: يا رسول الله من
~~أين تخرج؟ قال؛ من أعظم المساجد حرمة على الله تعالى بينما عيسى عليه
~~السلام يطوف بالبيت ومعه المسلمون إذ تضطرب الأرض من تحتهم تحرك القنديل
~~وينشق الصفا مما يلي المسجد فتخرج الدابة من الصفا أول ما يبدو رأسها
~~ملمعة ذات وبر وريش لن يدركها طالب ولن يفوتها هارب تسم الناس مؤمن
~~وكافر: أما المؤمن فيرى وجهه كأنه كوكب ms07880 دري وتكتب بين عينيه مؤمن. وأما
~~الكافر فتنكت بين عينيه نكتة سوداء وتكتب كافر "

# وأخرج ابن أبي شيبة والخطيب في «تالي التلخيص» عن ابن عمر قال: تخرج
~~الدابة من جبل جياد في أيام التشريق والناس بمنى، وأخرج ابن مردويه
~~والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " تخرج دابة الأرض من جياد فيبلغ صدرها الركن ولم يخرج ذنبها بعد وهي
~~دابة ذات وبر وقوائم "

# وأخرج البخاري في «تاريخه» وابن ماجه وابن مردويه عن بريده رضي الله
~~تعالى عنها قال: ذهب بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضع بالبادية
~~قريب من مكة فإذا أرض يابسة حولها رمل فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " تخرج الدابة من هذا الموضع فإذا شبر في شبر "

# وجاء في بعض الروايات أنها تخرج من أقصى البادية، وفي بعض من مدينة قوم
~~لوط، وفي بعض أن لها ثلاث خرجات في الدهر: تخرج في أول خرجة فى أقصى
~~اليمن منتشرا ذكرها بالبادية ولا يدخل ذكرها القرية يعني مكة، ثم تخرج
~~خرجة أخرى فيعلو ذكرها في البادية ويدخل القرية، ثم بينما الناس في أعظم
~~المساجد حرمة لم يرعهم إلا وهي في ناحية المسجد من الركن الأسود وباب بني
~~مخزوم فيرفض الناس عنها شتى وتثبت عصابة من المسلمين عرفوا أنهم لن
~~يعجزوا الله تعالى فتنتفض عن رأسها التراب فتجلو عن وجوههم حتى كأنهم
~~الكواكب الدرية.

# واختلف أيضا في أنها هل تخلق يوم تخرج أو هي مخلوقة الآن؟ فقيل: إنها
~~تخلق يوم تخرج، وقيل: إنها مخلوقة الآن لكن لم تؤمر بالخروج. واستدل بما
~~روي عن ابن عباس أنه قرع الصفا بعصاه وهو محرم، وقال: إن الدابة لتسمع
~~قرع عصاي هذه، وعليه من يقول: إنها الثعبان، ومن يقول: إنها الجساسة التي
~~تجسس الأخبار للدجال كما هو المروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وزعم
~~بعضهم أنها مخلوقة في عهد الأنبياء المتقدمين عليهم السلام، فقد أخرج ابن
~~أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن ms07881 أبي حاتم عن الحسن «أن موسى
~~عليه السلام سأل ربه سبحانه أن يريه الدابة فخرجت ثلاثة أيام ولياليهن
~~تذهب في السماء لا يرى واحد من طرفيها فرأى عليه السلام منظرا فظيعا
~~فقال: يا رب ردها فردها، وجاء في حديث أخرجه نعيم بن حماد في «الفتن»
~~والحاكم في «المستدرك» عن ابن مسعود أنها إذا خرجت تقتل إبليس عليه
~~اللعنة - وهو ساجد - وذلك بعد طلوع الشمس من مغربها وتحقق هلاكه عنده،
~~والأخبار في هذه الدابة كثيرة.

# / وفي «البحر» أنهم اختلفوا - في ماهيتها وشكلها ومحل خروجها وعدد
~~خروجها ومقدار ما يخرج منها وما تفعل بالناس وما الذي تخرج به - اختلافا
~~مضطربا معارضا بعضه بعضا فاطرحنا ذكره لأن نقله تسويد للورق بما لا
~~يصح وتضييع لزمان نقله اه، وهو كلام حق وأنا إنما نقلت بعض ذلك دفعا
~~لشهوة من يحب الاطلاع على شيء من أخبارها صدقا كان أو كذبا، وقد تصدى
~~السفاريني في كتابه «البحور الزاخرة» للجمع بين بعض هذه الأخبار
~~المتعارضة ولا أظنه أتى بشيء.

# ثم إن الأخبار المذكورة أقربها للقبول الخبر الذي حسنه الترمذي، ومن
~~الأخبار في هذا الباب ما صححه الحاكم وتصحيحه محكوم عليه بين المحدثين
~~بعدم الاعتبار، وقصارى ما أقول في هذه الدابة أنها دابة عظيمة ذات قوائم
~~ليست من نوع الإنسان أصلا يخرجها الله تعالى آخر الزمان من الأرض، وفي
~~تقييد إخراجها بقوله سبحانه: { من الأرض } نوع إشارة على ما قيل:
~~إلى أن خلقها ليس بطريق التوالد بل هو بطريق التولد نحو خلق الحشرات.
~~وقيل: إنه للإشارة إلى تكونها في جوف الأرض فيكون في إخراجها من الأرض
~~رمز إلى ما يكون في الساعة التي أخرجت هي بين يديها من تشقق الأرض وخروج
~~الناس من جوفها أحياءا كاملة خلقتهم، وفي هذا وما قبله ذهاب إلى تعلق {
~~من الأرض } ب { أخرجنا } وهو الظاهر الذي ينبغي أن يعول عليه
~~دون كونه متعلقا بمحذوف وقع صفة لدابة أي دابة كائنة من الأرض.

# { تكلمهم أن الناس كانوا بئايتنا لا يوقنون
~~} أي تكلمهم بأنهم كانوا ms07882 لا يتيقنون بآيات الله تعالى الناطقة بمجيء
~~الساعة ومباديها أو بجميع آياته التي من جملتها تلك الآيات، وقيل: بآياته
~~التي من جملتها خروجها بين يدي الساعة وليس بذاك، وإضافة الآيات إلى نون
~~العظمة لأنها حكاية منه تعالى لمعنى قولها لا لعين عبارتها.

# وقيل: لأنها حكاية منها لقول الله عز وجل؛ وقيل: لاختصاصها به تعالى
~~وأثرتها عنده سبحانه كما يقول بعض خواص الملك خيلنا وبلادنا، وإنما الخيل
~~والبلاد لمولاه، وقيل: هناك مضاف محذوف أي بآيات ربنا. والظاهر أن ضمير
~~الجمع في { تكلمهم } للكفرة المنكرين للبعث مطلقا لا للكفرة المحدث عنهم
~~فيما سبق بخصوصهم ضرورة أنهم ليسوا موجودين عند إخراج الدابة لتكلمهم،
~~وتكليمها إياهم - وهم موتى - بعيد أو غير معقول، والرجعة التي يعتقدها
~~الشيعة لا نعتقدها، والآية الآتية لا تدل كما يزعمون عليها. ويسهل أمر
~~ذلك أنه ليس مدار الحديث عنهم سوى ما هم عليه من الشرك والكفر بالآيات
~~وإنكار البعث وذلك موجود فيهم وفي الكفرة الموجودين عند إخراج الدابة،
~~ومثله ضميرا { عليهم } و { لهم } والمراد بالناس الكفرة الماضون مطلقا
~~لا مشركو أهل مكة فقط، والمراد بإخبارها إياهم بذلك التحسر على ما فاتهم
~~من الإيقان بما قرب وقوعه وظهور بطلان ما اعتقدوه فيه ومؤاخذتهم على
~~التكذيب به أشد مؤاخذة، وفي ذلك استدعاء لأمثالهم إلى ترك ما هم عليه مما
~~شاركوهم به من التذكيب وإنكار البعث، وجوز أن يراد بالناس مشركو أهل مكة
~~وأمر الإخبار على حاله.

# وقيل: يجوز أن تكون الضمائر للناس لا للكفرة منهم خاصة، ويراد بالناس
~~إما الكفرة المنكرون للبعث، والمراد بالإخبار التنفير عما كانوا عليه من
~~الإنكار ليثبت المؤمن ويرتدع الكافر، وإما مشركو أهل مكة والمراد
~~بالإخبار ذلك. وقيل: المراد به التشنيع عليهم بين أحبائهم وأعدائهم وكان
~~بلسان الدابة ليكون أبلغ لما فيه من ظهور خطئهم عند ما لا يظن إدراكه له
~~فضلا عن النطق به وإذاعته على سبيل التشنيع، وكان بين يدي الساعة ليردفه
~~/ بلا كثير فصل ما يشبهه من شهادة الأعضاء عليهم وهي أبعد وقوعا مع
~~تشنيع ms07883 الدابة، وفي وقوعها بعده ما يشبه الترقي من العظيم إلى الأعظم،
~~وأيد كون الضمائر للناس على الإطلاق وأن المراد بالناس المذكور في النظم
~~الكريم أهل مكة ما روي عن وهب أن الدابة تخبر كل من تراه أن أهل مكة
~~كانوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن لا يوقنون وقيل: ضميرا { عليهم }
~~و { لهم } لمشركي أهل مكة المحدث عنهم فيما سبق، ومعنى { لهم } لذمهم
~~أو نحوه، وضمير { تكلمهم } للناس الموجودين عند الإخراج أو للكفرة
~~كذلك، والمراد بالناس المذكور في النظم الكريم أولئك المشركون، وقيل: غير
~~ذلك، ولا يخفى عليك بأدنى تأمل ما هو الأول والأظهر في الآية من الأقوال،
~~وأيا ما كان فوصف الناس بعدم الإيقان بالآيات مع أنهم كانوا جاحدين لها
~~للإيذان بأنه كان من حقهم أن يوقنوا بها ويقطعوا بصحتها، وقد اتصفوا
~~بنقيض ذلك.

# وكون التكليم من الكلام هو الظاهر، ويؤيده قراءة أبي - تنبؤهم - وقراءة
~~يحيى بن سلام (تحدثهم). وقيل: هو من الكلم بمعنى الجرح والتفعيل
~~للتكثير، ويؤيده قراءة ابن عباس ومجاهد وابن جبير وأبي زرعة والجحدري
~~وأبي حيوة وابن أبي عبلة { تكلمهم } بفتح التاء وسكون الكاف وتخفيف
~~اللام وقراءة بعضهم - تجرحهم - مكان تكلمهم، وكأنه أريد بالجرح ما هو
~~مقابل التعديل، ويرجع ذلك إلى معنى التشنيع ورجوع الضمائر عليه إلى
~~الكفرة المحدث عنهم فيما سبق مما لا غبار عليه، وقوله تعالى: { أن
~~الناس } الخ بتقدير بأن الناس، والمعنى تشنع عليهم بهذا الكلام، ويراد
~~بالناس فيه أولئك المشنع عليهم، وظاهر الآية وقوعه في كلامها بهذا اللفظ،
~~ولعل فهم السامعين كون المراد به مشركي مكة وقت التشنيع بمعونة قرينة تدل
~~على ذلك إذ ذاك، ويحتمل أن يكون الواقع فيه بدله مشركي مكة أو نحوه، لكن
~~جاء في الحكاية بلفظ الناس، والنكتة فيه على ما قيل: الإيماء إلى كثرتهم.
~~وقيل: الرمز إلى مزيد قبح عدم الإيقان منهم، ويعلم مما ذكر وجه العدول عن
~~- أنهم - إلى { أن الناس } وجوز أن يكون بتقدير حرف التعليل أي لأن
~~الناس الخ، وهو تعليل من جهته تعالى ms07884 لجرحها إياهم، وفيه إقامة الظاهر
~~مقام الضمير الراجع كالضمائر السابقة إلى مشركي مكة، وجوز أن تقدر الباء
~~على أنها سببية.

# وجوز أيضا أن يكون المراد بالكلم الجرح بمعنى الوسم، فقد روي أنها تسم
~~جبهة الكافر، وفي رواية أخرى أنها تحطم أنفه بعصا موسى عليه السلام التي
~~معها، واختار بعضهم كون المراد به ما ذكر لما في حديث أخرجه نعيم بن حماد
~~وابن مردويه عن عمر رضي الله تعالى عنه مرفوعا ليس ذلك بحديث ولا كلام
~~ولكنه سمة تسم من أمرها الله تعالى، وسأل أبو الحوراء ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما هل ما في الآية تكلمهم أو تكلمهم؟ فقال كل ذلك تفعل
~~تكلم المؤمن وتكلم الكافر تجرحه، والظاهر أن الضمائر على تقدير أن يراد
~~بالكلم الجرح، والوسم راجعة إلى الكفرة على الإطلاق دون المحدث عنهم فيما
~~سبق إذ لا معنى لوسمها إياهم، ويتعين أن يراد بالناس أولئك الكفرة الذين
~~عادت عليهم الضمائر، ولعل المعنى تسمهم لأنهم كانوا في علمنا بآياتنا لا
~~يوقنون، وقرأ ابن مسعود - بأن - وجعلت مؤيدة لكون التكليم من الكلام وهو
~~مبني على الظاهر وإلا فالباء تحتمل أن تكون للسببية فتلائم كونه من الكلم
~~بمعنى الجرح.

# وقرأ بعض السبعة - إن - بكسر الهمزة، وخرج على إضمار القول أو إجراء
~~التكليم من الكلام مجراه، أو على أن الكلام استئناف مسوق من جهته سبحانه
~~للتعليل فتدبر.

### || [27.83]

# { ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب
~~بئايتنا } بيان إجمالي لحال المكذبين عند قيام الساعة بعد بيان
~~بعض مباديها، و { يوم } منصوب بفعل مضمر خوطب به نبينا صلى الله عليه
~~وسلم أي اذكر يوم، وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت مع أن المقصود تذكير ما
~~وقع فيه من الحوادث قد مر بيان سره مرارا، والمراد بهذا الحشر الحشر
~~للتوبيخ والعذاب بعد الحشر الكلي الشامل لكافة الخلق وهو المذكور فيما
~~بعد من قوله تعالى:

# ويوم ينفخ فى الصور

# [النمل: 87] إلى آخره، ولعل تقديم ما تضمن هذا على ما تضمن ذلك دون
~~العكس مع أن الترتيب ms07885 الوقوعي يقتضيه للإيذان بأن كلا مما تضمنه هذا وذاك
~~من الأحوال طامة كبرى وداهية دهياء حقيقة بالتذكير على حيالها ولو روعي
~~الترتيب الوقوعي لربما توهم أن الكل داهية واحدة قد أمر بذكرها كما مر في
~~سورة البقرة مع أن الأنسب بذكر أن الكفرة لا يوقنون بالآيات المراد به
~~أنهم يكذبون بها أن يذكر بعده ما تضمن التوبيخ منه عز وجل والتعذيب على
~~ذلك التكذيب، و(من) الثانية بيانية جيء بها لبيان { فوجا } ، و(من)
~~الأولى تبعيضية لأن كل أمة منقسمة إلى مصدق ومكذب، أي ويوم نجمع من كل
~~أمة من أمم الأنبياء عليهم السلام أو من أهل كل قرن من القرون جماعة
~~كثيرة مكذبة بآياتنا { فهم يوزعون } أي يحبس أولهم على آخرهم حتى
~~يتلاحقوا ويجتمعوا في موقف التوبيخ والمناقشة، وفيه من الدلالة على كثرة
~~عددهم وتباعد أطرافهم ما لا يخفى، وقيل: { من } الثانية تبعيضية
~~كالأولى، والمراد بالفوج جماعة من الرؤساء المتبوعين للكفرة، وعن ابن
~~عباس أبو جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة.
~~وهكذا يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار.

# وهذه الآية من أشهر ما استدل بها الإمامية على الرجعة. قال الطبرسي في
~~تفسيره «مجمع البيان»: واستدل بهذه الآية على صحة الرجعة من ذهب إلى ذلك
~~من الإمامية بأن قال: إن دخول { من } في الكلام يوجب التبعيض فدل بذلك
~~على أنه يحشر قوم دون قوم وليس ذلك صفة يوم القيامة الذي يقول فيه سبحانه

# وحشرنهم فلم نغادر منهم أحدا

# [الكهف: 47]، وقد تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله
~~عليه وسلم في أن الله تعالى سيعيد عند قيام المهدي قوما ممن تقدم موتهم
~~من أوليائه وشيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ويبتهجوا بظهور دولته،
~~ويعيد أيضا قوما من أعدائه لينتقم منهم وينالوا بعض ما يستحقونه من
~~العقاب بالقتل على أيدي شيعته أو الذل والخزي بما يشاهدون من علو كلمته.

# ولا يشك عاقل أن هذا مقدور لله تعالى غير مستحيل في نفسه وقد فعل الله ms07886
~~تعالى ذلك من الأمم الخالية ونطق القرآن بذلك في عدة مواضع مثل قصة عزير
~~وغيره عليه السلام، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:

# " سيكون من أمتي كل ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة
~~بالقذة حتى لو أن أحدهم دخل حجر ضب لدخلتموه "

# وتأول جماعة من الإمامية ما ورد من الأخبار في الرجعة على رجوع الدولة
~~والأمر والنهي دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات، وأولوا الأخبار الواردة
~~في ذلك لما ظنوا أن الرجعة تنافي التكليف وليس كذلك لأنه ليس فيها ما
~~يلجىء إلى فعل الواجب والامتناع من القبيح، والتكليف يصح معها كما يصح مع
~~ظهور المعجزات الباهرة والآيات القاهرة كفلق البحر وقلب العصا ثعبانا
~~وما أشبه ذلك / ولأن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فيتطرق
~~التأويل عليها، وإنما المعول عليه في ذلك إجماع الشيعة الإمامية وإن كانت
~~الأخبار تعضده وتؤيده انتهى.

# وأقول: أول من قال بالرجعة عبد الله بن سبأ ولكن خصها بالنبي صلى الله
~~عليه وسلم، وتبعه جابر الجعفي في أول المائة الثانية فقال برجعة الأمير
~~كرم الله تعالى وجهه أيضا لكن لم يوقتها بوقت، ولما أتى القرن الثالث
~~قرر أهله من الإمامية رجعة الأئمة كلهم وأعدائهم وعينوا لذلك وقت ظهور
~~المهدي، واستدلوا على ذلك بما رووه عن أئمة أهل البيت، والزيدية كافة
~~منكرون لهذه الدعوى إنكارا شديدا، وقد ردوها في كتبهم على وجه مستوفى
~~بروايات عن أئمة أهل البيت أيضا تعارض روايات الإمامية، والآيات
~~المذكورة هنا لا تدل على الرجعة حسبما يزعمون ولا أظن أن أحدا منهم يزعم
~~دلالتها على ذلك، بل قصارى ما يقول: إنها تدل على رجعة المكذبين أو
~~رؤسائهم فتكون دالة على أصل الرجعة وصحتها لا على الرجعة بالكيفية التي
~~يذكرونها، وفي كلام الطبرسي ما يشير إلى هذا.

# وأنت تعلم أنه لا يكاد يصح إرادة الرجعة إلى الدنيا من الآية لإفادتها
~~أن الحشر المذكور لتوبيخ المكذبين وتقريعهم من جهته عز وجل بل ظاهر ما
~~بعد يقتضي أنه تعالى بذاته يوبخهم ويقرعهم على ms07887 تكذيبهم بآياته سبحانه،
~~والمعروف من الآيات لمثل ذلك هو يوم القيامة مع أنها تفيد أيضا وقوع
~~العذاب عليهم واشتغالهم به عن الجواب ولم تفد موتهم ورجوعهم إلى ما هو
~~أشد منه وأبقى وهو عذاب الآخرة الذي يقتضيه عظم جنايتهم، فالظاهر استمرار
~~حياتهم وعذابهم بعد هذا الحشر، ولا يتسنى ذلك إلا إذا كان حشر يوم
~~القيامة، وربما يقال أيضا:  مما يأبى حمل الحشر المذكور على الرجعة -
~~إن فيه راحة لهم في الجملة حيث يفوت به ما كانوا فيه من عذاب البرزخ الذي
~~هو للمكذبين كيفما كان أشد من عذاب الدنيا، وفي ذلك إهمال لما يقتضيه عظم
~~الجناية، وأيضا كيف تصح إرادة الرجعة منها، وفي الآيات ما يأبي ذلك،
~~منه قوله تعالى:

# قال رب ارجعون * لعلى أعمل صلحا فيما تركت
~~كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ
~~إلى يوم يبعثون

# [المؤمنون: 99-100] فإن آخر الآية ظاهر في عدم الرجعة مطلقا وكون
~~الإحياء بعد الإماتة والإرجاع إلى الدنيا من الأمور المقدورة له عز وجل
~~مما لا ينتطح فيه كبشان إلا أن الكلام في وقوعه وأهل السنة ومن وافقهم لا
~~يقولون به ويمنعون إرادته من الآية ويستندون في ذلك إلى آيات كثيرة،
~~والأخبار التي روتها الإمامية في هذا الباب قد كفتنا الزيدية مؤنة ردها،
~~على أن الطبرسي أشار إلى أنها ليست أدلة وأن التعويل ليس عليها، وإنما
~~الدليل إجماع الإمامية والتعويل ليس إلا عليه، وأنت تعلم أن مدار حجية
~~الإجماع على المختار عندهم حصول الجزم بموافقة المعصوم ولم يحصل للسني
~~هذا الجزم من إجماعهم هذا فلا ينتهض ذلك حجة عليه مع أن له إجماعا
~~يخالفه وهو إجماع قومه على عدم الرجعة الكاشف عما عليه سيد المعصومين صلى
~~الله عليه وسلم، وكل ما تقوله الإمامية في هذا الإجماع يقول السنى مثله
~~في إجماعهم، وما ذكر من قوله صلى الله عليه وسلم: «سيكون في أمتي» الحديث
~~لا تعلم صحته بهذا اللفظ بل الظاهر عدم صحته فإنه كان في بني إسرائيل ما
~~لم يذكر أحد أنه ms07888 يكون في هذه الأمة كنتق الجبل عليهم حين امتنعوا عن أخذ
~~ما آتاهم الله تعالى من الكتاب والبقاء في التيه أربعين سنة حين قالوا
~~لموسى عليه السلام:

# اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قعدون

# [المائدة: 24] ونزول المن والسلوى عليهم فيه إلى غير ذلك. / وبالجملة
~~القول بالرجعة حسبما تزعم الإمامية مما لا ينتهض عليه دليل، وكم من آية
~~في القرآن الكريم تأباه غير قابلة للتأويل، وكأن ظلمة بغضهم للصحابة رضي
~~الله تعالى عنهم حالت بينهم وبين أن يحيطوا علما بتلك الآيات فوقعوا
~~فيما وقعوا فيه من الضلالات.

### || [27.84]

# { حتى إذا جاءوا } إلى موقف السؤال والجواب والمناقشة والحساب {
~~قال } أي الله عز وجل موبخا لهم على التكذيب لا سائلا سبحانه وتعالى
~~سؤال استفسار لاستحالته منه عز وجل، وعدم وقوع الاستفسار عن الذنب يوم
~~القيامة من غيره تعالى من الملائكة عليهم السلام وان كان ممكنا على ما
~~يدل عليه قوله تعالى:

# لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان

# [الرحمن: 39] على أحد التفسيرين، والالتفات لتربية المهابة {
~~أكذبتم بآياتي } الناطقة بلقاء يومكم هذا، وقوله تعالى: {
~~ولم تحيطوا بها علما } جملة حالية مفيدة لزيادة شناعة
~~التكذيب وغاية قبحه، ومؤكدة للإنكار والتوبيخ أي أكذبتم بها بادي الرأي
~~غير ناظرين فيها نظرا يؤدي إلى العلم بكنهها وأنها حقيقة بالتصديق
~~حتما، وهذا على ما قيل: ظاهر في أن المراد بالآيات فيما تقدم الآيات
~~التنزيلية لأنها المنطوية على دلائل الصحة وشواهدها التي لم يحيطوا بها
~~علما مع وجوب أن يتأملوا ويتدبروا فيها لا نفس الساعة وما فيها. وقال
~~بعض الأجلة: إن التكذيب يأبى بظاهره أن يراد بالآيات الآيات التكوينية
~~كالمعجزات ونحوها إذ ليس فيها نسبة يتعلق بها ذلك، وإرادة الأعم تستدعي
~~اعتبار التغليب وكون التكذيب بمعنى نفي دلالتها على المراد منها كتصديق
~~النبي صلى الله عليه وسلم في المعجزات ونحوه في نحوها من آيات الأنفس
~~والآفاق خلاف الظاهر، فالأولى إبقاؤه على الظاهر وحمل الآيات على الآيات
~~التنزيلية، وقيل: هو معطوف على - كذبتم - والهمزة لإنكار الجمع والتوبيخ
~~عليه كأنه قيل: أجمعتم ms07889 بين التكذيب بآياتي وعدم التدبر فيها.

# { أما ذا كنتم تعملون } أي أم ماذا كنتم تعملون بها على أن
~~المراد التبكيت وأنهم لم يعملوا إلا التكذيب وهو أحد وجهين ذكرهما
~~الزمخشري، وقرره في «الكشف» بأن { أم } متصلة، والأصل أكذبتم بآياتي أم
~~صدقتم، والمعادلة بين الفعلين المتعلقين بالآيات لكن جيء بالأول مجيء
~~معلوم محقق، وبالثاني لا على ذلك النهج تنبيها على انتفائه كأنه قيل:
~~أهو ما عهد من التكذيب أم حدث حادث، ووجه الدلالة أنه جعل العديل مرددا
~~فيه فلم يجعل التصديق مثل التكذيب في الاستفهام عن حاله بل إنما شك في
~~وجود معادل التكذيب لأن قوله تعالى: { أم ماذا كنتم تعملون
~~} يشمل التكذيب المذكور أولا وعديله الحقيقي، وهذه قرينة أنه لم يجأ
~~بالاستفهام جهلا بالحال بل إنما أريد التبكيت والإلزام على معنى قل لي
~~ويحك إن حدث أمر آخر بتا بالقول بأنه لم يحدث ما يضاد الأول وإشعارا
~~بأنه إذا سئل عن الذي عمله لم يجب إلا بما قدم أولا، ثم قال: وهذا وجه
~~لائح، وإنما جاز دخول { أم } على { ما }  الاستفهامية لهذه النكتة
~~فإنها خرجت عن حقيقة الاستفهام إلى البت بالحكم لا بالمعادل بل بالأول،
~~وثانيهما أن المعنى ما كان لكم عمل في الدنيا إلا الكفر والتكذيب بآيات
~~الله تعالى أم ماذا كنتم تعملون من غير ذلك، وقرره في «الكشف» أيضا بأن
~~{ أم } على اتصالها ولكن المعادلة بين التكذيب وكل عمل غيره تعلق
~~بالآيات أولا والإيراد على صيغة الاستفهام للنكتة السابقة فدل على أنه
~~لم يكن لهم عمل إلا التكذيب والكفر كأنهم لم يخلقوا إلا لذلك فلأجله لم
~~يعملوا غيره، وجعل سائر أعمالهم / لاستمرار الكفر بهم نفس الكفر أو كلا
~~عمل، ثم قال: وهذا وجه وجيه بالغ، ومنه ظهر أن دخول { أم } على أسماء
~~الاستفهام غير منكر إذا خرجت عن حقيقة الاستفهام وهو مقاس معنى وإن كانت
~~مراعاة صورة الاستفهام أيضا منقاسة من حيث اللفظ لكنهم يرجحون في نحوه
~~جانب المعنى ولا يلتفتون لفت اللفظ اه.

# واختار أبو حيان كون ms07890 { أم } منقطعة فتقدر ببل وحدها وهي للانتقال من
~~توبيخ إلى توبيخ وليس في ذلك شائبة من دخول الاستفهام على الاستفهام، وما
~~تقدم أبعد مغزى، و { ماذا } تحتمل أن تكون بجملتها استفهاما منصوب
~~المحل بخبر كان وهو { تعملون } أو مرفوعه على الابتداء والجملة بعده
~~خبره والرابط محذوف أي تعملونه، وتحتمل أن تكون { ما } فيها استفهاما،
~~و { ذا } اسم موصول بمعنى الذي، وهما مبتدأ وخبر والجملة بعد صلة
~~الموصول والعائد إليه محذوف.

# وقرأ أبو حيوة  أما ذا  بتخفيف الميم وفيها دخول الاستفهام على
~~الاستفهام، وقد سمعت وجهه.

### || [27.85]

# { ووقع القول عليهم } حل بهم العذاب الذي هو مدلول القول
~~الناطق بحلوله وهو كبهم في النار { بما ظلموا } أي بسبب ظلمهم الذي
~~هو تكذيبهم بآيات الله تعالى: { فهم لا ينطقون } بحجة لانتفائها
~~عنهم بالكلية وابتلائهم بما حل بهم من العذاب الأليم، وقيل: يختم على
~~أفواههم فلا يقدرون على النطق بشيء أصلا. وفي «البحر» أن انتفاء نطقهم
~~يكون في موطن من مواطن القيامة أو من فريق من الناس لأن القرآن الكريم
~~ناطق بأنهم ينطقون في بعض المواطن بأعذار وما يرجون به النجاة من النار.

### || [27.86]

# { ألم يروا أنا جعلنا اليل ليسكنوا فيه }
~~الرؤية قلبية لا بصرية لأن نفس الليل والنهار وإن كانا من المبصرات لكن
~~جعلهما كما ذكر من قبيل المعقولات أي ألم يعلموا أنا جعلنا الليل بما فيه
~~من الإظلام ليستريحوا فيه بالقرار والنوم، قال بعض الرجاز:

# النوم راحة القوى الحسية

# من حركات والقوى النفسية

# { والنهر مبصرا } أي ليبصروا بما فيه من الإضاءة طرق التقلب
~~في أمور معاشهم فبولغ حيث جعل الإبصار الذي هو حال الناس حالا له ووصفا
~~من أوصافه التي جعل عليها بحيث لا ينفك عنها، ولم يسلك في الليل هذا
~~المسلك لما أن تأثير ظلام الليل في السكون ليس بمثابة تأثير ضوء النهار
~~في الإبصار، والمشهور أن في الآية صنعة الاحتباك والتقدير جعلنا الليل
~~مظلما ليسكنوا فيه والنهار مبصرا لينتشروا فيه.

# { إن فى ذلك } أي في جعلهما كما وصفا وما في ms07891 اسم الإشارة من معنى
~~البعد للإشعار ببعد درجته في الفضل { لأيت } عظيمة { لقوم
~~يؤمنون } فإنه يدل على التوحيد وتجويز الحشر وبعث الرسل عليهم
~~السلام لأن تعاقب النور والظلمة على وجه مخصوص غير متعين بذاته لا يكون
~~إلا بقدرة قاهرة ليست لما أشركه المشركون، وأن من قدر على إبدال الظلمة
~~بالنور في مادة واحد قدر على إبدال الموت بالحياة في مواد الأبدان، وأن
~~من جعل الليل والنهار سببين لمنافعهم ومصالحهم لعله لا يخل بما هو مناط
~~جميع مصالحهم في معاشهم ومعادهم وهو بعثة الرسل عليهم السلام.

# وفي «إرشاد العقل السليم» لآيات عظيمة كثيرة لقوم يؤمنون دالة على صحة
~~البعث وصدق الآيات الناطقة به دلالة واضحة كيف لا وأن من تأمل في تعاقب
~~الليل والنهار واختلافهما على وجوه بديعة مبنية على حكم رائقة تحار في
~~فهمها العقول ولا يحيط بها إلا علم الله جل وعلا وشاهد في الآفاق تبدل
~~ظلمة الليل المحاكية للموت بضياء النهار المضاهي للحياة وعاين في نفسه
~~تبدل النوم الذي هو أخو الموت بالانتباه الذي هو مثل الحياة قضى بأن
~~الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله تعالى يبعث من في القبور قضاءا متقنا
~~وجزم بأنه تعالى قد جعل هذا أنموذجا له ودليلا يستدل به على تحققه، وأن
~~الآيات الناطقة به وبكون حال الليل والنهار برهانا عليه وسائر الآيات
~~كلها حق نازل من عند الله تعالى اه.

# ولعل الأول أولى لا سيما إذا ضم إلى الاستدلال على جواز الحشر مشابهة
~~النوم واليقظة للموت والحياة لما في هذا من خفاء الدلالة، وتخصيص
~~المؤمنين بالذكر لما أنهم هم المنتفعون بالآيات، ووجه ربط هذه الآية بما
~~قبلها أنها كالدليل على صحة ما تضمنته من الحشر.

### || [27.87]

# { ويوم ينفخ فى الصور } إما معطوف على

# يوم نحشر

# [النمل: 83] منصوب بناصبه، أو منصوب بمضمر معطوف على ذلك الناصب، والصور
~~ على ما في «التذكرة» - قرن من نور، وذكر البخاري عن مجاهد أنه كالبوق.
~~وأخرج الترمذي

# " عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «جاء أعرابي إلى ms07892 النبي صلى الله
~~عليه وسلم فقال: ما الصور؟ قال: قرن ينفخ فيه» "

# ، والمشهور أن صاحب الصور هو إسرافيل عليه السلام. وذكر القرطبي أن
~~الأمم مجمعة على ذلك وهو مخلوق اليوم، فقد أخرج الترمذي وحسنه عن أبي
~~سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ؟!
~~فكأن ذلك ثقل على أصحاب رسول الله: صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة
~~والسلام لهم. قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل "

# وروي أيضا عن أبي هريرة مرفوعا

# " ما أطرق صاحب الصور مذ وكل به مستعدا بحذاء العرش مخافة أن يؤمر
~~بالصيحة قبل أن يرتد طرفه كأن عينيه كوكبان دريان "

# وجاء عن أبي هريرة من حديث مرفوع

# " إن عظم دائرة فيه كعرض السماوات والأرض "

# وهذا مما يؤمن به وتفوض كيفيته إلى علام الغيوب.

# وقيل: إن الصور بسكون الواو بمعنى الصور بضم الصاد وفتح الواو جمع صورة
~~- وعليه أبو عبيدة - والكلام في الوجهين على حقيقته، وقيل: في الكلام
~~استعارة تمثيلية شبه هيئة انبعاث الموتى من القبور إلى المحشر إذا نودوا
~~بالقيام بهيئة قيام جيش نفخ لهم في المزمار المعروف وسيرهم إلى محل عين
~~لهم، والأول قول الأكثرين - وعليه المعول - لأن قوله تعالى:

# ثم نفخ فيه أخرى

# [الزمر: 68] ظاهر في أن الصور ليس جمع صورة وإلا لقال سبحانه: فيها بدل
~~فيه، وارتكاب التأويل بجعل الكلام من باب التمثيل ظاهر في إنكار أن يكون
~~هناك صور حقيقة، وهو خلاف ما نطقت به الأحاديث الصحاح، وقد قال أبو
~~الهيثم على ما نقل عنه القرطبي في «تفسيره»: من أنكر أن يكون الصور
~~قرنا فهو كمن أنكر العرش والصراط والميزان وطلب لها تأويلات، وهذا النفخ
~~قيل: المراد به النفخة الثانية، وإليه ذهب صاحب «الغنيان»، واختاره
~~العلامة أبو السعود وقال: الذي يستدعيه سياق النظم الكريم وسباقه ذلك،
~~وأن المراد بالفزع في قوله تعالى:

# { ففزع من فى السموت ومن فى الأرض } ما يعتري الكل
~~عند البعث والنشور من الرعب والتهيب الضروريين ms07893 الجبليين بمشاهدة الأمور
~~الهائلة الخارقة للعادات في الأنفس والآفاق، ثم قال: وقيل: المراد بالنفخ
~~هي النفخة الأولى، وبالفزع هو الذي يستتبع الموت لغاية شدة الهول كما في
~~قوله تعالى:

# ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى
~~الأرض

# [الزمر: 68] فيختص أثرها بمن كان حيا عند وقوعها دون من مات قبل ذلك من
~~الأمم. وقيل: إن المراد بهذه النفخة نفخة الفزع التي تكون قبل نفخة الصعق
~~التي أريدت بقوله تعالى:

# وما ينظر هؤلآء إلا صيحة واحدة ما لها من
~~فواق

# [ص: 15] وشنع على كلا القولين بما هو مذكور في «تفسيره». وقال العلامة
~~الطيبي الحق أن المراد بقوله تعالى: { ونفخ فى الصور ففزع }
~~هو النفخة الأولى، وقوله تعالى الآتي: { وكل } الخ إشارة إلى النفخة
~~الثانية.

# واعلم أنهم اختلفوا في عدد النفخة فقيل: ثلاث: نفخة الصعق المذكورة في
~~قوله تعالى:

# ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى
~~الأرض

# [الزمر: 68]، ونفخة البعث المذكورة في قوله تعالى:

# ونفخ فى الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم
~~ينسلون

# [يس: 51] ونفخة الفزع المذكورة في الآية المذكورة ههنا، وهو اختيار ابن
~~العربي. وقيل: اثنتان، ونفخة الفزع هي نفخة الصعق لأن الأمرين: الفزع
~~بمعنى الخوف والصعق بمعنى الموت لا زمان لها، قال القرطبي: والسنة -
~~كحديث مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص وهو طويل منه مع حذف «ثم ينفخ
~~في الصور فأول من يسمعه رجل يلوط حوضه فيصعق ثم يصعق الناس ثم ينفخ فيه
~~أخرى فإذا هم قيام ينظرون» - تدل على أن النفخ مرتين لا ثلاثة وهو
~~الصحيح. ونفخ الفزع هو نفخ الصعق بعينه لاتحاد الاستثناء في آيتيهما.

# وتعقب في الرسالة المسماة «بشرح العشر في معشر الحشر» المنسوبة لابن
~~الكمال بأنه لا دلالة في الحديث على عدم النفخة الثالثة، غايته أنه وسائر
~~الأحاديث الواردة على نسقه ساكت عنها، ولا يلزم من ذلك عدمها، وكذا لا
~~دلالة في اتحاد الاستثناء في الآيتين أن يكون المذكور فيهما نفخة واحدة،
~~وهذا ظاهر، ثم قال: والصحيح عندي ما في ms07894 القول الأول، من أن نفخة الفزع
~~غير نفخة الصعق، فإن حديث «الصحيحين»

# " لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول
~~من يفيق فإذا أنا بموسى عليه السلام أخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري
~~أفاق قبلي أو جزي بصعقة الطور "

# صريح في أن الصعق يوم القيامة، وأن لا موت فيه فهو فزع بلا موت، فمن
~~قال: هي ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ثم نفخة الصعق وهو الموت، ثم نفخة البعث
~~فقد أصاب في التفرقة بين نفخة الفزع ونفخة الصعق، إلا أنه لم يصب في زعمه
~~أن نفخة الفزع قبل نفخة الصعق، كيف وقد دل حديث «الصحيحين» المذكور على
~~عموم حكم نفخة الفزع للأنبياء عليهم السلام الذين ماتوا قبل نفخة الصعق
~~أي الموت، قال القاضي عياض: إن نفخة الفزع بعد النشر حين تنشق السماوات
~~والأرض، فظهر أن النفخات ثلاث بل أربع: نفخة يميت الله تعالى جميع الخلق
~~بها كما جاء في الحديث وعند ذلك ينادي سبحانه:

# لمن الملك اليوم

# [غافر: 16] وينادي على ذلك قوله تعالى:

# كل شىء هالك إلا وجهه

# [القصص: 88]. ونفخة البعث كما نطق به قوله تعالى:

# ونفخ فى الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم
~~ينسلون

# [يس: 51] ونفخة الصعق وهي نفخة الفزع بعينها وقد سمعت آيتيهما، ونفخة
~~للإفاقة كما قال تعالى بعد ذكر نفخة الصعق

# ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون

# [الزمر: 68] وقد عرفت ما في زعم أن نفخة الصعق هي نفخة الفزع / بعينها
~~فتدبر انتهى.

# وتعقبه بعضهم بأنه يلزم حينئذ على القول بالمغايرة بين نفخة الفزع ونفخة
~~الصعق أن تكون النفخات خمسا ولم نسمع متنفسا يقول بذلك، وأيضا فيه
~~القول بأن نفخة الصعق بعد نفخة البعث، ويأباه قوله صلى الله عليه وسلم:

# " أنا أول من تنشق عنه الأرض فأرفع رأسي فإذا موسى متعلق بقائمة من
~~قوائم العرش فما أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله تعالى "

# فإن انشقاق الأرض عنه صلى الله عليه وسلم بعد نفخة البعث لا محالة فإذا
~~عقبه رفع ms07895 رأسه عليه الصلاة والسلام ومفاجأة كون موسى عليه السلام متعلقا
~~بقائمة من قوائم العرش فأين نفخة الصعق؟ ولا يخفى أن كون النفخات خمسا
~~لم يسمع هو الغالب على الظن ويتوقف قبول ما ذكره ثانيا على صحة ما ذكره
~~من الخبر، ولعل القائل بما تقدم من وراء المنع.

# وقيل: الأظهر أن النفخات ثلاث: الأولى نفخة الصعق بمعنى الموت كما هو
~~أحد معنييه المدلول عليها بقوله تعالى:

# ونفخ فى الصور فصعق من السموات ومن فى الأرض

# [الزمر: 68]، والثانية نفخة البعث المدلول عليها بقوله تعالى:

# ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون

# [الزمر: 68] وقوله سبحانه:

# ونفخ فى الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم
~~ينسلون

# [يس: 51] والثالثة نفخة الفزع المدلول عليها بما هنا وهي على ما سمعت عن
~~القاضي عياض بعد النشر حين تنشق السماوات والأرض.

# وأصله كما قال الراغب ((انقباض ونفار يعترى الشخص من الشيء المخيف))
~~والمراد به الرعب الشديد، ولعل الصعق المذكور في حديث «الصحيحين» هو غشي
~~يترتب عليه بلا واسطة وعلى النفخ بواسطته وقد نص في «الأساس» على هذا
~~المعنى له قال ((يقال صعق الرجل إذا غشي عليه من هدة أو صوت شديد يسمعه))
~~ويدل على أنه بمعنى الغشي قوله عليه الصلاة والسلام:

# " فأكون أول من يفيق "

# لأن الإفاقة إنما تكون من الغشي دون الموت ولم يعبر هنا بالصعق مرادا
~~به الغشي المذكور في الحديث لئلا يتوهم إرادة معنى الموت منه لخلوه هنا
~~عن القرينة التي في الحديث واقترانه بما يلائم ذلك.

# وقد يختار ما هو المشهور من أن النفخة اثنتان ويجاب عما يشعر بالزيادة
~~فالنفخة الأولى نفخة الصعق بمعنى الموت بحال هائلة فبها يموت من في
~~السماوات والأرض من الأحياء قبيل ذلك إلا من شاء الله تعالى، ويدل عليها
~~آية

# ونفخ فى الصور فصعق

# [الزمر: 68] الخ، والنفخة الثانية نفخة البعث المدلول عليها بآية

# ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون

# [الزمر: 68] وبينهما في المشهور أربعون سنة، وفي «الصحيحين» عن أبي
~~هريرة مرفوعا «أربعون» بدون ذكر التمييز فقيل ms07896 أربعون يوما فقال أبو
~~هريرة أبيت فقيل أربعون شهرا فقال أبيت فقيل أربعون سنة فقال أبيت،
~~ونفخة الفزع بمعنى الرعب والخوف هي هذه النفخة بعينها ووجه ذلك أنه ينفخ
~~في الصور للبعث فيبعث الخلق وينشرون فإذا تحققوا يوم القيامة وشاهدوا
~~آثار عظمة الله تعالى فزعوا ورعبوا إلا من شاء الله تعالى وترتب الفزع
~~على النفخ بالفاء للإشارة إلى قلة الزمان الفاصل لسرعة تحققهم ومشاهدتهم
~~ما ذكر، والإضافة في قولنا نفخة البعث وقولنا نفخة الفزع من إضافة السبب
~~إلى المسبب إلا أن سببية النفخ للبعث بلا واسطة وسببيته للفزع بواسطة،
~~وحديث «الصحيحين»

# " لا تخيروني من بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة "

# الخ ليس فيه سوى إثبات الصعق بمعنى الغشي كما يرشد إليه ذكر الإفاقة
~~للناس يوم القيامة ولا تعرض له لنفخ يترتب عليه ذلك، نعم التعبير بالصعق
~~على ما ذكروا في معناه يقتضي أن يكون هناك هدة أو صوت شديد يسمعه من
~~يسمعه فيغشى عليه إلا أنه لا يعين النفخ لجواز أن يكون ذلك من صوت حادث
~~من انشقاق السماوات الكائن / بعد البعث والفزع من يوم القيامة وما شاهدوا
~~من أهواله.

# ومنع بعضهم اقتضاءه ذلك لجواز أن يراد به الغشي لحدوث أمر عظيم من أمور
~~يوم القيامة غير النفخ، وقيل: هو من فروع النفخ للبعث وذلك أنه ينفخ
~~فتبعث الخلائق فيتحققون ما يتحققون ويشاهدون ما يشاهدون فيفزعون فيغشى
~~عليهم إلا ما شاء الله تعالى، وحديث «الصحيحين» مما لا يأبى ذلك واحتياج
~~الإفاقة لنفخة أخرى في حيز المنع؛ وقيل: في بيان اتحاد نفخة البعث ونفخة
~~الفزع أن المراد بالفزع الإجابة والإسراع للقيام لرب العالمين وقد صرحت
~~الآيات بإسراع الناس عند البعث فقال تعالى:

# ونفخ فى الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم
~~ينسلون

# [يس: 51] وقال سبحانه:

# يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب
~~يوفضون

# [المعارج: 43] ولا يخفى بعده واحتياج توجيه الاستثناء بعد عليه إلى تكلف
~~فالأولى أن يوجه الاتحاد بما سبق فتأمل، وإيراد صيغة الماضي مع كون
~~المعطوف أعني { ينفخ } مضارعا ms07897 للدلالة على تحقق الوقوع كما في قوله
~~تعالى: { فأوردهم النار } بعد قوله تعالى:

# يقدم قومه

# [هود: 98] ووجه تأخير بيان الأحوال الواقعة في ابتداء هذه النفخة عن
~~بيان ما يقع بعد من حشر المكذبين قد تقدم الكلام فيه فتذكر فما في العهد
~~من قدم.

# { إلا من شاء الله } استثناء متصل كما هو الظاهر من (من) ومفعول
~~المشيئة محذوف أي إلا من شاء الله تعالى أن لا يفزع، والمراد بذلك على ما
~~قيل: من جاء بالحسنة لقوله تعالى فيهم:

# وهم من فزع يومئذ ءامنون

# [النمل: 89] وتعقب بأن الفزع في تلك الآية غير الفزع المراد من قوله
~~سبحانه: { ففزع } الخ وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى، واختلف الذين
~~حملوا النفخ هنا على النفخة الأولى التي تكون للصعق - أي الموت - في
~~تعيينهم فقيل هم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وروي ذلك عن مقاتل
~~والسدي. وقال الضحاك: هم الولدان والحور العين وخزنة الجنة وحملة العرش.
~~وحكى بعضهم هذين القولين في المراد بالمستثنى على تقدير أن يراد بالنفخ
~~النفخة الثانية وبالفزع الخوف والرعب وأورد عليهما أن حملة العرش ليسوا
~~من سكان السماوات والأرض لأن السماوات في داخل الكرسي ونسبتها إليه نسبة
~~حلقة في فلاة ونسبة الكرسي إلى العرش كهذه النسبة أيضا فكيف يكون حملته
~~في السماوات وكذا الولدان والحور وخزنة الجنة لأن هؤلاء كلهم في الجنة
~~والجنان جميعها فوق السماوات ودون العرش على ما أفصح عنه قوله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " سقف الجنة عرش الرحمن "

# فما فيها من الولدان والحور والخزنة لا يصح استثناؤهم ممن في السماوات
~~والأرض وأما جبرائيل ومن معه من الملائكة المقربين عليهم السلام فهم من
~~الصافين المسبحين حول العرش وإذا كان العرش فوق السماوات لا يمكن أن يكون
~~الاصطفاف حوله في السماوات، وأجيب بأنه يجوز أن يراد بالسماوات ما يعم
~~العرش والكرسي وغيرهما من الأجرام العلوية فإنه الأليق بالمقام، وقد شاع
~~استعمال من في السماوات والأرض عند إرادة الإحاطة والشمول.

# وقيل: لا مانع من حمل السماوات على السماوات السبع والتزام كون
~~الاستثناء على ms07898 القولين المذكورين منقطعا ولا يخفى ما فيه، وعد بعضهم ممن
~~استثنى موسى عليه السلام، وأنت تعلم أنه لا يكاد يصح إلا إذا أريد بالفزع
~~الصعق يوم القيامة بعد النفخة الثانية، أما إذا أريد به ما يكون في
~~الدنيا عند النفخة الأولى فلا، على أن / عده عليه السلام ممن لا يصعق يوم
~~القيامة بعد قوله صلى الله عليه وسلم في حديث «الصحيحين» السابق «فلا
~~أدري أفاق قبلي أو جزي بصعقة الطور» يحتاج إلى خبر صحيح وارد بعد ذلك.

# " وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم الشهداء عند
~~ربهم يرزقون "

# وصححه القاضي أبو بكر بن العربي كما قال القرطبي وبه رد على من زعم
~~أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح، وإلى ذلك ذهب ابن جبير ولفظه «هم
~~الشهداء متقلدو السيوف حول العرش» وكذا ذهب إليه الحليمي وقال: هو مروي
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ثم ضعف غيره من الأقوال.

# وقد ذكره غير واحد من المفسرين إلا أن بعضهم ذكره في تفسير

# من شآء الله

# [الزمر: 68] في آية الصعق وبعض آخر ذكره في تفسيره في آية الفزع فتدبر.

# { وكل } أي كل واحد من الفازعين المبعوثين عند النفخة { أتوه }
~~أي حضروا الموقف بين يدي رب العزة جل جلاله للسؤال والجواب والمناقشة
~~والحساب، وقيل: أي رجعوا إلى أمره تعالى وانقادوا. وضمير الجمع باعتبار
~~معنى { كل } وقرأ قتادة (أتاه) فعلا ماضيا مسندا لضمير { كل }
~~على لفظها. وقرأ أكثر السبعة (آتوه) اسم فاعل { دخرين } أي أذلاء،
~~وقرأ الحسن والأعمش (دخرين) بغير ألف وهو على القراءتين نصب على الحال من
~~ضمير { كل }.

### || [27.88]

# وقوله سبحانه: { وترى الجبال } عطف على

# ينفخ

# [النمل: 87] داخل في حكم التذكير؛ وترى من رؤية العين، وقوله تعالى: {
~~تحسبها جامدة } أي ثابتة في أماكنها لا تتحرك حال من فاعل {
~~ترى } أو من مفعوله، وجوز أن يكون بدلا من سابقه، وقوله عز وجل. {
~~وهى تمر مر السحاب } حال من ضمير { الجبال } في { تحسبها }
~~، وجوز أن يكون حالا من ضميرها ms07899 في { جامدة } ومنعه أبو البقاء لاستلزامه
~~أن تكون جامدة ومارة في وقت واحدة أي وترى الجبال رأي العين ساكنة والحال
~~أنها تمر في الجور مر السحاب التي تسيرها الرياح سيرا حثيثا، وذلك أن
~~الأجرام المجتمعة المتكاثرة العدد على وجه الالتصاق إذا تحركت نحو سمت لا
~~تكاد تبين حركتها، وعليه قول النابغة الجعدي في وصف جيش:

# بأرعن مثل الطود تحسب أنهم

# وقوف لحاج والركاب تهملج

# وقيل: شبه مرها بمر السحاب في كونها تسير سيرا وسطا كما قال الأعشى:

# كأن مشيتها من بيت جارتها

# مر السحائب لا ريث ولا عجل

# والمشهور في وجه الشبه السرعة وأن منشأ الحسبان المذكور ما سمعت، وقيل:
~~إن حسبان الرائي إياها جامدة مع مرورها لهول ذلك اليوم فليس له ثبوت ذهن
~~في الفكر في ذلك حتى يتحقق كونها جامدة وليس بذاك وقد أدمج في التشبيه
~~المذكور تشبيه حال الجبال بحال السحاب في تخلخل الأجزاء وانتفاشها كما في
~~قوله تعالى:

# وتكون الجبال كالعهن المنفوش

# [القارعة: 5].

# واختلف في وقت هذا، ففي «إرشاد العقل السليم» أنه مما يقع بعد النفخة
~~الثانية - كالفزع المذكور - عند حشر الخلق يبدل الله تعالى شأنه الأرض
~~غير الأرض ويغير هيئتها ويسير الجبال عن مقارها على ما ذكر من الهيئة
~~الهائلة ليشاهدها أهل المحشر وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى لكن
~~تسييرها وتسوية الأرض إنما يكونان بعد النفخة الثانية كما نطق به قوله
~~تعالى:

# ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا *
~~فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا أمتا
~~* يومئذ يتبعون الداعى

# [طه: 105-108]، وقوله سبحانه:

# يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموت وبرزوا
~~لله الواحد القهار

# [إبراهيم: 48] فإن اتباع الداعي الذي هو إسرافيل وبروز الخلق لله تعالى
~~لا يكونان إلا بعد النفخة الثانية وقد قالوا في تفسير قوله تعالى:

# ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة
~~وحشرنهم

# [الكهف: 47] إن صيغة الماضي في المعطوف مع كون المعطوف عليه مستقبلا
~~للدلالة على تقدم الحشر على التسيير والرؤية كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك
~~اه.

# وقال بعضهم إنه مما ms07900 يقع عند النفخة الأولى وذلك أنه ترجف الأرض والجبال
~~ثم تنفصل الجبال عن الأرض وتسير في الجو ثم تسقط فتصير كثيبا مهيلا ثم
~~هباء منبثا، ويرشد إلى أن هذه الصيرورة مما لا يترتب على الرجفة ولا
~~تعقبها بلا مهلة العطف بالواو دون الفاء في قوله تعالى:

# يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا
~~مهيلا

# [المزمل: 14] والتعبير بالماضي في قوله تعالى:

# وترى الأرض بارزة وحشرنهم

# [الكهف: 47] لتحقق الوقوع كما مر آنفا واليوم في قوله تعالى:

# ويسئلونك عن الجبال

# [طه: 105] الآية، وقوله تعالى:

# يوم تبدل الأرض

# [إبراهيم: 48] الخ يجوز أن يجعل اسما للحين الواسع الذي يقع فيه ما
~~يكون عند النفخة الأولى من النسف والتبديل وما يكون عند النفخة الثانية
~~من اتباع الداعي والبروز لله تعالى الواحد القهار، وقد حمل اليوم على ما
~~يسع ما يكون عند النفختين في قوله تعالى:

# فإذا نفخ فى الصور نفخة وحدة * وحملت الأرض
~~والجبال فدكتا دكة وحدة * فيومئذ وقعت
~~الواقعة

# [الحاقة: 13-15]

# يومئذ تعرضون

# [الحاقة: 18] وهذا كما تقول جئته عام كذا وإنما مجيئك في وقت من أوقاته
~~وقد ذهب غير واحد إلى أن تبديل الأرض كالبروز بعد النفخة الثانية لما في
~~«صحيح مسلم»

# " عن عائشة «قلت يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى { يوم تبدل
~~الأرض غير الأرض } [إبراهيم: 48] فأين يكون الناس [يومئذ]؟ قال
~~على الصراط» "

# وجاء في غير خبر ما يدل على أنه قبل النفخة الأولى، وجمع صاحب «الإفصاح»
~~بين الأخبار بأن التبديل يقع مرتين مرة قبل النفخة الأولى وأخرى بعد
~~النفخة الثانية، وحكي في «البحر» أن أول الصفات ارتجاجها ثم صيرورتها
~~كالعهن المنفوش ثم كالهباء بأن تتقطع بعد أن كانت كالعهن ثم نسفها بإرسال
~~الرياح عليها ثم تطييرها بالريح في الجو كأنها غبار ثم كونها سرابا،
~~وهذا كله على ما يقتضيه كلام السفاريني قبل النفخة الثانية، ومن تتبع
~~الأخبار وجدها ظاهرة في ذلك، والآية هنا تحتمل كون الرؤية المذكورة فيها
~~قبل النفخة الثانية وكونها قبلها فتأمل.

# { صنع الله } الظاهر أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة ms07901 السابقة وهي
~~جملة الحال والعامل فيه ما دلت عليه من كون ذلك من صنعه تعالى فكأنه قيل:
~~صنع الله تعالى ذلك صنعا وهذا نحو له على ألف عرفا ويسمى في اصطلاحهم
~~المؤكد لنفسه وإلى هذا ذهب الزجاج وأبو البقاء. وقال بعض المحققين: مؤكد
~~لمضمون ما قبله على أنه عبارة عما ذكر من النفخ في الصور وما ترتب عليه
~~جميعا قصد به التنبيه على عظم شأن تلك الأفاعيل وتهويل أمرها والإيذان
~~بأنها ليست بطريق إخلال نظام العالم وإفساد أحوال الكائنات بالكلية من
~~غير أن يكون فيه حكمة بل هي من قبيل بدائع صنع الله تعالى المبنية على
~~أساس الحكمة المستتبعة للغايات الجميلة التي لأجلها رتبت مقدمات الخلق
~~ومبادي الإبداع على الوجه المتين والنهج الرصين كما يعرب عنه قوله تعالى:
~~{ الذى أتقن كل شىء } أي أتقن خلقه وسواه على ما تقتضيه
~~الحكمة اه، وحسنه ظاهر.

# وقال الزمخشري هو من المصادر المؤكدة إلا أن مؤكده محذوف وهو الناصب ل

# ويوم ينفخ

# [النمل: 87] والمعنى ويوم ينفخ في الصور فكان كيت وكيت أثاب الله تعالى
~~المحسنين وعاقب المجرمين ثم قال سبحانه: { صنع الله } يريد / عز وجل به
~~الإثابة والمعاقبة إلى آخر ما قال، وهو يدل على أنه فرض اليوم ممتدا
~~شاملا لزمان النفختين وما بعدهما وجعل المصدر مؤكدا لهذا المحذوف
~~المدلول عليه بالتفصيل في قوله تعالى الآتي:

# ومن جاء

# [النمل: 89]

# ومن جاء

# [النمل: 90 ] وباستدعاء

# ويوم ينفخ

# [النمل: 87] ناصبا وفرع عليه ما فرع وتعقبه أبو حيان بأن المصدر المؤكد
~~لمضمون الجملة لا يجوز حذف جملته لأنه منصوب بفعل من لفظه فيجتمع حذف
~~الفعل الناصب وحذف الجملة التي أكد مضمونها بالمصدر وذلك حذف كثير مخل
~~ومن تتبع مساق هذه المصادر التي تؤكد مضمون الجملة وجد الجمل مصرحا بها
~~لم يرد الحذف في شيء منها إذ الأصل أن لا يحذف المؤكد إذ الحذف ينافي
~~التأكيد لأنه من حيث أكد معتنى به ومن حيث حذف غير معتنى به، وكأن الداعي
~~له إلى العدول عن الظاهر على ما قيل ms07902 أن الصنع المتقن لا يناسب تسيير
~~الجبال ظاهرا وأنت تعلم أن هذا على طرف الثمام نعم الأحسن جعله مؤكدا
~~لمضمون ما ذكر من النفخ في الصور وما بعده وجىء به للتنبيه على عظم شأن
~~تلك الأفاعيل على ما سمعته عن بعض المحققين. وقيل هو منصوب على الإغراء
~~بمعنى انظروا صنع الله وهو كما ترى.

# واستدل بالآية على جواز إطلاق الصانع على الله عز وجل وهو مبني على مذهب
~~من يرى أن ورود الفعل كاف. واستدل بعضهم على الجواز المذكور بالخبر
~~الصحيح

# " إن الله صانع كل صانع وصنعته "

# وتعقب بأن الشرط أن لا يكون الوارد على جهة المقابلة نحو

# أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون

# [الواقعة: 64] خلافا للحليمي على ما يقتضيه قوله يستحب لمن ألقى بذرا
~~في أرض أن يقول الله تعالى الزارع والمنبت والمبلغ، وما في هذا الحديث من
~~هذا القبيل وأيضا ما في الخبر بالإضافة فلا يدل على جواز الخالي عنها
~~ألا ترى أن

# " قوله صلى الله عليه وسلم يا صاحب كل نجوى أنت الصاحب في السفر "

# لم يأخذوا منه أن الصاحب من غير قيد من أسمائه تعالى فكذا هو لا يؤخذ
~~منه أن الصانع من غير قيد من أسمائه تعالى فتأمله، ونحو هذا الاستدلال
~~بخبر مسلم

# " ليعزم في الدعاء فإن الله تعالى صانع ما شاء لا مكره له "

# فإن ما فيه من قبيل المضاف أو المقيد والأولى الاستدلال بما صح في حديث
~~الطبراني والحاكم

# " اتقوا الله تعالى فإن الله تعالى فاتح لكم وصانع "

# ولا فرق بين المعرف والمنكر عند الفقهاء لأن تعريف المنكر لا يغير معناه
~~ولذا يجوزون في تكبيرة الإحرام: الله الأكبر.

# واستدل القاضي عبد الجبار بعموم قوله سبحانه: { أتقن كل شىء }
~~على أن قبائح العبد ليست من خلقه سبحانه وإلا وجب وصفها بأنها متقنة
~~والإجماع مانع منه وأجيب بأن الآية مخصوصة بغير الأعراض لأن الإتقان
~~بمعنى الإحكام وهو من أوصاف المركبات ولو سلم فوصف كل الأعراض به ممنوع
~~فما من عام إلا وقد خص ولو سلم فالإجماع ms07903 المذكور ممنوع بل هي متقنة أيضا
~~بمعنى أن الحكمة اقتضتها.

# { إنه خبير بما تفعلون } جعله بعض المحققين تعليلا لكون
~~ما ذكر من النفخ في الصور وما بعده صنعا محكما له تعالى ببيان أن علمه
~~تعالى بظواهر أفعال المكلفين وبواطنها مما يستدعي إظهارها وبيان كيفياتها
~~على ما هي عليه من الحسن والسوء وترتيب أجزيتها عليها بعد بعثهم وحشرهم
~~وتسيير الجبال حسبما نطق به التنزيل.

### || [27.89]

# وقوله تعالى: { من جاء بالحسنة فله خير منها } بيانا
~~لما أشير إليه بإحاطة علمه تعالى بأفعالهم من ترتيب أجزيتها عليها. وقال
~~العلامة الطيبي قوله تعالى { إن الله } إلخ استئناف وقع جوابا لقول من
~~يسأل فماذا يكون بعد هذه القوارع فقيل إن الله خبير بعمل العاملين
~~فيجازيهم على أعمالهم وفصل ذلك بقوله سبحانه { من جاء } الخ. والخطاب في

# تفعلون

# [النمل: 88] لجميع المكلفين وقرأ العربيان وابن كثير { يفعلون }
~~بياء الغيبة، والمراد بالحسنة على ما روي عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد
~~والحسن / والنخعي وأبي صالح وسعيد بن جبير وعطاء وقتادة شهادة أن لا إله
~~إلا الله. وروى عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة وأبو
~~الشيخ وابن مردويه والديلمي عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم
~~فسرها بذلك والمراد بهذه الشهادة التوحيد المقبول وقيل المراد بالحسنة ما
~~يتحقق بما ذكر وغيره من الحسنات وهو الظاهر، نظرا إلى أن اللام حقيقة في
~~الجنس. وقال بعضهم: الظاهر الأول، لأن الظاهر حمل المطلق على الكامل
~~وأكمل جنس الحسنة التوحيد ولو أريد العموم لكان الظاهر الإتيان بالنكرة،
~~ويكفي في ترجيح الأول ذهاب أكثر السلف إليه وإذا صح الحديث فيه لا يكاد
~~يعدل عنه. وكان النخعي يحلف على ذلك ولا يستثني، والظاهر أن خيرا
~~للتفضيل وفضل الجزاء على الحسنة كائنة ما كانت. قيل باعتبار الأضعاف أو
~~باعتبار الدوام. وزعم بعضهم أن الكلام بتقدير مضاف أي خير من قدرها وهو
~~كما ترى. وقال بعض الأجلة ثواب المعرفة النظرية والتوحيد الحاصل في
~~الدنيا هي المعرفة الضرورية على أكمل الوجوه ms07904 في الآخرة والنظر إلى وجهه
~~الكريم جل جلاله وذلك أشرف السعادات. وقيل إن خيرا ليس للتفضيل و(من)
~~لابتداء الغاية أي فله خير من الخيور مبدؤه ومنشؤه منها أي من جهة
~~الحسنة. وروي ذلك عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وابن جريج وعكرمة.

# { وهم } أي الذين جاءوا بالحسنة { من فزع } أي فزع عظيم هائل لا
~~يقادر قدره { يومئذ } ظرف منصوب بقوله تعالى: { ءامنون } وبه
~~أيضا يتعلق { من فزع } والأمن يستعمل بالجار وبدونه كما في قوله:

# أفأمنوا مكر الله

# [الأعراف: 99]، وجوز أن يكون الظرف منصوبا بفزع وأن يكون منصوبا
~~بمحذوف وقع صفة له أي من فزع كائن في ذلك الوقت، وقرأ العربيان وابن كثير
~~وإسماعيل بن جعفر، عن نافع (فزع يومئذ) بإضافة فزع إلى يوم، وكسر ميم
~~يوم، وقرأ نافع في غير رواية إسماعيل كذلك إلا أنه فتح الميم فتح بناء
~~لإضافة يوم إلى غير متمكن وتنوين إذ للتعويض عن جملة، والأولى على ما في
~~«البحر» أن تكون الجملة المحذوفة المعوض هو عنها ما قرب من الظرف أي يوم
~~إذا جاء بالحسنة، وجوز أن يكون التقدير يوم إذ ينفخ في الصور لا سيما إذا
~~أريد بذلك النفخ النفخة الثانية، واقتصر عليه شيخ الإسلام، وفسر الفزع
~~بالفزع الحاصل من مشاهدة العذاب بعد تمام المحاسبة وظهور الحسنات
~~والسيئات وهو الذي في قوله تعالى:

# لا يحزنهم الفزع الأكبر

# [الأنبياء: 103] وحكي عن الحسن أن ذاك حين يؤمر بالعبد إلى النار، وعن
~~ابن جريج أنه حين يذبح الموت وينادى يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل
~~النار خلود فلا موت وهو كذلك في قراءة التنوين وقراءة الإضافة ولا يراد
~~به في القراءة الثانية جميع الأفزاع الحاصلة يومئذ، ومدار الإضافة كون
~~ذلك أعظم الأفزاع وأكبرها كأن ما عداه ليس بفزع بالنسبة إليه وقال تبعا
~~لغيره إن الفزع المدلول عليه بقوله تعالى:

# ففزع

# [النمل: 87] الخ ليس إلا التهيب والرعب الحاصل في ابتداء الإحساس بالشيء
~~الهائل ولا يكاد يخلو منه أحد بحكم الجبلة وإن كان آمنا من لحاق الضرر ms07905
~~به. وقال أبو علي: يجوز أن يراد بالفزع في القراءتين فزع واحد وأن يراد
~~به الكثرة لأنه مصدر فإن أريد الكثرة شمل كل فزع يكون في القيامة وإن
~~أريد الواحد فهو الذي أشير إليه بقوله تعالى:

# لا يحزنهم الفزع الأكبر

# [الأنبياء: 103] وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبا تتمة للكلام في الآية.

### || [27.90]

# { ومن جاء بالسيئة } وهو الشرك وبه فسرها من فسر

# الحسنة

# [النمل: 89] بشهادة أن لا إله إلا الله وقد علمت من هم، وقيل: المراد
~~بها ما يعم الشرك وغيره من السيئات. { فكبت وجوههم فى
~~النار } أي كبوا فيها على وجوههم منكوسين، فإسناد الكب إلى الوجوه
~~مجازي لأنه / يقال كبه وأكبه إذا نكسه، وقيل: يجوز أن يراد بالوجوه
~~الأنفس كما أريدت بالأيدي في قوله تعالى:

# ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة

# [البقرة: 195] أي فكبت أنفسهم في النار { هل تجزون إلا ما
~~كنتم تعملون } على الالتفات للتشديد أو على إضمار القول أي
~~مقولا لهم ذلك فلا التفات فيه لأنه في كلام آخر ومن شروط الالتفات اتحاد
~~الكلامين كما حقق في المعاني.

# واستدل بعض المرجئة القائلين بأنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع
~~مع الكفر طاعة بقوله تعالى:

# من جاء بالحسنة

# [النمل: 89] الخ على أن المؤمن العاصي لا يعذب يوم القيامة وإلا لم يكن
~~آمنا من فزع مشاهدة العذاب يومئذ وهو خلاف ما دلت عليه الآية الكريمة،
~~وأجيب بمنع دخول المؤمن العاصي في عموم الآية لأن المراد بالحسنة الحسنة
~~الكاملة وهو الإيمان الذي لم تدنسه معصية، وذلك غير متحقق فيه أو لأن
~~المتبادر المجىء بالحسنة غير مشوبة بسيئة وهو أيضا غير متحقق فيه ومن
~~تحقق فيه فهو آمن من ذلك الفزع بل لا يبعد أن يكون آمنا من كل فزع من
~~أفزاع يوم القيامة وإن سلم الدخول قلنا المراد بالفزع الآمن منه من جاء
~~بالحسنة ما يكون حين يذبح الموت وينادي المنادي يا أهل الجنة خلود فلا
~~موت ويا أهل النار خلود فلا موت كما سمعت عن ابن جريج أو حين ms07906 تطبق جهنم
~~على أهلها فيفزعون كما روي عن الكلبي وليس ذلك إلا بعد تكامل أهل الجنة
~~دخولا الجنة والعذاب الذي يكون لبعض عصاة المؤمنين إنما هو قبل ذلك
~~والآية لا تدل على نفيه بوجه من الوجوه. وأجاب بعضهم بأنه يجوز أن يكون
~~المؤمن العاصي آمنا من فزع مشاهدة العذاب، وأن عذب لعلمه بأنه لا يخلد
~~فيعد عذابه كالمشاق التي يتكلفها المحب في طريق وصال المحبوب وهذا في
~~غاية السقوط كما لا يخفى.

# واستدل بعض المعتزلة بقوله تعالى: { من جاء بالسيئة } الخ على
~~عدم الفرق بين عذاب الكافر وعذاب المؤمن العاصي لأن { من جاء
~~بالسيئة } يعمهما وقد أثبت له الكب على الوجوه في النار فحيث كان
~~ذلك بالنسبة إلى الكافر على وجه الخلود كان بالنسبة إلى المؤمن العاصي
~~كذلك، وأجيب بأن المراد بالسيئة الإشراك كما روي تفسيرها به عن أكثر سلف
~~الأمة فلا يدخل المؤمن العاصي فيمن جاء بالسيئة ولو سلم دخوله بناءا على
~~القول بعموم السيئة فلا نسلم أن في الآية دلالة على خلوده في النار وكون
~~الكب في النار بالنسبة إلى الكافر على وجه الخلود لا يقتضي أن يكون
~~بالنسبة إليه كذلك فكثيرا ما يحكم على جماعة بأمر كلي ويكون الثابت
~~لبعضهم نوعا وللبعض الآخر نوعا آخر منه وهذا مما لا ريب فيه، ثم إن
~~الآية من باب الوعيد فيجري فيها على تقدير دخول المؤمن العاصي في عموم
~~(من) ما قاله الأشاعرة في آيات الوعيد فافهم وتأمل.

### || [27.91]

# { إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى
~~حرمها } استئناف بتقدير قل قبله وهو أمر له عليه الصلاة والسلام بأن
~~يقول لهؤلاء الكفرة ذلك بعد ما بين لهم أحوال المبدأ والمعاد وشرح أحوال
~~القيامة إثارة لهممهم بألطف وجه إلى أن يشتغلوا بتدارك أحوالهم وتحصيل ما
~~ينفعهم والتوجه نحو التدبر فيما قرع أسماعهم من الآيات الباهرة الكافية
~~في إرشادهم والشافية لعللهم والبلدة على ما روي عن ابن عباس وقتادة
~~وغيرهما هي مكة المعظمة، وفي «تاريخ مكة» أنها منى قال حدثنا يحيى بن ms07907
~~ميسرة عن خلاد بن يحيى عن سفيان أنه قال: البلدة منى والعرب تسميها بلدة
~~إلى الآن. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية تفسيرها بذلك أيضا، وذكر
~~بعض الأجلة أن أكثر المفسرين على / الأول وتخصيصها بالإضافة لتفخيم شأنها
~~وإجلال مكانها والتعرض لتحريمه تعالى إياها تشريف لها بعد تشريف وتعظيم
~~إثر تعظيم مع ما فيه من الإشعار بعلة الأمر وموجب الامتثال به كما في
~~قوله تعالى:

# فليعبدوا رب هذا البيت * الذى أطعمهم من
~~جوع وءامنهم من خوف

# [قريش: 3-4] ومن الرمز إلى غاية شناعة ما فعلوا فيها ألا ترى أنهم مع
~~كونها محرمة من أن تنتهك حرمتها باختلاء خلاها وعضد شجرها وتنفير صيدها
~~وإرادة الإلحاد فيها قد استمروا فيها على تعاطي أفظع أفراد الفجور وأشنع
~~آحاد الإلحاد حيث تركوا عبادة ربها ونصبوا فيها الأوثان وعكفوا على
~~عبادتها قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون، ولا تعارض بين ما في الآية من
~~نسبة تحريمها إليه عز وجل وما في قوله عليه الصلاة والسلام:

# " إن إبراهيم عليه السلام حرم مكة وأنا حرمت المدينة "

# من نسبة تحريمها إلى إبراهيم عليه السلام لأن ما هنا باعتبار أنه هو
~~المحرم في الحقيقة وما في الحديث باعتبار أن إبراهيم عليه السلام مظهر
~~لحكمه عز شأنه.

# وقرأ ابن عباس وابن مسعود (التي) صفة للبلدة وقراءة الجمهور أبلغ في
~~التعظيم، ففي «الكشف» أن إجراء الوصف على الرب تعالى شأنه، تعظيم لشأن
~~الوصف ولشأن ما يتعلق به الوصف وزيادة اختصاص له بمن أجرى عليه الوصف على
~~سبيل الإدماج وجعل ذلك كالمسلم المبرهن ولا كذلك لو وصفت البلدة بوصف
~~تخصيصا أو مدحا.

# وقوله تعالى: { وله كل شىء } أي خلقا وملكا وتصرفا، من غير أن
~~يشاركه سبحانه شيء في شيء من ذلك تحقيق للحق، وتنبيه على أن إفراد مكة
~~بالإضافة لما مر من التفخيم والتشريف مع عموم الربوبية لجميع الموجودات،
~~واستدل به بعض الناس لجواز ما يقوله جهلة المتصوفة شيء لله، لأنه في معنى
~~كل شيء لله عز وجل، نحو تمرة خير من جرادة، ms07908 وأنت تعلم أنهم لا يأتون به
~~لإرادة ذلك بل يقولون: شيء لله يا فلان لبعض الأكابر من أهل القبور، إما
~~على معنى أعطني شيئا لوجه الله تعالى يا فلان، أو أنت شيء عظيم من آثار
~~قدرة الله تعالى؛ وقد وجهه بذلك من لم يكفرهم به وهو الحق وإن كان في
~~ظاهره على أول التوجيهين طلب شيء ممن لا قدرة له على شيء نعم الأولى
~~صيانة اللسان عن أمثال هذه الكلمات.

# { وأمرت أن أكون من المسلمين } أي أثبت على ما كنت
~~عليه من كوني من جملة الثابتين على ملة الإسلام والتوحيد أو الذين أسلموا
~~وجوههم لله تعالى خالصة من قوله تعالى:

# ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله

# [النساء: 125].

### || [27.92]

# { وأن أتلو القرءان } أي أواظب على قراءته على الناس بطريق
~~تكرير الدعوة وتثنيته الإرشاد لكفايته في الهداية إلى طريق الرشاد، وقيل
~~أي أواظب على قراءته لينكشف لي حقائقه الرائقة المخزونة في تضاعيفه شيئا
~~فشيئا فإن المواظبة على قراءته من أسباب فتح باب الفيوضات الإلهية
~~والأسرار القدسية،

# " وقد حكي أنه صلى الله عليه وسلم قام ليلة يصلي فقرأ قوله تعالى: { إن
~~تعذبهم فإنهم عبادك } [المائدة: 118] فما زال يكررها
~~ويظهر له من أسرارها ما يظهر حتى طلع الفجر "

# ، وقيل أتلو من تلاه إذا تبعه، أي وأن أتبع القرآن، وهو خلاف الظاهر،
~~ويؤيد ما ذكرناه أولا من المعنى ما في حرف أبي كما أخرجه أبو عبيد.
~~وابن المنذر عن هارون (وأتل عليهم القرآن) وحكى عنه في «البحر» أنه قرأ
~~(وأتل هذا القرآن)، ولا تأييد فيه لما ذكرنا. وقرأ عبد الله (وأن أتل)
~~بغير واو أمرا من تلا فجاز أن تكون أن مصدرية وصلت بالأمر، وجاز أن تكون
~~مفسرة على إضمار أمرت.

# { فمن اهتدى } أي بالإيمان بالقرآن والعمل بما فيه من الشرائع
~~والأحكام، وقيل أي بالاتباع فيما / ذكر من العبادة والإسلام، وتلاوة
~~القرآن أو اتباعه { فإنما يهتدى لنفسه } أي فإنما منافع
~~اهتدائه تعود إليه { ومن ضل } بالكفر به والإعراض عنه، وقيل
~~بالمخالفة فيما ذكر { فقل ms07909 } أي له. { إنما أنا من
~~المنذرين } وقد خرجت عن عهدة الإنذار فليس علي من وبال ضلالك شيء
~~وإنما هو عليك فقط، ويعلم مما ذكرنا أن جواب الشرط جملة القول وما في
~~حيزه والرابط المشترط في مثله محذوف وقدره بعضهم بعد المنذرين أي من
~~المنذرين إياه، وجوز أبو حيان كون الجواب محذوفا أي من ضل فوبال ضلاله
~~مختص به وحذف ذلك لدلالة جواب مقابله عليه، وجوز بعضهم كون الجملة بعد هي
~~الجواب ولكونها كناية تعريضية عما قدره أبو حيان لم تحتج إلى رابط ثم إن
~~ظاهر التصريح بقل هنا يقتضي أن يكون { فمن اهتدى } الخ من كلامه
~~عز وجل عقب به أمره صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ما قبله، ولا بعد في
~~كونه من مقول القول المقدر قبل قوله تعالى:

# إنما أمرت

# [النمل: 91] كما سمعت.

### || [27.93]

# { وقل الحمد لله } أي على ما أفاض علي من نعمائه التي من
~~أجلها نعمة النبوة المستتبعة لفنون النعم الدينية والدنيوية ووفقني
~~لتحمل أعبائها وتبليغ أحكامها بالآيات البينة والبراهين النيرة، وقوله
~~تعالى: { سيريكم ءايته } من جملة الكلام المأمور به أي قل
~~سيريكم آياته سبحانه: { فتعرفونها } أي فتعرفون أنها آيات الله
~~تعالى حيث لا تنفعكم المعرفة، وقيل: أي سيريكم في الدنيا والمراد بالآيات
~~الدخان وما حل بهم من نقمات الله تعالى وعد منها قتل يوم بدر واعتراف
~~المقتولين بذلك بالفعل واعتراف غيرهم بالقوة، وقيل: هي خروج الدابة وسائر
~~أشراط الساعة والخطاب لجنس الناس لا لمن في عهد النبوة. وأخرج ابن أبي
~~حاتم وجماعة عن مجاهد أن المراد بالآيات الآيات الأنفسية والآفاقية
~~فالآية كقوله تعالى:

# سنريهم ءايتنا فى الأفاق وفى أنفسهم

# [فصلت: 53]؛ وقيل: المراد بها معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم
~~وإضافتها إلى ضميره تعالى لأنها فعله عز وجل أظهرها على يد رسوله عليه
~~الصلاة والسلام للتصديق، والمراد بالمعرفة ما يجامع الجحود.

# وقوله تعالى: { وما ربك بغفل عما تعملون } كلام
~~مسوق من جهته سبحانه بطريق التذييل مقرر لما قبله متضمن للوعد والوعيد
~~كما ينبىء عنه إضافة ms07910 الرب إلى ضميره صلى الله عليه وسلم وتخصيص الخطاب
~~أولا: به عليه الصلاة والسلام وتعميمه ثانيا: للكفرة تغليبا أي وما
~~ربك بغافل عما تعمل أنت من الحسنات وما تعملون أنتم أيها الكفرة من
~~السيئات فيجازي كلا منكم بعمله لا محالة، وقرأ الأكثر (يعملون) بياء
~~الغيبة فهو وعيد محض والمعنى وما ربك بغافل عن أعمالهم فسيعذبهم البتة
~~فلا يحسبوا أن تأخير عذابهم لغفلته سبحانه عن أعمالهم الموجبة له ومن
~~تأمل في الآيات ظهر له أن هذه الخاتمة مما تدهش العقول وتحير الأفهام
~~ولله تعالى در التنزيل وماذا عسى يقال في كلام الملك العلام.

# ومن باب الإشارة في الآيات ما قيل: { وأنزل من السماء } أي سماء القلب {
~~ماء } هو ماء نظر الرحمة { فأنبتنا به حدائق ذات بهجة } من العلوم
~~والمعاني والأسرار والحكم البالغة،

# ما كان لكم أن تنبتوا شجرها

# [النمل: 60] أي أصولها لما أن العلوم الإلهية غير اختيارية بل كل علم
~~ليس باختياري في نفسه وإلا لزم تقدم الشيء على نفسه نعم هو اختياري
~~باعتبار الأسباب { أم من جعل الأرض } أي أرض النفس { قرارا }
~~في الجسد { وجعل خلالها أنهارا } من / دواعي البشرية {
~~وجعل لها رواسى } من قوى البشرية والحواس { وجعل بين
~~البحرين } بحر الروح وبحر النفس

# حاجزا

# [النمل: 61] وهو القلب { أم من يجيب المضطر } وهو المستعد
~~لشيء من الأشياء

# إذا دعاه

# [النمل: 62] بلسان الاستعداد وطلب منه تعالى ما استعد له، وقال بعضهم:
~~المضطر المستغرق في بحار شوقه تعالى: { وإذا وقع القول
~~عليهم أخرجنا لهم دابة } وهي النفس الناطقة والروح
~~الإنساني

# من الأرض

# [النمل: 82] أي أرض البشرية وعلى هذا النمط تكلموا في سائر الآيات وساق
~~الشيخ الأكبر قدس سره قوله تعالى:

# وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر
~~السحاب

# [النمل: 88] دليلا على ما يدعيه من تجدد الجواهر كالأعراض عند الأشعري
~~وعدم بقائها زمانين، ومبنى ذلك عنده القول بوحدة الوجود وأنه سبحانه كل
~~يوم هو في شأن، والكلام في صحة هذا المبنى واستلزامه للمدعي لا يخفى على
~~العارف، وأما الاستدلال بهذه الآية لهذا المطلب ms07911 فمن أمهات العجائب وأغرب
~~الغرائب والله تعالى أعلم.

### | [28 - سورة القصص]

### || [28.1-2]

# قد مر ما يتعلق به من الكلام في أشباهه.

### || [28.3]

# { نتلوا عليك } أي نقرأ بواسطة جبرائيل عليه السلام فالإسناد
~~مجازي كما في بني الأمير المدينة. والتلاوة في كلامهم على ما قال الراغب
~~((تختص باتباع كتب الله تعالى المنزلة تارة بالقراءة وتارة بالارتسام لما
~~فيه من أمر ونهي وترغيب وترهيب أو ما يتوهم فيه ذلك وهو أخص من القراءة))
~~ويجوز أن تكون التلاوة هنا مجازا مرسلا عن التنزيل بعلاقة أن التنزيل
~~لازم لها أو سببها في الجملة وأن تكون استعارة له لما بينهما من المشابهة
~~فإن كلا منهما طريق للتبليغ فالمعنى ننزل عليك { من نبإ موسى
~~وفرعون } أي من خبرهما العجيب الشأن، والجار والمجرور متعلق بمحذوف
~~وقع صفة لمفعول { نتلو } المحذوف أي نتلو شيثا كائنا من نبئهما.
~~والظاهر أن { من } تبعيضية، وجوز بعضهم كونها بيانية وكونها صلة على
~~رأي الأخفش فنبأ مجرور، لفظا مرفوع محلا مفعول { نتلو } ويوهم كلام
~~بعضهم أن { من } هو المفعول كأنه قيل: نتلو بعض نبأ وفيه بحث، وأيا ما
~~كان فلا تجوز في كون النبأ متلوا لما أنه نوع من اللفظ.

# وقوله تعالى: { بالحق } متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل { نتلو } أي
~~نتلو ملتبسين بالحق أو مفعوله أي نتلو شيئا من نبئهما ملتبسا بالحق أو
~~وقع صفة لمصدر { نتلو } أي نتلو تلاوة ملتبسة بالحق؛ وقوله تعالى: {
~~لقوم يؤمنون } متعلق بنتلو واللام للتعليل وتخصيص المؤمنين
~~بالذكر مع عموم الدعوة والبيان لأنهم المنتفعون به، وقد تقدم الكلام في
~~شمول { يؤمنون } للمؤمنين حالا واستقبالا في السورة السابقة.

### || [28.4]

# وقوله تعالى: { إن فرعون علا فى الأرض } استئناف جار مجرى
~~التفسير للمجمل الموعود، وتصديره بحرف التأكيد للاعتناء بتحقيق مضمون ما
~~بعده أي: إن فرعون تجبر وطغى في أرض مصر وجاوز الحدود المعهودة في الظلم
~~والعدوان { وجعل أهلها شيعا } أي فرقا يشيعونه في كل ما
~~يريده من الشر والفساد أو يشيع بعضهم بعضا في طاعته أو أصنافا في
~~استخدامه يستعمل / كل ms07912 صنف في عمل من بناء وحرث وحفر وغير ذلك من الأعمال
~~الشاقة ومن لم يعمل ضرب عليه الجزية فيخدمه بأدائها أو فرقا مختلفة قد
~~أغرى بينهم العداوة والبغضاء لئلا تتفق كلمتهم { يستضعف طائفة
~~منهم } أي يجعلهم ضعفاء مقهورين؛ والمراد بهذه الطائفة بنو إسرائيل
~~وعدهم من أهلها للتغليب أو لأنهم كانوا فيها زمانا طويلا، والجملة إما
~~استئناف نحوي أو بياني في جواب ماذا صنع بعد ذلك، وإما حال من فاعل { جعل
~~} أو من مفعوله. وإما صفة لشيعا والتعبير بالمضارع لحكاية الحال
~~الماضية.

# وقوله تعالى: { يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم } بدل من
~~الجملة قبلها بدل اشتمال أو تفسير أو حال من فاعل يستضعف أو صفة لطائفة
~~أو حال منها لتخصصها بالوصف وكان ذلك منه لما أن كاهنا قال له يولد في
~~بني إسرائيل مولود يذهب ملكك على يده. وقال السدي: إنه رأى في منامه أن
~~نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت
~~بني إسرائيل فسأل علماء قومه فقالوا: يخرج من هذا البلد رجل يكون هلاك
~~مصر على يده فأخذ يفعل ما يفعل ولا يخفى أنه من الحمق بمكان إذ لو صدق
~~الكاهن أو الرؤيا فما فائدة القتل وإلا فما وجهه، وفي الآية دليل على أن
~~قتل الأولاد لحفظ الملك شريعة فرعونية. وقرأ أبو حيوة وابن محيصن {
~~يذبح } بفتح الياء وسكون الذال.

# { إنه كان من المفسدين } أي الراسخين في الإفساد ولذلك
~~اجترأ على مثل تلك العظيمة من قتل من لا جنحة له من ذراري الأنبياء عليهم
~~السلام لتخيل فاسد.

### || [28.5]

# { ونريد أن نمن } أي نتفضل { على الذين استضعفوا
~~فى الأرض } على الوجه المذكور بإنجائهم من بأسه، وصيغة المضارع في {
~~نريد } لحكاية الحال الماضية وأما { نمن } فمستقبل بالنسبة للإرادة فلا
~~حاجة لتأويله وهو معطوف على قوله تعالى:

# إن فرعون علا

# [القصص: 4] الخ لتناسبهما في الوقوع في حيز التفسير للنبأ وهذا هو
~~الظاهر. وجوز أن تكون الجملة حالا من مفعول

# يستضعف

# [القصص: 4] بتقدير مبتدأ أي يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن ms07913 نمن عليهم وقدر
~~المبتدأ ليجوز التصدير بالواو، وجوز أن يكون حالا من الفاعل بتقدير
~~المبتدأ أيضا وخلوها عن العائد عليه وما يقوم مقامه لا يضر لأن الجملة
~~الحالية إذا كانت اسمية يكفي في ربطها الواو وضعف بأنه لا شبهة في
~~استهجان ذلك مع حذف المبتدأ، وتعقب القول بصحة الحالية مطلقا بأن الأصل
~~في الحال المقارنة والمن بعد الاستضعاف بكثير، وأجيب بأن الحال ليس المن
~~بل إرادته وهي مقارنة وتعلقها إنما هو بوقوع المن في الاستقبال فلا يلزم
~~من مقارنتها مقارنته على أن من الله تعالى عليهم بالخلاص لما كان في شرف
~~الوقوع جاز إجراؤه مجرى الواقع المقارن للاستضعاف وإذا جعلت الحال مقدرة
~~يرتفع القيل والمقال، وجوز بعضهم عطف ذلك على

# نتلوا

# [القصص: 3] و

# يستضعف

# [القصص: 4]، وقال الزمخشري: هو غير سديد، ووجه ذلك في «الكشف» بقوله أما
~~الأول: فلما يلزم أن يكون خارجا عن المنبأ به وهو أعظمه وأهمه، وأما
~~الثاني: فلأنه إما حال عن ضمير

# جعل

# [القصص: 4] أو عن مفعوله أو صفة لشيعا أو كلام مستأنف وعلى الأولين
~~ظاهر الامتناع وعلى الثالث: أظهر إذ لا مدخل لذلك في الجواب عن السؤال
~~الذي يعطيه قوله تعالى:

# جعل أهلها شيعا

# [القصص: 4] والعطف يقتضي الاشتراك لكن للعطف على

# يستضعف

# [القصص: 4] مساغ على تقدير الوصف والمعنى جعل أهلها شيعا يستضعف طائفة
~~منهم ونريد أن نمن عليهم منهم أي على الطائفة من الشيع فأقيم المظهر مقام
~~المضمر الراجع إلى الطائفة وحذف الراجع إلى الشيع للعلم كأنه قيل:
~~يستضعفهم / ونريد أن نقويهم كما زعم الزمخشري في الوجه الذي جعله حالا
~~عن مفعول { يستضعف } والحاصل شيعا موصوفين باستضعاف طائفة وإرادة المن
~~على تلك الطائفة منهم بدفع الضعف. فإن قلت: يدفعه أن العلم بالصفة
~~الثانية لم يكن حاصلا بخلاف الأولى قلنا كذلك لم يكن حاصلا باستضعاف
~~مقيد بحال الإرادة والحق أن الوجهين يضعفان لذلك وإنما أوردناه على
~~الزمخشري لتجويزه الحال انتهى.

# وأورد عليه أن للعطف عليه على تقدير كونه حالا مساغا أيضا بعين ما
~~ذكره فلا وجه للتخصيص ms07914 بالوصفية وأن عدم حصول العلم بالصفة الثانية بعد
~~تسليم اشتراط العلم بالصفة مطلقا غير مسلم فإن سبب العلم بالأولى وهو
~~الوحي أو خبر أهل الكتاب، يجوز أن يكون سببا للعلم بالثانية، وأيضا
~~يجوز أن يخصص جواز حالية { ونريد } الخ باحتمال الاستئناف والحالية في {
~~يستضعف } دون الوصف فلا يكون مشترك الإلزام، وفيه أن احتمال الحالية من
~~المفعول لم يذكره الزمخشري فلذا لم يلتفت صاحب «الكشف» إلى أن للعطف عليه
~~مساغا وأن اشتراط العلم بالصفة مما صرح به في مواضع من «الكشاف» والكلام
~~معه وأن العلم بصفة الاستضعاف لكونه مفسرا بالذبح والاستحياء وذلك معلوم
~~بالمشاهدة وليس سبب العلم ما ذكر من الوحي أو خبر أهل الكتاب وفي هذا
~~نظر، والإنصاف أن قوله تعالى:

# إن فرعون

# [القصص: 4] الخ لا يظهر كونه بيانا لنبأ موسى عليه السلام وفرعون معا
~~على شيء من الاحتمالات ظهوره على احتمال العطف على

# إن فرعون

# [القصص: 4] وإدخاله في حيز البيان وإلا فالظاهر من { إن فرعون } الخ
~~بدون هذا المعطوف أنه بيان لنبإ فرعون فقط فتأمل.

# { ونجعلهم أئمة } مقتدى بهم في الدين والدنيا على ما في
~~«البحر»، وقال مجاهد دعاة إلى الخير، وقال قتادة ولاة كقوله تعالى:

# وجعلكم ملوكا

# [المائدة: 20] وقال الضحاك أنبياء وأيا ما كان ففيه نسبة ما للبعض إلى
~~الكل { ونجعلهم الوارثين } لجميع ما كان منتظما في سلك ملك
~~فرعون وقومه على أكمل وجه كما يومىء إليه التعريف وذلك بأن لا ينازعهم
~~أحد فيه.

### || [28.6]

# { ونمكن لهم فى الأرض } أي في أرض مصر، وأصل التمكين أن
~~يجعل الشيء مكانا يتمكن فيه ثم استعير للتسليط وإطلاق الأمر وشاع في ذلك
~~حتى صار حقيقة لغوية فالمعنى نسلطهم على أرض مصر يتصرفون وينفذ أمرهم
~~فيها كيفما يشاؤون، وظاهر كلام بعضهم أن المراد بالأرض ما يعم مصر والشام
~~مع أن المعهود هو أرض مصر لا غير وكأن ذلك لما أن الشام مقر بني إسرائيل.
~~وقرأ الأعمش (ولنمكن) بلام كي أي وأردنا ذلك لنمكن أو ولنمكن فعلنا ذلك.

# { ونرى فرعون وهمن وجنودهما } إضافة ms07915 إلى الجنود
~~إلى ضمير (هما) إما للتغليب أو لأنه كان لهامان جند مخصوصون به وإن كان
~~وزيرا أو لأن جند السلطان جند الوزير، و { نري } من الرؤية البصرية
~~على ما هو المناسب للبلاغة، وجوز أن يكون من الرؤية القلبية التي هي
~~بمعنى المعرفة، وعلى الوجهين هو ناصب لمفعولين لمكان الهمزة ففرعون وما
~~عطف عليه مفعوله الأول، وقوله تعالى: { منهم } أي من أولئك
~~المستضعفين متعلق به، وقوله تعالى: { ما كانوا يحذرون } أي
~~يتوقون من ذهاب ملكهم وهلكهم على يد مولود منهم مفعوله الثاني، والرؤية
~~على تقدير كونها بصرية لمقدمات ذلك وعلاماته في الحقيقة لكنها جعلت له
~~مبالغة مثله مستفيض بينهم حتى يقال رأى موته بعينه وشاهد هلاكه وعليه قول
~~بعض المتأخرين:

# أبكاني البين حتى

# رأيت غسلي بعيني

# وقيل: المراد رؤية وقت ذلك، وليس بذاك، والأمر على تقدير كونها بمعنى
~~المعرفة ظاهر، لأنهم قد عرفوا ذهاب ملكهم وهلاكهم، لما شاهدوه من ظهور
~~أولئك المستضعفين عليهم، وطلوع طلائعه من طرق خذلانهم. وفسر بعضهم
~~الموصول بظهور موسى عليه السلام، وهو خلاف الظاهر المؤيد بالآثار وكأن
~~ذلك منه لخفاء وجه تعلق رؤية فرعون ومن معه بذهاب ملكهم وهلكهم عليه وقد
~~علمت وجهه، وقرأ عبد الله وحمزة والكسائي - ويري - بالياء مضارع رأى،
~~و(فرعون) بالرفع على الفاعلية، وكذا ما عطف عليه.

### || [28.7]

# { وأوحينا إلى أم موسى } قيل هي محيانة بنت يصهر بن لاوي،
~~وقيل يوخابذ وقيل يارخا وقيل يارخت، وقيل غير ذلك. والظاهر أن الإيحاء
~~إليها كان بإرسال ملك، ولا ينافي حكاية أبي حيان الإجماع على عدم
~~نبوتها، لما أن الملائكة عليهم السلام قد ترسل إلى غير الأنبياء وتكلمهم،
~~وإلى هذا ذهب قطرب وجماعة. وقال مقاتل منهم: إن الملك المرسل إليها هو
~~جبريل عليه السلام. وعن ابن عباس وقتادة أنه كان إلهاما، ولا يأباه قوله
~~تعالى: { إنا رادوه إليك وجعلوه من المرسلين }
~~نعم هو أوفق بالأول. وقال قوم: إنه كان رؤيا منام صادقة قص فيها أمره
~~عليه السلام، وأوقع الله تعالى في قلبها اليقين. وحكي عن الجبائي ms07916 أنها
~~رأت في ذلك رؤيا، فقصتها على من تثق به من علماء بني إسرائيل فعبرها لها.
~~وقيل كان بإخبار نبي في عصرها إياها. والظاهر أن هذا الإيحاء كان بعد
~~الولادة، وفي الأخبار ما يشهد له، فيكون في الكلام جملة محذوفة، وكأن
~~التقدير والله تعالى أعلم: ووضعت موسى أمه في زمن الذبح فلم تدر ما تصنع
~~في أمره وأوحينا إليها { أن أرضعيه } وقيل: كان قبل الولادة،
~~و(أن) تفسيرية أو مصدرية، والمراد أن أرضعيه ما أمكنك إخفاؤه.

# وقرأ عمر بن عبد الواحد وعمر بن عبد العزيز (أن أرضعيه) بكسر النون بعد
~~حذف الهمزة على غير قياس، لأن القياس فيه نقل حركتها وهي الفتحة إلى
~~النون كما في قراءة ورش.

# { فإذا خفت عليه } من جواسيس فرعون ونقبائه الذين يقتلون
~~الأبناء، أو من الجيران ونحوهم أن ينمو عليه { فألقيه فى اليم }
~~أي في البحر، والمراد به النيل، ويسمى مثله بحرا، وإن غلب في غير العذب
~~{ ولا تخافى } عليه ضيعة أو شدة من عدم رضاعه في سن الرضاع { ولا
~~تحزنى } من مفارقتك إياه { إنا رادوه إليك } عن قريب بحيث
~~تأمنين عليه ويومىء إلى القرب السياق. وقيل التعبير باسم الفاعل لأنه
~~حقيقة في الحال ويعتبر لذلك في قوله سبحانه: { وجعلوه من
~~المرسلين } ولا يضر تفاوت القربين، والجملة تعليل للنهي عن الخوف
~~والحزن، وإيثار الجملة الاسمية وتصديرها بحرف التحقيق للاعتناء بتحقيق
~~مضمونها أي إنا فاعلون رده، وجعله من المرسلين لا محالة. واستفصح
~~الأصمعي امرأة من العرب أنشدت شعرا فقالت: أبعد قوله تعالى: {
~~وأوحينا إلى أم موسى } الآية فصاحة وقد جمع بين أمرين
~~ونهيين وخبرين وبشارتين.

### || [28.8]

# والفاء في قوله تعالى: { فالتقطه ءال فرعون } فصيحة
~~والتقدير ففعلت ما أمرت به من إرضاعه وإلقائه في اليم لما خافت عليه،
~~وحذف ما حذف تعويلا على دلالة الحال وإيذانا بكمال سرعة الامتثال. /
~~روي أنها لما ضربها الطلق دعت قابلة من الموكلات بحبالى بني إسرائيل
~~فعالجتها، وفلما وقع موسى عليه السلام على الأرض هالها نور بين عينيه
~~وارتعش كل مفصل منها ودخل ms07917 حبه قلبها بحيث منعها من السعاية فقالت لأمه:
~~احفظيه، فلما خرجت جاء عيون فرعون فلفته في خرقة وألقته في تنور مسجور لم
~~تعلم ما تصنع لما طاش من عقلها، فطلبوا فلم يجدوا شيئا فخرجوا وهي لا
~~تدري مكانه فسمعت بكاءه من التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله تعالى النار
~~عليه بردا وسلاما فأخذته، فلما ألح فرعون في طلب الولدان واجتهد العيون
~~في تفحصها أوحى الله تعالى إليها ما أوحى، وأرضعته ثلاثة أشهر، أو أربعة،
~~أو ثمانية على اختلاف الروايات، فلما خافت عليه عمدت إلى بردي فصنعت
~~منه تابوتا أي صندوقا فطلته القار من داخله. وعن السدي أنها دعت
~~نجارا، فصنع لها تابوتا، وجعلت مفتاحه من داخل، ووضعت موسى عليه السلام
~~فيه وألقته في النيل بين أحجار عند بيت فرعون، فخرج جواري آسية امرأة
~~فرعون يغتسلن فوجدنه فأدخلنه إليها وظنن أن فيه مالا، فلما فتحنه رأته
~~آسية ووقعت عليه رحمتها فأحبته، وأراد فرعون قتله فلم تزل تكلمه حتى تركه
~~لها. وروي عن ابن عباس وغيره أنه كان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد
~~غيرها وكانت من أكرم الناس إليه، وكان بها برص شديد أعيا الأطباء، وكان
~~قد ذكر له أنها لا تبرأ إلا من قبل البحر يؤخذ منه شبه الإنس يوم كذا
~~من شهر كذا حين تشرق الشمس فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ فلما كان
~~ذلك اليوم غدا فرعون في مجلس له على شفير النيل ومعه امرأته آسية وأقبلت
~~بنته في جواريها حتى جلست على شاطىء النيل فإذا بتابوت تضربه الأمواج
~~فتعلق بشجرة فقال فرعون ائتوني به فابتدروا بالسفن فأحضروه بين يديه
~~فعالجوا فتحه فلم يقدروا عليه وقصدوا كسره فأعياهم فنظرت آسية فكشف لها
~~عن نور في جوفه لم يره غيرها فعالجته ففتحته فإذا صبي صغير فيه وله نور
~~بين عينيه وهو يمص إبهامه لبنا فألقى الله تعالى محبته عليه السلام في
~~قلبها وقلوب القوم وعمدت بنت فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرأت من
~~ساعتها. وقيل: لما ms07918 نظرت إلى وجهه برأت فقالت الغواة من قوم فرعون إنا نظن
~~أن هذا هو الذي نحذر منه رمي في البحر خوفا منك فاقتله فهم أن يقتله
~~فاستوهبته آسية فتركه كما سيأتي إن شاء الله تعالى والأخبار في هذه القصة
~~كثيرة، وقد قدمنا منها ما قدمنا، وآل فرعون أتباعه وقولهم: إن الآل لا
~~يستعمل إلا فيما فيه شرف مبني على الغالب أو الشرف فيه أعم من الشرف
~~الحقيقي والصوري ومعنى التقاطهم إياه عليه السلام أخذهم إياه عليه السلام
~~أخذ اللقطة أي أخذ اعتناء به وصيانة له عن الضياع.

# { ليكون لهم عدوا وحزنا } فيه استعارة تهكمية ضرورة أنه
~~لم يدعهم للالتقاط أن يكون لهم عدوا وحزنا وإنما دعاهم شيء آخر كالتبني
~~ونفعه إياهم إذا كبر. وفي تحقيق ذلك أقوال: الأول أن يشبه كونه عدوا
~~وحزنا بالعلة الغائية كالتبني والنفع تشبيها مضمرا في النفس ولم يصرح
~~بغير المشبه ويدل على ذلك بذكر ما يخص المشبه به وهو لام التعليل فيكون
~~هناك استعارة مكنية أصلية في المجرور واللام على حقيقتها، الثاني أن يشبه
~~أولا ترتب غير العلة الغائية بترتب العلة الغائية أي يعتبر التشبيه بين
~~الترتبين الكليين ليسري في جزئياتهما فيتحقق تبعا تشبيه ترتب كونه عدوا
~~وحزنا أعني الترتب المخصوص على الالتقاط بترتب التبني ونحوه مما هو علة
~~غائية - أعني الترتب المخصوص أيضا عليه - ثم / يستعمل في المشبه اللام
~~الموضوعة للدلالة على ترتب العلة الغائية الذي هو المشبه به فتكون
~~الاستعارة أولا في العلية والغرضية وتبعا في اللام فصار حكم اللام حكم
~~الأسد حيث استعيرت لما يشبه العلة كما استعير الأسد لما يشبه الأسد بيد
~~أن الاستعارة ههنا مكنية تبعية، الثالث ما أفاده كلام الخطيب الدمشقي في
~~«التلخيص» و«الإيضاح» وهو أن يقدر التشبيه أولا لكونه عدوا وحزنا
~~بالعلة الغائية ثم يسري ذلك التشبيه إلى تشبيه ترتبه بترتب العلة الغائية
~~فتستعار اللام الموضوعة لترتب العلة الغائية لترتب كونه عدوا وحزنا من
~~غير استعارة في المجرور وهذا التشبيه كتشبيه الربيع بالقادر المختار ثم
~~إسناد الانبات إليه ms07919 وهو مفاد كلام «الكشاف»، واختار ذلك العلامة عبد
~~الحكيم، فقال: وهو الحق عندي لأن اللام لما كان معناها محتاجا إلى ذكر
~~المجرور كان اللائق أن تكون الاستعارة والتشبيه فيها تابعا لتشبيه
~~المجرور لا تابعا لتشبيه معنى كلي بمعنى كلي معنى الحرف من جزئياته كما
~~ذهب إليه السكاكي وتبعه العلامة التفتازاني انتهى فتأمل.

# واستشكل أصل تعليل الالتقاط بأن الالتقاط الوجدان من غير قصد والتعليل
~~يقتضي حقيقة القصد وهو توهم لأن الوجدان من غير قصد لا ينافي قصد أخذ ما
~~وجد لغرض وقد علمت أن المعنى هنا فأخذه أخذ اللقطة أي أخذ اعتناء به آل
~~فرعون ليكون الخ، والتعليل فيه إنما هو للأخذ ولا إشكال فيه. وقال بعضهم:
~~يحتمل تعلق اللام بمقدار أي قدرنا الالتقاط ليكون الخ، وعليه لا تجوز في
~~الكلام إلا عند من يقول: إن أفعال الله تعالى لا تعلل وهو أمر غير ما نحن
~~فيه، ولا يخفى أن كلام الله سبحانه أجل وأعلى من أن يعتبر فيه مثل هذا
~~الاحتمال، وفي جعله عليه السلام نفس الحزن ما لا يخفى من المبالغة.

# وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وابن سعدان - حزنا - بضم الحاء
~~وسكون الزاي، وقرأ الجمهور بفتحتين لغة قريش.

# { إن فرعون وهمن وجنودهما كانوا خطئين }
~~في كل ما يأتون وما يذرون أو من شأنهم الخطأ فليس ببدع منهم أن قتلوا
~~ألوفا لأجله ثم أخذوه يربونه ليكبر ويفعل بهم ما كانوا يحذرون، روي أنه
~~ذبح في طلبه عليه السلام تسعون ألف وليد. و { خطئين } على هذا من
~~الخطأ في الرأي، ويجوز أن يكون من خطىء بمعنى أذنب، وفي «الأساس» يقال:
~~((خطيء خطأ إذا تعمد الذنب))، والمعنى وكانوا مذنبين فعاقبهم الله تعالى
~~بأن ربى عدوهم على أيديهم، والجملة على الأول اعتراض بين المتعاطفين
~~لتأكيد خطئهم المفهوم من قوله تعالى: { ليكون لهم عدوا
~~وحزنا } فإنه كما سمعت استعارة تهكمية وعلى الثاني، اعتراض لتأكيد
~~ذنبهم المفهوم من حاصل الكلام، وقيل: يتعين عليه أن تكون اعتراضا لبيان
~~الموجب لما ابتلوا به ويحتمل على هذا ms07920 أن تكون استئنافا بيانيا إن أريد
~~بما ابتلوا به كونه عدوا وحزنا وهو لا ينافي الاعتراض عندهم، وقرىء
~~(خاطين) بغير همز فاحتمل أن يكون أصله الهمز وحذفت وهو الظاهر، وقيل: هو
~~من خطا يخطو أي خاطين الصواب إلى ضده فهو مجاز.

### || [28.9]

# { وقالت امرأت فرعون } آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان
~~بن الوليد الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف الصديق عليه السلام، وعلى هذا
~~لم تكن من بني إسرائيل، وقيل: كانت منهم من سبط موسى عليه السلام، وحكى
~~السهيلي أنها كانت عمته عليه السلام وهو قول غريب، والمشهور القول الأول.
~~والجملة عطف على جملة

# فالتقطه آل فرعون

# [القصص: 8] أي وقالت امرأة فرعون له حين أخرجته من التابوت. { قرة
~~عين لى ولك } أي هو قرة عين كائنة لي ولك على أن (قرة) خبر مبتدأ
~~محذوف، والظرف في موضع / الصفة له ويبعد كما في «البحر» أن يكون مبتدأ
~~خبره جملة قوله تعالى: قوله تعالى: { لا تقتلوه } وقالت ذلك لما
~~ألقى الله تعالى من محبته في قلبها أو لما كشف لها فرأته من النور بين
~~عينيه أو لما شاهدته من برء بنت فرعون من البرص بريقه أو بمجرد النظر إلى
~~وجهه، ولتفخيم شأن القرة عدلت عن لنا إلى { لي ولك } وكأنها لما تعلم من
~~مزيد حب فرعون إياها وأن مصلحتها أهم عنده من مصلحة نفسه قدمت نفسها عليه
~~فيكون ذلك أبلغ في ترغيبه بترك قتله، فلا يقال إن الأظهر في الترغيب بذلك
~~العكس وقد يستأنس لكون مصلحتها أهم عنده من مصلحة نفسه ما أخرجه النسائي
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها حين قالت له ذلك قال لك لا لي ولو
~~قال لي كما هو لك لهداه الله تعالى كما هداها، وهذا أمر فرضي فلا ينافي
~~ما ورد من أنه عليه اللعنة طبع كافرا.

# والخطاب في { لا تقتلوه } قيل: لفرعون وإسناد الفعل إليه مجازي لأنه
~~الآمر والجمع للتعظيم، وكونه لا يوجد في كلام العرب الموثوق بهم إلا في
~~ضمير المتكلم ms07921 كفعلنا مما تفرد به الرضي وقلده فيه من قلده وهو لا أصل له
~~رواية ودراية قال أبو علي الفارسي في «فقه اللغة» من سنن العرب مخاطبة
~~الواحد بلفظ الجمع فيقال للرجل العظيم انظروا في أمري، وهكذا في «سر
~~الأدب» و«خصائص ابن جني» وهو مجاز بليغ وفي القرآن الكريم منه ما التزام
~~تأويله سفه، وقيل: هو لفرعون وأعوانه الحاضرين ورجح بما روي أن غواة قومه
~~قالوا وقت إخراجه هذا هو الصبي الذي كنا نحذر منه فأذن لنا في قتله.
~~وقيل: هو له ولمن يخشى منه القتل وإن لم يحضر على التغليب، واختار بعضهم
~~كونه للمأمورين بقتل الصبيان كأنها بعد أن خاطبت فرعون وأخبرته بما
~~يستعطفه على موسى عليه السلام أمنت منه بادرة أمن جديد بقتله فالتفتت إلى
~~خطاب المأمورين قبل فنهتهم عن قتله معللة ذلك بقوله تعالى المحكي عنها:

# { عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا } وهو أوفق باختلاف
~~الأسلوب حيث فصلت أولا في قولها: لي ولك وأفردت ضمير خطاب فرعون ثم
~~خاطبت وجمعت الضمير في لا تقتلوه ثم تركت التفصيل في { عسى أن
~~ينفعنا } الخ ولم تأت به على طرز { قرة عين لى ولك } بأن
~~تقول؛ عسى أن ينفعني وينفعك مثلا فتأمل ورجاء نفعه لما رأت فيه من مخايل
~~البركة ودلائل النجابة:

# في المهد ينطق عن سعادة جده

# أثر النجابة ساطع البرهان

# واتخاذه ولدا لأنه لائق لتبني الملوك لما فيه من الأبهة وعطف هذا على
~~ما قبله من عطف الخاص على العام أو تعتبر بينهما المغايرة وهو الأنسب
~~بأو.

# { وهم لا يشعرون } حال من { آل فرعون } والتقدير فالتقطه آل
~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا وقالت امرأته له كيت وكيت، وهم لا يشعرون
~~بأنهم على خطأ عظيم فيما صنعوا. وقال: قتادة لا يشعرون أنه الذي يفسد
~~ملكهم على يده. وقال مجاهد أنه عدو لهم. وقال محمد بن إسحاق: أني أفعل ما
~~أريد لا ما يريدون والتقدير الأول أجمع، وجوز كونه حالا من القائلة
~~والمقول له معا. والمراد بالجمع اثنان على احتمال كون ms07922 الخطاب في { لا
~~تقتلوه } لفرعون فقط وكونه حالا من القائلة فقط أي قالت امرأة فرعون له
~~ذلك والذين أشاروا بقتله لا يشعرون بمقالتها له واستعطاف قلبها عليه لئلا
~~يغروه بقتله وعلى الاحتمالات الثلاثة هو من كلام الله تعالى، وجوز كونه
~~حالا من أحد ضميري نتخذه على أن الضمير للناس لا لذي الحال إذ يكفي
~~الواو للربط أي نتخذه ولدا والناس لا يعلمون أنه لغيرنا وقد تبنيناه
~~فيكون من كلام آسية رضي الله تعالى عنها.

### || [28.10]

# { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } أي صار خاليا من كل شيء
~~غير ذكر موسى عليه السلام أخرجه / الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد
~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس
~~وروي ذلك أيضا عن ابن مسعود والحسن ومجاهد، ونحوه عن عكرمة. وقالت فرقة
~~فارغا من الصبر وقال ابن زيد: فارغا من وعد الله تعالى ووحيه سبحانه
~~إليها تناست ذلك من الهم وقال أبو عبيدة: فارغا من الهم إذ لم يغرق
~~وسمعت أن فرعون عطف عليه وتبناه كما يقال فلان فارغ البال وقال بعضهم:
~~فارغا من العقل لما دهمها من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوعه في يد عدوه
~~فرعون كقوله تعالى:

# وأفئدتهم هواء

# [إبراهيم: 43] أي خلاء لا عقول فيها واعترض على القولين بأن الكلام
~~عليهما لا يلائم ما بعده وفيه نظر.

# وقرأ أحمد بن موسى عن أبي عمرو - فواد - بالواو وقرأ - مؤسى - بهمزة
~~بدل الواو، وقرأ فضالة بن عبيد والحسن ويزيد بن قطيب وأبو زرعة بن عمرو
~~بن جرير - فزعا - بالزاي والعين المهملة من الفزع وهو الخوف والقلق،
~~وابن عباس (قرعا) بالقاف وكسر الراء وإسكانها من قرع رأسه إذا انحسر
~~شعره كأنه خلا من كل شيء إلا من ذكر موسى عليه السلام، وقيل: (قرعا)
~~بالسكون مصدر أي يقرع قرعا من القارعة وهو الهم العظيم. وقرأ بعض
~~الصحابة (فزغا) بفاء مكسورة وزاي ساكنة وغين معجمة ومعناه ذاهبا هدرا.
~~والمراد هالكا من شدة الهم كأنه قتيل لا قود ولا دية ms07923 فيه، ومنه قول
~~طليحة الأسدي في أخيه حبال:

# فإن يك قتلي قد أصيبت نفوسهم

# فلن يذهبوا فزغا بقتل حبال

# وقرأ الخليل بن أحمد - فزغا - بضم الفاء والراء.

# { إن كادت لتبدى به } أي إنها كادت الخ على أن (إن) هي
~~المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة أو ما كادت إلا تبدي به على أن
~~(إن) نافية واللام بمعنى إلا وهو قول كوفي والإبداء إظهار الشيء وتعديته
~~بالباء لتضمينه معنى التصريح، وقيل: المفعول محذوف والباء سببية أي تبدى
~~حقيقة الحال بسببه أي بسبب ما عراها من فراقه، وقيل: هي صلة أي تبديه
~~وكلا القولين كما ترى، والظاهر أن الضمير المجرور لموسى عليه السلام،
~~والمعنى أنها كادت تصرح به عليه السلام وتقول واابناه من شدة الغم والوجد
~~رواه الجماعة عن ابن عباس، وروي ذلك أيضا عن قتادة والسدي وعن مقاتل
~~أنها كادت تصيح واابناه عند رؤيتها تلاطم الأمواج به شفقة عليه من الغرق،
~~وقيل: المعنى أنها كادت تظهر أمره من شدة الفرح بنجاته وتبني فرعون إياه،
~~وقيل: الضمير للوحي إنها كادت تظهر الوحي وهو الوحي الذي كان في شأنه
~~عليه السلام المذكور في قوله تعالى:

# وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه

# [القصص: 7] الآية وهو خلاف الظاهر ولا تساعد عليه الروايات.

# { لولا أن ربطنا على قلبها } أي بما أنزلنا عليه من
~~السكينة والمراد لولا أن ثبتنا قلبها وصبرناها، فالربط على القلب مجاز عن
~~ذلك، وجواب (لولا) محذوف دل عليه { إن كادت لتبدى به } أي لولا
~~أن ربطنا على قلبها لأبدته، وقيل: لكادت تبدي به، وقوله تعالى: {
~~لتكون من المؤمنين } علة للربط على القلب، والإيمان بمعنى
~~التصديق أي صبرناها وثبتنا قلبها لتكون راسخة في التصديق بوعدنا بأنا
~~رادوه إليها / وجاعلوه من المرسلين، ومن جعل الفراغ من الهم والحزن
~~وكيدودة الإبداء من الفرح بتبنيه عليه السلام الذي هو فرح مذموم جعل
~~الإيمان بمعنى الوثوق كما في قولهم على ما حكى أبو زيد ما آمنت أن أجد
~~صحابة أي ما وثقت وحقيقته صرت ذا أمن أي ذا ms07924 سكون وطمأنينة، وقال المعنى
~~لولا أن ربطنا على قلبها وسكنا قلقه الكائن من الابتهاج الفاسد لتكون من
~~الواثقين بوعد الله تعالى المبتهجين بما يحق الابتهاج به.

### || [28.11]

# { وقالت لأخته } مريم وقيل: كلثمة وقيل: كلثوم. والتعبير عنها
~~بأخوته دون أن يقال لبنتها للتصريح بمدار المحبة الموجبة للامتثال بالأمر
~~{ قصيه } أي اتبعي أثره وتتبعي خبره، والظاهر أن هذا القول وقع منها
~~بعد أن أصبح فؤادها فارغا فإن كانت لم تعرف مكانه إذ ذاك فظاهر وإن كانت
~~قد عرفته فتتبع الخبر ليعرف هل قتلوه أم لا ولينكشف ما هو عليه من الحال
~~{ فبصرت به } أي أبصرته والفاء فصيحة أي فقصت أثره فبصرت، وقرأ
~~قتادة - فبصرت - بفتح الصاد وعيسى بكسرها { عن جنب } أي عن بعد،
~~وقيل: أي عن شوق إليه حكاه أبو عمرو بن العلاء وقال هي لغة جذام يقولون
~~جنبت إليك أي اشتقت، وقال الكرماني جنب صفة لموصوف محذوف أي عن مكان جنب
~~أي بعيد وكأنه من الأضداد فإنه يكون بمعنى القريب أيضا كالجار الجنب،
~~وقيل: أي عن جانب لأنها كانت تمشي على الشط، وقيل: النظر عن جنب أن تنظر
~~إلى الشيء كأنك لا تريده.

# وقرأ قتادة والحسن وزيد بن علي رضي الله تعالى عنه، والأعرج (عن جنب)
~~بفتح الجيم وسكون النون وعن قتادة أنه قرأ بفتحهما أيضا، وعن الحسن أنه
~~قرىء بضم الجيم وإسكان النون، وقرأ النعمان بن سالم - عن جانب - والكل
~~على ما قيل: بمعنى واحد، وفي «البحر» الجنب والجانب والجنابة والجناب
~~بمعنى { وهم لا يشعرون } أنها تقصه وتتعرف حاله أو أنها أخته.

### || [28.12]

# { وحرمنا عليه المراضع } أي منعناه ذلك فالتحريم مجاز عن
~~المنع فإن من حرم عليه شيء فقد منعه، ولا يصح إرادة التحريم الشرعي لأن
~~الصبي ليس من أهل التكليف ولا دليل على الخصوصية، والمراضع جمع مرضع بضم
~~الميم وكسر الضاد وهي المرأة التي ترضع، وترك التاء إما لاختصاصه بالنساء
~~أو لأنه بمعنى شخص مرضع؛ أو جمع مرضع بفتح الميم على أنه مصدر ميمي بمعنى
~~الرضاع وجمع لتعدد مراته ms07925 أو اسم مكان أي موضع الرضاع وهو الثدي { من
~~قبل } أي من قبل قصها أو إبصارها أو وروده على من هو عنده، أو من قبل
~~ذلك أي من أول أمره وظاهر صنيع أبي حيان اختياره { فقالت هل
~~أدلكم } أي هل تريدون أن أدلكم { على أهل بيت
~~يكفلونه لكم } أي يضمنونه ويقومون بتربيته لأجلكم، والفاء فصيحة
~~أي فدخلت عليهم فقالت، وقولها: { على أهل بيت } دون امرأة إشارة إلى أن
~~المراد امرأة من أهل الشرف تليق بخدمة الملوك { وهم له نصحون
~~} لا يقصرون في خدمته وتربيته، وروي أن هامان لما سمع هذا منها قال إنها
~~لتعرفه وأهله فخذوها حتى تخبر بحاله فقالت إنما أردت وهم للملك ناصحون
~~فخلصت بذلك من الشر الذي يجوز لمثله الكذب وأحسنت وليس ببدع لأنها من بيت
~~النبوة فحقيق بها ذلك. واحتمال الضمير لأمرين مما لا تختص به اللغة
~~العربية بل يكون في جميع اللغات على أن الفراعنة من بقايا العمالقة
~~وكانوا يتكلمون بالعربية فلعلها كلمت بلسانهم ويسمى هذا الأسلوب من
~~الكلام الموجه.

### || [28.13]

# { فرددنه إلى أمه } الفاء فصيحة أي فقبلوا ذلك منها
~~ودلتهم على أمه وكلموها في إرضاعه فقبلت فرددناه / إليها أو يقدر نحو
~~ذلك، وروي أن أخته لما قالت ما قالت أمرها فرعون بأن تأتي بمن يكفله فأتت
~~بأمه وموسى عليه السلام على يد فرعون يبكي وهو يعلله فدفعه إليها فلما
~~وجد ريحها استأنس والتقم ثديها فقال: من أنت منه؟ فقد أبى كل ثدي إلا
~~ثديك فقالت إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني
~~فقرره في يدها فرجعت به إلى بيتها من يومها وأمر أن يجري عليها النفقة
~~وليس أخذها ذلك من أخذ الأجرة على إرضاعها إياه ولو سلم فلا نسلم أنه كان
~~حراما فيما تدين وكانت النفقة على ما في «البحر» دينارا في كل يوم {
~~كى تقر عينها } بوصول ولدها إليها { ولا تحزن } لفراقه {
~~ولتعلم أن وعد الله } أي جميع ما وعده سبحانه من رده
~~وجعله من المرسلين { حق } لا خلف ms07926 فيه بمشاهدة بعضه وقياس بعضه عليه
~~وإلا فعلمها بحقية ذلك بالوحي حاصل قبل. واستدل أبو حيان بالآية على ضعف
~~قول من ذهب إلى أن الإيحاء كان إلهاما أو مناما لأن ذلك يبعد أن يقال
~~فيه وعد، وفيه نظر.

# { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي لا يعرفون وعده تعالى
~~ولا حقيته أو لا يجزمون بما وعدهم جل وعلا لتجويزهم تخلفه وهو سبحانه لا
~~يخلف الميعاد، وقيل: لا يعلمون أن الغرض الأصلي من الرد عليها علمها بذلك
~~وما سواه من قرة عينها وذهاب حزنها تبع، وفيه أن الذي يفيده الكلام إنما
~~هو كون كل من قرة العين والعلم كالغرض أو غرضا مستقلا، وأما تبعية غير
~~العلم له لا سيما مع تقدم الغير فلا، وكون المفيد لذلك حذف حرف العلة من
~~الأول لا يخفى حاله، وفي قوله تعالى: { ولكن أكثر... } الخ
~~قيل: تعريض بما فرط من أمه حين سمعت بوقوعه في يد فرعون من الخوف والحيرة
~~وأنت تعلم أن ما عراها كان من مقتضيات الجبلة البشرية وهو يجامع العلم
~~بعدم وقوع ما يخاف منه، ونفي العلم في مثل ذلك إنما يكون بضرب من التأويل
~~كما لا يخفى. ثم إن الاستدراك على ما اختاره مما وقع بعد العلم، وجوز أن
~~يكون من نفس العلم وذلك إذا كان المعنى لا يعلمون أن الغرض الأصلي من
~~الرد عليها علمها بحقية وعد الله تعالى فتأمل.

### || [28.14]

# { ولما بلغ أشده } أي المبلغ الذي لا يزيد عليه نشؤه، وقوله
~~تعالى: { واستوى } أي كمل وتم، تأكيد وتفسير لما قبله كذا قيل:
~~واختلف في زمان بلوغ الأشد والاستواء فأخرج ابن أبي الدنيا من طريق
~~الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال الأشد ما بين الثماني عشرة إلى
~~الثلاثين والاستواء ما بين الثلاثين إلى الأربعين فإذا زاد على الأربعين
~~أخذ في النقصان، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد
~~أنه قال الأشد ثلاث وثلاثون سنة والاستواء أربعون سنة وهي رواية عن ابن
~~عباس أيضا وروي نحوه عن ms07927 قتادة وقال الزجاج مرة بلوغ الأشد من نحو سبع
~~عشرة سنة إلى الأربعين وأخرى هو ما بين الثلاثين إلى الأربعين واختاره
~~بعضهم هنا وعلل بأن ذلك لموافقته لقوله تعالى:

# حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة

# [الأحقاف: 15] لأنه يشعر بأنه منته إلى الأربعين وهي سن الوقوف فينبغي
~~أن يكون مبدؤه مبدأه ولا يخلو عن شيء والحق أن بلوغ الأشد في الأصل هو
~~الانتهاء إلى حد القوة وذلك وقت انتهاء النمو وغايته وهذا مما يختلف
~~باختلاف الأقاليم والأعصار والأحوال ولذا وقع له تفاسير في كتب اللغة
~~والتفسير، ولعل الأولى - على ما قيل - أن يقال إن بلوغ الأشد عبارة عن
~~بلوغ القدر الذي يتقوى فيه بدنه وقواه الجسمانية وينتهي فيه نموه المعتد
~~به والاستواء اعتدال عقله وكماله ولا ينبغي تعيين وقت لذلك في حق موسى
~~عليه السلام إلا بخبر يعول عليه لما سمعت من أن ذاك مما يختلف باختلاف
~~الأقاليم والأعصار والأحوال، نعم اشتهر أن ذلك في الأغلب يكون في سن
~~أربعين وعليه قول الشاعر:

# إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن

# له دون ما يهوى حياء ولا ستر

# فدعه ولا تنفس عليه الذي مضى

# وإن جر أسباب الحياة له العمر

# وفي قوله تعالى:

# حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة

# [الأحقاف: 15] ما يستأنس به لذلك. وقد مر طرف من الكلام في الأشد في
~~سورة يوسف فتذكر ولا تغفل.

# ثم إن حاصل المعنى على ما قيل أخيرا: ولما قوي جسمه، واعتدل عقله {
~~أتيناه حكما } أي نبوة على ما روي عن السدي أو علما هو من خواص
~~النبوة على ما تأول به بعضهم كلامه { وعلما } بالدين والشريعة. وفي
~~«الكشاف» العلم التوراة والحكم السنة وحكمة الأنبياء عليهم السلام سنتهم.
~~قال الله تعالى:

# واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من ءايت الله
~~والحكمة

# [الأحزاب: 34] وقيل آتيناه سيرة الحكماء العلماء وسمتهم قبل البعث، فكان
~~عليه السلام لا يفعل فعلا يستجهل فيه اه، ورجح ما قيل بأنه أوفق
~~لنظم القصة مما تقدم، لأن استنباءه عليه السلام بعد وكز القبطي، ms07928 والهجرة
~~إلى مدين، ورجوعه منها، وإيتاؤه التوراة كان بعد إغراق فرعون، فهو بعد
~~الوكز بكثير وبأن قوله تعالى: { وكذلك } أي مثل ذلك الذي فعلناه
~~بموسى وأمه عليهما السلام { نجزى المحسنين } على إحسانهم يأبى
~~حمل ما تقدم على النبوة لأنها لا تكون جزاء على العمل، ومن ذهب إلى الأول
~~جعل هذا بيانا إجماليا لإنجاز الوعد بجعله من المرسلين بعد رده لأمه،
~~وما بعد تفصيل له، والعطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وكون ما فعل بموسى
~~وأمه عليهما السلام جزاء على العمل باعتبار التغليب.

# وقد يقال: إن أصل النبوة وإن لم تكن جزاء على العمل إلا أن بعض مراتبها،
~~وهو ما فيه مزيد قرب من الله تعالى يكون باعتبار مزيد القرب جزاء عليه
~~ويرجع ذلك إلى أن مزيد القرب هو الجزاء وتفاوت الأنبياء عليهم السلام في
~~القرب منه تعالى مما لا ينبغي أن يشك فيه، ورجح ما تقدم بكونه أوفق بقوله
~~تعالى:

# ولتعلم أن وعد الله حق

# [القصص: 13] واستلزامه حصول النبوة لكل محسن ليس بشيء أصلا، ومن ذهب
~~إلى أن هذا الإيتاء كان قبل الهجرة قال: يجوز أن يكون المعنى آتيناه
~~رياسة بين قومه بني إسرائيل بأن جعلناه ممتازا فيما بينهم، يرجعون إليه
~~في مهامهم، ويمتثلونه إذا أمرهم بشيء أو نهاهم عنه، وعلما ينتفع به
~~وينفع به غيره، وذلك إما بمحض الإلهام، أو بتوفيقه لاستنباط دقائق وأسرار
~~مما نقل إليه من كلمات آبائه الأنبياء عليهم السلام من بني إسرائيل ولا
~~بدع في أن يكون عليه السلام عالما بما كان عليه آباؤه الأنبياء منهم
~~وبما كانوا يتدينون به من الشرائع بواسطة الإلهام أو بسماع ما يفيده
~~العلم من الأخبار، ولعل هذا أولى مما نقله في «الكشاف». وفي الكلام على
~~أواخر سورة البقرة ما تنفعك مراجعته فليراجع.

### || [28.15]

# { ودخل المدينة } قال ابن عباس على ما في «البحر»: هي منف {
~~على حين غفلة من أهلها } أي في وقت لا يعتاد دخولها، أو
~~لا يتوقعونه فيه، وكان على ما روي عن الحبر وقت القائلة. وفي رواية أخرى ms07929
~~عنه بين العشاء والعتمة، وذلك أن فرعون ركب يوما وسار إلى تلك المدينة
~~فعلم موسى عليه السلام بركوبه فلحق ودخل المدينة في ذلك الوقت. وقال ابن
~~إسحاق: هي مصر، كان موسى عليه السلام قد بدت منه مجاهرة لفرعون وقومه بما
~~يكرهون، فاختفى وغاب، فدخلها متنكرا. وقال ابن زيد: كان فرعون قد أخرجه
~~منها فغاب سنين فنسي فجاء ودخلها وأهلها في غفلة بنسيانهم له، وبعد عهدهم
~~به. وقيل: دخل في يوم عيد / وهم مشغولون بلهوهم. وقيل: خرج من قصر فرعون
~~ودخل مصر وقت القيلولة أو بين العشاءين. وقيل: المدينة عين شمس. وقيل:
~~قرية على فرسخين من مصر يقال لها: حابين. وقيل: هي الإسكندرية، والأشهر
~~أنها مصر، ولعله هو الأظهر.

# والمتبادر أن - على حين - متعلق بدخل، وعليه فالظاهر أن على بمعنى في
~~مثلها في قوله تعالى:

# واتبعوا ما تتلوا الشيطين على ملك سليمن

# [البقرة: 102] على قول. وقال أبو البقاء: هو في موضع الحال من { المدينة
~~} ، ويجوز أن يكون في موضع الحال من الفاعل أي مختلسا اه ولعل الذي
~~دعاه إلى العدول عن المتبادر احتياجه إلى جعل على بمعنى في وخفاء نكتة
~~التعبير بها دونها أو الاكتفاء بالظرف وحده عليه والأمر ظاهر لمن له أدنى
~~تأمل، وقيل: إن الداعي إلى ذلك أن دخول المدينة في حين غفلة من أهلها ليس
~~نصا في دخولها غافلا أهلها كما في وجه الحالية من المدينة ولا في
~~دخولها مختلسا كما في وجه الحالية من الضمير فإن وقت الغفلة كوقت
~~القائلة وما بين العشاءين قد لا يغفل فيه وفيه بحث.

# و { من أهلها } في موضع الصفة لغفلة وما في النظم الكريم أبلغ من
~~غفلة أهلها بالإضافة لما في التنوين من إفادة التفخيم، ولعله عدل عن ذلك
~~إلى ما ذكر لهذا فتدبر، وقرأ أبو طالب القارىء - على حين - بفتح النون
~~ووجه بأنه فتح لمجاورة الغين كما كسر في بعض القراآت الدال في

# الحمد لله

# [الفاتحة: 2] لمجاورة اللام أو بأنه أجرى المصدر مجرى الفعل كأنه قيل:
~~على حين غفل أهلها ms07930 فبنى حين كما يبنى إذا أضيف إلى الجملة المصدرة بفعل
~~ماض نحو قوله:

# على حين عاتبت المشيب على الصبا

# وهو كما ترى.

# { فوجد فيها رجلين يقتتلان } أي يتحاربان والجملة صفة
~~لرجلين. وقال ابن عطية: في موضع الحال وهو مبني على مذهب سيبويه من جواز
~~مجىء الحال من النكرة من غير شرط، وقرأ نعيم بن ميسرة (يقتلان) بإدغام
~~التاء في التاء ونقل فتحتها إلى القاف، وقوله تعالى: { هذا من
~~شيعته } أي ممن شايعه وتابعه في أمره ونهيه أو في الدين على ما قاله
~~جماعة وهم بنو إسرائيل قال في «الإتقان»: هو السامري { وهذا من
~~عدوه } من مخالفيه فيما يريد أو في الدين على ما قاله الجماعة وهم
~~القبط واسمه كما في «الإتقان» أيضا قانون صفة بعد صفة لرجلين والإشارة
~~بهذا واقعة على طريق الحكاية لما وقع وقت الوجدان كأن الرائي لهما يقوله
~~لا في المحكي لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

# وقال المبرد: العرب تشير بهذا إلى الغائب قال جرير:

# هذا ابن عمي في دمشق خليفة

# لو شئت ساقكم إلي قطينا

# وهذه الإشارة قائمة مقام الضمير في الربط، والعطف سابق على الوصفية،
~~واختلف في سبب تقاتل هذين الرجلين، فقيل: كان أمرا دينيا، وقيل: كان
~~أمرا دنيويا، روي أن القبطي كلف الإسرائيلي حمل الحطب إلى مطبخ فرعون
~~فأبى فاقتتلا لذلك، وكان القبطي على ما أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن
~~جبير خبازا لفرعون.

# { فاستغثه الذى من شيعته } أي فطلب غوثه ونصره إياه {
~~على الذى من عدوه } ولتضمين الفعل معنى النصر عدي بعلى ويؤيده
~~قوله تعالى بعد:

# استنصره بالأمس

# [القصص: 18]، ويجوز أن يكون تعديته بعلى لتضمينه معنى الإعانة ويؤيده
~~أنه قرىء (فاستعانه) بالعين المهملة والنون بدل الثاء، وقد نقل هذه
~~القراءة ابن خالويه، عن / سيبويه، وأبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة عن
~~ابن مقسم والزعفراني، وقول ابن عطية أنه ذكرها الأخفش وهو تصحيف لا قراءة
~~مما لا ثبت له فيه، وقد حذف من جملة الصلة صدرها أي الذي هو من شيعته ms07931
~~والذي هو من عدوه ولو لم يعتبر حذف ذلك صح.

# { فوكزه موسى } أي ضرب القبطي بجمع كفه أي بكفه المضمومة
~~أصابعها على ما أخرجه غير واحد عن مجاهد. وقال أبو حيان: الوكز الضرب
~~باليد مجموعة أصابعها كعقد ثلاثة وسبعين وعلى القولين يكون عليه السلام
~~قد ضربه باليد؛ وأخرج ابن المنذر وجماعة عن قتادة أنه عليه السلام ضربه
~~بعصاه فكأنه يفسر الوكز بالدفع أو الطعن وذلك من جملة معانيه كما في
~~«القاموس» ولعله أراد بعصاه عصا كانت له فإن عصاه المشهورة أعطاه إياها
~~شعيب عليه السلام بعد هذه الحادثة كما هو مشهور، وفي كتب التفاسير مسطور.

# وقرأ عبد الله (فلكزه) باللام وعنده (فنكزه) بالنون واللكز على ما في
~~«القاموس» الوكز والوجء في الصدر والحنك والنكز على ما فيه أيضا الضرب
~~والدفع، وقيل: الوكز والنكز واللكز الدفع بأطراف الأصابع، وقيل: الوكز
~~على القلب واللكز على اللحى.

# روي أنه لما اشتد التناكر قال القبطي لموسى عليه السلام: لقد هممت أن
~~أحمله يعني الحطب عليك فاشتد غضب موسى عليه السلام، وكان قد أوتي قوة
~~فوكزه { فقضى عليه } أي فقتله موسى وأصله أنهى حياته أي جعلها
~~منتهية متقضية وهو بهذا المعنى يتعدى بعلى كما في «الأساس» فلا حاجة إلى
~~تأويله بأوقع القضاء عليه، وقد يتعدى الفعل بإلى لتضمينه معنى الإيحاء
~~كما في قوله تعالى:

# وقضينآ إليه ذلك الأمر

# [الحجر: 66] وعود ضمير الفاعل في (قضى) على (موسى) هو الظاهر، وقيل: هو
~~عائد على الله تعالى أي فقضى الله سبحانه عليه بالموت فقضى بمعنى حكم،
~~وقيل: يحتمل أن يعود على المصدر المفهوم من { وكزه } أي فقضى الوكز عليه
~~أي أنهى حياته.

# { قال هذا من عمل الشيطن } أي من تزيينه. وقيل: من
~~جنس عمله والأول أوفق بقوله تعالى: { إنه عدو مضل مبين
~~} أي ظاهر العداوة على أن (مبين) صفة ثانية لعدو، وقيل: ظاهر العداوة
~~والإضلال، ووجه بأنه صفة لعدو الملاحظ معه وصف الإضلال أو بأنه متنازع
~~فيه لعدو ومضل كل يطلبه صفة له وأيا ما كان فمبين من ms07932 أبان اللازم.

### || [28.16]

# { قال رب إنى ظلمت نفسى } بوكز ترتب عليه القتل {
~~فاغفر لى } ذنبي وإنما قال عليه السلام ما قال لأنه فعل ما لم يؤذن
~~له به وليس من سنن آبائه الأنبياء عليهم السلام في مثل هذه الحادثة التي
~~شاهدها وقد أفضى إلى قتل نفس لم يشرع في شريعة من الشرائع قتلها، ولا
~~يشكل ذلك على القول بأن الأنبياء عليهم السلام معصومون عن الكبائر بعد
~~النبوة وقبلها لأن أصل الوكز من الصغائر، وما وقع من القتل كان خطأ كما
~~قاله كعب وغيره، والخطأ وإن كان لا يخلو عن الإثم، ولذا شرعت فيه الكفارة
~~إلا أنه صغيرة أيضا بل قيل: لا يشكل أيضا على القول بعصمتهم عن الكبائر
~~والصغائر مطلقا لجواز أن يكون عليه السلام قد رأى أن في الوكز دفع ظالم
~~عن مظلوم ففعله غير قاصد به القتل، وإنما وقع مترتبا عليه لا عن قصد
~~وكون الخطأ لا يخلو عن إثم في شرائع الأنبياء المتقدمين عليهم السلام كما
~~في شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم غير معلوم وكذا مشروعية الكفارة فيه
~~وكأنه عليه السلام بعد أن وقع منه ما وقع تأمل فظهر له إمكان الدفع بغير
~~الوكز وأنه لم يتثبت في رأيه لما / اعتراه من الغضب فعلم أنه فعل خلاف
~~الأولى بالنسبة إلى أمثاله فقال ما قال على عادة المقربين في استعظامهم
~~خلاف الأولى، ثم إن هذا الفعل وقع منه عليه السلام قبل النبوة كما هو
~~ظاهر قوله تعالى حكاية عنه في سورة الشعراء [21]

# ففررت منكم لما خفتكم فوهب لى ربى حكما
~~وجعلنى من المرسلين

# وبذلك قال النقاش وغيره وروي عن كعب أنه عليه السلام كان إذ ذاك ابن
~~اثنتي عشرة سنة ومن فسر الاستواء ببلوغ أربعين سنة وجعل ما ذكر بعد بلوغ
~~الأشد والاستواء وإيتاء الحكم والعلم بالمعنى الذي لا يقتضي النبوة يلزمه
~~أن يقول كان عليه السلام إذ ذاك ابن أربعين سنة أو ما فوقها بقليل.

# وزعم بعضهم أنه عليه السلام أراد بقوله: { ظلمت نفسى } إني
~~عرضتها ms07933 للتلف بقتل هذا الكافر إذ لو عرف فرعون ذلك لقتلني به وأراد
~~بقوله: { فاغفر لى } فاستر على ذلك، وجعله من عمل الشيطان لما فيه
~~من الوقوع في الوسوسة وترقب المحذور، ولا يخفى ما فيه، ويأبى عنه قوله
~~تعالى: { فغفر له إنه هو الغفور الرحيم } وترتيب {
~~غفر } على ما قبله بالفاء يشعر بأن المراد غفر له لاستغفاره وجملة {
~~إنه } الخ كالتعليل للعلية أي إنه تعالى هو المبالغ في مغفرة ذنوب
~~عباده ورحمتهم، ولذا كان استغفاره سببا للمغفرة له وتوسيط { قال } بين
~~كلاميه عليه السلام لما بينهما من المخالفة من حيث إن الثاني مناجاة
~~ودعاء بخلاف الأول.

### || [28.17]

# وأما توسيط { قال } في قوله تعالى: { قال رب بما أنعمت
~~على } فوجهه ظاهر، والباء في { بما } للقسم، و { ما } مصدرية وجواب
~~القسم محذوف أي أقسم بإنعامك علي لأمتنعن عن مثل هذا الفعل. وقيل:
~~لأتوبن، وقوله تعالى: { فلن أكون ظهيرا للمجرمين } عطف
~~على الجواب، ولعل المراد بإنعامه تعالى عليه حفظه إياه من شر فرعون ورده
~~إلى أمه وتمييزه على سائر بني إسرائيل ونحو ذلك. وقيل المراد به مغفرته
~~له وهو غير بعيد، ومعرفته عليه السلام أنه سبحانه غفر له إذا كان هذا
~~القول قبل النبوة بإلهام أو رؤيا، والظهير المعين، والمجرمين جمع مجرم
~~والمراد به من أوقع غيره في الجرم أو من أدت معاونته إلى جرم كالإسرائيلي
~~الذي خاصمه القبطي فأدت معاونته إلى جرم في نظر موسى عليه السلام فيكون
~~في المجرمين مجاز في النسبة للإسناد إلى السبب، وجوز أن يراد بذلك الكفار
~~وعنى بهم من استغاثه ونحوه بناء على أنه لم يكن أسلم، وقيل: أراد
~~بالمجرمين فرعون وقومه، والمعنى أقسم بإنعامك علي لأتوبن فلن أكون معينا
~~للكفار بأن أصحبهم وأكثر سوادهم، وقد كان عليه السلام يصحب فرعون
~~ويركب بركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون ولا يخفى أن ما تقدم
~~أنسب بالمقام.

# وجوز أن تكون الباء للقسم الاستعطافي على أنها متعلقة بفعل دعاء محذوف،
~~وجملة { فلن أكون } الخ متفرعة عليه، والفاء واقعة في ms07934 جواب الدعاء أو
~~الشرط المقدر أي بحق إنعامك علي اعصمني فلم أكون الخ أو إن عصمتني فلن
~~أكون الخ والقسم الاستعطافي ما أكد به جملة طلبية نحو قولك بالله تعالى
~~زرني وغير الاستعطافي ما أكد به جملة خبرية نحو والله تعالى لأقومن، وإلى
~~هذا ذهب ابن الحاجب، وقيل: القسم الاستعطافي ما كان المقسم به مشعرا
~~بعطف وحنو نحو بكرمك الشامل أنعم علي وهو صادق على ما هنا، وغير
~~الاستعطافي ما كان المقسم به أعم من ذلك، وعلى القولين هما قسمان من مطلق
~~القسم، وظاهر كلام الزمخشري أن المتبادر من القسم ما يؤكد به الكلام
~~الخبري. وينعقد منه يمين فما يكون المراد به الاستعطاف / قسيم له وجعل
~~بعضهم إطلاق القسم على الاستعطافي تجوزا، ويبعد إرادة الاستعطاف هنا ما
~~روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن موسى عليه السلام لم يستثن أي
~~لم يقل إن شاء الله تعالى فابتلي به أي بالكون ظهيرا للمجرمين مرة أخرى
~~وهو ما في قوله تعالى:

# فإذا الذى استنصره

# [القصص: 18] الخ لأن الاستثناء لا يناسب الاستعطاف لكون النفي معلقا
~~بعصمة الله عز وجل، وجوز أن تكون الباء سببية متعلقة بفعل مقدر يعطف عليه
~~{ لن أكون } الخ و { ما } موصولة، والمعنى بسبب الذي أنعمته علي من القوة
~~أشكرك فلن أستعملها إلا في مظاهرة أوليائك ولا أدع قبطيا يغلب
~~إسرائيليا وهو إلزام لنفسه بنصرة أوليائه عز وجل كالنذر وليس هناك قسم
~~بوجه خلافا لمن توهم ذلك ولا يخفى أن هذا وإن لم يبعده الأثر لا يخلو عن
~~بعد نظر إلى السباق، و { لن } على جميع الأوجه المذكورة للنفي وفي
~~«البحر» قيل: إنها للدعاء وحكى ابن هشام رده بأن فعل الدعاء لا يسند إلى
~~المتكلم بل إلى المخاطب أو الغائب نحو يا رب لا عذبت فلانا، ويجوز لا
~~عذب الله تعالى عمرا ثم قال ويرده قوله:

# ثم لا زلت لكم خالدا خلود الجبال

# ولا يخفى عليك أن كونها للدعاء على الوجه الأخير في الآية غير ظاهر وعلى
~~الوجه ms07935 الأول لا يخلو عن خفاء فلعل من جعلها للدعاء حمل بما أنعمت علي
~~على الاستعطاف وعلق الجار والمجرور بنحو اعصمني وجعل الفاء تفسيرية و {
~~لن أكون } الخ تفسيرا لذلك المحذوف كما قيل: في قوله تعالى:

# استجبنا له فكشفنا

# [الأنبياء: 84] فليتدبر.

# واحتج أهل العلم بهذه الآية على المنع من معونة الظلمة وخدمتهم. أخرج
~~عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبيد الله بن الوليد الرصافي
~~أنه سأل عطاء بن أبي رباح عن أخ له كاتب فقال له: إن أخي ليس له من أمور
~~السلطان شيء إلا أنه يكتب له بقلم ما يدخل وما يخرج فإن ترك قلمه صار
~~عليه دين واحتاج وإن أخذ به كان له فيه غنى قال: لمن يكتب؟ قال: لخالد بن
~~عبد الله القسري قال: ألم تسمع إلى ما قال العبد الصالح: { رب بما
~~أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرمين } فلا يهتم
~~أخوك بشيء وليرم بقلمه فإن الله تعالى سيأتيه برزق، وأخرج ابن أبي حاتم
~~عن أبي حنظلة جابر بن حنظلة الضبي الكاتب قال: قال رجل لعامر يا أبا
~~عمرو إني رجل كاتب أكتب ما يدخل وما يخرج آخذ رزقا أستغني به أنا وعيالي
~~قال: فلعلك تكتب في دم يسفك قال: لا. قال: فلعلك تكتب في مال يؤخذ قال:
~~لا. قال: فلعلك تكتب في دار تهدم قال: لا. قال: أسمعت بما قال موسى عليه
~~السلام: { رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا
~~للمجرمين } قال: أبلغت إلي يا أبا عمرو والله عز وجل لا أخط لهم
~~بقلم أبدا قال والله تعالى لا يدعك الله سبحانه بغير رزق أبدا.

# وقد كان السلف يجتنبون كل الاجتناب عن خدمتهم. أخرج عبد بن حميد وابن
~~المنذر عن سلمة بن نبيط قال بعث عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك فقال:
~~اذهب بعطاء أهل بخارى فأعطهم فقال أعفني فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه فقال
~~له بعض أصحابه: ما عليك أن تذهب فتعطيهم وأنت لا ترزؤهم شيئا فقال لا
~~أحب أن أعين الظلمة في ms07936 شيء من أمرهم وإذا صح حديث «ينادي مناد يوم
~~القيامة أين الظلمة وأشباه الظلمة وأعوان الظلمة حتى من لاق لهم دواة أو
~~برى لهم قلما فيجمعون في تابوت من حديد فيرمى بهم في جهنم فليبك من علم
~~أنه من أعوانهم على نفسه وليقلع عما هو عليه قبل حلول رمسه»، ومما يقصم
~~الظهر ما روي عن بعض الأكابر أن خياطا سأله فقال: أنا ممن يخيط للظلمة
~~فهل أعد من أعوانهم؟ فقال: لا أنت منهم والذي يبيعك الإبرة من أعوانهم
~~فلا حول ولا قوة إلا بالله تعالى العلي العظيم، ويا حسرتا على من باع /
~~دينه بدنياه واشترى رضا الظلمة بغضب مولاه.

# هذا وقد بلغ السيل الزبى وجرى الوادي فطم على القرى.

### || [28.18]

# { فأصبح فى المدينة خائفا } وقوع المكروه به {
~~يترقب } يترصد ذلك أو الأخبار هل وقفوا على ما كان منه وكان عليه
~~السلام فيما يروى قد دفن القبطي بعد أن مات في الرمل، وقيل: خائفا وقوع
~~المكروه من فرعون يترقب نصرة ربه عز وجل، وقيل: يترقب أن يسلمه قومه،
~~وقيل: يترقب هداية قومه، وقيل: خائفا من ربه عز وجل يترقب المغفرة،
~~والكل كما ترى، والمتبادر على ما قيل: أن { في المدينة } متعلق بأصبح
~~واسم أصبح ضمير موسى عليه السلام و { خائفا } خبرها وجملة { يترقب } خبر
~~بعد خبر أو حال من الضمير في { خائفا }. وقال أبو البقاء: { يترقب } حال
~~مبدلة من الحال الأولى أو تأكيد لها أو حال من الضمير في { خائفا } اه.
~~وفيه احتمال كون { أصبح } تامة واحتمال كونها ناقصة والخبر { في المدينة
~~} ولا يخفى عليك ما هو الأولى من ذلك.

# { فإذا الذى استنصره بالأمس } وهو الإسرائيلي الذي قتل
~~عليه السلام القبطي بسببه { يستصرخه } أي يستغيثه من قبطي آخر
~~برفع الصوت من الصراخ وهو في الأصل الصياح ثم تجوز به عن الاستغاثة لعدم
~~خلوها منه غالبا وشاع حتى صار حقيقة عرفية، وقيل: معنى يستصرخه يطلب
~~إزالة صراخه، و(إذا) للمفاجأة وما بعدها مبتدأ وجملة { يستصرخه } الخبر.
~~وجوز أبو البقاء كون الجملة حالا والخبر ms07937 إذا، والمراد بالأمس اليوم الذي
~~قبل يوم الاستصراخ، وفي «الحواشي الشهابية» إن كان دخوله عليه السلام
~~المدينة بين العشاءين فالأمس مجاز عن قرب الزمان وهو معرب لدخول أل عليه
~~وذلك الشائع فيه عند دخولها، وقد بنى معها على سبيل الندرة كما في قوله:

# وإني حبست اليوم والأمس قبله

# إلى الشمس حتى كادت الشمس تغرب

# { قال } أي موسى عليه السلام { له موسى } أي للإسرائيلي الذي
~~يستصرخه { إنك لغوى } ضال { مبين } بين الغواية لأنك تسببت
~~لقتل رجل وتقاتل آخر أو لأن عادتك الجدال، واختار هذا بعض الأجلة وقال:
~~إن الأول لا يناسب قوله تعالى: { فلما أن أراد } الخ لأن تذكر
~~تسببه لما ذكر باعث الإحجام لا الإقدام. ورد بأن التذكر أمر محقق لقوله
~~تعالى: { خائفا يترقب } والباعث له على ما ذكر شفقته على من ظلم
~~من قومه وغيرته لنصرة الحق، وقيل: إن الضمير في { له } والخطاب في { إنك
~~} للقبطي، ودل عليه قوله: { يستصرخه } وهو خلاف الظاهر، ويبعده
~~الإظهار في قوله تعالى: { فلما أن أراد أن يبطش بالذى
~~هو عدو لهما... }.

### || [28.19]

# { فلما أن أراد أن يبطش بالذى هو عدو لهما
~~} فإن الظاهر على ذاك به بدل الذي؛ والبطش الأخذ بصولة وسطوة، والتنوين
~~في { عدو } للتفخيم أي عدو عظيم العداوة ولإرادة ذلك لم يضفه، والمراد
~~بالذي هو عدو لهما القبطي، وقد كان القبط أعظم الناس عداوة لبني إسرائيل
~~وقيل: عداوته لهما لأنه لم يكن على دينهما، وقرأ الحسن وأبو جعفر {
~~يبطش } بضم الطاء.

# { قال يموسى أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا
~~بالأمس } قاله الإسرائيلي الذي يستصرخه على ما روي عن ابن عباس وأكثر
~~المفسرين وكأنه توهم إرادة البطش به دون القبطي من تسمية موسى عليه
~~السلام إياه غويا، وقال الحسن: قاله القبطي الذي هو عدو لهما كأنه توهم
~~من قوله للإسرائيلي

# إنك لغوى

# [القصص: 18] أنه الذي قتل القبطي بالأمس له ولا بعد فيه لأن ما ذكر إما
~~إجمال لكلام يفهم منه ذلك أو لأن قوله ذلك لمظلوم انتصر به خلاف الظاهر
~~فلا بعد ms07938 للانتقال منه لذلك، والذي في التوراة التي بأيدي اليهود اليوم ما
~~هو صريح في أن هذين / الرجلين كانا من بني إسرائيل، وأما الرجلان اللذان
~~رآهما بالأمس فأحدهما إسرائيلي والآخر مصري، ووجه أمر العداوة على ذلك
~~بأن هذا الذي أراد عليه السلام أن يبطش به كان ظالما لمن استصرخه فيكون
~~عدوا له وعاصيا لله تعالى فيكون عدوا لموسى عليه السلام، ويحتمل أن
~~تكون عداوته لهما لكونه مخالفا لما هما عليه من الدين وإن كان
~~إسرائيليا وفيها أيضا ما هو صريح في أن الظالم هو قائل ذلك. وأنت تعلم
~~أن هذه التوراة لا يلتفت إليها فيما يكذب القرآن أو السنة الصحيحة وهي
~~فيما عدا ذلك كسائر أخبار بني إسرائيل لا تصدق ولا تكذب. نعم قد يستأنس
~~بها لبعض الأمور.

# ثم إن ما فيها من قصة موسى عليه السلام مخالف لما قصه الله تعالى منها
~~هنا، وفي سائر المواضع زيادة ونقصا وهو ظاهر لمن وقف عليها، ولا يخفى
~~الحكم في ذلك، وقد خلت هنا عن ذكر مجيء مؤمن آل فرعون ونصحه لموسى عليه
~~السلام وكذا عن ذكر ما يدل على قوله: { إن تريد } أي ما تريد {
~~إلا أن تكون جبارا فى الأرض } وهو الذي يفعل كل ما يريد
~~من الضرب والقتل ولا ينظر في العواقب، وقيل: المتعظم الذي لا يتواضع لأمر
~~الله تعالى، وأصله على ما قيل: النخلة الطويلة فاستعير لما ذكر إما
~~باعتبار تعاليه المعنوي أو تعظمه. وأخرج ابن المنذر عن الشعبي أنه قال:
~~من قتل رجلين أي بغير حق فهو جبار، ثم تلا هذه الآية، وأخرج ابن أبي
~~حاتم نحوه عن عكرمة { وما تريد أن تكون من المصلحين }
~~بين الناس فتدفع التخاصم بالتي هي أحسن، ولما قال هذا انتشر الحديث
~~وارتقى إلى فرعون وملئه فهموا بقتل موسى عليه السلام فخرج مؤمن من آل
~~فرعون هو ابن عم فرعون ليخبره بذلك وينصحه كما قال عز وجل: { وجاء
~~رجل من أقصى المدينة يسعى... }.

### || [28.20]

# { وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى } الآية، واسمه
~~قيل: ms07939 شمعان، وقيل: شمعون بن إسحاق، وقيل: حزقيل، وقيل: غير ذلك، وكون هذا
~~الرجل الجائي مؤمن آل فرعون هو المشهور، وقيل: هو غيره، و { يسعى } بمعنى
~~يسرع في المشي وإنما أسرع لبعد محله ومزيد اهتمامه بإخبار موسى عليه
~~السلام ونصحه، وقيل: يسعى بمعنى يقصد وجه الله تعالى كما في قوله سبحانه:

# وسعى لها سعيها

# [الإسراء: 19] وهو وإن كان مجازا يجوز الحمل عليه لشهرته. والظاهر أن {
~~من أقصا } صلة { جاء } وجملة { يسعى } صفة { رجل } ، وجوز
~~أن يكون { من أقصا } في موضع الصفة لرجل، وجملة { يسعى } صفة بعد
~~صفة. وجوز أن تكون الجملة في موضع الحال من { رجل } ، أما إذا جعل الجار
~~والمجرور في موضع الصفة منه فظاهر لأنه وإن كان نكرة ملحق بالمعارف فيسوغ
~~أن يكون ذا حال، وأما إذا كان متعلقا بجاء فمن ذلك الجمهور وأجازه
~~سيبويه، وجوز أن يعلق الجار والمجرور بيسعى وهو كما ترى.

# { قال يموسى إن الملأ } وهم وجوه أهل دولة فرعون {
~~يأتمرون بك } أي يتشاورن بسببك وإنما سمي التشاور ائتمارا لأن
~~كلا من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر { ليقتلوك فاخرج } من
~~المدينة قبل أن يظفروا بك { إنى لك من النصحين } اللام
~~للبيان كما في سقيا لك فيتعلق بمحذوف أعني - أعني - ولم يجوز الجمهور
~~تعلقه بالناصحين لأن أل فيه اسم موصول ومعمول الصلة لا يتقدم الموصول ولا
~~بمحذوف مقدم يفسره المذكور لأن ما لا يعمل لا يفسر عاملا وعند من جوز
~~تقدم معمول الصلة إذا كان الموصول أل خاصة لكونها على صورة الحرف، أو إذا
~~كان المتقدم / ظرفا للتوسع فيه، أو قال إن أل هنا حرف تعريف لإرادة
~~الثبوت يجوز أن يكون { لك } متعلقا بالناصحين أو بمحذوف يفسره ذلك.

# واستدل القرطبي وغيره بالآية على جواز النميمة لمصلحة دينية.

### || [28.21]

# { فخرج منها } أي من المدينة ممتثلا { خائفا يترقب }
~~لحوق الطالبين { قال رب نجنى من القوم الظلمين }.

### || [28.22]

# { ولما توجه } أي صرف وجهه { تلقاء مدين } أي ما يقابل
~~جانبها، وتلقاء في الأصل مصدر انتصب على الظرفية. ومدين قرية شعيب سميت
~~باسم ms07940 مدين بن إبراهيم عليه السلام ولم يكن في سلطان فرعون ولذا توجه
~~لقريته، وقيل توجه إليها لمعرفته به، وقيل لقرابته منه عليهما السلام،
~~وكان بينها وبين مصر مسيرة ثمان.

# { قال عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل } أي وسط
~~الطريق المؤدي إلى النجاة، وإنما قال عليه السلام ذلك توكلا على الله
~~تعالى وثقة بحسن توفيقه عز وجل، وكان عليه السلام لا يعرف الطرق فعن [له]
~~ثلاث طرائق فأخذ في الوسطى وأخذ طالبوه في الأخريين وقالوا: المريب لا
~~يأخذ في أعظم الطرق ولا يسلك إلا بنياتها فبقي ثماني ليال وهو حاف لا
~~يطعم إلا ورق الشجر. وعن سعيد بن جبير أنه عليه السلام لم يصل حتى سقط خف
~~قدميه. وروي أنه عليه السلام أخذ يمشي من غير معرفة فهداه جبريل عليه
~~السلام إلى مدين. وعن السدي أنه عليه السلام أخذ في بنيات الطريق فجاءه
~~ملك على فرس بيده عنزة فلما رآه موسى عليه السلام سجد له أي خضع من
~~الفرق، فقال: لا تسجد لي ولكن اتبعني فتبعه وانطلق حتى انتهى به إلى
~~مدين.

### || [28.23]

# { ولما ورد ماء مدين } أي وصل إليه وورد. الورود بمعنى
~~الدخول وبمعنى الشرب وليس شيء منهما مرادا، والمراد بماء مدين بئر كانوا
~~يسقون منها، فهو مجاز من إطلاق الحال وإرادة المحل { وجد عليه }
~~أي فوق شفيره ومستقاه { أمة من الناس } أي جماعة كثيرة مختلفي
~~الأصناف، ويشعر بالقيد الأول التنوين، وبالثاني من الناس لشموله للأصناف
~~المختلفة وهي فائدة ذكره، وقيل فائدته تحقير أولئك الجماعة وأنهم لئام لا
~~يعرفون بغير جنسهم أو محتاجون إلى بيان أنهم من البشر { يسقون }
~~الظاهر أنهم كانوا يسقون مواشي مختلفة الأنواع بمعنى أن منهم من كان يسقي
~~إبلا ومنهم من كان يسقي غنما وهكذا، وتخصيص سقيهم بنوع يحتاج إلى توقيف
~~{ ووجد من دونهم } أي في مكان أسفل من مكانهم، وقيل من قربهم أو
~~من سواهم أو مما يلي جهته إذا قدم عليهم وإلى هذا الأخير ذهب ابن عطية
~~حيث قال: المعنى ووجد من الجهة التي ms07941 وصل إليها قبل أن يصل إلى الأمة {
~~امرأتين } اسم إحداهما قيل ليا وقيل عبرا وقيل شرفا، واسم الأخرى
~~قيل صفوريا وقيل صفوراء وقيل صفيراء، وفي «الكشاف» صفيراء اسم الصغرى
~~واسم الكبرى صفراء { تذودان } كانتا تمنعان غنمهما عن الماء خوفا من
~~السقاة الأقوياء قاله ابن عباس وغيره، وقيل تمنعان غنمهما عن التقدم إلى
~~البئر لئلا تختلط بغيرها. وحكي ذلك عن الزجاج. وقال قتادة: تمنعان الناس
~~عن غنمهما. وقال الفراء: تحبسان غنمهما عن أن تتفرق، وفي جميع هذه
~~الأقوال تصريح بأن المذود كان غنما، والظاهر أن ذلك عن توقيف،، وقيل
~~تذودان عن وجوههما نظر الناظرين لتسترهما وهذا كما ترى.

# { قال ما خطبكما } أي ما مخطوبكما / ومطلوبكما مما أنتما عليه
~~من التأخر والذود ولم لا تباشران السقي كغيركما؟ وأصل الخطب مصدر خطب
~~بمعنى طلب ثم استعمل بمعنى المفعول. وفي سؤاله عليه السلام إياهما دليل
~~على جواز مكالمة الأجنبية فيما يعني. وقرأ شمر { ما خطبكما } بكسر
~~الخاء، قال في «البحر»: أي من زوجكما؟ ولم لا يسقي هو؟. وهذه قراءة شاذة
~~نادرة اه. ولا يخفى ما فيه وإباء الجواب عنه. وقال بعضهم: الخطب فيها
~~بمعنى المخطوب والمطلوب كما في القراءة المتواترة، ونظيره الحب بكسر
~~الحاء المهملة بمعنى المحبوب.

# { قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء }. أي عادتنا أن لا
~~نسقي حتى يصرف الرعاة مواشيهم بعد ريها عن الماء عجزا عن مساجلتهم لا
~~أنا لا نسقي اليوم إلى تلك الغاية. وقرأ ابن مصرف { لا نسقى } بضم
~~النون من الإسقاء. وقرأ أبو جعفر وشيبة والحسن وقتادة والعربيان: ابن
~~عامر، وأبو عمرو { يصدر } بفتح الياء وضم الدال أي حتى يصدر الرعاة
~~بأغنامهم.

# وسأل بعض الملوك عن الفرق بين القراءتين من حيث المعنى. فأجيب بأن قراءة
~~(يصدر) بفتح الياء تدل على فرط حيائهما وتواريهما من الاختلاط بالأجانب.
~~وقراءة (يصدر) بضم الياء تدل على إصدار الرعاة المواشي ولم يفهم منها
~~صدورهم عن الماء. وقرىء بزاي خالصة وبحرف بين الصاد والزاي. وقرىء
~~(الرعاء) بضم الراء والمعروف في صيغ الجمع فعال بكسر الفاء ms07942 كما في قراءة
~~الجمهور، وأما فعال بالضم فعلى خلاف القياس لأنه من أبنية المصادر
~~والمفردات كنباح وصراخ، وإذا استعمل في معنى الجمع كما في القراءة الشاذة
~~فقيل هو اسم جمع لا جمع وقيل إنه جمع أصلي وقيل إنه جمع ولكن الأصل فيه
~~الكسر، والضم فيه بدل من الكسر كما أنه بدل من الفتح في نحو سكارى،
~~والوارد منه في كلام العرب ألفاظ محصورة ذكرها الخفاجي في «شرح درة
~~الغواص» والمشهور منها على ما قال ثمانية، وقد نظمها صدر الأفاضل لا
~~الزمخشري على الأصح بقوله:

# ما سمعنا كلما غير ثمان

# هي جمع وهي في الوزن فعال

# فرباب وفرار وتؤام

# وعرام وعراق ورخال

# وظؤار جمع ظئر وبساط

# جمع بسط هكذا فيما يقال

# وذهب أبو حيان إلى أن الرعاء في قراءة الجمهور ليس بقياس أيضا قال:
~~لأنه جمع راع وقياس فاعل الصفة التي للعاقل أن تكسر على فعلة كقاض وقضاة
~~وما سوى جمعه هذا فليس بقياس، وقرأ عياش عن أبي عمرو (الرعاء) بفتح
~~الراء وهو مصدر أقيم مقام الصفة فاستوى لفظ الواحد والجماعة فيه، وجوز أن
~~يكون مما حذف منه المضاف أي أهل الرعاء.

# { وأبونا شيخ كبير } إبداء منهما للعذر له عليه السلام في
~~توليهما للسقي بأنفسهما كأنهما قالتا: إنا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا
~~نقدر على مساجلة الرجال ومزاحمتهم وما لنا رجل يقوم بذلك وأبونا شيخ كبير
~~السن قد أضعفه الكبر فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يقضي الناس
~~أوطارهم من الماء، وذكر بعضهم أنه عليه السلام أخرج السؤال على ما يقتضيه
~~كرمه ورحمته بالضعفاء حيث سألهما عن مطلوبهما من التأخر والذود قصدا لأن
~~يجاب بطلب المعونة إلا أنهما لجلالة قدرهما حملتا قوله على ما يجاب عنه
~~بالسبب / وفي ضمنه طلب المعونة لأن إظهارهما العجز ليس إلا لذلك، وقيل:
~~ليس في الكلام ما يدل على ضعفهما بل فيه أمارات على حيائهما وسترهما ولو
~~أرادتا إظهار العجز لقالتا لا نقدر على السقي ومعنى { وأبونا شيخ كبير }
~~أنا مع حيائنا إنما تصدينا لهذا ms07943 الأمر لكبره وضعفه وإلا كان عليه أن
~~يتولاه، ولعل الأولى أن يقال: إنهما أرادتا إظهار العجز عن المساجلة
~~للضعف ولما جبلا عليه من الحياء، والكلام وإن لم يكن فيه ما يدل على
~~ضعفهما، فيه ما يشير إليه لمن له قلب، ويفهم من بيان معنى جوابهما المار
~~آنفا أن جملة { أبونا شيخ كبير } عطف على مقدر، وجوز أن تكون حالا أي
~~نترك السقي حتى يصدر الرعاء والحال أبونا شيخ كبير.

# وأبوهما عند أكثر المفسرين شعيب عليه السلام. { فان قيل } كيف ساغ
~~لنبي الله تعالى أن يرضى لابنتيه بسقي الغنم؟ فالجواب: أن الأمر في نفسه
~~ليس بمحظور فالدين لا يأباه، وأما المروءة فالناس مختلفون في ذلك
~~والعادات متباينة فيه وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم ومذهب أهل البدو
~~فيه غير مذهب أهل الحضر خصوصا إذا كانت الحال حال ضرورة، وذهب جماعة إلى
~~أنه ليس بشعيب عليه السلام فأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن
~~المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة أنه قال كان صاحب موسى عليه السلام
~~أثرون بن أخي شعيب النبي عليه السلام، وحكى هذا القول عنه أبو حيان
~~أيضا إلا أنه ذكر هرون بدل أثرون وحكاه أيضا عن الحسن إلا أنه ذكر
~~بدله مروان، وحكى الطبرسي عن وهب وسعيد بن جبير نحو ما حكاه أبو حيان عن
~~أبي عبيدة، وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال بلغني أن أبا
~~الإمرأتين ابن أخي شعيب واسمه رعاويل وقد أخبرني من أصدق أن اسمه في
~~الكتاب يثرون كاهن مدين والكاهن حبر، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال
~~الذي استأجر موسى عليه السلام يثرب صاحب مدين، وجاء في رواية أخرى عنه أن
~~اسمه يثرون وهو موافق لما نقل عن «الكتاب» من الاسم ولم يذكر في هاتين
~~الروايتين نسبته إلى شعيب عليه السلام فيحتمل أن المسمى بما فيها ابن
~~أخيه ويحتمل أنه رجل أجنبي عنه فقد قيل: إن أباهما ليس ذا قرابة من شعيب
~~عليه السلام وإنما هو رجل صالح، ms07944 وحكى الطبرسي عن بعضهم أن يثرون اسم شعيب
~~وقد أخبرني بعض أهل الكتاب بذلك أيضا إلا أنه قال هو عندنا يثرو بدون
~~نون في آخره والذي رأيته أنا في الفصل الثاني من السفر الثاني من توراتهم
~~ما ترجمته: ولما سمع فرعون بهذا الخبر أي خبر القتل طلب أن يقتل موسى
~~فهرب موسى من بين يديه وصار إلى بلد مدين وجلس على بئر ماء وكان لإمام
~~مدين سبع بنات فجاءت ودلت وملأت الأحواض لسقي غنم أبيهن فلما جاء الرعاة
~~فطردوهن قام موسى فأغاثهن وسقى غنمهن فلما جئن إلى رعوايل أبيهن قال ما
~~بالكن أسرعتن المجيء اليوم الخ، وفي أول الفصل الثالث منه ما ترجمته:
~~وكان موسى يرعى غنم يثرو حمية إمام مدين الخ فلا تغفل.

# وفي «البحر» عند الكلام في تفسير

# إن أبى يدعوك

# [القصص: 25] قيل: كان عمها صاحب الغنم وهو المزوج عبرت عنه بالأب إذ كان
~~بمثابته والظاهر أن هذا القائل يقول: إنهما عنتا بالأب هنا العم، وأنت
~~تعلم أن هذا وأمثاله مما تقدم مما لا يقال من قبل الرأي فالمدار في قبول
~~شيء من ذلك خبر يعول عليه والأخبار التي وقفنا عليها في هذا المطلب
~~مختلفة ولم يتميز عندنا ما هو الأرجح فيما بينها وكأني بك تعول على
~~المشهور الذي عليه أكثر المفسرين وهو أن أباهما على الحقيقة شعيب عليه
~~السلام إلى أن يظهر لك ما يوجب العدول عنه.

### || [28.24]

# والظاهر من قوله تعالى: { فسقى لهما } أنه عليه السلام / سارع
~~إلى السقي لهما رحمة عليهما ومنشأ الترحم كونهما على الذود وكون الأمة من
~~الناس على السقي ولهذا ذهب الشيخ عبد القاهر وصاحب «الكشاف» إلى أن حذف
~~المفعول في { يسقون } و

# تذودان

# [القصص: 23] للقصد إلى نفس الفعل وتنزيله منزلة اللازم أي يصدر منهم
~~السقي ومنهما الذود وقال: إن كون المسقي والمذود إبلا أو غنما خارج عن
~~المقصود بل يوهم خلافه إذ لو قيل: أو قدر يسقون إبلهم وتذودان غنمهما
~~لتوهم أن الترحم عليهما ليس من جهة أنهما على الذود والناس ms07945 على السقي بل
~~من جهة أن مذودهما غنم ومسقيهم إبل بناء على أن محط الفائدة في الكلام
~~البليغ هو القيد الأخير وخالفهما في ذلك السكاكي فذهب إلى أن حذف المفعول
~~من { يسقون } و { تذودان } لمجرد الاختصار والمراد يسقون مواشيهم وتذودان
~~غنمهما وكذا سائر الأفعال المذكورة في هذه الآية، واختاره العلامة الثاني
~~فقال: إن هذا أقرب إلى التحقيق لأن الترحم لم يكن من جهة صدور الذود
~~عنهما وصدور السقي من الناس بل من جهة ذودهما غنمهما وسقي الناس مواشيهم
~~حتى لو كانتا تذودان غير غنمهما بل مواشيهم وكان الناس يسقون غير مواشيهم
~~بل غنمهما مثلا لم يصح الترحم ووافقه في ذلك السيد السند وقال في تحقيق
~~المذهبين: إن الشيخين اعتبرا المفعول الذي نزل الفعلان بالنسبة إليه هو
~~الإبل والغنم مثلا أي النوعين من المواشي بدون الإضافة كما يدل عليه
~~قولهما إن كون المسقي والمذود ابلا أو غنما الخ وكل منهما مقابل للآخر
~~في نفسه وجعلا ما يضاف إليه كل في القول أو التقدير المفروض خارجا عن
~~المفعول من حيث إنه مفعول غير ملحوظ معه فالمفعول عندهما ليس إلا مطلق
~~الإبل والغنم فلو قدر المفعول لأدى إلى فساد المعنى فإنهما لو كانتا
~~تذودان إبلالهما على سبيل الفرض لكان الترحم باقيا بحاله لأنه إنما كان
~~لعدم قدرتهما على السقي، والسكاكي نظر إلى أن المفعول هو الغنم المضافة
~~إليهما والمواشي المضافة إليهم وكل واحد منهما يقابل الآخر من حيث إنه
~~مضاف فلو لم يقدر المفعول يفسد المعنى وهذا أدق نظرا وأصح معنى انتهى.

# وتعقبه المولى عبد الحكيم السيالكوتي بقوله: وفيه بحث لأن عدم التقدير
~~إن قصد به التعميم أي يسقون مواشيهم وغير مواشيهم وتذودان غنمهما وغير
~~غنمهما يلزم الفساد أما إذا قصد به مجرد السقي والذود من غير ملاحظة
~~التعلق بالمفعول كما في قوله تعالى:

# هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون

# [الزمر: 9] فلا لأن كون طبيعة السقي والذود منشأ الترحم لا يقتضي أن
~~يكون عند تعلقه بمفعول مخصوص كذلك حتى يلزم أن يكون ms07946 سقي غير مواشيهم وذود
~~غير غنمهم محلا للترحم فتدبر، فإن منشأ ما ذكره السكاكي عدم الفرق بين
~~الإطلاق والعموم انتهى، ولا يخفى أنه ينبغي أن يضم إلى طبيعة السقي
~~والذود بعض الحيثيات كحيثية تحقق طبيعة السقي من أقوياء متغلبين وتحقق
~~طبيعة الذود من امرأتين ضعيفتين مستورتين في موضع هو مجتمع الناس للسقي
~~وإلا فالظاهر أن مجرد طبيعة السقي والذود لا تصلح منشأ الترحم.

# وقال بعض الأجلة: ترك المفعول في

# يسقون

# [القصص: 23] و

# تذودان

# [القصص: 23] لأن الغرض هو الفعل لا المفعول إذ هو يكفي في البعث على
~~سؤال موسى عليه السلام وما زاد على المقصود لكنة وفضول، وأما البعث على
~~المرحمة فليس هذا موضعه فإن له قولهما:

# لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير

# [القصص: 23] ومن لم يفرق بين البعثين قال ما قال. ورد بأن منشأ السؤال
~~هو المرحمة لحالهما كما صرحوا به فسؤاله عليه السلام للتوسل إلى إعانتهما
~~وبرهما لتفرس ضعفهما وعجزهما ولولاه لم يكن للتكلم مع الأجنبية داع،
~~وقولهما: { لا نسقى } الخ باعث لمزيد المرحمة لقبولها للزيادة
~~والنقص، وتعقب بأنه إنما يتم لو سلم أنه عليه السلام تفرس ضعفهما وعجزهما
~~لأمور شاهدها، / وإلا فالذود لا يدل على ذلك إذ يتحقق للضعف ولغيره، وقد
~~نقل الخفاجي كلام جمع من الفضلاء في هذا المقام منه ما ذكرنا عن بعض
~~الأجلة ورده واعترض بما اعترض، ثم قال: وأما ما اعترض به على المرحمة
~~فخيال فاسد ومحط كلامه عليه الرحمة الانتصار لما ذهب إليه الشيخان وقد
~~انتصر لهما، وقال بقولهما غير واحد. واعترض بعضهم على تقدير المفعول
~~مضافا بأن الإضافة تشعر بالملك ولا ملك لأحد من الأمة والإمرأتين فإن
~~الظاهر في الأمة أنهم كانوا رعاء والأغلب أن الرعاء لا يملكون، والظاهر
~~أن ما في يد الإمرأتين كان ملكا لأبيهما، ولا يخفى أن هذا الاعتراض على
~~طرف الثمام، والله تعالى أعلم.

# هذا والظاهر أنه عليه السلام سقى لهما من البئر التي عليها الناس ويدل
~~عليه ما روي أنه عليه السلام دفعهم عن الماء ms07947 إلى أن سقى لهما وكذا ما
~~أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي
~~حاتم والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: إن موسى
~~عليه السلام لما ورد ماء مدين وجد عليها أمة من الناس يسقون فلما فرغوا
~~أعادوا الصخرة على البئر ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال فإذا هو بامرأتين
~~قال

# ما خطبكما

# [القصص: 23] فحدثتاه فأتى الصخرة فرفعها وحده ثم استسقى فلم يستسق إلا
~~دلوا واحدا حتى رويت الغنم لكن هذا مخالف لما يقتضيه ظاهر الآية من أنه
~~عليه السلام حين ورد ماء مدين وجد الأمة يسقون ووجد الامرأتين تذودان
~~وهذا ظاهر في مقارنة وجدانهما لوجدانهم وذودهما لسقيهم ولا يكاد يفهم منه
~~أن وجدانهما بعد فراغهم من السقي كما يقتضيه الخبر فلعل الخبر غير صحيح،
~~وتصحيح الحاكم محكوم عليه بعدم الاعتبار وكأن من يقول بصحته يمنع اقتضاء
~~الآية كون وجدان الأمة يسقون ووجدان الامرأتين تذودان في أول وقت الورود
~~فإنه يقال: لما ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وجب الصيام
~~ووجبت الزكاة مثلا مع أن وجوب كل ليس في أول وقت الورود فيجوز أن يكون
~~عليه السلام قد وجد أمة يسقون أول وقت وروده وبعد أن فرغوا من السقي
~~ووضعوا الصخرة على البئر وجد امرأتين تذودان فخاطبهما بما خطبكما فكان ما
~~كان ويحمل ذودهما على منع غنمهما عن التقدم إلى البئر لعلمهما أنها قد
~~أطبق عليها صخرة لا يقدرون على رفعها ويتكلف في توجيه الجواب ما يتكلف أو
~~يقول الآية على ظاهرها ويسلم اقتضاءه اتحاد الوجدانين والذود والسقي
~~بالزمان ويمنع أن يكون في الخبر ما ينافي ذلك لجواز أن يكون المعنى لما
~~ورد ماء مدين وجد عليه أمة يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان فلما
~~فرغوا أعادوا الصخرة فإذا بالامرأتين حاضرتان عنده بين يديه فسألهما
~~فحدثتاه الخ فما بعد الفراغ من السقي ليس وجدان الامرأتين تذودان وإنما
~~هو حضورهما بين يديه والكل كما ترى وكأني بك تعتمد عدم ms07948 صحة الخبر.

# وقيل: إنه عليه السلام سقى لهما من بئر أخرى، فقد أخرج عبد بن حميد وابن
~~المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في خبر طويل أنه عليه السلام
~~لما سأل الامرأتين وأجابتا قال: فهل قربكما ماء؟ قالتا: لا إلا بئر عليها
~~صخرة قد غطيت بها لا يطيقها نفر قال فانطلقا فأريانيها فانطلقا معه فقال
~~بالصخرة بيده فنحاها ثم استقى بهما سجلا واحدا فسقى الغنم ثم أعاد
~~الصخرة إلى مكانها.

# { ثم تولى إلى الظل } الذي كان هناك وهو على ما روي عن ابن
~~مسعود ظل شجرة قيل: كانت سمرة، وقيل: هو ظل جدار لا سقف له. وقيل: إنه
~~عليه السلام جعل ظهره يلي ما كان يلي وجهه من الشمس، وهو المراد بقوله
~~تعالى: { ثم تولى إلى الظل } وهو كما ترى { فقال رب
~~إنى لما أنزلت إلى } أي لأي شيء تنزله من خزائن كرمك إلي.
~~{ من خير } جل أو قل { فقير } أي محتاج وهو خبر (إن) وبه يتعلق
~~لما، ولما أشرنا إليه من تضمنه معنى الاحتياج عدى باللام، وجوز أن يكون
~~مضمنا معنى الطلب واللام للتقوية، وقيل: يجوز أن تكون للبيان فتتعلق
~~بأعني محذوفا، و { ما } على جميع الأوجه نكرة موصوفة، والجملة بعدها
~~صفتها، والرابط محذوف، و { من خير } بيان لها، والتنوين فيه للشيوع،
~~والكلام تعريض لما يطعمه لما ناله من شدة الجوع، والتعبير بالماضي بدل
~~المضارع في أنزلت للاستعطاف كالافتتاح برب، وتأكيد الجملة للاعتناء، ويدل
~~على كون الكلام تعريضا لذلك ما أخرجه ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي
~~الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " لما سقى موسى عليه السلام للجاريتين ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما
~~أنزلت إلى من خير فقير إنه يومئذ فقير إلى كف من تمر "

# وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والضياء في
~~«المختارة» عن ابن عباس قال: «لقد قال موسى عليه السلام { رب إنى
~~لما أنزلت إلى من خير فقير } وهو أكرم ms07949 خلقه عليه ولقد
~~افتقر إلى شق تمرة ولقد لصق بطنه بظهره من شدة الجوع» وفي رواية أخرى عنه
~~«أنه عليه السلام سأل فلقا من الخبز يشد بها صلبه من الجوع وكان عليه
~~السلام قد ورد ماء مدين» وأنه كما روى أحمد في «الزهد» وغيره عن الحبر
~~ليتراءى خضرة البقل من بطنه من الهزال وإلى كون الكلام تعريضا لذلك ذهب
~~مجاهد وابن جبير وأكثر المفسرين؛ وكان علي كرم الله تعالى وجهه يقول:
~~والله ما سأل إلا خبزا يأكله، وجوز أن تكون اللام للتعليل و(ما) موصولة
~~و(من) للبيان والتنكير في (خير) لإفادة النوع والتعظيم، وصلة (فقير)
~~مقدرة أي إني فقير إلى الطعام أو من الدنيا لأجل الذي أنزلته إلي من
~~خير الدين وهو النجاة من الظالمين فقد كان عليه السلام عند فرعون في ملك
~~وثروة وليس الغرض عليه التعريض لما يطعمه ولا التشكي والتضجر بل إظهار
~~التبجح والشكر على ذلك، ووجه التعبير بالماضي عليه ظاهر. وأنت تعلم أن
~~هذا خلاف المأثور الذي عليه الجمهور، ومثله في ذلك ما روي عن الحسن أنه
~~عليه السلام سأل الزيادة في العلم والحكمة ولا يخلو أيضا عن بعد. وجاء
~~عن ابن عباس أن الامرأتين سمعتا ما قال فرجعتا إلى أبيهما فاستنكر سرعة
~~مجيئهما فسألهما فاخبرتاه فقال لإحداهما: انطلقي فادعيه.

### || [28.25]

# { فجآءته إحداهما } قيل هي الكبرى منهما وقيل الصغرى وكانتا
~~على ما في بعض الروايات توأمتين ولدت إحداهما قبل الأخرى بنصف نهار. وقرأ
~~ابن محيصن { حداهما } بحذف الهمزة تخفيفا على غير قياس مثل ويلمه
~~في ويل أمه { تمشى } حال من فاعل { جاءت } وقوله تعالى: { على
~~استحياء } متعلق بمحذوف هو حال من ضمير { تمشي } أي جاءته ماشية
~~كائنة على استحياء فمعناه أنه كانت على استحياء حالتي المشي والمجيء معا
~~لا عند المجيء فقط، وتنكير (استحياء) للتفخيم، ومن هنا قيل: جاءت متخفرة
~~أي شديدة الحياء. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق
~~عبد الله ابن أبي الهذيل عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ms07950 أنه قال
~~جاءت مستترة بكم درعها على وجهها وأخرجه ابن المنذر عن [ابن] أبي الهذيل
~~موقوفا عليه وفي رفعه إلى عمر رواية أخرى صححها الحاكم بلفظ واضعة ثوبها
~~على وجهها.

# { قالت } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية مجيئها إياه عليه
~~السلام كأنه قيل: فماذا قالت له عليه السلام؟ / فقيل قالت: { إن أبى
~~يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } أي جزاء سقيك على أن
~~(ما) مصدرية ولا يجوز أن تكون موصولة لأن ما يستحق عليه الأجر فعله لا ما
~~سقاه إذ هو الماء المباح وأسندت الدعوة إلى أبيها وعللتها بالجزاء لئلا
~~يوهم كلامها ريبة. وفيه من الدلالة على كمال العقل والحياء والعفة ما لا
~~يخفى. روي أنه عليه السلام أجابها فقام معها فقال لها امشي خلفي وانعتي
~~لي الطريق فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف لي جسدك ففعلت. وفي رواية
~~أنه قال لها كوني ورائي فإني رجل لا أنظر إلى أدبار النساء ودليني على
~~الطريق يمينا أو يسارا، وروي عن ابن عباس وقتادة وابن زيد وغيرهم أنها
~~مشت أولا أمامه فألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لها: امشي خلفي
~~وانعتي لي الطريق ففعلت حتى أتيا دار شعيب عليه السلام.

# { فلما جاءه وقص عليه القصص } أي ما جرى عليه من
~~الخبر المقصوص، فإنه مصدر سمي به المفعول كالعلل { قال لا تخف
~~نجوت من القوم الظلمين } يريد فرعون وقومه، وقال ذلك
~~لما أنه لا سلطان لفرعون بأرضه. ويحتمل أنه قاله عن إلهام أو نحوه،
~~واختلف في الداعي له عليه السلام إلى الإجابة فقيل الذي يلوح من ظاهر
~~النظم الكريم أن موسى عليه السلام إنما أجاب المستدعية من غير تلعثم
~~ليتبرك برؤية الشيخ ويستظهر برأيه لا طمعا بما صرحت به من الأجر، ألا
~~ترى إلى ما أخرج ابن عساكر عن أبي حازم قال: لما دخل موسى على شعيب
~~عليهما السلام إذا هو بالعشاء فقال له شعيب: كل.

# قال موسى: أعوذ بالله تعالى. قال: ولم ألست بجائع؟ قال: بلى، ولكن أخاف
~~أن يكون ms07951 هذا عوضا لما سقيت لهما وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من عمل
~~الآخرة بملء الأرض ذهبا قال: لا والله، ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري
~~الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى عليه السلام فأكل، وقيل: الداعي له ما به
~~من الحاجة وليس بمستنكر منه عليه السلام أن يقبل الأجر لإضرار الفقر
~~والفاقة. فقد أخرج الإمام أحمد عن مطرف بن الشخير قال أما والله لو كان
~~عند نبي الله تعالى شيء ما تبع مذقتها ولكن حمله على ذلك الجهد.

# واستدل بعضهم على أن ذهابه عليه السلام رغبة بالجزاء بما روي عن عطاء بن
~~السائب أنه عليه السلام رفع صوته بقوله:

# رب إنى لما أنزلت إلى من خير فقير

# [القصص: 24] ليسمعهما، ولذلك قيل: له { ليجزيك } الخ، وأجيب بأنه ليس
~~بنص لاحتمال أنه إنما فعله ليكون ذريعة إلى استدعائه لا إلى استيفاء
~~الأجر، ولا ضير فيما أرى أن يكون عليه السلام قد ذهب رغبة في سد جوعته
~~وفي الاستظهار برأي الشيخ ومعرفته، ولا أقول إن الرغبة في سد الجوعة رغبة
~~في استيفاء الأجر على عمل الآخرة أو مستلزمة لها، ودعوى أن الذي يلوح من
~~ظاهر النظم الكريم أنه عليه السلام إنما أجاب للتبرك والاستظهار بالرأي
~~لا تخلو عن خفاء، وعمله عليه السلام بقول امرأة لأنه من باب الرواية،
~~ويعمل بقول الواحد حرا كان أو عبدا ذكرا كان أو أنثى إذا كان كذلك،
~~ومماشاته امرأة أجنبية مما لا بأس به في نظائر تلك الحال مع ذلك الاحتياط
~~والتورع.

### || [28.26]

# { قالت إحداهما } وهي التي استدعته إلى أبيها وهي التي زوجها من
~~موسى عليهما السلام { يأبت أستئجره } أي لرعي الأغنام والقيام
~~بأمرها، وأصل الاستئجار كما قال الراغب طلب الشيء بالأجرة ثم عبر به عن
~~تناوله بها وهو المراد هنا. وكذا في قوله سبحانه: { إن خير من
~~استئجرت القوى الأمين } وهو تعليل جار مجرى الدليل على أنه
~~عليه / السلام حقيق بالاستئجار المفهوم من طلب استئجاره، وبعضهم رتب من
~~الآية قياسا من الشكل الأول هكذا هو قوي أمين ms07952 وكل قوي أمين لائق
~~بالاستئجار ينتج هو لائق بالاستئجار وهو المدعي المفهوم من الطلب، وتعقب
~~بأن هذا ظاهر لوكان (خير) خبرا وليس هو كذلك، وأجيب بأن المعنى على ذلك
~~إلا أنه جعل اسما للاهتمام بأمر الخيرية لأنها أم الكمال المبني عليها
~~غيرها. وفي «الكشاف» ((فإن قيل: كيف جعل { خير من استئجرت }
~~اسما لإن و { القوى الأمين } خبرا؟ قلت: هو مثل قوله:

# ألا إن خير الناس حيا وهالكا

# أسير ثقيف عندهم في السلاسل

# في أن العناية هي سبب التقديم وقد صدقت حتى جعل لها ما هو أحق أن يكون
~~خبرا اسما)) وأراد بذلك على ما قيل: أحقية كون (خير) خبرا من حيث
~~الصناعة، ووجه بأن خيرا مضاف إلى (من) وهي نكرة فكذا هو والإخبار عن
~~النكرة بالمعرفة خلاف الظاهر، وإن جوزوه في اسمي التفضيل والاستفهام، ولو
~~جعلت موصولة فإضافة أفعل التفضيل لفظية لا تفيد تعريفا كما هو أحد قولين
~~للنحاة فيها، وعلى القول بإفادتها التعريف يقال: المعرف باللام أعرف من
~~الموصول وما أضيف إليه. وتعقب بأن تعريف { القوي الأمين } للجنس وما فيه
~~تعريف الجنس قد ينزل منزلة النكرة. وأجيب بأن الموصول إذ أريد به الجنس
~~كذلك وهنا تصح هذه الإرادة ليجيء التعدد الذي يقتضيه { خير } ، وحيث كان
~~المضاف إلى شيء دونه يكون { القوي الأمين } أحق بالاسمية و { خير } أحق
~~بالخبرية. وإذ قلت بأن أحقية الخبرية لأن سوق التعليل يقتضيها إلا أنه
~~عدل إلى الاسمية للاهتمام خلصت من كثير من المناقشات.

# وقال لي الشيخ خليل أفندي الآمدي يوم اجتمعت به وأنا شاب عند وروده إلى
~~بغداد فجرى بحث في هذه الآية الكريمة: إن القياس المأخوذ منها من الشكل
~~الثاني هكذا موسى القوي الأمين وخير من استأجرت القوي الأمين ينتج موسى
~~خير من استأجرت. فقلت: أظهر ما يرد على هذا أن شرط إنتاج الشكل الثاني
~~بحسب الكيفية اختلاف مقدمتيه بالإيجاب والسلب بأن تكون إحداهما موجبة
~~والأخرى سالبة وهو منتف فيما ذكرت فسكت وأعرض عن البحث حذرا من الفضيحة.
~~وأنت تعلم أن أدلة القرآن ms07953 لا يلزم فيها الترتيب الذي وضعه المنطقيون فذلك
~~صناعة أغنى الله تعالى العرب عنها.

# وما ذكر من أن جملة { خير } اسما للاهتمام هو ما اختاره غير واحد، وجوز
~~الطيبي أن يكون تقديمه وجعله اسما من باب القلب للمبالغة، والظاهر أن
~~أل في { القوى الأمين } للجنس فيندرج موسى عليه السلام وهو وجه
~~الاستدلال. وذكر الاستئجار بلفظ الماضي مع أن الظاهر ذكره بلفظ المضارع
~~للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف. وجوز الطيبي أن يكون المراد بالقوي
~~الأمين موسى عليه السلام فكأنها قالت: إن خير من استأجرت موسى، والأول
~~أولى.

# ((ثم إن كلامها هذا كلام حكيم جامع لا يزاد عليه، لأنه إذا اجتمعت
~~الخصلتان أعني الكفاية والأمانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك وتم مرادك.
~~وقد استغنت بإرسال هذا الكلام الذي سياقه سياق المثل والحكمة أن تقول:
~~استأجره لقوته وأمانته)) ولعمري إن مثل هذا المدح من المرأة للرجل أجمل
~~من المدح الخاص وأبقى للحشمة وخصوصا إن كانت فهمت أن غرض أبيها أن
~~يزوجها منه، ومعرفتها قوته عليه السلام لما رأت من دفعه الناس عن الماء
~~وحده حتى سقى لهما، ومعرفتها أمانته من عدم تعرضه لها بقبيح ما مع
~~وحدتها وضعفها. وروي أنها لما قالت ما قالت قال لها أبوها: ما أعلمك
~~بقوته؟ / فذكرت له أنه عليه السلام أقل صخرة على البئر لا يقلها كذا وكذا
~~وقد مر في حديث عمر رضي الله تعالى عنه أنه لا يطيق رفعها إلا عشرة رجال،
~~والنقل في عدد من يقلها مضطرب فأقل ما قالوا فيه سبعة وأكثره مائة، وقد
~~مر ما يعلم منه حال الخبر في أصل الإقلال، وذكرت أنه نزع وحده بدلو لا
~~ينزع بها إلا أربعون. وقال: ما أعلمك بأمانته؟ فذكرت ما كان من أمره
~~إياها بالمشي وراءه وأنه صوب رأسه حتى بلغته الرسالة، وقدمت وصف القوة مع
~~أن أمانة الأجير لحفظ المال أهم في نظر المستأجر لتقدم علمها بقوته عليه
~~السلام على علمها بأمانته أو ليكون ذكر وصف الأمانة بعده من باب الترقي ms07954
~~من المهم إلى الأهم.

# واستدل بقولها { استأجره } على مشروعية الإجارة عندهم وكذا كانت في كل
~~ملة وهي من ضروريات الناس ومصلحة الخلطة خلافا لابن علية والأصم حيث
~~كانا لا يجيزانها وهذا مما انعقد عليه الإجماع وخلافهما خرق له فلا يلتفت
~~إليه وهذا لعمري غريب منهما إن كانا لا يجيزان الإجارة مطلقا، ورأيت في
~~«الاكليل» أن في قوله تعالى:

# أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن
~~تأجرنى

# [القصص: 27] الخ ردا على من منع الإجارة المتعلقة بالحيوان عشر سنين
~~لأنه يتغير غالبا فلعل الإجارة التي لا يجيزانها نحو هذه الإجارة والأمر
~~في ذلك أهون من عدم إجازة الإجارة مطلقا كما لا يخفى.

### || [28.27]

# { قال إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين }
~~استئناف بياني كأنه قيل: فما قال أبوها بعد أن سمع كلامها؟ فقيل: قال
~~إني. وفي تأكيد الجملة إظهار لمزيد الرغبة فيما تضمنته الجملة، وفي قوله:
~~{ هاتين } إيماء إلى أنه كانت له بنات أخر غيرهما، وقد أخرج ابن
~~المنذر عن مجاهد أن لهما أربع أخوات صغار، وقال البقاعي: إن له سبع بنات
~~كما في التوراة وقد قدمنا نقل ذلك. وفي «الكشاف» فيه دليل على ذلك.
~~واعترض بأنه لا دلالة له فيه على ما ذكر إذ يكفي في الحاجة إلى الإشارة
~~عدم علم المخاطب بأنه ما كانت له غيرهما. وتعقب بأنه على هذا تكفي
~~الإضافة العهدية ولا يحتاج إلى الإشارة فهذا يقتضي أن يكون للمخاطب علم
~~بغيرهما معهود عنده أيضا، وإنما الإشارة لدفع إرادة غيرهما من ابنتيه
~~الأخريين المعلومتين له من بينهن؛ ونعم ما قال الخفاجي لا وجه للمشاحة في
~~ذلك فإن مثله زهرة لا يحتمل الفرك.

# وقرأ ورش وأحمد بن موسى عن أبي عمرو { أنكحك إحدى } بحذف
~~الهمزة.

# وقوله تعالى: { على أن تأجرنى } في موضع الحال من مفعول {
~~أنكحك } أي مشروطا عليك أو واجبا أو نحو ذلك، ويجوز أن يكون حالا
~~من فاعله قاله أبو البقاء، و(تأجرني) من أجرته كنت له أجيرا كقولك أبوته
~~كنت له أبا، وهو بهذا المعنى يتعدى ms07955 إلى مفعول واحد، وقوله تعالى: {
~~ثمانى حجج } ظرف له، ويجوز أن يكون (تأجرني) بمعنى تثيبني من أجره
~~الله تعالى على ما فعل أي أثابه فيتعدى إلى اثنين ثانيهما هنا (ثماني
~~حجج). والكلام على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي تثيبني رعية
~~ثماني حجج أي تاجعلها ثوابي وأجري على الإنكاح ويعني بذلك المهر. وجوز
~~على هذا المعنى أن يكون ظرفا لتأجرني أيضا بحذف المفعول أي تعوضني
~~خدمتك أو عملك في ثماني حجج، ونقل عن المبرد أنه يقال: أجرت داري ومملوكي
~~غير ممدود وآجرت ممدودا، والأول أكثر فعلى هذا يتعدى إلى مفعولين،
~~والمفعول الثاني محذوف، والمعنى على أن تأجرني نفسك، وقد يتعدى إلى واحد
~~بنفسه، والثاني بمن فيقال: أجرت الدار من عمرو، وظاهر كلام الأكثرين أنه
~~لا فرق بين آجر بالمد / وأجر بدونه، وقال الراغب: يقال أجرت زيدا إذا
~~اعتبر فعل أحدهما، ويقال: آجرته إذا اعتبر فعلاهما وكلاهما يرجعان إلى
~~معنى، ويقال كما في «القاموس» أجرته أجرا وآجرته إيجارا ومؤاجرة. وفي
~~«تحفة المحتاج» ((آجره بالمد إيجارا وبالقصر يأجره بكسر الجيم وضمها
~~أجرا، وفيها أن الإجارة بتثليث الهمزة والكسر أفصح لغة اسم للأجرة ثم
~~اشتهرت في العقد، والحجج جمع حجة بالكسر السنة.

# { فإن أتممت عشرا } في الخدمة والعمل { فمن عندك } أي
~~فهو من عندك من طريق التفضل لا من عندي بطريق الإلزام { وما أريد
~~أن أشق عليك } بإلزام إتمام العشر والمناقشة في مراعاة الأوقات
~~واستيفاء الأعمال، واشتقاق المشقة وهي ما يصعب تحمله من الشق بفتح الشين
~~وهو فصل الشيء إلى شقين فإن ما يصعب عليك يشق عليك رأيك في أمره لتردده
~~في تحمله وعدمه { ستجدنى إن شاء الله من الصلحين } في
~~حسن المعاملة ولين الجانب والوفاء بالعهد ومراد شعيب عليه السلام
~~بالاستثناء التبرك به وتفويض أمره إلى توفيقه تعالى لا تعليق صلاحه
~~بمشيئته سبحانه بمعنى أنه إن شاء الله تعالى استعمل الصلاح وإن شاء عز
~~وجل استعمل خلافه لأنه لا يناسب المقام. وقيل: لأن صلاحه عليه السلام
~~متحقق فلا معنى للتعليق، ونحوه ms07956 قول الشافعي: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى.

### || [28.28]

# { قال ذلك بينى وبينك } مبتدأ وخبر أي ذلك الذي قلت
~~وعاهدتني فيه وشارطتني عليه قائم وثابت بيننا جميعا لا يخرج عنه واحد
~~منا لا أنا عما شرطت علي ولا أنت عما شرطت على نفسك، وقوله سبحانه: {
~~أيما الأجلين } أي أطولهما أو أقصرهما { قضيت } أي وفيتك
~~بأداء الخدمة فيه { فلا عدوان على } تصريح بالمراد وتقرير لأمر
~~الخيار أي لا عدوان كائن علي بطلب الزيادة على ما قضيته من الأجلين.
~~وتعميم انتفاء العدوان بكلا الأجلين بصدد المشارطة مع تحقق عدم العدوان
~~في أطولهما رأسا للقصد إلى التسوية بينهما في الانتفاء أي كما لا أطالب
~~بالزيادة على العشر لا أطالب بالزيادة على الثمان أو أيما الأجلين قضيت
~~فلا إثم كائن علي [يعني] كما لا إثم علي في قضاء الأطول لا إثم علي في
~~قضاء الأقصر فقط.

# وقرأ عبد الله { أي الأجلين ما قضيت } فما مزيدة لتأكيد
~~القضاء أي أي الأجلين صممت على قضائه وجردت عزيمتي له كما أنها في
~~القراءة الأولى مزيدة لتأكيد إبهام أي وشياعها، وجعلها نافية لا يخفى ما
~~فيه؛ وقرأ الحسن والعباس عن أبي عمرو { أيما } بتسكين الياء من غير
~~تشديد كما في قول الفرزدق:

# تنظرت نصرا والسماكين أيهما

# علي من الغيث استهلت مواطره

# وأصلها المشددة وحذفت الياء تخفيفا وهي مما عينه واو ولامه ياء، ونص
~~ابن جني على أنها من باب أويت قياسا واشتقاقا وقد نقل كلامه في بيان
~~ذلك العلامة الطيبي في «شرح الكشاف» فليرجع إليه من شاء. وقرأ أبو حيوة
~~وابن قطيب { فلا عدون } بكسر العين.

# { والله على ما نقول } من الشروط الجارية بيننا { وكيل }
~~أي شهيد على ما روي عن ابن عباس، وقال قتادة: حفيظ، وفي «البحر» الوكيل
~~الذي وكل إليه الأمر ولما ضمن معنى شاهد ونحوه عدي بعلى ومن هنا قيل: أي
~~شاهد حفيظ، والمراد توثيق العهد وأنه لا سبيل لأحد منهما إلى الخروج عنه
~~أصلا، وهذا بيان لما عزما عليه واتفقا على إيقاعه إجمالا من ms07957 غير تعرض /
~~لبيان مواجب عقدي النكاح والإجارة في تلك الشريعة تفصيلا. وقول شعيب
~~عليه السلام:

# إنى أريد أن أنكحك

# [القصص: 27] الخ ظاهر في أنه عرض لرأيه على موسى عليه السلام واستدعاء
~~منه للعقد لا إنشاء وتحقيق له بالفعل، ولم يجزم القائلون باتفاق
~~الشريعتين في ذلك بكيفية ما وقع، فقيل لعل النكاح جرى على معينة بمهر
~~غير الخدمة المذكورة وهي إنما ذكرت على طريق المعاهدة لا المعاقدة فكأنه
~~قال: أريد أن أنكحك إحدى ابنتي بمهر معين إذا أجرتني ثماني حجج بأجرة
~~معلومة فما تقول في ذلك فرضي فعقد له على معينة منهما، فلا يرد أن
~~الإبهام في المرأة المزوجة غير صحيح، وعلى الخدمة ومنافع الحر عندنا
~~أيضا خصوصا إذا قيل: إن مدتها غير معينة وهي أيضا ليست للزوجة بل
~~لأبيها فكيف صح كونها مهرا، وقيل: يجوز أن يكون جرى على معينة بمهر
~~الخدمة المذكورة ولا فساد في جعل الرعية مهرا فإنه جائز عند الشافعي
~~عليه الرحمة وكذا عند الحنفية كما يفهم من «الهداية» ونقل عن صاحب
~~«المدارك» أنه قال: التزوج على رعي الغنم جائز بالإجماع لأنه قيام بأمر
~~الزوجية لا خدمة صرفة، وفي دعوى الإجماع أن أريد به إجماع الأئمة مطلقا
~~بحث، ففي «المحيط البرهاني» لو تزوجها على أن يرعى غنمها سنة لم يجز على
~~رواية الأصل، وروى ابن سماعة عن محمد أنه يجوز في الرعي، وفي «الانتصاف»
~~[لابن المنير] مذهب مالك في ذلك على ثلاثة أقوال المنع والكراهة والجواز،
~~ويقال على الجواز كانت الغنم للمزوجة لا لأبيها وليس في المدة إبهام إذ
~~هي الحجج الثمان والزائدة قد وعد موسى عليه السلام الوفاء به إن تيسر له
~~على أن الإبهام في المهر يجوز كما هو مبين في الفروع، وقال بعضهم يجوز أن
~~تكون الشرائع مختلفة في أمر الإنكاح فلعل إنكاح المبهمة جائز في شريعة
~~شعيب عليه السلام ويكون التعيين للولي أو للزوج، وكذا جعل خدمة الولي
~~صداقا ونحو ذلك مما لا يجوز في شريعتنا.

# ولا يرد أن ما قص من الشرائع ms07958 السالفة من غير إنكار فهو شرع لنا لأنه على
~~الإطلاق غير مسلم. وفي «الاكليل» عن مكي أنه قال: في الآية خصائص في
~~النكاح. منها أنه لم يعين الزوجة، ولا حد أول المدة، وجعل المهر إجارة،
~~ودخل ولم ينقد شيئا.

# والذي يميل إليه القلب اختلاف الشرائع في مواجب النكاح وربما يستأنس له
~~بما في الفصل التاسع والعشرين من السفر الأول من التوراة أن يعقوب عليه
~~السلام مضى إلى بلد أهل الشرق فإذا بئر في الصحراء على فمها صخرة عظيمة
~~وعندها ثلاثة قطعان من الغنم فقال لرعاتها: من أين أنتم يا إخوة؟ قالوا:
~~من حران. فقال لهم: أتعرفون لابان بن ناحور؟ فقالوا: نعم. فقال: أحي هو؟
~~قالوا: نعم وهذه راحيل ابنته مع الغنم. ثم قال: ليس هذا وقت انضمام
~~الماشية فاسقوا الغنم وامضوا بها فارعوها. قالوا: لا نطيق ذلك إلى أن
~~تجتمع الرعاة ويدحرجوا الصخرة عن فم البئر فبينما هو يخاطبهم جاءت راحيل
~~مع غنم أبيها فلما رأى ذلك تقدم ودحرج الصخرة وسقى غنم خاله لابان ثم قبل
~~راحيل وبكى وأخبرها أنه ابن عمتها ربقا فأخبرت أباها فخرج للقائه فعانقه
~~وقبله وأدخله إلى منزله ثم قال لابان له: أما أنت فعظمي ولحمي ومكث عنده
~~شهرا فقال له لابان: أنت وإن كنت ذا قرابة مني لا أستحسن أن تخدمني
~~مجانا فأخبرني بما تريد من الأجرة؟ وكان له ابنتان اسم الكبرى ليا واسم
~~الصغرى راحيل وعينا ليا حسنتان وراحيل حسنة الحلية والمنظر فأحبها يعقوب
~~فقال: أخدمك سبع سنين براحيل فقال: لابان: إعطائي إياها لك أصلح من
~~إعطائي إياها لرجل آخر فأقم عندي فخدمه براحيل سبع سنين ثم قال: أعطني
~~زوجتي فقد كملت أيامي فجمع / لابان أهل الموضع وصنع لهم مجلسا فلما كان
~~العشاء أخذ ليا بنته فزفها إليه ودخل عليها فأعطاها لابان أمته زلفا
~~لتكون لها أمة فلما كانت الغداة فإذا هي ليا فقال للابان: ماذا صنعت بي
~~أليس براحيل خدمتك؟ قال: نعم لكن لا تزوج الصغرى قبل الكبرى في بلدنا
~~فأكمل أسبوع هذه ms07959 وأعطيك أختها راحيل أيضا بالخدمة التي تخدمها عندي سبع
~~سنين أخر فكمل يعقوب أسبوع ليا ثم أعطاه ابنته راحيل زوجة وأعطاها أمته
~~بلها لتكون لها أمة، فلما دخل عليها يعقوب أحبها أكثر من حبه ليا ثم خدمه
~~سبع سنين أخر اه.

# وأخبرني بعض أهل الكتاب أنه يجوز أن تكون خدمة الأب مهرا لابنته ويلزم
~~الأب إرضاؤها بشيء إذا كانت كبيرة وأن ما التزم من الخدمة لا يجب فعله
~~قبل الدخول ويكفي الالتزام والتعهد، وأن المهر عندهم كل شيء له قيمة أو
~~ما في حكمها، وأن تسليم المرأة نفسها للزوج راضية بما يحصل لها منه من
~~قضاء الوطر والانتفاع بدلا عن المهر قد يقوم مقام المهر، وأن حل الجمع
~~بين الأختين كان ليعقوب عليه السلام خاصة، وهذا الأخير مما ذكره علماء
~~الإسلام والله تعالى أعلم بصحة غيره مما ذكر من الكلام.

# هذا وللعلماء في الآية استدلالات قال في «الإكليل»: فيها استحباب عرض
~~الرجل موليته على أهل الخير والفضل أن ينكحوها، واعتبار الولي في النكاح،
~~وأن العمى لا يقدح في الولاية فإنه عليه السلام كان أعمى، واعتبار
~~الإيجاب والقبول في النكاح وقال ابن الفرس: استدل مالك بهذه الآية على
~~إنكاح الأب البكر البالغة بغير استئمار لأنه لم يذكر فيها استئمار. قال:
~~واحتج بعضهم على جواز أن يكتب في الصداق أنكحه إياها خلافا لمن اختار
~~أنكحها إياه قائلا لأنه إنما يملك النكاح عليها لا عليه. وقال ابن
~~العربي: استدل بها أصحاب الشافعي على أن النكاح موقوف على لفظ الإنكاح
~~والتزويج. قال: واستدل بها قوم على جواز الجمع بين نكاح وإجارة في صفقة
~~واحدة فعدوه إلى كل صفقة تجمع عقدين وقالوا بصحتها. قال: واستدل بها
~~علماؤنا على أن اليسار لا يعتبر في الكفاءة فإن موسى عليه السلام لم يكن
~~حينئذ موسرا. قال: وفي قوله: { والله على ما نقول وكيل }
~~اكتفاء بشهادة الله عز وجل إذا لم يشهد أحدا من الخلق فيدل على عدم
~~اشتراط الإشهاد في النكاح اه.

# واستدل بها الأوزاعية على صحة البيع ms07960 فيما إذا قال بعتك بألف نقدا أو
~~ألفين نسيئة اه ما في «الإكليل» مع حذف قليل. ولا يخفى ما في هذه
~~الاستدلالات من المقالات والمنازعات.

# ثم إن ما تقدم عن مكي من أنه عليه السلام دخل ولم ينقد شيئا مما قاله
~~غيره أيضا. وقد روي أيضا من طريق الإمامية عن أبي عبد الله رضي الله
~~تعالى عنه، وقيل: إنه عليه السلام لم يدخل حتى أتم الأجل، وجاء في بعض
~~الآثار أنهما لما أتما العقد قال شعيب لموسى عليهما السلام: ادخل ذلك
~~البيت فخذ عصا من العصي التي فيه وكان عنده عصي الأنبياء عليهم السلام
~~فدخل وأخذ العصا التي هبط بها آدم من الجنة ولم تزل الأنبياء عليهم
~~السلام يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب فقال له شعيب: خذ غير هذه فما وقع
~~في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له شأنا. وعن عكرمة أنه قال: خرج آدم
~~عليه السلام بالعصا من الجنة فأخذها جبرائيل عليه السلام بعد موته وكانت
~~معه حتى لقي بها موسى ليلا فدفعها إليه. وفي «مجمع البيان» عن أبي عبد
~~الله رضي الله تعالى عنه أنه قال: كانت عصا موسى قضيب آس من الجنة أتاه
~~بها جبرائيل عليه السلام لما توجه تلقاء مدين. وقال السدي: كانت تلك
~~العصا قد أودعها شعيبا ملك في صورة رجل فأمر ابنته أن تأتي بعصا فدخلت
~~وأخذت العصا فأتته بها فلما رآها الشيخ قال ائتيه بغيرها فردها سبع مرات
~~فلم يقع في / يدها غيرها فدفعها إليه ثم ندم لأنها وديعة فتبعه فاختصما
~~فيها ورضيا أن يحكم بينهما أول طالع، فأتاهما الملك فقال ألقياها فمن
~~رفعها فهي له فعالجها الشيخ فلم يطقها ورفعها موسى عليه السلام. وعن
~~الحسن ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضا. وعن الكلبي الشجرة
~~التي نودي منها شجرة العوسج ومنها كانت عصاه.

# وروي أنه لما شرع عليه السلام بالخدمة والرعي قال له شعيب: إذا بلغت
~~مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك فإن الكلأ وإن كان بها أكثر إلا ms07961 أن فيها
~~تنينا أخشاه عليك وعلى الغنم، فلما بلغ مفرق الطريق أخذت الغنم ذات
~~اليمين ولم يقدر على كفها ومشى على أثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله فنام
~~فإذا بالتنين قد أقبل فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى عليه
~~السلام دامية فلما أبصرها دامية والتنين مقتولا ارتاح لذلك ولما رجع إلى
~~شعيب وجد الغنم ملأى البطون غزيرة اللبن فأخبره موسى عليه السلام بما كان
~~ففرح وعلم أن لموسى العصا شأنا وقال له: إني وهبت لك من نتاج غنمي هذا
~~العام كل أدرع ودرعاء فأوحى الله تعالى إليه في المنام أن أضرب بعصاك
~~مستقى الغنم ففعل ثم سقى فما أخطأت واحدة إلا وضعت أدرع أو درعاء فوفى له
~~شعيب بما قال.

# وحكى يحيى بن سلام أنه جعل له كل سخلة تولد على خلاف شية أمها فأوحى
~~الله تعالى إلى موسى عليه السلام في المنام أن ألق عصاك في الماء الذي
~~تسقى منه الغنم ففعل فولدت كلها على خلاف شيتها. وأخرج ابن ماجه والبزار
~~وابن المنذر والطبراني وغيرهم من حديث عتبة السلمي مرفوعا

# " أنه عليه السلام لما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن
~~يعطيها من غنمه ما يعيشون به فأعطاها ما ولدت غنمه من قالب لون من ذلك
~~العام وكانت غنمه سوداء حسناء فانطلق موسى إلى عصاه فسماها من طرفها ثم
~~وضعها في أدنى الحوض ثم أوردها فسقاها ووقف بإزاء الحوض فلم يصدر منها
~~شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة فأنمت وانثنت ووضعت كلها قوالب ألوان إلا شاة
~~أو شاتين ليس فيها فشوش أي واسعة الشخب ولا ضبوب أي طويلة الضرع تجره ولا
~~غزور أي ضيقة الشخب ولا ثعول أي لا ضرع لها إلا كهيئة حلمتين ولا كمشة
~~تفوت الكف أي صغيرة الضرع لا يدرك الكف "

# وظاهر هذا الخبر أن الهبة كانت لزوجته عليه السلام وأنه كان ذلك لما
~~أراد فراق شعيب عليهما السلام وهو خلاف ما يقتضيه ظاهر ما تقدم.

### || [28.29]

# { فلما قضى موسى الأجل ms07962 } أي أتم المدة المضروبة لما أراد
~~شعيب منه، والمراد به الأجل الآخر كما أخرجه ابن مردويه عن مقسم عن الحسن
~~بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما. وأخرج البخاري وجماعة عن ابن
~~عباس أنه سئل أي الأجلين قضى موسى عليه السلام؟ فقال: قضى أكثرهما
~~وأطيبهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل. وأخرج ابن مردويه
~~من طريق علي بن عاصم عن أبي هارون

# " عن أبي سعيد الخدري أن رجلا سأله أي الأجلين قضى موسى فقال: لا أدري
~~حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل رسول الله عليه الصلاة
~~والسلام فقال: لا أدري حتى أسأل جبريل عليه السلام فسأل جبريل فقال: لا
~~أدري حتى أسأل ميكائيل عليه السلام فسأل ميكائيل فقال: لا أدري حتى أسأل
~~الرفيع فسأل الرفيع فقال: لا أدري حتى أسأل إسرافيل عليه السلام فسأل
~~إسرافيل فقال: لا أدري حتى أسأل ذا العزة جل جلاله فنادى إسرافيل بصوته
~~الأشد يا ذا العزة أي الأجلين قضى موسى قال: أتم الأجلين وأطيبهما عشر
~~سنين "

# قال علي بن عاصم: فكان أبو هارون إذا حدث بهذا الحديث يقول: حدثني أبو
~~سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن ميكائيل عن / الرفيع عن
~~إسرافيل عن ذي العزة تبارك وتعالى: أن موسى قضى أتم الأجلين وأطيبهما عشر
~~سنين والفاء قيل: فصيحة أي فعقدا العقدين وباشر موسى ما أريد منه فلما
~~أتم الأجل.

# { وسار بأهله } قيل: نحو مصر بإذن من شعيب عليه السلام لزيارة
~~والدته وأخيه وأخته وذوي قرابته وكأنه عليه السلام أقدمه على ذلك طول مدة
~~الجناية وغلبة ظنه خفاء أمره، وقيل: سار نحو بيت المقدس وهذا أبعد عن
~~القيل والقال. { ءانس من جانب الطور } أي أبصر من الجهة التي
~~تلي الطور لا من بعضه كما هو المتبادر، وأصل الإيناس على ما قيل الإحساس
~~فيكون أعم من الإبصار، وقال الزمخشري: هو الإبصار البين الذي لا شبهة فيه
~~ومنه إنسان العين لأنه يبين به الشيء والإنس لظهورهم ms07963 كما قيل: الجن
~~لاستتارهم، وقيل: هو إبصار ما يؤنس به. { نارا } استظهر بعضهم أن
~~المبصر كان نورا حقيقة إلا أنه عبر عنه بالنار اعتبارا لاعتقاد موسى
~~عليه السلام، وقال بعض العارفين: كان المبصر في صورة النار الحقيقية وأما
~~حقيقته فوراء طور العقل إلا أن موسى عليه السلام ظنه النار المعروفة.

# { قال لأهله امكثوا } أي أقيموا مكانكم وكان معه عليه السلام
~~على قول امرأته وخادم ويخاطب الإثنان بصيغة الجمع، وعلى قول آخر كان معه
~~ولدان له أيضا اسم الأكبر جيرشوم واسم الأصغر اليعازر ولدا له زمان
~~إقامته عند شعيب وهذا مما يتسنى على القول بأنه عليه السلام دخل على
~~زوجته قبل الشروع فيما أريد منه، وأما على القول بأنه لم يدخل عليها حتى
~~أتم الأجل فلا يتسنى إلا بالتزام أنه عليه السلام مكث بعد ذلك سنين، وقد
~~قيل به، أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قضى
~~موسى عشر سنين ثم مكث بعد ذلك عشرا أخرى، وعن وهب أنه عليه السلام ولد
~~له ولد في الطريق ليلة إيناس النار، وفي «البحر» أنه عليه السلام خرج
~~بأهله وماله في فصل الشتاء وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام وامرأته
~~حامل لا يدري أليلا تضع أم نهارا فسار في البرية لا يعرف طرقها فالجأه
~~السير إلى جانب الطور الغربي الأيمن في ليلة مظلمة مثلجة شديدة البرد،
~~وقيل: كان لغيرته على حرمه يصحب الرفقة ليلا ويفارقهم نهارا فأضل
~~الطريق يوما حتى أدركه الليل فأخذ امرأته الطلق فقدح زنده فأصلد فنظر
~~فإذا نار تلوح من بعد فقال امكثوا.

# { إنى ءانست نارا لعلى ءاتيكم منها بخبر } أي
~~بخبر الطريق بأن أجد عندها من يخبرني به وقد كانوا كما سمعت ضلوا الطريق،
~~والجملة استئناف في معنى التعليل للأمر { أو جذوة } أي عود غليظ
~~سواء كان في رأسه نار كما في قوله:

# وألقى على قبس من النار جذوة

# شديدا عليها حرها والتهابها

# أو لم تكن كما في قوله:

# باتت حواطب ليلى يلتمسن لها ms07964

# جزل الجذا غير خوار ولا دعر

# ولذا بينت كما قال بعض المحققين بقوله تعالى: { من النار } وجعلها
~~نفس النار للمبالغة كأنها لتشبث النار بها استحالت نارا، وقال الراغب:
~~الجذوة ما يبقى من الحطب بعد الالتهاب، وفي معناه قول أبي حيان: عود فيه
~~نار بلا لهب، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: هي عود من حطب فيه
~~النار. / وأخرج هو وجماعة عن قتادة أنها أصل شجرة في طرفها النار، قيل:
~~فتكون { من } على هذا للابتداء، والمراد بالنار هي التي آنسها. وقرأ
~~الأكثر { جذوة } بكسر الجيم والأعمش وطلحة وأبو حيوة وحمزة بضمها {
~~لعلكم تصطلون } تستدفئون وتتسخنون بها، وفيه دليل على أنهم
~~أصابهم برد.

### || [28.30]

# { فلما أتها } أي النار التي آنسها. { نودى من شاطىء
~~الواد الأيمن } أي أتاه النداء من الجانب الأيمن بالنسبة إلى موسى
~~عليه السلام في مسيره فالأيمن صفة الشاطىء وهو ضد الأيسر، وجوز أن يكون
~~الأيمن بمعنى المتصف باليمن والبركة ضد الأشأم، وعليه فيجوز كونه صفة
~~للشاطىء أو الوادي، و { من } على ما اختاره جمع لابتداء الغاية متعلقة
~~بما عندها، وجوز أن تتعلق بمحذوف وقع حالا من ضمير موسى عليه السلام
~~المستتر في { نودي } أي نودي قريبا من شاطىء الوادي، وجوز على الحالية
~~أن تكون من بمعنى في كما في قوله تعالى:

# ماذا خلقوا من الأرض

# [الأحقاف: 4] أي نودي كائنا في شاطىء الوادي.

# وقوله تعالى: { فى البقعة المباركة } في موضع الحال من
~~الشاطىء أو صلة لنودي، والبقعة القطعة من الأرض على غير هيئة التي إلى
~~جنبها وتفتح باؤها كما في «القاموس»، وبذلك قرأ الأشهب العقيلي ومسلمة.
~~ووصفت بالبركة لما خصت به من آيات الله عز وجل وأنواره. وقيل: لما حوت من
~~الأرزاق والثمار الطيبة وليس بذاك، وقوله سبحانه: { من الشجرة }
~~بدل من قوله تعالى: { من شاطىء } أو الشجرة فيه بدل من { شاطىء }
~~وأعيد الجار لأن البدل على تكرار العامل وهو بدل اشتمال فإن الشاطىء كان
~~مشتملا على الشجرة إذ كانت نابتة فيه، و { من } هنا لا تحتمل أن ms07965 تكون
~~بمعنى في كما سمعت في (من) الأولى، نعم جوز فيها أن تكون للتعليل كما في
~~قوله تعالى:

# مما خطيئتهم أغرقوا

# [نوح: 25] متعلقة بالمباركة أي البقعة المباركة لأجل الشجرة، وقيل: يجوز
~~تعلقها بالمباركة مع بقائها للابتداء على معنى أن ابتداء بركتها من
~~الشجرة، وكانت هذه الشجرة على ما روي عن ابن عباس عنابا، وعلى ما روي عن
~~ابن مسعود سمرة، وعلى ما روي عن ابن جريج والكلبي ووهب عوسجة، وعلى ما
~~روي عن قتادة ومقاتل عليقة وهو المذكور في التوراة اليوم.

# و(أن) في قوله تعالى: { أن يموسى } تحتمل أن تكون تفسيرية وأن تكون
~~مخففة من الثقيلة والأصل بأنه، والجار متعلق بنودي، والنداء قد يوصل بحرف
~~الجر أنشد أبو علي:

# ناديت باسم ربيعة بن مكدم

# أن المنوه باسمه الموثوق

# والضمير للشأن وفسر الشأن بقوله تعالى: { إنى أنا الله رب
~~العلمين } وقرأت فرقة { أني } بفتح الهمز، واستشكل بأن (أن) إن
~~كانت تفسيرية ينبغي كسر إن وهو ظاهر وإن كانت مصدرية واسمها ضمير الشأن،
~~فكذلك إذ على الفتح تسبك مع ما بعدها بمفرد وهو لا يكون خبرا عن ضمير
~~الشأن وخرجت على أن (أن) تفسيرية و(أني) الخ في تأويل مصدر معمول لفعل
~~محذوف، والتقدير أي يا موسى اعلم أني أنا الله الخ، وجاء في سورة [طه:
~~11-12]

# نودى يموسى إنى أنا ربك

# وفي سورة النمل [8]

# نودى أن بورك من فى النار

# وما هنا غير ذلك بل ما في كل غير ما في الآخر فاستشكل ذلك. وأجيب بأن
~~المغايرة إنما هي في اللفظ، وأما في المعنى المراد فلا مغايرة.

# وذهب الإمام إلى أنه تعالى حكى في كل من هذه السور بعض ما اشتمل عليه
~~النداء لما أن المطابقة بين ما في المواضع الثلاثة تحتاج إلى تكلف ما
~~والظاهر أن النداء منه عز وجل من غير توسيط ملك، وقد سمع موسى عليه
~~السلام على ما تدل عليه الآثار كلاما لفظيا قيل: خلقه الله تعالى في
~~الشجرة بلا اتحاد وحلول، وقيل: خلقه في الهواء كذلك وسمعه ms07966 موسى عليه
~~السلام من جهة الجانب الأيمن أو من جميع الجهات، وأنا وإن كان كل أحد
~~يشير به إلى نفسه فليس المعنى به محل لفظه.

# وذهب الشيخ الأشعري والإمام الغزالي إلى أنه عليه السلام سمع كلامه
~~تعالى النفسي القديم بلا صوت ولا حرف، وهذا كما ترى ذاته عز وجل بلا كيف
~~ولا كم، وذكر بعض العارفين أنه إنما سمع كلامه تعالى اللفظي بصوت وكان
~~ذلك بعد ظهوره عز وجل بما شاء من المظاهر التي تقتضيها الحكمة وهو سبحانه
~~مع ظهوره تعالى كذلك باق على إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق، وقد جاء في
~~«الصحيح» أنه تعالى يتجلى لعباده يوم القيامة في صورة، فيقول: أنا ربكم
~~فينكرونه ثم يتجلى لهم بأخرى فيعرفونه، والله تعالى وصفاته من وراء حجب
~~العزة والعظمة والجلال فلا يحدثن الفكر نفسه بأن يكون له وقوف على
~~الحقيقة بحال من الأحوال.

# مرام شط مرمى العقل فيه

# ودون مداه بيد لا تبيد

# وذكر بعض السلفيين أنه عليه السلام إنما سمع كلامه تعالى اللفظي بصوت
~~منكر الظهور في المظاهر عادا القول به من أعظم المناكر، ولابن القيم
~~كلام طويل في تحقيق ذلك، وقد قدمنا لك في المقدمات ما يتعلق بهذا المقام
~~فتذكر والله تعالى ولي الأفهام، وقال الحسن: إنه سبحانه نادى موسى عليه
~~السلام نداء الوحي لا نداء الكلام ولم يرتض ذلك العلماء الأعلام لما فيه
~~من مخالفة الظاهر وأنه لا يظهر عليه وجه اختصاصه باسم الكليم من بين
~~الأنبياء عليهم السلام، ووجه الاختصاص على القول بأنه سمع كلامه تعالى
~~الأزلي بلا حرف ولا صوت ظاهر، وكذا على القول بأنه عليه السلام سمع صوتا
~~دالا على كلامه تعالى بلا واسطة ملك أو كتاب سواء كان من جانب واحد لكن
~~بصوت غير مكتسب للعباد على ما هو شأن سماعنا أو من جميع الجهات لما في كل
~~من خرق العادة، وأما وجهه عند القائلين بأن السماع كان بعد التجلي في
~~المظهر فكذلك أيضا إن قالوا بأن هذا التجلي لم يقع لأحد من الأنبياء ms07967
~~عليهم السلام سوى موسى. ثم إن علمه عليه السلام بأن الذي ناداه هو الله
~~تعالى حصل له بالضرورة خلقا منه سبحانه فيه؛ وقيل: بالمعجزة، وأوجب
~~المعتزلة أن يكون حصوله بها فمنهم من عينها ومنهم من لم يعينها زعما
~~منهم أن حصول العلم الضروري ينافي التكليف، وفيه بحث.

### || [28.31]

# { وأن ألق عصاك } عطف على

# أن يموسى

# [القصص: 30] والفاء في قوله تعالى: { فلما رءاها تهتز }
~~فصيحة مفصحة عن جمل حذفت تعويلا على دلالة الحال عليها وإشعارا بغاية
~~سرعة تحقق مدلولاتها أي فألقاها فصارت حية فاهتزت فلما رآها تهتز وتتحرك
~~{ كأنها جان } هي حية كحلاء العين لا تؤذي كثيرة في الدور،
~~والتشبيه بها باعتبار سرعة حركتها وخفتها لا في هيئتها وجثتها. فلا يقال:
~~إنه عليه السلام لما ألقاها صارت ثعبانا عظيما فكيف يصح تشبيهها
~~بالجان، وقال بعضهم: يجوز أن يكون المراد تشبيهها بها في الهيئة والجثة
~~ولا ضير في ذلك لأن / لها أحوالا مختلفة تدق فيها وتغلظ، وقيل: الجان
~~يطلق على ما عظم من الحيات فيراد عند تشبيهها بها في ذلك والأولى ما ذكر
~~أولا { ولى مدبرا } منهزما من الخوف { ولم يعقب } أي
~~ولم يرجع { يموسى } أي نودي أو قيل: يا موسى { أقبل ولا تخف
~~إنك من الأمنين } من المخاوف فإنه لا يخاف لدى المرسلون.

### || [28.32]

# { اسلك يدك } أي أدخلها { فى جيبك } هو فتح الجبة من حيث
~~يخرج الرأس { تخرج بيضاء من غير سوء } أي عيب { واضمم
~~إليك جناحك من الرهب } أي من أجل المخالفة، قال مجاهد وابن
~~زيد أمره سبحانه بضم عضده وذراعه وهو الجناح إلى جنبه ليخف بذلك فزعه ومن
~~شأن الإنسان إذا فعل ذلك في وقت فزعه أن يقوى قلبه، وقال الثوري: خاف
~~موسى عليه السلام أن يكون حدث به سوء فأمره سبحانه أن يعيد يده إلى جنبه
~~لتعود إلى حالتها الأولى فيعلم أنه لم يكن ذلك سوءا بل آية من الله عز
~~وجل؛ وقريب منه ما قيل: المعنى إذا هالك أمر لما يغلب من شعاعها فاضممها
~~إليك يسكن خوفك. ms07968 وفي «الكشاف» فيه معنيان: أحدهما: أن موسى عليه السلام
~~لما قلب الله تعالى العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف
~~من الشيء فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء فإذا ألقيتها
~~فكما تنقلب حية فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ثم أخرجها بيضاء
~~ليحصل الأمران: اجتناب ما هو غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى، والمراد
~~بالجناح اليد لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر وإذا أدخل يده اليمنى
~~تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه إليه، والثاني: أن يراد بضم جناحه إليه
~~تجلده وضبطه نفسه وتشدده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب
~~استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما وإلا فجناحاه
~~مضمومان إليه مشمران. ومعنى { من الرهب } من أجل الرهب أي إذا أصابك
~~الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك، جعل الرهب الذي كان يصيبه سببا
~~وعلة فيما أمر به من ضم جناحه إليه، ومعنى { واضمم إليك
~~جناحك } وقوله تعالى: { اسلك يدك فى جيبك } على أحد
~~التفسيرين واحد ولكن خولف بين العبارتين، وإنما كرر المعنى الواحد
~~لاختلاف الغرضين وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء وفي الثاني
~~إخفاء الرعب اه، وضم الجناح على الثاني كناية عن التجلد والضبط نحو
~~قوله:

# اشدد حيازيمك للموت

# فإن الموت لاقيك

# وهو مأخوذ من فعل الطائر عند الأمن بعد الخوف، وهو في الأصل مستعار من
~~فعل الطائر عند هذه الحالة ثم كثر استعماله في التجلد وضبط النفس حتى صار
~~مثلا فيه وكناية عنه، وعليه يكون تتميما لمعنى

# إنك من الأمنين

# [القصص: 31] وهذا مأخوذ من كلام أبي علي الفارسي فإنه قال: هذا أمر منه
~~سبحانه بالعزم على ما أراده منه وحض على الجد فيه لئلا يمنعه الجد الذي
~~يغشاه في بعض الأحوال عما أمر بالمضي فيه.

# وليس المراد بالضم الضم المزيل للفرجة بين الشيئين وهو أبعد عن المناقشة
~~مما ذكره الزمخشري، ومثله في البعد عن المناقشة ما قاله البقاعي: من أنه
~~أريد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه ms07969 نفسه عند خروج يده بيضاء حتى لا يحذر
~~ولا يضطرب من الخوف. وأراد بأحد التفسيرين الوجه الأول لأن المعنى عليه
~~أدخل يدك اليمنى تحت عضدك اليسرى، وقال بعضهم: إن المعنى اضمم يديك
~~المبسوطتين بإدخال اليمنى تحت العضد الأيسر واليسرى تحت الأيمن أو
~~بإدخالهما في / الجيب. وظاهره أنه أريد بالجناح الجناحان، وقد صرح
~~الطبرسي بذلك في نحو ما ذكر وقال: إنه قد جاء المفرد مرادا به التثنية
~~كما في قوله:

# يداك يد إحداهما الجود كله

# وراحتك اليسرى طعان تغامره

# فإن المعنى يداك يدان بدلالة قوله إحداهما. وفي «الكشاف» أيضا من بدع
~~التفاسير أن الرهب الكم بلغة حمير وأنهم يقولون: أعطني ما في رهبك، وليت
~~شعري كيف صحته في اللغة؟ وهل سمع من الأثبات الثقات التي ترضي عربيتهم؟
~~ثم ليت شعري كيف موقعه في الآية وكيف تطبيقه المفصل كسائر كلمات التنزيل؟
~~على أن موسى عليه السلام ما كان عليه ليلة المناجاة إلا زرمانقة من صوف
~~لا كمين لها اه. وما أشار إليه من أن ذاك لا يطابق بلاغة التنزيل مما لا
~~ريب فيه فإن الذاهبين إليه قالوا: المعنى عليه واضمم إليك يدك مخرجة من
~~الكم لأن يده كانت في الكم؛ وهو معنى كما ترى ولفظه أقصر منه في الإفادة.
~~وأما أمر سماعه عن الأثبات فقد تعقبه في «البحر» بأنه مروي عن الأصمعي
~~وهو ثقة ثبت. وقال الطيبي: قال محي السنة: قال الأصمعي: سمعت بعض
~~الأعراب يقول: أعطني ما في رهبك أي ما في كمك. وزعم بعضهم أن استعمال
~~الرهب في الكم لغة بني حنيفة أيضا وهو عندهم وكذا عند حمير بفتح الراء
~~والهاء. والحزم عندي عدم الجزم بثبوت هذه اللغة. وعلى تقدير الثبوت لا
~~ينبغي حمل ما في التنزيل الكريم عليها. والظاهر أن { من الرهب } متعلق
~~باضمم وقال أبو البقاء: هو متعلق بولي. وقيل بمدبرا. وقيل بمحذوف: أي
~~تسكن من الرهب، وقيل باضمم. ولا يخفى ما في تعلقه بسوى اضمم وإن أشار إلى
~~تعلقه بولى أو مدبرا كلام ابن جريج على ما ms07970 أخرجه عنه ابن المنذر حيث جعل
~~الآية من التقديم والتأخير. والمراد ولي مدبرا من الرهب. وقرأ الحرميان:
~~{ من الرهب } بفتح الراء والهاء، وأكثر السبعة بضم الراء وإسكان
~~الهاء. وقرأ قتادة، والحسن وعيسى والجحدري بضمهما والكل لغات.

# { فذانك } أي العصا واليد والتذكير لمراعاة الخبر وهو قوله تعالى: {
~~برهانن } وقيل: الإشارة إلى انقلاب العصا حية بعد إلقائها وخروج
~~اليد بيضاء بعد إدخالها في الجيب فأمر التذكير ظاهر، والبرهان الحجة
~~النيرة وهو فعلان لقولهم: أبره الرجل إذا جاء بالبرهان من بره الرجل إذا
~~ابيض ويقال للمرأة البيضاء: برهاء وبرهرهة.

# وقال بعضهم: هو فعلان من البره بمعنى القطع فيفسر بالحجة القاطعة، وقيل:
~~هو فعلال لقولهم برهن ونقل عن الأكثر أن برهن مولد بنوه من لفظ البرهان،
~~وقرأ أبو عمرو وابن كثير { فذانك } بتشديد النون وهي لغة فيه، فقيل: إنه
~~عوض من الألف المحذوفة من ذا حال التثنية لألفها نون وأدغمت، وقال
~~المبرد: إنه بدل من لام ذلك كأنهم أدخلوها بعد نون التثنية، ثم قلبت
~~اللام نونا لقرب المخرج وأدغمت وكان القياس قلب الأولى لكنه حوفظ على
~~علامة التثنية، وقرأ ابن مسعود وعيسى وأبو نوفل وابن هرمز وشبل (فذانيك)
~~بياء بعد النون المكسورة وهي لغة هذيل، وقيل: بل لغة تميم، ورواها شبل عن
~~ابن كثير، وعنه أيضا (فذانيك) بفتح النون قبل الياء على لغة من فتح نون
~~التثنية نحو قوله:

# على أحوذيين استقلت عشية

# فما هي إلا لمحة وتغيب

# وعن ابن مسعود أنه قرأ بتشديد النون مكسورة بعدها ياء، قيل وهي لغة
~~هذيل، وقال المهدوي: بل لغتهم تخفيفها.

# و { من } في قوله تعالى: { من ربك } متعلق بمحذوف هو صفة لبرهانان
~~أي كائنان من ربك و { إلى } في قوله سبحانه: { إلى فرعون
~~وملئه } متعلق بمحذوف أيضا هو على ما يقتضيه ظاهر كلام بعضهم صفة
~~بعد صفة له أي واصلان إليهم، وعلى ما يقتضيه ظاهر كلام آخرين حال منه أي
~~مرسلا أنت بهما إليهم. وفي «البحر» أنه متعلق بمحذوف دل عليه المعنى
~~تقديره اذهب إلى فرعون { إنهم ms07971 } أي فرعون وملأه { كانوا قوما
~~فسقين } أي خارجين عن حدود الظلم والعدوان فكانوا أحقاء بأن نرسلك
~~بهاتين المعجزتين الباهرتين إليهم، والكلام في { كانوا } يعلم مما تقدم
~~في نظائره.

### || [28.33]

# { قال رب إنى قتلت منهم نفسا فأخاف } لذلك { أن
~~يقتلون } بمقابلتها، والمراد بهذا الخبر طلب الحفظ والتأييد لإبلاغ
~~الرسالة على أكمل وجه لا الاستعفاء من الإرسال، وزعمت اليهود أنه عليه
~~السلام استعفى ربه سبحانه من ذلك. وفي التوراة التي بأيديهم اليوم أنه
~~قال يا رب ابعث من أنت باعثه وأكد طلب التأييد بقوله: { وأخى هرون
~~هو أفصح منى لسانا فأرسله معى ردءا... }.

### || [28.34]

# { وأخى هرون هو أفصح منى لسانا فأرسله معى
~~ردءا } أي عونا كما روي عن قتادة وإليه ذهب أبو عبيدة وقال: يقال
~~ردأته على عدوه أعنته. وقال أبو حيان: الردء المعين الذي يشتد به الأمر
~~فعل بمعنى مفعول فهو اسم لما يعان به كما أن الدفء اسم لما يتدفأ به قال
~~سلامة بن جندل:

# وردئي كل أبيض مشرفي

# شديد الحد عضب ذي فلول

# ويقال: ردأت الحائط أردؤه إذا دعمته بخشبة لئلا يسقط. وفي قوله: {
~~أفصح منى } دلالة على أن فيه عليه السلام فصاحة ولكن فصاحة أخيه
~~أزيد من فصاحته، وقرأ أبو جعفر ونافع والمدنيان (ردا) بحذف الهمزة ونقل
~~حركتها إلى الدال. والمشهور عن أبي جعفر أنه قرأ بالنقل ولا همز ولا
~~تنوين. ووجهه أنه أجرى الوصل مجرى الوقف. وجوز في (ردا) على قراءة
~~التخفيف كونه منقوصا بمعنى زيادة من رديت عليه إذا زدت.

# { يصدقنى } أي يلخص بلسانه الحق ويبسط القول فيه ويجادل به الكفار،
~~فالتصديق مجاز عن التلخيص المذكور الجالب للتصديق لأنه كالشاهد لقوله،
~~وإسناده إلى هارون حقيقة، ويرشد إلى ذلك { وأخي هارون } الخ لأن فضل
~~الفصاحة إنما يحتاج إليه لمثل ما ذكر لا لقوله صدقت أو أخي موسى صادق فإن
~~سحبان وباقلا فيه سواء، أو يصل جناح كلامي بالبيان حتى يصدقني القوم
~~الذين أخاف تكذيبهم فالتصديق على حقيقته وإنما أسند إلى هارون عليه
~~السلام لأنه ببيانه جلب تصديق ms07972 القوم، ويؤيد هذا قوله: { إنى أخاف
~~أن يكذبون } لدلالته على أن التصديق على الحقيقة. وقيل: تصديق
~~الغير بمعنى إظهار صدقه، وهو كما يكون بقول هو صادق يكون بتأييده بالحجج
~~ونحوها كتصديق الله تعالى للأنبياء عليهم السلام بالمعجزات. والمراد به
~~هنا ما يكون بالتأييد بالحجج، فالمعنى يظهر صدقي بتقرير الحجج وتزييف
~~الشبه إني أخاف أن يكذبون ولساني لا يطاوعني عند المحاجة. وعليه لا حاجة
~~إلى ادعاء التجوز في الطرف أو في الإسناد. وتعقب بأنه لا يخفى أن صدقه
~~معناه إما قال: إنه صادق أو قال له: صدقت، فإطلاقه على غيره الظاهر أنه
~~مجاز، وجملة / { يصدقني } تحتمل أن تكون صفة لردءا، وأن تكون حالا، وأن
~~تكون استئنافا.

# وقرأ أكثر السبعة { يصدقنى } بالجزم على أنه جواب الأمر. وزعم
~~بعضهم أن الجواب على قراءة الرفع محذوف. ويرد عليه أن الأمر لا يلزم أن
~~يكون له جواب فلا حاجة إلى دعوى الحذف، وقرأ أبي وزيد بن علي رضي الله
~~تعالى عنهم { يصدقوني } بضمير الجمع وهو عائد على

# فرعون وملئه

# [القصص: 32] لا على هارون والجمع للتعظيم كما قيل، والفعل على ما نقل عن
~~ابن خالويه مجزوم فقد جعل هذه القراءة شاهدا لمن جزم من السبعة (يصدقني)
~~وقال لأنه لو كان رفعا لقيل (يصدقونني)، وذكر أبو حيان بعد نقله أن
~~الجزم على جواب الأمر والمعنى في يصدقون أرج تصديقهم إياي فتأمل.

### || [28.35]

# { قال سنشد عضدك بأخيك } إجابة لمطلوبه وهو على ما قيل
~~راجع لقوله: { أرسله معى } [القصص: 34] الخ والمعنى سنقويك به
~~ونعينك على أن شد عضده كناية تلويحية عن تقويته لأن اليد تشتد بشدة العضد
~~وهو ما بين المرفق إلى الكتف والجملة تشتد بشدة اليد ولا مانع من الحقيقة
~~لعدم دخول { بأخيك } فيما جعل كناية أو على أن ذلك خارج مخرج الاستعارة
~~التمثيلية شبه حال موسى عليه السلام في تقويته بأخيه بحال اليد في
~~تقويتها بعضد شديد، وجوز أن يكون هناك مجاز مرسل من باب إطلاق السبب على
~~المسبب بمرتبتين بأن يكون الأصل سنقويك به ثم سنؤيدك ms07973 ثم سنشد عضدك به،
~~وقرأ زيد بن علي، والحسن (عضدك) بضمتين، وعن الحسن أنه قرأ بضم العين
~~وإسكان الضاد، وقرأ عيسى بفتحهما، وبعضهم بفتح العين وكسر الضاد، ويقال
~~فيه عضد بفتح العين وسكون الضاد ولم أعلم أحدا قرأ بذلك.

# وقوله تعالى: { ونجعل لكما سلطنا } أي تسلطا عظيما
~~وغلبة راجع على ما قيل أيضا لقوله:

# إنى أخاف أن يكذبون

# [القصص: 34] وقوله سبحانه: { فلا يصلون إليكما } تفريع على
~~ما حصل من مراده أي لا يصلون إليكما باستيلاء أو محاجة { بأيتنا }
~~متعلق بمحذوف قد صرح به في مواضع أخر أي اذهبا بآياتنا أو بنجعل أي
~~نسلطكما بآياتنا أو بسلطانا لما فيه من معنى التسلط والغلبة أو بمعنى لا
~~يصلون أي تمتنعون منهم بها أو بحرف النفي على قول بعضهم بجواز تعلق الجار
~~به، وقال الزمخشري: يجوز أن يكون قسما جوابه لا يصلون مقدما عليه أو هو
~~من القسم الذي يتوسط الكلام ويقحم فيه لمجرد التأكيد فلا يحتاج إلى جواب
~~أصلا، ويرد على الأول أن جواب القسم لا يتقدمه ولا يقترن بالفاء أيضا
~~فلعله أراد أن ذلك دال على الجواب وأما هو فمحذوف إلا أنه تساهل في
~~التعبير، وجوز أن يكون صلة لمحذوف يفسره { الغالبون } في قوله سبحانه: {
~~أنتما ومن اتبعكما الغلبون } أو صلة له واللام فيه
~~للتعريف لا بمعنى الذي أو بمعناه على رأي من يجوز تقديم ما في حيز الصلة
~~على الموصول إما مطلقا أو إذا كان المقدم ظرفا وتقديمه إما للفاصلة أو
~~للحصر.

### || [28.36]

# { فلما جاءهم موسى بأيتنا بينت } أي واضحات
~~الدلالة على صحة رسالته عليه السلام منه عز وجل، والظاهر أن المراد
~~بالآيات العصا واليد إذ هما اللتان أظهرهما موسى عليه السلام إذ ذاك وقد
~~تقدم في سورة طه سر التعبير عنهما بصيغة الجمع { قالوا ما هذا }
~~الذي جئت به { إلا سحر مفترى } أي سحر تختلقه لم يفعل قبله
~~مثله فالافتراء بمعنى الاختلاق لا بمعنى الكذب أو سحر تتعلمه من غيرك ثم
~~تنسبه إلى الله تعالى كذبا فالافتراء بمعنى الكذب ms07974 لا بمعنى الاختلاق
~~والصفة على هذين الوجهين مخصصة، وقيل: المراد بالافتراء / التمويه أي هو
~~سحر مموه لا حقيقة له كسائر أنواع السحر، وعليه تكون الصفة مؤكدة
~~والافتراء ليس على حقيقته كما في الوجه الأول. والحق أن من أنواع السحر
~~ماله حقيقة فتكون الصفة مخصصة أيضا.

# { وما سمعنا بهذا } أي نوع السحر أو ما صدر من موسى عليه
~~السلام على أن الكلام على تقدير مضاف أي بمثل هذا أو الإشارة إلى ادعاء
~~النبوة ونفيهم السماع بذلك تعمد للكذب فقد جاءهم يوسف عليه السلام من قبل
~~بالبينات وما بالعهد من قدم. ويحتمل أنهم أرادوا نفي سماع ادعاء النبوة
~~على وجه الصدق عندهم وكانوا ينكرون أصل النبوات ولا يقولون بصحة شيء منها
~~كالبراهمة وككثير من الإفرنج ومن لحس من فضلاتهم اليوم. والباء كما في
~~«مجمع البيان» إما على أصلها أو زائدة أي ما سمعنا هذا { فى ءابائنا
~~الأولين } أي واقعا في أيامهم، فالجار والمجرور في موضع الحال من
~~هذا بتقدير مضاف والعامل فيه سمعنا. وجوز أن يكون { بهذا } على تقدير
~~بوقوع هذا، ويكون الجار متعلقا بذلك المقدر، وأشاروا بوصف آبائهم
~~بالأولين إلى انتفاء ذلك منذ زمان طويل.

### || [28.37]

# { وقال موسى ربى أعلم بمن جاء بالهدى من عنده
~~} يريد عليه السلام بالموصول نفسه، وقرأ ابن كثير { قال } بغير واو
~~لأنه جواب لقولهم: إنه سحر والجواب لا يعطف بواو ولا غيرها، ووجه العطف
~~في قراءة باقي السبعة أن المراد حكاية القولين ليوازن الناظر المحكي له
~~بينهما فيميز صحيحهما من الفاسد { ومن تكون له عقبة
~~الدار } أي العاقبة المحمودة في الدار وهي الدنيا، وعاقبتها أن يختم
~~للإنسان بها بما يفضي به إلى الجنة بفضل الله تعالى وكرمه؛ ووجه إرادة
~~العاقبة المحمودة من مطلق العاقبة أنها هي التي دعا الله تعالى إليها
~~عباده، وركب فيهم عقولا ترشدهم إليها ومكنهم منها وأزاح عللهم ووفر
~~دواعيهم وحضهم عليها فكأنها لذلك هي المرادة من جميع العباد والغرض من
~~خلقهم، وهذا ما اختاره ابن المنير موافقا لما عليه الجماعة، وحكي أن ms07975
~~بعضهم قال له: ما يمنعك أن تقول فهم عاقبة الخير من إضافة العاقبة إلى
~~ذويها باللام كما في هذه الآية، وقوله تعالى:

# وسيعلم الكفر لمن عقبى الدار

# [الرعد: 42]، وقوله سبحانه:

# والعقبة للمتقين

# [الأعراف: 128] إذ عاقبة الخير هي التي تكون لهم، وأما عاقبة السوء
~~فعليهم لا لهم فقال له: لقد كان لي في ذلك مقال لولا وروده مثل

# أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار

# [الرعد: 25]، ولم يقل وعليهم فاستعمال اللام مكان على دليل على إلغاء
~~الاستدلال باللام على إرادة عاقبة الخير، وقد يقال: إن اللام ظاهرة في
~~النفع ويكفي ذلك في انفهام كون المراد بالعاقبة عاقبة الخير، ويلتزم في
~~نحو الآية التي أوردها ابن المنير كونها من باب التهكم، وهذا نظير ما
~~قالوا: إن البشارة في الخير، و

# فبشرهم بعذاب أليم

# [آل عمران: 21] من باب التهكم. وقال الطيبي انتصارا للبعض أيضا: قلت:
~~الآية غير مانعة عن ذلك فإن قرينة اللعنة والسوء مانعة عن إرادة الخير
~~وإنما أتى بلهم ليؤذن بأنهما حقان ثابتان لهم لازمان إياهم، ويعضده
~~التقديم المفيد للاختصاص فتدبر. وقرأ حمزة والكسائي { يكون } بالياء
~~التحتية، لأن المرفوع مجازي التأنيث ومفصول عن رافعه.

# { إنه لا يفلح الظلمون } أي لا يفوزون بمطلوب ولا ينجون
~~عن محذور، وحاصل كلام موسى عليه السلام ربي أعلم منكم بحال من أهله
~~سبحانه للفلاح الأعظم حيث جعله نبيا وبعثه بالهدى ووعده حسن العقبى،
~~ولو كان كما تزعمون كاذبا ساحرا مفتريا لما أهله لذلك لأنه غني حكيم
~~لا يرسل الكاذبين ولا ينبىء الساحرين / ولا يفلح عنده الظالمون.

### || [28.38]

# { وقال فرعون يأيها الملأ ما علمت لكم من
~~إله غيرى } قاله اللعين بعدما جمع السحرة وتصدى للمعارضة،
~~والظاهر أنه أراد حقيقة ما يدل عليه كلامه وهو نفي علمه بإله غيره دون
~~وجوده فإن عدم العلم بالشيء لا يدل على عدمه، ولم يجزم بالعدم بأن يقول:
~~ليس لكم إله غيري مع أن كلا من هذا وما قاله كذب، لأن ظاهر قول موسى
~~عليه السلام له لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا ms07976 رب السماوات والأرض بصائر
~~يقتضي أنه كان عالما بأن إلههم غيره، وما تركه أوفق ظاهرا بما قصده من
~~تبعيد قومه عن اتباع موسى عليه السلام اختيارا لدسيسة شيطانية وهو إظهار
~~أنه منصف في الجملة ليتوصل بذلك إلى قبولهم ما يقوله لهم بعد في أمر
~~الإله وتسليمهم إياه له اعتمادا على ما رأوا من إنصافه فكأنه قال ما
~~علمت في الأزمنة الماضية لكم إلها غيري كما يقول موسى، والأمر محتمل
~~وسأحقق لكم ذلك.

# { فأوقد لى يهمن على الطين } أي اصنع لي آجرا {
~~فاجعل لى } منه { صرحا } أي بناء مكشوفا عاليا من صرح الشيء
~~إذا ظهر { لعلى أطلع } أي أطلع وأصعد فأفتعل بمعنى الفعل المجرد
~~كما في «البحر» وغيره. { إلى إله موسى } الذي يذكر أنه إلهه
~~وإله العالمين، كأنه يوهم قومه أنه تعالى لو كان كما يقول موسى لكان
~~جسما في السماء كون الأجسام فيها يمكن الرقي إليه ثم قال: { وإنى
~~لأظنه من الكذبين } فيما يذكر تأكيدا لما أراد وإعلاما
~~بأن ترجيه الصعود إلى إله موسى عليه السلام ليس لأنه جازم بأنه هناك.

# والأمر بجعل الصرح وبنائه لا يدل على أنه بني، وقد اختلف في ذلك فقيل
~~بناه وذكر من وصفه ما الله عز وجل أعلم به، وقيل لم يبن وعلى هذا يكون
~~قوله ذلك وأمره للتلبيس على قومه وإيهامه إياهم أنه بصدد تحقيق الأمر،
~~ويكون ما ذكر ذكرا لأحد طرق التحقيق فيتمكن من أن يقول بعده حققت الأمر
~~بطريق آخر فعلمت أن ليس لكم إله غيري وأن موسى كاذب فيما يقول، وعلى
~~الأول يحتمل أن يكون صعد الصرح وحده أو مع من يأمنه على سره وبقي ما بقي
~~ثم نزل إليهم فقال لهم: صعدت إلى إله موسى وحققت أن ليس الأمر كما يقول
~~وعلمت أن ليس لكم إله غيري. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: لما بنى
~~له الصرح ارتقى فوقه فأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء فردت إليه وهي
~~متلطخة دما فقال قتلت إله موسى، وهذا إن صح من ms07977 باب التهكم بالفعل ولا
~~أظنه يصح.

# وأيا ما كان فالقوم كانوا في غاية الغباوة والجهل وإفراط العماية
~~والبلادة وإلا لما نفق عليهم مثل هذا الهذيان. ولله تعالى خواص في
~~الأزمنة والأمكنة والأشخاص. ولا يبعد أن يقال كان فيهم من ذوي العقول من
~~يعلم تمويهه وتلبيسه ويعتقد هذيانه فيما يقول إلا أنه نظم نفسه في سلك
~~الجهال ولم يظهر خلافا لما عليه اللعين بحال من الأحوال وذلك إما للرغبة
~~فيما لديه أو للرهبة من سطوته واعتدائه عليه وكم رأينا عاقلا وعالما
~~فاضلا يوافق لذلك الظلمة الجبابرة ويصدقهم فيما يقولون وإن كان مستحيلا
~~أو كفرا بالآخرة. وكان قول اللعين لموسى عليه السلام

# لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من
~~المسجونين

# [الشعراء: 29] بعد هذا القول المحكي ههنا بأن يكون قاله وأردفه
~~بإخبارهم على البت أن لا إله لهم غيره، ثم هدد موسى بالسجن إن بدا منه ما
~~يشعر بخلافه، وهذا وجه في الآية لا يخلو عن لطف وإن كان فيه نوع خفاء
~~وفيها أوجه أخر.

# الأول أنه أراد بقوله: { ما علمت لكم من إله غيرى }
~~نفي العلم دون الوجود كما في ذلك الوجه إلا أنه لم ينف الوجود لأنه لم /
~~يكن عنده ما يقضتي الجزم بالعدم وأراد بقوله { إني لأظنه من الكاذبين }
~~إني لأظنه كاذبا في دعوى الرسالة من الله تعالى، وأراد بقوله: يا هامان
~~أوقد لي على الطين إلخ إعلام الناس بفساد دعواه تلك بناء على توهمه أنه
~~تعالى إن كان كان في السماء بأنه لو كان رسولا منه تعالى فهو ممن يصل
~~إليه، وذلك بالصعود إليه وهو مما لا يقوى عليه الإنسان فيكون من نوع
~~المحال بالنسبة إليه فما بنى عليه وهي الرسالة منه تعالى مثله، فقوله: {
~~فاجعل لى صرحا } لإظهار عدم إمكان الصعود الموقوف عليه صحة دعوى
~~الرسالة في زعمه و(لعل) للتهكم.

# الثاني: أنه أراد أيضا نفي العلم بالوجود دون الوجود نفسه لكنه كان في
~~نفي العلم ملبسا على قومه كاذبا فيه حيث كان يعلم أن لهم إلها غيره هو
~~إله ms07978 الخلق أجمعين، وهو الله عز وجل وأراد بقوله: { وإنى } الخ إني
~~لأظنه كاذبا في دعوى الرسالة كما في سابقه، وأراد بقوله يا هامان الخ
~~طلب أن يجعل له ما يزيل به شكه في الرسالة، وذلك بأن يبني له رصدا في
~~موضع عال يرصد منه أحوال الكواكب الدالة على الحوادث الكونية بزعمه فيرى
~~هل فيها ما يدل على إرسال الله تعالى إياه. وتعقب بأنه لا يناسب قوله: {
~~أطلع إلى إله موسى } إلا أن يراد أطلع على حكم إله موسى بأوضاع الكواكب
~~والنظر فيها هل أرسل موسى كما يقول أم لا؟ فيكون الكلام على تقدير مضاف و
~~{ إلى } فيه بمعنى على، وجوز على هذا الوجه أن يكون قد أراد بإله موسى
~~الكواكب فكأنه قال لعلي أصعد إلى الكواكب التي هي إله موسى فأنظر هل فيها
~~ما يدل على إرسالها إياه أو لعلي أطلع على حكم الكواكب التي هي إله موسى
~~في أمر رسالته وهو كما ترى، وبالجملة هذا الوجه مما لا ينبغي أن يلتفت
~~إليه.

# الثالث: أنه أراد بنفي علمه بإله غيره نفي وجوده وبظنه كاذبا ظنه
~~كاذبا في إثباته إلها غيره ويفسر الظن باليقين كما في قول دريد بن
~~الصمة:

# فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج

# سراتهم في الفارسي المسرد

# فإثبات الظن المذكور لا يدفع إرادة ذلك النفي، وجوز بعضهم إبقاءه على
~~ظاهره، وقال في دفع المنافاة: يمكن أن يقال: الظاهر أن كلامه الأول كان
~~تمويها وتلبيسا على القوم، والثاني كان مواضعة مع صاحب سره هامان
~~فإثبات الظن في الثاني لا يدفع أن يكون العلم في الأول لنفي المعلوم،
~~وفيه أنه يأبى ذلك سوق الآية، والفاء في { فأوقد لي } وطلبه بناء الصرح
~~راجيا الصعود إلى إله موسى عليه السلام أراد به التهكم كأنه نسب إلى
~~موسى عليه السلام القول بأن إلهه في السماء فقال: يا هامان اجعل لي صرحا
~~لأصعد إلى إله موسى متهكما به، وهذا نظير ما إذا أخبرك شخص بحياة زيد
~~وأنه في داره، وأنت تعلم خلاف ذلك فتقول لغلامك ms07979 بعد أن تذكر علمك بما
~~يخالف قوله متهكما به يا غلام أسرج لي الدابة لعلي أذهب إلى فلان
~~وأستأنس به بل ما قاله فرعون أظهر في التهكم مما ذكر فطلبه بناء الصرح
~~بناء على هذا لا يكون منافيا لما ادعاه أولا وآخرا من العلم واليقين.

# وقال بعضهم في دفع ما قيل من المنافاة: إنها إنما تكون لو لم يكن قوله:
~~{ لعلي أطلع } الخ على طريق التسليم والتنزل، وقال آخر في ذلك: إن اللعين
~~كان مشركا يعتقد أن من ملك قطرا كان إلهه ومعبود أهله فما أثبته في
~~قوله: { لعلى أطلع } الخ الإله لغير مملكته وما نفاه إلهها كما
~~يشير إليه قوله { لكم } ولا يخلو عن بحث. وفي «الكشاف» القول بالمناقضة
~~بين بناء الصرح وما ادعاه من العلم واليقين إلا أنه قال ((قد خفيت على
~~قومه / لغباوتهم وبلههم أو لم تخف عليهم ولكن كلا كان يخاف على نفسه
~~سوطه وسيفه)) وإذا فتح هذا الباب جاز إبقاء الظن على ظاهره من غير حاجة
~~إلى دفع التناقض، والأولى عندي السعي في دفع التناقض فإذا لم يمكن استند
~~في ارتكاب المخذول إياه إلى جهله أو سفهه وعدم مبالاته بالقوم لغباوتهم
~~أو خوفهم منه أو نحو ذلك.

# واعترض القول بأنه أراد بنفي علمه بإله غيره نفي وجوده فقال في
~~«التحقيق»: وذكره غيره أيضا إنه غير سديد فإن عدم العلم بالشيء لا يدل
~~على عدمه لا سيما عدم علم شخص واحد.

# وقال القاضي البيضاوي: هذا في العلوم الفعلية صحيح لأنها لازمة لتحقق
~~معلوماتها فيلزم من انتفائها انتفاؤها ولا كذلك العلوم الانفعالية ورد
~~بأن غرض قائل ذلك أن عدم الوجود سبب لعدم العلم بالوجود في الجملة ولا شك
~~أنه كذلك فأطلق المسبب وأريد السبب لا أن بينهما ملازمة كلية على أنه لما
~~كان من أقوى أسباب عدم العلم لأنه المطرد جاز أن يطلق ويراد به الوجود إذ
~~لا يشترط في فن البلاغة اللزوم العقلي بل العادي والعرفي كاف أيضا وقد
~~يقول أحد منا لا أعلم ذلك أي ms07980 لو كان موجودا لعلمته إذا قامت قرينة وهذا
~~الاستعمال شائع في عرفي العرب والعجم عند العامة والخاصة ومنه قول المزكي
~~إذا سئل عن عدالة الشهود لا أعلم كيف، وكان المخذول يدعي الإلهية، ثم
~~الظاهر أن الكلام على تقدير إرادة نفي الوجود كناية لا مجاز، وبالجملة ما
~~ذكر وجه وجيه وتعيين الأوجه مفوض إلى ذهنك والله تعالى الموفق.

# واستدل بعض من يقول: إن الله تعالى في السماء بالمعنى الذي أراده سبحانه
~~في قوله عز وجل:

# أأمنتم من في السمآء

# [الملك: 16] حسبما يقول السلف بهذه الآية، ووجه ذلك بأن فرعون لو لم
~~يسمع من موسى عليه السلام أن إلهه في السماء لما قال: { فاجعل لي
~~صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى } فقوله ذلك دليل
~~السماع إلا أنه أخطأ في فهم المراد مما سمعه فزعم أن كونه تعالى في
~~السماء بطريق المظروفية والتمكن ونحوهما مما يكون للأجسام، وأنت تعلم أن
~~هذا الاستدلال في غاية الضعف وإثبات مذهب السلف لا يحتاج إلى أن يتمسك له
~~بمثل ذلك.

# وفي قول المخذول: أوقد لي على الطين والمراد به اللبن دون اصنع لي آجرا
~~إشارة إلى أنه لم يكن لهامان علم بصنعة الآجر فأمره باتخاذه على وجه
~~يتضمن التعليم، وفي الآثار ما يؤيد ذلك، فقد أخرج ابن المنذر عن ابن جريج
~~قال فرعون أول من أمر بصنعة الآجر وبنائه، وأخرج هو وجماعة عن قتادة قال
~~بلغني أن فرعون أول من طبخ الآجر وصنع له الصرح. وعن عمر رضي الله تعالى
~~عنه أنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر قال ما علمت إن
~~إحدا بنى بالآجر غير فرعون وفي أمره إياه وهو وزيره ورديفه بعمل السفلة
~~من الإيقاد على الطين مناديا له باسمه دون تكنية وتلقيب بيا دون ما يدل
~~على القرب في وسط الكلام دون أوله من الدلالة على تجبره وتعظمه ما لا
~~يخفى.

### || [28.39]

# { واستكبر هو وجنوده } أي رأوا كل من سواهم حقيرا
~~بالإضافة إليهم ولم يروا العظمة والكبرياء إلا لأنفسهم فنظروا إلى غيرهم ms07981
~~نظر الملوك إلى العبيد { فى الأرض } الأكثرون على أن المراد في أرض
~~مصر، وقيل: المراد بها الجرم المعروف المقابل للسماء، وفي التقييد بها
~~تشنيع عليهم حيث استكبروا فيما هو أسفل الأجرام وكان اللائق بهم أن
~~ينظروا إلى محلهم وتسفله فلا يستكبروا { بغير الحق } أي بغير
~~الاستحقاق لما أن رؤيتهم تلك باطلة ولا تكون رؤية الكل حقيرا بالإضافة
~~إلى الرائي ورؤية العظمة والكبرياء لنفسه على الخصوص دون غيره حقا إلا
~~من الله عز وجل، ومن هنا قال الزمخشري: ((الاستكبار بالحق إنما هو لله
~~تعالى وكل مستكبر سواه / عز وجل فاستكباره بغير الحق، وفي الحديث القدسي

# " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في
~~النار "

# { وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون } بالبعث للجزاء،
~~والظن قيل: إما على ظاهره أو عبر عن اعتقادهم به تحقيرا لهم وتمهيلا،
~~وقرأ حمزة والكسائي ونافع { لا يرجعون } بفتح الياء وكسر الجيم.

### || [28.40]

# { فأخذنه وجنوده فنبذنهم في اليم } أي
~~ألقيناهم وأغرقناهم فيه، وقد مر تفصيل ذلك، وفي التعبير بالنبذ وهو إلقاء
~~الشيء الحقير وطرحه لقلة الاعتداد به ولذلك قال الشاعر:

# نظرت إلى عنوانه فنبذته

# كنبذك نعلا من نعالك باليا

# استحقار لهم، وفي الكلام على ما قيل استعارة مكنية وتخييلية وذلك أنهم
~~شبهوا في الحقارة بنعال بالية واستعير لهم اسم النعال ثم حذف المستعار
~~وبقي المستعار له وجعل النبذ قرينة على أنه حقيقة والمجاز في التعلق على
~~نحو ما قيل في أظفار المنية نشبت بفلان، وقال بعضهم: الأخذ وهو حقيقة في
~~التناول مجاز عن خلق الداعية لهم إلى السير إلى البحر، والنبذ مجاز عن
~~خلق الداعية لهم إلى دخوله، وفي «البحر» أنه كناية عن إدخالهم فيه
~~والأولى أن يكون الكلام من باب التمثيل كأنه عز وجل فيما فعل بهم أخذهم
~~مع كثرتهم في كف وطرحهم في اليم، والظاهر أن الفاء الأولى سببية وليست
~~لمجرد التعقيب وأما الثانية فللتعقيب إذا أبقي الأخذ على معنى التناول أو
~~أريد به خلق الداعية إلى السير أو نحوه أما إذا أريد به الإهلاك ms07982 فهي
~~للتفسير كما في

# فاستجبنا له فنجيناه

# [الأنبياء: 76] ونحوه { فانظر } يا محمد { كيف كان عقبة
~~الظلمين } وبينها للناس ليتعبروا بها.

### || [28.41]

# { وجعلنهم } أي خلقناهم { أئمة } قدوة للضلال بسبب حملهم
~~لهم على الضلال كما يؤذن بذلك قوله تعالى: { يدعون إلى النار }
~~أي إلى موجباتها من الكفر والمعاصي على أن النار مجاز عن ذلك أو على
~~تقدير مضاف والمراد جعلهم ضالين مضلين والجعل هنا مثله في قوله تعالى:

# جعل الظلمت والنور

# [الأنعام: 1] والآية ظاهرة في مذهب أهل السنة من أن الخير والشر مخلوقان
~~لله عز وجل وأولها المعتزلة تارة بأن الجعل فيها بمعنى التسمية مثله في
~~قوله تعالى:

# وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن
~~إنثا

# [الزخرف: 19] أي وسميناهم فيما بين الأمم بعدهم دعاة إلى النار، وتارة
~~بأن جعلهم كذلك بمعنى خذلانهم ومنعهم من اللطف والتوفيق للهداية والأول
~~محكي عن الجبائي والثاني عن الكعبي، وعن أبي مسلم أن المراد صيرناهم
~~بتعجيل العذاب لهم أئمة أي متقدمين لمن وراءهم من الكفرة إلى النار وهذا
~~في غاية التعسف كما لا يخفى { ويوم القيمة لا ينصرون }
~~بدفع العذاب عنهم بوجه من الوجوه.

### || [28.42]

# { وأتبعنهم فى هذه الدنيا } التي فتنتهم { لعنة
~~} طردا وإبعادا أو لعنا من اللاعنين حيث لا تزال الملائكة عليهم
~~السلام تلعنهم وكذا المؤمنون خلفا عن سلف وذلك إما بدخولهم في عموم من
~~يلعنونهم من الظالمين وإما بالتنصيص عليهم نحو لعن الله تعالى فرعون
~~وجنوده { ويوم القيمة هم من المقبوحين } من
~~المطرودين المبعدين يقال: قبحه الله تعالى بالتخفيف أي نحاه وأبعده عن كل
~~خير كما قال الليث، ولا يتكرر مع اللعنة المذكورة قيل: لأن معناها الطرد
~~أيضا لأن ذلك في الدنيا وهذا في الآخرة أو ذاك طرد عن رحمته التي في
~~الدنيا وهذا طرد عن الجنة أو على هذا يراد باللعنة فيما تقدم ما تأخر مع
~~أن المطرودين معناه أنهم من الزمرة المعروفين بذلك وهو أبلغ وأخص، وقال
~~أبو عبيدة والأخفش: من المقبوحين أي من المهلكين، وعن ابن عباس أي من
~~المشوهين في / الخلقة بسواد ms07983 الوجوه وزرقة العيون وهذا المعنى هو المتبادر
~~إلا أن فيه أن فعل قبح عليه لازم فبناء اسم المفعول منه غير ظاهر، وقد
~~يقال: إذا صح هذا التفسير عن ابن عباس التزم القول بأنه سمع أيضا، وجوز
~~أن يكون ذلك تفسيرا بما هو لازم في الجملة، و { يوم القيامة } متعلق
~~بالمقبوحين أو بمحذوف يفسره ذلك على ما علمت آنفا في نظيره، وأخرج ابن
~~المنذر عن ابن جريج، وعبد بن حميد عن قتادة ما هو ظاهر في أنه معطوف على
~~هذه الدنيا وهو عطف على المحل والمروي عن ابن جريج أظهر في ذلك وكلاهما
~~في «الدر المنثور»، والظاهر ما سمعته أولا.

# وهذه الآية أظهر دليل على عدم نجاة فرعون يوم القيامة وأنه ملعون مبعد
~~عن رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة فإن ضمائر جمع الغائب فيها راجعة
~~إلى فرعون وجنوده ويكاد ينتظم من التزم إرجاعها إلى الجنود في الجنود،
~~وفي «الفتاوى الحديثية» للعلامة ابن حجر روى [ابن] عدي والطبراني عن ابن
~~مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " خلق الله تعالى يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا وخلق فرعون في بطن
~~أمه كافرا ".

### || [28.43]

# { ولقد ءاتينا موسى الكتب } أي التوراة وهو على ما قال
~~أبو حيان أول كتاب فصلت فيه الأحكام { من بعد ما أهلكنا
~~القرون الأولى } أقوام نوح وهود وصالح ولوط عليهم السلام والتعرض
~~لبيان كون إيتائها بعد إهلاكهم للإشعار بأنها نزلت بعد مساس الحاجة إليها
~~تمهيدا لما يعقبه من بيان الحاجة الداعية إلى إنزال القرآن الكريم على
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن إهلاك القرون الأولى من موجبات اندراس
~~معالم الشرائع وانطماس آثارها المؤديين إلى اختلال نظام العالم وفساد
~~أحوال الأمم المستدعيين للتشريع الجديد بتقرير الأصول الباقية على ممر
~~الدهور وترتيب الفروع المتبدلة بتبدل العصور وتذكير أحوال الأمم الخالية
~~الموجبة للاعتبار، ومن غفل عن هذا قال: الأولى أن تفسر القرون الأولى بمن
~~لم يؤمن بموسى عليه السلام ويقابلها الثانية وهي من آمن به عليه السلام،
~~وقيل: المراد بها ms07984 ما يعم من لم يؤمن بموسى من فرعون وجنوده والأمم
~~المهلكة من قبل، وليس بذاك، و(ما) مصدرية أي آتيناه ذلك بعد إهلاكنا
~~القرون الأولى { بصائر للناس } أي أنوارا لقلوبهم تبصر بها
~~الحقائق وتميز بين الحق والباطل حيث كانت عميا عن الفهم والإدراك
~~بالكلية فإن البصيرة نور القلب الذي به يستبصر كما أن البصر نور العين
~~الذي به تبصر ويطلق على نفس العين ويجمع على أبصار والأول يجمع على
~~بصائر، والمراد بالناس قيل أمته عليه السلام، وقيل: ما يعمهم ومن بعدهم.

# وكون التوراة بصائر لمن بعث إليه نبينا صلى الله عليه وسلم لتضمنها ما
~~يرشدهم إلى حقية بعثته عليه الصلاة والسلام، أو يزيدهم علما إلى علمهم.
~~وتعقب بأنه يلزم على هذا الحض على مطالعة التوراة والعلم بما فيها، وقد
~~صح أن عمر رضي الله تعالى عنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في
~~جوامع كتبها من التوراة ليقرأها ويزداد علما إلى علمه فغضب صلى الله
~~عليه وسلم حتى عرف في وجهه ثم قال:

# " لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي "

# فرمى بها عمر رضي الله تعالى عنه من يده وندم على ذلك. وأجيب بأن غضبه
~~صلى الله عليه وسلم من ذلك لما أن التوراة التي بأيدي اليهود إذ ذاك كانت
~~محرفة وفيها الزيادة والنقص وليست عين التوراة التي أنزلت على موسى عليه
~~السلام وكان الناس حديثي عهد بكفر فلو فتح باب المراجعة إلى التوراة
~~ومطالعتها في ذلك الزمان لأدى إلى فساد عظيم فالنهي عن قراءتها حيث
~~الإسلام حديث والخروج عن الكفر جديد، لا يدل على أنها ليست في نفسها
~~بصائر مشتملة على ما يرشد إلى حقية بعثته / صلى الله عليه وسلم ويزيد
~~علما بصحة ما جاء به.

# ومما يدل على حل الرجوع إليها في الجملة قوله تعالى:

# قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صدقين

# [آل عمران: 93] وقد كان المؤمنون من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وكعب
~~الأحبار ينقلون منها ما ينقلون من الأخبار ولم ينكر ذلك ولا سماعه ms07985 أحد من
~~أساطين الإسلام ولا فرق بين سماع ما ينقلونه منهم وبين قراءته فيها وأخذه
~~منها وقد رجع إليها غير واحد من العلماء في إلزام اليهود والاحتجاج عليهم
~~ببعض عباراتها في إثبات حقية بعثته صلى الله عليه وسلم، والذي أميل إليه
~~كون المراد بالناس بني إسرائيل فإنه الذي يقتضيه المقام. وأما مطالعة
~~التوراة فالبحث فيها طويل، وفي «تحفة المحتاج» للمولى العلامة ابن حجر
~~عليه الرحمة: يحرم على غير عالم متبحر مطالعة نحو توراة علم تبدلها أوشك
~~فيه وهو أقرب إلى التحقيق ومن سبر التوراة التي بأيدي اليهود اليوم رأى
~~أكثرها مبدلا لا توافق بينه وبين ما في القرآن العظيم أصلا وهو المعول
~~عليه.

# { وهدى } أي إلى الشرائع التي هي الطرق الموصلة إلى الله عز وجل {
~~ورحمة } حيث ينال من عمل به رحمة الله تعالى بمقتضى وعده سبحانه
~~فعموم رحمته بهذا المعنى لا ينافي أن من الناس من هو كافر بها وهو غير
~~مرحوم، وانتصاب المتعاطفات على الحالية من (الكتاب) على أنه نفس البصائر
~~والهدى والرحمة أو على حذف المضاف أي ذا بصائر الخ، وجوز أبو البقاء
~~انتصابها على العلة أي آتيناه الكتاب لبصائر وهدى ورحمة { لعلهم
~~يتذكرون } أي كي يتذكروا بناء على أن لعل للتعليل؛ فقد أخرج ابن
~~أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك قال لعل في القرآن بمعنى كي غير
~~آية في الشعراء [129]

# لعلكم تخلدون

# وحكى الواقدي عن البغوي أنه قال جميع ما في القرآن من لعل للتعليل إلا
~~{ لعلكم تخلدون } فإنها فيه للتشبيه، والمشهور أنها للترجي.
~~ولما كان محالا عليه عز وجل جعل بعضهم الكلام من باب التمثيل والمراد
~~آتيناه ذلك ليكونوا على حالة قابلة للتذكر كحال من يرجى منه الخير، وبعض
~~آخر صرف الترجي إلى المخاطبين فهو منهم لا منه تعالى، وجعل الزمخشري في
~~ذلك استعارة تبعية حيث شبه الإرادة بالترجي لكون كل منهما طلب الوقوع،
~~ورد بأن فيه لزوم تخلف مراد الله تعالى عن إرادته لعدم تذكر الكل إلا أن
~~يكون من قبيل إسناد ms07986 ما للبعض إلى الكل، وأنت تعلم أن الإرادة عند
~~المعتزلة قسمان: تفويضية، وهي قد يتخلف المراد عنها، وقسرية وهي لا يتخلف
~~المراد عنها أصلا، فمتى أريد القسم الأول منها هنا زال الإشكال إلا أن
~~التقسيم المذكور خلاف المذهب الحق.

### || [28.44]

# { وما كنت بجانب الغربى } شروع في بيان أن إنزال القرآن
~~الكريم أيضا واقع زمان مساس الحاجة إليه واقتضاء الحكمة له البتة
~~متضمنا تحقيق كونه وحيا صادقا من عند الله تعالى ببيان أن الوقوف على
~~ما فصل من الأحوال لا يتسنى إلا بالمشاهدة أو التعلم ممن شاهدها وحيث
~~انتفى كلاهما تبين أنه بوحي من علام الغيوب لا محالة كذا قيل. ولا يخفى
~~أن تعين كونه بوحي لا يتم إلا بنفي كونه بالاستفاضة وكونه بالتعلم من بعض
~~أهل الكتاب المعاصرين له صلى الله عليه وسلم كما قال المشركون:

# إنما يعلمه بشر

# [النحل: 103] ولعله إنما لم يتعرض لنفي ذلك وتعرض لنفي ما هو أظهر
~~انتفاء منه للإشارة إلى ظهور انتفاء ذلك والمبالغة في دعوى ذلك حيث آذن
~~بأن المحتاج إلى الإخبار بانتفائه ذانك الأمران دونه على أنه عز وجل قد
~~نفى في / موضع آخر كونه بالتعلم من بعض أهل الكتاب ولعله يعلم منه انتفاء
~~كونه بالاستفاضة وإن قلنا: إنه لا يعلم فدليله ظاهر جدا، ولذا لم يتشبث
~~بكون الوقوف بها أحد من المشركين فتدبر، والمعنى على ما ذهب إليه بعضهم
~~وما كنت حاضرا بجانب الجبل الغربي أو المكان الغربي الذي وقع فيه
~~الميقات وأعطى الله تعالى فيه ألواح التوراة لموسى عليه السلام، والكلام
~~على هذا من باب حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه وهو عند قوم من باب إضافة
~~الموصوف إلى الصفة التي جوزها الكوفيون كما في مسجد الجامع، والأصل في
~~الجانب الغربي فيتحد الجانب والغربي على هذا الوجه وهو بعض من الغربي
~~على الوجه الأول.

# { إذ قضينا إلى موسى الأمر } أي عهدنا إليه وأحكمنا أمر
~~نبوته بالوحي وإيتاء التوراة. { وما كنت من الشهدين } أي من
~~جملة الحاضرين للوحي إليه أو الشاهدين على الوحي ms07987 إليه عليه السلام وهم
~~السبعون المختارون للميقات حتى تشاهد ما جرى من أمر موسى في ميقاته فتخبر
~~به الناس، فالشاهد من الشهادة إما بمعنى الحضور أو بمعناها المعروف
~~واستشكل إرادة المعنى الأول بلزوم التكرار فإنه قد نفى الحضور أولا في
~~قوله تعالى: { وما كنت بجانب الغربى } وكذا إرادة المعنى
~~الثاني بلزوم نحو ذلك لما أن نفي الحضور يستدعي نفي كونه من الشاهدين
~~بذلك المعنى، ومن هنا قيل: المراد من الأول نفي كونه صلى الله عليه وسلم
~~حاضرا بنفسه لغرض من الأغراض، ومن الثاني نفي كونه عليه الصلاة والسلام
~~من جماعة جيء بهم ليحضروا فيطلعوا على ما يقع هناك لموسى عليه السلام لأن
~~المراد بالشاهدين جماعة معهودون كان حالهم ذلك.

# وقيل: المراد بالشاهدين الملائكة عليهم السلام فقد جاء الشاهد اسما
~~للملك كما في «القاموس» فكأنه قيل: ما كنت حاضرا بجانب الغربي إذ قضينا
~~إلى موسى أمر نبوته بالوحي وما كنت من الملائكة الذين ينزلون ويصعدون
~~بأمر الله تعالى ووحيه إلى أنبيائه عليهم السلام ولهم من الاطلاع على
~~الحوادث ما ليس لغيرهم من البشر حتى يكون لك علم بما وقع لموسى عليه
~~السلام فتخبر به الناس.

# وقال ابن عباس كما في «التفسير الكبير» و«البحر»: التقدير لم تحضر ذلك
~~الموضع ولو حضرت لما شاهدت تلك الوقائع فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد
~~ولا يرى، وقيل: وهو مختار أبي حيان إن المعنى وما كنت من الشاهدين بجميع
~~ما أعلمناك به فهو نفي لشهادته عليه الصلاة والسلام جميع ما جرى لموسى
~~عليه السلام فكان عموما بعد خصوص، وقيل: المراد وما كنت من الشاهدين ذلك
~~الزمان فيكون نفيا لحضوره ومشاهدته ذلك الزمان أعم من أن يكون بجانب
~~الغربي أو بغيره، وحاصله نفي الوجود العيني إذ ذاك فكيون ترقيا في
~~النفي. وقيل: المراد وما كنت إذ ذاك منتظما في سلك من يتصف بالشهادة وهم
~~الموجودون بالوجود العيني أينما كانوا ومآله كمآل ما قبله وإن اختلفا في
~~طريق الإرادة وتعين كون الشهادة فيما قبله بمعنى الحضور. ولعل ms07988 ما قبله
~~أظهر منه بل إذا ادعى مدع كونه أظهر من جميع ما قيل لم يبعد هذا ولا يخفى
~~عليك حال تلك الأقوال وما فيها من القيل. والقال، وفي القلب من صحة نسبة
~~ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إليه ما فيه فتدبر جميع ذاك،
~~والله تعالى يتولى هداك.

### || [28.45]

# { ولكنا أنشأنا قرونا } أي ولكنا خلقنا بين زمانك وزمان
~~موسى قرونا كثيرة { فتطاول عليهم العمر } وتمادى الأمد
~~فتغيرت الشرائع والأحكام وعميت عليهم الأنباء / لا سيما على آخرهم الذين
~~أنت فهيم فاقتضت الحكمة التشريع الجديد وقص الأنباء على ما هي عليه
~~فأوحينا إليك وقصصنا الأنباء عليك فحذف المستدرك أعني أوحينا اكتفاء بذكر
~~ما يوجبه ويدل عليه من إنشاء القرون وتطاول الأمد؛ وخلاصة المعنى لم تكن
~~حاضرا لتعلم ذلك ولكن علمته بالوحي والسبب فيه تطاول الزمن حتى تغيرت
~~الشرائع وعميت الأنباء، وقوله تعالى: { وما كنت ثاويا } أي مقيما
~~{ فى أهل مدين } وهم شعيب عليه السلام والمؤمنون نفي لاحتمال كون
~~معرفته صلى الله عليه وسلم لبعض ما تقدم من القصة بالسماع ممن شاهد ذلك،
~~وقوله سبحانه: { تتلو عليهم } أي تقرأ على أهل مدين بطريق التعلم
~~منهم كما يقرأ المتعلم الدرس على معلمه { آيتنا } الناطقة بما كان
~~لموسى عليه السلام بينهم وبما كان لهم معه إما حال من المستكن في {
~~ثاويا } أو خبر ثان لكنت { ولكنا كنا مرسلين } لك
~~وموحين إليك تلك الآيات ونظائرها والاستدراك كالاستدراك السابق إلا أنه
~~لا حذف فيه.

### || [28.46]

# { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } أي وقت ندائنا
~~موسى

# إني أنا الله رب العالمين

# [القصص: 30] واستنبائنا إياه وإرسالنا له إلى فرعون { ولكن
~~رحمة من ربك } أي ولكن أرسلناك بالقرآن الناطق بما ذكر وغيره
~~لرحمة كائنة منالك وللناس. وقيل: أي علمناك رحمة ولعل الرحمة عليه مفعول
~~ثان لعلم والمراد بها القرآن وليست مفعولا له والمفعول الثاني ما ذكر من
~~القصة لما ستعرفه قريبا إن شاء الله تعالى، وأما جعلها منصوبة على
~~المصدرية لفعل محذوف فحاله غني عن البيان ms07989 والالتفات إلى اسم الرب للإشعار
~~بأن ذلك من آثار الربوبية وتشريفه عليه الصلاة والسلام بالإضافة وقد
~~اكتفى ههنا عن ذكر المستدرك بذكر ما يوجبه من جهته تعالى كما اكتفى في
~~الأول بذكر ما يوجبه من جهة الناس وصرح به فيما بينهما تنصيصا على ما هو
~~المقصود وإشعارا بأنه المراد فيهما أيضا ولله تعالى در شأن التنزيل.

# وقوله سبحانه: { لتنذر قوما } متعلق بالفعل المعلل بالرحمة وهو
~~يستدعي أن يكون الإرسال بالقرآن أو ما في معناه كتعليم القرآن دون تعليم
~~ما ذكر من القصة إذ لا يظهر حسن تعليله بالإنذار، وجوز أن يتعلق
~~بالمستدركات الثلاث على التنازع. وقرأ عيسى وأبو حيوة { رحمة }
~~بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف والتقدير ولكن هو أو هذا أو هي أو هذه
~~رحمة والضمير أو الإشارة قيل للإرسال المفهوم من الكلام والتذكير
~~والتأنيث باعتبار المرجع والخبر والخلاف في الأولى مشهور، وجوز أبو حيان
~~أن يكون التقدير ولكن أنت رحمة و(لتنذر) على هذه القراءة متعلق بما هو
~~صفة لرحمة وقوله جل وعلا: { ما أتهم من نذير من قبلك }
~~صفة لقوما و { من } الأولى مزيدة للتأكيد وقوله تعالى: { لعلهم
~~يتذكرون } أي يتعظون بإنذارك تعليل للإنذار على القول بأن لعل
~~للتعليل وأما على القول بأنها للترجي حقيقة أو مجازا فقيل هو في موضع
~~الصفة بتقدير القول أي لتنذر قوما مقولا فيهم لعلهم يتذكرون.

# والمراد بهؤلاء القوم قيل العرب، وظاهر الآية أنهم لم يبعث إليهم رسول
~~قبل نبينا صلى الله عليه وسلم أصلا وليس بمراد للاتفاق على أن إسماعيل
~~عليه السلام كان مرسلا إليهم وكأنه لتطاول الأمد بين بعثته عليه السلام
~~وبعثة نبينا عليه الصلاة والسلام إذ بينهما أكثر من ألفي سنة بكثير
~~واندراس شرعه وعدم وقوف / الأكثرين في أغلب هذه المدة على حقيقته قيل:
~~ذلك، وقيل: إن ذلك لما صرحوا به من أن حكم بعثة إسماعيل عليه السلام قد
~~انقطع بموته وأنه لم يرسل إليهم بعده نبي سوى النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال العلامة ابن حجر في «المنح المكية»: ms07990 من المقرر أن العرب لم يرسل
~~إليهم رسول بعد إسماعيل عليه الصلاة والسلام وأن إسماعيل انتهت رسالته
~~بموته وادعى قبيل هذا الاتفاق على أن إبراهيم عليه السلام ومن بعده أي
~~سوى إسماعيل عليه السلام لم يرسلوا للعرب ورسالة إسماعيل إليهم انتهت
~~بموته اه، فكأنه لقلة لبث إسماعيل عليه السلام فيهم وانقطاع حكم رسالته
~~بعد وفاته فيما بينهم وبقائهم الأمد الطويل بغير رسول مبعوث فيهم نفى
~~إتيان النذير إياهم من قبله صلى الله عليه وسلم.

# وذكر العلامة ابن حجر في «المنح» أيضا ما يفيد أن كل رسول ممن عدا
~~نبينا صلى الله عليه وسلم تنقطع رسالته بموته وليس ذلك خاصا بإسماعيل
~~عليه السلام، ويفهم من كلام العز بن عبد السلام في «أماليه» أن هذا
~~الانقطاع ليس على إطلاقه فقد قال: فائدة كل نبي إنما أرسل إلى قومه إلا
~~سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم فعلى هذا يكون ما عدا قوم كل نبي من
~~أهل الفترة إلا ذرية النبي السابق عليه فإنهم مخاطبون ببعثة السابق إلا
~~أن تدرس شريعة السابق فيصير الكل من أهل الفترة اه. وهو وكذا ما نقلناه
~~عن العلامة ابن حجر عندي الآن على أعراف الرد والقبول، ولعل الله تعالى
~~يشرح صدري بعد لتحقيق الحق في ذلك، وقيل: إن موسى وعيسى عليهما السلام
~~كما أرسلا لبني إسرائيل أرسلا للعرب فالمراد بنفي هذا الإتيان الفترة
~~التي بين عيسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام، وزمنها على ما روى البخاري
~~عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه ستمائة سنة وفي كثير من الكتب أنه
~~خمسمائة وخمسون سنة، ونفي إتيان نبي بين زماني إتيان نبينا وإتيان عيسى
~~عليهما الصلاة والسلام هو ما صححه جمع من العلماء لحديث «لا نبي بيني
~~وبين عيسى» وقال بعضهم: إن بينهما أربعة أنبياء ثلاثة من بني إسرائيل
~~وواحد من العرب وهو خالد بن سنان، وقيل: غير ذلك.

# واختار البعض أن المراد بهؤلاء القوم العرب المعاصرون له صلى الله عليه
~~وسلم إذ هم الذين يتصور إنذاره عليه الصلاة والسلام إياهم ms07991 دون أسلافهم
~~الماضين ولعله الأظهر، وعدم إتيان نذير إياهم من قبله صلى الله عليه وسلم
~~على القول بانتهاء حكم رسالة الرسول سوى نبينا عليه الصلاة والسلام بموته
~~ظاهر، وأما إذا قيل بعدم انتهائه بذلك وبقائه حكما لرسالة الرسول يجب
~~على من علمه من ذراري المرسل إليهم الأخذ به من حيث إنه حكم من أحكام ذلك
~~الرسول إلى أن يأتي رسول آخر فيؤخذ به من حيث إنه حكم من أحكامه أو على
~~الوجه الذي يأمر به فيه من النسبة إليه أو من نسبته إلى من قبله أو يترك
~~إن جاء الثاني ناسخا له فالمراد بعدم إتيان النذير إياهم عدم وصول ما
~~أتى به على الحقيقة إليهم ولا يمكن أن يراد بهؤلاء القوم العرب مطلقا
~~ويقال: بأنهم لم يرسل إليهم قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أصلا
~~لظهور بطلانه ومنافاته لقوله تعالى:

# وإن من أمة إلا خلا فيها نذير

# [فاطر: 24] والعرب أعظم أمة وكذا لقوله تعالى:

# لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم

# [يس: 6] بناء على أن - ما - فيه ليست نافية وهو على القول بأن (ما) فيه
~~نافية مؤول بحمل الآباء على الآباء الأقربين، ولا يكاد يجوز في (ما)
~~ههنا ما جاز فيها من الاحتمال في آية يس بل المتعين فيها النفي ليس غير،
~~وتكلف غيره مما لا ينبغي في كتاب الله تعالى.

# والنذير بمعنى المنذر، واحتمال كونه مصدرا بمعنى الإنذار مما لا ينبغي
~~أن يلتفت إليه وتغيير الترتيب الوقوعي بين قضاء الأمر بمعنى أحكام أمر
~~نبوة موسى عليه السلام بالوحي وإيتاء التوراة وثوائه عليه السلام في أهل
~~مدين المشار إليه بقوله تعالى:

# وما كنت ثاويا فى أهل مدين

# [القصص: 45] والنداء / للتنبيه على أن كلا من ذلك برهان مستقل على أن
~~حكايته عليه الصلاة والسلام للقصة بطريق الوحي الإلهي ولو روعي الترتيب
~~الوقوعي، ونفي أولا الثواء في أهل مدين ونفى ثانيا الحضور عند النداء
~~ونفى ثالثا الحضور عند قضاء الأمر لربما توهم أن الكل دليل واحد على ما
~~ذكر كما مر في ms07992 قصة البقرة، ومن الناس من فسر قضاء الأمر بالاستنباء
~~والنداء بالنداء لأخذ التوراة بقوله تعالى:

# خذ الكتب بقوة

# [مريم: 12] رعاية للترتيب الوقوعي بينهما وتعقب بأنه يفوت عليه التنبيه
~~المذكور مع أنه بهذا القدر لا يرتفع تغيير الترتيب الوقوعي بالكلية بين
~~المتعاطفات لأن الثواء في أهل مدين متقدم على القضاء والنداء في الواقع،
~~وقد وسط في النظم الكريم بينهما، وأيضا ما تقدم من تفسير كل من القضاء
~~والنداء بما فسر أنسب بما يلي كلا من الاستدراك، ومما يستغرب أن بعض من
~~فسر ما ذكر بما يوافق الترتيب الوقوعي فسر الشاهدين بالسبعين المختارين
~~للميقات ولا يكاد يتسنى ذلك عليه لأنهم إنما كانوا مع موسى عليه السلام
~~لما أعطى التوراة فكان عليه أن يفسره بغير ذلك وقد تقدم لك عدة تفاسير لا
~~يأبى شيء منها تفسيره ما ذكر بما يوافق الترتيب الوقوعي، وجوز على
~~التفسير بما يوافق كون المراد بالشاهدين الملائكة عليهم السلام الذين
~~كانوا حول النار فإن الآثار ناطقة بحضورهم حولها عند ما أتاها موسى عليه
~~السلام وكذا قوله تعالى:

# أن بورك من فى النار ومن حولها

# [النمل: 8] في قول.

# هذا وفي الآيات تفسيرات أخر فقال الفراء في قوله تعالى:

# وما كنت ثاويا

# [القصص: 45] الخ أي وما كنت مقيما في أهل مدين مع موسى عليه السلام
~~فتراه وتسمع كلامه وها أنت تتلو عليهم أي على أمتك آياتنا فهو منقطع اه،
~~ونحوه ما روي عن مقاتل فيه وهو أن المعنى لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل
~~مكة خبرهم ولكنا أرسلناك إلى أهل مكة وأنزلنا إليك هذه الأخبار ولولا ذلك
~~ما علمت، وقال الضحاك: يقول سبحانه إنك يا محمد لم تكن الرسول إلى أهل
~~مدين تتلو عليهم آيات الكتاب وإنما كان غيرك ولكنا كنا مرسلين في كل زمان
~~رسولا فأرسلنا إلى أهل مدين شعيبا وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم
~~الأنبياء اه.

# ولا يخفى أن ما قدمنا أولى بالاعتبار.

# وذهب جمع إلى أن النداء في قوله تعالى: { وما كنت بجانب
~~الطور إذ نادينا } كان ms07993 نداء فيما يتعلق بهذه الأمة المحمدية على
~~نبيها أفضل الصلاة وأكمل التحية وذكروا عدة آثار تدل على ذلك. أخرج
~~الفريابي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه
~~وأبو نعيم والبيهقي معا في «الدلائل» عن أبي هريرة قال في ذلك نودوا يا
~~أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني وأستجبت لكم قبل أن تدعوني. وأخرجه ابن
~~مردويه من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعا، وأخرج هو أيضا وأبو نعيم في
~~«الدلائل» وأبو نصر السجزي في «الإبانة» والديلمي عن عمرو بن عبسة قال
~~سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: { وما كنت بجانب
~~الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك } ما كان
~~النداء وما كانت الرحمة؟ قال كتاب كتبه الله تعالى قبل أن يخلق خلقه
~~بألفي عام ثم وضعه على عرشه ثم نادى يا أمة محمد سبقت رحمتي غضبي أعطيتكم
~~قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني فمن لقيني منكم يشهد أن لا
~~إله إلا الله وأن محمدا عبدي ورسولي صادقا أدخلته الجنة. وأخرج الختلي
~~في «الديباج» عن سهل بن سعد الساعدي مرفوعا مثله، وأخرج ابن مردويه عن
~~ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " لما قرب الله تعالى موسى إلى طور سيناء نجيا قال: أي رب هل أحد أكرم
~~عليك مني؟ قربتني نجيا وكلمتني تكليما قال: نعم محمد عليه الصلاة
~~والسلام أكرم علي منك. / قال: فإن كان محمد صلى الله عليه وسلم أكرم
~~عليك مني فهل أمة محمد أكرم من بني إسرائيل؟ فلقت البحر لهم وأنجيتهم من
~~فرعون وعمله وأطعمتهم المن والسلوى. قال: نعم أمة ممد عليه الصلاة
~~والسلام أكرم علي من بني إسرائيل. قال: إلهي أرنيهم. قال: إنك لن تراهم
~~وإن شئت أسمعتك صوتهم قال: نعم إلهي. فنادى ربنا أمة محمد صلى الله عليه
~~وسلم أجييوا ربكم. قال: فأجابوا وهم في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم إلى
~~يوم القيامة فقالوا: لبيك أنت ربنا حقا ونحن عبيدك حقا. قال: صدقتم أنا
~~ربكم حقا وأنتم عبيدي ms07994 حقا قد عفوت عنكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن
~~تسألوني فمن لقيني منكم بشهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة "

# قال ابن عباس فلما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم أراد أن
~~يمن عليه بما أعطاه وبما أعطى أمته فقال يا محمد: { وما كنت
~~بجانب الطور إذ نادينا } ، واستشكل ذلك بأنه معنى لا يناسب
~~المقام ولا تكاد ترتبط الآيات عليه، ولا بد لصحة هذه الأخبار من دليل،
~~وتصحيح الحاكم لا يخفى حاله.

# وقال بعض: يمكن أن يقال على تقدير صحة الأخبار إن المراد وما كنت حاضرا
~~مع موسى عليه السلام بجانب الطور لتقف على أحواله فتخبر بها الناس ولكن
~~أرسلناك بالقرآن الناطق بذلك وبغيره رحمة منا لك وللناس، والتوقيت بنداء
~~أمته ليس لكون المخبر به ما كان من ذلك بل لإدخال المسرة عليه عليه
~~الصلاة والسلام فيما يعود إليه وإلى أمته وفيه تسلية له صلى الله عليه
~~وسلم مما يكون من أمة الدعوة من الكفر به عليه الصلاة والسلام والإباء عن
~~شريعته وتلويح ما إلى مضمون

# فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما
~~ليسوا بها بكفرين

# [الأنعام: 89] وحينئذ ترتبط الآيات بعضها ببعض ارتباطا ظاهرا فتأمل.

### || [28.47]

# { ولولا أن تصيبهم مصيبة } أي عقوبة، وهي على ما نقل عن
~~أبي مسلم عذاب الدنيا والآخرة، وقيل: عذاب الاستئصال { بما قدمت
~~أيديهم } أي بما اقترفوا من الكفر والمعاصي ويعبر عن كل الأعمال وإن
~~لم تصدر عن الأيدي باجتراح الأيدي وتقديم الأيدي لما أن أكثر الأعمال
~~تزاول بها { فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا
~~} أي هلا أرسلت إلينا رسولا مؤيدا من عندك بالآيات { فنتبع
~~ءايتك } الظاهرة على يده { ونكون من المؤمنين } بما جاء
~~به، و(لولا) الثانية تحضيضية كما أشرنا إليه، وقوله تعالى: { فنتبع
~~} جوابها ولكون التحضيض طلبا كالأمر أجيبت على نحو ما يجاب، وأما الأولى
~~فامتناعية وجوابها محذوف ثقة بدلالة الحال عليه، والتقدير لما أرسلناك،
~~والفاء في { فيقولوا } عاطفة ليقول على تصيبهم، والمقصود بالسببية
~~لانتفاء الجواب والركن الأصيل فيها قولهم ms07995 ذلك إذا أصابتهم مصيبة، فالمعنى
~~لولا قولهم إذا عوقبوا بما اقترفوا هلا أرسلت إلينا رسولا فنتبعه ونكون
~~من المؤمنين لما أرسلناك إليهم، وحاصله سببية القول المذكور لإرساله صلى
~~الله عليه وسلم إليهم قطعا لمعاذيرهم بالكلية ولكن العقوبة لما كانت هي
~~السبب للقول وكان وجوده بوجودها جعلت كأنها سبب الإرسال بواسطة القول
~~فأدخلت عليها (لولا) وجيء بالقول معطوفا عليها بالفاء المعطية معنى
~~السببية، ونكتة إيثار هذا الأسلوب وعدم جعل العقوبة قيدا مجردا أنهم لو
~~لم يعاقبوا مثلا على كفرهم وقد عاينوا ما ألجئوا به إلى العلم اليقين لم
~~يقولوا

# لولا أرسلت إلينا رسولا

# [طه: 134]، وإنما السبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما
~~فاتهم من الإيمان بخالقهم، وفي هذا من الشهادة القوية على استحكام كفرهم
~~ورسوخه فيهم ما لا يخفى كقوله تعالى:

# ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه

# [الأنعام: 28] هذا ما أراده صاحب «الكشاف»، وليس في الكلام عليه تقدير
~~مضاف كما هو الظاهر. وذهب بعضهم إلى أن الكلام على تقدير مضاف أي كراهة
~~أن تصيبهم الخ، فالسبب للإرسال إنما هو كراهة ذلك لما فيه من إلزام الحجة
~~ولله تعالى الحجة البالغة، وهذه الكراهة مما لا ريب في تحققها الذي
~~تقتضيه (لولا) ودفعوا بهذا التقدير لزوم تحقق الإصابة والقول المذكور
~~وانتفاء عدم الإرسال كما هو مقتضى (لولا)، وفي ذلك ما فيه، وقال ابن
~~المير: التحقيق عندي أن (لولا) ليست كما قال النحاة تدل على أن ما بعدها
~~موجود أو أن جوابها ممتنع والتحرير في معناها أنها تدل على أن ما بعدها
~~مانع من جوابها عكس لو، ثم المانع قد يكون موجودا وقد يكون مفروضا وما
~~في الآية من الثاني فلا إشكال فيها.

# واستدل بالآية على أن قول من لم يرسل إليه رسول ان عذب: ربي لولا أرسلت
~~إلي رسولا مما يصلح للاحتجاج وإلا لما صلح لأن يكون سببا للإرسال وفي
~~ذلك دلالة على أن العقل لا يغني عن الرسول، والبحث في ذلك شهير، والكلام
~~فيه كثير.

### || [28.48]

# { فلما ms07996 جاءهم } أي أولئك القوم، والمراد بهم هنا أهل مكة
~~الموجودون عند البعثة وضمائر الجمع الآتية كلها راجعة إليهم. { الحق
~~من عندنا } أي الأمر الحق وهو القرآن المنزل عليه عليه الصلاة
~~والسلام { قالوا } تعنتا واقتراحا { لولا أوتى } يعنونه عليه
~~الصلاة والسلام { مثل ما أوتى موسى } عليه السلام من الكتاب
~~المنزل جملة وقوله تعالى: { أولم يكفروا بما أوتى موسى
~~من قبل } رد عليهم وإظهار لكون ما قالوه تعنتا محضا لا طلبا لما
~~يرشدهم إلى الحق { ومن قبل } متعلق بيكفروا وتعلقه بأوتي لا يظهر له
~~وجه لائح إذ هو تقييد بلا فائدة لأنه معلوم أن ما أوتي موسى عليه السلام
~~من قبل محمد صلى الله عليه وسلم أو من قبل هؤلاء الكفرة. نعم أمر الرد
~~عليه على حاله أي ألم يكفروا من قبل هذا القول بما أوتي موسى عليه السلام
~~كما كفروا بهذا الحق.

# وقوله تعالى: { قالوا } استئناف مسوق لتقرير كفرهم المستفاد من
~~الإنكار السابق وبيان كيفيته وقوله تعالى: { سحران } خبر لمبتدأ
~~محذوف أي هما يعنون ما أوتي نبينا وما أوتي موسى عليهما الصلاة والسلام
~~سحران { تظاهرا } أي تعاونا بتصديق كل واحد منهما الآخر وتأييده
~~إياه، وذلك أن أهل مكة بعثوا رهطا منهم إلى رؤساء اليهود في عيد لهم
~~فسألوهم عن شأنه عليه الصلاة والسلام فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته
~~وصفته فلما رجع الرهط وأخبروهم بما قالت اليهود قالوا ذلك. وقوله تعالى:
~~{ وقالوا إنا بكل } أي بكل واحد من الكتابين { كفرون }
~~تصريح بكفرهم بهما وتأكيد لكفرهم المفهوم من تسميتهما سحرا وذلك لغاية
~~عتوهم وتماديهم في الكفر والطغيان.

# وقرأ الأكثرون { ساحران } وأراد الكفرة بهما نبينا وموسى عليهما الصلاة
~~والسلام. وقرأ طلحة والأعمش (اظاهرا) بهمزة الوصل وشد الظاء وكذا هي في
~~حرف عبد الله وأصله تظاهرا فلما قلبت التاء ظاء وأدغمت سكنت فاجتلبت
~~همزة الوصل ليبتدأ بالساكن. وقرأ محبوب عن الحسن. ويحيى بن الحرث
~~الذماري وأبو حيوة وأبو خلاد عن اليزيدي (تظاهرا) بالتاء وتشديد الظاء.
~~قال ابن خالويه: وتشديده لحن لأنه فعل ماض وإنما ms07997 يشدد في المضارع وقال
~~صاحب «اللوامح»: لا أعرف وجهه. وقال صاحب «الكامل في القراآت» لا معنى
~~له. وخرج ذلك أبو حيان على أنه مضارع حذفت منه النون بدون ناصب / أو
~~جازم، وجاء حذفها كذلك في قليل من الكلام وفي الشعر، و { ساحران } خبر
~~لمبتدأ محذوف، وأصل الكلام أنتما ساحران تتظاهران فحذف أنتما وأدغمت
~~التاء في الظاء وحذفت النون وروعي الخطاب ولو قرىء يظاهرا بالياء حملا
~~على مراعاة (ساحران) أو على تقديرهما لكان له وجه وكأنهم خاطبوا النبي
~~صلى الله عليه وسلم بذلك وأرادوه وموسى عليهما الصلاة والسلام بأنتما على
~~سبيل التغليب، هذا وتفسير الآية بما ذكر مما لا تكلف فيه ولعله هو الذي
~~يستدعيه جزالة النظم الجليل ويقتضيه اقتضاء ظاهر قوله تعالى: { قل
~~فأتوا بكتب من عند الله هو أهدى منهما... }.

### || [28.49]

# { قل فأتوا بكتب من عند الله هو أهدى
~~منهما } أي مما أوتياه من القرآن والتوراة { أتبعه } أي إن
~~تأتوا به أتبعه فالفعل مجزوم بجواب الأمر ومثل هذا الشرط [مما] يأتي به
~~من يدل بوضوح حجته لأن الإتيان بما هو أهدى من الكتابين أمر بين
~~الاستحالة فيوسع دائرة الكلام للتبكيت والإلزام وإيراد كلمة { إن } في
~~قوله تعالى: { إن كنتم صدقين } أي في أنهما سحران مختلقان مع
~~امتناع صدقهم نوع تهكم بهم، وقرأ زيد بن علي (أتبعه) بالرفع على
~~الاستئناف أي أنا أتبعه. وقال الزمخشري: الحق الرسول المصدق بالكتاب
~~المعجز مع سائر المعجزات يعني أن المقام مقام أن يقال فلما جاءهم أي
~~الرسول أو فلما جاءهم الرسول لكن عدل عن ذلك لإفادة تلك المعاني وما أوتي
~~موسى بما هو أعم من الكتاب المنزل جملة واحدة واليد والعصا وغيرهما من
~~آياته عليه السلام، وتعقب بأنه لا تعلق للمعجزات من اليد ونحوها بالمقام
~~وكذا لا تعلق لغير القرآن من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم به ويرشد
~~إلى ذلك ظاهر قوله تعالى: { قل فأتوا } الخ.

# وجوز أن يكون ضميرا

# جاءهم

# [القصص: 48] و

# قالوا

# [القصص: 48] راجعين إلى أهل مكة الموجودين وضمير

# يكفروا

# [القصص: ms07998 48] وكذا ضمير { قالوا } في الموضعين راجع إلى جنس الكفرة
~~المعلوم من السياق والمراد بهم الكفرة الذين كانوا في عهد موسى عليه
~~السلام و

# من قبل

# [القصص: 48] متعلق بيكفروا لا بأوتي لعدم ظهور الفائدة والمراد بسحرين
~~أو ساحران موسى وهرون عليهما السلام كما روي عن مجاهد، وإطلاق سحرين
~~عليهما للمبالغة أو هو بتقدير ذوا سحرين، والمعنى أو لم يكفر أبناء جنسهم
~~من قبلهم بما أوتي موسى عليه السلام كما كفروا هم بما أوتيته وقال أولئك
~~الكفرة هما أي موسى وهرون سحران أو ساحران تظاهرا، وقيل: يجوز أن تكون
~~الضمائر راجعة إلى الموجودين والكفر والقول المذكور لأولئك السابقين
~~حقيقة وإسنادهما إلى الموجودين مجازي لما بين الطائفتين من الملابسة.

# وقيل - بناء على ما روي عن الحسن من أنه كان للعرب أصل في أيام موسى
~~عليه السلام - إن المعنى أو لم يكفر آباؤهم من قبل أن يرسل محمد صلى الله
~~عليه وسلم بما أوتي موسى قالوا هما أي موسى وهرون سحران أو ساحران
~~تظاهرا فهو على أسلوب

# وإذ نجينكم من ءال فرعون

# [البقرة: 49] ونحوه ويفيد الكلام عليه أن قدمهم في الكفر من الرسوخ
~~بمكان، ولهم في العناد عرق أصيل وكون العرب لهم أصل في أيام موسى عليه
~~السلام مما لا شبهة فيه حتى قيل: إن فرعون كان عربيا من أولاد عاد لكن
~~في حسن تخريج الآية على ذلك كلام، وأنت تعلم أن كل هذه الأوجه ليست مما
~~ينشرح له الصدر وفيها من التكلف ما فيها.

# وادعى أبو حيان ظهور رجوع ضمير

# يكفروا

# [القصص: 48] وكذا ضمير

# قالوا

# [القصص: 48] إلى قريش الذين قالوا

# لولا أوتي مثل مآ أوتي موسى

# [القصص: 48] وأن نسبة ذلك إليهم لما أن تكذيبهم لمحمد صلى الله عليه
~~وسلم تكذيب لموسى عليه السلام ونسبتهم السحر للرسول نسبتهم إياه لموسى
~~وهرون عليهما السلام إذ الأنبياء عليهم السلام من / واد واحد فمن نسب
~~إلى أحد منهم ما لا يليق كان ناسبا ذلك إلى جميعهم فلا يحتاج إلى توسيط
~~حكاية الرهط في أمر النسبة، وعليه يجوز ms07999 أن يراد بكل كل واحد من الأنبياء
~~عليهم السلام، ولا يخفى أن ما ادعاه من ظهور رجوع الضمير إلى ما ذكر أمر
~~مقبول عند منصفي ذوي العقول، لكن توجيه نسبة الكفر والقول المبين لكيفيته
~~مما ذكر مما يبعد قبوله، وكأنه إنما احتاج إليه لعدم ثبوت حكاية الرهط
~~عنده، وعن قتادة أنه فسر السحران بالقرآن والإنجيل؛ والساحران بمحمد
~~وعيسى عليهما الصلاة والسلام وجعل ذلك القول قول أعداء الله تعالى
~~اليهود، وتفسير الساحرين بذلك مروي عن الحسن، وروي عنه أيضا أنه فسرهما
~~بموسى وعيسى عليهما السلام والكل كما ترى، وتفسيرهما بمحمد وموسى عليهما
~~الصلاة والسلام مما رواه البخاري في «تاريخه» وجماعة عن ابن عباس. وأخرج
~~ابن أبي حاتم عن عاصم الجحدري أنه كان يقرأ (سحران) ويقول هما كتابان
~~الفرقان والتوراة ألا تراه سبحانه يقول: { فأتوا بكتب من
~~عند الله هو أهدى منهما }.

### || [28.50]

# { فإن لم يستجيبوا لك } أي فإن لم يفعلوا ما كلفتهم به من
~~الإتيان بكتاب أهدى منهما، وإنما عبر عنه بالاستجابة إيذانا بأنه عليه
~~الصلاة والسلام على كمال أمن من أمره، كان أمره صلى الله عليه وسلم لهم
~~بالإتيان بما ذكر دعاء لهم إلى أمر يريد وقوعه. وقيل: المراد فإن لم
~~يستجيبوا دعاءك إياهم إلى الإيمان بعد ما وضح لهم من المعجزات التي
~~تضمنها كتابك الذي جاءهم فالاستجابة على ظاهرها لأن الإيمان أمر يريد صلى
~~الله عليه وسلم حقيقة وقوعه منهم وهي كما في «البحر» بمعنى الإجابة
~~وتتعدى إلى الداعي باللام كما في هذه الآية، وقوله تعالى:

# فاستجاب له ربه

# [يوسف: 34]، وقوله سبحانه:

# فاستجبنا له

# [الأنبياء: 76] وبنفسها كما في بيت «الكتاب»:

# وداع دعا يا من يجيب إلى الندا

# فلم يستجبه عند ذاك مجيب

# وقال الزمخشري: هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه وإلى الداعي باللام
~~ويحذف الدعاء إذا عدي إلى الداعي في الغالب فيقال: استجاب الله تعالى
~~دعاءه أو استجاب له ولا يكاد يقال: استجاب له دعاءه، وقوله في البيت (فلم
~~يستجبه) على حذف مضاف أي فلم يستجب دعاءه انتهى، ولو ms08000 جعل ضمير (يستجبه)
~~للدعاء المفهوم من داع لم يحتج إلى تقدير، وجعل المفعول هنا محذوفا لذكر
~~الداعي، ووجهه على ما قيل: أنه مع ذكر الداعي والاستجابة يتعين أن
~~المفعول الدعاء فيصير ذكره عبثا، وجوز كون الحذف للعلم به من فعله لا
~~لأنه ذكر الداعي، وهذا حكم الاستجابة دون الإجابة لقوله تعالى:

# أجيبوا داعي الله

# [الأحقاف: 31].

# { فاعلم أنما يتبعون أهواءهم } الزائغة من غير أن
~~يكون لهم متمسك ما أصلا إذا لو كان لهم ذلك لأتوا به { ومن أضل
~~ممن اتبع هواه } استفهام إنكاري للنفي أي لا أضل ممن اتبع
~~هواه { بغير هدى من الله } أي هو أضل من كل ضال وإن كان ظاهر
~~السبك لنفي الأضل لا لنفي المساوي كما مر في نظائره مرارا، وقوله تعالى:
~~{ بغير هدى } في موضع الحال من فاعل { اتبع } ، وتقييد الاتباع
~~بذلك لزيادة التقرير والإشباع في التشنيع والتضليل وإلا فمقارنته لهدايته
~~تعالى بينة الاستحالة، وقيل: للاحتراز عما يكون فيه هدى منه تعالى فإن
~~الإنسان قد يتبع هواه ويوافق الحق، وفيه بحث.

# { إن الله لا يهدى القوم الظلمين } الذين ظلموا
~~أنفسهم فانهمكوا في اتباع الهوى والإعراض / عن الآيات الهادية إلى الحق
~~المبين.

### || [28.51]

# { ولقد وصلنا لهم القول } الضمير لأهل مكة، وأصل
~~التوصيل ضم قطع الحبل بعضها ببعض قال الشاعر:

# فقل لبني مروان ما نال ذمتي

# بحبل ضعيف لا يزال يوصل

# والمعنى ولقد أنزلنا القرآن عليهم متواصلا بعضه إثر بعض حسبما تقتضيه
~~الحكمة أو متتابعا وعدا ووعيدا وقصصا وعبرا ومواعظ ونصائح، وقيل:
~~جعلناه أوصالا أي أنواعا مختلفة وعدا ووعيدا الخ، وقيل: المعنى وصلنا
~~لهم خبر الآخرة بخبر الدنيا حتى كأنهم عاينوا الآخرة وعن الأخفش أتممنا
~~لهم القول، وقرأ الحسن { وصلنا } بتخفيف الصاد والتضعيف في قراءة
~~الجمهور للتكثير ومن هنا قال الراغب في تفسير ما في الآية عليها أي
~~أكثرنا لهم القول موصولا بعضه ببعض { لعلهم يتذكرون }
~~فيؤمنون بما فيه.

### || [28.52]

# { الذين ءاتينهم الكتب من قبله } قبل القرآن على
~~أن الضمير للقول مرادا به القرآن أو للقرآن المفهوم منه ms08001 وأيا ما كان
~~فالمراد من قبل إيتائه { هم } لا هؤلاء الذين ذكرت أحوالهم { به } أي
~~بالقرآن { يؤمنون } وقيل: الضميران للنبي صلى الله عليه وسلم،
~~والمراد بالموصول على ما روي عن ابن عباس مؤمنو أهل الكتاب مطلقا، وقيل:
~~هم أبو رفاعة في عشرة من اليهود، آمنوا فأوذوا، وأخرج ابن مردويه بسند
~~جيد وجماعة عن رفاعة القرظي ما يؤيده وقيل: أربعون من أهل الإنجيل كانوا
~~مؤمنين بالرسول صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه اثنان وثلاثون من الحبشة
~~أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب وثمانية قدموا من الشام بحيرا وأبرهة وأشرف
~~وعامر وايمن وإدريس ونافع وتميم، وقيل: ابن سلام. وتميم الداري والجارود
~~العبدي وسلمان الفارسي ونسب إلى قتادة واستظهر أبو حيان الإطلاق وأن ما
~~ذكر من باب التمثيل لمن آمن من أهل الكتاب.

### || [28.53]

# { وإذا يتلى } أي القرآن { عليهم قالوا ءامنا به }
~~أي بأنه كلام الله تعالى: { إنه الحق من ربنا } أي الحق
~~الذي كنا نعرف حقيته، وهو استئناف لبيان ما أوجب إيمانهم به، وجوز أن
~~تكون الجملة مفسرة لما قبلها وقوله تعالى: { إنا كنا من قبله }
~~أي من قبل نزوله { مسلمين } بيان لكون إيمانهم به أمرا متقادم
~~العهد لما شاهدوا ذكره في الكتب المتقدمة وأنهم على دين الإسلام قبل نزول
~~القرآن ويكفي في كونهم على دين الإسلام قبل نزوله إيمانهم به إجمالا.

# وفي «الكشاف» و«البحر» ((أن الإسلام صفة كل موحد مصدق بالوحي)) والظاهر
~~عليه أن الإسلام ليس من خصوصيات هذه الأمة من بين الأمم. وذهب السيوطي
~~عليه الرحمة إلى كونه من الخصوصيات وألف في ذلك كراسة وقال في ذيلها: لما
~~فرغت من تأليف هذه الكراسة واضطجعت على الفراش للنوم ورد علي قوله
~~تعالى:

# الذين ءاتينهم الكتب من قبله

# [القصص: 52] الآية فكأنما ألقى علي جبل لما أن ظاهرها الدلالة للقول
~~بعدم الخصوصية وقد أفكرت فيها ساعة ولم يتجه له فيها شيء فلجأت إلى الله
~~تعالى ورجوت أن يفتح بالجواب عنها فلما استيقظت وقت السحر إذا بالجواب قد
~~فتح فظهر [لي] عنها ثلاثة أجوبة: ms08002 الأول أن مسلمين اسم فاعل مراد به
~~الاستقبال كما هو حقيقة فيه دون الحال والماضي والتمسك بالحقيقة هو الأصل
~~وتقدير الآية إنا كنا من قبل مجيئه عازمين على الإسلام به إذا جاء لما
~~كنا نجده في كتبنا من بعثه ووصفه ويرشح هذا أن السياق يرشد إلى أن قصدهم
~~الإخبار بحقية القرآن وأنهم كانوا على قصد الإسلام به إذا جاء به النبي
~~صلى الله عليه وسلم وليس / قصدهم الثناء على أنفسهم في حد ذاتهم بأنهم
~~كانوا بصفة الإسلام أولا لنبو المقام عنه كما لا يخفى، الثاني أن يقدر
~~في الآية إنا كنا من قبله مسلمين به فوصف الإسلام سببه القرآن لا التوراة
~~والإنجيل ويرشح ذلك ذكر الصلة فيما قبل حيث قال سبحانه:

# هم به يؤمنون

# [القصص: 52] فإنه يدل على أن الصلة مرادة هنا أيضا إلا أنها حذفت كراهة
~~التكرار. الثالث أن هذا الوصف منهم بناء على ما هو مذهب الأشعري من أن من
~~كتب الله تعالى أن يموت مؤمنا فهو يسمى عنده تعالى مؤمنا ولو كان في
~~حال الكفر وإنما لم نطلق نحن هذا الوصف عليه لعدم علمنا بما عنده تعالى،
~~فهؤلاء لما ختم الله تعالى لهم بالدخول في الإسلام أخبروا عن أنفسهم أنهم
~~كانوا متصفين به قبل لأن العبرة في هذا الوصف بالخاتمة ووصفهم بذلك أولى
~~من وصف الكافر الذي يعلم الله تعالى أنه يموت على الإسلام به لأنهم كانوا
~~على دين حق وهذا معنى دقيق استفدناه في هذه الآية من قواعد علم الكلام
~~انتهى. ولا يخفى ضعف هذا الجواب وكذا الجواب الأول وأما الجواب الثاني
~~فهو بمعنى ما ذكرناه في الآية وقد ذكره البيضاوي وغيره وجوز أن يراد
~~بالإسلام الانقياد أي إنا كنا من قبل نزوله منقادين لأحكام الله تعالى
~~الناطق بها كتابه المنزل إلينا ومنها وجوب الإيمان به فنحن مؤمنون به قبل
~~نزوله.

### || [28.54]

# { أولئك } الموصوفون بما ذكر من النعوت { يؤتون أجرهم
~~مرتين } مرة على إيمانهم بكتابهم ومرة على إيمانهم بالقرآن {
~~بما صبروا } أي بصبرهم وثباتهم على الإيمانين ms08003 أو على الإيمان
~~بالقرآن قبل النزول وبعده أو على أذى من هاجرهم وعاداهم من أهل دينهم ومن
~~المشركين { ويدرءون } أي يدفعون { بالحسنة } أي بالطاعة {
~~السيئة } أي المعصية فإن الحسنة تمحو السيئة

# " قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ: أتبع السيئة الحسنة تمحها "

# ، وقيل: أي يدفعون بالحلم الأذى وقال ابن جبير: بالمعروف المنكر وقال
~~ابن زيد: بالخير الشر وقال ابن سلام: بالعلم الجهل وبالكظم الغيظ وقال
~~ابن مسعود: بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك { ومما رزقنهم
~~ينفقون } أي في سبيل الخير كما يقتضيه مقام المدح.

### || [28.55]

# { وإذا سمعوا اللغو } سقط القول وقال مجاهد: الأذى والسب
~~وقال الضحاك: الشرك وقال ابن زيد: ما غيرته اليهود من وصف الرسول صلى
~~الله عليه وسلم { أعرضوا عنه } أي عن اللغو تكرما كقوله تعالى:

# وإذا مروا باللغو مروا كراما

# [الفرقان: 72] { وقالوا } لهم أي للاغين المفهوم من ذكر اللغو {
~~لنا أعملنا ولكم أعملكم } متاركة لهم كقوله تعالى:

# لكم دينكم ولى دين

# [الكافرون: 6] { سلم عليكم } قالوه توديعا لهم لا تحية أو هو
~~للمتاركة أيضا كما في قوله تعالى:

# وإذا خاطبهم الجهلون قالوا سلاما

# [الفرقان: 63] وأيا ما كان فلا دليل في الآية على جواز ابتداء الكافر
~~بالسلام كما زعم الجصاص إذ ليس الغرض من ذلك إلا المتاركة أو التوديع.
~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكفار

# " لا تبدءوهم بالسلام وإذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم "

# نعم روي عن ابن عباس جواز أن يقال للكافر ابتداء السلام عليك على معنى
~~الله تعالى عليك فيكون دعاء عليه وهو ضعيف، وقوله تعالى: { لا نبتغى
~~الجهلين } بيان للداعي للمتاركة والتوديع أي لا تطلب صحبة
~~الجاهلين ولا نريد مخالطتهم.

### || [28.56]

# { إنك لا تهدى } هداية موصلة إلى / البغية لا محالة { من
~~أحببت } أي كل من أحبيته طبعا من الناس قومك وغيرهم ولا تقدر أن
~~تدخله في الإسلام وإن بذلت فيه غاية المجهود وجاوزت في السعي كل حد
~~معهود، وقيل: من أحببت هدايته. { ولكن الله يهدى من يشاء
~~} هدايته فيدخله في الإسلام { وهو ms08004 أعلم بالمهتدين }
~~بالمستعدين لذلك وهم الذين يشاء سبحانه هدايتهم ومنهم الذي ذكرت أوصافهم
~~من أهل الكتاب، وأفعل للمبالغة في علمه تعالى. وقيل: يجوز أن يكون على
~~ظاهره، وأفاد كلام بعضهم أن المراد أنه تعالى أعلم بالمهتدي دون غيره عز
~~وجل، وحيث قرنت هداية الله تعالى بعلمه سبحانه بالمهتدي وأنه جل وعلا
~~العالم به دون غيره دل على أن المراد بالمهتدي المستعد دون المتصف بالفعل
~~فيلزم أن تكون هدايته إياه بمعنى القدرة عليها، وحيث كانت هدايته تعالى
~~لذلك بهذا المعنى، وجيء بلكن متوسطة بينها وبين الهداية المنفية عنه صلى
~~الله عليه وسلم لزم أن تكون تلك الهداية أيضا بمعنى القدرة عليها لتقع
~~(لكن) في موضعها، ولذا قيل: المعنى إنك لا تقدر أن تدخل في الإسلام كل من
~~أحببت لأنك عبد لا تعلم المطبوع على قلبه من غيره ولكن الله تعالى يقدر
~~على أن يدخل من يشاء إدخاله وهو الذي علم سبحانه أنه غير مطبوع على قلبه،
~~وللبحث فيه مجال.

# وظاهر عبارة «الكشاف» حمل نفي الهداية في قوله تعالى: { إنك لا
~~تهدى من أحببت } على نفي القدرة على الإدخال في الإسلام
~~وإثباتها في قوله سبحانه: { ولكن الله يهدى من يشاء }
~~على وقوع الإدخال في الإسلام بالفعل، وهذا ما اعتمدناه في تفسير الآية،
~~ووجهه أن مساق الآية لتسليته صلى الله عليه وسلم حيث لم ينجع في قومه
~~الذين يحبهم ويحرص عليهم أشد الحرص إنذاره عليه الصلاة والسلام إياهم وما
~~جاء به إليهم من الحق بل أصروا على ما هم عليه، وقالوا:

# لولا أوتى مثل ما أوتى موسى

# [القصص: 48] ثم كفروا به وبموسى عليهما الصلاة والسلام فكانوا على عكس
~~قوم هم أجانب عنه صلى الله عليه وسلم حيث آمنوا بما جاء به من الحق
~~وقالوا:

# إنه الحق من ربنآ

# [القصص: 53] ثم صرحوا بتقادم إيمانهم به وأشاروا بذلك إلى إيمانهم
~~بنبيهم وبما جاءهم به أيضا فلو لم يحمل { إنك لا تهدى من
~~أحببت } على نفي القدرة على إدخال من أحبه عليه الصلاة والسلام في
~~الإسلام ms08005 بل حمل على نفي وقوع إدخاله صلى الله عليه وسلم إياه فيه لبعد
~~الكلام عن التسلية وقرب إلى العتاب فإنه على طرز قولك لمن له أحباب لا
~~ينفعهم إنك لا تنفع أحبابك وهو إذ لم يؤول بإنك لا تقدر على نفع أحبابك
~~فإنما يقال على سبيل العتاب أو التوبيخ أو نحوه دون سبيل التسلية، ولما
~~كان لهدايته تعالى أولئك الذين أوتوا الكتاب مدخلا فيما يستدعي التسلية
~~كان المناسب إبقاء { ولكن الله يهدى من يشاء } على ظاهره
~~من وقوع الهداية بالفعل دون القدرة على الهداية وإثبات ذلك له تعالى فرع
~~إثبات القدرة ففي إثباته إثباتها لا محالة فيصادف الاستدراك المحز، وحمل
~~المهتدين على المستعدين للهداية لا يستدعي حمل يهدي على يقدر على الهداية
~~فما ذكر من اللزوم ممنوع؛ ويجوز أن يراد بالمهتدين المتصفون بالهداية
~~بالفعل، والمراد بعلمه تعالى بهم مجازاته سبحانه على اهتدائهم فكأنه قيل:
~~وهو تعالى أعلم بالمهتدين كأولئك الذين ذكروا من أهل الكتاب فيجازيهم على
~~اهتدائهم بأجر أو بأجرين فتأمل.

# والآية على ما نطقت به كثير من الأخبار نزلت في أبي طالب. أخرج عبد بن
~~حميد ومسلم والترمذي وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في «الدلائل»

# " عن أبي هريرة قال: لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه النبي صلى الله
~~عليه وسلم فقال: يا عماه قل لا إله إلا الله / أشهد لك بها عند الله يوم
~~القيامة فقال: لولا أن تعيرني قريش يقولون: ما حمله عليها إلا جزعه من
~~الموت لأقررت بها عينك، فأنزل الله تعالى: { إنك لا تهدى من
~~أحببت } الآية ".

# وأخرج البخاري ومسلم وأحمد والنسائي وغيرهم، عن سعيد بن المسيب عن أبيه
~~نحو ذلك، وأخرج أبو سهل السري بن سهل من طريق عبد القدوس عن أبي صالح عن
~~ابن عباس أنه قال: { إنك لا تهدى من أحببت } الخ نزلت في
~~أبي طالب ألح [عليه] النبي صلى الله عليه وسلم أن يسلم فأبى فأنزل
~~الله تعالى هذه الآية وقد روى نزولها فيه عنه أيضا ابن مردويه.

# ومسألة إسلامه خلافية، ms08006 وحكاية إجماع المسلمين أو المفسرين على أن الآية
~~نزلت فيه لا تصح فقد ذهب الشيعة وغير واحد من مفسريهم إلى إسلامه وادعوا
~~إجماع أئمة أهل البيت على ذلك وإن أكثر قصائده تشهد له بذلك؛ وكأن من
~~يدعي إجماع المسلمين لا يعتد بخلاف الشيعة ولا يعول على رواياتهم، ثم إنه
~~على القول بعدم إسلامه لا ينبغي سبه والتكلم فيه بفضول الكلام فإن ذلك
~~مما يتأذى به العلويون بل لا يبعد أن يكون مما يتأذى به النبي عليه
~~الصلاة والسلام الذي نطقت الآية بناءا على هذه الروايات بحبه إياه،
~~والاحتياط لا يخفى على ذي فهم:

# ولأجل عين ألف عين تكرم

### || [28.57]

# { وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من
~~أرضنا } أي نخرج من بلادنا ومقرنا، وأصل الخطف الاختلاس بسرعة
~~فاستعير لما ذكر، والآية نزلت في الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف حيث
~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: نحن نعلم أنك على الحق ولكنا نخاف
~~إن اتبعناك وخالفنا العرب وإنما نحن أكلة رأس أن يتخطفونا من أرضنا فرد
~~الله تعالى عليهم خوف التخطف بقوله: { أو لم نمكن لهم حرما
~~ءامنا } أي ألم نعصمهم ونجعل مكانهم حرما ذا أمن بحرمة البيت الذي فيه
~~تتناحر العرب حوله وهم آمنون فيه، فالعطف على محذوف و { نمكن } مضمن
~~معنى الجعل، ولذا نصب (حرما) و(آمنا) للنسب كلابن وتامر، وجعل أبو حيان
~~الإسناد فيه مجازيا لأن الآمن حقيقة ساكنوه فيستغني عن جعله للنسب وهو
~~وجه حسن { يجبى إليه } أي يحمل إليه ويجمع فيه من كل جانب وجهة {
~~ثمرات كل شىء } أي ثمرات أشياء كثيرة على أن كل للتكثير وأصل
~~معناه الإحاطة وليست بمرادة قطعا، والجملة صفة أخرى لحرما دافعة لما
~~عسى يتوهم من تضررهم إن اتبعوا الهدى بانقطاع الميرة، وقوله تعالى: {
~~رزقا من لدنا } نصب عن المصدر من معنى { يجبى } لأن مآله
~~يرزقون، أو الحال من { ثمرات } بمعنى مرزوقا وصح مجىء الحال من النكرة
~~عند من لا يراه لتخصصها بالإضافة هنا، أو على أنه مفعول له ms08007 بتقدير نسوق
~~إليه ذلك رزقا. وحاصل الرد أنه لا وجه لخوف من التخطف إن أمنوا فإنهم لا
~~يخافون منه وهم عبدة أصنام فكيف يخافون إذا أمنوا وضموا حرمة الإيمان إلى
~~حرمة المقام { ولكن أكثرهم لا يعلمون } جهلة لا
~~يتفطنون ولا يتفكرون ليعلموا ذلك فهو متعلق بقوله تعالى: { أو لم
~~نمكن } الخ. وقيل: هو متعلق بقوله سبحانه: { من لدنا } أي قليل
~~منهم يتدبرون فيعلمون أن ذلك رزق من عند الله عز وجل إذ لو علموا لما
~~خافوا غيره، والأول أظهر، والكلام عليه أبلغ في الذم.

# وقرأ المنقري { نتخطف } بالرفع كما قرىء في قوله تعالى:

# أينما تكونوا يدرككم الموت

# [النساء: 78] برفع يدرك وخرج بأنه بتقدير فنحن نتخطف وهو تخريج شذوذ. /
~~وقرأ نافع وجماعة عن يعقوب، وأبو حاتم عن عاصم { تجبى } بتاء التأنيث،
~~وقرىء { تجنى } بالنون من الجني وهو قطع الثمرة وتعديته بإلى كقولك يجنى
~~إلى فيه ويجنى إلى الخافة وقرأ أبان بن تغلب عن عاصم { ثمرت } بضم
~~الثاء والميم، وقرأ بعضهم { ثمرت } بفتح الثاء وإسكان الميم، ثم إنه
~~تعالى بعد أن رد عليهم خوفهم من الناس بين أنهم أحقاء بالخوف من بأس الله
~~تعالى بقوله: { وكم أهلكنا من قرية بطرت
~~معيشتها... }.

### || [28.58]

# { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها } أي وكثيرا
~~من أهل قرية كانت حالهم كحال هؤلاء في الأمن وخفض العيش والدعة حتى بطروا
~~واغتروا ولم يقوموا بحق النعمة فدمرنا عليهم وخربنا ديارهم { فتلك
~~مسكنهم } التي تمرون عليها في أسفاركم كحجر ثمود خاوية بما ظلموا
~~حال كونها. { لم تسكن من بعدهم } من بعد تدميرهم { إلا
~~قليلا } أي إلا زمانا قليلا إذ لا يسكنها إلا المارة يوما أو بعض
~~يوم أو إلا سكنا قليلا وقلته باعتبار قلة الساكنين فكأنه قيل: لم
~~يسكنها من بعدهم إلا قليل من الناس. وجوز أن يكون الاستثناء من المساكن
~~أي إلا قليلا منها سكن وفيه بعد.

# { وكنا نحن الورثين } منهم إذ لم يخلفهم أحد يتصرف تصرفهم
~~في ديارهم وسائر ذات أيديهم، وفي «الكشاف» أي تركناها على حال لا ms08008 يسكنها
~~أحد أو خربناها وسويناها بالأرض وهو مشير إلى أن الوراثة إما مجرد
~~انتقالها من أصحابها وإما إلحاقها بما خلقه الله تعالى في البدء فكأنه
~~رجع إلى أصله ودخل في عداد خالص ملك الله تعالى على ما كان أولا وهذا
~~معنى الإرث، وانتصاب { معيشتها } على التمييز على مذهب الكوفيين، أو مشبه
~~بالمفعول به على مذهب بعضهم، أو مفعول به على تضمين بطرت معنى فعل متعد
~~أي كفرت معيشتها ولم ترع حقها على مذهب أكثر البصريين أو على إسقاط { فى
~~} أي في معيشتها على مذهب الأخفش، أو على الظرف نحو جئت خفوق النجم على
~~قول الزجاج.

### || [28.59]

# { وما كان ربك مهلك القرى } بيان للعناية الربانية إثر
~~بيان إهلاك القرى المذكورة أي وما صح وما استقام أو ما كان في حكمه
~~الماضي وقضائه السابق أن يهلك القرى قبل الإنذار بل كانت سنته عز وجل أن
~~لا يهلكها { حتى يبعث فى أمها } أي في أصلها وكبيرتها التي
~~ترجع تلك القرى إليها { رسولا يتلو عليهم ءايتنا }
~~الناطقة بالحق ويدعوهم إليه بالترغيب والترهيب، وإنما لم يهلكهم سبحانه
~~حتى يبعث إليهم رسولا لإلزام الحجة وقطع المعذرة بأن يقولوا لولا أرسلت
~~إلينا رسولا فنتبع آياتك، وإنما كان البعث في أم القرى لأن في أهل
~~البلدة الكبيرة وكرسي المملكة ومحل الأحكام فطنة وكيسا فهم أقبل للدعوة
~~وأشرف. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة أن أم القرى مكة
~~والرسول محمد صلى الله عليه وسلم فالمراد بالقرى القرى التي كانت في عصره
~~عليه الصلاة والسلام والأولى أولى، والالتفات إلى نون العظمة في { آياتنا
~~} لتربية المهابة وإدخال الروعة وقرىء { فى إمها } بكسر الهمزة
~~اتباعا للميم.

# { وما كنا مهلكى القرى } عطف على { وما كان ربك
~~مهلك القرى }  { إلا وأهلها ظلمون } استثناء مفرغ
~~من أعم الأحوال أي وما كنا مهلكين لأهل القرى بعد ما بعثنا في أمها
~~رسولا يدعوهم إلى الحق ويرشدهم إليه في حال من الأحوال إلا حال كونهم
~~ظالمين بتكذيب رسولنا والكفر بآياتنا فالبعث غاية لعدم صحة الإهلاك ms08009 بموجب
~~السنة الإلهية لا لعدم وقوعه حتى يلزم تحقق الإهلاك عقيب البعث.

### || [28.60]

# { وما أوتيتم من شىء } أي أي شيء أصبتموه من / أمور الدنيا
~~وأسبابها { فمتع الحيوة الدنيا وزينتها } فهو شيء
~~شأنه أن يتمتع به ويتزين به أياما قلائل ويشعر بالقلة لفظ المتاع وكذا
~~ذكر { أبقى } في المقابل وفي لفظ (الدنيا) إشارة إلى القلة والخسة {
~~وما عند الله } في الجنة وهو الثواب { خير } في نفسه من ذلك
~~لأنه لذة خالصة وبهجة كاملة { وأبقى } لأنه أبدى وأين المتناهي من
~~غير المتناهي { أفلا تعقلون } أي ألا تتفكرون فلا تفعلون هذا
~~الأمر الواضح فتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير وتخافون على ذهاب ما
~~أصبتموه من متاع الحياة الدنيا وتمتنعون عن اتباع الهدى المفضي إلى ما
~~عند الله تعالى لذلك فكأن هذا رد عليهم في منع خوف التخطف إياهم من
~~اتباعه صلى الله عليه وسلم على تقدير تحقق وقوع ما يخافونه.

# وقرأ أبو عمرو (يعقلون) بياء الغيبة على الالتفات وهو أبلغ في الموعظة
~~لإشعاره بأنهم لعدم عقلهم لا يصلحون للخطاب، فالالتفات هنا لعدم الالتفات
~~زجرا لهم وقرىء { فمتاعا الحياة الدنيا } أي فتتمتعون به في الحياة
~~الدنيا فنصب متاعا على المصدرية والحياة على الظرفية.

### || [28.61]

# { أفمن وعدنه وعدا حسنا } أي وعدا بالجنة وما فيها من
~~النعيم الصرف الدائم فإن حسن الوعد بحسن الموعود { فهو لاقيه } أي
~~مدركه لا محالة لاستحالة الخلف في وعده تعالى ولذلك جىء بالجملة الاسمية
~~المفيدة لتحققه البتة وعطفت بالفاء المنبئة عن السببية { كمن
~~متعناه متع الحيوة الدنيا } الذي هو مشوب بالآلام
~~منغص بالأكدار مستتبع بالتحسر على الانقطاع، ومعنى الفاء الأولى ترتيب
~~إنكار التشابه بين أهل الدنيا وأهل الآخرة على ما قبلها من ظهور التفاوت
~~بين متاع الحياة الدنيا وما عند الله تعالى أي أبعد هذا التفاوت الظاهر
~~يسوى بين الفريقين.

# وقوله تعالى: { ثم هو يوم القيمة من المحضرين }
~~عطف على متعناه داخل معه في حيز الصلة مؤكد لإنكار التشابه مقوله كأنه
~~قيل كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم نحضره أو ms08010 أحضرناه يوم القيامة
~~للنار أو العذاب وغلب لفظ المحضر في المحضر لذلك والعدول إلى الجملة
~~الاسمية قيل للدلالة على التحقق حتما ولا يضر كون خبرها ظرفا مع العدول
~~وحصول الدلالة على التحقق لو قيل أحضرناه لا ينافي ذلك، وقد يقال: إن
~~فيما ذكر في النظم الجليل شيء آخر غير الدلالة على التحقيق ليس في قولك
~~ثم أحضرناه يوم القيامة كالدلالة على التقوى أو الحصر والدلالة على
~~التهويل والإيقاع في حيرة، ولمجموع ذلك جىء بالجملة الاسمية، و { يوم }
~~متعلق بالمحضرين المذكور، وقدم عليه للفاصلة أو هو متعلق بمحذوف وقد مر
~~الكلام في مثل ذلك، و { ثم } للتراخي في الرتبة دون الزمان وإن صح وكان
~~فيه إبقاء اللفظ على حقيقته لأنه أنسب بالسياق وهو أبلغ وأكثر إفادة
~~وأرباب البلاغة يعدلون إلى المجاز ما أمكن لتضمنه لطائف النكات.

# وقرأ طلحة { أمن وعدنه } بغير فاء، وقرأ قالون والكسائي { ثم
~~هو } بسكون الهاء كما قيل: عضد وعضد تشبيها للمنفصل وهو الميم الأخير
~~من ثم بالمتصل.

# والآية نزلت على ما أخرج ابن جرير عن مجاهد في رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وفي أبي جهل. وأخرج من وجه آخر عنه أنها نزلت في حمزة وأبي جهل،
~~وقيل: نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه وأبي جهل ونسب إلى محمد بن كعب
~~والسدي، وقيل: في عمار رضي الله تعالى عنه والوليد بن المغيرة، / وقيل:
~~نزلت في المؤمن والكافر مطلقا.

### || [28.62]

# { ويوم يناديهم } عطف على

# يوم القيمة

# [القصص: 61] لاختلافهما عنوانا وإن اتحدا ذاتا أو منصوب بإضمار اذكر،
~~ونداؤه تعالى إياهم يحتمل أن يكون بواسطة وأن يكون بدونها وهو نداء إهانة
~~وتوبيخ { فيقول } تفسير للنداء { أين شركائى الذين
~~كنتم تزعمون } أي الذين كنتم تزعمونهم شركائي فإن زعم مما يتعدى
~~إلى مفعولين كقوله:

# وأن الذي قد عاش يا أم مالك

# يموت ولم أزعمك عن ذاك معزلا

# وحذف هنا المفعولان معا ثقة بدلالة الكلام عليهما نحو من يسمع يخل. وفي
~~«الكشاف» يجوز حذف المفعولين في باب ظننت ولا يصح الاقتصار على ms08011 أحدهما،
~~وادعى بعضهم أن عدم صحة الاقتصار هو الأصح وأنه الذي ذهب إليه الأكثرون.
~~وقال الأخفش: إذا دخلت هذه الأفعال ظن وأخواتها على أن نحو ظننت أنك قائم
~~فالمفعول الثاني منهما محذوف والتقدير ظننت قيامك كائنا لأن المفتوحة
~~بتأويل المفرد. وسيبويه يرى في ذلك أن أن مع ما بعدها سدت مسد المفعولين،
~~وأجاز الكوفيون الاقتصار على الأول إذا سد شيء مسد الثاني كما في باب
~~المبتدأ نحو أقائم أخواك فيقولون هل ظننت قائما أخواك؟ وقال أبو حيان:
~~إذا دل دليل على أحدهما جاز حذفه كقوله:

# كأن لم يكن بين إذا كان بعده

# تلاق ولكن لا أخال تلاقيا

# أي لا إخال بعد البين تلاقيا وقال صاحب «التحفة»: يجوز الاقتصار في باب
~~كسوت على أحد المفعولين بدليل وبغير دليل لأن الأول فيهما غير الثاني
~~وأجاز بعضهم حذف الأول إذا كان هو الفاعل معنى نحو قوله تعالى:

# لا تحسبن الذين كفروا معجزين

# [النور: 57] أي ولا يحسبن الذين كفروا إياهم أي أنفسهم معجزين، وقال
~~الطيبي: في عدم الحذف فيما عدا ما ذكر. وجواز الحذف فيه لعل السر أن هذه
~~الأفعال قيود للمضامين تدخل على الجمل الاسمية لبيان ما هي عليه لأن
~~النسبة قد تكون عن علم وقد تكون عن ظن فلو اقتصر على أحد طرفي الجملة
~~لقيام قرينة توهم أن الذي سيق له الكلام والذي هو مهتم بشأنه الطرف
~~المذكور وليس غير المذكور مما يعتنى به، نعم إذا كان الفاعل والمفعول
~~لشيء واحد يهون الخطب، وذكر عن صاحب «الإقليد» ما يؤيده وقد أطال طيب
~~الله تعالى مرقده الكلام في هذا المقام، وادعى ابن هشام أن الأولى أن
~~يقدر هنا الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي لأنه لم يقع الزعم في التنزيل
~~على المفعولين الصريحين بل على أن وصلتها كقوله تعالى:

# الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء

# [الأنعام: 94] وفيه نظر. والظاهر أن المراد بالشركاء من عبد من دون الله
~~تعالى من ملك أو جن أو إنس أو كوكب أو صنم أو غير ذلك.

### || [28.63]

# { قال } استئناف مبني ms08012 على حكاية السؤال كأنه قيل: فماذا كان بعد هذا
~~السؤال فقيل قال: { الذين حق عليهم القول } أي ثبت عليهم
~~مقتضى القول وتحقق مؤداه وهو قوله تعالى:

# لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين

# [هود: 119] وغيره من آيات الوعيد، والمراد بالموصول الشركاء الذين كانوا
~~يزعمونهم شركاء من الشياطين ورؤساء الكفر، وتخصيصهم بما في حيز الصلة مع
~~شمول مضمونها الاتباع أيضا لأصالتهم في الكفر واستحقاق العذاب، والتعبير
~~عنهم بذلك دون الذين زعموهم شركاء لإخراج مثل عيسى وعزير والملائكة عليهم
~~السلام لشمول الشركاء على ما سمعت له، ومسارعتهم إلى الجواب مع كون
~~السؤال للعبدة لتفطنهم إن السؤال منهم سؤال توبيخ / وإهانة وهو يستدعي
~~استحضارهم وتوبيخهم بالإضلال وجزمهم بأن العبدة سيقولون هؤلاء أضلونا،
~~وقيل: يجوز أن يكون العبدة قد أجابوا معتذرين بقولهم هؤلاء أضلونا ثم قال
~~الشركاء ما قص الله تعالى ردا لقولهم ذلك إلا أنه لم يحك إيجازا
~~لظهوره.

# { ربنا هؤلاء الذين أغوينا } تمهيد للجواب والإشارة إلى
~~العبدة لبيان أنهم يقولون ما يقولون بمحضر منهم وأنهم غير قادرين على
~~إنكاره ورده و { هؤلاء } مبتدأ خبره الموصول بعده، وجملة { أغوينا }
~~صلة الموصول والعائد محذوف للتصريح به فيما بعد أي الذين أغويناهم، وقوله
~~تعالى: { أغوينهم كما غوينا } هو الجواب حقيقة أي ما
~~أكرهناهم على الغي وإنما أغويناهم بطريق الوسوسة والتسويل لا بالقسر
~~والإلجاء فغووا باختيارهم غيا مثل غينا باختيارنا، ويجوز أن يكون
~~الموصول صفة اسم الإشارة والخبر جملة { أغويناهم كما غوينا } ومنع ذلك
~~أبو علي في «التذكرة» بأنه يؤدي إلى أن الخبر لا يكون فيه فائدة زائدة
~~لأن إغواءهم إياهم قد علم من الوصف. ورد بأن التشبيه دل على أنهم غووا
~~باختيار لا أن الإغواء إلجاء وقوله: إن { كما غوينا } فضلة فلا تصير ذاك
~~أصلا في الجملة ليس بشيء لأن الفضلات قد تلزم في بعض المواضع نحو زيد
~~عمرو قائم في داره وقرأ أبان عن عاصم وبعض الشاميين { كما غوينا }
~~بكسر الواو، قال ابن خالويه: وليس ذلك مختارا لأن كلام العرب غويت من
~~الضلالة وغويت بالكسر ms08013 من البشم.

# { تبرأنا } منهم ومما اختاروه من الكفر والمعاصي هوى من أنفسهم
~~موجهين التبرؤ ومهيئين له { إليك } والجملة تقرير لما قبلها لأن
~~الإقرار بالغواية تبرؤ في الحقيقة ولذا لم تعطف عليه وكذا قوله تعالى: {
~~ما كانوا إيانا يعبدون } أي ما كانوا يعبدوننا وإنما كانوا
~~يعبدون في نفس الأمر والمآل أهواءهم، وقيل: ما مصدرية متصلة بقوله تعالى:
~~{ تبرأنا } وهناك جار مقدر أي تبرأنا من عبادتهم إيانا وجعلها
~~نافية على أن المعنى ما كانوا يعبدوننا باستحقاق وحجة ليس بشيء وأيا ما
~~كان فإيانا مفعول { يعبدون } قدم للفاصلة.

### || [28.64]

# { وقيل } تقريعا لهم وتهكما بهم { ادعوا شركاءكم } الذين
~~زعمتم { فدعوهم } لفرط الحيرة وإلا فليس هناك طلب حقيقة للدعاء،
~~وقيل: دعوهم لضرورة الامتثال على أن هناك طلبا، والغرض من طلب ذلك منهم
~~تفضيحهم على رؤوس الأشهاد بدعاء من لا نفع له لنفسه قيل: والظاهر من
~~تعقيب صيغة الأمر بالفاء في قوله تعالى: { فدعوهم } أنها لطلب
~~الدعاء وإيجابه والأول أبلغ في تهويل أمر أولئك الكفرة والإشارة إلى سوء
~~حالهم وأمر التعقيب بالفاء سهل { فلم يستجيبوا لهم } ضرورة
~~عدم قدرتهم على الاستجابة والنصرة، وجوز أن يكون المراد فلم يجيبوهم
~~لأنهم في شغل شاغل عنهم ولعلهم ختم على أفواههم إذ ذاك.

# { ورأوا العذاب } الظاهر أن الضمير للداعين وقال الضحاك: هو
~~للداعين والمدعوين جميعا، وقيل: هو للمدعوين فقط وليس بشيء. والظاهر أن
~~الرؤية بصرية ورؤية العذاب إما على معنى رؤية مباديه أو على معنى رؤيته
~~نفسه بتنزيله منزلة المشاهد، وجوز أن تكون علمية والمفعول الثاني محذوف
~~أي رأوا العذاب متصلا بهم أو غاشيا لهم أو نحو ذلك. وأنت تعلم أن حذف
~~أحد مفعولي أفعال القلوب مختلف في جوازه وتقدم آنفا عن البعض أن
~~الأكثرين على المنع فمن منع وقال في بيان المعنى ورأوا العذاب متصلا بهم
~~جعل متصلا حالا من العذاب.

# { لو أنهم كانوا يهتدون } لو شرطية وجوابها محذوف أي لو
~~كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل يدفعون به العذاب لدفعوا به العذاب أو
~~لو أنهم كانوا في الدنيا ms08014 مهتدين مؤمنين لما رأوا العذاب. / واعترض بأن
~~الدال على المحذوف { رأوا العذاب } وهو مثبت فلا يقدر المحذوف منفيا وهو
~~غير وارد لأن الالتفات إلى المعنى وإذا جاز الحذف لمجرد دلالة الحال فإذا
~~انضم إليها شهادة المقال كان أولى وأولى، وجوز أن تكون { لو } للتمني
~~أي تمنوا لو أنهم كانوا مهتدين فلا تحتاج إلى الجواب وقال صاحب
~~«التقريب»: فيه نظر إذ حقه أن يقال لو كنا إلا أن يكون على الحكاية كاقسم
~~ليضربن أو على تأويل رأوا متمنين هدايتهم. وجوز على تقدير كونها للتمني
~~أن يكون قد وضع { لو أنهم كانوا مهتدين } موضع تحيروا لرؤيته كان كل أحد
~~يتمنى لهم الهداية عند ذلك الهول والتحير ترحما عليهم أو هو من الله
~~تعالى شأنه على المجاز كما قيل في قوله تعالى:

# ولو أنهم ءامنوا واتقوا لمثوبة من عند الله
~~خير

# [البقرة: 103]، وجعل الطيبي وضعه موضعه من إطلاق المسبب على السبب لأن
~~تحيرهم سبب حامل على هذا القول. وقال عليه الرحمة: إن النظم على هذا
~~الوجه ينطبق.

# واختار الإمام الرازي أنها شرطية إلا أنه لم يرتض ما قالوه في تقدير
~~الجواب فقال بعد نقل ما قالوه: وعندي أن الجواب غير محذوف، وفي تقريره
~~وجوه أحدها: أن الله تعالى إذا خاطبهم بقوله سبحانه: { ادعوا
~~شركاءكم } فهناك يشتد الخوف عليهم ويلحقهم شيء كالسدر والدوار
~~فيصيرون بحيث لا يبصرون شيئا، فقال سبحانه: ورأوا العذاب لو أنهم كانوا
~~يبصرون شيئا على معنى أنهم لم يروا العذاب لأنهم صاروا بحيث لا يبصرون
~~شيئا، وثانيها: أنه تعالى لما ذكر عن الشركاء وهي الأصنام إنهم لا
~~يجيبون الذين دعوهم قال في حقهم: { ورأوا العذاب لو أنهم
~~كانوا يهتدون } أي هذه الأصنام كانوا يشاهدون العذاب لو كانوا من
~~الأحياء المهتدين، ولكنها ليست كذلك، والإتيان بضمير العقلاء على حسب
~~اعتقاد القوم بهم، وثالثها: أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب أي
~~والكفار علموا حقية هذا العذاب [في الدنيا] لو كانوا يهتدون وهذه الوجوه
~~عندي خير من الوجوه المبنية على أن جواب (لو) ms08015 محذوف فإن ذلك يقتضي تفكيك
~~نظم الآية اه ولعمري أنه لم يأت بشيء وما يرد عليه أظهر من أن يخفى على
~~من له أدنى تمييز بين الحي واللي.

### || [28.65]

# { ويوم ينديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين }
~~عطف على الأول سئلوا أولا عن إشراكهم لأنه المقصود من

# أين شركائى الذين كنتم تزعمون

# [القصص: 62]، وثانيا عن جوابهم للرسل الذين نهوهم عن ذلك.

### || [28.66]

# { فعميت عليهم الأنباء يومئذ } أصله فعموا عن الأنباء
~~أي لم يهتدوا إليها، وفيه استعارة تصريحية تبعية حيث استعير العمى لعدم
~~الاهتداء ثم قلب للمبالغة فجعل الأنباء لا تهتدي إليهم وضمن العمى معنى
~~الخفاء فعدي بعلى ولولاه لتعدى بعن ولم يتعلق بالأنباء لأنها مسموعة لا
~~مبصرة، وفي هذا القلب دلالة على أن ما يحضر الذهن يفيض عليه ويصل إليه من
~~الخارج ونفس الأمر إما ابتداء وإما بواسطة تذكر الصورة الواردة منه
~~بأماراتها الخارجية فإذا أخطأ الذهن الخارج بأن لم يصل إليه لانسداد
~~الطريق بينه وبينه بعمى ونحوه لم يمكنه إحضار ولا استحضار، وذلك لأنه لما
~~جعل الأنباء الواردة عليهم من الخارج عميا لا تهتدي دل على أنهم عمي لا
~~يهتدون بالطريق الأولى لأن اهتداءهم بها فإذا كانت هي في نفسها لا تهتدي
~~فما بالك بمن يهتدي بها كذا قيل: فليتدبر، وجوز أن يكون في الكلام
~~استعارة مكنية تخييلية أي فصارت الأنباء كالعمى عليهم لا تهتدي إليهم،
~~والمراد بالأنباء إما ما طلب منهم مما أجابوا به الرسل عليهم السلام أو
~~ما يعمها وكل ما يمكن الجواب به، وإذا كانت الرسل عليهم السلام يتتعتعون
~~في الجواب عن مثل ذلك في ذلك المقام الهائل ويفوضون العلم إلى / علام
~~الغيوب مع نزاهتهم عن غائلة المسؤول فما ظنك بأولئك الضلال من الأمم.
~~وقرأ الأعمش وجناح بن حبيش وأبو زرعة بن عمرو بن جرير { فعميت } بضم
~~العين وتشديد الميم.

# { فهم لا يتساءلون } أي لا يسأل بعضهم بعضا لفرط الدهشة أو
~~العلم بأن الكل سواء في الجهل، والفاء إما تفصيلية أو تفريعية لأن سبب
~~العمى فرط الدهشة. وقرأ ms08016 طلحة { لا يساءلون } بإدغام التاء في السين.

### || [28.67]

# { فأما من تاب } أي من الشرك { وءامن وعمل صلحا }
~~أي جمع بين الإيمان والعمل الصالح { فعسى أن يكون من
~~المفلحين } أي الفائزين بالمطلوب عنده عز وجل الناجين عن المهروب و
~~{ عسى } للتحقيق على عادة الكرام أو للترجي من قبل التائب المذكور
~~بمعنى فليتوقع أن يفلح، وقوله تعالى: { فأما } قيل لتفصيل المجمل
~~الواقع في ذهن السامع من بيان ما يؤول إليه حال المشركين، وهو أن حال من
~~تاب منهم كيف يكون، والدلالة على ترتب الإخبار به على ما قبله فالآية
~~متعلقة بما عندها. وقال الطيبي: هي متعلقة بقوله تعالى:

# أفمن وعدنه وعدا حسنا

# [القصص: 61] والحديث عن الشركاء مستطرد لذكر الإحضار، وتعقبه في «الكشف»
~~بأن الظاهر أنه ليس متعلقا به بل لما ذكر سبحانه حال من حق عليه القول
~~من التابع والمتبوع قال تعالى شأنه حثا لهم على الإقلاع: { فأما من
~~تاب وءامن } فكأنه قيل: ما ذكر لمصيرهم فأما من تاب فكلا.

### || [28.68]

# { وربك يخلق ما يشاء } خلقه من الأعيان والأعراض {
~~ويختار } عطف على يخلق، والمعنى على ما قيل: يخلق ما يشاؤه باختياره
~~فلا يخلق شيئا بلا اختيار، وهذا مما لم يفهم مما يشاء فليس في الآية
~~شائبة تكرار، وقيل في دفع ما يتوهم من ذلك غير ما ذكر مما نقله ورده
~~الخفاجي ولم يتعرض للقدح في هذا الوجه، وأراه لا يخلو عن بعد ولي وجه في
~~الآية سأذكره بعد إن شاء الله تعالى. { ما كان لهم الخيرة }
~~أي التخير كالطيرة بمعنى التطير وهما والاختيار بمعنى.

# وظاهر الآية نفي الاختيار عن العبد رأسا كما يقوله الجبرية، ومن أثبت
~~للعبد اختيارا قال: إنه لكونه بالدواعي التي لو لم يخلقها الله تعالى
~~فيه لم يكن { كان } في حيز العدم، وهذا مذهب الأشعري على ما حققه العلامة
~~الدواني قال: الذي أثبته الأشعري هو تعلق قدرة العبد وإرادته الذي هو سبب
~~عادي لخلق الله تعالى الفعل فيه، وإذا فتشنا عن مبادي الفعل وجدنا
~~الإرادة منبعثة عن شوق له ms08017 وتصور أنه ملائم وغير ذلك من أمور ليس شيء منها
~~بقدرة العبد واختياره، وحقق العلامة الكوراني في بعض «رسائله» المؤلفة في
~~هذه المسألة أن مذهب السلف أن للعبد قدرة مؤثرة بإذن الله تعالى وأن له
~~اختيارا لكنه مجبور باختياره وادعى أن ذلك هو مذهب الأشعري دون ما شاع
~~من أن له قدرة غير مؤثرة أصلا بل هي كاليد الشلاء ونفي الاختيار عنه على
~~هذا نحوه على ما مر فإنه حيث كان مجبورا به كان وجوده كالعدم.

# وقيل: إن الآية أفادت نفي ملكهم للاختيار ويصدق على المجبور باختياره
~~بأنه غير مالك للاختيار إذ لا يتصرف فيه كما يشاء تصرف المالك في ملكه،
~~وقيل: المراد لا يليق ولا ينبغي لهم أن يختاروا عليه تعالى أي لا ينبغي
~~لهم التحكم عليه سبحانه بأن يقولوا لم لم يفعل الله تعالى كذا؟ ويؤيده أن
~~الآية نزلت حين قال الوليد بن المغيرة

# لولا نزل هذا القرآن على رجل من
~~القريتين عظيم

# [الزخرف: 31] أو حين قال اليهود لو كان الرسول إلى محمد غير جبريل لآمنا
~~به على ما قيل، والجملة / على هذا الوجه مؤكدة لما قبلها أو مفسرة له إذ
~~معنى ذلك يخلق ما يشاء ويختار ما يشاء أن يختاره لا ما يختاره العباد
~~عليه ولذا خلت عن العاطف وهي على ما تقدم مستأنفة في جواب سؤال تقديره
~~فما حال العباد؟ أو هل لهم اختيار أو نحوه؟ فقيل: إنهم ليس لهم اختيار،
~~وضعف هذا الوجه بأنه لا دلالة على هذا المعنى في النظم الجليل وفيه حذف
~~المتعلق وهو على الله تعالى من غير قرينة دالة عليه، وكون سبب النزول ما
~~ذكر ممنوع، والقول الثاني فيه يستدعي بظاهره أن يكون ضمير { لهم } لليهود
~~وفيه من البعد ما فيه.

# وقيل: { ما } موصولة مفعول { يختار } والعائد محذوف، والوقف على { يشاء
~~} لا نافية، والوقف على { يختار } كما نص عليه الزجاج وعلي بن سليمان
~~والنحاس كما في الوجهين السابقين أي ويختار الذي كان لهم فيه الخير
~~والصلاح، واختياره تعالى ذلك بطريق التفضل ms08018 والكرم عندنا وبطريق الوجوب
~~عند المعتزلة، وإلى موصولية { ما } وكونها مفعول { يختار } ذهب الطبري
~~إلا أنه قال في بيان المعنى عليه: أي ويختار من الرسل والشرائع ما كان
~~خيرة للناس، وأنكر أن تكون نافية لئلا يكون المعنى أنه لم تكن لهم الخيرة
~~فيما مضى وهي لهم فيما يستقبل، وادعى أبو حيان أنه روي عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما معنى ما ذهب إليه، واعترض بأن اللغة لا تساعده لأن
~~المعروف فيها أن الخيرة بمعنى الاختيار لا بمعنى الخير وبأنه لا يناسب ما
~~بعده من قوله تعالى: { سبحن الله } الخ، وكذا لا يناسب ما قبله
~~من قوله سبحانه: { يخلق ما يشاء } ، وضعفه بعضهم بأن فيه حذف
~~العائد ولا يخفى أن حذفه كثير. وأجيب عما اعترض به الطبري بأنه يجوز أن
~~يكون المراد بمعونة المقام استمرار النفي؛ أو يكون المراد ما كان لهم في
~~علم الله تعالى ذلك، وهذا بعد تسليم لزوم كون المعنى ما ذكره لو أبقى
~~الكلام على ظاهره.

# وقال ابن عطية: يتجه عندي أن يكون { ما } مفعول { يختار } إذا قدرنا {
~~كان } تامة أي إن الله تعالى يختار كل كائن ولا يكون شيء إلا بإذنه وقوله
~~تعالى: { لهم الخيرة } جملة مستأنفة معناها تعديد النعمة عليهم
~~في اختيار الله سبحانه لهم لو قبلوا وفهموا اه. يعني والله تعالى أعلم
~~أن المراد خيرة الله تعالى لهم أي اختياره لمصلحتهم. وللفاضل سعدي جلبي
~~نحو هذا إلا أنه قال في قوله تعالى: { لهم الخيرة } إنه في معنى
~~ألهم الخيرة؟ بهمزة الاستفهام الإنكاري، وذكر أن هذا المعنى يناسبه ما
~~بعد من قوله سبحانه: { سبحن الله } الخ فإنه إما تعجيب عن إثبات
~~الاختيار لغيره تعالى أو تنزيه له عز وجل عنه، ولا يخفى ضعف ما قالاه لما
~~فيه من مخالفة الظاهر من وجوه.

# ويظهر لي في الآية غير ما ذكر من الأوجه، وهو أن يكون { يختار } معطوفا
~~على { يخلق } والوقف عليه تام كما نص عليه غير واحد وهو من الاختيار
~~بمعنى الانتقاء والاصطفاء وكذا الخيرة ms08019 بمعنى الاختيار بهذا المعنى والفعل
~~متعد حذف مفعوله ثقة بدلالة ما قبله عليه أي ويختار ما يشاء، وتقديم
~~المسند إليه في كل من جانبي المعطوف والمعطوف عليه لإفادة الحصر، وجملة
~~{ ما كان لهم الخيرة } مؤكدة لما قبلها حيث تكفل الحصر بإفادة النفي الذي
~~تضمنته، والكلام مسوق لتجهيل المشركين في اختيارهم ما أشركوه واصطفائهم
~~إياه للعبادة والشفاعة لهم يوم القيامة كما يرمز إليه

# ادعوا شركاءكم

# [القصص: 64] وللتعبير - بما - وجه ظاهر، والمعنى وربك لا غيره يخلق ما
~~يشاء خلقه وهو سبحانه دون غيره ينتقي ويصطفي ما يشاء انتقاءه واصطفاءه
~~فيصطفي مما يخلقه شفعاء ويختارهم للشفاعة ويميز بعض مخلوقاته جل جلاله
~~على بعض ويفضله عليه بما شاء ما كان لهؤلاء المشركين أن ينتقوا ويصطفوا
~~ما شاءوا ويميزوا بعض مخلوقاته تعالى على بعض ويجعلوه مقدما عنده عز وجل
~~على غيره لأن ذلك يستدعي القدرة / الكاملة وعدم كون فاعله محجورا عليه
~~أصلا وأنى لهم ذلك فليس لهم إلا اتباع اصطفاء الله تعالى وهو جل وعلا لم
~~يصطف شركاءهم الذين اصطفوهم للعبادة والشفاعة على الوجه الذي اصطفوهم
~~عليه فما هم إلا جهال ضلال صدوا عما يلزمهم وتصدوا لما ليس لهم بحال من
~~الأحوال، وإن شئت فنزل الفعل منزلة اللازم وقل المعنى وربك لا غيره يخلق
~~ما يشاء خلقه وهو سبحانه لا غيره يفعل الاختيار والاصطفاء فيصطفي بعض
~~مخلوقاته لكذا وبعضا آخر لكذا ويميز بعضا منها على بعض ويجعله مقدما
~~عنده تعالى عليه فإنه سبحانه قادر حكيم لا يسأل عما يفعل وهو جل وعلا
~~أعظم من أن يعترض عليه وأجل، ويدخل في الغير المنفي عنه ذلك المشركون
~~فليس لهم أن يفعلوا ذلك فيصطفوا بعض مخلوقاته للشفاعة ويختاروهم للعبادة
~~ويجعلوهم شركاء له عز وجل ويدخل في الاختيار المنفي عنهم ما تضمنه قولهم

# لولا نزل هذا القرآن على رجل من
~~القريتين عظيم

# [الزخرف: 31] فإن فيه انتقاء غيره صلى الله عليه وسلم من الوليد بن
~~المغيرة أو عروة بن مسعود الثقفي وتمييزه بأهلية تنزيل القرآن عليه فإن
~~صح ما قيل: ms08020 في سبب نزول هذه الآية من أنه القول المذكور كان فيها رد ذلك
~~عليهم أيضا إلا أنها لتضمنها تجهيلهم باختيارهم الشركاء واصطفائهم إياهم
~~آلهة وشفعاء كتضمنها الرد المذكور جيء بها هنا متعلقة بذكر الشركاء
~~وتقريع المشركين على شركهم، وربما يقال: إنها لما تضمنت تجهيلهم فيما له
~~نوع تعلق به تعالى كاتخاذ الشركاء له سبحانه وفيما له نوع تعلق بخاتم
~~رسله عليه الصلاة والسلام كتمييزهم غيره عليه الصلاة والسلام بأهلية
~~الإرسال إليه وتنزيل القرآن عليه جيء بها بعد ذكر سؤال المشركين عن
~~إشراكهم وسؤالهم عن جوابهم للمرسلين الناهين لهم عنه الذين عين أعيانهم
~~وقلب صدر ديوانهم رسوله الخاتم لهم صلى الله عليه وسلم فلها تعلق بكلا
~~الأمرين إلا أن تعلقها بالأمر الأول أظهر وأتم وخاتمتها تقتضيه على أكمل
~~وجه وأحكم. وربما يقال أيضا: إن لها تعلقا بجميع ما قبلها، أما تعلقها
~~بالأمرين المذكورين فكما سمعت، وأما تعلقها بذكر حال التائب فمن حيث إن
~~انتظامه في سلك المفلحين يستدعي اختيار الله تعالى إياه واصطفاءه له
~~وتمييزه على من عداه، ولذا جيء بها بعد الأمور الثلاثة وذكر انحصار الخلق
~~فيه تعالى وتقديمه على انحصار الاختيار والاصطفاء مع أن مبنى التجهيل
~~والرد إنما هو الثاني للإشارة إلى أن انحصار الاختيار من توابع انحصار
~~الخلق، وفي ذكره تعالى بعنوان الربوبية إشارة إلى أن خلقه عز وجل ما شاء
~~على وفق المصلحة والحكمة وإضافة الرب إليه صلى الله عليه وسلم لتشريفه
~~عليه الصلاة والسلام وهي في غاية الحسن إن صح ما تقدم عن الوليد سببا
~~للنزول، ويخطر في الباب احتمالات أخر في الآية فتأمل فإني لا أقول ما
~~أبديته هو المختار كيف وربك جل شأنه يخلق ما يشاء ويختار.

# { سبحن الله } أي تنزه تعالى بذاته تنزها خاصا به من أن
~~ينازعه أحد أو يزاحم اختياره عز شأنه { وتعلى عما يشركون
~~} أي عن إشراكهم على أن (ما) مصدرية ويحتمل أن تكون موصولة بتقدير مضاف
~~أي عن مشاركة ما يشركونه به كذا قيل، وجعل بعضهم { سبحن الله }
~~تعجيبا ms08021 من إشراكهم من يضرهم بمن يريد لهم كل خير تبارك وتعالى وهو على
~~احتمال كون { ما } فيما تقدم موصولة مفعول { يختار } ، والمعنى ويختار
~~ما كان لهم فيه الخير والصلاح، ويجوز أن يكون تعجيبا أيضا من اختيارهم
~~شركاءهم الذين أعدوهم للشفاعة وإقدامهم على ما لم يكن لهم وذلك بناء على
~~ما ظهر لنا وظاهر كلام كثير أن الآية ليست من باب الإعمال، وجوز أن تكون
~~منه بأن يكون كل من سبحان وتعالى طالبا عما يشركون والأفيد على ما قيل
~~أن لا تكون منه.

### || [28.69]

# { وربك يعلم ما تكن صدورهم } أي ما يكنون ويخفون في
~~صدورهم من الاعتقادات الباطلة ومن عداوتهم لرسول الله صلى الله عليه
~~وسلم، ونحو ذلك { وما يعلنون } وما يظهرونه من الأفعال الشنيعة
~~والطعن فيه عليه الصلاة والسلام وغير ذلك، ولعله للمبالغة في خباثة
~~باطنهم لأن ما فيه مبدأ لما يكون في الظاهر من القبائح لم يقل ما يكنون
~~كما قيل: { ما يعلنون }. وقرأ ابن محيصن { تكن } بفتح التاء وضم
~~الكاف.

### || [28.70]

# { وهو الله } أي وهو تعالى المستأثر بالألوهية المختص بها، وقوله
~~سبحانه: { لا إله إلا هو } تقرير لذلك كقولك: الكعبة القبلة
~~لا قبلة إلا هي. { له الحمد فى الأولى والأخرة } أي له
~~تعالى ذلك دون غيره سبحانه لأنه جل جلاله المعطي لجميع النعم بالذات وما
~~سواه وسائط، والمراد بالحمد هنا ما وقع في مقابلة النعم بقرينة ذكرها
~~بعده بقوله تعالى:

# قل أرءيتم

# [القصص: 71] الخ. وزعم بعضهم أن الحمد هنا أعم من الشكر، واعتبر الحصر
~~بالنسبة إلى مجموع حمدي الدارين زاعما أن الحمد في الدنيا وإن شاركه فيه
~~غيره تعالى لكن الحمد في الآخرة لا يكون إلا له تعالى، وفيه أن الحمد
~~مطلقا مختص به تعالى لأن الفضائل والأوصاف الجميلة كلها بخلقه تعالى
~~فيرجع الحمد عليها في الآخرة له تعالى لأنه جل وعلا مبديها ومبدعها، ولو
~~نظر إلى الظاهر لم يكن حمد الآخرة مختصا به سبحانه أيضا فإن نبينا صلى
~~الله عليه وسلم يحمده الأولون والآخرون عند الشفاعة الكبرى، ms08022 وفسر غير
~~واحد حمده تعالى في الآخرة بقول المؤمنين:

# الحمد لله الذى صدقنا وعده

# [الزمر: 74] وقولهم:

# الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن

# [فاطر: 34] وقولهم:

# الحمد لله رب العلمين

# [الزمر: 75]، وقالوا: التحميد هناك على وجه اللذة لا الكلفة، وفي حديث
~~رواه مسلم وأبو داود عن جابر في وصف أهل الجنة «يلهمون التسبيح والتهليل
~~كما يلهمون النفس».

# { وله الحكم } أي القضاء النافذ في كل شيء من غير مشاركة فيه
~~لغيره تعالى، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أي له الحكم بين عباده
~~تعالى فيحكم لأهل طاعته بالمغفرة والفضل ولأهل معصيته بالشقاء والويل {
~~وإليه } سبحانه لا إلى غيره. { ترجعون } بالبعث.

### || [28.71]

# { قل } تقريرا لما ذكر { أرءيتم } أي أخبروني، وقرأ الكسائي {
~~أريتم } بحذف الهمزة { إن جعل الله عليكم الليل
~~سرمدا } أي دائما وهو عند البعض من السرد وهو المتابعة والاطراد
~~والميم مزيدة لدلالة الاشتقاق عليه فوزنه فعمل ونظيره دلامص من الدلاص،
~~يقال: درع دلاص أي ملساء لينة. واختار بعض النحاة أن الميم أصلية فوزنه
~~فعلل لأن الميم لا تنقاس زيادتها في الوسط، ونصبه إما على أنه مفعول ثان
~~لجعل أو على أنه حال من (الليل)، وقوله تعالى: { إلى يوم
~~القيمة } إما متعلق بسرمدا أو بجعل؛ وجوز أبو البقاء أيضا تعلقه
~~بمحذوف وقع صفة لسرمدا وجعله تعالى كذلك بإسكان الشمس تحت الأرض مثلا.

# وقوله تعالى: { من إله } مبتدأ وخبر، وقوله سبحانه: { غير
~~الله } صفة لإله، وقوله تعالى: { يأتيكم بضياء } صفة أخرى له
~~عليها يدور أمر التبكيت والإلزام كما في قوله تعالى:

# قل من يرزقكم من السماء والأرض

# [يونس: 31] وقوله سبحانه:

# فمن يأتيكم بماء معين

# [الملك: 30] ونظائرهما خلا إنه قصد بيان انتفاء الموصوف بانتفاء الصفة،
~~ولم / يؤت بهل التي هي لطلب التصديق المناسب بحسب الظاهر للمقام، وأتى
~~بمن التي هي لطلب التعيين المقتضي لأصل الوجود لإيراد التبكيت والإلزام
~~على زعمهم فإنه أبلغ كما لا يخفى، وجملة { من إله } الخ قال أبو
~~حيان: في موضع المفعول الثاني لأرأيتم وجعل (الليل) مما تنازع فيه
~~(أرأيتم) و(جعل) وقال: ms08023 إنه أعمل فيه الثاني فيكون المفعول الأول للأول
~~محذوفا، وحيث جعلت تلك الجملة في موضع مفعوله الثاني لا بد من تقدير
~~العائد فيها أي من إله غيره يأتيكم بضياء بدله مثلا، وجواب (إن) محذوف
~~دل عليه ما قبله، وكذا يقال في الآية بعد، وعن ابن كثير أنه قرأ { بضآء }
~~بهمزتين { أفلا تسمعون } سماع فهم وقبول الدلائل الباهرة والنصوص
~~المتظاهرة لتعرفوا أن غير الله تعالى لا يقدر على ذلك.

### || [28.72]

# { قل أرءيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا
~~إلى يوم القيمة } بإسكان الشمس في وسط السماء مثلا { من
~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه }
~~استراحة من متاعب الأشغال { أفلا تبصرون } الشواهد المنصوبة
~~الدالة على القدرة الكاملة لتقفوا على أن غير الله تعالى لا قدرة له على
~~ذلك، ويعلم مما ذكرنا أن كلا من جملتي

# أفلا تسمعون

# [القصص: 71] و { أفلا تبصرون } تذييل للتوبيخ الذي يعطيه قوله
~~تعالى:

# أرأيتم إن جعل الله عليكم

# [القصص: 71] الخ قبله، وأفاد الزمخشري أن ظاهر التقابل يقتضي ذكر النهار
~~والتصرف فيه إلا أن العدول عن ذلك إلى الضياء وهو ضوء الشمس للدلالة على
~~أنه يتضمن منافع كثيرة منها التصرف فلو أتى بالنهار لاستدعى القصر على
~~تلك المنفعة من ضرورة التقابل ولأن المنافع للضياء لا للنهار على أن
~~النهار أيضا من منافعه، ثم استشعر أن يقال: فلم لم يؤت بالظلام بدل
~~الليل في الآية الثانية لتتم المقابلة من هذا الوجه؟ وأجاب بأنه ليس بتلك
~~المنزلة فلا هو مقصود في ذاته كالضياء ولا أن المنافع من روادفه مع ما
~~فيهما من الاستئناس والاشمئزاز، بل لو تأمل حق التأمل وجد حكم بأن الليل
~~من منافع الضياء أيضا والظلام من ضرورات كون الشمس المضيئة تحت الأرض
~~وإلقاء ظل الليل، ثم أفاد أن التفصلة وهو التذييل المذكور فيها إرشاد إلى
~~هذه النكتة فإن قوله تعالى:

# أفلا تسمعون

# [القصص: 71] يدل على أن التوبيخ بعدم التأمل في الضياء أكثر من حيث إن
~~مدرك السمع أكثر. والمراد ما يدركه العقل بواسطة السمع فلا يرد أن ms08024 مدركه
~~الأصوات وحدها ومدرك البصر أكثر من ذلك، وذلك أن ما لا يدرك بحس أصلا
~~يدرك بواسطة السمع إذا عبر عنه المعبر بعبارة مفهمة، وأما ما يدرك بالبصر
~~فمن مشاهدة المبصرات وهي قليلة، وأما المطالعة من الكتب فإنها أضيق
~~مجالا من السمع وقرعه كذا في «الكشف»، والعلامة الطيبي قرر عبارة
~~«الكشاف» بما قرر ثم قال: الأبعد من التكلف أن يجعل { أفلا تسمعون }
~~تذييلا للتوبيخ المستفاد من { أرأيتم } الخ قبله وكذا { أفلا
~~تبصرون } على ما في «المعالم» { أفلا تسمعون } سماع فهم وقبول أفلا
~~تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ ليجتمع لهم الصمم والعمى من الإعراض عن
~~سماع البراهين والإغماض عن رؤية الشواهد. ولما كانت استدامة الليل أشق من
~~استدامة النهار لأن النوم الذي هو أجل الغرض فيه شبيه الموت والابتغاء من
~~فضل الله تعالى الذي هو بعض فوائد النهار شبيه بالحياة قيل في الأول {
~~أفلا تسمعون } أي سماع فهم وفي الثاني { أفلا تبصرون } أي ما أنتم عليه
~~من الخطأ ليطابق كل من التذييلين الكلام السابق من التشديد والتوبيخ،
~~وذكر في حاصل المعنى ما ذكرناه أولا ثم قال: وفيه أن دلالة النص أولى
~~وأقدم من العقل، وصاحب «الكشف» قرر / العبارة بما سمعت وذكر أن ذلك لا
~~ينافي ما في «المعالم» بل يؤكده ويبين فائدة التوبيخين، ونقل الطيبي عن
~~الراغب في «غرة التنزيل» أنه قال: إن نسخ الليل بالنير الأعظم أبلغ في
~~المنافع وأضمن للمصالح من نسخ النهار بالليل، ألا ترى أن الجنة نهارها
~~دائم لا ليل معه لاستغناء أهلها عن الاستراحة فتقديم ذكر الليل لانكشافه
~~عن النهار الذي هو أجدى من تفاريق العصا ومنافع ضوء شمسه أكثر من أن تحصى
~~أحق وأولى، ومعنى قوله تعالى:

# أفلا تسمعون

# [القصص: 71] أفلا تسمعون سماع من يتدبر المسموع ليستدرك منه قصد القائل
~~ويحيط بأكثر ما جعل الله تعالى في النهار من المنافع فإن عقيب السماع
~~استدراك المراد بالمسموع إذا كان هناك تدبر وتفكر فيه ومعنى { أفلا
~~تبصرون } أتستدركون من ذلك ما يجب استدراكه انتهى.

# وفي «الكشف» ms08025 أنه مؤيد لما ذكره صاحب «الكشاف»، وربما يقال ذكر سبحانه
~~أولا: فرضية جعل الليل سرمدا وثانيا: فرضية جعل النهار كذلك لأن الليل
~~كما قالوا مقدم على النهار شرعا وعرفا وأيضا ذلك أوفق بقوله تعالى:

# وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون

# [القصص: 69] ففي المثل الليل أخفى للويل وكذا بقوله تعالى سبحانه:

# له الحمد فى الأولى والأخرة

# [القصص: 70] ففي الأثر «كان الخلق في ظلمة فرش الله تعالى عليهم من
~~نوره»، ولعله لاعتبار الأولية والآخرية ذيلت الآية الأولى بقوله تعالى: {
~~أفلا تسمعون } بناء على أن المعنى أفلا تسمعون ممن سلف من
~~آبائكم أو مما سلف منا أن آلهتكم لا تقدر على مثل ذلك والثانية بقوله
~~سبحانه: { أفلا تبصرون } بناء على أن المعنى أفلا تبصرون أنتم
~~عجزها عن مثل ذلك وجيء بالضياء غير موصوف في الآية الأولى وبالليل
~~موصوفا في الثانية لما أفاده الزمخشري وقيل في وجه تذييل الآية الأولى
~~بقوله تعالى: { أفلا تسمعون } دون قوله سبحانه: { أفلا
~~تبصرون } أن المفروض لو تحقق بقي معه السمع دون الإبصار إذ ظلمة
~~الليل لا تحجب السمع وتحجب البصر، وفي وجه تذييل الثانية بقوله تعالى: {
~~أفلا تبصرون } دون { أفلا تسمعون } أن تحقق المفروض وعدمه
~~سيان في أمر السمع دون الإبصار إذ لضياء النهار مدخل في الإبصار وليس له
~~مدخل في السمع أصلا وهو كما ترى.

# { واعلم } أن ههنا إشكالا وهو أن جعل الليل سرمدا إلى يوم
~~القيامة أن تحقق لم يتصور الإتيان بضياء أصلا وكذا جعل النهار سرمدا
~~إلى يوم القيامة إن تحقق لم يتصور الإتيان بليل كذلك، أما من غيره تعالى
~~فظاهر لأنه معدن العجز عن كل شيء، وأما منه عز وجل فلاستلزامه اجتماع
~~الليل والنهار إذا لو لم يجتمعا لم يتحقق الليل مستمرا إلى يوم القيامة
~~وكذا جعل النهار كذلك وهو خلاف المفروض واجتماعهما محال والمحال لا
~~صلاحية له لتعلق القدرة فلا يراد.

# وأجيب بأن المراد إن أراد سبحانه ذلك فمن إله غيره تعالى يأتيكم بخلاف
~~مراده سبحانه بأن يقطع الاستمرار فيأتي بنهار بعد ms08026 ليل وليل بعد نهار،
~~واعترض بأنه يفهم من الآية حينئذ أنه جل وعلا هو الذي إن أراد ذلك
~~يأتيهم بخلاف مراده تعالى فيقطع الاستمرار وهو مشكل أيضا لأن إتيانه
~~تعالى بخلاف مراده جل وعلا مستلزم لتخلف المراد عن الإرادة وهو محال فإذا
~~أراد الله تبارك وتعالى شيئا على وجه إرادة لا تعليق فيها لا يمكن أن
~~يريده على خلاف ذلك الوجه، وأجيب بأنه يجوز أن يكون المراد إن أراد الله
~~تعالى ذلك غير معلق له على إرادته عز شأنه خلافه لا يأتيكم بخلافه غيره
~~عز وجل ولم يصرح بالقيد لدلالة العقل الصريح على أن الإرادة غير المعلقة
~~لا يمكن الإتيان بخلاف موجبها أصلا، ومن الناس من ذهب إلى أنه سبحانه لا
~~يبت إرادته فجميع ما يريده جل شأنه معلق، وقيل: الأولى أن يقال: ليس
~~المراد سوى أن آلهتهم لا يقدرون على الإتيان بنهار / بعد ليل وليل بعد
~~نهار إذا أراد الله تعالى شأنه استمرار أحدهما، وإنما القادر على الإتيان
~~بذلك هو الله سبحانه وحده من غير نظر إلى كون ذلك الإتيان مقيدا بتلك
~~الإرادة فتدبر.

### || [28.73]

# { ومن رحمته } أي بسبب رحمته جل شأنه { جعل لكم اليل
~~والنهار لتسكنوا فيه } أي في الليل { ولتبتغوا من
~~فضله } أي في النهار بالسعي بأنواع المكاسب ففي الآية ما يقال له
~~اللف والنشر ويسمى أيضا التفسير كقول ابن حيوش:

# ومقرطق يغني النديم بوجهه

# عن كأسه الملأى وعن إبريقه

# فعل المدام ولونها ومذاقها

# في مقلتيه ووجنتيه وريقه

# وضمير { فضله } لله تعالى؛ وجوز أبو حيان كونه للنهار على الإسناد
~~المجازي وهو خلاف الظاهر، وفيها إشارة إلى مدح السعي في طلب الرزق وقد
~~ورد " الكاسب حبيب الله " وهو لا ينافي التوكل وأن ما يحصل للعبد بواسطته
~~فضل من الله عز وجل وليس مما يجب عليه سبحانه { ولعلكم
~~تشكرون } أي ولكي تشكروا نعمته تعالى فعل ما فعل أو لتعرفوا نعمته
~~تعالى وتشكروه عليها.

### || [28.74]

# { ويوم يناديهم } منصوب باذكر. { فيقول أين شركائى
~~الذين كنتم تزعمون } تقريع إثر تقريع للإشعار بأنه ms08027 لا شيء
~~أجلب لغضب الله تعالى من الإشراك كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده عز
~~وجل، أو أن الأول لبيان فساد رأيهم كما يشير إليه قوله تعالى هناك:

# حق عليهم القول

# [القصص: 63]، وهذا لبيان أن إشراكهم لم يكن عن سند بل عن محض هوى كما
~~يشير إليه قوله تعالى بعد:

# هاتوا برهنكم

# [القصص: 75] أو الأول إحضار للشركاء بعدم الصلوح لقوله سبحانه بعده:

# ادعوا شركاءكم فدعوهم

# [القصص: 64] وهذا تحسير بأنهم لم يكونوا في شيء من اتخاذهم ألا ترى قوله
~~تعالى:

# وضل عنهم ما كانوا يفترون

# [القصص: 75].

### || [28.75]

# { ونزعنا } عطف على

# يناديهم

# [القصص: 74] وصيغة الماضي للدلالة على التحقق أو حال من فاعله بإضمار قد
~~أو بدونه والالتفات إلى نون العظمة لإبراز كمال العناية بشأن النزع
~~وتهويله أي أخرجنا بسرعة { من كل أمة } من الأمم { شهيدا }
~~شاهدا يشهد عليهم بما كانوا عليه وهو نبي تلك الأمة كما روي عن مجاهد
~~وقتادة، ويؤيده قوله تعالى:

# فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك
~~على هؤلاء شهيدا

# [النساء: 41] وهذا في موقف من مواقف يوم القيامة فلا يضر كون الشهيد في
~~موقف آخر غير الأنبياء عليهم السلام وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم أو
~~الملائكة عليهم السلام لقوله تعالى:

# وجىء بالنبيين والشهداء

# [الزمر: 69] فإنه دال في الظاهر على مغايرة الشهداء للأنبياء عليهم
~~السلام. وقيل: يجوز اتحاد الموقف والدلالة على المغايرة غير مسلمة ولو
~~سلمت فشهادة الأنبياء عليهم السلام لا تنافي شهادة غيرهم معهم، وقوله
~~تعالى: { من كل أمة } وإفراد شهيد ظاهر فيما تقدم، ومن هنا قال في
~~«البحر» قيل: أي عدولا وخيارا، والشهيد عليه اسم جنس { فقلنا } لكل
~~[أمة] من تلك الأمم { هاتوا برهنكم } على صحة ما كنتم تدينون
~~به. { فعلموا } ، يومئذ، { أن الحق لله } ، في الألوهية
~~لا يشاركه سبحانه فيها أحد. { وضل عنهم } أي وغاب عنهم غيبة الشيء
~~الضائع فضل مستعار لمعنى غاب استعارة تبعية. { ما كانوا
~~يفترون } في الدنيا من الباطل.

### || [28.76]

# { إن قرون } اسم أعجمي منع الصرف للعلمية والعجمة ms08028 / { كان من
~~قوم موسى } أي من بني إسرائيل كما هو الظاهر، وحكى ابن عطية
~~الإجماع عليه، واختلف في جهة قرابته من موسى عليه السلام فروي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما وابن جريج وقتادة وإبراهيم أنه ابن عم موسى
~~عليه السلام فموسى بن عمران بن قاهث بقاف وهاء مفتوحة وثاء مثلثة ابن
~~لاوى بالقصر ابن يعقوب عليه السلام وهو ابن يصهر بياء تحتية مفتوحة وصاد
~~مهملة ساكنة وهاء مضمومة ابن قاهث الخ. وفي «مجمع البيان» عن عطاء عن ابن
~~عباس أنه ابن خالة موسى عليه السلام، وروي ذلك عن أبي عبد الله رضي الله
~~تعالى عنه. وحكي عن محمد بن إسحاق أنه عم موسى عليه السلام وهو ظاهر على
~~قول من قال: إن موسى عليه السلام ابن عمران بن يصهر بن قاهث وهو ابن يصهر
~~بن قاهث وكان يسمى المنور لحسن صورته وكان أحفظ بني إسرائيل للتوراة
~~وأقرأهم لكنه نافق كما نافق السامري؛ وقال: إذا كانت النبوة لموسى
~~والمذبح والقربان لهارون فمالي؟ وروي أنه لما جاوز بهم موسى عليه السلام
~~البحر وصارت الرسالة والحبورة لهارون يقرب القربان ويكون رأسا فيهم وكان
~~القربان إلى موسى عليه السلام فجعله لأخيه هارون وجد قارون في نفسه
~~فحسدهما فقال لموسى الأمر لكما ولست على شيء إلى متى أصبر قال موسى عليه
~~السلام هذا صنع الله تعالى قال والله تعالى لا أصدقك حتى تأتي بآية فأمر
~~رؤساء بني إسرائيل أن يجىء كل واحد بعصاه فحزمها وألقاها في القبة التي
~~كان الوحي ينزل عليه فيها وكانوا يحرسون عصيهم بالليل فأصبحوا وإذا بعصا
~~هارون تهتز ولها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال قارون: ما هو بأعجب
~~مما تصنع من السحر { فبغى عليهم } فطلب الفضل عليهم وأن يكونوا
~~تحت أمره أو تكبر عليهم وعد من تكبره أنه زاد في ثيابه شبرا أو ظلمهم
~~وطلب ما ليس حقه قيل: وذلك حين ملكه فرعون على بني إسرائيل. وقيل: حسدهم
~~وطلب زوال نعمهم، وذلك ما ذكر منه في حق ms08029 موسى وهارون عليهما السلام،
~~والفاء فصيحة أي ضل فبغى، وجوز أن تكون على ظاهرها لأن القرابة كثيرا ما
~~تدعو إلى البغي.

# { وءاتيناه من الكنوز } أي الأموال المدخرة فهو مجاز بجعل
~~المدخر كالمدفون إن كان الكنز مخصوصا به، وحكى في «البحر» أنه سميت
~~أمواله كنوزا لأنها لم تؤد منها الزكاة وقد أمره موسى عليه السلام
~~بأدائها فأبى وهو من أسباب عداوته إياه، وقيل: الكنوز هنا الأموال
~~المدفونة وكان كما روي عن عطاء قد أظفره الله تعالى بكنز عظيم من كنوز
~~يوسف عليه السلام { ما إن مفاتحه } أي مفاتح صناديقه فهو على
~~تقدير مضاف أو الإضافة لأدنى ملابسة وهو جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به.

# وقال السدي: أي خزائنه وفي معناه قول الضحاك أي ظروفه وأوعيته، وروي نحو
~~ذلك عن ابن عباس والحسن، وقياس واحده على هذا المفتح بالفتح لأنه اسم
~~مكان، ويؤيد ما تقدم قراءة الأعمش (مفاتيحه) بياء جمع مفتاح و { ما }
~~موصولة ثاني مفعولي آتي ومفاتحه اسم إن وقوله تعالى: { لتنوء
~~بالعصبة أولي القوة } خبرها والجملة صلة (ما) والعائد
~~الضمير المجرور، ومنع الكوفيون جواز كون الجملة المصدرة بإن صلة للموصول،
~~قال النحاس: سمعت علي بن سليمان - يعني الأخفش الصغير - يقول ما أقبح ما
~~يقوله الكوفيون في الصلات أنه لا يجوز أن تكون صلة / الذي إن وما عملت
~~فيه وفي القرآن ما إن مفاتحه انتهى، ولا يخفى أن المانع من ذلك إن كان
~~عدم السماع فالرد عليهم لا يتم إلا بشاهد لا يحتمل غير ذلك و { ما } في
~~الآية تحتمل أن تكون نكرة موصوفة وإن كان المانع كون إن تقع في ابتداء
~~الكلام فلا ترتبط الجملة المصدرة بها بما قبلها فالرد بالآية المذكورة
~~عليهم تام لأن المانع المذكور كما يمنع كون الجملة صلة يمنع كونها صفة
~~فتدبر.

# و { تنوء } من ناء به الحمل إذا أثقله حتى أماله فالباء للتعدية كما في
~~ذهبت به، والعصبة الجماعة الكثيرة من غير تعيين لعدد خاص على ما ذكره
~~الراغب، ومن أهل اللغة من عين ms08030 لها مقدارا واختلفوا فيه فقيل من عشرة إلى
~~خمسة عشر وهو مروي هنا عن مجاهد، وقيل: ما بين الخمسة عشر إلى الأربعين
~~وروي ذلك عن الكلبي، وقيل: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: من عشرة
~~إلى أربعين وروي هذا عن قتادة وقيل: أربعون، وروي ذلك عن ابن عباس. وقيل:
~~سبعون، وروي ذلك عن أبي صالح مولى أم هانىء وقال الخفاجي: قد يقال إن
~~أصل معناها الجماعة مطلقا كما هو مقتضى الاشتقاق ثم إن العرف خصها بعدد
~~واختلف فيه أو اختلف بحسب موارده، وقال أبو زيد: تنوء من نؤت بالحمل إذا
~~نهضت به قال الشاعر:

# تنوء بأخراها فلأيا قيامها

# وتمشي الهوينا عن قريب فتبهر

# وفي الآية على هذا قلب عند أبي عبيدة ومن تبعه والأصل تنوء العصبة بها
~~أي تنهض، وقيل: يجوز أن لا يكون هناك قلب لأن المفاتح تنهض ملابسة للعصبة
~~إذا نهضت العصبة بها، والأولى ما قدمناه أولا وهو منقول عن الخليل
~~وسيبويه والفراء واختاره النحاس، وروي معناه عن ابن عباس وأبي صالح
~~والسدي.

# وقرأ بديل بن ميسرة { لينوء } بالباء التحتية، وخرج ذلك أبو حيان على
~~تقدير مضاف مذكر يرجع إليه الضمير أي ما إن حمل مفاتحه أو مقدارها أو نحو
~~ذلك، وقال ابن جني: ذهب بالتذكير إلى ذلك القدر والمبلغ فلاحظ معنى
~~الواحد فحمل عليه ونحوه، قول الراجز:

# مثل الفراخ نتفت حواصله

# أي حواصل ذلك أو حواصل ما ذكرنا، وقال الزمخشري: وجهه أن يفسر المفاتح
~~بالخزائن ويعطيها حكم ما أضيفت إليه للملابسة والاتصال كقولك ذهبت أهل
~~اليمامة انتهى، وإنما فسر المفاتح بالخزائن دون ما يفتح به ليتم الاتصال
~~فإن اتصال الخزائن بالمخزون فوق اتصال المفاتيح به بل لا اتصال للثاني
~~وحينئذ يكتسي التذكير من المضاف إليه كما اكتسى التأنيث من عكسه كالمثال
~~الذي ذكره، وما تقدم عن غيره أولى. قال في «الكشف» لأن تفسير المفاتح
~~بالخزائن ضعيف جدا لفوات المبالغة، وقيل: إن المفاتح بذلك المعنى غير
~~معروف وقد سمعت أنه تفسير مأثور فإذا صح ذلك فلا يلتفت إلى ms08031 ما ذكر من هذا
~~وكلام «الكشف»، وذكر أبو عمرو الداني أن بديل بن ميسرة قرأ { ما إن
~~مفتاحه } على الإفراد فلا تحتاج قراءته { لينوء } بالياء إلى تأويل، وقد
~~بولغ في كثرة مفاتيحه فروي عن خيثمة أنها كانت وقر ستين بغلا أغر محجلا
~~ما يزيد منها مفتاح على أصبع لكل مفتاح كنز، وفي رواية أخرى عنه كانت
~~مفاتيح كنوز قارون من جلود كل مفتاح على خزانة على حدة فإذا ركب حملت
~~المفاتيح على سبعين بغلا أغر محجلا.

# وفي «البحر» ذكروا من كثرة مفاتحه ما هو كذب أو يقارب الكذب فلم أكتبه،
~~ومما لا مبالغة فيه ما روي عن ابن عباس من أن المفاتح الخزائن وكانت
~~خزائنه يحملها أربعون رجلا أقوياء وكانت أربعمائة ألف يحمل كل رجل عشرة
~~آلاف وعليه فأمثال قارون في الناس أكثر من خزائنه، ولعل الآية تشير إلى
~~ما أوتيه فوق ذلك، ولا أظن الأمر كما روي عن خيثمة، وأبعد أبو مسلم في
~~تفسير الآية فقال: المراد من المفاتح العلم والإحاطة / كما في قوله
~~تعالى:

# وعنده مفاتح الغيب

# [الأنعام: 59] والمراد وآتيناه من الكنوز ما إن حفظها والاطلاع عليها
~~ليثقل على العصبة أي هذه الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها تتعب حفظتها
~~القائمين على حفظها.

# { إذ قال له قومه }. قال الزمخشري: هو متعلق بتنوء وضعف بأن
~~أثقال المفاتح العصبة ليس مقيدا بوقت قول قومه، وقال ابن عطية: ببغى،
~~وضعف بنحو ذلك، وقال أبو البقاء: بآتينا، ويجوز أن يكون ظرفا لمحذوف دل
~~عليه الكلام أي بغى عليهم إذ قال، وفي كل منهما ما سبق، وقال الحوفي
~~منصوب باذكر محذوفا، وجوز كونه متعلقا بما بعده من قوله تعالى:

# قال إنما أوتيته

# [القصص: 78] والجملة مقررة لبغيه ورجح تعلقه بمحذوف والتقدير أظهر
~~التفاخر والفرح بما أوتي إذ قال له قومه { لا تفرح } لا تبطر والفرح
~~بالدنيا لذاتها مذموم لأنه نتيجة حبها والرضا بها والذهول عن ذهابها فإن
~~العلم بأن ما فيها من اللذة مفارقة لا محالة يوجب الترح حتما كما قال
~~أبو الطيب:

# أشد الغم عندي ms08032 في سرور

# تيقن عنه صاحبه انتقالا

# وقال ابن شمس الخلافة:

# وإذا نظرت فإن بؤسا زائلا

# للمرء خير من نعيم زائل

# ولذلك قال عز وجل:

# ولا تفرحوا بما ءاتكم

# [الحديد: 23] والعرب تمدح بترك الفرح عند إقبال الخير قال الشاعر:

# ولست بمفراح إذا الدهر سرني

# ولا جازع من صرفه المتقلب

# وقال آخر:

# إن تلاق منفسا لا تلقنا

# فرح الخير ولانكبو لضر

# وعلل سبحانه النهي ههنا بكون الفرح مانعا من محبته عز وجل فقال تعالى:
~~{ إن الله لا يحب الفرحين } فهو دليل إني على كون
~~الفرح بالدنيا مذموما شرعا، وإنما قلنا: إن الفرح بها لذاتها مذموم لأن
~~الفرح بها لكونها وسيلة إلى أمر من أمور الآخرة غير مذموم، ومحبة الله
~~تعالى عنه كثير صفة فعل أي إنه تعالى لا يكرم الفرحين بزخارف الدنيا ولا
~~ينعم جل شأنه عليهم ولا يقربهم عز وجل، والمراد أنه تعالى يبغضهم ويهينهم
~~ويبعدهم عن حضرته سبحانه، وقال بعضهم: إن في نفي محبته تعالى إياهم
~~تنبيها على أن عدم محبته تعالى كاف في الزجر عما نهى عنه فما بالك
~~بالبغض والعقاب وهو حسن، وحكى عيسى بن سليمان الحجازي أنه قرىء {
~~الفارحين }.

### || [28.77]

# { وابتغ فيما ءاتاك الله } من الكنوز والغنى { الدار
~~الأخرة } أي ثوابها أي ثواب الله تعالى فيها بصرف ذلك إلى ما يكون
~~وسيلة إليه و { فى } إما ظرفية على معنى ابتغ متقلبا ومتصرفا فيه أو
~~سببية على معنى ابتغ بصرف ما آتاك الله تعالى ذلك وقرىء { اتبع }  {
~~ولا تنس } أي ولا تترك ترك المنسي { نصيبك من الدنيا } أي
~~حظك منها وهو كما أخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن تعمل
~~فيها لآخرتك، وروي ذلك عن مجاهد. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة هو أن تأخذ
~~من الدنيا ما أحل الله تعالى لك، وأخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد
~~الزهد» عن منصور قال: ليس هو عرض من عرض الدنيا ولكن نصيبك عمرك أن تقدم
~~فيه لآخرتك، وأخرج ابن المنذر وجماعة عن الحسن أنه قال في الآية: ms08033 قدم
~~الفضل وأمسك ما يبلغك، وقال مالك: هو الأكل والشرب بلا سرف، وقيل: أرادوا
~~بنصيبه من الدنيا الكفن كما قال الشاعر:

# نصيبك مما تجعل الدهر كله

# رداءان تلوى فيهما وحنوط

# وفي نهيهم إياه عن نسيان ذلك حض عظيم له على التزود من ماله للآخرة فإن
~~من يكون نصيبه من دنياه وجميع ما يملكه الكفن لا ينبغي له ترك التزود من
~~ماله وتقديم ما ينفعه في آخرته { وأحسن } عباد الله عز وجل { كما
~~أحسن الله إليك } أي مثل إحسانه تعالى إليك فيما أنعم به
~~عليك، والتشبيه في مطلق الإحسان أو لأجل إحسانه سبحانه إليك على أن الكاف
~~للتعليل. وقيل: المعنى وأحسن بالشكر والطاعة كما أحسن الله تعالى عليك
~~بالإنعام، والكاف عليه أيضا تحتمل التشبيه والتعليل { ولا تبغ
~~الفساد فى الأرض } نهى عن الاستمرار على ما هو عليه من الظلم
~~والبغي. { إن الله لا يحب المفسدين } الكلام فيه
~~كالكلام في قوله سبحانه:

# إن الله لا يحب الفرحين

# [القصص: 76] وهذه الموعظة بأسرها كانت من مؤمني قومه كما هو ظاهر الآية،
~~وقيل: إنها كانت من موسى عليه السلام.

### || [28.78]

# { قال } مجيبا لمن نصحه { إنما أوتيته على علم عندى
~~} كأنه يريد الرد على قولهم:

# كما أحسن الله إليك

# [القصص: 77] لإنبائه عن أنه تعالى أنعم عليه بتلك الأموال والذخائر من
~~غير سبب واستحقاق من قبله، وحاصله دعوى استحقاقه لما أويته لما هو عليه
~~من العلم، وقوله: { على علم } عند أكثر المعربين في موضع الحال من
~~مرفوع أوتيته قيد به العامل إشارة إلى علة الإيتاء ووجه استحقاقه له أي
~~إنما { أوتيته } كائنا على علم، وجوز كون (على) تعليلية والجار والمجرور
~~متعلق بأوتيت على أنه ظرف لغو كأنه قيل أوتيته لأجل علم، و { عندى } في
~~موضع الصفة لعلم والمراد لعلم مختص بي دونكم، وجوز كونه متعلقا بأوتيت،
~~ومعناه في ظني ورأيي كما في قولك: حكم كذا الحل عند أبي حنيفة عليه
~~الرحمة، وفي «الكشاف» ما هو ظاهر في أن (عندي) إذا كان بمعنى في ظني
~~ورأيي كان خبر ms08034 مبتدأ محذوف أي هو في ظني ورأيي هكذا، والجملة عليه
~~مستأنفة تقرر أن ما ذكره رأي مستقر هو عليه، قال في «الكشف»: وهذا هو
~~الوجه.

# والمراد بهذا العلم قيل علم التوراة فإنه كان أعلم بني إسرائيل بها،
~~وقال أبو سليمان الداراني: علم التجارة ووجوه المكاسب، وقال ابن المسيب:
~~علم الكيمياء، وكان موسى عليه السلام يعلم ذلك فأفاد يوشع بن نون ثلثه
~~وكالب بن يوفنا ثلثه وقارون ثلثه فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه
~~فكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهبا، وقيل: علم الله تعالى موسى
~~عليه السلام علم الكيمياء فعلمه موسى أخته فعلمته أخته قارون، وروي عن
~~ابن عباس تخصيصه بعلم صنعة الذهب، وقيل: علم استخراج الكنوز والدفائن،
~~وعن ابن زيد أن المراد بالعلم علم الله تعالى وأن المعنى أوتيته على علم
~~من الله تعالى وتخصيص من لدنه سبحانه قصدني به، و { عندى } عليه بمعنى
~~في ظني ورأيي، وقيل: العلم بمعنى المعلوم مثله في قوله تعالى:

# ولا يحيطون بشيء من علمه

# [البقرة: 255] وإلى ذلك يشير ما روي عن مقاتل أنه قال أي على خير علمه
~~الله تعالى عندي وتفسيره بعلم الكيمياء شائع فيما بين أهلها، وفي «مجمع
~~البيان» حكايته عن الكلبي أيضا، وأنكره الزجاج وقال: إنه لا يصح لأن
~~علم الكيمياء باطل لا حقيقة له، وتعقبه الطيبي بأنه لعله كان من قبيل
~~المعجز، وتعقب بأنه ليس بسديد وإلا لما تمكن قارون منه، وإنكار الكيمياء
~~وهو - لفظ يوناني معناه الحيلة أو عبراني وأصله كيم يه بمعنى أنه من الله
~~تعالى أو فارسي وأصله كي ميا بمعنى متى يجيء على سبيل الاستبعاد غلب على
~~تحصيل النقدين / بطريق مخصوص - مما لم يختص بالزجاج بل أنكرها جماعة أجلة
~~وقالوا بعدم إمكانها، وذهب آخرون إلى خلاف ذلك.

# وإذا أردت نبذة من الكلام في ذلك فاستمع لما يتلى عليك. ذكر بعض
~~المحققين أن مبنى الكلام في هذه الصناعة عند الحكماء على حال المعادن
~~السبعة المنطرقة وهي الذهب والفضة والرصاص والقزدير والنحاس والحديد
~~والخارصيني هل هي مختلفات ms08035 بالفصول فيكون كل منها نوعا غير النوع الآخر
~~أو هي مختلفات بالخواص والكيفيات فقط فتكون كلها أصنافا لنوع واحد فالذي
~~ذهب إليه المعلم أبو نصر الفارابي وتابعه عليه حكماء الأندلس أنها نوع
~~واحد وأن اختلافها بالكيفيات من الرطوبة واليبوسة واللين والصلابة
~~والألوان نحو الصفرة والبياض والسواد وهي كلها أصناف لذلك النوع الواحد
~~وبنى على ذلك إمكان انقلاب بعضها إلى بعض بتبدل الأعراض بفعل الطبيعة أو
~~بالصنعة.

# وقد حكى أبو بكر بن الصائغ المعروف بابن باجه في بعض تصانيفه عن المعلم
~~المذكور أنه قال: قد بين أرسطو في كتبه في المعادن أن صناعة الكيمياء
~~داخلة تحت الإمكان إلا أنها من الممكن الذي يعسر وجوده بالفعل اللهم إلا
~~أن يتفق قرائن يسهل بها الوجود وذلك أنه فحص عنها أولا على طريق الجدل
~~فأثبتها بقياس وأبطلها بقياس على عادته فيما يكثر عناده من الأوضاع ثم
~~أثبتها أخيرا بقياس ألفه من مقدمتين بينهما في أول الكتاب، الأولى: أن
~~الفلزات واحدة بالنوع والاختلاف الذي بينها ليس في ماهياتها وإنما هو في
~~أعراضها فبعضه في أعراضها الذاتية وبعضه في أعراضها العرضية، والثانية:
~~أن كل شيئين تحت نوع واحد اختلفا بعرض فإنه يمكن انتقال كل منهما إلى
~~الآخر فإن كان العرض ذاتيا عسر الانتقال وإن كان مفارقا سهل الانتقال
~~والعسر في هذه الصناعة إنما هو لاختلاف أكثر هذه الجواهر في أعراضها
~~الذاتية ويشبه أن يكون الاختلاف الذي بين الذهب والفضة يسيرا جدا اه،
~~والذي ذهب إليه الشيخ أبو علي بن سينا وتابعه عليه حكماء المشرق أنها
~~مختلفة بالفصول وأنها أنواع متباينة وبني على ذلك إنكار هذه الصناعة
~~واستحالة وجودها لأن الفصل لا سبيل بالصناعة إليه وإنما يخلقه خالق
~~الأشياء ومقدرها وهو الله عز وجل، وهذا ما حكاه ابن خلدون عنه.

# وقال الإمام في «المباحث المشرقية» في الفصل الثامن من القسم الرابع
~~منها: الشيخ سلم إمكان أن يصبغ النحاس بصبغ الفضة والفضة بصبغ الذهب وأن
~~يزال عن الرصاص أكثر ما فيه من النقص، فإما أن يكون الفصل المنوع ms08036 يسلب أو
~~يكسى، قال: فلم يظهر لي إمكانه بعد، إذ هذه الأمور المحسوسة تشبه أن لا
~~تكون الفصول التي بها تصير هذه الأجساد أنواعا بل هي أعراض ولوازم
~~وفصولها مجهولة وإذا كان الشيء مجهولا كيف يمكن قصد إيجاده وإفنائه اه.

# وغلطه الطغرائي - وهو من أكابر أهل هذه الصناعة وله فيها عدة كتب - ورد
~~عليه بأن التدبير والعلاج ليس في تخليق الفصل وإبداعه وإنما هو في إعداد
~~المادة لقبول خاصة والفصل يأتي من بعد الإعداد من لدن خالقه وبارئه جل
~~شأنه وعظمت قدرته كما يفيض سبحانه النور على الأجسام بالصقل ولا حاجة بنا
~~في ذلك إلى تصوره ومعرفته، وإذا كنا قد عثرنا على تخليق بعض الحيوانات
~~مثل العقرب من التراب والتبن، والحية من الشعر وغير ذلك فما المانع من
~~العثور على مثل ذلك في المعادن وهذا كله بالصناعة وهي إنما موضوعها
~~المادة فيعدها التدبير / والعلاج إلى قبول تلك الفصول لا أكثر، فنحن
~~نحاول مثل ذلك في الذهب والفضة فنتخذ مادة نصفها للتدبير بعد أن يكون
~~فيها استعداد أول لقبول صورة الذهب والفضة ثم نحاولها بالعلاج إلى أن يتم
~~فيها الاستعداد لقبول فصلهما اه بمعناه وهو رد صحيح فيما يظهر.

# وقال الإمام بعد ذكره ما سمعت من كلام الشيخ: هو ليس بقوي لأنا نشاهد من
~~الترياق آثارا وأفعالا مخصوصة فأما أن لا نثبت له صورة ترياقية بل نقول
~~إن الأفعال الترياقية حاصلة من ذلك المزاج لا من صورة أخرى جاز أيضا أن
~~يقال صفرة الذهب ورزانته حاصلتان مما فيه من المزاج لا من صورة مقومة
~~فحينئذ لا يكون للذهب فصل منوع إلا مجرد الصفرة والرزانة ولكنهما
~~معلومتان فأمكن أن تقصد إزالتهما واتخاذهما فبطل ما قاله الشيخ. وأما إذا
~~أثبتنا صورة مقومة له فنقول لا شك بأنا لا نعقل من تلك الصورة إلا أنها
~~حقيقة تقتضي الأفعال المخصوصة الصادرة عن الترياق فإما أن يكون هذا القدر
~~من العلم يكفي في قصد الإيجاد والإبطال أو لا يكفي فإن لم يكف وجب أن لا
~~يمكننا ms08037 اتخاذ الترياق وإن كفى فهو في مسألتنا أيضا حاصل لأنا نعلم من
~~الصورة الذهبية أنها ماهية تقتضي الذوب والصفرة والرزانة، ويجاب أيضا
~~بأنا وإن كنا لا نعلم الصورة المقومة على التفصيل إلا أنا نعلم الأعراض
~~التي تلائمها والتي لا تلائمها ونعلم أن العرض الغير الملائم إذا اشتد في
~~المادة بطلت الصورة مثل الصورة المائية فإنا نعلم أن الحرارة لا تلائمها
~~وإن كنا لا نعلم ماهيتها على التفصيل فلذلك يمكننا أن نبطل الصورة
~~المائية وأن نكسبها، أما الإبطال فبتسخين الماء وأما الاكتساب فبتبريد
~~الهواء فكذلك في مسألتنا.

# واحتج قوم من الفلاسفة على امتناعها بأمور: أولها: أن الطبيعة إنما تعمل
~~هذ الأجساد من عناصر مجهولة عندنا ولتلك العناصر مقادير معينة مجهولة
~~عندنا أيضا ولكيفيات تلك العناصر مراتب معلومة وهي مجهولة عندنا ولتمام
~~الفعل والانفعال زمان معين مجهول عندنا، ومع الجهل بكل ذلك كيف يمكننا
~~عمل هذه الأجساد، وثانيها: أن الجوهر الصابغ إما أن يكون أصبر على النار
~~من المصبوغ أو يكون المصبوع أصبر أو يتساويان فإن كان الصابغ أصبر وجب أن
~~يفنى المصبوغ ويبقى الصابغ بعد فنائه وإن كان المصبوغ أصبر وجب أن يبقى
~~بعد فناء الصابغ وإن تساويا في الصبر على النار فهما من نوع واحد
~~لاستوائهما في الصبر على النار فليس أحدهما بالصابغية والآخر بالمصبوغية
~~أولى من العكس، وثالثها: أنه لو كان بالصناعة مثلا لما كان بالطبيعة لكن
~~التالي باطل، أما أولا: فلأنا لم نجد له شبيها، وأما ثانيا: فلأنه لو
~~جاز أن يوجد بالصناعة ما يحصل بالطبيعة لجاز أن يحصل بالطبيعة ما يحصل
~~بالصناعة حتى يوجد سيف أو سرير بالطبيعة، ولما ثبت امتناع التالي ثبت
~~امتناع المقدم، ورابعها: أن لهذه الأجساد أماكن طبيعية هي معادنها وهي
~~لها بمنزلة الأرحام للحيوان فمن جوز تولدها في غير تلك المعادن كان كمن
~~جوز تولد الحيوانات في غير الأرحام.

# وأجاب الإمام عن الأول بأنه منقوض بصناعة الطب. وعن الثاني: بأنه لا
~~يلزم من استواء الصابغ والمصبوغ في الصبر على النار استواؤهما في الماهية ms08038
~~لأن المختلفين قد يشتركان في بعض الصفات، وعن الثالث: بأنه قد يوجد
~~بالصناعة مثل ما يوجد بالطبيعة مثل النار الحاصلة بالقدح، والنوشادر قد
~~يتخذ من الشعير وكذلك كثير من الزاجات ثم بتقدير أن لا نجد له مثالا لا
~~يلزم الجزم بنفيه ولا يلزم من إمكان حصول الأمر الطبيعي بالصناعة إمكان
~~عكسه بل الأمر فيه موقوف على الدليل. وعن الرابع: بأن من أراد أن يقلب
~~النحاس فضة فهو لا يكون كالمحدث للشيء بل كالمعالج للمريض، فإن / النحاس
~~من جوهر الفضة إلا أن فيه عللا وأمراضا وكما يمكن المعالجة لا في موضع
~~التكون فكذلك في هذا الموضع، على أن حاصل الدليل أن الذي يتكون في الجبال
~~لا يمكن تكونه بالصناعة، وفيه وقع النزاع.

# وابن خلدون بعد أن ذكر كلام ابن سينا ورد الطغرائي عليه قال: لنا في
~~الرد على أهل هذه الصناعة مأخذ آخر يتبين منه استحالة وجودها وبطلان
~~زعمهم أجمعين، وذلك أن حاصل علاجهم أنهم بعد الوقوف على المادة المستعدة
~~بالاستعداد الأول يجعلونها موضوعا ويحاذون في تدبيرها وعلاجها تدبير
~~الطبيعة للجسم في المعدن حتى أحالته ذهبا أو فضة ويضاعفون القوى الفاعلة
~~والمنفعلة ليتم في زمان أقصر لأنه تبين في موضعه أن مضاعفة قوة الفاعل
~~تنقص من زمن فعله وتبين أن الذهب إنما يتم كونه في معدنه بعد ألف وثمانين
~~من السنين دورة الشمس الكبرى فإذا تضاعفت القوى والكيفيات في العلاج كان
~~زمان كونه أقصر من ذلك ضرورة على ما قلناه أو يتحرون بعلاجهم ذلك حصول
~~صورة مزاجية لتلك المادة تصيرها كالخميرة للخبز تقلب العجين إلى ذاتها
~~وتعمل فيه ما حصل لها من الانتفاش والهشاشة ليحسن هضمه في المعدة ويستحيل
~~سريعا إلى الغذاء فتفعل تلك الصورة الأفاعيل المطلوبة، وذلك هو الإكسير،
~~واعلم أن كل متكون من المولدات العنصرية لا بد فيه من اجتماع العناصر
~~الأربعة على نسبة متفاوتة إذ لو كانت متكافئة في النسبة لما حصل امتزاجها
~~فلا بد من الجزء الغالب على الكل، ولا بد في كل ممتزج من المولدات من ms08039
~~حرارة غريزية هي الفاعلة لكونها الحافظة لصورته ثم كل متكون في زمان لا
~~بد من اختلاف أطواره وانتقاله في زمن التكوين من طور إلى طور حتى ينتهي
~~إلى غايته، وانظر شأن الإنسان في تطوره نطفة ثم علقة ثم وثم إلى نهايته
~~ونسب الأجزاء في كل طور مختلف مقاديرها وكيفياتها وإلا لكان الطور
~~الأول بعينه هو الآخر، وكذا الحرارة المقدرة الغريزية في كل طور مخالفة
~~لما في الطور الآخر، فانظر إلى الذهب ما يكون في معدنه من الأطوار منذ
~~ألف سنة وثمانين، وما ينتقل فيه من الأحوال فيحتاج صاحب الكيمياء أن
~~يساوق فعل الطبيعة في المدن ويحاذيه بتدبيره وعلاجه إلى أن يتم، ومن شرط
~~الصناعة مطلقا تصور ما يقصد إليه بها، فمن الأمثال السائرة في ذلك
~~للحكماء أول العمل آخر الفكرة وآخر الفكرة أول العمل فلا بد من تصور هذه
~~الحالات للذهب في أحواله المتعددة ونسبها المتفاوتة في كل طور وما ينوب
~~عنه من مقدار القوى المتضاعفة ويقوم مقامه حتى يحاذي بذلك فعل الطبيعة في
~~المعدن أو يعد لبعض المواد صورة مزاجية تكون كصورة الخميرة للخبز وتفعل
~~في هذه المادة بالمناسبة لقواها ومقاديرها.

# وهذه كلها إنما يحصرها العلم المحيط وهو علمه عز وجل، والعلوم البشرية
~~قاصرة عن ذلك، وإنما حال من يدعي حصوله على الذهب بهذه الصناعة بمثابة من
~~يدعي صنعة تخليق الإنسان من المني ونحن إذا سلمنا الإحاطة بأجزائه ونسبه
~~وأطواره وكيفية تخليقه في رحمه وعلم ذلك علما محصلا لتفاصيله حتى لا
~~يشذ من ذلك شيء عن علمه سلمنا له تخليق هذا الإنسان وأنى له ذلك. والحاصل
~~أن الفعل الصناعي على ما يقتضيه كلامهم مسبوق بتصورات أحوال الطبيعة
~~المعدنية التي تقصد مساواتها ومحاذاتها، وفعل المادة ذات القوى فيها على
~~التفصيل وتلك الأحوال لا نهاية لها والعلم البشري عاجز عما دونها، فقصد
~~تصيير النحاس ذهبا كقصد تخليق إنسان أو حيوان أو نبات، وهذا أوثق ما
~~علمته من البراهين الدالة على الاستحالة، وليست / الاستحالة فيه من جهة
~~الفصول ولا من جهة الطبيعة ms08040 وإنما هي من تعذر الإحاطة وقصور البشر عنها،
~~وما ذكره ابن سينا بمعزل عن ذلك، ولذلك وجه آخر في الاستحالة من جهة
~~غايته وهو أن حكمه الله تعالى في الحجرين وندرتهما أنهما عمدتا مكاسب
~~الناس ومتمولاتهم فلو حصل عليها بالصنعة لبطلت حكمة الله تعالى في ذلك إذ
~~يكثر وجودهما حتى لا يحصل أحد من اقتنائهما على شيء، وآخر أيضا وهو أن
~~الطبيعة لا تترك أقرب الطرق في أفعالها وترتكب الأبعد فلو كان هذا الطريق
~~الصناعي الذي يزعمون صحته وأنه أقرب من طريق الطبيعة في معدنها وأقل
~~زمانا صحيحا لما تركته الطبيعة إلى طريقها الذي سلكته في تكوين الذهب
~~والفضة وتخليصهما، وأما تشبيه الطغرائي هذا التدبير بما عثر عليه من
~~مفردات لأمثاله في الطبيعة كالعقرب والحية وتخليقهما فأمر صحيح في ذلك
~~أدى عليه العثور كما زعم، وأما الكيمياء فلم ينقل عن أحد من أهل العلم
~~أنه عثر عليها ولا على طريقها وما زال منتحلوها يخبطون فيها خبط عشواء
~~ولا يظفرون إلا بالحكايات الكاذبة ولو صح ذلك لأحد منهم لحفظه عنه ولده
~~أو تلميذه وأصحابه وتنوقل في الأصدقاء وضمن تصديقه صحة العمل بعده إلى أن
~~ينتشر ويبلغ إلينا أو إلى غيرنا، وأما قولهم: إن الإكسير بمثابة الخميرة
~~وأنه مركب يحيل ما حصل فيه ويقلبه إلى ذاته فليس بشيء، لأن الخميرة إنما
~~تقلب العجين وتعده للهضم وهو فساد والفساد في المواد سهل يقع بأيسر شيء
~~من الأفعال والطبائع، والمطلوب من الإكسير قلب المعدن إلى ما هو أشرف منه
~~وأعلى فهو تكوين والتكوين أصعب من الفساد فلا يقاس الإكسير على الخميرة،
~~ثم قال: وتحقيق الأمر في ذلك أن الكيمياء إن صح وجودها كما يزعم الحكماء
~~المتكلمون فيها فليس من باب الصنائع الطبيعية ولا يتم بأمر صناعي وليس
~~كلامهم فيها من منحى الطبيعيات إنما هو من منحى كلامهم في الأمور السحرية
~~وسائر الخوارق، وقد ذكر مسلمة المجريطي في كتابة «الغاية» ما يشبه ذلك
~~وكلامه فيها في كتاب «رتبة الحكيم» من هذا المنحى، وكذا كلام جابر ms08041 في
~~«رسائله».

# وبالجملة إن نيلها إن كان صحيحا فهو واقع مما وراء الصنائع والطبائع
~~فهي إنما تكون بتأثيرات النفس وخوارق العادة كالمشي على الماء وتخليق
~~الطير فليست إلا معجزة أو كرامة أو سحرا، ولهذا كان كلام الحكماء فيها
~~ألغازا لا يظفر بتحقيقه إلا من خاض لجة من علوم السحر واطلع على تصرفات
~~النفس في عالم الطبيعة، وأمور خرق العادة غير منحصرة ولا يقصد أحد إلى
~~تحصيلها اه. وإلى إمكانها ذهب الإمام الرازي فقال الحق إمكانها لأن
~~الأجساد السبعة مشتركة في أنها أجساد ذائبة صابرة على النار منطرقة وأن
~~الذهب لم يتميز عن غيره إلا بالصفرة والرزانة أو الصورة الذهبية المفيدة
~~لهذين العرضين إن ثبت ذلك، وما به الاختلاف لا يكون لازما لما به
~~الاشتراك، فإذن يمكن أن تتصف جسمية النحاس بصفرة الذهب ورزانته وذلك هو
~~المطلوب.

# والحق أن الكيمياء ممكنة وأنها من الصنائع الطبيعية لكن العلم بها من
~~أقاصي العلوم الصعبة التي لا يطلع عليها إلا من أهله الله تعالى لها
~~واختصه سبحانه من عباده وأوليائه بها وهو علم تاهت في طلبه العقول وطاشت
~~الأحلام، وأصله من الوحي الإلهي وحصل لبعض بالتصفية وكثرة النظر مع
~~التجربة ووصل إلى من ليس أهلا للوحي ولم يتعاط ما تعاطاه البعض بالتعلم
~~ممن من الله تعالى به عليه، وقال أرس: وهو من أجلة أهل هذا العلم كان
~~أوله وحيا الله تعالى ثم درس وباد فاستخرجه من استخرجه من الكتب وقد جرت
~~سنة الله تعالى فيمن ظفر به بكتمه إلا على من شاء الله تعالى وتواصت
~~الحكماء على كتمه عن غير أهله بل قيل: إن الله تعالى أخذ على العقول في
~~فطرتها المواثيق / بكتمانه وصيانته والاحتراس من إذاعته وإضاعته ولذا ترى
~~الحكماء قد ألغزوه نهاية الإلغاز وأغمضوه غاية الإغماض حتى عد كلامهم من
~~لم يعرف مرامهم حديث خرافة وحكم على قائله بالسفه والسخافة وبهذا الكتم
~~حفظت حكمة الله تعالى التي زعمها ابن خلدون في النقدين وسقط استدلاله
~~الذي سمعته فيما مر.

# وقد نص جابر بن ms08042 حيان - وهو إمام في هذه الصنعة وإنكار أنه كان موجودا
~~حمق - في كتابه «سر الأسرار» على ما قلنا حيث قال: كل حكيم وضع رمزه
~~وكتابه على معنى مبهم من وضع الحل والإصعاد والغسل على أربع طبائع وسماها
~~الأجساد الثقال ووصف التدابير على لفظ ومعنى مشتبه، فهو عند الحكيم
~~مفتوح، وعند الجهلة مغلق، وربما تعدوا إلى أخذ تلك الأجساد بعينها
~~واختبروها ولم ينتفعوا بها، وشتموا الحكماء على كتمانهم هذا العمل وإنما
~~عمارة الدنيا بالدراهم والدنانير وأن الناس الصناع والمقاتلة لا يعملون
~~إلا لرغبة أو رهبة فعلموا أنهم إن أفشوا هذا السر حتى يعلمه كل أحد لم
~~يتم أمر الدنيا وخربت، ولم يعمل أحد لأحد فخرجوا من ذلك وكتموه اه.

# ثم لا يخفى أن ما ذكره ابن خلدون أولا من أن الاستحالة لعدم الإحاطة
~~إذا ثبت أنها كانت عن وحي ليس بشيء على أن فيه ما فيه وإن لم يثبت ذلك،
~~ومثل ذلك ما ذكره من أن الطبيعة لا تترك أقرب الطرق في أفعالها وترتكب
~~الأبعد، لأنا نقول ما يحصل من الطبائع أيضا، فيكون لها طريقان بعيد
~~اقتضت الحكمة أن تسلكه غالبا وقريب اقتضت الحكمة أيضا أن تسلكه نادرا
~~بواسطة من شاء الله تعالى من عباده، وكون المنتحلين لم يزالوا يخبطون خبط
~~عشواء إن أراد بهم أئمة هذه الصناعة كهرمس وسقراط وأفلاطون وأغاريمون
~~وفيثاغورس، وهرقل، وفرفريوس، ومارية، وذو سيموس وأرس، وذومقراط، وسفيدوس،
~~وبليناس، ومهراريس، وجابر بن حيان، والمجريطي، وأبو بكر بن وحشية، ومحمد
~~بن زكريا الرازي وغيرهم مما لا يحصون كثرة فهم لم يخبطوا، ودون إثبات
~~خبطهم خرط القتاد، وألغازهم لنكتة صرحوا بها لا يدل على خبطهم، وإن أراد
~~بهم من يتعاطاها من المشاقين في عصره وفي هذه الأعصار؛ فما ذكر مسلم في
~~أكثرهم وهو لا يطعن في إمكانها.

# وقد ذم الطغرائي هذا الصنف من الناس فقال في كتابه «تراكيب الأنوار»: إن
~~المعلم الناصح موجود في كل صنعة إلا في هذا الفن، وكيف يرجى النصح عند
~~قوم يسمون فيما بينهم بالحسدة وتحالفوا ms08043 فيما بينهم أن لا يوضحوا هذه
~~السرائر أبدا لا سيما في هذا الزمان الذي قد باد فيه هذا العلم جملة
~~وصار المتعرض له والباحث عنه عند الناس مسخرة وقد عنيت برهة من الزمان
~~أبحث عن كل من يظن أن عنده طرفا من هذا العلم فما وجدت أحدا شم له
~~رائحة ولا عرف منه شطر كلمة، ووجدت منتحلي هذه الصنعة الشريفة بين خادع
~~يبيع دينه ومروءته بعرض من الدنيا قليل ويتلف أموال الناس بالتجارب
~~الصادرة عن الجهل، وبين مخدوع مأخوذ عن رشده بالأمر الخائب والطمع الكاذب
~~والتشاغل بالباطل عن طلب المعاش الجميل والتعويل على الأماني والأكاذيب.
~~قصارى أحدهم أن ينظر في «كتب جابر» وأضرابه فيأخذ بظواهر كلامهم، ويغتر
~~بجلايا دعاويهم دون حقائق معانيهم وهم وجميع من مضى من حكماء هذه الصنعة
~~يحذرون الناس من الاغترار بظواهر كتبهم، وينادون على أنفسهم بأنهم يرمزون
~~ويلغزون ولا يلتفت إلى قولهم ولا يصدقون إلى آخر ما قال.

# وقد تفاقم الأمر في زماننا إلى ما لا تتسع العبارة لشرحه، وكون الكيمياء
~~من تأثيرات النفوس وخوارق العادات فلا تكون إلا معجزة أو / كرامة أو
~~سحرا ليس بشيء بل هي بأسباب عادية لكنها خفية على أكثر الناس لا دخل
~~لتأثير النفوس فيها أصلا. نعم قد يكون من النبي أو الولي ما يكون من
~~الكيماوي من غير معاطاة تلك الأسباب فيكون ذلك كرامة أو معجزة، وكون منحى
~~كلام بعض الحكماء فيها منحى كلامهم في الأمور السحرية لا يدل على أنها من
~~أنواع السحر أو توابعه فإن ذلك من إلغازهم لأمرها، وقد تفننوا في الإلغاز
~~لها وسلكوا في ذلك كل مسلك، فوضع بليناس كتابه فيها على الأفلاك
~~والكواكب، ومنهم من تكلم عليها بالأمثال ومنهم من تكلم عليها بالحكايات
~~التي هي أشبه شيء بالخرافات إلى غير ذلك. وبالجملة هي صنعة قل من
~~يعرفها جدا، وأعد الاشتغال بها والتصدي لمعرفتها من كتبها من غير حكيم
~~عارف برموزها كما يفعله جهلة المنتحلين لها اليوم محض جنون، وكون أصلها
~~الوحي الإلهي أو نحو ذلك ms08044 هو الذي يغلب على الظن، وقد أورد الطغرائي في
~~كتبه «كجامع الأسرار» وغيره ما يدل على ذلك، فذكر أنه روي عن هرمس أنه
~~قال: إن الله عز وجل أوحى إلى شيث بن آدم عليهما السلام أن ازرع الذهب في
~~الأرض البيضاء النقية واسقه ماء الحياة، وقالت مارية: إني لست أقول لكم
~~من تلقاء نفسي، ولكني أقول لكم ما أمر الله تعالى به نبيه موسى عليه
~~السلام وأعلمه أن الحجر النسطريس هو الذي يمسك الصبغ وقال بنسبتها إلى
~~موسى عليه السلام ذوسيموس وأرس، وذكر أرس أن العمل بها كان طوع اليهود
~~بمصر، وكان يوسف عليه السلام وهو أول من دخل مصر من بني إسرائيل يعرف ذلك
~~فأكرمه فرعون لحكمته التي آتاه الله تعالى إياها، وذكر أيضا فصلا
~~مرموزا فيها نسبه إلى سليمان عليه السلام.

# وقال الطرسوسي في «كتابه»: إن الله تعالى لما أهبط آدم عليه السلام من
~~الجنة عوضه علم كل شيء وكان علم الصنعة مما علمه، وانتقل من قوم إلى قوم
~~كما انتقلت العلوم الأخر إلى أيام هرمس الأول، وقال أيضا: حدثونا عن
~~محمد بن جرير الطبري بإسناد له متصل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وأعطيت الكبريت الأبيض والأحمر
~~"

# وروى جابر عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه في ذلك روايات كثيرة حتى
~~أنه أسند إليه عدة من كتبه ولا أحقق قوله ولا أكذبه وأجله لموضعه من
~~العلم والعمل عن الافتراء على الأئمة، وروي عن أمير المؤمنين علي كرم
~~الله تعالى وجهه أنه سئل فقيل: له ما تقول فيما خاض الناس فيه من علم
~~الكيمياء؟ فأطرق مليا ثم رفع رأسه ثم قال: سألتموني عن أخت النبوة وتوأم
~~المروة لقد كان وإنه لكائن وما من شجرة ولا مدرة ولا شيء إلا وفيه أصل
~~وفرع أو أصل أو فرع قيل: يا أمير المؤمنين أما تعلمه؟ قال: والله تعالى
~~أنا أعلم به من العالمين له لأنهم يتكلمون بالعلم على ظاهره دون باطنه
~~وأنا أعلم ms08045 العلم ظاهره وباطنه، قيل: فاذكر لنا منه شيئا نأخذه منك، قال:
~~والله تعالى لولا أن النفس أمارة بالسوء لقلت، قيل: فما كان تقول؟ قال:
~~إني أعلم أن في الزئبق الرجراج والذهب الوهاج والحديد المزعفر وزنجار
~~النحاس الأخضر لكنوزا لا يؤتى على آخرها يلقح بعضها ببعض فتفتر عن ذهب
~~كامن، قيل: يا أمير المؤمنين ما نعلم هذا، قال: هو ماء جامد وهواء راكد
~~ونار حائلة وأرض سائلة قالوا ما نفقه هذا، قال: لو حل للمؤمنين من أهل
~~الحكمة أن يكلموا الناس على غير هذا لعلمه الصبيان في المكاتب اه كلام
~~الطغرائي باختصار.

# وذكر في كتابه «مفاتيح الرحمة ومصابيح الحكمة» عن ستين نبيا وحكيما
~~أنهم قالوا بحقية هذا العلم، وفي القلب من صحة هذه الأخبار شيء، والأغلب
~~على الظن أنه لو كان في الكيمياء خبر مقبول عند المحدثين لشاع ولما
~~أنكرها من هو من أجلتهم كشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية فإنه كان
~~ينكر ثبوتها وألف رسالة في إنكارها، ولعل رد الشيخ نجم الدين ابن أبي
~~الذر البغدادي وتزييفه ما قاله فيها كما زعم الصفدي إنما كان فيما هو من
~~باب الاستدلالات العقلية فإن الرجل في باب النقليات مما لا يجاريه نجم
~~الدين المذكور وأمثاله وهو في باب العقليات وإن كان جليلا أيضا إلا أنه
~~دونه في النقليات، والمطلب دقيق حتى أن بعض من تعقد عليه الخناصر اضطرب
~~في أمرها فأنكرها تارة وأقربها أخرى، فهذا شيخ الحكماء ورئيسهم أبو علي
~~بن سينا سمعت ما نقل عنه أولا، وحكي عنه الرجوع عنه، وعلى جودة ذهنه
~~وعلو كعبه في الحكمة بأقسامها لم يقف على حقيقة عملها حتى قال الطغرائي
~~في «تراكيب الأنوار»: ما ينقضي عجبي من أبي علي بن سينا كيف استجاز وضع
~~رسالة في هذا الفن فضح بها نفسه وخالف الأصول التي عنده وقصر فيها عن
~~كثير من الحشوية الطغام المظلمة الأذهان الكليلة الأفهام.

# وقال في «جامع الأسرار»: إن الشيخ أبا علي بن سينا لفرط شغفه بهذا العلم
~~وحدسه القوي بأنه حق ms08046 صنف رسالة فيه فأحسن فيما يتعلق بأصول الطبيعيات
~~ولخفاء طريق القوم واستعمائها دونه لم يذكر في التدابير المختصة بعلمنا
~~لفظة صحيحة ولا أشار إلى ذكر المزاج الحق والأوزان والتراكيب المكتومة
~~والنيران وطبقاتها والآلة التي لا يتم العمل إلا بها وهي أحد الشرائط
~~العشرة، ولم يتجاوز ما عند الحشوية من تدابير الزوابق والكباريت والدفن
~~في زبل الخيل والتشاغل بهذه القاذورات ولولا آفة الإعجاب وحسن ظن الإنسان
~~بعلمه وحرصه على أن لا يشذ عنه شيء من المعارف لكان من الواجب على مثله
~~مع غزارة علمه وعلو طبقته في الأبحاث الحقيقية أن يكتفي بما عنده، ولا
~~يتعرض لما لا يعلمه، وقد تأدى إلينا من تدابيره عن أصحابه الذين شاهدوها
~~أنه لم يكن يعرف حقيقة علمنا، وقد رأينا بخطه من التعاريق الملتقطة من
~~كلام جابر بن حيان، وخالد بن يزيد ما يدل أيضا على ذلك اه ملخصا،
~~والكلام في هذا المطلب طويل وفيما ذكرنا كفاية لمن أحب الاطلاع على شيء
~~مما قيل في ذلك، والله تعالى الموفق، ثم إن القول بأن المراد بالعلم في
~~الآية علم استخراج الكنوز والدفائن يستدعي ثبوت هذا العلم، وأهل علم
~~الحرف وعلم الطلسمات يقولون به ولهم في ذلك كلام طويل والعقل يجوز ثبوته،
~~والله تعالى أعلم بثبوته في نفس الأمر.

# { أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من
~~القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا } تقرير
~~لعلمه ذلك وتنبيه على خطئه في اغتراره وعلمه بذلك من التوراة أو من موسى
~~عليه السلام أو من كتب التواريخ أو من القصاص، والقوة تحتمل القوة الحسية
~~والمعنوية، والجمع يحتمل جمع المال وجمع الرجال، والمعنى ألم يقف على ما
~~يفيده العلم ولم يعلم ما فعل الله تعالى بمن هو أشد منه قوة حسا أو معنى
~~وأكثر مالا أو جماعة يحوطونه ويخدمونه حتى لا يغتر بما اغتر به، ويحتمل
~~أن تكون الهمزة للإنكار داخلة على مقدر، وجملة ولم يعلم حالية مقررة
~~للإنكار ودالة على انتفاء ما دخلت عليه كما في قولك: أتدعي ms08047 الفقه وأنت لا
~~تعرف شروط الصلاة، والمراد رد ادعائه العلم والتعظم به بنفي هذا العلم
~~عنه أي أعلم ما ادعاه (ولم يعلم) هذا حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين،
~~وقيل: إن { لم يعلم } عطف على ذلك المقدر ونفي العلم عنه لعدم جريه
~~على موجبه.

# { ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون } الظاهر أن هذا في
~~الآخرة وأن ضمير { ذنوبهم } للجرمين، وفاعل السؤال إما الله تعالى أو
~~الملائكة عليهم السلام، والمراد بالسؤال المنفي هنا، وكذا في قوله تعالى:

# فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان

# [الرحمن: 39] على ما قيل: سؤال الاستعلام، ونفي ذلك بالنسبة إليه عز وجل
~~ظاهر، وبالنسبة إلى الملائكة عليهم السلام لأنهم مطلعون على صحائفهم أو
~~عارفون إياهم بسيماهم كما قال سبحانه:

# يعرف المجرمون بسيمهم فيؤخذ بالنواصى
~~والأقدام

# [الرحمن: 41]. والمراد بالسؤال المثبت في قوله عز وجل:

# فوربك لنسئلنهم أجمعين

# [الحجر: 92] سؤال التوبيخ والتقريع فلا تناقض بين الآيتين، وجوز أن يكون
~~السؤال في الموضعين بمعنى والنفي والإثبات باعتبار موضعين أو زمانين،
~~والمواقف يوم القيامة كثيرة واليوم طويل فلا تناقض أيضا، والظاهر أن
~~الجملة غير داخلة في حيز العلم، ولعل وجه اتصالها بما قبلها أنه تعالى
~~لما هدد قارون بذكر إهلاك من قبله من أضرابه في الدنيا أردف ذلك بما فيه
~~تهديد كافة المجرمين بما هو أشنع وأشنع من عذاب الآخرة فإن عدم سؤال
~~المذنب مع شدة الغضب عليه يؤذن بالإيقاع به لا محالة، وجعل الزمخشري
~~الجملة تذييلا لما قبلها، وقيل: إن ذلك في الدنيا. والمراد أنه تعالى
~~أهلك من أهلك من القرون عن علم منه سبحانه بذنوبهم فلم يحتج عز وجل إلى
~~مسألتهم عنها، وقيل: إن ضمير ذنوبهم لمن هو أشد قوة وهو المهلك من
~~القرون، والإفراد والجمع باعتبار اللفظ والمعنى، والمعنى ولا يسأل عن
~~ذنوب أولئك المهلكين غيرهم ممن أجرم، ويعلم أنه لا يسأل عن ذنوبهم من لم
~~يجرم بالأولى لما بين الصنفين من العداوة فمآل المعنى لا يسأل عن ذنوب
~~المهلكين غيرهم ممن أجرم وممن لم يجرم، بل كل ms08048 نفس بما كسبت رهينة، وكلا
~~القولين كما ترى، وربما يختلج في ذهنك عطف هذه الجملة على جملة الاستفهام
~~أو جعلها حالا من فاعل { أهلك } أو من مفعوله؛ لكن إذا تأملت أدنى تأمل
~~أخرجته من ذهنك وأبيت حمل كلام الله تعالى الجليل على ذلك.

# وقرأ أبو جعفر في رواية { ولا تسئل } بتاء الخطاب والجزم {
~~المجرمين } بالنصب، وقرأ أبو العالية. وابن سيرين { ولا
~~تسئل } كذلك ولم ندر أنصبا المجرمين كأبي جعفر أم رفعاه كما هو في
~~قراءة الجمهور، والظاهر الأول، وجوز صاحب «اللوامح» الثاني، وذكر له
~~وجهين: الأول أن يكون ضمير { ذنوبهم } للمهلكين من القرون وارتفاع
~~المجرمين بإضمار المبتدأ أي هم المجرمون. والثاني أن يكون { المجرمون }
~~بدلا من ضمير { ذنوبهم } باعتبار أن أصله الرفع لأن إضافة ذنوب إليه
~~بمنزلة إضافة المصدر إلى اسم الفاعل وأورد على هذا أن ذنوب جمع فإن كان
~~جمع مصدر ففي إعماله خلاف.

### || [28.79]

# { فخرج على قومه } عطف على

# قال

# [القصص: 78] وما بينهما اعتراض، وقوله تعالى: { فى زينته } إما
~~متعلق بخرج أو بمحذوف هو حال من فاعله أي فخرج عليهم كائنا في زينته.
~~قال قتادة: ذكر لنا أنه خرج هو وحشمه على أربعة آلاف دابة عليهم ثياب حمر
~~منها ألف بغلة بيضاء وعلى دوابهم قطائف الأرجوان. وقال السدي: خرج في
~~جوار بيض على سروج من ذهب على قطف أرجوان وهن على بغال بيض عليهن ثياب
~~حمر وحلي ذهب، وقيل: خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان وعليها سرج من
~~ذهب ومعه أربعة آلاف خادم عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر وعلى يمينه
~~ثلثمائة غلام وعلى يساره ثلثمائة جارية بيض عليهن الحلي والديباج. /
~~وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أنه خرج في سبعين ألفا عليهم
~~المعصفرات، وكان ذلك أول يوم في الأرض رؤيت المعصفرات فيه، وقيل غير ذلك
~~من الكيفيات، وكان ذلك الخروج على ما قيل يوم السبت.

# { قال الذين يريدون الحيوة الدنيا يليت لنا
~~مثل ما أوتى قرون } قيل كانوا جماعة من المؤمنين، وقالوا ذلك
~~جريا على سنن ms08049 الجبلة البشرية من الرغبة في السعة واليسار. وعن قتادة
~~أنهم تمنوا ذلك ليتقربوا به إلى الله تعالى وينفقوه في سبيل الخير، ولعل
~~إرادتهم الحياة الدنيا ليتوصلوا بها للآخرة لا لذاتها فإن إرادتها لذاتها
~~ليست من شأن المؤمنين، وقيل: كانوا كفارا ومنافقين، وتمنيهم مثل ما أوتي
~~دونه نفسه من باب الغبط ولا ضرر فيه على المشهور، وقيل: ضرره دون ضرر
~~الحسد

# " فقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل يضر الغبط؟ فقال: لا إلا
~~كما يضر العضاة الخبط "

# وفي «الكشف» الظاهر أنه نفي للضرر على أبلغ وجه فإن الشجر ربما ينتفع
~~بالخبط فضلا عن التضرر، وفيه أنه قد يفضي إلى الضرر إشارة إلى متعلق
~~الغبط من ديني أو دنيوي، وقائل ذلك إن كان الكفرة ففيه من ذم الحسد ما
~~فيه { إنه لذو حظ عظيم } قال الضحاك: أي درجة عظيمة، وقيل
~~نصيب كثير من الدنيا، والحظ البخت والسعد، ويقال: فلان ذو حظ وحظيظ
~~ومحظوظ، والجملة تعليل لتمنيهم وتأكيد له.

### || [28.80]

# { وقال الذين أوتوا العلم } أي بأحوال الدنيا والآخرة كما
~~ينبغي ومنهم يوشع عليه السلام، وإنما لم يوصفوا بإرادة ثواب الآخرة
~~تنبيها على أن العلم بأحوال النشأتين يقتضي الإعراض عن الأولى والإقبال
~~على الأخرى حتما، وأن تمني المتمنين ليس إلا لعدم علمهم بهما كما ينبغي.
~~وقيل المراد بالعلم: معرفة الثواب والعقاب، وقيل: معرفة التوكل، وقيل:
~~معرفة الأخبار، وما تقدم أولى { ويلكم } دعاء بالهلاك بحسب الأصل ثم
~~شاع استعماله في الزجر عما لا يرتضى، والمراد به هنا الزجر عن التمني وهو
~~منصوب على المصدرية لفعل من معناه { ثواب الله } في الآخرة {
~~خير } مما تتمنونه { لمن ءامن وعمل صلحا } فلا يليق بكم
~~أن تتمنوه غير مكتفين بثوابه عز وجل، هذا على القول بأن المتمنين كانوا
~~مؤمنين أو فآمنوا لتفوزوا بثوابه تعالى الذي هو خير من ذلك، وتقدير
~~المفضل عليه ما تتمنوه لاقتضاء المقام إياه، ويجوز أن يقدر عاما ويدخل
~~فيه ما ذكر دخولا أوليا أي خير من الدنيا وما فيها.

# { ولا يلقاها } أي هذه ms08050 المقالة أو الكلمة التي تكلم بها العلماء،
~~والمراد بها المعنى اللغوي أو الثواب، والتأنيث باعتبار أنه بمعنى
~~المثوبة أو الجنة المفهومة من الثواب، وقيل: الإيمان والعمل الصالح،
~~والتأنيث والإفراد باعتبار أنهما بمعنى السيرة أو الطريقة، ومعنى تلقيها
~~إما فهمها أو التوفيق للعمل بها { إلا الصبرون } على الطاعات
~~وعن المعاصي والشهوات، ولعل المراد بالصابرين على القول الأخير في مرجع
~~الضمير المتصفون بالصبر في علم الله تعالى فتدبر.

### || [28.81]

# { فخسفنا به وبداره الأرض } روى ابن أبي شيبة في
~~«المصنف» وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أن قارون كان ابن عم موسى عليه السلام وكان
~~يتبع العلم حتى جمع علما فلم يزل في ذلك حتى بغى على موسى عليه السلام
~~وحسده، فقال موسى: إن الله تعالى أمرني أن آخذ الزكاة فأبى / فقال: إن
~~موسى عليه السلام يريد أن يأكل أموالكم جاءكم بالصلاة وجاءكم بأشياء
~~فاحتملتموها فتحتملوه أن تعطوه أموالكم، قالوا: لا نحتمل فما ترى؟ فقال
~~لهم: أرى أن أرسل الأبغى من بغايا بني إسرائيل فنرسلها إليه فترميه بأنه
~~أرادها على نفسها فأرسلوا إليها فقالوا لها: نعطيك حكمك على أن تشهدي على
~~موسى أنه فجر بك. قالت: نعم. فجاء قارون إلى موسى عليه السلام قال: اجمع
~~بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك. قال: نعم فجمعهم فقالوا له: بما أمرك
~~ربك؟ قال: أمرني أن تعبدوا الله تعالى ولا تشركوا به شيئا وأن تصلوا
~~الرحم وكذا وكذا، وقد أمرني في الزاني إذا زنى وقد أحصن أن يرجم. قالوا:
~~وإن كنت أنت؟ قال: نعم. قالوا: فإنك قد زنيت. قال: أنا فأرسلوا إلى
~~المرأة فجاءت. فقالوا: ما تشهدين على موسى عليه السلام؟ فقال لها موسى
~~عليه السلام: أنشدك بالله تعالى إلا ما صدقت. فقالت: أما إذ أنشدتني
~~بالله تعالى فإنهم دعوني وجعلوا لي جعلا على أن أقذفك بنفسي وأنا أشهد
~~أنك بريء وأنك رسول الله فخر موسى عليه السلام ساجدا يبكي فأوحى الله
~~تعالى إليه ما يبكيك؟ قد ms08051 سلطناك على الأرض فمرها تطعك فرفع رأسه فقال:
~~خذيهم فأخذتهم إلى أعقابهم، فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى فقال خذيهم
~~فأخذتهم إلى ركبهم فجعلوا يقولون يا موسى يا موسى فقال: خذيهم فغيبتهم
~~فأوحى الله تعالى يا موسى سألك عبادي وتضرعوا إليك فلم تجبهم وعزتي لو
~~أنهم دعوني لأجبتهم وفي بعض الروايات أنه جعل للبغي ألف دينار، وقيل:
~~طستا من ذهب مملوءة ذهبا، وفي بعض أنه عليه السلام قال في سجوده: يا رب
~~إن كنت رسولك فاغضب لي فأوحى الله تعالى إليه مر الأرض بما شئت فإنها
~~مطيعة لك، فقال: يا بني إسرائيل إن الله تعالى بعثني إلى قارون كما بعثني
~~إلى فرعون فمن كان معه فليلزم ومن كان معي فليعتزل فاعتزلوا جميعا غير
~~رجلين. ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب ثم إلى الأوساط ثم إلى
~~الأعناق وهم يتضرعون إلى موسى عليه السلام ويناشدونه الرحم وهو عليه
~~السلام لا يلتفت إلى قولهم لشدة غضبه ويقول خذيهم حتى انطبقت عليهم فأوحى
~~الله تعالى يا موسى ما أفظك استغاثوا بك مرارا فلم ترحمهم أما وعزتي لو
~~أياي دعوا مرة واحدة لوجدوني قريبا مجيبا، وفي رواية أن الله سبحانه
~~أوحى إليه ما أشد قلبك وعزتي وجلالي لو بي استغاث لأغثته، فقال عليه
~~السلام: رب غضبا لك فعلت.

# ثم إن بني إسرائيل قالوا: إنما فعل موسى عليه السلام به ذلك ليرثه، فدعا
~~الله تعالى حتى خسف بداره وأمواله. وفي بعض الأخبار أن الخسف به وبداره
~~كان في زمان واحد، وكانت داره فيما قيل: من صفائح الذهب وجاء في عدة آثار
~~أنه يخسف به كل يوم قامة وأنه يتجلجل في الأرض لا يبلغ قعرها إلى يوم
~~القيامة والله تعالى أعلم بصحة ذلك، بل هو مشكل إن صح ما قاله الفلاسفة
~~في مقدار قطر الأرض ولم يقل بأن لها حركة أصلا، وأما الخسف فلا شك في
~~إمكانه الذاتي والوقوعي وسببه العادي مبين في محله.

# { فما كان له من فئة } أي جماعة معينة مشتقة من فأوت ms08052 قلبه إذا
~~ميلته، وسميت الجماعة بذلك لميل بعضهم إلى بعض؛ وهو محذوف اللام ووزنه
~~فعة، وقال الراغب: إنه محذوف العين فوزنه فلة وأنه من الفيء وهو الرجوع
~~لأن بعض الجماعة يرجع إلى بعض و { من } صلة أي فما كان له فئة {
~~ينصرونه من دون الله } بدفع العذاب عنه { وما كان } أي
~~بنفسه { من المنتصرين } أي الممتنعين عن عذابه عز وجل، يقال؛
~~نصره من عدوه فانتصر أي منعه فامتنع، ويحتمل أن يكون المعنى وما كان من
~~المنتصرين بأعوانه فذكر ذلك للتأكيد.

### || [28.82]

# { وأصبح الذين تمنوا مكانه } أي مثل / مكانه ومنزلته
~~لما تقدم من قولهم

# مثل مآ أوتي

# [القصص: 79]، وجوز كون هذا على ظاهره و { مثل } هناك مقحمة وليس بذاك
~~{ بالأمس } منذ زمان قريب وهو مجاز شائع، وجوز حمله على الحقيقة
~~والجار والمجرور متعلق بتمنوا أو بمكانه، قيل: والعطف بالفاء التي تقتضي
~~التعقيب في

# فخسفنا

# [القصص: 81] يدل عليه. وفي «البحر» دل { أصبح } إذا حمل على ظاهره على
~~أن الخسف به وبداره كان ليلا وهو أفظع العذاب إذ الليل مقر الراحة
~~والسكون، وقال بعضهم: هي بمعنى صار أي صار المتمنون.

# { يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من
~~عباده ويقدر } أي يفعل كل واحد من البسط والقدر أي التضييق
~~والقتر لا لكرامة توجب البسط ولا لهوان يوجب التضييق، ووي عند الخليل
~~وسيبويه اسم فعل ومعناها أعجب وتكون للتحسر والتندم أيضا كما صرحوا به،
~~وعن الخليل أن القوم ندموا فقالوا متندمين على ما سلف منهم { وى } وكل من
~~ندم وأراد اظهار ندمه قال { وى } ، ولعل الأظهر إرادة التعجب بأن يكونوا
~~تعجبوا أولا مما وقع وقالوا ثانيا كأن الخ وكأن فيه عارية عن معنى
~~التشبيه جيء بها للتحقيق كما قيل ذلك في قوله:

# وأصبح بطن مكة مقشعرا

# كأن الأرض ليس بها هشام

# وأنشد أبو علي:

# كأنني حين أمسي لا تكلمني

# متيم يشتهي ما ليس موجودا

# وقيل: هي غير عارية عن ذلك، والمراد تشبيه الحال المطلق بما في حيزها
~~إشارة إلى أنه لتحققه وشهرته يصلح أن ms08053 يشبه به كل شيء وهو كما ترى وزعم
~~الهمداني أن الخليل ذهب إلى أن { وى } للتندم وكأن للتعجب والمعنى ندموا
~~متعجبين في أن الله تعالى يبسط الخ، وفيه أن كون كأن للتعجب مما لم يعهد،
~~وأيا ما كان فالوقف كما في «البحر» على { وى } والقياس كتابتها مفصولة
~~وكتبت متصلة بالكاف لكثرة الاستعمال وقد كتبت على القياس في قول زيد بن
~~عمرو بن نفيل:

# وي كأن من يكن له نشب يح

# بب ومن يفتقر يعش عيش ضر

# وقال الأخفش: الكاف متصلة بها وهي اسم فعل بمعنى أعجب، والكاف حرف خطاب
~~لا موضع لها من الإعراب كما قالوا في ذلك ونحوه، والوقف على ويك، وعلى
~~ذلك جاء قول عنترة:

# ولقد شفا نفسي وأبرأ سقمها

# قيل الفوارس ويك عنتر أقدم

# و { أن } عنده مفتوحة الهمزة بتقدير العلم أي أعلم أن الله الخ، وذهب
~~الكسائي ويونس وأبو حاتم وغيرهم إلى أن أصله ويلك فخفف بحذف اللام فبقي
~~ويك، وهي للردع والزجر والبعث على ترك ما لا يرضى، وقال أبو حيان: هي
~~كلمة تحزن وأنشد في «التحقيق» قوله:

# ألا ويك المضرة لا تدوم

# ولا يبقى على البؤس النعيم

# والكاف على هذا في موضع جر بالإضافة، والعامل في أن فعل العلم المقدر
~~كما سمعت أو هو بتقدير لأن على أنه بيان للسبب الذي قيل لأجله ويك، وحكى
~~ابن قتيبة عن بعض أهل العلم أن معنى ويك رحمة لك بلغة حمير، وقال الفراء:
~~ويك في كلام العرب كقول الرجل: ألا ترى إلى صنع الله تعالى شأنه، وقال
~~أبو زيد وفرقة / معه: وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ويكأن حرف
~~واحد بجملته وهو بمعنى ألم تر.

# { لولا أن من علينا } بعدم إعطائه تعالى ما تمنيناه من
~~إعطائنا مثل ما أعطاه قارون { لخسف بنا } أي الأرض كما خسف به أو
~~لولا أن من الله تعالى علينا بالتجاوز عن تقصيرنا في تمنينا ذلك لخسف بنا
~~جزاء ذلك كما خسف به جزاء ما كان عليه. وقرأ الأعمش { لولا من ms08054 }
~~بحذف { أن } وهي مرادة، وروي عنه (من الله) برفع (من) والإضافة. وقرأ
~~الأكثر { لخسف بنا } على البناء للمفعول و { بنا } هو القائم
~~مقام الفاعل، وجوز أن يكون ضمير المصدر أي لخسف هو أي الخسف بنا على معنى
~~لفعل الخسف بنا، وقرأ ابن مسعود وطلحة والأعمش { لا نخسف بنا } على
~~البناء للمفعول أيضا و { بنا } أو ضمير المصدر قائم مقام الفاعل، وعنه
~~أيضا { لتخسف } بتاء وشد السين مبنيا للمفعول.

# { ويكأنه لا يفلح الكفرون } لنعمة الله تعالى أو
~~المكذبون برسله عليهم السلام وبما وعدوا من ثواب الآخرة، والكلام في -
~~ويكأن - هنا كما تقدم بيد أنه جوز هنا أن يكون لأن على بعض الاحتمالات
~~تعليلا لمحذوف بقرينة السياق أي لأنه لا يفلح الكافرون فعل ذلك أي الخسف
~~بقارون، واعتبار نظيره فيما سبق دون اعتبار هذا هنا، وضمير { ويكأنه }
~~للشأن.

# هذا وفي «مجمع البيان» أن قصة قارون متصلة بقوله تعالى:

# نتلوا عليك من نبإ موسى

# [القصص: 3] عليه السلام، وقيل: هي متصلة بقوله سبحانه:

# ومآ أوتيتم من شيء فمتع الحيوة الدنيا
~~وزينتها وما عند الله خير وأبقى

# [القصص: 60]، وقيل: لما تقدم خزي الكفار وافتضاحهم يوم القيامة ذكر
~~تعالى عقيبه أن قارون من جملتهم وأنه يفتضح يوم القيامة كما افتضح في
~~الدنيا، ولما ذكر سبحانه فيما تقدم قول أهل العلم

# ثواب الله خير

# [القصص: 80] ذكر محل ذلك الثواب بقوله عز وجل: { تلك الدار
~~الأخرة... }.

### || [28.83]

# { تلك الدار الأخرة } مشيرا إشارة تعظيم وتفخيم إلى ما نزل
~~لشهرته منزلة المحسوس المشاهد كأنه قيل: تلك التي سمعت خبرها وبلغك
~~وصفها، و { الدار } صفة لاسم الإشارة الواقع مبتدأ وهو يوصف بالجامد
~~ولا حاجة إلى تقدير مضاف أي نعيم الدار كما يوهمه كلام «البحر»، و {
~~الأخرة } صفة للدار، والمراد بها الجنة وخبر المبتدأ قوله تعالى: {
~~نجعلها للذين لا يريدون علوا فى الأرض } أي غلبة
~~وتسلطا { ولا فسادا } أي ظلما وعدوانا على العباد كدأب فرعون
~~وقارون، وليس الموصول مخصوصا بهما، وفي إعادة { لا } إشارة إلى أن كلا
~~من العلو والفساد مقصود بالنفي، ms08055 وفي تعليق الموعد بترك إرادتهما لا بترك
~~أنفسهما مزيد تحذير منهما. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة
~~أنه قال: العلو في الأرض التكبر وطلب الشرف والمنزلة عند سلاطينها
~~وملوكها والفساد العمل بالمعاصي وأخذ المال بغير حقه. وعن الكلبي: العلو
~~الاستكبار عن الإيمان والفساد الدعاء إلى عبادة غير الله تعالى، وروي عن
~~مقاتل تفسير العلو بما روي عن الكلبي، وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن
~~علي كرم الله تعالى وجهه أنه كان يمشي في الأسواق وحده وهو وال يرشد
~~الضال ويعين الضعيف ويمر بالبقال والبياع فيفتتح عليه القرآن ويقرأ { تلك
~~الدار الآخرة } إلى آخرها، ويقول: نزلت هذه الآية { تلك الدار
~~الأخرة } الخ، في أهل العدل والتواضع من الولاة وأهل القدرة من سائر
~~الناس.

# وأخرج ابن مردويه عن عدي بن حاتم أنه لما دخل على النبي صلى الله عليه
~~وسلم ألقى إليه وسادة فجلس على الأرض، فقال عليه الصلاة والسلام أشهد أنك
~~لا تبغي علوا في الأرض ولا فسادا فأسلم رضي الله تعالى عنه، وعن الفضيل
~~أنه قرأ الآية ثم قال: ذهبت الأماني ههنا، وعن عمر بن عبد العزيز أنه
~~كان يرددها حتى قبض، وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن
~~أبي حاتم عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: إن الرجل ليحب أن يكون
~~شسع نعله أجود من شسع نعل صاحبه فيدخل في هذه الآية. ولعل هذا إذا أحب
~~ذلك ليفتخر على صاحبه ويستهينه وإلا فقد روي أبو داود عن أبي هريرة أن
~~رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان جميلا فقال: يا رسول الله
~~إني رجل حبب إلي الجمال وأعطيت منه ما ترى حتى ما أحب أن يفوقني أحد -
~~إما قال بشراك نعلي وإما قال بشسع نعلي - أفمن الكبر ذلك؟ قال لا ولكن
~~الكبر من بطر الحق وغمط الناس. وروى مسلم وأبو داود والترمذي عن ابن
~~مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

# " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ms08056 ذرة من كبر فقال رجل: إن الرجل
~~يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة قال: إن الله تعالى جميل يحب الجمال
~~الكبر بطر الحق وغمط الناس "

# واستدل بعض المعتزلة بالآية بناء على عموم العلو والفساد فيها على تخليد
~~مرتكب الكبيرة في النار، وفي «الكشاف» ما هو ظاهر في ذلك، والتزم بعضهم
~~في الجواب تفسير العلو والفساد بما فسرهما به الكلبي وآخر أن المراد
~~بهما ما يكون مثل العلو والفساد اللذين كانا من فرعون وقارون. ورد بأن
~~التذييل بقوله تعالى: { والعاقبة للمتقين } يدل على أن
~~العمدة هي التقوى ولا يكفي ترك العلو والفساد المقيدين. وأجيب بأن المتقي
~~ههنا هو المتقي من علو فرعون وفساد قارون أو من لم يكن من المؤمنين مثل
~~فرعون في الاستكبار على الله تعالى بعدم امتثال أوامره والارتداع عن
~~زواجره ولم يكن مثل قارون في إرادة الفساد في الأرض وإخراج كل شيء من
~~كونه منتفعا به لا سيما نفسه فإن غاية إفسادها الامتناع من عبادة ربها
~~لأنها خلقت للعبادة فإذا امتنع عنها خرجت عن كونها منتفعا بها وليس معنى
~~المتقي إلا ذلك. وتعقبه صاحب «الكشف» بأن الأول تقييد بلا دليل والثاني
~~هو الذي يسعى له المعتزلي.

# وقال الفاضل الخفاجي: إما أن يراد بالعاقبة العاقبة المحمودة على وجه
~~الكمال أو يراد بالمتقي المتقي ما لا يرضاه الله تعالى مثل حال قارون
~~بقرينة المقام، والنصوص الدالة على أن غير الكفار لا يخلد في النار فلا
~~وجه للقول بأن ذلك تقييد بلا دليل مع أن مبنى الاستدلال على أن اللام
~~للتخصيص وهو ممنوع، وقال بعض في الجواب على تقدير إرادة العموم في {
~~علوا } و { فسادا }: إن المراد من جعل الجنة للذين لا يريدون شيئا
~~منهما تمكينهم منها أتم تمكين نحو قولك: جعل السلطان بلد كذا لفلان وذلك
~~لا ينافي أن يدخلها غيرهم من مرتكب الكبيرة ويكون فيها بمنزلة دون
~~منزلتهم، ولعله إنما دخلها بشفاعة بعض منهم، وقريب منه ما قيل: إن جعلها
~~لهم باعتبار أنهم أهلها الأولون وملوكها السابقون وغيرهم ms08057 إنما يرد عليهم
~~وينزل بهم؛ ويقال في قوله تعالى: { والعقبة للمتقين } نحو
~~ما مر آنفا عن الخفاجي.

# بقي في الآية كلام آخر، وهو أن بعضهم استدل بها على عدم وجود الجنة
~~اليوم بناء على أن معنى { نجعلها للذين لا يريدون } الخ
~~نخلقها في المستقبل لأجلهم، وأجيب بأنه يحتمل أن يكون الجعل متعديا إلى
~~مفعولين ثانيهما { للذين لا يريدون } الخ فيصير المعنى نجعلها
~~كائنة وحاصلة لهم في الزمان المستقبل فتفيد الآية أن جعلها كائنة لهم غير
~~حاصل الآن لا جعلها نفسها / وهو محل النزاع، ودفع بأن المتبادر من جعل
~~الدار كائنة لزيد تمكينه وعدم منعه من التمكن فيها سواء حصل له التمكن
~~فيها أو لم يحصل، فمعنى { نجعلها للذين } الخ نمكنهم في
~~الاستقبال من التمكن فيها، ولا يخفى ركاكته لأن التمكين من التمكن فيها
~~لازم لوجودها غير منفك عنها على ما يدل عليه قوله تعالى:

# أعدت للمتقين

# [آل عمران: 133] فلا يمكن أن تكون نفس الجنة الآن ويكون جعلها كائنة لهم
~~في الاستقبال، وحمل الجعل على التمكن بالفعل والتمكين من التمكن وإن
~~كان لازما لوجود الجنة لكن التمكن فيها بالفعل غير لازم بل يكون فيما
~~سيجيء عدول عن المتبادر فإن المتبادر من قولك: جعلت الدار لزيد تمكينه من
~~التمكن فيها لا جعل زيد متمكنا فيها بالفعل فتدبر ذلك كله.

### || [28.84]

# { من جاء بالحسنة فله } بمقابلتها { خير منها } ذاتا
~~ووصفا وقدرا على ما قيل، وجوز كون { خير } واحد الخيور وليس بأفعل
~~التفضيل و { من } سببية أي فله خير بسبب فعلها وهو خلاف الظاهر، وقد
~~تقدم الكلام في ذلك { ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين
~~عملوا السيئات } وضع فيه الموصول والظاهر موضع الضمير لتهجين
~~حال المسيئين بتكرير إسناد السيئة إليهم، وفي جمع السيئات دون الحسنة قيل
~~إشارة إلى قلة المحسنين وكثرة المسيئين، وقد يقال: إنه إشارة إلى أن ضم
~~السيئة إلى السيئة لا يزيد جزاءها بل جزائها إذا انفردت مثل جزائها إذا
~~انضم إليها غيرها وأن عدم ضم الحسنة إلى الحسنة لا يؤثر في ms08058 مقابلتها بما
~~هو خير منها، ولعل قلة المحسنين يفهم من عدم اعتبار الجمعية في { من }
~~في قوله تعالى: { من جاء بالحسنة فله خير منها } وكثرة
~~المسيئين تفهم من اعتبار الجمعية فيها إذ الموصول قائم مقام ضميرها في
~~قوله تعالى: { ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين
~~عملوا السيئات }.

# { إلا ما كانوا يعملون } أي إلا مثل ما كانوا يعملون فحذف
~~المثل وأقيم مقامه (ما كانوا يعملون) مبالغة في المماثلة، وهذا لطف منه
~~عز وجل إذ ضاعف الحسنة ولم يرض بزيادة جزاء السيئة مقدار ذرة، وقيل: لا
~~حاجة إلى اعتبار المضاف فإن أعمالهم أنفسها تظهر يوم القيامة في صورة ما
~~يعذبون به، ولا يخفى ما فيه، وفي ذكر { عملوا } ثانيا دون جاؤوا إشارة
~~إلى أن ما يجزون عليه ما كان عن قصد لأن العمل يخصه كما قال الراغب، وفي
~~«التفسير الكبير» للإمام الرازي في أثناء الكلام على تفسير قوله تعالى:

# أم حسبت أن أصحب الكهف والرقيم

# [الكهف: 9] الآية أن في التعبير بجاء دون عمل بأن يقال: من عمل الحسنة
~~فله خير منها ومن عمل السيئة الخ دلالة على أن استحقاق الثواب أي والعقاب
~~مستفاد من الخاتمة لا من أول العمل، ويؤكد ذلك أنه لو مضى عمره في الكفر
~~ثم أسلم في آخر الأمر كان من أهل الثواب وبالضد، ولا يخلو عن حسن، ولعل
~~نكتة التعبير بعملوا ثانيا تتأتى عليه أيضا. وفي قوله تعالى: { فلا
~~يجزى } الخ دون فللذين عملوا السيئات ما كانوا يعملون أو فما للذين
~~عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون إشارة إلى أنه قد يحصل العفو عن
~~العقاب، ولله تعالى در التنزيل ما أكثر أسراره.

# واستشكل ما تدل عليه الآية من أن جزاء السيئة مثلها بأن من كفر فمات على
~~الكفر يعذب عذاب الأبد، وأين هو من كفر ساعة؟ وأجيب بأن أمر المماثلة
~~مجهول لنا لا سيما على القول بنفي الحسن والقبح العقليين للأفعال، وقصارى
~~ما نعلم أن الله تعالى جعل لكل ذنب جزاء أخبر عز وجل أنه مماثل له، وقد ms08059
~~أخبر سبحانه أن جزاء الكفر عذاب الأبد فنؤمن به وبأنه مما تقتضيه الحكمة
~~وما علينا إذا لم نعلم جهة المماثلة ووجه الحكمة فيه، وكذا يقال في
~~الذنوب التي شرع الله تعالى لها حدودا في الدنيا كالزنا وشرب الخمر وقذف
~~المحصن وحدودها التي شرعها جل شأنه لها / فإنا لا نعلم وجه تخصيص كل ذنب
~~منها بحد مخصوص من تلك الحدود المختلفة لكنا نجزم بأن ذلك لا يخلو عن
~~الحكمة، وأجاب الإمام عن مسألة الكفر وعذاب الأبد بأن ذلك لأن الكافر كان
~~عازما أنه لو عاش إلى الأبد لبقي على ذلك الكفر، وقيل: في وجه تعذيب
~~الكافر أبد الآباد إن جزاء المعصية يتفاوت حسب تفاوت عظمة المعصى فكلما
~~كان المعصى أعظم كان الجزاء أعظم، فحيث كان الكفر معصية من لا تتناهى
~~عظمته جل شأنه كان جزاؤه غير متناه، وقياس ذلك أن يكون جزاء كل معصية
~~كذلك إلا أنه لم يكن كذلك فيما عدا الكفر فضلا منه تعالى شأنه لمكان
~~الإيمان، وقيل أيضا: إن كل كفر قولا كان أو فعلا يعود إلى نسبة النقص
~~إليه عز وجل المنافي لوجوب الوجود المقتضي لوجوده سبحانه أزلا وأبدا
~~وإذا توهم هناك زمان ممتد كان غير متناه فحيث كان الكفر مستلزما نفي
~~وجوده تعالى شأنه فيما لا يتناهى كان جزاؤه غير متناه ولا كذلك سائر
~~المعاصي فتدبر.

### || [28.85]

# { إن الذى فرض عليك القرءان } أي أوجب عليك العمل به
~~كما روي عن عطاء وعن مجاهد أي أعطاكه، وعن مقاتل وإليه ذهب الفراء وأبو
~~عبيدة أي أنزله عليك والمعول عليه ما تقدم. { لرادك إلى معاد
~~} أي إلى محل عظيم القدر اعتدت به وألفته على أنه من العادة لا من العود،
~~وهو كما في «صحيح البخاري»، وأخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي
~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في «الدلائل»
~~من طرق عن ابن عباس مكة، وروي ذلك أيضا عن مجاهد والضحاك وجوز أن يكون
~~من العود، والمراد به مكة أيضا بناء على ما ms08060 في «مجمع البيان» عن
~~القتيبي أن معاد الرجل بلده لأنه يتصرف في البلاد ثم يعود إليه، وقد
~~يقال: أطلق المعاد على مكة لأن العرب كانت تعود إليها في كل سنة لمكان
~~البيت فيها، وهذا وعد منه عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة أنه
~~عليه الصلاة والسلام يهاجر منها ويعود إليها، وروي عن غير واحد أن الآية
~~نزلت بالجحفة بعد أن خرج صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا واشتاق
~~إليها.

# ووجه ارتباطها بما تقدمها تضمنها الوعد بالعاقبة الحسنى في الدنيا كما
~~تضمن ما قبلها الوعد بالعاقبة الحسنى في الآخرة. وقيل: إنه تعالى لما ذكر
~~من قصة موسى عليه السلام وقومه مع قارون وبغيه واستطالته عليهم وهلاكه
~~ونصرة أهل الحق عليه ما ذكر ذكر جل شأنه هنا ما يتضمن قصة سيدنا صلوات
~~الله تعالى وسلامه عليه وأصحابه مع قومه واستطالتهم عليه وإخراجهم إياه
~~من مسقط رأسه ثم إعزازه عليه الصلاة والسلام بالإعادة إلى مكة وفتحه
~~إياها منصورا مكرما ووسط سبحانه بينهما ما هو كالتخلص من الأول إلى
~~الثاني. وأخرج الحاكم في «التاريخ». والديلمي عن علي كرم الله تعالى وجهه
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر المعاد بالجنة، وأخرج تفسيره بها
~~ابن أبي شيبة. والبخاري في «تاريخه». وأبو يعلى وابن المنذر عن أبي
~~سعيد الخدري وأخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن
~~مردويه عن ابن عباس، والتنكير عليه للتعظيم أيضا، ووجه ارتباط الآية بما
~~قبلها أنها كالتصريح ببعض ما تضمنه ذلك.

# واستشكل رده عليه الصلاة والسلام إلى الجنة من حيث إنه يقتضي سابقية
~~كونه صلى الله عليه وسلم فيها مع أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن فيها. /
~~وأجيب بالتزام السابقية المذكورة ويكفي فيها كونه صلى الله عليه وسلم
~~فيها بالقوة إذ كان في ظهر آدم عليهما الصلاة والسلام حين كان فيها،
~~وقيل: إنه صلى الله عليه وسلم لما كان مستعدا لها من قبل كان كأنه كان
~~فيها فالسابقية باعتبار ذلك الاستعداد على نحو ما ms08061 قيل في قوله تعالى في
~~الكفار:

# ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم

# [الصافات: 68] ولا يخفى ما في كلا القولين من البعد، وقريب منهما ما
~~قيل: إن ذلك باعتبار أنه عليه الصلاة والسلام دخلها ليلة المعراج، وقد
~~يقال: إن تفسيره بالجنة بيان لبعض ما يشعر به المعاد بأن يكون عبارة عن
~~المحشر فقد صار كالحقيقة فيه لأنه ابتداء العود إلى الحياة التي كان
~~المعاد عليها وجعله عظيما كما يشعر به التنوين لعظمة ماله صلى الله عليه
~~وسلم فيه ومنه الجنة، فالمعاد بواسطة تنوينه الدال على التعظيم يشعر
~~بالجنة لأنها الحاوية مما أعد له صلى الله عليه وسلم من الأمور العظيمة
~~ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقريب من تفسيره
~~بالمحشر تفسيره بالآخرة كما أخرج ذلك عبد بن حميد وابن مردويه، عن أبي
~~سعيد الخدري، وتفسيره بيوم القيامة كما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس
~~وعبد بن حميد عن عكرمة إلا أنه على ما ذكر اسم زمان، وعلى ما تقدم اسم
~~مكان.

# ومما يشعر بأنه ليس المراد مجرد الرد إلى المحشر أو الآخرة أو يوم
~~القيامة ما أخرجه الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن
~~مجاهد أنه قال في الآية: إن له معادا يبعثه الله تعالى يوم القيامة ثم
~~يدخله الجنة. ويتخرج على نحو ما قلنا تفسيره بالمقام المحمود وهو مقام
~~الشفاعة العظمى يوم القيامة. وجاء في رواية أخرى رواها عبد بن حميد وابن
~~مردويه عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري أيضا تفسيره بالموت، ورواها معهما
~~عن الحبر الفريابي وابن أبي حاتم والطبراني، وكونه معادا لقوله تعالى:

# وكنتم أموتا فأحيكم

# [البقرة: 28] ولعل تعظيمه باعتبار أنه باب لوصوله صلى الله عليه وسلم
~~إلى ما أعد الله عز وجل له من المقام المحمود والمنزلة العليا في الجنة
~~إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وجل المقصود ما
~~أشعر به التعظيم. وأخرج ابن أبي حاتم عن نعيم القاري أنه فسره ms08062 ببيت
~~المقدس. وكأن إطلاق المعاد عليه باعتبار أنه صلى الله عليه وسلم أسري به
~~إليه ليلة المعراج، والوعد برده عليه الصلاة والسلام إليه وعد له
~~بالإسراء إليه مرة أخرى أو باعتبار أن أرضه أرض المحشر فالمراد بالرد
~~إليه الرد إلى المحشر، وهذا غاية ما يقال في توجيه ذلك. فإن قبل فذاك
~~وإلا فالأمر إليك؛ وكأني بك تختار ما في «صحيح البخاري» ورواه الجماعة
~~الذين تقدم ذكرهم عن ابن عباس من أنه مكة. وربما يخطر بالبال أن يراد
~~بالمعاد الأمر المحبوب بنوع تجوز ويجعل بحيث يشمل مكة والجنة وغيرهما مما
~~هو محبوب لديه صلى الله عليه وسلم، ويراد برده عليه الصلاة والسلام إلى
~~الأمر المحبوب إيصاله إليه مرة بعد أخرى فالرد هنا مثله في قوله تعالى:

# فردوا أيديهم فى أفواههم

# [إبراهيم: 9] وعليه يهون أمر اختلاف الروايات التي سمعتها في ذلك فتدبر.

# { قل ربى أعلم من جاء بالهدى } يريد بذلك نفسه صلى الله
~~عليه وسلم وبقوله سبحانه: { ومن هو فى ضلل مبين }
~~المشركين الذين بعث إليهم صلى الله عليه وسلم و { من } منتصب بفعل يدل
~~عليه { أعلم } لا بأعلم لأن أفعل لا ينصب المفعول به في المشهور أي يعلم
~~من جاء الخ، وأجاز بعضهم أن يكون / منصوبا بأعلم على أنه بمعنى عالم،
~~والمراد أنه عز وجل يجازي كلا ممن جاء بالهدى ومن هو في ضلال على عمله،
~~والجملة تقرير لقوله تعالى: { إن الذى فرض عليك القرءان
~~} الخ. وفي «معالم التنزيل» هذا جواب لكفار مكة لما قالوا للنبي صلى
~~الله عليه وسلم إنك في ضلال، ولعله لهذا وكون السبب فيه مجيئه عليه
~~الصلاة والسلام إليهم بالهدى قيل: في جانبه صلى الله عليه وسلم { من جاء
~~بالهدى } وفي جانبهم { من هو في ضلال مبين } ، ولم يؤت بهما على طرز
~~واحد.

### || [28.86]

# { وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتب } تقرير لذلك
~~أيضا أي سيردك إلى معاد كما أنزل إليك القرآن العظيم الشأن وما كنت
~~ترجوه، وقال أبو حيان. والطبرسي: هو تذكير لنعمته عز وجل عليه ms08063 عليه
~~الصلاة والسلام وقوله تعالى: { إلا رحمة من ربك } على ما ذهب
~~إليه الفراء وجماعة استثناء منقطع أي ولكن ألقاه تعالى إليك رحمة منه عز
~~وجل، وجوز أن يكون استثناء متصلا من أعم العلل أو من أعم الأحوال على
~~أن المراد نفي الإلقاء على أبلغ وجه، فيكون المعنى ما ألقى إليك الكتاب
~~لأجل شيء من الأشياء إلا لأجل الترحم أو في حال من الأحوال إلا في حال
~~الترحم { فلا تكونن ظهيرا للكفرين } أي معينا لهم على
~~دينهم، قال مقاتل: إن كفار مكة دعوه صلى الله عليه وسلم إلى دين آبائه
~~فذكره الله تعالى نعمه ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه.

### || [28.87]

# { ولا يصدنك } أي الكافرون { عن ءايت الله } أي
~~قراءتها والعمل بها.

# { بعد إذ أنزلت إليك } أي بعد وقت إنزالها وإيحائها إليك
~~المقتضى لنبوتك ومزيد شرفك، وقرأ يعقوب { يصدنك } بالنون الخفيفة
~~وقرىء { يصدنك } مضارع أصد بمعنى صد حكاه أبو زيد عن رجل من كلب
~~قال: وهي لغة قومه وقال الشاعر:

# أناس أصدوا الناس بالسيف عنهم

# صدود السواقي عن أنوف الحوائم

# { وادع } الناس { إلى ربك } إلى عبادته جل وعلا وتوحيده سبحانه
~~{ ولا تكونن من المشركين } بمظاهرتهم.

### || [28.88]

# { ولا تدع مع الله إلها ءاخر } أي ولا تعبد معه تعالى
~~غيره عز وجل، وهذا وما قبله للتهييج والإلهاب وقطع أطماع المشركين عن
~~مساعدته عليه الصلاة والسلام إياهم وإظهار أن المنهي عنه في القبح
~~والشرية بحيث ينهى عنه من لا يتصور وقوعه منه أصلا، وروى محي السنة عن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: الخطاب في الظاهر للنبي صلى
~~الله عليه وسلم، والمراد به أهل دينه وهو في معنى ما حكى عنه الطبرسي أن
~~هذا وأمثاله من باب:

# إياك أعني واسمعي يا جاره

# { لا إله إلا هو } وحده { كل شىء } أي موجود مطلقا {
~~هالك } أي معدوم محض، والمراد كونه كالمعدوم وفي حكمه { إلا
~~وجهه } أي إلا ذاته عز وجل وذلك لأن وجود ما سواه سبحانه لكونه ليس
~~ذاتيا بل هو مستند ms08064 إلى الواجب تعالى في كل آن قابل للعدم وعرضة له فهو
~~كلا وجود وهذا ما اختاره غير واحد من الأجلة، والكلام عليه من قبيل
~~التشبيه البليغ، والوجه بمعنى الذات مجاز مرسل وهو مجاز شائع وقد يختص
~~بما شرف من الذوات، وقد يعتبر ذلك هنا، ويجعل نكتة للعدول عن إلا إياه
~~إلى ما في النظم الجليل.

# وفي الآية بناء على ما هو الأصل من اتصال الاستثناء دليل على صحة إطلاق
~~الشيء عليه جل وعلا. / وقريب من هذا ما قيل: المعنى كل ما يطلق عليه
~~الموجود معدوم في حد ذاته إلا ذاته تعالى، وقيل: الوجه بمعنى الذات إلا
~~أن المراد ذات الشيء، وإضافته إلى ضميره تعالى باعتبار أنه مخلوق له
~~سبحانه نظير ما قيل في قوله تعالى:

# تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك

# [المائدة: 116] من أن المراد بالنفس الثاني نفس عيسى عليه السلام
~~وإضافته إليه تعالى باعتبار أنه مخلوق له جل وعلا، والمعنى كل شيء قابل
~~للهلاك والعدم إلا الذات من حيث استقبالها لربها ووقوفها في محراب قربها
~~فإنها من تلك الحيثية لا تقبل العدم، وقيل: الوجه بمعنى الجهة التي تقصد
~~ويتوجه إليها، والمعنى كل شيء معدوم في حد ذاته إلا الجهة المنسوبة إليه
~~تعالى وهو الوجود الذي صار به موجودا، وحاصله أن كل جهات الموجود من
~~ذاته وصفاته وأحواله هالكة معدومة في حد ذاتها إلا الوجود الذي هو النور
~~الإلهي، ومن الناس من جعل ضمير { وجهه } للشيء وفسر الشيء بالموجود بمعنى
~~ما له نسبة إلى حضرة الوجود الحقيقي القائم بذاته وهو عين الواجب سبحانه،
~~وفسر الوجه بهذا الوجود لأن الموجود يتوجه إليه وينسب، والمعنى كل منسوب
~~إلى الوجود معدوم إلا وجهه الذي قصده وتوجه إليه وهو الوجود الحقيقي
~~القائم بذاته الذي هو عين الواجب جل وعلا، ولا يخفى الغث والسمين من هذه
~~الأقوال، وعليها كلها يدخل العرش والكرسي والسماوات والأرض والجنة
~~والنار، ونحو ذلك في العموم.

# وقال غير واحد: المراد بالهلاك خروج الشيء عن الانتفاع به المقصود منه ms08065
~~إما بتفرق أجزائه أو نحوه، والمعنى كل شيء سيهلك ويخرج عن الانتفاع به
~~المقصود منه إلا ذاته عز وجل، والظاهر أنه أراد بالشيء الموجود المطلق لا
~~الموجود وقت النزول فقط فيؤول المعنى إلى قولنا: كل موجود في وقت من
~~الأوقات سيهلك بعد وجوده إلا ذاته تعالى، فيدل ظاهر الآية على هلاك العرش
~~والجنة والنار والذي دل عليه الدليل عدم هلاك الأخيرين. وجاء في الخبر أن
~~الجنة سقفها عرش الرحمن، ولهذا اعترض بهذه الآية على القائلين بوجود
~~الجنة والنار الآن والمنكرين له القائلين بأنهما سيوجدان يوم الجزاء
~~ويستمران أبد الآباد، واختلفوا في الجواب عن ذلك فمنهم من قال: إن كلا
~~ليست للإحاطة بل للتكثير كما في قولك: كل الناس جاء إلا زيدا إذا جاء
~~أكثرهم دون زيد، وأيد بما روي عن الضحاك أنه قال في الآية: كل شيء هالك
~~إلا الله عز وجل والعرش والجنة والنار، ومنهم من قال: إن المراد بالهلاك
~~الموت والعموم باعتبار الأحياء الموجودين في الدنيا، وأيد بما روي عن ابن
~~عباس أنه قال في تفسير الآية: كل حي ميت إلا وجهه. وأخرج عنه ابن مردويه
~~أنه قال: لما نزلت

# كل نفس ذائقة الموت

# [آل عمران: 185] قيل يا رسول الله فما بال الملائكة؟ فنزلت: { كل
~~شىء هالك إلا وجهه } فبين في هذه الآية فناء الملائكة
~~والثقلين من الجن والإنس وسائر عالم الله تعالى وبريته من الطير والوحوش
~~والسباع والأنعام وكل ذي روح أنه هالك ميت، وأنت تعلم أن تخصيص الشيء
~~بالحي الموجود في الدنيا لا بد له من قرينة فإن اعتبر كونه محكوما عليه
~~بالهلاك حيث شاع استعماله في الموت وهو إنما يكون في الدنيا قرينة فذاك
~~وإلا فهو كما ترى، ومن الناس من التزم ما يقتضيه ظاهر العموم من أنه كل
~~ما يوجد في وقت من الأوقات في الدنيا والأخرى يصير هالكا بعد وجوده
~~بناء على تجدد الجواهر وعدم بقاء شيء منها زمانين كالأعراض عند الأشعري،
~~ولا يخفى بطلانه، وإن ذهب إلى ذلك بعض أكابر الصوفية قدست ms08066 أسرارهم.

# / وقال سفيان الثوري: وجهه تعالى العمل الصالح الذي توجه به إليه عز
~~وجل، فقيل: في توجيه الاستثناء إن العمل المذكور قد كان في حيز العدم
~~فلما فعله العبد ممتثلا أمره تعالى أبقاه جل شأنه له إلى أن يجازيه عليه
~~أو أنه بالقبول صار غير قابل للفناء لما أن الجزاء عليه قام مقامه وهو
~~باق، وروي عن أبي عبد الله الرضا رضي الله تعالى عنه أنه ارتضى نحو ذلك،
~~وقال المعنى كل شيء من أعمال العباد هالك وباطل إلا ما أريد به وجهه
~~تعالى، وزعم الخفاجي أن هذا كلام ظاهري.

# وقال أبو عبيدة: المراد بالوجه جاهه تعالى الذي جعله في الناس وهو كما
~~ترى لا وجه له، والسلف يقولون الوجه صفة نثبتها لله تعالى ولا نشتغل
~~بكيفيتها ولا بتأويلها بعد تنزيهه عز وجل عن الجارحة.

# { له الحكم } أي القضاء النافذ في الخلق { وإليه } عز وجل {
~~ترجعون } عند البعث للجزاء بالحق والعدل لا إلى غيره تعالى ورجوع
~~العباد إليه تعالى عند الصوفية أهل الوحدة بمعنى ما وراء طور العقل.
~~وقيل: ضمير (إليه) للحكم، وقرأ عيسى { ترجعون } مبنيا للفاعل.

# هذا والكلام من باب الإشارة في آيات هذه السورة أكثره فيما وقفنا عليه
~~من باب تطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس ولعله يعلم بأدنى تأمل فيما
~~مر بنا في نظائرها فتأمل والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل وهو جل وعلا
~~حسبنا ونعم الوكيل.

### | [29 - سورة العنكبوت]

### || [29.1]

# سبق الكلام فيه وفي نظائره ولم يجوز بعضهم هنا ارتباط ما بعده به
~~ارتباطا إعرابيا لأن الاستفهام مانع منه وبحث فيه بأن اللازم في
~~الاستفهام تصدره في جملته وهو لا ينافي وقوع / تلك الجملة خبرا ونحوه
~~كقولك: زيد هل قام أبوه؟ فلو قيل هنا المعنى المتلو عليك.

### || [29.2]

# { أحسب الناس } إلى آخر السورة صح فلا يقال أيضا إن المانع منه
~~عدم صحة ارتباطه بما قبله معنى. نعم الارتباط خلاف الظاهر، والاستفهام
~~للإنكار، والحسبان مصدر كالغفران مما يتعلق بمضامين الجمل لأنه من
~~الأفعال الداخلة على ms08067 المبتدأ والخبر وذلك للدلالة على وجه ثبوتها في
~~الذهن أو في الخارج من كونها مظنونة أو متيقنة فتقتضي مفعولين أصلهما
~~المبتدأ والخبر أو ما يسد مسدهما وقد سد مسدهما هنا على ما قاله الحوفي
~~وابن عطية وأبو البقاء: قوله تعالى: { أن يتركوا } وسد (أن)
~~المصدرية الناصبة للفعل مع مدخولها مسد الجزأين مما قاله ابن مالك، ونقله
~~عنه الدماميني في «شرح التسهيل»، وزعم بعضهم أن ذلك إنما هو في أن
~~المفتوحة مشددة ومثقلة مع مدخولها، والترك هنا على ما ذكره الزمخشري
~~بمعنى التصيير المتعدي لمفعولين كما في قوله تعالى:

# وتركهم في ظلمت لا يبصرون

# [البقرة: 17] وقول الشاعر:

# فتركته جزر السباع ينشنه

# يقضمن قلة رأسه والمعصم

# فضمير الجمع نائب مفعول أول والمفعول الثاني متروك بدلالة الحال الآتية
~~أي كما هم أو على ما هم عليه كما في قوله تعالى:

# أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين
~~جهدوا منكم ولم يتخذوا

# [التوبة: 16] على ما قدره الزمخشري فيه وقوله سبحانه: { أن يقولوا
~~ءامنا } بمعنى لأن يقولوا متعلق بيتركوا على أنه غير مستقر، وقوله
~~تعالى: { وهم لا يفتنون } في موضع الحال من ضمير { يتركوا } ،
~~ويجوز أن لا يعتبر كون المفعول الثاني ليتركوا متروكا بل تجعل هذه
~~الجملة الحالية سادة مسده، ألا ترى أنك لو قلت: علمت ضربي زيدا قائما
~~صح، على أن ترك ليس كأفعال القلوب في جميع الأحكام، بل القياس أن يجوز
~~الاكتفاء فيه بالحال من غير نظر إلى أنه قائم مقام الثاني لأن قولك:
~~تركته وهو جزر السباع كلام صحيح كما تقول أبقيته على هذه الحالة، وهو
~~نظير سمعته يتحدث في أنه يتم بالحال بعده أو الوصف، وههنا زاد أنه يتم
~~أيضا بما يجري مجرى الخبر، وجوز أن تكون هذه الجملة هي المفعول الثاني
~~لا سادة مسده وتوسط الواو بين المفعولين جائز كما في قوله:

# وصيرني هواك وبي

# لحيني يضرب المثل

# وقد نص شارح أبيات «المفصل» على أنه حكي عن الأخفش أنه كان يجوز كان زيد
~~وأبوه قائم على نقصان كان وجعل ms08068 الجملة خبرا مع الواو تشبيها لخبر كان
~~بالحال فمتى جاز في الخبر عنده فليجز في المفعول الثاني وهو كما نرى،
~~واستظهر الطيبي كون الترك هنا متعديا لواحد على أنه بمعنى التخلية وليس
~~بذاك، وجوز الحوفي. وأبو البقاء أن يكون { أن يقولوا } بدلا من {
~~أن يتركوا } وجوز أن يكون { أن يتركوا } هو المفعول الأول لحسب و {
~~هم لا يفتنون } في موضع الحال من الضمير { أن يقولوا }
~~بتقدير اللام هو المفعول الثاني، وكونه علة لا ينافي ذلك كما في قولك:
~~حسبت ضربه للتأديب، والتقدير أحسب الناس تركهم غير مفتونين لقولهم: آمنا،
~~والمفعول الثاني ليتركوا متروك بدلالة الحال.

# واعترضه صاحب «التقريب» بما حاصله أن الحسبان لتعلقه بمضامين الجمل إذا
~~أنكر يكون باعتبار المفعول الثاني، فإذا قلت: أحسبته قائما؟ فالمنكر
~~حسبان قيامه، كذلك إذا قيل: أحسب الناس تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا
~~أفاد إنكار حسبان أن الترك غير مفتونين لهذه العلة بل إنما هو لعلة أخرى
~~ولا يلائم سبب النزول ولا مقصود الآية. واختار أن يكون { أن يتركوا
~~} سادا مسد المفعولين و { أن يقولوا } علة للحسبان أي أحسبوا
~~لقولهم آمنا / أن يتركوا غير مفتونين، وأجيب بأن أصل الكلام ألا يفتنون
~~لقولهم { آمنا } على إنكار أن يكون سببا لعدم الفتن، ثم قيل: أيتركون
~~غير مفتونين لقولهم آمنا مبالغة في إنكار أن يبقوا من غير فتن لذلك ثم
~~أدخل على حسبان الترك مبالغة على مبالغة، وإنما يرد ما أورد إذا لم يلاحظ
~~أصل الكلام ويجعل مصب الإنكار الحسبان من أول الأمر. وقيل: إنما يلزم ما
~~ذكر لو لم يقدر أحسبوا تركهم غير مفتونين بمجرد قولهم: آمنا دون إخلاص
~~وعمل صالح أما لو قدر ذلك استقام كما صرح به الزجاج، على أن ذلك مبني على
~~اعتبار المفهوم، واعترض ذلك بعضهم من حيث اللفظ بأن فيه الفصل بين الحال
~~وذيها بثاني مفعولي حسب وهو أجنبي؛ وأجيب بأن الفصل غير ممتنع بل الأحسن
~~أن لا يقع فصل إلا إذا اعترض ما يوجبه، وههنا الاهتمام بشأن الخبر حسن
~~التقديم لأن ms08069 مصب الإنكار ذلك، ولا يخفى أنه يحتاج إلى مثل هذا الجواب على
~~ما يقتضيه الظاهر من جعل { أن يتركوا } في تأويل مصدر وقع مفعولا
~~أولا { أن يقولوا } في تأويل مصدر أيضا مجرور بلام مقدرة والجار
~~والمجرور في موقع المفعول الثاني، وأما على ما ذكره بعض المحققين من
~~أنهما لم يجعلا كذلك وإنما جعل { أن يقولوا } معمولا ليتركوا
~~بتقدير اللام وجعل { أن يتركوا } سادا مسد المفعولين واقتضى
~~المعنى أن يقال أحسب الناس تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا بجعل تركهم
~~مفعولا أولا ولقولهم مفعولا ثانيا فلا يحتاج إليه لأنه إن جرينا مع
~~اللفظ كان { أن يتركوا } سادا مسد المفعولين فلا يكون فيه مفعول
~~ثان فاصل بين الحال وذيها وإن جرينا مع المعنى واعتبرنا الكلام مجردا عن
~~{ أن } المصدرية وجىء به كما سمعت كانت الحال متصلة بذيها، وقيل: يجوز أن
~~يكون المفعول الأول لحسب محذوفا أي أحسب الناس أنفسهم و { أن
~~يتركوا } في موضع المفعول الثاني على أنه في تأويل مصدر وهو في
~~تأويل اسم المفعول أي متروكين { وهم لا يفتنون } في موضع الحال كما تقدم
~~وأن يؤمنوا بتقدير لأن يؤمنوا متعلق بيتركوا فكأنه قيل: أحسب الناس
~~أنفسهم متروكين غير مفتونين لقولهم آمنا، وقيل: إن هذا المعنى حاصل على
~~تقدير سد { أن يتركوا } مسد المفعولين فتأمل فيه وفيما قبله، ولعل
~~الأبعد عن التكلف ما ذكرناه أولا، والمراد إنكار حسبانهم أن يتركوا غير
~~مفتونين بمجرد أن يقولوا آمنا واستبعاد له له وتحقيق أنه تعالى يمتحنهم
~~بمشاق التكاليف كالمهاجرة والمجاهدة ورفض الشهوات ووظائف الطاعات وفنون
~~المصائب في الأنفس والأموال ليتميز المخلص من المنافق والراسخ في الدين
~~من المتزلزل فيه فيعامل كل بما يقتضيه ويجازيهم سبحانه بحسب مراتب
~~أعمالهم فإن مجرد الإيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي غير الخلاص من الخلود
~~في النار.

# وذكر بعضهم أنه سبحانه لو أثاب المؤمن يوم القيامة من غير أن يفتنه في
~~الدنيا لقال الكافر المعذب: ربي لو أنك كنت فتنته في الدنيا لكفر مثلي
~~فإيمانه الذي تثيبه عليه مما ms08070 لا يستحق الثواب له فبالفتنة يلجم الكافر عن
~~مثل هذا القول ويعوض المؤمن بدلها ما يعوض بحيث يتمنى لو كانت فتنته أعظم
~~مما كانت.

# والآية على ما أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم
~~عن الشعبي نزلت في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام فكتب إليهم أصحاب
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لما نزلت آية الهجرة أنه لا
~~يقبل منكم إقرار ولا إسلام حتى تهاجروا فخرجوا عامدين إلى المدينة
~~فاتبعهم المشركون فردوهم فنزلت فيهم هذه الآية فكتبوا إليهم أنزلت فيكم
~~آية كذا وكذا فقالوا: نخرج فإن اتبعنا أحد قاتلناه فخرجوا فاتبعهم
~~المشركون فقاتلوهم / فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزل الله تعالى فيهم

# ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا
~~ثم جهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور
~~رحيم

# [النحل: 110]. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال سمعت ابن عمير وغيره
~~يقولون: كان أبو جهل يعذب عمار بن ياسر وأمه ويجعل على عمار درعا من
~~حديد في اليوم الصائف وطعن في فرج أمه برمح ففي ذلك نزلت { أحسب
~~الناس } الخ، وقيل: نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب قتل ببدر فجزع
~~عليه أبواه وامرأته وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " سيد الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة "

# ، وقيل: نزلت في عياش أخي أبي جهل غدر وعذب ليرتد كما سيأتي خبره إن
~~شاء الله تعالى، وفسر الناس بمن نزلت فيهم الآية، وقال الحسن الناس هنا
~~المنافقون.

### || [29.3]

# { ولقد فتنا الذين من قبلهم } حال من { الناس } أو من
~~ضمير

# يفتنون

# [العنكبوت: 2]، وعلى الأول يكون علة لإنكار الحسبان أي أحسبوا ذلك وقد
~~علموا أن سنة الله تعالى على خلافه ولن تجد لسنة الله تعالى تبديلا،
~~وعلى الثاني بيانا لأنه لا وجه لتخصيصهم بعدم الافتتان، وحاصله أنه على
~~الأول تنبيه على الخطأ، وعلى الثاني تخطئة، والمراد بالذين من قبلهم
~~المؤمنون أتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أصابهم من ضروب الفتن
~~والمحن ms08071 ما أصابهم فصبروا وعضوا على دينهم بالنواجذ كما يعرب عنه قوله
~~تعالى:

# وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما
~~وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما
~~استكانوا

# [آل عمران: 146] الآيات. وروى البخاري. وأبو داود والنسائي

# " عن خباب بن الأرت قال: «شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد
~~لقينا من المشركين شدة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان
~~من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار
~~فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما
~~يصده ذلك عن دينه "

# { فليعلمن الله الذين صدقوا } أي في قولهم آمنا {
~~وليعلمن الكذبين } في ذلك؛ والفاء لترتيب ما بعدها على ما
~~يفصح عنه ما قبلها من وقوع الامتحان، واللام واقعة في جواب القسم،
~~والالتفات إلى الاسم الجليل لإدخال الروعة وتربية المهابة، وتكرير الجواب
~~لزيادة التأكيد والتقرير.

# ويتوهم من الآية حدوث علمه تعالى بالحوادث وهو باطل. وأجيب بأن الحادث
~~تعلق علمه تعالى بالمعدوم بعد حدوثه، وقال ابن المنير: الحق أن علم الله
~~تعالى واحد يتعلق بالموجود زمان وجوده وقبله وبعده على ما هو عليه،
~~وفائدة ذكر العلم ههنا وإن كان سابقا على وجود المعلوم التنبيه بالسبب
~~على المسبب وهو الجزاء فكأنه قيل: فوالله ليعلمن بما يشبه الامتحان
~~والاختبار الذين صدقوا في الإيمان الذي أظهروه والذين هم كاذبون فيه
~~مستمرون على الكذب فليجازين كلا بحسب علمه فيه، وفي معناه ما قاله ابن
~~جني: من أنه من إقامة السبب مقام المسبب، والغرض فيه ليكافئن الله تعالى
~~الذين صدقوا وليكافئن الكاذبين وذلك أن المكافأة على الشيء إنما هي مسببة
~~عن علم، وقال محيي السنة: أي فليظهرن الله تعالى الصادقين من الكاذبين
~~حتى يوجد معلوما لأن الله تعالى عالم بهم قبل الاختبار.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وجعفر بن محمد والزهري رضي الله تعالى
~~عنهم { فليعلمن } بضم الياء وكسر اللام على أنه مضارع أعلم
~~المنقولة بهمزة التعدية من علم المتعدية إلى ms08072 واحد وهي التي بمعنى عرف
~~فيكون / الفعل على هذه القراءة متعديا لاثنين والثاني هنا محذوف أي
~~فليعلمن الله الذين صدقوا منازلهم من الثواب وليعلمن الكاذبين منازلهم من
~~العقاب وذلك في الآخرة، أو الأول محذوف أي فليعلمن الله الناس الذين
~~صدقوا وليعلمنهم الكاذبين أي يشهدهم هؤلاء في الخير وهؤلاء في الشر،
~~والظاهر أن ذلك في الآخرة أيضا، وقال أبو حيان: في الدنيا والآخرة، وجوز
~~أن يكون ذلك من الإعلام وهو وضع العلامة والسمة فيتعدى لواحد أي يسمهم
~~بعلامة يعرفون بها يوم القيامة كبياض الوجوه وسوادها، وقيل: يسمهم سبحانه
~~بعلامة يعرفون بها في الدنيا كقوله عليه الصلاة والسلام:

# " من أسر سريرة ألبسه الله تعالى رداءها "

# وقرأ الزهري الفعل الأول كما قرأ الجماعة، والفعل الثاني كما قرأ علي
~~كرم الله تعالى وجهه وجعفر والزهري رضي الله تعالى عنهم.

### || [29.4]

# { أم حسب الذين يعملون السيئت أن يسبقونا }
~~قال مجاهد: أي يعجزونا فلا نقدر على مجازاتهم على أعمالهم والانتقام منهم
~~وأصل السبق الفوت، ثم أريد منه ما ذكر. وقيل: أي يعجلونا محتوم القضاء،
~~والأول أولى. وفسر قتادة على ما أخرجه عنه عبد بن حميد وابن جرير {
~~السيئات } بالشرك والجمع باعتبار تعدد المتصفين به وإطلاق العمل على
~~الشرك سواء قلنا إنه ما كان عن فكر وروية كما قيل: أو عن قصد كما قال
~~الراغب أم لا لا ضير فيه لأنه يكون بعبادة الأصنام وغيرها، وقيل: المراد
~~بالسيئات المعاصي غير الكفر فالآية في المؤمنين قطعا، وهم وإن لم يحسبوا
~~أن يفوتوه تعالى ولم تطمع نفوسهم في ذلك لكن نزل جريهم على غير موجب
~~العلم وهو غفلتهم وإصرارهم على المعاصي منزلة من لم يتيقن الجزاء، ويحسب
~~أنه يفوت الله عز وجل. وعمم بعضهم فحمل السيئات على الكفر والمعاصي،
~~وتعليق العمل بها بناء على تسليم تخصيصه بما سمعت يحتمل أن يكون باعتبار
~~التغليب.

# وظاهر الآثار يدل على أن هذه الآية نزلت في شأن الكفرة، فعن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما أنه قال: يريد سبحانه بالذين يعملون السيئات الوليد ms08073
~~بن المغيرة وأبا جهل والأسود والعاصي بن هشام وشيبة وعتبة والوليد بن
~~عتبة وعتبة بن أبي معيط وحنظلة بن وائل وأنظارهم من صناديد قريش، وفي
~~«البحر» أن الآية وإن نزلت على سبب فهي تعم جميع من يعمل السيئات من كافر
~~ومسلم.

# والظاهر أن { أم } منقطعة بمعنى بل التي للإضراب بمعنى الانتقال وهو
~~انتقال من إنكار حسبان عدم الفتن لمجرد الإيمان إلى إنكار حسبان عدم
~~المجازاة على عمل السيئات. وقال ابن عطية: { أم } معادلة للهمزة في
~~قوله تعالى:

# أحسب

# [العنكبوت: 2] وكأنه سبحانه قرر الفريقين، قرر المؤمنين على ظنهم أنهم
~~لا يفتنون، وقرر الكافرين الذين يعملون السيئات في تعذيب المؤمنين وغير
~~ذلك على ظنهم أنهم يسبقون نقمات الله تعالى ويعجزونه انتهى. ورد بأنها لو
~~كانت معادلة للهمزة لكانت متصلة والتالي باطل لأن شرط المتصلة أن يكون ما
~~بعدها مفردا نحو أزيد قائم أم عمرو أو ما هو في تقدير المفرد نحو أقام
~~زيد أم قعد وجوابها تعيين أحد الشيئين أو الأشياء وبعدها هنا جملة؛ ولا
~~يمكن الجواب هنا أيضا بأحد الشيئين فالحق أنها منقطعة والاستفهام الذي
~~تشعر به إنكاري لا يحتاج للجواب كما لا يخفى، والظاهر أن الحسبان متعد
~~إلى مفعولين وأن { أن يسبقونا } ساد مسدهما. وجوز الزمخشري هنا
~~أن يضمن معنى التقدير فيكون متعديا لواحد وإن يسبقونا هو ذلك الواحد، /
~~وتعقبه أبو حيان بأن التضمين ليس بقياس ولا يصار إليه إلا عند الحاجة
~~إليه وهنا لا حاجة إليه.

# { ساء ما يحكمون } أي بئس الذي يحكمونه حكمهم ذلك على أن ساء
~~بمعنى بئس و { ما } موصولة و { يحكمون } صلتها، والعائد محذوف وهي
~~فاعل { ساء } ، والمخصوص بالذم محذوف أو بئس حكما يحكمونه حكمهم ذلك على
~~أن { ما } موصوفة و { يحكمون } صفتها والرابط محذوف وهي تمييز وفاعل ساء
~~ضمير مفسر بالتمييز والمخصوص محذوف أيضا. وقال ابن كيسان: { ما }
~~مصدرية، والمصدر المؤول مخصوص بالذم فالتمييز محذوف، وجوز كون (ساء)
~~بمعنى قبح و(ما) إما مصدرية أو موصولة أو موصوفة، والمضارع للاستمرار
~~إشارة إلى أن دأبهم ذلك ms08074 أو هو واقع موقع الماضي لرعاية الفاصلة وكلا
~~الوجهين حكاهما في «البحر»، والأول أولى، وعندي أن مثل هذا لا يقال: إلا
~~في حق الكفرة.

### || [29.5]

# { من كان يرجو لقاء الله } أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن
~~جبير أنه قال: أي من كان يخشى البعث في الآخرة فالرجاء بمعنى الخوف كما
~~في قول الهذلي في وصف عسال:

# إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها

# وخالفها في بيت نوب عوامل

# ولعل إرادة البعث من لقائه عز وجل لأنه من مباديه، وقيل: لعله جعل لقاء
~~الله تعالى عبارة عن الوصول إلى العاقبة إلا أنه لما كان البعث من أعظم
~~ما يتوقف ذلك عليه خصه بالذكر، وفي «الكشاف» أن لقاء الله تعالى مثل
~~للوصول إلى العاقبة من تلقي ملك الموت والبعث والحساب والجزاء، مثلت تلك
~~الحال بحال عبد قدم على سيده بعد عهد طويل؛ وقد اطلع مولاه على ما كان
~~يأتي ويذر فإما أن يلقاه ببشر وترحيب لما رضي من أفعاله أو بضد ذلك لما
~~سخطه منها، فمعنى { من كان } الخ من كان يأمل تلك الحال وإن يلقى فيها
~~الكرامة من الله تعالى والبشرى، فالكلام عنده من باب التمثيل والرجاء
~~بمعنى الأمل والتوقع. وجوز أن يكون بمعنى ذلك إلا أن الكلام بتقدير مضاف
~~أي من كان يتوقع ملاقاة جزاء الله تعالى ثوابا أو عقابا أو ملاقاة حكمه
~~عز وجل يوم القيامة وأن يكون بمعنى الخوف، والمضاف محذوف أيضا أي من كان
~~يخاف ملاقاة عقاب الله تعالى، وأن يكون بمعنى ظن حصول ما فيه مسرة وتوقعه
~~كما هو المشهور، والمضاف كذلك أيضا، أي من كان يرجو ملاقاة ثواب الله
~~تعالى، ويجوز أن لا يقدر مضاف، ويجعل لقاء الله تعالى مجازا عن الثواب
~~لما أنه لازم له. واختار بعضهم أن الرجاء بمعناه المشهور وأن لقاء الله
~~تعالى مشاهدته سبحانه على الوجه اللائق به عز وجل كما يقوله أهل السنة
~~والجماعة إذ لا حاجة للخروج عن الظاهر من غير ضرورة وما حسبه المعتزلي
~~منها فليس منها كما ms08075 بين في علم الكلام أي من كان يتوقع مشاهدة الله تعالى
~~يوم القيامة التي لا نعيم يعدلها ويلزمها الفوز بكل خير ونعيم.

# { فإن أجل الله } الأجل غاية لزمان ممتد عينت لأمر من الأمور،
~~وقد يطلق على كل ذلك الزمان، والأول أشهر في الاستعمال أي فإن الوقت الذي
~~عينه جل شأنه لذلك { لآت } لا محالة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه
~~لأن أجزاء الزمان على التقضي والتصرم دائما، ومجيء ذلك الوقت كناية عن
~~إتيان ما فيه ووقوعه، والجملة الاسمية قائمة مقام جواب الشرط وهي في
~~الحقيقة دليل الجواب المحذوف أي فليبادر ما ينفقه من امتثال الأوامر
~~واجتناب المناهي أو فليبادر ما يحقق أمله ويصدق رجاءه أو نحوه ذلك مما
~~يلائم الشرط فتدبر. / وقيل: يجوز أن تكون هي الجواب على أن المراد بها
~~المعنى الملائم للشرط كما ذكر { وهو السميع } جل شأنه لأقوال
~~العباد { العليم } بأحوالهم من الأعمال الظاهرة والعقائد والصفات
~~الباطنة، والجملة تذييل لتحقيق حصول المرجو والمخوف وعدا ووعيدا.

### || [29.6]

# { ومن جهد } في طاعة الله عز وجل { فإنما يجهد
~~لنفسه } لعود المنفعة من الثواب المعد لذلك إليها { إن الله
~~لغنى عن العلمين } فلا حاجة له إلى طاعتهم وإنما أمرهم
~~سبحانه بها تعريضا لهم للثواب بموجب رحمته وحكمته.

### || [29.7]

# { والذين ءامنوا وعملوا الصلحت لنكفرن
~~عنهم سيئاتهم } الكفر الأصلي أو العارضي بالإيمان والمعاصي بما
~~يتبعها من الطاعات { ولنجزينهم أحسن الذى كانوا
~~يعملون } أي أحسن جزاء أعمالهم والجزاء الحسن أن يجازي بحسنة حسنة،
~~وأحسن الجزاء أن تجازى الحسنة الواحدة بالعشر وزيادة، وقيل: لو قدر
~~لنجزينهم بأحسن أعمالهم أو جزاء أحسن أعمالهم لإخراج المباح جاز.

### || [29.8]

# { ووصينا الإنسن بوالديه حسنا } أي أمرناه
~~بتعهدهما ومراعاتهما، وانتصب { حسنا } على أنه وصف لمصدر محذوف أي إيصاء
~~حسنا أي ذا حسن أو هو في حد ذاته حسن لفرط حسنه كقوله تعالى:

# وقولوا للناس حسنا

# [البقرة: 83] وهذا ما اختاره أبو حيان ولا يخلو عن حسن، وقال الزمخشري {
~~حسنا } مفعول به لمصدر محذوف مضاف إلى والديه أي وصيناه بإيتاء والديه ms08076
~~أو بإيلاء والديه حسنا، وفيه إعمال المصدر محذوفا وإبقاء عمله وهو لا
~~يجوز عند البصريين، وجوز أن يكون { حسنا } مصدرا لفعل محذوف أي أحسن
~~حسنا، والجملة في موضع المفعول لوصى لتضمنه معنى القول، وهذا على مذهب
~~الكوفيين القائلين بأن ما يتضمن معنى القول يجوز أن يعمل في الجمل من غير
~~تقدير للقول، وعند البصريين يقدر القول في مثل ذلك وعليه يجوز أن يكون
~~مفعولا به لفعل محذوف والجملة مقول القول وجملة القول مفسرة للتوصية أي
~~قلنا أولهما أو افعل بهما حسنا، وعلى هذا يحسن الوقف على { بوالديه }
~~لاستئناف الجملة بعده، ورجح تقدير الأمر بأنه أوفق لما بعده من الخطاب
~~والنهي الذي هو أخوه لكن ضعف ما فيه كثرة تقدير بكثرة التقدير، ونقل ابن
~~عطية عن الكوفيين أنهم يجعلون { حسنا } مفعولا لفعل محذوف ويقدرون أن
~~يفعل حسنا، وفيه حذف أن وصلتها وإبقاء المعمول وهو لا يجوز عند
~~البصريين، وقيل: إن { حسنا } منصوب بنزع الخافض و { بوالديه } متعلق
~~بوصينا والباء فيه بمعنى في أي وصينا الإنسان في أمر والديه بحسن وهو كما
~~ترى، وقرأ عيسى والجحدري { حسنا } بفتحتين وفي مصحف أبي (إحسانا).

# { وإن جهداك لتشرك بى ما ليس لك به علم فلا
~~تطعهما } عطف على ما قبله ولا بد من إضمار القول إن لم يضمر قبل أي
~~وقلنا: إن جاهداك الخ لئلا يلزم عطف الإنشاء على الخبر لأن الجملة
~~الشرطية إذ كان جوابها إنشاء فهي إنشائية كما صرحوا به فإذا لم يضمر
~~القول لا يليق عطفها على وصينا لما ذكر ولا على ما عمل فيه لكونه في معنى
~~القول وهو أحسن وإن توافقا في الإنشائية لأنه ليس من الوصية بالوالدين
~~لأنه منهي عن مطاوعتهما، وأما عطفه على قلنا المفسر للتوصية فلا يضر لما
~~فيه من تقييدها بعدم الإفضاء إلى المعصية مآلا فكأنه قيل: أحسن إليهما
~~وأطعهما ما لم يأمراك بمعصية فتأمل.

# والظاهر الذي يقتضيه المقام أن { ما } عام لما سواه تعالى شأنه وقوله
~~سبحانه: { به } على حذف مضاف أي ما ليس لك ms08077 بإلهيته علم، وتنكير { علم }
~~للتحقير. والمراد لتشرك بي شيئا لا يصح أن يكون إلها ولا يستقيم، وفي
~~العدول عنه إلى ما في النظم الجليل إيذان / بأن ما لا يعلم صحته ولو
~~إجمالا كما في التقليد لا يجوز اتباعه وإن لم يعلم بطلانه فكيف بما علم
~~على أتم وجه بطلانه، وجعل العلامة الطيبي نفي العلم كناية عن نفي
~~المعلوم، وعلل ذلك بأن هذا الأسلوب يستعمل غالبا في حق الله تعالى نحو
~~أتعلمون الله بما لا يعلم ثم قال: وفيه إشارة إلى أن نفي الشرك من العلوم
~~الضرورية وأن الفطرة السليمة مجبولة عليه على ما ورد

# " كل مولود يولد على الفطرة "

# وذلك أن المخاطب بقوله تعالى: { ووصينا الإنسن } جنس الإنسان
~~انتهى، وفيه بحث. ومتعلق { تطعهما } محذوف لوضوح دلالة الكلام عليه أي
~~وإن استفرغا جهدهما في تكليفك لتشرك بي غيري مما لا إلهية له فلا تطعهما
~~في ذلك فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وفي تعليق النهي عن طاعتهما
~~بمجاهدتهما في التكليف إشعار بأن موجب النهي فيما دونها من التكليف ثابت
~~بطريق الأولوية وكذا موجبه في مجاهدة أحدهما.

# { إلي مرجعكم } أي مرجع من آمن منكم ومن أشرك ومن بر ومن عق
~~والجملة مقررة لما قبلها ولذا لم تعطف { فأنبئكم بما كنتم
~~تعملون } بأن أجازي كلا منكم بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

# والآية نزلت في سعد بن أبي وقاص، وذلك أنه رضي الله تعالى عنه حين أسلم
~~قالت أمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس: يا سعد بلغني أنك صبأت
~~فوالله تعالى لا يظلني سقف بيت من الضح والريح وإن الطعام والشراب علي
~~حرام حتى تكفر بمحمد وكان أحب ولدها إليها فأبى سعد وبقيت ثلاثة أيام
~~كذلك فجاء سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا إليه فنزلت هذه
~~الآية والتي في لقمان والتي في الأحقاف فأمره رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم أن يداريها ويترضاها بالإحسان.

# وروي أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وذلك ms08078 أنه هاجر مع عمر
~~بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما مترافقين حتى نزلا المدينة فخرج أبو جعل
~~بن هشام والحرث بن هشام أخواه لأمه أسماء بنت مخرمة امرأة من بني تميم من
~~بني حنظلة فنزلا بعياش وقالا له: إن من دين محمد صلة الأرحام وبر
~~الوالدين وقد تركت أمك لا تطعم ولا تشرب ولا تأوي بيتا حتى تراك وهي أشد
~~حبا لك منا فاخرج معنا وفتلا منه في الذروة والغارب فاستشار عمر رضي
~~الله تعالى عنه فقال هما يخدعانك ولك علي أن أقسم مالي بيني وبينك فما
~~زالا به حتى أطاعهما وعصى عمر رضي الله تعالى عنه فقال عمر رضي الله
~~تعالى عنه: أما إذا عصيتني فخذ ناقتي فليس في الدنيا بعير يلحقها فإن
~~رابك منهم ريب فارجع، فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل: إن ناقتي قد
~~كلت فاحملني معك، قال: نعم. فنزل ليوطىء لنفسه وله فأخذاه فشداه وثاقا
~~وجلده كل واحد [منهما] مائة جلدة وذهبا به إلى أمه، فقالت: لا تزال بعذاب
~~حتى ترجع عن دين محمد فنزلت.

### || [29.9]

# أي في زمرة الراسخين في الصلاح الكاملين فيه، والصلاح ضد الفساد وهو
~~جامع لكل خير، وله مراتب غير متناهية ومرتبة الكمال فيه مرتبة عليا، ولذا
~~طلبها الأنبياء عليهم السلام كما قال سليمان عليه السلام

# وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصلحين

# [النمل: 19] ويحتمل أن يكون الكلام بتقدير مضاف أي في مدخل الصالحين وهي
~~الجنة، والموصول مبتدأ و { لندخلنهم } الخبر على ما ذكره أبو البقاء،
~~وجوز أن يكون في موضع نصب على تقدير لندخلن الذين آمنوا وعملوا الصالحات
~~لندخلنهم.

### || [29.10]

# { ومن الناس } أي بعضهم { من يقول ءامنا بالله فإذا
~~أوذى فى الله } أي لأجله عز وجل على أن { في } للسببية، أو المراد
~~في سبيل الله تعالى بأن عذبهم المشركون على الإيمان به تعالى: { جعل
~~فتنة الناس } أي / نزلوا ما يصيبهم من أذيتهم { كعذاب الله
~~} أي منزلة عذابه تعالى في الآخرة فجزعوا من ذلك ولم يصبروا عليه وأطاعوا
~~الناس وكفروا بالله تعالى كما ms08079 يطيع الله تعالى من يخاف عذابه سبحانه
~~فيؤمن به عز وجل.

# { ولئن جاء نصر من ربك } بأن حصل للمؤمنين فتح وغنيمة {
~~ليقولن } بضم اللام الثانية وحذف ضمير الجمع لإلتقاء الساكنين،
~~وهذا الضمير عائد إلى (من) والجمع بالنظر إلى معناها، كما أن إفراد
~~الضمائر العائدة إليها فيما سبق بالنظر إلى لفظها، وحكى أبو معاذ النحوي
~~أنه قرىء { ليقولن } بفتح اللام على إفراد الضمير كما فيما سبق {
~~إنا كنا معكم } أي مشايعين لكم في الدين فأشركونا فيما حصل من
~~الغنيمة، وقيل: أي مقاتلين معكم ناصرين لكم فالمراد الصحبة في القتال.
~~ورد بأنها غير واقعة، والآية نزلت في ناس من ضعفة المسلمين كانوا إذا
~~مسهم أذى من الكفار وافقوهم وكانوا يكتمونه من المسلمين وبذلك يكونون
~~منافقين، ولذا قال ابن زيد والسدي: إن الآية في المنافقين فرد الله تعالى
~~عليهم ذلك بقوله سبحانه:

# { أوليس الله بأعلم بما فى صدور العلمين }
~~وهو في الظاهر عطف على مقدر أي أيخفى حالهم وليس الخ أو أليس المتفرسون
~~الذين ينظرون بنور الله تعالى بأحوالهم عالمين وليس الخ، و { أعلم }
~~إما على أصله أي أليس هو عز وجل أعلم من العالمين بما في صدور العالمين
~~من الأخلاق والنفاق حتى يفعلوا ما يفعلون من الارتداد والإخفاء عن
~~المسلمين وادعاء كونهم منهم لنيل الغنيمة أو هو بمعنى عالم. وقال قتادة:
~~نزلت فيمن هاجر فردهم المشركون إلى مكة، وقيل: نزلت في ناس مؤمنين أخرجهم
~~المشركون إلى بدر فارتدوا وهم الذين قال الله تعالى فيهم

# إن الذين توفهم الملئكة ظلمى أنفسهم

# [النساء: 97] الآية، وما تقدم هو الأوفق لما سبق من الآية وما لحق من
~~قوله سبحانه: { وليعلمن الله الذين ءامنوا... }.

### || [29.11]

# { وليعلمن الله الذين ءامنوا } بالإخلاص {
~~وليعلمن المنفقين } سواء كان كفرهم بأذية أو لا، والمراد
~~بالعلم المجازاة أي ليجزينهم بما لهم من الإيمان والنفاق، وكأن تلوين
~~الخطاب في الذين آمنوا والمنافقين لرعاية الفواصل، والظاهر أن الآية بناء
~~على أن النفاق ظهر في المدينة مدنية، وهو يؤيد ما تقدم من عدها من
~~المستثنيات، ولعل ms08080 من يقول إنها مكية لظاهر إطلاق جمع القول بمكية السورة،
~~وأن تعذيب الكفرة المسلمين إنما كان في الأغلب بمكة يمنع ذلك أو يذهب إلى
~~أنها من الإخبار بالغيب فتدبر.

### || [29.12]

# { وقال الذين كفروا للذين ءامنوا } بيان لحملهم
~~المؤمنين على الكفر بالاستمالة بعد بيان حملهم إياهم عليه بالأذية
~~والوعيد، ووصفهم بالكفر ههنا دون ما سبق لما أن مساق الكلام لبيان
~~جنايتهم وفيما سبق لبيان جناية من أضلوه، واللام للتبليغ أي قالوا
~~مخاطبين لهم { اتبعوا سبيلنا } أي اسلكوا طريقتنا التي نسلكها
~~في الدين، عبر عن ذلك بالاتباع الذي هو المشي خلف ماش آخر تنزيلا للمسلك
~~منزلة السالك فيه أو اتبعونا في طريقتنا { ولنحمل خطيكم }
~~أي إذا كان ذلك الاتباع خطيئة يؤاخذ عليها يوم القيامة كما تقولون أو
~~ولنحمل ما عليكم من الخطايا إن كان بعث ومؤاخذة، وإنما أمروا أنفسهم
~~بالحمل عاطفين له على الأمر بالاتباع للمبالغة في تعليق الحمل بالاتباع،
~~فكأن أصل الكلام اتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم بجزم نحمل على أنه جواب
~~الأمر، فيكون المعنى إن تتبعوا نحمل فعدل عنه إلى ما في النظم الجليل
~~للمبالغة المذكورة، ومنشؤها الإشارة إلى أن الحمل لتحققه كأنه أمر واجب
~~أمروا به من آمر مطاع، والتعليق على الشرط الذي / تضمنه الأمر كما في
~~قولهم: أكرمني أنفعك لا يفيد ذلك، والداعي لهم إلى المبالغة التشجيع على
~~الاتباع، والحمل هنا مجاز، وفي «البحر» شبه القيام بما يتحصل من عواقب
~~الإثم بالحمل على الظهر والخطايا بالمحمول، وقال مجاهد: الحمل هنا من
~~الحمالة لا من الحمل انتهى.

# والآية على ما أخرج جماعة عن مجاهد نزلت في كفار قريش قالوا لمن آمن
~~منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فاتبعونا فإن كان عليكم شيء فعلينا. وأخرج
~~ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن الحنفية قال كان أبو جهل وصناديد قريش
~~يتلقون الناس إذا جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسلمون يقولون:
~~إنه يحرم الخمر ويحرم الزنا ويحرم ما كانت تصنع العرب فارجعوا فنحن نحمل
~~أوزاركم فنزلت هذه الآية، وقيل: قائل ذلك ms08081 أبو سفيان بن حرب وأمية بن خلف
~~قالا لعمر رضي الله تعالى عنه: إن كان في الإقامة على دين الآباء إثم
~~فنحن نحمله عندك. وقيل: قائله الوليد بن المغيرة، ونسبة ما صدر عن الواحد
~~للجمع شائعة، وقد تقدم الكلام غير مرة في وجه ذلك، وقرأ الحسن وعيسى ونوح
~~القارىء { ولنحمل } بكسر لام الأمر، ورويت عن علي كرم الله تعالى وجهه.

# { وما هم بحملين من خطيهم من شىء } نفي مؤكد
~~عن سبيل الاستمرار لكونهم حاملين شيئا ما من خطاياهم التي التزموا
~~حملها، فالباء زائدة لتأكيد النفي والاستمرار الذي تفيده الجملة الاسمية
~~معتبر بعد النفي، ومن الأولى للبيان وهو مقدم من تأخير، و(من) الثانية
~~مزيدة لتأكيد الاستغراق، وهذه الجملة اعتراض أو حال.

# وقرأ داود بن أبي هند فيما ذكر أبو الفضل الرازي { من
~~خطيئتهم } على التوحيد قال: ومعناه الجنس، ودل على ذلك اتصافه
~~بضمير الجماعة، وذكر ابن خالويه. وأبو عمرو الداني أن داود هذا قرأ {
~~من خطيئتهم } جمع خطيئة جمع السلامة بالألف والتاء، وذكر ابن
~~عطية عنه أنه قرأ من { خطيهم } بفتح الطاء وكسر الياء، وينبغي أن يحمل
~~كسر الياء على أنها همزة سهلت بين بين فأشبهت الياء لأن قياس تسهيلها هو
~~ذلك.

# وقوله تعالى: { إنهم لكذبون } استئناف مقرر للنفي السابق،
~~والكذب قيل راجع إلى تعليق الحمل بالاتباع فإنه إخبار لا إلى الأمر
~~السابق لأنه إنشاء ولا يجري الكذب فيه، وتعقب بأن التعليق لا يلزمه أن
~~يكون أخبار بل هو ضمان معلق أي إنشاء الضمان عند وجود الصفة، ولذا قال
~~الزمخشري: إن ضامن ما لا يعلم اقتداره على الوفاء به لا يسمى كاذبا لا
~~حين ضمن ولا حين عجز لأنه في الحالين لا يدخل تحت حد الكاذب وهو المخبر
~~عن الشيء لا على ما هو عليه، وجعل هذا سؤالا عن وجه التعبير بكاذبون،
~~وأجاب عن ذلك بوجهين، ثانيهما على ما في «الكشف» هو الوجه، وحاصله أن
~~الكذب ليس راجعا إلى أنهم غير حاملين ليقال: إن الضامن لا يسمى كاذبا
~~بل أخبر الله ms08082 تعالى أنهم عجزوا عما ضمنوه ومع ذلك هم كاذبون في وعد إنشاء
~~الضمان عند وجود الوصف، والمحصل أن من وعد الضمان إن ضمن ولم يحقق لا
~~يسمى كاذبا وإن لم يضمن سمي كاذبا، وأولهما أنه شبه الله تعالى حالهم
~~حيث علم أن ما ضمنوه لا طريق لهم إلى أن يفوا به فكان ضمانهم عنده سبحانه
~~لا على ما هو عليه المضمون بالكاذبين الذين خبرهم لا على ما عليه المخبر
~~عنه.

# وقال بعض المحققين: الكذب راجع إلى الخبر الذي في ضمن وعدهم بالحمل وهم
~~أنهم قادرون على إنجاز / ما وعدوا، والكذب كما يتطرق إلى الكلام باعتبار
~~منطوقه يتطرق إليه باعتبار ما يلزم مدلوله، وفي «الانتصاف» أن في قوله
~~تعالى: { إنهم لكذبون } نكتة حسنة يستدل بها على صحة مجيء
~~الأمر بمعنى الخبر فإن من الناس من أنكره والتزم تخريج جميع ما ورد في
~~ذلك على أصل الأمر ولم يتم له ذلك في هذه الآية لأنه سبحانه أردف قولهم {
~~ولنحمل خطيكم } على صيغة الأمر بقوله تعالى: { إنهم
~~لكذبون } والتكذيب إنما يتطرق إلى الأخبار انتهى، ويعلم منه وجه
~~كونهم كاذبين في قولهم ذلك مع إخراجهم له مخرج الأمر إلا أن في كون الآية
~~دليلا على ما ذكره نظرا كما لا يخفى.

### || [29.13]

# { وليحملن أثقالهم } بيان لما يستتبعه قولهم ذلك في
~~الآخرة من المضرة لأنفسهم بعد بيان عدم منفعته لمخاطبيهم أصلا، والتعبير
~~عن الخطايا بالأثقال للإيذان بغاية ثقلها وكونها فادحة، واللام واقعة في
~~جواب قسم محذوف أي وبالله ليحملن أثقال أنفسهم كاملة { وأثقالا }
~~أخر { مع أثقالهم } وهي أثقال ما تسببوا بالإضلال والحمل على
~~الكفر والمعاصي من غير أن ينقص من أثقال من أضلوه شيء ما. فقد أخرج عبد
~~بن حميد وابن المنذر عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه وعمل به فله مثل أجور الذين اتبعوه
~~ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئا وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع عليها وعمل
~~بها فعليه مثل أوزار الذين اتبعوه ms08083 ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا "

# قال عون: وكان الحسن يقرأ عليها { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم
~~} ، وللإشارة إلى استقلال أثقال أنفسهم وأنها نهضتهم واستفرغت جهدهم وأن
~~الأثقال الأخر كالعلاوة عليها اختير ما في النظم الجليل على أن يقال
~~وليحملن أثقالا مع أثقالهم.

# { وليسئلن يوم القيمة } سؤال تقريع وتبكيت { عما
~~كانوا يفترون } أي يختلقونه في الدنيا من الأكاذيب والأباطيل
~~التي من جملتها كذبهم هذا.

### || [29.14]

# { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف
~~سنة إلا خمسين عاما } شروع في بيان إفتتان الأنبياء عليهم
~~السلام بأذية أممهم إثر بيان افتتان المؤمنين بأذية الكفار تأكيدا
~~للإنكار على الذين يحسبون أن يتركوا بمجرد الإيمان بلا ابتلاء وحثا لهم
~~على الصبر فإن الأنبياء عليهم السلام حيث ابتلوا بما أصابهم من جهة أممهم
~~من فنون المكاره وصبروا عليها فلأن يصير هؤلاء المؤمنون أولى وأحرى،
~~والظاهر أن الواو للعطف وهو من عطف القصة على القصة، قال ابن عطية:
~~والقسم فيها بعيد يعني أن يكون المقسم به قد حذف وبقي حرفه وجوابه فإن
~~فيه حذف المجرور وإبقاء الجار، وهم قالوا: لا بد من ذكر المجرور، والفاء
~~للتعقيب فالمتبادر أنه عليه السلام لبث في قومه عقيب الإرسال المدة
~~المذكورة وقد جاء مصرحا به في بعض الآثار. أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن
~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عباس
~~قال: بعث الله تعالى نوحا عليه السلام وهو ابن أربعين سنة، ولبث فيهم
~~ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله تعالى وعاش بعد الطوفان ستين
~~سنة حتى كثر الناس وفشوا، وعلى هذه الرواية يكون عمره عليه السلام ألف
~~سنة وخمسين سنة.

# وقيل: إنه عليه السلام عمر أكثر من ذلك، أخرج ابن جرير عن عون بن أبي
~~شداد قال: إن الله تعالى أرسل نوحا عليه السلام إلى قومه وهو ابن خمسين
~~وثلثمائة سنة فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين / عاما ثم عاش بعد ذلك خمسين
~~وثلثمائة سنة فيكون عمره ألف سنة وستمائة وخمسين ms08084 سنة، وأخرج عبد بن حميد
~~عن عكرمة قال: كان عمر نوح عليه السلام قبل أن يبعث إلى قومه وبعدما بعث
~~ألفا وسبعمائة سنة، وعن وهب أنه عليه السلام عاش ألفا وأربعمائة سنة،
~~وفي «جامع الأصول» كانت مدة نبوته تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الغرق
~~خمسين سنة، وقيل: مائتي سنة وكانت مدة الطوفان ستة أشهر آخرها يوم
~~عاشوراء. وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون ما ذكر الله عز وجل مدة إقامته
~~عليه السلام من لدن مولده إلى غرق قومه، وقيل: يحتمل أن يكون ذلك جميع
~~عمره عليه السلام، ولا يخفى أن المتبادر من الفاء التعقيبية ما تقدم.

# وجاء في بعض الآثار أنه عليه السلام أطول الأنبياء عليهم السلام عمرا،
~~أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب «ذم الدنيا» عن أنس بن مالك قال: جاء ملك
~~الموت إلى نوح عليهما السلام فقال: يا أطول النبيين عمرا كيف وجدت
~~الدنيا ولذتها؟ قال: كرجل دخل بيتا له بابان فقال وسط الباب هنيهة ثم
~~خرج من الباب الآخر، ولعل ما عليه النظم الكريم في بيان مدة لبثه عليه
~~السلام للدلالة على كمال العدد وكونه متعينا نصا دون تجوز فإن تسعمائة
~~وخمسين قد يطلق على ما يقرب منه ولما في ذكر الألف من تخييل طول المدة
~~لأنها أول ما تقرع السمع فإن المقصود من القصة تسلية رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم وتثبيته على ما كان عليه من مكابدة ما يناله من الكفرة وإظهار
~~ركاكة رأي الذين يحسبون أنهم يتركون بلا ابتلاء، واختلاف المميزين لما في
~~التكرير في مثل هذا الكلام من البشاعة، والنكتة في اختيار السنة أولا
~~أنها تطلق على الشدة والجدب بخلاف العام فناسب اختيار السنة لزمان الدعوة
~~الذي قاسى عليه السلام فيه ما قاسى من قومه.

# { فأخذهم الطوفان } أي عقيب تمام المدة المذكورة، والطوفان قد
~~يطلق على كل ما يطوف بالشيء على كثرة وشدة من السيل والريح والظلام قال
~~العجاج:

# حتى إذا ما يومها تصبصبا

# وغم طوفان الظلام الأثأبا

# وقد غلب على طوفان الماء ms08085 وهو المراد هنا { وهم ظلمون } أي
~~والحال أنهم مستمرون على الظلم لم يتأثروا بما سمعوا من نوح عليه السلام
~~من الآيات ولم يرعووا عما هم عليه من الكفر والمعاصي هذه المدة
~~المتمادية.

### || [29.15]

# { فأنجينه } أي نوحا عليه السلام { وأصحب السفينة }
~~أي من ركب فيها معه من أولاده وأتباعه، وكانوا ثمانين، وقيل: ثمانية
~~وسبعين نصفهم ذكور ونصفهم إناث منهم أولاد نوح سام وحام ويافث ونساؤهم،
~~وعن محمد ابن إسحاق كانوا عشرة خمسة رجال وخمس نسوة، وروي مرفوعا كانوا
~~ثمانية نوح وأهله وبنوه الثلاثة أي مع أهليهم { وجعلنها } أي
~~السفينة { ءاية للعلمين } عبرة وعظة لهم لبقائها زمانا طويلا
~~على الجودي يشاهدها المارة ولاشتهارها فيما بين الناس، ويجوز كون الضمير
~~للحادثة والقصة المفهومة مما قبل وهي عبرة للعالمين لاشتهارها فيما
~~بينهم.

### || [29.16]

# { وإبرهيم } نصب بإضمار اذكر معطوفا على ما قبله عطف القصة على
~~القصة فلا ضير في اختلافهما خبرا وإنشاءا و(إذ) في قوله تعالى: { إذ
~~قال لقومه } بدل اشتمال منه لأن الأحيان تشتمل على ما فيها، وقد
~~جوز ذلك الزمخشري وابن عطية، وتعقب ذلك أبو حيان بأن إذ لا تتصرف فلا
~~تكون مفعولا به والبدلية تقتضي ذلك. ثم ذكر أن إذ إن كانت ظرفا لما مضى
~~لا يصح أن تكون معمولة لاذكر لأن المستقبل / لا يقع في الماضي فلا يجوز
~~قم أمس، وإذا خلعت من الظرفية الماضوية وتصرف فيها جاز أن تكون مفعولا
~~به ومعمولا لاذكر، وجوز غير واحد أن يكون نصبا بالعطف على

# نوحا

# [العنكبوت: 14] فكأنه قيل: وأرسلنا إبراهيم فإذ حينئذ ظرف للإرسال،
~~والمعنى على ما قيل أرسلناه حين تكامل عقله وقدر على النظر والاستدلال
~~وترقى من رتبة الكمال إلى درجة التكميل حيث تصدى لإرشاد الخلق إلى طرق
~~الحق، وهذا على ما قاله بعض المحققين لما أن القول المذكور في حيز إذ
~~إنما كان منه عليه السلام بعدما راهق قبل الإرسال، وأنت تعلم أن قوله
~~تعالى:

# وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على
~~الرسول إلا البلاغ المبين

# [العنكبوت: 18] الخ إذا ms08086 كان من قوله عليه السلام لقومه كالنص في أن
~~القول المحكي عنه عليه السلام كان بعد الإرسال؛ وفي «الحواشي السعدية» أن
~~ذلك إشارة إلى دفع ما عسى أن يقال: الدعوة تكون بعد الإرسال والمفهوم من
~~الآية تقدمها عليه، وحاصله أنه ليس المراد من الدعوة ما هو نتيجة الإرسال
~~بل ما هو نتيجة كمال العقل وتمام النظر، مع أن دلالة الآية على تقدمها
~~غير مسلمة ففي الوقت سعة، ويجوز أن يكون القصد هو الدلالة على مبادرته
~~عليه السلام للامتثال اه فتدبر. وجوز أبو البقاء، وابن عطية أن يكون
~~نصبا بالعطف على مفعول

# أنجيناه

# [العنكبوت: 15] وهو كما ترى، والأوفق بما يأتي إن شاء الله تعالى من
~~قوله تعالى:

# وإلى مدين أخاهم شعيبا

# [العنكبوت: 36] أن يكون النصب بالعطف على نوحا.

# وقرأ أبو حنيفة، والنخعي وأبو جعفر وإبراهيم بالرفع على أن التقدير ومن
~~المرسلين إبراهيم، وقيل: التقدير ومما ينبغي ذكره إبراهيم، وقيل: التقدير
~~وممن أنجينا إبراهيم، وعلى الأول المعول لدلالة ما قبل وما بعد عليه،
~~ويتعلق بذلك المحذوف { إذ قال لقومه }.

# { اعبدوا الله } وحده { واتقوه } أن تشركوا به سبحانه شيئا
~~{ ذلكم } أي ما ذكر من العبادة والتقوى { خير لكم } من كل شيء
~~فيه خيرية مما أنتم عليه على تقدير الخيرية فيه على زعمكم، ويجوز كون خير
~~صفة لا اسم تفضيل { إن كنتم تعلمون } أي الخير والشر وتميزون
~~أحدهما من الآخر، أو إن كنتم تعلمون شيئا من الأشياء بوجه من الوجوه فإن
~~ذلك كاف في الحكم بخيرية ما ذكر من العبادة والتقوى.

### || [29.17]

# { إنما تعبدون من دون الله أوثنا } بيان لبطلان دينهم
~~وشريته في نفسه بعد بيان شريته بالنسبة إلى الدين الحق، أي ما تعبدون من
~~دونه تعالى إلا أوثانا هي في نفسها تماثيل مصنوعة لكم ليس فيها وصف غير
~~ذلك { وتخلقون إفكا } أي وتكذبون كذبا حيث تسمونها آلهة وتدعون
~~أنها شفعاؤكم عند الله سبحانه؛ أو تعملونها وتنحتونها للإفك والكذب،
~~واللام لام العاقبة وإلا فهم لم يعملوها لأجل الكذب، وجوز أن يكون ذلك من
~~باب ms08087 التهكم. وقال بعض الأفاضل: الأظهر كون { إفكا } مفعولا به والمراد
~~به نفس الأوثان وجعلها كذبا مبالغة، أو الإفك بمعنى المأفوك وهو المصروف
~~عما هو عليه، وإطلاقه على الأوثان لأنها مصنوعة وهم يجعلونها صانعا.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والسلمي وعون العقيلي وعبادة وابن أبي
~~ليلى وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { تخلقون } بفتح التاء والخاء
~~واللام مشددة، قال ابن مجاهد: ورويت عن ابن الزبير وأصله تتخلقون فحذفت
~~إحدى التاءين وهو من تخلق بمعنى تكذب وصيغة التكلف للمبالغة. وزعم بعضهم
~~جواز أن يكون تفعل بمعنى فعل. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما
~~أيضا { تخلقون } من خلق بالتشديد للتكثير في الخلق بمعنى الكذب
~~والافتراء. وقرأ ابن الزبير / وفضيل بن زرقان { أفكا } بفتح الهمزة
~~وكسر الفاء على أنه مصدر كالكذب واللعب أو وصف كالحذر وقع صفة لمصدر مقدر
~~أي خلقا أفكا أي ذا أفك.

# { إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون
~~لكم رزقا } بيان لشرية ما يعبدونه من حيث أنه لا يكاد يجديهم
~~نفعا، و { رزقا } يحتمل أن يكون مصدرا مفعولا به ليملكون، والمعنى
~~لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئا من الرزق، وأن يكون بمعنى المرزوق أي لا
~~يستطيعون، إيتاء شيء من الرزق وجوز على المصدرية أن يكون مفعولا مطلقا
~~ليملكون من معناه أو لمحذوف والأصل لا يملكون أن يرزقوكم رزقا وهو كما
~~ترى ونكر كما قال بعض الأجلة: للتحقير والتقليل مبالغة في النفي، وخص
~~الرزق لمكانته من الخلق { فابتغوا عند الله الرزق } أي كله
~~على أن تعريف الرزق للاستغراق. قال الطيبي: هذا من المواضع التي ليست
~~المعرفة المعادة عين الأول فيها، وجوز أن تكون عين الأول بناء على أن
~~كلا منهما مستغرق { واعبدوه } عز وجل وحده { واشكروا له }
~~على نعمائه متوسلين إلى مطالبكم بعبادته مقيدين بشكره تعالى للعتيد
~~ومستجلبين به للمزيد، فالجملتان ناظرتان لما قبلهما، وجوز أن يكون
~~ناظرتين لقوله تعالى: { إليه ترجعون } كأنه قيل: استعدوا للقائه
~~تعالى بالعبادة والشكر فإنه إليه ترجعون، وجوز بعض المحققين أن تكون ms08088 هذه
~~الجملة تذييلا لجملة ما سبق مما حكى عن إبراهيم عليه السلام أو لأوله،
~~والمعنى إليه تعالى لا إلى غيره سبحانه ترجعون بالموت ثم بالبعث فافعلوا
~~ما أمرتكم به وما بينهما اعتراض لتقرير الشرية كما سمعت. وقرىء {
~~ترجعون } بفتح التاء من رجع رجوعا.

### || [29.18]

# { وإن تكذبوا } عطف على مقدر تقديره فإن تصدقوني فقد فزتم بسعادة
~~الدارين وإن تكذبوا أي تكذبوني فيما أخبرتكم به من أنكم إليه تعالى
~~ترجعون بالبعث { فقد كذب أمم من قبلكم } وهذا تعليل
~~للجواب في الحقيقة، والأصل فلا تضرونني بتكذيبكم فإنه قد كذب أمم قبلكم
~~رسلهم وهم شيث وإدريس ونوح وهود وصالح عليهم السلام فلم يضرهم تكذيبهم
~~شيئا وإنما ضر أنفسهم حيث تسبب لما حل بهم من العذاب فكذا تكذيبكم إياي
~~{ وما على الرسول إلا البلغ المبين } أي التبليغ
~~الذي لا يبقى معه شك وما عليه أن يصدقه قومه البتة وقد خرجت عن عهدة
~~التبليغ بما لا مزيد عليه فلا يضرني تكذيبكم بعد ذلك أصلا.

# وهذه الآية أعني { وإن تكذبوا } الخ على ما ذكرنا من جملة قصة
~~إبراهيم عليه السلام وكذا ما بعد على ما قيل إلى قوله تعالى:

# فما كان جواب قومه

# [العنكبوت: 24] وجوز أن يكون ذلك اعتراضا بذكر شأن النبي صلى الله
~~عليه وسلم وقريش وهدم مذهبهم والوعيد على سوء صنيعهم توسط بين طرفي القصة
~~من حيث إن مساقها لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم والتنفيس عنه بأن
~~أباه خليل الرحمن كان مبتلى بنحو ما ابتلي به من شرك القوم وتكذيبهم
~~وتشبيه حاله فيهم بحال إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، قالوا: وفي {
~~وإن تكذبوا } اعتراضية، والخطاب منه تعالى أو من النبي صلى الله
~~عليه وسلم على معنى وقل لقريش { إن تكذبوا } الخ. وذهب بعض المحققين
~~إلى أن قوله تعالى: { إن تكذبوا } الخ من كلام إبراهيم عليه السلام،
~~وقوله سبحانه: { أو لم يروا كيف يبدىء الله
~~الخلق... }.

### || [29.19]

# { أو لم يروا كيف يبدىء الله الخلق } الخ كلام
~~مستأنف مسوق من جهته تعالى للإنكار على تكذيبهم بالبعث ms08089 مع وضوح دليله،
~~والهمزة لإنكار عدم رؤيتهم الموجب لتقريرها، والواو للعطف على / مقدر أي
~~ألم ينظروا ولم يعلموا كيفية خلق الله تعالى الخلق ابتداء من مادة ومن
~~غير مادة أي قد علموا ذلك. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بخلاف عنه { ألم
~~تروا } بتاء الخطاب، وهو على ما قال هذا البعض لتشديد الإنكار وتأكيده
~~ولا يحتاج عليه إلى تقدير قول، ومن لم يجعل ذلك كلاما مستأنفا مسوقا
~~من جهته تعالى للإنكار على تكذيبهم بالبعث قال: إن الخطاب على تقدير
~~القول أي قال لهم رسلهم: ألم تروا. ووجه ذلك بأنه جعل ضمير { أو لم
~~يروا } على قراءة الغيبة لأمم في قوله تعالى:

# أمم من قبلكم

# [العنكبوت: 18] فيجعل في قراءة الخطاب له أيضا ليتحد معنى القراءتين،
~~وحينئذ يحتاج لتقدير القول ليحكى خطاب رسلهم معهم إذ لا مجال للخطاب
~~بدونه. وقيل: إن ذاك لأنه لا يجوز أن يكون الخطاب لمنكري الإعادة من أمة
~~إبراهيم أو نبينا عليهما الصلاة والسلام وهم المخاطبون بقوله تعالى:

# وإن تكذبوا

# [العنكبوت: 18] لأن الاستفهام للإنكار أي قد رأوا فلا يلائم قوله تعالى:

# قل سيروا

# [العنكبوت: 20] الخ لأن المخاطبين فيها هم المخاطبون أولا، يعني إن
~~كانت الرؤية علمية فالأمر بالسير والنظر لا يناسب لمن حصل له العلم
~~بكيفية الخلق، والقول بأن الأول دليل أنفسي، والثاني آفاقي مخالف للظاهر
~~من وجوه اه فتدبر، ولعل الأظهر والأبعد عن القيل والقال في نظم الآيات
~~ما نقلناه عن بعض المحققين. وقرأ الزبيري وعيسى وأبو عمرو بخلاف عنه {
~~كيف يبدأ } على أنه مضارع بدأ الثلاثي مع إبدال الهمزة ألفا كما
~~ذكره الهمداني.

# وقوله تعالى: { ثم يعيده } عطف على { أولم يروا } لا على
~~{ يبدىء } لأن الرؤية إن كانت بصرية فهي واقعة على الإبداء دون الإعادة
~~فلو عطف عليه لم يصح وكذا إذا كانت علمية لأن المقصود الاستدلال بما
~~علموه من أحوال المبدأ على المعاد لإثباته فلو كان معلوما لهم كان
~~تحصيلا للحاصل. وجوز العطف عليه بتأويل الإعادة بإنشائه تعالى كل سنة
~~مثل ما أنشأه سبحانه في السنة ms08090 السابقة من النبات والثمار وغيرهما فإن ذلك
~~مما يستدل به على صحة البعث ووقوعه على ما قيل من غير ريب، وعن مقاتل أن
~~الخلق هنا الليل والنهار وليس بشيء { إن ذلك } أي ما ذكر من
~~الإعادة، وجوز أن يكون المشار إليه ما ذكر من الأمرين { على الله
~~يسير } إذ لا يحتاج فعله تعالى إلى شيء خارج عن ذاته عز وجل.

### || [29.20]

# { قل سيروا فى الأرض } أمر لإبراهيم عليه السلام أن يقول لقومه
~~ذلك عند بعض المحققين، وكذا جعله من جعل جميع ما تقدم من قصة إبراهيم
~~عليه السلام، ومن جعل قوله تعالى:

# وإن تكذبوا

# [العنكبوت: 18] إلى قوله تعالى:

# فما كان جواب قومه

# [العنكبوت: 24] اعتراضا جعل هذا أمرا لنبينا صلى الله عليه وسلم أن
~~يقول ذلك لقريش. وجوز أن يجعل نظم الآيات السابقة على ما نقل عن بعض
~~المحققين ويجعل هذا أمرا للنبي عليه الصلاة والسلام أن يقول ذلك لهم
~~فإنهم مثل قوم إبراهيم عليه السلام والأمم الذين من قبلهم في التكذيب
~~بالبعث والإنكار له، وما في حيز هذا القول متضمن ما يدل على صحته، وعدم
~~اتحاده مع ما سبق لا يضر. وأيا ما كان فإضافة الرحمة إلى ضمير المتكلم
~~فيما يأتي إن شاء الله تعالى لما أن ذلك حكاية كلامه عز وجل على وجهه
~~ومثله في القرآن الكريم كثير، والسير كما قال الراغب: المضي في الأرض،
~~وعليه يكون في الآية تجريد، والظاهر أن المراد به المضي بالجسم، وجوز أن
~~يراد به إجالة الفكر. وحمل على ذلك فيما يروى في وصف الأنبياء عليهم
~~السلام أبدانهم في الأرض سائرة وقلوبهم في الملكوت جائلة، ومنهم من حمل
~~ذلك على الجد في العبادة المتوصل / بها إلى الثواب، والمعنى على ما قلنا
~~أولا امضوا في الأرض وسيحوا فيها.

# { فانظروا كيف بدأ } الله تعالى { الخلق } أي كيف خلقهم
~~ابتداء على أطوار مختلفة وطبائع متغايرة وأخلاق شتى، فإن ترتيب النظر
~~على السير في الأرض مؤذن بتتبع أحوال أصناف الخلق القاطنين في أقطارها،
~~وعلى هذا تتغاير الكيفية في ms08091 الآية السابقة والكيفية في هذه الآية لما أن
~~الأولى كما علمت باعتبار المادة وعدمها وهذه باعتبار تغاير الأحوال. ولعل
~~التعبير في الآية الأولى بالمضارع أعني { يبديء } دون الماضي كما هنا
~~لاستحضار الصورة الماضية لما أن بدء الخلق من مادة وغيرها أغرب من بدء
~~الخلق على أطوار مختلفة على معنى أن خلق الأشياء أغرب من جعل أطوارها
~~مختلفة، وأنت إذا لاحظت أن خلق الأشياء يعود في الآخرة إلى إيجادها من
~~كتم العدم من غير سبق مادة دفعا للتسلسل وأن جعل أطوارها مختلفة إنما هو
~~بعد سبق المادة ولو سبقا ذاتيا وهو ما قام به الاختلاف أعني ذوات
~~الأشياء لا تشك في أن الأول أغرب من الثاني، ولذا ترى التمدح بأصل الخلق
~~في القرآن العظيم أكثر من التمدح بالجعل المذكور. وقد وافق الصيغة في
~~الإشعار بالغرابة بناء الفعل من باب الإفعال فإنه غير مستعمل ولذا قالوا:
~~إنه مخل بالفصاحة لولا وقوعه مع

# يعيد

# [العنكبوت: 19]، ومما يقرب من هذا السر ما قيل في وجه حذف الياء من {
~~يسر } في قوله تعالى:

# واليل إذا يسر

# [الفجر: 4] من أن ذلك لأن الليل يسري فيه لا يسري أي ليدل مخالفة الظاهر
~~في اللفظ على مخالفته في المعنى وهو معنى دقيق. وقيل في وجه التعبير بما
~~ذكر إفادة الاستمرار التجددي وهو بناء على المعنى الثاني في الآية. وقال
~~بعضهم في تغاير الدليلين: إن هذا عيني وذلك علمي أو هذا آفاقي والأول
~~أنفسي. وقرأ الزهري { كيف بدا الخلق } بتخفيف الهمزة بإبدالها
~~ألفا ثم حذفها في الوصل. قال أبو حيان: وهو تخفيف غير قياسي كما قال:

# فارعي فزارة لا هناك المرتع

# ، وقياس تخفيف هذا التسهيل بين بين.

# { ثم الله ينشىء النشأة الأخرة } أي بعد النشأة الأولى
~~التي شاهدتموها والنشأة الإيجاد والخلق، والتعبير عن الإعادة التي هي محل
~~النزاع بالنشأة الآخرة المشعرة بكون البدء نشأة أولى للتنبيه على أنهما
~~شأن واحد من شؤون الله تعالى حقيقة واسما من حيث أن كلا منهما اختراع
~~وإخراج من العدم إلى الوجود ولا فرق ms08092 بينهما إلا بالأولية والأخروية كذا
~~قيل. والظاهر أنه مبني على أن الجسد يعدم الكلية ثم يعاد خلقا جديدا لا
~~أنه تتفرق أجزاؤه ثم تجمع بعد تفرقها وإلى كل ذهب بعض، والأدلة متعارضة،
~~والمسألة كما قال ابن الهمام عند المحققين ظنية. وفي كتاب «الاقتصاد في
~~الاعتقاد» لحجة الإسلام الغزالي فإن قيل: فما تقولون أتعدم الجواهر
~~والأعراض ثم تعادان جميعا أو تعدم الأعراض دون الجواهر وإنما تعاد
~~الأعراض؟ قلنا: كل ذلك ممكن ولكن ليس في الشرع دليل قاطع على تعيين أحد
~~هذه الممكنات انتهى، وذهب ابن الهمام إلى أن الحق وقوع الكيفيتين إعادة
~~ما انعدم بعينه وتأليف ما تفرق من الأجزاء، وقد يقال: إن بدء الإنسان
~~ونحوه ليس اختراعا محضا وإخراجا من كتم العدم إلى الوجود في الحقيقة
~~لما أنه مخلوق من التراب وسائر العناصر، والظاهر أن فناءه ليس عبارة عن
~~صيرورته عدما محضا بل هو عبارة عن انحلاله إلى ما تركب منه ورجوع كل
~~عنصر إلى عنصره. نعم لا شك في فناء بعض الأعراض وانعدامها بالكلية، وقد
~~يستثنى منه بعض الأجزاء فلا ينحل إلى ما منه التركيب بل يبقى على ما كان
~~عليه وهو عجب الذنب لظاهر حديث «الصحيحين»

# " ليس شيء من الإنسان لا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب منه /
~~يركب الخلق يوم القيامة "

# وتأويله بما أوله به ملا صدرا في «أسفاره» مما لا ينبغي أن يلتفت إليه،
~~وحينئذ فالإعادة تكون بتركيب ما انحل من العناصر وضمه إلى هذا الجزء فلا
~~تكون اختراعا محضا وإخراجا من كتم العدم إلى الوجود في الحقيقة، لكن
~~لكل من البدء والإعادة شبه تام بالاختراع والإخراج المذكور، وبه يصح أن
~~يقال لكل اختراع وإخراج من العدم إلى الوجود فلا تغفل، والجملة معطوفة
~~على جملة { سيروا فى الأرض } داخلة معها في حيز القول، ولا يضر
~~تخالفهما خبرا وإنشاءا فإنه جائز بعد القول وماله محل من الإعراب، ولا
~~يصح عطفها على { بدأ الخلق } لأنها لا تصلح أن تكون موقعا للنظ أما إن
~~كان بمعنى الإبصار فظاهر ms08093 وأما إن كان بمعنى التفكر فلأن التفكر في الدليل
~~لا في النتيجة.

# وإظهار الاسم الجليل وإيقاعه مبتدأ مع إضماره في { بدأ } لإبراز مزيد
~~الاعتناء ببيان تحقق الإعادة بالإشارة إلى علة الحكم فإنه الاسم الجامع
~~لصفات الكمال ونعوت الجلال وتكرير الإسناد ورد ما تقدم على مقتضى الظاهر
~~فلا يحتاج للتوجيه، وكون المراد منه ليس إثبات الإعادة لمن أنكرها فلذا
~~لم ينسج على هذا المنوال غير مسلم، وقرأ أبو عمرو وابن كثير { النشاءة }
~~بالمد وهما لغتان كالرأفة والرآفة والقصر أشهر، ومحلها النصب على أنها
~~مصدر مؤكد لينشىء بحذف الزوائد والأصل الإنشاءة أو بحذف العامل أي ينشىء
~~فينشأون النشأة الآخرة نحو

# أنبتكم من الأرض نباتا

# [نوح: 17].

# { إن الله على كل شىء قدير } تعليل لما قبله بطريق
~~التحقيق فإن من علم قدرته عز وجل على جميع الممكنات التي من جملتها
~~الإعادة لا يتصور أن يتردد في قدرته سبحانه عليها ولا في وقوعها بعدما
~~أخبر به، ثم اعلم أن أكثر المنكرين للبعث لا يقولون باستحالته كجمع
~~النقيضين بل غاية ما عندهم استبعاده، والرد على هؤلاء بهذه الآيات ونحوها
~~ظاهر لما فيها مما يزيل الاستبعاد من الإبداء الذي هو في الشاهد أشق من
~~الإعادة، ومنهم من يقول باستحالته عقلا فلا يصلح متعلقا للقدرة، وهؤلاء
~~هم القائلون باستحالة إعادة المعدوم، والرد عليهم بعد تسليم أن ما نحن
~~فيه من إعادة المعدوم وليس من جمع المتفرق بإبطال ما استدلوا به على
~~الاستحالة، وقد تكفلت الكتب الكلامية بذلك، وأما الرد عليهم بهذه الآيات
~~ونحوها فلما فيها من الإشارة إلى تزييف أدلة الاستحالة فتدبر.

### || [29.21]

# { يعذب من يشاء } جملة مستأنفة لبيان ما بعد النشأة الآخرة أي
~~يعذب بعد النشأة الآخرة من يشاء تعذيبه وهم المنكرون لها { ويرحم
~~من يشاء } رحمته وهم المقرون بها { وإليه } سبحانه لا إلى غيره {
~~تقلبون } أي تردون، والجملة تقرير للإعادة وتوطئة لما بعد، وتقديم
~~التعذيب لما أن الترهيب أنسب بالمقام من الترغيب.

### || [29.22]

# { وما أنتم بمعجزين } له تعالى عن إجراء حكمه وقضائه عليكم {
~~في الأرض ولا ms08094 فى السماء } أي بالهرب في الأرض الفسيحة أو
~~الهبوط في مكان بعيد الغور والعمق بحيث لا يوصل إليه فيها ولا بالتحصن في
~~السماء التي هي أفسح منها أو التي هي أمنع لمن حل فيها عن أن تناله أيدي
~~الحوادث فيما ترون لو استطعتم الرقي إليها كما في قوله تعالى:

# إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات
~~والأرض فانفذوا

# [الرحمن: 33] أو البروج والقلاع المرتفعة في جهتها على ما قيل، وهو
~~خلاف الظاهر، وقال ابن زيد والفراء: إن { فى السماء } صلة موصول
~~محذوف هو مبتدأ محذوف الخبر؛ والتقدير ولا من في السماء بمعجز، والجملة
~~معطوفة على الجملة التي قبلها، وضعف بأن فيه حذف الموصول مع بقاء صلته
~~وهو لا يجوز عند البصريين إلا في الشعر كقول حسان:

# أمن يهجو رسول الله منكم

# ويمدحه وينصره سواء

# على ما هو الظاهر فيه، على أن ابن مالك اشترط في جوازه عطف الموصول
~~المحذوف على موصول آخر مذكور كما في هذا البيت، وبأن فيه حذف الخبر أيضا
~~مع عدم الحاجة إليه، ولهذا جعل بعضهم الموصول معطوفا على أنتم ولم يجعله
~~مبتدأ محذوف الخبر ليكون العطف من عطف الجملة على الجملة، وزعم بعضهم أن
~~الموصول محذوف في موضعين وأنه مفعول به لمعجزين وقال: التقدير وما أنتم
~~بمعجزين من في الأرض أي من الإنس والجن ولا من في السماء أي من الملائكة
~~عليهم السلام فكيف تعجزون الله عز وجل، ولا يخفى أن هذا في غاية البعد
~~ولا ينبغي أن يخرج عليه كلام الله تعالى. وقيل ليس في الآية حذف أصلا،
~~والسماء هي المظلة إلا أن { أنتم } خطاب لجميع العقلاء فيدخل فيهم
~~الملائكة ويكون السماء بالنظر إليهم والأرض بالنظر إلى غيرهم من الإنس
~~والجن وهو كما ترى.

# { وما لكم من دون الله من ولي } يحرسكم من بلاء أرضي أو
~~سماوي { ولا نصير } يدفعه عنكم.

### || [29.23]

# { والذين كفروا بآيت الله } أي بدلائله التكوينية
~~والتنزيلية الدالة على ذاته وصفاته وأفعاله، فيدخل فيها النشأة الأولى
~~الدالة على صحة البعث والآيات الناطقة به ms08095 دخولا أوليا، وتخصيصها بدلائل
~~وحدانيته تعالى لا يناسب المقام { ولقائه } الذي تنطق به تلك الآيات
~~{ أولئك } الموصوفون بما ذكر من الكفر بآياته تعالى ولقائه عز وجل
~~{ يئسوا من رحمتى } أي ييأسون منها يوم القيامة على أنه وعيد،
~~وإلا فالكافر لا يوصف باليأس في الدنيا لأنه لا رجاء له، وصيغة الماضي
~~للدلالة على التحقق، وجوز أن يكون المراد إظهار مباينة حالهم وحال
~~المؤمنين لأن حال المؤمن الرجاء والخشية وحال الكافر الاغترار واليأس فهو
~~لا يخطر بباله رجاء ولا خوفا؛ إن أخطر المخوف بباله كان حاله اليأس بدل
~~الخوف وإن أخطر المرجو كان حاله الاغترار بدل الرجاء، فكأنه تنصيص على
~~كفرهم وتعريف لحالهم، وأن يكون الكلام على الاستعارة. شبهوا بالآيسين من
~~الرحمة وهم الذين ماتوا على الكفر لأنه ما دامت الحياة لا يتحقق اليأس من
~~الرحمة لرجاء الإيمان، أو من قدر آيسا من الرحمة على الفرض دلالة على
~~توغلهم في الكفر وعدم ارعوائهم. وقرأ الذماري وأبو جعفر، { ييسوا } بغير
~~همز بل بياء بدل الهمزة.

# { وأولئك لهم عذاب أليم } في تكرير اسم الإشارة وتكرير
~~الإسناد وتنكير العذاب ووصفه بالأليم من الدلالة على فظاعة حالهم ما لا
~~يخفى. لكن قال الإمام: ((إنه تعالى أضاف الرحمة إلى نفسه عز وجل دون
~~العذاب ليؤذن بأن رحمته جل وعلا سبقت غضبه سبحانه))، وأنت تعلم أن في
~~الآية على هذا دلالة على سوء حالهم أيضا لإفادتها أنهم حرموا تلك الرحمة
~~العظيمة بما ارتكبوه من العظائم.

### || [29.24]

# { فما كان جواب قومه } بالنصب على أنه خبر { كان } واسمها
~~قوله تعالى: { إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه }. وقرأ
~~الحسن وسالم الأفطس بالرفع على العكس، وقد مر ما فيه في نظائره، والمراد
~~بالقتل ما كان بسيف ونحوه فتظهر مقابلة الإحراق له، ولا حاجة إلى جعل أو
~~بمعنى بل، والآمرون بذلك إما بعضهم لبعض أو كبرائهم قالوا لأتباعهم:
~~اقتلوه فتستريحوا منه عاجلا أو حرقوه بالنار فإما أن يرجع إلى دينكم إذا
~~مضته / النار وإما أن يموت بها إن أصر على قوله ودينه، وأيا ms08096 ما كان ففيه
~~إسناد ما للبعض إلى الكل، وجاء هنا الترديد بين قتله عليه السلام وإحراقه
~~فقد يكون ذلك من قائلين ناس أشاروا بالقتل وناس بالإحراق، وفي اقترب
~~قالوا حرقوه اقتصروا على أحد الشيئين وهو الذي فعلوه رموه عليه السلام في
~~النار ولم يقتلوه ثم إنه ليس المراد أنهم لم يصدر عنهم بصدد الجواب عن
~~حججه عليه السلام إلا هذه المقالة الشنيعة كما هو المتبادر من ظاهر النظم
~~الكريم، بل إن ذلك هو الذي استقر عليه جوابهم بعد اللتيا والتي في المرة
~~الأخيرة، وإلا فقد صدر عنهم من الخرافات والأباطيل ما لا يحصى.

# { فأنجاه الله من النار } الفاء فصيحة أي فألقوه في النار
~~فأنجاه الله تعالى منها بأن جعلها سبحانه عليه بردا وسلاما حسبما بين
~~في مواضع أخر، وقد مر بيان كيفية إلقائه عليه السلام فيها وإنجائه تعالى
~~إياه منها، وكان ذلك في كوثى من سواد الكوفة، وكونه في المكان المشهور
~~اليوم من أرض الرهى وعنده صورة المنجنيق وماء فيه سمك لا يصطاد ولا يؤكل
~~حرمة له لا أصل له { إن فى ذلك } أي في إنجائه عليه السلام منها {
~~لأيت } بينة عجيبة وهي حفظه تعالى إياه من حرها وإخمادها في زمان
~~يسير وإنشاء روض في مكانها. وعن كعب أنه لم يحترق بالنار إلا الحبل الذي
~~أوثقوه عليه السلام به، ولولا وقوع اسم الإشارة في أثناء القصة لكان
~~الأولى كونه إشارة إلى ما تضمنته { لقوم يؤمنون } خصهم بالذكر
~~لأنهم المنتفعون بالفحص عنها، والتأمل فيها.

### || [29.25]

# { وقال } إبراهيم عليه السلام مخاطبا لهم بعد أن أنجاه الله تعالى
~~من النار. { إنما اتخذتم من دون الله أوثنا
~~مودة بينكم في الحيوة الدنيا } أي لتتوادوا بينكم
~~وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها واتفاقكم عليها وائتلافكم كما يتفق
~~الناس على مذهب فيكون ذلك سبب تحابهم وتصادقهم، فالمفعول له غاية مترتبة
~~على الفعل ومعلول له في الخارج، أو المعنى إن مودة بعضكم بعضا هي التي
~~دعتكم إلى اتخاذها بأن رأيتم بعض من تودونه اتخذها فاتخذتموها موافقة له
~~لمودتكم إياه، ms08097 وهذا كما يرى الإنسان من يوده يفعل شيئا فيفعله مودة له،
~~فالمفعول له على هذا علة باعثة على الفعل وليس معلولا له في الخارج،
~~والمراد نفي أن يكون فيها نفع أو ضر وأن الداعي لاتخاذها رجاء النفع أو
~~خوف الضر، وكأنه لم يعتبر ما جعلوه علة لاتخاذها علة وهو ما أشاروا إليه
~~في قولهم:

# ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى

# [الزمر: 3] للإشارة إلى أن ذلك لكونه أمرا موهوما لا حقيقة له مما لا
~~ينبغي أن يكون علة باعثة وسببا حاملا لمن له أدنى عقل. وقال بعضهم:
~~يجوز أن يكون المخاطبون في هذه الآية أناسا مخصوصين، والقائلون: { ما
~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } أناسا
~~غيرهم، وقيل: إن الأوثان أول ما اتخذت بسبب المودة، وذلك أنه كان أناس
~~صالحون فماتوا وأسف عليهم أهل زمانهم فصورا حجارا بصورهم حبا لهم
~~فكانوا يعظمونها في الجملة ولم يزل تعظيمها يزداد جيلا فجيلا حتى عبدت،
~~فالآية إشارة إلى ذلك، والمعنى إنما اتخذ أسلافكم من دون الله أوثانا
~~الخ، ومثله في القرآن الكريم كثير.

# وثاني مفعولي { اتخذتم } محذوف تقديره آلهة. وقال مكي: يجوز أن يكون
~~اتخذ متعديا إلى مفعول واحد كما في قوله تعالى:

# إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب

# [الأعراف: 152] ورد بأنه مما حذف مفعوله الثاني أيضا، وجوز أن يكون {
~~مودة } هو المفعول الثاني بتقدير مضاف أي ذات مودة وكونها ذات مودة
~~باعتبار كونها سبب المودة، وظاهر كلام الكشاف أن المضاف المحذوف / هو لفظ
~~سبب، وقد يستغنى عن التقدير بتأويل مودة بمودودة، أو بجعلها نفس المودة
~~مبالغة، واعترض جعل { مودة } المفعول الثاني بأنه معرفة بالإضافة إلى
~~المضاف إلى الضمير والمفعول الأول نكرة وذلك غير جائز لأنهما في الأصل
~~مبتدأ وخبر. وأجيب بأنه لا يلزم من غير جواز ذلك في أصلهما عدم جوازه
~~فيهما، وإذا سلم اللزوم فلا يسلم كون المفعول الثاني هنا معرفة بالإضافة
~~لما أنها على الاتساع فهي من قبيل الإضافة اللفظية التي لا تفيد تعريفا
~~وإنما تفيد تخفيفا في اللفظ، كذا قيل ms08098 وهو كما ترى.

# وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر { مودة } بالنصب والتنوين بينكم
~~بالنصب، والوجه أن مودة منصوب على أحد الوجهين السابقين و { بينكم }
~~منصوب به أو بمحذوف وقع صفة له، وابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس {
~~مودة بينكم } برفع مودة مضافة إلى بين وخفض بين بالإضافة، وخرج
~~الرفع على أن مودة خبر مبتدأ محذوف أي هي مودة على أحد التأويلات
~~المعروفة؛ والجملة صفة { أوثانا } ، وجوز كونها المفعول الثاني أو على
~~أنها خبر إن على أن ما مصدرية، أي إن اتخاذكم، أو موصولة قد حذف عائدها
~~وهو المفعول الأول، أي إن الذي اتخذتموه من دون الله أوثانا مودة بينكم،
~~ويجري فيه التأويلات التي أشرنا إليها. وقرأ الحسن وأبو حيوة وابن أبي
~~عبلة وأبو عمرو في رواية الأصمعي والأعشى عن أبي بكر { مودة } بالرفع
~~والتنوين { بينكم } بالنصب، ووجه كل معلوم مما مر. وروي عن عاصم {
~~مودة } بالرفع من غير تنوين و { بينكم } بفتح النون، جعله مبنيا
~~لإضافته إلى لازم البناء فمحله الجر بإضافة مودة إليه، ولذا سقط التنوين
~~منها.

# وفي قوله تعالى: { في الحيوة الدنيا } على هذه القراءات
~~والأوجه فيها أوجه من الإعراب ذكرها أبو البقاء. الأول: أن يتعلق باتخذتم
~~على جعل (ما) كافة ونصب (مودة) لا على جعلها موصولة أو مصدرية، ورفع مودة
~~لئلا يؤدي إلى الفصل بين الموصول وما في حيز الصلة بالخبر. الثاني: أن
~~يتعلق بنفس مودة إذا لم يجعل بين صفة لها بناء على أن المصدر إذا وصف لا
~~يعمل مطلقا، وأجاز ابن عطية هذا التعلق وإن جعل بين صفة لما أنه يتسع
~~بالظرف ما لم يتسع في غيره، فيجوز عمل المصدر به بعد الوصف. الثالث: أن
~~يتعلق بنفس { بينكم } لأن معناه اجتماعكم أو وصلكم. الرابع: أن يجعل
~~حالا من بينكم لتعرفه بالإضافة. وتعقب أبو حيان هذين الوجهين بعد نقلهما
~~عن أبي البقاء كما ذكرنا بأنهما إعرابان لا يتعقلان. الخامس: أن يجعل
~~صفة ثانية لمودة إذا نونت وجعل { بينكم } صفة لها، وأجاز ذلك مكي وأبو
~~حيان أيضا. ms08099 السادس: أن يتعلق بمودة ويجعل { بينكم } ظرفا متعلقا بها
~~أيضا، وعمل (مودة) في ظرفين لاختلافهما. السابع: أن يجعل حالا من
~~الضمير في { بينكم } إذا جعل وصفا لمودة والعامل الظرف لأن العامل في ذي
~~الحال هو العامل في الحال، ولا يجوز أن يكون العامل مودة لذلك. وقال مكي:
~~لأنك قد وصفتها ومعمول المصدر متصل به فيكون قد فرقت بين الصلة والموصول
~~بالصفة. وعن ابن مسعود أنه قرأ { إنما اتخذتم من دون
~~الله أوثنا إنما مودة بينكم فى الحيوة
~~الدنيا } بزيادة { إنما } بعد أوثانا ورفع { مودة } بلا تنوين
~~وجر بين بالإضافة وخرجت على أن مودة مبتدأ و { في الحياة الدنيا } خبره،
~~والمعنى إنما توادكم عليها أو مودتكم إياها كائن أو كائنة في الحياة
~~الدنيا.

# { ثم يوم القيمة } يتبدل الحال حيث { يكفر بعضكم
~~} وهم العبدة { ببعض } وهم الأوثان { ويلعن بعضكم بعضا
~~} أي يلعن كل فريق منكم ومن الأوثان حيث ينطقها الله تعالى الفريق /
~~الآخر، وفيه تغليب الخطاب وضمير العقلاء، وجوز أن يكون الخطاب للعبدة لا
~~غير، والمراد بكفر بعضهم ببعض التناكر أي ثم يوم القيامة يظهر التناكر
~~والتلاعن بينكم أيتها العبدة للأوثان. { ومأواكم النار } أي هي
~~منزلكم الذي تأوون إليه ولا ترجعون منه أبدا. { وما لكم من
~~نصرين } يخلصونكم منها كما خلصني ربي من النار التي ألقيتموني
~~فيها، وجمع الناصرين لوقوعه في مقابلة الجمع، أي ما لأحد منكم من ناصر
~~أصلا.

### || [29.26]

# { فئامن له لوط } أي صدقه عليه السلام في جميع مقالاته أو
~~بنبوته حين ادعاها لا أنه صدقه فيما دعا إليه من التوحيد ولم يكن كذلك
~~قبل، فإنه عليه السلام كان متنزها عن الكفر، وما قيل: إنه آمن له عليه
~~السلام حين رأى النار لم تحرقه ضعيف رواية وكذا دراية، لأنه بظاهره يقتضي
~~عدم إيمانه قبل وهو غير لائق به عليه السلام، وحمله بعضهم على نحو ما
~~ذكرنا أو على أن يراد بالإيمان الرتبة العالية منها وهي التي لا يرتقي
~~إليها إلا الأفراد، ولوط على ما في «جامع الأصول» ابن أخيه هاران ms08100 بن
~~تارح، وذكر بعضهم أنه ابن أخته بالتاء الفوقية.

# { وقال } إبراهيم عليه السلام كما ذهب إليه قتادة والنخعي، وقيل:
~~الضمير للوط عليه السلام وليس بشيء لما يلزم عليه من التفكيك، والجملة
~~استئناف بياني كأنه قيل: فماذا كان منه عليه السلام؟ فقيل: قال { إنى
~~مهاجر } أي من قومي { إلى ربى } أي إلى الجهة التي أمرني ربي
~~بالهجرة إليها، وقيل: إلى حيث لا أمنع عبادة ربي، وقيل: المعنى مهاجر من
~~خالفني من قومي متقربا إلى ربي.

# { إنه } عز وجل { هو العزيز } الغالب على أمره فيمنعني من
~~أعدائي { الحكيم } الذي لا يفعل فعلا إلا وفيه حكمة ومصلحة فلا
~~يأمرني إلا بما فيه صلاحي. روي أنه عليه السلام هاجر من كوثى من سواد
~~الكوفة مع لوط وسارة ابنة عمه إلى حران، ثم منها إلى الشام فنزل قرية من
~~أرض فلسطين، ونزل لوط سذوم وهي المؤتفكة على مسيرة يوم وليلة من قرية
~~إبراهيم عليهما السلام، وكان عمره إذ ذاك على ما في «الكشاف» و «البحر»
~~خمسا وسبعين سنة، وهو أول من هاجر في الله تعالى.

### || [29.27]

# { ووهبنا له إسحق ويعقوب } ولدا ونافلة حين أيس من
~~عجوز عاقر، والجملة معطوفة على ما قبل ولا حاجة إلى عطفها على مقدر
~~كأصلحنا أمره، ولم يذكر سبحانه إسماعيل عليه السلام، قيل لأن المقام مقام
~~الامتنان وذكر الإحسان وذلك بإسحاق ويعقوب لما أشرنا إليه بخلاف إسماعيل،
~~وقيل لأنه لا يناسب ذكره ههنا لأنه ابتلي بفراقه ووضعه بمكة مع أمه دون
~~أنيس، وقال الزمخشري: إنه عليه السلام ذكر ضمنا وتلويحا بقوله تعالى: {
~~وجعلنا فى ذريته النبوة والكتب } ولم يصرح به
~~لشهرة أمره وعلو قدره، هذا مع أن المخاطب نبينا صلى الله عليه وسلم وهو
~~من أولاده وأعلم به، والمراد بالكتاب جنسه المتناول للكتب الأربعة {
~~وءاتينه أجره } على ما عمل لنا { فى الدنيا } قال مجاهد:
~~بإنجائه من النار ومن الملك الجبار والثناء الحسن عليه بحيث يتولاه كل
~~أمة، وضم إلى ذلك ابن جريج الولد الذي قرت به عينه. وقد يضم إلى ذلك ms08101
~~أيضا استمرار النبوة في ذريته، وقال السدي: إن ذلك إراءته عليه السلام
~~مكانه من الجنة، وقال بعضهم: هو التوفيق لعمل الآخرة، وقيل: هو الصلاة
~~عليه إلى آخر الدهر، وقال الماوردي: / هو بقاء ضيافته عند قبره وليس ذلك
~~لنبي غيره، ولا يخفى حال بعض هذه الأقوال، وذكر بعضهم أن المراد آتيناه
~~أجره بمقابلة هجرته إلينا، وعليه لا يصح عد الإنجاء من النار من الأجر بل
~~يعد إعطاء الولد والذرية الطيبة واستمرار النبوة فيهم ونحوه ذلك مما كان
~~له عليه السلام بعد الهجرة من الأجر، وعطف هذا وما بعده من قوله تعالى: {
~~وإنه فى الأخرة لمن الصلحين } أي لفي عداد الكاملين
~~في الصلاح من التعميم بعد التخصيص، كأنه لما عدد ما أنعم به عليه من
~~النعم الدينية والدنيوية قال سبحانه: وجمعنا له مع ما ذكر خير الدارين.

### || [29.28]

# { ولوطا } عطف على

# إبراهيم

# [العنكبوت: 16] أو على

# نوحا

# [العنكبوت: 14] والكلام في قوله تعالى: { إذ قال لقومه } كالذي
~~في القصة السابقة [العنكبوت: 16]. { إنكم لتأتون الفحشة
~~} الفعلة البالغة في القبح، وقرأ الجمهور { أئنكم } على الاستفهام
~~الإنكاري. { ما سبقكم بها من أحد من العلمين }
~~استئناف مقرر لكمال قبحها، فإن إجماع جميع أفراد العالمين على التحاشي
~~عنها ليس إلا لكونها مما تشمئز منه الطباع السليمة وتنفر منه النفوس
~~الكريمة، وجوز أبو حيان كون الجملة حالا من ضمير (تأتون)، كأنه قيل:
~~إنكم لتأتون الفاحشة مبتدعين لها غير مسبوقين بها.

### || [29.29]

# { أئنكم لتأتون الرجال } أي تنكحونهم { وتقطعون
~~السبيل } أي وتقطعون الطريق بسبب تكليف الغرباء والمارة تلك الفعلة
~~القبيحة وإتيانهم كرها أو وتقطعون سبيل النسل بالإعراض عن الحرث وإتيان
~~ما ليس بحرث، وقيل: تقطعون الطريق بالقتل وأخذ المال، وقيل: تقطعونه بقبح
~~الأحدوثة { وتأتون } أي تفعلون { فى ناديكم } أي في مجلسكم
~~الذي تجتمعون فيه، وهو اسم جنس إذ أنديتهم في مجالسهم كثيرة، ولا يسمى
~~ناديا إلا إذا كان فيه أهله فإذا قاموا عنه لم يطلق عليه ناد {
~~المنكر } أخرج أحمد والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه والطبراني
~~والبيهقي في «الشعب» وغيرهم

# " عن أم هانىء ms08102 بنت أبي طالب قالت: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~عن قول الله تعالى { وتأتون فى ناديكم المنكر } فقال:
~~كانوا يجلسون بالطريق فيخذفون أبناء السبيل ويسخرون منهم» "

# ، وعن مجاهد ومنصور والقاسم بن محمد وقتادة وابن زيد هو إتيان الرجال في
~~مجالسهم يرى بعضهم بعضا، وعن مجاهد أيضا هو لعب الحمام وتطريف الأصابع
~~بالحناء والصفير والخذف ونبذ الحياء في جميع أمورهم، وعن ابن عباس هو
~~تضارطهم وتصافعهم فيها، وفي رواية أخرى عنه هو الخذف بالحصى والرمي
~~بالبنادق والفرقعة ومضغ العلك والسواك بين الناس وحل الإزار والسباب
~~والفحش في المزاح ولم يأت في قصة لوط عليه السلام أنه دعا قومه إلى عبادة
~~الله تعالى كما جاء في قصة إبراهيم وكذا في قصة شعيب الآتية لأن لوطا
~~كان من قوم إبراهيم وفي زمانه وقد سبقه إلى الدعاء لعبادة الله تعالى
~~وتوحيده واشتهر أمره عند الخلق فذكر لوط عليه السلام ما اختص به من المنع
~~من الفاحشة وغيرها، وأما إبراهيم وشعيب عليهما السلام فجاءا بعد انقراض
~~من كان يعبد الله عز وجل ويدعو إليه سبحانه فلذلك دعا كل منهما قومه إلى
~~عبادته تعالى كذا في «البحر».

# { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب
~~الله إن كنت من الصدقين } أي فيما تعدنا من نزول العذاب
~~على ما في «الكشاف» وغيره، وهذا ظاهر في أنه عليه السلام كان أوعدهم
~~بالعذاب، وقيل: أي في دعوى استحقاقنا العذاب على ما نحن عليه المفهومة من
~~التوبيخ المعلوم من الاستفهام الإنكاري، / وقيل: أي في دعوى استقباح ذلك
~~الناطق بها كلامك. وهذا الجواب صدر عنهم في المرة الأولى من مرات مواعظ
~~لوط عليه السلام، وما في سورة الأعراف [82] المذكور في قوله تعالى:

# وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من
~~قريتكم

# الآية وما في سورة النمل [56] المذكور في قوله تعالى:

# فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا ءال
~~لوط من قريتكم

# الآية فقد صدر عنهم بعد هذه المرة فلا منافاة بين الحصر هنا والحصر
~~هناك، قاله ms08103 أبو حيان وتبعه أبو السعود. وتعقب بأن هذا التعيين يحتاج إلى
~~توقيف. وأجيب بأن مضموني الجوابين يشعران بالتقدم والتأخر، وذلك أن {
~~ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصدقين } من باب
~~التكذيب والسخرية وهو أوفق بأوائل المواعظ والتوبيخات و

# أخرجوهم من قريتكم

# [الأعراف: 82] ونحوه من باب التعذيب والانتقام، وهو أنسب بأن يكون بعد
~~تكرر الوعظ والتوبيخ الموجب لضجرهم ومزيد تألمهم مع قدرتهم على التشفي،
~~وهذا القدر يكفي لدعوى التقدم والتأخر، وقيل في دفع المنافاة بين
~~الحصرين: إن ما هنا جواب قومه عليه السلام له إذ نصحهم، وما هناك جواب
~~بعضهم لبعض إذ تشاوروا في أمره، وقيل: إن أحد الجوابين صدر عن كبار قومه
~~وأمرائهم والآخر صدر عن غيرهم، وظاهر صنيع بعض الأجلة يقتضي اختيار أن
~~يكون كل من الحصرين بالإضافة إلى الجواب الذي يرجوه عليه السلام في
~~متابعته فتأمل.

### || [29.30]

# { قال رب انصرنى } أي بإنزال العذاب الموعود { على القوم
~~المفسدين } بابتداع الفاحشة وسنها فيما بعدهم والإصرار عليها
~~واستعجال العذاب بطريق السخرية، وإنما وصفهم بذلك مبالغة في استنزال
~~العذاب.

### || [29.31]

# { ولما جاءت رسلنا إبرهيم بالبشرى } أي بالبشارة
~~بالولد والنافلة { قالوا } أي لإبراهيم عليه السلام في تضاعيف الكلام
~~{ إنا مهلكو أهل هذه القرية } أي قرية سذوم وهي أكبر
~~قرى قوم لوط وفيها نشأت الفاحشة أولا على ما قيل، ولذا خصت بالذكر، وفي
~~الإشارة بهذه إشارة إلى أنها كانت قريبة من محل إبراهيم عليه السلام
~~وإضافة { مهلكوا } إلى { أهل } لفظية لأن المعنى على الاستقبال، وجوز
~~كونها معنوية لتنزيل ذلك منزلة الماضي لقصد التحقيق والمبالغة { إن
~~أهلها كانوا ظلمين } تعليل للإهلاك بإصرارهم على الظلم
~~وتماديهم في فنون الفساد وأنواع المعاصي، والتأكيد في الموضعين للاعتناء
~~بشأن الخبر وقال سبحانه: { إن أهلها } دون إنهم مع أنه أظهر وأخصر
~~تنصيصا على اتفاقهم على الفساد كما اختاره الخفاجي.

# وقال بعض المدققين: إن ذلك للدلالة على أن منشأ فساد جبلتهم خبث طينتهم،
~~ففيه إشارة خفية إلى أن المراد من أهل القرية من نشأ فيها فلا يتناول
~~لوطا عليه السلام، واعترض ms08104 بأنه يبعد كل البعد خفاؤها لو كانت على
~~إبراهيم عليه السلام كما هو ظاهر قوله تعالى: { قال إن فيها
~~لوطا... }.

### || [29.32]

# { قال إن فيها لوطا } وقيل: يجوز أن يكون عليه السلام علم ما
~~أشاروا إليه من عدم تناول أهل القرية إياه لكنه أراد التنصيص على حاله
~~ليطمئن قلبه لكمال شفقته عليه، وقيل: أراد أن يعلم هل يبقى في القرية عند
~~إهلاكهم أو يخرج منها ثم يهلكون، وكأنه في قوله: { إن فيها } دون إن
~~منهم إشارة إلى ذلك، وأفهم كلام بعض المحققين أن قوله: { إن فيها
~~لوطا } اعتراض على الرسل عليهم السلام بأن في القرية من لم يظلم بناء
~~على أن المتبادر من إضافة الأهل إليها العموم، وحمل الأهل على من سكن
~~فيها وإن لم يكن تولده بها، أو معارضة للموجب للهلاك وهو الظلم بالمانع
~~وهو أن لوطا بين ظهرانيهم / وهو لم يتصف بصفتهم، وأن جواب الرسل المحكي
~~بقوله تعالى: { قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه
~~وأهله } تسليم لقوله عليه السلام في لوط مع ادعاء مزيد العلم به
~~باعتبار الكيفية وأنهم ما كانوا غافلين عنه، وجواب عنه بتخصيص الأهل بمن
~~عداه وأهله على الاعتراض، أو بيان وقت إهلاكهم بوقت لا يكون لوط وأهله
~~بين ظهرانيهم على المعارضة، وفيه ما يدل على جواز تأخير البيان عن الخطاب
~~في الجملة، والذي يغلب على الظن أنهم أرادوا بأهل القرية من نشأ بها على
~~ما هو المتعارف فلا يكون لوط عليه السلام داخلا في الأهل، ويؤيد ذلك
~~تأييدا ما قول قومه

# أخرجوا آل لوط من قريتكم

# [النمل: 56] وفهم إبراهيم عليه السلام ما أرادوه وعلم أن لوطا ليس من
~~المهلكين إلا أنه خشي أن يكون هلاك قومه وهو بين ظهرانيهم في القرية
~~فيوحشه ذلك ويفزعه.

# ولعله عليه السلام غلب على ظنه ذلك حيث لم يتعرضوا لإخراجه من قرية
~~المهلكين مع علمهم بقرابته منه ومزيد شفقته عليه فقال: { إن فيها
~~لوطا } على سبيل التحزن والتفجع كما في قوله تعالى:

# إنى وضعتها أنثى

# [آل عمران: 36] وجل قصده إن ms08105 لا يكون فيها حين الإهلاك فأخبروه أولا
~~بمزيد علمهم به وأفادوه ثانيا بما يسره ويسكن جأشه نظير ما في قوله
~~تعالى:

# والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى

# [آل عمران: 36] وأكدوا الوعد بالتنجية إما للإشارة إلى مزيد اعتنائهم
~~بشأنه وإما لتنزيلهم إبراهيم عليه السلام منزلة من ينكر تنجيته لما
~~شاهدوا منه في حقه، وتحمل التنجية على إخراجه من بين القوم وفصله عنهم
~~وحفظه مما يصيبهم فإنها بهذا المعنى الفرد الأكمل، ويلائم هذا ما قيل في
~~قوله تعالى: { إلا امرأته كانت من الغبرين } أي من
~~الباقين في القرية وهو أحد تفسيرين، ثانيهما ما روي عن قتادة وهو تفسيره
~~الغابرين بالباقين في العذاب فتأمل، فكلام الله تعالى ذو وجوه، وفسر
~~الأهل هنا بأتباع لوط عليه السلام المؤمنين، وجملة { كانت من
~~الغبرين } مستأنفة وقد مر الكلام في ذلك وكذا في الاستثناء فارجع
~~إليه.

### || [29.33]

# { ولما أن جاءت رسلنا } المذكورون بعد مفارقتهم إبراهيم عليه
~~السلام { لوطا سىء بهم } أي اعتراه المساءة والغم بسبب الرسل مخافة
~~أن يتعرض لهم قومه بسوء كما هو عادتهم مع الغرباء، وقد جاءوا إليه عليه
~~السلام بصور حسنة إنسانية. وقيل: ضمير { بهم } للقوم أي سيء بقومه لما
~~علم من عظيم البلاء النازل بهم، وكذا ضمير { بهم } الآتي وليس بشيء، و
~~{ أن } مزيدة لتأكيد الكلام التي زيدت فيه فتؤكد الفعلين واتصالهما
~~المستفاد من (لما) حتى كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان فكأنه قيل: لما
~~أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ريث.

# { وضاق بهم ذرعا } أي وضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه أي طاقته
~~كقولهم: ضاقت يده، ويقابله رحب ذرعه بكذا إذا كان مطيقا له قادرا عليه،
~~وذلك أن طويل الذراع ينال ما لا يناله قصير الذراع. { وقالوا لا
~~تخف ولا تحزن } عطف على { سيء } ، وجوز أن يكون عطفا على مقدر
~~أي قالوا: إنا رسل ربك وقالوا الخ، وأيا ما كان فالقول كان بعد أن
~~شاهدوا فيه مخايل التضجر من جهتهم وعاينوا أنه عليه السلام قد عجز عن
~~مدافعة قومه حتى آلت ms08106 به الحال إلى أن قال:

# لو أن لى بكم قوة أو ءاوي إلى ركن شديد

# [هود: 80] والخوف للمتوقع والحزن للواقع في الأكثر، وعليه فالمعنى لا
~~تخف من تمكنهم منا ولا تحزن على قصدهم إيانا وعدم اكتراثهم بك، ونهيهم عن
~~الخوف من التمكن إن كان قبل إعلامهم إياه أنهم رسل الله تعالى فظاهر، وإن
~~كان بعد الإعلام فهو لتأنيسه وتأكيد ما أخبروه به. / وقال الطبرسي:
~~المعنى لا تخف علينا وعليك ولا تحزن بما نفعله بقومك.

# { إنا منجوك وأهلك } فلا يصيبكم ما يصيبهم من العذاب {
~~إلا امرأتك } إنها { كانت } في علم الله تعالى { من
~~الغبرين } وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب

# لننجينه

# [العنكبوت: 32] و { منجوك } بالتخفيف من الإنجاء، ووافقهم ابن كثير في
~~الثاني. وقرأ الجمهور بشد نون التوكيد، وفرقة بتخفيفها وأيا ما كان فمحل
~~الكاف من { منجوك } الجر بالإضافة، ولذا حذفت النون عند سيبويه و {
~~أهلك } منصوب على إضمار فعل أي وننجي أهلك، وذهب الأخفش وهشام إلى أن
~~الكاف في محل النصب و { أهلك } معطوف عليه وحذفت النون لشدة طلب الضمير
~~الاتصال بما قبله للإضافة، وقال بعض الأجلة: لا مانع من أن يكون لمثل هذا
~~الكاف محلان الجر والنصب ويجوز العطف عليها بالاعتبارين، وقرأ نافع وابن
~~كثير والكسائي { سىء } بإشمام السين الضم، وقرأ عيسى وطلحة { سوء } بضمها
~~وهي لغة بني هذيل وبني دبير يقولون في نحو قيل وبيع قول وبوع وعليه قوله:

# حوكت على نولين إذ تحاك

# تحتبط الشوك ولا تشاك

### || [29.34]

# { إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من
~~السماء } استئناف مسوق لبيان ما أشير إليه بوعد التنجية من نزول
~~العذاب عليهم، والرجز العذاب الذي يقلق المعذب أي يزعجه من قولهم: ارتجز
~~إذا ارتجس واضطرب وقرأ ابن عامر { منزلون } بالتشديد، وابن محيصن {
~~رجزا } بضم الراء { بما كانوا يفسقون } أي بسبب فسقهم المعهود
~~المستمر، وقرأ أبو حيوة والأعمش بكسر السين.

### || [29.35]

# { ولقد تركنا منها } أي من القرية على ما عليه الأكثر {
~~ءاية بينة } قال ابن عباس: هي آثار ديارها الخربة، وقال مجاهد: هي
~~الماء ms08107 الأسود على وجه الأرض، وقال قتادة: هي الحجارة التي أمطرت عليهم
~~وقد أدركتها أوائل هذه الأمة، وقال أبو سليمان الدمشقي: هي أن أساسها
~~أعلاها وسقوفها أسفلها إلى الآن؛ وأنكر ذوو الأبصار ذلك، وقال الفراء:
~~المعنى تركناها آية كما يقال: إن في السماء آية ويراد أنها آية. وتعقبه
~~أبو حيان بأنه لا يتجه إلا على زيادة { من } في الواجب نحو قوله:

# أمهرت منها جبة وتيسا

# يريد أمهرتها. وقال بعضهم: إن ذلك نظير قولك: رأيت منه أسدا، وقيل:
~~الآية حكايتها العجيبة الشائعة، وقيل: ضمير { منها } للفعلة التي فعلت
~~بهم والآية الحجارة أو الماء الأسود والظاهر ما عليه الأكثر. ولا يخفى
~~معنى { من } على هذه الأقوال { لقوم يعقلون } أي يستعملون
~~عقولهم في الاستبصار والاعتبار، فالفعل منزل منزلة اللازم و { لقوم }
~~متعلق بتركنا أو ببينة، واستظهر الثاني.

# هذا، وفي الآيات من الدلالة على ذم اللواطة وقبحها ما لا يخفى، فهي
~~كبيرة بالإجماع، ونصوا على أنها أشد حرمة من الزنا وفي «شرح المشارق»
~~للأكمل أنها محرمة عقلا وشرعا وطبعا، وعدم وجوب الحد فيها عند الإمام
~~أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه لعدم الدليل عنده على ذلك لا لخفتها، وقال
~~بعض العلماء: إن عدم وجوب الحد للتغليظ لأن الحد مطهر، وفي جواز وقوعها
~~في الجنة خلاف، ففي «الفتح» قيل: إن كانت حرمتها عقلا وسمعا لا تكون في
~~الجنة وإن كانت سمعا فقط جاز أن تكون فيها، والصحيح أنها لا تكون لأن
~~الله تعالى استبعدها واستقبحها فقال سبحانه:

# إنكم لتأتون الفحشة ما سبقكم بها من أحد
~~من العلمين

# [العنكبوت: 28] وسماها خبيثة فقال عز وجل:

# كانت تعمل الخبئث

# [الأنبياء: 74] والجنة منزهة عنها. وتعقب هذا الحموي بأنه لا يلزم من
~~كون الشيء خبيثا في الدنيا أن لا يكون له وجود في الجنة ألا ترى أن
~~الخمر أم الخبائث في الدنيا ولها وجود في الجنة، وفيه بحث، لأن خبث الخمر
~~في الدنيا لإزالتها العقل الذي هو عقال عن كل قبيح وهذا الوصف لا يبقى
~~لها في الجنة ولا كذلك اللواطة. ms08108 وفي «الفتوحات المكية» في صفة أهل الجنة
~~أنهم لا أدبار لهم لأن الدبر إنما خلق في الدنيا لخروج الغائط وليست
~~الجنة محلا للقاذورات، وعليه فعدم وجودها في الجنة ظاهر، ولا أظن ذا
~~غيرة صادقة تسمح نفسه أن يلاط به في الجنة سرا أو علنا، وجواز وقوعها
~~فيها قد ينجر إلى أن تسمح نفسه بذلك أو يجبر عليه وذلك إذا اشتهى أحد أن
~~يلوط به إذ لا بد من حصول ما يشتهيه، وهذا وإن لم يكن قطعيا في عدم وقوع
~~اللواطة مطلقا في الجنة إلى أنه يقوي القول بعدم الوقوع فتأمل.

### || [29.36]

# { وإلى مدين } متعلق بأرسلنا مقدر معطوف على

# أرسلنا

# [العنكبوت: 14] في قصة نوح أي وأرسلنا إلى مدين { أخهم شعيبا
~~فقال } لهم { يقوم اعبدوا الله } وحده { وارجوا
~~اليوم الأخر } أي توقعوه وما سيقع فيه من فنون الأهوال وافعلوا
~~اليوم من الأعمال ما تأمنون به غائلته، أو الأمر بالرجاء أمر بفعل ما
~~يترتب عليه الرجاء إقامة للمسبب مقام السبب، وفي الكلام مضاف مقدر
~~فالمعنى افعلوا ما ترجون به ثواب اليوم الآخر، وجوز أن لا يقدر مضاف،
~~وإرادة الثواب من إطلاق الزمان على ما فيه، وقيل: الأمر برجاء الثواب أمر
~~بسببه اقتضاء بلا تجوز فيه بعلاقة السببية. وقال أبو عبيدة: الرجاء هنا
~~بمعنى الخوف والمعنى وخافوا جزاء اليوم الآخر من انتقام الله تعالى منكم
~~إن لم تعبدوه { ولا تعثوا فى الأرض مفسدين } حال مؤكدة
~~لأن العثو الفساد.

### || [29.37]

# { فكذبوه } فيما تضمنه كلامه من أنهم إن لم يمتثلوا أمره ونهيه
~~وقع بهم العذاب وإليه ذهب أبو حيان، وقيل: من أنه تعالى مستحق لأن يعبد
~~وحده سبحانه وأن اليوم الآخر متحقق الوقوع أو نحو ذلك { فأخذتهم }
~~بسبب تكذيبهم إياه { الرجفة } أي الزلزلة الشديدة وفي سورة هود [94]

# وأخذت الذين ظلموا الصيحة

# أي صيحة جبريل عليه السلام فإنها الموجبة للرجفة بسبب تمويجها للهواء
~~وما يجاورها من الأرض، وفسر مجاهد الرجفة هنا بالصيحة، فقيل: لذلك؛ وقيل:
~~لأنها رجفت منها القلوب { فأصبحوا في دارهم } أي بلدهم فإن
~~الدار تطلق ms08109 على البلد، ولذا قيل: للمدينة دار الهجرة أو المراد مساكنهم
~~وأقيم فيه الواحد مقام الجمع لأمن اللبس لأنهم لا يكونون في دار واحدة،
~~ولعل فيه إشارة إلى أن الرجفة خربت مساكنهم وهدمت ما بينها من الجدران
~~فصارت كمسكن واحد. { جثمين } أي باركين على الركب، والمراد ميتين
~~على ما روي عن قتادة. وفي «مفردات الراغب» ((هو استعارة للمقيمين من
~~قولهم: جثم الطائر إذا قعد ولطىء بالأرض)) ويرجع هذا إلى ميتين أيضا.

### || [29.38]

# { وعادا وثمود } منصوبان بإضمار فعل ينبىء عنه ما قبله من قوله
~~تعالى:

# فأخذتهم الرجفة

# [العنكبوت: 37] أي وأهلكنا عادا وثمود، وقوله تعالى: { وقد
~~تبين لكم من مسكنهم } عطف على ذلك المضمر أي وقد ظهر
~~لكم أتم ظهور إهلاكنا إياهم من جهة مساكنهم أو بسببها، وذلك بالنظر إليها
~~عند اجتيازكم بها ذهابا إلى الشام وإيابا منه، وجوز كون { من }
~~تبعيضية، وقيل: هما منصوبان بإضمار اذكروا أي واذكروا عادا وثمود. /
~~والمراد ذكر قصتهما أو باضمار اذكر خطابا له صلى الله عليه وسلم، وجملة
~~{ قد تبين } حالية، وقيل: هي بتقدير القول أي وقل: قد تبين، وجوز
~~أن تكون معطوفة على جملة واقعة في حيز القول أي اذكر عادا وثمود قائلا
~~قر مررتم على مساكنهم وقد تبين لكم الخ، وفاعل { تبين } الإهلاك الدال
~~عليه الكلام أو مساكنهم على أن { من } زائدة في الواجب، ويؤيده قراءة
~~الأعمش { مسكنهم } بالرفع من غير من، وكون { من } هي الفاعل
~~على أنها اسم بمعنى بعض مما لا يخفى حاله. وقيل: هما منصوبان بالعطف على
~~الضمير في

# فأخذتهم الرجفة

# [العنكبوت: 37] والمعنى يأباه، وقال الكسائي: منصوبان بالعطف على {
~~الذين } من قوله تعالى:

# ولقد فتنا الذين من قبلهم

# [العنكبوت: 3] وهو كما ترى، والزمخشري لم يذكر في ناصبهما سوى ما ذكرناه
~~أولا وهو الذي ينبغي أن يعول عليه. وقرأ أكثر السبعة { وثمودا }
~~بالتنوين بتأويل الحي، وهو على قراءة ترك التنوين بتأويل القبيلة، وقرأ
~~ابن وثاب { وعاد وثمود } بالخفض فيهما والتنوين عطفا على

# مدين

# [العنكبوت: 36] على ما في «البحر» أي وأرسلنا إلى عاد وثمود. ms08110

# { وزين لهم الشيطن } بوسوسته وإغوائه { أعملهم }
~~القبيحة من الكفر والمعاصي { فصدهم عن السبيل } أي الطريق
~~المعهود وهو السوي الموصل إلى الحق، وحمله على الاستغراق حصرا له في
~~الموصل إلى النجاة تكلف { وكانوا } أي عاد وثمود لا أهل مكة كما
~~توهم. { مستبصرين } أي عقلاء يمكنهم التمييز بين الحق والباطل
~~بالاستدلال والنظر ولكنهم أغفلوا ولم يتدبروا وقيل: عقلاء يعلمون الحق
~~ولكنهم كفروا عنادا وجحودا، وقيل: متبينين أن العذاب لاحق بهم بإخبار
~~الرسل عليهم السلام لهم ولكنهم لجوا حتى لقوا ما لقوا. وعن قتادة
~~والكلبي كما في «مجمع البيان» أن المعنى كانوا مستبصرين عند أنفسهم فيما
~~كانوا عليه من الضلالة يحسبون أنهم على هدى. وأخرج ابن المنذر وجماعة عن
~~قتادة أنه قال: أي معجبين بضلالتهم وهو تفسير بحاصل ما ذكر، وهو مروي كما
~~في «البحر» عن ابن عباس ومجاهد والضحاك، والجملة في موضع الحال بتقدير قد
~~أو بدونها.

### || [29.39]

# { وقرون وفرعون وهمن } معطوف على

# عادا

# [العنكبوت: 38]، وتقدم قارون لأن المقصود تسلية النبي صلى الله عليه
~~وسلم فيما لقي من قومه لحسدهم له، وقارون كان من قوم موسى عليه السلام
~~وقد لقي منه ما لقي، أو لأن حاله أوفق بحال عاد وثمود فإنه كان من أبصر
~~الناس وأعلمهم بالتوراة ولم يفده الاستبصار شيئا كما لم يفدهم كونهم
~~مستبصرين شيئا، أو لأن هلاكه كان قبل هلاك فرعون وهامان فتقديمه على وفق
~~الواقع، أو لأنه أشرف من فرعون وهامان لإيمانه في الظاهر وعلمه بالتوراة
~~وكونه ذا قرابة من موسى عليه السلام، ويكون في تقديمه لذلك في مقام الغضب
~~إشارة إلى أن نحو هذا الشرف لا يفيد شيئا ولا ينقذ من غضب الله تعالى
~~على الكفر.

# { ولقد جاءهم موسى بالبينت فاستكبروا } عن
~~الإيمان والطاعة { فى الأرض } إشارة إلى قلة عقولهم لأن من في الأرض
~~لا ينبغي له أن يستكبر. { وما كانوا سبقين } أي فائتين أمر
~~الله تعالى، من قولهم: سبق طالبه أي فاته ولم يدركه، ولقد أدركهم أمره
~~تعالى أي إدراك فتداركوا نحو الدمار والهلاك، وقال أبو ms08111 حيان: المعنى وما
~~كانوا سابقين الأمم إلى الفكر أي تلك عادة الأمم مع رسلهم عليهم السلام،
~~وليس بذاك وأيا ما كان فالظاهر أن ضمير { كانوا } لقارون / وفرعون
~~وهامان، وقيل: الجملة عطف على أهلكنا المقدر سابقا وضمير - كانوا -
~~لجميع المهلكين، وفيه بتر للنظم الجليل.

### || [29.40]

# { فكلا أخذنا بذنبه } هذا وما بعده كالفذلكة للآيات
~~المتضمنة تعذيب من كفر ولم يمتثل أمر من أرسل إليه، وقال أبو السعود: هذا
~~تفسير لما ينبىء عنه عدم سبقهم بطريق الإبهام وما بعده تفصيل للأخذ، وفي
~~القلب منه شيء. وكأنه اعتبر رجوع ضمير

# كانوا

# [العنكبوت: 39] إلى المهلكين، وقد علمت حاله وتقديم المفعول للاهتمام
~~بأمر الاستيعاب والاستغراق، وقال الفاضل: المذكور للحصر أي كل واحد من
~~المذكورين عاقبناه بجنايته لا بعضا دون بعض، وبحث فيه بأن كلا متكفلة
~~بهذا المعنى قدمت أو أخرت، وأجيب بأنا لا نسلم أنه يفهم منها لا بعضا
~~إذا أخرت وإنما يفهم منها بواسطة التقديم فتأمل، والكلام في مرجع ضمير {
~~بذنبه } سؤالا وجوابا لا يخفى على من أحاط علما بما قيل في قولهم: كل
~~رجل وضيعته. وقولهم: الترتيب جعل كل شيء في مرتبته، وهو شهير بين الطلبة.

# { فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا } أي ريحا عاصفا فيها
~~حصباء، وقيل: ملكا رماهم بالحصباء وهم قوم لوط. وقال ابن عطية: يشبه أن
~~يدخل عاد في ذلك لأن ما أهلكوا به من الريح كانت شديدة وهي لا تخلو عن
~~الحصب بأمور مؤذية، والحاصب هو العارض من ريح أو سحاب إذا رمي بشيء {
~~ومنهم من أخذته الصيحة } هم مدين وثمود ولم يقل أخذناه
~~بالصيحة ليوافق ما قبله وما بعده في إسناد الفعل إليه تعالى الأوفق بقوله
~~تعالى: { فكلا أخذنا بذنبه } دفعا لتوهم أن يكون سبحانه هو
~~الصائح { ومنهم من خسفنا به الأرض } وهو قارون {
~~ومنهم من أغرقنا } وهو فرعون ومن معه، وذكر بعضهم قوم نوح
~~عليه السلام أيضا. واعترض بأنهم ليسوا من المذكورين، وتعقب بأنهم أول
~~المذكورين في هذه السورة من الأمم السالفة، ولعل المعترض أراد بالمذكورين
~~المذكورين متناسقين أي ms08112 بلا فصل بأمة لم تفد قصتها إهلاكها، وقوم نوح وإن
~~ذكروا أولا لكن فصل بينهم وبين نظائرهم من المهلكين بقصة قوم إبراهيم
~~عليه السلام وهي لم تفد أنهم أهلكوا، وذكر النيسابوري أنه سبحانه قرر
~~بقوله تعالى: { فكلا } الخ أمر المذنبين بإجمال آخر يفيد أنهم عذبوا
~~بالعناصر الأربعة فجعل ما منه تركيبهم سببا لعدمهم وما منه بقاؤهم سببا
~~لفنائهم، فالحاصب وهو حجارة محماة تقع على كل واحد منهم فتنفذ من الجانب
~~الآخر إشارة إلى التعذيب بعنصر النار، والصيحة وهي تموج شديد في الهواء
~~إشارة إلى التعذيب بعنصر الهواء، والخسف إشارة إلى التعذيب بعنصر التراب،
~~والغرق إشارة إلى التعذيب بعنصر الماء اه ولا يخفى ما فيه.

# { وما كان الله ليظلمهم } أي ما كان سبحانه مريدا لظلمهم
~~وذلك بأن يعاقبهم من غير جرم لأنه خلاف ما تقتضيه الحكمة وفي «أنوار
~~التنزيل» أي ما كان سبحانه ليعاملهم معاملة الظالم فيعاقبهم بغير جرم إذ
~~ليس ذلك من سنته عز وجل، ويفيد أنه لو وقع منه تعالى تعذيبهم من غير جرم
~~لا يكون ظلما لأنه تعالى مالك الملك يتصرف به كما يشاء فله أن يثيب
~~العاصي ويعذب المطيع، وهذا أمر مشهور بين الأشاعرة والكلام في تحقيقه
~~يطلب من علم الكلام.

# وقد أسلفنا في تفسير قوله تعالى:

# لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون

# [الأنبياء: 23] ما ينفعك في هذا المقام تذكره فتذكر.

# { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بالاستمرار على مباشرة
~~ما يوجب ذلك من الكفر والمعاصي باختيارهم، وقال مولانا الشيخ إبراهيم
~~الكوراني ما حاصله: إن ظلم الكفرة أنفسهم / إنما هو لسوء استعدادهم الذي
~~هم عليه في نفس الأمر من غير مدخل للجعل فيه وبلسان ذلك الاستعداد طلبوا
~~من الجواد المطلق جل وعلا ما صار سببا لظهور شقائهم اه، والبحث في ذلك
~~طويل الذيل فليطلب من محله، وتقديم المعمول لرعاية رؤوس الآي.

### || [29.41]

# { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء } استئناف
~~متضمن تقبيح حال أولئك المهلكين الظالمين لأنفسهم وأضرابهم ممن تولى غير
~~الله عز وجل، وفيه إشارة إلى أعظم أنواع ms08113 ظلمهم فالمراد بالموصول جميع
~~المشركين الذين عبدوا من دون الله عز وجل الأوثان. وجوز أن يكون جميع من
~~اتخذ غيره تعالى متكلا ومعتمدا آلهة كان ذلك أو غيرها، ولذا عدل إلى
~~أولياء من آلهة أي صفتهم أو شبههم { كمثل العنكبوت } أي كصفتها
~~أو شبهها. { اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت
~~العنكبوت } بيانا لصفة العنكبوت التي يدور عليها أمر التشبيه.

# والجملة على ما نقل عن الأخفش من لزوم الوقف على العنكبوت مستأنفة لذلك
~~{ وإن أوهن البيوت } الخ في موضع الحال من فاعل { اتخذت }
~~المستكن فيه، وجوز كونه في موضع الحال من مفعوله بناء على جواز مجيء
~~الحال من النكرة، وعلى الوجهين وضع المظهر موضع الضمير الراجع إلى ذي
~~الحال، والجملة من تتمة الوصف. واللام في { البيوت } للاستغراق، والمعنى
~~مثل المتخذين لهم من دون الله تعالى أولياء في اتخاذهم إياهم كمثل
~~العنكبوت وذلك أنها اتخذت لها بيتا والحال أن أوهن كل البيوت وأضعفها
~~بيتها، وهؤلاء اتخذوا لهم من دون الله تعالى أولياء والحال أن أوهن كل
~~الأولياء وأضعفها أولياؤهم، وإن شئت فقل: إنها اتخذت بيتا في غاية الضعف
~~وهؤلاء اتخذوا لها أو متكلا في غاية الضعف فهم وهي مشتركان في اتخاذ ما
~~هو في غاية الضعف في بابه، ويجوز أن تكون جملة { اتخذت } حالا من {
~~العنكبوت } بتقدير قد أو بدونها أو صفة لها لأن أل فيها للجنس، وقد جوزوا
~~الوجهين في الجمل الواقعة بعد المعرف بأل الجنسية نحو قوله تعالى:

# كمثل الحمار يحمل أسفارا

# [الجمعة: 5] وعن الفراء أن الجملة صلة لموصول محذوف وقع صفة {
~~العنكبوت } أي التي اتخذت، وخرج الآية التي ذكرناها على هذا واختار
~~حذف الموصول في مثله ابن درستويه، وعليه لا يوقف على { العنكبوت } ، وأنت
~~تعلم أن كون الجملة صفة أظهر. والمعنى حينئذ مثل المشرك الذي عبد الوثن
~~بالقياس إلى الموحد الذي عبد الله تعالى كمثل عنكبوت اتخذت بيتا
~~بالإضافة إلى رجل بنى بيتا بآجر وجص أو نحته من صخر وكما أن أوهن البيوت
~~إذا استقريتها بيتا بيتا بيت العنكبوت ms08114 كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها
~~دينا دينا عبادة الأوثان، وهو وجه حسن ذكره الزمخشري في الآية، وقد
~~اعتبر فيه تفريق التشبيه، والغرض إبراز تفاوت المتخذين والمتخذ مع تصوير
~~توهين أمر أحدهما وإدماج توطيد الآخر، وعليه يجوز أن يكون قوله تعالى: {
~~وإن أوهن البيوت } جملة حالية لأنه من تتمة التشبيه، وأن
~~يكون اعتراضية لأنه لو لم يؤت به لكان في ضمنه ما يرشد إلى هذا المعنى
~~وإلى كونه جملة حالية ذهب الطيبي.

# وقال صاحب «الكشف»: كلام الزمخشري إلى كونه اعتراضية أقرب لأن قوله:
~~وكما أن أوهن البيوت الخ ليس فيه إيماء إلى تقييد الأول، وقد تعقب أبو
~~حيان هذا الوجه بأنه لا يدل عليه لفظ الآية، وإنما هو تحميل اللفظ ما لا
~~يحتمله كعادته في كثير من «تفسيره»، وهذه مجازفة على صاحب «الكشاف» كما
~~لا يخفى، ويجوز أن يكون المعنى مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء فيما
~~اتخذوه معتمدا ومتكلا في دينهم وتولوه من دون / الله تعالى كمثل
~~العنكبوت فيما نسجته واتخذته بيتا، والتشبيه على هذا من المركب فيعتبر
~~في جانب المشبه اتخاذ ومتخذ واتكال عليه، وكذلك في الجانب الآخر ما
~~يناسبه ويعتبر تشبيه الهيئة المنتزعة من ذلك كله بالهيئة المنتزعة من هذا
~~بالأسر، والغرض تقرير وهن أمر دينهم وأنه بلغ الغاية التي لا غاية بعدها،
~~ومدار قطب التشبيه أن أولياءهم بمنزلة منسوج العنكبوت ضعف حال وعدم صلوح
~~اعتماد، وعلى هذا يكون قوله تعالى: { إن أوهن البيوت } تذييلا
~~يقرر الغرض من التشبيه.

# وجوز أن يكون المعنى والغرض من التشبيه ما سمعت إلا أنه يجعل التذييل
~~استعارة تمثيلية ويكون ما تقدم كالتوطئة لها، فكأنه قيل: وإن أوهن ما
~~يعتمد عليه في الدين عبادة الأوثان، وهي تقرر الغرض من التشبيه بتبعية
~~تقرير المشبه، وكأن التقرير في الوجه السابق بتبعية تقرير المشبه به،
~~وهذا قريب من تجريد الاستعارة وترشيحها، ونظير ذلك قولك: زيد في الكلام
~~بحر والبحر لا يخيب من أتاه إذا كان البحر الثاني مستعارا للكريم، وذكر
~~الطرفين إنما يمنع من كونه ms08115 استعارة لو كان في جملته، ورجح السابق لأن
~~عادة البلغاء تقرير أمر المشبه به ليدل به على تقرير المشبه، ولأن هذا
~~إنما يتميز عن الإلغاز بعد سبق التشبيه. وجوز أن يكون قوله تعالى: {
~~مثل الذين } الخ كالمقدمة الأولى، وقوله سبحانه: { وإن
~~أوهن البيوت } كالثانية وما هو كالنتيجة محذوف مدلول عليه بما
~~بعد كما في «الكشف»، والمجموع يدل على المراد من تقرير وهن أمر دينهم
~~وأنه بلغ الغاية التي لا غاية بعدها على سبيل الكناية الإيمائية فتأمل.

# والظاهر أن المراد بالعنكبوت النوع الذي ينسج بيته في الهواء ويصيد به
~~الذباب لا النوع الآخر الذي يحفر بيته في الأرض ويخرج في الليل كسائر
~~الهوام، وهي على ما ذكره غير واحد من ذوات السموم فيسن قتلها لذلك، لا
~~لما أخرج أبو داود في «مراسيله» عن يزيد بن مرثد من قوله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " العنكبوت شيطان مسخها الله تعالى فمن وجدها فليقتلها "

# فإنه كما ذكر الدميري ضعيف.

# وقيل: لا يسن قتلها فقد أخرج الخطيب عن علي كرم الله تعالى وجهه قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلت أنا وأبو بكر الغار فاجتمعت
~~العنكبوت فنسجت بالباب فلا تقتلوهن "

# ذكر هذا الخبر الجلال السيوطي في «الدر المنثور»، والله تعالى أعلم
~~بصحته وكونه مما يصلح للاحتجاج به، ونصوا على طهارة بيتها لعدم تحقق كون
~~ما تنسج به من غذائها المستحيل في جوفها مع أن الأصل في الأشياء الطهارة،
~~وذكر الدميري أن ذلك لا تخرجه من جوفها بل من خارج جلدها، وفي هذا بعد.
~~وأنا لم أتحقق أمر ذلك ولم أعين كونه من فمها أو دبرها أو خارج جلدها
~~لعدم الاعتناء بشأن ذلك لا لعدم إمكان الوقوف على الحقيقة، وذكر أنه يحسن
~~إزالة بيتها من البيوت لما أسند الثعلبي وابن عطية وغيرهما عن علي كرم
~~الله تعالى وجهه أنه قال: «طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإنه تركه في
~~البيوت يورث الفقر» وهذا إن صح عن الإمام كرم الله تعالى وجهه فذاك، وإلا
~~فحسن الإزالة لما ms08116 فيها من النظافة ولا شك بندبها.

# والتاء في العنكبوت زائدة كتاء طالوت فوزنه فعللوت وهو يقع على الواحد
~~والجمع والمذكر والمؤنث، ومن استعماله مذكرا قوله:

# على هطالهم منهم بيوت

# كأن العنكبوت هو ابتناها

# واستظهر الفاضل سعدي جلبي كون المراد به هنا الواحد، وذهب إلى تأنيثه
~~أيضا فذكر أنه اختير هنا / تأنيثه لأنه المناسب لبيان الخور والضعف فيما
~~يتخذه، وقال مولانا الخفاجي معرضا به: الظاهر أن المراد الجمع لا الواحد
~~لقوله تعالى: { الذين } وأما افراد البيت فلأن المراد الجنس، ولذلك
~~أنث { اتخذت } لا لأن المراد المؤنث، وفي «القاموس» ((العنكبوت
~~معروف وهي العنكباة والعكنباة والعنكبوة والعنكباء، والذكر عنكب وهي
~~عنكبة، وجمعه عنكبوتات وعناكب، والعكاب. والعكب والأعكب أسماء
~~الجموع))، وتعقب بأن عد ما عدا ما ذكره أولا اسم جمع لا وجه له لأن أعكب
~~لا يصح فيه ذلك، وذكروا في جمعه أيضا عناكيب.

# واختلف في نونه فقيل أصلية، وقيل: زائدة كالتاء، وجمعه على عكاب يدل على
~~ذلك. وذكر السجستاني في «غريب سيبويه» أنه ذكر عناكب في موضعين فقال في
~~موضع: وزنه فناعل وفي آخر فعالل، فعلى الأول النون زائدة وهو مشتق من
~~العكب وهو الغلظ اه المراد منه، ولعل الأقرب على ذلك كونه مشتقا من
~~العكب بالفتج بمعنى الشدة في السير فكأنه لشدة وثبه لصيد الذباب أو لشدة
~~حركته عند فراره أطلق عليه اسم العنكبوت.

# { لو كانوا يعلمون } أي لو كانوا يعلمون شيئا من الأشياء
~~لعلموا أن هذا مثلهم أو أن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن، وقيل: أي
~~لو كانوا يعلمون وهن الأوثان لما اتخذوها أولياء من دون الله تعالى، وفي
~~«الكشف» أن قوله تعالى: { لو كانوا يعلمون } على جميع التقادير
~~أي المذكورة في «الكشاف» وقد ذكرناها فيما مر من الإيغال، جعلهم سبحانه
~~في الاتخاذ ثم زادهم جل وعلا تجهيلا أنهم لا يعلمون هذا الجهل البين
~~الذي لا يخفى على من له أدنى مسكة، و { لو } شرطية وجوابها محذوف على
~~ما أشرنا إليه، وجوز بعضهم كونها للتمني فلا جواب لها وهو ms08117 غير ظاهر.

### || [29.42]

# { إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شىء } على
~~إضمار القول أي قل للكفرة إن الله الخ، وقيل: لا حاجة إلى إضماره لجواز
~~أن يكون { تدعون } من باب الالتفات للإيذان بالغضب، وفيه بحث. وقرأ
~~أبو عمرو وسلام { يعلم ما } بالإدغام، وأبو عمرو وعاصم بخلاف {
~~يدعون } بياء الغيبة حملا على ما قبله، و { ما } استفهامية منصوبة
~~بتدعون و { يعلم } معلقة عنها فالجملة في موضع نصب بها و { من }
~~الأولى متعلقة بتدعون على ما هو الظاهر و { من } الثانية للتبيين، وجوز
~~كونها للتبعيض، ويجوز كون (ما) نافية و(من) الثانية مزيدة و(شيء) مفعول
~~(تدعون)، أي لستم تدعون من دونه تعالى شيئا، كأن ما يدعونه من دونه عز
~~وجل لمزيد حقارته لا يصلح أن يسمى شيئا، وجوز كونها مصدرية وهي وما
~~بعدها في تأويل مصدر مفعول { يعلم } على أنها بمعنى يعرف ناصبة لمفعول
~~واحد و(من) تبعيضية، أي يعرف دعاءكم وعبادتكم بعض شيء من دونه وقيل: {
~~من } للتبيين و { شىء } بمعنى ذلك المصدر وتنوينه للتحقير، أي يعرف
~~دعوتكم من دونه هي دعوة حقيرة، وجوز كونها موصولة مفعول يعلم بمعنى يعرف
~~ومفعول { تدعون } عائدها المحذوف و(من) إما بيان للموصول أو تبعيضية.
~~وجوز زيادتها على هذا الوجه وما بعده، ولا يخفى ما فيه، والكلام على
~~الوجهين الأولين في { ما } تجهيل للكفرة المتخذين من دون الله تعالى
~~أولياء لما فيهما من نفي الشيئية عما اتخذوه وليا؛ والاستفهام عنه الذي
~~هو في معنى النفي لأنه إنكار، وفيه توكيد للمثل لأن كون معبودهم ليس بشيء
~~يعبأ به مناسب ولذا لم يعطف، وعلى الوجهين الأخيرين فيها وعيد لهم لأن
~~العلم بدعوتهم وعبادتهم عبارة عن مجازاتهم عليها وكذا العلم بما يدعونه
~~عبارة عن مجازاتهم على دعائهم إياه، وترك العطف فيه لأنه استئناف، ويجوز
~~أرادة التجهيل والوعيد في الوجوه كلها.

# وقوله تعالى: { وهو العزيز الحكيم } في موضع الحال ويفهم منه
~~التعليل على المعنيين، فإن من فرط الغباوة اشراك ما لا يعد شيئا بمن هذا
~~شأنه، وإن الجماد بالإضافة إلى ms08118 القادر القاهر على كل شيء البالغ في العلم
~~وإتقان الفعل الغاية القاصية كالمعدوم البحت، وإن من هذا صفته قادر على
~~مجازاتهم.

### || [29.43]

# { وتلك الأمثل } أي هذا المثل ونظائره من الأمثال المذكورة في
~~الكتاب العزيز. { نضربها للناس } تقريبا لما بعد من أفهامهم {
~~وما يعقلها } على ما هي عليه من الحسن واستتباع الفوائد { إلا
~~العلمون } الراسخون في العلم المتدبرون في الأشياء على ما ينبغي.
~~وروي محي السنة بسنده عن جابر

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية { وتلك الأمثل
~~} الآية فقال العالم من عقل عن الله تعالى فعمل بطاعته واجتنب سخطه ".

### || [29.44]

# { خلق الله السموات والأرض بالحق } أي محقا
~~مراعيا للحكم والمصالح على أنه حال من فاعل { خلق } أو ملتبسة بالحق
~~الذي لا محيد عنه مستتبعة للمنافع الدينية والدنيوية على أنها حال من
~~مفعوله. فإنها مع اشتمالها على جميع ما يتعلق به معاشهم شواهد دالة على
~~شؤونه تعالى المتعلقة بذاته سبحانه وصفاته كما يفصح عنه قوله تعالى: {
~~إن فى ذلك لآية للمؤمنين } دالة لهم على ما ذكر من شؤونه
~~عز وجل، وتخصيص المؤمنين بالذكر مع عموم الهداية والإرشاد في خلقهما للكل
~~لأنهم المنتفعون بذلك.

### || [29.45]

# { اتل ما أوحى إليك من الكتب } أي دم على تلاوة ذلك
~~تقربا إلى الله تعالى بتلاوته وتذكرا لما في تضاعيفه من المعاني
~~وتذكيرا للناس وحملا لهم على العمل بما فيه من الأحكام ومحاسن الآداب
~~ومكارم الأخلاق { وأقم الصلوة } أي داوم على إقامتها، وحيث كانت
~~الصلاة منتظمة للصلوات المكتوبة المؤداة بالجماعة وكان أمره صلى الله
~~عليه وسلم بإقامتها متضمنا لأمر الأمة بها علل بقوله تعالى: { إن
~~الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر } كأنه قيل: وصل
~~بهم إن الصلاة تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، ومعنى نهيها إياهم عن ذلك أنها
~~لتضمنها صنوف العبادة من التكبير والتسبيح والقراءة والوقوف بين يدي الله
~~عز وجل والركوع والسجود له سبحانه الدال على غاية الخضوع والتعظيم كأنها
~~تقول لمن يأتي بها لا تفعل الفحشاء والمنكر ولا تعص ربا هو أهل لما أتيت
~~به، ms08119 وكيف يليق بك أن تفعل ذلك وتعصيه عز وجل وقد أتيت مما يدل على عظمته
~~تعالى وكبريائه سبحانه من الأقوال والأفعال بما تكون به أن عصيت وفعلت
~~الفحشاء أو المنكر كالمتناقض في أفعاله، وبما ذكر ينحل الأشكال المشهور
~~وهو أنا نرى كثيرا من المرتكبين للفحشاء والمنكر يصلون ولا ينتهون عن
~~ذلك، فإن نهيها إياهم عن الفحشاء والمنكر بهذا المعنى لا يستلزم
~~انتهاءهم، ألا ترى أن الله تعالى ينهى عن ذلك أيضا كما قال سبحانه:

# إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذى
~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى

# [النحل: 90] والناس لا ينتهون وليس نهي الصلاة بأعظم من نهيه سبحانه
~~وتعالى، فإذا لم يكن هناك استلزام فكيف يكون هنا. وما أرى هذا الإشكال
~~إلا مبنيا على توهم استلزام النهي للانتهاء، وهو توهم باطل وتخيل عاطل
~~لا يشهد له عقل ولا يؤيده نقل.

# ونقل أبو حيان عن ابن عباس والكلبي وابن جريج وحماد بن أبي سليمان أن
~~الصلاة تنهى عن ذلك ما دام المصلي فيها، وكأنهم أرادوا أنها كالناهية
~~للمصلي القائلة له لا تفعل ذلك ما دام فيها لأنه إذا فرغ منها فقد انقطعت
~~الأقوال والأفعال التي كان النهي بما تدل عليه من العظمة والكبرياء. ونقل
~~عن القطب أنه قال في جواب الإشكال: إن الصلاة تقام لذكر الله تعالى كما
~~قال عز من قائل:

# أقم الصلوة لذكرى

# [طه: 14] ومن كان ذاكرا لله عز وجل منعه ذلك عن / الإتيان بما يكرهه
~~منه تعالى مما قل أو كثر وكل من تراه يصلي ويأتي الفحشاء والمنكر فهو
~~بحيث لو لم يكن يصلي لكان أشد اتيانا فقد أثرت الصلاة في تقليل فحشائه
~~ومنكره، وهو كما ترى، وقيل: إن المراد أن الصلاة سبب للانتهاء عن ذلك،
~~وليس هذا كليا لما أن الصلاة في حكم النكرة وهي في الإثبات لا يجب أن
~~تعم فينحل الإشكال، وعلى ما قلنا لا يضر دعوى الكلية.

# نعم النهي الذي ذكرناه يتفاوت بحسب تفاوت أداء الصلاة فهو في صلاة أديت
~~على أتم ما يكون ms08120 من الخشوع والتدبر لما يتلى فيها مع الاتيان بفروضها
~~وواجباتها وسننها وآدابها على أحسن أحوالها أتم، وقد يضعف النهي فيها حتى
~~كأنها لا تنهى كما في الصلاة التي تؤدى مع الغفلة التامة والإخلال بما
~~يليق فيها وهي الصلاة المردودة التي تلف كما يلف الثوب الخلق ويرمى بها
~~وجه صاحبها فتقول له: ضيعك الله تعالى كما ضيعتني، وكأن مراد القائل: إن
~~المراد بالصلاة التي تنهى عما ذكر هي الصلاة المقبولة هو هذا.

# وقد يجعل الانتهاء علامة القبول. روى بعض الإمامية عن أبي عبد الله رضي
~~الله تعالى عنه أنه قال: من أحب أن يعلم قبلت صلاته أم لم تقبل فلينظر هل
~~منعته عن الفحشاء والمنكر فبقدر ما منعته قبلت منه، وأخرج عبد بن حميد
~~وابن جرير والبيهقي في «شعب الإيمان» عن الحسن قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم

# " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له "

# وفي لفظ

# " لم يزدد بها من الله تعالى إلا بعدا "

# وأخرجه بهذا اللفظ ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما مرفوعا. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير
~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه
~~أنه قيل له: إن فلانا يطيل الصلاة فقال: إن الصلاة لا تنفع إلا من
~~أطاعها ثم قرأ { إن الصلاة تنهى عن الفحشآء
~~والمنكر } وقد يتفق لمن يكثر الصلاة أن تقع بعض صلاته على الوجه
~~اللائق فتقبل لطفا من الله تعالى وكرما، ويظهر أثر ذلك بالانتهاء عن
~~المعاصي، ويشير إلى هذا ما أخرج أحمد وابن حبان والبيهقي

# " عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله
~~عليه وسلم فقال: إن فلانا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق قال سينهاه ما
~~تقول» "

# وأصرح منه فيما ذكرنا ما روي

# " أن فتى من الأنصار كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ولا
~~يدع شيئا من الفواحش إلا ركبه فوصف له، ms08121 فقال عليه الصلاة والسلام: «إن
~~صلاته ستنهاه» فلم يلبث إلا أن تاب "

# إلا أن ابن حجر ذكر فيه أنه لم يجده في كتب الحديث.

# ثم إن حمل الصلاة في الآية على الصلاة المعروفة هو الظاهر المؤيد
~~بالآثار والأخبار الصحيحية، وأخرج ابن جرير عن ابن عمر رضي الله تعالى
~~عنهما أن المراد بها هنا القرآن، وقال ابن بحر: إن المراد بها الدعاء أي
~~أقم الدعاء إلى أمر الله تعالى إن الدعاء إلى أمره سبحانه ينهى عن
~~الفحشاء والمنكر، وكل منهما عدول عن الظاهر من غير داع.

# وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس أنه كان يقرأ { إن
~~الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر }.

# { ولذكر الله أكبر } قال ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وأبو
~~قرة ومجاهد وعطية: المعنى لذكر الله تعالى إياكم أكبر من ذكركم إياه
~~سبحانه، وفي لفظ لذكر الله تعالى العبد أكبر من ذكر العبد لله تعالى، وعن
~~ابن عباس أنه قال ذلك ثم قرأ

# اذكرونى أذكركم

# [البقرة: 152]. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي مالك أنه قال:
~~ذكر الله تعالى العبد في الصلاة أكبر من الصلاة، فذكر مصدر مضاف إلى
~~الفاعل والمفعول محذوف وكذا المفضل عليه وهو خاص على ما سمعت، وجوز / أن
~~يكون عاما أي أكبر من كل شيء، وقيل: المعنى ولذكر العبد لله تعالى في
~~الصلاة أكبر من سائر أركان الصلاة، وقيل: أي ولذكر العبد لله تعالى في
~~الصلاة أكبر من ذكره إياه سبحانه خارج الصلاة، وقيل: أي ولذكر العبد لله
~~تعالى أكبر من سائر أعماله، وروي عن جماعة من السلف ما يقتضيه. أخرج أحمد
~~في «الزهد» وابن المنذر عن معاذ بن جبل قال: «ما عمل آدمي عملا أنجى له
~~من عذاب الله تعالى من ذكر الله تعالى، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله
~~تعالى قال: ولا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع لأن الله تعالى يقول في كتابه {
~~ولذكر الله أكبر }.

# وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي الدرداء قال: ms08122 «ألا أخبركم بخير
~~أعمالكم وأحبها إلى مليككم وأسماها في درجاتكم وخير من أن تغزوا عدوكم
~~فيضربوا رقابكم وتضربوا رقابهم وخير من إعطاء الدنانير والدراهم قالوا:
~~وما هو يا أبا الدرداء؟ قال ذكر الله تعالى: { ولذكر الله
~~أكبر } ». وأخرج ابن جرير عن سلمان أنه سئل أي العمل أفضل؟ قال: أما
~~تقرأ القرآن؟ { ولذكر الله أكبر } لا شيء أفضل من ذكر الله،
~~ونسب في «البحر» إلى أبي الدرداء وسلمان رضي الله تعالى عنهما القول
~~الذي ذكرناه أولا عمن سمعت، ولعل ذلك إحدى روايتين عنهما، وجاء عن ابن
~~عباس أيضا رواية تشعر بأن المراد بذكر الله تعالى ذكر العبد له سبحانه.
~~أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والحاكم في «الكنى»
~~والبيهقي في «شعب الإيمان» عن عنترة قال: قلت لابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أي العمل أفضل؟ قال: ذكر الله أكبر وما قعد قوم في بيت من بيوت
~~الله تعالى يدرسون كتاب الله ويتعاطونه بينهم إلا أظلتهم الملائكة
~~بأجنحتها وكانوا أضياف الله تعالى ما داموا فيه حتى يفيضوا في حديث غيره
~~وما سلك رجل طريقا يلتمس فيه العلم إلا سهل الله تعالى له طريقا إلى
~~الجنة.

# وقيل: المراد بذكر الله الصلاة كما في قوله تعالى:

# فاسعوا إلى ذكر الله

# [الجمعة: 9] أي وللصلاة أكبر من سائر الطاعات وإنما عبر عنها به للإيذان
~~بأن ما فيها من ذكر الله تعالى هو العمدة في كونها مفضلة على الحسنات
~~ناهية عن السيئات، وقيل: المعنى ولذكر الله تعالى عند الفحشاء والمنكر،
~~وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر في الزجر من الصلاة، { فذكر }
~~على هذه الأقوال مصدر مضاف للمفعول والمفضل عليه محذوف، وجوز أن لا يكون
~~أفعل للتفضيل سواء كانت إضافة المصدر للفاعل أم للمفعول كما في الله
~~أكبر.

# { والله يعلم ما تصنعون } من الخير والطاعة فيجازيكم بذلك
~~أحسن المجازاة، وقال أبو حيان: { يعلم ما تصنعون } من الخير
~~والشر فيجازيكم بحسبه ففيه وعد ووعيد وحث على المراقبة.

### || [29.46]

# { ولا تجدلوا أهل الكتب } من اليهود والنصارى، وقيل: ms08123
~~من نصارى نجران { إلا بالتى هى أحسن } أي بالخصلة التي هي
~~أحسن كمقابلة الخشونة باللين، والغضب بالكظم، والمشاغبة بالنصح،
~~والسورة بالأناة كما قال سبحانه:

# ادفع بالتى هى أحسن

# [المؤمنون: 96] { إلا الذين ظلموا منهم } بالإفراط في
~~الاعتداء والعناد، ولم يقبلوا النصح، ولم ينفع فيهم الرفق فاستعملوا معهم
~~الغلظة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد أن الذين ظلموا هم الذين أثبتوا الولد
~~والشريك أو قالوا يد الله تعالى مغلولة، أو الله سبحانه فقير، أو آذوا
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الغلظة التي تفهم الآية الإذن بها لا
~~تصل إلى القتال لأولئك الظالمين من أهل الكتاب على أي وجه من الوجوه
~~المذكورة كان ظلمهم لأن ظاهر كون السورة مكية أن هذه الآية مكية، والقتال
~~في المشهور لم يشرع بمكة وليست الغلظة محصورة فيه كما لا يخفى.

# وقيل: المعنى ولا تجادلوا الداخلين في الذمة المؤدين للجزية إلا بالتي
~~هي أحسن إلا الذين ظلموا فنبذوا الذمة ومنعوا الجزية فإن أولئك مجادلتهم
~~بالسيف. وأخرج ابن جرير. وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ما يقرب
~~منه، وتعقب بأن السورة مكية والحرب والجزية مما شرع بالمدينة، وكون الآية
~~بيانا لحكم آت بعد بعيد وأيضا لا قرينة على التخصيص. وقيل: يجوز أن
~~يكون القائل بذلك ذاهبا إلى أن الآية مدنية ومكية السورة باعتبار أغلب
~~آياتها؛ أو ممن يقول: بأن الحرب شرع بمكة في آخر الأمر، والسورة آخر ما
~~نزل بها إلا أنه لم يقع وعدم الوقوع لا يدل على عدم المشروعية.

# وعن ابن زيد أن المراد بأهل الكتاب مؤمنو أهل الكتاب وبالتي هي أحسن
~~موافقتهم فيما حدثوا به من أخبار أوائلهم وبالذين ظلموا من بقي منهم على
~~كفره وهو كما ترى.

# واختلف في نسخ الآية. فأخرج أبو داود في «ناسخه» وابن جرير وابن المنذر
~~وابن أبي حاتم وابن الأنباري في «المصاحف» عن قتادة أنه قال: نهى في هذه
~~الآية عن مجادلة أهل الكتاب، ثم نسخ ذلك فقال سبحانه:

# قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم
~~الأخر

# [التوبة: ms08124 29] الآية ولا مجادلة أشد من السيف، وقال في «مجمع البيان»:
~~الصحيح أنها غير منسوخة لأن المراد بالجدال المناظرة وذلك على الوجه
~~الأحسن هو الواجب الذي لا يجوز غيره. وقال بعض الأجلة: إن المجادلة
~~بالحسنى في أوائل الدعوة لأنها تتقدم القتال فلا يلزم النسخ ولا عدم
~~القتال بالكلية، وأما كون النهي يدل على عموم الأزمان فيلزم النسخ فلا
~~يتم ما ذكر فيدفعه أن من يقاتل كمانع الجزية داخل في المستثنى فلا نسخ
~~وإنما هو تخصيص بمتصل، وكون ذلك يقتضي مشروعية القتال بمكة ليس بصحيح
~~لأنه مسكوت عنه فتأمل.

# / وقرأ ابن عباس { إلا بالتى } الخ، على أن { إلا } حرف تنبيه
~~واستفتاح، والتقدير ألا جادلوهم بالتي هي أحسن.

# { وقولوا ءامنا بالذى أنزل إلينا } من القرءان { و }
~~الذي { الذى أنزل إليكم } أي وبالذي أنزل إليكم من التوراة
~~والإنجيل، وهذا القول نوع من المجادلة بالتي هي أحسن، وعن سفيان بن حسين
~~أنه قال: هذه مجادلتهم بالتي هي أحسن. وأخرج البخاري والنسائي وغيرهما عن
~~أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون الكتاب بالعبرانية ويفسرونها
~~بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا { ءامنا بالذي أنزل إلينا
~~وأنزل إليكم } "

# الآية، والتصديق والتكذيب ليسا نقيضين فيجوز ارتفاعهما.

# { وإلهنا وإلهكم واحد } لا شريك له في الألوهية {
~~ونحن له مسلمون } أي مطيعون خاصة كما يؤذن بذلك تقديم { له
~~} ، وفيه تعريض باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله تعالى.

### || [29.47]

# { وكذلك أنزلنا إليك الكتب } تجريد للخطاب لرسول
~~الله صلى الله عليه وسلم، وذلك إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده، وما فيه
~~من معنى البعد للإيذان ببعد منزلة المشار إليه في الفضل أي مثل ذلك
~~الإنزال البديع الشأن الموافق لإنزال سائر الكتب أنزلنا إليك القرءان
~~الذي من جملته هذه الآية الناطقة بما ذكر من المجادلة بالتي هي أحسن،
~~وقيل: الإشارة إلى ما تقدم لذكر الكتاب وأهله أي وكما أنزلنا الكتاب إلى
~~من قبلك أنزلنا إليك الكتاب.

# { فالذين ءاتينهم الكتب } من الطائفتين اليهود والنصارى ms08125
~~على أن المراد بالكتاب جنسه الشامل للتوراة والإنجيل والكلام على ظاهره،
~~وقيل: هو على حذف مضاف أي آتيناهم علم الكتاب { يؤمنون به }
~~بالكتاب الذي أنزل إليك، وقيل: الضمير له صلى الله عليه وسلم وهو كما
~~ترى، والمراد بهم في قول من تقدم عهد النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك
~~حيث كانوا مصدقين بنزول القرآن حسبما علموا مما عندهم من الكتاب،
~~والمضارع لاستحضار تلك الصورة في الحكاية وتخصيصهم بإيتاء الكتاب للإيذان
~~بأن ما بعدهم من معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزع عنهم الكتاب
~~بالنسخ، وفي قول آخر معاصروه عليه الصلاة والسلام العاملون بكتابهم من
~~عبد الله بن سلام وأضرابه، وتخصيصهم بإيتاء الكتاب لما أنهم هم المنتفعون
~~به فكأن من عداهم لم يؤتوه، قيل: هذا يؤيد القول: بأن الآيات المذكورة
~~مدنية إذ كونها مكية وعبد الله ممن أسلم بعد الهجرة بناء على أنه إعلام
~~من الله تعالى بإسلامهم في المستقبل، والتفصيل باعتبار الإعلام بعيدا
~~جدا، وجوز الطبرسي أن يراد بالموصول المسلمون من هذه الأمة وضمير { به
~~} للقرآن، ولا يخفى ما فيه، ولعل الأظهر كون المراد به علماء أهل
~~الكتابين الحريون بأن ينسب إليهم إيتاء الكتاب كعبد الله بن سلام
~~وأضرابه، ولا بعد في كون الآيات مكية بناء على ما سمعت، والفاء لترتيب ما
~~بعدها على ما قبلها فإن إيمانهم به مترتب على إنزاله على الوجه المذكور {
~~ومن هؤلاء } أي ومن العرب أو من أهل مكة على أن المراد بالموصول
~~عبد الله وأضرابه، أو ممن في عصره صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى
~~على أن المراد به من تقدم { من يؤمن به } أي بالكتاب الذي أنزل
~~إليك، { ومن } على ما استظهره بعضهم تبعيضية واقعة موقع المبتدأ وله
~~نظائر في الكتاب الكريم.

# { وما يجحد بئايتنا } أي وما يجحد به، وأقيم هذا الظاهر
~~مقام الضمير للتنبيه على ظهور دلالة الكتاب على / ما فيه وكونه من عند
~~الله عز وجل، والإضافة إلى نون العظمة لمزيد التفخيم.

# وفيما ذكر غاية التشنيع على ms08126 من يجحد به. والجحد كما قال الراغب: «نفي ما
~~في القلب إثباته وإثبات ما في القلب نفيه»، وفسر هنا بالإنكار عن علم
~~فكأنه قيل: وما ينكر آياتنا مع العلم بها { إلا الكفرون } أي
~~المتوغلون في الكفر المصممون عليه فإن ذلك يمنعهم عن الإقرار والتسليم،
~~وقيل: يجوز أن يفسر بمطلق الإنكار، ويراد بالكافرين المتوغلون في الكفر
~~أيضا لدلالة فحوى الكلام، والتعبير بآياتنا على ذلك أي وما ينكر آياتنا
~~مع ظهورها وارتفاع شأنها إلا المتوغلون في الكفر لأن ذلك يصدهم عن
~~الاعتناء بها والالتفات إليها والتأمل فيما يؤديهم إلى معرفة حقيتها،
~~والمراد بهم من اتصف بتلك الصفة من غير قصد إلى معين، وقيل: هم كعب بن
~~الأشرف وأصحابه.

### || [29.48]

# { وما كنت تتلوا منه قبله } أي وما كنت من قبل إنزالنا
~~إليك الكتاب تقدر على أن تتلو { من كتب } أي كتابا على أن { من
~~} صلة { ولا تخطه } ولا تقدر على أن تخطه { بيمينك } أو ما
~~كانت عادتك أن تتلوه ولا تخطه، وذكر اليمين زيادة تصوير لما نفي عنه صلى
~~الله عليه وسلم من الخط فهو مثل العين في قولك: نظرت بعيني في تحقيق
~~الحقيقة وتأكيدها حتى لا يبقى للمجاز مجاز { إذا لارتب
~~المبطلون } أي لو كنت ممن يقدر على التلاوة والخط أو ممن يعتادهما
~~لارتاب مشركو مكة وقالوا: لعله التقطه من كتب الأوائل، وحيث لم تكن كذلك
~~لم يكن لارتيابهم وجه، وكأن احتمال التعليم مما لم يلتفت إليه لظهور أن
~~مثله من الكتاب المفصل الطويل لا يتلقى ويتعلم إلا في زمان طويل بمدارسة
~~لا يخفى مثلها، ووصف مشركي مكة بالإبطال باعتبار ارتيابهم وكفرهم وهو
~~عليه الصلاة والسلام أمي فكأنه قيل: اذن لارتاب هؤلاء المبطلون الآن وكان
~~إذ ذاك. لارتيابهم وجه، وقيل: وصفهم بذلك باعتبار ارتيابهم، وهو صلى الله
~~عليه وسلم أمي وباعتبار ارتيابهم وهو عليه الصلاة والسلام ليس بأمي أما
~~كونهم مبطلين بالاعتبار الأول فظاهر، وأما كونهم كذلك بالاعتبار الثاني
~~فلأن غاية ما يلزم من عدم أميته صلى الله عليه وسلم انتفاء أحد ms08127 وجوه
~~الاعجاز، ويكفي الباقي في الغرض فيكون المرتاب مبطلا كالمرتاب في نبوة
~~الأنبياء الذين لم يكونوا أميين وصحة ما جاؤوا به. والأول أظهر، وكون
~~المراد بالمبطلين مشركي مكة هو المروى عن مجاهد، وقال قتادة: هم أهل
~~الكتاب أي لو كنت تتلو من قبل أو تخط لارتاب أهل الكتاب لأن نعتك في
~~كتابهم أمي، ووصفهم بالإبطال قيل: باعتبار ارتيابهم وهو عليه الصلاة
~~والسلام أمي كما هو الواقع، وإلا فهم ليسوا بمبطلين في ارتيابهم على فرض
~~عدم كونه صلى الله عليه وسلم أميا، وفي الكشف هذا فرض وتمثيل دلالة على
~~أن مدار الأمر على المعجز، وان كونه عليه الصلاة والسلام أميا لا يخط
~~ليس مما لا يتم دعواه به، وتلك الدلالة لا تختلف والمنكر مبطل اه فتأمل.

# هذا واختلف في أنه صلى الله عليه وسلم هل كان بعد النبوة يقرأ ويكتب أم
~~لا؟ فقيل: إنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يحسن الكتابة واختاره البغوي
~~في «التهذيب» وقال: إنه الأصح، وادعى بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم صار
~~يعلم الكتابة بعد أن كان لا يعلمها وعدم معرفتها بسبب المعجزة لهذه
~~الآية. فلما نزل القرآن واشتهر الإسلام وظهر أمر الارتياب تعرف الكتابة
~~حينئذ، وروي ابن أبي شيبة. وغيره / «ما مات صلى الله عليه وسلم حتى كتب
~~وقرأ».

# ونقل هذا للشعبي فصدقه وقال: سمعت أقواما يقولونه وليس في الآية ما
~~ينافيه، وروي ابن ماجه عن أنس قال: قال صلى الله عليه وسلم:

# " رأيت ليلة أسري بي مكتوبا على باب الجنة الصدقة بعشر أمثالها والقرض
~~بثمانية عشر "

# والقدرة على القراءة فرع الكتابة ورد باحتمال إقدار الله تعالى إياه
~~عليه الصلاة والسلام عليها بدونها معجزة أو فيه مقدر وهو فسألت عن
~~المكتوب فقيل: الخ، ويشهد للكتابة أحاديث في «صحيح البخاري» وغيره كما
~~ورد في صلح الحديبية «فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس
~~يحسن يكتب فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله» الحديث، «وممن ذهب
~~إلى ذلك أبو ذر عبد بن أحمد الهروي ms08128 وأبو الفتح النيسابوري وأبو الوليد
~~الباجي من المغاربة، وحكاه عن السمناني، وصنف فيه كتابا، وسبقه إليه ابن
~~منية، ولما قال أبو الوليد ذلك طعن فيه ورمي بالزندقة وسب على المنابر ثم
~~عقد له مجلس فأقام الحجة على مدعاه وكتب به إلى علماء الأطراف فأجابوا
~~بما يوافقه، ومعرفة الكتابة بعد أميته صلى الله عليه وسلم لا تنافي
~~المعجزة بل هي معجزة أخرى لكونها من غير تعليم، ورد بعض الأجلة كتاب
~~الباجي لما في الحديث الصحيح  إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ، وقال:
~~كل ما ورد في الحديث من قوله: كتب فمعناه أمر بالكتابة» كما يقال: كتب
~~السلطان بكذا لفلان، وتقديم قوله تعالى: { من قبله } على قوله
~~سبحانه: { ولا تخطه } كالصريح في أنه عليه الصلاة والسلام لم يكتب
~~مطلقا وكون القيد المتوسط راجعا لما بعده غير مطرد، وظن بعض الأجلة
~~رجوعه إلى ما قبله وما بعده فقال: يفهم من ذلك أنه عليه الصلاة والسلام
~~كان قادرا على التلاوة والخط بعد إنزال الكتاب ولولا هذا الاعتبار لكان
~~الكلام خلوا عن الفائدة، وأنت تعلم أنه لو سلم ما ذكره من الرجوع لا يتم
~~أمر الإفادة إلا إذ قيل بحجية المفهوم والظان ممن لا يقول بحجيته، ولا
~~يخفى أن قوله عليه الصلاة والسلام:

# " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب "

# ليس نصا في استمرار نفي الكتابة عنه عليه الصلاة والسلام، ولعل ذلك
~~باعتبار أنه بعث عليه الصلاة والسلام وهو وكذا أكثر من بعث إليهم وهو بين
~~ظهرانيهم من العرب أميون لا يكتبون ولا يحسبون فلا يضر عدم بقاء وصف
~~الأمية في الأكثر بعد، وأما ما ذكر من تأويل كتب بأمر بالكتابة فخلاف
~~الظاهر، وفي «شرح صحيح مسلم» للنواوي عليه الرحمة نقلا عن القاضي عياض
~~«أن قوله في الرواية التي ذكرناها: «ولا يحسن يكتب فكتب» كالنص في أنه
~~صلى الله عليه وسلم كتب بنفسه فالعدول عنه إلى غيره مجاز لا ضرورة إليه
~~ثم قال: وقد طال كلام كل فرقة في هذه المسألة وشنعت كل فرقة ms08129 على الأخرى
~~في هذا فالله تعالى أعلم». ورأيت في بعض الكتب ولا أدري الآن أي كتاب هو،
~~أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ ما يكتب لكن إذا نظر إلى المكتوب عرف
~~ما فيه بإخبار الحروف إياه عليه الصلاة والسلام عن أسمائها فكل حرف يخبره
~~عن نفسه أنه حرف كذا وذلك نظير إخبار الذراع إياه صلى الله عليه وسلم
~~بأنها مسمومة. وأنت تعلم أن مثل هذا لا يقبل بدون خبر صحيح ولم أظفر به.

### || [29.49]

# { بل هو } أي القرآن، وهذا إضراب عن ارتيابهم، أي ليس القرآن مما
~~يرتاب فيه لوضوح أمره بل هو { ءايت بينات } واضحات ثابتة راسخة {
~~فى صدور الذين أوتوا العلم } من غير أن يلتقط من كتاب
~~يحفظونه بحيث لا يقدر على تحريفه بخلاف / غيره من الكتب، وجاء في وصف هذه
~~الأمة صدورهم أناجيلهم، وكون ضمير (هو) للقرآن هو الظاهر، ويؤيده قراءة
~~عبد الله { بل هى ءايت بينات } ، وقال قتادة: الضمير للنبي
~~صلى الله عليه وسلم وقرأ { بل هو بينة } على التوحيد، وجعله
~~بعضهم له عليه الصلاة والسلام على قراءة الجمع على معنى بل النبي وأموره
~~آيات، وقيل: الضمير لما يفهم من النفي السابق أي كونه لا يقرأ لا يخط
~~آيات بينات في صدور العلماء من أهل الكتاب لأن ذلك نعت النبي عليه
~~الصلاة والسلام في كتابهم، والكل كما ترى، وفي الأخير حمل { الذين
~~أوتوا العلم } على علماء أهل الكتاب وهو مروي عن الضحاك والأكثرون
~~على أنهم علماء الصحابة أو النبي صلى الله عليه وسلم وعلماء أصحابه،
~~وروي هذا عن الحسن. وروي بعض الإمامية عن أبي جعفر وأبي عبد الله رضي
~~الله تعالى عنهما أنهم الأئمة من آل محمد صلى الله عليه وسلم { وما
~~يجحد بئايتنا } مع كونها كما ذكر { إلا الظلمون }
~~المتجاوزون للحد في الشر والمكابرة والفساد.

### || [29.50]

# { وقالوا } أي كفار قريش بتعليم بعض أهل الكتاب. وقيل: الضمير لأهل
~~الكتاب { لولا أنزل عليه ءايت من ربه } مثل ناقة صالح
~~وعصا موسى، وقرأ أكثر أهل الكوفة { ءاية ms08130 } على التوحيد { قل إنما
~~الأيت عند الله } ينزلها حسبما يشاء من غير دخل لأحد في ذلك
~~قطعا { وإنما أنا نذير مبين } ليس من شأني إلا الإنذار
~~بما أوتيت من الآيات لا الإتيان بما اقترحتموه فالقصر قصر قلب.

### || [29.51]

# { أو لم يكفهم } كلام مستأنف وارد من جهته تعالى ردا على
~~اقتراحهم وبيانا لبطلانه والهمزة للإنكار والنفي والواو للعطف على مقدر
~~يقتضيه المقام أي أقصر ولم يكفهم ءاية مغنية عن سائر الآيات { إنا
~~أنزلنا عليك الكتب } الناطق بالحق المصدق لما بين يديه من
~~الكتب السماوية وأنت بمعزل من مدارستها وممارستها { يتلى عليهم
~~} تدوم تلاوته عليهم متحدين به فلا يزال معهم ءاية ثابتة لا تزول ولا
~~تضمحل كما تزول كل ءاية بعد كونها، وقيل: { يتلى عليهم } أي أهل
~~الكتاب بتحقق ما في أيديهم من نعتك ونعت دينك، وله وجه ان كان ضمير

# قالوا

# [العنكبوت: 50] فيما تقدم لأهل الكتاب وأما إذا كان لكفار قريش فلا يخفى
~~ما فيه.

# { إن فى ذلك } أي الكتاب العظيم الشأن الباقي على ممر الدهور،
~~وقيل: الذي هو حجة بينة { لرحمة } أي نعمة عظيمة { وذكرى } أي
~~تذكرة { لقوم يؤمنون } أي همهم الإيمان لا التعنت فالجار
~~والمجرور متعلق بذكرى والفعل مراد به الاستقبال، ويجوز أن يكون رحمة
~~وذكرى مما تنازعا في الجار والمجرور فيجوز أن يكون الفعل للحال، وأخرج
~~الفريابي والدارمي وأبو داود في «مراسيله» وابن جرير وابن المنذر وابن
~~أبي حاتم عن يحيى بن جعدة قال:

# " جاء ناس من المسلمين بكتف قد كتبوا فيها بعض ما سمعوه من اليهود فقال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفى بقوم حمقا أو ضلالة أن يرغبوا عما
~~جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم فنزلت: { أو لم
~~يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتب } الآية "

# وأخرج الإسماعيلي في «معجمه» وابن مردويه عن يحيى هذا ما هو قريب مما
~~ذكر مرويا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. و { يؤمنون } على هذا
~~على ظاهره لا غير، وتعقب بأن السياق والسباق مع الكفرة ms08131 وأن الظاهر كون {
~~أو لم يكفهم } الآية جوابا لقولهم:

# لولا أنزل

# [العنكبوت: 50] الخ، وفي جعل سبب النزول ما ذكر خروج عن ذلك فتأمل.

# / وعليه تكون الآية دليلا لمن منع تتبع التوراة ونحوها. وروي هذا المنع
~~عن عائشة رضي الله تعالى عنها. أخرج ابن عساكر عن أبي مليكة قال: أهدى
~~عبد الله بن عامر بن ركن إلى عائشة رضي الله تعالى عنها هدية فظنت أنه
~~عبد الله بن عمرو فردتها وقالت: يتتبع الكتب وقد قال الله تعالى: { أو
~~لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتب يتلى
~~عليهم } فقيل لها: إنه عبد الله بن عامر فقبلتها» وجاء في عدة أخبار
~~ما يقتضي المنع، أخرج عبد الرزاق في «المصنف» والبيهقي في «شعب الإيمان»،
~~عن الزهري أن حفصة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب من قصص يوسف
~~في كتف فجعلت تقرؤه عليه والنبي عليه الصلاة والسلام يتلون وجهه فقال:
~~والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسف وأنا بينكم فاتبعتموه وتركتموني ضللتم أنا
~~حظكم من النبيين وأنتم حظى من الأمم.

# وأخرج عبد الرزاق. والبيهقي أيضا عن أبي قلابة «أن عمر بن الخطاب رضي
~~الله تعالى عنه مر برجل يقرأ كتابا فاستمعه ساعة فاستحسنه فقال للرجل:
~~اكتب لي من هذا الكتاب قال: نعم فاشترى أديما فهيأه ثم جاء به إليه فنسخ
~~له في ظهره وبطنه ثم أتي النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقرؤه عليه وجعل
~~وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلون فضرب رجل من الأنصار الكتاب
~~وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب ألا ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~منذ اليوم وانت تقرأ عليه هذا الكتاب فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند
~~ذلك: إنما بعثت فاتحا وخاتما وأعطيت جوامع الكلم وخواتمه واختصر لي
~~الحديث اختصارا فلا يهلكنكم المتهوكون» أي الواقعون في كل أمر بغير
~~روية، وقيل: المتحيرون إلى ذلك من الأخبار، وحقق بعضهم أن المنع إنما هو
~~عند خوف فساد في الدين وذلك مما لا شبهة فيه في صدر الإسلام، ms08132 وعليه تحمل
~~الأخبار، وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر.

### || [29.52]

# { قل كفى بالله بينى وبينكم شهيدا } أي عالما بما
~~صدر عني من التبليغ والإنذار، وبما صدر عنكم من مقابلتي بالتكذيب
~~والإنكار فيجازي سبحانه كلا بما يليق به { يعلم ما فى
~~السموات والأرض } أي من الأمور التي من جملتها شأني وشأنكم
~~فهو تقرير لما قبله من كفايته تعالى شهيدا، وجوز أن يكون المعنى كفى به
~~عز وجل شاهدا بصدقي أي مصدقا لي فيما ادعيته بالمعجزات تصديق الشاهد
~~لدعوى المدعى، وجملة { يعلم } إما صفة { شهيدا } أو حال أو
~~استئناف لتعليل كفايته، وقيل عليه: إن هذا الوجه لا يلائمه قوله تعالى: {
~~بينى وبينكم } سواء تعلق بكفي أو بشهيدا ولا قوله سبحانه: {
~~يعلم ما فى السموات } الخ، وفيه تأمل. وقد يؤيد ذلك بما روي
~~أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد من يشهد بأنك رسول الله؟ فنزلت
~~{ قل كفى } الآية إلا أن في القلب من صحة هذه الرواية شيئا لما أن
~~السياق والسباق مع كفرة قريش فلا تغفل. وأيا ما كان فلا منافاة بين هذه
~~الآية، وقوله تعالى:

# وادعوا شهداءكم من دون الله

# [البقرة: 23] بناء على أن المعنى لا تستشهدوا بالله تعالى ولا تقولوا
~~الله تعالى يشهد أن ما ندعيه حق كما يقوله العاجز عن إقامة البينة إما
~~لأن الشهيد ههنا بمعنى العالم والكلام وعد ووعيد، وإما بمعنى المصدق
~~بالمعجزات وليست الشهادة بأحد المعنيين هناك.

# والباء في { بالله } زائدة والاسم الجليل فاعل { كفى } ، وقال
~~الزجاج: إن الباء دخلت لتضمن { كفى } معنى اكتف فالباء كما قال
~~اللقاني معدية لا زائدة، قال ابن هشام في «المغني»: وهو من الحسن بمكان
~~ويصححه قولهم: اتقى الله تعالى امرؤ فعل خيرا يثب عليه أي ليتق بدليل
~~جزم يثب ويوجبه قولهم: كفى بهند بترك التاء / فإن احتج بالفاصل فهو مجوز
~~لا موجب بدليل

# وما تسقط من ورقة

# [الأنعام: 59] فإن عورض بأحسن بهند فالتاء لا تلحق صيغ الأمر وإن كان
~~معناها الخبر اه. وتعقب ذلك الشيخ يس الحمصي في «حواشيه ms08133 على التصريح»
~~فقال: أقول تفسير { كفى } على هذا القول باكتف غير صحيح إذ فاعل {
~~كفى } حينئذ ضمير المخاطب، و { كفى } ماض وهو لا يرفع ضمير المخاطب
~~المستتر اه وفيه بعد بحث لا يخفى على المتأمل.

# وظن بعض الناس أن { كفى } على هذا القول اسم فعل أمر يخاطب به المفرد
~~المذكر وغيره نحو حي في حي على الصلاة فالمعنى هنا اكتفوا بالله، وأنت
~~تعلم أن هذا بعيد الإرادة من كلام الزجاج ويأباه كلام ابن هشام، وقال ابن
~~السراج: الفاعل ضمير الاكتفاء، قال ابن هشام: وصحة قوله موقوفة على جواز
~~تعلق الجار بضمير المصدر وهو قول الفارسي والرماني أجازوا مروري بزيد حسن
~~وهو بعمرو قبيح، وأجاز الكوفيون إعماله في الظرف وغيره، ومنع جمهور
~~البصريين إعماله مطلقا اه.

# وتعقب ذلك ابن الصائغ فقال: لا نسلم توقف الصحة على ذلك لجواز أن تكون
~~الباء للحال، وعليه يكون المعنى كفى هو أي الاكتفاء حال كونه ملتبسا
~~بالله تعالى، ولا يخفى أنه ما لم يبطل هذا القول لا يتم ما ادعاه ابن
~~هشام من أن ترك التاء في كفى بهند يوجب كون كفى مضمنا معنى اكتفى فتدبر.

# { والذين ءامنوا بالبطل } قال ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما: أي بغير الله عز وجل وهو شامل لنحو عيسى والملائكة عليهم السلام.
~~والباطل في الحقيقة عبادتهم وليس الباطل هنا مثله في قول حسان:

# ألا كل شيء ما خلا الله باطل

# وقال مقاتل: أي بعبادة الشيطان، وقيل: أي بالصنم { وكفروا
~~بالله } مع تعاضد موجبات الإيمان به عز وجل { أولئك هم
~~الخسرون } المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان
~~فاستوجبوا العقاب يوم الحساب، وفي الكلام على ما قيل: استعارة مكنية شبه
~~استبدال الكفر بالإيمان المستلزم للعقاب باشتراء مستلزم للخسران، وفي
~~الخسران استعارة تخييلية هي قرينتها لأن الخسران متعارف في التجارات،
~~وهذا الكلام ورد مورد الإنصاف حيث لم يصرح بأنهم المؤمنون بالباطل
~~الكافرون بالله عز وجل بل أبرزه في معرض العموم ليهجم به التأمل على
~~المطلوب فهو كقوله تعالى:

# إنا أو إياكم ms08134 لعلى هدى أو فى ضلل مبين

# [سبأ: 24] وكقول حسان:

# فشركما لخيركما الفداء

# وهذا من قبيل المجادلة بالتي هي أحسن.

### || [29.53]

# { ويستعجلونك } أي ويستعجلك كفار قريش { بالعذاب } على
~~طريقة الاستهزاء والتعجيز والتكذيب به بقوله:

# متى هذا الوعد

# [يونس: 48] وقولهم:

# فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا
~~بعذاب

# [الأنفال: 32] ونحو ذلك { ولولا أجل مسمى } قد ضربه الله
~~تعالى لعذابهم وسماه وأثبته في اللوح { لجاءهم العذاب } المعين
~~لهم حسبما استعجلوا به، وقال ابن جبير: المراد بالأجل يوم القيامة لما
~~روي أنه تعالى وعد رسوله صلى الله عليه وسلم أن لا يعذب قومه بعذاب
~~الاستئصال وأن يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة، وقال ابن سلام: والمراد به
~~أجل ما بين النفختين، وقيل: يوم بدر، وقيل: وقت فنائهم بآجالهم، وفيه بعد
~~ظاهر لما أنهم ما كانوا يوعدون بفنائهم الطبيعي ولا كانوا يستعجلون به.

# { وليأتينهم } جملة مستأنفة مبينة لما أشير إليه في الجملة
~~السابقة من مجيء العذاب عند حلول الأجل، أي وبالله تعالى ليأتينهم العذاب
~~الذي عين لهم عند حلول الأجل { بغتة } / أي فجأة { وهم لا
~~يشعرون } أي بإتيانه، ولعل المراد بإتيانه كذلك أنه لا يكون بطريق
~~التعجيل عند استعجالهم والإجابة إلى مسؤولهم فإن ذلك إتيان برأيهم
~~وشعورهم لا أنه يأتيهم وهم قارون آمنون لا يحظرونه بالبال كدأب بعض
~~العقوبات النازلة على بعض الأمم بياتا وهم نائمون أو ضحى وهم يلعبون لما
~~أن إتيان عذاب الآخرة وعذاب يوم بدر ليس من هذا القبيل قاله بعضهم، وقال
~~آخرون: إتيانه كذلك من حيث أنه غير متوقع لهم وإتيان عذاب الآخرة ونحوه
~~كذلك لإنكارهم البعث، وكذا عذاب القبر أو اعتقادهم شفاعة آلهتهم لهم في
~~دفع العذاب عنهم، وكذا إتيان عذاب يوم بدر لأنهم لغرورهم كانوا لا
~~يتوقعون غلبة المسلمين ولا تخطر لهم ببال على ما بين في السير.

### || [29.54]

# استئناف مسوق لغاية تجهيلهم وركاكة رأيهم وهو ظاهر في أن ما استعجلوه
~~عذاب الآخرة، وجملة { إن جهنم } الخ في موضع الحال أي يستعجلونك
~~بالعذاب والحال أن محل العذاب الذي لا عذاب ms08135 فوقه محيط بهم كأنه قيل:
~~يستعجلونك بالعذاب وإن العذاب لمحيط بهم أي سيحيط بهم على إرادة المستقبل
~~من اسم الفاعل، أو كالمحيط بهم الآن لإحاطة الكفر والمعاصي الموجبة إياه
~~بهم على أن في الكلام تشبيها بليغا أو استعارة أو مجازا مرسلا أو
~~تجوزا في الإسناد، وقيل: إن الكفر والمعاصي هي النار في الحقيقة لكنها
~~ظهرت في هذه النشأة بهذه الصورة، والمراد بالكافرين المستعجلون، ووضع
~~الظاهر موضع الضمير للإشعار بعلة الحكم أو جنس الكفرة وهم داخلون فيه
~~دخولا أوليا.

### || [29.55]

# { يوم يغشاهم العذاب } ظرف لمضمر قد طوي ذكره إيذانا بغاية
~~كثرته وفظاعته كأنه قيل: يوم يأتيهم ويجللهم العذاب الذي أشير إليه
~~بإحاطة جهنم بهم يكون من الأحوال والأهوال ما لا يفي به المقال، وقيل:
~~ظرف لمحيطة على معنى وإن جهنم ستحيط بالكافرين يوم يغشاهم العذاب { من
~~فوقهم ومن تحت أرجلهم } أي من جميع جهاتهم فما ذكر
~~للتعميم كما في الغدو والآصال، قيل: وذكر الأرجل للدلالة على أنهم لا
~~يقرون ولا يجلسون وذلك أشد العذاب { ويقول } أي الله عز وجل، وقيل:
~~الملك الموكل بهم. وقرأ ابن كثير وابن عامر والبصريون { ونقول } بنون
~~العظمة وهو ظاهر في أن القائل هو الله تعالى. وقرأ أبو البرهسم {
~~وتقول } بالتاء على أن القائل جهنم، ونسب القول إليها هنا كما نسب في
~~قوله تعالى:

# وتقول هل من مزيد

# [ق: 30] وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة { ويقال } مبنيا للمفعول {
~~ذوقوا ما كنتم تعملون } أي جزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا
~~على الاستمرار من السيئات التي من جملتها الاستعجال بالعذاب.

### || [29.56]

# نزلت على ما روي عن مقاتل والكلبي في المستضعفين من المؤمنين بمكة
~~أمروا بالهجرة عنها وعلى هذا أكثر المفسرين، وعمم بعضهم الحكم في كل من
~~لا يتمكن من إقامة أمور الدين كما ينبغي في أرض لممانعة من جهة الكفرة أو
~~غيرهم فقال: تلزمه الهجرة إلى أرض يتمكن فيها من ذلك، وروي هذا عن ابن
~~جبير وعطاء ومجاهد ومالك بن أنس، وقال مطرف بن الشخير: إن الآية عدة منه ms08136
~~تعالى بسعة الرزق في جميع الأرض، وعلى القولين فالمراد بالأرض / الأرض
~~المعروفة، وعن الجبائي أن الآية عدة منه عز وجل بإدخال الجنة لمن أخلص له
~~سبحانه العبادة وفسر الأرض بأرض الجنة، والمعول عليه ما تقدم.

# والفاء في { فإيي } فاء التسبب عن قوله تعالى: { إن أرضى
~~واسعة } كما تقول: إن زيدا أخوك فأكرمه وكذلك لو قلت: إنه أخوك فإن
~~أمكنك فأكرمه، و { إياي } معمول لفعل محذوف يفسره المذكور، ولا يجوز أن
~~يكون معمولا له لاشتغاله بضميره وذلك المحذوف جزاء لشرط حذف وعوض عنه
~~هذا المعمول، والفاء في { فاعبدون } هي الفاء الواقعة في الجزاء إلا
~~أنه لما وجب حذفه جعل المفسر المؤكد له قائما مقامه لفظا وأدخل الفاء
~~عليه إذ لا بد منها للدلالة على الجزاء، ولا تدخل على معمول المحذوف أعني
~~إياي وإن فرض خلوه عن فاء لتمحضه عوضا عن فعل الشرط فتعين الدخول على
~~المفسر؛ وأيضا ليطابق المذكور المحذوف من كل وجه، ولزم أن يقدر الفعل
~~المحذوف العامل في { إياي } مؤخرا لئلا يفوت التعويض عن فعل الشرط مع
~~إفادة ذلك معنى الاختصاص والإخلاص، فالمعنى إن أرضي واسعة فإن لم تخلصوا
~~لي العبادة في أرض فأخلصوها لي في غيرها، وجعل الشرط إن لم تخلصوا لدلالة
~~الجواب المذكور عليه، ولا منع من أن تكون الفاء الأولى واقعة في جواب شرط
~~آخر ترشيحا للسببية على معنى أن أرضي واسعة وإذا كان كذلك فإن لم تخلصوا
~~لي الخ، وقيل: الفاء الأولى جواب شرط مقدر وأما الثانية فتكرير ليوافق
~~المفسر المفسر، فيقال حينئذ: المعنى إن أرضي واسعة إن لم تخلصوا لي
~~العبادة في أرض فأخلصوها لي في غيرها، وتكون جملة الشرط المقدرة أعني إن
~~لم تخلصوا الخ مستأنفة عرية عن الفاء، وما تقدم أبعد مغزى. وجعل بعض
~~المحققين الفاء الثانية لعطف ما بعدها على المقدر العامل في { إياي }
~~قصدا لنحو الاستيعاب كما في خذ الأحسن فالأحسن. وتعقب بأنه حينئذ لا
~~يصلح المذكور مفسرا لعدم جواز تخلل العاطف بين مفسر ومفسر البتة، وأما
~~ما ذكره الإمام ms08137 السكاكي في قوله تعالى:

# فإيي فارهبون

# [البقرة: 40] من أن الفاء عاطفة والتقدير فإياي ارهبوا فارهبون فإنه
~~أراد به أنها في الأصل كذلك لا في الحال على ما حققه صاحب «الكشف»، هذا
~~وقد أطالوا الكلام في هذا المقام وقد ذكرنا نبذة منه في أوائل تفسير سورة
~~البقرة فراجعه مع ما هنا وتأمل والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

### || [29.57]

# جملة مستأنفة جىء بها حثا على إخلاص العبادة والهجرة لله تعالى حيث
~~أفادت أن الدنيا ليست دار بقاء وأن وراءها دار الجزاء أي كل نفس من
~~النفوس واجدة مرارة الموت ومفارقة البدن البتة فلا بد أن تذوقوه ثم
~~ترجعون إلى حكمنا وجزائنا بحسب أعمالكم فمن كانت هذه عاقبته فلا بد له من
~~التزود والاستعداد، وفي قوله تعالى: { ذائقة الموت } استعارة
~~لتشبيه الموت بأمر كريه الطعم مره، والعدول عن تذوق الموت للدلالة على
~~التحقق، و { ثم } للتراخي الزماني أو الرتبي.

# وقرأ أبو حيوة { ذائقة } بالتنوين { الموت } بالنصب، وقرأ علي
~~كرم الله تعالى وجهه { ترجعون } مبنيا للفاعل، وروى عاصم {
~~يرجعون } بياء الغيبة.

### || [29.58]

# { والذين ءامنوا وعملوا الصلحات } أي لننزلنهم على
~~وجه الإقامة، وجملة القسم وجوابه خبر المبتدأ أعني { الذين } ورد به
~~وبأمثاله على ثعلب المانع من وقوع جملة القسم والمقسم عليه خبرا
~~للمبتدأ، وقوله تعالى: { من الجنة غرفا } أي علالي وقصورا
~~جليلة لا قصور فيها، وهي على ما روي عن ابن عباس من الدر والزبرجد
~~والياقوت، مفعول ثان للتبوئة.

# / وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وعبد الله والربيع بن خيثم وابن وثاب.
~~وطلحة وزيد بن علي وحمزة والكسائي { لنثوينهم } بالثاء المثلثة الساكنة
~~بعد النون وإبدال الهمزة ياء من الثواء بمعنى الإقامة فانتصاب { غرفا
~~} حينئذ إما بإجرائه مجرى لننزلنهم فهو مفعول به له أو بنزع الخافض على
~~أن أصله بغرف فلما حذف الجار انتصب أو على أنه ظرف والظرف المكاني إذا
~~كان محدودا كالدار والغرفة لا يجوز نصبه على الظرفية إلا أنه أجري هنا
~~مجرى المبهم توسعا كما في قوله تعالى:

# لأقعدن لهم صرطك المستقيم ms08138

# [الأعراف: 16] على ما فصل في النحو. وروي عن ابن عامر أنه قرأ {
~~غرفا } بضم الراء.

# { تجرى من تحتها الأنهر } صفة لغرفا { خلدين
~~فيها } أي في الغرف، وقيل: في الجنة { نعم أجر العملين }
~~أي الأعمال الصالحة والمخصوص بالمدح محذوف ثقة بدلالة ما قبله عليه أي
~~نعم أجري العاملين الغرف أو أجرهم، ويجوز كون التمييز محذوفا أي نعم
~~أجرا أجر العاملين. وقرأ ابن وثاب { فنعم } بفاء الترتيب.

### || [29.59]

# { الذين صبروا } صفة للعاملين أو خبر مبتدأ محذوف، أو نصب على
~~المدح أي صبروا على أذية المشركين وشدائد المهاجرة وغير ذلك من المحن
~~والمشاق { وعلى ربهم يتوكلون } أي ولم يتوكلوا فيما يأتون
~~ويذرون إلا على الله تعالى.

### || [29.60]

# { وكأين من دآبة لا تحمل رزقها } روي أن النبي
~~صلى الله عليه وسلم لما أمر المؤمنين الذين كانوا بمكة بالمهاجرة إلى
~~المدينة قالوا: كيف نقدم بلدة ليس لنا فيها معيشة؟ فنزلت، أي وكم من دابة
~~لا تطيق حمل رزقها لضعفها أو لا تدخره وإنما تصبح ولا معيشة عندها. عن
~~ابن عيينة ليس شيء يخبأ إلا الإنسان والنملة والفأرة، وعن ابن عباس لا
~~يدخر إلا الآدمي والنمل والفأرة والعقعق ويقال: للعقعق مخابي إلا أنه
~~ينساها، وعن بعضهم رأيت البلبل يحتكر في حضنيه والظاهر عدم صحته، وذكر لي
~~بعضهم أن أغلب الكوامن من الطير يدخر والله تعالى أعلم بصحته.

# { الله يرزقها وإيكم } ثم إنها مع ضعفها وتوكلها وإياكم
~~مع قوتكم واجتهادكم سواء في أنه لا يرزقها وإياكم إلا الله تعالى لأن رزق
~~الكل بأسباب هو عز وجل المسبب لها وحده فلا تخافوا على معاشكم بالمهاجرة
~~ولما كان المراد إزالة ما في أوهامهم من الهجرة على أبلغ وجه قيل: {
~~يرزقها وإياكم } دون يرزقكم وإياها { وهو السميع }
~~المبالغ في السمع فيسمع قولكم هذا { العليم } المبالغ في العلم فيعلم
~~ما انطوت عليه ضمائركم.

### || [29.61]

# { ولئن سألتهم } أي أهل مكة { من خلق السموات
~~والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله } إذ
~~لا سبيل لهم إلى إنكاره ولا التردد فيه، والاسم الجليل مرفوع على ms08139
~~الابتداء والخبر محذوف لدلالة السؤال عليه أو على الفاعلية لفعل محذوف
~~لذلك أيضا { فأنى يؤفكون } إنكار واستبعاد من جهته تعالى
~~لتركهم العمل بموجبه، والفاء للترتيب أو واقعة في جواب شرط مقدر أي إذا
~~كان الأمر كذلك فكيف يصرفون عن الإقرار بتفرده عز وجل في الألوهية مع
~~إقرارهم بتفرده سبحانه فيما ذكر من الخلق والتسخير. وقدر بعضهم الشرط فإن
~~صرفهم الهوى والشيطان لمكان بناء { يؤفكون } للمفعول، ولعل ما
~~ذكرناه أولى.

### || [29.62]

# { الله يبسط الرزق لمن يشاء } أن يبسطه له لا غيره {
~~من عباده ويقدر له } أي يضيق عليه، والضمير / عائد على {
~~من يشآء } الذي يبسط له الرزق أي عائد عليه مع ملاحظة متعلقه فيكون
~~المعنى أنه تعالى شأنه يوسع على شخص واحد رزقه تارة ويضيقه عليه أخرى،
~~والواو لمطلق الجمع فقد يتقدم التضييق على التوسيع أو عائد على { من
~~يشآء } بقطع النظر عن متعلقه فالمراد من يشاء آخر غير المذكور فهو نظير
~~عندي درهم ونصفه أي نصف درهم آخر، وهذا قريب من الاستخدام، فالمعنى أنه
~~تعالى شأنه يوسع على بعض الناس ويضيق على بعض آخر، وقرأ علقمة {
~~ويقدر } بضم الياء وفتح القاف وشد الدال { أن الله بكل
~~شىء عليم } فيعلم أن كلا من البسط والقدر في أي وقت يوافق الحكمة
~~والمصلحة فيفعل كلا منهما في وقته أو فيعلم من يليق ببسط الرزق فيبسطه
~~له ومن يليق بقدره له فيقدر له، وهذه الآية أعني قوله تعالى: { الله
~~يبسط } الخ تكميل لمعنى قوله سبحانه:

# الله يرزقها وإياكم

# [العنكبوت: 60] لأن الأول كلام في المرزوق وعمومه وهذا كلام في الرزق
~~وبسطه وقتره، وقوله سبحانه:

# ولئن سألتهم

# [العنكبوت: 61] الخ معترض لتوكيد معنى الآيتين وتعريض بأن الذين اعتمدتم
~~عليهم في الرزق مقرون قدرتنا وبقوتنا كقوله تعالى:

# إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين

# [الذاريات: 58] قاله العلامة الطيبي. وقال صاحب «الكشف» قدس سره: اعترض
~~ليفيد أن الخالق هو الرزاق وأن من أفاض ابتداء وأوجد أولى أن يقدر على
~~الإبقاء وأكد به ما ضمن في قوله عز وجل:

# وعلى ms08140 ربهم يتوكلون

# [العنكبوت: 59].

### || [29.63]

# { ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا
~~به الأرض من بعد موتها ليقولن الله } معترفين بأنه
~~عز وجل الموجد للممكنات بأسرها أصولها وفروعها ثم إنهم يشركون به سبحانه
~~بعض مخلوقاته الذي لا يكاد يتوهم منه القدرة على شيء ما أصلا { قل
~~الحمد لله } على إظهار الحجة واعترافهم بما يلزمهم، وقيل: حمده
~~عليه الصلاة والسلام على العصمة مما هم عليه من الضلال حيث أشركوا مع
~~اعترافهم بأن أصول النعم وفروعها منه جل جلاله فيكون كالحمد عند رؤية
~~المبتلى، وقيل: يجوز أن يكون حمدا على هذا وذاك { بل أكثرهم لا
~~يعقلون } ما يقولون وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة
~~التوحيد أو لا يعقلون شيئا من الأشياء فلذلك لا يعملون بمقتضى قولهم هذا
~~فيشركون به سبحانه أخس مخلوقاته، قيل: إضراب عن جهلهم الخاص في الإتيان
~~بما هو حجة عليهم إلى أن ذلك لأنهم مسلوبو العقول فلا يبعد عنهم مثله،
~~وقوله تعالى: { قل الحمد لله } معترض وجعله الزمخشري في سورة
~~لقمان إلزاما وتقريرا لاستحقاقه تعالى العبادة، وقيل: { لا
~~يعقلون } ما تريد بتحميدك عند مقالهم ذلك، ولم يرتضه بعض المحققين
~~لخفائه وقلة جدواه وتكلف توجيه الإضراب فيه.

### || [29.64]

# { وما هذه الحيوة الدنيا } إشارة تحقير وكيف لا والدنيا
~~لا تزن عند الله تعالى جناح بعوضة، فقد أخرج الترمذي عن سهل بن سعد قال:
~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " لو كانت الدنيا تعدل عند الله تعالى جناح بعوضة ما سقى كافرا منها
~~شربة ماء "

# وقال بعض العارفين: الدنيا أحقر من ذراع خنزير ميت بال عليها كلب بيد
~~مجذوم، ويعلم مما ذكر حقارة ما فيها من الحياة بالطريق الأولى { إلا
~~لهو ولعب } أي إلا كما يلهو ويلعب به الصبيان يجتمعون عليه
~~ويبتهجون به ساعة ثم يتفرقون عنه، وهذا من التشبيه البليغ { وإن
~~الدار الأخرة لهى الحيوان } أي لهي دار الحياة الحقيقية
~~إذ لا يعرض الموت والفناء لمن فيها أو هي ذاتها حياة للمبالغة، و {
~~الحيوان } مصدر حي سمي به ms08141 ذو الحياة في غير هذا المحل، وأصله حييان
~~فقلبت الياء الثانية واوا على خلاف القياس فلامه ياء وإلى ذلك ذهب
~~سيبويه. وقيل: إن لامه واو نظرا إلى ظاهر الكلمة وإلى حياة علم رجل، ولا
~~حجة على كونه ياء في حي لأن الواو في مثله تبدل ياء لكسر ما قبلها نحو
~~شقي من الشقوة، وهو أبلغ من الحياة لما في بناء فعلان من معنى الحركة
~~والاضطراب اللازم للحياة ولذلك اختير عليها في هذا المقام المقتضي
~~للمبالغة وقد علمتها في وصف الحياة الدنيا المقابلة للدار الآخرة { لو
~~كانوا يعلمون } شرط جوابه محذوف أي لو كانوا يعلمون لما آثروا
~~عليها الدنيا التي أصلها عدم الحياة، ثم ما يحدث فيها من الحياة فيها
~~عارضة سريعة الزوال وشيكة الاضمحلال وكون { لو } للتمني بعيد.

### || [29.65]

# { فإذا ركبوا فى الفلك } متصل بما دل عليه شرح حالهم،
~~والركوب الاستعلاء على الشيء المتحرك وهو متعد بنفسه كما في

# لتركبوها

# [النحل: 8] واستعماله ههنا وفي أمثاله نفي للإيذان بأن المركوب في نفسه
~~من قبيل الأمكنة وحركته قسرية غير إرادية، والفاء للتعقيب وفي الكلام
~~معنى الغاية فكأنه قيل: هم مصروفون عن توحيد الله تعالى مع إقرارهم بما
~~يقتضيه لاهون بما هو سريع الزوال ذاهلون عن الحياة الأبدية حتى إذا ركبوا
~~في الفلك ولقوا الشدائد { دعوا الله مخلصين له الدين }
~~أي كائنين في صورة من أخلص دينه وملته أو طاعته من المؤمنين حيث لا
~~يذكرون إلا الله تعالى ولا يدعون سواه سبحانه لعلمهم بأنه لا يكشف
~~الشدائد إلا هو عز وجل، وفيه تهكم به سواء أريد بالدين الملة أو الطاعة
~~أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأنهم لا يستمرون على هذه الحال
~~فهي قبيحة باعتبار المآل { فلما نجاهم إلى البر إذا هم
~~يشركون } أي فاجؤوا المعاودة إلى الشرك ولم يتأخروا عنها ولا وقتا.

### || [29.66]

# { ليكفروا بما ءاتينهم وليتمتعوا } الظاهر أن
~~اللام في الموضعين لام كي، أي يشركون ليكونوا كافرين بما آتيناهم من نعمة
~~النجاة بسبب شركهم وليتمتعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام وتوادهم ms08142 عليها
~~فالشرك سبب لهذا الكفران، وأدخلت لام كي على مسببه لجعله كالغرض لهم منه
~~فهي لام العاقبة في الحقيقة، وقيل: اللام فيهما لام الأمر والأمر
~~بالكفران والتمتع مجاز في التخلية والخذلان والتهديد كما تقول عند الغضب
~~على من يخالفك: افعل ما شئت، ويؤيده قراءة ابن كثير والأعمش وحمزة
~~والكسائي { وليتمتعوا } بسكون اللام فإن لام كي لا تسكن، وإذا
~~كانت الثانية لذلك لام الأمر فالأولى مثلها ليتضح العطف، وتخالفهما محوج
~~إلى التكلف بأن يكون المراد كما قال أبو حيان عطف كلام على كلام لا عطف
~~فعل على فعل، وقوله تعالى: { فسوف يعلمون } أي عاقبة ذلك حين
~~يعاقبون عليه يوم القيامة مؤيد للتهديد.

### || [29.67]

# { أولم يروا } ألم ينظروا أولم يشاهدوا { أنا جعلنا }
~~أي بلدهم { حرما } مكانا حرم فيه كثير مما ليس بمحرم في غيره من
~~المواضع { ءامنا } أهله عما يسوءهم من السبي والقتل على أن أمنه
~~كناية عن أمن أهله أو على أن الإسناد مجازي أو على أن في الكلام مضافا
~~مقدرا، وتخصيص أهل مكة وأن أمن كل من فيه حتى الطيور والوحوش لأن
~~المقصود الامتنان عليهم ولأن ذلك مستمر في حقهم. وأخرج جويبر عن الضحاك
~~عن ابن عباس أن أهل مكة قالوا: يا محمد ما يمنعنا أن ندخل في دينك إلا
~~مخافة أن يتخطفنا الناس لقلتنا والعرب أكثر منا فمتى بلغهم أنا قد دخلنا
~~في دينك اختطفنا فكلنا أكلة رأس فأنزل الله تعالى: { أولم يروا
~~أنا جعلنا حرما ءامنا }.

# { ويتخطف الناس من حولهم } يختلسون من حولهم قتلا
~~وسبيا إذ كانت العرب حوله في تغاور وتناهب، والظاهر أن الجملة حالية
~~بتقدير مبتدأ أي وهم يتخطف الخ { أفبالبطل يؤمنون } أن
~~أبعد ظهور الحق الذي لا ريب فيه أو أبعد هذه النعمة المكشوفة وغيرها
~~بالصنم، وقيل: بالشيطان يؤمنون { وبنعمة الله يكفرون } وهي
~~المستوجبة للشكر حيث يشركون به تعالى غيره سبحانه، وتقديم الصلة في
~~الموضعين للاهتمام بها لأنها مصب الإنكار أو للاختصاص على طريق المبالغة
~~لأن الإيمان إذا لم يكن خاصا لا يعتد به ولأن ms08143 كفران غير نعمته عز وجل
~~بجنب كفرانها لا يعد كفرانا. وقرأ السلمي والحسن { تؤمنون } و {
~~تكفرون } بتاء الخطاب فيهما.

### || [29.68]

# { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } بأن زعم
~~أن له سبحانه شريكا وكونه كذبا على الله تعالى لأنه في حقه فهو كقولك:
~~كذب على زيد إذا وصفه بما ليس فيه { أو كذب بالحق } يعني
~~الرسول أو الكتاب { لما جاءه } أي حين مجيئه إياه، وفيه تسفيه لهم
~~حيث لم يتأملوا ولم يتوقفوا حين جاءهم بل سارعوا إلى التكذيب أول ما
~~سمعوه.

# { أليس فى جهنم مثوى للكفرين } أي ثواء وإقامة لهم
~~أو مكان يثوون فيه ويقيمون، والكلام على كلا الوجهين تقرير لثوائهم في
~~جهنم لأن الاستفهام فيه معنى النفي وقد دخل على نفي، ونفي النفي إثبات
~~كما في قول جرير:

# ألستم خير من ركب المطايا

# وأندى العالمين بطون راح

# أي ألا يستوجبون اللثواء أو المكان الذي يثوى فيه فيها وقد افتروا مثل
~~هذا الكذب على الله تعالى وكذبوا بالحق مثل هذا التكذيب أو إنكار
~~واستبعاد لاجترائهم على ما ذكر من الافتراء والتكذيب مع علمهم بحال
~~الكفرة أي ألم يعلموا أن في جهنم مثوى للكافرين حتى اجترؤا هذه الجرأة،
~~وجعلهم عالمين بذلك لوضوحه وظهوره فنزلوا منزلة العالم به، والتعريف في {
~~الكفرين } على الأول: للعهد فالمراد بهم أولئك المحدث عنهم وهم
~~أهل مكة، وأقيم الظاهر مقام الضمير لتعليل استيجابهم المثوى، ولا ينافي
~~كون ظاهره أن العلة افتراؤهم وتكذيبهم لأنه لا يغايره والتعليل يقبل
~~التعدد، وعلى الثاني: للجنس فالمراد مطلق جنس الكفرة ويدخل أولئك فيه
~~دخولا أوليا برهانيا.

### || [29.69]

# { والذين جهدوا فينا } في شأننا ومن أجلنا ولوجهنا خالصا
~~ففيه مضاف مقدر، وقيل: لا حاجة إلى التقدير بحمل الكلام على المبالغة
~~بجعل ذات الله سبحانه مستقرا للمجاهدة وأطلقت المجاهدة لتعم مجاهدة
~~الأعادي الظاهرة والباطنة بأنواعهما { لنهدينهم سبلنا } سبل
~~السير إلينا والوصول إلى جنابنا، والمراد نزيدنهم هداية إلى سبل الخير
~~وتوفيقا لسلوكها فإن الجهاد هداية أو مرتب عليها، وقد قال تعالى:

# والذين اهتدوا زادهم هدى

# [محمد: ms08144 17] وفي الحديث

# " من عمل بما علم ورثه الله تعالى علم ما لم يعلم "

# ومن الناس من أول { جهدوا } بأرادوا الجهاد وأبقى {
~~لنهدينهم } على ظاهره، وقال السدي: المعنى والذين جاهدوا
~~بالثبات على الإيمان لنهدينهم سبلنا إلى الجنة، وقيل: المعنى والذين
~~جاهدوا في الغزو لنهدينهم سبل الشهادة والمغفرة، وما ذكر أولا أولى،
~~والموصول مبتدأ وجملة القسم وجوابه خبره نظير ما مر من قوله:

# والذين ءامنوا وعملوا الصلحت لنبوئنهم
~~من الجنة غرفا

# [العنكبوت: 58].

# / { وإن الله } المتصف بجميع صفات الكمال الذي بلغت عظمته في
~~القلوب ما بلغت { لمع المحسنين } معية النصرة والمعونة وتقدم
~~الجهاد المحتاج لهما قرينة قوية على إرادة ذلك، وقال العلامة الطيبي: إن
~~قوله تعالى: { لمع المحسنين } قد طابق قوله سبحانه: {
~~جهدوا } لفظا ومعنى، أما اللفظ فمن حيث الإطلاق في المجاهدة
~~والمعية، وأما المعنى فالمجاهد للأعداء يفتقر إلى ناصر ومعين، ثم إن جملة
~~قوله عز وجل: { إن الله لمع المحسنين } تذييل للآية مؤكد
~~بكلمتي التوكيد محلى باسم الذات ليؤذن بأن من جاهد بكليته وشراشره في
~~ذاته جل وعلا تجلى له الرب عز اسمه الجامع في صفة النصرة والإعانة تجليا
~~تاما.

# ثم إن هذه خاتمة شريفة للسورة لأنها مجاوبة لمفتتحها ناظرة إلى فريدة
~~قلادتها

# أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا
~~يفتنون

# [العنكبوت: 2] لامحة إلى واسطة عقدها

# يعبادى الذين ءامنوا إن أرضى واسعة فإياى
~~فاعبدون

# [العنكبوت: 56] وهي في نفسها جامعة فاذة اه.

# و { ءال } في المحسنين يحتمل أن تكون للعهد فالمراد بالمحسنين الذين
~~جاهدوا، ووجه إقامة الظاهر مقام الضمير ظاهر وإلى ذلك ذهب الجمهور،
~~ويحتمل أن يكون للجنس فالمراد بهم مطلق جنس من أتى بالأفعال الحسنة ويدخل
~~أولئك دخولا أوليا برهانيا. وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~أنه فسر { المحسنين } بالموحدين وفيه تأييد ما للاحتمال الثاني
~~والله تعالى أعلم.

# ومن باب الإشارة في الآيات:

# أحسب الناس أن يتركوا

# [العنكبوت: 2] الآية قال ابن عطاء: ظن الخلق أنهم يتركون مع دعاوى
~~المحبة ولا يطالبون بحقائقها وهي صب البلاء على المحب ms08145 وتلذذه بالبلاء
~~الظاهر والباطن، وهذا كما قال العارف ابن الفارض قدس سره:

# وتعذيبكم عذب لدي وجوركم

# علي بما يقضي الهوى لكم عدل

# وذكروا أن المحبة والمحنة توأمان وبالامتحان يكرم الرجل أو يهان

# ومن الناس من يقول ءامنا بالله فإذا أوذى فى
~~الله جعل فتنة الناس كعذاب الله

# [العنكبوت: 10] إشارة إلى حال الكاذبين في دعوى المحبة وهم الذين يصرفون
~~عنها بأذى الناس لهم

# إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم
~~رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا
~~له إليه ترجعون

# [العنكبوت: 17] قال ابن عطاء: أي اطلبوا الرزق بالطاعة والإقبال على
~~العبادة، وقال سهل: اطلبوه في التوكل لا في المكسب فإن طلب الرزق فيه
~~سبيل العوام

# وقال إنى مهاجر إلى ربى

# [العنكبوت: 26] أي مهاجر من نفسي ومن الكون إليه عز وجل، وقال ابن عطاء:
~~أي راجع إلى ربي من جميع مالي وعلي، والرجوع إليه عز وجل بالانفصال عما
~~دونه سبحانه، ولا يصح لأحد الرجوع إليه تعالى وهو متعلق بشيء من الكون بل
~~لا بد أن ينفصل من الأكوان أجمع

# وتأتون فى ناديكم المنكر

# [العنكبوت: 29] سئل الجنيد قدس سره عن هذه الآية فقال: كل شيء يجتمع
~~الناس عليه إلا الذكر فهو منكر

# مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل
~~العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت
~~العنكبوت

# [العنكبوت: 41] أشار سبحانه وتعالى إلى من اعتمد على غير الله عز وجل في
~~أسباب الدنيا والآخرة فهو منقطع عن مراده غير واصل إليه، قال ابن عطاء:
~~من اعتمد شيئا سوى الله تعالى كان هلاكه في نفس ما اعتمد عليه، ومن اتخذ
~~سواه عز وجل ظهيرا قطع عن نفسه سبيل العصمة ورد إلى حوله وقوته.

# وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا
~~العلمون

# [العنكبوت: 43] فيه إشارة إلى أن دقائق المعارف لا يعرفها إلا أصحاب
~~الأحوال العالمون به تعالى وبصفاته وسائر شؤونه سبحانه لأنهم علماء
~~المنهج، وذكر أن العالم على الحقيقة من / يحجزه علمه عن كل ما يبيحه
~~العلم الظاهر، وهذا هو المؤيد عقله بأنوار ms08146 العلم اللدني

# إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر

# [العنكبوت: 45] ذكر أن حقيقة الصلاة حضور القلب بنعت الذكر والمراقبة
~~بنعت الفكر فالذكر في الصلاة يطرد الغفلة التي هي الفحشاء والفكر يطرد
~~الخواطر المذمومة وهي المنكر، هذا في الصلاة وبعدها تنهى هي إذا كانت
~~صلاة حقيقية وهي التي انكشف فيها لصاحبها جمال الجبروت وجلال الملكوت
~~وقرت عيناه بمشاهدة أنوار الحق جل وعلا عن رؤية الأعمال والأعواض، وقال
~~جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: الصلاة إذا كانت مقبولة تنهى عن مطالعات
~~الأعمال والأعواض

# ولذكر الله أكبر

# [العنكبوت: 45] قال ابن عطاء: أي ذكر الله تعالى لكم أكبر من ذكركم له
~~سبحانه لأن ذكره تعالى بلا علة وذكركم مشوب بالعلل والأماني والسؤال،
~~وأيضا ذكره تعالى صفته وذكركم صفتكم ولا نسبة بين صفة الخالق جل شأنه
~~وبين صفة المخلوق وأين التراب من رب الأرباب

# بل هو ءايت بينت فى صدور الذين أوتوا
~~العلم

# [العنكبوت: 49] فيه إشارة إلى أن عرائس حقائق القرآن لا تنكشف إلا
~~لأرواح المقربين من العارفين والعلماء الربانيين لأنها أماكن أسرار
~~الصفات وأوعية لطائف كشوف الذات، قال الصادق على آبائه وعليه السلام: لقد
~~تجلى الله تعالى في كتابه لعباده ولكن لا يبصرون

# يعبادى الذين ءامنوا إن أرضى واسعة فإياى
~~فاعبدون

# [العنكبوت: 56] قال سهل: إذا عمل بالمعاصي والبدع في أرض فاخرجوا منها
~~إلى أرض المطيعين، وكأن هذا لئلا تنعكس ظلمة معاصي العاصين على قلوب
~~الطائعين فيكسلوا عن الطاعة، وذكروا أن سفر المريد سبب للتخلية والتحلية،
~~وإليه الإشارة بما أخرجه الطبراني والقضاعي، والشيرازي في «الألقاب»،
~~والخطيب وابن النجار والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " سافروا تصحوا وتغنموا كل نفس ذائقة الموت فلا يمنعنكم خوف الموت من
~~السفر "

# وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها
~~وإياكم

# [العنكبوت: 60] فلا يمنعنكم عنه فقد الزاد أو العجز عن حمله {
~~والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } قال ابن
~~عطاء: أي الذين جاهدوا في رضانا لنهدينهم إلى محل الرضا، والمجاهدة كما
~~قال: ms08147 الافتقار إلى الله تعالى بالانقطاع عن كل ما سواه، وقال بعضهم: أي
~~الذين شغلوا ظواهرهم بالوظائف لنوصلن أسرارهم إلى اللطائف، وقيل: أي
~~الذين جاهدوا نفوسهم لأجلنا وطلبا لنا لنهدينهم سبل المعرفة بنا والوصول
~~إلينا، ومن عرف الله تعالى عرف كل شيء ومن وصل إليه هان عنده كل شيء، كان
~~عبد الله بن المبارك يقول: من اعتاصت عليه مسألة فليسأل أهل الثغور عنها
~~لقوله تعالى: { والذين جهدوا فينا لنهدينهم
~~سبلنا } [العنكبوت: 69] وجهاد النفس هو الجهاد الأكبر نسأل الله
~~تعالى التوفيق لما يحب ويرضى والحفظ التام من كل شر بحرمة حبيبه سيد
~~البشر صلى الله عليه وسلم.

### | [30 - سورة الروم]

### || [30.1]

# الكلام فيه كالذي مر في أمثاله من الفواتح الكريمة.

### || [30.2]

# هي قبيلة عظيمة من ولد رومي بن يونان بن علجان بن يافث بن نوح عليه
~~السلام وقيل: من ولد يافان بن يافث، وقيل: من ولد رعويل بن عيص بن إسحاق
~~بن إبراهيم عليه السلام، وقال الجوهري: من ولد روم بن عيص المذكور صارت
~~لها وقعة مع فارس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فغلبتها وقهرتها
~~فارس.

### || [30.3]

# { فى أدنى الأرض } أي أقربها. والمراد بالأرض أرض الروم على أن
~~أل نائبة مناب الضمير المضاف إليه والأقربية بالنظر إلى أهل مكة لأن
~~الكلام معهم أو المراد بها أرض مكة ونواحيها لأنها الأرض المعهودة عندهم
~~والأقربية بالنظر إلى الروم أو المراد بالأرض أرض الروم لذكرهم والأقربية
~~بالنظر إلى عدوهم أعني فارس لحديث المغلوبية، وقد جاء من طرق عديدة أن
~~الحرب وقع بين اذرعات وبصرى، وقال ابن عباس والسدي: بالأردن وفلسطين،
~~وقال مجاهد: بالجزيرة يعني الجزيرة العمرية لا جزيرة العرب، وجعل كل قول
~~موافقا لوجه من الأوجه الثلاثة على الترتيب، وصحح ابن حجر القول الأول.
~~وقرأ الكلبي { فى أداني الأرض }.

# { وهم } أي الروم { من بعد غلبهم } أي غلب فارس إياهم على
~~أنه مصدر مضاف إلى مفعوله أو إلى نائب فاعله إن كان مصدرا لمجهول ورجحه
~~بعضهم بموافقته للنظم الجليل. وقرأ علي كرم الله ms08148 تعالى وجهه وابن عمر رضي
~~الله تعالى عنهما ومعاوية بن قرة { غلبهم } بسكون اللام، وعن أبي
~~عمرو أنه قرأ { غلابهم } على وزن كتاب والكل مصادر غلب، والجار والمجرور
~~متعلق بقوله تعالى: { سيغلبون } وفي ذلك تأكيد لما يفهم من السين
~~ولكون مغلوبهم من كان غالبهم، وفي بناء الجملة على الضمير تقوية للحكم أي
~~سيغلبون فارس البتة.

### || [30.4]

# وقوله تعالى: { فى بضع سنين } متعلق بسيغلبون أيضا. والبضع ما
~~بين الثلاث إلى العشرة عن الأصمعي، وفي «المجمل» ما بين الواحد: إلى
~~التسعة، وقيل هو ما فوق الخمس ودون العشر وقال المبرد: ما بين العقدين في
~~جميع الأعداد. روي أن فارس غزوا الروم فوافوهم بأذرعات وبصرى فغلبوا
~~عليهم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم بمكة فشق ذلك
~~عليهم وكان صلى الله عليه وسلم يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل
~~الكتاب من الروم وفرح الكفار بمكة وشمتوا فلقوا أصحاب النبي صلى الله
~~عليه وسلم فقالوا: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب وقد ظهر إخواننا من
~~أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم
~~الله فأنزل الله تعالى:

# الم * غلبت الروم

# [الروم: 1-2] الآيات فخرج أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى الكفار فقال:
~~أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا فلا تفرحوا ولا يقرن الله تعالى عينكم
~~فوالله تعالى ليظهرن الروم على فارس أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه
~~وسلم فقام إليه أبي بن خلف فقال: كذبت فقال له: أبو بكر رضي الله تعالى
~~عنه: أنت أكذب يا عدو الله تعالى تعال أناحبك عشر قلائص مني وعشر قلائص
~~منك فإن ظهرت الروم على فارس غرمت وإن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين
~~فناحبه ثم جاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال عليه
~~الصلاة والسلام: ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده
~~في الخطر وماده في الأجل فخرج أبو بكر فلقي أبيا فقال: لعلك ندمت؟ قال:
~~لا تعال أزايدك في الخطر ms08149 وأمادك في الأجل فأجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين
~~قال: قد فعلت فلما أراد أبو بكر الهجرة طلب منه أبي كفيلا بالخطر إن
~~غلب فكفل به ابنه عبد الرحمن فلما أراد أبي الخروج إلى أحد طلبه عبد
~~الرحمن بالكفيل فأعطاه كفيلا ومات أبي من جرح جرحه النبي صلى الله
~~عليه وسلم وظهرت الروم على فارس لما دخلت السنة السابعة. وجاء في بعض
~~الروايات أنهم ظهروا عليهم يوم الحديبية، وأخرج الترمذي وحسنه أنه لما
~~كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس فأخذ أبو بكر رضي الله تعالى عنه الخطر
~~من ورثة أبي وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة
~~والسلام: تصدق به، وفي رواية أبي يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن
~~عساكر عن البراء بن عازب أنه عليه الصلاة والسلام قال هذا السحت تصدق به.

# واستشكل بأنه إن كان ذلك قبل تحريم القمار - كما أخرج ابن جرير وابن
~~أبي حاتم والبيهقي عن قتادة والترمذي وصححه عن نيار بن مكرم السلمي وهو
~~الظاهر لأن السورة مكية وتحريم الخمر والميسر من آخر القرآن نزولا فما
~~وجه كونه سحتا؟ وإن كان بعد التحريم فكيف يؤمر بالتصدق بالحرام الغير
~~المختلط بغيره وصاحبه معلوم، وفي مثل ذلك يجب رد المال عليه؟، فإن قيل:
~~إنه مال حربي والحادثة وقعت بمكة وهي قبل الفتح دار حرب والعقود الفاسدة
~~تجوز فيها عند أبي حنيفة ومحمد عليهما الرحمة لم يظهر كونه سحتا، وكأني
~~بك تمنع صحة هذه الرواية وإذا لم تثبت صحتها يبقى الأمر بالتصدق، وحينئذ
~~يجوز أن يكون لمصلحة رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تصدق بحلال؛
~~أما إذا كان ذلك قبل تحريم القمار كما هو المعول عليه فظاهر، وأما إن كان
~~بعد التحريم فلأن أبا حنيفة ومحمدا قالا بجواز العقود الفاسدة في دار
~~الحرب بين المسلمين والكفار واحتجا على صحة ذلك بما وقع من أبي بكر في
~~هذه القصة، وقد تظافرت الروايات أنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه
~~المناحبة ms08150 وإنما أنكر عليه التأجيل بثلاث سنين وأرشده إلى أن يزايدهم.

# وربما يقال على تقدير الصحة: إن السحت ليس بمعنى الحرام بل بمعنى ما
~~يكون سببا للعار والنقص في المروءة حتى كأنه يسحتها أي يستأصلها كما في
~~قوله صلى الله عليه وسلم:

# " كسب الحجام سحت "

# فقد قال الراغب: إن هذا لكونه ساحتا للمروءة لا للدين فكأنه صلى الله
~~عليه وسلم رأى أن تمول ذلك وإن كان حلالا مخل بمروءة أبي بكر رضي الله
~~تعالى عنه فأطلق عليه السحت، ولا يأبى ذلك إذنه عليه الصلاة والسلام في
~~المناحبة لما أنها لا تضر بالمروءة أصلا وفيها من إظهار اليقين بصدق ما
~~جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ما فيها وكان عليه الصلاة والسلام على
~~ثقة من صلاح الصديق رضي الله تعالى عنه وأنه إذا أمره بالتصدق بما يأخذه
~~ونهاه عن تموله لم يخالفه.

# وقيل: السحت هنا بمعنى ما لا شيء على من استهلكه وهو أحد إطلاقاته كما
~~في «النهاية»، والمراد هذا الذي لا شيء عليك إذا استهلكته وتصرفت فيه
~~حسبما تشاء تصدق به كأنه عليه الصلاة والسلام / بعد أن أخبر الصديق رضي
~~الله تعالى عنه بأنه لا مانع له من التصرف فيه حسبما يريد أرشده إلى ما
~~هو الأولى والأحرى فقال: تصدق به، وهو كما ترى، وقيل: إن السحت كما في
~~«النهاية» يرد في الكلام بمعنى الحرام مرة وبمعنى المكروه أخرى ويستدل
~~على ذلك بالقرائن فيجوز أن يكون في الخبر إذا صح فيه بمعنى المكروه إذ
~~الأمر بالتصدق يمنع أن يكون بمعنى الحرام فيتعين كونه بمعنى المكروه،
~~وفيه نظر، وأما تفسير السحت بالحرام والتزام القول بجواز التصدق بالحرام
~~لهذا الخبر فمما لا يلتفت إليه أصلا فتأمل.

# وكانت كلتا الغلبتين في سلطنة خسروبرويز، قال في «روضة الصفا» ما
~~ترجمته: إنه لما مضى من سلطنة خسرو أربعة عشر سنة غدر الروميون بملكهم
~~وقتلوه مع ابنه بناطوس وهرب ابنه الآخر إلى خسرو فجهز معه ثلاثة رؤساء
~~أولي قدر رفيع مع عسكر عظيم فدخلوا بلاد الشام ms08151 وفلسطين وبيت المقدس
~~وأسروا من فيها من الأساقفة وغيرهم وأرسلوا إلى خسرو الصليب الذي كان
~~مدفونا عندهم في تابوت من ذهب وكذلك استولوا على الإسكندرية وبلاد
~~النوبة إلى أن وصلوا إلى نواحي القسطنطينية وأكثروا الخراب وجهدوا على
~~إطاعة الروميين لابن قيصر فلم تحصل، قيل: إن الروميين جعلوا عليهم حاكما
~~شخصا اسمه هرقل وكان سلطانا عادلا يخاف الله تعالى فلما رأى تخريب
~~فارس قد شاع في بلاد الروم من النهب والقتل تضرع وبكى وسأل الله تعالى
~~تخليص الروميين فصادف دعاؤه هدف الإجابة فرأى في ليالي متعددة في منامه
~~أنه قد جيء إليه بخسرو في عنقه سلسلة، وقيل له: عجل بمحاربة برويز لأنه
~~يكون لك الظفر والنصرة فجمع هرقل عسكره بسبب تلك الرؤية وتوجه من
~~قسطنطينية إلى نصيبين فسمع خسرو فجهز اثني عشر ألفا مع أمير من أمرائه
~~فقابلهم هرقل فكسرهم وقتل منهم تسعة آلاف مع رؤسائهم. وفي بعض الروايات
~~أنهم ربطوا خيولهم بالمدائن.

# ورأيت في بعض الكتب أن سبب ظهور الروم على فارس أن كسرى بعث إلى أميره
~~شهريار وهو الذي ولاه على محاربة الروم أن اقتل أخاك فرخان لمقالة قالها
~~وهو قوله: لقد رأيتني جالسا على سرير كسرى فلم يقتله فبعث إلى فارس إني
~~قد عزلت شهريار ووليت أخاه فرخان فاطلع فرخان على حقيقة الحال فرد الملك
~~إلى أخيه وكتب شهريار إلى قيصر ملك الروم فتعاونا على كسرى فغلبت الروم
~~فارس وجاء الخبر ففرح المسلمون وكان ذلك من الآيات البينات الباهرة
~~الشاهدة بصحة النبوة وكون القرآن من عند الله عز وجل لما في ذلك من
~~الإخبار عن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى العليم الخبير، وقد صح
~~أنه أسلم عند ذلك ناس كثير.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وابن عمر وأبو سعيد الخدري
~~والحسن ومعاوية بن قرة { غلبت الروم } على البناء للفاعل و {
~~سيغلبون } على البناء للمفعول، والمعنى على ما قيل: إن الروم غلبوا
~~على ريف الشام وسيغلبهم المسلمون وقد غزاهم المسلمون في السنة التاسعة من ms08152
~~نزول الآية ففتحوا بعض بلادهم، وإضافة { غلب } عليه من إضافة المصدر إلى
~~الفاعل، ووفق بين القراءتين بأن الآية نزلت مرتين مرة بمكة على قراءة
~~الجمهور ومرة يوم بدر كما رواه الترمذي وحسنه عن أبي سعيد على هذه
~~القراءة.

# وقال بعض الأجلة: الصواب أن يبقى نزولها على ظاهره ويراد بغلب المسلمين
~~إياهم ما كان في غزوة موتة وكانت في جمادى الأولى سنة ثمان وذلك قريب من
~~التاريخ الذي ذكروه لنزول الآية أولا ولا حاجة إلى تعدد النزول فإنه
~~يجوز تخالف معنى القراءتين إذا لم يتناقضا، وكون فريق غالبا ومغلوبا في
~~زمانين غير متدافع فتأمل انتهى.

# ولا يخفى على من سبر السير أن هذا مما لا يكاد يتسنى لأن الروم لم
~~يغلبهم المسلمون في تلك الغزوة بل انصرفوا عنهم بعد أن أصيبوا بجعفر بن
~~أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة وعباد بن قيس / في آخرين من
~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين كالمغلوبين، بل ذكر ابن هشام أنهم
~~لما أتوا المدينة جعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فرار
~~فررتم في سبيل الله تعالى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليسوا
~~بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى. وروي أن أم سلمة قالت لامرأة
~~سلمة بن هشام بن العاص بن المغيرة: ما لي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين؟ فقالت: والله ما يستطيع أن
~~يخرج كلما خرج صاح به الناس يا فرار فررتم في سبيل الله حتى قعد في بيته
~~ولم يخرج، وذكر أبياتا لقيس اليعمري يعتذر فيها مما صنع يومئذ وصنع
~~الناس وقد تضمنت كما قال بيان أن القوم حاجزوا وكرهوا الموت وأن خالد بن
~~الوليد انحاز بمن معه، على أن فيما ذكر أنه الصواب بحثا بعد، فلعل الأولى
~~في التوفيق إذا صحت هذه القراءة ما ذكر أولا فتأمل.

# وفي «البحر» [7/ 162] كان شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير يحكي عن
~~أبي الحكم بن برجان أنه استخرج من ms08153 قوله تعالى:

# الم * غلبت الروم

# [الروم: 1-2]  إلى  { سنين } [الروم: 4] افتتاح المسلمين بيت
~~المقدس معينا زمانه ويومه وكان إذ ذاك بيت المقدس قد غلبت عليه النصارى
~~وأن ابن برجان مات قبل الوقت الذي عينه للفتح وأنه بعد موته بزمان
~~افتتحه المسلمون في الوقت الذي عينه أبو الحكم وكان أبوجعفر يعتقد في
~~أبي الحكم هذا أنه كان يتطلع على أشياء من المغيبات يستخرجها من كتاب
~~الله تعالى انتهى.

# واستخراج بعض العارفين كمحيي الدين قدس سره والعراقي وغيرهم المغيبات
~~من القرآن العظيم أمر شهير وهو مبني على قواعد حسابية وأعمال حرفية لم
~~يرد شيء منها عن سلف الأمة ولا حجر على فضل الله عز وجل وكتاب الله تعالى
~~فوق ما يخطر للبشر، وقد سئل علي كرم الله تعالى وجهه هل أسر إليكم رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم شيئا كتمه عن غيركم فقال: لا إلا أن يؤتي الله
~~تعالى عبدا فهما في كتابه، هذا ونسأل الله سبحانه أن يوفقنا لفهم أسرار
~~كتابه بحرمة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

# { لله الأمر من قبل ومن بعد } أي من قبل هذه الحالة ومن
~~بعدها وهو حاصل ما قيل أي من قبل كونهم غالبين وهو وقت كونهم مغلوبين ومن
~~بعد كونهم مغلوبين وهو وقت كونهم غالبين، وتقديم الخبر للتخصيص، والمعنى
~~أن كلا من كونهم مغلوبين أولا وغالبين آخرا ليس إلا بأمر الله تعالى
~~شأنه وقضائه عز وجل

# وتلك الأيام نداولها بين الناس

# [آل عمران: 140].

# وقرأ أبو السمال والجحدري عن العقيلي { من قبل ومن بعد }
~~بالكسر والتنوين فيهما فليس هناك مضاف إليه مقدر أصلا على المشهور كأنه
~~قيل: لله الأمر قبلا وبعدا أي في زمان متقدم وفي زمان متأخر، وحذف
~~بعضهم الموصوف، وذكر السكاكي أن المضاف إليه مقدر في مثل ذلك أيضا
~~والتنوين عوضه عنه، وجوز الفراء الكسر من غير تنوين، وقال الزجاج: إنه
~~خطأ لأنه إما أن لا يقدر فيه الإضافة فينون أو يقدر فيبنى على الضم، وأما
~~تقدير لفظه قياسا على قوله: بين ذراعي ms08154 وجبهة الأسد فقياس مع الفارق
~~لذكره فيه بعد وما نحن فيه ليس كذلك، وقال النحاس: للفراء في «كتابه في
~~القرآن» أشياء كثيرة الغلط، منها أنه زعم يجوز { من قبل ومن بعد
~~} بالكسر بلا تنوين وإنما يجوز { من قبل ومن بعد } على أنهما
~~نكرتان أي من متقدم ومن متأخر، وذهب إلى قول الفراء ابن هشام في بعض
~~كتبه، وحكى الكسائي عن بعض بني أسد { لله الأمر من قبل ومن
~~بعد } على أن الأول مخفوض منون والثاني مضموم بلا تنوين.

# { ويومئذ } أي ويوم إذ يغلب الروم فارسا { يفرح
~~المؤمنون }.

### || [30.5]

# { بنصر الله } وتغليبه من له كتاب على من لا كتاب له / وغيظ من
~~شمت بهم من كفار مكة وكون ذلك مما يتفاءل به لغلبة المؤمنين على الكفار،
~~وقيل: نصر الله تعالى [إظهار] صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من
~~غلبة الروم على فارس، وقيل: نصره عز وجل أنه ولي بعض الظالمين بعضا وفرق
~~بين كلمتهم حتى تناقضوا وتحاربوا وقلل كل منهما شوكة الآخر، وعن أبي
~~سعيد الخدري أنه وافق ذلك يوم بدر، وفيه من نصر الله تعالى العزيز
~~للمؤمنين وفرحهم بذلك ما لا يخفى، والأول أنسب لقوله تعالى: { ينصر
~~من يشاء } أي من يشاء أن ينصره من عباده على عدوه ويغلبه عليه فإنه
~~استئناف مقرر لمضمون قوله تعالى:

# لله الأمر من قبل ومن بعد

# [الروم: 4] والظاهر أن { يوم } متعلق بيفرح وكذا { بنصر } وجوز
~~تعلق { يوم } به، وكذا جوز تعلق { بنصر } بالمؤمنين، وقيل:

# يومئذ

# [الروم: 4] عطف على (قبل أو بعد) كأنه حصر الأزمنة الثلاثة الماضي
~~والمستقبل والحال ثم ابتدأ الإخبار بفرح المؤمنين.

# { وهو العزيز } المبالغ في العزة والغلبة فلا يعجزه من شاء أن
~~ينصر عليه كائنا من كان { الرحيم } المبالغ في الرحمة فينصر من يشاء
~~أن ينصره أي فريق كان، والمراد بالرحمة هنا هي الدنيوية، أما على القراءة
~~المشهورة فظاهر لأن كلا الفريقين لا يستحق الرحمة الأخروية، وأما على
~~القراءة الأخيرة فلأن المسلمين وإن كانوا مستحقين لها لكن المراد ههنا
~~نصرهم الذي هو ms08155 من آثار الرحمة الدنيوية، وتقديم وصف { العزيز }
~~لتقدمه في الاعتبار.

### || [30.6]

# { وعد الله } مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة من قوله تعالى:

# سيغلبون

# [الروم: 3] وقوله سبحانه:

# يفرح المؤمنون

# [الروم: 4] ويقال له المؤكد لنفسه لأن ذلك في معنى الوعد وعامله محذوف
~~وجوبا كأنه قيل: وعد الله تعالى ذلك وعدا { لا يخلف الله
~~وعده } أي وعد كان مما يتعلق بالدنيا والآخرة لما في خلفه من النقص
~~المستحيل عليه عز وجل، وإظهار الاسم الجليل في موضع الاضمار للتعليل
~~الحكمي وتفخيمه، والجملة استئناف مقرر لمعنى المصدر، وجوز أن يكون حالا
~~منه فيكون كالمصدر الموصوف كأنه سبحانه يقول: وعد الله تعالى وعدا غير
~~مخلف { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أنه تعالى لا
~~يخلف وعده لجهلهم بشؤونه عز وجل وعدم تفكرهم فيما يجب له جل شأنه وما
~~يستحيل عليه سبحانه أو لا يعلمون ما سبق من شؤونه جل وعلا، وقيل: لا
~~يعلمون شيئا أو ليسوا من أولي العلم حتى يعلموا ذلك.

### || [30.7]

# { يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا } وهو ما يحسون به
~~من زخارفها وملاذها وسائر أحوالها الموافقة لشهواتهم الملائمة لأهوائهم
~~المستدعية لانهماكهم فيها وعكوفهم عليها. وعن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما يعلمون منافعها ومضارها ومتى يزرعون ومتى يحصدون وكيف يجمعون وكيف
~~يبنون أي ونحو ذلك مما لا يكون لهم منه أثر في الآخرة، وروى نحوه عن
~~قتادة وعكرمة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال في
~~الآية: بلغ من حذق أحدهم بأمر دنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره فيخبرك
~~بوزنه وما يحسن يصلي، وقال الكرماني: كل ما يعلم بأوائل الروية فهو
~~الظاهر وما يعلم بدليل العقل فهو الباطن وقيل: هو هنا التمتع بزخارفها
~~والتنعم بملاذها، وتعقب بأنهما ليسا مما علموه منها بل من أفعالهم
~~المرتبة على علمهم، وعن ابن جبير أن الظاهر هو ما علموه من قبل الكهنة
~~مما تسترقه الشياطين، وليس بشيء كما لا يخفى، وأيا ما كان فالظاهر أن
~~المراد بالظاهر مقابل الباطن، وتنوينه للتحقير والتخسيس أي يعلمون ظاهرا
~~حقيرا خسيسا، ms08156 وقيل: هو بمعنى الزائل الذاهب كما في قول الهذلي:

# وغيرها الواشون أني أحبها

# وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

# أي يعلمون أمرا زائلا لا بقاء له ولا عاقبة من الحياة الدنيا.

# { وهم عن الأخرة } التي هي الغاية القصوى والمطلب الأسنى {
~~هم غفلون } لا تخطر ببالهم فكيف يتفكرون فيها وفيما يؤدي إلى
~~معرفتها من الدنيا وأحوالها، والجملة معطوفة على { يعلمون }
~~وإيرادها اسمية للدلالة على استمرار غفلتهم ودوامها، و { هم } الثانية
~~تكرير للأولى وتأكيد لفظي لها دافع للتجوز وعدم الشمول، والفصل بمعمول
~~الخبر وإن كان خلاف الظاهر لكن حسنه وقوع الفصل في التلفظ والاعتناء
~~بالآخرة أو هو مبتدأ و { غفلون } خبره والجملة خبر { هم }
~~الأولى، وجملة { يعلمون } الخ بدل من جملة { لا يعلمون } على
~~ماذهب إليه صاحب «الكشاف» فإن الجاهل الذي لا يعلم أن الله تعالى لا يخلف
~~وعده أو لا يعلم شؤونه تعالى السابقة ولا يتفكر في ذلك هو الذي قصر نظره
~~على ظاهر الحياة الدنيا، والمصحح للبدلية اتحاد ما صدقا عليه، والنكتة
~~المرجحة له جعل علمهم والجهل سواء بحسب الظاهر، وجملة { وهم عن
~~الأخرة } الخ مناد على تمكن غفلتهم عن الآخرة المحققة لمقتضى الجملة
~~السابقة تقريرا لجهالتهم وتشبيها لهم بالبهائم المقصور إدراكها على
~~ظواهر الدنيا الخسيسة دون أحوالها التي هي من مبادىء العلم بأمور الآخرة.
~~واختار العلامة الطيبي أن جملة { يعلمون } الخ استئنافية لبيان
~~موجب جهلهم بأن وعد الله تعالى حق وإن لله سبحانه الأمر من قبل ومن بعد
~~وأنه جل شأنه ينصر المؤمنين على الكافرين ولعله الأظهر.

### || [30.8]

# { أو لم يتفكروا } إنكار واستقباح لقصر نظرهم على ما ذكر من
~~ظاهر الحياة الدنيا مع الغفلة عن الآخرة، والواو للعطف على مقدر يقتضيه
~~المقام، وقوله سبحانه: { فى أنفسهم } ظرف للتفكر، وذكره مع أن
~~التفكر لا يكون إلا في النفس لتحقيق أمره وزيادة تصوير حال المتفكرين كما
~~في اعتقده في قلبك وأبصره بعينك، وقوله عز وجل: { ما خلق الله
~~السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق } متعلق
~~إما بالعلم الذي يؤدي إليه التفكر ويدل ms08157 عليه أو بالقول الذي يترتب عليه
~~كما في قوله تعالى:

# ويتفكرون فى خلق السموات والأرض ربنا ما
~~خلقت هذا بطلا

# [آل عمران: 191] أي أعلموا ظاهر الحياة الدنيا فقط أو أقصروا النظر على
~~ذلك ولم يحدثوا التفكر في قلوبهم فيعلموا أنه تعالى ما خلق السماوات
~~والأرض وما بينهما من المخلوقات التي هم من جملتها ملتبسة بشيء من
~~الأشياء إلا ملتبسة بالحق أو يقولوا هذا القول معترفين بمضمونه إثر ما
~~علموه.

# والمراد بالحق هو الثابت الذي يحق أن يثبت لا محالة لابتنائه على الحكم
~~البالغة التي من جملتها استشهاد المكلفين بذواتها وصفاتها وأحوالها على
~~وجود صانعها ووحدته وعلمه وقدرته واختصاصه بالمعبودية وصحة أخباره التي
~~من جملتها إحياؤهم بعد الفناء بالحياة الأبدية ومجازاتهم بحسب أعمالهم
~~عما يتبين المحسن من المسيء ويمتاز درجات أفراد كل من الفريقين حسب
~~امتياز طبقات علومهم واعتقاداتهم المترتبة على أنظارهم فيما نصب في
~~المصنوعات من الآيات والدلائل والأمارات والمخايل كما نطق به قوله تعالى:

# وهو الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام
~~وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن
~~عملا

# [هود: 7] فإن العمل غير مختص بعمل الجوارح ولذلك فسره عليه الصلاة
~~والسلام بقوله: «أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله تعالى وأسرع في
~~طاعة الله عز وجل». وقوله سبحانه: { وأجل مسمى } عطف على (الحق)
~~أي وبأجل عين قدره الله تعالى لبقائها لا بد لها من أن تنتهي إليه لا
~~محالة وهو وقت قيام الساعة وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات.

# هذا وجوز أن يكون قوله تعالى: { فى أنفسهم } متعلقا بيتفكروا
~~ومفعولا له بالواسطة على معنى أو لم يتفكروا في ذواتهم وأنفسهم التي هي
~~أقرب المخلوقات إليهم وهم أعلم بشؤونها وأخبر بأحوالها منهم بأحوال ما
~~عداها فيتدبروا ما أودعها الله تعالى ظاهرا وباطنا من غرائب الحكم
~~الدالة على التدبير دون الإهمال وأنه لا بد لها من انتهاء إلى وقت
~~يجازيها [فيه] الحكيم الذي دبر أمرها على الإحسان إحسانا وعلى الإساءة
~~مثلها حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق كذلك أمرها جار ms08158 على الحكمة
~~والتدبير. وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت.

# وتعقب بأن أمر معاد الإنسان ومجازاته بما عمل من الإساءة والإحسان هو
~~المقصود بالذات والمحتاج إلى الإثبات فجعله ذريعة إلى إثبات معاد ما عداه
~~مع كونه بمعزل من الإجزاء تعكيس للأمر فتدبر. وجوز أبو حيان أن يكون {
~~ما خلق } الخ مفعول { يتفكروا } معلقا عنه بالنفي، وأنت تعلم
~~أن التعليق في مثله ممنوع أو قليل.

# وقوله تعالى: { وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم
~~لكفرون } تذييل مقرر لما قبله ببيان أن أكثرهم غير مقتصرين على ما
~~ذكر من الغفلة من أحوال الآخرة والإعراض عن التفكر فيما يرشدهم إلى
~~معرفتها من خلق السماوات والأرض وما بينهما من المصنوعات بل هم منكرون
~~جاحدون لقاء حسابه تعالى وجزائه عز وجل بالبعث، وهم القائلون بأبدية
~~الدنيا كالفلاسفة على المشهور.

### || [30.9]

# { أو لم يسيروا فى الأرض } توبيخ لهم بعدم اتعاظهم بمشاهدة
~~أحوال أمثالهم الدالة على عاقبتهم ومآلهم؛ والهمزة للإنكار التوبيخي أو
~~الإبطالي وحيث دخلت على النفي وإنكار النفي إثبات قيل: إنها لتقرير
~~المنفي والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أقعدوا في أماكنهم ولم
~~يسيروا في الأرض، وقوله تعالى: { فينظروا } عطف على { يسيروا }
~~داخل في حكمه والمعنى أنهم قد ساروا في أقطار الأرض وشاهدوا { كيف
~~كان عقبة الذين من قبلهم } من الأمم المهلكة كعاد
~~وثمود، وقوله تعالى: { كانوا أشد منهم قوة } الخ بيان
~~لمبدإ أحوالهم ومآلهم يعني أنهم كانوا أقدر منهم على التمتع بالحياة
~~الدنيا حيث كانوا أشد منهم قوة { وأثاروا الأرض } أي قلبوها
~~للحرث والزراعة كما قال الفراء، وقيل: لاستنباط المياه واستخراج المعادن
~~وغير ذلك.

# وقرأ أبو جعفر { وأثاروا } بمدة بعد الهمزة، وقال ابن مجاهد: ليس
~~بشيء وخرج ذلك أبو الفتح على الإشباع كقوله

# ومن ذم الزمان بمنتزاح

# وذكر أن هذا من ضرورة الشعر ولا يجيء في القرآن، وقرأ أبو حيوة (وأثروا)
~~من الأثرة وهو الاستبداد بالشيء وآثروا الأرض أي أبقوا فيها آثارا.

# { وعمروها } أي وعمرها أولئك الذين كانوا قبلهم بفنون العمارات من
~~الزراعة ms08159 والغرس والبناء وغيرها، وقيل: أي أقاموا بها، يقال عمرت بمكان
~~كذا وعمرته أي أقمت به { أكثر مما عمروها } أي عمارة أكثر من
~~عمارة هؤلاء إياها والظاهر أن الأكثرية باعتبار الكم وعممه بعضهم فقال:
~~أكثر كما وكيفا وزمانا، وإذا أريد العمارة بمعنى الإقامة فالمعنى
~~أقاموا بها إقامة أكثر زمانا من إقامة هؤلاء بها، وفي ذكر أفعل تهكم بهم
~~إذ لا مناسبة بين كفار مكة وأولئك الأمم المهلكة فإنهم كانوا معروفين
~~بالنهاية في القوة وكثرة العمارة وأهل مكة ضعفاء ملجؤون إلى واد غير ذي
~~زرع يخافون أن يتخطفهم الناس، ونحو هذا يقال إذا فسرت العمارة بالإقامة
~~فإن أولئك كانوا مشهورين بطول الأعمار جدا وأعمار أهل مكة قليلة بحيث لا
~~مناسبة يعتد بها بينها وبين أعمال أولئك المهلكين.

# / { وجاءتهم رسلهم بالبينت } بالمعجزات أو الآيات
~~الواضحات { فما كان الله ليظلمهم } أي فكذبوهم فأهلكهم فما
~~كان الله تعالى شأنه ليهلكهم من غير جرم يستدعيه من قبلهم، وفي التعبير
~~عن ذلك بالظلم إظهار لكمال نزاهته تعالى عنه وإلا فقد قال أهل السنة: إن
~~إهلاكه تعالى من غير جرم ليس من الظلم في شيء لأنه عز وجل مالك والمالك
~~يفعل بملكه ما يشاء والنزاع في المسألة شهير { ولكن كانوا
~~أنفسهم يظلمون } حيث ارتكبوا باختيارهم من المعاصي ما أوجب
~~بمقتضى الحكمة ذلك، وتقديم { أنفسهم } على { يظلمون } للفاصلة؛
~~وجوز أن يكون للحصر بالنسبة إلى الرسل الذين يدعونهم.

### || [30.10]

# { ثم كان عقبة الذين أساؤا } أي عملوا السيئات، ووضع
~~الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالإساءة والإشعار بعلة الحكم، و {
~~ثم } للتراخي الحقيقي أو للاستبعاد والتفاوت في الرتبة { السوأى }
~~أي العقوبة السوأى وهي العقوبة بالنار فإنها تأنيث الأسوأ كالحسنى تأنيث
~~الأحسن أو مصدر كالبشرى وصف به العقوبة مبالغة كأنها نفس السوء، وهي
~~مرفوعة على أنها اسم (كان) وخبرها { عقبة }.

# وقرأ الحرميان وأبو عمرو { عقبة } بالرفع على أنه اسم { كان } و {
~~السوأى } بالنصب على الخبرية، وقرأ الأعمش. والحسن { السوى } بإبدال
~~الهمزة واوا وإدغام الواو فيها، وقرأ ابن مسعود { السوء } بالتذكير {
~~أن كذبوا بآيات ms08160 الله } علة للحكم المذكور أي لأن أو بأن
~~كذبوا وهو في الحقيقة مبين لما أشعر به وضع الموصول موضع الضمير لأنه
~~مجمل.

# وقوله تعالى: { وكانوا بها يستهزؤن } عطف على { كذبوا }
~~داخل معه في حكم العلية وإيراد الاستهزاء بصيغة المضارع للدلالة على
~~استمراره وتجدده، وجوز أن يكون { السوأى } مفعولا مطلقا لأساؤا من غير
~~لفظه أو مفعولا به له لأن أساؤا بمعنى اقترفوا واكتسبوا، والسوأى بمعنى
~~الخطيئة لأنه صفة أو مصدر مؤول بها وكونه صفة مصدر (أساؤا) من لفظه أي
~~الإساءة السوأى بعيد لفظا مستدرك معنى، و { أن كذبوا } اسم { كان
~~} ، وكون التكذيب عاقبتهم مع أنهم لم يخلوا عنه إما باعتبار استمراره أو
~~باعبار أنه عبارة عن الطبع، وجوز أيضا أن يكون { أن كذبوا } بدلا من {
~~السوأى } الواقع اسما لكان أو عطف بيان لها أو خبر مبتدأ محذوف أي هي أن
~~كذبوا، وأن تكون { أن } تفسيرية بمعنى أي والمفسر إما { أساؤا } أو {
~~السوأى } فإن الإساءة تكون قولية كما تكون فعلية فإذن ما قبلها مضمن معنى
~~القول دون حروفه ويظهر ذلك التضمن بالتفسير، وإذا جاز

# وانطلق الملأ منهم أن امشوا

# [ص: 6] فهذا أجوز فليس هذا الوجه متكلفا خلافا لأبي حيان. وجوز في
~~قراءة الحرميين وأبي عمرو أن تكون { السوأى } صلة الفعل و { أن
~~كذبوا } تابعا له أو خبر مبتدأ محذوف أو على تقدير حرف التعليل
~~وخبر كان محذوفا تقديره وخيمة ونحوه. وتعقب ذلك في «البحر» فقال: هو فهم
~~أعجمي لأن الكلام مستقل في غاية الحسن بلا حذف وقد تكلف له محذوف لا يدل
~~عليه دليل، وأصحابنا لا يجيزون حذف خبر { كان }.

### || [30.11]

# { الله يبدؤا الخلق } أي ينشئهم. وقرأ عبد الله وطلحة {
~~يبدىء } بضم الياء وكسر الدال، وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر فما
~~بالعهد من قدم. { ثم يعيده } بالبعث { ثم إليه ترجعون
~~} للجزاء، وتقديم المعمول للتخصيص، وكان الظاهر يرجعون بياء الغيبة إلا
~~أنه عدل عنه إلى خطاب المشركين لمكافحتهم بالوعيد ومواجهتهم بالتهديد
~~وإيهام إن ذلك مخصوص بهم فهو التفات للمبالغة في الوعيد والترهيب. ms08161 وقرأ
~~أبو عمرو وروح { يرجعون } بياء الغيبة كما هو الظاهر.

### || [30.12]

# { ويوم تقوم الساعة } التي هي وقت إعادة الخلق ومرجعهم إليه
~~عز وجل. { يبلس المجرمون } أي يسكتون وتنقطع حجتهم، قال
~~الراغب: الإبلاس الحزن المعترض من شدة اليأس ومنه اشتق إبليس فيما قيل،
~~ولما كان المبلس كثيرا ما يلزم السكوت وينسى ما يعينه قيل أبلس فلان إذا
~~سكت وانقطعت حجته وأبلست الناقة فهي مبلاس إذا لم ترغ من شدة الضبعة وقال
~~ابن ثابت: يقال أبلس الرجل إذا يئس من كل خير، وفي الحديث

# " وأنا مبشرهم إذا أبلسوا "

# والمراد بالمجرمين على ما أفاده الطيبي أولئك الذين أساءوا السوأى لكنه
~~وضع الظاهر موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بهذا الوصف الشنيع والإشعار بعلة
~~الحكم.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والسلمي { يبلس } بفتح اللام وخرج على أن
~~الفعل من أبلسه إذا أسكته، وظاهره أنه يكون متعديا وقد أنكره أبو البقاء
~~والسمين وغيرهما حتى تكلفوا وقالوا: أصله يبلس إبلاس المجرمين على إقامة
~~المصدر مقام الفاعل ثم حذفه وإقامة المضاف إليه مقامه. وتعقبه الخفاجي
~~عليه الرحمة فقال: لا يخفى عدم صحته لأن إبلاس المجرمين مصدر مضاف لفاعله
~~وفاعله هو فاعل الفعل بعينه فكيف يكون نائب الفاعل فتأمل. وأنت تعلم أنه
~~متى صحت القراءة لا تسمع دعوى عدم سماع استعمال أبلس متعديا.

### || [30.13]

# { ولم يكن لهم من شركائهم } ممن أشركوهم بالله سبحانه
~~في العبادة ولذا أضيفوا إليهم، وقيل: إن الإضافة لإشراكهم إياهم بالله
~~تعالى في أموالهم والمراد بهم الأوثان، وقال مقاتل: الملائكة عليهم
~~السلام، وقيل: الشياطين، وقيل: رؤساؤهم { شفعاء } يجيرونهم من عذاب
~~الله تعالى كما كانوا يزعمون، وجىء بالمضارع منفيا بلم التي تقلبه
~~ماضيا للتحقق، وصيغة الجمع لوقوعها في مقابلة الجمع أي لم يكن لواحد
~~منهم شفيع أصلا. وقرأ خارجة عن نافع، وابن سنان عن أبي جعفر، والأنطاكي
~~عن شيبة { ولم تكن } بالتاء الفوقية.

# { وكانوا بشركائهم } أي بإلهيتهم وشركتهم كما يشير إليه
~~العدول عن وكانوا بهم { كفرين } حيث يئسوا منهم ووقفوا على كنه
~~أمرهم، { وكانوا } للدلالة على الاستمرار ms08162 لا للمحافظة على رؤوس
~~الفواصل كما توهم. وقيل: إنها للمضي كما هو الظاهر، والباء في {
~~بشركائهم } سببية أي وكانوا في الدنيا كافرين بالله تعالى بسببهم
~~ولم يرتضه بعض الأجلة إذ ليس في الإخبار بذلك فائدة يعتد بها، ولأن
~~المتبادر أن

# يوم تقوم الساعة

# [الروم: 12] ظرف للإبلاس وما عطف عليه ولذا قيل: إن المناسب عليه جعل
~~الواو حالية ليكون المعنى أنهم لم يشفعوا لهم مع أنهم سبب كفرهم في
~~الدنيا وهو أحسن من جعله معطوفا على مجموع الجملة مع الظرف، مع أنه عليه
~~ينبغي القطع للاحتياط إلا أن يقال: إنه ترك تعويلا على القرينة العقلية،
~~وهو خلاف الظاهر، وكتب { شفعواء } في المصحف بواو بعدها ألف وهو خلاف
~~القياس والقياس ترك الواو أو تأخيرها عن الألف لكن الأول أحسن كما ذكر في
~~الرسم، وكذا خولف القياس في كتابه { السوأى } [الروم: 10] حيث كتبت
~~بالألف قبل الياء والقياس كما في «الكشف» الحذف لأن الهمز يكتب على نحو
~~ما يسهل.

### || [30.14]

# { ويوم تقوم الساعة } أعيد لتهويله وتفظيع ما يقع فيه، وهو
~~ظرف للفعل بعده، وقوله تعالى: { يومئذ } على ما ذكره الطبرسي بدل
~~منه. / وفي «البحر» التنوين في { يومئذ } تنوين عوض من الجملة
~~المحذوفة أي ويوم تقوم الساعة يوم إذ يبلس المجرمون { يتفرقون }
~~وظاهره أن { يومئذ } ظرف لتقوم، ولا يخفى ما في جعل الجملة المعوض
~~عنها التنوين حينئذ ما ذكره من النظر. وفي «إرشاد العقل السليم» أن قوله
~~تعالى: { يومئذ يتفرقون } تهويل ليوم قيام الساعة إثر تهويل،
~~وفيه رمز إلى أن التفرق يقع في بعض منه - وفي وجه الرمز إلى ذلك بما ذكر
~~خفاء - وضمير { يتفرقون } للمسلمين والكافرين الدال عليهما ما قبل
~~من عموم الخلق وما بعد من التفصيل، وذهب إلى ذلك الزمخشري. وجماعة. وقال
~~في «الإرشاد»: هو لجميع الخلق المدلول عليهم بما تقدم من مبدئهم ومرجعهم
~~وإعادتهم لا المجرمون خاصة، وقال أبو حيان: يظهر أنه عائد على الخلق قبله
~~وهو المذكور في قوله تعالى:

# الله يبدأ الخلق ثم يعيده

# [الروم: 11] والمراد بتفرقهم اختلافهم في المحال ms08163 والأحوال كما يؤذن به
~~التفصيل، وليس ذلك باعتبار كل فرد بل باعتبار كل فريق، فقد أخرج ابن أبي
~~حاتم عن الحسن أنه قال في ذلك: هؤلاء في عليين وهؤلاء في أسفل سافلين،
~~والتفصيل يؤذن بذلك أيضا، وهذا التفرق بعد تمام الحساب.

### || [30.15]

# الروضة الأرض ذات النبات والماء، وفي المثل أحسن من بيضة في روضة يريدون
~~بيضة النعامة، وباعتبار الماء قيل: أراض الوادي واستراض أي كثر ماؤه
~~وأراضهم أرواهم بعض الري من أراض الحوض إذا صب فيه من الماء ما يواري
~~أرضه، ويقال: شربوا حتى أراضوا أي شربوا عللا بعد نهل. وقيل: معنى
~~أراضوا صبوا اللبن على اللبن، وظاهر تفسير الكثير للروضة اعتبار النبات
~~والماء فيها، وأظن أن ابن قتيبة صرح بأنه لا يقال لأرض ذات نبات بلا ماء
~~روضة. وقيل: هي البستان الحسن، وقيل: موضع الخضرة، وقال الخفاجي: الروضة
~~البستان وتخصيصها بذات الأنهار بناء على العرف، وأيا ما كان فتنوينها
~~هنا للتفخيم والمراد بها الجنة.

# والحبر السرور يقال: حبره يحبره بالضم حبرا وحبرة وحبورا إذا سره
~~سرورا تهلل له وجهه وظهر فيه أثره، وفي المثل امتلأت بيوتهم حبرة فهم
~~ينتظرون العبرة، وحكى الكسائي حبرته أكرمته ونعمته، وقيل: الحبرة كل نعمة
~~حسنة والتحبير التحسين، ويقال: فلان حسن الحبر والسبر بالفتح إذا كان
~~جميلا حسن الهيئة، واختلفت الأقوال في تفسيره هنا فأخرج ابن جرير. وابن
~~المنذر عن ابن عباس، وابن أبي حاتم عن الضحاك أنهما قالا: يحبرون
~~يكرمون. وأخرج جماعة عن مجاهد يحبرون ينعمون، وقال أبو بكر ابن عياش:
~~يتوجون على رؤوسهم. وقال ابن كيسان: يحلون، وقال الأوزاعي ووكيع ويحيى
~~بن أبي كثير: يسمعون الأغاني، وأخرج عبد بن حميد عن الأخير أنه قال:
~~قيل: يا رسول الله ما الحبر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: اللذة والسماع.
~~وذكر بعضهم أن الظاهر يسرون ولم يذكر ما يسرون به إيذانا بكثرة المسار
~~وما جاء في الخبر فمن باب الاقتصار على البعض، ولعل السائل كان يحب
~~السماع فذكره صلى الله عليه وسلم له لذلك، والتعبير بالمضارع للإيذان ms08164
~~بتجدد السرور لهم ففي كل ساعة يأتيهم ما يسرون به من متجددات الملاذ
~~وأنواعها المختلفة.

### || [30.16]

# { وأما الذين كفروا وكذبوا بآيتنا } التي من
~~جملتها الآيات الناطقة بما فصل { ولقاء الأخرة } أي وكذبوا
~~بالبعث، وصرح بذلك مع اندراجه في تكذيب الآيات للاعتناء به، وقوله تعالى:
~~{ فأولئك } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة من
~~الكفر والتكذيب بآياته تعالى وبلقاء الآخرة للإيذان بكمال تميزهم بذلك عن
~~غيرهم وانتظامهم في سلك المشاهدات، وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد
~~بالمشار إليه للإشعار ببعد منزلتهم في الشر أي فأولئك الموصوفون بما ذكر
~~من القبائح { فى العذاب محضرون } على الدوام لا يغيبون عنه
~~أبدا، والظاهر أن الفسقة من أهل الإيمان غير داخلين في أحد الفريقين أما
~~عدم دخولهم في الذين كفروا وكذبوا بالآيات والبعث فظاهر وأما عدم دخولهم
~~في

# الذين آمنوا وعملوا الصالحات

# [الروم: 15] فإما لأن ذلك لا يقال في العرف إلا على المؤمنين المجتنبين
~~للمفسقات على ما قيل، وإما لأن المؤمن الفاسق يصدق على المؤمن الذي لم
~~يعمل شيئا من الصالحات أصلا فهم غير داخلين في ذلك باعتبار جميع
~~الأفراد وحكمهم معلوم من آيات أخر فلا تغفل.

### || [30.17-18]

# إثر ما بين حال فريقي المؤمنين العاملين بالصالحات والكافرين المكذبين
~~بالآيات وما لهما من الثواب والعقاب أرشد سبحانه إلى ما ينجي من الثاني
~~ويفضي إلى الأول من تنزيه الله عز وجل عن كل ما لا يليق بشأنه جل شأنه
~~ومن حمده تعالى والثناء عليه ووصفه بما هو أهله من الصفات الجميلة
~~والشؤون الجليلة، وتقديم الأول على الثاني لما أن التخلية متقدمة على
~~التحلية مع أنه أول ما يدعي إليه الذين كفروا المذكورون قبل بلا فصل،
~~والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها.

# وظاهر كلامهم أن { سبحان } هنا منصوب بفعل أمر محذوف فكأنه قيل: إذا
~~علمتم ذلك أو إذا صح واتضح حال الفريقين ومآلهما فسبحوا سبحان الله الخ
~~أي نزهوه تعالى تنزيهه اللائق به عز وجل في هذه الأوقات، قال في «الكشف»:
~~وفيه إشكال ms08165 لأن سبحان الله لزم طريقة واحدة لا ينصبه فعل الأمر لأنه
~~إنشاء من نوع آخر، والجواب أن ذلك توضيح للمعنى وأن وقوعه جواب الشرط على
~~منوال إن فعلت كذا فنعم ما فعلت فإنه إنشاء أيضا لكنه ناب مناب الخبر
~~وأبلغ، كذلك هو لإنشاء تنزيهه تعالى في الأوقات هربا من وبيل عقابه
~~وطلبا لجزيل ثوابه، والشرط والجواب مقول على ألسنة العباد انتهى، وفي
~~«حواشي شيخ زاده» أن الأمر بل الجملة الإنشائية مطلقا لا يصح تعليقها
~~بالشرط لأن الإنشاء إيقاع المعنى بلفظ يقارنه ولو جاز تعليقه للزم تأخره
~~عن زمان التلفظ وأنه غير جائز وإنما المعلق بالشرط هو الإخبار عن إنشاء
~~التمني والترجي وإنشاء المدح والذم والاستفهام ونحوها فإذا قلت: إن فعلت
~~كذا غفر الله تعالى لك أو فنعم ما فعلت كان المعنى فقد فعلت ما تستحق
~~بسببه أن يغفر الله تعالى لك أو أن تمدح بسببه إلا أن الجملة الإنشائية
~~أقيمت مقامه للمبالغة للدلالة على الاستحقاق فمعنى الآية إذا كان الأمر
~~كما تقرر فأنتم تسبحون الله تعالى في الأوقات المذكورة وهو في معنى الأمر
~~بالتسبيح فيها انتهى. ولعله أظهر مما في «الكشف» بل لا يظهر ما ذكر فيه
~~من دعوى أن الشرط والجواب مقول على ألسنة العباد.

# ويوهم كلام بعضهم أن الكلام بتقدير القول حيث قال: كأنه قيل إذا صح
~~واتضح عاقبة المطيعين والعاصين فقولوا: نسبح سبحان الخ، والمعنى فسبحوه
~~تسبيحا في الأوقات، ولا يخفى ما فيه، وكأني بك تمنع لزوم سبحان طريقة
~~واحدة وهي التي ذكرت أولا، ويجوز نصب فعل الأمر لها إذا اقتضاه المقام
~~وأشعر به الكلام، ولكن كأنك تميل إلى اعتبار كون الجملة خبرية لفظا
~~إنشائية معنى بأن يراد بها الأمر لتوافق جملة { له الحمد } فإنها
~~وإن كانت خبرية إلا أن الإخبار بثبوت الحمد له تعالى ووجوبه على المميزين
~~من أهل السماوات والأرض كما يشعر به اتباع ذلك ذكر الوعد والوعيد وتفريعه
~~عليه بالفاء في معنى الأمر به على أبلغ وجه على ما صرح به بعض الأجلة
~~فكأنه ms08166 حينئذ قد قيل: فسبحوا الله تعالى تسبيحه اللائق به سبحانه في هذه
~~الأوقات واحمدوه.

# وظاهر كلام الأكثرين أن جملة { له الحمد } الخ معطوفة على الجملة
~~التي قبلها وأن { عشيا } معطوف على { حين تمسون } بل هم صرحوا
~~بهذا، وعلى ما ذكر يكون جملة { له الحمد } فاصلة بين المعطوف
~~والمعطوف عليه، وما أشبه الآية حينئذ بآية الوضوء على ما ذهب إليه أهل
~~السنة. وفي «الكشاف» أن { عشيا } متصل بقوله تعالى: { حين تمسون }
~~وقوله تعالى: { وله الحمد } الخ اعتراض بينهما، ومعناه أن على
~~المميزين كلهم من أهل السماوات والأرض أن يحمدوه. وإلى كون الجملة معترضة
~~ذهب أبو البقاء أيضا، وجعل قوله تعالى: { في السموات } حالا من
~~{ الحمد } ، وفي جواز مجىء الحال منه على احتمال كونه مبتدأ وهو الظاهر
~~خلاف، ولعل من لا يجوز ذلك يجعل الجار متعلقا بالثبوت الذي تقتضيه
~~النسبة.

# والمراد بالتسبيح والحمد ظاهرهما على ما ذهب إليه جمع من الأجلة، وقيل:
~~المراد بالتسبيح الصلاة. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن
~~المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن أبي رزين قال: جاء
~~نافع بن الأزرق إلى ابن عباس فقال: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟
~~فقال: نعم فقرأ { فسبحان الله حين تمسون } صلاة المغرب {
~~وحين تصبحون } صلاة الصبح { وعشيا } صلاة العصر { وحين
~~تظهرون } صلاة الظهر، وقرأ

# ومن بعد صلوة العشاء

# [النور: 58] وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عنه قال: جمعت
~~هذه الآية مواقيت الصلاة { فسبحان الله حين تمسون } المغرب
~~والعشاء { وحين تصبحون } الفجر { وعشيا } العصر { وحين
~~تظهرون } الظهر، وذهب الحسن إلى ذلك حتى أنه ذهب إلى أن الآية مدنية
~~لما أنه يرى فرضية الخمس بالمدينة وأنه كان الواجب بمكة ركعتين في أي وقت
~~اتفقت الصلاة فيه، والصحيح أنها فرضت بمكة ويدل عليه حديث المعراج دلالة
~~بينة.

# واختار الإمام الرازي حمل التسبيح على التنزيه فقال: إنه أقوى والمصير
~~إليه أولى لأنه يتضمن الصلاة وذلك لأن التنزيه المأمور به يتناول التنزيه
~~بالقلب وهو الاعتقاد الجازم وباللسان مع ذلك وهو الذكر ms08167 الحسن وبالأركان
~~معهما جميعا وهو العمل الصالح، والأول هو الأصل والثاني ثمرة الأول
~~والثالث ثمرة الثاني، وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد شيئا ظهر من قلبه على
~~لسانه وإذا قال ظهر صدقه في مقاله من أحوال أفعاله واللسان ترجمان الجنان
~~والأركان برهان اللسان لكن الصلاة أفضل أعمال الأركان وهي مشتملة على
~~الذكر باللسان والقصد بالجنان فهو تنزيه في التحقيق، فإذا قال سبحانه
~~نزهوني وهذا نوع من أنواع التنزيه والأمر المطلق لا يختص بنوع دون نوع
~~فيجب حمله على كل ما هو تنزيه فيكون [أيضا] هذا أمرا بالصلاة، ثم إن
~~قولنا يناسبه ما تقدم وذلك لأن الله تعالى لما بين أن المقام الأعلى
~~والجزاء الأوفى لمن آمن وعمل الصالحات حيث قال عز وجل:

# فأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فهم فى
~~روضة يحبرون

# [الروم: 15] قال سبحانه: إذا علمتم أن ذلك المقام لمن آمن وعمل الصالحات
~~والإيمان تنزيه بالجنان وتوحيد باللسان والعمل الصالح استعمال الأركان
~~فالكل تنزيهات وتحميدات فسبحان الله أي فأتوا بذلك الذي هو الموصل إلى
~~الحبور في الرياض والحضور على الحياض اه.

# وأنا بالإمام أقتدي في دعوى أولوية الحمل على الظاهر، واختار أيضا أن
~~قوله تعالى: { له الحمد } اعتراض مؤكد بين المعطوف والمعطوف عليه
~~مطلقا ومعناه على ما سمعت عن «الكشاف» أن على المميزين كلهم أن يحمدوه
~~فإن حمل التسبيح على الصلاة فهو كلام يؤكد الوجوب لأن الحمد يتجوز به عن
~~الصلاة كالتسبيح، ووجه التأكيد دلالته على / أنه أمر عم المكلفين من أهل
~~السماوات والأرض، وإن حمل على الظاهر فوجهه أن ذلك جار مجرى الاستدراك
~~للأمر بالتسبيح، ولما كان من واد واحد كان كل منهما مؤكدا للآخر فدل على
~~دوام وجوب الحمد في الأوقات ووجوب التسبيح على أهل السماوات والأرض، وأما
~~الدلالة على الوجوب فمن اتباع { سبحن الله } الخ ذكر الوعد
~~والوعيد بالفاء فإنه يفهم تعين ذلك طريقا للخلاص عن الدركات والوصول إلى
~~الدرجات وما يتعين طريقا لذلك كان واجبا كذا في «الكشف». وذكر الإمام
~~أن في هذا الاعتراض لطيفة وهو أن ms08168 الله تعالى لما أمر العباد بالتسبيح
~~كأنه قال جل وعلا: بين لهم أن تسبيحهم الله تعالى لنفعهم لا لنفع يعود
~~إلى الله عز وجل فعليهم أن يحمدوا الله تعالى إذا سبحوه جل شأنه، وهذا
~~كما في قوله تعالى:

# يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على
~~إسلمكم بل الله يمن عليكم أن هداكم
~~للإيمن

# [الحجرات: 17]. وجوز بعضهم كون { عشيا } معطوفا على قوله تعالى: { في
~~السموات } ورد بأنه لا يعطف ظرف الزمان على المكان ولا عكسه،
~~وقيل: يحتمل أن يكون معطوفا على مقدر أي وله الحمد في السماوات والأرض
~~دائما وعشيا على أنه تخصيص بعد تعميم والجملة اعتراضية أو حالية وهو
~~كما ترى.

# وتخصيص الأوقات المذكورة بالذكر لظهور آثار القدرة والعظمة والرحمة
~~فيها، وقدم الإمساء على الإصباح لتقدم الليل والظلمة، وقدم العشي على
~~الإظهار لأنه بالنسبة إلى الإظهار كالإمساء بالنسبة إلى الإصباح. وفي
~~«البحر» قوبل بالعشي الإمساء وبالإظهار الإصباح لأن كلا منهما يعقب بما
~~قابله فالعشي يعقبه الإمساء والإصباح يعقبه الإظهار، وقال العلامة أبو
~~السعود: إن تقديم { عشيا } على { حين تظهرون } لمراعاة الفواصل
~~وليس بذاك وذكر الإمام أنه قدم الإمساء على الإصباح ههنا وأخر في قوله
~~تعالى:

# سبحوه بكرة وأصيلا

# [الأحزاب: 42] لأن أول الكلام ههنا ذكر الحشر والإعادة وكذا آخره
~~والإمساء آخر فذكر الآخر أولا لتذكر الآخرة، وتغيير الأسلوب في { عشيا
~~} لما أنه لا يجىء منه الفعل بمعنى الدخول في العشي كالمساء والصباح
~~والظهيرة، ولعل السر في ذلك على ما قيل: إنه ليس من الأوقات التي تختلف
~~فيها أحوال الناس وتتغير تغيرا ظاهرا مصححا لوصفهم بالخروج عما قبلها
~~والدخول فيها كالأوقات المذكورة فإن كلا منها وقت يتغير فيه الأحوال
~~تغيرا ظاهرا، أما في المساء والصباح فظاهر، وأما في الظهيرة فلأنها وقت
~~يعاد فيه التجرد عن الثياب للقيلولة كما مرت إليه الإشارة في سورة النور.

# هذا وفضل التسبيح والتحميد أظهر من أن يستدل عليه، وذكروا في فضل ما
~~تضمنته الآية عدة أخبار، فأخرج الإمام أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن
~~أبي حاتم ms08169 وابن السني في «عمل اليوم والليلة» والطبراني وابن مردويه
~~والبيهقي في «الدعوات» عن معاذ بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " ألا أخبركم لم سمى الله تعالى إبراهيم خليله { الذي وفى } [النجم: 37]
~~لأنه يقول كلما أصبح وأمسى { سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد
~~في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون } "

# وأخرج أبو داود والطبراني وابن السني وابن مردويه عن ابن عباس عن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " من قال حين يصبح { سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } إلى قوله
~~تعالى: { وكذلك تخرجون } [الروم: 19] أدرك ما فاته في يومه ومن قالها حين
~~يمسي أدرك ما فاته من ليلته "

# إلى غير ذلك من الأخبار، ولعل فيه تأييدا لكون { فسبحن } الخ
~~مقولا على ألسنة العباد فتأمل.

# وقرأ عكرمة { حينا تمسون وحينا تصبحون } بتنوين حين
~~فالجملة صفة حذف منها العائد والتقدير تمسون فيه وتصبحون فيه، وعلى قراءة
~~الجمهور الجملة مضاف إليها / ولا تقدير للضمير أصلا.

### || [30.19]

# { يخرج الحى من الميت } الإنسان من النطفة { ويخرج
~~الميت من الحى } النطفة من الإنسان وهو التفسير المأثور عن ابن
~~عباس وابن مسعود، ولعل مرادهما التمثيل، وعن مجاهد يخرج المؤمن من الكافر
~~ويخرج الكافر من المؤمن، وقيل: أي يعقب الحياة بالموت وبالعكس { ويحي
~~الأرض } بالنبات { بعد موتها } يبسها فالإحياء والموت مجازان {
~~وكذلك } أي مثل ذلك الإخراج البديع الشأن { تخرجون } من
~~قبوركم. وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش { تخرجون } بفتح التاء وضم
~~الراء، وهذا على ما قيل نوع تفصيل لقوله تعالى:

# يبدأ الخلق ثم يعيده

# [الروم: 11].

### || [30.20]

# { ومن ءايته } الباهرة الدالة على أنكم تبعثون دلالة أوضح من
~~دلالة ما سبق، فإن دلالة بدء خلقهم على إعادتهم أظهر من دلالة إخراج الحي
~~من الميت وإخراج الميت من الحي ومن دلالة إحياء الأرض بعد موتها عليها {
~~أن خلقكم } أي في ضمن خلق آدم عليه السلام لما مر مرارا من أن
~~خلقه عليه السلام منطو على خلق ذرياته انطواء إجماليا { من تراب }
~~لم يشم رائحة الحياة قط ولا ms08170 مناسبة بينه وبين ما أنتم عليه في ذاتكم
~~وصفاتكم، وقيل: خلقهم من تراب لأنه تعالى خلق مادتهم منه فهو مجاز أو على
~~تقدير مضاف { ثم إذا أنتم بشر تنتشرون } أي في الأرض
~~تتصرفون في أغراضكم وأسفاركم، { وإذا } فجائية و { ثم } على ما ذهب
~~إليه أبو حيان للتراخي الحقيقي لما بين الخلق والانتشار من المدة، وقال
~~العلامة الطيبي: إنها للتراخي الرتبي لأن المفاجأة تأبى الحقيقي. ورد
~~بأنه لا مانع من أن يفاجىء أحدا أمر بعد مضي مدة من أمر آخر أو أحدهما
~~حقيقي والآخر عرفي. وتعقب بأنه على تسليم صحته يأباه الذوق فإنه كالجمع
~~بين الضب والنون فما ذكره الطيبي أنسب بالنظم القرآني، والظاهر أن
~~الجملة معطوفة على المبتدأ قبلها وهي بتأويل مفرد كأنه قيل: ومن آياته
~~خلقكم من تراب ثم مفاجأتكم وقت كونكم بشرا منتشرين كذا قيل، وفي وقوع
~~الجملة مبتدأ بمثل هذا التأويل نظر إلا أن يقال: إنه يغتفر في التابع ما
~~لا يغتفر في المتبوع ويتخيل من كلام بعضهم أن العطف على { خلقكم }
~~بحسب المعنى حيث قال: أي ثم فاجأتم وقت كونكم بشرا منتشرين، ويفهم من
~~كلام صاحب «الكشف» في نظر الآية أعني قوله تعالى الآتي:

# ومن ءايته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم
~~إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون

# [الروم: 25] أنه أقيمت الجملة مقام المفرد من حيث المعنى لأنها تفيد
~~فائدته، والكلام على أسلوب

# مقام إبرهيم ومن دخله كان ءامنا

# [آل عمران: 97] لأنه في معنى وأمن داخله، وأما من حيث الصورة فهي جملة
~~معطوفة على قوله تعالى: { ومن ءايته أن خلقكم } وفائدة
~~هذا الأسلوب الإشعار بأن ذلك آية خارجة من جنس الآيات مستقلة بشأنها
~~مقصودة بذاتها فتأمل.

### || [30.21]

# { ومن ءايته } الدالة على البعث أيضا { أن خلق لكم } أي
~~لأجلكم { من أنفسكم أزوجا } فإن خلق أصل أزواجكم حواء من ضلع
~~آدم عليه السلام متضمن لخلقهن من أنفسكم على ما عرفت من التحقيق  فمن 
~~تبعيضية والأنفس بمعناها الحقيقي، ويجوز أن تكون { من } ابتدائية
~~والأنفس مجاز عن الجنس ms08171 أي خلق لكم من جنسكم لا من جنس آخر، قيل: وهو
~~الأوفق بقوله تعالى: { لتسكنوا إليها } أي لتميلوا إليها يقال:
~~سكن إليه إذا مال فإن المجانسة من دواعي النظام والتعارف كما أن /
~~المخالفة من أسباب التفرق والتنافر { وجعل بينكم } أي بين
~~الأزواج إما على تغليب الرجال على النساء في الخطاب أو على حذف ظرف معطوف
~~على الظرف المذكور أي جعل بينكم وبينهن كما في قوله تعالى:

# لا نفرق بين أحد من رسله

# [البقرة: 285] وقيل: بين أفراد الجنس أو بين الرجال والنساء، وتعقب بأنه
~~يأباه قوله تعالى: { مودة ورحمة } فإن المراد بهما ما كان
~~منهما بعصمة الزواج قطعا أي جعل بينكم بالزواج الذي شرعه لكم توادا
~~وترحما من غير أن يكون بينكم سابقة معرفة ولا رابطة مصححة للتعاطف من
~~قرابة أو رحم، قيل: المودة والرحمة من الله تعالى والفرك - وهو بغض أحد
~~الزوجين الآخر - من الشيطان. وقال الحسن ومجاهد وعكرمة: المودة كناية عن
~~النكاح والرحمة كناية عن الولد، وكون المودة بمعنى المحبة كناية عن
~~النكاح أي الجماع للزومها له ظاهر، وأما كون الرحمة كناية عن الولد
~~للزومها له فلا يخلو عن بعد، وقيل: مودة للشابة ورحمة للعجوز، وقيل: مودة
~~للكبير ورحمة للصغير، وقيل: هما اشتباك الرحم والكل كما ترى.

# { إن فى ذلك } أي فيما ذكر من خلقهم من تراب وخلق أزواجهم من
~~أنفسهم وإلقاء المودة والرحمة فهو إشارة إلى جميع ما تقدم، وقيل: إلى ما
~~قبله وليس بذاك، وما فيه من معنى البعد مع قرب المشار إليه للإشعار ببعد
~~منزلته { لأيات } عظيمة لا يكتنه كنهها كثيرة لا يقادر قدرها {
~~لقوم يتفكرون } في تضاعيف تلك الأفاعيل المبنية على الحكم،
~~والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله مع التنبيه على أن ما ذكر ليس بآية
~~فذة بل هي مشتملة على آيات شتى وأنها تحتاج إلى تفكر كما تؤذن بذلك
~~الفاصلة. وذكر الطيبي أنه لما كان القصد من خلق الأزواج والسكون إليها
~~وإلقاء المحبة بين الزوجين ليس مجرد قضاء الشهوة التي يشترك بها البهائم
~~بل ms08172 تكثير النسل وبقاء نوع المتفكرين الذين يؤديهم الفكر إلى المعرفة
~~والعبادة التي ما خلقت السماوات والأرض إلا لها ناسب كون المتفكرين فاصلة
~~هنا.

### || [30.22]

# { ومن ءايته خلق السموت والأرض واختلف
~~ألسنتكم } أي لغاتكم بأن علم سبحانه كل صنف لغته أو ألهمه جل وعلا
~~وضعها وأقدره عليها فصار بعض يتكلم بالعربية وبعض بالفارسية وبعض
~~بالرومية إلى غير ذلك مما الله تعالى أعلم بكميته. وعن وهب أن الألسنة
~~اثنان وسبعون لسانا في ولد حام سبعة عشر وفي ولد سام تسعة عشر، وفي ولد
~~يافث ستة وثلاثون، وجوز أن يراد بالألسنة أجناس النطق وأشكاله فقد اختلف
~~ذلك اختلافا كثيرا فلا تكاد تسمع منطقين متساويين في الكيفية من كل
~~وجه، ولعل هذا أولى مما تقدم. والإمام حكى الوجه الأول وقدم عليه ما هو
~~ظاهر في أن المراد بالألسنة الأصوات والنغم ونص على أنه أصح من المحكي.

# { وألونكم } بياض الجلد وسواده وتوسط فيما بينهما أو تصوير
~~الأعضاء وهيئاتها وألوانها وحلاها بحيث وقع التمايز بين الأشخاص حتى أن
~~التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما والأمور المتلاقية لهما في التخليق
~~يختلفان في شيء من ذلك لا محالة وإن كانا في غاية التشابه، فالألوان
~~بمعنى الضروب والأنواع كما يقال: ألوان الحديث وألوان الطعام، وهذا
~~التفسير أعم من الأول، وإنما نظم اختلاف الألسنة والألوان في سلك الآيات
~~الآفاقية من خلق السماوات والأرض مع كونه من الآيات الأنفسية الحقيقة
~~بالانتظام في سلك ما سبق من خلق أنفسهم وأزواجهم للإيذان باستقلاله
~~والاحتراز عن توهم كونه من متممات خلقهم.

# { إن فى ذلك } أي فيما ذكر من خلق السماوات والأرض واختلاف
~~الألسنة والألوان { لآيات } عظيمة كثيرة { للعلمين } / أي
~~المتصفين بالعلم كما في قوله تعالى:

# وما يعقلها إلا العلمون

# [العنكبوت: 43] وقرأ الكثير { العلمين } بفتح اللام، وفيه دلالة
~~على وضوح الآيات وعدم خفائها على أحد من الخلق كافة.

### || [30.23]

# { ومن ءايته منامكم } أي نومكم { بالليل والنهار
~~} لاستراحة القوى النفسانية وتقوي القوى الطبيعية { وابتغاؤكم }
~~أي طلبكم { من فضله } أي بالليل والنهار، وحذف ذلك لدلالة ما قيل
~~عليه، ms08173 ونظيره قوله:

# عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم

# ومقتلهم عند الوغى كان أغدرا

# فإنه أراد يقتلون نفوسهم عند السلم وحذف لدلالة الوغى في الشطر الثاني
~~عليه، والنوم بالليل والابتغاء من الفضل أي الكسب بالنهار أمران معتادان،
~~وأما النوم بالنهار فكنوم القيلولة، وأما الكسب بالليل فكما يقع من بعض
~~المكتسبين، وأهل الحرف من السعي والعمل ليلا لا سيما في أطول الليالي
~~وعدم وفاء نهارهم بأغراضهم، ومن ذلك حراسه الحوانيت بالأجرة وكذا قطع
~~البراري في الأسفار ليلا للتجارة ونحوها، وقال الزمخشري: وهذا من باب
~~اللف وترتيبه ومن آياته منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار إلا أنه
~~فصل بين القرينين الأولين أعني منامكم وابتغاؤكم بالقرينين الآخرين أعني
~~الليل والنهار لأنهما ظرفان والظرف والواقع فيه كشيء واحد مع إعانة اللف
~~على الاتحاد وهو الوجه الظاهر لتكرره في القرآن وأسد المعاني ما دل عليه
~~القرآن انتهى؛ والظاهر أنه أراد باللف الاصطلاحي ولا يأبى ذلك توسيط
~~الليل والنهار لأنهما في نية التأخير وإنما وسطا للاهتمام بشأنهما
~~لأنهما من الآيات في الحقيقة لا المنام والابتغاء على ما حققه في «الكشف»
~~مع تضمن توسيطهما مجاورة كل لما وقع فيه فالجار والمجرور قيل حال مقدمة
~~من تأخير أي كائنين بالليل والنهار، وقيل: خبر مبتدأ محذوف أي وذلك
~~بالليل والنهار، والجملة في النظم الكريم معترضة، وعلى كلا القولين لا
~~يرد على الزمخشري لزوم كون النهار معمولا للابتغاء مع تقدمه عليه وعطفه
~~على معمول { منامكم } وفي اقتران الفضل بالابتغاء إشارة إلى أن العبد
~~ينبغي أن لا يرى الرزق من نفسه وبحذقه بل يرى كل ذلك من فضل ربه جل وعلا.

# { إن فى ذلك لآيت لقوم يسمعون } أي شأنهم أن
~~يسمعوا الكلام سماع تفهم واستبصار، وفيه إشارة إلى ظهور الأمر يحيث يكفي
~~فيه مجرد السماع لمن له فهم وبصيرة ولا يحتاج إلى مشاهدة وإن كان
~~مشاهدا. وقال الطيبي: جىء بالفاصلة هكذا لأن أكثر الناس منسدحون بالليل
~~كالأموات ومترددون بالنهار كالبهائم لا يدرون فيم هم ولم ذلك لكن من ألقى
~~السمع وهو شهيد يتنبه ms08174 لوعظ الله تعالى ويصغي إليه لأن مر الليالي وكر
~~النهار يناديان بلسان الحال الرحيل الرحيل من دار الغرور إلى دار القرار
~~كما قال تعالى:

# وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد
~~أن يذكر أو أراد شكورا

# [الفرقان: 62] وذكر الإمام أن من الأشياء ما يحتاج في معرفته إلى موقف
~~يوقف عليه ومرشد يرشد إليه فيفهم إذا سمع من ذلك المرشد، ولما كان المنام
~~والابتغاء قد يقع لكثير أنهما من أفعال العباد فيحتاج معرفة أنهما من
~~آياته تعالى إلى مرشد يعين الفكر قيل: { لقوم يسمعون } فكأنه
~~قيل: لقوم يسمعون ويجعلون بالهم إلى كلام المرشد انتهى؛ ولعل الاحتياج
~~إلى مرشد يعين الفكر في أن الليل والنهار من الآيات بناء على ما سمعت في
~~بيان نكتة التوسيط أظهر فتأمل.

### || [30.24]

# { ومن ءايته يريكم البرق } ذهب أبو علي إلى أنه بتقدير
~~أن المصدرية والأصل أن يريكم فحذف أن وارتفع الفعل وهو الشائع بعد الحذف
~~في مثل ذلك، وشذ بقاؤه منصوبا بعده وقد روي بالوجهين قول طرفة:

# ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى

# وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

# وجوز كونه مما نزل فيه الفعل منزلة المصدر فلا تقدر أن بل الفعل مستعمل
~~في جزء معناه وهو الحدث مقطوع فيه النظر عن الزمان فيكون اسما في صورة
~~الفعل فيريكم بمعنى الرؤية، وحمل على ذلك في المشهور قولهم: تسمع
~~بالمعيدي خير من أن تراه، وجوز فيه أن يكون مما حذف فيه أن وأيد بأنه روي
~~فيه تسمع بالنصب أيضا ولم يرتضه بعض الأجلة لأن المعنى ليس على
~~الاستقبال، وأما أن تراه فالاستقبال فيه بالنسبة إلى السماء فلا ينافيه،
~~ومثله قوله:

# فقالوا ما تشاء فقلت ألهو

# إلى الإصباح آثر ذي أثير

# ورجح الحمل على التنزيل منزلة اللازم دلالة على أنه كالحال اهتماما
~~بشأن المراد لقوله: آثر ذي أثير، والتعليل بأن ما تشاء سؤال عما يشاؤه في
~~الحال وأن للاستقبال ليس بالوجه لأن المشيئة تتعلق بالمستقبل أبدا، وقال
~~الجامع الأصفهاني: تقدير الآية ومن آياته آية يريكم البرق على أن ms08175 {
~~يريكم } صفة وحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه كما في قوله:

# وما الدهر إلا تارتان فمنهما

# أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح

# أي فمنهما تارة أموت قيل فلا بد من راجع فقدر فيها أو بها، ونص على
~~الثاني الرماني كما في «البحر» وكلاهما لا يسد  كما في «الكشف»  عليه
~~المعنى، وقيل: التقدير ومن آياته البرق ثم استؤنف يريكم البرق، وقيل: {
~~من ءايته } حال من البرق أي يريكم البرق حال كونه من آياته، وجوز
~~أبو حيان تعلقه بيريكم و { من } لابتداء الغاية وفيه مخالفة لنظرائه.
~~وفي «الكشف» لعل الأوجه أن يكون { من ءايته } خبر مبتدأ محذوف أي
~~من آياته ما يذكر أو ما يتلى عليكم ثم قيل: { يريكم البرق }
~~بيانا لذلك ثم قال: وهذا أقل تكلفا من الكل، وأنت تعلم أن الأوجه ما
~~توافق الآية به نظائرها.

# { خوفا } أي من الصواعق { وطمعا } في المطر قاله الضحاك، وقال
~~قتادة: خوفا للمسافر لأنه علامة المطر وهو يضره لعدم ما يكنه ولا نفع له
~~فيه وطمعا للمقيم، وقيل: خوفا أن يكون خلبا وطمعا أن يكون ماطرا
~~وقال ابن سلام: خوفا من البرد أن يهلك الزرع وطمعا في المطر ونصبهما
~~على العلة عند الزجاج، وهو على مذهب من لا يشترط في نصب المفعول له اتحاد
~~المصدر والفعل المعلل في الفاعل ظاهر، وأما على مذهب الأكثرين المشترطين
~~لذلك فقيل في توجيهه: إن ذلك على تقدير مضاف أي إرادة خوف وطمع أي على
~~تأويل الخوف والطمع بالإخافة والإطماع أما بأن يجعل أصلهما ذلك على حذف
~~الزوائد أو بأن يجعلا مجازين عن سببيهما.

# وقيل: إن ذلك لأن إراءتهم تستلزم رؤيتهم فالمفعولون فاعلون في المعنى
~~فكأنه قيل: لجعلكم رائين خوفا وطمعا. واعترض بأن الخوف والطمع ليسا
~~غرضين للرؤية ولا داعيين لها بل يتبعانها فكيف يكونان علة على فرض
~~الاكتفاء بمثل ذلك عند المشترطين، ووجه بأنه ليس المراد بالرؤية مجرد
~~وقوع البصر بل الرؤية القصدية بالتوجه والالتفات فهو مثل قعدت عن الحزب
~~جبنا ولم يرتض ذلك أبو حيان أيضا ثم قال: لو ms08176 قيل على مذهب المشترطين أن
~~التقدير يريكم البرق فترونه خوفا وطمعا فحذف العامل للدلالة عليه لكان
~~إعرابا سائغا، وقيل: لعل الأظهر / نصبهما على العلة للإراءة لوجود
~~المقارنة والاتحاد في الفاعل فإن الله تعالى هو خالق الخوف والطمع، وكون
~~معنى قول النحاة لا بد أن يكون المفعول له فعل الفاعل أنه لا بد من كونه
~~متصفا به كالإكرام في قولك: جئتك إكراما لك إن سلم فلا حجر من الانتصاب
~~على التشبيه في المقارنة والاتحاد المذكور.

# وتعقب بأن كون المعنى ما ذكر مما لا شبهة فيه وقد ذكره صاحب «الانتصاف»
~~وغيره فإن الفاعل اللغوي غير الفاعل الحقيقي فالتوقف فيه وادعاء أنه لا
~~حجر من الانتصاب على التشبيه مما لا وجه له، وأنا أميل إلى عدم اشتراط
~~الاتحاد في الفاعل لكثرة النصب مع عدم الاتحاد كما يشهد بذلك التتبع
~~والرجوع إلى «شرح الكافية» للرضى، والتأويل مع الكثرة مما لا موجب له،
~~وجوز أن يكون النصب هنا على المصدر أي تخافون خوفا وتطمعون طمعا على أن
~~تكون الجملة حالا، وأولى منه أن يكونا نصبا على الحال أي خائفين
~~وطامعين.

# { وينزل من السماء ماء } وقرأ غير واحد بالتخفيف {
~~فيحيى } أي بسبب الماء { الأرض } بأن يخرج سبحانه به النبات {
~~بعد موتها } يبسها { إن فى ذلك لآيت لقوم
~~يعقلون } يستعملون عقولهم في استنباط أسبابها وكيفية تكونها ليظهر
~~لهم كمال قدرة الصانع جل شأنه وحكمته سبحانه، وقال الطيبي: لما كان ما
~~ذكر تمثيلا لإحياء الناس وإخراج الموتى وكان التمثيل لإدناء المتوهم
~~المعقول وإراءة المتخيل في صورة المحقق ناسب أن تكون الفاصلة لقوم
~~يعقلون.

### || [30.25]

# { ومن ءايته أن تقوم السماء والأرض بأمره } أي
~~بقوله تعالى قوما أو بإرادته عز وجل، والتعبير عنها بالأمر للدلالة على
~~كمال القدرة والغنى عن المبادي والأسباب، وليس المراد بإقامتهما إنشاءهما
~~لأنه قد بين حاله بقوله تعالى:

# ومن ءايته خلق السموات والأرض

# [الروم: 22] ولا إقامتهما بغير مقيم محسوس كما قيل فإن ذلك من تتمات
~~إنشائهما وإن لم يصرح به تعويلا على ما ذكر في موضع ms08177 آخر من قوله تعالى:

# خلق السموات بغير عمد ترونها

# [لقمان: 10] الآية بل قيامهما وبقاؤهما على ما هما عليه إلى أجلهما الذي
~~أشير إليه بقوله تعالى فيما قبل:

# ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما
~~إلا بالحق وأجل مسمى

# [الروم: 8]. ولما كان البقاء مستقبلا باعتبار أواخره وما بعده نزول هذه
~~الآية أظهرت هنا كلمة { أن } التي هي علم في الاستقبال. والإمام ذهب إلى
~~أن القيام بمعنى الوقوف وعدم النزول ثم قال على ما لخصه بعضهم: ذكرت {
~~أن } ههنا دون قوله تعالى:

# ومن ءايته يريكم البرق

# [الروم: 24] لأن القيام لما كان غير متغير أخرج الفعل  بأن  العلم في
~~الاستقبال وجعل مصدرا ليدل على الثبوت، وإراءة البرق لما كانت من الأمور
~~المتجددة جيء بلفظ المستقبل ولم يذكر معه ما يدل على المصدر اه.

# { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم
~~تخرجون }  { إذ } الأولى شرطية والثانية فجائية نائبة مناب الفاء
~~في الجزاء لاشتراكهما في التعقيب. والجملة الشرطية قيل: معطوفة على { أن
~~تقوم } على تأويل مفرد كأنه قيل: ومن آياته قيام السماء والأرض بأمره
~~ثم خروجكم من قبوركم بسرعة إذا دعاكم، وصاحب «الكشف» يقول: إنها أقيمت
~~مقام المفرد من حيث المعنى وأما من حيث الصورة فهي جملة معطوفة على قوله
~~تعالى: { ومن ءايته أن تقوم } وذلك على أسلوب

# مقام إبرهيم ومن دخله كان ءامنا

# [آل عمران: 97] وفائدته ما سمعته قريبا، وظاهر كلام بعض الأفاضل أن
~~العطف عليه ظاهر في عدم قصد عد ما ذكر آية. واختار أبو السعود عليه
~~الرحمة كون العطف من عطف الجمل وأن المذكور ليس من الآيات قال: حيث كانت
~~آية قيام السماء والأرض بأمره تعالى متأخرة عن سائر الآيات المعدودة
~~متصلة / بالبعث في الوجود أخرت عنهن وجعلت متصلة به في الذكر أيضا فقيل:
~~{ ثم إذا دعاكم } الآية، والكلام مسوق للإخبار بوقوع البعث
~~ووجوده بعد انقضاء أجل قيامهما مترتب على تعدد آياته تعالى الدالة عليه
~~غير منتظم في سلكها كما قيل كأنه قيل: ومن آياته قيام السماء والأرض على
~~هيئتهما بأمره ms08178 عز وجل إلى أجل مسمى قدره الله تعالى لقيامهما ثم إذا
~~دعاكم أي بعد انقضاء الأجل في الأرض وأنتم في قبوركم دعوة واحدة بأن قال
~~سبحانه: أيها الموتى اخرجوا فجأتم الخروج منها، ولعل ما أشار إليه صاحب
~~«الكشف» أدق وأبعد مغزى فتأمل.

# و { من الأرض } متعلق بدعا و { من } لابتداء الغاية ويكفي في ذلك
~~إذا كان الداعي هو الله تعالى نفسه لا الملك بأمره سبحانه كون المدعو
~~فيها يقال دعوته من أسفل الوادي فطلع إلى لا بدعوة فإنه إذا جاء نهر الله
~~جل وعلا بطل نهر معقل. نعم جوز كون ذلك صفة لها وأن يكون حالا من الضمير
~~المنصوب ولا بتخرجون لأن ما بعد إذا لا يعمل فيما قبلها، وقال ابن عطية:
~~إن { من } عندي لانتهاء الغاية وأثبت ذلك سيبويه، وقال أبو حيان: إنه
~~قول مردود عند أصحابنا، وظواهر الأخبار أن الموتى يدعون حقيقة للخروج من
~~القبور، وقيل: المراد تشبيه ترتب حصول الخروج على تعلق إرادته بلا توقف
~~واحتياج إلى تجشم عمل بسرعة ترتب إجابه الداعي المطلع على دعائه، ففي
~~الكلام استعارة تمثيلية أو تخييلية ومكنية بتشبيه الموتى بقوم يريدون
~~الذهاب إلى محل ملك عظيم متهيئين لذلك وإثبات الدعوة لهم قرينتها أو هي
~~تصريحية تبعية في قوله تعالى: { دعاكم } إلى آخرها، { وثم } إما
~~للتراخي الزماني أو للتراخي الرتبي، والمراد عظم ما في المعطوف من إحياء
~~الموتى في نفسه وبالنسبة إلى المعطوف عليه فلا ينافي قوله تعالى الآتي:

# وهو أهون عليه

# [الروم: 27] وكونه أعظم من قيام السماء والأرض لأنه المقصود من الإيجاد
~~والإنشاء وبه استقرار السعداء والأشقياء في الدرجات والدركات وهو المقصود
~~من خلق الأرض والسماوات، فاندفع ما قاله ابن المنير من أن مرتبة المعطوف
~~عليه هنا هي العليا مع أن كون المعطوف في مثله أرفع درجة أكثري لا كلي
~~كما صرح به الطيبي فلا مانع من اعتبار التراخي الرتبي لو لم يكن
~~المعطوف أرفع درجة، ويجوز حمل التراخي على مطلق البعد الشامل للزماني
~~والرتبي. وقرأ السبعة ما عدا حمزة والكسائي ms08179 { تخرجون } بضم التاء
~~وفتح الراء.

# وهذه الآية ذكر أنها مما تقرأ على المصاب، أخرج ابن أبي حاتم عن الأزهر
~~بن عبد الله الحرازي قال: يقرأ على المصاب إذا أخذ { ومن ءايته
~~أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم
~~دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } وذكر الإمام وأبو
~~حيان في وجه ترتيب الآيات وتذييل كل منهما بما ذيل كلاما طويلا إن
~~احتجته فارجع إليه.

### || [30.26]

# { وله } عز وجل خاصة كل { من في السموات والأرض } من
~~الملائكة والثقلين خلقا وملكا وتصرفا ليس لغيره سبحانه شركة في ذلك
~~بوجه من الوجوه { كل له } لا لغيره جل وعلا { قنتون }
~~منقادون لفعله لا يمتنعون عليه جل شأنه في شأن من الشؤون وإن لم ينقد
~~بعضهم لأمره سبحانه فالمراد طاعة الإرادة لا طاعة الأمر بالعبادة، وهذا
~~حاصل ما روي عن ابن عباس، وقال الحسن: { قنتون } قائمون بالشهادة
~~على وحدانيته تعالى كما قال الشاعر:

# وفي كل شيء له آية

# تدل على أنه واحد

# / وقال ابن جبير: { قنتون } مخلصون، وقيل: مقرون بالعبودية،
~~وعليهما ليس العموم على ظاهره.

### || [30.27]

# { وهو الذى يبدؤا الخلق ثم يعيده } بعد الموت؛
~~والتكرير لزيادة التقرير لشدة إنكارهم البعث والتمهيد لما بعده من قوله
~~تعالى: { وهو أهون عليه } الضمير المرفوع للإعادة وتذكيره
~~لرعاية الخبر أو لأنها مؤولة بأن والفعل وهو في حكم المصدر المذكر أو
~~لتأويلها بالبعث ونحوه، وكونه راجعا إلى مصدر مفهوم من { يعيد } وهو
~~لم يذكر بلفظ الإعادة لا يفيد على ما قيل لأنه اشتهر به فكأنه إذا فهم
~~منه يلاحظ فيه خصوص لفظه والضمير المجرور لله تعالى شأنه، و { أهون }
~~للتفضيل أي والإعادة أسهل على الله تعالى من المبدأ، والأسهلية على طريقة
~~التمثيل بالنسبة لما يفعله البشر مما يقدرون عليه، فإن إعادة شيء من
~~مادته الأولى أهون عليهم من إيجاده ابتداء، والمراد التقريب لعقول الجهلة
~~المنكرين للبعث وإلا فكل الممكنات بالنسبة إلى قدرته تعالى عز وجل سواء
~~فكأنه قيل: وهو أهون عليه بالإضافة إلى قدركم والقياس على أصولكم.

# وذكر الزمخشري وجها ms08180 آخر للتفضيل وهو أن الإنشاء من قبيل التفضل الذي
~~يتخير فيه الفاعل بين أن يفعله وأن لا يفعله والإعادة من قبيل الواجب
~~الذي لا بد من فعله لأنها لجزاء الأعمال وجزاؤها واجب والإفعال إما محال
~~والمحال ممتنع أصلا خارج عن المقدور، وإما ما يصرف الحكيم عن فعله صارف
~~وهو القبيح وهو رديف المحال لأن الصارف يمنع وجود الفعل كما تمنعه
~~الإحالة، وأما تفضل والتفضل حاله بين بين للفاعل أن يفعله وأن لا يفعله،
~~وإما واجب لا بد من فعله ولا سبيل إلى الإخلال به فكان الواجب أبعد
~~الأفعال من الامتناع وأقربها من الحصول فلما كانت الإعادة من قبيل الواجب
~~كانت أبعد الأفعال من الامتناع وإذا كانت أبعدها منه كانت أدخلها في
~~التأتي والتسهل فكانت أهون منها وإذا كانت كذلك كانت أهون من الإنشاء
~~اه.

# قال في «التقريب»: وفيه نظر لأنه مبني على الوجوب العقلي ولأن الوجوب
~~إذا كان بالذات نافي القدرة كالامتناع وإلا كان ممكنا فتساوى الفعلان
~~لاشتراكهما في مصحح المقدورية وهو الإمكان. وتعقبه في «الكشف» بقوله
~~أقول: إنه غير واجب بالذات ولا يلزم منه المساواة مع التفضل في سهولة
~~التأتي وأما المساواة في مصحح المقدورية فلا مدخل لها فيما نحن فيه،
~~والحاصل منه أنه لو سلم منه أن الداعي إلى فعله أقوى فلا شك أنه أقرب إلى
~~الوجود مما لا يكون الداعي كذلك. نعم إذا خلص الداعي إلى القسمين صارا
~~سواء، وليس البحث على ذلك التقدير اه. والحق ما قاله أبو السعود من أنه
~~ليس المراد بأهونية الفعل أقربيته إلى الوجود باعتبار كثرة الأمور
~~الداعية للفاعل إلى إيجاده وقوة اقتضائها لتعلق قدرته به بل أسهلية تأتيه
~~وصدوره عنه عند تعلق قدرته بوجوده وكونه واجبا بالغير، ولا تفاوت في ذلك
~~بين أن يكون ذلك التعلق بطريق الإيجاب أو بطريق الاختيار.

# وروى الزجاج عن أبي عبيدة وكثير من أهل اللغة أن { أهون } ههنا
~~بمعنى هين، وروي ذلك عن ابن عباس والربيع، وكذا هو في مصحف عبد الله،
~~وهذا كما يقال: الله ms08181 تعالى أكبر أي كبير وأنت أوحد الناس أي واحدهم وإني
~~لأوجل أي وجل. وفي «الكشف» التحقيق أنه من باب الزيادة المطلقة، وإنما
~~قيل بمعنى إلهين لأنه يؤدي مؤداه، وقيل: أفعل على ظاهره وضمير { عليه }
~~عائد على الخلق على معنى أن الإعادة أيسر على المخلوق لأن البداءة فيها
~~تدريج من طور إلى طور إلى أن يصير إنسانا والإعادة لا تحتاج إلى
~~التدريجات في الأطوار إنما يدعوه الله تعالى فيخرج. / وأما على معنى أن
~~الإعادة أسهل على المخلوق أي أن يعيدوا شيئا ويفعلوه ثانيا بعدما
~~زاولوا فعله وعرفوه أولا أسهل من أن يفعلوه أولا قبل المزاولة وإذا كان
~~هذا حال المخلوق فما بالك بالخالق، ولا يخفى أن الظاهر رجوع الضمير إليه
~~تعالى، ثم إن الجار والمجرور صلة { أهون } وقدمت الصلة في قوله
~~تعالى:

# وهو على هين

# [مريم:9، 21] وأخرت هنا لأنه قصد هنالك الاختصاص وهو محزة فقيل { هو
~~على هين } وإن كان صعبا عندكم أن يولد بين هم وعاقر وأما ههنا
~~فلا معنى للاختصاص كيف والأمر مبني على ما يعقلون من أن الإعادة أسهل من
~~الابتداء فلو قدمت الصلة لتغير المعنى.

# ولما أخبر سبحانه بأن الإعادة أهون عليه على طريق التمثيل عقب ذلك بقوله
~~تعالى: { وله } تعالى شأنه خاصة { المثل } أي الوصف العجيب الشأن
~~كالقدرة العامة والحكمة التامة وسائر صفات الكمال { الأعلى } الذي
~~ليس لغيره ما يدانيه فضلا عما يساويه فكأنه قيل هذا لتفهيم العقول
~~القاصرة إذ صفاته تعالى عجيبة وقدرته جل شأنه عامة وحكمته سبحانه تامة
~~فكل شيء بدأ وإعادة وإيجادا وإعداما على حد سواء ولا مثل له تعالى ولا
~~ند. وعن قتادة ومجاهد أن { المثل الأعلى } لا إله إلا الله،
~~ولعلهما أرادا بذلك الوحدانية في ذاته تعالى وصفاته سبحانه، والكلام عليه
~~مرتبط بما قبله أيضا كأنه قيل: ما ذكر لتفهيم العقول القاصرة لأنه تعالى
~~لا يشاركه أحد في ذاته تعالى وصفاته عز وجل، وقيل: مرتبط بما بعده من
~~قوله تعالى:

# ضرب لكم مثلا من أنفسكم

# [الروم: 28] وقال الزجاج: المثل قوله تعالى: ms08182 { هو أهون عليه }
~~قد ضربه الله تعالى مثلا فيما يسهل ويصعب عندكم وينقاس على أصولكم
~~فاللام في المثل للعهد وهو محمول على ظاهره غير مستعار للوصف العجيب
~~الشأن.

# { في السموات والأرض } متعلق بمضمون الجملة المتقدمة على
~~معنى أنه سبحانه قد وصف بذلك وعرف به فيهما على ألسنة الخلائق وألسنة
~~الدلائل، وقيل: بالأعلى، وقيل: بمحذوف هو حال منه أو من { المثل } أو
~~من ضميره في { الأعلى } وقيل: متعلق بما تعلق به { له } أي له في
~~السماوات والأرض المثل الأعلى، والمراد أن دلالة خلقهما على عظيم القدرة
~~أتم من دلالة الإنشاء فهو أدل على جواز الإعادة ولهذا جعل أعلى من
~~الإنشاء فتأمل { وهو العزيز } القادر الذي لا يعجز عن بدء ممكن
~~وإعادته { الحكيم } الذي يجري الأفعال على سنن الحكمة والمصلحة.

### || [30.28]

# { ضرب لكم مثلا } يتبين به بطلان الشرك { من أنفسكم }
~~أي منتزعا من أحوالها التي هي أقرب الأمور إليكم وأعرفها عندكم وأظهرها
~~دلالة على ما ذكر من بطلان الشرك لكونها بطريق الأولوية، و { من }
~~لابتداء الغاية وقوله تعالى: { هل لكم } إلى آخره تصوير للمثل،
~~والاستفهام إنكاري بمعنى النفي و { لكم } خبر مقدم وقوله تعالى: { من
~~ما ملكت أيمنكم } في موضع الحال من { شركاء } بعد لأنه
~~نعت نكرة تقدم عليها؛ والعامل فيها كما في «البحر» هو العامل في الجار
~~والمجرور الواقع خبرا و { من } للتبعيض و { ما } واقعة على النوع،
~~وقوله تعالى: { من شركاء } مبتدأ و { من } مزيدة لتأكيد النفي
~~المستفادة من الاستفهام، وقوله تعالى: { فى ما رزقنكم } متعلق
~~بشركاء أي هل شركاء فيما رزقناكم من الأموال وما يجري مجراها مما تتصرفون
~~فيه كائنون من النوع الذي ملكته أيمانكم من نوع العبيد والإماء كائنون
~~لكم. وجوز أن يكون { لكم } متعلقا بشركاء ويكون { فيما
~~رزقنكم } في موضع الخبر كما تقول لزيد في المدينة / مبغض فلزيد
~~متعلق بمبغض الذي هو مبتدأ وفي المدينة الخبر أي هل شركاء لكم كائنون مما
~~ملكته أيمانكم كائنون فيما رزقناكم.

# وقوله تعالى: { فأنتم فيه سواء } جملة في موضع الجواب للاستفهام ms08183
~~الإنكاري { وفيه } متعلق بسواء، وفي الكلام محذوف معطوف على { أنتم
~~} أي فانتم وهم أي المماليك مستوون فيه لا فرق بينكم وبينهم في التصرف
~~فيه، وقيل: لا حذف { وأنتم } شامل للمماليك بطريق التغليب، وقوله
~~تعالى: { تخافونهم } خبر آخر لأنتم، وقال أبو البقاء: حال من ضمير
~~{ أنتم } الفاعل في { سوآء } وقوله تعالى: { كخيفتكم
~~أنفسكم } في موضع الصفة لمصدر محذوف أي تخافونهم أن تستبدوا بالتصرف
~~فيه بدون رأيهم خيفة كائنة مثل خيفتكم من هو من نوعكم يعني الأحرار
~~المساهمين لكم، والمقصود نفي مضمون ما فصل من الجملة الاستفهامية أي لا
~~ترضون بأن يشارككم فيما رزقناكم من الأموال ونحوها مماليككم وهم أمثالكم
~~في البشرية غير مخلوقين لكم بل لله تعالى فكيف تشركون به سبحانه في
~~المعبودية التي هي من خصائصه تعالى الذاتية مخلوقه سبحانه بل مصنوع
~~مخلوقه جل وعلا حيث تصنعونه بأيدكم ثم تعبدونه.

# وقرأ ابن أبي عبلة { أنفسكم } بالرفع على أن المصدر مضاف للمفعول
~~{ وأنفسكم } فاعله، قال أبو حيان: وهو وجه حسن ولا قبح في إضافة
~~المصدر إلى المفعول مع وجود الفاعل.

# { كذلك } أي مثل ذلك التفصيل الواضح { نفصل الآيت } أي
~~نبينها ونوضحها لا تفصيلا أدنى منه فإن التمثيل تصوير للمعاني المعقولة
~~بصورة المحصوص وإبراز لأوابد المدركات على هيئة المأنوس فيكون في غاية
~~الإيضاح والبيان.

# { لقوم يعقلون } أي يستعملون عقولهم في تدبير الأمثال، وقيل:
~~في تدبير الأمور مطلقا ويدخل في ذلك الأمثال دخولا أوليا، وخصهم
~~بالذكر مع عموم تفصيل الآيات للكل لأنهم المنتفعون بها، وذكر العلامة
~~الطيبي أنه لما كان ضرب الأمثال لأدناء المتوهم إلى المعقول وإراءة
~~المتخيل في صورة المحقق ناسب أن تكون الفاصلة { لقوم يعقلون }
~~وهذه النكتة هنا أظهر منها فيما تقدم فتذكر.

# وقرأ عباس عن أبي عمرو { يفصل } بياء الغيبة رعيا لضرب إذ هو مسند
~~لما يعود للغائب. وقراءة الجمهور بالنون للحمل على { رزقنكم }.

# وذكر بعض العلماء أن في هذه الآية دليلا على صحة أصل الشركة بين
~~المخلوقين لافتقار بعضهم إلى بعض كأنه قيل: الممتنع والمستقبح شركة
~~العبيد لساداتهم أما ms08184 شركة السادات بعضهم لبعض فلا تمتنع ولا تستقبح.

### || [30.29]

# { بل اتبع الذين ظلموا } إعراض عن مخاطبتهم ومحاولة
~~إرشادهم إلى الحق بضرب المثل وتفصيل الآيات واستعمال المقدمات الحقة
~~المعقولة وبيان لاستحالة تبعيتهم للحق كأنه قيل: لم يعقلوا شيئا من
~~الآيات المفصلة بل اتبعوا { أهواءهم } الزائغة، ووضع الموصول موضع
~~ضميرهم للتسجيل عليهم بأنهم في ذلك الاتباع ظالمون واضعون للشيء في غير
~~موضعه أو ظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد { بغير علم } أي
~~جاهلين يبطلان ما أتوا منكبين عليه لا يصرفهم عنه صارف حسبما يصرف العالم
~~إذا اتبع الباطل علمه ببطلانه { فمن يهدى من أضل الله } أي
~~خلق فيه الضلال وجعله كاسبا له باختياره { وما لهم } أي لمن أضله
~~الله تعالى، والجمع باعتبار المعنى { من نصرين } يخلصونهم من
~~الضلال / ويحفظونهم من تبعاته وآفاته على معنى ليس لواحد منهم ناصر واحد
~~على ما هو المشهور في مقابلة الجمع بالجمع، { ومن } مزيدة لتأكيد
~~النفي.

### || [30.30]

# والكلام مسوق لتسلية رسوله صلى الله عليه وسلم وتوطئة لأمره عليه الصلاة
~~والسلام بقوله سبحانه: { فأقم وجهك للدين حنيفا } قال
~~العلامة الطيبي: إنه تعالى عقيب ما عدد الآيات البينات والشواهد الدالة
~~على الوحدانية ونفي الشرك وإثبات القول بالمعاد وضرب سبحانه المثل وقال
~~سبحانه:

# كذلك نفصل الأيت لقوم يعقلون

# [الروم: 28] أراد جل شأنه أن يسلي حبيبه صلوات الله تعالى وسلامه عليه
~~ويوطنه على اليأس من إيمانهم فأضرب تعالى عن ذلك وقال سبحانه: { بل
~~اتبع الذين ظلموا أهواءهم } وجعل السبب في ذلك أنه عز
~~وجل ما أراد هدايتهم وأنه مختوم على قلوبهم ولذلك رتب عليه قوله تعالى: {
~~فمن يهدى من أضل الله } على التقريع والإنكار ثم ذيل
~~سبحانه الكل بقوله تعالى:

# وما لهم من نصرين

# [الروم: 29] يعني إذا أراد الله تعالى منهم ذلك فلا مخلص لهم منه ولا
~~أحد ينقذهم لا أنت ولا غيرك فلا تذهب نفسك عليهم حسرات فاهتم بخاصة نفسك
~~ومن تبعك وأقم وجهك الخ اه، ومنه يعلم حال الفاء في قوله تعالى: {
~~فمن } وكذا في قوله سبحانه: { فأقم } وقدر النيسابوري ms08185 للثانية إذا
~~تبين الحق وظهرت الوحدانية فأقم الخ، ولعل ما أشار إليه الطيبي أولى، ثم
~~إنه يلوح من كلامه احتمال أن يكون الموصول قائما مقام ضمير { الذين
~~ظلموا } فتدبر.

# { وأقم } من أقام العدو ويقال قوم العود أيضا إذا عدله، والمراد
~~الأمر بالإقبال على دين الإسلام والاستقامة والثبات عليه والاهتمام
~~بترتيب أسبابه على أن الكلام تمثيل لذلك فإن من اهتم بشيء محسوس بالبصر
~~عقد إليه طرفه وسدد إليه نظره وأقبل عليه بوجه غير ملتفت عنه فكأنه قيل:
~~فعدل وجهك للدين وأقبل عليه إقبالا كاملا غير ملتفت يمينا وشمالا،
~~وقال بعض الأجلة: إن إقامة الوجه للشيء كناية عن كمال الاهتمام به ولعله
~~أراد بالكناية المجاز المتفرع على الكناية فإنه لا يشترط فيه إمكان إرادة
~~المعنى الحقيقي، ونصب { حنيفا } على الحال من الضمير في { أقم } أو
~~من الدين، وجوز أبو حيان كونه حالا من الوجه، وأصل الحنف الميل من
~~الضلال إلى الاستقامة وضده الجنف بالجيم.

# { فطرت الله } نصب على الإغراء أي الزموا فطرة الله تعالى، ومن
~~أجاز إضمار أسماء الأفعال جوز أن يقدر هنا عليكم اسم فعل، وقال مكي: هو
~~نصب باضمار فعل أي اتبع فطرة الله ودل عليه قوله تعالى: { فأقم
~~وجهك للدين } لأن معناه اتبع الدين، واختاره الطيبي وقال: إنه
~~أقرب في تأليف النظم لأنه موافق لقوله تعالى: { بل اتبع الذين
~~ظلموا أهواءهم } ولترتب قوله تعالى: { فأقم وجهك } عليه
~~بالفاء.

# وجوز أن يكون نصبا بإضمار أعني وأن يكون مفعولا مطلقا لفعل محذوف دل
~~عليه ما بعد أي فطركم فطرة الله، ولا يصح عمل فطر المذكر بعد فيه لأنه من
~~صفته، وأن يكون منصوبا بما دل عليه الجملة السابقة على أنه مصدر مؤكد
~~لنفسه. وأن يكون بدلا من { حنيفا } والمتبادر إلى الذهن النصب على
~~الإغراء، وإضمار الفعل على خطاب الجماعة مع أن المتقدم { فأقم } هو
~~ما اختاره الزمخشري ليطابق قوله تعالى: { منيبين إليه } وجعله
~~حالا من ضمير الجماعة المسند إليه الفعل، وجعل قوله تعالى:

# واتقوه وأقيموا.... ولا تكونوا

# [الروم: 31] معطوفا على ذلك ms08186 الفعل.

# وقال الطيبي بعدما اختار تقدير اتبع ورجحه بما سمعت: وأما قوله تعالى:

# منيبين

# [الروم: 31] فهو حال من الضمير في { أقم } وإنما جمع لأنه مردد على
~~المعنى لأن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو خطاب لأمته / فكأنه
~~قيل: أقيموا وجوهكم منيبين. وقال الفراء: أي أقم وجهك ومن تبعك كقوله
~~تعالى:

# فاستقم كما أمرت ومن تاب معك

# [هود: 112] فلذلك قال سبحانه: { منيبين } وفي «المرشد» أن {
~~منيبين } متعلق بمضمر أي كونوا منيبين لقوله تعالى بعد:

# ولا تكونوا من المشركين

# [الروم: 31] اه. ولا يخفى على المنصف حسن كلام الزمخشري، وما ذكر من أن
~~خطابه صلى الله عليه وسلم خطاب الأمة يؤكد الدلالة وعلى ذلك المضمر لا
~~أنه يجوز أن يكون { منيبين } حالا من الضمير في { أقم } وظاهر
~~كلام الفراء يقتضي كون الحال من مذكور ومحذوف وهو قليل في الكلام، وإضمار
~~كونوا مع إضمار فعل ناصب لفطرة الله موجب لكثرة الإضمار، وإضماره دون
~~إضمار فيما قبل موجب لارتكاب خلاف المتبادر هناك.

# والفطرة على ما قال ابن الأثير للحالة كالجلسة والركبة من الفطرة بمعنى
~~الابتداء والاختراع، وفسرها الكثير هنا بقابلية الحق والتهيىء لإدراكه،
~~وقالوا: معنى لزومها الجريان على موجبها وعدم الإخلال به باتباع الهوى
~~وتسويل شياطين الإنس والجن، ووصفها بقوله تعالى: { التى فطر
~~الناس عليها } لتأكيد وجوب امتثال الأمر، وعن عكرمة تفسيرها بدين
~~الإسلام. وفي الخبر ما يدل عليه، أخرج ابن مردويه عن حماد بن عمر الصفار
~~قال: سألت قتادة عن قوله تعالى: { فطرة الله التى فطر
~~الناس عليها } فقال: حدثني أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال:
~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " فطرة الله التي فطر الناس عليها دين الله تعالى "

# والمراد بفطرهم على دين الإسلام خلقهم قابلين له غير نابين عنه ولا
~~منكرين له لكونه مجاوبا للعقل مساوقا للنظر الصحيح حتى لو تركوا لما
~~اختاروا عليه دينا آخر، ففي «الصحيحين» عن أبي هريرة قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم

# " ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه ms08187 يهودانه أو ينصرانه أو
~~يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء "

# والمراد بالناس على التفسيرين جميعهم. وزعم بعضهم أن المراد بهم على
~~التفسير الثاني المؤمنون وليس بشيء. واستشكل الاستغراق بأنه ورد في
~~الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام أنه طبع على الكفر. وأجيب بأن معنى
~~ذلك أنه قدر أنه لو عاش يصير كافرا بإضلال غيره له أو بآفة من الآفات
~~البشرية، وهذا على ما قيل هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام:

# " الشقي شقي في بطن أمه "

# وذلك لا ينافي الفطر على دين الإسلام بمعنى خلقه متهيأ له مستعدا
~~لقبوله فتأمل فالمقام محتاج بعد إلى تحقيق، وقيل: فطرة الله العهد
~~المأخوذ على بني آدم، ومعنى فطرهم على ذلك على ما قيل خلقهم مركوزا فيهم
~~معرفته تعالى كما أشير إليه بقوله سبحانه:

# ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض
~~ليقولن الله

# [لقمان: 25].

# وقوله سبحانه: { لا تبديل لخلق الله } تعليل للأمر بلزوم
~~فطرته تعالى أو لوجوب الامتثال به فالمراد بخلق الله فطرته المذكورة
~~أولا ففيه إقامة المظهر مقام المضمر من غير لفظه السابق، والمعنى لا صحة
~~ولا استقامة لتبديل فطرة الله تعالى بالإخلال بموجبها وعدم ترتيب مقتضاها
~~عليها باتباع الهوى وقبول وسوسة الشياطين، وقيل: المعنى لا يقدر أحد على
~~أن يغير خلق الله سبحانه وفطرته عز وجل فلا بد من حمل التبديل على تبديل
~~نفس الفطرة بإزالتها رأسا ووضع فطرة أخرى مكانها غير مصححة لقبول الحق
~~والتمكن من إدراكه ضرورة، فإن التبديل بالمعنى الأول مقدور بل واقع قطعا
~~فالتعليل حينتذ من جهة أن سلامة الفطرة متحققة / في كل أحد فلا بد من
~~لزومها بترتيب مقتضاها عليها وعدم الإحلال به بما ذكر من اتباع الهوى
~~ووسوسة الشياطين.

# وقال الإمام: يحتمل أن يقال: إن الله تعالى خلق خلقه للعبادة وهم كلهم
~~عبيده لا تبديل لخلق الله أي ليس كونهم عبيدا مثل كون المملوك عبدا
~~للإنسان فإنه ينتقل عنه إلى غيره ويخرج عن ملكه بالعتق بل لا خروج للخلق
~~عن العبادة والعبودية، ms08188 وهذا لبيان فساد قول من يقول: العبادة لتحصيل
~~الكمال وإذا كمل للعبد بها لا يبقى عليه تكليف. وقول المشركين: إن الناقض
~~لا يصلح لعبادة الله تعالى وإنما يعبد نحو الكواكب وهي عبيد الله تعالى،
~~وقول النصارى: إن عيسى عليه السلام كمل بحلول الله تعالى فيه وصار إلها
~~اه وفيه ما فيه، ومما يستغرب ما روي عن ابن عباس من أن معنى { لا
~~تبديل لخلق الله } النهي عن خصاء الفحول من الحيوان، وقيل: إن
~~الكلام متعلق بالكفرة كأنه قيل: فأقم وجهك للدين حنيفا والزم فطرة الله
~~التي فطر الناس عليها فإن هؤلاء الكفرة خلق الله تعالى لهم الكفر ولا
~~تبديل لخلق الله أي أنهم لا يفلحون.

# وأنت تعلم أنه لا ينبغي حمل كلام الله تعالى على نحو هذا.

# { ذلك } إشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له أو إلى لزوم فطرة
~~الله تعالى المستفاد من الإغراء أو إلى الفطرة والتذكير باعتبار الخبر أو
~~بتأويل المشار إليه بمذكر { الدين القيم } المستوي الذي لا عوج فيه
~~ولا انحراف عن الحق بوجه من الوجوه كما ينبىء عنه صيغة المبالغة، وأصله
~~قيوم على وزن فيعل اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت
~~الواو ياء وأدغمت الياء فيها { ولكن أكثر الناس لا
~~يعلمون } ذلك فيصدون عنه صدودا. وقيل: أي لا علم لهم أصلا ولو
~~علموا لعلموا ذلك على أن الفعل منزل منزلة اللازم.

### || [30.31]

# { منيبين إليه } أي راجعين إليه تعالى بالتوبة وإخلاص العمل من
~~ناب نوبة ونوبا إذا رجع مرة بعد أخرى، ومنه النوب أي النحل سميت بذلك
~~لرجوعها إلى مقرها، وقيل: أي منقطعين إليه تعالى من الناب السن خلف
~~الرباعية لما يكون بها من الانقطاع ما لا يكون بغيرها. وتعقب بأنه بعيد
~~لأن الناب يائي وهذا واوي، وقد تقدم غير بعيد عدة أقوال في وجه نصبه،
~~وزاد عليها في «البحر» القول بكونه نصبا على الحال من { الناس } في
~~قوله تعالى:

# فطر الناس

# [الروم:30] وقدمه على سائر الأقوال وهو كما ترى، وتقدم أيضا ما قيل في
~~عطف ms08189 قوله تعالى: { واتقوه } أي من مخالفة أمره تعالى { وأقيموا
~~الصلوة ولا تكونوا من المشركين } المبدلين لفطرة الله
~~سبحانه تبديلا، والظاهر أن المراد بهم كل من أشرك بالله عز وجل، والنهي
~~متصل بالأوامر قبله، وقيل: بأقيموا الصلاة، والمعنى ولا تكونوا من
~~المشركين بتركها وإليه ذهب محمد بن أسلم الطوسي وهو كما ترى.

### || [30.32]

# وقوله تعالى: { من الذين فرقوا دينهم } بدل من

# المشركين

# [الروم:31] بإعادة الجار، وتفريقهم لدينهم اختلافهم فيما يعبدونه على
~~اختلاف أهوائهم، وقيل: اختلافهم في اعتقاداتهم مع اتحاد معبودهم، وفائدة
~~الإبدال التحذير عن الانتماء إلى حزب من أحزاب المشركين ببيان أن الكل
~~على الضلال المبين. وقرأ حمزة. والكسائي { فارقوا } أي تركوا دينهم الذي
~~أمروا به أو الذي اقتضته فطرتهم { وكانوا شيعا } أي فرقا تشايع كل
~~فرقة أمامها الذي مهد لها دينها وقرره ووضع أصوله { كل حزب بما
~~لديهم } من الدين المعوج المؤسس على الرأس الزائغ والزعم الباطل {
~~فرحون } مسرورون ظنا منهم أنه حق، والجملة قيل اعتراض مقرر لمضمون
~~ما قبله من تفريق دينهم كونهم شيعا، وقيل: في موضع نصب على أنها صفة {
~~شيعا } بتقدير العائد أي كل حزب منهم، وزعم بعضهم كونها حالا. وجوز
~~أن يكون { فرحون } صفة لكل كقول الشماخ:

# وكل خليل غير هاضم نفسه

# لوصل خليل صارم أو معارز

# والخبر هو الظرف المتقدم أعني قوله تعالى: { من الذين فرقوا
~~دينهم } فيكون منقطعا عما قبله، وضعف بأنه يوصف المضاف إليه في نحوه
~~صرح به الشيخ ابن الحاجب في قوله:

# وكل أخ مفارقه أخوه

# لعمر أبيك إلا الفرقدان

# وفي «البحر» أن وصف المضاف إليه في نحوه هو الأكثر وأنشد قوله:

# جادت عليه كل عين ترة

# فتركن كل حديقة كالدرهم

# وما قيل: إنه إذا وصف به { كل } دل على أن الفرح شامل للكل وهو أبلغ
~~ليس بشيء بل العكس أبلغ لو تؤمل أدنى تأمل.

### || [30.33]

# { وإذا مس الناس ضر } أي شدة { دعوا ربهم
~~منيبين إليه } راجعين إليه تعالى من دعاء غيره عز وجل من
~~الأصنام وغيرها { ثم إذا أذاقهم منه رحمة ms08190 } خلاصا من
~~تلك الشدة { إذا فريق بربهم } الذي كانوا دعوه منيبين إليه {
~~يشركون } أي فاجأ فريق منهم الإشراك وذلك بنسبة خلاصهم إلى غيره
~~تعالى من صنم أو كوكب أو نحو ذلك من المخلوقات؛ وتخصيص هذا الفعل ببعضهم
~~لما أن بعضهم ليسوا كذلك، وتنكير (ضر. ورحمة) للتعليل إشارة إلى
~~أنهم لعدم صبرهم يجزعون لأدنى مصيبة ويطغون لأدنى نعمة، و «ثم» للتراخي
~~الرتبى أو الزماني.

### || [30.34]

# { ليكفروا بمآ ءاتينهم } اللام فيه للعاقبة وكونها تقتضي
~~المهلة ولذا سميت لام المآل والشرك والكفر متقاربان لا مهلة بينهما كما
~~قيل لا وجه له، وقيل: للأمر وهو للتهديد كما يقال عند الغضب اعصني ما
~~استطعت وهو مناسب لقوله سبحانه: { فتمتعوا } فإنه أمر تهديدي،
~~واحتمال كونه ماضيا معطوفا على

# يشركون

# [الروم: 33] لا يخفي حاله، والفاء للسببية، والتمتع التلذذ، وفيه التفات
~~من الغيبة إلى الخطاب { فسوف تعلمون } وبال تمتعكم. وقرأ أبو
~~العالية «فيمتعوا» بالياء التحتية مبنيا للمفعول وهو معطوف على
~~(يكفروا. فسوف يعلمون) بالياء التحتية أيضا، وعن أبي
~~العالية أيضا { فيتمتعوا } بياء تحتية قبل التاء وهو معطوف على {
~~يكفروا } أيضا، وعن ابن مسعود { وليتمتعوا } باللام
~~والياء التحتية وهو عطف على { ليكفروا }.

### || [30.35]

# { أم أنزلنا عليهم سلطنا } التفات من الخطاب إلى
~~الغيبة إيذانا بالإعراض عنهم وتعديدا لجناياتهم لغيرهم بطريق المباثة،
~~و { أم } منقطعة، والسلطان الحجة فالإنزال مجاز عن التعليم أو الإعلام،
~~وقوله تعالى: { فهو يتكلم } بمعنى فهو يدل على أن التكلم مجاز
~~عن الدلالة، ولك أن تعتبر هنا جميع ما اعتبروه في قولهم: نطقت الحال من
~~الاحتمالات، ويجوز أن يراد بسلطانا ذا سلطان أي ملكا معه برهان فلا
~~مجاز أولا وآخرا. وجملة { هو يتكلم } جواب للاستفهام الذي
~~تضمنته { أم } إذ المعنى بل أأنزلنا عليهما سلطانا فهو يتكلم / {
~~بما كانوا به يشركون } أي بإشراكهم بالله عز وجل، وصحته على
~~أن { ما } مصدرية وضمير { به } له تعالى أو بالأمر الذي يشركون بسببه
~~وألوهيته على أن «ما» موصولة وضمير «به» لها والباء سببية، والمراد نفي
~~أن يكون لهم مستمسك يعول عليه في ms08191 شركهم.

### || [30.36]

# { وإذا أذقنا الناس رحمة } أي نعمة من صحة وسعة ونحوهما {
~~فرحوا بها } بطرا وأشرا فإنه الفرح المذموم دون الفرح حمدا
~~وشكرا. وهو المراد في قوله تعالى:

# قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا

# [يونس:58] وقال الإمام: المذموم الفرح بنفس الرحمة والممدوح الفرح برحمة
~~الله تعالى من حيث إنها مضافة إلى الله تعالى: { وإن تصبهم
~~سيئة } شدة { بما قدمت أيديهم } بشؤم معاصيهم { إذا
~~هم يقنطون } أي فاجؤوا القنوط من رحمته عز وجل، والتعبير بإذا
~~أولا لتحقق الرحمة وكثرتها دون المقابل، وفي نسبة الرحمة إليه تعالى دون
~~السيئة تعليم للعباد أن لا يضاف إليه سبحانه الشر وهو كثير كقوله تعالى:
~~{ أنعمت } و { المغضوب } في الفاتحة [7]، وعدم بيان سبب إذاقة
~~الرحمة وبيان سبب إصابة السيئة اشارة إلى أن الأول تفضل والثاني عدل،
~~والتعبير بالمضارع في { إذا هم يقنطون } لرعاية الفاصلة
~~والدلالة على الاستمرار في القنوط، والمراد بالناس إما فريق آخر غير
~~الأول على أن التعريف للعهد أو للجنس وأما الفريق الأول لكن الحكم الأول
~~ثابت لهم في حال تدهشهم كمشاهدة الغرق وهذا الحكم في حال آخر لهم فلا
~~مخالفة بين قوله تعالى:

# وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه

# [الروم: 33] وقوله سبحانه: { وإن تصبهم سيئة بما قدمت
~~أيديهم إذا هم يقنطون } فلا يحتاج إلى تكلف التوفيق بأن
~~الدعاء اللساني جار على العادة فلا ينافي القنوط القلبي ولذا سمع بعض
~~الخائضين في دم عثمان رضي الله تعالى عنه يدعو في طوافه ويقول: اللهم
~~اغفر لي ولا أظنك تفعل، أو المراد يفعلون فعل القانطين كالاهتمام بجمع
~~الذخائر أيام الغلاء، ولا يخفى أن في المفاجأة نبوة ما عن هذا فتأمل.
~~وقرىء «يقنطون» بكسر النون.

### || [30.37]

# { أو لم يروا } أي ألم ينظروا ولم يشاهدوا { أن الله
~~يبسط الرزق لمن يشاء } أن يبسطه تعالى له: { ويقدر } أي
~~ويضيقه على من يشاء أن يضيقه عليه، وهذا إما باعتبار شخصين أو باعتبار
~~شخص واحد في زمانين، والمراد إنكار فرحهم وقنوطهم في حالتي الرخاء والشدة
~~أي أولم يروا ذلك ms08192 فما لهم لم يشركوا ولم يحتسبوا في السراء والضراء
~~كالمؤمنين { إن فى ذلك } المذكور أي البسط وضده أو جميع ما ذكر {
~~لأيت لقوم يؤمنون } فيستدلون بها على كمال القدرة والحكمة
~~والله تعالى در من قال:

# نكد الأريب وطيب عيش الجاهل

# قد أرشداك إلى حكيم كامل

# قال الطيبي: كانت الفاصلة قوله تعالى: { لقوم يؤمنون }
~~إيذانا بأنه تعالى يفعل ذلك بمحض مشيئته سبحانه وليس الغني بفعل العبد
~~وجهده ولا العدم بعجزه وتقاعده ولا يعرف ذلك إلا من آمن بأن ذلك تقدير
~~العزيز العليم كما قال:

# كم من أريب فهم قلبه

# مستكمل العقل مقل عديم

# ومن جهول مكثر ماله

# ذلك تقدير العزيز العليم

### || [30.38]

# { فآت ذا القربى حقه } من الصلة والصدقة وسائر المبرات {
~~والمسكين وابن السبيل } ما يستحقانه، والخطاب للنبي صلى
~~الله عليه وسلم على أنه عليه الصلاة والسلام المقصود أصالة وغيره من
~~المؤمنين تبعا، وقال الحسن / هو خطاب لكل سامع، وجوز غير واحد أن يكون
~~لمن بسط له الرزق، ووجه تعلق هذا الأمر بما قبله واقترانه بالفاء على ما
~~ذكره الزمخشري أنه تعالى لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم
~~أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك، وحاصله على ما في «الكشف» أن
~~امتثال أوامره تعالى مجلبة رضاه والحياة الطيبة تتبعه كما أن عصيانه
~~سبحانه مجلبة سخطه والجدب والضيقة من روادفه فإذا استبان ذلك فآت يا محمد
~~ومن تبعه أو فآت يا من بسط له الرزق ذا القربى حقه الخ، وذكر الإمام
~~وجها آخر مبنيا على أن الأمر متفرع على حديث البسط والقدر وهو أنه
~~تعالى لما بين أنه سبحانه يبسط ويقدر أمر جل وعلا بالإنفاق إيذانا بأنه
~~لا ينبغي أن يتوقف الإنسان في الإحسان فإن الله تعالى إذا بسط الرزق لا
~~ينقص بالإنفاق وإذا قدر لا يزداد بالإمساك كما قيل:

# إذ جادت الدنيا عليك فجد بها

# على الناس طرا إنها تتقلب

# فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت

# ولا البخل يبقيها إذا هي تذهب

# قال صاحب «الكشف» روح ms08193 الله تعالى روحه: إن ما ذكره الزمخشري أوفق لتأليف
~~النظم الجليل فإن قوله تعالى:

# أولم يروا أن الله يبسط الرزق

# [الروم: 37] لتتميم الإنكار على فرح بالنعمة عن شكر المنعم ويئس عند
~~زوالها عنه، والظاهر على ما ذكره الإمام أن المراد بالحق الحق المالي
~~وكذا المراد به في جانب المسكين وابن السبيل، وحمل ذلك بعضهم على الزكاة
~~المفروضة. وتعقب بأن السورة مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة واستثناء
~~هذه الآية ودعوى أنها مدنية يحتاج إلى نقل صحيح، وسبق النزول على الحكم
~~بعيد ولذا لم يذكر هنا بقية الأصناف.

# وحكي أن أبا حنيفة استدل بالآية على وجوب النفقة لكل ذي رحم محرم ذكرا
~~كان أو أنثى إذا كان فقيرا أو عاجزا عن الكسب، ووجه بأن { آت } أمر
~~للوجوب، والظاهر من الحق بقرينة ما قبله انه مالي ولو كان المراد الزكاة
~~لم يقدم حق القربى إذ الظاهر من تقديمه المغايرة، والشافعية أنكروا وجوب
~~النفقة على من ذكر وقالوا: لا نفقة بالقرابة إلا على الولد والوالدين على
~~ما بين في الفقه، والمراد بالحق المصرح به في ذي القربي صلة الرحم
~~بأنواعها وبالحق المعتبر في جانب المسكين وابن السبيل صدقة كانت مفروضة
~~قبل فرض الزكاة أو الزكاة المفروضة والآية مدنية أو مكية والنزول سابق
~~على الحكم.

# واعترض على هذا بأنه إذا فسر حق الآخيرين بالزكاة وجب تفسير الأول
~~بالنفقة الواجبة لئلا يكون لفظ الأمر للوجوب والندب، ولذا استدل أبو
~~حنيفة عليه الرحمة بالآية على ما تقدم، وفيه بحث.

# وقال بعض أجلة الشافعية رادا على الاستدلال: إنه كيف يتم مع احتمال أن
~~يكون الأمر بإيتاء الصدقة أيضا بدليل ما تلاه، ثم إن { ذا القربى
~~} مجمل عند المستدل ومن أين له أنه بين بذي الرحم المحرم، وكذلك قوله
~~تعالى: { حقه } ثم قال: والحق أنه أمر بتوفير حقه من الصلة لا خصوص
~~النفقة وصلة الرحم من الواجبات المؤكدة انتهى، والحق أحق بالاتباع، ودليل
~~الإمام عليه الرحمة ليس هذا وحده كما لا يخفى على علماء مذهبه.

# وخص بعض الخطاب به ms08194 صلى الله عليه وسلم وقال: المراد بذي القربى بنو
~~هاشم وبنو المطلب أمر صلى الله عليه وسلم أن يؤتيهم حقهم من الغنيمة
~~والفيء، وفي «مجمع البيان» للطبرسي من الشيعة المعنى وآت يا محمد ذوي
~~قرابتك حقوقهم التي جعلها الله تعالى لهم من الأخماس. وروى أبو سعيد
~~الخدري وغيره أنه لما نزلت هذه الآية أعطى عليه الصلاة والسلام فاطمة رضي
~~الله تعالى عنها فدكا وسلمه إليها، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد
~~الله انتهى، وفيه أن هذا ينافي ما اشتهر عند الطائفتين من أنها رضي الله
~~تعالى عنها / ادعت فدكا بطريق الإرث، وزعم بعضهم أنها ادعت الهبة وأتت
~~على ذلك بعلي والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم وبأم أيمن رضي الله
~~تعالى عنها فلم يقبل منها لمكان الزوجية والبنوة وعدم كفاية المرأة
~~الواحدة في الشهادة في هذا الباب فادعت الإرث فكان ما كان وهذا البحث
~~مذكور على أتم وجه في «التحفة» إن أردته فارجع إليه.

# وخص بعضهم { ابن السبيل } بالضيف وحقه بالإحسان إليه إلى أن يرتحل
~~والمشهور أنه المنقطع عن ماله وبين المعنيين عموم من وجه، وقدم ذو
~~القربى اعتناء بشأنه وهو السر في تقديم المفعول الثاني على العطف
~~والعدول عن وآت ذا القربى والمسكين وابن السبيل حقهم، وعبر عن القريب
~~بذي القربى في جميع المواضع ولم يعبر عن المسكين بذي المسكنة لأن
~~القرابة ثابتة لا تتجدد وذو كذا لا يقال في الأغلب إلا في الثابت ألا ترى
~~أنهم يقولون لمن تكرر منه الرأي الصائب فلان ذو رأي ويكاد لا تسمعهم
~~يقولون لمن أصاب مرة في رأيه كذلك وكذا نظائر ذلك من قولهم: فلان ذو جاه.
~~وفلان ذو إقدام، والمسكنة لكونها مما تطرأ وتزول لم يقل في المسكين ذو
~~مسكنة كذا قال الإمام.

# { ذلك } أي الإيتاء المفهوم من الأمر { خير } في نفسه أو خير من
~~غيره { للذين يريدون وجه الله } أي ذاته سبحانه أي
~~يقصدونه عز وجل بمعروفهم خالصا أو جهته تعالى أي يقصدون جهة التقرب إليه
~~سبحانه لا جهة ms08195 أخرى والمعنيان كما في «الكشف» متقاربان ولكن الطريقة
~~مختلفة.

# { وأولئك } المتصفون بالإيتاء { هم المفلحون } حيث حصلوا
~~بإنفاق ما يفني النعيم المقيم، والحصر إضافي على ما قيل: أي أولئك هم
~~المفلحون لا الذين بخلوا بما لهم ولم ينفقوا منه شيئا. وقيل: هو حقيقي
~~على أن المتصفين بالايتاء المذكور هم الذين آمنوا وأقاموا الصلاة وأنابوا
~~إليه تعالى واتقوه عز وجل فلا منافاة بين هذا الحصر والحصر المذكور في
~~أول سورة البقرة فتأمل.

### || [30.39]

# { وما ءاتيتم من ربا } الظاهر أنه أريد به الزيادة المعروفة في
~~المعاملة التي حرمها الشارع، وإليه ذهب الجبائي وروي ذلك عن الحسن ويشهد
~~له ما روي عن السدي من أن الآية نزلت في ربا ثقيف كانوا يربون وكذا كانت
~~قريش، وعن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك ومحمد بن كعب القرظي
~~وطاوس وغيرهم أنه أريد به العطية التي يتوقع بها مزيد مكافاة وعليه
~~فتسميتها ربا مجاز لأنها سبب للزيادة، وقيل: لأنها فضل لا يجب على
~~المعطى. وعن النخعي أن الآية نزلت في قوم يعطون قراباتهم وإخوانهم على
~~معنى نفعهم وتمويلهم والتفضيل عليهم وليزيدوا في أموالهم على جهة النفع
~~لهم وهي رواية عن ابن عباس فالمراد بالربا العطية التي تعطى للأقارب
~~للزيادة في أموالهم، ووجه تسميتها بما ذكر معلوم مما ذكرنا، وأيا ما كان
~~ فمن  بيان  لما  لا للتعليل. وقرأ ابن كثير { ءاتيتم } بالقصر
~~ومعناه على قراءة الجمهور أعطيتم وعلى هذه القراءة جئتم أي ما جئتم به من
~~عطاء ربا { ليربوا فى أموال الناس } أي ليزيد ذلك الربا
~~ويزكو في أموال الناس الذين آتيتموهم إياه، وقال ابن الشيخ: المعنى على
~~تفسير الربا بالعطية ليزيد ذلك الربا في جذب أموال الناس وجلبها، وفي
~~معناه ما قيل ليزيد ذلك بسبب أموال الناس وحصول شيء منها لكم بواسطة
~~العطية، وعن ابن عباس والحسن وقتادة وأبي رجاء والشعبي ونافع ويعقوب
~~وأبي حيوة { لتربوا } بالتاء الفوقية مضمومة وإسناد الفعل إليهم وهو باب
~~الأفعال المتعدية لواحد بهمزة التعدية والمفعول محذوف أي لتربوه وتزيدوه
~~في أموال ms08196 الناس أو هو من / قبيل يجرح في عراقيبها نصلي أي لتربوا وتزيدوا
~~أموال الناس، ويجوز أن يكون ذلك للصيرورة أي لتصيروا ذوي ربا في أموال
~~الناس. وقرأ أبو مالك { لتربوها } بضمير المؤنث وكان الضمير للربا على
~~تأويله بالعطية أو نحوها { فلا يربوا عند الله } أي فلا
~~يبارك فيه في تقديره تعالى وحكمه عز وجل.

# { وما ءاتيتم من زكوة } أي من صدقة { تريدون وجه
~~الله } تبتغون به وجهه تعالى خالصا { فأولئك هم
~~المضعفون } أي ذوو الاضعاف على أن مضعفا اسم فاعل من أضعف أي صار
~~ذا ضعف بكسر فسكون بأن يضاعف له ثواب ما أعطاه كأقوى وأيسر إذا صار ذا
~~قوة ويسار فهو لصيرورة الفاعل ذا أصله، ويجوز أن يكون من أضعف والهمزة
~~للتعدية والمفعول محذوف أي الذين ضعفوا ثوابهم وأموالهم ببركة الزكاة.
~~ويؤيد هذا الوجه قراءة أبي { المضعفون } اسم مفعول، وكان الظاهر
~~أن يقال: فهو يربو عند الله لأنه الذي تقتضيه المقابلة إلا أنه غير في
~~العبارة إذ أثبت غير ما قبله وفي النظم إذا أتى فيما قبل بجملة فعليه
~~وهنا بجملة اسمية مصدرة باسم الإشارة مع ضمير الفصل لقصد المبالغة فأثبت
~~لهم المضاعفة التي هي أبلغ من مطلق الزيادة على طريق التأكيد بالاسمية
~~والضمير وحصر ذلك فيهم بالاستحقاق مع ما في الإشارة من التعظيم لدلالته
~~على علو المرتبة وترك ما أتوا وذكر المؤتى إلى غير ذلك، والالتفات عن
~~الخطاب حيث قيل: { فأولئك } دون فأنتم للتعظيم كأنه سبحانه خاطب بذلك
~~الملائكة عليهم السلام وخواص الخلق تعريفا لحالهم، ويجوز أن يكون
~~التعبير بما ذكر للتعميم بأن يقصد بأولئك هؤلاء وغيرهم، والراجع في
~~الكلام إلى { ما } محذوف إن جعلت موصولة وكذلك إن جعلت شرطية على الأصح
~~لأنه خبر على كل حال أي فأولئك هم المضعفون به أو فمؤتوا على صيغة اسم
~~الفاعل أولئك هم المضعفون، والحذف لما في الكلام من الدليل عليه، وعلى
~~تقدير مؤتوه العام لا يكون هناك التفات بالمعنى المتعارف، واعتبار
~~الالتفات أولى، وفي «الكشاف» أن الكلام عليه أملأ بالفائدة ms08197 وبين ذلك بأن
~~الكلام مسوق لمدح المؤتين حثا في الفعل وهو على تقدير الالتفات من وجوه.

# أحدها الإشارة بأولئك تعظيما لهم والثاني تقريع الملائكة عليهم السلام
~~بمدحهم. والثالث ما في نفس الالتفات من الحسن. والرابع ما في أولئك على
~~هذا من الفائدة المقررة في نحو

# فذلك أن يهلك فحسبي ثناؤه

# بخلافه إذا جعل وصفا للمؤتين وعلى ذلك التقدير يفيد تعظيم الفعل لا
~~الفاعل وإن لزم بالعرض فلا يعارض ما يفيده بالأصالة فتأمل.

# والآية على المعنى الأول للربا في معنى قوله عز وجل:

# يمحق الله الربوا ويربى الصدقت

# [البقرة: 276] سواء بسواء، والذي يقتضيه كلام كثير أنها تشعر بالنهي عن
~~الربا بذلك المعنى لكن أنت تعلم أنها لو أشعرت بذلك لأشعرت بحرمة الربا
~~بمعنى العطية التي يتوقع بها مزيد مكافاة على تقدير تفسير الربا بها مع
~~أنهم صرحوا بعدم حرمة ذلك على غيره صلى الله عليه وسلم وحرمتها عليه عليه
~~الصلاة والسلام لقوله تعالى:

# ولا تمنن تستكثر

# [المدثر: 6] وكذا صرحوا بأن ما يأخذه المعطى لتلك العطية من الزيادة على
~~ما أعطاه ليس بحرام ودافعه ليس بآثم لكنه لا يثاب على دفع الزيادة لأنها
~~ليست صلة مبتدأة بل بمقابلة ما أعطى أولا ولا ثواب فيما يدفع عوضا وكذا
~~لا ثواب في إعطاء تلك العطية أولا لأنها شبكة صيد، ومعنى قول بعض
~~التابعين الجانب المستغزر يثاب من هبته أن الرجل الغريب إذا أهدى إليك
~~شيئا لتكافئه وتزيده شيئا فأثبه من هديته وزده.

### || [30.40]

# { الله الذى خلقكم ثم رزقكم ثم يحييكم هل
~~من شركائكم من يفعل من ذلكم من شىء } الظاهر أن
~~الاسم الجليل مبتدأ و { الذى } خبره والاستفهام إنكاري و { من
~~شركائكم } خبر مقدم و { من } مبتدأ مؤخر و { من } فيه للتبعيض
~~و { من ذلكم } صفة { شىء } قدمت عليه فأعربت حالا و { من } فيه
~~للتبعيض أيضا و { شىء } مفعول { يفعل } و { من } الداخلة عليه
~~مزيدة لتأكيد الاستغراق، وجوز الزمخشري أن يكون الاسم الجليل مبتدأ و {
~~الذى } صفته والخبر { هل من شركائكم } الخ والرابط اسم ms08198
~~الإشارة المشار به إلى أفعاله تعالى السابقة  فمن ذلكم  بمعنى من
~~أفعاله، ووقعت الجملة المذكورة خبرا لأنها خبر منفي معنى وإن كانت
~~استفهامية ظاهرا فكأنه قيل: الله الخالق الرازق المميت المحي لا يشاركه
~~شيء ممن لا يفعل أفعاله هذه، وبعضهم جعلها خبرا بتقدير القول فكأنه قيل:
~~الله الموصوف بكونه خالقا ورازقا ومميتا ومحييا مقول في حقه هل من
~~شركائكم من هو موصوف بما هو موصوف به.

# وتعقب ذلك أبو حيان بأن اسم الإشارة لا يكون رابطا إلا إذا أشير به إلى
~~المبتدأ وهو هنا ليس إشارة إليه لكنه شبيه بما أجازه الفراء من الربط
~~بالمعنى وخالفه الناس وذلك في قوله تعالى:

# والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا يتربصن

# [البقرة: 234] فإن التقدير يتربصن أزواجهم فقدر الضمير بمضاف إلى ضمير {
~~الذين } فحصل به الربط. وكذلك قدر الزمخشري { من ذلكم } بمن أفعاله
~~المضاف إلى ضمير المبتدأ لكن لا يخفى أن الإضافة غير معتبرة وعلى تقدير
~~اعتبارها يلزم تقدير مضاف آخر، وجوز أن تكون { من } الأولى لبيان من
~~بفعل ومتعلقها محذوف و { من يفعل } فاعل لفعل محذوف أي هل حصل
~~واستقر من يفعل كائنا من شركائكم، وكذا جوز في { من } الثانية أن تكون
~~لبيان المستغرق، وقيل: إن (من) الأولى و(من) الثانية زائدتان كالثالثة
~~وهو كما ترى.

# والآية على ما قلناه أولا متضمنة جملتين دلت الأولى على إثبات ما هو من
~~اللوازم المساوية للألوهية من الخلق والرزق والإماتة والإحياء له عز وجل
~~وأفادت الثانية بواسطة عكس السالبة الكلية نفيها رأسا عن شركائهم الذين
~~اتخذوهم شركاء له سبحانه من الأصنام وغيرها مؤكدا بالإنكار، والعقل حاكم
~~بأن ما يتخذ شريكا كالذي اتخذ في الحكم المذكور أعني نفي تأتي تلك
~~الأفعال منه، وإن شئت جعلت { شركائكم } شاملا للصنفين ويفهم من
~~ذلك عدم صحة الشركة إذ لا يعقل شركة ما ليس باله لعدم وجود لازم الألوهية
~~فيه لمن هو إله في الألوهية ولتأكيد ذلك قال سبحانه وتعالى: {
~~سبحانه وتعالى عما يشركون } أي عن شركهم، والتعبير
~~بالمضارع لما في الشرك من ms08199 الغرابة أو للإشعار باستمراره وتجدده منهم،
~~وأشار بعضهم إلى أن تينك الجملتين يؤخذ منهما مقدمتان موجبة وسالبة كلية
~~مرتبتان على هيئة قياس من الشكل الثاني وإن قوله تعالى: { سبحنه }
~~الخ يؤخذ منه سالبة كلية هي نتيجة ذلك القياس فتكون الجملتان المذكورتان
~~في حكم قياس من الشكل الثاني، وقوله تعالى: { سبحنه } الخ في حكم
~~النتيجة له، ولا يخفى احتياج ذلك إلى تكلف فتأمل جدا. وقرأ الأعمش وابن
~~وثاب { تشركون } بتاء الخطاب.

### || [30.41]

# { ظهر الفساد فى البر والبحر } كالجدب والموتان وكثرة
~~الحرق والغرق وإخفاق الصيادين والغاصة ومحق البركات من كل شيء وقلة
~~المنافع في الجملة وكثرة المضار، وعن ابن عباس أجدبت الأرض وانقطعت مادة
~~البحر وقالوا: إذا انقطع القطر عميت دواب البحر، وقال مجاهد: ظهر الفساد
~~في البر بقتل ابن آدم أخاه وفي البحر بأخذ السفن غصبا، وفي رواية عن ابن
~~عباس بأخذ جلندي كل سفينة غصبا، ولعل المراد التمثيل، وكذا يقال في قتل
~~ابن آدم آخاه وكان أول معصية ظهرت في البر؛ قال الضحاك: كانت الأرض خضرة
~~مونقة يأتي ابن آدم شجرة إلا وجد عليها ثمرة وكان ماء البحر عذبا وكان
~~لا يفترس الأسد البقر، ولا الذئب / الغنم فلما قتل قابيل هابيل أقشعر ما
~~في الأرض وشاكت الأشجار وصار ماء البحر ملحا زعافا وقصد الحيوان بعضه
~~بعضا.

# وذكر أن أول معصية في البحر غصب جلندي كل سفينة تمر عليه فكأن تخصيص
~~الأمرين بالذكر لذلك، وأيا ما كان فالبر والبحر على ظاهرهما، وعن مجاهد
~~البر البلاد البعيدة من البحر والبحر السواحل والمدن التي عند البحر
~~والأنهار، وقال قتادة: البر الفيافي ومواضع القبائل وأهل الصحارى والعمود
~~والبحر المدن، والعرب تسمي الأمصار بحارا لسعتها، ومنه قول سعد بن عبادة
~~في عبد الله بن أبي بن سلول، ولقد أجمع أهل هذه البحيرة يعني المدينة
~~ليتوجوه. قال أبو حيان: ويؤيد هذا قراءة عكرمة { والبحور } بالجمع ورويت
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وجوز النحاس أن يكون البحر على ظاهره
~~إلا أن الكلام على حذف مضاف ms08200 أي مدن البحر فهو مثل

# وسئل القرية

# [يوسف: 82] وجوز أيضا أن يراد بالفساد المعاصي من قطع الطريق والظلم
~~وغيرهما، و { أل } في { البر والبحر } للجنس وكذا في {
~~الفساد } أي ظهر جنس الفساد من الجدب والموتان ونحوهما في جنس البر
~~وجنس البحر.

# { بما كسبت أيدى الناس } أي بسبب ما فعله الناس من المعاصي
~~والذنوب وشؤمه وهذا كقوله تعالى:

# وما أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم

# [الشورى: 30] وهو على التفسير الأول للفساد ظاهر وأما على تفسيره
~~بالمعاصي فالمعنى ظهرت المعاصي في البر والبحر بكسب الناس إياها وفعلهم
~~لها، ومعنى قوله تعالى: { ليذيقهم بعض الذى عملوا
~~لعلهم يرجعون } على الأول ظاهر وهو أن الله تعالى قد أفسد
~~أسباب دنياهم ومحقها وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بجميعها
~~في الآخرة لعلهم يرجعون عما هم عليه وأما على الثاني فاللام مجاز على
~~معنى أن ظهور المعاصي بسببهم مما استوجبوا به أن يذيقهم الله تعالى وبال
~~أعمالهم إرادة الرجوع فكأنهم إنما فسدوا وتسببوا لفشو المعاصي في الأرض
~~لأجل ذلك.

# وقرأ السلمي والأعرج وأبو حيوة وسلام وسهل وروح وابن حسان وقنبل من طريق
~~ابن مجاهد وابن الصباح وأبي الفضل الواسطي عنه ومحبوب عن أبي عمرو
~~(لنذيقهم) بالنون.

# وظهور الفساد المذكور على ما أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة كان
~~قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم فلما بعث عليه الصلاة والسلام رجع
~~من رجع من الناس عن الضلال والظلم، وقيل: كان أوائل البعثة وذلك أن كفار
~~قريش فعلوا ما فعلوا من المعاصي والإصرار على الشرك وإيذاء الرسول صلى
~~الله عليه وسلم فدعا صلى الله عليه وسلم فاقحطوا وحل بهم من البلاء ما حل
~~فأخبر الله سبحانه أن ذلك بسبب معاصيهم ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم
~~يرجعون. وفسر هذا القائل: { الناس } بكفار قريش، وقيل: كان في زمان
~~سابق على زمان النزول أعم من أن يكون الزمان الذي قبيل البعثة أو بعيدها
~~أو غير ذلك، وحكم الآية عام في كل فساد يظهر إلى يوم ms08201 القيامة، ومن هنا
~~قيل: من أذنب ذنبا يكون جميع الخلائق من الإنس والدواب والوحوش والطيور
~~والذر خصماءه يوم القيامة لأنه تعالى يمنع المطر بشؤم المعصية فيتضرر
~~بذلك أهل البر والبحر جميعا، وروي عن شقيق الزاهد أنه قال: من أكل
~~الحرام فقد خان جميع الناس.

# ووجه تعلق الآية بما قبلها أن فيها نعي ما يعم الشرك وغيره من المعاصي /
~~وفيما قبل نعى الشرك وفيها من تخويف المشركين ما فيها. وقال الإمام: في
~~وجه التعلق هو أن الشرك سبب الفساد كما قال تعالى:

# لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا

# [الأنبياء: 22] وإذا كان الشرك سببه جعل الله تعالى إظهارهم الشرك
~~مورثا لظهور الفساد ولو فعل بهم ما يقتضيه قولهم لفسدت السماوات والأرض
~~كما قال سبحانه:

# تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض
~~وتخر الجبال هدا

# [مريم: 90] وإلى هذا أشار عز وجل بقوله سبحانه: { ولنذيقهم بعض
~~الذى عملوا } انتهى، فتأمل وأنصف.

### || [30.42]

# وقوله تعالى: { قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان
~~عقبة الذين من قبل } مسوق لتأكيد تسبب المعاصي لغضب الله
~~تعالى ونكاله حيث أمروا بأن يسيروا فينظروا كيف أهلك الله تعالى الأمم
~~وأذاقهم سوء العاقبة بمعاصيهم ويتحققوا صدق ما تقدم، وقوله تعالى: {
~~كان أكثرهم مشركين } استئناف للدلالة على أن الشرك وحده لم
~~يكن سبب تدمير جميعهم بل هو سبب للتدمير في أكثرهم وما دونه من المعاصي
~~سبب له في قليل منهم. وجوز أن يكون للدلالة على أن سوء عاقبتهم لفشو
~~الشرك وغلبته فيهم ففيه تهويل لأمر الشرك بأنه فتنة لا تصيب الذين ظلموا
~~خاصة.

### || [30.43]

# { فأقم وجهك للدين القيم } أي إذا كان الأمر كذلك فأقم
~~وتمام الكلام فيما هنا يعلم مما تقدم في هذه السورة الكريمة { من قبل
~~أن يأتى يوم لا مرد له من الله } جوز أن يتعلق بمرد
~~وهو مصدر بمعنى الرد، والمعنى لا يرده سبحانه بعد أن يجىء به ولا رد له
~~من جهته عز وجل فيفيد انتفاء رد غيره تعالى له بطريق برهاني، واعترض بأنه
~~لو كان كذلك للزم ms08202 تنوين { يوم } لمشابهته للمضاف. وأجيب بأنه مبني على
~~ما قال ابن مالك في «التسهيل» من أنه قد يعامل الشبيه بالمضاف معاملته
~~فيترك تنوينه وحمل عليه قوله عليه الصلاة والسلام

# " لا مانع لما أعطيت "

# وتفصيله في «شرحه»، وبعضهم جعله متعلقا بمحذوف يدل عليه { مرد } أي
~~لا يرد من جهته تعالى أي لا يرده هو عز وجل؛ وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف
~~والتقدير هو أي الرد المنفي كائن من الله تعالى، والجملة استئناف جواب
~~سؤال تقديره ممن ذلك الرد المنفي؟ وقيل: هو متعلق بمحذوف وقع حالا من
~~الضمير في الظرف الواقع خبرا للا، وقيل: متعلق بالنفي أو بما دل عليه،
~~وقيل: متعلق بمحذوف وقع صفة ليوم، وجوز كثير تعلقه بيأتي أي من قبل أي
~~يأتي من الله تعالى يوم لا يقدر أحد أن يرده. وتعقب بأن ذلك خلاف
~~المتبادر من اللفظ والمعنى وهو مع ذلك قليل الفائدة وارتضاه الطيبي
~~فقال: هذا الوجه أبلغ لإطلاق الرد وتفخيم اليوم وإن إتيانه من جهة عظيم
~~قادر ذي سلطان قاهر ومنه يعلم أن ذلك ليس قليل الفائدة. نعم إن فيه الفصل
~~الملبس وحال سائر الأوجه لا يخفى على ذي تمييز.

# { يومئذ } أي يوم إذ يأتي { يصدعون } أصله يتصدعون فقلبت
~~تاؤه صادا وأدغمت والتصدع في الأصل تفرق أجزاء الأواني ثم استعمل في
~~مطلق التفرق أي يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير، وقيل: يتفرقون
~~تفرق الأشخاص على ما ورد في قوله تعالى:

# يوم يكون الناس كالفراش المبثوث

# [القارعة: 4] لا تفرق الفريقين فإن المبالغة في التفرق المستفادة من {
~~يصدعون } إنما تناسب الأول، ورجح الثاني بأنه المناسب للسياق
~~والسباق إذ الكلام في المؤمنين والكافرين فما ذكر بيان / لتباينهم في
~~الدارين ويكفي للمبالغة شدة بعد ما بين المنزلتين حسا ومعنى وهو تفسير
~~رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة، وروي أيضا عن ابن
~~زيد.

### || [30.44]

# { من كفر فعليه كفره } أي وبال كفره وهي النار المؤبدة ففي
~~الكلام مضاف مقدر أو الكفر مجاز عن جزائه بل عن جميع ms08203 المضار التي لا ضرر
~~وراءها، وإفراد الضمير باعتبار لفظ { من } وفيه إشارة إلى قلة قدرهم
~~عند الله تعالى وحقارتهم مع ما علم من كثرة عددهم، وجمعه في قوله تعالى:
~~{ ومن عمل صلحا فلأنفسهم يمهدون } باعتبار
~~معناها، وفيه مع رعاية الفاصلة إشارة إلى كثرة قدرهم وعظمهم عند الله
~~تعالى، و { يمهدون } من مهد فراشه وطأه أي يوطؤون لأنفسهم كما يوطىء
~~الرجل لنفسه فراشه لئلا يصيبه في مضجعه ما ينبيه وينغص عليه مرقده من
~~نتوء أو قضض أو بعض ما يؤذي الراقد فكأنه شبه حالة المكلف مع عمله الصالح
~~وما يتحصل به من الثواب ويتخلص من العقاب بحالة من يمهد فراشه ويوطؤه
~~ليستريح عليه ولا يصيبه في مضجعه ما ينغص عليه، وجوز أن يكون المعنى فعلى
~~أنفسهم يشفقون على أن ذلك من قولهم في المثل للمشفق أم فرشت فأنامت فيكون
~~الكلام كناية إيمائية عن الشفقة والمرحمة والأول أظهر، والظاهر أن هذه
~~التوطئة لما بعد الموت من القبر وغيره، وأخرج جماعة عن مجاهد أنه قال:
~~فلأنفسهم يمهدون أن يسوون المضاجع في القبر وليس بذاك. وتقديم الظرف في
~~الموضعين للدلالة على الاختصاص وقيل: للاهتمام، ومقابلة { من كفر } 
~~بمن عمل صالحا  لا بمن آمن إما للتنويه بشأن الإيمان بناء على أن
~~المراد بالعمل الصالح وإما لمزيد الاعتناء بشأن المؤمن العامل بناء على
~~أن المراد بالعمل الصالح ما يشمل العمل القلبي والقالبي ويشعر بأن
~~المراد بمن عمل صالحا المؤمن العامل قوله تعالى: { ليجزى الذين
~~ءامنوا وعملوا الصلحت... }

### || [30.45]

# { ليجزى الذين ءامنوا وعملوا الصلحت من
~~فضله } فإنه علة ليمهدون وأقيم فيه الموصول مقام الضمير تعليلا
~~للجزاء لما أن الموصول في معنى المشتق والتعليق به يفيد علية مبدأ
~~الاشتقاق، وذكر { من فضله } للدلالة على أن الإثابة تفضل محض؛
~~وتأويله بالعطاء أو الزيادة على ما يستحق من الثواب عدول عن الظاهر، وجوز
~~أن يكون ذلك علة ليصدعون والاقتصار على جزاء المؤمنين للإشعار بأنه
~~المقصود بالذات والاكتفاء بفحوى قوله تعالى: { إنه لا يحب
~~الكفرين } فإن عدم المحبة كناية عن البغض ms08204 في العرف وهو يقتضي
~~الجزاء بموجبه فكأنه قيل: وليعاقب الكافرين. وفي «الكشاف» «أن تكرير {
~~الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } وترك الضمير إلى
~~الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده تعالى إلا المؤمن الصالح، وقوله تعالى: {
~~إنه } الخ تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس» ويعني بذلك كل كلامين
~~يقرر الأول الثاني وبالعكس سواء كان صريحا وإشارة أو مفهوما ومنطوقا
~~وذلك كقول ابن هانىء:

# فما جازه جود ولا حل دونه

# ولكن يصير الجود حيث يصير

# وبيانه فيما نحن فيه أن قوله تعالى: { ليجزى الذين ءامنوا }
~~يدل بمنطوقه على ما قرر على اختصاصهم بالجزاء التكريمي وبمفهومه على أنهم
~~أهل الولاية والزلفى، وقوله سبحانه: { إنه لا يحب
~~الكفرين } لتعليل الاختصاص يدل بمنطوقه على أن عدم المحبة يقتضي
~~حرمانهم وبمفهومه على أن الجزاء لأضدادهم موفر فهو جل وعلا محب للمؤمنين،
~~وذكر العلامة الطيبي الظاهر أن قوله تعالى:

# فأقم وجهك للدين القيم

# [الروم: 43] الآية بتمامها كالمورد للسؤال والخطاب لكل أحد من المكلفين
~~وقوله تعالى:

# من كفر فعليه كفره

# [الروم: 44] الآية وارد على الاستئناف منطو على / الجواب فكأنه لما قيل:
~~أقيموا على الدين القيم قبل مجىء يوم يتفرقون فيه فقيل: ما للمقيمين على
~~الدين وما على المنحرفين عنه وكيف يتفرقون؟ فأجيب من كفر فعليه كفره
~~الآية، وأما قوله سبحانه: { ليجزى الذين ءامنوا } الآية
~~فينبغي أن يكون تعليلا للكل ليفصل ما يترتب على ما لهم وعليهم لكن يتعلق
~~بيمهدون وحده لشدة العناية بشأن الإيمان والعمل الصالح وعدم الإعباء بعمل
~~الكافر ولذلك وضع موضعه { إنه لا يحب الكفرين } انتهى
~~فلا تغفل.

# وفي الآية لطيفة نبه عليها الإمام قدس سره وهي أن الله عز وجل عندما
~~أسند الكفر والإيمان إلى العبيد قدم الكافر وعندما أسند الجزاء إلى نفسه
~~قدم المؤمن لأن قوله تعالى: { من كفر } وعيد للمكلف ليمتنع عما يضره
~~لينقذه سبحانه من الشر وقوله تعالى:

# ومن عمل صلحا

# [الروم: 44] تحريض له وترغيب في الخير ليوصله إلى الثواب، والإنقاذ مقدم
~~عند الحكيم الرحيم وأما عند الجزاء فابتدأ جل شأنه بالإحسان إظهارا
~~للكرم ms08205 والرحمة.

# هذا ولما ذكر سبحانه ظهور الفساد والهلاك بسبب المعاصي ذكر ظهور الصلاة
~~ولم يذكر عز وجل أنه بسبب العمل الصالح، لأن الكريم يذكر لعقابه سببا
~~لئلا يتوهم منه الظلم ولا يذكر ذلك لإحسانه فقال عز من قائل: { ومن
~~ءايته أن يرسل الريح }.

### || [30.46]

# { ومن ءايته أن يرسل الريح } الجنوب ومهبها من مطلع
~~سهيل إلى مطلع الثريا والصبا ومهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش،
~~والشمال ومهبها من بنات نعش إلى مسقط النسر الطائر فإنها رياح الرحمة
~~وأما الدبور ومهبها من مسقط النسر الطائر إلى مطلع سهيل فريح العذاب،
~~وذكر أن الثلاثة الأول تلقح السحاب الماطر وتجمعه فلذا كانت رحمة، وعن
~~أبي عبيدة الشمال عند العرب للروح والجنوب للإمطار والإنداء والصبا
~~لإلقاح الأشجار والدبور للبلاء وأهونه أن تثير غبارا عاصفا يقذي العين
~~وهي أقلهن هبوبا، وروى الطبراني والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس من حديث
~~ذكر فيه ما كان يفعله ويقوله صلى الله عليه وسلم إذا هاجت ريح: «اللهم
~~اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» وهو مبني على أن الرياح للرحمة والريح
~~للعذاب، وفي «النهاية» «العرب تقول: لا تلقح السحاب إلا من رياح مختلفة
~~فكأنه قال صلى الله عليه وسلم اللهم اجعلها لقاحا للسحاب ولا تجعلها
~~عذابا ثم قال: وتحقيق ذلك مجىء الجمع في آيات الرحمة والواحد في قصص
~~العذاب كالريح العقيم وريحا صرصرا»، وقال بعضهم: إن ذاك لأن الريح إذا
~~كانت واحدة جاءت من جهة واحدة فصدمت جسم الحيوان والنبات من جهة واحدة
~~فتؤثر فيه أثرا أكثر من حاجته فتضره ويتضرر الجانب المقابل لعكس ممرها
~~ويفوته حظه من الهواء فيكون داعيا إلى فساده بخلاف ما إذا كانت رياحا
~~فإنها تعم جوانب الجسم فيأخذ كل جانب حظه فيحدث الاعتدال، وأنت تعلم أنه
~~قد تفرد الريح حيث لا عذاب كما في قوله تعالى:

# وجرين بهم بريح طيبة

# [يونس: 22] وقوله سبحانه:

# ولسليمن الريح

# [الأنبياء: 18] والحديث مختلف فيه فرمز السيوطي لحسنه، وقال الحافظ
~~الهيثمي: في سنده حسين بن قيس وهو متروك وبقية رجاله رجال ms08206 الصحيح، ورواه
~~ابن عدي في «الكامل» من هذا الوجه وأعله بحسين المذكور، ونقل تضعيفه عن
~~أحمد والنسائي، نعم إن الحافظ عزاه في «الفتح» لأبي يعلى وحده عن أنس
~~رفعه، وقال إسناده صحيح فليحفظ ذلك.

# وقرأ ابن كثير والكسائي والأعمش { الريح } مفردا على إرادة معنى
~~الجمع ولذا قال سبحانه: { مبشرت } أي بالمطر { وليذيقكم من
~~رحمته } يعني المنافع التابعة لها كتذرية الحبوب وتخفيف العفونة
~~وسقي الأشجار إلى غير ذلك من اللطف والنعم، وقيل: الخصب التابع لنزول
~~المطر المسبب عنها أو الروح الذي هو مع هبوبها، ولا وجه للتخصيص، والواو
~~للعطف، والعطف على علة محذوفة دل عليها { مبشرت } أي ليبشركم
~~وليذيقكم أو على { مبشرت } باعتبار المعنى فإن الحال قد يقصد بها
~~التعليل نحو أهن زيدا مسيئا أي لإساءته فكأنه قيل: لتبشركم وليذيقكم،
~~وكونه من عطف التوهم توهم أو على { يرسل } بإضمار فعل معلل والتقدير
~~ويرسلها ليذيقكم، وكون التقدير ويجري الرياح ليذيقكم بعيد قيل: أو على
~~جملة { ومن آياته } الخ بتقدير وليذيقكم أرسلها أو فعل ما فعل، ولم
~~يعتبره بعضهم لأن المقصود اندراج الإذاقة في الآيات، وقيل: الواو زائدة.

# { ولتجرى الفلك } في البحر عند هبوبها { بأمره } عز وجل
~~وإنما جىء بهذا القيد لأن الريح قد تهب ولا تكون مواتية فلا بد من انضمام
~~إرادته تعالى وأمره سبحانه للريح حتى يتأتى المطلوب، وقيل: للإشارة إلى
~~أن هبوبها مواتية أمر من أموره تعالى التي لا يقدر عليها غيره عز وجل {
~~ولتبتغوا من فضله } بتجارة البحر { ولعلكم
~~تشكرون } أي ولتشكروا نعمة الله تعالى فيما ذكر.

### || [30.47]

# { ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم }
~~اعتراض لتسليته صلى الله عليه وسلم بمن قبله على وجه يتضمن الوعد له عليه
~~الصلاة والسلام والوعيد لمن عصاه، وفي ذلك أيضا تحذير عن الإخلال بمواجب
~~الشكر. والمراد بقومهم أقوامهم والإفراد للاختصار حيث لا لبس والمعنى
~~ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى أقوامهم كما أرسلناك إلى قومك {
~~فجاءوهم بالبينت } أي جاء كل قوم رسولهم بما يخصه من
~~البينات كما جئت قومك ببيناتك { فانتقمنا من ms08207 الذين
~~أجرموا } الفاء فصيحة أي فآمن بعض وكذب بعض فانتقمنا، وقيل: أي
~~فكذبوهم فانتقمنا منهم ووضع الموصول موضع ضميرهم للإشعار بالعلة والتنبيه
~~على مكان المحذوف، وجوز أن تكون تفصيلا للعموم بأن فيهم مجرما مقهورا
~~ومؤمنا منصورا { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } فيه
~~مزيد تشريف وتكرمة للمؤمنين حيث جعلوا مستحقين على الله تعالى أن ينصرهم
~~وإشعار بأن الانتقام لأجلهم، والمراد بهم ما يشمل الرسل عليهم الصلاة
~~والسلام، وجوز تخصيص ذلك بالرسل بجعل التعريف عهديا.

# وظاهر الآية أن هذا النصر في الدنيا، وفي بعض الآثار ما يشعر بعدم
~~اختصاصه بها وأنه عام لجميع المؤمنين فيشمل من بعد الرسل من الأمة. أخرج
~~ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " ما من امرىء مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله تعالى أن يرد
~~عنه نار جهنم يوم القيامة ثم تلا عليه الصلاة والسلام { وكان حقا علينا
~~نصر المؤمنين } "

# وفي هذا إشعار بأن { حقا } خبر كان و { نصر المؤمنين }
~~الاسم كما هو الظاهر، وإنما أخر الاسم لكون ما تعلق به فاصلة وللاهتمام
~~بالخبر إذ هو محط الفائدة على ما في «البحر». قال ابن عطية: ووقف بعض
~~القراء على { حقا } على أن اسم كان ضمير الانتقام أي وكان الانتقام
~~حقا وعدلا لا ظلما، ورجوعه إليه على حد

# اعدلوا هو أقرب للتقوى

# [المائدة: 8] و { علينا نصر المؤمنين } جملة مستأنفة وهو
~~خلاف الظاهر المؤيد بالخبر وإن لم يكن فيه محذور من حيث المعنى.

### || [30.48]

# { الله الذى يرسل الريح } استئناف مسوق لبيان ما أجمل
~~فيما سبق من أحوال الرياح { فتثير سحبا } تحركه وتنشره {
~~فيبسطه } بسطا تاما متصلا تارة { فى السماء } في سمتها لا
~~في نفس السماء بالمعنى المتبادر { كيف يشاء } سائرا وواقفا مطبقا
~~وغير مطبق من جانب دون جانب إلى غير ذلك فالجملة الإنشائية حال بالتأويل
~~{ ويجعله كسفا } أي قطعا تارة أخرى. وقرأ ابن عامر بسكون السين
~~على أنه مخفف من المفتوح، أو جمع كسفة ms08208 أي قطعة أو مصدر كعلم وصف به
~~مبالغة أو بتأويله بالمفعول أو بتقدير ذا كسف.

# { فترى } يا من يصح منه الرؤية { الودق } أي المطر / { يخرج
~~من خلاله } أي فرجه جمع خلل في التارتين الاتصال والتقطع فالضمير
~~للسحاب وهو اسم جنس يجوز تذكيره وتأنيثه، وجوز على قراءة { كسفا }
~~بالسكون أن يكون له، وليس بشيء. { فإذا أصاب به من يشاء من
~~عباده } بلادهم وأراضيهم، والباء في { به } للتعدية { إذا هم
~~يستبشرون } فاجؤا الاستبشار بمجىء الخصب.

### || [30.49]

# { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم } الودق { من
~~قبله } أي التنزيل { لمبلسين } أي آيسين، والتكرير للتأكيد،
~~وأفاد كما قال ابن عطية الإعلام بسرعة تقلب قلوب البشر من الإبلاس إلى
~~الاستبشار، وذلك أن { من قبل أن ينزل عليهم } يحتمل
~~الفسحة في الزمان فجاء { من قبله } للدلالة على الاتصال ودفع ذلك
~~الاحتمال، وقال الزمخشري: أكد ليدل على بعد عهدهم بالمطر فيفهم منه
~~استحكام يأسهم، وما ذكره ابن عطية أقرب لأن المتبادر من القبلية الاتصال
~~وتأكيد دال على شدته. وأبو حيان أنكر على كلا الشيخين وقال: ما ذكراه من
~~فائدة التأكيد غير ظاهر وإنما هو عندي لمجرد التأكيد ويفيد رفع المجاز
~~فقط، وقال قطرب: ضمير { قبله } للمطر فلا تأكيد. وأنت تعلم أنه يصير
~~التقدير من قبل تنزيل المطر من قبل المطر وهو تركيب لا يسوغ في كلام فصيح
~~فضلا عن القرآن، وقيل: الضمير للزرع الدال عليه المطر أي من قبل تنزيل
~~المطر من قبل أن يزرعوا، وفيه أن { من قبل أن ينزل } متعلق
~~بمبلسين ولا يمكن تعلق { من قبله } به أيضا لأن حرفي جر بمعنى لا
~~يتعلقان بعامل واحد إلا أن يكون بوساطة حرف العطف أو على جهة البدل ولا
~~عاطف هنا ولا يصح البدل ظاهرا، وجوز بعضهم فيه بدل الاشتمال مكتفيا فيه
~~بكون الزرع ناشئا عن التنزيل فكان التنزيل مشتملا عليه وهو كما ترى.

# وقال المبرد: الضمير للسحاب لأنهم لما رأوا السحاب كانوا راجين المطر،
~~والمراد من قبل رؤية السحاب، ويحتاج أيضا إلى حرف عطف حتى يصح ms08209 تعلق
~~الحرفين بمبلسين، وقال علي بن عيسى: الضمير للإرسال، وقال الكرماني:
~~للاستبشار لأنه قرن بالإبلاس ومن عليهم به، وأورد عليهما أمر التعلق من
~~غير عطف كما أورد على من قبلهما فإن قالوا بحذف حرف العطف ففي جوازه في
~~مثل هذا الموضع قياسا خلاف. واختار بعضهم كونه للاستبشار على أن { من
~~} متعلقة بينزل و { من } الأولى متعلقة بملبسين لأنه يفيد سرعة تقلب
~~قلوبهم من اليأس إلى الاستبشار بالإشارة إلى غاية تقارب زمانيهما ببيان
~~اتصال اليأس بالتنزيل المتصل بالاستبشار بشهادة إذا الفجائية فتأمل، و {
~~إن } مخففة من الثقيلة واللام في لمبلسين هي الفارقة، ولا ضمير شأن
~~مقدرا لإن لأنه إنما يقدر للمفتوحة وأما المكسورة فيجب إهمالها كما فصله
~~في «المغني»، وبعض الأجلة قال بالتقدير.

### || [30.50]

# { فانظر إلى ءاثر رحمت الله } المترتبة على تنزيل
~~المطر من النبات والأشجار وأنواع الثمار، والفاء للدلالة على سرعة ترتبها
~~عليه. وقرأ الحرميان وأبو عمرو وأبو بكر { أثر } بالإفراد وفتح الهمزة
~~والثاء. وقرأ سلام { أثر } بكسر الهمزة وإسكان الثاء، وقوله تعالى: {
~~كيف يحى } أي الله تعالى { الأرض بعد موتها } في حيز
~~النصب بنزع الخافض و { كيف } معلق لأنظر أي فانظر لإحيائه تعالى
~~البديع للأرض بعد موتها، وقال ابن جني: على الحالية بالتأويل أي محييا،
~~وأيا ما كان فالمراد بالأمر بالنظر التنبيه على عظيم قدرته تعالى وسعة
~~رحمته عز / وجل مع ما فيه من التمهيد لما يعقبه من أمر البعث. وقرأ
~~الجحدري وابن السميقع وأبو حيوة { تحى } بتاء التأنيث والضمير عائد
~~على الرحمة، وجوز على قراءة الحرميين ومن معهما أن يكون الضمير للأثر على
~~أنه اكتسب التأنيث من المضاف إليه، وليس بشيء كما لا يخفى.

# { إن ذلك } العظيم الشأن { لمحى الموتى } لقادر على
~~إحيائهم فإنه إحداث لمثل ما كان في مواد أبدانهم من القوى الحيوانية كما
~~أن إحياء الأرض إحداث لمثل ما كان فيها من القوى النباتية، وقيل: يحتمل
~~أن يكون النبات الحادث من أجزاء نباتية تفتت وتبددت واختلطت بالتراب الذي
~~فيه عروقها في بعض الأعوام السالفة فيكون كالإحياء ms08210 بعينه بإعادة المواد
~~والقوى لا بإعادة القوى فقط، وهو احتمال واهي القوى بعيد، ولا نسلم أن
~~المسلم المسترشد يعلم وقوعه، وقوله تعالى: { وهو على كل شىء
~~قدير } تذييل مقرر لمضمون ما قبله أي مبالغ في القدرة على جميع
~~الأشياء التي من جملتها إحياؤهم لما أن نسبة قدرته عز وجل إلى الكل سواء.

### || [30.51]

# { ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا } أي النبات
~~المفهوم من السياق كما قال أبو حيان، أو الأثر المدلول عليه بالآثار أو
~~النبات المعبر عنه بل على ما قاله بعضهم، والنبات في الأصل مصدر يقع على
~~القليل والكثير ثم سمي به ما ينبت، وقال ابن عيسى: الضمير للسحاب لأنه
~~إذا كان مصفرا لم يمطر، وقيل: للريح وهي تذكر وتؤنث، وكلا القولين
~~ضعيفان كما في «البحر». وقرأ جناح بن حبيش { مصفارا } بألف بعد الفاء،
~~واللام في { لئن } موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط، والفاء في {
~~فرأوه } فصيحة.

# واللام في قوله تعالى: { لظلوا } لام جواب القسم الساد مسد
~~الجوابين؛ والماضي بمعنى المستقبل كما قاله أبو البقاء ومكي وأبو حيان
~~وغيرهم، وعلل ذلك بأنه في المعنى جواب { إن } وهو لا يكون إلا مستقبلا،
~~وقال الفاضل اليمني: إنما قدروا الماضي بمعنى المستقبل من حيث أن الماضي
~~إذا كان متمكنا متصرفا ووقع جوابا للقسم فلا بد فيه من قد واللام معا
~~فالقصر على اللام لأنه مستقبل معنى وفيه نظر، وقدروه بمضارع مؤكد بالنون
~~أي وبالله تعالى لئن أرسلنا ريحا حارة أو باردة فضربت زرعهم بالصفار
~~فرأوه مصفرا بعد خضرته ونضارته ليظلن { من بعده } أي من بعد
~~الإرسال أو من بعد اصفرار زرعهم، وقيل: من بعد كونهم راجين مستبشرين {
~~يكفرون } من غير تلعثم نعمة الله تعالى، وفيما ذكر من ذمهم (بعدم
~~تثبتهم) وسرعة تزلزلهم بين طرفي الإفراط والتفريط ما لا يخفى حيث كان
~~الواجب عليهم أن يتوكلوا على الله سبحانه في كل حال ويلجؤا إليه عز وجل
~~بالاستغفار إذا احتبس عنهم المطر ولا ييأسوا من روح الله تعالى ويبادروا
~~إلى الشكر بالطاعة إذا أصابهم جل ms08211 وعلا برحمته ولا يفرطوا في الاستبشار
~~وإن يصبروا على بلائه تعالى إذا اعترى زرعهم آفة ولا يكفروا بنعمائه جل
~~شأنه فعكسوا الأمر وأبوا ما يجديهم وأتوا بما يؤذيهم، ولا يخفى ما في
~~الآيات من الدلالة على ترجيح جانب الرحمة على جانب العذاب فلا تغفل.

### || [30.52]

# وقوله تعالى: { فإنك لا تسمع الموتى } تعليل لما يفهم من
~~الكلام السابق كأنه قيل: لا تحزن لعدم اهتدائهم بتذكيرك فإنك الخ، وفي
~~«الكشف» اعلم أن قوله تعالى:

# الله الذى يرسل الريح

# [الروم: 48] كلام سيق مقررا لما فهم / من قوله سبحانه:

# ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم

# [الروم: 47] الآية لدلالته على أنه عز وجل ينتقم من المكذبين برسول الله
~~صلى الله عليه وسلم وينصر متابعيه فذكر فيه من البينات ما أجمل هنالك مما
~~يدل على القدرة والحكمة والرحمة واختير من الأدلة ما يجمع الثلاثة وفيه
~~ما يرشد إلى تحقيق طرفي الإيمان أعني المبدأ والمعاد وصرح بكفرانهم
~~بالنعمة وذمهم في الحالات الثلاث لأن ذلك مما يعرفه أهل الفطرة السليمة
~~ويتخلق به وأدمج فيه دلالته على المعاد بقوله تعالى:

# فانظر إلى ءاثر رحمة الله

# [الروم: 50] ولما فرغ من حديث ذمهم بنى على هذا المدمج وما دل عليه سياق
~~الكلام من تماديهم في الضلالة مثل هذه البينات التي لا أتم منها في
~~الدلالة فقال سبحانه: { فإنك لا تسمع } إلى قوله تعالى:

# فهم مسلمون

# [الروم: 53] وفيه أنهم إذا لا محالة من الذين ينتقم منهم وأنك وأشياعك
~~من المنصورين والله تعالى أعلم اه، فتأمله مع ما ذكرنا. وقد تقدم الكلام
~~في هذه الجملة خالية عن الفاء في سورة النمل [80] وكذا في قوله تعالى: {
~~ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين }.

### || [30.53]

# بيد أنا نذكر هنا ما ذكره الأجلة في سماع الموتى وفاء بما وعدنا هنالك
~~فنقول ومن الله تعالى التوفيق: نقل عن العلامة ابن الهمام أنه قال: أكثر
~~مشايخنا على أن الميت لا يسمع استدلالا بقوله تعالى:

# إنك لا تسمع الموتى

# [الروم: 52] ونحوها يعني من قوله تعالى:

# وما أنت بمسمع ms08212 من فى القبور

# [فاطر: 22] ولذا لم يقولوا بتلقين القبر وقالوا: لو حلف لا يكلم فلانا
~~فكلمه ميتا لا يحنث، وحكى السفاريني في «البحور الزاخرة» أن عائشة ذهبت
~~إلى نفي سماع الموتى ووافقها طائفة من العلماء على ذلك، ورجحه القاضي أبو
~~يعلى من أكابر أصحابنا  يعني الحنابلة  في كتابه «الجامع الكبير»
~~واحتجوا بقوله تعالى: { إنك لا تسمع الموتى } ونحوه، وذهبت
~~طوائف من أهل العلم إلى سماعهم في الجملة.

# وقال ابن عبد البر: إن الأكثرين على ذلك وهو اختيار ابن جرير والطبري
~~وكذا ذكر ابن قتيبة. وغيره، واحتجوا بما في «الصحيحين» عن أنس عن أبي
~~طلحة رضي الله تعالى عنهما قال:

# " لما كان يوم بدر وظهر عليهم  يعني مشركي قريش  رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم أمر ببضعة وعشرين رجلا وفي رواية وعشرين رجلا من صناديد قريش
~~فألقوا في طوى أي بئر من أطواء بدر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~ناداهم يا أبا جهل بن هشام يا أمية بن خلف يا عتبة بن ربيعة أليس قد
~~وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعد ربي حقا؟ فقال عمر رضي
~~الله تعالى عنه: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها فقال: والذي
~~نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم زاد في رواية لمسلم عن أنس
~~«ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا» "

# وبما أخرجه أبو الشيخ من مرسل عبيد بن مرزوق قال:

# " كانت امرأة بالمدينة تقم المسجد فماتت فلم يعلم بها النبي صلى الله
~~عليه وسلم فمر على قبرها فقال عليه الصلاة والسلام: ما هذا القبر؟
~~فقالوا: أم محجن قال: التي كانت تقم المسجد؟ قالوا: نعم فصف الناس فصلى
~~عليها فقال صلى الله عليه وسلم: أي العمل وجدت أفضل؟ قالوا يا رسول الله
~~أتسمع؟ قال: ما أنتم بأسمع منها فذكر عليه الصلاة والسلام أنها أجابته قم
~~المسجد "

# وبما رواه البيهقي والحاكم وصححه وغيرهما عن أبي هريرة أن النبي صلى
~~الله عليه وسلم وقف على مصعب بن ms08213 عمير وعلى أصحابه حين رجع من أحد فقال:

# " أشهد أنكم أحياء عند الله تعالى فزوروهم وسلموا عليهم فوالذي نفسي
~~بيده لا يسلم عليهم أحد إلا ردوا عليه إلى يوم القيامة "

# وبما أخرج ابن عبد البر وقال عبد الحق الإشبيلي إسناده صحيح عن ابن عباس
~~مرفوعا

# " ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا يسلم عليه إلا
~~عرفه ورد عليه "

# وبما أخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «الروح بيد
~~ملك يمشي به مع الجنازة يقول له: أتسمع ما يقال لك؟ فإذا بلغ حفرته دفنه
~~معه» وبما في «الصحيحين» من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه أنه ليسمع قرع نعالهم "

# وأجابوا عن الآية فقال السهيلي: إنها كقوله تعالى:

# أفأنت تسمع الصم أو تهدى العمى

# [الزخرف:0 4] أي إن الله تعالى هو الذي يسمع ويهدي. وقال بعض الأجلة: إن
~~معناها لا تسمعهم إلا أن يشاء الله تعالى أو لا تسمعهم سماعا ينفعهم،
~~وقد ينفي الشيء لانتفاء فائدته وثمرته كما في قوله تعالى:

# ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس
~~لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا
~~يبصرون بها

# [الأعراف:9 17] الآية، وهذا التأويل يجوز أن يعتبر في قوله تعالى: {
~~ولا تسمع الصم } ويكون نكتة العدول عن  فإنك لا تسمع الموتى
~~ولا الصم  إلى ما في النظم الجليل العناية بنفي الإسماع ويجوز أن لا
~~يعتبر فيه ويبقى الكلام على ظاهره ويكون نكتة العدول الإشارة إلى أن {
~~لا تسمع } في كل من الجملتين بمعنى.

# وقال الذاهبون إلى عدم سماعهم: الأصل عدم التأويل والتمسك بالظاهر إلى
~~أن يتحقق ما يقتضي خلافه، وأجابوا عن كثير مما استدل به الآخرون فقال
~~بعضهم: إن ما وقع في حديث أبي طلحة رضي الله تعالى عنه يجوز أن يكون
~~معجزة له صلى الله عليه وسلم، وهو مراد من قال: إنه من خصوصياته عليه
~~الصلاة والسلام وهي خوارق العادة، والكلام في موافقها وهو الذي نفي في
~~آية ms08214

# إنك لا تسمع الموتى

# [النمل: 80] ونحوها وفي قوله عليه الصلاة والسلام:

# " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم "

# دون ما أنتم بأسمع لما يقال ونحوه منهم تأييد ما لذلك، وحديث أبي الشيخ
~~مرسل وحكم الاستدلال به معروف، على أن احتمال الخصوصية قائم فيه أيضا؛
~~وفي «صحيح البخاري» قال قتادة: أحياهم الله تعالى يعني أهل الطوي حتى
~~أسمعهم قوله صلى الله عليه وسلم توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما،
~~ويؤيد ما أخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن
~~عمر قال:

# " وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعدكم
~~ربكم حقا؟ ثم قال عليه الصلاة والسلام: إنهم الآن يسمعون ما أقول "

# حيث قيد صلى الله عليه وسلم سماعهم بالآن، وإذا قلنا، بأن الميت يسئل
~~سبعة أيام في قبره مؤمنا كان أو منافقا أو كافرا وأنه حين السؤال تعاد
~~إليه روحه كان لك أن تقول: يجوز أن يكون خطاب أهل القليب حين إعادة
~~أرواحهم إلى أبدانهم للسؤال فإنه كما في حديث أخرجه أحمد والبخاري ومسلم
~~وأبو داود والترمذي والنسائي كان في اليوم الثالث من قتلهم ويحتمل أن
~~يكون خطابه صلى الله عليه وسلم لأم محجن كان وقت السؤال بأن يكون ذلك قبل
~~مضي سبعة أيام عليها، وعليه لا يكون سماعهم من المتنازع فيه لأنهم حين
~~سمعوا إحياء لا موتى، ويرد على هذا أن عمر رضي الله تعالى عنه قال له
~~عليه الصلاة والسلام: ما تكلم من أجساد لا أرواح لها.

# ولم ينكر ذلك عليه صلى الله عليه وسلم بل قال عليه الصلاة والسلام له:

# " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم "

# ولو كان الأمر كما قال قتادة لكان الظاهر أن يقول صلى الله عليه وسلم له
~~رضي الله تعالى عنه: ليس الأمر كما تقول إن الله عز وجل أحياهم لي أو نحو
~~ذلك، وعائشة رضي الله تعالى عنها أنكرت ما وقع في الحديث مما استدل به
~~على المقصود، ففي «صحيح البخاري» عن هشام عن أبيه قال: ms08215 ذكر عند عائشة أن
~~ابن عمر رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه "

# ، فقالت: / وهل ابن عمر إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن "

# قالت: وذلك مثل قوله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم على القليب وفيه
~~قتلى بدر من المشركين فقال لهم ما قال إنهم ليسمعون ما أقول إنما قال:

# " إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق "

# ثم قرأت { إنك لا تسمع الموتى * وما أنت بمسمع
~~من فى القبور }.

# وتعقب ذلك السهيلي فقال: عائشة رضي الله تعالى عنها لم تحضر قول النبي
~~صلى الله عليه وسلم فغيرها ممن حضر أحفظ للفظه عليه الصلاة والسلام، وقد
~~قالوا له: يا رسول الله أتخاطب قوما قد جيفوا؟ فقال ما أنتم بأسمع لما
~~أقول منهم قالوا: وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين يعني كما تقول
~~عائشة جاز أن يكونوا سامعين اه وهو كلام قومي، ولا يقدح عدم حضورها في
~~روايتها لأنه مرسل صحابي وهو محمول على أنه سمع ذلك ممن حضره أو من
~~النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان ذلك قادحا في روايتها لقدح في رواية
~~ابن عمر السابقة فإنه لم يحضر أيضا، ولا مانع من أن يكون النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال اللفظين جميعا فإنه كما علم من كلام السهيلي لا
~~تعارض بينهما، وقال بعضهم فيما رواه البيهقي والحاكم وصححه وغيرهما: إنا
~~لا نسلم صحته وتصحيح الحاكم محكوم عليه بعدم الاعتبار، وإن سلمنا صحته
~~نلتزم القول بأن الموتى الذين لا يسمعون هم من عدا الشهداء أما الشهداء
~~فيسمعون في الجملة لامتيازهم على سائر الموتى بما أخبر عنهم من أنهم
~~أحياء عند الله عز وجل، وقيل في حديث ابن عبد البر: إن عبد الحق وإن قال
~~إسناده صحيح إلا أن الحافظ ابن رجب تعقبه وقال: إنه ضعيف بل منكر وفي
~~حديث ابن أبي الدنيا أنه على تسليم صحته لا ms08216 يثبت المطلوب لأن خطاب الملك
~~عليه السلام للروح الذي بيده وهو ليس بميت، وفي حديث الصحيحين من سماع
~~العبد قرع نعال أصحابه إذا دفنوه وانصرفوا عنه إنه إذ ذاك تعود إليه روحه
~~للسؤال فيسمع وهو حي والجمهور على عود الروح إلى الجسد أو بعضه وقت
~~السؤال على وجه لا يحس به أهل الدنيا إلا من شاء الله تعالى منهم ووراء
~~ذلك مذاهب، فمذهب ابن جرير وجماعة من الكرامية أن السؤال في القبر على
~~البدن فقط وأن الله تعالى يخلق فيه إدراكا بحيث يسمع ويعلم ويلذ ويألم،
~~وعلى هذا المذهب يمكن أن يقال نحو ما قيل على الأول، ومذهب ابن حزم وابن
~~ميسرة أنه على الروح فقط، ومذهب أبي الهذيل وأتباعه أن الميت لا يشعر
~~بشيء أصلا إلا بين النفختين.

# والحق أن الموتى يسمعون في الجملة وهذا على أحد وجهين، أولهما أن يخلق
~~الله عز وجل في بعض أجزاء الميت قوة يسمع بها متى شاء الله تعالى السلام
~~ونحوه مما يشاء الله سبحانه سماعه إياه ولا يمنع من ذلك كونه تحت أطباق
~~الثرى وقد انحلت منه هاتيك البنية وانفصمت العرى ولا يكاد يتوقف في قبول
~~ذلك من يجوز أن يرى أعمى الصين بقة أندلس، وثانيهما أن يكون ذلك السماع
~~للروح بلا وساطة قوة في البدن ولا يمتنع أن تسمع بل أن تحس وتدرك مطلقا
~~بعد مفارقتها البدن بدون وساطة قوى فيه وحيث كان لها على الصحيح تعلق لا
~~يعلم حقيقته وكيفيته إلا الله عز وجل بالبدن كله أو بعضه بعد الموت وهو
~~غير التعلق بالبدن الذي كان لها قبله أجرى الله سبحانه عادته بتمكينها من
~~السمع وخلقه لها عند زيارة القبر وكذا عند حمل البدن إليه وعند الغسل
~~مثلا ولا يلزم من وجود ذلك التعلق والقول بوجود قوة السمع ونحوه فيها
~~نفسها أن تسمع كل مسموع لما أن السماع مطلقا وكذا سائر / الإحساسات ليس
~~إلا تابعا للمشيئة فما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن فيقتصر على
~~القول بسماع ms08217 ما ورد السمع بسماعه من السلام ونحوه، وهذا الوجه هو الذي
~~يترجح عندي ولا يلزم عليه التزام القول بأن أرواح الموتى مطلقا في أفنية
~~القبور لما أن مدار السماع عليه مشيئة الله تعالى والتعلق الذي لا يعلم
~~كيفيته وحقيقته إلا هو عز وجل فلتكن الروح حيث شاءت أو لا تكن في مكان
~~كما هو رأي من يقول بتجردها.

# ويؤخذ من كلام ذكره العارف ابن برجان في «شرح أسماء الله تعالى
~~الحسنى» تحقيق على وجه آخر وهو أن للشخص نفسا مبرأة من باطن ما خلق منه
~~الجسم وهي روح الجسم وروحا أوجدها الله تبارك وتعالى من باطن ما برأ منه
~~النفس وهي للنفس بمنزلة النفس للجسم فالنفس حجابها وبعد المفارقة في
~~العبد المؤمن تجعل الحقيقة الروحانية عامرة العلو من السماء الدنيا إلى
~~السماء السابعة بل إلى حيث شاء الله تعالى من العلو في سرور ونعيم وتجعل
~~الحقيقة النفسانية عامرة السفل من قبره إلى حيث شاء الله تعالى من الجو
~~ولذلك لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى قائما يصلي في قبره
~~وإبراهيم عليه السلام تحت الشجرة قبل صعودة عليه الصلاة والسلام إلى
~~السماء ولقيهما عليهما السلام بعد الصعود في السماوات العلا فتلك
~~أرواحهما وهذه نفوسهما وأجسادهما في قبورهما وكذا يقال في الكافر إلا أن
~~الحقيقة الروحانية له لا تكون عامرة العلو فلا تفتح لهم أبواب السماء بل
~~تكون عامرة دار شقائها والعياذ بالله تعالى، وبين الحقيقتين اتصال
~~وبوساطة ذلك ومشيئته عز وجل يسمع من سلم عليه في قبره السلام ولا يختص
~~السماع في السلام عند الزيارة ليلة الجمعة ويومها وبكرة السبت أو يوم
~~الجمعة ويوما قبلها ويوما بعدها بل يكون ذلك في السلام عند الزيارة
~~مطلقا فالميت يسمع الله تعالى روحه السلام عليه من زائرة في أي وقت كان
~~ويقدره سبحانه على رد السلام كما صرح به في بعض الآثار. وما أخرجه
~~العقيلي من أنهم يسمعون السلام ولا يستطيعون رده محمول على نفي استطاعة
~~الرد على الوجه المعهود الذي يسمعه ms08218 الأحياء، وقيل: رد السلام وعدمه مما
~~يختلف باختلاف الأشخاص فرب شخص يقدره الله تعالى على الرد ولا يثاب عليه
~~لانقطاع العمل وشخص آخر لا يقدره عز وجل، وعندي إن التعلق أيضا مما
~~يتفاوت قوة وضعفا بحسب الأشخاص بل وبحسب الأزمان أيضا وبذلك يجمع بين
~~الأخبار والآثار المختلفة. وأما الجواب عن الآية التي الكلام فيها ونحوها
~~مما يدل بظاهره على نفي السماع فيعلم مما تقدم فليفهم والله تعالى أعلم.

### || [30.54]

# { الله الذى خلقكم من ضعف } مبتدأ وخبر أي ابتدأكم ضعفاء
~~وجعل الضعف أساس أمركم كقوله تعالى:

# وخلق الإنسن ضعيفا

# [النساء: 28] فمن ابتدائية، وفي الضعف استعارة مكنية حيث شبه بالأساس
~~والمادة وفي إدخال من عليه تخييل، ويجوز أن يراد من الضعف الضعيف بإطلاق
~~المصدر على الوصف مبالغة أو بتأويله به أو يراد من ذي ضعف والمراد بذلك
~~النطفة أي الله تعالى الذي ابتدأ خلقكم من أصل ضعيف وهو النطفة كقوله
~~تعالى:

# من ماء مهين

# [السجدة: 8] وهذا التفسير وإن كان مأثورا عن قتادة إلا أن الأول أولى
~~وأنسب بقوله تعالى: { ثم جعل من بعد ضعف قوة } وذلك عند
~~بلوغكم الحلم أو تعلق الروح بأبدانكم { ثم جعل من بعد قوة
~~ضعفا وشيبة } إذا أخذ منكم السن والمراد بالضعف هنا ابتداؤه ولذا
~~أخر الشيب عنه أو الأعم فقوله سبحانه: { شيبة } للبيان أو للجمع بين
~~تغيير قواهم وظواهرهم.

# وفتح عاصم وحمزة ضاد { ضعف } في الجمع وهي قراءة عبد الله وأبي
~~رجاء. / وقرأ الجمهور بضمها فيه والضم والفتح لغتان في ذلك كما في الفقر
~~والفقر الفتح لغة تميم والضم لغة قريش، ولذا اختار النبي صلى الله عليه
~~وسلم قراءة الضم كما ورد في حديث رواه أبو داود والترمذي وحسنه وأحمد
~~وابن المنذر والطبراني والدارقطني وغيرهم عن ابن عمر رضي الله تعالى
~~عنهما أنه قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم { الله الذى
~~خلقكم من ضعف } أي بالفتح فقال: { من ضعف } يا بني أي بالضم
~~لأنها لغة قومه عليه الصلاة والسلام ولم يقصد صلى الله عليه وسلم ms08219 بذلك رد
~~القراءة الأخرى لأنها ثابتة بالوحي أيضا كالقراءة التي اختارها، وروى عن
~~عاصم الضم أيضا، وعنه أيضا الضم في الأولين والفتح في الأخير، وروي عن
~~أبي عبد الرحمن والجحدري والضحاك الضم في الأول والفتح فيما بعد. وقرأ
~~عيسى بضم الضاد والعين وهي لغة أيضا فيه. وحكى عن كثير من اللغويين أن
~~الضعف بالضم ما كان في البدن والضعف بالفتح ما كان في العقل، والظاهر أنه
~~لا فرق بين المضموم والمفتوح وكونهما مما يوصف به البدن والعقل، والمراد
~~بضعف الثاني عين الأول، ونكر لمشاكلة { قوة } وبالأخير غيره فإنه ضعف
~~الشيخوخة وذاك ضعف الطفولية، والمراد بقوة الثانية عين الأولى ونكرت
~~لمشاكلة { ضعفا } وحديث النكرة إذا أعيدت كانت غير أغلبي، وتكلف
~~بعضهم لتحصيل المغايرة فيما نكر وكرر في الآية فتدبر.

# { يخلق ما يشاء } خلقه من الأشياء التي من جملتها ما ذكر من
~~الضعف والقوة والشيبة وخلقها إما بمعنى خلق أسبابها أو محالها وإما
~~إيجادها أنفسها وهو الظاهر ولا داعي للتأويل فإنها ليست بعدم صرف {
~~وهو العليم القدير } المبالغ في العلم والقدرة فإن الترديد
~~فيما ذكر من الأحوال المختلفة مع إمكان غيره من أوضح دلائل العلم
~~والقدرة.

### || [30.55]

# { ويوم تقوم الساعة } أي القيامة سميت بها لأنها تقوم في آخر
~~ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنها تقع بغتة وصارت علما لها بالغلبة كالنجم
~~للثريا والكوكب للزهرة، والمراد بقيامها وجودها أو قيام الخلائق فيها {
~~يقسم المجرمون ما لبثوا } أي ما أقاموا في القبور كما روي
~~عن الكلبي ومقاتل، والمراد به ما أقاموا بعد الموت { غير ساعة }
~~أي قطعة من الزمان قليلة، وروى غير واحد عن قتادة أنهم يعنون ما لبثوا في
~~الدنيا غير ساعة، ورجح الأول بأنه الأظهر لأن لبثهم مغيا بيوم البعث كما
~~سيأتي إن شاء الله تعالى وليس لبثهم في الدنيا كذلك، وقيل: يعنون ما
~~لبثوا فيما بين فناء الدنيا والبعث وهو ما بين النفختين، وفي الحديث
~~الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " ما بين النفختين أربعون ms08220 قيل أربعون يوما يا أبا هريرة قال أبيت قيل
~~أربعون شهرا قال أبيت قيل أربعون سنة قال: أبيت "

# وعنى بقوله رضي الله تعالى عنه أبيت: امتنعت من بيان ذلك لكم أو أبيت أن
~~أسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولهذا الحديث قيل لا يعلم أهي
~~أربعون سنة أم أربعون ألف سنة. وحكى السفاريني في «البحور الزاخرة» عن
~~بعضهم دعوى اتفاق الروايات على أن ما بين النفختين أربعون عاما، وأنا
~~أقول: الحق أنه لا يعلمه إلا الله تعالى ودعوى الاتفاق لم يقم عندي دليل
~~عليها.

# وذكر الزمخشري أن ذلك وقت ينقطع عذابهم فيه واستقلوا مدة لبثهم كذبا
~~على ما روي عن الكلبي أو نسيانا لما عراهم من هول المطلع على ما قيل،
~~وجوز أن يكون استقلالهم تلك المدة بالإضافة إلى مدة عذابهم يومئذ ولا
~~يبعد علمهم بها سواء كان هذا القول في أول وقت الحشر أو في أثنائه أو بعد
~~دخول النار، وجوز أن يكونوا عدوا مدة بقائهم في الدنيا ساعة لعدم
~~انتفاعهم بها والكثير بلا نفع قليل كما أن القليل مع النفع كثير /
~~فالكلام تأسف وتحسر على إضاعتهم أيام حياتهم، وبين الساعة وساعة جناس تام
~~مماثل كما أطبق عليه البلغاء إلا من لا يعتد به ولا يضر في ذلك اختلاف
~~الحركة الإعرابية ولا وجود أل في إحدى الكلمتين لزيادتها على الكلمة،
~~وكذا لا يضر اتحاد مدلولهما في الأصل لأن المعرفة فيه كالمنكر بمعنى
~~القطعة من الزمان لمكان النقل في المعرف وصيرورته علما على القيامة
~~كسائر الأعلام المنقولة وأخذ أحدهما من الآخر لا يضر أيضا كما يوضح ذلك
~~ما قرروه في جناس الاشتقاق، وظن بعضهم أن الساعة في القيامة مجاز ولذا
~~أنكر التجنيس هنا إذ التجنيس المذكور لا يكون بين حقيقة ومجاز فلا تجنيس
~~في نحو ركبت حمارا ولقيت حمارا معمما تعني رجلا بليدا واشتهر أنه لم
~~يقع في القرآن الكريم هذا النوع من الجناس إلا في هذا الموضع، واستنبط
~~شيخ الإسلام ابن حجر عليه الرحمة موضعا آخر وهو ms08221 قوله تعالى:

# يكاد سنا برقه يذهب بالأبصر * يقلب الله
~~اليل والنهار إن فى ذلك لعبرة لأولى
~~الأبصر

# [النور: 43-44] لأن الأبصار الأول جمع بصر والأبصار الثاني مراد به ما
~~هو جمع بصيرة، وتعقب بأنه وإن كان الإبصار الثاني مراد به ما هو جمع
~~بصيرة إلا أنه ليس من باب الحقيقة بل بطريق المجاز والاستعارة لأن
~~البصيرة ما تجمع على أبصار بل على بصائر، فقد قال علماء العربية: إن صيغة
~~أفعال من جموع القلة لا تطرد إلا في اسم ثلاثي مفتوح الفاء كبصر وأبصار
~~أو مكسورها كعنب وأعناب أو مضمومها كرطب وأرطاب ساكن العين كثوب وأثواب
~~أو محركها كما تقدم وكعضد وأعضاد وفخذ وأفخاذ، وصيغة فعائل من جموع
~~الكثرة لا تطرد إلا في اسم رباعي مؤنث بالتاء أو بالمعنى ثالثه مدة
~~كسحابة وسحائب وبصيرة وبصائر وحلوبة وحلائب وشمال وشمائل وعجوز وعجائز
~~وسعيد علم امرأة وسعائد فاستعيرت الأبصار للبصائر بجامع ما بينهما من
~~الإدراك والتمييز. وقد سمعت أن هذا النوع لا يكون بين حقيقة ومجاز
~~فليحفظ.

# { كذلك } أي مثل ذلك الإفك { كانوا } أي في الدنيا { يؤفكون
~~} أي يصرفون عن الصدق والتحقيق، والغرض من سوق الآية الإغراق في وصف
~~المجرمين بالتمادي في التكذيب والإصرار على الباطل أو مثل ذلك الإفك
~~كانوا يؤفكون في الاغترار بما تبين لهم الآن أنه ما كان إلا ساعة فسوق
~~الكلام للتعجب من اغترارهم بلامع السراب والغرض أن يحقر عندهم مافيه من
~~التمتعات وزخارف الدنيا كي يقلعوا عن العناد ويرجعوا إلى سبيل الرشاد
~~فكأنه: قيل مثل ذلك الإفك العجيب الشأن كانوا يؤفكون في الدنيا اغترارا
~~بما عدده ساعة استقصارا والصارف لهم هو الله تعالى أو الشيطان أو الهوى،
~~وأيا ما كان فليس ذاك إلا لسوء اختيارهم وخباثة استعدادهم.

# وفي الآية على أحد الأقوال دليل على وقوع الكذب في الآخرة من الكفرة.
~~واستدل بها بعضهم على نفي عذاب القبر، وليس بشيء.

### || [30.56]

# { وقال الذين أوتوا العلم والإيمن } في الدنيا من
~~الملائكة أو الإنس أو منهما جميعا { لقد لبثتم فى كتب ms08222
~~الله } أي في علمه وقضائه أو ما كتبه وعينه سبحانه أو اللوح المحفوظ
~~أو القرآن وهو قوله تعالى:

# ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون

# [المؤمنون: 100] وأيا ما كان فالجار والمجرور متعلق بما عنده. وأخرج
~~عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم  وفيه من البعد ما
~~فيه  أن الكلام على التقديم والتأخير والأصل وقال الذين أوتوا العلم
~~والإيمان في كتاب الله لقد لبثتم { إلى يوم البعث } والكلام رد
~~لما قالوه مؤكد باليمين أو توبيخ وتفضيح وتهكم بهم فتأمل { فهذا
~~يوم البعث } الذي كنتم توعدون في الدنيا والفاء فصيحة كأنه قيل:
~~إن كنتم منكرين البعث فهذا يومه أي فنخبركم أنه قد تبين بطلان إنكاركم /
~~وجوز أن تكون عاطفة والتعقيب ذكري أو تعليلية { ولكنكم كنتم
~~لا تعلمون } أنه حق لتفريطكم في النظر فتستعجلون به استهزاء، وقيل:
~~لا تعلمون البعث ولا تعترفون به فلذا صار مصيركم إلى النار. وقرأ الحسن {
~~البعث } بفتح العين فيهما، وقرىء بكسرهما وهو اسم والمفتوح مصدر، وفي
~~الآية من الدلالة على فضل العلماء ما لا يخفى.

### || [30.57]

# { فيومئذ } أي يوم إذ يقع ذلك من إقسام الكفار وقول أولي العلم
~~لهم { لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم } أي عذرهم. وقرأ
~~الأكثر { تنفع } بالتاء محافظة على ظاهر الأمر للفظ وإن توسط بينهما
~~فاصل { ولا هم يستعتبون } الاستعتاب طلب العتبى وهي الاسم من
~~الإعتاب بمعنى إزالة العتب كالعطاء والاستعطاء أي لا يطلب منهم إزالة عتب
~~الله تعالى، والمراد به غضبه سبحانه عليهم بالتوبة والطاعة فإنه قد حق
~~عليهم العذاب، وإن شئت قلت: أي لا يقال لهم ارضوا ربكم بتوبة وطاعة كما
~~كان يقال لهم ذلك في الدنيا، وقيل: أي لا يستقيلون فيستقالون بردهم إلى
~~الدنيا. وقال ابن عطية: هذا إخبار عن هول يوم القيامة وشدة أحواله على
~~الكفرة بأنهم لا ينفعهم الاعتذار ولا يعطون عتبى وهى الرضا و {
~~يستعتبون } بمعنى يعتبون كما تقول يملك ويستملك والباب في استفعل
~~أنه طلب الشيء وليس هذا منه لأن المعنى يفسد إذا كان المفهوم منه ms08223 ولا
~~يطلب منهم عتبى انتهى، فجعل استفعل بمعنى فعل. وحاصل المعنى عليه على ما
~~في «البحر» هم من الإهمال وعدم الالتفات إليهم بمنزلة من لا يؤهل للعتب،
~~وقيل: المعنى عليه هم لا يعاتبون على سيآتهم بل يعاقبون، وما ذكرناه
~~أولا هو الذي ينبغي أن يعول عليه، ويا ليت شعري أين ما ادعاه ابن عطية
~~من الفساد إذا كان المفهوم منه لا يطلب منهم عتبى على ما سمعت.

### || [30.58]

# { ولقد ضربنا للناس فى هذا القرءان من كل
~~مثل } أي وبالله تعالى لقد وصفنا للناس من كل صفة كأنها مثل في
~~غرابتها وقصصنا عليهم كل صفة عجيبة الشأن كصفة المبعوثين يوم القيامة وما
~~يقولون وما يقال لهم وما لا ينفع من اعتذارهم ولا يسمع من استعتابهم،
~~فضرب المثل اتخاذه وصنعه من ضرب الخاتم واللبن. والمثل مجاز عن الصفة
~~الغريبة، والمراد بهذا القرآن إما هذه السورة الجليلة الشأن أو المجموع
~~وهو الظاهر، و { من } تبعيضية وجوزت الزيادة، وقيل: المعنى وبالله
~~تعالى لقد بينا للناس من كل مثل ينبؤهم عن التوحيد والبعث وصدق الرسول
~~عليه الصلاة والسلام، فضرب بمعنى بين والمثل على أصله، وقيل: الدليل
~~العجيب والقرآن بمعنى المجموع.

# { ولئن جئتهم بئاية } أي مع ضربنا لهم من كل مثل في هذا
~~القرآن الجليل الشأن لئن جئتهم بآية من آياته { ليقولن الذين
~~كفروا } لفرط عتوهم وعنادهم وقساوة قلوبهم مخاطبين لك وللمؤمنين {
~~إن أنتم إلا مبطلون } أي مزورون، وجوز حمل الآية على
~~المعجزة أي لئن جئتهم بمعجزة من المعجزات التي اقترحوها ليقولن الذين
~~كفروا الخ، والإتيان بالموصول دون الضمير لبيان السبب الحامل على القول
~~المذكور، وإذا أريد بالناس ما يعم الكفرة وغيرهم فوجه الإظهار ظاهر،
~~وتوحيد الخطاب في { جئتهم } على ما يقتضيه الظاهر، وأما جمعه في
~~قولهم: { إن أنتم } فلئلا يبقى بزعمهم له عليه الصلاة / والسلام
~~شاهد من المؤمنين حيث جعلوا الكل مدعين، وقال الإمام: في توحيد الخطاب في
~~{ جئتهم } وجمعه في { أنتم } لطيفة وهي أن الله تعالى قال: إن
~~جئتهم بكل آية جاءت بها الرسل ms08224 عليهم السلام ويمكن أن يجاء بها يقولوا:
~~أنتم كلكم أيها المدعون للرسالة مبطلون انتهى، ولا يخفى أن ما ذكرناه
~~أحسن وألطف.

### || [30.59]

# { كذلك } أي مثل ذلك الطبع الفظيع، وجوز أن يكون المعنى مثل ذلك
~~القول { يطبع } أي يختم { الله } الذي جلت عظمته وعظمت قدرته {
~~على قلوب الذين لا يعلمون } أي لا يطلبون العلم ولا
~~يتحرون الحق بل يصرون على خرافات اعتقدوها وترهات ابتدعوها، فإن الجهل
~~المركب يمنع إدراك الحق ويوجب تكذيب المحق، ومن هنا قالوا: هو شر من
~~الجهل البسيط، وما ألطف ما قيل:

# قال حمار الحكيم توما

# لو أنصفوني لكنت أركب

# لأنني جاهل بسيط

# وصاحبي جاهل مركب

# وإطلاق العلم على الطلب مجاز لما أنه لازم له عادة وقيل: المعنى يطبع
~~الله تعالى على قلوب الذين ليسوا من أولي العلم، وليس بذاك، والمراد من {
~~الذين لا يعلمون } يحتمل أن يكون الذين كفروا فيكون قد وضع
~~الموصول موضع ضميرهم للنعي بما في حيز الصلة، ويحتمل أن يكون عاما ويدخل
~~فيه أولئك دخولا أوليا. وظاهر كلام بعض الأجلة يميل إلى الاحتمال
~~الأول، وقد تقدم الكلام في طبعه وختمه عز وجل على القلب.

### || [30.60]

# { فاصبر } أي إذا علمت حالهم وطبع الله تعالى على قلوبهم فاصبر على
~~مكارههم من الأقوال الباطلة والأفعال السيئة { إن وعد الله
~~حق } وقد وعدك عز وجل بالنصرة وإظهار الدين وإعلاء كلمة الحق ولا بد
~~من إنجازه والوفاء به لا محالة { ولا يستخفنك } لا يحملنك على
~~الخفة والقلق { الذين لا يوقنون } بما تتلو عليهم من الآيات
~~البينة بتكذيبهم إياها وإيذائهم لك بأباطيلهم التي من جملتها قولهم:

# إن أنتم إلا مبطلون

# [الروم: 58] فإنهم شاكون ضالون ولا يستبدع أمثال ذلك منهم، وقيل: أي لا
~~يوقنون بأن وعد الله حق وهو كما ترى، والحمل وإن كان لغيره صلى الله عليه
~~وسلم لكن النهي راجع إليه عليه الصلاة والسلام فهو من باب لا أرينك ههنا
~~وقد مر تحقيقه فكأنه قيل: لا تخف لهم جزعا، وفي الآية من إرشاده تعالى
~~لنبيه صلى الله عليه وسلم ms08225 وتعليمه سبحانه له كيف يتلقى المكاره بصدر رحيب
~~ما لا يخفى.

# وقرأ ابن أبي إسحق. ويعقوب { ولا يستحقنك } بحاء مهملة وقاف من
~~الاستحقاق، والمعنى لا يفتننك الذين لا يوقنون ويكونوا أحق بك من
~~المؤمنين على أنه مجاز عن ذلك لأن من فتن أحدا استماله إليه حتى يكون
~~أحق به من غيره، والنهي على هذه القراءة راجع إلى أمته عليه الصلاة
~~والسلام دونه صلى الله عليه وسلم لمكان العصمة، وقد تقدم نظائر ذلك وما
~~للعلماء من الكلام فيها. وقرأ الجمهور بتشديد النون وخففها ابن أبي عبلة
~~ويعقوب.

# ومن لطيف ما يروى ما أخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن
~~أبي حاتم والحاكم والبيهقي في «سننه» عن علي كرم الله تعالى وجهه أن
~~رجلا من الخوارج ناداه وهو في صلاة الفجر فقال:

# ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن
~~أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخسرين

# [الزمر: 65] فأجابه كرم الله تعالى وجهه وهو في الصلاة { فاصبر
~~إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا
~~يوقنون } ولا بدع في هذا الجواب من باب مدينة العلم وأخي رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم.

# هذا ومن باب الإشارة في الآيات:

# الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد
~~غلبهم سيغلبون

# [الروم: 13] إلى آخره، قيل: الألف إشارة إلى ألفة طبع المؤمنين واللام
~~إلى لؤم طبع الكافرين والميم إلى مغفرة رب العالمين جل شأنه، والروم
~~إشارة إلى القلب، وفارس المشار إليهم بالضمير النائب عن الفاعل إشارة إلى
~~النفس، والمؤمنون إشارة إلى الروح والسر والعقل، ففي الآية إشارة إلى أن
~~حال أهل الطلب يتغير بتغير الأوقات فيغلب فارس النفس روم القلب تارة
~~ويغلب روم القلب فارس النفس بتأييد الله تعالى ونصره سبحانه تارة أخرى
~~وذلك في بعض سنين من أيام الطلب ويومئذ يفرح المؤمنون الروح والسر
~~والعقل، وعلى هذا المنهاج سلك النيسابوري:

# يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا

# [الروم: 7] فيه إشارة إلى حال المحجوبين ووقوفهم على ظواهر الأشياء، وما
~~من شيء إلا له ظاهر وهو ما ms08226 تدركه الحواس الظاهرة منه، وباطن وهو ما يدركه
~~العقل بإحدى طرق الإدراك من وجوه الحكمة فيه، ومنه ما هو وراء طور العقل
~~وهو ما يحصل بواسطة الفيض الإلهي وتهذيب النفس أتم تهذيب وهو وإن لم يكن
~~من مستنبطات العقل إلا أن العقل يقبله، وليس معنى أنه ما وراء طور العقل
~~أن العقل يحيله ولا يقبله كما يتوهم، ومما ذكرنا يعلم أن الباطن لا يجب
~~أن يتوصل إليه بالظاهر بل قد يحصل لا بواسطته وذلك أعلى قدرا من حصوله
~~بها، فقول من يقول: إنه لا يمكن الوصول إلى الباطن إلا بالعبور على
~~الظاهر لا يخلو عن بحث

# فأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فهم فى
~~روضة يحبرون

# [الروم: 15] أي يسرون بالسماع في روضة الشهود وذلك غذاء أرواحهم
~~ونعيمها، وأعلى أنواع السماع في هذه النشأة عند السادة الصوفية ما يكون
~~من الحضرة الإلهية بالأرواح القدسية والأسماع الملكوتية، وهذه الأسماع لم
~~يفارقها سماع

# ألست بربكم

# [الأعراف: 172] واشتهر عندهم السماع في سماع الأصوات الحسنة وسماع
~~الأشياء المحركة لما غلب عليهم من الأحوال من الخوف والرجاء والحب
~~والتعظيم وذلك كسماع القرآن والوعظ والدف والشبابة والأوتار والمزمار
~~والحداء والنشيد وفي ذلك الممدوح والمذموم. وفي «قواعد عز الدين عبد
~~العزيز بن عبد عبد السلام الكبرى» تفصيل الكلام في ذلك على أتم وجه،
~~وسنذكر إن شاء الله تعالى قريبا ما يتعلق بذلك والله تعالى هو الموفق
~~للصواب

# فسبحان الله حين تمسون

# [الروم: 17] الخ فيه إشارة إلى أنه ينبغي استغراق الأوقات في تنزيه الله
~~سبحانه والثناء عليه جل وعلا بما هو سبحانه وتعالى أهله فإن ذلك روضة هذه
~~النشأة، وفي الأثر «إن حلق الذكر رياض الجنة»

# يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى

# [الروم: 19] فيه إشارة إلى أن الفرع لا يلزم أن يكون كأصله:

# إنما الورد من الشوك ولا

# ينبت النرجس إلا من بصل

# ومن ءايته أن خلق لكم من أنفسكم أزوجا
~~لتسكنوا إليها

# [الروم: 21] فيه إشارة إلى أن الاشتراك في الجنسية من أسباب الألفة:

# إن الطيور على أشباهها ms08227 تقع

# كل حزب بما لديهم فرحون

# [الروم: 32] فيه إشارة إلى أنه عز وجل لم يكره أحدا على ما هو عليه إن
~~حقا وإن باطلا، وإنما وقع التعاشق بين النفوس بحسب استعدادها وما هي
~~عليه فأعطى سبحانه جلت قدرته كل عاشق معشوقه الذي هام به قلب استعداده
~~وصار حبه ملء فؤاده وهذا / سر الفرح، وما ألطف ما قال قيس بن ذريح.

# تعلق روحي روحها قبل خلقنا

# ومن قبل ما كنا نطافا وفي المهد

# فزاد كما زدنا فأصبح ناميا

# وليس إذا متنا بمنفصم العقد

# ولكنه باق على كل حادث

# وزائرنا في ظلمة القبر واللحد

# وإذا مس الناس

# [الروم: 33] الآية فيها إشارة إلى أن طبيعة الإنسان ممزوجة من هداية
~~الروح وإطاعتها ومن ضلال النفس وعصيانها، فالناس إذا أظلتهم المحنة
~~ونالتهم الفتنة ومستهم البلية وانكسرت نفوسهم وسكنت دواعيها وتخلصت
~~أرواحهم عن أسر ظلمة شهواتها رجعت أرواحهم إلى الحضرة ووافقتها النفوس
~~على خلاف طباعها فدعوا ربهم منيبين إليه فإدا جاد سبحانه عليهم بكشف ما
~~نالهم ونظر جل وعلا باللطف فيما أصابهم عاد منهم من تمرد إلى عادته
~~المذمومة وطبيعته الدنية المشؤمة

# ظهر الفساد فى البر والبحر

# [الروم: 41] الخ فيه إشارة إلى أن الشرور ليست مرادة لذاتها بل هي كبط
~~الجرح وقطع الأصبع التي فيها آكلة { فاصبر إن وعد الله
~~حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } [الروم: 60]
~~فيه إشارة لأهل الوراثة المحمدية أهل الإرشاد بأن يصبروا على مكاره
~~المنكرين المحجوبين الذين لا يوقنون بصدق أحوالهم ولذا يستخفون بهم
~~وينظرون إليهم بنظر الحقارة ويعيرونهم وينكرون عليهم فيما يقولون
~~ويفعلون، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الموقنين وأن يحفظنا وأولادنا
~~وإخواننا من الأمراض القلبية والقالبية بحرمة نبيه الأمين صلى الله عليه
~~وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

### | [31 - سورة لقمان]

### || [31.1-2]

# أي ذي الحكمة، ووصف الكتاب بذلك عند بعض المغاربة مجاز لأن الوصف بذلك
~~للتملك وهو لا يملك الحكمة بل يشتمل عليها ويتضمنها فلأجل ذلك وصف
~~بالحكيم بمعنى ذي الحكمة، واستظهر الطيبي أنه على ذلك من الاستعارة
~~المكنية. والحق ms08228 أنه من باب

# عيشة راضية

# [الحاقة: 21] على حد لابن وتامر. نعم يجوز أن يكون هناك استعارة
~~بالكناية أي الناطق بالحكمة كالحي، ويجوز أن يكون الحكيم من صفاته عز وجل
~~ووصف الكتاب به من باب الإسناد المجازي فإنه منه سبحانه بدأ، وقد يوصف
~~الشيء بصفة مبدئه كما في قول الأعشى:

# وغريبة تأتي الملوك حكيمة

# قد قلتها ليقال من ذا قالها

# وأن يكون الأصل الحكيم منزله أو قائله فحذف المضاف إلى الضمير المجرور
~~وأقيم المضاف إليه مقامه / فانقلب مرفوعا ثم استكن في الصفة المشبهة.
~~وأن يكون { الحكيم } فعيلا بمعنى مفعل كما قالوا: عقدت العسل فهو
~~عقيد أي معقد وهذا قليل، وقيل: هو بمعنى حاكم، وتمام الكلام في هذه الآية
~~قد تقدم في الكلام على نظيرها.

### || [31.3]

# { هدى ورحمة } بالنصب على الحالية من

# ءايت

# [لقمان: 2] والعامل فيهما معنى الإشارة على ما ذكره غير واحد وبحث فيه.

# وقرأ حمزة والأعمش والزعفراني وطلحة وقنبل من طريق أبي الفضل الواسطي
~~ونظيف بالرفع على الخبر بعد الخبر  لتلك  على مذهب الجمهور أو الخبر
~~لمحذوف أي هي أو هو هدى ورحمة عظيمة { للمحسنين } أي العاملين
~~الحسنات، والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة للمتعاطفين، وقوله تعالى:
~~{ الذين يقيمون الصلوة... }.

### || [31.4]

# وقوله تعالى { الذين يقيمون الصلوة ويؤتون
~~الزكوة وهم بالأخرة هم يوقنون } إما مجرور على أنه صفة
~~كاشفة أو بدل أو بيان لما قبله، وإما منصوب أو مرفوع على القطع وعلى كل
~~فهو تفسير للمحسنين على طريقة قول أوس بن حجر:

# الألمعي الذي يظن بك الظن

# كأن قد رأى وقد سمعا

# فقد حكى عن الأصمعي أنه سئل عن الألمعي فأنشده ولم يزد عليه، وهذا ظاهر
~~على تقدير أن يراد بالحسنات مشاهيرها المعهودة في الدين، وأما على تقدير
~~أن يراد بها جميع ما يحسن من الأعمال فلا يظهر إلا باعتبار جعل المذكورات
~~بمنزلة الجميع من باب كل الصيد في جوف الفرا، وقيل: إذا أريد بالحسنات
~~المذكورات يكون الموصول صفة كاشفة وقوله تعالى: { أولئك على
~~هدى من ربهم... }

### || [31.5]

# وقوله تعالى: { أولئك ms08229 على هدى من ربهم وأولئك
~~هم المفلحون } استئنافا، وإذا أريد بها جميع ما يحسن من الأعمال
~~وكان تخصيص المذكورات بالذكر لفضل اعتداد بها يكون الموصول مبتدأ وجملة {
~~أولئك على هدى } الخ خبره والكلام استئناف بذكر الصفة
~~الموجبة للاستئهال. وقيل: إن الموصول على التقديرين صفة إلا أنه على
~~التقدير الأول كاشفة وعلى التقدير الثاني صفة مادحة للوصف لا للموصوف،
~~وبناء

# يوقنون

# [لقمان: 4] على { هم } للتقوي، وأعيد الضمير للتأكيد ولدفع توهم كون {
~~بالأخرة } خبرا وجبرا للفصل بين المبتدأ وخبره ولم يؤخر الفاصل
~~للفاصلة.

# وذكر بعض أجلة المفسرين في قوله تعالى أول سورة النمل: [3]:

# وهم بالأخرة هم يوقنون

# أن بناء { يوقنون } على { هم } يدل على أن مقابليهم ليسوا من
~~اليقين في ظل ولا فىء وأن تقديم { بالأخرة } يدل على أن ما عليه
~~مقابلوهم ليس من الآخرة في شيء وذلك لإفادة تقديم الفاعل المعنوي وتقديم
~~الجار على متعلقه الاختصاص فانظر هل يتسنى نحو ذلك هنا، وقد مر أول سورة
~~البقرة ما يعلم منه وجه اختيار اسم الإشارة ووجه تكراره، وفي الآية كلام
~~بعد لا يخفى على من راجع ما ذكروه من الكلام على ما يشبهها هناك وتأمل
~~فراجع وتأمل.

### || [31.6]

# { ومن الناس } أي بعض من الناس أو بعض الناس { من يشترى
~~لهو الحديث } أي الذي أو فريق يشتري على أن مناط الإفادة والمقصود
~~بالأصالة هو اتصافهم بما في حيز الصلة أو الصفة لا كونهم ذوات أولئك
~~المذكورين، والجملة عطف على ما قبلها بحسب المعنى كأنه قيل: من الناس هاد
~~مهدي ومنهم ضال مضل أو عطف قصة على قصة، وقيل: إنها حال من فاعل الإشارة
~~أي أشير إلى آيات الكتاب حال كونها هدى / ورحمة والحال من { الناس }  {
~~من يشتري } الخ.

# و { لهو الحديث } على ما روي عن الحسن كل ما شغلك عن عبادة الله
~~تعالى وذكره من السمر والأضاحيك والخرافات والغناء ونحوها، والإضافة
~~بمعنى من إن أريد بالحديث المنكر كما في حديث

# " الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش "

# بناء على أنها بيانية ms08230 وتبعيضية إن أريد به ما هو أعم منه بناء على
~~مذهب بعض النحاة كابن كيسان والسيرافي قالوا: إضافة ما هو جزء من المضاف
~~إليه بمعنى من التبعيضية كما يدل عليه وقوع الفصل بها في كلامهم، والذي
~~عليه أكثر المتأخرين وذهب إليه ابن السراج والفارسي وهو الأصح أنها على
~~معنى اللام كما فصله أبو حيان في «شرح التسهيل» وذكر شارح «اللمع». وعن
~~الضحاك أن { لهو الحديث } الشرك، وقيل: السحر، وأخرج ابن أبي
~~شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه، والبيهقي في
~~«شعب الإيمان» عن أبي الصهباء قال: سألت عبد الله بن مسعود عن قوله
~~تعالى: { ومن الناس من يشترى لهو الحديث } قال: هو
~~والله الغناء وبه فسر كثير، والأحسن تفسيره بما يعم كل ذلك كما ذكرناه عن
~~الحسن، وهو الذي يقتضيه ما أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» وابن أبي
~~الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في «سننه» عن ابن
~~عباس أنه قال: { لهو الحديث } هو الغناء وأشباهه، وعلى جميع ذلك
~~يكون الاشتراء استعارة لاختياره على القرآن واستبداله به، وأخرج ابن
~~عساكر عن مكحول في قوله تعالى: { من يشترى لهو الحديث } قال
~~الجواري الضاربات. وأخرج آدم وابن جرير والبيهقي في «سننه» عن مجاهد أنه
~~قال فيه: هو اشتراؤه المغني والمغنية والاستماع إليه وإلى مثله من
~~الباطل، وفي رواية ذكرها البيهقي في «السنن» عن ابن مسعود أنه قال: في
~~الآية: هو رجل يشتري جارية تغنيه ليلا أو نهارا.

# واشتهر أن الآية نزلت في النضر بن الحرث، ففي رواية جويبر عن ابن عباس
~~أنه اشترى قينة فكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته
~~فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه ويقول: هذا خير مما يدعوك إليه محمد صلى الله
~~عليه وسلم من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه فنزلت.

# وفي «أسباب النزول» للواحدي عن الكلبي ومقاتل أنه كان يخرج تاجرا إلى
~~فارس فيشتري أخبار الأعاجم وفي بعض الروايات كتب الأعاجم فيرويها ويحدث
~~بها قريشا ويقول لهم: إن ms08231 محمدا عليه الصلاة والسلام يحدثكم بحديث عاد
~~وثمود وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة فيستملحون حديثه
~~ويتركون استماع القرآن فنزلت، وقيل: إنها نزلت في ابن خطل اشترى جارية
~~تغني بالسب، ولا يأبى نزولها فيمن ذكر الجمع في قوله تعالى بعد: {
~~أولئك لهم } كما لا يخفى على الفطن.

# والاشتراء على أكثر هذه الروايات على حقيقته ويحتاج في بعضها إلى عموم
~~المجاز أو الجمع بين الحقيقة والمجاز كما لا يخفى على من دقق النظر، وجعل
~~المغنية ونحوها نفس لهو الحديث مبالغة كما جعل { النساء } في قوله
~~تعالى:

# زين للناس حب الشهوت من النساء

# [آل عمران: 14] نفس الزينة. وفي «البحر» إن أريد بلهو الحديث ما يقع
~~عليه الشراء كالجواري المغنيات وككتب الأعاجم فالاشتراء حقيقة ويكون
~~الكلام على حذف مضاف أي من يشتري ذات لهو الحديث. وقال الخفاجي عليه
~~الرحمة: لا حاجة إلى تقدير ذات لأنه لما اشتريت المغنية لغنائها فكأن
~~المشتري هو الغناء نفسه فتدبره.

# وفي الآية عند الأكثرين ذم للغناء بأعلى صوت وقد تضافرت الآثار وكلمات
~~كثير من العلماء الأخيار على ذمه مطلقا لا في مقام دون مقام، فأخرج ابن
~~أبي الدنيا والبيهقي في «شعبه» عن ابن مسعود قال: إذا ركب الرجل الدابة
~~ولم يسم ردفه شيطان فقال: تغنه فإن كان لا يحسن قال: تمنه، واخرجا أيضا
~~عن / الشعبي قال: عن القاسم بن محمد أنه سئل عن الغناء فقال للسائل:
~~أنهاك عنه وأكرهه لك فقال السائل: أحرام هو؟ قال: انظر يا ابن أخي إذا
~~ميز الله تعالى الحق من الباطل في أيهما يجعل سبحانه الغناء، واخرجا عنه
~~أيضا أنه قال:

# " لعن الله تعالى المغني والمغنى له "

# ، وفي «السنن» عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل "

# ، وأخرج عنه نحوه ابن أبي الدنيا ورواه عن أبي هريرة والديلمي عنه وعن
~~أنس وضعفه ابن القطان، وقال النووي لا يصح، وقال العراقي: رفعه غير صحيح
~~لأن في إسناده من لم يسم وفيه ms08232 إشارة إلى أن وقفه على ابن مسعود صحيح وهو
~~في حكم المرفوع إذ مثله لا يقال من قبل الرأي، وأخرج ابن أبي الدنيا
~~وابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم قال:

# " ما رفع أحد صوته بغناء إلا بعث الله تعالى إليه شيطانين يجلسان على
~~منكبيه يضربان بأعقابهما على صدره حتى يمسك "

# وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي عثمان الليثي قال: قال يزيد بن
~~الوليد الناقص: يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزيد في
~~الشهوة ويهدم المروءة وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل السكر فإن كنتم
~~لا بد فاعلين فجنبوه النساء فإن الغناء داعية الزنا، وقال الضحاك: الغناء
~~منفدة للمال مسخطة للرب مفسدة للقلب، وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والترمذي
~~وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وغيرهم عن
~~أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن
~~وثمنهن حرام في مثل هذا أنزلت هذه الآية { ومن الناس من يشترى
~~لهو الحديث } إلى آخر الآية "

# وفي رواية ابن أبي الدنيا وابن مردويه عن عائشة قالت: قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم

# " إن الله تعالى حرم القينة وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها ثم
~~قرأ { ومن الناس من يشترى لهو الحديث } "

# ويعود هذا ونحوه إلى ذم الغناء. وقيل: الغناء جاسوس القلب وسارق المروءة
~~والعقول يتغلغل في سويداء القلوب ويطلع على سرائر الافئدة ويدب إلى بيت
~~التخييل فينشر ما غرز فيها من الهوى والشهوة والسخافة والرعونة فبينما
~~ترى الرجل وعليه سمت الوقار وبهاء العقل وبهجة الإيمان ووقار العلم كلامه
~~حكمة وسكوته عبرة فإذا سمع الغناء نقص عقله وحياؤه وذهبت مروءته وبهاؤه
~~فيستحسن ما كان قبل السماع يستقبحه ويبدي من أسراره ما كان يكتمه وينتقل
~~من بهاء السكوت والسكون إلى كثرة الكلام والهذيان والاهتزاز كأنه جان
~~وربما صفق بيديه ودق الأرض برجليه وهكذا تفعل الخمر ms08233 إلى غير ذلك.

# واختلف العلماء في حكمه فحكي تحريمه عن الإمام أبي حنيفة رضي الله
~~تعالى عنه القاضي أبو الطيب والقرطبي والماوردي والقاضي عياض. وفي
~~«التاتارخانية»: اعلم أن التغني حرام في جميع الأديان، وذكر في
~~«الزيادات» أن الوصية للمغنين والمغنيات مما هو معصية عندنا وعند أهل
~~الكتاب، وحكى عن ظهير الدين المرغيناني أنه قال: من قال لمقري زماننا
~~أحسنت عند قراءته كفر، وصاحبا «الهداية» و «الذخيرة» سمياه كبيرة. هذا في
~~التغني للناس في غير الأعياد والأعراس ويدخل فيه تغني صوفية زماننا في
~~المساجد والدعوات بالأشعار والأذكار مع اختلاط أهل الأهواء والمرد بل هذا
~~أشد من كل تغن لأنه مع اعتقاد العبادة وأما التغني وحده بالأشعار لدفع
~~الوحشة أو في الأعياد والأعراس فاختلفوا فيه والصواب منعه مطلقا في هذا
~~الزمان انتهى.

# وفي «الدر المختار» التغني لنفسه لدفع الوحشة لا بأس به عند العامة على
~~ما في «العناية» وصححه / العيني وغيره قال ولو فيه وعظ وحكمة فجائز
~~اتفاقا ومنهم من أجازه في العرس كما جاز ضرب الدف فيه ومنهم من أباحه
~~مطلقا ومنهم من كرهه مطلقا انتهى.

# وفي «البحر» والمذهب حرمته مطلقا فانقطع الاختلاف بل ظاهر «الهداية»
~~أنه كبيرة ولو لنفسه وأقره المنصف وقال: ولا تقبل شهادة من يسمع الغناء
~~أو يجلس مجلسه انتهى كلام «الدر».

# وذكر الإمام أبو بكر الطرطوشي في «كتابه في تحريم السماع» أن الإمام أبا
~~حنيفة يكره الغناء ويجعله من الذنوب وكذلك مذهب أهل الكوفة سفيان وحماد
~~وإبراهيم والشعبي وغيرهم لا اختلاف بينهم في ذلك ولا نعلم خلافا بين
~~أهل البصرة في كراهة ذلك والمنع منه انتهى وكأن مراده بالكراهة الحرمة،
~~والمتقدمون كثيرا ما يريدون بالمكروه الحوام كما في قوله تعالى:

# كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها

# [الإسراء: 38] ونقل عليه الرحمة فيه أيضا عن الإمام مالك أنه نهى عن
~~الغناء وعن استماعه وقال: إذا اشترى جارية فوجدها مغنية فله أن يرد
~~بالعيب وأنه سئل ما ترخص فيه أهل المدينة من الغناء، فقال: إنما يفعله
~~عندنا الفساق. ونقل ms08234 التحريم عن جمع من الحنابلة على ما حكاه شارح
~~«المقنع» وغيره، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب «البلغة» أن أكثر
~~أصحابهم على التحريم وعن عبد الله ابن الإمام أحمد أنه قال: سألت أبي عن
~~الغناء فقال ينبت النفاق في القلب لا يعجبني ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله
~~عندنا الفساق، وقال المحاسبي في «رسالة الإنشاء» الغناء حرام كالميتة،
~~ونقل الطرطوشي أيضا عن كتاب أدب القضاء [من «الأم»] أن الإمام الشافعي
~~رضي الله تعالى عنه قال: إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل والمحال من
~~استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته، وفيه أنه صرح أصحابه العارفون بمذهبه
~~بتحريمه وأنكروا على من نسب إليه حله كالقاضي أبي الطيب والطبري والشيخ
~~أبي إسحاق في «التنبيه» وذكر بعض تلامذة البغوي في كتابه الذي سماه
~~«التقريب» أن الغناء حرام فعله وسماعه، وقال ابن الصلاح في «فتاواه» بعد
~~كلام طويل: فإذن هذا السماع حرام بإجماع أهل الحل والعقد من المسلمين
~~انتهى.

# والذي رأيته في «الشرح الكبير للجامع الصغير» للفاضل المناوي أن مذهب
~~الشافعي أنه مكروه تنزيها عند أمن الفتنة، وفي «المنهاج» «يكره الغناء
~~بلا آلة» قال العلامة ابن حجر لما صح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه
~~وذكر الحديث السابق الموقوف عليه وأنه جاء مرفوعا من طرق كثيرة بينها في
~~كتابه «كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع» ثم قال: وزعم أنه لا دلالة
~~فيه على كراهته لأن بعض المباح كلبس الثياب الجميلة ينبت النفاق في القلب
~~وليس بمكروه يرد بأنا لا نسلم أن هذا ينبت نفاقا أصلا، ولئن سلمناه
~~فالنفاق مختلف فالنفاق الذي ينبته الغناء من التخنث وما يترتب عليه أقبح
~~وأشنع كما لا يخفى ثم قال: وقد جزم الشيخان - يعني النووي والرافعي - في
~~موضع بأنه معصية وينبغي حمله على ما فيه وصف نحو خمر أو تشبب بأمرد أو
~~أجنبية ونحو ذلك مما يحمل غالبا على معصية، قال الأذرعي: أما ما اعتيد
~~عند محاولة عمل وحمل ثقيل كحداء الأعراب لإبلهم و[غناء] النساء لتسكين
~~صغارهن فلا ms08235 شك في جوازه بل ربما يندب إذا نشط على سير أو رغب في خير
~~كالحداء في الحج والغزو، وعلى [نحو] هذا يحمل ما جاء عن بعض الصحابة
~~انتهى، وقضية قولهم بلا آلة حرمته مع الآلة، قال الزركشي لكن القياس
~~تحريم الآلة فقط وبقاء الغناء على الكراهة انتهى.

# / ومثل الاختلاف في الغناء الاختلاف في السماع فأباحه قوم كما أباحوا
~~الغناء واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري

# " عن عائشة قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان
~~تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه  وفي رواية لمسلم  تسجى
~~بثوبه - ودخل أبو بكر فانتهرني وقال مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله
~~عليه وسلم فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعهما فلما غفل
~~غمزتهما فخرجتا وكان يوم عيد "

# الحديث. ووجه الاستدلال أن هناك غناء أو سماعا وقد أنكر عليه الصلاة
~~والسلام إنكار أبي بكر رضي الله تعالى عنه بل فيه دليل أيضا على جواز
~~سماع الرجل صوت الجارية [بالغناء] ولو لم تكن مملوكة لأنه عليه الصلاة
~~والسلام سمع ولم ينكر على أبي بكر سماعه بل أنكر إنكاره وقد استمرتا
~~تغنيان إلى أن أشارت إليهما عائشة بالخروج. وإنكار أبي بكر على ابنته
~~رضي الله تعالى عنهما مع علمه بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
~~لظن أن ذلك لم يكن بعلمه عليه الصلاة والسلام لكونه دخل فوجده مغطى بثوبه
~~فظنه نائما. وفي «فتح الباري» استدل جماعة من الصوفية بهذا الحديث على
~~إباحة الغناء وسماعه بآلة وبغير آلة. ويكفي في رد ذلك ما رواه البخاري
~~أيضا بعيده عن عائشة أيضا قالت: «دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من
~~جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث قالت: وليستا بمغنيتين
~~فقال أبو بكر: أبمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وذلك في يوم عيد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر إن لكل
~~قوم عيدا وهذا عيدنا» فنفت فيه عنهما من طريق المعنى ما ms08236 أثبتته لهما
~~باللفظ لأن الغناء يطلق على رفع الصوت وعلى الترنم الذي تسميه العرب
~~النصب بفتح النون وسكون المهملة وعلى الحداء ولا يسمى فاعله مغنيا وإنما
~~يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش
~~أو تصريح.

# قال القرطبي: قولها «ليستا بمغنيتين» أي ليستا ممن يعرف الغناء كما
~~تعرفه المغنيات المعروفات بذلك وهذا منهما تحرز عن الغناء المعتاد عند
~~المشتهرين به وهو الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في
~~شعر فيه وصف محاسن النساء والخمر وغيرهما من الأمور المحرمة لا يختلف في
~~تحريمه وأما ما ابتدعه الصوفية في ذلك فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه
~~لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير حتى لقد ظهرت في
~~كثير منهم فعلات المجانين والصبيان حتى رقصوا بحركات متطابقة وتقطيعات
~~متلاحقة وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح
~~الأعمال وأن ذلك يثمر سني الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة
~~وقول أهل المخرقة والله تعالى المستعان انتهى كلام القرطبي، وكذا الغرض
~~من كلام «فتح الباري» وهو كلام حسن بيد أن قوله: وإنما يسمى بذلك من ينشد
~~الخ لا يخلو عن شيء بناء على أن المتبادر عموم ذلك لما يكون في المنشد
~~منه تعريض أو تصريح بالفواحش ولما لا يكون فيه ذلك.

# وقال بعض الأجلة: ليس في الخبر الإباحة مطلقا بل قصارى ما فيه إباحته
~~في سرور شرعي كما في الأعياد والأعراس فهو دليل لمن أجازه في العرس كما
~~أجاز ضرب الدف فيه، وأيضا إنكار أبي بكر رضي الله تعالى عنه ظاهر في
~~أنه كان سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ذم الغناء والنهي عنه فظن
~~عموم الحكم فأنكر، وبإنكاره عليه الصلاة والسلام عليه إنكاره تبين له عدم
~~العموم. وفي الخبر الآخر ما يدل على أنه أوضح له صلى الله عليه وسلم
~~الحال مقرونا ببيان الحكمة وهو أنه يوم عيد فلا ينكر فيه مثل هذا كما لا
~~ينكر في ms08237 الأعراس، ومع هذا أشار صلى الله عليه وسلم بالتفافه بثوبه وتحويل
~~وجهه الشريف إلى أن الإعراض عن ذلك أولى، وسماع / صوت الجارية الغير
~~المملوكة بمثل هذا الغناء إذا أمنت الفتنة مما لا بأس به فليكن الخبر
~~دليلا على جوازه. واستدل بعضهم على ذلك بما جاء عن أنس بن مالك أنه دخل
~~على أخيه البراء بن مالك وكان من دهاة الصحابة رضي الله تعالى عنهم وكان
~~يتغنى؛ ولا يخفى ما فيه فإن هذا التغني ليس بالمعنى المشهور، ونحوه
~~التغني في قوله عليه الصلاة والسلام:

# " ليس منا من لم يتغن بالقرآن "

# وسفيان بن عيينة. وأبو عبيدة فسرا التغني في هذا الحديث بالاستغناء
~~فكأنه قيل: ليس منا من لم يستغن بالقرآن عن غيره، وهو مع هذا تغن لإزالة
~~الوحشة عن نفسه في عقر داره، ومثله ما روي عن عبد الله بن عوف قال: أتيت
~~باب عمر رضي الله تعالى عنه فسمعته يغني:

# فكيف ثوائي بالمدينة بعدما

# قضى وطرا منها جميل بن معمر

# أراد به جميلا الجمحي وكان خاصا به فلما استأذنت عليه قال لي: أسمعت
~~ما قلت؟ قلت: نعم قال: أنا إذا خلونا قلنا ما يقول الناس في بيوتهم.

# وحرم جماعة السماع مطلقا، وقال الغزالي: السماع إما محبوب بأن غلب على
~~السامع حب الله تعالى ولقائه ليستخرج به أحوالا من المكاشفات
~~والملاطفات، وإما مباح بأن كان عنده عشق مباح لحليلته أو لم يغلب عليه حب
~~الله تعالى ولا الهوى، وإما محرم بأن غلب عليه هوى محرم. وسئل العز بن
~~عبد السلام عن استماع الإنشاد في المحبة والرقص فقال: الرقص بدعة لا
~~يتعاطاه إلا ناقص العقل فلا يصلح إلا للنساء، وأما استماع الإنشاد المحرك
~~للأحوال السنية وذكر أمور الآخرة فلا بأس به بل يندب عند الفتور وسآمة
~~القلب، ولا يحضر السماع من في قلبه هوى خبيث فإنه يحرك ما في القلب، وقال
~~أيضا: السماع يختلف باختلاف السامعين والمسموع منهم، وهم إما عارفون
~~بالله تعالى ويختلف سماعهم باختلاف أحوالهم فمن غلب عليه الخوف أثر فيه ms08238
~~السماع عند ذكر المخوفات نحو حزن وبكاء وتغير لون، وهو إما خوف عقاب أو
~~فوات ثواب أو أنس وقرب وهو أفضل الخائفين والسامعين وتأثير القرآن فيه
~~أشد، ومن غلب عليه الرجاء أثر فيه السماع عند ذكر المطمعات والمرجيات،
~~فإن كان رجاؤه للأنس والقرب كان سماعه أفضل سماع الراجين وإن كان رجاؤه
~~للثواب فهذا في المرتبة الثانية، وتأثير السماع في الأول أشد من تأثيره
~~في الثاني، ومن غلب عليه حب الله تعالى لإنعامه فيؤثر فيه سماع الإنعام
~~والإكرام، أو لجماله سبحانه المطلق فيؤثر فيه ذكر شرف الذات وكمال
~~الصفات، وهو أفضل مما قبله لأن سبب حبه أفضل الأسباب، ويشتد التأثير فيه
~~عند ذكر الإقصاء والإبعاد، ومن غلب عليه التعظيم والإجلال وهو أفضل من
~~جميع ما قبله، وتختلف أحوال هؤلاء في المسموع منه، فالسماع من الولي أشد
~~تأثيرا من السماع من عامي ومن نبي أشد تأثيرا منه ومن ولي، ومن الرب
~~عز وجل أشد تأثيرا من السماع من نبي لأن كلام المهيب أشد تأثيرا في
~~الهائب من كلام غيره كما أن كلام الحبيب أشد تأثيرا في المحب من كلام
~~غيره، ولهذا لم يشتغل النبيون والصديقون وأصحابهم بسماع الملاهي والغناء
~~واقتصروا على كلام ربهم جل شأنه، ومن يغلب عليه هوى مباح كمن يعشق حليلته
~~فهو يؤثر فيه آثار الشوق وخوف الفراق ورجاء التلاق فسماعه لا بأس به، ومن
~~يغلب عليه هوى محرم كعشق أمرد أو أجنبية فهو يؤثر فيه السعي إلى الحرام
~~وما أدى إلى الحرام فهو حرام، وأما من لم يجد في نفسه شيئا من هذه
~~الأقسام الستة فيكره سماعه من جهة أن الغالب على العامة إنما هي الأهواء
~~الفاسدة فربما هيجه السماع إلى صورة محرمة فيتعلق بها ويميل إليها، ولا
~~يحرم عليه ذلك لأنا لا نتحقق السبب المحرم، وقد يحضر السماع قوم من
~~الفجرة / فيبكون وينزعجون لأغراض خبيثة انطووا عليها ويراؤن الحاضرين بأن
~~سماعهم لشيء محبوب، وهؤلاء قد جمعوا بين المعصية وبين إيهام كونهم من
~~الصالحين، وقد يحضر السماع قوم قد ms08239 فقدوا أهاليهم ومن يعز عليهم ويذكرهم
~~المنشد فراق الأحبة وعدم الأنس فيبكي أحدهم ويوم الحاضرين أن بكاءه لأجل
~~رب العالمين جل وعلا وهذا مراء بأمر غير محرم، ثم قال: اعلم أنه لا يحصل
~~السماع المحمود إلا عند ذكر الصفات الموجبة للأحوال السنية والأفعال
~~الرضية، ولكل صفة من الصفات حال مختص بها، فمن ذكر صفة الرحمة أو ذكر بها
~~كانت حاله حال الراجين وسمعه سماعهم، ومن ذكر شدة النقمة أو ذكر بها كانت
~~حاله حال الخائفين وسماعه سماعهم، وعلى هذا القياس، وقد تغلب الأحوال على
~~بعضهم بحيث لا يصغي إلى ما يقوله المنشد ولا يلتفت إليه لغلبة حاله
~~الأولى عليه انتهى، وقد نقله بعض الأجلة وأقره وفيه ما يخالف ما نقل عن
~~الغزالي.

# ونقل القاضي حسين عن الجنيد قدس سره أنه قال: الناس في السماع إما عوام
~~وهو حرام عليهم لبقاء نفوسهم، وإما زهاد وهو مباح لهم لحصول مجاهدتهم،
~~وإما عارفون وهو مستحب لهم لحياة قلوبهم، وذكر نحوه أبو طالب المكي وصححه
~~السهروردي عليه الرحمة في «عوارفه»، والظاهر أن الجنيد أراد بالحرام
~~معناه الاصطلاحي. واستظهر بعضهم أنه لم يرد ذلك وإنما أراد أنه لا ينبغي.
~~ونقل بعضهم عن الجنيد قدس سره أنه سئل عن السماع فقال: هو ضلال للمبتدي
~~والمنتهي لا يحتاج إليه، وفيه مخالفة لما سمعت. وقال القشيري رحمه الله
~~تعالى: إن للسماع شرائط منها معرفة الأسماء والصفات ليعلم صفات الذات من
~~صفات الأفعال وما يمتنع في نعت الحق سبحانه وما يجوز وصفه تعالى به وما
~~يجب وما يصح إطلاقه عليه عز شأنه من الأسماء وما يمتنع، ثم قال: فهذه
~~شرائط صحة السماع على لسان أهل التحصيل من ذوي العقول، وأما عند أهل
~~الحقائق فالشرط فناء النفس بصدق المجاهدة ثم حياة القلب بروح المشاهدة
~~فمن لم تتقدم بالصحة معاملته ولم تحصل بالصدق منازلته فسماعه ضياع
~~وتواجده طباع، والسماع فتنة يدعو إليها استيلاء العشق إلا عند سقوط
~~الشهوة وحصول الصفوة، وأطال بما يطول ذكره، قيل: وبه يتبين تحريم السماع
~~على أكثر ms08240 متصوفة الزمان لفقد شروط القيام بأدائه.

# ومن العجب أنهم ينسبون السماع والتواجد إلى رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم ويروون عن عطية أنه عليه الصلاة والسلام دخل على أصحاب الصفة يوما
~~فجلس بينهم، وقال عليه الصلاة والتحية: هل فيكم من ينشدنا أبياتا؟ فقال
~~واحد:

# لسعت حية الهوى كبدي

# ولا طبيب لها ولا راقي

# إلا الحبيب الذي شغفت به

# فعنده رقيتي وترياقي

# فقام عليه الصلاة والسلام وتمايل حتى سقط الرداء الشريف عن منكبيه فأخذه
~~أصحاب الصفة فقسموه فيما بينهم بأربعمائة قطعة، وهو لعمري كذب صريح وإفك
~~قبيح لا أصل له بإجماع محدثي أهل السنة وما أراه إلا من وضع الزنادقة،
~~فهذا القرآن العظيم يتلوه جبريل عليه السلام عليه صلى الله عليه وسلم
~~ويتلوه هو أيضا ويسمعه من غير واحد ولا يعتريه عليه الصلاة والسلام شيء
~~مما ذكروه في سماع بيتين هما كما سمعت سبحانك هذا بهتان عظيم.

# وأنا أقول: قد عمت البلوى بالغناء والسماع في سائر البلاد والبقاع ولا
~~يتحاشى من ذلك في المساجد وغيرها بل قد عين مغنون يغنون على المنائر في
~~أوقات مخصوصة شريفة بأشعار مشتملة على وصف الخمر والحانات وسائر ما يعد
~~من المحظورات، ومع ذلك قد وظف لهم من غلة الوقف ما وظف ويسمونهم
~~الممجدين، / ويعدون خلو الجوامع من ذلك من قلة الاكتراث بالدين، وأشنع من
~~ذلك ما يفعله أبالسة المتصوفة ومردتهم ثم أنهم قبحهم الله تعالى إذا
~~اعترض عليهم بما اشتمل عليه نشيدهم من الباطل يقولون: نعني بالخمر المحبة
~~الإلهية وبالسكر غلبتها وبمية وليلى وسعدى مثلا المحبوب الأعظم وهو الله
~~عز وجل، وفي ذلك من سوء الأدب ما فيه

# ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين
~~يلحدون فى أسمئه

# [الأعراف: 180].

# وفي «القواعد الكبرى» للعز بن عبد السلام ليس من أدب السماع أن يشبه
~~غلبة المحبة بالسكر من الخمر فإنه سوء الأدب وكذا تشبيه المحبة بالخمر
~~لأن الخمر أم الخبائث فلا يشبه ما أحبه الله تعالى بما أبغضه وقضى بخبثه
~~ونجاسته فإن تشبيه النفيس بالخسيس سوء الأدب ms08241 بلا شك فيه، وكذا التشبيه
~~بالخصر والردف ونحو ذلك من التشبيهات المستقبحات، ولقد كره لبعضهم قوله:
~~أنتم روحي ومعلم راحتي ولبعضهم قوله: فأنت السمع والبصر لأنه شبه من لا
~~شبيه له بروحه الخسيسة وسمعه وبصره اللذين لا قدر لهما، ثم إنه وإن أباح
~~بعض أقسام السماع حط على من يرقص ويصفق عنده فقال: أما الرقص والتصفيق
~~فخفة ورعونة مشبهة برعونة الإناث لا يفعلها إلا أرعن أو متصنع كذاب، وكيف
~~يتأتى الرقص المتزن بأوزان الغناء ممن طاش لبه وذهب قلبه، وقد قال عليه
~~الصلاة والسلام:

# " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم "

# ولم يكن أحد من هؤلاء الذين يقتدى بهم يفعل شيئا من ذلك، وإنما استحوذ
~~الشيطان على قوم يظنون أن طربهم عند السماع إنما هو متعلق بالله تعالى
~~شأنه ولقد مانوا فيما قالوا وكذبوا فيما ادعوا من جهة أنهم عند سماع
~~المطربات وجدوا لذتين: إحداهما لذة قليل من الأحوال المتعلقة بذي الجلال،
~~والثانية لذة الأصوات والنغمات والكلمات الموزونات الموجبات للذات ليست
~~من آثار الدين ولا متعلقة بأموره فلما عظمت عندهم اللذات غلطوا فظنوا أن
~~مجموع ما حصل لهم إنما حصل بسبب حصول ذلك القليل من الأحوال وليس كذلك بل
~~الأغلب عليهم حصول لذات النفوس التي ليست من الدين في شيء.

# وقد حرم بعض العلماء التصفيق لقوله عليه الصلاة والسلام:

# " إنما التصفيق للنساء "

# ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال
~~والمتشبهين من الرجال بالنساء، ومن هاب الإله وأدرك شيئا من تعظيمه لم
~~يتصور منه رقص ولا تصفيق ولا يصدران إلا من جاهل، ويدل على جهالة فاعلهما
~~أن الشريعة لم ترد بهما في كتاب ولا سنة ولم يفعل ذلك أحد من الأنبياء
~~ولا معتبر من أتباعهم وإنما يفعل ذلك الجهلة السفهاء الذين التبست عليهم
~~الحقائق بالأهواء؛ وقد قال تعالى

# ونزلنا عليك الكتب تبيانا لكل شىء

# [النحل: 89] ولقد مضى السلف وأفاضل الخلف ولم يلابسوا شيئا من ذلك فما
~~ذاك إلا غرض من أغراض النفس وليس بقربة إلى الرب جل وعلا، ms08242 وفاعله إن كان
~~ممن يقتدى به ويعتقد أنه ما فعله إلا لكونه قربة فبئس ما صنع لإيهامه أن
~~هذا من الطاعات وإنما هو من أقبح الرعونات. وأما الصياح والتغاشي ونحوهما
~~فتصنع ورياء، فإن كان ذلك عن حال لا يقتضيهما فاثم الفاعل من جهتين:
~~احداهما إيهامه الحال الثابتة الموجبة لهما، والثانية تصنعه ورياؤه، وإن
~~كان عن مقتض أثم إثم رياء لا غير. وكذلك نتف الشعور وضرب الصدور وتمزيق
~~الثياب محرم لما فيه من إضاعة المال، وأي ثمرة لضرب الصدور ونتف الشعور
~~وشق الجيوب إلا رعونات صادرة عن النفوس اه كلامه، ومنه يعلم ما في نقل
~~الإسنوي عنه رحمه الله تعالى أنه كان يرقص في السماع، والعلامة ابن حجر
~~قال: يحمل ذلك على مجرد القيام والتحرك لغلبة وجد وشهود [وارد] أو تجل لا
~~يعرفه إلا أهله، ومن ثم قال الإمام إسماعيل الحضرمي [في] موقف الشمس [لما
~~سئل] عن قوم يتحركون في السماع هؤلاء / قوم يروحون قلوبهم بالأصوات
~~الحسنة حتى يصيروا روحانيين فهم بالقلوب مع الحق وبالأجساد مع الخلق، ومع
~~هذا فلا يؤمن عليهم العدو ولا يعول عليهم فيما فعلوا ولا يقتدي بهم فيما
~~قالوا اه.

# وما ذكره فيمن يصدر عنه نحو الصياح والتغاشي عن حال يقتضيه لا يخلو عن
~~شيء، فقد قال البلقيني فيما يصدر عنهم من الرقص الذي هو عند جمع ليس
~~بمحرم ولا مكروه لأنه مجرد حركات على استقامة أو اعوجاج ولأنه عليه
~~الصلاة والسلام، أقر الحبشة عليه في مسجده يوم عيد، وعند آخرين مكروه،
~~وعند هذا القائل حرام إذا كثر بحيث أسقط المروءة إن كان باختيارهم فهم
~~كغيرهم وإلا فليسوا بمكلفين، واستوضحه بعض الأجلة وقال: يجب اطراده في
~~سائر ما يحكى عن الصوفية مما يخالف ظواهر الشرع فلا يحتج به لأنه ان صدر
~~عنهم في حال تكليفهم فهم كغيرهم أو مع غيبتهم لم يكونوا مكلفين به.

# والذي يظهر لي أن غناء الرجل بمثل هذه الألحان إن كان لدفع الوحشة عن
~~نفسه فمباح غير مكروه كما ذهب إليه شمس الأئمة ms08243 السرخسي لكن بشرط أن لا
~~يسمعه من يخشى عليه الفتنة من امرأة أو غيرها ولا من يستخف به ويسترذله
~~وبشرط أن لا يغير اسم معظم بنحو زيادة ليست فيه في أصل وضعه لأجل أن لا
~~يخرج عن مقتضى الصنعة مثل أن يقول في الله إيلاه وفي محمد مو حامد، هذا
~~مع كون ما يتغنى به مما لا بأس بإنشاده وإن كان للناس للهو في غير حادث
~~سرور كعرس بأجرة أو بدونها ازدرى به لذلك أو لم يزدر كان ما يتغنى به
~~مباح الإنشاد أو لم يكن فحرام وإن أمنت الفتنة وأراه من الصغائر كما
~~يقتضيه كلام الماوردي حيث قال: وإذا قلنا بتحريم الأغاني والملاهي فهي من
~~الصغائر دون الكبائر، وإن كان في حادث سرور فهو مباح إن أمنت الفتنة وكان
~~ما يتغنى به جائز الإنشاد ولم يغير فيه اسم معظم ولم يكن سببا للازدراء
~~به وهتك مروءته ولا لاجتماع الرجال والنساء على وجه محظور، وإن كان سببا
~~لمحرم فهو حرام وتتفاوت مراتب حرمته حسب تفاوت حرمة ما كان هو سببا له
~~وإن كان للناس لا للهو بل لتنشيطهم على ذكر الله تعالى كما يفعل في بعض
~~حلق التهليل في بلادنا فمحتمل الإباحة إن لم يتضمن مفسدة ولعله إلى
~~الكراهة أقرب. وربما يقال: إنه حينئذ قربة كالحداء وهو ما يقال خلف الإبل
~~من زجر وغيره إذا كان منشطا لسير هو قربة لأن وسيلة القربة قربة اتفاقا
~~فيقال: لم نقف على خبر في اشتمال حلق الذكر على عهد رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم وكذا على عهد خلفائه وأصحابه رضي الله تعالى عنهم وهم أحرص
~~الناس على القرب على هذا الغناء ولا على سائر أنواعه وصحت أحاديث في
~~الحداء ولذا أطلق جمع القول بندبه وكونهم نشطين بدون ذلك لا يمنع أن يكون
~~فيهم من يزيده ذلك نشاطا فلو كان لذلك قربة لفعلوه ولو مرة ولم ينقل
~~أنهم فعلوه أصلا، على أنه لا يبعد أن يقال: إنه يشوش على الذاكرين ولا
~~يتم لهم ms08244 معه تدبر معنى الذكر وتصوره وهو بدون ذلك لا ثواب فيه بالإجماع،
~~ولعل ما يفعل على المنائر مما يسمونه تمجيدا منتظم عند الجهلة في سلك
~~وسائل القرب بل يعده أكثرهم قربة من حيث ذاته وهو لعمري عند العالم بمعزل
~~عن ذلك، وإن كان لحاجة مرض تعين شفاؤه به فلا شك في جوازه والإكباب على
~~المباح منه يخرم المروءة كاتخاذه حرفة، وقول الرافعي: لا يخرمها إذا لاق
~~به رده الزركشي بأن الشافعي نص على رد شهادته وجرى عليه أصحابه لأنها
~~حرفة دنية ويعد فاعلها في العرف ممن لا حياء له، وعن الحسن أن رجلا قال
~~له: ما تقول في الغناء؟ قال: نعم الشيء الغناء يوصل به الرحم وينفس به عن
~~المكروب ويفعل فيه المعروف قال: إنما أعني الشد، قال: وما الشد أتعرف منه
~~شيئا؟ قال: / نعم قال: فما هو؟ فاندفع الرجل يغني ويلوي شدقيه ومنخريه
~~ويكسر عينيه فقال الحسن: ما كنت أرى أن عاقلا يبلغ من نفسه ما أرى.

# واختلفوا في تعاطي خارم المروءة على أوجه. ثالثها إن تعلقت به شهادة حرم
~~وإلا فلا. قال بعض الأجلة: وهو الأوجه لأنه يحرم عليه التسبب في إسقاط ما
~~تحمله وصار أمانة عنده لغيره ويظهر لي أنه إن كان ذلك من عالم يفتدى به
~~أو كان ذلك سببا للازدراء حرم أيضا وإن سماعه أي استماعه لا مجرد سماعه
~~بلا قصد عند أمن الفتنة وكون ما يتغنى به جائز الإنشاد وعدم تسببه لمعصية
~~كاستدامة مغن لغناء آثم به مباح والإكباب عليه كما قال النووي: بسقط
~~المروءة كالإكباب على الغناء المباح، والاختلاف في تعاطي مسقطها قد
~~ذكرناه آنفا وأما سماعه عند عدم أمن الفتنة وكون ما يتغنى به غير جائز
~~الإنشاد وكونه متسببا لمعصية فحرام، وتتفاوت مراتب حرمته ولعلها تصل إلى
~~حرمة كبيرة.

# ومن السماع المحرم سماع متصوفة زماننا وإن خلا عن رقص فإن مفاسده أكثر
~~من أن تحصى وكثير مما يسمعونه من الأشعار من أشنع ما يتلى ومع هذا
~~يعتقدونه قربة ويزعمون أن أكثرهم رغبة ms08245 فيه أشدهم رغبة أو رهبة قاتلهم
~~الله تعالى أني يؤفكون. ولا يخفى على من أحاط خبرا بما تقدم عن القشيري
~~وغيره أن سماعهم مذموم عند من يعتقدون انتصاره لهم ويحسبون أنهم واياه من
~~حزب واحد فويل ان شفعاؤه خصماؤه وأحباؤه أعداؤه، وأما رقصهم عليه فقد
~~زادوا به في الطنبور رنة وضموا كسر الله تعالى شوكتهم بذلك إلى السفه
~~جنة، وقد أفاد بعض الأجلة أنه لا تقبل شهادة الصوفية الذين يرقصون على
~~الدف الذي قيل يباح أو يسن ضربه لعرس وختان وغيرهما من كل سرور، ومنه
~~قدوم عالم ينفع المسلمين رادا على من زعم القبول فقال: وعن بعضهم تقبل
~~شهادة الصوفية الذين يرقصون على الدف لاعتقادهم إن ذلك قربة كما تقبل
~~شهادة حنفي شرب النبيذ لاعتقاده إباحته وكذا كل من فعل ما اعتقد إباحته
~~اه، ورد بأنه خطأ قبيح لأن اعتقاد الحنفي نشأ عن تقليد صحيح ولا كذلك
~~غيره وإنما منشؤه الجهل والتقصير فكان خيالا باطلا لا يلتفت إليه اه.

# ثم إني أقول: لا يبعد أن يكون صاحب حال يحركه السماع ويثير منه ما يلجئه
~~إلى الرقص أو التصفيق أو الصعق والصياح وتمزيق الثياب أو نحو ذلك مما هو
~~مكروه أو حرام فالذي يظهر لي في ذلك أنه إن علم من نفسه صدور ما ذكر كان
~~حكم الاستماع في حقه حكم ما يترتب عليه، وإن تردد فيه فالأحوط في حقه إن
~~لم نقل بالكراهة عدم الاستماع، ففي الخبر

# " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "

# ثم إن ما حصل له شيء من ذلك بمجرد السماع من غير قصد ولم يقدر على دفعه
~~أصلا فلا لوم ولا عتاب فيه عليه، وحكمه في ذلك حكم من اعتراه نحو عطاس
~~وسعال قهريين ولا يشترط في دفع اللوم والعتاب عنه كون ذلك مع غيبته فلا
~~يجب على من صدر منه ذلك إن لم يغب إعادة الوضوء للصلاة مثلا، ولينظر فيما
~~لو اعتراه وهو في الصلاة بدون غيبة هل حكمه حكم نحو العطاس والسعال إذا
~~اعتراه ms08246 فيها أم لا، والذي سمعته عن بعض الكبار الثاني فتدبر. ومن الناس
~~من يعتريه شيء مما ذكر عند سماع القرآن اما مطلقا أو إذا كان بصوت حسن،
~~وقلما يقع ذلك من سماع القرآن أو غيره لكامل. وعن عائشة رضي الله تعالى
~~عنها أنه قيل لها: إن قوما إذا سمعوا القرآن صعقوا فقالت: القرآن أكرم
~~من أن يسرق منه عقول الرجال ولكنه كما قال الله تعالى:

# تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم
~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله

# [الزمر: 23] وكثيرا ما يكون لضعف تحمل الوارد، وبعض المتصنعين يفعله
~~رياء، وعن ابن سيرين أنه سئل عمن يسمع القرآن فيصعق فقال: ميعاد ما بيننا
~~وبينهم أن يجلسوا على حائط فيقرأ عليهم القرآن من أوله إلى آخره / فإن
~~صعقوا فهو كما قالوا.

# ولا يرد على إباحة الغناء وسماعه في بعض الصور خبر ابن مسعود «الغناء
~~ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل» لا لأن الغناء فيه مقصور وأن
~~المراد به غنى المال الذي هو ضد الفقر إذ يرد ذلك أن الخبر روي من وجه
~~آخر بزيادة «والذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع»،
~~ومقابلة الغناء بالذكر ظاهر في المراد به التغني، على أن الرواية كما قال
~~بعض الحفاظ بالمد بل لأن المراد أن الغناء من شأنه أن يترتب عليه النفاق
~~أي العملي بأن يحرك إلى غدر وخلف وعد وكذب ونحوها ولا يلزم من ذلك اطراد
~~الترتب.

# وربما يشير إلى ذلك التشبيه في قوله: كما ينبت الماء البقل فإن إنبات
~~الماء البقل غير مطرد، ونظير ذلك في الكلام كثير، والقائل بإباحته في بعض
~~الصور إنما يبيحه حيث لا يترتب عليه ذلك. نعم لا شك أن ما هذا شأنه
~~الأحوط بعد كل قيل وقال عدم الرغبة فيه كذا قيل. وقيل: يجوز أن يكون أريد
~~بالنفاق الإيماني، ويؤيده مقابلته في بعض الروايات بالإيمان ويكون مساق
~~الخبر للتنفير عن الغناء إذ كان الناس حديثي عهد بجاهلية كان يستعمل فيها
~~الغناء للهو ويجتمع عليه في ms08247 مجالس الشرب، ووجه إنباته للنفاق إذ ذاك أن
~~كثيرا منهم لقرب عهده بلذة الغناء وما يكون عنده من اللهو والشرب وغيره
~~من أنواع الفسق يتحرك فلبه لما كان عليه ويحن حنين العشار إليه ويكره
~~لذلك الإيمان الذي صده عما هنالك ولا يستطيع لقوة شوكة الإسلام أن يظهر
~~ما أضمر وينبذ الإيمان وراء ظهره ويتقدم إلى ما عنه تأخر فلم يسعه إلا
~~النفاق لما اجتمع عليه مخافة الردة والاشتياق فتأمل ذاك والله تعالى
~~يتولى هداك.

# وأما الآية فإن كان وجه الاستدلال بها تسمية الغناء لهوا فكم لهو هو
~~حلال وإن كان الوعيد على اشترائه واختياره فلا نسلم أن ذلك على مجرد
~~الاشتراء لجواز أن يكون على الاشتراء ليضل عن سبيل الله تعالى ولا شك أن
~~ذلك من الكبائر ولا نزاع لنا فيه؛ وقال ابن عطية: الذي يترجح أن الآية
~~نزلت في لهو الحديث مضافا إلى الكفر فلذلك اشتدت ألفاظ الآية بقوله
~~تعالى: { ليضل } الخ اه. ومما ذكرنا يعلم ما في الاستدلال بها على
~~حرمة الملاهي كالرباب والجنك والسنطير والكمنجة والمزمار وغيرها من
~~الآلات المطربة بناء على ما روي عن ابن عباس والحسن أنهما فسرا { لهو
~~الحديث } بها نعم أنه يحرم استعمالها واستماعها لغير ما ذكر فقد صح
~~من طرق خلافا لما وهم فيه ابن حزم الضال المضل فقد علقه البخاري ووصله
~~الإسماعيلي وأحمد وابن ماجه وأبو نعيم وأبو داود بأسانيد صحيحة لا مطعن
~~فيها وصححه جماعة أخرون من الأئمة كما قاله بعض الحفاظ أنه صلى الله عليه
~~وسلم قال:

# " ليكونن في أمتي قوم يستحلون الخز والخمر والمعازف "

# وهو صريح في تحريم جميع آلات اللهو المطربة ومما يشبه الصريح في ذلك ما
~~رواه ابن أبي الدنيا في كتاب «ذم الملاهي» عن أنس وأحمد والطبراني عن
~~ابن عباس وأبي أمامة مرفوعا

# " ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ وذلك إذا شربوا الخمور واتخذوا
~~القينات وضربوا بالمعازف "

# وهي الملاهي التي سمعتها، ومنها الصنج العجمي وهو صفر يجعل عليها أوتار
~~يضرب بها على ما ذهب ms08248 إليه غير واحد خلافا للماوردي حيث قال: إن الصنج
~~يكره مع الغناء ولا يكره منفردا لأنه بانفراده غير مطرب؛ ولعله أراد به
~~العربي وهو قطعتان من صفر تضرب إحدهما بالأخرى فإنه بحسب الظاهر هو الذي
~~لا يطرب منفردا لكن يزيد الغناء طربا، وذكر أنه يستعمله المخنثون في بعض
~~البلاد، ولا يبعد عليه القول بالحرمة، ومنها اليراع وهو الشبابة فإنه
~~مطرب بانفراده بل قال بعض أهل الموسيقى: إنه آلة كاملة جامعة لجميع
~~النغمات إلا يسيرا، وقد أطنب الإمام الدولقي وهو من أجلة العلماء في
~~دلائل تحريمه؛ ومنها القياس وهو إما أولى أو مساو وقال: العجب كل العجب
~~ممن هو من أهل العلم بزعم أن الشبابة حلال اه ومنه يعلم ما في قول التاج
~~السبكي في «توشيحه» لم يقم عندي دليل على تحريم اليراع مع كثرة التتبع
~~والذي أراه الحل فإن انضم إليه محرم فلكل منهما حكمه، ثم الأولى عندي لمن
~~ليس من أهل الذوق الإعراض عنه مطلقا لأن غاية ما فيه حصول لذة نفسانية
~~وهي ليست من المطالب الشرعية وأما أهل الذوف فحالهم مسلم إليهم وهم على
~~حسب ما يجدونه من أنفسهم اه.

# وحكي عن العز بن عبد السلام، وابن دقيق العيد أنهما كانا يسمعان ذلك
~~والظاهر أنه كذب لا أصل له وبذلك جزم بعض الأجلة، ولا يبعد حلها إذا صفر
~~فيها كالأطفال والرعاء على غير القانون المعروف من الأطراب.

# ومنها العود وهو آلة للهو غير الطنبور وإطلاقه بعضهم عليه وحكاية النجس
~~ابن طاهر عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي أنه كان يسمع العود من جملة كذبه
~~وتهوره كدعواه إجماع الصحابة والتابعين على إباحة الغناء واللهو، ومثله
~~في المجازفة وارتكاب الأباطيل على الجزم ابن حزم لا الدف فيجوز ضربه من
~~رجل وامرأة لا من امرأة فقط خلافا للحليمي واستماعه لعرس ونكاح وكذا
~~غيرهما من كل سرور في الأصح وبحل ذي الجلاجل منه وهي إما نحو حلق يجعل
~~داخله كدف العرب أو صنوج عراض من صفر تجعل في حروف دائرته كدف العجم جزم ms08249
~~جماعة وجرم آخرون بحرمته وبها أقول لأنه كما قال الأذرعي أشد إطرابا من
~~أكثر الملاهي المتفق على تحريمها.

# وبعض المتصوفة ألفوا رسائل في حل الأوتار والمزامير وغيرها من آلات
~~اللهو وأتوا فيها بكذب عجيب على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه
~~وسلم وعلى أصحابه رضي الله تعالى عنهم والتابعين والعلماء العاملين
~~وقلدهم في ذلك من لعب به الشيطان وهوى به الهوى إلى هوة الحرمان فهو عن
~~الحق بمعزل وبينه وبين حقيقة التصوف ألف ألف منزل، وإذا تحقق لديك قول
~~بعض الكبار بحل شيء من ذلك فلا تغتر به لأنه مخالف لما عليه أئمة المذاهب
~~الأربعة وغيرهم من الأكابر المؤيد بالأدلة القوية التي لا يأتيها الباطل
~~من بين يديها ولا من خلفها وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك ما عدا رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم، ومن رزق عقلا مستقيما وقلبا من الأهواء الفاسدة
~~سليما لا يشك في أن ذلك ليس من الدين وأنه بعيد بمراحل عن مقاصد شريعة
~~سيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

# واستدل بعض أهل الإباحة على حل الشبابة بما أخرجه ابن حبان في «صحيحه»
~~عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سمع صوت زمارة راع فجعل
~~إصبعيه في أذنيه وعدل عن الطريق وجعل يقول: يا نافع أتسمع فأقول: نعم
~~فلما قلت: لا رجع إلى الطريق ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم يفعله، وأخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي عن نافع أيضا، وسئل عنه
~~الحافظ محمد بن نصر السلامي فقال: إنه حديث صحيح، ووجه الاستدلال به أنه
~~صلى الله عليه وسلم لم يأمر ابن عمر وكان عمره إذ ذاك كما قال الحافظ
~~المذكور سبع عشرة سنة بسد أذنيه ولا نهى الفاعل فلو كان ذلك حراما لأمر
~~ونهى عليه الصلاة والسلام، وسد أذنيه صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون
~~لكونه عليه الصلاة والسلام إذ ذاك في حال ذكر أو فكر وكان السماع يشغله
~~عليه الصلاة والسلام والتحية ms08250 ويحتمل أن يكون إنما فعله صلى الله عليه
~~وسلم تنزيها؛ وقال الأذرعي: بهذا الحديث استدل أصحابنا على تحريم
~~المزامير وعليه بنوا التحريم في الشبابة اه.

# والحق عندي أنه ليس نصا في حرمتها لأن سد الأذنين عند السماع من باب
~~فعله صلى الله عليه وسلم وليس مما وضح فيه أمر الجبلة ولا ثبت تخصيصه به
~~عليه الصلاة والسلام ولا مما وضح أنه بيان لنص علم جهته من الوجوب /
~~والندب والإباحة فإن كان مما علمت صفته فلا يخلو من أن تكون الوجوب أو
~~الندب أو الإباحة لا جائز أن تكون الوجوب المستلزم لحرمة سماع اليراع إذ
~~لا قائل بأنه يجب على أحد سد الأذنين عند سماع محرم إذ يأمن الإثم بعد
~~القصد فقد قالوا: إن الحرام الاستماع لا مجرد السماع بلا قصد، وفي
~~«الزواجر» الممنوع هو الاستماع لا السماع لا عن قصد اتفاقا، ومن ثم صرح
~~أصحابنا  يعني الشافعية  أن من بجواره آلات محرمة ولا يمكنه إزالتها لا
~~يلزمه النقلة ولا يأثم بسماعها لا عن قصد واصغاء اه، والظاهر أن الأمر
~~كذلك عند سائر الأئمة، نعم لهم تفصيل في القعود في مكان فيه نحو ذلك،
~~قالفي «تنوير الأبصار» وشرحه «الدر المختار»: دعي إلى وليمة وثمة لعب
~~وغناء قعد وأكل ولو على المائدة لا ينبغي أن يقعد بل يخرج معرضا لقوله
~~تعالى:

# فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظلمين

# [الأنعام: 68] فإن قدر على المنع فعل وإلا يقدر صبر ان لم يكن ممن يقتدي
~~به فإن كان مقتدى به ولم يقدر على المنع خرج ولا يقعد لأن فيه شين الدين،
~~والمحكي عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه كان قبل أن يصير مقتدى
~~به، وإن علم أولا لا يحضر أصلا سواء كان ممن يقتدى به أو لا اه فتعين
~~كونها الندب أو الإباحة وكلا الأمرين لا يستلزمان الحرمة فيحتمل أن يكون
~~ذلك حراما أو مكروها يندب سدا الأذنين عند سماعه احتياطا من أن يدعو
~~إلى الاستماع المحرم أو المكروه، وإن كان مما لم ms08251 تعلم صفته فقد قالوا
~~فيما كان كذلك: المذاهب فيه بالنسبة إلى الأمة خمسة الوجوب والندب
~~والإباحة والوقف والتفصيل وهو أنه إن ظهر قصد القربة فالندب وإلا
~~فالإباحة ويعلم مما ذكرنا الحال على كل مذهب والذي يغلب على الظن أن ما
~~أشار إليه الخبر إن كان الزمر بزمارة الزاعي على وجه التأنق وإجراء
~~النغمات التي تحرك الشهوات كما يفعله من جعل ذلك صنعته اليوم فاستماعه
~~حرام وسد الأذنين المشار إليه فيه لعله كان منه عليه الصلاة والسلام
~~تعليما للأمة أحد طرق الاحتياط المعلوم حاله لئلا يجرهم ذلك إلى
~~الاستماع وإلا فالاستماع لمكان العصمة مما لا يتصور في حقه صلى الله عليه
~~وسلم، ومن عرف قدر الصحابة واطلع على سبيلهم وحرصهم على التأسي به عليه
~~الصلاة والسلام لم يشك في أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه سد أذنيه أيضا
~~تأسيا ويكون حينئذ قوله عليه الصلاة والسلام الذي يشير إليه الخبر له
~~رضي الله تعالى عنه أتسمع على معنى تسمع أتسمع وإنما أسقط تسمع لدلالة
~~الحال عليه إذ من سد أذنيه لا يسمع، وإنما أذن له صلى الله عليه وسلم
~~بذلك لموضع الحاجة وهذا أقرب من احتمال كون سد الأذنين منه صلى الله عليه
~~وسلم لأنه كان في حال ذكر أو فكر وكان يشغله صلى الله عليه وسلم عند
~~السماع.

# وأما عدم نهيه عليه الصلاة والسلام من كان يزمر عن الزمر والإنكار عليه
~~فلا يسلم دلالته على الجواز فإنه يجوز أن يكون الصوت جاء من بعيد وبين
~~الزامر وبينه عليه الصلاة والسلام ما يمنع من الوصول إليه أو لم يعرف
~~عينه صلى الله عليه وسلم لأن الصوت قد جاء من وراء حجاب ولا تتحقق القدرة
~~معه على الإنكار، ويجوز أيضا أن يكون التحريم معلوما من قبل وعلم من
~~النبي صلى الله عليه وسلم الإصرار عليه وأن يكون قد علم إصرار ذلك
~~الفاعل على فعله فيكون ذلك كاختلاف أهل الذمة إلى كنائسهم، وفي مثل ذلك
~~لا يدل السكوت وعدم الإنكار على الجواز إجماعا، ms08252 ومن قال بأن الكافر غير
~~مكلف بالفروع قال: يجوز أن يكون ذلك الزامر كافرا وأن السكوت في حقه ليس
~~دليل الجواز وان كان الزمر بها لا على وجه التأنق وإجراء النغمات التي
~~تحرك الشهوات فلا بعد في / أن يقال بالجواز والإباحة فعلا واستماعا،
~~وسد الأذنين عليه لغاية التنزه اللائق به عليه الصلاة والسلام، وقول
~~الأذرعي في الجواب أن قوله في الخبر زمارة راع لا يعين إنها الشبابة فإن
~~الرعاة يضربون بالشعيبية وغيرها يوهم أن ما يسمى شعيبية مباح مفروغ منه
~~وفيه نظر فإنها عبارة عن عدة قصبات صغار ولها إطراب بحسب حذق متعاطيها
~~فهي شبابة أو مزمار لا محالة، وفي إباحة ذلك كلام.

# وبعد هذا كله نقول: إن الخبر المذكور رواه أبو داود وقال: إنه منكر
~~وعليه لا حجة فيه للطرفين وكفى الله تعالى المؤمنين القتال، ثم إنك إذا
~~ابتليت بشيء من ذلك فإياك ثم إياك أن تعتقد أن فعله أو استماعه قربة كما
~~يعتقد ذلك من لا خلاق له من المتصوفة فلو كان الأمر كما زعموا لما أهمل
~~الأنبياء أن يفعلوه ويأمروا أتباعهم به، ولم ينقل ذلك عن أحد من الأنبياء
~~عليهم الصلاة والسلام ولا أشار إليه كتاب من الكتب المنزلة من السماء،
~~وقد قال الله تعالى:

# اليوم أكملت لكم دينكم

# [المائدة: 3] ولو كان استعمال الملاهي المطربات أو استماعها من الدين
~~ومما يقرب إلى حضرة رب العالمين لنبيه صلى الله عليه وسلم وأوضحه كمال
~~الإيضاح لأمته، وقد قال عليه الصلاة والسلام «والذي نفسي بيده ما تركت
~~شيئا يقربكم من الجنة ويباعدكم عن النار إلا أمرتكم به وما تركت شيئا
~~يقربكم من النار ويباعدكم عن الجنة إلا نهيتكم عنه» وما ذكر داخل في الشق
~~الثاني كما لا يخفى على من له قلب سليم وعقل مستقيم فتأمل وأنصف وإياك من
~~الاعتراض قبل أن تراجع تعرف، ولنا عودة إن شاء الله تعالى للكلام في هذا
~~المطلب يسر الله تعالى ذلك لنا بحرمة حبيبه الأعظم صلى الله عليه وسلم.

# واستدل بعضهم بالآية على ms08253 القول بأن لهو الحديث الكتب التي اشتراها النضر
~~بن الحرث على حرمة مطالعة كتب تواريخ الفرس القديمة وسماع ما فيها
~~وقراءته، وفيه بحث، ولا يخفى أن فيها من الكذب ما فيها فالاشتغال بها
~~لغير غرض ديني خوض في الباطل، وعده ابن نجيم في «رسالته في بيان المعاصي
~~من الصغائر» ومثل له بذكر تنعم الملوك والأغنياء فافهم هذا، ومن الغريب
~~البعيد وفيه جعل الاشتراء بمعنى البيع ما ذهب إليه صاحب «التحرير» قال:
~~يظهر لي أنه أراد سبحانه بلهو الحديث ما كانوا يظهرونه من الأحاديث في
~~تقوية دينهم والأمر بالدوام عليه وتغيير صفة الرسول عليه الصلاة والسلام
~~وأن التوراة تدل على أنه من ولد إسحاق عليه السلام يقصدون صد أتباعهم عن
~~الإيمان وأطلق اسم الاشتراء لكونهم يأخذون على ذلك الرشا والجعائل من
~~ملوكهم، وقال: يؤيده قوله تعالى: { ليضل عن سبيل الله } وهو
~~كما ترى، والمراد بسبيله تعالى دينه عز وجل أو قراءة كتابه سبحانه أو ما
~~يعمهما، واللام في { ليضل } للتعليل.

# وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { ليضل } بفتح الياء، والمراد ليثبت على
~~ضلاله ويزيد فيه فإن المخبر عنه ضال قيل: واللام للعاقبة وكونها على
~~أصلها كما قيل بعيد، وجوز الزمخشري أن يكون قد وضع { ليضل } على هذه
~~القراءة موضع ليضل من قبل أن من أضل كان ضالا لا محالة فدل بالرديف وهو
~~الضلال على المردوف وهو الإضلال، ووجه الدلالة أنه أريد بالضلال الضلال
~~المضاعف في شأن من جانب سبيل الله تعالى وتركه رأسا وهذا الضلال لا ينفك
~~عن الإضلال وبالعكس، وبه يندفع نظر صاحب «الفرائد» بأن الضلال لا يلزمه
~~الإضلال، وفيه توافق القراءتين وبقاء اللام على حقيقتها، وهي على الوجهين
~~متعلقة بقوله سبحانه: { يشتري } وقوله عز وجل: { بغير علم } يجوز
~~أن يكون متعلقا به أيضا أي يشتري ذلك بغير علم بحال ما يشتريه أو
~~بالتجارة حيث استبدل الضلال بالهدى والباطل بالحق، ويجوز أن يكون متعلقا
~~بيضل أي ليضل عن سبيله تعالى جاهلا أنها سبيله عز وجل أو جاهلا أنه يضل
~~أو جاهلا ms08254 الحق.

# { ويتخذها } بالنصب عطفا على { يضل } والضمير للسبيل فإنه
~~ما يذكر ويؤنث، وجوز أن يكون للآيات، وقيل: يجوز أن يكون للأحاديث لأن
~~الحديث اسم جنس بمعنى الأحاديث وهو كما ترى { هزوا } أي مهزوأ به.
~~وقرأ جمع من السبعة { يتخذها } بالرفع عطفا على { يشترى } وجوز أن
~~يكون على إضمار هو { أولئك لهم عذاب مهين } لما اتصفوا
~~به من إهانتهم الحق بإيثار الباطل عليه وترغيب الناس فيه والجزاء من جنس
~~العمل، و { أولئك } إشارة إلى { من } وما فيه من معنى البعد
~~للإشارة إلى بعد المنزلة في الشرارة، والجمع في اسم الإشارة والضمير
~~باعتبار معناها كما أن الإفراد في الفعلين باعتبار لفظها، وكذا في قوله
~~تعالى: { وإذا تتلى عليه... }.

### || [31.7]

# { وإذا تتلى عليه } ففي الآية مراعاة اللفظ ثم مراعاة المعنى
~~ثم مراعاة اللفظ ونظيرها في ذلك قوله تعالى في سورة الطلاق [11] { ومن
~~يؤمن بالله } الآية، قال أبو حيان: ولا نعلم جاء في القرآن ما حمل
~~على اللفظ ثم على المعنى ثم على اللفظ غير هاتين الآيتين، وقال الخفاجي:
~~ليس كذلك فإن لها نظائر أي وإذا تتلى على المشتري المذكور { ءايتنا
~~} الجليلة الشأن { ولى } أعرض عنها غير معتد بها { مستكبرا }
~~مبالغا في التكبر فالاستفعال بمعنى التفعل { كأن لم يسمعها }
~~حال من ضمير { ولى } أو من ضمير { مستكبرا } أي مشابها حاله في
~~إعراضه تكبرا أو في تكبره حال من لم يسمعها وهو سامع، وفيه رمز إلى أن
~~من سمعها لا يتصور منه التولية والاستكبار لما فيها من الأمور الموجبة
~~للإقبال عليها والخضوع لها على طريقة قول الخنساء:

# أيا شجر الخابور مالك مورقا

# كأنك لم تجزع على ابن طريف

# و { كأن } المخففة ملغاة لا حاجة إلى تقدير ضمير شأن فيها وبعضهم
~~يقدره { كأن فى أذنيه وقرا } أي صمما مانعا من السماع،
~~وأصل معنى الوقر الحمل الثقيل استعير للصمم ثم غلب حتى صار حقيقة فيه،
~~والجملة حال من ضمير { لم يسمعها } أو هي بدل منها بدل كل من كل أو بيان
~~لها ويجوز أن تكون حالا من ms08255 أحد السابقين، ويجوز أن تكون كلتا الجملتين
~~مستأنفتين والمراد من الجملة الثانية الترقي في الذم وتثقيل { كان } في
~~الثانية كأنه لمناسبته للثقل في معناه، وقرأ نافع { فى أذنيه }
~~بسكون الذال تخفيفا { فبشره بعذاب أليم } أي أعلمه أن
~~العذاب المفرط في الإيلام لاحق به لا محالة، وذكر البشارة للتهكم.

### || [31.8]

# { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } بيان لحال
~~المؤمنين بآياته تعالى إثر بيان حال الكافرين بها أي إن الذين آمنوا
~~بآياته تعالى وعملوا بموجبها { لهم } بمقابلة ما ذكر من إيمانهم
~~وعملهم { جنت النعيم } أي النعيم الكثير وإضافة الجنات إليه
~~باعتبار اشتمالها عليه نظير قولك: كتب الفقه وفي هذا إشارة إلى أن لهم
~~نعيمها بطريق برهاني فهو أبلغ من لهم نعيم الجنات إذ لا يستدعي ذلك أن
~~تكون نفس الجنات ملكا لهم فقد يتنعم بالشيء غير مالكه، وقيل: في وجه
~~الأبلغية أنه لجعل النعيم فيه أصلا ميزت به الجنات فيفيد كثرة النعيم
~~وشهرته، وأيا ما كان فجنات النعيم هي الجنات المعروفة. وأخرج ابن أبي
~~حاتم عن مالك بن دينار قال: جنات النعيم بين جنات الفردوس وبين جنات عدن
~~وفيها جوار خلقن من ورد الجنة قيل: ومن يسكنها؟ قال: الذين هموا بالمعاصي
~~فلما ذكروا عظمتي راقبوني والذين انثنت اصلابهم في خشيتي، والله تعالى
~~أعلم بصحة الخبر، والجملة خبر { إن } ، قيل: والأحسن أن يجعل { لهم }
~~هو الخبر لإن / و { جنت النعيم } مرتفعا به على الفاعلية.

### || [31.9]

# وقوله تعالى: { خلدين فيها } حال من الضمير المجرور أو المستتر
~~في

# لهم

# [لقمان: 8] بناء على أنه خبر مقدم أو من { جنت } بناء على أنه
~~فاعل الظرف لاعتماده بوقوعه خبرا والعامل ما تعلق به اللام.

# وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { خلدون } بالواو وهو
~~بتقدير هو { وعد الله } مصدر مؤكد لنفسه أي لما هو كنفسه وهي
~~الجملة الصريحة في معناه أعني قوله تعالى:

# لهم جنت النعيم

# [لقمان: 8] فإنه صريح في الوعد. وقوله تعالى: { حقا } مصدر مؤكد لتلك
~~الجملة أيضا إلا أنه يعد مؤكدا لغيره إذ ليس كل وعد ms08256 حقا في نفسه. وجوز
~~أن يكون مؤكدا لوعد الله المؤكد، وأن يكون مؤكدا لتلك الجملة معدودا
~~من المؤكد لنفسه بناء على دلالتها على التحقيق والثبات من أوجه عدة وهو
~~بعيد. وفي «الكشف» لا يصح ذلك لأن الأخبار المؤكدة لا تخرج عن احتمال
~~البطلان فتأمل.

# { وهو العزيز } الذي لا يغلبه شيء ليمنع من إنجاز وعده وتحقيق
~~وعيده { الحكيم } الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، ويفهم
~~هذا الحصر من الفحوى، والجملة تذييل لحقية وعده تعالى المخصوص بمن ذكر
~~المومى إلى الوعيد لأضدادهم.

### || [31.10]

# { خلق السموات بغير عمد } الخ استئناف جيء به
~~للاستشهاد بما فصل فيه على عزته عز وجل التي هي كمال القدرة وحكمته التي
~~هي كمال العلم وإتقان العمل وتمهيد قاعدة التوحيد وتقريره وإبطال أمر
~~الإشراك وتبكيت أهله، والعمد جمع عماد كأهب جمع إهاب وهو ما يعمد به أي
~~يسند يقال عمدت الحائط إذا دعمته أي خلقها بغير دعائم على أن الجمع لتعدد
~~السماوات، وقوله تعالى: { ترونها } استئناف في جواب سؤال تقديره ما
~~الدليل على ذلك؟ فهو مسوق لإثبات كونها بلا عمد لأنها لو كانت لها عمد
~~رؤيت فالجملة لا محل لها من الإعراب والضمير المنصوب للسماوات والرؤية
~~بصرية لا علمية حتى يلزم حذف أحد مفعوليها، وجوز أن يكون صفة لعمد
~~فالضمير لها أي خلقها بغير عمد مرئية على التقييد للرمز إلى أنه تعالى
~~عمدها بعمد لا ترى وهي عمد القدرة، وروي ذلك عن مجاهد وكون عمادها في كل
~~عصر الإنسان الكامل في ذلك العصر ولذا إذا انقطع الإنسان الكامل وذلك عند
~~انقطاع النوع الإنساني تطوي السماوات كطي السجل للكتب كلام لا عماد له من
~~كتاب أو سنة فيما نعلم وفوق كل ذي علم عليم.

# { وألقى فى الأرض رواسى } بيان لصنعه تعالى البديع في قرار
~~الأرض إثر بيان صنعه عز وجل الحكيم في قرار السماوات أي ألقى فيها جبالا
~~شوامخ أو ثوابت كراهة { أن تميد } أو لئلا تميد أي تضطرب { بكم }
~~لو لم يلق سبحانه وتعالى فيها رواسي لما ms08257 أن الحكم اقتضت خلقها على حال لو
~~خلت معه عن الجبال لمادت بالمياه المحيطة بها الغامرة لأكثرها والرياح
~~العواصف التي تقتضي الحكمة هبوبها أو بنحو ذلك، وقد يعد منه حركة ثقيل
~~عليها، وقد ذكر بعض الفلاسفة أنه يلزم بناء على كرية الأرض ووجوب انطباق
~~مركز ثقلها على مركز العالم حركتها مع ما فيها من الجبال بسبب حركة ثقيل
~~من جانب منها إلى آخر لتغير مركز الثقل حينئذ إلا أنه لم يظهر ذلك لكون
~~الأثقال المتحركة عليها كلا شيء بالنسبة إليها مع ما فيها، ولعل من يعد
~~حركة الثقيل عليها من أسباب الميد لو خلت من الجبال يقول: لا يبعد حركة
~~ثقيل عليها كما جرى من مكان إلى آخر فاجتمع حتى صار بحرا عظيما مع ما
~~ينضم إلى ذلك مما تنقله الأهوية من الرمال الكثيرة والتراب يكون له مقدار
~~يعتد به بالنسبة إلى الأرض خالية من الجبال فتتحرك بحركته إلى خلاف جهته،
~~ثم إن الميد لولا الرواسي بنحو المياه والرياح متصور على / تقدير كون
~~الأرض كرية كما ذهب إليه الغزالي وكذا ذهب إلى كرية السماء، وجاء في
~~رواية عن ابن عباس ما يقتضيه وإليه ذهب أكثر الفلاسفة مستدلين عليه بما
~~في «التذكرة» و«شروحها»، وغير ذلك وهو الذي يشهد له الحس والحدس، وعلى
~~تقدير كونها غير كروية كما ذهب إليه من ذهب واختلفوا في شكلها عليه
~~وتفصيل ذلك يطلب من محله، ولا دلالة في الآية على انحصار حكمة إلقاء
~~الرواسي فيها بسلامتها عن الميد فإن لذلك حكما لا تحصى.

# وكذا لا دلالة فيها على عدم حركتها على الاستدارة دائما كما ذهب إليه
~~أصحاب فيثاغورس، ووراءه مذاهب أظهر بطلانا منه. نعم الأدلة النقلية
~~والعقلية على ذلك كثيرة.

# { وبث فيها } أي أوجد وأظهر، وأصل البث الإثارة والتفريق ومنه

# فكانت هباء منبثا

# [الواقعة: 6] و

# كالفراش المبثوث

# [القارعة: 4] وفي تأخيره إشارة إلى توقفه على إزالة الميد { من كل
~~دابة } من كل نوع من أنواعها { وأنزلنا من السماء ماء }
~~هو المطر والمراد بالسماء جهة العلو، وجوز تفسيرها ms08258 بالمظلة وكون الإنزال
~~منها بضرب من التأويل، وترك التأويل لا ينبغي أن يعول عليه إلا إذا وجد
~~من الأدلة ما يضطرنا إليه لأن ذلك خلاف المشاهد { فأنبتنا فيها }
~~أي بسبب ذلك الماء { من كل زوج } أي صنف { كريم } أي شريف كثير
~~المنفعة، والالتفات إلى ضمير العظمة في الفعلين لإبراز مزيد الاعتناء
~~بهما لتكررهما مع ما فيهما من استقامة حال الحيوان وعمارة الأرض ما لا
~~يخفى.

### || [31.11]

# { هذا } أي ما ذكر من السماوات والأرض وسائر الأمور المعدودة {
~~خلق الله } أي مخلوقه { فأرونى } أي أعلموني وأخبروني، والفاء
~~واقعة في جواب شرط مقدر أي إذا علمتم ذلك فأورني { ماذا خلق
~~الذين من دونه } مما اتخذتموهم شركاء له سبحانه في العبادة حتى
~~استحقوا به العبودية، و { ماذا } يجوز أن يكون اسما واحدا استفهاما
~~ويكون مفعولا لخلق مقدما لصدراته وأن يكون { ما } وحدها اسم استفهام
~~مبتدأ و { ذا } اسم موصول خبرها وتكون الجملة معلقا عنها سادة مسد
~~المفعول الثاني لأروني، وأن يكون { ماذا } كله اسما موصولا فقد
~~استعمل كذلك على قلة على ما قال أبو حيان ويكون مفعولا ثانيا له
~~والعائد محذوف في الوجهين.

# وقوله تعالى: { بل الظلمون فى ضلل مبين } إضراب عن
~~تبكيتهم بما ذكر إلى التسجيل عليهم بالضلال البين المستدعي للإعراض عن
~~مخاطبتهم بالمقدمات المعقولة الحقة لاستحالة أن يفهموا منها شيئا
~~فيهتدوا به إلى العلم ببطلان ما هم عليه أو يتأثروا من الإلزام والتبكيت
~~فينزجروا عنه، ووضع الظاهر موضع ضميرهم للدلالة على أنهم بإشراكهم واضعون
~~للشيء في غير موضعه ومتعدون عن الحد وظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب
~~الخالد.

### || [31.12]

# { ولقد ءاتينا لقمان الحكمة } كلام مستأنف مسوق لبيان
~~بطلان الشرك بالنقل بعد الإشارة إلى بطلانه بالعقل. ولقمان اسم أعجمي لا
~~عربي مشتق من اللقم، وهو على ما قيل: ابن باعوراء، قال وهب: وكان ابن
~~أخت أيوب عليه الصلاة والسلام، وقال مقاتل: كان ابن خالته، وقال عبد
~~الرحمن السهيلي: هو ابن عنقا بن سرون، وقيل: كان من أولاد آزر وعاش ألف
~~سنة وأدرك داود عليه السلام ms08259 وأخذ منه العلم وكان يفتي قبل مبعثه فلما بعث
~~قطع الفتوى فقيل له فقال: ألا أكتفي إذا كفيت، وقيل: كان قاضيا في بني
~~إسرائيل، ونقل ذلك عن الواقدي إلا أنه قال: وكان زمانه بين محمد وعيسى
~~عليهما الصلاة والسلام، وقال عكرمة والشعبي / كان نبيا، والأكثرون على
~~أنه كان في زمن داود عليه السلام ولم يكن نبيا. واختلف فيه أكان حرا أو
~~عبدا والأكثرون على أنه كان عبدا. واختلفوا فقيل: كان حبشيا، وروي ذلك
~~عن ابن عباس ومجاهد. وأخرج ذلك ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا، وذكر
~~مجاهد في وصفه أنه كان غليظ الشفتين مصفح القدمين، وقيل: كان نوبيا مشقق
~~الرجلين ذا مشافر، وجاء ذلك في رواية عن ابن عباس. وابن المسيب. ومجاهد.
~~وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لجابر بن عبد الله
~~ما انتهى إليكم من شأن لقمان؟ قال: كان قصيرا أفطس من النوبة، وأخرج هو
~~وابن جرير وابن المنذر عن ابن المسيب أنه قال: إن لقمان كان أسود من
~~سودان مصر ذا مشافر أعطاه الله تعالى الحكمة ومنعه النبوة.

# واختلف فيما كان يعانيه من الأشغال فقال خالد بن الربيع: كان نجارا
~~بالراء، وفي «معاني الزجاج» كان نجادا بالدال وهو على وزن كتاب من يعالج
~~الفرش والوسائد ويخيطهما. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في «الزهد» وابن
~~المنذر عن ابن المسيب أنه كان خياطا وهم أعم من النجاد. وعن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما أنه كان راعيا وقيل: كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة
~~ولا وثوق لي بشيء من هذه الأخبار وإنما نقلتها تأسيا بمن نقلها من
~~المفسرين الأخيار غير أني أختار أنه كان رجلا صالحا حكيما ولم يكن
~~نبيا.

# و { الحكمة } على ما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس العقل والفهم
~~والفطنة. وأخرج الفريابي وأحمد في «الزهد» وابن جرير وابن أبي حاتم عن
~~مجاهد أنها العقل والفقه والإصابة في القول، وقال الراغب: هي معرفة
~~الموجودات وفعل الخيرات وقال الإمام: هي عبارة عن توفيق العمل ms08260 بالعلم ثم
~~قال: وإن أردنا تحديدا بما يدخل فيه حكمة الله تعالى فنقول: حصول العمل
~~على وفق المعلوم وقال أبو حيان: هي المنطق الذي يتعظ به ويتنبه ويتناقله
~~الناس لذلك، وقيل: إتقان الشيء علما وعملا وقيل: كمال حاصل باستكمال
~~النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية واكتساب الملكة التامة على
~~الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها وفسرها كثير من الحكماء بمعرفة حقائق
~~الأشياء على ما هي عليه بقدر الطاقة البشرية.

# ولهم تفسيرات أخر وما لها وما عليها من الجرح والتعديل مذكوران في
~~كتبهم.

# ومن حكمته قوله لابنه: أي بني إن الدنيا بحر عميق وقد غرق فيها ناس كثير
~~فاجعل سفينتك فيها تقوى الله تعالى وحشوها الإيمان وشراعها التوكل على
~~الله تعالى لعلك أن تنجو ولا أراك ناجيا، وقوله: من كان له من نفسه واعظ
~~كان له من الله عز وجل حافظ ومن أنصف الناس من نفسه زاده الله تعالى بذلك
~~عزا والذل في طاعة الله تعالى أقرب من التعزز بالمعصية وقوله: ضرب
~~الوالد لولده كالسماد للزرع وقوله: يا بني إياك والدين فإنه ذل النهار هم
~~الليل وقوله يا بني ارج الله عز وجل رجاء لا يجريك على معصيته تعالى وخف
~~الله سبحانه خوفا لا يؤيسك من رحمته تعالى شأنه، وقوله: من كذب ذهب ماء
~~وجهه ومن ساء خلقه كثير غمه ونقل الصخور من موضعها أيسر من إفهام من لا
~~يفهم، وقوله: يا بني حملت الجندل والحديد وكل شيء ثقيل فلم أحمل شيئا هو
~~أثقل من جار السوء، وذقت المرار فلم أذق شيئا هو أمر من الفقر، يا بني
~~لا ترسل رسولك جاهلا فإن لم تجد حكيما فكن رسول نفسك، يا بني إياك
~~والكذب فإنه شهي كلحم العصفور عما قليل يغلي صاحبه، يا بني احضر الجنائز
~~ولا تحضر العرس فإن الجنائز تذكرك الآخرة والعرس يشهيك الدنيا، يا بني لا
~~تأكل شبعا عل شبع فإن إلقاءك إياه للكلب خير من أن تأكله، يا بني لا تكن
~~حلوا فتبلع ولا مرا فتلفظ، وقوله لابنه: لا يأكل ms08261 طعامك إلا الأتقياء
~~وشاور في أمرك العلماء، وقوله: لا خير لك في أن تتعلم / ما لم تعلم ولما
~~تعمل بما قد علمت فإن مثل ذلك مثل رجل احتطب حطبا فحمل حزمة وذهب يحملها
~~فعجز عنها فضم إليها أخرى، وقوله: يا بني إذا أردت أن تواخي رجلا فأغضبه
~~قبل ذلك فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره، وقوله: لتكن كلمتك طيبة وليكن
~~وجهك بسطا تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء، وقوله: يا بني أنزل
~~نفسك من صاحبك منزلة من لا حاجة له بك ولا بد لك منه، يا بني كن كمن لا
~~يبتغي محمدة الناس ولا يكسب ذمهم فنفسه منه في عناء والناس منه في راحة،
~~وقوله: يا بني امتنع بما يخرج من فيك فإنك ما سكت سالم وإنما ينبغي لك من
~~القول ما ينفعك إلى غير ذلك مما لا يحصى.

# { أن اشكر لله } أي أي اشكر على أن { أن } تفسيرية وما بعدها
~~تفسير لإيتاء الحكمة وفيه معنى القول دون حروفه سواء كان بإلهام أو وحي
~~أو تعليم. وجوز أن يكون تفسيرا للحكمة باعتبار ما تضمنه الأمر، وجعل
~~الزجاج { أن } مصدرية بتقدير اللام التعليلية ولا يفوت معنى الأمر كما مر
~~تحقيقه. وحكى سيبويه كتبت إليه بأن قم، والجار متعلق بآتينا، وجوز كونها
~~مصدرية بلا تقدير على أن المصدر بدل اشتمال (من الحكمة)، وهو بعيد.

# { ومن يشكر } الخ استئناف مقرر لمضمون ما قبله موجب للامتثال
~~بالأمر أي ومن يشكر له تعالى { فإنما يشكر لنفسه } (لأن
~~منفعته التي هي من ارتباط العتيد) واستجلاب المزيد والفوز بجنة الخلود
~~مقصورة عليها { ومن كفر فإن الله غنى } عن كل شيء فلا يحتاج
~~إلى الشكر ليتضرر بكفر من كفر { حميد } حقيق بالحمد وإن لم يحمده أحد
~~أو محمود بالفعل ينطق بحمده تعالى جميع المخلوقات بلسان الحال، فحميد
~~فعيل بمعنى محمود على الوجهين، وعدم التعرض لكونه سبحانه وتعالى مشكورا
~~لما أن الحمد متضمن للشكر بل هو رأسه كما قال صلى الله عليه وسلم:

# " الحمد رأس الشكر لم يشكر ms08262 الله تعالى عبد لم يحمده "

# فإثباته له تعالى إثبات للشكر له قطعا، وفي اختيار صيغة المضي في هذا
~~الشق قيل: إشارة إلى قبح الكفران وأنه لا ينبغي إلا أن يعد في خبر كان،
~~وقيل إشارة إلى أنه كثير متحقق بخلاف الشكر

# وقليل من عبادى الشكور

# [سبأ: 13] وجواب الشرط محذوف قام مقامه قوله تعالى: { فإن الله }
~~الخ، وكان الأصل ومن كفر فإنما يكفر على نفسه لأن الله غني حميد، وحاصله
~~ومن كفر فضرر كفره عائد عليه لأنه تعالى غني لا يحتاج إلى الشكر ليتضرر
~~سبحانه بالكفر محمود بحسب الاستحقاق أو بنطق ألسنة الحال فكلا الوصفين
~~متعلقان بالشق الثاني، وجوز أن يكون { غنى } تعليلا لقوله سبحانه: {
~~فإنما يشكر لنفسه } وقوله عز وجل: { حميد } تعليلا
~~للجواب المقدر للشرط الثاني بقرينة مقابله وهو فإنما يكفر على نفسه، وأن
~~يكون كل منهما متعلقا بكل منهما، ولا يخفى ما في ذلك من التكلف الذي لم
~~يدع إليه ولم تقم عليه قرينة فتدبر.

### || [31.13]

# { وإذ قال لقمان لابنه } تاران على ما قال الطبري.
~~والقتيبي؛ وقيل: ماثان بالمثلثة، وقيل: أنعم، وقيل: أشكم وهما بوزن
~~أفعل، وقيل: مشكم بالميم بدل الهمزة، و { إذ } معمول لاذكر محذوفا،
~~وقيل: يحتمل أن يكون ظرفا لآتينا والتقدير وآتيناه الحكمة إذ قال واختصر
~~لدلالة المقدم عليه، وقوله تعالى: { وهو يعظه } جملة حالية،
~~والوعظ  كما قال الراغب  زجر مقترن بتخويف، وقال الخليل: هو التذكير
~~بالخير فيما يرق له القلب { يبني } تصغير إشفاق ومحبة لا تصغير
~~تحقير:

# ولكن إذا ماحب شيء تولعت

# به أحرف التصغير من شدة الوجد

# وقال آخر:

# ما قلت حبيبي من التحقير

# بل يعذب اسم الشيء بالتصغير

# وقرأ البزي هنا { يا بنى } بالسكون وفيما بعد

# يا بني إنها

# [لقمان: 16] بكسر الياء و

# يا بني أقم

# [لقمان: 17] بفتحها، وقنبل بالسكون في الأولى والثالثة والكسر في
~~الوسطى، وحفص والمفضل عن عاصم بالفتح في الثلاثة على تقدير يا بنيا
~~والاجتزاء بالفتحة عن الألف، وقرأ باقي السبعة بالكسر فيها { لا
~~تشرك بالله } قيل: كان ابنه كافرا ولذا ms08263 نهاه عن الشرك فلم يزل
~~يعظه حتى أسلم، وكذا قيل في امرأته. وأخرج ابن أبي الدنيا في «نعت
~~الخائفين» عن الفضل الرقاشي قال: ما زال لقمان يعظ ابنه حتى مات. وأخرج
~~عن حفص بن عمر الكندي قال: وضع لقمان جرابا من خردل وجعل يعظ ابنه موعظة
~~ويخرج خردلة فنفد الخردل فقال: يا بني لقد وعظتك موعظة لو وعظتها جبلا
~~لتفطر فتفطر ابنه، وقيل: كان مسلما والنهي عن الشرك تحذير له عن صدوره
~~منه في المستقبل، والظاهر أن الباء متعلق بما عنده، ومن وقف على { لا
~~تشرك } جعل الباء للقسم أي أقسم بالله تعالى.

# { إن الشرك لظلم عظيم } والظاهر أن هذا من كلام لقمان
~~ويقتضيه كلام مسلم في «صحيحه»، والكلام تعليل للنهي أو الانتهاء عن
~~الشرك، وقيل: هو خير من الله تعالى شأنه منقطع عن كلام لقمان متصل به في
~~تأكيد المعنى، وكون الشرك ظلما لما فيه من وضع الشيء في غير موضعه وكونه
~~عظيما لما فيه من التسوية بين من لا نعمة إلا منه سبحانه ومن لا نعمة
~~له.

### || [31.14]

# { ووصينا الإنسن بولديه } الخ كلام مستأنف اعترض به
~~على نهج الاستطراد في أثناء وصية لقمان تأكيدا لما فيه من النهي عن
~~الإشراك فهو من كلام الله عز وجل لم يقله سبحانه للقمان، وقيل: هو من
~~كلامه تعالى قاله جل وعلا وكأنه قيل: قلنا له اشكر وقلنا له وصينا
~~الإنسان الخ، وفي «البحر» لما بين لقمان لابنه إن الشرك ظلم ونهاه عنه
~~كان ذلك حثا على طاعة الله تعالى ثم بين أن الطاعة أيضا تكون للأبوين
~~وبين السبب في ذلك فهو من كلام لقمان مما وصى به ابنه أخبر الله تعالى
~~عنه بذلك، وكلا القولين كما ترى، والمعنى وأمرنا الإنسان برعاية والديه.

# { حملته أمه وهنا } أي ضعفا { على وهن } أي ضعف،
~~والمصدر حال من { أمه } بتقدير مضاف أي ذات وهن؛ وجوز جعله نفسه
~~حالا مبالغة لكنه مخالف للقياس إذ القياس في الحال كونه مشتقا، ويجوز
~~أن يكون مفعولا مطلقا لفعل مقدر ms08264 أي تهن وهنا، والجملة حال من {
~~أمه } أيضا. وأيا ما كان فالمراد تضعف ضعفا متزايدا بازدياد ثقل
~~الحمل إلى مدة الطلق، وقيل: ضعفا متتابعا وهو ضعف الحمل وضعف الطلق
~~وضعف النفاس، وجوز أن يكون حالا من الضمير المنصوب في { حملته }
~~العائد على { الإنسن } وهو الذي يقتضيه ما أخرجه ابن جرير وابن أبي
~~حاتم عن مجاهد أنه قال: { وهنا } الولد { على وهن } الوالدة
~~وضعفها، والمراد أنه حملته حال كونه ضعيفا على ضعيف مثله، وليس المراد
~~أنها حملته حال كونه متزايد الضعف ليقال إن ضعفه لا يتزايد بل ينقص.

# وقرأ عيسى الثقفي وأبو عمرو في رواية { وهنا على وهن } بفتح
~~الهاء فيهما فاحتمل أن يكون من باب تحريك العين إذا كانت حرف حلق كالشعر
~~والشعر على القياس المطرد عند الكوفي كما ذهب إليه ابن جني، وأن يكون
~~مصدر وهن بكسر الهاء يوهن بفتحها فإن مصدره جاء كذلك وهذا كما يقال تعب
~~يتعب تعبا كما قيل: وكلام صاحب «القاموس» ظاهر في عدم / اختصاص أحد
~~المصدرين بأحد الفعلين قال: الوهن الضعف في العمل ويحرك والفعل كوعد وورث
~~وكرم.

# { وفصله } أي فطامه وترك إرضاعه. وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة
~~والجحدري ويعقوب { وفصله } وهو أعم من الفصال، والفصال ههنا أوقع من
~~الفصل لأنه موقع يختص بالرضاع وإن رجعا إلى أصل واحد على ما قال الطيبي
~~{ فى عامين } أي في انقضاء عامين أي في أول زمان انقضائهما، وظاهر
~~الآية أن مدة الرضاع عامان وإلى ذلك ذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد
~~وأبو يوسف ومحمد، وهو مختار الطحاوي وروى عن مالك، وذهب الإمام أبو حنيفة
~~إلى أن مدة الرضاع الذي يتعلق به التحريم ثلاثون شهرا لقوله تعالى:

# وحمله وفصله ثلاثون شهرا

# [الأحقاف: 15]، ووجه الاستدلال به أنه سبحانه وتعالى ذكر شيئين وضرب
~~لهما مدة فكانت لكل واحد منهما بكمالها كالأجل المضروب للدينين على شخصين
~~بأن قال: أجلت الدين الذي لي على فلان والدين الذي لي على فلان سنة فإنه
~~يفهم أن السنة بكمالها لكل، أو على شخص بأن قال لفلان ms08265 علي ألف درهم وعشرة
~~أقفزة إلى سنة فصدقه المقر له في الأجل فإذا مضت السنة يتم أجلهما جميعا
~~إلا أنه قام النقص في أحدهما أعني مدة الحمل لقول عائشة الذي لا يقال
~~مثله إلا سماعا: الولد لا يبقى في بطن أمه أكثر من سنتين ولو بقدر فلكة
~~مغزل فتبقى مدة الفصال على ظاهرها، وما ذكر هنا أقل مدته وفيه بحث.

# { أن اشكر لى ولولديك } تفسير لوصينا كما اختاره النحاس
~~فأن تفسيرية، وجوز أن تكون مصدرية بتقدير لام التعليل قبلها وهو متعلق
~~بوصينا وبلا تقدير على أن يكون المصدر بدلا من  والديه  بدل الاشتمال،
~~وعليه كأنه قيل: وصينا الإنسان بوالديه بشكرهما وذكر شكر الله تعالى لأن
~~صحة شكرهما تتوقف على شكره عز وجل كما قيل في عكسه لا يشكر الله تعالى من
~~لا يشكر الناس ولذا قرن بينهما في الوصية، وفي هذا من البعد ما فيه، وأما
~~القول بأن الأمر يأبى التفسير والتعليل والبدلية فليس بشيء كما أشرنا
~~إليه قريبا، وعلى الأوجه الثلاثة يكون قوله تعالى: { حملته أمه
~~}  إلى  { عامين } اعتراضا مؤكدا للتوصية في حق الأم خصوصا
~~لذكر ما قاسته في تربيته وحمله، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما
~~في حديث صحيح رواه الترمذي وأبو داود عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده لمن
~~سأله عمن يبره: أمك وأجابه عن سؤاله به ثلاث مرات، وعن بعض العرب أنه حمل
~~أمه إلى الحج على ظهره وهو يقول في حدائه:

# احمل أمي وهي الحمالة

# ترضعني الدرة والعلالة

# ولا يجازى والد فعاله

# ولله تعالى در من قال:

# لأمك حق لو علمت كبير

# كثيرك يا هذا لديه يسير

# فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي

# لها من جراها أنة وزفير

# وفي الوضع لو تدري عليها مشقة

# فمن غصص لها الفؤاد يطير

# وكم غسلت عنك الأذى بيمينها

# وما حجرها إلا لديك سرير

# وتفديك مما تشتكيه بنفسها

# ومن ثديها شرب لديك نمير

# وكم مرة جاعت وأعطتك قوتها

# حنوا وإشفاقا وأنت صغير

# فآها لذي عقل ويتبع الهوى ms08266

# وآها لأعمى القلب وهو بصير

# فدونك فارغب في عميم دعائها

# فأنت لما تدعو به لفقير

# واختلف في المراد بالشكر المأمور به فقيل هو الطاعة وفعل ما يرضي
~~كالصلاة والصيام بالنسبة إليه تعالى / وكالصلة والبر بالنسبة إلى
~~الوالدين، وعن سفيان بن عيينة من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى
~~ومن دعا لوالديه في أدبارها فقد شكرهما ولعل هذا بيان لبعض أفراد الشكر {
~~إلى المصير } تعليل لوجوب الامتثال بالأمر أي إلى الرجوع لا إلى
~~غيري فأجازيك على ما صدر عنك مما يخالف أمري.

### || [31.15]

# { وإن جهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به } أي
~~باستحقاقه الإشراك أو بشركته له تعالى في استحقاق العبادة، والجار متعلق
~~بقوله تعالى: { علم } وما مفعول { تشرك } كما اختاره ابن الحاجب
~~ثم قال: ولو جعل { تشرك } بمعنى تكفر وجعلت { ما } نكرة أو بمعنى
~~الذي بمعنى كفرا أو الكفر وتكون نصبا على المصدرية لكان وجها حسنا،
~~والكلام عليه أيضا بتقدير مضاف أي وإن جاهدك الوالدان على أن تكفر بي
~~كفرا ليس لك أو الكفر الذي ليس لك بصحته أو بحقيته علم { فلا
~~تطعهما } في ذلك والمراد استمرار نفي العلم لا نفي استمراره فلا
~~يكون الإشراك إلا تقليدا. وفي «الكشاف» أراد سبحانه بنفي العلم نفي ما
~~يشرك أي لا تشرك بي ما ليس بشيء يريد عز وجل الأصنام كقوله سبحانه:

# ما يدعون من دونه من شىء

# [العنكبوت: 42]: وجعله الطيبي على ذلك من باب نفي الشيء بنفي لازمه
~~وذلك أن العلم تابع للمعلوم فإذا كان الشيء معدوما لم يتعلق به موجودا،
~~ونقل عن ابن المنير أنه عليه من باب:

# على لا حب لا يهتدي بمناره

# أي ما ليس بإله فيكون لك علم بإلهيته وفي «الكشف» أن الزمخشري أراد أنه
~~بولغ في نفي الشريك حتى جعل كلا شيء ثم بولغ حتى ما لا يصح أن يتعلق به
~~علم والمعدوم يصح أن يعلم ويصح أن يقال إنه شيء فأدخل في سلك المجهول
~~مطلقا وليس من قبيل نفي العلم لنفي وجوده وهذا ms08267 تقرير حسن وفيه مبالغة
~~عظيمة منه يظهر ترجيح هذا المسلك في هذا المقام على أسلوب:

# ولا ترى الضب بها ينجحر

# اه فافهم ولا تغفل.

# { وصحبهما فى الدنيا معروفا } أي صحابا معروفا
~~يرتضيه الشرع ويقتضيه الكرم والمروءة كإطعامهما وإكسائهما وعدم جفائهما
~~وانتهارهما وعيادتهما إذا مرضا ومواراتهما إذا ماتا، وذكر { فى
~~الدنيا } لتهوين أمر الصحبة والإشارة إلى أنها في أيام قلائل وشيكة
~~الانقضاء فلا يضر تحمل مشقتها لقلة أيامها وسرعة انصرامها؛ وقيل: للإشارة
~~إلى أن الرفق بهما في الأمور الدنيوية دون الدينية. وقيل: ذكره لمقابلته
~~بقوله تعالى: { ثم إلى مرجعكم }  { واتبع سبيل من
~~أناب } أي رجع { إلى } بالتوحيد والإخلاص بالطاعة، وحاصله اتبع
~~سبيل المخلصين لا سبيلهما { ثم إلي مرجعكم } أي رجوعك
~~ورجوعهما وزاد بعضهم من أناب وهو خلاف الظاهر، وأيا ما كان ففيه تغليب
~~للخطاب على الغيبة { فأنبئكم } عند رجوعكم { بما كنتم
~~تعملون } بأن أجازي كلا منكم بما صدر عنه من الخير والشر.

# والآية نزلت في سعد بن أبي وقاص. أخرج أبو يعلى والطبراني وابن مردويه
~~وابن عساكر عن أبي عثمان النهدي أن سعد بن أبي وقاص قال: أنزلت في
~~هذه الآية { وإن جهداك } الآية كنت رجلا برا بأمي فلما أسلمت
~~قالت: يا سعد وما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا
~~أشرب حتى أموت فتعير بي فيقال يا قاتل أمه قلت: لا تفعلي يا أمه فإني لا
~~أدع ديني هذا لشيء فمكثت يوما وليلة لا تأكل فأصبحت قد جهدت فمكثت يوما
~~[آخر] وليلة لا تأكل فأصبحت قد اشتد جهدها فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه
~~تعلمين والله ولو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا / ما تركت ديني هذا
~~لشيء فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي فلما رأت ذلك أكلت فنزلت هذه الآية،
~~وذكر بعضهم أن هذه وما قبلها أعني قوله تعالى:

# ووصينا الإنسن

# [لقمان: 14] الآية نزلتا فيه قيل ولكون النزول فيه قيل: من أناب بتوحيد
~~الضمير حيث أريد بذلك أبو بكر رضي الله تعالى ms08268 عنه فإن إسلام سعد كان بسبب
~~إسلامه. أخرج الواحدي عن عطاء عن ابن عباس قال إنه يريد بمن أناب أبو بكر
~~وذلك أنه حين أسلم رآه عبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد وعثمان وطلحة
~~والزبير فقالوا لأبي بكر آمنت وصدقت محمدا صلى الله عليه وسلم فقال أبو
~~بكر: نعم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمنوا وصدقوا فأنزل الله
~~تعالى يقول لسعد: { واتبع سبيل من أناب إلى } يعني أبا
~~بكر رضي الله تعالى عنه، وابن جريج يقول كما أخرج عنه ابن المنذر من أناب
~~محمد عليه الصلاة والسلام، وغير واحد يقول هو صلى الله عليه وسلم
~~والمؤمنون، والظاهر هو العموم.

### || [31.16]

# { يبنى } الخ رجوع إلى القصة بذكر بقية ما أريد حكايته من وصايا
~~لقمان إثر تقرير ما في مطلعه من النهي عن الشرك وتأكيده بالاعتراض {
~~أنها } أي الخصلة من الإساءة والإحسان لفهمها من السياق. وقيل: وهو
~~كما ترى أنها أي التي سألت عنها، فقد روى أن لقمان سأله ابنه أرأيت الحبة
~~تقع في مغاص البحر أيعلمها الله تعالى فقال يا بني إنها أي التي سألت
~~عنها { إن تك مثقال حبة من خردل } أي إن تكن مثلا في
~~الصغر كحبة الخردل والمثقال ما يقدر به غيره لتساوي ثقلهما وهو في العرف
~~معلوم. وقرأ نافع والأعرج وأبو جعفر { مثقال } بالرفع على أن الضمير
~~للقصة و { تك } مضارع كان التامة والتأنيث لإضافة الفاعل إلى المؤنث
~~كما في قول الأعشى:

# وتشرق بالقول الذي قد أذعته

# كما شرقت صدر القناة من الدم

# أو لتأويله بالزنة أو الحسنة والسيئة { فتكن فى صخرة أو فى
~~السموات أو فى الأرض } أي فتكن مع كونها في أقصى غايات
~~الصغر والقماءة في أخفى مكان وأحرزه كجوف الصخرة أو حيث كانت في العالم
~~العلوي أو السفلي، وقيل: في أخفى مكان وأحرزه كجوف الصخرة أو أعلاه كمحدب
~~السماوات أو أسفله كمقعر الأرض، ولا يخفى أنه لا دلالة في النظم على
~~تخصيص المحدب والمقعر ولعل المقام يقتضيه إذ المقصود المبالغة. وفي ms08269 قوله
~~تعالى: { في السموات } لا يأبى ذلك لأنها ذكرت بحسب المكانية أو
~~للمشاكلة أو هي بمعنى على، وعبر بها للدلالة على التمكن ومع هذا الظاهر
~~ما تقدم، وفي «البحر» أنه بدأ بما يتعقله السامع أولا وهو كينونة الشيء
~~في صخرة وهو ما صلب من الحجر وعسر الإخراج منه ثم أتبعه بالعالم العلوي
~~وهو أغرب للسامع ثم أتبعه بما يكون مقر الأشياء للشاهد وهو الأرض، وقيل:
~~إن خفاء الشيء وصعوبة نيله بطرق بغاية صغره ويبعده عن الرائي وبكونه في
~~ظلمة وباحتجابه فمثقال حبة من خردل إشارة إلى غاية الصغر، و { فى
~~صخرة } إشارة إلى الحجاب و { في السموات } إشارة إلى البعد و
~~{ فى الأرض } إشارة إلى الظلمة فإن جوف الأرض أشد الأماكن ظلمة وأيا
~~ما كان فليس المراد بصخرة صخرة معينة، وعن ابن عباس والسدي أن هذه الصخرة
~~هي التي عليها الأرض، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن الأرض على نون
~~والنون على بحر والبحر على صخرة خضراء خضرة الماء منها والصخرة على قرن
~~ثور وذلك الثور على الثرى ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله تعالى.

# وفسر بعضهم الصخرة بهذه الصخرة، وقيل: هي صخرة في الريح، قال ابن عطية:
~~وكل ذلك ضعيف / لا يثبت سنده وإنما معنى الكلام المبالغة والانتهاء في
~~التفهيم أي إن قدرته عز وجل تنال ما يكون في تضاعيف صخرة وما يكون في
~~السماء وما يكون في الأرض اه، والأقوى عندي وضع هذه الأخبار ونحوها
~~فليست الأرض إلا في حجر الماء وليس الماء إلا في جوف الهواء وينتهي الأمر
~~إلى عرش الرحمن جل وعلا والكل في كف قدرة الله عز وجل.

# وقرأ عبد الرحيم الجزري { فتكن } بكسر الكاف وشد النون وفتحها، وقرأ
~~محمد بن أبي فجة البعلبكي { فتكن } بضم التاء وفتح الكاف والنون مشددة،
~~وقرأ قتادة { فتكن } بفتح التاء وكسر الكاف وسكون النون ورويت هذه
~~القراءة عن الجزري أيضا، والفعل في جميع ما ذكر من وكن الطائر إذا استقر
~~في وكنته أي عشه ففي الكلام استعارة ms08270 أو مجاز مرسل كما في المشفر، والضمير
~~للمحدث عنه فيما سبق، وجوز أن يكون للابن والمعنى إن تختف أو تخف وقت
~~الحساب يحضرك الله تعالى، ولا يخفى أنه غير ملائم للجواب أعني قوله
~~تعالى: { يأت بها الله } أي يحضرها فيحاسب عليها، وهذا إما على
~~ظاهره أو المراد يجعلها كالحاضر المشاهد لذكرها والاعتراف بها { إن
~~الله لطيف } يصل علمه تعالى إلى كل خفي { خبير } عالم بكنهه. وعن
~~قتادة لطيف باستخراجها خبير بمستقرها، وقيل: ذو لطف بعباده فيلطف
~~بالإتيان بها بأحد الخصمين خبير عالم بخفايا الأشياء وهو كما ترى،
~~والجملة علة مصححة للإتيان بها، أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن رباح
~~اللخمي أنه لما وعظ لقمان ابنه وقال: { إنها إن تك } الآية أخذ
~~حبة من خردل فأتى بها إلى اليرموك وهو واد في الشام فألقاها في عرضه ثم
~~مكث ما شاء الله تعالى ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في
~~راحته والله تعالى أعلم.

# وبعد ما أمره بالتوحيد الذي هو أول ما يجب على المكلف في ضمن النهي عن
~~الشرك ونبهه على كمال علمه تعالى وقدرته عز وجل أمره بالصلاة التي هي
~~أكمل العبادات تكميلا [له] من حيث العمل بعد تكميله من حيث الاعتقاد
~~فقال مستميلا له: { يبنى أقم الصلوة }.

### || [31.17]

# { يبنى أقم الصلوة } تكميلا لنفسك، ويروى أنه قال له: يا
~~بني إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشيء صلها واسترح منها فإنها دين، وصل
~~في جماعة ولو على رأس زج { وأمر بالمعروف وانه عن
~~المنكر } تكميلا لغيرك والظاهر أنه ليس المراد معروفا ومنكرا
~~معينين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير أنه قال: وأمر بالمعروف يعني
~~التوحيد وانه عن المنكر يعني الشرك { واصبر على ما أصابك }
~~من الشدائد والمحن لا سيما فيما أمرت به من إقامة الصلاة والأمر بالمعروف
~~والنهي عن المنكر، واحتياج الأخيرين للصبر على ما ذكر ظاهر، والأول لأن
~~إتمام الصلاة والمحافظة عليها قد يشق ولذا قال تعالى:

# وإنها لكبيرة إلا على الخشعين

# [البقرة: 45] وقال ms08271 ابن جبير: واصبر على ما أصابك في أمر الأمر بالمعروف
~~والنهي عن المنكر يقول: إذا أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر وأصابك في ذلك
~~أذى وشدة فاصبر عليه.

# { إن ذلك } أي الصبر على ما أصابك عند ابن جبير، وهو يناسب إفراد
~~اسم الإشارة وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد منزلته في الفضل، أو
~~الإشارة إلى الصبر وإلى سائر ما أمربه والإفراد للتأويل بما ذكر وأمر
~~البعد على ما سمعت { من عزم الأمور } أي مما عزمه الله تعالى
~~وقطعه قطع إيجاب وروي ذلك عن / ابن جريج، والعزم بهذا المعنى مما ينسب
~~إلى الله تعالى ومنه ما ورد «من عزمات الله عز وجل»، والمراد به هنا
~~المعزوم إطلاقا للمصدر على المفعول، والإضافة من إضافة الصفة إلى
~~الموصوف أي الأمور المعزومة. وجوز أن يكون العزم بمعنى الفاعل أي عازم
~~الأمور من عزم الأمر أي جد فعزم الأمور من باب الإسناد المجازي كمكر
~~الليل لا من باب الإضافة على معنى في وإن صح، وقيل: يريد من مكارم
~~الأخلاق وعزائم أهل الحزم السالكين طريق النجاة، واستظهر أبو حيان أنه
~~أراد من لازمات الأمور الواجبة، ونقل عن بعضهم أن العزم هو الحزم بلغة
~~هذيل، والحزم والعزم أصلان، وما قاله المبرد من أن العين قلبت حاء ليس
~~بشيء لاطراد تصاريف كل من اللفظين فليس أحدهما أصلا للآخر، والجملة
~~تعليل لوجوب الامتثال بما سبق وفيه اعتناء بشأنه.

### || [31.18]

# { ولا تصعر خدك للناس } أي لا تمله عنهم ولا تولهم صفحة
~~وجهك كما يفعله المتكبرون قاله ابن عباس وجماعة وأنشدوا:

# وكنا إذا الجبار صعر خده

# أقمنا له من ميله فتقوما

# فهو من الصعر بمعنى الصيد وهو داء يعتري البعير فيلوي منه عنقه ويستعار
~~للتكبر كالصعر، وقال ابن خويزمنداد: نهى أن يذل نفسه من غير حاجة فيلوي
~~عنقه، ورجح الأول بأنه أوفق بما بعد، ولام { للناس } تعليلية والمراد
~~ولا تصعر خدك لأجل الإعراض عن الناس أو صلة. وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة
~~والكسائي { تصاعر } بألف بعد الصاد وقرأ الجحدري (تصعر) ms08272 مضارع أصعر والكل
~~واحد مثل علاه وعالاه وأعلاه.

# { ولا تمش فى الأرض } التي هي أحط الأماكن منزلة { مرحا }
~~أي فرحا وبطرا، مصدر وقع موقع الحال للمبالغة أو لتأويله بالوصف أو
~~تمرح مرحا على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف والجملة في موضع الحال أو لأجل
~~المرح على أنه مفعول له، وقرىء (مرحا) بكسر الراء على أنه وصف في موضع
~~الحال { إن الله لا يحب كل مختال فخور } تعليل
~~للنهي أو موجبه والمختال من الخيلاء وهو التبختر في المشي كبرا، وقال
~~الراغب: التكبر عن تخيل فضيلة تراءت للإنسان من نفسه، ومنه تؤول لفظ
~~الخيل لما قيل أنه لا يركب أحد فرسا إلا وجد في نفسه نخوة، والفخور من
~~الفخر وهو المباهاة في الأشياء الخارجة عن الإنسان كالمال والجاه ويدخل
~~في ذلك تعداد الشخص ما أعطاه لظهور أنه مباهاة بالمال، وعن مجاهد تفسير
~~الفخور بمن يعدد ما أعطى ولا يشكر الله عز وجل، وفي الآية عند الزمخشري
~~لف ونشر معكوس حيث قال: المختال مقابل للماشي مرحا وكذلك الفخور للمصعر
~~خده كبرا وذلك لرعاية الفواصل على ما قيل، ولا يأبى ذلك كون الوصية لم
~~تكن باللسان العربي كما لا يخفى. وجوز أن يكون هناك لف ونشر مرتب فإن
~~الاختيال يناسب الكبر والعجب وكذا الفخر يناسب المشي مرحا، والكلام على
~~رفع الإيجاب الكلي والمراد السلب الكلي، وجوز أن يبقى على ظاهره، وصيغة {
~~فخور } للفاصلة ولأن ما يكره من الفخر كثرته فإن القليل منه يكثر
~~وقوعه فلطف الله تعالى بالعفو عنه وهذا كما لطف بإباحة اختيال المجاهد
~~بين الصفني وإباحة الفخر بنحو المال لمقصد حسن.

### || [31.19]

# { واقصد فى مشيك } بعد الاجتناب عن المرح فيه أي توسط فيه بين
~~الدبيب والإسراع من القصد وهو الاعتدال، وجاء في عدة روايات إلا أن في
~~أكثرها مقالا يخرجها عن صلاحية الاحتجاج بها كما لا يخفى على من راجع
~~«شرح الجامع الصغير» للمناوي / عن النبي صلى الله عليه وسلم

# " سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن "

# أي هيبته وجماله أي تورثه حقارة في ms08273 أعين الناس، وكأن ذلك لأنها تدل على
~~الخفة وهذا أقرب من قول المناوي لأنها تتعب فتغير البدن والهيئة. وقال
~~ابن مسعود: كانوا ينهون عن خبب اليهود ودبيب النصارى ولكن مشيا بين ذلك،
~~وما في «النهاية» من أن عائشة نظرت إلى رجل كاد يموت تخافتا فقالت: ما
~~لهذا؟ فقيل: إنه من القراء فقالت: كان عمر رضي الله تعالى عنه سيد القراء
~~وكان إذا مشى أسرع وإذا قال أسمع وإذا ضرب أوجع، فالمراد بالإسراع فيه ما
~~فوق دبيب المتماوت وهو الذي يخفي صوته ويقل حركاته مما يتزيا بزي العباد
~~كأنه يتكلف في اتصافه بما يقربه من صفات الأموات ليوهم أنه ضعف من كثرة
~~العبادة فلا ينافي الآية، وكذا ما ورد في صفته صلى الله عليه وسلم إذ
~~يمشي كأنما ينحط من صبب وكذا لا ينافيها قوله تعالى:

# وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا

# [الفرقان: 63] إذ ليس الهون فيه المشي كدبيب النمل، وذكر بعض الأفاضل أن
~~المذموم اعتياد الإسراع بالإفراط فيه، وقال السخاوي: محل ذم الإسراع ما
~~لم يخش من بطء السير تفويت أمر ديني، لكن أنت تعلم أن الإسراع المذهب
~~للخشوع لإدراك الركعة مع الإمام مثلا مما قالوا إنه مما لا ينبغي فلا
~~تغفل، وعن مجاهد أن القصد في المشي التواضع فيه، وقيل: جعل البصر موضع
~~القدم، والمعول عليه ما تقدم. وقرىء { وأقصد } بقطع الهمزة ونسبها ابن
~~خالويه للحجازي من أقصد الرامي إذا سدد سهمه نحو الرمية ووجهه إليها
~~ليصيبها أي سدد في مشيك والمراد أمش مشيا حسنا، وكأنه أريد التوسط به
~~بين المشيين السريع والبطىء فتتوافق القراءاتان.

# { واغضض من صوتك } أي انقص منه واقصر من قولك فلان يغض من فلان
~~إذا قصر به ووضع منه وحط من درجته. وفي «البحر» الغضرد طموح الشيء كالصوت
~~والنظر ويستعمل متعديا بنفسه كما في قوله:

# فغض الطرف إنك من نمير

# ومتعديا بمن كما هو ظاهر قول الجوهري غض من صوته. والظاهر إن ما في
~~الآية من الثاني، وتكلف بعضهم جعل من فيها للتبعيض، وادعى ms08274 آخر كونها
~~زائدة في الإثبات، وكانت العرب تفتخر بجهارة الصوت وتمدح به في الجاهلية
~~ومنه، قول الشاعر:

# جهير الكلام جهير العطاس

# جهير الرواء جهير النعم

# ويخطو على العم خطو الظليم

# ويعلو الرجال بخلق عمم

# والحكمة في غض الصوت المأمور به أنه أوفر للمتكلم وأبسط لنفس السامع
~~وفهمه.

# { إن أنكر الأصوت } أي أقبحها يقال وجه منكر أي قبيح قال في
~~«البحر»: وهو أفعل بني من فعل المفعول كقولهم: أشغل من ذات النحيين
~~وبناؤه من ذلك شاذ، وقال بعض: أي أصعبها على السمع وأوحشها من نكر بالضم
~~نكارة ومنه

# يوم يدعو الداع إلى شىء نكر

# [القمر: 6] أي أمر صعب لا يعرف، والمراد بالأصوات أصوات الحيوانات أي إن
~~أنكر أصوات الحيوانات { لصوت الحمير } جمع حمار كما صرح به أهل
~~اللغة ولم يخالف فيه غير السهيلي قال: إن فعيل اسم جمع كالعبيد وقد يطلق
~~على اسم الجمع الجمع عند اللغويين، والجملة تعليل للأمر بالغض على أبلغ
~~وجه وآكده حيث شبه الرافعون أصواتهم بالحمير وهم مثل في الذم البليغ
~~والشتيمة ومثلت أصواتهم بالنهاق الذي أوله زفير / وآخره شهيق ثم أخلي
~~الكلام من لفظ التشبيه وأخرج مخرج الاستعارة، وفي ذلك من المبالغة في
~~الذم والتهجين والإفراط في التثبيط عن رفع الصوت والترغيب عنه ما فيه،
~~وإفراد الصوت مع جمع ما أضيف هو إليه للإشارة إلى قوة تشابه أصوات الحمير
~~حتى كأنها صوت واحد هو أنكر الأصوات، وقال الزمخشري أن ذلك لما أن المراد
~~ليس بيان حال صوت كل واحد من آحاد هذا الجنس حتى يجمع بل بيان صوت هذا
~~الجنس من بين أصوات سائر الأجناس، قيل: فعلى هذا كان المناسب لصوت الحمار
~~بتوحيد المضاف إليه. وأجيب بأن المقصود من الجمع التتميم والمبالغة في
~~التنفير فإن الصوت إذا توافقت عليه الحمير كان أنكر. وأورد عليه أنه يوهم
~~أن الأنكرية في التوافق دون الانفراد وهو لا يناسب المقام، وأجيب بأنه لا
~~يلتفت إلى مثل هذا التوهم، وقيل: لم يجمع الصوت المضاف لأنه مصدر وهو لا
~~يثنى ولا يجمع ms08275 ما لم تقصد الأنواع كما في { أنكر الأصوت } فتأمل.

# والظاهر أن قوله تعالى: { إن أنكر الأصوت لصوت الحمير
~~} من كلام لقمان لابنه تنفيرا له عن رفع الصوت، وقيل: هو من كلام الله
~~تعالى وانتهت وصية لقمان بقوله: { واغضض من صوتك } رد سبحانه به
~~على المشركين الذين كانوا يتفاخرون بجهارة الصوت ورفعه مع أن ذلك يؤذي
~~السامع ويقرع الصماخ بقوة وربما يخرق الغشاء الذي هو داخل الأذن وبين عز
~~وجل أن مثلهم في رفع أصواتهم مثل الحمير وأن مثل أصواتهم التي يرفعونها
~~مثل نهاقها في الشدة مع القبح الموحش وهذا الذي يليق أن يجعل وجه شبه لا
~~الخلو عن ذكر الله تعالى كما يتوهم بناء على ما أخرج ابن أبي حاتم عن
~~سفيان الثوري قال: صياح كل شيء تسبيحه إلا الحمار لما أن وجه الشبه ينبغي
~~أن يكون صفة ظاهرة وخلو صوت الحمار عن الذكر ليس كذلك، على أنا لا نسلم
~~صحة هذا الخبر فإن فيه ما فيه، ومثله ما شاع بين الجهلة من أن نهيق
~~الحمار لعن للشيعة الذين لا يزالون ينهقون بسب الصحابة رضي الله تعالى
~~عنهم ومثل هذا من الخرافات التي يمجها السمع ما عدا سمع طويل الأذنين.

# والظاهر أن المراد بالغض من الصوت الغض منه عند التكلم والمحاورة، وقيل:
~~الغض من الصوت مطلقا فيشمل الغض منه عند العطاس فلا ينبغي أن يرفع صوته
~~عنده إن أمكنه عدم الرفع، وروي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه ما
~~يقتضيه ثم أن الغض ممدوح أن لم يدع داع شرعي إلى خلافه، وأردف الأمر
~~بالقصد في المشي بالأمر بالغض من الصوت لما أنه كثيرا ما يتوصل إلى
~~المطلوب بالصوت بعد العجز عن التوصل إليه بالمشي كذا قيل.

# هذا وأبعد بعضهم في الكلام على هذين الأمرين فقال: إن الأول إشارة إلى
~~التوسط في الأفعال والثاني إشارة إلى الاحتراز من فضول الكلام والتوسط في
~~الأقوال، وجعل قوله تعالى:

# إن تك مثقال حبة من خردل

# [لقمان: 61] الخ إشارة إلى إصلاح الضمير وهو ms08276 كما ترى. وقرأ ابن أبي
~~عبلة { لصوت الحمير } بالجمع بغير لام التأكيد.

### || [31.20]

# { ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى
~~السموات وما في الأرض } رجوع إلى سنن ما سلف قبل قصة لقمان
~~من خطاب المشركين وتوبيخ لهم على إصرارهم على ما هم عليه مع مشاهدتهم
~~لدلائل التوحيد، والتسخير على ما قال الراغب سياقة الشيء إلى الغرض
~~المختص به قهرا، وفي «إرشاد العقل السليم» المراد به إما جعل المسخر
~~بحيث ينفع المسخر له أعم من أن يكون منقادا له يتصرف فيه كيف يشاء
~~ويستعمله كيف يريد كعامة ما في الأرض من الأشياء المسخرة للإنسان
~~المستعملة له من الجماد والحيوان أو لا يكون كذلك بل يكون سببا لحصول
~~مراده من غير أن يكون له دخل في استعماله كجميع ما في السماوات من
~~الأشياء التي نيطت بها مصالح العباد معاشا أو معادا، وأما جعله منقادا
~~للأمر مذللا على أن معنى { لكم } لأجلكم فإن جميع ما في السماوات
~~والأرض من الكائنات مسخرة لله تعالى مستتعبة لمنافع الخلق وما يستعمله
~~الإنسان حسبما يشاء وإن كان مسخرا له بحسب الظاهر فهو في الحقيقة مسخر
~~لله عز وجل.

# { وأسبغ } أي أتم وأوسع { عليكم نعمه } جمع نعمة وهي في
~~الأصل الحالة المستلذة فإن بناء الفعلة كالجلسة والركبة للهيئة ثم
~~استعملت فيما يلائم من الأمور الموجبة لتلك الحالة إطلاقا للمسبب على
~~السبب، وفي معنى ذلك قولهم: هي ما ينتفع به ويستلذ ومنهم من زاد ويحمل
~~عاقبته، وقال بعضهم: لا حاجة إلى هذه الزيادة لأن اللذة عند المحققين أمر
~~تحمد عاقبته وعليه لا يكون لله عز وجل على كافر نعمة، ونقل الطيبي عن
~~الإمام أنه قال: النعمة عبارة عن المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى
~~الغير، ومنهم من يقول: المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى
~~الغير قالوا: وإنما زدنا قيد الحسنة لأن النعمة يستحق بها الشكر وإذا
~~كانت قبيحة لا يستحق بها الشكر، والحق أن هذا القيد غير معتبر لأنه يجوز
~~أن يستحق الشكر بالإحسان وإن كان فعله ms08277 محظورا لأن جهة الشكر كونه
~~إحسانا وجهة استحقاق الذم والعقاب الحظر فأي امتناع في اجتماعهما، ألا
~~ترى أن الفاسق يستحق الشكر لإنعامه والذم لمعصية الله تعالى فلم لا يجوز
~~أن يكون الأمر ههنا كذلك، أما قولنا: المنفعة فلأن المضرة المحضة لا
~~تكون نعمة، وقولنا: المفعولة على جهة الإحسان لأنه لو كان نفعا وقصد
~~الفاعل به نفع نفسه لا نفع المفعول به لا يكون نعمة وذلك كمن أحسن إلى
~~جاريته ليربح عليها اه، ويعلم منه حكم زيادة ويحمد عاقبته.

# { ظهرة وباطنة } أي محسوسة ومعقولة معروفة لكم وغير معروفة،
~~وعن مجاهد النعمة الظاهرة ظهور الإسلام والنصرة على الأعداء والباطنة
~~الإمداد من الملائكة عليهم السلام، وعن الضحاك الظاهرة حسن الصورة
~~وامتداد القامة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة، وقيل: الظاهرة البصر
~~والسمع واللسان وسائر الجوارح والباطنة القلب والعقل والفهم، وقيل:
~~الظاهرة نعم الدنيا والباطنة نعم الآخرة، وقيل: الظاهرة نحو إرسال الرسل
~~وإنزال الكتب والتوفيق لقبول الإسلام والإتيان به والثبات على قدم الصدق
~~ولزوم العبودية والباطنة ما أصاب الأرواح في عالم الذر من رشاش نور
~~النور.

# وأول الغيث قطر ثم ينسكب

# ونقل بعض الإمامية عن الباقر رضي الله تعالى عنه أنه قال: الظاهرة
~~النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به من معرفة الله تعالى وتوحيده
~~والباطنة ولايتنا أهل البيت وعقد مودتنا، والتعميم الذي أشرنا إليه أولا
~~أولى، لكن أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن عطاء قال: سألت ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما عن قوله تعالى: { وأسبغ عليكم نعمه
~~ظهرة وباطنة } قال: هذه من كنوز علمي سألت رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم قال أما الظاهرة فما سوى من خلقك وأما الباطنة فما ستر من
~~عورتك ولو أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم. وفي رواية أخرى رواها ابن مردويه
~~والديلمي والبيهقي وابن النجار عن ابن عباس أنه قال: سألت رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم عن قوله تعالى: { وأسبغ } الخ قال: أما الظاهرة
~~فالإسلام وما سوى من خلقك وما أسبغ عليك من رزقه وأما الباطنة فما ms08278 ستر من
~~مساوىء عملك فإن صح ما ذكر فلا يعدل عنه إلى التعميم إلا أن يقال: الغرض
~~من تفسير الظاهرة والباطنة بما فسرنا به التمثيل وهو الظاهر لا التخصيص
~~وإلا لتعارض الخبران.

# ثم إن ظاهر هذين الخبرين يقتضي كون الذنب وهو المعبر عنه في الأول بما
~~ستر من العورة وفي الثاني بما ستر من مساوىء العمل نعمة ولم نر في كلامهم
~~التصريح بإطلاقها عليه ويلزمه أن من كثرت ذنوبه كثرت / نعم الله تعالى
~~عليه فكان المراد أن النعمة الباطنة هي ستر ما ستر من العورة ومساوىء
~~العمل ولم يقل كذلك اعتمادا على وضوح الأمر، وجاء في بعض الآثار ما
~~يقتضي ذلك، أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن مقاتل أنه قال في الآية: {
~~ظهرة } الإسلام { وباطنة } ستره تعالى عليكم المعاصي، بل جاء
~~في بعض روايات الخبر الثاني «وأما ما بطن فستر مساوىء عملك». وجوز أن
~~يكون { ما } في ما ستر في الخبرين مصدرية و(من) صلة ستر لا بيان لما.

# وقرأ يحيى بن عمارة وأصبغ بالصاد وهي لغة بني كلب يبدلون من السين إذا
~~اجتمعت مع أحد الحروف المستعلية الغين والخاء والقاف صادا فيقولون في
~~سلخ صلخ وفي سقر صقر وفي سائغ صائغ ولا فرق في ذلك بين أن يفصل بينهما
~~فاصل وأن لا يفصل، وظاهر كلام بعضهم أنه لا فرق أيضا بين أن تتقدم السين
~~على أحد تلك الأحرف وأن تتأخر، واشترط آخر تقدم السين، وذكر الخفاجي أنه
~~إبدال مطرد.

# وقرأ بعض السبعة. وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { نعمة }
~~بالإفراد. وقرىء { نعمته } بالأفراد والإضافة، ووجه الإفراد بإرادة
~~الجنس كما قيل ذلك في قوله تعالى:

# وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها

# [إبراهيم: 34] وقال الزجاج من قرأ. { نعمة } فعلى معنى ما أعطاهم من
~~التوحيد ومن قرأ (نعمه) بالجمع فعلى جميع ما أنعم به عليهم والأول أولى،
~~ونصب { ظهرة وباطنة } في قراءة التعريف على الحالية وفي قراءة
~~التنكير على الوصفية.

# { ومن الناس من يجدل } من الجدال وهو المفاوضة على سبيل
~~المنازعة والمغالبة، ms08279 وأصله من جدلت الحبل أي أحكمت فتله كأن المتجادلين
~~يفتل كل منهما صاحبه عن رأيه. وقيل: الأصل في الجدال الصراع وإسقاط
~~الإنسان صاحبه على الجدالة وهي الأرض الصلبة وكأن الجملة في موضع الحال
~~من ضميره تعالى فيما قبل أي ألم تروا أن الله سبحانه فعل ما فعل من
~~الأمور الدالة على وحدته سبحانه وقدرته عز وجل والحال من الناس من ينازع
~~ويخاصم كالنضر بن الحرث وأبي ابن خلف كانا يجادلان النبي صلى الله عليه
~~وسلم { فى الله } أي في توحيده عز وجل وصفاته جل شأنه كالمشركين
~~المنكرين وحدته سبحانه وعموم قدرته جلت قدرته وشمولها للبعث ولم يقل فيه
~~بدل في الله بإرجاع الضمير للاسم الجليل في قوله تعالى: { ألم
~~تروا أن الله سخر لكم } تهويلا لأمر الجدال { بغير
~~علم } مستفاد من دليل عقلي { ولا هدى } راجع إلى رسول مأخوذ منه،
~~وجوز جعل الهدى نفس الرسول مبالغة وفيه بعد { ولا كتب } أنزله
~~الله تعالى { منير } أي ذي نور، والمراد به واضح الدلالة على
~~المقصود، وقيل: منقذ من ظلمة الجهل والضلال بل يجادلون بمجرد التقليد كما
~~قال سبحانه: { وإذا قيل لهم... }.

### || [31.21]

# { وإذا قيل لهم } أي لمن يجادل والجمع باعتبار المعنى {
~~اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا
~~عليه ءاباءنا } يريدون عبادة ما عبدوه من دون الله عز وجل، وهذا
~~ظاهر في منع التقليد في أصول الدين والمسألة خلافية فالذي ذهب إليه
~~الأكثرون ورجحه الإمام الرازي والآمدي أنه لا يجوز التقليد في الأصول بل
~~يجب النظر والذي ذهب إليه عبيد الله بن الحسن العنبري وجماعة الجواز
~~وربما قال بعضهم: إنه الواجب على المكلف وإن النظر في ذلك والاجتهاد فيه
~~حرام، وعلى كل يصح عقائد المقلد المحق وإن كان آثما بترك النظر على
~~الأول؛ وعن الأشعري أنه لا يصح إيمانه، وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري:
~~هذا مكذوب عليه لما يلزمه تكفير العوام وهم غالب المؤمنين، والتحقيق أنه
~~/ إن كان التقليد أخذا لقول الغير بغير حجة مع احتمال شك ووهم بأن لا ms08280
~~يجزم المقلد فلا يكفي إيمانه قطعا لأنه لا إيمان مع أدنى تردد فيه وإن
~~كان لكن جزما فيكفي عند الأشعري وغيره خلافا لأبي هاشم في قوله لا
~~يكفي بل لا بد لصحة الإيمان من النظر، وذكر الخفاجي أنه لا خلاف في
~~امتناع تقليد من لم يعلم أنه مستند إلى دليل حق، وظاهر ذم المجادلين بغير
~~علم ولا هدى ولا كتاب أنه يكفي النظر الدليل النقلي الحق كما يكفي فيه
~~الدليل العقلي.

# { أولو كان الشيطن يدعوهم } أي يدعو آباءهم لا أنفسهم
~~كما قيل: فإن مدار إنكار الاستتباع كون المتبوعين تابعين للشياطين وينادي
~~عليه قوله تعالى:

# أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون

# [البقرة: 170] بعد قوله سبحانه:

# بل نتبع ما ألفينا عليه ءاباءنا

# [البقرة: 170] ويعلم منه حال رجوع الضمير إلى المجموع أي أولئك
~~المجادلين وآباءهم { إلى عذاب السعير } أي إلى ما يؤول إليه أو
~~يتسبب منه من الإشراك وإنكار شمول قدرته عز وجل للبعث ونحو ذلك من
~~الضلالات، وجوز بقاء { عذاب السعير } على حقيقته والاستفهام
~~للإنكار ويفهم التعجيب من السياق أو للتعجيب ويفهم الإنكار من السياق
~~والواو حالية والمعنى أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم أي في حال دعاء
~~الشيطان إياهم إلى العذاب، وجوز كون الواو عاطفة على مقدر أي أيتبعونهم
~~لو لم يكن الشيطان يدعوهم إلى العذاب ولو كان يدعوهم إليه، وهما قولان
~~مشهوران في الواو الداخلة على { لو } الوصلية ونحوها، وكذا في احتياجها
~~إلى الجواب قولان قول بالاحتياج وقول بعدمه لانسلاخها عن معنى الشرط، ومن
~~ذهب إلى الأول قدره هنا لا يتبعوهم وهو مما لا غبار عليه على تقدير كون
~~الواو عاطفة، وأما على تقدير كونها حالية فزعم بعضهم أنه لا يتسنى وفيه
~~نظر، وقد مر الكلام على نحو هذه الآية الكريمة فتذكر.

### || [31.22]

# { ومن يسلم وجهه إلى الله } بأن فوض إليه تعالى جميع
~~أموره وأقبل عليه سبحانه بقلبه وقالبه، فالإسلام كالتسليم التفويض،
~~والوجه الذات، والكلام كناية عما أشرنا إليه من تسليم الأمور جميعها إليه
~~تعالى والإقبال التام عليه عز ms08281 وجل وقد يعدى الإسلام باللام قصدا لمعنى
~~الإخلاص. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والسلمي وعبد الله بن مسلم بن
~~يسار { يسلم } بتشديد اللام من التسليم وهو أشهر في معنى التفويض من
~~الإسلام { وهو محسن } أي في أعماله والجملة في موضع الحال. {
~~فقد استمسك بالعروة الوثقى } تعلق أتم تعلق بأوثق ما
~~يتعلق به من الأسباب وهذا تشبيه تمثيلي مركب حيث شبه حال المتوكل على
~~الله عز وجل المفوض إليه أموره كلها المحسن في أعماله بمن ترقى في جبل
~~شاهق أو تدلى منه فتمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه، وجوز أن
~~يكون هناك استعارة في المفرد وهو العروة الوثقى بأن يشبه التوكل النافع
~~المحمود عاقبته بها فتستعار له.

# { وإلى الله عقبة الأمور } أي هي صائرة إليه عز وجل لا
~~إلى غيره جل جلاله فلا يكون لأحد سواه جل وعلا تصرف فيها بأمر ونهي وثواب
~~وعقاب فيجازي سبحانه هذا المتوكل أحسن الجزاء، وقيل: فيجازي كلا من هذا
~~المتوكل وذاك المجادل بما يليق به بمقتضى الحكمة، وأل في الأمور
~~للاستغراق، وقيل: تحتمل العهد على أن المراد الأمور المذكورة من المجادلة
~~وما بعدها، وتقديم { إلى الله } للحصر ردا على الكفرة في زعمهم
~~مرجعية آلهتهم لبعض الأمور. / واختار بعضهم كونه إجلالا للجلالة ورعاية
~~للفاصلة ظنا منه أن الاستغراق مغن عن الحصر وهو ليس كذلك.

### || [31.23]

# { ومن كفر فلا يحزنك كفره } أي فلا يهمنك ذلك {
~~إلينا } لا إلى غيرنا { مرجعهم } رجوعهم بالبعث يوم القيامة {
~~فننبئهم بما عملوا } أي بعملهم أو بالذي عملوه في الدنيا من
~~الكفر والمعاصي بالعذاب والعقاب، وقيل: إلينا مرجعهم في الدارين فنجازيهم
~~بالإهلاك والتعذيب والأول أظهر وأيا ما كان فالجملة في موضع التعليل
~~كأنه قيل: لا يهمنك كفر من كفر لأنا ننتقم منه ونعاقبه على عمله أو الذي
~~عمله والجمع في الضمائر الثلاثة باعتبار معنى من كما أن الإفراد في الأول
~~باعتبار لفظها، وقرىء في السبع { ولا يحزنك } مضارع أحزن مزيد حزم اللام؛
~~وقدر اللزوم ليكون للنقل فائدة وحزن وأحزن لغتان، ms08282 قال اليزيدي: حزنه لغة
~~قريش وأحزنه لغة تميم وقد قرىء بهما، وذكر الزمخشري أن المستفيض في
~~الاستعمال ماضي الأفعال ومضارع الثلاثي والعهدة في ذلك عليه { إن
~~الله عليم بذات الصدور } تعليل للتنبئة المعبر بها عن
~~المجازاة أي يجازيهم سبحانه لأنه عز وجل عليم بالضمائر فما ظنك بغيرها.

### || [31.24]

# { نمتعهم قليلا } تمتيعا قليلا أو زمانا قليلا فإن ما يزول
~~بالنسبة إلى ما يدوم قليل { ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ
~~} ثقيل عليهم ثقل الأجرام الغلاظ، والمراد بالاضطرار أي الإلجاء إلزامهم
~~ذلك العذاب الشديد إلزام المضطر الذي لا يقدر على الانفكاك مما ألجىء
~~إليه، وفي «الانتصاف» تفسير هذا الاضطرار ما في الحديث من أنهم لشدة ما
~~يكابدون من النار يطلبون البرد فيرسل عليهم الزمهرير فيكون أشد عليهم من
~~اللهب فيتمنون عود اللهب اضطرارا فهو اختيار عن اضطرار وبأذيال هذه
~~البلاغة تعلق الكندي حيث قال:

# يرون الموت قداما وخلفا

# فيختارون والموت اضطرار

# وقيل: المعنى نضم إلى الإحراق الضغط والتضييق فلا تغفل.

### || [31.25]

# { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض
~~ليقولن الله } أي خلقهن الله تعالى، وجوز أن يكون التقدير الله
~~خلقهن والأول أولى كما فصل في محله وقولهم ذلك لغاية وضوح الأمر بحيث
~~اضطروا إلى الاعتراف به { قل الحمد لله } على إلزامهم وإلجائهم
~~إلى الاعتراف بما يوجب بطلان ما هم عليه من إشراك غيره تعالى به جل شأنه
~~في العبادة التي لا يستحقها غير الخالق والمنعم الحقيقي. وجوز جعل
~~المحمود عليه جعل دلائل التوحيد بحيث لا ينكرها المكابر أيضا { بل
~~أكثرهم لا يعلمون } أن ذلك يلزمهم قيل: وفيه إيغال حسن كأنه
~~قال سبحانه: وإن جهلهم انتهى إلى أن لا يعلموا أن الحمد لله ما موقعه في
~~هذا المقام، وقد مر تمام الكلام في نظير الآية في العنكبوت [61] فتذكر.

### || [31.26]

# { لله ما فى السموات والأرض } خلقا وملكا وتصرفا ليس
~~لأحد سواه عز وجل استقلالا ولا شركة فلا يستحق العبادة فيهما غيره
~~سبحانه وتعالى بوجه من الوجوه، وهذا إبطال لمعتقدهم من وجه آخر لأن
~~المملوك لا يكون ms08283 شريكا لمالكه فكيف يستحق ما هو حقه من العبادة وغيرها {
~~إن الله هو الغنى } عن كل شيء { الحميد } المستحق للحمد
~~وإن لم يحمده جل وعلا أحد أو المحمود بالفعل يحمده كل مخلوق بلسان الحال،
~~وكأن الجملة جواب عما يوشك أن يخطر ببعض الأذهان السقيمة من أنه هل
~~اختصاص ما في السماوات / والأرض به عز وجل لحاجته سبحانه إليه، وهو جواب
~~بنفي الحاجة على أبلغ وجه فقد كان يكفي في الجواب إن الله غني إلا أنه
~~جىء بالجملة متضمنة للحصر للمبالغة وجىء بالحميد أيضا تأكيدا لما تفيده
~~من نفي الحاجة بالإشارة إلى أنه تعالى منهم على من سواه سبحانه أو متصف
~~بسائر صفات الكمال فتأمل جدا، وقال الطيبي: إن قوله تعالى: { لله
~~ما فى السموات والأرض } تهاون بهم وإبداء أنه تعالى مستغن
~~عنهم وعن حمدهم وعبادتهم ولذلك علل بقوله سبحانه: { إن الله هو
~~الغنى } أي عن حمد الحامدين { الحميد } أي المستحق للحمد وإن لم
~~يحمدوه عز وجل.

### || [31.27]

# { ولو أنما فى الأرض من شجرة أقلام } أي لو ثبت كون
~~ما في الأرض من شجرة أقلاما  فأن  وما بعدها فاعل ثبت مقدر بقرينة كون
~~{ أن } دالة على الثبوت والتحقق وإلى هذا ذهب المبرد، وقال سيبويه: إن
~~ذلك مبتدأ مستغن عن الخبر لذكر المسند والمسند إليه بعده، وقيل: مبتدأ
~~خبره مقدر قبله، وقال ابن عصفور: بعده، و { ما فى الأرض } اسم أن و
~~{ من شجرة } بيان  لما  أو للضمير العائد إليها في الظرف فهو في
~~موضع الحال منها أو منه أي ولو ثبت أن الذي استقر في الأرض كائنا من
~~شجرة، و { أقلام } خبر أن قال أبو حيان: وفيه دليل دعوى الزمخشري
~~وبعض العجم ممن ينصر قوله: إن خبر أن الجائية بعد  لو  لا يكون اسما
~~جامدا ولا اسما مشتقا بل يجب أن يكون فعلا وهو باطل ولسان العرب طافح
~~بخلافه، قال الشاعر:

# ولو أنها عصفورة لحسبتها

# مسومة تدعو عبيدا وأزنما

# وقال آخر:

# ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر

# تنبو الحوادث عنه ms08284 وهو ملموم

# إلى غير ذلك، وتعقب بأن اشتراط كون خبرها فعلا إنما هو إذا كان مشتقا
~~فلا يرد { أقلام } هنا ولا ما ذكر في البيتين، وأما قوله تعالى:

# لو أنهم بادون

# [الأحزاب: 20] فلو فيه للتمني والكلام في خبر أن الواقعة بعد لو
~~الشرطية، والمراد بشجرة كل شجرة والنكرة قد تعم في الإثبات إذا اقتضى
~~المقام ذلك كما في قوله تعالى:

# علمت نفس ما أحضرت

# [التكوير: 14] وقول ابن عباس رضي الله عنهما لبعض أهل الشام وقد سأله عن
~~المحرم إذا قتل جرادة أيتصدق بتمرة فدية لها؟ تمرة خير من جرادة على ما
~~اختاره جمع ولا نسلم المنافاة بين هذا العموم وهذا التاء فكأنه قيل: ولو
~~أن كل شجرة في الأرض أقلام الخ، وكون كل شجرة أقلاما باعتبار الأجزاء أو
~~الأغصان فيؤل المعنى إلى لو أن أجزاء أو أغصان كل شجرة في الأرض أقلاما
~~الخ، ويحسن إرادة العموم في نحو ما نحن فيه كون الكلام الذي وقعت فيه
~~النكرة شرطا بلو وللشرط مطلقا قرب ما من النفي فما ظنك به إذا كان
~~شرطا بها وإن كانت هنا ليست بمعناها المشهور من انتفاء الجواب لانتفاء
~~الشرط أو العكس بل هي دالة على ثبوت الجواب أو حرف شرط في المستقبل على
~~ما فصل في " المغني ".

# واختيار { شجرة } على أشجار أو شجر لأن الكلام عليه أبعد عن اعتبار
~~التوزيع بأن تكون كل شجرة من الأشجار أو الشجر قلما المخل بمقتضى المقام
~~من المبالغة بكثرة كلماته تعالى شأنه: وفي «البحر» أن هذا مما وقع فيه
~~المفرد موقع الجمع والنكرة موقع المعرفة، ونظيره

# ما ننسخ من ءاية

# [البقرة: 106]

# ما يفتح الله للناس من رحمة

# [فاطر: 2]

# ولله يسجد ما فى السموات وما فى الأرض من
~~دابة

# [النحل: 49] وقول العرب: هذا أول فارس وهذا أفضل عالم يراد من الآيات
~~ومن الرحمات ومن الدواب وأول الفرسان وأفضل العلماء ذكر المفرد النكرة
~~وأريد به معنى الجمع المعرف باللام وهو مهيع في كلام العرب معروف وكذلك
~~يقدر هنا من الشجرات أو من ms08285 الأشجار اه فلا تغفل. وقال الزمخشري: إنه قال
~~سبحانه { شجرة } على التوحيد دون اسم الجنس الذي هو شجر لأنه أريد
~~تفصيل / الشجر شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا وقد
~~بريت أقلاما. وتعقب بأن إفادة المفرد التفصيل بدون تكرار غير معهود
~~والمعهود إفادته ذلك بالتكرير نحو جاؤوني رجلا رجلا فتأمل، واختيار جمع
~~القلة في { أقلام } مع أن الأنسب للمقام جمع الكثرة لأنه لم يعهد
~~للقلم جمع سواه وقلام غير متداول فلا يحسن استعماله.

# { والبحر } أي المحيط فأل للعهد لأنه المتبادر ولأنه الفرد للكامل
~~إذ قد يطلق على شعبه وعلى الأنهار العظام كدجلة والفرات، وجوز إرادة
~~الجنس ولعل الأول أبلع { يمده من بعده } أي من بعد نفاده وقيل
~~من ورائه { سبعة أبحر } مفروضة كل منها مثله في السعة والإحاطة
~~وكثرة الماء، والمراد بالسبعة الكثرة بحيث تشمل المائة والألف مثلا لا
~~خصوص العدد المعروف كما في قوله عليه الصلاة والسلام:

# " المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء "

# واختيرت لها لأنها عدد تام كما عرفت عند الكلام في قوله تعالى:

# تلك عشرة كاملة

# [البقرة: 196] وكثير من المعدودات التي لها شأن كالسماوات والكواكب
~~السيارة والأقاليم الحقيقة وأيام الأسبوع إلى غير ذلك منحصر في سبع فلعل
~~في ذكرها هنا دون سبعين المتجوز به عن الكثرة أيضا رمزا إلى شأن كون
~~تلك الأبحر عظيمة ذات شأن ولما لم تكن موضوعة في الأصل لذلك بل للعدد
~~المعروف القليل جاء تمييزها أبحر بلفظ القلة دون بحور وإن كان لا يراد به
~~إلا الكثرة ليناسب بين اللفظين فكما تجوز في السبعة واستعملت للتكثير
~~تجوز في أبحر واستعمل فيه أيضا، وكان الظاهر بعد جعل ما في الأرض من
~~شجرة أقلام أن يقال: والبحر مداد لكن جيء بما في النظم الجليل لأن { يمده
~~} يغني عن ذكر المداد لأنه من قولك: مد الدواة وأمدها أي جعلها ذات مداد
~~وزاد في مدادها ففيه دلالة على المداد مع ما يزيد في المبالغة وهو تصوير
~~الإمداد المستمر حالا ms08286 بعد حال كما تؤذن به صيغة المضارع فأفاد النظم
~~الجليل جعل البحر المحيط بمنزلة الدواة وجعل أبحر سبعة مثله مملوءة
~~مدادا فهي تصب فيه مدادها أبدا صبا لا ينقطع.

# ورفع { البحر } على ما استظهره أبو حيان فيه على الابتداء وجملة {
~~يمده } خبره والواو للحال والجملة حال من الموصول أو الضمير الذي في صلته
~~أي لو ثبت كون ما في الأرض من شجرة أقلاما في حال كون البحر ممدودا
~~بسبعة أبحر، ولا يضر خلو الجملة عن ضمير ذي الحال فإن الواو يحصل بها من
~~الربط ما لا يتقاعد عن الضمير لدلالتها على المقارنة، وأشار الزمخشري إلى
~~أن هذه الجملة وما أشبهها كقوله:

# وقد اغتدى والطير في وكناتها

# بمنجرد قيد الأوابد هيكل

# وجئت والجيش مصطف من الأحوال التي حكمها حكم الظروف لأنها في معناها إذ
~~معنى جئت والجيش مصطف مثلا ومعنى جئت وقد اصطفاف الجيش واحد وحيث إن
~~الظرف يربطه بما قبله تعلقه به وإن لم يكن فيه ضمير وهو إذا وقع حالا
~~استقر فيه الضمير فما يشبهه كأنه فيه ضمير مستقر، ولا يرد عليه اعتراض
~~أبي حيان بأن الظرف إذا وقع حالا ففي العامل فيه ضمير ينتقل إلى الظرف،
~~والجملة الإسمية إذا كانت حالا بالواو فليس فيها ضمير منتقل فكيف يقال
~~إنها في حكم الظرف. نعم الحق أن الربط بالواو كاف عن الضمير ولا يحتاج
~~معه إلى تكلف هذه المؤنة، وجوز أن تكون الجملة حالا من (الأرض) والعامل
~~فيه معنى الاستقرار والرابط ما سمعت أو أل التي في { البحر } بناء
~~على رأي الكوفيين من جواز كون أل عوضا عن الضمير كما في قوله تعالى:

# جنت عدن مفتحة لهم الأبواب

# [ص: 50] أي ولو ثبت كون الذي استقر في الأرض من شجرة أقلاما حال كون
~~بحرها ممدودا بسبعة أبحر / قال في «الكشف»: ولا بد أن يجعل { من
~~شجرة } بيانا للضمير العائد إلى { ما } لئلا يلزم الفصل بين أجزاء
~~الصلة بالأجنبي.

# و { البحر } على تقدير جعل أل فيه عوضا عن المضاف إليه العائد إلى ms08287
~~الأرض يحتمل أن يراد به المعهود وأن يراد به غيره، وقال الطيبي: إن
~~البحر على ذلك يعم جميع الأبحر لقرينة الإضافة ويفيد أن السبعة خارجة عن
~~بحر الأرض وعلى ما سواه يحتمل الحصة المعهودة المعلومة عند المخاطب. ورد
~~بأن لا فرق بينهما بل كون بحرها للعهد أظهر لأن العهد أصل الإضافة ولا
~~ينافيه كون الأرض شاملة لجميع الأقطار لأن المعهود البحر المحيط وهو محيط
~~بها كلها، وجوز الزمخشري كون رفعه بالعطف على محل أن ومعمولها، وجملة {
~~يمده } حال على تقدير لو ثبت كون ما في الأرض من شجرة أقلاما وثبت
~~البحر ممدودا بسبعة أبحر، وتعقب بأن الدال على الفعل المحذوف هو أن
~~وخبره على ما قرر في بابه فإذن لا يمكن إفضاء المحذوف إلى المعطوف دون
~~ملاحظة دال وفي هذا العطف إخراج عن الملاحظة، وأجيب بأنه يحتمل في التابع
~~ما لا يحتمل في المتبوع، ثم لا يخفى أن العطف على هذا من عطف المفرد على
~~المفرد لا المفرد على الجملة كما قيل إذ الظاهر أن المعطوف عليه إنما هو
~~المصدر الواقع فاعلا لثبت وهو مفرد لا جملة، وجوز أن يكون العطف على ذلك
~~أيضا بناء على رأي من يجعله مبتدأ، وتعقب بأنه يلزم أن يلي لو الاسم
~~الصريح الواقع مبتدأ إذ يصير التقدير ولو البحر وذلك على ما قال أبو حيان
~~لا يجوز إلا في ضرورة شعر نحو قوله:

# لو بغير الماء حلقي شرق

# كنت كالغصان بالماء اعتصاري

# وأجيب بأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع كما في نحو رب رجل
~~وأخيه يقولان ذلك، وقال بعضهم: إنه يلزم على العطف السابق أن يلي لو
~~الاسم الصريح وهو أيضا مخصوص بالضرورة وأجاب بما أجيب وفيه عندي تأمل،
~~وجوز كون الرفع على الابتداء، وجملة { يمده } خبر المبتدأ والواو
~~واو المعية وجملة المبتدأ وخبره في موضع المفعول معه بناء على أنه يكون
~~جملة كما نقل عن ابن عشام ولا يخفى بعده، وجوز كون الواو على ذلك
~~للاستئناف وهو استئناف بياني كأنه ms08288 قيل: ما المداد حينئذ فقيل: والبحر
~~الخ، وتعقب بأن اقتران الجواب بالواو وإن كانت استئنافية غير معهود، وما
~~قيل: إنه يقترن بها إذا كان جوابا للسؤال على وجه المناقشة لا للاستعلام
~~مما لا يعتمد عليه، ومن هنا قيل: الظاهر على إرادة الاستئناف أن يكون
~~نحويا، وجوز في هذا التركيب غير ما ذكر من أوجه الإعراب أيضا.

# وقرأ البصريان { والبحر } بالنصب على أنه معطوف على اسم أن و {
~~يمده } خبر له أي ولو أن البحر ممدود بسبعة أبحر. قال ابن الحاجب في
~~«أماليه»: ولا يستقيم أن يكون { يمده } حالا لأنه يؤدي إلى تقييد
~~المبتدأ الجامد بالحال ولا يجوز لأنها لبيان الفاعل أو المفعول والمبتدأ
~~ليس كذلك ويؤدي أيضا إلى كون المبتدأ لا خبر له ولا يستقيم أن يكون {
~~أقلام } خبرا له لأنه خبر الأول اه، ولم يذكر احتمال تقدير الخبر
~~لظهور أنه خلاف الظاهر. وجوز أن يكون منصوبا على شرطية التفسير عطفا
~~على الفعل المحذوف أعني ثبت ودخول لو على المضارع جائز، وجملة {
~~يمده } الخ حينئذ لا محل لها من الإعراب.

# وقرأ عبد الله { وبحر } بالتنكير والرفع وخرج ذلك ابن جنى على أنه مبتدأ
~~وخبره محذوف أي هناك بحر يمده الخ، والواو واو الحال لا محالة، ولا يجوز
~~أن يعطف على { أقلام } لأن البحر وما فيه ليس من حديث الشجر /
~~والأقلام وإنما هو من حديث المداد.

# وفي «البحر» أن الواو على هذه القراءة للحال أو للعطف على ما تقدم، وإذا
~~كانت للحال كان { بحر } مبتدأ وسوغ الابتداء به مع كونه نكرة تقدم تلك
~~الواو فقد عد من مسوغات الابتداء بالنكرة كما في قوله:

# سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا

# محياك أخفى ضوءه كل شارق

# اه ولا يخفى أنه إذا عطف على فاعل ثبت فجملة { يمده } في موضع
~~الصفة له لا حال منه؛ وجوز ذلك من جوز مجيء الحال من النكرة، والظاهر على
~~تقدير كونه مبتدأ جعل الجملة خبره ولا حاجة إلى جعل خبره محذوفا كما فعل
~~ابن جني. وقرأ ابن مسعود. ms08289 وأبي { تمده } بتاء التأنيث من مد كالذي في
~~قراءة الجمهور. وقرأ ابن مسعود أيضا والحسن وابن مصرف وابن هرمز { يمده
~~} بضم الياء التحتية من الإمداد. قال ابن الشيخ: يمد بفتح فضم ويمد بضم
~~فكسر لغتان بمعنى. وقرأ جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما { والبحر
~~مداده } أي ما يكتب به من الحبر، وقال ابن عطية: هو مصدر.

# { ما نفدت كلمت الله } جواب { لو } وفي الكلام اختصار
~~يسمى حذف إيجاز ويدل على المحذوف السياق والتقدير ولو أن ما في الأرض من
~~شجرة أقلام والبحر ممدود بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد
~~كلمات الله تعالى ما نفدت لعدم تناهيها ونفد تلك الأقلام والمداد
~~لتناهيها، ونظير ذلك في الاشتمال على إيجاز الحذف قوله تعالى:

# أو به أذى من رأسه ففدية

# [البقرة: 196] أي فحلق رأسه لدفع ما به من الأذى ففدية، والمراد بكلماته
~~تعالى كلمات علمه سبحانه وحكمته جل شأنه وهو الذي يقتضيه سبب النزول على
~~ما أخرج ابن جرير عن عكرمة قال: سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم عن الروح فأنزل سبحانه

# ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى وما
~~أوتيتم من العلم إلا قليلا

# [الإسراء: 85] فقالوا: تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلا وقد أوتينا
~~التوراة وهي الحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا فنزلت { ولو
~~أن } الخ. وظاهر هذا أن اليهود قالوا: ذلك له عليه الصلاة والسلام
~~مشافهة وهو ظاهر في أن الآية مدنية، وقيل: إنهم أمروا وفد قريش أن يقولوا
~~له صلى الله عليه وسلم ذلك وهذا القائل يقول: إنها مكية، وحاصل الجواب
~~أنه وإن كان ما أوتيتموه خيرا كثيرا لكونه حكمة إلا أنه قليل بالنسبة
~~إلى حكمته عز وجل. وفي رواية أنه نزل بمكة قوله تعالى: {
~~ويسئلونك } الخ

# " فلما هاجر عليه الصلاة والسلام أتاه أحبار اليهود فقالوا بلغنا أنك
~~تقول: { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا }  [الإسراء: 85]
~~أفعنيتنا أم قومك فقال صلى الله عليه وسلم: «كلا عنيت» فقالوا: ألست تتلو
~~فيما جاءك ms08290 إنا أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء فقال عليه الصلاة
~~والتحية: «هي في علم الله تعالى قليل وقد أتاكم ما إن عملتم به نجوتم»
~~قالوا: يا محمد كيف تزعم هذا وأنت تقول: { ومن يؤت الحكمة
~~فقد أوتى خيرا كثيرا } [البقرة: 269] فكيف يجتمع؟ فقال صلى
~~الله عليه وسلم: «هذا علم قليل وخير كثير» "

# فأنزل الله تعالى هذه الآية. وهذا نص في أن الآية مدنية، وقيل: المراد
~~بها مقدوراته جل وعلا وعجائبه عز وجل التي إذا أراد سبحانه شيئا منها
~~قال تبارك وتعالى له:

# كن فيكون

# [البقرة: 117] ومن ذلك قوله تعالى في عيسى:

# وكلمته ألقها إلى مريم

# [النساء: 171] وإطلاق الكلمات على ما ذكر من اطلاق السبب على المسبب،
~~وعلى هذا وجه ربط الآية بما قبلها أظهر على ما قيل وهو أنه سبحانه لما
~~قال:

# لله ما فى السموات والأرض

# [لقمان: 26] وكان موهما لتناهي ملكه جل جلاله أردف سبحانه ذلك بما هو
~~ظاهر بعدم التناهي وهذا ما اختاره الإمام في المراد بكلماته تعالى إلا أن
~~في انطباقه على سبب النزول خفاء، وعن أبي مسلم المراد بها ما وعد سبحانه
~~به أهل طاعته من الثواب وما أوعد جل شأنه به أهل معصيته من العقاب، وكأن
~~الآية عليه بيان لأكثرية ما لم يظهر بعد من ملكه تعالى بعد بيان كثرة ما
~~ظهر، وقيل: المراد بها ما هو المتبادر منها بناء على ما أخرج عبد الرزاق.
~~وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن قتادة قال: قال المشركون إنما هذا كلام
~~يوشك أن ينفد فنزلت { ولو أنما فى الأرض من شجرة
~~أقلام } الآية، وفي وجه ربط الآية عليه بما قبلها وكذا بما بعدها
~~خفاء جدا إلا أنه لا يقتضي كونها مدنية، وإيثار الجمع المؤنث السالم
~~بناء على أنه كجمع المذكر جمع قلة لإشعاره وإن اقترن بما قد يفيد معه
~~الاستغراق والعموم من أل أو الإضافة نظرا لأصل وضعه وهو القلة بأن ذلك
~~لا يفي بالقليل فكيف بالكثير. وقرأ الحسن. { ما نفد } بغير تاء {
~~كلام الله } بدل { كلمات الله ms08291 }  { إن الله عزيز } لا
~~يعجزه جل شأنه شيء { حكيم } لا يخرج عن علمه تعالى وحكمته سبحانه شيء،
~~والجملة تعليل لعدم نفاد كلماته تبارك وتعالى.

### || [31.28]

# { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس وحدة } أي الا
~~كخلقها وبعثها في سهولة التأتي بالنسبة إليه عز وجل إذ لا يشغله تعالى
~~شأن عن شأن لأن مناط وجود الكل تعلق إرادته تعالى الواجبة أو قوله جل
~~وعلا: كن مع قدرته سبحانه الذاتية وإمكان المتعلق ولا توقف لذلك على آلة
~~ومباشرة تقتضي التعاقب ليختلف عنده تعالى الواحد والكثير كما يختلف ذلك
~~عند العباد.

# { إن الله سميع } يسمع كل مسموع { بصير } يبصر كل مبصر في
~~حالة واحدة لا يشغله إدراك بعضها عن إدراك بعض فكذا الخلق والبعث وحاصله
~~كما أنه تعالى شأنه ببصر واحد يدرك سبحانه المبصرات وبسمع واحد يسمع جل
~~وعلا المسموعات ولا يشغله بعض ذلك عن بعض كذلك فيما يرجع إلى القدرة
~~والفعل فهو استشهاد بما سلموه فشبه المقدورات فيما يراد منها بالمدركات
~~فيما يدرك منها كذا في «الكشف» واستشكل كون ذلك مسلما بأنه قد كان بعضهم
~~إذا طعنوا في الدين يقول: أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد صلى الله عليه
~~وسلم فنزل:

# وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات
~~الصدور

# [الملك: 13]. وأجيب بأنه لا اعتداد بمثله من الحماقة بعد ما رد عليهم ما
~~زعموا وأعلموا بما أسروا.

# وقيل: إن الجملة تعليل لإثبات القدرة الكاملة بالعلم الواسع وأن شيئا
~~من المقدورات لا يشغله سبحانه عن غيره لعلمه تعالى بتفاصيلها وجزئياتها
~~فيتصرف فيها كما يشاء كما يقال: فلأن يجيد عمل كذا لمعرفته بدقائقه
~~ومتمماته، والمقصود من إبراد الوصفين إثبات الحشر والنشر لأنهما عمدتان
~~فيه ألا ترى كيف عقب ذلك بما يدل على عظيم القدرة وشمول العلم. وأيا ما
~~كان يندفع توهم أن المناسب لما قبل أن يقال: إن الله قوي قدير أو نحو ذلك
~~دون ما ذكر لأن الخلق والبعث ليسا من المسموعات والمبصرات، وعن مقاتل أن
~~كفار قريش قالوا: إن الله تعالى خلقنا أطوارا ms08292 نطفة علقة مضغة لحما فكيف
~~يبعثنا خلقا جديدا في ساعة واحدة فنزلت وذكر النقاش أنها نزلت في أبي
~~بن خلف وأبي الأسود ونبيه ومنبه ابني الحجاج وذكر في سبب نزولها فيهم
~~نحو ما ذكر، وعلى كون سبب النزول ذلك قيل: المعنى أنه تعالى سميع بقولهم
~~ذلك بصير بما يضمرونه وهو كما ترى.

### || [31.29]

# { ألم تر } قيل: خطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم وقيل: عام
~~لكل من يصلح للخطاب وهو الأوفق لما سبق وما لحق أي ألم تعلم. / { أن
~~الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في
~~الليل } أي يدخل كل واحد منها في الآخر ويضيفه سبحانه إليه فيتفاوت
~~بذلك حاله زيادة ونقصانا، وعدل عن يولج أحد الملوين في الآخر مع أنه
~~أخصر للدلالة على استقلال كل منهما في الدلالة على كمال القدرة، وقدم
~~الليل على النهار لمناسبته لعالم الإمكان المظلم من حيث إمكانه الذاتي،
~~وفي بعض الآثار «كان العالم في ظلمة فرش الله تعالى عليهم من نوره»، وهذا
~~الإيلاج إنما هو في هذا العالم ليس عند ربك صباح ولا مساء، وقدم الشمس
~~على القمر في قوله تعالى: { وسخر الشمس والقمر } مع تقديم
~~الليل الذي فيه سلطان القمر على النهار الذي فيه سلطان الشمس لأنها
~~كالمبدأ للقمر ولأن تسخيرها لغاية عظمها أعظم من تسخير القمر وأيضا آثار
~~ذلك التسخير أعظم من آثار تسخيره وقال الإمام في تعليل تقديم كل على ما
~~قدم عليه: لأن الأنفس تطلب سبب المقدم أكثر مما تطلب سبب المؤخر وبين ذلك
~~بما بين، ولعل ما ذكرناه أولى لا سيما إذا صح أن نور القمر مستفاد من
~~ضياء الشمس.

# وعطف قوله سبحانه: { سخر } على قوله تعالى: { يولج } والاختلاف
~~بينهما صيغة لما أن إيلاج أحد الملوين في الآخر متجدد في كل حين وأما
~~التسخير فأمر لا تعدد فيه ولا تجدد وإنما التعدد والتجدد في آثاره كما
~~يشير إلى ذلك قوله تعالى: { كل } أي كل واحد من الشمس والقمر {
~~يجرى } يسير سيرا سريعا مستمرا { إلى أجل } أي منتهى للجري ms08293 {
~~مسمى } سماه الله تعالى وقدره لذلك، وهو كما قال الحسن يوم القيامة
~~فإنه لا ينقطع جري النيرين وتبطل حركتهما إلا في ذلك اليوم.

# والظاهر أن هذا الجري هو هذه الحركة التي يشاهدها كل ذي بصر من أهل
~~المعمورة، وهي عند الفلاسفة بواسطة الفلك الأعظم فإن حركته كذلك وبها
~~حركة سائر الأفلاك وما فيها من الكواكب ويسمى حركة الكل والحركة اليومية
~~والحركة السريعة والحركة الأولى والحركة على خلاف التوالي والحركة
~~الشرقية، وبعضهم يسميها الحركة الغربية، وقيل: ما يعم هذه الحركة
~~وحركتهما الخاصة بهما وهي حركتهما بواسطة فلكيهما على التوالي من المغرب
~~إلى المشرق وهي للقمر أسرع منها للشمس، وليس في العقل الصريح والنقل
~~الصحيح ما يأبى إثبات هاتين الحركتين لكل من النيرين كما لا يخفى على
~~المنصف العارف، ومنتهى هذا الجري العام لهاتين الحركتين يوم القيامة
~~أيضا.

# والجملة على تقدير عموم الخطاب اعتراض بين المعطوفين لبيان الواقع بطريق
~~الاستطراد، وعلى تقدير اختصاصه به صلى الله عليه وسلم يجوز أن تكون حالا
~~من { الشمس والقمر } فإن جريهما إلى يوم القيامة من جملة ما في
~~حيز رؤيته عليه الصلاة والسلام، وقيل جريهما عبارة عن حركتهما الخاصة
~~بهما والأجل المسمى لجري الشمس آخر السنة المسماة بالسنة الشمسية
~~الحقيقية وهي زمان مفارقة الشمس أية نقطة تفرض من فلك البروج إلى عودها
~~إليها بحركتها الخاصة، وجعلوا ابتداءها من حين حلول الشمس رأس الحمل
~~ومدتها عند بعض ثلثمائة وخمسة وستون يوما بليلته وربع يوم كذلك وعند
~~بطليموس ثلثمائة وخمسة وستون يوما بليلته وخمس ساعات وخمس وخمسون دقيقة
~~واثنتا عشرة ثانية، وعند بعض المتأخرين ثلثمائة وخمسة وستون يوما وخمس
~~ساعات وست وأربعون دقيقة وأربع وعشرون ثانية، وعند الحكيم محيي الدين
~~الكسر الزائد خمس ساعات ودقيقة، وبالرصد الجديد الذي تولاه الطوسي بمراغة
~~خمس ساعات وتسع وأربعون دقيقة، ووجد برصد سمرقند أزيد من هذا بربع دقيقة،
~~وأما الاصطلاحية فاعتبرها بعض كالروم والأقدمين من الفرس ثلثمائة وخمسة
~~وستون يوما بليلته وربع يوم كذلك وأخذ الكسر ربعا تاما إلا أن الروم
~~يجعلون ms08294 ثلاث سنين / ثلثمائة وخمسة وستين ويكبسون في الرابعة بيوم والفرس
~~كانوا يكبسون في مائة وعشرين سنة بشهر، واعتبرها بعض آخر كالقبط
~~والمستعملين لتاريخ الفرس من المحدثين وستين يوما بليلته وأسقط الكسر
~~رأسا ولجرى القمر آخر الشهر القمري الحقيقي وهو زمان مفارقة القمر أي
~~وضع يعرض له من الشمس إلى عوده إليه، وجعلوا ابتداءه من اجتماع الشمس
~~والقمر وزمان ما بين الاجتماعين المتتاليين (كط لا ن) من الأيام ودقائقها
~~وثوانيها تقريبا.

# وأما الشهر الغير الحقيقي فالمعتبر فيه الهلال ويختلف زمان ما بين
~~الهلالين كما هو معروف. قيل: وعلى هذا فالجملة بيان لحكم تسخيرهما أو
~~تنبيه على كيفية إيلاج أحد الملوين في الآخر، وكون ذلك بحسب اختلاف جريان
~~الشمس على مداراتها اليومية فكلما كان جريانها متوجها إلى سمت الرأس
~~تزداد القوس التي فوق الأرض كبرا فيزداد النهار طولا بانضمام بعض أجزاء
~~الليل إليه إلى أن يبلغ المدار الذي هو أقرب المدارات إلى سمت الرأس وذلك
~~عند بلوغها إلى رأس السرطان ثم ترجع متوجهة إلى التباعد عن سمت الرأس فلا
~~تزال القسى التي فوق الأرض تزداد صغرا فيزداد النهار قصرا بانضمام بعض
~~أجزائه إلى الليل إلى أن يبلغ المدار الذي هو أبعد المدارات اليومية عن
~~سمت الرأس وذلك عند بلوغها رأس الجدي. وأنت تعلم أنه لا مدخل لجريان
~~القمر في الإيلاج فالتعرض له في الآية الكريمة يبعد هذا الوجه، ولعل
~~الأظهر على تقدير جعل جريهما عبارة عن حركتهما الخاصة بهما أن يجعل الأجل
~~المسمى عبارة عن يوم القيامة أو يجعل عبارة عن آخر السنة والشهر
~~المعروفين عند العرب فتأمل.

# وجرى يتعدى بإلى تارة وباللام أخرى وتعديته بالأول باعتبار كون المجرور
~~غاية وبالثاني باعتبار كونه غرضا فتكون اللام لام تعليل أو عاقبة وجعلها
~~الزمخشري للاختصاص ولكل وجه، ولم يظهر لي وجه اختصاص هذا المقام بإلى
~~وغيره باللام، وقال النيسابوري: وجه ذلك أن هذه الآية صدرت بالتعجيب
~~فناسب التطويل وهو كما ترى فتدبر.

# وقوله تعالى: { وأن الله بما تعملون خبير } عطف على
~~قوله: { أن الله ms08295 يولج الليل } الخ داخل معه في حيز الرؤية
~~على تقديري خصوص الخطاب وعمومه فإن من شاهد مثل ذلك الصنع الرائق
~~والتدبير اللائق لا يكاد يغفل عن كون صانعه عز وجل محيطا بجلائل أعماله
~~ودقائقها. وقرأ عياش عن أبي عمرو: { بما يعملون } بياء الغيبة.

### || [31.30]

# { ذلك } إشارة إلى ما تضمنته الآيات وأشارت إليه من سعة العلم وكمال
~~القدرة واختصاص الباري تعالى شأنه بها { بأن الله هو الحق }
~~أي بسبب أنه سبحانه وحده الثابت المتحقق في ذاته أي الواجب الوجود. {
~~وأن ما يدعون من دونه } إلها { البطل } المعدوم في
~~حد ذاته وهو الممكن الذي لا يوجد إلا بغيره وهو الواجب تعالى شأنه {
~~وأن الله هو العلى } على الأشياء { الكبير } عن أن
~~يكون له سبحانه شريك أو يتصف جل وعلا بنقص لا بشيء أعلى منه تعالى شأنه
~~شأنا وأكبر سلطانا، ووجه سببية الأول لما ذكر أن كونه تعالى وحده واجب
~~الوجود في ذاته يستلزم أن يكون هو سبحانه وحده الموجد لسائر المصنوعات
~~البديعة الشأن فيدل على كمال قدرته عز وجل وحده والإيجاب قد أبطل في
~~الأصول ومن صدرت عنه جميع هاتيك المصنوعات لا بد من أن يكون كامل العلم
~~على ما بين في الكلام، ووجه سببية الثالث لذلك أن كونه تعالى وحده عليا
~~على جميع الأشياء متسلطا عليها متنزها عن أن يكون له سبحانه شريك أو
~~يتصف بنقص عز وجل يستلزم / كونه تعالى وحده واجب الوجود في ذاته وقد سمعت
~~الكلام فيه، وأما وجه سببية كون ما يدعونه من دونه إلها باطلا ممكنا
~~في ذاته لذلك فهو أن إمكانه على علو شأنه عندهم على ما عداه مما لم
~~يعتقدوا إلهيته يستلزم إمكان غيره مما سوى الله عز وجل لأن ما فيه مما
~~يدل على إمكانه موجود في ذلك حذو القذة بالقذة ومتى كان ما يدعونه إلها
~~من دونه تعالى وغيره مما سوى الله سبحانه وتعالى ممكنا انحصر وجوب
~~الوجود في الله تعالى فيكون جل وعلا وحده واجب الوجود في ذاته وقد علمت
~~إفادته ms08296 للمطلوب وكأنه إنما قيل إن ما يدعون من دونه الباطل دون إن ما
~~سواه الباطل مثلا نظير قول لبيد:

# ألا كل شيء ما خلا الله باطل

# تنصيصا على فظاعة ما هم عليه واستلزام ذلك إمكان ما سوى الله تعالى من
~~الموجودات من باب أولى بناء على ما يزعم المشركون في آلهتهم من علو الشأن
~~ولم يكتف في بيان السبب بقوله سبحانه: { بأن الله هو الحق }
~~بل عطف عليه ما عطف مع أنه مما يعود إليه وتشعر تلك الجملة به إظهارا
~~لكمال العناية بالمطلوب وبما يفيده منطوق المعطوف من بطلان الشريك وكونه
~~تعالى هو العلي الكبير.

# وقيل: أي ذلك الاتصاف بما تضمنته الآيات من عجائب القدرة والحكمة بسبب
~~أن الله تعالى هو الإله الثابت إلهيته وأن من دونه سبحانه باطل الإلهية
~~وإن الله تعالى هو العلي الشأن الكبير السلطان ومدار أمر السببية على
~~كونه سبحانه هو الثابت الإلهية وبين ذلك الطيبي بأنه قد تقرر أن من كان
~~إلها كان قادرا خالقا عالما إلى غير ذلك من صفات الكمال ثم قال إن
~~قوله تعالى ذلك { بأن الله هو الحق } كالفذلكة لما تقدم من قوله تعالى:

# ألم تروا أن الله سخر لكم

# [لقمان: 20] إلى هذا المقام وقوله تعالى: { وأن الله هو
~~العلى الكبير } كالفذلكة لتلك الفواصل المذكورة هنالك كلها.
~~ولعل ما قدمنا أولى بالاعتبار.

# وقال العلامة أبو السعود في الاعتراض على ذلك: أنت خبير بأن حقيته تعالى
~~وعلوه وكبرياءه وإن كانت صالحة لمناطية ما ذكر من الصفات لكن بطلان إلهية
~~الأصنام لا دخل له في المناطية قطعا فلا مساغ لنظمه في سلك الأسباب بل
~~هو تعكيس للأمر ضرورة أن الصفات المذكورة هي المقتضية لبطلانها لا أن
~~بطلانها يقتضيها انتهى، وفيه تأمل والعجب منه أنه ذكر مثل ما اعترض عليه
~~في نظير هذه الآية في سورة الحج ولم يتعقبه بشيء.

# وجوز أن يكون المعنى: ذلك أي ما تلى من الآيات الكريمة بسبب بيان أن
~~الله هو الحق إلهيته فقط ولأجله لكونها ناطقة بحقية التوحيد ms08297 ولأجل بيان
~~بطلان إلهية ما يدعون من دونه لكونها شاهدة شهادة بينة لا ريب فيها ولأجل
~~بيان أنه تعالى هو المرتفع على كل شيء المتسلط عليه فإن ما في تضاعيف تلك
~~الآيات الكريمة مبين لاختصاص العلو والكبرياء به أي بيان وهو وجه لا تكلف
~~فيه سوى اعتبار حذف مضاف كما لا يخفى وكأنه إنما قيل هنا: وأن ما يدعون
~~من دونه الباطل بدون ضمير الفصل، وفي سورة الحج [62]

# وأن ما يدعون من دونه هو الباطل

# بتوسيط ضمير الفصل لما أن الحط على المشركين وآلهتهم في هذه السورة دون
~~الحط عليهم في تلك السورة. وقال النيسابوري في ذلك: إن آية الحج وقعت بين
~~عشر آيات كل آية مؤكدة مرة أو مرتين فناسب ذلك توسيط الضمير بخلاف ما هنا
~~ويمكن أن يقال تقدم في تلك السورة ذكر الشيطان مرات فلهذا ذكرت تلك
~~المؤكدات بخلاف هذه السورة فإنه لم يتقدم ذكر الشيطان فيها نحو ذكره
~~هناك، وقرأ نافع وابن كثير / وابن عامر وأبو بكر { تدعون } بتاء
~~الخطاب.

### || [31.31]

# { ألم تر أن الفلك تجرى فى البحر بنعمت
~~الله } استشهاد أخر على باهر قدرته جل وعلا وغاية حكمته عز وجل وشمول
~~إنعامه تبارك وتعالى، والمراد بنعمة الله تعالى إحسانه سبحانه في تهيئة
~~أسباب الجري من الريح وتسخيرها فالباء للتعدية كما في مررت بزيد أو سببية
~~متعلقة بتجري. وجوز أن يراد بنعمته تعالى ما أنعم جل شأنه به مما تحمله
~~الفلك من الطعام والمتاع ونحوه فالباء للملابسة والمصاحبة متعلقة بمحذوف
~~وقع حالا من ضمير (الفلك) أي تجري مصحوبة بنعمته تعالى.

# وقرأ موسى بن الزبير { الفلك } بضم اللام ومثله معروف في فعل مضموم
~~الفاء. حكي عن عيسى بن عمر أنه قال: ما سمع فعل بضم الفاء وسكون العين
~~إلا وقد سمع فيه فعل بضم العين. وفي «الكشاف» كل فعل يجوز فيه فعل كما
~~يجوز في كل فعل فعل، وجعل ضم العين للاتباع وإسكانها للتخفيف. وقرأ
~~الأعرج والأعمش وابن يعمر { بنعمات الله } بكسر النون وسكون العين
~~جمعا بالألف ms08298 والتاء وهو جمع نعمة بكسر فسكون، ويجوز كما قال غير واحد في
~~كل جمع مثله تسكين العين على الأصل وكسرها اتباعا للفاء وفتحها تخفيفا.
~~وقرأ ابن أبي عبلة { بنعمات الله } بفتح النون وكسر العين جمعا
~~لنعمة بفتح النون وهي اسم للتنعم، وقيل: بمعنى النعمة بالكسر.

# { ليريكم من ءايته } أي بعض دلائل ألوهيته تعالى ووحدته
~~سبحانه وقدرته جل شأنه وعلمه عز وجل، وقوله تعالى: { إن فى ذلك
~~لأيت لكل صبار شكور } تعليل لما قبله أي إن فيما ذكر
~~لآيات عظيمة في ذاتها كثيرة في عددها لكل مبالغ في الصبر على بلائه
~~سبحانه ومبالغ في الشكر على نعمائه جل شأنه. و { صبار شكور }
~~كناية عن المؤمن من باب حي مستوي القامة عريض الأظفار فإنه كناية عن
~~الإنسان لأن هاتين الصفتين عمدتا الإيمان لأنه وجميع ما يتوقف عليه إما
~~ترك للمألوف غالبا وهو بالصبر أو فعل لما يتقرب به وهو شكر لعمومه فعل
~~القلب والجوارح واللسان، ولذا ورد

# " الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر "

# ، وذكر الوصفين بعد الفلك فيه أتم مناسبة لأن الراكب فيه لا يخلو عن
~~الصبر والشكر، وقيل: المراد بالصبار كثير الصبر على التعب في كسب الأدلة
~~من الأنفس والآفاق وإلا فلا اختصاص للآيات بمن تعب مطلقا وكلا الوصفين
~~بنيا بناء مبالغة، وفعال على ما في «البحر» أبلغ من فعول لزيادة حروفه،
~~قيل: وإنما اختير زيادة المبالغة في الصبر إيماء إلى أن قليله لشدة
~~مرارته وزيادة ثقله على النفس كثير.

### || [31.32]

# { وإذا غشيهم موج } أي علاهم وغطاهم من الغشاء بمعنى الغطاء
~~من فوق وهو المناسب هنا، وقيل: أي أي أتاهم من الغشيان بمعنى الإتيان
~~وضمير { غشيهم } إن اتحد بضمير المخاطبين قبله ففي الكلام التفات من
~~الخطاب إلى الغيبة وإلا فلا التفات، والموج ما يعلو من غوارب الماء وهو
~~اسم جنس واحده موجة وتنكيره للتعظيم والتكثير، ولذا أفرد مع جمع المشبه
~~به في قوله تعالى: { كالظلل } وهو جمع ظلة كغرفة وغرف وقربة وقرب،
~~والمراد بها ما أظل من سحاب أو جبل أو ms08299 غيرهما. وقال الراغب: الظلة
~~السحابة تظل وأكثر ما يقال فيما يستوخم ويكره، وفسر قتادة الظلل هنا
~~بالسحاب، / وبعضهم بالجبال، وقرأ محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنه {
~~كالظلال } وهو جمع ظلة أيضا كعلبة وعلاب وجفرة وجفار، و(إذا) ظرف لقوله
~~تعالى: { دعوا } أي دعوا { الله مخلصين له الدين } إذا
~~غشيهم موج كالظلل وإنما فعلوا ذلك حينئذ لزوال ما ينازع الفطرة من الهوى
~~والتقليد بما دهاهم من الخوف الشديد.

# { فلما نجهم إلى البر فمنهم مقتصد } سالك
~~القصد أي الطريق المستقيم لا يعدل عنه لغيره، وأصله استقامة الطريق ثم
~~أطلق عليه مبالغة، والمراد بالطريق المستقيم التوحيد مجازا فكأنه قيل:
~~فمنهم مقيم على التوحيد، وقول الحسن: أي مؤمن يعرف حق الله تعالى في هذه
~~النعمة يرجع إلى هذا، وقيل: مقتصد من الاقتصاد بمعنى التوسط والاعتدال.
~~والمراد حينئذ على ما قيل متوسط في أقواله وأفعاله بين الخوف والرجاء موف
~~بما عاهد عليه الله تعالى في البحر، وتفسيره بموف بعهده مروي عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما ويدخل في هذا البعض على هذا المعنى عكرمة بن أبي
~~جهل فقد روى السدي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان فتح مكة أمر رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يكفوا عن قتل أهلها إلا أربعة نفر منهم
~~قال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة عكرمة بن أبي جهل وعبد
~~الله بن خطل وقيس بن ضبابة وعبد الله بن أبي سرح. فأما عكرمة فركب البحر
~~فأصابتهم ريح عاصفة فقال أهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم
~~شيئا ههنا فقال عكرمة: لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجني في
~~البر غيره. اللهم إن لك علي عهدا إن أنت عافيني مما أنا فيه أن آتي
~~محمدا صلى الله عليه وسلم حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوا كريما فجاء
~~وأسلم، وقيل: متوسط في الكفر لانزجاره بما شاهد بعض الانزجار. وقيل:
~~متوسط في الإخلاص الذي كان عليه في البحر فإن الإخلاص الحادث عند الخوف ms08300
~~قلما يبقى لأحد عند زوال الخوف.

# وأيا ما كان فالظاهر أن المقابل لقسم المقتصد محذوف دل عليه قوله
~~تعالى:

# { وما يجحد بئايتنا إلا كل ختار } والآية دليل
~~ابن مالك ومن وافقه على جواز دخول الفاء في جواب لما ومن لم يجوز قال:
~~الجواب محذوف أي فلما نجاهم إلى البر انقسموا قسمين فمنهم مقتصد ومنهم
~~جاحد، والختار من الختر وهو أشد الغدر ومنه قولهم: إنك لا تمد لنا شبرا
~~من غدر إلا مددنا لك باعا من غدر، وبنحو ذلك فسره ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما لابن الأزرق وأنشد قول الشاعر:

# لقد علمت واستيقنت ذات نفسها

# بأن لا تخاف الدهر صرمى ولاخترى

# ونحوه قول عمرو بن معدي كرب:

# وإنك لو رأيت أبا عمير

# ملأت يديك من غدر وختر

# وفي «مفردات الراغب» «الختر غدر يختر فيه الإنسان أي يضعف ويكسر
~~لاجتهاده فيه» أي وما يجحد بآياتنا ويكفر بها إلا كل غدار أشد الغدر لأن
~~كفره نقض للعهد الفطري، وقيل: لأنه نقض لما عاهد الله تعالى عليه في
~~البحر من الإخلاص له عز وجل { كفور } مبالغ في كفران نعم الله تعالى،
~~و { ختار } مقابل لصبار / لأن من غدر لم يصبر على العهد وكفور مقابل
~~لشكور.

### || [31.33]

# { يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا
~~يجزى والد عن ولده } أمر بالتقوى على سبيل الموعظة والتذكير
~~بيوم عظيم بعد ذكر دلائل الوحدانية، ويجزي من جزى بمعنى قضى ومنه قيل
~~للمتقاضي المتجازي أي لا يقضي والد عن ولده شيئا. وقرأ أبو السمال وعامر
~~بن عبد الله وأبو السوار { لا يجزيء } بضم الياء وكسر الزاي مهموزا
~~ومعناه لا يغني والد عن ولده ولا يفيده شيئا من أجزأت عنك مجزأ فلان أي
~~أغنيت. وقرأ عكرمة { لا يجزى } بضم الياء وفتح الزاي مبنيا
~~للمفعول، والجملة على القراءات صفة يوما والراجع إلى الموصوف محذوف أي
~~فيه فإما أن يحذف برمته وإما على التدريج بأن يحذف حرف الجر فيعدى الفعل
~~إلى الضمير ثم يحذف منصوبا.

# وقوله تعالى: { ولا مولود } إما عطف على ms08301 { والد } فهو فاعل {
~~يجزى } وقوله تعالى: { هو جاز عن والده شيئا } في موضع
~~الصفة له والمنفي عنه هو الجزاء في الآخرة والمثبت له الجزاء في الدنيا
~~أو معنى هو جاز أي من شأنه الجزاء لعظيم حق الوالد أو المراد بلا يجزي لا
~~يقبل منه ما هوجاز به، وأما مبتدأ والمسوغ للابتداء به مع أنه نكرة تقدم
~~النفي، وذهل المهدوي عن ذلك فمنع صحة كونه مبتدأ وجملة { هو جاز }
~~خبره و { شيئا } مفعول به أو منصوب على المصدرية لأنه صفة مصدر محذوف،
~~وعلى الوجهين قيل تنازعه يجزي وجاز واختيار ما لا يفيد التأكيد في الجملة
~~الأولى وما يفيده في الجملة الثانية لأن أكثر المسلمين وأجلتهم حين
~~الخطاب كان آباؤهم قد ماتوا على الكفر وعلى الدين الجاهلي فلما كان غناء
~~الكافر عن المسلم بعيدا لم يحتج نفيه إلى التأكيد، ولما كان غناء المسلم
~~عن الكافر مما يقع في الأوهام أكد نفيه قاله الزمخشري.

# وتعقبه ابن المنير بأنه يتوقف صحته على أن هذا الخطاب كان خاصا
~~بالموجودين حينئذ والصحيح أنه عام لهم ولكل من ينطلق عليه اسم الناس،
~~ورده في «الكشف» بأن المتقدمتين فاسدتان، أما الثانية فلما تقرر في أصول
~~الفقه أن { يأيها الناس } يتناول الموجودين، وأما لغيرهم
~~فبالإعلام أو بطريقه والمالكية موافقة، وأما الأولى فعلى تقدير التسليم
~~لا شك أن أجلة المؤمنين وأكابرهم إلى انقراض الدنيا هم النبي صلى الله
~~عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم ومعلوم أن أكثرهم قبض آباؤهم على
~~الكفر فمن أين التوقيف؟ اه.

# واختار ابن المنير في وجه ذلك «أن الله تعالى لما أكد الوصية بالآباء
~~وقرن وجوب شكرهم بوجوب شكره عز وجل وأوجب على الولد أن يكفي والده ما
~~يسوءه بحسب نهاية إمكانه قطع سبحانه ههنا وهم الوالد في أن يكون الولد
~~في القيامة مجزيه حقه عليه ويكفيه ما يلقاه من أهوال يوم القيامة كما
~~أوجب الله تعالى عليه في الدنيا ذلك في حقه فلما كان إجزاء الولد عن
~~الوالد مظنون الوقوع لأنه سبحانه حض عليه ms08302 في الدنيا كان جديرا بتأكيد
~~النفي لإزالة هذا الوهم ولا كذلك العكس» وقريب منه ما قاله الإمام: إن
~~الولد من شأنه أن يكون جازيا عن والده لما عليه من الحقوق والولد يجزي
~~لما فيه من النفقة وليس ذلك بواجب عليه فلذا قال سبحانه في الوالد: {
~~لا يجزى } وفي الولد { ولا مولود هو جاز عن والده }
~~ألا ترى أنه يقال لمن يحيك وليست الحياكة صنعته هو يحيك ولمن يحيك وهي
~~صنعته هو حائك، وقيل إن التأكيد في الجملة الثانية الدلالة على أن
~~المولود أولى بأن لا يجزى لأنه دون الوالد في الحنو والشفقة فلما كان
~~أولى بهذا الحكم استحق التأكيد / وفي القلب منه شيء.

# وقد يقال: إن العرب كانوا يدخرون الأولاد لنفعهم ودفع الأذى عنهم وكفاية
~~ما يهمهم ولعل أكثر الناس اليوم كذلك فأريد حسم توهم نفعهم ودفعهم الأذى
~~وكفاية المهم في حق آبائهم يوم القيامة فأكدت الجملة المفيدة لنفي ذلك
~~عنهم وعد من جملة المؤكدات التعبير بالمولود لأنه من ولد بغير واسطة
~~بخلاف الولد فإنه عام يشمل ولد الولد فإذا أفادت الجملة أن الولد الأدنى
~~لا يجزي عن والده علم أن من عداه من ولد الولد لا يجزي عن جده من باب
~~أولى.

# واعترض بأن هذه التفرقة بين الولد والمولود لم يثبتها أهل اللغة، ورد
~~بأن الزمخشري والمطرزي ذكرا ذلك وكفى بهما حجة، ثم إن في عموم الولد لولد
~~الولد أيضا مقالا فقد ذهب جمع أنه خاص بالولد الصلبي حقيقة. وقال صاحب
~~«المغرب» يقال للصغير مولود وإن كان الكبير مولودا أيضا لقرب عهده من
~~الولادة كما يقال لبن حليب ورطب جني للطري منهما، ووجه أمر التأكيد عليه
~~بأنه إذا كان الصغير لا يجزي حينئذ مع عدم اشتغاله بنفسه لعدم تكليفه في
~~الدنيا فالكبير المشغول بنفسه من باب أولى وهو كما ترى، وخصص بعضهم
~~العموم بغير صبيان المسلمين لثبوت الأحاديث بشفاعتهم لوالديهم. وتعقب بأن
~~الشفاعة ليست بقضاء ولو سلم فلتوقفها على القبول يكون القضاء منه عز وجل
~~حقيقة فتدبر.

# { إن وعد ms08303 الله } قيل بالثواب والعقاب على تغليب الوعد على
~~الوعيد أو هو بمعناه اللغوي { حق } ثابت متحقق لا يخلف وعدم إخلاف
~~الوعد بالثواب مما لا كلام فيه وأما عدم إخلاف الوعد بالعقاب ففيه كلام
~~والحق أنه لا يخلف أيضا، وعدم تعذيب من يغفر له من العصاة المتوعدين
~~فليس من إخلاف الوعيد في شيء لما أن الوعيد في حقهم كان معلقا بشرط لم
~~يذكر ترهيبا وتخويفا، والجملة على هذا تعليل لنفي الجزاء، وقيل: المراد
~~إن وعد الله بذلك اليوم حق، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا كأنه لما
~~قيل: يا أيها الناس اتقوا يوما الخ سأل سائل أن يكون ذلك اليوم؟ فقيل:
~~إن وعد الله حق أي نعم يكون لا محالة لمكان الوعد به فهو جواب على أبلغ
~~وجه، وإليه يشير كلام الإمام.

# { فلا تغرنكم الحيوة الدنيا } بأن تلهيكم بلذاتها عن
~~الطاعات { ولا يغرنكم بالله الغرور } أي الشيطان كما
~~روي عن ابن عباس وعكرمة وقتادة ومجاهد والضحاك بأن يحملكم على المعاصي
~~بتزيينها لكم ويرجيكم التوبة والمغفرة منه تعالى أو يذكر لكم أنها لا تضر
~~من سبق في علم الله تعالى موته على الإيمان وأن تركها لا ينفع من سبق في
~~العلم موته على الكفر، وعن أبي عبيدة كل شيء غرك حتى تعصي الله تعالى
~~وتترك ما أمرك سبحانه به فهو غرور شيطانا أو غيره، وإلى ذلك ذهب الراغب
~~قال: الغرور كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان. وقد فسر
~~بالشيطان إذ هو أخبث الغارين وبالدنيا لما قيل: الدنيا تغر وتضر وتمر،
~~وأصل الغرور من غر فلانا إذا أصاب غرته أي غفلته ونال منه ما يريد
~~والمراد به الخداع، والظاهر أن { بالله } صلة { يغرنكم } أي
~~لا يخدعنكم بذكر شيء من شؤونه تعالى يجسركم على معاصيه سبحانه. وجوز أن
~~يكون قسما وفيه بعد.

# وقرأ ابن أبي إسحاق وابن أبي عبلة ويعقوب { تغرنكم } بالنون
~~الخفيفة. / وقرأ سمال بن حرب وأبو حيوة { الغرور } بضم الغين وهو
~~مصدر والكلام من باب جد جده، ويمكن تفسيره بالشيطان بجعله ms08304 نفس الغرور
~~مبالغة.

### || [31.34]

# { إن الله عنده علم الساعة } الخ، أخرج ابن المنذر عن
~~عكرمة أن رجلا يقال له الوارث بن عمرو جاء إلى النبي صلى الله عليه
~~وسلم فقال: يا محمد متى قيام الساعة؟ وقد أجدبت بلادنا فمتى تخصب؟ وقد
~~تركت امرأتي حبلى فما تلد؟ وقد علمت ما كسبت اليوم فماذا أكسب غدا؟ وقد
~~علمت بأي أرض ولدت فبأي أرض أموت؟ فنلزت هذه الآية، وذكر نحوه محي السنة
~~البغوي والواحدي والثعلبي فهو نظرا إلى سبب النزول جواب لسؤال محقق
~~ونظرا إلى ما قبلها من الآي جواب لسؤال مقدر كأن قائلا يقول: متى هذا
~~اليوم الذي ذكر من شأنه ما ذكر؟ فقيل: إن الله، ولم يقل إن علم الساعة
~~عند الله مع أنه أخصر لأن اسم الله سبحانه أحق بالتقديم ولأن تقديمه
~~وبناء الخبر عليه يفيد الحصر كما قرره الطيبي مع ما فيه من مزية تكرر
~~الإسناد، وتقديم الظرف يفيد الاختصاص أيضا بل لفظ عند كذلك لأنها تفيد
~~حفظه بحيث لا يوصل إليه فيفيد الكلام من أوجه اختصاص علم وقت القيامة
~~بالله عز وجل.

# وقوله تعالى: { وينزل الغيث } أي في إبانه من غير تقديم ولا
~~تأخير في بلد لا يتجاوزه به وبمقدار تقتضيه الحكمة، الظاهر أنه عطف على
~~الجملة الظرفية المبنية على الاسم الجليل على عكس قوله تعالى:

# نسقيكم مما فى بطونها ولكم فيها منفع

# [المؤمنون: 21] فيكون خبرا مبنيا على الاسم الجليل مثل المعطوف عليه
~~فيفيد الكلام الاختصاص أيضا والمقصود تقييدات التنزيل الراجعة إلى العلم
~~لا محض القدرة على التنزيل إذ لا شبهة فيه فيرجع الاختصاص إلى العلم
~~بزمانه ومكانه ومقداره كما يشير إلى ذلك كلام «الكشف»، وقال العلامة
~~الطيبي في «شرح الكشاف»: دلالة هذه الجملة على علم الغيب من حيث دلالة
~~المقدور المحكم المتقن على العلم الشامل.

# وقوله تعالى: { ويعلم ما فى الأرحام } أي أذكر أم أنثى أتام
~~أم ناقص وكذلك ما سوى ذلك من الأحوال عطف على الجملة الظرفية أيضا نظير
~~ما قبله، وخولف بين { عنده علم الساعة ms08305 } وبين هذا ليدل في
~~الأول على مزيد الاختصاص اعتناء بأمر الساعة ودلالة على شدة خفائها، وفي
~~هذا على استمرار تجدد التعلقات بحسب تجدد المتعلقات مع الاختصاص، ولم
~~يراع هذا الأسلوب فيما قبله بأن يقال: ويعلم الغيث مثلا إشارة بإسناد
~~التنزيل إلى الاسم الجليل صريحا عظم شأنه لما فيه من كثرة المنافع
~~لأجناس الخلائق وشيوع الاستدلال بما يترتب عليه من إحياء الأرض على صحة
~~البعث المشار إليه بالساعة في الكتاب العظيم قال تعالى:

# وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله
~~لمبلسين * فانظر إلى ءاثر رحمة الله كيف
~~يحى الأرض بعد موتها إن ذلك لمحى الموتى

# [الروم: 49-50] وقال سبحانه:

# ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون

# [الروم: 19] إلى غير ذلك، وربما يقال: إن لتنزيل الغيب وإن لم يكن الغيث
~~المعهود دخلا في المبعث بناء على ما ورد من حديث مطر السماء بعد النفخة
~~الأولى مطرا كمني الرجال، وقيل: الاختصاص راجع إلى التنزيل وما ترجع
~~إليه تقييداته التي يقتضيها المقام من العلم، وفي ذلك رد على القائلين
~~مطرنا بنوء كذا وللاعتناء برد ذلك لما فيه من الشرك في الربوبية عدل عن
~~يعلم إلى { ينزل } وهو كما ترى.

# وقوله تعالى: { وما تدرى نفس } أي كل نفس برة كانت أو فاجرة كما
~~يدل عليه وقوع النكرة في سياق النفي { ماذا تكسب غدا } أي في
~~الزمان المستقبل من خير أو شر، وقوله / سبحانه: { وما تدرى نفس
~~بأى أرض تموت } عطف على ما استظهره صاحب «الكشف» على قوله
~~تعالى: { إن الله عنده علم الساعة } وأشار إلى أنه لما
~~كان الكلام مسوقا للاختصاص لا لإفادة أصل العلم له تعالى فإنه غير منكر
~~لزم من النفي على سبيل الاستغراق اختصاصه به عز وجل على سبيل الكناية على
~~الوجه الأبلغ، وفي العدول عن لفظ العلم إلى لفظ الدراية لما فيها من معنى
~~الختل والحيلة لأن أصل دري رمي الدرية وهي الحلقة التي يقصد رميها الرماة
~~وما يتعلم عليه الطعن والناقة التي يسيبها الصائد ليأنس بها الصيد فيستتر
~~من ms08306 ورائها فيرميه وفي كل حيلة، ولكونها علما بضرب من الختل والحيلة لا
~~تنسب إليه عز وجل إلا إذا أولت بمطلق العلم كما في خبر " خمس لا يدريهن
~~إلا الله تعالى " وقيل: قد يقال الممنوع نسبتها إليه سبحانه بانفراده
~~تعالى أما مع غيره تبارك اسمه تغليبا فلا، ويفهم من كلام بعضهم صحة
~~النسبة إليه جل وعلا على سبيل المشاكلة كما في قوله:

# لا هم لا أدري وأنت الداري

# فلا حاجة إلى ما قيل: إنه كلام أعرابي جلف لا يعرف ما يجوز إطلاقه على
~~الله تعالى وما يمتنع فيكون المعنى لا تعرف كل نفس وإن أعملت حيلها ما
~~يلصق بها ويختص ولا يتخطاها ولا شيء أخص بالإنسان من كسبه وعاقبته فإذا
~~لم يكن له طريق إلى معرفتهما كان من معرفة ما عداهما أبعد وأبعد، وقد
~~روعي في هذا الأسلوب الإدماج المذكور ولذا لم يقل: ويعلم ماذا تكسب كل
~~نفس ويعلم أن كل نفس بأي أرض تموت. وجوز أن يكون أصل { وينزل
~~الغيث } وأن ينزل الغيث فحذف إن وارتفع الفعل كما في قوله:

# أيهذا الزاجري أحضر الوغى

# وكذا قوله سبحانه: { ويعلم ما فى الأرحام } والعطف على {
~~علم الساعة } فكأنه قيل: إن الله عنده علم الساعة وتنزيل الغيث
~~وعلم ما في الأرحام، ودلالة ذلك على اختصاص علم تنزيل الغيث به سبحانه
~~ظاهر لظهور أن المراد بعنده تنزيل الغيث عنده علم تنزيله، وإذا عطف {
~~ينزل } على { الساعة } كان الاختصاص أظهر لانسحاب علم المضاف إلى
~~الساعة إلى الانزال حينئذ فكأنه قيل: إن الله عنده علم الساعة وعلم تنزيل
~~الغيث، وهذا العطف لا يكاد يتسنى في { ويعلم } إذ يكون التقدير
~~وعنده علم علم ما في الأرحام وليس ذاك بمراد أصلا.

# وجعل الطيبي { وما تدرى نفس } الخ معطوفا على خبر { إن } من
~~حيث المعنى بأن يجعل المنفي مثبتا بأن يقال: ويعلم ماذا تكسب كل نفس
~~غدا ويعلم أن كل نفس بأي أرض تموت وقال: إن مثل ذلك جائز في الكلام إذا
~~روعي نكتة كما في قوله تعالى:

# أتل ms08307 ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به
~~شيئا وبالولدين إحسنا

# [الأنعام: 151] فإن العطف فيه باعتبار رجوع التحريم إلى ضد الإحسان وهي
~~الإساءة، وذكر في بيان نكتة العدول عن المثبت إلى المنفي نحو ما ذكرنا
~~آنفا. وتعقب ذلك صاحب «الكشف» بأن عنه مندوحة أي بما ذكر من عطفه على
~~جملة { إن الله عنده علم الساعة }.

# وقال الإمام: في وجه نظم الجمل الحق أنه تعالى لما قال:

# واخشوا يوما

# [لقمان: 33] الخ وذكر سبحانه أنه كائن بقوله عز وجل قائلا: { إن
~~وعد الله حق } [لقمان: 33] فكأن قائلا يقول: فمتى هذا اليوم؟
~~فأجيب بأن هذا العلم مما لم يحصل لغيره تعالى وذلك قوله سبحانه: { إن
~~الله عنده علم الساعة } ثم ذكر جل وعلا الدليلين اللذين
~~ذكرا مرارا على البعث: أحدهما إحياء الأرض بعد موتها المشار إليه بقوله
~~تعالى: { وينزل الغيث } والثاني الخلق ابتداء المشار إليه بقوله
~~سبحانه: { ويعلم ما فى الأرحام } فكأنه قال عز وجل: يا أيها
~~السائل إنك لا تعلم وقتها ولكنها كائنة والله تعالى قادر عليها كما هو
~~سبحانه قادر على إحياء الأرض وعلى / الخلق في الأرحام ثم بعد جل شأنه له
~~أن يعلم ذلك بقوله عز وجل { وما تدري } الخ فكأنه قال تعالى: يا أيها
~~السائل إنك تسأل عن الساعة أيان مرساها وإن من الأشياء ما هو أهم منها لا
~~تعلمه فإنك لا تعلم معاشك ومعادك فما تعلم ماذا تكسب غدا مع أنه فعلك
~~وزمانك ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك فكيف تعلم قيام الساعة متى
~~يكون والله تعالى ما علمك كسب غدك ولا علمك أين تموت مع أن لك في ذلك
~~فوائد شتى وإنما لم يعلمك لكي تكون في كل وقت بسبب الرزق راجعا إلى الله
~~تعالى متوكلا عليه سبحانه ولكيلا تأمن الموت إذا كنت في غير الأرض التي
~~أعلمك سبحانه أنك تموت فيها فإذا لم يعلمك ما تحتاج إليه كيف يعلمك ما لا
~~حاجة لك إليه وهو وقت القيامة وإنما الحاجة إلى العلم بأنها تكون وقد ms08308
~~أعلمك جل وعلا بذلك على ألسنة أنبيائه تعالى عليهم الصلاة والسلام انتهى،
~~ولا يخفى أن الظاهر على ما ذكره أن يقال: ويخلق ما في الأرحام كما قال
~~سبحانه: { وينزل الغيث } ووجه العدول عن ذلك إلى ما في النظم
~~الجليل غير ظاهر على أن كلامه بعد لا يخلو عن شيء.

# وكون المراد اختصاص علم هذه الخمس به عز وجل الذي تدل عليه الأحاديث
~~والآثار، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة من حديث طويل:

# " أنه صلى الله عليه وسلم سئل متى الساعة؟ فقال للسائل: ما المسؤول عنها
~~بأعلم من السائل وسأخبرك عن أشراطها إذا ولدت الأمة ربها وإذا تطاول رعاة
~~الإبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى ثم تلا النبي
~~صلى الله عليه وسلم { إن الله عنده علم الساعة
~~وينزل الغيث } الآية "

# أي إلى آخر السورة كما في بعض الروايات، وما وقع عند البخاري في التفسير
~~من قوله: إلى { الأرحام } تقصير من بعض الرواة، وأخرجا أيضا هما وغيرهما
~~عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " مفتاح  وفي رواية مفاتح  الغيب خمس لا يعلمها إلا الله تعالى لا
~~يعلم أحد ما يكون في غد ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام ولا تعلم نفس
~~ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت وما يدري أحد متى يجيء المطر "

# وأخرج أحمد والبزار وابن مردويه والروياني والضياء بسند صحيح عن بريدة
~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " خمس لا يعلمهن إلا الله إن الله عنده علم الساعة الآية "

# وظاهر هذه الأخبار يقتضي أن ما عدا هذه الخمس من المغيبات قد يعلمه غيره
~~عز وجل وإليه ذهب من ذهب. أخرج حميد بن زنجويه عن بعض الصحابة رضي الله
~~تعالى عنهم أنه ذكر العلم بوقت الكسوف قبل الظهور فأنكر عليه فقال: إنما
~~الغيب خمس وتلا هذه الآية وما عدا ذلك غيب يعلمه قوم ويجهله قوم، وفي بعض
~~الأخبار ما يدل على أن علم هذه ms08309 الخمس لم يؤت للنبي صلى الله عليه وسلم
~~ويلزمه أنه لم يؤت لغيره عليه الصلاة والسلام من باب أولى. أخرج أحمد
~~والطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس { إن الله عنده علم
~~الساعة } الآية "

# ، وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود
~~قال: أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيء غير الخمس { إن
~~الله عنده علم الساعة } الآية.

# وأخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: لم يغم على نبيكم صلى
~~الله عليه وسلم إلا الخمس من سرائر الغيب هذه الآية في آخر لقمان { إن
~~الله عنده علم الساعة } إلى آخر السورة، وأخرج سعيد بن
~~منصور وأحمد والبخاري في «الأدب» عن ربعي بن حراش قال: حدثني رجل من بني
~~عامر أنه قال: يا رسول الله هل بقي من العلم شيء لا تعلمه؟ فقال عليه
~~الصلاة والسلام: لقد علمني الله تعالى خيرا وإن من العلم ما لا يعلمه
~~إلا الله تعالى الخمس { إن الله عنده علم الساعة }
~~الآية.

# وصرح بعضهم باستئثار الله تعالى بهن، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن
~~قتادة أن قال في الآية: خمس من الغيب استأثر الله تعالى بهن فلم يطلع
~~عليهن ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا إن الله عنده علم الساعة / ولا يدري
~~أحد من الناس متى تقوم الساعة في أي سنة ولا في أي شهر أليلا أم نهارا
~~وينزل الغيث فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث أليلا أم نهارا ويعلم ما في
~~الأرحام فلا يعلم أحد ما في الأرحام أذكرا أم أنثى أحمر أو أسود ولا
~~تدري نفس ماذا تكسب غدا أخيرا أم شرا وما تدري بأي أرض تموت ليس أحد
~~من الناس يدري أين مضجعه من الأرض أفي بحر أم في بر في سهل أم في جبل.

# والذي ينبغي أن يعلم أن كل غيب لا يعلمه إلا الله عز وجل وليس ms08310 المغيبات
~~محصورة بهذه الخمس وإنما خصت بالذكر لوقوع السؤال عنها أو لأنها كثيرا
~~ما تشتاق النفوس إلى العلم بها، وقال القسطلاني: ذكر صلى الله عليه وسلم
~~خمسا وإن كان الغيب لا يتناهى لأن العدد لا ينفي زائدا عليه ولأن هذه
~~الخمسة هي التي كانوا يدعون علمها انتهى، وفي التعليل الأخير نظر لا يخفى
~~وأنه يجوز أن يطلع الله تعالى بعض أصفيائه على إحدى هذه الخمس ويرزقه عز
~~وجل العلم بذلك في الجملة وعلمها الخاص به جل وعلا ما كان على وجه
~~الإحاطة والشمول لأحوال كل منها وتفصيله على الوجه الأتم، وفي «شرح
~~المناوي الكبير للجامع الصغير» في الكلام على حديث بريدة السابق «خمس لا
~~يعلمهن إلا الله» على وجه الاحاطة والشمول كليا وجزئيا فلا ينافيه
~~إطلاع الله تعالى بعض خواصه على بعض المغيبات حتى من هذه الخمس لأنها
~~جزئيات معدودة، وإنكار المعتزلة لذلك مكابرة انتهى، ويعلم مما ذكرنا وجه
~~الجمع بين الأخبار الدالة على استئثار الله تعالى بعلم ذلك وبين ما يدل
~~على خلافه كبعض إخباراته عليه الصلاة والسلام بالمغيبات التي هي من هذا
~~القبيل يعلم ذلك من راجع نحو «الشفاء» و«المواهب اللدنية» مما ذكر فيه
~~معجزاته صلى الله عليه وسلم وأخباره عليه الصلاة والسلام بالمغيبات، وذكر
~~القسطلاني أنه عز وجل إذا أمر بالغيث وسوقه إلى ما شاء من الأماكن علمته
~~الملائكة الموكلون به ومن شاء سبحانه من خلقه عز وجل، وكذا إذا أراد
~~تبارك وتعالى خلق شخص في رحم يعلم سبحانه الملك الموكل بالرحم بما يريد
~~جل وعلا كما يدل عليه ما أخرجه البخاري عن أنس بن مالك عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال:

# " إن الله تعالى وكل بالرحم ملكا يقول: يا رب نطفة يا رب علقة يا رب
~~مضغة فإذا أراد الله تعالى أن يقضي خلقه قال: أذكر أم أنثى شقي أم سعيد
~~فما الرزق والأجل؟ فيكتب في بطن أمه فحينئذ يعلم بذلك الملك ومن شاء الله
~~تعالى من خلقه عز وجل "

# وهذا لا ينافي الاختصاص والاستئثار ms08311 بعلم المذكورات بناء على ما سمعت منا
~~من أن المراد بالعلم الذي استأثر سبحانه به العلم الكامل بأحوال كل على
~~التفصيل فما يعلم به الملك ويطلع عليه بعض الخواص يجوز أن يكون دون ذلك
~~العلم بل هو كذلك في الواقع بلا شبهة، وقد يقال فيما يحصل للأولياء من
~~العلم بشيء مما ذكر إنه ليس بعلم يقيني قال: على القاري في «شرح الشفا»:
~~الأولياء وإن كان قد ينكشف لهم بعض الأشياء لكن علمهم لا يكون يقينيا
~~وإلهامهم لا يفيد إلا أمرا ظنيا ومثل هذا عندي بل هو دونه بمراحل علم
~~النجومي ونحوه بواسطة أمارات عنده بنزول الغيث وذكورة الحمل أو أنوثته أو
~~نحو ذلك ولا أرى كفر من يدعي مثل هذا العلم فإنه ظن عن أمر عادي، وقد نقل
~~العسقلاني في «فتح الباري» عن القرطبي أنه قال: «من ادعى علم شيء من
~~الخمس غير مسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كاذبا في دعواه
~~وأما ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان عن أمر عادي وليس ذلك
~~بعلم»، وعليه فقول القسطلاني من ادعى علم شيء منها فقد كفر بالقرآن
~~العظيم ينبغي أن يحمل العلم فيه على نحو العلم الذي استأثر الله تعالى به
~~دون مطلق العلم الشامل للظن وما يشبهه.

# وبعد هذا كله إن أمر الساعة أخفى الأمور المذكورة وإن ما أطلع الله
~~تعالى عليه نبيه صلى الله عليه وسلم من وقت قيامها في غاية الإجمال وإن
~~كان أتم من علم غيره من البشر صلى الله عليه وسلم. وقوله عليه الصلاة
~~والسلام:

# " بعثت أنا والساعة كهاتين "

# لا يدل على أكثر من العلم الإجمالي بوقتها ولا أظن أن خواص / الملائكة
~~عليهم السلام أعلم منه صلى الله عليه وسلم بذلك، ويؤيد ظني ما رواه
~~الحميدي في «نوادره» بالسند عن الشعبي قال: سأل عيسى ابن مريم جبريل
~~عليهما السلام عن الساعة فانتفض بأجنحته، وقال: ما المسؤول بأعلم من
~~السائل، والمراد التساوي في العلم بأن الله تعالى استأثر بعلمها على
~~الوجه ms08312 الأكمل ويرشد إلى العلم الإجمالي بها ذكر أشراطها كما لا يخفى،
~~ويجوز أن يكون الله تعالى قد أطلع حبيبه عليه الصلاة والسلام على وقت
~~قيامها على وجه كامل لكن لا على وجه يحاكي علمه تعالى به إلا أنه سبحانه
~~أوجب عليه صلى الله عليه وسلم كتمه لحكمة ويكون ذلك من خواصه عليه الصلاة
~~والسلام، وليس عندي ما يفيد الجزم بذلك.

# هذا وخص سبحانه المكان في قوله تعالى: { وما تدرى نفس بأى
~~أرض تموت } ليعرف الزمان من باب أولى فإن الأول في وسع النفس في
~~الجملة بخلاف الثاني، وأخرج أحمد وجماعة عن أبي غرة الهذلي قال: قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إذا أراد الله تعالى قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة فلم ينته حتى
~~يقدمها ثم قرأ عليه الصلاة والسلام { وما تدرى نفس بأى أرض
~~تموت } "

# وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» عن خيثمة أن ملك الموت مر على سليمان
~~عليه السلام فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه فقال الرجل: من
~~هذا؟ قال: ملك الموت فقال: كأنه يريدني فمر الريح أن تحملني وتلقيني
~~بالهند ففعل فقال الملك: كان دوام نظري إليه تعجبا منه إذ أمرت أن أقبض
~~روحه بالهند وهو عندك.

# و { تدرى } في الموضعين معلقة فالجملة من قوله تعالى: { ماذا
~~تكسب } في موضع المفعول، ويجوز أن تكون { ماذا } كلها موصولا
~~منصوب المحل بتدري كأنه قيل: وما تدري نفس الشيء الذي تكسبه غدا و {
~~بأى } متعلق بتموت والباء ظرفية، والجملة في موضع نصب بتدري.

# وقرأ غير واحد من السبعة { ينزل } من الإنزال، وقرأ موسى الإسواري.
~~وابن أبي عبلة { بأية أرض } بتاء التأنيث لإضافتها إلى المؤنث
~~وهي لغة قليلة فيها كما أن كلا إذا أضيفت إلى مؤنث قد تؤنث نادرا
~~فيقال: كلتهن فعلن ذلك فليعلم والله عز وجل أعلم.

# { إن الله عليم } مبالغ في العلم فلا يعزب عن علمه سبحانه شيء
~~من الأشياء { خبير } يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها فالجمع بين
~~الوصفين للإشارة إلى التسوية بين ms08313 علم الظاهر والباطن عنده عز وجل والجملة
~~على ما قيل في موضع التعليل لعلمه سبحانه بما ذكر، وقيل: جواب سؤال نشأ
~~من نفي دراية الأنفس ماذا تكسب غدا وبأي أرض تموت كأنه قيل: فمن يعلم
~~ذلك فقيل: إن الله عليم خبير وهو جواب بأن الله تعالى يعلم ذلك وزيادة،
~~ولا يخفى أنه إذا كانت هذه الجملة من تتمة الجملتين اللتين قبلها كانت
~~دلالة الكلام على انحصار العلم بالأمرين اللذين نفي العلم بهما عن كل نفس
~~ظاهرة جدا فتأمل ذاك والله عز وجل يتولى هداك.

# ومن باب الإشارة في السورة الكريمة:

# الم

# [لقمان: 1] إشارة إلى آلائه تعالى ولطفه جل شأنه ومجده عز وجل {
~~الذين يقيمون الصلوة } بحضور القلب والإعراض عن السوى وهي
~~صلاة خواص الخواص، وأما صلاة الخواص فبنفي الخطرات الردية والإرادات
~~الدنيوية ولا يضر فيها طلب الجنة ونحوه، وأما صلاة العوام فما يفعله أكثر
~~الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

# ويؤتون الزكوة

# [لقمان: 4] ببذل الوجود للملك المعبود لنيل المقصود وهي زكاة الأخص،
~~وزكاة الخاصة ببذل المال كله لتصفية قلوبهم عن صدإ محبة الدنيا، وزكاة
~~العامة ببذل القدر المعروف من المال المعلوم على الوجه المشروع المشهور
~~لتزكية نفوسهم عن نجاسة البخل

# ومن الناس من يشترى لهو الحديث

# [لقمان: 6] هو ما يشغل عن الله تعالى ذكره ويحجب عنه عز وجل استماعه،
~~وأما الغناء فهو عند كثير منهم أقسام منها ما هو من لهو الحديث، ونقل
~~بعضهم عن الجنيد قدس سره أنه قال: السماع على أهل النفوس حرام لبقاء
~~نفوسهم وعلى أهل القلوب مباح لوفور علومهم وصفاء قلوبهم وعلى أصحابنا
~~واجب لفناء حظوظهم، وعن أبي بكر الكناني سماع العوام على متابعة الطبع
~~وسماع المريدين رغبة ورهبة وسماع الأولياء رؤية الآلاء والنعم وسماع
~~العارفين على المشاهدة وسماع أهل الحقيقة على الكشف والعيان ولكل من
~~هؤلاء مصدر ومقام، وذكروا أن من القوم من يسمع في الله ولله وبالله ومن
~~الله جل وعلا ولا يسمع بالسمع الإنساني بل يسمع بالسمع الرباني كما في ms08314
~~الحديث القدسي

# " كنت سمعه الذي يسمع به "

# وقالوا: إنما حرم اللهو لكونه لهوا فمن لا يكون لهوا بالنسبة إليه لا
~~يحرم عليه إذ علة الحرمة في حقه منتفية والحكم يدور مع العلة وجودا
~~وعدما، ويلزمهم القول بحل شرب المسكر لمن لا يسكره لا سيما لمن يزيده
~~نشاطا للعبادة مع ذلك، ومن زنادقة القلندرية من يقول بحل الخمر والحشيشة
~~ونحوها من المسكرات المحرمة بلا خلاف زاعمين أن استعمال ذلك يفتح عليهم
~~أبواب الكشوف، وبعض الجهلة الذين لعب بهم الشيطان يطلبون منهم المدد في
~~ذلك الحال قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون

# ولقد ءاتينا لقمان الحكمة

# [لقمان: 12] قيل: هي إدراك خطاب الحق بوصف الإلهام، وذكروا أن الحكمة
~~موهبة الأولياء كما أن الوحي موهبة الأنبياء عليهم السلام فكل ليس بكسبي
~~إلا أن للكسب مدخلا ما في الحكمة، فقد ورد «من أخلص لله تعالى أربعين
~~صباحا تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه» والحكمة التي يزعم الفلاسفة أنها
~~حكمة ليست بحكمة إذ هي من نتائج الفكر ويؤتاها المؤمن والكافر وقلما تسلم
~~من شوائب آفات الوهم، ولهذا وقع الاختلاف العظيم بين أهلها وعدها بعض
~~الصوفية من لهو الحديث ولم يبعد في ذلك عن الصواب، وأشارت قصة لقمان إلى
~~التوحيد ومقام جمع الجمع وعين الجمع واتباع سبيل الكاملين والإعراض عن
~~السوى وتكميل الغير والصبر على الشدائد والتواضع للناس وحسن المماشاة
~~والمعاملة والسيرة وترك التماوت في المشي وترك رفع الصوت، وقيل الحمير في
~~قوله تعالى:

# إن أنكر الأصوت لصوت الحمير

# [لقمان: 19] هم الصوفية الذين يتكلمون بلسان المعرفة قبل أن يؤذن لهم،
~~وطبق بعضهم جميع ما في القصة على ما في الأنفس { وأسبغ عليكم
~~نعمه ظهرة وباطنة } قال الجنيد: النعم الظاهرة حسن
~~الأخلاق والنعم الباطنة أنواع المعارف، وقيل: على قراءة الافراد النعمة
~~الظاهرة اتباع ظاهر العلم والباطنة طلب الحقيقة في الاتباع، وقيل: النعمة
~~الظاهر نفس بلا زلة والباطنة قلب بلا غفلة.

# ومن الناس من يجدل فى الله بغير علم ولا هدى
~~ولا كتب منير

# [لقمان: 20] يشير إلى أهل الجدل من الفلاسفة ms08315 فإنهم يجادلون في ذات الله
~~تعالى وصفاته عز وجل كذلك عند التحقيق لأنهم لا يعتبرون كلام الرسل عليهم
~~الصلاة والسلام ولا الكتب المنزلة من السماء وأكثر علومهم مشوب بآفة
~~الوهم ومع هذا فشؤون الله جل وعلا طور ما وراء طور العقل:

# هيهات أن تصطاد عنقاء البقا

# بلعابهن عناكب الأفكار

# وأبعد من محدب الفلك التاسع حصول علم بالله عز وجل وبصفاته جل شأنه يعتد
~~به بدون نور إلهي يستضىء العقل به وعقولهم في ظلمات بعضها فوق بعض، وقد
~~سدت أبواب الوصول إلا على متبع للرسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعضهم
~~مخاطبا لحضرة صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام:

# وأنت باب الله أي امرىء

# أتاه من غيرك لا يدخل

# / { ذلك بأن الله هو الحق } إلى قوله سبحانه:

# وأن الله هو العلى الكبير

# [لقمان: 30] فيه إشارة إلى أنه سبحانه تمام وفوق التمام، والمراد بالأول
~~من حصل له كل ما جاز له وإليه الإشارة بقوله تعالى: { هو الحق }
~~والمراد بالثاني من حصل له ذلك وحصل لما عداه ما جاز له وإليه الإشارة
~~بقوله تعالى: { هو العلى الكبير } ووراء هذين الشيئين ناقص
~~وهو ما ليس له ما ينبغي كالصبي والمريض والأعمى ومكتف وهو من أعطى ما
~~تندفع به حاجته في وقته كالإنسان الذي له من الآلات ما تندفع به حاجته في
~~وقته لكنها في معرض التحلل والزوال { إن الله عنده علم
~~الساعة } [لقمان: 34] الآية ذكر غير واحد حكايات عن الأولياء متضمنة
~~لإطلاع الله تعالى إياهم على ما عدا علم الساعة من الخمس وقد علمت الكلام
~~في ذلك، وأغرب ما رأيت ما ذكره الشعراني عن بعضهم أنه كان يبيع المطر
~~فيمطر على أرض من يشتري منه متى شاء، ومن له عقل مستقيم لا يقبل مثل هذه
~~الحكاية، وكم للقصاص أمثالها من رواية نسأل الله تعالى أن يحفظنا وإياكم
~~من اعتقاد خرافات لا أصل لها وهو سبحانه ولي العصمة والتوفيق.

### | [32 - سورة السجدة]

### || [32.1]

# إن جعل اسما للسورة أو القرآن فمحله الرفع على أنه خبر مبتدأ ms08316 محذوف أي
~~هذا { الم } ، وقوله تعالى: { تنزيل الكتاب لا ريب فيه
~~}.

### || [32.2]

# { تنزيل الكتب } خبر بعد خبر على أنه مصدر باق على معناه لقصد
~~المبالغة أو بتقدير مضاف أو هو مؤل باسم المفعول أي منزل وإضافته إلى
~~الكتاب من إضافة الصفة إلى الموصوف أو بيانية بمعنى من، وقوله سبحانه: {
~~لا ريب فيه } خبر ثالث، وقوله تعالى: { من رب العلمين }
~~خبر رابع، وجوز أن يكون { الم } مبتدأ وما بعده إخبار له أي المسمى
~~بالم الكتاب المنزل لا ريب فيه كائن من رب العالمين، وتعقب بأن ما يجعل
~~عنوانا للموضوع حقه أن يكون قبل ذلك معلوم الانتساب إليه وإذ لا عهد
~~بالنسبة قبل فحقها الإخبار بها.

# وقال أبو البقاء: { الم } يجوز أن يكون مبتدأ و { تنزيل } بمعنى
~~منزل خبره و { لا ريب فيه } حال من { الكتب } والعامل فيها
~~المضاف وهي حال مؤكدة و { من رب } متعلق بتنزيل، ويجوز أن يكون
~~متعلقا بمحذوف هو حال من الضمير المجرور في { فيه } والعامل فيها
~~الظرف { لا ريب } لأنه هنا مبني وفيه ما سمعت، وهذا التعلق يجوز
~~أيضا على تقدير أن يكون { الم } خبر مبتدأ محذوف وما بعده إخبارا
~~لذلك المحذوف، وإن جعل { الم } مسرودا على نمط التعديد فلا محل له من
~~الإعراب، وفي إعراب ما بعد عدة أوجه، قال أبو البقاء: يجوز أن يكون {
~~تنزيل } مبتدأ و { لا ريب فيه } الخبر و { من رب } حال كما
~~تقدم، ولا يجوز على هذا أن يتعلق بتنزيل لأن المصدر قد أخبر عنه، ويجوز
~~أن يكون الخبر { من رب } و { لا ريب } حالا من { الكتب }
~~وأن يكون خبرا بعد خبر انتهى.

# ووجه منع التعلق بالمصدر بعدما أخبر عنه أنه عامل ضعيف فلا يتعدى عمله
~~لما بعد الخبر وعن التزام حديث التوسع في الظرف سعة هنا أو أن المتعلق من
~~تمامه والاسم لا يخبر عنه قبل تمامه، وجوز ابن عطية / تعلق { من رب
~~} بريب وفيه أنه بعيد عن المعنى المقصود، وجوز الحوفي كون { تنزيل }
~~خبر مبتدأ محذوف أي المؤلف من ms08317 جنس ما ذكر تنزيل الكتاب، وقال أبو حيان:
~~الذي اختاره أن يكون { تنزيل } مبتدأ و { لا ريب فيه } اعتراض
~~لا محل له من الإعراب و { من رب العلمين } الخبر وضمير {
~~فيه } راجع لمضمون الجملة أعني كونه منزلا من رب العالمين لا للتنزيل
~~ولا للكتاب كأنه قيل: لا ريب في ذلك أي في كونه منزلا من رب العالمين
~~وهذا ما اعتمد عليه الزمخشري وذكر أنه الوجه ويشهد لوجاهته قوله تعالى: {
~~أم يقولون افتراه }.

### || [32.3]

# { أم يقولون افتراه } فإن قولهم هذا مفترى إنكار لأن يكون من
~~رب العالمين أي فالأنسب أن يكون نفي الريب عما أنكروه وهو كونه من رب
~~العالمين جل شأنه، وقيل: أي فلا بد من أن يكون مورده حكما مقصودا
~~بالإفادة لا قيدا للحكم بنفي الريب عنه، وفيه بحث، وكذا قوله سبحانه: {
~~بل هو الحق من ربك } فإنه تقرير لما قبله فيكون مثله في
~~الشهادة ثم قال في نظم الكلام على ذلك: إنه أسلوب صحيح محكم أثبت سبحانه
~~أولا أن تنزيله من رب العالمين وأن ذلك مما لا ريب فيه أي لا مدخل للريب
~~في أنه تنزيل الله تعالى وهو أبعد شيء منه لأن نافي الريب ومميطه معه لا
~~ينفك أصلا عنه وهو كونه معجزا للبشر، ثم أضرب جل وعلا عن ذلك إلى قوله
~~تعالى: { أم يقولون افتراه } لأن { أم } هي المنقطعة الكائنة
~~بمعنى بل والهمزة إنكارا لقولهم وتعجيبا منه لظهور عجز بلغائهم عن مثل
~~أقصر سورة منه فهو إما قول متعنت مكابر أو جاهل عميت منه النواظر، ثم
~~أضرب سبحانه عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك.

# وفي «الكشف» أن الزمخشري بين وجاهة كون { تنزيل الكتب } مبتدأ
~~و { لا ريب فيه } اعتراضا و { من رب العلمين } خبرا
~~بحسن موقع الاعتراض إذ ذاك ثم حسن الإنكار على الزاعم أنه مفترى مع وجود
~~نافي الريب ومميطه ثم إثبات ما هو المقصود وعدم الالتفات إلى شغب هؤلاء
~~المكابرة بعد التلخيص البليغ بقوله تعالى: { بل هو الحق من
~~ربك } وما في ms08318 إيثار لفظ { الحق } وتعريفه تعريف الجنس من الحسن؛
~~ويقرب عندي من هذا الوجه جعل { تنزيل } مبتدأ وجملة { لا ريب
~~فيه } في موضع الحال من { الكتب } و { من رب } خبرا فتدبر
~~ولا تغفل، وزعم أبو عبيدة أن { أم } بمعنى بل الانتقالية وقال: إن هذا
~~خروج من حديث إلى حديث وليس بشيء. والظاهر أن { من ربك } في موضع
~~الحال أي كائنا من ربك، وقيل: يجوز جعله خبرا ثانيا وإضافة الرب إلى
~~العالمين أولا ثم إلى ضمير سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم ثانيا
~~بعدما فيه من حسن التخلص إلى إثبات النبوة وتعظيم شأنه علا شأنه فيه أنه
~~عليه الصلاة والسلام العبد الجامع الذي جمع فيه ما فرق في العالم بالأسر،
~~ووروده على أسلوب الترقي دل على أن جمعيته صلى الله عليه وسلم أتم مما
~~لكل العالم وحق له ذلك صلوات الله تعالى وسلامه عليه.

# { لتنذر قوما ما أتهم من نذير من قبلك } بيان
~~للمقصود من تنزيله فقيل هو متعلق بتنزيل، وقيل: بمحذوف أي أنزله لتنذر
~~الخ، وقيل: بما تعلق به { من ربك }  { وقوما } مفعول أول لتنذر
~~والمفعول الثاني محذوف أي العقاب و { ما } نافية كما هو الظاهر و { من
~~} الأولى صلة { ونذير } فاعل { ءاتهم } ويطلق على الرسول وهو
~~المشهور وعلى ما يعمه والعالم الذي ينذر عنه عز وجل قيل: وهو المراد هنا
~~كما في قوله تعالى:

# وإن من أمة إلا خلا فيها نذير

# [فاطر: 24]. وجوز أن يكون النذير ههنا مصدرا بمعنى الإنذار و { من
~~قبلك } أي من قبل إنذارك أو من قبل زمانك متعلق بأتى والجملة في موضع
~~الصفة لقوما، والمراد بهم قريش على ما ذهب إليه غير واحد، قال في
~~«الكشف»: الظاهر / أنه لم يبعث إليهم رسول منهم قبل رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم وكانوا ملزمين بشرائع الرسل من قبل وإن كانوا مقصرين في البحث
~~عنها لا سيما دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إن قلنا: إن دعوتي موسى
~~وعيسى عليهما السلام لم تعما وهو الأظهر، وقد تقدم لك القول بانقطاع ms08319 حكم
~~نبوة كل نبي ما عدا نبينا صلى الله عليه وسلم بعد موته فلا يكلف أحد
~~مطلقا يجىء بعده باتباعه والقول بالانقطاع إلا بالنسبة لمن كان من
~~ذريته.

# والظاهر أن قريشا كانوا ملزمين بملة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام
~~وإنهم لم يزالوا على ذلك إلى أن فشت في العرب عبادة الأصنام التي أحدثها
~~فيهم عمرو الخزاعي لعنه الله تعالى فلم يبق منهم على الملة الحنيفية إلا
~~قليل بل أقل من القليل فهم داخلون في عموم قوله تعالى:

# وإن من أمة إلا خلا فيها نذير

# [فاطر: 24] فإنه عام للرسول وللعالم الذي ينذر كذا قيل.

# واستشكل مع ما هنا، وأجيب بأن المراد هنا ما أتاهم نذير منهم من قبلك
~~وإليه يشير كلام «الكشف» وهناك { إلا خلا فيها نذير } منها أو
~~من غيرها أو يحمل النذير فيه على الرسول، وفي تلك الآية على الأعم قال
~~أبو حيان في تفسير سورة الملائكة: إن الدعاء إلى الله تعالى لم ينقطع عن
~~كل أمة إما بمباشرة من أنبيائهم وإما بنقل إلى وقت بعثة محمد صلى الله
~~عليه وسلم والآيات التي تدل على أن قريشا ما جاءهم نذير معناها لم
~~يباشرهم وآباءهم الأقربين وإما أن النذارة انقطعت فلا. نعم لما شرعت
~~آثارها تندرس بعث محمد صلى الله عليه وسلم. وما ذكره أهل علم الكلام من
~~حال أهل الفترات فإن ذلك على حسب الفرض لا أنه واقع فلا توجد أمة على وجه
~~الأرض إلا وقد علمت الدعوة إلى الله عز وجل وعبادته انتهى. وفي القلب منه
~~شيء، ومقتضاه أن المنفي ههنا إتيان نذير مباشر أي نبي من الأنبياء
~~عليهم السلام قريشا الذين كانوا في عصره عليه الصلاة والسلام قبله صلى
~~الله عليه وسلم وأنه كان فيهم من ينذرهم ويدعوهم إلى عبادة الله تعالى
~~وحده بالنقل أي عن نبي كان يدعو إلى ذلك، والأول: مما لا ينبغي أن يختلف
~~فيه اثنان بل لا ينبغي أن يتوقف فيه إنسان، والثاني: مظنون التحقق في زيد
~~بن عمرو بن نفيل العدوي والد سعيد ms08320 أحد العشرة فإنه عاصر النبي صلى الله
~~عليه وسلم واجتمع وآمن به قبل بعثته عليه الصلاة والسلام ولم يدركها إذ
~~قد مات وقريش تبني الكعبة وكان ذلك قبل البعثة بخمس سنين، وكان على ملة
~~إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فقد صح عن هشام بن عروة عن أبيه عن
~~أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسندا ظهره إلى
~~الكعبة يقول: يا معشر قريش والذي نفسي بيده ما أصبح أحد منكم على دين
~~إبراهيم غيري، وفي بعض طرق الخبر عنه أيضا بزيادة، وكان يقول: اللهم إني
~~لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به ولكني لا أعلم ثم يسجد على راحلته،
~~وذكر موسى بن عقبة في «المغازي» سمعت من أرضى يحدث أن زيد بن عمرو كان
~~يعيب على قريش ذبحهم لغير الله تعالى وصح أنه لم يأكل من ذبائح المشركين
~~التي أهل بها لغير الله، وأخرج الطيالسي في «مسنده» عن ابنه سعيد أنه
~~قال:

# " قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبي كان كما رأيت وكما بلغك
~~أفاستغفر له: قال، نعم فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده "

# ولا يبعد ممن كان هذا شأنه الإنذار والدعوة إلى عبادة الله تعالى بل من
~~أنصف يرى تضمن كلامه الذي حكته أسماء وإنكاره على قريش الذبح لغير الله
~~تعالى الذي ذكره الطيالسي الدعوة إلى دين إبراهيم عليه السلام وعبادة
~~الله سبحانه وحده، وكذا تضمن كلامه النقل أيضا.

# ويعلم مما نقلناه أن الرجل رضي الله تعالى عنه لم يكن نبيا وهو ظاهر،
~~وزعم بعضهم أنه كان نبيا، واستدل على ذلك بأنه كان يسند ظهره إلى الكعبة
~~ويقول: هلموا إلي فإنه لم يبق على دين الخليل غيري؛ وصحة ذلك ممنوعة،
~~وعلى فرض التسليم لا دليل فيه على المقصود كما لا يخفى على من له أدنى
~~ذوق، ومثل زيد رضي الله تعالى عنه قس بن ساعدة الايادي فإنه رضي الله
~~تعالى عنه كان مؤمنا بالله عز وجل داعيا إلى عبادته سبحانه وحده /
~~وعاصر النبي صلى ms08321 الله عليه وسلم ومات قبل البعثة على الملة الحنيفية
~~وكان من المعمرين، ذكر السجستاني أنه عاش ثلاثمائة وثمانين سنة، وقال
~~المرزباني: ذكر كثير من أهل العلم أنه عاش ستمائة سنة وذكروا في شأنه
~~أخبارا كثيرة لكن قال الحافظ ابن حجر في كتابه «الإصابة» قد أفرد بعض
~~الرواة طريق [حديث] قس وفيه شعره وخطبته وهو في «الطوالات» للطبراني
~~وغيرها وطرقه كلها ضعيفة وعد منها ما عد فليراجع، ثم إن الإشكال إنما
~~يتوهم لو أريد بقريش جميع أولاد قصي أو فهر أو النضر أو إلياس أو مضر أما
~~إذا أريد من كان منهم حين بعث صلى الله عليه وسلم فلا كما لا يخفى على
~~المتأمل فتأمل، وقيل: المراد بهم العرب قريش وغيرهم ولم يأت المعاصرين
~~منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نذير من الأنبياء عليهم السلام غيره
~~صلى الله عليه وسلم وكان فيهم من ينذر ويدعو إلى التوحيد وعبادة الله
~~تعالى وحده وليس بنبي على ما سمعت آنفا، وأما العرب غير المعاصرين فلم
~~يأتهم من عهد إسماعيل عليه السلام نبي منهم بل لم يرسل إليهم نبي
~~مطلقا، وموسى وعيسى وغيرهما من أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام
~~لم يبعثوا إليهم على الأظهر، وخالد بن سنان العبسي عند الأكثرين ليس
~~بنبي، وخبر ورود بنت له عجوز على النبي صلى الله عليه وسلم وقوله صلى
~~الله عليه وسلم لها: مرحبا بابنة نبي ضيعه قومه ونحوه من الأخبار مما
~~للحفاظ فيه مقال لا يصلح معه للاستدلال، وفي «شروح الشفاء» و«الإصابة»
~~للحافظ ابن حجر بعض الكلام في ذلك، وقيل: المراد بهم أهل الفترة من العرب
~~وغيرهم حتى أهل الكتاب، والمعنى ما أتاهم نذير من قبلك بعد الضلال الذي
~~حدث فيهم.

# هذا وكأني بك تحمل النذير هنا على الرسول الذي ينذر عن الله عز وجل وكذا
~~في قوله تعالى:

# وإن من أمة إلا خلا فيها نذير

# [فاطر: 24] ليوافق قوله تعالى:

# ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله

# [النحل: 36] وأظن أنك تجعل التنوين في (أمة) ms08322 للتعظيم أي وإن من أمة
~~جليلة معتنى بأمرها إلا خلا فيها نذير ولقد بعثنا في كل أمة جليلة معتنى
~~بأمرها رسولا أو تعتبر العرب أمة وبني إسرائيل أمة ونحو ذلك أمة دون أهل
~~عصر واحد وتحمل من لم يأتهم نذير على جماعة من أمة لم يأتهم بخصوصهم
~~نذير، ومما يستأنس به في ذلك أنه حين ينفي إتيان النذير ينفي عن قوم
~~ونحوه لا عن أمة فليتأمل، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في هذا
~~المقام.

# وجوز كون { ما } موصولة وقعت مفعولا ثانيا لتنذر و { من نذير }
~~عليه متعلق بأتاهم أي لتنذر قوما العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك أي
~~على لسان نذير من قبلك واختاره أبو حيان، وعليه لا مجال لتوهم الأشكال
~~لكن لا يخفي أنه خلاف المتبادر الذي عليه أكثر المفسرين، والاقتصار على
~~الإنذار في بيان الحكمة لأنه الذي يقتضيه قولهم: { افتراه } دون
~~التبشير.

# { لعلهم يهتدون } أي لأجل أن يهتدوا بإنذارك إياهم أو
~~راجيا لاهتدائهم، وجعل الترجي مستعارا للإرادة منسوبا إليه عز وجل
~~نزغة اعتزالية.

### || [32.4]

# { الله الذى خلق السموات والأرض وما بينهما
~~فى ستة أيام ثم استوى على العرش } مر بيانه فيما
~~سلف على مذهبي السلف والخلف { ما لكم من دونه من ولى ولا
~~شفيع } أي ما لكم مجاوزين الله عز وجل أي رضاه سبحانه وطاعته تعالى
~~ولي ولا شفيع أي لا ينفعكم هذان من الخلق عنده سبحانه دون رضاه جل جلاله
~~ فمن دونه  حال من مجرور { لكم } والعامل الجار أو متعلقه، وعلى هذا
~~المعنى لا دليل في الخطاب على أنه تعالى شفيع دون غيره ليقال: كيف ذاك
~~وتعالى جل شأنه أن يكون شفيعا، وكفى في ذلك رده صلى الله عليه وسلم على
~~الأعرابي حيث قال: إنا نستشفع بالله تعالى إليك، وقد يقال: الممتنع
~~إطلاق الشفيع عليه تعالى بمعناه الحقيقي / وأما إطلاقه عليه سبحانه بمعنى
~~الناصر مجازا فليس بممتنع، ويجوز أن يعتبر ذلك هنا وحينئذ يجوز أن يكون
~~{ من دونه } حالا مما بعد قدم عليه لأنه ms08323 نكرة ودون بمعنى غير،
~~والمعنى ما لكم ولي ولا ناصر غير الله تعالى، ويجوز أن يكون حالا من
~~المجرور كما في الوجه السابق، والمعنى ما لكم إذا جاوزتم ولايته ونصرته
~~جل وعلا ولي ولا ناصر، ويظهر لي أن التعبير بالشفيع هنا من قبيل المشاكلة
~~التقديرية لما أن المشركين المنذرين كثيرا ما كانوا يقولون في آلهتهم

# هؤلاء شفعاؤنا

# [يونس: 18] ويزعمون أن كل واحد منها شفيع لهم.

# { أفلا تتذكرون } أي ألا تسمعون هذه المواعظ فلا تتذكرون بها
~~أو أتسمعونها فلا تتذكرون بها، فالإنكار على الأول: متوجه إلى عدم السماع
~~وعدم التذكر معا، وعلى الثاني: إلى عدم التذكر مع تحقق ما يوجبه من
~~السماع.

### || [32.5]

# { يدبر الأمر } قيل: أي أمر الدنيا وشؤونها، وأصل التدبير النظر
~~في دابر الأمر والتفكر فيه ليجىء محمود العاقبة وهو في حقه عز وجل مجاز
~~عن إرادة الشيء على وجه الإتقان ومراعاة الحكمة والفعل مضمن معنى الإنزال
~~والجاران في قوله تعالى: { من السماء إلى الأرض } متعلقان به
~~و(من) ابتدائية و(إلى) انتهائية أي يريده تعالى على وجه الإتقان ومراعاة
~~الحكمة منزلا له من السماء إلى الأرض، وإنزاله من السماء باعتبار أسبابه
~~فإن أسبابه سماوية من الملائكة عليهم السلام وغيرهم { ثم يعرج }
~~أي يصعد ويرتفع ذلك الأمر بعد تدبيره { إليه } عز وجل وهذا العروج
~~مجاز عن ثبوته في علمه تعالى أي تعلق علمه سبحانه به تعلقا تنجيزيا بأن
~~يعلمه جل وعلا موجودا بالفعل أو عن كتابته في صحف الملائكة عليهم السلام
~~القائمين بأمره عز وجل موجودا كذلك.

# { فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } أي
~~في برهة متطاولة من الزمان فليس المراد حقيقة العدد، وعبر عن المدة
~~المتطاولة بالألف لأنها منتهى المراتب وأقصى الغايات وليس مرتبة فوقها
~~إلا ما يتفرع منها من أعداد مراتبها، والفعلان متنازعان في الجار
~~والمجرور وقد أعمل الثاني منهما فيه فتفيد الآية طول امتداد الزمان بين
~~تعلق إرادته سبحانه بوجود الحوادث في أوقاتها متقنة مراعى فيها الحكمة
~~وبين وجودها كذلك، وظاهرها يقتضي أن وجودها لا يتوقف ms08324 على تعلق الإرادة
~~مرة أخرى بل يكفي فيه التعلق السابق وقيل: { فى يوم } متعلق بيعرج
~~وليس الفعلان متنازعين فيه، والمراد بعروج الأمر إليه بعد تدبيره سبحانه
~~إياه وصول خبر وجوده بالفعل كما دبر جل وعلا بواسطة الملك وعرضه ذلك في
~~حضرة قد أعدها سبحانه للاختبار بما هو جل جلاله أعلم به إظهارا لكمال
~~عظمته تبارك وتعالى وعظيم سلطنته جلت سلطنته؛ وهذا كعرض الملائكة عليهم
~~السلام أعمال العباد الوارد في الأخبار، وألف سنة على حقيقتها وهي مسافة
~~ما بين الأرض ومحدب السماء الدنيا بالسير المعهود للبشر فإن ما بين
~~السماء والأرض خمسمائة عام وثخن السماء كذلك كما جاء في الأخبار الصحيحة
~~والملك يقطع ذلك في زمان يسير فالكلام على التشبيه فكأنه قيل: يريد تعالى
~~الأمر متقنا مراعى فيه الحكمة بأسباب سماوية نازلة آثارها وأحكامها إلى
~~الأرض فيكون كما أراد سبحانه فيعرج ذلك الأمر مع الملك ويرتفع خبره إلى
~~حضرته سبحانه في زمان هو كألف سنة مما تعدون، وقيل: العروج إليه تعالى
~~صعود خبر الأمر مع الملك إليه عز وجل كما هو مروي عن ابن عباس وقتادة
~~ومجاهد وعكرمة والضحاك والفعلان متنازعان في { يوم } والمراد أنه زمان
~~تدبير الأمر لو دبره البشر وزمان العروج لو كان منهم أيضا / وإلا فزمان
~~التدبير والعروج يسير، وقيل: المعنى يدبر أمر الدنيا بإظهاره في اللوح
~~المحفوظ فينزل الملك الموكل به من السماء إلى الأرض ثم يرجع الملك أو
~~الأمر مع الملك إليه تعالى في زمان هو نظرا للنزول والعروج كألف سنة مما
~~تعدون، وأريد به مقدار ما بين الأرض ومقعر سماء الدنيا ذهابا وإيابا،
~~والظاهر أن { يدبر } عليه مضمن معنى الإنزال، والجاران متعلقان به لا
~~بفعل محذوف أي فينزل به الملك من السماء إلى الأرض كما قيل، وزعم بعضهم
~~أن ضمير { إليه } للسماء وهي قد تذكر كما في قوله تعالى:

# السماء منفطر به

# [المزمل: 18] وقيل: المعنى يدبر سبحان أمر الدنيا كلها من السماء إلى
~~الأرض لكل يوم من أيام الرب جل شأنه وهو ألف سنة كما ms08325 قال سبحانه:

# وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون

# [الحج: 47] ثم يصير إليه تعالى ويثبت عنده عز وجل ويكتب في صحف ملائكته
~~جل وعلا كل وقت من أوقات هذه المدة ما يرتفع من ذلك الأمر ويدخل تحت
~~الوجود إلى أن تبلغ المدة آخرها ثم يدبر أيضا ليوم آخر وهلم جرا إلى أن
~~تقوم الساعة، ويشير إلى هذا ما روي عن مجاهد قال: إنه تعالى يدبر ويلقي
~~إلى الملائكة أمور ألف سنة من سنيننا وهو اليوم عنده تعالى فإذا فرغت
~~ألقى إليهم مثلها، وعليه الأمر بمعنى الشأن والجاران متعلقان به أو
~~بمحذوف حال منه ولا تضمين في { يدبر } والعروج إليه تعالى مجاز عن
~~ثبوته وكتبه في صحف الملائكة و { ألف سنة } على ظاهره و { فى
~~يوم } يتعلق بالفعلين واعمل الثاني كأنه قيل: يدبر الأمر ليوم مقداره
~~كذا ثم يعرج إليه تعالى فيه كما تقول: قصدت ونظرت في الكتاب أي قصدت إلى
~~الكتاب ونظرت فيه، ولا يمنع اختلاف الصلتين من التنازع، وتكرار التدبير
~~إلى يوم القيامة يدل عليه العدول إلى المضارع مع أن الأمر ماض كأنه قيل:
~~يجدد هذا الأمر مستمرا؛ وقيل: المعنى يدبر أمر الدنيا من السماء إلى
~~الأرض إلى أن تقوم الساعة ثم يعرج إليه تعالى ذلك الأمر كله أي يصير إليه
~~سبحانه ليحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة وهو يوم القيامة، وعليه
~~الأمر بمعنى الشأن والجاران متعلقان به أو بمحذوف حال منه كما في سابقه،
~~والعروج إليه تعالى الصيرورة إليه سبحانه لا ليثبت في صحف الملائكة بل
~~ليحكم جل وعلا فيه.

# و { في يوم } متعلق بالعروج ولا تنازع، والمراد بيوم مقداره كذا يوم
~~القيامة، ولا ينافي هذا قوله تعالى: { كان مقداره خمسين
~~ألف سنة } بناء على أحد الوجهين فيه لتفاوت الاستطالة على حسب
~~الشدة أو لأن ثم خمسين موطنا كل موطن ألف سنة، وقيل: المعنى ينزل الوحي
~~مع جبريل عليه السلام من السماء إلى الأرض ثم يرجع إليه تعالى ما كان من
~~قبوله أو رده مع ms08326 جبريل عليه السلام في يوم مقدار مسافة السير فيه ألف سنة
~~وهو ما بين السماء والأرض هبوطا وصعودا، فالأمر عليه مراد به الوحي كما
~~في قوله تعالى:

# يلقى الروح من أمره

# [غافر: 15] والعروج إليه تعالى عبارة عن خبر القبول والرد مع عروج جبريل
~~عليه السلام والتدبير والعروج في اليوم لكن على التوسع والتوزيع فالفعلان
~~متنازعان في الظرف ولكن لا اختلاف في الصلة ولا تنافي الآية على هذا قوله
~~تعالى شأنه:

# تعرج الملئكة والروح إليه فى يوم كان
~~مقداره خمسين ألف سنة

# [المعارج: 4] بناء على الوجه الآخر فيه وستعرفهما إن شاء الله تعالى لأن
~~العروج فيه إلى العرش وفيها إلى السماء الدنيا وكلاهما عروج إلى الله
~~تعالى على التجوز.

# وقيل: المراد بالأمر المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحات، والمعنى
~~ينزل سبحانه ذلك مدبرا من السماء إلى الأرض ثم لا يعمل به ولا يصعد إليه
~~تعالى ذلك المأمور به خالصا كما يرتضيه إلا في مدة متطاولة لقلة الخلص
~~من العباد وعليه { يدبر } مضمن معنى الإنزال و(من) و(إلى) متعلقان
~~به، ومعنى العروج الصعود كما في قوله / تعالى:

# إليه يصعد الكلم الطيب

# [فاطر: 10] والغرض من الألف استطالة المدة، والمعنى استقلال عبادة الخلص
~~واستطالة مدة ما بين التدبير والوقوع، و { ثم } للاستبعاد، واستدل
~~لهذا المعنى بقوله تعالى إثر ذلك:

# قليلا ما تشكرون

# [السجدة: 9] لأن الكلام بعضه مربوط بالبعض وقلة الشكر مع وجود تلك
~~الإنعامات دالة على الاستقلال المذكور. وقيل: المعنى يدبر أمر الشمس في
~~طلوعها من المشرق وغروبها في المغرب ومدارها في العالم من السماء إلى
~~الأرض وزمان طلوعها إلى أن تغرب وترجع إلى موضعها من الطلوع مقداره في
~~المسافة ألف سنة وهي تقطع ذلك في يوم وليلة. هذا ما قالوه في الآية
~~الكريمة في بيان المراد منها، ولا يخفى على ذي لب تكلف أكثر هذه الأقوال
~~ومخالفته للظاهر جدا وهي بين يديك فاختر لنفسك ما يحلو.

# ويظهر لي أن المراد بالسماء جهة العلو مثلها في قوله تعالى:

# أأمنتم من فى السماء

# [الملك: 16] وبعروج الأمر ms08327 إليه تعالى صعود خبره كما سمعت عن الجماعة و {
~~فى يوم } متعلق بالعروج بلا تنازع، وأقول: إن الآية من المتشابه
~~وأعتقد أن الله تعالى يدبر أمور الدنيا وشؤونها ويريدها متقنة وهو سبحانه
~~مستو على عرشه وذلك هو التدبير من جهة العلو ثم يصعد خبر ذلك مع الملك
~~إليه عز وجل إظهارا لمزيد عظمته جلت عظمته وعظيم سلطنته عظمت سلطنته إلى
~~حكم هو جل وعلا أعلم بها وكل ذلك بمعنى لائق به تعالى مجامع للتنزيه
~~مباين للتشبيه حسبما يقوله السلف في أمثاله، وقول بعضهم: العرش موضع
~~التدبير وما دون موضع التفصيل وما دون السماوات موضع التصريف فيه رائحة
~~ما مما ذكرنا، وأما تقدير يوم العروج هنا بألف سنة وفي آية أخرى بخمسين
~~ألف سنة فقد كثر الكلام في توجيهه وقد تقدم لك بعض منه.

# وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن
~~الأنباري في «المصاحف» والحاكم وصححه عن عبد الله بن أبي مليكة قال:
~~دخلت على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنا وعبد الله بن فيروز مولى
~~عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فسأله عن قوله تعالى: { يدبر
~~الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه فى
~~يوم كان مقداره ألف سنة } فكأن ابن عباس اتهمه فقال: ما
~~يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فقال: إنما سألتك لتخبرني فقال رضي الله
~~تعالى عنه: هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه الله تعالى أعلم بهما
~~وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم فضرب الدهر من ضرباته حتى جلست
~~إلى ابن المسيب فسأله عنهما إنسان فلم يخبر ولم يدر فقلت: ألا أخبرك بما
~~سمعت من ابن عباس؟ قال: بلى فأخبرته فقال للسائل: هذا ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أبى أن يقول فيهما وهو أعلم مني.

# وبعض المتصوفة يسمون اليوم المقدر بألف سنة باليوم الربوبي واليوم
~~المقدر بخمسين ألف سنة باليوم الإلهي، ومحي الدين قدس سره يسمى الأول
~~يوم الرب والثاني يوم المعارج، وقد ذكر ms08328 ذلك وأياما أخر كيوم الشأن ويوم
~~المثل ويوم القمر ويوم الشمس ويوم زحل وأيام سائر السيارة ويوم الحمل
~~وأيام سائر البروج في «الفتوحات»، وقد سألت رئيس الطائفة الكشفية الحادثة
~~في عصرنا في كربلاء عن مسألة فكتب في جوابها ما كتب واستطرد بيان إطلاقات
~~اليوم وعد من ذلك أربعة وستين إطلاقا، منها إطلاقه على اليوم الربوبي
~~وإطلاقه على اليوم الإلهي وأطال الكلام في ذلك المقام، ولعلنا إن شاء
~~الله تعالى ننقل لك منه شيئا معتدا به في موضع آخر، وسنذكر إن شاء الله
~~تعالى أيضا تمام الكلام فيما يتعلق بالجمع بني هذه الآية وقوله سبحانه:

# تعرج الملئكة والروح إليه فى يوم كان
~~مقداره خمسين ألف سنة

# [المعارج: 4] وقوله تعالى: { مما تعدون } صفة { ألف } أو صفة
~~{ سنة }.

# وقرأ ابن أبي عبلة { يعرج } بالبناء للمفعول والأصل يعرج به فحذف
~~الجار واستتر الضمير. وقرأ جناح بن حبيش { ثم يعرج الملئكة إليه
~~} بزيادة الملائكة قال أبو حيان: ولعله تفسير منه لسقوطه في سواد المصحف.

# / وقرأ السلمي وابن وثاب والأعمش والحسن بخلاف عنه { يعدون } بياء
~~الغيبة.

### || [32.6]

# { ذلك } أي الذات الموصوف بتلك الصفات المقتضية للقدرة التامة
~~والحكمة العامة { علم الغيب } أي كل ما غاب عن الخلق {
~~والشهدة } أي كل ما شاهده الخلق فيدبر سبحانه ذلك على وفق
~~الحكمة، وقيل: الغيب الآخرة والشهادة الدنيا { العزيز } الغالب على
~~أمره { الرحيم } للعباد، وفيه إيماء بأنه عز وجل متفضل فيما يفعل جل
~~وعلا، واسم الإشارة مبدأ والأوصاف الثلاثة بعده أخبار له، ويجوز أن يكون
~~الأول خبرا والأخير نعتان للأول.

# وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما بخفض الأوصاف الثلاثة على أن ذلك
~~إشارة إلى الأمر مرفوع المحل على أنه فاعل

# يعرج

# [السجدة: 5] والأوصاف مجرورة على البدلية من ضمير { إليه } وقرأ أبو
~~زيد النحوي بخفض الوصفين الأخيرين على أن { ذلك } إشارة إلى الله
~~تعالى مرفوع المحل على الابتداء و { علم } خبره والوصفان مجروران
~~على البدلية من الضمير.

### || [32.7]

# وقوله تعالى: { الذى أحسن كل شىء خلقه } خبر رابع أو
~~نعت ثالث ms08329 أو نصب على المدح، وجوز أبو البقاء كونه خبر مبتدأ محذوف أي هو
~~الذي، وكون { العزيز } مبتدأ و { الرحيم } صفته وهذا خبره وجملة
~~{ خلقه } في محل جر صفة { شىء } ويجوز أن تكون في محل نصب صفة {
~~كل } واحتمال الاستئناف بعيد أي حسن سبحانه كل مخلوق من مخلوقاته لأنه
~~ما من شيء منها إلا وهو مرتب على ما اقتضته الحكمة واستدعته المصلحة
~~فجميع المخلوقات حسنة وإن تفاوتت في مراتب الحسن كما يشير إليه قوله
~~تعالى:

# لقد خلقنا الإنسن فى أحسن تقويم

# [التين: 4] ونفي التفاوت في خلقه تعالى في قوله سبحانه:

# ما ترى فى خلق الرحمن من تفوت

# [الملك: 3] على معنى ستعرفه إن شاء الله تعالى غير مناف لما ذكر، وجوز
~~أن يكون المعنى علم كيف يخلقه من قوله قيمة المرء ما يحسن وحقيقته يحسن
~~معرفته أي يعرفه معرفة حسنة بتحقيق وإيقان، ولا يخفى بعده.

# وقرأ العربيان وابن كثير { خلقه } بسكون اللام فقيل: هو بدل اشتمال
~~من { كل } والضمير المضاف هو إليه له وهو باق على المعنى المصدري،
~~وقيل: هو بدل كل من كل أو بدل بعض من كل والضمير لله تعالى وهو بمعنى
~~المخلوق، وقيل: هو مفعول ثان لأحسن على تضمينه معنى أعطى أي أعطى سبحانه
~~كل شيء خلقه اللائق به بطريق الإحسان والتفضل، وقيل: هو المفعول الأول و
~~{ كل شىء } المفعول الثاني وضميره لله سبحانه على تضمين الإحسان معنى
~~الإلهام كما قال الفراء أو التعريف كما قال أبو البقاء، والمعنى الهم أو
~~عرف خلقه كل شيء مما يحتاجون إليه فيؤول إلى معنى قوله تعالى:

# أعطى كل شىء خلقه ثم هدى

# [طه: 50]. واختار أبو علي في «الحجة» ما ذكره سيبويه في «الكتاب» أنه
~~مفعول مطلق لأحسن من معناه والضمير لله تعالى نحو قوله تعالى:

# صنع الله

# [النمل: 88] و

# وعد الله

# [النور: 55].

# { وبدأ خلق الإنسن } أي آدم عليه السلام { من طين } أو
~~بدأ خلق هذا الجنس المعروف { من طين } حيث بدأ خلق آدم عليه السلام
~~خلقا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس ms08330 انطواء إجماليا منه، وقرأ
~~الزهري { بدا } بالألف بدلا من الهمزة قال في «البحر» وليس القياس في
~~هدأ هدا بإبدال الهمزة ألفا بل قياس هذه الهمزة التسهيل بين بين على أن
~~الأخفش حكى في قرأت قريت قيل: وهي لغة الأنصار فهم يقولون في بدأ بدي
~~بكسر عين الكلمة وياء بعدها، وطيء يقولون في فعل هذا نحو بقى بقي كرمي
~~فاحتمل أن تكون قراءة الزهري على هذه اللغة بأن يكون الأصل بدي ثم صار
~~بدا، وعلى / لغة الأنصار قال ابن رواحة:

# باسم الإله وبه بدينا

# ولو عبدنا غيره شقينا

### || [32.8]

# { ثم جعل نسله } أي ذريته سميت بذلك لأنها تنسل وتنفصل منه {
~~من سللة } أي خلاصة وأصلها ما يسل ويخلص بالتصفية { من ماء
~~مهين } ممتهن لا يعتني به وهو المني.

### || [32.9]

# { ثم سواه } عدله بتكميل أعضائه في الرحم وتصويرها على ما ينبغي،
~~وأصل التسوية جعل الأجزاء متساوية، و { ثم } للترتيب الرتبي أو
~~الذكري. { ونفخ فيه من روحه } أضاف الروح إليه تعالى تشريفا
~~له كما في بيت الله تعالى وناقة الله تعالى وإشعارا بأنه خلق عجيب وصنع
~~بديع، وقيل: أضافه لذلك إيماء إلى أن له شأنا له مناسبة ما إلى حضرة
~~الربوبية. ومن هنا قال أبو بكر الرازي: من عرف نفسه فقد عرف ربه، ونفخ
~~الروح قيل: مجاز عن جعلها متعلقة بالبدن وهو أوفق بمذهب القائلين بتجرد
~~الروح وأنها غير داخلة في البدن من الفلاسفة وبعض المتكلمين كحجة الإسلام
~~الغزالي عليه الرحمة، وقيل: هو على حقيقته والمباشر له الملك الموكل على
~~الرحم وإليه ذهب القائلون بأن الروح جسم لطيف كالهواء سار في البدن سريان
~~ماء الورد في الورد والنار في الجمر، وهو الذي تشهد له ظواهر الأخبار
~~وأقام العلامة ابن القيم عليه نحو مائة دليل.

# { وجعل لكم السمع والأبصر والأفئدة } التفات
~~إلى الخطاب لا يخفى موقع ذكره بعد نفخ الروح وتشريفه بخلعة الخطاب حين
~~صلح للخطاب والجعل إبداعي واللام متعلقة به، والتقديم على المفعول الصريح
~~لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ms08331 مع ما فيه من نوع
~~طول يخل تقديمه بجزالة النظم الكريم، وتقديم السمع لكثرة فوائده فإن أكثر
~~أمور الدين لا تعلم إلا من جهته وأفرد لأنه في الأصل مصدر. وقيل: للإيماء
~~إلى أن مدركه نوع واحد وهو الصوت بخلاف البصر فإنه يدرك الضوء واللون
~~والشكل والحركة والسكون وبخلاف الفؤاد فإنه يدرك مدركات الحواس بواسطتها
~~وزيادة على ذلك أي خلق لمنفعتكم تلك المشاعر لتعرفوا أنها مع كونها في
~~أنفسها نعما جليلة لا يقادر قدرها وسائل إلى التمتع بسائر النعم الدينية
~~والدنيوية الفائضة عليكم وتشكروها بأن تصرفوا كلا منها إلى ما خلق هو له
~~فتدركوا بسمعكم الآيات التنزيلية الناطقة بالتوحيد والبعث وبأبصاركم
~~الآيات التكوينية الشاهدة بهما وتستدلوا بأفئدتكم على حقيقتهما.

# وقوله تعالى: { قليلا ما تشكرون } بيان لكفرهم بتلك النعم
~~بطريق الاعتراض التذييلي والقلة بمعنى النفي كما ينبىء عنه ما بعده. ونصب
~~الوصف على أنه صفة لمحذوف وقع معمولا لتشكرون أي شكرا قليلا تشكرون أو
~~زمانا قليلا تشكرون. واستظهر الخفاجي عليه الرحمة كون الجملة حالية لا
~~اعتراضية.

### || [32.10]

# { وقالوا } كلام مستأنف مسوق لبيان أباطيلهم بطريق الالتفات إيذانا
~~بأن ما ذكر من عدم شكرهم تلك النعم موجب للإعراض عنهم وتعديد جناياتهم
~~لغيرهم بطريق المباثة، وروي أن القائل أبي بن خلف فضمير الجمع لرضا
~~الباقين بقوله { أءذا ضللنا فى الأرض } أي ضعنا فيها بأن صرنا
~~ترابا مخلوطا بترابها بحيث لا نتميز منه فهو من ضل المتاع إذا ضاع أو
~~غبنا فيها بالدفن وإن لم نصر ترابا وإليه ذهب قطرب، وأنشد قول النابغة
~~يرثي النعمان بن المنذر:

# وآب مضلوه بعين جلية

# وغودر بالجولان حزم ونائل

# / وقرأ يحيى بن يعمر وابن محيصن وأبو رجاء وطلحة وابن وثاب { ضللنا }
~~بكسر اللام ويقال: ضل يضل كضرب يضرب وضل يضل كعلم يعلم وهما بمعنى والأول
~~اللغة المشهورة الفصيحة وهي لغة نجد والثاني لغة أهل العالية. وقرأ أبو
~~حيوة { ضللنا } بضم الضاد المعجمة وكسر اللام ورويت عن علي كرم الله
~~تعالى وجهه. وقرأ الحسن والأعمش وأبان بن سعيد بن العاصي { صللنا ms08332 }
~~بالصاد المهملة وفتح اللام ونسبت إلى علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما، وعن الحسن أنه كسر اللام ويقال فيه نحو ما يقال في
~~ضل بالضاد المعجمة وزيادة أصل بالهمزة كأفعل، قال الفراء: والمعنى صرنا
~~بين الصلة وهي الأرض اليابسة الصلبة كأنها من الصليل لأن اليابس الصلب
~~إذا انشق يكون له صليل، وقيل: أنتنا من الصلة وهو النتن، وقيل: للأرض
~~الصلة لأنها است الدنيا وتقول العرب ضع الصلة على الصلة، وقال النحاس لا
~~نعرف في اللغة صللنا ولكن يقال أصل اللحم وصل وأخم وخم إذا نتن وهذا غريب
~~منه.

# وقرأ ابن عامر { إذا } بترك الاستفهام والمراد الإخبار على سبيل
~~الاستهزاء والتهكم والعامل في { إذا } ما دل عليه قوله تعالى: { ءإنا
~~لفى خلق جديد } وهو نبعث أو يجدد خلقنا، ولا يصح أن يكون هو
~~العامل لمكان الاستفهام وإن وكل منهما لا يعمل ما بعده فيما قبله ويعتبر
~~ما ذكر من نبعث أو يجدد خلقنا جوابا لإذا إذا اعتبرت شرطية لا ظرفية
~~محضة والهمزة للإنكار والمراد تأكيد الإنكار لا إنكار التأكيد كما هو
~~المتبادر من تقديمها على أداته فإنها مؤخرة عنها في الاعتبار وتقديمها
~~عليها لقوة اقتضائها الصدارة. وقرأ نافع والكسائي ويعقوب { إنا } بترك
~~الاستفهام على نحو ما ذكر آنفا.

# { بل هم بلقاء ربهم كفرون } إضراب وانتقال عن بيان
~~كفرهم بالبعث إلى بيان ما هو أبلغ وأشنع منه وهو كفرهم بلقاء ملائكة ربهم
~~عند الموت وما يكون بعده جميعا، وقيل: هو إضراب وترق من التردد في البعث
~~واستبعاده إلى الجزم بجحده بناء على أن لقاء الرب كناية عن البعث، ولا
~~يضر فيه على ما قال الخفاجي كون الاستفهام السابق إنكاريا وهو يؤل إلى
~~الجحد فتأمل.

### || [32.11]

# { قل } ردا عليهم { يتوفكم ملك الموت } يستوفي
~~نفوسكم لا يترك منها شيئا من أجزائها أو لا يترك شيئا من جزئياتها ولا
~~يبقى أحدا منكم، وأصل التوفي أخذ الشيء بتمامه، وفسر بالاستيفاء لأن
~~التفعل والاستفعال يلتقيان كثيرا كتقضيته واستقضيته وتعجله واستعجلته،
~~ونسبة التوفي ms08333 إلى ملك الموت باعتبار أنه عليه الصلاة والسلام يباشر قبض
~~الأنفس بأمره عز وجل كما يشير إليه قوله سبحانه: { الذى وكل بكم
~~} أي بقبض أنفسكم ومعرفة انتهاء آجالكم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ
~~عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله تعالى عنهما قال: دخل رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم على رجل من الأنصار يعوده فإذا ملك الموت عليه السلام عند
~~رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه
~~مؤمن فقال: أبشر يا محمد فإني بكل مؤمن رفيق واعلم يا محمد إني لأقبض روح
~~ابن آدم فيصرخ أهله فأقوم في جانب من الدار فأقول والله مالي من ذنب وإن
~~لي لعودة وعودة الحذر الحذر وما خلق الله تعالى من أهل بيت ولا مدر ولا
~~شعر ولا وبر في بر ولا بحر إلا وأنا أتصفحهم فيه كل يوم وليلة خمس مرات
~~حتى إني لأعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم والله يا محمد إني لا أقدر
~~أقبض روح بعوضة حتى يكون الله تبارك وتعالى الذي يأمر بقبضه، وأخرج نحوه
~~/ الطبراني وأبو نعيم وابن منده ونسبته إليه عز وجل في قوله سبحانه:

# الله يتوفى الأنفس

# [الزمر: 42] باعتبار أن أفعال العباد كلها مخلوقة له جل وعلا لا مدخل
~~للعباد فيها بسوى الكسب كما يقوله الأشاعرة أو باعتبار أن ذلك بإذنه
~~تعالى ومشيئته جل شأنه ونسبته إلى الرسل في قوله تعالى:

# توفته رسلنا

# [الأنعام: 61] وإلى الملائكة في قوله سبحانه:

# الذين تتوفهم الملئكة ظالمى أنفسهم

# [النحل: 28] لما أن ملك الموت لا يستقل به بل له أعوان كما جاء في
~~الآثار يعالجون نزع الروح حتى إذا قرب خروجها قبضها ملك الموت.

# وقيل: المراد بملك الموت الجنس، وقال بعضهم: إن بعض الناس يتوفاهم ملك
~~الموت وبعضهم يتوفاهم الله عز وجل بنفسه، أخرج ابن ماجه عن أبي أمامة
~~قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله تعالى وكل ملك
~~الموت عليه السلام بقبض الأرواح إلا شهداء البحر فإنه سبحانه ms08334 يتولى قبض
~~أرواحهم. وجاء ذلك أيضا في خبر آخر يفيد أن ملك الموت للإنس غير ملك
~~الموت للجن والشياطين وما لا يعقل. أخرج ابن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما قال: وكل ملك الموت عليه السلام بقبض أرواح
~~المؤمنين فهو الذي يلي قبض أرواحهم وملك في الجن وملك في الشياطين وملك
~~في الطير والوحش والسباع والحيتان والنمل فهم أربعة أملاك والملائكة
~~يموتون في الصعقة الأولى وأن ملك الموت يلي قبض أرواحهم ثم يموت وأما
~~الشهداء في البحر فإن الله تعالى يلي قبض أرواحهم لا يكل ذلك إلى ملك
~~الموت بكرامتهم عليه سبحانه.

# والذي ذهب إليه الجمهور أن ملك الموت لمن يعقل وما لا يعقل من الحيوان
~~واحد وهو عزرائيل ومعناه عبد الله فيما قيل نعم له أعوان كما ذكرنا، وخبر
~~الضحاك عن ابن عباس الله تعالى أعلم بصحته { ثم إلى ربكم
~~ترجعون } بالبعث للحساب والجزاء.

# ومناسبة هذه الآية لما قبلها على ما ذكرنا في توجيه الإضراب ظاهرة لأنهم
~~لما جحدوا لقاء ملائكة ربهم عند الموت وما يكون بعده ذكر لهم حديث توفي
~~ملك الموت إياهم إيماء إلى أنهم سيلاقونه وحديث الرجوع إلى الله تعالى
~~بالبعث للحساب والجزاء، وأما على ما قيل فوجه المناسبة أنهم لما أنكروا
~~البعث والمعاد رد عليهم بما ذكر لتضمن قوله تعالى: { ثم إلى
~~ربكم ترجعون } البعث وزيادة ذكر توفي ملك الموت إياهم وكونه
~~موكلا بهم لتوقف البعث على وفاتهم ولتهديدهم وتخويفهم وللإشارة إلى أن
~~القادر على الإماتة قادر على الإحياء، وقيل: إن ذلك لرد ما يشعر به
~~كلامهم من أن الموت بمقتضى الطبيعة حيث أسندوه إلى أنفسهم في قولهم:

# أءذا ضللنا فى الأرض

# [السجدة: 10] فليس عندهم بفعل الله تعالى ومباشرة ملائكته، ولا يخفى
~~بعده. وأبعد منه ما قيل في المناسبة: إن عزرائيل وهو عبد من عبيده تعالى
~~إذا قدر على تخليص الروح من البدن مع سريانها فيه سريان ماء الورد في
~~الورد والنار في الجمر فكيف لا يقدر خالق القوى والقدر جل ms08335 شأنه على تمييز
~~أجزائهم المختلطة بالتراب وكيف يستبعد البعث مع القدرة الكاملة له عز وجل
~~لما أن ذلك السريان مما خفي على العقلاء حتى أنكره بعضهم فكيف بجهلة
~~المشركين فتأمل.

# وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { ترجعون } بالبناء للفاعل.

### || [32.12]

# { ولو ترى إذ المجرمون } وهم القائلون:

# أءذا ضللنا فى الأرض

# [السجدة: 10] أو جنس المجرمين وهم من جملتهم { ناكسوا رءوسهم }
~~مطرقوها من الحياء والخزي { عند ربهم } حين حسابهم لما يظهر من
~~قبائحهم التي اقترفوها في الدنيا. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما
~~{ نكسوا رؤوسهم } فعلا ماضيا ومفعولا { ربنا } بتقدير
~~القول الواقع حالا والعامل فيه { ناكسوا } أي يقولون ربنا الخ وهو
~~أولى من تقدير يستغيثون بقولهم: ربنا / { أبصرنا وسمعنا } أي
~~صرنا ممن يبصر ويسمع وحصل لنا الاستعداد لإدراك الآيات المبصرة والآيات
~~المسموعة وكنا من قبل عميا صما لا ندرك شيئا { فارجعنا } إلى
~~الدنيا { نعمل صلحا } حسبما تقتضيه تلك الآيات وهذا على ما قيل
~~ادعاء منهم لصحة مشعري البصر والسمع.

# وقوله تعالى: { إنا موقنون } استئناف لتعليل ما قبله، وقيل:
~~استئناف لم يقصد به التعليل، وعلى التقديرين هو متضمن لادعائهم صحة
~~الأفئدة والاقتدار على فهم معاني الآيات والعمل بما يوجبها، وفيه من
~~إظهار الثبات على الإيقان وكمال رغبتهم فيه ما فيه، وكأنه لذلك لم
~~يقولوا: أبصرنا وسمعنا وأيقنا فارجعنا الخ، ولعل تأخير السمع لأن أكثر
~~العمل الصالح الموعود يترتب عليه دون البصر فكان عدم الفصل بينهما بالبصر
~~أولى، ويجوز أن يقدر لكل من الفعلين مفعول مناسب له مما يبصرونه ويسمعونه
~~بأن يقال: أبصرنا البعث الذي كنا ننكره وما وعدتنا به على إنكاره وسمعنا
~~منك ما يدل على تصديق رسلك عليهم السلام ويراد به نحو قوله تعالى:

# يمعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم
~~يقصون عليكم آيتي وينذرونكم لقاء يومكم
~~هذا

# [الأنعام: 130] لا الإخبار الصريح بلفظ إن رسلي صادقون مثلا أو يقال
~~أبصرنا البعث وما وعدتنا به وسمعنا قول الرسل أي سمعناه سمع طاعة وإذعان
~~أو يقال: أبصرنا قبح أعمالنا التي ms08336 كنا نراها في الدنيا حسنة وسمعنا قول
~~الملائكة لنا إن مردكم إلى النار، وقيل: أرادوا أبصرنا رسلك وسمعنا
~~كلامهم حين كنا في الدنيا أو أبصرنا آياتك التكوينية وسمعنا آياتك
~~التنزيلية في الدنيا فلك الحجة علينا وليس لنا حجة فارجعنا الخ، ولا يخفى
~~حال هذا القيل، وعلى سائر هذه التقادير وجه تقديم الأبصار على السماع
~~ظاهر. و { لو } هي التي سماها غير واحد امتناعية وجوابها محذوف تقديره
~~لرأيت أمرا فظيعا لا يقادر قدره.

# والخطاب في { ترى } لكل أحد ممن يصح منه الرؤية إذ المراد بيان كمال
~~سوء حالهم وبلوغها من الفظاعة إلى حيث لا يختص استغرابها واستفظاعها براء
~~دون راء ممن اعتاد مشاهدة الأمور البديعة والدواهي الفظيعة بل كل من
~~يتأتى منه الرؤية يتعجب من هولها وفظاعته، وقيل: لأن القصد إلى بيان أن
~~حالهم قد بلغت من الظهور إلى حيث يمتنع خفاؤها البتة فلا يختص برؤيتها
~~راء دون راء، والجواب المقدر أوفق بما ذكر أولا، والفعل منزل منزلة
~~اللازم فلا يقدر له مفعول أي لو تكن منك رؤية في ذلك الوقت لرأيت أمرا
~~فظيعا، وجوز أن يكون الخطاب خاصا بسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم و
~~{ لو } للتمنى كأنه قيل: ليتك إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم لتشمت بهم،
~~وحكم التمني منه تعالى حكم الترجي وقد تقدم، ولا جواب لها حينئذ عند
~~الجمهور، وقال أبو حيان وابن مالك: لا بد لها من الجواب استدلالا بقول
~~مهلهل في حرب البسوس:

# فلو نبش المقابر عن كليب

# فيخبر بالذنائب أي زير

# بيوم الشعثمين لقر عينا

# وكيف لقاء من تحت القبور

# فإن لو فيه للتمني بدليل نصب فيخبر وله جواب وهو قوله لقر، ورد بأنها
~~شرطية و(يخبر) عطف على مصدر متصيد من (نبش) كأنه قيل: لو حصل نبش فإخبار،
~~ولا يخفى ما فيه من التكلف، وقال الخفاجي عليه الرحمة: لو قيل: إنها
~~لتقدير التمني معها كثيرا أعطيت حكمه واستغنى عن تقدير الجواب فيها إذا
~~لم يذكر كما في الوصلية ونصب جوابها كان أسهل مما ذكر، وجوز أن ms08337 يقدر لترى
~~مفعول دل عليه ما بعد أي لو ترى المجرمين أو لو ترى نكسهم رؤسهم والمضي
~~في لو الامتناعية وإذ لأن إخباره تعالى عما تحقق في علمه الأزلي لتحققه
~~بمنزلة الماضي / فيستعمل فيه ما يدل على المضي مجازا كلو وإذ.

# هذا ومن الغريب قول أبي العباس في الآية: المعنى قل يا محمد للمجرم ولو
~~ترى وقد حكاه عنه أبو حيان ثم قال: رأى أن الجملة معطوفة على

# يتوفكم

# [السجدة: 11] داخلة تحت { قل } السابق ولذا لم يجعل الخطاب فيه للرسول
~~عليه الصلاة والسلام انتهى كلامه فلا تغفل.

### || [32.13]

# { ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها } مقدر بقول معطوف
~~على مقدر قبل قوله تعالى:

# ربنا أبصرنا

# [السجدة: 12] الخ وهو جواب لقولهم { ارجعنا } يفيد أنهم لو أرجعوا
~~لعادوا لما نهوا عنه لسوء اختيارهم وأنهم ممن لم يشأ الله تعالى إعطاءهم
~~الهدى أي ونقول: لو شئنا أي لو تعلقت مشيئتنا تعلقا فعليا بأن نعطي كل
~~نفس من النفوس البرة والفاجرة هداها أي ما تهتدي به إلى الإيمان والعمل
~~الصالح، وفسره بعضهم بنفس الإيمان والعمل الصالح والأول أولى، وأما
~~تفسيره بما سأله الكفرة من الرجوع إلى الدنيا أو بالهداية إلى الجنة فليس
~~بشيء لأعطيناها إياه في الدنيا التي هي دار الكسب وما أخرناه إلى دار
~~الجزاء.

# { ولكن حق القول منى } أي ثبت وتحقق قولي وسبقت كلمتي
~~حيث قلت لإبليس عند قوله:

# لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم
~~المخلصين فالحق والحق أقول * لأملان جهنم
~~منك وممن تبعك منهم أجمعين

# [ص: 82  85] وهو المعني بقوله تعالى: { لأملأن جهنم من
~~الجنة والناس أجمعين } كما يلوح به تقديم الجنة على الناس
~~فإنه في الخطاب لإبليس مقدم وتقديمه هناك لأنه الأوفق لمقام تحقير ذلك
~~المخاطب عليه اللعنة، وقيل: التقديم في الموضعين لأن الجهنميين من الجنة
~~أكثر. ويعلم مما ذكرنا وجه العدول عن ضمير العظمة في قوله سبحانه: {
~~ولو شئنا لاتينا } إلى ضمير الوحدة في قوله جل وعلا: {
~~ولكن حق القول منى } وذلك لأن ما ذكر إشارة إلى ما وقع في
~~الرد ms08338 على اللعين وقد وقع فيه القول والإملاء مسندين إلى ضمير الوحدة
~~ليكون الكلام على طرز { لأغوينهم أجمعين إلا عبادك }
~~في توحيد الضمير، وقد يقال: ضمير العظمة أوفق بالكثرة الدال عليها {
~~كل نفس } والضمير الآخر أوفق بما دون تلك الكثرة الدال عليه { من
~~الجنة والناس } أو يقال: إنه وحد الضمير في الوعيد لما أن المعني به
~~المشركون فكأنه أخرج الكلام على وجه لا يتوهم فهي متوهم نوعا من أنواع
~~الشركة أصلا أو أخرج على وجه يلوح بما عدلوا عنه من التوحيد إلى ما
~~ارتكبوه مما أوجب لهم الوعيد من الشرك، أو يقال: وحد الضمير في {
~~لأملأن } لأن الإملاء لا تعدد فيه فتوحيد الضمير أوفق به ويقال نظير
~~ذلك في { حق القول منى } والإيتاء يتعدد بتعدد المؤتى فضمير
~~العظمة أوفق به ويقال نظيره في { شئنا } فتدبر، ولا يلزم من قوله
~~تعالى: { أجمعين } دخول جميع الجن والإنس فيها، وأما قوله تعالى:

# وإن منكم إلا واردها

# [مريم: 71] فالورود فيه غير الدخول، وقد مر الكلام في ذلك لأن {
~~أجمعين } تفيد عموم الأنواع لا الأفراد فالمعنى لأملأنها من ذينك
~~النوعين جميعا كملأت الكيس من الدراهم والدنانير جميعا كذا قيل، ورد
~~بأنه لو قصد ما ذكر لكان المناسب التثنية دون الجمع بأن يقال كليهما،
~~واستظهر أنها لعموم الأفراد والتعريف في { الجنة والناس } للعهد
~~والمراد عصاتهما ويؤيده الآية المتضمنة خطاب إبليس.

# وحاصل الآية لو شئنا إيتاء كل نفس هداها لآتيناها إياه لكن تحقق القول
~~مني لأملأن جهنم الخ فبموجب ذلك القول لم نشأ إعطاء الهدى على العموم بل
~~منعناه من اتباع إبليس الذين أنتم من جملتهم حيث صرفتم اختياركم إلى الغي
~~بإغوائه ومشيئتنا لأفعال العباد منوطة باختيارهم إياها فلما لم تختاروا
~~الهدى واخترتم الضلال لم نشأ إعطاءه لكم وإنما أعطيناه الذين اختاروه من
~~البررة وهم المعنيون بما سيأتي إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه:

# إنما يؤمن بئايتنا

# [السجدة: 15] الآية / فيكون مناط عدم مشيئته تعالى إعطاء الهدى في
~~الحقيقة سوء اختيارهم لا تحقق القول، وإنما قيدت المشيئة بما ms08339 مر من
~~التعلق الفعلي بأفعال العباد عند حدوثها لأن المشيئة الأزلية من حيث
~~تعلقها بما سيكون من أفعالهم إجمالا متقدمة على تحقق كلمة العذاب فلا
~~يكون عدمها منوطا بتحققها وإنما مناطه علمه تعالى أزلا بصرف اختيارهم
~~فيما سيأتي إلى الغي وإيثارهم له على الهدى فلو أريدت هي من تلك الحيثية
~~لاستدرك بعدمها بأن يقال: ولكن لم نشأ ونيط ذلك بما ذكر من المناط على
~~منهاج قوله تعالى:

# ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم

# [الأنفال: 23] كذا قال بعض الأجلة.

# وقد يقال: يجوز أن يراد بالمشيئة المشيئة الأزلية من حيث تعلقها بما
~~سيكون من أفعالهم ويراد بالقول علم الله تعالى فإنه وكذا كلمة الله
~~سبحانه يطلق على ذلك كما قال الراغب، وذكر منه قوله تعالى:

# لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون

# [يس: 7] وقوله سبحانه:

# إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون

# [يونس: 96] وحاصل المعنى لو شئنا في الأزل إيتاء كل نفس هداها في الدنيا
~~لآتيناها إياه ولكن ثبت وتحقق علمي أزلا بتعذيب العصاة فبموجب ذلك لم
~~نشأ إذ لا بد من وقوع المعلوم على طبق العلم لئلا يلزم انقلاب العلم
~~جهلا ووقوع ذلك يستدعي وجود العصاة إذ تعذيب العصاة فرع وجودهم ومشيئة
~~إيتاء الهدى كل نفس تستلزم طاعة كل نفس ضرورة استلزام العلة للمعلول
~~فيلزم أن تكون النفس المعذبة عاصية طائعة وهو محال وهذا المحال جاء من
~~مشيئته إيتاء كل نفس هداها مع علمه تعالى بتعذيب العصاة فإما أن ينتفي
~~العلم المذكور وهو محال لأن تعلق علمه سبحانه بالمعلوم على ما هو عليه
~~ضروري فتعين انتفاء المشيئة لذلك ويرجح هذا بالآخرة إلى أن سبب انتفاء
~~مشيئته إيتاء الهدى للعصاة سوء ما هم عليه في أنفسهم لأن المشيئة تابعة
~~للعلم والعلم تابع للمعلوم في نفسه فعلمه تعالى بتعذيب العصاة يستدعي
~~علمه سبحانه إياهم بعنوان كونهم عصاة فلا يشاؤهم جل جلاله إلا بهذا
~~العنوان الثابت لهم في أنفسهم ولا يشاؤهم سبحانه على خلافه لأن مشيئته
~~تعالى إياهم كذلك تستدعي تعلق العلم ms08340 بالشيء على خلاف ما هو عليه في نفس
~~الأمر وليس ذلك علما.

# ويمكن أن يبقى العلم على ظاهره ويقال: إنه تعالى لم يشأ هداهم لأنه جل
~~وعلا قال لإبليس عليه اللعنة: إنه سبحانه يعذب أتباعه ولا بد ولا يقول
~~تعالى خلاف ما يعلم فلا يشاء تبارك وتعالى خلاف ما يقول ويرجع بالآخرة
~~أيضا إلى أنه تعالى لم يشأ هداهم لسوء ما هم عليه في أنفسهم بأدنى تأمل،
~~ومآل الجواب على التقريرين لا فائدة لكم في الرجوع لسوء ما أنتم عليه في
~~أنفسكم، ولا يخفى أن ما ذكر مبني على القول بالأعيان الثابتة وأن الشقي
~~شقي في نفسه والسعيد سعيد في نفسه وعلم الله تعالى إنما تعلق بهما على ما
~~هما عليه في أنفسهما وأن مشيئته تعالى إنما تعلقت بإيجادهما حسبما علم جل
~~شأنه فوجدا في الخارج بإيجاده تعالى إياهما على ما هما عليه في أنفسهما
~~فإذا تم هذا تم ذاك وإلا فلا.

### || [32.14]

# والفاء في قوله تعالى: { فذوقوا } لترتيب الأمر بالذوق على ما يعرب
~~عنه ما قبل من نفي الرجع إلى الدنيا أو على قوله تعالى:

# ولكن حق القول منى

# [السجدة: 13] الخ، ولعل هذا أسرع تبادرا، وجعلها بعضهم واقعة في جواب
~~شرط مقدر أي إذا يئستم من الرجوع أو إذا حق القول فذوقوا، وجوز كونها
~~تفصيلية والأمر للتهديد والتوبيخ، والباء في قوله سبحانه: { بما
~~نسيتم لقاء يومكم هذا } للسببية و { ما } مصدرية و {
~~هذا } صفة يوم جىء به للتهويل، وجوز كونه مفعول { ذوقوا } وهو
~~إشارة إلى ما هم فيه من نكس الرؤوس والخزي والغم، وعلى الأول يكون مفعول
~~{ ذوقوا } محذوفا والوصفية أظهر أي فذوقوا بسبب نسيانكم لقاء هذا
~~اليوم الهائل / وترككم التفكر فيه والتزود له بالكلية، وهذا تصريح بسبب
~~العذاب من قبلهم فلا ينافي أن يكون له سبب آخر حقيقيا كان أو غيره،
~~والتوبيخ به من بين الأسباب لظهوره وكونه صادرا منهم لا يسعهم إنكاره،
~~والمراد بنسيانهم ذلك تركهم التفكر فيه والتزود له كما أشرنا إليه وهو
~~بهذا المعنى اختياري ms08341 يوبخ عليه ولا يكاد يصح إرادة المعنى الحقيقي وإن صح
~~التوبيخ عليه باعتبار تعمد سببه من الانهماك في اتباع الشهوات، ومثله في
~~كونه مجازا النسيان في قوله تعالى: { إنا نسينكم } أي تركناكم
~~في العذاب ترك المنسي بالمرة وجعل بعضهم هذا من باب المشاكلة ولم يعتبر
~~كون الأول مجازا مانعا منها قيل: والقرينة على قصد المشاكلة فيه أنه
~~قصد جزاؤهم من جنس العمل فهو على حد

# وجزاء سيئة سيئة مثلها

# [الشورى: 40].

# وقوله تعالى: { وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم
~~تعملون } تكرير للتأكيد والتشديد وتعيين المفعول المبهم للذوق
~~والإشعار بأن سببه ليس مجرد ما ذكر من النسيان بل له أسباب أخر من فنون
~~الكفر والمعاصي التي كانوا مستمرين عليها في الدنيا، ولما كان فيه زيادة
~~على الأول حصلت به مغايرته له استحق العطف عليه ولم ينظم الكل في سلك
~~واحد للتنبيه على استقلال كل من النسيان وما ذكر في استيجاب العذاب، وفي
~~إبهام المذوق أولا وبيانه ثانيا بتكرير الأمر وتوسيط الاستئناف
~~المنبىء عن كمال السخط بينهما من الدلالة على غاية التشديد في الانتقام
~~منهم ما لا يخفى.

### || [32.15]

# وقوله تعالى: { إنما يؤمن بئايتنا } استئناف مسوق
~~لتقرير عدم استحقاقهم لإيتاء الهدى والإشعار بعدم إيمانهم لو أوتوه
~~بتعيين من يستحقه بطريق القصر كأنه قيل: إنكم لا تؤمنون بآياتنا الدالة
~~على شؤوننا ولا تعملون بموجبها عملا صالحا ولو أرجعناكم إلى الدنيا
~~وإنما يؤمن { الذين إذا ذكروا بها } أي وعظوا { خروا
~~سجدا } أثر ذي أثير من غير تردد ولا تلعثم فضلا عن التسويف إلى
~~معاينة ما نطقت به من الوعد والوعيد أي سقطوا ساجدين تواضعا لله تعالى
~~وخشوعا وخوفا من عذابه عز وجل، قال أبو حيان: هذه السجدة من عزائم سجود
~~القرآن، وقال ابن عباس: السجود هنا الركوع. وروي عن ابن جريج ومجاهد أن
~~الآية نزلت بسبب قوم من المنافقين كانوا إذا أقيمت الصلاة خرجوا من
~~المسجد فكان الركوع يقصد من هذا ويلزم على هذا أن تكون الآية مدنية ومن
~~مذهب ابن عباس أن القارىء لآية السجدة ms08342 يركع واستدل بقوله تعالى:

# وخر راكعا وأناب

# [ص: 42] اه. ولا يخفى ما في الاستدلال من المقال.

# { وسبحوا بحمد ربهم } أي ونزهوه تعالى عند ذلك عن كل ما
~~لا يليق به سبحانه من الأمور التي من جملتها العجز عن البعث ملتبسين
~~بحمده تعالى على نعمائه جل وعلا التي أجلها الهداية بإيتاء الآيات
~~والتوفيق إلى الاهتداء بها فالحمد في مقابلة النعمة، والباء للملابسة
~~والجار والمجرور في موضع الحال، والتعرض لعنوان الربوبية بطريق الالتفات
~~مع الإضافة إلى ضميرهم للإشعار بعلة التسبيح والتحميد بأنهم يفعلونهما
~~بملاحظة ربوبيته تعالى لهم { وهم لا يستكبرون } عن الإيمان
~~والطاعة كما يفعل من يصر مستكبرا كأن لم يسمع الآيات، والجملة عطف على
~~الصلة أو حال من أحد ضميري { خروا } و { سبحوا } وجوز عطفها على
~~أحد الفعلين.

### || [32.16]

# وقوله تعالى: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } جملة
~~مستأنفة لبيان بقية محاسنهم. وجوز أن تكون حالية أو خبرا ثانيا
~~للمبتدأ، والتجافي البعد والارتفاع؛ والجنوب جمع جنب الشقوق، وذكر /
~~الراغب أن أصل الجنب الجارحة ثم يستعار في الناحية التي تليها كعادتهم في
~~استعارة سائر الجوارح لذلك نحو اليمين والشمال، و { المضاجع } جمع
~~المضجع أماكن الاتكاء للنوم أي تتنحى وترتفع جنوبهم عن مواضع النوم وهذا
~~كناية عن تركهم النوم ومثله قول عبد الله بن رواحة يصف النبي صلى الله
~~عليه وسلم:

# نبي تجافى جنبه عن فراشه

# إذا استثقلت بالمشركين المضاجع

# والمشهور أن المراد بذلك التجافي القيام لصلاة النوافل بالليل وهو قول
~~الحسن ومجاهد ومالك والأوزاعي وغيرهم، وفي الأخبار الصحيحة ما يشهد له،
~~أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه ومحمد بن نصر في «كتاب
~~الصلاة» وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في
~~«شعب الإيمان» عن معاذ بن جبل قال:

# " كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت يوما قريبا منه
~~ونحن نسير فقلت: يا نبي الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من
~~النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم وأنه يسير على من يسره الله تعالى عليه
~~تعبد الله ولا ms08343 تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج
~~البيت ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة والصدقة تطفىء
~~الخطيئة وصلاة الرجل في جوف الليل ثم قرأ { تتجافى جنوبهم عن
~~المضاجع } حتى بلغ { يعملون } "

# [السجدة: 16-17] الحديث.

# وقال أبو الدرداء وقتادة والضحاك هو أن يصلي الرجل العشاء والصبح في
~~جماعة، وعن الحسن وعطاء هو أن لا ينام الرجل حتى يصلي العشاء، أخرج
~~الترمذي وصححه وابن جرير وغيرهما عن أنس قال: إن هذه الآية { تتجافى
~~جنوبهم عن المضاجع } نزلت في انتظار الصلاة التي تدعي
~~العتمة، وفي رواية أخرى عنه أنه قال فيها: نزلت فينا معاشر الأنصار كنا
~~نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي صلى الله
~~عليه وسلم، وقيل: هو أن يصلي الرجل المغرب ويصلي بعدها إلى العشاء، فقد
~~أخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» وابن عدي وابن مردويه عن مالك بن
~~دينار قال: سألت أنس بن مالك عن هذه الآية { تتجافى جنوبهم
~~عن المضاجع } قال: كان قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~من المهاجرين الأولين يصلون المغرب ويصلون بعدها إلى عشاء الآخرة فنزلت
~~هذه الآية فيهم، وقال قتادة وعكرمة: هو أن يصلي الرجل ما بين المغرب
~~والعشاء؛ واستدل له بما أخرجه محمد بن نصر عن عبد الله بن عيسى قال: كان
~~ناس من الأنصار يصلون ما بين المغرب والعشاء فنزلت فيهم { تتجافى
~~جنوبهم عن المضاجع }.

# وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية:
~~تتجافى جنوبهم لذكر الله تعالى كلما استيقظوا ذكروا الله عز وجل إما في
~~الصلاة وإما في قيام أو قعود أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون الله تعالى،
~~وروى نحوه هو. ومحمد بن نصر عن الضحاك والجمهور عولوا على ما هو المشهور،
~~وفي فضل التهجد ما لا يحصى من الأخبار وأفضله على ما نص عليه غير واحد ما
~~كان في الأسحار.

# { يدعون ربهم } حال من ضمير { جنوبهم } وقد أضيف إليه ms08344 ما
~~هو جزء، وجوز على احتمال كون جملة { تتجافى } الخ حالية أن تكون
~~حالا ثانية مما جعلت تلك حالا منه وعلى احتمال كونها خبرا ثانيا
~~للمبتدأ أن تكون خبرا ثالثا، وجوز كونها مستأنفة، والظاهر أن المراد
~~بدعائهم ربهم سبحانه المعنى المتبادر، وقيل: المراد به الصلاة { خوفا
~~} أي خائفين من سخطه تعالى وعذابه عز وجل وعدم قبول عبادتهم { وطمعا
~~} / في رحمته تبارك وتعالى فالمصدران حالان من ضمير { يدعون } وجوز
~~أن يكونا مصدرين لمقدر أي يخافون خوفا ويطمعون طمعا وتكون الجملة
~~حينئذ حالا، وأن يكونا مفعولا له ولا يخفى أن الآية على الحالية أمدح.
~~{ ومما رزقنهم } إياه من المال { ينفقون } في وجوه
~~الخير.

### || [32.17]

# { فلا تعلم نفس } أي كل نفس من النفوس لا ملك مقرب ولا نبي
~~مرسل فضلا عمن عداهم فإن النكرة في سياق النفي تعم، والفاء سببية أو
~~فصيحة أي أعطوا فوق رجاءهم فلا تعلم نفس { ما أخفى لهم } أي
~~لأولئك الذين عددت نعوتهم الجليلة { من قرة أعين } أي مما تقر
~~به أعين، وفي إضافة القرة إلى الأعين على الإطلاق لا إلى أعينهم تنبيه
~~على أن ما أخفي لهم في غاية الحسن والكمال. وروى الشيخان وغيرهما عن أبي
~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى:

# " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب
~~بشر بله ما أطلعتكم عليه اقرؤا إن شئتم { فلا تعلم نفس ما
~~أخفى لهم من قرة أعين } "

# وأخرج القريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم
~~والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: إنه لمكتوب في التوراة: لقد
~~أعد الله تعالى للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين ولم تسمع
~~أذن ولم يخطر على قلب بشر ولا يعلم ملك مقرب ولا نبي مرسل وإنه لفي
~~القرآن { فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة
~~أعين }.

# { جزاء بما كانوا يعملون } أي جوزوا جزاء بسبب ما كانوا
~~يعملونه من الأعمال الصالحة فجزاء مفعول مطلق لفعل ms08345 مقدر والجملة مستأنفة.
~~وجوز جعلها حالية، وقيل: يجوز جعله مصدرا مؤكدا لمضمون الجملة
~~المتقدمة، وقيل: يجوز أن يكون مفعولا له لقوله تعالى: { لا تعلم
~~نفس } على معنى منعت العلم للجزاء أو لأخفي فإن إخفاءه لعلو شأنه، وعن
~~الحسن أنه قال: أخفى القوم أعمالا في الدنيا فأخفى الله تعالى لهم ما لا
~~عين رأت ولا أذن سمعت أي أخفي ذلك ليكون الجزاء من جنس العمل. وفي
~~«الكشف» أن هذا يدل على أن الفاء في قوله تعالى: { فلا تعلم }
~~رابطة للاحق بالسابق وأصله فلا يعلمون والعدول لتعظيم الجزاء، وعدم ذكر
~~الفاعل في { أخفى } ترشيح له لأن جازيه من هو العظيم وحده فلا يذهب
~~وهل إلى غيره سبحانه اه فتأمل.

# وقرأ حمزة ويعقوب والأعمش { أخفى } بسكون الياء فعلا مضارعا للمتكلم،
~~وابن مسعود { نخفى } بنون العظمة، والأعمش أيضا { أخفيت } بالإسناد إلى
~~ضمير المتكلم وحده، ومحمد بن كعب { أخفى } فعلا ماضيا مبنيا للفاعل. و
~~{ ما } في جميع ذلك اسم موصول مفعول { تعلم } والعلم بمعنى المعرفة
~~والعائد الضمير المستتر النائب عن الفاعل على قراءة الجمهور وضميره محذوف
~~على غيرها، وقال أبو البقاء: يجوز أن تكون { ما } استفهامية وموضعها رفع
~~بالابتداء و { أخفى لهم } خبره على قراءة من فتح الياء وعلى قراءة
~~من سكنها وجعل { أخفى } مضارعا يكون { ما } في موضع نصب بأخفى
~~ويعلم منه حالها على سائر القراءات، وإذا كانت استفهامية يجوز أن يكون
~~العلم بمعنى المعرفة وأن يكون على ظاهره فيتعدى لمفعولين تسد الجملة
~~الاستفهامية مسدهما، وعلى كل من احتمالي الموصولية والاستفهامية فالإبهام
~~للتعظيم. وقرأ عبد الله وأبو الدرداء وأبو هريرة وعون والعقيلي { من قرات
~~} على الجمع بالألف والتاء، وهي رواية عن أبي عمرو وأبي جعفر والأعمش،
~~وجمع المصدر أو اسمه لاختلاف أنواع القرة، والجار والمجرور في موضع
~~الحال.

### || [32.18]

# { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا } أي أبعد ظهور ما
~~بينهما من التباين البين يتوهم كون المؤمن الذي حكيت أوصافه الفاضلة
~~كالفاسق الذي ذكرت أحواله القبيحة العاطلة، وأصل الفسق الخروج من فسقت
~~الثمرة إذا خرجت ms08346 من قشرها ثم استعمل في الخروج عن الطاعة وأحكام الشرع
~~مطلقا فهو أعم من الكفر وقد يخص به كما في قوله تعالى:

# ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفسقون

# [النور: 55] وكما هنا لمقابلته بالمؤمن مع ما ستسمعه بعد إن شاء الله
~~تعالى. { لا يستوون } التصريح به مع إفادة الإنكار لنفي المشابهة
~~بالمرة على أبلغ وجه وآكده لزيادة التأكيد وبناء التفصيل الآتي عليه،
~~والجمع باعتبار معنى من كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها، وقيل:
~~الضمير لاثنين وهما المؤمن والكافر والتثنية جمع.

### || [32.19]

# { أما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فلهم
~~جنت المأوى } تفصيل لمراتب الفريقين بعد نفي استوائهما وقيل:
~~بعد ذكر أحوالهما في الدنيا، وأضيفت الجنان إلى المأوى لأنها المأوى
~~والمسكن الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنه لا محالة، وقيل: المأوى علم
~~لمكان مخصوص من الجنان كعدن، وقيل: جنة المأوى لما روي عن ابن عباس، أنها
~~تأوي إليها أرواح الشهداء، وروي أنها عن يمين العرش ولا يخفى ما في جعله
~~علما من البعد وأيا ما كان فلا يبعد أن يكون فيه رمز إلى ما ذكر من
~~تجافيهم عن مضاجعهم التي هي مأواهم في الدنيا. وقرأ طلحة { جنة
~~المأوى } بالإفراد.

# { نزلا } أي ثوابا وهو في الأصل ما يعد للنازل من الطعام والشراب
~~والصلة ثم عم كل عطاء، وانتصابه على أنه حال من { جنت } والعامل
~~فيه الظرف، وجوز أن يكون جمع نازل فيكون حالا من ضمير { الذين
~~ءامنوا } وقرأ أبو حيوة { نزلا } بإسكان الزاي كما في قوله:

# وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا

# جعلنا القنا والمرهفات له نزلا

# { بما كانوا يعملون } أي بسبب الذي كانوا يعملونه في الدنيا
~~من الأعمال الصالحة على أن ما موصولة والعائد محذوف والباء سببية، وكون
~~ذلك سببا بمقتضى فضله تعالى ووعده عز وجل فلا ينافي حديث

# " لا يدخل أحدكم الجنة بعمله "

# ويجوز أن تكون الباء للمقابلة والمعاوضة كعلى في نحو بعتك الدار على ألف
~~درهم أي فلهم ذلك على الذي كانوا يعملونه.

### || [32.20]

# { وأما الذين فسقوا } أي خرجوا عن الطاعة فكفروا ms08347 وارتكبوا
~~المعاصي { فمأواهم } أي فمسكنهم ومحلهم { النار } وذكر بعضهم أن
~~المأوى صار متعارفا فيما يكون ملجأ للشخص ومستراحا يستريح إليه من الحر
~~والبرد ونحوهما فإذا أريد هنا يكون في الكلام استعارة تهكمية كما في قوله
~~تعالى:

# فبشرهم بعذاب أليم

# [آل عمران: 21]، وجوز أن يكون استعمال ذلك من باب المشاكلة لأنه لما ذكر
~~في أحد القسمين

# فلهم جنت المأوى

# [السجدة: 19] ذكر في الآخر { فمأواهم النار }.

# { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا } استئناف
~~لبيان كيفية كون النار مأواهم والكلام على حد قوله تعالى:

# جدارا يريد أن ينقض

# [الكهف: 77] على ما قيل، والمعنى كلما شارفوا الخروج منها وقربوا منه
~~أعيدوا فيها ودفعوا إلى قعرها، فقد روي أنهم يضربهم لهب النار فيرتفعون
~~إلى أعلاها حتى إذا قربوا من بابها وأرادوا أن يخرجوا منها يضربهم اللهب
~~فيهوون إلى قعرها وهكذا يفعل بهم أبدا، وقيل: الكلام على ظاهره إلا أن
~~فيه حذفا أي / كلما أرادوا أن يخرجوا منها فخرجوا من معظمها أعيدوا
~~فيها، ويشير إلى أن الخروج من معظمها قوله تعالى: { فيها } دون إليها،
~~أن يكون الكلام هنا عبارة عن خلودهم فيها، وأيا ما كان لا منافاة بين
~~هذه الآية وقوله تعالى:

# وما هم بخرجين من النار

# [البقرة: 167].

# { وقيل لهم } تشديدا عليهم وزيادة في غيظهم. { ذوقوا عذاب
~~النار الذي كنتم به } أي بعذاب النار { تكذبون } على
~~الاستمرار في الدنيا وأظهرت النار مع تقدمها قبل لزيادة التهديد والتخويف
~~وتعظيم الأمر، وذكر ابن الحاجب في «أماليه» وجها آخر للإظهار وهو أن
~~الجملة الواقعة بعد القول حكاية لما يقال لهم يوم القيامة عند إرادتهم
~~الخروج من النار فلا يناسب ذلك وضع الضمير إذ ليس القول حينئذ مقدما
~~عليه ذكر النار وإنما ذكرها سبحانه قبل إخبارا عن أحوالهم، ونظر فيه
~~الطيبي عليه الرحمة بأن هذا القول داخل أيضا في حيز الإخبار لعطفه على
~~{ أعيدوا } الواقع جوابا لكلما فكما جاز الإضمار في المعطوف عليه
~~جاز فيه أيضا إن لم يقصد زيادة التهديد والتخويف. ورد بأن المانع أنه
~~حكاية لما يقال لهم ms08348 يوم القيامة والأصل في الحكاية أن تكون على وفق
~~المحكي عنه دون تغيير ولا إضمار في المحكي لعدم تقدم ذكر النار فيه.
~~وتعقب بأنه قد يناقش فيه بأن مراده أنه يجوز رعاية المحكي والحكاية وكما
~~أن الأصل رعاية المحكي الأصل الإضمار إذا تقدم الذكر فلا بد من مرجح.

# وقال بعض المحققين: أراد ابن الحاجب أن الإظهار هو المناسب في هذه
~~الجملة نظرا إلى ذاتها ونظرا إلى سياقها أما الأول: فلأنها تقال من غير
~~تقدم ذكر النار، وأما الثاني: فلأن سياق الآية للتهديد والتخويف وتعظيم
~~الأمر وفي الإظهار من ذلك ما ليس في الإضمار وهذا بعيد من أن يرد عليه
~~نظر الطيبي، والإنصاف أن كلا ن الإضمار والإظهار جائز وأنه رجح الإظهار
~~اقتضاء السياق لذلك.

# ونقل عن الراغب ما يدل على أن المقام في هذه الآية مقام الضمير حيث ذكر
~~عنه أنه قال في «درة التنزيل»: إنه تعالى قال ههنا { ذوقوا عذاب
~~النار الذي كنتم به تكذبون } وقال سبحانه في آية أخرى:

# عذاب النار التى كنتم بها تكذبون

# [سبأ: 42] فذكر جل وعلا ههنا وأنث سبحانه هناك والسر في ذلك أن النار
~~ههنا وقعت موقع الضمير والضمير لا يوصف فأجرى الوصف على العذاب المضاف
~~إليها وهو مذكر وفي تلك الآية لم يجر ذكر النار في سياقها فلم تقع النار
~~موقع الضمير فأجرى الوصف عليها وهي مؤنثة دون العذاب فتأمل.

### || [32.21]

# { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } أي الأقرب، وقيل:
~~الأقل وهو عذاب الدنيا فإنه أقرب من عذاب الآخرة وأقل منه، واختلف في
~~المراد به فروى النسائي وجماعة وصححه الحاكم عن ابن مسعود أنه سنون
~~أصابتهم، وروي ذلك عن النخعي ومقاتل، وروى الطبراني وآخرون وصححه والحاكم
~~عن ابن مسعود أيضا أنه ما أصابهم يوم بدر وروي نحوه عن الحسن بن علي رضي
~~الله تعالى عنهما بلفظ هو القتل بالسيف نحو يوم بدر، وعن مجاهد القتل
~~والجوع. وأخرج مسلم وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند». وأبو عوانة في
~~«صحيحه»، وغيرهم عن أبي بن كعب أنه ms08349 قال: هو مصائب الدنيا والروم والبطشة
~~والدخان، وفي لفظ مسلم أو الدخان. وأخرج ابن المنذر وابن جرير عن ابن
~~عباس أنه قال: هو مصائب الدنيا وأسقامها وبلاياها، وفي رواية عنه وعن
~~الضحاك وابن زيد بلفظ مصائب الدنيا في الأنفس والأموال، وفي معناه ما
~~أخرج ابن مردويه عن أبي إدريس الخولاني قال: سألت عبادة بن الصامت عن
~~قوله تعالى: { ولنذيقنهم } الآية فقال: سألت رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم عنها فقال عليه الصلاة والسلام: هي المصائب والأسقام والآصار
~~عذاب للمسرف / في الدنيا دون عذاب الآخرة قلت: يا رسول الله فما هي لنا؟
~~قال: زكاة وطهور، وفي رواية عن ابن عباس أنه الحدود. وأخرج هنا عن أبي
~~عبيدة أنه فسره بعذاب القبر، وحكي عن مجاهد أيضا.

# { دون العذاب الأكبر } هو عذاب يوم القيامة كما روي عن ابن
~~مسعود وغيره، وقال ابن عطية لا خلاف في أنه ذلك، وفي «التحرير» إن أكثرهم
~~على أن العذاب الأكبر عذاب يوم القيامة في النار، وقيل: هو القتل والسبي
~~والأسر، وعن جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما أنه خروج المهدي بالسيف
~~انتهى، وعليهما يفسر العذاب الأدنى بالسنين أو الأسقام أو نحو ذلك مما
~~يكون أدنى مما ذكر، وعن بعض أهل البيت تفسيره بالدابة والدجال، والمعول
~~عليه ما عليه الأكثر. وإنما لم يقل الأصغر في مقابلة { الأكبر } أو
~~الأبعد في مقابلة { الأدنى } لأن المقصود هو التخويف والتهديد وذلك
~~إنما يحصل بالقرب لا بالصغر وبالكبر لا بالبعد، قاله النيسابوري ملخصا
~~له من كلام الإمام، وكذا أبو حيان إلا أنه قال: إن الأدنى يتضمن الأصغر
~~لأنه منقض بموت المعذب والأكبر يتضمن الأبعد لأنه واقع في الآخرة فحصلت
~~المقابلة من حيث التضمن وصرح بما هو آكد في التخويف.

# { لعلهم يرجعون } أي لعل من بقي منهم يتوب قاله ابن مسعود،
~~وقال الزمخشري: أو لعلهم يريدون الرجوع ويطلبونه كقوله تعالى:

# فارجعنا نعمل صلحا

# [السجدة: 12] وسميت إرادة الرجوع رجوعا كما سميت إرادة القيام قياما
~~في قوله تعالى:

# إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ms08350

# [المائدة: 6] ويدل عليه قراءة من قرأ { يرجعون } على البناء
~~للمفعول انتهى. وهو على ما حكي عن مجاهد وروي عن أبي عبيدة فيتعلق {
~~لعلهم } الخ بقوله تعالى: { ولنذيقنهم من العذاب
~~الأدنى } كما في الأول إلا أن الرجوع هنالك التوبة وههنا الرجوع إلى
~~الدنيا ويكون من باب

# فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا

# [القصص: 8] أو يكون الترجي راجعا إليهم، ووجه دلالة القراءة المذكورة
~~عليه أنه لا يصح الحمل فيها على التوبة، والظاهر التفسير المأثور،
~~والقراءة لا تأباه لجواز أن يكون المعنى عليها لعلهم يرجعهم ذلك العذاب
~~عن الكفر إلى الإيمان، و { لعل } لترجي المخاطبين كما فسرها بذلك
~~سيبويه، وعن ابن عباس تفسيرها هنا بكي وكأن المراد كي نعرضهم بذلك
~~للتوبة، وجعلها الزمخشري لترجيه سبحانه ولاستحالة حقيقة ذلك منه عز وجل
~~حمله على إرادته تعالى، وأورد على ذلك سؤالا أجاب عنه على مذهبه في
~~الاعتزال فلا تلتفت إليه.

# هذا والآيات من قوله تعالى:

# أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا

# [السجدة: 18] إلى هنا نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه والوليد بن عقبة
~~بن أبي معيط أخي عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه لأمه أروى بنت كريز
~~بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أخرج أبو الفرج الأصبهاني في كتاب
~~«الأغاني» والواحدي وابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر من طرق عن
~~ابن عباس قال: قال الوليد بن عقبة لعلي كرم الله تعالى وجهه أنا أحد منك
~~سنانا وأبسط منك لسانا وأملأ للكتيبة منك فقال علي رضي الله تعالى عنه:
~~اسكت فإنما أنت فاسق فنزلت { أفمن كان مؤمنا } الخ. وأخرج ابن
~~أبي حاتم عن السدي نحو ذلك، وأخرج هذا أيضا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى
~~أنها نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه والوليد بن عقبة ولم يذكر ما جرى،
~~وفي رواية أخرى عنه أنها نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه ورجل من قريش
~~ولم يسمه، وفي «الكشاف» «روي في نزولها أنه شجر بين علي رضي / الله تعالى
~~عنه والوليد ms08351 بن عقبة يوم بدر كلام فقال له الوليد: اسكت فإنك صبي أنا
~~أشب منك شبابا وأجلد منك جلدا وأذرب منك لسانا وأحد منك سنانا وأشجع
~~منك جنابا وأملأ منك حشوا في الكتيبة فقال له علي كرم الله تعالى وجهه:
~~اسكت فإنك فاسق فنزلت»، ولم نره بهذا اللفظ مسندا، وقال الخفاجي: قال
~~ابن حجر إنه غلط فاحش فإن الوليد لم يكن يوم بدر رجلا بل كان طفلا لا
~~يتصور منه حضور بدر وصدور ما ذكر. ونقل الجلال السيوطي عن الشيخ ولي
~~الدين هو غير مستقيم فإن الوليد يصغر عن ذلك.

# وأقول: بعض الأخبار تقتضي أنه لم يكن مولودا يوم بدر أو كان صغيرا
~~جدا، أخرج أبو داود في «السنن» من طريق ثابت بن الحجاج عن أبي موسى عبد
~~الله الهمداني عنه أنه قال: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة
~~جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيمسح على رؤوسهم فأتى بي إليه عليه الصلاة
~~والسلام وأنا مخلق فلم يمسني من أجل الخلوق إلا أن ابن عبد البر قال: إن
~~أبا موسى مجهول، وأيضا ذكر الزبير وغيره من أهل العلم بالسير أن أم
~~كلثوم بنت عقبة لما خرجت مهاجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الهدنة
~~سنة سبع خرج أخواها الوليد وعمارة ليرداها، وهو ظاهر في أنه لم يكن صبيا
~~يوم الفتح إذ من يكون كذلك كيف يكون ممن خرج ليرد أخته قبل الفتح، وبعض
~~الأخبار تقتضي أنه كان رجلا يوم بدر، فقد ذكر الحافظ ابن حجر في كتابه
~~«الإصابة» «أنه قدم في فداء ابن عم أبيه الحرث بن أبي وجرة بن أبي عمرو
~~بن أمية وكان أسر يوم بدر فافتداه بأربعة آلاف وقال: حكاه أهل المغازي»
~~ولم يتعقبه بشيء، وسوق كلامه ظاهر في ارتضائه ووجه اقتضائه ذلك أن ما
~~تعاطاه من أفعال الرجال دون الصبيان، وهذا الذي ذكرناه عن ابن حجر يخالف
~~ما ذكره عنه الخفاجي عليه الرحمة مما مر آنفا، ولا ينبغي أن يقال: يجوز
~~أن يكون صغيرا ms08352 ذلك اليوم صغرا يمكن معه عادة الحضور فحضر وجرى ما جرى
~~لأن وصفه بالفسق بمعنى الكفر والوعيد عليه بما سمعت في الآيات مع كونه
~~دون البلوغ مما لا يكاد يذهب إليه إلا من يلتزم أن التكليف بالإيمان إذ
~~ذاك كان مشروطا بالتمييز، ولا أن يقال: يجوز أن تكون هذه القصة بعد
~~إسلامه وقد أطلق عليه فاسق وهو مسلم في قوله تعالى:

# يا أيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبإ
~~فتبينوا

# [الحجرات: 6] فقد قال ابن عبد البر: لا خلاف بين أهل العلم بتأويل
~~القرآن أنها نزلت فيه حيث أنه صلى الله عليه وسلم بعثه مصدقا إلى بني
~~المصطلق فعاد وأخبر أنهم ارتدوا ومنعوا الصدقة ولم يكن الأمر كذلك لأن
~~الفسق ههنا بمعنى الكفر وهناك ليس كذلك، ثم اعلم أن القول بأنها نزلت في
~~علي كرم الله تعالى وجهه والوليد لكلام جرى يوم بدر يقتضي أنها مدنية
~~والمختار عند بعضهم خلافه.

### || [32.22]

# { ومن أظلم ممن ذكر بئايت ربه ثم أعرض
~~عنها } بيان إجمالي لمن قابل آيات الله تعالى بالإعراض بعد بيان حال
~~من قابلها بالسجود والتسبيح والتحميد، وكلمة { ثم } لاستبعاد الإعراض
~~عنها عقلا مع غاية وضوحها وإرشادها إلى سعادة الدارين كما في قول جعفر
~~بن علية الحارثي:

# ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة

# يرى غمرات الموت ثم يزورها

# والمراد أن ذلك أظلم من كل ظالم { إنا من المجرمين } قيل: أي
~~من كل من اتصف بالإجرام وكسب الأمور المذمومة وإن لم يكن بهذه المثابة {
~~منتقمون } فكيف ممن هو أظلم ممن هو أظلم من كل ظالم وأشد جرما من
~~كل جارم، ففي الجملة إثبات الانتقام منه بطريق برهاني. / وجوز أن يراد
~~بالمجرم المعرض المذكور وقد أقيم المظهر مقام المضمر الراجع إلى { من }
~~باعتبار معناها وكان الأصل إنا منهم منتقمون ليؤذن بأن علة الانتقام
~~ارتكاب هذا المعرض مثل هذا الجرم العظيم: وفسر البغوي المجرمين هنا
~~بالمشركين. وقال الطيبي عليه الرحمة بعد حكايته: ولا ارتياب أن الكلام
~~في ذم المعرضين وهذا الأسلوب أذم لأنه يقرر أن ms08353 الكافر إذا وصف بالظلم
~~والإجرام حمل على نهاية كفره وغاية تمرده ولأن هذه الآية كالخاتمة لأحوال
~~المكذبين القائلين:

# أم يقولون افتراه

# [السجدة: 3] والتخلص إلى قصة الكليم مسلاة لقلب الحبيب عليهما الصلاة
~~والسلام إلى آخر ما ذكره فليراجع.

### || [32.23]

# { ولقد ءاتينا موسى الكتب } أي جنس الكتاب { فلا
~~تكن فى مرية } أي شك وقرأ الحسن { مرية } بضم الميم { من
~~لقائه } أي لقائك ذلك الجنس على أن لقاء مصدر مضاف إلى المفعول
~~وفاعله محذوف وهو ضمير النبي صلى الله عليه وسلم والضمير المذكور للكتاب
~~المراد به الجنس وإيتاء ذلك الجنس باعتبار إيتاء التوراة ولقاؤه باعتبار
~~لقاء القرآن، وهذا كقوله تعالى:

# وإنك لتلقى القرءان من لدن حكيم عليم

# [النمل: 6] وقوله سبحانه:

# ونخرج له يوم القيمة كتابا يلقه منشورا

# [الإسراء: 13] وحمل بعضهم { الكتب } على العهد أي الكتاب المعهود
~~وهو التوراة ولما لم يصح عود الضمير إليه ظاهرا لأنه عليه الصلاة
~~والسلام لم يلق عين ذلك الكتاب قيل: الكلام على تقدير مضاف أي لقاء مثله
~~أو على الاستخدام أو أن الضمير راجع إلى القرآن المفهوم منه، ولا يخفى ما
~~في كل من البعد، والمعنى أنا آتينا موسى مثل ما آتيناك من الكتاب ولقيناه
~~من الوحي مثل ما لقيناك من الوحي فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله ونظيره،
~~وخلاصة ما تؤذن به الفاء التفريعية ان معرفتك بأن موسى عليه السلام أوتي
~~التوراة ينبغي أن تكون سببا لإزالة الريب عنك في أمر كتابك؛ ونهيه عليه
~~الصلاة والسلام عن أن يكون في شك المقصود منه نهي أمته صلى الله عليه
~~وسلم والتعريض بمن اتصف بذلك، وقيل: المصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول
~~محذوف هو ضميره عليه الصلاة والسلام أي من لقائه إياك ووصوله إليك، وفي
~~التعبير باللقاء دون الإيتاء من تعظيم شأنه صلى الله عليه وسلم ما لا
~~يخفى على المتدبر، وقد يقال: إن التعبير به على الوجه السابق مؤذن
~~بالتعظيم أيضا لكن من حيثية أخرى فتدبر. وقيل: الكتاب التوراة وضمير {
~~لقائه } عائد إليه من غير تقدير مضاف ms08354 ولا ارتكاب استخدام، ولقاء مصدر
~~مضاف إلى مفعوله وفاعله موسى أي من لقاء موسى الكتاب أو مضاف إلى فاعله
~~ومفعوله موسى أي من لقاء الكتاب موسى ووصوله إليه، فالفاء مثلها في قوله:

# ليس الجمال بمئزر

# فاعلم وان رديت بردا

# دخلت على الجملة المعترضة بدل الواو اهتماما بشأنها، وعن الحسن أن ضمير
~~{ لقائه } عائد على ما تضمنه الكلام من الشدة والمحنة التي لقي موسى
~~عليه السلام فكأنه قيل: ولقد آتينا موسى هذا العبء الذي أنت بسبيله فلا
~~تمتر أنك تلقى ما لقى هو من الشدة والمحنة بالناس.

# والجملة اعتراضية ولا يخفى بعده، وأبعد منه بمراحل ما قيل: الضمير لملك
~~الموت الذي تقدم ذكره والجملة اعتراضية أيضا، بل ينبغي أن يجل كلام الله
~~تعالى عن مثل هذا التخريج.

# وأخرج الطبراني وابن مردويه والضياء في «المختارة» بسند صحيح عن ابن
~~عباس أنه قال في الآية: أي من لقاء موسى. وأخرج ابن المنذر وغيره عن
~~مجاهد نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم / عن أبي العالية أنه قال كذلك فقيل
~~له: أو لقي عليه الصلاة والسلام موسى؟ قال: نعم ألا ترى إلى قوله تعالى:

# واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا

# [الزخرف: 45] وأراد بذلك لقاءه صلى الله عليه وسلم إياه ليلة الإسراء
~~كما ذكر في «الصحيحين» وغيرهما، وروي نحو ذلك عن قتادة وجماعة من السلف،
~~وقاله المبرد حين امتحن الزجاج بهذه الآية، وكأن المراد من قوله تعالى: {
~~فلا تكن في مرية من لقآئه } على هذا وعده تعالى نبيه
~~عليه الصلاة والسلام بلقاء موسى وتكون الآية نازلة قبل الإسراء، والجملة
~~اعتراضية بالفاء بدل الواو كما سمعت آنفا. وجعلها مفرعة على ما قبلها
~~غير ظاهر، وبهذا اعترض بعضهم على هذا التفسير، وبالفرار إلى الإعراض
~~سلامة من الاعتراض وكأنى بك ترجحه على التفسير الأول من بعض الجهات والله
~~تعالى الموفق.

# { وجعلناه } أي الكتاب الذي آتيناه موسى، وقال قتادة: أي وجعلنا
~~موسى عليه السلام { هدى } أي هاديا من الضلال { لبنى إسرءيل }
~~خصوا بالذكر لما أنهم أكثر المنتفعين به، وقيل: لأنه ms08355 لم يتعبد بما في
~~كتابه عليه الصلاة والسلام ولد اسماعيل صلى الله عليه وسلم.

### || [32.24]

# { وجعلنا منهم أئمة } قال قتادة: رؤساء في الخير سوى
~~الأنبياء عليهم السلام، وقيل: هم الأنبياء الذين كانوا في بني إسرائيل {
~~يهدون } بقيتهم بما في تضاعيف الكتاب من الحكم والأحكام إلى طريق
~~الحق أو يهدونهم إلى ما فيه من دين الله تعالى وشرائعه عز وجل {
~~بأمرنا } إياهم بأن يهدوا على أن الأمر واحد الأوامر، وهذا على
~~القول بأنهم أنبياء ظاهر، وأما على القول بأنهم ليسوا بأنبياء فيجوز أن
~~يكون أمره تعالى إياهم بذلك على حد أمر علماء هذه الأمة بقوله تعالى:

# ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون
~~بالمعروف

# [آل عمران: 104] الآية. وجوز أن يكون الأمر واحد الأمور والمراد يهدون
~~بتوفيقنا { لما صبروا } قال قتادة: على ترك الدنيا؛ وجوز غيره أن
~~يكون المراد لما صبروا على مشاق الطاقة ومقاساة الشدائد في نصرة الدين، و
~~{ لما } يحتمل أن تكون هي التي فيها معنى الجزاء نحو لما أكرمتني
~~أكرمتك أي لما صبروا جعلنا أئمة، ويحتمل على تكون هي التي بمعنى الحين
~~الخالية عن معنى الجزاء، والظاهر أنه حينئذ ظرف لجعلنا أي جعلناهم أئمة
~~حين صبروا، وجوز أبو البقاء كونها ظرفا ليهدون.

# وقرأ عبد الله وطلحة والأعمش وحمزة والكسائي ورويس { لما } بكسر
~~اللام وتخفيف الميم على أن اللام للتعليل و(ما) مصدرية أي لصبرهم وهو
~~متعلق بجعلنا أو بيهدون. وقرأ عبد الله أيضا { بما } بالباء السببية
~~و(ما) المصدرية أي بسبب صبرهم.

# { وكانوا بايتنا } التي في تضاعيف الكتاب، وقيل: المراد بها
~~ما يعم الآيات التكوينية، والجار متعلق بقوله تعالى: { يوقنون } أي
~~كانوا يوقنون بها لإمعانهم فيها النظر لا بغيرها من الأمور الباطلة، وهو
~~تعريض بكفرة أهل مكة، والجملة معطوفة على { صبروا } فتكون داخلة في
~~حيز { لما } وجوز أن تكون معطوفة على { جعلنا } وأن تكون في موضع
~~الحال من ضمير { صبروا }. والمراد كذلك لنجعلن الكتاب الذي آتيناكه
~~أو لنجعلنك هدى لأمتك ولنجعلن منهم أئمة يهدون مثل تلك الهداية.

### || [32.25]

# { إن ربك هو ms08356 يفصل } أي يقضي { بينهم } قيل: بين
~~الأنبياء عليهم السلام وأممهم، / وقيل: بين المؤمنين والمشركين { يوم
~~القيمة } فيميز سبحانه بين المحق والمبطل { فيما كانوا فيه
~~يختلفون } من أمور الدين.

### || [32.26]

# { أو لم يهد لهم } الهمزة للإنكار والواو للعطف على منوي
~~يقتضيه المقام ويناسب المعطوف معنى على ما اختاره غير واحد، وفعل الهداية
~~إما من قبيل فلان يعطي في أن المراد إيقاع نفس الفعل بلا ملاحظة المفعول،
~~وإما بمعنى التبيين والمفعول محذوف والفاعل ضمير عائد إلى ما في الذهن
~~ويفسره قوله تعالى: { كم أهلكنا من قبلهم من القرون }
~~وكم في محل نصب بأهلكنا أي أغفلوا ولم يفعل الهداية لهم أو ولم يبين لهم
~~مآل أمرهم أو طريق الحق كثرة من أهلكنا أو كثرة إهلاك من أهلكنا من
~~القرون الماضية مثل عاد وثمود وقوم لوط، ولا يجوز أن تكون { كم } فاعلا
~~لصدارتها كما نص على ذلك الزجاج حاكيا له عن البصريين، وقال الفراء: كم
~~في موضع رفع بيهد كأنك قلت: أو لم يهد لهم القرون الهالكة فيتعظوا ولا أن
~~يكون محذوفا لأن الفاعل لا يحذف إلا في مواضع مخصوصة ليس هذا منها ولا
~~مضمرا عائدا إلى ما بعد لأنه يلزم عود الضمير إلى متأخر لفظا ورتبة في
~~غير محل جوازه، ولا الجملة نفسها لأنها لا تقع فاعلا على الصحيح إلا إذا
~~قصد لفظها نحو تعصم لا إله إلا الله الدماء والأموال، وجوز أن يكون
~~الفاعل ضميره تعالى شأنه لسبق ذكره سبحانه في قوله تعالى:

# إن ربك

# [السجدة: 25] الخ وأيد بقراءة زيد { نهد لهم } بنون العظمة، قال
~~الخفاجي: والفعل بكم عن المفعول وهو مضمون الجملة لتضمنه معنى العلم فلا
~~تغفل.

# { يمشون فى مسكنهم } أي يمرون في متاجرهم على ديارهم
~~وبلادهم ويشاهدون آثار هلاكهم، والجملة حال من ضمير { لهم } ، وقيل:
~~من { القرون } ، والمعنى أهلكناهم حال غفلتهم، وقيل: مستأنفة بيان
~~لوجه هدايتهم. وقرأ ابن السميقع { يمشون } بالتشديد على أنه تفعيل من
~~المشي للتكثير { إن فى ذلك } أي فيما ذكر من إهلاكنا للأمم
~~الخالية العاتية أو في ms08357 مساكنهم { لأيات } عظيمة في أنفسها كثيرة في
~~عددها { أفلا يسمعون } هذه الآيات سماع تدبر واتعاظ.

### || [32.27]

# { أو لم يروا } الكلام فيه كالكلام في

# أو لم يهد

# [السجدة: 26] أي أعموا ولم يشاهدوا { أنا نسوق الماء } بسوق
~~السحاب الحامل له، وقيل: نسوق نفس الماء بالسيول، وقيل: بإجرائه في
~~الأنهار ومن العيون { إلى الأرض الجرز } أي التي جرز نباتها أي
~~قطع إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل كما في «الكشاف». وفي «مجمع
~~البيان» الأرض الجرز اليابسة التي ليس فيها نبات لانقطاع الأمطار عنها من
~~قولهم: سيف جراز أي قطاع لا يبقى شيئا إلا قطعه وناقة جراز إذا كانت
~~تأكل كل شيء فلا تبقي شيئا إلا قطعته بفيها ورجل جروز أي أكول، قال
~~الراجز:

# خب جروز وإذا جاع بكى

# وقال الراغب: الجرز منقطع النبات من أصله وأرض مجروزة أكل ما عليها، وفي
~~مثل لا ترضى شانئة إلا بجرزة أي بالاستئصال، والجارز الشديد من السعال
~~تصور منه معنى الجرز وهو القطع بالسيف اه، ويفهم مما قاله أن الجرز يطلق
~~على ما انقطع نباته لكونه ليس / من شأنه الإنبات كالسباخ وهو غير مناسب
~~هنا لقوله تعالى: { فنخرج به زرعا } والظاهر أن المراد الأرض
~~المتصفة بهذه الصفة أي أرض كانت، وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنها قرى
~~بين اليمن والشام. وأخرج هو وابن جرير وابن المنذر وابن أبي شيبة عن ابن
~~عباس أنها أرض باليمن، وإلى عدم التعيين ذهب مجاهد، أخرج عنه جماعة أنه
~~قال: الأرض الجرز هي التي لا تنبت وهي أبين ونحوها من الأرض وقرىء {
~~الجرز } بسكون الراء، وضمير { به } للماء والكلام على ظاهره عند
~~السلف الصالح وقالت الأشاعرة: المراد فنخرج عنده، والزرع في الأصل مصدر
~~وعبر به عن المرزوع والمراد به ما يخرج بالمطر مطلقا فيشمل الشجر وغيره
~~ولذا قال سبحانه: { تأكل منه } أي من ذلك الزرع { أنعمهم
~~} كالتبن والقصيل والورق وبعض الحبوب المخصوصة بها { وأنفسهم }
~~كالبقول والحبوب التي يقتاتها الإنسان، وفي «البحر» يجوز أن يراد بالزرع
~~النبات المعروف وخص بالذكر تشريفا ms08358 له ولأنه أعظم ما يقصد من النبات،
~~ويجوز أن يراد به النبات مطلقا، وقدم الأنعام لأن انتفاعها مقصور على
~~ذلك والإنسان قد يتغذى بغيره ولأن أكلها منه مقدم لأنها تأكله قبل أن
~~يثمر ويخرج سنبله، وقيل ليترقى من الأدنى إلى الأشرف وهم بنو آدم. وقرأ
~~أبو حيوة وأبو بكر في رواية { يأكل } بالياء التحتية.

# { أفلا يبصرون } أي ألا يبصرون فلا يبصرون ذلك ليستدلوا به على
~~كمال قدرته تعالى وفضله عز وجل، وجعلت الفاصلة هنا { يبصرون } لأن
~~ما قبله مرئى وفيما قبله { يسمعون } لأن ما قبله مسموع، وقيل: ترقيا
~~إلى الأعلى في الاتعاظ مبالغة في التذكير ورفع العذر. وقرأ ابن مسعود {
~~تبصرون } بالتاء الفوقية.

### || [32.28]

# { ويقولون } على وجه التكذيب والاستهزاء { متى هذا
~~الفتح } أي الفصل للخصومة بينكم وبيننا، وكأن هذا متعلق بقوله تعالى:

# إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيمة فيما
~~كانوا فيه يختلفون

# [السجدة: 25] وقيل: أي النصر علينا، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن
~~قتادة قال: قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم إن لنا يوما يوشك أن نستريح
~~فيه وننتقم فيه فقال المشركون: متى هذا الفتح الخ فنزلت { ويقولون
~~متى هذا الفتح }  { إن كنتم صدقين } أي في أن الله
~~تعالى هو يفصل بين المحقين والمبطلين، وقيل: في أن الله تعالى ينصركم
~~علينا.

### || [32.29]

# { قل } تبكيتا لهم وتحقيقا للحق { يوم الفتح لا ينفع
~~الذين كفروا إيمنهم ولا هم ينظرون }. أخرج
~~الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد
~~قال: يوم الفتح يوم القيامة، وهو كما في «البحر» منصوب بلا ينفع، والمراد
~~بالذين كفروا إما أولئك القائلون المستهزئون فالإظهار في مقام الإضمار
~~لتسجيل كفرهم وبيان علة الحكم، وإما ما يعمهم وغيرهم وحينئذ يعلم حكم
~~أولئك المستهزئين بطريق برهاني، والمراد من قوله تعالى: { ولا هم
~~ينظرون } استمرار النفي، والظاهر أن الجملة عطف على { لا ينفع }
~~الخ والقيد معتبر فيها، وظاهر سؤالهم بقولهم

# متى هذا الفتح

# [السجدة: 28] يقتضي الجواب بتعيين اليوم المسؤول عنه إلا أنه لما كان
~~غرضهم ms08359 في السؤال عن وقت الفتح استعجالا منهم على وجه التكذيب والاستهزاء
~~أجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم فكأنه قيل لهم: لا تستعجلوا به ولا
~~تستهزؤوا فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان
~~واستنظرتم في إدراك العذاب فلم تنظروا، وهذا قريب من الأسلوب الحكيم.

# / هذا وتفسير { يوم الفتح } بيوم القيامة ظاهر على القول بأن
~~المراد بالفتح الفصل للخصومة فقد قال سبحانه:

# إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيمة

# [السجدة: 25] ولا يكاد يتسنى على القول بأن المراد به النصر على أولئك
~~القائلين إذا كانوا عانين به النصر والغلبة عليهم في الدنيا كما هو ظاهر
~~مما سمعت عن مجاهد، وعليه قيل: المراد بيوم الفتح يوم بدر، وأخرج ذلك
~~الحاكم وصححه والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما،
~~وقيل: يوم فتح مكة، وحكى ذلك عن الحسن ومجاهد، واستشكل كلا القولين بأن
~~قوله تعالى: { يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا
~~إيمنهم } ظاهر في عدم قبول الإيمان من الكافر يومئذ مع أنه آمن
~~ناس يوم بدر فقبل منهم وكذا يوم فتح مكة. وأجيب بأن الموصول على كل منهما
~~عبارة عن المقتولين في ذلك اليوم على الكفر، فمعنى لا ينفعهم إيمانهم
~~أنهم لا إيمان لهم حتى ينفعهم فهو على حد قوله:

# على لا حب لا يهتدي بمناره

# سواء أريد بهم قوم مخصوصون استهزؤوا أم لا وسواء عطف قوله تعالى: {
~~ولا هم ينظرون } على المقيد أو على المجموع فتأمل. وتعقب بأن ذلك
~~خلاف الظاهر، وأيضا كون يوم الفتح يوم بدر بعيد عن كون السورة مكية وكذا
~~كونه يوم فتح مكة، ويبعد هذا أيضا قلة المقتولين في ذلك اليوم جدا
~~تدبر.

### || [32.30]

# { فأعرض عنهم } ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم، وعن ابن عباس أن
~~ذلك منسوخ بآية السيف، ولا يخفى أنه يحتمل أن المراد الإعراض عن مناظرتهم
~~لعدم نفعها أو تخصيصه بوقت معين فلا يتعين النسخ. { وانتظر } النصرة
~~عليهم وهلاكهم { إنهم منتظرون } قال الجمهور: أي الغلبة عليكم
~~كقوله تعالى:

# فتربصوا إنا معكم متربصون ms08360

# [التوبة: 52] وقيل: الأظهر أن يقال: إنهم منتظرون هلاكهم كما في قوله
~~تعالى:

# هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من
~~الغمام

# [البقرة: 210] الآية، ويقرب منه ما قيل: وانتظر عذابنا لهم إنهم منتظرون
~~أي هذا حكمهم وإن كانوا لا يشعرون فإن استعجالهم المذكور وعكوفهم على ما
~~هم عليه من الكفر والمعاصي في حكم انتظارهم العذاب المترتب عليه لا
~~محالة. وقرأ اليماني { منتظرون } بفتح الظاء اسم مفعول على معنى
~~أنهم أحقاء أن ينتظر هلاكهم أو أن الملائكة عليهم السلام ينتظرونه
~~والمراد أنهم هالكون لا محالة.

# هذا ومن باب الإشارة: قوله تعالى:

# ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع

# [السجدة: 4] فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي الالتفات إلى الأسباب والاعتماد
~~عليها، وقوله سبحانه:

# يدبر الأمر من السماء إلى الأرض

# [السجدة: 5] فيه إشارة إلى أن تدبير العباد عند تدبيره عز وجل لا أثر له
~~فطوبى لمن رزق الرضا بتدبير الله تعالى واستغنى به عن تدبيره { الذى
~~أحسن كل شىء خلقه } فيه إرشاد إلى أنه لا ينبغي لأحد أن
~~يستقبح شيئا من المخلوقات، وقد حكي أن نوحا عليه السلام بصق على كلب
~~أجرب فأنطق الله تعالى الكلب فقال: يا نوح أعبتني أم عبت خالقي فناح عليه
~~السلام لذلك زمانا طويلا فالأشياء كلها حسنة كل في بابه والتفاوت
~~إضافي، وفي قوله تعالى:

# وبدأ خلق الإنسن من طين

# [السجدة: 7] إلى آخر الآية بعد قوله سبحانه: { الذى أحسن } الخ
~~إشارة إلى التنقل في أطوار الحسن والعروج في معارجه فكم بين الطين
~~والإنسان السميع البصير العالم فإن الإنسان مشكاة أنوار الذات والصفات
~~والطين بالنسبة إليه كلا شيء

# إنما يؤمن بئايتنا الذين إذا ذكروا بها
~~خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا
~~يستكبرون

# [السجدة: 15] إشارة إلى حال كاملي الإيمان وعلو شأن السجود والتسبيح
~~والتحميد والتواضع لعظمته عز وجل { تتجافى جنوبهم عن
~~المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا } إشارة إلى سهرهم
~~في مناجاة محبوبهم وملاحظة جلاله وجماله، وفي قوله: { ومما
~~رزقنهم } أي من المعارف وأنواع الفيوضات

# ينفقون

# [السجدة: 16] إشارة إلى ms08361 تكميلهم للغير بعد كمالهم في أنفسهم وذكر القوم
~~أن العذاب الأدنى الحرص على الدنيا والعذاب الأكبر العذاب على ذلك. وقال
~~بعضهم: الأول التعب في طلب الدنيا والثاني شتات السر، وقيل: الأول حرمان
~~المعرفة والثاني الاحتجاب عن مشاهدة المعروف، وقيل: الأول الهوان والثاني
~~الخذلان

# وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا
~~وكانوا بئايتنا يوقنون

# [السجدة: 24] فيه إشارة إلى ما ينبغي أن يكون المرشد عليه من الأوصاف
~~وهو الصبر على مشاق العبادات وأنواع البليات وحبس النفس عن ملاذ الشهوات
~~والإيقان بالآيات فمن يدعي الإرشاد وهو غير منصف بما ذكر فهو ضال مضلل {
~~فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون } [السجدة: 30]
~~فيه إشارة إلى أنه ينبغي الإعراض عن المنكرين المستهزئين بالعارفين
~~والسالكين إذا لم ينجع فيهم الإرشاد والنصيحة وإلى أنهم هالكون لا محالة
~~فإن الإنكار الذي لا يعذر صاحبه سم قاتل وسهم هدفه المقاتل نعوذ بالله
~~تعالى من الحور بعد الكور بحرمة حبيبه الأكرم صلى الله تعالى عليه وعلى
~~آله وصحبه وسلم.

### | [33 - سورة الأحزاب]

### || [33.1]

# { يا أيها النبي اتق الله } ناداه جل وعلا بوصفه عليه
~~الصلاة / والسلام دون اسمه تعظيما له وتفخيما قال في «الكشاف»: إنه
~~تعالى جعل نداءه من بين الأنبياء عليهم السلام بالوصف كرامة له عليه
~~الصلاة والسلام وتشريفا وربأ بمحله وتنويها بفضله، وأوقع اسمه في
~~الإخبار في قوله تعالى:

# محمد رسول الله

# [الفتح: 29]

# وما محمد إلا رسول

# [آل عمران: 144] لتعليم الناس بأنه رسول وتلقين لهم أن يسموه بذلك
~~ويدعوه به فلا تفاوت بين النداء والإخبار، ألا ترى إلى ما لم يقصد به
~~التعليم والتلقين من الإخبار كيف ذكره تعالى بنحو ما ذكره في النداء كما
~~في قوله تعالى:

# لقد جاءكم رسول من أنفسكم

# [التوبة: 128]

# وقال الرسول يرب

# [الفرقان: 30]

# النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم

# [الأحزاب: 6] إلى غير ذلك.

# وتعقبه في «الكشف» بأن أمر التعليم والتلقين في قوله تعالى:

# محمد رسول الله

# [الفتح: 29] ظاهر أما في قوله تعالى:

# وما محمد إلا رسول

# [آل عمران: 144] فلا، على أن قوله تعالى:

# وآمنوا بما نزل على ms08362 محمد

# [محمد: 2] ينقض ما بناه، نعم النداء يناسب التعظيم وربما يكون نداء سائر
~~الأنبياء عليهم السلام في كتبهم أيضا على نحو منه، وحكى في القرآن
~~باسمائهم دفعا للإلباس، والأشبه أنه لما قل ذكره صلى الله عليه وسلم
~~باسمه دل على أنه أعظم شأنا صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعليهم
~~أجمعين، وفيه نظر. واختار الطيبي طيب الله تعالى ثراه أن النداء المذكور
~~هنا للاحتراس وجبر ما يوهمه الأمر والنهي كقوله تعالى:

# عفا الله عنك لم أذنت لهم

# [التوبة: 43] وظاهر سياق ما بعد أن المعني بالأمر بالتقوى هو النبي صلى
~~الله عليه وسلم لا أمته كما قيل في نظائره والمقصود الدوام والثبات
~~عليها، وقيل: الازدياد منها فإن لها بابا واسعا وعرضا عريضا لا ينال
~~مداه.

# { ولا تطع الكفرين } أي المجاهرين بالكفر {
~~والمنفقين } المضمرين لذلك فيما يريدون من الباطل؛ أخرج ابن
~~جرير عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إن أهل مكة منهم
~~الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة دعوا النبي صلى الله عليه وسلم أن
~~يرجع عن قوله على أن يعطوه شطر أموالهم وخوفه المنافقون واليهود بالمدينة
~~إن لم يرجع قتلوه فنزلت، وذكر الثعلبي والواحدي بغير إسناد أن أبا سفيان
~~ابن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا عليه عليه الصلاة
~~والسلام في زمان الموادعة التي كانت بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم وقام
~~معهم عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير والجد بن قيس فقالوا لرسول الله صلى
~~الله عليه وسلم ارفض ذكر آلهتنا وقل: إنها تشفع وتنفع وندعك وربك فشق ذلك
~~على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهموا بقتلهم فنزلت، وقيل: نزلت
~~في ناس من ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبوا منه عليه
~~الصلاة والسلام أن يمتعهم باللات والعزى سنة قالوا: لتعلم قريش منزلتنا
~~منك ولا يبعد أن يكون المراد بالنهي الثبات على عدم الإطاعة، وذكره بعد
~~الأمر بالتقوى المراد منه الثبات عليها على ما قيل من قبيل التخصيص بعد ms08363
~~التعميم لاقتضاء المقام الاهتمام به، وقيل: من قبيل التأكيد، وقيل: متعلق
~~كل من التقوى والإطاعة مغاير للآخر على ما روى الواحدي، والثعلبي،
~~والمعنى اتق الله تعالى في نقض العهد ونبذ الموادعة ولا تطع الكافرين من
~~أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا منك من رفض ذكر آلهتهم
~~وقولك: إنها تشفع وتنفع وكأنه إنما قدم الأمر بتقوى الله تعالى في نقض
~~العهد لما أن المؤمنين قد هموا بما يقتضيه بخلاف الإطاعة المنهي عنها
~~فإنها مما لم يهم بما يقتضيها أحد أصلا فكان الاهتمام بالأمر أتم من
~~الاهتمام بذلك النهي.

# { إن الله كان عليما حكيما } مبالغا في العلم والحكمة
~~فيعلم الأشياء من المصالح والمفاسد فلا يأمرك إلا بما فيه / مصلحة ولا
~~ينهاك إلا عما فيه مفسدة ولا يحكم إلا بما تقتضيه الحكمة البالغة فالجملة
~~تعليل للأمر والنهي مؤكد لوجوب الامتثال بها. وقيل: المعنى إن الله كان
~~عليما بمن يتقي فيجازيه بما يليق به حكيما في هدي من شاء وإضلال من شاء
~~فالجملة تسلية له صلى الله عليه وسلم، وليس بشيء.

### || [33.2]

# وقوله تعالى: { واتبع ما يوحى إليك من ربك } عطف على
~~ما تقدم من قبيل عطف العام على الخاص، أي اتبع في كل ما تأتي وتذر من
~~أمور الدين ما يوحى إليك من الآيات التي من جملتها هذه الآية الآمرة
~~بتقوى الله تعالى الناهية عن إطاعة الكفرة والمنافقين، والتعرض لعنوان
~~الربوبية لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر { إن الله كان بما
~~تعملون خبيرا } قيل: الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والجمع
~~للتعظيم، وقال أبو البقاء: إنما جاء بالجمع لأنه عنى بقوله تعالى: {
~~اتبع ما يوحى } الخ اتبع أنت وأصحابك؛ وقيل: للغائبين من الكفرة
~~المنافقين وبطريق الالتفات، ولا يخفى بعده. نعم يجوز أن يكون للكل على
~~ضرب من التغليب، وأيا ما كان فالجملة تعليل للأمر وتأكيد لموجبه فكأنه
~~قيل على الأول: إن الله تعالى يعلم بما تعمل فيرشدك إلى ما فيه الصلاح
~~فلا بد من اتباع الوحي والعمل بمقتضاه حتما، وعلى الثاني إن الله ms08364 تعالى
~~خبير بما يعمل الكفرة والمنافقون من الكيد والمكر فيأمرك سبحانه بما
~~يدفعه فلا بد من اتباع ما يوحيه جل وعلا إليك، وعلى الثالث إن الله تعالى
~~خبير بما تعمل ويعمل الكفرة والمنافقون فيرشدك إلى ما فيه صلاح حالك
~~ويطلعك على كيدهم ومكرهم ويأمرك جل شأنه بما يدفع ذلك ويرده فلا بد من
~~اتباع وحيه تعالى والعمل بموجبه. وقرأ أبو عمرو { يعملون } بياء
~~الغيبة على أن الضمير للكفرة والمنافقين. وجوز كونه عاما فلا تغفل.

### || [33.3]

# { وتوكل على الله } أي فوض جميع أمورك إليه عز وجل {
~~وكفى بالله وكيلا } حافظا موكولا إليه كل الأمور، والإظهار
~~في مقام الإضمار للتعظيم ولتستقل الجملة استقلال المثل.

### || [33.4]

# { ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه } أخرج
~~أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه
~~وابن مردويه والضياء في «المختارة» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم يوما يصلي فخطر خطرة فقال المنافقون
~~الذين يصلون معه ألا ترى أن له قلبين قلبا معكم وقلبا معهم فنزلت، وفي
~~رواية عنه رضي الله تعالى عنه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة
~~فسها فيها فخطرت منه كلمة فسمعها المنافقون فأكثروا فقالوا: إن له قلبين
~~ألم تسمعوا إلى قوله وكلامه في الصلاة إن له قلبا معكم وقلبا مع أصحابه
~~فنزلت، وقال مقاتل في «تفسيره» وإسماعيل بن أبي زياد الشامي وغيرهما:
~~نزلت في أبي معمر الفهري كان أهل مكة يقولون: له قلبان من قوة حفظه
~~وكانت العرب تزعم أن كل لبيب أريب له قلبان حقيقة، وأبو معمر هذا أشتهر
~~بين أهل مكة بذي القلبين وهو على ما في «الإصابة» جميل بن أسيد مصغر
~~الأسد، وقيل: ابن أسد مكبرا وسماه ابن دريد عبد الله بن وهب، وقيل: إن
~~ذا القلبين هو جميل بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة ابن جمح الجمحي وهو
~~المعني بقوله: وكيف ثوائى البيت وقد تقدم في تفسير سورة لقمان، والمعول
~~على ما ms08365 في «الإصابة»، وحكي أنه كان يقول: إن لي قلبين أفهم بأحدهما /
~~أكثر مما يفهم محمد صلى الله عليه وسلم فروي أنه انهزم يوم بدر فمر بأبي
~~سفيان وهو معلق إحدى نعليه بيده والأخرى في رجله فقال له أبو سفيان: ما
~~فعل الناس؟ فقال: هم ما بين مقتول وهارب فقال له: ما بال إحدى نعليك في
~~رجلك والأخرى في يدك؟ فقال: ما ظننت إلا أنهما في رجلي فأكذب الله تعالى
~~قوله وقولهم. وعن الحسن أنه كان جماعة يقول الواحد منهم: نفس تأمرني ونفس
~~تنهاني فنزلت.

# والجعل بمعنى الخلق و(من) سيف خطيب، والمراد ما خلق سبحانه لأحد أو لذي
~~قلب من الحيوان مطلقا قلبين فخصوص الرجل ليس بمقصود وتخصيصه بالذكر
~~لكمال لزوم الحياة فيه فإذا لم يكن ذلك له فكيف بغيره من الإناث، وأما
~~الصبيان فمآلهم إلى الرجولية، وقوله سبحانه: { فى جوفه } للتأكيد
~~والتصوير كالقلوب في قوله تعالى:

# ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور

# [الحج: 46] وذكر في بيان عدم جعله تعالى قلبين في جوف بناء على ما هو
~~الظاهر من أن المراد بالقلب المضغة الصنوبرية أن النفس الناطقة وكذا
~~الحيوانية لا بد لها من متعلق ومتعلقها هو الروح وهو جسم لطيف بخاري
~~يتكون من ألطف أجزاء الأغذية لأن شد الأعصاب يبطل قوى الحس والحركة عما
~~وراء موضع الشد مما لا يلي جهة الدماغ والشد لا يمنع إلا نفوذ الأجسام،
~~والتجارب الطبية أيضا شاهدة بذلك، وحيث إن النفس واحدة فلا بد من عضو
~~واحد يكون تعلقها به أولا ثم بسائر الأعضاء بواسطته.

# وقد ذكر غير واحد أن أول عضو يخلق هو القلب فإنه المجمع للروح فيجب أن
~~يكون التعلق أولا به ثم بواسطته بالدماغ والكبد وبسائر الأعضاء فمنبع
~~القوى بأسرها منه وذلك يمنع التعدد إذ لو تعدد بأن كان هناك قلبان لزم أن
~~يكون كل منهما أصلا للقوى وغير أصل لها أو توارد علتين على معلول واحد،
~~ولا يخفى على من له قلب أن هذا مع ابتنائه على مقدمات لا تكاد تثبت عند ms08366
~~أكثر الإسلامين من السلف الصالح والخلف المتأخرين ولو بشق الأنفس أمر
~~إقناعي لا برهان قطعي، على أن للفلسفي أيضا له فيه مقالا، وقد يفسر
~~القلب بالنفس بناء على أن سبب النزول ما روي عن الحسن إطلاقا للمتعلق
~~على المتعلق وقد بينوا وحدة النفس وأنه لا يجوز أن تتعلق نفسان فأكثر
~~ببدن بما يطول ذكره، وللبحث فيه مجال فليراجع، ثم إن هذا التفسير بناء
~~على أن سبب النزول ما ذكر غير متعين بل يجوز تفسير القلب عليه بما هو
~~الظاهر المتبادر أيضا، وحيث أن القلب متعلق النفس يكون نفي جعل القلبين
~~دالا على نفي النفسين فتدبر.

# { وما جعل أزوجكم اللائى تظهرون منهن
~~أمهتكم } إبطال لما كان في الجاهلية من إجراء أحكام الأمومة على
~~المظاهر منها، والظهار لغة مصدر ظاهر وهو مفاعلة من الظهر ويستعمل في
~~معان مختلفة راجعة إليه معنى ولفظا بحسب اختلاف الأغراض فيقال ظاهرته
~~إذا قابلت ظهرك بظهره حقيقة وكذا إذا غايظته باعتبار أن المغايظة تقتضي
~~هذه المقابلة، وظاهرته إذا نصرته باعتبار أنه يقال: قوى ظهره إذا نصره
~~وظاهرت بين ثوبين إذا لبست أحدهما فوق الآخر على اعتبار جعل ما يلي به كل
~~منهما الآخر ظهرا للثوب، ويقال: ظاهر من زوجته إذ قال لها أنت علي كظهر
~~أمي نظير لبى إذ قال لبيك وأفف إذ قال أف، وكون لفظ الظهر في بعض هذه
~~التراكيب مجازا لا يمنع الاشتقاق منه ويكون المشتق مجازا أيضا والمراد
~~منه هنا المعنى الأخير، وكان ذلك طلاقا منهم. وإنما عدي بمن مع أنه
~~يتعدى بنفسه لتضمنه معنى التباعد ونحوه مما فيه معنى المجانبة ويتعدى
~~بمن، والظهر في ذلك مجاز على ما قيل عن البطن لأنه إنما يركب البطن
~~فقوله: كظهر أمي بمعنى كبطنها بعلاقة المجاورة ولأنه / عموده، قال ابن
~~الهمام: لكن لا يظهر ما هو الصارف عن الحقيقة من النكات، وقال الأزهري
~~معناه: خصوا الظهر لأنه محل الركوب والمرأة تركب إذا غشيت فهو كناية
~~تلويحية انتقل من الظهر إلى المركوب ومنه إلى المغشي، والمعنى أنت ms08367 محرمة
~~علي لا تركبين كما لا يركب ظهر الأم وقيل: خص الظهر لأن إتيان المرأة
~~من ظهرها في قبلها كان حراما عندهم فإتيان أمه من ظهرها أحرم فكثر
~~التغليظ، وقيل: كنوا بالظهر عن البطن لأنهم يستقبحون ذكر الفرج وما يقرب
~~منه سيما في الأم وما شبه بها، وليس بذاك.

# وهو في الشرع تشبيه الزوجة أو جزء منها شائع أو معبر به عن الكل بما لا
~~يحل النظر إليه من المحرمة على التأبيد ولو برضاع أو صهرية وزاد في
~~«النهاية» قيد الاتفاق ليخرج التشبيه بما لا يحل النظر إليه ممن اختلف في
~~تحريمها كالبنت من الزنا وتحقيق الحق في ذلك في «فتح القدير»، وخص باسم
~~الظهار تغليبا للظهر لأنه كان الأصل في استعمالهم وشرطه في المرأة كونها
~~زوجة وفي الرجل كونه من أهل الكفارة، وركنه اللفظ المشتمل على ذلك
~~التشبيه، وحكمه حرمة الوطء ودواعيه إلى وجود الكفارة، وتمام الكلام فيه
~~في كتب الفروع، وسيأتي إن شاء الله تعالى بعض ذلك في محله.

# وقرأ قالون وقنبل هنا وفي المجادلة والطلاق { اللاء } بالهمز من غير
~~ياء، وورش بياء مختلسة الكسرة، والبزي وأبو عمرو { اللاي } بياء ساكنة
~~بدلا من الهمزة وهو بدل مسموع لا مقيس وهي لغة قريش، وقرأ أهل الكوفة
~~غير عاصم { تظاهرون } بفتح التاء وتخفيف الظاء وأصله تتظاهرون فحذفت
~~إحدى التاءين. وقرأ ابن عامر { تظاهرون } بفتح التاء وتشديد الظاء وأصله
~~كما تقدم إلا أنه أدغمت التاء الثانية في الظاء. وقرأ الحسن { تظهرون }
~~بضم التاء وفتح الظاء المخففة وشد الهاء المكسورة مضارع ظهر بتشديد الهاء
~~بمعنى ظاهر كعقد بمعنى عاقد، وقرأ ابن وثاب فيما نقل ابن عطية { تظهرون }
~~بضم التاء وسكون الظاء وكسر الهاء مضارع أظهر، وقرأ هارون عن أبي عمرو و
~~{ تظهرون } بفتح التاء والهاء وسكون الظاء مضارع ظهر بتخفيف الهاء، وفي
~~مصحف أبي { تتظهرون } بتاءين ومعنى الكل واحد.

# { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } إبطال لما كان في
~~الجاهلية أيضا وصدر من الإسلام من أنه إذا تبنى الرجل ولد غيره أجريت
~~أحكام البنوة ms08368 عليه، وقد تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة
~~زيد بن حارثة والخطاب عامر بن ربيعة وأبو حذيفة مولاه سالما إلى غير
~~ذلك، وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد أن قوله تعالى:
~~{ وما جعل } الخ، نزلت في زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه. و {
~~أدعياء } جمع دعي وهو الذي يدعي ابنا فهو فعيل بمعنى مفعول وقياسه أن
~~يجمع على فعلي كجريح وجرحى لا على أفعلاء فإن الجمع عليه قياس فعيل
~~المعتل اللام بمعنى فاعل كتقي وأتقياء فكأنه شبه به في اللفظ فحمل عليه
~~وجمع جمعه كما قالوا في أسير وقتيل أسراء وقتلاء، وقيل: إن هذا الجمع
~~مقيس في المعتل مطلقا، وفيه نظر.

# { ذلكم } قيل: إشارة إلى ما يفهم من الجمل الثلاث من أنه قد يكون
~~قلبان في جوف والظهار والادعاء. وقيل: إلى ما يفهم من الأخيرتين، وقيل:
~~إلى ما يفهم من الأخيرة { قولكم بأفوهكم } فقط من غير أن يكون
~~له مصداق وحقيقة في الواقع ونفس الأمر فإذن هو بمعزل عن القبول أو
~~استتباع الأحكام كما زعمتم. / { والله يقول الحق } الثابت
~~المحقق في نفس الأمر { وهو يهدى السبيل } أي سبيل الحق فدعوا
~~قولكم وخذوا بقوله عز وجل. وقرأ قتادة على ما في «البحر» { يهدى } بضم
~~الياء وفتح الهاء وشد الدال، وفي «الكشاف» أنه قرأ { وهو الذى
~~يهدى السبيل }.

### || [33.5]

# { ادعوهم لأبائهم } أي انسبوهم إليهم وخصوهم بهم، أخرج
~~الشيخان والترمذي والنسائي وغيرهم

# " عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن {
~~ادعوهم لأبائهم } الخ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت زيد
~~بن حارثة بن شراحيل "

# ، وكان من أمره رضي الله تعالى عنه على ما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس
~~أنه كان في أخواله بني معن من بني ثعل من طي فأصيب في نهب من طي فقدم به
~~سوق عكاظ وانطلق حكيم بن حزام بن ms08369 خويلد إلى عكاظ يتسوق بها فأوصته عمته
~~خديجة أو يبتاع لها غلاما ظريفا عربيا إن قدر عليه فلما قدم وجد زيدا
~~يباع فيها فأعجبه ظرفه فابتاعه فقدم به عليها وقال لها: إني قد ابتعت لك
~~غلاما ظريفا عربيا فإن أعجبك فخذيه وإلا فدعيه فإنه قد أعجبني فلما
~~رأته خديجة فأخذته فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عندها فأعجب
~~النبي عليه الصلاة والسلام ظرفه فاستوهبه منها. فقالت أهبه لك فإن أردت
~~عتقه فالولاء لي فأبى عليها عليه الصلاة والسلام فأوهبته له إن شاء أعتق
~~وإن شاء أمسك قال: فشب عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم إنه خرج في إبل
~~لأبي طالب بأرض الشام فمر بأرض قومه فعرفه عمه فقام إليه فقال: من أنت
~~يا غلام؟ قال: غلام من أهل مكة قال: من أنفسهم؟ قال: لا قال: فحر أنت أم
~~مملوك قال: بل مملوك قال: لمن؟ قال: لمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب
~~فقال له: أعرابي أنت أم عجمي؟ قال: عربي قال: ممن أصلك؟ قال: من كلب
~~قال: من أي كلب؟ قال: من بني عبد ود قال: ويحك ابن من أنت؟ قال: ابن
~~حارثة بن شراحيل قال: وأين أصبت؟ قال: في أخوالي قال: ومن أخوالك؟ قال طي
~~قال: ما اسم أمك؟ قال: سعدى فالتزمه وقال: ابن حارثة ودعا أباه فقال: يا
~~حارثة هذا ابنك فأتاه حارثة فلما نظر إليه عرفه قال: كيف صنع مولاك إليك؟
~~قال: يؤثرني على أهله وولده فركب معه أبوه وعمه وأخوه حتى قدموا مكة
~~فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له حارثة: يا محمد أنتم أهل حرم
~~الله تعالى وجيرانه وعند بيته تفكون العاني وتطعمون الأسير ابني عندك
~~فامنن علينا وأحسنت إلينا في فدائه فإنك ابن سيد قومه وإنا سنرفع إليك في
~~الفداء ما أحببت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطيكم خيرا من
~~ذلك قالوا: وما هو؟ قال أخيره فإن اختاركم فخذوه بغير فداء وإن اختارني
~~فكفوا عنه فقال: ms08370 جزاك الله تعالى خيرا فقد أحسنت فدعاه رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فقال: يا زيد أتعرف هؤلاء؟ قال: نعم هذا أبي وعمي وأخي
~~فقال عليه الصلاة والسلام: فهم من قد عرفتهم فإن اخترتهم فاذهب معهم وإن
~~اخترتني فأنا من تعلم قال له زيد: ما أنا بمختار عليك أحدا أبدا أنت
~~معي بمكان الوالد والعم قال أبوه وعمه: أيا زيد أتختار العبودية؟ قال: ما
~~أنا بمفارق هذا الرجل فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حرصه عليه
~~قال: اشهدوا أنه حر وأنه ابني يرثني وأرثه فطابت نفس أبيه وعمه لما رأوا
~~من كرامته عليه الصلاة والسلام فلم يزل في الجاهلية يدعى زيد بن محمد حتى
~~نزل القرآن { ادعوهم لأبائهم } فدعي زيد بن حارثة، وفي بعض /
~~الروايات أن أباه سمع أنه بمكة فأتاه هو وعمه وأخوه فكان ما كان.

# { هو أقسط عند الله } تعليل للأمر والضمير لمصدر ادعوا كما
~~في قوله تعالى:

# اعدلوا هو أقرب للتقوى

# [المائدة: 8]، و { أقسط } أفعل تفضيل قصد به الزيادة مطلقا من
~~القسط بمعنى العدل والمراد به البالغ في الصدق فاندفع ما يتوهم من أن
~~المقام يقتضي ذلك الصدق لا العدل أي دعاؤكم إياهم لآبائهم بالغ في العدل
~~والصدق وزائد فيه في حكم الله تعالى وقضائه عز وجل. وجوز أن يكون أفعل
~~على ما هو الشائع فيه، والمعنى أعدل مما قالوه ويكون جعله ذا عدل مع أنه
~~زور لا عدل فيه أصلا على سبيل التهكم.

# { فإن لم تعلموا } أي تعرفوا { ءاباءهم } فتنسبوهم إليهم {
~~فإخوانكم } أي فهم إخوانكم { فى الدين وموليكم } أي
~~وأولياؤكم فيه فادعوهم بالأخوة والمولوية بتأويلهما بالأخوة والولاية في
~~الدين، وبهذا المعنى قيل لسالم بعد نزول الآية مولى حذيفة وكان قد تبناه
~~قبل، وقيل: { مواليكم } أي بنو أعمامكم، وقيل: معتقوكم ومحرروكم وكأن
~~دعاءهم بذلك لتطييب قلوبهم ولذا لم يؤمر بدعائهم بأسمائهم فقط.

# { وليس عليكم جناح } أي إثم { فيما أخطأتم به }
~~أي فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل النهي. { ولكن ما
~~تعمدت قلوبكم } أي ولكن ms08371 الجناح والإثم فيما تعمدتموه بعد
~~النهي على أن { ما } في محل الجر عطفا على (ما) من { فيما
~~أخطأتم } وتعقب بأن المعطوف المجرور لا يفصل بينه وبين ما عطف
~~عليه، ولذا قال سيبويه في قولهم ما مثل عبد الله يقول ذلك ولا أخيه: إنه
~~حذف المضاف من جهة المعطوف وأبقى المضاف إليه على إعرابه والأصل ولا مثل
~~أخيه ليكون العطف على المرفوع. وأجيب بالفرق بين ما هنا والمثال وإن لا
~~فصل فيه لأن المعطوف هو الموصول مع صلته أعني ما تعمدت على مثله أعني ما
~~أخطأتم أو ولكن ما تعمدتم فيه الجناح على أن (ما) في موضع رفع على
~~الابتداء وخبره جمل مقدرة، ونسبة التعمد إلى القلوب على حد النسبة في
~~قوله تعالى:

# فإنه آثم قلبه

# [البقرة: 283] وكون المراد في الأول قبل النهي وفي الثاني بعده أخرجه
~~الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن
~~مجاهد، وقيل: كلا الأمرين بعد النهي والخطأ مقابل العمد، والمعنى لا إثم
~~عليكم إذ قلتم لولد غيركم يا بني على سبيل الخطأ وعدم التعمد كأن سهوتهم
~~أو سبق لسانكم ولكن الإثم عليكم إذا قلتم ذلك متعمدين. وأخرج ابن جرير
~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال في الآية: لو دعوت رجلا
~~لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه لم يكن عليك بأس ولكن ما تعمدت وقصدت دعاءه
~~لغير أبيه. وجوز أن يراد بقوله تعالى: { وليس عليكم جناح }
~~الخ العفو عن الخطأ دون العمد على طريق العموم لحديث عائشة رضي الله
~~تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " إني لست أخاف عليكم الخطأ ولكن أخاف عليكم العمد "

# وحديث ابن عباس قال: قال عليه الصلاة والسلام

# " وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه "

# ثم تناول لعمومه خطأ التبني وعمده.

# والجملة على تقديري الخصوص والعموم واردة على سبيل الاعتراض التذييلي
~~تأكيدا لامتثال ما ندبوا إليه مع إدماج حكم مقصود في نفسه، وجعلها بعضهم
~~عطفا مؤولا بجملة طلبية على معنى ادعوهم ms08372 لآبائهم وهو أقسط لكم ولا
~~تدعوهم لأنفسكم متعمدين / فتأثموا على تقدير الخصوص وجملة مستطردة على
~~تقدير العموم وتعقب بأنه تكلف عنه مندوحة.

# وظاهر الآية حرمة تعمد دعوة الإنسان لغير أبيه، ولعل ذلك فيما إذا كانت
~~الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية، وأما إذا لم تكن كذلك كما يقول
~~الكبير للصغير على سبيل التحنن والشفقة يا ابني وكثيرا ما يقع ذلك
~~فالظاهر عدم الحرمة. وفي «حواشي الخفاجي على تفسير البيضاوي» البنوة وإن
~~صح فيها التأويل كالأخوة لكن نهي عنها بالتشهبية بالكفرة والنهي للتنزيه
~~انتهى، ولعله لم يرد بهذا النهي ما تدل عليه الآية المذكورة فإن ما تدل
~~عليه نهي التحريم عن الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية، والأولى أن
~~يقال في تعليل النهي: سدا لباب التشبه بالكفرة بالكلية، وهذا الذي ذكره
~~الخفاجي من كراهة قول الشخص لولد غيره يا ابني حكاه لي من ارتضيه عن
~~«فتاوى ابن حجر الكبرى»، وحكم التبني بقوله: هو ابني إن كان عبدا
~~للقائل العتق على كل حال ولا يثبت نسبه منه إلا إذا كان مجهول النسب وكان
~~بحيث يولد مثله لمثله ولم يقر قبله بنسب من غيره، وعند الشافعي لا عبرة
~~بالتنبي فلا يفيد العتق ولا ثبوت النسب، وتحقيق ذلك في موضعه.

# ثم الظاهر أنه لا فرق إذا لم يعرف الأب بين أن يقال يا أخي وأن يقال يا
~~مولاي في أن كلا منهما مباح مطلقا حينئذ لكن صرح بعضهم بحرمة أن يقال
~~للفاسق يا مولاي لخبر في ذلك، وقيل: لما أن فيه تعظيمه وهو حرام، ومقتضاه
~~أن قول يا أخي إذا كان فيه تعظيم بأن كان من جليل الشأن حرام أيضا، فلعل
~~الدعاء لغير معروف الأب بما ذكر مخصوص بما إذا لم يكن فاسقا ودليل
~~التخصيص هو دليل حرمة تعظيم الفاسق فتدبر، وكذا الظاهر أنه لا فرق في أمر
~~الدعوة بين كون المدعو ذكرا وكونه أنثى لكن لم نقف على وقوع التبني
~~للإناث في الجاهلية والله تعالى أعلم.

# { وكان الله غفورا } فيغفر للعامد ms08373 إذا تاب { رحيما } ولذا
~~رفع سبحانه الجناح عن المخطىء، ويعلم من الآية أنه لا يجوز انتساب الشخص
~~إلى غير أبيه، وعد ذلك بعضهم من الكبائر لما أخرج الشيخان وأبو داود عن
~~سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام "

# وأخرج الشيخان أيضا

# " من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله تعالى
~~والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله تعالى منه صرفا ولا عدلا "

# وأخرجا أيضا

# " ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلم إلا كفر "

# وأخرج الطبراني في «الصغير» من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وحديثه
~~حسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " كفر من تبرأ من نسب وإن دق أو ادعى نسبا لا يعرف "

# إلى غير ذلك من الأخبار.

# هذ ومناسبة قوله تعالى:

# ما جعل الله

# [الأحزاب: 4] الخ لما قبله أنه شروع في ذكر شيء من الوحي الذي أمر صلى
~~الله عليه وسلم في اتباعه كذا قيل، وقيل: إنه تعالى لما أمر بالتقوى كان
~~من حقها أن لا يكون في القلب تقوى غير الله تعالى فإن المرء ليس له قلبان
~~يتقي بأحدهما الله تعالى وبالآخر غيره سبحانه إلا بصرف القلب عن جهة الله
~~تعالى إلى غيره جل وعلا ولا يليق ذلك بمن يتقي الله تعالى حق تقاته، وعن
~~أبي مسلم أنه متصل بقوله تعالى:

# ولا تطع الكفرين والمنفقين

# [الأحزاب: 1] حيث جيء به للرد عليهم، والمعنى ليس لأحد قلبان يؤمن
~~بأحدهما ويكفر بالآخر وإنما هو قلب واحد فإما أن يؤمن وإما أن يكفر، وقيل
~~هو متصل  بلا تطع واتبع والمعنى أنه لا يمكن الجمع بين اتباعين متضادين
~~اتباع الوحي والقرآن / واتباع أهل الكفر والطغيان فكنى عن ذلك بذكر
~~القلبين لأن الاتباع يصدر عن الاعتقاد وهو من أفعال القلوب فكما لا يجمع
~~قلبان في جوف واحد لا يجمع اعتقادان متضادان في قلب واحد، وقيل: هو متصل ms08374
~~بقوله تعالى:

# وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا

# [الأحزاب: 3] من حيث إنه مشعر بوحدته عز وجل فكأنه قيل: وتوكل على الله
~~وكفى به تعالى وكيلا فإنه سبحانه وتعالى وحده المدبر لأمور العالم، ثم
~~أشار سبحانه وتعالى إلى أن أمر الرجل الواحد لا ينتظم ومعه قلبان فكيف
~~تنتظم أمور العالم وله إلهان، وقيل: إن ذاك مسوق للتنفير عن إطاعة الكفرة
~~والمنافقين بحكاية أباطيلهم، وذكر أن قوله تعالى: { ما جعل } الخ
~~ضرب مثلا للظهار والتبني أي كما لا يكون لرجل قلبان لا تكون المظاهرة
~~أما والمتبنى ابنا، وجعل المذكورات الثلاث بجملتها مثلا فيما لا حقيقة
~~له وارتضى ذلك غير واحد، وقال الطيبي: إن هذا أنسب لنظم القرآن لأنه
~~تعالى نسق المنفيات الثلاث عن ترتيب واحد، وجعل سبحانه قوله جل وعلا: {
~~ذلكم } فذلكة لها ثم حكم تعالى بأن ذلك قول لا حقيقة له، ثم ذيل
~~سبحانه وتعالى الكل بقوله تعالى:

# والله يقول الحق وهو يهدى السبيل

# [الأحزاب: 4] وتعقبه في «الكشف» بأن سبب النزول وقوله سبحانه بعد
~~التذييل { ادعوهم لأبائهم } الآية شاهدا صدق بأن الأول مضروب
~~للتبني ثم إنهم ما كانوا يجعلون الأزواج أمهات بل كانوا يجعلون اللفظ
~~طلاقا فإدخاله في قرن مسألة التبني استطرادا هو الوجه لا أنه قول لا
~~حقيقة له كالأول. وانتصر الخفاجي للجماعة فقال: لو كان مثلا للتبني فقط
~~لم يفصل منه، وكون القلبين لرجل وجعل المتبني ابنا في جميع الأحكام مما
~~لا حقيقة له في نفس الأمر ولا في شرع ظاهر، وكذا جعل الأزواج كالأمهات في
~~الحرمة المؤبدة مطلقا من مخترعاتهم التي لم يستندوا فيها إلى مستند شرعي
~~فلا حقيقة له أيضا فما ادعاه غير وارد عليهم لا سيما مع مخالفته لما روى
~~عنهم انتهى، ويد الله تعالى مع الجماعة.

# وبين الطيبي نظم الآيات من مفتتح السورة إلى ههنا فقال: إن الاستهلال
~~بقوله تعالى:

# يأيها النبى اتق الله

# [الأحزاب: 1] دال على أن الخطاب مشتمل على التبنية على أمر معتنى بشأنه
~~لائح فيه معنى التهييج والإلهاب، ومن ثم عطف عليه ms08375 { ولا تطع } كما
~~يعطف الخاص على العام وأردف النهي بالأمر على نحو قولك لا تطع من يخذلك
~~واتبع ناصرك، ولا يبعد أن يسمى بالطرد والعكس، ثم أمر بالتوكل تشجيعا
~~على مخالفة أعداء الدين والالتجاء إلى حريم جلال الله تعالى ليكفيه
~~شرورهم، ثم عقب سبحانه كلا من تلك الأوامر على سبيل التتميم والتذييل بما
~~يطابقه، وعلل قوله تعالى: { ولا تطع الكفرين
~~والمنفقين } بقوله سبحانه وتعالى:

# إن الله كان عليما حكيما

# [الأحزاب: 1] تتميما للارتداع أي اتق الله فيما تأتي وتذر في سرك
~~وعلانيتك لأنه تعالى عليم بالأحوال كلها يجب أن يحذر من سخطه حكيم لا يحب
~~متابعة حبيبه أعداءه، وعلل قوله تعالى:

# واتبع ما يوحى إليك من ربك

# [الأحزاب: 2] بقوله تعالى:

# إن الله كان بما تعملون خبيرا

# [الأحزاب: 2] تتميما أيضا أي اتبع الحق ولا تتبع أهواءهم الباطلة
~~وآراءهم الرائغة لأن الله تعالى يعلم عملك وعملهم فيكافىء كلا ما
~~يستحقه، وذيل سبحانه وتعالى قوله تبارك وتعالى: { وتوكل على
~~الله } بقوله تعالى:

# وكفى بالله وكيلا

# [الأحزاب: 3] تقريرا وتوكيدا على منوال فلان ينطق والحق أبلج يعني من
~~حق من يكون كافيا لكل الأمور أن تفوض الأمور إليه وتوكل عليه، وفصل قوله
~~تعالى:

# ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه

# [الأحزاب: 4] على سبيل الاستئناف تنبيها على بعض من أباطيلهم
~~وتمحلاتهم، وقوله تعالى: { ذلكم قولكم } الخ فذلكة لتلك الأقوال
~~آذنت بأنها جديرة بأن يحكم عليها بالبطلان وحقيق بأن يذم قائلها فضلا عن
~~أن يطاع، ثم وصل تعالى:

# والله يقول الحق

# [الأحزاب: 4] الخ على هذه الفذلكة بجامع التضاد على منوال ما سبق في {
~~ولا تطع }  { واتبع } وفصل قوله تعالى: { ادعوهم لأبائهم
~~هو أقسط عند الله } وقوله تعالى: { النبى } [الأحزاب: 6]
~~الخ وهلم جرا إلى آخر السورة تفصيلا لقول الحق والاهتداء إلى / السبيل
~~القويم انتهى فتأمل ولا تغفل.

### || [33.6]

# { النبى أولى بالمؤمنين } أي أحق وأقرب إليهم { من
~~أنفسهم } أو أشد ولاية ونصرة لهم منها فإنه عليه الصلاة والسلام لا
~~يأمرهم ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم بخلاف ms08376 النفس فإنها إما
~~أمارة بالسوء وحالها ظاهر أو لا فقد تجهل بعض المصالح وتخفى عليها بعض
~~المنافع وأطلقت الأولوية ليفيد الكلام أولويته عليه الصلاة والسلام في
~~جميع الأمور ويعلم من كونه صلى الله عليه وسلم أولى بهم من أنفسهم كونه
~~عليه الصلاة والسلام أولى بهم من كل من الناس، وقد أخرج البخاري وغيره عن
~~أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة اقرؤا إن شئتم
~~النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من
~~كانوا فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه "

# ولا يلزم عليه كون الأنفس هنا مثلها في قوله تعالى:

# ولا تقتلوا أنفسكم

# [النساء: 29] لأن إفادة الآية المدعى على الظاهر ظاهرة أيضا، وإذا كان
~~صلى الله عليه وسلم بهذه المثابة في حق المؤمنين يجب عليهم أن يكون أحب
~~إليهم من أنفسهم وحكمه عليه الصلاة والسلام عليهم أنفذ من حكمها وحقه آثر
~~لديهم من حقوقها وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها.

# وسبب نزول الآية على ما قيل ما روي من أنه عليه الصلاة والسلام أراد
~~غزوة تبوك فأمر الناس بالخروج فقال أناس منهم: نستأذن آباءنا وأمهاتنا
~~فنزلت، ووجه دلالتها على السبب أنه صلى الله عليه وسلم إذا كان أولى من
~~أنفسهم فهو أولى من الأبوين بالطريق الأولى ولا حاجة إلى حمل { أنفسهم }
~~عليه على خلاف المعنى المتبادر كما أشرنا إليه آنفا.

# { وأزوجه أمهتهم } أي منزلات منزلة أمهاتهم في تحريم
~~النكاح واستحقاق التعظيم وأما فيما عدا ذلك من النظر إليهن والخلوة بهن
~~وإرثهن ونحو ذلك فهن كالأجنبيات، وفرع على هذ القسطلاني في «المواهب» أنه
~~لا يقال لبناتهن أخوات المؤمنين في الأصح، والطبرسي وهو شيعي أنه لا يقال
~~لإخوانهن أخوال المؤمنين، ولا يخفى أنه يسر حسوا بارتغاء، وفي «المواهب»
~~أن في جواز النظر إليهن وجهين أشهرهما المنع، ولكون وجه الشبه مجموع ما
~~ذكر قالت عائشة رضي الله تعالى عنها لامرأة قالت لها يا أمه: أنا ms08377 أم
~~رجالكم لا أم نسائكم أخرجه ابن سعد وابن المنذر والبيهقي في «سننه» عنها،
~~ولا ينافي هذا استحقاق التعظيم منهن أيضا. وأخرج ابن سعد عن أم سلمة رضي
~~الله تعالى عنها أنها قالت أنا أم الرجال منكم والنساء وعليه يكون ما ذكر
~~وجه الشبه بالنسبة إلى الرجال وأما بالنسبة إلى النساء فهو استحقاق
~~التعظيم.

# والظاهر أن المراد من أزواجه كل من أطلق عليها أنها زوجة له صلى الله
~~عليه وسلم من طلقها ومن لم يطلقها، وروى ذلك ابن أبي حاتم عن مقاتل
~~فيثبت الحكم لكلهن وهو الذي نص عليه الإمام الشافعي وصححه في «الروضة»،
~~وقيل: لا يثبت الحكم لمن فارقها عليه الصلاة والسلام في الحياة
~~كالمستعيذة والتي رأى بكشحها بياضا، وصحح إمام الحرمين والرافعي في
~~«الصغير» تحريم المدخول بها فقط لما روي أن الأشعث بن قيس نكح المستعيذة
~~في زمن عمر رضي الله تعالى عنه فهم عمر برجمه فأخبره أنها لم تكن مدخولا
~~بها فكف، وفي رواية أنه رضي الله تعالى عنه هم برجمها فقالت له: ولم هذا؟
~~وما ضرب علي حجاب ولا سميت للمسلمين أما فكف عنها، وذكر في «المواهب»
~~أن في حل من اختارت منهن الدنيا للأزواج طريقين. أحدهما: طرد الخلاف
~~والثاني: القطع بالحل، واختار هذا الإمام / والغزالي، وحكي القول بأن
~~المطلقة لا يثبت لها هذا الحكم عن الشيعة، وقد رأيت في بعض كتبهم نفي
~~الأمومة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالوا: لأن النبي صلى الله عليه
~~وسلم فوض إلى علي كرم الله تعالى وجهه أن يبقى من يشاء من أزواجه ويطلق
~~من يشاء منهن بعد وفاته وكالة عنه عليه الصلاة والسلام وقد طلق رضي الله
~~تعالى عنه عائشة يوم الجمل فخرجت عن الأزواج ولم يبق لها حكمهن وبعد أن
~~كتبت هذا اتفق لي أن نظرت في كتاب ألفه سليمان بن عبد الله البحراني عليه
~~من الله تعالى ما يستحق في مثالب جمع من الصحابة - حاشى رضي الله تعالى
~~عنهم - فرأيت ما نصه:

# روى أبو منصور أحمد ms08378 بن أبي طالب الطبرسي في كتاب «الاحتجاج» عن سعد بن
~~عبد الله أنه سأل القائم المنتظر وهو طفل في حياة أبيه فقال له يا مولانا
~~وابن مولانا روي لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل طلاق نسائه إلى
~~أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه حتى أنه بعث في يوم الجمل رسولا
~~إلى عائشة وقال: إنك أدخلت الهلاك على الإسلام وأهله بالغش الذي حصل منك
~~وأوردت أولادك في موضع الهلاك بالجهالة فإن امتنعت وإلا طلقتك فأخبرنا يا
~~مولانا عن معنى الطلاق الذي فوض حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
~~أمير المؤمنين فقال: إن الله تقدس اسمه عظم شأن نساء النبي صلى الله
~~عليه وسلم فخصهن بشرف الأمهات فقال عليه الصلاة والسلام: يا أبا الحسن إن
~~هذا الشرف باق ما دمنا على طاعة الله تعالى فأيتهن عصت الله تعالى بعدي
~~بالخروج عليك فطلقها من الأزواج وأسقطها من شرف أمهات المؤمنين، ثم قال:
~~وروى الطبرسي أيضا في «الاحتجاج» عن الباقر أنه قال: لما كان يوم الجمل
~~وقد رشق هودج عائشة بالنبل قال علي كرم الله تعالى وجهه: والله ما أراني
~~إلا مطلقها فأنشد الله تعالى رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~يقول: يا علي أمر نسائي بيدك من بعدي لما قام فشهد فقام ثلاثة عشر رجلا
~~فشهدوا بذلك الحديث، ورأيت في بعض الأخبار التي لا تحضرني الآن ما هو
~~صريح في وقوع الطلاق اه ما قاله البحراني عامله الله تعالى بعدله.

# وهذا لعمري من السفاهة والوقاحة والجسارة على الله تعالى ورسوله صلى
~~الله عليه وسلم بمكان وبطلانه أظهر من أن يخفى وركاكة ألفاظه تنادي على
~~كذبه بأعلى صوت ولا أظنه قولا مرضيا عند من له أدنى عقل منهم فلعن الله
~~تعالى من اختلقه وكذا من يعتقده.

# وأخرج الفريابي والحاكم وابن مردويه والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس
~~أنه كان يقرأ: { النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم
~~وهو أب لهم وأزوجه أمهتهم } وأخرج ابن أبي حاتم عن
~~عكرمة ms08379 أنه قال: كان في الحرف الأول { النبى أولى
~~بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبوهم } وفي مصحف أبي رضي الله
~~تعالى عنه كما روى عبد الرزاق وابن المنذر وغيرهما { النبى أولى
~~بالمؤمنين من أنفسهم وأزوجه أمهتهم وهو أب
~~لهم } وإطلاق الأب عليه صلى الله عليه وسلم لأنه سبب للحياة الأبدية كما
~~أن الأب سبب للحياة أيضا بل هو عليه الصلاة والسلام أحق بالأبوة منه وعن
~~مجاهد كل نبي أب لأمته، ومن هنا قيل في قول لوط

# هؤلاء بناتي

# [هود: 78] أنه أراد المؤمنات ووجه ما ذكر، ويلزم من هذه الأبوة على ما
~~قيل أخوة المؤمنين. ويعلم مما روي عن مجاهد أن الأبوة ليست من خصوصياته
~~عليه الصلاة والسلام وهذا ليس كأمومة أزواجه فإنها على ما في «المواهب»
~~من الخصوصيات فلا يحرم نكاح أزواج من عداه صلى الله عليه وسلم من
~~الأنبياء عليهم السلام من بعدهم على أحد من أممهم.

# { وأولوا الأرحام } أي ذوو القرابات الشاملون للعصبات / لا ما
~~يقابلهم { بعضهم أولى ببعض } في النفع بميراث وغيره من
~~النفع المالي أو في التوارث ويؤيده سبب النزول الآتي ذكره { فى كتب
~~الله } أي فيما كتبه في اللوح أو فيما أنزله وهي آية المواريث أو هذه
~~الآية أو فيما كتبه سبحانه وفرضه وقضاه { من المؤمنين
~~والمهجرين } صلة لأولى فمدخول { من } هو المفضل عليه وهي
~~ابتدائية مثلها في قولك: زيد أفضل من عمرو أي أولو الأرحام بحق القرابة
~~أولى في كل نفع أو بالميراث من المؤمنين بحق الدين ومن المهاجرين بحق
~~الهجرة، وقال الزمخشري: يجوز أن يكون بيانا لأولو الأرحام أي الأقرباء
~~من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضا من الأجانب، والأول هو الظاهر؛ وكان
~~في المدينة توارث بالهجرة وبالموالاة في الدين فنسخ ذلك بآية آخر الأنفال
~~أو بهذه الآية، وقيل: بالإجماع وأرادوا كشفه عن الناسخ وإلا فهو لا يكون
~~ناسخا كما لا يخفى، ورفع { بعضهم } يجوز أن يكون على البدلية وأن يكون
~~على الابتداء و { فى كتب } متعلق بأولى ويجوز أن يكون حالا
~~والعامل فيه معنى ms08380 { أولى } ولا يجوز على ما قال أبو البقاء أن يكون
~~حالا من { أولو } للفصل بالخبر ولأنه لا عامل إذا.

# وقوله تعالى: { إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم
~~معروفا } إما استثناء متصل من أعم ما تقدر الأولوية فيه من النفع
~~كأنه قيل: القريب أولى من الأجنبي من المؤمنين والمهاجرين في كل نفع من
~~ميراث وصدقة وهدية ونحو ذلك إلا في الوصية فإنها المرادة بالمعروف
~~فالأجنبي أحق بها من القريب الوارث فإنها لا تصح لوارث، وإما استثناء
~~منقطع بناء على أن المراد بما فيه الأولوية هو التوارث فيكون الاستثناء
~~من خلاف الجنس المدلول عليه بفحوى الكلام كأنه قيل: لا تورثوا غير أولي
~~الأرحام لكن فعلكم إلى أوليائكم من المؤمنين والمهاجرين الأجانب معروفا
~~وهو أن توصوا لمن أحببتم منهم بشيء جائز فيكون ذلك له بالوصية لا
~~بالميراث، ويجوز أن يكون المعروف عاما لما عدا الميراث، والمتبادر إلى
~~الذهن انقطاع الاستثناء واقتصر عليه أبو البقاء ومكي وكذا الطبرسي وجعل
~~المصدر مبتدأ محذوف الخبر كما أشرنا إليه.

# وتفسير الأولياء بمن كان من المؤمنين والمهاجرين هو الذي يقتضيه السياق
~~فهو من وضع الظاهر موضع الضمير بناء على أن { من } فيما تقدم للابتداء
~~لا للبيان، وأخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد تفسيره بالذين والى بينهم
~~النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، وأخرج ابن المنذر وابن
~~جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن الحنفية أنه قال: نزلت هذه الآية في جواز
~~وصية المسلم لليهودي والنصراني، وأخرجوا عن قتادة أنه قال: الأولياء
~~القرابة من أهل الشرك والمعروف الوصية؛ وحكى في «البحر» عن جماعة منهم
~~الحسن وعطاء أن الأولياء يشمل القريب والأجنبي المؤمن والكافر وأن
~~المعروف أعم من الوصية، وقد أجازها للكافر القريب وكذا الأجنبي جماعة من
~~الفقهاء والإمامية يجوزونها لبعض ذوي القرابة الكفار وهم الوالدان والولد
~~لا غير، والنهي عن اتخاذ الكفار أولياء لا يقتضي النهي عن الإحسان إليهم
~~والبر لهم. وعدى { تفعلوا } بإلى لتضمنه معنى الإيصال والإسداء كأنه
~~قيل: إلا أن تفعلوا مسدين إلى أوليائكم معروفا.

# { كان ms08381 ذلك } أي ما ذكر في الآيتين أعني

# ادعوهم لأبائهم

# [الأحزاب: 5] و { النبى أولى بالمؤمنين من
~~أنفسهم } وجوز أن يكون إشارة إلى ما سبق من أول السورة إلى هنا أو
~~إلى ما بعد قوله تعالى:

# ما جعل الله لرجل من قلبين

# [الأحزاب: 4] أو إلى ما ذكر في الآية الأخيرة وفيه بحث { فى
~~الكتب } أي في اللوح أو القرآن وقيل في التوراة { مسطورا } أي
~~مثبتا بالأسطار وعن / قتادة أنه قال في بعض القراءات: كان ذلك عند الله
~~مكتوبا أن لا يرث المشرك المؤمن فلا تغفل.

### || [33.7]

# { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم } مقدر باذكر على
~~أنه مفعول لا ظرف لفساد المعنى، وهو معطوف على ما قبله عطف القصة على
~~القصة أو على مقدر كخذ هذا، وجوز أن يكون ذلك عطفا على خبر { كان } وهو
~~بعيد وإن كان قريبا، ولما كان ما سبق متضمنا أحكاما شرعها الله تعالى
~~وكان فيها أشياء مما كان في الجاهلية وأشياء مما كان في الإسلام أبطلت
~~ونسخت اتبعه سبحانه بما فيه حث على التبليغ فقال عز وجل: { وإذ } الخ
~~أي واذكر وقت أخذنا من النبيين كافة عهودهم بتبليغ الرسالة والشرائع
~~والدعاء إلى الدين الحق وذلك على ما قال الزجاج وغيره وقت استخراج البشر
~~من صلب آدم عليه السلام كالذر، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة
~~أنه سبحانه أخذ من النبيين عهودهم بتصديق بعضهم بعضا واتباع بعضهم
~~بعضا، وفي رواية أخرى عنه أنه أخذ الله تعالى ميثاقهم بتصديق بعضهم
~~بعضا والإعلان بأن محمدا رسول الله وإعلان رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم أن لا نبي بعده.

# { ومنك ومن نوح وإبرهيم وموسى وعيسى ابن
~~مريم } تخصيصهم بالذكر مع اندراجهم في النبيين اندراجا بينا
~~للإيذان بمزيد مزيتهم وفضلهم وكونهم من مشاهير أرباب الشرائع. واشتهر
~~أنهم هم أولو العزم من الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين وأخرج
~~البزار عن أبي هريرة أنهم خيار ولد آدم عليهم الصلاة والسلام، وتقديم
~~نبينا صلى الله عليه وسلم مع أنه آخرهم بعثة للإيذان بمزيد ms08382 خطره الجليل
~~أو لتقدمه في الخلق، فقد أخرج ابن أبي عاصم والضياء في «المختارة» عن
~~أبي بن كعب مرفوعا «بدىء بي الخلق وكنت آخرهم في البعث»، وأخرج جماعة
~~عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث "

# ، وكذا في الاستنباء فقد جاء في عدة روايات أنه عليه الصلاة والسلام
~~قال:

# " كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد "

# وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:

# " قيل يا رسول الله متى أخذ ميثاقك؟ قال: وآدم بين الروح والجسد "

# ، ولا يضر فيما ذكر تقديم نوح عليه السلام في آية الشورى [13] أعني قوله
~~تعالى:

# شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا

# الآية إذ لكل مقام مقال والمقام هناك وصف دين الإسلام بالأصالة والمناسب
~~فيه تقديم نوح فكأنه قيل: شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح في
~~العهد القديم وبعث عليه محمد عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء في العهد
~~الحديث وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء والمشاهير، وقال ابن
~~المنير: السر في تقديمه صلى الله عليه وسلم أنه هو المخاطب والمنزل عليه
~~هذا المتلو فكان أحق بالتقديم، وفيه بحث.

# { وأخذنا منهم ميثقا غليظا } أي عهد عظيم الشأن أو
~~وثيقا قويا وهذا هو الميثاق الأول وأخذه هو أخذه، والعطف مبني على
~~تنزيل التغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي كما في قوله تعالى:

# ونجيناهم من عذاب غليظ

# [هود: 58] إثر قوله سبحانه:

# جاء أمرنا نجينا هودا والذين ءامنوا معه

# [هود: 58] وفي ذلك من تفخيم الشأن ما فيه ولهذا لم يقل عز وجل: وإذ
~~أخذنا من النبيين ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ميثاقا
~~غليظا مثلا، وقال سبحانه ما في النظم الكريم، وقيل: الميثاق الغليظ
~~اليمين بالله تعالى فيكون بعدما أخذ الله سبحانه من النبيين الميثاق
~~بتبليغ الرسالة والدعوة إلى الحق أكد باليمين بالله تعالى على الوفاء بما
~~حملوا فالميثاقان متغايران بالذات.

### || [33.8]

# وقوله عز وجل: { ليسأل الصدقين عن صدقهم } قيل ms08383 متعلق
~~بمضمر مستأنف مسوق لبيان علة الأخذ المذكور وغايته أي فعل الله تعالى ذلك
~~ليسأل الخ وقيل: متعلق بأخذنا، وتعقب بأن المقصود تذكير نفس الميثاق ثم
~~بيان علته وغايته بيانا قصديا كما ينبىء عنه تغيير الأسلوب بالالتفات
~~إلى الغيبة، والمراد بالصادقين النبيون الذين أخذ ميثاقهم ووضع موضع
~~ضميرهم للإيذان من أول الأمر بأنهم صادقوا فيما سئلوا عنه وإنما السؤال
~~لحكمة تقتضيه أي ليسأل الله تعالى يوم القيامة النبيين الذين صدقوا
~~عهودهم عن كلامهم الصادق الذي قالوه لأقوامهم أو عن تصديق أقوامهم إياهم،
~~وسؤالهم عليهم السلام عن ذلك على الوجهين لتبكيت الكفرة المكذبين كما في
~~قوله تعالى:

# يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم

# [المائدة: 109] أو المراد بهم المصدقون بالنبيين، والمعنى ليسأل
~~المصدقين للنبيين عن تصديقهم إياهم فيقال: هل صدقتم؟ وقيل: يقال لهم هل
~~كان تصديقكم لوجه الله تعالى؟ ووجه إرادة ذلك أن مصدق الصادق صادق
~~وتصديقه صدق، وقيل: المعنى ليسأل المؤمنين الذين صدقوا عهدهم حين أشهدهم
~~على أنفسهم عن صدقهم عهدهم. وتعقب بأنه يأباه مقام تذكير ميثاق النبيين.

# { وأعد للكفرين عذابا أليما } قيل عطف على فعل مضمر
~~متعلقا فيما قبل، وقيل: على مقدر دل عليه { ليسأل } كأنه قيل
~~فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين الخ، وقيل: على

# أخذنا

# [الأحزاب: 7] وهو عطف معنوي كأنه قيل: أكد الله تعالى على النبيين
~~الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد للكافرين الخ. وقيل: على {
~~يسئل } بتأويله بالمضارع ولا بد من ملاحظة مناسبة ليحسن العطف؛
~~وقيل: على مقدر وفي الكلام الاحتباك والتقدير ليسأل الصادقين عن صدقهم
~~وأعد لهم ثوابا عظيما ويسأل الكاذبين عن كذبهم وأعد لهم عذابا أليما
~~فحذف من كل منهما ما ثبت في الآخر، وقيل: إن الجملة حال من ضمير {
~~يسئل } بتقدير قد أو بدونه، ولا يخفى أقلها تكلفا.

### || [33.9]

# { يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله
~~عليكم } شروع في ذكر قصة الأحزاب وهي وقعة الخندق، وكانت على ما قال
~~ابن إسحاق في شوال سنة خمس، وقال مالك: سنة أربع. والنعمة إن كانت مصدرا
~~بمعنى الإنعام ms08384 فالجار متعلق بها وإلا فهو متعلق بمحذوف وقع حالا منها أي
~~كائنة عليكم، وقوله تعالى: { إذ جاءتكم جنود } ظرف لنفس النعمة
~~أو لثبوتها لهم، وقيل: منصوب باذكر على أنه بدل اشتمال من { نعمة }
~~والمراد بالجنود الأحزاب، وهم قريش يقودهم أبو سفيان، وبنو أسد يقودهم
~~طليحة، وغطفان يقودهم عيينة، وبنو عامر يقودهم عامر بن الطفيل، وبنو سليم
~~يقودهم أبو الأعور السلمي، وبنو النضير رؤساؤهم حيي بن أخطب وأبناء أبي
~~الحقيق، وبنو قريظة سيدهم كعب بن أسد، وكان بينهم وبين رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم عهد فنبذه بسعي حيي، وكان مجموعهم عشرة آلاف في قول
~~وخمسة عشر ألفا في آخر، وقيل: زهاء اثني عشر ألفا، فلما سمع رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم بإقبالهم حفر خندقا قريبا من المدينة محيطا بها
~~بإشارة سلمان الفارسي أعطى كل أربعين ذراعا لعشرة، ثم خرج عليه الصلاة
~~والسلام في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم،
~~وأمر بالذراري والنساء فدفعوا في الآطام، واشتد الخوف وظن المؤمنون كل ظن
~~ونجم النفاق كما قص الله تعالى، ومضى قريب من شهر على الفريقين لا حرب
~~بينهم سوى الرمي بالنبل والحجارة من وراء الخندق إلا أن فوارس من قريش
~~منهم عمرو بن عبد ود وكان يعد بألف فارس، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن
~~الخطاب وهبيرة بن أبي وهب ونوفل بن عبد الله قد ركبوا خيولهم وتيمموا من
~~الخندق مكانا ضيقا فضربوا بخيولهم فاقتحموا فجالت بهم في السبخة بين
~~الخندق وسلع فخرج علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه في نفر من
~~المسلمين رضي الله تعالى عنهم حتى أخذ عليهم الثغرة التي اقتحموا منها
~~فأقبلت / الفرسان معهم وقتل علي كرم الله تعالى وجهه عمرا في قصة مشهورة
~~فانهزمت خيله حتى اقتحمت من الخندق هاربة وقتل مع عمرو منبه بن عثمان بن
~~عبد الدار ونوفل بن عبد العزى، وقيل: وجد نوفل في جوف الخندق فجعل
~~المسلمون يرمونه بالحجارة فقال لهم: قتلة أجمل من هذه ينزل بعضهكم ms08385 أقاتله
~~فقتله الزبير بن العوام. وذكر ابن إسحاق أن عليا كرم الله تعالى وجهه
~~طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه فمات في الخندق وبعث المشركون إلى
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترون جيفته بعشرة آلاف فقال النبي عليه
~~الصلاة والسلام: هو لكم لا نأكل ثمن الموتى، ثم أنزل الله تعالى النصر
~~وذلك قوله تعالى: { فأرسلنا عليهم ريحا } عطف على {
~~جاءتكم } مسوق لبيان النعمة إجمالا وسيأتي إن شاء الله تعالى بقيتها
~~في آخر القصة.

# { وجنودا لم تروها } وهم الملائكة عليهم السلام وكانوا على
~~ما قيل ألفا، روي أن الله تعالى بعث عليهم صبا باردة في ليلة باردة
~~فأخصرتهم وسفت التراب في وجوههم وأمر الملائكة عليهم السلام فقلعت
~~الأوتاد وقطعت الأطناب وأطفأت النيران وأكفأت القدور وماجت الخيل بعضها
~~في بعض وقذف في قلوبهم الرعب وكبرت الملائكة في جوانب عسكرهم فقال طليحة
~~بن خويلد الأسدي: أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد بدأكم بالسحر فالنجاء
~~النجاء فانهزموا، وقال حذيفة رضي الله تعالى عنه وقد ذهب ليأتي رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم بخبر القوم. خرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في
~~ضوء نار لهم توقد وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ويمسح خاصرته
~~ويقول: الرحيل الرحيل لا مقام لكم وإذا الرجل في عسكرهم ما يجاوز عسكرهم
~~شبرا فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم والريح تضربهم ثم
~~خرجت نحو النبي عليه الصلاة والسلام فلما صرت في نصف الطريق أو نحو ذلك
~~إذا أنا بنحو عشرين فارسا متعممين فقالوا: أخبر صاحبك أن الله تعالى
~~كفاه القوم. وقرأ الحسن { وجنودا } بفتح الجيم، وقرأ أبو عمرو في
~~رواية وأبو بكر في رواية أيضا { لم يروها } بياء الغيبة.

# { وكان الله بما تعملون } من حفر الخندق وترتيب مبادىء
~~الحرب أعلاء لكلمة الله تعالى، وقيل: من التجائكم إليه تعالى ورجائكم من
~~فضله عز وجل. وقرأ أبو عمرو { يعملون } بياء الغيبة أي بما يعمله
~~الكفار من التحرز والمحاربة وإغراء بعضهم بعضا عليها حرصا ms08386 على إبطال
~~حقكم، وقيل: من الكفر والمعاصي { بصيرا } ولذلك فعل ما فعل من نصركم
~~عليهم، والجملة اعتراض مقرر لما قبله.

### || [33.10]

# { إذ جاءوكم } بدل من

# إذ جاءتكم

# [الأحزاب: 9] بدل كل من كل، وقيل: هو متعلق بتعملون أو ببصيرا { من
~~فوقكم } من أعلى الوادي من جهة المشرق والإضافة إليهم لأدنى ملابسة،
~~والجائي من ذلك بنو غطفان ومن تابعهم من أهل نجد وبنو قريظة. وبنو النضير
~~{ ومن أسفل منكم } من أسفل الوادي من قبل المغرب، والجائي من
~~ذلك قريش ومن شايعهم من الأحابيش وبني كنانة وأهل تهامة، وقيل: الجائي من
~~فوق بنو قريظة ومن أسفل قريش وأسد وغطفان وسليم، وقيل: غير ذلك. ويحتمل
~~أن يكون من فوق ومن أسفل كناية عن الإحاطة من جميع الجوانب كأنه قيل: إذ
~~جاءوكم محيطين / بكم كقوله تعالى:

# يغشهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم

# [العنكبوت: 55].

# { وإذ زاغت الأبصر } عطف على ما قبله داخل معه في حكم
~~التذكير أي حين مالت الأبصار عن سننها وانحرفت عن مستوى نظرها حيرة
~~ودهشة. وقال الفراء: أي حين مالت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها {
~~وبلغت القلوب الحناجر } أي خافت خوفا شديدا وفزعت فزعا
~~عظيما لا أنها تحركت عن موضعها وتوجهت إلى الحناجر لتخرج. أخرج ابن أبي
~~شيبة عن عكرمة أنه قال في الآية: إن القلوب لو تحركت وزالت خرجت نفسه
~~ولكن إنما هو الفزع فالكلام على المبالغة، وقيل: القلب عند الغضب يندفع
~~وعند الخوف يجتمع فيتقلص فيلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مخرج النفس
~~فلا يقدر المرء أن يتنفس ويموت خوفا، وقيل: إن الرئة تنتفع من شدة الفزع
~~والغضب والغم الشديد وإذا انتفخت ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس
~~الحنجرة، ومن ثم قيل للجبان: انتفخ سحره، وإلى حمل الكلام على الحقيقة
~~ذهب قتادة. أخرج عنه عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم أنه قال في
~~الآية: أي شخصت عن مكانها فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت، وفي
~~«مسند الإمام أحمد» عن أبي سعيد الخدري قال: ms08387 قلنا يا رسول الله هل من
~~شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال: نعم اللهم استر عوراتنا وآمن
~~روعاتنا قال: فضرب الله تعالى وجوه أعدائه بالريح فهزمهم الله تعالى
~~بالريح.

# والخطاب في قوله تعالى: { وتظنون بالله الظنونا } لمن
~~يظهر الإيمان على الإطلاق، والظنون جمع الظن وهو مصدر شامل للقليل
~~والكثير، وإنما جمع للدلالة على تعدد أنواعه، وقد جاء كذلك في أشعارهم
~~أنشد أبو عمرو في كتاب «الألحان»:

# إذا الجوزاء أردفت الثريا

# ظننت بآل فاطمة الظنونا

# أي تظنون بالله تعالى أنواع الظنون المختلفة فيظن المخلصون منكم
~~الثابتون في ساحة الإيمان أن ينجز سبحانه وعده في إعلاء دينه ونصرة نبيه
~~صلى الله عليه وسلم، ويعرب عن ذلك ما سيحكي عنهم من قولهم:

# هذا ما وعدنا الله ورسوله

# [الأحزاب: 22] الآية، أو أن يمتحنهم فيخافون أن تزل أقدامهم فلا يتحملون
~~ما نزل بهم، وهذا لا ينافي الإخلاص والثبات كما لا يخفى، ويظن المنافقون
~~والذين في قلوبهم مرض ما حكى عنهم في قوله تعالى:

# وإذ يقول المنفقون

# [الأحزاب: 12] الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال
~~في الآية: ظنون مختلفة ظن المنافقون أن محمدا صلى الله عليه وسلم
~~وأصحابه يستأصلون وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق وأنه سيظهر
~~على الدين كله، وقد يختار أن الخطاب للمؤمنين ظاهرا وباطنا واختلاف
~~ظنونهم بسبب أنهم يظنون تارة أن الله سبحانه سينصرهم على الكفار من غير
~~أن يكون لهم استيلاء عليهم أولا، وتارة أنه عز وجل سينصر الكفار عليهم
~~فيستولون على المدينة ثم ينصرهم عليهم بعد، وأخرى أنه سبحانه سينصر
~~الكفار بحيث يستأصلونهم وتعود الجاهلية، أو بسبب أن بعضهم يظن هذا وبعضهم
~~يظن ذاك وبعضهم يظن ذلك. ويلتزم أن الظن الذي لا يليق بحال المؤمن كان من
~~خواطر النفس التي أوجبها الخوف الطبيعي ولم يمكن البشر دفعها ومثلها عفو،
~~أو يقال: ظنونهم المختلفة هي ظن النصر بدون نيل العدو منهم شيئا وظنه
~~بعد النيل وظن الامتحان وعلى هذا لا يحتاج إلى الاعتذار، وأيا ما ms08388 كان
~~فالجملة معطوفة على { زاغت } وصيغة المضارع لاستحضار الصورة والدلالة
~~على الاستمرار.

# وكتب { الظنونا } وكذا أمثاله من المنصوب المعرف / بأل كالسبيلا
~~والرسولا في المصحف بألف في آخره، فحذفها أبو عمرو وقفا ووصلا، وابن
~~كثير والكسائي وحفص يحذفونها وصلا خاصة ويثبتها باقي السبعة في الحالين.
~~واختار أبو عبيد والحذاق أن يوقف على نحو هذه الكلمة بالألف ولا توصل
~~فتحذف أو تثبت لأن حذفها مخالف لما اجتمعت عليه مصاحف الأمصار ولأن
~~إثباتها في الوصل معدوم في لسان العرب نظمهم ونثرهم لا في اضطرار ولا في
~~غيره، أما إثباتها في الوقف فيه اتباع الرسم وموافقة لبعض مذاهب العرب
~~لأنهم يثبتون هذه الألف في قوافي أشعارهم ومصاريعها ومن ذلك قوله:

# أقلي اللوم عاذل والعتابا

# والفواصل في الكلام كالمصاريع، وقال أبو علي: إن رؤوس الآي تشبه
~~بالقوافي من حيث كانت مقاطع كما كانت القوافي مقاطع.

### || [33.11]

# { هنالك } ظرف مكان ويستعمل للزمان وقيل: إنه مجاز وهو أنسب هنا،
~~وأيا ما كان فهو ظرف لما بعده لا لتظنون كما قيل أي في ذلك الزمان
~~الهائل أو في ذلك المكان المدحض { ابتلى المؤمنون } أي اختبرهم
~~الله تعالى، والكلام من باب التمثيل، والمراد عاملهم سبحانه وتعالى
~~معاملة المختبر فظهر المخلص من المنافق والراسخ من المتزلزل، وابتلاؤهم
~~على ما روي عن الضحاك بالجوع، وعلى ما روي عن مجاهد بشدة الحصار، وعلى ما
~~قيل بالصبر على الإيمان.

# { وزلزلوا زلزالا شديدا } أي اضطربوا اضطرابا شديدا من
~~شدة الفزع وكثرة الأعداء، وعن الضحاك أنهم زلزلوا عن أماكنهم حتى لم يكن
~~لهم إلا موضع الخندق، وقيل: أي حركوا إلى الفتنة فعصموا. وقرأ أحمد بن
~~موسى اللؤلؤي عن أبي عمرو { زلزلوا } بكسر الزاي قاله ابن خالويه، وقال
~~الزمخشري: وعن أبي عمرو إشمام زاي (زلزلوا) وكأنه عني إشمامها الكسر
~~ووجه الكسر أنه أتبع حركة الزاي الأولى لحركة الثانية ولم يعتد بالساكن
~~كما لم يعتد به من قال منتن بكسر الميم إتباعا لحركة التاء وهو اسم فاعل
~~من أنتن. وقرأ الجحدري وعيسى { زلزالا } بفتح الزاي، ومصدر فعلل ms08389 من
~~المضاعف يجوز فيه الفتح والكسر نحو قلقل قلقالا، وقد يراد بالمفتوح اسم
~~الفاعل نحو صلصال بمعنى مصلصل، فإن كان من غير المضاعف فما سمع منه على
~~فعلال مكسور الفاء نحو سرهفه سرهافا.

### || [33.12]

# { وإذ يقول المنفقون } عطف على

# إذ زاغت

# [الأحزاب: 10] وصيغة المضارع لما مر من الدلالة على استمرار القول
~~واستحضار صورته. { والذين في قلوبهم مرض } ظاهر العطف أنهم
~~قوم لم يكونوا منافقين فقيل: هم قوم كان المنافقون يستميلونهم بإدخال
~~الشبهة عليهم، وقيل: قوم كانوا ضعفاء الاعتقاد لقرب عهدهم بالإسلام. وجوز
~~أن يكون المراد بهم المنافقين أنفسهم والعطف لتغاير الوصف كقوله:

# إلى الملك القرم وابن الهمام

# { ما وعدنا الله ورسوله } من الظفر وإعلاء الدين { إلا
~~غرورا } أي وعد غرور، وقيل: أي قولا باطلا وفي «البحر» أي أمرا
~~يغرنا ويوقعنا فيما لا طاقة لنا به روي أن الصحابة بينما يحفرون الخندق
~~عرضت لهم صخرة بيضاء مدورة شديدة جدا لا تدخل فيها المعاول فشكوا إلى
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ المعول من سلمان رضي الله تعالى عنه
~~فضربها ضربة فصدعها وبرقت منها برقة أضاء منها ما بين لابتي المدينة حتى
~~لكأن / مصباحا في جوف ليل مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر
~~المسلمون ثم ضربها الثانية فصدعها وبرقت منها برقة أضاء منها ما بين
~~لابتيها فكبر عليه الصلاة والسلام وكبر المسلمون ثم ضربها الثالثة فكسرها
~~وبرقت برقة أضاء منها ما بين لابتيها فكبر صلى الله عليه وسلم وكبر
~~المسلمون فسئل عن ذلك فقال عليه الصلاة والسلام: أضاء لي في الأولى قصور
~~الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل عليه السلام أن
~~أمتي ظاهرة عليها وأضاء لي الثانية قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب
~~الكلاب وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها وأضاء لي في
~~الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل عليه السلام أن
~~أمتي ظاهرة عليها فأبشروا بالنصر فاستبشر المسلمون وقال رجل من الأنصار
~~يدعى معتب بن قشير وكان منافقا: أيعدنا محمد ms08390 صلى الله عليه وسلم أن يفتح
~~لنا مدائن اليمن وبيض المدائن وقصور الروم وأحدنا لا يستطيع أن يقضي
~~حاجته إلا قتل هذا والله الغرور فأنزل الله تعالى في هذا { وإذ
~~يقول المنفقون } الخ.

# وفي رواية قال المنافقون حين سمعوا ذلك ألا تعجبون يحدثكم ويعدكم
~~ويمنيكم الباطل أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم
~~وأنتم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا فأنزل الله تعالى قوله
~~سبحانه: { وإذ يقول المنفقون } ووجه الجمع على القول بأن
~~القائل واحد أن الباقين راضون بذلك قابلوه منه، والظاهر أن نسبة الوعد
~~إلى الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة من المنافقين
~~الذين لا يعتقدون اتصافه صلى الله عليه وسلم بالرسالة ولا أن الوعد وعد
~~الله تعالى شأنه كانت من باب المماشاة أو الاستهزاء وإن كانت قد وقعت من
~~غيرهم فهي بالتبعية لهم. ويجوز أن يكون وقوع ما ذكر في الحكاية لا في
~~كلامهم ويستأنس له بما وقع في بعض الآثار وبعضهم بحث عن إطلاق الرسول
~~عليه صلى الله عليه وسلم فقال إنه في الحكاية لا في كلامهم كما يشهد بذلك
~~ما روي عن معتب أو هو تقية لا استهزاء لأنه لا يصح بالنسبة لغير
~~المنافقين فتأمل ولا تغفل.

### || [33.13]

# { وإذ قالت طائفة منهم } قال السدي: هم عبد الله بن أبي
~~ابن سلول وأصحابه، وقال مقاتل: هم بنو سلمة، وقال أوس بن رومان: هم أوس
~~بن قيظي وأصحابه بنو حارثة وضمير { منهم } للمنافقين أو للجميع {
~~يأهل يثرب } هو اسم المدينة المنورة، وقال أبو عبيدة اسم بقعة
~~وقعت المدينة في ناحية منها، وقيل: اسم أرضها وهو عليها ممنوع من الصرف
~~للعلمية ووزن الفعل أو التأنيث ولا ينبغي تسمية المدينة بذلك أخرج أحمد
~~وابن أبي حاتم وابن مردويه عن البراء بن عازب قال قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم «من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله تعالى هي طابة هي
~~طابة هي طابة» وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن رسول الله عليه الصلاة ms08391
~~والسلام «لا تدعونها يثرب فإنها طيبة يعني المدينة ومن قال يثرب فليستغفر
~~الله تعالى ثلاث مرات هي طيبة هي طيبة هي طيبة»، وفي «الحواشي الخفاجية»
~~أن تسميتها به مكروها كراهة تنزيهية، وذكر في وجه ذلك أن هذا الاسم يشعر
~~بالتثريب وهو اللوم والتعيير. وقال الراغب: التثريب التقريع [والتقهير]
~~بالذنب والثرب شحمة رقيقة، ويثرب يصح أن يكون أصله من هذا الباب والياء
~~تكون فيه زائدة انتهى، وقيل: يثرب اسم رجل من العمالقة وبه سميت المدينة
~~وكان يقال لها أثرب أيضا، ونقل الطبرسي عن الشريف المرتضى أن للمدينة
~~أسماء منها يثرب وطيبة وطابة والدار والسكينة وجائزة والمحبورة والمحبة
~~والمحبوبة والعذاء والمرحومة والقاصمة ويندد انتهى، وكأن القائلين
~~اختاروا يثرب من / بين الأسماء مخالفة له صلى الله عليه وسلم لما علموا
~~من كراهيته عليه الصلاة والسلام لهذا الاسم من بينها، ونداؤهم أهل
~~المدينة بعنوان أهليتهم لها ترشيح لما بعد من الأمر بالرجوع إليها.

# { لا مقام لكم } أي لا مكان إقامة أو لا إقامة لكم أي لا ينبغي
~~أو لا يمكن لكم الإقامة ههنا. وقرأ أبو جعفر وشيبة وأبو رجاء والحسن
~~وقتادة والنخعي وعبد الله بن مسلم وطلحة وأكثر السبعة { لا مقام }
~~بفتح الميم وهو يحتمل أيضا المكان أي لا مكان قيام والمصدر أي لا قيام
~~لكم، والمعنى على نحو ما تقدم { فارجعوا } أي إلى منازلكم بالمدينة
~~ليكون ذلك أسلم لكم من القتل أو ليكون لكم عند هذه الأحزاب يد، قيل:
~~ومرادهم أمرهم بالفرار على ما يشعر به ما بعد لكنهم عبروا عنه بالرجوع
~~ترويجا لمقالتهم وأيذانا بأنه ليس من قبيل الفرار المذموم، وقيل:
~~المعنى لا مقام لكم في دين محمد صلى الله عليه وسلم فارجعوا إلى ما كنتم
~~عليه من الشرك أو فارجعوا عما بايعتموه عليه وأسلموه إلى أعدائه عليه
~~الصلاة والسلام، أو لا مقام لكم بعد اليوم في يثرب أو نواحيها لغلبة
~~الأعداء فارجعوا كفارا ليتسنى لكم المقام فيها لارتفاع العداوة حينئذ.

# وقيل: يجوز أن يكونوا خافوا من قتل النبي صلى الله عليه ms08392 وسلم إياهم بعد
~~غلبته عليه الصلاة والسلام حيث ظهر أنهم منافقون فقالوا: { لا مقام
~~لكم } على معنى لا مقام لكم مع النبي صلى الله عليه وسلم لأنه إن غلب
~~قتلكم فارجعوا عما بايعتموه عليه وأسلموه عليه الصلاة والسلام أو فارجعوا
~~عن الإسلام واتفقوا مع الأحزاب أو ليس لكم محل إقامة في الدنيا أصلا إن
~~بقيتم على ما أنتم عليه فارجعوا عما بايعتموه عليه عليه الصلاة والسلام
~~إلى آخره، والأول أظهر وأنسب بما بعده، وبعض هذه الأوجه بعيد جدا كما لا
~~يخفى.

# { ويستأذن فريق منهم النبى } عطف على { قالت }
~~وصيغة المضارع لما مر من استحضار الصورة، والمستأذن على ما روي عن ابن
~~عباس وجابر بن عبد الله بنو حارثة بن الحرث، قيل: أرسلوا أوس بن قيظى
~~أحدهم للاستئذان، وقال السدي: جاء هو ورجل آخر منهم يدعى أبا عرابة بن
~~أوس، وقيل: المستأذن بنو حارثة وبنو سلمة استأذنوه عليه الصلاة والسلام
~~في الرجوع ممتثلين بأمر أولئك القائلين يا أهل يثرب.

# وقوله تعالى: { يقولون } بدل من { يستأذن } أو حال من فاعله أو
~~استئناف مبني على السؤال عن كيفية الاستئذان { إن بيوتنا عورة
~~} أي ذليلة الحيطان يخاف عليها السراق كما نقل عن السدي، وقال الراغب: أي
~~متخرقة ممكنة لمن أرادها، وقال الكلبي: أي خالية من الرجال ضائعة، وقال
~~قتادة: قاصية يخشى عليها العدو؛ وأصلها على ما قيل مصدر بمعنى الخلل ووصف
~~بها مبالغة وتكون صفة للمؤنث والمذكر والمفرد وغيره كما هو شأن المصادر،
~~وجوز أن تكون صفة مشبهة على أنها مخفف عورة بكسر الواو كما قرأ بذلك هنا
~~وفيما بعد ابن عباس وأبو يعمر وقتادة وأبو رجاء وأبو حيوة وابن أبي عبلة
~~وأبو طالوت وابن مقسم وإسماعيل بن سليمان عن ابن كثير من عورت الدار إذا
~~اختلت، قال ابن جني: صحة الواو على هذا شاذة والقياس قلبها ألفا فيقال
~~عارة كما يقال كبش صاف ونعجة صافة ويوم راح ورجل مال والأصل صوف وصوفة
~~وروح ومول. وتعقب بأن القياس إنما يقتضي القلب إذا وقع القلب ms08393 في الفعل
~~وعور هنا قد صحت عينه حملا على أعور المشدد، ورجح كونها مصدرا وصف به
~~للمبالغة بأنه الأنسب بمقام الاعتذار كما يفصح عنه تصدير / مقالتهم بحرف
~~التحقيق، لكن ينبغي أن يقال في قوله تعالى: { وما هى بعورة }
~~إذا أجري فيه هذا اللفظ كما أجري فيما قبله أن المراد المبالغة في النفي
~~على نحو ما قيل قوله تعالى:

# وما ربك بظلم للعبيد

# [فصلت: 46] والواو فيه للحال أي يقولون ذلك والحال أنها ليست كذلك { إن
~~يريدون } أي ما يريدون بالاستئذان { إلا فرارا } أي هربا من
~~القتال ونصرة المؤمنين قاله جماعة، وقيل: فرارا من الدين.

### || [33.14]

# { ولو دخلت } أي البيوت كما هو الظاهر { عليهم } أي على
~~هؤلاء القائلين، وأسند الدخول إلى بيوتهم وأوقع عليهم لما أن المراد فرض
~~دخولها وهم فيها لا فرض دخولها مطلقا كما هو المفهوم لو لم يذكر الجار
~~والمجرور ولا فرض الدخول عليهم مطلقا كما هو المفهوم لو أسند إلى الجار
~~والمجرور وفاعل الدخول الداخل من أهل الفساد من كان أي لو دخل كل من أراد
~~الدخول من أهل الدعارة والفساد بيوتهم وهم فيها { من أقطارها }
~~جمع قطر بمعنى الناحية والجانب ويقال قتر بالتاء لغة فيه أي من جميع
~~جوانبها وذلك بأن تكون مختلة بالكلية وهذا داخل في المفروض فلا يخالف
~~قوله تعالى:

# وما هى بعورة

# [الأحزاب: 13] { ثم سئلوا } أي طلب منهم من جهة طائفة أخرى عند
~~تلك النازلة والرجفة الهائلة { الفتنة } أي القتال كما قال الضحاك {
~~لاتوها } أي لأعطوها أولئك السائلين كأنه شبه الفتنة المطلوب اتباعهم
~~فيها بأمر نفيس يطلب منهم بذله ونزل إطاعتهم واتباعهم بمنزلة بذل ما
~~سئلوه وإعطائه. وقرأ نافع وابن كثير { لأتوها } بالقصر أي لفعلوها.

# { وما تلبثوا بها } أي بالفتنة، والباء للتعدية أي ما لبثوها
~~وما أخروها { إلا يسيرا } أي إلا تلبثا يسيرا أو إلا زمانا يسير
~~وهو مقدار ما يأخذون فيه سلاحهم على ما قيل، وقيل: مقدار ما يجيبون
~~السؤال فيه، وكلاهما عندي من باب التمثيل، والمراد أنهم لو سألهم غيرك
~~القتال وهم ms08394 في أشد حال وأعظم بلبال لأسرعوا جدا فضلا عن التعلل باختلال
~~البيوت مع سلامتها كما فعلوا الآن. والحاصل أن طلبهم الإذن في الرجوع ليس
~~لاختلال بيوتهم بل لنفاقهم وكراهتهم نصرتك، وقال ابن عطية: المعنى ولو
~~دخلت المدينة من أقطارها واشتد الحرب الحقيقي ثم سئلوا الفتنة والحرب
~~لمحمد صلى الله عليه وسلم لطاروا إليها ولم يتلبثوا في بيوتهم لحفظها إلا
~~يسيرا قيل قدر ما يأخذون سلاحهم انتهى، فضمير { دخلت } عنده عائد
~~على المدينة وباء { بها } للظرفية كما هو ظاهر كلامه، وجوز أن تكون
~~سببية والمعنى على تقدير مضاف أي ولم يتلبثوا بسبب حفظها وقيل: يجوز أن
~~تكون للملابسة أيضا، والضمير على كل تقدير للبيوت وفيه تفكيك الضمائر.

# وعن الحسن ومجاهد وقتادة { الفتنة } الشرك. وفي معناه ما قيل: هي
~~الردة والرجوع إلى إظهار الكفر، وجعل بعضهم ضميري (دخلت  وبها) للمدينة
~~وزعم أن المعنى ولو دخلت المدينة عليهم من جميع جوانبها ثم سئلوا الرجوع
~~إلى إظهار الكفر والشرك لفعلوا وما لبثوا بالمدينة بعد إظهار كفرهم إلا
~~يسيرا فإن الله تعالى يهلكهم أو يخرجهم بالمؤمنين، وقيل: ضمير { دخلت }
~~للبيوت أو للمدينة وضمير { بها } للفتنة بمعنى الشرك والباء للتعدية،
~~والمعنى ولو دخلت عليهم ثم سئلوا الشرك لأشركوا وما أخروه إلا يسيرا،
~~وقريب منه قول قتادة أي لو دخلت عليهم ثم سئلوا الشرك لأعطوه طيبة به
~~أنفسهم وما تحبسوا به إلا يسيرا، وجوز أن تكون الباء / لغير ذلك، وقيل:
~~فاعل الدخول أولئك العساكر المتحزبة، والوجوه المحتملة في الآية كثيرة
~~كما لا يخفى على من له أدنى تأمل، وما ذكرناه أولا هو الأظهر فيما أرى.

# وقرأ الحسن { سولوا } بواو ساكنة بعد السين المضمومة قالوا: وهي من سال
~~يسال كخاف يخاف لغة في سأل المهموز العين، وحكى أبو زيد هما يتساولان،
~~وقال أبو حيان: ويجوز أن يكون أصلها الهمزة لأنه يجوز أن يكون سولوا على
~~قول من يقول في ضرب مبنيا للمفعول ضرب ثم سهل الهمزة بإبدالها واوا على
~~قول من قال في بؤس بوس بإبدال الهمزة واوا ms08395 لضم ما قبلها. وقرأ عبد
~~الوارث عن أبي عمرو والأعمش { سيلوا } بكسر السين من غير همزة نحو قيل.
~~وقرأ مجاهد { سويلوا } بواو ساكنة بعد السين المضمومة وياء مكسورة بدلا
~~من الهمزة.

### || [33.15]

# { ولقد كانوا عهدوا الله من قبل لا يولون
~~الأدبر } هؤلاء هم الفريق المستأذنون وهم بنو حارثة عند الأكثرين،
~~وقيل: هم بنو سلمة كانوا قد جبنوا يوم أحد ثم تابوا وعاهدوا يومئذ قبل
~~يوم الخندق أن لا يفروا، وعن ابن عباس أنهم قوم عاهدوا بمكة ليلة العقبة
~~أن يمنعوه صلى الله عليه وسلم مما يمنعون منه أنفسهم، وقيل: أناس غابوا
~~عن وقعة بدر فحزنوا على ما فاتهم مما أعطي أهل بدر من الكرامة فقالوا:
~~لئن أشهدنا الله تعالى قتالا لنقاتلن و { عهد } أجرى مجرى اليمين
~~ولذلك تلقى بقوله تعالى: { لا يولون الأدبر } وجاء بصيغة
~~الغيبة على المعنى ولو جاء كما لفظوا به لكان التركيب لا تولى الأدبار،
~~وتولية الأدبار كناية عن الفرار والانهزام فإن الفار يولي دبره من فر منه
~~{ وكان عهد الله مسئولا } عن الوفاء به مجازى عليه وذلك يوم
~~القيامة، والتعبير بالماضي على ما في «مجمع البيان» لتحقق الوقوع، وقيل:
~~أي كان عند الله تعالى مسؤولا عن الوفاء به أو مسؤولا مقتضى حتى يوفى
~~به.

### || [33.16]

# { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو
~~القتل } أي لن ينفعكم ذلك ويدفع عنكم ما أبرم في الأزل عليكم من موت
~~أحدكم حتف أنفه أو قتله بسيف ونحوه فإن المقدر كائن لا محالة { وإذا
~~لا تمتعون إلا قليلا } أي وإن نفعكم الفرار بأن دفع عنكم
~~ما أبرم عليكم فمتعتم لم يكن ذلك التمتيع إلا تمتيعا قليلا أو زمانا
~~قليلا. وهذا من باب فرض المحال ولم يقل: ولو نفعكم إخراجا للكلام مخرج
~~المماشاة أو إذا نفعكم الفرار فمتعتم بالتأخير بأن كان ذلك معلقا عند
~~الله تعالى على الفرار مربوطا به لم يكن التمتيع إلا قليلا فإن أيام
~~الحياة وإن طالت قصيرة، وعمر تأكله ذرات الدقائق وإن كثر قليل، وقال بعض ms08396
~~الأجلة: المعنى لا ينفعكم نفعا دائما أو تاما في دفع الأمرين
~~المذكورين الموت أو القتل بالكلية إذ لا بد لكل شخص من موت حتف أنفه أو
~~قتل في وقت معين لا لأنه سبق به القضاء لأنه تابع للمقضي فلا يكون باعثا
~~عليه بل لأنه مقتضى ترتب الأسباب والمسببات بحسب جري العادة على مقتضى
~~الحكمة فلا دلالة فيه على أن الفرار لا يغني شيئا حتى يشكل بالنهي عن
~~الإلقاء إلى التهلكة وبالأمر بالفرار عن المضار.

# وقوله تعالى: { وإذا لا تمتعون إلا قليلا } يدل على أن
~~في الفرار نفعا في الجملة إذ المعنى لا تمتعون على تقدير الفرار إلا
~~متاعا قليلا، وفيه ما فيه فتأمل. وذكر الزمخشري أن بعض المروانية مر
~~على حائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب وكأنه مال
~~إلى الوجه الثاني أو إلى ما ذكره البعض في الآية؛ وجواب الشرط لإن محذوف
~~لدلالة ما قبله عليه و { إذا } تقدمها ههنا حرف عطف فيجوز فيها
~~الإعمال والإهمال لكنه لم يقرأ هنا إلا بالإهمال. / وقرىء بالإعمال في
~~قوله تعالى في سورة [الإسراء: 76]

# وإذا لا يلبثون خلفك

# وقرىء { لا يمتعون } بياء الغيبة.

### || [33.17]

# { قل من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم
~~سوءا أو أراد بكم رحمة } استفهام في معنى النفي أي لا أحد
~~يمنعكم من الله عز وجل وقدره جل جلاله أن خيرا وإن شرا فجعلت الرحمة
~~قرينة السوء في العصمة مع أنه لا عصمة إلا من السوء لما في العصمة من
~~معنى المنع، وجوز أن يكون في الكلام تقدير والأصل قل من ذا الذي يعصمكم
~~من الله إن أراد بكم سوأ أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر نظير
~~قوله:

# ورأيت زوجك في الوغى

# متقلدا سيفا ورمحا

# فإنه أراد وحاملا أو ومعتقلا رمحا، ويجري نحو التوجيه السابق في
~~الآية، وجوز الطيبي أن يكون المعنى من الذي يعصمكم من الله أراد بكم سوأ
~~أو من الذي يمنع رحمة الله منكم إن أراد بكم رحمة، وقرينة ms08397 التقدير ما في
~~{ يعصمكم } من معنى المنع، واختير الأول لسلامته عن حذف جملة بلا
~~ضرورة.

# { ولا يجدون لهم من دون الله وليا } ينفعهم { ولا
~~نصيرا } يدفع الضرر عنهم، والمراد الأولى فيجدوه الخ فهو كقوله:

# ولا ترى الضب بها ينجحر

# اه وهو معطوف على ما قبله بحسب المعنى فكأنه قيل: لا عاصم لهم ولا ولي
~~ولا نصير أو الجملة حالية.

### || [33.18]

# { قد يعلم الله المعوقين منكم } أي المثبطين عن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم { والقائلين لإخونهم هلم
~~إلينا } أي اقبلوا إلينا أو قربوا أنفسكم إلينا، قال ابن السائب:
~~الآية في عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ومن رجع من المنافقين من الخندق
~~إلى المدينة كانوا إذا جاءهم المنافق قالوا له: ويحك اجلس ولا تخرج
~~ويكتبون إلى إخوانهم في العسكر أن ائتونا فإنا ننتظركم، وقال قتادة: هي
~~في المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم من ساكني المدينة من أنصار رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم: ما محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه إلا أكلة رأس
~~ولو كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه فخلوهم. وأخرج ابن أبي حاتم
~~عن ابن زيد قال: انصرف رجل من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم
~~الأحزاب إلى شقيقه فوجد عنده شواء ونبيذا فقال له: أنت ههنا ورسول الله
~~عليه الصلاة والسلام بين الرماح والسيوف فقال: هلم إلي فقد أحيط بك
~~وبصاحبك والذي يحلف به لا يستقبلها محمد أبدا فقال: كذبت والذي يحلف به
~~لأخبرنه بأمرك فذهب ليخبره صلى الله عليه وسلم فوجد جبريل عليه السلام قد
~~نزل بهذه الآية. وقيل: هؤلاء اليهود كانوا يقولون لأهل المدينة: تعالوا
~~إلينا وكونوا معنا، وكأن المراد من أهل المدينة المنافقون منهم المعلوم
~~نفاقهم عند اليهود.

# و { قد } للتحقيق أو للتقليل وهو باعتبار المتعلق، و { منكم } بيان
~~للمعوقين لا صلته كما أشير إليه، والمراد بالأخوة التشارك في الصفة وهو
~~النفاق على القول الأول، والكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم على القول
~~الأخير، والصحبة والجوار وسكنى المدينة على القول الثاني وكذا على ms08398 القول
~~الثالث فإن ذلك يجامع الأخوة في النسب، وظاهر صيغة الجمع يقتضي أن الآية
~~لم تنزل في ذينك الشقيقين وحدهما فلعلها نزلت فيهما وفي المنافقين
~~القائلين ذلك والأنصار المخلصين المقول لهم، وجواز كونها نزلت في جماعة
~~من الإخوان في النسب مجرد احتمال وإن كان له مستند سمعي فلتحمل الأخوة
~~عليه على الأخوة / في النسب ولا ضير، والقول بجميع الأقوال الأربعة
~~المذكورة وحمل الأخوة على الأخوة في الدين والأخوة في الصحبة والجوار
~~والأخوة في النسب لا يخفى حاله.

# { وهلم } عند أهل الحجاز يسوي فيه بين الواحد والجماعة، وأما عند تميم
~~فيقال: هلم يا رجل وهلموا يا رجال، وهو عند بعض الأئمة صوت سمي به الفعل،
~~واشتهر أنه يكون متعديا كهلم شهداءكم بمعنى أحضروا أو قربوا ولازما
~~كهلم إلينا بناء على تفسيره بأقبلوا إلينا؛ وأما على تفسيره بقربوا
~~أنفسكم إلينا فالظاهر أنه متعد حذف مفعوله، وجوز كونه لازما وهذا تفسير
~~لحاصل المعنى.

# وفي «البحر» أن الذي عليه النحويون أن هلم ليس صوتا وإنما هو مركب
~~اختلف في أصل تركيبه فقيل: مركب من ها التي للتنبيه ولم بمعنى أقصد
~~وأقبل وهو مذهب البصريين، وقيل: من هل وأم، والكلام على المختار من ذلك
~~مبسوط في محله.

# { ولا يأتون البأس } أي الحرب والقتال وأصل معناه الشدة {
~~إلا قليلا } أي إتيانا أو زمانا قليلا فقد كانوا لا يأتون
~~العسكر إلا أن لا يجدوا بدا من إتيانه فيأتون ليرى الناس وجوههم فإذا
~~غفلوا عنهم عادوا إلى بيوتهم، ويجوز أن يكون صفة مفعول مقدر كما كان صفة
~~المصدر أو الزمان أي إلا بأسا قليلا على أنهم يعتذرون في البأس الكثير
~~ولا يخرجون إلا في القليل، وإتيان البأس على هذه الأوجه على ظاهره، ويجوز
~~أن يكون كناية عن القتال، والمعنى ولا يقاتلون إلا قتالا قليلا كقوله
~~تعالى:

# ما قاتلوا إلا قليلا

# [الأحزاب: 20] وقلته إما لقصر زمانه وإما لقلة غنائه، وأيا ما كان
~~فالجملة حال من { القائلين } وقيل: يجوز أيضا أن تكون عطف بيان على {
~~قد يعلم } وهو كما ترى، ms08399 وقيل: هي من مقول القول وضمير الجمع لأصحاب
~~النبي صلى الله عليه وسلم أي القائلين ذلك والقائلين لا يأتي أصحاب محمد
~~صلى الله عليه وسلم حرب الأحزاب ولا يقاومونهم إلا قليلا، وهذا القول
~~خلاف المتبادر وكأنه ذهب إليه من قال إن الآية في اليهود.

### || [33.19]

# { أشحة عليكم } أي بخلاء عليكم بالنفقة والنصرة على ما روي عن
~~مجاهد وقتادة، وقيل: بأنفسهم، وقيل: بالغنيمة عند القسم، وقيل: بكل ما
~~فيه منفعة لكم وصوب هذا أبو حيان، وذهب الزمخشري إلى أن المعنى أضناء بكم
~~يترفرفون عليكم كما يفعل الرجل بالذاب عنه المناضل دونه عند الخوف وذلك
~~لأنهم يخافون على أنفسهم لو غلب النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من
~~المؤمنين حيث لم يكن لهم من يمنع الأحزاب عنهم ولا من يحمي حوزتهم سواهم،
~~وقيل: كانوا يفعلون ذلك رياء، والأكثرون ذهبوا إلى ما سمعت قبل وعدل إليه
~~مختصر و«كشافه» أيضا وذلك على ما قيل لأن ما ذهب إليه معنى ما في
~~التفريع بعد فيحتاج إلى جعله تفسيرا، ورجحه بعض الأجلة على ما ذهب إليه
~~الأكثر فقال: إنما اختاره ليطابق معنى ويقابل قوله تعالى بعد: {
~~أشحة على الخير } ولأن الاستعمال يقتضيه فإن الشح على الشيء
~~هو أن يراد بقاؤه كما في «الصحاح» وأشار إليه بقوله: أضناء بكم، وما ذكره
~~غيره لا يساعده الاستعمال انتهى. قال الخفاجي: إن سلم ما ذكر من
~~الاستعمال كان متعينا وإلا فلكل وجهة كما لا يخفى على العارف بأساليب
~~الكلام.

# و { أشحة } جميع شحيح على غير القياس إذ قياس فعيل الوصف المضعف
~~عينه ولامه أن يجمع على افعلاء كضنين وأضناء وخليل وأخلاء فالقياس أشحاء
~~وهو مسموع أيضا، ونصبه عند الزجاج وأبي البقاء على الحال من فاعل

# يأتون

# [الأحزاب: 18] على معنى تركوا الإتيان أشحة، وقال الفراء: على الذم،
~~وقيل: على الحال من ضمير

# هلم إلينا

# [الأحزاب: 18] أو من ضمير يعوقون مضمرا، ونقل أولهما عن الطبري وهو كما
~~ترى، وقيل: من { المعوقين } أو من / القائلين، وردا بأن فيهما
~~الفصل بين أبعاض الصلة، ms08400 وتعقب بأن الفاصل من متعلقات الصلة وإنما يظهر
~~الرد على كونه حالا من { المعوقين } لأنه قد عطف على الموصول قبل
~~تمام صلته. وقرأ ابن أبي عبلة { أشحة } بالرفع على إضمار مبتدأ أي
~~هم أشحة.

# { فإذا جاء الخوف } من العدو وتوقع أن يستأصل أهل المدينة {
~~رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم } أي أحداقهم أو
~~بأحداقهم على أن الباء للتعدية فيكون المعنى تدير أعينهم أحداقهم،
~~والجملة في موضع الحال أي دائرة أعينهم من شدة الخوف. { كالذى
~~يغشى عليه من الموت } صفة لمصدر { ينظرون } أو حال من
~~فاعله أو لمصدر { تدور } أو حال من { أعينهم } أي ينظرون نظرا
~~كائنا كنظر المغشي عليه من معالجة سكرات الموت حذرا وخوفا ولواذا بك
~~أو ينظرون كائنين كالذي الخ أو تدور أعينهم دورانا كائنا كدوران عين
~~الذي الخ أو تدور أعينهم كائنة كعين الذي الخ، وقيل: معنى الآية إذا جاء
~~الخوف من القتال وظهر المسلمون على أعدائهم رأيتهم ينظرون إليك تدور
~~أعينهم في رؤيتهم وتجول وتضطرب رجاء أن يلوح لهم مضرب لأنهم يحضرون على
~~نية شر لا على نية خير، والقول الأول هو الظاهر.

# { فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد } أي أذوكم
~~بالكلام وخاصموكم بألسنة سلطة ذربة قاله الفراء، وعن قتادة بسطوا ألسنتهم
~~فيكم وقت قسمة الغنيمة يقولون: أعطونا أعطونا فلستم بأحق بها منا، وقال
~~يزيد بن رومان: بسطوا ألسنتهم في أذاكم وسبكم وتنقيص ما أنتم عليه من
~~الدين. وقال بعض الأجلة: أصل السلق بسط العضو ومده للقهر سواء كان يدا
~~أو لسانا فسلق اللسان بإعلان الطعن والذم وفسر السلق هنا بالضرب مجازا
~~كما قيل للذم طعن، والحامل عليه توصيف الألسنة بحداد، وجوز أن يشبه
~~اللسان بالسيف ونحوه على طريق الاستعارة المكنية ويثبت له السلق بمعنى
~~الضرب تخييلا، وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن
~~السلق في الآية فقال: الطعن باللسان قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ فقال: نعم
~~أما سمعت قول الأعشى:

# فيهم الخصب والسماحة والنجدة

# فيهم والخاطب المسلاق

# وفسره الزجاج بالمخاطبة الشديدة قال: ms08401 معنى سلقوكم خاطبوكم أشد مخاطبة
~~وأبلغها في الغنيمة يقال: خطيب مسلاق وسلاق إذا كان بليغا في خطبته،
~~واعتبر بعضهم في السلق رفع الصوت وعلى ذلك جاء قوله صلى الله عليه وسلم:
~~«ليس منا من سلق أو حلق» قال في «النهاية» أي رفع صوته عند المصيبة،
~~وقيل: أن تصك المرأة وجهها وتمرشه، والأول أصح، وزعم بعضهم أن المعنى في
~~الآية بسطوا ألسنتهم في مخادعتكم بما يرضيكم من القول على جهة المصانعة
~~والمجاملة، ولا يخفى ما فيه، وقرأ ابن أبي عبلة { صلقوكم } بالصاد.

# { أشحة على الخير } أي بخلاء حريصين على مال الغنائم على ما
~~روي عن قتادة، وقيل: على ما لهم الذين ينفقونه، وقال الجبائي: أي بخلاء
~~بأن يتكلموا بكلام فيه خير، وذهب أبو حيان إلى عموم الخير ونصب {
~~أشحة } على الحال من فاعل { سلقوكم } أو على الذم، ويؤيده قراءة
~~ابن أبي عبلة { أشحة } بالرفع لأنه عليه خبر مبتدأ محذوف أي هم {
~~أشحة } والجملة مستأنفة لا حالية كما هو كذلك على الذم، وغاير بعضهم
~~بين الشح هنا والشح فيما مر بأن ما هنا مقيد بالخير المراد به مال
~~الغنيمة وما مر مقيد بمعاونة المؤمنين ونصرتهم أو بالإنفاق / في سبيل
~~الله تعالى فلا يتكرر هذا مع ما سبق، والزمخشري لما ذهب إلى ما ذهب هناك،
~~قال هنا: فإذا ذهب الخوف وحيزت الغنائم ووقعت القسمة نقلوا ذلك الشح وتلك
~~الضنة والرفرفة عليكم إلى الخير وهو المال والغنيمة ونسوا تلك الحالة
~~الأولى واجترؤا عليكم وضربوكم بألسنتهم الخ، وقد سمعت ما قال بعض الأجلة
~~في ذلك.

# ويمكن أن يقال في الفرق بين هذا وما سبق: أن المراد مما سبق ذمهم بالبخل
~~بكل ما فيه منفعة أو بنوع منه على المؤمنين ومن هذا ذمهم بالحرص على
~~المال أو ما فيه منفعة مطلقا من غير نظر إلى كون ذلك على المؤمنين أو
~~غيرهم وهو أبلغ في ذمهم من الأول.

# { أولئك } الموصوفون بما ذكر من صفات السوء { لم يؤمنوا }
~~بالإخلاص فإنهم المنافقون الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا في قلوبهم الكفر ms08402
~~{ فأحبط الله أعملهم } أي أظهر بطلانها لأنها باطلة منذ
~~عملت إذ صحتها مشروط بالايمان وبالإخلاص وهم مبطنون الكفر وفي «البحر» أي
~~لم يقبلها سبحانه فكانت كالمحبطة وعلى الوجهين المراد بالأعمال العبادات
~~المأمور بها، وجوزأن يكون المراد بها ما عملوه نفاقا وتصنعا وإن لم يكن
~~عبادة، والمعنى فأبطل عز وجل صنعهم ونفاقهم فلم يبق مستتبعا لمنفعة
~~دنيوية أصلا. وحمل بعضهم الأعمال على العبادات والإحباط على ظاهره بناء
~~على ما روي عن ابن زيد عن أبيه قال نزلت الآية في رجل بدري نافق بعد بدر
~~ووقع منه ما وقع فأحبط الله تعالى عمله في بدر وغيرها، وصيغة الجمع تبعد
~~ذلك وكذا قوله تعالى: { لم يؤمنوا } فإن هذا كما هو ظاهر هذه
~~الرواية قد آمن قبل، وأيضا قوله عليه الصلاة والسلام:

# " لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم "

# يأبى ذلك فالظاهر والله تعالى أعلم أن هذه الرواية غير صحيحة.

# { وكان ذلك } أي الاحباط { على الله يسيرا } أي هينا لا
~~يبالي به ولا يخاف سبحانه اعتراضا عليه، وقيل: أي هينا سهلا عليه عز
~~وجل، وتخصيص يسره بالذكر مع أن كل شيء عليه تعالى يسير لبيان أن أعمالهم
~~بالاحباط المذكور لكمال تعاضد الحكم المقتضية له وعدم مانع عنه بالكلية،
~~وقيل: { ذلك } إشارة إلى حالهم من الشح ونحوه، والمعنى كان ذلك الحال
~~عليه عز وجل هينا لا يبالي به ولا يجعله سبحانه سببا لخذلان المؤمنين
~~وليس بذاك، والمقصود مما ذكر التهديد والتخويف.

### || [33.20]

# { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا } أي هم من الجزع والدهشة
~~لمزيد جبنهم وخوفهم بحيث هزم الله تعالى الأحزاب فرحلوا وهم يظنون أنه لم
~~يرحلوا، وقيل: المراد هؤلاء لجبنهم يحسبون الأحزاب لم ينهزموا وقد
~~انهزموا فانصرفوا عن الخندق راجعين إلى المدينة لذلك، وهذا إن صحت فيه
~~رواية فذاك وإلا فالظاهر أنه مأخوذ من قوله تعالى:

# والقائلين لإخونهم هلم إلينا

# [الأحزاب: 18] لدلالته ظاهرا على أنهم خارجون عن معسكر رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم يحثون إخوانهم على اللحاق بهم، وكون ms08403 المراد هلموا إلى
~~رأينا أو إلى مكاننا الذي هو في طرف لا يصل إليه السهم خلاف الظاهر، وكذا
~~من قوله سبحانه: { ولو كانوا فيكم } على ما هو الظاهر أيضا إذ
~~يبعد حمله على اتحاد المكان ولو في الخندق. { وإن يأت الأحزاب }
~~كرة ثانية { يودوا لو أنهم بادون فى الأعراب } تمنوا
~~أنهم خارجون إلى البدو وحاصلون مع الأعراب وهم أهل العمود، وقرأ عبد
~~الله. وابن عباس. وابن يعمر. وطلحة { بدي } جمع باد كغاز وغزى وليس بقياس
~~في معتل اللام وقيام فعلة كقاض وقضاة؛ وفي رواية أخرى عن ابن عباس { بدوا
~~} فعلا ماضيا، وفي رواية صاحب «الإقليد» { بدي } بوزن عدي.

# { يسئلون } أي كل قادم من جانب المدينة { عن أنبائكم } عما
~~جرى عليكم من الأحزاب يتعرفون أحوالكم بالاستخبار لا بالمشاهدة / فرقا
~~وجبنا، واختيار البداوة ليكونوا سالمين من القتال، والجملة في موضع
~~الحال من فاعل { بادون } ، وحكى ابن عطية أن أبا عمرو وعاصما والأعمش
~~قرؤا (يسلون) بغير همز نحو قوله تعالى:

# سل بنى إسرءيل

# [البقرة: 211] ولم يعرف ذلك عن أبي عمرو وعاصم، ولعل ذلك في شاذهما
~~ونقلها صاحب «اللوامح» عن الحسن والأعمش، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى
~~عنهما وقتادة والجحدري والحسن ويعقوب بخلاف عنهما { يساءلون } بتشديد
~~السين والمد وأصله يتساءلون فأدغمت التاء في السين أي يسأل بعضهم بعضا
~~أي قول بعضهم لبعض: ماذا سمعت وماذا بلغك؟ أو يتساءلون الأعراب أي
~~يسألونهم كما تقول: رأيت الهلال وتراءيته وأبصرت زيدا وتباصرته.

# { ولو كانوا فيكم } أي في هذه الكرة المفروضة بقوله تعالى: {
~~وإن يأت الأحزاب } أو لو كانوا فيكم في الكرة الأولى السابقة
~~ولم يرجعوا إلى داخل المدينة وكانت محاربة بالسيوف ومبارزة الصفوف { ما
~~قاتلوا إلا قليلا } رياء وسمعة وخوفا من التعبير قال مقاتل
~~والجياني والبعلبكي: هو قليل من حيث هو رياء ولو كان الله تعالى كان
~~كثيرا.

### || [33.21]

# { لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة } الظاهر
~~أن الخطاب للمؤمنين الخلص المخاطبين من قبل في قوله تعالى: { عن
~~أنبائكم } وقوله سبحانه:

# ولو كانوا فيكم ms08404

# [الأحزاب: 20]. والإسوة بكسر الهمزة كما قرأ الجمهور وبضمها كما قرأ
~~عاصم: الخصلة، وقال الراغب: الحالة التي يكون عليها الإنسان وهي اسم {
~~كان } و { لكم } الخبر و { فى رسول الله } متعلق بما تعلق به {
~~لكم } أو في موضع من { إسوة } لأنه لو تأخر جاز أن يكون نعتا لها أو
~~متعلق بكان على مذهب من أجاز فيها ناقصة وفي أخواتها أن تعمل في الظرف،
~~وجوز أن يكون { في رسول الله } الخبر و { لكم } تبيين أي أعني لكم أي
~~والله لقد كان لكم في رسول الله خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى ويقتدى بها
~~كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد؛ ويجوز أن يراد بالأسوة القدوة بمعنى
~~المقتدى على معنى هو صلى الله عليه وسلم في نفسه قدوة يحسن التأسي به،
~~وفي الكلام صنعة التجريد وهو أن ينتزع من ذي صفة آخر مثله فيها مبالغة في
~~الاتصاف نحو لقيت منه أسدا وهو كما يكون بمعنى من يكون بمعنى في كقوله:

# أراقت بنو مروان ظلما دماءنا

# وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل

# وكقوله: في البيضة عشرون منا حديد أي هي في نفسها هذا القدر من الحديد.

# والآية وإن سيقت للاقتداء به عليه الصلاة والسلام في أمر الحرب من
~~الثبات ونحوه فهي عامة في كل أفعاله صلى الله عليه وسلم إذا لم يعلم أنها
~~من خصوصياته كنكاح ما فوق أربع نسوة؛ أخرج ابن ماجه وابن أبي حاتم عن
~~حفص بن عاصم قال: قلت لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما رأيتك في
~~السفر لا تصلي قبل الصلاة ولا بعدها فقال يا ابن أخي صحبت رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم كذا وكذا فلم أره يصلي قبل الصلاة ولا بعدها ويقول الله
~~تعالى: { لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة }
~~وأخرج عبد الرزاق في «المصنف» عن قتادة قال: هم عمر بن الخطاب رضي الله
~~تعالى عنه أن ينهى عن الحبرة فقال رجل: أليس قد رأيت رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم يلبسها؟ قال عمر: بلى ms08405 قال الرجل: ألم يقل الله تعالى: {
~~لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة } فترك ذلك
~~عمر رضي الله تعالى عنه. وأخرج الشيخان والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن ابن
~~عمر أنه سئل عن رجل معتمر طاف بالبيت أيقع على امرأته قبل أن يطوف بين
~~الصفا والمروة فقال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت وصلى
~~خلف المقام ركعتين وسعى بين الصفا والمروة ثم قرأ { لقد كان لكم
~~فى رسول الله أسوة حسنة }.

# / وأخرج الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال: إذا حرم الرجل عليه امرأته
~~فهو يمين يكفرها، وقال { لقد كان لكم فى رسول الله
~~أسوة حسنة } إلى غير ذلك من الأخبار، وتمام الكلام في كتب
~~الأصول.

# { لمن كان يرجو الله واليوم الأخر } أي يؤمل الله
~~تعالى وثوابه كما يرمز إليه أثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعليه
~~يكون قد وضع { اليوم الأخر } بمعنى يوم القيامة موضع الثواب لأن
~~ثوابه تعالى يقع فيه فهو على ما قال الطيبي من إطلاق اسم المحل على
~~الحال، والكلام نحو قولك: أرجو زيدا وكرمه مما يكون ذكر المعطوف عليه
~~فيه توطئة للمعطوف وهو المقصود وفيه من الحسن والبلاغة ما ليس في قولك:
~~أرجو زيدا كرمه على البدلية. وقال صاحب «الفرائد»: يمكن أن يكون التقدير
~~يرجو رحمة الله أو رضا الله وثواب اليوم الآخر ففي الكلام مضافان مقدران،
~~وعن مقاتل أي يخشى الله تعالى ويخشى البعث الذي فيه جزاء الأعمال على أنه
~~وضع اليوم الآخر موضع البعث لأنه يكون فيه، والرجاء عليه بمعنى الخوف،
~~ومتعلق الرجاء بأي معنى كان أمر من جنس المعاني لأنه لا يتعلق بالذوات،
~~وقدر بعضهم المضاف إلى الاسم الجليل لفظ أيام مرادا بها الوقائع فإن
~~اليوم يطلق على ما يقع فيه من الحروب والحوادث واشتهر في هذا حتى صار
~~بمنزلة الحقيقة وجعل قرينة هذا التقدير المعطوف وجعل العف من عطف الخاص
~~على العام، والظاهر أن الرجاء على هذا بمعنى الخوف، وجوز أن يكون الكلام
~~عليه كقوله: أرجو زيدا ms08406 وكرمه. وأن يكون الرجاء فيه بمعنى الأمل إن أريد
~~ما في اليوم من النصر والثواب، وأن يكون بمعنى الخوف والأمل معا بناء
~~على جواز استعمال اللفظ في معنييه أو في حقيقته ومجازه وإرادة ما يقع فيه
~~من الملائم والمنافر، وعندي أن تقدير أيام غير متبادر إلى الفهم، وفسر
~~بعضهم { اليوم الأخر } بيوم السياق والمتبادر منه يوم القيامة و {
~~من } على ما قيل بدل من ضمير الخطاب في { لكم } وأعيد العامل
~~للتأكيد وهو بدل كل من كل والفائدة فيه الحث على التأسي، وإبدال الاسم
~~الظاهر من ضمير المخاطب هذا الإبدال جائز عند الكوفيين والأخفش، ويدل
~~عليه قوله:

# بكم قريش كفينا كل معضلة

# وأم نهج الهدى من كان ضليلا

# ومنع ذلك جمهور البصريين: ومن هنا قال صاحب «التقريب»: هو بدل اشتمال أو
~~بدل بعض من كل، ولا يتسنى إلا على القول بأن الخطاب عام وهو مخالف للظاهر
~~كما سمعت، ومع هذا يحتاج إلى تقدير منكم، وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون
~~لمن متعلقا بحسنة أو بمحذوف وقع صفة لها لأنه وقع بعد نكرة، وقيل: يجوز
~~أن يكون صفة لأسوة.

# وتعقب بأن المصدر الموصوف لا يعمل فيما بعد وصفه، وكذا تعدد الوصف بدون
~~العطف لا يصح، وقد صرح بمنع ذلك الإمام الواحدي، ولا يخفى أن المسألة
~~خلافية فلا تغفل.

# { وذكر الله كثيرا } أي ذكرا كثيرا وقرن سبحانه بالرجاء
~~كثرة الذكر لأن المثابرة على كثرة ذكره عز وجل تؤدى إلى ملازمة الطاعة
~~وبها يتحقق الائتساء برسول الله صلى الله عليه وسلم ومما ينبغي أن يعلم
~~أنه قد صرح بعض الأجلة كالنووي أن ذكر الله تعالى المعتبر شرعا ما يكون
~~في ضمن جملة مفيدة كسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر
~~ولا حول ولا قوة إلا بالله ونحو ذلك وما لا يكون بمفرد لا يعد شرعا
~~ذكرا نحو الله أو قادر أو سميع أو بصير إذا لم يقدر هناك ما يصير به
~~اللفظ كلاما، والناس عن هذا غافلون، وأنهم أجمعوا على أن ms08407 الذكر المتعبد
~~بمعناه لا يثاب صاحبه ما لم يستحضر معناه فالمتلفظ بنحو سبحان الله ولا
~~إله إلا الله إذا كان غافلا عن المعنى غير ملاحظ له ومستحضرا إياه لا
~~يثاب إجماعا، والناس أيضا عن هذا غافلون / فإنا لله وإنا إليه راجعون.

### || [33.22]

# { ولما رأى المؤمنون الأحزاب } بيان لما صدر عن خلص
~~المؤمنين عند اشتباه الشؤن واختلاط الظنون بعد حكاية ما صدر عن غيرهم أي
~~لما شاهدوهم حسبما وصفوا لهم { قالوا هذا } إشارة عند المحققين
~~إلى ما شاهدوه من غير أن يخطر ببالهم لفظ يدل عليه فضلا عن تذكيره
~~وتأنيثه فإنهما من أحكام اللفظ نعم يجوز التذكير باعتبار الخبر الذي هو {
~~ما وعدنا الله ورسوله } فإن ذلك العنوان أول ما يخظر
~~ببالهم عند المشاهدة وعند الأكثر إشارة إلى الخطب والبلاء، و { ما }
~~موصولة عائدها محذوف وهو المفعول الثاني لوعد أي الذي وعدناه الله، وجوز
~~أن تكون مصدرية أي هذا وعد الله تعالى ورسوله إيانا وأرادوا بذلك ما
~~تضمنه قوله تعالى في سورة البقرة [214]

# أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل
~~الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء

# كما أخرج ذلك ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما وأخرجه جماعة عن قتادة أيضا ونزلت آية البقرة قبل
~~الواقعة بحول على ما أخرجه جويبر عن الضحاك عن الحبر رضي الله تعالى عنه.
~~وفي «البحر» عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إن
~~الأحزاب سائرون إليكم تسعا أو عشرا أي في آخر تسع ليال أو عشر أي من
~~وقت الإخبار أو من غرة الشهر فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا ذلك
~~فمرادهم بذلك ما وعد بهذا الخبر. وتعقبه ابن حجر بأنه لم يوجد في كتب
~~الحديث. وقرىء بإمالة الراء من { رأى } نحو الكسرة وفتح الهمزة وعدم
~~إمالتها، وروي إمالتهما وإمالة الهمزة دون الراء على تفصيل فيه في
~~«النشر» فليراجع.

# { وصدق الله ورسوله } الظاهر أنه داخل في حيز القول فجوز أن
~~يكون عطفا ms08408 على جملة { هذا ما وعدنا } الخ أو على صلة الموصول
~~وهو كما ترى، وأن يكون في موضع الحال بتقدير قد أو بدونه. وأيا ما كان
~~فالمراد ظهر صدق خبر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لأن الصدق
~~محقق قبل ذلك والمترتب على رؤية الأحزاب ظهوره، وجوز أن يكون المعنى وصدق
~~الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام في النصرة والثواب كما صدق الله
~~تعالى ورسوله في البلاء، والإظهار مع سبق الذكر للتعظيم ولأنه لو أضمر
~~وقيل وصدق جاء الجمع بين الله تعالى وغيره في ضمير واحد والأول تركه أو
~~قيل وصدق هو ورسوله بقي الإظهار في مقام الإضمار فلا يندفع السؤال كذا
~~قيل، وحديث الجمع قد مر ما فيه.

# { وما زادهم } أي ما رأوا المفهوم من قوله تعالى: { ولما
~~رأى المؤمنون } الخ ورجوع الضمير إلى المصدر المفهوم من { رأى
~~} يعكر عليه التذكير، وأرجعه بعضهم إلى الشهود المفهوم من ذلك، وجوز
~~رجوعه إلى الوعد أو الخطب والبلاء المفهومين من السياق أو الإشارة. وقرأ
~~ابن أبي عبلة { وما زادوهم } بضمير الجمع العائد على الأحزاب {
~~إلا إيمانا } بالله تعالى وبمواعيده عز وجل { وتسليما }
~~لأوامره جل شأنه وإقداره سبحانه، واستدل بالآية على جواز زيادة الإيمان
~~ونقصه، ومن أنكر قال: إن الزيادة فيما يؤمن به لا في نفس الإيمان والبحث
~~في ذلك مشهور وفي كتب الكلام على أبسط وجه مسطور.

### || [33.23]

# { من المؤمنين } أي المؤمنين بالإخلاص مطلقا لا الذين حكيت
~~محاسنهم خاصة { رجال } أي رجال { صدقوا ما عهدوا الله
~~عليه } من الثبات مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمقاتلة للأعداء،
~~وقيل: من الطاعات مطلقا ويدخل في ذلك ما ذكر دخولا أوليا، وسبب النزول
~~ظاهر في الأول. أخرج الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وجماعة عن أنس
~~قال: غاب عمي أنس بن النضر عن بدر فشق عليه وقال: أول مشهد شهده رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه لئن أراني الله تعالى مشهدا مع رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد ليرين الله تعالى ما ms08409 أصنع فشهد يوم أحد
~~فاستقبله سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه فقال: يا أبا عمرو أين؟ قال:
~~واها لريح الجنة أجدها دون أحد فقاتل حتى قتل فوجد في جسده بضع وثمانون
~~من ضربة وطعنة ورمية ونزلت هذه الآية: { من المؤمنين رجال
~~صدقوا ما عهدوا الله عليه } وكانوا يرون أنها نزلت فيه
~~وأصحابه. وفي «الكشاف» نذر رجال من الصحابة أنهم إذا لقوا حربا مع رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا أي نذروا الثبات
~~التام والقتال الذي يفضي بحسب العادة إلى نيل الشهادة وهم عثمان بن عفان
~~وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وحمزة ومصعب بن عمير
~~وغيرهم، وعن الكلبي ومقاتل أن هؤلاء الرجال هم أهل العقبة السبعون أهل
~~البيعة، وقال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة والمعول عليه عندي ما قدمته،
~~ومعنى { صدقوا } أتوا بالصدق من صدقني إذا قال [لك] الصدق، ومحل {
~~ما عهدوا } النصب إما على نزع الخافض وهو (في) وإيصال الفعل إليه
~~كما في قولهم صدقني سن بكرة على رواية النصب أي في سن بكره والمفعول
~~محذوف والأصل صدقوا الله فيما عاهدوه، وإما على أنه هو المفعول الصريح.
~~وجعل ما عاهدوا عليه بمنزلة شخص معاهد على طريق الاستعارة المكنية وجعله
~~مصدوقا تخييل وعلى الإسناد المجازي.

# { فمنهم من قضى نحبه } تفصيل لحال الصادقين وتقسيم لهم
~~إلى قسمين، والنحب على ما قال الراغب النذر المحكوم بوجوبه يقال: قضى
~~فلان نحبه أي وفى بنذره. وقال أبو حيان: النذر الشيء الذي يلتزمه الإنسان
~~ويعتقد الوفاء قال الشاعر:

# عشية فر الحارثيون بعدما

# قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر

# وقال جرير:

# بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا

# عشية بسطام جرين على نحب

# أي على أمر عظيم التزم القيام به. وشاع قضى فلان نحبه بمعنى مات إما على
~~أن النحب مستعار استعارة تصريحية للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل إنسان
~~والقرينة حالية والقضاء ترشيح، وإما على أن قضاء النحب مستعار له.

# وجوز أن يراد بالنحب في الآية ms08410 النذر وأن يراد الموت، وقال بعض الأجلة:
~~يجوز أن يكون مستعارا لالتزام الموت شهيدا أما بتنزيل التزام أسبابه
~~التي هي أفعال اختيارية للناذر منزلة التزام نفسه، وإما بتنزيل نفسه
~~منزلة أسبابه وإيراد الالتزام عليه وهو الأنسب بمقام المدح، وجعله
~~استعارة للموت لأنه كنذر لازم مسخ للاستعارة وإذهاب برونقها وإخراج للنظم
~~الكريم عن مقتضى المقام بالكلية انتهى، وفيه منع ظاهر كما لا يخفى على
~~المنصف.

# والذي يقتضيه ظاهر بعض الأخبار أن النحب هنا بمعنى النذر وقضاؤه أداؤه
~~والوفاء به، فقد أخرج ابن أبي عاصم والترمذي وحسنه وابن جرير والطبراني
~~وابن مردويه عن طلحة أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي
~~جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترؤون على مسألته يوقرونه
~~ويهابونه فسأله الأعرابي / ثم إني اطلعت من باب المسجد، فقال: أين
~~السائل عمن قضى نحبه؟ قال الأعرابي: أنا قال: هذا ممن قضى نحبه. وأخرج
~~ابن منده وابن عساكر عن أسماء بنت أبي بكر قالت: دخل طلحة بن عبيد الله
~~على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا طلحة أنت ممن قضى نحبه، وأخرج
~~الحاكم عن عائشة نحوه. وأخرج الترمذي وغيره عن معاوية أنه قال: سمعت رسول
~~الله عليه الصلاة والسلام يقول:

# " طلحة ممن قضى نحبه "

# ، وكأن عليا كرم الله تعالى وجهه عنى مدحه بذلك في قوله وقد قيل له
~~حدثنا عن طلحة: ذاك أمرؤ نزل فيه آية من كتاب الله { فمنهم من
~~قضى نحبه ومنهم من ينتظر } وقد أخرج ذلك عنه كرم الله
~~تعالى وجهه أبو الشيخ وابن عساكر؛ وكان رضي الله تعالى عنه قد ثبت يوم
~~أحد حتى أصيبت يده.

# وإلى حمل النحب على حقيقته ذهب مجاهد فالمعنى منهم من وفي بعهده وأدى
~~نذره. { ومنهم } أي وبعضهم { من ينتظر } يوما فيه جهاد فيقضي
~~نحبه ويؤدي نذره ويفي بعهده، ومن حمل { ما عاهدوا الله } تعالى على
~~العموم وأبقى النحب على حقيقته قال: المعني منهم من وفى بعهود الإسلام
~~وما يلزم من الطاعات ومنهم من ينتظر الحصول ms08411 في أعلا مراتب الإيمان
~~والصلاح.

# واستشكل إبقاء النحب على حقيقته لأن وفاء النذر عين صدق العهد فيكون مآل
~~المعنى من المؤمنين رجال عاهدوا الله تعالى وصدقوا أي فعلوا ووفوا بما
~~عاهدوا الله تعالى عليه فمنهم من فعل ووفى بما عاهد، وفيه تقسيم الشيء
~~إلى نفسه، ويشكل على هذا المعنى قوله تعالى: { ومنهم من ينتظر
~~} لأن المنتظر غير واف فكيف يجعل قسما من الذين صدقوا؟ أي وفوا.

# وأجيب بأن المراد بالصدق في الآية مطابقة النسبة الكلامية للنسبة
~~الخارجة وهذا الكلام المتضمن لهذه النسبة هو ما اقتضاه عهدهم على الثبات
~~من نحو قولهم: لئن أرانا الله مشهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~لنثبتن ولنقاتلن، واتصاف الخبر بالصدق وكذا المخبر به لا يقتضي أكثر من
~~مطابقة نسبته للواقع في أحد الأزمنة فنحو يقوم زيد صادق وكذا المخبر به
~~وقت الإخبار به وإن كان وقوع القيام بعد ألف سنة مثلا، وكذا نحو إن كانت
~~الشمس طالعة فالنهار موجود صادق وإن كان التكلم به ليلا فهؤلاء الرجال
~~لما أخبروا عن أنفسهم أنهم أن أراهم الله تعالى مشهدا مع رسوله عليه
~~الصلاة والسلام ثبتوا وقاتلوا وعلم سبحانه أن هذا مطابق للواقع أخبر
~~تعالى عنهم بأنهم صدقوا ثم قسمهم عز وجل إلى قسمين قسم أدى ما أخبر عن
~~نفسه أنه يؤديه وقسم ينتظر وقتا يؤديه فيه، ولا يتصف هذا القسم بالكذب
~~إلا إذا مات وقد أراه الله تعالى ذلك ولم يؤد، ومن أخبر الله تعالى عنهم
~~بالصدق ما ماتوا حتى أدوا فلا إشكال.

# نعم الإشكال على تقدير أن يراد بالصدق فيما عاهدوا تحقيق العهد فيما
~~أظهروه من أفعالهم كما فسره الراغب ويراد من قضاء النحب وفاء النذر أو
~~العهد كما لا يخفى، وقيل: المراد بصدقهم المذكور مطابقة ما في ألسنتهم
~~لما في قلوبهم على خلاف المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في
~~قلوبهم، ولا إشكال في التقسيم حينئذ. وقيل: الصدق بالمعنى المشهور بين
~~الجمهور إلا أن المراد بصدقوا يصدقون، وعبر عن المضارع بالماضي لتحقق
~~الوقوع، ms08412 وكلا القولين كما ترى.

# وعن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى: { قضى نحبه
~~} فقال: أجله الذي قدر له فقال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت
~~قول لبيد:

# ألا تسألان المرء ماذا يحاول

# أنحب فيقضى أم ضلال وباطل

# وأخرج جماعة عنه أنه فسر ذلك بالموت، وروي نحوه عن ابن عمر رضي الله
~~تعالى عنهما، وعليه لا مانع / من أن يراد بصدقوا ما عاهدوا الله عليه كما
~~ذكر عن الراغب حققوا العهد فيما أظهروه من أفعالهم، فيكون المعنى من
~~المؤمنين رجال عاهدوا الله تعالى على الثبات والقتال إذا لقوا حربا مع
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وحققوا ذلك وثبتوا فمنهم من مات ومن منهم
~~من ينتظر الموت، والذي يقتضيه السياق أن المراد قضى نحبه ثابتا بأن يكون
~~قد استشهد كانس بن النضر ومصعب بن عمير، ويحتمل أن يراد ما أعم من ذلك
~~فيدخل من مات بعد الثبات حتف أنفه قبل نزول الآية إن كان هنالك من هو
~~كذلك، وعدوا ممن ينتظر عثمان وطلحة وأول ما ورد في طلحة من أنه ممن قضى
~~نحبه بأن المراد أنه في حكم من استشهد، وأوجبوا ذلك فيما أخرج سعيد بن
~~منصور وأبو يعلى وابن المنذر وأبو نعيم وابن مردويه عن عائشة أن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة "

# وأخرج ابن مردويه من حديث جابر بن عبد الله مثله. وفي «إرشاد العقل
~~السليم» عن عائشة بلفظ

# " من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي في الأرض، وقد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة
~~"

# وفي «مجمع البيان» عن أبي اسحاق عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال:
~~نزلت فينا { رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه } الآية
~~وأنا والله المنتظر، وفي وصفهم بالانتظار المنبىء عن الرغبة في المنتظر
~~شهادة حقه بكمال اشتياقهم إلى الشهادة، وقيل: إلى الموت مطلقا حبا
~~للقاء الله تعالى ورغبة فيما عنده عز وجل. ms08413

# { وما بدلوا تبديلا } عطف على { صدقوا } وفاعله أي وما
~~بدلوا عهده وما غيروه تبديلا ما لا أصلا ولا وصفا بل ثبتوا عليه راغبين
~~فيه مراعين لحقوقه على أحسن ما يكون، أما الذين قضوا فظاهر، وأما الباقون
~~فيشهد به انتظارهم أصدق شهادة، وتعميم عدم التبديل للفريق الأول مع ظهور
~~حالهم للإيذان بمساواة الفريق الثاني لهم في الحكم، وجوز أن يكون ضمير {
~~بدلوا } للمنتظرين خاصة بناء على أن المحتاج إلى البيان حالهم، وفي
~~الكلام تعريض بمن بدل من المنافقين حيث ولوا الأدبار وكانوا عاهدوا لا
~~يولون الأدبار فكأنه قيل: وما بدلوا تبديلا كما بدل المنافقون فتأمل
~~جميع ذاك والله تعالى يتولى هداك.

### || [33.24]

# { ليجزى الله الصدقين } أي الذين صدقوا ما عاهدوا الله
~~تعالى عليه { بصدقهم } أي بسبب صدقهم، وصرح بذلك مع أنه يقتضيه
~~تعليقه الحكم بالمشتق اعتناء بأمر الصدق، ويكتفى بما يقتضيه التعليق في
~~قوله تعالى: { ويعذب المنفقين } لأنه الأصل ولا داعي إلى
~~خلافه، والمراد ويعذب المنافقين بنفاقهم { إن شاء } أي تعذيبهم { أو
~~يتوب عليهم } أي فلا يعذبهم بل يرحمهم سبحانه إن شاء عز وجل كذا
~~قيل، وظاهره أن كلا من التعذيب والرحمة للمنافقين يوم القيامة ولو ماتوا
~~على النفاق معلق بمشيئته تعالى.

# واستشكل بأن النفاق أقبح الكفر كما يؤذن به قوله تعالى

# إن المنفقين فى الدرك الأسفل من النار

# [النساء: 145] وقد أخبر عز وجل أنه سبحانه يعذب الكفرة مطلقا حتما لا
~~محالة فكيف هذا التعليق؟ وأجيب بأنه لا إشكال فإن الله جل جلاله لا يجب
~~عليه شيء والتعليق لذلك فهو جل شأنه إن شاء عذب المنافق وإن شاء رحمه لكن
~~المتحقق أنه تبارك وتعالى شاء تعذيبه ولم يشأ رحمته فكأنه قيل: إن شاء
~~يعذب المنافقين في الآخرة لكنه سبحانه شاء تعذيبهم فيما أو يتوب عليهم إن
~~شاء لكنه جل وعلا لم يشاء، ورفع مقدم الشرطية الثانية في مثل هذه القضية
~~ينتج رفع التالي، وإنما لم تقيد مجازاة الصادقين بالمشيئة كما / قيد
~~تعذيب المنافقين والتوبة عليهم بها مع أنه تعالى إن شاء ms08414 يجزي الصادقين
~~وإن شاء لم يجزهم لمكان نفي وجوب شيء عليه تعالى لمجموع أمرين هما تحقق
~~مشيئة المجازاة وكون الرحمة مقصودة بالذات بخلاف العذاب، وكأنه سبحانه
~~لهذا الأخير لم يقل ليثيب أو لينعم وقال سبحانه في المقابل: { ويعذب }.

# وقال بعض الأجلة: إن التوبة عليهم مشروطة بتوبتهم ومعنى توبته تعالى على
~~العباد قبول توبتهم فكأنه قيل: أو يقبل توبتهم إن تابوا، وحذف الشرط
~~لظهور استلزام المذكور له، ويجوز أن تفسر توبته تعالى عليهم بتوفيقه
~~تعالى إياهم للتوبة إليه سبحانه، وكلا هذين المعنيين لتوبته تعالى وارد
~~كما في «القاموس»، وأيا ما كان فالأمر معلق بالمشيئة ضرورة أنه لا يجب
~~عليه سبحانه قبول التوبة ولا التوفيق لها، والمراد من تعليق تعذيب
~~المنافقين بالمشيئة أنه تعالى إن شاء عذبهم بإبقائهم منافقين وإن شاء
~~سبحانه لم يعذبهم بأن يسلب عنهم وصف النفاق بالتوفيق إلى الإخلاص في
~~الإيمان.

# وقال ابن عطية: تعذيب المنافقين ثمرة إقامتهم على النفاق وموتهم عليه
~~والتوبة موازنة لتلك الإقامة وثمرتها تركهم بلا عذاب فهناك أمران: إقامة
~~على النفاق وتوبة منه وعنها ثمرتان تعذيب ورحمة فذكر تعالى على جهة
~~الإيجاز واحدة من هاتين وواحدة من هاتين ودل ما ذكر على ما ترك ذكره،
~~ويدلك على أن معنى قوله تعالى: { ليعذب } ليديم على النفاق قوله
~~سبحانه: { إن شاء } ومعادلته بالتوبة وحرف { أو } انتهى، وأراد بذلك
~~حل الإشكال، وكأن ما ذكره يؤل إلى أن التقدير ليقيموا على النفاق فيموتوا
~~عليه إن شاء فيعذبهم أو يتوب عليهم فيرحمهم فحذف سبب التعذيب وأثبت
~~المسبب وهو التعذيب وأثبت سبب الرحمة والغفران وحذف المسبب وهو الرحمة
~~والغفران وذلك من قبيل الاحتياك، قال في «البحر»: وهذا من الإيجاز الحسن،
~~وقال السدي: المعنى ويعذب المنافقين إن شاء أن يميتهم على نفاقهم أو يتوب
~~عليهم بنقلهم من النفاق إلى الإيمان، وكأنه جعل مفعول المشيئة الإماتة
~~على النفاق دون التعذيب كما هو الظاهر لما سمعت من استشكال تعليق تعذيبهم
~~بالمشيئة مع أنه متحتم، وقيل لذلك أيضا: إن المراد يعذبهم في الدنيا إن
~~شاء ms08415 أو يتوب عليهم فلا يعذبهم فيها، وحكي هذا عن الجبائي والكلام عليه في
~~غاية الظهور، وقد يقال: المراد بالمنافقين الجماعة المخصوصون القائلون

# ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا

# [الأحزاب: 12] على أن ذلك كالاسم لهم فلا يلاحظ فيه مبدأ الاشتقاق ولا
~~يجعل علة للحكم بل العلة له ما يفهم من سياق الكلام فيكون المعلق
~~بالمشيئة تعذيب أناس مخصوصين ويكون المعنى يعذب فلانا وفلانا مثلا إن
~~شاء بأن يميتهم سبحانه مصرين على ما هم عليه مما يقتضي التعذيب أو يتوب
~~عليهم بأن يوفقهم للتوبة فيرحمهم، ويجوز أن يراد بالصادقين نحو هذا
~~وحينئذ يكون قوله سبحانه: { بصدقهم } تصريحا بما يفهم من السياق، ويفهم
~~من كلام شيخ الإسلام أن ذكر الصدق وحده من باب الاكتفاء حيث قال في معنى
~~الآية: ليجزي الله الصادقين بما صدر عنهم من الأقوال والوفاء قولا
~~وفعلا ويعذب المنافقين بما صدر عنهم من الأعمال والأقوال المحكية، قيل:
~~ولم يقل في جانب المنافقين بنفاقهم لقوله سبحانه: { أو يتوب } الخ
~~فإنه يستدعي فعلا خاصا بهم فتأمل.

# والظاهر أن اللام في { ليجزى } للتعليل، والكلام عند كثير تعليل
~~للمنطوق من نفى التبديل عن الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه والمعرض به
~~من إثبات التعريض لمن سواهم من المنافقين فإن الكلام على ما سمعت في قوة
~~وما بدلوا تبديلا كما بدل المنافقون فقوله: (ليجزى ويعذب)
~~متعلق بالمنفي والمثبت على اللف والنشر التقديري، وجعل تبديل المنافقين
~~علة للتعذيب مبني على تشبيه المنافقين بالقاصدين عاقبة السوء على نهج
~~الاستعارة المكنية والقرينة إثبات معنى التعليل، وقيل: إن اللام للعلة
~~حقيقة بالنظر / إلى المنطوق ومجازا بالنظر إلى المعرض به ويكون من باب
~~الجمع بين الحقيقة والمجاز وقد جوزه من جوزه.

# وقيل: لا يبعد جعل { ليجزى } الخ تعليلا للمنطوق المقيد بالمعرض
~~به فكأنه قيل: ما بدلوا كغيرهم ليجزيهم بصدقهم ويعذب غيرهم إن لم يتب،
~~وأنه يظهر بحسن صنيعهم قبح غيره، وبضدها تتبين الأشياء، وقيل: تعليل
~~لصدقوا وحكي ذلك عن الزجاج، وقيل: لما يفهم من قوله تعالى:

# وما زادهم إلا إيمانا ms08416 وتسليما

# [الأحزاب: 22] وقيل: لما يستفاد من قوله تعالى:

# ولما رأى المؤمنون الأحزاب

# [الأحزاب: 22] كأنه قيل: ابتلاهم الله تعالى برؤية ذلك الخطب ليجزي
~~الآية، واختاره الطيبي قائلا: إنه طريق أسهل مأخذا وأبعد عن التعسف
~~وأقرب إلى المقصود من جعله تعليلا للمنطوق والمعرض به. واختار شيخ
~~الإسلام كونه متعلقا بمحذوف والكلام مستأنف مسوق بطريق الفذلكة لبيان ما
~~هو داع إلى وقوع ما حكى من الأقوال والأفعال على التفصيل وغاية [له] كما
~~في قوله تعالى:

# ليسأل الصدقين عن صدقهم

# [الأحزاب: 8] كأنه قيل: وقع جميع ما وقع ليجزي الله الخ، وهو عندي حسن
~~وإن كان فيه حذف فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك { إن الله كان
~~غفورا رحيما } أي لمن تاب، وهذا اعتراض فيه بعث إلى التوبة.

### || [33.25]

# وقوله سبحانه: { ورد الله } الخ رجوع إلى حكاية بقية القصة
~~وتفصيل لتتمة النعمة المشار إليها إجمالا بقوله تعالى:

# فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها

# [الأحزاب: 9] وهو معطوف على { أرسلنا } وقد وسط بينهما بيان كون ما
~~نزل بهم واقعة طامة تحيرت بها العقول والأفهام وداهية تحاكت فيها الركب
~~وزلت الأقدام، وتفصيل ما صدر عن فريقي أهل الإيمان وأهل الكفر والنفاق من
~~الأحوال والأقوال لإظهار عظم النعمة وإبانة خطرها الجليل ببيان وصولها
~~إليهم عند غاية احتياجهم إليها أي فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها
~~ورددنا بذلك { الذين كفروا } والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية
~~المهابة وإدخال الروعة، وجوز شيخ الإسلام - ولعل صنيعه يشير إلى أولويته
~~حيث بدأ به - كونه معطوفا على المقدر قبل:

# ليجزى الله

# [الأحزاب: 24] كأنه قيل إثر حكاية الأمور المذكورة وقع ما وقع من
~~الحوادث ورد الله الذين كفروا وقيل هو معطوف من حيث المعنى على قوله
~~تعالى: { ليجزى } كأنه قيل فكان عاقبة الذين صدقوا ما عاهدوا الله
~~عليه أن جزاهم الله تعالى بصدقهم ورد أعدائهم وهذا الرد من جملة جزائهم
~~على صدقهم وهو كما ترى، والمراد بالذين كفروا الأحزاب على ما روي غير
~~واحد عن مجاهد، والظاهر أنه عنى المشركين واليهود الذين تحزبوا. وأخرج
~~ابن أبي ms08417 حاتم عن السدي أنه فسر ذلك بأبي سفيان وأصحابه، ولعله الأولى،
~~وعلى القولين المراد رد الله الذين كفروا من نحل اجتماعهم حول المدينة
~~وتحزبهم إلى مساكنهم { بغيظهم } حال من الموصول لا من ضمير {
~~كفروا } والباء للملابسة أي ملتبسين بغيظهم وهو أشد الغضب، وقوله
~~تعالى: { لم ينالوا خيرا } حال من ذاك أيضا أو من ضمير {
~~بغيظهم } أي غير ظافرين بخير أصلا، وفسر بعضهم الخير بالظفر
~~بالنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وإطلاق الخير عليه مبني على
~~زعمهم، وفسره بعضهم بالمال كما في قوله تعالى:

# وإنه لحب الخير لشديد

# [العاديات: 8] والأولى أن يراد به كل خير عندهم فالنكرة في سياق النفي
~~تعم، وجوز أن تكون الجملة مستأنفة لبيان سبب غيظهم أو بدلا.

# { وكفى الله المؤمنين القتال } أي وقاهم سبحانه ذلك، و
~~{ كفى } هذه تتعدى لاثنين، وقيل: هي بمعنى أغنى وتتعدى إلى مفعول
~~واحد. والكلام هنا على الحذف والإيصال والأصل وكفى الله المؤمنين عن
~~القتال أي أغناهم سبحانه عنه ولا وجه له / وهذه الكفاية كانت كما أخرج
~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة بالريح والملائكة عليهم السلام، وقيل:
~~بقتل على كرم الله تعالى وجهه عمرو بن عبد ود. وأخرج ابن أبي حاتم وابن
~~مردويه وابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه كان يقرأ هذا
~~الحرف (وكفى الله المؤمنين القتال بعلي بن أبي طالب) وفي «مجمع البيان»
~~هو المروي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه ولا يكاد يصح ذلك،
~~والظاهر ما روي عن قتادة لمكان قوله تعالى:

# فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها

# [الأحزاب: 9] وكأن المراد بالقتال الذي كفاهم الله تعالى إياهم القتال
~~على الوجه المعروف من تعبية الصفوف والرمي بالسهام والمقارعة بالسيوف أو
~~القتال الذي يقتضيه ذلك التحزب والاجتماع بحكم العادة.

# وفي «البحر» ما هو ظاهر في أن المراد: كفى الله المؤمنين مداومة القتال
~~وعودته فإن قريشا هزموا بقوة الله تعالى وعزته عز وجل وما غزوا المسلمين
~~بعد ذلك وإلا فقد وقع قتال في الجملة وقتل من ms08418 المشركين على ما روي عن ابن
~~إسحاق ثلاثة نفر من بني عبد الدار بن قصي منبه بن عثمان بن عبيد ابن
~~السباق بن عبد الدار أصابه سهم فمات منه بمكة، ومن بني مخزوم بن يقظة
~~نوفل بن عبد الله بن المغيرة اقتحم الخندق فتورط فيه فقتل، ومن بني عامر
~~بن لؤي ثم من بني مالك بن حسل عمرو بن عبد ود نازله علي كرم الله تعالى
~~وجهه كما علمت فقتله. وروي عن ابن شهاب أنه رضي الله تعالى عنه قتل يومئذ
~~ابنه حسل أيضا فيكون من قتل من المشركين أربعة واستشهد من المؤمنين بسبب
~~هذه الغزوة سعد بن معاذ وأنس بن أويس بن عتيك وعبد الله بن سهل وهم من
~~بني عبد الأشهل والطفيل بن النعمان وثعلبة بن عثمة وهما من بني جشم بن
~~الخزرج من بني سلمة وكعب بن زيد وهو من بني النجار ثم من بني دينار أصابه
~~سهم غرب فقتله، قال ابن إسحاق: ولم يستشهد إلا هؤلاء الستة رضي الله
~~تعالى عنهم.

# { وكان الله قويا } على إحداث كل ما يريد جل شأنه { عزيزا
~~} غالبا على كل شيء.

### || [33.26]

# { وأنزل الذين ظهروهم } أي عاونوا الأحزاب المردودة {
~~من أهل الكتب } وهم بنو قريظة عند الجمهور، وعن الحسن أنهم
~~بنو النضير وعلى الأول المعول { من صياصيهم } أي من حصونهم جمع
~~صيصية وهي كل ما يمتنع به ويقال لقرن الثور والظباء ولشوكة الديك التي في
~~رجله كالقرن الصغير، وتطلق الصياصي على الشوك الذي للنساجين ويتخذ من
~~حديد قاله أبو عبيدة وأنشد لدريد بن الصمة الجشمي:

# نظرت إليه والرماح تنوشه

# كوقع الصياصي في النسيج الممدد

# وتطلق على الأصول أيضا قال أبو عبيدة إن العرب تقول: جذ الله تعالى
~~صئصئة أي أصله.

# { وقذف فى قلوبهم الرعب } أي الخوف الشديد بحيث أسلموا
~~أنفسهم للقتل وأهليهم وأولادهم للأسر حسبما ينطق به قوله تعالى: {
~~فريقا تقتلون وتأسرون فريقا } أي من غير أن يكون من
~~جهتهم حراك فضلا عن المخالفة والاستعصاء. وفي «البحر» أن قدف الرعب سبب ms08419
~~لإنزالهم ولكن قدم المسبب لما أن السرور بإنزالهم أكثر والإخبار به أهم،
~~وقدم مفعول { تقتلون } لأن القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين
~~وكان الاعتناء بحالهم أهم ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء بل الاعتناء
~~هناك بالأسر أشد، ولو قيل: وفريقا تأسرون لربما ظن قبل سماع تأسرون أنه
~~يقال بعد تهزمون أو نحو ذلك، وقيل: قدم المفعول في الجملة الأولى لأن
~~مساق الكلام / لتفصيله وأخر في الثانية لمراعاة الفواصل، وقيل التقديم
~~لذلك وأما التأخير فلئلا يفصل بين القتل وأخيه وهو الأسر فاصل، وقيل:
~~غوير بين الجملتين في النظم لتغاير حال الفريقين في الواقع فقد قدم
~~أحدهما فقتل وأخر الآخر فأسر. وقرأ ابن عامر والكسائي { الرعب } بضم
~~العين وقرأ أبو حيوة { تأسرون } بضم السين، وقرأ اليماني { يأسرون } بياء
~~الغيبة وقرأ ابن أنس عن ابن ذكوان بها فيه وفي (يقتلون) ولا يظهر لي وجه
~~وجيه لتخصيص الاسم بصيغة الغيبة فتأمل.

# وتفصيل القصة على سبيل الاختصار أنه لما كانت صبيحة الليلة التي انهزم
~~فيها الأحزاب أو ظهر يوم تلك الليلة على ما في بعض الروايات وقد رجع رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون إلى داخل المدينة أتى جبريل عليه
~~السلام معتجرا بعمامة إستبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند زينب بنت جحش تغسل رأسه الشريف وقد
~~غسلت شقه فقال: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال: عفا الله
~~تعالى عنك ما وضعت الملائكة عليهم السلام السلاح بعد وما رجعت إلا الآن
~~من طلب القوم وإن الله تعالى يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وإني عامد
~~إليهم فمزلزل بهم حصونهم فأمر عليه الصلاة والسلام مؤذنا فاذن في الناس
~~من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة واستعمل على
~~المدينة ابن أم مكتوم وقدم علي بن طالب كرم الله تعالى وجهه برايته إليهم
~~وابتدرها الناس فسار كرم الله تعالى وجهه حتى إذا دنا من الحصون سمع منها
~~مقالة قبيحة لرسول الله صلى ms08420 الله عليه وسلم فرجع حتى لقيه عليه الصلاة
~~والسلام فقال: يا رسول الله لا عليك أن تدنو من هؤلاء الأخابث قال: لم؟
~~أظنك سمعت لي منهم أذى قال: نعم يا رسول الله قال لو رأوني لم يقولوا من
~~ذلك شيئا فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال: يا
~~إخوان القردة هل أخزاكم الله تعالى وأنزل بكم نقمته؟ قالوا: يا أبا
~~القاسم ما كنت جهولا وفي رواية فحاشا وكان عليه الصلاة والسلام قد مر
~~بنفر من أصحابه بالصورين قبل أن يصل إليهم فقال: هل مر بكم أحد قالوا: يا
~~رسول الله قد مر بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها رحالة
~~عليها قطيفة ديباج فقال عليه الصلاة والسلام: ذلك جبريل عليه السلام بعث
~~إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم ولما أتاهم صلى
~~الله عليه وسلم نزل على بئر من آبارها من ناحية أموالهم يقال لها بئر أنا
~~وتلاحق الناس فأتى رجال من بعد العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم «لا يصلين أحد العصر إلا ببني قريظة» وقد شغلهم
~~ما لم يكن لهم منه بد في حربهم فلما أتوا صلوها بعد العشاء فما عابهم
~~الله تعالى بذلك في كتابه ولا عنفهم رسوله عليه الصلاة والسلام.

# وحاصرهم صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرين ليلة، وقيل: إحدى وعشرين، وقيل:
~~خمس عشرة وجهدهم الحصار وخافوا أشد الخوف وقد كان حيي بن أخطب دخل معهم
~~في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما عاهده عليه
~~فلما أيقنوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى
~~يناجزهم قال لهم كعب: يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون وإني
~~عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم قالوا: وما هي؟ قال: نتابع هذا
~~الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل وأنه الذي تجدونه في
~~كتابكم فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم ms08421 قالوا: لا نفارق
~~حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره قال فإذا أبيتم على هذه فلنقتل
~~أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رجالا
~~مصلتين بالسيوف لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله تعالى بيننا وبينهم
~~فإن نهلك نهلك ولم نترك / وراءنا نسلا نخشى عليه وأن نظهر فلعمري لنتخذن
~~النساء والأبناء قالوا: نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم قال:
~~فإن أبيتم على هذه فإن الليلة ليلة السبت وأنه عسى أن يكون محمد صلى الله
~~عليه وسلم وأصحابه قد أمنونا فيها فانزلوا لعلنا نصيب منهم غرة قالوا:
~~نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما
~~لم يخف عليك من المسخ قال: فما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من
~~الدهر حازما ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث
~~إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف وكانوا حلفاء الأوس
~~نستشيره في أمرنا فأرسله عليه الصلاة والسلام إليهم فلما رأوه قام إليه
~~الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم وقالوا له: يا
~~أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد صلى الله عليه وسلم قال: نعم وأشار
~~بيده إلى حلقه أنه الذبح فعرف أنه قد خان الله تعالى ورسوله عليه الصلاة
~~والسلام فلم يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب إلى المدينة
~~وربط نفسه بجذع في المسجد حتى نزلت توبته رضي الله تعالى عنه ثم إنه عليه
~~الصلاة والسلام استنزلهم فتواثب الأوس فقالوا: يا رسول الله إنهم موالينا
~~دون الخزرج وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت وقد كان رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع وقد كانوا حلفاء
~~الخزرج فنزلوا على حكمه فسأله إياهم عبد الله بن أبي بن سلول فوهبهم له
~~فلما كلمته الأوس قال عليه الصلاة والسلام ألا ترضون يا معشر الأوس أن
~~يحكم ms08422 فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى قال فذاك إلى سعد بن معاذ وكان رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم قد جعله في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها رفيدة في
~~مسجده كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به صنيعة من
~~المسلمين وقد كان رضي الله تعالى عنه قد أصيب يوم الخندق رماه رجل من
~~قريش يقال له ابن العرقة بسهم فأصاب أكحله فقطعه فدعا الله تعالى فقال:
~~اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة، وروي أن بني قريظة هم اختاروا
~~النزول على حكم سعد ورضي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فأتاه قومه
~~وهو في المسجد فحملوه على حمار وقد وطأوا له بوسادة من أدم وكان رجلا
~~جسيما جميلا ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم
~~يقولون: يا أبا عمرو أحسن في مواليك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه
~~في الله تعالى لومة لائم فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد
~~الأشهل فنعى إليهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد عن كلمته التي
~~سمع منه فلما انتهى سعد إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام والمسلمين قال
~~صلى الله عليه وسلم: «قوموا إلى سيدكم» فأما المهاجرون من قريش فقالوا:
~~إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار وأما الأنصار فيقولون:
~~قد عم بها عليه الصلاة والسلام المسلمين فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عمرو
~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم فقال
~~سعد: عليكم عهد الله تعالى وميثاقه أن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم
~~قال: وعلى من ههنا في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وهو معرض برسول الله عليه الصلاة والسلام؟ فقال صلى الله عليه وسلم.

# نعم قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى
~~الذراري والنساء ms08423 فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لقد حكمت فيهم
~~بحكم الله من فوق سبعة أرقعة فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار
~~بنت الحرث امرأة من بني النجار ثم خرج إلى سوق المدينة التي هي سوقها
~~اليوم فخندق بها خنادق ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق يخرج
~~إليهم بها إرسالا وفيهم عدو الله تعالى حيي بن أخطب وكعب بن أسد رأس
~~القوم / وهم ستمائة أو سبعمائة والمستكثر لهم يقول: كانوا بين الثمانمائة
~~والتسعمائة وقد قالوا لكعب وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: أرسالا يا كعب ما تراه يصنع بنا؟ قال: أفي كل موطن لا تعقلون أما
~~ترون الداعي لا ينزع ومن ذهب منكم لا يرجع هو والله القتل فلم يزل ذلك
~~الدأب حتى فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتى بحيي بن أخطب عدو
~~الله تعالى وعليه حلة تفاحية قد شقها عليه من كل ناحية قدر أنملة أنملة
~~لئلا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه بحبل فلما نظر إلى رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكنه من يخذل الله
~~تعالى يخذل ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله
~~تعالى كتاب وقدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل ثم جلس فضربت عنقه فقال فيه
~~جبل بن جدال التغلبي:

# لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه

# ولكنه من يخذل الله يخذل

# لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها

# وقلقل يبغي العز كل مقلقل

# وروي أن ثابت بن قيس بن شماس رضي الله تعالى عنه استوهب من رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم الزبير بن باطا القرظي لأنه من عليه في الجاهلية يوم
~~بعاث فقال صلى الله عليه وسلم هو لك فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم قد وهب لي دمك فهو لك قال: شيخ كبير فما يصنع بالحياة ولا أهل
~~له ولا ولد؟ فأتى ثابت رسول الله عليه الصلاة والسلام ms08424 فقال: بأبي أنت
~~وأمي يا رسول الله امرأته وولده قال: هم لك فأتاه فقال: قد وهب لي رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم أهلك وولدك فهم لك قال أهل بيت بالحجاز لا مال
~~لهم فما بقاؤهم على ذلك فأتى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: ما له
~~قال: هو لك فأتاه فقال: قد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك
~~فهو لك فقال أي ثابت: ما فعل الذي كان وجهه مرآة صينية يتمرأ فيها عذارى
~~الحي كعب بن أسد؟ قال: قتل قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا
~~فررنا عزال بن شموال؟ قال: قتل قال: فما فعل المجلسان؟ يعني بني كعب بن
~~قريظة وبني عمرو بن قريظة قال: قتلوا قال: فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك
~~ألا ألحقتني بالقوم فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير فما أنا بصابر
~~لله تعالى قتلة ذكر ناصح حتى ألقى الأحبة فقدمه ثابت فضرب عنقه فلما بلغ
~~أبا بكر رضي الله تعالى عنه قوله: ألقى الأحبة قال: يلقاهم والله في جهنم
~~خالدين فيها مخلدين، واستوهبت سلمى بنت أقيس أم المنذر أخت سليط بن قيس
~~وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلت معه القبلتين
~~وبايعته مبايعة النساء رفاعة بن شموال القرظي وقالت: بأبي أنت وأمي يا
~~نبي الله هب لي رفاعة فإنه زعم أنه سيصل ويأكل لحم الجمل فوهبه عليه
~~الصلاة والسلام لها فاستحيته.

# وقتل منهم كل من أنبت من الذكور، وأما النساء فلم يقتل منهم إلا امرأة
~~يقال لها لبابة زوجة الحكم القرظي وكانت قد طرحت الرحى على خلاد بن سويد
~~فقتلته. أخرج ابن إسحاق عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: والله إن هذه
~~الامرأة لعندي تحدث معي وتضحك ظهرا وبطنا ورسول الله صلى الله عليه
~~وسلم يقتل رجالها بالسيوف إذ هتف هاتف باسمها أين فلانة قالت: أنا والله
~~قلت لها: ويلك ما لك؟ قالت: أقتل قلت: ولم؟ قالت: لحدث أحدثته فانطلق بها
~~فضربت عنقها ms08425 فكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول: فوالله ما أنسى عجبا
~~منها طيب نفسها وكثرة ضحكها وقد عرفت أنها تقتل، ثم إن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم قسم / أموالهم ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأعلم في
~~ذلك اليوم سهمان الخيل وسهمان الرجال، وأخرج منها الخمس وكان للفرس سهمان
~~وللفارس سهم وللراجل الذي ليس له فرس سهم، وكانت الخيل في تلك الغزوة ستة
~~وثلاثين فرسا وهو أول فيء وقعت فيه السهمان وأخرج منه الخمس على ما ذكر
~~ابن إسحاق، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الأنصاري أخا
~~بني عبد الأشهل بسبايا من سبايا القوم وكانت السبايا كلها على ما قيل
~~سبعمائة وخمسين إلى نجد فابتاع بها لهم خيلا وسلاحا وكان عليه الصلاة
~~والسلام قد اصطفى لنفسه الكريمة من نسائهم ريحانة بنت عمرو وكانت في ملكه
~~صلى الله عليه وسلم حتى توفي، وقد كان عليه الصلاة والسلام عرض عليها أن
~~يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت: يا رسول الله بل تتركني في ملك فهو
~~أخف علي وعليك فتركها صلى الله عليه وسلم وكانت حين سباها قد أبت إلا
~~اليهودية فعزلها عليه الصلاة والسلام ووجد في نفسه لذلك فبينما هو صلى
~~الله عليه وسلم مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال: إن هذا لنعلا ابن
~~شعبة جاء يبشرني بإسلام ريحانة فجاءه فقال: يا رسول الله قد أسلمت ريحانة
~~فسره ذلك من أمرها، وكان الفتح على ما في «البحر» في آخر ذي القعدة وهذه
~~الغزوة وغزوة الخندق كانتا في سنة واحدة كما يدل عليه ما ذكرناه أول
~~القصة وهو الصحيح خلافا لمن قال: إن كلا منهما في سنة، ولما انقضى شأن
~~بني قريظة انفجر لسعد رضي الله تعالى عنه جرحه فمات شهيدا، وقد استبشرت
~~الملائكة عليهم السلام بروحه واهتز له العرش، وفي ذلك يقول رجل من
~~الأنصار:

# وما اهتز عرش الله من موت هالك

# سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو

# واستشهد يوم بني قريظة على ما روي عن ابن ms08426 إسحاق من المسلمين ثم من بني
~~الحرث بن الخزرج خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو طرحت عليه رحا فشدخته
~~شدخا شديدا، وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن له لأجر
~~شهيدين، ومات أبو سنان بن محصن بن حرثان أخو بني أسد بن خزيمة ورسول الله
~~عليه الصلاة والسلام محاصر بني قريظة فدفن في مقبرتهم التي يدفنون فيها
~~اليوم وإليه دفنوا موتاهم في الإسلام، وتمام الكلام فيما وقع في هذه
~~الغزوة في كتب السير.

### || [33.27]

# وقوله تعالى: { وأورثكم أرضهم } عطف على قوله سبحانه
~~وتعالى:

# أنزل

# [الأحزاب: 26] الخ، والمراد بأرضهم مزارعهم، وقدمت لكثرة المنفعة بها من
~~النخل والزروع. وفي قوله عز وجل: { أورثكم } إشعار بأنه انتقل إليهم ذلك
~~بعد موت أولئك المقتولين وأن ملكهم إياه ملك قوي ليس بعقد يقبل الفسخ أو
~~الإقالة { وديرهم } أي حصونهم { وأمولهم } نقودهم
~~ومواشيهم وأثاثهم التي اشتملت عليها أرضهم وديارهم. أخرج ابن أبي شيبة
~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة من خبر طويل أن سعدا رضي
~~الله تعالى عنه حكم كما حكم بقتل مقاتلهم وسبي ذراريهم بأن أعقارهم
~~للمهاجرين دون الأنصار فقال قومه: أتؤثر المهاجرين بالأعقار علينا؟ فقال:
~~إنكم ذوو أعقار وإن المهاجرين لا أعقار لهم، وأمضى رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم حكمه.

# وفي «الكشاف» روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل عقارهم للمهاجرين
~~دون الأنصار فقالت الأنصار في ذلك فقال عليه الصلاة والسلام: إنكم في
~~منازلكم، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: أما تخمس كما خمست يوم بدر؟ قال:
~~لا إنما جعلت هذه لي طعمة دون الناس قال: رضينا بما صنع الله تعالى
~~ورسوله صلى الله عليه وسلم. / وذكر الجلال السيوطي أن الخبر رواه الواقدي
~~من رواية خارجة بن زيد عن أم العلاء قالت: لما غنم رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم بني النضير جعل الحديث، ومن طريق المسور بن رفاعة قال: فقال
~~عمر يا رسول الله ألا تخمس ما أصيب من بني النضير الحديث اه، ms08427 وعليه لا
~~يحسن من الزمخشري ذكره ههنا مع أن الآيات عنده في شأن بني قريظة، وسيأتي
~~الكلام فيما وقع لبني النضير في تفسير سورة الحشر إن شاء الله تعالى.

# { وأرضا لم تطئوها } قال مقاتل ويزيد بن رومان وابن زيد: هي
~~خيبر فتحت بعد بني قريظة، وقال قتادة: كان يتحدث أنها مكة، وقال الحسن:
~~هي أرض الروم وفارس، وقيل: اليمن، وقال عكرمة: هي ما ظهر عليها المسلمون
~~إلى يوم القيامة واختاره في «البحر»، وقال عروة: لا أحسبها إلا كل أرض
~~فتحها الله تعالى على المسلمين أو هو عز وجل فاتحها إلى يوم القيامة،
~~والظاهر أن العطف على { أرضهم } واستشكل بأن الإرث ماض حقيقة
~~بالنسبة إلى المعطوف عليه ومجازا بالنسبة إلى هذا المعطوف. وأجيب بأنه
~~يراد بأورثكم أورثكم في علمه وتقديره وذلك متحقق فيما وقع من الإرث
~~كأرضهم وديارهم وأموالهم وفيما لم يقع بعد كإرث ما لم يكن مفتوحا وقت
~~نزول الآية. وقدر بعضهم أورثكم في جانب المعطوف مرادا به يورثكم إلا أنه
~~عبر بالماضي لتحقق الوقوع والدليل المذكور، واستبعد دلالة المذكور عليه
~~لتخالفهما حقيقة ومجازا.

# وقيل: الدليل ما بعد من قوله تعالى: { وكان الله } الخ، ثم إذا
~~جعلت الأرض شاملة لما فتح على أيدي الحاضرين ولما فتح على أيدي غيرهم ممن
~~جاء بعدهم لا يخص الخطاب الحاضرين كما لا يخفى. ومن بدع التفاسير أنه
~~أريد بهذه الأرض نساؤهم، وعليه لا يتوهم إشكال في العطف. وقرأ زيد بن علي
~~رضي الله تعالى عنهما { لم تطوها } بحذف الهمزة أبدل همزة تطأ ألفا
~~على حد قوله:

# إن السباع لتهدى في مرابضها

# والناس لا يهتدى من شرهم أبدا

# فالتقت ساكنة مع الواو فحذفت كقولك لم تروها { وكان الله على
~~كل شىء قديرا } فهو سبحانه قادر على أن يملككم ما شاء.

### || [33.28]

# { يأيها النبى قل لأزوجك إن كنتن تردن
~~الحيوة } أي السعة والتنعم فيها { وزينتها } أي زخرفها وهو
~~تخصيص بعد تعميم { فتعالين } أي أقبلن بإرادتكن واختياركن لإحدى
~~الخصلتين كما يقال أقبل يخاصمني وذهب يكلمني وقام يهددني، ms08428 وأصل تعال أمر
~~بالصعود لمكان عال ثم غلب في الأمر بالمجىء مطلقا والمراد به ههنا ما
~~سمعت، وقال الراغب: قال بعضهم إن أصله من العلو وهو ارتفاع المنزلة فكأنه
~~دعاء إلى ما فيه رفعة كقولك: افعل كذا غير صاغر تشريفا للمقول له، وهذا
~~المعنى غير مراد هنا كما لا يخفى { أمتعكن } أي أعطكن متعة
~~الطلاق، والمتعة للمطلقة التي لم يدخل بها ولم يفرض لها في العقد واجبة
~~عند الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وأصحابه، ولسائر المطلقات
~~مستحبة، وعن الزهري متعتان إحداهما يقضي بها السلطان ويجبر عليها من طلق
~~قبل أن يفرض ويدخل بها والثانية حق على المتقين من طلق بعدما فرض ودخل.
~~وخاصمت امرأة إلى شريح في المتعة فقال: متعها إن كنت من المتقين ولم
~~يجبره، وعن سعيد بن جبير المتعة حق مفروض، وعن الحسن لكل مطلقة متعة إلا
~~المختلعة والملاعنة، والمتعة درع وحمار وملحفة على حسب السعة والإقتار
~~إلا أن يكون نصف مهرها أقل من ذلك فيجب لها الأقل منهما ولا / ينقص من
~~خمسة دراهم لأن أقل المهر عشرة دراهم فلا ينقص من نصفها كذا في «الكشاف»،
~~وتمام الكلام في الفروع، والفعل مجزوم على أنه جواب الأمر وكذا قوله
~~تعالى: { وأسرحكن } وجوز أن يكون الجزم على أنه جواب الشرط ويكون
~~{ فتعالين } اعتراضا بين الشرط وجزائه، والجملة الاعتراضية قد
~~تقترن بالفاء كما في قوله:

# واعلم فعلم المرء ينفعه

# أن سوف يأتي كل ما قدرا

# وقرأ حميد الخراز { أمتعكن وأسرحكن } بالرفع على
~~الاستئناف، وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { أمتعكن } بالتخفيف
~~من أمتع، والتسريح في الأصل مطلق الإرسال ثم كني به عن الطلاق أي وأطلقكن
~~{ سراحا } أي طلاقا { جميلا } أي ذا حسن كثير بأن يكون سنيا لا
~~ضرار فيه كما في الطلاق البدعي المعروف عند الفقهاء. وفي «مجمع البيان»
~~تفسير السراح الجميل بالطلاق الخالي عن الخصومة والمشاجرة، وكان الظاهر
~~تأخير التمتيع عن التسريح لما أنه مسبب عنه إلا أنه قدم عليه إيناسا لهن
~~وقطعا لمعاذيرهن من أول الأمر، ms08429 وهو نظير قوله تعالى:

# عفا الله عنك لم أذنت لهم

# [التوبة: 43] من وجه ولأنه مناسب لما قبله من الدنيا: وجوز أن يكون في
~~محله بناء على أن إرادة الدنيا بمنزلة الطلاق والسراح الإخراج من البيوت
~~فكأنه قيل: إن أردتن الدنيا وطلقتن فتعالين أعطكن المتعة وأخرجكن من
~~البيوت إخراجا جميلا بلا مشاجرة ولا إيذاء، ولا يخفى بعده.

# وسبب نزول الآية على ما قيل: إن أزواجه عليه الصلاة والسلام سألنه ثياب
~~الزينة وزيادة النفقة. وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن مردويه من طريق
~~أبي الزبير عن جابر قال: أقبل أبو بكر رضي الله تعالى عنه والناس ببابه
~~جلوس والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فلم يؤذن له ثم أذن لأبي بكر وعمر
~~رضي الله تعالى عنهما فدخلا والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه
~~وهو ساكت فقال عمر: لأكلمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله يضحك فقال:
~~يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد يعني امرأته رضي الله تعالى عنه سألتني
~~النفقة آنفا فوجأت عنقها فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدا ناجذه
~~وقال: هن حولي سألنني النفقة فقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى عائشة
~~ليضربها وقام عمر رضي الله تعالى عنه إلى حفصة كلاهما يقولان: تسألان
~~النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده فنهاهما رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فقلن نساؤه: والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا
~~المجلس ما ليس عنده. وأنزل الله تعالى الخيار فبدأ بعائشة فقال عليه
~~الصلاة والسلام: إني ذاكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري
~~أبويك قالت: ما هو؟ فتلا عليها { يأيها النبى قل لأزوجك
~~} الآية قالت عائشة: أفيك أستأمر أبوي؟ بل أختار الله تعالى ورسوله صلى
~~الله عليه وسلم وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت فقال عليه
~~الصلاة والسلام: إن الله تعالى لم يبعثني متعنتا ولكن بعثني معلما
~~مبشرا لا تسألني امرأة منهن عما أخبرتني إلا أخبرتها.

# وفي خبر ms08430 رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة والحسن أنه لما نزلت آية
~~التخيير كان تحته عليه الصلاة والسلام تسع نسوة خمس من قريش: عائشة وحفصة
~~وأم حبيبة بنت أبي سفيان وسودة بنت زمعة وأم سلمة بنت أبي أمية وكان
~~تحته صفية بنت حيي الخيبرية وميمونة بنت الحرث الهلالية. وزينب بنت جحش
~~الأسدية وجويرية بنت الحرث من بني المصطلق وبدأ بعائشة فلما اختارت الله
~~تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والدار الآخرة رؤى الفرح في / وجه رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فتتابعن كلهن على ذلك فلما خيرهن واخترن الله عز
~~وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام والدار الآخرة شكرهن الله جل شأنه على
~~ذلك إذ قال سبحانه:

# لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن
~~من أزواج ولو أعجبك حسنهن

# [الأحزاب: 52] فقصره الله تعالى عليهن وهن التسع اللاتي اخترن الله عز
~~وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم.

# وأخرج ابن سعد عن عمرو بن سعيد عن أبيه عن جده أنه صلى الله عليه وسلم
~~خير نساءه فاخترن جميعا الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام غير
~~العامرية اختارت قومها فكانت بعد تقول: أنا الشقية وكانت تلقط البعر
~~وتبيعه وتستأذن على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: أنا الشقية.
~~وأخرج أيضا عن ابن جناح قال: اخترنه جميعا غير العامرية كانت ذاهبة
~~العقل حتى ماتت. وجاء في بعض الروايات عن ابن جبير غير الحميرية وهي
~~العامرية.

# وكان هذا التخيير كما روي عن عائشة وأبي جعفر بعد أن هجرهن عليه الصلاة
~~والسلام شهرا تسعة وعشرين يوما. وفي «البحر» أنه لما نصر الله تعالى
~~نبيه صلى الله عليه وسلم ورد عنه الأحزاب وفتح عليه النضير وقريظة ظن
~~أزواجه عليه الصلاة والسلام أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم فقعدن حوله
~~وقلن: يا رسول الله بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل والإماء والخول ونحن
~~على ما تراه من الفاقة والضيق وآلمن قلبه الشريف عليه الصلاة والسلام
~~بمطالبتهن له بتوسعة الحال وأن يعاملهن بما تعامل به الملوك ms08431 وأبناء
~~الدنيا أزواجهم فأمره الله تعالى بأن يتلو عليهن ما نزل في أمرهن.

# وما أحسن موقع هذه الآيات على هذا بعد انتهاء قصة الأحزاب وبني قريظة
~~كما لا يخفى، ويفهم من كلام الإمام أنها متعلقة بأول السورة؛ وذلك أن
~~مكارم الأخلاق منحصرة في شيئين التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلقه
~~عز وجل فبدأ سبحانه بإرشاد حبيبه عليه الصلاة والسلام إلى ما يتعلق بجانب
~~التعظيم له تعالى فقال سبحانه:

# يأيها النبى اتق الله

# [الأحزاب: 1] الخ ثم أرشده سبحانه إلى ما يتعلق بجانب الشفقة، وبدأ
~~بالزوجات لأنهن أولى الناس بذلك، وقدم سبحانه الشرطية المذكورة على قوله
~~تعالى: { وإن كنتن تردن الله ورسوله... }.

### || [33.29]

# { وإن كنتن تردن الله ورسوله } الخ لأن سبب النزول ما
~~سمعت. وقال الإمام: إن التقديم إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم
~~غير ملتفت إلى الدنيا ولذاتها غاية الالتفات، وذكر أن في وصف السراح
~~بالجميل إشارة إلى ذلك أيضا، ومعنى { إن كنتن تردن الله
~~ورسوله } إن كنتن تردن رسول الله وإنما ذكر الله عز وجل للإيذان
~~بجلالة محله عليه الصلاة والسلام عنده تعالى. { والدار الأخرة }
~~أي نعيمها الباقي الذي لا قدر عنده للدنيا وما فيها { فإن الله
~~أعد } أي هيأ ويسر { للمحسنت منكن } بمقابلة إحسانهن {
~~أجرا } لا تحصى كثرته { عظيما } لا تستقصى عظمته، و { من } للتبيين
~~لأن كلهن كن محسنات. وقيل: ويجوز فيه التبعيض على أن المحسنات المختارات
~~لله ورسوله صلى الله عليه وسلم واختيار الجميع لم يعلم وقت النزول، وهو
~~على ما قال الخفاجي عليه الرحمة بعيد، وجواب { إن } في الظاهر ما قرن
~~بالفاء إلا أنه قيل الماضي فيه بمعنى المضارع الدال على الاستقبال
~~والتعبير به دونه لتحقق الوقوع، وقيل: الجواب محذوف نحو تثبن أو تنلن
~~خيرا وما ذكر دليله، وتجريد الشرطية الأولى عن الوعيد للمبالغة في تحقيق
~~معنى / التخيير والاحتراز عن شائبة الإكراه، قيل: وهو السر في تقديم
~~التمتيع على التسريح ووصف التسريح بالجميل.

# هذا واختلف فيما وقع من التخيير هل كان تفويض الطلاق إليهن ms08432 حتى يقع
~~الطلاق بنفس الاختيار أو لا فذهب الحسن وقتادة وأكثر أهل العلم على ما في
~~«إرشاد العقل السليم» وهو الظاهر إلى أنه لم يكن تفويض الطلاق وإنما كان
~~تخييرا لهن بين الإرادتين على أنهن إن أردن الدنيا فارقهن النبي صلى
~~الله عليه وسلم كما ينبىء عنه قوله تعالى:

# فتعالين أمتعكن وأسرحكن

# [الأحزاب: 28] وذهب آخرون إلى أنه كان تفويضا للطلاق إليهن حتى لو أنهن
~~اخترن أنفسهن كان ذلك طلاقا، وكذا اختلف في حكم التخيير بأن يقول الرجل
~~لزوجته اختاري فتقول اخترت نفسي أو اختاري نفسك فتقول اخترت فعن زيد بن
~~ثابت أنه يقع الطلاق الثلاث وبه أخذ مالك في المدخول بها وفي غيرها يقبل
~~من الزوج دعوى الواحدة، وعن عمر وابن عباس وابن مسعود أنه يقع واحدة
~~رجعية وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وسفيان، وبه أخذ الشافعي
~~وأحمد. وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه يقع واحدة بائنة، وروى ذلك
~~الترمذي عن ابن مسعود، وأيضا عن عمر رضي الله تعالى عنهما، وبذلك أخذ
~~أبو حنيفة عليه الرحمة، فإن اختارت زوجها فعن زيد بن ثابت أنه تقع طلقة
~~واحدة وعن علي كرم الله تعالى وجهه روايتان إحداهما أنه تقع واحدة رجعية
~~والأخرى أنه لا يقع شيء أصلا وعليه فقهاء الأمصار.

# وذكر الطبرسي أن المروي عن أئمة أهل البيت رضوان الله تعالى عليهم
~~أجمعين اختصاص التخيير بالنبي صلى الله عليه وسلم وأما غيره عليه الصلاة
~~والسلام فلا يصح له ذلك.

# واختلف في مدة ملك الزوجة الاختيار إذا قال لها الزوج ذلك فقيل: تملكه
~~ما دامت في المجلس وروي هذا عن عمر وعثمان وابن مسعود رضي الله تعالى
~~عنهم، وبه قال جابر بن عبد الله وجابر بن زيد وعطاء ومجاهد والشعبي
~~والنخعي ومالك وسفيان والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور، وقيل:
~~تملكه في المجلس وفي غيره وهو قول الزهري وقتادة وأبي عبيد وابن نصر
~~وحكاه صاحب «المغني» عن علي كرم الله تعالى وجهه. وفي بلاغات محمد بن
~~الحسن أنه ms08433 كرم الله تعالى وجهه قائل بالاقتصار على المجلس كقول الجماعة
~~رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وتمام الكلام في هذه المسألة وما لكل من هذه
~~الأقوال وما عليه يطلب من كتب الفروع «كشروح الهداية» وما يتعلق بها بيد
~~أني أقول: كون ما في الآية هو المسألة المذكورة في الفروع التي وقع
~~الاختلاف فيها مما لا يكاد يتسنى، وتأول الخفاجي استدلال من استدل بها في
~~هذا المقام بما لا يخلو عن كلام عند ذوي الأفهام.

# هذا وذكر الإمام في الكلام على تفسير هذه الآية عدة مسائل. الأولى: أن
~~التخيير منه صلى الله عليه وسلم قولا كان واجبا عليه عليه الصلاة
~~والسلام بلا شك لأنه إبلاغ الرسالة، وأما معنى فكذلك على القول بأن الأمر
~~للوجوب. الثانية: أنه لو أردن كلهن أو إحداهن الدنيا فالظاهر نظرا إلى
~~منصب النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجب عليه التمتيع والتسريح لأن الخلف
~~في الوعد منه عليه الصلاة والسلام غير جائز. الثالثة: أن الظاهر أنه لا
~~تحرم المختارة بعد البينونة على غيره عليه الصلاة والسلام وإلا لا يكون
~~التخيير ممكنا من التمتع بزينة الدنيا. الرابعة: أن الظاهر أن من اختارت
~~الله تعالى ورسوله / صلى الله عليه وسلم يحرم على النبي صلى الله عليه
~~وسلم نظرا إلى منصبه الشريف طلاقها والله تعالى أعلم.

### || [33.30]

# { يا نساء النبى } تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء
~~بنصحهن. ونداؤهن ههنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام
~~لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في
~~الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجا كما لا يخفى على المتأمل { من
~~يأت } بالياء التحتية حملا على لفظ { من } ، وقرأ زيد بن علي رضي
~~الله تعالى عنهما. والجحدري. وعمرو بن قائد الأسواري ويعقوب بالتاء
~~الفوقية حملا على معناها { منكن بفحشة } بكبيرة {
~~مبينة } ظاهرة القبح من بين بمعنى تبين، وقرأ ابن كثير وأبو بكر
~~(مبينة) بفتح الياء والمراد بها على ما قيل: كل ما يقترف من الكبائر،
~~وأخرج البيهقي في «السنن» عن ms08434 مقاتل بن سليمان أنها العصيان للنبي صلى
~~الله عليه وسلم، وقيل: ذلك وطلبهن ما يشق عليه عليه الصلاة والسلام أو ما
~~يضيق به ذرعه ويغتم صلى الله عليه وسلم لأجله. ومنع في «البحر» أن يراد
~~بها الزنا قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من ارتكاب نسائه ذلك
~~ولأنه وصفت الفاحشة بالتبين والزنا مما يتستر به ومقتضاه منع إرادة الأعم
~~ثم قال: وينبغي أن تحمل الفاحشة على عقوق الزوج وفساد عشرته، ولا يخلو
~~كلامه عن بحث والإمام فسرها به، وجعل الشرطية من قبيل

# لئن أشركت ليحبطن عملك

# [الزمر: 65] من حيث أن ذلك ممكن الوقوع في أول النظر ولا يقع جزما فإن
~~الأنبياء صان الله تعالى زوجاتهم عن ذلك، وقد تقدم بعض الكلام في هذه
~~المسألة في سورة النور وسيأتي إن شاء الله تعالى طرف مما يتعلق بهما
~~أيضا.

# { يضاعف لها العذاب } يوم القيامة على ما روي عن مقاتل أو فيه
~~وفي الدنيا على ما روي عن قتادة { ضعفين } أي يعذبن ضعفي عذاب غيرهن
~~أي مثليه فإن مكث غيرهن ممن أتى بفاحشة مبينة في النار يوما مثلا مكثن
~~هن لو أتين بمثل ما أتى يومين، وإن وجب على غيرهن حد لفاحشة وجب عليهن لو
~~أتين بمثلها حدان، وقال أبو عمرو وأبو عبيدة فيما حكى الطبري عنهما
~~الضعفان أن يجعل الواحدة ثلاثة فيكون عليهن ثلاثة حدود أو ثلاثة أمثال
~~عذاب غيرهن، وليس بذاك، وسبب تضعيف العذاب أن الذنب منهن أقبح فإن زيادة
~~قبحه تابعة لزيادة فضل المذنب والنعمة عليه وتلك ظاهرة فيهن ولذلك جعل حد
~~الحر ضعف حد الرقيق وعوتب الأنبياء عليهم السلام بما لا يعاتب به الأمم
~~وكذا حال العالم بالنسبة إلى الجاهل فليس من يعلم كمن لا يعلم، وروي عن
~~زين العابدين رضي الله تعالى عنه أنه قال له رجل: إنكم أهل بيت مغفور لكم
~~فغضب وقال: نحن أحرى أن يجري فينا ما أجرى الله تعالى في أزواج النبي
~~صلى الله عليه وسلم من أن نكون كما تقول إنا ms08435 نرى لمحسننا ضعفين من الأجر
~~ولمسيئنا ضعفين من العذاب وقرأ هذه الآية والتي تليها.

# وقرأ الحسن وعيسى وأبو عمرو { يضعف } بالياء التحتية مبنيا للمفعول بلا
~~ألف والجحدري وابن كثير وابن عامر { نضعف } بالنون مبنيا للفاعل بلا ألف
~~أيضا وزيد بن علي وابن محيصن وخارجة عن أبي عمرو { نضاعف } بالنون
~~والألف والبناء للفاعل وفرقة { يضعف } بالياء والألف والبناء للفاعل،
~~وقرأ { العذاب } بالرفع من قرأ بالبناء للمفعول وبالنصب من قرأ
~~بالبناء للفاعل.

# { وكان ذلك } أي تضعيف العذاب عليهن { على الله يسيرا }
~~أي سهلا لا يمنعه جل شأنه عنه كونهن نساء النبي صلى الله عليه وسلم بل
~~هو سبب له.

### || [33.31]

# { ومن يقنت منكن } أي ومن تخشع وتخضع { لله ورسوله
~~وتعمل } عملا { صلحا } كصلاة وصوم وحج وإيتاء زكاة وهذا العمل
~~غير القنوت لله تعالى على ما سمعت من تفسيره فلا تكرار، وفسره بعضهم
~~بالطاعة ودفع التكرار بأن المراد { ومن يقنت منكن } لرسول الله
~~{ وتعمل صلحا } لله تعالى، وذكر الله إنما هو لتعظيم الرسول
~~صلى الله عليه وسلم بجعل طاعته غير منفكة عن طاعة الله عز وجل، وبعضهم
~~بما ذكر أيضا إلا أنه دفع التكرار بأن المراد بالعمل الصالح الخدمة
~~الحسنة والقيام بمصالح البيت لا نحو الصلاة والصيام وبالطاعة المفسر بها
~~القنوت امتثالا الأوامر واجتناب النواهي، وفسره بعضهم بدوام الطاعة فقيل
~~في دفع التكرار نحو ما مر، وقيل: المراد به الدوام على الطاعة السابقة
~~وبالعمل الصالح العبادات التي يكلفن بها بعد. وقيل: القنوت السكوت كما
~~قيل ذلك في قوله تعالى:

# وقوموا لله قنتين

# [البقرة: 238] والمراد به ههنا السكوت عن طلب ما لم يأذن الله تعالى
~~ورسوله صلى الله عليه وسلم لهن به من زيادة النفقة وثياب الزينة، وقيل
~~غير ذلك.

# { نؤتها أجرها } الذي تستحقه على ذلك فضلا وكرما {
~~مرتين } فيكون أجرها مضاعفا وهذا في مقابلة

# يضاعف لها العذاب ضعفين

# [الأحزاب: 30]. أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس أنه قال في حاصل
~~معنى الآيتين: إنه من عصى منكن فإنه يكون العذاب عليها الضعف منه ms08436 على
~~سائر نساء المؤمنين ومن عمل صالحا فإن الأجر لها الضعف على سائر نساء
~~المسلمين، ويستدعي هذا أنه إذا أثيب نساء المسلمين على الحسنة بعشر
~~أمثالها اثبن هن على الحسنة بعشرين مثلا لها وإن زيد للنساء على العشر
~~شيء زيد لهن ضعفه، وكأنه والله تعالى أعلم إنما قيل { نؤتها
~~أجرها مرتين } دون يضاعف لها الأجر كما قيل في المقابل

# يضاعف لها العذاب ضعفين

# [الأحزاب: 30] لأن أصل تضعيف الأجر ليس من خواصهن بل كل من عمل صالحا
~~من النساء والرجال من هذه الأمة يضاعف أجره فأخرج الكلام مغايرا لما
~~تقتضيه المقابلة رمزا إلى أن تضعيف الأجر على طرز مغاير لطرز تضعيف
~~العذاب مع تضمن الكلام المذكور الإشارة إلى مزيد تكريمهن ووفور الاعتناء
~~بهن فإن الإحسان المكرر أحلى، ومن تأمل في الجملتين ظهر له تغليب جانب
~~الرحمة على جانب الغضب وكفى بالتصريح بفاعل إيتاء الأجر وجعله ضمير
~~العظمة والتعبير عما يؤتون من النعيم بالأجر مع إضافته إلى ضميرهن مع خلو
~~جملة تضعيف العذاب عن مثل ذلك شهداء على ما ذكر.

# ثم إن تضعيف أجرهن لمزيد كرامتهن رضي الله تعالى عنهن على الله عز وجل
~~مما من به عليهن من النسبة إلى خير البرية عليه من الله تعالى أفضل
~~الصلاة وأكمل التحية، والظاهر أن ذلك ليس بالنسبة إلى أعمالهن الصالحة
~~التي عملنها في حياته صلى الله عليه وسلم فقط بل يضاعف أجرهن عليها وعلى
~~الأعمال الصالحة التي يعملنها بعد وفاته عليه الصلاة والسلام.

# / وقال بعض الأجلة: إن هاتين المرتين إحداهما على الطاعة والأخرى على
~~طلبهن رضاء النبي صلى الله عليه وسلم بالقناعة وحسن المعاشرة، وجعل في
~~«البحر» وغيره سبب التضعيف هذا الطلب وتلك الطاعة، ولا يخفى أن ما ذكروه
~~موهم لعدم التضعيف بالنسبة لما فعلوه من العمل الصالح بعد وفاته صلى الله
~~عليه وسلم، وقال بعض المدققين: أراد من جعل سبب مضاعفة أجورهن ما ذكر
~~التطبيق على لفظ الآية حيث جعل القنوت لله ولرسوله مع ما تلاه سببا
~~ويدمج فيه أن مضاعفة العذاب ms08437 إنما نشأت من أن النشوز مع الرسول صلى الله
~~عليه وسلم وطلب ما يشق عليه ليس كالنشوز مع سائر الأزواج ولذلك اقتضى
~~مضاعفة العذاب وكذلك طاعته وحسن التخلق معه والمعاشرة على عكس ذلك فهذا
~~يؤكد ما قالوا من أن سبب تضعيف العذاب زيادة قبح الذنب منهن وفيه أن
~~العكس يوجب العكس فتأمل. وقال بعض المفسرين: العذاب الذي توعد به ضعفين
~~هو عذاب الدنيا ثم عذاب الآخرة وكذلك الأجر فالمرتان إحداهما في الدنيا
~~وثانيتهما في الأخرى، ولا يخفى ضعفه.

# وقرأ الجحدري والأسواري ويعقوب في رواية وكذا ابن عامر { ومن تقنت }
~~بتاء التأنيث حملا على المعنى. وقرأ السلمي وابن وثاب وحمزة والكسائي
~~بياء من تحت في الأفعال الثلاثة على أن في { يؤتها } ضمير اسم الله
~~تعالى، وذكر أبو البقاء أن بعضهم قرأ { ومن تقنت } بالتاء من فوق
~~حملا على المعنى { ويعمل } بالياء من تحت حملا على اللفظ فقال بعض
~~النحويين: هذا ضعيف لأن التذكير أصلا فلا يجعل تبعا للتأنيث وما عللوه
~~به قد جاء مثله في القرآن وهو قوله تعالى:

# خالصة لذكورنا ومحرم على أزوجنا

# [الأنعام: 139] انتهى فتذكر.

# { وأعتدنا لها } في الجنة زيادة على أجرها المضاعف { رزقا
~~كريما } عظيم القدر رفيع الخطر مرضيا لصاحبه، وقيل الرزق الكريم ما
~~يسلم من كل آفة. وجوز ابن عطية أن يكون في ذلك وعد دنياوي أي إن رزقها في
~~الدنيا على الله تعالى وهو كريم من حيث هو حلال وقصد برضا من الله تعالى
~~في نيله، وهو كما ترى.

### || [33.32]

# { ينساء النبى لستن كأحد من النساء } ذهب جمع من
~~الرجال إلى أن المعنى ليس كل واحدة منكن كشخص واحد من النساء أي من نساء
~~عصركن أي إن كل واحدة منكن أفضل من كل واحدة منهن لما امتازت بشرف
~~الزوجية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأمومة المؤمنين  فأحد  باق على
~~كونه وصف مذكر إلا أن موصوفه محذوف ولا بد من اعتبار الحذف في جانب
~~المشبه كما أشير إليه. وقال الزمخشري: أحد في الأصل بمعنى وحد وهو ms08438 الواحد
~~ثم وضع في النفي العام مستويا فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه،
~~والمعنى لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء أي إذا تقصيت أمة النساء
~~جماعة جماعة لم يوجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة، وقد
~~استعمل بمعنى المتعدد أيضا في قوله تعالى:

# ولم يفرقوا بين أحد منهم

# [النساء: 152] لمكان { بين } المقتضية للدخول على متعدد وحمل أحد على
~~الجماعة على ما في «الكشف» ليطابق المشبه، والمعنى على تفضيل نساء النبي
~~صلى الله عليه وسلم على نساء غيره لا النظر إلى تفضيل واحدة على واحدة من
~~آحاد النساء فإن ذلك ليس مقصودا من هذا السياق ولا يعطيه ظاهر اللفظ.

# وكون ذلك أبلغ لما يلزم عليه تفضيل جماعتهن على كل جماعة ولا يلزم ذلك
~~تفضيل كل واحدة على كل واحدة من آحاد النساء لو سلم لكان إذا ساعده اللفظ
~~والمقام، واعترضه أيضا بعضهم بأنه يلزم عليه أن يكون كل واحدة من نساء
~~النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من فاطمة رضي الله تعالى عنها مع أنه ليس
~~كذلك. / وأجيب عن هذا بأنه لا مانع من التزامه إلا أنه يلتزم كون
~~الأفضلية من حيث أمومة المؤمنين والزوجية لرسول الله صلى الله عليه وسلم
~~لا من سائر الحيثيات فلا يضر فيه كون فاطمة رضي الله تعالى عنها أفضل من
~~كل واحدة منهن لبعض الحيثيات الأخر بل هي من بعض الحيثيات كحيثية البضعية
~~أفضل من كل من الخلفاء الأربعة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، نعم أورد على
~~ما في «الكشاف» أن أحد الموضوع في النفي العام همزته أصلية غير منقلبة عن
~~الواحد وقد نص على ذلك أبو علي، وخالف فيه الرضي فنقل عنه أن همزة أحد في
~~كل مكان بدل من الواو، والمشهور التفرقة بين الواقع في النفي العام
~~والواقع في الإثبات بأن همزة الأول أصلية وهمزة الثاني منقلبة عن الواو.

# وفي «العقد المنظوم في ألفاظ العموم» للفاضل القرافي قد أشكل هذا على
~~كثير من الفضلاء لأن اللفظين صورتهما واحدة ومعنى الوحدة يتناولهما
~~والواو ms08439 فيها أصلية فيلزم قطعا انقلاب ألف أحد مطلقا عنها وجعل ألف
~~أحدهما منقلبا دون ألف الآخر تحكم، وقد أطلعني الله تعالى على جوابه وهو
~~أن أحد الذي لا يستعمل إلا في النفي معناه إنسان بإجماع أهل اللغة وأحد
~~الذي يستعمل في الإثبات معناه الفرد من العدد فإذا تغاير مسماهما تغاير
~~اشتقاقهما لأنه لا بد فيه من المناسبة بين اللفظ والمعنى ولا يكفي فيه
~~أحدهما، فإذا كان المقصود به الإنسان فهو الذي لا يستعمل إلا في النفي
~~وهمزته أصلية، وإن قصد به العدد ونصف الإثنين فهو الصالح للإثبات والنفي
~~وألفه منقلبة عن واو اه، ولا يخفى أنه إذا سلم الفرق المذكور ينبغي أن
~~تكون الهمزة هنا أصلية.

# وإلى أن همزة الواقع في النفي أصلية ذهب أبو حيان فقال: إن ما ذكره
~~الزمخشري من قوله: ثم وضع في النفي العام الخ غير صحيح لأن الذي يستعمل
~~في النفي العام مدلوله غير مدلول واحد لأن واحدا ينطلق على كل شيء اتصف
~~بالوحدة وأحد المستعمل في النفي العام مخصوص بمن يعقل وذكر النحويون أن
~~مادته همزة وحاء ودال ومادة أحد بمعنى وحد أصله واو وحاء ودال فقد اختلفا
~~مادة ومدلولا. وذكر أن ما في قوله تعالى:

# لا نفرق بين أحد من رسله

# [البقرة: 285] يحتمل أن يكون الذي للنفي العام ويحتمل أن يكون بمعنى
~~واحد، ويكون قد حذف معطوف أي بين واحد وواحد من رسله كما قال الشاعر:

# فما كان بين الخير لو جاء سالما

# أبو حجر إلا ليال قلائل

# وقال الراغب: أحد يستعمل على ضربين في النفي لاستغراق جنس الناطقين،
~~ويتناول القليل والكثير على الاجتماع والانفراد نحو ما في الدار أحد أي
~~لا واحد ولا إثنان فصاعدا لا مجتمعين ولا مفترقين، وهذا المعنى لا يمكن
~~في الإثبات لأن نفي المتضادين يصح، ولا يصح إثباتهما، فلو قيل في الدار
~~أحد لكان إثبات أحد منفرد مع إثبات ما فوق الواحد مجتمعين ومتفرقين وهو
~~بين الإحالة ولتناوله ما فوق الواحد صح نحو

# فما منكم من أحد عنه ms08440 حجزين

# [الحاقة: 47] وفي الإثبات على ثلاثة أوجه، استعماله في الواحد المضموم
~~إلى العشرات كأحد عشر وأحد وعشرين، واستعماله مضافا أو مضافا إليه
~~بمعنى الأول نحو

# أما أحدكما فيسقى

# [يوسف: 41] وقولهم يوم الأحد، واستعماله وصفا وهذا لا يصح إلا في وصفه
~~تعالى شأنه، أما أصله  أعني وحد  فقد يستعمل في غيره سبحانه كقول
~~النابغة:

# كأن رحلي وقد زال النهار بنا

# بذي الجليل على مستأنس وحد

# انتهى.

# وهو محتمل لدعوى انقلاب همزته عن واو مطلقا ولدعوى انقلابها عنها في
~~الاستعمال الأخير. / ولا يخفى على المنصف أن كون المعنى في الآية ما ذكره
~~الزمخشري أظهر، وتفضيل كل واحدة من نسائه صلى الله عليه وسلم على كل
~~واحدة واحدة من سائر النساء لا يلزم أن يكون لهذه الآية بل هو لدليل آخر
~~إما عقلي أو نص مثل قوله تعالى:

# وأزوجه أمهتهم

# [الأحزاب: 6] وقيل يجوز أن يكون ذلك لها فإنها تفيد بحسب عرف الاستعمال
~~تفضيل كل منهن على سائر النساء لأن فضل الجماعة على الجماعة يكون غالبا
~~لفضل كل منها.

# { إن اتقيتن } شرط لنفي المثلية وفضلهن على النساء وجوابه
~~محذوف دل عليه المذكور والاتقاء بمعناه المعروف في لسان الشرع، والمفعول
~~محذوف أي إن اتقيتن مخالفة حكم الله تعالى ورضا رسوله صلى الله عليه
~~وسلم، والمراد إن دمتن على اتقاء ذلك ومثله شائع أو هو على ظاهره والمراد
~~به التهييج بجعل طلب الدنيا والميل إلى ما تميل إليه النساء لبعده من
~~مقامهن بمنزلة الخروج من التقوى أو شرط جوابه قوله تعالى: { فلا
~~تخضعن بالقول } والاتقاء بمعناه الشرعي أيضا، وفي «البحر» أنه
~~بمعنى الاستقبال أي إن استقبلتن أحدا فلا تخضعن، وهو بهذا المعنى معروف
~~في اللغة قال النابغة:

# سقط النصيف ولم ترد إسقاطه

# فتناولته واتقتنا باليد

# أي استقبلتنا باليد، ويكون هذا المعنى أبلغ في مدحهن إذ لم يعلق فضلهن
~~على التقوى ولا علق نهيهن عن الخضوع بها إذ هن متقيات لله تعالى في
~~أنفسهن، والتعليق يقتضي ظاهره أنهن لسن متحليات بالتقوى، وفيه إن اتقى
~~بمعنى استقبل وإن ms08441 كان صحيحا لغة، وقد ورد في القرآن كثيرا كقوله تعالى:

# أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب

# [الزمر: 24] إلا أنه لا يتأتى ههنا لأنه لا يستعمل في ذلك المعنى إلا
~~مع المتعلق الذي تحصل به الوقاية، كقوله سبحانه: { بوجهه } وقول
~~النابغة باليد وما استدل به أمره سهل، وظاهر عبارة «الكشاف» اختيار كون {
~~إن اتقيتن } شرطا جوابه { فلا تخضعن } ، وفسر { إن
~~اتقيتن } بأن أردتن التقوى وإن كنتن متقيات مشيرا بذلك إلى أنه
~~لا بد من تجوز في الكلام لأن الواقع أن المخاطبات متقيات فأما أن يكون
~~المقصود الأولى المبالغة في النهي فيفسر بأن أردتن التقوى، وإما أن يكون
~~المقصود التهييج والإلهاب، فيفسر بأن كنتن متقيات فليس في ذلك جمع بين
~~الحقيقة والمجاز كما توهم، وقد قرر ذلك في «الكشف\».

# ومعنى لا تخضعن بالقول لا تجبن بقولكن خاضعا أي لينا خنثا على سنن
~~كلام المريبات والمومسات، وحاصله لا تلن الكلام ولا ترققنه، وهذا على ما
~~قيل في غير مخاطبة الزوج ونحوه كمخاطبة الأجانب وإن كن محرمات عليهم على
~~التأبيد. روي عن بعض أمهات المؤمنين أنها كانت تضع يدها على فمها إذا
~~كلمت أجنبيا تغير صوتها بذلك خوفا من أن يسمع رخيما لينا، وعد إغلاظ
~~القول لغير الزوج من جملة محاسن خصال النساء جاهلية وإسلاما، كما عد
~~منها بخلهن بالمال وجبنهن، وما وقع في الشعر من مدح العشيقة برخامة الصوت
~~وحسن الحديث ولين الكلام فمن باب السفه كما لا يخفى.

# وعن الحسن أن المعنى لا تكلمن بالرفث، وهو كما ترى.

# { فيطمع الذى فى قلبه مرض } أي فجور وزنا، وبذلك فسره ابن
~~عباس وأنشد قول الأعشى:

# حافظ للفرج راض بالتقى

# ليس ممن قلبه فيه مرض

# والمراد نية أو شهوة فجور وزنا، وعن قتادة تفسيره بالنفاق، وأخرج ابن
~~المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما، أنه قال:
~~المرض مرضان فمرض زنا ومرض نفاق، ونصب { يطمع } / في جواب النهي.

# وقرأ أبان بن عثمان وابن هرمز { فيطمع } بالجزم وكسر العين لالتقاء
~~الساكنين وهو عطف ms08442 على محل فعل النهي على أنه نهي لمريض القلب عن الطمع
~~عقيب نهيهن عن الخضوع بالقول كأنه قيل؛ فلا تخضعن بالقول فلا يطمع الذي
~~في قلبه مرض، وقال أبو عمرو الداني قرأ الأعرج وعيسى { فيطمع } بفتح
~~الياء وكسر الميم، ونقلها ابن خالويه عن أبي السمال قال: وقد روي ذلك عن
~~ابن محيصن، وذكر أن الأعرج وهو ابن هرمز قرأ { فيطمع } بضم الياء وفتح
~~العين وكسر الميم أي فيطمع هو أي الخضوع بالقول، و { الذى } مفعول أو
~~الذي فاعل والمفعول محذوف أي فيطمع الذي في قلبه مرض نفسه.

# { وقلن قولا معروفا } حسنا بعيدا عن الريبة غير مطمع
~~لأحد، وقال الكلبي: أي صحيحا بلا هجر ولا تمريض، وقال الضحاك: عنيفا،
~~وقيل: أي قولا أذن لكم فيه، وقيل: ذكر الله تعالى وما يحتاج إليه من
~~الكلام.

### || [33.33]

# { وقرن فى بيوتكن } من قر يقر من باب علم أصله اقررن فحذفت
~~الراء الأولى وألقيت فتحتها على ما قبلها وحذفت الهمزة للاستغناء عنها
~~بتحرك القاف. وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب «التبيان» وجها آخر قال:
~~قار يقار إذا اجتمع ومنه القارة لاجتماعها، ألا ترى إلى قول عضل والديش:
~~اجتمعوا فكونوا قارة فالمعنى وأجمعن أنفسكن في البيوت.

# وقرأ الأكثر { وقرن } بكسر القاف من وقر يقر وقارا إذا سكن وثبت،
~~وأصله أو قرن ففعل به ما فعل بعدن من وعد أو من قر يقر المضاعف من باب
~~ضرب وأصله اقررن حذفت الراء الأولى وألقيت كسرتها إلى القاف وحذفت الهمزة
~~للاستغناء عنها. وقال مكي وأبو علي: أبدلت الراء التي هي عين الفعل ياء
~~كراهة التضعيف ثم نقلت حركتها إلى القاف ثم حذفت لسكونها وسكون الراء
~~بعدها وسقطت الهمزة لتحرك القاف. وهذا غاية في التمحل، وفي «البحر» أن
~~قررت وقررت بالفتح والكسر كلاهما من القرار في المكان بمعنى الثبوت فيه
~~وقد حكى ذلك أبو عبيدة والزجاج وغيرهما، وأنكر قوم منهم المازني مجيء
~~قررت في المكان بالكسر أقر بالفتح وإنما جاء قررت عينه تقر بالكسر في
~~الماضي والفتح في المضارع والمثبت ms08443 مقدم على النافي. وقرأ ابن أبي عبلة {
~~واقررن } بألف الوصل وكسر الراء الأولى.

# والمراد على جميع القراءات أمرهن رضي الله تعالى عنهن بملازمة البيوت
~~وهو أمر مطلوب من سائر النساء. أخرج الترمذي والبزار عن ابن مسعود عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " إن المرأة عورة فإذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون من
~~رحمة ربها وهي في قعر بيتها "

# وأخرج البزار عن أنس قال جئن النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فقلن: يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى فهل
~~لنا عمل ندرك به فضل المجاهدين في سبيل الله تعالى فقال عليه الصلاة
~~والسلام:

# " من قعدت منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى "

# وقد يحرم عليهن الخروج بل قد يكون كبيرة كخروجهن لزيارة القبور إذا عظمت
~~مفسدته وخروجهن ولو إلى المسجد وقد استعطرن وتزين إذا تحققت الفتنة أما
~~إذا ظنت فهو حرام غير كبيرة، وما يجوز من الخروج كالخروج للحج وزيادة
~~الوالدين وعيادة المرضى، وتعزية الأموات من الأقارب ونحو ذلك، فإنما يجوز
~~بشروط مذكورة في محلها.

# وظاهر إضافة البيوت إلى ضمير النساء المطهرات أنها كانت ملكهن وقد صرح
~~بذلك الحافظ غلام محمد الأسلمي نور الله تعالى ضريحه في «التحفة الإثني
~~عشرية»، وذكر فيها أن عليه الصلاة والسلام بنى كل حجرة لمن سكن / فيها من
~~الأزواج وكانت كل واحد منهن تتصرف بالحجرة الساكنة هي فيها تصرف المال في
~~ملكه بحضوره صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الفقهاء أن من بنى بيتا لزوجته
~~وأقبضه إياها كان كمن وهب زوجته بيتا وسلمه إليها، فيكون البيت ملكا
~~لها ويشهد لدعوى أن الحجرة التي كانت تسكنها عائشة رضي الله تعالى عنها
~~كانت ملكا لها غير الإضافة في { بيوتكن } الداخل فيه حجرتها
~~استئذان عمر رضي الله تعالى عنه لدفنه فيها منها بمحضر من الصحابة، وعدم
~~إنكار أحد منهم حتى علي كرم الله تعالى وجهه، واستئذان الحسن رضي الله
~~تعالى عنه منها لذلك أيضا ms08444 الثابت عند أهل السنة والشيعة، كما ذكر في
~~«الفصول المهمة في معرفة الأئمة» وغيره من كتبهم فإن تلك الحجرة لو كانت
~~لبيت المال لحديث

# " نحن معاشر الأنبياء لا نورث "

# لاستأذن رضي الله تعالى عنه من الوزغ مروان فإنه إذ ذاك كان حاكم
~~المدينة المنورة والمتصرف في بيت المال، ولو كانت للورثة بناء على زعم
~~الشيعة من أنه صلى الله عليه وسلم يورث كغيره لزم الاستئذان من سائر
~~الأزواج أيضا لتعلق حقهن فيها على زعمهم بل يلزم الاستئذان أيضا من
~~عصبته عليه الصلاة والسلام المستحقين لما يبقى بعد النصف والثمن إذا قلنا
~~بتوريثهم فحيث لم يستأذن رضي الله تعالى عنه إلا منها علم أنها ملكها
~~وحدها. والقول بأنه علم رضا الجميع سواها رضي الله تعالى عنها فاستأذنها
~~لذلك مما لا يقوم لهم حجة، ولهم في هذا الباب أكاذيب لا يعول عليها ولا
~~يلتفت أريب إليها، منها أن عائشة رضي الله تعالى عنه أذنت للحسن رضي الله
~~تعالى عنه حين استأذنها في الدفن في الحجرة المباركة، ثم ندمت بعد وفاته
~~رضي الله تعالى عنه وركبت على بغلة لها وأتت المسجد ومنعت الدفن ورمت
~~السهام على جنازته الشريفة الطاهرة وادعت الميراث. وأنشأ ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما يقول:

# تجملت تبغلت

# وإن عشت تفيلت

# لك التسع من الثمن

# فكيف الكل ملكت

# وركاكة هذ الشعر تنادي بكذب نسبته إلى ذلك الحبر رضي الله تعالى عنه،
~~وليت شعري أي حاجة لها إلى الركوب ومسكنها كان تلك الحجرة المباركة فلو
~~كانت بصدد المنع لأغلقت بابها ثم إنها رضي الله تعالى عنها كيف يظن بها
~~ولها من العقل الحظ الأوفر بالنسبة إلى سائر أخواتها أمهات المؤمنين تدعي
~~الميراث وهي وأبوها رضي الله تعالى عنهما رويا بمحضر الصحابة الذين لا
~~تأخذهم في الله تعالى لومة لائم

# " نحن معاشر الأنبياء لا نورث "

# هذا، ويجوز أن تكون إضافة البيوت إلى ضمير النساء المطهرات باعتبار أنهن
~~ساكنات فيها قائمات بمصالحها قيمات عليها، واستعمال الخاصة والعامة شائع
~~بإضافة البيوت إلى الأزواج بهذا ms08445 الاعتبار.

# والاستئذان يجوز أن يكون لانتقال كل بيت إلى ملك الساكنة فيه بعد وفاته
~~صلى الله عليه وسلم من جهة الخليفة ولي بيت المال لما رأى من المصلحة في
~~تخصيص كل منهن بمسكنه وتركه لها على نحو الإقطاع من بيت المال، ومما
~~يستأنس به لكون الإضافة إلى ضميرهن بهذا الاعتبار لا لكون البيوت ملكهن
~~إضافة البيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما أثر، بل سيأتي إن
~~شاء الله تعالى إضافة البيوت إليه عليه الصلاة والسلام وذلك في قوله
~~تعالى:

# يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبى
~~إلا أن يؤذن لكم

# [الأحزاب: 53] الآية وهي أحق بأن تكون للملك فليراجع هذا المطلب
~~وليتأمل.

# { ولا تبرجن تبرج الجهلية الأولى } التبرج على
~~ما روي عن مجاهد وقتادة وابن أبي نجيح المشي بتبختر وتكسر وتغنج، وعن
~~مقاتل أن تلقى المرأة خمارها / على رأسها ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها
~~وعنقها ويبدو ذلك كله منها، وقال المبرد: أن تبدي من محاسنها ما يجب
~~عليها ستره، قال الليث: ويقال تبرجت المرأة إذا أبدت محاسنها من وجهها
~~وجسدها ويرى مع ذلك من عينها حسن نظر، وقال أبو عبيدة: أن تخرج من
~~محاسنها ما تستدعي به شهوة للرجال، وأصله على ما في «البحر» من البرج وهو
~~سعة العين وحسنها، ويقال طعنة برجاء أي واسعة وفي أسنانه برج إذا تفرق ما
~~بينها وقيل: هو البرج بمعنى القصر، ومعنى تبرجت المرأة ظهرت من برجها أي
~~قصرها، وجعل الراغب إطلاق البرج على سعة العين وحسنها للتشبيه بالبرج في
~~الأمرين، ولا يخفى أنه لو فسر التبرج هنا بالظهور من البرج تكون هذه
~~الجملة كالتأكيد لما قبلها فالأولى أن لا يفسر به، وتبرج مصدر تشبيهي مثل
~~له صوت صوت حمار أي لا تبرجن مثل تبرج الجاهلية الأولى، وقيل في الكلام
~~إضمار مضافين أي تبرج نساء أيام الجاهلية، وإضافة نساء على معنى في.

# والمراد بالجاهلية الأولى على ما أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم
~~وابن مردويه والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن ms08446 عباس: الجاهلية ما بين نوح
~~وإدريس عليهما السلام وكانت ألف سنة، قال: وإن بطنين من ولد آدم كان
~~أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبال، وكان رجال الجبال صباحا وفي
~~النساء دمامة وكان نساء السهل ورجاله على العكس فاتخذ أهل السهل عيدا
~~يجتمعون إليه في السنة، فتبرج النساء للرجال والرجال لهن، وأن رجلا من
~~أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم
~~بذلك فتحولوا إليهن فنزلوا معهن فظهرت الفاحشة فيهن، وفي رواية أن المرأة
~~إذ ذاك تجتمع بين زوج وعشيق. وأخرج ابن جرير عن الحكم بن عيينة قال: كان
~~بين آدم ونوح عليهما السلام ثمانمائة سنة فكان نساؤهم من أقبح ما يكون من
~~النساء ورجالهم حسان وكانت المرأة تراود الرجل عن نفسه وهي الجاهلية
~~الأولى، وروي مثله عن عكرمة، وقال الكلبي: هي ما بين نوح وإبراهيم
~~عليهما السلام، وقال مقاتل: كانت زمن نمروذ وكان فيه بغايا يلبسن أرق
~~الدروع ويمشين في الطرق، وروي عنه أيضا أن الجاهلية الأولى زمن إبراهيم
~~عليه السلام والثانية زمن محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، وقال أبو
~~العالية: كانت الأولى زمن داود وسليمان عليهما السلام وكان للمرأة قميص
~~من الدر غير مخيط الجانبين يظهر منه الأعكان والسوأتان.

# وقال المبرد: كانت المرأة تجمع بين زوجها وخدنها للزوج نصفها الأسفل
~~وللخدن نصفها الأعلى يتمتع به في التقبيل والترشف، وقيل: ما بين موسى
~~وعيسى عليهما السلام، وقال الشعبي: ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة
~~والسلام. قال الزجاج: وهو الأشبه لأنهم هم الجاهلية المعروفة كانوا
~~يتخذون البغايا، وإنما قيل: { الأولى } لأنه يقال لكل متقدم ومتقدمة
~~أول وأولى، وتأويله أنهم تقدموا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وروي
~~عن ابن عباس ما هو نص في أن الأولى هنا مقابل الأخرى، وقال الزمخشري:
~~يجوز أن تكون الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإسلام والجاهلية الأخرى
~~جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام فكأن المعنى ولا تحدثن بالتبرج جاهلية
~~في الإسلام تتشبهن بها بأهل جاهلية الكفر.

# وقال ابن عطية: ms08447 الذي يظهر عندي أن الجاهلية الأولى إشارة إلى الجاهلية
~~التي تخصهن فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها وهي ما كان قبل الشرع من سيرة
~~الكفر وقلة الغيرة ونحو ذلك. وفي حديث أخرجه الشيخان / وأبو داود
~~والترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر وكان قد عير رجلا أمه
~~أعجمية فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر إنك امرؤ فيك
~~جاهلية، وفسرها ابن الأثير بالحالة التي عليها العرب قبل الإسلام من
~~الجهل بالله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام وشرائع الدين والمفاخرة
~~بالأنساب والكبر والتجبر وغير ذلك والله تعالى أعلم.

# وتمسك الرافضة في طعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها - وحاشاها
~~من كل طعن بخروجها من المدينة إلى مكة ومنها إلى البصرة وهناك وقعت وقعة
~~الجمل - بهذه الآية قالوا: إن الله تعالى أمر نساء النبي صلى الله عليه
~~وسلم وهي منهن بالسكون في البيوت ونهاهن عن الخروج وهي بذلك قد خالفت أمر
~~الله تعالى ونهيه عز وجل. وأجيب بأن الأمر بالاستقرار في البيوت والنهي
~~عن الخروج ليس مطلقا وإلا لما أخرجهن صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية
~~للحج والعمرة ولما ذهب بهن في الغزوات ولما رخصهن لزيارة الوالدين وعيادة
~~المرضى وتعزية الأقارب وقد وقع كل ذلك كما تشهد به الأخبار، وقد صح أنهن
~~كلهن كن يحججن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سودة بنت زمعة،
~~وفي رواية عن أحمد عن أبي هريرة إلا زينب بنت جحش وسودة ولم ينكر عليهن
~~أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم الأمير كرم الله تعالى وجهه وغيره،
~~وقد جاء في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال لهن بعد نزول
~~الآية:

# " أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن "

# فعلم أن المراد الأمر بالاستقرار الذي يحصل به وقارهن وامتيازهن على
~~سائر النساء بأن يلازمن البيوت في أغلب أوقاتهن ولا يكن خراجات ولاجات
~~طوافات في الطرق والأسواق وبيوت الناس، وهذا لا ينافي خروجهن للحج أو لما
~~فيه مصلحة دينية مع التستر ms08448 وعدم الابتذال، وعائشة رضي الله تعالى عنها،
~~إنما خرجت من بيتها إلى مكة للحج - وخرجت معها لذلك أيضا أم سلمة رضي
~~الله تعالى عنها وهي وكذا صفية مقبولة عند الشيعة - لكنها لما سمعت بقتل
~~عثمان رضي الله تعالى عنه وانحياز قتلته إلى علي كرم الله تعالى وجهه
~~حزنت حزنا شديدا واستشعرت اختلال أمر المسلمين وحصول الفساد والفتنة
~~فيما بينهم، وبينما هي كذلك جاءها طلحة والزبير ونعمان بن بشير وكعب بن
~~عجرة في آخرين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم هاربين من المدينة خائفين
~~من قتلة عثمان رضي الله تعالى عنهم لما أنهم أظهروا المباهاة بفعلهم
~~القبيح، وأعلنوا بسب عثمان فضاقت قلوب أولئك الكرام وجعلوا يستقبحون ما
~~وقع ويشنعون على أولئك السفلة ويلومونهم على ذلك الفعل الأشنع فصح عندهم
~~عزمهم على إلحاقهم بعثمان رضي الله تعالى عنه، وعلموا أن لا قدرة لهم على
~~منعهم إذا هموا بذلك فخرجوا إلى مكة ولاذوا بأم المؤمنين وأخبروها الخبر
~~فقالت لهم: أرى الصلاح أن لا ترجعوا إلى المدينة ما دام أولئك السفلة
~~فيها محيطين بمجلس الأمير علي كرم الله تعالى وجهه غير قادر على القصاص
~~منهم أو طردهم فأقيموا ببلد تأمنون فيه وانتظروا انتظام أمور أمير
~~المؤمنين رضي الله تعالى عنه وقوة شوكته واسعوا في تفرقهم عنه وإعانته
~~على الانتقام منهم ليكونوا عبرة لمن بعدهم فارتضوا ذلك واستحسنوه
~~فاختاروا البصرة لما أنها كانت إذ ذاك مجمعا لجنود المسلمين ورجحوها على
~~غيرها وألحوا على أمهم رضي الله تعالى عنها أن تكون معهم إلى أن ترتفع
~~الفتنة ويحصل الأمن وتنتظم أمور الخلافة وأرادوا بذلك زيادة احترامهم
~~وقوة أمنيتهم لما أنها أم المؤمنين والزوج المحترمة غاية الاحترام لرسول
~~الله صلى الله عليه وسلم وأنها كانت أحب / أزواجه إليه وأكثرهن قبولا
~~عنده وبنت خليفته الأول رضي الله تعالى عنه فسارت معهم بقصد الإصلاح
~~وانتظام الأمور وحفظ عدة نفوس من كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم وكان
~~معها ابن أختها عبد الله بن الزبير وغيره من أبناء أخواتها أم كلثوم ms08449 زوج
~~طلحة وأسماء زوج الزبير بل كل من معها بمنزلة الأبناء في المحرمية وكانت
~~في هودج من حديد.

# فبلغ الأمير كرم الله تعالى وجهه خبر التوجه إلى البصرة أولئك القتلة
~~السفلة على غير وجهه وحملوه على أن يخرج إليهم ويعاقبهم، وأشار عليه
~~الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم
~~بعدم الخروج واللبث إلى أن يتضح الحال فأبى رضي الله تعالى عنه ليقضي
~~الله أمرا كان مفعولا فخرج كرم الله تعالى وجهه ومعه أولئك الأشرار أهل
~~الفتنة فلما وصلوا قريبا من البصرة أرسلوا القعقاع إلى أم المؤمنين
~~وطلحة والزبير ليتعرف مقاصدهم ويعرضها على الأمير رضي الله تعالى عنهم
~~وكرم الله وجهه فجاء القعقاع إلى أم المؤمنين فقال: يا أماه ما أشخصك
~~وأقدمك هذه البلدة؟ فقالت: أي بني الإصلاح بين الناس ثم بعثت إلى طلحة
~~والزبير فقال القعقاع: أخبراني بوجه الصلاح قالا: إقامة الحد على قتلة
~~عثمان وتطييب قلوب أوليائه فيكون ذلك سببا لأمننا وعبرة لمن بعدهم فقال
~~القعقاع: هذا لا يكون إلا بعد اتفاق كلمة المسلمين وسكون الفتنة فعليكما
~~بالمسالمة في هذه الساعة فقالا: أصبت وأحسنت فرجع إلى الأمير كرم الله
~~تعالى وجهه فأخبره بذلك فسر به واستبشر وأشرف القوم على الرجوع ولبثوا
~~ثلاثة أيام لا يشكون في الصلح فلما غشيتهم ليلة اليوم الرابع وقررت الرسل
~~والوسائط في البين أن يظهروا المصالحة صبيحة هذه الليلة ويلاقي الأمير
~~كرم الله تعالى وجهه طلحة والزبير رضي الله تعالى عنهما وأولئك القتلة
~~ليسوا حاضرين معه وتحققوا ذلك [أي أولئك القتلة] ثقل عليهم واضطربوا
~~وضاقت عليهم الأرض بما رحبت فتشاوروا فيما بينهم أن يغيروا على من كان مع
~~عائشة من المسلمين ليظنوا الغدر من الأمير كرم الله تعالى وجهه فيهجموا
~~على عسكره فيظنوا بهم أنهم هم الذين غدروا فينشب القتال ففعلوا ذلك فهجم
~~من كان مع عائشة على عسكر الأمير وصرخ أولئك القتلة بالغدر فالتحم القتال
~~وركب الأمير متعجبا فرأى الوطيس قد حمي والرجال قد سبحت بالدماء فلم ms08450
~~يسعه رضي الله تعالى عنه إلا الاشتغال بالحرب والطعن والضرب، وقد نقل
~~الواقعة كما سمعت الطبري وجماهير ثقات المؤرخين ورووها كذلك من طرق
~~متعددة عن الحسن وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عباس، وما وراء ذلك مما
~~رواه الشيعة عن أسلافهم قتلة عثمان مما لا يلتفت له، ويدل على تغلب
~~القتلة وقوة شوكتهم ما في «نهج البلاغة» المقبول عند الشيعة من أنه قال
~~للأمير كرم الله تعالى وجهه بعض أصحابه: لو عاقبت قوما أجلبوا على عثمان
~~فقال: يا أخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون ولكن كيف لي بهم والمجلبون على
~~شوكتهم يملكوننا ولا نملكهم وها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم والتفت
~~إليهم أعرابكم وهم خلالكم يسومونكم ما شاؤوا.

# فحيث كان الخروج أولا للحج ومعها من محارمها من معها ولم يكن الأمر
~~بالاستقرار في البيوت يتضمن النهي عن مثله لم يتوجه الطعن به أصلا، وكذا
~~المسير إلى البصرة لذلك القصد فإنه ليس أدون من سفر حج النفل؛ وما ترتب
~~عليه لم يكن في حسابها ولم يمر ببالها ترتبه عليه، ولهذا لما وقع ما وقع
~~وترتب ما ترتب ندمت غاية الندم، فقد روي أنها كلما كانت تذكر يوم الجمل
~~تبكي حتى يبتل معجرها، بل أخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» وابن
~~المنذر وابن أبي شيبة وابن سعد عن مسروق قال: كانت عائشة رضي الله تعالى
~~عنها إذا قرأت / { وقرن فى بيوتكن } بكت حتى تبل خمارها وما
~~ذاك إلا لأن قراءتها تذكرها الواقعة التي قتل فيها كثير من المسلمين،
~~وهذا كما أن الأمير كرم الله تعالى وجهه أحزنه ذلك، فقد صح أنه رضي الله
~~تعالى عنه لما وقع الانهزام على من مع أم المؤمنين وقتل من قتل من
~~الجمعين طاف في مقتل القتلى فكان يضرب على فخذيه ويقول:

# يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا

# [مريم: 23]، وليس بكاؤها عند قراءة الآية لعلمها بأنها أخطأت في فهم
~~معناها أو أنها نسيتها يوم خرجت كما توهم، وقال في ذلك مستهزئا ms08451 كاظم
~~الأزدي البغدادي من متأخري شعراء الرافضة من قصيدة طويلة كفر بعدة
~~مواضع فيها:

# حفظت أربعين ألف حديث

# ومن الذكر آية تنساها

# نعم قد ينضم لما ذكرناه في سبب البكاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
~~يوما لأزواجه المطهرات وفيهن عائشة: «كأني بإحداكن تنبحها كلاب الحوأب»
~~وفي بعض الروايات الغير المعتبرة عند أهل السنة بزيادة «فإياك أن تكوني
~~يا حميراء» ولم تكن سألت قبل المسير عن الحوأب هل هو واقع في طريقها أم
~~لا حتى نبحتها في أثناء المسير كلاب عند ماء فقالت لمحمد بن طلحة: ما اسم
~~هذا الماء؟ فقال: يقولون له حوأب فقالت: ارجعوني وذكرت الحديث وامتنعت عن
~~المسير وقصدت الرجوع فلم يوافقها أكثر من معها ووقع التشاجر حتى شهد
~~مروان بن الحكم مع نحو من ثمانين رجلا من دهاقين تلك الناحية بأن هذا
~~الماء ماء آخر وليس هو حوأبا فمضت لشأنها بسبب ذلك وتعذر الرجوع ووقوع
~~الأمر، فكأنها رضي الله تعالى عنها رأت سكوتها عن السؤال وتحقيق الحال
~~قبل المسير تقصيرا منها وذنبا بالنسبة إلى مقامها فبكت له ولما تقدم.

# وما زعمته الشيعة من أنها رضي الله تعالى عنها كانت هي التي تحرض الناس
~~على قتل عثمان وتقول: اقتلوا نعثلا فقد فجر تشبهه بيهودي يدعى
~~نعثلا حتى إذا قتل وبايع الناس عليا قالت: ما أبالي أن تقع السماء على
~~الأرض قتل والله مظلوما وأنا طالبة بدمه فذكرها عبيد بما كانت تقول
~~فقالت: قد والله قلت وقال الناس فأنشد:

# فمنك البداء ومنك الغير

# ومنك الرياح ومنك المطر

# وأنت أمرت بقتل الإمام

# وقلت لنا إنه قد فجر

# كذب لا أصل له وهو من مفتريات ابن قتيبة وابن أعثم الكوفي والسمساطي،
~~وكانوا مشهورين بالكذب والافتراء، ومثل ذلك في الكذب زعمهم أنها رضي الله
~~تعالى عنها ما خرجت وسارت إلى البصرة إلا لبغض علي كرم الله تعالى وجهه
~~فإنها لم تزل تروي مناقبه وفضائله؛ ومن ذلك ما رواه الديلمي أنها قالت:
~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " حب علي ms08452 عبادة "

# وقالت بعد وقوع ما وقع: والله لم يكن بيني وبين علي إلا ما يكون بين
~~المرأة وأحمائها.

# وقد أكرمها علي كرم الله تعالى وجهه وأحسن مثواها وبالغ في احترامها
~~وردها إلى المدينة ومعها جماعة من نساء أعيان البصرة عزيزة كريمة، وهذا
~~مما يرد به على الرافضة الزاعمين كفرها وحاشاها بما فعلت، وما روي عن
~~الأحنف بن قيس من أن عليا كرم الله تعالى وجهه لما ظهر على أهل الجمل
~~أرسل إلى عائشة أن ارجعي إلى المدينة فأبت فأعاد إليها الرسول وأمره أن
~~يقول لها: والله لترجعن أو لأبعثن إليك نسوة من بكر بن وائل معهن شفار
~~حداد يأخذنك بها فلما رأت ذلك خرجت لا يعول عليه وإن قيل: إنه رواه أبو
~~بكر بن أبي شيبة في «المصنف» لمخالفته لما رواه الأوثق حتى كاد يبلغ
~~مبلغ التواتر.

# هذا ولا يعكر على القول بجواز الخروج للحج ونحوه ما أخرجه عبد بن حميد
~~وابن المنذر عن محمد بن سيرين قال: ثبت أنه قيل لسودة رضي الله تعالى
~~عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم: / ما لك لا تحجين ولا تعتمرين كما
~~يفعل أخواتك؟ فقالت: قد حججت واعتمرت وأمرني الله تعالى أن أقر في بيتي
~~فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت قال: فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى
~~أخرجت جنازتها لأن ذلك مبني على اجتهادها كما أن خروج الأخوات مبني على
~~اجتهادهن، نعم أخرج أحمد عن أبي هريرة

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنسائه عام حجة الوداع: هذه ثم لزوم
~~الحصر "

# قال: فكان كلهن يحججن إلا زينب بنت جحش وسودة بنت زمعة وكانتا تقولان:
~~والله لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم،
~~والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام: هذه الخ أنكن لا تعدن تخرجن بعد هذه
~~الحجة من بيوتكن وتلزمن الحصر وهو جمع حصير الذي يبسط في البيوت من القصب
~~وتضم الصاد وتسكن تخفيفا وهو في معنى النهي عن الخروج للحج فلا يتم ms08453 ما
~~ذكر أولا ويشكل خروج سائر الأزواج لذلك.

# وأجيب بأن الخبر ليس نصا في النهي عن الخروج للحج بعد تلك الحجة وإلا
~~لما خرج له سائر الأزواج الطاهرات من غير نكير أحد من الصحابة رضي الله
~~تعالى عنهم عليهن بل جاء أن عمر رضي الله تعالى عنه أرسلهن للحج في عهده
~~وجعل معهن عثمان وعبد الرحمن بن عوف وقال لهما: إنكما ولدان باران لهن
~~فليكن أحدكما قدام مراكبهن والآخر خلفها ولم ينكر أحد فكان إجماعا
~~سكوتيا على الجواز فكأن زينب وسودة فهما من الخبر قضيت هذه الحجة أو
~~أبيحت لكن هذه الحجة بخصوصهما ثم الواجب بعدها عليكن لزوم البيوت فلم
~~يحجا بعد لذلك، وغيرهما فهم منه المناسب لكن أو اللائق بكن هذه الحجة أي
~~جنسها أو هذه الحالة من السفر للحج أو لأمر ديني مهم ثم بعد الفراغ
~~المناسب أو اللائق لزوم البيوت فيكون مفاده إباحة الخروج لذلك، ومن أنصف
~~لا يكاد يقول بإفادة الخبر الأمر بلزوم البيوت والنهي عن الخروج منها
~~مطلقا بعد تلك الحجة بخصوصها فإن النبي صلى الله عليه وسلم مرض في بيت
~~عائشة رضي الله تعالى عنها وبقي مريضا فيه حتى توفي عليه الصلاة والسلام
~~ولا يكاد يشك أحد في خروج سائرهن لعيادته أو يتصور استقرارهن في بيوتهن
~~غير بالين شوقهن برؤية طلعته الشريفة حتى توفي صلى الله عليه وسلم فإن
~~مثل ذلك لا يفعله أقل النساء حبا لأزواجهن الذين لا قدر لهم فكيف يفعله
~~الأزواج الطاهرات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو هو وحبهن له حبهن.
~~ثم إن الجواب المذكور إنما يحتاج إليه بعد تسليم صحة الخبر ويحتاج الجزم
~~بصحته إلى تنقير ومراجعة فلينقر وليراجع والله تعالى أعلم.

# { وأقمن الصلاة وآتين الزكاة } أمرن بهما لإنافتهما
~~على غيرهما وكونهما أساس العبادات البدنية والمالية. { وأطعن
~~الله ورسوله } أي في كل ما تأتين وتذرن لا سيما فيما أمرتن به
~~ونهيتن عنه.

# { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل
~~البيت ويطهركم تطهيرا } استئناف بياني مفيد تعليل أمرهن ms08454
~~ونهيهن، والرجس في الأصل الشيء القذر وأريد به هنا عند كثير الذنب
~~مجازا، وقال السدي: الإثم، وقال الزجاج: الفسق وقال ابن زيد: الشيطان،
~~وقال الحسن: الشرك، وقيل: الشك، وقيل: البخل والطمع، وقيل: الأهواء
~~والبدع، وقيل: إن الرجس يقع على الإثم وعلى العذاب وعلى النجاسة وعلى
~~النقائص، والمراد به هنا ما يعم كل ذلك، ولا يخفى عليك ما في بعض هذه
~~الأقوال من الضعف، وأل فيه للجنس أو للاستغراق، والمراد بالتطهير قيل
~~التحلية بالتقوى، والمعنى على ما قيل إنما يريد الله ليذهب عنكم الذنوب
~~والمعاصي فيما نهاكم ويحليكم بالتقوى تحلية بليغة فيما أمركم، وجوز أن
~~يراد به الصون، والمعنى إنما يريد سبحانه ليذهب عنكم الرجس ويصونكم من
~~المعاصي صونا بليغا فيما أمر ونهى جل شأنه.

# واختلف في لام { ليذهب } فقيل زائدة وما بعدها في موضع المفعول به
~~/ ليريد فكأنه قيل: يريد الله إذهاب الرجس عنكم وتطهيركم، وقيل: للتعليل
~~ثم اختلف هؤلاء فقيل المفعول محذوف أي إنما يريد الله أمركم ونهيكم ليذهب
~~أو إنما يريد منكم ما يريد ليذهب أو نحو ذلك، وقال الخليل وسيبويه ومن
~~تابعهما: الفعل في ذلك مقدر بمصدر مرفوع بالابتداء واللام وما بعدها خبر
~~أي إنما إرادة الله تعالى للإذهاب على حد ما قيل في  تسمع بالمعيدي خير
~~من أن تراه  فلا مفعول للفعل، وقال الطبرسي: اللام متعلق بمحذوف تقديره
~~وإرادته ليذهب وهو كما ترى، وهذا الذي ذكروه جار في قوله تعالى:

# يريد الله ليبين لكم

# [النساء: 26] و

# أمرنا لنسلم لرب العلمين

# [الأنعام: 71] وقول الشاعر:

# أريد لأنسى ذكرها فكأنما

# تمثل لي ليلى بكل مكان

# ونصب { أهل } على النداء، وجوز أن يكون على المدح فيقدر أمدح أو
~~أعني، وأن يكون على الاختصاص وهو قليل في المخاطب ومنه بك الله نرجو
~~الفضل، وأكثر ما يكون في المتكلم كقوله:

# نحن بنات طارق

# نمشي على النمارق

# وأل في البيت للعهد، وقيل: عوض عن المضاف إليه أي بيت النبي صلى الله
~~عليه وسلم والظاهر أن المراد به بيت الطين والخشب لا بيت القرابة ms08455 والنسب
~~وهو بيت السكنى لا المسجد النبوي كما قيل، وحينئذ فالمراد بأهله نساؤه
~~صلى الله عليه وسلم المطهرات للقرائن الدالة على ذلك من الآيات السابقة
~~واللاحقة مع أنه عليه الصلاة والسلام ليس له بيت يسكنه سوى سكناهن، وروى
~~ذلك غير واحد، أخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما نزلت { إنما يريد الله } الخ في نساء
~~النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وأخرج ابن مردويه من طريق ابن جبير عنه
~~ذلك بدون لفظ خاصة، وقال عكرمة من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي
~~صلى الله عليه وسلم، وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عكرمة أنه قال في
~~الآية: ليس بالذي تذهبون إليه إنما هو نساء النبي صلى الله عليه وسلم.
~~وروى ابن جرير أيضا أن عكرمة كان ينادي في السوق أن قوله تعالى: {
~~إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت
~~} نزل في نساء النبي عليه الصلاة والسلام، وأخرج ابن سعد عن عروة {
~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } قال: يعني أزواج النبي
~~صلى الله عليه وسلم.

# وتوحيد البيت لأن بيوت الأزواج المطهرات باعتبار الإضافة إلى النبي صلى
~~الله عليه وسلم بيت واحد وجمعه فيما سبق ولحق باعتبار الإضافة إلى
~~الأزواج المطهرات اللاتي كن متعددات وجمعه في قوله سبحانه الآتي إن شاء
~~الله تعالى:

# يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبى
~~إلا أن يؤذن لكم

# [الأحزاب: 53] دفعا لتوهم إرادة بيت زينب لو أفرد من حيث إن سبب النزول
~~أمر وقع فيه كما ستطلع عليه إن شاء الله تعالى.

# وأورد ضمير جمع المذكر في { عنكم } و { يطهركم } رعاية للفظ الأهل،
~~والعرب كثيرا ما يستعملون صيغ المذكر في مثل ذلك رعاية للفظ وهذا كقوله
~~تعالى خطابا لسارة امرأة الخليل عليهما السلام

# أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركته
~~عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد

# [هود: 73] ومنه على ما قيل قوله سبحانه:

# قال لأهله امكثوا إني آنست نارا

# [القصص: 29] خطابا من موسى عليه السلام لامرأته. ms08456 ولعل اعتبار التذكير
~~هنا أدخل في التعظيم، وقيل: المراد هو صلى الله عليه وسلم ونساؤه
~~المطهرات رضي الله تعالى عنهن وضمير جمع المذكر لتغليبه عليه الصلاة
~~والسلام عليهن.

# وقيل: المراد بالبيت بيت النسب ولذا أفرد ولم يجمع كما في السابق
~~واللاحق. فقد أخرج الحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم
~~والبيهقي معا في «الدلائل» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إن الله تعالى قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسما "

# فذلك قوله تعالى:

# وأصحب اليمين

# [الواقعة: 27]

# وأصحب الشمال

# [الواقعة: 41] فأنا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين ثم جعل
~~القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا فذلك قوله تعالى:

# وأصحب المشئمة ما أصحب المشئمة *
~~والسبقون السبقون

# [الواقعة: 910] فأنا من السابقين وأنا خير السابقين ثم جعل الأثلاث
~~قبائل فجعلني في خيرها قبيلة وذلك قوله تعالى:

# وجعلنكم شعوبا وقبائل لتعرفوا إن
~~أكرمكم عند الله أتقكم

# [الحجرات: 13] وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله تعالى ولا فخر ثم جعل
~~القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا فذلك قوله تعالى: { إنما
~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت
~~ويطهركم تطهيرا } أنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب» فإن
~~المتبادر من البيت الذي هو قسم من القبيلة البيت النسبي.

# واختلف في المراد بأهله فذهب الثعلبي إلى أن المراد بهم جميع بني هاشم
~~ذكورهم وإناثهم، والظاهر أنه أراد مؤمني بني هاشم وهذا هو المراد بالآل
~~عند الحنفية، وقال بعض الشافعية: المراد بهم آله صلى الله عليه وسلم
~~الذين هم مؤمنو بني هاشم والمطلب، وذكر الراغب أن أهل البيت تعورف في
~~أسرة النبي صلى الله عليه وسلم مطلقا وأسرة الرجل على ما في «القاموس»
~~رهطه أي قومه وقبيلته الأدنون، وقال في موضع آخر: صار أهل البيت متعارفا
~~في آله عليه الصلاة والسلام، وصح عن زيد ابن أرقم في حديث أخرجه مسلم أنه
~~قيل له: من أهل بيته نساؤه صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا أيم الله إن
~~المرأة تكون مع الرجل ms08457 العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها
~~أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده صلى الله عليه وسلم، وفي
~~آخر أخرجه هو أيضا مبين هؤلاء الذي حرموا الصدقة أنه قال: هم آل علي وآل
~~عقيل وآل جعفر وآل عباس.

# وقال بعض الشيعة: أهل البيت سواء أريد به البيت المدر والخشب أم بيت
~~القرابة والنسب عام، أما عمومه على الثاني فظاهر، وأما على الأول فلأنه
~~يشمل الإماء والخدم فإن البيت المدري يسكنه هؤلاء أيضا وقد صح ما يدل
~~على أن العموم غير مراد. أخرج الترمذي والحاكم وصححاه وابن جرير وابن
~~المنذر وابن مردويه والبيهقي في «سننه» من طرق

# " عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت في بيتي نزلت { إنما يريد الله
~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين
~~فجللهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكساء كان عليه ثم قال: هؤلاء أهل
~~بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا "

# وجاء في بعض الروايات

# " أنه عليه الصلاة والسلام أخرج يده من الكساء وأومأ بها إلى السماء
~~وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ثلاث
~~مرات "

# وفي بعض آخر

# " أنه عليه الصلاة والسلام ألقى عليهم كساء فدكيا ثم وضع يده عليهم ثم
~~قال: اللهم إن هؤلاء أهل بيتي وفي لفظ آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على
~~آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد "

# وجاء في رواية أخرجها الطبراني

# " عن أم سلمة أنها قالت: فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه صلى الله عليه
~~وسلم من يدي وقال: إنك على خير، وفي أخرى رواها ابن مردويه عنها أنها
~~قالت ألست من أهل البيت؟ فقال صلى الله عليه وسلم إنك إلى خير إنك من
~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم "

# وفي آخرها رواها الترمذي وجماعة

# " عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي عليه الصلاة والسلام قال: قالت أم
~~سلمة وأنا معهم: يا نبي الله قال: أنت على مكانك وإنك على خير، وأخبار
~~إدخاله ms08458 صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وابنيهما رضي الله تعالى عنهم
~~تحت الكساء "

# ، وقوله عليه الصلاة والسلام

# " اللهم هؤلاء أهل بيتي "

# ودعائه لهم وعدم إدخال أم سلمة أكثر من أن تحصى، وهي مخصصة لعموم أهل
~~البيت بأي معنى كان البيت فالمراد بهم من شملهم الكساء ولا يدخل فيهم
~~أزواجه صلى الله عليه وسلم، وقد صرح بعدم دخولهن من الشيعة عبد الله
~~المشهدي وقال المراد من البيت بيت النبوة ولا شك أن أهل البيت لغة شامل
~~للأزواج بل للخدام من الإماء اللائي يسكن في البيت أيضا: وليس المراد
~~هذا المعنى اللغوي بهذه السعة بالاتفاق فالمراد به آل العباء الذين خصصهم
~~حديث الكساء وقال أيضا: إن كون البيوت جمعا في { بيوتكن }
~~وإفراد البيت في { أهل البيت } يدل على أن بيوتهن غير بيت النبي
~~صلى الله عليه وسلم اه، وفيه ما ستعلمه إن شاء الله تعالى.

# وقيل المراد بالبيت بيت السكنى وبيت النسب وأهل ذلك أهل كل من البيتين
~~وقد سمعت ما قيل فيه وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز. وقال بعض المحققين:
~~المراد بالبيت بيت السكنى وأهله على ما يقتضيه سياق الآية وسباقها
~~والأخبار التي لا تحصى كثرة ويشهد له العرف من له مزيد اختصاص به إما
~~بالسكنى فيه مع القيام بمصالحه وتدبير شأنه والاهتمام بأمره وعدم كون
~~الساكن في معرض التبدل والتحول بحكم العادة الجارية من بيع وهبة كالأزواج
~~أو بالسكنى فيه كذلك بدون ملاحظة القيام بالمصالح كالأولاد أو بقرابة من
~~صاحبه تقضي بحسب العادة بالتردد إليه والجلوس فيه من غير طلب من صاحبه
~~لذلك أو بعدم المنع من ذلك فالأولاد الذين لا يسكنونه وكأولادهم وإن
~~نزلوا وكالأعمام وأولاد الأعمام وعلى هذا يحصل الجمع بين الأخبار وقد
~~سمعت بعضها كحديث الكساء ولا دلالة فيه على الحصر، وكالحديث الحسن أنه
~~صلى الله عليه وسلم اشتمل على العباس وبنيه بملاءة ثم قال: يا رب هذا عمي
~~وصنو أبي وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم بملاءتي هذه
~~فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت فقالت ms08459 آمين ثلاثا.

# وجاء في بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام ضم إلى أهل الكساء علي
~~وفاطمة والحسنين رضي الله تعالى عنهم بقية بناته وأقاربه وأزواجه وصح عن
~~أم سلمة في بعض آخر أنها قالت، فقلت يا رسول الله أما أنا من أهل البيت؟
~~فقال: بلى إن شاء الله تعالى، وفي بعض آخر أيضا أنها قالت له صلى الله
~~عليه وسلم ألست من أهلك؟ قال: بلى وأنه عليه الصلاة والسلام أدخلها
~~الكساء بعد ما قضى دعاءه لهم، وقد تكرر كما أشار إليه المحب الطبري منه
~~صلى الله عليه وسلم الجمع وقول هؤلاء أهل بيتي والدعاء في بيت أم سلمة
~~وبيت فاطمة رضي الله تعالى عنهما وغيرهما وبه جمع بين اختلاف الروايات في
~~هيئة الاجتماع وما جلل صلى الله عليه وسلم به المجتمعين وما دعا به لهم،
~~وما أجاب به أم سلمة وعدم إدخالها في بعض المرات تحت الكساء ليس لأنها
~~ليست من أهل البيت أصلا بل لظهور أنها منهم حيث كانت من الأزواج اللاتي
~~يقتضي سياق الآية وسباقها دخولهن فيهم بخلاف من أدخلوا تحته رضي الله
~~تعالى عنهم فإنه عليه الصلاة والسلام لو لم يدخلهم ويقل ما قال لتوهم عدم
~~دخولهم في الآية لعدم اقتضاء سياقها وسباقها ذلك.

# وذكر ابن حجر على تقدير صحة بعض الروايات المختلفة الحمل على أن النزول
~~كان مرتين، وقد أدخل صلى الله عليه وسلم بعض من لم يكن بينه وبينه قرابة
~~سببية ولا نسبية في أهل البيت توسعا وتشبيها كسلمان الفارسي رضي الله
~~تعالى عنه حيث قال عليه الصلاة والسلام:

# " سلمان منا أهل البيت "

# وجاء في رواية صحيحة

# " أن واثلة قال: وأنا من أهلك يا رسول الله؟ فقال: عليه الصلاة والسلام
~~وأنت من أهلي فكان واثلة يقول: إنها لمن أرجى ما أرجو "

# ، والخبر الدال بظاهره على أن المراد بالبيت البيت النسبي أعني خبر
~~الحكيم الترمذي ومن معه عن ابن عباس يجوز حمل البيت فيه على بيت المدر؛
~~والحيوان ينقسم إلى رومي وزنجي مثلا كما ينقسم الإنسان ms08460 إليهما على أن في
~~رواته من وثقه ابن معين وضعفه غيره والجرح مقدم / على التعديل، وما روي
~~عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه من نفي كون أزواجه صلى الله عليه وسلم
~~أهل بيته وكون أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده عليه الصلاة
~~والسلام فالمراد بأهل البيت فيه أهل البيت الذين جعلهم رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم ثاني الثقلين لا أهل البيت بالمعنى الأعم المراد في
~~الآية، ويشهد لهذا ما في «صحيح مسلم»

# " عن يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد
~~بن أرقم فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا رأيت
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه لقد لقيت
~~يا زيد خيرا كثيرا حدثنا يا زيد بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت
~~أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما حدثتكم فاقبلوا وما لا فلا
~~تكلفونيه ثم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا
~~بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله تعالى وأثنى عليه ووعظ
~~وذكر ثم قال: «أما بعد ألا يا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي
~~رسول ربي فأجيب وإني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور
~~فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال:
~~«وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله
~~في أهل بيتي ثلاثا  فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من
~~من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده 
~~قال: ومن هم؟ قال هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس "

# الحديث فإن الاستدراك بعد جعله النساء من أهل بيته صلى الله عليه ms08461 وسلم
~~ظاهر في أن الغرض بيان المراد بأهل البيت في الحديث الذي حدث به عن رسول
~~الله عليه الصلاة والسلام وهم فيه ثاني الثقلين فلأهل البيت إطلاقان يدخل
~~في أحدهما النساء ولا يدخلن في الآخر وبهذا يحصل الجمع بين هذا الخبر
~~والخبر السابق المتضمن نفيه رضي الله تعالى عنه كون النساء من أهل البيت.

# وقال بعضهم: إن ظاهر تعليله نفي كون النساء أهل البيت بقوله: أيم الله
~~إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها
~~وقومها يقتضي أن لا يكن من أهل البيت مطلقا فلعله أراد بقوله في الخبر
~~السابق نساؤه من أهل بيته أنساؤه الخ بهمزة الاستفهام الإنكاري فيكون
~~بمعنى ليس نساؤه من أهل بيته كما في معظم الروايات في غير «صحيح مسلم»
~~ويكون رضي الله تعالى عنه ممن يرى أن نساءه عليه الصلاة والسلام لسن من
~~أهل البيت أصلا ولا يلزمنا أن ندين الله تعالى برأيه لا سيما وظاهر
~~الآية معنا وكذا العرف وحينئذ يجوز أن يكون أهل البيت الذين هم أحد
~~الثقلين بالمعنى الشامل للأزواج وغيرهن من أصله وعصبته صلى الله عليه
~~وسلم الذين حرموا الصدقة بعده ولا يضر في ذلك عدم استمرار بقاء الأزواج
~~كما استمر بقاء الآخرين مع الكتاب كما لا يخفى اه.

# وأنت تعلم أن ظاهر ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " إني تارك فيكم خليفتين  وفي رواية  ثقلين كتاب الله حبل ممدود ما
~~بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض
~~"

# يقتضي أن النساء المطهرات غير داخلات في أهل البيت الذين هم أحد الثقلين
~~لأن عترة الرجل كما في «الصحاح» نسله ورهطه الأدنون، وأهل بيتي في الحديث
~~الظاهر أنه بيان له أو بدل منه بدل كل من كل وعلى التقديرين يكون متحدا
~~معه فحيث لم تدخل النساء في الأول لم تدخل في الثاني. وفي «النهاية» أن
~~عترة النبي صلى الله عليه وسلم بنو عبد المطلب، وقيل أهل بيته الأقربون
~~وهم أولاده ms08462 وعلي وأولاده رضي الله تعالى عنهم، وقيل: عترته الأقربون
~~والأبعدون منهم اه. والذي رجحه / القرطبي أنهم من حرمت عليهم الزكاة،
~~وفي كون الأزواج المطهرات كذلك خلاف قال ابن حجر: والقول بتحريم الزكاة
~~عليهن ضعيف وإن حكى ابن عبد البر الإجماع عليه فتأمل.

# ولا يرد على حمل أهل البيت في الآية على المعنى الأعم ما أخرج ابن جرير
~~وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي سعيد الخدري قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت هذه الآية في خمسة في وفي
~~علي وفاطمة وحسن وحسين { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت
~~ويطهركم تطهيرا } "

# إذ لا دليل فيه على الحصر والعدد لا مفهوم له، ولعل الاقتصار على من ذكر
~~صلوات الله تعالى وسلامه عليهم لأنهم أفضل من دخل في العموم وهذا على
~~تقدير صحة الحديث والذي يغلب على ظني أنه غير صحيح إذ لم أعهد نحو هذا في
~~الآيات منه صلى الله عليه وسلم في شيء من الأحاديث الصحيحة التي وقفت
~~عليها في أسباب النزول.

# وبتفسير أهل البيت بمن له مزيد اختصاص به على الوجه الذي سمعت يندفع ما
~~ذكره المشهدي من شموله للخدام والإماء والعبيد الذين يسكنون البيت فإنهم
~~في معرض التبدل والتحول بانتقالهم من ملك إلى ملك بنحو الهبة والبيع وليس
~~لهم قيام بمصالحه واهتمام بأمره وتدبير لشأنه إلا حيث يؤمرون بذلك،
~~ونظمهم في سلك الأزواج ودعوى أن نسبة الجميع إلى البيت على حد واحد مما
~~لا يرتضيه منصف ولا يقول به إلا متعسف.

# وقال بعض المتأخرين: إن دخولهم في العموم مما لا بأس به عند أهل السنة
~~لأن الآية عندهم لا تدل على العصمة ولا حجر على رحمة الله عز وجل ولأجل
~~عين ألف عين تكرم، وأما أمر الجمع والافراد فقد سمعت ما يتعلق به،
~~والظاهر على هذا القول أن التعبير بضمير جمع المذكر في { عنكم }
~~للتغليب، وذكر أن في { عنكم } عليه تغليبين أحدهما تغليب المذكر على
~~المؤنث، وثانيهما تغليب المخاطب على الغائب إذ غير الأزواج المطهرات ms08463 من
~~أهل البيت لم يجر لهم ذكر فيما قبل ولم يخاطبوا بأمر أو نهي أو غيرهما
~~فيه، وأمر التعليل عليه ظاهر وإن لم يكن كظهوره على القول بأن المراد
~~بأهل البيت الأزواج المطهرات فقط.

# واعتذر المشهدي عن وقوع جملة { إنما يريد الله } الخ في البين
~~بأن مثله واقع في القرآن الكريم فقد قال تعالى شأنه:

# قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا
~~فإنما عليه ما حمل

# [النور: 54] ثم قال سبحانه بعد تمام الآية:

# وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة

# [النور: 56] فعطف (أقيموا) على (أطيعوا) مع وقوع الفصل الكثير بينهما،
~~وفيه أنه وقع بعد { أقيموا الصلاة } الخ { وأطيعوا
~~الرسول } فلو كان العطف على ما ذكر لزم عطف (أطيعوا) على (أطيعوا)
~~وهو كما ترى. سلمنا أن لا فساد في ذلك إلا أن مثل هذا الفصل ليس في محل
~~النزاع فإنه فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالأجنبي من حيث الإعراب وهو
~~لا ينافي البلاغة وما نحن فيه على ما ذهبوا إليه فصل بأجنبي باعتبار
~~موارد الآيات اللاحقة والسابقة، وإنكار منافاته للبلاغة القرآنية مكابرة
~~لا تخفى.

# ومما يضحك منه الصبيان أنه قال بعد: إن بين الآيات مغايرة إنشائية
~~وخبرية لأن آية التطهير جملة ندائية وخبرية وما قبلها وما بعدها من الأمر
~~والنهي جمل إنشائية وعطف الإنشائية على الخبرية لا يجوز، ولعمري أنه أشبه
~~كلام من حيث الغلط بقول بعض عوام الأعجام: خسن وخسين دختران مغاوية

# ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور

# [النور: 40].

# ثم أن الشيعة استدلوا بالآية بعد قولهم: بتخصيص أهل البيت فيها بمن سمعت
~~وجعل { ليذهب } مفعولا به { ليريد } / وتفسير الرجس بالذنوب على
~~العصمة فذهبوا إلى أن عليا وفاطمة والحسنين رضي الله تعالى عنهم معصومون
~~من الذنوب عصمته صلى الله عليه وسلم منها، وتعقبه بعض أجلة المتأخرين
~~بأنه لو فرض تعين كل ما ذهبوا إليه لا تسلم دلالتها على العصمة بل لها
~~دلالة على عدمها إذ لا يقال في حق من هو طاهر: إني أريد أن أطهره ضرورة
~~امتناع تحصيل الحاصل، ms08464 وغاية ما في الباب أن كون أولئك الأشخاص رضي الله
~~تعالى عنهم محفوظين من الرجس والذنوب بعد تعلق الإرادة بإذهاب رجسهم يثبت
~~بالآية ولكن هذا أيضا على أصول أهل السنة لا على أصول الشيعة لأن وقوع
~~مراده تعالى غير لازم عندهم لإرادته عز وجل مطلقا وبالجملة لو كانت
~~إفادة معنى العصمة مقصودة لقيل هكذا إن الله أذهب عنكم الرجس أهل البيت
~~وطهركم تطهيرا وأيضا لو كانت مفيدة للعصمة ينبغي أن يكون الصحابة لا
~~سيما الحاضرين في غزوة بدر قاطبة معصومين لقوله تعالى فيهم:

# ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم
~~لعلكم تشكرون

# [المائدة: 6] بل لعل هذا أفيد لما فيه من قوله سبحانه: { وليتم
~~نعمته عليكم } فإن وقوع هذا الإتمام لا يتصور بدون الحفظ عن
~~المعاصي وشر الشيطان اه.

# وقرر الطبرسي وجه الاستدلال بها على العصمة بأن { إنما } لفظة محققة
~~لما أثبت بعدها نافية لما لم يثبت فإذا قيل: إنما لك عندي درهم أفاد أنه
~~ليس للمخاطب عنده سوى درهم فتفيد الآية تحقق الإرادة ونفي غيرها،
~~والإرادة لا تخلو من أن تكون هي الإرادة المحضة أو الإرادة التي يتبعها
~~التطهير وإذهاب الرجس لا يجوز أن تكون الإرادة المحضة لأنه سبحانه وتعالى
~~قد أراد من كل مكلف ذلك بالإرادة المحضة فلا اختصاص لها بأهل البيت دون
~~سائر المكلفين ولأن هذا القول يقتضي المدح والتعظيم لهم بلا ريب ولا مدح
~~في الإرادة المجردة فتعين إرادة الإرادة بالمعنى الثاني، وقد علم أن من
~~عدا أهل الكساء غير مراد فتختص العصمة بهم اه.

# وهو كما ترى.

# على أنه قد ورد في كتب الشيعة ما يدل على عدم عصمة الأمير كرم الله
~~تعالى وجهه وهو أفضل من ضمه الكساء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي
~~«نهج البلاغة» أنه كرم الله تعالى وجهه قال لأصحابه: لا تكفوا عن مقالة
~~بحق أو مشورة بعدل فإني لست بفوق أن أخطىء ولا آمن من ذلك في فعلى إلا أن
~~يلقي الله تعالى في نفسي ما هو أملك به مني. ms08465 وفيه أيضا كان كرم الله
~~تعالى وجهه يقول في دعائه: اللهم اغفر لي ما تقربت به إليك وخالفه قلبي،
~~وقصد التعليم كما في بعض الأدعية النبوية بعيد كذا قيل فتدبر ولا تغفل.

# وفسر بعض أهل السنة الإرادة ههنا بالمحبة قالوا: لأنه لو أريد بها
~~الإرادة التي يتحقق عندها الفعل لكان كل من أهل البيت إلى يوم القيامة
~~محفوظا من كل ذنب والمشاهد خلافه، والتخصيص بأهل الكساء وسائر الأئمة
~~الأثني عشر كما ذهب إليه الإمامية المدعون عصمتهم مما لا يقوم عليه دليل
~~عندنا، والمدح جاء من جهة الاعتناء بشأنهم وإفادتهم محبة الله تعالى لهم
~~هذا الأمر الجليل الشأن ومخاطبته سبحانه إياهم بذلك وجعله قرآنا يتلى
~~إلى يوم القيامة.

# وقد يستدل على كون الإرادة ههنا بالمعنى المذكور دون المعنى المشهور
~~الذي يتحقق عنده الفعل بأنه صلى الله عليه وسلم قال حين أدخل عليا
~~وفاطمة والحسنين رضي الله تعالى عنهم تحت الكساء

# " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا "

# فإنه أي حاجة للدعاء لو كان ذلك مرادا بالإرادة بالمعنى المشهور وهل هو
~~إلا دعاء بحصول واجب الحصول؟ واستدل بهذا بعضهم على عدم نزول الآية في
~~حقهم وإنما أدخلهم صلى الله عليه وسلم في أهل البيت / المذكور في الآية
~~بدعائه الشريف عليه الصلاة والسلام ولا يخلو جميع ما ذكر عن بحث.

# والذي يظهر لي أن المراد بأهل البيت من لهم مزيد علاقة به صلى الله عليه
~~وسلم ونسبة قوية قريبة إليه عليه الصلاة والسلام بحيث لا يقبح عرفا
~~اجتماعهم وسكناهم معه صلى الله عليه وسلم في بيت واحد ويدخل في ذلك
~~أزواجه والأربعة أهل الكساء وعلي كرم الله تعالى وجهه مع ما له من
~~القرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نشأ في بيته وحجره عليه
~~الصلاة والسلام فلم يفارقه وعامله كولده صغيرا وصاهره وآخاه كبيرا،
~~والإرادة على معناها الحقيقي المستتبع للفعل، والآية لا تقوم دليلا على
~~عصمة أهل بيته صلى الله تعالى عليه وعليهم وسلم الموجودين حين نزولها
~~وغيرهم ms08466 ولا على حفظهم من الذنوب على ما يقوله أهل السنة لا لاحتمال أن
~~يكون المراد توجيه الأمر والنهي أو نحوه لإذهاب الرجس والتطهير بأن يجعل
~~المفعول به { ليريد } محذوفا ويجعل { ليذهب } و { يطهر } في
~~موضع المفعول له وإن لم يكن فيه بأس وذهب إليه من ذهب بل لأن المعنى
~~حسبما ينساق إليه الذهن ويقتضيه وقوع الجملة موقع التعليل للنهي والأمر
~~نهاكم الله تعالى وأمركم لأنه عز وجل يريد بنهيكم وأمركم إذهاب الرجس
~~عنكم وتطهيركم وفي ذلك غاية المصلحة لكم ولا يريد بذلك امتحانكم وتكليفكم
~~بلا منفعة تعود إليكم وهو على معنى الشرط أي يريد بنهيكم وأمركم ليذهب
~~عنكم الرجس ويطهركم إن انتهيتم وائتمرتم ضرورة أن أسلوب الآية نحو أسلوب
~~قول القائل لجماعة علم أنهم إذا شربوا الماء أذهب عنهم عطشهم لا محالة
~~يريد الله سبحانه بالماء ليذهب عنكم العطش فإنه على معنى يريد سبحانه
~~بالماء اذهاب العطش عنكم إن شربتوه فيكون المراد إذهاب العطش بشرط شرب
~~المخاطبين الماء لا الإذهاب مطلقا.

# فمفاد التركيب في المثال تحقق إذهاب العطش بعد الشرب وفيما نحن فيه
~~إذهاب الرجس والتطهير بعد الانتهاء والائتمار لأن المراد الإذهاب المذكور
~~بشرطهما فهو متحقق الوقوع بعد تحقق الشرط وتحققه غير معلوم إذ هو أمر
~~اختياري وليس متعلق الإرادة، والمراد بالرجس الذنب وبإذهابه إزالة مباديه
~~بتهذيب النفس وجعل قواها كالقوة الشهوانية والقوة الغضبية بحيث لا ينشأ
~~عنها ما ينشأ من الذنوب كالزنا وقتل النفس التي حرم الله تعالى وغيرهما
~~لا إزالة نفس الذنب بعد تحققه في الخارج وصدوره من الشخص إذ هو غير معقول
~~إلا على معنى محوه من صحائف الأعمال وعدم المؤاخذة عليه وإرادة ذلك كما
~~ترى. وكأن مآل الإذهاب التخلية ومآل التطهير التحلية بالحاء المهملة.

# والآية متضمنة الوعد منه عز وجل لأهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم بأنهم
~~ان ينتهوا عما ينهى عنه ويأتمروا بما يأمرهم به يذهب عنهم لا محال مبادي
~~ما يستهجن ويحليهم أجل تحلية بما يستحسن، وفيه إيماء إلى قبول أعمالهم
~~وترتب الآثار ms08467 الجملية عليها قطعا ويكون هذا خصوصية لهم ومزية على من
~~عداهم من حيث أن أولئك الأغيار إذا انتهوا وائتمروا لا يقطع لهم بحصول
~~ذلك. ولذا نجد عباد أهل البيت أتم حالا من سائر العباد المشاركين لهم في
~~العبادة الظاهرة وأحسن أخلاقا وأزكى نفسا وإليهم تنتهي سلاسل الطرائق
~~التي مبناها كما لا يخفى على سالكيها التخلية والتحلية اللتان هما جناحان
~~للطيران إلى حظائر القدس والوقوف على أوكار الأنس حتى ذهب قوم إلى أن
~~القطب في كل عصر لا يكون إلا منهم خلافا للأستاذ أبي العباس المرسي حيث
~~ذهب كما نقل عنه تلميذه التاج بن عطاء الله إلى أنه قد يكون من غيرهم،
~~ورأيت في «مكتوبات الإمام الفاروقي الرباني» مجدد الألف الثاني قدس سره
~~ما حاصله أن القطبية لم تكن على سبيل الأصالة إلا لأئمة أهل البيت
~~المشهورين ثم إنها صارت بعدهم لغيرهم على سبيل النيابة عنهم حتى انتهت
~~النوبة إلى السيد الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره النوراني فنال مرتبة
~~القطبية / على سبيل الأصالة فلما عرج بروحه القدسية إلى أعلى عليين نال
~~من نال بعده تلك الرتبة على سبيل النيابة عنه فإذا جاء المهدي ينالها
~~أصالة كما نالها غيره من الأئمة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين اه، وهذا
~~مما لا سبيل إلى معرفته والوقوف على حقيته إلا بالكشف وأنى لي به.

# والذي يغلب على ظني أن القطب قد يكون من غيرهم لكن قطب الأقطاب لا يكون
~~إلا منهم لأنهم أزكى الناس أصلا وأوفرهم فضلا وأن من ينال هذه الرتبة
~~منهم لا ينالها إلا على سبيل الأصالة دون النيابة والوكالة وأنا لا أعقل
~~النيابة في ذلك المقام وإن عقلت قلت: كل قطب في كل عصر نائب عن نبينا
~~عليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأكمل السلام ولا بدع في نيابة الأقطاب
~~بعده عنه صلى الله عليه وسلم كما نابت عنه الأنبياء قلبه فهو عليه الصلاة
~~والسلام الكامل المكمل للخليقة والواسطة في الإفاضة عليهم على الحقيقة
~~وكل من تقدمه عصرا من الأنبياء وتأخر ms08468 عنه من الأقطاب والأولياء نواب عنه
~~ومستمدون منه، وأقول: إن السيد الشيخ عبد القادر قدس سره وغمرنا بره قد
~~نال منا نال من القطبية بواسطة جده عليه الصلاة والسلام على أتم وجه
~~وأكمل حال فقد كان رضي الله تعالى عنه من أجلة أهل البيت حسنيا من جهة
~~الأب حسينيا من جهة الأم لم يصبه نقص لو أن وعسى وليت ولا ينكر ذلك إلا
~~زنديق أو رافضي ينكر صحبة الصديق وأرى أن قوله رضي الله تعالى عنه:

# أفلت شموس الأولين وشمسنا

# أبدا على فلك العلا لا تغرب

# لا يدل على أن من ينال القطبية بعده من أهل البيت الذين عنصرهم وعنصره
~~واحد نائب عنه ليس له فيض إلا منه بل غاية ما يدل عليه ويومىء إليه
~~استمرار ظهور أمره وانتشار صيته وشهرة طريقته وعموم فيضه لمن استفاض على
~~الوجه المعروف عند أهله من وذلك مما لا يكاد ينكر وأظهر من الشمس والقمر،
~~هذا ما عندي في الكلام على الآية الكريمة المتضمنة لفضيلة لأهل البيت
~~عظيمة، ويعلم منه وجه التعبير بيريد على صيغة المضارع ووجه تقديم إذهاب
~~الرجس على التطهير ووجه دعائه صلى الله عليه وسلم لأهل الكساء بإذهاب
~~الرجس من غير حاجة إلى القول بأن ذلك طلب للدوام كما قيل في قوله تعالى:

# يأيها الذين ءامنوا ءامنوا

# [النساء: 136] ونحوه ولا يورد عليه كثير مما يورد على غيره ومع هذا
~~لمسلك الذهن اتساع ولا حجر على فضل الله عز وجل فلا مانع من أن يوفق
~~أحدا لما هو أحسن من هذا وأجل فتدبر ذاك والله سبحانه يتولى هداك.

### || [33.34]

# { واذكرن ما يتلى فى بيوتكن } أي اذكرن للناس بطريق
~~العظمة والتذكير، وقيل: أي تذكرن ولا تنسين ما يتلى في بيوتكن { من
~~ءايت الله } أي القرآن { والحكمة } هي السنة على ما أخرج
~~ابن جرير وغيره عن قتادة وفسرت بنصائحه صلى الله عليه وسلم، وعن عطاء عن
~~ابن عباس أنه كان في المصحف بدل { الحكمة } السنة حكاه محمد بن عبد
~~الكريم الشهرستاني في أوائل تفسيره ms08469 «مفاتيح الأسرار»، وقال جمع: المراد
~~بالآيات والحكمة القرآن وهو أوفق بقوله سبحانه: { يتلى } أي اذكرن ما
~~يتلى من الكتاب الجامع بين كونه آيات الله تعالى البينة الدالة على صدق
~~النبوة بأوجه شتى وكونه حكمة منطوية على فنون العلوم والشرائع، وهذا
~~تذكير بما أنعم عليهن حيث جعلهن أهل بيت النبوة ومهبط الوحي وما شاهدن من
~~برحاء الوحي مما يوجب قوة الإيمان والحرص على الطاعة وفيه حث على
~~الانتهاء والائتمار فيما كلفنه، وقيل: هذا هذا أمر بتكميل الغير بعد
~~الأمر بما فيه كمالهن ويعلم منه وجه توسيط

# إنما يريد

# [الأحزاب: 33] الخ في البين. والتعرض / للتلاوة في البيوت دون النزول
~~فيها مع أنه الأنسب لكونها مهبط الوحي لعمومها لجميع الآيات ووقوعها في
~~كل البيوت وتكررها الموجب لتمكنهن من الذكر والتذكير بخلاف النزول، وقيل:
~~إن ذلك لرعاية الحكمة بناء على أن المراد بها السنة فإنها لم تنزل نزول
~~القرآن وتعقب بأنها لم تتل أيضا تلاوته، وعدم تعيين التالي لتعم جبريل
~~وتلاوة النبي عليهما الصلاة والسلام وتلاوتهن وتلاوة غيرهن تعليما
~~وتعلما. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { تتلى } بتاء التأنيث.

# { إن الله كان لطيفا خبيرا } يعلم ويدبر ما يصلح في الدين
~~ولذلك فعل ما فعل من الأمر والنهي أو يعلم من يصلح للنبوة ومن يستأهل أن
~~يكون من أهل بيته، وقيل: يعلم الحكمة حيث أنزل كتابه جامعا بين الوصفين،
~~وجوز بعضهم أن يكون اللطيف ناظرا للآيات لدقة أعجازها والخبير للحكمة
~~لمناسبتها للخبرة.

### || [33.35]

# { إن المسلمين والمسلمت } أي الداخلين في السلم
~~المنقادين لحكم الله تعالى أو المفوضين أمرهم لله عز وجل من الذكور
~~والإناث { والمؤمنين والمؤمنت } المصدقين بما يجب أن
~~يصدق به من الفريقين. { والقنتين والقنتت } المداومين
~~على الطاعات القائمين بها { والصدقين والصدقت } في
~~أقوالهم التي يجب الصدق فيها، وقيل في القول والعمل. وأخرج ابن أبي حاتم
~~عن ابن جبير أنه قال أي في إيمانهم { والصبرين والصابرات }
~~على المكاره وعلى العبادات وعن المعاصي { والخشعين
~~والخشعت } المتواضعين لله تعالى بقلوبهم وجوارحهم. وقيل: الذين
~~لا يعرفون ms08470 من عن أيمانهم وشمائلهم إذا كانوا في الصلاة {
~~والمتصدقين والمتصدقت } بما يحسن التصدق به من فرض
~~وغيره { والصئمين والصئمت } الصوم المشروع فرضا كان أو
~~نفلا، وعن عكرمة الاقتصار على صوم رمضان، وقيل: من تصدق في كل أسبوع
~~بدرهم فهو من المتصدقين ومن صام البيض من كل شهر فهو من الصائمين {
~~والحفظين فروجهم والحفظت } عما لا يرضى به الله
~~تعالى.

# { والذكرين الله كثيرا والذكرت } بالألسنة والقلوب ومدار
~~الكثرة العرف عند جمع، وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد
~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لا يكتب الرجل من الذاكرين
~~الله كثيرا حتى يذكر الله تعالى قائما وقاعدا ومضطجعا. وأخرج أبو
~~داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم قال:

# " إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل فصليا ركعتين كانا تلك الليلة من
~~الذاكرين الله كثيرا والذاكرات "

# ، وقيل: المراد بذكر الله تعالى ذكر آلائه سبحانه ونعمه وروي ذلك عن
~~عكرمة ومآل هذا إلى الشكر وهو خلاف الظاهر. { أعد الله لهم }
~~بسبب كسبهم ما ذكر من الصفات { مغفرة } لما اقترفوا من الصغائر
~~لأنهن مكفرات بالأعمال الصالحة كما ورد { وأجرا عظيما } على ما
~~عملوا من الطاعات.

# والآية وعد للأزواج المطهرات وغيرهن ممن اتصفت بهذه الصفات، أخرج أحمد
~~والنسائي وغيرهما عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: / قلت للنبي صلى
~~الله عليه وسلم ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ فلم يرعني منه
~~صلى الله عليه وسلم ذات يوم إلا نداءه على المنبر وهو يقول: { إن
~~المسلمين والمسلمت } إلى آخر الآية، وضمير ما لنا للنساء
~~على العموم ففي رواية أخرى رواها النسائي وجماعة عنها أيضا أنها قالت:
~~قلت للنبي عليه الصلاة والسلام ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن
~~والنساء لا يذكرون؟ فأنزل الله تعالى: { إن المسلمين
~~والمسلمت } الآية.

# وفي بعض الآثار ما يدل على أن القائل غيرها، أخرج الترمذي وحسنه
~~والطبراني وعبد بن حميد وآخرون عن أم عمارة الأنصارية أنها ms08471 أتت النبي
~~صلى الله عليه وسلم فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال وما أرى النساء
~~يذكرن بشيء فنزلت هذه الآية { إن المسلمين } الخ.

# وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: دخل نساء على نساء النبي صلى الله عليه
~~وسلم فقلن: قد ذكركن الله تعالى في القرآن وما يذكرنا بشيء أما فينا ما
~~يذكر فأنزل الله تعالى: { إن المسلمين } الآية، وفي رواية أخرى
~~عنه أنه قال: لما ذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال النساء: لو
~~كان فينا خير لذكرنا فأنزل الله تعالى الآية. ولا مانع أن يكون كل ذلك.

# وعطف الإناث على الذكور كالمسلمات على المسلمين والمؤمنات على المؤمنين
~~ضروري لأن تغاير الذوات المشتركة في الحكم يستلزم العطف ما لم يقصد السرد
~~على طريق التعديد، وعطف الزوجين أعني مجموع كل مذكر ومؤنث كعطف مجموع
~~المؤمنين والمؤمنات على مجموع المسلمين والمسلمات غير لازم وإنما ارتكب
~~ههنا للدلالة على أن مدار اعداد ما أعد لهم جمعهم بين هذه النعوت
~~الجميلة.

# وذكر الفروج متعلقا للحفظ لكونها مركب الشهوة الغالبة، وذكر الاسم
~~الجليل متعلقا للذكر لأنه الاسم الأعظم المشعر بجميع الصفات الجليلة،
~~وحذف متعلق كل من الحافظات والذاكرات لدلالة ما تقدم عليه، وجعل الذكر
~~آخر الصفات لعمومه وشرفه

# ولذكر الله أكبر

# [العنكبوت: 45] وتذكير الضمير في { أعد الله لهم } لتغليب
~~الذكور على الإناث وإلا فالظاهر لهم ولهن، ولله تعالى در التنزيل أشار في
~~أول الآية وآخرها إلى أفضلية الذكور على الإناث.

### || [33.36]

# { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة } أي ما صح وما استقام لرجل
~~ولا امرأة من المؤمنين. { إذا قضى الله ورسوله أمرا } أي
~~قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الله تعالى لتعظيم أمره بالإشارة
~~إلى أنه عليه الصلاة والسلام بمنزلة من الله تعالى بحيث تعد أوامره أوامر
~~الله عز وجل أو للإشعار بأن ما يفعله صلى الله عليه وسلم إنما يفعله
~~بأمره لأنه لا ينطق عن الهوى فالنظم إما من قبيل

# فأن لله خمسه وللرسول

# [الأنفال: 41] أو من قبيل

# والله ورسوله أحق ms08472 أن يرضوه

# [التوبة: 62].

# { أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } أي أن يختاروا من
~~أمرهم ما شاؤوا بل يجب عليهم أن يجعلوا رأيهم تبعا لرأيه عليه الصلاة
~~والسلام واختيارهم تلوا لاختياره. والخيرة مصدر من تخير كالطيرة مصدر من
~~تطير، ولم يجيء على ما قيل مصدر بهذه الزنة غيرهما، وقيل: هي صفة مشبهة
~~وفسرت بالمتخير، و { من أمرهم } متعلق بها أو بمحذوف وقع حالا
~~منها، وجمع الضمير في { لهم } رعاية للمعنى لوقوع مؤمن ومؤمنة في سياق
~~النفي والنكرة الواقعة في سياقه تعم، وكان من حقه على ما في «الكشاف»
~~توحيده كما تقول: ما جاءني من امرأة ولا رجل إلا كان من شأنه كذا. وتعقبه
~~أبو حيان بأن هذا عطف بالواو والتوحيد في العطف بأو نحو من جاءك من شريف
~~أو وضيع أكرمه فلا يجوز إفراد الضمير في ذاك إلا بتأويل الحذف. وجمعه في
~~{ أمرهم } مع أنه للرسول صلى الله عليه وسلم أو له ولله عز وجل
~~للتعظيم على ما قيل. / وقال بعض الأجلة: لم يظهر عندي امتناع أن يكون
~~عائدا على ما عاد عليه الأول على أن يكون المعنى ناشئة من أمرهم أي
~~دواعيهم السائقة إلى اختيار خلاف ما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم
~~أو يكون المعنى الاختيار في شيء من أمرهم أي أمورهم التي يعنونها. ويرجح
~~عوده على ما ذكر بعدم التفكيك ورد بأن ذاك قليل الجدوى ضرورة أن الخيرة
~~ناشئة من دواعيهم أو واقعة في أمورهم وهو بين مستغن عن البيان بخلاف ما
~~إذا كان المعنى بدل أمره الذي قضاه عليه الصلاة والسلام أو متجاوزين عن
~~أمره لتأكيده وتقريره للنفي وهذا هو المانع من عوده إلى ما عاد عليه
~~الأول، والحق أنه لا مانع من ذلك على أن يكون المعنى ما كان للمؤمنين أن
~~يكون لهم اختيار في شيء من أمورهم إذا قضى الله ورسوله لهم أمرا، ولا
~~نسلم أن ما عد مانعا مانع فتدبر. ولعل الفائدة في العدول عن الظاهر في
~~الضمير الأول على ما قال الطيبي ms08473 الإيذان بأنه كما لا يصح لكل فرد فرد من
~~المؤمنين أن يكون لهم الخيرة كذلك لا يصح أن يجتمعوا ويتفقوا على كلمة
~~واحدة لأن تأثير الجماعة واتفاقهم أقوى من تأثير الواحد، ويستفاد منه
~~فائدة الجمع في الضمير الثاني على تقدير عوده على ما عاد عليه الأول وكذا
~~وجه إفراد الأمر إذا أمعن النظر.

# وقرأ الحرميان والعربيان وأبو عمرو وأبو جعفر وشيبة والأعرج وعيسى
~~(تكون) بتاء التأنيث والوجه ظاهر ووجه القراءة بالياء وهي قراءة الكوفيين
~~والحسن والأعمش والسلمي أن المرفوع بالفعل مفصول مع كون تأنيثه غير
~~حقيقي، وقرىء كما ذكر عيسى بن سليمان { الخيرة } بسكون الياء.

# { ومن يعص الله ورسوله } في أمر من الأمور ويعمل فيه برأيه
~~{ فقد ضل } طريق الحق { ضللا مبينا } أي بين الانحراف عن
~~سنن الصواب، والظاهر أن هذا في الأمور المقضية على ما يشعر به السوق،
~~والآية على ما روي عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وغيرهم نزلت في زينب بنت
~~جحش بنت عمته صلى الله عليه وسلم أميمة بنت عبد المطلب وأخيها عبد الله
~~خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمولاه زيد بن حارثة وقال: إني أريد
~~أن أزوجك زيد بن حارثة فإني قد رضيته لك فأبت وقالت: يا رسول الله لكني
~~لا أرضاه لنفسي وأنا أيم قومي وبنت عمتك فلم أكن لأفعل. وفي رواية أنها
~~قالت: أنا خير منه حسبا ووافقها أخوها عبد الله على ذلك فلما نزلت الآية
~~رضيا وسلما فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا بعد أن جعلت
~~أمرها بيده وساق إليها عشرة دنانير وستين درهما مهرا وخمارا وملحفة
~~ودرعا وإزارا وخمسين مدا من طعام وثلاثين صاعا من تمر. وأخرج ابن
~~أبي حاتم عن ابن زيد أنه قال نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط
~~وكانت أول امرأة هاجرت من النساء فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم
~~فزوجها زيد بن حارثة فسخطت هي وأخوها وقالت إنما أردنا رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فزوجنا عبده.

### || [33.37]

# { وإذ تقول ms08474 } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي اذكر وقت قولك {
~~للذى أنعم الله عليه } بتوفيقه للإسلام وتوفيقك لحسن
~~تربيته وعتقه ومراعاته وتخصيصه بالنبي ومزيد القرب { وأنعمت
~~عليه } بالعمل بما وفقك الله تعالى له من فنون الإحسان التي من
~~جملتها تحريره وهو زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه، وإيراده بالعنوان
~~المذكور كما قال شيخ الإسلام: «لبيان منافاة حاله لما / صدر عنه عليه
~~الصلاة والسلام من إظهار خلاف ما في ضميره الشريف إذ هو إنما يقع عند
~~الاستحياء أو الاحتشام وكلاهما مما لا يتصور في حق زيد رضي الله تعالى
~~عنه» وجوز أن يكون بيانا لحكمة إخفائه صلى الله عليه وسلم ما أخفاه لأن
~~مثل ذلك مع مثله مما يطعن به الناس كما قيل:

# وأظلم خلق الله من بات حاسدا

# لمن كان في نعمائه يتقلب

# { أمسك عليك زوجك } أي زينب بنت جحش وذلك أنها كانت ذا حدة
~~ولا زالت تفخر على زيد بشرفها ويسمع منها ما يكره فجاء رضي الله تعالى
~~عنه يوما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن زينب قد
~~اشتد علي لسانها وأنا أريد أن أطلقها فقال له عليه الصلاة والسلام: {
~~أمسك عليك زوجك }  { واتق الله } في أمرها ولا تطلقها
~~ضرارا وتعللا بتكبرها واشتداد لسانها عليك، وتعدية { أمسك } بعلى
~~لتضمينه معنى الحبس. { وتخفى فى نفسك ما الله مبديه }
~~عطف على { تقول } وجوزت الحالية بتقدير وأنت تخفى أو بدونه كما هو
~~ظاهر كلام الزمخشري في مواضع من «كشافه»، والمراد بالموصول على ما أخرج
~~الحكيم الترمذي وغيره عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما ما أوحى
~~الله تعالى به إليه أن زينب سيطلقها زيد ويتزوجها بعد عليه الصلاة
~~والسلام وإلى هذا ذهب أهل التحقيق من المفسرين كالزهري وبكر بن العلاء
~~والقشيري والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم.

# { وتخشى الناس } تخاف من اعتراضهم وقيل: أي تستحي من قولهم: إن
~~محمدا صلى الله عليه وسلم تزوج زوجة ابنه، والمراد بالناس الجنس
~~والمنافقون وهذا عطف على ما تقدم ms08475 أو حال. وقوله: { والله أحق أن
~~تخشه } في موضع الحال لا غير، والمعنى والله تعالى وحده أحق أن
~~تخشاه في كل أمر فتفعل ما أباحه سبحانه لك وأذن لك فيه، والعتاب عند من
~~سمعت على قوله عليه الصلاة والسلام ذلك مع { أمسك } مع علمه بأنه
~~سيطلقها ويتزوجها هو صلى الله عليه وسلم بعده وهو عتاب على ترك الأولى.
~~وكان الأولى في مثل ذلك أن يصمت عليه الصلاة والسلام أو يفوض الأمر إلى
~~رأي زيد رضي الله تعالى عنه.

# وأخرج جماعة عن قتادة أنه صلى الله عليه وسلم كان يخفي إرادة طلاقها
~~ويخشى قالة الناس إن أمره بطلاقها وأنه عليه الصلاة والسلام قال له: {
~~أمسك عليك زوجك واتق الله } وهو يحب طلاقها، والعتاب
~~عليه على إظهار ما ينافي الإضمار، وقد رد ذلك القاضي عياض في «الشفاء»
~~وقال: لا تسترب في تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الظاهر
~~وأنه يأمر زيدا بإمساكها وهو يحب تطليقه إياها كما ذكره جماعة من
~~المفسرين إلى آخر ما قال.

# وذكر بعضهم أن إرادته صلى الله عليه وسلم طلاقها وحبه إياه كان مجرد
~~خطوره بباله الشريف بعد العلم بأنه يريد مفارقتها، وليس هناك حسد منه
~~عليه الصلاة والسلام وحاشاه له عليها فلا محذور، والأسلم ما ذكرناه عن
~~زيد العابدين رضي الله تعالى عنه والجمهور، وحاصل العتاب لم قلت أمسك
~~عليك زوجك وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك وهو مطابق للتلاوة لأن الله
~~تعالى أعلم أنه مبدي ما أخفاه عليه الصلاة والسلام ولم يظهر غير تزويجها
~~منه فقال سبحانه: { زوجنكها } فلو كان المضمر محبتها وإرادة
~~طلاقها ونحو ذلك لأظهره جل وعلا.

# وللقصاص في هذه القصة كلام لا ينبغي أن يجعل في حيز القبول. منه ما
~~أخرجه ابن سعد والحاكم عن محمد بن يحيى بن حبان أنه صلى الله عليه وسلم
~~جاء إلى بيت زيد فلم يجده وعرضت / زينب عليه دخول البيت فأبى أن يدخل
~~وانصرف راجعا يتكلم بكلام لم تفهم منه سوى سبحان الله العظيم سبحان ms08476 مصرف
~~القلوب فجاء زيد فأخبرته بما كان فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال
~~له: بلغني يا رسول الله أنك جئت منزلي فهلا دخلت يا رسول الله لعل زينب
~~أعجبتك فأفارقها فقال عليه الصلاة والسلام: أمسك عليك زوجك واتق الله فما
~~استطاع زيد إليها سبيلا بعد ففارقها؛ وفي «تفسير علي بن إبراهيم»
~~[الحوفي] أنه صلى الله عليه وسلم أتى بيت زيد فرأى زينب جالسة وسط حجرتها
~~تسحق طيبا بفهر لها فلما نظر إليها قال: سبحان خالق النور تبارك الله
~~أحسن الخالقين فرجع فجاء زيد فأخبرته الخبر فقال لها: لعلك وقعت في قلب
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل لك أن أطلقك حتى يتزوجك رسول الله عليه
~~الصلاة والسلام فقالت: أخشى أن تطلقني ولا يتزوجني فجاء إلى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فقال له: أريد أن أطلق زينب فأجابه بما قص الله تعالى
~~إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع.

# وفي «شرح المواقف» أن هذه القصة مما يجب صيانة النبي صلى الله عليه
~~وسلم عن مثله فإن صحت فميل القلب غير مقدور مع ما فيه من الابتلاء لهما،
~~والظاهر أن الله تعالى لما أراد نسخ تحريم زوجة المتبنى أوحى إليه عليه
~~الصلاة والسلام أن يتزوج زينب إذا طلقها زيد فلم يبادر له صلى الله عليه
~~وسلم مخافة طعن الأعداء فعوتب عليه، وهو توجيه وجيه قاله الخفاجي عليه
~~الرحمة ثم قال: إن القصة شبيهة بقصة داود عليه السلام لا سيما وقد كان
~~النزول عن الزوجة في صدر الهجرة جاريا بينهم من غير حرج فيه انتهى،
~~وأبعد بعضهم فزعم أن { وتخفي } الخ خطاب كسابقه من الله عز وجل أو من
~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لزيد فإنه أخفى الميل إليها وأظهر الرغبة
~~عنها لما وقع في قلبه أن النبي صلى الله عليه وسلم يود أن تكون من
~~نسائه.

# هذا وفي قوله تعالى: { أمسك عليك زوجك } وصول الفعل الرافع
~~الضمير المتصل إلى الضمير المجرور وهما لشخص واحد فهو كقوله: ms08477

# هون عليك ودع عنك نهيا صيح في حجراته

# وذكروا في مثل هذا التركيب أن على وعن اسمان ولا يجوز أن يكونا حرفين
~~لامتناع فكر فيك وأعين بك بل هذا مما تكون فيه النفس أي فكر في نفسك
~~وأعين بنفسك، والحق عندي جواز ذلك التركيب مع حرفية على وعن.

# { فلما قضى زيد منها وطرا } أي طلقها كما روي عن قتادة
~~وهو كناية عن ذلك مثل لا حاجة لي فيك، ومعنى الوطر الحاجة وقيدها الراغب
~~بالمهمة، وقال أبو عبيدة: هو كالأدب وأنشد للربيع بن ضبع:

# ودعنا قبل أن نودعه

# لما قضى من شبابنا وطرا

# ويفسر الأدب بالحاجة الشديدة المقتضية للاحتيال في دفعها ويستعمل تارة
~~في الحاجة المفردة وأخرى في الاحتيال وإن لم تكن حاجة، وقال المبرد: هو
~~الشهوة والمحبة يقال: ما قضيت من لقائك وطرا أي ما استمتعت منك حتى
~~تنتهي نفسي وأنشد:

# وكيف ثوائي بالمدينة بعدما

# قضى وطرا منها جميل بن معمر

# وعن ابن عباس تفسير الوطر هنا بالجماع، والمراد لم يبق له بها حاجة
~~الجماع وطلقها، وفي «البحر» نقلا عن بعضهم أنه رضي الله تعالى عنه أنه
~~لم يتمكن من الاستمتاع بها، وروى أبو عصمة نوح بن أبي مريم بإسناد رفعه
~~إليها أنها قالت: ما كنت أمتنع منه غير أن الله عز وجل منعني منه، وروي
~~أنه كان يتورم ذلك منه حين يريد أن يقربها فيمتنع. قيل: ولا يخفى أنه على
~~هذا يحسن جدا جعل قضاء الوطر كناية عن الطلاق فتأمل، وفي الكلام تقدير /
~~أي فلما قضى زيد منها وطرا وانقضت عدتها، وقيل: إن قضاء الوطر يشعر
~~بانقضاء العدة لأن القضاء الفراغ من الشيء على التمام فكأنه قيل: فلما
~~قضى زيد حاجته من نكاحها فطلقا وانقضت عدتها فلم يكن في قلبه ميل إليها
~~ولا وحشة من فراقها.

# { زوجنكها } أي جعلناها زوجة لك بلا واسطة عقد أصالة أو وكالة،
~~فقد صح من حديث البخاري والترمذي أنها رضي الله تعالى عنها كانت تفخر على
~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوجكن ms08478 أهاليكن وزوجني الله تعالى
~~من فوق سبع سماوات، وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: كانت تقول للنبي
~~عليه الصلاة والسلام إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن إن
~~جدي وجدك واحد وإني أنكحك الله إياي من السماء وإن السفير لجبريل عليه
~~السلام، ولعلها أرادت سفارته عليه السلام بين الله تعالى وبين رسوله صلى
~~الله عليه وسلم وإلا فالسفير بينه عليه الصلاة والسلام وبينها كان زيدا.
~~أخرج أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: اذهب فاذكرها علي فانطلق قال: فلما
~~رأيتها عظمت في صدري فقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم يذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي فقامت إلى مسجدها
~~ونزل القرآن وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليها بغير إذن. ومن
~~حديث أخرجه الطبراني والبيهقي في «سننه» وابن عساكر من طريق ابن زيد
~~الأسدي عن مذكور مولى زينب قالت طلقني زيد فبت طلاقي فلما انقضت عدتي لم
~~أشعر إلا والنبي عليه الصلاة والسلام قد دخل علي وأنا مكشوفة الشعر
~~فقلت: هذا من السماء دخلت يا رسول الله بلا خطبة ولا شهادة فقال: الله
~~تعالى المزوج وجبريل الشاهد، ولا يخفى أن هذا بظاهره يخالف ما تقدم من
~~الحديث والمعول على ذاك، وقيل: المراد بزوجناكها أمرناك بتزوجها.

# وقرأ علي وابناه ريحانتا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين
~~وابنه محمد بن الحنفية وجعفر الصادق رضي الله تعالى عنهم أجمعين {
~~زوجتكها } بتاء الضمير للمتكلم وحده.

# { لكى لا يكون على المؤمنين حرج } أي ضيق وقيل إثم،
~~وفسره بهما بعضهم كالطبرسي بناء على جواز استعمال المشترك في معنيه
~~مطلقا كما ذهب إليه الشافعية أو في النفي كما ذهب إليه العلامة ابن
~~الهمام من الحنفية { فى أزواج } أي في حق تزوج أزواج {
~~أدعيائهم } الذين تبنوهم { إذا قضوا منهن وطرا } أي
~~إذا طلقهن الأدعياء وانقضت عدتهن فإن لهم في رسول الله صلى ms08479 الله عليه
~~وسلم أسوة حسنة، واستدل بهذا على أن ما ثبت له صلى الله عليه وسلم من
~~الأحكام ثابت لأمته إلا ما علم أنه من خصوصياته عليه الصلاة والسلام
~~بدليل، وتمام الكلام في المسألة مذكور في الأصول، والمراد بالحكم ههنا
~~على ما سمعت أولا مطلق تزوج زوجات الأدعياء وهو على ما قيل ظاهر.

# { وكان أمر الله } أي ما يريد تكوينه من الأمور أو مأموره
~~الحاصل بكن { مفعولا } مكونا لا محالة، والجملة اعتراض تذييلي مقرر
~~لما قبله من تزويج زينب رضي الله تعالى عنها.

### || [33.38]

# { ما كان على النبى من حرج } أي ما صح وما استقام في
~~الحكمة أن يكون له حرج { فيما فرض الله له } أي قسم له صلى
~~الله عليه وسلم وقدر من قولهم: فرض له في الديوان كذا، ومنه فروض العساكر
~~لما يقطعه السلطان لهم ويرسم به، وقال قتادة: أي فيما أحل له، وقال
~~الحسن: فيما خصه به من صحة / النكاح بلا صداق، وقال الضحاك: من الزيادة
~~على الأربع { سنة الله } أي سن الله تعالى ذلك سنة فهو مصدر منصوب
~~بفعل مقدر من لفظه، والجملة مؤكدة لما قبلها من نفي الحرج، وذهب الزمخشري
~~إلى أنه اسم موضوع موضع المصدر كقولهم: تربا وجندلا أي رغما وهوانا
~~وخيبة، وكأنه لم تثبت عنده مصدريته، وقيل منصوب بتقدير الزم ونحوه. قال
~~ابن عطية: ويجوز أن يكون نصبا على الإغراء كأنه قيل: فعليه سنة الله.
~~وتعقبه أبو حيان بأنه ليس بجيد لأن عامل الاسم في الإغراء لا يجوز حذفه،
~~وأيضا تقدير فعليه سنة الله بضمير الغائب لا يجوز إذ لا يغرى غائب
~~وقولهم عليه رجلا ليسني مؤول وهو مع ذلك نادر. واعترض بأن قوله: لأن
~~عامل الاسم في الإغراء لا يجوز حذفه ممنوع، وهو خلاف ما يفهم من كتب
~~النحو وبأن ما ذكره في أمر إغراء الغائب مسلم لكن يمكن توجيهه ههنا كما
~~لا يخفى، ثم قيل: إن ظاهر كلام ابن عطية يشعر بأن النصب بتقدير الزم قسيم
~~للنصب على الإغراء وليس كذلك ms08480 بل هو قسم منه اه فتدبر.

# { فى الذين خلوا } أي مضوا { من قبل } أي من قبلك من
~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حيث لم يحرج جل شأنه عليهم في الإقدام على
~~ما أحل لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره وقد كانت تحتهم المهائر
~~والسراري وكانت لداود عليه السلام مائة امرأة وثلاثمائة سرية ولسليمان
~~عليه السلام ثلثمائة امرأة وسبعمائة سرية. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب
~~القرظي أنه كان له عليه السلام ألف امرأة، والظاهر أنه عنى بالمرأة ما
~~يقابله السرية ويحتمل أنه أراد بها الأعم فيوافق ما قبله. يروى أن اليهود
~~قاتلهم الله تعالى عابوه وحاشاه من العيب صلى الله عليه وسلم بكثرة
~~النكاح وكثرة الأزواج فرد الله تعالى عليهم بقوله سبحانه: { سنة
~~الله } الآية. وقيل: إنه جل وعلا أشار بذلك إلى ما وقع لداود عليه
~~السلام من تزوجه امرأة أوريا. وأخرج ذلك ابن المنذر والطبراني عن ابن
~~جريج، واسم تلك الامرأة عنده أليسية وهذا مما لا يلتفت إليه، والقصة عند
~~المحققين لا أصل لها.

# { وكان أمر الله قدرا مقدورا } أي عن قدر أو ذا قدر
~~ووصفه بمقدور نحو وصف الظل بالظليل والليل بالأليل في قولهم ظل ظليل وليل
~~أليل في قصد التأكيد، والمراد بالقدر عند جمع المعنى المشهور للقضاء وهو
~~الإرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه، وجوز كونه بالمعنى
~~المشهور له وهو إيجاد الأشياء على قدر مخصوص وكمية معينة من وجوه المصلحة
~~وغيرها، والمعنى الأول أظهر، والقضاء والقدر يستعمل كل منهما بمعنى الآخر
~~وفسر الأمر بنحو ما فسر به فيما سبق.

# وجوز أن يراد به الأمر الذي هو واحد الأوامر من غير تأويل ويراد أن
~~أتباع أمر الله تعالى المنزل على أنبيائه عليهم السلام والعمل بموجبه
~~لازم مقضي في نفسه أو هو كالمقضي في لزوم إتباعه، ولا يخفى تكلفه.

# وظاهر كلام الإمام اختيار أن الأمر واحد الأمور وفرق بين القضاء والقدر
~~بما لم نقف عليه لغيره فقال ما حاصله: القضاء ما يكون مقصودا له تعالى
~~في ms08481 الأصل والقدر ما يكون تابعا والخير كله بقضاء وما في العالم من الضرر
~~بقدر كالزنا والقتل ثم بنى على ذلك لطيفة وهو أنه لما قال سبحانه:

# زوجنكها

# [الأحزاب: 37] ذيله بأمرا مفعولا لكونه مقصودا أصليا وخيرا مقضيا
~~ولما قال جل شأنه: { سنة الله فى الذين خلوا } إشارة إلى
~~قصة داود عليه السلام حيث افتتن بامرأة أوريا قال سبحانه: { قدرا
~~مقدورا } لكون الافتتان شرا غير مقصود أصلي من خلق المكلف، وفيه ما
~~فيه، والجملة اعتراض وسط بين الموصولين / الجاريين مجرى الواحد للمسارعة
~~إلى تقرير نفي الحرج وتحقيقه.

### || [33.39]

# { الذين يبلغون رسالت الله } صفة للذين خلوا أو هو في
~~محل رفع أو نصب على إضمارهم أو على المدح. وقرأ عبد الله { بلغوا }
~~فعلا ماضيا، وقرأ أبي { رسالة } على التوحيد لجعل الرسالات
~~المتعددة لاتفاقها في الأصول وكونها من الله تعالى بمنزلة شيء واحد وإن
~~اختلفت أحكامها { ويخشونه } أي يخافونه تعالى في كل ما يأتون
~~ويذرون لا سيما في أمر تبليغ الرسالة { ولا يخشون أحدا إلا
~~الله } في وصفهم بقصرهم الخشية على الله تعالى تعريض بما صدر عنه عليه
~~الصلاة والسلام من الاحتراز عن لائمة الناس من حيث إن إخوانه المرسلين لم
~~تكن سيرتهم التي ينبغي الاقتداء بها ذلك، وهذا كالتأكيد لما تقدم من
~~التصريح في قوله سبحانه:

# وتخشى الناس والله أحق أن تخشه

# [الأحزاب: 37] وتوهم بعضهم أن منشأ التعريض توصيف الأنبياء بتبليغ
~~الرسالات وحمل الخشية على الخشية في أمر التبليغ لوقوعها في سياقه وفيه
~~ما لا يخفى { وكفى بالله حسيبا } أي كافيا للمخاوف أو
~~محاسبا على الكبائر والصغائر من أفعال القلب والجوارح فلا ينبغي أن يخشى
~~غيره، والإظهار في مقام الإضمار لما في هذا الاسم الجليل ما ليس في
~~الضمير.

# واستدل بالآية على عدم جواز التقية على الأنبياء عليهم السلام مطلقا،
~~وخص ذلك بعض الشيعة في تبليغ الرسالة وجعلوا ما وقع منه صلى الله عليه
~~وسلم في هذه القصة - المشار إليه بقوله تعالى:

# وتخشى الناس والله أحق أن تخشه

# [الأحزاب: 37] بناء على أن الخشية ms08482 فيه بمعنى الخوف لا على أن المراد
~~الاستحياء من قول الناس تزوج زوجة ابنه كما قاله ابن فورك - من التقية
~~الجائزة حيث لم تكن في تبليغ الرسالة، ولا فرق عندهم بين خوف المقالة
~~القبيحة وإساءة الظن وبين خوف المضار في أن كلا يبيح التقية فيما لا
~~يتعلق بالتبليغ، ولهم في التقية كلام طويل وهي لأغراضهم ظل ظليل،
~~والمتتبع لكتب الفرق يعرف أن قد وقع فيها إفراط وتفريط وصواب وتخليط وإن
~~أهل السنة والجماعة قد سلكوا فيها الطريق الوسط وهو الطريق الأسلم الأمين
~~سالكه من الخطأ والغلط، أما الإفراط فللشيعة حيث جوزوا بل أوجبوا على ما
~~حكي عنهم إظهار الكفر لأدنى مخافة أو طمع، وأما التفريط فللخوارج
~~والزيدية حيث لا يجوزون في مقابلة الدين مراعاة العرض وحفظ النفس والمال
~~أصلا، وللخوارج تشديدات عجيبة في هذا الباب، وقد سبوا وطعنوا بريدة
~~الأسلمي أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب أنه رضي الله تعالى
~~عنه كان يحافظ فرسه في صلاته خوفا من أن يهرب.

# ومذهب أهل السنة أن التقية وهي محافظة النفس أو العرض أو المال من نحو
~~الأعداء بإظهار محظور ديني مشروعة في الجملة.

# وقسموا العدو إلى قسمين: الأول: من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين
~~كالمسلم والكافر ويلحق به من كانت عداوته لاختلاف المذهب اختلافا يجر
~~إلى تكفير أصحاب أحد المذهبين أصحاب المذهب الآخر كأهل السنة والشيعة،
~~والثاني: من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمرأة وعلى هذا
~~تكون التقية أيضا قسمين:

# أما الأول: فالتقية ممن كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين حقيقة أو
~~حكما وقد ذكروا في ذلك أن من يدعي الإيمان إذا وقع في محل لا يمكن أن
~~يظهر دينه وما هو عليه لتعرض المخالفين وجب عليه أن يهاجر إلى محل يقدر
~~فيه الى الإظهار ولا يجوز له أن يسكن هنالك ويكتم دينه بعذر الاستضعاف /
~~فأرض الله تعالى واسعة، نعم إن كان له عذر غير ذلك كالعمى والحبس وتخويف
~~المخالف له بقتله أو قتل ولده أو ms08483 أبيه أو أمه على أي وجه كان القتل
~~تخويفا يظن معه وقوع ما خوف به جاز له السكنى والموافقة بقدر الضرورة
~~ووجب عليه السعي في الحيلة للخروج وإن لم يكن التخويف كذلك كالتخويف
~~بفوات المنفعة أو أو بلحوق المشقة التي يمكنه تحملها كالحبس مع القوت
~~والضرب القليل الغير المهلك لا يجوز له الموافقة وإن ترتب على ذلك موته
~~كان شهيدا.

# وأما الثاني: فالتقية ممن كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية. وقد
~~اختلف العلماء في وجوب الهجرة وعدمه فيه فقال بعضم: تجب الهجرة لوجوب حفظ
~~المال والعرض. وقال جمع: لا تجب إذ الهجرة عن ذلك المقام مصلحة من
~~المصالح الدنيوية ولا يعود بتركها نقصان في الدين إذ العدو المؤمن كيفما
~~كان لا يتعرض لعدوه الضعيف المؤمن مثله بالسوء من حيث هو مؤمن.

# وقال بعض الأجلة على طريق المحاكمة: الحق أن الهجرة ههنا قد تجب أيضا
~~وذلك إذا خاف هلاك نفسه أو أقاربه أو الإفراط في هتك حرمته، وقال إنها مع
~~وجوبها ليست عبادة إذ التحقيق أنه ليس كل واجب عبادة يثاب عليها فإن
~~الأكل عند شدة المجاعة والاحتراز عن المضرات المعلومة أو المظنونة في
~~المرض وعن تناول السمومات في حال الصحة وما أشبه ذلك أمور واجبة ولا يثاب
~~فاعلها عليها اه، وفيه بحث وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من زبر
~~العلماء الأعلام، ولعل لنا عودة إن شاء الله تعالى لذكر شيء من ذلك والله
~~تعالى الهادي لسلوك أقوم المسالك.

# بقي لنا فيما يتعلق بالآية شيء وهو ما قيل: إنه سبحانه وصف المرسلين
~~الخالين عليهم الصلاة والسلام بأنهم لا يخشون أحدا إلا الله وقد أخبر عز
~~وجل عن موسى عليه السلام بأنه قال:

# إننا نخاف أن يفرط علينا

# [طه: 45] وهل خوف ذلك إلا خشية غير الله تعالى فما وجه الجمع؟ قلت: أجيب
~~بأن الخشية أخص من الخوف.

# قال الراغب: الخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى
~~منه، وذكر في ذلك عدة آيات منها هذه الآية، ونفي ms08484 الخاص لا يستلزم نفي
~~العام فقد يجتمع مع إثباته، وهذا أولى مما قيل في الجواب من أن الخشية
~~أخص من الخوف لأنها الخوف الشديد والمنفي في الآية ههنا هو ذلك لا مطلق
~~الخوف المثبت فيما حكى عن موسى عليه السلام، وأجاب آخر بأن المراد
~~بالخشية المنفية الخوف الذي يحدث بعد الفكر والنظر وليس من العوارض
~~الطبيعية البشرية، والخوف المثبت هو الخوف العارض بحسب البشرية بادي
~~الرأي وكم قد عرض مثله لموسى عليه السلام ولغيره من إخوانه وهو مما لا
~~نقص فيه كما لا يخفى على كامل؛ وهو جواب حسن، وقيل: إن موسى عليه السلام
~~إنما خاف أن يعجل فرعون عليه بما يحول بينه وبين إتمام الدعوة وإظهار
~~المعجزة فلا يحصل المقصود من البعثة فهو خوف لله عز وجل، والمراد بما نفي
~~عن المرسلين هو الخوف عنه سبحانه بمعنى أن يخاف غيره جل وعلا فيخل بطاعته
~~أو يقدم على معصيته وأين هذا من ذاك فتأمل تولى الله تعالى هداك.

### || [33.40]

# { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم } رد لمنشأ خشيته
~~صلى الله عليه وسلم الناس المعاتب عليها بقوله تعالى:

# وتخشى الناس والله أحق أن تخشه

# [الأحزاب: 37] وهو قولهم: إن محمدا عليه الصلاة والسلام تزوج زوجة ابنه
~~زيد بنفي كون زيد ابنه الذي يحرم نكاح زوجته عليه الصلاة والسلام على
~~أبلغ وجه كما ستعرفه قريبا / إن شاء الله تعالى.

# والرجال جمع رجل بضم الجيم كما هو المشهور وسكونه وهو على ما في
~~«القاموس» الذكر إذا احتلم وشب أو هو رجل ساعة يولد، وفي بعض ظواهر
~~الآيات والأخبار ما هو مؤيد للثاني نحو قوله تعالى

# للرجال نصيب مما ترك الولدن والأقربون

# [النساء: 7] وقوله سبحانه:

# وإن كان رجل يورث كللة

# [النساء: 12] ونحو قوله عليه الصلاة والسلام:

# " فلأولى رجل ذكر "

# والبحث الذي ذكره بعض أجلة المتأخرين فيما ذكر من الأمثلة لا يدفع كون
~~الظاهر منها ذلك عند المنصف، وقد يذكر لتأييد الأول قوله تعالى:

# والمستضعفين من الرجال والنساء والولدن

# [النساء: 75] فإن الرجال فيه للبالغين، وفيه ms08485 بحث، نعم ظاهر كلام
~~الزمخشري وهو إمام له قدم راسخة في اللغة وغيرها من العلوم العربية يدل
~~على أن الرجل هو الذكر البالغ، وأيا ما كان فإضافة رجال إلى ضمير
~~المخاطبين باعتبار الولاد فإن أريد بالرجال الذكور البالغون فالمعنى: ما
~~كان محمد أبا أحد من أبنائكم أيها الناس الذكور البالغين الذين ولدتموهم،
~~وإن أريد بهم الذكور مطلقا فالمعنى: ما كان محمد أبا أحد من أبنائكم
~~الذين ولدتموهم مطلقا كبارا كانوا أو صغارا.

# والأب حقيقة لغوية في الوالد على ما يفهم من كلام كثير من اللغويين،
~~والمراد بالأبوة المنفية هنا الأبوة الحقيقية الشرعية التي يترتب عليها
~~أحكام الأبوة الحقيقية اللغوية من الإرث ووجوب النفقة وحرمة المصاهرة
~~سواء كانت بالولادة أو بالرضاع أو بتبني من يولد مثله لمثله وهو مجهول
~~النسب فحيث نفى كونه صلى الله عليه وسلم أبا أحد من رجالهم بأي طريق كانت
~~الأبوة - ومن المعلوم أن زيدا أحد من رجالهم - تحقق نفي كونه عليه
~~الصلاة والسلام أبا له مطلقا، أما كونه صلى الله عليه وسلم ليس أبا له
~~بالولادة فمما لا نزاع فيه ولم يتوهم أحد خلافه، ومثله كونه عليه الصلاة
~~والسلام ليس أبا له بالرضاع، وأما كونه صلى الله عليه وسلم ليس أبا له
~~بالتبني مع تحقق تبنيه عليه الصلاة والسلام فلأن الأبوة بالتبني التي
~~نفيت إنما هي الأبوة الحقيقية الشرعية وما كان من التبني لا يستتبعها
~~لتوقفها شرعا على شرائط، منها كون المتبنى مجهول النسب وذلك منتف في زيد
~~فقد كان معروف النسب فيما بينهم، وقد تقدم لك أنه ابن حارثة، وتعميم نفي
~~أبوته صلى الله عليه وسلم لأحد من رجالهم بحيث شمل نفي الأبوة بالولادة
~~والأبوة بالرضاع والأبوة بالتبني مع أنه كلام في انتفاء الأوليين وإنما
~~الكلام في انتفاء الأخيرة فقط إذ هي التي يزعمها من يقول: تزوج محمد عليه
~~الصلاة والسلام زوجة ابنه للمبالغة في نفي الأبوة بالتبني التي زعموا
~~ترتب أحكام الأبوة الحقيقية عليها بنظم ما خفي في سلك ما لا خفاء فيه
~~أصلا. ms08486

# ولعل هذا هو السر في قوله سبحانه: { ما كان محمد أبا أحد
~~من رجالكم } دون ما كان محمد أبا أحد من الرجال أو ما كان محمد أبا
~~أحد منكم، ولعله لهذا أيضا صرح بنفي أبوته صلى الله عليه وسلم لأحد من
~~رجالهم ليعلم منه نفي بنوة أحد من رجالهم له عليه الصلاة والسلام، ولم
~~يعكس الحال بأن يصرح بنفي بنوة أحد من رجالهم له عليه الصلاة والسلام
~~ليعلم نفي أبوته صلى الله عليه وسلم لأحد من رجالهم، ويؤتي بما بعد على
~~وجه ينتظم مع ما قبل.

# وبحمل الأبوة المنفية على الأبوة الحقيقية الشرعية ينحل إشكال في الآية
~~وهو أن سياقها لنفي أبوته عليه الصلاة والسلام لزيد ليرد به على من يعترض
~~على النبي صلى الله عليه وسلم بتزوجه مطلقته فإن أريد بالأبوة الأبوة
~~الحقيقية اللغوية وهي ما يكون بالولادة لم تلائم السياق ولم يحصل بها
~~الرد المذكور مع أن هو المقصود إذ لم يكن أحد يزعم ويتوهم أنه صلى الله
~~عليه وسلم كان أبا زيد بالولادة وإن أريد بها الأبوة المجازية التي تحقق
~~بالتبني ونحوه فنفيها غير صحيح لأنه عليه الصلاة والسلام كان / أبا
~~لزيد مجازا لتبنيه إياه ولم يزل زيد يدعى بابن محمد صلى الله عليه وسلم
~~حتى نزل قوله تعالى:

# ادعوهم لأبائهم

# [الأحزاب: 5] فدعوه حينئذ بابن حارثة، ووجه انحلاله بما ذكرنا من أن
~~المراد بالأبوة الأبوة الحقيقية الشرعية أن هذه الأبوة تكون بالولادة
~~وبالرضاع وبالتبني بشرطه وهي بأنواعها غير متحققة في زيد، أما عدم تحققها
~~بالنوعين الأولين فظاهر، وأما عدم تحققها بالنوع الأخير فلأن التبني وإن
~~وقع إلا أن شرطه الذي به يستتبع الأبوة الحقيقية الشرعية مفقود كما علمت.

# وبجعل إضافة الرجال إلى ضمير المخاطبين باعتبار الولادة يندفع استشكال
~~النفي المذكور بأنه عليه الصلاة والسلام قد ولد له عدة ذكور فكيف يصح
~~النفي لأن من ولد له عليه الصلاة والسلام ليس مضافا للمخاطبين باعتبار
~~الولادة بل هو مضاف إليه صلى الله عليه وسلم باعتباره، ومن خص الرجال
~~بالبالغين ms08487 قال: لا ينتقض العموم بذلك لأن جميع من ولد له عليه الصلاة
~~والسلام مات صغيرا ولم يبلغ مبلغ الرجال، وقيل: لا إشكال في ذلك لأنه
~~عليه الصلاة والسلام لم يكن له ابن يوم نزول الآية لأن السورة مدنية نزلت
~~على ما نقل عن ابن الأثير في تاريخ «الكامل» السنة الخامسة من الهجرة
~~وفيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب، ومن ولده له صلى الله
~~عليه وسلم من الذكور ممن عدا إبراهيم فإنما ولد بمكة قبل الهجرة وتوفي
~~فيها، وإبراهيم وإن ولد بالمدينة لكن ولد السنة الثامنة من الهجرة فلم
~~يكن مولودا يوم النزول بل بعده وهو كما ترى.

# وكما استشكل النفي بما ذكر استشكل بالحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما
~~فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أبا لهما حقيقة شرعية، ولم يرتض
~~بعضهم هنا الجواب بخروجهما بالإضافة لأن لهما نسبة إلى المخاطبين باعتبار
~~الولادة لدخول علي كرم الله تعالى وجهه فيهم وهما ولداه، وارتضاه آخر
~~بناء على أن الإضافة للاختصاص باعتبار الولادة ولا اختصاص للحسنين بعلي
~~رضي الله تعالى عنهم باعتبارها لما أنهما ولدا رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم أيضا لكن بالواسطة. فإن قيل هذا فذاك وإلا فالجواب. أما ما قيل من
~~أن المراد بالرجال البالغون ولم يكونا رضي الله تعالى عنهما يوم النزول
~~كذلك فإن الحسن رضي الله تعالى عنه ولد السنة الثالثة من الهجرة والحسين
~~رضي الله تعالى عنه ولد السنة الرابعة منها لخمس خلون من شعبان وقد علقت
~~به أمه عقب ولادة أخيه بخمسين ليلة أو أقل وكان النزول بعد ولادتهما على
~~ما سمعت آنفا، وأما ما قيل من أن المراد بالأب في الآية الأب الصلب
~~ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن أباهما كذلك فتدبر.

# وقيل: ليس المراد من الآية سوى نفي أبوته صلى الله عليه وسلم لأحد من
~~الرجال بالتبني لتنتفي أبوته عليه الصلاة والسلام لزيد التي يزعمها
~~المعترض كما يدل عليه سوق الآية الكريمة فكأنه قيل: ما كان محمد ms08488 أبا أحد
~~من رجالكم كما زعمتم حيث قلتم إنه أبو زيد لتبنيه إياه وهي ساكتة عن نفي
~~أبوته صلى الله عليه وسلم لأحد بالولادة أو بالرضاع وعن إثباتها فلا سؤال
~~بمن ولد له صلى الله عليه وسلم من الذكور ولا بالحسنين رضي الله تعالى
~~عنهم ولا جواب. وإلى اختيار هذا يميل كلام أبي حيان والله تعالى أعلم.

# واستدل بعض الشافعية بهذه الآية على أنه لا يجوز أن يقال للنبي عليه
~~الصلاة والسلام أبو المؤمنين حكاه صاحب «الروضة» ثم قال: ونص الشافعي
~~عليه الرحمة على أنه يجوز أن يقال له صلى الله عليه وسلم أبو المؤمنين أي
~~في الحرمة ونحوها، وقال الراغب بعد أن قال الأب الوالد ما نصه: ويسمى كل
~~من كان سببا في إيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره أبا ولذلك سمي النبي صلى
~~الله عليه وسلم أبا المؤمنين قال الله تعالى:

# النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزوجه
~~أمهتهم

# [الأحزاب: 6] وفي بعض القراآت { وهو أب لهم } وروى

# " أنه عليه الصلاة والسلام قال: لعلي كرم الله تعالى وجهه «أنا وأنت
~~أبوا هذه الأمة» "

# وإلى هذا أشار صلى الله عليه وسلم / بقوله:

# " كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي "

# اه فلا تغفل.

# وعلى جواز الإطلاق قالوا: إن قوله تعالى: { ولكن رسول الله
~~} استدراك من نفي كونه عليه الصلاة والسلام أبا أحد من رجالهم على وجه
~~يقتضي حرمة المصاهرة ونحوها إلى إثبات كونه صلى الله عليه وسلم أبا لكل
~~واحد من الأمة فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له صلى الله عليه
~~وسلم ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه الصلاة والسلام فإن كان رسول أب
~~لأمته فيما يرجع إلى ذلك، وحاصله أنه استدراك من نفي الأبوة الحقيقية
~~الشرعية التي يترتب عليها حرمة المصاهرة ونحوها إلى إثبات الأبوة
~~المجازية اللغوية التي هي من شأن الرسول عليه الصلاة والسلام وتقتضي
~~التوقير من جانبهم والشفقة من جانبه صلى الله عليه وسلم وقيل في توجيه
~~الاستدراك أيضا إنه لما نفيت أبوته صلى الله عليه وسلم ms08489 لأحد من رجالهم
~~مع اشتهار أن كل رسول أب لأمته ولذا قيل: إن لوطا عليه السلام عنى
~~بقوله:

# هؤلاء بناتى هن أطهر لكم

# [هود: 78] المؤمنات من أمته يتوهم نفي رسالته صلى الله عليه وسلم بناء
~~على توهم التلازم بين الأبوة والرسالة فاستدرك بإثبات الرسالة تنبيها
~~على أن الأبوة المنفية شيء والمثبتة للرسول شيء آخر.

# وأما قوله سبحانه: { وخاتم النبيين } فقد قيل إنه جيء به ليشير
~~إلى كمال نصحه وشفقته صلى الله عليه وسلم فيفيد أن أبوته عليه الصلاة
~~والسلام للأمة المشار إليها بقوله تعالى: { ولكن رسول الله }
~~أبوة كاملة فوق أبوة سائر الرسول عليهم السلام لأممهم وذلك لأن الرسول
~~الذي يكون بعده رسول ربما لا يبلغ في الشفقة غايتها وفي النصيحة نهايتها
~~اتكالا على من يأتي بعده كالوالد الحقيقي إذا علم أن لولده بعده من يقوم
~~مقامه، وقيل: إنه جيء به للإشارة إلى امتداد تلك الأبوة المشار إليها بما
~~قبل إلى يوم القيامة فكأنه قيل: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم بحيث تثبت
~~بينه وبينه حرمة المصاهرة ولكن كان أبا كل واحد منكم وأبا أبنائكم وأبناء
~~أبنائكم وهكذا إلى يوم القيامة بحيث يجب له عليكم وعلى من تناسل منكم
~~احترامه وتوقيره ويجب عليه لكم ولمن تناسل منكم الشفقة والنصح الكامل،
~~وقيل: إنه جيء به لدفع ما يتوهم من قوله تعالى: { من رجالكم } من
~~أنه صلى الله عليه وسلم يكون أبا أحد من رجاله الذين ولدوا منه عليه
~~الصلاة والسلام بأن يولد له ذكر فيعيش حتى يبلغ مبلغ الرجال وذلك لأن
~~كونه عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين يدل على أنه لا يعيش له ولد ذكر
~~حتى يبلغ لأنه لو بلغ لكان منصبه أن يكون نبيا فلا يكون هو صلى الله
~~عليه وسلم خاتم النبيين ويراد بالأب عليه الأب الصلب لئلا يعترض بالحسنين
~~رضي الله تعالى عنهما.

# ودليل الشرطية ما رواه إسماعيل السدي عن أنس قال: كان إبراهيم  يعني
~~ابن النبي صلى الله عليه وسلم  قد ملأ المهد ولو بقي لكان ms08490 نبيا لكن لم
~~يبق لأن نبيكم آخر الأنبياء عليهم السلام، وجاء نحوه في روايات أخر أخرج
~~البخاري من طريق محمد بن بشر عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لعبد الله
~~بن أبي أوفى رأيت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مات صغيرا
~~ولو قضي [أن يكون] بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبي عاش ابنه إبراهيم
~~ولكن لا نبي بعده. وأخرج أحمد عن وكيع عن إسماعيل سمعت ابن أبي أوفى
~~يقول: لو كان بعد النبي نبي ما مات ابنه. وأخرج ابن ماجه وغيره من حديث
~~ابن عباس

# " لما مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إن له مرضعا في
~~الجنة ولو عاش لكان صديقا نبيا ولو عاش لأعتقت أخواله من القبط وما
~~استرق قبطي "

# وفي سنده أبو شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي وهو على ما قال القسطلاني
~~ضعيف، ومن طريقه أخرجه ابن منده في «المعرفة» وقال: إنه غريب، وكأن
~~النووي لم يقف على هذا الخبر المرفوع أو نحوه أو وقف عليه ولم يصح عنده
~~فقال في «تهذيب الأسماء واللغات»: وأما ما روي عن بعض المتقدمين لو عاش
~~إبراهيم لكان نبيا فباطل وجسارة على الكلام على المغيبات ومجازفة وهجوم
~~على عظيم، ومثله ابن عبد البر فقد قال في «التمهيد»: لا أدري ما هذا فقد
~~ولد نوح عليه السلام غير نبي ولو لم يلد النبي إلا نبيا لكان كل أحد
~~نبيا لأنهم من نوح عليه السلام.

# وأنا أقول: لا يظن بالصحابي الهجوم على الإخبار عن مثل هذا الأمر
~~بالظن، فالظاهر أنه لم يخبر إلا عن توقيف من رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم، وإذا صح حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المرفوع ارتفع الخصام،
~~لكن الظاهر أن هذا الأمر في إبراهيم خاصة بأن يكون قد سبق في علم الله
~~تعالى أنه لو عاش لجعله جل وعلا نبيا لا لكونه ابن النبي صلى الله عليه
~~وسلم بل لأمر هو جل شأنه به أعلم

# الله أعلم حيث يجعل ms08491 رسالته

# [الأنعام: 124] وحينئذ يرد على الشرطية السابقة أعني قوله لأنه: لو بلغ
~~لكان منصبه أن يكون نبيا منع ظاهر، والدليل الذي سيق فيما سبق لا يثبتها
~~لما أن ظاهره الخصوص فيجوز أن يبلغ ولد ذكر له عليه الصلاة والسلام غير
~~إبراهيم ولا يكون نبيا لعدم أهليته للنبوة في علم الله تعالى لو عاش.

# وقول بعض الأفاضل: ليس مبنى تلك الشرطية على اللزوم العقلي والقياس
~~المنطقي بل على مقتضى الحكمة الإلهية وهي أن الله سبحانه أكرم بعض الرسل
~~عليهم السلام بجعل أولادهم أنبياء كالخليل عليه السلام ونبينا صلى الله
~~عليه وسلم أكرمهم عليه وأفضلهم عنده فلو عاش أولاده اقتضى تشريف الله
~~تعالى له وأفضليته عنده ذلك ليس بشيء لأنا نقول: لا يلزم من إكرام الله
~~تعالى بعض رسله عليهم السلام بنبوة الأولاد وكون نبينا صلى الله عليه
~~وسلم أكرمهم وأفضلهم اقتضاء التشريف والأفضلية نبوة أولاده لو عاشوا
~~وبلغوا ليقال إن حكمة كونه عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين لكونها أجل
~~وأعظم منعت من أن يعيشوا فينبؤا، ألا ترى أن الله تعالى أكرم بعض الرسل
~~بجعل بعض أقاربهم في حياتهم وبعد مماتهم أنبياء معينين لهم ومؤيدين
~~لشريعتهم غير مخالفين لها في أصل أو فرع كموسى عليه السلام ونبينا عليه
~~الصلاة والسلام أكرمهم وأفضلهم ولم يجعل له ذلك.

# فإن قيل: إنه عوض صلى الله عليه وسلم عنه بأن جعل جل شأنه له من أقاربه
~~وأهل بيته علماء أجلاء كأنبياء بني إسرائيل كعلي كرم الله تعالى وجهه كما
~~يرشد إليه

# " قوله صلى الله عليه وسلم له رضي الله تعالى عنه «أنت مني بمنزلة هارون
~~من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» "

# قلنا: فلم لا يجوز أن يبقي سبحانه له عليه الصلاة والسلام أولادا
~~ذكورا بالغين ويعوضه عن نبوتهم التي منعت عنها حكمة الخاتمية نحو ما
~~عوضه عن نبوة بعض أقاربه التي منعت عنها تلك الحكمة وذلك أقرب لمقتضى
~~التشريف كما لا يخفى، وقيل: الملازمة مستفادة من الآية لأنه لولاها لم
~~يكن للاستدراك معنى إذ (لكن) ms08492 تتوسط بين متقابلين فلا بد من منافاة بنوتهم
~~له عليه الصلاة والسلام لكونه خاتم النبيين وهو إنما يكون باستلزام
~~بنوتهم نبوتهم، ولا يقدح فيه قوله تعالى: { رسول الله } كما يتوهم
~~لأنه لو سلم رسالتهم لكانت إما في عصره صلى الله عليه وسلم وهي تنافي
~~رسالته أو بعده وهو تنافي / خاتميته اه، وفيه أن الملازمة في قوله:
~~ولولا ذلك لم يكن للاستدراك معنى ممنوعة، والدليل المذكور لم يثبتها
~~لجواز أن يكون معنى الاستدراك ما ذكرناه أولا، على أن فيما ذكره بعد ما
~~لا يخفى.

# وقيل في توجيه الاستدراك: إنه لما كان عدم النسل من الذكور يفهم منه أنه
~~لا يبقى حكمه صلى الله عليه وسلم ولا يدوم ذكره استدرك بما ذكر وهو كما
~~ترى.

# وقال بعض المتأخرين: يجوز أن لا يكون الاستدراك بلكن هنا بمعنى رفع
~~التوهم الناشىء من أول الكلام كما في قولك: ما زيد كريم لكنه شجاع بل
~~بمعنى أن يثبت لما بعدها حكم مخالف لما قبلها نحو ما هذا ساكن لكنه متحرك
~~وما هذا أبيض لكنه أسود وقد جاء كذلك في بعض آي الكتاب الكريم كما في
~~قوله تعالى:

# ياقوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب
~~العالمين

# [الأعراف: 67] فإن نفي السفاهة لا يوهم انتفاء الرسالة ولا انتفاء ما
~~يلزمها من الهدى والتقوى حتى يجعل استدراكا بالمعنى الأول اه فليتأمل.

# ومن العجيب أن ابن حجر الهيتمي قال في «فتاواه الحديثية»: إنه لا بعد في
~~إثبات النبوة لإبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم في صغره وقد ثبت في
~~الصغر لعيسى ويحيى عليهما السلام، ثم نقل عن السبكي كلاما في حديث

# " كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد "

# حاصله أن حقيقته عليه الصلاة والسلام قد تكون من قبل آدم آتاها الله
~~تعالى النبوة بأن خلقها مهيأة لها وأفاضها عليها من ذلك الوقت وصار نبيا
~~ثم قال: وبه يعلم تحقيق نبوة سيدنا إبراهيم في حال صغره اه وفيه بحث.
~~وخبر أنه عليه الصلاة والسلام أدخل يده في قبره بعد دفنه وقال: ms08493 «أما
~~والله إنه لنبي ابن نبي» في سنده من ليس بالقوي فلا يعول عليه ليتكلف
~~لتأويله.

# والخاتم اسم آلة لما يختم به كالطابع لما يطبع به فمعنى خاتم النبيين
~~الذي ختم النبيون به ومآله آخر النبيين، وقال المبرد: { خاتم } فعل ماض
~~على فاعل وهو في معنى ختم النبيين فالنبيين منصوب على أنه مفعول به وليس
~~بذاك. وقرأ الجمهور { وخاتم } بكسر التاء على أنه اسم فاعل أي الذي
~~ختم النبيين، والمراد به آخرهم أيضا، وفي حرف ابن مسعود (ولكن نبيا ختم
~~النبيين)، والمراد بالنبي ما هو أعم من الرسول فيلزم من كونه صلى الله
~~عليه وسلم خاتم النبيين كونه خاتم المرسلين والمراد بكونه عليه الصلاة
~~والسلام خاتمهم انقطاع حدوث وصف النبوة في أحد من الثقلين بعد تحليه عليه
~~الصلاة والسلام بها في هذه النشأة.

# ولا يقدح في ذلك ما أجمعت الأمة عليه واشتهرت فيه الأخبار ولعلها بلغت
~~مبلغ التواتر المعنوي ونطق به الكتاب على قول ووجب الإيمان به وأكفر
~~منكره كالفلاسفة من نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان لأنه كان نبيا قبل
~~تحلي نبينا صلى الله عليه وسلم بالنبوة في هذه النشأة ومثل هذا يقال في
~~بقاء الخضر عليه السلام على القول بنبوته وبقائه، ثم إنه عليه السلام حين
~~ينزل باق على نبوته السابقة لم يعزل عنها بحال لكنه لا يتعبد بها لنسخها
~~في حقه وحق غيره وتكليفه بأحكام هذه الشريعة أصلا وفرعا فلا يكون إليه
~~عليه السلام وحي ولا نصب أحكام بل يكون خليفة لرسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وحاكما من حكام ملته بين أمته بما علمه في السماء قبل نزوله من
~~شريعته عليه الصلاة والسلام كما في بعض الآثار أو ينظر في الكتاب والسنة
~~وهو عليه السلام لا يقصر عن رتبة الاجتهاد المؤدي إلى استنباط ما يحتاج
~~إليه أيام مكثه في الأرض من الأحكام وكسره الصليب وقتله الخنزير ووضعه
~~الجزية وعدم قبولها مما علم من شريعتنا صوابيته في قوله / صلى الله عليه
~~وسلم

# " إن عيسى ينزل حكما عدلا ms08494 يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية "

# فنزوله عليه السلام غاية لإقرار الكفار ببذل الجزية على تلك الأحوال ثم
~~لا يقبل إلا الإسلام لا نسخ لها قاله شيخ الإسلام إبراهيم اللقاني في
~~«هداية المريد لجوهرة التوحيد».

# وقوله: أنه عليه السلام حين ينزل باق على نبوته السابقة لم يعزل عنها
~~بحال لكنه لا يتعبد بها الخ أحسن من قول الخفاجي: الظاهر أن المراد من
~~كونه على دين نبينا صلى الله عليه وسلم انسلاخه عن وصف النبوة والرسالة
~~بأن يبلغ ما يبلغه عن الوحي وإنما يحكم بما يتلقى عن نبينا عليه الصلاة
~~والسلام ولذا لم يتقدم لإمامة الصلاة مع المهدي ولا أظنه عنى بالانسلاخ
~~عن وصف النبوة والرسالة عزله عن ذلك بحيث لا يصح إطلاق الرسول والنبي
~~عليه عليه السلام فمعاذ الله أن يعزل رسول أو نبي عن الرسالة أو النبوة
~~بل أكاد لا أتعقل ذلك، ولعله أراد أنه لا يبقى له وصف تبليغ الأحكام عن
~~وحي كما كان له قبل الرفع فهو عليه السلام نبي رسول قبل الرفع وفي
~~السماء وبعد النزول وبعد الموت أيضا.

# وبقاء النبوة والرسالة بعد الموت في حقه وحق غيره من الأنبياء والمرسلين
~~عليهم السلام حقيقة مما ذهب إليه غير واحد فإن المتصف بهما وكذا بالإيمان
~~هو الروح وهي باقية لا تتغير بموت البدن، نعم ذهب الأشعري كما قال النسفي
~~إلى أنهما بعد الموت باقيان حكما، وما أفاده كلام اللقاني من أنه عليه
~~السلام يحكم بما علم في السماء قبل نزوله من الشريعة قد أفاده السفاريني
~~في «البحور الزاخرة» وهو الذي أميل له، وأما أنه يجتهد ناظرا في الكتاب
~~والسنة فبعيد وإن كان عليه السلام قد أوتي فوق ما أوتي مجتهدو الأمم مما
~~يتوقف عليه الاجتهاد بكثير إذ قد ذهب معظم أهل العلم إلى أنه حين ينزل
~~يصلي وراء المهدي رضي الله تعالى عنه صلاة الفجر وذلك الوقت يضيق عن
~~استنباط ما تضمنته تلك الصلاة من الأقوال والأفعال من الكتاب والسنة على
~~الوجه المعروف. نعم لا يبعد أن ms08495 يكون عليه السلام قد علم في السماء بعضا
~~ووكل إلى الاجتهاد والأخذ من الكتاب والسنة في بعض آخر.

# وقيل: إنه عليه السلام يأخذ الأحكام من نبينا صلى الله عليه وسلم شفاها
~~بعد نزوله وهو في قبره الشريف عليه الصلاة والسلام، وأيد بحديث أبي يعلى

# " والذي نفسي بيده لينزلن عيسى ابن مريم ثم لئن قام على قبري وقال يا
~~محمد لأجيبنه "

# وجوز أن يكون ذلك بالاجتماع معه عليه الصلاة والسلام روحانية، ولا بدع
~~في ذلك فقد وقعت رؤيته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته لغير واحد من
~~الكاملين من هذه الأمة والأخذ منه يقظة، قال الشيخ سراج الدين بن الملقن
~~في «طبقات الأولياء»: قال الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره: رأيت رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم قبل الظهر فقال لي: يا بني لم لا تتكلم؟ قلت: يا
~~أبتاه أنا رجل أعجم كيف أتكلم على فصحاء بغداد فقال: افتح فاك ففتحته
~~فتفل فيه سبعا وقال: تكلم على الناس وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة
~~الحسنة فصليت الظهر وجلست وحضرني خلق كثير فارتج علي فرأيت عليا كرم
~~الله تعالى وجهه قائما بإزائي في المجلس فقال لي: يا بني لم لا تتكلم؟
~~قلت: يا أبتاه قد ارتج علي فقال: افتح فاك ففتحته فتفل فيه ستا فقلت: لم
~~لا تكملها سبعا قال: أدبا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توارى
~~عني فقلت: غواص الفكر يغوص في بحر القلب على درر المعارف فيستخرجها إلى
~~ساحل الصدر فينادي عليها سمسار ترجمان اللسان فتشترى بنفائس أثمان حسن
~~الطاعة في بيوت أذن الله أن ترفع.

# وقال أيضا في ترجمة الشيخ خليفة بن موسى النهر ملكي: كان كثير الرؤية
~~لرسول الله عليه / الصلاة والسلام يقظة ومناما فكان يقال: إن أكثر
~~أفعاله يتلقاه منه صلى الله عليه وسلم يقظة ومناما ورآه في ليلة واحدة
~~سبع عشرة مرة قال له في إحداهن: يا خليفة لا تضجر مني فكثير من الأولياء
~~مات بحسرة رؤيتي، وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء ms08496 الله في «لطائف المنن»:
~~قال رجل للشيخ أبي العباس المرسي يا سيدي صافحني بكفك هذه فإنك لقيت
~~رجالا وبلادا فقال: والله ما صافحت بكفي هذه إلا رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم قال: وقال الشيخ لو حجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفة
~~عين ما عددت نفسي من المسلمين، ومثل هذه النقول كثير من كتب القوم جدا.

# وفي «تنوير الحلك» لجلال الدين السيوطي الذي رد به على منكري رؤيته
~~صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في اليقظة طرف معتد به من ذلك، وبدأ في
~~الاستدلال على ذلك بما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة قال:
~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي "

# وأخرج الطبراني مثله من حديث مالك بن عبد الله الخثعمي ومن حديث أبي
~~بكرة، وأخرج الدارمي مثله من حديث أبي قتادة.

# وللمنكرين اختلاف في تأويله فقيل: المراد فسيراني في القيامة فهناك
~~اليقظة الكاملة كما يشير إليه الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. وتعقب بأنه
~~لا فائدة في هذا التخصيص لأن كل أمته يرونه يوم القيامة من رآه منهم في
~~المنام ومن لم يره، وقيل: المراد الرؤية على وجه خاص من القرب والحظوة
~~منه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أو حصول الشفاعة له أو نحو ذلك، ولا
~~يرد عليه ما ذكر، وقيل: المراد بمن من آمن به في حياته ولم يره لكونه
~~حينئذ غائبا عنه فيكون الخبر مبشرا له بأنه لا بد أن يراه في اليقظة
~~يعني بعيني رأسه، وقيل: بعين قلبه حكاهما القاضي أبو بكر بن العربي،
~~وقال الإمام أبو محمد بن أبي جمرة في تعليقه على الأحاديث التي انتقاها
~~من «صحيح البخاري»: هذا الحديث يدل على أن من يراه صلى الله عليه وسلم في
~~النوم فسيراه في اليقظة وهل هذا على عمومه في حياته وبعد مماته عليه
~~الصلاة والسلام أو هذا كان في حياته؟ وهل ذلك لكل من رآه مطلقا أو خاص ms08497
~~بمن فيه الأهلية والاتباع لسنته عليه الصلاة والسلام؟ اللفظ يعطي العموم
~~ومن يدعي الخصوص فيه بغير مخصص منه صلى الله عليه وسلم فمتعسف، وأطال
~~الكلام في ذلك ثم قال: وقد ذكر عن السلف والخلف وهلم جرا ممن كانوا رأوه
~~صلى الله عليه وسلم في النوم وكانوا ممن يصدقون بهذا الحديث فرأوه بعد
~~ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متشوشين فأخبرهم بتفريجها ونص
~~لهم على الوجوه التي منها يكون فرجها فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص
~~انتهى المراد منه.

# ثم إن رؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة عند القائلين بها أكثر ما تقع
~~بالقلب ثم يترقى الحال إلى أن يرى بالبصر، واختلفوا في حقيقة المرئي فقال
~~بعضهم المرئي ذات المصطفى صلى الله عليه وسلم بجسمه وروحه، وأكثر أرباب
~~الأحوال على أنه مثاله وبه صرح الغزالي فقال: ليس المراد أنه يرى جسمه
~~وبدنه بل مثالا له صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسه
~~قال: والآلة تارة تكون حقيقة وتارة تكون خيالية والنفس غير المثال
~~المتخيل فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى صلى الله عليه وسلم ولا
~~شخصه بل هو مثال له على التحقيق.

# وفصل القاضي أبو بكر بن العربي فقال: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم
~~بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال
~~واستحسنه الجلال السيوطي وقال: بعد نقل أحاديث وآثار ما نصه فحصل من
~~مجموع هذا الكلام النقول والأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حي
~~بجسده وروحه وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت وهو
~~بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء وأنه مغيب عن الأبصار
~~كما غيبت الملائكة مع / كونهم أحياء بأجسادهم فإذا أراد الله تعالى رفع
~~الحجاب عمن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو عليه الصلاة
~~والسلام عليها لا مانع من ذلك ولا داعي إلى التخصيص برؤية المثال اه.

# وذهب رحمه الله تعالى إلى نحو هذا في سائر ms08498 الأنبياء عليهم السلام فقال
~~إنهم أحياء ردت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا وأذن لهم في الخروج من قبورهم
~~والتصرف في الملكوت العلوي والسفلي، وهذا الذي ذكره من الخروج من القبور
~~ذكر أخبارا كثيرة تشهد له. منها ما أخرجه ابن حبان في «تاريخه»
~~والطبراني في «الكبير» وأبو نعيم في «الحلية» عن أنس قال: قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم

# " ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحا "

# ومنها ما رواه عبد الرزاق في «مصنفه» عن الثوري عن أبي المقدام عن سعيد
~~بن المسيب قال: ما مكث نبي في الأرض أكثر من أربعين يوما، وأبو المقدام
~~هو ثابت بن هرمز شيخ صالح، ومنها ما ذكره إمام الحرمين في «النهاية» ثم
~~الرافعي في «الشرح» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث "

# زاد إمام الحرمين وروي أكثر من يومين.

# والذي يغلب على الظن أن رؤيته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته بالبصر ليست
~~كالرؤية المتعارفة عند الناس من رؤية بعضهم لبعض وإنما هي جمعية حالية
~~وحالة برزخية وأمر وجداني لا يدرك حقيقته إلا من باشره، ولشدة شبه تلك
~~الرؤية بالرؤية البصرية المتعارفة يشتبه الأمر على كثير من الرائين فيظن
~~أنه رآه صلى الله عليه وسلم ببصره الرؤية المتعارفة وليس كذلك، وربما
~~يقال إنها رؤية قلبية ولقوتها تشتبه بالبصرية، والمرئي إما روحه عليه
~~الصلاة والسلام التي هي أكمل الأرواح تجردا وتقدسا بأن تكون قد تطورت
~~وظهرت بصورة مرئية بتلك الرؤية مع بقاء تعلقها بجسده الشريف الحي في
~~القبر السامي المنيف على حد ما قاله بعضهم من أن جبريل عليه السلام مع
~~ظهوره بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام في صورة دحية الكلبي أو غيره
~~لم يفارق سدرة المنتهى، وإما جسد مثالي تعلقت به روحه صلى الله عليه وسلم
~~المجردة القدسية، ولا مانع من أن يتعدد الجسد المثالي إلى ما لا يحصى من
~~الأجساد مع تعلق روحه القدسية عليه من الله تعالى ms08499 ألف ألف صلاة وتحية بكل
~~جسد منها ويكون هذا التعلق من قبيل تعلق الروح الواحدة بأجزاء بدن واحد
~~ولا تحتاج في إدراكاتها وإحساساتها في ذلك التعلق إلى ما تحتاج إليه من
~~الآلات في تعلقها بالبدن في الشاهد، وعلى ما ذكر يظهر وجه ما نقله الشيخ
~~صفي الدين بن أبي منصور والشيخ عبد الغفار عن الشيخ أبي العباس الطنجي
~~من أنه رأى السماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم وينحل به السؤال عن كيفية رؤية المتعددين له عليه الصلاة
~~والسلام في زمان واحد في أقطار متباعدة.

# ولا يحتاج معه إلى ما أشار إليه بعضهم وقد سئل عن ذلك فأنشد:

# كالشمس في كبد السماء وضوؤها

# يغشى البلاد مشارقا ومغاربا

# وهذه الرؤية إنما تقع في الأغلب للكاملين الذين لم يخلوا باتباع الشريعة
~~قدر شعيرة، ومتى قويت المناسبة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين
~~أحد من الأمة قوي أمر رؤيته إياه عليه الصلاة والسلام، وقد تقع لبعض
~~صلحاء الأمة عند الاحتضار لقوة الجمعية حينئذ، والرؤية التي تكون يقظة
~~لمن رآه صلى الله عليه وسلم في المنام إن كانت في الدنيا فهي على نحو
~~رؤية بعض الكاملين إياه صلى الله عليه وسلم وهي أكمل من الرؤيا وإن كان
~~المرئي فيهما هو رسول الله عليه الصلاة والسلام: وآخر مظان تحققها وقت
~~الموت. ولعل الأغلب في حق العامة تحققها فيه، وإن كانت في الآخرة فالأمر
~~فيها واضح ويرجح عندي كونها في الآخرة على وجه خاص من القرب والحظوة وما
~~شاكل ذلك أن البشارة في الخبر عليه أبلغ.

# ثم إن الخبر / المذكور فيما مر مذكور في «صحيح مسلم» بالسند إلى أبي
~~هريرة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو لكأنما رآني في اليقظة لا
~~يتمثل الشيطان بي "

# فلا قطع على هذه الرواية بأنه عليه الصلاة والسلام قال: فسيراني فإن كان
~~الواقع في نفس الأمر ذلك فالكلام فيه ما سمعت، وإن ms08500 كان الواقع لكأنما
~~رآني فهو كقوله صلى الله عليه وسلم في خبر آخر: «فقد رآني» وفي آخر أيضا
~~«فقد رأى الحق» والمعنى أن رؤياه صحيحة، وما تقدم من أن الأنبياء عليهم
~~السلام يخرجون من قبورهم أي بأجسامهم وأوراحهم كما هو الظاهر ويتصرفون في
~~الملكوت العلوي والسفلي فمما لا أقول به، والخبر السابق الذي أخرجه ابن
~~حبان والطبراني وأبو نعيم عن أنس وهو قوله صلى الله عليه وسلم:

# " ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحا "

# قد أخرجوه عن الحسن بن سفيان عن هشام بن خالد الأزرق عن الحسن بن يحيى
~~الخشني عن سعيد بن عبد العزيز عن يزيد بن أبي مالك عن أنس رضي الله
~~تعالى عنه وقال فيه ابن حبان: هو باطل والخشني منكر الحديث جدا يروي عن
~~الثقات ما لا أصل له.

# وفي «الميزان» عن الدارقطني الخشني متروك ومن ثم حكم ابن الجوزي بوضع
~~الحديث وهو مع ذلك بعض حديث والحديث بتمامه عند الطبراني

# " ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحا حتى ترد إليه روحه
~~ومررت ليلة أسري بي بموسى وهو قائم يصلي في قبره "

# وهو على هذا لا يدل على أنه بعد الأربعين لا يقيم في قبره بل يخرج منه
~~وإنما يدل على أنه لا يبقى في القبر ميتا كسائر الأموات أكثر من أربعين
~~صباحا بل ترد إليه روحه ويكون حيا، وأين هذا من دعوى الخروج من القبر
~~بعد الأربعين، والحياة في القبر لا تستلزم الخروج وأنا أقول بها في حق
~~الأنبياء عليهم السلام، وقد ألف البيهقي جزأ في حياتهم في قبورهم وأورد
~~فيه عدة أخبار.

# ولا يضرني بعد ظهور أن الحديث السابق لا يدل على الخروج المنازعة في
~~وصفه وبلوغه بما له من الشواهد درجة الحسن، والأخبار المذكورة بعد فيما
~~سبق المراد منها كلها إثبات الحياة في القبر بضرب من التأويل، والمراد
~~بتلك الحياة نوع من الحياة غير معقول لنا وهي فوق حياة الشهداء بكثير،
~~وحياة نبينا صلى الله عليه وسلم ms08501 أكمل وأتم من حياة سائرهم عليهم السلام،
~~وخبر

# " ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله تعالى علي روحي حتى أرد عليه
~~السلام "

# محمول على إثبات إقبال خاص والتفات روحاني يحصل من الحضرة الشريفة
~~النبوية إلى عالم الدنيا وتنزل إلى عالم البشرية حتى يحصل عند ذلك رد
~~السلام، وفيه توجيهات أخر مذكورة في محلها.

# ثم إن تلك الحياة في القبر وإن كانت يترتب عليها بعض ما يترتب على
~~الحياة في الدنيا المعروفة لنا من الصلاة والأذان والإقامة ورد السلام
~~المسموع ونحو ذلك إلا أنها لا يترتب عليها كل ما يمكن أن يترتب على تلك
~~الحياة المعروفة ولا يحس بها ولا يدركها كل أحد فلو فرض انكشاف قبر نبي
~~من الأنبياء عليهم السلام لا يرى الناس النبي فيه إلا كما يرون سائر
~~الأموات الذين لم تأكل الأرض أجسادهم، وربما يكشف الله تعالى على بعض
~~عباده فيرى ما لا يرى الناس، ولولا هذا لأشكل الجمع بين الأخبار الناطقة
~~بحياتهم في قبورهم وخبر أبي يعلى وغيره بسند صحيح كما قال الهيثمي
~~مرفوعا أن موسى نقل يوسف من قبره بمصر.

# ثم إني أقول بعد هذا كله إن ما نسب إلى بعض الكاملين من أرباب الأحوال
~~من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته وسؤاله والأخذ عنه لم نعلم
~~وقوع مثله في الصدر الأول، وقد وقع اختلاف بين الصحابة رضي الله تعالى
~~عنهم من حين توفي عليه الصلاة والسلام إلى ما شاء الله تعالى في مسائل
~~دينية وأمور دنيوية وفيهم أبو بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما / وإليهما
~~ينتهي أغلب سلاسل الصوفية الذين تنسب إليهم تلك الرؤية ولم يبلغنا أن
~~أحدا منهم ادعى أنه رأى في اليقظة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ
~~عنه ما أخذ، وكذا لم يبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم ظهر لمتحير في أمر من
~~أولئك الصحابة الكرام فأرشده وأزال تحيره، وقد صح عن عمر رضي الله تعالى
~~عنه أنه قال في بعض الأمور: ليتني كنت سألت رسول الله ms08502 عليه الصلاة
~~والسلام عنه، ولم يصح عندنا أنه توسل إلى السؤال منه صلى الله عليه وسلم
~~بعد الوفاة نظير ما يحكى عن بعض أرباب الأحوال، وقد وقفت على اختلافهم في
~~حكم الجد مع الإخوة فهل وقفت على أن أحدا منهم ظهر له الرسول صلى الله
~~عليه وسلم فأرشده إلى ما هو الحق فيه، وقد بلغك ما عرا فاطمة البتول رضي
~~الله تعالى عنها من الحزن العظيم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وما جرى
~~لها في أمر فدك فهل بلغك أنه عليه الصلاة والسلام ظهر لها كما يظهر
~~للصوفية فبل لوعتها وهون حزنها وبين الحال لها وقد سمعت بذهاب عائشة رضي
~~الله تعالى عنها إلى البصرة وما كان من وقعة الجمل فهل سمعت تعرضه صلى
~~الله عليه وسلم لها قبل الذهاب وصده إياها عن ذلك لئلا يقع أو تقوم الحجة
~~عليها على أكمل وجه إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصى كثرة.

# والحاصل أنه لم يبلغنا ظهوره عليه الصلاة والسلام لأحد من أصحابه وأهل
~~بيته وهم هم مع احتياجهم الشديد لذلك وظهوره عند باب مسجد قباء كما يحكيه
~~بعض الشيعة افتراء محض وبهت بحت.

# وبالجملة عدم ظهوره لأولئك الكرام، وظهوره لمن بعدهم مما يحتاج إلى
~~توجيه يقنع به ذوو الأفهام، ولا يحسن مني أن أقول: كل ما يحكى عن الصوفية
~~من ذلك كذب لا أصل له لكثرة حاكيه وجلالة مدعيه، وكذا لا يحسن مني أن
~~أقول: إنهم إنما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم مناما فظنوا ذلك لخفة
~~النوم وقلة وقته يقظة فقالوا: رأينا يقظة لما فيه من البعد ولعل في
~~كلامهم ما يأباه، وغاية ما أقول: إن تلك الرؤية من خوارق العادة كسائر
~~كرامات الأولياء ومعجزات الأنبياء عليهم السلام وكانت الخوارق في الصدر
~~الأول لقرب العهد بشمس الرسالة قليلة جدا وأنى يرى النجم تحت الشعاع أو
~~يظهر كوكب وقد انتشر ضوء الشمس في البقاع فيمكن أن يكون قد وقع ذلك
~~لبعضهم على سبيل الندرة ولم تقتض المصلحة إفشاءه، ويمكن ms08503 أن يقال: إنه لم
~~يقع لحكمة الابتلاء أو لخوف الفتنة أو لأن في القوم من هو كالمرآة له صلى
~~الله عليه وسلم أو ليهرع الناس إلى كتاب الله تعالى وسنته صلى الله عليه
~~وسلم فيما يهمهم فيتسع باب الاجتهاد وتنتشر الشريعة وتعظم الحجة التي
~~يمكن أن يعقلها كل أحد أو لنحو ذلك.

# وربما يدعى أنه عليه الصلاة والسلام ظهر ولكن كان متسترا في ظهوره كما
~~روي أن بعض الصحابة أحب أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء إلى
~~ميمونة فأخرجت له مرآته فنظر فيها فرأى صورة رسول الله عليه الصلاة
~~والسلام ولم ير صورة نفسه فهذا كالظهور الذي يدعيه الصوفية إلا أنه بحجاب
~~المرأة، وليس من باب التخيل الذي قوي بالنظر إلى مرآته عليه الصلاة
~~والسلام وملاحظة أنه كثيرا ما ظهرت فيها صورته حسبما ظنه ابن خلدون. فإن
~~قبل قولي هذا وتوجيهي لذلك الأمر فبها ونعمت وإلا فالأمر مشكل فأطلب لك
~~ما يحله والله سبحانه الموفق للصواب.

# هذا وقيل يجوز أن يكون عيسى عليه السلام قد تلقى من نبينا عليه الصلاة
~~والسلام أحكام شريعته المخالفة لما كان عليه هو من الشريعة حال اجتماعه
~~معه قبل وفاته في الأرض لعلمه أنه سينزل ويحتاج إلى ذلك واجتماعه معه
~~كذلك جاء في الأخبار. / أخرج ابن عدي

# " عن أنس «بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ رأينا بردا
~~ويدا فقلنا: يا رسول الله ما هذا البرد الذي رأينا واليد؟ قال: قد
~~رأيتموه قالوا: نعم قال: ذلك عيسى ابن مريم سلم علي» "

# وفي رواية ابن عساكر عنه

# " كنت أطوف مع النبي صلى الله عليه وسلم حول الكعبة إذ رأيته صافح
~~شيئا ولم أره قلنا: يا رسول الله صافحت شيئا ولا نراه قال: ذلك أخي
~~عيسى ابن مريم انتظرته حتى قضى طوافه فسلمت عليه "

# ومن هنا عد عليه السلام من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

# وقيل: إنه عليه السلام بعد نزوله يتلقى أحكام شريعتنا من الملك بأن
~~يعلمه إياها أو يوقفه ms08504 عليها لا على وجه الإيحاء بها عليه من جهته عز وجل
~~وبعثته بها ليكون في ذلك رسالة جديدة متضمنة نبوة جديدة، وقد دل قوله
~~تعالى: { وخاتم النبيين } على انقطاعها بل على نحو تعليم الشيخ
~~ما علمه من الشريعة تلميذه، ومجرد الاجتماع بالملك والأخذ عنه وتكليمه لا
~~يستدعي النبوة، ومن توهم استدعاءه إياها فقد حاد  كما قال اللقاني  عن
~~الصواب فقد كلمت الملائكة عليهم السلام مريم وأم موسى في قول ورجلا خرج
~~لزيارة أخل له في الله تعالى وبلغته أن الله عز وجل يحبه كحبه لأخيه فيه.

# وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب «الذكر» عن أنس قال: قال أبي بن كعب
~~لأدخلن المسجد فلأصلين ولأحمدن الله تعالى بمحامد لم يحمده بها أحد فلما
~~صلى وجلس ليحمد الله تعالى ويثني عليه إذا هو بصوت عال من خلف يقول:
~~اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله
~~علانيته وسره لك الحمد إنك على كل شيء قدير اغفر لي ما مضى من ذنوبي
~~واعصمني فيما بقي من عمري وارزقني أعمالا زاكية ترضى بها عني وتب علي
~~فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقص عليه فقال: ذاك جبريل عليه
~~السلام، والأخبار طافحة برؤية الصحابة للملك وسماعهم كلامه، وكفى دليلا
~~لما نحن فيه قوله سبحانه:

# إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقموا
~~تتنزل عليهم الملئكة ألا تخافوا ولا
~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون

# [فصلت: 30] الآية فإن فيها نزول الملك على غير الأنبياء في الدنيا
~~وتكليمه إياه ولم يقل أحد من الناس: إن ذلك يستدعي النبوة وكون ذلك لأن
~~النزول والتكليم قبيل الموت غير مفيد كما لا يخفى.

# وقد ذهب الصوفية إلى نحو ما ذكرناه، قال حجة الإسلام الغزالي في كتابه
~~«المنقذ من الضلال» أثناء الكلام على مدح أولئك السادة: ثم إنهم وهم في
~~يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون
~~منهم فوائد ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها
~~نطاق النطق. وقال ms08505 تلميذه القاضي أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية في
~~كتابه «قانون التأويل»: ذهبت الصوفية إلى أنه إذا حصل للإنسان طهارة
~~النفس وتزكية القلب وقطع العلائق وحسم مواد أسباب الدنيا من الجاه والمال
~~والخلطة بالجنس والإقبال على الله تعالى بالكلية علما دائما وعملا
~~مستمرا كشفت له القلوب ورأى الملائكة وسمع كلامهم واطلع على أرواح
~~الأنبياء والملائكة، وسماع كلامهم ممكن للمؤمن كرامة وللكافر عقوبة اه.

# ونسب إلى بعض أئمة أهل البيت أنه قال: إن الملائكة لتزاحمنا في بيوتنا
~~بالركب، والظاهر من كلامهم أن الاجتماع بهم والأخذ عنهم لا يكون إلا
~~للكاملين ذوي النفوس القدسية وأن الإخلال بالسنة مانع كبير عن ذلك، ويرشد
~~إليه ما أخرجه مسلم في «صحيحه» عن مطرف قال: قال لي عمران بن حصين «قد
~~كان ملك يسلم علي حتى اكتويت فترك ثم تركت الكي فعاد»، ويعلم مما ذكرنا
~~أن مدعيه إذا كان مخالفا لحكم الكتاب والسنة كاذب لا ينبغي أن يصغى إليه
~~ودعواه باطلة مردودة عليه فأين الظلمة من النور والنجس من الطهور.

# ثم إنه لا طريق إلى معرفة كون المجتمع به ملكا بعد خبر الصادق سوى
~~العلم الضروري الذي يخلقه الله تعالى في العبد بذلك ويقطع بعدم كونه /
~~ملكا متى خالف ما ألقاه وأتى به الكتاب أو السنة أو إجماع الأمة ومثله
~~فيما أرى التكلم بما يشبه الهذيان ويضحك منه الصبيان وينبغي لمن وقع له
~~ذلك أن لا يشيعه ويعلن به لما فيه من التعرض للفتنة، فقد أخرج مسلم عن
~~مطرف أيضا من وجه آخر قال: «بعث إلي عمران بن حصين في مرضه الذي توفي
~~فيه فقال: إني محدثك فإن عشت فاكتم عني وإن مت فحدث بها إن شئت إنه قد
~~سلم علي» وفي رواية الحاكم في «المستدرك»  اعلم يا مطرف أنه كان يسلم
~~علي الملائكة عند رأسي وعند البيت وعند باب الحجرة فلما اكتويت ذهب ذلك
~~قال: فلما برأ كلمه قال: اعلم يا مطرف أنه عاد إلي الذي كنت أكتم علي
~~حتى أموت، وكذا ينبغي أن ms08506 لا يقول لإلقاء الملك عليه إيحاء لما فيه من
~~الإيهام القبيح وهو أيهام وحي النبوة الذي يكفر مدعيه بعد رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم بلا خلاف بين المسلمين.

# وأطلق بعض الغلاة من الشيعة القول بالإيحاء إلى الأئمة الأطهار وهم رضي
~~الله تعالى عنهم بمعزل عن قبول قول أولئك الأشرار. فقد روي أن سديرا
~~الصيرفي سأل جعفرا الصادق رضي الله تعالى عنه فقال: جعلت فداك إن شيعتكم
~~اختلفت فيكم فأكثرت حتى قال بعضهم: إن الإمام ينكت في أذنه، وقال آخرون:
~~يوحى إليه، وقال آخرون: يقذف في قلبه، وقال آخرون: يرى في منامه، وقال
~~آخرون: إنما يفتي بكتب آبائه فبأي جوابهم آخذ يجعلني الله تعالى فداك؟
~~قال: لا تأخذ بشيء مما يقولون يا سدير نحن حجج الله تعالى وأمنائه على
~~خلقه حلالنا من كتاب الله تعالى وحرامنا منه، حكاه محمد بن عبد الكريم
~~الشهرستاني في أول تفسيره «مفاتيح الأسرار».

# وقد ظهر في هذا العصر عصابة من غلاة الشيعة لقبوا أنفسهم بالبابية لهم
~~في هذا الباب فصول يحكم بكفر معتقدها كل من انتظم في سلك ذوي العقول، وقد
~~كان يتمكن عرقهم في العراق لولا همة واليه النجيب الذي وقع على همته
~~وديانته الاتفاق حيث خذلهم نصره الله تعالى وشتت شملهم وغضب عليهم رضي
~~الله تعالى عنه وأفسد عملهم فجزاه الله تعالى عن الإسلام خيرا ودفع عنه
~~في الدارين ضيما وضيرا.

# وادعى بعضهم الوحي إلى عيسى عليه السلام بعد نزوله، وقد سئل عن ذلك ابن
~~حجر الهيثمى فقال: نعم يوحى إليه عليه السلام وحي حقيقي كما في حديث مسلم
~~وغيره عن النواس بن سمعان، وفي رواية صحيحة

# " فبينما هو كذلك إذ أوحى الله تعالى يا عيسى إني أخرجت عبادا لي لا يد
~~لأحد بقتالهم فحول عبادي إلى الطور وذلك الوحي على لسان جبريل عليه
~~السلام إذ هو السفير بين الله تعالى وأنبيائه "

# لا يعرف ذلك لغيره، وخبر «لا وحى بعدي» باطل، وما اشتهر أن جبريل عليه
~~السلام لا ينزل إلى الأرض بعد موت ms08507 النبي صلى الله عليه وسلم فهو لا أصل
~~له، ويرده خبر الطبراني «ما أحب أن يرقد الجنب حتى يتوضأ فإني أخاف أن
~~يتوفى وما يحضره جبريل عليه السلام» فإنه يدل على أن جبريل ينزل إلى
~~الأرض ويحضر موت كل مؤمن توفاه الله تعالى وهو على طهارة اه، ولعل من
~~نفى الوحي عنه عليه السلام بعد نزوله أراد وحي التشريع وما ذكر وحي لا
~~تشريع فيه فتأمل.

# وكونه صلى الله عليه وسلم حاتم النبيين مما نطق به الكتاب وصدعت به
~~السنة وأجمعت عليه الأمة فيكفر مدعي خلافه ويقتل أن أصر. ومن السنة ما
~~أخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى دارا بناء فأحسنه وأجمله
~~إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له
~~ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة فانا اللبنة وأنا خاتم النبيين "

# وصح عن جابر مرفوعا نحو هذا، وكذا عن أبي بن كعب وأبي سعيد الخدري
~~رضي الله تعالى عنهم، وللشيخ محي الدين بن عربي / قدس سره كلام في حديث
~~اللبنة قد انتقده عليه جماعة من الأجلة فعليك بالتمسك بالكتاب والسنة
~~والله تعالى الحافظ من الوقوع في المحنة.

# ونصب { رسول } على إضمار كان لدلالة كان المتقدمة عليه والواو عاطفة
~~للجملة الاستدراكية على ما قبلها، وكون لكن المخففة عند الجمهور للعطف
~~إنما هو عند عدم الواو وكون ما بعدها مفردا، وجوز أن يكون النصب بالعطف
~~على { أبا أحد } وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو { لكن } بالتشديد
~~فنصب { رسول } على أنه اسم لكن والخبر محذوف تقديره ولكن رسول الله
~~وخاتم النبيين هو أي محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الزمخشري «تقديره
~~ولكن رسول الله من عرفتموه أي لم يعش له ولد ذكر» وحذف خبر لكن وإخواتها
~~جائز إذ دل عليه الدليل، ومما جاء في لكن قول الشاعر:

# فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي

# ولكن زنجيا عظيم المشافر

# أي ولكن زنجيا ms08508 عظيم المشافر أنت، وفيه بحث لا يخفى على ذي معرفة، وقرأ
~~زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما وابن أبي عبلة بتخفيف { لكن } ورفع
~~(رسول - وخاتم) أي ولكن هو رسول الله الخ كما قال الشاعر:

# ولست الشاعر السفاف فيهم

# ولكن مدرة الحرب العوالي

# أي ولكن أنا مدرة.

# { وكان الله بكل شىء } أعم من أن يكون موجودا أو معدوما {
~~عليما } فيعلم سبحانه الأحكام والحكم التي بينت فيما سبق والحكمة في
~~كونه عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين.

### || [33.41]

# { يأيها الذين ءامنوا اذكروا الله } بما هو جل وعلا
~~أهله من التهليل والتحميد والتمجيد والتقديس { ذكرا كثيرا } يعم
~~أغلب الأوقات والأحوال كما قال غير واحد، وعن ابن عباس الذكر الكثير أن
~~لا ينسى جل شأنه، وروي ذلك عن مجاهد أيضا، وقيل: أن يذكر سبحانه بصفاته
~~العلى وأسمائه الحسنى وينزه عما لا يليق به، وعن مقاتل هو أن يقال: سبحان
~~الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر على كل حال. وعن العترة
~~الطاهرة رضي الله تعالى عنهم من قال ذلك ثلاثين مرة فقد ذكر الله تعالى
~~ذكرا كثيرا، وفي «مجمع البيان» عن الواحدي بسنده إلى الضحاك بن مزاحم
~~عن ابن عباس قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم
~~فقال: يا محمد قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا
~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عدد ما علم وزنة ما علم وملء ما علم
~~فإنه من قالها كتب له بها ست خصال كتب من الذاكرين الله تعالى كثيرا
~~وكان أفضل من ذكره بالليل والنهار وكن له غرسا في الجنة وتحاتت عنه
~~خطاياه كما تحات ورق الشجرة اليابسة وينظر الله تعالى إليه ومن نظر الله
~~تعالى إليه لم يعذبه كذا رأيته في مدونة فلا تغفل، وقال بعضهم: مرجع
~~الكثرة العرف.

### || [33.42]

# { وسبحوه } ونزهوه سبحانه عما لا يليق به { بكرة وأصيلا }
~~أي أول النهار وآخره، وتخصيصهما بالذكر ليس لقصر التسبيح عليهما دون سائر
~~الأوقات بل لإنافة ms08509 فضلهما على سائر الأوقات لكونهما تحضرهما ملائكة الليل
~~والنهار وتلتقي فيهما كإفراد التسبيح من بين الأذكار مع اندراجه فيها
~~لكونه العمدة بينها، وقيل: كلا الأمرين متوجه إليهما كقولك: صم وصل يوم
~~الجمعة، وبتفسير الذكر الكثير بما يعم أغلب الأوقات لا تبقى حاجة إلى
~~تعلقهما بالأول وعن ابن عباس أن المراد بالتسبيح الصلاة أي بإطلاق الجزء
~~على الكل والتسبيح بكرة صلاة الفجر والتسبيح أصيلا صلاة العشاء، وعن
~~قتادة نحو ما روي عن ابن عباس إلا أنه قال: أشار / بهذين الوقتين إلى
~~صلاة الغداة وصلاة العصر وهو أظهر مما روي عن الحبر. وتعقب ما روي عنهما
~~بأن فيه تجوزا من غير ضرورة، وقد يقال: إن التسبيح على حقيقته لكن
~~التسبيح بكرة بالصلاة فيها والتسبيح أصيلا بالصلاة فيه فتأمل. وجوز أن
~~يكون المراد بالذكر المأمور به تكثير الطاعات والإقبال عليها فإن كل طاعة
~~من جملة الذكر ثم خص من ذلك التسبيح بكرة وأصيلا أي الصلاة في جميع
~~أوقاتها أو صلاة الفجر والعصر أو الفجر والعشاء لفضل الصلاة على غيرها من
~~الطاعات البدنية، ولا يخفى بعده.

### || [33.43]

# { هو الذى يصلى عليكم } الخ استئناف جار مجرى التعليل لما
~~قبله من الأمرين { وملئكته } عطف على الضمير في { يصلى }
~~لمكان الفصل المغنى عن التأكيد بالمنفصل لا على { هو } والصلاة في
~~المشهور  وروي ذلك عن ابن عباس  من الله تعالى رحمة ومن الملائكة
~~استغفار ومن مؤمني الإنس والجن دعاء، ويجوز على رأي من يجوز استعمال
~~اللفظ في معنيين أن يراد بالصلاة هنا المعنيان الأولان فيراد بها أولا
~~الرحمة وثانيا الاستغفار، ومن لا يجوز كأصحابنا يقول بعموم المجاز بأن
~~يراد بالصلاة معنى مجازي عام يكون كلا المعنيين فردا حقيقيا له وهو إما
~~الاعتناء بما فيه خير المخاطبين وصلاح أمرهم فإن كلا من الرحمة
~~والاستغفار فرد حقيقي له وهذا المجاز من الصلاة بمعنى الدعاء وهو إما
~~استعارة لأن الاعتناء يشبه الدعاء لمقارنة كل منهما لإرادة الخير والأمر
~~المحبوب أو مجاز مرسل لأن الدعاء مسبب عن الاعتناء وأما الترحم والانعطاف
~~المعنوي ms08510 المأخوذ من الصلاة المعروفة المشتملة على الانعطاف الصوري الذي
~~هو الركوع والسجود، ولا ريب في أن استغفار الملائكة عليهم السلام ودعاءهم
~~للمؤمنين ترحم عليهم، وأما أن ذلك سبب للرحمة لكونهم مجابي الدعوة كما
~~قيل ففيه بحث، ورجح جعل المعنى العام ما ذكر بأنه أقرب لما بعد فإنه نص
~~عليه فيه بقوله تعالى: { وكان بالمؤمنين رحيما } فدل على أن
~~المراد بالصلاة الرحمة. واعترض بأن رحم متعد وصلى قاصر فلا يحسن تفسيره
~~به، وبأنه يستلزم جواز رحم عليه، وبأنه تعالى غاير بينهما بقوله سبحانه:

# أولئك عليهم صلوت من ربهم ورحمة

# [البقرة: 157] للعطف الظاهر في المغايرة. وأجيب بأنه ليس المراد بتفسير
~~صلى برحم إلا بيان أن المعنى الموضوع له صلى هو الموضوع له رحم مع قطع
~~النظر عن معنى التعدي واللزوم فإن الرديفين قد يختلفان في ذلك وهو غير
~~ضار فزعم أن ذلك لا يحسن وأنه يلزم جواز رحم عليه ليس في محله على أنه
~~يحسن تعدية صلى بعلى دون رحم لما في الأول من ظهور معنى التحنن والتعطف
~~والعطف لأن الصلاة رحمة خاصة ويكفي هذا القدر من المغايرة، وقيل: إن تعدد
~~الفاعل صير الفعل كالمتعدد فكأن الرحمة مرادة من لفظ والاستغفار مراد من
~~آخر فلا حاجة إلى القول بعموم المجاز وليس هناك استعمال لفظ واحد حقيقة
~~وحكما في معنيين وهو كما ترى، ومثله كون { ملائكته } مبتدأ خبره محذوف
~~لدلالة ما قبل عليه كأنه قيل هو الذي يصلي عليكم وملائكته يصلون عليكم
~~فهناك لفظان حقيقة كل منهما بمعنى، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يزيدك
~~علما بأمر الصلاة، وسبب نزول الآية ما أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر
~~قال: لما نزلت

# إن الله وملئكته يصلون على النبى

# [ الأحزاب: 56] قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: ما أنزل الله تعالى
~~عليك خيرا إلا أشركنا فيه فنزلت: { هو الذى يصلى عليكم
~~وملئكته }.

# ليخرجكم من الظلمت إلى النور } أي من ظلمات
~~المعاصي إلى نور الطاعة، وقال الطبرسي: من الجهل بالله تعالى إلى معرفته
~~عز وجل فإن ms08511 الجهل أشبه شيء بالظلمة والمعرفة / أشبه شيء بالنور؛ وقال ابن
~~زيد: أي من الضلالة إلى الهدى، وقال مقاتل: من الكفر إلى الإيمان، وقيل:
~~من النار إلى الجنة حكاه الماوردي، وقيل: من القبور إلى البعث حكاه أبو
~~حيان وليس بشيء، واللام متعلقة بيصلي أي يعتني بكم هو سبحانه وملائكته
~~ليخرجكم أو يترحم هو عز وجل وملائكته ليخرجكم بذلك من الظلمات إلى النور.

# { وكان بالمؤمنين رحيما } اعتراض مقرر لمضمون ما قبله أي
~~كان سبحانه بكافة المؤمنين الذين أنتم من زمرتهم كامل الرحمة ولذا يفعل
~~بكم ما يفعل بالذات وبالواسطة أو كان بكم رحيما على أن المؤمنين مظهر
~~وضع موضع المضمر مدحا لهم وإشعارا بعلة الرحمة.

### || [33.44]

# وقوله تعالى: { تحيتهم يوم يلقونه سلم } بيان
~~للأحكام الآجلة لرحمته تعالى بهم بعد بيان آثارها العاجلة من الإخراج
~~المذكور، والتحية أن يقال: حياك الله أي جعل لك حياة وذلك إخبار ثم يجعل
~~دعاء، ويقال حيا فلان فلانا تحية إذا قال له ذلك، وأصل هذا اللفظ من
~~الحياة ثم جعل كل دعاء تحية لكون جميعه غير خارج عن حصول الحياة أو سبب
~~حياة إما لدنيا أو لآخرة. وهو هنا مصدر مضاف إلى المفعول وقع مبتدأ و {
~~سلم } مرادا به لفظه خبره، والمراد ما يحييهم الله تعالى به ويقوله
~~لهم يوم يلقونه سبحانه ويدخلون دار كرامته سلام أي هذا اللفظ. روي أن
~~الله تعالى يقول: سلام عليكم عبادي أنا عنكم راض فهل أنتم عني راضون
~~فيقولون: بأجمعهم يا ربنا إنا راضون كل الرضا. وورد أن الله تعالى يقول:
~~السلام عليكم مرحبا بعبادي المؤمنين الذين أرضوني في دار الدنيا باتباع
~~أمري، وقيل: تحييهم الملائكة عليهم السلام بذلك إذا دخلوا الجنة كما قال
~~تعالى:

# والملئكة يدخلون عليهم من كل باب سلم
~~عليكم

# [الرعد: 23-24]. وقيل: تحييهم عند الخروج من القبور فيسلمون عليهم
~~ويبشرونهم بالجنة، وقيل عند الموت. وروي عن ابن مسعود أنه قال: إذا جاء
~~ملك الموت لقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام، قيل: فعلى هذا الهاء
~~في { يلقونه ms08512 } كناية عن غير مذكور وهو ملك الموت، ولا ضرورة تدعو
~~لذلك إذ لا مانع من أن يكون الضمير لله تعالى عليه كما هو كذلك على
~~الأقوال الأخر جميعها.

# ولقاء الله تعالى على ما أشار إليه الإمام عبارة عن الإقبال عليه تعالى
~~بالكلية بحيث لا يعرض للشخص ما يشغله ويلهيه أو يوجب غفلته عنه عز وجل
~~ويكون ذلك عند دخول الجنة وفيها وعند البعث وعند الموت. وقال الراغب:
~~ملاقاة الله تعالى عبارة عن القيامة وعن المصير إليه عز وجل، وقال
~~الطبرسي: هي ملاقاة ثوابه تعالى وهو غير ظاهر على جميع الأقوال السابقة
~~بل ظاهر على بعضها كما لا يخفى، وعن قتادة في الآية أنهم يوم دخولهم
~~الجنة يحيى بعضهم بعضا بالسلام أي سلمنا وسلمت من كل مخوف، والتحية عليه
~~على ما قال الخفاجي مصدر مضاف للفاعل. وفي «البحر» هي عليه مصدر مضاف
~~للمحي والمحي لا على جهة العمل لأن الضمير الواحد لا يكون فاعلا
~~مفعولا ولكنه كقوله تعالى:

# وكنا لحكمهم شهدين

# [الأنبياء: 78] أي للحكم الذي جرى بينهم. وكذا يقال هنا التحية الجارية
~~بينهم هي سلام، وقول المحيي في ذلك اليوم سلام إخبار لا دعاء لأنه أبلغ
~~على ما قيل فتدبر، وأخرى الأقوال بالقبول عندي أن الله تعالى يسلم عليهم
~~يوم يلقونه إكراما لهم وتعظيما.

# { وأعد لهم أجرا كريما } أي وهيأ عز وجل لهم ثوابا
~~حسنا، والظاهر أن التهيئة واقعة قبل دخول الجنة والتحية ولذا لم تخرج
~~الجملة مخرج ما قبلها بأن يقال وأجرهم أجر كريم أي ولهم أجر كريم، وقيل:
~~هي بعد الدخول والتحية فالكلام بيان لآثار رحمته تعالى الفائضة عليهم بعد
~~دخول الجنة عقيب بيان آثار رحمته / الواصلة إليهم قبل ذلك، ولعل إيثار
~~الجملة الفعلية على الاسمية المناسبة لما قبلها للمبالغة في الترغيب
~~والتشويق إلى الموعود ببيان أن الأجر الذي هو المقصد الأقصى من بين سائر
~~آثار الرحمة موجود بالفعل مهيأ لهم مع ما فيه من مراعاة الفواصل.

### || [33.45]

# { يأيها النبى إنا أرسلنك شهدا } على من بعثت
~~إليهم تراقب أحوالهم ms08513 وتشاهد أعمالهم وتتحمل عنهم الشهادة بما صدر عنهم من
~~التصديق والتكذيب وسائر ما هم عليه من الهدى والضلال وتؤديها يوم القيامة
~~أداء مقبولا فيما لهم وما عليهم، وهو حال مقدرة وإن اعتبر الإرسال أمرا
~~ممتدا لاعتبار التحمل والآداء في الشهادة، والإرسال بذلك الاعتبار وإن
~~قارن التحمل إلا أنه غير مقارن للأداء وإن اعتبر الامتداد. وقيل: بإطلاق
~~الشهادة على التحمل فقط تكون الحال مقارنة والأحوال المذكورة بعد على
~~اعتبار الامتداد مقارنة، ولك أن لا تعتبره أصلا فتكون الأحوال كلها
~~مقدرة، ثم أن تحمل الشهادة على من عاصره صلى الله عليه وسلم واطلع على
~~عمله أمر ظاهر، وأما تحملها على من بعده بأعيانهم فإن كان مرادا أيضا
~~ففيه خفاء لأن ظاهر الأخبار أنه عليه الصلاة والسلام لا يعرف أعمال من
~~بعده بأعيانهم، روى أبو بكر وأنس وحذيفة وسمرة وأبو الدرداء عنه صلى الله
~~عليه وسلم «ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم
~~اختلجوا دوني فأقول: يا رب أصيحابي أصيحابي فيقال لي: إنك لا تدري ما
~~أحدثوا بعدك». نعم قد يقال: إنه عليه الصلاة والسلام يعلم بطاعات ومعاص
~~تقع بعده من أمته لكن لا يعلم أعيان الطائعين والعاصين، وبهذا يجمع بين
~~الحديث المذكور وحديث عرض الأعمال عليه صلى الله عليه وسلم كل أسبوع أو
~~أكثر أو أقل، وقيل: يجمع بأنه عليه الصلاة والسلام يعلم الأعيان أيضا
~~إلا أنه نسي فقال: أصيحابي، ولتعظيم قبح ما أحدثوا قيل له: إنك لا تدري
~~ما أحدثوا بعدك، وقيل: يعرض ما عدا الكفر وهو كما ترى، وأما زعم أن
~~التحمل على من بعده إلى يوم القيامة لما أنه صلى الله عليه وسلم حي بروحه
~~وجسده يسير حيث شاء في أقطار الأرض والملكوت فمبني على ما علمت حاله،
~~ولعل في هذين الخبرين ما يأباه كما لا يخفى على المتدبر، وأشار بعض
~~السادة الصوفية إلى أن الله تعالى قد أطلعه صلى الله عليه وسلم على أعمال
~~العباد فنظر إليها ولذلك أطلق عليه عليه الصلاة والسلام شاهد. قال ms08514 مولانا
~~جلال الدين الرومي قدس سره العزيز في «مثنويه»:

# در نظر بودش مقامات العباد

# زان سبب نامش خدا شاهد نهاد

# فتأمل ولا تغفل، وقيل: المراد شاهدا على جميع الأمم يوم القيامة بأن
~~أنبيائهم قد بلغوهم الرسالة ودعوهم إلى الله تعالى، وشهادته بذلك لما
~~علمه من كتابه المجيد، وقيل: المراد شاهدا بأن لا إله إلا الله.

# { ومبشرا } تبشر الطائعين بالجنة { ونذيرا } تنذر الكافرين
~~والعاصين بالنار، ولعموم الإنذار وخصوص التبشير قيل: مبشرا ونذيرا على
~~صيغة المبالغة دون ومنذرا مع أن ظاهر عطفه على { مبشرا } يقتضي ذلك
~~وقدم التبشير لشرف المبشرين ولأنه المقصود الأصلي إذ هو صلى الله عليه
~~وسلم رحمة للعالمين وكأنه لهذا جبر ما فاته من المبالغة بقوله تعالى:

# وبشر المؤمنين

# [الأحزاب: 47].

### || [33.46]

# { وداعيا إلى الله } أي إلى الإقرار به سبحانه وبوحدانيته
~~وبسائر ما يجب الإيمان به من صفاته وأفعاله عز وجل، ولعل هذا هو مراد ابن
~~عباس وقتادة من قولهما أي شهادة أن لا إله إلا الله { بإذنه } أي
~~بتسهيله وتيسيره تعالى، وأطلق الإذن على التسهيل مجازا لما أنه من
~~أسبابه لا سيما الإذن من / الله عز وجل ولم يحمل على حقيقته وإن صح هنا
~~أن يأذن الله تعالى شأنه له عليه الصلاة والسلام حقيقة في الدعوة لأنه قد
~~فهم من قوله سبحانه: إنا أرسلناك داعيا أنه صلى الله عليه وسلم مأذون له
~~في الدعوة، ومما ذكر يعلم أن { بإذنه } من متعلقات { داعيا } ،
~~وقيدت الدعوة بذلك إيذانا بأنها أمر صعب المنال وخطب في غاية الإعضال لا
~~يتأتى إلا بإمداد من جناب قدسه كيف لا وهو صرف للوجوه عن القبل المعبودة
~~وإدخال للأعناق في قلادة غير معهودة، وجوز رجوع القيد للجميع والأول
~~أظهر.

# { وسراجا منيرا } يستضيء به الضالون في ظلمات الجهل والغواية
~~ويقتبس من نوره أنوار المهتدين إلى مناهج الرشد والهداية، وهو تشبيه إما
~~مركب عقلي أو تمثيلي منتزع من عدة أمور أو مفرق، وبولغ في الوصف بالإنارة
~~لأن من السرج ما لا يضيء إذا قل سليطه ودقت فتيلته. وقال الزجاج: ms08515 هو
~~معطوف على

# شاهدا

# [الأحزاب: 45] بتقدير مضاف أي ذا سراج منير، وقال الفراء: إن شئت كان
~~نصبا على معنى وتاليا سراجا منيرا، وعليهما السراح المنير القرآن،
~~وإذا فسر بذلك احتمل على ما قيل أن يعطف على كاف

# أرسلنك

# [الأحزاب: 45] على معنى أرسلناك والقرآن إما على سبيل التبعية وإما من
~~باب متقلدا سيفا ورمحا، وقيل: إنه على تقدير تاليا سراجا يجوز هذا
~~العطف أي إنا أرسلناك وتاليا سراجا كقوله تعالى:

# يتلو صفحا مطهرة

# [البينة: 2] على أنه الجامع بين الآمرين على نحو

# ولقد ءاتينا موسى وهرون الفرقان وضياء

# [الأنبياء: 48] أي أرسلنا بإرسالك تاليا. وجوز أن يراد وجعلناك تاليا،
~~وقيل: يجوز أن يراد بذا سراج القرآن وحينئذ يكون التقدير إنا أرسلناك
~~وأنزلنا عليك ذا سراج. وتعقب بأن جعل القرآن ذا سراج تعسف، والحق أن كل
~~ما قيل كذلك.

### || [33.47]

# { وبشر المؤمنين } عطف على مقدر يقتضيه المقام ويستدعيه
~~النظام كأنه قيل: فراقب أحوال الناس وبشر المؤمنين. وجوز عطفه على الخبر
~~السابق عطف القصة على القصة، وقيل: هو معطوف عليه ويجعل في معنى الأمر
~~لأنه في معنى ادعهم شاهدا ومبشرا ونذيرا الخ وبشر المؤمنين منهم {
~~بأن لهم من الله فضلا كبيرا } أي عطاء جزيلا وهو كما
~~روي عن الحسن وقتادة الجنة وما أوتوا فيها ويؤيده قوله تعالى:

# والذين ءامنوا وعملوا الصلحت فى روضت
~~الجنت لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو
~~الفضل الكبير

# [الشورى: 22] وقيل: المعنى فضلا على سائر الأمم في الرتبة والشرف أو
~~زيادة على أجور أعمالهم بطريق التفضيل والإحسان.

# أخرج ابن جرير وابن عكرمة عن الحسن قال: لما نزل

# ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر

# [الفتح: 2] قالوا: يا رسول الله قد علمنا ما يفعل بك فماذا يفعل بنا؟
~~فأنزل الله تعالى: { وبشر المؤمنين بأن لهم من
~~الله فضلا كبيرا }.

### || [33.48]

# { ولا تطع الكفرين والمنفقين } نهى عن مداراتهم في
~~أمر الدعوة ولين الجانب في التبليغ والمسامحة في الإنذاء كني عن ذلك
~~بالنهي عن طاعتهم مبالغة في النهي والتنفير عن المنهي عنه ms08516 بنظمها في
~~سلكها وتصويره بصورتها، وحمل غير واحد النهي على التهييج والإلهاب من حيث
~~أنه صلى الله عليه وسلم لم يطعهم حتى ينهى، وجعله بعضهم من باب إياك أعني
~~واسمعي يا جارة فلا تغفل.

# { ودع أذاهم } أي لا تبال بإيذائهم إياك بسبب إنذارك إياهم واصبر
~~على ما ينالك منهم قاله قتادة فأذاهم مصدر مضاف للفاعل، وقال أبو حيان:
~~الظاهر أنه مصدر مضاف للمفعول لما نهي صلى الله عليه وسلم عن طاعتهم أمر
~~بترك إيذائهم وعقوبتهم ونسخ منه ما يخص الكافرين بآية السيف وروي نحوه عن
~~مجاهد والكلبي والأول أولى { وتوكل على الله } في كل ما تأتي
~~وتذر من الشؤون التي من جملتها هذا الشأن فإنه / عز وجل يكفيكهم {
~~وكفى بالله وكيلا } موكولا إليه الأمور في كل الأحوال،
~~وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار لتعليل الحكم وتأكيد استقلال
~~الاعتراض التذييلي.

# ولما وصف: صلى الله عليه وسلم بنعوت خمسة قوبل كل واحد منها بخطاب
~~يناسبه خلا أنه لم يذكر ما قابل الشاهد صريحا وهو الأمر بالمراقبة ثقة
~~بظهور دلالة المبشر عليه وهو الأمر بالتبشير حسبما ذكر آنفا وقابل
~~النذير بالنهي عن مداراة الكافرين والمنافقين والمسامحة في إنذارهم وقوبل
~~الداعي بإذنه بالأمر بالتوكل عليه من حيث أنه عبارة عن الاستمداد منه
~~تعالى والاستعانة به عز وجل وقوبل السراج المنير بالاكتفاء به تعالى فإن
~~من أيده الله تعالى بالقوة القدسية ورشحه للنبوة وجعله برهانا نيرا
~~يهدي الخلق من ظلمات الغي إلى نور الرشاد حقيق بأن يكتفى به تعالى عمن
~~سواه، وجعل الزمخشري مقابل الشاهد

# وبشر المؤمنين

# [الأحزاب: 47] ومقابل الإعراض عن الكافرين والمنافقين المبشر أعني
~~المؤمنين وتكلف في ذلك.

# وقال الطيبي طيب الله تعالى ثراه: نظير هذه الآية ما روى البخاري
~~والإمام أحمد عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت:
~~أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة قال: والله إنه
~~لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن يا أيها النبي إنا أرسلناك
~~شاهدا ومبشرا ونذيرا ms08517 وحرزا للمؤمنين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل
~~ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو
~~ويصفح ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء ويفتح به أعينا
~~عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، وروى الدارمي نحوه عن عبد الله بن سلام
~~فقوله: حرزا للمؤمنين مقابل لقوله تعالى:

# وداعيا إلى الله بإذنه

# [الأحزاب: 46] فإن دعوته صلى الله عليه وسلم إنما حصلت فائدتها فيمن
~~وفقه الله تعالى بتيسيره وتسهيله فلذلك أمنوا من مكاره الدنيا وشدائد
~~الآخرة فكان صلوات الله تعالى وسلامه عليه بهذا الاعتبار حرزا لهم،
~~وقوله سميتك المتوكل الخ مقابل لقوله:

# وسراجا منيرا

# [الأحزاب: 46] فعلم أن قوله تعالى: { وتوكل على الله
~~وكفى بالله وكيلا } مناسب لقوله تعالى: { وسراجا
~~منيرا } فإن السراج مضيء في نفسه ومنور لغيره فبكونه متوكلا على
~~الله تعالى يكون كاملا في نفسه فهو مناسب بقوله: أنت عبدي ورسولي سميتك
~~المتوكل إلى قوله: يعفو ويصفح وكونه منيرا يفيض الله تعالى عليه يكون
~~مكملا لغيره وهو مناسب لقوله: حتى يقيم به الملة العوجاء الخ ثم قال:
~~ويمكن أن ينزل المراتب على لسان أهل العرفان فقوله تعالى:

# إنا أرسلنك شاهدا ومبشرا ونذيرا

# [الأحزاب: 45] هو مقام الشريعة ودعوة الناس إلى الإيمان وترك الكفرة
~~ونتيجة الإعراض عما سوى الله تعالى والأخذ في السير والسلوك والالتجاء
~~إلى حريم لطفه تعالى والتوكل عليه عز وجل وقوله، سبحانه: { وسراجا
~~منيرا } هو مقام الحقيقة ونتيجته فناء السالك وقيامه بقيوميته تعالى
~~اه، ولا يخفى تكلف ما قرره في الحديث والله تعالى أعلم بمراده.

### || [33.49]

# { يأيها الذين ءامنوا إذا نكحتم المؤمنت
~~ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم
~~عليهن من عدة تعتدونها } عود إلى ذكر النساء، والنكاح
~~هنا العقد بالاتفاق واختلفوا في مفهومه لغة فقيل هو مشترك بين الوطء
~~والعقد اشتراكا لفظيا، وقيل: حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وقيل:
~~بقلبه وقيل هو مشترك بينهما اشتراكا معنويا وهو من أفراد المشكل
~~وحقيقته الضم والجمع كما في قوله:

# ضممت إلى صدري معطر صدرها ms08518

# كما نكحت أم الغلام صبيها

# ونقل المبرد ذلك عن البصريين وغلام ثعلب الشيخ أبو عمر الزاهد عن
~~الكوفيين، ثم المتبادر من لفظ الضم / تعلقه بالأجسام لا الأقوال لأنها
~~أعراض يتلاشى الأول منها قبل وجود الثاني فلا يصادف الثاني ما ينضم إليه
~~وهذا يقتضي كونه مجازا في العقد، وإن اعتبر الضم أعم من ضم الجسم إلى
~~الجسم والقول إلى القول جاز أن يكون النكاح حقيقة في كل من الوطء والعقد
~~وجاز أن يكون مجازا على التفصيل المعروف في استعمال العام في كل فرد من
~~أفراده.

# واختار الراغب القول الثاني من الأقوال السابقة وبالغ في عدم قبول
~~الثالث: فقال هو حقيقة في العقد ثم استعير للجماع ومحال أن يكون في الأصل
~~للجماع ثم استعير للعقد لأن أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره
~~كاستقباح تعاطيه ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشا اسم ما يستفظعونه لما
~~يستحسنه.

# واختار الزمخشري الثالث فقال: «النكاح الوطء وتسمية العقد نكاحا
~~لملابسته له من حيث أنه طريق له ونظيره تسمية الخمر إثما لأنها سبب في
~~اقتراف الإثم، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله تعالى إلا في معنى العقد
~~لأنه في حق الوطء من باب التصريح به ومن آداب القرآن الكناية عنه بلفظ
~~الملامسة والمماسسة والقربان والتغشي والإتيان»، وأراد على ما قيل إنه في
~~العقد حقيقة شرعية منسي فيه المعنى اللغوي، وبحث في قوله لم يرد لفظ
~~النكاح في كتاب الله تعالى إلا في معنى العقد بأنه في قوله تعالى:

# حتى تنكح زوجا غيره

# [البقرة: 230] بمعنى الوطء وهذا ما عليه الجمهور وخالف في ذلك ابن
~~المسيب، وتمام الكلام في موضعه.

# والمس في الأصل معروف وكنى به هنا عن الجماع، والعدة هي الشيء المعدود
~~وعدة المرأة المراد بها الأيام التي بانقضائها يحل لها التزوج أي يا أيها
~~الذين آمنوا إذا عقدتم على المؤمنات وتزوجتموهن ثم طلقتموهن من قبل أن
~~تجامعوهن فما لكم عليهن من عدة بأيام يتربصن فيها بأنفسهن تستوفون عددها
~~على أن تعتدون مطاوع عد يقال عد الدراهم ms08519 فاعتدها أي استوفى عددها نحو
~~قولك كلته فاكتلته ووزنته فاتزنته أو تعدونها على أن افتعل بمعنى فعل.

# وإسناد الفعل إلى الرجال للدلالة على أن العدة حق الأزواج كما أشعر به
~~قوله تعالى: { فما لكم } واعترض بأن المذكور في كتب الفروع
~~«كالهداية» وغيرها أنها حق الشرع ولذا لا تسقط لو اسقطها الزوج ولا يحل
~~لها الخروج ولو أذن لها وتتداخل العدتان ولا تداخل في حق العبد وحق الولد
~~أيضا ولذا قال صلى الله عليه وسلم

# " لا يحل لامرىء مؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره "

# وفرعوا على ذلك أنهما لا يصدقان في إبطالها باتفاقهما على عدم الوطء.

# وأجيب بأنه ليس المراد أنها صرف حقهم بل إن نفعها وفائدتها عائدة عليهم
~~لأنها لصيانة مياههم والأنساب الراجعة إليهم فلا ينافي أن يكون للشرع
~~والولد حق فيها يمنع إسقاطها ولو فرض أنها صرف حقهم يجوز أن يقال: إن عدم
~~سقوطها بإسقاطهم لا ينافي ذلك إلا إذا ثبت أن كل حق للعبد إذا أسقطه
~~العبد سقط وليس كذلك فإن بعض حقوق العبد لا تسقط بإسقاطه كالإرث وحق
~~الرجوع الهبة وخيار الرؤية، ثم إن في الاستدلال بالحديث على أنها حق
~~الولد تأملا كما لا يخفى.

# وتخصيص المؤمنات من عموم الحكم للكتابيات للتنبيه على أن المؤمن شأنه أن
~~يتخير لنطفته ولا ينكح إلا مؤمنة، وحاصله أنه لبيان الأحرى والأليق بعد
~~ما فصل في البقرة نكاح الكتابيات، وفائدة المجيء بثم مع أن الحكم ثابت
~~لمن تزوج امرأة وطلقها على الفور كثبوته لمن تزوجها وطلقها بعد مدة مديدة
~~إزاحة ما عسى يتوهم أن تراخى الطلاق له دخل في إيجاب العدة لاحتمال
~~الملاقاة والجماع سرا كما أن له دخلا في النسب، ويمكن أن تكون الإشارة
~~إلى التراخي الرتبي فإن الطلاق وإن كان مباحا لا كراهة فيه على ما قيل
~~لقوله تعالى:

# لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم
~~تمسوهن

# [البقرة: 236] غير محبوب كالنكاح من حيث أنه يؤدي إلى قطع الوصلة وحل
~~قيد العصمة المؤدي لقلة التناسل الذي ms08520 به تكثر الأمة ولهذا ورد / كما أخرج
~~أبو داود وابن ماجه والحاكم والطبراني وابن عدي عن ابن عمر رضي الله
~~تعالى عنهما مرفوعا

# " أبغض الحلال إلى الله الطلاق "

# ورواه البيهقي مرسلا بدون ابن عمر بل قال العلامة ابن الهمام: «الأصح
~~حظره وكراهته إلا لحاجة لما فيه من كفران نعمة النكاح وللأخبار الدالة
~~على ذلك، ويحمل لفظ المباح في الخبر المذكور على ما أبيح في بعض الأوقات
~~أعني أوقات تحقق الحاجة المبيحة وهو ظاهر في رواية لأبي داود «ما أحل
~~الله شيئا أبغض إليه من الطلاق»، والفعل لا عموم له في الأزمان والحاجة
~~المبيحة الكبر والريبة مثلا وعدوا من المبيح عدم اشتهائها بحيث يعجز أو
~~يتضرر بإكراهه نفسه على جماعها مع عدم رضاها بإقامتها في عصمته من غير
~~وطء أو قسم.

# وأما ما روي عن الحسن السبط رضي الله تعالى عنه وكان قبل له في كثرة
~~تزوجه وطلاقه فقال: أحب الغناء فقد قال تعالى:

# وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته

# [النساء: 130] فهو رأي منه إن كان على ظاهره، وكل ما نقل عن طلاق
~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم فمحمله وجود الحاجة».

# وظاهر الآية يقتضي عدم وجوب العدة بمجرد الخلوة لأنه سبحانه نفى فيها
~~وجوب العدة إذا طلقت قبل الجماع والخلوة ليست جماعا وهي عندنا إذا كانت
~~صحيحة على الوجه المبين في كتب الفروع كالجماع في وجوب العدة فتجب فيه
~~العدة احتياطا لتوهم الشغل نظرا إلى التمكن الحقيقي بل قالوا هو مثله
~~في جميع أحكامه سوى عشرة نظمها أفضل من عاصرناه من الفقهاء الشيخ محمد
~~الأمين الشامي الشهير بابن عابدين بقوله:

# وخلوته كالوطء في غير عشرة

# مطالبة بالوطء إحصان تحليل

# وفيء وارث رجعة فقد عنة

# وتحريم بنت عقد بكر وتغسيل

# وظاهر قولهم بوجوب العدة فيها أنها واجبها قضاء وديانة. وفي «الفتح» قال
~~العتابي: تكلم مشايخنا في العدة الواجبة بالخلوة الصحيحة أنها واجبة
~~ظاهرا أو حقيقة فقيل: لو تزوجت وهي متيقنة بعدم الدخول حل لها ديانة لا
~~قضاء اه، ولم يتعقبه بشيء ms08521 وذكره سعدي جلبي في «حواشي البيضاوي» وقال:
~~ينبغي أن يكون التعويل على هذا القول. وتعقب ذلك الشهاب الخفاجي بأنه وإن
~~نقله فقهاؤنا فقد صرحوا بأنه لا يعول عليه ونحن لم نر هذا التصريح
~~فليتتبع، ثم لا يخفى أن عدم وجوب العدة في الطلاق بعد الخلوة مما يعد
~~منطوقا صريحا في الآية إذا فسر المس بالجماع وليس من باب المفهوم حتى
~~يقال: إنا لا نقول به كما يتوهم فلا بد لإثبات وجوب العدة في ذلك من
~~دليل.

# ومن الناس من حمل المس فيها على الخلوة إطلاقا لاسم المسبب على السبب
~~إذ المس مسبب عن الخلوة عادة، واعترض بأنه لم يشتهر المس بمعنى الخلوة
~~ولا قرينة في الكلام على إرادته منه، وأيضا يلزم عليه أنه لو طلقا وقد
~~وطئها بحضرة الناس عدم وجوب العدة لأنه قد طلقها قبل الخلوة. وأجيب عن
~~هذا بأن وجوب العدة في ذلك بالاجماع، وبأن العدة إذا وجبت في الطلاق
~~بمجرد الخلوة كانت واجبة فيه بالجماع من باب أولى وكيف لا تجب به ووجوبها
~~بالخلوة لاحتمال وقوعه فيها لا لذاتها، وقيل: إن المس لما لم يرد ظاهره
~~وإلا لزمت العدة فيما لو طلقها بعد أن مسها بيده في غير خلوة مع أنها لا
~~تلزم في ذلك بلا خلاف علم أنه كنى به عن معنى آخر من لوازم الاتصال فهو
~~الجماع وما في معناه من الخلوة الصحيحة، وفيه نظر لأن عدم صحة إرادة
~~ظاهرة لا يوجب إرادة ما يعم الجماع والخلوة لم لا يجوز إرادة الجماع
~~ويرجحها شهرة الكناية / بذلك ونحوه عن الجماع، وإطلاقه عليه إما من إطلاق
~~اسم السبب على المسبب أو من إطلاق اسم المطلق على أخص بخصوصه وهو الأوجه
~~على ما ذكره العلامة ابن الهمام، وبالجملة القول بأن ظاهر الآية يقتضي
~~عدم وجوب العدة بمجرد الخلوة قول متين وحق مبين فتأمل.

# وفي «البحر» لأبي حيان الظاهر أن المطلقة إذا راجعها زوجها قبل أن
~~تنقضي عدتها ثم فارقها قبل أن يمسها لا تتم عدتها من الطلقة الأولى ms08522 لأنها
~~مطلقة قبل الدخول بها وبه قال داود. وقال عطاء وجماعة: تمضي في عدتها عن
~~طلاقها الأول وهو أحد قولي الشافعي، وقال مالك: لا تبني على العدة من
~~الطلاق الأول وتستأنف العدة من يوم طلقها الطلاق الثاني وهو قول جمهور
~~فقهاء الأمصار، والظاهر أيضا أنها لو كانت بائنا غير مبتوتة فتزوجها في
~~العدة ثم طلقها قبل الدخول فكالرجعية في قول داود ليس عليها عدة لابقية
~~عدة الطلاق الأول ولا استئناف عدة للثاني ولها نصف المهر؛ وقال الحسن:
~~وعطاء وعكرمة وابن شهاب ومالك والشافعي وعثمان البتي وزفر: لها نصف
~~الصداق وتتم بقية العدة الأولى، وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو
~~يوسف: لها مهر كامل للنكاح الثاني وعدة مستقبلة جعلوها في حكم المدخول
~~بها لاعتدادها من مائه اه.

# وفيه أيضا «الظاهر أن الطلاق لا يكون إلا بعد العقد فلا يصح طلاق من لم
~~يعقد عليها وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين. وقالت طائفة كثيرة
~~منهم مالك يصح ذلك» وعنى بطلاق من لم يعقد عليها قول الرجل كل امرأة
~~أتزوجها فهي طالق أو إن تزوجت فلانة فهي طالق. وقد أخرج جماعة عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن ذلك فقال: هو ليس بشيء فقيل له: إن
~~ابن مسعود كان يقول إن طلق ما لم ينكح فهو جائز فقال: أخطأ في هذا وتلا
~~الآية. وفي بعض الروايات أنه قال: رحم الله تعالى أبا عبد الرحمن لو كان
~~كما قال لقال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم المؤمنات ثم
~~نكحتموهن ولكن إنما قال: { إذا نكحتم المؤمنت ثم
~~طلقتموهن }. وفي «الدر المنثور» عدة أحاديث مرفوعة ناطقة بأن لا
~~طلاق قبل نكاح، والمذكور في فروعنا أن ذلك من باب التعليل وشرطه الملك أو
~~الإضافة إليه فإذا قال: إن نكحت امرأة فهي طالق أو إن نكحتك فأنت طالق
~~وكل امرأة أنكحها فهي طالق يقع الطلاق إذا نكح لأن ذلك تعليق وفيه إضافة
~~إلى الملك ويكفي معنى الشرط إلا في المعينة باسم ونسب كما ms08523 إذا قال: فلانة
~~بنت فلان التي أتزوجها فهي طالق أو بإشارة في الحاضرة كما لو قال: هذه
~~المرأة التي أتزوجها طالق فإنها لا تطلق في الصورتين لتعريفها فلغا الوصف
~~بالتي أتزوجها فصار كأنه قال: فلانة بنت فلان أو هذه المرأة طالق وهي
~~أجنبية ولم توجد الإضافة إلى الملك فلا يقع الطلاق إذا تزوجها فتدبر.

# وقرىء { تماسوهن } بضم التاء وألف بعد الميم، وعن ابن كثير وغيره من أهل
~~مكة { تعتدونها } بتخفيف الدال ونقلها عن ابن كثير ابن خالويه
~~وأبو الفضل الرازي في «اللوامح» عنه وعن أهل مكة، وقال ابن عطية: روى ابن
~~أبي بزة عن ابن كثير أنه قرأ بتخفيف الدال من العدوان كأنه قال: فما لكم
~~عدة تلزمونها عدوانا وظلما لهن، والقراءة الأولى أشهر عنه وتخفيف الدال
~~وهم من ابن أبي بزة اه، وليس بوهم إذ قد نقله عنه جماعة غيره، وخرج ذلك
~~على أن { تعتدونها } من الاعتداء بمعنى الظلم كما في قوله تعالى:

# ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا

# [البقرة: 231] والمراد تعتدون فيها كقوله:

# ويوما شهدناه سليما وعامرا

# قليل سوى طعن الدراك نوافله

# / أي شهدنا فيه فحذف حرف الجر ووصل الفعل بالضمير، وقال أبو حيان: إن
~~الاعتداء يتعدى بعلى فالمراد تعتدون عليهن فيها، ونظيره في حذف على قوله:

# تحن فتبدي ما بها من صبابة

# وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني

# فإنه أراد لقضى على، وجوز أن يكون ذلك على إبدال أحد الدالين بالتاء،
~~وقيل عليه: إنه تخريج غير صحيح لأن عد يعد من باب نصر كما في كتب اللغة
~~فلا وجه لفتح التاء لو كانت مبدلة من الدال فالظاهر حمله على حذف إحدى
~~الدالين تخفيفا، وقرأ الحسن بإسكان العين كغيره وتشديد الدال جمعا بين
~~الساكنين.

# { فمتعوهن } أي فأعطوهن المتعة وهي في المشهور درع أي قميص وخمار
~~وهو ما تعطي به المرأة رأسها وملحفة وهي ما تلتحف به من قرنها إلى قدمها
~~ولعلها ما يقال له إزار اليوم، وهذا على ما في «البدائع» أدنى ما تكسى به
~~المرأة وتتستر عند الخروج. ويفهم من ms08524 كلام فخر الإسلام والفاضل البرجندي
~~أنه يعتبر عرف كل بلدة فيما تكسي به المرأة عند الخروج، والمفتى به
~~الأشبه بالفقه قول الخصاف إنها تعتبر بحالهما فإن كانا غنيين فلها الأعلى
~~من الثياب أو فقيرين فالأدنى أو مختلفين فالوسط، وتجب لمطلقة قبل الوطء
~~والخلوة عند معتبرها لم يسم لها في النكاح تسمية صحيحة من كل وجه مهر ولا
~~تزيد على نصف مهر المثل ولا تنقص عن خمسة دراهم فإن ساوت النصف فهي
~~الواجبة وأن كان النصف أقل منها فالواجب الأقل إلا أن ينقص عن خمسة دراهم
~~فيكمل لها الخمسة، وفي «البدائع» لو دفع لها قيمة المتعة أجبرت على
~~القبول، فمعنى الآية على ما سمعت وكان الأمر للوجوب فمتعوهن إن لم يكن
~~مفروضا لهن في النكاح وروي هذا عن ابن عباس، وأما المفروض لها فيه إذا
~~طلقت قبل المس فالواجب لها نصف المفروض لا غير.

# وأما المتعة فهي على ما في «المبسوط» و«المحيط» وغيرهما من المعتبرات
~~مستحبة، وعلى ما في بعض «نسخ القدوري» ومشى عليه صاحب «الدرر» غير مستحبة
~~أيضا والأرجح أنها مستحبة، وفي قول الشافعي القديم أنها واجبة كما في
~~صورة عدم الفرض، وجوز أن تبقى الآية على ظاهرها ويكون المراد ذكر حكم
~~المطلقة قبل المس سواء فرض لها في النكاح أم لم يفرض ويراد بالمتعة
~~العطاء مطلقا فيعم نصف المفروض والمتعة المعروفة في الفقة ويكون الأمر
~~للوجوب أيضا أو يراد بالمتعة معناها المعروف ويحمل الأمر على ما يشمل
~~الوجوب والندب.

# وادعى سعيد بن المسيب كما أخرج عبد بن حميد أن الآية منسوخة بآية البقرة

# وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد
~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم

# [البقرة: 237] قال: فصار لها نصف الصداق ولا متاع لها، وأنكر الحسن وأبو
~~العالية النسخ وقالا لها نصف الصداق ولها المتاع. وجاء في رواية أخرى
~~أخرجها عبد بن حميد عن الحسن أيضا أن لكل مطلقة متاعا دخل بها أم لم
~~يدخل بها فرض لها أو لم يفرض، وظاهره دعوى الوجوب في الكل وهو خلاف ms08525 ما
~~عندنا، وقد علمت الحكم في صورتين وهو في الصورتين الباقيتين الاستحباب؛
~~وأما دعوى النسخ فلايخفى ما فيها، والظاهر أن الفاء لتفريع ما بعدها على
~~ما قبلها، وقيل: فصيحة أي إذا كان كما ذكر فمتعوهن.

# { وسرحوهن } أي أخرجوهن من منازلكم إذ ليس لكم عليهن عدة وأصل
~~التسريح أن ترعى الإبل السرح وهو شجر له ثمرة ثم جعل لكل إرسال في الرعي
~~ثم لكل إرسال وإخراج { سراحا جميلا } مشتملا على كلام طيب عاريا
~~عن أذى ومنع واجب، وقيل: السراح الجميل أن لا يطالبوهن بما آتوهن، وقال
~~الجبائي هو الطلاق السني، وليس بشيء لأن ذاك لعطفه على / التمتيع الواقع
~~بعد الفاء مرتب على الطلاق فيلزم ترتب الطلاق السني على الطلاق والضمير
~~لغير المدخول بهن فلا يمكن أن يكون ذلك طلاقا مرتبا على الطلاق الأول
~~لأن غير المدخول بهن لا يتصور فيها لحوق طلاق بعد طلاق آخر مع أنها إذا
~~طلقت بانت.

### || [33.50]

# { يأيها النبى إنا أحللنا لك أزوجك اللاتى
~~ءاتيت أجورهن } أي مهورهن كما قال مجاهد، وغيره وأطلق الأجر على
~~المهر لأنه أجر على الاستمتاع بالبضع وغيره مما يجوز به الاستمتاع وتقييد
~~الإحلال له بإعطائها معجلة كما يفهم من معنى { ءاتيت } ظاهرا ليس
~~لتوقف الحل عليه بل لإيثار الأفضل له صلى الله عليه وسلم فإن في التعجيل
~~براءة الذمة وطيب النفس ولذا كان سنة السلف لا يعرف منهم غيره. وقال
~~الإمام: من الناس من قال بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجب عليه
~~إعطاء المهر أولا وذلك لأن المرأة لها الامتناع من تسليم نفسها إلى أن
~~تأخذ المهر والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يستوفي ما لا يجب له
~~والوطء قبل إيتاء الصداق غير مستحق وإن كان حلالا [لنا] وكيف والنبي
~~عليه الصلاة والسلام إذا طلب شيئا حرم الامتناع فلو طلب التمكين قبل
~~إيتاء المهر لزم أن يجب وأن لا يجب وهو محال ولا كذلك أحدنا اه، وفيه
~~بحث لا يخفى، وحمل الإيتاء على الإعطاء وما في حكمه كالتسمية في العقد، ms08526
~~وجعل التقييد لإيثار الأفضل أيضا فإن التسمية أولى من تركها وإن جاز
~~العقد بدونها ولزم مهر المثل خلاف الظاهر.

# واستدل أبو الحسن الكرخي من أصحابنا بقوله تعالى: { إنا أحللنا
~~لك أزوجك اللاتى ءاتيت أجورهن } على أن النكاح ينعقد
~~بلفظ الإجارة كما ينعقد بلفظ التزويج ويكون لفظ الإجارة مجازا عنه لأن
~~الثابت بكل منهما ملك منفعة فوجد المشترك، ورد بأنه لا يلزم من تسمية
~~المهر أجرا صحة النكاح بلفظ الإجارة وما ذكر من التجوز ليس بشيء لأن
~~الإجارة ليست سببا لملك المنفعة حتى يتجوز بها عنه قاله في «الهداية»،
~~وقال بعضهم: إن الإجارة لا تنعقد إلا مؤقتة والنكاح يشترط فيه نفيه
~~فيتضادان فلا يستعار أحدهما للآخر. وتعقب بأنه إن كان المتضادان هما
~~العرضين اللذين لا يجتمعان في محل واحد لزمكم مثله في البيع من كونه لا
~~يجامع النكاح مع جواز العقد به عند الأصحاب، على أن التحقيق أن التوقيت
~~ليس مفهوم لفظ الإجارة ولا جزءا منه بل شرط لاعتباره فيكون خارجا عنه
~~فهو مجرد تمليك المنافع بعوض غير أنه إذا وقع مجردا لا يعتبر شرعا على
~~مثال الصلاة فإنها الأقوال والأفعال المعروفة ولو وجدت من غير طهارة لا
~~تعتبر، ولا يقال: إن الطهارة جزء مفهوم الصلاة.

# هذا ومثل تقييد إحلال الأزواج بما ذكر على ما قيل تقييد إحلال المملوكة
~~بكونها ممن باشر سبيها وشاهده في قوله تعالى: { وما ملكت يمينك
~~مما أفاء الله عليك } فإن المشتراة لا يتحقق بدء أمرها وما
~~جرى عليها جواز كون السبي ليس في محله، ولذا نكح بعض المتورعين الجواري
~~بعقد بعد الشراء مع القول بعدم صحة العقد على الإماء.

# واستشكل ذلك بمارية بنت شمعون القبطية رضي الله تعالى عنها فإنها لم تكن
~~مسبية بل أهداها له صلى الله عليه وسلم أمير القبط جريج بن مينا صاحب
~~الاسكندرية ومصر. وأجيب بأن هذا غير وارد لأن هدايا أهل الحرب للإمام لها
~~حكم الفيء، وقد يقال: إنه يستشكل بسرية له صلى الله عليه وسلم أخرى وهي
~~جارية وهبتها له ms08527 عليه الصلاة والسلام زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها
~~وكان هجرها عليه الصلاة والسلام في شأن صفية بنت حيي ذا الحجة والمحرم
~~وصفر فلما كان شهر ربيع الأول الذي قبض فيه رضي الله تعالى عنها ودخل
~~عليها فقالت ما أدري ما أجزيك فوهبتها له وقد عدوها من سراريه صلى الله
~~عليه وسلم / والجواب المذكور لا يتسنى فيها، ولعل الجواب عن ذلك أنه عليه
~~الصلاة والسلام تسراها بيانا للجواز ولا يبعد أنه كان متحققا بدء أمرها
~~وما جرى عليها بحيث كأنه باشر سبيها وشاهده، ويحتمل أنها كانت مما أفاء
~~الله تعالى عليه عليه الصلاة والسلام فملكتها زينب بعض أسباب الملك ثم
~~وهبتها له صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك قد أطلق عليه الصلاة والسلام حل
~~المملوكة بعد ولم يقيد بحسب الظاهر بكونها مما أفاء الله عليه في قوله
~~تعالى:

# لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن
~~من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت
~~يمينك

# [الأحزاب: 52].

# ثم إن هبة هذه الجارية كانت شهر وفاته صلى الله عليه وسلم والآية نزلت
~~قبل لأنها نزلت أما سنة الأحزاب وهي السنة الخامسة من الهجرة وإما
~~بعيد الفتح وهو السنة الثامنة منها وعلى هذا يكون ما وقع من أمر مارية
~~متقدما على نزول الآية لأنها أهديت له صلى الله عليه وسلم السنة السابعة
~~من الهجرة فإنه عليه الصلاة والسلام فيها أرسل رسله إلى الملوك ومنهم
~~حاطب بن أبي بلتعة اللخمي أرسله إلى المقوقس أمير القبط المتقدم ذكره
~~فقدم منه بمارية وبأختها شيرين وبأخ أو بابن عم لها خصي يقال له مابور
~~وببغلة تسمى دلدلا وبحمار يسمى يعفورا أو عفيرا وبألف مثقال ذهبا وبغير
~~ذلك فتدبر.

# ومثل ما ذكر على ما قيل تقييد القرائب بكونها مهاجرات معه صلى الله عليه
~~وسلم في قوله سبحانه: { وبنات عمك وبنات عمتك
~~وبنات خالك وبنات خلتك اللاتى هجرن معك }
~~فهن أفضل من غيرهن، والمعية للتشريك في الهجرة لا للمقارنة في الزمان ك:

# وأسلمت مع سليمان

# [النمل: ms08528 44]، قال أبو حيان: يقال دخل فلان معي وخرج معي أي كان عمله
~~كعملي وإن لم يقترنا في الزمان، ولو قلت: خرجنا معا اقتضى المعنيين
~~الاشتراك في الفعل والاقتران في الزمان وهو كلام حسن، وحكى الماوردي
~~قولا بأن الهجرة شرط في إحلال الأزواج على الإطلاق وهو ضعيف جدا.

# وقولا آخر بأنها شرط في إحلال قراباته عليه الصلاة والسلام المذكورات
~~واستدل له بما أخرجه بن سعد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن
~~أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أم هانىء
~~فاخته بنت أبي طالب قالت: «خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت
~~إليه فعذرني فأنزل الله تعالى: { يأيها النبى إنا
~~أحللنا لك أزوجك } إلى قوله سبحانه: { هجرن معك }
~~قالت فلم أكن أحل له لأني لم أهاجر معه كنت من الطلقاء».

# وأجيب بأن عدم الحل لفقد الهجرة إنما فهم من قول أم هانىء فلعلها إنما
~~قالت ذلك حسب فهمها إياه من الآية وهو لا ينتهض حجة علينا إلاإذا جاءت به
~~رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يقال: إنه أخرج ابن سعد عن أبي
~~صالح مولى أم هانىء قال: «خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أم هانىء بنت
~~أبي طالب فقالت: يا رسول الله إني مؤتمة وبني صغار فلما أدرك بنوها عرضت
~~نفسها عليه عليه الصلاة والسلام فقال: أما الآن فلا إن الله تعالى أنزل
~~علي { يأيها النبى إنا أحللنا لك أزوجك } 
~~إلى  { اللاتى هجرن معك } ولم تكن من المهاجرات وهو يدل على
~~أنه نفسه صلى الله عليه وسلم فهم الحرمة وإلا لتزوجها لأنا نقول بعد
~~تسليم صحة الخبر: لا نسلم أنه صلى الله عليه وسلم فهم الحرمة وعدم التزوج
~~يجوز أن يكون لكونه خلاف الأفضل، ويدل خبر أم هانىء على أن هذه الآية
~~نزلت بعد الفتح فلا تغفل. وادعى بعضهم أن تحريم نكاح غير المهاجرة عليه
~~صلى الله عليه وسلم كان أولا ثم نسخ، وعن قتادة أن معنى { هجرن
~~معك } أسلمن معك، قيل: وعلى ms08529 هذا لا يحرم عليه عليه الصلاة والسلام إلا
~~الكافرات وهو في غاية البعد كما لا يخفى.

# والظاهر أن المراد بأزواجك اللاتي آتيت مهورهن / نساؤه صلى الله عليه
~~وسلم اللاتي كن في عصمته وقد آتاهن مهورهن كعائشة وحفصة وسودة وبما ملكت
~~يمينك مما أفاء الله عليك نحو ريحانة بناء على ما قاله محمد ابن إسحاق
~~أنه صلى الله عليه وسلم لما فتح قريظة اصطفاها لنفسه فكانت عنده حتى
~~توفيت عنده وهي في ملكه ووافقه في ذلك غيره أخرج الواقدي بسنده إلى أيوب
~~بن بشير قال إنه عليه الصلاة والسلام أرسل بها إلى بيت سلمى بنت قيس أم
~~المنذر فكانت عندها حتى حاضت حيضة ثم طهرت من حيضها فجاءت أم المنذر
~~فأخبرته صلى الله عليه وسلم فجاءها في منزل أم المنذر فقال لها: إن أحببت
~~أن أعتقك وأتزوجك فعلت وإن أحببت أن تكوني في ملكي أطأك بالملك فعلت
~~فقالت: يا رسول الله أحب أن أخف عليك وأن أكون في ملكك فكانت في ملك رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم يطؤها حتى ماتت.

# وذهب بعضهم إلى أنه عليه الصلاة والسلام أعتقها وتزوجها، وأخرج ذلك
~~الواقدي أيضا عن ابن أبي ذئب عن الزهري ثم قال: وهذا الحديث أثبت
~~عندنا: وروي عنها أنها قالت: لما سبيت بنو قريظة عرض السبي على رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فكنت فيمن عرض عليه فأمر بي فعزلت وكان له صفي
~~كل غنيمة فلما عزلت خار الله تعالى لي فأرسل بي إلى منزل أم المنذر بنت
~~قيس أياما حتى قتل الأسرى وفرق السبي فدخل علي صلى الله عليه وسلم
~~فتجنبت منه حياء فدعاني فأجلسني بين يديه فقال: إن اخترت الله ورسوله
~~اختارك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه فقلت: إني أختار الله تعالى
~~ورسوله فلما أسلمت أعتقني رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجني وأصدقني
~~اثنتي عشرة أوقية ذهبا كما كان يصدق نساءه وأعرس بي في بيت أم النذر
~~وكان يقسم لي كما يقسم لنسائه وضرب علي الحجاب، ms08530 ولم يذكر ابن الأثير
~~غير القول بإعتاقها وتزوجها. ومنهم من ذهب إلى أنها أسلمت فأعتقها عليه
~~الصلاة والسلام فلحقت بأهلها وكانت تحتجب عندهم وتقول: لا يراني أحد بعد
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكى لحوقها بأهلها عن الزهري. وادعى بعضهم
~~بقاءها حية بعده عليه الصلاة والسلام وأنها توفيت سنة ست عشرة أيام خلافة
~~عمر رضي الله تعالى عنه. وذكر ابن كمال في تفسيره لبيان الموصول صفية
~~وجويرية والمذكور في أكثر المعتبرات في أمرهما أن صفية لما جمع سبي خيبر
~~أخذها دحية وقد قال له صلى الله عليه وسلم: اذهب فخذ جارية ثم أخبر عليه
~~الصلاة والسلام أنها لا تصلح إلا له لكونها بنت سيد قومه فقال لدحية: خذ
~~غيرها وأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتقها وتزوجها وكان صداقها
~~نفسها، وأن جويرية في غزوة بني المصطلق وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس
~~الأنصاري فكاتبته على نفسها ثم جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحرث وكان من أمري ما لا يخفى عليك
~~ووقعت في سهم ثابت بن قيس وإني كاتبت نفسي فجئت أسألك في كتابتي فقال
~~عليه الصلاة والسلام فهل لك إلى ما هو خير؟ قالت وما هو يا رسول الله؟
~~قال: أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك قالت: قد فعلت، وقال ابن هشام ويقال
~~اشتراها صلى الله عليه وسلم من ثابت وأعتقها وتزوجها وأصدقها أربعمائة
~~درهم.

# ولا يخفى عليك أنه إذا كان المراد إحلال ما ملكت يمينه صلى الله عليه
~~وسلم حين الملك من حيث إنه ملك له وإن لم يحصل وطء بالفعل يدخل جميع ما
~~ملكه عليه الصلاة والسلام من الجواري حين الملك ولا يضر الإعتاق والتزوج
~~بعد ذلك وحل الوطء بسبب النكاح لا الملك وإن كان المراد إحلال ذلك مع
~~وقوع الوطء بالفعل ووصف الملك قائم لا يصح بيان الموصول إلا بمملوكة
~~وطئها عليه الصلاة والسلام وهي ملكه كريحانة في قول وجارية أصابها في بعض
~~السبي وعدوها ms08531 من سراريه صلى الله عليه وسلم ولم يذكر المعظم اسمها وعد
~~الجلبي من سراريه عليه الصلاة والسلام جارية سماها زليخة القرظية فلعلها
~~هي / التي لم تسم وكمارية القبطية والجارية التي وهبتها له عليه الصلاة
~~والسلام زينب، وقد سمعت الكلام فيهما آنفا.

# والمراد ببنات عمه وبنات عماته بنات القرشيين وبنات القرشيات فإنه يقال
~~للقرشيين قربوا أو بعدوا أعمامه صلى الله عليه وسلم وللقرشيات قربن أو
~~بعدن عماته عليه الصلاة والسلام، والمراد ببنات خاله وبنات خالاته بنات
~~بني زهرة ذكورهم وإناثهم وإلى هذا ذهب الطبرسي في «مجمع البيان» ولم يذكر
~~غيره، وإطلاق الأعمام والعمات على أقارب الشخص من جهة أبيه ذكورا
~~وإناثا قربوا أو بعدوا والأخوال والخالات على أقاربه من جهة أمه كذلك
~~شائع في العرف كثير في الاستعمال.

# واللاتي نكحهن ودخل بهن صلى الله عليه وسلم من القرشيات ست وكان نكاحه
~~بعضهن قبل نزول الآية بيقين ونكاحه بعضهن الآخر محتمل للقبلية والبعدية
~~كما لا يخفى على من راجع كتب السير وسمع ما قيل في وقت نزول الآية، ولم
~~نقف على أنه عليه الصلاة والسلام نكح أحدا من الزهريات أصلا فالمراد
~~بإحلال نكاح أولئك مجرد جوازه وهو لا يستدعي الوقوع، وإذا حمل العم على
~~أخي الأب والعمة على أخته والخال على أخي الأم والخالة على أختها اقتضى
~~ظاهر الآية أن يكون له صلى الله عليه وسلم عم وعمة وخال وخالة كذلك وأن
~~يكون لهم بنات وذلك مشهور في شأن العم والعمة وبناتهما فقد ذكر معظم أهل
~~السير عدة أعمام له صلى الله عليه وسلم وعدة بنات لهم كالعباس ومن بناته
~~أم حبيبة تزوجها أسود المخزومي وكان قد خطبها رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم على ما قيل فوجد أباها أخاه من الرضاعة كان قد أرضعتهما ثويبة مولاة
~~أبي لهب، وكأبي طالب ومن بناته أم هانىء وقد سمعت ما قيل في شأنها
~~وجمانة كانت إحدى المبايعات له صلى الله عليه وسلم وكانت تحت أبي سفيان
~~بن الحرث عمها، وكأبي لهب ومن بناته خالدة ms08532 تزوجها عثمان بن أبي العاص
~~الثقفي وولدت له، ودرة أسلمت وهاجرت وكانت تحت الحرث بن نوفل ثم تحت دحية
~~الكلبي، وعزة تزوجها أوفى بن أمية، وكالزبير ومن بناته ضباعة زوجة
~~المقداد بن الأسود وأم الحكم ويقال أنها أخته عليه الصلاة والسلام من
~~الرضاعة وكان يزورها بالمدينة وكحمزة ومن بناته أمامة لما قدم رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم من عمرة القضاء أتى بها من مكة وزوجها سلمة بن أم
~~سلمة ومقتضى قول القسطلاني أن حمزة أخوه صلى الله عليه وسلم من الرضاعة
~~أرضعتهما ثويبة بلبن ابنها مسروح أنها لا تحل له عليه الصلاة والسلام بل
~~ذكر هو أيضا أنها عرضت عليه فقال هي ابنة أخي من الرضاعة وكالحرث ومن
~~بناته أروى زوجة أبي وداعة وكالمقوم ومن بناته من اسمها أروى أيضا زوجة
~~ابن عمها أبي سفيان بن الحرث وذكروا أيضا له صلى الله عليه وسلم عدة
~~عمات وعدة بنات لهن، منهن أميمة ومن بناتها زينب أم المؤمنين وهي التي
~~نزل فيها قوله تعالى:

# فلما قضى زيد منها وطرا زوجنكها

# [الأحزاب: 37] وأم حبيبة وكانت زوجة عبد الرحمن بن عوف، وحمنة وكانت عند
~~مصعب بن عمير ثم عند طلحة أحد العشرة، ومنهن البيضاء ومن بناتها أروى أم
~~عثمان رضي الله تعالى عنه، وأم طلحة بنتا كريز بن ربيعة؛ ومنهن عاتكة ومن
~~بناتها قريبة بنت زاد الراكب أبي أمية بن المغيرة، ومنهن صفية ومن
~~بناتها صفية بنت الحرث بن حارثة وأم حبيبة بنت العوام بن خويلد.

# وأما الخال والخالة فلم يشتهر ذكرهما، نعم ذكر في «الإصابة»

# " فريعة بنت وهب الزهرية رفعها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: من أراد
~~أن ينظر إلى خالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى هذه "

# ، وفيها أيضا فاختة بنت عمرو والزهرية خالة النبي صلى الله عليه وسلم.
~~أخرج الطبراني من طريق عبد الرحمن بن عثمان الوقاصي عن ابن المنكدر عن
~~جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم / يقول: وهبت خالتي فاختة بنت
~~عمرو وغلاما وأمرتها ms08533 أن لا تجعله جازرا ولا صائغا ولا حجاما،
~~والوقاصي ضعيف. وقال: في صفية بنت عبد المطلب هي شقيقة حمزة أمهما هالة
~~خالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أي هالة بنت وهب كما في «المواهب» ولم
~~نقف لهذه الخالة على بنت غير صفية عمته عليه الصلاة والسلام، وكذا لم نقف
~~على بنات لمن ذكرنا قبلها، ووقفنا على خال واحد له عليه الصلاة والسلام
~~وهو عبد يغوث بن وهب ولم نقف على بنت له وإنما وقفنا على ابنين أحدهما
~~الأرقم وله ابن يسمى عبد الله وهو صحابي كتب لرسول الله صلى الله عليه
~~وسلم ولصاحبيه وكان على بيت المال في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه وكان
~~أثيرا عنده حتى أن حفصة روت عنه أنه قال لها: لولا أن ينكر علي قومك
~~لاستخلفت عبد الله بن الأرقم، وقيل: هو ابن عبد يغوث والأرقم هو عبد
~~يغوث، والبخاري على ما قلنا وقد أسلم يوم الفتح، وقال بعضهم فيه: خال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الناس من ذكر لعبد الله هذا أخا سماه
~~عبد الرحمن بن الأرقم وأثبت له الصحبة وفي ذلك مقال، وثانيهما: الأسود
~~وأطلق عليه النبي عليه الصلاة والسلام اسم الخال، فقد روي أنه كان أحد
~~المستهزئين به صلى الله عليه وسلم فقصد جبريل عليه السلام إهلاكه فقال
~~صلى الله عليه وسلم: يا جبريل خالي فقال: دعه عنك، وله ابن هو عبد الرحمن
~~وبنت هي خالدة وكانت من المهاجرات الصالحات وقد أطلق عليها أيضا الخالة.

# أخرج المستغفري من طريق أبي عمير الجرمي عن معمر عن الزهري عن عبيد
~~الله مرسلا قال:

# " دخل النبي صلى الله عليه وسلم منزله فرأى عند عائشة امرأة فقال: من
~~هذه يا عائشة قالت: هذه إحدى خالاتك فقال: إن خالاتي بهذه البلدة لغرائب
~~فقالت: هذه خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث فقال: سبحان الذي يخرج الحي من
~~الميت قرأها مثقلة "

# وأخرج موسى بن إبراهيم عن أبيه عن أبي سلمة عن عائشة موصولا نحوه، وفي
~~هذا ms08534 الخبر وما قبله إطلاق الخال والخالة على قرابة الأم وإن لم يكن الخال
~~أخاها والخالة أختها، وبذلك يتأيد ما ذكرناه سابقا فاحفظ ذاك والله
~~تعالى يتول هداك، وإياك أن تظن الأمر فرضيا أو أن الخطاب وإن كان خاصا
~~في الظاهر عام في الحقيقة فيكفي وجود بنات خال وبنات خالات لغيره عليه
~~الصلاة والسلام كما يظن ذلك من يشهد العم بجهله ويصدق الخال بقلة عقله.

# هذا وقد كثر السؤال عن حكمة أفراد العم والخال وجمع العمة والخالة حتى
~~إن السبكي على ما قيل صنف جزأ فيه سماه «[بذل] الهمة في إفراد العم وجمع
~~العمة». قال الخفاجي: وقد رأيت لهم فيه كلمات ضعيفة كقول الرازي إن العم
~~والخال على زنة المصدر ولذا لم يجمعا بخلاف العمة والخالة، وقيل لم يجمعا
~~ليعما إذا أضيفا، والعمة والخالة لا يعمان لتاء الوحدة وهي إن لم تمنع
~~العموم حقيقة تأباه ظاهرا، ولا يأبى ذلك قوله تعالى: في سورة النور
~~[61]:

# بيوت أعممكم أو بيوت عمتكم

# [النور: 61] لأنه على الأصل، ثم قال: وأحسن منه ما قيل إن أعمامه صلى
~~الله عليه وسلم العباس وحمزة رضي الله تعالى عنهما أخواه من الرضاع لا
~~تحل له بناتهما، وأبو طالب ابنته أم هانىء لم تكن مهاجرة اه، وما ادعى
~~ضعفه فهو كما قال وما زعم أنه أحسن منه إن كان كما نقلناه بهذا المقدار
~~خاليا عن إسقاط شيء حسبما وجدناه في نسختنا فهو مما لا حسن فيه فضلا عن
~~كونه أحسن، وإن كان له تتمة فالنظر فيه بعد الاطلاع عليها إليك وأظنه على
~~العلات ليس بشيء.

# / وقال بعض الأجلة المعاصرين من العلماء المحققين لا زال سعيد زمانه
~~سابقا بالفضل على أقرانه: يحتمل أن يكون إفراد العم لأنه بمنزلة الأب بل
~~قد يطلق عليه الأب ومنه في قول:

# وإذ قال إبرهيم لأبيه ءازر

# [الأنعام: 74] والأب لا يكون إلا واحدا فكان الإفراد أنسب بمن ينزل
~~منزلته ويكون جمع العمة على الأصل وإفراد الخال ليكون على وفق العلم وجمع
~~الخالة وإن كانت بمنزلة الأم ms08535 لتكون على وفق العمات، ويحتمل أن يكون إفراد
~~المذكر وجمع المؤنث لقلة الذكور وكثرة الإناث، وقد ورد في الآثار ما يدل
~~على أن النساء أكثر من الرجال.

# وقال آخر من أولئك الأجلة لا زالت مدارس العلم تزهو به وتشكر فضله: إن
~~ذلك لما فيه من الحسن اللفظي فإن بين العم والعمات والخال والخالات نوعا
~~من الجناس ولأن أعمامه عليه الصلاة والسلام كانوا على ما ذكره صاحب
~~«ذخائر العقبى» اثني عشر عما وعماته كن ستا فلو قيل أعمامك لتوهم أنهم
~~أقل من اثني عشر لأنه جمع قلة وغاية ما يصدق هو عليه تسعة أو عشرة على
~~قول ولو قيل: عمتك لم تتحقق الإشارة إلى قلتهن فلذا أفرد العم وجمعت
~~العمة وقيل: خالك وخالاتك ليوافق ما قيل: وأنا أقول: الذي يغلب على ظني
~~في ذلك ما حكاه أبو حيان عن القاضي أبي بكر بن العربي من أن ما ذكر عرف
~~لغوي على معنى أنه جرى عرف اللغويين في مثل ذلك على إفراد العم والخال
~~وجمع العمة والخالة، ونحن قد تتبعنا كثيرا من أشعار العرب فلم نر العم
~~مضافا إليه ابن أو بنت بالإفراد أو الجمع إلا مفردا نحو قوله:

# جاء شقيق عارضا رمحه

# إن بني عمك فيهم رماح

# وقوله:

# فتى ليس لابن العم كالذئب إن رأى

# بصاحبه يوما دما فهو آكله

# وقوله:

# قالت بنات العم يا سلمى وإن

# كان فقيرا معدما قالت وإن

# وقوله:

# يا بنت عما لا تلومي واهجعي

# فليس يخلو عنك يوما مضجعي

# إلى ما لا يحصى كثرة، وأما اطراد إفراد الخال وجمع العمة والخالة إذا
~~أضيف إليها ما ذكر فلست على ثقة من أمره، فإذا كان الأمر في المذكورات
~~كالأمر في العم فليس فوق هذا الجواب جواب، والظن بالقاضي أنه لم يحكم بما
~~حكم إلا عن بينة مع أني لا أطلق القول بعدم قبول حكم القاضي بعلمه ولا
~~أفتى به، نعم لهذا القاضي حكم مشهور في أمر الحسين رضي الله تعالى عنه
~~ولعن من رضي بقتله لا يرتضيه إلا ms08536 يزيد زاد الله عز وجل عليه عذابه
~~الشديد، وعلى تقدير كون الأمر في العم ومن معه كما قال يحتمل أن يكون
~~الداعي لإفراد العم والخال الرجوع إلى أصل واحد مع ما بين الذكور من جهة
~~العمومة والخؤلة في حق الشخص المدلى بهما من التناصر والتساعد فلذلك ترى
~~الشخص يهرع لدفع بليته إلى ذكور عمومته وخؤلته، وذلك التعاضد يجعل
~~المتعدد في حكم الواحد، ويقوى هذا الاعتبار هنالك إضافة الفرع كالبنين
~~والبنات إلى ذلك، ولعل في الإفراد مع جمع المضاف المذكور إشارة إلى أن
~~البنين والبنات وإن كانوا بنين وبنات لمتعددين في نفس الأمر إلا أنهم في
~~حكم البنين والبنات لواحد وأن كل واحد من الأعمام والأخوال لمزيد شفقته
~~على أبناء وبنات كل كأنه أب لأبناء وبنات كل، وهذا الذي ذكرناه لا يوجد
~~في العمات والخالات.

# ولا يرد عليه جمع العم والخال في آية النور كما لا يخفى على من له أدنى
~~نور يهتدى به إذا أشكلت الأمور.

# ويمكن أن يقال في الحكمة ههنا خاصة: أنه لما كان المفرد / أصلا
~~والمجموع فرعه والمذكر أصلا والمؤنث فرعه أتى بالعم والخال المذكرين
~~مفردين وبالعمة والخالة المؤنثين مجموعين فاجتمع في الأولين أصلان وفي
~~الأخيرين فرعان بحكم شبيه الشيء منجذب إليه وإن الطيور على أشباهها تقع،
~~وما ألطف هذا الاجتماع في منصة مقام النكاح لما فيه من الإشارة إلى
~~الكفاءة وأن المناسب ضم الجنس إلى جنسه كما يقتضيه بعض الآيات وهو لعمري
~~ألطف من جمع المذكر وإفراد المؤنث ليجتمع في كل أصل وفرع فيوافق ما في
~~النكاح من اجتماع ذكر هو أصل وأنثى هي فرع لخلوه عن الإشارة إلى ذلك الضم
~~المناسب المستحسن عند كل ذي رأي صائب على أن في جمع أصلين في العم موافقة
~~لما في النكاح من جمع الزوجين الذين هما أصلان لما يتولد منهما وإذا
~~اعتبر جمعهما في الخال الذي قرابته من جهة الأم التي لا تعتبر في النسب
~~وافق الجملة ما في النكاح من اجتماع أصل وفرع فلا يفوت ذلك بالكلية ms08537 على
~~ما في النظم الجليل. وأيضا في الانتقال من الإفراد إلى الجمع في جانبي
~~العمومة والخؤولة إشارة إلى ما في النكاح من انتقال كل من الزوج والزوجة
~~من حال الإنفراد إلى حال الاجتماع فلله تعالى در التنزيل، هذا ما عندي
~~وهو زهرة ربيع لا تتحمل الفرك ومع هذا قسه إلى ما سمعت عن ساداتنا
~~المعاصرين واختر لنفسك ما يحلو والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.

# { وامرأة مؤمنة } بالنصب عطفا على مفعول { أحللنا } عند جمع
~~وليس معنى { أحللنا } إنشاء الإحلال الناجز ولا الإخبار عن إحلال
~~ماض بل إعلام بمطلق الإحلال المنتظم لما سبق ولحق فلا يعكر على ذلك الشرط
~~وهذا كما تقول أبحت لك أن تكلم فلانا إن سلم عليك، ولما فيه من البحث
~~قال بعضهم: إنه نصب بفعل يفسره ما قبل أي ويحل لك امرأة أو وأحللنا لك
~~امرأة وهو مستقبل لمكان الشرط.

# وقرأ أبو حيوة بالرفع على أنه مبتدأ والخبر محذوف أي وامرأة مؤمنة
~~أحللناها لك أيضا.

# { إن وهبت نفسها للنبى } أي ملكته المتعة بها بأي عبارة
~~كانت بلا مهر. وقرأ أبي والحسن والشعبي وعيسى وسلام { أن وهبت }
~~بفتح الهمزة أي لأن وهبت وقيل: أي وقت أن وهبت أو مدة أن وهبت فتكون أن
~~وما بعدها في تأويل مصدر منصوب على الظرفية؛ وأكثر النحاة لا يجيزونه في
~~غير المصدر الصريح كآتيك خفوق النجم وغير ما المصدرية، وجوز أن يكون
~~المصدر بدلا من { امرأة } وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { إذ
~~وهبت } وإذ ظرف لما مضى وقيل: هي مثلها في قوله تعالى:

# ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم فى العذاب
~~مشتركون

# [الزخرف: 39].

# { إن أراد النبى أن يستنكحها } أي يتملك المتعة بها
~~بأي عبارة كانت بلا مهر وهذا شرط للشرط الأول في استيجاب الحل فهبتها
~~نفسها منه صلى الله عليه وسلم لا يوجب له حلها إلا بإرادته نكاحها وهذه
~~الإرادة جارية مجرى قبول الهبة، وقال ابن كمال: الإرادة المذكورة عبارة
~~عن القبول ولا وجه لحملها على الحقيقة لأن قوله تعالى: ms08538 { يستنكحها
~~} يغني عن الإرادة بمعناه الوضعي وهو يشير إلى أن السين للطلب، وكلام بعض
~~الأجلة على هذا حيث قال: إرادة طلب النكاح كناية عن القبول. وقيل: استفعل
~~هنا بمعنى فعل فالاستنكاح بمعنى النكاح لئلا يتوهم التكرار وفيه نظر.

# واستظهر صاحب هذا القيل حمل الإرادة على الإرادة المتقدمة على الهبة
~~بناء على أن التركيب يقتضي تقدم هذا الشرط فقد قالوا: إذا اجتمع شرطان
~~فالثاني شرط في الأول متأخر في اللفظ متقدم في الوقوع وهو بمنزلة الحال،
~~ومن هنا قال / الفقهاء: لو قال: إن ركبت إن أكلت فأنت طالق لا تطلق ما لم
~~يتقدم الأكل على الركوب ليتحقق تقييد الحالية. واستشكل السمين هذه
~~القاعدة بما هنا بناء على أنهم جعلوا ذلك الشرط بمنزلة القبول لاقتضاء
~~الواقع ذلك، ثم ذكر أنه عرضه على علماء عصره فلم يجدوا مخلصا منه إلا
~~بأن هذه القاعدة ليست بكلية بل مخصوصة بما لم تقم قرينة على تأخر الثاني
~~كما في نحو إن تزوجتك إن طلقتك فعبدي حرفان الطلاق لا يتقدم التزوج وما
~~نحن فيه من هذا القبيل ثم قال: فمن جعل الشرط الثاني هنا مقدما لم يصب
~~ورأيت في الفن السابع من «الأشباه والنظائر» النحوية للجلال السيوطي عليه
~~الرحمة كلاما لابن هشام ذكر فيه أن جعل الآية كالمثال ونظمهما في سلك
~~مسألة اعتراض الشرط على الشرط هو ما ذهب إليه جماعة منهم ابن مالك، وذهب
~~هو إلى أن المثال من مسألة الاعتراض المذكور دون الآية واحتج عليه بما
~~احتج، ثم ذكر الخلاف في صحة تركيب ما وقع فيه الاعتراض كالمثال وأن
~~الجمهور على جوازه وهو الصحيح وأن المجيزين اختلفوا في تحقيق ما يقع به
~~مضمون الجواب الواقع بعد الشرطين على ثلاثة مذاهب، أحدها: أنه إنما يقع
~~بمجموع أمرين، أحدهما: حصول كل من الشرطين، والآخر: كون الشرط الثاني
~~واقعا قبل وقوع الأول ففي المثال لا يقع الطلاق إلا بوقوع الركوب والأكل
~~من تقدم وقوع الأكل على الركوب، وذكر أن هذا مذهب الجمهور وثانيها: أنه
~~يقع بحصول الشرطين مطلقا ms08539 وذكر أنه حكاه له بعض العلماء عن إمام الحرمين
~~وأنه رآه محكيا عن غيره بعد.

# وثالثها: أنه يقع بوقوع الشرطين على الترتيب فإنما تطلق في المثال إذا
~~ركبت أولا ثم أكلت وأبطل كلا من المذهبين الأخيرين وذكر في توجيه
~~التركيب على المذهب الأول مذهبين. الأول: مذهب الجمهور أن الجواب المذكور
~~للشرط الأول وجواب الثاني محذوف لدلالة الأول وجوابه عليه ولإغناء ذلك
~~عنه وقيامه مقامه لزم في وقوع المعلق على ذلك أن يكون الثاني واقعا قبل
~~الأول ضرورة أن الجواب لا بد من تأخره عن الشرط فكذا الأمر في القائم
~~مقام الشرط، والثاني: مذهب ابن مالك أن الجواب المذكور للأول والثاني لا
~~جواب له لا مذكور ولا مقدر لأنه مقيد للأول تقييده بحال واقعة موقعه
~~فالمعنى في المثال إن ركبت آكلة فأنت طالق، وفيه أنه خارج عن القياس وأنه
~~لا يطرد في إن قمت إن قعدت فأنت طالق وأن الشرط بعيد عن مذهب الحال لمكان
~~الاستقبال. وبالجملة قد أطال الكلام في هذه المسألة وهي مسألة شهيرة
~~ذكرها الأصوليون وغيرهم وفيما ذكرنا فيها اكتفاء بأقل اللازم ههنا
~~فتأمل.

# وأكثر العلماء على وقوع الهبة واختلفوا في تعيين الواهبة فعن ابن عباس
~~وقتادة وعكرمة: هي ميمونة بنت الحرث الهلالية؛ وفي المواهب يقال: إن
~~ميمونة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن خطبته عليه الصلاة
~~والسلام انتهت إليها وهي على بعيرها فقالت: البعير وما عليه لله ولرسوله
~~صلى الله عليه وسلم وكان ذلك سنة سبع بعد غزوة خيبر وبنى عليها عليه
~~الصلاة والسلام بسرف على عشرة أميال من مكة، وعليه تكون إرادة النكاح
~~سابقة على الهبة فيضعف به قول السمين. وعن علي بن الحسين رضي الله تعالى
~~عنهما والضحاك ومقاتل هي أم شريك غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية، قال في
~~«الصفوة»: والأكثرون على أنها هي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه
~~وسلم فلم يقبلها فلم تتزوج حتى ماتت. وفي «الدر المنثور» عن منير بن عبد
~~الله الدوسي أنه عليه الصلاة والسلام ms08540 قبلها، وعن عروة والشعبي هي زينب
~~بنت خزيمة من الأنصار كانت تدعى في الجاهلية أم المساكين لإطعامها إياهم
~~وكان ذلك في سنة ثلاث ولم / تلبث عنده صلى الله عليه وسلم إلا قليلا حتى
~~توفيت رضي الله تعالى عنها.

# وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في «السنن» عن عائشة رضي الله
~~تعالى عنها قالت: التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم خولة بنت
~~حكيم وقد أرجأها عليه الصلاة والسلام فتزوجها عثمان بن مظعون بإذنه صلى
~~الله عليه وسلم وقال بعضهم: يجوز تعدد الواهبات فقد أخرج الشيخان وغيرهما
~~عن عروة بن الزبير قال: كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي
~~صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل
~~فلما نزلت:

# ترجى من تشاء منهن

# [الأحزاب: 51] قالت عائشة: يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع لك في
~~هواك فقوله: من اللاتي وهبن أنفسهن صريح في تعددهن، وأنكر بعضهم وقوع
~~الهبة وقيل: إن قوله تعالى: { إن وهبت } يشير إلى عدم وقوعها وأنها
~~أمر مفروض وكذا تنكير { امرأة } فالمراد الإعلام بالإحلال في هذه
~~الصورة إن اتفقت وأنكر بعضهم القبول. أخرج ابن سعد عن ابن أبي عون أن
~~ليلى بنت الحطيم وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ووهبن نساء أنفسهن
~~فلم نسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل منهن أحدا.

# وما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في
~~«السنن» عن ابن عباس قال: لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة
~~وهبت نفسها له يحتمل نفي القبول ويحتمل نفي الهبة، وإيراده صلى الله عليه
~~وسلم في الموضعين بعنوان النبوة بطريق الالتفات للتكرمة والإيذان بأنها
~~المناط لثبوت الحكم فيختص به عليه الصلاة والسلام حسب اختصاصها به كما
~~ينطق به قوله تعالى: { خالصة لك من دون المؤمنين }
~~ويتضمن ذلك الإشارة إلى أن هبة من تهب لم تكن حرصا على الرجال وقضاء
~~الوطر بل على الفوز بشرف خدمته صلى الله عليه ms08541 وسلم والنزول في معدن
~~الفضل، وبذلك يعلم أن قول عائشة: ما في امرأة وهبت نفسها لرجل خير وكذا
~~اعتراضها السابق صادر من شدة غيرتها رضي الله تعالى عنها على رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم ولا بدع فالمحب غيور وقد قال بعض المحبين:

# أغار إذا آنست في الحي أنة

# حذارا وخوفا أن تكون لحبه

# ونصب { خالصة } على أنه مصدر مؤكد للجملة قبله، وفاعلة في المصادر
~~على ما قال الزمخشري غير عزيز كالعافية والكاذبة، وادعى أبو حيان عزتها،
~~والكثير على تعلق ذلك بإحلال الواهبة أي خلص لك إحلالها خالصة أي خلوصا،
~~وقال الزجاج: هو حال من { امرأة } لتخصصها بالوصف أي أحللناها خالصة لك
~~لا تحل لأحد غيرك في الدنيا والآخرة.

# وقال أبو البقاء: هو حال من ضمير { وهبت } أو صفة لمصدر محذوف أي
~~هبة خالصة. وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ذاك خلوص لك وخصوص
~~أو هي أي تلك المرأة أو الهبة خالصة لك لا تتجاوز المؤمنين.

# واستدل الشافعية رضي الله تعالى عنهم به على أن النكاح لا ينعقد بلفظ
~~الهبة لأن اللفظ تابع للمعنى وقد خص عليه الصلاة والسلام بالمعنى فيختص
~~باللفظ، وقال بعض أجلة أصحابنا في ذلك: إن المراد بالهبة في الآية تمليك
~~المتعة بلا عوض بأي لفظ كان لا تمليكها بلفظ وهبت نفسي فحيث لم يكن ذلك
~~نصا في التمليك بهذا اللفظ لم يصلح لأن يكون مناطا للخلاف في انعقاد
~~النكاح بلفظ الهبة إيجابا وسلبا، ومعنى خلوص الإحلال المذكور له صلى
~~الله عليه وسلم من دون المؤمنين كونه متحققا في حقه غير متحقق في حقهم
~~إذ لا بد في / الإحلال لهم من مهر المثل.

# وظاهر كلام العلامة ابن الهمام اعتبار لفظ الهبة حيث قال في «الفتح»: قد
~~ورد النكاح بلفظ الهبة وساق الآية ثم قال: والأصل عدم الخصوصية حتى يقوم
~~دليلها، وقوله تعالى: { خالصة لك } يرجع إلى عدم المهر بقرينة
~~إعقابه بالتعليل بنفي الحرج فإن الحرج ليس في ترك لفظ إلى غيره خصوصا
~~بالنسبة إلى أفصح ms08542 العرب بل في لزوم المال، وبقرينة وقوعه في مقابلة
~~المؤتى أجورهن فصار الحاصل أحللنا لك الأزواج المؤتى مهورهن والتي وهبت
~~نفسها لك فلم تأخذ مهرا خالصة هذه الخصلة لك من دون المؤمنين أما هم فقد
~~علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم الخ من المهر وغيره. وأبدى صدر الشريعة
~~جواز كونه متعلقا بأحللنا قيدا في إحلال أزواجه له صلى الله عليه وسلم
~~لإفادة عدم حلهن لغيره صلى الله عليه وسلم انتهى، وجوز بعضهم كونه قيدا
~~في إحلال الإماء أيضا لإفادة عدم حل إمائه كأزواجه لأحد بعده عليه
~~الصلاة والسلام، وبعض آخر كونه قيدا لإحلال جميع ما تقدم على القيود
~~المذكورة أي خلص إحلال ما أحللنا لك من المذكورات على القيود المذكورة
~~خلوصها من دون المؤمنين فإن إحلال الجميع على القيود المذكورة غير متحقق
~~في حقهم بل المتحقق فيه إحلال بعض المعدود على الوجه المعهود، واختاره
~~الزمخشري.

# وأيا ما كان فقوله تعالى: { قد علمنا ما فرضنا عليهم
~~فى أزوجهم وما ملكت أيمنهم } اعتراض بين المتعلق
~~والمتعلق، والأول: على جميع الأوجه قوله سبحانه: { لكيلا يكون
~~عليك حرج } والثاني: على الوجه الأخير وهو تعلق { خالصة } بجميع
~~ما سلف من الإحلالات الأربع قوله تعالى: { خالصة } وهو مؤكد معنى
~~اختصاصه عليه الصلاة والسلام بما اختص به بأن كلا من الاختصاص عن علم
~~وأن هذه الحظوة مما يليق بمنصب الرسالة فحسب فالمعنى أن الله تعالى قد
~~علم ما ينبغي من حيث الحكمة فرضه على المؤمنين في حق الأزواج والإماء
~~وعلى أي حد وصفة ينبغي أن يفرض عليهم ففرضه واختصك سبحانه بالتنزيه
~~واختيار ما هو أولى وأفضل في دنياك حيث أحل جل شأنه لك أجناس المنكوحات
~~وزاد لك الواهبة نفسها من غير عوض لئلا يكون عليك ضيق في دينك، وهو على
~~الوجه الأول الذي ذكرناه وهو تعلق { خالصة } بالواهبة خاصة قوله عز وجل:
~~{ إنا أحللنا } وهو الذي استظهره أبو حيان وأمر الاعتراض عليه في
~~حاله، وبعضهم يجعل المتعلق { خالصة } على سائر الأوجه والتعلق به باعتبار
~~ما فيه من ms08543 معنى ثبوت الإحلال وحصوله له صلى الله عليه وسلم لا باعتبار
~~اختصاصه به عليه الصلاة والسلام لأن مدار انتفاء الحرج هو الأول لا
~~الثاني الذي هو عبارة عن عدم ثبوته لغيره صلى الله عليه وسلم.

# وقال ابن عطية: إن { لكيلا } الخ متعلق بمحذوف أي بينا هذا البيان
~~وشرحنا هذا الشرح لئلا يكون عليك حرج ويظن بك أنك قد أثمت عند ربك عز وجل
~~فلا اعتراض على هذا، ولا يخلو عن اعتراض فتدبر ولا تغفل.

# { وكان الله غفورا } أي كثير المغفرة فيغفر ما يشاء مما يعسر
~~التحرز عنه وغيره { رحيما } أي وافر الرحمة، ومن رحمته سبحانه أن وسع
~~الأمر في مواقع الحرج.

### || [33.51]

# { ترجى من تشاء منهن } أي تؤخر من تشاء من نسائك وتترك
~~مضاجعتها { وتؤوى إليك من تشاء } وتضم إليك من تشاء منهن
~~وتضاجعها، وروي هذا عن قتادة. وعن ابن عباس والحسن أي تطلق من تشاء منهن
~~وتمسك من تشاء، وقال بعضهم: الإرجاء والإيواء / لإطلاقهما يتناولان ما في
~~التفسيرين وما ذكر فيهما فإنما هو من باب التمثيل ولا يخلو عن حسن، وفي
~~رواية عن الحسن أن ضمير { منهن } لنساء الأمة والمعنى تترك نكاح من
~~تشاء من نساء أمتك فلا تنكح وتنكح منهن من تشاء. وقال: كان صلى الله عليه
~~وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لغيره أن يخطبها حتى يتركها وعن زيد بن أسلم
~~والطبري أنه للواهبات أنفسهن أي تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن
~~أنفسهن لك فتؤويها إليك وتترك من تشاء منهن فلا تقبلها، وعن الشعبي ما
~~يقتضيه، فقد أخرج ابن سعد والبيهقي في «السنن» وغيرهما عنه قال: كن نساء
~~وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل ببعضهن وأرجأ بعضهن فلم
~~يقربن حتى توفي عليه الصلاة والسلام ولم ينكحن بعده، منهن أم شريك فذلك
~~قوله تعالى: { ترجى من تشاء منهن وتؤوى إليك من
~~تشاء } ويشهد لما تقدم من رجوعه إلى النساء ما أخرج ابن جرير وابن
~~المنذر وابن أبي حاتم وغيرهم عن أبي رزين قال: هم ms08544 رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم أن يطلق من نسائه فلما رأين ذلك أتينه فقلن لا تخل سبيلنا وأنت
~~في حل فيما بيننا وبينك افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت فأنزل الله تعالى
~~الآية فأرجأ منهن نسوة وكان ممن أرجأ ميمونة وجويرية وأم حبيبة وصفية
~~وسودة وكان ممن آوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب رضي الله تعالى عنهن
~~أجمعين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر { ترجىء } بالهمزة
~~وهو عند الزجاج أجود والمعنى واحد.

# { ومن ابتغيت } أي طلبت { ممن عزلت } أي تجنبت وحمل هذا
~~التجنب على ما كان بطلاق، و(من) شرطية منصوبة بما بعدها، وقوله تعالى: {
~~فلا جناح عليك } جوابها أي من طلبتها ممن طلقت فليس عليك إثم في
~~طلبها أو موصولة والجملة خبرها أي والتي طلبتها لا جناح عليك في طلبها
~~والمراد نفي أن يكون عليه عليه الصلاة والسلام إثم في إرجاع المطلقة،
~~وقيل (من) موصولة معطوفة على { من تشاء } الثاني والمراد به غير
~~المطلقة ومعنى فلا جناح عليك فلا إثم عليك في شيء مما ذكر من الإرجاء
~~والإيواء والابتغاء والمراد تفويض ذلك إلى مشيئته صلى الله عليه وسلم.
~~وقال بعضهم: المراد به ما كان بترك مضاجعة بدون طلاق.

# والمقصود من الآية بيان أن له صلى الله عليه وسلم ترك مضاجعة من شاء من
~~نسائه ومضاجعة من شاء منهن أي ممن لم يكن أرجأها وترك مضاجعتها والرجوع
~~إلى مضاجعة من ترك مضاجعتها واعتزلها فمن عزل هي المرجأة، وأفاد صاحب
~~«الكشاف» أن الآية متضمنة قسمة جامعة لما هو الفرض لأنه صلى الله عليه
~~وسلم إما أن يطلق وأما أن يمسك وإذا أمسك ضاجع أو ترك وقسم أو لم يقسم
~~وإذا طلق وعزل فإما أن يخلي المعزولة لا يبتيغها أو يبتغيها وانفهام
~~الطلاق والإمساك بأقسامه بواسطة إطلاق الإرجاء والإيواء في قوله تعالى: {
~~ترجى من تشاء منهن وتؤوى } وانفهام ابتغاء المعزولة من
~~قوله سبحانه: { ومن ابتغيت } الخ ومتى فهم أن لا جناح في ابتغاء
~~المعزولة بالطلاق وردها إلى النكاح ms08545 فهم منه أن رفع النكاح في عدم ردها من
~~طريق الأولى ولقد أجاد فيما أفاد.

# وجوز بعضهم أن يكون (من) مبتدأ وفي الكلام معطوف وخبر محذوفان أي ومن
~~ابتغيت ممن عزلت ومن لم تعزل سواء، وقوله سبحانه: { فلا جناح
~~عليك } تأكيد لذلك ولا يخفى بعده وتعسفه، وقال الحسن: معنى  ومن
~~ابتغيت  الخ من مات من نسائك اللواتي عندك أو خليت سبيلها فلا جناح عليك
~~في أن تستبدل عوضها من اللاتي أحللت لك فلا تزداد على عدة نسائك اللاتي
~~عندك كذا في «البحر»، وكأنه جعل (من) للبدل كالتي في قوله تعالى:

# أرضيتم بالحياة الدنيا من الأخرة

# [التوبة: 38] ومن عزلت شاملا لمن ماتت ومن طلقت وكلاهما بعيد وثانيهما:
~~/ أبعد من أولهما بكثير ومثله اعتبار ما اعتبره من القيود وبالجملة هو
~~قول تبعد نسبته إلى الحسن، وأبعد من ذلك نسبته إلى ترجمان القرآن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما كما في «الدر المنثور».

# { ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن
~~ويرضين بما ءاتيتهن كلهن } أي تفويض الأمر إلى
~~مشيئتك أقرب إلى قرة عيونهن وسرورهن ورضاهن جميعا لأنه حكم كلهن فيه
~~سواء ثم إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلا منك وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم
~~الله تعالى فتطمئن به نفوسهن، وروي هذا عن قتادة، والمراد بما آتيتهن
~~عليه ما صنعت معهن فيتناول ترك المضاجعة والقسم، وعن ابن عباس ومجاهد أن
~~المعنى أنهن إذا علمن أن لك ردهن إلى فراشك بعد ما اعتزلتهن قرت أعينهن
~~ولم يحزن ويرضين بما تفعله من التسوية والتفضيل لأنهن يعلمن أنك لم
~~تطلقهن، وظاهره جعل المشار إليه العلم بأن له صلى الله عليه وسلم
~~الإيواء، وأظهر منه في ذلك قول الجبائي ذلك العلم منهن بأنك إذا عزلت
~~واحدة كان لك أن تؤويها بعد ذلك أدنى لسرورهن وقرة أعينهن.

# وقال بعض الأجلة: كون الإشارة إلى التفويض أنسب لفظا لأن ذلك للبعيد
~~وكونها إلى الإيواء أنسب معنى لأن قرة عيونهن بالذات إنما هي بالإيواء
~~فلا تغفل، والأعين جمع قلة وأريد به ms08546 ههنا جمع الكثرة وكأن اختياره لأنه
~~أوفق بكمية الأزواج.

# وقرأ ابن محيصن { تقر } من أقر وفاعله ضميره صلى الله عليه وسلم و {
~~أعينهن } بالنصب على المفعولية. وقرىء { تقر } مبنيا للمفعول و(أعينهن)
~~بالرفع نائب الفاعل و { كلهن } بالرفع في جميع ذلك وهو توكيد لنون {
~~يرضين }. وقرأ أبو أناس جوية بن عائذ { كلهن } بالنصب تأكيدا لضميره في
~~{ ءاتيتهن } قال ابن جني: وهذه القراءة راجعة إلى معنى قراءة العامة {
~~كلهن } بضم اللام وذلك أن رضاهن كلهن بما أوتين كلهن على انفرادهن
~~واجتماعهن فالمعنيان إذن واحد إلا أن للرفع معنى وذلك أن فيه إصراحا من
~~اللفظ بأن يرضين كلهن، والإصراح في القراءة الشاذة إنما هو في إتيانهن
~~وإن كان محصول الحال فيهما واحدا مع التأويل انتهى، وقال الطيبي: في
~~توكيد الفاعل دون المفعول إظهار لكمال الرضا منهن وإن لم يكن الإيتاء
~~كاملا سويا، وفي توكيد المفعول إظهار أنهن مع كمال الإيتاء غير كاملات
~~في الرضا، والأول أبلغ في المدح لأن فيه معنى التتميم وذلك أن المؤكد
~~يرفع إيهام التجوز عن المؤكد انتهى فتأمل.

# { والله يعلم ما فى قلوبكم } خطاب له صلى الله عليه وسلم
~~ولأزواجه المطهرات على سبيل التغليب. والمراد بما في القلوب عام ويدخل
~~فيه ما يكون في قلوبهن من الرضا بما دبر الله تعالى في حقهن من تفويض
~~الأمر إليه صلى الله عليه وسلم ومقابل ذلك وما في قلبه الشريف عليه
~~الصلاة والسلام من الميل إلى بعضهن دون بعض، والكلام بعث على الاجتهاد في
~~تحسين ما في القلوب، ولعل اعتباره صلى الله عليه وسلم في الخطاب لتطييب
~~قلوبهن، وفي «الكشاف» أن هذا وعيد لمن لم يرض منهن بما دبر الله تعالى من
~~ذلك وفوض سبحانه إلى مشيئة رسوله عليه الصلاة والسلام وبعث على تواطىء
~~قلوبهن والتصافي بينهن والتوافق على طلب رضا رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وطيب نفسه الكريمة، والظاهر أنه غير قائل بدخوله صلى الله عليه وسلم
~~في الخطاب، وحينئذ فإما أن يقول: إنه عام لهن ولسائر المؤمنين وإما أن ms08547
~~يقول بأنه خاص بهن ولعله ظاهر كلامه وعليه لا يظهر وجهه التذكير، وربما
~~يقال على الأول: إن المقام غير ظاهر في اقتضاء دخول سائر المؤمنين في
~~الخطاب، وقال ابن عطية: الإشارة بذلك ههنا إلى ما في قلب رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم من محبة شخص دون شخص ويدخل في المعنى المؤمنون.

# وربما يتخيل أن الخطاب لجميع المكلفين والكلام بعث على تحسين / ما في
~~القلوب في شأن ما دبر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في أمر
~~أزواجه ونفي الخواطر الرديئة بأن يظن أن ذاك هو الذي تقتضيه الحكمة وأنه
~~دليل على كمال المحبوبية، ولا يتوهم خلافه فإن بعض الملحدين طعنوا
~~كالنصارى في كثرة تزوجه عليه الصلاة والسلام وكونه في أمر النساء على حال
~~لم يبح لأمته من حل جمع ما فوق الأربع وعدم التقيد بالقسم لهن مثلا
~~وزعموا أن في ذلك دليلا على غلبة القوة الشهوية فيه عليه الصلاة والسلام
~~وذلك مناف لتقديس النفس الذي هو من شأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
~~فجزموا والعياذ بالله تعالى بنفي نبوته وأن ما فعله صلى الله عليه وسلم
~~لم يكن منه تعالى بل ليس ذلك إلا منه عليه الصلاة والسلام.

# ولا يخفى أن قائلي ذلك على كفرهم جهلة بمراتب الكمال صم عن سماع آثاره
~~عليه الصلاة والسلام ومن سبر الأخبار علم أنه صلى الله عليه وسلم أكمل
~~الأنبياء على الإطلاق لغاية كمال بشريته وملكيته وآثار الكمال الأول تزوج
~~ما فوق الأربع والطواف عليهن كلهن في الليلة الواحدة وآثار الكمال الثاني
~~أنه عليه الصلاة والسلام كثيرا ما كان يبيت ويصبح لا يأكل ولا يشرب وهو
~~على غاية من القوة وعدم الاكتراث بترك ذلك وليس لأحد من الأنبياء عليهم
~~السلام اجتماع هذين الكمالين حسب اجتماعهما فيه عليه الصلاة والسلام
~~ولتكثره النساء حكمة دينية جليلة أيضا وهي نشر أحكام شرعية لا تكاد تعلم
~~إلا بواسطتهن مع تشييد أمر نبوته فإن النساء لا يكدن يحفظن سرا وهن أعلم
~~الناس بخفايا أزواجهن فلو وقف نساؤه عليه ms08548 الصلاة والسلام على أمر خفي منه
~~يخل بمنصب النبوة لأظهرنه، وكيف يتصور إخفاؤه بينهن مع كثرتهن.

# وكل سر جاوز الاثنين شاع

# وفي عدم إيجاب القسم عليه عليه الصلاة والسلام تأكيد لذلك كما لا يخفى
~~على المنصف.

# { وكان الله عليما } مبالغا في العلم فيعلم كل ما يبدى ويخفى
~~{ حليما } مبالغا في الحلم فلا يعجل سبحانه بمقابلة من يفعل خلاف ما
~~يحب حسبما يقتضيه فعله من عتاب أو عقاب أو فيصفح عما يغلب على القلب من
~~الميول ونحوها.

# هذا وفي «البحر» «اتفقت الروايات على أنه عليه الصلاة والسلام كان يعدل
~~بين أزواجه المطهرات في القسمة حتى مات ولم يستعمل شيئا مما أبيح له
~~ضبطا لنفسه وأخذا فالأفضل غير ما جرى لسودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة
~~وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك» وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن
~~شهاب أنه قال لم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجأ منهن شيئا
~~ولا عزله بعد ما خيرن فاخترنه. وأخرج الشيخان وأبو داود والنسائي وغيرهم
~~عن عائشة أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يستأذن في يوم المرأة منا
~~بعد أن أنزلت هذه الآية { ترجى من تشاء منهن } فقيل لها: ما
~~كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول له إن كان ذاك إلي فإني لا أريد أن أوثر
~~عليك أحدا فتأمله مع حكاية الاتفاق السابق والله تعالى الموفق.

### || [33.52]

# { لا يحل لك النساء } بالياء لأن تأنيث الجمع غير حقيقي وقد
~~وقع بفصل أيضا، والمراد بالنساء الجنس الشامل للواحدة ولم يؤت بمفرد
~~لأنه لا مفرد له من لفظه والمرأة شاملة للجارية وليست بمرادة، واختصاص
~~النساء بالحرائر بحكم العرف، وقرأ البصريان بالتاء الفوقية، وسهل وأبو
~~حاتم يخير فيهما، وأيا ما كان فالمراد يحرم عليك نكاح النساء { من
~~بعد } قيل أي من بعد التسع اللاتي في عصمتك اليوم، أخرج ابن سعد عن
~~عكرمة قال: لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه اخترنه فأنزل
~~الله تعالى لا يحل لك النساء من بعد هؤلاء التسع اللاتي ms08549 / اخترنك أي لقد
~~حرم عليك تزويج غيرهن؛ وأخرج أبو داود في «ناسخه» وابن مردويه والبيهقي
~~في «سننه» عن أنس قال لما خيرهن فاخترن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه
~~وسلم قصره عليهن فقال سبحانه: { لا يحل لك النساء من بعد }
~~وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال في الآية حبسه الله تعالى عليهن
~~كما حبسهن عليه عليه الصلاة والسلام، وقدر بعضهم المضاف إليه المحذوف
~~اختيارا أي من بعد اختيارهن الله تعالى ورسوله. وقال الإمام: هو أولى
~~وكأن ذلك لكونه أدل على أن التحريم كان كرامة لهن وشكرا على حسن صنيعهن.
~~وجوز أخر أن يكون التقدير من بعد اليوم وماله تحريم من عدا اللاتي اخترنه
~~عليه الصلاة والسلام. وحكى في «البحر» عن ابن عباس وقتادة قال: لما خيرن
~~فاخترن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم جازاهن أن حظر عليه النساء
~~غيرهن وتبديلهن ونسح سبحانه بذلك ما أباحه له قبل من التوسعة في جميع
~~النساء، وحكى أيضا عن مجاهد وابن جبير أن المعنى من بعد إباحة النساء
~~على العموم، وقيل التقدير من بعد التسع على معنى أن هذا العدد مع قطع
~~النظر عن خصوصية المعدود نصابه صلى الله عليه وسلم من الأزواج كما أن
~~الأربع نصاب أمته منهن فالمعنى لا يحل لك الزيادة على التسع.

# { ولا أن تبدل } أصله تتبدل فخفف بحذف إحدى التاءين أي ولا يحل
~~لك أن تستبدل { بهن من أزواج } بأن تطلق واحدة منهن وتنكح
~~بدلها أخرى، ففي الآية حكمان حرمة الزيادة وحرمة الاستبدال، وظاهره أنه
~~يحل له عليه الصلاة والسلام نكاح امرأة أخرى على تقدير أن تموت واحدة من
~~التسع، وإذا كان المراد من الآية تحريم من عدا اللاتي اخترنه عليه الصلاة
~~والسلام أفادت الآية أنه لو ماتت واحدة منهن لم يحل له نكاح أخرى، وكلام
~~ابن عباس السابق ظاهر في ذلك جدا، وكأن قوله تعالى: { ولا أن
~~تبدل } الخ عليه لدفع توهم أن المحرم ليس إلا أن يرعهن صلى الله
~~عليه وسلم بواحدة من الضرائر. ms08550

# وفي رواية أخرى عن عكرمة أن المعنى لا يحل لك النساء من بعد هؤلاء
~~اللاتي سمى الله تعالى لك في قوله سبحانه:

# يأيها النبى إنا أحللنا لك أزوجك

# [الأحزاب: 50] الآية فلا يحل له صلى الله عليه وسلم ما وراء الأجناس
~~الأربعة كالأعرابيات والغرائب ويحل له منها ما شاء، وأخرج عبد بن حميد
~~والترمذي وحسنه وغيرهما عن ابن عباس ما هو ظاهر في ذلك حيث قال في الخبر
~~وقال تعالى:

# يأيها النبى إنا أحللنا لك

# [الأحزاب: 50] إلى قوله سبحانه:

# خالصة لك

# [الأحزاب: 50] وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء، وأخرج عبد الله بن أحمد
~~في «زوائد المسند» وابن جرير وابن المنذر والضياء في «المختارة» وغيرهم
~~عن زياد قال: قلت لأبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أرأيت لو أن أزواج
~~النبي عليه الصلاة والسلام متن أما يحل له أن يتزوج قال: وما يمنعه من
~~ذلك قلت: قوله تعالى: { لا يحل لك النساء من بعد } فقال:
~~إنما أحل له ضربا من النساء ووصف له صفة فقال سبحانه

# يأيها النبى إنا أحللنا لك أزوجك

# [الأحزاب: 50] إلى قوله تعالى:

# وامرأة مؤمنة

# [الأحزاب: 50] الخ ثم قال تبارك وتعالى { لا يحل لك النساء
~~من بعد } هذه الصفة، وعلى هذا القول قال الطيبي: يكون قوله سبحانه:
~~{ ولا أن تبدل } الخ تأكيدا لما قبله من تحريم غير ما نص عليه
~~من الأجناس الأربعة وكأن ضمير { بهن } للأجناس المذكورة في قوله تعالى:

# يأيها النبى إنا أحللنا لك أزوجك

# [الأحزاب: 50] الآية والمعنى لا يحل لك أن تترك هذه الأجناس وتعدل عنها
~~إلى أجناس غيرها.

# وقال شيخ الإسلام أبو السعود عليه الرحمة بعد ما حكى القول المذكور
~~يأباه قوله تعالى: { ولا أن تبدل بهن } الخ فإن معنى إحلال
~~الأجناس المذكورة إحلال / نكاحهن فيكون التبدل بهن إحلال نكاح غيرهن بدل
~~إحلال نكاحهن وذلك إنما يتصور بالنسخ الذي هو ليس من الوظائف البشرية
~~انتهى فتأمل ولا تغفل، وقيل: { ولا أن تبدل } من البدل الذي كان
~~في الجاهلية كان يقول الرجل للرجل بادلني بامرأتك ms08551 وأبادلك بامرأتي فينزل
~~كل واحد منهما عن امرأته للآخر، وروي نحوه عن ابن زيد وأنكر هذا القول
~~الطبري وغيره في معنى الآية وقالوا ما فعلت العرب ذاك قط، وما روي من
~~حديث عيينة بن حصن أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل عليه
~~بغير استئذان وعنده عائشة: من هذه الحميراء؟ فقال: عائشة فقال عيينة: يا
~~رسول الله إن شئت نزلت لك عن سيدة نساء العرب جمالا ونسبا فليس بتبديل
~~ولا أراد ذلك وإنما احتقر عائشة رضي الله تعالى عنها لأنها كانت إذ ذاك
~~صبية، و(من) مزيد لتأكيد الاستغراق فيشمل النهي تبدل الكل والبعض.

# وقوله تعالى: { ولو أعجبك حسنهن } في موضع الحال فاعل {
~~تبدل } والتقدير مفروضا إعجابك بهن، وحاصله ولا تبدل بهن من أزواج على
~~كل حال، وظاهر كلام بعضهم أنه لا يجوز أن يكون حالا من مفعوله أعني
~~أزواجا وعلل ذلك بتوغله في التنكير. وتعقب بأنه مخالف لكلام النحاة
~~فإنهم جوزوا الحال من النكرة إذا وقعت منفية لأنها تستغرق حينئذ فيزول
~~إبهامها كما صرح به الرضي. وقيل إن التنكير مانع من الحالية ههنا لأن
~~الحال تقاس بالصفة والواو مانعة من الوصفية فتمنع من الحالية ومنع لزوم
~~القياس مع أن الزمخشري وغيره جوزوا دخول الواو على الصفة لتأكيد لصوقها،
~~وقيل في عدم جواز ذلك إن ذا الحال إذا كان نكرة يجب تقديمها ولم تقدم
~~ههنا. وتعقب بأن ذلك غير مسلم في الجملة المقرونة بالواو لكونه بصورة
~~العاطف. واستظهر صاحب «الكشف» الجواز وذكر أن المعنى في الحالين لا
~~يتفاوت كثير تفاوت لأنه إذا تقيد الفعل لزم تقيد متعلقاته وإنما الاختلاف
~~في الأصالة والتبعية، وضمير { حسنهن } للأزواج والمراد بهن من يفرضن
~~بدلا من أزواجه اللاتي في عصمته عليه الصلاة والسلام فتسميتهن أزواجا
~~باعتبار ما يعرض مآلا وهذا بناء على أن باء البدل في (بهن) داخلة على
~~المتروك دون المأخوذ فلو اعتبرت داخلة على المأخوذ كان الضمير للنساء لا
~~للأزواج، وممن أعجبه صلى الله عليه وسلم حسنهن على ما قيل أسماء ms08552 بنت عميس
~~الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب بعد وفاته رضي الله تعالى عنه، وفي
~~قوله سبحانه: { ولو أعجبك حسنهن } على ما نقل عن ابن عطية
~~دليل على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها وفي الأخبار أدلة على
~~ذلك وتفصيل الأقوال فيه في كتب الفروع.

# واختلف في أن الآية الدالة على عدم حل النساء له صلى الله عليه وسلم هل
~~هي محكمة أم لا؟ فعن أبي بن كعب وجماعة منهم الحسن وابن سيرين واختاره
~~الطبري واستظهره أبو حيان أنها محكمة وعن علي كرم الله تعالى وجهه وابن
~~عباس وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما والضحاك عليه الرحمة أنها منسوخة
~~وروي ذلك عن عائشة رضي الله تعالى عنها. أخرج أبو داود في «ناسخه»
~~والترمذي وصححه والنسائي والحاكم وصححه أيضا وابن المنذر وغيرهم عنها
~~قالت: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله تعالى له أن
~~يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم لقوله سبحانه:

# ترجى من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء

# [الأحزاب: 51] وهذا ظاهر في أن الناسخ قوله تعالى: { ترجى } الخ وهو
~~مبني على أن المعنى تطلق من تشاء وتمسك من تشاء، ووجه النسخ به على هذا
~~التفسير أنه يدل بعمومه على أنه أبيح له صلى الله عليه وسلم الطلاق
~~والإمساك لكل من يريد فيدل على أن له تطليق منكوحاته ونكاح من يريد من
~~غيرهن إذ / ليس المراد بالإمساك إمساك من سبق نكاحه فقط لعموم (من تشاء)
~~وقوله سبحانه: { تؤوي } ليس مقيدا بمنهن كذا قال الخفاجي، وفي القلب منه
~~شيء ولا بد على القول بأن النسخ بذلك من القول بتأخر نزوله عن نزول الآية
~~المنسوخة إذ لا يمكن النسخ مع التقدم وهو ظاهر ولا يعكر التقدم في المصحف
~~لأن ترتيبه ليس على حسب النزول.

# وقال بعضهم: إن الناسخ السنة ويغلب على الظن أنها كانت فعله عليه الصلاة
~~والسلام. أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن
~~عبد الله بن ms08553 شداد أنه قال في قوله تعالى: { ولا أن تبدل } الخ
~~ذلك لو طلقهن لم يحل له أن يستبدل وقد كان ينكح بعدما نزلت هذه الآية ما
~~شاء ونزلت وتحته تسع نسوة ثم تزوج بعد أم حبيبة بنت أبي سفيان وجويرية
~~بنت الحرث رضي الله تعالى عنهما، والظاهر على القول بأن الآية نزلت كرامة
~~للمختارات وتطييبا لخواطرهن وشكرا لحسن صنيعهن عدم النسخ والله تعالى
~~أعلم.

# وقوله: { إلا ما ملكت يمينك } استثناء من (النساء) متصل
~~بناء على أصل اللغة لتناوله عليه الحرائر والإماء ومنقطع بناء على
~~العرف لاختصاصه فيه بالحرائر { ولا أن تبدل بهن من أزواج } كالصريح فيه.
~~وقال ابن عطية: إن ما إن كانت موصولة واقعة على الجنس فهو استثناء من
~~الجنس مختار فيه الرفع على البدل من (النساء) ويجوز النصب على الاستثناء
~~وإن كانت مصدرية فهي في موضع نصب لأنه استثناء من غير الجنس الأول انتهى،
~~وليس بجيد لأنه قال والتقدير إلا ملك اليمين وملك بمعنى مملوك فإذا كان
~~بمعنى مملوك لم يصح الجزم بأنه ليس من الجنس وأيضا لا يتحتم النصب وإن
~~فرضنا أنه من غير الجنس حقيقة بل أهل الحجاز ينصبون وبنو تميم يبدلون
~~وأيا ما كان فالظاهر حل المملوكة له صلى الله عليه وسلم سواء كانت مما
~~أفاء الله تعالى عليه أم لا.

# { وكان الله على كل شىء رقيبا } أي راقبا أو مراقبا
~~والمراد كان حافظا ومطلعا على كل شيء فاحذروا تجاوز حدوده سبحانه وتخطي
~~حلاله إلى حرامه عز وجل.

### || [33.53]

# { يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبى
~~إلا أن يؤذن لكم } شروع في بيان بعض الحقوق على الناس
~~المتعلقة به صلى الله عليه وسلم وهو عند نسائه، والحقوق المتعلقة بهن رضي
~~الله تعالى عنهن ومناسبة ذلك لما تقدم ظاهرة، والآية عند الأكثرين نزلت
~~يوم تزوج عليه الصلاة والسلام زينت بنت جحش. أخرج الإمام أحمد وعبد بن
~~حميد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن
~~مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن أنس ms08554 قال: لما تزوج رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون وإذا هو كأنه
~~يتهيأ للقيام فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام فلما قام قام من قام وقعد
~~ثلاثة نفر فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل فإذا القوم جلوس ثم أنهم
~~قاموا فانطلقت فجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا
~~فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله تعالى: {
~~يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبى }
~~الآية والنهي للتحريم.

# وقوله سبحانه: { إلا أن يؤذن } بتقدير باء المصاحبة استثناء
~~مفرغ من أعم الأحوال أي لا تدخلوها في حال من الأحوال إلا حال كونكم
~~مصحوبين بالإذن. وجوز أبو حيان كونه بتقدير باء السببية فيكون الاستثناء
~~من أعم الأسباب أي لا تدخلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الإذن، وذهب
~~الزمخشري إلى أنه استثناء من أعم الأوقات أي لا تدخلوها في وقت من
~~الأوقات إلا وقت أن يؤذن لكم، وأورد عليه أبو حيان أن الوقوع موقع الظرف
~~مختص بالمصدر الصريح دون / المؤول فلا يقال أتيتك أن يصيح الديك وإنما
~~يقال أتيتك صياح الديك، ولا يخفى أن القول بالاختصاص أحد قولين للنحاة في
~~المسألة نعم إنه الأشهر والزمخشري إمام في العربية لا يعترض عليه بمثل
~~هذه المخالفة. وزعم بعضهم أن الوقت مقدر في نظم الكلام فيكون محذوفا حذف
~~حرف الجر وأن هذا ليس من باب وقوع المصدر موقع الظرف.

# وأجاز بعض الأجلة كون ذلك استثناء من أعم الأحوال بلا تقدير الباء بل
~~باعتبار أن المصدر مؤول باسم المفعول أي لا تدخلوها إلا مأذونا لكم
~~والمصدر المسبوك قد يؤول بمعنى المفعول كما قيل في قوله تعالى:

# ما كان هذا القرءان أن يفترى

# [يونس: 37] إن المعنى ما كان هذا القرآن مفترى فمن قال كون المصدر بمعنى
~~المفعول غير معروف في المؤول لم يصب، وقيل فيما ذكر مخالفة لقول النحاة
~~المصدر المسبوك معرفة دائما كما صرح به في «المغني». وتعقبه الخفاجي بأن
~~الحق أنه ms08555 سطحي وأنه قد يكون نكرة وذكر قوله تعالى: { ما كان } الخ.

# وقوله سبحانه: { إلى طعام } متعلق بيؤذن وعدي بإلى مع أنه يتعدى
~~بفي فيقال أذن له في كذا لتضمينه معنى الدعاء للإشعار بأنه لا ينبغي أن
~~يدخلوا على طعام بغير دعوة وإن تحقق الإذن الصريح في دخول البيت فإن كل
~~إذن ليس بدعوة، وقيل يجوز أن يكون قد تنازع فيه الفعلان { تدخلوا }
~~و { يؤذن } وهو مما لا بأس به.

# وقوله تعالى: { غير نظرين إنه } أي غير منتظرين نضجه
~~وبلوغه تقول أني الطعام يأنى أنى كقلي يقلى قلى إذا نضج وبلغ قاله
~~الزجاج؛ وقال مكي: إناه ظرف زمان مقلوب آن التي بمعنى الحين فقلبت النون
~~قبل الألف وغيرت الهمزة إلى الكسرة أي غير ناظرين آنه أي حينه والمراد
~~حين إدراكه ونضجه أو حين أكله، حال من فاعل { تدخلوا } وهو حال مفرغ من
~~أعم الأحوال كما سمعت في { إلا أن يؤذن لكم } وإذا جعل ذلك
~~حالا فهي حال مترادفة فكأنه قيل: لا تدخلوا في حال من الأحوال إلا
~~مصحوبين بالإذن غير ناظرين، والظاهر أنها حال مقدرة ويحتمل أن تكون
~~مقارنة، والزمخشري بعد أن جعل ما تقدم نصبا على الظرفية جعل هذا حالا
~~أيضا لكنه قال بعد وقع الاستثناء على الوقت والحال معا كأنه قيل لا
~~تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن ولا تدخلوها إلا غير ناظرين.

# وتعقبه أبو حيان بأنه لا يجوز على مذهب الجمهور من أنه لا يقع بعد (إلا)
~~في الاستثناء إلا المستثنى أو المستثنى منه أو صفة المستثنى منه ثم قال
~~وأجاز الأخفش والكسائي ذلك في الحال أجاز ما ذهب القوم إلا يوم الجمعة
~~راحلين عنا فيجوز ما قاله الزمخشري عليه ولا يخفى على المتأمل في كلام
~~الزمخشري أنه بعيد بمراحل عن جعل الآية الكريمة كالمثال المذكور لأنه على
~~التأخير والتقديم وكلامه آب عن اعتبار ذلك في الآية نعم لو اقتصر على جعل
~~{ غير نظرين } حالا من ضمير { تدخلوا } لأمكن أن يقال إن
~~مراده لا تدخلوا غير ناظرين إلا ms08556 أن يؤذن لكم ويكون المعنى أن دخولهم غير
~~ناظرين إناه مشروط بالإذن وأما دخولهم ناظرين فممنوع مطلقا بطريق الأولى
~~ثم قدم المستثنى وأخر الحال. وتعقبه بعضهم بأن فيه استثناء شيئين وهما
~~الظرف والحال بأداة واحدة وقد قال ابن مالك في «التسهيل»: لا يستثنى
~~بأداة واحدة دون عطف شيئان وظاهره عدم جواز ذلك سواء كان الاستثناء
~~مفرغا أم لا وسواء كان الشيئآن مما يعمل فيهما العامل المتقدم أم لا فلا
~~يجوز قام القوم إلا زيدا عمرا ولا ما قام القوم إلا زيدا عمرا أو إلا
~~زيد عمرو ولا ما قام إلا خالد بكر ولا ما أعطيت أحدا شيئا إلا عمرا
~~دانقا ولا ما أعطيت إلا عمرا دانقا ولا ما أخذ أحد شيئا إلا زيد
~~درهما ولا ما أخذ أحد إلا زيد درهما.

# والكلام / في هذه المسألة وما يصح من هذه التراكيب وما لا يصح وإذا صح
~~فعلى أي وجه يصح طويل عريض، والذي أميل إليه تقييد إطلاقهم لا يستثنى
~~بأداة واحدة دون عطف شيئان بما إذا كان الشيئان لا يعمل فيهما العامل
~~السابق قبل الاستثناء فلا يجوز ما قام إلا زيد إلا بكر مثلا إذ لا يكون
~~للفعل فاعلان دون عطف ولا ما ضربت إلا زيدا عمرا مثلا إذ لا يكون لضرب
~~مفعولان دون عطف أيضا، وأرى جواز نحو ما أعطيت أحدا شيئا إلا عمرا
~~دانقا ونحو ما ضرب إلا زيد عمرا من غير حاجة إلى التزام إبدال اسمين من
~~اسمين نظير قوله:

# ولما قرعنا النبع بالنبع بعضه

# ببعض أبت عيدانه أن تكسرا

# في الأول وإضمار فعل ناصب لعمرو دل عليه المذكور في الثاني، وما ذكره
~~ابن مالك في الاحتجاج على الشبه بالعطف حيث قال: كما لا يقدر بعد حرف
~~العطف معطوفان كذلك لا يقدر بعد حرف الاستثناء مستثنيان لا يتم علينا
~~فإنا نقول في العطف بالجواز في مثل ما ضرب زيد عمرا، وبكر خالدا قطعا
~~فنحو ما أعطيت أحدا شيئا إلا زيدا دانقا كذلك، وقوله: إن الاستثناء
~~في حكم جملة ms08557 مستأنفة لأن معنى جاء القوم إلا زيدا جاء القوم ما منهم زيد
~~وهو على ما قيل يقتضي أن لا يعمل ما قبل إلا فيما بعدها في مثل ما ذكر
~~لأنها بمثابة ما وليس ذلك من الصور المستثناة ليس بشيء كما لا يخفى، وما
~~في «أمالي الكافية» من أنه لا بد في المستثنى المفرغ من تقدير عام فلو
~~استعمل بعد (إلا) شيئان فإما أن لا يقدر عام أصلا وهو يخالف حكم الباب
~~أو يقدر عامان وهو يؤدي إلى أمر خارج عن القياس من غير ثبت ولو جاز في
~~الاثنين جاز فيما فوقهما وهو ظاهر البطلان أو يقدر لأحدهما دون الآخر وهو
~~يؤدي إلى اللبس فيما قصد، تعقبه الحديثي بأن لقائل أن يختار الثالث
~~ويقول: العام لا يقدر إلا للذي يلي إلا منهما لأنه المستثنى المفرغ
~~ظاهرا فلا يحصل اللبس أصلا، وأبو حيان قدر في الآية محذوفا وجعل {
~~غير نظرين } حالا من الضمير فيه والتقدير ادخلوا غير ناظرين
~~وهو الذي يقتضيه كلام ابن مالك حيث أوجب في نحو ما ضرب إلا زيد عمرا جعل
~~عمرا مفعولا لمحذوف دل عليه المذكور، والجملة مستأنفة استئنافا
~~بيانيا وقعت جوابا لسؤال نشأ من الجملة الأولى كأنه لما قيل ما ضرب إلا
~~زيد سأل سائل من ضرب؟ فقيل: ضرب عمرا.

# وذكر العلامة تقي الدين السبكي عليه الرحمة في رسالته المسماة «بالحلم
~~والأناة في إعراب { غير نظرين إنه } » وفيها يقول الصلاح
~~الصفدي:

# يا طالب النحو في زمان

# أطول ظلا من القناة

# وما تحلى منه بعقد

# عليك بالحلم والأناة

# إن الظاهر أن الزمخشري ما قال ذلك إلا تفسير معنى والمستثنى في الحقيقة
~~هو المصدر المتعلق به الظرف والحال فكأنه قيل: لا تدخلوا إلا دخولا
~~مصحوبا بكذا ثم قال: وليست أقول بتقدير مصدر هو عامل فيهما فإن العمل
~~للفعل المفرغ وإنما أردت شرح المعنى، ومثل هذا الإعراب هو الذي نختاره في
~~قوله تعالى:

# وما اختلف الذين أوتوا الكتب إلا من بعد ما
~~جاءهم العلم بغيا بينهم

# [آل عمران: 19] أي إلا ms08558 اختلافا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم فمن
~~بعد ما جاءهم وبغيا ليسا مستثنيين بل وقع عليهما المستثنى وهو الاختلاف
~~كما تقول ما قمت إلا يوم الجمعة ضاحكا أمام الأمير في داره فكلها يعمل
~~فيها الفعل المفرغ من جهة الصناعة وهي من جهة المعنى كالشيء الواحد لأنها
~~بمجموعها بعض من المصدر الذي تضمنه الفعل المنفي وهذا أحسن من أن يقدر
~~اختلفوا بغيا بينهم لأنه حينئذ لا يفيد الحصر وعلى ما قلناه يفيد الحصر
~~فيه كما أفاده في قوله تعالى: { من بعد ما جاءهم العلم } فهو
~~حصر في شيئين لكن بالطريق الذي قلناه لا أنه استثناء شيئين بل استثناء
~~شيء صادق على شيئين، ويمكن حمل كلام الزمخشري على ذلك فقوله: وقع /
~~الاستثناء على الوقت والحال معا صحيح وإن [كان] المستثنى أعم لأن الأعم
~~يقع على الأخص والواقع على الواقع واقع فتخلص عما ورد عليه من قول النحاة
~~لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئآن انتهى فتدبره.

# وجوز أن يكون { غير نظرين } حالا من المجرور في { لكم }
~~ولم يذكره الزمخشري، وفي «الكشف» لو جعل حالا من ذلك لأفاد ما ذكره من
~~حيث إنه نهى عن الدخول في جميع الأوقات إلا وقت وجود الإذن المقيد، وقال
~~العلامة تقي الدين: لم يجعل حالا من ذلك وإن كان جائزا من جهة الصناعة
~~لأنه يصير حالا مقدرة ولأنهم لا يصيرون منهيين عن الانتظار بل يكون ذلك
~~قيدا في الإذن وليس المعنى على ذلك بل على أنهم نهوا أن يدخلوا إلا بإذن
~~ونهوا إذا دخلوا أن يكونوا غير ناظرين أناه فلذلك امتنع من جهة المعنى أن
~~يكون العامل فيه { يؤذن } وأن يكون حالا من مفعوله اه. ولعله أبعد
~~نظرا مما في «الكشف».

# وقرأ ابن أبي عبلة { غير } بالكسر على أنه صفة لطعام فيكون جاريا
~~على غير من هو له، ومذهب البصريين في ذلك وجوب إبراز الضمير بأن يقال هنا
~~غير ناظر أنتم أو غير ناظرين أنتم ولا بأس بحذفه عند الكوفيين إذا لم يقع
~~لبس كما ms08559 هنا والتخريج المذكور عليه، وقد أمال حمزة والكسائي { إنه }
~~بناء على أنه مصدر أني الطعام إذا أدرك، وقرأ الأعمش { إناءه } بمدة بعد
~~النون.

# { ولكن إذا دعيتم فادخلوا } استدراك من النهي عن الدخول
~~بغير إذن وفيه دلالة على أن المراد بالإذن إلى الطعام الدعوة إليه {
~~فإذا طعمتم فانتشروا } أي فإذا أكلتم الطعام فتفرقوا ولا
~~تلبثوا، والفاء للتعقيب بلا مهلة للدلالة على أنه ينبغي أن يكون دخولهم
~~بعد الإذن والدعوة على وجه يعقبه الشروع في الأكل بلا فصل.

# والآية على ما ذهب إليه الجل من المفسرين خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام
~~النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه مخصوصة بهم
~~وبأمثالهم ممن يفعل مثل فعلهم في المستقبل فالنهي مخصوص بمن دخل بغير
~~دعوة وجلس منتظرا للطعام من غير حاجة فلا تفيد النهي عن الدخول بإذن
~~لغير طعام ولا عن الجلوس واللبث بعد الطعام لمهم آخر، ولو اعتبر الخطاب
~~عاما لكان الدخول واللبث المذكوران منهيا عنهما ولا قائل به، ويؤيد ما
~~ذكر ما أخرجه عبد بن حميد عن الربيع عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
~~كانوا يتحينون فيدخلون بيت النبي صلى الله عليه وسلم فيجلسون فيتحدثون
~~ليدرك الطعام فأنزل الله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا }
~~الآية وكذا ما أخرجه ابن أبي حاتم عن سليمان بن أرقم قال نزلت في
~~الثقلاء ومن هنا قيل إنها آية الثقلاء، وتقدم لك القول بجواز كون {
~~إلى طعام } قد تنازع فيه الفعلان { تدخلوا } و { يؤذن }
~~والأمر عليه ظاهر. وقال العلامة ابن كمال: الظاهر أن الخطاب عام لغير
~~المحارم وخصوص السبب لا يصلح مخصصا على ما تقرر في الأصول، نعم يكون
~~وجها لتقييد الإذن بقوله تعالى: { إلى طعام } فيندفع وهم اعتبار
~~مفهومه انتهى وفيه بحث فتأمل والمشهور في سبب النزول ما ذكرناه أول
~~الكلام في الآية عن الإمام أحمد والشيخين وغيرهم فلا تغفل.

# { ولا مستأنسين لحديث } أي لحديث بعضكم بعضا أو لحديث أهل
~~البيت بالتسمع له فاللام تعليلية أو اللام المقوية و { مستأنسين }
~~مجرور معطوف على { نظرين ms08560 } و { لا } زائدة، ويجوز أن يكون منصوبا
~~معطوفا على { غير } كقوله تعالى:

# ولا الضالين

# [الفاتحة: 7]، وجوز أن يكون حالا مقدرة أو مقارنة من فاعل فعل حذف مع
~~فاعله وذلك معطوف على المذكور والتقدير ولا تدخلوها أو لا تمكثوا
~~مستأنسين لحديث.

# { إن ذلكم } أي اللبث الدال عليه الكلام أو الاستئناس أو المذكور
~~من الاستئناس والنظر أو الدخول على غير الوجه المذكور، والأول أقوى
~~ملاءمة / للسياق والسباق { كان يؤذى النبى } لأنه يكون مانعا
~~له عليه الصلاة والسلام عن قضاء بعض أوطاره مع ما فيه من تضييق المنزل
~~عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أهله { فيستحى منكم } أي من
~~إخراجم بأن يقول لكم اخرجوا أو من منعكم عما يؤذيه على ما قيل فالكلام
~~على تقدير المضاف لقوله تعالى:

# { والله لا يستحى من الحق } فإنه يدل على أن المستحيا
~~منه معنى من المعاني لا ذواتهم ليتوارد النفي والإثبات على شيء واحد كما
~~يقتضيه نظام الكلام فلو كان المراد الاستحياء من ذواتهم لقال سبحانه
~~والله لا يستحي منكم فالمراد بالحق إخراجهم أو المنع عن ذلك، ووضع الحق
~~موضعه لتعظيم جانبه وحاصل الكلام أنه تعالى لم يترك الحق وأمركم بالخروج،
~~والتعبير بعدم الاستحياء للمشاكلة، وجوز أن يكون الكلام على الاستعارة أو
~~المجاز المرسل، واعتبار تقدير المضاف مما ذهب إليه الزمخشري وكثير وهو
~~الذي ينبغي أن يعول عليه، وفي «الكشف» فإن قلت: الاستحياء من زيد للإخراج
~~مثلا هو الحقيقة والاستحياء من استخراجه توسع بجعل ما نشأ منه الفعل
~~كالصلة وكلتا العبارتين صحيحة يصح إيقاع إحداهما موقع الأخرى، قلت: أريد
~~أنه لا بد من ملاحظة معنى الإخراج فإما أن يقدر الإخراج ويوقع عليه فيكثر
~~الإضمار ولا يطابق اللفظ نفيا وإثباتا، وإما أن يقدر المضاف فيقل
~~ويطابق، ومع وجود المرجح وفقد المانع لا وجه للعدول فلا بد مما ذكر.

# وقال العلامة ابن كمال: إن قوله تعالى: { فيستحى منكم } تعليل
~~المحذوف دل عليه السياق أي ولا يخرجكم فيستحي منكم ولذلك صدر بأداة
~~التعليل ولو كان المعنى يستحي من إخراجكم لكان ms08561 حقه أن يصدر بالواو، وفيه
~~أن الكلام بعد تسليم ما ذكر على تقدير المضاف. وزعم بعضهم أن الأصل
~~فيستحي منكم من الحق والله لا يستحيي منكم من الحق، والمراد بالحق
~~إخراجهم على أن ذلك من الاحتباك وكلا حرفي الجر ليس بمعنى واحد بل الأول
~~للابتداء والثاني للتعليل، وقال: إن الحمل على ذلك هو الأنسب للإعجاز
~~التنزيلي والاختصار القرآني ولا يخفى ما فيه.

# وقرأت فرقة كما في «البحر» { فيستحي } بكسر الحاء مضارع استحى وهي لغة
~~بني تميم والمحذوف أما عين الكلمة فوزنه يستفل أو لامها فوزنه يستفع، وفي
~~«الكشاف» قرىء { لا يستحى } بياء واحدة وأظن أن القراءة بياء واحدة
~~في الفعل في الموضعين.

# هذا والظاهر حرمة اللبث على المدعو إلى طعام بعد أن يطعم إذا كان في ذلك
~~أذى لرب البيت وليس ما ذكر مختصا بما إذا كان اللبث في بيت النبي عليه
~~الصلاة والسلام، ومن هنا كان الثقيل مذموما عند الناس قبيح الفعل عند
~~الأكياس. وعن ابن عباس وعائشة رضي الله تعالى عنهما: حسبك في الثقلاء أن
~~الله عز وجل لم يحتملهم. وعندي كالثقيل المذكور من يدعى في وقت معين مع
~~جماعة فيتأخر عن ذلك الوقت من غير عذر كثير شرعي بل لمحض أن ينتظر ويظهر
~~بين الحاضرين مزيد جلالته وأن صاحب البيت لا يسعه تقديم الطعام للحاضرين
~~قبل حضوره مخافة منه أو احتراما له أو لنحو ذلك فيتأذى لذلك الحاضرون أو
~~صاحب البيت، وقد رأينا من هذا الصنف كثيرا نسأل الله تعالى العافية إن
~~فضله سبحانه كان كبيرا.

# { وإذا سألتموهن } الضمير لنساء النبي صلى الله عليه وسلم
~~المدلول عليهن بذكر بيوته عليه الصلاة والسلام أي وإذا طلبتم منهن {
~~متعا } أي شيئا يتمتع به من الماعون وغيره { فاسئلوهن }
~~فاطلبوا منهن ذلك { من وراء حجاب } أي ستر. / أخرج البخاري وابن
~~جرير وابن مردويه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي
~~الله تعالى عنه يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات
~~المؤمنين بالحجاب فأنزل ms08562 الله تعالى آية الحجاب وكان رضي الله تعالى عنه
~~حريصا على حجابهن وما ذاك إلا حبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرج
~~ابن جرير عن عائشة أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام كن يخرجن بالليل
~~إذ برزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى
~~عنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك فلم يكن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم يفعل فخرجت سودة بنت زمعة رضي الله تعالى عنها ليلة من
~~الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فناداها عمر رضي الله تعالى عنه بصوته
~~الأعلى قد عرفناك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب فأنزل الله تعالى
~~الحجاب وذلك أحد موافقات عمر رضي الله تعالى عنه وهي مشهورة.

# وعد الشيعة ما وقع منه رضي الله تعالى عنه في خبر ابن جرير من المثالب
~~قالوا: لما فيه من سوء الأدب وتخجيل سودة حرم رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وإيذائها بذلك. وأجاب أهل السنة بعد تسليم صحة الخبر أنه رضي الله
~~تعالى عنه رأى أن لا بأس بذلك لما غلب على ظنه من ترتب الخير العظيم
~~عليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان أعلم منه وأغير لم يفعل ذلك
~~انتظارا للوحي وهو اللائق بكمال شأنه مع ربه عز وجل. وأخرج البخاري في
~~«الأدب» والنسائي من حديث عائشة أنها كانت تأكل معه عليه الصلاة والسلام
~~وكان يأكل معهما بعض أصحابه فأصابت يد رجل يدها فكره النبي صلى الله
~~عليه وسلم ذلك فنزلت، ولا يبعد أن يكون مجموع ما ذكر سببا للنزول، ونزل
~~الحجاب على ما أخرج ابن سعد عن أنس سنة خمس من الهجرة. وأخرج عن صالح بن
~~كيسان أن ذلك في ذي القعدة منها.

# { ذلكم } الظاهر أنه إشارة إلى السؤال من وراء حجاب، وقيل: هو إشارة
~~إلى ما ذكر من عدم الدخول بغير إذن وعدم الاستئناس للحديث عند الدخول
~~وسؤال المتاع من وراء حجاب { أطهر لقلوبكم وقلوبهن } أي
~~أكثر تطهرا من الخواطر الشيطانية ms08563 التي تخطر للرجال في أمر النساء
~~وللنساء في أمر الرجال فإن الرؤية سبب التعلق والفتنة، وفي بعض الآثار

# " النظر سهم مسموم من سهام إبليس "

# ، وقال الشاعر:

# والمرء ما دام ذا عين يقلبها

# في أعين العين موقوف على الخطر

# يسر مقلته ما ساء مهجته

# لا مرحبا بانتفاع جاء بالضرر

# { وما كان لكم } أي وما صح وما استقام لكم { أن تؤذوا
~~رسول الله } أي تفعلوا في حياته فعلا يكرهه ويتأذى به كاللبث
~~والاستئناس بالحديث الذي كنتم تفعلونه وغير ذلك، والتعبير عنه عليه
~~الصلاة والسلام بعنوان الرسالة لتقبيح ذلك الفعل والإشارة إلى أنه بمراحل
~~عما يقتضيه شأنه صلى الله عليه وسلم إذ في الرسالة / من نفعهم المقتضي
~~للمقابلة بالمثل دون الإيذاء ما فيها { ولا أن تنكحوا أزواجه
~~من بعده أبدا } من بعد وفاته أو فراقه وهو كالتخصيص بعد التعميم
~~فإن نكاح زوجة الرجل بعد فراقه إياها من أعظم الأذى. ومن الناس من تفرط
~~غيرته على زوجته حتى يتمنى لها الموت لئلا تنكح من بعده وخصوصا العرب
~~فإنهم أشد الناس غيرة. وحكى الزمخشري أن بعض الفتيان قتل جارية له يحبها
~~مخافة أن تقع في يد غيره بعد موته.

# وظاهر النهي أن العقد غير صحيح، وعموم الأزواج ظاهر في أنه لا فرق في
~~ذلك بين المدخول بها وغيرها كالمستعيذة والتي رأى بكشحها بياضا فقال لها
~~عليه الصلاة والسلام قبل الدخول: «الحقي بأهلك» وهو الذي نص عليه الإمام
~~الشافعي وصححه في «الروضة»، وصحح إمام الحرمين والرافعي في «الصغير» أن
~~التحريم للمدخول بها فقط لما روي أن الأشعث بن قيس الكندي نكح المستعيذة
~~في زمن عمر رضي الله تعالى عنه فهم عمر برجمه فأخبر أنها لم يكن مدخولا
~~بها فكف من غير نكير. وروي أيضا أن قتيلة بنت قيس أخت الأشعث المذكور
~~تزوجها عكرمة بن أبي جهل بحضرموت وكانت قد زوجها أخوها قبل من رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فقبل أن يدخل بها حملها معه إلى حضرموت وتوفي عنها
~~عليه الصلاة والسلام فبلغ ذلك أبا بكر ms08564 رضي الله تعالى عنه فقال: هممت أن
~~أحرق عليها بيتها فقال له عمر: ما هي من أمهات المؤمنين ما دخل بها صلى
~~الله عليه وسلم ولا ضرب عليها الحجاب. وقيل: لم يحتج عليه بذلك بل احتج
~~بأنها ارتدت حين ارتد أخوها فلم تكن من أمهات المؤمنين بارتدادها وكذا هو
~~ظاهر في أنه لا فرق في ذلك بين المختارة منهن الدنيا كفاطمة بنت الضحاك
~~بن سفيان الكلابي في رواية ابن إسحاق والمختارة الله تعالى ورسوله صلى
~~الله عليه وسلم كنسائه عليه الصلاة والسلام التسع اللاتي توفي عنهن.

# وللعلماء في حل مختارة الدنيا للأزواج طريقان، أحدهما: طرد الخلاف،
~~والثاني: القطع بالحل واختاره الإمام والغزالي عليهما الرحمة، وكأن من
~~قال بحل غير المدخول بها وبحل المختارة المذكورة حمل الأزواج على من كن
~~في عصمته يوم نزول الآية وعلى من يشبههن ولسن إلا المدخولات بهن اللاتي
~~اخترنه عليه الصلاة والسلام، وإذا حمل ذلك وأريد بقوله تعالى: { من
~~بعده } من بعد فراقه يلزم حرمة نكاح من طلقها صلى الله عليه وسلم من
~~تلك الأزواج على المؤمنين وهو كذلك، ومن هنا اختلف القائلون بانحصار
~~طلاقه صلى الله عليه وسلم بالثلاث فقال بعضهم: تحل له عليه الصلاة
~~والسلام من طلقها ثلاثا من غير محلل، وقال آخرون: لا تحل له أبدا،
~~وظاهر التعبير بالأزواج عدم شمول الحكم لأمة فارقها صلى الله عليه وسلم
~~بعد وطئها. وفي المسألة أوجه ثالثها أنها تحرم إن فارقها بالموت كمارية
~~رضي الله تعالى عنها ولا تحرم إن باعها أو وهبها في الحياة. وحرمة نكاح
~~أزواجه عليه الصلاة والسلام من بعده من خصوصياته صلى الله عليه وسلم،
~~وسمعت عن بعض جهلة المتصوفة أنهم يحرمون نكاح زوجة الشيخ من بعده على
~~المريد وهو جهل ما عليه مزيد.

# { إن ذلكم } إشارة إلى ما ذكر من إيذائه عليه الصلاة والسلام
~~ونكاح أزواجه من بعده، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلته في
~~الشر والفساد { كان عند الله } في حكمه عز وجل { عظيما } أي
~~أمرا عظيما وخطبا ms08565 هائلا لا يقادر قدره، وفيه من تعظيمه تعالى لشأن
~~رسوله صلى الله عليه وسلم وإيجاب حرمته حيا وميتا ما لا يخفى. / ولذلك
~~بالغ عز وجل في الوعيد حيث قال سبحانه: { إن تبدوا شيئا... }.

### || [33.54]

# { إن تبدوا شيئا } مما لا خير فيه على ألسنتكم كأن تتحدثوا
~~بنكاحهن { أو تخفوه } في صدوركم { فإن الله كان بكل
~~شىء عليما } كامل العلم فيجازيكم بما صدر عنكم من المعاصي البادية
~~والخافية لا محالة، وهذا دليل الجواب والأصل إن تبدوا شيئا أو تخفوه
~~يجازكم به فإن الله الخ. وقيل هو الجواب على معنى فأخبركم أن الله الخ،
~~وفي تعميم { شىء } في الموضعين مع البرهان على المقصود من ثبوت علمه
~~تعالى بما يتعلق بزوجاته صلى الله عليه وسلم مزيد تهويل وتشديد ومبالغة
~~الوعيد.

# وسبب نزول الآية على ما قيل أنه لما نزلت آية الحجاب قال رجل: اننهى أن
~~نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد صلى الله عليه وسلم
~~لنتزوجن نساءه، وفي بعض الروايات تزوجت عائشة أو أم سلمة. وأخرج جويبر عن
~~ابن عباس

# " أن رجلا أتى بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فكلمها وهو ابن
~~عمها فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا تقومن هذا المقام بعد يومك هذا
~~فقال: يا رسول الله إنها ابنة عمي والله ما قلت لها منكرا ولا قالت لي
~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد عرفت ذلك أنه ليس أحد أغير من الله
~~تعالى وإنه ليس أحد أغير مني فمضى ثم قال: عنفني من كلام ابنة عمي
~~لأتزوجنها من بعده فأنزل الله تعالى هذه الآية فأعتق ذلك الرجل رقبة وحمل
~~على عشرة أبعرة في سبيل الله تعالى وحج ماشيا من كلمته "

# وأخرج عبد الرزاق. وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة أن طلحة بن عبيد
~~الله قال: لو قبض النبي صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة فنزلت { وما
~~كان لكم } الآية. قال ابن عطية: «كون القائل طلحة رضي الله تعالى
~~عنه لا يصح» وهو الذي يغلب على ms08566 ظني ولا أكاد أسلم الصحة إلا إذا سلم ما
~~تضمنه خبر ابن عباس مما يدل على الندم العظيم، وفي بعض الروايات أن بعض
~~المنافقين قال حين تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بعد أبي
~~سلمة وحفصة بعد خنيس بن حذافة ما بال محمد صلى الله عليه وسلم يتزوج
~~نساءنا والله لو قد مات لأجلنا السهام على نسائه فنزلت، ولعمري أن ذلك
~~غير بعيد عن المنافقين وهو أبعد من العيوق عن المؤمنين المخلصين لا سيما
~~من كان من المبشرين رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ورأيت لبعض الأجلة أن
~~طلحة الذي قال ما قال ليس هو طلحة أحد العشرة وإنما هو طلحة آخر لا يبعد
~~منه القول المحكي وهذا من باب اشتباه الاسم فلا إشكال.

### || [33.55]

# { لا جناح عليهن فى ءابائهن ولا أبنائهن
~~ولا إخونهن ولا أبناء إخونهن ولا أبناء
~~أخوتهن } استئناف لبيان من لا يجب عليهن الاحتجاب عنه، روي أنه
~~لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب أو نحن يا رسول الله
~~نكلمهن أيضا من وراء حجاب؟ فنزلت، والظاهر أن المعنى لا إثم عليهن في
~~ترك الحجاب من آبائهن الخ، وروي ذلك عن قتادة، وعن مجاهد أن المراد لا
~~جناح عليهن في وضع الجلباب وإبداء الزينة للمذكورين، وفي حكمهم كل ذي رحم
~~محرم من نسب أو رضاع على ما روى ابن سعد عن الزهري، وأخرج ابن أبي شيبة.
~~وأبو داود في «ناسخه» عن عكرمة قال: بلغ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~أن عائشة رضي الله تعالى عنها احتجبت من الحسن رضي الله تعالى عنه فقال:
~~إن رؤيته لها لحل.

# ولم يذكر العم والخال لأنهما بمنزلة الوالدين أو لأنه اكتفى عن ذكرهما
~~بذكر أبناء الإخوة وأبناء الأخوات فإن مناط عدم لزوم الحجاب بينهن وبين
~~الفريقين عين ما بينهن وبين العم والخال من العمومة والخؤولة لما أنهن
~~عمات لأبناء الأخوة وخالات لأبناء الأخوات، وقال الشعبي: / لم يذكرا وإن
~~كانا من المحارم لئلا يصفاها لأبنائهما وليسوا من المحارم، وقد ms08567 أخرج نحو
~~ذلك ابن جرير وابن المنذر عن علي كرم الله تعالى وجهه، وقد كره الشعبي
~~وعكرمة أن تضع المرأة خمارها عند عمها أو خالها مخافة وصفه إياها لابنه،
~~وهذا القول عندي ضعيف لجريان ذلك في النساء كلهن ممن لم يكن أمهات محارم،
~~ولا أرى صحة الرواية عن علي كرم الله تعالى وجهه.

# { ولا نسائهن } أي النساء المؤمنات على ما روي عن ابن عباس وابن
~~زيد ومجاهد، والإضافة إليهن باعتبار أنهن على دينهن فيحتجبن على الكافرات
~~ولو كتابيات، وفي «البحر» دخل في نسائهن الأمهات والأخوات وسائر القرابات
~~ومن يتصل بهن من المتصرفات لهن والقائمات بخدمتهن. { ولا ما ملكت
~~أيمنهن } ظاهره من العبيد والإماء، وأخرجه ابن مردويه عن ابن
~~عباس وإليه ذهب الإمام الشافعي، وقال الخفاجي: مذهب أبي حنيفة أنه مخصوص
~~بالإماء وعلى الظاهر استثنى المكاتب قال أبو حيان: إنه صلى الله عليه
~~وسلم أمر بضرب الحجاب دونه وفعلته أم سلمة مع مكاتبها نبهان.

# { واتقين الله } في كل ما تأتن وتذرن لا سيما فيما أمرتن به وما
~~نهيتن عنه، وفي «البحر» في الكلام حذف والتقدير اقتصرن على هذا واتقين
~~الله تعالى فيه أن تتعدينه إلى غيره، وفي نقل الكلام من الغيبة إلى
~~الخطاب فضل تشديد في طلب التقوى منهن { إن الله كان على كل
~~شىء شهيدا } لا تخفى عليه خافية ولا تتفاوت في علمه الأحوال فيجازي
~~سبحانه على الأعمال بحسبها.

# هذا واختلف في حرمة رؤية أشخاصهن مستترات فقال بعضهم بها ونسب ذلك إلى
~~القاضي عياض، وعبارته فرض الحجاب مما اختصصن به فهو فرض عليهن بلا خلاف
~~في الوجه والكفين فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها ولا أظهار
~~شخوصهن وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه ضرورة من براز. ثم استدل بما في
~~«الموطأ» أن حفصة لما توفي عمر رضي الله تعالى عنه سترتها النساء عن أن
~~يرى شخصها وأن زينب بنت جحش جعلت لها القبلة فوق نعشها لتستر شخصها
~~انتهى، وتعقب ذلك الحافظ ابن حجر فقال ليس فيما ms08568 ذكره دليل على ما ادعاه
~~من فرض ذلك عليهن فقد كن بعد النبي صلى الله عليه وسلم يحججن ويطفن وكان
~~الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص
~~اه، وأنا أرى أفضلية ستر الأشخاص فلا يبعد القول بندبه لهن وطلبه منهن
~~أزيد من غيرهن، وفي «البحر» ذهب عمر رضي الله تعالى عنه إلى أنه لا يشهد
~~جنازة زينب إلا ذو محرم منها مراعاة للحجاب فدلته أسماء بنت عميس على
~~سترها في النعش بقبة تضرب عليه وأعلمته أنها رأت ذلك في بلاد الحبشة
~~فصنعه عمر رضي الله تعالى عنه، وروي أنه صنع ذلك في جنازة فاطمة بنت رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم.

### || [33.56]

# { إن الله وملئكته يصلون على النبى }
~~كالتعليل لما أفاده الكلام السابق من التشريف العظيم الذي لم يعهد له
~~نظير، والتعبير بالجملة الاسمية للدلالة على الدوام والاستمرار، وذكر أن
~~الجملة تفيد الدوام نظرا إلى صدرها من حيث أنها جملة اسمية وتفيد التجدد
~~نظرا إلى عجزها من حيث أنها جملة فعلية فيكون مفادها استمرار الصلاة
~~وتجددها وقتا فوقتا، وتأكيدها بأن للاعتناء بشأن الخبر، وقيل لوقوعها
~~في جواب سؤال مقدر هو ما سبب هذا التشريف العظيم؟

# وعبر بالنبي دون اسمه صلى الله عليه وسلم على خلاف الغالب في حكايته
~~تعالى عن أنبيائه عليهم السلام إشعارا بما اختص به صلى الله عليه وسلم
~~من مزيد الفخامة والكرامة وعلو القدر، وأكد ذلك الإشعار بأل التي للغلبة
~~إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم المعروف / الحقيق بهذا الوصف، وقال بعض
~~الأجلة إن ذاك للإشعار بعلة الحكم، ولم يعبر بالرسول بدله ليوافق ما قبله
~~من قوله تعالى:

# وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله

# [الأحزاب: 53] لأن الرسالة أفضل من النبوة على الصحيح الذي عليه الجمهور
~~خلافا للعز بن عبد السلام فتعليق الحكم بها لا يفيد قوة استحقاقه عليه
~~الصلاة والسلام للصلاة بخلاف تعليقه بما هو دونها مع وجودها فيه وهو معنى
~~دقيق فلا تسارع إلى الاعتراض عليه.

# وإضافة الملائكة للاستغراق. وقيل: ms08569 { ملائكته } ولم يقل الملائكة إشارة
~~إلى عظم قدرهم ومزيد شرفهم بإضافتهم إلى الله تعالى وذلك مستلزم لتعظيمه
~~صلى الله عليه وسلم بما يصل إليه منهم من حيث أن العظيم لا يصدر منه إلا
~~عظيم، ثم فيه التنبيه على كثرتهم وأن الصلاة من هذا الجمع الكثير الذي لا
~~يحيط بمنتهاه غير خالقه واصلة إليه صلى الله عليه وسلم على ممر الأيام
~~والدهور مع تجددها كل وقت وحين، وهذا أبلغ تعظيم وأنهاه وأشمله وأكمله
~~وأزكاه.

# واختلفوا في معنى الصلاة من الله تعالى وملائكته عليهم السلام على نبيه
~~صلى الله عليه وسلم على أقوال فقيل: هي منه عز وجل ثناؤه عليه عند
~~ملائكته وتعظيمه، ورواه البخاري عن أبي العالية وغيره عن الربيع بن أنس
~~وجرى عليه الحليمي في «شعب الايمان»، وتعظيمه تعالى إياه في الدنيا
~~بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء العمل بشريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في
~~أمته وإجزال أجره ومثوبته وإبداء فضله للأولين والآخرين بالمقام المحمود
~~وتقديمه على كافة المقربين الشهود، وتفسيرها بذلك لا ينافي عطف غيره
~~كالآل والأصحاب عليه لأن تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به، وهي من الملائكة
~~الدعاء له عليه الصلاة والسلام على ما رواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم
~~عن أبي العالية، وقيل: هي منه تعالى رحمته عز وجل، ونقله الترمذي عن
~~الثوري، وغير واحد من أهل العلم ونقل عن أبي العالية أيضا، وعن الضحاك،
~~وجرى عليه المبرد وابن الأعرابي والإمام المارودي وقال: إن ذلك أظهر
~~الوجوه.

# واعترض بما مر عند الكلام في قوله تعالى:

# هو الذى يصلى عليكم وملئكته

# [الأحزاب: 43] والجواب هو الجواب، وبأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم
~~سألوا - كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى لما نزلت - عن كيفية الصلاة
~~فلو لم يكونوا فهموا المغايرة بينها وبين الرحمة ما سألوا عن كيفيتها مع
~~كونهم علموا الدعاء بالرحمة في التشهد. وأجيب بأنها رحمة خاصة فسألوا عن
~~الكيفية ليحيطوا علما بذلك الخصوص، وهي من الملائكة كما سمعت أولا،
~~ويلزم على هذا وذلك استعمال اللفظ في معنيين ms08570 ولا يجوزه كثير كالحنفية،
~~والقائلين بأحد القولين الذين لا يجوزون الاستعمال المذكور اختلفوا في
~~التفصي عن ذلك في الآية فقال بعضهم: في الآية حذف والأصل إن الله يصلي
~~وملائكته يصلون فيكون قد أدى كل معنى بلفظ، وقال آخر: تعدد الفاعل صير
~~الفعل كالمتعدد، وقال صدر الشريعة يجوز أن يكون المعنى واحدا حقيقيا
~~وهو الدعاء والمعنى والله تعالى أعلم أنه تعالى يدعو ذاته والملائكة
~~بإيصال الخير وذلك في حقه تعالى بالرحمة وفي حق الملائكة بالاستغفار،
~~وفيه دغدغة لا تخفى، وقال جمع من المحققين: يتفصى عن ذلك بعموم المجاز
~~فيراد معنى مجازى عام يكون كل من المعاني فردا حقيقيا له وهو الاعتناء
~~بما فيه خيره صلى الله عليه وسلم وصلاح أمره وإظهار شرفه وتعظيم شأنه أو
~~الترحم والانعطاف المعنوي.

# وقال بعض الأجلة: إن معنى الصلاة يختلف باعتبار حال المصلي والمصلى له
~~والمصلى عليه، والأولى أنها موضوعة هنا للقدر المشترك وهو الاعتناء
~~بالمصلى عليه أو إرادة وصول الخير، وقال آخر: الصواب أن الصلاة لغة بمعنى
~~واحد وهو العطف ثم هو بالنسبة إليه تعالى الرحمة وإلى الملائكة عليهم
~~السلام الاستغفار / وإلى الآدميين الدعاء. وتعقب بأن العطف بمعناه
~~الحقيقي مستحيل عليه تعالى فيلزم من اعتباره مسندا إليه تعالى وإلى
~~الملائكة عليهم السلام ما يلزم. وأجيب بأنا لا نسلم الاستحالة إلا إذا
~~كان العطف في الغائب كالعطف في الشاهد لا يتحقق إلا بقلب ونحوه من صفات
~~الأجسام المستحيلة عليه سبحانه، ونحن من وراء المنع فكثير مما في الشاهد
~~شيء وهو في الله تعالى وراء ذلك ويسند إليه سبحانه على الحقيقة كالسمع
~~والبصر وكذا الإرادة.

# وقد ذهب السلف إلى عدم تأويل الرحمة فيه تعالى بأحد التأويلين المشهورين
~~مع أنها في الشاهد لا تتحقق إلا بما يستحيل عليه تعالى ولو أوجب ذلك
~~التأويل لم يبق بأيدينا غير محتاج إليه إلا قليل، وقد تقدم ما يتعلق بهذا
~~المطلب في غير موضع من هذا الكتاب، وقد يختار أن الصلاة هنا تعظيم لشأنه
~~صلى الله عليه وسلم يقارنه عطف لائق به ms08571 تعالى وبملائكته، وإذا انسحبت
~~عليه عليه الصلاة والسلام وعلى أحد من المؤمنين تعلقت بكل حسبما يليق به،
~~وجمع الله سبحانه والملائكة في ضمير واحد لا ينافي قوله عليه الصلاة
~~والسلام لمن قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصمها فقد غوى «بئس
~~خطيب القوم أنت قل ومن يعص الله ورسوله» لأن ذلك منه تعالى محض تشريف
~~للملائكة عليهم السلام لا يتوهم منه نقص ولذا قيل إذا صدر مثله عن معصوم
~~قيل كما في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما "

# وقال بعضهم: لا بأس بذلك مطلقا، وذم الخطيب لأنه وقف على يعصهما وسكت
~~سكتة واستدل بخبر لأبي داود، وقيل: يقبح إذا كان في جملتين كما في كلام
~~الخطيب ولا يقبح إذا كان في واحدة كما في الآية وكلام الحبيب عليه الصلاة
~~والسلام وفيه بحث.

# وقرأ ابن عباس وعبد الوارث عن أبي عمرو { وملئكته } بالرفع
~~فعند الكوفيين غير الفراء هو عطف على محل (إن) واسمها، والفراء يشترط في
~~العطف على ذلك خفاء إعراب اسم (إن) كما في قوله تعالى:

# إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصبئون

# [المائدة: 69] وكما في قول الشاعر:

# ومن يك أمسى في المدينة رحله

# فإني وقيار بها لغريب

# وهل خفاء الإعراب شامل للاسم المقصور والمضاف للياء أو خاص بالمبنى فيه
~~خلاف، وعند البصريين والراء هو مبتدأ وجملة { يصلون } خبره وخبر (إن)
~~محذوف ثقة بدلالة ما بعد عليه أي إن الله يصلي وملائكته يصلون.

# { يأيها الذين ءامنوا صلوا عليه } أي عظموا شأنه
~~عاطفين عليه فإنكم أولى بذلك. وظاهر سوق الآية أنه لإيجاب اقتدائنا به
~~تعالى فيناسب اتحاد المعنى مع اتحاد اللفظ، وقراءة ابن مسعود (صلوا عليه
~~كما صلى عليه) وكذا قراءة الحسن (فصلوا عليه) أظهر فيما ذكر فيبعد تفسير
~~صلوا عليه بقولوا: اللهم صل على النبي أو نحوه. ومن فسره بذلك أراد أن
~~المراد بالتعظيم المأمور به ما يكون بهذا اللفظ ونحوه مما يدل على طلب
~~التعظيم لشأنه عليه الصلاة ms08572 والسلام من الله عز وجل لقصور وسع المؤمنين عن
~~أداء حقه عليه الصلاة والسلام. وما جاء في الأخبار إرشاد إلى كيفية ذلك
~~وصفته لا أنه تفسير للفظ (صلوا)، وجاء ذلك على عدة أوجه والجمع ظاهر.

# أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والإمام أحمد وعبد بن حميد والبخاري
~~ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن مردويه عن كعب بن عجرة
~~رضي الله تعالى عنه قال: قال رجل: يا رسول الله أما السلام عليك فقد
~~علمناه فكيف الصلاة عليك قال: «قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما
~~صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما
~~باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد».

# / وأخرج الإمام مالك والإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي
~~وابن ماجه وغيرهم عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله كيف
~~نصلي عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم
~~وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد "

# وأخرج الإمام أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن أبي سعيد
~~الخدري قلنا: يا رسول الله هذا السلام عليك قد علمنا فكيف الصلاة عليك؟
~~قال:

# " قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم وبارك
~~على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم "

# وأخرج النسائي وغيره عن أبي هريرة أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم كيف نصلي عليك؟ قال:

# " قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد
~~كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد
~~والسلام كما قد علمتم "

# وأخرج الإمام أحمد وعبد بن حميد وابن مردويه عن ابن بريدة رضي الله
~~تعالى عنه قال: قلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي
~~عليك؟ قال:

# " قولوا اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وعلى آل ms08573 محمد كما
~~جعلتها على إبراهيم إنك حميد مجيد "

# إلى غير ذلك مما ملئت منه كتب الحديث إلا أن في بعض الروايات المذكورة
~~فيها مقالا.

# والظاهر من السؤال أنه سؤال عن الصفة كما أشرنا إليه قبل وهو الذي رجحه
~~الباجي وغيره وجزم به القرطبي. وقيل: إنه سؤال عن معنى الصلاة وبأي لفظ
~~تؤدي والحامل لهم على السؤال على هذا أن السلام لما ورد في التشهد بلفظ
~~مخصوص فهموا أن الصلاة أيضا تقع بلفظ مخصوص ولم يفروا إلى القياس لتيسر
~~الوقوف على النص سيما والأذكار يراعى فيها اللفظ ما أمكن فوقع الأمر كما
~~فهموه فإنه لم يقل عليه الصلاة والسلام كالسلام بل علمهم صفة أخرى كذا
~~قيل. ويقال على الأول: إنهم لما سمعوا الأمر بالصلاة بعد سماع أن الله عز
~~وجل وملائكته عليهم السلام يصلون عليه صلى الله عليه وسلم وفهموا أن
~~الصلاة منه عز وجل ومن ملائكته عليه عليه الصلاة والسلام نوع من تعظيم
~~لائق بشأن ذلك النبي الكريم عليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأكمل
~~التسليم لم يدروا ما اللائق منهم من كيفيات تعظيم ذلك الجناب وسيد ذوي
~~الألباب صلى الله عليه وسلم صلاة وسلاما يستغرقان الحساب فسألوا عن
~~كيفية ذلك التعظيم فأرشدهم عليه الصلاة والسلام إلى ما علم أنه أولى
~~أنواعه وهو بهم رؤوف رحيم فقال صلى الله عليه وسلم:

# " قولوا اللهم صل على محمد "

# إلى آخر ما في بعض الروايات الصحيحة، وفيه إيماء إلى أنكم عاجزون عن
~~التعظيم اللائق بي فاطلبوه من الله عز وجل لي. ومن هنا يعلم أن الآتي
~~بما أمر به - من طلب الصلاة له صلى الله عليه وسلم - عز وجل آت بأعظم
~~أنواع التعظيم لتضمنه الإقرار بالعجز عن التعظيم اللائق، وقد قيل ونسب
~~إلى الصديق رضي الله تعالى عنه العجز عن درك الإدراك إدراك. ويقرب في
~~الجملة مما ذكرنا قول بعض الأجلة ونقله أبو اليمن بن عساكر وحسنه لما
~~أمرنا الله تعالى بالصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم لم نبلغ معرفة
~~فضلها ولم ms08574 ندرك حقيقة مراد الله تعالى فيه فأحلنا ذلك إلى الله عز وجل
~~فقلنا اللهم صل أنت على رسولك لأنك أعلم بما يليق به وبما أردته له صلى
~~الله عليه وسلم انتهى، ولعل ما ذكرناه ألطف منه.

# ومقتضى ظاهر إرشاده صلى الله عليه وسلم إياهم إلى طلب الصلاة عليه من
~~الله تعالى شأنه أنه لا يحصل امتثال الأمر إلا بما فيه طلب ذلك منه عز
~~وجل / ويكفي اللهم صل على محمد لأنه الذي اتفقت عليه الروايات في بيان
~~الكيفية، وكأن خصوصية الإنشاء لفظا ومعنى غير لازمة، ولذا قال بعض من
~~أوجبها في الصلاة وستعلمه إن شاء الله تعالى: إنه كما يكفي اللهم صل
~~على محمد، ولا يتعين اللفظ الوارد خلافا لبعضهم يكفي صلى الله على محمد
~~على الأصح بخلاف الصلاة على رسول الله فإنه لا يجزي اتفاقا لأنه ليس فيه
~~إسناد الصلاة إلى الله تعالى فليس في معنى الوارد. وفي «تحفة ابن حجر»
~~يكفي الصلاة على محمد إن نوى بها الدعاء فيما يظهر، وقال النيسابوري: لا
~~يكفي صليت على محمد لأن مرتبة العبد تقصر عن ذلك بل يسأل ربه سبحانه أن
~~يصلي عليه عليه الصلاة والسلام وحينئذ فالمصلي عليه حقيقة هو الله تعالى،
~~وتسمية العبد مصليا عليه مجاز عن سؤاله الصلاة من الله تعالى عليه
~~الصلاة والسلام فتأمله.

# وذكروا أن الإتيان بصيغة الطلب أفضل من الإتيان بصيغة الخبر. وأجيب عن
~~إطباق المحدثين على الإتيان بها بأنه مما أمرنا به من تحديث الناس بما
~~يعرفون إذ كتب الحديث يجتمع عند قراءتها أكثر العوام فخيف أن يفهموا من
~~صيغة الطلب أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم لم توجد من الله عز وجل
~~بعد وإلا لما طلبنا حصولها له عليه صلاة الله تعالى وسلامه فأتي بصيغة
~~يتبادر إلى أفهامهم منها الحصول وهي مع إبعادها إياهم من هذه الورطة
~~متضمنة للطلب الذي أمرنا به انتهى، ولا يخفى ضعفه فالأولى أن يقال: إن
~~ذلك لأن تصليتهم في الأغلب في أثناء الكلام الخبري نحو قال النبي ms08575 صلى
~~الله عليه وسلم كذا وفعل صلى الله عليه وسلم كذا فأحبوا أن لا يكثر الفصل
~~وأن لا يكون الكلام على أسلوبين لما في ذلك من الخروج عن الجادة المعروفة
~~إذ قلما تجد في الفصيح توسط جملة دعائية إلا وهي خبرية لفظا مع احتمال
~~تشوش ذهن السامع وبطء فهمه وحسن الإفهام مما تحصل مراعاته فتدبر.

# والظاهر أنه لا يحصل الامتثال باللهم عظم محمدا التعظيم اللائق ونحوه
~~مما ليس فيه مشتق من الصلاة كصل وصلي فإنا لم نسمع أحدا عد قائل ذلك
~~مصليا عليه صلى الله عليه وسلم وذلك في غاية الظهور إذا كان قولوا اللهم
~~صل على محمد تفسيرا لقوله تعالى: { صلوا عليه }.

# { وسلموا تسليما } أي وقولوا والسلام عليك أيها النبي ونحوه
~~وهذا ما عليه أكثر العلماء الأجلة، وفي معنى السلام عليك ثلاثة أوجه
~~أحدها السلامة من النقائص والآفات لك ومعك أي مصاحبة وملازمة فيكون
~~السلام مصدرا بمعنى السلامة كاللذاذ واللذاذة والملام والملامة ولما في
~~السلام من الثناء عدى بعلى لا لاعتبار معنى القضاء أي قضى الله تعالى
~~عليك السلام كما قيل لأن القضاء كالدعاء لا يتعدى بعلى للنفع ولا لتضمنه
~~معنى الولاية والاستيلاء لبعده في هذا الوجه، ثانيها السلام مداوم على
~~حفظك ورعايتك ومتول له وكفيل به ويكون السلام هنا اسم الله تعالى، ومعناه
~~على ما اختاره ابن فورك وغيره من عدة أقوال ذو السلامة من كل آفة ونقيصة
~~ذاتا وصفة وفعلا، وقيل: إذا أريد بالسلام ما هو من أسمائه تعالى
~~فالمراد لا خلوت من الخير والبركة وسلمت من كل مكروه لأن اسم الله تعالى
~~إذا ذكر على شيء أفاده ذلك. وقيل: الكلام على هذا التقدير على حذف المضاف
~~أي حفظ الله تعالى عليك والمراد الدعاء بالحفظ، وثالثها الانقياد عليك
~~على أن السلام من المسالمة وعدم المخالفة، والمراد الدعاء بأن يصير الله
~~تعالى العباد منقادين مذعنين له عليه الصلاة والسلام ولشريعته وتعديته
~~بعلى قيل: لما فيه من الإقبال فإن من انقاد لشخص وأذعن له فقد / أقبل
~~عليه، والأرجح عندي ms08576 هو الوجه الأول، وقيل: معنى { سلموا تسليما }
~~انقادوا لأوامره صلى الله عليه وسلم انقيادا وهو غير بعيد إلا أن ظواهر
~~الأخبار والآثار تقتضي المعنى السابق وكأنه لذلك ذهب إليه الأكثرون.

# والجملة صيغة خبر معناها الدعاء بالسلامة وطلبها منه تعالى لنبيه صلى
~~الله عليه وسلم. واستشكل ذلك فيما إذا قال الله تعالى السلام عليك أيها
~~النبي أو نحوه بأن الدعاء لا يتصور منه عز وجل لأنه طلب وهو يتضمن
~~طالبا ومطلوبا ومطلوبا منه وهي أمور متغايرة فإن كان طلبه سبحانه
~~السلامة لنبيه عليه الصلاة والسلام من غيره تعالى فمحاليته من أجلى
~~البديهيات، وإن كان من ذاته عز وجل لزم أن يغاير ذاته والشيء لا يغاير
~~ذاته ضرورة، وهذا منشأ قول بعضهم: إن في السلام منه تعالى إشكالا له شأن
~~فينبغي الاعتناء به وعدم إهمال أمره فقل من يدرك سره.

# وأجيب بأن الطلب من باب الإرادات والمريد كما يريد من غيره أن يفعل
~~شيئا فكذلك يريد من نفسه أن يفعله هو والطلب النفسي وإن لم يكن الإرادة
~~فهو أخص منها وهي كالجنس له فكما يعقل أن المريد يريد من نفسه فكذلك يطلب
~~منها إذ لا فرق بين الطلب والإرادة، والحاصل أن طلب الحق جل وعلا من ذاته
~~أمر معقول يعلمه كل واحد من نفسه بدليل أنه يأمرها وينهاها قال سبحانه:

# إن النفس لأمارة بالسوء

# [يوسف: 53]

# وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى

# [النازعات: 40] والأمر والنهي قسمان من طلب وقد تصورا من الإنسان لنفسه
~~بالنص فكذا بقية أقسام الطلب وأنواعه، وأوضح من هذا أن الطلب منه تعالى
~~بمعنى الإرادة وتعقل إرادة الشخص من ذاته شيئا بناء على التغاير
~~الاعتباري ومثله يكفي في هذا المقام، ومعنى اللهم سلم على النبي اللهم
~~قل السلام على النبي على ما قيل، وقيل: معناه اللهم أوجد أو حقق السلامة
~~له، وقيل: اللهم سلمه من النقائص والآفات.

# وقال بعض المعاصرين: إن السلام عليك ونحوه من الله عز وجل لإنشاء
~~السلامة وإيجادها بهذا اللفظ نظير ما قالوه في ms08577 صيغ العقود واختار أن معنى
~~اللهم سلم على النبي اللهم أوجد السلامة أو حققها له دون قل السلام على
~~النبي تقليلا للمسافة فتدبر، وقد يكون السلام منه عز وجل على أنبيائه
~~عليهم السلام نحو قوله سبحانه:

# سلم على نوح فى العلمين

# [الصافات: 79]

# سلم على إبرهيم

# [الصافات: 109]

# سلم على موسى وهرون

# [الصافات: 120] تنبيا على أنه جل شأنه جعلهم بحيث يدعى لهم ويثنى
~~عليهم.

# ونصب { تسليما } على أنه مصدر مؤكد، وأكد سبحانه التسليم ولم يؤكد
~~الصلاة قيل لأنها مؤكدة بإعلامه تعالى أنه يصلي عليه وملائكته ولا كذلك
~~التسليم فحسن تأكيده بالمصدر إذ ليس ثم ما يقوم مقامه. وإلى هذا يؤل قول
~~ابن القيم التأكيد فيهما وإن اختلف جهته فإنه تعالى أخبر في الأول بصلاته
~~وصلاة ملائكته عليه مؤكدا له بإن وبالجمع المفيد للعموم في الملائكة وفي
~~هذا من تعظيمه صلى الله عليه وسلم ما يوجب المبادرة إلى الصلاة عليه من
~~غير توقف على الأمر موافقة لله تعالى وملائكته في ذلك، وبهذا استغنى عن
~~تأكيد يصلي بمصدر ولما خلا السلام عن هذا المعنى وجاء في حيز الأمر
~~المجرد حسن تأكيده بالمصدر تحقيقا للمعنى وإقامة لتأكيد الفعل مقام
~~تقريره وحينئذ حصل لك التكرير في الصلاة خبرا وطلبا كذلك حصل لك
~~التكرير في السلام فعلا ومصدرا، وأيضا هي مقدمة عليه لفظا والتقديم
~~يفيد الاهتمام فحسن تأكيد السلام لئلا يتوهم قلة الاهتمام به لتأخره،
~~وقيل: إن في الكلام الاحتباك والأصل صلوا عليه تصلية وسلموا عليه تسليما
~~فحذف عليه من إحدى الجملتين والمصدر من الأخرى وأضيفت الصلاة إلى الله
~~تعالى وملائكته دون السلام وأمر / المؤمنون بهما قيل لأن للسلام معنيين
~~التحية والانقياد فأمرنا بهما لصحتهما هنا، ولم يضف لله سبحانه والملائكة
~~لئلا يتوهم إنه في الله تعالى والملائكة يعني الانقياد المستحيل في حقه
~~تعالى وكذا في حق الملائكة، وقيل الصلاة من الله سبحانه والملائكة متضمنة
~~للسلام بمعنى التحية الذي لا يتصور غيره فكان في إضافة الصلاة إليه تعالى
~~وإلى الملائكة استلزام لوجود السلام بهذا المعنى، وأما الصلاة ms08578 منا فهي
~~وإن استلزمت التحية أيضا إلا أنا مخاطبون بالانقياد وهي لا تستلزمه
~~فاحتيج إلى التصريح به فينا لأن الصلاة لا تغني عن معنييه المتصورين في
~~حقنا المطلوبين منا، ثم قيل: وهذا أولى مما قبله لأن ذلك يرد عليه قوله
~~تعالى:

# سلم على إبرهيم

# [الصافات: 109]

# والملئكة يدخلون عليهم من كل باب * سلم
~~عليكم

# [الرعد: 2324] ولا يرد هذان على هذا اه، وفيه بحث.

# وقال الشهاب الخفاجي عليه الرحمة: قد لاح لي في ترك تأكيد السلام
~~وتخصيصه بالمؤمنين نكتة سرية وهي أن السلام عليه عليه الصلاة والسلام
~~تسليمه عما يؤذيه فلما جاءت هذه الآية عقيب ذكر ما يؤذي النبي صلى الله
~~عليه وسلم والأذية إنما هي من البشر وقد صدرت منهم فناسب التخصيص بهم
~~والتأكيد، وربما يقال على بعد في ذلك: إنه يمكن أن يكون سلام الله تعالى
~~وملائكته عليه عليه الصلاة والسلام معلوما للمؤمنين قبل نزول الآية فلم
~~يذكر ويسلمون فيها لذلك وأن كونهم مأمورين بأن يسلموا عليه صلى الله عليه
~~وسلم كان أيضا معلوما لهم ككيفية السلام ويؤذن بهذه المعلومية ما ورد في
~~عدة أخبار أنهم قالوا عند نزول الآية: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم
~~عليك وعنوا بذلك على ما قيل في التشهد من السلام فلما أخبروا بصلاة الله
~~تعالى وملائكته عليه صلى الله عليه وسلم في الآية مجردة عن ذكر السلام
~~وأردف ذلك بالأمر بالصلاة كان مظنة عدم الاعتناء بأمر السلام أو أنه نسخ
~~طلبه منهم فأمروا به مؤكدا دفعا لتوهم ذلك والله تعالى أعلم بحقيقة
~~الحال.

# والأمر في الآية عند الأكثرين للوجوب بل ذكر بعضهم إجماع الأئمة
~~والعلماء عليه، ودعوى محمد بن جرير الطبري أنه للندب بالإجماع مردود أو
~~مؤولة بالحمل على ما زال على مرة واحدة في العمر فقد قال القرطبي
~~المفسر: «لا خلاف في وجوب الصلاة في العمر مرة».

# وتفصيل الكلام في أمرها بعد إلغاء القول بندبها أن العلماء اختلفوا فيها
~~فقيل: واجبة مرة في العمر ككلمة التوحيد لأن الأمر مطلق لا يقتضي تكرارا ms08579
~~والماهية تحصل بمرة وعليه جمهور الأمة منهم أبو حنيفة ومالك وغيرهما،
~~وقيل: واجبة في التشهد مطلقا، وقيل: واجبة في مطلق الصلاة، وتفرد بعض
~~الحنابلة بتعين دعاء الافتتاح بها. وقيل: يجب الإكثار منها من غير تعيين
~~بعدد وحكى ذلك عن القاضي أبي بكر بن بكير، وقيل: تجب في كل مجلس مرة وإن
~~تكرر ذكره صلى الله عليه وسلم مرارا، وقيل: تجب في كل دعاء، وقيل: تجب
~~كلما ذكر عليه الصلاة والسلام وبه قال جمع من الحنفية منهم الطحاوي،
~~وعبارته تجب كلما سمع ذكره من غيره أو ذكره بنفسه وجمع من الشافعية منهم
~~الإمام الحليمي والأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني والشيخ أبو حامد
~~الإسفرايني وجمع من المالكية منهم الطرطوشي وابن العربي والفاكهاني وبعض
~~الحنابلة قيل وهو مبني على القول الضعيف في الأصول أن الأمر المطلق يفيد
~~التكرار وليس كذلك بل له أدلة أخرى كالأحاديث التي فيها الدعاء بالرغم
~~والإبعاد والشقاء والوصف بالبخل والجفاء وغير ذلك مما يقتضي الوعيد وهو
~~عند الأكثر من علامات الوجوب.

# واعترض هذا القول كثيرون بأنه مخالف للإجماع المنعقد قبل قائله إذ لم
~~يعرف عن صحابي ولا / تابعي وبأنه يلزم على عمومه أن لا يتفرغ السامع
~~لعبادة أخرى وأنها تجب على المؤذن وسامعه والقارىء المار بذكره والمتلفظ
~~بكلمتي الشهادة وفيه من الحرج ما جاءت الشريعة السمحة بخلافه، وبأن
~~الثناء على الله تعالى كلما ذكر أحق بالوجوب ولم يقولوا به، وبأنه لا
~~يحفظ عن صحابي أنه قال: يا رسول الله صلى الله عليك، وبأن تلك الأحاديث
~~المحتج بها للوجوب خرجت مخرج المبالغة في تأكد ذلك وطلبه وفي حق من اعتاد
~~ترك الصلاة ديدنا.

# ويمكن التفصي عن جميع ذلك، أما الأول: فلأن القائلين بالوجوب من أئمة
~~النقل فكيف يسعهم خرق الإجماع على أنه لا يكفي في الرد عليهم كونه لم
~~يحفظ عن صحابي أو تابعي وإنما يتم الرد أن حفظ إجماع مصرح بعدم الوجود
~~كذلك وأتى به، وأما الثاني: فممنوع بل يمكن التفرغ لعبادات أخر، وأما
~~الثالث: فللقائلين بالوجوب التزامه وليس فيه ms08580 حرج، وأما الرابع: فلأن
~~جمعا صرحوا بالوجوب في حقه تعالى أيضا، وأما الخامس: فلأنه ورد في عدة
~~طرق عن عدة من الصحابة أنهم لما قالوا: يا رسول الله قالوا: صلى الله
~~عليك، وأما السادس: فلأن حمل الأحاديث على ما ذكر لا يكفي إلا مع بيان
~~سنده ولم يبينوه.

# ثم القائلون بالوجوب كما ذكر أكثرهم على أن ذلك فرض عين على كل فرد فرد
~~وبعضهم على أنه فرض كفاية، واختلفوا أيضا هل يتكرر الوجوب بتكرر ذكره
~~صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد؟ وفي بعض «شروح الهداية» يكفي مرة
~~على الصحيح.

# وقال صاحب «المجتبى»: يتكرر وفي تكرر ذكر الله تعالى لا يتكرر، وفرق هو
~~وغيره بينهما بما فيه نظر. ويمكن الفرق بأن حقوق الله تعالى مبنية على
~~المسامحة والتوسعة وحقوق العباد مبنية على المشاحة والتضييق ما أمكن.
~~والقول بأنها أيضا حق الله تعالى لأمره بها سبحانه ناشيء من عدم فهم
~~المراد بحقه تعالى، وقيل: إنها تجب في القعود آخر الصلاة بين التشهد
~~وسلام التحلل وهذا هو مذهب الشافعي الذي صح عنه، ونقل الإسنوي أن له
~~قولا آخر أنها سنة في الصلاة لم يعتبره أجلة أصحابه ووافقه على ذلك
~~جماعة من الصحابة والتابعين من بعدهم وفقهاء الأمصار، فمن الصحابة ابن
~~مسعود فقد صح عنه أنه قال: يتشهد الرجل في الصلاة ثم يصلي على النبي صلى
~~الله عليه وسلم ثم يدعو لنفسه، وأبو مسعود البدري وابن عمر فقد صح عنهما
~~أنه لا تكون صلاة إلا بقراءة وتشهد وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
~~فإن نسيت من ذلك شيئا فاسجد سجدتين بعد السلام، ومن التابعين الشعبي
~~فقد صح عنه كنا نعلم التشهد فإذا قال: وأن محمدا عبده ورسوله يحمد ربه
~~ويثني عليه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسأل حاجته. وأخرج
~~البيهقي عنه من لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد فليعد
~~صلاته أو قال: لا تجزىء صلاته، والإمام أبو جعفر محمد الباقر فقد روى
~~البيهقي عنه ms08581 نحو ما ذكر عن الشعبي، وصوبه الدارقطني ومحمد بن كعب القرظي
~~ومقاتل بل قال الحافظ ابن حجر: لم أر عن أحد من الصحابة والتابعين
~~التصريح بعدم الوجوب إلا ما نقل عن إبراهيم النخعي وهذا يشعر بأن غيره
~~كان قائلا بالوجوب، ومن فقهاء الأمصار أحمد فإنه جاء عنه روايتان
~~والظاهر أن رواية الوجوب هي الأخيرة فإن قال: كنت أتهيب ذلك ثم تبينت
~~فإذا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة وإسحاق بن راهويه فقد
~~قال في آخر الروايتين عنه: إذا تركها عمدا بطلت صلاته أو سهوا رجوت أن
~~تجزئه وهو قول عند المالكية اختاره ابن العربي منهم ولعله لازم للقائلين
~~بوجوبها كلما ذكر صلى الله عليه وسلم لتقدم ذكره في التشهد إلا أن وجوبها
~~بعد التشهد لذلك لا يستلزم كونها شرطا لصحة الصلاة إلا أنه يرد على
~~القائلين بأن الشافعي رضي الله تعالى عنه شذ في قوله بالوجوب، وأما دليله
~~رضي الله تعالى عنه على ذلك فمذكور في «الأم» وقد استدل له / أصحابه بعدة
~~أحاديث منها الصحيح ومنها الضعيف وألفوا الرسائل في الانتصار له والرد
~~على من شنع عليه كابن جرير وابن المنذر والخطابي والطحاوي وغيرهم، وأنا
~~أرى التشنيع على مثل هذا الإمام شنيعا والتعصب مع قلة التتبع أمرا
~~فظيعا.

# والكلام في السلام كالكلام في الصلاة. وقد صرح ابن فارس اللغوي بأنهما
~~سيان في الفرضية لأن كلا منهما مأمور به في الآية والأمر للوجوب حقيقة
~~إلا إذا ورد ما يصرفه عنه. وأفضل الكيفيات في الصلاة عليه صلى الله عليه
~~وسلم ما علمه رسول الله عليه الصلاة والسلام لأصحابه بعد سؤالهم إياه
~~لأنه لا يختار صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا الأشرف والأفضل، ومن هنا قال
~~النووي في «الروضة»: لو حلف ليصلين على النبي صلى الله عليه وسلم أفضل
~~الصلاة لم يبر إلا بتلك الكيفية، ووجهه السبكي بأن من أتي بها فقد صلى
~~الصلاة المطلوبة بيقين وكان له الخير الوارد في أحاديث الصلاة كذلك، ونقل
~~الرافعي عن المروزي أنه يبر باللهم ms08582 صل على محمد وآل محمد كلما ذكرك
~~الذاكرون وكلما سها عنه الغافلون، وقال القاضي حسين: طريق البر اللهم
~~صل على محمد كما هو أهله ومستحقه، واختار البارزي أن الأفضل اللهم صل
~~على محمد وعلى آل محمد أفضل صلواتك وعدد معلوماتك، وقال الكمال بن
~~الهمام: كلما ذكر من الكيفيات موجود في اللهم صل أبدا أفضل صلواتك على
~~سيدنا عبدك ونبيك ورسولك محمد وآله وسلم عليه تسليما وزده شرفا
~~وتكريما وأنزله المنزل المقرب عندك يوم القيامة، واختار ابن حجر الهيثمي
~~غير ذلك، ونقل ابن عرفة عن ابن عبد السلام أنه لا بد في السلام عليه صلى
~~الله عليه وسلم أن يزيد تسليما كأن يقول: اللهم صلى على محمد وسلم
~~تسليما أو صلى الله تعالى عليه وسلم تسليما، وكأنه أخذ بظاهر ما في
~~الآية وليس أخذا صحيحا كما يظهر بأدنى تأمل.

# ونقل عن جمع من الصحابة ومن بعدهم أن كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه
~~وسلم لا يوقف فيها مع المنصوص وأن من رزقه الله تعالى بيانا فأبان عن
~~المعاني بالألفاظ الفصيحة المباني الصريحة المعاني مما يعرب عن كمال شرفه
~~صلى الله عليه وسلم وعظيم حرمته فله ذلك، واحتج له بما أخرجه عبد الرزاق
~~وعبد بن حميد وابن ماجه وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه
~~قال: إذا صليتم على النبي صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم
~~لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه قالوا: فعلمنا؟ قال: قولوا اللهم جعل صلواتك
~~ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك
~~ورسولك إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة اللهم ابعثه مقاما محمودا
~~يغبطه به الألوان والآخرون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على
~~إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وفي قوله سبحانه: { صلوا
~~عليه وسلموا تسليما } رمز خفي فيما أرى إلى مطلوبية تحسين
~~الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام حيث أتى به كلاما يصلح أن يكون شطرا
~~من البحر الكامل فتدبره فإني أظن أنه نفيس.

# واستدل النووي ms08583 رحمه الله تعالى بالآية على كراهة إفراد الصلاة عن السلام
~~وعكسه لورود الأمر بهما معا فيها ووافقه على ذلك بعضهم، واعترض بأن
~~أحاديث التعليم تؤذن بتقدم تعليم التسليم على تعليم الصلاة فيكون قد أفرد
~~التسليم مرة قبل الصلاة في التشهد. ورد بأن الإفراد في ذلك الزمن لا حجة
~~فيه لأنه لم يقع منه عليه الصلاة والسلام قصدا كيف والآية ناصة عليهما
~~وإنما يحتمل أنه علمهم السلام وظن أنهم يعلمون الصلاة فسكت عن تعليمهم
~~إياها فلما سألوه أجابهم صلى الله عليه وسلم لذلك وهو كما ترى، وذكر
~~العلامة ابن حجر الهيثمي أن الحق أن المراد بالكراهة خلاف الأولى إذ لم
~~يوجد مقتضيها من النهي المخصوص. ونقل الحموي من أصحابنا عن «منية المفتي»
~~أنه لا يكره عندنا إفراد أحدهما عن الآخر ثم قال نقلا عن العلامة / ميرك
~~وهذا الخلاف في حق نبينا صلى الله عليه وسلم وأما غيره من الأنبياء عليهم
~~السلام فلا خلاف في عدم كراهة الإفراد لأحد من العلماء ومن ادعى ذلك
~~فعليه أن يورد نقلا صريحا ولا يجد إليه سبيلا انتهى. وصرح بعضهم أن
~~الكراهة عند من يقول بها إنما هي في الإفراد لفظا وأما الإفراد خطا كما
~~وقع في «الأم» فلا كراهة فيه.

# وعندي أن الاستدلال بالآية على كراهة الإفراد حسبما سمعت في غاية الضعف
~~إذ قصارى ما تدل عليه أن كلا من الصلاة والتسليم مأمور به مطلقا ولا تدل
~~على الأمر بالإتيان بهما في زمان واحد كأن يؤتى بهما مجموعين معطوفا
~~أحدهما على الآخر فمن صلى بكرة وسلم عشيا مثلا فقد امتثل الأمر فإنها
~~نظير قوله تعالى:

# وأقيموا الصلوة وآتوا الزكاة

# [البقرة: 43] و

# اذكروا الله ذكرا كثيرا * وسبحوه

# [الأحزاب: 4142] إلى غير ذلك من الأوامر المتعاطفة، نعم درج أكثر السلف
~~على الجمع بينهما فلا أستحسن العدول عنه مع ما في ذكر السلام بعد الصلاة
~~من السلامة من توهم لا يكاد يعرض إلا للأذهان السقيمة كما لا يخفى.

# وفي دخوله صلى الله عليه وسلم في الخطاب بيا أيها الذين ms08584 آمنوا هنا خلاف
~~فقال بعضهم بالدخول، وقد صرح بعض أجلة الشافعية بوجوب الصلاة عليه صلى
~~الله عليه وسلم في صلاته وذكر أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي على نفسه
~~خارجها كما هو ظاهر أحاديث كقوله صلى الله عليه وسلم حين ضلت ناقته وتكلم
~~منافق فيها «إن رجلا من المنافقين شمت أن ضلت ناقة رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم» وقوله حين عرض على المسلمين رد ما أخذه من أبي العاص زوج
~~ابنته زينب قبل إسلامه «وإن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~سألتني» الحديث فذكر التصلية والتسليم على نفسه بعد ذكره واحتمال أن ذلك
~~في الحديثين من الراوي بعيد جدا اه.

# وتوقف بعضهم في دخوله من حيث أن قرينة سياق

# يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبى

# [الأحزاب: 53] إلى هنا ظاهرة في اختصاص هذا الحكم بالمؤمنين دونه صلى
~~الله عليه وسلم، ونظر فيه بأن ما قبل هذه الآية صريح في اختصاصه
~~بالمؤمنين وأما هي فلا قرينة فيها على الاختصاص، وأنت تعلم أن للأصوليين
~~في دخوله صلى الله عليه وسلم في نحو هذه الصيغة أقوالا، عدمه مطلقا وهو
~~شاذ، ودخوله مطلقا وهو الأصح على ما قال جمع، والدخول إلا فيما صدر
~~بأمره بالتبليغ نحو قل يا أيها الذين آمنوا، وأنا أعول على الدخول إلا
~~إذا وجدت قرينة على عدم الدخول سواء كانت الأمر بالتبليغ أولا، وههنا
~~السباق والسياق قرينتان على عدم الدخول فيما يظهر.

# وعبر بالذين آمنوا دون الناس الشامل للكفار قيل: إشارة إلى أن الصلاة
~~عليه صلى الله عليه وسلم من أجل الوسائل وأنفعها والكافر لا وسيلة له فلم
~~يؤت بلفظ يشمله، ومخاطبة الكفار بالفروع على القول بها بالنسبة لعقابهم
~~عليها في الآخرة فحسب على أن محل تكليفهم بها حيث أجمع عليها، ومن ثم
~~استثنى من مخاطبتهم بها معاملتهم الفاسدة ونحوها. ولعل الأولى أن التعبير
~~بذلك لما ذكر مع اقتضاء السياق له.

# وفي نداء المؤمنين بهذا الأسلوب من حثهم على امتثال الأمر ما لا يخفى،
~~والأمر بالصلاة ms08585 والتسليم من خواص هذه الأمة فلم تؤمر أمة غيرها بالصلاة
~~والتسليم على نبيها. وكان ذلك على ما نقل عن أبي ذر الهروي في السنة
~~الثانية من الهجرة، وقيل: كأن في ليلة الإسراء، وأنت تعلم أن الآية
~~مدنية؛ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد أنها لما نزلت قال أبو
~~بكر: ما أنزل الله عليك خيرا إلا أشركنا فيه فنزلت

# هو الذى يصلى عليكم وملئكته

# [الأحزاب: 43] وحكمة تغاير أسلوبي الآيتين ظاهرة على المتأمل.

# والصلاة منا على الأنبياء ما عدا نبينا عليه وعليهم الصلاة والسلام
~~جائزة بلا كراهة، فقد جاء بسند صحيح على ما قاله المجد اللغوي «إذا صليتم
~~على المرسلين فصلوا علي معهم فإني رسول من المرسلين» وفي لفظ «إذا
~~سلمتم علي فسلموا على المرسلين» وللأول طريق أخرى إسنادها حسن جيد لكنه
~~مرسل. / وأخرج عبد الرزاق والقاضي إسماعيل وابن مردويه والبيهقي في «شعب
~~الإيمان» عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم قال: «صلوا على أنبياء الله ورسله فإن الله تعالى بعثهم كما بعثني»
~~وهو وإن جاء من طرق ضعيفة يعمل به في مثل هذا المطلب كما لا يخفى.

# وأما ما حكي عن مالك من أنه لا يصلى على غير نبينا صلى الله عليه وسلم
~~من الأنبياء فأوله أصحابه بأن معناه إنا لم نتعبد بالصلاة عليهم كما
~~تعبدنا بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، والصلاة على الملائكة قيل لا
~~يعرف فيها نص وإنما تؤخذ من حديث أبي هريرة المذكور آنفا إذا ثبت أن
~~الله تعالى سماهم رسلا.

# وأما الصلاة على غير الأنبياء والملائكة عليهم السلام فقد اضطربت فيها
~~أقوال العلماء فقيل تجوز مطلقا قال القاضي عياض وعليه عامة أهل العلم
~~واستدل له بقوله تعالى:

# هو الذى يصلى عليكم وملئكته

# [الأحزاب: 43] وبما صح في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " اللهم صل على آل أبي أوفى "

# وقوله عليه الصلاة والسلام وقد رفع يديه:

# " اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة "

# وصحح ابن حبان خبر ms08586 «أن امرأة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: صل علي
~~وعلى زوجي ففعل» وفي خبر مسلم

# " أن الملائكة تقول لروح المؤمن: صلى الله عليك وعلى جسدك "

# وبه يرد على الخفاجي قوله في «شرح الشفاء» صلاة الملائكة على الأمة لا
~~تكون إلا بتبعيته صلى الله عليه وسلم، وقيل لا تجوز مطلقا، وقيل لا تجوز
~~استقلالا وتجوز تبعا فيما ورد فيه النص كالآل أو ألحق به كالأصحاب،
~~واختاره القرطبي وغيره، وقيل تجوز تبعا مطلقا ولا تجوز استقلالا ونسب
~~إلى أبي حنيفة وجمع. وفي «تنوير الأبصار» ولا يصلى على غير الأنبياء
~~والملائكة إلا بطريق التبع وهو محتمل لكراهة الصلاة بدون تبع تحريما
~~ولكراهتها تنزيها ولكونها خلاف الأولى لكن ذكر البيري من الحنفية من صلى
~~على غيرهم أثم وكره وهو الصحيح. وفي رواية عن أحمد كراهة ذلك استقلالا.
~~ومذهب الشافعية أنه خلاف الأولى. وقال اللقاني: قال القاضي عياض الذي ذهب
~~إليه المحققون وأميل إليه ما قاله مالك وسفيان واختاره غير واحد من
~~الفقهاء والمتكلمين أنه يجب تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم وسائر
~~الأنبياء بالصلاة والتسليم كما يختص الله سبحانه عند ذكره بالتقديس
~~والتنزيه ويذكر من سواهم بالغفران والرضا كما قال تعالى:

# رضى الله عنهم ورضوا عنه

# [المائدة: 119]

# يقولون ربنا اغفر لنا ولإخوننا الذين سبقونا
~~بالإيمن

# [الحشر: 10] وأيضا فهو أمر لم يكن معروفا في الصدر الأول وإنما أحدثه
~~الرافضة في بعض الأئمة والتشبه بأهل البدع منهي عنه فتجب مخالفتهم انتهى.
~~ولا يخفى أن كراهة التشبه بأهل البدع مقررة عندنا أيضا لكن لا مطلقا بل
~~في المذموم وفيما قصد به التشبه بهم فلا تغفل. وجاء عن عمر بن عبد العزيز
~~بسند حسن أو صحيح أنه كتب لعامله إن ناسا من القصاص قد أحدثوا في الصلاة
~~على حلفائهم ومواليهم عدل صلاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم فإذا
~~جاءك كتابي هذا فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين خاصة ودعاؤهم للمسلمين
~~عامة ويدعوا ما سوى ذلك.

# وصح عن ابن عباس أنه قال: لا تنبغي الصلاة من أحد ms08587 على أحد إلا على
~~النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية عنه ما أعلم الصلاة تنبغي على أحد
~~من أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات
~~بالاستغفار، وكلاهما يحتمل الكراهة والحرمة.

# واستدل المانعون بأن لفظ الصلاة صار شعارا لعظم الأنبياء وتوقيرهم فلا
~~تقال لغيرهم استقلالا وإن صح كما لا يقال محمد عز وجل وإن كان عليه
~~الصلاة / والسلام عزيزا جليلا لأن هذا الثناء صار شعارا لله تعالى فلا
~~يشارك فيه غيره. وأجابوا عما مر بأنه صدر من الله تعالى ورسوله عليه
~~الصلاة والسلام ولهما أن يخصا من شاءا بما شاءا وليس ذلك لغيرهما إلا
~~بإذنهما ولم يثبت عنهما إذن عنهما إذن في ذلك ومن ثم قال أبو اليمن بن
~~عساكر له صلى الله عليه وسلم أن يصلي على غيره مطلقا لأنه حقه ومنصبه
~~فله التصرف فيه كيف شاء بخلاف أمته إذ ليس لهم أن يؤثروا غيره بما هو له
~~لكن نازع فيه صاحب «المعتمد» من الشافعية بأنه لا دليل على الخصوصية.
~~وحمل البيهقي القول بالمنع على ما إذا جعل ذلك تعظيما وتحية وبالجواز
~~عليها إذا كان دعاء وتبركا.

# واختار بعض الحنابلة أن الصلاة على الآل مشروعة تبعا وجائزة استقلالا
~~وعلى الملائكة وأهل الطاعة عموما جائزة أيضا وعلى معين شخص أو جماعة
~~مكروهة ولو قيل بتحريمها لم يبعد سيما إذا جعل ذلك شعارا له وحده دون
~~مساويه ومن هو خير منه كما تفعل الرافضة بعلي كرم الله وجهه ولا بأس بها
~~أحيانا كما صلى عليه الصلاة والسلام على المرأة وزوجها وكما صلى عليه
~~الصلاة والسلام على علي وعمر رضي الله تعالى عنهما لما دخل عليه وهو مسجى
~~ثم قال: وبهذا التفصيل تتفق الأدلة، وأنت تعلم اتفاقها بغير ما ذكر.

# والسلام عند كثير فيما ذكر وفي «شرح الجوهرة» للقاني نقلا عن الإمام
~~الجويني أنه في معنى الصلاة فلا يستعمل في الغائب ولا يفرد به غير
~~الأنبياء عليهم السلام فلا يقال على عليه السلام بل يقال رضي الله ms08588 تعالى
~~عنه. وسواء في هذا الأحياء والأموات إلا في الحاضر فيقال السلام أو سلام
~~عليك أو عليكم وهذا مجمع عليه انتهى. وفي حكاية الإجماع على ذلك نظر.

# وفي «الدر المنضود» السلام كالصلاة فيما ذكر إلا إذا كان لحاضر أو تحية
~~لحي غائب، وفرق آخرون بأنه يشرع في حق كل مؤمن بخلاف الصلاة، وهو فرق
~~بالمدعى فلا يقبل، ولا شاهد في السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين
~~لأنه وارد في محل مخصوص وليس غيره في معناه على أن ما فيه وقع تبعا لا
~~استقلالا.

# وحقق بعضهم فقال ما حاصله مع زيادة عليه: السلام الذي يعم الحي والميت
~~هو الذي يقصد به التحية كالسلام عند تلاق أو زيارة قبر وهو مستدع للرد
~~وجوب كفاية أو عين بنفسه في الحاضر ورسوله أو كتابه في الغائب، وأما
~~السلام الذي يقصد به الدعاء منا بالتسليم من الله تعالى على المدعو له
~~سواء كان بلفظ غيبة أو حضور فهذا هو الذي اختص به صلى الله عليه وسلم عن
~~الأمة فلا يسلم على غيره منهم إلا تبعا كما أشار إليه التقي السبكي في
~~«شفاء الغرام»، وحينئذ فقد أشبه قولنا عليه السلام قولنا عليه الصلاة من
~~حيث إن المراد عليه السلام من الله تعالى، ففيه إشعار بالتعظيم الذي في
~~الصلاة من حيث الطلب لأن يكون المسلم عليه الله تعالى كما في الصلاة وهذا
~~النوع من السلام هو الذي ادعى الحليمي كون الصلاة بمعناه انتهى.

# واختلف في جواز الدعاء له صلى الله عليه وسلم بالرحمة فذهب ابن عبد البر
~~إلى منع ذلك؛ ورد بوروده في الأحاديث الصحيحة، منها وهو أصحها حديث
~~التشهد «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته»، ومنها قول
~~الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمدا وتقريره صلى الله عليه وسلم لذلك، وقوله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " «اللهم إني أسألك رحمة من عندك» «اللهم أرجو رحمتك» «يا حي يا قيوم
~~برحمتك أستغيث» "

# وفي خطبة «رسالة الشافعي» ما لفظه صلى الله عليه وسلم ورحم وكرم، نعم
~~قضية كلامه كحديث التشهد أن ms08589 محل الجواز إن ضم إليه لفظ الصلاة أو السلام
~~وإلا لم يجز قد أخذ به جمع منهم الجلال السيوطي بل نقله القاضي عياض في
~~«الإكمال» عن الجمهور، قال القرطبي: وهو الصحيح، وجزم / بعدم جوازه
~~منفردا الغزالي عليه الرحمة فقال: لا يجوز ترحم على النبي ويدل له قوله
~~تعالى:

# لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم
~~بعضا

# [النور: 63] والصلاة وإن كانت بمعنى الرحمة إلا أن الأنبياء خصوا بها
~~تعظيما لهم وتمييزا لمرتبتهم الرفيعة على غيرهم على أنها في حقهم ليست
~~بمعنى مطلق الرحمة بل المراد بها ما هو أخص من ذلك كما سمعت فيما تقدم.

# نعم ظاهر قول الأعرابي السابق وتقريره عليه الصلاة والسلام له الجواز
~~ولو بدون انضمام صلاة أو سلام. قال ابن حجر الهيتمي: وهو الذي يتجه
~~وتقريره المذكور خاص فيقدم على العموم الذي اقتضته الآية ثم قال: وينبغي
~~حمل قول من قال لا يجوز ذلك على أن مرادهم نفي الجواز المستوي الطرفين
~~فيصدق بأن ذلك مكروه أو خلاف الأولى، وذكر زين الدين في «بحره» أنهم
~~اتفقوا على أنه لا يقال ابتداء رحمه الله تعالى، وأنا أقول: الذي ينبغي
~~أن لا يقال ذلك ابتداء.

# وقال الطحطاوي في «حواشيه على الدر المختار»: وينبغي أن لا يجوز غفر
~~الله تعالى له أو سامحه لما فيه من إيهام النقص، وهو الذي أميل إليه وإن
~~كان الدعاء بالمغفرة لا يستلزم وجوب ذنب بل قد يكون بزيادة درجات كما
~~يشير إليه استغفاره عليه الصلاة والسلام في اليوم والليلة مائة مرة. وكذا
~~الدعاء بها للميت الصغير في صلاة الجنازة، ومثل ذلك فيما يظهر عفا الله
~~تعالى عنه وإن وقع في القرآن فإن الله تعالى له أن يخاطب عبده بما شاء،
~~وأرى حكم الترحم على الملائكة عليهم السلام كحكم الترحم عليه صلى الله
~~عليه وسلم، ومن اختلف في نبوته كلقمان يقال فيه رضي الله تعالى عنه أو
~~صلى الله تعالى على الأنبياء وعليه وسلم، هذا وقد بقيت في هذا المقام
~~أبحاث كثيرة يطول الكلام بذكرها جدا ms08590 فلتطلب من مظانها والله تعالى ولي
~~التوفيق وبيده سبحانه أزمة التحقيق.

### || [33.57]

# { إن الذين يؤذون الله ورسوله } أريد بالإيذاء إما
~~ارتكاب ما لا يرضيانه من الكفر وكبائر المعاصي مجازا لأنه سبب أو لازم
~~له وإن كان ذلك بالنظر إليه تعالى بالنسبة إلى غيره سبحانه فإنه كاف في
~~العلاقة، وقيل في إيذائه تعالى: هو قول اليهود والنصارى والمشركين يد
~~الله مغلولة والمسيح ابن الله والملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه تعالى
~~الله عن ذلك علوا كبيرا، وقيل قول الذين يلحدون في آياته سبحانه، وقيل
~~تصوير التصاوير وروي عن كعب ما يقتضيه، وقيل في إيذاء الرسول صلى الله
~~عليه وسلم هو قولهم: شاعر ساحر كاهن مجنون وحاشاه عليه الصلاة والسلام،
~~وقيل هو كسر رباعيته وشج وجهه الشريف وكان ذلك في غزوة أحد، وقيل طعنهم
~~في نكاح صفية بنت حيي؛ والحق هو العموم فيهما، وإما إيذاؤه عليه الصلاة
~~والسلام خاصة بطريق الحقيقة وذكر الله عز وجل لتعظيمه صلى الله عليه وسلم
~~ببيان قربه وكونه حبيبه المختص به حتى كان ما يؤذيه يؤذيه سبحانه كما أن
~~من يطيعه يطيع الله تعالى. وجوز أن يكون الإيذاء على حقيقته والكلام على
~~حذف مضاف أي يؤذون أولياء الله ورسوله وليس بشيء، وقيل يجوز أن يراد منه
~~المعنى المجازي بالنسبة إليه تعالى والمعنى الحقيقي بالنسبة إلى رسوله
~~عليه الصلاة والسلام وتعدد المعمول بمنزلة تكرر لفظ العامل فيخف أمر
~~الجمع بين المعنيين حتى ادعى بعضهم أنه ليس من الجمع الممنوع وليس بشيء.

# { لعنهم الله } طردهم وأبعدهم من رحمته { فى الدنيا
~~والأخرة } بحيث لا يكادون ينالون فيها شيئا منها، وذلك في الآخرة
~~ظاهر، وأما في الدنيا فقيل بمنعهم زيادة الهدى { وأعد لهم } مع
~~ذلك { عذابا مهينا } يصيبهم في الآخرة خاصة.

### || [33.58]

# { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنت } يفعلون بهم
~~ما يتأذون به / من قول أو فعل، وتقييده بقوله تعالى { بغير ما
~~اكتسبوا } أي بغير جناية يستحقون بها الأذية شرعا بعد إطلاقه فيما
~~قبله للإيذان بأن أذى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ms08591 لا يكون إلا
~~في غير حق وأما أذى هؤلاء فمنه ومنه. وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال
~~يوما لأبي: يا أبا المنذر قرأت البارحة آية من كتاب الله تعالى فوقعت
~~منى كل موقع { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنت }
~~والله إني لأعاقبهم وأضربهم فقال: إنك لست منهم إنما أنت معلم ومقوم
~~وقوله تعالى: { الذين } مبتدأ وقوله سبحانه { فقد احتملوا
~~بهتنا } أي فعلا شنيعا وقيل ما هو كالبهتان أي الكذب الذي يبهت
~~الشخص لفظاعته في الإثم، وقيل احتمل بهتانا أي كذبا فظيعا إذا كان
~~الإيذاء بالقول { وإثما مبينا } أي ظاهرا بينا خبره، ودخلت
~~الفاء لتضمن الموصول معنى الشرط.

# والآية قيل نزلت في منافقين كانوا يؤذون عليا كرم الله تعالى وجهه
~~ويسمعونه ما لا خير فيه. وأخرج ابن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال:
~~أنزلت في عبد الله بن أبي وناس معه قذفوا عائشة رضي الله تعالى عنها
~~فخطب النبي صلى الله عليه وسلم وقال:

# " من يعذرني من رجل يؤذيني ويجمع في بيته من يؤذيني فنزلت "

# وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه رضي الله تعالى عنها أنها نزلت في
~~الذين طعنوا على النبي صلى الله عليه وسلم في أخذ صفية بنت حي رضي الله
~~تعالى عنها، وعن الضحاك والسدى والكلبي أنها نزلت في زناة كانوا يتبعون
~~النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن وكانوا لا يتعرضون إلا للإماء ولكن
~~ربما يقع منهم التعرض للحرائر جهلا أو تجاهلا لاتحاد الكل في الزي
~~واللباس، والظاهر عموم الآية لكل ما ذكر ولكل ما سيأتي من أراجيف
~~المرجفين.

# وفيها من الدلالة على حرمة المؤمنين والمؤمنات ما فيها، وأخرج ابن أبي
~~حاتم عن مجاهد في هذه الآية قال: يلقى الجرب على أهل النار فيحكون حتى
~~تبدو العظام فيقولون ربنا بماذا أصابنا هذا فيقال: بأذاكم المسلمين،
~~وأخرج غير واحد عن قتادة قال: إياكم وأذى المؤمن فإن الله تعالى يحوطه
~~ويغضب له. وأخرج ابن أبي حاتم. وابن مردويه والبيهقي في «شعب الإيمان»
~~عن عائشة رضي الله تعالى عنها ms08592 قالت:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أي الربا أربى عند الله؟
~~قالوا: الله ورسوله أعلم قال: أربى الربا عند الله استحلال عرض امرىء
~~مسلم ثم قرأ صلى الله عليه وسلم { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير
~~ما اكتسبوا } الآية "

### || [33.59]

# { يأيها النبى } بعد ما بين سبحانه سوء حال المؤذين زجرا لهم
~~عن الإيذاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يأمر بعض المتأذين منهم
~~بما يدفع إيذاءهم في الجملة من التستر والتميز عن مواقع الإيذاء فقال عز
~~وجل:

# { قل لأزوجك وبنتك ونساء المؤمنين يدنين
~~عليهن من جلبيبهن } روي عن غير واحد أنه كانت الحرة
~~والأمة تخرجان ليلا لقضاء الحاجة في الغيطان وبين النخيل من غير امتياز
~~بين الحرائر والإماء وكان في المدينة فساق يتعرضون للإماء وربما تعرضوا
~~للحرائر فإذا قيل لهم يقولون حسبناهن إماء فأمرت الحراير أن يخالفن
~~الإماء بالزي والتستر ليحتشمن ويهبن فلا يطمع فيهن، والجلابيب جمع جلباب
~~وهو على ما روي عن ابن عباس الذي يستر من فوق إلى أسفل، وقال ابن جبير:
~~المقنعة، وقيل: الملحفة، وقيل: كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها، وقيل: كل
~~ما تتستر به من كساء أو غيره، وأنشدوا

# تجلببت من سواد الليل جلبابا

# وقيل هو ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء، والإدناء التقريب يقال أدناني
~~أي قربني وضمن معنى الإرخاء أو السدل / ولذا عدي بعلى على ما يظهر لي،
~~ولعل نكتة التضمين الإشارة إلى أن المطلوب تستر يتأتى معه رؤية الطريق
~~إذا مشين فتأمل. ونقل أبو حيان عن الكسائي أنه قال: أي يتقنعن بملاحفهن
~~منضمة عليهن ثم قال: أراد بالانضمام معنى الإدناء، وفي «الكشاف» معنى {
~~يدنين عليهن } يرخين عليهن يقال إذا زل الثوب عن وجه المرأة
~~أدنى ثوبك على وجهك. وفسر ذلك سعيد بن جبير بيسدلن عليهن، وعندي أن كل
~~ذلك بيان لحاصل المعنى، والظاهر أن المراد بعليهن على جميع أجسادهن،
~~وقيل: على رؤوسهن أو على وجوههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو
~~الوجه.

# واختلف في كيفية هذا التستر، ms08593 فأخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن
~~محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلماني عن هذه الآية { يدنين
~~عليهن من جلبيبهن } فرفع ملحفة كانت عليه فتقنع بها وغطى
~~رأسه كله حتى بلغ الحاجبين وغطى وجهه وأخرج عينه اليسرى من شق وجهه
~~الأيسر، وقال السدي: تغطي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين،
~~وقال ابن عباس وقتادة: تلوي الجلباب فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الألف
~~وإن ظهرت عيناها لكن تستر الصدر ومعظم الوجه، وفي رواية أخرى عن الحبر
~~رواها ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه تغطي وجهها من فوق رأسها
~~بالجلباب وتبدي عينا واحدة. وأخرج عبد الرزاق وجماعة عن أم سلمة قالت:
~~لما نزلت هذه الآية { يدنين عليهن من جلبيبهن } خرج
~~نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود
~~يلبسنها.

# وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: رحم الله تعالى نساء الأنصار لما نزلت
~~{ يأيها النبى قل لأزوجك وبنتك } الآية شققن
~~مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما على
~~رؤوسهن الغربان.

# و(من) للتبعيض ويحتمل ذلك على ما في «الكشاف» وجهين، أحدهما أن يكون
~~المراد بالبعض واحدا من الجلابيب وإدناء ذلك عليهن أن يلبسنه على البدن
~~كله، وثانيهما أن يكون المراد بالبعض جزأ منه وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن
~~فيسترن الرأس والوجه بجزء من الجلباب مع إرخاء الباقي على بقية البدن،
~~والنساء مختصات بحكم العرف بالحرائر وسبب النزول يقتضيه وما بعد ظاهر فيه
~~فإماء المؤمنين غير داخلات في حكم الآية.

# وعن عمر رضي الله تعالى عنه أن غير الحرة لا تتقنع. أخرج ابن أبي شيبة
~~عن قلابة قال: كان عمر بن الخطاب لا يدع في خلافته أمة تتقنع ويقول:
~~القناع للحرائر لكيلا يؤذين؛ وأخرج هو وعبد بن حميد عن أنس رضي الله
~~تعالى عنه قال: رأى عمر رضي الله تعالى عنه جارية مقنعة فضربها بدرته
~~وقال: ألقي القناع لا تتشبهي بالحرائر، وجاء في بعض الروايات أنه رضي
~~الله تعالى عنه قال لأمة رآها ms08594 مقنعة: يا لكعاء أتشبهين بالحرائر؟ وقال
~~أبو حيان: نساء المؤمنين يشمل الحرائر والإماء والفتنة بالإماء أكثر
~~لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح
~~انتهى.

# وأنت تعلم أن وجه الحرة عندنا ليس بعورة فلا يجب ستره ويجوز النظر من
~~الأجنبي إليه إن أمن الشهوة مطلقا وإلا فيحرم، وقال القهستاني: منع
~~النظر من الشابة في زماننا ولو بلا شهوة وأما حكم أمة الغير ولو مدبرة أو
~~أم ولد فكحكم المحرم فيحل النظر إلى رأسها ووجهها وساقها وصدرها وعضدها
~~إن أمن شهوته وشهوتها. وظاهر الآية لا يساعد على ما ذكر في الحرائر
~~فلعلها محمولة على طلب تستر تمتاز به الحرائر عن الإماء أو العفائف
~~مطلقا عن غيرهن فتأمل؛ و { يدنين } / يحتمل أن يكون مقول القول وهو
~~خبر بمعنى الأمر وأن يكون جواب الأمر على حد

# قل لعبادى الذين ءامنوا يقيموا الصلاة

# [إبراهيم: 31] وفي الآية رد على من زعم من الشيعة أنه عليه الصلاة
~~والسلام لم يكن له من البنات إلا فاطمة صلى الله عليه وسلم على أبيها
~~وعليها وسلم وأما رقية. وأما كلثوم فربيبتاه عليه الصلاة والسلام.

# { ذلك } أي ما ذكر من الإدناء والتستر { أدنى } أي أقرب { أن
~~يعرفن } أي يميزن عن الإماء اللاتي هن مواقع تعرضهم وإيذائهم. ويجوز
~~إبقاء المعرفة على معناها أي أدنى أن يعرفن أنهن حرائر { فلا
~~يؤذين } من جهة أهل الريبة بالتعرض لهن بناء عن أنهن إماء.

# وقال أبو حيان: أي ذلك أولى أن يعرفن لتسترهن بالعفة فلا يتعرض لهن ولا
~~يلقين بما يكرهن لأن المرأة إذا كانت في غاية التستر والانضمام لم يقدم
~~عليها بخلاف المتبرجة فإنها مطموع فيها، وهو تفسير مبني على رأيه في
~~النساء، وأيا ما كان فقد قال السبكي في «طبقاته»: إن أحمد بن عيسى من
~~فقهاء الشافعية استنبط من هذه الآية أن ما يفعله العلماء والسادات من
~~تغيير لباسهم وعمائمهم أمر حسن وإن لم يفعله السلف لأن فيه تمييزا لهم
~~حتى يعرفوا فيعمل بأقوالهم وهو استنباط لطيف.

# { وكان الله ms08595 غفورا } كثير المغفرة فيغفر سبحانه ما عسى يصدر من
~~الإخلال بالتستر، وقيل: يغفر ما سلف منهن من التفريط. وتعقب بأنه إن أريد
~~التفريط في أمر التستر قبل نزول الآية فلا ذنب قبل الورود في الشرع وإن
~~أريد التفريط في غير ذلك ليكون وكان الله كثير المغفرة فيغفر ما سلف من
~~ذنوبهن وارتكابهن ما نهى عنه مطلقا فهو غير مناسب للمقام، وجوز أن يراد
~~التفريط في أمر التستر والأمر به معلوم من آية الحجاب التزاما وهو كما
~~ترى { رحيما } كثير الرحمة فيثيب من امتثل أمره منهن بما هو سبحانه
~~أهله، وقيل: رحيما بهن بعد التوبة عن الإخلال بالتستر بعد نزول الآية،
~~وقيل: رحيما بعباده حيث راعى سبحانه في مصالحهم أمثال هذه الجزئيات.

### || [33.60]

# { لئن لم ينته المنفقون } عما هم عليه من النفاق
~~وأحكامه الموجبة للإيذاء { والذين في قلوبهم مرض } وهم قوم
~~كان فيهم ضعف إيمان وقلة ثبات عليه عما هم عليه من التزلزل وما يستتبعه
~~مما لا خير فيه { والمرجفون فى المدينة } من اليهود
~~المجاورين لها عما هم عليه من نشر أخبار السوء عن سرايا المسلمين وغير
~~ذلك من الأراجيف الملفقة المستتبعة للأذية، وأصل الإرجاف التحريك من
~~الرجفة التي هي الزلزلة وصفت به الأخبار الكاذبة لكونها في نفسها متزلزلة
~~غير ثابتة أو لتزلزل قلوب المؤمنين واضطرابها منها، والغاير بين
~~المتعاطفات على ما ذكرنا بالذات وهو الذي يقتضيه ظاهر العطف.

# وأخرج ابن المنذر وغيره عن مالك بن دينار قال: سألت عكرمة عن الذين في
~~قلوبهم مرض فقال: هم أصحاب الفواحش، وعن عطاء أنه فسرهم بذلك أيضا، وفي
~~رواية أخرى عنه أنه قال: هو قوم مؤمنون كان في أنفسهم أن يزنوا فالمرض حب
~~الزنا، وإذا فسر المرجفون على ذلك بما سمعت يكون التغاير بين المتعاطفات
~~بالذات أيضا. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب أن الذين في قلوبهم مرض هم
~~المنافقون وهو المعروف في وصفهم. وأخرج هو أيضا عن عبيد بن حنين أن
~~الذين في قلوبهم مرض والمرجفون جميعا هم المنافقون فيكون العطف ms08596 مع
~~الاتحاد بالذات لتغاير الصفات على حد

# هو الملك القرم وابن الهمام

# فكأنه قيل: لئن لم ينته الجامعون / بين هذه الصفات القبيحة عن الاتصاف
~~بها المفضي إلى الإيذاء.

# { لنغرينك بهم } أي لندعونك إلى قتالهم وإجلائهم أو فعل ما
~~يضطرهم إلى الجلاء ونحرضك على ذلك يقال: أغراه بكذا إذا دعاه إلى تناوله
~~بالتحريض عليه، وقال الراغب: غرى بكذا أي لهج به ولصق، وأصل ذلك من
~~الغراء وهو ما يلصق به وقد أغريت فلانا بكذا ألهجت به، وعن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما أي لنسلطنك عليهم { ثم لا يجاورونك } عطف على
~~جواب القسم و(ثم) للتفاوت الرتبي والدلالة على أن الجلاء ومفارقة جوار
~~الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم ما يصيبهم وأشده عندهم { فيها } أي في
~~المدينة { إلا قليلا } أي زمانا أو جوارا قليلا ريثما يتبين
~~حالهم من الانتهاء وعدمه أو يتلقطون عيالاتهم وأنفسهم. وفي الآية عليه
~~كما في «الانتصاف» «إشارة إلى أن من توجه عليه إخلاء منزل مملوك للغير
~~بوجه شرعي يمهل ريثما ينتقل بنفسه ومتاعه وعياله برهة من الزمان حتى
~~يتيسر له منزل آخر على حسب الاجتهاد»، ونصب { قليلا } على ما أشرنا
~~إليه على الظرفية أو المصدرية، وجوز أن يكون نصبا على الحال أي إلا
~~قليلين أطلاء، ولا يخفى حاله على ذي تمييز.

### || [33.61]

# قوله تعالى: { ملعونين } نصب على الذم أي أذم ملعونين أو على
~~الحال من فاعل

# لا يجاورونك

# [الأحزاب: 60] والاستثناء شامل له عند من يرى جواز نحو ذلك، وقد تقدم
~~الكلام عليه عند قوله تعالى:

# إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير نظرين إنه

# [الأحزاب: 53] وجعل ابن عطية المعنى على الحالية ينتفون ملعونين، وجوز
~~أن يكون حالا من ضميرهم في قوله تعالى: { أينما ثقفوا } أي
~~حصروا وظفر بهم، وكأنه على معنى أينما ثقفوا متصفين بما هم عليه {
~~أخذوا } أي أسروا ومنه الأخيذ للأسير { وقتلوا تقتيلا } أي
~~قتلوا أبلغ قتل.

# وقرىء { قتلوا } بالتخفيف فيكون { تقتيلا } مصدرا على غير الصدر.
~~واعترض على الحالية مما ذكر بأن أداة الشرط لا يعمل ms08597 ما بعدها فيما قبلها
~~مطلقا وهذا أحد مذاهب للنحاة في المسألة، ثانيها الجواز مطلقا، وثالثها
~~جواز تقديم معمول الجواب دون معمول الشرط. وجوز على تقدير كون { قليلا
~~} حالا أن يكون { ملعونين } بدلا منه. وتعقبه أبو حيان بأن البدل
~~بالمشتق قليل ثم قال: والصحيح أن { ملعونين } صفة لقليل أي إلا
~~قليلين ملعونين ويكون { قليلا } مستثنى من الواو في { لا
~~يجاورونك } والجملة الشرطية صفة أيضا أي مقهورين مغلوبا عليهم
~~اه، وهو كما ترى.

### || [33.62]

# وقوله تعالى: { سنة الله فى الذين خلوا من قبل }
~~مصدر مؤكد أي سن الله تعالى ذلك في الأمم الماضية سنة وهي قتال الذين
~~يسعون بالفساد بين قوم وإجلائهم عن أوطانهم وقهرهم أينما ثقفوا متصفين
~~بذلك.

# { ولن تجد } أيها النبي أو يا من يصح منك الوجدان أبدا {
~~لسنة الله } لعادته عز وجل المستمرة { تبديلا } لابتنائها
~~على أساس الحكمة فلا يبدلها هو جل شأنه وهيهات هيهات أن يقدر غيره سبحانه
~~على تبديلها، ومن سبر أخبار الماضين وقف على أمر عظيم في سوء معاملتهم
~~المفسدين فيما بينهم، وكأن الطباع مجبولة على سوء المعاملة معهم وقهرهم،
~~وفي «تفسير الفخر»: { ولن تجد لسنة الله تبديلا } أي
~~ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأحكام
~~أما الأفعال والأخبار فلا تنسخ.

# وللسدي كلام غريب في الآية لا أظن أن أحدا قال به. أخرج ابن أبي حاتم
~~عنه أنه قال فيها: كان النفاق على ثلاثة أوجه: نفاق مثل نفاق عبد الله بن
~~سلول ونظائره كانوا وجوها من وجوه الأنصار فكانوا يستحيون أن يأتوا
~~الزنا يصونون بذلك / أنفسهم وهم المنافقون في الآية، ونفاق الذين في
~~قلوبهم مرض وهم منافقون إن تيسر لهم الزنا عملوه وإن لم يتيسر لم يتبعوه
~~ويهتموا بأمره، ونفاق المرجفين وهم منافقون يكابرون النساء يقتصون أثرهن
~~فيغلبوهن على أنفسهن فيفجرون بهن، وهؤلاء الذين يكابرون النساء

# لنغرينك بهم

# [الأحزاب: 60] يقول سبحانه لنعلمنك بهم ثم قال تعالى:

# ملعونين

# [الأحزاب: 61] ثم فصلت الآية { أينما ثقفوا } يعملون هذا العمل
~~مكابرة النساء { أخذوا وقتلوا ms08598 تقتيلا } ثم قال السدي: هذا
~~حكم في القرآن ليس يعمل به لو أن رجلا وما فوق اقتصوا أثرا امرأة
~~فغلبوها على نفسها ففجروا بها كان الحكم فيهم غير الجلد والرجم وهو أن
~~يؤخذوا فتضرب أعناقهم { سنة الله فى الذين خلوا من
~~قبل } كذلك كان يفعل بمن مضى من الأمم { ولن تجد لسنة
~~الله تبديلا } فمن كابر امرأة على نفسها فغلبها فقتل فليس على
~~قاتله دية لأنه يكابر انتهى.

# والظاهر أنه قد وقع الانتهاء من المنافقين والذين في قلوبهم مرض عما هو
~~المقصود بالنهي وهو ما يستتبعه حالهم من الإيذاء ولم يقع من المرجفين
~~أعني اليهود فوقع القتال والإجلاء لهم. وفي «البحر» الظاهر أن المنافقين
~~- يعني جميع من ذكر في الآية - انتهوا عما كانوا يؤذون به الرسول صلى
~~الله عليه وسلم والمؤمنين وتستر جميعهم وكفوا خوفا من أن يقع بهم ما وقع
~~القسم عليه وهو الإغراء والإجلاء [والأخذ] والقتل. وحكي ذلك عن الجبائي،
~~وعن أبي مسلم لم ينتهوا وحصل الإغراء بقوله تعالى:

# جهد الكفر والمنفقين

# [التوبة: 73] وفيه أن الإجلاء والقتل لم يقعا للمنافقين والجهاد في
~~الآية قولي، وقيل: إنهم لم يتركوا ما هم عليه ونهوا عنه جملة ولا نفذ
~~عليهم الوعيد كاملا ألا ترى إلى إخراجهم من المسجد ونهيه تعالى عن
~~الصلاة عليهم وما نزل في سورة براءة، وزعم بعضهم أنه لم ينته أحد من
~~المذكورين أصلا ولم ينفذ الوعيد عليهم ففيه دليل على بطلان القول بوجوب
~~نفاذ الوعيد في الآخرة ويكون هذا الوعيد في الآخرة ويكون هذا الوعيد
~~مشروطا بالمشيئة وفيه من البعد ما فيه.

### || [33.63]

# { يسئلك الناس عن الساعة } أي عن وقت قيامها ووقوعها،
~~كان المشركون يسألونه صلى الله عليه وسلم عن ذلك استعجالا بطريق
~~الاستهزاء والمنافقون تعنتا واليهود امتحانا لما أنهم يعلمون من
~~التوراة أنها مما أخفاه الله تعالى فيسألونه عليه الصلاة والسلام
~~ليمتحنوه هل يوافقها وحيا أو لا { قل إنما علمها عند
~~الله } لا يطلع سبحانه عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا { وما
~~يدريك } خطاب مستقل له ms08599 صلى الله عليه وسلم غير داخل تحت الأمر مسوق
~~لبيان أنها مع كونها غير معلومة مرجوة المجيء عن قريب، و(ما) استفهام في
~~موضع الرفع بالابتداء والجملة بعده خبر أي أي شيء يعلمك بوقت قيامها،
~~والمعنى على النفي أي لا يعلمك به شيء أصلا.

# { لعل الساعة تكون قريبا } أي لعلها توجد وتتحقق في وقت
~~قريب فقريبا منصوب على الظرفية واستعماله كذلك كثير، و { تكون } تامة
~~ويجوز أن تكون ناقصة وإذا كان { قريبا } الخبر واعتبر وصفا لا ظرفا
~~فالتذكير لكونه في الأصل صفة لخبر مذكر يخبر به عن المؤنث وليس هو الخبر
~~أي لعل الساعة تكون شيئا قريبا، وجوزأن يكون ذلك رعاية للمعنى من حيث
~~إن الساعة بمعنى اليوم أو الوقت. وقال أبو حيان: يجوز أن يكون ذلك لأن
~~التقدير لعل قيام الساعة فلوحظ الساعة في (تكون) فأنث ولوحظ المضاف
~~المحذوف وهو قيام في { قريبا } فذكر، ولا يخفى بعده، وقيل إن (قريبا)
~~لكونه فعيلا يستوي فيه المذكر والمؤنث كما في قوله تعالى:

# إن رحمت الله قريب من المحسنين

# [الأعراف: 56] وقد تقدم ما في ذلك، وفي الكلام تهديد للمستعجلين /
~~المستهزئين وتبكيت للمتعنتين والممتحنين، والإظهار في موضع الإضمار
~~للتهويل وزيادة التقرير وتأكيد استقلال الجملة كما أشير إليه.

### || [33.64]

# { إن الله لعن الكفرين } على الإطلاق أي طردهم وأبعدهم
~~عن رحمته العاجلة والآجلة { وأعد } هيأ { لهم } مع ذلك في الآخرة
~~{ سعيرا } نارا شديدة الاتقاد كما يؤذن بذلك صيغة المبالغة.

### || [33.65]

# { خلدين فيها أبدا لا يجدون وليا } متوليا لأمرهم
~~يحفظهم { ولا نصيرا } ناصرا يخلصهم منها.

### || [33.66]

# { يوم تقلب وجوههم فى النار } ظرف لعدم الوجدان، وقيل
~~لخالدين، وقيل لنصير، وقيل مفعول لا ذكر أي يوم تصرف وجوههم فيها من جهة
~~إلى جهة كاللحم يشوى في النار أو يطبخ في القدر فيدور به الغليان من جهة
~~إلى جهة أو يوم تتغير وجوههم من حال إلى حال فتتوارد عليها الهيئات
~~القبيحة من شدة الأهوال أو يوم يلقون في النار مقلوبين منكوسين، وتخصيص
~~الوجوه بالذكر لما أنها أكرم الأعضاء ففيه مزيد ms08600 تفظيع للأمر وتهويل
~~للخطب، ويجوز أن تكون عبارة عن كل الجسد.

# وقرأ الحسن وعيسى وأبو جعفر الرواسي { تقلب } بفتح التاء والأصل
~~تتقلب فحذفت إحدى التاءين، وقرأ ابن أبي عبلة بهما على الأصل، وحكى ابن
~~خالويه عن أبي حيوة أنه قرأ { تقلب وجوههم } بإسناد الفعل إلى
~~ضمير العظمة ونصب { وجوههم } على المفعولية. وقرأ عيسى الكوفة {
~~تقلب وجوههم } بإسناد الفعل إلى ضمير السعير اتساعا ونصب
~~الوجوه.

# { يقولون } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية حالهم الفظيعة كأنه
~~قيل: فماذا يصنعون عند ذلك؟ فقيل: يقولون متحسرين على ما فاتهم {
~~يليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا } فلا نبتلى بهذا
~~العذاب أو حال من ضمير { وجوههم } أو من نفسها. وجوز أن يكون هو
~~الناصب ليوم.

### || [33.67]

# { وقالوا } عطف على

# يقولون

# [الأحزاب: 66] والعدول إلى صيغة الماضي للإشعار بأن قولهم هذا ليس
~~مستمرا كقولهم السابق بل هو ضرب اعتذار أرادوا به ضربا من التشفي
~~بمضاعفة عذاب الذين أوردوهم هذا المورد الوخيم وألقوهم في ذلك العذاب
~~الأليم وإن علموا عدم قبوله في حق خلاصهم بما هم فيه.

# { ربنا إنا أطعنا سادتنا } أي ملوكنا وولاتنا الذين
~~يتولون تدبير السواد الأعظم منا { وكبراءنا } أي رؤساءنا الذين
~~أخذنا عنهم فنون الشر وكان هذا في مقابلة ما تمنوه من إطاعة الله تعالى
~~وإطاعة الرسول فالسادة والكبراء متغايران، والتعبير عنهما بعنوان السيادة
~~والكبر لتقوية الاعتذار وإلا فهم في مقام التحقير والإهانة. وقدموا في
~~ذلك إطاعة السادة لما أنه كان لهم قوة البطش بهم لو لم يطيعوهم فكان ذلك
~~أحق بالتقديم في مقام الاعتذار وطلب التشفي، وقيل: باتحاد السادة
~~والكبراء والعطف على حد العطف في قوله:

# وألفي قولها كذبا ومينا

# والمراد بهم العلماء الذين لقنوهم الكفر وزينوه لهم، وعن قتادة رؤساؤهم
~~في الشر والشرك.

# وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة والسلمي وابن عامر والعامة في الجامع
~~بالبصرة { ساداتنا } على جمع الجمع وهو شاذ كبيوتات، وفيه على ما قيل
~~دلالة على الكثرة، ثم إن كون سادة جمعا هو المشهور، وقيل: اسم جمع فإن
~~كان جمعا لسيد فهو ms08601 شاذ أيضا فقد نصوا على شذوذ فعلة في جمع فعيل وإن
~~كان جمعا لمفرد مقدر وهو سائد كان ككافر وكفرة لكنه شاذ أيضا لأن
~~فاعلا لا يجمع على فعلة إلا في الصحيح.

# { فأضلونا السبيلا } أي جعلونا ضالين / عن الطريق الحق بما
~~دعونا إليه وزينوه لنا من الأباطيل، والألف للإطلاق كما في

# وأطعنا الرسولا

# [الأحزاب: 66].

### || [33.68]

# { ربنا ءاتهم ضعفين من العذاب } أي عذابين يضاعف كل
~~واحد منهما الآخر عذابا على ضلالهم في أنفسهم وعذابا على إضلالهم لنا {
~~والعنهم لعنا كبيرا } أي شديد عظيما فإن الكبر يستعار
~~للعظمة مثل

# كبرت كلمة

# [الكهف: 5] ويستفاد التعظيم من التنوين أيضا، وقرأ الأكثر { كثيرا }
~~بالثاء المثلثة أي كثير العدد، وتصدير الدعاء بالنداء مكررا للمبالغة في
~~الجؤار واستدعاء الإجابة.

### || [33.69]

# { يأيها الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين ءاذوا
~~موسى } قيل نزلت فيما كان من أمر زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها
~~وتزوجه صلى الله عليه وسلم بها وما سمع في ذلك من كلام آذاه عليه الصلاة
~~والسلام { فبرأه الله مما قالوا } أي من قولهم أو الذي
~~قالوه وأيا ما كان فالقول هنا بمعنى المقول، والمراد به مدلوله الواقع
~~في الخارج وبتبرئة الله تعالى إياه من ذلك إظهار براءته عليه السلام منه
~~وكذبهم فيما أسندوا إليه لأن المرتب على أذاهم ظهور براءته لا براءته
~~لأنها مقدمة عليه، واستعمال الفعل مجازا عن إظهاره، والمقول بمعنى
~~المضمون كثير شائع، فالمعنى فأظهر الله تعالى براءته من الأمر المعيب
~~الذي نسبوه إليه عليه السلام. وقيل: لا حاجة إلى ما ذكر فإنه تعالى لما
~~أظهر براءته عما افتروه عليه انقطعت كلماتهم فهي فبرىء من قولهم على أن {
~~برأه } بمعنى خلصه من قولهم لقطعه عنه، وتعقب بأنه مع تكلفه لأن قطع
~~قولهم ليس مقصودا بالذات بل المراد انقطاعه لظهور خلافه لا بد من ملاحظة
~~ما ذكر.

# والمراد بالأمر الذي نسبوه إليه عليه السلام عيب في بدنه. أخرج الإمام
~~أحمد والبخاري والترمذي وجماعة من طريق أبي هريرة قال: قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم ms08602

# " إن موسى عليه السلام كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء
~~استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل وقالوا ما يستتر هذا الستر إلا
~~من عيب بجلده إما برص وإما أدرة وإما آفة وإن الله تعالى أراد أن يبرئه
~~مما قالوا وأن موسى عليه السلام خلا يوما وحده فوضع ثيابه على حجر ثم
~~اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وأن الحجر غدا بثوبه فأخذ موسى
~~عليه السلام عصاه وطلب الحجر فجعل يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى
~~إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله تعالى وبرأه مما
~~يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه "

# فذلك قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا
~~كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا }.

# وقيل: إن ذلك ما نسبوه إليه عليه السلام من قتل هارون، أخرج ابن منيع
~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن
~~عباس عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في الآية: صعد موسى وهارون
~~عليهما السلام الجبل فمات هارون فقالت بنو إسرائيل لموسى أنت قتلته كان
~~أشد حبا لنا منك وألين فآذوه، من ذلك فأمر الله تعالى الملائكة عليهم
~~فحملوه فمروا به على مجالس بني إسرائيل وتكلمت الملائكة عليهم السلام
~~بموته فبرأه الله تعالى فانطلقوا به فدفنوه ولم يعرف قبره إلا الرخم وإن
~~الله تعالى جعله أصم أبكم، وفي رواية عن ابن عباس وأناس من الصحابة أن
~~الله تعالى أوحى إلى موسى أني متوف هارون فأت جبل كذا فانطلقا نحو الجبل
~~فأذاهم بشجرة وبيت فيه سرير عليه فرش وريح طيبة فلما نظر هارون إلى ذلك
~~الجبل والبيت وما فيه أعجبه فقال يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير
~~قال نم عليه قال نم معي فلما ناما أخذ هارون الموت فلما قبض رفع ذلك
~~البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير إلى السماء فلما رجع موسى إلى بني
~~إسرائيل قالوا قتل هارون ms08603 / وحسده لحب بني إسرائيل له وكان هارون أكف عنهم
~~وألين لهم وكان في موسى بعض الغلظة عليهم فلما بلغه ذلك قال: ويحكم إنه
~~كان أخي أفتروني أقتله فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله
~~تعالى فنزل بالسرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه.

# وقيل: ما نسبوه إليه عليه السلام من الزنا وحاشاه، روي أن قالون أغرى
~~مومسة على قذفه عليه السلام بنفسها ودفع إليها مالا عظيما فأقرت
~~بالمصانعة الجارية بينها وبين قارون وفعل به ما فعل كما فصل في سورة
~~القصص، ويبعد هذا القول تبعيدا ما جمع الموصول، وقيل: ما نسبوه إليه من
~~السحر والجنون، وقيل: ما حكى عنهم في القرآن من قولهم:

# اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قعدون

# [المائدة: 24] وقولهم

# لن نصبر على طعام وحد

# [البقرة: 61] وقولهم:

# لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة

# [البقرة: 55] إلى غير ذلك، ويمكن حمل ما قالوا على جميع ما ذكر.

# { وكان عند الله وجيها } أي كان ذا جاه ومنزلة عنده عز وجل،
~~وفي معناه قول قطرب: كان رفيع القدر ونحوه قول ابن زيد: كان مقبولا،
~~وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال وجيها مستجاب الدعوة وزاد بعضهم
~~ما سأل شيئا إلا أعطى إلا الرؤية في الدنيا، ولا يخفى أن استجابة الدعوة
~~من فروع رفعة القدر، وقيل: وجاهته عليه السلام أن الله تعالى كلمه ولقب
~~كليم الله.

# وقرأ ابن مسعود والأعمش وأبو حيوة { عبدا } من العبودة { لله }
~~بلام الجر فيكون عبدا خبر (كان) و(وجيها) صفة له وهي قراءة شاذة، وفي
~~صحة القراءة الشواذ كلام. قال ابن خالويه: صليت خلف ابن شنبوذ في شهر
~~رمضان فسمعته يقرأ { وكان عبدا لله } على قراءة ابن مسعود ولعل ابن
~~شنبوذ ممن يرى صحة القراءة بها مطلقا، ويحتمل مثل ذلك في ابن خالويه
~~وإلا فقد قال الطيبي قال صاحب «الروضة»: «وتصح بالقراءة الشاذة إن لم
~~يكن فيها تغيير معنى ولا زيادة حرف ولا نقصان»، وههنا بين المعنيين بون
~~كما يشير إليه كلام الزمخشري ونحوه ms08604 عن ابن جني.

### || [33.70]

# { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله } في كل ما تأتون
~~وتذرون لا سيما في ارتكاب ما يكرهه تعالى فضلا عما يؤذي رسوله وحبيبه
~~صلى الله عليه وسلم { وقولوا } في كل شأن من الشؤن { قولا
~~سديدا } قاصدا ومتوجها إلى هدف الحق من سد يسد بكسر السين سدادا
~~بفتحها يقال سدد سهمه إذا وجهه للغرض المرمي ولم يعدل به عن سمته،
~~والمراد على ما قيل نهيهم عن ضد هذا القول وهو القول الذي ليس بسديد
~~ويدخل فيه ما صدر منهم في قصة زينب من القول الجائر عن العدل والقصد وكذا
~~كل قول يؤذيه عليه الصلاة والسلام، وعن مقاتل وقتادة أن المعنى وقولوا
~~قولا سديدا في شأن الرسول عليه الصلاة والسلام وزيد وزينب، وعن ابن
~~عباس وعكرمة تخصيص القول السديد بلا إله إلا الله، وقيل: هو ما يوافق
~~ظاهره باطنه، وقيل: ما فيه إصلاح، ولعل ما أشرنا إليه هو الأولى.

### || [33.71]

# { يصلح لكم أعملكم } بالقبول والإثابة عليها على ما روي
~~عن ابن عباس ومقاتل، وقيل إصلاح الأعمال التوفيق في المجيء بها صالحة
~~مرضية.

# { ويغفر لكم ذنوبكم } ويجعلها مكفرة باستقامتكم في القول
~~والعمل { ومن يطع الله ورسوله } في الأوامر والنواهي التي
~~من جملتها ما تضمنته هذه الآيات { فقد فاز } في الدارين { فوزا
~~عظيما } لا يقادر قدره ولا تبلغ غايته.

# قال في «الكشاف» وهذه الآية يعني

# يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله

# [الأحزاب: 70] إلى آخرها مقررة للتي قبلها بنيت تلك على النهي عما يؤذي
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه على الأمر باتقاء الله تعالى في حفظ
~~اللسان ليترادف عليهم النهي والأمر مع اتباع النهي ما يتضمن الوعيد من
~~قصة موسى عليه السلام - لأن وصفه بوجاهته عند الله / تعالى متضمن أنه
~~تعالى انتقم له ممن آذاه واتباع الأمر الوعد البليغ فيقوي الصارف عن
~~الأذى والداعي إلى تركه انتهى فلا تغفل.

### || [33.72]

# { إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض
~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها } لما
~~بين جل شأنه عظم شأن طاعة الله تعالى ms08605 ورسوله صلى الله عليه وسلم ببيان
~~مآل الخارجين عنها من العذاب الأليم ومنال المراعين لها من الفوز العظيم
~~عقب ذلك [ببيان] عظم شأن ما يوجبها من التكاليف الشرعية وصعوبة أمرها
~~بطريق التمثيل مع الإيذان بأن ما صدر عنهم من الطاعة وتركها صدر عنهم بعد
~~القبول والالتزام من غير جبر هناك ولا إبرام، وعبر عنها بالأمانة وهي في
~~الأصل مصدر كالأمن والأمان تنبيها على أنها حقوق مرعية أودعها الله
~~تعالى المكلفين وائتمنهم عليها وأوجب عليهم تلقيها بحسن الطاعة والانقياد
~~وأمرهم بمراعاتها والمحافظة عليها وأدائها من غير إخلال بشيء من حقوقها،
~~وعبر عن اعتبارها بالنسبة إلى استعداد ما ذكر من السماوات وغيرها من حيث
~~الخصوصيات بالعرض عليهن لإظهار مزيد الاعتناء بأمرها والرغبة في قبولهن
~~لها، وعن عدم استعدادهن لقبولها ومنافاتها لما هن عليه بالإباء والإشفاق
~~منها لتهويل أمرها وتربية فخامتها وعن قبولها بالحمل لتحقيق معنى الصعوبة
~~المعتبرة فيها بجعلها من قبيل الأجسام الثقيلة، والمعنى أن تلك الأمانة
~~في عظم الشأن بحيث لو كلفت هاتيك الأجرام العظام التي هي مثل في القوة
~~والشدة مراعاتها وكانت ذات شعور وإدراك لأبين قبولها وخفن منها لكن صرف
~~الكلام عن سننه بتصوير المفروض بصورة المحقق لزيادة تحقيق المعنى المقصود
~~وتوضيحه.

# { وحملها الإنسن } أي هذا الجنس نحو

# إن الإنسن لربه لكنود

# [العاديات: 6] و

# إن الإنسن ليطغى

# [العلق: 6] وحمله إياها إما باعتبارها بالإضافة إلى استعداده أو بتكليفه
~~إياها يوم الميثاق أي تكلفها والتزمها مع ما فيه من ضعف البنية ورخاوة
~~القوة، وهو إما عبارة عن قبولها بموجب استعداده الفطري أو عن القبول
~~القولي يوم الميثاق، وتخصيص الإنسان بالذكر مع أن الجن مكلفون أيضا وكذا
~~الملائكة عليهم السلام وإن لم يكن في ذلك كلفة عليهم لما أنه ليس فيه ما
~~يخالف طباعهم لأن الكلام معه.

# وقوله تعالى: { إنه كان ظلوما جهولا } اعتراض وسط بين الحمل
~~وغايته للإيذان من أول الأمر بعدم وفائه بما تحمل، والتأكيد لمظنة التردد
~~أي إنه كان مفرطا في الظلم مبالغا في الجهل أي بحسب غالب أفراده ms08606 الذين
~~لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة أو قبولهم السابق دون من عداهم من الذين
~~لم يبدلوا فطرة الله تعالى تبديلا، ويكفي في صدق الحكم على الجنس بشيء
~~وجوده في بعض أفراده فضلا عن وجوده في غالبها، وإلى الفريق الأول أشير
~~بقوله تعالى: { ليعذب الله المنفقين
~~والمنفقت... }.

### || [33.73]

# { ليعذب الله المنفقين والمنفقت
~~والمشركين والمشركت } أي حملها الإنسان ليعذب الله تعالى
~~بعض أفراده الذين لم يراعوها ولم يقابلوها بالطاعة على أن اللام للعاقبة
~~فإن التعذيب وإن لم يكن غرضا [له] من الحمل لكن لما ترتب عليه بالنسبة
~~إلى بعض أفراده ترتب الأغراض على الأفعال المعللة بها أبرز في معرض الغرض
~~أي كان عاقبة حمل الإنسان لها أن يعذب الله تعالى هؤلاء من أفراده
~~لخيانتهم الأمانة وخروجهم عن الطاعة بالكلية، وإلى الفريق الثاني أشير
~~بقوله سبحانه: { ويتوب الله على المؤمنين
~~والمؤمنت } أي كان عاقبة حمله لها أن يتوب الله تعالى على هؤلاء
~~من أفراده أي يقبل توبتهم لعدم خلعهم ربقة الطاعة عن رقابهم بالمرة /
~~وتلافيهم لما فرط منهم من فرطات قلما يخلو عنها الإنسان بحكم جبلته
~~وتداركهم لها بالتوبة والإنابة والالتفات إلى الاسم الجليل أولا لتهويل
~~الخطاب وتربية المهابة، والإظهار في موضع الإضمار ثانيا لإبراز مزيد
~~الاعتناء بأمر المؤمنين توفية لكل من مقامي الوعيد والوعد حقه كذا قال
~~بعض الأجلة في تفسير الآية.

# ووراء ذلك أقوال فقيل الأمانة الطاعة لأنها لازمة الوجود كما أن الأمانة
~~لازمة الأداء والكلام تقرير الوعد الكريم الذي ينبىء عنه قوله تعالى:

# ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما

# [الأحزاب: 71] بجعل تعظيم شأن الطاعة ذريعة إلى ذلك بأن من قام بحقوق
~~مثل هذا الأمر العظيم الشأن وراعاه فهو جدير بأن يفوز بخير الدارين.
~~وتعقب بأن جعل الأمانة التي شأنها أن تكون من جهته تعالى عبارة عن الطاعة
~~التي هي من أفعال المكلفين التابعة للتكليف بمعزل عن التقريب وإن حمل
~~الكلام على التقرير بالوجه الذي قرر يأباه وصف الإنسان بالظلم والجهل
~~أولا وتعليل الحمل بتعذيب فريق والتوبة على فريق ms08607 ثانيا، وقد يقال: مراد
~~ذلك القائل أن الأمانة هي الطاعة من حيث أمره عز وجل بها وأن قوله تعالى:
~~{ إنه كان } الخ على معنى أنه كان كذلك إن لم يراع حقها فتأمل.

# وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أن الأمانة الفرائض وروي نحوه عن سعيد
~~بن جبير، وهو غير ما ذكر أولا بناء على أن التكليفات الشرعية مراد بها
~~المعنى المصدري دون اسم المفعول، وقيل: الصلاة فقد روي عن علي كرم الله
~~تعالى وجهه أنه كان إذا دخل وقت الصلاة اصفر وجهه الشريف وتغير لونه فسئل
~~عن ذلك فقال: إنه دخل علي وقت أمانة عرضها الله تعالى على السماوات
~~والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وقد حملتها أنا مع ضعفي فلا
~~أدري كيف أؤديها.

# وحكى السفيري أنها الغسل من الجنابة، وقيل: الصلاة والصيام والغسل من
~~الجنابة فقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن زيد بن أسلم قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم:

# " الأمانة ثلاثة الصلاة والصيام والغسل من الجنابة "

# وفي رواية عن السدي والضحاك أنها أمانات الناس المعروفة والوفاء
~~بالعهود. وقيل هي أن لا تغش مؤمنا ولا معاهدا في شيء قليل ولا كثير،
~~وقيل: هي كلمة التوحيد لأنها المدار الأعظم للتكليفات الشرعية. وقيل هي
~~الأعضاء والقوى، فقد أخرج ابن أبي الدنيا في «الورع» والحكيم الترمذي عن
~~عبد الله بن عمر ورضي الله تعالى عنهما قال: «أول ما خلق الله تعالى من
~~الإنسان فرجه ثم قال هذه أمانتي عندك فلا تضعها إلا في حقها فالفرج أمانة
~~والسمع أمانة والبصر أمانة». ولا يخفى أن تفسير الأمانة في الآية
~~بالأعضاء مما لا ينبغي أن يلتفت إليه، والخبر المذكور إن صح لا يدل عليه،
~~ومثله بل دونه بكثير أنها حروف التهجي ولا يكاد يقول به إلا أطفال
~~المكاتب.

# وأقرب الأقوال المذكورة للقبول القول بأنها الفرائض أي من فعل وترك،
~~وتخصيص شيء منها بالذكر في خبر إن صح لا يدل على أنه الأمانة في الآية لا
~~غيره وكم يخص بعض ms08608 أفراد العام بالذكر لنكتة، وقال أبو حيان: الظاهر أنها
~~كل ما يؤتمن عليه من أمر ونهي وشأن دين ودنيا، ويعم هذا المعنى جميع ما
~~تقدم، وفيها أقوال أخر ستأتي إن شاء الله تعالى.

# واختلفت كلمات الذاهبين إلى أنها الفرائض في تحقيق ما بعد فقيل: الكلام
~~على حذف مضاف والتقدير إنا عرضنا الأمانة على أهل السماوات الخ. وحكي ذلك
~~عن الجبائي وليس بشيء، وقيل الكلام على ظاهره وكذا العرض والإباء وذلك
~~أنه عز وجل خلق للسماوات والأرض والجبال فهما وتمييزا فخيرت في الحمل
~~فأبت وروي ذلك عن ابن عباس. / وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن
~~الأنباري عن ابن جريج قال: بلغني أن الله تعالى لما خلق السماوات والأرض
~~والجبال قال: إني فارض فريضة وخالق جنة ونارا وثوبا لمن أطاعني وعقابا
~~لمن عصاني فقالت السماوات خلقتني فسخرت في الشمس والقمر والنجوم
~~والسحاب والريح فأنا مسخرة على ما خلقتني لا أتحمل فريضة ولا أبغي ثوابا
~~ولا عقابا ونحو ذلك قالت الأرض والجبال، ويعلم مما ذكر أن الإباء لم يكن
~~معصية لأنه لم يكن هناك تكليف بل تخيير، وأما كونها استحقرت أنفسها عن أن
~~تكون محل الأمانة فلا ينفي عنهن العصيان بالإباء لو كان هناك تكليف
~~بالحمل، وقيل: لا حذف والكلام من باب التمثيل على ما سمعت أولا.

# وذهب كثير إلى أن المراد بحملها التزام القيام بها وبالإنسان آدم عليه
~~السلام، واختلف في حمله إياها هل كان بعد عرضها عليه أو بدونه؟ فقيل كان
~~بعد العرض.

# فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم «أن الله تعالى عرض
~~الأمانة على السماء الدنيا فأبت ثم التي تليها فأبت حتى فرغ منها ثم
~~الأرضين ثم الجبال ثم عرضها على آدم عليه السلام فقال نعم بين أذني
~~وعاتقي» الخبر وقيل: بدونه. قال ابن الجوزي: لما خلق الله عز وجل آدم
~~عليه السلام ونفخ فيه الروح مثلت له الأمانة بصخرة ثم قال: للسماوات
~~احملي هذه فأبت وقالت: إلهي لا طاقة لي بها وقال سبحانه: للأرض احمليها ms08609
~~فقالت: لا طاقة لي بها وقال تعالى للجبال: احمليها فقالت: لا طاقة لي بها
~~فأقبل آدم عليه السلام فحركها بيده وقال لو شئت لحملتها فحملها حتى بلغت
~~حقويه ثم وضعها على عاتقه فلما أهوى ليضعها نودي من جانب العز يا آدم
~~مكانها لا تضعها فهذه الأمانة قد بقيت في عنقك وعنق أولادك إلى يوم
~~القيامة ولكم عليها ثواب في حملها وعقاب في تركها، وهذا ظاهر في أن الحمل
~~على حقيقته وفي أن العرض على السماوات والأرض والجبال كان بمسمع من آدم
~~عليه السلام وإلى هذا ذهب ابن الأنباري.

# وفي بعض الآثار ما يدل على أن العرض عليهن قبل خلقه عليه السلام. أخرج
~~ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لما خلق الله تعالى السماوات والأرض عرض
~~عليهن الأمانة فلم يقبلنها فلما خلق آدم عليه السلام عرضها عليه فقال: يا
~~رب وما هي؟ قال سبحانه: هي إن أحسنت أجرتك وأن أسأت عذبتك قال: فقد تحملت
~~يا رب فما كان بين أن تحملها إلى أن أخرج إلا قدر ما بين الظهر والعصر،
~~وكأني بك تختار من هذه الأقوال أن العرض على تقدير كونه بعد إعطائهم
~~الفهم والتمييز كان بمسمع من آدم عليه السلام وأنه بعد أن سمع الإباء
~~حملته الغيرة على الحمل، وربما يفضي بك هذا إلى اختيار القول بأنه حمل
~~الأمانة بدون عرضها عليه كما هو ظاهر الآية وبه يتأكد وصفه بما وصف لكني
~~لا أظنك تقول بصحة حديث تمثل الأمانة بصخرة وإن قلت بصحة تمثل المعاني
~~بصور الأجسام كما ورد في حديث ذبح الموت وغيره، وأنا لا أميل إلى القول
~~بأن المراد بالإنسان آدم عليه السلام وإن كان أول أفراد الجنس ومبدأ
~~سلسلتها لمكان

# إنه كان ظلوما جهولا

# [الأحزاب: 72] فإنه يبعد غاية البعد وصف صفي الله عز وجل بنص

# إن الله اصطفى آدم

# [آل عمران: 33] بمزيد الظلم والجهل؛ وكون المعنى كان ظلوما جهولا بزعم
~~الملائكة عليهم السلام قول بارد، وحمله على معنى كان ظلوما لنفسه حيث
~~حملها على ضعفه ما أبت ms08610 الأجسام القوية حمله جهولا بقدر ما دخل فيه أو
~~بعاقبه ما تحمل لا يزيل البعد، ولا أستحسن كون المراد كان من شأنه لو خلي
~~ونفسه ذلك كما قيل:

# الظلم من شيم النفوس فإن تجد

# ذا عفة فلعلة لا يظلم

# إلا على القول بإرادة الجنس، وإخراج الكلام مخرج الاستخدام على نحو ما
~~قالوا في عندي درهم ونصفه بعيد لفظا ومعنى.

# وقيل المراد بالأمانة مطلق الانقياد الشامل للطبيعي والاختياري وبعرضها
~~استدعاؤه الذي يعم طلب الفعل من المختار وإرادة صدوره من غيره وبحملها
~~الخيانة فيها والامتناع عن أدائها، ومنه قولهم حامل الأمانة ومحتملها لمن
~~لا يؤديها فتبرأ ذمته وأنشدوا:

# إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة

# وتحمل أخرى أخرجتك الودائع

# فيكون الإباء امتناعا من الخيانة وإتيانا بالمراد، فالمعنى أن هذه
~~الأجرام مع عظمها وقوتها أبين الخيانة لأمانتها وأتين بما أمرناهن به
~~لقوله تعالى:

# أتينا طائعين

# [فصلت: 11] وخانها الإنسان حيث لم يأت بما أمرناه به إنه كان ظلوما
~~جهولا ولا يخفى بعده ولم نر في المأثور ما يؤيده، نعم إن العوام يقولون:
~~إن الأرض لا تخون الأمانة حتى إنهم جرت عادتهم في بلادنا أنهم إذا أرادوا
~~دفن ميت في مكان ولم يتيسر لهم وضعوه في قبر وقالوا حين الوضع مخاطبين
~~الأرض: هذا أمانة عندك كذا شهرا أو كذا سنة وحثوا التراب عليه وانصرفوا
~~فإذا نبشوا القبر قبل مضي المدة وجدوه كما وضعوه لم يتغير منه شيء
~~فيخرجونه ويدفنونه حيث أرادوا وإذا بقي حتى تمضي المدة التي عينوها وجدوه
~~متغيرا، وهذا أمر تواتر نقله لنا وهو مما يستبعده العقل، وإلى نحو هذا
~~ذهب أبو إسحاق الزجاج إلا أنه قال: عرض الأمانة وضع شواهد الوحدانية في
~~المصنوعات، ونقله عنه أبو حيان وذكر البيت المار آنفا لكنه تعقبه بأن
~~الحمل فيه ليس نصا في الخيانة.

# وقيل المراد بالأمانة العقل أو التكليف وبعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة
~~إلى استعدادهن وبابائهن الإباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والاستعداد
~~لها وبحمل الإنسان قابليته واستعداده لها وكونه ظلوما جهولا لما غلب
~~عليه من ms08611 القوة الغضبية الداعية للظلم والشهوية الداعية للجهل بعواقب
~~الأمور، قيل وعليه ينتظم قوله تعالى:

# إنه كان ظلوما جهولا

# [الأحزاب: 72] مع ما قبله على أنه علته باعتبار حمل العقل عليه بمعنى
~~إيداعه فيه لأجل إصلاح ما فيه من القوتين المحتاجتين إلى سلطان العقل
~~الحاكم عليهما فكأنه قيل: حملناه ذلك لما فيه من القوى المحتاجة لقهره
~~وضبطه، وكذا إذا أريد التكليف فإن معظم المقصود منه تعديل تلك القوى وكسر
~~سورتها، ومن هنا قيل إنه أقرب للتحقيق.

# وقيل الأمانة تجلياته عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته تعالى العليا وعرضها
~~عليهن وإباؤهن وحمل الإنسان كالمذكور آنفا. وقوله تعالى:

# إنه كان ظلوما جهولا

# [الأحزاب: 72] تعليل للحمل مشار به إلى قوة استعداده، وقوله سبحانه: {
~~ليعذب } تعليل للعرض على معنى عرضنا ذلك لتظهر تجلياتنا الجلالية
~~والجمالية، ويشير إلى هذا قول العلامة الطيبي عليه الرحمة: إن الله
~~تعالى خلق الخلق ليكون مظاهر أسمائه الحسنى وصفاته العليا فحامل معنى
~~الكبرياء والعظمة السماوات والأرض والجبال من حيث كونها عاجزة عن حمل
~~سائر الصفات لعدم استعدادها لقبولها ولذلك أبين أن يحملنها وأشفقن منها
~~وحملها الإنسان لقوة استعداده واقتداره لكونه ظلوما جهولا فاختص لذلك
~~من بين سائر المخلوقات بقبول تجلي القهارية والتوابية والمغفرة وشاركها
~~بقبول تجلي الرحمة وله النصيب الأوفر منها لقوة استعداده واقتداره، وهو
~~مشرب صوفي كما لا يخفى.

# وأنا أختار كون الأمانة كل ما يؤتمن عليه ويطلب حفظه ورعايته ولها أفراد
~~كثيرة متفاوتة في جلالة القدر وإن عرضها على تلك الأجرام كان على وجه
~~التخيير / لهن في حملها لا الإلزام وأنهن خوطبن في ذلك وعقلن الخطاب
~~والله عز وجل قادر على أن يخلق في كل ذرة من ذرات الكائنات الحياة والعلم
~~كما خلقهما سبحانه في ذوي الألباب بل ذهب الفلاسفة إلى القول بثبوت
~~النفوس والحركة الإرادية للأفلاك بل قال بعضهم نحو ذلك في الكواكب وأثبت
~~الحركة الإرادية ونفى القواسر هناك وأن المراد بالإنسان الجنس وأن قوله
~~تعالى: { إنه كان ظلوما جهولا } في موضع التعليل للحمل. ووصف
~~الجنس بصيغتي المبالغة لكثرة الأفراد ms08612 المتصفة بالظلم والجهل منه وإن لم
~~يكونا فيها على وجه المبالغة بل لا يخلو فرد من الأفراد عن الاتصاف بظلم
~~ما وجهل ما، ولا يجب في وصف الجنس بصيغة المبالغة تحقق تلك الصفة في
~~الأفراد كلا أو بعضا على وجه المبالغة، نعم إن تحقق ذلك فهو زيادة خير،
~~كما فيما نحن فيه فإن أكثر أفراد الإنسان في غاية الظلم ونهاية الجهل،
~~ولعل المراد بظلوم جهول من شأنه الظلم والجهل وأن قوله تعالى: {
~~ليعذب } الخ متعلق بعرضنا على أنه تعليل له، وفي الكلام التفات لا
~~يخفى، وتقديم التعذيب لأنه أوفق بصفتي الظلم والجهل، وقيل: لأن الأمانة
~~من حكمها اللازم أن خائنها يضمن وليس من حكمها أن حافظها يؤجر، ومقابلة
~~التعذيب بالتوبة دون الإثابة أو الرحمة للإشارة إلى أن في المؤمنين
~~والمؤمنات من يصدر منه ما يصح أن يعذب عليه ومع ذلك لا يعذب، وفيه إشعار
~~بأنه لا يعذب على كل ظلم وجهل وفي هذا من إدخال السرور على المؤمنين
~~والكآبة على أضدادهم ما فيه، وأيضا أن ذلك أوفق بظاهر قوله تعالى: {
~~إنه كان ظلوما جهولا } وقيل لم يعتبر بالإثابة لأنها علمت من
~~قوله سبحانه:

# ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما

# [الأحزاب: 71] فعبر بما ذكر للتنبيه على أن ذلك بمحض الفضل وهو كما ترى،
~~وقيل إن ذاك لأن التذييل متكفل بإفادة رحمتهم وإثابتهم. وقرأ الحسن كما
~~ذكر صاحب «اللوامح» «ويتوب» بالرفع على الاستئناف.

# { وكان الله غفورا رحيما }  أي مبالغا في المغفرة والرحمة
~~حيث تاب على المؤمنين والمؤمنات وغفر لهم فرطاتهم وأثابهم بالفوز العظيم
~~على طاعاتهم نسأل الله تعالى أن يتوب علينا ويغفر لنا ويثيبنا بالفوز
~~العظيم إنه جل جلاله وعم نواله غفور رحيم.

# ومن باب الإشارة في آيات من هذه السورة الكريمة:

# يأيها النبى اتق الله

# [الأحزاب: 1] الخ فيه إشارة إلى عظم شأن التقوى وكذا شأن كل أمر ونهي
~~يتعلقان به عليه الصلاة والسلام، وفيه أيضا إشارة إلى أنه لا ينبغي محبة
~~أعداء الله عز وجل حيث نهى عن طاعتهم ms08613 وهما كالمتلازمين { ما جعل
~~الله لرجل من قلبين فى جوفه } لأن موقعه في البدن موقع
~~الرئيس في المملكة والحكمة تقتضي وحدة الرئيس، وفي الخبر

# " إذا بويع خليفتان فاقتلوا أحدهما "

# وقيل: إن ذاك لتشعر وحدته في بدن الإنسان الذي هو العالم الأصغر المنطوي
~~فيه العالم الأكبر بوحدة الله سبحانه في الوجود.

# وينبغي أن يعلم أن للقلب عندهم كما قال الصدر القونوي إطلاقين الأول:
~~إطلاقه على اللحم الصنوبري الشكل المعروف عند الخاصة والعامة، والثاني:
~~إطلاقه على الحقيقة الجامعة بين الأوصاف والشؤون الربانية وبين الخصائص
~~والأحوال الكونية الروحانية منها والطبيعية وهي تنشأ من بين الهيئة
~~الاجتماعية الواقعة بين الصفات والحقائق الإلهية والكونية وما يشتمل عليه
~~هذان الأصلان من الأخلاق والصفات اللازمة وما يتولد من بينهما بعد
~~الارتياض والتزكية وظهور ذلك مما ذكر ظهور السواد بين العفص والزاج
~~والماء وهذا هو القلب الذي أخبر عنه الحق على لسان نبيه صلى الله عليه
~~وسلم بقوله سبحانه:

# " ما وسعني أرضي ولا سمائي / ووسعني قلب عبدي المؤمن التقي النقي الوادع
~~"

# وهو محل نظر الحق ومنصة تجليه ومهبط أمره ومنزل تدليه واللحم الصنوبري
~~أحقر من حيث صورته أن يكون محل سره جل وعلا فضلا عن أن يسعه سبحانه
~~ويكون مطمح نظره الأعلى ومستواه، وادعوا أن تسمية ذلك الصنوبري الشكل
~~بالقلب على سبيل المجاز باعتبار تسمية الصفة والحامل باسم الموصوف
~~والمحمول.

# وما جعل أزوجكم اللائى تظهرون منهن
~~أمهتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم

# [الأحزاب: 4] فيه أن الحقائق لا تنقلب وأن في القرابة النسبية خواص لا
~~تكون في القرابة السببية فأين الأزواج من الأمهات والأدعياء من الأبناء
~~فالأمهات أصول ولا كذلك الأزواج والأبناء فروع ولا كذلك الأدعياء، ومن
~~هنا قيل: «الولد سر أبيه»، وقد أورده الشمس الفناري في «مصباح الأنس»
~~حديثا بصيغة الجزم من غير عزو ولا سند ولا يصح ذلك عند المحدثين، وهو
~~إشارة إلى الأوصاف والأخلاق والكمالات التي يحصلها الولد بالسراية من
~~والده لا بواسطة توجه القلب إلى حضرة الغيب الإلهي وعالم المعاني فإنه
~~باعتبار ذلك قد تحصل للولد ms08614 أوصاف وأخلاق على خلاف حال والده، ومنه يظهر
~~سر

# يخرج الحى من الميت

# [الأنعام: 95]

# فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين
~~ومواليكم

# [الأحزاب: 5] فيه إشارة إلى أن للدين نوعا من الأبوة ولهذا قد يقع به
~~التوارث

# النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم

# [الأحزاب: 6] لأنه عليه الصلاة والسلام يحب لهم فوق ما يحبون لها ويسلك
~~بهم المسلك الذي يوصلهم إلى الحياة الأبدية

# وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم

# [الأحزاب: 7] أي في الأزل إذ كانوا أعيانا ثابتة أو يوم الميثاق إذ صار
~~لهم نوع تعين

# ليسأل الصادقين عن صدقهم

# [الأحزاب: 8] سؤال تشريف لا تعنيف، والصدق على ما قالوا أن لا يكون في
~~أحوالك شوب ولا في أعمالك عيب ولا في اعتقادك ريب، ومن أماراته وجود
~~الإخلاص من غير ملاحظة المخلوق وتصفية الأحوال من غير مداخلة إعجاب
~~وسلامة القول من المعاريض والتباعد عن التلبيس فيما بين الناس وإدامة
~~التبري من الحول والقوة بل الخروج من الوجود المجازي شوقا إلى الوجود
~~الحقيقي

# يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم
~~إذ جاءتكم جنود

# [الأحزاب: 9] الخ طبق بعضهم ما تضمنته الآيات من قصة الأحزاب على ما في
~~الأنفس ولا يخفى حاله، ومن غريب ما رأيت أن الشيخ محي الدين قدس الله سره
~~قسم الأولياء إلى أقسام وجعل منهم قسما يقال لهم اليثربيون وقال: هم قوم
~~من الأولياء لا مقام لهم كما لسائر الأولياء وجعل قول المنافقين:

# يأهل يثرب لا مقام لكم

# [الأحزاب: 13] إشارة إلى ذلك، وكم قول غريب لهذا الشيخ غفر الله تعالى
~~له.

# لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن
~~كان يرجو الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرا

# [الأحزاب: 21] لأنه عليه الصلاة والسلام أكمل الخلق على الإطلاق وأحظى
~~الناس بإشراق أنوار أخلاقه عليه الذين يرجون الله تعالى واليوم الآخر
~~ويذكرونه عز وجل كثيرا لصقالة قلوبهم وقوة استعدادها لإشراق الأنوار
~~وظهور الآثار

# من المؤمنين رجال

# [الأحزاب: 23] أي رجال كاملون، وقول بعضهم: أي متصرفون في الموجودات
~~تصرف الذكور في الإناث كلام بشع تنقبض منه ككثير من كلام ms08615 المتصوفة قلوب
~~المقتفين للسلف الصالح.

# يأيها النبى قل لأزوجك إن كنتن تردن
~~الحيوة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن
~~وأسرحكن سراحا جميلا

# [الأحزاب: 28] الخ فيه إشارة إلى أن حب الدنيا وزينتها يكون سببا
~~لمفارقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والبعد عن حضرته الشريفة وأن محبته
~~عليه الصلاة والسلام تكون سببا للأجر العظيم

# ينساء النبى من يأت منكن

# [الأحزاب: 30] الخ فيه إشارة إلى تفاوت قبح المعاصي وحسن الطاعات
~~باعتبار الأشخاص ومثل ذلك تفاوتها باعتبار الأماكن والأزمان /

# وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله
~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم

# [الأحزاب: 36] إشارة إلى مقام التسليم وأنه اللائق بالمؤمنين وهذا حكم
~~مستمر على الأمة إلى يوم القيامة فلا ينبغي لأحد بلغه شيء عن الله عز وجل
~~وعن رسوله صلى الله عليه وسلم أن يختار لنفسه خلافه لإشعار ذلك باتهام
~~الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام.

# ولعل الإشارة في الآيات بعد ظاهرة لمن له أدنى التفات بيد أنهم أطالوا
~~الكلام في الأمانة المذكورة في قوله تعالى:

# إنا عرضنا الأمانة

# [الأحزاب: 72] الآية فلنذكر بعضا من ذلك فنقول: قال الشيخ محي الدين
~~قدس سره في «بلغة الغواص»: إن الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض
~~فأبين أن يحملنها هي السعة لمعرفة الله تعالى فلم يوجد في السماوات
~~والأرض قبول لما قبله الإنسان بهذا التأليف الصوري إذ هو ثمرة العالم فهو
~~يرى نفسه في العالم ويرى ربه سبحانه بالعالم الذي هو نفسه من حيث هو كل
~~العالم فلذلك اتسع لما لم يسعه العالم ولذلك خصه سبحانه بالسعة حيث أخبر
~~جل شأنه أنه لم يسعه سماواته ولا أرضه ووسعه قلب المؤمن من نوع الإنسان
~~انتهى. وكأنه أراد بكونه وسع الحق سبحانه كونه مظهرا جامعا للأسماء
~~والصفات على وجه لا ينافي تنزيه الحق جل جلاله، وهذا قريب مما ذكرناه في
~~التفسير وقلنا إنه مشرب صوفي كما لا يخفى، وقال آخر: هي عبارة عن الفيض
~~الإلهي بلا واسطة وحمله خاص بالإنسان لأن نسبته مع المخلوقات كنسبة القلب
~~مع الشخص ms08616 فالعالم شخص وقلبه الإنسان فكما أن القلب حامل للروح بلا واسطة
~~وتسري منه بواسطة العروق والشرايين ونحوها إلى سائر البدن كذلك الإنسان
~~حامل للفيض الإلهي بلا واسطة ويسري منه إلى ظاهر الكون وباطنه بواسطة
~~ظاهره وباطنه من أعمال البدن والروح فظاهر العالم وباطنه معموران بظاهر
~~الإنسان وباطنه وهذا سر الخلافة ومعنى كونه ظلوما أنه ظالم لنفسه حيث
~~استعد لأن يحمل أمرا عظيما وكونه جهولا أنه جاهل بها حيث لم يعرف
~~حقيقتها ولم يدرك منها سوى الصورة الحيوانية المتصفة بالصفات البهيمية من
~~الأكل والشرب والنكاح وهاتان الصفتان في حق حاملي الأمانة ومؤدي حقها من
~~حيث إنهما صارتا سببا لحمل الأمانة صفتا مدح وفي حق الخائنين صفتا ذم
~~والشيء قد يكون ذما في حق شخص ومدحا في حق آخر، والله تعالى الهادي إلى
~~سواء السبيل ومنه الاستمداد في فهم كلامه العزيز الجليل.

### | [34 - سورة سبإ]

### || [34.1]

# { الحمد لله الذى له ما فى السموات وما في
~~الأرض } أي له عز وجل خلقا وملكا وتصرفا بالإيجاد والإعدام
~~والإحياء والإماتة جميع ما وجد فيهما داخلا في حقيقتهما أو خارجا عنهما
~~متمكنا فيهما فكأنه قيل: له هذا العالم بالأسر، ووصفه تعالى بذلك على ما
~~قاله أبو السعود لتقرير ما أفاده تعليق الحمد المعرف بلام الحقيقة عند
~~أرباب التحقيق بالاسم الجليل من اختصاص جميع أفراد المخلوقات به عز وجل
~~ببيان تفرده تعالى واستقلاله بما يوجب ذلك وكون كل ما سواه سبحانه من
~~الموجودات التي من جملتها الإنسان تحت ملكوته تعالى ليس لها في حد ذاتها
~~استحقاق الوجود فضلا عما عداه من صفاتها بل كل ذلك نعم فائضة عليها من
~~جهته عز وجل فما هذا شأنه فهو بمعزل من استحقاق الحمد الذي مداره الجميل
~~الصادر عن القادر بالاختيار فظهر اختصاص جميع أفراده به تعالى، وفي الوصف
~~بما ذكر أيضا إيذان بأنه تعالى المحمود على نعم الدنيا حيث عقب الحمد
~~بما تضمن جميع النعم الدنيوية فيكون الكلام نظير قولك: أحمد أخاك الذي
~~حملك وكساك فإنك تريد به احمده على ms08617 حملانه وكسوته.

# وفي عطف قوله تعالى: { وله الحمد فى الأخرة } على الصلة كما
~~هو الظاهر إيذان بأنه سبحانه المحمود على نعم الآخرة ليتلاءم الكلام، وفي
~~تقييد الحمد فيه بأن محله الآخرة إيذان بأن محل الحمد الأول الدنيا لذلك
~~أيضا فتفيد الجملتان أنه عز وجل المحمود على نعم الدنيا فيها وأنه تبارك
~~وتعالى المحمود على نعم الآخرة فيها، وجوز أن يكون في الكلام صنعة
~~الاحتباك وأصله الحمدلله الخ في الدنيا وله ما في الآخرة والحمد فيها
~~فأثبت في كل منهما ما حذف من الآخر. وقال أبو السعود: إن الجملة الثانية
~~لاختصاص الحمد الأخروي به تعالى إثر بيان اختصاص الدنيوي به سبحانه على
~~أن { فى الأخرة } متعلق بنفس الحمد أو بما تعلق به { له } من
~~الاستقرار، وإطلاقه عن ذكر ما يشعر بالمحمود عليه ليس للاكتفاء بذكر كونه
~~في الآخرة عن التعيين كما اكتفى فيما سبق بذكر كون المحمود عليه في
~~الدنيا عن ذكر كون الحمد فيها أيضا بل ليعم النعم الأخروية كما في قوله
~~تعالى:

# الحمد لله الذى صدقنا وعده وأورثنا الأرض
~~نتبوأ من الجنة حيث نشاء

# [الزمر: 74] وقوله تعالى:

# الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن إن ربنا
~~لغفور شكور * الذى أحلنا دار المقامة من فضله

# [فاطر: 3435] وما يكون ذريعة إلى نيلها من النعم الدنيوية كما في قوله
~~تعالى:

# الحمد لله الذى هدانا لهذا

# [الأعراف: 43] أي لما جزاؤه هذا النعيم من الإيمان والعمل الصالح.

# وأنت تعلم أن المتبادر إلى الذهن هو ما قرر أولا.

# والفرق بين الحمدين مع كون نعم الدنيا ونعم الآخرة بطريق التفضل أن
~~الأول على نهج العبادة والثاني على وجه التلذذ والاغتباط، وقد ورد في
~~الخبر أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، وقول الزمخشري: «إن
~~الأول واجب لأنه على نعمة متفضل بها والثاني ليس بواجب لأنه على نعمة
~~واجبة الإيصال إلى مستحقها» مبني على رأي المعتزلة على أن قوله: لأنه على
~~نعمة واجبة الإيصال ليس على إطلاقه عندهم لأن ما يعطي الله تعالى العباد
~~في الآخرة ليس ms08618 مقصورا على الجزاء عندهم بل بعض ذلك تفضل وبعضه أجر.
~~وتقديم الخبر في الجملة الثانية لتأكيد الحصر المستفاد من اللام على ما
~~هو الشائع اعتناء بشأن / نعم الآخرة، وقيل: للاختصاص لأن النعم الدنيوية
~~قد تكون بواسطة من يستحق الحمد لأجلها ولا كذلك نعم الآخرة، وكأنه أراد
~~لتأكيد الاختصاص أو بني الأمر على أن الاختصاص المستفاد من اللام بمعنى
~~الملابسة التامة لا الحصر كما فصله الفاضل اليمني، وأما أنه أراد لاختصاص
~~الاختصاص فكما ترى، ويرد على قوله: ولا كذلك نعم الآخرة

# عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا

# [الإسراء: 79] فتأمل.

# { وهو الحكيم } الذي أحكم أمر الدارين ودبره حسبما تقتضيه الحكمة
~~{ الخبير } العالم ببواطن الأشياء ومكنوناتها ويلزم من ذلك علمه
~~تعالى بغيرها، وعمم بعضهم من أول الأمر وما ذكر مبني على ما قاله بعض أهل
~~اللغة من أن الخبرة تختص بالبواطن لأنها من خبر الأرض إذا شقها.

# وفي هذه الفاصلة إيذان بأنه تعالى كما يستحق الحمد لأنه سبحانه منعم
~~يستحقه لأنه جل شأنه منعوت بالكمال الاختياري وتكميل معنى كونه تعالى
~~منعما أيضا بأنه على وجه الحكمة والصواب وعن علم بموضع الاستحقاق
~~والاستيجاب لا كمن يطلق عليه أنه منعم مجازا.

### || [34.2]

# وقوله تعالى: { يعلم ما يلج فى الأرض } الخ استئناف لتفصيل
~~بعض ما يحيط به علمه تعالى من الأمور التي نيطت بها مصالحهم الدينية
~~والدنيوية، وجوز أن يكون تفسيرا لخبير، وأن يكون حالا من ضميره تعالى
~~في

# له ما في السموات

# [سبأ: 1] فيكون { له الحمد فى الأخرة } اعتراضا بين الحال
~~وصاحبها أي يعلم سبحانه ما يدخل في الأرض من المطر { وما يخرج
~~منها } من النبات قاله السدي. وقال الكلبي: ما يدخل فيها من الأموات
~~وما يخرج منها من جواهر المعادن، والأولى التعميم في الموصولين فيشملان
~~كل ما يلج في الأرض ولو بالوضع فيها وكل ما يخرج منها حتى الحيوان فإنه
~~كله مخلوق من التراب.

# { وما ينزل من السماء وما يعرج فيها } أي من الملائكة
~~قاله السدي والكلبي، والأولى التعميم فيشمل { ما ينزل } المطر
~~والثلج ms08619 والبرد والصاعقة والمقادير ونحوها أيضا { وما يعرج }
~~الأبخرة والأدخنة وأعمال العباد وأدعيتهم ونحوها أيضا، ويراد بالسماء
~~جهة العلو مطلقا ولعل ترتيب المتعاطفات كما سمعت إفادة للترقي في المدح،
~~وضمن العروج معنى السير أو الاستقرار على ما قيل فلذا عدي بفي دون إلى،
~~وقيل: لا حاجة إلى اعتبار التضمين والمراد بما يعرج فيها ما يعرج في ثخن
~~السماء ويعلم من العلم بذلك العلم بما يعرج إليها من باب أولى فتدبر.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والسلمي { ينزل } بضم الياء وفتح النون
~~وشد الزاي أي الله كذا في «البحر». وفي «الكشاف» عن علي كرم الله تعالى
~~وجهه أنه قرأ { ننزل } بالتشديد ونون العظمة.

# { وهو } مع كثرة نعمته وسبوغ فضله { الرحيم الغفور }
~~للمفرطين في أداء مواجب شكرها فهذا التذنيب مع كونه مقررا للخبرة مفصل
~~لما أجمل في قوله سبحانه:

# له ما في السموات وما في الأرض

# [سبأ: 1] يعرف منه كيف كان كله نعمة وكالتبصر لأنواع النعم الكلية فكل
~~منه ومن التذنيب السابق في موضعه اللاحق فلا تتوهم أن العكس أنسب.

### || [34.3]

# { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة } أرادوا
~~بضمير المتكلم جنس البشر قاطبة لا أنفسهم أو معاصريهم فقط وبنفي إتيانها
~~نفي وجودها بالكلية لا عدم حضورها مع تحقيقها في نفس الأمر، وإنما عبروا
~~عنه بذلك لأنهم كانوا يوعدون بإتيانها، وقيل: لأن وجود الأمور الزمانية
~~المستقبلة لا سيما أجزاء الزمان لا يكون إلا بالإتيان والحضور، وقيل: هو
~~استبطاء لإتيانها الموعود بطريق الهزء والسخرية كقولهم:

# متى هذا الوعد

# [سبأ: 29] / والأول أولى، والجملة قيل: معطوفة على ما قبلها عطف القصة
~~على القصة وجعلها حالية غير ظاهر.

# { قل بلى } رد لكلامهم وإثبات لما نفوه على معنى ليس الأمر إلا
~~إتيانها، وقوله تعالى: { وربى لتأتينكم } تأكيد له على أتم
~~الوجوه وأكملها، وجاء القسم بالرب للإشارة إلى أن إتيانها من شؤون
~~الربوبية، وأتى به مضافا إلى ضميره صلى الله عليه وسلم ليدل على شدة
~~القسم، وروى هارون كما قال ابن جني عن طليق قال: سمعت أشياخنا يقرؤون {
~~ليأتينكم ms08620 } بالياء التحتية وخرجت على أن الفاعل ضمير البعث لأن مقصودهم
~~من نفي إتيان الساعة أنهم لا يبعثون، وقيل: الفاعل ضمير { الساعة }
~~على تأويلها باليوم أو الوقت. وتعقبه أبو حيان بأنه بعيد إذ لا يكون مثل
~~هذا إلا في الشعر نحو:

# ولا أرض أبقل إبقالها

# وقوله تعالى: { علم الغيب } بدل من المقسم به على ما ذهب إليه
~~الحوفي وأبو البقاء، وجوز أن يكون عطف بيان، وأجاز أبو البقاء أن يكون
~~صفة له.

# وتعقب بأنه صفة مشبهة وهي كما ذكره سيبويه في «الكتاب» - لا تتعرف
~~بالإضافة إلى معرفة، والجمهور على أنها تتعرف بها ولذا ذهب جمع من الأجلة
~~إلى أنه صفة ووصف سبحانه بإحاطة العلم إمدادا للتأكيد وتشديدا له إثر
~~تشديد فإن عظمة حال المقسم به تؤذن بقوة حال المقسم عليه وشدة ثباته
~~واستقامته لأنه بمنزلة الاستشهاد على الأمر وكلما كان المستشهد به أعلى
~~كعبا وأبين فضلا وأرفع منزلة كانت الشهادة أقوى وآكد والمستشهد عليه
~~أثبت وأرسخ، وخص هذا الوصف بالذكر من بين الأوصاف مع أن كل وصف يقتضي
~~العظمة يتأتى به ذلك لما أن له تعلقا خاصا بالمقسم عليه فإنه أشهر
~~أفراد الغيب في الخفاء ففيه مع رعاية التأكيد حسن الإقسام على منوال
~~وثناياك أنها إغريض كأنه قيل: وربي العالم بوقت قيامها لتأتينكم، وفيه
~~إدماج أن لا كلام في ثبوتها.

# وقال صاحب «الفرائد»: جىء بالوصف المذكور لأن إنكارهم البعث باعتبار أن
~~الأجزاء المتفرقة المنتشرة يمتنع اجتماعها كما كانت يدل عليه قوله تعالى:

# قد علمنا ما تنقص الأرض منهم

# [ق: 4] الآية، فالوصف بهذه الأوصاف رد لزعمهم الاستحالة وهو أن من كان
~~علمه بهذه المثابة كيف يمتنع منه ذلك انتهى، واستحسنه الطيبي، وقال في
~~«البحر»: أتبع القسم بقوله تعالى: { علم الغيب } وما بعده ليعلم
~~أن إتيانها من الغيب الذي تفرد به عز وجل، وما ذكر أولا أبعد مغزى،
~~وفائدة الأمر بهذه المرتبة من اليمين أن لا يبقى للمعاندين عذر ما أصلا
~~فإنهم كانوا يعرفون أمانته صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن وصمة الكذب ms08621
~~فضلا عن اليمين الفاجرة وإنما لم يصدقوه عليه الصلاة والسلام مكابرة،
~~وغفل صاحب «الفرائد» عن هذه الفائدة فقال: اقتضى المقام اليمين لأن من
~~أنكر ما قيل له فالذي وجب بعد ذلك إذا أريد إعادة القول له أن يكون
~~مقترنا باليمين وإلا كان خطأ بالنظر إلى علم المعاني وإن كان صحيحا
~~بالنظر إلى العربية والنحو وقد يغفل الأريب.

# وقرأ نافع وابن عامر ورويس وسلام والجحدري وقعنب { علم } بالرفع
~~على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو عالم، وجوز الحوفي أن يكون مبتدأ خبره
~~محذوف أي عالم الغيب هو، وجوز هو وأبو البقاء أن يكون مبتدأ والجملة بعده
~~خبره. / وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي { علام } بصيغة المبالغة
~~والخفض، وقرىء { عالم } بالرفع يكون بلا مبالغة { الغيوب } بالجمع.

# { لا يعزب عنه } أي لا يبعد ومنه روض عزيب بعيد من الناس. وقرأ
~~الكسائي بكسر الزاي { مثقال ذرة } مقدار أصغر نملة { في
~~السموات ولا فى الأرض } أي كائنة فيهما { ولا أصغر
~~من ذلك } أي مثقال ذرة { ولا أكبر } أي منه، والكلام على حد

# لا يغادر صغيرة ولا كبيرة

# [الكهف: 49] ورفعهما على الابتداء والخبر قوله تعالى: { إلا فى
~~كتب مبين } هو اللوح المحفوظ عند الأكثرين. والجملة مؤكدة لنفي
~~العزوب، وقرأ الأعمش وقتادة وأبو عمرو ونافع في رواية عنهما { ولا
~~أصغر... ولا أكبر } بالنصب على أن { لا } لنفي الجنس عاملة عمل
~~إن وما بعدها اسمها منصوب بها لأنه شبيه بالمضاف ولم ينون للوصف ووزن
~~الفعل فليس ذلك نحو «لا مانع لما أعطيت»، والخبر هو الخبر على قراءة
~~الجمهور، وقال أبو حيان: { لا } لنفي الجنس وهي وما بني معها مبتدأ على
~~مذهب سيبويه والخبر { إلا فى كتب } وما ذكرناه في توجيه
~~القراءتين هو الذي ذهب إليه كثير من الأجلة، وقيل: إن ذلك معطوف في قراءة
~~الرفع على { مثقال } وفي القراءة الأخرى على { ذرة } والفتحة فيه
~~نيابة عن الكسرة للوصف والوزن وإليه ذهب أبو البقاء. واستشكل بأنه يصير
~~المعنى عليه - إذا كان الاستثناء متصلا كما هو الأصل - لا يعزب عن ms08622 علمه
~~مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب
~~مبين فإنه يعزب عنه فيه، وفساده ظاهر.

# والتزم السراج البلقيني على تقدير العطف المذكور أن يكون الاستثناء من
~~محذوف والتقدير ولا شيء إلا في كتاب ثم قال: ولا بدع في حذف ما قدر
~~لدلالة الكلام عليه، ويحصل من مجموع ذلك إثبات العلم لله تعالى بكل معلوم
~~وأن كل شيء مكتوب في الكتاب، وقيل العطف على ما ذكر والاستثناء منقطع
~~والمعنى لا يعزب عنه تعالى شيء من ذلك لكن هو في كتاب، وقيل العطف على
~~ذلك والكلام نهج قوله:

# ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

# بهن فلول من قراع الكتائب

# فالمعنى إن كان يعزب عنه شيء فهو الذي في كتاب مبين لكن الذي في الكتاب
~~لا يعزب عنه فلا يعزب عنه شيء، وفيه من البعد ما فيه؛ وقيل: إن المراد
~~بقوله تعالى: { لا يعزب } الخ أنه تعالى عالم به والمراد بقوله
~~سبحانه: { إلا فى كتب } نحو ذلك لأن الكتاب هو علم الله تعالى،
~~والمعنى وما يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء إلا يعلمه ولا
~~أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في علمه فيكون نظير قوله:

# وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة فى
~~ظلمت الأرض ولا رطب ولا يابس إلا فى كتب

# [الأنعام: 59] وفيه أنه أبعد مما قبله.

# وقيل: يعزب بمعنى يظهر ويذهب والعطف على ما سمعت، والمعنى لم يظهر شيء
~~عن الله تعالى بعد خلقه له إلا وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، وتلخيصه كل
~~مخلوق مكتوب، وفيه أن هذا المعنى ليعزب غير معروف وإنما المعروف ما تقدم،
~~نعم قال الصغاني في «العباب» قال أبو سعيد الضرير: يقال ليس لفلان امرأة
~~تعزبه أي تذهب عزبته بالنكاح مثل قولك تمرضه أي تقوم عليه في مرضه ثم قال
~~الصغاني: والتركيب يدل على تباعد وتنح فتفسيره بالظهور بعيد ولئن سلمنا
~~قربه فلأي شيء جمع بين الظهور والذهاب، وقيل (إلا) بمعنى الواو وهو مقدر ms08623
~~في الكلام والكلام قد تم عند { أكبر } كأنه قيل: لا يعزب عنه ذلك وهو
~~في كتاب، ومجيء إلا بمعنى الواو ذهب إليه الأخفش من البصريين والفراء من
~~الكوفيين. / وخرج عليه قوم

# يجتنبون كبئر الإثم والفوحش إلا اللمم

# [النجم: 32] و

# خلدين فيها ما دامت السموت والأرض إلا ما
~~شاء ربك

# [هود: 107] وقد حكى هذا القول مكى في نظير الآية ثم قال: وهو قول حسن
~~لولا أن جميع البصريين لا يعرفون (إلا) بمعنى الواو كأنه لم يقف على قول
~~الأخفش وهو من رؤساء نحاة البصرة أو لم يعتبره فلذا قال جميع البصريين،
~~وقد كثر الكلام في هذا الوجه وارتضاه السراج البلقيني وأنا لا أراه
~~مرضيا وأن أوقد له ألف سراج.

# وقيل العطف على ما سمعت وضمير { عنه } للغيب فلا إشكال إذ المعنى
~~حينئذ لا يبعد عن غيبه شيء إلا ما كان في اللوح لبروزه من الغيب إلى
~~الشهادة واطلاع الملأ الأعلى عليه.

# وتعقب بأن المعنى لا يساعده لأن الأمر الغيبي إذا برز إلى الشهادة لم
~~يعزب عنه بل بقي في الغيب على ما كان عليه مع بروزه، ومعناه أن كونه ففي
~~اللوح المحفوظ كناية عن كونه من جملة معلوماته تعالى وهي إما مغيبة وإما
~~ظاهرة وكل مغيب سيظهر وإلا كان معدوما لا مغيبا وظهوره وقت ظهوره لا
~~يرفع كونه مغيبا فلا يكون استثناء متصلا، ألا ترى أنك لو قلت علم
~~الساعة مغيب عن الناس إلا علمهم بها حين تقوم ويشاهدونها لم يكن هذا
~~الاستثناء متصلا كذا قيل فتأمل ولا تغفل. وأنت تعلم أن هذا الوجه على
~~فرض عدم ورود ما ذكر عليه ضعيف لأن الظاهر الذي يقتضيه قوله تعالى:

# وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا
~~فى السماء

# [يونس: 61] الآية رجوع الضمير إلى الله عز وجل. والذي ذهب إليه أبو حيان
~~أن الكتاب ليس هو اللوح وليس الكلام إلا كناية عن ضبط الشيء والتحفظ به.

# وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { ولا أصغر من ذلك ولا
~~أكبر ms08624 } بكسر الراءين. وخرج على أنه نوى مضاف إليه والتقدير ولا أصغره
~~ولا أكبره، و { من ذلك } ليس متعلقا بأفعل بل هو تبيين لأنه لما حذف
~~المضاف إليه أبهم لفظا فبين بقوله تعالى من ذلك أي أعني من ذلك، ولا
~~يخفى أنه توجيه شذوذ.

### || [34.4]

# { ليجزى الذين ءامنوا وعملوا الصلحات } متعلق
~~بقوله سبحانه

# لتأتينكم

# [سبأ: 3] على أنه علة له وبيان لمقتضى اتيانها فهو من تتمة المقسم عليه،
~~فحاصل الكلام أن الحكمة تقتضي إثباتها والعلم البالغ المحيط بالغيب وجميع
~~الجزئيات جليها وخفيها حاصل والقدرة المقتضية لإيجاد العالم وما فيه
~~وجعله نعمة على ما مر فقد تم المقتضى وارتفع المانع فليس في الآية اكتفاء
~~في الرد بمجرد اليمين، واستظهر في «البحر» تعلقه بلا يعزب. وذهب إليه أبو
~~البقاء. وتعقب بأن علمه تعالى ليس لأجل الجزاء، وقيل متعلق بمتعلق

# فى كتب

# [سبأ: 3] وهو كما ترى.

# { أولئك } إشارة إلى الموصول من حيث اتصافه بما في حيز الصلة،
~~وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف أي أولئك
~~الموصوفون بالإيمان وعمل الأعمال الصالحات { لهم } بسبب ذلك {
~~مغفرة } لما فرط منهم من بعض فرطات قلما يخلو عنها البشر { ورزق
~~كريم } حسن لا تعب فيه ولا من عليه.

### || [34.5]

# { والذين سعوا فى ءايتنا } بالقدح فيها وصد الناس عن
~~التصديق بها { معجزين } أي مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا قاله
~~قتادة، وقال عكرمة: مراغمين، والقال ابن زيد: مجاهدين في إبطالها.

# وقرأ جمع { معجزين } مخففا، وابن كثير وأبو عمرو والجحدري وأبو السمال
~~مثقلا، قال ابن الزبير: أي مثبطين عن الإيمان من أراده مدخلين عليه
~~العجز في نشاطه، وقيل معجزين قدرة الله عز وجل في زعمهم.

# { أولئك } الموصوفون بما ذكر وفيه إشارة إلى بعد منزلتهم في الشر
~~{ لهم } بسبب ذلك { عذاب من رجز } / أي من سيء العذاب وأشده،
~~و(من) للبيان { أليم } بالرفع صفة { عذاب } وقرأ كثر السبعة بالجر
~~على أنه صفة مؤكدة لرجز بناء على ما سمعت من معناه، وجعله بعضهم صفة
~~مؤسسة له بناء على أن الرجز كما روي ms08625 عن قتادة مطلق العذاب وجوز جعله صفة
~~{ عذاب } أيضا والجر للمجاورة، والظاهر أن الموصول مبتدأ والخبر جملة
~~{ أولئك لهم عذاب } وجوز أن يكون في محل نصب عطفا على
~~الموصول قبله أي ويجزي الذي سعوا وجملة { أولئك لهم } الخ التي
~~بعده مستأنفة والتي قبله معترضة. وفي «البحر» يحتمل على تقدير العطف على
~~الموصول أن تكون الجملتان المصدرتان بأولئك هما نفس الثواب والعقاب؛
~~ويحتمل أن يكونا مستأنفتين والثواب والعقاب غير ما تضمنتا مما هو أعظم
~~كرضا الله تعالى عن المؤمن دائما وسخطه على الكافر دائما، وفيه أنه كيف
~~يتأتى حمل ذلك على رضا الله تعالى وضده وقد صرح أولا بالمغفرة والرزق
~~الكريم وفي مقابله بالعذاب الأليم وجعل الأول جزاء.

### || [34.6]

# { ويرى الذين أوتوا العلم } أي ويعلم أولوا العلم من
~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يطأ أعقابهم من أمته عليه الصلاة
~~والسلام أو من آمن من علماء أهل الكتاب كما روي عن قتادة كعبد الله بن
~~سلام وكعب وأضرابهما رضي الله تعالى عنهم { الذى أنزل إليك من
~~ربك } أي القرآن { هو الحق } بالنصب على أنه مفعول ثان ليرى
~~والمفعول الأول هو الموصول الثاني و { هو } ضمير الفصل. وقرأ ابن أبي
~~عبلة بالرفع على جعل الضمير مبتدأ وجعله خبرا والجملة في موضع المفعول
~~الثاني ليرى وهي لغة تميم يجعلون ما هو فصل عند غيرهم مبتدأ.

# وقوله تعالى: { ويرى } الخ ابتداء كلام غير معطوف على ما قبله مسوق
~~للاستشهاد بأولي العلم على الجهلة الساعين في الآيات. وفي «الكشف» هو عطف
~~على قوله تعالى:

# وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة

# [سبأ: 3] على معنى وقال الجهلة: لا ساعة وعلم أولي العلم أنه الحق الذي
~~نطق به المنزل إليك الحق وتعقب بأنه تكلف بعيد فإن دلالة النظم الكريم
~~على الاهتمام بشأن القرآن لا غير، وقيل عليه: أنت خبير بأن ما قبله من
~~قوله تعالى:

# وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة

# [سبأ: 3] وقوله سبحانه:

# وقال الذين كفروا هل ندلكم

# [سبأ: 7] الخ في شأن الساعة ومنكري الحشر ms08626 فكيف يكون ما ذكر بعيدا
~~بسلامة الأمير فذكر حقية القرآن بطريق الاستطراد والمقصود بالذات حقية ما
~~نطق به من أمر الساعة، وقال الطبري والثعلبي: إن { يرى } منصوب بفتحة
~~مقدرة عطفا على { يجزي } [سبأ: 4] أي وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة
~~معاينة أنه الحق حسبما علموه قبل برهانا ويحتجوا به على المكذبين وعليه
~~فقوله تعالى:

# والذين سعوا

# [سبأ: 5] معطوف على الموصول الأول أو مبتدأ والجملة معترضة فلا يضر
~~الفصل كما توهم، وجوز أن يراد بأولي العلم من لم يؤمن من الأحبار أي
~~ليعلموا يومئذ أنه هو الحق فيزدادوا حسرة وغما وتعقب بأن وصفهم بأولي
~~العلم يأباه لأنه صفة مادحة ولعل المجوز لا يسلم هذا، نعكم كون ذلك
~~بعيدا لا ينكر لا سيما وظاهر المقابلة بقوله تعالى:

# وقال الذين كفروا

# [سبأ: 3] يقتضي الحمل على المؤمنين.

# { ويهدى إلى صراط العزيز } الذي يقهر ولا يقهر {
~~الحميد } المحمود في جميع شؤونه عز وجل، والمراد بصراطه تعالى
~~التوحيد والتقوى، فاعل (يهدي) إما ضمير { الذى أنزل } أو ضمير الله
~~تعالى ففي { العزيز الحميد } التفات، والجملة على الأول إما
~~مستأنفة أو في موضع الحال من { الذى } على إضمار مبتدأ أي وهو يهدي
~~كما في قوله:

# نجوت وأرهنهم مالكا

# أو معطوفة على { الحق } بتقدير وإنه يهدي وجوز أن يكون يهدي /
~~معطوفا على { الحق } عطف الفعل على الاسم لأنه في تأويله كما في قوله
~~تعالى:

# صفت ويقبضن

# [الملك: 19] أي قابضات وبعكسه قوله:

# وألفيته يوما يبير عدوه

# وبحر عطاء يستحق المعابرا

### || [34.7]

# { وقال الذين كفروا } عم كفار قريش قالوا مخاطبا بعضهم لبعض
~~على جهة التعجب والاستهزاء { هل ندلكم على رجل } يعنون به
~~النبي صلى الله عليه وسلم والتعبير عنه عليه الصلاة والسلام بذلك من باب
~~التجاهل كأنهم لم يعرفوا منه صلى الله عليه وسلم إلا أنه رجل وهو عليه
~~الصلاة والسلام عندهم أظهر من الشمس:

# وليس قولك من هذا بضائره

# العرب تعرف من أنكرت والعجم

# { ينبئكم } يحدثكم بأمر مستغرب عجيب. وقرأ زيد بن علي رضي الله
~~تعالى عنهما «ينبيكم» بإبدال الهمزة ms08627 ياء محضة وحكي عنه { ينبئكم }
~~بالهمز من أنبأ.

# { إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق جديد }
~~(إذا) شرطية وجوابها محذوف لدلالة ما بعده عليه أي تبعثون أو تحشرون وهو
~~العامل في (إذا) على قول الجمهور والجملة الشرطية بتمامها معمولة لينبئكم
~~لأنه في معنى يقول لكم إذا مزقتم كل ممزق تبعثون ثم أكد ذلك بقوله تعالى:
~~{ إنكم لفى خلق جديد } وجوز أن يكون { إنكم لفي خلق جديد }
~~معمولا لينبئكم وهو معلق ولولا اللام في خبر (إن) لكانت مفتوحة والجملة
~~سدت مسد المفعولين والشرطية على هذا اعترض، وقد منع قوم التعليق في باب
~~أعلم والصحيح جوازه وعليه قوله:

# حذار فقد نبئت أنك للذي

# ستجزى بما تسعى فتسعد أو تشقى

# وجوز أن تكون (إذا) لمحض الظرفية فعاملها الذي دل عليه ما بعد يقدر
~~مقدما أي تبعثون أو تحشرون إذا مزقتم، ولا يجوز أن يكون العامل { يدلكم
~~} أو { ينبئكم } لعدم المقارنة ولا { مزقتم } لأن (إذا) مضافة
~~إليه والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. ولا خلق ولا جديد لأن (إن) لها
~~الصدر فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وقال الزجاج: (إذا) في موضع النصب
~~بمزقتم وهي بمنزلة من الشرطية يعمل فيها الذي يليها، وقال السجاوندي:
~~العامل محذوف وما بعدها إنما يعمل فيها إذا كان مجزوما بها وهو مخصوص
~~بالضرورة نحو

# وإذا تصبك خصاصة فتجمل

# فلا يخرج عليه القرآن فإذا لم تجزم كانت مضافة إلى ما بعدها والمضاف
~~إليه لا يعمل في المضاف. وقال أبو حيان: الصحيح أن العامل فيها فعل الشرط
~~كسائر أدوات الشرط، وتمام الكلام على ذلك في كتب النحو.

# وممزق مصدر جاء على زنة اسم المفعول كمسرح في قوله:

# ألم تعلم مسرحي القوافي

# فلا عيا بهن ولا اجتلابا

# وتمزيق الشيء تخريقه وجعله قطعا قطعا ومنه قوله:

# إذا كنت مأكولا فكن خير آكل

# وإلا فأدركني ولما أمزق

# والمراد إذا متم وفرقت أجسادكم كل تفريق بحيث صرتم رفاتا وترابا، ونصب
~~{ كل } على المصدرية. وجوز أن يكون اسم مكان فنصب كل على الظرفية لأن
~~لها حكم ms08628 ما تضاف إليه أي إذا فرقت أجسادكم في كل مكان من القبور وبطون
~~الطير والسباع وما ذهبت به السيول كل مذهب وما نسفته الرياح فطرحته / كل
~~مطرح.

# و { جديد } فعيل بمعنى فاعل عند البصريين من جد الشيء إذا صار جديدا
~~وبمعنى مفعول عند الكوفيين من جده إذا قطعه ثم شاع في كل جديد وإن لم يكن
~~مقطوعا كالبناء، والسبب في الخلاف أنهم رأوا العرب لا يؤنثونه ويقولون
~~ملحفة جديد لا جديدة فذهب الكوفيون إلى أنه بمعنى مفعول والبصريون إلى
~~خلافه وقالوا ترك التأنيث لتأويله بشيء جديد أو لحمله على فعيل بمعنى
~~مفعول كذا قيل.

### || [34.8]

# { أفترى على الله كذبا } فيما ينسب إليه من أمر البعث {
~~أم به جنة } أي جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه، واستدل به أبو
~~عمرو الجاحظ على ما ذهب إليه من أن صدق الخبر مطابقته للواقع مع الاعتقاد
~~وكذبه عدمها معه وغيرهما ليس بصدق ولا كذب، وذلك أن الكفار وهم عقلاء من
~~أهل اللسان عارفون باللغة حصروا أخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالبعث
~~في الافتراء والاخبار حال الجنة على سبيل منع الخلو بالمعنى الأعم ولا شك
~~أن المراد بالثاني غير الكذب لأنه قسيمه وغير الصدق لأنهم اعتقدوا عدمه،
~~وأيضا لا دلالة لقولهم { أم به جنة } على معنى أم صدق بوجه من
~~الوجوه فيجب أن يكون بعض الخبر ما ليس بصادق ولا كاذب ليكون ذلك منه
~~بزعمهم وإن كان صادقا في نفس الأمر، وتوضيحه أن ظاهر كلامهم هذا يدل على
~~طلب تعيين أحد حالي النبي صلى الله عليه وسلم المستويين في اعتقاد
~~المتكلم حين الإخبار بالبعث وهو يستلزم تعيين أحد حالي الخبر والاستفهام
~~ههنا للتقرير فيفيد ثبوت أحد الحالين للخبر ولا شك أن ثبوت أحدهما لا
~~يثبت الواسطة ما لم يعتبر تنافيهما وكذا تنافيهما في الجمع لا يثبتها بل
~~لا بد من تنافيهما في الارتفاع يعني أن خبره عليه الصلاة والسلام بالبعث
~~لا يخلو عن أحد الأمرين المتنافيين فيكون المراد بالثاني ما هو مناف
~~وقسيم للأول ms08629 ومعلوم أنه غير الصدق فليس الصدق عبارة عن مطابقة الواقع فقط
~~والكذب عن عدم المطابقة له كما يقول الجمهور أو عن مطابقة الاعتقاد له
~~وعدم مطابقته له كما يقول النظام فيكونان عبارتين عن مطابقتهما وعدم
~~مطابقتهما وتثبت الواسطة.

# وأجيب بأن معنى { أم به جنة } أم لم يفتر فعبر عن عدم الافتراء
~~بالجنة لأن المجنون يلزمه أن لا افتراء له كما دل عليه نقل الأئمة
~~واستعمال العرب الكذب عن عمد ولا عمد للمجنون فالثاني ليس قسيما للكذب
~~بل لما هو أخص منه أعني الافتراء فيكون ذلك حصرا للخبر الكاذب بزعمهم في
~~نوعيه الكذب عن عمد والكذب لا عن عمد ولو سلم أن الافتراء بمعنى الكذب
~~مطلقا فالمعنى الافتراء أقصد الافتراء أي الكذب أم لم يقصد بل كذب بلا
~~قصد لما به من الجنة. وقيل: المعنى افترى أم لم يفتر بل به جنون وكلام
~~المجنون ليس بخبر لأنه لا قصد له يعتد به ولا شعور فيكون مرادهم حصره في
~~جنونه خبرا كاذبا أو ليس بخبر فلا يثبت خبر لا يكون صادقا ولا كاذبا،
~~ونوقش فيه كما لا يخفى على من راجع كتب المعاني.

# بقي ههنا بحث وهو أن الطيبي أشار إلى أن مبنى الاستدلال كون { أم }
~~متصلة واعترضه بأن الظاهر كونها منقطعة أما لفظا فلاختلاف مدخول الهمزة
~~وأم وأما معنى فلأن الكفرة المعاندين لما أخرجوا قولهم

# هل ندلكم على رجل ينبئكم

# [سبأ: 7] مخرج الظن والسخرية متجاهلين برسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وبكلامه من إثبات الحشر والنشر وعقبوه بقولهم { أفترى على الله
~~كذبا } أضربوا عنه إلى ما هو أبلغ منه ترقيا من الأهون إلى الأغلظ من
~~نسبة الجنون إليه وحاشاه صلى الله عليه وسلم فكأنهم قالوا: دعوا حديث
~~الافتراء فإن ههنا ما هو أطم منه لأن العاقل كيف يحدث بإنشاء خلق جديد
~~بعد الرفات والتراب، ولما كان التعويل على ما بعد الإضراب من إثبات
~~الجنون أوقع الإضراب الثاني في كلامه تعالى ردا لقولهم ونفيا للجنون
~~عنه صلوات الله / تعالى وسلامه عليه وإثباتا ms08630 له فيهم إلى آخر ما قال.

# ولم يرتض ذلك صاحب «الكشف» فقال في كلام «الكشاف» إشارة إلى أن (أم)
~~متصلة وفائدة العدول عن الفعل في جن إيماء إلى أن الثابت هو ذلك الشق
~~كأنه قيل: أعن افتراء هذا الكذب العجاب أم جنون، والتقابل لأن المجنون لا
~~افتراء له فالاستدلال على الانقطاع بتخالف العديلين ساقط؛ وأما الترقي في
~~الاتصال أيضا على ما لوح إليه بوجه ألطف اه. وأنت تعلم أن ظاهر
~~الاستدلال يقتضي الاتصال لكن قال الخفاجي: إن كون الاستدلال مبنيا على
~~الاتصال غير مسلم فتأمل، والظاهر أفترى على الله كذبا أم به جنة من قول
~~بعضهم لبعض. وفي «البحر» يحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب لمن قال

# هل ندلكم

# [سبأ: 7] ردد بين شيئين ولم يجزم بأحدهما لما في كل من الفظاعة.

# { بل الذين لا يؤمنون بالأخرة فى العذاب
~~والضلل البعيد } إبطال من جهته تعالى لما قالوا بقسيميه وإثبت
~~ما هو أشد وأفظع لهم ولذا وضع { الذين لا يؤمنون } موضع الضمير
~~توبيخا لهم وإيماء إلى سبب الحكم بما بعده كأنه قيل: ليس الأمر كما
~~زعموا بل هم في كمال اختلال العقل وغاية الضلال عن الفهم والإدراك الذي
~~هو الجنون حقيقة وفيما يؤدي إليه ذلك من العذاب حيث أنكروا حكمة الله
~~تعالى في خلق العالم وكذبوه عز وجل في وعده ووعيده وتعرضوا لسخطه سبحانه.
~~وتقديم العذاب على ما يوجبه ويستتبعه للمسارعة إلى بيان ما يسوءهم ويفت
~~في أعضادهم والإشعار بغاية سرعة ترتبه عليه كأنه يسابقه فيسبقه، ووصف
~~الضلال بالبعيد الذي هو وصف الضال للمبالغة لأن ضلالهم إذا كان بعيدا في
~~نفسه فكيف بهم أنفسهم.

### || [34.9]

# وقوله تعالى: { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما
~~خلفهم من السمآء والأرض إن نشأ نخسف بهم
~~الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السمآء } قيل: هو
~~استئناف مسوق لتذكيرهم بما يعاينون مما يدل على كمال قدرته عز وجل
~~وتنبيههم على ما يحتمل أن يقع من الأمور الهائلة في ذلك إزاحة لاستحالتهم
~~الإحياء حتى قالوا ما قالوا ms08631 فيمن أخبرهم به وتهديدا على ما اجترؤوا
~~عليه، والمعنى أعموا فلم ينظروا إلى ما أحاط بجوانبهم من السماء والأرض
~~ولم يتفكروا أنهم أشد خلقا أم هي وانا إن نشأ نخسف بهم الأرض كما
~~خسفناها بقارون أو نسقط عليهم كسفا أي قطعا من السماء كما أسقطنا على
~~أصحاب الأيكة لتكذيبهم بالآيات بعد ظهور البينات وهو تفسير ملائم للمقام
~~إلا أن ربط قوله تعالى { إن نشأ } إلخ بما قبله بالطريق الذي ذكره بعيد.

# وفي «البحر» أنه تعالى وقفهم في ذلك على قدرته الباهرة وحذرهم إحاطة
~~السماء والأرض بهم وكأن ثم حالا محذوفة أي أفلا يرون إلى ما يحيط بهم من
~~سماء وأرض مقهورا تحت قدرتنا تنصرف فيه كما نريد إن نشأ نخسف بهم الأرض
~~الخ أو فلم ينظروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم محيطا بهم وهم مقهورون
~~فيما بينه إن نشأ الخ ولا يخلو عن شيء.

# وقال العلامة أبو السعود: إن قوله تعالى: { أفلم يروا } الخ
~~استئناف مسوق لتهويل ما اجترؤوا عليه من تكذيب آيات الله تعالى واستعظام
~~ما قالوا في حقه عليه الصلاة والسلام وأنه من العظائم الموجبة لنزول أشد
~~العقاب وحلول أفظع العذاب من غير ريث وتأخير، وقوله تعالى: { إن نشأ
~~} الخ بيان لما ينبىء عنه ذكر إحاطتهما بهم من المحذور المتوقع من جهتهما
~~وفيه تنبيه على أنه لم يبق من أسباب وقوعه الا تعلق المشيئة به أي أفعلوا
~~ما فعلوا من المنكر الهائل المستتبع للعقوبة فلم ينظروا إلى ما أحاط بهم
~~من جميع جوانبهم بحيث لا مفر لهم عنه ولا محيص إن نشأ جريا على موجب
~~جناياتهم نخسف الخ، ولا يخفى أن فيه بعدا وضعف ربط بالنسبة إلى ما سمعت
~~أولا مع أن ما بعد ليس فيه كثير ملائمة لما قبله عليه.

# ويخطر لي أن قوله تعالى: { أفلم يروا } مسوق لتذكيرهم / بإظهار
~~شيء لهم بحيث إنهم يعاينونه أينما التفتوا ولا يغيب عن أبصارهم حيثما
~~ذهبوا يدل على كمال قدرته عز وجل إزاحة لما دعاهم إلى ذلك الاستهزاء
~~والوقيعة ms08632 بسيد الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام من زعمهم قصور قدرته
~~تعالى عن البعث والإحياء ضرورة أن من قدر على خلق تلك الأجرام العظام لا
~~يعجزه إعادة أجسام هي كلا شيء بالنسبة إلى تلك الأجرام كما قال سبحانه

# أو ليس الذى خلق السموات والأرض بقدر
~~على أن يخلق مثلهم

# [يس: 81] وفيه من التنبيه على مزيد جهلهم المشار إليه بالضلال البعيد ما
~~فيه.

# وقوله تعالى: { إن فى ذلك } أي فيما ذكر مما بين أيديهم وما
~~خلفهم من السماء والأرض { لآية } أي لدلالة واضحة على كمال قدرة الله
~~عز وجل وأنه لا يعجزه البعث بعد الموت وتفرق الأجزاء المحاطة بهما {
~~لكل عبد منيب } أي راجع إلى ربه تعالى مطيع له جل شأنه لأن
~~المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله عز وجل والتفكر فيها كالتعليل لما
~~يشعر به قوله سبحانه: { أفلم يروا } الخ من الحث على الاستدلال
~~بذلك على ما يزيح إنكارهم البعث وفيه تعريض بأنهم معرضون عن ربهم سبحانه
~~غير مطيعين له جل وعلا وتخلص إلى ذكر المنيبين إليه تعالى على قول، وقوله
~~تعالى: { إن نشأ } كالاعتراض جيء به لتأكيد تقصيرهم والتنبيه على
~~أنهم بلغوا فيه مبلغا يستحقون به في الدنيا فضلا عن الأخرى نزول أشد
~~العقاب وحلول أفظع العذاب وأنه لم يبق من أسباب ذلك إلا تعلق المشيئة به
~~إلا أنها لم تتعلق لحكمة، وظني أنه حسن وتحتمل الآية غير ذلك والله تعالى
~~أعلم بأسرار كتابه، وقيل: إن ذلك إشارة إلى مصدر { يروا } وهو الرؤية
~~وذكر لتأويله بالنظر والمراد به الفكر، وقيل إشارة إلى ما تلي من الوحي
~~الناطق بما ذكر.

# قرأ حمزة والكسائي وابن وثاب وعيسى والأعمش وابن مصرف { يشأ } و {
~~يخسف } و { يسقط } بالياء فيهن وأدغم الكسائي الفاء في الباء في {
~~يخسف بهم } قال أبو علي: ولا يجوز ذلك لأن الباء أضعف في الصوت من
~~الفاء فلا تدغم فيها وإن كانت الباء تدغم في الفاء نحو اضرب فلانا وهذا
~~كما تدغم الباء في الميم نحو اضرب مالكا ولا ms08633 تدغم الميم في الباء نحو
~~اضمم بك لأن الباء انحطت عن الميم بفقد الغنة التي فيها، وقال الزمخشري:
~~قرأ الكسائي { يخسف بهم } بالإدغام وليست بقوية، وأنت تعلم أن
~~القراءة سنة متبعة ويوجد فيها الفصيح والأفصح وذلك من تيسير الله تعالى
~~القرآن للذكر وما أدغم الكسائي إلا عن سماع فلا التفات إلى قول أبي علي
~~ولا الزمخشري.

### || [34.10]

# { ولقد ءاتينا داوود منا فضلا } أي آتيناه لحسن إنابته
~~وصحة توبته فضلا أي نعمة وإحسانا، وقيل فضلا وزيادة على سائر الأنبياء
~~المتقدمين عليه أو أنبياء بني إسرائيل أو على ما عدا نبينا صلى الله عليه
~~وسلم لأنه ما من فضيلة في أحد من الأنبياء عليهم السلام إلا وقد أوتي
~~عليه الصلاة والسلام مثلها بالفعل أو تمكن منها فلم يختر إظهارها أو على
~~الأنبياء مطلقا وقد يكون في المفضول ما ليس في غيره، وقد انفرد عليه
~~السلام بما ذكر ههنا، وقيل: أو على سائر الناس فيندرج فيه النبوة
~~والكتاب والملك والصوت الحسن. وتعقب بأنه إن أريد أن كلا منها فضل لا
~~يوجد في سائر الناس فعدم مثل ملكه وصوته محل شبهة وإن أريد المجموع من
~~حيث هو ففيه أنه غير موجود في الأنبياء أيضا فلا وجه لتخصيصه بهذا
~~الوجه. وأنا أرى الفضل لتفسير الفضل بالإحسان وتنكيره للتفخيم و { منا
~~} أي بلا واسطة لتأكيد فخامته الذاتية بفخامته الإضافية كما في قوله
~~تعالى:

# وعلمناه من لدنا علما

# [الكهف: 65] وتقديمه على المفعول الصريح للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى
~~المؤخر ليتمكن في النفس عند وروده فضل تمكن.

# وذكر شؤون داود وسليمان عليهما السلام هنا لمناسبة ذكر المنيب في / قوله
~~تعالى:

# إن فى ذلك لآية لكل عبد منيب

# [سبأ: 9] كما أشرنا إليه، وقال أبو حيان: مناسبة قصتيهما عليهما السلام
~~لما قبلها هي أن أولئك الكفار أنكروا البعث لاستحالته في زعمهم فأخبروا
~~بوقوع ما هو مستحيل في العادة مما لا يمكنهم إنكاره إذ طفحت ببعضه
~~أخبارهم وأشعارهم، وقيل: ذكر سبحانه نعمته عليهما احتجاجا على ما منح
~~نبينا صلى الله عليه وسلم ms08634 كأنه قيل: لا تستبعدوا هذا فقد تفضلنا على
~~عبيدنا قديما بكذا وكذا فلما فرغ التمثيل له عليه الصلاة والسلام رجع
~~التمثيل لهم بسبأ وما كان من هلاكهم بالكفر والعتو.

# { يجبال أوبى معه } أي سبحي معه قاله ابن عباس وقتادة وابن
~~زيد، وأخرجه ابن جرير عن أبي ميسرة إلا أنه قال: معناه ذلك بلغة الحبشة،
~~والظاهر أنه عربي من التأويب والمراد رجعي معه التسبيح وردديه، وقال ابن
~~عطية: إن أصل ماضيه آب وضعف للمبالغة. وتعقبه في «البحر» بقوله ويظهر أن
~~التضعيف للتعدية لأن آب بمعنى رجع لازم صلته اللام فعدي بالتضعيف إذ
~~شرحوه بقولهم رجعي معه التسبيح. يروى أنه عليه السلام كان إذا سبح سبحت
~~الجبال مثل تسبيحه بصوت يسمع منها ولا يعجز الله عز وجل أن يجعلها بحيث
~~تسبح بصوت يسمع وقد سبح الحصى في كف نبينا عليه الصلاة والسلام وسمع
~~تسبيحه وكذا في كف أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ولا يبعد على هذا أن
~~يقال: إنه تعالى خلق فيها الفهم أولا فناداها كما ينادى أولوا الفهم
~~وأمرها، وقال بعضهم: إنه سبحانه نزل الجبال منزلة العقلاء الذين إذا
~~أمرهم أطاعوا وأذعنوا وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا إشعارا بأنه ما من حيوان
~~وجماد إلا وهو منقاد لمشيئته تعالى غير ممتنع على إرادته سبحانه ودلالة
~~على عزة الربوبية وكبرياء الألوهية حيث نادى الجبال وأمرها.

# وقيل: المراد بتأويبها حملها إياه على التسبيح إذا تأمل ما فيها، وفيه
~~مع كونه خلاف المأثور أن { معه } يأباه، وأيضا لا اختصاص له عليه
~~السلام بتأويب الجبال بهذا المعنى حتى يفضل به أو يكون معجزة له، وقيل:
~~كان عليه السلام ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال تسعده
~~بأصدائها. وفيه أن الصدى ليس بصوت الجبال حقيقة وإنما هو من آثار صوت
~~المتكلم على ما قام عليه البرهان، والله تعالى نادى الجبال وأمرها أن
~~تؤوب معه، وأيضا أي اختصاص له عليه الصلاة والسلام بذلك ولصوت كل أحد
~~صدى عند الجبال.

# وعن الحسن أن معنى { أوبى معه } سيري معه أين ms08635 سار، والتأويب سير
~~النهار كأن الإنسان يسير الليل ثم يرجع السير بالنهار أي يردده. ومن ذلك
~~قول تميم بن مقبل:

# لحقنا بحي أوبوا السير بعدما

# دفعنا شعاع الشمس والطرف يجنح

# وقول آخر:

# يومان يوم مقامات وأندية

# ويوم سير إلى الأعداء تأويب

# وأورد عليه أن الجبال أوتاد الأرض ولم ينقل سيرها مع داود عليه السلام
~~أو غيره، وقيل: المعنى تصرفي معه على ما يتصرف فيه فكانت إذا سبح سبحت
~~وإذا ناح ناحت وإذا قرأ الزبور قرأت. وتعقب بأنه لم يعرف التأويب بمعنى
~~التصرف في لغة العرب، وقيل: المعنى ارجعي إلى مراده فيما يريد من حفر
~~واستنباط أعين واستخراج معدن ووضع طريق، والجملة معمولة لقول مضمر أي
~~قولنا يا جبال على أنه بدل من { فضلا } بدل كل من كل أو بدل اشتمال أو
~~قلنا يا جبال على أنه بدل من { ءاتينا } وجوز كونه بدلا من { فضلا
~~} بناء على أنه / يجوز إبدال الجملة من المفرد، وجوز أبو حيان الاستئناف
~~وليس بذاك.

# وقرأ ابن عباس والحسن وقتادة وابن أبي إسحاق { أوبى } بضم الهمزة وسكون
~~الواو أمر من الأوب وهو الرجوع وفرق بينهما الراغب بأن الأوب لا يقال إلا
~~في الحيوان الذي له إرادة والرجوع يقال فيه وفي غيره. والمعنى على هذه
~~القراءة عند الجمهور ارجعي معه في التسبيح وأمر الجبال كامر الواحدة
~~المؤنثة لأن جمع ما لا يعقل يجوز فيه ذلك، ومنه يا خيل الله اركبي وكذا

# مآرب أخرى

# [طه: 18] وقد جاء ذلك في جمع من يعقل من المؤنث قال الشاعر:

# تركنا الخيل والنعم المفدى

# وقلنا للنساء بها أقيمي

# لكن هذا قليل.

# { والطير } بالنصب وهو عند أبي عمرو بن العلاء بإضمار فعل تقديره
~~وسخرنا له الطير وحكى أبو عبيدة عنه أن ذاك بالعطف على { فضلا } ولا
~~حاجة إلى الإضمار لأن إيتاءها إياه عليه السلام تسخيرها له، وذكر الطيبي
~~أن ذلك كقوله:

# علفتها تبنا وماء باردا

# وقال الكسائي: بالعطف أيضا إلا أنه قدر مضافا أي وتسبيح الطير ولا
~~يحتاج إليه، وقال سيبويه: الطير معطوف على ms08636 محل { جبال } نحو قوله:

# ألا يا زيد والضحاك سيرا

# بنصب الضحاك، ومنعه بعض النحويين للزوم دخول يا على المنادى المعرف بأل.
~~والمجيز يقول: رب شيء يجوز تبعا ولا يجوز استقلالا، وقال الزجاج: هو
~~منصوب على أنه مفعول معه. وتعقبه أبو حيان بأنه لا يجوز لأن قبله {
~~معه } ولا يقتضي اثنين من المفعول معه إلا على البدل أو العطف فكما لا
~~يجوز جاء زيد مع عمرو مع زينب إلا بالعطف كذلك هذا، وقال الخفاجي: لا
~~يأباه { معه } سواء تعلق بأوبي على أنه ظرف لغو أو جعل حالا لأنهما
~~معمولان متغايران إذ الظرف والحال غير المفعول معه وكل منها باب على حده
~~وإنما الموهم لذلك لفظ المعية فما اعترض به أبو حيان غير متوجه وإن ظن
~~كذلك، وأقبح من الذنب الاعتذار حيث أجيب بأنه يجوز أن يقال حذفت واو
~~العطف من قوله تعالى: { والطير } استثقالا لاجتماع الواوين أو
~~اعتبر تعلق الثاني بعد تعلق الأول.

# وقرأ السلمي وابن هرمز وأبو يحيى وأبو نوفل ويعقوب وابن أبي عبلة
~~وجماعة من أهل المدينة وعاصم في رواية { والطير } بالرفع وخرج على
~~أنه معطوف على { جبال } باعتبار لفظه وحركته لعروضها تشبه حركة
~~الإعراب ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، وقيل معطوف على الضمير
~~المستتر في { أوبى } وسوغ ذلك الفصل بالظرف، وقيل: هو بتقدير ولتؤوب
~~الطير نظير ما قيل في قوله تعالى:

# اسكن أنت وزوجك الجنة

# [البقرة: 35]. وقيل: هو مرفوع بالابتداء والخبر محذوف أي والطير تؤوب.

# { وألنا له الحديد } وجعلناه في يده كالشمع والعجين يصرفه
~~كما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة قاله السدي وغيره، وقيل: جعلناه
~~بالنسبة إلى قوته التي آتيناها إياه لينا كالشمع بالنسبة إلى قوى سائر
~~البشر.

### || [34.11]

# { أن اعمل سبغت }  { أن } مصدرية وهي على إسقاط حرف الجر
~~أي ألنا له الحديد لعمل سابغات أو وأمرناه بعمل سابغات، والأول أولى،
~~وأجاز الحوفي وغيره أن تكون مفسرة ولما كان شرط المفسرة أن يتقدمها معنى
~~القول دون حروفه و(ألنا) ليس فيه ذلك قدر بعضهم ms08637 قبلها فعلا محذوفا فيه
~~معنى القول ليصح كونها مفسرة أي وأمرناه أن اعمل أي أي اعمل، وأورد عليه
~~أن حذف المفسر لم يعهد.

# والسابغات الدروع وأصله صفة من السبوغ وهو التمام والكمال فغلب على
~~الدروع / كالابطح قال الشاعر:

# لا سابغات ولا جأواء باسلة

# تقي المنون لدى استيفاء آجال

# ويقال سوابغ أيضا كما في قوله:

# عليها أسود ضاريات لبوسهم

# سوابغ بيض لا تخرقها النبل

# فلا حاجة إلى تقدير موصوف أي دروعا سابغات، ولا يرد هذا نقصا على ما
~~قيل إن الصفة ما لم تكن مختصة بالموصوف كحائض لا يحذف موصوفها. وقرىء {
~~صابغات } بإبدال السين صادا لأجل الغين.

# { وقدر فى السرد } السرد نسج في الأصل كما قال الراغب خرز ما
~~يخشن ويغلظ قال الشماخ:

# فظلت سراعا خيلنا في بيوتكم

# كما تابعت سرد العنان الخوارز

# واستعير لنظم الحديد. وفي «البحر» هو إتباع الشيء بالشيء من جنسه ويقال
~~للدرع مسرودة لأنه توبع فيها الحلق بالحلق قال الشاعر:

# وعليهما مسرودتان قضاهما

# داود أو صنع السوابغ تبع

# ولصانعها سراد وزراد بإبدال السين زايا، وفسره هنا غير واحد بالنسج
~~وقال: المعنى اقتصد في نسج الدروع بحيث تتناسب حلقها، وابن عباس فيما
~~أخرجه عنه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق: بالحلق أي اجعل
~~حلقها على مقادير متناسبة، وقال ابن زيد: لا تعملها صغيرة فتضعف فلا يقوى
~~الدرع على الدفاع ولا كبيرة فينال صاحبها من خلالها، وجاء في رواية أخرى
~~عن ابن عباس تفسيرها بالمسامير وروي ذلك عن قتادة ومجاهد أي قدر مساميرها
~~فلا تعملها دقاقا ولا غلاظا أي اجعلها على مقدار معين دقة وغيرها
~~مناسبة للثقب الذي هىء لها في الحلقة فإنها إن كانت دقيقة اضطربت فيها
~~فلم تمسك طرفيها وإن كانت غلظة خرقت طرف الحلقة الموضوعة فيه فلا تمسك
~~أيضا، ويبعد هذا أن إلانة الحديد له عليه السلام بحيث كان كالشمع
~~والعجيب يغني عن التسمير فإنه بعد جمع الحلق وإدخال بعضه في بعض يزال
~~انفصال طرفي كل حلقة بمزج الطرفين كما يمزج طرفا حلقة ms08638 من شمع أو عجين
~~والإحكام بذلك أتم من الإحكام بالتسمير بل لا يبقى معه حاجة إلى التسمير
~~أصلا فلعله إن صح مبني على أنه عليه السلام كان يعمل الحلق من غير مزج
~~لطرفي كل فيسمر للإحكام بعد إدخال بعضه في بعض، ويظهر ذلك على التفسير
~~الثاني لقوله تعالى: { وألنا له الحديد } إذ غاية القوة كسر
~~الحديد كما يريد من غير آلة دون وصل بعضه ببعض، ولا يعارض ذلك ما نقل عن
~~البقاعي أنه قال: أخبرنا بعض من رأى ما نسب إلى داود عليه السلام من
~~الدروع أنه بغير مسامير فإنه نقل عن مجهول فلا يلتفت لمثله، وقيل معنى {
~~قدر فى السرد } لا تصرف جميع أوقاتك فيه بل مقدار ما يحصل به
~~القوت وأما الباقي فاصرفه إلى العبادة قيل وهو الأنسب بالأمر الآتي.

# وحكي أنه عليه السلام أول من صنع الدرع حلقا وكانت قبل صفائح وروي ذلك
~~عن قتادة. وعن مقاتل أنه عليه السلام حين ملك على بني إسرائيل يخرج
~~متنكرا فيسأل الناس عن حاله فعرض له ملك في صورة إنسان فسأله فقال: نعم
~~العبد لولا خلة فيه فقال: وما هي؟ قال: يرزق من بيت المال ولو أكل من عمل
~~يده تمت فضائله فدعا الله تعالى أن يعلمه صنعة ويسهلها عليه فعلمه صنعة
~~الدروع وألان له الحديد فأثرى / وكان ينفق ثلث المال في مصالح المسلمين
~~وكان يفرغ من الدرع في بعض يوم أو في بعض ليل وثمنها ألف درهم. وأخرج
~~الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول». وابن أبي حاتم عن ابن شوذب قال: كان
~~داود عليه السلام يرفع في كل يوم درعا فيبيعها بستة آلاف درهم ألفان له
~~ولأهله وأربعة آلاف يطعم بها بني إسرائيل الخبز الحواري، وقيل: كان يبيع
~~الدرع بأربعة آلاف فينفق منها على نفسه وعياله ويتصدق على الفقراء، وفي
~~«مجمع البيان» عن الصادق رضي الله تعالى عنه أنه عمل ثلثمائة وستين درعا
~~فباعها بثلثمائة وستين ألف درهم فاستغنى عن بيت المال.

# { واعملوا صلحا } خطاب لداود وآله عليهم السلام وهم ms08639 وإن لم
~~يجر لهم ذكر يفهمون على ما قاله الخفاجي التزاما من ذكره، وجوز أن يكون
~~خطابا له عليه السلام خاصة على سبيل التعظيم، وأيا ما كان فالظاهر أنه
~~أمر بالعمل الصالح مطلقا، وليس هو على الوجه الثاني أمرا بعمل الدروع
~~خالية من عيب. { إنى بما تعملون بصير } فأجازيكم به وهو
~~تعليل للأمر أو لوجوب الامتثال به على وجه الترغيب والترهيب.

### || [34.12]

# { ولسليمن الريح } أي وسخرنا له الريح، وقيل: {
~~لسليمن } عطف على { له } في

# وألنا له الحديد

# [سبأ: 10] والريح عطف على

# الحديد

# [سبأ: 10] وإلانة الريح عبارة عن تسخيرها.

# وقرأ أبو بكر { الريح } بالرفع على أنه مبتدأ و { لسليمن }
~~خبره والكلام على تقدير مضاف أي ولسليمان تسخير الريح، وذهب غير واحد إلى
~~أنه مبتدأ ومتعلق الجار كون خاص هو الخبر وليس هناك مضاف مقدر أي
~~ولسليمان الريح مسخرة، وعندي أن الجملة على القراءتين معطوفة على قوله
~~تعالى:

# ولقد ءاتينا داوود منا فضلا

# [سبأ: 10] الخ عطف القصة على القصة، وقال ابن الشيخ: العطف على القراءة
~~الأولى على

# ألنا له الحديد

# [سبأ: 10] وكلتا الجملتين فعلية وعلى القراءة الثانية العطف على اسمية
~~مقدرة دلت عليها تلك الجملة الفعلية لا عليها للتخالف فكأنه قيل: ما
~~ذكرنا لداود ولسليمان الريح فإنها كانت له كالمملوك المختص بالمالك
~~يأمرها بما يريد ويسير عليها حيثما يشاء، ثم قال: وإنما لم يقل ومع
~~سليمان الريح لأن حركتها ليست بحركة سليمان بل هي تتحرك بنفسها وتحرك
~~سليمان وجنوده بحركتها وتسير بهم حيث شاء وهذا على خلاف تأويب الجبال
~~فإنه كان تبعا لتأويب داود عليه السلام فلذا جىء بهناك ب

# معه

# [سبأ: 10] وقرأ الحسن وأبو حيوة وخالد بن الياس { الرياح } بالرفع
~~جمعا.

# { غدوها شهر ورواحها شهر } أي جريها بالغداة مسيرة شهر
~~وجريها بالعشي كذلك، والجملة إما مستأنفة أو حال من { الريح } ولا بد
~~من تقدير مضاف في الخبر لأن الغدو والرواح ليس نفس الشهر وإنما يكونان
~~فيه، ولا حاجة إلى تقدير في المبتدأ كما فعل مكي حيث قال: أي مسير غدوها
~~مسيرة ms08640 شهر ومسير رواحها كذلك لما لا يخفى، وقال ابن الحاجب في «أماليه»
~~الفائدة في إعادة لفظ الشهر الإعلام بمقدار زمن الغدو وزمن الرواح
~~والألفاظ التي تأتي مبنية للمقادير لا يحسن فيها الإضمار ألا ترى أنك
~~تقول زنه هذا مثقال وزنة هذا مثقال فلا يحسن الإضمار كما لا يحسن في
~~التمييز، وأيضا فإنه لو أضمر فالضمير إنما يكون لما تقدم باعتبار
~~خصوصيته فإذا لم يكن له بذلك الاعتبار وجب العدول إلى الظاهر، ألا ترى
~~أنك إذا أكرمت رجلا وكسوت ذلك الرجل بخصوصه لكانت العبارة أكرمت رجلا
~~وكسوته ولو أكرمت رجلا وكسوت رجلا آخر لكانت العبارة أكرمت رجلا وكسوت
~~رجلا فتبين أنه ليس من وضع الظاهر موضع الضمير كذا في «حواشي الطيبي»
~~عليه الرحمة، ولا يخفى أن ما ذكره مبني على ما هو الغالب وإلا فقد قال
~~تعالى:

# وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره

# [فاطر: 11] ولم يقتصر على الإعلام بزمن الغدو ليقاس عليه زمن الرواح لأن
~~الريح كثيرا ما تسكن أو تضعف حركتها بالعشي فدفع بالتنصيص على بيان زمن
~~الرواح توهم اختلاف الزمانين، قال قتادة: كانت الريح تقطع به عليه السلام
~~في الغدو إلى الزوال مسيرة شهر وفي الرواح من بعد الزوال إلى الغروب
~~مسيرة شهر.

# وأخرج أحمد في «الزهد» عن الحسن أنه قال في الآية: كان سليمان عليه
~~السلام يغدو من بيت المقدس فيقيل باصطخر ثم يروح من اصطخر فيقيل بقلعة
~~خراسان.

# وقد ذكر حديث هذه الريح في بعض الأشعار القديمة قال وهب - ونقله عنه في
~~«البحر» - وجدت أبياتا منقورة في صخرة بأرض كسكر [شاهدة] لبعض أصحاب
~~سليمان عليه السلام وهي:

# ونحن ولا حول سوى حول ربنا

# نروح من الأوطان من أرض تدمر

# إذا نحن رحنا كان ريث رواحنا

# مسيرة شهر والغدو لآخر

# أناس شروا لله طوعا نفوسهم

# بنصر ابن داود النبي المطهر

# لهم في معالي الدين فضل ورفعة

# وإن نسبوا يوما فمن خير معشر

# متى تركب الريح المطيعة أسرعت

# مبادرة عن شهرها لم تقصر

# تظلهم طير صفوف عليهم ms08641

# متى رفرفت من فوقهم لم تنفر

# وذكر أيضا رضي الله تعالى عنه أنه عليه السلام كان مستقره تدمر وأن
~~الجن قد بنتها له بالصفاح والعمد والرخام الأبيض والأشقر وقال: وفيه يقول
~~النابغة:

# الا سليمان إذ قال الإله له

# قم في البرية فاصددها عن الفند

# وخيس الجن إني قد أذنت لهم

# يبنون تدمر بالصفاح والعمد

# انتهى، وما ذكره في تدمر هو المشهور عند العامة، وقد ذكر ذلك الثعالبي
~~في «تفسيره» مع الأبيات المذكورة لكن في «القاموس» تدمر كتنصر بنت حسان
~~بن أذينة بها سميت مدينتها وهو ظاهر في المخالفة، ولعل التعويل على ما
~~فيه إن لم يمكن الجمع والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. وقرأ ابن أبي عبلة
~~{ غدوتها } و { روحتها } على وزن فعلة وهي المرة الواحدة من غدا وراح.

# { وأسلنا له عين القطر } أي النحاس الذائب من قطر يقطر
~~قطرا وقطرانا بسكون الطاء وفتحها، وقيل الفلزات النحاس والحديد
~~وغيرهما، وعلى الأول جمهور اللغويين، وأريد بعين القطر معدن النحاس ولكنه
~~سبحانه أساله كما ألان الحديد لداود فنبع كما ينبع الماء من العين فلذلك
~~سمي عين القطر باسم ما آل إليه، وذكر الجلبي أن نسبة الإسالة إلى العين
~~مجازية كما في جري النهر. وقال الخفاجي: إن كانت العين هنا بمعنى الماء
~~المعين أي الجاري وإضافتها كما في لجين الماء فلا تجوز في النسبة وإنما
~~هو من مجاز الأول على أن العين منبع الماء ولا حاجة إليه اه فتأمل. وقال
~~بعضهم: القطر النحاس وعين بمعنى ذات ومعنى أسلنا أذبنا فالمعنى أذبنا له
~~النحاس على نحو ما كان الحديد يلين لداود عليه السلام فكانت الأعمال
~~تتأتى منه وهو بارد دون نار ولم يلن ولا ذاب لأحد قبله / والظاهر المؤيد
~~بالآثار أنه تعالى جعله في معدنه عينا تسيل كعيون الماء.

# أخرج ابن المنذر عن عكرمة أنه قال في الآية: أسال الله تعالى له القطر
~~ثلاثة أيام يسيل كما يسيل الماء قيل: إلى أين؟ قال: لا أدري. وأخرج ابن
~~أبي حاتم عن السدي قال: سيلت له عين ms08642 من نحاس ثلاثة أيام، وفي «البحر» عن
~~ابن عباس والسدي ومجاهد قالوا: أجريت له عليه السلام ثلاثة أيام بلياليهن
~~وكانت بأرض اليمن، وفي رواية عن مجاهد أن النحاس سال من صنعاء وقيل: كان
~~يسيل في الشهر ثلاثة أيام.

# { ومن الجن من يعمل بين يديه } يحتمل أن يكون الجار
~~والمجرور متعلقا بمحذوف هو خبر مقدم و { من } في محل رفع مبتدأ ويحتمل
~~أن يكون متعلقا بمحذوف وقع حالا مقدما من { من } وهي في محل نصب عطف
~~على { الريح } وجوز أن يكون { من الجن } عطفا على الريح على أن
~~(من) للتبعيض و { من يعمل } بدل منه وهو تكلف و { يعمل } إما
~~منزل منزلة اللازم أو مفعوله مقدر يفسره ما سيأتي إن شاء الله تعالى
~~ليكون تفصيلا بعد الإجمال وهو أوقع في النفس { بإذن ربه } بأمره
~~عز وجل.

# { ومن يزغ منهم عن أمرنا } أي ومن يعدل منهم عما أمرناه
~~به من طاعة سليمان عليه السلام. وقرىء { يزغ } بضم الياء من أزاغ مبنيا
~~للفاعل ومفعوله محذوف أي من يمل ويصرف نفسه أو غيره، وقيل مبنيا للمفعول
~~فلا يحتاج إلى تقدير مفعول { نذقه من عذاب السعير } أي عذاب
~~النار في الآخرة كما قال أكثر المفسرين وروي ذلك عن ابن عباس، وقال
~~بعضهم: المراد تعذيبه في الدنيا. روي عن السدي أنه عليه السلام كان معه
~~ملك بيده سوط من نار كل ما استعصى عليه جنى ضربه من حيث لا يراه
~~الجني. وفي بعض الروايات أنه كان يحرق من يخالفه، واحتراق الجني مع أنه
~~مخلوق من النار غير منكر فإنه عندنا ليس نارا محضة وإنما النار أغلب
~~العناصر فيه.

### || [34.13]

# { يعملون له ما يشاء من محريب } جمع محراب وهو كما
~~قال عطية القصر، وسمي باسم صاحبه لأنه يحارب غيره في حمايته، فإن المحراب
~~في الأصل من صيغ المبالغة اسم لمن يكثر الحرب وليس منقولا من اسم الآلة
~~وإن جوزه بعضهم، ولابن حيوس:

# جمع الشجاعة والخشوع لربه

# ما أحسن المحراب في محرابه

# ويطلق على المكان المعروف الذي يقف ms08643 بحذائه الإمام، وهو مما أحدث في
~~المساجد ولم يكن في الصدر الأول كما قال السيوطي وألف في ذلك «رسالة»
~~ولذاكره الفقهاء الوقوف في داخله. وقال ابن زيد: المحاريب المساكن، وقيل
~~ما يصعد إليه بالدرج كالغرف، وقال مجاهد: هي المساجد سميت باسم بعضها
~~تجوزا على ما قيل، وهو مبني على أن المحراب اسم لحجرة في المسجد يعبد
~~الله تعالى فيها أو لموقف الإمام. وأخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة
~~تفسيرها بالقصور والمساجد معا، وجملة { يعملون له ما يشاء }
~~استئناف لتفصيل ما ذكر من عملهم، وجوز كونها حالا وهو كما ترى.

# { وتمثيل } قال الضحاك: كانت صور حيوانات، وقال الزمخشري: صور
~~الملائكة والأنبياء والصلحاء كانت تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج
~~ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم وكان اتخاذ الصور في ذلك الشرع
~~جائزا كما قال الضحاك وأبو العالية. وأخرج الحكيم الترمذي في «نوادر
~~الأصول» عن ابن عباس أنه قال في الآية اتخذ سليمان عليه السلام تماثيل من
~~نحاس فقال: يا رب انفخ فيها الروح فإنها أقوى على الخدمة فينفخ الله
~~تعالى فيها الروح فكانت تخدمه / واسنفديار من بقاياهم؛ وهذا من العجب
~~العجاب ولا ينبغي اعتقاد صحته وما هو إلا حديث خرافة، وأما ما روي من
~~أنهم عملوا له عليه السلام أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه فإذا أراد أن
~~يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما فأمر غير
~~مستبعد فإن ذلك يكون بآلات تتحرك عند الصعود وعند القعود فتحرك الذراعين
~~والأجنحة، وقد انتهت صنائع البشر إلى مثل ذلك في الغرابة.

# وقيل: التماثيل طلسمات فتعمل تمثالا للتمساح أو للذباب أو للبعوض فلا
~~يتجاوزه الممثل به ما دام في ذلك المكان، وقد اشتهر عمل نحو ذلك عن
~~الفلاسفة وهو مما لا يتم عندهم إلا بواسطة بعض الأوضاع الفلكية، وعلى
~~الباب الشهيرة بباب الطلسم من أبواب بغداد تمثال حية يزعمون أنه لمنع
~~الحيات عن الإيذاء داخل بغداد ونحن قد شاهدنا مرارا أناسا لسعتهم
~~الحيات فمنهم من لم يتأذ ومنهم من تأذى ms08644 يسيرا ولم نشاهد موت أحد من ذلك
~~وقلما يسلم من لسعته خارج بغداد لكن لا نعتقد أن لذلك التمثال مدخلا
~~فيما ذكر ونظن أن ذاك لضعف الصنف الموجود في بغداد من الحيات وقلة شره
~~بالطبيعة.

# وقيل كانت التماثيل صور شجر أو حيوانات محذوفة الرؤوس مما جوز في شرعنا،
~~ولا يحتاج إلى التزام ذلك إلا إذا صح فيه نقل فإن الحق أن حرمة تصوير
~~الحيوان كاملا لم تكن في ذلك الشرع وإنما هي في شرعنا ولا فرق عندنا بين
~~أن تكون الصورة ذات ظل وأن لا تكون كذلك كصورة الفرس المنقوشة على كاغد
~~أو جدار مثلا.

# وحكى مكي في «الهداية» أن قوما أجازوا التصوير وحكاه النحاس أيضا وكذا
~~ابن الفرس واحتجوا بهذه الآية. وأنت تعلم أنه ورد في شرعنا من تشديد
~~الوعيد على المصورين ما ورد فلا يلتفت إلى هذا القول ولا يصح الاحتجاج
~~بالآية، وكأنه إنما حرمت التماثيل لأنه بمرور الزمان اتخذها الجهلة مما
~~يعبد وظنوا وضعها في المعابد لذلك فشاعت عبادة الأصنام أو سدا لباب
~~التشبه بمتخذي الأصنام بالكلية.

# { وجفان } جمع جفنة وهي ما يوضع فيها الطعام مطلقا كما ذكره غير
~~واحد، وقال بعض اللغويين: الجفنة أعظم القصاع ويليها القصعة وهي ما تشبع
~~العشرة ويليها الصحفة وهي ما تشبع الخمسة ويليه المئكلة وهي ما تشبع
~~الاثنين والثلاثة ويليها الصحيفة وهي ما تشبع الواحد، وعليه فالمراد
~~هنا المطلق لظاهر قوله تعالى: { كالجواب } أي كالحياض العظام جمع
~~جابية من الجباية أي الجمع فهي في الأصل مجاز في الطرف أو النسبة لأنها
~~يجبى إليها لا جابية ثم غلبت على الإناء المخصوص غلبة الدابة في ذوات
~~الأربع، وجاء تشبيه الجفنة بالجالية في كلامهم من ذلك قول الأعشى:

# نفى الذم عن آل المحلق جفنة

# كجابية السيح العراقي تفهق

# وقول الأفوه الأودي:

# وقدور كالربى راسية

# وجفان كالجوابي مترعة

# وذكر في سعة جفان سليمان عليه السلام أنها كانت على الواحدة منها ألف
~~رجل. وقرىء { كالجوابي } بياء وهو الأصل وحذفها للاجتزاء بالكسرة وإجراء
~~أل مجرى ما عاقبها ms08645 وهو التنوين فكما يحذف مع التنوين يحذف مع ما عاقبه {
~~وقدور } جمع قدر وهو ما يطبخ فيه من فخار أو غيره وهو على شكل مخصوص
~~{ رسيت } ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها قاله قتادة، وقيل:
~~كانت عظيمة كالجبال وقدمت المحاريب على التماثيل / لأن الصور توضع في
~~المحاريب أو تنقش على جدرانها.

# وقدمت الجفان على القدور مع أن القدور آلة الطبخ والجفان آلة الأكل
~~والطبخ قبل الأكل لأنه لما ذكرت الأبنية الملكية ناسب أن يشار إلى عظمة
~~السماط الذي يمد فيها فذكرت الجفان أولا لأنها تكون فيها بخلاف القدور
~~فإنها لا تحضر هناك كما ينبىء عنه قوله تعالى: { راسيات } على ما سمعت
~~أولا، وكأنه لما بين حال الجفان اشتاق الذهن إلى حال القدور فذكرت
~~للمناسبة.

# { اعملوا ءال داوود شكرا } بتقدير القول على الاستئناف أو
~~الحالية من فاعل سخرنا المقدر وآل منادى حذف منه حرف النداء و { شكرا }
~~نصب على أنه مفعول له، وفيه إشارة إلى أن العمل حقه أن يكون للشكر لا
~~للرجاء والخوف أو على أنه مفعول مطلق لاعملوا لأن الشكر نوع من العمل فهو
~~كقعدت القرفصاء، وقيل: لتضمين { اعملوا } معنى اشكروا، وقيل: لاشكروا
~~محذوفا أو على أنه حال بتأويل اسم الفاعل أي اعملوا شاكرين لأن الشكر
~~يعم القلب والجوارح أو على أنه صفة لمصدر محذوف أي اعملوا عملا شكرا أو
~~على أنه مفعول به لاعملوا فالكلام كقولك عملت الطاعة، وقيل: إن اعملوا
~~أقيم مقام اشكروا مشاكلة لقوله سبحانه { يعملون }. وقال ابن الحاجب: أنه
~~جعل مفعولا به تجوزا.

# وأيا ما كان فقد روي ابن أبي الدنيا والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن
~~مسعود قال: لما قيل لهم { اعملوا ءال داوود شكرا } لم يأت ساعة
~~على القوم إلا ومنهم قائم يصلي، وفي رواية كان مصلى آل داود لم يخل من
~~قائم يصلي ليلا ونهارا وكانوا يتناوبونه وكان سليمان عليه السلام يأكل
~~خبز الشعير ويطعم أهله خشارته، والمساكين الدرمك وهو الدقيق الحواري وما
~~شبع قط؛ وقيل: له في ذلك فقال: أخاف ms08646 إذا شبعت أن أنسى الجياع، وجوز بعض
~~الأفاضل دخول داود عليه السلام في الآل هنا لأن آل الرجل قد يعمه. ويؤيده
~~ما أخرجه أحمد في «الزهد» وابن المنذر والبيهقي في «شعب الإيمان» عن
~~المغيرة بن عتيبة قال: قال داود عليه السلام يا رب هل بات أحد من خلقك
~~أطول ذكرا مني فأوحى الله تعالى إليه الضفدع وأنزل سبحانه عليه عليه
~~السلام { اعملوا ءال داوود شكرا } فقال داود عليه السلام كيف
~~أطيق شكرك وأنت الذي تنعم علي ثم ترزقني على النعمة الشكر فالنعمة منك
~~والشكر منك فكيف أطيق شكرك؟ فقال جل وعلا: يا داود الآن عرفتني حق
~~معرفتي. وجاء في رواية ابن أبي حاتم عن الفضيل أنه عليه السلام قال يا
~~رب: كيف أشكرك والشكر نعمة منك؟ قال سبحانه: الآن شكرتني حين علمت النعم
~~مني، وكذا ما أخرجه الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قال داود
~~لسليمان عليهما السلام: قد ذكر الله تعالى الشكر فاكفني قيام النار أكفك
~~قيام الليل قال: لا أستطيع قال: فاكفني صلاة النهار فكفاه.

# { وقليل من عبادى الشكور } قال ابن عباس: هو الذي يشكر
~~على أحواله كلها، وفي «الكشاف» «هو المتوفر على أداء الشكر الباذل وسعه
~~فيه قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه اعترافا واعتقادا وكدحا وأكثر
~~أوقاته، وقال السدي: هو من يشكر على الشكر، وقيل: من يرى عجزه عن الشكر»
~~لأن توفيقه للشكر نعمة يستدعي شكرا آخر لا إلى نهاية، وقد نظم هذا بعضهم
~~فقال:

# إذا كان شكري نعمة الله نعمة

# علي له في مثلها يجب الشكر

# فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله

# وإن طالت الأيام واتسع العمر

# إذا مس بالنعماء عم سرورها

# وإن مس بالضراء أعقبها الأجر

# / وقد سمعت آنفا ما روي عن داود عليه السلام، وهذه الجملة يحتمل أن
~~تكون داخلة في خطاب آل داود وهو الظاهر وأن تكون جملة مستقلة جىء بها
~~إخبارا لنبينا صلى الله عليه وسلم وفيها تنبيه وتحريض على الشكر.

# وقرأ حمزة { عبادى } بسكون الياء وفتحها الباقون.

### || [34.14]

# { فلما قضينا ms08647 عليه الموت } قيل أي أوقعنا على سليمان
~~الموت حاكمين به عليه، وفي «مجمع البيان» أي حكمنا عليه بالموت، وقيل:
~~أوجبناه عليه، وفي «البحر» أي أنفذنا عليه ما قضينا عليه في الأزل من
~~الموت وأخرجناه إلى حيز الوجود، وفيه تكلف، وأيا ما كان فليس المراد
~~بالقضاء أخا القدر فتدبر، و(لما) شرطية ما بعدها شرطها وجوابها قوله
~~تعالى: { ما دلهم على موته إلا دابة الأرض }
~~واستدل بذلك على حرفيتها وفيه نظر؛ وضمير { دلهم } عائد على الجن
~~الذين كانوا يعملون له عليه السلام، وقيل: عائد على آل سليمان، ويأباه
~~بحسب الظاهر قوله تعالى بعد: { تبينت الجن }.

# والمراد بدابة الأرض الأرضة بفتحات وهي دويبة تأكل الخشب ونحوه وتسمى
~~سرفة بضم السين وإسكان الراء المهملة وبالفاء، وفي «حياة الحيوان» عن ابن
~~السكيت أنها دويبة سوداء الرأس وسائرها أحمر تتخذ لنفسها بيتا مربعا من
~~دقاق العيدان تضم بعضها إلى بعض بلعابها ثم تدخل فيه وتموت، وفي المثل
~~أصنع من سرفة وسماها في «البحر» بسوسة الخشب، والأرض على ما ذهب إليه أبو
~~حاتم وجماعة مصدر أرضت الدابة الخشب تأرضه إذا أكلته من باب ضرب يضرب
~~فإضافة { دابة } إليه من إضافة الشيء إلى فعله، ويؤيد ذلك قراءة ابن
~~عباس والعباس بن الفضل { الأرض } بفتح الراء لأنه مصدر أرض من باب علم
~~المطاوع لأرض من باب ضرب يقال أرضت الدابة الخشب بالفتح فأرض بالكسر كما
~~يقال أكلت القوادح الأسنان أكلا فأكلت أكلا، فالأرض بالسكون الأكل
~~والأرض بالفتح التأثر من ذلك الفعل. وقد يفسر الأول بالتأثر الذي هو
~~الحاصل بالمصدر لتتوافق القراءتان، وقيل الأرض بالفتح جمع أرضة وإضافة {
~~دابة } إليه من إضافة العام إلى الخاص، وقيل: إن الأرض بالسكون
~~بمعناها المعروف وإضافة { دابة } إليها قيل لأن فعلها في الأكثر
~~فيها، وقيل لأنها تؤثر في الخشب ونحوه كما تؤثر الأرض فيه إذا دفن فيها
~~وقيل غير ذلك والأولى التفسير الأول وإن لم تجىء الأرض في القرآن بذلك
~~المعنى في غير هذا الموضع.

# وقوله تعالى: { تأكل منسأته } في موضع الحال من { دابة ms08648 }
~~أي آكلة منسأته والمنسأة العصا من نسأت البعير إذا طردته لأنها يطرد بها
~~أو من نسأته إذا أخرته ومنه النسىء، ويظهر من هذا أنها العصا الكبيرة
~~التي تكون مع الراعي وأضرابه.

# وقرأ نافع (وابن عامر) وجماعة { منساته } بألف وأصله منسأته فأبدلت
~~الهمزة ألفا بدلا غير قياسي. وقال أبو عمرو: أنا لا أهمزها لأني لا
~~أعرف لها اشتقاقا فإن كانت مما لا تهمز فقد احتطت وإن كانت مما تهمز فقد
~~يجوز لي ترك الهمز فيما يهمز، ولعله بيان لوجه اختيار القراءة بدون همزة
~~وبالهمز جاءت في قول الشاعر:

# ضربت بمنسأة وجهه

# فصار بذاك مهينا ذليلا

# وبدونه في قوله:

# إذا دببت على المنساة من هرم

# فقد تباعد منك اللهو والغزل

# وقرأ ابن ذكوان وبكار والوليد بن أبي عتبة وابن مسلم وآخرون {
~~منسأته } بهمزة ساكنة وهو من تسكين المتحرك تخفيفا وليس بقياس،
~~وضعف النحاة هذه القراءة لأنه يلزم فيها أن يكون ما قبل تاء التأنيث
~~ساكنا / غير ألف، وقيل: قياسها التخفيف بين بين والراوي لم يضبط، وأنشد
~~هارون بن موسى الأخفش الدمشقي شاهدا على السكون في هذه القراءة قول
~~الراجز:

# صريع خمر قام من وكأته

# كقومة الشيخ إلى منسأته

# وقرىء بفتح الميم وتخفيف الهمزة قلبا وحذفا و { منساءته } بالمد على
~~وزن مفعالة كما يقال في الميضأة وهي آلة التوضىء وتطلق على محله أيضا
~~ميضاءة، وقرىء { منسيته } بإبدال الهمزة ياء. وقرأت فرقة منهم عمرو بن
~~ثابت عن ابن جبير { من } مفصولة حرف جر { سأته } بجر التاء وهي طرف
~~العصا وأصلها ما انعطف من طرفي القوس ويقال فيه سية أيضا استعيرت لما
~~ذكر إما استعارة اصطلاحية لأنها كانت خضراء فاعوجت بالاتكاء عليها على ما
~~ستسمعه إن شاء الله تعالى في القصة أو لغوية باستعمال المقيد في المطلق،
~~وبما ذكر علم رد ما قاله البطليوسي بعدما نقل هذه القراءة عن الفراء أنه
~~تعجرف لا يجوز أن يستعمل في كتاب الله عز وجل ولم يأت به رواية ولا سماع
~~ومع ذلك هو غير موافق لقصة سليمان عليه ms08649 السلام لأنه لم يكن معتمدا على
~~قوس وإنما كان معتمدا على عصا. وقرىء { تأكل منسأته } بصيغة
~~الماضي فالجملة إما حال أيضا بتقدير قد أو بدونه وإما استئناف بياني.

# { فلما خر } أي سقط { تبينت الجن } أي علمت بعد التباس
~~أمر سليمان من حياته ومماته عليهم { أن لو كانوا يعلمون
~~الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين } أنهم لو كانوا
~~يعلمون الغيب كما يزعمون لعلموا موته زمن وقوعه فلم يلبثوا بعده حولا في
~~الأعمال الشاقة إلى أن خر، والمراد بالجن الذين علموا ذلك ضعفاء الجن
~~وبالذين نفى عنهم علم الغيب رؤساؤهم وكبارهم على ما روي عن قتادة، وجوز
~~عليه أن يراد بالأمر الملتبس عليهم أمر علم الغيب أو المراد بالجن الجنس
~~بأن يسند للكل ما للبعض أو المراد كبارهم المدعون علم الغيب أي علم
~~االمدعون علم الغيب منهم عجزهم وأنهم لا يعلمون الغيب، وهم وإن كانوا
~~عالمين قبل ذلك بحالهم لكن أريد التهكم بهم كما تقول للمبطل إذا دحضت
~~حجته هل تبينت أنك مبطل. وأنت تعلم أنه لم يزل كذلك متبينا.

# وجوز أن يكون تبين بمعنى بان وظهر فهو غير متعد لمفعول كما في الوجه
~~الأول فإن مفعوله فيه { أن لو كانوا } الخ وهو في هذا الوجه بدل
~~من { الجن } بدل اشتمال نحو تبين زيد جهله، والظهور في الحقيقة مسند
~~إليه أي فلما خر بان للناس وظهر أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا
~~في العذاب، ولا حاجة على ما قرر إلى اعتبار مضاف مقدر هو فاعل تبين في
~~الحقيقة إلا أنه بعد حذفه أقيم المضاف إليه مقامه وأسند إليه الفعل ثم
~~جعل { أن لو كانوا } الخ بدلا منه بدل كل من كل والأصل تبين أمر
~~الجن أن لو كانوا الخ، وجعل بعضهم في قوله تعالى: { أن لو كانوا
~~يعلمون } الخ قياسا طويت كبراه فكأنه قيل لو كانوا يعلمون الغيب ما
~~لبثوا في العذاب المهين لكنهم لبثوا في العذاب المهين فهم لا يعلمون
~~الغيب، ومجيء تبين بمعنى بان وظهر لازما وبمعنى أدرك ms08650 وعلم متعديا موجود
~~في كلام العرب قال الشاعر:

# تبين لي أن القماءة ذلة

# وأن أعزاء الرجال طيالها

# وقال الآخر:

# أفاطم إني ميت فتبيني

# ولا تجزعي كل الأنام تموت

# وفي «البحر» نقلا عن ابن عطية قال: ذهب سيبويه إلى أن { أن } لا موضع
~~لها من الإعراب وإنما هي منزلة منزلة القسم من الفعل للذي معناه التحقيق
~~واليقين، لأن هذه الأفعال التي هي تحققت وتيقنت وعلمت ونحوها / تحل محل
~~القسم  فما لبثوا  جواب القسم لا جواب لو اه فتأمله فإني لا أكاد
~~أتعقله وجها يلتفت إليه. وفي «أمالي العز بن عبد السلام» أن الجن ليس
~~فاعل { تبينت } بل هو مبتدأ { وأن لو كانوا يعلمون }
~~خبره والجملة مفسرة لضمير الشأن في { تبينت } إذ لولا ذلك لكان
~~معنى الكلام لما مات سليمان وخر ظهر لهم أنهم لا يعلمون الغيب وعلمهم
~~بعدم علمهم الغيب لا يتوقف على هذا بل المعنى تبينت القصة ما هي والقصة
~~قوله تعالى: { الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما
~~لبثوا فى العذاب المهين } اه، والعجب من صدور مثله عن
~~مثله، وما جعله مانعا عن فاعلية { الجن } مدفوع بما سمعت في تفسير
~~الآية كما لا يخفى.

# وفي «كتاب النحاس» إشارة إلى أنه قرىء { تبينت الجن } بالنصب على أن
~~تبينت بمعنى علمت والفاعل ضمير الإنس { والجن } مفعوله، وقرأ ابن عباس
~~فيما ذكر ابن خالويه ويعقوب بخلاف عنه { تبينت } مبنيا للمفعول، وقرأ
~~أبي (تبينت الإنس) وعن الضحاك (تباينت الإنس) بمعنى تعارقت وتعالمت
~~والضمير في { كانوا } للجن المذكو فيما سبق وقرأ ابن مسعود (تبينت
~~الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب) وهي قراءات مخالفة لسواد المصحف
~~مخالفة كثيرة.

# وفي القصة روايات فروى أنه كان من عادة سليمان عليه السلام أن يعتكف في
~~مسجد بيت المقدس المدد الطوال فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه
~~شجرة نابتة قد أنطقها الله تعالى فيسألها لأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا حتى
~~أصبح ذات يوم فرأى الخرنوبة فسألها فقالت نبت لخراب هذا المسجد فقال: ما
~~كان الله ms08651 تعالى ليخربه وأنا حي أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس
~~فنزعها وغرسها في حائط له واتخذ منها عصا وقال: اللهم عم على الجن
~~موتي حتى يعلم أنهم لا يعلمون الغيب كما يموهون وقال لملك الموت: إذا
~~أمرت بي فأعلمني فقال: أمرت بك وقد بقي من عمرك ساعة فعدا الجن فبنوا
~~عليه صرحا من قوارير ليس له باب فقام يصلي متكئا على عصاه فقبض روحه
~~وهو متكىء عليها وكانت الجن تجتمع حول محرابه أينما صلى فلم يكن جني ينظر
~~إليه في صلاته إلا احترق فمر جني فلم يسمع صوته ثم رجع فلم يسمع فنظر إذا
~~سليمان قد خر ميتا ففتحوا عنه فإذا العصا قد أكلتها الأرضة فأرادوا أن
~~يعرفوا وقت موته فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها في يوم وليلة
~~مقدارا فحسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة وكانوا يعملون بين
~~يديه ويحسبونه حيا فتبين أنهم لو كانوا يعلمون الغيب لما لبثوا في
~~العذاب سنة، ولا يخفى أن هذا من باب التخمين والاقتصار على الأقل وإلا
~~فيجوز أن تكون الأرضة بدت بالأكل بعد موته بزمان كثير وأنها كانت تأكل
~~أحيانا وتترك أحيانا.

# وأما كون بدئها في حياته فبعيد، وكونه بالوحي إلى نبي في ذلك الزمان
~~كما قيل فواه لأنه لو كان كذلك لم يحتاجوا إلى وضع الأرضة على العصا
~~ليستعلموا المدة.

# وروي أن داود عليه السلام أسس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى عليه
~~السلام فمات قبل أن يتمه فوصى به إلى سليمان فأمر الجن بإتمامه فلما بقي
~~من عمره سنة سأل أن يعمي عليهم موته حتى يفرغوا منه ولتبطل دعواهم علم
~~الغيب، وهذا بظاهره مخالف لما روي أن إبراهيم عليه السلام هو الذي أسس
~~بيت المقدس بعد الكعبة بأربعين سنة ثم خرب وأعاده داود ومات قبل أن يتمه،
~~وأيضا إن موسى عليه السلام لم يدخل بيت المقدس بل مات في التيه، وجاء في
~~الحديث الصحيح أنه عليه السلام سأل ربه عند وفاته أن يدنيه من ms08652 الأرض
~~المقدسة رمية بحجر، وأيضا قد روي أن سليمان قد فرغ من بناء المسجد وتعبد
~~فيه وتجهز بعده للحج شكرا لله تعالى على ذلك.

# وأجيب عن الأول بأن المراد تجديد التأسيس، وعن الثاني بأن المراد بفسطاط
~~موسى فسطاطه المتوارث وكانوا يضربونه يتعبدون فيه تبركا لا أنه كان يضرب
~~هنالك في زمنه / عليه السلام، ويحتاج هذا إلى نقل فإن مثله لا يقال
~~بالرأي فإن كان فأهلا ومرحبا، وقيل المراد به مجمع العبادة على دين
~~موسى كما وقع في الحديث فسطاط إيمان.

# وقال القرطبي في «التذكرة» المراد به فرقة منحازة عن غيرها، مجتمعة
~~تشبيها بالخيمة، ولا يخفى ما فيهما وإن قيل إنهما أظهر من الأول، وعن
~~الثالث بأن المراد بالفراغ القرب من الفراغ وما قارب الشيء له حكمه وفيه
~~بعد. واختير أن هذا رواية وذاك رواية والله تعالى أعلم بالصحيح منهما.

# وروي أنه عليه السلام قد أمر ببناء صرح له فبنوه فدخله مختليا ليصفو له
~~يوم في الدهر من الكدر فدخل عليه شاب فقال: له كيف دخلت علي بلا إذن؟
~~فقال: إنما دخلت بإذن فقال: ومن أذن لك؟ قال: رب هذا الصرح فعلم أنه ملك
~~الموت أتى لقبض روحه فقال: سبحان الله هذا اليوم الذي طلبت فيه الصفا
~~فقال له: طلبت ما لم يخلق فاستوثق من الاتكاء على عصاه فقبض روحه وخفي
~~على الجن موته حتى سقط، وروي أن أفريدون جاء ليصعد كرسيه فلما دنا ضرب
~~الأسدان ساقه فكسراها فلم يجسر أحد بعده أن يدنو منه، ولذا لم تقربه الجن
~~وخفي أمر موته عليهم. ونظر فيه بأن سليمان كان بعد موسى بمدة مديدة
~~وأفريدون كان قبله لأن منوجهر من أسباط أفريدون وظهر موسى عليه في زمانه،
~~وعلى جميع الروايات الدالة على موته عليه السلام خروره لما كسرت العصا
~~لضعفها بأكل الأرضة منها، ونسبة الدلالة في الآية إليها نسبة إلى السبب
~~البعيد.

# ومن الغريب ما نقل عن ابن عباس أنه عليه السلام مات في متعبده على
~~فراشه، وقد أغلق الباب على نفسه فأكلت ms08653 الأرضة المنسأة أي عتبة الباب فلما
~~خر أي الباب علم موته فإن فيه جعل ضمير { خر } للباب وإليه ذهب بعضهم،
~~وفيه أنه لم يعهد تسمية العتبة منسأة، وأيضا كان اللازم عليه خرت بتاء
~~التأنيث ولا يجيء حذفها في مثل ذلك إلا في ضرورة الشعر، وكون التذكير على
~~معنى العود بعيد فالظاهر عدم صحة الرواية عن الحبر والله تعالى أعلم.
~~وحكى البغوي عنه أن الجن شكروا الأرضة فهم يأتونها بالماء والطين في جوف
~~الخشب وهذا شيء لا أقول به ولا أعتقد صحة الرواية أيضا، وكان عمره عليه
~~السلام ثلاثا وخمسين سنة وملك بعد أبيه وعمره ثلاثة عشر سنة وابتدأ في
~~بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه ثم مضى وانقضى وسبحان من لا
~~ينقضي ملكه ولا يزول سلطانه.

# وفي الآية دليل على أن الغيب لا يختص بالأمور المستقبلة بل يشمل الأمور
~~الواقعة التي هي غائبة عن الشخص أيضا.

### || [34.15]

# { لقد كان لسبإ } لما ذكر عز وجل حال الشاكرين لنعمه
~~المنيبين إليه تعالى، ذكر حال الكافرين بالنعمة المعرضين عنه جل شأنه
~~موعظة لقريش وتحذيرا لمن كفر بالنعم وأعرض عن المنعم، وسبأ في الأصل اسم
~~رجل وهو سبأ بن يشجب - بالشين المعجمة والجيم كينصر - بن يعرب بن قحطان،
~~وفي بعض الأخبار عن فروة بن مسيك قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم
~~فقلت: يا رسول الله أخبرني عن سبا أرجل هو أم امرأة؟ فقال: هو رجل من
~~العرب ولد عشرة تيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة فأما الذين تيامنوا
~~فالأزد وكندة ومذحج والأشعريون وأنمار ومنهم بجيلة [وحمير] وأما الذين
~~تشاءموا فعاملة وغسان ولخم وجذام، وفي «شرح قصيدة عبد المجيد بن عبدون»
~~لعبد الملك بن عبد الله بن بدرون الحضرمي البستي: أن سبأ بن يشجب أول
~~ملوك اليمن في قول واسمه عبد شمس وإنما سمي سبأ لأنه أول من سبى السبي
~~من ولد قحطان وكان ملكه أربعمائة وأربعا وثمانين سنة ثم سمي به الحي،
~~ومنع الصرف عنه ابن كثير وأبو عمرو وباعتبار جعله ms08654 اسما للقبيلة ففيه
~~العلمية والتأنيث، وقرأ قنبل بإسكان / الهمزة على نية الوقف، وعن ابن
~~كثير قلب همزته ألفا ولعله سكنها أولا بنية الوقف كقنبل ثم قلبها ألفا
~~والهمزة إذا سكنت يطرد قلبها من جنس حركة ما قبلها، وقيل: لعله أخرجها
~~بين بين فلم يؤده الراوي كما وجب.

# والمراد بسبأ هنا إما الحي أو القبيلة وإما الرجل الذي سمعت وعليه
~~فالكلام على تقدير مضاف أي لقد كان في أولاد سبأ، وجوز أن يراد به البلد
~~وقد شاع إطلاقه عليه وحينئذ فالضمير في قوله تعالى: { فى مسكنهم }
~~لأهلها أولها مرادا بها الحي على سبيل الاستخدام والأمر فيه على ما تقدم
~~ظاهر، والمسكن اسم مكان أي في محل سكناهم وهو كالدار يطلق على المأوى
~~للجميع وإن كان قطرا واسعا كما تسمى الدنيا دارا، وقال أبو حيان:
~~ينبغي أن يحمل على المصدر أي في سكناهم لأن كل أحد له مسكن وقد أفرد في
~~هذه القراءة وجعل المفرد بمعنى الجمع كما في قوله:

# كلوا في بعض بطنكم تعفوا

# وقوله:

# قد عض أعناقهم جلد الجواميس

# يختص بالضرورة عند سيبويه انتهى. وبما ذكرنا لا تبقى حاجة إليه كما لا
~~يخفى.

# واسم ذلك المكان مأرب كمنزل وهي من بلاد اليمن بينها وبين صنعاء مسيرة
~~ثلاث. وقرأ الكسائي والأعمش وعلقمة { مسكنهم } بكسر الكاف على خلاف
~~القياس كمسجد ومطلع لأن ما ضمت عين مضارعة أو فتحت قياس المفعل منه
~~زمانا ومكانا ومصدرا الفتح لا غير، وقال أبو الحسن كسر الكاف لغة
~~فاشية وهي لغة الناس اليوم والفتح لغة الحجاز وهي اليوم قليلة، وقال
~~الفراء: هي لغة يمانية فصيحة.

# وقرأ الجمهور { مسكنهم } جمعا أي في مواضع سكناهم.

# { ءاية } أي علامة دالة بملاحظة أحوالها السابقة واللاحقة على وجود
~~الصانع المختار وأنه سبحانه قادر على ما يشاء من الأمور العجيبة مجاز
~~للمحسن والمسيء وهي اسم (كان) وقوله تعالى: { جنتان } بدل منها على
~~ما أشار إليه الفراء وصرح به مكي وغيره، وقال الزجاج: خبر مبتدأ محذوف أي
~~هي جنتان ولا يشترط في البدل المطابقة ms08655 أفرادا وغيره وكذا الخبر إذا كان
~~غير مشتق ولم يمنع المعنى من اتحاده مع المبتدأ؛ ولعل وجه توحيد الآية
~~هنا مثله في قوله تعالى:

# وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية

# [المؤمنون: 50] ولا حاجة إلى اعتبار مضاف مفرد محذوف هو البدل أو الخبر
~~في الحقيقة أي قصة جنتين، وذهب ابن عطية بعد أن ضعف وجه البدلية ولم يذكر
~~الجهة إلى أن { جنتان } مبتدأ خبره قوله تعالى: { عن يمين
~~وشمال } ولا يظهر لأنه نكرة لا مسوغ للابتداء بها إلا إن اعتقد أن ثم
~~صفة محذوفة أي جنتان لهم أو جنتان عظيمتان وعلى تقدير ذلك يبقى الكلام
~~متفلتا عما قبله. وقرأ ابن أبي عبلة { جنتين } بالنصب على المدح، وقال
~~أبو حيان: على أن (آية) اسم (كان) و { جنتين } الخبر.

# وأيا ما كان فالمراد بالجنتين على ما روي عن قتادة جماعتان من البساتين
~~جماعة عن يمين بلدهم وجماعة عن شماله وإطلاق الجنة على كل جماعة لأنها
~~لتقارب أفرادها وتضامها كأنها جنة واحدة كما تكون بلاد الريف العامرة
~~وبساتينها، وقيل: أريد بستانا كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كما قال
~~سبحانه:

# جعلنا لأحدهما جنتين من أعنب

# [الكهف: 32] قيل: ولم تجمع لئلا يلزم أن لكل مسكن رجل جنة واحدة لمقابلة
~~الجمع بالجمع، ورد بأن قوله تعالى: { عن يمين وشمال } يدفع ذلك
~~لأنه بالنظر إلى كل مسكن إلا أنها لو جمعت أو هم أن لكل مسكن جنات عن
~~يمين وجنات عن شمال وهذا لا محذور فيه إلا أن يدعى أنه مخالف للواقع ثم
~~إنه قيل إن (في) فيما سبق بمعنى عند فإن المساكن محفوفة بالجنتين لا ظرف
~~لهما، وقيل: لا حاجة إلى هذا فإن القريب من الشيء قد يجعل فيه مبالغة في
~~شدة القرب ولكل جهة لكن أنت تعلم أنه إذا أريد بالمساكن أو المسكن ما
~~يصلح أن يكون ظرفا لبلدهم المحفوفة بالجنتين / أو لمحل كل منهم المحفوفة
~~بهما لم يحتج إلى التأويل أصلا فلا تغفل.

# { كلوا من رزق ربكم واشكروا له } جملة مستأنفة بتقدير
~~قول أي ms08656 قال لهم نبيهم كلوا الخ، وفي «مجمع البيان» قيل: إن مساكنهم كانت
~~ثلاثة عشر قرية في كل قرية نبي يدعوهم إلى الله عز وجل يقول كلوا من رزق
~~ربكم الخ، وقيل: ليس هناك قول حقيقة وإنما هو قول بلسان الحال.

# { بلدة طيبة ورب غفور } أي هذه البلدة التي فيها رزقكم
~~بلدة طيبة وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور فرطات من يشكره، والجملة
~~استئناف للتصريح بموجب الشكر، ومعنى طيبة زكية مستلذة. يروى أنها كانت
~~لطيفة الهواء حسنة التربة لا يحدث فيها عاهة ولا يكون فيها هامة حتى إن
~~الغريب إذا حلها وفي ثيابه قمل أو براغيث ماتت، وقيل: المراد بطيبها صحة
~~هوائها وعذوبة مائها ووفور نزهتها وأنه ليس فيها حر يؤذي في الصيف ولا
~~برد يؤذي في الشتاء، وقرأ رويس بنصب { بلدة } وجميع ما بعدها وذلك على
~~المدح والوصفية. وقال أحمد بن يحيى: بتقدير اسكنوا بلدة طيبة واعبدوا
~~ربا غفورا.

# ومن الاتفاقات النادرة إن لفظ بلدة طيبة بحساب الجمل واعتبار هاء
~~التأنيث بأربعمائة كما ذهب إليه كثير من الأدباء وقع تاريخا لفتح
~~القسطنطينية وكانت نزهة بلاد الروم.

### || [34.16]

# { فأعرضوا } أي عن الشكر كما يقتضيه المقام ويدخل فيه الإعراض عن
~~الإيمان لأنه أعظم الكفر والكفران، وقال أبو حيان: أعرضوا عما جاء به
~~إليهم أنبياؤهم الثلاثة عشر حيث دعوهم إلى الله تعالى وذكروهم نعمه
~~سبحانه فكذبوهم وقالوا ما نعرف لله نعمة { فأرسلنا عليهم
~~سيل العرم } أي الصعب من عرم الرجل مثلث الراء فهو عارم وعرم إذا
~~شرس خلقه وصعب، وفي معناه ما جاء في رواية عن ابن عباس من تفسيره
~~بالشديد، وإضافة السيل إليه من إضافة الموصوف إلى الصفة، ومن أباها من
~~النحاة قال التقدير سيل الأمر العرم. وقيل: العرم المطر الشديد والإضافة
~~على ظاهرها، وقيل: هو اسم للجرذ الذي نقب عليهم سدهم فصار سببا لتسلط
~~السيل عليهم وهو الفأر الأعمى الذي يقال له الخلد وإضافة السيل إليه
~~لأدنى ملابسة، وقال ابن جبير: العرم المسناة بلسان الحبشة، وقال الأخفش،
~~هو بهذا المعنى ms08657 عربي، وقال المغيرة بن حكيم: وأبو ميسرة: العرم في لغة
~~اليمن جمع عرمة وهي كل ما بنى أو سنم ليمسك الماء ويقال لذلك البناء بلغة
~~الحجاز المسناة، والإضافة كما في سابقه والملابسة في هذا أقوى؛ وعن ابن
~~عباس وقتادة والضحاك ومقاتل هو اسم الوادي الذي كان يأتي السيل منه وبني
~~السد فيه، ووجه إضافة السيل إليه ظاهر، وقرأ عزرة بن الورد فيما حكى ابن
~~خالويه { العرم } بإسكان الراء تخفيفا كقولهم في الكبد الكبد.

# روي أن بلقيس لما ملكت اقتتل قومها على ماء واديهم فتركت ملكها وسكنت
~~قصرها وراودوها على أن ترجع فأبت فقالوا: لترجعن أو لنقتلنك فقالت لهم:
~~أنتم لا عقول لكم ولا تطيعوني فقالوا: نطيعك فرجعت إلى واديهم وكانوا إذا
~~مطروا أتاهم السيل من مسيرة ثلاثة أيام فأمرت فسد ما بين الجبلين بمسناة
~~بالصخر والقار وحبست الماء من وراء السد وجعلت له أبوابا بعضها فوق بعض
~~وبنت من دونه بركة منها اثنا عشر مخرجا على عدة أنهارهم وكان الماء يخرج
~~لهم بالسوية إلى أن كان من شأنها مع سليمان عليه السلام ما كان.

# وقيل: الذي بنى لهم السد هو حمير أبو القبائل اليمنية، وقيل بناه لقمان
~~الأكبر بن عاد ورصف أحجاره بالرصاص والحديد وكان فرسخا في فرسخ ولم
~~يزالوا في أرغد عيش وأخصب أرض حتى إن المرأة تخرج وعلى رأسها / المكتل
~~فتعمل بيديها وتسير فيمتلىء المكتل مما يتساقط من أشجار بساتينهم إلى أن
~~أعرضوا عن الشكر وكذبوا الأنبياء عليهم السلام فسلط الله تعالى على سدهم
~~الخلد فوالد فيه فخرقه فأرسل سبحانه سيلا عظيما فحمل السد وذهب بالجنان
~~وكثير من الناس، وقيل: إنه أذهب السد فاختل أمر قسمة الماء ووصوله إلى
~~جنانهم فيبست وهلكت، وكان ذلك السيل على ما قيل في ملك ذي الأذعار بن
~~حسان في الفترة بين نبينا صلى الله عليه وسلم وعيسى عليه السلام، وفيه
~~بحث على تقدير القول بأن الإعراض كان عما جاءهم من أنبيائهم الثلاثة عشر
~~كما ستعلمه إن شاء الله تعالى عن قريب.

# { وبدلنهم ms08658 بجنتيهم } أي أذهبنا جنتيهم وأتينا بدلها {
~~جنتين ذواتى أكل } أي ثمر { خمط } أي حامض أو مر، وعن
~~ابن عباس الخمط الأراك ويقال لثمره مطلقا أو إذا اسود وبلغ البرير، وقيل
~~شجر الغضا ولا أعلم هل له ثمر أم لا؟ وقال أبو عبيدة: كل شجرة مرة ذات
~~شوك، وقال ابن الأعرابي: هو ثمر شجرة على صورة الخشخاش لا ينتفع به
~~وتسمى تلك الشجرة على ما قيل بفسوة الضبع، وهو على الأول صفة لأكل والأمر
~~في ذلك ظاهر، وعلى الأخير عطف بيان على مذهب الكوفيين المجوزين له في
~~النكرات، وقيل بدل وعلى ما بينهما الكلام على حذف مضاف أي أكل أكل خمط
~~وذلك المضاف بدل من (أكل) أو عطف بيان عليه ولما حذف أقيم المضاف إليه
~~مقامه وأعرب بإعرابه كما في «البحر»، وقيل هو بتقدير أكل ذي خمط، وقيل هو
~~بدل من باب يعجبني القمر فلكه وهو كما ترى، ومنع جعله وصفا من غير ضرب
~~من التأويل لأن الثمر لا يوصف بالشجر لا لأن الوصف بالأسماء الجامدة لا
~~يطرد وإن جاء منه شيء نحو مررت بقاع عرفج فتأمل. وقرأ أبو عمرو { أكل خمط
~~} بالإضافة وهو من باب ثوب خز، وقرأ ابن كثير { أكل } بسكون الكاف
~~والتنوين.

# { وأثل } ضرب من الطرفاء على ما قاله أبو حنيفة اللغوي في «كتاب
~~النبات» له، وعن ابن عباس تفسيره الطرفاء، ونقل الطبرسي قولا أنه السمر
~~وهو عطف على { أكل } ولم يجوز الزمخشري عطفه على { خمط } معللا
~~بأن الأثل لا ثمر له، والأطباء كداود الأنطاكي وغيره يذكرون له ثمرا
~~كالحمص ينكسر عن حب صغار ملتصق بعضه ببعض ويفسرون الأثل بالعظيم من
~~الطرفاء ويقولون في الطرفاء هو بري لا ثمر له وبستاني له ثمر لكن قال
~~الخفاجي: لا يعتمد على الكتب الطبية في مثل ذلك وفي القلب منه شيء، ونحن
~~قد حققنا أن للأثل ثمرا، وكذا لصنف من الطرفاء إلا أن ثمرهما لا يؤكل
~~ولعل مراد النافي نفي ثمرة تؤكل، والأطباء يعدون ما تخرجه الشجر غير
~~الورق ونحوه ثمرة ms08659 أكلت أم لا، ومثله في العطف على ذلك في قوله تعالى: {
~~وشىء من سدر قليل } وحكى الفضل بن إبراهيم أنه قرىء { أثلا
~~وشيئا } بالنصب عطفا على { جنتين }.

# والسدر شجر النبق، وقال الأزهري: السدر سدران سدر لا ينتفع به ولا يصلح
~~ورقه للغسول وله ثمرة عفصة لا تؤكل وهو الذي يسمي الضال وسدر ينبت على
~~الماء وثمره النبق وورقه غسول يشبه شجر العناب انتهى.

# واختلف في المراد هنا فقيل الثاني، ووصف بقليل لفظا ومعنى أو معنى فقط
~~وذلك إذا كان نعتا لشيء المبين به لأن ثمره مما يطيب أكله فجعل قليلا
~~فيما بدلوا به لأنه لو كثر كان نعمة لا نقمة، وإنما أوتوه تذكيرا للنعم
~~الزائلة لتكون حسرة عليهم، وقيل المراد به الأول حتما لأنه الأنسب
~~بالمقام، ولم يذكر نكتة الوصف بالقليل عليه.

# ويمكن أن يقال في الوصف به مطلقا أن السدر له شأن عند العرب ولذا نص
~~الله تعالى على وجوده في الجنة / والبستاني منه لا يخفى نفعه والبري
~~يستظل به أبناء السبيل ويأنسون به ولهم فيه منافع أخرى ويستأنس لعلو شأنه
~~بما أخرجه أبو داود في «سننه» والضياء في «المختارة» عن عبد الله بن حبشي
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار "

# وبما أخرجه البيهقي عن أبي جعفر قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله تعالى وجهه في مرض
~~موته: اخرج يا علي فقل عن الله لا عن رسول الله لعن الله من يقطع السدر "

# وفي معناهما عدة أخبار لها عدة طرق، والكل فيما أرى محمول على ما إذا
~~كان القطع عبثا ولو كان السدر في ملكه. وقيل في ذلك مخصوص بسدر المدينة،
~~وإنما نهى عن قطعه ليكون أنسا وظلا لمن يهاجر إليها، وقيل بسدر الفلاة
~~ليستظل به أبناء السبيل والحيوان، وقيل بسدر مكة لأنها حرم، وقيل بما إذا
~~كان في ملك الغير وكان القطع بغير حق، والكل كما ترى، وأيا ما كان ففي
~~التنصيص عليه ms08660 ما يشير إلى أن له شأنا فلما ذكر سبحانه ما آل إليه حال
~~أولئك المعرضين وما بدلوا بجنتيهم أتى جل وعلا بما يتضمن الإيذان بحقارة
~~ما عوضوا به وهو مما له شأن عند العرب أعني السدر وقلته، والإيذان بالقلة
~~ظاهر وأما الإيذان بالحقارة فمن ذكر شيء والعدول عن أن يقال وسدر قليل مع
~~أنه الأخصر الأوفق بما قبله ففيه إشارة إلى غاية انعكاس الحال حيث أومأ
~~الكلام إلى أنهم لم يؤتوا بعد إذهاب جنتهم شيئا مما لجنسه شأن عند العرب
~~إلا السدر وما أوتوه من هذا الجنس حقير قليل، وتسمية البدل جنتين مع أنه
~~ما سمعت للمشاكلة والتهكم.

### || [34.17]

# { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من التبديل، وما فيه من معنى البعد للإشارة
~~إلى بعد رتبته في الفظاعة أو إلى مصدر قوله تعالى: { جزينهم } كما
~~قيل في قوله سبحانه:

# وكذلك جعلنكم أمة وسطا

# [البقرة: 143] ومحله على الأول النصب على أنه مفعول ثان، وعلى الثاني
~~النصب على أنه مصدر مؤكد للفعل المذكور، والتقديم للتعظيم والتهويل وقيل
~~للتخصيص أي ذلك التبديل جزيناهم لا غيره أو ذلك الجزاء الفظيع جزيناهم لا
~~جزاء آخر { بما كفروا } أي بسبب كفرانهم النعمة حيث نزعناها منهم
~~ووضعنا مكانها ضدها، وقيل بسبب كفرهم بالرسل الثلاثة عشر الذين بعثوا
~~إليهم. واستشكل هذا مع القول بأن السيل العرم كان زمن الفترة بأن الجمهور
~~قالوا: لا نبي بين نبينا وعيسى عليهما الصلاة والسلام، ومن الناس من
~~قال: بينهما صلى الله عليه وسلم أربعة أنبياء ثلاثة من بني إسرائيل وواحد
~~من العرب وهو خالد العبسي وهو قد بعث لقومه وبنو إسرائيل لم يبعثوا
~~للعرب. وأجيب بأن ما كان زمن الفترة هو السيل العرم لا غير والرسل
~~الثلاثة عشر هم جملة من كان في قومهم من سبا بن يشجب إلى أن أهلكهم الله
~~تعالى أجمعين فتأمل ولا تغفل.

# { وهل نجزى إلا الكفور } أي ما نجازي مثل هذا الجزاء
~~الشديد المستأصل إلا المبالغ في الكفران أو الكفر فلا يتوجه على الحصر
~~إشكال أن المؤمن قد ms08661 يعاقب في العاجل. وفي «الكشف» لا يراد أن المؤمن
~~أيضا يعاقب فإنه ليس بعقاب على الحقيقة بل تمحيص ولأنه أريد المعاقبة
~~بجميع ما يفعله من السوء، ولا كذلك للمؤمن، ولا مانع من أن يكون الجزاء
~~عاما في كل مكافآت وأريد به المعاقبة مطلقا من غير تقييد بما سبق
~~لقرينة { جزينهم بما كفروا } لتعيين المعاقبة فيه بل قال
~~الزمخشري: هو الوجه الصحيح وذلك لعدم الإضمار ولأن التذييل هكذا آكد وأسد
~~موقعا ولا يتوجه الأشكال لما في «الكشف».

# وقرأ الجمهور { يجازى } بضم الياء وفتح الزاي مبنيا للمفعول { الكفور }
~~بالرفع على النيابة عن الفاعل. وقرىء { يجازي } بضم الياء وكسر الزاي
~~مبنيا / للفاعل وهو ضميره تعالى وحده { الكفور } بالنصب على المفعولية،
~~وقرأ مسلم بن جندب { يجزى } مبنيا للمفعول { الكفور } بالرفع على
~~النيابة، والمجازات على ما سمعت عن الزمخشري المكافآت لكن قال الخفاجي لم
~~ترد في القرآن إلا مع العقاب بخلاف الجزاء فإنه عام وقد يخص بالخير، وعن
~~أبي إسحاق تقول جزيت الرجل في الخير وجازيته في الشر، وفي معناه قول
~~مجاهد يقال في العقوبة يجازى وفي المثوبة يجزى. وقال بعض الأجلة: ينبغي
~~أن يكون أبو إسحاق قد أراد أنك إذا أرسلت الفعلين ولم تعدهما إلى المفعول
~~الثاني كانا كذلك وأما إذا ذكرته فيستعمل كل منهما في الخير والشر، ويرد
~~على ما ذكر { جزينهم بما كفروا } وكذا { وهل يجزى }
~~في قراءة مسلم إذ الجزاء في ذلك مستعمل في الشر مع عدم ذكر المفعول
~~الثاني، وقوله:

# جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر

# وحسن فعل كما يجزى سنمار

# وقال الراغب: يقال جزيته وجازيته ولم يجيء في القرآن إلا جزى دون جازى
~~وذلك لأن المجازاة المكافأة وهي مقابلة نعمة بنعمة هي كفؤها ونعمة الله
~~عز وجل تتعالى عن ذلك ولهذا لا يستعمل لفظ المكافأة فيه سبحانه وتعالى،
~~وفيه غفلة عما هنا إلا أن يقال: أراد أنه لم يجيء في القرآن جازى فيما هو
~~نعمة مسندا إليه تعالى فإنه لم يخطر لي مجيء ذلك فيه والله تعالى أعلم.

# ويحسن ms08662 عندي قول أبي حيان: ((أكثر ما يستعمل الجزاء في الخير والمجازاة
~~في الشر لكن في تقييدهما قد يقع كل منهما موقع الآخر)) وفي قوله سبحانه:
~~{ جزينهم بما كفروا } دون جازيناهم بما كفروا على الوجه
~~الثاني في اسم الإشارة ما يحكى تمتع القوم بما يسر ووقوعهم بعده فيما
~~يسيء ويضر، ويمكن أن تكون نكتة التعبير بجزى الأكثر استعمالا في الخير،
~~ويجوز أن يكون التعبير بذاك أول وبنجازي ثانيا ليكون كل أوفق بعلته وهذا
~~جار على كلا الوجهين في الإشارة فتدبر جدا.

### || [34.18]

# { وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فيها
~~قرى ظهرة } إلى آخره عطف بمجموعه على مجموع ما قبله عطف القصة
~~على القصة وهو حكاية لما أوتوا من النعم في مسايرهم ومتاجرهم وما فعلوا
~~بها من الكفران وما حاق بهم بسبب ذلك وما قبل كان حكاية لما أوتوا من
~~النعم في مساكنهم ومحل إقامتهم وما فعلوا بها وما فعل بهم، والمراد
~~بالقرى التي بورك فيها قرى الشام وذلك بكثرة أشجارها وأثمارها والتوسعة
~~على أهلها وعن ابن عباس هي قرى بيت المقدس وعن مجاهد هي السراوية وعن وهب
~~قرى صنعاء، وقال ابن جبير: قرب مأرب والمعول عليه الأول حتى قال ابن عطية
~~إن إجماع المفسرين عليه.

# ومعنى { ظهرة } على ما روي عن قتادة متواصلة يقرب بعضها من بعض
~~بحيث يظهر لمن في بعضها ما في مقابلته من الأخرى وهذا يقتضي القرب الشديد
~~لكن سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى ما قيل في مقدار ما بين كل قريتين
~~وقال المبرد ظاهرة مرتفعة أي على الآكام والظراب وهي أشرف القرى؛ وقيل
~~ظاهرة معروفة يقال هذا أمر ظاهر أي معروف وتعرف القرية لحسنها ورعاية
~~أهلها المارين عليها، وقيل: ظاهرة موضوعة على الطرق ليسهل سير السابلة
~~فيها. وقال ابن عطية: الذي يظهر لي أن معنى { ظهرة } خارجة عن
~~المدن فهي عبارة عن القرى الصغار التي في ظواهر المدن كأنه فصل بهذه
~~الصفة بين القرى الصغار وبين القرى المطلقة التي هي المدن، وظواهر المدن
~~ما خرج عنها ms08663 في الفيافي ومنه قولهم نزلنا بظاهر البلد الفلاني أي خارجا
~~عنه، ومنه قول الشاعر:

# فلو شهدتني من قريش عصابة

# قريش البطاح لا قريش الظواهر

# يعني أن الخارجين من بطحاء مكة، ويقال للساكنين خارج البلد أهل الضواحي
~~وأهل البوادي أيضا.

# / { وقدرنا فيها السير } أي جعلنا نسبة بعضها إلى بعض على
~~مقدار معين من السير، قيل من سار من قرية صباحا وصل إلى أخرى وقت
~~الظهيرة والقيلولة ومن سار بعد الظهر وصل إلى أخرى عند الغروب فلا يحتاج
~~لحمل زاد ولا مبيت في أرض خالية ولا يخاف من عدو ونحوه، وقيل: كان بين كل
~~قريتين ميل، وقال الضحاك: مقادير المراحل كانت القرى على مقاديرها وهذا
~~هو الأوفق بعنى { ظهرة } على ما سمعت عن قتادة وكذا بقوله سبحانه:
~~{ سيروا فيها } فإنه مؤذن بشدة القرب حتى كأنهم لم يخرجوا من نفس
~~القرى، والظاهر أن { سيروا } أمر منه عز وجل على لسان نبي أو نحوه
~~وهو بتقدير القول أي قلنا لهم سيروا في تلك القرى { ليالى
~~وأياما }  أي متى شئتم من ليل ونهار { ءامنين } من كل ما تكرهونه
~~لا يختلف الأمن فيها باختلاف الأوقات، وقدم الليالي لأنها مظنة الخوف من
~~مغتال وإن قيل الليل أخفى للويل أو لأنها سابقة على الأيام أو قلنا سيروا
~~فيها آمنين وإن تطاولت مدة سفركم وامتدت ليالي وأياما كثيرة، قال قتادة:
~~كانوا يسيروا مسيرة أربعة أشهر في أمان ولو وجد الرجل قاتل أبيه لم يهجه
~~أو سيروا فيها لياليكم وأيامكم أي مدة أعماركم لا تلقون فيها ألا الأمن،
~~وقدمت الليالي لسبقها.

# وأيا ما كان فقد علم فائدة ذكر الليالي والأيام وإن كان السير لا يخلو
~~عنهما، وجوز أن لا يكون هناك قول حقيقة وإنما نزل تمكينهم من السير
~~المذكور وتسوية مباديه وأسبابه منزلة القول لهم وأمرهم بذلك والأمر على
~~الوجهين للإباحة.

### || [34.19]

# { فقالوا ربنا بعد بين أسفارنا } لما طالت بهم مدة
~~النعمة بطروا وملوا وآثروا الذي هو أدنى على الذي هو خير كما فعل بنو
~~إسرائيل وقالوا: لو كانت متاجرنا ms08664 أبعد كان ما نجلبه منها أشهى وأغلى
~~فطلبوا تبديل اتصال العمران وفصل المفاوز والقفار وفي ضمن ذلك إظهار
~~القادرين منهم على قطعها بركوب الرواحل وتزود الأزواد الفخر والكبر على
~~الفقراء العاجزين عن ذلك فجعل الله تعالى لهم الإجابة بتخريب القرى
~~المتوسطة وجعلها بلقعا لا يسمع فيها داع ولا مجيب، والظاهر أنهم قالوا
~~ذلك بلسان القال، وجوز الإمام أن يكونو قالوا: { بعد } بلسان الحال
~~أي فلما كفروا فقد طلبوا أن يبعد بين أسفارهم ويخرب المعمور من ديارهم.

# وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام { بعد } بتشديد العين فعل طلب، وابن
~~عباس وابن الحنفية وعمرو بن قائد { ربنا } رفعا { بعد } بالتشديد
~~فعلا ماضيا، وابن عباس وابن الحنفية أيضا وأبو رجاء والحسن ويعقوب
~~وزيد بن علي وأبو صالح وابن أبي ليلى والكلبي ومحمد بن علي وسلام وأبو
~~حيوة { ربنا } رفعا و { بعد } طلبا من المفاعلة، وابن الحنفية أيضا
~~وسعيد بن أبي الحسن أخو الحسن وسفيان بن حسين وابن السميقع { ربنا }
~~بالنصب { بعد } بضم العين فعلا ماضيا { بين } بالنصب إلا سعيدا منهم
~~فإنه يضم النون ويجعل { بين } فاعلا، ومن نصب فالفاعل عنده ضمير يعود
~~على { السير } ومن نصب { ربنا } جعله منادى فإن جاء بعده طلب كان ذلك
~~أشرا وبطرا. وفاعل بمعنى فعل وإن جاء فعلا ماضيا كان ذلك شكوى من
~~مسافة ما بين قراهم مع قصرها لتجاوزهم في الترفه والتنعم أو شكوى مما حل
~~بهم من بعد الأسفار التي طلبوها بعد وقوعها أو دعاء بلفظ الخبر، ومن رفع
~~{ ربنا } فلا يكون الفعل عنده إلا ماضيا والجملة خبرية متضمنة للشكوى
~~على ما قيل، ونصب { بين } بعد كل فعل متعد في إحدى القراءات ماضيا
~~كان أو طلبا عند أبي حيان على أنه مفعول به، وأيد ذلك بقراءة الرفع أو
~~على الظرفية والفعل منزل منزلة اللازم أو متعد مفعوله محذوف أي السير وهو
~~أسهل من إخراج الظرف الغير المتصرف / عن ظرفيته. وقرىء { بوعد } مبنيا
~~للمفعول. وقرأ ابن يعمر { سفرنا } بالإفراد.

# { وظلموا أنفسهم } حيث عرضوها للسخط والعذاب حين بطروا ms08665 النعمة
~~وغمطوها { فجعلنهم أحاديث } جمع أحدوثة، وهي ما يتحدث به
~~على سبيل التلهي والاستغراب لا جمع حديث على خلاف القياس، وجعلهم نفس
~~الأحاديث إما على المبالغة أو تقدير المضاف أي جعلناهم بحديث يتحدث الناس
~~بهم متعجبين من أحوالهم ومعتبرين بعاقبتهم ومآلهم. وقيل المراد لم يبق
~~منهم إلا الحديث عنهم ولو بقي منهم طائفة لم يكونوا أحاديث.

# { ومزقنهم كل ممزق } أي فرقناهم كل تفريق على أن
~~الممزق مصدر أو كل مطرح ومكان تفريق على أنه اسم مكان، وفي التعبير
~~بالتمزيق الخاص بتفريق المتصل وخرقه من تهويل الأمر والدلالة على شدة
~~التأثير والإيلام ما لا يخفى أي مزقناهم تمزيقا لا غاية وراءه بحيث يضرب
~~مثلا في كل فرقة ليس بعدها وصال، وعن ابن سلام أن المراد جعلناهم ترابا
~~تذروه الرياح وهو أوفق بالتمزيق إلا أن جميع أجلة المفسرين على خلافه وأن
~~المراد بتمزيقهم تفريقهم بالتباعد، وقد تقدم لك غير بعيد حديث كيفية
~~تفرقهم في جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم لفروة بن مسيك. وفي
~~«الكشاف» لحق غسان بالشام وأنمار بيثرب وجذام بتهامة والأزد بعمان. وفي
~~«التحرير» وقع منهم قضاعة بمكة وأسد بالبحرين وخزاعة بتهامة، وظاهر الآية
~~أن ذلك كان بعد إرسال السيل العرم. وفي «البحر» أن في الحديث أن سبأ أبو
~~عشرة قبائل فلما جاء السيل على مأرب تيامن منها ستة قبائل وتشاءمت أربعة،
~~وزعم بعضهم أن تفرقهم كان قبيل مجىء السيل.

# قال عبد الملك في «شرح قصيدة ابن عبدون» إن أرض سبأ من اليمن كانت
~~العمارة فيها أزيد من مسيرة شهرين للراكب المجد وكان أهلها يقتبسون النار
~~بعضهم من بعض مسيرة أربعة أشهر فمزقوا كل ممزق وكان أول من خرج من اليمن
~~في أول الأمر عمرو بن عامر مزيقيا، وكان سبب خروجه أنه كانت له زوجة
~~كاهنة يقال لها طريفة الخير وكانت رأت في منامها أن سحابة غشيت أرضهم
~~فأرعدت وأبرقت ثم صعقت فأحرقت كل ما وقعت عليه ففزعت طريفة لذلك فزعا
~~شديدا وأتت الملك عمرا وهي تقول ما رأيت ms08666 كاليوم أزال عني النوم رأيت
~~غيما أرعد وأبرق وزمجر وأصعق فما وقع على شيء إلا أحرق فلما رأى ما
~~داخلها من الفزع سكنها ثم إن عمرا دخل على حديقة له ومعه جاريتان من
~~جواريه فبلغ ذلك طريفة فخرجت إليه وخرج معها وصيف لها اسمه سنان فلما
~~برزت من بيتها عرض لها ثلاث مناجد منتصبات على أرجلهن واضعات أيديهن على
~~أعينهن وهي دواب تشبه اليرابيع فقعدت إلى الأرض واضعة يديها على عينيها
~~وقالت لوصيفها: إذا ذهبت هذه المناجد فأخبرني فلما ذهبت أخبرها فانطلقت
~~مسرعة فلما عارضها الخليج الذي في حديقة عمرو وثبت من الماء سلحفاة فوقعت
~~على الطريق على ظهرها وجعلت تروم الانقلاب فلا تستطيع وتستعين بذنبها
~~فتحثو التراب على بطنها من جنباته وتقذف بالبول على بطنها قذا فلما
~~رأتها طريفة جلست إلى الأرض فلما عادت السلحفاة إلى الماء مضت طريفة إلى
~~أن دخلت على عمرو وذلك حين انتصف النهار في ساعة شديد حرها فإذا الشجر
~~يتكافأ من غير ريح فلما رآها استحى منها وأمر الجاريتين بالانصراف إلى
~~ناحية ثم قال لها يا طريفة فكهنت وقالت: والنور والظلماء والأرض والسماء
~~أن الشجر لهالك وليعودن الماء كما كان في الزمن السالك قال عمرو: من
~~أخبرك بهذا؟ قالت: أخرتني المناجد بسنين شدائد يقطع فيها الولد الوالد
~~قال: ما تقولين؟ قالت: أقول قول الندمان لهيفا لقد رأيت سلحفاة تجرف
~~التراب / جرفا وتقذف بالبول قذفا فدخلت الحديقة فإذا الشجر من غير ريح
~~يتكفى قال: ما ترين في ذلك؟ قالت: هي داهية دهياء من أمور جسيمة ومصايب
~~عظيمة قال: وما هو ويلك؟ قالت: أجل وإن فيه الويل ومالك فيه من نيل وإن
~~الويل فيما يجيء به السيل فألقي عمرو عن فراشه وقال: ما هذا يا طريفة؟
~~قالت: خطب جليل وحزن طويل وخلف قليل قال: وما علامة ما تذكرين؟ قالت:
~~اذهب إلى السد فإذا رأيت جرذا يكثر بيديه في السد الحفر ويقلب برجليه من
~~أجل الصخر فاعلم أن الغمر عمر وأنه قد وقع الأمر قال: وما الذي ms08667 تذكرين؟
~~قالت: وعد من الله تعالى نزل وباطل بطل ونكال بنا نكل فبغيرك يا عمرو
~~يكون الثكل فانطلق عمرو فإذا الجرذ يقلب برجليه صخرة ما يقلها خمسون
~~رجلا فرجع وهو يقول:

# أبصرت أمرا عادني منه ألم

# وهاج لي من هوله برح السقم

# من جرذ كفحل خنزير الأجم

# أو كبش صرم من أفاويق الغنم

# يسحب قطرا من جلاميد العرم

# له مخاليب وأنياب قضم

# ما فاته سحلا من الصخر قصم

# فقالت طريفة: وإن من من علامة ذلك الذي ذكرته لك أن تجلس فتأمر بزجاجة
~~فتوضع بين يديك فإن الريح يملؤها من تراب البطحاء من سهل الوادي وحزنه
~~وقد علمت أن الجنان مظللة لا يدخلها شمس ولا ريح فأمر عمرو بزجاجة فوضعت
~~بين يديه ولم تمكث إلا قليلا حتى امتلأت من التراب فأخبرها بذلك، وقال
~~لها: متى يكون ذلك الخراب الذي يحدث في السد؟ قالت له: فيما بيني وبينك
~~سبع سنين قال: ففي أيها يكون؟ قالت: لا يعلم بذلك إلا الله تعالى ولو
~~علمه أحد لعلمته وأنه لا تأتي علي ليلة فيما بيني وبين السبع سنين إلا
~~ظننت هلاكه في غدها أو في مسائها ثم رأى عمرو في منامه سيل العرم، وقيل
~~له: إن آية ذلك أن ترى الحصباء قد ظهرت في سعف النخل فنظر إليها فوجد
~~الحصباء قد ظهرت فيها فعلم أنه واقع وأن بلادهم ستخرب فكتم ذلك وأجمع على
~~بيع كل شيء له بأرض مأرب وأن يخرج منها هو وولده ثم خشي أن تنكر الناس
~~عليه ذلك فأمر أحد أولاده إذا دعاه لما يدعوه إليه أن يتأبى عليه وأن
~~يفعل ذلك به في الملأ من الناس وإذا لطمه يرفع هو يده ويلطمه ثم صنع عمرو
~~طعاما وبعث إلى أهل مأرب أن عمرا قد صنع طعاما يوم مجد وذكر فأحضروا
~~طعامه فلما جلس الناس للطعام جلس عنده ابنه الذي أمره بما قد أمره فجعل
~~يأمره فيتأبى عليه فرفع عمرو يده فلطمه فلطمه ابنه وكان اسمه مالكا
~~فصاح عمرو واذلاه يوم فخر عمرو ms08668 وبهجته صبي يضرب وجهه وحلف ليقتلنه فلم
~~يزالوا يرغبون إليه حتى ترك وقال: والله لا أقيم بموضع صنع فيه بي هذا
~~ولأبيعن أموالي حتى لا يرث بعدي منها شيئا فقال الناس بعضهم لبعض:
~~اغتنموا غيظ عمرو واشتروا منه أمواله قبل أن يرضى فابتاع الناس منه كل
~~ماله بأرض مأرب وفشا بعض حديثه فيما بلغه من شأن سيل العرم فقام ناس من
~~الأزد فباعوا أموالهم فلما أكثروا البيع استنكر الناس ذلك فأمسكوا عن
~~الشراء فلما اجتمعت إلى عمرو أمواله أخبر الناس بشأن السيل وخرج فخرج
~~لخروجه منها بشر كثير فنزلوا أرض عك فحاربتهم عك فارتحلوا عن بلادهم ثم
~~اصطلحوا وبقوا بها حتى مات عمرو وتفرقوا في البلاد فمنهم من سار إلى
~~الشام وهم أولاد جفنة بن عمرو بن عامر ومنهم من سار إلى يثرب وهم أبناء
~~قيلة الأوس والخزرج وأبوهما حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر وسارت أزد
~~السراة إلى السراة وأزد عمان / إلى عمان وسار مالك بن فهم إلى العراق ثم
~~خرجت بعد عمرو بيسير من أرض اليمن طيء فنزلت أجأ وسلمى ونزلت أبناء ربيعة
~~بن حارثة بن عامر بن عمرو تهامة وسموا خزاعة لانخزاعهم من إخوانهم ثم
~~أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه، وفي ذلك يقول ميمون بن قيس
~~الأعشى:

# وفي ذاك للمؤتسي أسوة

# ومأرب عفا عليها العرم

# رخام بنته لهم حمير

# إذا جاء مواره لم يرم

# فأروى الزروع وأعنابها

# على سعة ماؤهم إذ قسم

# فصاروا أيادي ما يقدرو

# ن منه على شرب طفل فطم

# وذكر الميداني عن الكلبي عن أبي صالح أن طريفة الكاهنة قد رأت في
~~كهانتها أن سد مأرب سيخرب وأنه سيأتي سيل العرم فيخرب الجنتين فباع عمرو
~~بن عامر أمواله وسار هو وقومه حتى انتهوا إلى مكة فأقاموا بها وبما حولها
~~فأصابتهم الحمى وكانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى فدعوا طريفة فشكوا
~~إليها الذي أصابهم فقالت لهم: أصابني الذي تشكون وهو مفرق بيننا قالوا
~~فماذا تأمرين قالت: من كان منكم ذا هم ms08669 بعيد وجمل شديد ومزاد جديد فليلحق
~~بقصر عمان المشيد فكانت أزد عمان ثم قالت: من كان منكم ذا جلد وقسر وصبر
~~على أزمات الدهر فعليه بالأراك من بطن مر فكانت خزاعة ثم قالت: من كان
~~منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل
~~فكانت الأوس والخزرج ثم قالت: من كان منكم يريد الخمر والخمير والملك
~~والتأسير ويلبس الديباج والحرير فليلحق ببصرى وغوير وهما من أرض الشام
~~فكان الذين سكنوها آل جفنة من غسان ثم قالت: من كان منكم يريد الثياب
~~الرقاق والخيل العتاق وكنوز الأرزاق والدم المهراق فليلحق بأرض العراق
~~فكان الذين سكنوها آل جذيمة الأبرش ومن كان بالحيرة وآل محرق.

# والحق أن تمزيقهم وتفريقهم في البلاد كان بعد إرسال السيل، نعم لا يبعد
~~خروج بعضهم قبيله حين استشعروا وقوعه، وفي المثل ذهبوا أيدي سبا ويقال
~~تفرقوا أيدي سبا ويروى أيادي وهو بمعنى الأولاد لأنهم أعضاد الرجل لتقويه
~~بهم. وفي «المفصل» أن الأيدي الأنفس كناية أو مجازا قال في «الكشف»: وهو
~~حسن، ونصبه على الحالية بتقدير مثل لاقتضاء المعنى إياه مع عدم تعرفه
~~بالإضافة، وقيل: إنه بمعنى البلاد أو الطرق من قولهم خذ يد البحر أي
~~طريقه وجانبه أي تفرقوا في طرق شتى، والظاهر أنه على هذا منصوب على
~~الظرفية بدون تقدير  في  كما أشار إليه الفاضل اليمني، وربما يظن أن
~~الأيدي أو الأيادي بمعنى النعم وليس كذلك، ويقال في الشخص إذا كان مشتت
~~الهم موزع الخاطر كان أيادي سبا، وعليه قول كثير عزة:

# أيادي سبا يا عز ما كنت بعدكم

# فلم يحل بالعينين بعدك منظر

# { إن فى ذلك } أي فيما ذكر من قصتهم { لآيت } عظيمة { لكل
~~صبار } أي شأنه الصبر على الشهوات ودواعي الهوى وعلى مشاق الطاعات،
~~وقيل: شأنه الصبر على النعم بأن لا يبطر ولا يطغى وليس بذاك { شكور }
~~شأنه الشكر على النعم، وتخصيص هؤلاء بذلك لأنهم المنتفعون بها.

### || [34.20]

# { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه } أي حقق عليهم ظنه أو
~~وجد ظنه صادقا، والظاهر ms08670 أن ضمير { عليهم } عائد على سبأ، ومنشأ ظنه
~~رؤية انهماكهم في الشهوات، وقيل: هو لبني آدم ومنشأ ظنه أنه شاهد أباهم
~~آدم عليه السلام وهو هو قد أصغى إلى وسوسته / فقاس الفرع على الأصل
~~والولد على الوالد، وقيل: إنه أدرك ما ركب فيهم من الشهوة والغضب وهما
~~منشئان للشرور، وقيل: إن ذاك كان ناشئا من سماع قول الملائكة عليهم
~~السلام

# أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء

# [البقرة: 30] يوم قال سبحانه لهم:

# إني جاعل فى الأرض خليفة

# [البقرة: 30] ويمكن أن يكون منشأ ذلك ما هو عليه من السوء كما قيل:

# إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه

# وصدق ما يعتاده من توهم

# وجوز أن يكون كل ما ذكر منشأ لظنه في سبأ، والكلام على الوجه الأول في
~~الضمير على ما قال الطيبي تتمة لسابقه إما حالا أو عطفا، وعلى الثاني
~~هو كالتذييل تأكيدا له.

# وقرأ البصريون { صدق } بالتخفيف فنصب { ظنه } على إسقاط حرف الجر
~~والأصل صدق في ظنه أي وجد ظنه مصيبا في الواقع فصدق حينئذ بمعنى أصاب
~~مجازا. وقيل هو منصوب على أنه مصدر لفعل مقدر أي يظن ظنه كفعلته جهدك أي
~~تجهد جهدك، والجملة في موقع الحال و { صدق } مفسر بما مر، ويجوز أن
~~يكون منصوبا على أنه مفعول به والفعل متعد إليه بنفسه لأن الصدق أصله في
~~الأقوال والقول مما يتعدى إلى المفعول به بنفسه، والمعنى حقق ظنه كما في
~~الحديث «صدق وعده ونصر عبده» وقوله تعالى:

# رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه

# [الأحزاب: 23].

# وقرأ زيد بن علي وجعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهم والزهري وأبو
~~الجهجاه الأعرابي من فصحاء العرب وبلال بن أبي برزة بنصب { إبليس }
~~ورفع { ظنه } كذا في «البحر» والظان ذلك مع قراءة { صدق } بالتشديد أي
~~وجده ظنه صادقا لكن ذكر ابن جني أن الزهري كان يقرأ ذلك مع تخفيف { صدق
~~} أي قال له الصدق حين خيل له إغواؤهم. وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو {
~~إبليس ظنه } برفعهما بجعل الثاني بدل اشتمال، وأبهم الزمخشري ms08671 القارىء
~~بذلك فقال قرىء بالتخفيف ورفعهما على معنى صدق عليهم ظن إبليس، ولو قرىء
~~بالتشديد مع رفعهما لكان على المبالغة في { صدق } كقوله:

# فدت نفسي وما ملكت يميني

# فوارس صدقت فيهم ظنوني

# وهو ظاهر في أنه لم يقرأ أحد بذلك والله تعالى أعلم، وعلى جميع القراءات
~~{ عليهم } متعلق بالفعل السابق وليس متعلقا بالظن على شيء منها.

# { فاتبعوه } أي سبأ وقيل بنو آدم { إلا فريقا من
~~المؤمنين } أي إلا فريقا هم المؤمنون لم يتبعوه على أن (من)
~~بيانية، وتقليلهم إما لقلتهم في حد ذاتهم أو لقلتهم بالإضافة إلى الكفار،
~~وهذا متعين على القول برجوع الضمير إلى بني آدم؛ وكأني بك تختار كون
~~القلة في حد ذاتهم على القول برجوع الضمير إلى سبأ لعدم شيوع كثرة
~~المؤمنين في حد ذاتهم منهم أو إلا فريقا من فرق المؤمنين لم يتبعوه وهم
~~المخلصون فمن تبعيضية والمراد مطلق الاتباع الذي هو أعم من الكفر.

### || [34.21]

# { وما كان له عليهم من سلطن } أي تسلط واستيلاء
~~بالوسوسة والاستغواء. { إلا لنعلم من يؤمن بالأخرة
~~ممن هو منها فى شك } استثناء مفرغ من أعم العلل، و { من }
~~موصولة وجعلها استفهامية بعيد، والعلم المستقبل المعلل ليس هو العلم
~~الأزلي القائم بالذات المقدس بل تعلقه بالمعلوم في عالم الشهادة الذي
~~يترتب عليه الجزاء بالثواب والعقاب وهو مضمن معنى التميز لمكان (من) أي
~~ما كان له عليهم تسلط لأمر من الأمور إلا لتعلق علمنا بمن يؤمن بالآخرة
~~متميزا ممن هو منها في شك تعلقا حاليا يترتب عليه / الجزاء وإلى هذا
~~يشير كلام كثير من أئمة التفسير، وقيل: المعنى لنجعل المؤمن متميزا من
~~غيره في الخارج فيتميز عند الناس، وقيل: المراد من وقوع العلم في
~~المستقبل وقوع المعلوم لأنه لازمه فكأنه قيل ما كان ذلك لأمر من الأمور
~~إلا ليؤمن من قدر إيمانه ويضل من قدر ضلاله، وعدل عنه إلى ما في النظم
~~الجليل للمبالغة لما فيه من جعل المعلوم عين العلم، وقيل المراد بالعلم
~~الجزاء فكأنه قيل على الإيمان وضده، وقيل: العلم ms08672 على ظاهره إلا أن
~~المستقبل بمعنى الماضي وعلم الله تعالى الأزلي بأهل الشك يستدعي تسلط
~~الشيطان عليهم. وقيل: المراد لنعامل معاملة من كأنه لا يعلم ذلك وإنما
~~يعمل ليعلم، وقيل: المراد ليعلم أولياؤنا وحزبنا ذلك، ولا يخفى عليك ما
~~في بعض هذه الأقوال، وكان الظاهر إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن لا يؤمن
~~بها وعدل عنه إلى ما في النظم الجليل لنكتة وهي أنه قوبل الإيمان بالشك
~~ليؤذن بأن أدنى مراتب الكفر مهلكة، وأورد المضارع في الجملة الأولى إشارة
~~إلى أن المعتبر في الإيمان الخاتمة ولأنه يحصل بنظر تدريجي متجدد، وأتى
~~بالثانية اسمية إشارة إلى أن المعتبر الدوام والثبات على الشك إلى الموت،
~~ونون شكا للتقليل، وأتى بفي إشارة إلى أن قليله كأنه محيط بصاحبه، وعداه
~~بمن دون في وقدمه لأنه إنما يضر الشك الناشىء منها وأنه يكفي شك ما فيما
~~يتعلق بها.

# وقرأ الزهري { ليعلم } بضم الياء وفتح اللام مبنيا للمفعول.

# { وربك على كل شىء حفيظ } أي وكيل قائم على أحواله
~~وشؤونه، وهو إما مبالغة في حافظ وإما بمعنى محافظ كجليس ومجالس وخليط
~~ومخالط ورضيع ومراضع إلى غير ذلك.

### || [34.22]

# { قل } يا محمد للمشركين الذين ضرب لهم المثل بقصة سبأ المعروفة عندهم
~~بالنقل في أخبارهم وأشعارهم تنبيها على بطلان ما هم عليه وتبكيتا لهم {
~~ادعوا الذين زعمتم } أي زعمتموهم آلهة، كذا قدره الجمهور على
~~أن الضمير مفعول أول وآلهة مفعول ثان وحذف الأول تخفيفا لأن الصلة
~~والموصول بمنزلة اسم واحد فهناك طول يطلب تخفيفه والثاني لأن صفته أعني
~~قوله تعالى: { من دون الله } سدت مسده فلا يلزم إجحاف بحذفهما
~~معا، ولا يجوز أن يكون { من دون الله } هو المفعول الثاني إذ لا
~~يتم به مع الضمير الكلم ولا يلتئم النظام فأي معنى معتبر لهم من دون الله
~~على أن في جواز حذف أحد مفعولي هذا الباب اختصارا خلافا ومن أجازه قال
~~هو قليل في كلامهم، وكذا لا يجوز أن يكون لا يملكون لأن ما زعموه ليس
~~كونهم غير مالكين ms08673 بل خلافه، وليس ذلك أيضا بزعم بالمعنى الشائع لو سلم
~~أنه صدر منهم بل حق، وقال ابن هشام: الأولى أن يقدر زعمتم أنهم آلهة لأن
~~الغالب على  زعم  أن لا يقع على المفعولين الصريحين بل على ما يسد
~~مسدهما من أن وصلتهما ولم يقع في التنزيل إلا كذلك أي فالأنسب أن يوافق
~~المقدر المصرح به في التنزيل. ورجح تقدير الجمهور بأنه أبعد عن لزوم
~~الإجحاف. والأمر للتوبيخ والتعجيز أي ادعوهم فيما يهمكم من دفع ضر أو جلب
~~نفع لعلهم يستجيبون لكم إن صح دعواكم. روي أن ذلك نزل عند الجوع الذي
~~أصاب قريشا.

# وقوله تعالى: { لا يملكون مثقال ذرة } كلام مستأنف في
~~موقع الجواب ولم يمهلم ليجيبوا إشعارا بتعينه فإنه لا يقبل المكابرة،
~~وجوز تقدير ثم أجب عنهم قائلا لا يملكون الخ وهو متضمن بيان حال الآلهة
~~في الواقع / وأنهم إذا لم يملكوا مقدار ذرة أي من خير وشر ونفع وضر كيف
~~يكونون آلهة تعبد.

# { في السموت ولا فى الأرض } أي في أمر من الأمور، وذكر
~~السماوات والأرض للتعميم عرفا فيراد بهما جميع الموجودات، وهذا كما يقال
~~المهاجرون والأنصار ويراد جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم فلا يتوهم
~~أنهم يملكون في غيرهما، ويجوز أن يقال: إن ذكرهما لأن بعض آلهة المخاطبين
~~سماوية كالملائكة والكواكب وبعضها أرضية كالأصنام فالمراد نفي قدرة
~~السماوي منهم على أمر سماوي والأرضي على أمر أرضي ويعلم نفي قدرته على
~~غيره بالطريق الأولى أو لأن الأسباب القريبة للخير والشر سماوية وأرضية
~~فالمراد نفي قدرتهم بشيء من الأسباب القريبة فكيف بغيرها { وما لهم
~~} أي لآلهتهم { فيهما من شرك } أي شركة ما لا خلقا ولا ملكا ولا
~~تصرفا { وما له } أي لله عز وجل { منهم } أي من آلهتهم { من
~~ظهير } أي معين يعينه سبحانه في تدبير أمرهما.

### || [34.23]

# { ولا تنفع الشفعة عنده } أي لا توجد رأسا كما في قوله:

# على لا حب لا يهتدي بمناره

# لقوله تعالى:

# من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه

# [البقرة: 255] وإنما علق النفي بنفعها ms08674 دون وقوعها تصريحا بنفي ما هو
~~غرضهم من وقوعها. وقوله تعالى: { إلا لمن أذن له } استثناء
~~مفرغ من أعم الأحوال على ما اختاره الزمخشري، و { من } عبارة عن الشافع
~~واللام الداخلة عليه للاختصاص مثلها في الكرم لزيد ولام { له } صلة
~~(أذن)، والمراد نفي شفاعة آلهتهم لهم لكن ذكر ذلك على وجه عام ليكون
~~طريقا برهانيا أي لا تنفع الشفاعة في حال من الأحوال أو كائنة لمن كانت
~~إلا كائنة لشافع أذن له فيها من النبيين والملائكة ونحوهم من المستأهلين
~~لمقام الشفاعة، ومن البين أنهم لا يؤذن لهم في الشفاعة للكفار فقد قال
~~الله تعالى:

# لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال
~~صوابا

# [النبأ: 38] والشفاعة لهم بمعزل عن الصواب وعدم الإذن للأصنام أبين
~~وأبين فتبين حرمان هؤلاء الكفرة منها بالكلية أو { من } عبارة عن
~~المشفوع له واللام الداخلة عليه للتعليل ولام { له } صلة { أذن } أي
~~لا تنفع الشفاعة إلا كائنة لمشفوع أذن له أي لشفيعه على الإضمار لأن
~~المشفوع لم يصدر عنه فعل حتى يؤذن له فيه أن يشفعه، واختار الزمخشري أن
~~لام { له } للتعليل أي إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله، ووجهه على ما
~~في «الكشف» حصول الإشارة إلى الشافع والمشفوع لأن المأذون لأجله المشفوع
~~والمأذون الشافع ولأن الغرض بيان محل النفع وهو المشفوع كان التصريح
~~بذكره أهم، ولا يخفى أن الوجه السابق ظاهر التكلف فيه الإضمار الذي لا
~~يقتضيه المقام، وحاصل المعنى على هذا لا تنفع الشفاعة من الشفعاء
~~المستأهلين لها إلا كائنة لمن وقع الإذن للشفيع لأجله وفي شأنه من
~~المستحقين للشفاعة وأما من عداهم من غير المستحقين لها فلا تنفعهم أصلا
~~وإن فرض وقوعها من الشفعاء إذ لم يؤذن لهم في شفاعتهم بل في شفاعة غيرهم،
~~ويثبت من هذا حرمان هؤلاء الكفرة من شفاعة الشفعاء المستأهلين للشفاعة
~~بعبارة النص وعن شفاعة الأصنام بدلالته إذ حين حرموها من جهة القادرين
~~عليها في الجملة فلأن يحرموها من جهة العجزة عنها بالكلية أولى، وذهب أبو
~~حيان إلى أن الاستثناء ms08675 من أعم الذوات أي لا تنفع الشفاعة لأحد إلا لمن
~~الخ، واستظهر احتمال أن تكون (من) عبارة عن المشفوع له واللام نظرا إلى
~~الظاهر متعلقة بالشفاعة، وجوز أبو البقاء تعلقها بتنفع. وتعقبه بأنه لا
~~يتعدى إلا بنفسه وقال أبو حيان فيه: إن المفعول متأخر فدخول اللام قليل.

# وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي { أذن } مبنيا للمفعول فله قائم مقام
~~/ فاعله.

# { حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال
~~ربكم قالوا الحق } صيغة التفعيل للسلب كما في قردت البعير
~~إذا أزلت قراده ومنه التمريض فالتفزيع إزالة الفزع، وهو على ما قال
~~الراغب انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف، و { حتى }
~~للغاية واختلفوا في المغيا إذ لم يكن قبلها ما يصلح أن يكون مغيا بحسب
~~الظاهر، واختلفوا لذلك في المراد بالآية اختلافا كثيرا، فقيل: هو ما
~~يفهم من حديث الشفاعة ويشير إليه، وذلك أن قوله تعالى: { ولا تنفع
~~الشفعة عنده إلا لمن أذن له } يؤذن بشفعاء ومشفوع
~~لهم وأن هناك استئذانا في الشفاعة ضرورة أن وقوع الإذن يستدعي سابقية
~~ذلك وهو مستدع للترقب والانتظار للجواب وحيث أنه كلام صادر عن مقام
~~العظمة والكبرياء كيف وقد تقدمه ما تقدمه يدل على كون الكل في ذلك الموقف
~~خلف سرادق العظمة ملقى عليهم رداء الهيبة، وما بعد حرف الغاية أيضا شديد
~~الدلالة على ذلك فكأنه قيل: تقف الشفعاء والمشفوع لهم في ذلك الموقف الذي
~~يتشبث فيه المستشفعون بأذيال الرجاء من المستشفع بهم ويقوم فيه المستشفع
~~به على قدم الالتجاء إلى الله جل جلاله فيطرق باب الشفاعة بالاستئذان
~~فيها ويبقون جميعا منتظرين وجلين فزعين لا يدرون ما يوقع لهم الملك
~~الأعظم جل وعلا على رقعة سؤالهم وماذا يصح لهم بعد عرض حالهم حتى إذا
~~أزيل الفزع عن قلوب الشفعاء والمشفوع لهم بظهور تباشير حسن التوقيع وسطوع
~~أنوار الإجابة والارتضاء من آفاق رحمة الملك الرفيع قالوا أي قال بعضهم
~~لبعض، والظاهر أن البعض القائل المشفوع لهم وإن شئت فأعد الضمير إليهم من
~~أول الأمر إذ هم الأشد ms08676 احتياجا إلى الإذن والأعظم اهتماما بأمره ماذا
~~قال ربكم في شأن الإذن بالشفاعة قالوا: أي الشفعاء فإنهم المباشرون
~~للاستئذان بالذات المتوسطون لأولئك السائلين بالشفاعة عنده عز وجل قال
~~ربنا القول الحق أي الواقع بحسب ما تقتضيه الحكمة وهو الإذن بالشفاعة لمن
~~ارتضى.

# والظاهر أن قوله تعالى: { وهو العلى الكبير } من تتمة كلام
~~الشفعاء قالوه اعترافا بعظمة جناب العزة جل جلاله وقصور شأن كل من سواه
~~أي هو جل شأنه المتفرد بالعلو والكبرياء لا يشاركه في ذلك أحد من خلقه
~~وليس لكل منهم كائنا من كان أن يتكلم إلا من بعد إذنه جل وعلا، وفيه من
~~تواضعهم بعد ترفيع قدرهم بالإذن لهم بالشفاعة ما فيه، وفيه أيضا نوع من
~~الحمد كما لا يخفى وهذه الجملة المغياة بما ذكر لا يبعد أن تكون جوابا
~~لسؤال مقدر كأنه قيل: كيف يكون الإذن في ذلك الموقف للمستأذنين وكيف
~~الحال فيه للشافعين والمستشفعين؟ فقيل: يقفون منتظرين وجلين فزعين حتى
~~إذا الخ.

# والآيات دالة على أن المشفوع لهم هم المؤمنون وأما الكفرة فهم عن موقف
~~الاستشفاع بمعزل وعن التفزيع عن قلوبهم بألف ألف منزل، وجعل بعضهم على
~~هذا الوجه من كون المغيا ما ذكر ضمير { قلوبهم } للملائكة وخص
~~الشفعاء بهم وضمير { قالوا } الأول لهم أيضا وضمير { قالوا }
~~الثاني: للملائكة الذين فوقهم وهم الذين يبلغون ذلك إليهم وقال: إن فزعهم
~~إما لما يقرن به الإذن من الأمر الهائل أو لغشية تصيبهم عند سماع كلام
~~الله جل شأنه أو من ملاحظة وقوع التقصير في تعيين المشفوع لهم بناء على
~~ورود الإذن بالشفاعة إجمالا وهو كما ترى.

# وقال الزجاج: تفسير هذا أن جبريل عليه السلام لما نزل إلى النبي صلى
~~الله عليه وسلم بالوحي ظنت الملائكة عليهم السلام أنه نزل بشيء من أمر
~~الساعة ففزعت لذلك فلما انكشف عنها الفزع قالوا: ماذا قال ربكم؟ سألت لأي
~~شيء / نزل جبريل عليه السلام قالوا: الحق اه. روي ذلك عن قتادة ومقاتل
~~وابن السائب بيد أنهم قالوا: إن الملائكة صعقوا لذلك فجعل ms08677 جبريل عليه
~~السلام يمر بكل سماء ويكشف عنهم الفزع ويخبرهم أنه الوحي.

# ولم يبين الزجاج وجه اتصال الآية بما قبلها ولا بحث عن الغاية بشيء وقد
~~ذكر نحو ذلك الإمام الرازي ثم قال في ذلك: إن { حتى } غاية متعلقة
~~بقوله تعالى: { قل } لأنه تبينه بالوحي فلما قال سبحانه: { قل } فزع
~~من في السماوات وهو لعمري من العجب العجاب. وقال الفاضل الطيبي بعد نقله
~~ذلك التفسير: وعليه أكثر كلام المفسرين ويعضده ما روينا عن البخاري
~~والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة أجنحتها خضعانا
~~لقوله تعالى كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال
~~ربكم؟ قالوا الذي قال الحق وهو العلي الكبير "

# وعن أبي داود عن ابن مسعود قال:

# " إذا تكلم الله تعالى بالوحي سمع أهل السماء [للسماء] صلصلة كجر
~~السلسلة على الصفا فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل فإذا أتاهم
~~جبريل عليه السلام فزع عن قلوبهم فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربكم؟
~~فيقول: الحق [فيقولن الحق] الحق "

# ثم ذكر في أمر الغاية واتصال الآية بما قبلها على ذلك أنه يستخرج معنى
~~المغيا من المفهوم وذلك إن المشركين لما ادعوا شفاعة الآلهة والملائكة
~~وأجيبوا بقوله تعالى:

# قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله

# [سبأ: 22] من الأصنام والملائكة وسميتموهم باسمه تعالى والتجؤا إليهم
~~فإنهم لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا تنفع الشفاعة من
~~هؤلاء إلا للملائكة لكن مع الإذن والفزع العظيم وهم لا يشفعون إلا
~~للمرضيين فعبر عن الملائكة عليهم السلام بقوله تعالى: { إلا لمن
~~أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال
~~ربكم } الآية كناية كأنه قيل: لا تنفع الشفاعة إلا لمن هذا شأنه
~~ودأبه وأنه لا يثبت عند صدمة من صدمات هذا الكتاب المبين وعند سماع كلام
~~الحق يعني الذين إذا نزل عليهم الوحي يفزعون ويصعقون حتى إذا أتاهم جبريل
~~عليه السلام فزع عن ms08678 قلوبهم فيقولون: ماذا قال ربكم؟ فيقول: الحق انتهى،
~~ولا يخفى على من له أدنى تمييز حاله وأنه مما لا ينبغي أن يعول عليه.

# وقول ابن عطية -: إن تأويل الآية بالملائكة إذا سمعت الوحي إلى جبريل أو
~~الأمر بأمر الله تعالى به فتسمع كجر سلسلة الحديد على الحديد فتفزع
~~تعظيما وهيبة، وقيل خوف قيام الساعة هو الصحيح وهو الذي تظاهرت به
~~الأحاديث - ناشىء من حرمان عطية سلامة الذوق وتدقيق النظر، والتفسير الذي
~~ذكرناه أولا بمراحل في الحسن عما ذكر عن أكثر المفسرين، وما سمعت من
~~الرواية لا ينافيه إذ لا دلالة فيه على أنه عليه الصلاة والسلام ذكر ذلك
~~في معرض تفسير الآية ولا تنافي بين التفزيعين وكأن الأكثر من المفسرين
~~نظروا إلى ظاهر طباق اللفظ مع الحديث فنزلوا الآية على ذلك فوقعوا فيما
~~وقعوا فيه وإن كثروا وجلوا، والقائل بما سبق نظر إلى طباق المقام وحقق
~~عدم المنافاة وظهر له حال ما قالوه فعدل عنه.

# وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك أنه قال في الآية: زعم ابن
~~مسعود أن الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض يكتبون أعمالهم
~~إذا أرسلهم الرب تبارك وتعالى فانحدروا سمع لهم صوت شديد فيحسب الذين
~~أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة فيخرون سجدا وهذا كلما مروا
~~عليهم فيفعلون من خوف ربهم تبارك وتعالى، وابن مسعود عندي أجل من أن يحمل
~~الآية على هذا فالظاهر أنه لا يصح عنه. / ومثل هذا ما زعمه بعضهم أن ذاك
~~فزع ملائكة أدنى السماوات عند نزول المدبرات إلى الأرض.

# وقيل إن { حتى } غاية متعلقة بقوله تعالى:

# زعمتم

# [سبأ: 22] أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع ثم تركتم ما زعمتم قال الحق
~~وإليه يشير ما أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أنه قال في الآية: حتى
~~إذا فزع الشيطان عن قلوبهم ففارقهم وأمانيهم وما كان يضلهم به قالوا ماذا
~~قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ثم قال: وهذا في بني آدم أي كفارهم
~~عند الموت ms08679 أقروا حين لا ينفعهم الإقرار، والظاهر أن في الكلام عليه
~~التفاتا من الخطاب في { زعمتم } إلى الغيبة في { قلوبهم }
~~وأن ضمير { قالوا } الأول للملائكة الموكلين بقبض أرواحهم والمراد
~~بالتفزيع عن القلوب كشف الغطاء وموانع إدراك الحق عنها.

# وما نقل عن الحسن من أنه قال: إنما يقال للمشركين ماذا قال ربكم أي على
~~لسان الأنبياء عليهم السلام فأقروا حين لا ينفع يحتمل أن يكون كالقول
~~المذكور في أن ذلك عند الموت ويحتمل أن يكون قولا بأن ذلك يوم القيامة
~~إلا أن في جعل (حتى) غاية للزعم عليه غير ظاهر إذ لا يستصحبهم ذلك إلى
~~يوم القيامة حقيقة كما لا يخفى، وأبعد من هذا القول كون ذلك غاية لقوله
~~تعالى:

# ممن هو منها فى شك

# [سبأ: 21] وضمير (قلوبهم) لمن باعتبار معناه، والتفزيع كشف الغطاء
~~ومواقع إدراك الحق بل هو مما لا ينبغي حمل كلام الله تعالى عليه. وزعم
~~بعضهم أن المعنى إذا دعاهم إسرافيل عليه السلام من قبورهم قالوا مجيبين
~~ماذا قال ربكم حكاه في «البحر» ثم قال: والتفزيع من الفزع الذي هو الدعاء
~~والاستصراخ كما قال زهير:

# إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم

# طوال الرماح لا ضعاف ولا عزل

# وأنت تعلم أن التفزيع بالمعنى المذكور لا يتعدى بعن وأمر الغاية عليه
~~ظاهر، وبالجملة ذلك الزعم ليس بشيء.

# واختار أبو حيان أن المغيا الاتباع في قوله تعالى:

# ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا
~~فريقا من المؤمنين

# [سبأ: 20] وضمير (قلوبهم) عائد إلى ما عاد إليه ضمير الرفع في {
~~اتبعوه } أعني الكفار وكذا ضمير { قالو } الثاني وضمير { قالوا }
~~الأول للملائكة وكذا ضمير { ربكم } وجملة قوله تعالى:

# قل ادعوا الذين

# [سبأ: 22] الخ اعتراضية بين الغاية والمغيا والتفزيع حال مفارقة الحياة
~~أو يوم القيامة وبجعل اتباعهم إبليس مستصحبا لهم إلى ذلك اليوم مجازا،
~~ولا يخفى بعده، والوجه عندى ما ذكر أولا، و { ماذا } تحتمل أن تكون
~~منصوبة بقال أي أي شيء قال ربكم؟، وتحتمل أن تكون في موضع رفع على أن ما
~~اسم استفهام مبتدأ وذا ms08680 اسم موصول خبره وجملة (قال) صلة الموصول والعائد
~~محذوف أي ما الذي قاله ربكم.

# وقرأ ابن عباس وابن مسعود وطلحة وأبو المتوكل الناجي وابن السميقع وابن
~~عامر ويعقوب { فزع } بالتشديد والبناء للفاعل والفاعل ضمير الله تعالى
~~المستتر أي أزال الله تعالى الفزع عن قلوبهم. وقال أبو حيان: هو ضميره
~~تعالى إن كان ضمير (قلوبهم) للملائكة وإن كان للكفار فهو ضمير مغريهم.
~~وقرأ الحسن { فزع } بالتخفيف والبناء للمفعول فعن قلوبهم نائب الفاعل
~~كما في قراءة الجمهور، وقرأ هو وأبو المتوكل أيضا وقتادة ومجاهد { فرغ }
~~بالفاء والراء المهملة والغين المعجمة مشددا مبنيا للفاعل بمعنى أزال،
~~وقرأ الحسن أيضا كذلك إلا أنه خفف الراء، وقرأ عبد الله بن عمر رضي الله
~~تعالى عنهما والحسن أيضا وأيوب السختياني وقتادة أيضا وأبو مجلز { فرغ
~~} كذلك إلا أنهم بنوه للمفعول، وقرأ بن مسعود في رواية وعيسى { افرنقع }
~~قيل بمعنى تفرق. وقال الزمخشري ((بمعنى انكشف، والكلمة مركبة من حروف
~~المفارقة مع زيادة العين كما ركب اقمطر من حروف القمط مع زيادة الراء))
~~وفيه إيهام أن العين والراء من حروف الزيادة وليس كذلك، وقرأ ابن أبي
~~عبلة { الحق } / بالرفع أي مقولة الحق.

### || [34.24]

# { قل من يرزقكم من السموت والأرض } أمر صلى الله
~~عليه وسلم أن يقول ذلك تبكيتا للمشركين بحملهم على الإقرار بأن آلهتهم
~~لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وإن الرزاق هو الله عز وجل
~~فإنهم لا ينكرونه وحيث كانوا يتلعثمون أحيانا في الجواب مخافة الإلزام
~~قيل له عليه الصلاة والسلام { قل الله } إذ لا جواب سواه عندهم
~~أيضا { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلل
~~مبين } أي وإن أحد الفريقين منا معشر الموحدين المتوحد بالرزق
~~والقدرة الذاتية العابدية وحده عز وجل ومنكم فرقة المشركين به العاجزين
~~في أنفسهم عن دفع أدنى ضر وجلب أحقر نفع وفيهم النازل إلى أسفل المراتب
~~الإمكانية المتصفون بأحد الأمرين من الاستقرار على الهدى والانغماس في
~~الضلال، وهذا من الكلام المنصف الذي كل من سمعه من ماول أو ms08681 مناف قال لمن
~~خوطب به: قد انصفك صاحبك، وفي درجة بعد تقدمه ما قدم من التقرير البليغ
~~دلالة ظاهرة على من هو من الفريقين على هدى ومن هو في ضلال ولكن التعريض
~~أبلغ من التصريح وأنضل بالمجادل إلى الغرض وأهجم به على الغلبة مع قلة
~~شغب الخصم وفل شوكته بالهوينا، ونحوه قول الرجل لصاحبه قد علم الله تعالى
~~الصادق مني ومنك وإن أحدنا لكاذب، ومنه قول حسان يخاطب أبا سفيان بن حرب
~~وكان قد هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم:

# أتهجوه ولست له بكفىء

# فشركما لخيركما الفداء

# وقول أبي الأسود:

# يقول الأرذلون بنو قشير

# طوال الدهر لا تنسى عليا

# بنو عم النبي وأقربوه

# أحب الناس كلهم إليا

# فإن يك حبهم خيرا أصبه

# ولست بمخطىء إن كان غيا

# وذهب أبو عبيدة إلى أن (أو) بمعنى الواو كما في قوله:

# سيان كسر رغيفه

# أو كسر عظم من عظامه

# والكلام من باب اللف والنشر المرتب بأن يكون { على هدى } راجعا
~~لقوله تعالى: { إنا } و { فى ضلل } راجعا لقوله سبحانه {
~~إياكم } فإن العقل يحكم بذلك كما في قول أمرى القيس:

# كأن قلوب الطير رطبا ويابسا

# لدي وكرها للعناب والحشف البالي

# ولا يخفى بعده، وأيا ما كان فليس هذا من باب التقية في شيء كما يزعمه
~~بعض الجهلة، والظاهر أن { لعلى هدى } الخ خبر { إنا أو
~~إياكم } من غير تقدير حذف إذ المعنى إن أحدنا لمتصف بأحد الأمرين
~~كقولك زيد أو عمرو في السوق أو في البيت، وقيل: هو خبر { إنا } وخبر {
~~إياكم } محذوف تقديره لعلى هدى أو في ضلال مبين، وقيل: هو خبر {
~~إياكم } وخبر { إنا } محذوف لدلالة ما ذكر عليه، و { إياكم
~~} على تقدير إن ولكنها لما حذفت انفصل الضمير.

# وفي «البحر» لا حاجة إلى تقدير الحذف في مثل هذا وإنما يحتاج إليه في
~~نحو زيد أو عمرو قائم فتدبر.

# والمتبادر أن { مبين } صفة { ضلل } ويجوز أن يكون وصفا له
~~ولهدى والوصف وكذا الضمير يلزم إفراده بعد المعطوف بأو، ms08682 وأدخل { على }
~~على الهدى للدلالة على استعلاء صاحبه وتمكنه واطلاعه على ما يريد كالواقف
~~على مكان عال أو الراكب على جواد يركضه حيث شاء، و { فى } على الضلال
~~للدلالة على انغماس صاحبه في ظلام حتى كأنه في مهواة مظلمة لا يدري / أين
~~يتوجه ففي الكلام استعارة مكنية أو تبعية. وفي قراءة أبي { وإنا أو
~~إياكم إما على هدى أو في ضلال مبين }.

### || [34.25]

# هذا أبلغ في الإنصاف حيث عبر عن الهفوات التي لا يخلو عنها مؤمن بما
~~يعبر به عن العظائم وأسند إلى النفس وعن العظائم من الكفر ونحوه بما يعبر
~~به عن الهفوات وأسند للمخاطبين وزيادة على ذلك أنه ذكر الإجرام المنسوب
~~إلى النفس بصيغة الماضي الدالة على التحقق وعن العمل المنسوب إلى الخصم
~~بصيغة المضارع التي لا تدل على ذلك، وذكر أن في الآية تعريضا وأنه لا
~~يضر بما ذكر، وزعم بعضهم أنها من باب المتاركة وأنها منسوخة بآية السيف.

### || [34.26]

# { قل يجمع بيننا ربنا } يوم القيامة عند الحشر والحساب {
~~ثم يفتح بيننا بالحق } يقضي سبحانه بيننا ويفصل بعد ظهور
~~رحال كل منا ومنكم بالعدل بأن يدخل المحقين الجنة والمبطلين النار {
~~وهو الفتاح } القاضي في القضايا المنغلقة فكيف بالواضحة كإبطال
~~الشرك وإحقاق التوحيد أو القاضي في كل قضية خفية كانت أو واضحة؛
~~والمبالغة على الأول في الكيف وعلى الثاني في الكم، ولعل الوجه الأول
~~أولى، وفيه إشارة إلى وجه تسمية فصل الخصومات فتحا وأنه في الأصل لتشبيه
~~ما حكم فيه بأمر منغلق كما يشبه بأمر منعقد في قولهم: حلال المشكلات،
~~وقرأ عيسى { الفاتح }  { العليم } بما ينبغي أن يقضي به أو بكل شيء.

### || [34.27]

# { قل أرونى الذين ألحقتم به شركاء } استفسار عن
~~شبهتهم بعد إلزام الحجة عليهم زيادة في تبكيتهم، وأرى على ما استظهره أبو
~~حيان بمعنى أعلم فتتعدى إلى ثلاثة مفاعيل ياء المتكلم والموصول و { شركاء
~~} وعائد الموصول محذوف أي ألحقتموهم، والمراد أعلموني بالحجة والدليل كيف
~~وجه الشركة، وجوز كون رأى بصرية تعدت بالنقل لاثنين ياء المتكلم والموصول ms08683
~~و { شركاء } حال من ضمير الموصول المحذوف أي ألحقتموهم متوهما شركتهم
~~أو مفعول ثان لألحق لتضمينه معنى الجعل أو التسمية، والمراد أرونيهم
~~لأنظر بأي صفة ألحقتموهم بالله عز وجل الذي ليس كمثله شيء في استحقاق
~~العبادة أو ألحقتموهم به سبحانه جاعليهم أو مسميهم شركاء، والغرض إظهار
~~خطئهم العظيم. وقال بعض الأجلة: لم يرد من { أرونى } حقيقته لأنه صلى
~~الله عليه وسلم كان يراهم ويعلمهم فهو مجاز وتمثيل، والمعنى ما زعمتموه
~~شريكا إذا برز للعيون وهو خشب وحجر تمت فضيحتكم، وهذا كما تقول للرجل
~~الخسيس الأصل اذكر لي أباك الذي قايست به فلانا الشريف ولا تريد حقيقة
~~الذكر وإنما تريد تبكيته وأنه إن ذكر أباه افتضح.

# { كلا } ردع لهم عن زعم الشركة بعد ما كسره بالإبطال كما قال إبراهيم
~~عليه الصلاة والسلام

# أف لكم ولما تعبدون من دون الله

# [الأنبياء: 67] بعد ما حج قومه { بل هو الله العزيز } أي
~~الموصوف بالغلبة القاهرة المستدعية لوجوب الوجود { الحكيم } الموصوف
~~بالحكمة الباهرة المستدعية للعلم المحيط بالأشياء، وهؤلاء الملحقون عن
~~الاتصاف بذلك في معزل وعن الحوم حول ما يقتضيه بألف ألف منزل، والضمير
~~اما عائد لما في الذهن وما بعده وهو الله الواقع خبرا له يفسره و {
~~العزيز الحكيم } صفتان للاسم الجليل أو عائد لربنا في قوله سبحانه:

# يفتح بيننا بالحق

# [سبأ: 26] على ما قيل أو هو ضمير الشأن و { الله } مبتدأ و {
~~العزيز الحكيم } خبره والجملة خبر ضمير الشأن لأن خبره لا يكون إلا
~~جملة على الصحيح.

### || [34.28]

# { وما أرسلنك إلا كافة للناس } المتبادر أن {
~~كافة } حال من (الناس) قدم مع (إلا) عليه للاهتمام / كما قال ابن
~~عطية، وأصله من الكف بمعنى المنع وأريد به العموم لما فيه من المنع من
~~الخروج واشتهر في ذلك حتى قطع النظر فيه عن معنى المنع بالكلية فمعنى جاء
~~الناس كافة جاؤوا جميعا، ويشير إلى هذا الإعراب ما أخرج ابن أبي شيبة
~~وابن المنذر عن مجاهد أنه قال في الآية: أي إلى الناس جميعا، وما أخرج
~~ابن أبي ms08684 حاتم عن محمد بن كعب أنه قال: أي للناس كافة، وكذا ما أخرج عبد
~~بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال في الآية: أرسل الله
~~تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العرب والعجم فاكرمهم على الله
~~تعالى أطوعهم له، وما نقل عن ابن عباس أنه قال: أي إلى العرب والعجم
~~وسائر الأمم، وهو مبني على جواز تقديم الحال على صاحبها المجرور بالحرف
~~وهو الذي ذهب إليه خلافا لكثير من النحاة أبو علي وابن كيسان وابن برهان
~~والرضى وابن مالك حيث قال:

# وسبق حال ما بحرف جرقد

# أبوا ولا أمنعه فقد ورد

# وأبو حيان حيث قال بعد أن نقل الجواز عمن عدا الرضي من المذكورين: وهو
~~الصحيح ومن أمثلة أبي على زيد خير ما يكون خير منك، وقال الشاعر:

# إذا المرء أعيته المروءة ناشئا

# فمطلبها كهلا عليه شديد

# وقال آخر:

# تسليت طرا عنكم بعد بينكم

# بذكراكم حتى كأنكم عندي

# وقد جاء تقديم الحال على صاحبها المجرور وعلى ما يتعلق به، ومن ذلك
~~قوله:

# مشغوفة بك قد شغفت وإنما

# حتم الفراق فما إليك سبيل

# وقول آخر:

# غافلا تعرض المنية للمر

# ء فيدعى ولات حين إباء

# وإذا جاز تقديمها على المجرور والعامل فتقديمها عليه دون العامل أجوز
~~انتهى، وجعلوا هذا الوجه أحسن الأوجه في الآية وقالوا: إن ما عداه تكلف،
~~واعترض بأنه يلزم عليه عمل ما قبل (إلا) وهو  أرسل  فيما بعدها وهو {
~~للناس } وليس بمستثنى ولا مستثنى منه ولا تابعا له وقد منعوه، وأجيب
~~بأن التقدير وما أرسلناك للناس إلا كافة فهو مقدم رتبة ومثله كاف في صحة
~~العمل مع أنهم يتوسعون في الظرف ما لا يتوسعون في غيره.

# وقال الخفاجي عليه الرحمة: الأحسن أن يجعل { للناس } مستثنى على أن
~~الاستثناء فيه مفرغ وأصله ما أرسلناك لشيء من الأشياء إلا لتبليغ الناس
~~كافة، وأما تقديره بما أرسلناك للخالق مطلقا إلا للناس كافة على أنه
~~مستثنى فركيك جدا اه، ولا يخفى أن في الآية على ما استحسنه حذف ms08685 المضاف
~~والفصل بين أداة الاستثناء والمستثنى وتقديم الحال على صاحبها والكل خلاف
~~الأصل وقلما يجتمع مثل ذلك في الكلام الفصيح.

# واعترض عليه أيضا بأنه يلزم حينئذ جعل اللام في { للناس } بمعنى
~~إلى وليس بشيء لأن أرسل يتعدى باللام وإلى كما ذكره أبو حيان وغيره فلا
~~حاجة إلى جعلها بمعنى إلى على أنه لو جعلت بمعناها لا يلزم خطأ أصلا
~~لمجيء كل من اللام وإلى بمعنى الآخر، وكذا لا حاجة إلى جعلها تعليلية إلا
~~على ما استحسنه الخفاجي.

# وقال غيرو احد: إن { كافة } اسم فاعل من كف والتاء فيه للمبالغة
~~كتاء راوية ونحو وهو حال من مفعول { أرسلنك } و { للناس }
~~متعلق به وإليه ذهب أبو حيان أي ما أرسلناك إلا كافا ومانعا للناس عن
~~الكفر والمعاصي. وإلى الحالية من الكاف ذهب أبو علي أيضا إلا أنه قال:
~~المعنى إلا جامعا للناس في الإبلاغ. وتعقبه أبو حيان بان اللغة لا تساعد
~~على ذلك لأن كف ليس بمحفوظ أن معناه جمع، وفيه منع ظاهر لأنه يقال: كف
~~القميص / إذا جمع حاشيته وكف الجرح إذا ربطه بخرقة تحيط به وقد قال ابن
~~دريد: كل شيء جمعته فقد كففته مع أنه جوز أن يكون مجازا من المنع لأن ما
~~يجمع يمتنع تفرقه وانتشاره، وقيل إنه مصدر كالكاذبة والعاقبة والعافية
~~وهو أيضا حال من الكاف إما باق على مصدريته بلا تقدير شيء مبالغة وإما
~~بتأويل اسم الفاعل أو بتقدير مضاف أي إلا ذا كافة أي ذا كف أي منع للناس
~~من الكفر، وقيل ذا منع من أن يشذوا عن تبليغك.

# وذهب بعضهم إلى أنه مصدر وقع مفعولا له ولم يشترط في نصبه اتحاد الفاعل
~~كما ارتضاه الرضى، وذهب العلامة الزمخشري إلى أنه اسم فاعل من الكف صفة
~~لمصدر محذوف وتاؤه للتأنيث أي ما أرسلناك إلا إرسالة كافة أي عامة لهم
~~محيطة بهم لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم عن أن يخرج منها أحد منهم. واعترض
~~عليه بأن كافة لم ترد عن العرب إلا منصوبة على الحال مختصة ms08686 بالمتعدد من
~~العقلاء وأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه إنما يكون لما عهد وصفه بها
~~بحيث لا تصلح لغيره وأجيب بأن (كافة) ههنا غير ما التزم فيه الحالية وإن
~~رجعا إلى معنى واحد، وما قيل من أنه لم تستعمله العرب إلا كذلك ليس بشيء
~~وإقامة الصفة مقام موصوفها منقاس مطرد بدون شرط إذا قامت عليه قرينة،
~~وذكر الفعل قبله دال على تقدير مصدره كما في قمت طويلا وحسنا أي قياما
~~طويلا وحسنا. وفي «الحواشي الخفاجية» قد صح أن عمر رضي الله تعالى عنه
~~قال في كتابه لآل بني كاكلة: قد جعلت لآل بني كاكلة على كافة بيت
~~المسلمين لكل عام مائتي مثقال ذهبا إبريزا وقاله علي كرم الله تعالى
~~وجهه حين أمضاه فقد استعمل هذان الإمامان كافة في غير العقلاء وغير منصوب
~~على الحالية.

# ولا يخفى أن بعض ما اعترض به على هذا الوجه يعترض به على بعض الأوجه
~~السابقة أيضا، والجواب هو الجواب.

# والذي اختاره في الآية ماهو المتبادر، ولا بأس بالتقدم والاستعمال وارد
~~عليه ولا قياس يمنعه، وأمر تخطي العامل إلا إلى ما ليس مستثنى ولا مستثنى
~~منه سهل لحديث التوسع في الظرف، والآية عليه أظهر في الاستدلال على عموم
~~رسالته صلى الله عليه وسلم وهو في ذلك كقوله تعالى:

# قل يأيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا

# [الأعراف: 158] ولو استدل بها القاضي أبو سعيد لبهت اليهودي، وقد يستدل
~~عليه بما لا يكاد ينكره من فعله صلى الله عليه وسلم مع اليهود في عصره
~~ودعوته عليه الصلاة والسلام إياهم إلى الإسلام.

# { بشيرا } لمن أسلم بالثواب { ونذيرا } لمن لم يسلم بالعقاب،
~~والوصفان حالان من مفعول { أرسلنك } وقد يجعلان على بعض الأوجه
~~السابقة بدلا من { كافة } نحو بدل المفصل من المجمل فتأمل. {
~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ذلك فيحملهم جهلهم على
~~الإصرار على ما هم عليه من الغي والضلال

### || [34.29]

# { ويقولون } أي لجهلهم حقيقة أو حكما ولذا لم يعطف بالفاء وقيل
~~يقولون أي من فرط تعنتهم وعدم العطف بالفاء لذلك. ms08687 وقيل الحامل فرط الجهل
~~وعدم العطف بالفاء لظهور تفرعه على ما قبله ومثله يوكل إلى ذهن السامع،
~~وقيل إن ذاك لأن فرط الجهل غير الجهل وهو كما ترى، وقيل لأن هذا حال بعض
~~وعدم العلم في قوله تعالى:

# لا يعلمون

# [سبأ: 28] حال بعض آخر، والذي يظهر لي أن القائلين بالفعل هم بعض
~~المشركين المعاصرين له صلى الله عليه وسلم لا أكثر الناس مطلقا وأن
~~المراد بصيغة المضارع الاستمرار التجددي، وقيل عبر بها استحضارا للصورة
~~الماضية لنوع غرابة والأصل وقالوا.

# { متى هذا الوعد } بطريق الاستهزاء يعنون المبشر به والمنذر
~~عنه أو الموعود بقوله تعالى:

# يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا

# [سبأ: 26] { إن كنتم صدقين } مخاطبين رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم والمؤمنين به.

### || [34.30]

# { قل لكم ميعاد يوم } أو وعد يوم على أن { ميعاد } مصدر
~~ميمي، أو اسم أقيم مقام المصدر على ما نقل عن أبي عبيدة وهو بمعنى
~~الموعود، وقيل: الكلام على تقدير مضاف أي لكم وقوع وعد يوم أو نجز وعد
~~يوم، وتنوين (يوم) للتعظيم أي يوم عظيم، وجوز أن يكون الميعاد اسم زمان
~~وإضافته إلى (يوم) للتبيين أي لبيان زمان الوعد بأنه يوم مخصوص نحو سحق
~~ثوب وبعير سانية، وأيد الوجه الأول بوقوع الكلام جوابا لقولهم

# متى هذا الوعد

# [سبأ: 29] والوجه الثاني أنه قرىء { ميعاد يوم } برفعهما
~~وتنوينهما فإن يوم على هذه القراءة بدل وذلك يقتضي أن الميعاد نفس اليوم،
~~وكونه بدل اشتمال بعيد، وكذا ما قال أبو حيان من أنه على تقدير محذوف أي
~~قل لكم ميعاد ميعاد يوم فلما حذف المضاف أعرب ما قام مقامه بإعرابه.

# وقرأ ابن أبي عبلة { ميعاد } بالرفع والتنوين { يوما } بالنصب
~~والتنوين قال الزمخشري: وهو على التعظيم بإضمار فعل تقديره لكم ميعاد
~~أعني يوما من صفته كيت وكيت، ويجوز الرفع على هذا أيضا، وجوز أن يكون
~~على الظرفية لميعاد على أنه مصدر بمعنى الموعود لا اسم زمان، وقال في
~~«البحر»: يجوز أن يكون انتصابه على الظرف والعامل فيه مضاف محذوف أي
~~إنجاز ms08688 وعد يوما من صفته كيت وكيت. وقرأ عيسى { ميعاد } منونا { يوم }
~~بالنصب من غير تنوين مضافا إلى الجملة ووجه النصب ما مر آنفا.

# { لا تستئخرون عنه ساعة } إذا فاجأكم { ولا
~~تستقدمون } أي عنه ساعة، والهاء على ما قال أبو البقاء يجوز أن
~~تعود على { ميعاد } وإن تعود على { يوم } وعلى أيهما عادت كانت
~~الجملة وصفا له. وفي «الإرشاد» هي صفة لازمة لميعاد، وفي الجواب على
~~تقدير تقييد النفي بالمفاجأة من المبالغة في التهديد ما لا يخفى، ويجوز
~~أن يكون النفي غير مقيد بذلك فيكون وصف الميعاد بما ذكر لتحقيق وتقريره،
~~وقد تقدم الكلام في نظير هذه الجلمة فتذكر.

# ولما كان سؤالهم عن الوقت على سبيل التعنت أجيبوا بالتهديد، وحاصله أنه
~~لوحظ في الجواب المقصود من سؤالهم لا ما يعطيه ظاهر اللفظ وليس هذا من
~~الأسلوب الحكيم فإن البليغ يلتفت لفت المعنى، وقال الطيبي: هو منه سألوا
~~عن وقت إرساء الساعة وأجيبوا عن أحوالهم فيها فكأنه قيل: دعوا السؤال عن
~~وقت إرسائها فإن كينونته لا بد منه بل سلوا عن أحوال أنفسكم حيث تكونون
~~مبهوتين متحيرين فيها من هول ما تشهدون فهذا أليق بحالكم من أن تسألوا
~~عنه وهو كما ترى، وقيل: إنه متضمن الجواب بأن ذلك اليوم لا يعلمه إلا
~~الله عز وجل لمكان تنكير { يوم } وهو تعسف لا حاجة إليه. واختلف في
~~هذا اليوم فقيل يوم القيامة وعليه كلام الطيبي، وقيل: يوم مجيء أجلهم
~~وحضور منيتهم، وقيل: يوم بدر.

### || [34.31]

# { وقال الذين كفروا } وهم مشركو العرب { لن نؤمن
~~بهذا القرءان ولا بالذى بين يديه } أي من الكتب
~~القديمة كما روي عن قتادة والسدي وابن جريج، ومرادهم نفي الإيمان بجميع
~~ما يدل على البعث من الكتب السماوية المتضمنة لذلك؛ ويروى أن كفار مكة
~~سألوا أهل الكتاب عن الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبروهم أنهم يجدون صفته
~~عليه الصلاة والسلام في كتبهم فأغضبهم ذلك فقالوا ما قالوا، وضعف بأنه
~~ليس في السياق والسباق ما يدل عليه، وقيل الذي بين يديه القيامة. ms08689 وخطأ
~~ابن عطية قائله بأن ما بين اليد في اللغة المتقدم. وتعقب بأنه قد يراد به
~~ما مضى وقد يراد به ما سيأتي. نعم يضعف ذلك أن ما بين يدي الشيء يكون من
~~جنسه لكن محصل كلامهم على هذا أنهم لم يؤمنوا بالقرآن / ولا بما دل عليه،
~~وأما ادعاء أن الأكثر كونه لما مضى فقد قيل أيضا إنه غير مسلم، وحكى
~~الطبرسي أن المراد بالذين كفروا اليهود وحينئذ يراد بما بين يديه
~~الإنجيل، ولا يخفى أن هذا القول مما لا ينبغي أن يلتفت إليه وليس في
~~السباق والسياق ما يدل عليه.

# { ولو ترى إذ الظلمون موقوفون عند ربهم }
~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل واقف عليه، ومفعول { ترى } إذ
~~أو محذوف و { إذ } ظرف له أي أي حال الظالمين و { لو } للتمني
~~مصروفا إلى غيره تعالى لا جواب لها أو هو مقدر أي لرأيت أمرا فظيعا أو
~~نحوه، و { الظلمون } ظاهر وضع موضع الضمير للتسجيل وبيان علة
~~استحقاقهم، والأصل ولو ترى إذ هم موقوفون عند ربهم أي في موقف المحاسبة {
~~يرجع بعضهم إلى بعض القول } أي يتحاورون ويتراجعون
~~القول، والجملة في موضع الحال.

# وقوله تعالى: { يقول الذين استضعفوا } استئناف لبيان تلك
~~المحاورة أو بدل من { يرجع } الخ أي يقول الأتباع { للذين
~~استكبروا } في الدنيا واستتبعوهم في الغي والضلال { لولا
~~أنتم } صددتمونا عن الهدى { لكنا مؤمنين } بما جاء به الرسول
~~صلى الله عليه وسلم.

### || [34.32]

# { قال الذين استكبروا للذين استضعفوا } استئناف
~~بياني كأنه قيل: فماذا قال الذين استكبروا لما اعترض عليهم الأتباع
~~ووبخوهم؟ فقيل قالوا: { أنحن صددنكم عن الهدى بعد
~~إذ جاءكم بل كنتم مجرمين } أنكروا أن يكونوا هم الذين
~~صدوهم عن الإيمان وأثبتوا أنهم هم الذين صدوا أنفسهم أي لسنا نحن الذين
~~حلنا بينكم وبين الإيمان بعد إذ صممتم على الدخول فيه بل أنتم منعتم
~~أنفسكم حظها بإجرامكم وأيثاركم الكفر على الإيمان. ووقوع (إذ) مضافا
~~إليها الظرف شائع في كلامهم كوقوعها مضافة وذلك من باب الاتساع في الظروف ms08690
~~لا سيما الزمانية، وبهذا يجاب عما قيل إن (إذ) من الظروف اللازمة للظرفية
~~فكيف وقعت ههنا مجرورة مضافا إليها. وقال صاحب «الفرائد» إن (إذ) ههنا
~~جردت عن معنى الظرفية وانسلخت عنه رأسا وصيرت اسما صرفا لأن المراد من
~~وقت مجيء الهدى هو الهدى لا الوقت نفسه فلذا أضيف إليها.

### || [34.33]

# { وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا }
~~إضرابا عن إضرابهم وإبطالا له { بل مكر اليل والنهار }
~~أي بل صدنا مكركم بنا في الليل والنهار فحذف المضاف إليه وأقيم مقامه
~~الظرف اتساعا أو جعل الليل والنهار ماكرين على الإسناد المجازي، وقيل لا
~~حاجة إلى ذلك فإن الإضافة على معنى في. وتعقب بأنها مع أن المحققين لم
~~يقولوا بها يفوت باعتبارها المبالغة، ويعلم مما أشرنا إليه أن { مكر }
~~فاعل لفعل محذوف، وجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف أي
~~سبب كفرنا مكر الليل والنهار أو مكر الليل والنهار سبب كفرنا.

# وقرأ قتادة ويحيى بن يعمر { بل مكر الليل والنهار } بالتنوين ونصب
~~الظرفين، أي بل صدنا مكركم أو مكر عظيم في الليل والنهار. وقرأ محمد بن
~~جعفر وسعيد بن جبير وأبو رزين وابن يعمر أيضا { مكر الليل والنهار }
~~بفتح الميم والكاف وتشديد الراء والرفع مع الإضافة أي بل صدنا كرور الليل
~~والنهار واختلافهما، وأرادوا على ما قيل الإحالة على طول الأمل والاغترار
~~بالأيام مع هؤلاء الرؤساء بالكفر بالله عز وجل. وقرأ ابن جبير أيضا
~~وراشد القاري وطلحة كذلك إلا أنهم نصبوا { مكر } على الظرف أي بل
~~صددتمونا مكر الليل والنهار أي في مكرهما أي دائما، وجوز أن يكون
~~مفعولا مطلقا أي تكرون الإغراء مكرا دائما لا تفترون عنه، وجوز صاحب
~~«اللوامح» كونه ظرفا لتأمروننا بعد. وتعقبه أبو حيان بأنه وهم لأن ما
~~بعد (إذ) لا يعمل / فيما قبلها.

# وقوله تعالى: { إذ تأمروننا } بدل من الليل والنهار أو تعليل
~~للمكر، وجعله في «الإرشاد» ظرفا له أي بل مكركم الدائم وقت أمركم لنا {
~~أن نكفر بالله ونجعل له أندادا } على أن مكرهم إما
~~نفس ms08691 أمرهم بما ذكر وأما أمور أخر مقارنة لأمرهم داعية إلى الامتثال به
~~من الترغيب والترهيب وغير ذلك. وجملة { قال الذين استضعفوا }
~~الخ عطف على جملة

# يقول الذين استضعفوا

# [سبأ: 31] الخ وإن تغايرتا مضيا واستقبالا. ولما كان هذا القول رجوعا
~~منهم إلى الكلام دون قول المستكبرين

# أنحن صددنكم

# [سبأ: 32] فإنه ابتداء كلام وقع جوابا للاعتراض عليهم جيء بالعاطف
~~ههنا ولم يجيء به هناك على ما اختاره بعضهم، وقيل: إن النكتة في ذلك أنه
~~لما حكى قول المستضعفين بعد قوله تعالى:

# يرجع بعضهم إلى بعض القول

# [سبأ: 31] كان مظنة أن يقال: فماذا قال الذين استكبروا للذين استضعفوا
~~وهل كان بين الفريقين تراجع؟ فقيل: قال الذين استكبروا كذا، وقال الذين
~~استضعفوا كذا فأخرج مجموع القولين مخرج الجواب وعطف بعض الجواب على بعض
~~فتدبر.

# والأنداد جمع ند هو شائع فيمن يدعي أنه شريك مطلقا لكن ذكر الشيخ
~~الأكبر قدس سره في تفسيره الجاري فيه على مسلك المفسرين «إيجاز البيان في
~~الترجمة عن القرآن» وبخطه الشريف النوراني رأيته أنه مخصوص بمن يدعي
~~الألوهية كفرعون وأضرابه لأن بذلك ندعن الله تعالى وشرد عن رحمته سبحانه،
~~وقال الشيخ: لأنه شرد عن العبودية له جل شأنه.

# { وأسروا } أي أضمر الظالمون من الفريقين المستكبرين والمستضعفين
~~{ الندامة } على ما كان منهم في الدنيا من الضلال والإضلال نظرا
~~للمستكبرين ومن الضلال فقط نظرا للمستضعفين، والقول بحصول ندامتهم على
~~الإضلال أيضا باعتبار قبوله تكلف، ولم يظهروا ما يدل عليها من المحاورة
~~وغيرها { لما رأوا العذاب } لأنهم بهتوا لما عاينوه فلم
~~يقدروا على النطق واشتغلوا عن إظهارها بشغل شاغل، وقيل: أخفاها كل عن
~~صاحبه مخافة التعيير، وتعقب بأنه كيف يتأتى هذا مع قول المستضعفين
~~لرؤساهم

# لولا أنتم لكنا مؤمنين

# [سبأ: 31] وأي ندامة أشد من هذا، وأيضا مخافة التعيير في ذلك المقام
~~بعيدة، وقيل: أسروا الندامة بمعنى اظهروها فإن أسر من الأضداد إذ الهمزة
~~تصلح للإثبات وللسلب فمعنى أسره جعله سرا أو أزال سره ونظيره أشكيت؛
~~وأنشد الزمخشري لنفسه:

# شكوت إلى الإيام سوء صنيعها ms08692

# ومن عجب باك فشكى إلى المبكي

# فما زادت الأيام إلا شكاية

# وما زالت الأيام نشكى ولا تشكي

# وتعقب ابن عطية هذا القول بأنه لم يثبت قط في لغة ان أسر من الأضداد،
~~وأنت تعلم أن المثبت مقدم على النافي فلا تغفل.

# { وجعلنا الأغلل } أي القيود { فى أعناق الذين
~~كفروا } وهم المستكبرون والمستضعفون والأصل في أعناقهم إلا أنه أظهر
~~في مقام الإضمار للتنويه بذمهم والتنبيه على موجب إغلالهم، واستظهر أبو
~~حيان عموم الموصول فيدخل فيه الفريقان المذكوران وغيرهم لأن من الكفار من
~~لا يكون له أتباع تراجعه القول في الآخرة ولا يكون هو تابعا لرئيس له
~~كالغلام الذي قتله الخضر عليه السلام.

# { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } أي لا يجزون إلا
~~مثل الذي كانوا يعملونه من الشر، وحاصله لا يجزون إلا شرا، وجزى قد
~~يتعدى إلى مفعولين بنفسه كما يشير إليه قول الراغب يقال جزيته كذا وبكذا،
~~وجوز كون (ما) في محل النصب بنزع الخافض وهو إما الباء أو عن أو على فإنه
~~ورد تعدية جزي بها جميعا، وقيل: إن هذا التعدي لتضمينه معنى القضاء ومتى
~~صح ما سمعت / عن الراغب لم يحتج إلى هذا.

### || [34.34]

# { وما أرسلنا فى قرية } من القرى { من نذير } أي
~~نذيرا من النذر { إلا قال مترفوها } أي المتوسعون في النعم
~~فيها، والجملة في موضع الحال { إنا بما أرسلتم به } بزعمكم
~~من التوحيد وغيره، والجار الثاني متعلق بما عنده والأول متعلق بقوله
~~تعالى: { كفرون } وهو خبر إن، وظاهر الآية أن مترفي كل قرية قالوا
~~لرسولهم ذلك وعليه فالجمع في { أرسلتم } للتهكم، وقيل: لتغليب المخاطب
~~على جنس الرسل أو على أتباعه المؤمنين به، وقال بعض الأجلة: الكلام من
~~باب مقابلة الجمع بالجمع فقيل الجمع الأول الرسل المدلول عليه بقوله
~~تعالى: { أرسلتم } والثاني { كافرون } فقد كفر كل برسوله وخاطبه بمثله
~~فلا تغليب في الخطاب في { أرسلتم } ، وقيل: الجمع الأول { نذير } لأنه
~~يفيد العموم في الحكاية لا المحكي لوقوعه في سياق النفي، وليس كل قوم
~~منكرا لجميع الرسل فحمل ms08693 على المقابلة.

# والكلام مسوق لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ابتلي به من
~~مخالفة مترفي قومه وعداوتهم له عليه الصلاة والسلام، وتخصيص المترفين
~~بالتكذيب لأنهم في الأغلب أول المكذبين للرسل عليهم السلام لما شغلوا به
~~من زخرفة الدنيا وما غلب على قلوبهم منها فهم منهمكون في الشهوات
~~والاستهانة بمن لم يحظ منها بخلاف الفقراء فإن قلوبهم لخلوها من ذلك أقبل
~~للخير ولذلك تراهم أكثر أتباع الأنبياء عليهم السلام كما جاء في حديث
~~هرقل.

### || [34.35]

# { وقالوا } الضمير للمترفين الذين تقدم ذكرهم، وقيل: لقريش، والظاهر
~~المتبادر هو الأول، والمراد حكاية ما شجعهم على الكفر بما أرسل به
~~المنذرون أي وقال المترفون: { نحن أكثر أمولا وأولدا
~~} أي أموالنا وأولادنا كثيرة جدا، فأفعل للزيادة المطلقة، وجوز بقاؤه
~~على ما هو الأكثر استعمالا والمفضل عليه محذوف أي نحن أكثر منكم أموالا
~~وأولادا { وما نحن بمعذبين } بشيء من أنواع العذاب الذي
~~يكدر علينا لذة كثرة الأموال والأولاد من خوف الملوك وقهر الأعداء وعدم
~~نفوذ الكلمة والكد في تحصيل المقاصد ونحو ذلك، وإيلاء الضمير حرف النفي
~~للإشارة إلى أن المخاطبين أو المؤمنين ليسوا كذلك، وحاصل قولهم نحن في
~~نعمة لا يشوبها نقمة وهو دليل كرامتنا على الله عز وجل ورضاه عنا فلو كان
~~ما نحن عليه من الشرك وغيره مما تدعونا إلى تركه مخالفا لرضاه لما كنا
~~فيما كنا فيه من النعمة، ويجوز أن يكونوا قد قاسوا أمور الآخرة الموهومة
~~أو المفروضة عندهم على أمور الدنيا وزعموا أن المنعم عليه في الدنيا منعم
~~عليه في الآخرة، وإلى هذا الوجه ذهب جمع وقالوا: نفي كونهم معذبين إما
~~بناء على انتفاء العذاب الأخروي رأسا وإما بناء على اعتقاد أنه تعالى
~~أكرمهم في الدنيا فلا يهينهم في الآخرة على تقدير وقوعها.

# وقال الخفاجي في وجه إيلاء الضمير حرف النفي: إنه إشارة إلى أن المؤمنين
~~معذبون استهانة بهم لظنهم أن المال والولد يدفع العذاب عنهم كما قاله بعض
~~المشركين، وأنت تعلم أن الأظهر عليه التفريع، وذهب أبو حيان إلى ms08694 أن
~~المراد بالعذاب المنفي أعم من العذاب الأخروي والعذاب الدنيوي الذي قد
~~ينذر به الأنبياء عليهم السلام ويتوعدون به قومهم إن لم يؤمنوا بهم، ولعل
~~ما ذكرناه أولا أنسب بالمقام فتأمل جدا.

### || [34.36]

# { قل } ردا لما زعموه من أن ذلك دليل الكرامة والرضا { إن ربى
~~يبسط الرزق لمن يشاء } أن يبسطه له { ويقدر } على من
~~يشاء أن يقدره عليه فربما يوسع سبحانه على العاصي ويضيق على المطيع وربما
~~يعكس الأمر وربما يوسع عليهما معا وقد يضيق عليهما معا وقد يوسع على
~~شخص مطيع أو عاص تارة ويضيق عليه أخرى يفعل كلا من ذلك حسبما تقتضيه
~~مشيئته عز وجل / المبنية على الحكم البالغة فلو كان البسط دليل الإكرام
~~والرضا لاختص به المطيع وكذا لو كان التضييق دليل الإهانة والسخط لاختص
~~به العاصي وليس فليس، والحاصل كما قيل منع كون ذلك دليلا على ما زعموا
~~لاستواء المعادي والموالي فيه.

# وقال جمع: أريد أنه تعالى يفعل ذلك حسب مشيئته المبنية على الحكم فلا
~~ينقاس عليه أمر الثواب والعقاب اللذين مناطهما الطاعة وعدمها، وقال ناصر
~~الدين: لو كان ذلك لكرامة أو هوان يوجبانه لم يكن بمشيئته تعالى، وهو
~~مبني على أن الإيجاب ينافي الاختيار والمشيئة وقد قال به الخفاجي أخذا
~~من كلام مولانا جلال الدين ورد به على من رد، ولا يخفى أن دعوى المترفين
~~الإيجاب على الله تعالى فيما هم فيه من بسط الرزق وكذا فيما فيه أعداؤهم
~~من تضييقه غير ظاهرة حتى يرد عليهم بإثبات المشيئة التي لا تجامع
~~الإيجاب، وقرأ الأعمش { ويقدر } مشدد هنا وفيما بعد.

# { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ذلك فمنهم من يزعم
~~أن مدار البسط الشرف والكرامة ومدار التضييق الهوان والحقارة، ومنهم من
~~تحير واعترض على الله تعالى في البسط على أناس والتضييق على آخرين حتى
~~قال قائلهم:

# كم عالم عالم أعيت مذاهبه

# وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا

# هذا الذي ترى الأفهام حائرة

# وصير العالم النحرير زنديقا

# وعنى هذا القائل بالعالم النحرير نفسه، ولعمري أنه بوصف الجاهل البليد
~~أحق ms08695 منه بهذا الوصف، فالعالم النحرير من يقول:

# ومن الدليل على القضاء وحكمه

# بؤس اللبيب وطيب عيشي الأحمق

### || [34.37]

# { وما أمولكم ولا أولدكم بالتى تقربكم
~~عندنا زلفى } كلام مستأنف من جهته عز وجل خوطب به الناس بطريق
~~التلوين والالتفات مبالغة في تحقيق الحق وتقرير ما سبق كذا في «إرشاد
~~العقل السليم»، وجوز أن يكون ما تقدم لنفي أن يكون القرب والكرامة مدارا
~~وعلة لكثرة الرزق وهذا النفي أن تكون كثرة الرزق سببا للقرب والكرامة
~~ويكون الخطاب للكفرة، و(التي) واقع على الأموال والأولاد، وحيث أن الجمع
~~المكسر عقلاؤه وغير عقلائه سواء في حكم التأنيث وكان المجموع بمعنى جماعة
~~صح الإفراد والتأنيث أي وما جماعة أموالكم وأولادكم بالجماعة التي تقربكم
~~عندنا قربة، ولا حاجة إلى تقدير مضاف في النظم الكريم، وما ذكر تقدير
~~معنى لا إعراب، وعن الزجاج أن في الكلام حذفا في أوله لدلالة ما في آخره
~~والتقدير وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ولا أولادكم بالتي الخ،
~~وأنت تعلم أنه لا حاجة إليه أيضا، وجوز أن تكون (التي) صفة لموصوف مفرد
~~مؤنث تقديره بالتقوى أو بالخصلة التي، وجوز الزمخشري أن تكون (التي)
~~كناية عن التقوى لأن المقرب إلى الله تعالى ليس إلا تلك أي وما أموالكم
~~ولا أولادكم بتلك الموضوعة للتقريب. وقرأ الحسن { باللاتي } جمعا وهو
~~راجع للأموال والأولاد كالتي على ما سمعت أولا. وقرىء { بالذى } أي
~~بالشيء الذي يقربكم. وزلفى مصدر كالقربى وانتصابه على المصدرية من
~~المعنى. وقرأ الضحاك { زلفا } بفتح اللام وتنوين الفاء جمع زلفة وهي
~~القربة.

# { إلا من آمن وعمل صالحا } استثناء من مفعول {
~~تقربكم } على ما ذهب إليه جمع وهو استثناء متصل إذا كان الخطاب
~~عاما للمؤمنين والكفرة ومنقطع إذا كان خاصا بالكفرة فالموصول في محل
~~نصب / أو رفع على أنه مبتدأ ما بعده خبره، أو خبره مقدر أي لكن من آمن
~~وعمل صالحا فإيمانه وعمله يقربانه. واستظهر أبو حيان الانقطاع، وقال في
~~«البحر» إن الزجاج ذهب إلى بدليته من المفعول المذكور وغلطه النحاس بأن
~~ضمير المخاطب ms08696 لا يجوز الإبدال منه فلا يقال رأيتك زيدا، ومذهب الأخفش
~~والكوفيين أنه يجوز أن يبدل من ضميري المخاطب والمتكلم لكن البدل في
~~الآية لا يصح، ألا ترى أنه لا يصح تفريغ الفعل الواقع صلة لما بعد (إلا)
~~فلو قلت ما زيد بالذي يضرب إلا خالدا لم يصح اه.

# وذكر بعض الأجلة أن جعله استثناء من المفعول لا يصح على جعل (التي)
~~كناية عن التقوى لأنه يلزم أن تكون الأموال والأولاد تقوى في حق غير من
~~آمن وعمل صالحا لكنها غير مقربة، وقيل لا بأس بذلك إذ يصح أن يقال: وما
~~أموالكم ولا أولادكم بتقوى إلا المؤمنين، وحاصله أن المال والولد لا
~~يكونان تقوى ومقربين لأحد إلا للمؤمنين، وإذا كان الاستثناء منقطعا صح
~~واتضح ذلك، وجوز أن يكون استثناء من { أمولكم وأولدكم }
~~على حذف مضاف أي إلا أموال من آمن وعمل صالحا وأولادهم، وفي هذا إذا جعل
~~(التي) كناية عن التقوى مبالغة من حيث أنه جعل مال المؤمن الصالح وولده
~~نفس التقوى.

# ثم إن تقريب الأموال المؤمن الصالح بإنفاقها فيما يرضي الله تعالى
~~وتقريب الأولاد بتعليمهم الخير وتفقيههم في الدين وترشيحهم للصلاح
~~والطاعة.

# { فأولئك } إشارة إلى (من) والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد
~~فيما تقدم باعتبار لفظها، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبتهم
~~وبعد منزلتهم في الفضل أي فأولئك المنعوتون بالإيمان والعمل الصالح {
~~لهم جزاء الضعف } أي لهم أن يجازيهم الله تعالى الضعف أي الثواب
~~المضاعف فيجازيهم على الحسنة بعشر أمثالها أو بأكثر إلى سبعمائة فإضافة
~~جزاء إلى الضعف من إضافة المصدر إلى مفعوله. وقرأ قتادة: { جزاء الضعف }
~~برفعهما فالضعف بدل، وجوز الزجاج كونه خبر مبتدأ محذوف أي هو الضعف،
~~ويعقوب في رواية بنصب { جزاء } ورفع { الضعف } فجزاء تمييز أو حال من
~~فاعل { لهم } أي يجزون جزاء، وقرىء { جزاء } بالرفع والتنوين { الضعف
~~} بالنصب على إعمال المصدر { بما عملوا } من الصالحات { وهم فى
~~الغرفت } أي في غرفات الجنة ومنازلها العالية { ءامنون } من
~~جميع المكاره الدنيوية والأخروية.

# وقرأ الحسن وعاصم بخلاف ms08697 عنه والأعمش ومحمد بن كعب { فى الغرفات } بإسكان
~~الراء، وقرأ بعض القراء بفتحها، وابن وثاب والأعمش وطلحة وحمزة وخلف {
~~فى الغرفة } بالتوحيد وإسكان الراء، وابن وثاب أيضا بالتوحيد وضم
~~الراء والتوحيد على إرادة الجنس لأن الكل ليسوا في غرفة واحدة والمفرد
~~أخصر مع عدم اللبس فيه.

### || [34.38]

# { والذين يسعون فى ءايتنا } بالرد والطعن فيها {
~~معجزين } - أي بحسب زعمهم الباطل - الله عز وجل أو الأنبياء عليهم
~~السلام، وحاصله زاعمين سبقهم وعدم قدرة الله تعالى أو أنبيائه عليهم
~~السلام عليهم، ومعنى المفاعلة غير مقصود ههنا { أولئك } الذي
~~بعدت منزلتهم في الشر { فى العذاب محضرون } لا يجديهم ما عولوا
~~عليه نفعا، وفي ذكر العذاب دون موضعه ما لا يخفى من المبالغة.

### || [34.39]

# { قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشاء من عباده
~~ويقدر له } أي يوسعه سبحانه عليه تارة ويضيقه عليه أخرى فلا تخشوا
~~الفقر وأنفقوا في سبيل الله تعالى وتقربوا لديه عز وجل بأموالكم /
~~وتعرضوا لنفحاته جل وعلا، فمساق الآية للوعظ والتزهيد في الدنيا والحض
~~على التقرب إليه تعالى بالإنفاق وهذا بخلاف مساق نظيرها المتقدم فإنه
~~للرد على الكفرة كما سمعت، وأيضا ما سبق عام وما هنا خاص في البسط
~~والتضييق لشخص واحد باعتبار وقتين كما يشعر به قوله تعالى هنا { له }
~~وعدم قوله هناك، والضمير وإن كان في موضع من المبهم إلا أن سبق النظير
~~خاليا عن ذلك وذكر هذا بعده مشتملا عليه كالقرينة على إرادة ما ذكر فلا
~~تغفل.

# { وما أنفقتم من شىء } يحتمل أن تكون (ما) شرطية في موضع نصب
~~بأنفقتم وقوله تعالى: { فهو يخلفه } جواب الشرط، ويحتمل أن تكون
~~بمعنى الذي في موضع رفع بالابتداء والجملة بعد خبره ودخلت الفاء لتضمن
~~المبتدأ معنى الشرط، و { من شىء } تبيين على الاحتمالين، ومعنى {
~~يخلفه } يعطي بدله وما يقوم مقامه عوضا عنه وذلك إما في الدنيا
~~بالمال كما هو الظاهر أو بالقناعة التي هي كنز لا يفنى كما قيل، وإما في
~~الآخرة بالثواب الذي كل خلف دونه وخصه بعضهم بالآخرة، أخرج الفريابي ms08698
~~وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: إذا كان لأحدكم
~~شيء فليقتصد ولا يتأول هذه الآية { وما أنفقتم من شىء فهو
~~يخلفه } فإن الرزق مقسوم ولعل ما قسم له قليل وهو ينفق نفقة الموسع
~~عليه، وأخرج من عدا الفريابي من المذكورين عنه أنه قال في الآية: أي ما
~~كان من خلف فهو منه تعالى وربما أنفق الإنسان ماله كله في الخير ولم يخلف
~~حتى يموت، ومثلها

# وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها

# [هود: 6] يقول ما آتاها من رزق فمنه تعالى وربما لم يرزقها حتى تموت،
~~والأول أظهر لأن الآية في الحث على الإنفاق وأن البسط والقدر إذا كانا من
~~عنده عز وجل فلا ينبغي لمن وسع عليه أن يخاف الضيعة بالاتفاق ولا لمن قدر
~~عليه زيادتها.

# وقوله تعالى: { وهو خير الرزقين } تذييل يؤيد ذلك كأنه قيل:
~~فيرزقه من حيث لا يحتسب. وقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من يوم يصبح العباد فيه إلا
~~ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط
~~ممسكا تلفا "

# وأخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال:

# " كل ما أنفق العبد نفقة فعلى الله تعالى خلفها ضامنا إلا نفقة في
~~بنيان أو معصية "

# وأخرج البخاري وابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله عليه الصلاة
~~والسلام قال:

# " قال الله عز وجل أنفق يا ابن آدم أنفق عليك "

# وأخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» عنه قال:

# " قال عليه الصلاة والسلام إن المعونة تنزل من السماء على قدر المؤونة "

# وفي حديث طويل عن الزبير قال الله تبارك وتعالى:

# " أنفق أنفق عليك وأوسع أوسع عليك ولا تضيق أضيق عليك ولا تصر فأصر عليك
~~ولا تخزن فأخزن عليك إن باب الرزق مفتوح من فوق سبع سماوات متواصل إلى
~~العرش لا يغلق ليلا ولا نهارا ينزل الله تعالى منه الرزق على كل ms08699 امرىء
~~بقدر نيته وعطيته وصدقته ونفقته فمن أكثر أكثر له ومن أقل أقل له ومن
~~أمسك أمسك عليه يا زبير فكل وأطعم ولا توكي فيوكى عليك ولا تحصي فيحصى
~~عليك ولا تقتر فيقتر عليك ولا تعسر فيعسر عليك "

# الحديث.

# ومعنى الرازقين الموصلين للرزق والموهبين له فيطلق الرازق حقيقة على
~~الله عز وجل وعلى غيره ويشعر بذلك

# فارزقوهم منه

# [النساء: 8] نعم لا يقال لغيره سبحانه رازق فلا إشكال في قوله تعالى: {
~~وهو خير الرزقين } ووجه الأخيرية في غاية الظهور؛ وقيل إطلاق
~~الرازق على غيره تعالى مجاز باعتبار أنه واسطة في إيصال رزقه تعالى فهو
~~رازق صورة فاستشكل أمر التفضيل بأنه لا بد من مشاركة المفضل للمفضل عليه
~~في أصل الفعل حقيقة لا صورة. / وأجاب الآمدي بأن المعنى خير من تسمى بهذا
~~الاسم، وأطلق عليه حقيقة أو مجازا وهو ضرب من عموم المجاز.

### || [34.40]

# { ويوم يحشرهم جميعا } أي المستكبرين والمستضعفين أو
~~الفريقين وما كانوا يعبدون من دون الله عز وجل، و { يوم } ظرف لمضمر
~~متقدم أي واذكر يوم أو متأخر أي ويوم نحشرهم جميعا { ثم يقول
~~للملئكة } إلى آخرة يكون من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به
~~نطاق المقال، وظاهر العطف بثم يقتضي أن القول للملائكة متراخ عن الحشر
~~وفي الآثار ما يشهد له، فقد روي أن الخلق بعد أن يحشروا يبقون قياما في
~~الموقف سبع آلاف سنة لا يكلمون حتى يشفع في فصل القضاء نبينا صلى الله
~~عليه وسلم فلعله عند ذلك يقول سبحانه للملائكة عليهم السلام: {
~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون } تقريعا للمشركين
~~وتبكيتا وإقناطا لهم عما علقوا به أطماعهم الفارغة من شفاعة الملائكة
~~عليهم السلام لعلمه سبحانه بما تجيب به على نهج قوله تعالى لعيسى عليه
~~السلام

# أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين

# [المائدة: 116] وتخصيصهم بالذكر لأنهم أشرف شركاء المشركين الذين لا
~~كتاب لهم والصالحون عادة للخطاب وعبادتهم مبدأ الشرك - بناء على ما نقل
~~ابن الوردي في «تاريخه» في أن سبب حدوث عبادة الأصنام في العرب أن عمرو
~~بن لحي ms08700 مر بقوم بالشام فرآهم يعبدون الأصنام فسألهم فقالوا له هذه أرباب
~~نتخذها على شكل الهياكل العلوية فنستنصر بها ونستسقي فتبعهم وأتى بصنم
~~معه إلى الحجاز وسول للعرب فعبدوه واستمرت عبادة الأصنام فيهم إلى أن جاء
~~الإسلام وحدثت عبادة عيسى عليه السلام بعد ذلك بزمان كثير - فبظهور
~~قصورهم عن رتبة المعبودية وتنزههم عن عبادتهم يظهر حال سائر الشركاء
~~بطريق الأولوية.

# و { هؤلاء } مبتدأ و { كانوا يعبدون } خبره و { إياكم }
~~مفعول { يعبدون } قدم للفاصلة مع أنه أهم لأمر التقريع واستدل
~~بتقديمه على جواز تقديم خبر كان إذا كان جملة عليها كما ذهب إليه ابن
~~السراج فإن تقديم المعمول مؤذن بجواز تقديم العامل. وتعقبه أبو حيان بأن
~~هذه القاعدة ليست مطردة ثم قال: والأولى منع ذلك إلا أن يدل على جوازه
~~سماع من العرب، وقرأ جمهور القراء { نحشرهم. ثم نقول } بالنون في
~~الفعلين.

### || [34.41]

# { قالوا } استئناف بياني كأنه قيل: فماذا تقول الملائكة حينئذ؟ فقيل
~~تقول منزهين عن ذلك { سبحنك أنت ولينا من دونهم }
~~والعدول إلى صيغة الماضي للدلالة على التحقق أي أنت الذي نواليه من دونهم
~~لا موالاة بيننا وبينهم كأنهم بينوا بذلك براءتهم من الرضا بعبادتهم ثم
~~أضربوا عن ذلك ونفوا أنهم عبدوهم حقيقة بقولهم: { بل كانوا
~~يعبدون الجن } أي الشياطين كما روي عن مجاهد حيث كانوا يطيعونهم
~~فيما يسولون لهم من عبادة غير الله تعالى، وقيل صورت الشياطين لهم صور
~~قوم من الجن وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها فعبدوها، وقيل: كانوا
~~يدخلون في أجواف الأصنام إذا عبدت فيعبدون بعبادتها، وقيل أرادوا أنهم
~~عبدوا شيئا تخيلوه صادقا على الجن لا صادقا علينا فهم يعبدون الجن
~~حقيقة دوننا، وقال ابن عطية: يجوز أن يكون في الأمم الكافرة من عبد الجن
~~وفي القرآن آيات يظهر منها أن الجن عبدت في سورة الأنعام وغيرها.

# { أكثرهم بهم مؤمنون } الضمير الثاني للجن والأول
~~للمشركين، والأكثر على ظاهره لأن من المشركين من لم يؤمن بهم وعبدهم
~~اتباعا لقومه كأبي طالب أو الأكثر بمعنى الكل، واختار في «البحر» الأول ms08701
~~لأن كونه بمعنى الكل ليس حقيقة وقال: إنهم لم يدعوا الإحاطة إذ يكون في
~~الكفار من لم يطلع الله تعالى الملائكة عليهم السلام عليهم أو أنهم حكموا
~~على الأكثر بإيمانهم بالجن لأن الإيمان من أعمال القلب فلم يذكروا
~~الاطلاع على عمل جميع قلوبهم لأن ذلك / لله عز وجل، وجوز أن يكون الضمير
~~الأول للإنس فالأكثر على ظاهره أي غالبهم مصدقون أنهم آلهة، وقيل مصدقون
~~أنهم بنات الله

# وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا

# [الصافات: 158] وقيل مصدقون أنهم ملائكة.

### || [34.42]

# { فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا
~~} من جملة ما يقال للملائكة عليهم السلام عند جوابهم بالتبرىء عما نسب
~~إليهم المشركون يخاطبون بذلك على رؤس الأشهاد إظهارا لعجزهم وقصورهم عن
~~زاعمي عبادتهم وتنصيصا على ما يوجب خيبة رجائهم بالكلية، وقيل للكفار
~~وليس بذاك، والفاء لترتيب الإخبار بما بعدها على جواب الملائكة عليهم
~~السلام، ونسبة عدم النفع والضر إلى البعض المبهم للمبالغة فيما هو
~~المقصود الذي هو بيان عدم نفع الملائكة للعبدة بنظمه في سلك عدم نفع
~~العبدة لهم كأن نفع العبدة لهم كأن نفع الملائكة لعبدتهم في الاستحالة
~~والانتفاء كنفع العبدة لهم، والتعرض لعدم الضر مع أنه لا بحث عنه لتعميم
~~العجز أو لحمل عدم النفع على تقدير العبادة وعدم الضر على تقدير تركها،
~~وقيل لأن المراد دفع الضر على حذف المضاف وفيه بعد، والمراد باليوم يوم
~~القيامة وتقييد الحكم به مع ثبوته على الإطلاق لانعقاد رجاء المشركين على
~~تحقق النفع يومئذ.

# { ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التى
~~كنتم بها تكذبون } عطف على

# نقول للملئكة

# [سبأ: 40] وقيل على { لا يملك } وتعقب بأنه مما يقال يوم القيامة خطابا
~~للملائكة مترتبا على جوابهم المحكي وهذا حكاية لرسول الله صلى الله عليه
~~وسلم لما سيقال للعبدة يومئذ إثر حكاية ما سيقال للملائكة عليهم السلام.
~~وأجيب بأن ذلك ليس بمانع فتدبر. ووقع الموصول هنا وصفا للمضاف إليه وفي
~~السجدة [20] في قوله تعالى:

# عذاب النار الذي كنتم به تكذبون

# صفة للمضاف فقال أبو حيان: لأنهم ms08702 ثمت كانوا ملابسين للعذاب كما ينبىء
~~عنه قوله تعالى:

# كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها

# [السجدة: 20] فوصف لهم ثمت ما لابسوه وهنا لم يكونوا ملابسين له بل ذلك
~~أول ما رأوا النار عقب الحشر فوصف ما عاينوه لهم، وكون الموصول هنا نعتا
~~للمضاف على أن تأنيثه مكتسب لتتحد الآيتان تكلف سمج.

### || [34.43]

# { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينات } بيان لبعض آخر
~~من كفرهم أي إذا تتلى عليهم بلسان الرسول صلى الله عليه وسلم آياتنا
~~الناطقة بحقية التوحيد وبطلان الشرك { قالوا ما هذا } يعنون رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم التالي للآيات، والإشارة للتحقير قاتلهم الله
~~تعالى { إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد
~~آبآؤكم } فيجعلكم من أتباعه من غير أن يكون له دين إلهي، وإضافة
~~الآباء إلى المخاطبين لا إلى أنفسهم لتحريك عرق العصبية منهم مبالغة في
~~تقريرهم على الشرك وتنفيرهم عن التوحيد { وقالوا ما هذا } يعنون
~~القرآن المتلو والإشارة كالإشارة السابقة { إلا إفك } أي كلام
~~مصروف عن وجهه لا مصداق له في الواقع { مفترى } بإسناده إلى الله عز
~~وجل.

# { وقال الذين كفروا للحق } أي لأمر النبوة التي معها من
~~خوارق العادة ما معها أو للإسلام المفرق بين المرء وزوجه وولده أو القرآن
~~الذي تتأثر به النفوس على أن العطف لاختلاف العنوان بأن يراد بالأول
~~معناه وبالثاني نظمه المعجز { لما جاءهم } من غير تدبر ولا تأمل
~~فيه { إن هذا إلا سحر مبين } ظاهر سحريته. وفي ذكر {
~~قال } ثانيا والتصريح بذكر الكفرة وما في اللامين من الإشارة إلى
~~القائلين والمقول فيه وما في { لما } من المسارعة إلى البت بهذا القول
~~الباطل إنكار عظيم له وتعجب بليغ منه، وجوز أن تكون كل جملة صدرت / من
~~قوم من الكفرة.

### || [34.44]

# { وما ءاتينهم } أي أهل مكة { من كتب يدرسونها }
~~تقتضي صحة الإشراك ليعذروا فيه فهو كقوله تعالى:

# أم أنزلنا عليهم سلطنا فهو يتكلم بما
~~كانوا به يشركون

# [الروم: 35] وقوله سبحانه:

# أم ءاتينهم كتبا من قبله فهم به مستمسكون

# [الزخرف: 21] وإلى هذا ذهب ابن ms08703 زيد، وقال السدي: المعنى ما آتيناهم
~~كتبا يدرسونها فيعلموا بدراستها بطلان ما جئت به، ويرجع إلى الأول،
~~والمقصود نفي أن يكون لهم دليل على صحة ما هم عليه من الشرك، و(من) صلة،
~~وجمع الكتب إشارة على ما قيل إلى أنه لشدة بطلانه واستحالة إثباته بدليل
~~سمعي أو عقلي يحتاج إلى تكرر الأدلة وقوتها فكيف يدعى ما تواترت الأدلة
~~النيرة على خلافه.

# وقرأ أبو حيوة { يدرسونها } بفتح الدال وشدها وكسر الراء مضارع ادرس
~~افتعل من الدرس ومعناه يتدارسونها، وعنه أيضا { يدرسونها } من
~~التدريس وهو تكرير الدرس أو من درس الكتاب مخففا ودرس الكتب مشددا
~~التضعيف فيه باعتبار الجمع.

# { وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير } أي وما أرسلنا
~~إليهم قبلك نذيرا يدعوهم إلى الشرك وينذرهم بالعقاب على تركه وقد بان من
~~قبل أن لا وجه له بوجه من الوجوه فمن أين ذهبوا هذا المذهب الزائغ، وفيه
~~من التهكم والتجهيل ما لا يخفى، ويجوز أن يراد أنهم أميون كانوا في فترة
~~لا عذر لهم في الشرك ولا في عدم الاستجابة لك كأهل الكتاب الذين لهم كتب
~~ودين يأبون تركه ويحتجون على عدم المتابعة بأن نبيهم حذرهم ترك دينه مع
~~أنه بين البطلان لثبوت أمر من قبله باتباعه وتبشير الكتب به، وذكر ابن
~~عطية أن الأرض لم تخل من داع إلى توحيد الله تعالى فالمراد نفي إرسال
~~نذير يختص بهؤلاء ويشافههم، وقد كان عند العرب كثير من نذارة إسماعيل
~~عليه السلام والله تعالى يقول:

# إنه كان صدق الوعد وكان رسولا نبيا

# [مريم: 54] ولكن لم يتجرد للنذارة وقاتل عليها إلا محمد صلى الله عليه
~~وسلم اه.

### || [34.45]

# ثم إنه تعالى هددهم بقوله سبحانه: { وكذب الذين من قبلهم
~~} من الأمم المتقدمة والقرون الخالية بما كذبوا { وما بلغوا } أي
~~أهل مكة { معشار } أي عشر { ما ءاتينهم } وقال قوم: المعشار
~~عشر العشر ولم يرتضه ابن عطية، وقال الماوردي: المراد المبالغة في
~~التقليل أي ما بلغوا أقل قليل مما آتينا أولئك المكذبين من طول الأعمار
~~وقوة الأجسام وكثرة الأموال ms08704 { فكذبوا } أي أولئك المكذبون {
~~رسلى } الذين أرسلتهم إليهم { فكيف كان نكير } أي إنكاري لهم
~~بالتدمير فليحذر هؤلاء من مثل ذلك. والفاء الأولى سببية و { كذب }
~~الأول تنزل منزلة اللازم أي فعل الذين من قبلهم التكذيب وأقدموا عليه،
~~ونظير ذلك أن يقول القائل أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد صلى الله عليه
~~وسلم ومن هنا قالوا: إن { كذبوا رسلى } عطف على { كذب
~~الذين } عطف المقيد على المطلق وهو تفسير معنى { وما بلغوا }
~~اعتراض والفاء الثانية فصيحة فيكون المعنى فحين كذبوا رسلي جاءهم إنكاري
~~بالتدمير فكيف كان نكيري لهم، وجعل التدمير إنكارا تنزيلا للفعل منزلة
~~القول كما في قوله:

# ونشتم بالأفعال لا بالتكلم

# أو على نحو:

# تحية بينهم ضرب وجيع

# وجوز بعضهم أن يكون صيغة التفعيل في { كذب الذين } للتكثير وفي
~~{ كذبوا } للتعدية والمكذب فيهما واحد أي أنهم أكثروا الكذب وألفوه
~~فصار سجية لهم حتى اجترؤا على تكذيب الرسل، وعلى الوجهين لا تكرار، وجوز
~~أن يكون { كذبوا رسلى } منعطفا على { ما بلغوا } من تتمة
~~الاعتراض والضمير لأهل مكة يعني هؤلاء لم يبلغوا معشار ما آتينا أولئك
~~المكذبين الأولين وفضلوهم في التكذيب لأن تكذيبهم لخاتم الأنبياء عليه
~~وعليهم الصلاة والسلام تكذيب لجميع الرسل عليهم السلام من وجهين وعليه لا
~~يتوهم تكرار كما لا يخفى، وكون جملة { ما بلغوا } معترضة هو الظاهر
~~وجعل { وكذب الذين من قبلهم } تمهيدا لئلا تكون تلك
~~الجملة كذلك يدفعه { فكيف كان نكير } لأن معناه للمكذبين
~~الأولين البتة فلا التئام دون القول بكونها معترضة، وإرجاع ضمير {
~~بلغوا } إلى أهل مكة والضمير المنصوب في { ءاتينهم } إلى {
~~الذين من قبلهم } وبيان الموصول بما سمعت هو المروي عن ابن
~~عباس وقتادة وابن زيد، وقيل الضمير الأول للذين من قبلهم والضمير الثاني
~~لأهل مكة أي وما بلغ أولئك عشر ما آتينا هؤلاء من البينات والهدى، وقيل:
~~الضميران للذين من قبلهم، أي كذبوا وما بلغوا في شكر النعمة ومقابلة
~~المنة عشر ما آتيناهم من النعم والإحسان إليهم، واستظهر ذلك أبو حيان
~~معللا له بتناسق الضمائر ms08705 حيث جعل ضمير { فكذبوا } للذين من قبلهم فلا
~~تغفل.

### || [34.46]

# { قل إنما أعظكم بوحدة } أي ما أرشدكم وأنصح لكم إلا
~~بخصلة واحدة وهي على ما قال قتادة ما دل عليه قوله تعالى: { أن
~~تقوموا لله } على أنه في تأويل مصدر بدل منها أو خبر مبتدأ محذوف
~~أي هي قيامكم أو مفعول لفعل محذوف أي أعني قيامكم، وجوز الزمخشري كونه
~~عطف بيان لواحدة. واعترض بأن { أن تقوموا } معرفة لتقديره بقيامكم
~~وعطف البيان يشترط فيه عند البصريين أن يكون معرفة من معرفة وهو عند
~~الكوفيين يتبع ما قبله في التعريف والتنكير والتحالف مما لم يذهب إليه
~~ذاهب. والظاهر أن الزمخشري ذاهب إلى جواز التخالف، وقد صرح ابن مالك في
~~«التسهيل» بنسبة ذلك إليه وهو من مجتهدي علماء العربية، وجوز أن يكون قد
~~عبر بعطف البيان وأراد البدل لتآخيها وهذا إمام الصناعة سيبويه يسمي
~~التوكيد صفة وعطف البيان صفة، ثم إن كون المصدر المسبوك معرفة أو مؤولا
~~بها دائما غير مسلم، والقيام مجاز عن الجد والاجتهاد، وقيل هو على
~~حقيقته والمراد القيام عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بذاك،
~~وقد روي نفي إرادته عن ابن جريج أي إن تجدوا وتجتهدوا في الأمر بإخلاص
~~لوجه الله تعالى.

# { مثنى وفرادى } أي متفرقين اثنين اثنين وواحدا واحدا فإن في
~~الازدحام على الأغلب تهويش الخاطر والمنع من الفكر وتخليط الكلام وقلة
~~الإنصاف كما هو مشاهد في الدروس التي يجتمع فيها الجماعة فإنه لا يكاد
~~يوقف فيها على تحقيق، وفي تقديم (مثنى) إيذان بأنه أوثق وأقرب إلى
~~الاطمئنان، وفي «البحر» قدم لأن طلب الحقائق من متعاضدين في النظر أجدى
~~من فكرة واحدة فإذا انقدح الحق بين الاثنين فكر كل واحد منهما بعد ذلك
~~فيزيد بصيرة وشاع الفتح بين الاثنين { ثم تتفكروا } في أمره
~~صلى الله عليه وسلم وما جاء به لتعلموا حقيته، والوقف عند أبي حاتم هنا.

# وقوله تعالى: { ما بصحبكم من جنة } استئناف مسوق من جهته
~~تعالى للتنبيه على طريقة النظر والتأمل بأن مثل ms08706 هذا الأمر العظيم الذي
~~تحته ملك الدنيا والآخرة لا يتصدى لادعائه إلا مجنون لا يبالي بافتضاحه
~~عند مطالبته بالبرهان وظهور عجزه أو مؤيد من عند الله تعالى مرشح للنبوة
~~واثق بحجته وبرهانه وإذ قد علمتم أنه عليه الصلاة والسلام أرجح الناس
~~عقلا وأصدقهم قولا وأذكاهم نفسا وأفضلهم علما وأحسنهم / عملا
~~وأجمعهم للكمالات البشرية وجب أن تصدقوه في دعواه فكيف وقد انضم إلى ذلك
~~معجزات تخر لها صم الجبال.

# والتعبير عنه عليه الصلاة والسلام بصاحبكم للإيماء إلى أن حاله صلى الله
~~عليه وسلم مشهور بينهم لأنه نشأ بين أظهرهم معروفا بما ذكرنا، وجوز أن
~~يكون متعلقا بما قبله والوقف على { جنة } على أنه مفعول لفعل علم
~~مقدر لدلالة التفكر عليه لكونه طريق العلم أي ثم تتفكروا فتعلموا ما
~~بصاحبكم من جنة أو معمول لتتفكروا على أن التفكر مجاز عن العلم أو معمول
~~له بدون ارتكاب تجوز بناء على ما ذهب إليه ابن مالك في «التسهيل» من أن
~~تفكر يعلق حملا على أفعال القلوب، وجوز أن يكون هناك تضمين أي ثم
~~تتفكروا عالمين ما بصاحبكم من جنة، وقال ابن عطية: هو عند سيبويه جواب ما
~~ينزل منزلة القسم لأن تفكر من الأفعال التي تعطي التمييز كتبين وتكون
~~الفكرة على هذا في آيات الله تعالى والإيمان به اه وهو كما ترى، و { ما
~~} مطلقا نافية والباء بمعنى في و(من) صلة، وقيل: (ما) للاستفهام
~~الإنكاري و(من) بيانية، وجوز أن تكون صلة أيضا وفيه تطويل المسافة وطيها
~~أولى.

# { إن هو إلا نذير لكم بين يدى عذاب شديد } هو
~~عذاب الآخرة فإنه صلى الله عليه وسلم مبعوث في نسم الساعة وجاء

# " «بعثت أنا والساعة كهاتين» وضم عليه الصلاة والسلام الوسطى والسبابة "

# على المشهور.

### || [34.47]

# { قل ما سألتكم من أجر } أي مهما سألتكم من نفع على تبليغ
~~الرسالة { فهو لكم } والمراد نفي السؤال رأسا كقولك لصاحبك إن
~~أعطيتني شيئا فخذه وأنت تعلم أنه لم يعطك شيئا، فما شرطية مفعول {
~~سألتكم } وهو المروي عن قتادة، وقيل هي موصولة ms08707 والعائد محذوف و(من)
~~للبيان، ودخلت الفاء في الخبر لتضمنها معنى الشرط أي الذي سألتكموه من
~~الأجر فهو لكم وثمرته تعود إليكم، وهو على ما روي عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما إشارة إلى المودة في القربى في قوله تعالى:

# قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة فى
~~القربى

# [الشورى: 23] وكون ذلك لهم على القول بأن المراد بالقربى قرباهم ظاهر،
~~وأما على القول بأن المراد بها قرباه عليه الصلاة والسلام فلأن قرباه صلى
~~الله عليه وسلم قرباهم أيضا أو هو إشارة إلى ذلك وإلى ما تضمنه قوله
~~تعالى:

# ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ
~~إلى ربه سبيلا

# [الفرقان: 57] وظاهر أن اتخاذ السبيل إليه تعالى منفعتهم الكبرى، وجوز
~~كون (ما) نافية و(من) صلة وقوله سبحانه: { فهو لكم } جواب شرط مقدر
~~أي فإذا لم أسألكم فهو لكم، وهو خلاف الظاهر.

# وقوله تعالى: { إن أجرى إلا على الله } يؤيد إرادة نفي
~~السؤال رأسا. وقرىء { إن أجرى } بسكون الياء { وهو على كل
~~شىء شهيد } أي مطلع فيعلم سبحانه صدقي وخلوص نيتي.

### || [34.48]

# { قل إن ربى يقذف بالحق } قال السدي وقتادة: بالوحي، وفي
~~رواية أخرى عن قتادة بالقرآن، والمآل واحد؛ وأصل القذف الرمي بدفع شديد
~~وهو هنا مجاز عن الإلقاء، والباء زائدة أي إن ربي يلقي الوحي وينزله على
~~قلب من يجتبيه من عباده سبحانه، وقيل القذف مضمن معنى الرمي فالباء ليست
~~زائدة، وجوز أن يراد بالحق مقابل الباطل والباء للملابسة والمقذوف محذوف،
~~والمعنى إن ربي يلقي ما يلقي إلى أنبيائه عليهم السلام من الوحي بالحق
~~لا بالباطل. وعن ابن عباس إن المعنى يقذف الباطل بالحق أي يورده عليه حتى
~~يبطله عز وجل ويزيله، والحق مقابل الباطل والباء مثلها في قولك قتلته
~~بالضرب، وفي الكلام استعارة مصرحة تبعية والمستعار منه حسي والمستعار له
~~عقلي، وجوز أن تكون الاستعارة مكنية، وقيل: المعنى يرمي بالحق إلى أقطار
~~الآفاق على أن ذلك / مجاز عن إشاعته فيكون الكلام وعدا بإظهار الإسلام
~~وإفشائه، وفيه من الاستعارة ms08708 ما فيه.

# { علم الغيوب } خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف أي هو سبحانه علام
~~الغيوب أو صفة محمولة على محل { إن } مع اسمها كما جوزه الكثير من النحاة
~~وإن منعه سيبويه أو بدل من ضمير { يقذف } ولا يلزم خلو جملة الخبر من
~~العائد لأن المبدل منه ليس في نية الطرح من كل الوجوه، وقال الكسائي: هو
~~نعت لذلك الضمير ومذهبه جواز نعت المضمر الغائب.

# وقرأ عيسى وزيد بن علي وابن أبي إسحاق وابن أبي عبلة وأبو حيوة وحرب
~~عن طلحة { علام } بالنصب فقال الزمخشري: صفة لربي، وقال أبو الفضل
~~الرازي: وابن عطية: بدل، وقال الحوفي: بدل أو صفة، وقيل نصب على المدح.
~~وقرأ ابن ذكوان وأبو بكر وحمزة والكسائي { الغيوب } بالكسر كالبيوت،
~~والباقون بالضم كالعشور وهو فيهما جمع، وقرىء بالفتح كصبور على أنه مفرد
~~للمبالغة.

### || [34.49]

# { قل جاء الحق } أي الإسلام والتوحيد أو القرآن، وقيل السيف لأن
~~ظهور الحق به وهو كما ترى { وما يبدىء البطل } أي الكفر
~~والشرك { وما يعيد } أي ذهب واضمحل بحيث لم يبق له أثر مأخوذ من
~~هلاك الحي فإنه إذا هلك لم يبق له إبداء أي فعل أمر ابتداء ولا إعادة أي
~~فعله ثانيا كما يقال لا يأكل ولا يشرب أي ميت فالكلام كناية عما ذكر أو
~~مجاز متفرع على الكناية، وأنشدوا لعبيد بن الأبرص:

# أقفر من أهله عبيد

# فاليوم لا يبدي ولا يعيد

# وقال جماعة: الباطل إبليس وإطلاقه عليه لأنه مبدؤه ومنشؤه، ولا كناية في
~~الكلام عليه، والمعنى لا ينشىء خلقا ولا يعيد أو لا يبدىء خيرا لأهله
~~ولا يعيد أي لا ينفعهم في الدنيا والآخرة، وقيل هو الصنم والمعنى ما
~~سمعت، وعن أبي سليمان أن المعنى إن الصنم لا يبتدىء من عنده كلاما
~~فيجاب ولا يرد ما جاء من الحق بحجة. و { ما } على جميع ذلك نافية، وقيل:
~~هي على ما عدا القول الأول للاستفهام الإنكاري منتصبة بما بعدها أي أي
~~شيء يبدىء الباطل وأي شيء يعيد ومآله النفي، والكلام جوز أن يكون ms08709 تكميلا
~~لما تقدم وأن يكون من باب العكس والطرد وأن يكون تذييلا مقررا لذلك
~~فتأمل.

### || [34.50]

# { قل إن ضللت } عن الحق { فإنما أضل على نفسى }
~~أي عائدا ضرر ذلك ووباله عليها فإنها الكاسبة للشرور والأمارة بالسوء {
~~وإن اهتديت } إلى الحق { فبما يوحى إلى ربى } فإن
~~الاهتداء بهدايته تعالى وتوفيقه عز وجل، و(ما) موصولة أو مصدرية، وكان
~~الظاهر وإن اهتديت فلها كقوله تعالى:

# من عمل صلحا فلنفسه ومن أساء فعليها

# [فصلت: 46] أو إن ضللت فإنما أضل بنفسي ليظهر التقابل لكنه عدل عن ذلك
~~اكتفاء بالتقابل بحسب المعنى لأن الكلام عليه أجمع فإن كل ضرر فهو من
~~النفس وبسببها وعليها وباله، وقد دل لفظ على في القرينة الأولى على معنى
~~اللام في الثانية والباء في الثانية على معنى السببية في الأولى فكأنه
~~قيل: قل إن ضللت فإنما أضل بسبب نفسي على نفسي وإن اهتديت فإنما أهتدى
~~لنفسي بهداية الله تعالى وتوفيقه سبحانه، وعبر عن هذا { بما يوحى
~~إلى ربى } لأنه لازمه، وجعل على للتعليل وإن ظهر عليه التقابل
~~ارتكاب لخلاف الظاهر من غير نكتة. وجوز أن يكون معنى القرينة الأولى قل
~~إن ضللت فإنما أضل علي لا على غيري، ولا يظهر عليه أمر التقابل مطلقا،
~~والحكم على ما قال الزمخشري عام وإنما أمر صلى الله عليه وسلم أن يسنده
~~إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل / تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره
~~أولى به، وقال الإمام: أي إن ضلال نفسي كضلالكم لأنه صادر من نفسي ووباله
~~عليها وأما اهتدائي فليس كاهتدائكم بالنظر والاستدلال وإنما هو بالوحي
~~المنير فيكون مجموع الحكمين عنده مختصا به عليه الصلاة والسلام، وفيما
~~ذكره دلالة على ما قال الطيبي على أن دليل النقل أعلى وأفخم من دليل
~~العقل وفيه بحث.

# وقرأ الحسن وابن وثاب وعبد الرحمن المقري { ضللت } بكسر اللام و { أضل }
~~بفتح الضاد وهي لغة تميم، وكسر عبد الرحمن همزة { أضل } وقرىء { ربى }
~~بفتح الياء.

# { إنه سميع قريب } فلا يخفى عليه سبحانه قول كل من المهتدي ms08710
~~والضال وفعله وإن بالغ في إخفائهما فيجازي كلا بما يليق.

### || [34.51]

# { ولو ترى إذ فزعوا } أي اعتراهم انقباض ونفار من الأمر
~~المهول المخيف، والخطاب في { ترى } للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل من
~~تصح منه الرؤية، ومفعول { ترى } محذوف أي الكفار أو فزعهم أو هو { إذ
~~} على التجوز إذ المراد برؤية الزمان رؤية ما فيه أو هو متروك لتنزيل
~~الفعل منزلة اللازم أي لو تقع منك رؤية وجواب { لو } محذوف أي لرأيت
~~أمرا هائلا، وهذا الفزع على ما أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد يوم
~~القيامة، والظاهر عليه أنه فزع البعث وهو مروي عن الحسن وأخرج ابن المنذر
~~وغيره عن قتادة أنه في الدنيا عند الموت حين عاينوا الملائكة عليهم
~~السلام. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك أنه يوم بدر فقيل هو فزع الحرب، وعن
~~السدي وابن زيد فزع ضرب أعناقهم ومعاينة العذاب، وقيل في آخر الزمان حين
~~يظهر المهدي ويبعث إلى السفياني جندا فيهزمهم ثم يسير السفياني إليه حتى
~~إذا كان ببيداء من الأرض خسف به وبمن معه فلا ينجو منهم إلا المخبر عنهم
~~فالفزع فزع ما يصيبهم يومئذ.

# { فلا فوت } فلا يفوتون الله عز وجل بهرب أو نحوه عما يريد سبحانه
~~بهم { وأخذوا من مكان قريب } من الموقف إلى النار أو من ظهر
~~الأرض إلى بطنها أو من صحراء بدر إلى القليب أو من تحت أقدامهم إذا خسف
~~بهم، والمراد بذكر قرب المكان سرعة نزول العذاب بهم والاستهانة بهم
~~وبهلاكهم وإلا فلا قرب ولا بعد بالنسبة إلى الله عز وجل، والجملة عطف على
~~{ فزعوا } على ما ذهب إليه جماعة قال في «الكشف»: وكأن فائدة التأخير
~~أن يقدر فلا فوت ثانيا إما تأكيدا وإما أن أحدهما غير الآخر تنبيها
~~على أن عدم الفوت سبب للأخذ وأن الأخذ سبب لتحققه وجودا، وفيه مبالغة
~~حسنة، وقيل على { لا فوت } على معنى فلم يفوتوا وأخذوا، واختاره ابن
~~جني معترضا على ما تقدم بأنه لا يراد: ولو ترى وقت فزعهم وأخذهم وإنما ms08711
~~المراد: ولو ترى إذ فزعوا ولم يفوتوا وأخذوا، وبما نقل عن «الكشف» يتحصل
~~الجواب عنه. وجوز كونها حالا من فاعل { فزعوا } أو من خبر (لا)
~~المقدر وهو لهم بتقدير قد أو بدونه، والفاء في { فلا فوت } قيل إن
~~كانت سببية فهي داخلة على المسبب لأن عدم فوتهم من فزعهم وتحيرهم وإن
~~كانت تعليلية فهي تدخل على السبب لترتب ذكره على ذكر المسبب، وإذا عطف {
~~أخذوا } عليه أو جعل حالا من الخبر يكون هو المقصود بالتفريع.

# وقرأ عبد الرحمن مولى بني هاشم عن أبيه وطلحة { فلا فوت
~~وأخذوا } مصدرين منونين. وقرأ أبي { فلا فوت } مبنيا { وأخذ }
~~مصدرا منونا، وإذا رفع { أخذ } كان خبر مبتدأ محذوف أي وحالهم أخذ أو
~~مبتدأ خبره محذوف أي وهناك أخذ وإلى ذلك ذهب أبو حيان، وقال الزمخشري:
~~قرىء { وأخذ } بالرفع على أنه معطوف على محل { لا فوت } ومعناه فلا
~~فوت هناك وهناك أخذ.

### || [34.52]

# { وقالوا ءامنا به } أي بالله عز وجل على ما أخرجه جمع / عن
~~مجاهد، وقالت فرقة: أي بمحمد صلى الله عليه وسلم وقد مر ذكره في قوله
~~سبحانه:

# ما بصحبكم من جنة

# [سبأ: 46] وقيل الضمير للعذاب، وقيل للبعث، ورجح رجوعه إلى محمد عليه
~~الصلاة والسلام لأن الإيمان به صلى الله عليه وسلم شامل للإيمان بالله عز
~~وجل وبما ذكر من العذاب والبعث { وأنى لهم التناوش }
~~التناوش التناول كما قال الراغب وروي عن مجاهد. وقال الزمخشري: ((هو
~~تناول سهل لشيء قريب يقال ناشه ينوشه وتناوشه القوم وتناوشوا في الحرب
~~ناش بعضهم بعضا)) بالسلاح، وقال الراجز:

# فهي تنوش الحوض نوشا من علا

# نوشا به تقطع أجواز الفلا

# وإبقاؤه على عمومه أولى أي من أين لهم أن يتناولوا الإيمان { من
~~مكان بعيد } فإنه في حيز التكليف وهم منه بمعزل بعيد؛ ونقل في
~~«البحر» عن ابن عباس تفسير التناوش بالرجوع أي من أين لهم الرجوع إلى
~~الدنيا، وأنشد ابن الأنباري:

# تمنى أن تؤوب إلي مي

# وليس إلى تناوشها سبيل

# ولا يخفى أنه ليس بنص في ذلك، والمراد ms08712 تمثيل حالهم في الاستخلاص
~~بالإيمان بعد ما فات عنهم وبعد بحال من يريد أن يتناول الشيء بعد أن بعد
~~عنه وفات في الاستحالة.

# وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وأبو بكر { التناؤش } بالهمز وخرج على قلب
~~الواو همزة، قال الزجاج: كل واو مضمومة ضمة لازمة فأنت بالخيار فيها إن
~~شئت أبقيتها وإن شئت قلبتها همزة فتقول ثلاث أدور بلا همز وثلاث أدؤر
~~بالهمز. وتعقب ذلك أبو حيان فقال: ((إنه ليس على إطلاقه بل لا يجوز ذلك
~~في المتوسطة إذا كانت مدغما فيها نحو تعود وتعوذ مصدرين وقد صرح بذلك في
~~«التسهيل» ولا إذا صحت في الفعل نحو ترهوك ترهوكا وتعاون تعاونا)) وعلى
~~هذا لا يصح التخريج المذكور لأن التناوش كالتعاون في أن واوه قد صحت في
~~الفعل إذ تقول تناوش فلا يهمز. وقال الفراء: هو من نأشت أي تأخرت وأنشد
~~قول نهشل:

# تمنى نئيشا أن يكون أطاعني

# وقد حدثت بعد الأمور أمور

# أي تمنى أخيرا، والضمير للمولى في قوله:

# ومولى عصاني واستبد برأيه

# كما لم يطع فيما أشاء قصير

# فالهمزة فيه أصلية واللفظ ورد من مادتين، وقال بعضهم: هو من نأشت الشيء
~~إذا طلبته، قال رؤبة:

# أقحمني جار أبي الخابوش

# إليك نأش القدر النؤش

# فالهمزة أصلية أيضا، قيل والتناؤش على هذين القولين بمعنى التناول من
~~بعد لأن الأخير يقتضي ذلك والطلب لا يكون للشيء القريب منك الحاضر عندك
~~فيكون من { من مكان بعيد } تأكيدا أو يجرد التناوش لمطلق
~~التناول، وحمل البعد في قيده على البعد الزماني بحث فيه الشهاب بأنه غير
~~صحيح لأن المستعار منه هو في المكان وما ذكر من أحوال المستعار له.

### || [34.53]

# { وقد كفروا به } حال أو معطوف أو مستأنف والأول أقرب،
~~والضمير المجرور لما عاد عليه الضمير السابق في

# ءامنا به

# [سبأ: 52] { من قبل } أي من قبل ذلك في أوان التكليف.

# { ويقذفون بالغيب } أي كانوا يرجمون بالمظنون ويتكلمون بما
~~لم يظهر لهم ولم ينشأ عن تحقيق في شأن / الله عز وجل فينسبون إليه سبحانه
~~الشريك ويقولون الملائكة ms08713 بنات الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا أو في
~~شأن الرسول عليه الصلاة والسلام فيقولون فيه وحاشاه: شاعر وساحر وكاهن أو
~~في شأن العذاب أو البعث فيبتون القول بنفيه { من مكان بعيد } من
~~جهة بعيدة من أمر من تكلموا في شأنه، والجملة عطف على { وقد كفروا
~~} وكان الظاهر وقذفوا إلا أنه عدل إلى صيغة المضارع حكاية للحال الماضية،
~~والكلام قيل لعله تمثيل لحالهم من التكلم بما يظهر لهم ولم ينشأ عن تحقيق
~~بحال من يرمي شيئا لا يراه من مكان بعيد لا مجال للظن في لحوقه، وجوز
~~الزمخشري كونه عطفا على { قالوا ءامنا به } على أنهم مثلوا في
~~طلبهم تحصيل ما عطلوه من الإيمان في الدنيا بقولهم { آمنا } في الآخرة
~~وذلك مطلب مستبعد بمن يقذف شيئا من مكان بعيد لا مجال للظن في لحوقه حيث
~~يريد أن يقع فيه لكونه غائبا عنه شاحطا.

# وقرأ مجاهد وأبو حيوة ومحبوب عن أبي عمرو { يقذفون } مبنيا للمفعول؛
~~قال مجاهد: أي ويرجمهم الوحي بما يكرهون مما غاب عنهم من السماء، وكأن
~~الجملة في موضع الحال من ضمير { كفروا } كأنه قيل: وقد كفروا به من قبل
~~وهم يقذفون بالحق الذي غاب عنهم وخفي عليهم، والمراد تعظيم أمر كفرهم،
~~وجوز أن يراد بالغيب ما خفي من معايبهم أي وقد كفروا وهم يقذفهم الوحي من
~~السماء ويرميهم بما خفي من معايبهم. وقال أبو الفضل الرازي: أي ويرمون
~~بالغيب من حيث لا يعلمون، ومعناه يجازون بسوء أعمالهم ولا علم لهم بمأتاه
~~إما في حال تعذر التوبة عند معاينة الموت وإما في الآخرة انتهى، وفي
~~حالية الجملة عليه نوع خفاء. وقال الزمخشري: أي وتقذفهم الشياطين بالغيب
~~ويلقنونهم إياه وكان الجملة عطف على { قد كفروا } وقيل أي يلقون في
~~النار وهو كما ترى.

### || [34.54]

# { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } قال ابن عباس: هو
~~الرجوع إلى الدنيا، وقال الحسن: هو الإيمان المقبول، وقال قتادة: طاعة
~~الله تعالى، وقال السدي: التوبة، وقال مجاهد: الأهل والمال والولد. وقيل
~~أي حيل بين الجيش ms08714 والمؤمنين بالخسف بالجيش أو بينهم وبين تخريب الكعبة أو
~~بينهم وبين النجاة من العذاب أو بينهم وبين نعيم الدنيا ولذتها وروي ذلك
~~عن مجاهد أيضا و { حيل } مبني للمجهول ونائب الفاعل كما قال أبو حيان
~~ضمير المصدر أي وحيل هو أي الحول؛ وحاصله وقعت الحيلولة ولإضماره لم يكن
~~مصدرا مؤكدا فناب مناب الفاعل، وعلى ذلك يخرج قوله:

# وقالت متى يبخل عليك ويعتلل

# يسؤك وإن يكشف غرامك تدرب

# أي يعتلل هو أي الاعتلال، وقال الحوفي: قام الظرف مقام الفاعل، وتعقبه
~~في «البحر» بأنه لو كان كذلك لكان مرفوعا والإضافة إلى الضمير لا تسوغ
~~البناء وإلا لساغ جاء غلامك بالفتح ولا يقوله أحد، نعم للبناء للإضافة
~~إلى المبنى مواضع أحكمت في النحو، وماذا يقول الحوفي في قوله:

# وقد حيل بين العير والنزوان

# فإنه نصب بين مع إضافتها إلى معرب. وقرأ ابن عامر والكسائي بإشمام الضم
~~للحاء.

# { كما فعل بأشيعهم من قبل } أي بأشباههم من كفرة الأمم
~~الدارجة، و { من قبل } متعلق بأشياعهم على أن المراد من اتصف بصفتهم
~~من قبل أي في الزمان الأول، ويرجحه أن ما يفعل بجميعهم في الآخرة إنما هو
~~في وقت واحد أو متعلق بفعل إذا كانت الحيلولة في الدنيا، وعن الضحاك أن
~~المراد بأشياعهم أصحاب الفيل، والظاهر أنه جعل الآية في السفياني ومن
~~معه.

# / { إنهم كانوا فى شك مريب } أي موقع في ريبة على أنه من
~~أرابه أوقعه في ريبة وتهمة أو ذي ريبة من أراب الرجل صار ذا ريبة فإما أن
~~يكون قد شبه الشك بإنسان يصح أن يكون مريبا على وجه الاستعارة المكنية
~~التخييلية أو يكون الإسناد مجازيا أسند فيه ما لصاحب الشك للشك مبالغة
~~كما يقال شعر شاعر، وكأنه من هنا قال ابن عطية: الشك المريب أقوى ما يكون
~~من الشك، وضمير الجمع للإشباع وقيل: لأولئك المحدث عنهم والله تعالى
~~أعلم.

# ومن باب الإشارة في بعض آيات السورة ما قيل: { ولقد ءاتينا
~~داوود منا فضلا يجبال أوبى معه والطير } أشير
~~بالجبال إلى عالم الملك ms08715 وبالطير إلى عالم الملكوت، وقد ذكروا أنه إذا
~~تمكن الذكر سرى في جميع أجزاء البدن فيسمع الذاكر كل جزء منه ذاكرا فإذا
~~ترقى حاله يسمع كل ما في عالم الملك كذلك فإذا ترقى يسمع كل ما في الوجود
~~كذلك

# وإن من شيء إلا يسبح بحمده

# [الإسراء: 44]

# وألنا له الحديد

# [سبأ: 10] القلب

# أن اعمل سبغت

# وهي الحكم البالغة التي تظهر من القلب على اللسان

# وقدر فى السرد

# [سبأ: 11] أي في سرد الحديث بأن تتكلم بالحكمة على قدر ما يتحمله عقل
~~مخاطبك، وقد ورد

# " كلموا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله تعالى ورسوله صلى الله
~~عليه وسلم "

# ومن هنا يصعب الجواب عمن تكلم من المتصوفة بما ينكره أكثر من يسمعه من
~~العلماء وبه ضل كثير من الناس { ولسليمن الريح } ريح العناية
~~{ غدوها شهر ورواحها شهر } فكان يتصرف بالهمة وقذف
~~الأنوار في قلوب متبعيه من مسافة شهر

# ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه

# [سبأ: 12] إشارة إلى قوة باطنه حيث انقاد له من جبل على المخالفة وفعل
~~الشرور

# وقليل من عبادى الشكور

# [سبأ: 13] وهو من شكره بالأحوال أعني التخلق بأخلاق الله تعالى

# فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته
~~إلا دابة الأرض تأكل منسأته

# [سبأ: 14] فيه إشارة إلى أن الضعيف قد يفيد القوي علما { وجعلنا
~~بينهم وبين القرى التى باركنا فيها } وهي مقامات
~~أهل الباطن من العارفين { قرى ظهرة } وهي مقامات أهل الظاهر من
~~الناسكين { سيروا فيها ليالى } في ليالي البشرية { وأياما }
~~في أيام الروحانية

# ءامنين

# [سبأ: 18] في خفارة الشريعة. وقال بعض الفرقة الجديدة الكشفية: القرى
~~المبارك فيها الأئمة رضي الله تعالى عنهم والقرى الظاهرة الدعاة إليهم
~~والسفراء بينهم وبين شيعتهم { وظلموا أنفسهم } بميلهم إلى
~~الدنيا وترك السير لسوء استعدادهم

# حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم

# [سبأ: 23] فيه إشارة إلى أن الهيبة تمنع الفهم { وما أرسلنك }
~~أي ما أخرجناك من العدم إلى الوجود { إلا كافة للناس }
~~الأولين والآخرين { بشيرا ونذيرا } وهذا حاله عليه الصلاة والسلام
~~في عالم ms08716 الأرواح وفي عالم الأجساد

# ولكن أكثر الناس لا يعلمون

# [سبأ: 28] إذ لا نور لهم يهتدون به

# وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينات قالوا ما
~~هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد
~~ءاباؤكم

# [سبأ: 43] هؤلاء قطاع الطريق على عباد الله تعالى ومثلهم المنكرون على
~~أولياء الله تعالى الذين ينفرون الناس عن الاعتقاد بهم واتباعهم { قل
~~إن ضللت فإنما أضل على نفسى } إن النفس لأمارة
~~بالسوء

# وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى

# [سبأ: 50] من القرآن وفيه إشارة إلى أنه نور لا يبقى معه ديجور أو مراتب
~~الاهتداء به متفاوتة حسب تفاوت الفهم الناشىء من تفاوت صفاء الباطن
~~وطهارته، وقد ورد أن للقرآن ظاهرا وباطنا ولا يكاد يصل الشخص إلى باطنه
~~لا بتطهير باطنه كما يرمز إليه قوله تعالى:

# لا يمسه إلا المطهرون

# [الواقعة: 79] نسأل الله تعالى أن يوفقنا لفهم ظاهره وباطنه إلى ما شاء
~~من البطون فإنه جل وعلا القادر الذي يقول للشيء كن فيكون.

### | [35 - سورة فاطر]

### || [35.1]

# { الحمد لله فاطر السموت والأرض } أي موجدهما من
~~غير مثال يحتذيه ولا قانون ينتحيه، فالفطر الإبداع، وقال الراغب: هو
~~إيجاده تعالى الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من الأفعال. وأخرج عبد
~~بن حميد والبيهقي في «شعب الإيمان» وغيرهما عن ابن عباس قال: كنت لا أدري
~~ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما:
~~أنا فطرتها يعني ابتدأتها؛ وأصل الفطر الشق، وقال الراغب: الشق طولا ثم
~~تجوز فيه عما تقدم وشاع فيه حتى صار حقيقة أيضا.

# ووجه المناسبة أن السماوات والأرض والمراد بهما العالم بأسره لكونهما
~~ممكنين والأصل في الممكن العدم كما يشير إليه قوله تعالى:

# كل شىء هالك إلا وجهه

# [القصص: 88] وقوله عليه الصلاة والسلام:

# " ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن "

# وصرح بذلك فلاسفة الإسلام قال رئيسهم: الممكن في نفسه ليس وهو عن علته
~~أيس كان العدم كامن فيهما وبإيجادهما يشقان ويخرج العدم منهما. وقيل في
~~ذلك: كأنه تعالى شق العدم بإخراجهما منه، وقيل: لا ms08717 مانع من حمله على أصله
~~هنا ويكون إشارة إلى الأمطار والنبات فكأنه قيل: الحمد لله فاطر السماوات
~~بالأمطار وفاطر الأرض بالنبات وفيه نظر ستأتي الإشارة إليه قريبا.

# وقوله تعالى: { جاعل الملئكة رسلا } على القولين يحتمل أن
~~يكون معناه جاعل الملائكة عليهم السلام وسائط بينه وبين أنبيائه
~~والصالحين من عباده يبلغون إليهم رسالته سبحانه بالوحي والإلهام والرؤيا
~~الصادقة أو جاعلهم وسائط بينه وبين خلقه عز وجل يوصلون إليهم آثار قدرته
~~وصنعه كالأمطار والرياح وغيرهما وهم الملائكة الموكلون بأمور العالم،
~~وهذا أنسب بالقول الثاني لكن يرد عليه أنه لا معنى لكون الأمطار شاقة
~~للسماوات.

# وقال الإمام: إن الحمد يكون على النعم ونعمه تعالى عاجلة وآجلة، وهو في
~~سورة سبأ إشارة إلى نعمة الإيجاد والحشر ودليله

# يعلم ما يلج فى الأرض وما يخرج منها وما ينزل
~~من السماء وما يعرج فيها

# [سبأ: 2] وقوله تعالى:

# وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة

# [سبأ: 3] والحمد في هذه السورة إشارة إلى نعمة البقاء في الآخرة ودليله
~~{ جاعل الملئكة رسلا } أي يجعلهم سبحانه رسلا يتلقون عباد
~~الله تعالى كما قال سبحانه

# وتتلقاهم الملائكة

# [الأنبياء: 103] فيجوز أن يكون المعنى الحمد لله شاق السماوات والأرض
~~يوم القيامة لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض وجاعل
~~الملائكة رسلا في ذلك اليوم يتلقون عباده، وعليه فأول هذه السورة متصل
~~بآخر ما مضى لأن قوله تعالى:

# كما فعل بأشياعهم

# [سبأ: 54] بيان لانقطاع رجاء من كان في شك مريب، ولما ذكر سبحانه حالهم
~~ذكر حال المؤمنين وبشرهم بإرسال الملائكة إليهم وأنه تعالى يفتح أبواب
~~الرحمة لهم انتهى، وفيه من البعد ما فيه.

# و { فاطر } صفة لله وإضافته / محضة قال أبو البقاء: لأنه للماضي لا
~~غير، وقال غيره: هو معرف بالإضافة إذ لم يجر على الفعل بل أريد به
~~الاستمرار والثبات كما يقال زيد مالك العبيد جاء أي زيد الذي من شأنه أن
~~يملك العبيد جاء، ومن جعل الإضافة غير محضة جعله بدلا وهو قليل في
~~المشتقات، وكذا الكلام في { جاعل } و { رسلا } على ms08718 القول بأن
~~إضافته غير محضة منصوب به بالاتفاق، وأما على القول الآخر فكذلك عند
~~الكسائي، وذهب أبو علي إلى أنه منصوب بمضمر يدل هو عليه لأن اسم الفاعل
~~إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل عنده كسائر البصريين إلا معرفا باللام،
~~وقال أبو سعيد السيرافي: اسم الفاعل المتعدي إلى اثنين يعمل بالثاني لأنه
~~بإضافته إلى الأول تعذرت إضافته إلى الثاني فتعين نصبه له. وعلل بعضهم
~~ذلك بأنه بالإضافة أشبه المعرف باللام فعمل عمله هذا على تقدير كون الجعل
~~تصييريا أما على تقدير كونه إبداعيا فرسلا حال مقدرة.

# وقرأ الضحاك والزهري { فطر }  { جعل } فعلا ماضيا ونصب ما بعده
~~قال أبو الفضل الرازي: يحتمل أن يكون ذلك على إضمار الذي نعتا لله تعالى
~~أو على تقدير قد فتكون الجملة حالا. وأنت تعلم أن حذف الموصول الاسمي لا
~~يجوز عند جمهور البصريين، وذهب الكوفيون والأخفش إلى إجازته وتبعهم ابن
~~مالك وشرط في بعض كتبه كونه معطوفا على موصول آخر ومن حجتهم

# آمنا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم

# [العنكبوت: 64] وقول حسان:

# أمن يهجو رسول الله منكم

# وينصره ويمدحه سواء

# وقول آخر:

# ما الذي دأبه احتياط وحزم

# وهواه أطاع يستويان

# واختار أبو حيان كون الجملة خبر مبتدأ محذوف أي هو فطر. وقرأ الحسن {
~~جاعل } بالرفع على المدح وجر { الملئكة } وقرأ عبد الوارث عن
~~أبي عمرو { جاعل } بالرفع بلا تنوين ونصب { الملئكة } وخرج
~~حذف التنوين على أنه لالتقاء الساكنين ونصب { الملائكة } إذا كان { جاعل
~~} للمضي على مذهب الكسائي وهشام في جواز إعمال الوصف الماضي النصب. وقرأ
~~ابن يعمر وخليد { جعل } فعلا ماضيا { الملئكة } بالنصب وذلك
~~بعد قراءته { فاطر } كالجمهور كقراءة من قرأ

# فالق الإصباح وجعل اليل سكنا

# [الأنعام: 96] وفي «الكشاف» قرىء { فطر } و { جعل } كلاهما بلفظ
~~الفعل الماضي. وقرأ الحسن وحميد بن قيس { رسلا } بسكون السين وهي لغة
~~تميم.

# وقوله تعالى: { أولى أجنحة } صفة لرسلا وأولو اسم جمع لذو كما
~~إن أولاه اسم جمع لذا، ونظير ذلك من الأسماء المتمكنة المخاض، قال
~~الجوهري: هي الحوامل من النوق ms08719 واحدتها خلفة، و { أجنحة } جمع جناح
~~صيغة جمع القلة ومقتضى المقام أن المراد به الكثرة. وفي «البحر» قياس جمع
~~الكثرة فيه جنح فإن كان لم يسمع كان أجنحة مستعملا في القليل والكثير،
~~والظاهر أن الجناح بالمعنى المعروف عند العرب بيد أنا لا نعرف حقيقته
~~وكيفيته ولا نقول إنه من ريش كريش الطائر.

# نعم أخرج ابن المنذر عن ابن جريج أن أجنحة الملائكة عليهم السلام زغبة،
~~ورأيت في بعض كتب الإمامية أن الملائكة تزدحم في مجالس الأئمة فيقع من
~~ريشها ما يقع وأنهم يلتقطونه ويجعلون منه ثيابا لأولادهم. وهذا عندي
~~حديث خرافة، والكشفية منهم يؤولونه بما لا يخرجه عن ذلك.

# وقوله تعالى: { مثنى وثلث ورباع } الظاهر أنه صفة لأجنحة،
~~والمنع من الصرف على المشهور للصفة والعدل عن / اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة
~~وأربعة أربعة. وقال الزمخشري: إنما لم تنصرف هذه الألفاظ لتكرار العدل
~~فيها وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الأعداد من صيغ إلى صيغ آخر كما عدل عمر عن
~~عامر وحذام عن حاذمة وعن تكرير إلى غير تكرير ففيها عدلان وأما الوصفية
~~فلا يفترق الحال فيها بين المعدولة والمعدول عنها ألا تراك تقول مررت
~~بنسوة أربع وبرجال ثلاثة فلا يعرج عليها. وتعقبه أبو حيان بأنه قاس الصفة
~~في هذا المعدول على الصفة في أربع وثلاثة وليس بصحيح لأن مطلق الصفة لم
~~يعدوه علة بل اشترطوا أن تكون الوصفية غير عارضة كما في أربع وأن لا يقبل
~~تاء التأنيث أو تكون فيه كثلاث وثلاثة.

# وقال صاحب «الكشف» فيه: إن العدول عن التكرار لا يعتبر فيه للصيغة
~~واعتبر في تحقق العدل ذلك ثم العدول عن الصيغة الأصلية لإفادة التكرر فلا
~~عدولين بوجه، وبعد تسليم أن المعتبر في الوصف مقارنته لوضع المعدول فلا
~~يضرب عروضه في المعدول عنه لا اتجاه للمنع ولا معول على السند وهو قول
~~سيبويه على ما نقله الجوهري وهو المنصور على ما نبهت إليه انتهى.

# وتعقبه أيضا صاحب «الفرائد» وصاحب «التقريب» بعروض الوصفية في المعدول
~~عنه وعدمه في المعدول، لكن قال ms08720 الطيبي: وجدت لبعض المغاربة كلاما يصلح
~~أن يكون جوابا عنه وهو أن ثلاث مثلا لا يخلو من أن يكون موضوعا للصفة
~~من غير اعتبار العدد أو لا يكون فإن كان الأول لم يكن فيه العدد والمقدر
~~خلافه، وإن كان الثاني كان الوصف عارضا لثلاث كما كان عارضا لثلاثة
~~فيمكن أن يقال إن هذه الأعداد غير منصرفة للعدل المكرر كالجمع وألفي
~~التأنيث انتهى، وفيه ما لا يخفى.

# وقال ابن عطية: إن هذه الألفاظ عدلت عن حال التنكير فتعرفت بالعدل فهي
~~لا تنصرف للعدل والتعريف وهذا قول غريب ذكر في «البحر» لبعض الكوفيين.
~~وفي «الكشاف» هي نكرات يعرفن بلام التعريف تقول فلان ينكح المثنى والثلاث
~~والرباع، وقيل: { مثنى } الخ حال من محذوف والعامل فيه محذوف يدل
~~عليه { رسلا } أي يرسلون مثنى وثلاث ورباع، والمعول عليه ما تقدم.

# والمراد ذوي أجنحة متعددة متفاوتة في العدد حسب تفاوت ما لهم من المراتب
~~ينزلون بها ويعرجون أو يسرعون بها حين يؤمرون، ويجوز أن تكون كلا أو
~~بعضا لأمور أخر كالزينة فيما بينهم وكالإرخاء على الوجه حياء من الله
~~تعالى إلى غير ذلك، والمعنى إن من الملائكة خلقا لكل واحد منهم جناحان
~~وخلقا لكل منهم ثلاثة أجنحة وخلقا لكل منهم أربعة أجنحة، ولا دلالة في
~~الآية على نفي الزائد بل قال بعض المحققين: إن ما ذكر من العدد للدلالة
~~على التكثير والتفاوت لا للتعيين ولا لنفي النقصان عن اثنين. وقد أخرج
~~الشيخان والترمذي عن ابن مسعود في قوله تعالى:

# لقد رأى من ءايت ربه الكبرى

# [النجم: 18] رأى جبريل له ستمائة جناح، والترمذي عن مسروق عن عائشة أن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير جبريل في صورته إلا مرتين مرة عند
~~سدرة المنتهى ومرة في جياد له ستمائة جناح قد سد الأفق، وقال الزمخشري:
~~مر بي في بعض الكتب أن صنفا من الملائكة عليهم السلام لهم ستة أجنحة
~~فجناحان يلفون بهما أجسادهم وجناحان يطيرون بهما في أمر من أمور الله
~~تعالى وجناحان مرخيان على وجوههم ms08721 حياء من الله عز وجل.

# والبحث عن كيفية وضع الأجنحة - شفعا كانت أو وترا فيما أرى - مما لا
~~طائل تحته ولم يصح عندي في ذلك شيء / ولقياس الغائب على الشاهد، قال
~~بعضهم: إن المعنى إن في كل جانب لبعض الملائكة عليهم السلام جناحين
~~ولبعضهم ثلاثة ولبعضهم أربعة وإلا فلو كانت ثلاثة لواحد لما اعتدلت، وهو
~~كما ترى.

# وقال قوم: إن الجناح إشارة إلى الجهة، وبيانه أن الله تعالى ليس فوقه
~~شيء وكل شيء سواه فهو تحت قدرته سبحانه كما قال تعالى:

# نزل به الروح الأمين * على قلبك

# [الشعراء: 193-194] وقال تعالى:

# علمه شديد القوى

# [النجم: 5] وقال تعالى:

# فالمدبرت أمرا

# [النازعات: 5] وهما جناحان وفيهم من يفعل ما يفعل من الخير بواسطة وفيهم
~~من يفعله لا بواسطة فالفاعل بواسطة منهم من له ثلاث جهات ومنهم من له
~~أربع جهات وأكثر، وهذا خلاف الظاهر جدا ولا يحتاج إليه السني القائل بأن
~~الملائكة عليهم السلام أجسام لطيفة نورية يقدرون على التشكل بالصور
~~المختلفة وعلى الأفعال الشاقة وإنما يحتاج إليه أو إلى نحوه الفلاسفة
~~وأتباعهم فإن الملائكة عندهم هي العقول المجردة ويسميها أهل الإشراق
~~بالأنوار الظاهرة وبعض المتصوفة بالسرادقات النورية، وقد ذكر بعض
~~متأخريهم أن لها ذوات حقيقية وذوات إضافية مضافة إلى ما دونها إضافة
~~النفس إلى البدن فأما ذواتها الحقيقية فإنما هي أمرية قضائية قولية وأما
~~ذواتها الإضافية فإنما هي خلقية قدرية تنشأ منها الملائكة اللوحية
~~وأعظمهم إسرافيل عليهم السلام، وتطلق الملائكة عندهم على غير العقول
~~كالمدبرات العلوية والسفلية من النفوس والطبائع، وأطالوا الكلام في ذلك
~~وظواهر الآيات والأخبار تكذبهم والله تعالى الموفق للصواب.

# { يزيد فى الخلق ما يشاء } استئناف مقرر لما قبله من تفاوت
~~الملائكة عليهم السلام في عدد الأجنحة ومؤذن بأن ذلك من أحكام مشيئته
~~تعالى لا لأمر راجع إلى ذواتهم ببيان حكم كلي ناطق بأنه عز وجل يزيد في
~~أي خلق كان كل ما يشاء أن يزيده بموجب مشيئته سبحانه ومقتضى حكمته من
~~الأمور التي لا يحيط بها الوصف، وقال الفراء ms08722 والزجاج: هذا في الأجنحة
~~التي للملائكة أي يزيد في خلق الأجنحة للملائكة ما يشاء فيجعل لكل ستة
~~أجنحة أو أكثر وروي ذلك عن الحسن، وكأن الجملة لدفع توهم عدم الزيادة على
~~الأربعة. وعن ابن عباس يزيد في خلق الملائكة والأجنحة ما يشاء، وقيل: {
~~الخلق } خلق الإنسان و { ما يشاء } الخلق الحسن أو الصوت الحسن أو
~~الحظ الحسن أو الملاحة في العينين أو في الأنف أو في الوجه أو خفة الروح
~~أو جعودة الشعر وحسنه أو العقل أو العلم أو الصنعة أو العفة في الفقراء
~~أو حلاوة النطق، وذكروا في بعض ذلك أخبارا مرفوعة والحق أن ذلك من باب
~~التمثيل لا الحصر، والآية شاملة لجميع ذلك بل شاملة لما يستحسن ظاهرا
~~ولما لا يستحسن وكل شيء من الله عز وجل حسن.

# { إن الله على كل شىء قدير } تعليل بطريق التحقيق
~~للحكم المذكور فإن شمول قدرته تعالى لجميع الأشياء مما يوجب قدرته سبحانه
~~على أن يزيد في كل خلق كل ما يشاؤه تعالى إيجابا بينا.

### || [35.2]

# { ما يفتح الله للناس من رحمة } أي ما يطلقها
~~ويرسلها فالفتح مجاز عن الإرسال بعلاقة السببية فإن فتح المغلق سبب
~~لإطلاق ما فيه وإرساله ولذا قوبل بالإمساك، والإطلاق كناية عن الإعطاء
~~كما قيل أطلق السلطان للجند أرزاقهم فهو كناية متفرعة على المجاز. وفي
~~اختيار لفظ الفتح رمز إلى أن الرحمة من أنفس الخزائن وأعزها منالا،
~~وتنكيرها للإشاعة والإبهام أي: أي شيء يفتح الله تعالى من خزائن رحمته أي
~~رحمة كانت من نعمة وصحة وأمن وعلم وحكمة إلى غير ذلك مما / لا يحاط به
~~حتى أن عروة كان يقول كما أخرج ابن المنذر عن محمد بن جعفر بن الزبير عنه
~~في ركوب المحمل هي والله رحمة فتحت للناس ثم يقول: { ما يفتح
~~الله للناس من رحمة } الخ. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي
~~الرحمة المطر، وعن ابن عباس التوبة، والمراد التمثيل، والجار والمجرور في
~~موضع الحال لا في موضع الصفة لأن اسم الشرط لا يوصف.

# { فلا ممسك ms08723 لها } أي فلا أحد يقدر على إمساكها { وما يمسك
~~} أي أي شيء يمسك { فلا مرسل له } أي فلا أحد يقدر على إرساله،
~~واختلاف الضميرين لما أن مرجع الأول مبين بالرحمة ومرجع الثاني مطلق
~~يتناولها وغيرها، وفي ذلك مع تقديم أمر فتح الرحمة إشعار بأن رحمته تعالى
~~سبقت غضبه عز وجل كما ورد في الحديث الصحيح، وقيل المراد وما يمسك من
~~رحمة إلا أنه حذف المبين لدلالة ما قبل عليه، والتذكير باعتبار اللفظ
~~وعدم ما يقوى اعتبار المعنى في التلفظ. وأيد بأنه قرىء { فلا مرسل
~~لها } بتأنيث الضمير { من بعده } أي من بعد إمساكه { وهو
~~العزيز } الغالب على كل ما يشاء من الأمور التي من جملتها الفتح
~~والإمساك { الحكيم } الذي يفعل كل ما يفعل حسبما تقتضيه الحكمة
~~والمصلحة، والجملة تذييل مقرر لما قبلها ومعرب عن كون كل من الفتح
~~والإمساك بموجب الحكمة التي يدور عليها أمر التكوين.

# وما أدعى هذه الآية إلى الانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عما سواه عز
~~وجل وإراحة البال عن التخيلات الموجبة للتهويش وسهر الليال. وقد أخرج ابن
~~المنذر عن عامر بن عبد قيس: قال أربع آيات من كتاب الله تعالى إذا قرأتهن
~~فما أبالي ما أصبع عليه وأمسي

# ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها
~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده

# [فاطر: 2]

# وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن
~~يردك بخير فلا راد لفضله

# [يونس: 107]

# سيجعل الله بعد عسر يسرا

# [الطلاق: 7]

# وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها

# [هود: 6]. وبعدما بين سبحانه أنه الموجد للملك والملكوت والمتصرف فيهما
~~على الإطلاق أمر الناس قاطبة أو أهل مكة كما روي عن ابن عباس واختاره
~~الطيبي بشكر نعمه عز وجل فقال تعالى: { يأيها الناس اذكروا
~~نعمت الله عليكم... }.

### || [35.3]

# { يأيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم } أي
~~إنعامه تبارك وتعالى عليكم إن جعلت النعمة مصدرا أو كائنة عليكم إن جعلت
~~اسما أي راعوها واحفظوها بمعرفة حقها والاعتراف بها وتخصيص العبادة
~~والطاعة بموليها ms08724 فليس المراد مجرد الذكر باللسان بل هو كناية عما ذكر،
~~وعن ابن عباس وقد جعل الخطاب لمن سمعت اذكروا نعمة الله عليكم حيث أسكنكم
~~حرمه ومنعكم من جميع العالم والناس يتخطفون من حولكم، وعنه أيضا نعمة
~~الله تعالى العافية، والأولى عدم التخصيص.

# ولما كانت نعم الله تعالى مع تشعب فنونها منحصرة في نعمة الإيجاد ونعمة
~~الإبقاء نفى سبحانه أن يكون في الوجود شيء غيره سبحانه يصدر عنه إحدى
~~النعمتين بطريق الاستفهام الذي هو لإنكار التصديق وتكذيب الحكم فقال عز
~~وجل: { هل من خلق غير الله } وهل تأتي لذلك كما في
~~«المطول وحواشيه»، وقول الرضي: إن هل لا تستعمل للإنكار أراد به الإنكار
~~على مدعي الوقوع كما في قوله تعالى:

# أفأصفكم ربكم بالبنين

# [الإسراء: 40] ويلزمه النفي والإنكار على من أوقع الشيء كما في قولك
~~أتضرب زيدا وهو أخوك أي هل خالق مغاير له تعالى موجود لكم أو للعالم على
~~أن { خلق } مبتدأ محذوف الخبر زيدت عليه { من } لتأكيد العموم و {
~~غير الله } صفة له باعتبار محله، وصحت الوصفية به مع إضافته إلى
~~أعرف المعارف لتوغله في التنكير فلا يكتسب تعريفا في / مثل هذا التركيب،
~~وجوز أن يكون بدلا من { خلق } بذلك الاعتبار ويعتبر الإنكار في حكم
~~النفي ليكون غير الله هو الخالق المنفي ولأن المعنى على الاستثناء أي لا
~~خالق إلا الله تعالى والبدلية في الاستثناء بغير إنما تكون في الكلام
~~المنفي وبهذا الاعتبار زيدت { من } عند الجمهور وصح الابتداء بالنكرة،
~~وكذا جوز أن يكون فاعلا بخالق لاعتماده على أداة الاستفهام نحو أقائم
~~زيد في أحد وجهيه وهو حينئذ ساد مسد الخبر.

# وتعقبه أبو حيان بقوله ((فيه نظر وهو أن اسم الفاعل أو ما يجري مجراه
~~إذا اعتمد على أداة الاستفهام وأجري مجرى الفعل فرفع ما بعده هل يجوز أن
~~تدخل عليه (من) التي للاستغراق فيقال هل من قائم الزيدون كما تقول هل
~~قائم الزيدون، والظاهر أنه لا يجوز ألا ترى أنه إذا أجري مجرى الفعل لا
~~يكون فيه عموم بخلافه ms08725 إذا دخلت عليه (من) ولا أحفظ مثله في لسان العرب،
~~وينبغي أن لا يقدم على إجازة مثل هذا إلا بسماع من كلامهم)) وفيه أن شرط
~~الزيادة والإعمال موجود ولم يبد مانعا يعول عليه فالتوقف تعنت من غير
~~توقف وفي «الكشف» لا مانع من أن يكون { غير } خبرا.

# ومنعه الشهاب بأن المعنى ليس عليه.

# وقرأ ابن وثاب وشقيق وأبو جعفر وزيد بن علي وحمزة والكسائي { غير }
~~بالخفض صفة لخالق على اللفظ، وهذا متعين في هذه القراءة ولأن توافق
~~القراءتين أولى من تخالفهما كان الأظهر في القراءة الأولى كونه وصفا
~~لخالق أيضا، وقرأ الفضل بن إبراهيم النحوي { غير } بالنصب على
~~الاستثناء.

# وقوله تعالى: { يرزقكم من السماء والأرض } بالمطر والنبات
~~كلام مبتدأ لا محل له من الإعراب لا صفة { خلق } باعتبار لفظه أو
~~محله، قال في «الكشف»: لأن المعنى على التقريع والتذكير بما هم معترفون
~~به فكأنه قيل: هل من خالق لتلك النعم التي أمرتم بذكرها أو مطلقا وهو
~~أولى وتدخل دخولا أوليا { غير الله } ثم تمم ذلك بأنه يرزقكم من
~~السماء والأرض وذلك أيضا يقتضي اختصاصه تعالى بالعبادة كما أن الخالقية
~~تقتضي ذلك، وفيه أن الخالق لا يكون إلا رازقا ولو قيل هل من خالق رازق
~~من السماء والأرض غير الله يخرج الكلام عن سننه المقصود.

# وجوز أن يكون { خلق } فاعلا لفعل مضمر يفسره المذكور والأصل هل
~~يرزقكم خالق و { من } زائدة في الفاعل، وتعقب بأن ما في النظم الجليل
~~إن كان من باب هل رجل عرف فقد صرح السكاكي بقبح هذا التركيب لأن هل إنما
~~تدخل على الجملة الخبرية فلا بد من صحتها قبل دخول هل ورجل عرف لا يصح
~~بدون اعتبار التقديم والتأخير لعدم مصحح الإبتدائية سواه وإذا اعتبر
~~التقديم والتأخير كان الكلام مفيدا لحصول التصديق بنفس الفعل فلا يصح
~~دخول هل عليه لأنها لطلب التصديق وما حصل لا يطلق لئلا يلزم تحصيل الحاصل
~~ولاحتمال أن يكون رجل فاعل فعل محذوف قال بالقبح دون الامتناع وإن كان من
~~باب هل ms08726 زيد عرف فقد صرح العلامة الثاني السعد التفتازاني بأنه قبيح
~~باتفاق النحاة وأن ما ذكره صاحب «المفصل» من أن نحو هل زيد خرج على تقدير
~~الفعل تصحيح للوجه القبيح البعيد لا أنه شائع حسن غاية ما في الباب أن
~~سبب قبحه ليس ما ذكره في قبح هل زيد عرف عند السكاكي لعدم تأتيه فيه بل
~~السبب أن هل بمعنى قد في الأصل وأصله أهل كقوله:

# أهل عرفت الدار بالغرتين

# وترك الهمزة قبلها لكثرة وقوعها في الاستفهام فأقيمت هي مقام الهمزة
~~وتطفلت عليها في الاستفهام، وقد من لوازم الأفعال فكذا ما هي بمعناها،
~~ولم يقبح دخولها على الجملة الاسمية التي طرفاها اسمان لأنها إذا لم تر
~~الفعل في حيزها تتسلى عنه ذاهلة وهذا بخلاف ما إذا رأته فإنها حينئذ
~~تتذكر / عهودا بالحمى وتحن إلى الألف والمألوف وتطلق معانقته ولم ترض
~~بافتراق الاسم بينهما، ويعلم من هذا أنه لا فرق عند النحاة بين هل رجل
~~عرف وهل زيد عرف في القبح لذلك.

# وأجاب بعضهم بأن مجوز هذا الوجه الزمخشري ومتابعوه وهو لا يسلم ما ذكر
~~لأن حرف الشرط كان مثلا ألزم للفعل من هل لأنه لا يجوز دخوله على الجملة
~~الاسمية التي طرفاها اسمان كما دخلت عليها هل وقد جاز بلا قبح عمل الفعل
~~بعده على شريطة التفسير كقوله تعالى:

# وإن أحد من المشركين استجارك

# [التوبة: 6] فيجوز في هل بالطريق الأولى، وقيل: يجوز أن يكون {
~~يرزقكم } الخ مستأنفا في جواب سؤال مقدر تقديره أي خالق يسأل عنه،
~~وأن يكون هو الخبر لخالق، ولا يخفى على متأمل أن ما نقل عن «الكشف» قاض
~~بمرجوحية هذه الأوجه جميعها فتأمل.

# وفي الآية على ما هو الأولى في تفسيرها وإعرابها رد على المعتزلة في
~~قولهم: العبد خالق لأفعاله ونصرة لأهل السنة في قولهم لا خالق إلا الله
~~تعالى.

# { لا إله إلا هو } استئناف مقرر للنفي المفهوم مما تقدم
~~قصدا، ولم يجوز جار الله أن يجعل صفة لخالق كما جعل { يرزقكم }
~~صفة له حيث قال: ولو وصلت ms08727 جملة { لا إله إلا هو } كما وصلت {
~~يرزقكم } لم يساعد عليه المعنى لأن قولك هل من خالق آخر سوى الله
~~لا إله إلا ذلك الخالق غير مستقيم لأن قولك هل من خالق سوى الله إثبات
~~لله تعالى فلو ذهبت تقول ذلك كنت مناقضا بالنفي بعد الإثبات اه.

# وبين صاحب «الكشاف» وجه المناقضة على تقدير أن يكون { غير الله } صفة
~~بأن الكلام مسوق لنفي المشاركة في الصفة المحققة أعني الخلق فقولك هل من
~~خالق آخر سوى الله إثبات لله تعالى ونفي المشارك له فيها ثم وصف الآخر
~~بانحصار الإلهية فيه يكون لنفي خالقيته دون تفرد بالإلهية والتفرد
~~بالإلهية مع مغايرته لله تعالى متناقضان لأن الأول ينفيه تعالى عن ذلك
~~علوا كبيرا والثاني يثبته مع الغير جل عن كل شريك ونقص، ثم قال:
~~والتحقيق في هذا أن هل لإنكار ما يليها وما تلاه إن كان من تتمته ينسحب
~~عليه حكم الإنكار بالبقية وإلا كان مبقى على حاله نفيا وإثباتا، ولما
~~كان الكلام في الخالقية على ما مر لم يكن الوصفان أعني تفرد الآخر
~~بالإلهية ومغايرته للقيوم الحق مصبا له وهما متناقضان في أنفسهما على ما
~~بين فيلزم ما ذكره جار الله لزوما بينا اه، وقد دفع بتقريره ذلك
~~كثيرا من القال والقيل بيد أنه لا يخلو عن بحث، ويمكن تقرير المناقضة
~~على تقدير الوصفية بوجه أظهر لعله لا يخفى على المتأمل، ويجوز أن يكون
~~المانع من الوصفية النظم المعجز وحاكمه الذوق السليم والكلام في ذلك طويل
~~فتأمل.

# والفاء في قوله تعالى: { فأنى تؤفكون } لترتيب إنكار عدولهم
~~عن التوكيد إلى الإشراك على ما قبلها كأنه قيل: وإذا تبين تفرده تعالى
~~بالألوهية والخالقية والرازقية فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك.

### || [35.4]

# وقوله تعالى: { وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك
~~} الخ تسلية له عليه الصلاة والسلام بعموم البلية والوعد له صلى الله
~~عليه وسلم والوعيد لأعدائه، والمعنى وإن استمروا على أن يكذبوك فيما بلغت
~~إليهم من الحق المبين بعدما أقمت عليهم الحجة ms08728 وألقمتهم الحجر فتأس بأولئك
~~الرسل في الصبر فقد كذبهم قومهم وصبروا فجملة { قد كذبت رسل من
~~قبلك } قائمة مقام جواب الشرط والجواب في الحقيقة تأس، وأقيمت تلك
~~الجملة مقامه اكتفاء بذكر السبب عن ذكر المسبب، وجوز أن تجعل هي الجواب
~~من غير تقدير ويكون المترتب على الشرط الإعلام والإخبار كما في قوله
~~تعالى:

# وما بكم من نعمة فمن الله

# [النحل: 53] وتنكير (رسل) للتعظيم والتكثير الموجبين لمزيد التسلية
~~والحث على التأسي والصبر على ما أصابه عليه الصلاة والسلام من / قومه أي
~~رسل أو لو شأن خطير وعدد كثير.

# { وإلى الله ترجع الأمور } لا إلى غيره عز وجل فيجازي
~~سبحانه كلا منك ومنهم بما يليق، به، وفي الاقتصار على ذكر اختصاص المرجع
~~به تعالى مع إبهام الجزاء ثوابا وعقابا من المبالغة في الوعد والوعيد
~~ما لا يخفى. وقرىء { ترجع } بفتح التاء من الرجوع والأول أدخل في
~~التهويل.

### || [35.5]

# { يأيها الناس إن وعد الله } المشار إليه بقوله
~~سبحانه: { وإلى الله ترجع الأمور } من البعث والجزاء { حق
~~} ثابت لا محالة من غير خلف { فلا تغرنكم الحيوة
~~الدنيا } بأن يذهلكم التمتع بمتاعها ويلهيكم التلهي بزخارفها عن
~~تدارك ما ينفعكم يوم حلول الميعاد، والمراد نهيهم عن الاغترار بها وإن
~~توجه النهي صورة إليها نظير قوله تعالى:

# لا يجرمنكم شقاقى

# [هود: 89] وقولك لا أرينك هنا { ولا يغرنكم بالله } حيث
~~أنه جل شأنه عفو كريم رؤوف رحيم { الغرور } أي المبالغ في الغرور،
~~وهو على ما روي عن ابن عباس. والحسن ومجاهد الشيطان فالتعريف للعهد،
~~ويجوز التعميم أي لا يغرنكم كل من شأنه المبالغة في الغرور بأن يمنيكم
~~المغفرة مع الإصرار على المعصية قائلا إن الله يغفر الذنوب جميعا فإن
~~ذلك وإن أمكن لكن تعاطي الذنوب بهذا التوقع من قبيل تناول السم تعويلا
~~على دفع الطبيعة، وتكرير فعل النهي للمبالغة فيه ولاختلاف الغرورين في
~~الكيفية.

# وقرأ أبو حيوة وأبو السمال { الغرور } بالضم على أنه مصدر غره يغره
~~وإن قل في المتعدي، أو جمع غار كقعود وسجود مصدرين وجمعين، وعلى ms08729 المصدرية
~~الإسناد مجازي.

### || [35.6]

# { إن الشيطن لكم عدو } عداوة عامة قديمة لا تكاد تزول،
~~ويشعر بذلك الجملة الاسمية و { لكم } وتقديمه للاهتمام {
~~فاتخذوه عدوا } بمخالفتكم إياه في عقائدكم وأفعالكم وكونوا على
~~حذر منه في مجامع أحوالكم { إنما يدعوا حزبه ليكونوا
~~من أصحب السعير } تقرير لعداوته وتحذير من طاعته بالتنبيه
~~على أن غرضه في دعوة شيعته إلى إتباع الهوى والركون إلى ملاذ الدنيا ليس
~~إلا توريطهم وإلقاءهم في العذاب المخلد من حيث لا يشعرون فاللام ليست
~~للعاقبة. وزعم ابن عطية أنها لها.

### || [35.7]

# { الذين كفروا لهم عذاب شديد } بسبب كفرهم وإجابتهم
~~لدعوة الشيطان واتباعهم لخطواته، ولعل تنكير { عذاب } لتعظيمه بحسب
~~المدة فكأنه قيل: لهم عذاب دائم شديد { والذين ءامنوا
~~وعملوا الصلحت لهم مغفرة } عظيمة { وأجر
~~كبير } لا غاية لهما بسبب ما ذكر من الإيمان والعمل الصالح، و {
~~الذين كفروا } مبتدأ خبره { لهم عذاب } وكذا { والذين
~~آمنوا } و { لهم مغفرة } الخ، وجوز بعضهم كون { الذين
~~كفروا } في موضع خفض بدلا من { أصحب السعير } أو صفة له
~~أو في موضع نصب بدلا من { حزبه } أو صفة له أو في موضع رفع بدلا من
~~ضمير { ليكونوا } والكل مفوت لجزالة التركيب كما لا يخفى على
~~الأريب.

### || [35.8]

# { أفمن زين له سوء عمله } أي حسن له عمله السيء { فرءاه
~~} فاعتقده بسبب التزيين { حسنا } فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، و {
~~من } موصولة في موضع رفع على الابتداء والجملة بعدها صلتها والخبر
~~محذوف والفاء للتفريع والهمزة للإنكار فإن كانت مقدمة من تأخير كما هو
~~رأي سيبويه والجمهور في نظير ذلك فالمراد تفريع إنكار ما بعدها على ما
~~قبلها من الحكمين السابقين أي إذا كانت عاقبة كل من الفريقين ما ذكر فليس
~~الذي زين له الكفر من جهة عدوه الشيطان فاعتقده / حسنا وانهمك فيه كمن
~~استقبحه واجتنبه واختار الإيمان والعمل الصالح وإن كانت في محلها الأصلي
~~وكان العطف على مقدر تكون هي داخلة إليه كما ذهب إليه جمع فالمراد ما في
~~حيزها ويكون التقدير أهما، أي الذين كفروا ms08730 والذين آمنوا وعملوا الصالحات
~~متساويان فالذي زين له الكفر من جهة عدوه الشيطان فاعتقده حسنا وانهمك
~~فيه كمن استقحبه واجتنبه واختار الإيمان والعمل الصالح أي ما هما
~~متساويان ليكون الذي زين له الكفر كمن استقبحه، وحذف هذا الخبر لدلالة
~~الكلام عليه واقتضاء النظم الجليل إياه، وقد صرح بالجزأين في نظير الآية
~~الكريمة من قوله تعالى:

# أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء
~~عمله

# [محمد: 41] وقوله سبحانه:

# أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن
~~هو أعمى

# [الرعد: 19] وقوله عز وجل:

# أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا
~~يمشي به فى الناس كمن مثله في الظلمت

# [الأنعام: 122] وفي التعبير عن الكافر بمن زين له سوء عمله فرآه حسنا
~~إشارة إلى غاية ضلاله حتى كأنه غلب على عقله وسلب تمييزه فشأن المغلوب
~~على عقله ذلك كما يشير إليه قول أبي نواس:

# اسقني حتى تراني

# حسنا عندي القبيح

# وظاهر كلام الزجاج أن (من) شرطية حيث قال: الجواب على ضربين، أحدهما: ما
~~يدل عليه قوله تعالى: { فلا تذهب نفسك } الخ ويكون المعنى أفمن
~~زين له سوء عمله فأضله الله ذهبت نفسك عليهم حسرة، وثانيهما: ما يدل عليه
~~قوله تعالى: { فإن الله } الخ ويكون المعنى أفمن زين له سوء عمله
~~كمن هداه الله تعالى، وإلى ذلك ذهب ابن مالك أيضا. واعترض ابن هشام على
~~التقدير الثاني بأن الظرف لا يكون جوابا وإن قلنا إنه جملة، ووجهه أن
~~الرضي صرح بأنه لا يكون مستقرا في غير الخبر والصفة والصلة والحال ولم
~~يذكر الجواب لا أن ذلك لعدم الفاء، وتقديرها داخلة على مبتدأ يكون الظرف
~~خبره والجملة بتمامها جزاء غير جائز لما فيه من التكلف كما قيل.

# وزعم بعضهم أنه يجوز أن يكون الزجاج قد ذهب إلى أن من موصولة وأطلق على
~~خبرها الجواب لشبهه به في المعنى ألا تراهم يدخلون الفاء في خبر الموصول
~~الذي صلته جملة فعلية كما يدخلونها في جواب الشرط فيقولون الذي يأتيني
~~فله درهم، وفيه أنه خلاف ms08731 الظاهر ولا قرينة على إرادته سوى عدم صحة
~~الجزائية، وضعف التقدير الأول بالفصل بين ما فيه الحذف ودليل المحذوف مع
~~خفاء ربط الجملة بما قبلها عليه، ولا ينبغي أن تكون (من) شرطية جوابها
~~(فرآه) لما في ذلك من الركاكة الصناعية فإن الماضي في الجواب لا يقترن
~~بالفاء بدون قد مع خفاء أمر إنكار رؤية سوء العمل حسنا بعد التزيين
~~وتفريعه على ما قبله من الحكمين، وكون الإنكار لما أن المزين هو الشيطان
~~العدو والتفريع على قوله تعالى:

# إن الشيطن لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما
~~يدعو حزبه ليكونوا من أصحب السعير

# [فاطر: 6] لا يخفى حاله فالوجه المعول عليه ما تقدم جعل عليه.

# وقوله تعالى: { فإن الله يضل من يشاء ويهدى من
~~يشاء } تعليلا لسببية التزيين لرؤية القبيح حسنا، وفيه دفع استبعاد
~~أن يرى الشخص القبيح حسنا بتزيين العدو إياه ببيان أن ذلك بمشيئة الله
~~عز وجل التابعة للعلم المتعلق بالأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر
~~وإيذان بأن أولئك الكفرة الذين زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنا ممن شاء
~~الله تعالى ضلالهم، وقوله تعالى: { فلا تذهب نفسك عليهم
~~حسرت } تفريع عليه أي إذا كان الأمر كذلك فلا تذهب نفسك الخ، وذكر
~~المولى سعدي جلبي أن الهمزة في { أفمن } على التقدير الأول من
~~التقديرين الذين / نقلا عن الزجاج لإنكار ذهاب نفسه صلى الله عليه وسلم
~~عليه عليهم حسرة والفاء في قوله سبحانه: { فإن الله } الخ تعليل
~~لما يفهمه النظم الجليل من أنه لا جدوى للتحسر، وفي «الكشاف» أنه تعالى
~~لما ذكر الفريقين الذين كفروا والذين آمنوا قال سبحانه لنبيه صلى الله
~~عليه وسلم: { أفمن زين له سوء عمله فرءاه حسنا } يعني
~~أفمن زين له سوء عمله من هذين الفريقين كمن لم يزين له فكأن رسول الله
~~عليه الصلاة والسلام قال لا فقال تعالى: { فإن الله يضل من
~~يشاء ويهدى من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم
~~حسرت }. ويفهم من كلام الطيبي أن فاء { فلا تذهب } جزائية
~~وفاء { فإن الله } للتعليل وأن الجملة ms08732 مقدمة من تأخير فقد قال:
~~إنه صلى الله عليه وسلم كان حريصا على إيمان القوم وأن يسلك الضالين في
~~زمرة المهتدي فقيل له عليه الصلاة والسلام على سبيل الإنكار لذلك: أفمن
~~زين له سوء عمله من هذين الفريقين كمن لم يزين له فلا بد أن يقر صلى الله
~~عليه وسلم بالنفي ويقول لا فحينئذ يقال له فإذا كان كذلك فلا تذهب نفسك
~~عليهم حسرات فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فقدم وأخر انتهى وفيه
~~نظر.

# وفي الآيات على ما يقتضيه ظاهر كلام الزمخشري لف ونشر وبذلك صرح الطيبي
~~قال قال: الأحسن أن تجعل الآيات من الجمع والتقسيم والتفريق فقوله تعالى:
~~{ يأيها الناس إن وعد الله حق } جمع الفريقين معا
~~في حكم نداء الناس وجمع مالهما من الثواب والعقاب في حكم الوعد وحذرهما
~~معا عن الغرور بالدنيا والشيطان، وأما التقسيم فهو قوله تعالى:

# الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين ءامنوا
~~وعملوا الصلحت لهم مغفرة وأجر كبير

# [فاطر: 7] وأما التفريق فقوله تعالى: { أفمن زين له سوء
~~عمله } لأنه فرق فيه وبين التفاوت بين الفريقين كما قال الزمخشري
~~أفمن زين له سوء عمله من هذين الفريقين كمن لم يزين له، وفرع على ذلك
~~ظهور أن الفاء في { أفمن } للتعقيب والهمزة الداخلة بين المعطوف
~~والمعطوف عليه لإنكار المساواة وتقرير البون العظيم بين الفريقين وأن
~~المختار من أوجه ذكرها السكاكي في «المفتاح» تقدير كمن هداه الله تعالى
~~فحذف لدلالة { فإن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء
~~} ولهم في نظم الآيات الكريمة كلام طويل غير ما ذكرناه من أراده فليتبع
~~كتب التفاسير والعربية، ولعل فيما ذكرناه مقنعا لمن أوتي ذهنا سليما
~~وفهما مستقيما.

# والحسرات جمع حسرة وهي الغم على ما فاته والندم عليه كأنه انحسر عنه ما
~~حمله على ما ارتكبه أو انحسر قواه من فرط غم أو أدركه إعياء عن تدارك ما
~~فرط منه، وانتصبت على أنها مفعول من أجله أي فلا تهلك نفسك للحسرات،
~~والجمع مع أن الحسرة في الأصل مصدر ms08733 صادق على القليل والكثير للدلالة على
~~تضاعف اغتمامه عليه الصلاة والسلام على أحوالهم أو على كثرة قبائح
~~أعمالهم الموجبة للتأسف والتحسر، و { عليهم } صلة { تذهب } كما
~~يقال هلك عليه حبا ومات عليه حزنا أو هو بيان للمتحسر عليه فيكون ظرفا
~~مستقرا ومتعلقه مقدر كأنه قيل: على من تذهب؟ فقيل: عليهم، وجوز أن يتعلق
~~بحسرات بناء على أنه يغتفر تقديم معمول المصدر عليه إذا كان ظرفا وهو
~~الذي اختاره والزمخشري لا يجوز ذلك وجوز أن يكون حسرات حالا من {
~~نفسك } كأن كلها صارت حسرات لفرط التحسر كما قال جرير:

# مشق الهواجر لحمهن مع السرى

# حتى ذهبن كلاكلا وصدورا

# يريد رجعن كلاكلا وصدورا أي لم يبق إلا كلاكلها وصدورها، وهو الذي ذهب
~~إليه سيبويه في البيت، وقال المبرد: كلاكلا وصدورا تمييز محول عن الفاعل
~~أي حتى ذهب كلاكلها وصدورها، ومن هذا قوله:

# فعلى إثرهم تساقط نفسي

# حسرات وذكرهم لي سقام

# وفيه مبالغات ثلاث.

# وقرأ عبيد بن عمير { زين } مبنيا للفاعل، ونصب { سوأ } وعنه أيضا {
~~أسوأ } على وزن أفعل وأريد بأسوأ عمله الشرك، وقرأ طلحة { أمن } بغير
~~فاء قال صاحب «اللوامح»: فالهمزة للاستخبار والتقرير ويجوز أن تكون
~~للنداء وحذف ما نودي لأجله أي تفكر وارجع إلى الله فإن الله الخ، والظاهر
~~أنها للإنكار كما في قراءة الجمهور، وقرأ أبو جعفر وقتادة وعيسى والأشهب
~~وشيبة وأبو حيوة وحميد والأعمش وابن محيصن { تذهب } من أذهب مسندا
~~إلى ضمير المخاطب { نفسك } بالنصب على المفعولية ورويت عن نافع.

# { إن الله عليم بما يصنعون } في موضع التعليل لما قبله
~~وفيه وعيد للكفرة أي أنه تعالى عليم بما يصنعونه من القبائح فيجازيهم
~~عليه، والآيات من قوله تعالى: { أفمن زين له سوء عمله } إلى
~~هنا نزلت على ما روي عن ابن عباس في أبي جهل ومشركي مكة، وأخرج جويبر عن
~~الضحاك أنها نزلت في عمر رضي الله تعالى عنه وأبي جهل حيث هدى الله
~~تعالى عمر وأضل أبا جهل.

### || [35.9]

# { والله الذى أرسل الرياح } مبتدأ وخبر، وقرأ حمزة
~~والكسائي وابن ms08734 كثير { الريح } وصيغة المضارع في قوله تعالى: {
~~فتثير سحابا } لحكاية الحال الماضية استحضارا لتلك الصورة
~~البديعة الدالة على كمال القدرة والحكمة وكثيرا ما يفعلون ذلك بفعل فيه
~~نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب أو تهم المخاطب أو غير ذلك، ومنه قول تأبط
~~شرا:

# ألا من مبلغ فتيان فهم

# بما لاقيت عند رحى بطان

# بأني قد رأيت الغول تهوي

# بسهب كالصحيفة صحصحان

# فقلت لها كلانا نضو أرض

# أخو سفر فخلي لي مكاني

# فشدت شدة نحوي فأهوت

# لها كفي بمصقول يماني

# فأضربها بلا دهش فخرت

# صريعا لليدين وللجران

# ولأن الإثارة خاصية للرياح وأثر لا ينفك في الغالب عنها فلا يوجد إلا
~~بعد إيجادها فيكون مستقبلا بالنسبة إلى الإرسال، وعلى هذا يكون استعمال
~~المضارع على ظاهره وحقيقته من غير تأويل لأن المعتبر زمان الحكم لا زمان
~~التكلم، والفاء دالة على عدم تراخي ذلك وهو شيء آخر، وجوز أن يكون
~~الإتيان بما يدل على الماضي ثم بما يدل على المستقبل إشارة إلى استمرار
~~الأمر وأنه لا يختص بزمان دون زمان إذ لا يصح المضي والاستقبال في شيء
~~واحد إلا إذا قصد ذلك.

# وقال الإمام: اختلاف الفعلين لأنه لما أسند فعل الإرسال إلى الله تعالى
~~وما يفعل سبحانه يكون بقوله عز وجل:

# كن

# [يس: 82] فلا يبقى في العدم زمانا ولا جزء زمان جىء بلفظ الماضي دون
~~المستقبل لوجوب وقوعه وسرعة كونه كأنه كان ولأنه تعالى فرغ من كل شيء فهو
~~سبحانه قدر الإرسال في الأوقات المعلومة وإلى المواضع المعينة والتقدير
~~كالإرسال ولما أسند فعل الإثارة إلى الرياح وهي تؤلف في زمان قال سبحانه:
~~{ تثير } بلفظ المستقبل اه. وأورد عليه قوله تعالى: في سورة الروم
~~[48]

# الله الذى يرسل الريح فتثير سحابا

# وفي سورة الأعراف [57]

# وهو الذى يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته

# حيث جىء في الإرسال فيها بالمضارع فتأمل.

# { فسقناه إلى بلد ميت } قطعة من الأرض لا نبات فيها.
~~وقرىء { ميت } بالتخفيف وهما بمعنى واحد في المشهور. / وفي «كليات أبي
~~البقاء الكفوي»: الميت بالتخفيف هو الذي مات ms08735 والميت بالتشديد والمائت هو
~~الذي لم يمت بعد، وأنشد:

# ومن يك ذا روح فذلك ميت

# وما الميت إلا من إلى القبر يحمل

# والمعول عليه هو المشهور { فأحيينا به الأرض } أي بالمطر
~~النازل منه المدلول عليه بالسحاب فإن بينهما تلازما في الذهن كما في
~~الخارج أو بالسحاب فإنه سبب السبب وإحياء الأرض إنبات الشجر والكلأ فيها
~~{ بعد موتها } يبسها وخلوها عن ذلك، وإيراد الفعلين بصيغة الماضي
~~للدلالة على التحقيق، وإسنادهما إلى نون العظمة المنبىء عن الاختصاص به
~~تعالى لما فيهما من مزيد الصنع ولتكميل المماثلة بين إحياء الأرض وبين
~~البعث الذي شبه به بقوله تعالى: { كذلك النشور } في كمال
~~الاختصاص بالقدرة الربانية، وقال الإمام عليه الرحمة: أسند { أرسل }
~~إلى الغائب وساق { وأحيى } إلى المتكلم لأنه في الأول عرف سبحانه نفسه
~~بفعل من الأفعال وهو الإرسال ثم لما عرف قال تعالى: أنا الذي عرفتني سقت
~~السحاب وأحييت الأرض ففي الأول كان تعريفا بالفعل العجيب وفي الثاني كان
~~تذكيرا بالنعمة فإن كمال نعمتي الرياح والسحب بالسوق والإحياء، وهو كما
~~ترى.

# وقال سبحانه: فأحيينا به الأرض دون فأحييناه أي البلد الميت به تعليقا
~~للإحياء بالجنس المعلوم عند كل أحد وهو الأرض ولأن ذلك أوفق بأمر البعث،
~~وقال تعالى: { بعد موتها } مع أن الإحياء مؤذن بذلك لما فيه من
~~الإشارة إلى أن الموت للأرض الذي تعلق بها الإحياء معلوم لهم وبذلك يقوى
~~أمر التشبيه فليتأمل.

# والنشور على ما في «البحر» مصدر نشر الميت إذا حيي قال الأعشى:

# حتى يقول الناس مما رأوا

# يا عجبا للميت الناشر

# وفي «نهاية ابن الأثير» ((يقال نشر الميت ينشر نشورا إذا عاش بعد الموت
~~وأنشره الله تعالى أحياه)) وقال الراغب: قيل نشر الله تعالى الميت وأنشره
~~بمعنى والحقيقة أن نشر الله تعالى الميت مستعار من نشر الثوب أي بسطه كما
~~قال الشاعر:

# طوتك خطوب دهرك بعد نشر

# كذاك خطوبه طيا ونشرا

# والمراد بالنشور هنا إحياء الأموات في يوم الحساب وهو مبتدأ، والجار
~~والمجرور قبله في موضع الخبر وقيل الكاف في ms08736 حيز الرفع على الخبرية أي مثل
~~ذلك الإحياء الذي تشاهدونه إحياء الأموات يوم القيامة في صحة المقدورية
~~وسهولة التأتي من غير تفاوت بينهما أصلا سوى الألف في الأول دون الثاني،
~~وقال أبو حيان: وقع التشبيه بجهات لما قبلت الأرض الميتة الحياة اللائقة
~~بها كذلك الأعضاء تقبل الحياة أو كما أن الريح تجمع قطع السحاب كذلك يجمع
~~الله تعالى أجزاء الأعضاء وأبعاض الموتى أو كما يسوق سبحانه السحاب إلى
~~البلد الميت يسوق عز وجل الروح والحياة إلى البدن.

# وقال بعضهم: التشبيه باعتبار الكيفية. فقد أخرج ابن جرير وغيره عن عبد
~~الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: يقوم ملك بالصور بين السماء
~~والأرض فينفخ فيه فلا يبقى خلق لله في السماوات والأرض إلا من شاء الله
~~تعالى إلا مات ثم يرسل الله تعالى من تحت العرش ماء كمني الرجال فتنبت
~~أجسامهم من ذلك الماء وقرأ الآية ثم يقوم ملك فينفخ فيه فتنطلق كل نفس
~~إلى جسدها، وفي حديث مسلم مرفوعا «ينزل الله تعالى مطرا كأنه الطل
~~فينبت أجساد الناس».

# / ونبات الأجساد من عجب الذنب على ما ورد في الآثار وقد جاء أنه لا يبلى
~~وهو العظم الذي في أسفل الصلب عند العجز، وقال أبو زيد الوقواقي: هو جوهر
~~فرد يبقى من هذه النشأة لا يتغير، ولا حاجة إلى التزام أنه جوهر فرد،
~~ووراء ذلك أقوال عجيبة في هذا العجب فقيل هو العقل الهيولاني، وقيل بل
~~الهيولى، وعن الغزالي إنما هو النفس وعليها تنشأ النشأة الآخرة، وعن
~~الشيخ الأكبر أنه العين الثابت من الإنسان، وعن بعض المتكلمين أنه
~~الأجزاء الأصلية، وقال الملا صدرا الشيرازي في «أسفاره»: هو عندنا القوة
~~الخيالية لأنها آخر الأكوان الحاصلة في الإنسان من القوى الطبيعية
~~والحيوانية والنباتية المتعاقبة في الحدوث للمادة الإنسانية في هذا
~~العالم وهي أول الأكوان الحاصلة في النشأة الآخرة ثم بين ذلك بما بين
~~وأنه لأضعف من بيت العنكبوت وأوهن. والمعول عليه ما يوافق فهم أهل
~~اللسان، وأي حاجة إلى التأويل بعد التصديق بقدرة ms08737 الملك الديان جل شأنه
~~وعظم سلطانه.

### || [35.10]

# { من كان يريد العزة } الشرف والمنعة من قولهم أرض عزاز أي
~~صلبة وتعريفها للجنس، والآية في الكافرين كانوا يتعززون بالأصنام كما قال
~~تعالى:

# واتخذوا من دون الله ءالهة ليكونوا لهم عزا

# [مريم: 81] والذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة قلوبهم كانوا يتعززون
~~بالمشركين كما قال سبحانه:

# الذين يتخذون الكفرين أولياء من دون
~~المؤمنين أيبتغون عندهم العزة

# [النساء: 139] و(من) اسم شرط وما بعده فعل الشرط، والجمع بين (كان)
~~و(يريد) للدلالة على دوام الإرادة واستمرارها، وقوله تعالى: { فلله
~~العزة جميعا } دليل الجواب ولا يصح جعله جوابا من حيث الصناعة
~~لخلوه عن ضمير يعود على (من)، وقد قالوا: لا بد أن يكون في جملة الجواب
~~ضمير يعود على اسم الشرط إذا لم يكن ظرفا، والتقدير من كان يريد العزة
~~فليطلبها من الله تعالى فلله وحده لا لغيره العزة فهو سبحانه يتصرف فيها
~~كما يريد فوضع السبب موضع المسبب لأن الطلب ممن هي له وفي ملكه جميعها
~~مسبب عنه.

# وتعريف العزة للاستغراق بقرينة { جميعا } وانتصابه على الحال،
~~والمراد عزة الدنيا والآخرة، وتقديم الخبر على المبتدأ للاختصاص كما
~~أشرنا إليه. ولا ينافي ذلك قوله تعالى:

# ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين

# [المنافقون: 8] لأن ما لله تعالى وحده العزة بالذات وما للرسول صلى الله
~~عليه وسلم العزة بواسطة قربه من الله تعالى وما للمؤمنين العزة بواسطة
~~الرسول عليه الصلاة والسلام، وكأنه للإشارة إلى ذلك أعيد الجار، وقدر
~~بعضهم الجواب فليطع الله تعالى، وأيد بما رواه أنس كما في «مجمع البيان»
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " إن ربكم يقول كل يوم أنا العزيز فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز "

# ومن قدر فليطلبها من الله تعالى قال: إن الطلب منه تعالى إنما يكون
~~بالطاعة والانقياد، وعن الفراء المعنى من كان يريد علم العزة أي القدرة
~~على القهر لمن هي فلينسبها إلى الله تعالى فهي له تعالى وحده، وقيل:
~~المعنى من كان يريد العزة أي الغلبة فهو مغلوب لأن الغلبة لله تعالى وحده ms08738
~~ولا تتم إلا به عز وجل ونسب هذا إلى مجاهد، وقيل: تعريف العزة الأولى
~~للاستغراق أيضا أو للعهد والمراد الفرد الكامل، والمعنى من كان يريد
~~العزة جميعها أو الفرد الكامل منها وهي العزة التي لا يشوبها ذلة من وجه
~~فهو لا ينالها فإنها لله تعالى وحده، وهذا القول أحسن من القولين قبله،
~~وأظهر الأقوال عندي الأول وهو منسوب إلى قتادة.

# وقوله تعالى: { إليه يصعد الكلم الطيب } إلى آخره
~~كالبيان لطريق تحصيل العزة وسلوك السبيل إلى نيلها وهو الطاعة القولية
~~والفعلية، وقيل: بيان لكون / العزة كلها لله تعالى وبيده سبحانه لأنها
~~بالطاعة وهي لا يعتد بها ما لم تقبل، وقيل: استئناف كلام، وعلى الأول
~~المعول.

# و { الكلم } اسم جنس جمعي عند جمع واحده كلمة.

# والمراد بالكلم الطيب على ما في «الكشاف» و «البحر» عن ابن عباس لا إله
~~إلا الله، ومعنى كونه طيبا على ما قيل أن العقل السليم يستطيبه ويستلذه
~~لما فيه من الدلالة على التوحيد الذي هو مدار النجاة والوسيلة إلى النعيم
~~المقيم أو يستلذه الشرع أو الملائكة عليهم السلام، وقيل: إنه حسن يقبله
~~العقل ولا يرده، وإطلاق الكلم على ذلك إن كان واحده الكلمة بالمعنى
~~الحقيقي ظاهر لتضمنه عدة كلمات لكن في وصفه بالطيب بالنظر إلى غير الاسم
~~الجليل خفاء؛ ولعل ذلك باعتبار خصوصية التركيب، وإن كان واحده هنا الكلمة
~~بالمعنى المجازي كما في قوله تعالى:

# وتمت كلمت ربك

# [الأنعام: 115]، و

# كلا إنها كلمة هو قائلها

# [المؤمنون: 100] وقوله عليه الصلاة والسلام:

# " أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد "

# وقولهم لا إله إلا الله كلمة التوحيد إلى ما لا يحصى كثرة فإطلاق الكلم
~~على ذلك لتعدده بتعدد القائل. وكأن القرينة على إرادة المعنى المجازي
~~للكلمة الصادق على الكلام الوصف بالطيب بناء على أن ما يستطيب ويستلذ هو
~~الكلام دون الكلمة العرية عن إفادة حكم تنبسط منه النفس أو تنقبض. أو
~~يقال: إن كثرة إطلاق الكلمة على الكلام وشيوعه فيما بينهم حتى قال بعضهم
~~كما نقل الحمصي في «حواشي التصريح» عن ms08739 بعض شراح «الآجرومية» أنه حقيقية
~~لغوية تغني عن القرينة.

# وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في «الأسماء
~~والصفات» عن الحبر أنه فسر الكلم الطيب بذكر الله تعالى، وقيل: هو سبحان
~~الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وهو ظاهر أثر أخرجه ابن
~~مردويه والديلمي عن أبي هريرة. وقيل: هو سبحان الله وبحمده والحمد لله
~~ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك الله، وهو ظاهر أثر أخرجه جماعة عن
~~ابن مسعود، وأخرجه ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب أنه القرآن، وقيل: هو
~~الثناء بالخير على صالحي المؤمنين، وقيل: هو الدعاء الذي لا ظلم فيه،
~~وقال الإمام وبه أقتدي: المختار أنه كل كلام هو ذكر الله تعالى أو هو لله
~~سبحانه كالنصيحة والعلم، وأما ما أفاده كلام الملا صدرا في «أسفاره» من
~~أنه النفوس الطاهرة الزكية فإنه تطلق الكلمة على النفس إذا كانت كذلك كما
~~قال تعالى في عيسى عليه السلام:

# وكلمته ألقها إلى مريم

# [النساء: 171] فلا ينبغي أن يعد في عداد أقوال المفسرين كما لا يخفى.

# وصعود الكلم إليه تعالى مجاز مرسل عن قبوله بعلاقة اللزوم أو استعارة
~~بتشبيه القبول بالصعود، وجوز أن يجعل الكلم مجازا عما كتب فيه بعلاقة
~~الحلول أو يقدر مضاف أي إليه يصعد صحيفة الكلم الطيب أو يشبه وجوده
~~الخارجي هنا ثم الكتابي في السماء بالصعود ثم يطلق المشبه به على المشبه
~~ويشتق منه الفعل على ما هو المعروف في الاستعارة التبعية، وقيل: لا مانع
~~من اعتبار حقيقة الصعود للكلم فلله تعالى تجسيد المعاني، وكون الصعود
~~إليه عز وجل من المتشابه والكلام فيه شهير، والكلام بعد ذلك كناية عن
~~قبوله والاعتناء بشأن صاحبه، وتقديم الجار والمجرور لإفادة الحصر.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن مسعود رضي الله تعالى عنه والسلمي
~~وإبراهيم { يصعد } من أصعد الكلام الطيب بالنصب، وقال ابن عطية: وقرأ
~~الضحاك { يصعد } بضم الياء ولم يذكر مبنيا للفاعل ولا مبنيا للمفعول
~~ولا إعراب ما بعده، وفي «الكشاف» وقرىء { إليه ms08740 يصعد الكلم الطيب } على
~~البناء للمفعول و { إليه يصعد الكلم الطيب } من أصعد والمصعد هو الرجل أي
~~يصعد إلى الله عز وجل الكلم الطيب، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما
~~{ إليه يصعد } من صعد الكلام بالرفع.

# { والعمل الصلح يرفعه } مبتدأ وخبر على المشهور، واختلف
~~في فاعل { يرفع } فقيل ضمير يعود على (العمل / الصالح) وضمير النصب
~~يعود على { الكلم } أي والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب وروي ذلك عن
~~ابن عباس والحسن وابن جبير ومجاهد والضحاك وشهر بن حوشب على ما أخرجه عنه
~~سعيد بن منصور وغيره. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم
~~والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عباس أنه فسر العمل الصالح بأداء
~~الفرائض ثم قال: فمن ذكر الله تعالى وأدى فرائضه حمل عمله ذكر الله تعالى
~~فصعد به إلى الله تعالى ومن ذكر الله تعالى ولم يؤد فرائضه رد كلامه على
~~عمله وكان عمله أولى به، وتعقب ذلك ابن عطية فقال: هذا قول يرده معتقد
~~أهل السنة ولا يصح عن ابن عباس، والحق أن العاصي بترك فرائضه إذا ذكر
~~الله تعالى وقال كلاما طيبا كتب له ذلك وتقبل منه وعليه وزر ترك
~~الفرائض، والله تعالى يتقبل من كل من اتقى الشرك انتهى. ولعل المراد برفع
~~العمل الصالح الكلم الطيب رفع قدره وجعله بحيث يترتب عليه من الثواب ما
~~لم يترتب عليه إذا كان بلا عمل، وحديث

# " لا يقبل الله قولا إلا بعمل ولا يقبل قولا وعملا إلا بنية ولا يقبل
~~قولا وعملا ونية إلا بإصابة السنة "

# المذكور في «الكشاف» لا أظن صحته، وقيل: إنه لو سلم صحته فالمراد نفي
~~القبول التام؛ ويجوز أن يكون المراد برفعه إياه تحقيقه وتقويته وذلك
~~باعتبار أن الكلام الطيب هو الإيمان فإنه لا شك أن العمل الصالح يثبت
~~الإيمان ويحققه بإظهار آثاره إذ به يعلم التصديق القلبي.

# وقيل: الفاعل ضمير يعود على (الكلم الطيب) وضمير النصب يعود على (العمل
~~الصالح) أي يرفع الكلم الطيب العمل الصالح. ونسب أبو حيان هذا ms08741 القول إلى
~~أبي صالح وشهر بن حوشب، وأيد بقراءة عيسى وابن أبي عبلة { والعمل
~~الصلح } بالنصب على الاشتغال، وفيه بحث لعدم تعين ضمير { الكلم }
~~للفاعلية عليها، ومعنى رفع الكلم الطيب العمل الصالح قيل أن يزيده بهجة
~~وحسنا. ومن فسر الكلم الطيب بالتوحيد قال: معنى ذلك جعله مقبولا فإن
~~العمل لا يقبل إلا بالتوحيد.

# وقيل: الفاعل ضميره تعالى وضمير النصب يعود على العمل، وأخرج ذلك ابن
~~المبارك عن قتادة أي والعمل الصالح يرفعه الله تعالى ويقبله. قال ابن
~~عطية: هذا أرجح الأقوال عندي.

# وقيل: ضمير الفاعل يعود على العمل وكذا الضمير المنصوب والكلام على حذف
~~مضاف أي والعمل الصالح يرفع عامله ويشرفه، ونسب ذلك أبو حيان إلى ابن
~~عباس ثم قال: ويجوز عندي أن يكون { العمل } معطوفا على { الكلم } و {
~~يرفعه } استئناف اخبار أي يرفعهما الله تعالى، ووحد الضمير لاشتراكهما في
~~الصعود والضمير قد يجري مجرى اسم الإشارة فيكون لفظه مفردا والمراد به
~~التثنية فكأنه قيل: ليس صعودهما من ذاتهما بل ذلك برفع الله تعالى إياهما
~~اه، وهو خلاف الظاهر جدا، ومثله ما نسبه إلى ابن عباس وأنا لا أظن صحة
~~نسبته إليه، وعلى التسليم يحتمل أنه رضي الله تعالى عنه أراد بقوله
~~(العمل الصالح) يرفع عامله ويشرفه بيان ما تشير إليه الآية في الجملة.
~~والذي يتبادر إلى ذهني من الآية ما روي عن قتادة واختاره ابن عطية.

# وتخصيص العمل الصالح برفع الله تعالى إياه على ذلك قيل لما فيه من
~~الكلفة والمشقة إذ هو الجهاد الأكبر، وظاهر هذا أن العمل أشرف من الكلام
~~ولا كلام في ذلك إذا أريد بالعمل الصالح ما يشمل العمل القلبي كالتصديق،
~~ولعل الكلام عليه نظير قوله تعالى:

# ولما جاء موسى لميقتنا

# [الأعراف: 143] وقوله سبحانه:

# سبحان الذى أسرى بعبده

# [الإسراء: 1] وكلام الإمام صريح في أن الكلم الطيب المفسر بالذكر أشرف
~~من العمل حيث جعل صعود الكلم بنفسه دليل ترجيحه على العمل الذي يرفعه
~~غيره، وقال في وجه ذلك: الكلام شريف فإن امتياز الإنسان عن كل حيوان ms08742
~~بالنطق والعمل حركة وسكون يشترك فيه الإنسان وغيره والشريف إذا وصل إلى
~~باب الملك لا يمنع ومن دونه لا يجد الطريق إلا عند الطلب، ويدل على هذا
~~أن الكافر إذا تكلم بكلمة الشهادة / أمن من عذاب الدارين إن كان ذلك عن
~~صدق وأمن في نفسه ودمه وحرمه في الدنيا إن كان ظاهرا ولا كذلك العمل
~~بالجوارح، وأيضا إن القلب هو الأصل وما فيه لا يظهر إلا باللسان وما في
~~اللسان لا يبين صدقه إلا بالفعل فالقول أقرب إلى القلب من الفعل فيكون
~~أشرف منه، اه وفي القلب منه شيء فتدبر.

# { والذين يمكرون السيئت } أي المكرات السيآت أو أصناف
~~المكرات السيآت على أن { السيآت } صفة لمحذوف وليس مفعولا به ليمكرون
~~لأن مكر لازم، وجوز أن يكون مفعولا على تضمين يقصدون أو يكسبون وعلى
~~الأول فيه مبالغة للوعيد الشديد على قصد المكر أو هو إشارة إلى عدم تأثير
~~مكرهم، والموصول مبتدأ وجملة قوله تعالى: { لهم عذاب شديد }
~~خبره أي لهم بسبب مكرهم عذاب شديد لا يقادر قدره ولا يعبأ بالنسبة إليه
~~بما يمكرون.

# والآية على ما روي عن أبي العالية في الذين مكروا برسول الله صلى الله
~~عليه وسلم في دار الندوة كما قال تعالى:

# وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو
~~يقتلوك أو يخرجوك

# [الأنفال: 30] والمضارع لحكاية الحال الماضية، ووضع اسم الإشارة موضع
~~ضميرهم في قوله سبحانه: { ومكر أولئك } للإيذان بكمال تميزهم
~~بما هم عليه من الشر والفساد عن سائر المفسدين واشتهارهم بذلك، وما فيه
~~من معنى البعد للتنبيه على ترامي أمرهم في الطغيان وبعد منزلتهم في
~~العدوان أي ومكر أولئك المفسدين المشهورين { هو يبور } أي يفسد،
~~وأصل البوار فرط الكساد أو الهلاك فاستعير هنا للفساد عدم التأثير لأن
~~فرط الكساد يؤدي إلى الفساد كما قيل كسد حتى فسد أو لأن الكاسد يكسد في
~~الغالب لفساده ولأن الهالك فاسد لا أثر له.

# و { مكر } مبتدأ خبره جملة { هو يبور } وتقديم الضمير للتقوي أو
~~الاختصاص أي مكرهم هو يفسد خاصة لا مكرنا ms08743 بهم، وأجاز الحوفي وأبو البقاء
~~كون الخبر جملة { يبور } و { هو } ضمير فصل. وتعقبه في «البحر»
~~((بأن ضمير الفصل لا يكون ما بعده فعلا ولم يذهب إلى ذلك أحد فيما علمنا
~~إلا عبد القاهر الجرجاني في «شرح الإيضاح» له فإنه أجاز في كان زيد هو
~~يقوم أن يكون هو فصلا. ورد ذلك عليه)) وجوز أبو البقاء أيضا كون { هو
~~} تأكيدا للمبتدأ، والظاهر ما قدمناه، وقد أبار الله تعالى أولئك
~~الماكرين بعد إبارة مكرهم حيث أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر
~~فجمع عليهم مكراتهم الثلاث التي اكتفوا في حقه عليه الصلاة والسلام
~~بواحدة منهن وحقق عز وجل فيهم قوله سبحانه:

# ومكروا ومكر الله والله خير المكرين

# [آل عمران: 54] وقوله تعالى:

# ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله

# [فاطر: 43].

# ووجه ارتباط الآية بما قبلها على ما ذكره شيخ الإسلام أنها بيان لحال
~~الكلم الخبيث والعمل السيء وأهلهما بعد بيان حال الكلم الطيب والعمل
~~الصالح. وقال في «الكشف»: كأنه لما حصر سبحانه العزة وخصها به تعالى
~~يعطيها من يشاء وأرشد إلى نيل ما به ينال ذلك المطلوب ذكر على سبيل
~~الاستطراد حال من أراد العزة من عند غيره عز وجل وأخذ في إهانة من أعزه
~~الله تعالى فوق السماكين قدرا وما رجع إليهم من وبال ذلك كالاستشهاد
~~لتلك الدعوى وهو خلاصة ما ذكره الطيبي في وجه الانتظام، وروي عن مجاهد
~~وسعيد بن جبير وشهر بن حوشب أن الآية في أصحاب الرياء وهي متصلة بما
~~عندها على ما روي عن شهر حيث قال: { والذين يمكرون
~~السيئات } أي يراؤن { ومكر أولئك هو يبور } هم
~~أصحاب الرياء عملهم لا يصعد، وقال الطيبي: إن الجملة على هذه الرواية
~~عطف على جملة الشرط والجزاء أعني قوله تعالى: { من كان يريد
~~العزة } الخ فيجب حينئذ مراعاة التطابق بين القرينتين والتقابل بين
~~الفقرتين بحسب الإمكان بأن يقدر في كل منهما ما يحصل به التقابل بدلالة
~~المذكور في الأولى على المتروك في الأخرى وبالعكس اه / ولا يخفى بعده،
~~وأيا ما ms08744 كان فالمضارع للاستمرار التجددي.

### || [35.11]

# { والله خلقكم من تراب } دليل آخر على صحة البعث والنشور،
~~أي خلقكم ابتداء منه في ضمن خلق آدم عليه السلام خلقا إجماليا { ثم
~~من نطفة } أي ثم خلقكم منها خلقا تفصيليا { ثم جعلكم
~~أزوجا } أي أصنافا ذكرانا وإناثا كما قال سبحانه:

# أو يزوجهم ذكرانا وإنثا

# [الشورى:50] وأخرجه ابن أبي حاتم عن السدي، وأخرج هو وغيره عن قتادة
~~أنه قال قدر بينكم الزوجية وزوج بعضكم بعضا.

# { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } حال
~~من الفاعل و(من) زائدة أي إلا ملتبسة بعلمه تعالى ومعلومية الفاعل راجعة
~~إلى معلومية أحواله مفصلة ومنها حال ما حملته الأنثى ووضعته فجعله من ذلك
~~أبلغ معنى وأحسن لفظا من جعله من المفعول أعني المحمول والموضوع لأن
~~المفعول محذوف متروك كما صرح به الزمخشري في حم السجدة، وجعله حالا من
~~الحمل والوضع أنفسهما خلاف الظاهر.

# { وما يعمر من معمر } أي من أحد أي وما يمد في عمر أحد
~~وسمي معمرا باعتبار الأول نحو

# إنى أرانى أعصر خمرا

# [يوسف: 36] و«من قتل قتيلا» على ما ذكر غير واحد وهذا لئلا يلزم تحصيل
~~الحاصل، وجوز أن يقال لأن { يعمر } مضارع فيقتضي أن لا يكون معمرا
~~بعد ولا ضرورة للحمل على الماضي { ولا ينقص من عمره } الضمير
~~عائد على معمر آخر نظير ما قال ابن مالك في عندي درهم ونصفه أي نصف درهم
~~آخر، ولا يضر في ذلك احتمال أن يكون المراد مثل نصفه لأنه مثال وهو
~~استخدام أو شبيه به وإلى ذلك ذهب الفراء وبعض النحويين ولعله الأظهر.

# وفسروا المعمر بالمزاد عمره بدليل ما يقابله من قوله تعالى: { ولا
~~ينقص } الخ وهو الذي دعاهم إلى إرجاع الضمير إلى نظير المذكور دون
~~عينه ضرورة أنه لا يكون المزيد في عمره منقوصا من عمره، وقيل عليه: هب
~~أن مرجع الضمير معمر آخر أليس قد نسب النقص في العمر إلى معمر وقد قلتم
~~إنه المزاد عمره. أجيب بأن الأصل وما يعمر من أحد فسمي معمرا باعتبار ما ms08745
~~يؤول إليه وعاد الضمير باعتبار الأصل المحول عنه فمآل ذلك ولا ينقص من
~~عمر أحد أي ولا يجعل من ابتداء الأمر ناقصا فهو نظير قولهم ضيق فم
~~الركية، وقال آخرون: الضمير عائد على المعمر الأول بعينه والمعمر هو الذي
~~جعل الله تعالى له عمرا طال أو قصر؛ ولا مانع أن يكون المعمر ومن ينقص
~~من عمره شخصا واحدا والمراد بنقص عمره ما يمر منه وينقضي مثلا يكتب
~~عمره مائة سنة ثم يكتب تحته مضى يوم مضى يومان وهكذا حتى يأتي الخ وروي
~~هذا عن ابن عباس وابن جبير وأبي مالك وحسان بن عطية والسدي، وقيل
~~بمعناه:

# حياتك أنفاس تعد فكلما

# مضى نفس منها انتقصت به جزأ

# وقيل الزيادة والنقص في عمر واحد باعتبار أسباب مختلفة أثبتت في اللوح
~~كما ورد في الخبر «الصدقة تزيد في العمر» فيجوز أن يكون أحد معمرا أي
~~مزادا في عمره إذا عمل عملا وينقص من عمره إذا لم يعمله، وهذا لا يلزم
~~منه تغيير التقدير لأنه في تقديره تعالى معلق أيضا وإن كان ما في علمه
~~تعالى الأزلي وقضائه المبرم لا يعتريه محو على ما عرف عن السلف ولذا جاز
~~الدعاء بطول العمر. وقال كعب: لو أن عمر رضي الله تعالى عنه دعا الله
~~تعالى أخر أجله، ويعلم من هذا أن قول ابن عطية: هذا قول / ضعيف مردود
~~يقتضي القول بالأجلين كما ذهبت إليه المعتزلة ليس بشيء.

# ومن العجيب قول ابن كمال: النظر الدقيق يحكم بصحة أن المعمر أي الذي قدر
~~له عمر طويل يجوز أن يبلغ ذلك العمر وأن لا يبلغ فيزيد عمره على الأول
~~وينقص على الثاني ومع ذلك لا يلزم التغيير في التقدير لأن المقدر في كل
~~شخص هو الأنفاس المعدودة لا الأيام المحدودة والأعوام الممدودة ثم قال:
~~فافهم هذا السر العجيب وكتب في الهامش حتى ينكشف لك سر اختيار حبس النفس
~~ويتضح وجه صحة قوله عليه الصلاة والسلام:

# " إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار "

# اه.

# وتعقبه الشهاب الخفاجي بأنه ms08746 مما لا يعول عليه عاقل ولم يقل به أحد غير
~~بعض جهلة الهنود مع أنه مخالف لما ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم
~~والنسائي وابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن عبد الله بن مسعود من قول النبي
~~صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة وقد قالت: اللهم امتعني بزوجي النبي صلى
~~الله عليه وسلم وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية، «سألت الله تعالى لآجال
~~مضروبة وأيام معدودة» الحديث وأطال الجلبي في رده وهو غني عنه اه.

# وقال بعضهم: يجوز أن لا يبلغ من قدر له عمر طويل ما قدر له بأن يغير ما
~~قدر أولا بتقدير آخر ولا حجر على الله تعالى، ويشير إلى ذلك قوله عليه
~~الصلاة والسلام في حديث التراويح

# " خشيت أن تفرض عليكم "

# وقوله صلى الله عليه وسلم في دعاء القنوت

# " وقني شر ما قضيت "

# وخوفه - عليه من الله تعالى آلاف آلاف صلاة وسلام - من قيام الساعة إذا
~~اشتدت الريح مع إخباره بأن بين يديها خروج المهدي والدجال والدابة وطلوع
~~الشمس من مغربها إلى غير ذلك مما لم يحدث بعد، وغاية ما يلزم من ذلك تغير
~~المعلوم ولا يلزم منه تغير العلم على ما بين في موضعه وعلى هذا لا إشكال
~~في خبر

# " الصدقة تزيد في العمر "

# ويتضح أمر فائدة الدعاء، وما يحكى عن بعضهم من نفي القضاء المبرم يرجع
~~إليه، وقد رأيت كراسة لبعض الأفاضل أطال الكلام فيها لتشييد هذا القول
~~وتثبيت أركانه.

# والحق عندي أن ما في العلم الأزلي المتعلق بالأشياء على ما هي عليه في
~~نفس الأمر لا يتغير ويجب أن يقع كما علم وإلا يلزم الانقلاب، وما يتبادر
~~منه خلاف ذلك إذا صح مؤول، وخبر

# " الصدقة تزيد في العمر "

# قيل إنه خبر آحاد فلا يعارض القطعيات، وقيل المراد أن الصدقة وكذا غيرها
~~من الطاعات تزيد فيما هو المقصود الأهم من العمر وهو اكتساب الخير
~~والكمال والبركة التي بها بها تستكمل النفوس الإنسانية فتفوز بالسعادة
~~الأبدية، والدعاء حكمه حكم سائر الأسباب من الأكل والشرب والتحفظ ms08747 من شدة
~~الحر والبرد مثلا ففائدته كفائدتها، وقيل هو لمجرد إظهار الاحتياج
~~والعبودية فليتدبر.

# وقيل الضمير للمعمر والنقص لغيره أي ولا ينقص من عمر المعمر لغيره بأن
~~يعطى له عمر ناقص من عمره، وقيل الضمير للمنقوص من عمره وهو وإن لم يصرح
~~به في حكم المذكور كما قيل:

# وبضدها تتبين الأشياء

# فيكون عائدا على ما علم من السياق أي ولا ينقص من عمر المنقوص من عمره
~~بجعله ناقصا.

# وقرأ الحسن وابن سيرين وعيسى { ولا ينقص } بالبناء للفاعل وفاعله ضمير
~~المعمر أو { عمره } و { من } زائدة في الفاعل وإن كان متعديا جاز كونه
~~ضمير الله تعالى. وقرأ الأعرج { من عمره } بسكون الميم.

# { إلا فى كتب } عن ابن عباس هو اللوح المحفوظ، وجوز أن يراد به
~~صحيفة الإنسان فقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة بن أسيد
~~الغفاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو بخمس وأربعين
~~ليلة فيقول يا رب أشقي أم سعيد أذكر أم أنثى فيقول الله تعالى ويكتب ثم
~~يكتب عمله / ورزقه وأجله وأثره ومصيبته ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها
~~ولا ينقص منها "

# ، وجوز أيضا أن يراد به علم الله عز وجل.

# وذكر في ربط الآيات إن قوله تعالى: { والله خلقكم من تراب
~~} الخ مساق للدلالة على القدرة الكاملة وقوله سبحانه: { ما تحمل
~~من أنثى } الخ للعلم الشامل وقوله عز وجل: { وما يعمر من
~~معمر } الخ لإثبات القضاء والقدر، والمعنى وما يعمر منكم خطابا
~~لأفراد النوع الإنساني وأيد بذلك الوجه الأول من أوجه { وما يعمر
~~} الخ.

# { إن ذلك } أي ما ذكر من الخلق وما بعده مع كونه محارا للعقول
~~والأفهام { على الله يسير } لاستغنائه تعالى عن الأسباب فكذلك
~~البعث والنشور.

### || [35.12]

# { وما يستوى البحران هذا عذب } طيب { فرات } كاسر
~~العطش ومزيله. وقال الراغب: الفرات الماء العذب يقال للواحد والجمع، ولعل
~~الوصف على هذا على طرز أسود حالك وأصفر فاقع { سائغ شرابه } سهل
~~انحداره لخلوه مما ms08748 تعافه النفس. وقرأ عيسى { سيغ } كميت بالتشديد، وجاء
~~كذلك عن أبي عمرو وعاصم، وقرأ عيسى أيضا { سيغ } كميت بالتخفيف {
~~وهذا ملح } متغير طعمه التغير المعروف، وقرأ أبو نهيك وطلحة {
~~ملح } بفتح الميم وكسر اللام، قال أبو الفتح الرازي: وهي لغة شاذة،
~~وجوز أن يكون مقصورا من مالح للتخفيف، وهو مبني على ورود مالح والحق
~~وروده بقلة وليس بلغة رديئة كما قيل. وفرق الإمام بين الملح والمالح بأن
~~الملح الماء الذي فيه الطعم المعروف من أصل الخلقة كماء البحر والمالح
~~الماء الذي وضع فيه ملح فتغير طعمه ولا يقال فيه إلا مالح ولم أره لغيره،
~~وقال بعضهم: لم يرد مالح أصلا وهو قول ليس بالمليح { أجاج } شديد
~~الملوحة والحرارة من قولهم أجيج النار وأجتها، ومن هنا قيل هو الذي يحرق
~~بملوحته، وهذا مثل ضرب للمؤمن والكافر.

# وقوله تعالى: { ومن كل } أي من كل واحد منهما { تأكلون لحما
~~طريا } أي غضا جديدا وهو السمك على ما روي عن السدي، وقيل الطير
~~والسمك واختار كثير الأول، والتعبير عن السمك باللحم مع كونه حيوانا قيل
~~للتلويح بانحصار الانتفاع به في الأكل، ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته
~~والتنبيه على المسارعة إلى أكله لئلا يتسارع إليه الفساد كما ينبىء عنه
~~جعل كل من البحرين مبدأ أكله.

# واستدل مالك والثوري بالآية حيث سمي فيها السمك لحما على حنث من حلف لا
~~يأكل لحما وأكل سمكا، وقال غيرهما: لا يحنث لأن مبني الأيمان على العرف
~~وهو فيه لا يسمى لحما ولذلك لا يحنث من حلف لا يركب دابة فركب كافرا مع
~~أن الله تعالى سماه دابة في قوله سبحانه:

# إن شر الدواب عند الله الذين كفروا

# [الأنفال: 55] ولا يبعد عندي أن يراد بلحما لحم السمك ودعوى التلويح
~~بانحصار الانتفاع بالسمك في الأكل لا أظنها تامة.

# { وتستخرجون } ظاهره ومن كل تستخرجون { حلية تلبسونها
~~} والحلية التي تستخرج من البحر الملح اللؤلؤ والمرجان ويلبس ذلك الرجال
~~والنساء وإن اختلفت كيفية اللبس، أو يقال عبر عن لبس نسائهم بلبسهم
~~لكونهن منهم أو لكون ms08749 لبسهن لأجلهم، ولا نعلم حلية تستخرج من البحر العذب،
~~ولا يظهر هنا اعتبار إسناد ما للبعض إلى الكل كما اعتبر ذلك في قوله
~~تعالى:

# يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان

# [الرحمن: 22] وكون بعض الصخور التي في مجاري السيول قد تكسر فيوجد فيها
~~ماس وهو حلية تلبس إن صح لا ينفع اعتباره هنا إذ ليس فيه استخراج الحلية
~~من البحر العذب ظاهرا، وقيل: لا يبعد أن تكون الحلية المستخرجة من ذلك
~~عظام السمك التي يصنع منها قبضات للسيوف / والخناجر مثلا فتحمل ويتحلى
~~بها، وفيه ما فيه لا سيما إذا كانت الحلية كالحلي ما يتزين به من مصنوع
~~المعدنيات أو الحجارة، وقال الخفاجي: لا مانع من أن يخرج اللؤلؤ من
~~المياه العذبة وإن لم نره، ولا يخفى ما فيه من البعد.

# وذهب بعض الأجلة للخلاص من القيل والقال أن المراد وتستخرجون من البحر
~~الملح خاصة حلية تلبسونها ويشعر به كلام السدي يحتمل ثلاثة أوجه، الأول
~~أنه استطراد في صفة البحرين وما فيهما من النعم والمنافع. والثاني أنه
~~تتميم وتكميل للتمثيل لتفضيل المشبه به على المشبه وليس من ترشيح
~~الاستعارة كما زعم الطيبي في شيء بل إنما هو استدراك لدعوى الاشتراك بين
~~المشبه والمشبه به يلزم منه أن يكون المشبه أقوى وهذا الاستدراك مخصوص
~~بالملح، وإيضاحه أنه شبه المؤمن والكافر بالبحرين ثم فضل الأجاج على
~~الكافر بأنه قد شارك الفرات في منافع والكافر خلو من النفع فهو على طريقة
~~قوله تعالى:

# ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو
~~أشد قسوة

# [البقرة: 74] ثم قال سبحانه:

# وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهر
~~وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن
~~منها لما يهبط من خشية الله

# [البقرة: 74] والثالث أنه من تتمة التمثيل على معنى أن البحرين وإن
~~اشتركا في بعض الفوائد تفاوتا فيما هو المقصود بالذات لأن أحدهما خالطه
~~ما لم يبقه على صفاء فطرته كذلك المؤمن والكافر وان اتفق اتفاقهما في بعض
~~المكارم كالشجاعة والسخاوة متفاوتان فيما هو الأصل لبقاء أحدهما على
~~الفطرة ms08750 الأصلية دون الآخر فجملة { ومن كل } الخ حالية.

# وعندي خير الأوجه الثلاثة أوسطها، وعلى كل يحصل الجواب عما قيل كيف
~~يناسب ذكر منافع البحر الملح وقد شبه به الكافر؟ وقال أبو حيان: إن قوله
~~تعالى: { وما يستوى البحران } الخ لبيان ما يستدل به كل عاقل
~~على أنه مما لا مدخل لصنم فيه. وقال الإمام: الأظهر أنه دليل لكمال قدرة
~~الله عز وجل، وما ذكرنا أولا من أنه تمثيل للمؤمن والكافر هو المشهور
~~رواية ودراية وفيه من محاسن البلاغة ما فيه.

# { وترى الفلك } السفن { فيه } أي في كل منهما وانظر هل يحسن
~~رجوع الضمير للبحر الملح لانسياق الذهن إليه من قوله سبحانه: {
~~وتستخرجون حلية تلبسونها } بناء على أن المعروف
~~استخراجها منه خاصة وأمر الفلك فيه أعظم من أمرها في البحر العذب ولذا
~~اقتصر على رؤية الفلك فيه على الحال التي ذكر الله تعالى، وأفرد ضمير
~~الخطاب مع جمعه فيما سبق وما لحق لأن الخطاب لكل أحد تتأتى منه الرؤية
~~دون المنتفعين بالبحرين فقط { مواخر } شواق للماء بجريها مقبلة
~~ومدبرة بريح واحدة فالمخر الشق.

# قال الراغب: يقال مخرت السفينة مخرا ومخورا إذا شقت الماء بجؤجئها،
~~وفي «الكشاف» ((يقال: مخرت السفينة الماء ويقال للسحاب بنات مخر لأنها
~~تمخر الهواء، والسفن الذي اشتقت منه السفينة قريب من المخر لأنها تسفن
~~الماء كأنها تقشره كما تمخره)) وقيل المخر صوت جري الفلك وجاء في سورة
~~النحل [14]

# وترى الفلك مواخر فيه

# بتقديم { مواخر } وتأخير { فيه } وعكس ههنا فقيل في وجه لأنه علق
~~{ فيه } هنا بترى وثمت بمواخر، ولا يحسم مادة السؤال. والذي يظهر لي في
~~ذلك أن آية النحل سيقت لتعداد النعم كما يؤذن بذاك سوابقها ولواحقها
~~وتعقيب الآيات بقوله سبحانه:

# وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها

# [إبراهيم: 34] فكان الأهم هناك تقديم ما هو نعمة وهو مخر الفلك للماء
~~بخلاف ما هنا فإنه إنما سيق استطرادا أو تتمة للتمثيل كما علمت آنفا
~~فقدم فيه { فيه } إيذانا بأنه ليس المقصود بالذات ذلك، وكأن الاهتمام
~~بما هناك اقتضى أن ms08751 يقال في تلك الآية { ولتبتغوا } بالواو،
~~ومخالفة ما هنا لذلك / اقتضت ترك الواو في قوله سبحانه: { لتبتغوا
~~من فضله } أي من فضل الله تعالى بالنقلة فيها وهو سبحانه وإن لم يجر
~~له ذكر في الآية فقد جرى له تعالى ذكر فيما قبلها ولو لم يجر لم يشكل
~~لدلالة المعنى عليه عز شأنه. واللام متعلقة بمواخر، وجوز تعلقها بمحذوف
~~دل عليه الأفعال المذكورة كسخر البحرين وهيأهما أو فعل ذلك لتبتغوا من
~~فضله.

# { ولعلكم تشكرون } تعرفون حقوقه تعالى فتقومون بطاعته عز
~~وجل وتوحيده سبحانه. ولعل للتعليل على ما عليه جمع من الأجلة وقد قدمنا
~~ذلك، وقال كثير: هي للترجي ولما كان محالا عليه تعالى كان المراد اقتضاء
~~ما ذكر من النعم للشكر حتى كأن كل أحد يترجاه من المنعم عليه بها فهو
~~تمثيل يؤل إلى أمره تعالى بالشكر للمخاطبين.

### || [35.13]

# { يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل }
~~بزيادة أحدهما ونقص الآخر بإضافة بعض أجزاء كل منهما إلى الآخر {
~~وسخر الشمس والقمر } عطف على { يولج } واختلافهما صيغة
~~لما أن إيلاج أحد الملوين في الآخر متجدد حينا فحينا وأما تسخير
~~النيرين فأمر لا تعدد فيه وإنما المتعدد والمتجدد آثاره، وقد أشير إليه
~~بقوله تعالى: { كل } من الشمس والقمر { يجرى } أي بحسب حركته على
~~المدارات اليومية المتعددة حسب تعدد أيام السنة أو بحسب حركتيه: الخاصة
~~وهي من المغرب إلى المشرق والقسرية التي هي من المشرق إلى المغرب جريانا
~~مستمرا { لأجل مسمى } قدره الله تعالى لجريانهما وهو يوم
~~القيامة كما روي عن الحسن. وقيل جريانهما عبارة عن حركتيهما الخاصتين
~~بهما والأجل المسمى عبارة عن مجموع مدة دورتيهما أو منتهاها وهي للشمس
~~سنة وللقمر شهر وقد تقدم الكلام في ذلك مفصلا.

# { ذلكم } إشارة إلى فاعل الأفاعيل المذكورة، وما فيه من معنى البعد
~~للإيذان بغاية العظمة وهو مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة أي ذلكم العظيم
~~الشأن الذي أبدع هذه الصنائع البديعة { الله ربكم له الملك
~~} وفيه من الدلالة على أن إبداعه تعالى لتلك البدائع مما يوجب ثبوت ms08752 تلك
~~الأخبار له تعالى، وفي «الكشاف» ويجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله
~~تعالى صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان و { بكم } خبرا لولا أن المعنى
~~يأباه اه. قال في «الكشف»: فيه نظر لأن الاسم الجليل جار مجرى العلم فلا
~~يجوز أن يقع وصفا لاسم الإشارة البتة لا لفظا ولا معنى، وكأنه فرض على
~~تقدير عدم الغلبة، وأما إباء المعنى على تقدير تجويز الوصف فقد قيل: إن
~~المقصود أنه تعالى المنفرد بالإلهية لا أن المنفرد بالإلهية هو ربكم لأن
~~المشركين ما كانوا معترفين بالمنفرد على الاطلاق. وأما عطف البيان فقيل
~~لأنه يوهم تخييل الشرك ألا ترى أنك إذا قلت ذلك الرجل سيدك عندي ففيه نوع
~~شركة لأن ذا اسم مبهم، وكأنه أراد أن البيان حيث يذهب الوهم إلى غيره
~~ويحتمل الشركة مناسب لا في مثل هذا المقام، وأفاد الطيبي أن (ذلك) يشار
~~به إلى ما سبق للدلالة على جدارة ما بعده بسبب الأوصاف السابقة ولو كان
~~وصفا أو بيانا لكان المشار إليه ما بعده، وهذا في الأول حسن دون الثاني
~~اللهم إلا أن يكون قوله: أو عطف بيان إشارة إلى المذهب الذي يجعل الجنس
~~الجاري على المبهم غير وصف فيكون حكمه حكم الوصف إذ ذاك، وبعد أن تبين أن
~~المقام للإشارة إلى السابق فاسم الإشارة قد يجاء به لأغراض آخر اه.

# وأبو حيان منع صحة الوصفية للعلمية ثم قال: لا يظهر إباء المعنى ذلك.

# ويجوز أن يكون قوله تعالى: { له الملك } / جملة مبتدأة واقعة في
~~مقابلة قوله تعالى: { والذين تدعون من دونه ما يملكون
~~من قطمير } ويكون ذلك مقررا لما قبله من التفرد بالإلهية والربوبية
~~واستدلالا عليه إذ حاصله جميع الملك والتصرف في المبدأ والمنتهى له
~~تعالى وليس لغيره سبحانه منه شيء، ولذا قيل إن فيه قياسا منطقيا
~~مطويا. وجوز أن يكون مقررا لقوله تعالى:

# والله خلقكم

# [فاطر: 11] الخ وقوله تعالى: { يولج } الخ فجملة { الذين
~~تدعون } الخ عليه إما استئنافية أيضا وهي معطوفة على جملة { له
~~الملك } وإما حال من ms08753 الضمير المستقر في الظرف أعني (له) وعلى الوجه الأول
~~هي معطوفة على جملة { ذلكم الله } الخ أو حال أيضا.

# والقطمير على ما أخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد لفافة النواة وهي القشر
~~الأبيض الرقيق الذي يكون بين التمر والنواة وهو المعنى المشهور. وأخرج
~~ابن جرير وابن المنذر أنه القمع الذي هو على رأس التمرة، وأخرج عبد بن
~~حميد عن قتادة أنه القشرة على رأس النواة وهو ما بين القمع والنواة، وقال
~~الراغب ((إنه الأثر على ظهر النواة)) وقيل هو قشر الثوم، وأيا ما كان
~~فهو مثل للشيء الدنيء الطفيف، قال الشاعر:

# وأبوك يخصف نعله متوركا

# ما يملك المسكين من قطمير

# وقرأ عيسى وسلام ويعقوب (يدعون) بالياء التحتانية.

### || [35.14]

# { إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم } استئناف مقرر لما قبله
~~كاشف عن جلية حال ما يدعونه بأنه جماد ليس من شأنه السماع، هذا إذا كان
~~الكلام مع عبدة الأصنام ويحتمل أن يكون مع عبدتها وعبدة الملائكة وعيسى
~~وغيرهم من المقربين، وعدم السماع حينئذ إما لأن المعبود ليس من شأنه ذلك
~~كالأصنام وإما لأنه في شغل شاغل وبعد بعيد عن عابده كعيسى عليه السلام،
~~وروي هذا عن البلخي أو لأن الله عز وجل حفظ سمعه من أن يصل إليه مثل هذا
~~الدعاء لغاية قبحه وثقله على سمع من هو في غاية العبودية لله سبحانه، فلا
~~يرد أن الملائكة عليهم السلام يسمعون وهم في السماء كما ورد في بعض
~~الآثار دعاء المؤمنين ربهم سبحانه؛ وفي نظم ذوي النفوس القدسية في سلك
~~الملائكة عليهم السلام من حيثية السماع وهم في مقار نعيمهم توقف عندي بل
~~في سماع كل من الملائكة عليهم السلام وهم في السماء وذوي النفوس القدسية
~~وهم في مقار نعيمهم نداء من ناداهم غير معتقد فيهم الإلهية توقف عندي
~~أيضا إذ لم أظفر بدليل سمعي على ذلك والعقل يجوزه لكن لا يكتفي بمجرد
~~تجويزه في القول به.

# { ولو سمعوا } على سبيل الفرض والتقدير { ما استجابوا
~~لكم } لأنهم لم يرزقوا قوة التكلم والسماع لا يستلزم ms08754 ذلك فالمراد
~~بالاستجابة الاستجابة بالقول، ويجوز أن يراد بها الاستجابة بالفعل أي ولو
~~سمعوا ما نفعوكم لعجزهم عن الأفعال بالمرة، هذا إذا كان المدعوون الأصنام
~~وأما إذا كانوا الملائكة عليهم السلام أو نحوهم من المقربين فعدم
~~الاستجابة القولية لأن دعاءهم من حيث زعم أنهم آلهة وهم بمعزل عن الإلهية
~~فكيف يجيبون زاعم ذلك فيهم وفيه من التهمة ما فيه، وعدم الاستجابة
~~الفعلية يحتمل أن يكون لهذا أيضا ويحتمل أن يكون لأن نفع من دعاهم ليس
~~من وظائفهم، وقيل لأنهم يرون ذلك نقصا في العبودية والخضوع لله عز وجل.
~~ويجوز أن يكون هذا تعليلا للأول أيضا فتأمل.

# { ويوم القيمة يكفرون بشرككم } فضلا عن أن
~~يستجيبوا لكم إذا دعوتموهم، وشرك مصدر مضاف إلى الفاعل أي ويوم القيامة
~~يجحدون إشراككم إياهم / وعبادتكم إياهم وذلك بأن يقدر الله تعالى الأصنام
~~على الكلام فيقولون لهم ما كنتم إيانا تعبدون أو يظهر من حالها ظهور نار
~~القرى ليلا على علم ما يدل على ذلك ولسان الحال أفصح من لسان المقال،
~~ومن هذا القبيل قول ذي الرمة:

# وقفت على ربع لمية ناطق

# يخاطبني أثاره وأخاطبه

# وأسقيه حتى كاد مما أبثه

# تكلمني أحجاره وملاعبه

# وإن كان المدعوون الملائكة ونحوهم فأمر التكلم ظاهر، وقد حكى الله تعالى
~~قول الملائكة للمشركين في السورة السابقة بقوله سبحانه:

# ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملئكة
~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحنك
~~أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن
~~أكثرهم بهم مؤمنون

# [سبأ:0 4-41].

# { ولا ينبئك مثل خبير } أي لا يخبرك بالأمر مخبر مثل مخبر
~~خبير أخبرك به يعني به تعالى نفسه كما روي عن قتادة وغيره فإنه سبحانه
~~الخبير بكنه الأمور، وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون
~~غير مختص أي لا يخبرك أيها السامع كائنا من كنت مخبر هو مثل الخبير
~~العالم الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، والمراد تحقيق
~~ما أخبر سبحانه به من حال آلهتهم ونفي ما يدعون لهم من الإلهية. وقال ms08755 ابن
~~عطية: يحتمل أن يكون ذلك من تمام ذكر الأصنام كأنه قيل: ولا يخبرك مخبر
~~مثل من يخبرك عن نفسه وهي قد أخبرت عن أنفسها بأنها ليست بآلهة، وفيه من
~~البعد ما فيه.

### || [35.15]

# { يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله } في أنفسكم
~~وفيما يعن لكم من أمر مهم أو خطب ملم، وتعريف (الفقراء) للجنس أو
~~للاستغراق إذ لا عهد، وعرف كذلك للمبالغة في فقرهم كأنهم لكثرة افتقارهم
~~وشدة احتياجهم هم الفقراء فحسب وأن افتقار سائر الخلائق بالنسبة إلى
~~فقرهم بمنزلة العدم ولذلك قال تعالى:

# وخلق الإنسن ضعيفا

# [النساء: 28] ولا يرد الجن إذ هم لا يحتاجون في المطعم والملبس وغيرهما
~~كما يحتاج الإنسان وضعفهم ليس كضعفه فلا حاجة إلى إدخالهم في (الناس)
~~تغليبا على أنه قيل لا يضر ذلك إذ الكلام مع من يظهر القوة والعناد من
~~الناس، والقول أن القصر إضافي بالنسبة إليه تعالى لا يخفى ما فيه، وقال
~~صاحب «الفرائد»: الوجه أن يقال والله تعالى أعلم المراد الناس وغيرهم وهو
~~على طريقة تغليب الحاضر على الغائب وأولي العلم على غيرهم، وهو بعيد
~~جدا. وقال العلامة الطيبي: الذي يقتضيه النظم الجليل أن يحمل التعريف
~~في (الناس) على العهد وفي (الفقراء) على الجنس لأن المخاطبين هم الذين
~~خوطبوا في قوله تعالى:

# ذلكم الله ربكم له الملك

# [فاطر: 13] الآية أي ذلكم المعبود هو الذي وصف بصفات الجلال لا الذين
~~تدعون من دونه وأنتم أشد الخلائق احتياجا إليه عز وجل ولا يخلو عن حسن.

# { والله هو الغنى } عن كل شيء لا غيره { الحميد } المنعم
~~على جميع الموجودات المستحق بانعامه سبحانه للحمد، وأصله المحمود وأريد
~~به ذلك على طريق الكناية ليناسب ذكره بعد فقرهم إذ الغني لا ينفع الفقير
~~إلا إذا كان جوادا منعما ومثله مستحق للحمد، وهذا كالتكميل لما قبله
~~كما في قول كعب الغنوي:

# حليم إذا ما الحلم زين أهله

# مع الحلم في عين العدو مهيب

# ويدخل في عموم المستغنى عنه المخاطبون وعبادتهم، وفي كلام الطيبي رائحة
~~التخصيص حيث قال ما سمعت ms08756 / نقله وهو سبحانه غني عنكم وعن عبادتكم لأنه
~~تعالى حميد له عباد يحمدونه وإن لم تحمدوه أنتم والأولى التعميم. وما روي
~~في سبب النزول من أنه لما كثر من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء وكثر
~~الإصرار من الكفار قالوا لعل الله تعالى محتاج لعبادتنا فنزلت لا يقتضي
~~شيئا من التخصيص في الآية كما لا يخفى.

### || [35.16]

# { إن يشأ يذهبكم } أي إن يشأ سبحانه إذهابكم أيها الناس
~~والإتيان بخلق جديد يذهبكم { ويأت بخلق جديد } بعالم غير
~~الناس لا تعرفونه هذا إذا كان الخطاب عاما أو إن يشأ يذهبكم أيها
~~المشركون أو العرب ويأت بخلق جديد ليسوا على صفتكم بل مستمرون على طاعته
~~وتوحيده، وهذا إذا كان الخطاب خاصا، وتفسير الجديد بما سمعت مروي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما وأيا ما كان فالجملة تقرير لاستغنائه عز وجل.

### || [35.17]

# { وما ذلك } أي ما ذكر من إهابهم والإتيان بخلق جديد { على
~~الله بعزيز } أي بصعب فإن أمره تعالى إذا أراد شيئا أن يقول له
~~كن فيكون. وإن كان في

# الناس

# [فاطر: 15] تغليب الحاضر على الغائب وأولي العلم على غيرهم وكان الخطاب
~~هنا على ذلك الطرز وقلنا إن الآية تشعر بأن ما يأتي به سبحانه من العالم
~~أبدع، أشكل بحسب الظاهر قول حجة الإسلام ليس في الإمكان أبدع مما كان.
~~وأجيب بأن ذلك على فرض وقوعه داخل في حيز ما كان وهو مع هذا العالم كبعض
~~أجزاء هذا العالم مع بعض أو بأن الأبدعية المشعور بها بمعنى والأبدعية في
~~كلام حجة الإسلام بمعنى آخر فتدبر.

### || [35.18]

# { ولا تزر وازرة } أي لا تحمل نفس آثمة { وزر أخرى } أي
~~اثم نفس أخرى بل تحمل كل نفس وزرها. ولا منافاة بين هذا وقوله تعالى في
~~سورة العنكبوت [13]

# وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم

# فإنه في الضالين المضلين وهم يحملون إثم إضلالهم مع إثم ضلالهم وكل ذلك
~~آثامهم ليس فيها شيء من آثام غيرهم، ولا ينافيه قوله سبحانه { مع
~~أثقالهم } لأن المراد بأثقالهم ما كان بمباشرتهم وبما ms08757 معها ما كان
~~بسوقهم وتسببهم فهو للمضلين من وجه وللآخرين من آخر.

# { وإن تدع مثقلة } أي نفس أثقلتها الأوزار { إلى حملها
~~} الذي أثقلها ووزرها الذي بهضها ليحمل شيء منه ويخفف عنها، وقيل: أي إلى
~~حمل حملها { لا يحمل منه شىء } لم تجب بحمل شيء منه.

# والظاهر أن { ولا تزر } الخ نفي للحمل الاختياري تكرما من نفس
~~الحامل ردا لقول المضلين

# ولنحمل خطيكم

# [العنكبوت: 12] ويؤيده سبب النزول فقد روي أن الوليد بن المغيرة قال
~~لقوم من المؤمنين اكفروا بمحمد وعلي وزركم فنزلت. وهذا نفي للحمل بعد
~~الطلب من الوازرة أعم من أن يكون اختيارا أو جبرا وإذا لم يجبر أحد على
~~الحمل بعد الطلب والاستعانة علم عدم الجبر بدونه بالطريق الأولى فيعم
~~النفي أقسام الحمل كلها، وكذا الحامل أعم من أن يكون وازرا أم لا، وجاء
~~العموم من عدم ذكر المدعو ظاهرا، وقد يقال مع ذلك: إن في الأولى نفي حمل
~~جميع الوزر بحيث يتعرى منه المحمول عنه، وفي الثاني نفي التخفيف فلا
~~اتحاد بين مضموني الجملتين كما لا يخفى، وقيل في الفرق بينهما: إن الأول
~~نفي الحمل إجبارا والثاني نفي له اختيارا، وتعقب بأن المناسب على هذا
~~ولا يوزر على وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها أحدا لا يحمل منه
~~شيئا، وأيضا حق نفي الاجبار أن يتعرض له بعد نفي الاختيار، وقيل: أن
~~الجملة الأولى كما دلت على أن المثقل بالذنوب لا يحمل أحد من ذنوبه شيئا
~~دلت على عدله تعالى الكامل، والجملة الثانية دلت على أنه لا مستغاث من
~~هول ذلك اليوم أيضا وهما المقصودان من الآيتين / فالفرق باعتبار ذلك،
~~ولعل ما ذكرناه أولا أولى.

# وذكر بعض الأفاضل في الجملة الأولى ثلاثة أسئلة قال في الأخيرين منها:
~~لم أر من تفطن لهما وقد أجاب عن كل، الأول أن عدم حمل الغير على الغير
~~عام في النفس الآثمة وغير الآثمة فلم خص بالآثمة مع أن التصريح بالعموم
~~أتم في العدل وأبلغ في البشارة وأخصر في اللفظ وذلك بأن ms08758 يقال: ولا تحمل
~~نفس حمل أخرى، وجوابه أن الكلام في أرباب الأوزار المعذبين لبيان أن
~~عذابهم إنما هو بما اقترفوه من الأوزار لا بما اقترفه غيرهم، الثاني أن
~~معنى وزر حمل الوزر لا مطلق الحلم على ما في «النهاية الأثيرية» حيث قال:
~~«يقال وزر يزر فهو وازر إذا حمل ما يثقل ظهره من الأشياء المثقلة ومن
~~الذنوب» فكيف صح ذكر وزر مع يزر؟ وجوابه أنه من باب التجريد، الثالث أن {
~~وزرة } يفهم من تزر كما يفهم ضارب من يضرب مثلا فأي فائدة في ذكره؟
~~وجوابه أنه إذا قيل ضرب ضارب زيدا فالذي يستفاد من ضرب إنما هو ذات قام
~~بها ضرب حدث من تعلق هذا الفعل بتلك الذات ولما عبر عن شيء بما فيه معنى
~~الوصفية وعلق به معنى مصدري في صيغة فعل أو غيرها فهم منه في عرف اللغة
~~أن ذلك الشيء موصوف بتلك الصفة حال تعلق ذلك المعنى به لا بسببه كما حققه
~~بعض أجلة شراح «الكشاف» فيجب أن يكون معنى ضارب في المثال متصفا بضرب
~~سابق على تعلق ضرب به وكذا يقال في { ولا تزر وازرة } وهذه
~~فائدة جليلة ويزيدها جلالة استفادة العموم إذا أورد اسم الفاعل نكرة في
~~حيز نفي، وبذلك يسقط قول العلامة التفتازاني إن ذكر فاعل الفعل بلفظ اسم
~~فاعله نكرة قليل الجدوى جدا انتهى.

# وأنت تعلم أنه من مجموع الجملتين يستفاد ما ذكره في السؤال الأول من
~~العموم، وفي خصوص هاتين الجملتين وذكرهما معا ما لا يخفى من الفائدة،
~~وفي «القاموس» وزره كوعده وزرا بالكسر حمله، وفي «الكشاف» وزر الشيء إذا
~~حمله، ونحوه في «البحر»، وعلى ذلك لا حاجة إلى التجريد فلا تغفل.

# وأصل الحمل ما كان على الظهر من ثقيل فاستعير للمعاني من الذنوب
~~والآثام، وقرأ أبو السمال عن طلحة وإبراهيم عن الكسائي { لا تحمل }
~~بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الميم وتقتضي هذه القراءة نصب شيء على
~~أنه مفعول به لتحمل وفاعله ضمير عائد على مفعول { تدع } المحذوف أي وإن
~~تدع ms08759 مثقلة نفسا إلى حملها لم تحمل منه شيئا.

# { ولو كان } أي المدعو المفهوم من الدعوة { ذا قربى } ذا
~~قرابة من الداعي، وقال ابن عطية: اسم كان ضمير الداعي أي ولو كان الداعي
~~ذا قرابة من المدعو، والأول أحسن لأن الداعي هو المثقلة بعينه فيكون
~~الظاهر عود الضمير عليه وتأنيثه. وقول أبي حيان ذكر الضمير حملا على
~~المعنى لأن قوله تعالى: { مثقلة } لا يراد بها مؤنث المعنى فقط بل
~~كل شخص فكأنه قيل وإن يدع شخص مثقل لا يخفى ما فيه.

# وقرىء { ولو كان ذو قربى } بالرفع، وخرج على أن { كان } ناقصة أيضا و
~~{ ذو قربى } اسمها والخبر محذوف أي ولو كان ذو قربى مدعوا، وجوز أن
~~تكون تامة.

# وتعقب بأنه لا يلتئم معها النظم الجليل لأن الجملة الشرطية كالتتميم
~~والمبالغة في أن لا غياث أصلا فيقتضي أن يكون المعنى أن المثقلة إن دعت
~~أحدا إلى حملها لا يجيبها إلى ما دعته إليه ولو كان ذو القربى مدعوا،
~~ولو قلنا إن المثقلة إن دعت أحدا إلى حلمها لا يحمل مدعوها شيئا ولو
~~حضر ذو قربى لم يحسن ذلك الحسن، وملاحظة كون ذي القربى مدعوا بقرينة
~~السياق أو تقدير فدعته كما فعل أبو حيان خلاف الظاهر فيخفى عليه أمر
~~الانتظام.

# { إنما تنذر } الخ استئناف مسوق لبيان من يتعظ بما ذكر أي إنما
~~تنذر بهذه الإنذارات ونحوها { الذين يخشون ربهم بالغيب
~~} أي يخشونه / تعالى غائبين عن عذابه سبحانه أو عن الناس في خلواتهم أو
~~يخشون عذاب ربهم غائبا عنهم فالجار والمجرور في موضع الحال من الفاعل أو
~~من المفعول { وأقاموا الصلاة } أي راعوها كما ينبغي وجعلوها
~~منارا منصوبا وعلماف مرفوعا أي إنما ينفع إنذارك وتحذيرك هؤلاء من
~~قومك دون من عداهم من أهل التمرد والعناد، ونكتة اختلاف الفعلين تعلم مما
~~مر في قوله تعالى:

# الله الذى أرسل الرياح فتثير سحبا

# [فاطر: 9] فتذكر ما في العهد من قدم.

# { ومن تزكى } تطهر من أدناس الأوزار والمعاصي بالتأثر من هذا
~~الإنذارات { فإنما يتزكى لنفسه } لاقتصار نفعه ms08760 عليها كما
~~أن من تدنس بها لا يتدنس إلا عليها، والتزكي شامل للخشية وإقامة الصلاة
~~فهذا تقرير وحث عليهما. وقرأ العباس عن أبي عمرو { ومن يزكى فإنما يزكى
~~} بالياء من تحت وشد الزاي فيهما وهما مضارعان أصلهما ومن يتزكى فإنما
~~يتزكى فأدغمت التاء في الزاي كما أدغمت في

# يذكرون

# [الأنعام: 126]، وقرأ ابن مسعود وطلحة { ومن ازكى } بادغام التاء في
~~الزاي واجتلاب همزة الوصل في الابتداء، وطلحة أيضا { فإنما
~~تزكى } بادغام التاء في الزاي.

# { وإلى الله المصير } لا إلى أحد غيره استقلالا أو اشتراكا
~~فيجازيهم على تزكيهم أحسن الجزاء.

### || [35.19]

# عطف على قوله تعالى:

# وما يستوى البحران

# [فاطر: 12] والأعمى والبصير مثلان للكافر والمؤمن كما قال قتادة والسدى
~~وغيرهما. وقيل: هما مثلان للصنم عز وجل فهو من تتمة قوله تعالى:

# ذلكم الله ربكم له الملك

# [فاطر: 13] والمعنى لا يستوي الله تعالى مع ما عبدتم.

### || [35.20]

# أي ولا الباطل ولا الحق.

### || [35.21]

# ولا الثواب ولا العقاب، وقيل: ولا الجنة ولا النار، والحرور فعول من
~~الحر وأطلق كما حكي عن الفراء على شدة الحر ليلا أو نهارا، وقال أبو
~~البقاء: هو شدة حر الشمس، وفي «الكشاف» الحرور السموم إلا أن السموم يكون
~~بالنهار والحرور بالليل والنهار، وقيل: بالليل.

### || [35.22]

# { وما يستوى الأحياء ولا الأموات } تمثيل آخر للمؤمنين
~~الذين دخلوا في الدين بعد البعثة والكافرين الذين أصروا واستكبروا
~~فالتعريف كما قال الطيبي للعهد، وقيل: للعلماء والجهلاء. والثعالبي جعل
~~الأعمى والبصير مثلين لهما وليس بذاك { إن الله يسمع من
~~يشاء } أي يسمعه ويجعله مدركا للأصوات، وقال الخفاجي: وغيره: ولعل في
~~الآية ما يقتضي أن المراد يسمع من يشاء سماع تدبر وقبول لآياته عز وجل: {
~~وما أنت بمسمع من فى القبور } ترشيح لتمثيل المصرين على
~~الكفر بالأموات وإشباع في إقناطه عليه الصلاة والسلام من إيمانهم، والباء
~~مزيدة للتأكيد أي وما أنت مسمع، والمراد بالسماع هنا ما أريد به في
~~سابقه، ولا يأبى إرادة السماع المعروف ما ورد في حديث القليب لأن المراد
~~نفي الإسماع بطريق العادة وما ms08761 في الحديث من باب

# وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى

# [الأنفال: 17] وإلى هذا ذهب البعض، وقد مر الكلام في ذلك فلا تغفل.

# وما ألطف نظم هذه التمثيلات فقد شبه المؤمن والكافر أولا بالبحرين وفضل
~~البحر الأجاج على الكافر لخلوه من النفع ثم بالأعمى والبصير مستتبعا
~~بالظلمات والنور والظل والحرور فلم يكتف بفقدان نور البصر حتى ضم إليه
~~فقدان ما يمده من النور الخارجي وقرن إليه نتيجة ذلك العمى والفقدان فكان
~~فيه ترق من التشبيه الأول إليه ثم بالأحياء والأموات ترقيا ثانيا وأردف
~~قوله سبحانه: { وما أنت بمسمع من فى القبور }.

# وذكر الطيبي أن إخلاء الثاني من (لا) المؤكدة لأنه كالتهيد لقوله
~~تعالى: { وما يستوى الأحياء ولا الأموات } [فاطر: 22]
~~ولهذا كرر (وما يستوي) وأما ذكرها في التمثيلين بعده فلأنهما مقصودان في
~~أنفسهما إذ ما فيهما مثلان للحق والباطل وما يؤديان إليه من الثواب
~~والعقاب دون المؤمن والكافر كما في غيرهما، وإنما حملت على أنها زائدة
~~للتأكيد إذ ليس المراد أن الظلمات في نفسها لا تستوي بل تتفاوت فمن ظلمة
~~هي أشد من أخرى مثلا وكذا يقال فيما بعد بل المراد أن الظلمات لا تساوي
~~النور والظل لا يساوي الحرور والأحياء لا تساوي الأموات.

# وزعم ابن عطية أن دخول (لا) على نية التكرار كأنه قيل: ولا الظلمات
~~والنور ولا النور والظلمات وهكذا فاستغنى بذكر الأوائل عن الثواني ودل
~~مذكور الكلام على متروكه، والقول بأنها مزيدة لتأكيد النفي يغني عن
~~اعتبار هذا الحذف الذي لا فائدة فيه.

# وقال الإمام: كررت (لا) فيما كررت لتأكيد المنافاة فالظلمات تنافي النور
~~وتضاده والظل والحرور كذلك لأن المراد من الظل عدم الحر والبرد بخلاف
~~الأعمى والبصير فإن الشخص الواحد قد يكون بصيرا، ثم يعرض له العمى فلا
~~منافاة إلا من حيث الوصف، وأما الأحياء والأموات فيهما وإن كانا كالأعمى
~~والبصير من حيث إن الجسم الواحد قد يكون حيا ثم يعرض له الموت لكن
~~المنافاة بين الحي والميت أتم من المنافاة بين الأعمى والبصير فإنهما قد
~~يشتركان ms08762 في إدراك أشياء ولا كذلك الحي والميت كيف والميت مخالف الحي في
~~الحقيقة على ما تبين في الحكمة الإلهية.

# وقيل لم تكرر قبل وكررت بعد لأن المخاطب في أول الكلام لا يقصر في فهم
~~المراد، وقيل كررت فيما عدا الأخير لأنه لو قيل وما يستوي الأعمى والبصير
~~ولا الظلمات والنور مثلا لتوهم نفي الاستواء بين مجموع الأعمى والبصير
~~ومجموع الظلمات والنور، وفي الأخير للاعتناء وإدخال { لا } على
~~المتقابلين لتذكير نفي الاستواء، وقدم الأعمى على البصير مع أن البصير
~~أشرف لأنه إشارة إلى الكافر وهو موجود قبل البعثة والدعوة إلى الإيمان،
~~ولنحو هذا قدم الظلمات على النور فإن الباطل كان موجودا فدمغه الحق
~~ببعثته عليه الصلاة والسلام، ولم يقدم الحرور على الظل ليكون على طرز ما
~~سبق من تقديم غير الأشرف بل قدم الظل رعاية لمناسبته للعمى والظلمة من
~~وجه أو لسبق الرحمة مع ما في ذلك من رعاية الفاصلة.

# وقدم الأحياء على الأموات ولم يعكس الأمر ليوافق الأولين في تقديم غير
~~الأشرف لأن الأحياء إشارة إلى المؤمنين بعد الدعوة والأموات إشارة إلى
~~المصرين على الكفر بعدها ولذا قيل بعد { إن الله يسمع من
~~يشاء } الخ ووجود المصرين بوصف الإصرار بعد وجود المؤمنين، وقيل قدم ما
~~قدم فيما عدا الأخير لأنه عدم وله مرتبة السبق وفي الأخير لأن المراد
~~بالأموات فاقدو الحياة بعد الاتصاف بها كما يشعر به إرداف ذلك بقوله
~~تعالى: { وما أنت بمسمع من فى القبور } فيكون للحياة مع
~~أنها وجودية رتبة السبق أيضا، وقيل إن تقديم غير الأشرف مع انفهام أنه
~~غير أشرف على الأشرف للإشارة إلى أن التقديم صورة لا يخل بشرف الأشرف.

# فالنار يعلوها الدخان وربما

# يعلو الغبار عمائم الفرسان

# وجمع الظلمات مع إفراد النور لتعدد فنون الباطل واتحاد الحق، وقيل لأن
~~الظلمة قد تتعدد فتكون في محال قد تخلل بينهما نور والنور في هذا العالم
~~وإن تعدد إلا أنه يتحد وراء محل تعدده، وجمع الأحياء والأموات على بابه
~~لتعدد المشبه بهما ولم يجمع الأعمى والبصير ms08763 لذلك لأن القصد إلى الجنس
~~والمفرد أظهر فيه مع أن في البصراء ترك رعاية الفاصلة وهو على الذوق
~~السليم دون البصير، فتدبر جميع ذلك والله تعالى أعلم بأسرار كتابه وهو
~~العليم الخبير. / وقرأ الأشهب والحسن { بمسمع من } بالإضافة

### || [35.23]

# أي ما عليك إلا أن تبلغ وتنذر فإن كان المنذر ممن أراد الله تعالى
~~هدايته سمع واهتدى وإن كان ممن أراد سبحانه ضلاله وطبع على قلبه فما عليك
~~منه تبعة.

### || [35.24]

# { إنا أرسلنك بالحق } أي محقين على أنه حال من الفاعل أو
~~محقا على أنه حال من المفعول أو إرسالا مصحوبا بالحق على أنه صفة
~~لمصدر محذوف، وجوز الزمخشري تعلقه بقوله سبحانه: { بشيرا } ومتعلق
~~قوله تعالى: { ونذيرا } محذوف لدلالة المقابل على مقابله أي بشيرا
~~بالوعد الحق ونذيرا بالوعيد الحق.

# { وإن من أمة } أي ما من جماعة كثيرة أهل عصر وأمة من الأمم
~~الدارجة في الأزمنة الماضية { إلا خلا } مضى { فيها نذير } من
~~نبي أو عالم ينذرها، والاكتفاء بذكره للعلم بأن النذارة قريبة البشارة
~~لا سيما وقد اقترنا آنفا مع أن الإنذار أنسب بالمقام، وقيل خص النذير
~~بالذكر لأن البشارة لا تكون إلا بالسمع فهو من خصائص الأنبياء عليهم
~~السلام فالبشير نبي أو ناقل عنه بخلاف النذارة فإنها تكون سمعا وعقلا
~~فلذا وجه النذير في كل أمة، وفيه بحث.

# واستدل بعض الناس بهذه الآية مع قوله تعالى:

# وما من دابة فى الأرض ولا طائر يطير بجناحيه
~~إلا أمم أمثلكم

# [الأنعام: 38] على أن في البهائم وسائر الحيوانات أنبياء أو علماء
~~ينذرون، والاستدلال بذلك باطل لا يكاد ينفي بطلانه على أحد حتى على
~~البهائم، ولم نسمع القول بنبوة فرد من البهائم ونحوها إلا عن الشيخ محيي
~~الدين ومن تابعه قدس الله سره، ورأيت في بعض الكتب أن القول بذلك كفر
~~والعياذ بالله تعالى.

### || [35.25]

# { وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم } من
~~الأمم العاتية فلا تحزن من تكذيب هؤلاء إياك. { جاءتهم رسلهم }
~~في موضع الحال على ما قال أبو البقاء إما بدون تقدير قد ms08764 أو بتقديرها أي
~~كذب الذين من قبلهم وقد جاءتهم رسلهم { بالبينت } أي بالمعجزات
~~الظاهرة الدالة على صدقهم فيما يدعون { وبالزبر } كصحف إبراهيم
~~عليه السلام { وبالكتب المنير } كالتوراة والإنجيل على إرادة
~~التفصيل يعني أن بعضهم جاء بهذا وبعضهم جاء بهذا لا على إرادة الجمع وأن
~~كل رسول جاء بجميع ما ذكر حتى يلزم أن يكون لكل رسول كتاب وعدد الرسل
~~أكثر بكثير من عدد الكتب كما هو معروف، ومآل هذا إلى منع الخلو، ويجوز أن
~~يراد بالزبر والكتاب واحد والعطف لتغاير العنوانين لكن فيه بعد.

### || [35.26]

# { ثم أخذت الذين كفروا } وضع الظاهر موضع ضميرهم لذمهم
~~بما حيز الصلة والإشعار بعلة الأخذ { فكيف كان نكير } أي إنكاري
~~عليهم بالعقوبة، وفيه مزيد تشديد وتهويل وقد تقدم الكلام في نظير هذا في
~~سبأ[45] فتذكر. وفي الآية من تسليته صلى الله عليه وسلم ما فيها.

### || [35.27]

# { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء } الخ استئناف
~~مسوق على ما يخطر بالبال لتقرير ما أشعر به قوله تعالى:

# ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير

# [فاطر: 26] من عظيم قدرته عز وجل. وقلل شيخ الإسلام: هو لتقرير ما قبله
~~من اختلاف [أحوال] الناس ببيان أن الاختلاف والتفاوت أمر مطرد في جميع
~~المخلوقات من النبات والجماد والحيوان. وقال أبو حيان: تقرير لوحدانيته
~~تعالى بأدلة سماوية وأرضية إثر تقريرها بأمثال ضربها جل شأنه، وهذا / كما
~~ترى، والاستفهام للتقرير والرؤية قلبية لأن إنزال المطر وإن كان مدركا
~~بالبصر لكن إنزال الله تعالى إياه كيس كذلك، والخطاب عام أي ألم تعلم أن
~~الله تعالى أنزل من جهة العلو ماء.

# { فأخرجنا به } أي بذلك الماء على أنه سبب عادي للإخراج، وقيل
~~أي أخرجنا عنده، والالتفات لإظهار كمال الاعتناء بالفعل لما فيه من الصنع
~~البديع المنبىء عن كمال القدرة والحكمة { ثمرات مختلفا
~~ألوانها } أي أنواعها من التفاح والرمان والعنب والتين وغيرها مما
~~لا يحصر، وهذا كما يقال فلان أتى بألوان من الأحاديث وقدم كذا لونا من
~~الطعام، واختلاف كل نوع بتعدد أصنافه كما ms08765 في التفاح فإن له أصنافا
~~متغايرة لذة وهيئة وكذا في سائر الثمرات ولا يكاد يوجد نوع منها إلا وهو
~~ذو أصناف متغايرة، ويجوز أن يراد اختلاف كل نوع باختلاف أفراده.

# وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أنه حمل الألوان على معناها
~~المعروف واختلافها بالصفرة والحمرة والخضرة وغيرها، وروي ذلك عن ابن عباس
~~أيضا وهو الأوفق لما في قوله تعالى: { ومن الجبال جدد بيض
~~وحمر } وهو إما عطف على ما قبله بحسب المعنى أو حال وكونه استئنافا
~~مع ارتباطه بما قبله غير ظاهر، و { جدد } جمع جدة بالضم وهي الطريقة
~~من جده إذا قطعه. وقال أبو الفضل: هي من الطرائق ما يخالف لونه لون ما
~~يليه ومنه جدة الحمار للخط الذي في وسط ظهره يخالف لونه، وسأل ابن الأزرق
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن الجدد فقال طرائق طريقة بيضاء وطريقة
~~خضراء، وأنشد قول الشاعر:

# قد غادر السبع في صفحاتها جددا

# كأنها طرق لاحت على أكم

# والكلام على تقدير مضاف إن لم تقصد المبالغة لأن الجبال ليست نفس
~~الطرائق أي ذو جدد.

# وقرأ الزهري { جدد } بضمتين جمع جديدة كسفينة وسفن وهي بمعنى جدة. وقال
~~صاحب «اللوامح» هو جمع جديد بمعنى آثار جديدة واضحة الألوان. وقال أبو
~~عبيدة: لا مدخل لمعنى الجديدة في هذه الآية. ولعل من يقول بتجدد حدوث
~~الجبال وتكونها من مياه تنبع من الأرض وتتحجر أولا فأولا ثم تنبع من
~~موضع قريب مما تحجر فتتحجر أيضا وهكذا حتى يحصل جبل لا يأبى حمل الآية
~~على هذه القراءة على ما ذكر.

# والظاهر من الآيات والأخبار أن الجبال أحدثها الله تعالى بعيد خلق الأرض
~~لئلا تميد بسكانها، والفلاسفة يزعمون أنها كانت طينا في بحار انحسرت ثم
~~تحجرت، وقد أطال الإمام الكلام على ذلك في كتابه «المباحث المشرقية»
~~واستدل على ذلك بوجود أشياء بحرية كالصدف بين أجزائها، وهذا عند تدقيق
~~النظر هباء وأكثر الأدلة مثله، ومن أراد الاطلاع على ما قالوا فليرجع إلى
~~كتبهم. وروي عنه أيضا أنه قرأ ms08766 { جدد } بفتحتين ولم يجز ذلك أبو حاتم
~~وقال: إن هذه القراءة لا تصح من حيث المعنى وصححها غيره وقال: الجدد
~~الطريق الواضح المبين إلا أنه وضع المفرد موضع الجمع ولذا وصف بالجمع،
~~وقيل هو من باب نطفة أمشاج وثوب أخلاق لاشتمال الطريق على قطع. وتعقب
~~بأنه غير ظاهر ولا مناسب لجمع الجبال.

# { مختلفا ألوانها } أي أصنافها بالشدة والضعف لأنها مقولة
~~بالتشكيك فمختلف صفة (بيض وحمر)، و { ألوانها } فاعل له وليس
~~بمبتدأ، و { مختلف } خبره لوجوب مختلفة حينئذ، وجوز أن يكون صفة {
~~جدد }  { وغرابيب } عطف على { بيض } فهو من تفاصيل الجدد
~~والصفات القائمة بها أي ومن / الجبال ذو جدد بيض وحمر، وغرابيب والغربيب
~~هو الذي أبعد في السواد وأغرب فيه ومنه الغراب، وكثر في كلامهم اتباعه
~~للأسود على أنه صفة له أو تأكيد لفظي فقالوا أسود غربيب كما قالوا أبيض
~~يقق وأصفر فاقع وأحمر قاني.

# وظاهر كلام الزمخشري أن { غرابيب } هنا تأكيد لمحذوف والأصل وسود غرابيب
~~أي شديدة السواد. وتعقب بأنه لا يصح إلا على مذهب من يجوز حذف المؤكد ومن
~~النحاة من منع ذلك وهو اختيار ابن مالك لأن التأكيد يقتضي الاعتناء
~~والتقوية وقصد التطويل والحذف يقتضي خلافه. ورده الصفار كما في «شرح
~~التسهيل» لأن المحذوف لدليل كالمذكور فلا ينافي تأكيده، وفي بعض «شروح
~~المفصل» أنه صفة لذلك المحذوف أقيم مقامه بعد حذفه.

# وقوله تعالى: { سود } بدل منه أو عطف بيان له وهو مفسر للمحذوف، ونظير
~~ذلك قول النابغة:

# والمؤمن العائذات الطير يمسحها

# ركبان مكة بين الغيل والسند

# وفيه التفسير بعد الإبهام ومزيد الاعتناء بوصف السواد حيث دل عليه من
~~طريق الإضمار والإظهار.

# ويجوز أن يكون العطف على { جدد } على معنى ومن الجبال ذو جدد مختلف
~~اللون ومنها غرابيب متحدة اللون كما يؤذن به المقابلة وإخراج التركيب على
~~الأسلوب الذي سمعته، وكأنه لما اعتنى بأمر السواد بإفادة أنه في غاية
~~الشدة لم يذكر بعده الاختلاف بالشدة والضعف. وقال الفراء: الكلام على
~~التقديم والتأخير أي سود غرابيب، وقيل ليس هناك مؤكد ms08767 ولا موصوف محذوف
~~وإنما { غرابيب } معطوف على { جدد } أو على (بيض) من أول الأمر و {
~~سود } بدل منه، قال في «البحر»: وهذا حسن ويحسنه كون غرابيب لم يلزم
~~فيه أن يستعمل تأكيدا، ومنه ما جاء في الحديث

# " إن الله تعالى يبغض الشيخ الغربيب "

# وهو الذي يخضب بالسواد، وفسره ابن الأثير بالذي لا يشيب أي لسفاهته أو
~~لعدم اهتمامه بأمر آخرته، وحكي ما في «البحر» بصيغة قيل، وقول الشاعر:

# العين طامحة واليد سابحة

# والرجل لائحة والوجه غربيب

### || [35.28]

# { ومن الناس والدواب والأنعم مختلف ألونه }
~~أي ومنهم بعض مختلف ألوانه أو بعضهم مختلف ألوانه على ما ذكروا في قوله
~~تعالى:

# ومن الناس من يقول ءامنا بالله

# [البقرة: 8] والجملة عطف على الجملة التي قبلها وحكمها حكمها. وفي
~~«إرشاد العقل السليم» أن إيراد الجملتين اسميتين مع مشاركتهما لما قبلهما
~~من الجملة الفعلية في الاستشهاد بمضمونهما على تباين الناس في الأحوال
~~الباطنة لما أن اختلاف الجبال والناس والدواب والأنعام فيما ذكر من
~~الألوان أمر مستمر فعبر عنه بما يدل على الاستمرار وأما إخراج الثمرات
~~المختلفة فحيث كان أمرا حادثا عبر عنه بما يدل على الحدوث ثم لما كان
~~فيه نوع خفاء علق به الرؤية بطريق الاستفهام التقريري المنبىء عن الحمل
~~عليها والترغيب فيهاب خلاف أحوال الجبال والناس وغيرهما فإنها مشاهدة
~~غنية عن التأمل فلذلك جردت عن التعليق بالرؤية فتدبر اه، وما ذكره من
~~أمر تعليق الرؤية مخالف لما في «البحر» حيث قال: وهذا استفهام تقرير ولا
~~يكون إلا في الشيء الظاهر جدا فتأمل.

# وقرأ الزهري { والدواب } بتخفيف الباء مبالغة في الهرب من التقاء
~~الساكنين كما همز بعضهم { ولا الضألين } [الفاتحة: 7] لذلك. / وقرأ ابن
~~السميقع { ألوانها }.

# وقوله تعالى: { كذلك } في محل نصب صفة لمصدر (مختلف) المؤكد
~~والتقدير مختلف اختلافا كائنا كذلك أي كاختلاف الثمرات والجبال فهو من
~~تمام الكلام قبله والوقف عليه حسن بإجماع أهل الأداء وقوله سبحانه: {
~~إنما يخشى الله من عباده العلماء } تكملة لقوله
~~تعالى:

# إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب

# [فاطر: 18] بتعيين من ms08768 يخشاه عز وجل من الناس بعد الإيماء إلى بيان شرف
~~الخشية ورداءة ضدها وتوعد المتصفين به وتقرير قدرته عز وجل المستدعي
~~للخشية على ما نقول أو بعد بيان اختلاف طبقات الناس وتباين مراتبهم أما
~~في الأوصاف المعنوية فبطريق التمثيل وأما في الأوصاف الصورية فبطريق
~~التصريح توفية لكل واحدة منهما حقها اللائق بها من البيان.

# وقيل { كذلك } في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك أي كما
~~بين ولخص ثم قيل: { إنما يخشى الله } الخ وسلك به مسلك الكناية
~~من باب العرب لا تخفر الذمم دلالة على أن العلم يقتضي الخشية ويناسبها
~~وهو تخلص إلى ذكر أوليائه تعالى مع إفادة أنهم الذين نفع فيهم الإنذار
~~وأن لك بهم غنية عن هؤلاء المصرين، قال صاحب «الكشف»: والرفع أظهر ليكون
~~من فصل الخطاب.

# وقال ابن عطية يحتمل أن يكون { كذلك } متعلقا بما بعده خارجا مخرج
~~السبب أي كذلك الاعتبار والنظر في مخلوقات الله تعالى واختلاف ألوانها
~~يخشى الله العلماء، ورده السمين بأن (إنما) لا يعمل ما بعده فيما قبلها
~~وبأن الوقف على كذلك عند أهل الأداء جميعا، وارتضاه الخفاجي وقال: وبه
~~ظهر ضعف ما قيل إن المعنى الأمر كذلك أي كما بين ولخص على أنه تخلص لذكر
~~أولياء الله تعالى، وفيه أنه ليس في هذا المعنى عمل ما بعد (إنما) فيما
~~قبلها وإجماع أهل الأداء على الوقف على { كذلك } إن سلم لا يظهر به
~~ضعف ذلك، وفي بعض التفاسير المأثورة عن السلف ما يشعر بتعلق { كذلك }
~~بما بعده.

# أخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال في الآية: كما اختلفت هذه الأنعام
~~تختلف الناس في خشية الله تعالى كذلك وهذا عندي ضعيف والأظهر ما عليه
~~الجمهور وما قيل أدق وألطف.

# والمراد بالعلماء العالمون بالله عز وجل وبما يليق به من صفاته الجليلة
~~وأفعاله الحميدة وسائر شؤونه الجميلة لا العارفون بالنحو والصرف مثلا
~~فمدار الخشية ذلك العلم لا هذه المعرفة فكل من كان أعلم به تعالى كان
~~أخشى. روى الدارمي عن عطاء قال: ms08769 قال موسى عليه السلام يا رب أي عبادك
~~أحكم؟ قال الذي يحكم للناس كما يحكم لنفسه قال: يا رب أي عبادك أغنى؟
~~قال: أرضاهم بما قسمت له قال: يا رب أي عبادك أخشى؟ قال: أعلمهم بي. وصح
~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " أنا أخشاكم لله وأتقاكم له "

# ولكونه المدار ذكرت الخشية بعدما يدل على كمال القدرة، ولهذه المناسبة
~~فسر ابن عباس كما أخرج عنه ابن المنذر وابن جرير { العلماء } في
~~الآية بالذين يعلمون أن الله تعالى على كل شيء قدير.

# وتقديم المفعول لأن المقصود بيان الخاشين والإخبار بأنهم العلماء خاصة
~~دون غيرهم ولو أخر لكان المقصود بيان المخشي والإخبار بأنه الله تعالى
~~دون غيره كما في قوله تعالى:

# ولا يخشون أحدا إلا الله

# [الأحزاب: 39] والمقام لا يقتضيه بل يقتضي الأول ليكون تعريضا
~~بالمنذرين المصرين على الكفر والعناد وأنهم جهلاء بالله تعالى وبصفاته
~~ولذلك لا يخشون الله تعالى ولا يخافون عقابه. وأنكر بعضهم إفادة {
~~إنما } هنا للحصر وليس بشيء.

# وروي عن عمر بن عبد العزيز وأبي حنيفة رضي الله تعالى عنهما أنهما قرءا
~~{ إنما يخشى الله } بالرفع { العلماء } بالنصب وطعن صاحب «النشر» في هذه
~~القراءة، وقال أبو حيان: / ((لعلها لا تصح عنهما، وقد رأينا كتبا في
~~الشواذ ولم يذكروا هذه القراءة وإنما ذكرها الزمخشري وذكرها عن أبي حيوة
~~أبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة في كتابه «الكامل» وخرجت على أن الخشية
~~مجاز عن التعظيم بعلاقة اللزوم فإن المعظم يكون مهيبا)) وقيل الخشية ترد
~~بمعنى الاختيار كقوله:

# خشيت بني عمي فلم أر مثلهم

# { إن الله عزيز غفور } تعليل لوجوب الخشية لأن العزة دالة
~~على كمال القدرة على الانتقام ولا يوصف بالمغفرة والرحمة إلا القادر على
~~العقوبة، وقيل ذكر { غفور } من باب التكميل نظير ما في بيت الغنوي
~~المذكور آنفا.

# والآية على ما في بعض الآثار نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى
~~عنه وقد ظهرت عليه الخشية حتى عرفت فيه.

### || [35.29]

# { إن الذين يتلون كتب الله } أي يداومون ms08770 على قراءته
~~حتى صارت سمة لهم وعنوانا كما يشعر به صيغة المضارع ووقوعه صلة واختلاف
~~الفعلين، والمراد بكتاب الله القرآن فقد قال مطرف بن عبد الله بن الشخير:
~~هذه آية القراء. وأخرج عبد الغني بن سعيد الثقفي في «تفسيره» عن ابن عباس
~~أنها نزلت في حصين بن الحرث بن عبد المطلب القرشي، ثم إن العبرة بعموم
~~اللفظ فلذا قال السدي في التالين: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وقال عطاء: هم المؤمنون أي عامة وهو الأرجح ويدخل الأصحاب دخولا أوليا،
~~وقيل معنى { يتلون كتب الله } يتبعونه فيعملون بما فيه،
~~وكأنه جعل يتلو من تلاه إذا تبعه أو حمل التلاوة المعروفة على العمل
~~لأنها ليس فيها كثير نفع دونه، وقد ورد «رب قارىء للقرآن والقرآن يلعنه»
~~ويشعر كلام بعضهم باختيار المعنى المتبادر حيث قال: إنه تعالى لما ذكر
~~الخشية وهي عمل القلب ذكر بعدها عمل اللسان والجوارح والعبادة المالية،
~~وجوز أن يراد بكتاب الله تعالى جنس كتبه عز وجل الصادق على التوراة
~~والإنجيل وغيرهما فيكون ثناء على المصدقين من الأمم بعد اقتصاص حال
~~المكذبين بقوله تعالى:

# وإن يكذبوك

# [فاطر: 25] الخ والمضارع لحكاية الحال الماضية، والمقصود من الثناء
~~عليهم وبيان ما لهم حث هذه الأمة على اتباعهم وأن يفعلوا نحو ما فعلوا،
~~والوجه الأول أوجه كما لا يخفى وعليه الجمهور.

# { وأقاموا الصلوة وأنفقوا مما رزقناهم سرا
~~وعلانية } أي مسرين ومعلنين وفي سر وعلانية، والمراد ينفقون كيفما
~~اتفق من غير قصد إليهما، وقيل السر في الإنفاق المسنون والعلانية في
~~الإنفاق المفروض، وفي كون الإنفاق مما رزقوا إشارة إلى أنهم لم يسرفوا
~~ولم يبسطوا أيديهم كل البسط، ومقام التمدح مشعر بأنهم تحروا الحلال
~~الطيب؛ وقيل جىء بمن لذلك، والمعتزلة يخصون الرزق بالحلال وهو أنسب
~~بإسناد الفعل إلى ضمير العظمة، ومن لا يخصه بالحلال يقول هو التعظيم
~~والحث على الإنفاق { يرجون } بما آتوا من الطاعات { تجرة } أي
~~معاملة مع الله تعالى لنيل ربح الثواب على أن التجارة مجاز عما ذكر
~~والقرينة حالية كما ms08771 قال بعض الأجلة.

# وقوله تعالى: { لن تبور } أي لن تكسد، وقيل لن تهلك بالخسران صفة
~~(تجارة) وترشيح للمجاز، وجملة { يرجون } الخ على ما قال الفراء وأبو
~~البقاء خبر { إن } ، وفي إخباره تعالى عنهم بذلك إشارة إلى أنهم لا
~~يقطعون بنفاق تجارتهم بل يأتون ما آتوا من الطاعات وقلوبهم وجلة أن لا
~~يقبل منهم، وجعل بعضهم التجارة مجازا عن تحصيل التواب بالطاعة وأمر
~~الترشيح على حاله وإليه ذهب أبو السعود ثم قال: ((والإخبار برجائهم من
~~أكرم الأكرمين عدة / قطعية بحصول مرجوهم)) وظاهر ما روي عن قتادة من
~~تفسيره التجارة بالجنة أنها مجاز عن الربح وفسر { لن تبور } بلن
~~تبيد وهو كما ترى.

### || [35.30]

# وقوله تعالى: { ليوفيهم أجورهم } متعلق عند بعض بما دل عليه

# لن

# [فاطر: 29] تعلق { بنعمة ربك } في قوله تعالى:

# ما أنت بنعمة ربك بمجنون

# [القلم: 2] بما دل علي  ما  لا بالحرف إذ لا يتعلق الجار به على
~~المشهور أي ينتفي الكساد عنها وتنفق عند الله تعالى ليوفيهم أجور أعمالهم
~~{ ويزيدهم من فضله } على ذلك من خزائن رحمته ما يشاء وعن أبي
~~وائل زيادته تعالى إياهم بتشفيعهم فيمن أحسن إليهم. وقال الضحاك: بتفسيح
~~القلوب، وفي الحديث بتضعيف حسناتهم، وقيل بالنظر إلى وجهه تعالى الكريم.

# والظاهر أن { من فضله } راجع لما عنده ففيه إشارة إلى أن توفية
~~أجورهم كالواجب لكونه جزاء لهم بوعده سبحانه ويجوز أن يكون راجعا إليهما
~~أو متعلق بمقدر يدل عليه ما قبله وهو ما عد من أفعالهم المرضية أي فعلوا
~~ذلك ليوفيهم أجورهم الخ، وجوز تعلقه بما قبله على التنازع وصنيع أبي
~~البقاء يشعر باختيار تعلقه بيرجون وجعل اللام عليه لام الصيرورة. وتعقب
~~بأنه لا مانع من جعلها لام العلة كما هو الشائع الكثير ولا يظهر للعدول
~~عنه وجه. ووجه ذلك الطيبي بأن غرضهم فيما فعلوا لم يكن سوى تجارة غير
~~كاسدة لأن صلة الموصول هنا علة وإيذان بتحقق الخبر ولما أدى ذلك إلى أن
~~وفاهم الله تعالى أجورهم أتى باللام، وإنما لم يذهب إليه بعض الأجلة ms08772
~~كالزمخشري لأن هذه اللام لا توجد إلا فيما يترتب الثاني الذي هو مدخولها
~~على الأول ولا يكون مطلوبا نحو تعالى:

# فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا

# [القصص: 8].

# وقوله تعالى: { إنه غفور شكور } تعليل لما قبله من التوفية
~~والزيادة عند الكثير أي غفور لفرطات المطيعين شكور لطاعاتهم أي مجازيهم
~~عليها أكمل الجزاء فيوفي هؤلاء أجورهم ويزيدهم من فضله، وجوز أن يكون
~~خبرا بعد خبر والعائد محذوف أي لهم، وجوز أن يكون هو الخبر بتقدير
~~العائد وجملة { يرجون } حال من ضمير

# أنفقوا

# [فاطر: 29] بناء على أن القيد المتعقب لأمور متعددة يختص بالأخير كما
~~هو مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أو على أن رجاء التجارة النافقة
~~أوفق بالإنفاق أو من مقدر أي فعلوا جميع ذلك راجين. واستظهره الطيبي،
~~والجملة عليه معترضة فلا يرد أن فيه الفصل بين المبتدأ أو خبره بأجنبي،
~~وجوز أن يكون حالا من ضمير

# الذين

# [فاطر: 29] على سبيل التنازع، ولم يشتهر التنازع في الحال وأنا لا أرى
~~فيه بأسا، واستظهر بعض المعاصرين جعل الجملة المذكورة حالا من ضمير {
~~أنفقوا } لقربه وشدة الملاءمة بين الإنفاق ورجاء تجارة لها نفاق ولا
~~يبعد أن يكون قد حذف فيما تقدم نظيرها لدلالتها عليه وجعل {
~~ليوفيهم } متنازعا فيه للأفعال الثلاثة المتعاطفة أو جعل الجملة
~~حالا من مقدر كما سمعت آنفا و { ليوفيهم } متعلقا بيرجون وجملة
~~{ إنه غفور شكور } خبر المبتدأ والرابط محذوف وفي جملة {
~~يرجون } الخ احتمال الاستعارة التمثيلية ولو على بعد ولم أر من أشار
~~إليه فتدبر.

### || [35.31]

# { والذى أوحينا إليك من الكتب } وهو القرآن، و {
~~من } للتبيين إذ القرآن أخص من { الذى أوحينا } مفهوما وإن
~~اتحدا ذاتا أو جنس الكتاب ومن للتبعيض إذ المراد من { الذى
~~أوحينا } هو القرآن وهو بعض جنس الكتاب، وقيل هو اللوح و(من)
~~للابتداء { هو الحق } إذا كان المراد الحصر فهو من قصر المسند إليه
~~على المسند / لا العكس لعدم استقامة المعنى إلا أن يقصد المبالغة قاله
~~الخفاجي والمتبادر الشائع في أمثاله قصر المسند على المسند ms08773 إليه وهو
~~ههنا إن لم تقصد المبالغة قصر إضافي بالنسبة إلى ما يفتريه أهل الكتاب
~~وينسبونه إلى الله تعالى.

# { مصدقا لما بين يديه } أي لما تقدمه من الكتب السماوية
~~ونصب { مصدقا } على الحالية والعامل فيه مقدر يفهم من مضمون الجملة
~~قبله أي أحققه مصدقا وهو حال مؤكدة لأن حقيته تستلزم موافقته الكتب
~~الإلهية المتقدمة عليه بالزمان في العقائد وأصول الأحكام، واللام
~~للتقوية.

# { إن الله بعباده لخبير بصير } محيط ببواطن أمورهم
~~وظواهرها فلو كان في أحوالك ما ينافي النبوة لم يوح إليك مثل هذا الحق
~~المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب، وتقديم { الخبير } للتنبيه على
~~أن العمدة هي الأمور الروحانية، وإلى ذلك أشار صلى الله عليه وسلم بقوله:

# " إن الله لا ينظر إلى أعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ".

### || [35.32]

# { ثم أورثنا الكتب } أي القرآن كما عليه الجمهور، والعطف
~~قيل على

# الذى أوحينا

# [فاطر: 31] وقيل على { أوحينا } بإقامة الظاهر مقام الضمير العائد
~~على الموصول، واستظهر ذلك بالقرب وتوافق الجملتين أي ثم أعطيناه من غير
~~كد وتعب في طلبه { الذين اصطفينا من عبادنا } وهم كما قال
~~ابن عباس وغيره أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى اصطفاهم على
~~سائر الأمم وجعلهم أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس وخصهم بالانتماء
~~إلى أكرم رسله وأفضلهم عليهم الصلاة والسلام، و { ثم } للتراخي
~~الرتبي فإن إيحاء الكتاب إليه صلى الله عليه وسلم أشرف من الإيراث
~~المذكور كأنه كالعلة له وبه تحققت نبوته عليه الصلاة والسلام التي هي
~~منبع كل خير وليست للتراخي الزماني إذ زمان إيحائه إليه عليه الصلاة
~~والسلام هو زمان إيراثه، وإعطائه أمته بمعنى تخصيصه بهم وجعله كتابهم
~~الذي إليه يرجعون وبالعمل بما فيه ينتفعون، وإذا أريد بإيراثه إياهم
~~إيراثه منه صلى الله عليه وسلم وجعلهم منتفعين به فاهمين ما فيه بالذات
~~كالعلماء أو بالواسطة كغيرهم بعده عليه الصلاة والسلام فهي للتراخي
~~الزماني، والتعبير عن ذلك بالماضي لتحققه، وجوز أن يكون معنى {
~~أورثنا الكتب } حكمنا بإيراثه وقدرناه على أنه مجاز من إطلاق ms08774
~~السبب على المسبب فتكون ثم للتراخي الرتبي وإلا فزمان الحكم سابق على
~~زمان الإيحاء. ووجه التعبير بالماضي عليه ظاهر.

# وفي «شرح الرضي» أن ثم قد تجىء في عطف الجمل خاصة لاستبعاد مضمون ما
~~بعدها عن مضمون ما قبلها وعدم مناسبته له كما في قوله تعالى:

# استغفروا ربكم ثم توبوا إليه

# [هود: 3] فإن بين توبة العباد وهي انقطاع العبد إليه تعالى بالكلية وبين
~~طلب المغفرة بونا بعيدا وهذا المعنى فرع التراخي ومجازه اه.

# وابن الشيخ جعل ما هنا كما في هذه الآية، وجوز أن يكون { ثم
~~أورثنا } الخ متصلا بما سبق من قوله تعالى:

# إنا أرسلنك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من
~~أمة إلا خلا فيها نذير

# [فاطر: 24] والمراد ثم أورثنا الكتاب من الأمم السالفة وأعطيناه بعدهم
~~الذين اصطفيناهم من الأمة المحمدية، والكتاب القرآن كما قيل

# وإنه لفى زبر الأولين

# [الشعراء: 196] وقيل لا يحتاج إلى اعتبار ذلك ويجعل المعنى ثم أخرنا
~~القرآن عن الأمم السالفة وأعطيناه هذه الأمة.

# ووجه النظم أنه تعالى قدم إرساله في كل أمة رسولا وعقبه بما ينبىء أن
~~تلك الأمم تفرقت حزبين حزب كذبوا الرسل وما أنزل معهم وهم المشار إليهم
~~بقوله تعالى:

# فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم
~~بالبينت وبالزبر وبالكتب المنير

# [فاطر: 25] وحزب صدقوهم وتلوا كتاب الله تعالى وعملوا بمقتضاه وهم
~~المشار إليهم بقوله سبحانه:

# إن الذين يتلون كتب الله وأقاموا الصلوة

# [فاطر: 29] الخ وبعد أن أثنى سبحانه على التالين لكتبه العاملين بشرائعه
~~من بين المكذبين بها من سائر الأمم جاء بما يختص برسوله صلى الله عليه
~~وسلم من قوله سبحانه:

# والذى أوحينا إليك من الكتب

# [فاطر: 31] الخ استطرادا معترضا ثم أخبر سبحانه بإيراثه هذا الكتاب
~~الكريم هذه الأمة بعد إعطاء تلك الأمم الزبر والكتاب المنير، وعلى هذا
~~يكون المعنى في { أورثنا } على ظاهره، وثم للتراخي في الاخبار أو
~~للتراخي في الرتبة إيذانا بفضل هذا الكتاب على سائر الكتب وفضل هذه
~~الأمة على سائر الأمم، وفي هذا الوجه حمل الكتاب في قوله سبحانه:

# إن الذين ms08775 يتلون كتب الله

# [فاطر: 29] على الجنس وجعل الآية ثناء على الأمم المصدقين بعد اقتصاص
~~حال المكذبين منهم، فإن دفع ما فيه فهو من الحسن بمكان. وجوز أن يكون
~~عطفا على { إن الذين يتلون كتب الله } وإذا كان
~~إيراث الكتاب سابقا على تلاوته فالمعنى على ظاهره و(ثم) للتفاوت الرتبي
~~أو للتراخي في الاخبار

# والذى أوحينا

# [فاطر: 31] الخ اعتراض لبيان كيفية الإيراث لأنه إذا صدقها بمطابقته لها
~~في العقائد والأصول كان كأنه هي وكأنه انتقل إليهم ممن سلف، وهو كما ترى.

# وجوز على هذا وما قبله أن يراد بالكتاب الجنس؛ ولا يخفى أن إرادة القرآن
~~هو الظاهر، وقيل المراد بالمصطفين علماء الأمة من الصحابة ومن بعدهم ممن
~~يسير بسيرتهم وإيراثهم القرآن جعلهم فاهمين معناه واقفين على حقائقه
~~ودقائقه أمناء على أسراره. وروى الإمامية عن الصادق والباقر رضي الله
~~تعالى عنهما أنهما قالا: هي لنا خاصة وإيانا عنى أرادا أن أهل البيت أو
~~الأئمة منهم هم المصطفون الذين أورثوا الكتاب، واختار هذا الطبرسي
~~الإمامي قال في تفسيره «مجمع البيان»: وهذا أقرب الأقوال لأنهم أحق الناس
~~بوصف الاصطفاء والاجتباء وإيراث علم الأنبياء عليهم السلام. وربما يستأنس
~~له بقوله عليه الصلاة والسلام:

# " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله تعالى وعترتي لن يفترقا حتى يردا على
~~الحوض "

# وحملهم على علماء الأمة أولى من هذا التخصيص ويدخل فيهم علماء أهل البيت
~~دخولا أوليا ففي بيتهم نزل الكتاب ولن يفترقا حتى يردا الحوض يوم
~~الحساب، وإذا كانت الإضافة في { عبادنا } للتشريف واختص العباد
~~بمؤمني هذه الأمة وكانت (من) للتبعيض كأن حمل المصطفين على العلماء
~~كالمتعين.

# وعن الجبائي أنهم الأنبياء عليهم السلام اختارهم الله تعالى وحباهم
~~برسالته وكتبه، وعليه يكون تعريف (الكتاب) للجنس والعطف على قوله تعالى:

# والذى أوحينا إليك من الكتب هو الحق

# [فاطر: 31] وثم للتراخي في الاخبار، أخبر سبحانه أولا عما أوتيه نبينا
~~صلى الله عليه وسلم وهو متضمن للاخبار بإيتائه عليه الصلاة والسلام
~~الكتاب على أكمل وجه ثم أخبر سبحانه بتوريث إخوانه الأنبياء عليهم السلام
~~وإيتائهم ms08776 الكتب، ومما يرد عليه أن إيتاء الأنبياء عليهم السلام الكتب قد
~~علم قبل من قوله تعالى:

# فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم
~~بالبينت وبالزبر وبالكتب المنير

# [فاطر: 25]. وعن أبي مسلم أنهم المصطفون المذكورون في قوله تعالى:

# إن الله اصطفى آدم ونوحا وءال إبرهيم وءال
~~عمرن على العلمين

# [آل عمران: 33] وهو دون ما قبله، وأيا ما كان فالموصول مفعول أول
~~لأورثنا، و { الكتب } مفعول ثان له قدم لشرفه والاعتناء به وعدم
~~اللبس، و(من) للبيان أو للتبعيض.

# { فمنهم ظلم لنفسه } الفاء للتفصيل لا للتعليل كما قيل؛
~~وضمير الجمع على ما سمعت أولا في تفسير الموصول للموصول، والظالم لنفسه
~~من قصر في العمل بالكتاب وأسرف على نفسه وهو صادق على من ظلم غيره لأنه
~~بذلك ظالم لنفسه والمشهور مقابلته بالظالم لغيره، واللام للتقوية. {
~~ومنهم مقتصد } يتردد بين العمل به ومخالفته فيعمل تارة ويخالف
~~أخرى، وأصل معنى الاقتصاد التوسط / في الأمر { ومنهم سابق }
~~متقدم إلى ثواب الله تعالى وجنته { بالخيرت } أي بسبب الخيرات أي
~~الأعمال الصالحة، وقيل: سابق على الظالم لنفسه والمقتصد في الدرجات بسبب
~~الخيرات، وقيل: أي محرز الفضل بسببها { بإذن الله } أي بتيسيره
~~تعالى وتوفيقه عز وجل؛ وفيه تنبيه على عزة منال هذه الرتبة وصعوبة
~~مأخذها، وفسر بمن غلبت طاعته معاصيه وكثر عمله بكتاب الله تعالى، وما ذكر
~~في تفسير الثلاثة مما يشير إليه كلام الحسن فقد روي عنه أنه قال: الظالم
~~من خفت حسناته والمقتصد من استوت والسابق من رجحت، ووراء ذلك أقوال كثيرة
~~فقال معاذ: الظالم لنفسه الذي مات على كبيرة لم يتب منها والمقتصد من مات
~~على صغيرة ولم يصب كبيرة لم يتب منها والسابق من مات تائبا من كبيرة أو
~~صغيرة أو لم يصب ذلك، وقيل الظالم لنفسه العاصي المسرف والمقتصد متقي
~~الكبائر والسابق المتقي على الإطلاق، وقيل الأول المقصر في العمل والثاني
~~العامل بالكتاب في أغلب الأوقات ولم يخل عن تخليط والثالث السابقون
~~الأولون من المهاجرين والأنصار. وقيل الأولان كما ذكر والثالث المداوم
~~على إقامة مواجب ms08777 الكتاب علما وعملا وتعليما، وقيل: الأول من أسلم بعد
~~الفتح والثاني من أسلم قبله والثالث من أسلم قبل الهجرة، وقيل: هم من لا
~~يبالي من أين ينال ومن قوته من الحلال ومن يكتفي من الدنيا بالبلاغ،
~~وقيل: من همه الدنيا ومن همه العقبى ومن همه المولى، وقيل: طالب النجاة
~~وطالب الدرجات وطالب مناجاة، وقيل: تارك الزلة وتارك الغفلة وتارك
~~العلاقة، وقيل: من شغله معاشه عن معاده ومن شغله بهما ومن شغله معاده عن
~~معاشه وقيل: من يأتي بالفرائض خوفا من النار ومن يأتي بها خوفا منها
~~ورضا واحتسابا ومن يأتي بها رضا واحتسابا فقط، وقيل: الغافل عن الوقت
~~والجماعة والمحافظ على الوقت دون الجماعة والمحافظ عليهما، وقيل: من غلبت
~~شهوته عقله ومن تساويا ومن غلب عقله شهوته، وقيل: من لا ينهى عن المنكر
~~ويأتيه ومن ينهى عن المنكر ويأتيه ومن يأمر بالمعروف ويأتيه، وقيل: دو
~~الجور وذو العدل وذو الفضل، وقيل: ساكن البادية والحاضرة والمجاهد، وقيل:
~~من كان ظاهره خيرا من باطنه ومن استوى باطنه وظاهره ومن باطنه خير من
~~ظاهره.

# وقيل: التالي للقرآن غير العالم به ولا العامل بموجبه والتالي العالم
~~غير العامل والتالي العالم العامل، وقيل: الجاهل والمتعلم والعالم، وقيل:
~~من خالف الأوامر وارتكب المناهي ومن اجتهد في أداء التكاليف وإن لم يوفق
~~لذلك ومن لم يخالف تكاليف الله تعالى.

# وروى بعض الإمامية عن ميسر بن عبد العزيز عن جعفر الصادق رضي الله تعالى
~~عنه الظالم لنفسه منا من لا يعرف حق الإمام والمقتصد العارف بحق الإمام
~~والسابق هو الإمام، وعن زياد بن المنذر عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه
~~الظالم لنفسه منا من عمل صالحا وآخر سيئا والمقتصد المتعبد المجتهد
~~والسابق بالخيرات علي والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم ومن قتل من آل
~~محمد شهيدا، وقيل: هم الموحد بلسانه الذي تخالفه جوارحه والموحد الذي
~~يمنع جوارحه بالتكليف والموحد الذي ينسيه التوحيد غير التوحيد، وقيل: من
~~يدخل الجنة بالشفاعة ومن يدخلها بفضل الله تعالى ومن يدخلها بغير ms08778 حساب،
~~وقيل: من أوتي كتابه من وراء ظهره ومن أوتي كتابه بشماله ومن أوتي كتابه
~~بيمينه، وقيل: الكافر مطلقا والفاسق والمؤمن التقي، وفي معناه ما جاء في
~~رواية عن ابن عباس وقتادة وعكرمة الظالم لنفسه أصحاب المشأمة والمقتصد
~~أصحاب الميمنة والسابق بالخيرات السابقون المقربون.

# والظاهر أن هؤلاء ومن قال نحو قولهم يجعلون ضمير { منهم } للعباد لا
~~للموصول ولا شك / أن منهم الكافر وغيره وكون العباد المضاف إلى الله
~~تعالى مخصوصا بالمؤمنين ليس بمطرد وإنما يكون كذلك إذا قصد بالإضافة
~~التشريف، والقول برجوع الضمير للموصول والتزام كون الاصطفاء بحسب الفطرة
~~تعسف كما لا يخفى، وقيل: في تفسير الثلاثة غير ما ذكر، وذكر في «التحرير»
~~ثلاثة وأربعين قولا في ذلك، ومن تتبع التفاسير وجدها أكثر من ذلك لكن لا
~~يجد في أكثرها كثير تفاوت، والذي يعضده معظم الروايات والآثار أن الأصناف
~~الثلاثة من أجل الجنة فلا ينبغي أن يلتفت إلى تفسير الظالم بالكافر إلا
~~بتأويل كافر النعمة وإرادة العاصي منه. أخرج الإمام أحمد والطيالسي وعبد
~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي
~~والترمذي وحسنه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
~~قال في هذه الآية: { ثم أورثنا الكتب }  إلى  {
~~الخيرات } «هؤلاء بمنزلة واحدة وكلهم في الجنة» وقوله عليه الصلاة
~~والسلام وكلهم الخ عطف تفسيري.

# وأخرج الطبراني وابن مردويه في «البعث» عن أسامة بن زيد أنه قال في
~~الآية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " كلهم من هذه الأمة وكلهم في الجنة "

# وأخرج ابن النجار عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له "

# وأخرج العقيلي وابن مردويه والبيهقي عن عمر بن الخطاب مرفوعا نحوه.
~~وأخرج الإمام أحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم
~~والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم يقول

# " قال الله تعالى: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ms08779
~~ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله } فأما الذين
~~سبقوا فأولئك يدخلون الجنة بغير حساب وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين
~~يحاسبون حسابا يسيرا وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول
~~المحشر ثم هم الذين يتلقاهم الله تعالى برحمته فهم الذين يقولون { الحمد
~~لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور } [فاطر:34] "

# الآية قال البيهقي: إذا كثرت الروايات في حديث ظهر أن للحديث أصلا،
~~والاخبار في هذا الباب كثيرة وفيما ذكر كفاية.

# وقدم الظالم لنفسه لكثرة الظالمين لأنفسهم وعقب بالمقتصد لقلة المقتصدين
~~بالنسبة إليهم وأخر السابق لأن السابقين أقل من القليل قاله الزمخشري،
~~وحكى الطبرسي أن هذا الترتيب على مقامات الناس فإن أحوال العباد ثلاث
~~معصية ثم توبة ثم قربة فإذا عصى العبد فهو ظالم فإذا تاب فهو مقتصد فإذا
~~صحت توبته وكثرت مجاهدته فهو سابق، وقيل: قدم الظالم لئلا ييأس من رحمة
~~الله تعالى وأخر السابق لئلا يعجب بعمله فتعين توسيط المقتصد، وقال قطب
~~الدين: النكتة في تقديم الظالم أنه أقرب الثلاثة إلى بداية حال العبد قبل
~~اصطفائه بإيراث الكتاب فإذا باشره الاصطفاء فمن العباد من يتأثر قليلا
~~وهو الظالم لنفسه ومنهم من يتأثر تأثرا وسطا وهو المقتصد ومنهم من
~~يتأثر تأثرا تاما وهو السابق، وقريب منه ما قيل: إن الاصطفاء مشكك
~~تتفاوت مراتبه وأولها ما يكون للمؤمن الظالم لنفسه وفوقه ما يكون للمقتصد
~~وفوق الفوق ما يكون للسابق بالخيرات فجاء الترتيب كالترقي في المراتب.

# وقيل: أخر السابق لتعدد ما يتعلق به فلو قدم أو وسط لبعد في الجملة ما
~~بين الأقسام المتعاطفة ولما كان الاقتصاد كالنسبة بين الظلم والسبق اقتضى
~~ذلك تقديم الظالم وتأخير المقتصد ليكون المقتصد بين الظالم والسابق لفظا
~~كما هو بينهما معنى، وقد يقال: رتب هذه الثلاثة هذا الترتيب ليوافق حالهم
~~في الذكر بالنسبة إلى ما وعدوا به من الجنات في قوله سبحانه:

# جنت عدن

# [فاطر: 33] الآية حالهم في الحشر عند تحقق الوعد فأخر السابق الداخل في
~~الجنان أولا ليتصل ذكره بذكر ms08780 الجنات الموعود بها وذكر قبله المقتصد /
~~وجعل السابق فاصلا بينه وبين الجنات لأنه إنما يدخلها بعده فيكون فاصلا
~~بينه وبينها في الدخول وذكر قبلهما الظالم لنفسه لأنه إنما يدخلها ويتصل
~~بها بعد دخولهما فتأخير السابق في المعنى تقديم وتقديم الظالم في المعنى
~~تأخير، ويحتمل ذلك أوجها أخرى تظهر بالتأمل فتأمل.

# وقرأ أبو عمران الجوني وعمر بن أبي شجاع ويعقوب في رواية والقزاز عن
~~أبي عمرو { سباق } بصيغة المبالغة.

# { ذلك } أي ما تقدم من الإيراث والاصطفاء { هو الفضل
~~الكبير } من الله عز وجل لا دخل للكسب فيه.

### || [35.33]

# { جنت عدن } مبتدأ خبره قوله تعالى: { يدخلونها } ويؤيده
~~قراءة الجحدري وهارون عن عاصم { جنت } بالنصب على الاشتغال أي
~~يدخلون جنات عدن يدخلونها واحتمال جره بدلا من { الخيرات } [فاطر: 32]
~~بعيد وفيه الفصل بين البدل والمبدل منه بأجنبي فلا يلتفت إليه. وضمير
~~الجمع للذين اصطفينا أو للثلاثة. وقال الزمخشري: (( { ذلك } إشارة إلى
~~السبق بالخيرات { وجنت عدن } بدل من (الفضل) الذي هو السبق
~~ولما كان السبق بالخيرات سببا لنيل الثواب جعل نفس الثواب إقامة للسبب
~~مقام المسبب ثم أبدل منه)) وضمير الجمع للسابق لأن القصد إلى الجنس، فخص
~~الوعد بالقسم الأخير مراعاة لمذهب الاعتزال وهو على ما سمعت للأقسام
~~الثلاثة وذلك هو الأظهر في النظم الجليل ليطابقه قوله تعالى بعد:

# والذين كفروا لهم نار جهنم

# [فاطر: 36] وليناسب حديث التعظيم والاختصاص المدمج في قوله سبحانه:

# ثم أورثنا الكتب

# [فاطر: 32] وإلا فأي تعظيم في ذلك بعد أن لز أكثر المصطفين في قرن
~~الكافرين وليناسب ذكر الغفور بعد حال الظالم والمقتصد والشكور حال السابق
~~ولتعسف ما ذكره من الإعراب وبعده عن الذوق وكيف لا يكون الأظهر وقد فسره
~~كذلك أفضل الرسل ومن أنزل عليه هذا الكتاب المبين على ما مر آنفا وإليه
~~ذهب الكثير من أصحابه الفخام ونجوم الهداية بين الأنام رضي الله تعالى
~~عنهم وعد منهم في «البحر» عمر وعثمان وابن مسعود وأبا الدرداء وأبا سعيد
~~وعائشة رضي الله تعالى عنهم، وقد أخرج سعيد بن منصور والبيهقي في ms08781 «البعث»
~~عن البراء بن عازب أنه قال بعد أن قرأ الآية: أشهد على الله تعالى أنه
~~يدخلهم الجنة جميعا، وأخرج غير واحد عن كعب أنه قرأ الآية إلى { لغوب
~~} [فاطر: 35] فقال دخلوها ورب الكعبة، وفي لفظ «كلهم في الجنة» ألا ترى
~~على أثره

# والذين كفروا لهم نار جهنم

# [فاطر: 36] نعم إن أريد بالظالم لنفسه الكافر يتعذر رجوع الضمير إلى ما
~~ذكر ويتعين رجوعه إلى السابق وإليه وإلى المقتصد لأن المراد بهما الجنس
~~لكن لا ينبغي أن يراد بعد هاتيك الأخبار.

# وقرأ زر بن حبيش والزهري { جنة عدن } بالإفراد والرفع وقرأ أبو عمرو {
~~يدخلونها } بالبناء للمفعول ورويت عن ابن كثير.

# وقوله تعالى: { يحلون فيها } خبر ثان لجنات أو حال مقدرة، وقيل:
~~إنها لقرب الوقوع بعد الدخول تعد مقارنة وقرىء { يحلون } بفتح الياء
~~وسكون الحاء وتخفيف اللام من حليت المرأة فهي حالية إذ لبست الحلي ويقال
~~جيد حال إذا كان عليه الحلي { من أساور } جمع سوار على ما في
~~«الإرشاد»، وفي «القاموس» السوار ككتاب وغراب القلب كالأسوار بالضم
~~جمعه أسورة وأساور وأساورة وسور وسؤور اه، وإطلاق الجمع على جمع
~~الجمع كثير فلا مخالفة، وسوار المرأة معرب كما قال الراغب وأصله دستواره،
~~و(من) للتبعيض أي يحلون بعض أساور كأنه بعض له امتياز وتفوق على سائر
~~الأبعاض، وجوز أن تكون للبيان لما أن ذكر التحلية مما ينبىء عن الحلي
~~المبهم، وقيل: زائدة بناء على ما يرى الأخفش من جواز زيادتها في الإثبات،
~~وقيل: نعت لمفعول محذوف ليحلون وأنه بمعنى يلبسون.

# { ومن } في قوله تعالى: { من ذهب } / بيانية { ولؤلؤا } عطف
~~على محل { من أساور } أي ويحلون فيها لؤلؤا. أخرج الترمذي والحاكم
~~وصححه والبيهقي في «البعث» عن أبي سعيد الخدري

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا الآية فقال: إن عليهم التيجان إن
~~أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب "

# وقيل: عطف على المفعول المحذوف أو منصوب بفعل مضمر يدل عليه {
~~يحلون } أي ويؤتون لؤلؤا.

# وقرأ جمع من السبعة { ولؤلؤ } بالجر عطفا على { ذهب } أي ms08782 يحلون فيها
~~بعض أساور من مجموع ذهب ولؤلؤ بأن تنظم حبات ذهب مع حبات لؤلؤ ويتخذ من
~~ذلك سوار كما هو معهود اليوم في بلادنا أو بأن يرصع الذهب باللؤلؤ كما
~~يرصع ببعض الأحجار، وقيل: أي من ذهب في صفاء اللؤلؤ، وفيه ما فيه من
~~الكدر. ولعل من يقول بأنه لا اشتراك بين ذهب الدنيا ولؤلؤها وذهب الآخرة
~~ولؤلؤها إلا بالاسم لا يلتزم النظم ولا الترصيع كما لا يخفى، وقرىء {
~~لؤلؤا } بتخفيف الهمزة الأولى.

# { ولباسهم فيها حرير } أي إبريسم محض كما في «مجمع البيان»،
~~وقال الراغب: ما رق من الثياب. وتغيير الأسلوب حيث لم يقل ويلبسون فيها
~~حريرا قيل للإيذان بأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غني عن البيان إذ لا
~~يمكن عراؤهم عنه وإنما المحتاج إلى البيان إن لباسهم ماذا بخلاف الأساور
~~واللؤلؤ فإنها ليست من اللوازم الضرورية ولذا لا يلزم العدل بين الزوجات
~~فيها فجعل بيان تحليتهم مقصورا بالذات، ولعل هذا هو الباعث على تقديم
~~التحلية على بيان حال اللباس، وقيل: إن ذلك للدلالة على أن الحرير ثيابهم
~~المعتادة مع المحافظة على هيئة الفواصل وليس بذاك.

### || [35.34]

# { وقالوا } أي ويقولون. وصيغة الماضي للدلالة على التحقق {
~~الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن } حزن تقلب القلب
~~وخوف العاقبة على ما روي عن القاسم بن محمد، وقال أبو الدرداء: حزن أهوال
~~القيامة وما يصيب من ظلم نفسه هنالك. وأخرج الحاكم وصححه وابن أبي حاتم
~~وغيرهما عن ابن عباس حزن النار. وقال الضحاك حزن الموت يقولون ذلك إذا
~~ذبح الموت، وقال مقاتل: حزن الانتقال يقولون ذلك إذا استقروا فيها، وقال
~~قتادة: حزن أن لا تتقبل أعمالهم، وقال الكلبي: خوف الشيطان، وقال سمرة
~~بن جندب: حزن معيشة الدنيا الخبز ونحوه، وعن ابن عباس حزن الآفات
~~والأعراض وقيل: حزن كراء الدار والأولى أن يراد جنس الحزن المنتظم لجميع
~~أحزان الدين والدنيا والآخرة، وكل ما سمعت من باب التمثيل وقد تقدم في
~~الحديث أن الذين ظلموا أنفسهم هم الذين يقولون - أي بعد أن يتلقاهم الله ms08783
~~تعالى برحمته - { الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن }
~~الخ فلا تغفل وقرىء (الحزن) بضم الحاء وسكون الزاي ذكره جناح بن حبيش.

# { إن ربنا لغفور } للمذنبين { شكور } للمطيعين. وأخرج ابن
~~المنذر وغيره عن ابن عباس أنه قال في ذلك غفر لنا العظيم من ذنوبنا وشكر
~~لنا القليل من أعمالنا، وفي «الكشاف» ذكر الشكور دليل على أن القوم كثيرو
~~الحسنات، وكان عليه أن يقول: وذكر الغفور دليل على أنهم كثيرو الفرطات
~~فينطبق على الفرق ولا ينفك النظم ولكن منعه المذهب.

### || [35.35]

# { الذى أحلنا دار المقامة } أي دار الإقامة التي لا
~~انتقال عنها أبدا وهي الجنة { من فضله } من إنعامه سبحانه وتفضله
~~وكرمه فإن العمل وإن كان سببا لدخول الجنة في الجملة لكن سببيته بفضل
~~الله عز وجل أيضا إذ ليس هناك استحقاق ذاتي، ومن علم أن العمل متناه
~~زائل وثواب الجنة دائم لا يزول لم يشك في أن الله تعالى ما أحل من أحل
~~دار الإقامة إلا من محض فضله سبحانه وقال الزمخشري: ((أي من إعطائه تعالى
~~وإفضاله من قولهم لفلان فضول على قومه / وفواضل وليس من الفضل الذي هو
~~التفضل لأن الثواب بمنزلة الأجر المستحق والتفضل كالتبرع)) وفيه من
~~الاعتزال ما فيه.

# { لا يمسنا فيها نصب } أي تعب { ولا يمسنا فيها
~~لغوب } كلال وفتور وهو نتيجة النصب، وضمه إليه وتكرير الفعل المنفي
~~للمبالغة في بيان انتفاء كل منهما كذا قال جمع من الأجلة، وقال بعضهم:
~~النصب التعب الجسماني واللغوب التعب النفساني. وأخرج ابن جرير عن قتادة
~~أنه فسر النصب بالوجع والكلام من باب:

# لا ترى الضب بها ينجحر

# والجملة حال من أحد مفعولي (أحل).

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والسلمي { لغوب } بفتح اللام، قال الفراء:
~~هو ما يلغب به كالفطور والسحور، وجاز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي لا
~~يمسنا فيها لغوب لغوب نحو شعر شاعر كأنه وصف اللغوب بأنه قد لغب أي أعيى
~~وتعب. وقال صاحب «اللوامح» يجوز أن يكون مصدرا كالقبور وإن شئت جعلته
~~صفة لمضمر أي أمر ms08784 لغوب.

### || [35.36]

# { والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى
~~عليهم } أي لا يحكم عليهم بموت ثان { فيموتوا } ليستريحوا بذلك
~~من عذابها بالكلية وإنما فسر لا يقضى بما ذكر دون لا يموتون لئلا يلغوا
~~فيموتوا ويحتاج إلى تأويله بيستريحوا. ونصب (يموتوا) في جواب النفي
~~بإضمار أن والمراد انتفاء المسبب لانتفاء السبب أي ما يكون حكم بالموت
~~فكيف يكون الموت. وقرأ عيسى والحسن { فيموتون } بالنون عطفا كما قال أبو
~~عثمان المازني على { يقضى } كقوله تعالى:

# لا يؤذن لهم فيعتذرون

# [المرسلات: 36] أي لا يقضى عليهم ولا يموتون.

# { ولا يخفف عنهم من عذابها } المعهود لهم بل كلما خبت
~~زيد إسعارها، والمراد دوام العذاب فلا ينافي تعذيبهم بالزمهرير ونحوه،
~~ونائب فاعل { يخفف عنهم } و { من عذابها } في موضع نصب ويجوز العكس، وجوز
~~أن تكون (من) زائدة فيتعين رفع مجرورها على أنه النائب عن الفاعل على ما
~~قال أبو البقاء. وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو { ولا يخفف } بإسكان الفاء
~~شبه المنفصل بالمتصل كقوله:

# فاليوم أشرب غير مستحقب

# { كذلك } أي مثل ذلك الجزاء الفظيع { نجزى كل كفور } مبالغ
~~في الكفر أو الكفران لا جزاء أخف وأدنى منه.

# وقرأ أبو عمرو وأبو حاتم عن نافع { يجزى } بالياء مبنيا للمفعول و { كل
~~} بالرفع على النيابة عن الفاعل وقرىء { نجازي } بنون مضمومة وألف بعد
~~الجيم.

### || [35.37]

# { وهم يصطرخون فيها } افتعال من الصراخ وهو شدة الصياح
~~والأصل يصترخون فأبدلت التاء طاء ويستعمل كثيرا في الاستغاثة لأن
~~المستغيث يصيح غالبا، وبه فسره هنا قتادة فقال: يستغيثون فيها،
~~واسغاثتهم بالله عز وجل بدليل ما بعده وقيل ببعضهم لحيرتهم وليس بذاك.

# { ربنا أخرجنا نعمل صلحا غير الذى كنا
~~نعمل } بإضمار القول أي ويقولون بالعطف أو يقولون بدونه على أنه
~~تفسير لما قبله أو قائلين على أنه حال من ضميرهم، وتقييد العمل الصالح
~~بالوصف المذكور للتحسر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به
~~والإشعار بأن استخراجهم لتلافيه فهو وصف مؤكد ولأنهم كانوا يحسبون أنهم
~~يحسنون صنعا فكأنهم قالوا: نعمل صالحا غير الذي ms08785 كنا نحسبه صالحا
~~فنعمله فالوصف مقيد. وذكر أبو البقاء أن { صلحا } و { غير
~~الذى } يجوز أن يكونا صفتين لمصدر محذوف أو لمفعول محذوف وأن يكون {
~~صلحا } نعتا لمصدر و { غير الذى } مفعول { نعمل } وأيا
~~ما كان فالمراد أخرجنا من النار وردنا إلى الدنيا نعمل / صالحا وكأنهم
~~أرادوا بالعمل الصالح التوحيد وامتثال أمر الرسول عليه الصلاة والسلام
~~والانقياد له، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: { نعمل
~~صلحا } نقل لا إله إلا الله.

# { أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر } جواب
~~من جهته تعالى وتوبيخ لهم في الآخرة حين يقولون { ربنا } الخ فهو
~~بتقدير فنقول لهم أو فيقال لهم { أو لم نعمركم } الخ، وفي بعض
~~الآثار أنهم يجابون بذلك بعد مقدار الدنيا، والهمزة للإنكار والواو للعطف
~~على مقدر يقتضيه المقام و(ما) موصولة أو موصوفة أي ألم نمهلكم ونعمركم
~~الذي أي العمر الذي أو عمرا يتذكر فيه من تذكر أي يتمكن فيه من أراد
~~التذكر وتحققت منه تلك الإرادة من التذكر والتفكر. وقال أبو حيان: (ما)
~~مصدرية ظرفية أي ألم نعمركم في مدة تذكر، وتعقب بأن ضمير { فيه } يأباه
~~لأنها لا يعود عليها ضمير إلا على نظر الأخفش فإنه يرى اسميتها وهو ضعيف،
~~ولعله يجعل الضمير للعمر المفهوم من { نعمر } وفيه بعد. وجعل (ما) نافية
~~لا يصح كما قال ابن الحاجب لفظا ومعنى.

# وهذا العمر على ما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه وأخرجه جماعة وصححه
~~الحاكم عن ابن عباس ستون سنة، وقد أخرج الإمام أحمد والبخاري والنسائي
~~وغيرهم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " أعذر الله تعالى إلى امرىء أخر عمره حتى بلغ ستين سنة وقيل: هو خمسون
~~سنة "

# وفي رواية عن ابن عباس أنه ست وأربعون سنة، وأخرج عبد بن حميد وابن أبي
~~حاتم عن الحسن أنه أربعون سنة، وفي رواية أخرى عنه أنه سن البلوغ، وقيل:
~~سبع عشرة سنة، وعن قتادة ثمان عشرة سنة، وعن عمر بن عبد العزيز ms08786 عشرون
~~سنة، وعن مجاهد ما بين العشرين إلى الستين.

# وقرأ الأعمش { ما يذكر فيه من اذكر } بالإدغام واجتلاب همزة الوصل
~~ملفوظا بها في الدرج.

# { وجاءكم النذير } عطف على معنى الجملة الاستفهامية فكأنه قيل:
~~عمرناكم وجاءكم النذير فليس من عطف الخبر على الإنشاء كما في قوله تعالى:

# ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك

# [الشرح: 1-2] وجوز أن يكون عطفا على { نعمركم } ودخول الهمزة
~~عليهما فلا تغفل. والمراد بالنذير على ما روي عن السدي وابن زيد رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: ما معه من القرآن، وقال أبو حيان: المراد
~~جنس النذير وهم الأنبياء عليهم السلام فكل نبي نذير أمته، ويؤيده أنه
~~قرىء { النذر } جمعا، وعن ابن عباس وعكرمة وسفيان بن عيينة ووكيع
~~والحسين بن الفضل والفراء والطبرسي هو الشيب، وفي الأثر «ما من شعرة تبيض
~~إلا قالت لأختها استعدي فقد قرب الموت»، ومن هنا قيل:

# رأيت الشيب من نذر المنايا

# لصاحبه وحسبك من نذير

# وقائلة تخضب يا حبيبي

# وسود شعر شيبك بالعبير

# فقلت لها المشيب نذير عمري

# ولست مسودا وجه النذير

# وقيل: الحمى، وقيل: موت الأهل والأقارب، وقيل: كمال العقل، والاقتصار
~~على النذير لأنه الذي يقتضيه المقام.

# والفاء في قوله تعالى: { فذوقوا } لترتيب الأمر بالذوق على ما قبلها
~~من التعمير ومجيء النذير، وفي قوله سبحانه: { فما للظلمين من
~~نصير } للتعليل، والمراد بالظلم هنا الكفر، قيل كان الظاهر فما لكم
~~لكن عدل إلى المظهر لتقريعهم، والمراد استمرار نفي أن يكون لهم نصير يدفع
~~عنهم العذاب.

### || [35.38]

# { إن الله علم غيب السموات والأرض } أي كل غيب
~~فيهما أي لا يخفى عليه سبحانه خافية فيهما فلا تخفى عليه جل شأنه أحوالهم
~~التي اقتضت الحكمة / أن يعاملوا بهذا هذه المعاملة ولا يخرجوا من النار،
~~وقرأ جناح بن حبيش { علم } بالتنوين { غيب } بالنصب على
~~المفعولية لعالم.

# { إنه عليم بذات الصدور } قيل إنه تعليل لما قبله لأنه
~~تعالى إذا علم مضمرات الصدور وهي أخفى ما يكون كان عز وجل أعلم بغيرها،
~~وفيه نوع خفاء، وقال ms08787 الإمام: إن قوله تعالى: { إن الله } الخ تقرير
~~لدوامهم في العذاب مع أنهم ما كفروا إلا أياما معدودة فكأن سائلا يسأل
~~عن وجه ذلك فقيل: إن الله تعالى لا يخفى عليه غيب السماوات والأرض فلا
~~يخفى عليه ما في الصدور فكان يعلم سبحانه من الكافر أن الكفر قد تمكن في
~~قلبه بحيث لو دام إلى الأبد لما أطاع الله تعالى ولا عبده انتهى، وظاهره
~~أن الجملة الأولى تعليل للثانية على عكس ما قيل، ويمكن أن يقال: إن قوله
~~تعالى:

# فما للظلمين من نصير

# [فاطر: 37] متضمن نفي أن يكون لهم نصير على سبيل الاستمرار ومستدع
~~خلودهم في العذاب فكان مظنة أن يقال كيف ينفي ذلك على سبيل الاستمرار
~~والعادة في الشاهد قاضية بوجود نصير لمن تطول أيام عذابه فأجيب بأن الله
~~عالم غيب السماوات والأرض على معنى أنه تعالى محيط بالأشياء علما فلو
~~كان لهم نصير في وقت من الأوقات لعلمه ولما نفى ذلك على سبيل الاستمرار،
~~وكذا مظنة أن يقال: كيف يخلدون في العذاب وهم قد ظلموا في أيام معدودة؟
~~فأجيب بأنه عليم بذات الصدور على معنى أنه تعالى يعلم ما انطوت عليه
~~ضمائرهم فيعلم أنهم صمموا على ما هم فيه من الضلال والكفر إلى الأبد فكل
~~من الجملتين مستأنف استئنافا بيانيا فتأمل.

### || [35.39]

# { هو الذى جعلكم خلئف فى الأرض } ملقي إليكم مقاليد
~~التصرف وانتفاع بما فيها أو جعلكم خلفاء ممن قبلكم من الأمم وأورثكم ما
~~بأيديكم من متاع الدنيا لتشكروه بالتوحيد والطاعة أو جعلكم بدل من كان
~~قبلكم من الأمم الذين كذبوا الرسل فهلكوا فلم تتعظوا بحالهم وما حل بهم
~~من الهلاك، والخطاب قيل عام، واستظهره في «البحر»، وقيل: لأهل مكة،
~~والخلائف جمع خليفة وقد اطرد جمع فعيلة على فعائل وأما الخلفاء فجمع خليف
~~ككريم وكرماء، وجوز الواحدي كونه جمع خليفة أيضا وهو خلاف المشهور.

# { فمن كفر } منكم مثل هذه النعمة السنية وغمطها أو فمن استمر على
~~الكفر وترك الإيمان بعد أن لطف به وجعل له ما ينبهه على ms08788 ما يترتب على ذلك
~~{ فعليه كفره } أي وبال كفره وجزاؤه لا على غيره.

# { ولا يزيد الكفرين كفرهم عند ربهم إلا
~~مقتا } أشد الاحتقار والبغض والغضب. { ولا يزيد الكفرين
~~كفرهم إلا خسارا } في الآخرة، وجملة { ولا يزيد } الخ
~~بيان وتفسير لقوله سبحانه: { فعليه كفره } ولزيادة تفصيله نزل
~~منزلة المغاير له ولولا ذلك لفصل عنه، والتكرير لزيادة التقرير والتنبيه
~~على أن اقتضاء الكفر لكل واحد واحد من الأمرين الأمرين المقت والخسارة
~~مستقل باقتضاء قبحه ووجود التجنب عنه بمعنى أنه لو لم يكن الكفر مستوجبا
~~لشيء سوى مقت الله تعالى لكفى ذلك في قبحه وكذا لو لم يستوجب شيئا سوى
~~الخسار لكفى.

### || [35.40]

# { قل } تبكيتا لهم { قل أرءيتم شركاءكم الذين
~~تدعون من دون الله } أي آلهتكم، والإضافة إليهم لأدنى ملابسة
~~حيث أنهم هم الذين جعلوهم شركاء الله تعالى واعتقدوهم كذلك من غير أن
~~يكون له أصل ما أصلا. وقيل: الإضافة حقيقية من حيث إنهم جعلوهم شركاء
~~لأنفسهم فيما يملكونه أوجعلهم الله تعالى شركاء لهم في النار كما قال
~~سبحانه

# إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم

# [الأنبياء: 98] والصفة عليهما مقيدة لا مؤكدة، وسياق النظم الكريم
~~وسباقه ظاهران فيما تقدم.

# { أرونى ماذا خلقوا من الأرض } بدل اشتمال من {
~~أرءيتم } لأنه بمعنى / أخبروني كأنه قيل: أخبروني عن شركائكم أروني
~~أي جزء خلقوا من الأرض حتى يستحقوا الإلهية والشركة. وجوز أن يكون بدل
~~كل، وقال أبو حيان: لا تجوز البدلية لأنه إذا بدل مما دخل عليه الاستفهام
~~فلا بد من دخول الأداة على البدل، وأيضا إبدال الجملة من الجملة لم يعهد
~~في لسانهم ثم البدل على نية تكرار العامل ولا يتأتى ذلك ههنا لأنه لا
~~عامل لأرأيتم ثم قال: والذي أذهب إليه أن { أرءيتم } بمعنى أخبروني
~~وهي تطلب مفعولين أحدهما منصوب والآخر مشتمل على الاستفهام كقول العرب
~~أرأيت زيدا ما صنع فالأول هنا { شركاؤكم } والثاني { ماذا
~~خلقوا } و { أرونى } جملة اعتراضية فيها تأكيد للكلام وتسديد،
~~ويحتمل أن يكون ذلك أيضا من باب الإعمال لأنه توارد ms08789 على { ماذا
~~خلقوا } (أرأيتم) و(أروني) لأن أروني قد تعلق عن مفعولها الثاني كما
~~علقت رأي التي لم تدخل عليها همزة النقل عن مفعولها في قولهم: أما ترى أي
~~برق ههنا ويكون قد أعمل الثاني على المختار عند البصريين انتهى.

# وما ذكره احتمال في الآية الكريمة كما أن ما ذكر أولا احتمال وما قاله
~~في رده ليس بشيء، أما الأول فلأن لزوم دخول الأداة على البدل فيما إذا
~~كان الاستفهام باق على معناه أما إذا نسخ عنه كام هنا فليس ذلك بلازم،
~~وأما الثاني فلأن أهل العربية والمعاني نصوا على خلافه وقد ورد في كلام
~~العرب كقوله:

# أقول له ارحل لا تقيمن عندنا

# وإلا فكن في السر والجهر مسلما

# وأما الثالث فلأن كون البدل على نية تكرار العامل إنما هو كما نقل
~~الخفاجي عنهم في بدل المفردات.

# وليس لك أن تقول العامل هنا موجود وهو { قل } لأن العبرة بالمقول ولا
~~عامل فيه إذ يقال وهو ظاهر، وجوز أن لا يكون { أرءيتم } بمعنى
~~أخبروني بل المراد حقيقة الاستفهام عن الرؤية وأروني أمر تعجيز للتبيين
~~أي أعلمتم هذه التي تدعونها ما هي وعلى ما هي عليه من العجز أو تتوهمون
~~فيها قدرة فإن كنتم تعلمونها عاجرة فكيف تعبدونها أو كنتم توهمتم فيها
~~قدرة فأروني أثرها، وما تقدم أظهر.

# { أم لهم شرك فى السموات } أي بل ألهم شركة مع الله عز
~~وجل في خلق السماوات حتى يستحقوا ما زعمتم فيهم، وقال بعضهم: الأولى أن
~~لا يقدر مضاف على أن المعنى أم لهم شركة معه سبحانه في السماوات خلقا
~~وإبقاء وتصرفا لأن المقصود نفي آيات الإلهية عن الشركاء وليست محصورة في
~~الخلق والتقدير أوفق بما قبله، والكلام قيل من باب التدرج من الاستقلال
~~إلى إلى الشركة ثم منها إلى حجة وبينة مكتوبة بالشركة كأنه قيل: أخبروني
~~عن الذين تدعون من دون الله هل استبدوا بخلق شيء من الأرض حتى يكونوا
~~معبودين مثل الله تعالى بل ألهم شركة معه سبحانه في خلق السماوات.

# { أم آتيناهم كتابا ms08790 } أي بل آتيناهم كتابا ينطق بأنا
~~اتخذناهم شركاء { فهم على بينت منه } أي حجة ظاهرة من ذلك
~~الكتاب بأن لهم شركة معنا. وقال في «الكشف» الظاهر أن الكلام مبني على
~~الترقي في إثبات الشركة لأن الاستبداد بخلق جزء من الأرض شركة ما معه عز
~~وجل والاشتراك معه سبحانه في خلق السماوات أدل على إثباتها ثم إيتاء كتاب
~~منه تعالى على أنهم شركاؤه أدل وأدل، وقيل: هم في { ءاتينهم }
~~للمشركين وكذا في { فهم } كما في قوله تعالى:

# أم أنزلنا عليهم سلطنا

# [الروم: 35] الخ ففي الكلام التفات من ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة
~~إعراضا عن المشركين وتنزيلا لهم منزلة الغيب. والمعنى أن عبادة هؤلاء
~~إما بالعقل ولا عقل يحكم بصحة عبادة من لا يخلق جزأ ما من الأرض دلالة
~~شرك في السماء وإما بالنقل ولم نؤت المشركين كتابا فيه الأمر بعبادة
~~هؤلاء، وفيه تفكيك للضمائر، وقال بعضهم: ضمير / { ءاتينهم }
~~للشركاء كالضمائر السابقة وضمير { فهم على بينة } للمشركين و
~~«أم» منقطعة للإضراب عن الكلام السابق وزعم أن لا التفات حينئذ ولا تفكيك
~~فتأمل.

# وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب وأبو بكر { على بينت } بالجمع
~~فيكون إيماء إلى أن الشرك خطير لا بد فيه من تعاضد الدلائل وهو ضرب من
~~التهكم.

# { بل إن يعد الظلمون بعضهم بعضا إلا غرورا }
~~لما نفى سبحانه ما نفى من الحجج في ذلك أضرب عز وجل عنه بذكر ما حملهم
~~على الشرك وهو تغرير الأسلاف للأخلاف وإضلال الرؤساء للأتباع بأنهم شفعاء
~~عند الله تعالى يشفعون لهم بالتقرب إليهم، والآية عند الكثير في عبدة
~~الأصنام وحكمها عام؛ وقيل: في عبدة غير الله عز وجل صنما كان أو ملكا
~~أو غيرهما.

### || [35.41]

# { إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا }
~~استئناف مقرر لغاية قبح الشرك وهوله أي إن الله تعالى يحفظ السماوات
~~والأرض كراهة زوالهما أو لئلا تزولا وتضمحلا فإن الممكن كما يحتاج إلى
~~الواجب سبحانه حال إيجاده يحتاج إليه حال بقائه، وقال الزجاج: { يمسك
~~} بمعنى يمنع و { أن تزولا } مفعوله على الحذف ms08791 والإيصال لأنه يتعدى بمن
~~أي يمنعهما من أن تزولا، وفي «البحر» يجوز أن يكون { أن تزولا } بدل
~~اشتمال من (السماوات والأرض) أي يمنع سبحانه زوال السماوات والأرض، وفسر
~~بعضهم الزوال بالانتقال عن المكان أي إن الله تعالى يمنع السماوات من أن
~~تنتقل عن مكانها فترتفع أو تنخفض ويمنع الأرض أيضا من أن تنتقل كذلك،
~~وفي أثر أخرجه عبد بن حميد وجماعة عن ابن عباس ما يقتضيه، وقيل: زوالهما
~~دورانهما فهما ساكنتان والدائرة بالنجوم أفلاكها وهي غير السماوات، فقد
~~أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وعبد بن حميد عن شقيق قال: قيل
~~لابن مسعود إن كعبا يقول: إن السماء تدور في قطبة مثل قطبة الرحى في
~~عمود على منكب ملك فقال: كذب كعب إن الله تعالى يقول: { إن الله
~~يمسك السموت والأرض أن تزولا } وكفى بها زوالا أن
~~تدور، والمنصور عند السلف أن السماوات لا تدور وأنها غير الأفلاك، وكثير
~~من الإسلاميين ذهبوا إلى أنها تدور وأنها ليست غير الأفلاك، وأما الأرض
~~فلا خلاف بين المسلمين في سكونها والفلاسفة مختلفون والمعظم على السكون،
~~ومنهم من ذهب إلى أنها متحركة وأن الطلوع والغروب بحركتها ورد ذلك في
~~موضعه، والأولى في تفسير الآية ما سمعت أولا وكذا كونها مسوقة لما ذكرنا،
~~وقيل إنه تعالى لما بين فساد أمر الشركاء ووقف على الحجة في بطلانها عقب
~~بذلك عظمته عز وجل وقدرته سبحانه ليتبين الشيء بضده وتتأكد حقارة الأصنام
~~بذكر عظمة الله عز وجل.

# { ولئن زالتا } أي إن أشرفتا على الزوال على سبيل الفرض والتقدير،
~~ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة { ولو زالتا } وقيل إن ذلك إشارة إلى
~~ما يقع يوم القيامة من طي السماوات ونسف الجبال. { إن أمسكهما }
~~أي ما أمسكهما { من أحد من بعده } أي من بعد إمساكه تعالى أو
~~من بعد الزوال، والجملة جواب القسم المقدر قبل لام التوطئة في «لئن»
~~وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وأمسك بمعنى يمسك كما في قوله
~~تعالى:

# ولئن أتيت الذين أوتوا الكتب بكل ms08792 ءاية ما
~~تبعوا قبلتك

# [البقرة: 145] ومن الأول مزيدة لتأكيد العموم والثانية للابتداء.

# { إنه كان حليما غفورا } فلذا حلم على المشركين وغفر لمن
~~تاب منهم مع عظم جرمهم المقتضي لتعجيل العقوبة وعدم إمساك السماوات
~~والأرض وتخريب العالم الذي هم فيه فلا يتوهم أن / المقام يقتضي ذكر
~~القدرة لا الحلم والمغفرة.

### || [35.42]

# { وأقسموا بالله جهد أيمنهم } أي حلفوا واجتهدوا
~~في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم { لئن جاءهم نذير
~~ليكونن أهدى من إحدى الأمم } الضمائر لقريش، وذلك
~~أنهم بلغهم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم أن طائفة من أهل الكتاب
~~كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله تعالى اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم
~~فوالله لئن جاءنا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم فكان منهم بعد ما كان
~~فأنزل الله تعالى هذه الآية و { لئن جاءهم } جاء على المعنى وإلا
~~فهم قالوا:

# جاءنا

# [الملك: 9] وكذا { ليكونن } و(إحدى) بمعنى واحدة، والظاهر أنها
~~عامة وإن كانت نكرة في الإثبات لاقتضاء المقام العموم، وتعريف { الأمم
~~} للعهد والمراد الأمم الذين كذبوا رسلهم أي لئن جاءنا نذير لنكونن أهدى
~~من كل واحدة من الأمم اليهود والنصارى وغيرهم فنؤمن جميعا ولا يكذب أحد
~~منا أو المعنى لنكونن أهدى من أمة يقال فيها إحدى الأمم تفضيلا لها على
~~غيرها من الأمم كما يقال هو واحد القوم وواحد عصره وكما قالوا هو أحد
~~الأحدين وهي إحدى الإحد يريدون التفضيل في الدعاء والعقل، قال الشاعر:

# حتى استثاروا بي إحدى الإحد

# ليثا هزبرا ذا سلاح معتد

# وقد نص ابن مالك في «التسهيل» على أنه قد يقال لما يستعظم مما لا نظير
~~له هو إحدى الإحد لكن قال الدماميني في «شرحه»: إنما ثبت استعماله في
~~إحدى ونحوه المضاف إلى جمع مأخوذ من لفظه كإحدى الإحد وأحد الأحدين أو
~~المضاف إلى وصف كأحد العلماء وإحدى الكبر أما في المضاف إلى أسماء
~~الأجناس كالأمم فيحتاج إلى نقل، وبحث فيه بأنه قد ثبت استعمال إحدى في
~~الاستعظام من دون إضافة أصلا فإنهم يقولون للداهية العظيمة ms08793 هي إحدى من
~~سبع أي إحدى ليالي عاد في الشدة وشاع واحد قومه وأوحدهم وأوحد أمه ولم
~~يظهر فارق بين المضاف إلى الجمع المأخوذ من اللفظ والمضاف إلى الوصف وبين
~~المضاف إلى أسماء الأجناس ولا أظن أن مثل ذلك يحتاج إلى نقل فليتدبر.

# وقال صاحب «الكشف»: إن دلالة { إحدى الأمم } على التفضيل ليست
~~بواضحة بخلاف واحد القوم ونحوه ثم وجهها أنه على أسلوب

# أو يرتبط بعض النفوس حمامها

# يعني أن البعض المبهم قد يقصد به التعظيم كالتنكير فاحدى مثله، وفيه أنه
~~متى ثبت استعماله للاستعظام كانت دلالته على التفضيل في غاية الوضوح.

# { فلما جاءهم نذير } وأي نذير وهو أشرف الرسل محمد صلى الله
~~عليه وسلم كما روي عن ابن عباس وقتادة وهو الظاهر، وعن مقاتل هو انشقاق
~~القمر وهو أخفى من السها والمقام عنه يأبى { ما زادهم } أي النذير
~~أو مجيئه { إلا نفورا } تباعدا عن الحق وهربا منه، وإسناد
~~الزيادة إلى ذلك مجاز لأنه هو السبب لها. والجملة جواب لما. واستدل
~~بالآية على حرفيتها لمكان النفي المانع عن عمل ما بعده فيها، وفيه بحث.

### || [35.43]

# وقوله تعالى: { استكبارا فى الأرض } بدل من { نفورا }
~~[فاطر: 42] وقال أبو حيان: الظاهر أنه مفعول من أجله، ونقل الأول عن
~~الأخفش، وقيل: هو حال أي مستكبرين { ومكر السيء } هو الخداع
~~الذي يرومونه برسول الله صلى الله عليه وسلم والكيد له، وقال قتادة هو
~~الشرك وروي ذلك عن ابن جريج، وهو عطف على { استكبارا } وأصل التركيب
~~وإن مكروا السيء على أن { السيء } صفة لموصوف مقدر أي المكر المسيء ثم
~~أقيم المصدر مقام إن والفعل وأضيف إلى ما كان صفة، وجوز أن يكون / عطفا
~~على { نفورا }.

# وقرأ الأعمش وحمزة { السيء } بإسكان الهمزة في الوصل إجراء له مجرى
~~الوقف أو لتوالى الحركات وإجراء المنفصل مجرى المتصل، وزعم الزجاج أن هذه
~~القراءة لحن لما فيها من حذف الإعراب كما قال أبو جعفر. وزعم محمد بن
~~يزيد أن الحذف لا يجوز في نثر ولا شعر لأن حركات الإعراب دخلت للفرق ms08794 بين
~~المعاني، وقد أعظم بعض النحويين أن يكون الأعمش قرأ بها، وقال: إنما كان
~~يقف على هذه الكلمة فغلط من أدى عنه، والدليل على هذا أنها تمام الكلام
~~ولذا لم يقرأ في نظيرها كذلك مع أن الحركة فيه أثقل لأنها ضمة بين
~~كسرتين، والحق أنها ليست بلحن، وقد أكثر أبو علي في «الحجة» من الاستشهاد
~~والاحتجاج للإسكان من أجل توالي الحركات والوصل بنية الوقف، وقال ابن
~~القشيري: ما ثبت بالاستفاضة أو التواتر أنه قرىء به فلا بد من جوازه ولا
~~يجوز أن يقال لحن، ولعمري أن الإسكان ههنا أحسن من الإسكان في

# بارئكم

# [البقرة: 54] كما في قراءة أبي عمرو، وروي عن ابن كثير { ومكر
~~السأي } بهمزة ساكنة بعد السين وياء بعدها مكسورة وهو مقلوب السيء المخفف
~~من السيء كما قال الشاعر:

# ولا يجزون من حسن بسيء

# ولا يجزون من غلظ بلين

# وقرأ ابن مسعود { مكرا سيئا } عطف نكرة على نكرة.

# { ولا يحيق المكر السيىء } أي لا يحيط { إلا بأهله
~~}. وقال الراغب: أي لا يصيب ولا ينزل، وأيا ما كان فهو إنما ورد فيما
~~يكره، وزعم بعضهم أن أصل حاق حق فجيء بدل أحد المثلين بالألف نحو ذم وذام
~~وزل وزال، وهذا من ارسال المثل ومن أمثال العرب من حفر لأخيه جبا وقع
~~فيه منكبا، وعن كعب أنه قال لابن عباس: قرأت في التوراة من حفر مغواة
~~وقع فيها قال: أنا وجدت ذلك في كتاب الله تعالى فقرأ الآية، وفي الخبر

# " لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا فإن الله تعالى يقول { ولا يحيق المكر
~~السيء إلا بأهله } ولا تبغوا ولا تعينوا باغيا فإن الله سبحانه يقول {
~~إنما بغيكم على أنفسكم } [يونس:23] "

# وقد حاق مكر هؤلاء بهم يوم بدر.

# والآية عامة على الصحيح والأمور بعواقبها والله تعالى يمهل ولا يهمل
~~ووراء الدنيا الآخرة وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وبالجملة من
~~مكر به غيره ونفذ فيه المكر عاجلا في الظاهر ففي الحقيقة هو الفائز
~~والماكر هو الهالك، أسأل الله تعالى بحرمة حبيبه الأعظم ms08795 صلى الله عليه
~~وسلم أن يدفع ويرفع عنا مكر الماكرين وأن يعاملهم في الدارين بعدله إنه
~~سبحانه القوي المتين. وقرىء { ولا يحيق } بضم الياء { المكر
~~السيىء } بالنصب على أن يحيق من أحاق المتعدى وفاعله ضمير راجع إليه
~~تعالى و { المكر } مفعوله.

# { فهل ينظرون } أي ما ينتظرون، وهو مجاز بجعل ما يستقبل بمنزلة
~~ما ينتظر ويتوقع { إلا سنت الأولين } أي إلا سنة الله تعالى
~~فيهم بتعذيب مكذبيهم. { فلن تجد لسنة الله تبديلا } بأن
~~يضع سبحانه موضع العذاب { ولن تجد لسنة الله تحويلا }
~~بأن ينقل عذابه من المكذبين إلى غيرهم، والفاء لتعليل ما يفيده الحكم
~~بانتظارهم العذاب من مجيئه، ونفي وجدان التبديل والتحويل عبارة عن نفي
~~وجودهما بالطريق البرهاني، وتخصيص كل منهما بنفي مستقل لتأكيد انتفائهما،
~~والخطاب عام أو خاص به عليه الصلاة والسلام.

### || [35.44]

# { أو لم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان
~~عقبة الذين من قبلهم } استشهاد على ما قبله من جريان سنة
~~الله تعالى على تعذيب المكذبين بما يشاهدونه في مسايرهم ومتاجرهم في
~~رحلتهم إلى الشام واليمن والعراق / من آثار الأمم الماضية وعلامات
~~هلاكهم، والهمزة للإنكار والواو للعطف على مقدر يليق بالمقام على رأي أي
~~أقعدوا ولم يسيروا، وقوله تعالى: { وكانوا أشد منهم قوة
~~} في موضع الحال بتقدير قد أو بدونها.

# { وما كان الله ليعجزه } أي ليس من شأنه عز شأنه أن يسبقه
~~ويفوته { من شىء } أي شيء و(من) لاستغراق الأشياء { في السموت
~~ولا فى الأرض } هو نظير

# لا يغادر صغيرة ولا كبيرة

# [الكهف: 49] والواو حالية أو عاطفة. وفي «الإرشاد» الجملة اعتراض مقرر
~~لما يفهم مما قبله من استئصال الأمم السالفة، وظاهره أن الواو اعتراضية.
~~{ إنه كان عليما قديرا } مبالغا في العلم والقدرة، والجملة
~~تعليل لنفي الإعجاز.

### || [35.45]

# { ولو يؤاخذ الله الناس } جميعا { بما كسبوا }
~~فعلوا من السيآت كما واخذ أولئك { ما ترك على ظهرها } أي ظهر
~~الأرض وقد سبق ذكرها في قوله تعالى:

# في السموات ولا فى الأرض

# [فاطر: 44] فليس من الاضمار قبل الذكر كما زعمه الرضي؛ وظهر الأرض ms08796 مجاز
~~عن ظاهرها كما قال الراغب وغيره، وقيل: في الكلام استعارة مكنية تخييلية
~~والمراد ما ترك عليها { من دابة } أي من حيوان يدب على الأرض لشؤم
~~المعاصي، وقد قال سبحانه

# واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم
~~خاصة

# [الأنفال: 25] وهو المروي عن ابن مسعود، وقيل: المراد بالدابة الإنس
~~وحدهم وأيد بقوله تعالى: { ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى
~~} وهو يوم القيامة فإن الضمير للناس لأنه ضمير العقلاء ويوم القيامة
~~الأجل المضروب لبقاء نوعهم، وقيل: هو لجميع من ذكر تغليبا ويوم القيامة
~~الأجل المضروب لبقاء جنس المخلوقات.

# { فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا
~~} فيجازي المكلفين منهم عند ذلك بأعمالهم إن شرا فشر وإن خيرا فخير،
~~وجملة { فإن الله } الخ موضوعة موضع الجزاء والجزاء في الحقيقة يجازي كما
~~أشرنا إليه، هذا والله تعالى هو الموفق للخير ولا اعتماد إلا عليه.

# ومن باب الإشارة: { الحمد لله فاطر السموات والأرض
~~} إشارة إلى إيجاد عالمي اللطافة والكثافة وإلى أن إيجاد عالم اللطافة
~~مقدم على إيجاد عالم الكثافة، ويشير إلى ذلك ما شاع ((خلق الله تعالى
~~الأرواح قبل الأبدان بأربعة آلاف سنة { جاعل الملئكة رسلا
~~} في إيصال أوامره من يشاء من عباده أو وسائط تجري إرادته سبحانه في
~~مخلوقاته على أيديهم { أولى أجنحة مثنى وثلث
~~وربع } إشارة إلى اختلافهم في الاستعداد

# يزيد فى الخلق ما يشاء

# [فاطر: 1] عام في الملك وغيره، وفسرت الزيادة بهبة استعداد رؤيته عز وجل

# للذين أحسنوا الحسنى وزيادة

# [يونس: 26] { ما يفتح الله للناس من رحمة } الزيادة
~~المشار إليها وغيرها

# فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده

# [فاطر: 2] فيه إشارة إلى أن رحمته سبحانه سبقت غضبه عز وجل

# وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك

# [فاطر: 4] تسلية لحبيبه صلى الله عليه وسلم وإرشاد لورثته إلى الصبر على
~~إيذاء أعدائهم لهم وتكذيبهم إياهم وإنكارهم عليهم

# والله الذى أرسل الرياح فتثير سحبا فسقناه
~~إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها

# [فاطر: 9] جرت سنته تعالى في أحياء الأرض بهذه الكيفية كذلك ms08797 إذا أراد
~~سبحانه احياء أرض القلب فيرسل أولا رياح الإرادة فتثير سحاب المحبة ثم
~~يأتي مطر الجود والعناية فينبت في القلب رياحين الروح وأزهار البسط ونوار
~~الأنوار ويطيب العيش.

# من كان يريد العزة فلله العزة جميعا

# [فاطر: 10] إشارة إلى أن العزة الحقيقية لا تحصل بدون الفناء، ولا تغفل
~~عن حديث

# " لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل "

# الخ { والله خلقكم من تراب } وهو أبعد المخلوقات من الحضرة
~~وأسفلها / وأكثفها { ثم من نطفة } وفيها نوع ما من اللطافة

# ثم جعلكم أزوجا

# [فاطر: 11] إشارة إلى ما حصل لهم من ازدواج الروح اللطيف العلوي والقالب
~~الكثيف السفلى وهو مبدأ استعداد الوقوف على عوالم الغيب والشهادة { وما
~~يستوى البحران } قيل أي بحر العلم الوهبي وبحر العلم الكسبي {
~~هذا } أي بحر العلم الوهبي { عذب فرات سائغ شرابه }
~~لخلوه عن عوارض الشكوك والأوهام { وهذا } أي بحر العلم الكسبي {
~~ملح أجاج } لما فيه من مشقة الفكر ومرارة الكسب وعروض الشكوك
~~والتردد والاضطراب { ومن كل تأكلون لحما طريا } إشارات
~~لطيفة تتغذون بها وتتقوون على الأعمال { وتستخرجون حلية
~~تلبسونها } وهي الأخلاق الفاضلة والآداب الجميلة والأحوال
~~المستحسنة التي تكسب صاحبها زينة { وترى الفلك } سفن الشريعة
~~والطريقة { فيه مواخر } جارية

# لتبتغوا من فضله

# [فاطر: 12] بالوصول إلى حضرته عز وجل فعل ذلك { يأيها الناس
~~أنتم الفقراء إلى الله } في سائر شؤونكم، ومراتب الفقر
~~متفاوتة وكلما ازداد الإنسان قربا منه عز وجل ازداد فقره إليه لازدياد
~~المحبة حينئذ وكلما زاد العشق زاد فقر العاشق إلى المعشوق حتى يفنى

# والله هو الغنى الحميد

# [فاطر: 15] فيه من البشارة ما فيه

# إنما يخشى الله من عباده العلماء

# [فاطر: 28] أي العلماء به تعالى وبشؤونه فهم كلما ازدادوا علما ازدادوا
~~خشية لما يظهر لهم من عظمته عز وجل وأنهم بالنسبة إليه تعالى شأنه لا شيء

# ثم أورثنا الكتب الذين اصطفينا من عبادنا
~~فمنهم ظلم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم
~~سابق بالخيرت بإذن الله

# [فاطر: 32] قيل: الظالم لنفسه السالك والمقتصد السالك المجذوب والسابق
~~المجذوب السالك، والسالك هو المتقرب والمجذوب هو المقرب ms08798 والمجذوب السالك
~~هو المستهلك في كمالات القرب الفاني عن نفسه الباقي بربه عز وجل {
~~وقالوا الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن } حزن
~~تخيل الهجر فلا حزن للعاشق أعظم من حزن تخيل هجر معشوقه له وجفوته إياه

# إن ربنا لغفور شكور

# [فاطر: 34] فلا بدع إذا أذهب عنا ذلك وآمننا من القطيعة والهجران {
~~الذى أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا
~~فيها نصب } هو نصب الأبدان وتعبها من أعمال الطاعة للتقرب إليه
~~سبحانه

# ولا يمسنا فيها لغوب

# [فاطر: 35] هو لغوب القلوب واضطرابها من تخيل القطيعة والرد وهجر
~~الحبيب، وقيل: لا يسمنا فيها نصب السعي في تحصيل أي أمر اردناه ولا يمسنا
~~فيها لغوب تخيل ذهاب أي مطلوب حصلناه، وقد أشاروا إلى أن كل ذلك من فضل
~~الله تعالى والله عز وجل ذو الفضل العظيم، هذا ونسأل الله تعالى من فضله
~~الحلو ما تنشق منه مرارة الحسود وينفطر به قلب كل عدو وينتعش فؤاد كل محب
~~ودود.

### | [36 - سورة يس]

### || [36.1]

# الكلام فيه كالكلام في

# الم

# [البقرة: 1] ونحوه من الحروف المقطعة في أوائل السور إعرابا ومعنى عند
~~كثير. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي
~~حاتم من طرق عن ابن عباس أنه قال: يس يا انسان وفي رواية أخرى عنه زيادة
~~بالحبشية وفي أخرى عنه أيضا في لغة طي. قال الزمخشري: إن صح هذا فوجهه
~~أن يكون أصله يا أنيسين فكثر النداء به على ألسنتهم حتى اقتصروا على شطره
~~كما في القسم م الله في أيمن الله. وتعقبه أبو حيان بأن المنقول عن العرب
~~في تصغير إنسان أنيسيان بياء قبل الألف وهو دليل على أن الإنسان من
~~النسيان وأصله إنسيان فلما صغر رده التصغير إلى أصله ولا نعلمهم قالوا في
~~تصغيره أنيسين، وعلى تقدير أنه بقية أنيسين فلا يجوز ذلك إلا أن يبنى على
~~الضم ولا يبقى موقوفا لأنه منادى مقبل عليه ومع ذلك لا يجوز التصغير في
~~أسماء الأنبياء عليهم السلام كما لا يجوز في أسماء ms08799 الله عز وجل، وما ذكره
~~في  م  من أنه شطر أيمن قول، ومن النحويين من يقول  م  حرف قسم وليس
~~شطر أيمن انتهى.

# قال الخفاجي: لزوم البناء على الضم مما لا كلام فيه فلعل من فسره بذلك
~~يقرؤه بالضم على الأوجه فيه، وأما الاعتراضان الآخران فلا ورود لهما
~~أصلا، فأما الأول فلأن من يقول أنيسيان على خلاف القياس وهو الأصح لا
~~يلزمه فيما غير منه أن يقدره كذلك وهو لم يلفظ به حتى يقال له: إنك نطقت
~~بما لم تنطق به العرب بل هو أمر تقديري، فإذا قال: المقدر مفروض عندي على
~~القياس هل يتوجه عليه السؤال، وأما الأخير فلأن / التصغير في نحو ذلك
~~إنما يمتنع منا وأما من الله تعالى فله سبحانه أن يطلق على نفسه عز وجل
~~وعظماء خلقه ما أراد ويحمل حينئذ على ما يليق كالتعظيم والتحبيب ونحوه من
~~معاني التصغير كما قال ابن الفارض:

# ما قلت حبيبي من التحقير

# بل يعذب اسم الشيء بالتصغير

# والذي قاله أبو حيان في توجيه ذلك أنهم يقولون إيسان بمعنى إنسان
~~ويجمعون على أياسين فهذا منه ولا يخفى أنه يحتاج إلى إثبات وبعده لا يخفى
~~ما في التخريج عليه.

# وقالت فرقة: يا حرف نداء والسين مقامة مقام إنسان انتزع منه حرف فأقيم
~~مقامه، ونظيره ما جاء في الحديث

# " كفى بالسيف شا "

# أي شاهدا، وأيد بما ذهب إليه ابن عباس في

# حم * عسق

# [الشورى: 1-2] ونحوه من أنها حروف من جملة أسماء له تعالى وهي رحيم
~~وعليم وسميع وقدير ونحو ذلك.

# وظاهر كلام بعضهم كابن جبير أن يس بمجموعه اسم من أسمائه عليه الصلاة
~~والسلام وهو ظاهر قول السيد الحميري:

# يا نفس لا تمحضي بالود جاهدة

# على المودة إلا آل ياسينا

# ولتسميته صلى الله عليه وسلم بهذين الحرفين الجليلين سر جليل عند
~~الواقفين على أسرار الحروف، وقد تكلمت ولله تعالى الحمد فيما تعلق بهذه
~~الكلمة الشريفة ثلاثة أيام أشرع كل يوم منها بعد العصر وأختم قبيل المغرب
~~وذلك في مجلس وعظي في ms08800 المسجد الجامع الداودي واليوم لا أستطيع أن أذكر من
~~ذاك بنت شفة بل لا أتذكر منه إلا رسما هب عليه عاصف الزمان الغشوم فنسفه
~~فحسبي الله عمن سواه فلا رب غيره ولا يرجى إلا خيره.

# وقرىء بفتح الياء وإمالتها محضا وبين بين. وقرأ جمع بسكون النون مدغمة
~~في الواو، وآخرون بسكونها مظهرة والقراءتان سبعيتان، وقرأ ابن أبي إسحاق
~~وعيسى بفتح النون، قال أبو حاتم قياس قول قتادة: إنه قسم أن يكون على حد
~~ الله لأفعلن  بالنصب. ويجوز أن يكون مجرورا بإضمار باء القسم وهو
~~ممنوع من الصرف. وقال الزجاج: النصب على تقدير اتل يس وهذا على قول
~~سيبويه أنه اسم للسورة، وقيل هو مبني والتحريك للجد في الهرب من التقاء
~~الساكنين والفتح للخفة كما في أين، وسبب البناء غير خفي عليك إذا أحطت
~~خبرا بما قرروا في { الم } أول سورة البقرة. ولا تغفل عما قالوا في
~~النصب بإضمار فعل القسم من أنه لا يسوغ لما فيه من جمع قسمين على مقسم
~~عليه واحد وهو مستكره، ولا سبيل إلى جعل الواو بعد للعطف لا للقسم لمكان
~~الاختلاف إعرابا.

# وقرأ الكلبي بضم النون وخرج على أنه منادى مقصود بناء على أنه بمعنى
~~إنسان أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف، ويقدر هذه إذا
~~كان اسما للسورة وهذا إن كان اسما للقرآن وهو يطلق على البعض كما يطلق
~~على الكل، وجعله مبتدأ محذوف الخبر وهو قسم أي يس قسمي نحو أمانة الله
~~لأفعلن بالرفع لا يخفى حاله، وقيل الضمة فيه ضمة بناء كما في حيث. وقرأ
~~أبو السمال وابن أبي إسحاق أيضا بكسرها، وخرج على أنه للجد في الهرب عن
~~الساكنين بما هو الأصلي فتأمل وتذكر.

### || [36.2]

# { والقرءان } ابتداء قسم، وجوز أن يكون عطفا على { يس } على تقدير
~~كونه مجرورا بإضمار باء القسم لا أنه قسم بعد قسم لما سمعت من كلامهم {
~~الحكيم } أي ذي حكمة على أنه صيغة نسبة كلابن وتامر أي متضمن إياها
~~أو الناطق بالحكمة كالحي على ms08801 أن يكون من الاستعارة المكنية أو المتصف /
~~بالحكمة على أن الإسناد مجازي وحقيقته الإسناد إلى الله تعالى المتكلم
~~به. وفي «البحر» هو إما فعيل بمعنى مفعل كأعقدت العسل فهو عقيد أي معقد
~~وإما للمبالغة من حاكم.

### || [36.3]

# جواب للقسم، والجملة لرد إنكار الكفرة رسالته عليه الصلاة والسلام فقد
~~قالوا:

# لست مرسلا

# [الرعد: 43] وتقدم ما يشعر بأنهم على جانب عظيم من الإنكار أعني قوله
~~تعالى:

# فلما جآءهم نذير ما زادهم إلا نفورا
~~استكبارا في الأرض ومكر السيىء

# [فاطر: 42-43]، وهذه الآية من جملة ما أشير إليه بقوله تعالى في جوابهم
~~عن إنكارهم

# قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم

# [الرعد: 43] وتخصيص القرآن بالإقسام به أولا وبوصفه بالحكيم ثانيا
~~تنويه بشأنه على أكمل وجه.

### || [36.4]

# وقوله تعالى: { على صرط مستقيم } خبر ثان لإن، واختاره
~~الزجاج قائلا: إنه الأحسن في العربية أو حال من ضميره عليه الصلاة
~~والسلام المستكن في الجار والمجرور أو الواقع اسم (إن) بناء على رأي من
~~يجوز الحال من المبتدأ؛ وجوز أن يكون متعلقا بالمرسلين وليس المراد به
~~الحال أو الاستقبال أي لمن الذين أرسلوا على صراط مستقيم، وأن يكون حالا
~~من عائد الموصول المستتر في اسم الفاعل، أو حالا من نفس

# المرسلين

# [يس: 3]. والزمخشري لم يذكر من هذه الأوجه سوى كونه خبرا وكونه صلة
~~للمرسلين.

# وأيا ما كان فالمراد بالصراط المستقيم ما يعم العقائد والشرائع الحقة
~~وليس الغرض من الإخبار الإعلام بتمييز من أرسل على صراط مستقيم عن غيره
~~ممن ليس على صفته ليقال إن ذلك حاصل قبله لما أن كل أحد يعلم أن المرسلين
~~لا يكونون إلا على صراط مستقيم بل الغرض الإعلام بأنه موصوف بكذا وأن ما
~~جاء به الموصوف بكذا تفخيما لشأنهما فسلكا في مسلك سلوكا لطريق
~~الاختصار، وأيضا التنكير في { صرط } للتفخيم فهو دال على أنه أرسل من
~~بين الصرط المستقيمة على صراط لا يكتنه وصفه وهذا شيء لم يعلم قبل، ولا
~~يرد أن الطريق المستقيم واحد ليس إلا ألا ترى إلى قوله تعالى:

# فاتبعوه ms08802 ولا تتبعوا السبل

# [الأنعام: 153] لأن لكل نبي شارع منهاجا هو مستقيم وباعتبار الرجوع
~~إلى المرسل تعالى شأنه الكل متحد وباعتبار الاختصاص بالمرسل والشرائع
~~مختلف فصح أنه أرسل من بني الصرط المستقيمة الخ. وأيضا هو فرض والفرض
~~تعظيم هذا الصراط بأنه لا صراط أقوم منه واقعا أو مفروضا ولا نظر إلى
~~أن هنالك آخر أولا، وهذا قريب من أسلوب مثلك لا يفعل كذا فافهم ولا
~~تغفل.

### || [36.5]

# وقوله تعالى: { تنزيل العزيز الرحيم } نصب على المدح أو على
~~المصدرية لفعل محذوف أي نزل تنزيل. وقرأ جمع من السبعة وأبو بكر وأبو
~~جعفر وشيبة والحسن والأعرج والأعمش بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف
~~والمصدر بمعنى المفعول أي هو تنزيل أي منزل العزيز الرحيم، والضمير
~~للقرآن ويجوز إبقاؤه على أصله بجعله عين التنزيل؛ وجوز أن يكون خبر { يس
~~} إن كان المراد بها السورة والجملة القسمية معترضة، والقسم لتأكيد
~~المقسم عليه والمقسم به اهتماما فلا يقال: إن الكفار ينكرون القرآن فكيف
~~يقسم به لإلزامهم. وقرأ أبو حيوة واليزيدي والقورضي عن أبي جعفر وشيبة
~~بالخفض على البدلية من { القرءان } أو الوصفية له.

# وأيا ما كان ففيه إظهار لفخامة القرآن الإضافية بعد بيان فخامته
~~الذاتية بوصفه بالحكمة، وفي تخصيص الاسمين الكريمين المعربين عن الغلبة
~~الكاملة والرحمة الفاضلة حث على الإيمان به ترهيبا وترغيبا وإشعارا
~~بأن / تنزيله ناشىء عن غاية الرحمة حسبما أشار إليه قوله تعالى:

# وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين

# [الأنبياء: 107].

### || [36.6]

# { لتنذر } متعلق بتنزيل أو بفعله المضمر على الوجه الثاني في إعرابه
~~أي نزل تنزيل العزيز الرحيم لتنذر به أو بما يدل عليه

# لمن المرسلين

# [يس: 3] أي أرسلت أو إنك مرسل لتنذر { قوما ما أنذر ءاباؤهم
~~} أي لم تنذر آباؤهم على ما روي عن قتادة فما نافية والجملة صفة {
~~قوما } مبينة لغاية احتياجهم إلى الإنذار، والمراد بالإنذار الإعلام
~~أو التخويف ومفعوله الثاني محذوف أي عذابا لقوله تعالى:

# إنا أنذرنكم عذابا قريبا

# [النبأ: 40] والمراد بآبائهم آباؤهم الأدنون وإلا فالأبعدون قد أنذرهم
~~إسماعيل عليه السلام وبلغهم شريعة إبراهيم ms08803 عليه السلام. وقد كان منهم من
~~تمسك بشرعه على أتم وجه ثم تراخى الأمر وتطاول المدد فلم يبق من شريعته
~~عليه السلام إلا الاسم. وفي «البحر» الدعاء إلى الله تعالى لم ينقطع عن
~~كل أمة إما بمباشرة من أنبيائهم وإما بنقل إلى وقت بعثة نبينا صلى الله
~~عليه وسلم والآيات التي تدل على أن قريشا ما جاءهم نذير معناها لم
~~يباشرهم ولا آباءهم القريبين، وأما أن النذارة انقطعت فلا، ولما شرعت
~~آثارها تندرس بعث النبي صلى الله عليه وسلم وما ذكره المتكلمون من حال
~~أهل الفترات فهو على حسب الفرض اه. وعليه فالمعنى ما أنذر آباءهم رسول
~~أي لم يباشرهم بالإنذار لا أنه لم ينذرهم منذر أصلا فيجوز أن يكون قد
~~أنذرهم من ليس بنبي كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة فلا منافاة بين
~~ما هنا وقوله تعالى:

# وإن من أمة إلا خلا فيها نذير

# [فاطر: 24] وليس في ذلك إنكار الفترة المذكورة في قوله تعالى:

# على فترة من الرسل

# [المائدة: 19] لأنها فترة إرسال وانقطاعها زمانا لا فترة إنذار مطلقا.

# وعن عكرمة { ما } بمعنى الذي، وجوز أن تكون موصوفة وهي على الوجهين
~~مفعول ثان لتنذر أي لتنذر قوما الذي أنذره أو شيئا أنذره الرسل آباءهم
~~الأبعدين، وقال ابن عطية: يحتمل أن تكون (ما) مصدرية فتكون نعتا لمصدر
~~مؤكد أي لتنذر قوما إنذارا مثل إنذار الرسل آباءهم الأبعدين، وقيل هي
~~زائدة وليس بشيء.

# { فهم غفلون } هو على الوجه الأول متفرع على نفي الإنذار
~~ومتسبب عنه والضمير للفريقين أي لم ينذر آباؤهم فهم جميعا لأجل ذلك
~~غافلون، وعلى الأوجه الباقية متعلق بقوله تعالى: { لتنذر } أو بما
~~يفيده

# إنك لمن المرسلين

# [يس: 3] وارد لتعليل إنذاره عليه الصلاة والسلام أو إرساله بغفلتهم
~~المحوجة إليه نحو اسقه فإنه عطشان على أن الضمير للقوم خاصة فالمعنى فهم
~~غافلون عنه أي عما أنذر آباؤهم. وقال الخفاجي: يجوز تعلقه بهذا على الأول
~~أيضا وتعلقه بقوله تعالى: { لتنذر } على الوجوه وجعل الفاء تعليلية
~~والضمير لهم أو لآبائهم اه، ms08804 ولا يخفى عليك أن المنساق إلى الذهن ما قرر
~~أولا.

### || [36.7]

# { لقد حق } جواب لقسم محذوف أي والله لقد ثبت ووجب { القول }
~~الذي قلته لإبليس يوم قال:

# لأغوينهم أجمعين

# [ص: 82] وهو

# لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين

# [هود: 119] { على أكثرهم } متعلق بحق. والمراد سبق في علمي
~~دخول أكثرهم فيمن أملأ منهم جهنم وهم تبعة إبليس كما يشير إليه تقديم
~~(الجنة) على (الناس) وصرح به قوله تعالى:

# لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين

# [ص: 85]. ولا مانع من أن يراد بالقول لكن المشهور ما تقدم، وظاهر كلام
~~الراغب أن المراد بالقول علم الله تعالى بهم ولا حاجة إلى التزام ذلك،
~~وقيل: الجار متعلق بالقول ويقال قال عليه إذا تكلم فيه بالشر، والمراد
~~لقد ثبت في الأزل عذابي لهم، وفيه ما فيه، ويؤيد تعلقه بحق قوله تعالى:

# إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون

# [يونس: 96]، ونقل / أبو حيان أن المعنى حق القول الذي قاله الله تعالى
~~على لسان الرسل عليهم السلام من التوحيد وغيره وبان برهانه وهو كما ترى.

# { فهم } أي الأكثر { لا يؤمنون } بإنذارك إياهم، والفاء
~~تفريعية داخلة على الحكم المسبب عما قبله فيفيد أن ثبوت القول عليهم علة
~~لتكذيبهم وكفرهم وهو علة له باعتبار سبق العلم بسوء اختيارهم وما هم عليه
~~في نفس الأمر فإن علمه تعالى لا يتعلق بالأشياء إلا على ما هي عليه في
~~أنفسها ومآله إلى أن سوء اختيارهم وما هم عليه في نفس الأمر علة لتكذيبهم
~~وعدم إيمانهم بعد الإنذار فليس هناك جبر محض ولا أن المعلوم تابع للعلم.

# وقال بعضهم: الفاء إما تفريعية وكون ثبوت القول علة لعدم إيمانهم مبني
~~على أن المعلوم تابع للعلم وإما تعليلية مفيدة أن عدم الإيمان علة لثبوب
~~القول بناء على أن العلم تابع للمعلوم، ولا يلزم الجبر على الوجهين، أما
~~على الثاني فظاهر، وأما على الأول فلأن العلم ليس علة مستقلة عند القائل
~~بذلك بل لاختيارهم وكسبهم مدخل فيه فتأمل والتفريع هو الذي أميل إليه.

### || [36.8]

# { إنا جعلنا ms08805 فى أعنقهم } جمع عنق بالضم وبضمتين وهو
~~الجيد ويقال عنيق كأمير وعنق كصرد { أغللا } جمع غل بالضم وهو على
~~ما قيل ما يشد به اليد إلى العنق للتعذيب والتشديد، وفي «البحر» الغل ما
~~أحاط بالعنق على معنى التثقيف والتضييق والتعذيب والأسر ومع العنق اليدان
~~أو اليد الواحدة. وذكر الراغب أنه ما يقيد به فتجعل الأعضاء وسطه، وأصله
~~من الغلل تدرع الشيء وتوسطه ومنه الغلل للماء الجاري بين الشجر وقد يقال
~~له الغيل، وكأن في الكلام عليه قلبا أي جعلنا أعناقهم في أغلال كما تقول
~~جعلت الخاتم في أصبعي أي جعلت أصبعي في الخاتم، وجوز أن يكون على حد

# لأصلبنكم فى جذوع النخل

# [طه: 71] والتنوين للتعظيم والتهويل أي أغلالا عظيمة هائلة، وإسناد
~~الفعل إلى ضمير العظمة مما يؤيد ذلك.

# { فهى } أي الأغلال كما هو الظاهر { إلى الأذقن } جمع ذقن
~~بالتحريك مجتمع اللحيين من أسفلهما، وأل للعهد أو عوض عن المضاف إليه
~~والظرف متعلق بكون خاص خبر هي أي فهي واصلة أو منتهية إلى أذقانهم،
~~والفاء للتفريع، وقيل: لمجرد التعقيب بناء على عدم حمل التنوين على
~~التعظيم والتهويل.

# وقوله تعالى: { فهم مقمحون } نتيجة { فهى إلى
~~الأذقن } فالفاء تفريعية أيضا، والمقمح على ما في «النهاية» الذي
~~يرفع رأسه ويغض بصره وكأنه أراد المجهول بحيث يرفع الخ. وقال أبو عبيدة:
~~يقال قمح البعير قموحا إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب والجمع قماح،
~~ومنه قول بشر يصف سفينة أخذهم الميد فيها:

# ونحن على جوانبها قعود

# نغض الطرف كالإبل القماح

# وقال الليث: هو رفع البعير رأسه إذا شرب الماء الكريه ثم يعود، ومنه قيل
~~للكانونين شهرا قماح بضم القاف وكسرها لأن الإبل إذا وردت الماء ترفع
~~رؤوسها لشدة برده، وقال الراغب: القمح رفع الرأس لسف الشيء المتخذ من
~~القمح أي البر إذا جرى في السنبل من لدن الإنضاج إلى حين الاكتناز ثم
~~يقال لرفع الرأس كيفما كان قمح، وقمح البعير رفع رأسه وأقمحت البعير شددت
~~رأسه إلى خلف، وقيل: المقمح الذي يجذب ذقنه حتى يصير ms08806 في صدره ثم يرفع،
~~وقال مجاهد: القامح الرافع الرأس الواضع يده على فيه، وقال الحسن: هو
~~الطامح ببصره إلى موضع قدمه، وظاهره يقتضي أن يكون هناك نكس للرأس
~~والمعروف في القمح الرفع، ووجه التفريع / أن طوق الغل الذي في عنق
~~المغلول يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود نادرا من
~~الحلقة إلى الذقن فلا يخليه يطأطىء ويوطىء قذاله فلا يزال مقمحا لا سيما
~~إذا كان الغل عظيما، وقال ابن عطية: إن الأغلال عريضة تبلغ بحروفها
~~الأذقان أي فيحصل القمح، وكلام ابن الأثير يشعر أن القمح لضيق الغل، وإن
~~أريد جعلنا في كل من أعناقهم أغلالا كان أمر القمح أظهر وأظهر، وقال
~~البغوي والطبري والزجاج والطبرسي: ضمير هي للأيدي وإن لم يتقدم لها ذكر
~~لوضوح مكانها من المعنى لأن الغل يتضمن العنق واليد ولذلك سمي جامعة وما
~~يكون في العنق وحده أو في اليد وحدها لا يسمى غلا فمتى ذكر مع العنق
~~فاليد مرادة أيضا ومتى ذكر مع اليد كما في قراءة ابن عباس { فى
~~أيديهم أغللا } وفي قراءة ابن مسعود { فى أيمنهم
~~أغللا } فالعنق مراد أيضا، وهذا ضرب من الإيجاز والاختصار ونظير
~~ذلك قول الشاعر:

# وما أدري إذا يممت أرضا

# أريد الخير أيهما يليني

# أألخير الذي أنا أبتغيه

# أم الشر الذي لا يأتليني

# حيث ذكر الخير وحده وقال أيهما أي الخير والشر، وقد علم أن الخير والشر
~~يعرضان للإنسان، واختار الزمخشري ما تقدم ثم قال: والدليل عليه قوله
~~تعالى: { فهم مقمحون } ألا ترى كيف جعل الإقماح نتيجة { فهى
~~إلى الأذقن } ولو كان الضمير للأيدي لم يكن معنى التسبب في
~~الأقماح ظاهرا على أن هذا الإضمار فيه ضرب من التعسف، وترك الظاهر الذي
~~يدعوه المعنى إلى نفسه إلى الباطن الذي يجفو عنه ترك للحق الأبلج إلى
~~الباطل اللجلج اه.

# وصاحب «الانتصاف» أراد الانتصار للجماعة فقال: يحتمل أن يكون الفاء في {
~~فهم مقمحون } للتعقيب كسابقه أو للتسبب فإن ضغط اليد مع العنق
~~يوجب الإقماح لأن اليد تبقى ممسكة بالغل ms08807 تحت الذقن رافعة لها ولأن اليد
~~إذا كانت مطلقة كانت راحة للمغلول فربما يتحيل بها على فكاك الغل فيكون
~~منبها على انسداد باب الحيلة اه.

# قال صاحب «الكشف»: والجواب أنه لا فخامة للتعقيب المجرد، ثم إن ما ذكره
~~الزمخشري وقد أشرنا إليه نحن فيما سبق مستقل في حصول الإقماح فأين
~~التعقيب، وبه خرج الجواب عن التسبب، وقوله ولأن اليد الخ لا يستقل جوابا
~~دون الأولين اه، وعلى العلات رجوع الضمير إلى الأغلال هو الحري
~~بالاعتبار وبلاغة الكتاب الكريم تقتضيه ولا تكاد تلتفت إلى غيره.

### || [36.9]

# { وجعلنا } عطف على

# جعلنا

# [يس: 8] السابق { من بين أيديهم } من قدامهم { سدا } عظيما
~~وقيل نوعا من السد { ومن خلفهم } من ورائهم { سدا } كذلك
~~والقدام والوراء كناية عن جميع الجهات { فأغشينهم } فغطينا بما
~~جعلناه من السد أبصارهم، وعن مجاهد { فأغشينهم } فألبسنا
~~أبصارهم غشاوة { فهم } بسبب ذلك { لا يبصرون } لا يقدرون على
~~إبصار شيء ما أصلا.

# وقرأ جمع من السبعة وغيرهم { سدا } بضم السين وهي لغة فيه، وقيل ما
~~كان من عمل الناس فهو بالفتح وما كان من خلق الله تعالى فهو بالضم، وقيل
~~بالعكس وقرأ ابن عباس وعمر بن عبد العزيز وابن يعمر وعكرمة والنخعي وابن
~~سيرين والحسن وأبو رجاء وزيد بن علي وأبو حنيفة ويزيد البربري ويزيد بن
~~المهلب وابن مقسم { فأغشيانهم } بالعين من العشا وهو ضعف البصر، ومجموع
~~المتعاطفين من قوله تعالى: { إنا جعلنا } الخ تأكيد وتقرير لما دل
~~عليه قوله سبحانه:

# لقد حق القول على أكثرهم

# [يس: 7] الخ من / سوء اختيارهم وقبح حالهم فإن جعل الله تعالى إياهم بما
~~أظهر فيهم من الإعجاب العظيم بأنفسهم مستكبرين عن اتباع الرسل عليهم
~~السلام شامخين برؤوسهم غير خاضعين لما جاؤوا به وسد أبواب النظر فيما
~~ينفعهم عليهم بالكلية ليس إلا لأنهم سيئو الاختيار وقبيحو الأحوال قد
~~عشقت ذواتهم ما هم عليه عشقا ذاتيا وطلبته طلبا استعداديا فلم تكن
~~لها قابلية لغيره ولم تلتفت إلى ما سواه، وإذا قايست بين ذواتهم وما هم
~~عليه وبين الجسم والحيز ms08808 أو الثلاثة والفردية مثلا لم تكد تجد فرقا

# وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون

# [النحل: 33] ففي الكلام تشبيهات متعددة كما لوحنا إليه، وهذا الوجه هو
~~الذي يقتضيه ما عليه كثير من الأجلة وإن لم يذكروه في الآية؛ وفي
~~«الانتصاف» إذا فرق التشبيه كان تصميمهم على الكفر مشبها بالأغلال وكان
~~استكبارهم عن قبول الحق والتواضع لاستماعه مشبها بالإقماح لأن المقمح لا
~~يطأطأ رأسه، وقوله تعالى:

# فهى إلى الأذقن

# [يس: 8] تتمة للزوم الإقماح لهم وكان عدم النظر في أحوال الأمم الخالية
~~مشبها بسد من خلفهم وعدم النظر في العواقب المستقبلة مشبها بسد من
~~قدامهم وفي «التيسير» جمع الأيدي إلى الأذقان بالأغلال عبارة عن منع
~~التوفيق حتى استكبروا عن الحق لأن المتكبر يوصف برفع العنق والمتواضع
~~بضده كما في قوله تعالى:

# فظلت أعنقهم لها خضعين

# [الشعراء: 4] ولم يذكر المراد بجعل السد، وذكر الإمام أن المانع عن
~~النظر في الآيات قسمان قسم يمنع عن النظر في الأنفس فشبه ذلك بالغل الذي
~~يجعل صاحبه مقمحا لا يرى نفسه ولا يقع بصره على بدنه وقسم يمنع عن النظر
~~في الآفاق فشبه ذلك بالسد المحيط فإن المحاط بالسد لا يقع نظره على
~~الآفاق فلا يظهر له ما فيها من الآيات فمن ابتلي بهما حرم عن النظر
~~بالكلية.

# واختار بعضهم كون

# إنا جعلنا

# [يس: 8] الخ تمثيلا مسوقا لتقرير تصميمهم على الكفر وعدم ارعوائهم عنه
~~فيكون قد مثل حالهم في ذلك بحال الذين غلت أعناقهم، وجوز في قوله تعالى:
~~{ وجعلنا } الخ أن يكون تتمة لذلك وتكميلا له وأن يكون تمثيلا
~~مستقلا فإن جعلهم محصورين بين سدين هائلين قد غطيا أبصارهم بحيث لا
~~يبصرون شيئا قطعا كاف في الكشف عن كمال فظاعة حالهم وكونهم محبوسين في
~~مطمورة الغي والجهالات.

# وقال أبو حيان الظاهر أن قوله تعالى: { إنا جعلنا } الآية على
~~حقيقتها لما أخبر تعالى أنهم لا يؤمنون أخبر سبحانه عن شيء من أحوالهم في
~~الآخرة إذا دخلوا النار، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع، ولا يضعف هذا
~~كما زعم ابن عطية ms08809 قوله تعالى: { فأغشينهم فهم لا
~~يبصرون } لأن بصر الكافر يومئذ حديد يرى قبح حاله، ألا ترى إلى
~~قوله سبحانه:

# ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا

# [الإسراء: 97] وقوله سبحانه:

# قال رب لم حشرتنى أعمى

# [طه: 125] فإما أن يكون ذلك حالين وإما أن يكون قوله تعالى:

# فبصرك اليوم حديد

# [ق: 22] كناية عن إدراكه ما يؤول إليه حتى كأنه يبصره، واعترض بعضهم
~~عليه بأنه يلزم أن يكون الكلام أجنبيا في البين وتوجيهه بأنه كالبيان
~~لقوله تعالى:

# لقد حق القول على أكثرهم

# [يس: 7] قد دغدغ فيه، والإنصاف أنه خلاف الظاهر.

# وقال الضحاك والفراء في قوله تعالى:

# إنا جعلنا فى أعنقهم أغللا

# [يس: 8] استعارة لمنعهم من النفقة في سبيل الله تعالى كما قال سبحانه:

# ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك

# [الإسراء: 29] ولعله جعل الجملة الثانية استعارة لمنعهم عن رؤية الخير
~~والسعي فيه، ولا يخفى أن كون الكلام على هذا أجنبيا في البين في غاية
~~الظهور.

# وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في «الدلائل» عن ابن عباس قال: كان النبي
~~صلى الله عليه وسلم يقرأ في المسجد فيجهر بالقراءة فتأذى به ناس من قريش
~~حتى قاموا ليأخذوه فإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم وإذا هم لا يبصرون
~~فجاؤا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ننشدك الله تعالى والرحم يا
~~محمد قال: ولم يكن بطن من بطون قريش إلا وللنبي صلى الله عليه وسلم فيهم
~~قرابة / فدعا النبي عليه الصلاة والسلام حتى ذهب ذلك عنهم فنزلت

# يس والقرآن الحكيم

# [يس: 1-2]  إلى قوله سبحانه:

# أم لم تنذرهم لا يؤمنون

# [يس: 10] فلم يؤمن من ذلك النفر أحد.

# وروي أن الآيتين نزلتا في بني مخزوم وذلك أن أبا جهل حمل حجرا لينال
~~بها ما يريد برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فأثبتت يده إلى عنقه
~~حتى عاد إلى أصحابه والحجر قد لزق بيده فما فكوه إلا بجهد فأخذه مخزومي
~~آخر فلما دنا من الرسول صلى الله عليه وسلم طمس الله تعالى بصره فعاد إلى
~~أصحابه فلم يبصرهم حتى ms08810 نادوه فقام ثالث فقال: لأشدخن أنا رأسه ثم أخذ
~~الحجر وانطلق فرجع القهقرى ينكص على عقبيه حتى خر على قفاه مغشيا عليه
~~فقيل له: ما شأنك؟ قال: عظيم رأيت الرجل فلما دنوت منه فإذا فحل ما رأيت
~~فحلا أعظم منه حال بيني وبينه فواللات والعزى لو دنوت منه لأكلني فجعل
~~الغل يكون استعارة عن منع من أراد أذاه عليه الصلاة والسلام وجعل السد
~~استعارة عن سلب قوة الإبصار كما قيل، وقال السدي: السد ظلمة حالت فمنعت
~~الرؤية، وجاء في الآثار غير ذلك مما يقرب منه والربط عليها غير ظاهر،
~~ولعله باعتبار إشارة الآيتين إلى ما هو عليه من التصميم على الكفر وشدة
~~العناد؛ ومع هذا الأرجح في نظر البليغ حمل الكلام على غير ما تقتضيه
~~ظواهر الآثار مما سمعت وليس فيها ما ينافيه عند التحقيق فتأمل.

### || [36.10]

# { وسوآء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم } أي مستو
~~عندهم إنذارك إياهم وعدمه حسبما مر تحقيقه في أوائل سورة البقرة، والظاهر
~~أن العطف على

# إنا جعلنا

# [يس: 8] وكأنه جىء به للتصريح بما هم عليه في أنفسهم بعد الإشارة إليه
~~فيما تقدم بناء على أنه مما يستتبع الجعل المذكور. وقريب منه القول بأن
~~ما تقدم لبيان حالهم المجعول وهذا لبيان حالهم من غير ملاحظة جعل وفيه
~~تمهيد لقوله تعالى:

# إنما تنذر

# [يس: 11] الخ. وفي «إرشاد العقل السليم» هو بيان لشأنهم بطريق التصريح
~~إثر بيانه بطريق التمثيل، وفي «الحواشي الخفاجية» لم يورد بالفاء مع
~~ترتبه على ما قبله إما تفويضا لذهن السامع أو لأنه غير مقصود هنا انتهى.
~~وانظر هل تجد مانعا من العطف على

# لا يبصرون

# [يس: 9] ليكون خبرا لهم أيضا داخلا في حيز الفاء والتفريع على ما
~~تقدم كأنه قيل: فهم سواء عليهم الخ، واختلاف الجملتين بالاسمية والفعلية
~~لا أراك تعده مانعا، وقوله تعالى: { لا يؤمنون } استئناف مؤكد لما
~~قبله مبين لما فيه من إجمال ما فيه الاستواء أو حال مؤكدة له أو بدل منه.

### || [36.11]

# ولما بين كون الإنذار عندهم كعدمه عقب ببيان ms08811 من يتأثر منه فقال سبحانه:
~~{ إنما تنذر } أي إنذارا مستتبعا للأثر { من اتبع
~~الذكر } أي القرآن - كما روي عن قتادة - بالتأمل فيه والعمل به، وقيل:
~~الوعظ، واتبع بمعنى يتبع، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع أو المعنى إنما
~~ينفع إنذارك المؤمنين الذين اتبعوا، ويكون المراد بمن اتبع المؤمنين
~~وبالإنذار الإنذار عما يفرط منهم بعد الاتباع فلا يلزم تحصيل الحاصل،
~~وقيل: المراد من اتبع في علم الله تعالى وهم الأقلون الذين لم يحق القول
~~عليهم.

# { وخشى الرحمن } أي عقابه ولم يغتر برحمته عز وجل فإنه سبحانه
~~مع عظم رحمته أليم العذاب كما نطق به قوله تعالى:

# نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي
~~هو العذاب الأليم

# [الحجر: 49-50]. ومما قرر يعلم سر ذكر الرحمن مع الخشية دون القهار
~~ونحوه { بالغيب } حال من المضاف المقدر في نظم الكلام كما أشرنا
~~إليه أي خشي عقاب الرحمن حال كون العقاب ملتبسا بالغيب أي غائبا عنه،
~~وحاصله خشي العقاب قبل حلوله ومعاينة أهواله، ويجوز أن يكون حالا من
~~فاعل { خشى } أي خشي عقاب الرحمن غائبا عن / العقاب غير مشاهد له أو
~~خشي غائبا عن أعين الناس غير مظهر الخشية لهم لأنها علانية قلما تسلم عن
~~الرياء، وبعضهم فسر الغيب بالقلب وجعل الجار متعلقا بخشي أي خشي في قلبه
~~ولم يكن مظهرا للخشية وليس بخاش، قيل: ويجوز جعله حالا من {
~~الرحمن } ولا يخفى حاله، والكلام في خشي على طرز الكلام في {
~~اتبع }.

# { فبشره بمغفرة } عظيمة لما سلف، وقيل: لما يفرط منه {
~~وأجر كريم } حسن لا يقادر قدره لما أسلف، والفاء لترتيب البشارة
~~أو الأمر بها على ما قبلها من اتباع الذكر والخشية. وفي «البحر» لما أجدت
~~فيه النذارة فبشره الخ فلا تغفل، وعن قتادة تفسير الأجر الكريم بالجنة
~~والمراد نعيمها الشامل لما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر،
~~وأجل جميع ذلك رؤية الله عز وجل.

### || [36.12]

# وقوله تعالى: { إنا نحن نحى الموتى } الخ تذييل عام
~~للفريقين المصممين على الكفر والمشفعين بالإنذار ترهيبا ms08812 وترغيبا
~~ووعيدا ووعدا، وتكرير الضمير لإفادة الحصر أو للتقوية، وما ألطف هذا
~~الضمير الذي عكسه كطرده ههنا، وضمير العظمة للإشارة إلى جلالة الفعل،
~~والتأكيد للاعتناء بأمر الخبر أو لرد الإنكار فإن الكفرة كانوا يقولون:

# إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن
~~بمبعوثين

# [المؤمنون: 37] أي إنا نحن نحيي الأموات جميعا ببعثهم يوم القيامة.

# { ونكتب ما قدموا } ما أسلفوه من الأعمال الصالحة والطالحة
~~{ وءاثارهم } التي أبقوها بعدهم من الحسنات كعلم علموه أو كتاب
~~ألفوه أو حبيس وقفوه أو بناء في سبيل الله تعالى بنون وغير ذلك من وجوه
~~البر ومن السيئات كتأسيس قوانين الظلم والعدوان وترتيب مبادىء الشر
~~والفساد فيما بين العباد وغير ذلك من فنون الشرور التي أحدثوها وسنوها
~~بعدهم للمفسدين. أخرج ابن أبي حاتم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من
~~أجورهم شيئا ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا
~~ينقص من أوزارهم شيئا ثم تلا { ونكتب ما قدموا
~~وءاثارهم } "

# وعن أنس أنه قال في الآية: هذا في الخطو يوم الجمعة، وفسر بعضهم الآثار
~~بالخطا إلى المساجد مطلقا لما أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر
~~والترمذي وحسنه عن أبي سعيد الخدري قال كان بنو سلمة في ناحية من
~~المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فأنزل الله تعالى: { إنا
~~نحن نحى الموتى ونكتب ما قدموا وءاثارهم }
~~فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه يكتب آثاركم ثم تلا عليهم
~~الآية فتركوا. وأخرج الإمام أحمد في «الزهد» وابن ماجه وغيرهما عن ابن
~~عباس قال كانت الأنصار منازلهم بعيدة من المسجد فأرادوا أن ينتقلوا
~~قريبا من المسجد فنزلت { ونكتب ما قدموا وءاثارهم }
~~فقالوا بل نمكث مكاننا. وأنت تعلم أنه لا دلالة فيما ذكر على أن الآثار
~~هي الخطا لا غير وقصارى ما يدل عليه أنها من الآثار ms08813 فلتحمل الآثار على ما
~~يعمها وغيرها.

# واستدل بهذين الخبرين ونحوهما على أن الآية مدنية. وقال أبو حيان: ليس
~~ذلك زعما صحيحا وشنع عليه بما ورد مما يدل على ذلك، وانتصر له الخفاجي
~~بأن الحديث الدال معارض بما في «الصحيحين» أن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قرأ لهم هذه الآية ولم يذكر أنها نزلت فيهم وقراءته عليه الصلاة والسلام
~~لا تنافي تقدم النزول ومراد أبي حيان هذا لا أنه أنكر أصل الحديث، ولا
~~يخفى أن الحديثين / السابقين ظاهران في أن الآية نزلت يومئذ وليس في حديث
~~«الصحيحين» ما يعارض ذلك، والعجب من الخفاجي كيف خفي عليه هذا.

# وقيل ما قدموا من النيات وآثارهم من الأعمال، والظاهر أن المراد
~~بالكتابة الكتابة في صحف الملائكة الكرام الكاتبين ولكونها بأمره عز وجل
~~أسندت إليه سبحانه، وأخرت في الذكر عن الإحياء مع أنها مقدمة عليه لأن
~~أثرها إنما يظهر بعده وعلى هذا يضعف تفسير (ما قدموا) بالنيات بناء على
~~ما يدل عليه بعض الأخبار من أن النيات لا تطلع عليها الملائكة عليهم
~~السلام ولا يؤمرون بكتابتها. وفسر بعضهم الكتابة بالحفظ أي نحفظ ذلك
~~ونثبته في علمنا لا ننساه ولا نهمله كما يثبت المكتوب، ولعلك تختار أن
~~كتابة ما قدموا وآثارهم كناية عن مجازاتهم عليها إن خيرا فخير وإن شرا
~~فشر وحينئذ فوجه ذكرها بعد الإحياء ظاهر. وعن الحسن والضحاك أن إحياء
~~الله تعالى الموتى أن يخرجهم من الشرك إلى الإيمان وجعلا الموت مجازا عن
~~الجهل، وتعريف { الموتى } للعهد والكلام عليه توكيد للوعد المبشر به
~~كأنه قيل: إنما ينفع إنذارك في هؤلاء لأنا نحييهم ونكتب صالح أعمالهم
~~وآثارهم ولا يخفى ما في ذلك من البعد. وقرأ زر ومسروق { ويكتب } بالياء
~~مبنيا للمفعول { وءاثارهم } بالرفع.

# { وكل شىء } من الأشياء كائنا ما كان، والنصب على الاشتغال أي
~~وأحصينا كل شيء { أحصينه } أي بيناه وحفظناه؛ وأصل الإحصاء العد
~~ثم تجوز به عما ذكر لأن العد لأجله. { فى إمام } أي أصل عظيم الشأن
~~يؤتم ويقتدى به ويتبع ولا يخالف { مبين ms08814 } مظهر لما كان وسيكون، وهو
~~على ما في «البحر» حكاية عن مجاهد وقتادة وابن زيد اللوح المحفوظ، وبيان
~~كل شيء فيه إذا حمل العموم على حقيقته بحيث يشمل حوادث الجنة وما يتجدد
~~لأهلها من دون انقطاع على ما نحو ما يحكى من بيان الحوادث الكونية في
~~«الجفر الجامع» لكنه على طرز أعلا وأشرف، ونحو هذا ما قال غير واحد من
~~اشتمال القرآن الكريم على كل شيء حتى أسماء الملوك ومدد ملكهم أو يقال إن
~~بيان ذلك فيه ليس دفعة واحدة بل دفعات بأن يبين فيه جملة من الأشياء
~~كحوادث ألف سنة مثلا ثم تمحى عند تمام الألف ويبين فيه جملة أخرى كحوادث
~~ألف أخرى وهكذا، والداعي لما ذكر أن اللوح عند المسلمين جسم وكل جسم
~~متناه الأبعاد كما تشهد به الأدلة وبيان كل شيء فيه على الوجه المعروف
~~لنا دفعة مقتض لكون المتناهي ظرفا لغير المتناهى وهو محال بالبديهة.
~~وإذا أريد بكل شيء الأشياء التي في هذه النشأة وأفعال العباد وأحوالهم
~~فيها فلا إشكال في البيان على الوجه المعروف دفعة.

# والذي يترجح عندي أن ما كتب في اللوح ما كان وما يكون إلى يوم القيامة
~~وهو متناه وبعض الآثار تشهد بذلك والمطلق منها محمول على المقيد، وحقيقة
~~اللوح لم يرد فيها ما يفيد القطع ولذا نمسك عن تعيينها، وكون أحد وجهيه
~~ياقوتة حمراء والثاني زمرة خضراء جاء في بعض الآثار ولا جزم لنا بصحته،
~~وكونه أحد المجردات وما من شيء إلا وهو يعلمه بالفعل مما لم يذهب إليه
~~أحد من المسلمين وإنما هو من تخيلات الفلاسفة ومن حذا حذوهم فلا ينبغي أن
~~يعول عليه.

# وفسر بعضهم الإمام المبين بعلمه تعالى الأزلي كما فسر أم الكتاب في قوله
~~تعالى:

# وعنده أم الكتب

# [الرعد: 39] به وهو أصل لا يكون في صفوف صنوف الممكنات ما يخالفه كما
~~يلوح به قول الشافعي:

# خلقت العباد على ما علمت

# ففي العلم يجري الفتى والمسن

# ووصفه بمبين لأنه مظهر فقد قالوا: العلم صفة يتجلى بها المذكور لمن ms08815 قامت
~~به أو لأن إظهار الأشياء من / خزائن العدم يكون بعد تعلقه فإن القدرة
~~إنما تتعلق بالشيء بعد العلم فالشيء يعلم أولا ثم يراد ثم تتعلق القدرة
~~بإيجاده فيوجد، ولا يخفى ما في هذا التفسير من ارتكاب خلاف الظاهر وعليه
~~فلا كلام في العموم، نعم في كيفية وجود الأشياء في علمه تعالى كلام طويل
~~محله كتب الكلام.

# وعن الحسن أنه أريد به صحف الأعمال وليس بذاك. وحكي لي عن بعض غلاة
~~الشيعة أن المراد بالإمام المبين علي كرم الله تعالى وجهه وإحصاء كل شيء
~~فيه من باب:

# ليس على الله بمستنكر

# أن يجمع العالم في واحد

# ومنهم من يزعم أن ذلك على معنى جعله كرم الله تعالى وجهه خزانة
~~للمعلومات على نحو اللوح المحفوظ، ولا يخفى ما في ذلك من عظيم الجهل
~~بالكتاب الجليل نسأل الله تعالى العفو والعافية، ويمكن أن يقال: إنهم
~~أرادوا بذلك نحو ما أراده المتصوفة في إطلاقهم الكتاب المبين على الإنسان
~~الكامل اصطلاحا منهم على ذلك فيهون أمر الجهل، وكمال علي كرم الله تعالى
~~وجهه لا ينكره إلا ناقص العقل عديم الدين.

# وقرأ أبو السمال { وكل } بالرفع على الابتداء.

### || [36.13]

# { واضرب لهم مثلا أصحب القرية } إما عطف على ما
~~قبله عطف القصة على القصة وأما عطف على مقدر أي فأنذرهم واضرب لهم الخ،
~~وضرب المثل يستعمل تارة في تطبيق حالة غريبة بأخرى مثلها كما في قوله
~~تعالى:

# ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح

# [التحريم: 10] الآية وأخرى في ذكر حالة غريبة وبيانها للناس من غير قصد
~~إلى تطبيقها بنظيرة لها كما في قوله تعالى:

# وضربنا لكم الأمثال

# [إبراهيم: 45] في وجه أي بينا لكم أحوالا بديعة هي في الغرابة
~~كالأمثال. فالمعنى على الأول اجعل أصحاب القرية مثلا لهؤلاء في الغلو في
~~الكفر والإصرار على التكذيب أي طبق حالهم بحالهم على أن { مثلا }
~~مفعول ثان لاضرب و { أصحب القرية } مفعوله الأول أخر عنه ليتصل
~~به ما هو شرحه وبيانه، وعلى الثاني اذكر وبين لهم قصة هي في الغرابة ms08816
~~كالمثل، وقوله سبحانه: { أصحب القرية } بتقدير مضاف أي مثل
~~أصحاب القرية وهذا المضاف بدل من { مثلا } بدل كل من كل أو عطف بيان له
~~على القول بجواز اختلافهما تعريفا وتنكيرا، وجوز أن يكون المقدر
~~مفعولا وهذا حالا.

# والقرية كما روى عن ابن عباس وبريدة وعكرمة انطاكية، وفي «البحر» إنها
~~هي بلا خلاف.

# { إذ جاءها المرسلون } بدل اشتمال من { أصحب القرية
~~} أو ظرف للمقدر، وجوز أن يكون بدل كل من { أصحب } مرادا بهم
~~قصتهم وبالظرف ما فيه وهو تكلف لا داعي إليه، وقيل، إذ جاءها دون إذ
~~جاءهم إشارة إلى أن المرسلين أتوهم في مقرهم، والمرسلون عند قتادة وغيره
~~من أجلة المفسرين رسل عيسى عليه السلام من الحواريين بعثهم حين رفع إلى
~~السماء، ونسبة إرسالهم إليه تعالى في قوله سبحانه: { إذ أرسلنا
~~إليهم اثنين... }

### || [36.14]

# { إذ أرسلنا إليهم اثنين } بناء على أنه كان بأمره
~~تعالى لتكميل التمثيل وتتميم التسلية، وقال ابن عباس وكعب: هم رسل الله
~~تعالى، واختاره بعض الأجلة وادعى أن الله تعالى أرسلهم ردءا لعيسى عليه
~~السلام مقررين لشريعته كهرون لموسى عليهما السلام، وأيد بظاهر { إذ
~~أرسلنا إليهم اثنين } وقول المرسل إليهم

# ما أنتم إلا بشر مثلنا

# [يس: 15] إذ البشرية تنافي على زعمهم الرسالة من الله تعالى لا من غيره
~~سبحانه، واستدل البعض على ذلك بظهور المعجزة كإبراء الأكمه وإحياء الميت
~~على أيديهم كما جاء في بعض الآثار والمعجزة مختصة بالنبي على ما قرر في
~~/ الكلام.

# ومن ذهب إلى الأول أجاب عن الأول بما سمعت وعن الثاني بأنهم إما أن
~~يكونوا دعوهم على وجه فهموا منه أنهم مبلغون عن الله تعالى دون واسطة أو
~~أنهم جعلوا الرسل بمنزلة مرسلهم فخاطبوهم بما يبطل رسالته ونزلوه منزلة
~~الحاضر تغليبا فقالوا ما قالوه، وعن الثالث بأن ما ظهر على أيديهم إن صح
~~الأثر كان كرامة لهم في معنى المعجزة لعيسى عليه السلام ولا يتعين كونه
~~معجزة لعم إلا إذا كانوا قد ادعوا الرسالة من الله تعالى بدون واسطة وهو
~~أول المسألة، و ms08817 { إذ } بدل من { إذ } [يس: 13] الأولى، والإثنان قيل
~~يوحنا وبولس، وقال مقاتل تومان وبولس، وقال شعيب الجبائي شمعون ويوحنا،
~~وقال وهب وكعب: صادق وصدوق، وقيل نازوص وماروص.

# وقيل: { أرسلنا إليهم } دون أرسلنا إليها ليطابق

# إذ جاءها

# [يس: 13] لأن الإرسال حقيقة إنما يكون إليهم لا إليها بخلاف المجيء
~~وأيضا التعقيب بقوله تعالى: { فكذبوهما } عليه أظهر وهو هنا نظير
~~التعقيب في قوله تعالى:

# فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت

# [البقرة: 60] وسميت الفاء الفصيحة لأنها تفصح عن فعل محذوف وكان أصحاب
~~القرية إذ ذاك عباد أصنام.

# { فعززنا } أي قويناهما وشددنا قاله مجاهد وابن قتيبة، وقال يقال
~~تعزز لحم الناقة إذ صلب، وقال غيره: يقال عزز المطر الأرض إذا لبدها
~~وشدها ويقال للأرض الصلبة العزاز ومنه العز بمعناه المعروف، ومفعول الفعل
~~محذوف أي فعززناهما { بثالث } لدلالة ما قبله عليه ولأن المقصود ذكر
~~المعزز به. وهو على ما روى عن ابن عباس شمعون الصفا ويقال سمعنان أيضا،
~~وقال وهب وكعب: شلوم وعند شعيب الجبائي بولص بالصاد وبعضهم يحكيه بالسين.

# وقرأ الحسن وأبو حيوة وأبو بكر والمفضل وأبان { فعززنا } بالتخفيف
~~وهو التشديد لغتان كشدة وشدده فالمعنى واحد، وقال أبو علي المخفف من عزه
~~إذا غلبه ومنه قولهم من عز بز أي من غلب سلب، والمعنى عليه
~~فغلبناهم بحجة ثالث. وقرأ عبد الله { بالثالث }.

# { فقالوا } عطف على { فكذبوهما فعززنا } والفاء للتعقيب أي فقال
~~الثلاثة بعد تكذيب الإثنين والتعزيز بثالث { إنا إليكم
~~مرسلون } ولا يضر في نسبة القول إلى الثلاثة سكوت البعض إذ يكفي
~~الاتفاق بل قالوا طريقة التكلم مع الغير كون المتكلم واحدا والغير
~~متفقا معه.

### || [36.15]

# { قالوا } أي أصحاب القرية مخاطبين للثلاثة { ما أنتم إلا
~~بشر مثلنا } من غير مزية لكم علينا موجبة لاختصاصكم بما تدعونه،
~~ورفع { بشر } لانتقاض النفي بإلا فإن  ما  عملت حملا على ليس فإذا
~~انتقض نفيها بدخول إلا على الخبر ضعف الشبه فيها فبطل عملها خلافا ليونس
~~(ومثل) صفة { بشر } ولم يكتسب تعريفا بالإضافة كما عرف في النحو.

# { وما أنزل الرحمن من شىء ms08818 } مما تدعون من الوحي على أحد
~~وظاهر هذا القول يقتضي إقرارهم بالألوهية لكنهم ينكرون الرسالة ويتوسلون
~~بالأصنام وكان تخصيص هذا الاسم الجليل من بين أسمائه عز وجل لزعمهم أن
~~الرحمة تأبى إنزال الوحي لاستدعائه تكليفا لا يعود منه نفع له سبحانه
~~ولا يتوقف إيصاله تعالى الثواب إلى العبد عليه، وقيل ذكر الرحمن في
~~الحكاية لا في المحكي وهم قالوا لا إله ولا رسالة لما في بعض الآثار أنهم
~~قالوا ألنا إله سوى آلهتنا؟ والتعبير به لحلمه تعالى عليهم ورحمته سبحانه
~~إياهم بعدم تعجيل العذاب آن إنكارهم ولعل ما تقدم أولى وأظهر ولا جزم
~~بصحة ما ينافيه من الأثر.

# { إن أنتم إلا تكذبون } فيما تدعون وهذا تصريح بما قصدوه
~~من الجملتين السابقتين واختيار { تكذبون } / على كاذبون للدلالة على
~~التجدد.

### || [36.16]

# { قالوا } أي المرسلون { ربنا يعلم إنا إليكم
~~لمرسلون } استشهدوا بعلم الله تعالى وهو جار مجرى القسم في التأكيد
~~والجواب بما يجاب به، وذكر أن من استشهد به كاذبا يكفر ولا كذلك القسم
~~على كذب، وفيه تحذيرهم معارضة علم الله تعالى، وفي اختيار عنوان الربوبية
~~رمز إلى حكمة الإرسال كما رمز الكفرة إلى ما ينافيه بزعمهم. وإضافة رب
~~إلى ضمير الرسل لا يأبى ذلك، ويجوز أن يكون اختياره لأنه أوفق بالحال
~~التي هم فيها من إظهار المعجز على أيديهم فكأنهم قالوا ناصرنا بالمعجزات
~~يعلم إنا إليكم لمرسلون، وتقديم المسند إليه لتقوية الحكم أو للحصر أي
~~ربنا يعلم لا أنتم لانتفاء النظر في الآيات عنكم.

### || [36.17]

# إلا بتبليغ رسالته تعالى تبليغا ظاهرا بينا بحيث لا يخفى على سامعه
~~ولا يقبل التأويل والحمل على خلاف المراد أصلا وقد خرجنا من عهدته فلا
~~مؤاخذة علينا من جهة ربنا كذا قيل، والأولى أن يفسر التبليغ المبين بما
~~قرن بالآيات الشاهدة على الصحة وهم قد بلغوا كذلك بناء على ما روي من
~~أنهم أبرؤا الأكمه وأحيوا الميت أو أنهم فعلوا خارقا غير ما ذكر ولم
~~ينقل لنا ولم يلتزم في الكتاب الجليل ولا في الآثار ذكر خارق ms08819 كل رسول كما
~~لا يخفى، ثم إن ذلك إما معجزة لهم على القول بأنهم رسل الله تعالى بدون
~~واسطة أو كرامة لهم معجزة لمرسلهم عيسى عليه السلام على القول بأنهم رسله
~~عليه السلام، والمعنى ما علينا من جهة ربنا إلا التبليغ البين بالآيات
~~وقد فعلنا فلا مؤاخذة علينا أو ما علينا شيء نطالب به من جهتكم إلا تبليغ
~~الرسالة على الوجه المذكور وقد بلغنا كذلك فأي شيء تطلبون منا حتى
~~تصدقونا بدعوانا ولكون تبليغهم كان بينا بهذا المعنى حسن منهم الاستشهاد
~~بالعلم فلا تغفل، وجاء كلام الرسل ثانيا في غاية التأكيد لمبالغة الكفرة
~~في الإنكار جدا حيث أتوا بثلاث جمل وكل منها دال على شدة الإنكار كما لا
~~يخفى على من له أدنى تأمل.

# قال السكاكي: أكدوا في المرة الأولى لأن تكذيب الإثنين تكذيب للثالث
~~لاتحاد المقالة فلما بالغوا في تكذيبهم زادوا في التأكيد، وقال الزمخشري:
~~إن الكلام الأول ابتداء أخبار والثاني جواب عن إنكار، ووجه ذلك السيد
~~السند بأن الأول ابتداء إخبار بالنظر إلى أن مجموع الثلاثة لم يسبق منهم
~~إخبار فلا تكذيب لهم في المرة الأولى فيحمل التأكيد فيها على الاعتناء
~~والاهتمام منهم بشأن الخبر انتهى، وفيه أن الثلاثة كانوا عالمين بإنكارهم
~~والكلام المخرج مع المنكر لا يقال له ابتداء اخبار، وقال صاحب «الكشف»:
~~أراد أنه غير مسبوق بإخبار سابق ولم يرد أنه كلام مع خالي الذهن أو جعل
~~الابتداء باعتبار قول الثالث أو المجموع، وقال الجلبي: لعل مراده أنه
~~بمنزلة ابتداء إخبار بالنسبة إلى إنكارهم الثاني في عدم احتياجه إلى مثل
~~تلك المؤكدات فكان إنكارهم الأول لا يعد إنكارا بالنسبة إلى إنكارهم
~~الثاني لا أنه ابتداء اخبار حقيقة، ولا يخفى ضعف ذلك، وقال الفاضل
~~اليمني: إنما أكد القول الأول لتنزيلهم منزلة من أنكر إرسال الثلاثة لأنه
~~قد لاح ذلك من إنكار الإثنين فعلى هذا يكون ابتداء إخبار بالنظر إلى
~~إخراج الكلام على مقتضى الظاهر وإنكاريا بالنظر إلى إخراج الكلام لا على
~~مقتضى الظاهر فنظر الزمخشري أدق من ms08820 نظر السكاكي وإن قال السيد السند
~~بالعكس، ويعلم ما فيه مما تقدم بأدنى نظر.

# وقال أجل المتأخرين الفاضل عبد الحكيم السيالكوتي: عندي أن ما ذكره
~~السكاكي مبني على عطف

# فقالوا إنا إليكم مرسلون

# [يس: 14] على

# فكذبوهما فعززنا

# [يس: 14] والفاء للتعقيب فيكون الكلام صادرا عن الثلاثة بعد تكذيب
~~الإثنين والتعزيز بثالث فكان كلاما مع المنكرين فجاء مؤكدا، وقول
~~الزمخشري / مبني على أنه عطف على

# إذ جاءها المرسلون

# [يس: 13] وأنه تفصيل للقصة المذكورة إجمالا بقوله سبحانه: { إذ
~~جاءها المرسلون } إلى قوله تعالى:

# فعززنا بثالث

# [يس: 14] فالفاء للتفصيل فقوله تعالى:

# فقالوا إنا إليكم مرسلون

# [يس: 14] بيان لقوله عز وجل:

# إذ أرسلنا إليهم اثنين

# [يس: 14] فيكون ابتداء إخبار صدر من الاثنين قالوا بصيغة الجمع تقريرا
~~لشأن الخبر وقوله تعالى:

# قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا

# [يس: 15] الخ بيان لقوله تعالى:

# فكذبوهما

# [يس: 14] وقوله سبحانه: { ربنا يعلم إنا إليكم
~~لمرسلون * وما علينا إلا البلغ المبين } [يس:
~~16-17] بيان لقوله عز شأنه { فعززنا بثالث } فإن البلاغ المبين
~~هو إثباتهم الرسالة بالمعجزات وهو التعزيز والغلبة ثم قال: ولا يخفى حسن
~~هذا التفسير لموافقته للقصة المذكورة في التفاسير وملاءمته لسوق الآية
~~فإنها ذكرت أولا إجمالا بقوله تعالى:

# واضرب لهم مثلا أصحب القرية

# [يس: 13] ثم فصلت بعض التفصيل بقوله تعالى:

# إذ جاءها المرسلون

# [يس: 13] إلى قوله سبحانه:

# فعززنا بثالث

# [يس: 14] ثم فصلت تفصيلا تاما بقوله تعالى:

# قالوا إنآ إليكم لمرسلون

# [يس: 16] إلى قوله تعالى:

# خمدون

# [يس: 29] وعدم احتياجه إلى جعل الفاء في { فكذبوهما } فصيحة
~~بخلاف تفسير السكاكي فإنه يحتاج إلى تقدير فدعوا إلى التوحيد اه.

# ولا يخفى على المنصف أنه تفسير في غاية البعد والكلام عليه واصل إلى
~~رتبة الإلغاز، ومع هذا فيه ما فيه، وأنا أقول: لا يبعد أن يكون الزمخشري
~~أراد بكلامه أحد الاحتمالات التي ذكرت في توجيهه إلا أن ما ذهب إليه
~~السكاكي أبعد عن التكلف وأسلم عن القيل والقال.

### || [36.18]

# { قالوا } لما ضاقت عليهم الحيل وعييت بهم العلل { إنا
~~تطيرنا بكم } أي تشاءمنا بكم جريا ms08821 على ديدن الجهلة حيث [كانوا]
~~يتيمنون بكل ما يوافق شهواتهم وإن كان مستجلبا لكل شر ويتشاءمون بما لا
~~يوافقها وإن كان مستتبعا لكل خير أو بناء على أن الدعوة لا تخلو عن
~~الوعيد بما يكرهونه من إصابة ضر إن لم يؤمنوا فكانوا ينفرون عنه، وقد قال
~~مقاتل: إنه حبس عنهم المطر وقال آخر: أسرع فيهم الجذام عند تكذيبهم الرسل
~~عليهم السلام، وقال ابن عطية ((إن تطير هؤلاء كان بسبب ما دخل فيهم من
~~اختلاف الكلمة وافتتان الناس)) وأصل التطهير التفاؤل بالطير البارح
~~والسانح ثم عم.

# وكان مناط التطير بهم مقالتهم كما يشعر به قوله تعالى: { لئن لم
~~تنتهوا } أي عن مقالتكم هذه. { لنرجمنكم } بالحجارة قاله
~~قتادة وذكر فيه احتمالان احتمال أن يكون الرجم للقتل أي لنقتلنكم بالرجم
~~بالحجارة واحتمال أن يكون للأذى أي لنؤذينكم بذلك، وأخرج عبد بن حميد عن
~~مجاهد أنه قال: أي لنشتمنكم ثم قال: والرجم في القرآن كله الشتم.

# { وليمسنكم منا عذاب أليم } قال في «البحر» ((وهو
~~الحريق))، وقيل عذاب غيره تبقى معه الحياة، والمراد لنقتلنكم بالحجارة أو
~~لنعذبنكم إذا لم نقتلكم عذابا أليما لا يقادر قدره تتمنون معه القتل،
~~وقيل أريد بالعذاب الأليم العذاب الروحاني وأريد بالرجم بالحجارة النوع
~~المخصوص من الأذى الجسماني فكأنهم قد رددوا الأمر بين إيذاء جسماني
~~وإيذاء روحاني، وقيل أريد بالعذاب الأليم الجسماني وبالرجم العذاب والأذى
~~الروحاني بناء على أن المراد به الشتم، وقيل غير ذلك.

### || [36.19]

# { قالوا } أي الرسل ردا عليهم { طائركم } أي سبب شؤمكم {
~~معكم } لا من قبلنا كما تزعمون وهو سوء عقيدتكم وقبح أعمالكم. وأخرج
~~ابن المنذر عن ابن عباس أنه فسر الطائر بنفس الشؤم أي شؤمكم معكم وهو
~~الإقامة على الكفر / وأما نحن فلا شؤم معنا لأنا ندعوا إلى التوحيد
~~وعبادة الله تعالى وفيه غاية اليمن والخير والبركة، وعن أبي عبيدة
~~والمبرد { طائركم } أي حظكم ونصيبكم من الخير والشر (معكم) من
~~أفعالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

# وقرأ الحسن وابن هرمز وعمرو بن عبيد وزر بن حبش ms08822 { طيركم } بياء ساكنة
~~بعد الطاء، قال الزجاج: الطائر والطير بمعنى، وفي «القاموس» ((الطير جمع
~~طائر وقد يقع على الواحد)) وذكر أن الطير لم يقع في القرآن الكريم إلا
~~جمعا كقوله تعالى:

# والطير صافت

# [النور: 41] فإذا كان في هذه القراءة كذلك فطائر وإن كان مفردا لكنه
~~بالإضافة شامل لكل ما يتطير به فهو في معنى الجمع فالقراءتان متوافقتان،
~~وعن الحسن أنه قرأ { اطيركم } مصدر اطير الذي أصله تطير فأدغمت التاء
~~في الطاء فاجتلبت همزة الوصل في الماضي والمصدر.

# { أإن ذكرتم } بهمزتين الأولى همزة الاستفهام والثانية همزة إن
~~الشرطية حققها الكوفيون وابن عامر وسهلها باقي السبعة. واختلف سيبويه
~~ويونس فيما إذا اجتمع استفهام وشرط أيهما يجاب فذهب سيبويه إلى إجابة
~~الاستفهام أي تقدير المستفهم عنه وكأنه يستغنى به عن تقدير جواب الشرط
~~فالمعنى عليه أئن ذكرتم ووعظتم بما فيه سعادتكم تتطيرون أو تتوعدون أو
~~نحو ذلك ويقدر مضارع مرفوع وإن شئت قدرت ماضيا كتطيرتم. وذهب يونس إلى
~~إجابة الشرط وكأنه يستغني به عن إجابة الاستفهام وتقدير مصب له فالتقدير
~~أئن ذكرتم تتطيروا أو نحوه مما يدل عليه ما قبل ويقدر مضارع مجزوم وإن
~~شئت قدرت ماضيا مجزوم المحل.

# وقرأ زر بهمزتين مفتوحتين وهي قراءة أبي جعفر وطلحة إلا أنهما لينا
~~الثانية بين بين، وعلى تحقيقهما جاء قول الشاعر:

# أإن كنت داود بن أحوى مرجلا

# فلست براع لابن عمك محرما

# فالهمزة الأولى للاستفهام والثانية همزة إن المصدرية والكلام على تقدير
~~حرف لام الجر أي ألأن ذكرتم تطيرتم. وقرأ الماجشون يوسف بن يعقوب المدني
~~بهمزة واحدة مفتوحة فيحتمل تقدير همزة الاستفهام فتتحد هذه القراءة والتي
~~قبلها معنى، ويحتمل عدم تقديرها فيكون الكلام على صورة الخبر، وهو على ما
~~قيل مسوق للتعجب والتوبيخ، وتقدير حرف الجر على حاله، والجار متعلق
~~بمحذوف على ما يشعر به كلام «الكشاف» أي تطيرتم لأن ذكرتم، وقال ابن جني
~~إن { ذكرتم } على هذه القراءة معمول { طئركم معكم }
~~فإنهم لما قالوا

# إنا تطيرنا بكم

# [يس: 18] أجيبوا بل طائركم معكم إن ذكرتم ms08823 أي هو معكم لأن ذكرتم فلم
~~تذكروا ولم تنتهوا فاكتفى بالسبب الذي هو التذكير عن المسبب الذي هو
~~الانتهاء كما وصفوا الطائر موضع مسببه وهو التشاؤم لما كانوا يألفونه من
~~تكارههم نعيب الغراب أو بروحه.

# وقرأ الحسن بهمزة واحدة مكسورة وفي ذلك احتمالان تقدير الهمزة فتتحد هذه
~~القراءة وقراءة الجمهور وعدم تقديرها فيكون الكلام على صورة الخبر
~~والجواب محذوف لدلالة ما قبل عليه وتقديره كما تقدم، وقرأ أبو عمرو في
~~رواية وزر أيضا بهمزتين مفتوحتين بينهما مدة كأنه استثقل اجتماعهما ففصل
~~بينهما بألف وقرأ أيضا أبو جعفر والحسن وكذا قرأ قتادة والأعمش وغيرهما
~~{ أين } بهمزة مفتوحة وياء ساكنة وفتح النون { ذكرتم } بتخفيف
~~الكاف على أن أين ظرف أداة شرط وجوابها محذوف لدلالة { طائركم } عليه على
~~ما قيل أي أين ذكرتم صحبكم طائركم والمراد شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم وفيه
~~من المبالغة بشؤمهم ما لا يخفى. وفي «البحر» من جوز تقديم الجزاء على
~~الشرط وهم الكوفيون وأبو زيد والمبرد يجوز أن يكو الجواب { طائركم معكم }
~~وكان أصله أين ذكرتم فطائركم معكم فلما قدم حذفت الفاء.

# { بل أنتم قوم مسرفون } أي عادتكم / الإسراف ومجاوزة الحد
~~في العصيان مستمرون عليه فمن ثم أتاكم الشؤم لا من قبل رسل الله تعالى
~~وتذكيرهم فهو إضراب عما يقتضيه قوله تعالى: { أإن ذكرتم } من إنكار
~~أن يكون ما هو سبب السعادات أجمع سبب الشؤم لأنه تنبيه وتعريك إلى البت
~~عليهم بلزام الشؤم وإثبات الإسراف الذي هو أبلغ وهو جالب الشؤم كله أو بل
~~أنتم قوم مسرفون في ضلالكم متمادون في غيكم حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك
~~به من الهداة لدين الله تعالى فهو إضراب عن مجموع الكلام أجابوهم بأنهم
~~جعلوا أسبابا للسعادة مدمجين فيه التنبيه على سوء صنيعهم في الحرمان
~~عنها ثم أضربوا عنه إلى ما فعل القوم من التعكيس لما يقتضيه النظر الصحيح
~~فتأمل.

### || [36.20]

# { وجاء من أقصى المدينة } أي من أبعد مواضعها { رجل } أي
~~رجل عند الله تعالى فتنوينه للتعظيم، وجوز أن يكون التنكير لإفادة ms08824 أن
~~المرسلين لا يعرفونه ليتواطئوا معه واسمه  على ما روي عن ابن عباس وأبي
~~مجلز وكعب الأحبار ومجاهد ومقاتل  حبيب وهو ابن إسرائيل على ما قيل،
~~وقيل: ابن مري وكان على المشهور نجارا، وقيل: كان حراثا، وقيل: قصارا،
~~وقيل: إسكافا، وقيل: نحاتا للأصنام ويمكن أن يكون جامعا لهذه الصفات،
~~وذكر بعضهم أنه كان في غار مؤمنا يعبد ربه عز وجل فلما سمع أن قومه
~~كذبوا الرسل جاء { يسعى } أي يعدو ويسرع في مشيه حرصا على نصح قومه،
~~وقيل: إنه سمع أن قومه عزموا على قتل الرسل فقصد وجه الله تعالى بالذب
~~عنهم فسعى هنا مثلها في قوله تعالى:

# وسعى لها سعيها

# [الإسراء: 19] وهو مجاز مشهور وكونه في غار لا ينافي مجيئه من أقصى
~~المدينة لجواز أن يكون في أقصاها غار، نعم هذا القول ظاهر في أنه كان
~~مؤمنا وهو ينافي أنه كان نحاتا للأصنام. وأجيب بأن المراد ينحت
~~التماثيل لا للعبادة وكان في تلك الشريعة مباحا، وحكي القول بإيمانه عن
~~ابن أبي ليلى، ونقل في «البحر» عنه أنه قال: سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا
~~قط طرفة عين: علي بن أبي طالب وصاحب يس ومؤمن آل فرعون. وذكر الزمخشري
~~وجماعة هذا حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا ذكروا أنه ممن
~~آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم كما آمن به تبع الأكبر وورقة بن نوفل
~~وغيرهما؛ ولم يؤمن أحد بنبي غيره عليه الصلاة والسلام قبل ظهوره.

# وقيل كان مجذوما وكان منزله أقصى باب من أبواب المدينة عبد الأصنام
~~سبعين سنة يدعوهم لكشف ضره فلم يكشف فلما دعاه الرسل إلى عبادة الله
~~تعالى قال: هل من آية؟ قالوا: نعم ندعوا ربنا القادر يفرج عنك ما بك
~~فقال: إن هذا لعجب لي سبعون سنة أدعو هذه الآلهة فلم تستطع تفريجه فكيف
~~يفرجه ربكم في غداة واحدة؟ قالوا: ربنا على ما يشاء قدير وهذه لا تنفع
~~شيئا ولا تضر فآمن ودعوا ربهم سبحانه فكشف عز وجل ما به كأن لم يكن ms08825 به
~~بأس فأقبل على التكسب فإذا أمسى تصدق بنصف كسبه وأنفق النصف الآخر على
~~نفسه وعياله فلما هم قومه بقتل الرسل جاء من أقصى المدينة يسعى، وعلى هذا
~~نحته للأصنام غير مشكل ولا يحتاج إلى ذلك الجواب البعيد، نعم بين هذا
~~وبين خبر «سباق الأمم ثلاثة» وأنه ممن آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم
~~كما آمن تبع منافاة، وكون إيمانه به عليه الصلاة والسلام إنما كان على يد
~~الرسل وإن كان خلاف الظاهر دافع للمنافاة بينه وبين الأخير فتبقى
~~المنافاة بينه وبين الخبر الأول إلا أن يقال: المراد سباق الأمم إلى
~~الإيمان بعد الدعوة ثلاثة لم يكفروا بعدها قط طرفة عين، ومما يدل بظاهره
~~أن الرجل لم يكن قبل مؤمنا ما حكي أن المرسلين اللذين أرسلا / أولا لما
~~قربا إلى المدينة رأياه يرعى غنما فسألهما فأخبراه فقال: أمعكما آية؟
~~فقالا: نشفي المريض ونبرىء الأكمه والأبرص وكان له ولد مريض فمسحاه فبرىء
~~فآمن، وحمل آمن على أظهر الإيمان خلاف الظاهر، والذي يترجح في نظري أنه
~~كان مؤمنا بالمرسلين قبل مجيئه ونصحه لقومه ولا جزم لي بإيمانه ولا عدمه
~~قبل إرسال الرسل، وظواهر الأخبار في ذلك متعارضة ومع هذا لم يتحقق عندي
~~صحة شيء منها والله أعلم تعالى أعلم بحقيقة الحال.

# { وجاء من أقصى المدينة } هنا مقدما على { رجل } عكس
~~ما جاء في القصص [20] وجعله أبو حيان من التفنن في البلاغة. وقال
~~الخفاجي: قدم الجار والمجرور على الفاعل الذي حقه التقديم بيانا لفضله
~~إذ هداه الله تعالى مع بعده عنهم وإن بعده لم يمنعه عن ذلك ولذا عبر
~~بالمدينة هنا بعد التعبير بالقرية إشارة إلى السعة وإن الله تعالى يهدي
~~من يشاء سواء قرب أو بعد، وقيل قدم للاهتمام حيث تضمن الإشارة إلى أن
~~إنذارهم قد بلغ أقصى المدينة فيشعر بأنهم أتوا بالبلاغ المبين، وقيل إنه
~~لو أخر توهم تعلقه بيسعى فلم يفد أنه من أهل المدينة مسكنه في طرفها وهو
~~المقصود، وجملة { يسعى } صفة { رجل } وجوز كونها حالا منه من ms08826 جوز
~~مجىء الحال من النكرة.

# وقوله تعالى: { قال } استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال عند مجيئه؟
~~فقيل: قال { يقوم اتبعوا المرسلين } وجوز كونه بيانا
~~للسعي بمعنى قصد وجه الله عز وجل ولا يخفى ما فيه، والتعرض لعنوان
~~رسالتهم لحثهم على اتباعهم كما أن خطابهم بياقوم لتأليف قلوبهم
~~واستمالتها نحو قبول نصيحته.

### || [36.21]

# وقوله تعالى: { اتبعوا من لا يسئلكم أجرا } تكرير
~~للتأكيد وللتوسل به إلى وصفهم بما يتضمن نفي المانع عن اتباعهم بعد
~~الإشارة إلى تحقق المقتضي، وقوله سبحانه: { وهم مهتدون } أي
~~ثابتون على الاهتداء بما هم عليه إلى خير الدنيا والآخرة جملة حالية فيها
~~ما يؤكد كونهم لا يسألون الأجر ولا ما يتبعه من طلب جاه وعلو ولذا جعلت
~~إيغالا حسنا نحو قول الخنساء:

# وإن صخرا لتأتم الهداة به

# كأنه علم في رأسه نار

# والظاهر أن الرجل لم يقل ذلك إلا بعد سبق إيمانه، وروي أنه لما بلغته
~~الدعوة جاء يسعى فسمع كلامهم وفهمه ثم قال لهم: أتطلبون أجرا على دعوتكم
~~هذه؟ قالوا: لا فدعا عند ذلك قومه إلى اتباعهم والإيمان بهم قائلا

# يا قوم

# [يس: 20] الخ، وللنحويين في مثل هذا التركيب وجهان؛ أحدهما: أن تكون {
~~من } بدلا من { المرسلين } بإعادة العامل كما أعيد إذا كان حرف
~~جر نحو قوله تعالى:

# لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم

# [الزخرف: 33] وإليه ذهب بعضهم وثانيهما: وإليه ذهب الجمهور أنه ليس ببدل
~~فإنه مخصوص بما إذا كان العامل المعاد حرف جر أما إذا كان رافعا أو
~~ناصبا فيسمون ذلك بالتتبيع لا بالبدل.

# واستدل بالآية على نقص من يأخذ أجرة على شيء من أفعال الشرع والبحث
~~مستوفى في الفروع.

### || [36.22]

# { وما لى لا أعبد الذى فطرنى } تلطف في إرشاد قومه
~~بإيراده في معرض المناصحة لنفسه وإمحاض النصح حيث أراهم أنه اختار لهم ما
~~يختار لنفسه والمراد تقريعهم على ترك عبادة خالقهم إلى عبادة غيره كما
~~ينبىء عنه قوله: { وإليه ترجعون } مبالغة في تهديدهم بتخويفهم
~~بالرجوع إلى شديد العقاب مواجهة وصريحا ولو قال: وإليه أرجع كان فيه ms08827
~~تهديد بطريق التعريض، وعد التعبير بإليه ترجعون بعد التعبير بما لي لا
~~أعبد من باب الالتفات لمكان التعريض بالمخاطبين في { مالي لا
~~أعبد } الخ فيكون المعبر عنه في الأسلوبين واحدا بناء على ما ذهب
~~إليه الخطيب. والسعد التفتازاني من أن التعريض إما مجاز أو كناية وهو
~~ههنا مجاز لامتناع / إرادة الموضوع له فيكون اللفظ مستعملا في غير ما
~~وضع له فيتحد المعبر عنه.

# وحقق السيد السند أن المعنى التعريضي من مستتبعات الترتيب واللفظ ليس
~~بمستعمل فيه بل هو بالنسبة إلى المستعمل فيه إما حقيقة أو مجاز أو كناية
~~وعليه فمضير المتكلم في { مالي } الخ ليس مستعملا في المخاطبين فلا
~~يكون المعبر عنه في الأسلوبين واحدا فلا التفات، وجوز بعضهم كون الآية
~~من الاحتباك والأصل ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه أرجع وما لكم لا
~~تعبدون الذي فطركم وإليه ترجعون فحذف من الأول نظير ما ذكر في الثاني
~~وبالعكس وهو مفوت لما سمعت.

# وظاهر كلام الواحدي أنه لا تعريض في الآية حيث قال: لما قال الرجل

# يقوم اتبعوا المرسلين

# [يس: 20] الخ رفعوه إلى الملك فقال له الملك: أفأنت تتبعهم؟ فقال: {
~~مالي لا أعبد الذى فطرنى } أي أي شيء لي إذا لم أعبد
~~خالقي { وإليه ترجعون } تردون عند البعث فيجزيكم بكفركم، ورد
~~عليه بأنه إذا رجع الإنكار إليه دون القوم لم يكن لخطابهم بترجعون معنى
~~وكان الظاهر أرجع. وأجيب بأنه يمكن أن يقال: إن الرجل كان في غيظ شديد من
~~تكذيبهم الرسل وتوعدهم إياهم فانتهز الفرصة للانتقام فلما تمكن من
~~تهديدهم أوقع قوله: { وإليه ترجعون } في البين أي مالي لا أعبد
~~الذي من علي بنعمة الإيجاد ونعمة الانتقام منكم والتشفي من غيظكم إذ
~~ترجعون إليه فيجزيكم بكفركم وتكذيبكم الرسل وعنادكم، وأنت تعلم أن النظم
~~الجليل لا يساعد على هذا وهو ظاهر فيما تقدم، وقد عاد إلى المساق الأول
~~من التلطف بالإرشاد فقال: { ءأتخذ من دونه ءالهة... }.

### || [36.23]

# { ءأتخذ من دونه ءالهة } إنكار ونفي لاتخاذ جنس الآلهة
~~على الإطلاق وفيه من تحميق من ms08828 يعبد الأصنام ما فيه.

# وقوله تعالى: { إن يردن الرحمن بضر لا تغن عنى
~~شفعتهم شيئا } استئناف سيق لتعليل النفي المذكور، وجعله صفة
~~لآلهة كما ذهب إليه البعض ربما يوهم أن هناك آلهة ليست كذلك، ومعنى { لا
~~تغنى } الخ لا تنفعني شيئا من النفع، وهو إما على حد:

# لا ترى الضب بها ينجحر

# أي لا شفاعة لهم حتى تنفعني، وإما على فرض وقوع الشفاعة أي لا تغني عني
~~شفاعتهم لو وقعت شيئا { ولا ينقذون } يخلصون من ذلك الضر بالنصر
~~والمظاهرة، وهو ترق من الأدنى إلى الأعلى بدأ أولا بنفي الجاه وذكر
~~ثانيا انتفاء القدرة وعبر عنه بانتفاء الإنقاذ لأنه نتيجته.

# وفتح ياء المتكلم في { يردني } طلحة السمان على ما قال ابن عطية، وقال
~~ابن خالويه: طلحة بن مصرف وعيسى الهمداني وأبو جعفر، ورويت عن نافع وعاصم
~~وأبي عمرو؛ وقال الزمخشري: وقرىء { إن يردني الرحمن بضر
~~} بمعنى إن يوردني ضرا أي يجعلني موردا للضر اه، قال أبو حيان: كأنه
~~والله تعالى أعلم رأى في كتب القراءات { يردني } بفتح الياء فتوهم أنها
~~ياء المضارعة فجعل الفعل متعديا بالياء المعدية كالهمزة فلذلك أدخل عليه
~~همزة التعدية ونصب به اثنين، والذي في كتب الشواذ أنها ياء الإضافة
~~المحذوفة خطأ ونطقا لالتقاء الساكنين، قال في «كتاب ابن خالويه»: بفتح
~~الياء ياء الإضافة، وقال في «اللوامح»: { إن يردني الرحمن }
~~بالفتح وهو أصل الياء البصرية أي المثبتة بالخط الذي يرى بالبصر لكن هذه
~~محذوفة اه كلامه، وحسن الظن بالزمخشري يقتضي خلاف ما ذكره.

### || [36.24]

# { إنى إذا } أي إذا اتخذت من دونه آلهة { لفى ضلل مبين }
~~فإن إشراك ما يصنع وليس من شأنه النفع ولا دفع الضر بالخالق المقتدر الذي
~~لا قادر غيره ولا خير إلا خيره ضلال وخطأ بين لا يخفى على من له أدنى
~~تمييز.

### || [36.25]

# { إنى ءامنت بربكم } الظاهر أن / الخطاب لقومه شافههم بذلك
~~وصدع بالحق إظهارا للتصلب في الدين وعدم المبالاة بما يصدر منهم،
~~والجملة خبرية لفظا ومعنى، والتأكيد قيل إنهم لم يعلموا من كلامه ms08829 أنه
~~آمن بل ترددوا في ذلك لما سمعوا منه ما سمعوا. وإضافة الرب إلى ضميرهم
~~لتحقيق الحق والتنبيه على بطلان ما هم عليه من اتخاذ الأصنام أربابا أي
~~إني آمنت بربكم الذي خلقكم { فاسمعون } أي فاسمعوا قولي فإني لا
~~أبالي بما يكون منكم على ذلك، وقيل: مراده دعوتهم إلى الخير الذي اختاره
~~لنفسه، وقيل لم يرد بهذا الكلام إلا أن يغضبهم ويشغلهم عن الرسل بنفسه
~~لما رآهم لا ينجع فيهم الوعظ وقد عزموا على الإيقاع بهم وليس بشيء، وقدر
~~بعضهم المضاف المحذوف عاما وفسر السماع بالقبول كما في «سمع الله تعالى
~~لمن حمده» أي فاسمعوا جميع ما قلته واقبلوه وهو مما يسمع.

# وجعل الخطاب للقوم في الجملتين هو المروي عن ابن عباس وكعب ووهب وأخرج
~~الحاكم عن ابن مسعود أنه قال: لما قال صاحب يس

# قال يقوم اتبعوا المرسلين

# [يس: 20] خنقوه ليموت فالتفت إلى الأنبياء فقال: { إنى ءامنت
~~بربكم فاسمعون } أي فاشهدوا فالخطاب فيهما للرسل بطريق
~~التلوين، وأكد الخبر إظهارا لصدوره عنه بكمال الرغبة والنشاط، وأضاف
~~الرب إلى ضميرهم روما لزيادة التقرير وإظهارا للاختصاص والاقتداء بهم
~~كأنه قال: بربكم الذي أرسلكم أو الذي تدعوننا إلى الإيمان به، وطلب
~~السماع منهم ليشهدوا له بالإيمان عند الله عز وجل كما يشير إليه كلام ابن
~~مسعود رضي الله تعالى عنه، وقيل الخطاب الأول لقومه والثاني للرسل خاطبهم
~~على جهة الاستشهاد بهم والاستحفاظ للأمر عندهم، وقيل الخطابان للناس
~~جميعا.

# وروي عن عاصم أنه قرأ { فاسمعون } بفتح النون، قال أبو حاتم: هذا
~~خطأ لا يجوز لأنه أمر فإما أن تحذف كما حذفت نون الإعراب ويقال فاسمعوا
~~وإما أن تبقى وتكسر؛ ومن الناس من وجهه بأن الأصل فاسمعونا أي فاسمعوا
~~كلامنا أي كلامي وكلامهم لتشهدوا بما كان مني ومنهم.

### || [36.26]

# { قيل ادخل الجنة } استئناف لبيان ما وقع له بعد قوله ذلك،
~~والظاهر أن الأمر إذن له بدخول الجنة حقيقة وفي ذلك إشارة إلى أن الرجل
~~قد فارق الدنيا فعن ابن مسعود أنه بعد أن قال ما ms08830 قال قتلوه بوطء الأرجل
~~حتى خرج قصبه من دبره وألقي في بئر وهي الرس، وقال السدي: رموه بالحجارة
~~وهو يقول: اللهم اهد قومي حتى مات، وقال الكلبي: رموه في حفرة وردوا
~~التراب عليه فمات، وعن الحسن حرقوه حتى مات وعلقوه في بر المدينة وقبره
~~في سور أنطاكية، وقيل: نشروه بالمنشار حتى خرج من بين رجليه. ودخوله
~~الجنة بعد الموت دخول روحه وطوافها فيها كدخول سائر الشهداء.

# وقيل الأمر للتبشير لا للإذن بالدخول حقيقة قالت له ملائكة الموت ذلك
~~بشارة له بأنه من أهل الجنة يدخلها إذا دخلها المؤمنون بعد البعث، وحكي
~~نحو ذلك عن مجاهد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم
~~عنه أنه قال في قوله تعالى: { قيل ادخل الجنة } وجبت له الجنة،
~~وجاء في رواية عن الحسن أنه قال: لما أراد قومه قتله رفعه الله تعالى إلى
~~السماء حيا كما رفع عيسى عليه السلام إلى السماء فهو في الجنة لا يموت
~~إلا بفناء السماء وهلاك الجنة فإذا أعاد الله تعالى الجنة أعيد له دخولها
~~فالأمر كما في الأول.

# والجمهور على أنه قتل، وادعى ابن عطية أنه تواترت الأخبار والروايات
~~بذلك، وقول قتادة أدخله الله تعالى الجنة وهو فيها حي يرزق ليس نصا في
~~نفي القتل. وفي «البحر» أنه أراد / بقوله وهو فيها حي يرزق قوله تعالى:

# بل أحياء عند ربهم يرزقون

# [آل عمران: 169] وقال بعضهم: الجملة جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ما حاله
~~عند لقاء ربه عز وجل بعد ذلك التصلب في دينه فقيل: { قيل ادخل
~~الجنة } ، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع، ولعل الأولى ما أشرنا
~~إليه أولا، وإنما لم يقل قيل له لأن الغرض المهم بيان المقول لا القائل
~~والمقول له؛ وقوله تعالى: { قال يليت قومى يعلمون }.

### || [36.27]

# استئناف بياني أيضا كأنه قيل بعد أن أخبر عنه بما أخبر: فماذا قال عند
~~نيله تلك الكرامة السنية؟ فقيل: قال الخ، وإنما تمنى علم قومه بحاله
~~ليحملهم ذلك على اكتساب مثله بالتوبة عن الكفر والدخول في ms08831 الإيمان
~~والطاعة جريا على سنن الأولياء في كظم الغيظ والترحم على الأعداء، وفي
~~الحديث «نصح قومه حيا وميتا». وقيل: يجوز أن يكون تمنيه ذلك ليعلموا
~~أنهم كانوا على خطأ عظيم في أمره وأنه كان على صواب ونصيحة وشفقة وأن
~~عداوتهم لم تكسبه إلا فوزا ولم تعقبه إلا سعادة لأن في ذلك زيادة غبطة
~~له وتضاعف لذة وسرور، والوجه الأول أولى.

# والظاهر أن (ما) مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة والعائد مقدر أي يا ليت
~~قومي يعلمون بالذي غفر لي به أي بسببه ربي أو بالذي غفره أي بالغفران
~~الذي غفره لي ربي، والمراد تعظيم مغفرته تعالى له فتؤول إلى المصدرية،
~~وقال الزمخشري: أي بالذي غفره لي ربي من الذنوب. وتعقب بأنه ليس بجيد إذ
~~يؤول إلى تمني علمهم بذنوبه المغفورة ولا يحسن ذلك، وكذا عطف {
~~وجعلنى من المكرمين } عليه لا ينتظم، وما قيل من أن الغرض
~~منه الإعلام بعظم مغفرة الله تعالى ووفور كرمه وسعة رحمته فلا يبعد
~~حينئذ إرادة معنى الاطلاع عليها لذلك بل هو أوقع في النفس من ذكر
~~المغفرة مجردة عن ذكر المغفور لاحتمال حقارته تكلف.

# وأجاز الفراء أن تكون استفهامية والجار صلة { غفر } أي بأي شيء غفر
~~لي ربي يريد به المهاجرة عن دينهم والمصابرة على أذيتهم حتى قتل. وتعقبه
~~الكسائي بأنه لو صح ذلك لقيل بم بغير ألف فإن اللغة الفصيحة حذفها إذا
~~جرت ما الاستفهامية بحرف جر نحو

# عم يتسآءلون

# [النبأ: 1]، وقوله:

# علام أقول الرمح أثقل عاتقي

# إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت

# فرقا بينها وبين الموصولة، وإثباتها نادر؛ وقيل مختص بالضرورة نحو قوله:

# على ما قام يشتمني لئيم

# كخنزير تمرغ في رماد

# وقوله:

# إنا قتلنا بقتلانا سراتكم

# أهل اللواء ففيما يكثر القتل

# وقراءة [عبد الله وأبي و] عكرمة وعيسى { عما يتساءلون } [النبأ: 1] وقرأ
~~{ من المكرمين } مشدد الراء مفتوحها مفتوح الكاف.

### || [36.28]

# { وما أنزلنا على قومه } أي قوم الرجل الذي قيل له

# ادخل الجنة

# [يس: 26] { من بعده } أي من بعد قتله، وقيل: من بعد ms08832 رفعه إلى
~~السماء حيا { من جند } أي جندا فمن مزيدة لتأكيد النفي، وقيل: يجوز
~~أن تكون للتبعيض وهو خلاف الظاهر، والجند العسكر لما فيه من الغلظة كأنه
~~من الجند أي الأرض الغليظة التي فيها حجارة، والظاهر أن المراد بهذا
~~الجند جند الملائكة أي ما أنزلنا لإهلاكهم ملائكة { من السماء وما
~~كنا منزلين } وما صح في حكمتنا أن ننزل الجند لإهلاكهم لما أنا
~~قدرنا لكل شيء سببا حيث أهلكنا بعض من أهلكنا من الأمم بالحاصب وبعضهم
~~بالصيحة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالإغراق وجعلنا إنزال الجند من خصائصك في
~~الانتصار لك من قومك وكفينا أمر هؤلاء بصيحة ملك صاح بهم فهلكوا كما قال
~~سبحانه: { إن كانت إلا صيحة واحدة... }.

### || [36.29]

# وفي ذلك استحقار لهم ولإهلاكهم وإيماء إلى تفخيم شأن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، وفسر أبو حيان الجند بما يعم الملائكة فقال: كالحجارة والريح
~~وغير ذلك والمتبادر ما تقدم، وقيل: الجند ملائكة الوحي الذين ينزلون على
~~الأنبياء عليهم السلام أي قطعنا عنهم الرسالة حين فعلوا ما فعلوا ولم
~~نعبأ بهم وأهلكناهم، وعن الحسن ومجاهد قالا قطع الله تعالى عنهم الرسالة
~~حين قتلوا رسله، وهذا التفسبر بعيد جدا، وقتل الرسل الثلاثة محكي في "
~~البحر " بقيل وهو ظاهر هذا المروي لكن المعروف أنهم لم يقتلوا وإنما قتل
~~حبيب فقط. وذهبت فرقة إلى أن ما في قوله تعالى:

# وما كنا منزلين

# [يس: 28] موصولة معطوفة على { جند } والمراد ما أنزلنا على قومه من
~~بعده جندا من السماء وما أنزلنا الذي كنا منزليه على الذين من قبلهم من
~~حجارة وريح وغير ذلك. وتعقبه أبو حيان بأنه يلزم عليه زيادة { من } في
~~المعرفة، ومن هنا قيل الأولى جعلها نكرة موصوفة، وأجيب بأنه يغتفر في
~~التابع ما لا يغتفر في المتبوع، ولا يخفى أن هذا لا يدفع بعده، ومن أبعد
~~ما يكون قول أبي البقاء: يجوز أن تكون (ما) زائدة أي وقد كنا منزلين على
~~غيرهم جندا من السماء بل هو ليس بشيء و (إن) نافية و (كان) ناقصة واسمها ms08833
~~مضمر و { صيحة } خبرها أي ما كانت هي أي الأخذة أو العقوبة إلا صيحة
~~واحدة، روي أن الله تعالى بعث عليهم جبريل عليه السلام حتى أخذ بعضادتي
~~باب المدينة فصاح بهم صيحة واحدة فماتوا جميعا، وإذا فجائية وفيها إشارة
~~إلى سرعة هلاكهم بحيث كان مع الصيحة، وقد شبهوا بالنار على سبيل
~~الاستعارة المكنية والخمود تخييل، وفي ذلك رمز إلى أن الحي كشعلة النار
~~والميت كالرماد كما قال لبيد

# : وما المرء إلا كالشهاب وضوئه

# يحور رمادا بعد إذ هو ساطع

# ويجوز أن تكون الاستعارة تصريحية تبعية في الخمود بمعنى البرودة والسكون
~~لأن الروح لفزعها عند الصيحة تندفع إلى الباطن دفعة واحدة ثم تنحصر
~~فتنطفىء الحرارة الغريزية لانحصارها، ولعل في العدول عن/ هامدون إلى {
~~خمدون } رمزا خفيا إلى البعث بعد الموت. والظاهر أنه لم يؤمن
~~منهم سوى حبيب وأنهم هلكوا عن آخرهم، وفي بعض الآثار أنه آمن الملك وآمن
~~قوم من حواشيه ومن لم يؤمن هلك بالصيحة، وهذا بعيد فإنه كان الظاهر أن
~~يظاهر أولئك المؤمنون الرسل كما فعل حبيب ولكان لهم في القرآن الجليل ذكر
~~ما بوجه من الوجوه اللهم إلا أن يقال: إنهم آمنوا خفية وكان لهم ما
~~يعذرون به عن المظاهرة، ومع هذا لا يخلو بعد عن بعد.

# وقرأ أبو جعفر وشيبة ومعاذ بن الحرق القارىء { صيحة } بالرفع على أن
~~(كان) تامة أي ما حدثت ووقعت إلا صيحة وينبغي أن لا تلحق الفعل تاء
~~التأنيث في مثل هذا التركيب فلا يقال ما قامت إلا هند بل ما قام إلا هند
~~لأن الكلام على معنى ما قام أحد إلا هند والفاعل فيه مذكر، ولم يجوز كثير
~~من النحويين الإلحاق إلا في الشعر كقول ذي الرمة:

# طوى النحز والأجراز ما في غروضها

# وما بقيت إلا الضلوع الجراشع

# وقول الآخر:

# ما برئت من ريبة وذم

# في حربنا إلا بنات العم

# ومن هنا أنكر الكثير كما قال أبو حاتم هذه القراءة، ومنهم من أجاز ذلك
~~في الكلام على قلة كما في قراءة الحسن ms08834 ومالك بن دينار وأبي رجاء
~~والجحدري وقتادة وأبي حيوة وابن أبي عبلة وأبي بحرية

# لا ترى إلا مسكنهم

# [الأحقاف: 25] بالتاء الفوقية، ووجهه مراعاة الفاعل المذكور، وكأني بك
~~تميل إلى هذا القول، وقرأ ابن مسعود { إلا زقية } من زقى الطائر يزقو
~~ويزقي زقوا وزقاء إذا صاح، ومنه المثل أثقل من الزواقي وهي الديكة لأنهم
~~كانوا يسمرون إلى أن تزقوا فإذا صاحت تفرقوا.

### || [36.30]

# { يحسرة على العباد } الحسرة على ما قال الراغب ((الغم على
~~ما فات والندم عليه كأن المتحسر انحسر عنه قواه من فرط ذلك أو أدركه
~~إعياء عن تدارك ما فرط منه))، وفي " البحر " هي أن يركب الإنسان من شدة
~~الندم ما لا نهاية بعده حتى يبقى حسيرا، والظاهر أن { يا } للنداء و {
~~حسرة } هو المنادى ونداؤها مجاز بتنزيلها منزلة العقلاء كأنه قيل: يا
~~حسرة احضري فهذا الحال من الأحوال التي من حقها أن تحضري فيها وهي ما دل
~~عليها قوله تعالى: { ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به
~~يستهزءون } والمراد بالعباد مكذبو الرسل ويدخل فيهم المهلكون
~~المتقدمون دخولا أوليا، وقيل: هم المراد وليس بذاك وبالحسرة المناداة
~~حسرتهم والمستهزؤون بالناصحين المخلصين المنوط بنصحهم خير الدارين أحقاء
~~بأن يتحسروا على أنفسهم حيث فوتوا عليها السعادة الأبدية وعوضوها العذاب
~~المقيم، ويؤيد هذا قراءة ابن عباس وأبي وعلي بن الحسين والضحاك ومجاهد
~~والحسن { يا حسرة العباد } بالإضافة، وكون المراد حسرة غيرهم عليهم
~~والإضافة لأدنى ملابسة خلاف الظاهر؛ وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أنه
~~قال في بعض القراءات { يا حسرة العباد على أنفسها ما يأتيهم } الخ. وجوز
~~أن تكون حسرة الملائكة عليهم السلام والمؤمنين من الثقلين، وعن الضحاك
~~تخصيصها بحسرة الملائكة عليهم السلام وزعم أن المراد بالعباد الرسل
~~الثلاثة وأبو العالية فسر { العباد } بهذا أيضا لكنه حمل الحسرة على
~~حسرة الكفار المهلكين قال: تحسروا حين رأوا عذاب الله تعالى وتلهفوا على
~~ما فاتهم.

# وقيل: المراد بالعباد المهلكون والمتحسر الرجل الذي جاء من اقصى المدينة
~~تحسر لما وثب القوم لقتله، وقيل: المراد بالعباد أولئك ms08835 والمتحسر الرسل
~~حين قتلوا ذلك الرجل وحل بهم العذاب ولم يؤمنوا، ولا يخفى حال هذه
~~الأقوال وكأن مراد/ من قال: المتحسر الرجل ومن قال المتحسر الرسل عني أن
~~القول المذكور قول الرجل أو قول الرسل، وفي كلام أبي حيان ما هو ظاهر في
~~ذلك، ومع هذا لا ينبغي أن يعول على شيء مما ذكر.

# وجوز أن يكون التحسر منه سبحانه وتعالى مجازا عن استعظام ما جنوه على
~~أنفسهم، وأيد بأنه قرىء { يا حسرتا على العباد } فإن الأصل عليها يا
~~حسرتي فقلبت الياء ألفا، ونحوها قراءة ابن عباس كما قال ابن خالويه { يا
~~حسرة على العباد } بغير تنوين فإن الأصل أيضا يا حسرتي فقلبت الياء
~~ألفا ثم حذفت الألف واكتفى عنها بالفتحة.

# وقرأ أبو الزناد وابن هرمز وابن جندب { يا حسره على العباد } بالهاء
~~الساكنة، قال في " المنتقى ": وقف على { حسره } وقفا طويلا تعظيما
~~للأمر ثم قيل { على العباد }.

# وفي " اللوامح " وقفوا على الهاء مبالغة في التحسر لما في الهاء من
~~التأهه كالتأوه، ثم وصلوه على تلك الحال.

# وقال الطيبي: إن العرب إذا أخبرت عن الشيء غير معتد به أسرعت فيه ولم
~~تأت على اللفظ المعبر عنه نحو قلت لها قفي قالت لنا قاف أي وقفت فانتصرت
~~من جملة الكلمة على حرف منها تهاونا بالحال وتثاقلا عن الإجابة، ولا
~~يخفى أن هذا لا يناسب المقام، وينبغي على هذه القراءة أن لا يكون { على
~~العباد } متعلقا بحسرة أو صفة له إذ لا يحسن الوقف حينئذ بل يجعل
~~متعلقا بمضمر يدل عليه { حسرة } نحو يتحسر أو أتحسر على العباد، وتقدير
~~انظروا ليس بذاك أو خبر مبتدأ محذوف لبيان المتحسر عليه أي الحسرة على
~~العباد وتخريج قراءة { يا حسرتا } بالألف على هذا الطرز بأن يقال: قدر
~~الوقف على المنصوب المنون فإنه يوقف عليه بالألف ك

# كان الله على كل شيء قديرا

# [الأحزاب: 27] وضرب زيد عمرا ليس بشيء ولو سلم أنه شيء لا ينافي
~~التأييد.

# وقيل { يا } للنداء والمنادي محذوف و { حسرة } مفعول مطلق لفعل ms08836 مضمر
~~و { على العباد } متعلق بذلك الفعل أي يا هؤلاء تحسروا حسرة على
~~العباد. ولعل الأوفق للمقام المتبادر إلى الأفهام أن المراد نداء حسرة كل
~~من يتأتى منه التحسر ففيه من المبالغة ما فيه. وقوله تعالى: { ما
~~يأتيهم } الخ استئناف لبيان ما يتحسر منه، و { به } متعلق
~~بيستهزؤون. وقدم عليه للحصر الادعائي وجوز أن يكون لمراعاة الفواصل.

### || [36.31]

# { ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون }
~~الضمير لأهل مكة والاستفهام للتقرير و (كم) خبرية في موضع نصب بأهلكنا و
~~{ من القرون } بيان لكم، وجوز بعض المتأخرين كون { كم } مبتدأ
~~والجملة بعده خبره وهو كلام من لا خبر عنده والجملة معمولة ليروا نافذ
~~معناها فيها و { كم } معلقة لها عن العمل في اللفظ لأنها وإن كانت
~~خبرية لها صدر الكلام كالاستفهامية فلا يعمل فيها عامل متقدم على اللغة
~~الفصيحة إلا إذا كان حرف جر أو اسما مضافا نحو على كم فقير تصدقت أرجو
~~الثواب وابن كم رئيس صحبته؟ وحكى الأخفش على ما في " البحر " جواز تقدم
~~عامل عليها غير ذلك عن بعضهم نحو ملكت كم غلام أي ملكت كثيرا من الغلمان
~~عاملوها معاملة كثير.

# والرؤية علمية لا بصرية خلافا لابن عطية لأنها لا تعلق على المشهور
~~ولأن أهل مكة لم يحضروا إهلاك من قبلهم حتى يروه بل علموه بالأخبار
~~ومشاهدة الآثار. والقرون جمع قرن وهم القوم المقترنون في زمن واحد كعاد
~~وثمود وغيرهم.

# { أنهم } الضمير عائد على معنى { كم } وهي القرون أي إن القرون
~~المهلكين { إليهم } أي إلى أهل مكة { لا يرجعون } وأن وما
~~بعدها في تأويل المفرد/ بدل من جملة { كم أهلكنا } على المعنى كما
~~نقل عن سيبويه وتبعه الزجاج أي ألم يروا كثرة إهلاكنا من قبلهم وكونهم
~~غير راجعين إليهم. وقيل على المعنى لأن الكثرة المذكورة وعدم الرجوع ليس
~~بينهما اتحاد بجزئية ولا كلية ولا ملابسة كما هو مقتضى البدلية لكن لما
~~كان ذلك في معنى الذين أهلكناهم وأنهم لا يرجعون بمعنى غير راجعين اتضح
~~فيه البدلية على أنه بدل ms08837 اشتمال أو بدل كل من كل قاله الخفاجي. وأفاد
~~صاحب " الكشف " على أنه من بدل الكل بجعل كونهم غير راجعين كثرة إهلاك
~~تجوزا. وعندي أن هذا الوجه وإن لم يكن فيه إبدال مفرد من جملة وتحقق فيه
~~مصحح البدلية على ما سمعت ولا يخلو عن تكلف، وسيبويه ليس بنبي النحو ليجب
~~اتباعه.

# وقال السيرافي: يجوز أن يجعل { أنهم } الخ صلة { أهلكناهم } أي
~~أهلكناهم بأنهم لا يرجعون أي بهذا الضرب من الهلاك، وجوز ابن هشام في "
~~المغني " أن يكون أن وصلتها معمول { يروا } وجملة { كم أهلكنا
~~} معترضة بينهما وأن يكون معلقا عن { كم أهلكنا } و { أنهم
~~إليهم لا يرجعون } مفعولا لأجله، قال الشمني: ليروا والمعنى
~~أنهم علموا لأجل أنهم لا يرجعون إهلاكهم. ورد بأنه لا فائدة يعتد بها
~~فيما ذكر من المعنى.

# وتعقبه الخفاجي بقوله: لا يخفى أن ما ذكر وارد على البدلية أيضا،
~~والظاهر أن المقصود من ذكره إما التهكم بهم وتحميقهم وإما إفادة ما يفيد
~~تقديم { إليهم } من الحصر أي أنهم لا يرجعون إليهم بل إلينا فيكون
~~ما بعده مؤكدا له اه وهو كما ترى.

# وقال الجلبي: لعل الحق أن يجعل أول الضميرين لمعنى { كم } وثانيهما
~~للرسل وأن وصلتها مفعولا لأجله لأهلكناهم، والمعنى أهلكناهم لاستمرارهم
~~على عدم الرجوع عن عقائدهم الفاسدة إلى الرسل وما دعوهم إليه فاختيار {
~~لا يرجعون } على لم يرجعوا للدلالة على استمرار النفي مع مراعاة
~~الفاصلة انتهى. وهو على بعده ركيك معنى، وأرك منه ما قيل الضميران على ما
~~يتبادر فيهما من رجوع الأول لمعنى { كم } والثاني لمن نسبت إليه الرؤية
~~وأن وصلتها علة لأهلكنا، والمعنى أنهم لا يرجعون إليهم فيخبروهم بما حل
~~بهم من العذاب وجزاء الاستهزاء حتى ينزجر هؤلاء فلذا أهلكناهم، ونقل عن
~~الفراء أنه يعمل { يروا } في { كم أهلكنا } وفي { أنهم }
~~الخ من غير إبدال ولم يبين كيفية ذلك.

# وزعم ابن عطية أن (أن) وصلتها بدل من { كم } ولا يخفى أنه إذا جعلها
~~معمول { أهلكنا } كما هو المعروف لا يسوغ ذلك لأن البدل ms08838 على نية
~~تكرار العامل ولا معنى لقولك أهلكنا أنهم لا يرجعون ولعله تسامح في ذلك،
~~والمراد بدل من { كم أهلكنا } على المعنى كما حكي عن سيبويه، وأما
~~جعل { كم } معمولة ليروا والإبدال منها نفسها إذ ذاك فلا يخفى حاله،
~~وقال أبو حيان: الذي تقتضيه صناعة العربية أن { أنهم } الخ معمول
~~لمحذوف دل عليه المعنى وتقديره قضينا أو حكمنا أنهم إليهم لا يرجعون
~~والجملة حال من فاعل { أهلكنا } على ما قال الخفاجي وأراه أبعد عن
~~القيل والقال بيد أن في الدلالة على المحذوف خفاء فإن لم يلصق بقلبك لذلك
~~فالأقوال بين يديك ولا حجر عليك. وكأني بك تختار ما نقل عن السيرافي ولا
~~بأس به.

# وجوز على بعض الأقوال أن يكون الضمير في { أنهم } عائدا على من
~~أسند إليه { يروا } وفي { إليهم } عائدا على المهلكين، والمعنى
~~أن الباقين لا يرجعون إلى المهلكين بنسب ولا ولادة أي أهلكناهم وقطعنا
~~نسلهم والإهلاك مع قطع النسل أتم وأعم، ويحسن هذا على الوجه المحكي عن
~~السيرافي.

# وقرأ ابن عباس والحسن { إنهم } بكسر الهمزة على الاستئناف وقطع الجملة
~~عما قبلها من جهة الإعراب. وقرأ عبد الله { ألم يروا من أهلكنا فانهم }
~~الخ على قراءة الفتح بدل اشتمال.

# ورد بالآية على القائلين بالرجعة كما ذهب إليه الشيعة./ وأخرج عبد بن
~~حميد وابن المنذر عن أبي إسحق قال: قيل لابن عباس أن ناسا يزعمون أن
~~عليا كرم الله تعالى وجهه مبعوث قبل يوم القيامة. فسكت ساعة ثم قال: يئس
~~القوم نحن إن نكحنا نساءه واقتسمنا ميراثه أما تقرؤون { ألم يروا
~~كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا
~~يرجعون }.

### || [36.32]

# { وإن كل لما جميع لدينا محضرون } بيان لرجوع
~~الكل إلى المحشر بعد بيان عدم الرجوع إلى الدنيا و { إن } نافية و {
~~كل } مبتدأ وتنوينه عوض عن المضاف إليه، و { لما } بمعنى إلا
~~ومجيئها بهذا المعنى ثابت في لسان العرب بنقل الثقات فلا يلتفت إلى زعم
~~الكسائي أنه لا يعرف ذلك. وقال أبو عبد الله الرازي: في كونها بهذا ms08839
~~المعنى معنى مناسب وهو أنها كأنها حرفا نفي أكد أولهما بثانيهما وهما لم
~~وما وكذلك إلا كأنها حرفا نفي وهما إن النافية ولا فاستعمل أحدهما مكان
~~الآخر. وهو عندي ضرب من الوساوس و { جميع } خبر المبتدأ وهو فعيل
~~بمعنى مفعول فيفيد ما لا تفيده { كل } لأنها تفيد إحاطة الأفراد وهذا
~~يفيد اجتماعها وانضمام بعضها إلى بعض و { لدينا } ظرف له أو لمحضرون
~~و { محضرون } خبر ثان أو نعت وجمع على المعنى، والمعنى ما كلهم إلا
~~مجموعون لدينا محضرون للحساب والجزاء. وقال ابن سلام: محضرون أي معذبون
~~فكل عبارة عن الكفرة، ويجوز أن يراد به هذا المعنى على الأول.

# وفي الآية تنبيه على أن المهلك لا يترك.

# وقرأ جمع من السبعة { لما } بالتخفيف على أن (إن) مخففة من الثقيلة و
~~(اللام) فارقة و (ما) مزيدة للتأكيد والمعنى إن الشأن كلهم مجموعون الخ
~~وهذا مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى أن (إن) نافية واللام بمعنى إلا و
~~(ما) مزيدة والمعنى كما في قراءة التشديد.

### || [36.33]

# { وءاية لهم الارض الميتة } بالتخفيف وقرأ نافع
~~بالتشديد، و { آية } خبر مقدم للاهتمام وتنكيرها للتفخيم و { لهم }
~~إما متعلق بها لأنها بمعنى العلامة أو متعلق بمضمر هو صفة لها وضمير
~~الجمع لكفار أهل مكة ومن يجري مجراهم في إنكار الحشر. و { الأرض }
~~مبتدأ و { الميتة } صفتها، وقوله تعالى: { أحيينها }
~~استئناف مبين لكيفية كونها آية، وقيل في موضع الحال والعامل فيها (آية)
~~لما فيها من معنى الإعلام وهو تكلف ركيك، وقيل { آية } مبتدأ أول و {
~~لهم } صفتها أو متعلق بها وكل من الأمرين مسوغ للابتداء بالنكرة و {
~~الأرض الميتة } مبتدأ ثان وصفة وجملة { أحيينها } خبر
~~المبتدأ الثاني وجملة المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول ولكونها
~~عين المبتدأ كخبر ضمير الشأن لم تحتج لرابط، قال الخفاجي: وهذا حسن جدا
~~إلا أن النحاة لم يصرحوا به في غير ضمير الشأن، وقيل إنها مؤولة بمدلول
~~هذا القول فلذا لم يحتج لذلك ولا يخفى بعده، وقيل { آيه } مبتدأ و {
~~الأرض } خبره وجملة { أحيينها ms08840 } صفة الأرض لأنها لم يرد بها
~~أرض معينة بل الجنس فلا يلزم توصيف المعرفة بالجملة التي هي في حكم
~~النكرة، ونظير ذلك قوله

# :

# ولقد أمر على اللئيم يسبني

# فمضيت ثمت قلت لا يعنيني

# وأنكر جواز ذلك أبو حيان مخالفا للزمخشري وابن مالك في " التسهيل "
~~وجعل جملة يسبني حالا من اللئيم. وأنت تعلم أن المعنى على استمرار مروره
~~على من يسبه وإغماضه عنه ولهذا قال: أمر وعطف عليه فمضيت والتقييد بالحال
~~لا يؤدي هذا المؤدى، ثم إن مدار الخبرية إرادة الجنس فليس هناك إخبار
~~بالمعرفة عن النكرة ليكون مخالفا للقواعد كما قيل نعم أرجح الأوجه ما
~~قرر أولا. وقد مر المراد بموت الأرض وإحيائها فتذكر.

# { وأخرجنا منها حبا } أي جنس الحب من الحنطة والشعير والأرز
~~وغيرها، والنكرة قد تعم كما إذا كانت/ في سياق الامتنان أو نحوه. وفي ذكر
~~الإخراج وكذا الجعل الآتي تنبيه على كمال الإحياء { فمنه } أي من
~~الحب بعد إخراجنا إياه، والفاء داخلة على المسبب ومن ابتدائية أو تبعيضية
~~والجار والمجرور متعالق بقوله تعالى { يأكلون } والتقديم للدلالة
~~على أن الحب معظم ما يؤكل ويعاش به لما في ذلك من إيهام الحصر للاهتمام
~~به حتى كأنه لا مأكول غيره.

### || [36.34]

# { وجعلنا فيها جنت من نخيل } جمع نخل كعبيد جمع عبد
~~كما ذهب إليه أكثر الأئمة وصرح به في " القاموس " ، وقيل اسم جمع، وقال
~~الجوهري: النخل والنخيل بمعنى واحد وعلى الأول المعول { وأعناب }
~~جمع عنب ويقال على الكرم نفسه وعلى ثمرته كما قال الراغب: ولعله مشترك
~~فيهما، وقيل حقيقة في الثمرة مجاز في الشجرة، وأيا ما كان فالمراد الأول
~~بقرينة العطف على النخيل، وجمعا دون الحب قيل لتدل الجمعية على تعدد
~~الأنواع أي من أنواع النخل وأنواع العنب وذلك لأن النخل والعنب اسمان
~~لنوعين فكل منهما مقول على إفراد حقيقة واحدة فلا يدلان على اختلاف ما
~~تحتهما وتعدد أنواعه إلا إذا عبر عنهما بلفظ الجمع بخلاف الحب فإنه اسم
~~جنس وهو يشعر باختلاف ما تحته لأنه المقول على كثرة مختلفة ms08841 الحقائق قولا
~~ذاتيا فلا يحتاج في الدلالة على الاختلاف إلى الجمعية، وقولهم جمع
~~العالم في قوله تعالى:

# الحمد لله رب العلمين

# [الفاتحة: 2] وهو اسم جنس ليشمل ما تحته من الأجناس لا ينافي ذلك قيل
~~لأن المراد ليشمل شمولا ظاهرا متعينا وان حصل الإشعار بدونه، وقيل
~~جمعا للدلالة على مزيد النعمة، وأما الحب ففيه قوام البدن وهو حاصل
~~بالجنس.

# وامتن عز وجل في معرض الاستدلال على أمر الحشر بجعل الجنات من النخيل
~~والأعناب المراد بها الأشجار ولم يمتن سبحانه وتعالى بجعل ثمرات تلك
~~الأشجار من التمر والعنب كما امتن جل جلاله بإخراج الحب إعظاما للمنة
~~لتضمن ذلك الامتنان بالثمار وغيرها من منافع تلك الأشجار أنفسها بسائر
~~أجزائها للإنسان نفسه بلا واسطة لا سيما النخيل ولا دلالة في الكلام على
~~حصر ثمرة الجعل بأكل الثمرة، وثمرة التنصيص على ذلك من بين المنافع ظاهرة
~~وهذا بخلاف أشجار الحبوب فإنها ليست بهذه المثابة ولذا غير الأسلوب ولم
~~يعامل ثمر ذلك معاملة الحبوب وكلام البيضاوي عليه الرحمة ظاهر في أن
~~المراد بالأعناب الثمار المعروفة لا الكروم وعلل ذكر النخيل دون ثمارها
~~مع أنه الأوفق بما قبل وما بعد باختصاصها بمزيد النفع وآثار الصنع وتفسير
~~الأعناب بالثمار دون الكروم بعيد عندي لمكان العطف مع أن الجار والمجرور
~~في موضع الصفة لجنات، والمعروف كونها من أشجار لا من ثمار. قال الراغب:
~~الجنة كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض، وقد تسمى الأشجار الساترة جنة
~~وعلى ذلك حمل قوله:

# من النواضح تسقى جنة سحقا

# على أن في الآية بعد ما يؤيد إرادة الثمار فتدبر.

# { وفجرنا فيها } أي شققنا في الأرض. وقرأ جناح بن حبيش { فجرنا
~~} بالتخفيف والمعنى واحد بيد أن المشدد دال على المبالغة والتكثير { من
~~العيون } أي شيئا من العيون على أن الجار والمجرور في موضع الصفة
~~لمحذوف، و (من) بيانية وجوز كونها تبعيضية وليس بذاك، وقيل المفعول محذوف
~~و { من العيون } متعلق بفجر و (من) ابتدائية على معنى فجرنا من
~~المنابع ما ينتفع به من الماء، ms08842 وذهب الأخفش إلى زيادة (من) وجعل العيون
~~مفعول (فجرنا) لأنه يرى جواز زيادتها في الإثبات مع تعريف مجرورها.

### || [36.35]

# { ليأكلوا من ثمره } متعلق بجعلنا/ وتأخيره عن تفجير العيون
~~لأنه من مبادىء الثمر أي وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب ورتبنا مبادىء
~~ثمرها ليأكلوا، وضمير { ثمره } عائد على المجعول وهو { الجنات } [يس: 34]
~~ولذا أفرد وذكر ولم يقل من ثمرها أي الجنات أو من ثمرهما أي النخيل
~~والأعناب، ومثله ما قيل عائد على المذكور والضمير قد يجري مجرى اسم
~~الإشارة كما في قول رؤبة:

# فيها خطوط من سواد وبلق

# كأنه في الجلد توليع البهق

# فإنه أراد كما قال لأبي عبيدة وقد سأله كأن ذاك، وقيل عائد على الماء
~~لدلالة العيون عليه أو لكون الكلام على حذف مضاف أي ماء العيون، وقيل على
~~النخيل واكتفى به للعلم باشتراك الأعناب معه في ذلك، وقيل على التفجير
~~المفهوم من

# فجرنا

# [يس: 34].

# والمراد بثمره فوائده كما تقول ثمرة التجارة الربح أو هو ظاهره والإضافة
~~لأدنى ملابسة والكل كما ترى، وجوز أن يكون الضمير له عز وجل وإضافة الثمر
~~إليه تعالى لأنه سبحانه خالقه فكأنه قيل: ليأكلوا مما خلقه الله تعالى من
~~الثمر. وكان الظاهر من ثمرنا لضمير العظمة على قياس ما تقدم إلا أنه
~~التفت من التكلم إلى الغيبة لأن الأكل والتعيش مما يشغل عن الله تعالى
~~فيناسب الغيبة فالالتفات في موقعه. وزعم بعضهم أن هذا ليس من مظانه لأنه
~~أولى بضمير الواحد المطاع لأنه المقصود بالإحياء والجعل والتفجير وقد
~~أسندت إليه. ورد بأن ما سبق أفخم لأنها أفعال عامة النفع ظاهرة في كمال
~~القدرة والثمر أحط مرتبة من الحب ولذا لم يورد على سبيل الاختصاص فلا
~~يستحق ذلك التفخيم كيف وقد جعل بعضهم الثمر خلق الله تعالى وكماله بفعل
~~الآدمي، وبما تقدم يستغنى عما ذكر.

# وقرأ طلحة وابن وثاب وحمزة والكسائي { من ثمره } بضمتين وهي لغة
~~فيه أو هو جمع ثمار. وقرأ الأعمش { من ثمره } بضم فسكون.

# { وما عملته أيديهم }  { ما } موصولة في محل جر ms08843 عطف على {
~~ثمره } وجعله في محل نصب عطفا على محل { من ثمره } خلاف الظاهر
~~أي وليأكلوا من الذي عملوه أو صنعوه بقواهم. والمراد به ما يتخذ من الثمر
~~كالعصير والدبس وغيرهما، وقال الزمخشري: أي من الذي عملته أيديهم بالغرس
~~والسقي والآبار وليس بذاك. وجوز أن تكون (ما) نكرة موصوفة أي ومن شيء
~~عملته أيديهم والأول أظهر، وقيل: ما نافية وضمير { عملته } راجع إلى
~~الثمر والجملة في موضع الحال. والمراد من نفي عمل أيديهم إياه أنه بخلق
~~الله تعالى لا بفعلهم ولا تقول المشايخ بالتوليد، وروي القول بأنها نافية
~~عن ابن عباس والضحاك، وظاهر كلام الحبر أن الضمير راجع إلى شيئا الموصوف
~~المحذوف والجملة حال منه، فقد روى سعيد بن منصور وابن المنذر عنه أنه
~~قال: وجدوه معمولا لم تعمله أيديهم يعني الفرات ودجلة ونهر بلخ وأشباهها
~~وفيه بعد.

# وأيد القول بالموصولية بقراءة طلحة وعيسى وحمزة والكسائي وأبي بكر {
~~وما عملت } بلا هاء، ووجه التأييد أن الموصول مع الصلة كاسم واحد فيحسن
~~معه لاستطالته ولاقتضائه إياه ودلالته عليه يكون كالمذكور، وتقدير اسم
~~ظاهر غير ظاهر. وقال الطيبي: جعلها نافية أولى من جعلها موصولة لئلا
~~يوهم استقلالهم بالعمل لأن ذكر الأيدي للتأكيد في هذا المقام كما في قوله
~~تعالى:

# أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا
~~أنعما

# [يس: 71] لأن التركيب من باب أخذته بيدي ورأيته بعيني وحينئذ لا يناسب
~~أن يكون قوله تعالى:

# أحيينها

# [يس: 33] الخ تفسيرا لكون الأرض الميتة آية. وتعقبه في " الكشف " بأنه
~~ليس بشيء لأن/ العمل من العباد بمعنى الكسب وقد جاء

# بما قدمت أيديكم

# [آل عمران: 182] و

# بما قدمت يداك

# [الحج: 10] فهذا التأكيد دافع للإيهام انتهى فلا تغفل. وجوز على هذه
~~القراءة كون (ما) مصدرية أي وعمل أيديهم ويراد بالمصدر اسم المفعول أي
~~معمول أيديهم فيعود إلى معنى الموصولة ولا يخفى ما فيه.

# { أفلا يشكرون } إنكار واستقباح لعدم شكرهم للمنعم بالنعم
~~المعدودة بالتوحيد والعبادة. والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي
~~أيرون هذه النعم أو أيتنعمون ms08844 بها فلا يشكرون المنعم بها.

### || [36.36]

# { سبحن الذى خلق الأزوج كلها } استئناف مسوق لتنزيهه
~~تعالى عما فعلوه من ترك شكره عز وجل، واستعظام ما ذكر في حيز الصلة من
~~بدائع آثار قدرته وأسرار حكمته وروائع نعمائه الموجبة لشكره تعالى.
~~وتخصيص العبادة به سبحانه والتعجيب من إخلالهم بذلك والحال هذه. وقد تقدم
~~الكلام في { سبحان }.

# وفي " الإرشاد " هنا أنه ((علم للتسبيح الذي هو التبعيد عن السوء
~~اعتقادا وقولا أي اعتقاد البعد عنه والحكم به من سبح في الأرض والماء
~~إذا بعد فيهما وأمعن وانتصابه على المصدرية أي أسبح سبحانه أي أنزهه عما
~~لا يليق به عقدا وعملا تنزيها خاصا به حقيقا بشأنه عز شأنه، وفيه
~~مبالغة من جهة الاشتقاق وجهة العدول إلى التفعيل وجهة العدول عن المصدر
~~الدار على الجنس إلى الاسم الموضوع له خاصة لا سيما العلم وجهة إقامته
~~مقام المصدر مع الفعل، وقيل: هو مصدر كغفران أريد به التنزه التام
~~والتباعد الكلي عن السوء ففيه مبالغة من جهة إسناد التنزه إلى الذات
~~المقدس فالمعنى تنزه بذاته عن كل ما لا يليق به تعالى تنزها خاصا به
~~سبحانه، فالجملة على هذا إخبار منه تعالى بتنزهه وبراءته عن كل ما لا
~~يليق به مما فعلوه وما تركوه؛ وعلى الأول حكم منه عز وجل بذلك وتلقين
~~للمؤمنين أن يقولوه ويعتقدوا مضمونه ولا يخلوا به ولا يغفلوا عنه)). وقدر
~~بعضهم الفعل الناصب أمرا أي سبحوا سبحان.

# والمراد بالأزواج الأنواع والأصناف، وقال الراغب: الأزواج جمع زوج ويقال
~~لكل واحد من القرينين ولكل ما يقترن بآخر مماثلا له أو مضادا وكل ما في
~~العالم زوج من حيث أن له ضدا ما أو مثلا ما أو تركيبا ما بل لا ينفعك
~~بوجه من تركيب صورة ومادة وجوهر وعرض.

# { مما تنبت الارض } بيان للأزواج والمراد به كل ما ينبت فيها من
~~الأشياء المذكورة وغيرها { ومن أنفسهم } أي وخلق الأزواج من
~~أنفسهم أي الذكر والأنثى { ومما لا يعلمون } أي والأزواج مما
~~لم يطلعهم الله تعالى ولم يجعل لهم ms08845 طريقا إلى معرفته بخصوصياته وإنما
~~اطلعهم سبحانه على ذلك بطريق الإجمال على منهاج

# ويخلق ما لا تعلمون

# [النحل: 8] لما نيط به وقوفهم على عظم قدرته وسعة ملكه وجلالة سلطانه عز
~~وجل. ولعله لما كان العلم من أخص صفات الربوبية لم يثبت على وجه الكمال
~~والإحاطة لأحد سواه سبحانه ولو كان بطريق الفيض منه تبارك وتعالى على أن
~~ظرف الممكن يضيق عن الإحاطة فما يجهله كل أحد أكثر مما يعلمه بكثير. وقد
~~يقال على بعض الاعتبارات: إن ما يعلمه كل أحد متناه وما يجهله غير متناه
~~ولا نسبة بين المتناهي وغير المتناهي أصلا فلا نسبة بين معلوم كل أحد
~~ومجهوله. وتأمل في هذا مع دعوى بعض الأكابر الوقوف على الأعيان الثابتة
~~والاطلاع عليها وقل رب زدني علما.

### || [36.37]

# { وءاية لهم اليل } بيان لقدرته تعالى الباهرة في الزمان
~~بعدما بينها سبحانه في المكان، و { ءاية } خبر مقدم و { اليل }
~~مبتدأ مؤخر وقوله تعالى: { نسلخ منه النهار } استئناف لبيان
~~كونه آية، وفي التركيب احتمالات أخر تعلم مما مر إلا أن الأرجح ما ذكر أي
~~نكشف ونزيل الضوء من مكان الليل وموضع إلقاء ظله وظلمته وهو الهواء/
~~فالنهار عبارة عن الضوء إما على التجوز أو على حذف المضاف، وقوله تعالى:
~~{ منه } على حذف مضاف وذلك لأن النهار والليل عبارتان عن زمان كون
~~الشمس فوق الأفق وتحته ولا معنى لكشف أحدهما عن الآخر.

# وأصل السلخ كشط الجلد عن نحو الشاة فاستعير لكشف الضوء عن مكان الليل
~~وملقى ظلمته وظله استعارة تبعية مصرحة والجامع ما يعقل من ترتب أمر على
~~آخر فإنه يترتب ظهور اللحم على كشط الجلد وظهور الظلمة على كشف الضوء عن
~~مكان الليل، وجوز أن يكون في النهار استعارة مكنية وفي السلخ استعارة
~~تخييلية والجمهور على ما ذكرنا و (من) ابتدائية، وقيل: تبعيضية وجعلها
~~سببية ليس بشيء، وهذا التفسير محكي عن الفراء ونحوه تفسير السلخ بالنزع.

# واستعمال الفاء في قوله تعالى: { فإذا هم مظلمون } أي داخلون
~~في الظلام كما يفيده همزة الإفعال عليه ms08846 ظاهر، ووقع في عبارة الشيخ عبد
~~القاهر والإمام السكاكي أن المستعار له في الآية ظهور النهار من ظلمة
~~الليل والمستعار منه ظهور المسلوخ من جلده وذلك على ما قال العلامة
~~الطيبي والفاضل اليمني مأخوذ من قول الزجاج معنى { نسلخ منه
~~النهار } نخرج منه النهار إخراجا لا يبقى معه شيء من ضوئه فالظهور
~~في عبارتهما بمعنى الخروج وهو يتعدى بمن فلا حاجة إلى جعلها بمعنى عن.
~~وقد جاء بهذا المعنى كما في قول عمر لأبي عبيدة رضي الله تعالى عنهما:
~~اظهر بمن معك من المسلمين إليها أي الأرض يعني أخرج إلى ظاهرها، وفي حديث
~~عائشة رضي الله تعالى عنها " كان صلى الله عليه وسلم يصلي العصر ولم يظهر
~~الفيء بعد من الحجرة " أي لم يخرج إلى ظاهرها فسقط ما أورد عليه من أنه
~~لو أريد الظهور لقيل فإذا هم مبصرون ولم يقل { فإذا هم مظلمون
~~} لأن الواقع عقيب ظهور النهار من ظلمة الليل إنما هو الإبصار لا الإظلام
~~من غير حاجة إلى حمل العبارة على القلب أي ظهور ظلمة الليل من النهار،
~~وبعضهم رفع هذا الإيراد بأن النهار عبارة عن مجموع المدة من طلوع الفجر
~~أو الشمس إلى الغروب لا عن بعضها فالواقع عقيب هذه المدة كلها الدخول في
~~الظلام. وتعقبه السيالكوتي بأن الدخول في الظلام مترتب على السلخ لا على
~~انقضاء مدة النهار.

# ولعل مراد البعض أن السلخ بمعنى ظهور النهار لا يتحقق إلا بظهور كل
~~أجزائه ومتى ظهرت أجزاء النهار كلها انقضت مدته.

# وذكر العلامة القطب أن السلخ قد يكون بمعنى النزع نحو سلخت الإهاب عن
~~الشاة وقد يكون بمعنى الإخراج نحو سلخت الشاة من الإهاب والشاة مسلوخة
~~فذهب الشيخ عبد القاهر والسكاكي إلى الثاني وغيرهما إلى الأول فاستعمال
~~الفاء في { فإذا هم } ظاهر على قول الغير وأما على قولهما فإنما يصح من
~~جهة أنها موضوعة لما يعد في العادة مرتبا غير متراخ وهذا يختلف باختلاف
~~الأمور والعادات فقد يطول الزمان والعادة في مثله تقتضي عدم اعتبار
~~المهلة وقد ms08847 يكون بالعكس كما في هذه الآية فإن زمان النهار وإن توسط بين
~~إخراج النهار من الليل وبين دخول الظلام لكن لعظم دخول الظلام بعد إضاءة
~~النهار وكونه مما ينبغي أن لا يحصل إلا في أضعاف ذلك الزمان عد الزمان
~~قريبا وجعل الليل كأنه يفاجئهم عقيب إخراج النهار من الليل بلا مهلة. ثم
~~لا يخفى أن (إذا) المفاجأة إنما تصح إذا جعل السلخ بمعنى الإخراج كما
~~يقال: أخرج النهار من الليل ففاجأه دخول الليل فإنه مستقيم بخلاف ما إذا
~~جعل بمعنى النزع فإنه لا يستقيم أن يقال: نزع ضوء الشمس عن الهواء ففاجأه
~~الظلام كما لا يستقيم أن يقال كسرت الكوز ففاجأه الانكسار لأن دخولهم في
~~الظلام عين حصول الظلام فيكون نسبة دخولهم في الظلام إلى نزع ضوء النهار
~~كنسبة الانكسار إلى الكسر فلهذا جعلا السلخ/ بمعنى الإخراج دون النزع اه
~~كلامه، وقواه العلامة الثاني بأنه لا شك أن الشيء إنما يكون آية إذا
~~اشتمل على نوع استغراب واستعجاب بحيث يفتقر إلى نوع اقتدار وذلك إنما هو
~~مفاجأة الظلام عقيب ظهور النهار لا عقيب زوال ضوء النهار.

# وقال السيالكوتي: إن عدم استقامة المفاجأة فيما ذكر لأنها إنما تتصور
~~فيما لا يكون مترقبا بل يحصل بغتة وحينئذ يمكن أن يقال في الجواب: إن
~~نزع الضوء عن الليل لكون ظهوره في غاية الكمال كان المترقب فيه أن يكون
~~في مدة مديدة فحصول الظلام بعده في مدة قصيرة أمر غير مترقب ثم قال وبهذا
~~ظهر الجواب عن التقوية. وقيل إن الظلمة لكونها مما تنفر عنها الطباع
~~وتكرهها النفوس يكون حصولها كأنه غير مترقب ويكفي نفس السلخ في الدلالة
~~على الاقتدار. والذي يقتضيه ما سبق عن الطيبي واليمني أن الشيخ والسكاكي
~~أرادا إخراج النهار من الليل إخراجا لا يبقى معه شيء من ضوئه كما قال
~~الزجاج، ومآله إزالة ضوء النهار من مكان الليل وموضع ظلمته كما قال
~~الفراء، وجاء في كلامهم الظهور بمعنى الزوال كما في قول أبي ذؤيب:

# وعيرها الواشون أني أحبها

# وتلك شكاة ms08848 ظاهر عنك عارها

# وحكى الجوهري: يقال هذا أمر ظاهر عنك عاره أي زائل. وقال المرزوقي في
~~قول الحماسي:

# وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر

# أيضا كذلك فلا مانع من أن يكون في كلام الشيخين بهذا المعنى ويراد
~~بالظهور الإظهار، والتعبير به مساهلة لظهور أن (نسلخ) متعد فيرجع الأمر
~~إلى الإزالة فيتحد كلامهما بما قاله الفراء وكذا على ما قيل المراد
~~بالظهور الخروج على وجه المفارقة لظهور الزوال فيه حينئذ وأمر المساهلة
~~على حاله، وعلى القول بالاتحاد يجيء اعتراض العلامة والجواب هو الجواب
~~فتأمل والله تعالى الهادي إلى الصواب.

# وفي الآية على ما قال غير واحد دلالة على أن الأصل الظلمة والنور طارىء
~~عليها يسترها بضوئه وفي الحديث ما يشعر بذلك أيضا، روى الإمام أحمد
~~والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم يقول:

# " إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من
~~نوره اهتدى ومن أخطأه ضل. "

### || [36.38]

# { والشمس } عطف على

# اليل

# [يس: 37] أي وآية لهم الشمس. وقوله تعالى: { تجرى } الخ استئناف
~~لبيان كونها آية، وقيل: { الشمس } مبتدأ وما بعده خبر والجملة عطف
~~على

# اليل نسلخ

# [يس: 37] وقيل غير ذلك فلا تغفل. والجري المر السريع، وأصله لمر الماء
~~ولما يجري بجريه والمعنى تسير سريعا { لمستقر لها } لحد معين
~~تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره من
~~حيث أن في كل انتهاء إلى محل معين وإن كان للمسافر قرار دونها، وروي هذا
~~عن الكلبي واختاره ابن قتيبة، والمستقر عليه اسم مكان واللام بمعنى إلى
~~وقرىء بها بدل اللام، وجوز أن تكون تعليلية أو لمنتهى لها من المشارق
~~اليومية والمغارب لأنها تتقصاها مشرقا مشرقا ومغربا مغربا حتى تبلغ
~~أقصاها ثم ترجع فذلك حدها ومستقرها لأنها لا تعدوه. وروي هذا عن الحسن
~~وهو متفق في أن المستقر اسم مكان واللام على ما سمعت، ومختلف باعتبار أن
~~الأول من استقرار المسافر تشبيها لانتهاء الدورة ms08849 بانتهاء السفرة وهذا
~~باعتبار مقنطرات الارتفاع وبلوغ أقصاها ومقنطرات الانخفاض كذلك
~~والاستقرار باعتبار عدم التجاوز عن الأول في استقصاء المشارق وعن الثاني
~~في استقصاء المغارب أو لحد لها من مسيرها كل يوم في رأي عيوننا وهو
~~المغرب، والمستقر عليه اسم مكان أيضا واللام كما سمعت أو لكبد السماء
~~ودائرة نصف النهار فالمستقر واللام على نظير ما تقدم.

# وكون ذلك محل قرارها إما مجاز عن الحركة البطيئة أو هو باعتبار ما
~~يتراءى؛ قال ذو الرمة يصف فرسه وجريه في الظهيرة وشدة الحر:

# معروريا رمض الرضراض تركضه

# والشمس حيرى لها بالجو تدويم

# أو لاستقرار لها ومكث في كل برج من البروج الإثني عشر على نهج مخصوص
~~فالمستقر مصدر ميمي واللام داخلة على الغاية أو الحامل، وقيل: تجري
~~لبيتها وهو برج الأسد، واستقرارها عبارة عن حسن حالها فيه، وهذا غير
~~مقبول إلا عند أهل الأحكام ولا يخفى حكمهم على محققي الإسلام، وقال قتادة
~~ومقاتل المعنى تجري إلى وقت لها لا تتعداه، قال الواحدي: وعلى هذا
~~مستقرها انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وهذا اختيار الزجاج كما قال
~~النووي: في «شرح صحيح مسلم»، ومستقر عليه اسم زمان وفي غير واحد من "
~~الصحاح " عن أبي ذر قال: " كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد
~~عند غروب الشمس فقال يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ قلت الله تعالى
~~ورسوله أعلم قال: تذهب لتسجد فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل
~~منها وتستأذن فلا يؤذن لها فيقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها
~~فذلك قوله عز وجل: { والشمس تجرى لمستقر لها } وفي
~~رواية أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله تعالى ورسوله أعلم قال إن
~~هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها وتحت العرش فتخر ساجدة " الحديث وفي ذلك
~~عدة روايات وقد روي مختصرا جدا.

# وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم
~~وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم ms08850 عن قوله تعالى: { والشمس تجرى لمستقر
~~لها } قال مستقرها تحت العرش فالمستقر اسم مكان والظاهر أن للشمس فيه
~~قرارا حقيقة، قال النووي: قال جماعة بظاهر الحديث، قال الواحدي: وعلى
~~هذا القول إذا غربت الشمس كل يوم استقرت تحت العرش إلى أن تطلع، ثم قال
~~النووي: وسجودها بتمييز وإدراك يخلقه الله تعالى فيها.

# وذكر ابن حجر الهيتمي في «فتاويه الحديثية» ((أن سجودها تحت العرش إنما
~~هو عند غروبها وحكى فيها عن بعضهم أنها تطلع من سماء إلى سماء حتى تسجد
~~تحت العرش وتقول: يا رب إن قوما يعصونك فيقال لها ارجعي من حيث جئت
~~فتنزل من سماء إلى سماء حتى تطلع من المشرق وبنزولها إلى سماء الدنيا
~~يطلع الفجر، وفيها أيضا أخرج أبو الشيخ عن عكرمة أنها إذا غربت دخلت
~~نهرا تحت العرش فتسبح ربها حتى إذا أصبحت استعفت ربها عن الخروج فيقول
~~سبحانه لم فتقول أني إذا خرجت عبدت من دونك)).

# والسجود تحت العرش قد جاء أيضا من روايات الإمامية ولهم في ذلك أخبار
~~عجيبة منها أن الشمس عليها سبعون ألف كلاب وكل كلاب يجره سبعون ألف
~~ملك من مشرقها إلى مغربها ثم ينزعون منها النور فتخر ساجدة تحت العرش ثم
~~يسألون/ ربهم هل نلبسها لباس النور أم لا؟ فيجابون بما يريده سبحانه ثم
~~يسألونه عز وجل هل نطلعها من مشرقها أو مغربها؟ فيأتيهم النداء بما يريد
~~جل شأنه ثم يسألون عن مقدار الضوء فيأتيهم النداء بما يحتاج إليه الخلق
~~من قصر النهار وطوله. وفي " الهيئة السنية " للجلال السيوطي أخبار من هذا
~~القبيل والصحيح من الأخبار قليل، وليس لي على صحة أخبار الإمامية وأكثر
~~ما في " الهيئة السنية " تعويل. نعم ما تقدم عن أبي ذر مما لا كلام في
~~صحته وماذا يقال في أبي ذر وصدق لهجته، والأمر في ذلك مشكل إذا كان
~~السجود والاستقرار كل ليلة تحت العرش سواء قيل إنها تطلع من سماء إلى
~~سماء حتى تصل إليه فتسجد أم قيل إنها تستقر وتسجد تحته من غير طلوع ms08851 فقد
~~صرح إمام الحرمين وغيره بأنه لا خلاف في أنها تغرب عند قوم وتطلع على
~~آخرين والليل يطول عند قوم ويقصر عند آخرين وبين الليل والنهار اختلاف ما
~~في الطول والقصر عند خط الاستواء، وفي بلاد بلغار قد يطلع الفجر قبل أن
~~يغيب شفق الغروب، وفي عرض تسعين لا تزال طالعة ما دامت في البروج
~~الشمالية وغاربة ما دامت في البروج الجنوبية فالسنة نصفها ليل ونصفها
~~نهار على ما فصل في موضعه، والأدلة قائمة على أنها لا تسكن عند غروبها
~~وإلا لكانت ساكنة عند طلوعها بناء على أن غروبها في أفق طلوع في غيره،
~~وأيضا هي قائمة على أنها لا تفارق فلكها فكيف تطلع من سماء إلى سماء حتى
~~تصل إلى العرش بل كون الأمر ليس كذلك أظهر من الشمس لا يحتاج إلى بيان
~~أصلا وكذا كونها تحت العرش دائما بمعنى احتوائه عليها وكونها في جوفه
~~كسائر الأفلاك التي فوق فلكها والتي تحته.

# وقد سألت كثيرا من أجلة المعاصرين عن التوفيق بين ما سمعت من الأخبار
~~الصحيحة وبين ما يقتضي خلافها من العيان والبرهان فلم أوفق لأن أفوز منهم
~~بما يروي الغليل ويشفي العليل، والذي يخطر بالبال في حل ذلك الإشكال
~~والله تعالى أعلم بحقيقة الحال أن الشمس وكذا سائر الكواكب مدركة عاقلة
~~كما ينبىء عن ذلك قوله تعالى الآتي:

# كل فى فلك يسبحون

# [يس: 40] حيث جيء بالفعل مسندا إلى ضمير جمع العقلاء وقوله تعالى:

# إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر
~~رأيتهم لى ساجدين

# [يوسف: 4] لنحو ما ذكر يدل وعليه ظاهر ما روي عن أبي ذر من أنها تسجد
~~وتستأذن فإن المتبادر من الاستئذان ما يكون بلسان القال دون لسان الحال.

# وخلق الله تعالى الإدراك والتمييز فيها حال السجود والاستئذان ثم سلبه
~~عنها مما لا حاجة إلى التزامه بل هو بعيد غاية البعد والشواهد من الكتاب
~~والسنة وكلام العترة على كونها ذات إدراك وتمييز مما لا تكاد تحصى كثرة
~~وبعض يدل على ثبوت ذلك لها بالخصوص وبعضها يدل على ms08852 ثبوته لها باعتبار
~~دخولها في العموم أو بالمقايسة إذ لا قائل بالفرق ومتى كانت كذلك فلا
~~يبعد أن يكون لها نفس ناطقة كنفس الإنسان بل صرح بعض الصوفية بكونها ذات
~~نفس ناطقة كاملة جدا، والحكماء أثبتوا النفس للفلك وصرح بعضهم بإثباتها
~~للكواكب أيضا وقالوا: كل ما في العالم العلوي من الكواكب والأفلاك
~~الكلية والجزئية والتداوير حي ناطق والأنفس الناطقة الإنسانية إذا كانت
~~قدسية قد تنسلخ عن الأبدان وتذهب متمثلة ظاهرة بصور أبدانها أو بصور أخرى
~~كما يتمثل جبريل عليه السلام ويظهر بصورة دحية أو بصورة بعض الأعراب كما
~~جاء في صحيح الأخبار حيث يشاء الله عز وجل مع بقاء نوع تعلق لها بالأبدان
~~الأصلية يتأتى معه صدور الأفعال منها كما يحكى عن بعض الأولياء قدست
~~أسرارهم أنهم يرون في وقت واحد في عدة مواضع وما ذاك إلا لقوة تجرد
~~أنفسهم وغاية تقدسها فتمثل وتظهر في موضع وبدنها الأصلي في موضع آخر:

# / لا تقل دارها بشرقي نجد

# كل نجد للعامرية دار

# وهذا أمر مقرر عند السادة الصوفية مشهور فيما بينهم وهو غير طي المسافة
~~وإنكار من ينكر كلا منهما عليهم مكابرة لا تصدر إلا من جاهل أو معاند،
~~وقد عجب العلامة التفتازاني من بعض فقهاء أهل السنة أي كابن مقاتل حيث
~~حكم بالكفر على معتقد ما روي عن إبراهيم بن أدهم قدس سره أنهم رأوه
~~بالبصرة يوم التروية ورؤي ذلك اليوم بمكة، ومبناه زعم أن ذلك من جنس
~~المعجزات الكبار وهو مما لا يثبت كرامة لولي وأنت تعلم أن المعتمد عندنا
~~جواز ثبوت الكرامة للولي مطلقا إلا فيما يثبت بالدليل عدم إمكانه
~~كالإتيان بسورة مثل إحدى سور القرآن، وقد أثبت غير واحد تمثل النفس
~~وتطورها لنبينا صلى الله عليه وسلم بعد الوفاة وادعى أنه عليه الصلاة
~~والسلام قد يرى في عدة مواضع في وقت واحد مع كونه في قبره الشريف يصلي،
~~وقد تقدم الكلام مستوفى في ذلك، وصح أنه صلى الله عليه وسلم رأى موسى
~~عليه السلام يصلي في قبره عند ms08853 الكثيب الأحمر ورآه في السماء وجرى بينهما
~~ما جرى في أمر الصلوات المفروضة، وكونه عليه السلام عرج إلى السماء بجسده
~~الذي كان في القبر بعد أن رآه النبي صلى الله عليه وسلم مما لم يقله أحد
~~جزما والقول به احتمال بعيد، وقد رأى صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به
~~جماعة من الأنبياء غير موسى عليه السلام في السموات مع أن قبورهم في
~~الأرض ولم يقل أحد إنهم نقلوا منها إليها على قياس ما سمعت آنفا، وليس
~~ذلك مما ادعى الحكميون استحالته من شغل النفس الواحدة أكثر من بدن واحد
~~بل هو أمر وراءه كما لا يخفى على من نور الله تعالى تعالى بصيرته فيمكن
~~أن يقال: إن للشمس نفسا مثل تلك الأنفس القدسية وإنها تنسلخ عن الجرم
~~المشاهد المعروف مع بقاء نوع من التعلق لها به فتعرج إلى العرش فتسجد
~~تحته بلا واسطة وتستقر هناك وتستأذن ولا ينافي ذلك سير هذا الجرم المعروف
~~وعدم سكونه حسبما يدعيه أهل الهيئة وغيرهم ويكون ذلك إذا غربت وتجاوزت
~~الأفق الحقيقي وانقطعت رؤية سكان المعمور من الأرض إياها ولا يضر فيه
~~طلوعها إذ ذاك في عرض تسعين ونحوه لأن ما ذكرنا من كون السجود والسكون
~~باعتبار النفس المنسلخة المتمثلة بما شاء الله تعالى لا ينافي سير الجرم
~~المعروف بل لو كانا نصف النهار في خط الاستواء لم يضر أيضا، ويجوز أن
~~يقال سجودها بعد غروبها عن أفق المدينة ولا يضر فيه كونها طالعة إذ ذاك
~~في أفق آخر لما سمعت إلا أن الذي يغلب على الظن ما ذكر أولا.

# وعلى هذا الطرز يخرج ما يحكى أن الكعبة كانت تزور واحدا من الأولياء
~~بأن يقال إن الكعبة حقيقة غير ما يعرفه العامة وهي باعتبار تلك الحقيقة
~~تزور والناس يشاهدونها في مكانها أحجارا مبنية. وقد ذكر الشيخ الأكبر
~~قدس سره في " الفتوحات " كلاما طويلا ظاهرا في أن لها حقيقة غير ما
~~يعرفه العامة وفيه أنه كان بينه وبينها زمان مجاورته مراسلات وتوسلات
~~ومعاتبة دائمة وأنه ms08854 دون بعض ذلك في جزء سماه " تاج الوسائل ومنهاج
~~الرسائل " وقد سأل نجم الدين عمر النسفي مفتي الإنس والجن عما يحكى أن
~~الكعبة كانت تزور الخ هل يجوز القول به فقال: نقض العادة على سبيل
~~الكرامة لأهل الولاية جائز عند أهل السنة وارتضاه العلامة السعد وغيره
~~لكن لم أر من خرج زيارتها على هذا الطرز، وظاهر كلام بعضهم أن ذلك بذهاب
~~الجسم المشاهد منها إلى المزور وانتقاله من مكانه، ففي " عدة الفتاوي " و
~~" الولوالجية " وغيرهما لو ذهبت الكعبة لزيارة بعض الأولياء فالصلاة إلى
~~هوائها، ويمكن أن يكون أريد به غير ما يحكى فإنه والله تعالى أعلم لم يكن
~~بانتقال/ الجسم المشاهد. ثم الجمع بين الحديث في الشمس وبين ما يقتضيه
~~الحس وكلام أهل الهيئة بهذا الوجه لم أره لأحد بيد أني رأيت في بعض
~~مؤلفات عصرينا الرشتي رئيس الطائفة الإمامية الكشفية أن سجدة الشمس عند
~~غروبها تحت العرش عبارة عن رفع الإنية ونزع جلباب الماهية وهو عندي نوع
~~من الرطانة لا يفهمه من لا خبرة له باصطلاحاته ولو كان ذا فطانة. وقال في
~~موضع آخر بعد أن ذكر حديث الكلاليب السابق إن ذلك لا ينافي كلام أهل
~~الهيئة ولا بقدر سم الخياط ولم يبين وجه عدم المنافاة مع أنها أظهر من
~~الشمس معتذرا بأن الكلام فيه طويل ولا أظنه لو كان آتيا به إلا من ذل
~~القبيل، وهذا ما عندي فليتأمل والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

# وقرأ عبد الله وابن عباس وزين العابدين وابنه الباقر وعكرمة وعطاء بن
~~أبي رباح { لا مستقر لها } بلا نافية للجنس وبناء { مستقر } على الفتح
~~فتقتضي انتفاء كل مستقر حقيقي لجرمها المشاهد وذلك في الدنيا أي هي تجري
~~في الدنيا دائما لا تستقر. وقرأ ابن أبي عبلة بلا أيضا إلا أنه رفع {
~~مستقر } ونونه على إعمالها إعمال ليس كما في قوله:

# تعز فلا شيء على الأرض باقيا

# ولا وزر مما قضى الله واقيا

# { ذلك } إشارة إلى الجري المفهوم من { تجرى } أي ذلك الجري البديع ms08855
~~الشأن المنطوي على الحكم الرائقة التي تحار في فهمها العقول والأذهان {
~~تقدير العزيز } الغالب بقدرته على كل مقدور { العليم }
~~المحيط علمه بكل معلوم.

# وذكر بعضهم في حكمة جريها حتى تسجد كل ليلة تحت العرش ما يقتضيه الخبر
~~السابق تجدد اكتساب النور من العرش ويترتب عليه في عالم الطبيعة والعناصر
~~ما يترتب وباكتسابها النور من العرش صرح به غير واحد، ومن العجيب ما ذكره
~~الرشتي أنها تستمد النور من ظاهر العرش وتمد فلك القمر ومن باطن العرش
~~وتمد فلك زحل وتستمد من ظاهر الكرسي وتمد فلك عطارد ومن باطنه وتمد فلك
~~المشتري وتستمد من ظاهر تقاطع نقطتي المنطقتين وتمد فلك الزهرة ومن باطنه
~~وتمد فلك المريخ، وليت شعري من أين استمد فقال ما قال وذلك مما لم نجد
~~فيه نقلا ولا نظن أنه مر بخيال. وقال الشيخ الأكبر قدس سره: إن نور
~~الشمس ما هو من حيث عينها بل هو من تجل دائم لها من اسمه تعالى النور
~~ونور سائر السيارات من نورها وهو في الحقيقة من تجلي اسمه سبحانه النور
~~فما ثم إلا نوره عز وجل. وادعى كثير من أجلة المحققين أن نور جميع
~~الكواكب ثوابتها وسياراتها مستفاد من ضوء الشمس وهو مفاض عليها من الفياض
~~المطلق جل جلاله وعم نواله. وفي الآية رد على القائلين بأن الشمس ساكنة
~~وهي مركز العالم والكواكب والأرض كرات دائرة عليها.

### || [36.39]

# { والقمر قدرنه } أي صيرنا مسيره أي محله الذي يسير فيه {
~~منازل } فقدر بمعنى صير الناصب لمفعولين والكلام على حذف مضاف
~~والمضاف المحذوف مفعوله الأول و { منازل } مفعوله الثاني. واختار أبو
~~حيان تقدير مصدر مضاف وقدر متعد إلى واحد و { منازل } منصوب على
~~الظرفية أي قدرنا سيره في منازل وقدر بعضهم نورا أي قدرنا نوره في منازل
~~فيزيد مقدار النور كل يوم في المنازل الاجتماعية وينقص في المنازل
~~الاستقبالية لما أن نوره مستفاد من ضوء الشمس لاختلاف تشكلاته/ بالقرب
~~والبعد منها مع خسوفه بحيلولة الأرض بينه وبينها وبهذا يتم الاستدلال،
~~والحق أنه لا ms08856 قطع بذلك وليس هناك إلا غلبة الظن، ويجوز أن يكون قدر
~~متعديا لاثنين و { منازل } بتقدير ذا منازل، وأن يكون متعديا لواحد
~~وهو { منازل } والأصل قدرنا له منازل على الحذف والإيصال واختاره أبو
~~السعود.

# ونصب { القمر } بفعل يفسره المذكور أي وقدرنا القمر قدرناه وفي ذلك
~~من الاعتناء بأمر التقدير ما فيه، وكأنه لما أن شهرهم باعتباره ويعلم منه
~~سر تغيير الأسلوب. وقرأ الحرميان وأبو عمرو وأبو جعفر وابن محيصن والحسن
~~بخلاف عنه { والقمر } بالرفع قال غير واحد، على الابتداء وجملة {
~~قدرنه } خبره، ويجوز فيما أرى أن يجري في التركيب ما جرى في قوله
~~تعالى:

# والشمس تجرى

# [يس: 38] من الإعراب تدبر، والمنازل جمع منزل والمراد به المسافة التي
~~قطعها القمر في يوم وليلة وهي عند أهل الهند سبعة وعشرون لأن القمر يقطع
~~فلك البروج في سبعة وعشرين يوما وثلث فحذفوا الثلث لأنه ناقص عن النصف
~~كما هو مصطلح أهل التنجيم، وعند العرب وساكني البدو ثمانية وعشرون لا
~~لأنهم تمموا الثلث واحدا كما قال بعضهم بل لأنه لما كانت سنوهم باعتبار
~~الأهلة مختلفة الأوائل لوقوعها في وسط الصيف تارة وفي وسط الشتاء أخرى
~~وكذا أوقات تجارتهم وزمان أعيادهم احتاجوا إلى ضبط سنة الشمس لمعرفة فصول
~~السنة حتى يشتغلوا في استقبال كل فصل بما يهمهم في ذلك الفصل من الانتقال
~~إلى المراعي وغيرها فاحتالوا في ضبطها فنظروا أولا إلى القمر فوجدوه
~~يعود إلى وضع له من الشمس في قريب من ثلاثين يوما ويختفي آخر الشهر
~~لليلتين أو أقل أو أكثر فأسقطوا يومين من زمان الشهر فبقي ثمانية وعشرون
~~وهو زمان ما بين أول ظهوره بالعشيات مستهلا أول الشهر وأخر رؤيته
~~بالغدوات مستترا آخره فقسموا دور الفلك عليه فكان كل قسم اثنتي عشرة
~~درجة وإحدى وخمسين دقيقة تقريبا وهو ستة أسباع درجة فنصيب كل برج منه
~~منزلان وثلث ثم لما انضبط الدور بهذه القسمة احتالوا في ضبط سنة الشمس
~~بكيفية قطعها لهذه المنازل فوجدوها تستر دائما ثلاثة منازل ما هي فيه
~~بشعاعها وما قبلها ms08857 بضياء الفجر وما بعدها بضياء الشمس ورصدوا ظهور
~~المستتر بضياء الفجر ثم بشعاعها ثم بضياء الشفق فوجدوا الزمان بين كل
~~ظهوري منزلتين ثلاثة عشر يوما تقريبا فأيام جميع المنازل تكون ثلثمائة
~~وأربعة وستين لكن الشمس تقطع جميعها في ثلثمائة وخمس وستين فزادوا يوما
~~في أيام منزل غفر وزادوه ههنا اصطلاحا منهم أو لشرفه على ما تسمعه إن
~~شاء الله تعالى وقد يحتاج إلى زيادة يومين ليكون انقضاء الثمانية
~~والعشرين مع انقضاء السنة ويرجع الأمر إلى النجم الأول.

# واعلم أن العرب جعلت علامات الأقسام الثمانية والعشرين من الكواكب
~~الظاهرة القريبة من المنطقة مما يقارب طريقة القمر في ممره أو يحاذيه
~~فيرى القمر كل ليلة نازلا بقرب أحدها وأحوال كواكب المنازل مع المنازل
~~كأحوال كواكب البروج مع البروج عند أهل الهيئة من أنها مسامتة للمنازل
~~وهي في فلك الأفلاك وإذا أسرع القمر في سيره فقد يخلي منزلا في الوسط
~~وإن أبطأ فقد يبقى ليلتين في منزل أول الليلتين في أوله وآخرهما في آخره
~~وقد يرى في بعض الليالي بين منزلتين، وما يقال في الشهور إن الظاهر من
~~المنازل في كل ليلة يكون أربعة عشر وكذا الخفي وأنه إذا طلع منزل غاب
~~رقيبه وهو الخامس عشر من الطالع سمي به تشبيها له برقيب يرصده ليسقط في
~~المغرب إذا ظهر ذلك في المشرق ظاهر الفساد لأنها ليست على نفس المنطقة
~~ولا أبعاد ما بينها متساوية ولهذا/ قد يكون الظاهر ستة عشر وسبعة عشر وقد
~~يكون الخفي ثلاثة عشر.

# وهذه الكواكب المسماة بالمنازل المسامتة للمنازل الحقيقية على ما روي عن
~~ابن عباس وغيره أولها الشرطان بفتح الشين والراء مثنى شرط بفتحتين وهي
~~العلامة وهما كوكبان نيران من القدر الثالث على قرني الحمل معترضان بين
~~الشمال والجنوب بينهما ثلاثة أشبار وبقرب الجنوبي منهما كوكب صغير سمت
~~العرب الكل أشراطا لأنها بسقوطها علامات المطر والريح والقمر يحاذيهما
~~وبقرب الشمالي منهما كوكب نير هو الشرطان عند بعض ويقال للشرطين الناطح
~~أيضا ثم البطين تصغير البطن وهو ثلاثة كواكب ms08858 خفية من القدر الخامس على
~~شكل مثلث حاد الزوايا على فخذي الحمل بينه وبين الشرطين قيد رمح والقمر
~~يجتاز بها أحيانا ثم الثريا تصغير ثروى من الثراء وهو الكثرة ويسمى
~~بالنجم وهي على المشهور عند المنجمين ستة كواكب مجتمعة كشكل مروحة مقبضها
~~نحو المشرق وفيه انحناء في جانب الشمال، وقيل هي شبيهة بعنقود عنب وعليه
~~قول أحيحة بن الجلاح أو قيس بن الأسلت:

# وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى

# كعنقود ملاحية حين نورا

# والمرصود منها أربعة كلها من القدر الخامس وموضعها سنام الثور، وفي
~~«الشكف» هي ألية الحمل وربما يكسفها القمر ثم الدبران بفتحتين سمي به
~~لأنه دبر الثريا وخلفها وهو كوكب أحمر نير من القدر الأول على طرف صورة
~~السبعة من رقوم الهند ويسمى المجدح وموقعه عين الثور والذي على طرفه
~~الآخر من القدر الثالث على عينه الأخرى والثلاثة الباقية وهي من الثالث
~~أيضا على وجهه وزاوية هذا الرقم على خطم الثور وبعضهم يسمى الدبران بقلب
~~الثور وقد يكسفه القمر ثم الهقعة بفتح الهاء وسكون القاف وفتح العين
~~المهملة وهي ثلاثة كواكب خفية مجتمعة شبيهة بنقط الثاء كأنها لطخة سحابية
~~شبهت بالدائرة التي تكون في عرض زور الفرس أو بحيث تصيب رجل الفارس أو
~~بلمعة بياض تكون في جنب الفرس الأيسر تسمى بذلك وتسمى الأثافي أيضا وهي
~~على رأس الجبار المسمى بالجوزاء والقمر يحاذيها ولا يقاربها ثم الهنعة
~~بوزن الهقعة وثانيه نون وهي كوكبان من القدر الرابع والثالث شبهت بسمة في
~~منخفض عنق الفرس وهما على رجلي التوأمين مما يلي الشمال وفي «الكشف» هي
~~منكب الجوزاء الأيسر والقمر يمر بهما ثم الذراع وهما كوكبان أزهران من
~~القدر الثاني على رأسي التوأمين يعنون بهما ذراع الأسد المبسوطة إذ
~~المقبوضة هي الشعرى الشامية مع مرزمها والقمر يقارب المبسوطة ثم النثرة
~~وهي الفرجة بين الشاربين حيال وترة الأنف وهو أنف الأسد وهما كوكبان
~~خفيان من الرابع بينهما قيد ذراع ولطخة سحابية وهي على وسط السرطان
~~ويقربها كوكبان يسميان بالحمارين واللطخة التي ms08859 بينهما بالمعلف تشبيها
~~لها بالتبن وبممحظة الأسد أي موضع استتاره ويكسب القمر كلا منهما ثم
~~الطرف وهما كوكبان صغيران من الرابع أحدهما: على رأس الأسد قدام عينيه
~~والآخر: قدام يده المقدمة والقمر يحاذي أشملهما ويكسف أجنبهما ويعنون
~~بالطرف عين الأسد ثم الجبهة ويعنون بها جبهة الأسد وهي أربعة كواكب على
~~سطر فيه تعويج آخذ من الشمال إلى الجنوب أعظمها على طرف السطر مما يلي
~~الجنوب يسمى قلب الأسد لكونه في موضعه ويسمى الملكي أيضا وهو من القدر
~~الأول والقمر يمر به وبالذي يليه ثم الزبرة بضم الزاي/ وسكون الباء وهما
~~كوكبان نيران على أثر الجبهة بينهما أرجح من ذراع وهما على زبرة الأسد أي
~~كاهله عند العرب وعند المنجمين عند مؤخره فزبرة الأسد شعره الذي يزبر عند
~~الغضب في قفاه أجنبهما من الثالث وأشملهما من الثاني وتسمى ظهر الأسد
~~والقمر يحاذيهما من جهة الجنوب ثم الصرفة وهو كوكب واحد على طرف ذنب
~~الأسد ويسمى ذنب الأسد والقمر يحاذيه من جهة الجنوب وسمي بذلك لأن البرد
~~ينصرف عند سقوطه ثم العواء يمد ويقصر والقصر أجود وهي خمسة كواكب من
~~الثالث على هيئة لام في الخط العربي ثلاثة منها آخذة من منكب العذراء
~~الأيسر إلى تحت ثديها الأيسر وهي على سطر جنوبي من الصرفة ثم ينعطف
~~اثنان على سطر يحيط مع الأول بزاوية منفرجة زعمت العرب أنها كلاب تعوي
~~خلف الأسد ولذلك سميت العواء، وقيل في ذلك كأنها تعوي في أثر البرد ولهذا
~~سميت طاردة البرد، وقيل هي من عوي الشيء عطفه فلما فيها من الانعطاف سميت
~~بذلك.

# وفي «الكشف» العوا سافلة الإنسان ويقال أنها ورك الأسد والقمر يخرقها ثم
~~السماك الأعزل وهو كوكب نير من الأول على كتف العذراء اليسرى قريب من
~~المنطقة والقمر يمر به ويكسفه ويقابل السماك الأعزل السماك الرامح وليس
~~من المنازل وسمي رامحا لكوكب يقدمه كأنه رمحه وسمي سماكا لأنه سمك أي
~~ارتفع ثم الغفر وهي ثلاثة كواكب من الرابع على ذيل العذراء ورجلها
~~المؤخرة على سطر ms08860 معوج حدبته إلى الشمال وقيل كوكبان والقمر يمر بجنوبيهما
~~وقد يحاذي الشمالي وهو منزل خير بعد عن شرين مقدم الأسد ومؤخر العقرب
~~ويقال إنه طالع الأنبياء والصالحين وسميت غفرا لسترها ونقصان نورها وذكر
~~بعضهم أنها من كواكب الميزان ثم الزبانا بالضم وآخره ألف وهما كوكبان
~~نيران من الثاني متباعدان في الشمال والجنوب بينهما قيد رمح على كفتي
~~الميزان.

# وقال غير واحد هما قرنا العقرب والقمر قد يكسف جنوبيهما ثم الإكليل وهي
~~ثلاثة كواكب خفية معترضة من الشمال إلى الجنوب على سطر مقوس يشبه شكلها
~~شكل الغفر الأوسط منها متقدم والإثنان تاليان وهي من الرابع والقمر يمر
~~بجميعها، وقيل هي أربعة كواكب برأس العقرب ولذا سميت به وأصل معناه التاج
~~ثم القلب وهو قلب العقرب كوكب أحمر نير أوسط الثلاثة التي على بدن العقرب
~~على استقامة من المغرب إلى المشرق وهو من الثاني واللذان قبله وبعده
~~ويسميان نياطين من الثالث والقمر يمر به ويكسفه من المنطقة ثم الشولة
~~بفتح الشين المعجمة واللام وتسمى إبرة العقرب عند الحجازيين كوكبان من
~~الثاني أزهران متقاربان على طرف ذنب العقرب في موضع الحمة والقمر
~~يحاذيهما ثم النعائم أربعة كواكب من الثالث على منحرف تابع للشولة وتسمى
~~النعائم الواردة أي إلى المجرة والقمر يمر باثنين منها ويحاذي الباقية
~~ويقرب منها أربعة أخرى من الثالث على منحرف هي النعائم الصادرة أي من
~~المجرة وكلها من صورة الرامي وسميت نعائم تشبيها بالخشبات التي تكون على
~~البئر، ثم البلدة وهي قطعة من السماء خالية من الكواكب مستديرة شبهت
~~ببلدة الثعلب وهي ما يكنسه بذنبه وتسمى أيضا بالمفازة والفرجة، وقيل
~~سميت بذلك تشبيها بالفرجة التي تكون بين الحاجبين وموضعها خلف الكواكب
~~التي تسمى بالقلادة وهي عصابة الرامي ثم سعد الذابح كوكبان على قرني
~~الجدي بينهما قدر باع جنوبيهما من الثالث والقمر يقاربه ولا يكسفه ويقرب
~~الشمالي كوكب صغير يكاد يلتصق به يقال إنه شاته التي يريد أن يذبحها،
~~وقيل: إنه في مذبحه ولهذا يسمى بالذابح ثم سعد بلع كوكبان على ms08861 كف ساكب/
~~الماء اليسرى فوق ظهر الجدي بينهما قدر باع غربيهما من الثالث وشرقيهما
~~من الرابع ويقرب متقدمهما كوكب صغير كأنه ابتلعه فلهذا سمي به، وفي
~~«القاموس» ((سعد بلع كزفر معرفة منزل للقمر طلع لما قال الله
~~تعالى:

# يأرض ابلعى ماءك

# [هود: 44] وهو نجمان مستويان في المجرى أحدهما خفي والآخر مضىء يسمى
~~بالعا كأنه بلع الآخر))، وقيل: لأنه ليس له ما لسعد الذابح فكأنه بلع
~~شاته والقمر يقارب أجنبهما ولا يكسفه ثم سعد السعود كوكبان، وقيل: ثلاثة
~~على خط مقوس بين الشمال والجنوب حدبته إلى المغرب أجنبهما والقمر يقرب
~~منه من الخامس على طرف ذنب الجدي وأشملهما من الثالث وهو مع الآخر في
~~القول الآخر من كواكب القوس والقمر يقارب أجنبهما وسمي بذلك لأنه في وقت
~~طلوعه ابتداء ما به يعيشون وتعيش مواشيهم ثم سعد الأخبية أربعة كواكب من
~~الثالث ومن كواكب الرامي على يد ساكب الماء اليمنى ثلاثة منها على شكل
~~مثلث حاد الزوايا والرابع وسطه وهو السعد والثلاث خباؤه ولذا سمي بذلك،
~~وقيل: لأنه يطلع قبل الدفء فيخرج من الهوام ما كان مختبئا والقمر
~~يقاربها من ناحية الجنوب ثم الفرغ المقدم ويقال الأعلى كوكبان نيران من
~~الثاني بينهما قيد رمح أجنبهما على متن الفرس الأكبر المجنح وأشملهما على
~~منكبه والقمر يمر بالبعد منهما ثم الفرغ المؤخر كوكبان نيران من الثاني
~~بينهما قيد رمح أيضا أجنبهما على جناح الفرس وأشملهما مشترك بين سرته
~~ورأس المسلسلة شبهت العرب الأربعة بفرغ الدلو وهو بفتح الفاء وسكون الراء
~~المهملة وغين معجمة مصب الماء منها لكثرة الأمطار في وقتها ثم بطن الحوت
~~ويقال له الرشاء بكسر الراء أي رشاء الدلو وقلب الحوت أيضا كوكب نير من
~~الثالث على جنب المرأة المسلسلة يحاذيه القمر ولا يقاربه وإنما سمي به
~~لوقوعه في بطن سمكة عظيمة تحت نحر الناقة تصورها العرب من سطرين عليهما
~~كواكب خفية بعضها من المسلسلة وبعضها من إحدى سمكتي الحوت.

# هذا واعلم أن هذه المنازل الثمانية والعشرين تسمي العرب الأربعة عشر
~~الشمالية ms08862 منها التي أولها الشرطان وآخرها السماك شامية والباقية منها
~~التي أولها الغفر وآخرها بطن الحوت يمانية وأنها تسمى خروج المنزل من
~~ضياء الفجر طلوعه وغروب رقيبه وقت الصبح سقوطه والمنازل التي يكون طلوعها
~~في مواسم المطر الأنواء ورقباؤها إذا طلعت في غير مواسم المطر البوارح
~~قاله القطب، وقال الجوهري: ((النوء سقوط نجم من المنازل في المغرب مع
~~الفجر وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته في كل ليلة إلى مضي ثلاثة
~~عشر يوما ما خلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوما، قال أبو عبيد: ولم
~~يسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع والعرب تضيف الأمطار والرياح
~~والحر والبرد إلى الساقط منها، وقال الأصمعي: إلى الطالع في سلطانه فتقول
~~مطرنا بنوء الثريا مثلا والجمع أنواء ونوآن مثل عبد وعبدان))، وذكر
~~الطيبي عن المرزوقي أن نوء الشرطين ثلاثة أيام ونوء البطين ثلاث ليال
~~ونوء الثريا خمس ليال ونوء الدبران ثلاث ليال ونوء الهقعة ست ليال ولا
~~يذكرون نوأها إلا بنوء الجوزاء ونوء الهنعة لا يذكر أيضا وإنما يكون في
~~أنواء الجوزاء والذراع لا نوء له ونوء النثرة سبع ليال ونوء الطرف ثلاث
~~ليال ونوء الجبهة سبع والزبرة أربع والصرفة ثلاث والعواء ليلة والسماك
~~أربع والغفر ثلاث وقيل ليلة والزبانا ثلاث والإكليل أربع والقلب ثلاث
~~والشولة كذلك والنعائم ليلة والبلدة ثلاث، وقيل: ليلة وسعد الذابح ليلة
~~وبلع وسعد السعود وسعد الأخبية والفرغ المقدم ثلاث والمؤخر أربع ولم يذكر
~~في نسختي للرشاء نوءا.

# ثم إن قول الإنسان مطرنا فنوء كذا إن أراد به أن النوء/ نزل بالماء فهو
~~كفر والقائل كافر حلال دمه إن لم يتب كما نص عليه الشافعي وغيره، وفي
~~«الروضة» من اعتقد أن النوء يمطر حقيقة كفر وصار مرتدا وإن أراد به أن
~~النوء سبب ينزل الله تعالى به الماء حسبما علم وقدر فهو ليس بكفر بل مباح
~~لكن قال ابن عبد البر: هو وإن كان مباحا كفر بنعمة الله تعالى وجهل
~~بلطيف حكمته. وفي «الصحيحين» عن زيد بن ms08863 خالد الجهني أن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال إثر سماء:

# " هل تدرون ما قال ربكم؟ قالوا: الله تعالى ورسوله أعلم قال: قال أصبح
~~من عبادي مؤمن بي وكافر. فأما من قال مطرنا بفضل الله تعالى ورحمته فذلك
~~مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا فهو كافر بي مؤمن
~~بالكوكب "

# وظاهره أن الكفر مقابل الإيمان فيحمل على ما إذا أراد القائل ما سمعت
~~أولا والله تعالى الحافظ من كل سوء لا رب غيره ولا يرجى إلا خيره.

# والقمر في العرف العام هو الكوكب المعروف في جميع ليالي الشهر، والمشهور
~~عند اللغويين أنه بعد الاجتماع مع الشمس ومفارقته إياها لا يسمى قمرا
~~إلا من ثلاث ليال وست وعشرين ليلة وفيما عدا ذلك يسمى هلالا ولعل الأظهر
~~في الآية حمله على المعنى الأول وهو الشائع إذا ذكر مع الشمس أي قدرنا
~~هذا الجرم المعروف منازل ومسافات مخصوصة فسار فيها ونزلها منزلة منزلة.

# { حتى عاد } أي صار في أواخر سيره وقربه من الشمس في رأي العين {
~~كالعرجون } هو عود عزق النخلة من بين الشمراخ إلى منبته منها وروي
~~ذلك عن الحسن وقتادة، وعن ابن عباس أنه أصل العذق، وقيل الشمراخ وهو ما
~~عليه البسر من عيدان العذق والكباسة، والمشهور الأول، ونونه على ما حكي
~~عن الزجاج زائدة فوزنه فعلون من الانعراج وهو الاعوجاج والانعطاف، وذهب
~~قوم واختاره الراغب والسمين وصاحب «القاموس» إلى أنها أصلية فوزنه فعلول.

# وقرأ سليمان التيمي { كالعرجون } بكسر العين وسكون الراء وفتح الجيم وهي
~~لغة فيه كالبزيون والبزيون وهو بساط رومي أو السندس.

# { القديم } أي العتيق الذي مر عليه زمان يبس فيه ووجه الشبه
~~الاصفرار والدقة والاعوجاج، وقيل: أقل مدة القدم حول فلو قال رجل كل
~~مملوك لي قديم فهو حر عتق منهم من مضى له حول وأكثر، وقيل: ستة أشهر
~~وحكاه بعض الإمامية عن أبي الحسن الرضا رضي الله تعالى عنه.

### || [36.40]

# { لا الشمس ينبغى لها } أي يتسخر ويتسهل كما في قولك النار
~~ينبغي أن تحرق ms08864 الثوب أو يحسن ويليق أي حكمة كما في قولك الملك ينبغي أن
~~يكرم العالم، واختار غير واحد المعنى الأول. وأصل { ينبغى } مطاوع بغي
~~بمعنى طلب وما طاوع وقبل الفعل فقد تسخر وتسهل. والنفي راجع في الحقيقة
~~إلى { ينبغى } فكأنه قيل: لا يتسهل للشمس ولا يتسخر { أن تدرك
~~القمر } أي في سلطانه بأن تجتمع معه في الوقت الذي حده الله تعالى له
~~وجعله مظهرا لسلطانه فإنه عز وجل جعل لتدبير هذا العالم بمقتضى الحكمة
~~لكل من النيرين الشمس والقمر حدا محدودا ووقتا معينا يظهر فيه سلطانه
~~فلا يدخل أحدهما في سلطان الآخر بل يتعاقبان إلى أن يأتي أمر الله عز
~~وجل.

# وهذه الجملة لنفي أن تدرك الشمس القمر فيما جعل له وقوله تعالى: { ولا
~~اليل سابق النهار } لنفي أن يدرك القمر الشمس فيما جعل لها أي
~~ولا آية الليل سابقة آية النهار وظاهر سلطانها في وقت ظهور سلطانها وإلى
~~هذا المعنى يشير كلام قتادة والضحاك وعكرمة وأبي صالح واختاره الزمخشري
~~ليناسب قوله تعالى: { لا الشمس ينبغى لها } ولأن الكلام في
~~الآيتين دل عليه قوله تعالى:

# والشمس تجرى

# [يس: 38] الآيتان وآخرا { كل فى فلك يسبحون }.

# وعبر بالإدراك أولا وبالسبق ثانيا على ما في «الكشاف» لمناسبة/ حال
~~الشمس من بطء السير وحال القمر من سرعته، ولم يقل ولا القمر سابق الشمس
~~ليؤذن على ما قال الطيبي بالتعاقب بين الليل والنهار وبنصوصية التدبير
~~على المعاقبة فإنه مستفاد من الحركة اليومية التي مدار تصرف كل منهما
~~عليه. وفي «الكشف» التحقيق أن المقصود بيان معاقبة كل من الشمس والقمر في
~~ترتب الإضاءة وسلطانه على الاستقلال وكذلك اختلاف الليل والنهار فقيل: {
~~ولا اليل سابق النهار } كناية عن سبق آيته آيته فحصل
~~الدلالة على الاختلاف أيضا إدماجا لأنها لا تنافي إرادة الحقيقة، وجاء
~~من ضرورة التقابل هذا المعنى في النهار أيضا من قوله تعالى: { لا
~~الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر } ولما ذكر مع الشمس
~~الإدراك المؤذن بأنها طالبة للحاق قيل: { لا ينبغى } رعاية للمناسبة
~~وجىء بالفعل المؤذن ms08865 بالتجدد ولما نفى السبق في المقابل أكد ذلك بأن جىء
~~بالجملة الاسمية المحضة من دون الابتغاء لأنه مطلوب اللحوق اه.

# ولم يذكر السر في إدخال حرف النفي على الشمس دون الفعل المؤذن بصفتها
~~ويوشك أن يكون أخفى من السها وكان ذلك ليستشعر منه في المقام الخطابي أن
~~الشمس إذا خليت وذاتها تكون معدومة كما هو شأن سائر الممكنات وإنما يحصل
~~لها ما يحصل من علته التي هي عبارة عن تعلق قدرته تعالى به على وفق
~~إرادته سبحانه الكاملة التي لا يأبى عنها شيء من أشياء عالم الإمكان
~~ويفيد ذلك في غاية كونها مسخرة في قبضة تصرفه عز وجل لا شيء فوق تلك
~~المسخرية وفيه تأكيد لما يفيده قوله تعالى:

# ذلك تقدير العزيز العليم

# [يس: 38] ورد بليغ لمن إليها يسند التأثير.

# وجوز أن يكون ذلك لإفادة كونها مسخرة لا يتسهل لها إلا ما أريد بها من
~~حيث تقديم المسند إليه على الفعل وجعله بعد حرف النفي نحو ما أنا قلت هذا
~~وما زيد سعى في حاجتك يفيد التخصيص أي ما أنا قلت هذا بل غيري وما زيد
~~سعى في حاجتك بل غيره على ما حققه علماء البلاغة والمقصود من نفي تسهل
~~إدراك القمر في سلطانه عن الشمس نفى أن يتسهل لها أن تطمس نوره وتذهب
~~سلطانه ويرجع ذلك إلى نفي قدرتها على الطمس وإذهاب السلطان فيكون المعنى
~~بناء على قاعدة التقديم أن الشمس لا تقدر على ذلك بل غيرها يقدر عليه وهو
~~الله عز وجل وهذا بعد إثبات الجريان لها بتقدير العزيز العليم مشعر
~~بكونها مسخرة لا يتسهل لها إلا ما أريد بها.

# وقال بعض الفضلاء فيما كتبه على هامش " تفسير البيضاوي " عند قوله:
~~((وإيلاء حرف النفي الشمس للدلالة على أنها مسخرة لا يتيسر لها إلا ما
~~أريد بها)) وجه الدلالة أن الإيلاء المذكور يفيد التخصيص والابتغاء بمعنى
~~الصحة والتسهيل المساوقين للاقتدار فيفيد الكلام أن الشمس ليس لها قدرة
~~على إدراك القمر وسرعة المسير التي هي ضد لحركتها الخاصة بل القدرة ms08866
~~عليهما لله سبحانه فهو فاعل لحركتها حقيقة ولها مجرد المحلية للحركة فصحت
~~الدلالة المذكورة ثم قال: وتفصيل الكلام أن الله سبحانه ذكر أولا أن
~~الشمس تجري لمستقر لها إشارة إلى حركتها الخاصة ثم ذكر سبحانه أنه قدر
~~القمر أيضا في منازل الشمس حتى عاد كالعرجون القديم أي رجع إلى الشكل
~~الهلالي وذلك إنما يكون عند قربه إلى الشمس ورجوعه إليها ولما كان للوهم
~~سبيل إلى أن يتوهم أن جري الشمس وسيرها وتقدير أنوار القمر وجرمه المرئي
~~مما يستند إلى إرادتهما على سبيل إرادتنا التي تتعلق تارة بالشيء وأخرى
~~بضده فيصح ويتيسر للنيرين الأمران كما يصحان لنا وأن يتوهم أن إسناد أمر/
~~الشمس والقمر إلى التقدير الإلهي من قبيل إسناد أفعالنا إليه من حيث إن
~~الإقدار والتمكين منه تعالى وإنه سبحانه المبدأ والمنتهى إلى غير ذلك من
~~الاعتبارات، نبه جل شأنه بالتخصيص المذكور على دفع على هذا التوهم على
~~سبيل التنبيه على كون الشيء مسخرا مضطرا في أمره بسلب اقتداره على ضده
~~وإن لم يذكر جميع أضداده فأشار سبحانه إلى أن الحركة السريعة المفضية إلى
~~إدراك القمر التي هي ضد الحركة الخاصة للشمس لا يصح استنادها إليها
~~والقدرة عليها مختصة بغيرها - وهو العزيز العليم - حتى يظهر أن وجود
~~الحركة الخاصة لها مستند إلى تقديره تعالى وتدبيره جل شأنه من غير مشاركة
~~للشمس معه سبحانه ثم أردف ذلك بحكم القمر حيث قال تعالى: { ولا
~~اليل سابق النهار } فإن الأقرب كون المعنى فيه ليس لآية الليل
~~القدرة على أن تسبق آية النهار بحيث تفوتها ولا تكون لها مراجعة إليها
~~ولحوق بها تنبيها على أن تقدير القمر في المنازل على الوجه المرصود الذي
~~يعود به إلى الشكل الهلالي الشبيه بالعرجون ويفضي إلى مقاربة الشمس مستند
~~أيضا إلى تقديره تعالى وتدبيره سبحانه من غير مشاركة للقمر فيه
~~فالجملتان في قوة التأكيد للآيتين السابقتين ولهذا فصلتا اه، وفيه دغدغة
~~لا تخفى على ذكي فتأمل.

# وما أشار إليه من أن معنى { لا الشمس ينبغى لها أن تدرك ms08867
~~القمر } أن الشمس لا قدرة لها على أن تدرك القمر في سيره لبطء حركتها
~~الخاصة وسرعة حركته كذلك قاله غير واحد. وادعى النحاس أنه أظهر ما قيل في
~~معناه وبينه وبين ما تقدم من المعنى قرب ما، بل قال بعضهم: الفرق بين
~~الوجهين بالاعتبار، وقال بعض من ذهب إليه في { ولا اليل سابق
~~النهار } إن المراد أن القمر لا يسبق الشمس بالحركة اليومية وهي ما
~~تكون له وكذا لسائر الكواكب بواسطة فلك الأفلاك فإن هذه الحركة لا يقع
~~بسببها تقدم ولا تأخر وقيل المراد بقوله تعالى: { لا الشمس ينبغى
~~لها أن تدرك القمر } إنه لا ينبغي لها أن تدركه في آثاره
~~ومنافعه فإنه سبحانه خص كلا منهما بآثار ومنافع كالتلوين بالنسبة للقمر
~~والنضج بالنسبة للشمس، وعن الحسن أن المراد أنهما لا يجتمعان فيما يشاهد
~~من السماء ليلة الهلال خاصة أي لا تبقى الشمس طالعة إلى أن يطلع القمر
~~ولكن إذا غربت طلع، وقال يحيى ابن سلام: المراد لا تدركه ليلة البدر
~~خاصة لأنه يبادر المغيب قبل طلوعها وكلا القولين لا يعول عليهما ولا
~~ينبغي أن يلتفت إليهما، وقيل في معنى الجملة الثانية إن الليل لا يسبق
~~النهار ويتقدم على وقته فيدخل قبل مضيه. وفي «الدر المنثور» عن بعض
~~الأجلة أي لا ينبغي إذا كان ليل أن يكون ليل آخر حتى يكون النهار، وعليك
~~بما تقدم فهو لعمري أقوم.

# واستدل بالآية أن النهار سابق على الليل في الخلق. روى العياشي في "
~~تفسيره " بالإسناد عن الأشعث بن حاتم قال كنت بخراسان حيث اجتمع الرضا
~~رضي الله تعالى عنه والمأمون والفضل بن سهل في الإيوان بمرو فوضعت
~~المائدة فقال الرضا: إن رجلا من بني إسرائيل سألني بالمدينة فقال:
~~النهار خلق قبل أم الليل فما عندكم؟ فأرادوا الكلام فلم يكن عندهم شيء
~~فقال الفضل للرضا: أخبرنا بها أصلحك الله تعالى قال نعم من القرآن أم من
~~الحساب؟ قال له الفضل: من جهة الحساب فقال رضي الله تعالى عنه: قد علمت
~~يا فضل أن طالع ms08868 الدنيا السرطان والكواكب في مواضع شرفها فزحل في الميزان
~~والمشتري في السرطان والمريخ في الجدي والشمس في الحمل والزهرة في الحوت
~~وعطارد في السنبلة والقمر في الثور فتكون الشمس في العاشر وسط السماء
~~فالنهار قبل الليل، ومن القرآن قوله تعالى: { ولا اليل سابق
~~النهار } أي الليل قد سبقه النهار اه.

# / وفي الاستدلال بالآية بحث ظاهر وأما بالحساب فله وجه في الجملة. ورأى
~~المنجمون أن ابتداء الدورة دائرة نصف النهار وله موافقة لما ذكر، والذي
~~يغلب على الظن عدم صحة الخبر من مبتدئه فالرضى أجل من أن يستدل بالآية
~~على ما سمعت من دعواه.

# وفهم الإمام من قوله تعالى: { ولا اليل سابق النهار } أن
~~الليل مسبوق لا سابق ومن قوله سبحانه:

# يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا

# [الأعراف: 54] أن الليل سابق لأن النهار يطلبه، وأجاب عما يلزم عليه من
~~كون الليل سابقا مسبوقا بأن المراد من الليل هنا آيته وهو القمر وهو لا
~~يسبق الشمس بالحركة اليومية والمراد من الليل هناك نفس الليل وكل واحد
~~لما كان في عقب الآخر كان طالبه. وتعقبه أبو حيان بأن فيه جعل الضمير
~~الفاعل في { يطلبه } عائدا على النهار وضمير المفعول عائدا على {
~~اليل } والظاهر أن ضمير الفاعل عائد على ما هو الفاعل في المعنى وهو
~~الليل لأنه كان قبل دخول همزة النقل { ايغشي الليل النهار }
~~وضمير المفعول عائد على { النهار } لأنه المفعول قبل النقل وبعده
~~وحينئذ كلتا الآيتين تفيد أن النهار سابق فلا سؤال انتهى. فتأمل ولا
~~تغفل.

# وقرأ عمار بن عقيل { سابق } بغير تنوين { النهار } بالنصب قال
~~المبرد: سمعته يقرأ فقلت ما هذا؟ قال: أردت سابق النهار بالتنوين فحذفت
~~لأنه أخف. وفي «البحر» حذف التنوين لالتقاء الساكنين.

# { وكل } أي كل واحد من الشمس والقمر إذ هما المذكوران صريحا
~~والتنوين عوض عن المضاف إليه وقدره بعضهم ضمير جمع العقلاء ليوافق ما بعد
~~أي كلهم وقدره آخر اسم إشارة أي كل ذلك أي المذكور الشمس والقمر { فى
~~فلك } هو كما قال الراغب مجرى الكوكب سمي به ms08869 لاستدارته كفلكة المغزل
~~وهي الخشبة المستديرة في وسطه وفلكة الخيمة وهي الخشبة المستديرة التي
~~توضع على رأس العمود لئلا تتمزق الخيمة.

# { يسبحون } أي يسيرون فيه بانبساط وكل من بسط في شيء فهو يسبح فيه،
~~ومنه السباحة في الماء، وهذا المجرى في السماء ولا مانع عندنا أن يجري
~~الكوكب بنفسه في جوف السماء وهي ساكنة لا تدور أصلا وذلك بأن يكون فيها
~~تجويف مملوء هواء أو جسما آخر لطيفا مثله يجري الكوكب فيه جريان السمكة
~~في الماء أو البندقة في الأنبوب المستدير مثلا أو تجويف خال من سائر ما
~~يشغله من الأجسام يجري الكوكب فيه أو بأن تكون السماء بأسرها لطيفة أو ما
~~هو مجرى الكوكب منها لطيفا فيشق الكوكب ما يحاذيه وتجري كما تجري السمكة
~~في البحر أو في ساقية منه وقد انجمد سائره وانقطاع كرة الهواء عند كرة
~~النار المماسة لمقعر فلك القمر عند الفلاسفة وانحصار الأجسام اللطيفة
~~بالعناصر الثلاثة وصلابة جرم السماء وتساوي أجزائها واستحالة الخرق
~~والالتئام عليها واستحالة وجود الخلاء لم يتم دليل على شيء منه، وأقوى ما
~~يذكر في ذلك شبهات أوهن من بيت العنكبوت وإنه ورب السماء لأوهن البيوت.

# ويجوز أن يكون الفلك عبارة عن جسم مستدير ويكون الكوكب فيه يجري بجريانه
~~في ثخن السماء من غير دوران للسماء، ولا مانع من أن يعتبر هذا الفلك لبعض
~~الكواكب الفلك الكلي ويكون فيه نحو ما يثبته أهل الهيئة لضبط الحركات
~~المختلفة من الأفلاك الجزئية لكن لا يضطر إلى ذلك بناء على القواعد
~~الإسلامية كما لا يخفى إلا أن في نسبة السبح إلى الكوكب نوع إباء بظاهره
~~عن هذا الاحتمال، وفي كلام الأئمة من الصحابة وغيرهم إيماء إلى بعض ما
~~ذكرنا. / أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في " العظمة " عن ابن
~~عباس أنه قال في الآية؛ { كل فى فلك } فلكة كفلكة المغزل يسبحون
~~يدورون في أبواب السماء كما تدور الفلكة في المغزل. وأخرج الأخيران عن
~~مجاهد أنه قال: لا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا تدور ms08870 الفلكة إلا بالمغزل
~~والنجوم في فلكة كفلكة المغزل فلا يدرن إلا بها ولا تدور إلا بهن.

# وفي " الفتوحات المكية " للشيخ الأكبر قدس سره جعل الله تعالى السموات
~~ساكنة وخلق فيها سبحانه نجوما وجعل لها في عالم سيرها وسباحتها في هذه
~~السموات حركات مقدرة لا تزيد ولا تنقص وجعلها عاقلة سامعة مطيعة وأوحى
~~في كل سماء أمرها ثم إنه عز وجل لما جعل السباحة للنجوم في هذه السموات
~~حدثت لسيرها طرق لكل كوكب طريق وهو قوله تعالى:

# والسماء ذات الحبك

# [الذاريات: 7] فسميت تلك الطرق أفلاكا فالأفلاك تحدث بحدوث سير الكواكب
~~وهي سريعة السير في جرم السماء الذي هو مساحتها فتخرق الهواء المماس لها
~~فيحدث لسيرها أصوات ونغمات مطربة لكون سيرها على وزن معلوم فتلك نغمات
~~الأفلاك الحادثة من قطع الكواكب المسافات المساوية فهي تجري في هذه الطرق
~~بعادة مستمرة قد علم بالرصد مقادير ودخول بعضها على بعض في السير وجعل
~~سيرها للناظرين بين بطء وسرعة وجعل سبحانه لها تقدما وتأخرا في أماكن
~~معلومة من السماء تعينها أجرام الكواكب لإضائتها دونها إلى آخر ما قال.

# وقال الإمام: إن الله تعالى قادر على أن يجعل الكوكب بحيث يشق السماء
~~فيجعل دائرة متوهمة كما لو جرت سمكة في الماء على الاستدارة وهذا هو
~~المفهوم من قوله تعالى: { فى فلك يسبحون } والظاهر أن حركة
~~الكوكب على هذا الوجه. وأرباب الهيئة أنكروا ذلك للزوم الخرق والالتئام
~~إن انشق موضع الجري والتأم أو الخلاء إن انشق ولم يلتئم والكل محال عندهم
~~وعندنا لا محالية في ذلك وما يلزم هنا الخرق والالتئام لأنه المفهوم من {
~~يسبحون } ولا دليل لهم على الاستحالة فيما عدا المحدد وهو هناك شبهة
~~ضعيفة لا دليل، وظاهر الآية أن كل واحد من النيرين في فلك أي في مجرى خاص
~~به وهذا مما يشهد به الحس وذهب إلى نحوه فلاسفة الإسلام كغيرهم من
~~الفلاسفة بيد أنهم يقولون باتحاد الفلك والسماء ولما سمعوا عن قبلهم أن
~~كلا من السبع السيارة في فلك وكل الكواكب الثوابت في ms08871 فلك وفوق كل ذلك
~~فلك يحرك الجميع من المشرق إلى المغرب ويسمى فلك الأفلاك لتحريكه إياها
~~والفلك الأعظم لإحاطته بها والفلك الأطلس لأنه كاسمه غير مكوكب وسمعوا عن
~~الشارع ذكر السموات السبع والكرسي والعرش أرادوا أن يطبقوا بين الأمرين
~~فقالوا: السموات السبع في كلام الشارع هي الأفلاك السبعة في كلام
~~الفلاسفة فلكل من السيارات سماء من السموات والكرسي هو فلك الثوابت
~~والعرش هو الفلك المحرك للجميع المسمى بفلك الأفلاك وقد أخطؤوا في ذلك
~~وخالفوا سلف الأمة فيه فالفلك غير السماء، وقوله تعالى مع ما هنا

# ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا *
~~وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا

# [نوح: 15-16] لا يدل على الاتحاد لما قلنا من أن الكواكب في الفلك
~~والفلك في السماء فيكون الكوكب فيها بلا شبهة فلا يحوج الجمع إلى القول
~~بالعينية ولم يقم دليل على كرية العرش بل ظاهر ما ورد في الأخبار من أن
~~له قوائم يدل على عدم الكرية، نعم ورد ما يدل بظاهره أنه مقبب وهذا شيء
~~غير ما يزعمونه فيه وكذا الكرسي لم يدل دليل على كريته كما يزعمون ومع
~~هذا ليس عندهم دليل تام على كون الثوابت كلها في فلك فيجوز أن تكون في
~~أفلاك كممثلات كلها فوق زحل أو بعضها فوقه وبعضها بين أفلاك العلوية وهي
~~لا تكسف/ الثوابت التي عروضها أكثر من عروضها ولا لها اختلاف منظر ليعرف
~~بأحد الوجهين كون الجميع فوق العلوية أو كتداوير ولا يلزم اختلاف أبعاد
~~بعضها من بعض لجواز تساوي أجرام التداوير وحركاتها ولا اختلاف حركاتها
~~بالسرعة والبطء للبعد والقرب وموافقة الممثل ومخالفته لأنا لا نسلم أن
~~حركاتها لا تختلف بذلك المقدار ولا اختلاف أبعادها من الأرض لأنها غير
~~محققة، ويجوز أيضا أن تكون كلها مركوزة في محدب ممثل زحل على أنه يتحرك
~~الحركة البطيئة والمعدل الحركة السريعة، وأيضا يجوز أن يكون فيما سموه
~~الفلك الأطلس كواكب لا ترى لصغرها جدا أو ترى وهي سريعة الحركة ولم يرصد
~~كل كوكب ليتحقق بطء ms08872 حركة الجميع، وأيضا يجوز أن تكون السيارات أكثر من
~~سبع فيحتاج إلى أزيد من سبع سموات، ويقرب هذا ظفر أهل الأرصاد الجديدة
~~بكوكب سيار غير السبع سموه باسم من ظفر به وأدركه وهو هرشل، وبالجملة لا
~~قاطع فيما قالوه.

# وللشيخ الأكبر قدس سره في هذا الباب كلام آخر مبناه الكشف وهو أن العرش
~~الذي استوى الرحمن سبحانه عليه سرير ذو أركان أربعة ووجوه أربعة هي
~~قوائمه الأصلية وهي على الماء الجامد وفي جوفه الكرسي وهو على شكله في
~~التربيع لا في القوائم ومقره على الماء الجامد أيضا وبين مقعر العرش
~~وبينه فضاء واسع وهواء مخترق وفي جوف الكرسي خلق الله تعالى الفلك الأطلس
~~جسما شفافا مستديرا مقسما إلى اثنين عشر قسما هي البروج المعروفة
~~وفي جوفه الفلك المكوكب وما بينهما الجنات وبعد أن خلق الله تعالى
~~الأرضين واكتسى الهواء صورة الدخان خلق الله سبحانه السموات السبع وجعل
~~في كل منها كوكبا وهي الجواري، وزعم الخفاجي أن المراد بالفلك في الآية
~~الفلك الأعظم لأن الشمس والقمر وكذا سائر الكواكب تتحرك بحركته فالسباحة
~~عنده عبارة عن الحركة القسرية. وفي القلب من ذلك شيء.

# ثم على ما هو الظاهر من أن لكل واحد فلكا يخصه ذهبوا إلى أن فلك الشمس
~~فوق فلك القمر لما أنه يكسفها والمكسوف فوق التكاسف ضرورة، وذكر معظم أهل
~~الهيئة أن الفلك الأدنى فلك القمر وفوقه فلك عطارد وفوقه فلك الزهرة
~~وفوقه فلك الشمس وفوقه فلك المريخ وفوقه فلك المشتري وفوقه فلك زحل
~~واستدلوا على بعض ذلك بالكسف وعلى بعضه الآخر بأن فيه حسن الترتيب وجودة
~~النظام، ولا مانع فيما أرى من القول بذلك لكن لا على الوجه الذي قال به
~~أهل الهيئة من كون السموات هي الأفلاك الدائرة بل على وجه يتأتى معه
~~القول بسكون السموات ودوران الكواكب في أفلاكها ومجاريها بعضها فوق بعض،
~~وقد مر لك ما ينفعك في هذا المقام فراجعه.

# وجوز كون ضمير { يسبحون } عائدا على الكواكب ويشعر بها ذكر الشمس
~~والقمر والليل والنهار، ورجح ms08873 على الأول بأن الإتيان بضمير الجمع عليه
~~ظاهر لا يحتاج إلى تكلف بخلافه على الأول فإنه محوج إلى أن يقال اختلاف
~~أحوال الشمس والقمر في المطالع وغيرها نزل منزلة تعدد أفرادهما فكان
~~المرجع شموسا وأقمارا، وظني أنه لا يحتاج إلى ذلك بناء على أنه قد
~~يعتبر الإثنان جمعا أو بناء على ما قال الإمام من أن لفظ (كل) يجوز أن
~~يوحد نظرا إلى لفظه وأن يجمع نظرا إلى كونه بمعنى الجميع وأما التثنية
~~فلا يدل عليها اللفظ ولا المعنى قال: فعلى هذا يحسن أن يقال زيد وعمرو كل
~~جاء وكل جاؤوا ولا يحسن كل جاءا بالتثنية.

# واستدل بالإتيان بضمير جمع العقلاء على أن الشمس والقمر من ذوي العقول.
~~وأجيب بأن ذاك لما أن المسند إليهما فعل ذوي العقول كما في قوله تعالى في
~~حق الأصنام

# ما لكم لا تنطقون

# [الصافات: 92] وقوله سبحانه:

# ألا تأكلون

# [الصافات:91] والظواهر غير ما ذكر مع المستدلين.

# واستدل بالآية بعض فلاسفة الإسلام القائلين باتحاد السماء والفلك على
~~استدارة السماء وجعلوا من اللطائف فيها أن { كل فى فلك } / لا
~~يستحيل بالانعكاس نحو كلامك كمالك وسر فلا كبابك الفر من وقالوا: لا يعكر
~~على ذلك أنه سبحانه سماها سقفا في قوله عز قائلا:

# والسقف المرفوع

# [الطور: 5] لأن السقف المقبب لا يخرج عن كونه سقفا بالتقبيب، وأنت تعلم
~~أن السموات غير الأفلاك ومع هذا أقول باستدارة السموات كما ذهب إليه
~~بعض السلف، وبعض ظواهر الأخبار يقتضي أنها أنصاف كرات كل سماء نصف كرة
~~كالقبة على أرض من الأرضين السبع وإليه ذهب الشيخ الأكبر وقال بالاستدارة
~~لفلك المنازل دون السموات السبع وادعى أن تحت الأرضين السبع التي على كل
~~منها سماء ماء، وتحته هواء، وتحته ظلمة وعليه فليتأمل في كيفية سير
~~الكوكب بعد غروبه حتى يطلع.

# ثم إن الفلاسفة الذاهبين إلى استدارة السماء تمسكوا في ذلك بأدلة أقربها
~~على ما قيل دليلان، الأول أنا متى قصدنا عدة مساكن على خط واحد من عرض
~~الأرض وحصلنا الكواكب المارة على سمت رأس ms08874 في كل واحدة منها ثم اعتبرنا
~~أبعاد ممرات تلك الكواكب في دائرة نصف النهار بعضها من بعض وجدناها على
~~نسب المسافات الأرضية بين تلك المساكن، وكذلك وجدنا ارتفاع القطب فيها
~~متفاضلا بمثل تلك النسب فتحدب السماء في العرض مشابه لتحدب الأرض فيه
~~لكن هذا التشابه موجود في كل خط من خطوط العرض وكذا في كل خط من خطوط
~~الطول فسطح السماء بأسره مواز لسطح الظاهر من الأرض بأسره وهذا السطح
~~مستدير حسا فكذا سطح السماء الموازي له.

# والثاني أن أصحاب الأرصاد دونوا في كتبهم مقادير اجرام الكواكب وأبعاد
~~ما بينها في الأماكن المختلفة في وقت واحد كما في أنصاف نهار تلك الأماكن
~~مثلا متساوية وهذا يدل على تساوي أبعاد مراكز الكواكب عن مناظر الأبصار
~~المستلزم لتساوي أبعادها عن مركز العالم لاستدارة الأرض المستلزم لكون
~~جرم السماء كريا. ونوقش في هذا بأنه إنما يصح أن لو كان الفلك ساكنا
~~والكوكب متحركا إذ لو كان الفلك متحركا جاز أن يكون مربعا وتكون
~~مساواة أبعاد مراكز الكواكب عن مناظر الأبصار وتساوي مقادير الأجرام
~~للكواكب حاصلة، وفي الأول بأنه إنما يصح لو كان الاعتبار المذكور موجودا
~~في كل خط من خطوط الطول والعرض ولا يخفى جريان كل من المناقشتين في كل من
~~الدليلين، ولهم غير ذلك من الأدلة مذكورة بما لها وعليها في مطولات
~~كتبهم.

### || [36.41]

# { وءاية لهم أنا حملنا ذريتهم } أي أولادهم، قال
~~الراغب: ((الذرية أصلها الصغار من الأولاد ويقع في التعارف على الصغار
~~والكبار معا ويستعمل للواحد والجمع وأصله للجمع، وفيه ثلاثة أقوال فقيل
~~هو من ذرأ الله الخلق فترك همزته نحو برية وروية، وقيل: أصله ذروية،
~~وقيل: هو فعلية من الذر نحو قمرية)) واستظهر حمله على الأولاد مطلقا أبو
~~حيان، وجوز غير واحد أن يحمل على الكبار لأنهم المبعوثون للتجارة أي
~~حملناهم حين يبعثونهم للتجارة { فى الفلك } أي السفينة سميت بذلك
~~على ما في " مجمع البيان " لأنها تدور في الماء { المشحون } أي
~~المملوء، وقيل: هو مستعمل على أصله وهم الأولاد الصغار ms08875 الذين يستصحبونهم،
~~وقيل: المراد به النساء فإنه يطلق عليهن، وفي الحديث أنه عليه الصلاة
~~والسلام نهى عن قتل الذراري وفسر بالنساء. وفي " الفائق " قال حنظلة
~~الكاتب: " كنا في غزاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى امرأة
~~مقتولة فقال: هاه ما كانت هذه تقاتل الحق خالدا وقل لا تقتلن ذرية ولا
~~عسيفا " ، وهي نسل الرجل وأوقعت على النساء كقولهم للمطر سماء ويراد
~~بالنساء اللاتي يستصحبونهن وتخصيص الذرية على هذين القولين بالذكر لأن
~~استقرارهم/ وتماسكهم في الفلك أعجب، وقيل: تطلق الذرية على الآباء وعلى
~~الأبناء قاله أبو عثمان. وتعقبه ابن عطية بأنه تخليط لا يعرف في اللغة،
~~وقيل: الذرية النطف والفلك المشحون بطون النساء ذكره الماوردي ونسب إلى
~~علي كرم الله تعالى وجهه، والظاهر أنه لم يصح ذلك عنه رضي الله تعالى عنه
~~وفي الآية ما يبعده وهو أشبه شيء بتأويلات الباطنية. والمراد بالفلك جنسه
~~والوصف بالمشحون أقوى في الامتنان بسلامتهم فيه، وقيل: لأنه أبعد من
~~الخطر، وإرادة الجنس مروية عن ابن عباس ومجاهد والسدى وفسر (ما) في قوله
~~تعالى: { وخلقنا لهم من مثله... }.

### || [36.42]

# { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } عليه بالإبل فإنها
~~سفائن البر لكثرة ما تحمل وقلة كلالها في المسير، وإطلاق السفائن عليها
~~شائع كما قيل:

# سفائن بر والسراب بحارها

# وروي ذلك عن الحسن وعبد الله بن شداد، وفسره مجاهد بالأنعام الإبل
~~وغيرها، وعن أبي مالك وأبي صالح وغيرهما وهي رواية عن ابن عباس أيضا
~~أن المراد بالفلك سفينة نوح عليه السلام على أن التعريف للعهد فما عبارة
~~عما سمعت أيضا عند بعض وعند آخرين هي السفن والزوارق التي كانت بعد تلك
~~السفينة. واستشكل حمل ذريتهم في سفينة نوح عليه السلام. وأجيب بأن ذلك
~~بحمل آبائهم الأقدمين وفي أصلابهم هؤلاء وذريتهم، وتخصيص الذرية مع أنهم
~~محمولون بالتبع لأنه أبلغ في الامتنان حيث تضمن بقاء عقبهم وأدخل في
~~التعجب ظاهرا حيث تضمن حمل ما لا يكاد يحصى كثرة في سفينة واحدة مع
~~الإيجاز لأنه كان الظاهر أن يقال ms08876 حملناهم ومن معهم ليبقى نسلهم فذكر
~~الذرية يدل على بقاء النسل وهو يستلزم سلامة أصولهم فدل بلفظ قليل على
~~معنى كثير.

# وقال الإمام: يحتمل عندي أن التخصيص لأن الموجودين كانوا كفارا لا
~~فائدة في وجودهم أي لم يكن الحمل حملا لهم وإنما كان حملا لما في
~~أصلابهم من المؤمنين، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي حملنا ذريات جنسهم
~~وهو كما ترى، وقيل: ضمير { لهم } لأهل مكة وضمير { ذريتهم }
~~للقرون الماضية الذين هم منهم وحكي ذلك عن علي بن سليمان وليس بشيء، وجوز
~~الإمام كون الضميرين للعباد في قوله تعالى:

# يحسرة على العباد

# [يس: 30] ولا يكون المراد في كل أشخاصا معينين بل ذلك على نحو هؤلاء
~~القوم هم قتلوا أنفسهم على معنى قتل بعضهم بعضا فالمعنى آية لكل بعض
~~منهم أنا حملنا ذرية كل بعض منهم أو ذرية بعض منهم وفيه من البعد ما فيه.

# ورجح تفسير { ما } بالإبل ونحوها من الأنعام دون السفن بأن المتبادر من
~~الخلق الإنشاء والاختراع فيبعد أن يتعلق بما هو مصنوع العباد. وتعقب بأن
~~أفعال العباد مخلوقة لله تعالى عند أهل الحق وتبادر الإنشاء ممنوع وعليه
~~يكون في الآية رد على المعتزلة كما قيل في قوله تعالى:

# والله خلقكم وما تعملون

# [الصافات: 96] على تقدير كون (ما) موصولة، و { من } تحتمل أن تكون
~~للبيان وأن تكون للتبعيض؛ وجوز زيادتها على نظر الأخفش ورأيه، والظاهر أن
~~ضمير { لهم } الثاني عائد على ما عاد عليه ضمير الأول، وجوز عوده على
~~الذرية، وجوز أيضا عود ضمير { مثله } على معلوم غير مذكور تقديره من
~~مثل ما ذكرنا من المخلوقات في قوله سبحانه:

# سبحن الذى خلق الأزوج كلها مما تنبت الارض

# [يس: 36] وهو أبعد من العيوق، وأيا ما كان فلا يخفى مناسبة هذه الآية
~~لقوله تعالى:

# كل فى فلك يسبحون

# [يس: 40] وإنما لم يؤت بها على أسلوب أخواتها بأن يقال وآية لهم الفلك
~~حملنا ذريتهم فيه كما قال سبحانه:

# وءاية لهم الأرض الميتة أحيينها

# [يس: 33]

# وءاية لهم اليل نسلخ منه النهار

# [يس: ms08877 37] لأنه ليس الفلك نفسه عجبا وإنما حملهم فيه هو العجب.

# وقرأ نافع وابن عامر والأعمش وزيد بن علي وأبان بن عثمان { ذرياتهم }
~~بالجمع، وكسر زيد وأبان الذال.

### || [36.43]

# { وإن نشأ } اغراقهم { نغرقهم } في الماء مع ما حملناهم فيه
~~من الفلك وما يركبون/ من السفن والزوارق فالكلام من تمام ما تقدم فإن كان
~~المراد ب

# ما

# [يس: 42] هناك السفن والزوارق فالأمر ظاهر وإن كان المراد بها الإبل
~~ونحوها كان الكلام من تمام صدر الآية أي نغرقهم مع ما حملناهم فيه من
~~الفلك وكان حديث خلق الإبل ونحوها في البين استطرادا للتماثل، ولما في
~~ذلك من نوع بعد قيل إن قوله سبحانه: { وإن نشأ } الخ يرجح حمل

# الفلك

# [يس: 41]على الجنس و { ما } على السفن والزوارق الموجودة بين بني آدم
~~إلى يوم القيامة، وفي تعليق الإغراق بمحض المشيئة إشعار بأنه قد تكامل ما
~~يستدعي إهلاكهم من معاصيهم ولم يبق إلا تعلق مشيئته تعالى به، وقيل إن
~~ذلك إشارة إلى الرد على من يتوهم أن حمل الفلك الذرية من غير أن يغرق أمر
~~تقتضيه الطبيعة ويستدعيه امتناع الخلاء. وقرأ الحسن { نغرقهم } بالتشديد.

# { فلا صريخ لهم } أي فلا مغيث لهم يحفظهم من الغرق، وتفسير
~~الصريخ بالمغيث مروي عن مجاهد وقتادة، ويكون بمعنى الصارخ وهو المستغيث
~~ولا يراد هنا، ويكون مصدرا كالصراخ ويتجوز به عن الإغاثة لأن المستغيث
~~ينادي من يستغيث به فيصرح له ويقول جاءك العون والنصر قال المبرد في أول
~~" الكامل ": قال سلامة بن جندل:

# كنا إذا ما أتانا صارخ فزع

# كان الصراخ له قرع الظنابيب

# يقول إذا أتانا مستغيث كانت إغاثته الجد في نصرته، وجوز إرادته هنا أي
~~فلا إغاثة لهم { ولا هم ينقذون } أي ينجون من الموت به بعد
~~وقوعه.

### || [36.44]

# { إلا رحمة منا ومتاعا } استثناء مفرغ من أعم العلل
~~الشاملة للباعث المتقدم والغاية المتأخرة أي لا يغاثون ولا ينقذون لشيء
~~من الأشياء إلا لرحمة عظيمة من قبلنا داعية إلى الإغاثة والإنقاذ وتمتيع
~~بالحياة مترتب عليهما، ويجوز أن يراد بالرحمة ما ms08878 يقارن التمتيع بالحياة
~~الدنيوية فيكون كلاهما غاية للإغاثة والإنقاذ أي لنوع من الرحمة وتمتيع.
~~وإلى كونه استثناء مفرغا مما يكون مفعولا لأجله ذهب الزجاج والكسائي،
~~والاستثناء على ما يقتضيه الظاهر متصل، وقيل: الاستثناء منقطع على معنى
~~ولكن رحمة منا ومتاع يكونان سببا لنجاتهم وليس بذاك، وجوز أن يكون النصب
~~بتقدير الباء أي إلا برحمة ومتاع، والجار متعلق بينقذون ولما حذف انتصب
~~مجروره بنزع الخافض. وقيل هو على المصدرية لفعل محذوف أي إلا أن نرحمهم
~~رحمة ونمتعهم تمتيعا، ولا يخفى حاله وكذا حال ما قبله.

# { إلى حين } أي إلى زمان قدر فيه - حسبما تقتضيه الحكمة - آجالهم،
~~ومن هنا أخذ أبو الطيب قوله:

# ولم أسلم لكي أبقى ولكن

# سلمت من الحمام إلى الحمام

# والظاهر أن المحدث عنه من يشاء الله تعالى إغراقهم، وقال ابن عطية: إن

# فلا صريخ لهم

# [يس: 43] الخ استئناف إخبار عن المسافرين في البحر ناجين كانوا أو
~~مغرقين أي لا نجاة لهم إلا برحمة الله تعالى، وليس مربوطا بالمغرقين وقد
~~يصح ربطه به والأول أحسن فتأمله اه، وقد تأملناه فوجدناه لا حسن فيه
~~فضلا عن أن يكون أحسن. والفاء ظاهرة في تعلق ما بعدها بما قبلها.

### || [36.45]

# { وإذا قيل لهم } الخ بيان لإعراضهم عن الآيات التنزيلية بعد
~~بيان إعراضهم عن الآيات الآفاقية التي كانوا يشاهدونها وعدم تأملهم فيها
~~أي إذا قيل لأهل مكة بطريق الإنذار بما نزل من الآيات أو بغيره {
~~اتقوا ما بين أيديكم } قال قتادة ومقاتل: أي عذاب الأمم
~~التي قبلكم، والمراد/ اتقوا مثل عذابهم { وما خلفكم } أي عذاب
~~الآخرة، وقال مجاهد في رواية عكس ذلك، وجاء عنه في رواية أخرى ما بين
~~أيديهم ما تقدم من ذنوبهم وما خلفهم ما يأتي منها، وعن الحسن مثله، وقيل
~~ما بين أيديهم نوازل السماء وما خلفهم نوائب الأرض، وقيل ما بين أيديهم
~~المكاره من حيث يحتسبون وما خلفهم المكاره من حيث لا يحتسبون، وحاصل
~~الأمر على ما قيل اتقوا العذاب أو اتقوا ما يترتب العذاب عليه.

# { لعلكم ترحمون } حال ms08879 من واو اتقوا أو غاية له [أي] راجين أن
~~ترحموا أو كي ترحموا، وفسرت الرحمة بالإنجاء من العذاب، وجواب (إذا)
~~محذوف ثقة بانفهامه من قوله تعالى: { وما تأتيهم من آية من
~~آيات ربهم... }.

### || [36.46]

# انفهاما بينا، أما إذا كان الإنذار بالآية الكريمة فبعبارة النص، وأما
~~إذا كان بغيرها فبدلالته لأنهم حين أعرضوا عن آيات ربهم فلأن يعرضوا عن
~~غيرها بطريق الأولى كأنه قيل: وإذا قيل لهم اتقوا العذاب أو اتقوا ما
~~يوجبه أعرضوا لأنهم اعتادوه وتمرنوا عليه. و (ما) نافية وصيغة المضارع
~~للدلالة على الاستمرار التجددي. و (من) الأولى مزيدة لتأكيد العموم
~~والثانية تبعيضية متعلقة بمحذوف وقع صفة لآية. وإضافة الآيات إلى اسم
~~الرب المضاف إلى ضميرهم لتفخيم شأنها المستتبع لتهويل ما اجترأوا عليه في
~~حقها، والمراد بها إما هذه الآيات الناطقة بما فصل من بدائع صنع الله
~~تعالى وسوابغ آلائه تعالى الموجبة للإقبال عليها والإيمان وإيتاؤها نزول
~~الوحي بها أي ما نزل الوحي بآية من الآيات الناطقة بذلك إلا كانوا عنها
~~معرضين على وجه التكذيب والاستهزاء، وإما ما يعمها والآيات التكوينية
~~الشاملة للمعجزات وتعاجيب المصنوعات التي من جملتها الآيات الثلاث
~~المعدودة آنفا وإيتاؤها ظهورها لهم أي ما ظهرت لهم آية من الآيات التي
~~من جملتها ما ذكر من شؤونه تعالى الشاهدة بوحدانيته سبحانه وتفرده تعالى
~~بالألوهية إلا كانوا عنها معرضين تاركين للنظر الصحيح فيما المؤدي إلى
~~الإيمان به عز وجل. وفي الكلام إشارة إلى استمرارهم على الإعراض حسب
~~استمرار إتيان الآيات.

# و { عن } متعلقة بمعرضين قدمت عليه للحصر الادعائي مبالغة في تقبيح
~~حالهم، وقيل للحصر الإضافي أي معرضين عنها لا عما هم عليه من الكفر وقيل
~~لرعاية الفواصل والجملة في حيز النصب على أنها حال من مفعول تأتي أو من
~~فاعله المتخصص بالوصف لاشتمالها على ضمير كل منهما والاستثناء مفرغ من
~~أعم الأحوال أي ما تأتيهم [من] آية من آيات ربهم في حال من أحوالهم إلا
~~حال إعراضهم عنها أو ما تأتيهم آية منها في حال من أحوالها إلا ms08880 حال
~~إعراضهم عنها. وجملة { وما تأتيهم } الخ  على ما يشعر به كلام "
~~الكشاف "  تذييل يؤكد ما سبق من حديث الإعراض، وإلى كونه تذييلا ذهب
~~الخفاجي ثم قال: فتكون معترضة أو حالا مسوقة لتأكيد ما قبلها لشمولها
~~لما تضمنه مع زيادة إفادة التعليل الدال على الجواب المقدر المعلل به
~~فليس من حقها الفصل لأنها مستأنفة كما توهم فتأمل.

### || [36.47]

# { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله } أي أعطاكم
~~سبحانه بطريق التفضل والإنعام من أنواع الأموال، وعبر بذلك تحقيقا للحق
~~وترغيبا في الإنفاق على منهاج قوله تعالى:

# وأحسن كما أحسن الله إليك

# [القصص: 77] وتنبيها على عظم جنايتهم في ترك الامتثال بالأمر، وكذلك
~~الإتيان بمن التبعيضية، والكلام على ما قيل لذمهم على ترك الشفقة على خلق
~~الله تعالى إثر ذمهم على ترك تعظيمه عز وجل بترك التقوى، وفي ذلك إشارة
~~إلى أنهم أخلوا بجميع التكاليف لأنها كلها ترجع إلى أمرين التعظيم لله
~~تعالى والشفقة على خلقه سبحانه، وقيل هو للإشارة إلى عدم مبالاتهم بنصح
~~الناصح وإرشاده إياهم إلى ما يدفع/ البلاء عنهم نظير قوله تعالى:

# وإذا قيل لهم اتقوا

# [يس: 45] الخ والمعنى عليه: إذا قيل لهم بطريق النصيحة والإرشاد إلى ما
~~فيه نفعهم أنفقوا بعض ما آتاكم الله من فضله على المحتاجين فإن ذلك مما
~~يرد البلاء ويدفع المكاره { قال الذين كفروا للذين
~~ءامنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه } والأول
~~أظهر.

# والظاهر أن الذين كفروا هم الذين قيل لهم أنفقوا وعدل عن ضميرهم إلى
~~الظاهر إيماء إلى علة القول المذكور، وفي كون القول للذين آمنوا إيماء
~~إلى أنهم القائلون. قيل: لما أسلم حواشي الكفار من أقربائهم ومواليهم من
~~المستضعفين قطعوا عنهم ما كانوا يواسونهم به وكان ذلك بمكة قبل نزول آيات
~~القتال فندبهم المؤمنون إلى صلة حواشيهم فقالوا: { أنطعم } الخ،
~~وقيل: شحت قريش بسبب أزمة على المساكين من مؤمن وغيره فندبهم النبي صلى
~~الله عليه وسلم إلى النفقة عليهم فقالوا هذا القول، وقيل: قال فقراء
~~المؤمنين أعطونا ما زعمتم من أموالكم أنها ms08881 لله تعالى فحرموا وقالوا ذلك،
~~وروي هذا عن مقاتل، وقال ابن عباس: كان بمكة زنادقة إذا أمروا بالصدقة
~~قالوا لا والله أيفقره الله تعالى ونطعمه نحن وكانوا يسمعون المؤمنين
~~يعلقون الأفعال بمشيئة الله تعالى يقولون لو شاء الله تعالى لأغنى فلانا
~~ولو شاء لأعزه ولو شاء سبحانه لكان كذا فأخرجوا هذا الجواب مخرج
~~الاستهزاء بالمؤمنين وبما كانوا يقولون.

# وقال القشيري أيضا: إن الآية نزلت في قوم من الزنادقة لا يؤمنون
~~بالصانع وأنكروا وجوده فقولهم { لو يشاء الله أطعمه } من
~~باب الاستهزاء بالمسلمين. وجوز أن يكون مبنيا على اعتقاد المخاطبين
~~ويفهم من هذا أن الزنديق من ينكر الصانع، وقد حقق الأمر فيه على الوجه
~~الأكمل ابن الكمال في " رسالة " مستقلة فارجع إليها إن أردت ذلك. وعن
~~الحسن وأبي خالد أن الآية نزلت في اليهود أمروا بالإنفاق على الفقراء
~~فقالوا ذلك. وظاهر ما تقدم يقتضي أنها في كفار مكة أمروا بالإنفاق مما
~~رزقهم الله تعالى وهو عام في الإطعام وغيره فأجابوا بنفي الإطعام الذي لم
~~يزالوا يفتخرون به دلالة على نفي غيره بالطريق الأولى ولذا لم يقل أننفق.

# وقيل لم يقل ذلك لأن الإطعام هو المراد من الإنفاق أو لأن { نطعم }
~~بمعنى نعطي وليس بذاك، و { أطعمه } جواب { لو } وورود الموجب
~~جوابا بغير لام فصيح ومنه

# أن لو نشاء أصبنهم

# [الأعراف: 100]

# لو نشآء جعلناه أجاجا

# [الواقعة: 70] نعم الأكثر مجيئه باللام.

# والظاهر أن قوله تعالى: { إن أنتم إلا فى ضلل مبين }
~~من تتمة قول الذين كفروا للذين آمنوا أي ما أنتم إلا في ضلال ظاهر حيث
~~طلبتم منا ما يخالف مشيئة الله عز وجل، ولعمري إن الإناء ينضح بما فيه
~~فإن جوابهم يدل على غاية ضلالهم وفرط جهلهم حيث لم يعلموا أنه تعالى يطعم
~~بأسباب منها حث الأغنياء على إطعام الفقراء وتوفيقهم سبحانه له، ويجوز أن
~~يكون جوابا من جهته تعالى زجر به الكفرة وجهلهم به أو حكاية لجواب
~~المؤمنين لهم فيكون على الوجهين استئنافا بيانيا جوابا لما عسى أن
~~يقال ما قال ms08882 الله تعالى أو ما قال المؤمنون في جوابهم؟

### || [36.48]

# وقوله تعالى: { ويقولون } عطف على الشرطية السابقة مفيد لإنكارهم
~~البعث الذي هو مبدأ كل قبيح والنبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يعدهم
~~بذلك، ومما يستحضر في أذهانهم ما تقدم من الأوامر فلذا أتوا بالإشارة إلى
~~القريب في قولهم { متى هذا الوعد } يعنون وعد البعث، وجوز أن
~~يكون ذلك من باب الاستهزاء وأرادوا متى يكون ذلك ويتحقق في الخارج { إن
~~كنتم صدقين } فيما تقولون وتعدون فاخبرونا بذلك، والخطاب لرسول
~~الله صلى الله عليه وسلم/ والمؤمنين لما أنهم أيضا كانوا يتلون عليهم
~~الآيات الدالة عليه والآمرة بالإيمان به وكأنه لم يعتبر كونه شرا لهم
~~ولذا عبروا بالوعد دون الوعيد، وقيل: إن ذاك لأنهم زعموا أن لهم الحسنى
~~عند الله تعالى إن تحقق البعث بناء على أن الآية في غير المعطلة.

### || [36.49]

# { ما ينظرون } جواب من جهته تعالى أي ما ينتظرون { إلا صيحة
~~} عظيمة { وحدة } وهي النفخة الأولى في الصور التي يموت بها أهل
~~الأرض. وعبر بالانتظار نظرا إلى ظاهر قولهم

# متى هذا الوعد

# [يس: 48] أو لأن الصيحة لما كانت لا بد من وقوعها جعلوا كأنهم منتظروها
~~{ تأخذهم } تقهرهم وتستولي عليهم فيهلكون { وهم يخصمون }
~~أي يتخاصمون ويتنازعون في معاملاتهم ومتاجرهم لا يخطر ببالهم شيء من
~~مخايلها كقوله تعالى:

# فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون

# [الأعراف: 95] فلا يغتروا بعدم ظهور علائمها حسبما يريدون ولا يزعمون
~~أنها لا تأتي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: «لينفخن في
~~الصور والناس في طرقهم وأسواقهم ومجالسهم حتى إن الثوب ليكون بين الرجلين
~~يتساومان فما يرسله أحدهما من يده حتى ينفح في الصور فيصعق به» وهي التي
~~قال الله تعالى { ما ينظرون إلا صيحة وحدة } الخ، وأخرج
~~الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان
~~ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن الساعة والرجل يليط
~~حوضه فلا يسقي منه ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن نعجته ms08883 فلا يطعمه
~~ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فمه فلا يطعمها "

# وأصل { يخصمون } يختصمون وبه قرأ أبي فسكنت التاء وأدغمت في الصاد
~~بعد قلبها صادا ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين، وجوز أن يكون الكسر
~~لاتباع حركة الصاد الثانية والساكن لا يضر حاجزا.

# وقرأ الحرميان وأبو عمرو والأعرج وشبل وابن قسطنطين بإدغام التاء في
~~الصاد ونقل حركتها وهي الفتحة إلى الخاء، وأبو عمرو أيضا وقالوا بخلف
~~باختلاس حركة الخاء وتشديد الصاد، وعنهما إسكان الخاء وتخفيف الصاد من
~~خصمه إذا جادله، والمفعول عليها محذوف أي يخصم بعضهم بعضا، وقيل يخصمون
~~مجادلتهم عن أنفسهم، وبعضهم يكسر ياء المضارعة إتباعا لكسرة الخاء وشد
~~الصاد، وكسر ياء المضارعة لغة حكاها سيبويه عن الخليل في مواضع، وعن نافع
~~أنه قرأ بفتح الياء وسكون الخاء وتشديد الصاد المكسورة، وفيها الجمع بين
~~الساكنين على حده المعروف، وكأنه يجوز الجمع بينهما إذا كان الثاني
~~مدغما كان الأول حرف مد أيضا أم لا، وهذا ما اخترناه في نقل القراءات
~~تبعا لبعض الأجلة والرواة في ذلك مختلفون.

### || [36.50]

# { فلا يستطيعون توصية } في شيء من أمورهم إذا كانوا فيما
~~بين أهليهم، ونصب { توصية } على أنه مفعول به ليستطيعون، وجوز أن
~~يكون مفعولا مطلقا لمقدر { ولا إلى أهلهم يرجعون } إذا
~~كانوا في خارج أبوابهم بل تبغتهم الصيحة فيموتون حيثما كانوا ويرجعون إلى
~~الله عز وجل لا إلى غيره سبحانه.

# وقرأ ابن محيصن { يرجعون } بالبناء للمفعول والضمائر للقائلين

# متى هذا الوعد

# [يس: 48] لا من حيث أعيانهم أعني أهل مكة الذين كانوا وقت النزول بل
~~لمنكري البعث مطلقا.

### || [36.51]

# { ونفخ فى الصور } هي النفخة الثانية بينها وبين الأولى أربعون
~~[سنة] أي ينفح فيه، وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع. وقرأ الأعرج {
~~الصور } بفتح الواو وقد مر الكلام في ذلك { فإذا هم من
~~الاجداث } أي القبور جمع/ جدث بفتحتين. وقرىء بالفاء بدل الثاء
~~والمعنى واحد { إلى ربهم } مالك أمرهم { ينسلون } يسرعون
~~بطريق الإجبار لقوله تعالى:

# لدينا محضرون

# [يس: 32] قيل: وذكر الرب للإشارة إلى إسراعهم بعد الإساءة ms08884 إلى من أحسن
~~إليهم حين اضطروا إليه، ولا منافاة بين هذه الآية وقوله تعالى:

# فإذا هم قيام ينظرون

# [الزمر: 68] لجواز اجتماع القيام والنظر والمشي أو لتقارب زمان القيام
~~ناظرين وزمان الإسراع في المشي. وقرأ ابن أبي إسحق وأبو عمرو بخلاف عنه
~~بضم السين.

### || [36.52]

# { قالوا } أي في ابتداء بعثهم من القبور { يا ويلنا } أي هلاكنا
~~أحضر فهذا أوانك وقيل أي يا قومنا انظروا ويلنا وتعجبوا منه. وعلى حذف
~~المنادى قيل وي كلمة تعجب ولنا بيان ونسب للكوفيين وليس بشيء. وقرأ ابن
~~أبي ليلى (يا ويلتنا) بتاء التأنيث، وعنه أيضا { يا ويلتى } بتاء بعدها
~~ألف بدل من ياء الإضافة، والمراد أن كل واحد منهم يقول يا ويلتي { من
~~بعثنا من مرقدنا } أي رقادنا على أنه مصدر ميمي أو محل رقادنا
~~على أنه اسم مكان ويراد بالمفرد الجمع أي مراقدنا، وفيه تشبيه الموت
~~بالرقاد من حيث عدم ظهور الفعل والاستراحة من الأفعال الاختيارية، ويجوز
~~أن يكون المرقد على حقيقته والقوم لاختلاط عقولهم ظنوا أنهم كانوا نياما
~~ولم يكن لهم إدراك لعذاب القبر لذلك فاستفهموا عن موقظهم، وقيل سموا ذلك
~~مرقدا مع علمهم بما كانوا يقاسون فيه من العذاب لعظم ما شاهدوه فكأن ذلك
~~مرقد بالنسبة إليه فقد روي أنهم إذا عاينوا جهنم وما فيها من ألوان
~~العذاب يرون ما كانوا فيها مثل النوم في جبنها فيقولون ذلك. وأخرج
~~الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي بن
~~كعب أنه قال: ينامون قبل البعث نومة، وأخرج هؤلاء ما عدا ابن جرير عن
~~مجاهد قال: للكفار هجعة يجدون فيها طعم النون قبل يوم القيامة فإذا صيح
~~بأهل القبور يقولون { يويلنا من بعثنا من مرقدنا } وروي
~~عن ابن عباس أن الله تعالى يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا
~~بعثوا بالنفخة الثانية وشاهدوا الأهوال قالوا: ذلك. وفي " البحر " أن هذا
~~غير صحيح الإسناد واختار أن المرقد استعارة عن مضجع الموت.

# وقرأ أمير المؤمنين علي وابن عباس والضحاك وأبو نهيك { من ms08885 بعثنا }
~~بمن الجارة والمصدر المجرور وهو متعلق بويل أو بمحذوف وقع حالا منه.
~~ونحوه في الخبر.

# ويلي عليك وويلي منك يا رجل

# و (من) الثانية متعلق ببعث. وعن ابن مسعود أنه قرأ { من أهبنا } بمن
~~الاستفهامية وأهب بالهمزة من هب من نومه إذا انتبه وأهببته أنا أي
~~أنبهته. وعن أبي أنه قرأ { هبنا } بلا همز قال ابن جني: وقراءة ابن
~~مسعود أقيس فهبني بمعنى أيقظني لم أر لها أصلا ولا مر بنا في اللغة
~~مهبوب بمعنى موقظ اللهم إلا أن يكون حرف الجر محذوفا أي هب بنا أي
~~أيقظنا ثم حذف وأوصل الفعل، وليس المعنى على من هب فهببنا معه وإنما
~~معناه من أيقظنا، وقال البيضاوي: هبنا بدون الهمز بمعنى أهبنا بالهمز،
~~وقرىء { من هبنا } بمن الجارة والمصدر من هب يهب.

# { هذا ما * وعد الرحمن } جملة من مبتدأ وخبر { وصدق
~~المرسلون } عطف على ما في حيز (ما)، وعطفه على الجملة الاسمية أو
~~جعله حالا بتقدير قد بدونه خلاف الظاهر، و(ما) موصولة محذوفة العائد أي
~~هذا الذي وعده الرحمن والذي صدقه المرسلون أي صدق فيه من قولهم صدقت
~~زيدا الحديث أي صدقته فيه ومنه قولهم صدقني سن بكره أو مصدرية أي هذا
~~وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدق.
~~وهو على ما قيل جواب/ من جهته عز وجل على ما قال الفراء من قبل الملائكة
~~وعلى ما قال قتادة ومجاهد من قبل المؤمنين؛ وكان الظاهر أن يجابوا
~~بالفاعل لأنه الذي سألوا عنه بأن يقال الرحمن أو الله بعثكم لكن عدل عنه
~~إلى ما ذكر تذكيرا لكفرهم وتقريعا لهم عليه مع تضمنه الإشارة إلى
~~الفاعل، وذكر غير واحد أنه من الأسلوب الحكيم على أن المعنى لا تسألوا عن
~~الباعث فإن هذا الباعث ليس كبعث النائم وإن ذلك ليس مما يهمكم الآن وإنما
~~الذي يهمكم أن تسألوا ما هذا البعث ذو الأهوال والأفزاع، وفيه من تقريعهم
~~ما فيه.

# وزعم الطيبي أن ذكر الفاعل ليس بكاف في الجواب لأن قولهم ms08886 { من
~~بعثنا من مرقدنا } حكاية عن قولهم ذلك عند البعث بعدما سبق من
~~قولهم

# متى هذا الوعد إن كنتم صدقين

# [يس: 48] فلا بد في الجواب من قول مضمن معنيين فكان مقتضى الظاهر أن
~~يقال بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث وأنبأكم به الرسل لكن عدل إلى ما
~~يشعر بتكذيبهم ليكون أهول وفي التقريع أدخل، وهو وارد على الأسلوب الحكيم
~~وفي دعوى عدم كفاية ذكر الفاعل في الجواب نظر، وفي إيثارهم اسم الرحمن
~~قيل إشارة إلى زيادة التقريع من حيث أن الوعد بالبعث من آثار الرحمة وهم
~~لم يلقوا له بالا ولم يلتفتوا إليه وكذبوا به ولم يستعدوا لما يقتضيه،
~~وقيل آثره المجيبون من المؤمنين لما أن الرحمة قد غمرتهم فهي نصب أعينهم،
~~واختصاص رحمة الرحمن بما يكون في الدنيا ورحمة الرحيم بما يكون في الأخرى
~~ممنوع فقد ورد " يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ".

# وقال ابن زيد: هذا الجواب من قبل الكفار على أنهم أجابوا أنفسهم حيث
~~تذكروا ما سمعوه من المرسلين عليهم السلام أو أجاب بعضهم بعضا، وآثروا
~~اسم الرحمن طمعا في أن يرحمهم وهيهات ليس لكافر نصيب يومئذ من رحمته عز
~~وجل، وجوز الزجاج كون { هذا } صفة لمرقدنا لتأويله بمشتق فيصح الوقف
~~عليه، وقد روي عن حفص أنه وقف عليه وسكت سكتة خفيفة فحكاية إجماع القراء
~~على الوقف على { مرقدنا } غير تامة، و (ما) مبتدأ محذوف الخبر أي
~~حق أو مبتدأ خبره محذوف أي هو أو هذا ما وعد، وفيه من البديع صنعة
~~التجاذب وهو أن تكون كلمة محتملة أن تكون من السابق وأن تكون من اللاحق،
~~ومثله كما قال الشيخ الأكبر قدس سره في «تفسيره» المسمى ب «إيجاز البيان
~~في الترجمة عن القرآن» ومن خطه الشريف نقلت

# الذين آتينهم الكتب يعرفونه

# [البقرة: 146] الآية بعد قوله تعالى:

# ولئن اتبعت أهواءهم من بعدما جاءك من العلم
~~إنك إذا لمن الظالمين

# [البقرة: 145] وقوله تعالى: { فيه هدى } بعد

# لا ريب

# [البقرة: 2] فليحفظ.

### || [36.53]

# { إن كانت } أي ما كانت الفعلة أو النفخة التي حكيت ms08887 آنفا { إلا
~~صيحة وحدة } حصلت من نفخ إسرافيل عليه السلام في الصور، وقيل: هي
~~قول إسرائيل عليه السلام أيتها العظام النخرة والأوصال المتقطعة والشعور
~~المتمزقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وقرىء برفع { صيحة } ومر
~~توجيهها { فإذا هم جميع } مجموع { لدينا } عندنا وفي محل
~~حكمنا وانقطاع التصرف الظاهري من غيرنا { محضرون } لفصل الحساب من
~~غير لبث ما طرفة عين، وفيه من تهوين أمر البعث والحشر والإيذان
~~باستغنائهما عن الأسباب ما لا يخفى.

### || [36.54]

# { فاليوم } الحاضر أو المعهود وهو يوم القيامة الدال نفخ الصور
~~عليه؛ وانتصب على الظرف والعامل فيه قوله تعالى: { لا تظلم نفس }
~~من النفوس برة كانت أو فاجرة { شيئا } من الظلم فهو نصب على المصدرية
~~أو شيئا/ من الأشياء على أنه مفعول به على الحذف والإيصال { ولا
~~تجزون إلا ما كنتم تعملون } أي إلا جزاء ما كنتم
~~تعملونه في الدنيا على الاستمرار من الكفر والمعاصي فالكلام على حذف
~~المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه للتنبيه على قوة التلازم والارتباط
~~بينهما كأنهما شيء واحد أو إلا بما كنتم تعملونه أي بمقابلته أو بسببه،
~~وقيل: لا تجزون إلا نفس ما كنتم تعملونه بأن يظهر بصورة العذاب، وهذا
~~حكاية عما يقال للكافرين حين يرون العذاب المعد لهم تحقيقا للحق
~~وتقريعا لهم، واستظهر أبو حيان أن الخطاب يعم المؤمنين بأن يكون الكلام
~~إخبارا من الله تعالى عما لأهل المحشر على العموم كما يشير إليه تنكير {
~~نفس } واختاره السكاكي، وقيل: عليه يأباه الحصر لأنه تعالى يوفي
~~المؤمنين أجورهم ويزيدهم من فضله أضعافا مضاعفة. ورد بأن المعنى أن
~~الصالح لا ينقص ثوابه والطالح لا يزاد عقابه لأن الحكمة تأبى ما هو على
~~صورة الظلم أما زيادة الثواب ونقص العقاب فليس كذلك أو المراد بقوله
~~تعالى: { ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون } إنكم لا
~~تجزون إلا من جنس عملكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر. وقوله تعالى: {
~~إن أصحاب الجنة اليوم... }.

### || [36.55]

# على تقدير كون الخطاب السابق خاصا بالكفرة من جملة ما سيقال لهم يومئذ ms08888
~~زيادة لحسرتهم وندامتهم فإن الإخبار بحسن حال أعدائهم إثر بيان سوء حالهم
~~مما يزيدهم مساءة على مساءة وفي حكاية ذلك مزجرة لهؤلاء الكفرة عما هم
~~عليه ومدعاة إلى الاقتداء بسيرة المؤمنين، وعلى تقدير كونه عاما ابتداء
~~كلام وإخبار لنا بما يكون في يوم القيامة إذا صار كل إلى ما أعد لهم من
~~الثواب والعقاب، والشغل هو الشأن الذي يصد المرء ويشغله عما سواه من شؤنه
~~لكونه أهم عنده من الكل إما لإيجابه كمال المسرة أو كمال المساءة والمراد
~~ههنا هو الأول، وتنكيره للتعظيم كأنه شغل لا يدرك كنهه، والمراد به ما
~~هم فيه من النعيم الذي شغلهم عن كل ما يخطر بالبال، وعن ابن عباس وابن
~~مسعود وقتادة هو افتضاض الأبكار وهو المروي عن جعفر الصادق رضي الله
~~تعالى عنه، وفي رواية أخرى عن ابن عباس ضرب الأوتار. وقيل السماع وروي عن
~~وكيع، وعن ابن كيسان التزاور، وقيل ضيافة الله تعالى وهي يوم الجمعة في
~~الفردوس الأعلى عند كثيب المسك وهناك يتجلى سبحانه لهم فيرونه جل شأنه
~~جميعا، وعن الحسن نعيم شغلهم عما فيه أهل النار من العذاب، وعن الكلبي
~~شغلهم عن أهاليهم من أهل النار لا يذكرونهم لئلا يتنغصوا، ولعل التعميم
~~أولى.

# وليس مراد أهل هذه الأقوال بذلك حصر شغلهم فيما ذكروه فقط بل بيان أنه
~~من جملة أشغالهم، وتخصيص كل منهم كلا من تلك الأمور بالذكر محمول على
~~اقتضاء مقام البيان إياه، وأفرد الشغل باعتبار أنه نعيم وهو واحد بهذا
~~الاعتبار. والجار مع مجروره متعلق بمحذوف وقع خبرا لأن و { فكهون
~~} خبر ثان لها وجوز أن يكون هو الخبر و { فى شغل } متعلق به أو حال
~~من ضميره؛ والمراد بفاكهون على ما أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي
~~حاتم عن ابن عباس فرحون، وأخرجوا عن مجاهد أن المعنى يتعجبون بما هم فيه.
~~وقال أبو زيد: الفاكه الطيب النفس الضحوك ولم يسمع له فعل من الثلاثي،
~~وقال أبو مسلم: إنه مأخوذ من الفاكهة بالضم وهي التحدث بمايسر، وقيل: ms08889
~~التمتع والتلذذ قيل { فكهون } ذووا فاكهة نحو لابن وتامر. وظاهر
~~صنيع أبي حيان اختياره، والتعبير عن حالهم هذه بالجملة الاسمية قبل
~~تحققها لتنزيل المترقب المتوقع منزلة الواقع للإيذان بغاية سرعة تحققها
~~ووقوعها، وفيه على تقدير خصوص الخطاب زيادة لمساءة المخاطبين.

# وقرأ الحرميان وأبو عمرو { شغل } بضم الشين وسكون الغين وهي لغة في شغل
~~بضمتين للحجازيين كما قال الفراء./ وقرأ مجاهد وأبو السمال وابن هبيرة
~~فيما نقل عنه ابن خالويه بفتحتين، ويزيد النحوي وابن هبيرة أيضا فيما
~~نقل عنه أبو الفضل الرازي بفتح الشين وإسكان العين وهما لغتان أيضا فيه.
~~وقرأ الحسن وأبو جعفر وقتادة وأبو حيوة ومجاهد وشيبة وأبو رجاء ويحيى بن
~~صبيح ونافع في رواية { فكهون } جمع فكه كحذر وحذرون وهو صفة مشبهة تدل
~~على المبالغة والثبوت، وقرأ طلحة والأعمش { فاكهين } بالألف وبالياء
~~نصبا على الحال و { فى شغل } هو الخبر، وقرىء { فكهين } بغير ألف
~~وبالياء كذلك، وقرىء { فكهون } بفتح الفاء وضم الكاف وفعل بضم العين من
~~أوزان الصفة المشبهة كنطس وهو الحاذق الدقيق النظر الصادق الفراسة. وقوله
~~تعالى: { هم وأزواجهم في ظلال... }.

### || [36.56]

# استئناف مسوق لبيان كيفية شغلهم وتفكههم وتكميلهما بما يزيدهم بهجة
~~وسرورا من شركة أزواجهم، فهم مبتدأ و { أزوجهم } عطف عليه و {
~~متكئون } خبر والجاران صلة له قيل قدما عليه لمراعاة الفواصل أو هو
~~والجاران بما تعلقا به من الاستقرار أخبار مترتبة، وجوز أن يكون الخبر هو
~~الظرف الأول والظرف الثاني متعلق بمتكئون وهو خبر مبتدأ محذوف أي هم
~~متئكون على الأرائك أو الظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم و { متكئون } مبتدأ
~~مؤخر والجملة على الوجهين استئناف بياني، وقيل: { هم } تأكيد للمستكن
~~في خبر( إن )أعني( فاكهون) أو

# في شغل

# [يس: 55] ومنعه بعضهم زعما منه أن فيه الفصل بين المؤكد والمؤكد
~~بأجنبي و { متكئون } خبر آخر لها و { على الأرائك } متعلق
~~به وكذا { فى ظلل } أو هو متعلق بمحذوف هو حال من المعطوف والمعطوف
~~عليه، ومن جوز مجيء الحال من المبتدأ جوز هذا الاحتمال على تقدير أن ms08890 يكون
~~{ هم } مبتدأ أيضا.

# والظلال جمع ظل وجمع فعل على فعال كثير كشعب وشعاب وذئب وذئاب، ويحتمل
~~أن يكون جمع ظلة بالضم كقبة وقباب وبرمة وبرام، وأيد بقراءة عبد الله
~~والسلمي وطلحة وحمزة والكسائي { في ظلل } بضم ففتح فإنه جمع ظلة لا ظل
~~والأصل توافق القراءات، ومنذر بن سعيد يقول: جمع ظلة بالكسر وهي لغة في
~~ظلة بالضم فيكون كلقحة ولقاح وهو قليل.

# وفسر الإمام الظل بالوقاية عن مظان الألم؛ ولأهل الجنة من ظل الله تعالى
~~ما يقيهم الأسواء والجمع باعتبار ما لكل واحد منهم من ذلك أو هو متعدد
~~للشخص الواحد باعتبار تعدد ما منه الوقاية. ويحتمل أنه جمع باعتبار كونه
~~عظيم الشأن جليل القدر كجمع اليد بمعنى القدرة على قول في قوله تعالى:

# والسماء بنينها بأيد

# [الذاريات: 47].

# وفسر أبو حيان الظلال جمع ظلة بالملابس ونحوها من الأشياء التي تظل
~~كالستور، وأقول قال ابن الأثير ((الظل الفيء الحاصل من الحاجز بينك وبين
~~الشمس أي شيء كان، وقيل هو مخصوص بما كان منه إلى زوال الشمس وما كان
~~بعده فهو الفىء))، وأنت تعلم أن الظل بالمعنى الذي تعتبر فيه الشمس لا
~~يتصور في الجنة إذ لا شمس فيها، ومن هنا قال الراغب: الظل ضد الضح وهو
~~أعم من الفيء فإنه يقال ظل الليل وظل الجنة، وجاء في ظلها ما يدل على أنه
~~كالظل الذي يكون في الدنيا قبل طلوع الشمس، فقد روى ابن القيم في " حادي
~~الأرواح " عن ابن عباس أنه سئل ما أرض الجنة؟ قال: مرمرة بيضاء من فضة
~~كأنها مرآة قيل: ما نورها؟ قال: ما رأيت الساعة التي قبل طلوع الشمس فذلك
~~نورها إلا أنها ليس فيها شمس ولا زمهرير، وذكر ابن عطية نحو هذا لكن لم
~~يعزه.

# وتعقبه أبو حيان بأنه يحتاج إلى نقل صحيح وكيف يكون ذلك وفي الحديث ما
~~يدل على أن حوراء من حور الجنة/ لو ظهرت لأضاءت منها الدنيا أو نحو من
~~هذا. ويمكن الجواب بأن المراد تقريب الأمر لفهم السائل وإيضاح الحال ms08891 بما
~~يفهمه أو بيان نورها في نفسها لا الأعم منه ومما يحصل فيها من أنوار
~~سكانها الحوار العين وغيرهم.

# نعم نورها في نفسها أتم من نور الدنيا قبل طلوع الشمس كما يومىء إليه ما
~~أخرجه ابن ماجه عن أسامة قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا هل مشمر للجنة فإن الجنة لا
~~خطر لها أي لا عدل ولا مثل وهي ورب الكعبة نور يتلألأ "

# الحديث، ويجوز حمل الظلال جمع ظل هنا على المعنى وجمعه للتعدد
~~الاعتباري، ويجوز حمل الظل على العزة والمناعة فإنه قد يعبر به عن ذلك
~~وبهذا فسر الراغب قوله تعالى:

# إن المتقين فى ظلل وعيون

# [المرسلات: 41] وهو غير معنى الوقاية عن مظان الألم الذي ذكره الإمام،
~~ويجوز حمله على أنه جمع ظلة على الستور التي تكون فوق الرأس من سقف وشجر
~~ونحوهما ووجود ذلك في الجنة مما لا شبهة فيه فقد جاء في الكتاب وصح في
~~السنة أن فيها غرفا وهي ظاهرة فيما كان ذا سقف بل صرح في بعض الأخبار
~~بالسقف وجاء فيها أيضا ما هو ظاهر في أن فيها شجرا مرتفعا يظل من
~~تحته، وقد صح من رواية الشيخين أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها فاقرؤا إن
~~شئتم { وظل ممدود } [الواقعة: 30] "

# وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس أنه قال الظل الممدود شجرة في الجنة
~~على ساق قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام في كل نواحيها يخرج
~~إليها أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في ظلها الخبر، وابن الأثير
~~يقول: معنى في ظلها في ذراها وناحيتها، وكأن هذا لدفع أنها تظل من الشمس
~~أو نحوها.

# و { الأرائك } جمع أريكة وهو السرير في قول، وقيل: الوسادة حكاه
~~الطبرسي. وقال الزهري: كل ما اتكىء عليه فهو أريكة، وقال ابن عباس: لا
~~تكون أريكة حتى يكون السرير في الحجلة فإن كان سرير بغير حجلة لا تكون
~~أريكة وإن كانت حجلة بغير ms08892 سرير لم تكن أريكة فالسرير والحجلة أريكة. وفي
~~«حادي الأرواح» لا تكون أريكة إلا أن يكون السرير في الحجلة وأن يكن على
~~السرير فراش، وفي «الصحاح» الأريكة سرير منجد مزين في قبة أو بيت، وقال
~~الراغب: الأريكة حجلة على سرير والجمع أرائك، وتسميتها بذلك إما لكونها
~~في الأرض متخذة من أراك وهو شجر معروف أو لكونها مكانا للإقامة من قولهم
~~أرك بالمكان أروكا، وأصل الأروك الإقامة على رعي الأراك ثم تجوز به في
~~غيره من الإقامات.

# وبالجملة إن كلام الأكثرين يدل على أن السرير وحده لا يسمى أريكة نعم
~~يقال للمتكىء على أريكة متكىء على سرير فلا منافاة بين ما هنا وقوله
~~تعالى:

# متكئين على سرر مصفوفة

# [الطور: 20] لجواز أن تكون في السرر في الحجال فتكون أرائك، ويجوز أن
~~يقال: إن أهل الجنة تارة يتكئون على الأرائك وأخرى يتكئون على السرر التي
~~ليست بأرائك، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما ورد في وصف سررهم رزقنا الله
~~تعالى وإياكم الجلوس على هاتيك السرر والاتكاء مع الأزواج على الأرائك.

# والظاهر أن المراد بالأزواج أزواجهم المؤمنات اللاتي كن لهم في الدنيا،
~~وقيل أزواجهم اللاتي زوجهم الله تعالى إياهن من الحور العين، ويجوز فيما
~~يظهر أن يراد الأعم من الصنفين ومن المؤمنات اللاتي متن ولم يتزوجن في
~~الدنيا فزوجهن الله تعالى في الجنة من شاء من عباده بل الأعم من ذلك كله
~~ومن المؤمنات اللاتي تزوجن في الدنيا بأزواج ماتوا كفارا فأدخلوا النار
~~مخلدين فيها وأدخلن الجنة كامرأة فرعون فقد جاء في الأخبار أنها تكون
~~زوجة نبينا صلى الله عليه وسلم وجوز أن يكون المراد بأزواجهم أشكالهم في
~~الإحسان وأمثالهم في الإيمان كما قال سبحانه:

# وءاخر من شكله أزوج

# [ص: 85] وقريب منه ما قيل/ المراد به أخلاؤهم كما في قوله تعالى:

# احشروا الذين ظلموا وأزوجهم

# [الصافات: 22] وقيل يجوز أن يراد به ما يعم الأشكال والأخلاء ومن سمعت
~~أولا، وأنت تعلم بعد إرادة ذلك وكذا إرادة الأشكال أو الأخلاء بالخصوص.

### || [36.57]

# { لهم فيها فكهة } بيان ms08893 لما يتمتعون به في الجنة من المآكل
~~والمشارب وما يتلذذون به من الملاذ الجسمانية والروحانية بعد بيان ما لهم
~~فيها من مجالس الأنس ومحافل القدس تكميلا لبيان كيفية ما هم فيه من
~~الشغل والبهجة كذا قيل، ويجوز أن يكون استئنافا بيانيا وقع جواب سؤال
~~نشأ مما يدل عليه الكلام السابق من اشتغالهم بالأنس واتكائهم على الأرائك
~~عدم تعاطيهم أسباب المأكل والمشرب فكأنه قيل: إذا كان حالهم ما ذكر فكيف
~~يصنعون في أمر مأكلهم؟ فأجيب بقوله سبحانه: { لهم فيها فكهة }
~~وهو مشير إلى أن لهم من المأكل ما لهم على أتم وجه، وأفيد أن فيه إشارة
~~إلى أنه لا جوع هناك وليس الأكل لدفع ألم الجوع وإنما مأكولهم فاكهة ولو
~~كان لحما، والتنوين للتفخيم أي فاكهة جليلة الشأن، وفي قوله سبحانه: {
~~لهم فيها فكهة } دون يأكلون فيها فاكهة إشارة إلى كون زمام
~~الاختيار بأيديهم وكونهم مالكين قادرين فإن شاؤا أكلوا وإن شاؤا أمسكوا.

# { ولهم ما يدعون } أي ما يدعون به لأنفسهم أي لهم كل ما
~~يطلبه أحد لنفسه لا أنهم يطلبون فإنه حاصل كما إذا سألك أحد فقلت: لك ذلك
~~تعني فلم تطلب أو لهم ما يطلبون بالفعل على أن هناك طلبا وإجابة لأن
~~الغبطة بالإجابة توجب اللذة بالطلب فإنه مرتبة سنية لا سيما والمطلوب منه
~~والمجيب هو الله تعالى الملك الجيل جل جلاله وعم نواله، فيدعون من الدعاء
~~بمعنى الطلب، وأصله يدتعيون على وزن يفتعلون سكنت الياء بعد أن ألقيت
~~حركتها على ما قبلها وحذفت لسكونها وسكون الواو بعدها، وقيل: بل ضمت
~~العين لأجل واو الجمع ولم يلق حركة الياء عليها وإنما حذفت استثقالا ثم
~~حذفت الياء لالتقاء الساكنين فصار يدتعون فقلبت التاء دالا وأدغمت،
~~وافتعل بمعنى فعل الثلاثي كثير ومنه اشتوى بمعنى شوى واجتمل بمعنى جمل أي
~~أذاب الشحم،

# قال لبيد:

# فاشتوى ليلة ريح واجتمل

# و { لهم } خبر مقدم و (ما) مبتدأ مؤخر وهي موصولة والجملة بعدها صلة
~~والعائد محذوف وهو إما ضمير مجرور أو ضمير منصوب على الحذف ms08894 والإيصال،
~~وجوز أن تكون (ما) نكرة موصوفة وأن تكون مصدرية فالمصدر حينئذ مبتدأ وهو
~~خلاف الظاهر، والجملة عطف على الجملة قبلها، وعدم الاكتفاء بعطف { ما }
~~على { فكهة } لئلا يتوهم كونها عبارة عن توابع الفاكهة ومتمماتها.
~~وجوز أن يكون { يدعون } من الافتعال بمعنى التفاعل كارتموه بمعنى
~~تراموه أي لهم ما يتداعون، والمعنى كل ما يصح أن يطلبه أحد من صاحبه فهو
~~حاصل لهم أو ما يطلبه بعضهم من بعض بالفعل لما في ذلك من التحاب، وأن
~~يكون من الافتعال على ما سمعت أولا إلا أن الادعاء بمعنى التمني. قال
~~أبو عبيدة: العرب تقول ادع علي ما شئت بمعنى تمن علي، وتقول فلان في
~~خير ما ادعى أي تمنى أي لهم ما يتمنون، قال الزجاج: وهو مأخوذ من الدعاء
~~أي كل ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم، وقيل: افتعل بمعنى فعل فيدعون بمعنى
~~يدعون من الدعاء بمعناه المشهور أي لهم ما كان يدعون به الله عز وجل في
~~الدنيا من الجنة ودرجاتها.

### || [36.58]

# وقوله تعالى: { سلم } جوز أن يكون بدلا من

# ما

# [يس: 57] بدل بعض من كل ولزوم الضمير غير مسلم، وقوله تعالى:/ { قولا
~~} مفعول مطلق لفعل محذوف والجملة صفة سلاما، وقوله تعالى: { من رب
~~رحيم } صفة { قولا } أي سلام يقال لهم قولا من جهة رب رحيم أي
~~يسلم عليهم من جهته تعالى بلا واسطة تعظيما لهم. فقد أخرج ابن ماجه
~~وجماعة عن جابر قال:

# " قال النبي صلى الله عليه وسلم بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم
~~نور فرفعوا رؤسهم فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا
~~أهل الجنة وذلك قول الله تعالى: { سلام قولا من رب رحيم }
~~قال فينظر إليه وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا
~~ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم "

# وقيل بواسطة الملائكة عليهم السلام لقوله تعالى:

# والملئكة يدخلون عليهم من كل باب * سلم
~~عليكم

# [الرعد: 2324] وروي ذلك عن ابن عباس وعلى الأول الأكثرون، وأما ms08895 ما قيل
~~إن ذلك سلام الملائكة على المؤمنين عند الموت فليس بشيء. والبدلية
~~المذكورة مبنية على أن (ما) عامة. وجوز أن يكون بدل كل من كل على تقدير
~~أن يراد بها خاص أو على ادعاء الاتحاد تعظيما، ولا بأس في إبدال هذه
~~النكرة منها على تقدير موصوليتها لأنها نكرة موصوفة بالجملة بعدها، على
~~أنه يجوز أن يلتزم جواز إبدال النكرة من المعرفة مطلقا من غير قبح.

# ويجوز أن يكون { سلم } خبر مبتدأ محذوف والجملة بعده صفته أي هو أو
~~ذلك سلام يقال قولا من رب رحيم، والضمير لما وكذا الإشارة، وجوز أن يكون
~~صفة لما أي لهم ما يدعون سالم أو ذو سلامة مما يكره، و { قولا } مصدر
~~مؤكد لقوله تعالى: { لهم ما يدعون * سلم } أي عدة من رب
~~رحيم، وهذه الوصفية على تقدير كون (ما) نكر موصوفة ولا يصح على تقدير
~~كونها موصولة للتخالف تعريفا وتنكيرا وأن يكون خبرا لما، و { لهم }
~~متعلق به لبيان الجهة كما يقال لزيد: الشرف متوفر أي ما يدعون سالم لهم
~~خالص لا شوب فيه، ونصب { قولا } على ما سمعت آنفا. وفي «الكشاف»
~~الأوجه أن ينتصب على الاختصاص وهو من مجازه فيكون الكلام جملة مفصولة عما
~~سبق ولا ضير في نصب النكرة على ذلك.

# وجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي ولهم سلام يقال قولا من رب رحيم، وقد
~~الخبر مقدما لتكون الجملة على أسلوب أخواتها لا ليسوغ الابتداء بالنكرة
~~فإن النكرة موصوفة بالجملة بعدها، وظاهر كلامهم تقدير العاطف أيضا ويمكن
~~أن لا يقدر، وفصل الجملة على ما قيل لأنها كالتعليل لما تضمنته الآي
~~قبلها فإن سلام الرب الرحيم منشأ كل تعظيم وتكريم، وجوز على تقدير كونه
~~مبتدأ تقدير الخبر المحذوف عليهم؛ قال الإمام: فيكون ذلك إخبارا من الله
~~تعالى في الدنيا كأنه سبحانه حكى لنا وقال جل شأنه:

# إن أصحاب الجنة اليوم في شغل

# [يس: 55] ثم لما كمل بيان حالهم قال: سلام عليهم، وهذا كما قال سبحانه:

# سلم على نوح

# [الصافات: 79]

# وسلم على ms08896 المرسلين

# [الصافات: 181] فيكون جل وعلا قد أحسن إلى عباده المؤمنين كما أحسن إلى
~~عباده المرسلين ثم قال: وهذا وجه مبتكر جيد ما يدل عليه منقول، أو نقول
~~تقديره سلام عليكم ويكون هذا نوعا من الالتفات حيث قال تعالى لهم كذا
~~وكذا ثم قال سبحانه: { سلم عليكم } اه. ووجه الابتداء بسلام
~~في مثل هذا التركيب موصوفا كان أم لا معروف عند أصاغر الطلبة.

# وقرأ محمد بن كعب القرظي { سلم } بكسر السين وسكون اللام ومعناه سلام.
~~وقال أبو الفضل الرازي: مسالم لهم أي ذلك مسالم وليس بذاك. وقرأ أبي
~~وعبد الله وعيسى والقنوي { سلاما } بالنصب على المصدر أي يسلم عليهم
~~سلاما أو على الحال من ضمير ما في الخبر أو منها على القول بجواز مجيء
~~الحال من المبتدأ أي ولهم مرادهم خالصا.

### || [36.59]

# / { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } أي انفردوا عن
~~المؤمنين إلى مصيركم من النار. وأخرج عبد بن حميد وغيره عن قتادة أي
~~اعتزلوا عن كل خير، وعن الضحاك لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا يرى
~~ولا يرى أي على خلاف ما للمؤمنين من الاجتماع مع من يحبون، ولعل هذا بعد
~~زمان من أول دخولهم فلا ينافي عتاب بعضهم بعضا الوارد في آيات أخر كقوله
~~تعالى:

# وإذ يتحاجون فى النار

# [غافر: 47] ويحتمل أنه أراد لكل صنف كافر كاليهود والنصارى، وجوز الإمام
~~كون الأمر أمر تكوين كما في

# كن فيكون

# [يس: 82] على معنى أن الله تعالى يقول لهم ذلك فتظهر عليهم سيماء يعرفون
~~بها كما قال سبحانه:

# يعرف المجرمون بسيمهم

# [الرحمن: 41] ولا يخفى بعده.

# والجملة عطفا إما على الجملة السابقة المسوقة لبيان أحوال أصحاب الجنة
~~من عطف القصة على القصة فلا يضر التخالف إنشائية وخبرية، وكأن تغيير
~~السبك لتخييل كمال التباين بين الفريقين وحاليهما، وإما على مضمر ينساق
~~إليه حكاية حال أصحاب الجنة كأنه قيل إثر بيان كونهم في شغل عظيم الشأن
~~وفوزهم بنعيم مقيم يقصر عنه البيان فليقروا بذلك عينا وامتازوا عنهم
~~أيها المجرمون قاله أبو السعود. وقال الخفاجي: يجوز ms08897 أن يكون بتقدير ويقال
~~امتازوا على أنه معطوف على يقال المقدر العامل في

# قولا

# [يس: 58] وهو أقرب وأقل تكلفا لأن حذف القول وقيام معموله مقامه كثير
~~حتى قيل فيه هو البحر حدث عنه ولا حرج، وفيه بحث يظهر بأدنى تأمل.

# وقيل: إن المذكور من قوله تعالى:

# إن أصحب الجنة

# [يس: 55] إلى هنا تفصيل للمجمل السابق أعني قوله تعالى:

# ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون

# [ يس: 54] وبني عليه أن المعطوف عليه متضمن لمعنى الطلب على معنى فليمتز
~~المؤمنون عنكم يا أهل المحشر إلى الجنة وامتازوا عنهم إلى النار، وتعقبه
~~في «الكشف» بأنه ليس بظاهر إذ بأحد الأمرين غنية عن الآخر ثم قال: والوجه
~~أن المقصود عطف جملة قصة أصحاب النار على جملة قصة أصحاب الجنة وأوثرها
~~هنا الطلب زيادة للتهويل والتعنيف ألا ترى إلى قوله تعالى:

# اصلوها اليوم

# [يس: 64] وإن كان لا بد من التضمين فالمعطوف أولى بأن يجعل في معنى
~~الخبر على المعنى وإن المجرمون ممتازون منفردون. وفائدة العدول ما في
~~الخطاب والطلب من النكتة اه، وما ذكره من حديث إغناء أحد الأمرين عن
~~الآخر سهل لكون الأمر تقديريا مع أن الامتياز الأول على وجه الإكرام
~~وتحقيق الوعد والآخر على وجه الإهانة وتعجيل الوعيد فيفيد كل منهما ما لا
~~يفيده الآخر، نعم قال العلامة أبو السعود في ذلك: ((إن اعتبار فليمتز
~~المؤمنون وإضماره بمعزل عن السداد لما أن المحكى عنهم ليس مصيرهم إلى ما
~~ذكر من الحال المرضية حتى يتسنى ترتيب الأمر المذكور عليه بل إنما هو
~~استقرارهم عليها بالفعل، وكون ذلك تنزيل المترقب منزلة الواقع لا يجدي
~~نفعا لأن مناط الاعتبار والإضمار انسياق الافهام إليه وانصباب نظم
~~الكلام عليه فبعد التنزيل المذكور وإسقاط الترقب عن درجة الاعتبار يكون
~~التصدي لإضمار شيء يتعلق به إخراجا للنظم الكريم عن الجزالة بالمرة)).

# والظاهر أنه لا فرق في هذا بين التضمين والإضمار، والذي يغلب على الظن
~~أن ما ذكر لا يفيد أكثر من أولوية تقدير فليقروا عينا على تقدير
~~فليمتازوا فليفهم، وقال بعض ms08898 الأذكياء: يجوز أن يكون { امتازوا } فعلا
~~ماضيا والضمير للمؤمنين أي انفرد المؤمنون عنكم بالفوز بالجنة ونعيمها
~~أيها المجرمون ففيه تحسير لهم والعطف حينئذ من عطف الفعلية الخبرية على
~~الاسمية الخبرية ولا منع منه، وتعقب بأنه مع ما فيه من المخالفة للأسلوب
~~المعروف من وقوع النداء مع الأمر نحو

# يوسف أعرض عن هذا

# [يوسف: 29] قليل الجدوى وما ذكره من التحسير يكفي فيه ما قبل من ذكر ما
~~هم عليه من/ التنعم وأيضا المأثور يأبى عنه غاية الإباء وهو كالنص في أن
~~{ امتازوا } فعل أمر ولا يكاد يخطر لقارىء ذلك.

### || [36.60]

# { ألم أعهد إليكم ي#1648;بنى ءادم أن لا تعبدوا
~~الشيطن } من جملة ما يقال لهم بطريق التقريع والإلزام والتبكيت بين
~~الأمر بالامتياز والأمر بمقاساة حر جهنم، والعهد الوصية والتقدم بأمر فيه
~~خير ومنعة، والمراد به ههنا ما كان منه تعالى على ألسنة الرسل عليهم
~~السلام من الأوامر والنواهي التي من جملتها قوله تعالى:

# يبنى آدم لا يفتننكم الشيطن كما أخرج
~~أبويكم من الجنة

# [الأعراف: 27] الآية، وقوله تعالى:

# ولا تتبعوا خطوت الشيطن إنه لكم عدو
~~مبين

# [البقرة: 168] وغيرهما من الآيات الواردة في هذا المعنى، وقيل: هو
~~الميثاق المأخوذ عليهم في عالم الذر إذ قال سبحانه لهم:

# ألست بربكم

# [الأعراف: 172] وقيل: هو ما نصب لهم من الحجج العقلية والسمعية الآمرة
~~بعبادة الله تعالى الزاجرة عن عبادة غيره عز وجل فكأنه استعارة لإقامة
~~البراهين والمراد بعبادة الشيطان طاعته فيما يوسوس به إليهم ويزينه لهم
~~عبر عنها بالعباة لزيادة التحذير والتنفير عنها ولوقوعها في مقابلة
~~عبادته عز وجل، وجوز أن يراد بها عبادة غير الله تعالى من الآلهة الباطل
~~وإضافتها إلى الشيطان لأنه الآمر بها والمزين لها فالتجوز في النسبة.

# وقرأ طلحة والهذيل بن شرحبيل الكوفي { إعهد } بكسر الهمزة قاله صاحب
~~«اللوامح» وقال هي لغة تميم، وهذا الكسر في النون والتاء أكثر من بين
~~أحرف المضارعة؛ وقال ابن عطية قرأ الهذيل وابن وثاب { ألم إعهد } بكسر
~~الميم والهمزة وفتح الهاء وهي من كسر حرف المضارعة ms08899 سوى الياء، وروي عن
~~ابن وثاب { ألم أعهد } بكسر الهاء ويقال عهد وعهد اه. ولعله أراد أن كسر
~~الميم يدل على كسر الهمزة لأن حركة الميم هي الحركة التي نقلت إليها من
~~الهمزة وحذفت الهمزة بعد نقل حركتها لا إن الميم مكسروة والهمزة بعدها
~~مكسورة أيضا فتلفظ بها، وقال الزمخشري: قرىء { إعهد } بكسر الهمزة وباب
~~فعل كله يجوز في حروف مضارعته الكسر إلا في الياء و { أعهد } بكسر الهاء
~~وقد جوز الزجاج أن يكون من باب نعم ينعم وضرب يضرب و { أحهد } بإبدال
~~العين وحدها حاء مهملة و { أحد } بإبدالها مع إبدال الهاء وإدغامها وهي
~~لغة تميم ومنه قولهم دحا محا أي دعها معها وما ذكره من قوله: إلا في
~~الياء مبني على بعض اللغات وعن بعض كلب أنهم يكسرون الياء أيضا فيقولون
~~يعلم مثلا وقوله في أحهد وأحد لغة بني تميم هو المشهور، وقيل: أحهد لغة
~~هذيل وأحد لغة بني تميم وقولهم دحا محا إما يريدوا به دع هذه القربة مع
~~هذه المرأة أو دع هذه المرأة مع هذه القربة.

# { إنه لكم عدو مبين } أي ظاهر العداوة وهو تعليل لوجوب
~~الانتهاء، وقيل: تعليل للنهي وعداوة اللعين جاءت من قبل عداوته لآدم عليه
~~السلام والنداء بوصف النبوة لآدم كالتمهيد لهذا التعليل والتأكيد لعدم
~~جريهم على مقتضى العلم فهم والمنكرون سواء.

### || [36.61]

# { وأن اعبدونى } عطف على

# أن لا تعبدوا الشيطن

# [يس: 60] على أن { أن } فيهما مفسرة للعهد الذي فيه معنى القول دون
~~حروفه أو مصدرية حذف عنها الجار أي ألم أعهد إليكم في ترك عبادة الشيطان
~~وفي عبادتي وتقديم النهي على الأمر لما أن حق التخلية التقدم على التحلية
~~قيل: وليتصل به قوله تعالى: { هذا صرط مستقيم } بناء على أن
~~الإشارة إلى عبادته تعالى لأنه المعروف في الصراط المستقيم، وجعل بعضهم
~~الإشارة إلى ما عهد إليهم من ترك عبادة الشيطان وفعل عبادة الله عز وجل.
~~ورجح بأن عبادته تعالى إذا لم تنفرد عن عبادة غيره سبحانه لا تسمى صراطا
~~مستقيما فتأمل. ms08900

# والجملة استئنافية جيء بها لبيان المقتضي للعهد بعبادته تعالى أو للعهد
~~بشقيه والتنكير للمبالغة والتعظيم أي هذا صراط بليغ/ في استقامته جامع
~~لكل ما يجب أن يكون عليه واصل لمرتبة يقصر عنها التوصيف والتعريف ولذا لم
~~يقل هذا الصراط المستقيم أو هذا هو الصراط المستقيم وإن كان مفيدا
~~للحصر، وجوز أن يكون التنكير للتبعيض على معنى هذا بعض الصرط المستقيمة
~~وهو للهضم من حقه على الكلام المنصف، وفيه إدماج التوبيخ على معنى أنه لو
~~كان بعض الصرط الموصوفة بالاستقامة لكفى ذلك في انتهاجه كيف وهو الأصل
~~والعدة كما قيل:

# وأقول بعض الناس عنك كناية

# خوف الوشاة وأنت كل الناس

# وفيه أن المطلوب الاستقامة والأمر دائر معها وقليلها كثير.

### || [36.62]

# { ولقد أضل منكم جبلا كثيرا } استئناف مسوق لتشديد
~~التوبيخ وتأكيد التقريع ببيان عدم اتعاظهم بغيرهم إثر بيان نقضهم العهد
~~فالخطاب لمتأخريهم الذين من جملتهم كفار [مكة] خصوا بزيادة التوبيخ
~~والتقريع لتضاعف جناياتهم. وإسناد الإضلال إلى ضمير الشيطان لأنه المباشر
~~للإغواء.

# والجبل  كما قال الراغب  الجماعة العظيمة أطلق عليهم تشبيها بالجبل
~~في العظم، وعن الضحاك أقل الجبل وهي الأمة العظيمة عشرة آلاف، وفسره
~~بعضهم بالجماعة وبعض بالأمة بدون الوصف وقيل هو الطبع المخلوق عليه الذي
~~لا ينتقل كأنه جبل وهو هنا خلاف الظاهر.

# وقرأ العربيان والهذيل { جبلا } بضم الجيم وإسكان الباء. وقرأ ابن
~~كثير وحمزة والكسائي بضمتين مع تخفيف اللام، والحسن وابن أبي إسحاق
~~والزهري وابن هرمز وعبد الله بن عبيد بن عمير وحفص بن حميد بضمتين وتشديد
~~اللام، والأشهب العقيلي واليماني وحماد بن سلمة عن عاصم بكسر الجيم وسكون
~~الباء، والأعمش بكسرتين وتخفيف اللام [وقرئ (جبلا) بكسر الجيم وفتح
~~الباء وتخفيف اللام] جمع جبلة نحو فطرة وفطر، وقرأ أمير المؤمنين علي كرم
~~الله تعالى وجهه وبعض الخراسانيين { جيلا } بكسر الجيم بعدها ياء آخر
~~الحروف واحد الأجيال وهو الصنف من الناس كالعرب والروم.

# { أفلم تكونوا تعقلون } عطف على مقدر يقتضيه المقام أي
~~أكنتم تشاهدون آثار عقوباتهم فلم تكونوا تعقلون أنها لضلالهم أو ms08901 فلم
~~تكونوا تعقلون شيئا أصلا حتى ترتدعوا عما كانوا عليه كيلا يحيق بكم
~~العذاب الأليم. وقرأ طلحة وعيسى وعاصم في رواية عبد بن حميد عنه بياء
~~الغيبة فالضمير للجبل. وقوله تعالى: { هذه جهنم التي
~~كنتم... }.

### || [36.63]

# استئناف يخاطبون به بعد تمام التوبيخ والتقريع والإلزام والتبكيت عند
~~إشرافهم على شفير جهنم أي هذه التي ترونها جهنم التي لم تزالوا توعدون
~~بدخولها على ألسنة الرسل عليهم السلام والمبلغين عنهم بمقابلة عبادة
~~الشيطان.

### || [36.64]

# { اصلوها اليوم } أمر تحقير وإهانة كقوله تعالى:

# ذق إنك أنت العزيز

# [الدخان: 49] الخ أي قاسوا حرها في هذا اليوم الذي لم تستعدوا له، وقال
~~أبو مسلم: أي صيروا صلاها أي وقودها. وقال الطبرسي: ألزموا العذاب بها،
~~وأصل الصلا اللزوم ومنه المصلي الذي يجىء في أثر السابق للزومه أثره. {
~~بما كنتم تكفرون } كفركم المستمر في الدنيا فالباء للسببية و
~~(ما) مصدرية واحتمال كونها موصولة بعيد.

### || [36.65]

# { اليوم نختم على أفوههم } كناية عن منعهم من التكلم،
~~ولا مانع من أن يكون هناك ختم على أفواههم حقيقة. وجوز أن يكون الختم
~~مستعارا لمعنى المنع بأن يشبه إحداث حالة في أفواههم مانعة من التكلم
~~بالختم الحقيقي ثم يستعار له الختم ويشتق منه نختم فالاستعارة تبعية أي
~~اليوم نمنع أفواههم من الكلام منعا شبيها بالختم، والأول/ أولى في
~~نظري.

# { وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا
~~يكسبون } أي بالذي استمروا على كسبه في الدنيا وكأن الجار والمجرور
~~قد تنازع فيه تكلم وتشهد، ولعل المعنى والله تعالى أعلم تكلمنا أيديهم
~~بالذي استمروا على عمله ولم يتوبوا عنه وتخبرنا به وتقول إنهم فعلوا بنا
~~وبواسطتنا كذا وكذا وتشهد عليهم أرجلهم بذلك.

# ونسبة التكليم إلى الأيدي دون الشهادة لمزيد اختصاصها بمباشرة الأعمال
~~حتى أنها كثر نسبة العمل إليها بطريق الفاعلية كما في قوله تعالى:

# يوم ينظر المرء ما قدمت يداه

# [النبأ: 40] وقوله سبحانه:

# وما عملته أيديهم

# [يس: 35] وقوله عز وجل:

# بما كسبت أيدى الناس

# [الروم: 41] وقوله جل وعلا:

# فبما كسبت أيديكم

# [الشورى: 30] إلى غير ذلك ولا كذلك الأرجل ms08902 فكانت الشهادة أنسب بها لما
~~أنها لم تضف إليها الأعمال فكانت كالأجنبية، وكان التكليم أنسب بالأيدي
~~لكثرة مباشرتها الأعمال وإضافتها إليها فكأنها هي العاملة، هذا مع ما في
~~جمع التكليم مع الختم على الأفواه المراد منه المنع من التكلم من الحسن.

# وكأنه سبحانه لما صدر آية النور [24] وهي قوله تعالى:

# يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم
~~وأرجلهم

# بالشهادة وذكر جل وعلا الأعضاء من الأعالي إلى الأسافل أسندها إلى
~~الجميع ولم يخص سبحانه الأيدي بالتكليم لوقوعها بين الشهود مع أن ما يصدر
~~منها شهادة أيضا في الحقيقة فإن كونها عاملة ليس على الحقيقة بل هي آلة
~~والعامل هو الإنسان حقيقة وكأن اعتبار الشهادة من المصدر هناك أوفق
~~بالمقام لسبق قصة الإفك وما يتعلق بها ولذا نص فيها على الألسنة ولم ينص
~~ههنا عليها بل الآية ساكتة عن الإفصاح بأمرها من الشهادة وعدمها، والختم
~~على الأفواه ليس بعدم شهادتها إذ المراد منه منع المحدث عنهم عن التكلم
~~بألسنتهم وهو أمر وراء تكلم الألسنة أنفسها وشهادتها بأن يجعل فيها علم
~~وإرادة وقدرة على التكلم فتتكلم هي وتشهد بما تشهد وأصحابها مختوم على
~~أفواههم لا يتكلمون.

# ومنه يعلم أن آية النور ليس فيها ما هو نص في عدم الختم على الأفواه،
~~نعم الظاهر هناك أن لا ختم وهنا أن لا شهادة من الألسنة، وعلى هذا الظاهر
~~يجوز أن يكون المحدث عنه في الآيتين واحدا بأن يختم على أفواههم وتنطق
~~أيديهم وأرجلهم أولا ثم يرفع الختم وتشهد ألسنتهم إما مع تجدد ما يكون
~~من الأيدي والأرجل أو مع عدمه والاكتفاء بما كان قبل منهما وذلك إما في
~~مقام واحد من مقامات يوم القيامة أو في مقامين، وليس في كل من الآيتين ما
~~يدل على الحصر ونفي شهادة غير ما ذكر من الأعضاء فلا منافاة بينهما وبين
~~قوله تعالى:

# حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم
~~وأبصرهم وجلودهم بما كانوا يعملون

# [فصلت: 20] فيجوز أن يكون هناك شهادة السمع والأبصار والألسنة والأيدي
~~والأرجل وسائر الأعضاء كما يشعر بهذا ms08903 ظاهر قوله تعالى والجلود في آية
~~السجدة لكن لم يذكر بعض من ذلك في بعض من الآيات اكتفاء بذكره في البعض
~~الآخر منها أو دلالته عليه بوجه، ويجوز أن يكون المحدث عنه في كل طائفة
~~من الناس، وقد جعل بعضهم المحدث عنه في آية السجدة قوم ثمود، وحمل أعداء
~~الله عليهم بقوله تعالى بعد

# وحق عليهم القول فى أمم قد خلت من قبلهم
~~من الجن والإنس

# [فصلت: 25] ولا يبعد أن يكون المحدث عنه في آية النور أصحاب الإفك من
~~المنافقين والذين يرمون المحصنات ثم إن آية السجدة ظاهرة في أن الشهادة
~~عند المجىء إلى النار وآية النور ليس فيها ما يدل على ذلك، وأما هذه
~~الآية فيشعر كلام البعض بأن الختم والشهادة فيها بعد خطاب المحدث عنهم
~~بقوله تعالى:

# هذه جهنم التى كنتم توعدون * اصلوها اليوم
~~بما كنتم تكفرون

# [يس: 6364] فيكون ذلك عند المجىء إلى النار أيضا.

# قال في " إرشاد العقل السليم ": إن قوله تعالى: { اليوم نختم }
~~الخ التفات إلى الغيبة للإيذان بأن ذكر أحوالهم القبيحة استدعى أن يعرض
~~عنهم وتحكى أحوالهم الفظيعة لغيرهم مع ما فيه من الإيماء إلى أن/ ذلك من
~~مقتضيات الختم لأن الخطاب لتلقي الجواب وقد انقطع بالكلية. لكن قال في
~~موضع آخر: إن الشهادة تتحقق في موقف الحساب لا بعد تمام السؤال والجواب
~~وسوقهم إلى النار، والأخبار ظاهرة في ذلك. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم
~~عن أبي موسى الأشعري من حديث

# " يدعى الكافر والمنافق للحساب فيعرض ربه عليه عمله فيجحد ويقول أي رب
~~وعزتك لقد كتب علي هذا الملك ما لم أعمل فيقول له الملك أما عملت كذا
~~في يوم كذا في مكان كذا فيقول لا وعزتك أي رب ما عملته فإذا فعل ذلك ختم
~~على فيه فإني أحسب أول ما تنطق منه فخذه اليمنى ثم تلا { اليوم
~~نختم على أفواههم } الآية "

# وفي حديث أخرجه مسلم والترمذي والبيهقي عن أبي سعيد وأبي هريرة
~~مرفوعا

# " إنه يلقى العبد ربه فيقول الله تعالى له أي فل ms08904 ألم أكرمك إلى أن قال
~~صلى الله عليه وسلم فيقول آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت
~~ويثني بخير ما استطاع فيقول: الآن نبعث شاهدنا عليك فيفكر في نفسه من
~~[ذا] الذي يشهد علي فيختم على فيه. ويقال لفخذه انطقي فتنطق فخذه ولحمه
~~وعظامه بعمله "

# وفي بعض الأخبار ما يدل على أن العبد يطلب شاهدا منه فيختم على فيه،
~~أخرج أحمد ومسلم وابن أبي الدنيا واللفظ له عن أنس في قوله تعالى: {
~~اليوم نختم على أفوههم } قال كنا عند النبي صلى الله
~~عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه قال: أتدرون مم ضحكت؟ قلنا: لا يا رسول
~~الله قال: من مخاطبة العبد ربه يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول:
~~بلى فيقول: إني لا أجيز علي ألا شاهدا مني فيقول كفى بنفسك [اليوم]
~~عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي
~~فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بعدا لكن وسحقا فعنكن
~~كنت أناضل والجمع بالتزام القول بالتعدد فتارة يكون ذلك عند الحساب وأخرى
~~عند النار والقول باختلاف أحوال الناس فيما ذكر. وما تقدم في حديث أبي
~~موسى من أن الفخذ اليمنى أول ما تنطق على ما يحسب جزم به الحسن، وأخرج
~~أحمد وجماعة عن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل
~~الشمال "

# ثم الظاهر أن التكلم والشهادة بنطق حقيقة وذلك بعد إعطاء الله تعالى
~~الأعضاء حياة وعلما وقدرة فيرد بذلك على من زعم أن البينة المخصوصة شرط
~~فيما ذكر وإسناد الختم إليه تعالى دون ما بعد قيل لئلا يحتمل الجبر على
~~الشهادة والكلام فدل على أن ذلك باختيار الأعضاء المذكورة بعد إقدار الله
~~تعالى فإنه أدل على تفضيح المحدث عنهم، وهل يشهد كل عضو بما فعل به أو
~~يشهد بذلك وبما فعل بغيره فيه خلاف والثاني أبلغ في التفظيع، والعلم
~~بالمشهود به يحتمل أن يكون حصوله بخلق ms08905 الله تعالى إياه في ذلك الوقت ولا
~~يكون حاصلا في الدنيا ويحتمل أن يكون حصوله في الدنيا بأن تكون الأعضاء
~~قد خلق الله تعالى فيها الإدراك فهي تدرك الأفعال كما يدركها الفاعل فإذا
~~كان يوم القيامة رد الله تعالى لها ما كان وجعلها مستحضرة لما عملته
~~أولا وأنطقها نطقا يفقهه المشهود عليه، وهذا نحو ما قالوا من تسبيح
~~جميع الأشياء بلسان القال والله تعالى عل كل شيء قدير والعقل لا يحيل ذلك
~~وليس هو بأبعد من خلق الله تعالى فيها العلم والإرادة والقدرة حتى تنطق
~~يوم القيامة فمن يؤمن بهذا فليؤمن بذلك، والتشبث بذيل الاستبعاد يجر إلى
~~إنكار الحشر بالكلية والعياذ بالله تعالى أو تأويله بما أوله به الباطنية
~~الذين قتل واحد منهم  قال حجة الإسلام الغزالي  أفضل من قتل مائة كافر،
~~وعلى هذا تكون الآية من مؤيدات القول بالتسبيح القالي للجمادات ونحوها،
~~وعلى الاحتمال الأول يؤيد القول بجواز شهادة الشاهد إذا حصل عنده العلم
~~الذي يقطع به بأي وجه حصل وإن لم يشهد ذلك ولا حضره.

# وقد أفاد الشيخ الأكبر/ قدس سره في تفسيره المسمى " بإيجاز البيان في
~~ترجمة القرآن " أن قوله تعالى:

# وكذلك جعلنكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على
~~الناس

# [البقرة: 143] يفيد جواز ذلك، وذكر فيه أن الشاهد يأثم إن لم يشهد
~~بعلمه، ولا يخفى عليك ما للفقهاء في المسألة من الكلام، وكأن الشهادة على
~~الاحتمال الثاني بعد الاستشهاد بأن يقال للأركان ألم يفعل كذا فتقول بلى
~~فعل. ويمكن أن تكون بعد أن تؤمر الأركان بالشهادة بأن يقال لها اشهدي بما
~~فعلوا فتشهد معددة أفعالهم، وهذا إما بأن تذكر جميع أفعالهم من المعاصي
~~وغيرها غير مميزة المعصية عن غيرها، وكون ذلك شهادة عليهم باعتبار الواقع
~~لتضمنها ضررهم بذكر ما هو معصية في نفس الأمر، وإما بأن تذكر المعاصي
~~فقط، وهذا يحتاج إلى التزام القول بأن الأركان تميز في الدنيا ما كان
~~معصية من الأفعال ما لم يكن كذلك ولا أظنك تقول به ولم أسمع أن أحدا
~~يدعيه.

# وذهب ms08906 بعضهم إلى أن تكليم الأركان وشهادتها دلالتها على أفعالها وظهور
~~آثار المعاصي عليها بأن يبدل الله تعالى هيآتها بأخرى يفهم منها أهل
~~الحشر ويستدلون بها على ما صدر منهم فجعلت الدلالة الحالية بمنزلة
~~المقالية مجازا، وفيه أنه لا يصار إلى المجاز مع إمكان الحقيقة لا سيما
~~وما يأتي في سورة السجدة من قوله تعالى:

# قالوا أنطقنا الله الذى أنطق كل شىء

# [فصلت: 21] ظاهر جدا في النطق القالي والإخبار أظهر وأظهر، نعم يهون
~~على هذا القول أمر الاستبعاد ولا يكاد يترك لأجله الظواهر العلماء
~~الأمجاد.

# هذا والآية كالظاهرة في تكليف الكفار بالفروع إذ لو لم يكونوا مكلفين
~~بها لا فائدة في شهادة الأعضاء بما كسبوا، وإتمام الحجة عليهم بها وتخصيص
~~ما كسبوا بالكفر مما لا يكاد يلتفت إليه ولا أظن أن أحدا يقول به بل
~~ربما يدعى تخصيصه بما سوى الكفر بناء على أنه من أفعال القلب دون
~~الأعضاء التي تشهد لكن الذي يترجح في نظري العموم. وشهادتها به إما
~~بشهادتها بما يدل عليه من الأفعال البدنية والأقوال اللسانية أو بالعلم
~~الضروري الذي يخلقه الله تعالى لها ذلك اليوم أو بالعلم الحاصل لها بخلق
~~الله تعالى في الدنيا فتعلمه بواسطة الأفعال والأقوال الدالة عليه أو
~~بطريق آخر يعلمه الله تعالى. وهي ظاهرة في أن الحشر يكون بأجزاء البدن
~~الأصلية لا ببدن آخر ليس فيه الأجزاء الأصلية للبدن الذي كان في الدنيا
~~إذ أركان ذلك البدن لم تكن الأعمال السيئة معمولة بها فلا يحسن الشهادة
~~بها منها فليحفظ.

# وقرىء { يختم } مبنيا للمفعول { وتتكلم أيديهم } بتاءين، وقرىء {
~~ولتكلمنا أيديهم ولتشهد أرجلهم } بلام الأمر على أن الله تعالى يأمر
~~الأعضاء بالكلام والشهادة. وروى عبد الرحمن بن محمد بن طلحة عن أبيه عن
~~جده طلحة أنه قرأ { ولتكلمنا أيديهم ولتشهد } بلام كي والنصب على معنى
~~لتكليم الأيدي إيانا ولشهادة الأجل نختم على أفواههم.

### || [36.66]

# { ولو نشاء لطمسنا على أعينهم } بيان أنهم اليوم في
~~قبضة القدرة ومستحقون للعذاب إلا أنه عز وجل لم يشأ ذلك لحكمته ms08907 جل وعلا
~~الباهرة. والطمس إزالة الأثر بالمحو، والمعنى لو نشاء الطمس على أعينهم
~~وإزالة ضوئها وصورتها بالكلية بحيث تعود ممسوحة لطمسنا عليها وأذهبنا
~~أثرها. وجوز أن يراد بالطمس إذهاب الضوء من غير إذهاب العضو وأثره أي ولو
~~نشاء لأعميناهم، وإيثار صيغة الاستقبال وإن كان المعنى على المضي لإفادة
~~أن عدم الطمس على أعينهم لاستمرار عدم المشيئة فإن المضارع المنفي الواقع
~~موقع المضي ليس بنص في إفادة انتفاء استمرار الفعل بل قد يفيد استمرار
~~انتفائه.

# وقوله تعالى: { فاستبقوا الصرط } عطف على { لطمسنا } على
~~الفرض والصراط منصوب بنزع الخافض أي فأرادوا الاستباق إلى الطريق الواضح
~~المألوف لهم { فأنى يبصرون } أي فكيف يبصرون ذلك الطريق/ وجهة
~~السلوك والمقصود إنكار إبصارهم. وحاصله لو نشاء لأذهبنا أحداقهم وأبصارهم
~~فلو أرادوا الاستباق وسلوك الطريق الذي اعتادوا سلوكه لا يقدرون عليه ولا
~~يبصرونه، وتأويل استبقوا بأرادوا الاستباق مما ذهب إليه البعض، وقيل لا
~~حاجة لتأويله فإن الأعمى يجوز شروعه في السابق.

# ونصب { الصرط } بنزع الخافض ولم ينصب على الظرفية لأنه كالطريق مكان
~~مختص ومثله لا ينتصب على الظرفية، وجوز كونه مفعولا به لتضمين استبقوا
~~معنى ابتدروا، ونقل عن " الأساس " في قسم الحقيقة { استبقوا الصرط }
~~ابتدروه، قال في «الكشف»: فعليه لا تضمين، وادعى بعضهم توهم دعوى أن ذلك
~~معنى حقيقي وصاحب " الأساس " إنما ذكره في آخر قسم المجاز والمعنى لو
~~شئنا لفعلنا ما فعلنا في أعينهم فلو أرادوا الاستباق مبتدرين الطريق لا
~~يبصرون، وقيل يجوز كونه مفعولا به على أن استبقوا بمعنى سبقوا ويجعل
~~الطريق مسبوقا على التجوز في النسبة أو الاستعارة المكنية أو على أنه
~~بمعنى جاوزوا، قال في «القاموس»: استبق الصراط جاوزه وظاهره أنه حقيقة في
~~ذلك، وقال غير واحد: هو مجاز والعلاقة اللزوم، والمعنى ولو نشاء لفعلنا
~~ما فعلنا في أعينهم فلو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوا المشي فيه
~~لعجزوا ولم يعرفوا طريقا يعني أنهم لا يقدرون إلا على سلوك الطريق
~~المعتاد دون ما وراءه من سائر الطرق والمسالك كما ترى العميان يهتدون
~~فيما ms08908 ألفوا وضربوا به من المقاصد دون غيرها.

# وذهب ابن الطراوة إلى أن الصراط والطريق وما أشبههما من الظروف المكانية
~~ليست مختصة فيجوز انتصابها على الظرفية، وهذا خلاف ما صرح به سيبويه وجعل
~~انتصابها على الظرفية من الشذوذ وأنشد:

# لدن بهز الكف يعسل متنه

# فيه كما عسل الطريق الثعلب

# والمعنى في الآية لو انتصب على الظرفية لو نشاء لفعلنا ما فعلنا في
~~أعينهم فلو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف كما كان ذلك
~~هجيراهم لم يستطيعوا، وحمل الأعين على ما هو الظاهر منها أعني الأعضاء
~~المعروفة والصراط على الطريق المحسوس هو المروي عن الحسن وقتادة، وعن ابن
~~عباس حمل الأعين على البصائر والصراط على الطريق المعقول.

# أخرج ابن جرير وجماعة عنه أنه قال: ولو نشاء لطمسنا على أعينهم أعميناهم
~~وأضللناهم عن الهدى فأنى يبصرون فكيف يهتدون وهو خلاف الظاهر.

# وقرأ عيسى { فاستبقوا } على الأمر وهو على إضمار القول أي فيقال لهم
~~استبقوا وهو أمر تعجيز إذ لا يمكنهم الاستباق مع طمس الأعين.

### || [36.67]

# { ولو نشاء لمسخنهم } أي لحولنا صورهم إلى صور أخرى
~~قبيحة. عن ابن عباس أي لمسخناهم قردة وخنازير، وقيل: لمسخناهم حجارة وروي
~~ذلك عن أبي صالح، ويعلم من هذا الخلاف أن في مسخ الحيوان المخصوص لا
~~يشترط بقاء الصورة الحيوانية، وسمي بعضهم قلب الحيوان جمادا رسخا وقلبه
~~نباتا فسخا وخص المسخ بقلبه حيوانا آخر، ومفعول المشيئة على قياس
~~السابق أي ولو نشاء مسخهم على مكانتهم لمسخناهم { على مكنتهم
~~} أي مكانهم كالمقامة والمقام. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن
~~عباس أنه قال في معنى الآية لو نشاء لأهلكناهم في مساكنهم. وقال الحسن
~~وقتادة وجماعة المعنى لو نشاء لأقعدناهم وأزمناهم وجعلناهم كسحا لا
~~يقومون. وقرأ الحسن وأبو بكر { مكاناتهم } بالجمع لتعددهم.

# { فما استطعوا } لذلك { مضيا } أي ذهابا إلى مقاصدهم {
~~ولا يرجعون } / قيل هو عطف على { مضيا } المفعول به لاستطاعوا
~~وهو من باب  تسمع بالمعيدي خير من أن تراه  فيكون التقدير فما استطاعوا
~~مضيا ولا رجوعا وإلا فمفعول استطاعوا ms08909 لا يكون جملة، والتعبير بذلك دون
~~الاسم الصريح قيل للفواصل مع الإيماء إلى مغايرة الرجوع للمضي بناء على
~~ما قال الإمام من أنه أهون من المضي لأنه ينبىء عن سلوك الطريق من قبل
~~والمضي لا ينبئ عنه، وقيل لذلك مع الإيماء إلى استمرار النفي نظرا إلى
~~ظاهر اللفظ ويكون هناك ترق من جهتين إذا لوحظ ما أومأ إليه الإمام، وقيل
~~له مع الإيماء إلى أن الرجوع المنفي ما كان عن إرادة واختيار فإن
~~اعتبارهما في الفعل المسند إلى الفاعل أقرب إلى التبادر من اعتبارهما في
~~المصدر. واقتصر بعضهم في النكتة على رعاية الفواصل، والإمام بعد الاقتصار
~~على رعاية الفواصل في بيان نكتة العدول عن الظاهر تقصيرا؛ وقيل هو عطف
~~على جملة { ما استطاعوا } ، والمراد ولا يرجعون عن تكذيبهم لما أنه قد
~~طبع على قلوبهم، وقيل هو عطف على ما ذكر إلا أن المعنى ولا يرجعون إلى ما
~~كانوا عليه قبل المسخ وليس بالبعيد. وعلى القولين المراد بالمضي الذهاب
~~عن المكان ونفي استطاعته مغن عن نفي استطاعة الرجوع. وأيا ما كان
~~فالظاهر أن هذا وكذا ما قبله لو كان لكان في الدنيا، وقال ابن سلام: هذا
~~التوعد كله يوم القيامة وهو خلاف الظاهر ولا يكاد يصح على بعض الأقوال.
~~وأصل { مضيا } مضوي اجتمعت الواو ساكنة مع الياء فقلبت ياء كما هو
~~القاعدة وأدغمت الياء في الياء وقلبت ضمة الضاد كسرة لتخف وتناسب الياء.

# وقرأ أبو حيوة وأحمد بن جبير الأنطاكي عن الكسائي { مضيا } بكسر الميم
~~إتباعا لحركة الضاد كالعتي بضم العين والعتي بكسرها. وقرىء { مضيا }
~~بفتح الميم فيكون من المصادر التي جاءت على فعيل كالرسيم والوجيف والصئي
~~بفتح الصاد المهملة بعدها همزة مكسورة ثم ياء مشددة مصدر صأى الديك أو
~~الفرخ إذا صاح.

### || [36.68]

# { ومن نعمره } أي نطل عمره. { ننكسه فى الخلق } نقلبه
~~فيه فلا يزال يتزايد ضعفه وانتقاص بنيته وقواه عكس ما كان عليه بدء أمره،
~~وفيه تشبيه التنكيس المعنوي بالتنكيس الحسي واستعارة الحسي له، وعن سفيان
~~أن التنكيس في ms08910 سن ثمانين سنة، والحق أن زمان ابتداء الضعف وانتقاص البنية
~~مختلف لاختلاف الأمزجة والعوارض كما لا يخفى. والكلام عطف على قوله
~~تعالى:

# ولو نشاء لطمسنا

# [يس: 66] الخ عطف العلة على المعلول لأنه كالشاهد لذلك. وقرأ جمع من
~~السبعة { ننكسه } مخففا من الإنكاس.

# { أفلا يعقلون } أي أيرون ذلك فلا يعقلون أن من قدر على ذلك
~~يقدر على ما ذكر من الطمس والمسخ وأن عدم إيقاعهما لعدم تعلق مشيئته
~~تعالى بهما.

# وقرأ نافع وابن ذكوان وأبو عمرو في رواية عياش (تعقلون) بتاء الخطاب
~~لجري الخطاب قبله.

### || [36.69]

# { وما علمنه } بتعليم الكتاب المشتمل على هذا البيان والتلخيص
~~في أمر المبدأ والمعاد { الشعر } إذ لا يخفى على من به أدنى مسكة أن
~~هذا الكتاب الحكيم المتضمن لجميع المنافع الدينية والدنيوية على أسلوب
~~أفحم كل منطيق يباين الشعر ولا مثل الثريا للثرى، أما لفظا فلعدم وزنه
~~وتقفيته، وأما معنى فلأن الشعر تخيلات مرغبة أو منفرة أو نحو ذلك وهو مقر
~~الأكاذيب، ولذا قيل أعذبه أكذبه، والقرآن حكم وعقائد وشرائع. والمراد من
~~نفي تعليمه صلى الله عليه وسلم بتعليم الكتاب الشعر نفي أن يكون القرآن
~~شعرا على سبيل الكناية لأن/ ما علمه الله تعالى هو القرآن وإذا لم يكن
~~المعلم شعرا لم يكن القرآن شعرا البتة، وفيه أنه عليه الصلاة والسلام
~~ليس بشاعر إدماجا وليس هناك كناية تلويحية كما قيل، وهذا رد لما كانوا
~~يقولونه من أن القرآن شعر والنبي صلى الله عليه وسلم شاعر وغرضهم من ذلك
~~أن ما جاء به عليه الصلاة والسلام من القرآن افتراء وتخيل وحاشاه ثم
~~حاشاه من ذلك.

# { وما ينبغى له } اعتراض لتقرير ما أدمج أي لا يليق ولا يصلح له
~~صلى الله عليه وسلم الشعر لأنه يدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ
~~والوزن ولأن أحسنه المبالغة والمجازفة والإغراق في الوصف وأكثره تحسين ما
~~ليس بحسن وتقبيح ما ليس بقبيح وكل ذلك يستدعي الكذب أو يحاكيه الكذب وجل
~~جناب الشارع عن ذلك كذا قيل. وقال ابن الحاجب: أي لا يستقيم ms08911 عقلا أن
~~يقول صلى الله عليه وسلم الشعر لأنه لو كان ممن يقوله لتطرقت التهمة عند
~~كثير من الناس في أن ما جاء به من قبل نفسه وأنه من تلك القوة الشعرية
~~ولذا عقب هذا بقوله تعالى:

# ويحق القول على الكفرين

# [يس: 70] لأنه إذا انتفت الريبة لم يبق إلا المعاندة فيحق القول عليهم.
~~وتعقب بأن الإيجاز يرفع التهمة وإلا فكونه عليه الصلاة والسلام في
~~المرتبة العليا من الفصاحة والبلاغة في النثر ليس بأضعف من قول الشعر في
~~كونه مظنة تطرق التهمة بل ربما يتخيل أنه أعظم من قول الشعر في ذلك فلو
~~كانت علة منعه عليه الصلاة والسلام من الشعر ما ذكر لزم أن يمنع من
~~الكلام الفصيح البليغ سدا لباب الريبة ودحضا للشبهة وإعظاما للحجة
~~فحيث لم يكن ذلك اكتفاء بالإعجاز وأن التهمة والريب معه مما لا ينبغي أن
~~يصدر من عاقل ولذا نفى الريب مع أنه وقع علم أن العلة في أنه عليه الصلاة
~~والسلام لا ينبغي له الشعر شيء آخر، واختار هذا ابن عطية وجعل العلة ما
~~في قول الشعر من التخييل والتزويق للقول وهو قريب مما سمعت أولا، وهو
~~الذي ينبغي أن يعول عليه.

# وفي الآية عليه دلالة على غضاضة الشعر وهي ظاهرة في أنه عليه الصلاة
~~والسلام لم يعط طبيعة شعرية اعتناء بشأنه ورفعا لقدره وتبعيدا له صلى
~~الله عليه وسلم من أن يكون فيه مبدأ لما يخل بمنصبه في الجملة. وإنما لم
~~يعط صلى الله عليه وسلم القدرة على الشعر مع حفظه عن إنشائه لأن ذلك سلب
~~القدرة عليه في الإبعاد عما يخل بمنصبه الجليل صلى الله عليه وسلم ونظير
~~ما ذكرنا العصمة والحفظ، ويفهم من كلام " المواهب اللدنية " أن من الناس
~~من ذهب إلى أنه عليه الصلاة والسلام كان له قدرة على الشعر إلا أنه يحرم
~~عليه أن يشعر وليس بذاك، نعم القول بحرمة إنشاء الشعر مقبول ومعناه على
~~القول السابق على ما قيل حرمة التوصل إليه، وقد يقال: لا حاجة إلى
~~التأويل ms08912 وحرمة الشيء تجامع عدم القدرة عليه.

# وهل عدم الشعر خاص به عليه الصلاة والسلام أو عام لنوع الأنبياء؟ قال
~~بعضهم هو عام لهذه الآية إذ لا يظهر للخصوص نكتة، وقيل يجوز أن يكون
~~خاصا والنكتة زيادة التكريم لما أن مقامه صلى الله عليه وسلم فوق مقام
~~الأنبياء عليهم السلام ويكون الثابت لهم الحفظ عن الإنشاء مع ثبوت القدرة
~~عليه وإن صح خبر إنشاء آدم عليه السلام يوم قتل ولده:

# تغيرت البلاد ومن عليها

# ووجه الأرض مغبر قبيح

# تغير كل ذي طعم ولون

# وقل بشاشة الوجه الصبيح

# اتضح أمر الخصوص وعلم أن لا حفظ من الإنشاء أيضا، ولعل الحفظ حينئذ
~~مما فيه ما يشين ويخل بمنصب النبوة مطلقا، والنكتة في الخصوص ظاهرة على
~~ما نقل عن ابن الحاجب لأن أعظم معجزاته عليه الصلاة/ والسلام القرآن
~~فربما تحصل التهمة فيه لو قال صلى الله عليه وسلم الشعر وكذلك معجزات
~~الأنبياء عليهم السلام فتأمل.

# وأيا ما كان لا يرد أنه عليه الصلاة والسلام قال يوم حنين وهو على
~~بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحرث آخذ بزمامها ولم يبق معه عليه الصلاة
~~والسلام من الناس إلا قليل  أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب 
~~لأنا لا نسلم أنه شعر فقد عرفوه بأنه الكلام المقفى الموزون على سبيل
~~القصد وهذا مما اتفق له عليه الصلاة والسلام من غير قصد لوزنه ومثله يقع
~~كثيرا في الكلام المنثور ولا يسمى شعرا ولا قائله شاعرا، ولا يتوهم من
~~انتسابه صلى الله عليه وسلم فيه إلى جده دون أبيه دليل القصد لأن النسبة
~~إلى الجد شائعة ولأنه هو الذي قام بتربيته حيث توفي أبوه عليه الصلاة
~~والسلام وهو حمل فحين ولقد قام بأمره فوق ما يقوم الوالد بأمر الولد
~~ولأنه كان مشهورا بينهم بالصدق والشرف والعزة فلذا خصه بالذكر ليكون
~~كالدليل على ما قبل أو كمانع آخر من الانهزام ولأن كثيرا من الناس كانوا
~~يدعونه عليه الصلاة والسلام بابن عبد المطلب، ومنه حديث ضمام بن ثعلبة
~~أيكم ابن ms08913 عبد المطلب على أن منهم من لم يعد الرجز مطلقا وأصله ما كان
~~على مستفعلن ست مرات شعرا ولذا يسمى قائله راجزا لا شاعرا، وعن الخليل
~~أن المشطور منه وهو ما حذف نصفه فبقي وزنه مستفعلن ثلاث مرات؛ والمنهوك
~~وهو ما حذف ثلثاه فبقي وزنه مستفعلن مرتين ليسا بشعر، وفي رواية أخرى عنه
~~أن المجزو وهو ما حذف من كل مصراع منه جزء فبقي وزنه مستفعلن أربع مرات
~~كذلك فقوله صلى الله عليه وسلم أنا النبي لا كذب إن كان نصف بيت فهو
~~مجزو فليس بشعر على هذه الرواية وإن فرض أن هناك قصدا وإن كان بيتا
~~تاما فهو فليس منهوك بشعر أيضا على الرواية الأولى وكونه ليس بشعر على
~~قول من لا يرى الرجز مطلقا شعرا ظاهر.

# وجاء في بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام حرك الباء من كذب
~~والمطلب فلا يكون ذلك موزونا فكونه ليس بشعر أظهر وأظهر. والقول بأن
~~ضمير { له } للقرآن المعلوم من السياق أي وما يصح للقرآن أن يكون شعرا
~~فيجوز صدور الشعر عنه صلى الله عليه وسلم ولا يحتاج إلى توجيه ليس بشيء
~~فإنه يكفي في نفي الشعر عنه عليه الصلاة والسلام قوله سبحانه: { وما
~~علمنه الشعر } مع أن الظاهر عود الضمير عليه عليه الصلاة
~~والسلام، وأولى التوجيهات إخراج ذلك من الشعر بانتفاء القصد وبذلك يخرج
~~ما وقع في القرآن من نظائره منه، وقد ذكرنا لك فيما مر كثيرا منها.

# وليس في الآية ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينبغي له
~~التكلم بشعر قاله بعض الشعراء والتمثل به، وفي الأخبار ما يدل على وقوع
~~التكلم بالبيت متزنا نادرا كما روي أنه عليه الصلاة والسلام أنشد بيت
~~ابن رواحة:

# يبيت يجافي جنبه عن فراشه

# إذا استثقلت بالمشركين المضاجع

# وإنشاده إياه كذلك مذكور في البحر»، وروي أنه صلى الله عليه وسلم أصاب
~~أصبعه الشريفة حجر في بعض غزواته فدميت فتمثل بقول الوليد بن المغيرة:
~~على ما قاله ابن هشام في " السيرة " أو ms08914 ابن رواحة على ما صححه ابن
~~الجوزي:

# / ما أنت إلا أصبع دميت

# وفي سبيل الله ما لقيت

# وقيل: هو له عليه الصلاة والسلام والكلام فيه كالكلام في قوله صلى الله
~~عليه وسلم أنا النبي الخ إلا أن هذا يحتمل أن يكون مشطورا إذا كان كل
~~من شطريه بيتا وعلى وقوع التكلم بالبيت غير متزن مع إحراز المعنى كثيرا
~~كما روي أنه عليه الصلاة والسلام أنشد:

# ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا

# ويأتيك من لم تزود بالأخبار

# فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه ليس هكذا يا رسول الله فقال عليه
~~الصلاة والسلام:

# " إني والله ما أنا بشاعر ولا ينبغي لي "

# وفي خبر أخرجه أحمد وابن أبي شيبة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم إذا استراث الخبر تمثل ببيت طرفة ويأتيك من لم تزود
~~بالأخبار. وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم
~~كان يتمثل بهذا البيت:

# كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا

# فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله ما علمك الشعر وما ينبغي لك، وأخرج
~~ابن سعيد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
~~للعباس بن مرداس: أرأيت قولك:

# أتجعل نهبي ونهب العبي

# د بين الأقرع وعيينة

# فقال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما
~~أنت بشاعر ولا راوية ولا ينبغي لك إنما قال بين عيينة والأقرع، وروي أنه
~~قيل له عليه الصلاة والسلام: من أشعر الناس؟ فقال: الذي يقول:

# ألم ترياني كلما جئت طارقا

# وجدت بها وإن لم تطيب طيبا

# وأخرج البيهقي في " سننه " بسند فيه مجهول عن عائشة قالت ما جمع رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم بيت شعر قط إلا بيتا واحدا:

# تفاءل بما تهوى يكن فلقلما

# يقال لشيء كان إلا تحقق

# قالت عائشة ولم يقل تحققا لئلا يعربه فيصير شعرا.

# ثم إنه عليه الصلاة والسلام مع هذا لم يكن يحب الشعر ففي " مسند أحمد ms08915 بن
~~حنبل " عن عائشة قالت: كان أبغض الحديث إليه صلى الله عليه وسلم الشعر،
~~وفي «الصحيحين» وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلىء شعرا "

# وهذا ظاهر في ذم الإكثار منه، وما روي عن الخليل أنه قال كان الشعر أحب
~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام مناف لما سمعت عن "
~~المسند " ، ولعل الجمع بالتفصيل بين شعر وشعر. وقد تقدم الكلام في الشعر
~~مفصلا في سورة الشعراء فتذكر.

# { إن هو } أي ما القرآن { إلا ذكر } أي عظة من الله عز وجل
~~وإرشاد للثقلين كما قال سبحانه:

# إن هو إلا ذكر للعلمين

# [يوسف: 104] { وقرآن مبين } أي كتاب سماوي ظاهر أنه ليس من كلام
~~البشر لما فيه من الإعجاز الذي ألقم من تصدى للمعارضة الحجر.

### || [36.70]

# { لينذر } أي القرآن أو الرسول عليه الصلاة والسلام، ويؤيده قراءة
~~نافع وابن عامر { لتنذر } بتاء الخطاب. وقرأ اليماني { لينذر } مبنيا
~~للمفعول ونقلها ابن خالويه عن الجحدري وقال: عن أبي السمال واليماني
~~أنهما قرءا (لينذر) بفتح الياء والذال مضارع نذر بالشيء بكسر الذال إذا
~~علم به.

# { من كان حيا } أي عاقلا كما أخرج ذلك ابن جرير والبيهقي في "
~~شعب الإيمان " عن الضحاك، وفيه استعارة/ مصرحة بتشبيه العقل بالحياة أو
~~مؤمنا بقرينة مقابلته بالكافرين، وفيه أيضا استعارة مصرحة لتشبيه
~~الإيمان بالحياة، ويجوز كونه مجازا مرسلا لأنه سبب للحياة الحقيقية
~~الأبدية. والمضي في { كان } باعتبار ما في علمه عز وجل لتحققه، وقيل
~~كان بمعنى يكون، وقيل في الكلام مجاز المشارفة ونزلت منزلة المضي وهو كما
~~ترى. وتخصيص الإنذار به لأنه المنتفع بذلك.

# { ويحق القول } أي تجب كلمة العذاب { على الكفرين }
~~الموسومين بهذا الوسم المصرين على الكفر. وفي إيرادهم بمقابلة من كان
~~حيا إشعار بأنهم لخلوهم عن آثار الحياة وأحكامها كالمعرفة أموات في
~~الحقيقة. وجوز أن يكون في الكلام استعارة مكنية قرينتها استعارة أخرى،
~~وكأنه جىء بقوله سبحانه: { لينذر } الخ رجوعا إلى ms08916 ما بدىء به السورة
~~من قوله عز وجل:

# لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم

# [يس: 6] ولو نظرت إلى هذا التخلص من حديث المعاد إلى حديث القرآن
~~والإنذار لقضيت العجب من حسن موقعه.

### || [36.71]

# { أو لم يروا } الهمزة للإنكار والتعجيب والواو للعطف على جملة
~~منفية مقدرة مستتبعة للمعطوف أي ألم يتفكروا أو ألم يلاحظوا أو ألم
~~يعلموا علما يقينيا مشابها للمعاينة زعم بعضهم أن هذا عطف على قوله
~~تعالى:

# ألم يروا كم أهلكنا

# [يس: 31] الخ والأول للحث على التوحيد بالتحذير من النقم وهذا بالتذكير
~~بالنعم المشار إليها بقوله تعالى: { أنا خلقنا لهم } أي لأجلهم
~~وانتفاعهم { مما عملت أيدينا } أي مما تولينا إحداثه بالذات
~~من غير مدخل لغيرنا فيه لا خلقا ولا كسبا.

# والكلام استعارة تمثيلية فيما ذكر، وجوز أن يكون قد كني عن الإيجاد بعمل
~~الأيدي فيمن له ذلك ثم بعد الشيوع أريد به ما أريد مجازا متفرعا على
~~الكناية، وقال بعضهم: المراد بالعمل الإحداث وبالأيدي القدرة مجازا،
~~وأوثرت صيغة التعظيم والأيدي مجموعة تعظيما لشأن الأثر وإنه أمر عجيب
~~وصنع غريب وليس بذاك، وقيل الأيدي مجاز عن الملائكة المأمورين بمباشرة
~~الأعمال حسبما يريده عز وجل في عالم الكون والفساد كملائكة التصوير
~~وملائكة نفخ الأرواح في الأبدان بعد إكمال تصويرها ونحوهم، ولا يخفى ما
~~فيه. ونحوه ما قيل الأيدي مجاز عن الأسماء فإن كل أثر في العالم بواسطة
~~اسم خاص من أسمائه عز وجل. وأنت تعلم أن الآية من المتشابه عند السلف وهم
~~لا يجعلون اليد مضافة إليه تعالى بمعنى القدرة أفردت  ك

# يد الله فوق أيديهم

# [الفتح: 10] أو ثنيت ك

# خلقت بيدي

# [ص: 75] أو جمعت كما هنا بل يثبتون اليد له عز وجل كما أثبتها لنفسه مع
~~التنزيه الناطق به قوله سبحانه:

# ليس كمثله شىء

# [الشورى: 11] وارتضاه كثير ممن وفقه الله تعالى من الخلق، ولا أرى
~~الطاعنين عليهم إلا جهلة.

# { أنعما } مفعول { خلقنا } وأخر عن الجارين المتعلقين به
~~اعتناء بالمقدم وتشويقا إلى المؤخر وجمعا بينه وبين ما يتعلق به من
~~أحكامه المتفرعة ms08917 عليه، والمراد بالأنعام الأزواج الثمانية وخصها بالذكر
~~لما فيها من بدائع القطرة وكثرة المنافع، وهذا كقوله تعالى:

# أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت

# [الغاشية: 17].

# { فهم لها ملكون } أي متملكون لها بتمليكنا إياها لهم،
~~والفاء قيل للتفريع على مقدر أي خلقنا لهم أنعاما وملكناها لهم فهم بسبب
~~ذلك مالكون لها، وقيل للتفريع على خلقها لهم وفيه خفاء. وجوز أن يكون
~~الملك بمعنى القدرة والقهر من ملكت العجين إذا أجدت عجنه، ومنه قول
~~الربيع بن منيع الفزاري وقد سئل عن حاله بعد إذ كبر:

# أصبحت لا أحمل السلاح ولا

# أملك رأس البعير إن نفرا

# / والأول أظهر ليكون ما بعد تأسيسا لا تأكيدا، وأيا ما كان فلها
~~متعلق بمالكون واللام مقوية للعمل وقدم لرعاية الفواصل مع الاهتمام.
~~وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على استقرار مالكيتهم لها واستمرارها.

### || [36.72]

# { وذللنها لهم } أي وصيرناها سهلة غير مستعصية عليهم في شيء
~~مما يريدون بها حتى الذبح حسبما ينطق به قوله تعالى: { فمنها
~~ركوبهم } فإن الفاء فيه لتفريع أحكام التذليل عليه وتفصيلها أي فبعض
~~منها مركوبهم فركوب فعول بمعنى مفعول كحصور وحلوب وقزوع وهو مما لا
~~ينقاس. وقرأ أبي وعائشة { ركوبتهم } بالتاء وهي فعولة بمعنى مفعولة
~~كحلوبة، وقيل جمع ركوب، وتعقب بأنه لم يسمع فعولة بفتح الفاء في الجموع
~~ولا في أسمائها. وقرأ الحسن والأعمش وأبو البرهسم { ركوبهم } بضم الراء
~~وبغير تاء وهو مصدر كالقعود والدخول فإما أن يؤول بالمفعول أو يقدر مضاف
~~في الكلام إما في جانب المسند إليه أي ذو ركوبهم أو في جانب المسند أي
~~فمن منافعها ركوبهم { ومنها يأكلون } أي وبعض منها يأكلون لحمه،
~~والتبعيض هنا باعتبار الأجزاء وفيما قيل باعتبار الجزئيات والجملة معطوفة
~~على ما قبلها، وغير الأسلوب لأن الأكل عام في الأنعام جميعها وكثير مستمر
~~بخلاف الركوب كذا قيل، وقيل الفعل موضوع موضع المصدر وهو بمعنى المفعول
~~للفاصلة.

### || [36.73]

# { ولهم فيها } أي في الأنعام بكلا قسميها { منفع } غير
~~الركوب والأكل كالجلود والأصواف والأوبار وغيرها وكالحراثة بالثيران {
~~ومشارب } جمع مشرب مصدر بمعنى المفعول ms08918 والمراد به اللبن، وخص مع
~~دخوله في المنافع لشرفه واعتناء العرب به، وجمع باعتبار أصنافه ولا ريب
~~في تعددها، وتعميم المشارب للزبد والسمن والجبن والأقط لا يصح إلا
~~بالتغليب أو التجوز لأنها غير مشروبة ولا حاجة إليه مع دخولها في
~~المنافع، وجوز أن تكون المشارب جمع مشرب موضع الشرب. قال الإمام: وهو
~~الآنية فإن من الجلود يتخذ أواني الشرب من القرب ونحوها، وقال الخفاجي:
~~إذا كان موضعا فالمشارب هي نفسها لقوله سبحانه: { فيها } فإنها مقرة،
~~ولعله أظهر من قول الإمام { أفلا يشكرون } أي أيشاهدون هذه النعم
~~فلا يشكرون المنعم بها ويخصونه سبحانه بالعبادة.

### || [36.74]

# { واتخذوا من دون الله } أي متجاوزين الله تعالى الذي رأوا
~~منه تلك القدرة الباهرة والنعم الظاهرة وعلموا أنه سبحانه المتفرد بها {
~~ءالهة } من الأصنام وأشركوها به عز وجل في العبادة { لعلهم
~~ينصرون } رجاء أن ينصروا أو لأجل أن ينصروا من جهتهم فيما نزل بهم
~~وأصابهم من الشدائد أو يشفعوا لهم في الآخرة.

### || [36.75]

# وقوله تعالى: { لا يستطيعون نصرهم } الخ استئناف سيق لبيان
~~بطلان رأيهم وخيبة رجائهم وانعكاس تدبيرهم أي لا تقدر آلهتهم على نصرهم،
~~وقول ابن عطية: يحتمل أن يكون ضمير { يستطيعون } للمشركين وضمير {
~~نصرهم } للأصنام ليس بشيء أصلا { وهم } أي أولئك المتخذون
~~المشركون { لهم } أي لآلهتهم { جند محضرون } أي معدون لحفظهم
~~والذب عنهم في الدنيا. أخرجه ابن أبي حاتم وابن المنذر عن الحسن وقتادة،
~~وقيل: المعنى إن المشركين جند لآلهتهم في الدنيا محضرون للنار في الآخرة،
~~وجاء بذلك في رواية أخرجها ابن أبي حاتم عن الحسن، واختار بعض الأجلة/
~~أن المعنى والمشركون لآلهتهم جند محضرون يوم القيامة أثرهم في النار
~~وجعلهم جندا من باب التهكم والاستهزاء. وكذلك لام { لهم } الدالة على
~~النفع، وقيل { هم } للآلهة وضمير { لهم } للمشركين أي وإن الآلهة
~~معدون محضرون لعذاب أولئك المشركين يوم القيامة لأنهم يجعلون وقود النار
~~أو محضرون عند حساب الكفرة إظهارا لعجزهم وإقناطا للمشركين عن شفاعتهم
~~وجعلهم جندا، والتعبير باللام في الوجهين على ما مر آنفا، واختلاف
~~مراجع ms08919 الضمائر في الآية ليس من التفكيك المحظور، والواو في قوله سبحانه:
~~{ وهم } الخ على جميع ما مر إما عاطفة أو حالية إلا أن الحال مقدرة في
~~بعض الأوجه كما لا يخفى.

### || [36.76]

# والفاء في قوله تعالى: { فلا يحزنك قولهم } فصيحة أي إذا كان
~~هذا حالهم مع ربهم عز وجل فلا تحزن بسبب قولهم عليك هو شاعر أو إذا كان
~~حالهم يوم القيامة ما سمعت فلا تحزن بسبب قولهم على الله سبحانه إن له
~~شركاء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا أو عليك هو شاعر أو على الله تعالى
~~وعليك ما لا يليق بشأنه عز وجل وشأنك، والاقتصار في بيان قولهم عليه صلى
~~الله عليه وسلم بأنه وحاشاه شاعر لأنه الأوفق بما تقدم من قوله تعالى:

# وما علمنه الشعر وما ينبغى له

# [يس: 69] وقد يعمم فيشمل جميع ما لا يليق بشأنه عليه الصلاة والسلام من
~~الأقوال، وتفسير الشرط الذي أفصحت عنه الفاء بما ذكرنا أولا هو المناسب
~~لما روي عن الحسن وقتادة في معنى قوله تعالى:

# وهم لهم جند محضرون

# [يس: 75] وبما ذكرنا ثانيا هو المناسب لما ذكر بعد في معنى ذلك. وقيل
~~التقدير على الأول إذا كانوا في هذه المرتبة من سخافة العقول حيث اتخذوا
~~رجاء النصر آلهة من دون الله عز وجل لا يقدرون على نصرهم والذب عنهم بل
~~هم يذبون عن تلك الآلهة فلا تحزن بسبب قولهم عليك ما قالوا ولعل الأول
~~أولى. وأيا ما كان فالنهي وإن كان بحسب الظاهر متوجها إلى قولهم لكنه
~~في الحقيقة كما أشرنا إليه متوجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~والمراد نهيه عليه الصلاة والسلام عن التأثر من الحزن بطريق الكناية على
~~أبلغ وجه وآكده كما لا يخفى.

# وقرأ نافع { فلا يحزنك } بضم الياء وكسر الزاي من أحزن المنقول من
~~حزن اللازم وجاء حزنه وأحزنه.

# { إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون } تعليل صريح للنهي
~~بطريق الاستئناف بعد تعليلة بطريق الإشعار بناء على التقدير الثاني في
~~الشرط فإن العلم بما ذكر ms08920 مجاز عن مجازاتهم عليه أو كناية عنها للزومها
~~إياه إذ علم الملك القادر الحكيم بما جرى من عدوه الذي تقتضي الحكمة
~~الانتقام منه مقتض لمجازاته والانتقام منه، وهو على التقدير الأول قيل
~~استئناف بياني وقع جواب سؤال مقدر كأنه قيل: يا رب فإذا كان حالهم معك
~~ومع نبيك ذلك فماذا تصنع بهم؟ فقيل: { إنا نعلم } الخ أي نجازيهم
~~بجميع جناياتهم، وقيل هو تعليل لترتيب النهي على الشرط فتأمل، و (ما)
~~موصلة والعائد محذوف أي نعلم الذي يسرونه من العقائد الزائغة والعداوة لك
~~ونحو ذلك والذي يعلنونه من كلمات الإشراك والتكذيب ونحوها، وجوز أن تكون
~~مصدرية أي نعلم إسرارهم وإعلانهم والمفعول محذوف أو الفعلان منزلان منزلة
~~اللازم والمتبادر الأول وهو الأولى.

# وتقديم السر على العلن لبيان إحاطة علمه سبحانه بحيث إن علم السر عنده
~~تعالى كأنه أقدم من علم العلن، وقيل: لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة
~~العلن إذ ما من شيء يعلن إلا وهو أو مباديه مضمر في القلب قبل ذلك فتعلق
~~علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية حقيقة، وقيل:
~~للإشارة إلى الاهتمام بإصلاح الباطن فإنه ملاك الأمر ولأنه محل الاشتباه
~~المحتاج للبيان.

# وشاع أن الوقف على { قولهم } متعين، وقيل: ليس به/ لأنه جوز في {
~~إنا نعلم } الخ كونه مقول القول على أن ذلك من باب الإلهاب
~~والتعريض كقوله تعالى:

# ولا تكونن من المشركين

# [الأنعام: 14] أو على أن المراد فلا يحزنك قولهم على سبيل السخرية
~~والاستهزاء إنا نعلم الخ، ومنه يعلم أنه لو قرأ قارىء أنا نعلم بالفتح
~~وجعل ذلك بدلا من { قولهم } لا تنتقض صلاته ولا يكفر لو اعتقد ما
~~يعطيه من المعنى كما لو جعله تعليلا على حذف حرف التعليل، والحق أن مثل
~~هذا التوجيه لا بأس بقبوله في درء الكفر، وأما أمر الوقف فالذي ينبغي أن
~~يقال فيه أنه على { قولهم } كالمتعين.

### || [36.77]

# { أولم ير الإنسن أنا خلقنه من نطفة } كلام
~~مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكارهم البعث بعد ما شاهدوا في أنفسهم ما يوجب ms08921
~~التصديق به كما أن ما سبق مسوق لبيان بطلان إشراكهم بالله عز وجل بعدما
~~عاينوا فيما بأيديهم ما يوجب التوحيد والإسلام، وقيل: إنه تسلية له عليه
~~الصلاة والسلام كقوله تعالى:

# فلا يحزنك قولهم

# [يس: 76] وذلك بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر وليس بشيء.

# والهمزة للإنكار والتعجب والواو للعطف على جملة مقدرة هي مستتبعة
~~للمعطوف كما مر في قوله تعالى:

# أولم يروا

# [يس: 71] الخ أي ألم يتفكر الإنسان ولم يعلم أنا خلقناه من نطفة أو هي
~~عين تلك الجملة أعيدت تأكيدا للنكير السابق وتمهيدا لإنكار ما هو أحق
~~منه بالإنكار لما أن المنكر عين علمهم بما يتعلق بخلق أنفسهم، ولا ريب في
~~أن علم الإنسان بأحوال نفسه أهم وإحاطته بها أسهل وأتم فالإنكار والتعجيب
~~من الإخلال بذلك [أدخل] كأنه قيل ألم يعلموا خلقه تعالى لأسباب معايشهم
~~ولم يعلموا خلقه تعالى لأنفسهم أيضا مع كون العلم بذلك في غاية الظهور
~~ونهاية الأهمية. ويشير كلام بعض الأجلة إلى أن العطف على { أو لم
~~يروا } السابق والجامع ابتناء كل منهما على التعكيس فإنه تعالى خلق
~~للإنسان ما خلق ليشكر فكفر وجحد المنعم والنعم وخلقه سبحانه من نطفة قذرة
~~ليكون منقادا متذللا فطغى وتكبر وخاصم. وإيراد الإنسان مورد الضمير لأن
~~مدار الإنكار متعلق بأحواله من حيث هو إنسان.

# وقوله تعالى: { فإذا هو خصيم } أي مبالغ في الخصومة والجدال
~~الباطل { مبين } ظاهر متجاهر في ذلك عطف على الجملة المنفية داخل في
~~حيز الإنكار والتعجيب كأنه قيل: أولم ير أنا خلقناه من أخس الأشياء
~~وأمهنها ففاجأ خصومتنا في أمر يشهد بصحته مبدأ فطرته شهادة بينة. وإيراد
~~الجملة اسمية للدلالة على استقراره في الخصومة واستمراره عليها. وفي
~~«الحواشي الخفاجية» أن تعقيب الإنكار بالفاء وإذا الفجائية على ما يقتضي
~~خلافه مقو للتعجيب.

# والمراد بالإنسان الجنس، والخصيم إنما هو الكافر المنكر للبعث مطلقا،
~~نعم نزلت الآية في كافر مخصوص، أخرج جماعة منهم الضياء في " المختارة "
~~عن ابن عباس قال: جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه ms08922 وسلم
~~بعظم حائل ففته بيده فقال: يا محمد أيحي الله تعالى هذا بعد ما أرم؟ قال:
~~نعم يبعث الله تعالى هذا ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم فنزلت
~~الآيات { أولم ير الإنسن } إلى آخر السورة، وفي رواية ابن
~~مردويه عنه أن الجائي القائل ذلك أبي بن خلف وهو الذي قتله رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم يوم أحد بالحربة، وروي ذلك عن أبي مالك ومجاهد
~~وقتادة والسدي وعكرمة وغيرهم كما في «الدر المنثور»، وفي رواية أخرى عن
~~الحبر أنه أبو جهل بن هشام، وفي أخرى عنه أيضا أنه عبد الله بن أبي،
~~وتعقب ذلك أبو حيان بأن نسبة ذلك إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهم
~~لأن السورة والآية مكية بإجماع ولأن عبد الله بن أبي لم يجاهر قط هذه
~~المجاهرة، وحكي عن مجاهد وقتادة أنه أمية بن خلف، والذي اختاره وادعى أنه
~~أصح الأقوال أنه أبي بن خلف ثم قال: ويحتمل أن كلا من هؤلاء الكفرة وقع
~~منه ذلك.

# وقيل معنى قوله تعالى: { فإذا هو خصيم مبين } فإذا هو بعدما
~~كان ماء مهينا رجل مميز/ منطيق قادر على الخصام مبين معرب عما في ضميره
~~فصيح فهو حينئذ معطوف على { خلقنه } والتعقيب والمفاجأة ناظران
~~إلى خلقه، و { مبين } متعد والكلام من متممات شواهد صحة البعث فقوله
~~تعالى: { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه... }.

### || [36.78]

# { وضرب لنا مثلا } معطوف حينئذ على الجملة المنفية داخل في
~~حيز الإنكار، وأما على الأول فهو عطف على الجملة الفجائية، والمعنى ففاجأ
~~خصومتنا وضرب لنا مثلا أي أورد في شأننا قصة عجيبة في نفس الأمر هي في
~~الغرابة كالمثل وهي إنكار إحيائنا العظام أو قصة عجيبة في زعمه واستبعدها
~~وعدها من قبيل المثل وأنكرها أشد الإنكار وهي إحياؤنا إياها أو جعل لنا
~~مثلا ونظيرا من الخلق وقاس قدرتنا على قدرتهم ونفي الكل على العموم.
~~وقوله تعالى: { ونسى خلقه } أي خلقنا إياه على الوجه المذكور
~~الدال على بطلان ما ضربه إما عطف على { ضرب } داخل ms08923 في حيز الإنكار
~~والتعجيب أو حال من فاعله بإضمار قد أو بدونه، ونسيان خلقه بأن لم يتذكره
~~على ما قيل وفيه دغدغة أو ترك تذكره لكفره وعناده أو هو كالناسي لعدم
~~جريه على مقتضى التذكر.

# وقوله سبحانه: { قال } استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية ضربه
~~المثل كأنه قيل: أي مثل ضرب أو ماذا قال؟ فقيل: قال: { من يحى
~~العظم وهى رميم } منكرا ذلك ناكرا من أحوال العظام ما تبعد
~~معه من الحياة غاية البعد وهو كونها رميما أي بالية أشد البلى. والظاهر
~~أن { رميم } صفة لا اسم جامد فإن كان من رم اللازم بمعنى بلي فهو فعيل
~~بمعنى فاعل، وإنما لم يؤنث لأنه غلب استعماله غير جار على موصوف فالحق
~~بالأسماء الجامدة أو حمل على فعيل بمعنى مفعول وهو يستوي فيه المذكر
~~والمؤنث، وقال محي السنة: لم يقل رميمة لأنه معدول من فاعلة فكل ما كان
~~معدولا عن وجهه ووزنه كان مصروفا عن أخواته، ومثله { بغيا } في
~~قوله تعالى:

# وما كانت أمك بغيا

# [مريم: 28] أسقط الهاء منها لأنها كانت مصروفة عن باغية، وقال الأزهري:
~~إن عظاما لكونه بوزن المفرد ككتاب وقراب عومل معاملته فقيل رميم دون
~~رميمة وذكر له شواهد وهو غريب، وإن كان من رم المتعدي بمعنى أبلي يقال
~~رمه أي أبلاه؛ وأصل معناه الأكل كما ذكره الأزهري من رمت الإبل الحشيش
~~فكان ما بلي أكلته الأرض فهو فعيل بمعنى مفعول، وتذكيره على هذا ظاهر
~~للإجماع على أن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث. وفي "
~~المطلع " الرميم اسم غير صفة كالرمة والرفات لا فعيل بمعنى فاعل أو مفعول
~~ولأجل أنه اسم لا صفة لا يقال لم لم يؤنث وقد وقع خبرا لمؤنث؟ ولا يخفى
~~أن له فعلا وهو رم كما ذكره أهل اللغة وهو وزن من أوزان الصفة فكونه
~~جامدا غير ظاهر.

### || [36.79]

# { قل } تبكيتا له بتذكير ما نسيه من فطرته الدالة على حقيقة الحال
~~وإرشاده إلى طريقة الاستشهاد بها { يحييها الذى أنشأها } أي
~~أوجدها ورباها ms08924 { أول مرة } أي في أول مرة إذ لم يسبق لها إيجاد
~~ولا شك أن الإحياء بعد أهون من الإنشاء قبل فمن قدر على الإنشاء كان على
~~الإحياء أقدر وأقدر، ولا احتمال لعروض العجز فإن قدرته عز وجل ذاتية
~~أزلية لا تقبل الزوال ولا التغير بوجه من الوجوه. وفي «الحواشي الخفاجية»
~~كان الفارابي يقول وددت لو أن أرسطو وقف على القياس الجلي في قوله
~~تعالى: { قل يحييها } الخ وهو الله تعالى أنشأ العظام وأحياها أول
~~مرة وكل من أنشأ شيئا أولا قادر على إنشائه وإحيائه ثانيا فيلزم أن
~~الله عز وجل قادر على إنشائها وإحيائها بقواها ثانيا.

# والآية ظاهرة فيما ذهب إليه الإمام الشافعي قيل ومالك وأحمد من أن العظم
~~تحله الحياة فيؤثر فيه الموت كسائر الأعضاء وبنوا على ذلك الحكم بنجاسة
~~عظم الميتة ومسألة حلول الحياة/ في العظم وعدمه مما اختلف فيه الفقهاء
~~والحكماء، واستدل من قال منهما بعدم حلولها فيه بأن الحياة تستلزم الحس
~~والعظم لا إحساس له فإنه لا يتألم بقطعه كما يشاهد في القرن، وما قد يحصل
~~في قطع العظم من التألم إنما هو لما يجاوره، وقال ابن زهر في كتاب "
~~التيسير ": اضطرب كلام جالينوس في العظام هل لها إحساس أم لا؟ والذي ظهر
~~لي أن لها حسا بطيئا وليت شعري ما يمنعها من التعفن والتفتت في الحياة
~~غير حلول الروح الحيواني فيها انتهى.

# وبعض من ذهب من الفقهاء إلى أن العظام لا حياة فيها بنى عليه الحكم
~~بطهارتها من الميتة إذ الموت زوال الحياة فحيث لم تحلها الحياة لم يحلها
~~الموت فلم تكن نجسة. وأورد عليهم هذه الآية فقيل المراد بالعظام فيها
~~صاحبها بتقدير أو تجوز أو المراد بإحيائها ردها لما كانت عليه غضة رطبة
~~في بدن حي حساس، ورجح هذا على إرادة صاحبها بأن سبب النزول لا بد من
~~دخوله وعلى تلك الإرادة لا يدخل، ويدخل على تأويل إحيائها بإعادتها لما
~~كانت عليه، ولا يخفى أن حمل الآية على ذلك خلاف الظاهر، والظاهر مع
~~الشافعية ms08925 ومن الفقهاء القائلين بعدم نجاسة عظام الميتة من رأى قوة
~~الاستدلال بالآية على أن العظام تحلها الحياة فعلل الطهارة بغير ما سمعت
~~فقال: إن نجاسة الميتة ليست لعينها بل لما فيها من الرطوبة والدم السائل
~~والعظم ليس فيه ذلك فلذا لم يكن نجسا، ومنع الشافعية كون النجاسة
~~للرطوبة وتمام الكلام في الفروع.

# { وهو } عز وجل { بكل خلق } أي مخلوق { عليم } مبالغ في
~~العلم فيعلم جل وعلا بجميع الأجزاء المتفتتة المتبددة لكل شخص من الأشخاص
~~أصولها وفروعها وأوضاع بعضها من بعض من الاتصال والانفصال والاجتماع
~~والافتراق فيعيد كلا من ذلك على النمط السابق مع القوى التي كانت قبل.
~~والجملة إما اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما تقدم أو معطوفة على الصلة،
~~والعدول إلى الاسمية للتنبيه على أن علمه تعالى بما ذكر أمر مستمر ليس
~~كإنشائه للمنشآت.

### || [36.80]

# وقوله تعالى: { الذى جعل لكم من الشجر الأخضر نارا
~~} بدل من الموصول الأول وعدم الاكتفاء بعطف صلته على صلته للتأكيد
~~ولتفاوتهما في كيفية الدلالة، والظرفان متعلقان بجعل قدما على {
~~نارا } مفعوله الصريح للاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر. و {
~~الاخضر } صفة الشجر وقرىء (الخضراء)، وأهل الحجاز يؤنثون الجنس
~~المميز واحده بالتاء مثل الشجر إذ يقال في واحده شجرة، وأهل نجد يذكرونه
~~إلا ألفاظا استثنيت في كتب النحو، وذكر بعضهم أن التذكير لرعاية اللفظ
~~والتأنيث لرعاية المعنى لأنه في معنى الأشجار والجمع تؤنث صفته، وقيل
~~لأنه في معنى الشجرة وكما يؤنث صفته يؤنث ضميره كما في قوله تعالى:

# لآكلون من شجر من زقوم * فمالئون منها البطون

# [الواقعة: 5253].

# والمشهور أن المراد بهذا الشجر المرخ والعفار يتخذ من المرخ وهو ذكر
~~الزند الأعلى ومن العفار بفتح العين وهو أنثى الزندة السفلى ويسحق الأول
~~على الثاني وهما خضراوان يقطر منهما الماء فتنقدح النار بإذن الله تعالى،
~~وكون المرخ بمنزلة الذكر والعفار بمنزله الأنثى هو ما ذكره الزمخشري
~~وغيره واللفظ كالشاهد له، وعكس الجوهري. وعن ابن عباس والكلبي في كل شجر
~~نار إلا العناب قيل ولذا يتخذ منه مدق القصارين، وأنشد ms08926 الخفاجي لنفسه:

# أيا شجر العناب نارك أوقدت

# بقلبي وما العناب من شجر النار

# واشتهر العموم وعدم الاستثناء ففي المثل (في كل شجر نار واستمجد المرخ
~~والعفار) أي استكثرا من/ النار من مجدت الإبل إذا وقعت في مرعى واسع
~~كثير، ومنه رجل ماجد أي مفضال، واختار بعضهم حمل الشجر الأخضر على الجنس
~~وما يذكر من المرخ والعفار من باب التمثيل، وخصا لكونهما أسرع وريا
~~وأكثر نارا كما يرشد إليه المثل ومن إرسال المثل المرخ والعفار لا يلدان
~~غير النار.

# { فإذا أنتم منه توقدون } كالتأكيد لما قبله والتحقيق له أي
~~فإذا أنتم من ذلك الشجر الأخضر توقدون النار لا تشكون في أنها نار حقيقة
~~تخرج منه وليست كنار الحباحب، وأشار سبحانه بقوله تعالى: { الذى } الخ
~~إلى أن من قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية
~~المضادة لها بكيفيته فإن الماء بارد رطب والنار حارة يابسة كان جل وعلا
~~أقدر على إعادة الغضاضة إلى ما كان غضا فيبس وبلي. ثم إن هذه النار
~~يخلقها الله تعالى عند سحق إحدى الشجرتين على الأخرى لا أن هناك نارا
~~كامنة تخرج بالسحق و { من الشجر } لا يصلح دليلا لذلك، وفي كل شجر
~~نار من مسامحات العرب فلا تغفل، وإياك واعتقاد الكمون.

### || [36.81]

# { أوليس الذى خلق السموات والأرض } الخ استئناف
~~مسوق من جهته تعالى لتحقيق مضمون الجواب الذي أمر صلى الله عليه وسلم أن
~~يخاطبهم به ويلزمهم الحجة، والهمزة للإنكار والنفي والواو للعطف على مقدر
~~يقتضيه المقام أي أليس الذي أنشأها أول مرة وليس الذي جعل لكم من الشجر
~~الأخضر نارا وليس الذي خلق السموات والأرض مع كبر جرمهما وعظم شأنهما {
~~بقدر على أن يخلق مثلهم } في الصغر والحقارة بالنسبة
~~إليهما على أن المراد بمثلهم هم وأمثالهم أو على أن المراد به هم أنفسهم
~~بطريق الكناية كما في مثلك يفعل كذا، وقال بعضهم: مثلهم في أصول الذات
~~وصفاتها وهو المعاد، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل الكلام في هذا
~~المقام، وزعم جماعة ms08927 من المفسرين عود ضمير { مثلهم } للسموات والأرض
~~لشمولهما لمن فيهما من العقلاء فلذا كان ضمير العقلاء تغليبا والمقصود
~~بالكلام دفع توهم قدم العالم المقتضي لعدم إمكان إعادته وهو تكلف ومخالف
~~للظاهر والمشركون لا يقولون بقدم العالم فيما يظهر. وتعقب أيضا بأن قدم
~~العالم لو فرض مع قدم النوع الإنساني وعدم تناهي أفراده في جانب المبدأ
~~لا يأبى الحشر الجسماني إذ هو بالنسبة إلى المكلفين وهم متناهون. وزعم
~~أن ما ثبت قدمه استحال عدمه غير تام كما قرر في محله فلا تغفل.

# وقرأ الجحدري وابن أبي إسحاق والأعرج وسلام ويعقوب في رواية { يقدر }
~~بفتح الياء وسكون القاف فعلا مضارعا.

# { بلى } جواب من جهته تعالى وتصريح بما أفاده الاستفهام الإنكاري من
~~تقرير ما بعد النفي من القدرة على الخلق وإيذان بتعيينه للجواب نطقوا به
~~أو تلعثموا فيه مخافة الالتزام، وقوله تعالى: { وهو الخلق
~~العليم } عطف على ما يفيده الإيجاب أي بلى هو سبحانه قادر على ذلك
~~وهو جل وعلا المبالغ في الخلق والعلم كيفا وكما.

# وقرأ الحسن والجحدري وزيد بن علي ومالك بن دينار { الخلق } بزنة
~~الفاعل.

### || [36.82]

# { إنما أمره } أي شأنه تعالى شأنه في الإيجاد، وجوز فيه أن يراد
~~الأمر القولي فيوافق قوله تعالى:

# إنما قولنا لشىء

# [النحل: 40] ويراد به القول النافذ. { إذا أراد شيئا } أي إيجاد
~~شيء من الأشياء { أن يقول له كن } أي أوجد { فيكون } أي فهو
~~يكون ويوجد، والظاهر أن هناك قولا لفظيا هو لفظ كن وإليه ذهب معظم
~~السلف وشؤون الله تعالى وراء ما تصل إليه الأفهام فدع عنك الكلام
~~والخصام، وقيل ليس هناك قول لفظي لئلا يلزم التسلسل، ويجوز أن يكون/ هناك
~~قول نفسي وقوله للشيء تعلقه به، وفيه ما يأباه السلف غاية الإباء، وذهب
~~غير واحد إلى أنه لا قول أصلا وإنما المراد تمثيل لتأثير قدرته تعالى في
~~مراده بأمر الآمر المطاع للمأمور المطيع في سرعة حصول المأمور به من غير
~~امتناع وتوقف على شيء.

# وقرأ ابن عامر والكسائي { فيكون } بالنصب عطفا على { يقول } وجوز ms08928 كونه
~~منصوبا في جواب الأمر، وأباه بعضهم لعدم كونه أمرا حقيقة، وفيه بحث.

### || [36.83]

# { فسبحن الذى بيده ملكوت كل شىء } تنزيه له عز
~~وجل مما وصفوه به تعالى وتعجيب عما قالوا في شأنه عز شأنه، والفاء جزائية
~~أي إذا علم ذلك فسبحان أو سببية لأن ما قبل سبب لتنزيهه سبحانه، والملكوت
~~مبالغة في الملك كالرحموت والرهبوت فهو الملك التام، وفي تعليق سبحان بما
~~في حيزه إيماء إلى أن كونه تعالى مالكا للملك كله قادرا على كل شيء
~~مقتض للتسبيح، وفسر الملكوت أيضا بعالم الأمر والغيب فتخصيصه بالذكر
~~قيل لاختصاص التصرف فيه به تعالى من غير واسطة بخلاف عالم الشهادة.

# وقرأ طلحة والأعمش { ملكة } على وزن شجرة أي بيده ضبط كل شيء، وقرىء {
~~مملكة } على وزن مفعلة وقرىء { ملك }.

# { وإليه ترجعون } لا إلى غيره تعالى وهذا وعد للمقرين ووعيد
~~للمنكرين فالخطاب عام للمؤمنين والمشركين، وقيل هو وعيد فقط على أن
~~الخطاب للمشركين لا غير توبيخا لهم ولذا عدل عن مقتضى الظاهر وهو وإليه
~~يرجع الأمر كله ففيه دلالة على أنهم استحقوا غضبا عظيما. وقرأ زيد بن
~~علي { ترجعون } مبنيا للفاعل.

# هذا ما لخص من كلامهم في هذه الآيات الكريمة وفيها دلالة واضحة على
~~المعاد الجسماني وإيماء إلى دفع بعض الشبه عنه، وهذه المسألة من مهمات
~~مسائل الدين وحيث إن هذه السورة الكريمة قد تضمنت من أمره ماله كانت عند
~~أجلة العلماء الصدور قلب القرآن لا بأس بأن يذكر في إتمام الكلام فيها ما
~~للعلماء في تحقيق أمر ذلك فأقول طالبا من الله عز وجل التوفيق إلى القول
~~المقبول:

# اعلم أولا أن المسلمين اختلفوا في أن الإنسان ما هو؟ فقيل هو هذا
~~الهيكل المحسوس مع أجزاء سارية فيه سريان ماء الورد في الورد والنار في
~~الفحم وهي جسم لطيف نوارني مخالف بالحقيقة والماهية للأجسام التي منها
~~ائتلف هذا الهيكل وإن كان لسريانه فيه بشبهه صورة ولا نعلم حقيقة هذا
~~الجسم وهو الروح المشار إليها بقوله تعالى:

# قل الروح من أمر ربى

# [الإسراء: ms08929 85] عند معظم السلف الصالح وبينه وبين البدن علاقة يعبر عنها
~~بالروح الحيواني وهو بخار لطيف إذا فسد وخرج عن الصلاحية لأن يكون علاقة
~~تخرج الروح عن البدن خروجا اضطراريا وتزول الحياة، وما دام باقيا على
~~الوجه الذي يصلح به لأن يكون علاقة تبقى الروح والحياة، وهذا الجسم
~~المعبر عنه بالروح على ما قال الإمام القرطبي في " التذكرة " مما له أول
~~وليس له آخر بمعنى أنه لا يفنى وإن فارق البدن المحسوس، وذكر فيها أن من
~~قال إنه يفنى فهو ملحد.

# وقيل هو هذا الهيكل المحسوس مع النفس الناطقة التي هي جوهر مجرد بل هو
~~الإنسان حقيقة على ما صرح به بعضهم، وإلى إثبات هذا الجوهر ذهب الحليمي
~~والغزالي والراغب وأبو زيد الدبوسي ومعمر من قدماء المعتزلة وجمهور
~~متأخري الإمامية وكثير من الصوفية وهو الروح الأمرية وليست داخلة البدن
~~ولا خارجة عنه فنسبتها إليه نسبة الله سبحانه وتعالى إلى العالم وهي بعد
~~حدوثها الزماني عندهم لا تفنى أيضا.

# ورد هذا المذهب ابن القيم في كتاب " الروح " بما لا مزيد عليه.

# وكما اختلفوا في ذلك اختلفوا في أن البدن هل يتفرق بعد الموت فقط أم
~~يتفرق وتعدم ذاته؟ بكل قال بعض، ولعل من قال بالثاني استثنى عجب الذنب
~~لصحة خبر/ استثنائه من البلى، وكل هؤلاء المختلفين اتفقوا على القول
~~بالحشر الجسماني إلا أن منهم من قال بالحشر الجسماني فقط بمعنى أنه لا
~~يحشر إلا جسم إذ ليس وراء الجسم عندهم جوهر مجرد يسمى بالنفس الناطقة،
~~ومنهم من قال بالحشر الجسماني والحشر الروحاني معا بمعنى أنه يحشر الجسم
~~متعلقا به أمر ليس بجسم هو النفس الناطقة وكل من أصحاب هذين القولين
~~منهم من يقول بأن البدن إذا تفرق تجمع أجزاؤه يوم القيامة للحشر وتقوم
~~فيها الروح أو تتعلق كما في الدنيا بل القيام أو التعلق هناك أتم إذ لا
~~انقطاع له أصلا بعد تحققه فالحشر عند هؤلاء يجمع الأجزاء المتفرقة وعود
~~قيام الروح أو تعلقها إليها، والمراد بالأجزاء الأجزاء الأصلية وهي أجزاء
~~البدن ms08930 حال نفخ الروح فيه في الدنيا لا الذرة التي أخذ عليها العهد يوم

# ألست بربكم

# [الأعراف: 172] كما قيل: والله تعالى قادر على حفظها من التحلل والتبدل
~~وكذا على حفظها من أن تكون أجزاء بدن آخر وإن تفرقت في أقطار الأرض
~~واختلطت بالعناصر.

# وقيل: يجوز أن تكون الأجزاء الأصلية يقبضها الملك بإذن الله تعالى عند
~~حضور الموت فلا يتعلق بها الأكل ولا تختلط بالتراب ولا يحصل منها نماء أو
~~حيوان؛ وهو مجرد احتمال لا دليل عليه بل مخالف لقوله سبحانه:

# قال من يحيى العظم وهى رميم * قل يحييها
~~الذى أنشأها أول مرة

# [يس: 78-79] فإنه ظاهر في أن المحشور أجزاء رميمة مخلوطة بالتراب، ويجوز
~~أن تكون الأجزاء الأصلية هي الأجزاء الترابية التي ينثرها الملك في الرحم
~~على المني كما ورد في الحديث الصحيح وهو لا ينثر ترابا واحدا مرتين
~~ويحشر البدن بعد الجمع على أكمل حالاته كما يشير إليه قوله عليه الصلاة
~~والسلام:

# " يحشر الناس حفاة عراة غرلا "

# ثم يزاد في إجساد أهل الجنة فيكون أحدهم كآدم عليه السلام طولا وعرضا،
~~وكذا يزاد في أجساد أهل النار خلافا للمعتزلة حتى أن سن أحدهم لتكون
~~كجبل أحد، وجاء كل من الزيادتين في الحديث فالمقطوع أو المجذوع مثلا لا
~~يحشر إلا كاملا كما كان قبل القطع أو الجذع ومن خلق في الدنيا بأربع أيد
~~مثلا يحشر على ما هو المعتاد المعروف في بني نوعه وكذا من خلق بلا يد أو
~~رجل مثلا، والقول بأنه يلزم تعذيب جسد لم يعص وترك تعذيب جسد عصى ناشيء
~~عن غفلة عظيمة إذ المعذب إنما هو الروح وهو الذي عصى ولا يعقل العصيان
~~والتعذيب لنفس الجسد وحرقه بالنار ليس تعذيبا له نفسه وإلا لكان حرق
~~الخشب تعذيبا له بل هو وسيلة إلى تعذيب الروح وهذا كما لو جعل شخص في
~~صندوق حديد مثلا ووضع في النار أو لف في ثوب وضرب بالسياط حتى تخرق
~~الثوب فالروح بمنزلة هذا الشخص والجسد بمنزلة الصندوق أو الثوب، وعلى
~~القول بأن لكل ms08931 شيء حياة لائقة به لا يلزم التعذيب أيضا إذ ليس كل حي
~~تؤلمه النار، واعتبر ذلك بالسمند وبالنعمامة وكذا بخزنة جهنم وحياتها
~~وعقاربها والعياذ بالله عز وجل.

# ومنهم من يقول: إن البدن يعدم لا أنه تتفرق أجزاؤه فقط ثم يعاد للحشر
~~بعينه، ومنهم من يقول يعدم ثم يخلق يوم القيامة مثله فتقوم فيه الروح أو
~~تتعلق به.

# واستدل للقول الأول بقوله تعالى:

# قال من يحيى العظم وهى رميم * قل يحييها
~~الذى أنشأها أول مرة

# [يس: 7879] فإنه ظاهر في أن العظام لا تعدم ذواتها في الخارج ولا يكاد
~~يفهم من الرميم أكثر من تفرق الأجزاء وكأن المنكرين استبعدوا جمعها فأشير
~~إلى دفع استبعادهم بأن الإنشاء أبعد وقد وقع ثم دفع ما عسى يتوهم من أن
~~اختلاط الأجزاء بعد تفرقها وعودها إلى عناصرها يوجب عدم تميزها فلا يتيسر
~~جمعها بقوله سبحانه:

# وهو بكل خلق عليم

# [يس: 79] ثم أشير إلى دفع ما يتوهم من أن الإنشاء كان تدريجيا نقلت فيه
~~الأجزاء من حالة إلى حالة حتى حصل استعدادها للحياة ومناسبتها للروح ولا
~~كذلك ما يكون/ يوم القيامة فلا مناسبة بين الأجزاء التي تجمع وبين الروح
~~والحياة فلا يلزم من صحة الإنشاء صحة الحشر بقوله تعالى:

# الذى جعل لكم من الشجر الأخضر نارا

# [يس: 80] وحيث كان هذا معروفا بينهم يشاهده الكبير والصغير منهم أشار
~~سبحانه إلى الدفع به وإلا فإنشاؤه تعالى لما يكون بالتولد من الحيوان
~~كالفأر والذباب دافع لذلك.

# ومن الناس من زعم أن ما يكون قبيل الساعة من الزلازل وإنزال مطر كمني
~~الرجال ونحو ذلك لتحصيل استعداد للروح في تلك الأجزاء، وهو مما لا يحتاج
~~إلى التزامه، وكذا استدل لذلك القول بما أرشد إليه إبراهيم عليه السلام
~~حين قال:

# رب أرنى كيف تحى الموتى

# [البقرة: 260] وبقوله تعالى:

# أيحسب الإنسن ألن نجمع عظامه * بلى
~~قدرين على أن نسوى بنانه

# [القيامة: 34] إلى غير ذلك من الآيات وفي الأخبار ما يقتضيه أيضا.

# واستدل لدعوى أن البدن يعدم ذاتا في القول الثاني بقوله سبحانه:

# كل شىء ms08932 هالك إلا وجهه

# [القصص: 88] وقوله تعالى:

# كل من عليها فان

# [الرحمن: 26] ورد بأنه يجوز أن يكون التفرق هلاكا بل قال بعض
~~المحققين: إن معنى الآية كل شيء ليس بموجود في الحال في حد نفسه إلا ذات
~~الواجب تعالى بناء على أن وجود الممكن مستفاد من الغير فلا وجود فيه مع
~~قطع النظر عن الغير بخلاف وجود الواجب تعالى فإنه من ذاته سبحانه بل عين
~~ذاته، ويقال نظير ذلك في الآية الثانية لو سلم دخول البدن في عموم من.

# واستدل لدعوى أنه يخلق يوم القيامة مثله في القول الثالث بقوله تعالى:

# أو ليس الذى خلق السموات والأرض بقدر
~~على أن يخلق مثلهم بلى

# [يس: 81] وأجيب بأن المراد مثلهم في الصغر والقماءة على ما سمعت فيما
~~تقدم، ولا يراد أنه تعالى قادر على أن يخلق يوم القيامة مثل أبدانهم التي
~~كانت في الدنيا ويعيد أرواحهم إليها إذ لا يكاد يفهم هذا من الآية ولا
~~داعي لالتزام القول بأن الحشر بخلق مثل البدن السابق وإن قيل بأن ذلك
~~البدن تعدم ذاته في الخارج. ومن الناس من توهم وجوب التزامه إن قيل بذلك
~~لاستحالة إعادة المعدوم.

# واستدل على الاستحالة بأنه لو أعيد لزم تخلل العدم بين الشيء ونفسه وهو
~~محال. ورد بناء على أن الوقت ليس من المشخصات المعتبرة في الوجود بأنا لا
~~نسلم أن التخلل ههنا محال لأن معناه أنه كان موجودا زمانا ثم زال عنه
~~الوجود في زمان آخر ثم اتصف بالوجود في الزمان الثالث وهو في الحقيقة
~~تخلل العدم وقطع الاتصال بين زماني الوجود ولا استحالة فيه لوجود الطرفين
~~المتغايرين بالذات إنما المحال تخلل العدم بين ذات الشيء ونفسه بمعنى قطع
~~الاتصال بين الشيء ونفسه بأن يكون الشيء موجودا ولم يكن نفسه موجودا ثم
~~يوجد نفسه وههنا ليس كذلك فإن الشيء وجد مع نفسه في الزمان الأول ثم
~~اتصف مع نفسه بالعدم في الزمان الآخر ثم اتصف بالوجود مع نفسه في الزمان
~~الثالث فلم يتحقق قطع الاتصال بين الشيء ونفسه في ms08933 زمان من الأزمنة وهل
~~هذا إلا كلبس شخص ثوبا معينا ثم خلعه ثم لبسه.

# واستدل أيضا بأنه لو جاز إعادة المعدوم بعينه لجاز إعادته مع مثله من
~~كل وجه واللازم باطل لأن المتماثلين إما أن يكون أحدهما معادا دون الآخر
~~وذلك باطل مستلزم للتحكم والترجيح بلا مرجح، وإما أن يكونا معادين وهو
~~أيضا باطل مستلزم لاتحاد الإثنين، وإما أن لا يكون شيء منهما معادا وهو
~~أيضا باطل مستلزم خلاف المفروض إذ قد فرض كون أحدهما معادا، وفيه أنه
~~لا يتم إلا بإثبات فقدان الذات وبطلان الهوية فيما بين الوجودين السابق
~~واللاحق فإنه مدار لزوم التحكم، ويجوز أن يقال: الشيء إذا عدم في الخارج
~~بقي في نفس الأمر بحسب وجوده الذهني فيحفظ وحدته الشخصية بحسب ذلك الوجود
~~كما لو كان متميزا ثابتا في العدم ثبوتا منفكا عن الوجود الخارجي
~~كما/ ذهب إليه المعتزلة وموافقوهم، وزعم أن وحدته الشخصية غير محفوظة في
~~الذهن إذ لا وحدة بدون الوجود ولا وجود بدون التشخص سواء كان وجودا
~~خارجيا أو ذهنيا، والهوية الذهنية إنما تكون موجودة في الذهن بمشخصاتها
~~الذهنية وهي بتلك المشخصات ليست هوية خارجية وإلا لزم اتصاف الهوية
~~الخارجية بالعوارض المختصة بالوجود الذهني وهو ضروري البطلان بل بشرط
~~تجريدها عنها، وقولهم باتحادها معها بمعنى أنها بعد التجريد عينها فليست
~~إياها مطلقا بالفعل يتجه عليه أنه ليس معنى تجريد الهوية عن مشخصاتها
~~جعلها خالية عنها في الواقع بل معناه قطع النظر عنها وعدم اعتبارها ولا
~~يلزم من عدم اعتبارها اعتبار عدمها فضلا عن عدمها في الواقع وقطع النظر
~~لا يمنع من الاتحاد في الواقع، والقول بأن قولنا: هذا معاذ وهذا مبدأ
~~قضية شخصية خارجية يتوقف صدقها على وجود الموضوع في الخارج لا ذهنية يكفي
~~في صدقها وجود الموضوع في الذهن فقط فلا بد من انحفاظ الوحدة في الخارج
~~ولا يكفي انحفاظها في الذهن يتجه عليه أن صدق الحكم الذهني كاف في اندفاع
~~التحكم فتدبر.

# وقيل: كما أن المعدوم موجود في الذهن كذلك المبتدأ المفروض ms08934 موجود فيه
~~أيضا فليست نسبة الموجود الثاني إلى المعدوم السابق أولى من نسبته إلى
~~المبتدأ المفروض. وتعقب بأن فيه بحثا، أما على مذهب الفلاسفة فلأن صورة
~~المعدوم السابق مرتسمة في القوى المنطبعة للأفلاك عندهم بناء على أن صور
~~جميع الحوادث الجسمانية منطبعة فيها بزعمهم فله صورة خيالية جزئية محفوظة
~~الوحدة الشخصية بعد عدمه بخلاف المستأنف فإنه ليس له تلك الصورة قبل
~~وجوده بصورته الجزئية فإذا وجد بتلك الصورة الجزئية كان معادا وإذا وجد
~~بالصورة الكلية كان مستأنفا، وأما على مذهب الأشاعرة من المتكلمين فلأن
~~للمعدوم أيضا صورة جزئية حاصلة بتعلق صفة البصر من الموجد تعالى شأنه
~~وليس تلك الصورة للمستأنف وجوده فإنها وإن كانت جزئية حقيقية أيضا إلا
~~أنها لم تترتب على تعلق صفة البصر، ولا شك أن المترتب على تعلق صفة البصر
~~أكمل من غير المترتب عليه فبين الصورتين تمايز واضح، وإذا انخفظ وحدة
~~الموجود الخارجي بالصورة الجزئية الخيالية لنا فانحفاظها بالصورة الجزئية
~~الحاصلة له سبحانه بواسطة تعلق البصر بالطريق الأولى، والقول بأن نسبة
~~الصورة الخيالية وما هو بمنزلتها إلى كل من المعاد والمستأنف سواء أيضا
~~فتكون الوحدة المحفوظة نوعية لا شخصية يلزم عليه أن لا تكون الصورة
~~الخيالية جزئية بل كلية وهو خلاف ما صرحوا.

# واستدل أيضا بأنه لو جاز إعادة المعدوم بعينه لما حصل القطع بحدوث شيء
~~إذ يجوز أن يكون لكل ما نعتقده حادثا وجود سابق يعدم تارة ويعاد أخرى
~~واللازم باطل باتفاق العقلاء. وتعقب بأن التجويز العقلي لا ينكر إلا أن
~~الأصل عدم الوجود السابق وبه يحصل نوع من العلم، ولعل ذلك من قبيل علمنا
~~بأن جبل أحد لا ينقلب ذهبا مع تجويز العقل انقلابه وبالجملة أدلة
~~استحالة إعادة المعدوم غير سليمة من القوادح كما لا يخفى على من راجع
~~المطولات من كتب الكلام، وقد أشير فيما تقدم من الآيات إلى دفع شبهة عدم
~~انخفاظ الوحدة الشخصية بقوله تعالى:

# وهو بكل خلق عليم

# [يس: 79].

# والذي يترجح من هذه المذاهب أن الحشر بجمع الأجزاء الأصلية الباقية ms08935 من
~~أول العمر إلى آخره وهي إما أجزاء عنصرية أكثرها ترجع إلى التراب وتختلط
~~به كما تختلط سائر الأجزاء بعناصرها أو أجزاء ترابية فقط على ما سمعت
~~فيما تقدم غير بعيد، وهذا هو الذي ينبغي أن يعول عليه إذ حديث العناصر
~~الأربعة وتركب البدن منها لا سيما حديث عنصر النار لم يصح فيه/ شيء من
~~الشارع صلى الله عليه وسلم ولم يذكر في كتب السلف بل هو شيء ولع فيه
~~الفلاسفة، على أن أصحاب الفلسفة الجديدة نسمعهم ينكرون كرة النار التي
~~قال بها المتقدمون فالأجزاء الأصلية بعد أن تتفرق وتصير ترابا يجمعها
~~الله تعالى حيث كانت وهو سبحانه بها عليم

# ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير

# [الملك: 14] وهذا إن ضم إليه القول بإعادة الصورة التي هي جزء جوهري من
~~الجسم عند القائلين بتركبه منها ومن الهيولى أو العوارض المختصة بالأنواع
~~التي هي جزء من أفرادا النوع كالصورة النوعية الجوهرية كما هو مذهب
~~النافين لتركب الجسم من الهيولى والصورة من المتكلمين يتوقف القول به على
~~جواز إعادة المعدوم وإذا لم يضم إليه ذلك بل اكتفي بالقول بجمع الأجزاء
~~الأصلية العنصرية وتشكليها بشكل مثل الشكل الأول وتحليتها بعوارض مشابهة
~~للعوارض السابقة لم يتوقف القول به على ذلك أصلا والمغايرة في الشكل
~~وعدم اتجاد العوارض بالذات مما لا يضر في كون المحشور هو المبدأ شرعا
~~وعرفا، ولا يلزم على ذلك التناسخ المصطلح كما لا يخفى.

# وفي " أبكار الأفكار " للآمدي بعد التفصيل المشبع بذكر الآيات والأحاديث
~~الدالة على وقوع المعاد الجسماني والأدلة السمعية في ذلك لا يحويها كتاب
~~ولا يحصرها خطاب وكلها ظاهرة في الدلالة على حشر الأجساد ونشرها مع إمكان
~~ذلك في نفسه فلا يجوز تركها من غير دليل لكن هل الإعادة للأجسام بإيجادها
~~بعد عدمها أو بتأليف أجزائها بعد تفرقها؟ فقد اختلف فيه، والحق إمكان كل
~~واحد من الأمرين والسمع موجب لأحدهما من غير تعيين، وبتقدير أن تكون
~~الإعادة للأجسام بتأليف أجزائها بعد تفرقها فهل تجب إعادة عين ما تقضي
~~ومضى ms08936 من التأليفات في الدنيا أو أن الله تعالى يجوز أن يؤلفها بتأليف
~~آخر؟ فذهب أبو هاشم إلى المنع من إعادتها بتأليف آخر مصيرا منه إلى أن
~~جواهر الأشخاص متماثلة وإنما يتميز كل واحد من الأجزاء بتعيينه وتأليف
~~الخاص فإذا لم يعد ذلك التأليف الخاص به فذلك الشخص لا يكون هو العائد بل
~~غيره وهو مخالف حينئذ لما ورد به السمع من حشر أجساد الناس على صورهم،
~~ومذهب من عداه من أهل الحق أن كل واحد من الأمرين جائز عقلا ولا دليل
~~على التعيين من سمع وغيره، وما قيل من أن تعيين كل شخص إنما هو بخصوص
~~تأليفه غير مسلم بل جاز أن يكون بلونه أو بعض آخر مع التأليف.

# ومذهب أبي هاشم أنه لا تجب إعادة غير التأليف من الأعراض فما هو جوابه
~~عن غير التأليف فهو جواب لنا في التأليف وما ورد من حشر الناس على صورهم
~~ليس فيه ما يدل على إعادة عين ما تقضى من التأليف ولا مانع أن يكون
~~الإعادة بمثل ذلك التأليف لا عينه اه.

# وزعم الإمام إجماع المسلمين على المعاد بجمع الأجزائية بعد افتراقها
~~وليس بذاك لما سمعت من الخلاف في كيفيته وهو مذكور في " المواقف " وغيره.
~~ومسألة إعادة الأعراض أكثر خلافا من مسألة إعادة الجواهر فذهب معظم أهل
~~الحق إلى جواز إعادتها مطلقا حتى أن منهم من جوز إعادتها في غير محالها.
~~والمعتزلة اتفقوا على جواز إعادة ما كان منها على أصولهم باقيا غير
~~متولد واختلفوا في جواز إعادة ما لا بقاء له كالحرارة والأصوات والإرادات
~~فذهب الأكثرون منهم إلى المنع من إعادتها وجوزها الأقلون كالبلخي وغيره.
~~وذهب إلى عدم جواز إعادة المعدوم مطلقا من المسلمين أبو الحسن البصري
~~وبعض الكرامية. ومن الناس من خص المنع فيما عدم ذاتا ووجودا وجوز فيما
~~عدم وجودا.

# وإلى القول بالمعاد الجسماني ذهب اليهود والنصارى على ما نص/ عليه
~~الدواني لكن ذكر الإمام في " المحصل " أن سائر الأنبياء سوى نبينا صلى
~~الله عليه وسلم لم يقولوا إلا ms08937 بالمعاد الروحاني. وقال المحقق الطوسي في
~~«تلخيصه»: أما الأنبياء المتقدمون على نبينا صلى الله عليه وسلم فالظاهر
~~من كلام أممهم أن موسى عليه السلام لم يذكر المعاد البدني ولا أنزل عليه
~~في التوراة لكن جاء ذلك في كتب الأنبياء الذين جاؤا بعده كحزقيل وشعيا
~~عليهما السلام ولذا أقر اليهود به، وأما الإنجيل فالأظهر أن المذكور فيه
~~المعاد الروحاني وهو مخالف لما سمعت عن الإمام، ويخالفهما ما قاله حجة
~~الإسلام الغزالي في كتابه الموسوم " بالمضنون به على غير أهله " من أن في
~~التوراة أن أهل الجنة يمكثون في النعيم خمسة عشر ألف سنة ثم يصيرون
~~ملائكة وأن أهل النار يمكثون بها كذا وأزيد ثم يصيرون شياطين فإنه ظاهر
~~في أن موسى عليه السلام ذكر المعاد الجسماني ونزل عليه في التوراة، والحق
~~أن الأناجيل مملوأة مما يدل ظاهرا على الإنسان يحشر نفسا وجسما وأما
~~التوراة فليس ما ذكر فيها على سبيل التصريح على ما نقل لي بعض المطلعين
~~من مسلمين أهل الكتاب على ذلك وأنكره الفلاسفة الإلهيون وقالوا بالمعاد
~~الروحاني فقط، وهذا الإنكار مبني إما على زعم استحالة إعادة المعدوم وفيه
~~ما فيه أو على استحالة عدم تناهي الأبعاد فإن منهم من قال: الإنسان قديم
~~بالنوع والنفوس الناطقة غير متناهية كالأبدان فلو قيل بالحشر الجسماني
~~يلزم اجتماع الأبدان الغير المتناهية في الوجود إذ لا بد لكل نفس من بدن
~~مستقل فيلزم بعد غير متناه لتجتمع فيه تلك الأبدان الغير المتناهية.

# وقال بعضهم: إن الإنسان افراده غير متناهية والعناصر متناهية فأجزاؤها
~~لا تفي بتلك الأبدان فكيف تحشر. وتعقب بأن القدم النوعي للإنسان وعدم
~~التناهي لأفراده مما لا يتم لهم عليه برهان.

# وقال ابن الكمال: بناء استحالة الحشر الجسماني على استحالة عدم تناهي
~~الأبعاد وهم سبق إليه وهم بعض أجلة الناظرية وليس الأمر كما توهم فإن حشر
~~الأجساد اللازم على تقدير وقوع المعاد الجسماني هو حشر المكلفين من
~~المطيع المستحق للثواب والعاصي المستحق للعقاب لا حشر جميع أفراد البشر
~~مكلفا كان أو غيره فإنه ms08938 ليس من ضروريات الدين لأن الأخبار فيه لم تصل
~~إلى حد التواتر ولم ينعقد عليه الإجماع وقد نبه عليه المحقق الطوسي في "
~~التجريد " حيث قال: والسمع دل عليه ويتأول في المكلف بالتفريق، وقال
~~الشارح: يعني لا إشكال في غير المكلفين فإنه يجوز أن ينعدم بالكلية ولا
~~يعاد وأما بالنسبة إلى المكلفين فإنه يتأول العدم بتفريق الأجزاء.

# وفي «تلخيص المحصل» أيضا حيث قال: وقال القائلون بإمكان إعادة المعدوم
~~أن الله تعالى يعدم المكلفين ثم يعيدهم ونبه على ذلك أيضا الآمدي في "
~~أبكار الأفكار " حيث قرر الخلاف في إعادة المكلف ولا خفاء في أن عدم
~~تناهي جميع أفراد البشر لا يستلزم عدم تناهي المكلفين منهم ليحتاج أمر
~~حشرهم إلى الأبعاد الغير المتناهية اه.

# والحق الطعن في قولهم بالقدم النوعي وعدم تناهي أفراد الإنسان وبرهان
~~التطبيق متكفل عندنا بإبطال الغير المتناهي اجتمعت أجزاؤه في الوجود أم
~~لم تجتمع ترتب أم لم تترتب، وأما قصر الحشر على المكلفين دون غيرهم من
~~المجانين والصغار والذين لم تبلغهم الدعوة ونحوهم فليس بشيء، والأخبار في
~~ذلك كثيرة ولعلها من قبيل المتواتر المعنوي على أنها لو لم تكن كذلك لا
~~داعي إلى عدم اعتبارها والقول بخلاف ما تدل عليه كما لا يخفى.

# وذهب القدماء من الفلاسفة الطبيعيين إلى عدم ثبوت شيء من الحشر الجسماني
~~والحشر الروحاني، ويحكى ذلك عن التناسخية ما عدا اليهود والتناسخ عندهم
~~غير مستمر بل يقع للنفس الواحدة ثلاث مرات على ما قيل./ وحكي عن جالينوس
~~التوقف في أمر الحشر فإنه قال: لم يتبين لي أن النفس هل هي المزاج الذي
~~ينعدم عند الموت فيستحيل إعادتها أو هي جوهر باقي بعد فساد البنية فيمكن
~~المعاد؟ والمشركون في شك منه مريب ولذا ترى كلامهم مضطربا فيه،
~~والمسلمون مجمعون على وقوعه إلا أنهم مختلفون كما سمعت في كيفيته وكذا هم
~~مختلفون في وجوبه سمعا أو عقلا، فأهل السنة على وجوبه سمعا مطلقا،
~~والمعتزلة على أنه للمكلفين واجب عقلا لوجوب الثواب على الطاعة والعقاب
~~على المعصية عندهم وكل ms08939 من الأمرين يتوقف على الحشر، وفيه نظر والله تعالى
~~أعلم.

# وقد اشتملت هذه السورة الكريمة على تقرير مطالب علية وتضمنت أدلة جليلة
~~جلية ألا ترى أنه تعالى أقسم على كونه صلى الله عليه وسلم أكمل الرسل وأن
~~طريقه أوضح السبل وأشار سبحانه إلى أن المقصود ما ذكر بقوله تعالى:

# لتنذر

# [يس: 6] الخ ثم بينه إجمالا أنه اتباع الذكر وخشية الرحمن بالغيب وتممه
~~بضرب المثل مدمجا فيه التحريض على التمسك بحبل الكتاب والمنزل عليه
~~وتفضيلهما على الكتب والرسل والتنبيه عليه ثانيا بأنه عبادة من إليه
~~الرجعى وحده ثم أخذ في بيان المقدمات بذكر الآيات وأوثر منها الواضحات
~~الدالة على العلم والقدرة والحكمة والرحمة وضمن فيه أن العبادة شكر
~~المنعم وتلقي النعمة بالصرف في رضاه والحذر من الركون إلى من سواه ثم في
~~بيان المتمم بذكر الوعد والوعيد بما ينال في المعاد وأدرج فيه حديث من
~~سلك ومن ترك وذكر غايتهما ولخص فيه أن الصراط المستقيم هو عبادة الله
~~تعالى بالإخلاص عن شائبتي الهوى والرياء حيث قدم على الأمر بعبادته تعالى
~~التجنب عن عبادة الشيطان وضمن فيه أن أساسها التوحيد وكما أنه ذكر الآيات
~~لئلا يكون الكلام خطابيا في المقدمات ختم بالبرهان على الإعادة ليكون
~~على منواله في المتممات وجعل سبحانه ختام الخاتمة أنه عز وجل لا يتعاظمه
~~شيء ولا ينقص خزائنه عطاء وأنه لا يخرج عن ملكته من قربه قبول أو بعده
~~إباء تحقيقا لكل ما سلف على الوجه الأتم، ولما كان كلاما صادرا عن
~~مقام العظمة والجلال وجب أن يراعى فيه نكتة الالتفات في قوله تعالى: {
~~وإليه ترجعون } [يس: 83] ليكون إجمالا لتوضيح التفصيل كذا
~~قرره صاحب «الكشف» والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.

# ومن باب الإشارة: قيل إن قوله سبحانه:

# يس

# [يس: 1] إشارة إلى سيادته عليه الصلاة والسلام على جميع المخلوقات
~~فالسيد المتولي للسواد أي الجماعة الكثيرة وهي ههنا جميع الخلق فكأنه
~~قيل: يا سيد الخلق وتوليته عليه الصلاة والسلام عليهم لأنه الواسطة
~~العظمى في الإفاضة والإمداد؛ وفي الخبر ms08940 " الله تعالى المعطي وأنا القاسم
~~" فمنزلته صلى الله عليه وسلم من العالم بأسره بمنزلة القلب من البدن فما
~~ألطف افتتاح قلب القرآن بقلب الأكوان وفي السين بيناتها وزبرها أسرار لا
~~تحصى وكذا في مجموع

# يس * والقرءان

# [يس: 12] قد يكون إشارة إليه صلى الله عليه وسلم فقد ذكر الصوفية أنه
~~يشار به إلى الإنسان الكامل وكذا الكتاب المبين وعلى ذلك جاء قول الشيخ
~~الأكبر قدس سره:

# أنا القرآن والسبع المثاني

# وروح الروح لا روح الأواني

# ولا أحد أكمل من النبي عليه الصلاة والسلام. وطبق بعضهم قصة أهل
~~أنطاكية على ما في الأنفس بجعل القرية إشارة إلى القلب وأصحابها إشارة
~~إلى النفس وصفاتها والإثنين إشارة إلى الخاطر الرحماني والإلهام الرباني
~~والثالث المعزز به إشارة إلى الجذبة والرجل الجائي من أقصى المدينة إشارة
~~إلى الروح، وطبق كثيرا من آيات هذه السورة/ على هذا الطرز. وقيل: في
~~قوله سبحانه:

# طئركم معكم

# [يس: 19] إنه إشارة إلى استعدادهم السيء الذي طار بهم عنقاء مغربة:

# إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم

# وقيل: في { أصحب الجنة } في قوله تعالى:

# إن أصحب الجنة اليوم فى شغل فكهون * هم
~~وأزوجهم فى ظلل على الارائك

# [يس: 5556] إنه إشارة إلى طائفة من المؤمنين كان الغالب عليهم في
~~الدنيا طلب الجنة ولذا أضيفوا إليها وهم دون أهل الله تعالى وخاصته الذين
~~لم يلتفتوا إلى شيء سواه عز وجل فأولئك مشغولون بلذائذ ما طلبوه وهؤلاء
~~جلساء الحضرة المشغولون بمولاهم جل شأنه المتنعمون بوصاله ومشاهدة جماله
~~وفرق بين الحالين وشتان ما بين الفريقين، ولذا قيل: " أكثر أهل الجنة
~~البله " فافهم الإشارة. والشيطان في قوله تعالى:

# ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا
~~الشيطان

# [يس: 60] إشارة إلى كل ما يطاع ويذل له غير الله عز وجل كائنا ما كان
~~وعداوته لما أنه سبب الحجاب عن رب الأرباب. وفي قوله تعالى:

# فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما
~~يعلنون

# [يس: 76] إشارة إلى أنه لا ينبغي الاكتراث بأذى الأعداء والالتفات إليه
~~فإن الله تعالى سيجازيهم عليه ms08941 إذا أوقفهم بين يديه، هذا ونسأل الله تعالى
~~أن يحفظنا من شر الأشرار وأن ينور قلوبنا بمعرفته كما نور قلوب عباده
~~الأبرار ونصلي ونسلم على حبيبه قلب جسد الأعيان وعلى آله وصحبه ما دامت
~~سورة يس قلب القرآن.

### | [37 - سورة الصافات]

### || [37.1]

# إقسام من الله تعالى بالملائكة عليهم السلام كما روي عن ابن عباس وابن
~~مسعود ومسروق ومجاهد وعكرمة وقتادة والسدي، وأبى أبو مسلم ذلك وقال: لا
~~يجوز حمل هذه اللفظ وكذا ما بعد على الملائكة لأن اللفظ مشعر بالتأنيث
~~والملائكة مبرؤن عن هذه الصفة، وفيه أن هذا في معنى جمع الجمع فهو جمع
~~صافة أي طائفة أو جماعة صافة، ويجوز أن يكون تأنيث المفرد باعتبار أنه
~~ذات ونفس والتأنيث المعنوي هو الذي لا يحسن أن يطلق عليهم وأما اللفظ فلا
~~مانع منه كيف وهم المسمون بالملائكة، والوصف المذكور منزل منزلة اللازم
~~على أن المراد إيقاع نفس الفعل من غير قصد إلى المفعول أي الفاعلات
~~للصفوف أو المفعول محذوف أي الصافات أنفسها أي الناظمات لها في سلك
~~الصفوف بقيامها في مقاماتها المعلومة حسبما ينطق به قوله تعالى:

# وما منا إلا له مقام معلوم

# [الصافات: 164] وذلك باعتبار تقدم الرتبة والقرب/ من حظيرة القدس أو
~~الصافات أنفسها القائمات صفوفا للعبادة، وقيل: الصافات أقدامها للصلاة،
~~وقيل: الصافات أجنحتها في الهواء منتظرات أمر الله تعالى، وقيل: المراد
~~بالصافات الطير من قوله تعالى:

# والطير صافت

# [النور: 41] ولا يعول على ذلك. و { صفا } مصدر مؤكد وكذا { زجرا }
~~في قوله تعالى: { فالزاجرات زجرا }.

### || [37.2]

# وقيل: { صفا } مفعول به وهو مفرد أريد به الجمع أي الصافات صفوفها
~~وليس بذاك، والمراد بالزاجرات الملائكة عليهم السلام أيضا عند الجمهور.
~~والزجر في الأصل الدفع عن الشيء بتسلط وصياح وأنشدوا:

# زجر أبي عروة السباع إذا

# أشفق أن يختلطن بالغنم

# ويستعمل بمعنى السوق والحث وبمعنى المنع، والنهي وإن لم يكن صياح والوصف
~~منزل منزلة اللازم أو مفعوله محذوف أي الفاعلات للزجر أو الزاجرات ما نيط
~~بها زجره من الأجرام العلوية والسفلية وغيرها على ms08942 وجه يليق بالمزجور، ومن
~~جملة ذلك زجر العباد عن المعاصي بإلهام الخير وزجر الشياطين عن الوسوسة
~~والإغواء وعن استراق السمع كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى. وعن
~~قتادة المراد بالزاجرات آيات القرآن لتضمنها النواهي الشرعية، وقيل كل ما
~~زجر عن معاصي الله عز وجل، والمعول عليه ما تقدم، وكذا المراد كما روي عن
~~ابن عباس وابن مسعود وغيرهما في قوله تعالى: { فالتاليات ذكرا
~~}.

### || [37.3]

# الملائكة عليهم السلام. و { ذكرا } نصب على أنه مفعول وتنوينه
~~للتفخيم، وهو بمعنى المذكور المتلو وفسر بكتاب الله عز وجل. قال أبو
~~صالح: هم الملائكة يجيئون بالكتاب والقرآن من عند الله عز وجل إلى الناس
~~فالمراد بتلاوته تلاوته على الغير، وفسره بعضهم بالآيات والمعارف الإلهية
~~والملائكة يتلونهما على الأنبياء والأولياء، وسيأتي إن شاء الله تعالى في
~~باب الإشارة ما يتعلق بتلاوة الملائكة ذلك على الأولياء قدس الله تعالى
~~أسرارهم، وقال بعض: أي فالتاليات آيات الله تعالى وكتبه المنزلة على
~~الأنبياء عليهم السلام وغيرها من التسبيح والتقديس والتحميد والتمجيد،
~~ولعل التلاوة على هذا أعم من التلاوة على الغير وغيرها.

# وقيل { ذكرا } نصب على أنه مصدر مؤكد على غير اللفظ لتكون المنصوبات
~~على نسق واحد، وقال قتادة: التاليات ذكرا بنو آدم يتلون كتابه تعالى
~~المنزل وتسبيحه وتكبيره، وجوز أن يكون الله تعالى أقسم بنفوس العلماء
~~العمال الصافات أنفسها في صفوف الجماعات أو أقدامها في الصلوات الزاجرات
~~بالمواعظ والنصائح التاليات آيات الله تعالى الدارسات شرائعه وأحكامه أو
~~بطوائف قواد الغزاة في سبيل الله تعالى التي تصف الصفوف في مواطن الحروب
~~الزاجرات الخيل للجهاد سوقا أو العدو في المعارك طردا التاليات آيات
~~الله سبحانه وذكره وتسبيحه في تضاعيف ذلك. وجوز أيضا أن يكون أقسم
~~سبحانه بطوائف الأجرام الفلكية المرتبة كالصفوف المرصوصة بعضها فوق بعض
~~والنفوس المدبرة لتلك الأجرام بالتحريك ونحوه والجواهر القدسية المستغرقة
~~في بحار القدس يسبحون الليل والنهار لا يفترون وهم الملائكة الكروبيون
~~ونحوهم؛ وهذا بعيد بمراحل عن مذهب السلف الصالح بل عن مذهب أهل السنة
~~مطلقا كما ms08943 لا يخفى.

# والفاء العاطفة للصفات قد تكون لترتيب معانيها الوصفية في الوجود
~~الخارجي إذا كانت الذات المتصفة بها واحدة كما في قوله:

# يا لهف زيابة للحادث الص

# ابح فالغانم فالآيب

# / أي الذي صبح فغنم فآب ورجع، أو لترتيب معانيها في الرتبة إذا كانت
~~الذات واحدة أيضا كما في قولك: أتم العقل فيك إذا كنت شابا فكهلا أو
~~لترتيب الموصوفات بها في الوجود كما في قولك: وفقت كذا على بني بطنا
~~فبطنا أو في الرتبة نحو رحم الله تعالى المحلقين فالمقصرين، وكلاهما مع
~~تعدد الموصوف والترتيب الرتبي إما باعتبار الترقي أو باعتبار التدلي،
~~وهي إذا كانت الذات المتصفة بالصفات هنا واحدة وهم الملائكة عليهم السلام
~~بأسرهم تحتمل أن تكون للترتيب الرتبي باعتبار الترقي فالصف في الرتبة
~~الأولى لأنه عمل قاصر والزجر أعلى منه لما فيه من نفع الغير والتلاوة
~~أعلى وأعلى لما فيها من نقع الخاصة الساري إلى نفع العامة بما فيه صلاح
~~المعاش والمعاد أو للترتيب الخارجي من حيث وجود ذوات الصفات فالصف يوجد
~~أولا لأنه كمال للملائكة في نفسها ثم يوجد بعده الزجر للغير لأنه تكميل
~~للغير يستعد به الشخص ما لم يكمل في نفسه لا يتأهل لأن يكمل غيره ثم توجد
~~التلاوة بناء على أنها إفاضة على الغير المستعد لها وذا لا يتحقق إلا
~~بعد حصول الاستعداد الذي هو من آثار الزجر، وإذا كانت الذات المتصفة بها
~~من الملائكة عليهم السلام متعددة بمعنى أن وصنفا منهم كذا وصنفا آخر
~~كذا فالظاهر أنها للترتيب الرتبي باعتبار الترقي كما في الشق الأول
~~فالجماعات الصافات كاملون والزاجرات أكمل منها والتاليات أكمل وأكمل كما
~~يعلم مما سبق.

# وقيل يجوز أن يكون بعكس ذلك بأن يراد بالصافات جماعات من الملائكة صافات
~~من حول العرش قائمات في مقام العبودية وهم الكروبيون المقربون أو ملائكة
~~آخرون يقال لهم كما ذكر الشيخ الأكبر قدس الله سره المهيمون مستغرقون
~~بحبه تعالى لا يدري أحدهم أن الله عز وجل خلق غيره وذكر أنهم لم يؤمروا
~~بالسجود لآدم عليه ms08944 السلام لعدم شعورهم باستغراقهم به تعالى وأنهم
~~المعنيون بالعالين في قوله تعالى:

# أستكبرت أم كنت من العلين

# [ص: 75] وبالزاجرات جماعات أخر أمرت بتسخير العلويات والسفليات وتدبيرها
~~لما خلقت له وهي في الفضل على ما لها من النفع للعباد دون الصافات
~~وبالتاليات ذكرا جماعات أخر أمرت بتلاوة المعارف على خواص الخلق وهي
~~لخصوص نفعها دون الزاجرات أو المراد بالزاجرات الزاجرات الناس عن القبيح
~~بإلهام جهة قبحه وما ينفر عن ارتكابه وبالتاليات ذكرا المهمات للخير
~~والجهات المرغبة فيه، ولكون دفع الضر أولى من جلب الخير ودرء المفاسد أهم
~~من جلب المصالح ولذا قيل التخلية بالخاء مقدمة على التحلية كانت التاليات
~~دون الزاجرات، وحال الفاء على سائر الأقوال السابقة في الصفات لا يخفى
~~على من له أدنى تأمل. ويجوز عندي والله تعالى أعلم أن يراد بالصافات
~~المصطفون للعبادة من صلاة ومحاربة كفرة مثلا ملائكة كانوا أم أناسي أم
~~غيرهما وبالزاجرات الزاجرون عن ارتكاب المعاصي بأقوالهم أو أفعالهم
~~كائنين من كانوا وبالتاليات ذكرا التالون لآيات الله تعالى على الغير
~~للتعليم أو نحو كذلك، ولا عناد بين هذه الصفات فتجتمع في بعض الأشخاص،
~~ولعل الترتيب على سبيل الترقي باعتبار نفس الصفات فالإصطفاف للعبادة كمال
~~والزجر عن ارتكاب المعاصي أكمل والتلاوة لآيات الله تعالى للتعليم لتضمنه
~~الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي والتخلي عن الرذائل والتحلي بالمعارف
~~إلي أمور أخر أكمل وأكمل؛ وجعل الصفات المذكورة لموصوف وأحد من الملائكة
~~على ما مر بأن تكون جماعات منهم صافات بمعنى صافات أنفسها في سلك الصفوف
~~بالقيام في مقاماتها المعلومة أو القائمات صفوفا للعبادة وتاليات ذكرا
~~بمعنى تاليات الآيات بطريق الوحي على الأنبياء عليهم السلام لا يخلو عن
~~بعد فيما أرى على/ أن تعدد الملائكة التالين للوحي سواء كان صنفا
~~مستقلا أم لا مما يشكل عليه ما ذكره غير واحد أن الأمين على الوحي
~~التالي للذكر على الأنبياء هو جبريل عليه السلام لا غير، نعم من الآيات
~~ما ينزل مشيعا بجمع من الملائكة عليهم السلام ونطق الكتاب الكريم بالرصد
~~عند ms08945 إبلاغ الوحي وهذا أمر والتلاوة على الأنبياء عليهم السلام أمر آخر
~~فتأمل جميع ذلك، وفي المراد بالصفات المتناسقة احتمالات غير ما ذكر فلا
~~تغفل.

# وأيا ما كان فالقسم بتلك الجماعات أنفسها ولا حجر على الله عز وجل فله
~~سبحانه أن يقسم بما شاء فلا حاجة إلى القول بأن الكلام على حذف مضاف أي
~~ورب الصافات مثلا.

# والآية ظاهرة الدلالة على مذهب سيبويه والخليل في مثل

# واليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى

# [الليل: 12] من أن الواو الثانية وما بعدها للعطف خلافا لمذهب غيرهما
~~من أنها للقسم لوقوع الفاء فيها موقع الواو إلا أنها تفيد الترتيب.

# وأدغم ابن مسعود ومسروق والأعمش وأبو عمرو وحمزة التاآت الثلاث فيما
~~يليها للتقارب فإنها من طرف اللسان وأصول الثنايا.

### || [37.4]

# جواب للقسم وقد جرت عادتهم على تأكيد ما يهتم به بتقديم القسم ولذا قدم
~~ههنا فلا يقال: إنه كلام مع منكر مكذب فلا فائدة في القسم، وما قيل من
~~أن وحدة الصانع قد ثبتت بالدليل النقلي بعد ثبوتها بالعقل ففائدته ظاهرة
~~هنا غير تام لأن الكلام مع من لا يعترف بالتوحيد، وقد أشير إلى البرهان
~~في قوله سبحانه: { رب السموت والأرض... }.

### || [37.5]

# فإن وجودها على هذا النمط البديع أوضح دليل على وحدته عز وجل بل في كل
~~ذرة من ذرات العالم دليل على ذلك:

# وفي كل شيء له آية

# تدل على أنه واحد

# و (رب) خبر ثان لإن على مذهب من يجوز تعدد الأخبار أو خبر مبتدأ محذوف
~~أو هو رب السموات الخ. وجوز أبو البقاء وغيره كونه بدلا من { وحد }
~~فهو المقصود بالنسبة أي خالق السموات والأرض وما بينهما من الموجودات
~~ويدخل في عموم الموصول أفعال العباد فتدل الآية على أنها مخلوقة له تعالى
~~ولا ينافي ذلك كون قدرة العبد مؤثرة بإذنه عز وجل كما ذهب إليه معظم
~~السلف حتى الأشعري نفسه في آخر الأمر على ما صرح به بعض الأجلة، وفسر
~~بعضهم الرب هنا بالمالك وبالمربي، ولعل الأول أظهر. وفي دلالة الآية على
~~كون ms08946 أفعال العباد مخلوقة له على ذلك بحث.

# والمراد بالمشارق عند جمع مشارق الشمس لأنها المعروفة الشائعة فيما
~~بينهم وهي بعدد أيام السنة فإنها في كل يوم تشرق من مشرق وتغرب في مغرب
~~فالمغارب متعددة تعدد المشارق، وكأن الاكتفاء بها لاستلزامها ذلك مع أن
~~الشروق أدل على القدرة وأبلغ في النعمة، ولهذا استدل به إبراهيم عليه
~~السلام عند محاجة النمروذ، وعن ابن عطية أن مشارق الشمس مائة وثمانون،
~~ووفق بعضهم بين هذا وما يقتضيه ما تقدم من مضاعفة العدد بأن مشارقها من
~~رأس السرطان وهو أول بروج الصيف إلى رأس الجدي وهو أول بروج الشتاء متحدة
~~معها من رأس الجدي إلى رأس السرطان فإن اعتبر ما كانت عليه وما عادت إليه
~~واحدا كانت مائة وثمانين وإن نظر إلى تغايرهما كانت ثلثمائة وستين، وفي
~~هذا إسقاط الكسر فإن السنة الشمسية تزيد على ذلك العدد بنحو ستة أيام على
~~ما بين في موضعه.

# وفسرت المشارق أيضا بمشارق الكواكب، ورجح بأنه المناسب لقوله تعالى بعد

# إنا زينا

# [الصافات: 6] الخ، وهي للسيارات منها متفاوتة في العدد، وأكثرها مشارق
~~على ما هو المعروف عند المتقدمين زحل ومشارقه إلى أن يتم دورته أكثر من
~~مشارق الشمس إلى أن تتم دورتها بألوف، ومشارق الثوابت إلى أن تتم الدورة
~~أكثر وأكثر فلا تغفل وتبصر. وتثنية المشرق والمغرب في قوله تعالى:

# رب المشرقين ورب المغربين

# [الرحمن: 17] على إرادة مشرق الصيف ومشرق الشتاء ومغربيهما، وإعادة {
~~رب } هنا مع المشارق لغاية ظهور آثار الربوبية فيها وتجددها كل يوم.

### || [37.6]

# { إنا زينا السماء الدنيا } أي أقرب السموات من أهل
~~الأرض فالدنيا هنا مؤنث أدنى بمعنى أقرب أفعل تفضيل { بزينة } عجبية
~~بديعة { الكوكب } بالجر بدل من { زينة } بدل كل على أن المراد
~~بها الاسم أي ما يزان به لا المصدر فإن الكواكب بأنفسها وأوضاع بعضها من
~~بعض زينة وأي زينة:

# فكأن أجرام النجوم لوامعا

# درر نثرن على بساط أزرق

# وجوز أن تكون عطف بيان. وقرأ الأكثرون { بزينة الكواكب } بالإضافة على
~~أنها بيانية لما أن ms08947 الزينة مبهمة صادقة على كل ما يزان به فتقع الكواكب
~~بيانا لها، ويجوز أن تكون لامية على أن الزينة للكواكب أضواؤها أو
~~أوضاعها، وتفسيرها بالأضواء منقول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما،
~~وجوز أن تكون الزينة مصدرا كالنسبة وإضافتها من إضافة المصدر إلى مفعوله
~~أي زينا السماء الدنيا بتزييننا الكواكب فيها أو من إضافة المصدر إلى
~~فاعله أي زيناها بأن زينتها الكواكب.

# وقرأ ابن وثاب ومسروق بخلاف عنهما والأعمش وطلحة وأبو بكر { بزينة }
~~منونا { الكواكب } نصبا فاحتمل أن يكون زينة مصدرا والكواكب مفعول به
~~كقوله تعالى:

# أو إطعام فى يوم ذى مسغبة * يتيما

# [البلد: 1415] وليس هذا من المصدر المحدود كالضربة حتى يقال لا يصح
~~إعماله كما نص عليه ابن مالك لأنه وضع مع التاء كالكتابة والإصابة وليس
~~كل تاء في المصدر للوحدة، وأيضا ليست هذه الصيغة صيغة الوحدة، واحتمل أن
~~يكون { الكوكب } بدلا من { السماء } بدل اشتمال واشتراط الضمير
~~معه للمبدل منه إذا لم يظهر اتصال أحدهما بالآخر كما قرروه في قوله
~~تعالى:

# قتل أصحب الأخدود * النار

# [البروج: 45].

# وقيل: اللام بدل منه، وجوز كونه بدلا من محل الجار والمجرور أو المجرور
~~وحده على القولين، وكونه منصوبا بتقدير أعني. وقرأ زيد بن علي رضي الله
~~تعالى عنهما { بزينة } منونا { الكواكب } رفعا على أنها خبر مبتدأ
~~محذوف أي هي الكواكب أو فاعل المصدر ورفعه الفاعل قد أجازه البصريون على
~~قلة، وزعم الفراء أنه ليس بمسموع.

# وظاهر الآية أن الكواكب في السماء الدنيا ولا مانع من ذلك وإن اختلفت
~~حركاتها وتفاوتت سرعة وبطأ لجواز أن تكون في أفلاكها وأفلاكها في السماء
~~الدنيا وهي ساكنة ولها من الثخن ما يمكن معه نضد تلك الأفلاك المتحركة
~~بالحركات المتفاوتة وارتفاع بعضها فوق بعض. وحكى النيسابوري في تفسير
~~سورة التكوير عن الكلبي أن الكواكب في قناديل معلقة بين السماء والأرض
~~بسلاسل من نور وتلك السلاسل بأيدي الملائكة عليهم السلام، وهو مما يكذبه
~~الظاهر ولا أراه إلا حديث خرافة. وأما ما ذهب إليه جل الفلاسفة من أن ms08948
~~القمر وحده في السماء الدنيا وعطارد في السماء الثانية والزهرة في
~~الثالثة والشمس في الرابعة والمريخ في الخامسة والمشتري في السادسة وزحل
~~في السابعة والثوابت في فلك فوق السابعة هو الكرسي بلسان الشرع فمما لا
~~يقوم عليه برهان يفيد اليقين، وعلى فرض صحته لا يقدح في الآية لأنه يكفي
~~لصحة كون السماء الدنيا مزينة بالكواكب كونها كذلك في رأي العين.

### || [37.7]

# { وحفظا } نصب على أنه مفعول مطلق لفعل معطوف على

# زينا

# [الصافات: 6] أي وحفظناها حفظا أو عطف على { زينة } باعتبار المعنى
~~فإنه معنى مفعول له كأنه قيل: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظا لها،
~~والعطف على المعنى كثير وهو غير العطف على الموضع وغير عطف التوهم/ وجوز
~~كونه مفعولا له بزيادة الواو أو على تأخير العامل أي ولحفظها زيناها.

# وقوله تعالى: { من كل شيطن مارد } متعلق بحفظنا المحذوف أو
~~بحفظا، والمارد كالمريد المتعري عن الخيرات من قولهم شجر أمرد إذا تعرى
~~من الورق، ومنه قيل رملة مرداء إذا لم تنبت شيئا، ومنه الأمر لتجرده عن
~~الشعر، وفسر هنا أيضا بالخارج عن الطاعة وهو في معنى التعري عنها.

### || [37.8]

# وقوله تعالى: { لا يسمعون إلى الملإ الأعلى } أي لا
~~يتسمعون وهذا أصله فأدغمت التاء في السين، وضمير الجمع لكل شيطان لأنه
~~بمعنى الشياطين. وقرأ الجمهور { لا يسمعون } بالتخفيف، والملأ في الأصل
~~جماعة يجتمعون على رأي فيملؤن العيون رواء والنفوس جلالة وبهاء، ويطلق
~~على مطلق الجماعة وعلى الأشراف مطلقا، والمراد بالملأ الأعلى الملائكة
~~عليهم السلام كما روي عن السدي لأنهم في جهة العلو ويقابله الملأ الأسفل
~~وهم الإنس والجن لأنهم في جهة السفل. وقال ابن عباس: هم أشراف الملائكة
~~عليهم السلام، وفي رواية أخرى عنه أنهم كتابهم، وفسر العلو على الروايتين
~~بالعلو المعنوي.

# وتعدية الفعل على قراءة الجمهور بإلى لتضمينه معنى الإصغاء أي لا يسمعون
~~مصغين إلى الملأ الأعلى، والمراد نفي سماعهم مع كونهم مصغين، وفيه دلالة
~~على مانع عظيم ودهشة تذهلهم عن الإدراك، وكذا على القراءة الأخرى وهي
~~قراءة ابن عباس بخلاف ms08949 عنه وابن وثاب وعبد الله بن مسلم وطلحة والأعمش
~~وحمزة والكسائي وحفص بناء على ما هو الظاهر من أن التفعل لا يخالف
~~ثلاثيه في التعدية، واستعمال تسمع مع إلى لا يقتضي كونه غير مضمن، وقيل
~~لا يحتاج إلى اعتبار التضمين عليها والتفعل مؤذن بالطلب فتسمع بمعنى طلب
~~السماع، قيل: ويشعر ذلك بالإصغاء لأن طلب السماع يكون بالإصغاء فتتوافق
~~القراءتان وإن لم يقل بالتضمين في قراءة التشديد، ولعل الأولى القول
~~بالتضمين ونفي طلبهم السماع مع وقوعه منهم حتى قيل: إنه يركب بعضهم بعضا
~~لذلك إما ادعائي للمبالغة في نفي سماعهم أو هو على ما قيل بعد وصولهم إلى
~~محل الخطر لخوفهم من الرجم حتى يدهشوا عن طلب السماع، وقال أبو حيان: إن
~~نفي التسمع لانتفاء ثمرته وهو السمع. وقال ابن كمال: عدي الفعل في
~~القراءتين بإلى لتضمنه معنى الانتهاء أي لا ينتهون بالسمع أو التسمع إلى
~~الملأ الأعلى وليس بذاك كما لا يخفى على المتأمل الصادق.

# والجملة في المشهور مستأنفة استئنافا نحويا ولم يجوز كونها صفة لشيطان
~~قالوا إذ لا معنى للحفظ من شياطين لا تسمع أو لا تسمع مع إيهامه لعدم
~~الحفظ عمن عداها. وكذا لم يجوز كونها استئنافا بيانيا واقعا جواب سؤال
~~مقدر إذ المتبادر أن يؤخذ السؤال من فحوى ما قبله فتقديره حينئذ لم تحفظ
~~فيعود محذور الوصفية، وكذا كونها حالا مقدرة لأن الحال كذلك يقدرها
~~صاحبها والشياطين لا يقدرون عدم السماع أو عدم التسمع ولا يريدونه، وجوز
~~ابن المنير كونها صفة والمراد حفظ السموات ممن لا يسمع أو لا يسمع بسبب
~~هذا الحفظ، وهو نظير

# ثم أرسلنا رسلنا

# [المؤمنون: 44]

# وسخر لكم اليل والنهار والشمس والقمر
~~والنجوم مسخرت بأمره

# [النحل: 12] ومن هنا لم يجعل بعض الأجلة قوله عليه الصلاة والسلام:

# " من قتل قتيلا فله سلبه "

# من مجاز الأول. وتعقب بأن ذلك خلاف المتبادر ولا يكاد يفهم من أضرب
~~الرجل المضروب كونه مضروبا بهذا الضرب المأمور به لا بضرب آخر قبله،
~~وكذا جوز صاحب " الكشف " كونها صفة وكونها مستأنفة ms08950 استئنافا بيانيا
~~أيضا ودفع المحذور وأبعد في ذلك المغزى كعادته في سائر تحقيقاته فقال:
~~المعنى لا يمكنون من السماع/ مع الإصغاء أو لا يمكنون من التسمع مبالغة
~~في نفي السماع كأنهم مع مبالغتهم في الطلب لا يمكنهم ذلك، ولا بد من ذلك
~~جعلت الجملة وصفا أولا جمعا بين القراءتين وتوفية لحق الإصغاء المدلول
~~عليه بإلى وحينئذ يكون الوصف شديد الطباق؛ ورد الاستئناف البياني وارد
~~على تقدير السؤال لم تحفظ؟ وليس كذلك بل السؤال عما يكون عند الحفظ وعن
~~كيفيته لأن قوله سبحانه:

# وحفظا من كل شيطن مارد

# [الصافات: 7] مما يحرك الذهن له فقيل { لا يسمعون } جوابا عما
~~يكون عنده { ويقذفون } لكيفية الحفظ، وهذا أولى من جعلها مبدأ
~~اقتصاص مستطرد لئلا ينقطع ما ليس بمنقطع معنى انتهى.

# واستدقه الخفاجي واستحسنه وذكر أن حاصله أنه ليس المنفي هنا السماع
~~المطلق حتى يلزم ما ظنوه من فساد المعنى لأنه لما تعدى بإلى وتضمن معنى
~~الإصغاء صار المعنى حفظناها من شياطين لا تنصت لما فيها إنصاتا تاما
~~تضبط به ما تقوله الملائكة عليهم السلام، ومآله حفظناها من شياطين مسترقة
~~للسمع، وقوله سبحانه:

# إلا من خطف

# [الصافات: 10] الخ ينادي على صحته، والمناقشة بحديث الأوصاف قبل العلم
~~بها أخبار إن جاءت لا تتم فالحديث غير مطرد، وقيل: إن الأصل لأن لا
~~يسمعوا على أن الجار متعلق بحفظا فحذفت اللام كما في جئتك أن تكرمني ثم
~~حذفت أن ورفع الفعل كما في قوله

# :

# ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى

# وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

# وفيه أن حذف اللام وحذف أن ورفع الفعل وإن كان كل منهما واقعا في
~~الفصيح إلا أن اجتماع الحذفين منكر يصان كلام الله تعالى عنه. وأبو
~~البقاء يجوز كون الجملة صفة وكونها استئنافا وكونها حالا فلا تغفل.

# { ويقذفون } أي يرمون ويرجمون { من كل جانب } من جوانب
~~السماء إذا قصدوا الصعود عليها، وليس المراد أن كل واحد يرمي من كل جانب
~~بل هو على التوزيع أي كل من صعد من جانب رمى منه.

# وقرأ ms08951 محبوب عن أبي عمرو { يقذفون } بالبناء للفاعل ولعل الفاعل
~~الملائكة، وجوز أن يكون الكواكب، وأمر ضمير العقلاء سهل.

### || [37.9]

# وقوله تعالى: { دحورا } مفعول له وعلة للقذف أي للدحور وهو الطرد
~~والإبعاد أو مفعول مطلق ليقذفون كقعدت جلوسا لتنزيل المتلازمين منزلة
~~المتحدين فيقام { دحورا } مقام قذفا أو { يقذفون } مقام يدحرون، وعلى
~~التقديرين هو مصدر مؤكد أو حال من ضمير

# يقذفون

# [الصافات: 8] على أنه مصدر باسم المفعول على القراءة الشائعة وهو في
~~معنى الجمع لشموله للكثير أي مدحورين، وجوز كونه جمع داحر بمعنى مدحور
~~كقاعد وقعود، وكونه جمع داحر من غير تأويل بناء على القراءة الأخرى،
~~وجوز أن يكون منصوبا بنزع الخافض وهو الباء على أنه جمع دحر كدهر ودهور
~~وهو ما يدحر به أي يقذفون بدحور.

# وقرأ السلمي وابن أبي عبلة والطبراني عن أبي جعفر { دحورا } بفتح
~~الدال فاحتمل كونه نصبا بنزع الخافض أيضا وهو على هذه القراءة أظهر لأن
~~فعولا بالفتح بمعنى ما يفعل به كثير كطهور وغسول لما يتطهر ويغسل به،
~~واحتمل أن يكون صفة كصبور لموصوف مقدر أي قذفا دحورا طاردا لهم، وأن
~~يكون مصدرا كالقبول وفعول في المصادر نادر ولم يأت في كتب التصريف منه
~~إلا خمسة أحرف الوضوء والطهور والولوع والوقود والقبول كما حكي عن سيبويه
~~وزيد عليه الوزوع بالزاي المعجمة والهوي بفتح الهاء بمعنى السقوط والرسول
~~بمعنى الرسالة.

# / { ولهم } أي في الآخرة { عذاب } آخر غير ما في الدنيا من عذاب
~~الرجم بالشهب { واصب } أي دائم كما قال قتادة وعكرمة وابن عباس،
~~وأنشدوا لأبي الأسود:

# لا أشتري الحمد القليل بقاؤه

# يوما بذم الدهر أجمع واصبا

# وفسره بعضهم بالشديد، قيل والأول حقيقة معناه وهذا تفسير له بلازمه.
~~والآية على ما سمعت كقوله تعالى:

# وأعتدنا لهم عذاب السعير

# [الملك: 5] وجوز أبو حيان أن يكون هذا العذاب في الدنيا وهو رجمهم
~~دائما وعدم بلوغهم ما يقصدون من استراق السمع.

### || [37.10]

# { إلا من خطف الخطفة } استثناء متصل من واو

# يسمعون

# [الصافات: 8] و { من } بدل منه على ما ذكره الزمخشري ومتابعوه، ms08952 وقال
~~ابن مالك: إذا فصل بين المستثنى والمستثنى منه فالمختار النصب لأن
~~الإبدال للتشاكل وقد فات بالتراخي، وذكره في «البحر» هنا وجها ثانيا،
~~وقيل: هو منقطع على أن { من } شرطية جوابها الجملة المقرونة بالفاء بعد
~~وليس بذاك. والخطف الاختلاس والأخذ بخفة وسرعة على غفلة المأخوذ منه،
~~والمراد اختلاس كلام الملائكة مسارقة كما يعرب عنه تعريف الخطفة بلام
~~العهد لأن المراد بها أمر معين معهود فهي نصب على المصدرية، وجوز أن تكون
~~مفعولا به على إرادة الكلمة.

# وقرأ الحسن وقتادة { خطف } بكسر الخاء والطاء مشددة، قال أبو حاتم:
~~ويقال هي لغة بكر بن وائل وتميم بن مر والأصل اختطف فسكنت التاء للإدغام
~~وقبلها خاء ساكنة فالتقى ساكنان فحركت الخاء بالكسر على الأصل وكسرت
~~الطاء للاتباع وحذفت ألف الوصل للاستغناء عنها. وقرىء { خطف } بفتح الخاء
~~وكسر الطاء مشددة ونسبها ابن خالويه إلى الحسن وقتادة وعيسى، واستشكلت
~~بأن فتح الخاء سديد لإلقاء حركة التاء عليها، وأما كسر الطاء فلا وجه له،
~~وقيل في توجيهها: إنهم نقلوا حركة الطاء إلى الخاء وحذفت ألف الوصل ثم
~~قلبوا التاء وأدغموا وحركوا الطاء بالكسر على أصل التقاء الساكنين وهو
~~كما ترى، وعن ابن عباس { خطف } بكسر الخاء والطاء مخففة أتبع على ما في
~~«البحر» حركة الخاء لحركة الطاء كما قالوا نعم.

# { فأتبعه } أي تبعه ولحقه على أن أتبع من الأفعال بمعنى تبع
~~الثلاثي فيتعدى لواحد { شهاب } هو في الأصل الشعلة الساطعة من النار
~~الموقدة، والمراد به العارض المعروف في الجو الذي يرى كأنه كوكب منقض من
~~السماء { ثاقب } مضىء كما قال الحسن وقتادة كأنه ثقب الجو بضوئه،
~~وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن يزيد
~~الرقاشي أنه قال: يثقب الشيطان حتى يخرج من الجانب الآخر فذكر ذلك لأبي
~~مجلز فقال: ليس ذاك ولكن ثقوبه ضوؤه، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد {
~~الثاقب } المتوقد وهو قريب مما تقدم. وأخرج عن السدي { الثاقب }
~~المحرق.

# وليست الشهب نفس الكواكب التي زينت بها السماء ms08953 فإنها لا تنقض وإلا
~~لانتقصت زينة السماء بل لم تبق، على أن المنقض إن كان نفس الكواكب بمعنى
~~أنه ينقلع عن مركزه ويرمى به الخاطف فيرى لسرعة الحركة كرمح من نار لزم
~~أن يقع على الأرض وهو إن لم يكن أعظم منها فلا أقل من أن ما انقض من
~~الكواكب من حين حدث الرمي إلى اليوم أعظم منها بكثير فيلزم أن تكون الأرض
~~اليوم مغشية بأجرام الكواكب والمشاهدة تكذب ذلك بل لم نسمع بوقوع جرم
~~كوكب أصلا.

# وأصغر الكواكب عند الإسلاميين كالجبل العظيم، وعند الفلاسفة أعظم وأعظم
~~بل صغار الثوابت عندهم/ أعظم من الأرض وإن التزم أنه يرمي به حتى إذا تم
~~الغرض رجع إلى مكانه قيل عليه: إنه حينئذ يلزم أن يسمع لهويه صوت هائل
~~فإن الشهب تصل إلى محل قريب من الأرض، وأيضا عدم مشاهدة جرم كوكب هابطا
~~أو صاعدا يأبى احتمال انقلاع الكوكب والرمي به نفسه، وإن كان المنقض
~~نوره فالنور لا أذى فيه فالأرض مملوءة من نور الشمس وحشوها الشياطين، على
~~أنه إن كان المنقض جميع نوره يلزم انتقاص الزينة أو ذهابها بالكلية، وإن
~~كان بعض نوره يلزم أن تتغير أضواء الكواكب ولم يشاهد في شيء منها ذلك،
~~وأمر انقضاضه نفسه أو انفصال ضوئه على تقدير كون الكواكب الثوابت في
~~الفلك الثامن المسمى بالكرسي عند بعض الإسلاميين وأنه لا شيء في السماء
~~الدنيا سوى القمر أبعد وأبعد. والفلاسفة يزعمون استحالة ذلك لزعمهم عدم
~~قبول الفلك الخرق والالتئام إلى أمور أخر، ويزعمون في الشهب أنها أجزاء
~~بخارية دخانية لطيفة وصلت كرة النار فاشتعلت وانقلبت نارا ملتهبة فقد
~~ترى ممتدة إلى طرف الدخان ثم ترى كأنها طفئت وقد تمكث زمانا كذوات
~~الأذناب وربما تتعلق بها نفس على ما فصلوه، وهم مع هذا لا يقولون بكونها
~~ترمى بها الشياطين بل هم ينكرون حديث الرمي مطلقا، وفي النصوص الإلهية
~~رجوم لهم.

# ولعل أقرب الاحتمالات في أمر الشهب أن الكوكب يقذف بشعاع من نوره فيصل
~~أثره إلى هواء متكيف بكيفية مخصوصة ms08954 يقبل بها الاشتعال بما يقع عليه من
~~شعاع الكوكب بالخاصية فيشتعل فيحصل ما يشاهد من الشهب، وإن شئت قلت: إن
~~ذلك الهواء المتكيف بالكيفية المخصوصة إذا وصل إلى محل مخصوص من الجو
~~أثرت فيه أشعة الكواكب بما أودعه الله تعالى فيها من الخاصية فيشتعل
~~فيحصل ما يحصل، وتأثير الأشعة الحرق في القابل له مما لا ينكر فإنا نرى
~~شعاع الشمس إذا قوبل ببعض المناظر على كيفية مخصوصة أحرق قابل الإحراق
~~ولو توسط بين المنظرة وبين القابل إناء بلور مملوء ماء، ويقال: إن الله
~~تعالى يصرف ذلك الحاصل إلى الشيطان المسترق للسمع وقد يحدث ذلك وليس هناك
~~مسترق، ويمكن أن يقال: إنه سبحانه يخلق الكيفية التي بها يقبل الهواء
~~الإحراق في الهواء الذي في جهة الشيطان، ولعل قرب الشيطان من بعض أجزاء
~~مخصوصة من الهواء معد بخاصية أحدثها الله تعالى فيه لخلقه عز وجل تلك
~~الكيفية في ذلك الهواء القريب منه مع أنه عز وجل يخلق تلك الكيفية في بعض
~~أجزاء الهواء الجوية حيث لا شيطان هناك أيضا.

# وإن شئت قلت: إنه يخرج شؤبوب من شعاع الكوكب فيتأذى به المارد أو يحترق،
~~والله عز وجل قادر على أن يحرق بالماء ويروي بالنار والمسببات عند
~~الأسباب لا بها وكل الأشياء مسندة إليه تعالى ابتداء عند الأشاعرة، ولا
~~يلزم على شيء مما ذكر انتقاص ضوء الكوكب، ولو سلم أنه يلزم انتقاص على
~~بعض الاحتمالات قلنا: إنه عز وجل يخلق بلا فصل في الكوكب بدل ما نقص منه
~~وأمره سبحانه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.

# ولا ينافي ما ذكرنا قوله تعالى:

# ولقد زينا السماء الدنيا بمصبيح وجعلنها
~~رجوما للشيطين

# [الملك: 5] لأن جعلها رجوما يجوز أن يكون لأنه بواسطة وقوع أشعتها على
~~ما ذكرنا من الهواء تحدث الشهب فهي رجوم بذلك الاعتبار ولا يتوقف جعلها
~~رجوما على أن تكون نفسها كذلك بأن تنقلع عن مراكزها ويرجم بها، وهذا كما
~~تقول: جعل الله تعالى الشمس يحرق بها بعض الأجسام فإنه صادق فيما إذا ms08955
~~أحرق بها بتوسيط بعض المناظر وانعكاس شعاعها على قابل الإحراق.

# وزعم بعض الناس أن الشهب شعل نارية تحدث من أجزاء متصاعدة/ إلى كرة
~~النار وهي الرجوم ولكونها بواسطة تسخين الكواكب للأرض قال سبحانه: {
~~وجعلنها رجوما } على التجوز في إسناد الجعل إليها أو في
~~لفظها، ولا يخفى أن كرة النار مما لم تثبت في كلام السلف ولا ورد فيها عن
~~الصادق عليه والصلاة والسلام خبر. وقيل: يجوز أن تكون المصابيح هي الشهب
~~وهي غير الكواكب وزينة السماء بالمصابيح لا يقتضي كونها فيها حقيقة إذ
~~يكفي كونها في رأي العين كذلك، وقيل: يجوز أن يراد بالسماء جهة العلو وهي
~~مزينة بالمصابيح والشهب كما هي مزينة بالكواكب. وتعقب هذا بأن وصف السماء
~~بالدنيا يبعد إرادة الجهة منها. وتعقب ما قبله بأن المتبادر أن المصابيح
~~هي الكواكب ولا يكاد يفهم من قوله تعالى:

# إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكوكب

# [الصافات: 6] وقوله سبحانه:

# ولقد زينا السماء الدنيا بمصبيح

# [الملك: 5] إلا شيء واحد، وأن كون الشهب المعروفة زينة السماء مع سرعة
~~تقضيها وزوالها وربما دهش من بعضها مما لا يسلم، والقول بأنه يجوز إطلاق
~~الكوكب على الشهاب للمشابهة فيجوز أن يراد بالكواكب ما يشمل الشهب وزينة
~~السماء على ما مر آنفا زيد فيه على ما تقدم ما لا يخفى ما فيه، نعم يجوز
~~أن يقال: إن الكوكب ينفصل منه نور إذا وصل إلى محل مخصوص من الجو انقلب
~~نارا ورؤي منقضا ولا يعجز الله عز وجل شيء، وقد يقال: إن في السماء
~~كواكب صغارا جدا غير مرئية ولو بالأرصاد لغاية الصغر وهي التي يرمي بها
~~أنفسها، وقوله تعالى:

# ولقد زينا السماء الدنيا بمصبيح وجعلنها
~~رجوما للشيطين

# [الملك: 5] من باب عندي درهم ونصفه و

# إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكوكب *
~~وحفظا

# [الصافات: 67] الآية ان كان على معنى وحفظا بها فهو من ذلك الباب
~~أيضا وإلا فالأمر أهون فتدبر.

# واختلف في أن المرجوم هل يهلك بالشهاب إذا أصابه أو يتأذي به من غير
~~هلاك فعن ابن عباس أن ms08956 الشياطين لا تقتل بالشهاب ولا تموت ولكنها تحرق
~~وتخبل أي يفسد منها بعض أعضائها، وقيل تهلك وتموت ومتى أصاب الشهاب من
~~اختطف منهم كلمة قال للذي يليه كان كذا وكذا قبل أن يهلك، ولا يأبى
~~تأثير الشهاب في كونهم مخلوقين من النار لأنهم ليسوا من النار الصرفة كما
~~أن الإنسان ليس من التراب الخالص مع أن النار القوية إذا استولت على
~~الضعيفة استهلكتها، وأيا ما كان لا يقال: إن الشياطين ذوو فطنة فكيف
~~يعقل منهم العود إلى استراق السمع مرة بعد مرة مع أن المسترق يهلك أو
~~يتأذى الأذى الشديد واستمرار انقضاض الشهب دليل استمرار هذا الفعل منهم
~~لأنا نقول: لا نسلم استمرار هذا الفعل منهم واستمرار الانقضاض ليس دليلا
~~عليه لأن الانقضاض يكون للاستراق ويكون لغيره فقد أشرنا فيما سبق أن
~~الهواء قد يتكيف بكيفية مخصوصه فيحترق بسبب أشعة الكواكب وإن لم يكن هناك
~~مسترق، وقيل: يجوز أن ترى الشهب لتعارض في الأهوية واصطكاك يحصل منه ما
~~ترى كما يحصل البرق باصطكاك السحاب على ما روي عن بعض السلف وحوادث الجو
~~لا يعلمها إلا الله تعالى فيجوز أن يكونوا قد استرقوا أولا فشاهدوا ما
~~شاهدوا فتركوا واستمرت الشهب تحدث لما ذكر لا لاستراق الشياطين، ويجوز أن
~~يقع أحيانا ممن حدث منهم ولم يعلم بما جرى على رؤوس المسترقين قبله أو
~~ممن لا يبالي بالأذى ولا بالموت حبا لأن يقال ما أجسره أو ما أشجعه
~~مثلا كما يشاهد في كثير من الناس يقدمون في المعارك على ما يتيقنون
~~هلاكهم به حبا لمثل ذلك، ولعل في وصف الشياطين بالمارد ما يستأنس به
~~لهذا الاحتمال.

# وأما ما قيل: إن الشهاب قد يصيب الصاعد مرة وقد لا يصيب كالموج لراكب
~~السفينة ولذلك لا يرتدعون عنه رأسا فخلاف المأثور، فقد أخرج ابن أبي
~~حاتم وأبو الشيخ/ في " العظمة " عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
~~إذا رمي بالشهاب لم يخطىء من رمي به. ثم إن ما ذكر من احتمال أنهم قد
~~تركوا بعد ms08957 أن صحت عندهم التجربة لا يتم إلا على ما روي عن الشعبي من أنه
~~لم يقذف بالنجوم حتى ولد النبي صلى الله عليه وسلم فلما قذف بها جعل
~~الناس يسيبون أنعامهم ويعتقون رقيقهم يظنون أنه القيامة فأتوا عبد ياليل
~~الكاهن وقد عمي وأخبروه بذلك فقال: انظروا إن كانت النجوم المعروفة من
~~السيارة والثوابت فهو قيام الساعة وإلا فهو أمر حادث فنظروا فإذا هي غير
~~معروفة فلم يمض زمن حتى أتى خبر النبي صلى الله عليه وسلم، ووافق على
~~عدم حدوثه قبل ابن الجوزي في " المنتظم " لكنه قال: إنه حدث بعد عشرين
~~يوما من مبعثه، والصحيح أن القذف كان قبل ميلاده عليه الصلاة والسلام،
~~وهو كثير في أشعار الجاهلية إلا أنه يحتمل أنه لم يكن طاردا للشياطين
~~وأن يكون طاردا لهم لكن لا بالكلية وان يكون طاردا لهم بالكلية، وعلى
~~هذا لا يتأتى الاحتمال السابق، وعلى الاحتمال الأول من هذه الاحتمالات
~~يكون الحادث يوم الميلاد طردهم بذلك، وعلى الثاني طردهم بالكلية وتشديد
~~الأمر عليهم لينحسم أمرهم وتخليطهم ويصح الوحي فتكون الحجة أقطع، والذي
~~يترجح أنه كان قبل الميلاد طاردا لكن لا بالكلية فكان يوجد استراق على
~~الندرة وشدد في بدء البعثة، وعليه يراد بخبر لم يقذف بالنجوم حتى ولد
~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكثر القذف بها، وعلى هذا يخرج غيره
~~إذا صح كالخبر المنقول في السير أن إبليس كان يخترق السموات قبل عيسى
~~عليه السلام فلما بعث أو ولد حجب عن ثلاث سموات ولما ولد النبي صلى
~~الله عليه وسلم حجب عنها كلها وقذفت الشياطين بالنجوم فقالت قريش: قامت
~~الساعة فقال عتبة بن ربيعة: انظروا إلى العيوق فإن كان رمي به فقد آن
~~قيام الساعة وإلا فلا، وقال بعضهم: اتفق المحدثون على أنه كان قبل لكن
~~كثر وشدد لما جاء الإسلام ولذا قال تعالى:

# ملئت حرسا شديدا وشهبا

# [الجن: 8] ولم يقل حرست، وبالجملة لا جزم عندنا بأن ما يقع من الشهب في
~~هذه الأعصار ونحوها رجوم للشياطين والجزم ms08958 بذلك رجم بالغيب.

# هذا وقد استشكل أمر الاستراق بأمور، منها أن الملائكة في السماء مشغولون
~~بأنواع العبادة " أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه
~~ملك قائم أو راكع أو ساجد " فماذا تسترق الشياطين منهم؟ وإذا قيل: إن
~~منهم من يتكلم بالحوادث الكونية فهم على محدبها والشياطين تسترق تحت
~~مقعرها وبينهما كما صح في الأخبار خمسمائة عام فكيف يتأتى السماع لا سيما
~~والظاهر أنهم لا يرفعون أصواتهم إذا تكلموا بالحوادث إذ لا يظهر غرض
~~برفعها، وعلى تقدير أن يكون هناك رفع صوت فالظاهر أنه ليس بحيث يسمع من
~~مسيرة خمسمائة عام. وعلى تقدير أن يكون بهذه الحيثية فكرة الهواء تنقطع
~~عند كرة النار ولا يسمع صوت بدون هواء.

# وأجيب بأن الاستراق من ملائكة العنان وهم يتحدثون فيما بينهم بما أمروا
~~به من السماء من الحوادث الكونية، و

# لمسنا السماء

# [الجن: 8] طلبنا خبرها أو من الملائكة النازلين من السماء بالأمر فإن
~~ملائكة على أبواب السماء ومن حيث ينزلون يسألونهم بماذا تذهبون؟
~~فيخبرونهم، وليس الاستراق من الملائكة الذين على محدب السماء، وأمر كرة
~~النار لا يصح، والهواء غير منقطع وهو كلما رق ولطف كان أعون على السماع،
~~على أن وجود الهواء مما لا يتوقف عليه السماع على أصول الأشاعرة ومثله
~~عدم البعد المفرط، وظاهر خبر أخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة أن الاستراق
~~من الملائكة في السماء قال: " إذا قضي الله تعالى أمرا تكلم تبارك
~~وتعالى فتخر/ الملائكة كلهم سجدا فتحسب الجن أن أمرا يقضي فتسترق فإذا
~~فزع عن قلوب الملائكة عليهم السلام ورفعوا رؤوسهم قالوا: ماذا قال
~~ربكم؟ قالوا جميعا:

# الحق وهو العلي الكبير

# [سبأ: 23] " وجاء في خبر أخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر
~~عن إبراهيم التيمي: " إذا أراد ذو العرش أمرا سمعت الملائكة كجر السلسلة
~~على الصفا فيغشى عليهم فإذا قاموا قالوا: ماذا قال ربكم؟ قال من شاء
~~الله: الحق وهو العلي الكبير " ولعله بعد هذا الجواب يذكر الأمر بخصوصه
~~فيما بين الملائكة ms08959 عليهم السلام.

# وظاهر ما جاء في بعض الروايات عن ابن عباس من تفسير الملأ الأعلى بكتبة
~~الملائكة عليهم السلام أيضا أن الاستراق من ملائكة في السماء إذ الظاهر
~~أن الكتبة في السماء، ولعله يتلى عليهم من اللوح ما يتلى فيكتبونه لأمر
~~ما فتطمع الشياطين باستراق شيء منه، وأمر البعد كأمر الهواء لا يضر في
~~ذلك على الأصول الأشعرية، ويمكن أن يدعى أن جرم السماء لا يحجب الصوت وإن
~~كثف، وكم خاصية أثبتها الفلاسفة للأفلاك ليس عدم الحجب أغرب منها.

# ومنها أنه يغني عن الحفظ من استراق الشياطين عدم تمكينهم من الصعود إلى
~~حيث يسترق السمع، أو أمر الملائكة عليهم السلام بإخفاء كلامهم بحيث لا
~~يسمعونه، أو جعل لغتهم مخالفة للغتهم بحيث لا يفهمون كلامهم.

# وأجيب بأن وقوع الأمر على ما وقع من باب الابتلاء، وفيه أيضا من الحكم
~~ما فيه، ولا يخفى أن مثل هذا الإشكال يجري في أشياء كثيرة إلا أن كون
~~الصانع حكيما وأنه جل شأنه قد راعى الحكمة فيما خلق وأمر على أتم وجه
~~حتى قيل: ليس في الإمكان أبدع مما كان يحل ذلك ولا يبقى معه سوى تطلب وجه
~~الحكمة وهو مما يتفضل الله تعالى به على من يشاء من عباده، والكلام في
~~هذا المقام قد مر شيء منه فارجع إليه، ومما هنا وما هناك يحصل ما يسر
~~الناظرين ويرضي العلماء المحققين.

### || [37.11]

# { فاستفتهم } أي فاستخبرهم، وأصل الاستفتاء الاستخبار عن أمر
~~حدث، ومنه الفتى لحداثة سنه، والضمير لمشركي مكة، قيل: والآية نزلت في
~~أبي الأشد بن كلدة الجمحي وكني بذلك لشدة بطشه وقوته واسمه أسيد، والفاء
~~فصيحة أي إذا كان لنا من المخلوقات ما سمعت أو إذا عرفت ما مر فاستخبر
~~مشركي مكة واسألهم على سبيل التبكيت { أهم أشد خلقا } أي أقوى
~~خلقة وأمتن بنية أو أصعب خلقا وأشق إيجادا { أم من خلقنا } من
~~الملائكة والسموات والأرض وما بينهما والمشارق والكواكب والشياطين
~~والشهب الثواقب. وتعريف الموصول عهدي أشير به إلى ما تقدم صراحة ودلالة
~~وغلب العقلاء ms08960 على غيرهم والاستفهام تقريري، وجوز أن يكون انكاريا، وفي
~~مصحف عبد الله { أم من عددنا } وهو مؤيد لدعوى العهد بل قاطع بها.
~~وقرأ الأعمش { أمن } بتخفيف الميم دون أم جعله استفهاما ثانيا تقريريا
~~فمن مبتدأ خبره محذوف أي أمن خلقنا أشد.

# { إنا خلقنهم من طين لازب } أي ملتصق كما أخرج ذلك ابن
~~جرير وجماعة عن ابن عباس، وفي رواية أخرى بلفظ ملتزق وبه أجاب ابن الأزرق
~~وأنشد له قول النابغة:

# فلا تحسبون الخير لا شر بعده

# ولا تحسبون الشر ضربة لازب

# قيل: والمراد ملتزق بعضه ببعض، وبذلك فسره ابن مسعود كما أخرجه ابن أبي
~~حاتم ويرجع إلى حسن العجن جيد التخمير، وأخرج ابن المنذر وغيره عن
~~قتادة أنه يلزق باليد إذا مس بها وقال الطبري: خلق آدم من تراب وماء
~~وهواء ونار وهذا كله إذا خلط صار طينا لازبا يلزم ما جاوره، واللازب
~~عليه بمعنى اللازم وهو قريب مما تقدم، وقد قرىء { لازم } بالميم بدل
~~الباء و { لاتب } بالتاء بدل الزاي والمعنى واحد.

# وحكي في/ " البحر " عن ابن عباس أنه عبر عن اللازب بالجر أي الكريم
~~الجيد، وفي رواية أنه قال: اللازب الجيد. وأخرج عبد بن حيمد وابن المنذر
~~عن مجاهد أنه قال: لازب أي لازم منتن، ولعل وصفه بمنتن، مأخوذ من قوله
~~تعالى:

# من حمإ مسنون

# [الحجر: 26] لكن أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: اللازب والحمأ
~~والطين واحد كان أوله ترابا ثم صار حمأ منتنا ثم صار طينا لازبا فخلق
~~الله تعالى منه آدم عليه السلام.

# وأيا ما كان فخلقهم من طين لازب إما شهادة عليهم بالضعف والرخاوة لأن
~~ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة أو احتجاج عليهم في أمر
~~البعث بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه في ضمن خلق أبيهم آدم عليه السلام
~~تراب فمن أين استنكروا أن يخلقوا منه مرة ثانية حيث قالوا:

# أءذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا لمبعوثون

# [الصافات: 16] ويعضد هذا على ما في " الكشاف " ما يتلوه من ذكر إنكارهم ms08961
~~البعث.

### || [37.12]

# وقوله تعالى: { بل عجبت } خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وجوز أن
~~يكون لكل من يقبله. و { بل } للإضراب إما عن مقدر يشعر به

# فاستفتهم

# [الصافات: 11] الخ أي هم لا يقرون ولا يجيبون بما هو الحق بل مثلك ممن
~~يذعن ويتعجب من تلك الدلائل أو عن الأمر بالاستفتاء أي لا تستفتهم فإنهم
~~معاندون لا ينفع فيهم الاستفتاء ولا يتعجبون من تلك الدلائل بل مثلك ممن
~~يتعجب منها { ويسخرون } أي وهم يسخرون منك ومن تعجبك ومما تريهم من
~~الآيات، وجوز أن يكون المعنى بل عجبت من إنكارهم البعث مع هذه الآيات وهم
~~يسخرون من أمر البعث، واختير أن يكون المعنى بل عجبت من قدرة الله تعالى
~~على هذه الخلائق العظيمة وإنكارهم البعث وهم يسخرون من تعجبك وتقريرك
~~للبعث، وزعم بعضهم أن المراد بمن خلقنا الأمم الماضية وليس بشيء إذ لم
~~يسبق لهذه الأمم ذكر وإنما سبق الذكر للملائكة عليهم السلام وللسموات
~~والأرض وما سمعت مع أن حرف التعقيب مما يدل على خلافه، ومن قال كصاحب "
~~الفرائد " عليه جمهور المفسرين سوى الإمام ووجهه بأنه لما احتج عليهم بما
~~هم مقرون به من كونه رب السموات والأرض ورب المشارق وألزمهم بذلك
~~وقابلوه بالعناد قيل لهم: فانتظروا الإهلاك كمن قبلكم لأنكم لستم أشد
~~خلقا منهم فوضع موضعه

# فاستفتهم أهم أشد خلقا

# [الصافات: 11] وقوله تعالى:

# إنا خلقنهم

# [الصافات: 11] تعليل لأنهم ليسوا أشد خلقا أو دليل لاستكبارهم المنتج
~~للعناد. وأيده بدلالة الإضراب واستبعاد البعث بعده لدلالته على أنه غير
~~متعلق بما قبل الإضراب فقد ذهب عليه أن اللفظ خفي الدلالة على ما ذكر من
~~العناد واستحقاق الإهلاك كسالف الأمم؛ وتعليل نفي الأشدية بما علل ليس
~~بشيء لوضوح أن السابقين أشد في ذلك، وكم من ذلك في الكتاب العزيز، وأما
~~الإضراب فعن الاستفتاء إلى أن مثلك ممن يذعن ويتعجب من تلك الدلائل ولذا
~~عطف عليه { ويسخرون } وجعل ما أنكروه من البعث من بعض مساخرهم قاله
~~صاحب " الكشف " فلا تغفل.

# وقرأ حمزة والكسائي وابن سعدان وابن ms08962 مقسم { عجبت } بتاء المتكلم ورويت
~~عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وابن مسعود والنخعي وابن وثاب
~~وطلحة وشقيق والأعمش. وأنكر شريح القاضي هذه القراءة وقال: إن الله تعالى
~~لا يعجب من شيء وإنما يعجب من لا يعلم، وإنكار هذا القاضي مما أفتى بعدم
~~قبوله لأنه في مقابل بينة متواترة، وقد جاء أيضا في الخبر " عجب ربكم من
~~الكم وقنوطكم ".

# وأولت القراءة بأن ذلك من باب الفرض أي لو كان العجب مما يجوز علي
~~لعجبت من هذه الحال أو التخييل فيجعل تعالى كأنه لإنكاره لحالهم يعدها
~~أمرا غريبا ثم يثبت له سبحانه العجب منها، فعلى الأول تكون الاستعارة/
~~تخييلية تمثيلية كما في قولهم: قال الحائط للوتد لم تشقني فقال سل من
~~يدقني، وعلى الثاني تكون مكنية وتخييلية كما في نحن لسان الحال ناطق بكذا
~~والمشهور في أمثاله الحمل على اللازم فيكون مجازا مرسلا فيحمل العجب
~~على الاستعظام وهو رؤية الشيء عظيما أي بالغا الغاية في الحسن أو
~~القبح، والمراد هنا رؤية ما هم عليه بالغا الغاية في القبح، وليس
~~استعظام الشيء مسبوقا بانفعال يحصل في الروع عن مشاهدة أمر غريب كما
~~توهم ليقال: إن التأويل المذكور لا يحسم مادة الإشكال.

# وقال أبو حيان: يؤول على أنه صفة فعل يظهرها الله تعالى في صفة المتعجب
~~منه من تعظيم أو تحقير حتى يصير الناس متعجبين منه فالمعنى بل عجبت من
~~ضلالتهم وسوء نحلتهم وجعلتها للناظرين فيها وفيما اقترن بها من شرعي
~~وهداي متعجبا.

# وقال مكي وعلي بن سليمان: ضمير { عجبت } للنبي عليه الصلاة والسلام
~~والكلام بتقدير القول أي قل بل عجبت، وعندي لو قدر القول بعد بل كان أحسن
~~أي بل قل عجبت، والذي يقتضيه كلام السلف أن العجب فينا انفعال يحصل للنفس
~~عند الجهل بالسبب ولذا قيل: إذ ظهر السبب بطل العجب وهو في الله تعالى
~~بمعنى يليق لذاته عز وجل هو سبحانه أعلم به فلا يعينون المراد والخلف
~~يعينون.

### || [37.13]

# أي ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به ms08963 أو أنهم إذا ذكر لهم ما يدل
~~على صحة الحشر لا ينتفعون به لبلادتهم وقلة فكرهم، واستفادة الاستمرار من
~~مقام الذم، ولعل في (إذا) والعطف على الماضي ما يؤيده. وقرأ ابن حبيش {
~~ذكروا } بتخفيف الكاف.

### || [37.14]

# { وإذا رأوا ءاية } أي معجزة تدل على صدق من يعظهم ويدعوهم إلى
~~ترك ما هم فيه إلى ما هو خير أو معجزة تدل على صدق القائل بالحشر {
~~يستسخرون } أي يبالغون في السخرية ويقولون إنه سحر أو يطلب بعضهم
~~من بعض أن يسخر منها. روي أن ركانة رجلا من المشركين من أهل مكة لقيه
~~الرسول صلى الله عليه وسلم في جبل خال يرعى غنما له وكان من أقوى الناس
~~فقال له: يا ركانة أرأيت أن صرعتك أتؤمن بي؟ قال: نعم فصرعه ثلاثا ثم
~~عرض له بعض الآيات دعا عليه الصلاة والسلام شجرة فاقبلت فلم يؤمن وجاء
~~إلى مكة فقال: يا بني هاشم ساحروا بصاحبكم أهل الأرض فنزلت فيه وفي
~~اضرابه. وقرىء { يستسحرون } بالحاء المهملة أي يعدونها سحرا.

### || [37.15]

# ما يرونه من الآيات الباهرة { إلا سحر مبين } ظاهر سحريته في
~~نفسه.

### || [37.16]

# { أءذا متنا وكنا ترابا وعظما } أي كان بعض أجزائنا
~~ترابا وبعضها عظاما وتقديم التراب لأنه منقلب عن الأجزاء البادية، و
~~(إذا) إما شرطية وجوابها محذوف دل عليه قوله تعالى: { أءنا
~~لمبعوثون } أي نبعث وفي عاملها الكلام المشهور، وإما متمحضة
~~للظرفية فلا جواب لها ومتعلقها محذوف يدل عليه ذلك أيضا لا هو لأن ما
~~بعد إن واللام لا يعمل فيما قبله أي أنبعث إذا متنا، وإن شئت فقدره
~~مؤخرا فتقديم الظرف لتقوية الإنكار للبعث بتوجيهه إلى حالة منافية له
~~غاية المنافاة، وكذا تكرير الهمزة للمبالغة والتشديد في ذلك وكذا تحلية
~~الجملة بأن، واللام لتأكيد الإنكار لا لإنكار التأكيد كما يوهمه ظاهر
~~النظم الكريم فإن تقديم الهمزة لاقتضائها الصدارة.

# وقرأ ابن عامر بطرح الهمزة الأولى. وقرأ نافع والكسائي ويعقوب بطرح
~~الثانية.

### || [37.17]

# مبتدأ حذف خبره لدلالة خبر (إن) عليه أي أو آباؤنا الأولون مبعوثون/
~~أيضا والجملة ms08964 معطوفة على الجملة قبلها. وهذا أحد مذاهب في نحو هذا
~~التركيب. وظاهر كلام أبي حيان في " شرح التسهيل " أن حذف الخبر واجب فقد
~~قال: قال من نحا إلى هذا المذهب الأصل في هذه المسألة عطف الجمل إلا أنهم
~~لما حذفوا الخبر لدلالة ما قبل عليه أنابوا حرف العطف مكانه ولم يقدروا
~~إذ ذاك الخبر المحذوف في اللفظ لئلا يكون جمعا بين العوض والمعوض عنه
~~فأشبه عطف المفردات من جهة أن حرف العطف ليس بعده في اللفظ إلا مفرد.

# وثاني المذاهب أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في خبر (إن) إن كان
~~مما يتحمل الضمير وكان الضمير مؤكدا أو كان بينه وبين المعطوف فاصل ما
~~وإلا ضعف العطف. ونسب ابن هشام هذا المذهب والذي قبله إلى المحققين من
~~البصريين. وفي تأتيه هنا من غير ضعف للفصل بالهمزة بحث فقد قال أبو حيان:
~~إن همزة الاستفهام لا تدخل على المعطوف إلا إذا كان جملة لئلا يلزم عمل
~~ما قبل الهمزة فيما بعدها وهو غير جائز لصدارتها. والجواب بأن الهمزة هنا
~~مؤكدة للاستبعاد فهي في النية مقدمة داخلة على الجملة في الحقيقة لكن فصل
~~بينهما بما فصل قد بحث فيه بأن الحرف لا يكرر للتوكيد بدون مدخوله
~~والمذكور في النحو أن الاستفهام له الصدر من غير فرق بين مؤكد ومؤسس مع
~~أن كون الهمزة في نية التقديم يضعف أمر الاعتداد بالفصل بها لا سيما وهي
~~حرف واحد فلا يقاس الفصل بها على الفصل بلا في قوله تعالى:

# ما أشركنا ولا ءاباؤنا

# [الأنعام: 148].

# وثالثها أن يكون عطفا على محل (إن) مع ما عملت فيه، والظاهر أنه حينئذ
~~من عطف الجمل في الحقيقة، ورابعها أن يكون عطفا على محل اسم (إن) لأنه
~~كان قبل دخولها في موضع رفع، والظاهر أنه حينئذ من عطف المفردات.

# واعترض بأن الرفع كان بالابتداء وهو عامل معنوي، وقد بطل بالعامل
~~اللفظي. وأجيب بأن وجوده كلا وجود لشبهة بالزائد من حيث أنه لا يغير معنى
~~الجملة وإنما يفيد التأكيد فقط. واعترض ms08965 أيضا بأن الخبر المذكور كمبعوثون
~~في الآية يكون حينئذ خبرا عنهما وخبر المبتدأ رافعه الابتداء أو المبتدأ
~~أو هما وخبر (إن) رافعه إن فيتوارد عاملان على معمول واحد. وأجيب بأن
~~العوامل النحوية ليست مؤثرات حقيقية بل هي بمنزلة العلامات فلا يضر
~~تواردها على معمول واحد وهو كما ترى، وتمام الكلام في محله، وعلى كل حال
~~الأولى ما تقدم من كونه مبتدأ حذف خبره؛ وقد قال أبو حيان: إن أرباب
~~الأقوال الثلاثة الأخيرة متفقون على جواز القول الأول وهو يؤيد القول
~~بأولويته، وأيا ما كان فمراد الكفرة زيادة استبعاد بعث آبائهم بناء على
~~أنهم أقدم فبعثهم أبعد على عقولهم القاصرة.

# وقرأ أبو جعفر وشيبة وابن عامر ونافع في رواية وقالوا: { أو } بالسكون
~~على أنها حرف عطف وفيه الاحتمالات الأربعة إلا أن العطف على الضمير على
~~هذه القراءة ضعيف لعدم الفصل بشيء أصلا.

### || [37.18]

# { قل نعم } أي تبعثون أنتم وآباؤكم الأولون والخطاب في قوله
~~سبحانه: { وأنتم دخرون } لهم ولآبائهم بطريق التغليب، والجملة في
~~موضع الحال من فاعل ما دل عليه { نعم } أي تبعثون كلكم والحال أنكم
~~صاغرون أذلاء، وهذه الحال زيادة في الجواب نظير ما وقع في جوابه عليه
~~الصلاة والسلام لأبي بن خلف حين جاء بعظم قد رم وجعل يفته بيده ويقول:
~~يا محمد أترى الله يحي هذا بعد ما رم فقال صلى الله عليه وسلم له على ما
~~في بعض الروايات

# " نعم ويبعثك ويدخلك جهنم "

# وقال غير واحد: إن ذلك من الأسلوب الحكيم. وتعقب بأن عد الزيادة منه لا
~~توافق ما قرر في المعاني وإن كان ذلك اصطلاحا جديدا فلا مشاحة في
~~الاصطلاح واكتفى في الجواب عن إنكارهم البعث على هذا المقدار ولم يقم
~~دليل عليه اكتفاء بسبق ما يدل على جواز في قوله سبحانه/

# فاستفتهم

# [الصافات: 11] الخ مع أن المخبر قد علم صدقه بمعجزاته الواقعة في الخارج
~~التي دل عليها قوله سبحانه:

# وإذا رأوا ءاية

# [الصافات: 14] الآية. وهزؤهم وتسميتهم لها سحرا لا يضر طالب الحق،
~~والقول بأن ذلك للاكتفاء ms08966 بقيام الحجة عليهم في القيامة ليس بشيء.

# وقرأ ابن وثاب والكسائي { نعم } بكسر العين وهي لغة فيه. وقرىء { قال }
~~أي الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم.

### || [37.19]

# { فإنما هى زجرة وحدة } الضمير راجع إلى البعثة المفهومة
~~مما قبل، وقيل للبعث والتأنيث باعتبار الخبر. والزجرة الصيحة من زجر
~~الراعي غنمه صاح عليها. والمراد بها النفخة الثانية في الصور ولما كانت
~~بعثتهم ناشئة عن الزجرة جعلت إياها مجازا. والفاء واقعة في جواب شرط
~~مقدر أو تعليلية لنهي مقدر أي إذا كان كذلك فإنما البعثة زجرة واحدة أو
~~لا تستصعبوها فإنما هي زجرة. وجوز الزجاج أن تكون للتفسير والتفصيل وما
~~بعدها مفسر للبعث. وتعقب بأن تفسير البعث الذي في كلامهم لا وجه له والذي
~~في الجواب غير مصرح به. وتفسير ما كني عنه بنعم مما لم يعهد. والظاهر أنه
~~تفسير لما كني عنه بنعم وهو بمنزلة المذكور لا سيما وقد ذكر ما يقوي
~~إحضاره من الجملة الحالية. وعدم عهد التفسير في مثل ذلك مما لا جزم لي
~~به. وأبو حيان نازع في تقدير الشرط فقال: ((لا ضرورة تدعو إليه ولا يحذف
~~الشرط ويبقى جوابه إلا إذا انجزم الفعل في الذي يطلق عليه أنه جواب الأمر
~~والنهي وما ذكر معهما على قول بعضهم أما ابتداء فلا يجوز حذفه)) والجمهور
~~على خلافه والحق معهم، وهذه الجملة إما من تتمة المقول وإما ابتداء كلام
~~من قبله عز وجل.

# { فإذا هم ينظرون } أي فإذا هم قيام من مراقدهم أحياء يبصرون
~~كما كانوا في الدنيا أو ينتظرون ما يفعل بهم وما يؤمرون به.

### || [37.20]

# { وقالوا } أي المبعوثون، وصيغة الماضي لتحقق الوقوع { يا
~~ويلنا } أي يا هلاكنا احضر فهذا أوان حضورك { هذا يوم الدين
~~} استئناف منهم لتعليل دعائهم الويل. والدين بمعنى الجزاء كما في كما
~~تدين تدان أي هذا اليوم الذي نجازى فيه بأعمالنا، وإنما علموا ذلك لأنهم
~~كانوا يسمعون في الدنيا أنهم يبعثون ويحاسبون ويجزون بأعمالهم فلما
~~شاهدوا البعث أيقنوا بما بعده أيضا. وقوله تعالى: { هذا ms08967 يوم
~~الفصل... }.

### || [37.21]

# كلام الملائكة جوابا لهم بطريق التوبيخ والتقريع، وقيل: هو من كلام
~~بعضهم لبعض أيضا. ووقف أبو حاتم على { يويلنا } وجعل ما بعده كلام
~~الله تعالى أو كلام الملائكة عليهم السلام لهم كأنهم أجابوهم بأنه لا
~~تنفع الولولة والتلهف. والفصل القضاء أو الفرق بين المحسن والمسيء وتمييز
~~كل عن الآخر بدون قضاء.

### || [37.22]

# { احشروا الذين ظلموا } خطاب من الله تعالى للملائكة أو من
~~الملائكة بعضهم لبعض. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما تقول الملائكة للزبانية: احشروا الخ، وهو أمر بحشر الظالمين من
~~أماكنهم المختلفة إلى موقف الحساب؛ وقيل من الموقف إلى الجحيم، والسباق
~~والسياق يؤيدان الأول { وأزوجهم } أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة
~~وابن منيع في " مسنده " والحاكم وصححه وجماعة من طريق النعمان بن بشير عن
~~عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: أزواجهم أمثالهم الذين هم
~~مثلهم يحشر أصحاب الربا مع أصحاب الربا وأصحاب الزنا مع أصحاب الزنا
~~وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر. وأخرج جماعة عن ابن عباس في لفظ أشباههم
~~وفي آخر نظراءهم. وروي تفسير/ الأزواج بذلك أيضا عن ابن جبير ومجاهد
~~وعكرمة، وأصل الزوج المقارن كزوجي النعل فأطلق على لازمه وهو المماثل.
~~وجاء في رواية عن ابن عباس أنه قال: أي نساءهم الكافرات ورجحه الرماني.
~~وقيل قرناءهم من الشياطين وروي هذا عن الضحاك. والواو للعطف وجوز أن تكون
~~للمعية. وقرأ عيسى بن سليمان الحجازي { وأزواجهم } بالرفع عطفا على ضمير
~~{ ظلموا } عل ما في " البحر " أي وظلم أزواجهم. وأنت تعلم ضعف العطف على
~~الضمير المرفوع في مثله، والقراءة شاذة { وما كانوا يعبدون }.

### || [37.23]

# { من دون الله } من الأصنام ونحوها، وحشرهم معهم لزيادة التحسير
~~والتخجيل، و { ما } قيل عام في كل معبود حتى الملائكة والمسيح وعزير
~~عليهم السلام لكن خص منه البعض بقوله تعالى:

# إن الذين سبقت لهم منا الحسنى

# [الأنبياء: 101] الآية.

# وقيل { ما } كناية عن الأصنام والأوثان فهي لما لا يعقل فقط لأن الكلام
~~في المشركين عبدة ذلك، وقيل ms08968 { ما } على عمومها والأصنام ونحوها غير
~~داخلة لأن جميع المشركين إنما عبدوا الشياطين التي حملتهم على عبادتها،
~~ولا يناسب هذا تفسير

# أزوجهم

# [الصافات: 22] بقرنائهم من الشياطين، ومع هذا التخصيص أقرب، وفي هذا
~~العطف دلالة على أن { الذين ظلموا } المشركون وهم الأحقاء بهذا
~~الوصف فإن الشرك لظلم عظيم.

# { فاهدوهم إلى صرط الجحيم } فعرفوهم طريقها وأروهم إياه،
~~والمراد بالجحيم النار ويطلق على طبقة من طبقاتها وهو من الجحمة شدة تأجج
~~النار، والتعبير بالصراط والهداية للتهكم بهم.

### || [37.24]

# { وقفوهم } أي احبسوهم في الموقف { أنهم مسئولون } عن
~~عقائدهم وأعمالهم، وفي الحديث

# " لا تزول قدما عبد حتى يسئل عن خمس عن شبابه فيما أبلاه وعن عمره فيما
~~أفناه وعن ماله مما كسبه وفيما أنفقه وعن علمه ماذا عمل به "

# وعن ابن مسعود يسألون عن لا إله إلا الله، وعنه أيضا يسألون عن شرب
~~الماء البارد على طريق الهزء بهم. وروى بعض الإمامية عن ابن جبير عن ابن
~~عباس يسألون عن ولاية علي كرم الله تعالى وجهه، ورووه أيضا عن أبي سعيد
~~الخدري وأولى هذه الأقوال أن السؤال عن العقائد والأعمال، ورأس ذلك لا
~~إله إلا الله، ومن أجله ولاية علي كرم الله تعالى وجهه وكذا ولاية إخوانه
~~الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

# وظاهر الآية أن الحبس للسؤال بعد هدايتهم إلى صراط الجحيم بمعنى تعريفهم
~~إياه ودلالتهم عليه لا بمعنى إدخالهم فيه وإيصالهم إليه، وجوز أن يكون
~~صراط الجحيم طريقهم له من قبورهم إلى مقرهم وهو ممتد فيجوز كون الوقف في
~~بعض منه مؤخرا عن بعض، وفيه من البعد ما فيه، وقيل: إن الوقف للسؤال قبل
~~الأمر المذكور والواو لا تقتضي الترتيب، وقيل الوقف بعد الأمر عند مجيئهم
~~النار والسؤال عما ينطق به قوله تعالى: { ما لكم لا تناصرون }.

### || [37.25]

# أي لا ينصر بعضكم بعضا، والخطاب لهم وآلهتهم أو لهم فقط أي ما لكم لا
~~ينصر بعضكم بعضا كما كنتم تزعمون في الدنيا، فقد روي أن أبا جهل قال يوم
~~بدر: نحن جميع منتصر. ms08969 وتأخير هذا السؤال إلى ذلك الوقت لأنه وقت تنجيز
~~العذاب وشدة الحاجة إلى النصرة وحالة انقطاع الرجال والتقريع والتوبيخ
~~حينئذ أشد وقعا وتأثيرا، وقيل: السؤال عن هذا في موقف المحاسبة بعد
~~استيفاء حسابهم والأمر بهدايتهم إلى الجحيم كأن الملائكة عليهم السلام
~~لما أمروا بهدايتهم إلى النار وتوجيههم إليها سارعوا إلى ما أمروا به
~~فقيل لهم قفوهم أنهم مسؤولون، والذي يترجح عندي أن الأمر بهدايتهم إلى
~~الجحيم إنما هو بعد إقامة الحجة عليهم وقطع أعذارهم وذلك بعد محاسبتهم،
~~وعطف

# اهدوهم

# [الصافات: 23] على

# احشروا

# [الصافات: 22] بالفاء/ إشارة إلى سرعة وقوع حسابهم، وسؤالهم { ما
~~لكم لا تنصرون } الأليق أن يكون بعد تحقق ما يقتضي التناصر
~~وليس ذلك إلا بعد الحساب والأمر بهم إلى النار فلعل الوقف لهذا السؤال في
~~ابتداء توجههم إلى النار والله تعالى أعلم.

# وقرأ عيسى { أنهم } بفتح الهمزة بتقدير لأنهم، وقرأ البزي عن ابن كثير {
~~لا تتناصرون } بتاءين بلا إدغام وقرئ بإدغام إحداهما في الأخرى.

### || [37.26]

# منقادون لعجزهم وانسداد الحيل عليهم، وأصل الاستسلام طلب السلامة
~~والانقياد لازم لذلك عرفا فلذا استعمل فيه أو متسالمون كأنه يسلم بعضهم
~~بعضا للهلاك ويخذله، وجوز في الإضراب أن يكون عن مضمون ما قبله أي لا
~~ينازعون في الوقوف وغيره بل ينقادون أو يخدلون أو عن قوله سبحانه:

# لا تنصرون

# [الصافات: 25] أي لا يقدر بعضهم على نصر بعض بل هم منقادون للعذاب أو
~~مخذولون.

### || [37.27]

# { وأقبل بعضهم على بعض } هم الأتباع والرؤساء المضلون
~~أو الكفرة من الإنس وقرناؤهم من الجن، وروي هذا عن مجاهد وقتادة وابن زيد
~~{ يتساءلون } يسأل بعضهم بعضا سؤال تقريع بطريق الخصومة والجدال.

### || [37.28]

# { قالوا } استئناف بياني كأنه قيل: كيف يتساءلون؟ فقيل: قالوا أي
~~الأتباع للرؤساء أو الكفرة مطلقا للقرناء { إنكم كنتم
~~تأتوننا } في الدنيا { عن اليمين } أي من جهة الخير وناحيته
~~فتنهونا عنه وتصدونا قاله قتادة، ولشرف اليمين جاهلية وإسلاما دنيا
~~وأخرى استعيرت لجهة الخير استعارة تصريحية تحقيقية، وجعلت اليمين مجازا
~~عن جهة الخير مع أنه مجاز في نفسه فيكون ذلك ms08970 مجازا على المجاز لأن جهة
~~الخير لشهرة استعماله التحق بالحقيقة فيجوز فيه المجاز على المجاز كما
~~قالوا في المسافة فإنها موضع الشم في الأصل لأنه من ساف التراب إذا شمه
~~فإن الدليل إذا اشتبه عليه الطريق أخذ ترابا فشمه ليعرف أنه مسلوك أو لا
~~ثم جعل عبارة عن البعد بين المكانين ثم استعير لفرق ما بين الكلامين ولا
~~بعد هناك.

# واستظهر بعضهم حمل الكلام على الاستعارة التمثيلية واعتبار التجوز في
~~مجموع { تأتوننا عن اليمين } لمعنى تمنعوننا وتصدوننا عن
~~الخير فيسلم الكلام من دعوى المجاز على المجاز؛ وكأن المراد بالخير
~~الإيمان بما يجب الايمان به، وجوز أن يكون المراد به الخير الذي يزعمه
~~المضلون خيرا وأن المعنى تأتوننا من جهة الخير وتزعمون ما أنتم عليه
~~خيرا ودين حق فتخدعوننا وتضلوننا وحكى هذا عن الزجاج. وقال الجبائي:
~~المعنى كنتم تأتوننا من جهة النصيحة واليمن والبركة فترغبوننا بما أنتم
~~عليه فتضلوننا وهو قريب مما قبله.

# وجوزوا أن تكون اليمين مجازا مرسلا عن القوة والقهر فإنها موصوفة
~~بالقوة وبها يقع البطش فكأنه أطلق المحل على الحال أو السبب على المسبب،
~~ويمكن أن يكون ذلك بطريق الاستعارة وتشبيه القوة بالجانب الأيمن في
~~التقدم ونحوه، والمعنى إنكم كنتم تأتوننا عن القوة والقهر وتقصدوننا عن
~~السلطان والغلبة حتى تحملونا على الضلال وتقسرونا عليه وإليه ذهب الفراء،
~~وأن يكون اليمين حقيقة بمعنى القسم ومعنى إتيانهم عنه أنهم يأتونهم
~~مقسمين لهم على حقية ما هم عليه من الباطل، والجار والمجرور في موضع
~~الحال، و (عن) بمعنى الباء كما في قوله تعالى:

# وما ينطق عن الهوى

# [النجم: 3] أو هو ظرف لغو، وفيه بعد، وأبعد منه أن يفسر اليمين بالشهوة
~~والهوى لأن جهة اليمين موضع الكبد، وهو مخالف لما حكى عن بعض من أن من
~~أتاه الشيطان من جهة/ اليمين أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق ومن أتاه
~~من جهة الشمال أتاه من قبل الشهوات ومن أتاه من بين يديه أتاه من قبل
~~التكذيب بالقيامة والثواب والعقاب ومن أتاه من ms08971 خلفه خوفه الفقر على نفسه
~~وعلى من يخلف بعده فلم يصل رحما ولم يؤد زكاة.

### || [37.29]

# { قالوا } استئناف على طرز السابق أي قال الرؤساء أو قال القرناء في
~~جوابهم بطريق الإضراب عما قالوه لهم { بل لم تكونوا مؤمنين
~~} وهو إنكار لإضلالهم إياهم أي أنتم أضللتم أنفسكم بالكفر ولم تكونوا
~~مؤمنين في حد ذاتكم لا أنا نحن أضللناكم.

### || [37.30]

# { وما كان لنا عليكم من سلطن } أي من قهر وتسلط
~~نسلبكم به اختياركم { بل كنتم قوما طغين } مجاوزين الحد في
~~العصيان مختارين له مصرين عليه جواب آخر تسليمي على فرض إضلالهم بأنهم لم
~~يجبروهم عليه وإنما دعوهم له فأجابوا باختيارهم لموافقة ما دعوا له
~~هواهم، وقيل: الكل جواب واحد محصله إنكم اتصفتم بالكفر من غير جبر عليه.
~~وقولهم: { فحق علينا قول ربنآ... }.

### || [37.31]

# { فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون } تفريع على
~~صريح ما تقدم من عدم إيمان أولئك المخاصمين لهم وكونهم قوما طاغين في حد
~~ذاتهم وعلى ما اقتضاه وأشعر به خصامهم من كفر هؤلاء المجيبين لأولئك
~~الطاغين وغوايتهم في أنفسهم، وضمائر الجمع للفريقين فكأنهم قالوا: ولأجل
~~أنا جميعا في حد ذاتنا لم نكن مؤمنين وكنا قوما طاغين لزمنا قول ربنا
~~وخالقنا العالم بما نحن عليه وبما يقتضيه استعدادنا وثبت علينا وعيده
~~سبحانه بأنا ذائقون لا محالة لعذابه عز وجل، ومرادهم أن منشأ الخصام في
~~الحقيقة الذي هو العذاب أمر مقضي لا محيص عنه وأنه قد ترتب على كل منا
~~بسبب أمر هو عليه في نفسه وقد اقتضاه استعداده وفعله باختياره فلا يلومن
~~بعضنا بعضا ولكن ليلم كل منا نفسه، ونظموا أنفسهم معهم في ذلك للمبالغة
~~في سد باب اللوم والخصام من أولئك القوم.

### || [37.32]

# والفاء في قولهم: { فأغوينكم } أي فدعوناكم إلى الغي لتفريع
~~الدعاء المذكور على حقية الوعيد عليهم لا لمجرد التعقيب كما قيل، وعلية
~~ذلك للدعاء باعتبار أن وجوده الخارجي متعلقا بهم كان متفرعا عن ذلك في
~~نفس الأمر لا باعتبار أن إصداره وإيقاعه منهم على المخاطبين كان بملاحظة
~~ذلك ms08972 كما تلاحظ العلل الغائية في الأفعال الاختيارية لأن الظاهر أن رؤساء
~~الكفر لم يكونوا عالمين في الدنيا حقية الوعيد عليهم، نعم لا يبعد أن
~~يكون القرناء من الشياطين عالمين بذلك من أبيهم، وكذا تسمية دعائهم إياهم
~~إلى ما دعوهم إليه إغواء أي دعاء إلى الغي بناء على أن الكلام المذكور من
~~الرؤساء باعتبار نفس الأمر التي ظهرت لهم يوم القيامة، ومثل هذا يقال في
~~قولهم: { إنا كنا غوين } بناء على أنهم إنما علموا ذلك يوم
~~التساؤل والخصام.

# والجملة مستأنفة لتعليل ما قبلها، وكأن ما أشعر به التفريع باعتبار تعلق
~~الإغواء بالمخاطبين وهذا باعتبار صدور الإغواء نفسه منهم، وهو تصريح بما
~~يستفاد من التفريع السابق. ويجوز أن يكون إشارة إلى وجه ترتب إغوائهم
~~إياهم على حقية الوعيد عليهم وهو حب أن يتصف أولئك المخاطبون بنحو ما
~~اتصفوا به من الغي ويكونوا مثلهم فيه. وملخص كلامهم أنه ليس منافي حقكم
~~على الحقيقة سوى حب أن تكونوا مثلنا وهو غير ضار لكم وإنما الضار سوء
~~اختياركم وقبح استعدادكم فذلك الذي ترتب عليه حقية الوعيد عليكم وثبوت
~~هذا العذاب لكم، وجوز أن يقال: إنهم نفوا عنهم الإيمان والاعتقاد الحق
~~وأثبتوا لهم الطغيان ومجاوزة الحد في العصيان حيث لم يلتفتوا إلى ما يوجب
~~الاعتقاد/ الصحيح مع كثرته وظهوره ورتبوا على ذلك مع ما يقتضيه البحث
~~حقية الوعيد وفرعوا على مجموع الأمرين أنهم دعوهم إلى الغير مرادا به
~~الكفر لاعتقاد أمر فاسد لا مجرد عدم الإيمان أي عدم التصديق بما يجب
~~التصديق به بدون اعتقاد أمر آخر يكفر باعتقاده، وأشاروا إلى وجه ترتب ذلك
~~على ما ذكر وهو محبة أن يكونوا مثلهم فكأنهم قالوا: كنتم تاركين الاعتقاد
~~الحق غير ملتفتين إليه مع ظهور أدلته وكثرتها وكنا جميعا قد حق علينا
~~الوعيد فدعوناكم إلى ما نحن عليه من الاعتقاد الفاسد حبا لأن تكونوا
~~أسوة أنفسنا وهذا كقولهم

# ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغوينهم كما
~~غوينا

# [القصص: 63] قال الراغب: هو إعلام منهم أنا قد فعلنا بهم غاية ما كان ms08973 في
~~وسع الإنسان أن يفعل بصديقه ما يريد بنفسه أي أفدناهم ما كان لنا
~~وجعلناهم أسوة أنفسنا وعلى هذا فأغويناكم إنا كنا غاوين انتهى، وجوز على
~~هذا التقدير أن يكون { فأغوينكم } مفرعا على شرح حال
~~المخاطبين من انتفاء كونهم مؤمنين وثبوت كونهم طاغين وعن الآيات معرضين،
~~وقولهم:

# فحق علينا

# [الصافات: 31] الخ اعتراض لتعجيل بيان أن ما الفريقان فيه أمر مقضي لا
~~ينفع فيه القيل والقال والخصام والجدال، ويجوز على هذا أن يراد بضمير
~~الجمع في { فحق علينا } الخ الرؤساء أو القرناء لا ما يعمهم
~~والمخاطبين وأشاروا بذلك إلى أن ما هم فيه يكفي عن اللوم ويومىء إلى
~~زيادة عذابهم، ولا يخفى أن تجويز الاعتراض لا يخلو عن اعتراض، وتجويز كون
~~الضمير في { علينا } الخ للرؤساء أو القرناء يجري على غير هذا
~~الاحتمال فتدبر. وأيا ما كان فقولهم

# إنا لذائقون

# [الصافات: 31] هو قول ربهم عز وجل ووعيده سبحانه إياهم، ولو حكى كما قيل
~~لقيل إنكم لذائقون ولكنه عدل إلى لفظ المتكلم لأنهم متكلمون بذلك من
~~أنفسهم. ونحوه قول القائل:

# لقد زعمت هوزان قل مالي

# وهل لي غير ما أنفقت مال

# ولو حكى قولها لقال قل مالك ومنه قول المحلف للحالف احلف لأخرجن ولتخرجن
~~الهمزة لحكاية لفظ الحالف والتاء لإقبال المحلف على المحلف. وقال بعض
~~الأجلة: قول الرب عز وجل هو قوله سبحانه وتعالى:

# لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين

# [ص: 85] والربط على ما تقدم أظهر.

### || [37.33]

# { فإنهم } أي الفريقين المتسائلين، والكلام تفريع على ما شرح من
~~حالهم { يومئذ } أي يوم إذ يتساءلون والمراد يوم القيامة { فى
~~العذاب مشتركون } كما كانوا مشتركين في الغواية. واستظهر أن
~~المغوين أشد عذابا وذلك في مقابلة أوزارهم وأوزار مثل أوزارهم فالشركة
~~لا تقتضي المساواة.

### || [37.34]

# { إنا كذلك } أي مثل ذلك الفعل البديع الذي تقتضيه الحكمة
~~التشريعية { نفعل بالمجرمين } أي بالمشركين لقوله سبحانه
~~وتعالى: { إنهم كانوا إذا قيل لهم... }.

### || [37.35]

# { إنهم كانوا إذا قيل لهم } بطريق الدعوة والتلقين { لا
~~إله إلا الله يستكبرون } عن القبول. وفي ms08974 إعراب هذه
~~الكلمة الطيبة أقوال. الأول: أن يكون الاسم الجليل مرفوعا على البدلية
~~من اسم (لا) باعتبار المحل الأصلي وهو الرفع على الابتداء بدل بعض من كل
~~و (إلا) مغنية عن الربط بالضمير. وإذا قلنا إن البدل في الاستثناء قسم
~~على حدة مغاير لغيره من الأبدال اندفع عن هذا الوجه كثير من القيل والقال
~~وهو الجاري على ألسنة المعربين والخبر عليه عند الأكثرين مقدر والمشهور
~~تقديره موجود، والكلمة الطيبة في مقابلة المشركين وهم إنما يزعمون وجود
~~آلهة متعددة ولا يقولون بمجرد الإمكان. على أن نفي الوجود في هذا/ المقام
~~يستلزم نفي الإمكان وكذا نفي الإمكان عمن عداه عز وجل يستلزم ثبوت الوجود
~~بالفعل له تعالى. وجوز تقديره مستحق للعبادة ونفي استحقاقها يستلزم نفي
~~التعدد لكن لا يتم هذا التقدير على تفسير الإله بالمستحق بالعبادة كما لا
~~يخفى.

# واختار البازلي تقدير الخبر مؤخرا عن { إلا الله } بناء على أن تقديره
~~مقدما يوهم كون الاسم مستثنى مفرغا من ضمير الخبر وهو لا يجوز عند
~~المحققين وأجازه بعض وهو القول الثاني، والثالث ونسب إلى الكوفيين أن {
~~إلا } عاطفة والاسم الجليل معطوف على الإله باعتبار المحل وهي عندهم
~~بمنزلة لا العاطفة في أن ما بعدها يخالف ما قبلها إلا أن لا لنفي الإيجاب
~~وإلا لإيجاب النفي، والرابع أن الاسم الكريم هو الخبر ولا عمل لها فيه
~~على رأي سيبويه من أن الخبر مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخولها فلا
~~يلزم عملها في المعارف على رأيه وهو لازم على رأي غيره، وضعف هذا القول
~~به وكذا بلزوم كون الخاص خبرا عن العام. وكون الكلام مسوقا لنفي العموم
~~والتخصيص بواحد من أفراد ما دل عليه العام لا يجدي نفعا ضرورة أن لا هذه
~~عند الجمهور من نواسخ المبتدأ والخبر، والخامس أن (إلا) بمعنى غير وهي مع
~~اسمه عز اسمه صفة لاسم لا باعتبار المحل أي لا إله غير الله تعالى في
~~الوجود، ولا خلل فيه صناعة وإنما الخلل فيه كما قيل معنى لأن المقصود نفي ms08975
~~الألوهية عن غيره تعالى وإثباتها له سبحانه وعلى الاستثناء يستفاد كل من
~~المنطوق وعلى هذا لا يفيد المنطوق إلا نفي الألوهية من غيره تعالى دون
~~إثباتها له عز وجل، واعتبار المفهوم غير مجمع عليه لا سيما مفهوم اللقب
~~فإنه لم يقل به إلا الدقاق وبعض الحنابلة.

# والسادس ونسب إلى الزمخشري أن { لا إله } في موضع الخبر و (إلا الله) في
~~موضع المبتدأ والأصل الله إله فلما أريد قصر الصفة على الموصوف قدم الخبر
~~وقرن المبتدأ بإلا إذ المقصور عليه هو الذي يلي إلا والمقصور هو الواقع
~~في سياق النفي والمبتدأ إذا قرن بإلا وجب تقديم الخبر عليه كما هو مقرر
~~في موضعه، وفيه تمحل مع أنه يلزم عليه أن يكون الخبر مبنيا مع لا وهي لا
~~يبنى معها إلا المبتدأ وأنه لو كان الأمر كما ذكر لم يكن لنصب الاسم
~~الواقع بعد الأوجه وقد جوزه جماعة في هذا الترتيب وترك كلامهم لواحد إن
~~التزمته لا تجد لك ثانيا فيه، والسابع أن الاسم المعظم مرفوع بإله كما
~~هو حال المبتدأ إذا كان وصفا فإن إلها بمعنى مألوه من أله إذا عبد
~~فيكون قائما مقام الفاعل وسادا مسد الخبر كما في مضروب العمران.

# وتعقب بمنع أن يكون إله وصفا وإلا لوجب إعرابه وتنوينه ولا قائل به.

# ثم إن هذه الكلمة الطيبة يندرج فيها معظم عقائد الإيمان لكن المقصود
~~الأهم منا التوحيد ولذا كان المشركون إذا لقنوها أولا يستكبرون وينفرون.

### || [37.36]

# { ويقولون أءنا لتاركو ءالهتنا لشاعر مجنون }
~~يعنون بذلك قاتلهم الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم. وقد جمعوا بين
~~إنكار الوحدانية وإنكار الرسالة. ووصفهم الشاعر بالمجنون قيل تخليط
~~وهذيان لأن الشعر يقتضي عقلا تاما به تنظم المعاني الغريبة وتصاغ في
~~قوالب الألفاظ البديعة. وفيه نظر وكم رأينا شعراء ناقصي العقول ومنهم من
~~يزعم أنه لا يحسن شعره حتى يشرب المسكر فيسكر ثم يقول، نعم كل من الوصفين
~~هذيان في حقه صلى الله عليه وسلم.

### || [37.37]

# { بل جاء بالحق وصدق المرسلين } رد عليهم ms08976 وتكذيب لهم
~~ببيان أن ما جاء به عليه الصلاة والسلام من التوحيد هو الحق الثابت الذي
~~قام عليه البرهان وأجمع عليه كافة المرسلين فأين الشعر والجنون من ساحته
~~صلى الله عليه وسلم الرفيعة الشأن.

# / وقرأ عبد الله { وصدق } بتخفيف الدال { المرسلون } بالواو
~~رفعا أي وصدق المرسلون في التبشير به وفي أنه يأتي آخرهم.

### || [37.38]

# { إنكم } بما فعلتم من الإشراك وتكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام
~~والاستكبار { لذآئقوا العذاب الأليم } والالتفات لإظهار كمال
~~الغضب عليهم بمشافهتهم بهذا الوعيد وعدم الاكتراث بهم وهو اللائق
~~بالمستكبرين.

# وقرأ أبو السمال وأبان رواية عن عاصم { لذائقوا العذاب } بالنصب على أن
~~حذف النون للتخفيف كما حذف التنوين لذلك في قول أبي الأسود:

# فألفيته غير مستعتب

# ولا ذاكر الله إلا قليلا

# بجر ذاكر بلا تنوين ونصب الاسم الجليل. وهذا الحذف قليل في غير ما كان
~~صلة لأل. أما فيما كان صلة لها فكثير الورود لاستطالة الصلة الداعية
~~للتخفيف نحو قوله:

# الحافظو عورة العشيرة لا

# يأتيهم من ورائهم نطف

# ونقل ابن عطية عن أبي السمال أنه قرأ { لذائق } بالإفراد والتنوين {
~~العذاب } بالنصب، وخرج الإفراد على أن التقدير لجمع ذائق، وقيل: على
~~تقدير إن جمعكم لذائق. وقرىء { لذائقون } بالنون { العذاب } بالنصب على
~~الأصل.

### || [37.39]

# أي الأجزاء ما كنتم تعملونه من السيآت أو إلا بما كنتم تعملونه منها.

### || [37.40]

# استثناء منقطع من ضمير

# ذائقو

# [الصافات: 38] وما بينهما اعتراض جيء به مسارعة إلى تحقيق الحق ببيان أن
~~ذوقهم العذاب ليس إلا من جهتهم لا من جهة غيرهم أصلا فإلا مؤولة بلكن
~~وما بعد كخبرها فيصير التقدير لكن عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق
~~وفواكه الخ. ويجوز إن يكون المعنى لكن عباد الله المخلصين ليسوا كذلك،
~~وقيل: استثناء منقطع من ضمير

# تجزون

# [الصافات: 39] على أن المعنى تجزون بمثل ما عملتم لكن عباد الله
~~المخلصين يجزون أضعافا مضاعفة بالنسبة إلى ما عملوا، ولا يخفى بعده،
~~وأبعد منه جعل الاستثناء من ذلك متصلا بتعميم الخطاب في { تجزون }
~~لجميع المكلفين لما فيه مع احتياجه إلى التكلف ms08977 الذي في سابقه من تفكيك
~~الضمائر. و { المخلصين } صفة مدح حيث كانت الإضافة للتشريف.

### || [37.41]

# { أولئك } أي العباد المذكورون، وفيه إشارة إلى أنهم ممتازون بما
~~اتصفوا به من الإخلاص في عبادته تعالى عمن عداهم امتيازا بالغا، وما
~~فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإشعار بعلو طبقتهم وبعد
~~منزلتهم في الفضل. وهو مبتدأ وقوله تعالى: { لهم } إما خبر له وقوله
~~سبحانه: { رزق } مرتفع على الفاعلية للظرف وإما خبر مقدم و { رزق }
~~مبتدأ مؤخر والجملة خبر المبتدأ والمجموع كالخبر للمستثنى المنقطع على ما
~~أشرنا إليه أو استئناف لما أفاده الاستثناء إجمالا بيانا تفصيليا.

# وقوله تعالى: { معلوم } أي معلوم الخصائص ككونه غير مقطوع ولا
~~ممنوع حسن المنظر لذيذ الطعم طيب الرائحة إلى غير ذلك من الصفات
~~المرغوبة، فلا يقال إن الرزق لا يكون معلوما إلا إذا كان مقدرا بمقدار
~~وقد جاء في آية أخرى

# يرزقون فيها بغير حساب

# [غافر: 40] وما لا يدخل تحت الحساب لا يحد ولا يقدر فلا يكون معلوما،
~~وقيل المراد معلوم الوقت لقوله تعالى:

# ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا

# [مريم: 62] وعن قتادة الرزق المعلوم الجنة، وتعقب بأن

# في جنت

# [الصافات: 43] بعد يأباه. واعترض بأنه إذا كان المعنى وهم مكرمون فيها
~~لم يكن به بأس. وأجيب بأن جعلها مقر المرزوقين لا يلائم جعلها رزقا/
~~وأما إذا كان قيدا للرزق فهو ظاهر الإباء، وكون المساكن رزقا للساكن
~~فإذا اختلف العنوان لم يكن به بأس لا يدفع ما قرر كما لا يخفى على المنصف

### || [37.42]

# وقوله تعالى: { فوكه } بدل من { رزق } بدل كل من كل، وفيه تنبيه
~~على أنه مع تميزه بخواصه كله فواكه أو خبر مبتدأ محذوف والجملة مستأنفة
~~أي ذلك الرزق فواكه والمراد بها ما يؤكل لمجرد التلذذ دون الاقتيات وجميع
~~ما يأكله أهل الجنة كذلك حتى اللحم لكونهم مستغنين عن القوت لإحكام
~~خلقتهم وعدم تحلل شيء من أبدانهم بالحرارة الغريزية ليحتاجوا إلى بدل
~~يحصل من القوت، فالمراد بالفاكهة هنا غير ما أريد بها في قوله تعالى:

# وفكهة ms08978 مما يتخيرون * ولحم طير مما
~~يشتهون

# [الواقعة: 2021] وهي هناك بالمعنى المعروف فلا منافاة. وجوز أن يكون
~~عطف بيان للرزق المعلوم فوجه الاختصاص ما علم به من بين الأرزاق أنه
~~فواكه، وقيل: هو بدل بعض من كل، وتخصيصها بالذكر لأنها من أتباع سائر
~~الأطعمة فتدل على تحقق غيرها.

# { وهم مكرمون } عند الله تعالى لا يلحقهم هوان وذلك أعظم
~~المثوبات وأليقها بأولي الهمم، ولعل هذا إشارة إلى النعيم الروحاني بعد
~~النعيم الجسماني الذي هو بواسطة الأكل. وقيل مكرمون في نيل الرزق حيث يصل
~~إليهم من غير كسب وكد وسؤال كما هو شأن أرزاق الدنيا.

# وقرىء { مكرمون } بالتشديد.

### || [37.43]

# أي في جنات ليس فيها إلا النعيم على أن الإضافة على معنى لام الاختصاص
~~المفيدة للحصر. والظرف متعلق بمكرمون أو بمعلوم أو بمحذوف حال من المستكن
~~في { مكرمون } [الصافات: 42] أو خبر ثان لألئك أو { لهم }.

### || [37.44]

# وقوله تعالى: { على سرر } يحتمل أن يكون حالا من المستكن في {
~~مكرمون } أو في الظرف قبله وأن يكون خبرا فيكون قوله سبحانه: {
~~متقبلين } حالا من المستكن فيه أو في { مكرمون } أو في
~~الظرف أعني { في جنت } وأن يتعلق بمتقابلين فيكون حالا من
~~المستكن في غيره. وأشير بتقابلهم إلى استئناس بعضهم ببعض فبعضهم يقابل
~~بعضا للاستئناس والمحادثة. وفي بعض الأحاديث أنه ترفع عنهم الستور
~~أحيانا فينظر بعضهم إلى بعض.

# وقرأ أبو السمال { سرر } بفتح الراء وهي لغة بعض تميم وكلب يفتحون ما
~~كان جمعا على فعل من المضعف إذا كان اسما، واختلف النحويون في الصفة
~~فمنهم من قاسها على الاسم ففتح فيقول ذلل بفتح اللام على تلك اللغة.
~~ومنهم من خص ذلك بالاسم وهو مورد السماع.

### || [37.45]

# وقوله تعالى: { يطاف عليهم } إما استئناف لبيان ما يكون فهم في
~~مجالس أنسهم أو حال من الضمير في

# متقبلين

# [الصافات: 44] أو في أحد الجارين: وجوز كونه صفة لمكرمون. وفاعل الطواف
~~على ما قيل من مات من أولاد المشركين قبل التكليف. ففي «الصحيح» أنهم خدم
~~أهل الجنة. وقد صرح به في موضع آخر ms08979 وهو قوله تعالى:

# يطوف عليهم ولدن مخلدون

# [الواقعة: 17] وقوله سبحانه: و

# يطوف عليهم غلمان لهم

# [الطور: 24].

# { بكأس } أي بخمر كما روي عن ابن عباس. وأخرج ابن أبي شيبة وابن
~~جرير وغيرهما عن الضحاك قال: كل كأس ذكره الله تعالى في القرآن إنما عني
~~به الخمر. ونقل ذلك أيضا عن الحبر والأخفش وهو مجاز مشهور بمنزلة
~~الحقيقة. وعليه قول الأعشى:

# وكأس شربت على لذة

# وأخرى تداويت منها بها

# ويدل على أنه أراد بها الخمر إطلاقا للمحل على الحال قوله شربت. وتقدير
~~شربت ما فيها تكلف. والقرينة ههنا/ ما يأتي بعد. وجوز تفسيره بمعناه
~~الحقيقي وهو إناء فيه خمر، وأكثر اللغويين على أن إناء الخمر لا يسمى
~~كأسا حقيقة إلا وفيه خمر فإن خلا منه فهو قدح، والخمر ليس بمتعين، قال
~~في «البحر» الكأس ما كان من الزجاج فيه خمر أو نحوه من الأنبذة ولا يسمى
~~كأسا إلا وفيه ذلك، وقال الراغب: الكأس الإناء بما فيه من الشراب ويسمى
~~كل واحد منهما بانفراده كأسا يقال كأس خال ويقال شربت كأسا وكأس طيبة،
~~ولعل كلامه أظهر في أن تسمية الخالي كأسا مجاز، وحكي عن بعضهم أنه قال:
~~الكأس من الأواني كل ما اتسع فمه ولم يكن مقبض ولا يراعى كونه لخمر أو
~~لغيره.

# { من معين } في موضع الصفة لكأس أي كائنة من شراب معين أو نهر معين
~~أي ظاهر للعيون جار على وجه الأرض كما تجري الأنهار أو خارج من العيون
~~والمنابع. وأصله معيون من عان الماء إذا ظهر أو نبع على أن ميمه زائدة أو
~~هو من معن فهو فعيل على أن الميم أصلية. ووصف به خمر الجنة تشبيها لها
~~بالماء لكثرتها حتى تكون أنهارا جارية في الجنان. ويؤذن ذلك برقتها
~~ولطافتها وأنها لم تدس بالأقدام كخمر الدنيا كما ينبىء عن دوسها بها
~~قوله:

# بنت كرم يتموها أمها

# ثم هانوها بدوس بالقدم

# ثم عادوا حكموها فيهم

# ويلهم من جور مظلوم حكم

# وقول الآخر:

# وشمولة من عهد عاد قد غدت

# صرعى تداس بأرجل ms08980 العصار

# لانت لهم حتى انتشوا فتمكنت

# منهم فصاحت فيهم بالثار

# وهذا مبني على أنها خمر في الحقيقة، وجوز أن تكون ماء فيه لذة الخمر
~~ونشأته فالوصف بذلك ظاهر، وتفيد الآية وصف مائهم باللذة والنشأة، وما ذكر
~~أولا هو الظاهر نعم قال غير واحد: لا اشتراك بين ما في الدنيا وما في
~~الجنة إلا بالأسماء فحقيقة خمر الجنة غير حقيقة خمر الدنيا وكذا سائر ما
~~فيهما.

### || [37.46]

# { بيضاء } وصف آخر للكأس يدل على أنها مؤنثة. وعن الحسن أن خمر
~~الجنة أشد بياضا من اللبن. وأخرج ابن جرير عن السدي أن عبد الله قرأ {
~~صفراء } وقد جاء وصف خمر الدنيا بذلك كما في قول أبي نواس:

# صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها

# لو مسها حجر مسته سراء

# والمشهور أن هذا بعد المزج وإلا فهي قبله حمراء كما قال الشاعر:

# وحمراء قبل المزج صفراء بعده

# أتت في ثيابي نرجس وشقائق

# حكت وجنة المحبوب صرفا فسلطوا

# عليها مزاجا فاكتست لون عاشق

# { لذة للشربين } وصفت بالمصدر للمبالغة بجعلها نفس اللذة،
~~وجوز أن تكون لذة تأنيث لذ بمعنى لذيذ كطب بمعنى طبيب حاذق، وأنشدوا
~~قوله:

# ولذ كطعم الصرخدي تركته

# بأرض العدا من خشية الحدثان

# يريد وعيش لذيذ كطعم الخمر المنسوب لصرخد بلد بالشام، وفسره الزمخشري
~~بالنوم وأراد أنه بمعنى لذيذ غلب على النوم لا أنه اسم جامد، وقوله:

# بحديثك اللذ الذي لو كلمت

# أسد الفلاة به أتين سراعا

# / وفي قوله تعالى: { للشاربين } دون لهم إشارة إلى أنها يلتذ بها
~~الشارب كائنا من كان.

### || [37.47]

# { لا فيها غول } أي غائلة كما في خمر الدنيا من غاله يغوله إذا
~~أفسده، وقال الراغب: الغول إهلاك الشيء من حيث لا يحس به يقال غاله يغوله
~~غولا واغتاله اغتيالا، ومنه سمي السعلاة غولا، والمراد هنا نفي أن
~~يكون فيها ضرر أصلا. وروى البيهقي وجماعة عن ابن عباس أنه قال في ذلك
~~ليس فيها صداع؛ وفي رواية ابن أبي حاتم عنه لا تغول عقولهم من السكر،
~~وأخرج الطستي عنه أن نافع بن الأزرق ms08981 قال: أخبرني عن قوله تعالى: { لا
~~فيها غول } فقال: ليس فيها نتن ولا كراهية كخمر الدنيا قال: وهل
~~تعرف العرب ذلك؟ فقال: نعم أما سمعت قول امرىء القيس:

# رب كأس شربت لا غول فيها

# وسقيت النديم منها مزاجا

# وفي رواية أخرى عنه أنه فسر ذلك بوجع البطن، وروي ذلك عن مجاهد وابن زيد
~~وابن جبير. واختير التعميم وأن التنصيص على مخصوص من باب التمثيل، وتقديم
~~الظرف على ما قيل للتخصيص، والمعنى ليس فيها ما في خمور الدنيا من الغول،
~~وفيه كلام في كتب المعاني.

# { ولا هم عنها ينزفون } أي لا يسكرون كما روي عن ابن عباس
~~وغيره، وهو بيان لحاصل المعنى. وأصل النزف نزع الشيء وإذهابه بالتدريج
~~يقال نزفت الماء من البئر إذا نزحته ونزعته كله منها شيئا بعد شيء، ونزف
~~الهم دمعه نزعه كله، ويقال شارب نزيف أي نزفت الخمر عقله بالسكر وأذهبته
~~كما ينزف الرجل البئر وينزع ماءها فكأن الشارب ظرف للعقل فنزع منه، فلا
~~ينزفون مبنيا للمفعول كما قرأ الحرميان والعربيان معناه لا تنزع عقولهم
~~أي لا تنزع الخمر عقولهم ولا تذهبها أو الفاعل هو الله تعالى وتعدية
~~الفعل بعن قيل لتضمينه معنى يصدرون، وقيل عن للتعليل والسببية. وأفرد هذا
~~الفساد بالنفي وعطف على ما يعمه لأنه من عظم فساده كأنه جنس برأسه، وله
~~سميت الخمر أم الخبائث، والمراد استمرار النفي لا نفي الاستمرار وقرأ
~~حمزة والكسائي { ينزفون } بضم الياء وكسر الزاي وتابعهما عاصم في الواقعة
~~على أنه من أنزف الشارب إذا صار ذا نزف أي عقل أو شراب نافد ذاهب فالهمزة
~~فيه للصيرورة، وقيل للدخول في الشيء ولذا صار لازما فهو مثل كبه فأكب،
~~وهو أيضا بمعنى السكر لنفاد عقل السكران أو نفاد شرابه لكثرة شربه
~~فيلزمه عليهما السكر ثم صار حقيقة فيه، قال الأبيرد اليربوعي:

# لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم

# لبئس الندامى كنتم آل أبجرا

# وفي «البحر» أن أنزف مشترك بين سكر ونفد فيقال أنزف الرجل إذا سكر وأنزف
~~إذا نفد شربه. وتعدية الفعل للتضمين ms08982 كما سبق، وجوز إرادة معنى النفاد من
~~غير إرادة معنى السكر أي لا ينفد ولا يفنى شرابهم حتى ينغص عيشهم وليس
~~بذاك.

# وقرأ ابن أبي إسحاق { ينزفون } بفتح الياء وكسر الزاي، وطلحة بفتح
~~الياء وضم الزاي، والمراد في جميع ذلك نفي السكر على ما هو عن الجمهور.

# ومن الغريب ما أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: في
~~الخمر أربع خصال السكر والصداع والقيء والبول فنزه الله تعالى خمر الجنة
~~عنها { لا فيها غول } لا تغول عقولهم من السكر { ولا هم
~~عنها ينزفون } لا يقيئون عنها كما يقيء صاحب خمر الدنيا عنها، وهو
~~أقرب لاستعمال النزف في الأمور الحسية كنزف البئر والركية وما أشبه
~~القىء/ وإخراج الفضلات من الجوف بنزف البئر وإخراج مائها عند نزحها،
~~ولولا أن الجمهور على ما سمعت أولا حتى ابن عباس في أكثر الروايات عنه
~~لقلت: إن هذا التفسير هو الأولى.

### || [37.48]

# { وعندهم قصرت الطرف } قصرن أبصارهن على أزواجهن لا
~~يمددن طرفا إلى غيرهم قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد فمتعلق القصر محذوف
~~للعلم به، والكلام إما على ظاهره أو كناية عن فرط محبتهن لأزواجهن وعدم
~~ميلهن إلى سواهم، وقيل المراد لا يفتحن أعينهن دلالا وغنجا، والوصف على
~~القولين متعد، وجوز كونه قاصرا على أن المعنى ذابلات الجفن مراضه، وما
~~أحيل ذبول الأجفان في الغواني الحسان، ولذا كثر التغزل بذلك قديما
~~وحديثا، ومنه قول ابن الأزدي:

# مرضت سلوتي وصح غرامي

# من لحاظ هي المراض الصحاح

# والطرف في كل ذلك طرفهن، وجوز أن يكون الوصف متعديا والطرف طرف غيرهن،
~~والمعنى قاصرات طرف غيرهن عن التجاوز إلى سواهن لغاية حسنهن فلا يتجاوزهن
~~طرف الناظر إليهن كقول المتنبي:

# وخصر تثبت الأبصار فيه

# كأن عليه من حدق نطاقا

# وقد ذكر هذا المعنى أيضا ابن رشيق في قول امرىء القيس:

# من القاصرات الطرف لو دب محول

# من الذر فوق الأنف منها لأثرا

# وهو لعمري رشيق بيد أني أقول: الظاهر هنا أن العندية في مجالس الشرب
~~إتماما للذة فلعل ms08983 الأوفق للغيرة وإن كانت الحظيرة حظيرة قدس المعنى
~~الأول، والجمهور قد قصروا الطرف عليه ولا يظن بهم أنهم من القاصرين،
~~والجملة قيل عطف على ما قبلها، وقيل: في موضع الحال أي يطاف عليهم بكأس
~~والحال عندهم نساء قاصرات الطرف { عين } جمع عيناء وهي الواسعة العين
~~في جمال، ومنه قيل للبقر الوحشي عين، وقيل: العيناء واسعة العين أي كثيرة
~~محاسن عينها، والحق أن السعة اتساع الشق والتقييد بالجمال يدفع ما عسى أن
~~يقال، وما ألطف وأظرف ذكر عين بعد قاصرات الطرف.

### || [37.49]

# { كأنهن بيض مكنون } البيض معروف وهو اسم جنس الواحدة
~~بيضة ويجمع على بيوض كما في قوله:

# بتيهاء قفر والمطي كأنها

# قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها

# والمراد تشبيههن بالبيض الذي كنه الريش في العش أو غيره في غيره فلم
~~تمسه الأيدي ولم يصبه الغبار في الصفاء وشوب البياض بقليل صفرة مع لمعان
~~كما في الدر، والأكثرون على تخصيصه ببيض النعام في الأداحي لكونه أحسن
~~منظرا من سائر البيض وأبعد عن مس الأيدي ووصول ما يغير لونه إليه،
~~والعرب تشبه النساء بالبيض ويقولون لهن بيضات الخدور، ومنه قول امرىء
~~القيس:

# وبيضة خدر لا يرام خباؤها

# تمتعت من لهو بها غير معجل

# والبياض المشوب بقليل صفرة في النساء مرغوب فيه جدا؛ قيل وكذا البياض
~~المشوب بقليل حمرة في الرجال وأما البياض الصرف فغير محمود ولذا ورد في
~~الحلية الشريفة " أبيض ليس بالأمهق ". وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس وهو
~~وغيره عن ابن جبير وابن أبي حاتم وابن جرير عن السدي/ أن البيض المكنون
~~ما تحت القشر الصلب بينه وبين اللباب الأصفر والمراد تشبيههن بذلك بعد
~~الطبخ في النعومة والطراوة فالبيضة إذا طبخت وقشرت ظهر ما تحت القشرة على
~~أتم نعومة وأكمل طراوة، ومن هنا تسمع العامة يقولون في مدح المرأة: كأنها
~~بيضة مقشرة، ورجح ذلك الطبري بأن الوصف بمكنون يقتضيه دون المشهور لأن
~~خارج قشر البيضة ليس بمكنون، وفيه أن المتبادر من البيض مجموع القشر وما
~~فيه وأكلت كذا بيضة الأكل ms08984 فيه قرينة إرادة ما في القشر دون المجموع إذ لا
~~يؤكل عادة وحينئذ لا يتم ما قاله الطبري فالأول هو المقبول، ومعنى
~~المكنون فيه ظاهر على ما سمعت، وقد نقل الخفاجي هذا المعنى عن بعض
~~المتأخرين وتعقبه بأنه ناشىء من عدم معرفة كلام العرب وكأنه لم يقف على
~~روايته عن الحبر ومن معه وإلا لا يتسنى له ما قال، ولعل الرواية المذكورة
~~غير ثابتة وكذا ما حكاه أبو حيان عن الحبر من أن البيض المكنون الجوهر
~~المصون لنبو ظاهر اللفظ عن ذلك، وقالت فرقة: المراد تشبيههن بالبيض في
~~تناسب الأجزاء والبيضة أشد الأشياء تناسب أجزاء والتناسب ممدوح، ومن هنا
~~قال بعض الأدباء متغزلا:

# تناسبت الأعضاء فيه فلا ترى

# بهن اختلافا بل أتين على قدر

# وأنت تعلم بعد فرض تسليم أن تناسب الأجزاء في البيضة معروف بينهم أن
~~الوصف بالمكنون مما لا يظهر له دخل في التشبيه. واستشكل التشبيه على ما
~~تقدم بآية عروس القرآن

# كأنهن الياقوت والمرجان

# [الرحمن: 58] فإنها ظاهرة في أن في ألوانهن حمرة وأين هذا من التشبيه
~~بالبيض المكنون على ما سمعت قبل فيتعين أن يراد التشبيه من حيث النعومة
~~والطراوة كما روي ثانيا أو من حيث تناسب الأجزاء كما قيل أخيرا.

# وأجيب بأنه يجوز أن يكون المشبهات بالبيض المكنون غير المشبهات بالياقوت
~~والمرجان، وكون البياض المشوب بالصفرة أحسن الألوان في النساء غير مسلم
~~بل هو حسن ومثله في الحسن البياض المشوب بحمرة على أن الأحسنية تختلف
~~باختلاف طباع الرائين:

# وللناس فيما يعشقون مذاهب

# والجنة فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. وقيل يجوز أن يكون تشبيههن
~~بالبيض المكنون بالنظر إلى بياض أبدانهن المشوب بصفرة ما عدا وجوههن
~~وتشبيههن بالياقوت والمرجان بالنظر إلى بياض وجوههن المشوب بحمرة، وقيل
~~تشبيههن بهذا ليس من جهة أن بياضهن مشوب بحمرة بل تشبيههن بالياقوت من
~~حيث الصفاء وبالمرجان من حيث الإملاس وجمال المنظر. وإذا أريد بالمرجان
~~الدرر الصغار كما ذهب إليه جمع دون الخرز الأحمر المعروف يجوز أن يكون
~~التشبيه من حيث البياض ms08985 المشوب بصفرة فلا إشكال أصلا.

### || [37.50]

# { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } معطوف على

# يطاف

# [الصافات: 45] وما بينهما معترض أو من متعلقات الأول أي يشربون
~~فيتحادثون على الشرب كما هو عادة المجتمعين عليه قال محمد بن فياض:

# وما بقيت من اللذات إلا

# محادثة الكرام على الشراب

# ولثمك وجنتي قمر منير

# يجول بوجهه ماء الشباب

# وعبر بالماضي مع أن المعطوف عليه مضارع للإشعار بالاعتناء بهذا المعطوف
~~بالنسبة إلى المعطوف عليه فكيف لا يقبلون على الحديث وهو أعظم لذاتهم
~~التي يتعاطونها مع ما في ذلك من الإشارة إلى تحقق الوقوع حتما وتساؤلهم
~~عن المعارف والفضائل وما جرى لهم وعليهم في الدنيا، وما أحلى تذكر ما فات
~~عند رفاهية/ الحال وفراغ البال.

### || [37.51]

# { قال قائل منهم } في تضاعيف محاورتهم { إنى كان لى } في
~~الدنيا { قرين } مصاحب.

### || [37.52]

# { يقول } لي على طريق التوبيخ بما كنت عليه من الإيمان والتصديق
~~بالبعث المفضي إلى ما أنا عليه اليوم { أءنك لمن المصدقين }
~~أي بالبعث كما ينبىء عنه قوله سبحانه: { أإذا متنا وكنا
~~ترابا وعظاما... }.

### || [37.53]

# { أءذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا لمدينون }
~~أي لمبعوثون ومجازون من الدين بمعنى الجزاء؛ وقيل لمسوسون مربوبون من
~~دانه إذا ساسه ومنه الحديث

# " العاقل من دان نفسه "

# وقرىء { المصدقين } بتشديد الصاد من التصدق، واعترضت هذه القراءة بأن
~~الكلام عليها لا يلائم قوله سبحانه: { أءذا متنا } الخ، وتعقب بأن
~~فيه غفلة عن سبب النزول، أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن عطاء الخراساني
~~قال: كان رجلان شريكان وكان لهما ثمانية آلاف دينار فاقتسماها فعمد
~~أكبرهما فاشترى بألف دينار أرضا فقال صاحبه: اللهم إن فلانا اشترى بألف
~~دينار أرضا وإني أشتري منك بألف دينار أرضا في الجنة فتصدق بألف دينار
~~ثم ابتنى صاحبه دارا بألف دينار فقال: اللهم إن فلانا قد ابتنى دارا
~~بألف دينار وإني أشتري منك في الجنة دارا بألف دينار فتصدق بألف دينار
~~ثم تزوج امرأة فأنفق عليها ألف دينار فقال: اللهم إن فلانا تزوج امرأة
~~فأنفق عليها ألف دينار وإني أخطب إليك ms08986 من نساء الجنة بألف دينار فتصدق
~~بألف دينار ثم اشترى خدما ومتاعا بألف دينار فقال: اللهم إن فلانا
~~اشترى خدما ومتاعا بألف دينار وإني أشتري منك خدما ومتاعا في الجنة
~~بألف دينار فتصدق بألف دينار ثم أصابته حاجة شديدة فقال لو أتيت صاحبي
~~هذا لعله ينالني منه معروف فجلس على طريقه حتى مر به في حشمه وأهله فقام
~~إليه فنظر الآخر فعرفه فقال: فلان قال: نعم فقال: ما شأنك؟ فقال: أصابتني
~~بعدك حاجة فأتيتك لتصيبني بخير قال: فما فعلت بمالك؟ فقص عليه القصة
~~فقال: أئنك لمن المصدقين بهذا اذهب فوالله لا أعطيك شيئا فرده فقضى لهما
~~أن توفيا فكان مآل المتصدق الجنة ومآل الآخر النار وفيهما نزلت الآية.

# وقيل هما أخوان ورثا ثمانية آلاف دينار واقتسماها فكان من خبرهما ما
~~كان، وكان الاثنان من بني إسرائيل وهذا السبب يدل على أن أحدهما كان
~~مصدقا ومتصدقا أيضا والآخر وهو القرين أنكر عليه أنه أنفق ليجازي على
~~إنفاقه بما هو أعظم وأبقى فقد ضيع بزعمه ماله فيما لا أصل له وهو الجزاء
~~الأخروي ولا يكون هذا بدون البعث فلذا أنكره، وليت شعري كيف يتوهم عدم
~~الملاءمة مع قوله تعالى: { أءنا لمدينون } ولعله أنسب بتلك
~~القراءة، وحاصل المعنى أنت المتصدق طلبا للجزاء في الآخرة فهل نحن بعد
~~ما نفنى نبعث ونجازى، وذكر العظام مع التراب مع أن ذكر التراب يكفي ويغني
~~عن ذلك لتصوير حال ما يشاهده ذلك الشخص من الأجساد البالية من مصير اللحم
~~وغيره ترابا عليه عظام نخرة ليذكره ويخطر بباله ما ينافي مدعاه، وكونه
~~للتنزل في الإنكار أو للتأكيد لا يرجحه بل يجوزه.

### || [37.54]

# { قال } أي ذلك القائل الذي كان قرين لجلسائه بعد ما حكى لهم مقالة
~~قرينة له في الدنيا { هل أنتم مطلعون } على أهل النار لأريكم
~~ذلك القرين الذي قال لي ما حكيت لكم، والمراد من الاستفهام العرض أو
~~الأمر على ما قيل، والغرض من ذلك إراءتهم سوء حال القرين ليؤنسهم نوع
~~إيناس وقيل يريد بذلك بيان صدقه ms08987 فيما حكاه، ولا يخفى أن ظن الكذب في غاية
~~البعد واطلاع أهل الجنة على أهل النار ومعرفة من فيها مع ما بينهما من
~~التباعد غير بعيد بأن يخلق الله تعالى فيهم حدة نظر ويعرفهم من أرادوا
~~الاطلاع عليه، ولعلهم إذا أرادوا ذلك وقفوا/ على الأعراف فاطلعوا على من
~~أرادوا من أهل النار؛ وقيل إن لهم طاقات في الجنة ينظرون منها من علو إلى
~~أهل النار وعلم القائل بأن القرين من أهل النار لعلمه بأنه كان ينكر
~~البعث ومنكره منهم قطعا والأصل بقاؤه على الكفر وقيل علم ذلك بإخبار
~~الملائكة عليهم السلام إياه.

# وقيل قائل { هل أنتم } الخ هو الله تعالى أو بعض الملائكة عليهم
~~السلام يقول للمتحادثين من أهل الجنة هل تحبون أن تطلعوا على أهل النار
~~لأريكم ذلك القرين فتعلموا أين منزلتكم من منزلتهم، وقيل القائل من كان
~~له قرين والمخاطبون بأنتم الملائكة عليهم السلام وفي الكلام حذف كأنه
~~قيل: فقال لهذا القائل حاضروه من الملائكة قرينك هذا يعذب في النار فقال
~~للملائكة الذين أخبروه: { هل أنتم مطلعون } ولا يخفى ما فيه.

### || [37.55]

# { فأطلع } أي على أهل النار { فرءاه } أي فرأى قرينه { فى
~~سواء الجحيم } أي في وسطها، ومنه قول عيسى بن عمر لأبي عبيدة كنت
~~أكتب حتى ينقطع سوائي، وسمي الوسط سواء لاستواء المسافة منه إلى الجوانب.
~~وقرأ أبو عمرو في رواية حسين الجعفي { مطلعون } بإسكان الطاء وفتح
~~النون { فأطلع } بضم الهمزة وسكون الطاء وكسر اللام فعلا ماضيا مبنيا
~~للمفعول، وهي قراءة ابن عباس وابن محيصن وعمار ابن أبي عمار وأبي سراج،
~~وقرىء { مطلعون } مشددا { فاطلع } مشددا أيضا مضارعا منصوبا على
~~جواب الاستفهام. وقرىء { مطلعون } بالتخفيف { فأطلع } مخففا فعلا
~~ماضيا و { فأطلع } مخففا مضارعا منصوبا. وقرأ أبو البرهسم وعمار بن
~~أبي عمار فيما ذكره خلف عنه { مطلعون } بتخفيف الطاء وكسر النون { فأطلع
~~} ماضيا مبنيا للمفعول. ورد هذه القراءة أبو حاتم وغيره لجمعها بين نون
~~الجمع وياء المتكلم والوجه مطلعي كما قال عليه الصلاة والسلام:

# " أو مخرجي هم "

# ووجهها ms08988 أبو الفتح على تنزيل اسم الفاعل منزلة المضارع فيقال عنده
~~ضاربونه مثلا كما يقال يضربونه وعليه قوله:

# هم الآمرون الخير والفاعلونه

# إذا ما خشوا من محدث الدهر معظما

# وأنشد الطبري قول الشاعر:

# وما أدري وظني كل ظن

# أمسلمني إلى قومي شراحي

# ومثله قول الآخر:

# فهل فتى من سراة الحي يحملني

# وليس حاملني إلا ابن حمال

# وهذه النون عند جمع نون الوقاية ألحقت مع الوصف حملا له على الفعل
~~وليست مثل النون في القراءة، وفي البيت وإن كان إلحاق كل للحمل. وقال
~~بعضهم: إنها نون التنوين وحركت لالتقاء الساكنين، ورد بأنه سمع إلحاقها
~~مع أل كقوله: وليس الموافيني ومع أفعل التفضيل كما وقع في الحديث " غير
~~الدجال أخوفني عليكم ". ويعلم من هذا عدم اختصاص إلحاقها بالشعر نعم هو
~~في غيره قليل، وضعف بعضهم ما وجه به أبو الفتح وقال: إن ذلك لا يقع إلا
~~في الشعر وخرجت أيضا على أنها من وضع المتصل موضع المنفصل وأريد بذلك أن
~~الأصل مطلعون إياي ثم جعل المنفصل متصلا فقيل مطلعوني ثم حذفت الياء
~~واكتفي عنها بالكسرة كما في قوله تعالى:

# فكيف كان نكير

# [الحج: 44]. ومثله يقال في الفاعلونه في البيت السابق، ورد ذلك أبو حيان
~~بأن ما ذكر ليس من محال المنفصل حتى يدعى أن المتصل وقع موقعه وادعى
~~أولوية تخريج أبي الفتح، والبيت قيل مصنوع لا يصح الاستشهاد/ به، وقيل
~~إن الهاء هاء السكت حركت للضرورة وهو فرار من ضرورة لأخرى إذ تحريكها
~~وإثباتها في الوصل غير جائز، وللنحاة في مسألة إثبات النون مع إضافة
~~الوصف إلى الضمير كلام طويل، حاصله أن نحو ضاربك وضارباك وضاربوك ذهب
~~سيبويه إلى أن الضمير فيه في محل جر بالإضافة ولذا حذف التنوين ونون
~~التثنية والجمع، وذهب الأخفش وهشام إلى أن الضمير في محل نصب وحذفهما
~~للتخفيف حتى وردتا ثابتين كما في الفاعلونه وأمسلمني فالنون عندهما في
~~الأخير ونحوه تنوين حرك لالتقاء الساكنين وقد سمعت ما فيه، وحديث الحمل
~~على الفعل على العلات أحسن ما قيل في ms08989 التوجيه.

# هذا وطلع واطلع بالتشديد وأطلع بالتخفيف بمعنى واحد والكل لازم ويجىء
~~الاطلاع متعديا يقال أطلعه على كذا فاطلع، و { مطلعون } في قراءة
~~أبي عمرو بمعنى مطلعون بالتشديد ونائب فاعل أطلع ضمير القائل والفاعل هم
~~المخاطبون واطلاعهم إياه باعتبار التسبب كأنه لما أراد الاطلاع وأحب أن
~~لا يستبد به أدبا عرض عليهم أن يطلعوا فرغبوا وأطلعوا فكان ذلك وسيلة
~~إلى اطلاعه فكأنهم هم الذين أطلعوه ففاء { فاطلع } فصيحة والعطف على
~~مقدر، والمعنى على القراءة التي بعدها هل أنتم مطلعون حتى أطلع أنا أيضا
~~فاطلعوا وأطلع هو بعد ذلك فرآه في سواء الجحيم ولا بد من تقدير اطلع بعد
~~ذلك ليصلح ترتب { فرآه } على ما قبله و { هل أنتم مطلعون } عليه بمعنى
~~الأمر تأدبا ومبالغة وعلى القراءة الثانية وهي قراءة التخفيف في
~~الكلمتين والثانية فعل ماض المعنى كما في قراءة الجمهور، وكذا على
~~القراءة التي بعدها، وعلى قراءة أبي البرهسم ومن معه هل أنتم مطلعي
~~فاطلعوه فرآه الخ، واطلاعهم إياه إذا كان الخطاب للجلساء بطريق التسبب
~~كأنه طلب أن يطلعوا ليوافقهم فيطلع وهو إذا كان الخطاب للملائكة عليهم
~~السلام على ما يتبادر إلى الذهن، وعن صاحب " اللوامح " أن طلع واطلع
~~اطلاعا بمعنى أقبل وجاء والقائم مقام الفاعل على قراءة أطلع مبنيا
~~للمفعول ضمير المصدر أو جار ومجرور محذوفان أي أطلع به لأن أطلع لازم
~~كأقبل وقد علمت أن أطلع يجىء متعديا كأطلعت زيدا. ورد أبو حيان
~~الاحتمال الثاني بأن نائب الفاعل لا يجوز حذفه كالفاعل فتأمل جميع ما
~~ذكرنا ولا تغفل.

### || [37.56]

# { قال } أي القائل لقرينه { تالله إن كدت لتردين } أي
~~لتهلكني، وفي قراءة عبد الله { لتغوين } ، و { إن } مخففة من الثقيلة
~~واللام هي الفارقة. وفي «البحر» أن القسم فيه التعجب من سلامته منه إذ
~~كان قرينه قارب أن يرديه.

### || [37.57]

# { ولولا نعمة ربى } علي وهي التوفيق والعصمة { لكنت من
~~المحضرين } للعذاب كما أحضرته أنت وأضرابك.

### || [37.58]

# الخ رجوع إلى محاورة جلسائه بعد إتمام الكلام مع قرينه تبجحا وابتهاجا
~~بما أتاح ms08990 الله تعالى له من الفضل العظيم والنعيم المقيم وتعريضا للقرين
~~بالتوبيخ، وجوز أن يكون من كلام المتسائلين جميعا وأن يكون من تتمة كلام
~~القائل يسمع قرينه على جهة التوبيخ له، واختير الأول. والهمزة للتقرير
~~وفيها معنى التعجب والفاء للعطف على مقدر يقتضيه نظم الكلام على ما ذهب
~~إليه الزمخشري ومتبعوه أي أنحن مخلدون فما نحن بميتين أي ممن شأنه الموت
~~كما يؤذن به الصفة المشبهة.

# وقرىء { بمائتين }.

### || [37.59]

# { بميتين إلا موتتنا الأولى } التي كانت في الدنيا وهي
~~متناولة عند أهل السنة لما في القبر بعد الإحياء للسؤال لعدم الاعتداد
~~بالحياة فيه لكونها غير تامة ولا قارة وزمانها قليل جدا، والاستثناء
~~مفرغ من مصدر مقدر كأنه/ قيل أفما نحن بميتين موتة إلا موتتنا الأولى،
~~وجوز أن يكون منقطعا أي لكن الموتة الأولى كانت لنا في الدنيا وعلمهم
~~بأنهم لا يموتون ناشىء من إخبار أنبيائهم لهم في الدنيا وإعلامهم إياهم
~~بأن أهل الجنة لا يموتون أو من قول الملائكة عليهم السلام لهم حين دخول
~~الجنة

# طبتم فادخلوها خلدين

# [الزمر: 73] وقولهم:

# ادخلوها بسلام ءامنين

# [الحجر: 46] وقيل إن أهل الجنة أول ما دخلوا لا يعلمون أنهم لا يموتون
~~فإذا جيء بالموت على صورة كبش أملح وذبح فنودي يا أهل الجنة خلود بلا موت
~~ويا أهل النار خلود بلا موت فحينئذ يعلمونه فيقولون ذلك تحدثا بنعمة
~~الله تعالى واغتباطا بها، ولا يخفى أن كون هذا القول المحكي هنا عند
~~علمهم بعدم الموت من ذبحه بعيد في هذا المقام والظاهر أن هذا بعد الاطلاع
~~والكلام مع القرين.

# { وما نحن بمعذبين } كأصحاب النار، والمراد استمرار النفي
~~وتأكيده وكذا فيما تقدم واستمرار هذا النفي نعمة جليلة وهو متضمن نفي
~~زوال نعيمهم المحكي في قوله تعالى:

# أولئك لهم رزق معلوم

# [الصافات: 41] الآيات فإن زوال النعيم نوع من العذاب بل هو من أعظم
~~أنواعه بل تصور الزوال عذاب أيضا لا يلذ معه عيش، ولذا قيل:

# إذا شئت أن تحيا حياة هنية

# فلا تتخذ شيئا تخاف له فقدا

# وكذا يتضمن نفي ms08991 الهرم واختلال القوى الذي يوهمه نفي الموت فإن ذلك نوع
~~من العذاب أيضا، وأنه إنما اختير التعرض لاستمرار نفي العذاب دون إثبات
~~استمرار النعيم لأن نفي العذاب أسرع خطورا ببال من لم يعذب عند مشاهدة
~~من يعذب، وقيل إن ذاك لأن درء الضرر أهم من جلب المنفعة.

### || [37.60]

# الظاهر أن الإشارة إلى ما أخبروا به من استمرار نفي الموت واستمرار نفي
~~التعذيب عنهم، ويجوز أن تكون إشارة إلى ما هم فيه من النعيم مع استمرار
~~النفيين فإذا كان الكلام من تتمة كلام القائل

# أفما نحن بميتين

# [الصافات: 58] الخ فهو متضمن إشارة ذلك القائل إلى ظهور النعيم ويكون
~~ترك التعرض للتصريح به للاستغناء بذلك الظهور. وجوز أن يكون هذا كلامه
~~تعالى قاله سبحانه تقريرا لقول ذلك القائل وتصديقا له مخاطبا جل وعلا
~~به حبيبه عليه الصلاة والسلام وأمته والتأكيد للاعتناء بشأن الخبر.

# وقرىء { لهو الرزق العظيم } وهو ما رزقوه من السعادة العظمى.

### || [37.61]

# أي لنيل مثل هذا الأمر الجليل ينبغي أن يعمل العاملون لا للحظوظ
~~الدنيوية السريعة الانصرام المشوبة بفنون الآلام فتقديم الجار والمجرور
~~للحصر و (هذا) إن كان إشارة إلى مشخص من حيث تشخصه فمثل غير مقحمة وإن
~~كان إشارة إلى الجنس فهي مقحمة كما في  مثلك لا يبخل  والكلام يحتمل أن
~~يكون من تتمة كلام القائل ولا يعكر عليه أن الآخرة ليست بدار عمل إذ ليس
~~المراد الأمر بالعمل فيها ويحتمل أن يكون من كلامه عز وجل. وأما قوله
~~سبحانه: { أذلك خير نزلا أم... }.

### || [37.62]

# فمن كلامه جل وعلا عند الأكثرين وهو متعلق بقوله تعالى:

# أولئك لهم رزق معلوم

# [الصافات: 41] والقصة بينهما ذكرت بطريق الاستطراد فالإشارة إلى الرزق
~~المعلوم. وزعم بعضهم جواز كونه من كلام القائل السابق وما هو من كلامه عز
~~وجل قطعا هو ما يأتي إن شاء الله تعالى.

# وأصل النزل الفضل والريع في الطعام ويستعمل في الحاصل من الشيء ومنه
~~العسل ليس من إنزال الأرض/ أي مما يحصل منها، وقول الشافعي لا يجب في
~~العسل العشر ms08992 لأنه نزل طائر ويقال لما يعد للنازل من الرزق. والزقوم اسم
~~شجرة صغيرة الورق مرة كريهة الرائحة ذات لبن إذا أصاب جسد إنسان تورم
~~تكون في تهامة وفي البلاد المجدبة المجاورة للصحراء سميت بها الشجرة
~~الموصوفة بما في الآية. وكلا المعنيين للنزل محتمل هنا بيد أنه يتعين على
~~الأول انتصابه على التمييز أي أذلك الرزق المعلوم الذي حاصله اللذة
~~والسرور خير نزلا وحاصلا أم شجرة الزقوم التي حاصلها الألم والغم،
~~ومعنى التفاضل بين النزلين التوبيخ والتهكم وهو أسلوب كثير الورود في
~~القرآن، والحمل على المشاكلة جائز، وعلى الثاني الظاهر انتصابه على
~~الحال، والمعنى أن الرزق المعلوم نزل أهل الجنة وأهل النار نزلهم شجرة
~~الزقوم فأيهما خير حال كونه نزلا، وفيه ما مر من التهكم. والحمل على
~~التمييز لا مانع منه لفظا كما في نحوهم أكفاهم ناصرا ولكن المعنى على
~~الحال أسد لأن المعنى المفاضلة بين تلك الفواكه وهذا الطعام في هذه الحال
~~لا التفاضل بينهما في الوصف وأن ذلك في النزلية أدخل من الآخر فافهم.

### || [37.63]

# محنة وعذابا لهم في الآخرة وابتلاء في الدنيا فإنهم [لما] سمعوا أنها
~~في النار قالوا كيف يمكن ذلك والنار تحرق الشجر وكذا قال أبو جهل ثم قال
~~استخفافا بأمرها لا إنكارا للمدلول اللغوي: والله ما نعلم الزقوم إلا
~~التمر والزبد فتزقموا ولم يعلموا أن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار
~~ويتلذذ بها أقدر على خلق الشجر في النار وحفظه من الإحراق فالنار لا تحرق
~~إلا بإذنه أو أن الإحراق عندها لا بها.

### || [37.64]

# منبتها في قعر النار وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. وقرىء { نابتة في أصل
~~الجحيم }.

### || [37.65]

# { طلعها } أي حملها، وأصله طلع النخل وهو أول ما يبدو وقبل أن تخرج
~~شماريخه أبيض غض مستطيل كاللوز سمي به حمل هذه الشجرة إما لأنه يشابهه في
~~الشكل أو الطلوع ولعله الأولى لمكان التشبيه بعد فيكون استعارة تصريحية
~~أو لاستعماله بمعنى ما يطلع مطلقا فيكون كالمرسل للأنف فهو مجاز مرسل.

# { كأنه رؤوس الشيطين } أي في ms08993 تناهي الكراهة وقبح المنظر
~~والعرب تشبه القبيح الصورة بالشيطان فيقولون كأنه وجه شيطان أو رأس شيطان
~~وإن لم يروه لما أنه مستقبح جدا في طباعهم لاعتقادهم أنه شر محض لا
~~يخلطه خير فيرتسم في خيالهم بأقبح صورة، ومن ذلك قول امرىء القيس:

# أتقتلني والمشرفي مضاجعي

# ومسنونة زرق كأنياب أغوال

# فشبه بأنياب الأغوال وهي نوع من الشياطين ولم يرها لما ارتسم في خياله،
~~وعلى عكس هذا تشبيههم الصورة الحسنة بالملك وذلك أنهم اعتقدوا فيه أنه
~~خير محض لا شرفيه فارتسم في خيالهم بأحسن صورة، وعليه قوله تعالى:

# ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم

# [يوسف: 31] وبهذا يرد على بعض الملاحدة حيث طعن في هذا التشبيه بأنه
~~تشبيه بما لا يعرف، وحاصله أنه لا يشترط أن يكون معروفا في الخارج بل
~~يكفي كونه مركوزا في الذهن والخيال. وحمل التشبيه في الآية على ما ذكر
~~هو المروي عن ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما، وزعم الجبائي أن
~~الشياطين حين يدخلون النار تشوه صورهم جدا وتستبشع أعضاؤهم فالمراد كأنه
~~رؤوس الشياطين/ الذين في النار، وفيه أن التشبيه عليه أيضا غير معروف في
~~الخارج عند النزول.

# وقيل: رؤوس الشياطين شجرة معروفة تكون بناحية اليمن منكرة الصورة يقال
~~لها الاستن وإياها عنى النابغة بقوله:

# تحيد عن استن سود أسافله

# مثل الإماء الغوادي تحمل الحزما

# قال الأصمعي: ويقال لها الصوم وأنشد

# موكل بشدوف الصوم يرقبه

# من المغارب مهضوم الحشا زرم

# وقيل: الشياطين جنس من الحيات ذوات أعراف، وأنشد الفراء:

# عنجرد تحلف حين أحلف

# كمثل شيطان الحماط أعرف

# أي له عرف، وأنشد المبرد:

# وفي البقل إن لم يدفع الله شره

# شياطين يعدو بعضهن على بعض

### || [37.66]

# { فإنهم لاكلون منها } تفريع على جعلها فتنة أي محنة
~~وعذابا للظالمين، وضمير المؤنث للشجرة، ومن ابتدائية أو تبعيضية وهناك
~~مضاف مقدر أي من طلعها، وقيل: (من) تبعيضية والضمير للطلع وأنث لإضافته
~~إلى المؤنث أو لتأويله بالثمرة أو للشجرة على التجوز، ولا يخلو كل عن بعد
~~ما { فمالئون منها البطون } لغلبة ms08994 الجوع وإن كرهوها أو للقسر
~~على أكلها.

### || [37.67]

# { ثم إن لهم عليها } أي على الشجرة التي ملؤا منها بطونهم
~~{ لشوبا من حميم } أي لشرابا ممزوجا بماء شديد الحرارة وهذا
~~الشراب هو الغساق أي ما يقطر من جراح أهل النار وجلودهم، وقيل: هذا هو
~~الصديد وأما الغساق فعين في النار تسيل إليها سموم الحيات والعقارب أو
~~دموع الكفرة فيها، وشربهم ذلك لغلبة عطشهم بما أكلوا من الشجرة فإذا
~~شربوا تقطعت أمعاؤهم. وقرىء { لشوبا } بضم الشين وهو اسم لما يشاب به،
~~وعلى الأول هو مصدر سمي به.

# وكلمة (ثم) قيل للتراخي الزماني وذلك أنه بعد أن يملؤا البطون من تلك
~~الشجرة يعطشون ويؤخر سقيهم زمانا ليزداد عطشهم فيزداد عذابهم. واعترض
~~بأنه يأباه عطف الشرب بالفاء في قوله تعالى:

# فمالئون منها البطون * فشربون عليه من
~~الحميم

# [الواقعة: 5354] فلا بد من عدم توسط زمان. وأجيب بأنه يجوز أن يكون شرب
~~الشراب الممزوج بالحميم متأخرا بزمان عن ملئهم البطون دون شرب الحميم
~~وحده، وكذا يجوز أن يكون الحال مختلفا فتارة يتأخر الشرب مطلقا زمانا
~~وأخرى لا يتأخر كذلك، وقال بعضهم: ملؤهم البطون أمر ممتد فباعتبار
~~ابتدائه يعطف بثم وباعتبار انتهائه بالفاء. وجوز كون (ثم) للتراخي
~~الرتبي لأن شرابهم أشنع من مأكولهم بكثير، وعطف ملئهم البطون بالفاء
~~لأنه يعقب ما قبله، ولا يحسن فيه اعتبار التفاوت الرتبي حسنه في شرب
~~الشراب المشوب بالحميم مع الأكل.

### || [37.68]

# { ثم إن مرجعهم } أي مصيرهم، وقد قرىء كذلك، وقرىء أيضا {
~~ثم إن منفذهم }  { لإلى الجحيم } أي إلى مقرهم من النار فإن في
~~جهنم مواضع أعد في كل موضع منها نوع من البلاء فالقوم يخرجون من محل
~~قرارهم حيث تأجج النار ويساقون إلى موضع آخر مما دارت عليه جهنم فيه ذلك
~~الشراب ليردوه ويسقوا منه ثم يردون إلى محلهم كما تخرج الدواب إلى مواضع
~~الماء في البلد مثلا لترده ثم ترد إلى محلها، وإلى هذا المعنى أشار
~~قتادة ثم تلا قوله تعالى:/

# هذه جهنم التى يكذب بها المجرمون * يطوفون
~~بينها وبين ms08995 حميم ءان

# [الرحمن: 4344] ويؤيده قراءة ابن مسعود { ثم إن منقلبهم } إذ الانقلاب
~~أظهر في الرد أو المراد ثم إن مرجعهم إلى دركات الجحيم فهم يرددون في
~~الجحيم من مكان إلى آخر أدنى منه.

# وقيل: إن الشراب يقدم إليهم قبل دخول النار فيشربون ويصيرون إلى الجحيم،
~~وهذا يحتاج إلى توقيف وإلا فهو خلاف الظاهر، وكأن بين خروج القوم للشرب
~~وعودهم إلى مساكنهم زمانا غير يسير يتجرعون فيه ذلك الشراب ولذا جيء
~~بثم، وهذا الشراب في مقابلة ما لأهل الجنة من الشراب المدلول عليه بقوله
~~تعالى:

# يطاف عليهم بكأس من معين * بيضاء لذة
~~للشربين

# [الصافات: 4546] الخ كما أن الزقوم في مقابلة ما لهم من الفواكه. وقد
~~جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت إلى
~~الأرض لأفسدت على الناس معايشهم أخرجه ابن أبي شيبة فكيف بمن هو طعامه
~~وشرابه الغساق والصديد مع الحميم. نسأل الله تعالى رضاه والجنة ونعوذ به
~~عز وجل من غضبه والنار. وقوله سبحانه: { إنهم ألفوا
~~آبآءهم... }.

### || [37.69-70]

# تعليل لاستحقاقهم ما ذكر من فنون العذاب بتقليد الآباء في أصول الدين من
~~غير أن يكون لهم ولا لآبائهم شيء يتمسك به أصلا أي وجدوهم ضالين في نفس
~~الأمر ليس لهم ما يصلح شبهة فضلا عن صلاحية كونه دليلا فهم من غير أن
~~يتدبروا أنهم على الحق أولا مع ظهور كونهم على الباطل بأدنى تأمل،
~~والإهراع الإسراع الشديد، وقيل: هو إسراع فيه شبه رعدة. وفي بناء الفعل
~~للمفعول إشارة إلى مزيد رغبتهم في الإسراع على آثارهم كأنهم يزعجون
~~ويحثون حثا عليه.

### || [37.71]

# { ولقد ضل قبلهم } أي قبل هؤلاء الظالمين الذين جعلت شجرة
~~الزقوم فتنة لهم وهم قريش { أكثر الأولين } من الأمم السابقة،
~~وهو جواب قسم محذوف، وكذا قوله تعالى: { ولقد أرسلنا فيهم...
~~}.

### || [37.72]

# أنبياء أنذروهم سوء عاقبة ما هم عليه من الباطل، وتكرير القسم لإبراز
~~كمال الاعتناء بتحقيق مضمون كل من الجملتين.

### || [37.73]

# من الهول والفظاعة لما لم يلتفتوا إلى الإنذار ولم يرفعوا إليه ms08996 رأسا.
~~والخطاب إما لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه
~~مشاهدة آثارهم، وحيث كان المعنى أنهم أهلكوا إهلاكا فظيعا استثنى عنهم
~~المخلصين بقوله عز وجل: { إلا عباد الله... }.

### || [37.74]

# أي الذين أخلصهم الله تعالى بتوفيقهم للإيمان والعمل بموجب الإنذار.
~~وقرىء { المخلصين } بكسر اللام أي الذين أخلصوا دينهم لله سبحانه وتعالى،
~~والاستثناء على القراءتين إما منقطع إن خصص المنذرين وإما متصل إن عمم.

### || [37.75]

# { ولقد نادانا نوح } نوع تفصيل لما أجمل فيما قبل ببيان أحوال
~~بعض المرسلين وحسن عاقبتهم متضمن لبيان سوء عاقبة بعض المنذرين كقوم نوح
~~عليه السلام ولبيان حسن عاقبة بعضهم الذين أخلصهم الله تعالى أو أخلصوا
~~دينهم على القراءتين كقوم يونس عليه السلام، وتقديم قصة نوح عليه السلام
~~على سائر القصص غي عن البيان. ونداؤه عليه السلام يتضمن الدعاء على كفار
~~قومه وسؤاله النجاة وطلب النصرة. واللام واقعة في جواب قسم محذوف، وكذا
~~ما في قوله تعالى: { فلنعم المجيبون } والمخصوص بالمدح فيه
~~محذوف والفاء/ فصيحة أي وتالله لقد دعانا نوح حين أيس من إيمان قومه بعد
~~أن دعاهم أحقابا ودهورا فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارا ونفورا فأجبناه
~~أحسن الإجابة فوالله لنعم المجيبون نحن فحذف ما حذف ثقة بدلالة ما ذكر
~~عليه، والجمع للعظمة والكبرياء وفيه من تعظيم أمر الإجابة ما فيه؛ وأخرج
~~ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم
~~إذا صلى في بيتي فمر بهذه الآية { ولقد نادانا نوح فلنعم
~~المجيبون } قال: صدقت ربنا أنت أقرب من دعي وأقرب من بغي فنعم
~~المدعو ونعم المعطي ونعم المسؤل ونعم المولى أنت ربنا ونعم النصير».

### || [37.76]

# من الغرق على ما روي عن السدي، وقيل: أذى قومه ولا مانع من الجمع،
~~والكرب على ما قال الراغب: الغم الشديد، وأصل ذلك من كرب الأرض وهو قلبها
~~بالحفر فالغم يثير النفس إثارة ذلك، ويصح أن يكون من كربت الشمس إذا دنت
~~للمغيب وقولهم إناء كربان نحو قربان أي قريب من الملء أو ms08997 من الكرب وهو
~~عقد غليظ في رشاء الدلو، وقد يوصف الغم بأنه عقدة على القلب.

### || [37.77]

# فحسب حيث أهلكنا الكفرة بموجب دعائه

# رب لا تذر على الأرض من الكفرين ديارا

# [نوح: 26] وقد روي أنه مات كل من في السفينة ولم يعقبوا عقبا باقيا
~~غير أبنائه الثلاث سام وحام ويافث وأزواجهم فإنهم بقوا متناسلين إلى يوم
~~القيامة. أخرج الترمذي وحسنة وابن سعد وأحمد وأبو يعلى وابن المنذر وابن
~~أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم "

# وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا نحوه، نعم أخرج البزار وابن
~~أبي حاتم والخطيب في " تالي التلخيص " عنه قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد نوح ثلاثة: سام وحام ويافث فولد
~~سام العرب وفارس والروم والخير فيهم وولد يافث يأجوج ومأجوج والترك
~~والصقالبة ولا خير فيهم وولد حام القبط والسودان "

# ولا أعرف حال الخبر.

# والأكثرون على أن الناس كلهم في مشارق الأرض ومغاربها من ذرية نوح عليه
~~السلام ولذا قيل له آدم الثاني. وإن صح أن لكنعان المغرق ولدا في
~~السفينة لا يبعد إدراجه في الذرية فلا يقتصر على الأولاد الثلاثة، وعلى
~~كون الناس كلهم من ذريته عليه السلام استدل بعضهم بالآية. وقالت فرقة:
~~أبقى الله تعالى ذرية نوح عليه السلام ومد في نسله وليس الناس منحصرين في
~~نسله بل من الأمم من لا يرجع إليه حكاه في " البحر " ، وكأن هذه الفرقة
~~لا تقول بعموم الغرق، ونوح عليه السلام إنما دعا على الكفار وهو لم يرسل
~~إلى أهل الأرض كافة فإن عموم البعثة ابتداء من خواص خاتم المرسلين صلى
~~الله عليه وسلم ووصول خبر دعوته وهو في جزيرة العرب إلى جميع الأقطار
~~كقطر الصين وغيره غير معلوم.

# والحصر في الآية بالنسبة إلى من في السفينة ممن عدا أولاده وأزواجهم
~~فكأنه قيل: وجعلنا ذريته هم الباقين لا ذرية من معه في السفينة وهو لا
~~يستلزم عدم بقاء ذرية ms08998 من لم يكن معه وكان في بعض الأقطار الشاسعة التي لم
~~تصل إليها الدعوة ولم يستوجب أهلها الغرق كأهل الصين فيما يزعمون، ويجوز
~~أن تكون قائلة بالعموم وتجعل الحصر بالنسبة إلى المغرقين وتلتزم القول
~~بأنه لم يبق عقب لأحد من أهل السفينة هو من ذرية أحد من المغرقين أي
~~وجعلنا ذريته هم الباقين لا ذرية أحد غيره من المغرقين، وولد كنعان إن صح
~~وصح بقاء نسله داخل في ذريته والله تعالى أعلم.

### || [37.78]

# في الباقين غابر الدهر.

### || [37.79]

# { سلم على نوح } مبتدأ وخبر/ وجاز الابتداء بالنكرة لما فيه
~~من معنى الدعاء، والكلام وارد على الحكاية كقولك: قرأت { سورة أنزلناها }
~~[النور: 1] وهو على ما قال الفراء وغيره من الكوفيين محكي  بترك  في
~~موضع نصب بها أي تركنا عليه هذا الكلام بعينه. وقال آخرون: هو محكي بقول
~~مقدر أي تركنا عليه في الآخرين قولهم سلام على نوح، والمراد أبقينا له
~~دعاء الناس وتسليمهم عليه أمة بعد أمة، وقيل: هذا سلام منه عز وجل لا من
~~الآخرين، ومفعول { تركنا } محذوف أي تركنا عليه الثناء الحسن
~~وأبقيناه له فيمن بعده إلى آخر الدهر، ونسب هذا إلى ابن عباس ومجاهد
~~وقتادة والسدي؛ وجملة { سلم على نوح } معمول لقول مقدر على ما
~~ذكر الخفاجي أي وقلنا سلام الخ. وقال أبو حيان: مستأنفة سلم الله تعالى
~~عليه عليه السلام ليقتدي بذلك البشر فلا يذكره أحد بسوء، وقرأ عبد الله {
~~سلاما } بالنصب على أنه مفعول { تركنا }.

# وقوله تعالى: { فى العلمين } متعلق بالظرف لنيابته عن عامله أو
~~بما تعلق الظرف به. وجوز كونه حالا من الضمير المستتر فيه، وأيا ما كان
~~فهو من تتمة الجملة السابقة وجيء به للدلالة على الاعتناء التام بشأن
~~السلام من حيث إنه أفاد الكلام عليه ثبوته في العالمين من الملائكة
~~والثقلين أو أنه حال كونه في العالمين على نوح. وهذا كما تقول سلام على
~~زيد في جميع الأمكنة وفي جميع الأزمنة. وزعم بعضهم جواز جعله بدلا من
~~قوله تعالى: { فى الاخرين } ويوشك أن يكون ms08999 غلطا كما لا يخفى. قوله
~~تعالى: { إنا كذلك نجزي المحسنين }.

### || [37.80]

# تعليل لما فعل به مما قصه الله عز وجل بكونه عليه السلام من زمرة
~~المعروفين بالإحسان الراسخين فيه فيكون ما وقع من قبيل مجازاة الإحسان
~~بالإحسان، وإحسانه مجاهدته أعداء الله تعالى بالدعوة إلى دينه والصبر
~~الطويل على أذاهم ونحو ما ذكر و { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من الكرامات
~~السنية التي وقعت جزاء له عليه السلام، وما فيه من معنى البعد للإيذان
~~بعلو رتبته وبعد منزلته في الفضل والشرف، والكاف متعلقة بما بعدها أي مثل
~~ذلك الجزاء الكاملين في الإحسان لإجزاء أدنى منه. وقوله تعالى: { إنه
~~من عبادنا المؤمنين }.

### || [37.81]

# تعليل لكونه عليه السلام محسنا المفهوم من الكلام بخلوص عبودتيه وكمال
~~إيمانه، وفيه من الدلالة على جلالة قدرهما ما لا يخفى وإلا فمنصب الرسالة
~~منصب عظيم والرسول لا ينفك عن الخلوص بالعبودية وكمال الإيمان فالمقصود
~~بالصفة مدحها نفسها لا مدح موصوفها.

### || [37.82]

# أي المغايرين لنوح عليه السلام وأهله وهم كفار قومه أجمعين، وثم للتراخي
~~الذكري إذ بقاؤه عليه السلام ومن معه متأخر عن الإغراق.

### || [37.83]

# { وإن من شيعته } أي ممن شايع نوحا وتابعه في أصول الدين {
~~لإبرهيم } وإن اختلفت فروع شريعتيهما أو ممن شايعه في التصلب في دين
~~الله تعالى ومصابرة المكذبين ونقل هذا عن ابن عباس، وجوز أن يكون بين
~~شريعتيهما اتفاق كلي أو أكثري وللأكثر حكم الكل، ورأيت في بعض الكتب ولا
~~أدري الآن أي كتاب هو أن نوحا عليه السلام لم يرسل إلا بالتوحيد ونحوه
~~من أصول العقائد ولم يرسل بفروع. قيل: وكان بين إبراهيم وبينه عليهما
~~السلام نبيان هود وصالح لا غير، ولعله أريد بالنبي الرسول لا ما هو أعم
~~منه، وهذا بناء على أن ساما كان نبيا وكان بينهما على ما في «جامع
~~الأصول» ألف سنة ومائة واثنتان وأربعون سنة، وقيل ألفان وستمائة وأربعون
~~سنة. وذهب الفراء إلى أن ضمير { شيعته } لنبينا محمد صلى الله عليه
~~وسلم، والظاهر ما أشرنا إليه وهو المروي عن ms09000 ابن عباس/ ومجاهد وقتادة
~~والسدي، وقلما يقال للمتقدم هو شيعة للمتأخر، ومنه قول الكميت الأصغر بن
~~زيد:

# وما لي إلا آل أحمد شيعة

# وما لي إلا مشعب الحق مشعب

# وذكر قصة إبراهيم عليه السلام بعد قصة نوح لأنه كآدم الثالث بالنسبة إلى
~~الأنبياء والمرسلين بعده لأنهم من ذريته إلا لوطا وهو بمنزلة ولده
~~عليهما السلام، ويزيد حسن الإرداف أن نوحا نجاه الله تعالى من الغرق
~~وإبراهيم نجاه الله تعالى من الحرق.

### || [37.84]

# { إذ جاء ربه } منصوب باذكر كما هو المعهود في نظائره، وجوز
~~تعلقه بفعل مقدر يدل عليه قوله تعالى:

# وإن من شيعته

# [الصافات: 83] كأنه قيل: متى شايعه؟ فقيل: شايعه إذ جاء ربه، وقيل: هو
~~متعلق بشيعة لما فيه من معنى المشايعة. ورد بأنه يلزم عمل ما قبل لام
~~الابتداء فيما بعدها وهم لا يجوزون ذلك للصدارة فلا يقال: إن ضاربا
~~لقادم علينا زيدا، وكذا يلزم الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي وهو لا
~~يجوز. وأجيب بأنه لا مانع من كل إذا كان المعمول ظرفا لتوسعهم فيه.

# { بقلب سليم } أي سالم من جميع الآفات، كفساد العقائد والنيات
~~السيئة والصفات القبيحة كالحسد والغل وغير ذلك، وعن قتادة تخصيص السلامة
~~بالسلامة من الشرك، والتعميم الذي ذكرناه أولى أو سالم من العلائق
~~الدنيوية بمعنى أنه ليس فيه شيء من محبتها والركون إليها وإلى أهلها،
~~وقيل سليم أي حزين وهو مجاز من السليم بمعنى اللديغ من حية أو عقرب فإن
~~العرب تسميه سليما تفاؤلا بسلامته وصار حقيقة فيه، وما تقدم أنسب
~~بالمقام، والباء قيل للتعدية. والمراد بمجيئه ربه بقلبه إخلاصه قلبه له
~~تعالى على سبيل الاستعارة التبعية التصريحية، ومبناها تشبيه إخلاصه قلبه
~~له عز وجل بمجيئه إليه تعالى بتحفة في أنه سبب للفوز بالرضا، ويكتفى
~~بامتناع الحقيقة مع كون المقام مقام المدح قرينة، فحاصل معنى التركيب إذ
~~أخلص عليه السلام لله تعالى قلبه السليم من الآفات أو المنقطع عن العلائق
~~أو الحزين المنكسر. وتعقب بأن سلامة القلب عن الآفات لا تكون بدون
~~الإخلاص وكذا الانقطاع ms09001 عن العلائق لا يكون بدونه. وأجيب بأنهما قد يكونان
~~بدون ذلك كما في القلوب البله.

# وفي " المطلع " معنى مجيئه ربه بقلبه أنه أخلص قلبه لله تعالى وعلم
~~سبحانه ذلك منه كما يعلم الغائب وأحواله بمجيئه وحضوره فضرب المجيء مثلا
~~لذلك اه، وجعل في الكلام عليه استعارة تمثيلية بأن تشبه الهيئة المنتزعة
~~من إخلاص إبراهيم عليه السلام قلبه لربه تعالى وعلمه سبحانه ذلك الإخلاص
~~منه موجودا بالهيئة المنتزعة من المجيء بالغائب بمحضر شخص ومعرفته إياه
~~وعلمه بأحواله ثم يستعار ما يستعار، ولتأدية هذا المعنى عدل عن جاء ربه
~~سليم القلب إلى ما في النظم الجليل.

# وقيل الباء للملابسة ولعله المتبادر، والمراد بمجيئه ربه حلوله في مقام
~~الامتثال ونحوه، وذكر أن نكتة العدول عما سمعت إلى ما في النظم سلامته من
~~توهم أن الحال منتقلة لما أن الانتقال أغلب حاليها مع أنه أظهر في أن
~~سلامة القلب كانت له عليه السلام قبل المجيء أيضا فليتدبر.

### || [37.85]

# بدل من (إذ) الأولى أو ظرف لجاء أو لسليم أي أي شيء تعبدون؟

### || [37.86]

# أي أتريدون آلهة من دون الله تعالى إفكا أي للإفك فقدم المفعول به على
~~الفعل للعناية لأن إنكاره أو التقرير به هو المقصود وفيه رعاية الفاصلة
~~أيضا ثم المفعول لأجله لأن الأهم مكافحتهم بأنهم على إفك وباطل في
~~شركهم./ ويجوز أن يكون { إفكا } مفعولا به بمعنى أتريدون إفكا وتكون
~~(آلهة) بدلا منه بدل كل من كل، وجعلها عين الإفك على المبالغة أو الكلام
~~على تقدير مضاف أي عبادة آلهة وهي صرف للعبادة عن وجهها. وجوز كونه حالا
~~من ضمير { تريدون } أي أفاكين أو مفعوله أي مأفوكة. وتعقب بأن جعل
~~المصدر حالا لا يطرد إلا مع أما نحو إما علما فعالم.

### || [37.87]

# أي أي شيء ظنكم بمن هو حقيق بالعبادة لكونه ربا للعالمين أشككتم فيه
~~حتى تركتم عبادته سبحانه بالكلية أو أعلمتم أي شيء هو حتى جعلتم الأصنام
~~شركاءه سبحانه وتعالى أو أي شيء ظنكم بعقابه عز وجل حتى اجترأتم على
~~الإفك عليه ms09002 تعالى ولم تحافوا، وكان قومه عليه السلام يعظمون الكواكب
~~المعروفة ويعتقدون السعود والنحوس والخير والشر في العالم منها ويتخذون
~~لكل كوكب منها هيكلا ويجعلون فيها أصناما تناسب ذلك الكوكب بزعمهم
~~ويجعلون عبادتها وتعظيمها ذريعة إلى عبادة تلك الكواكب واستنزال
~~روحانياتها وكانوا يستدلون بأوضاعها على الحوادث الكونية عامة أو خاصة
~~فاتفق أن دنا يوم عيد لهم يخرجون فيه فأرسل ملكهم إلى إبراهيم عليه
~~السلام أن غدا عيدنا فأحضر معنا فاستشعر حصول الفرصة لحصول ما عسى أن
~~يكون سببا لتوحيدهم فأراد أن يعتذر عن الحضور على وجه لا ينكرونه عليه.

### || [37.88]

# أي فتأمل نوعا من التأمل في أحوالها وهو في نفس الأمر على طرز تأمل
~~الكاملين في خلق السموات والأرض وتفكرهم في ذلك إذ هو اللائق به عليه
~~السلام لكنه أوهمهم أنه تفكر في أحوالها من الاتصال والتقابل ونحوهما من
~~الأوضاع التي تدل بزعمهم على الحوادث ليرتب عليه ما يتوصل به إلى غرضه
~~الذي يكون وسيلة إلى إنقاذهم مما هم فيه، والظاهر بعد اعتبار الإيهام أنه
~~إيهام التفكر في أحكام طالع ولادته عليه السلام وما يدل عليه بزعمهم ما
~~تجدد له من الأوضاع في ذلك الوقت، وهذا من معاريض الأفعال نظير ما وقع في
~~قصة يوسف عليه السلام من تفتيش أوعية إخوته بني علاته قبل وعاء شقيقه فإن
~~المفتش بدأ بأوعيتهم مع علمه أن الصاع ليس فيها وأخر تفتيش وعاء أخيه مع
~~علمه بأنه فيها تعريضا بأنه لا يعرف في أي وعاء هو ونفيا للتهمة عنه لو
~~بدأ بوعاء الأخ.

### || [37.89]

# { فقال } أي لهم { إنى سقيم } أراد أنه سيسقم ولقد صدق عليه
~~السلام فإن كل إنسان لا بد أن يسقم وكفى باعتلال المزاج أول سريان الموت
~~في البدن سقاما، وقيل أراد مستعد للسقم الآن أو خارج المزاج عن الاعتدال
~~خروجا قل من يخلو عنه أو سقيم القلب لكفركم والقوم توهموا أنه أراد قرب
~~اتصافه بسقم لا يستطيع معه الخروج معهم إلى معبدهم، وهو على ما روي عن
~~سفيان وابن جبير سقم الطاعون ms09003 فإنهما فسرا { سقيم } بمطعون وكان كما
~~قيل أغلب الأسقام عليهم وكانوا شديدي الخوف منه لاعتقادهم العدوى فيه،
~~وهذا وكذا قوله عليه السلام

# بل فعله كبيرهم هذا

# [الأنبياء: 63] وقوله في زوجته سارة هي أختي من معاريض الأقوال كقول
~~نبينا صلى الله عليه وسلم لمن قال له في طريق الهجرة: ممن الرجل؟ من ماء
~~حيث أراد عليه الصلاة والسلام ذكر مبدأ خلقه ففهم السائل أنه بيان قبيلته
~~وكقول صاحبه الصديق وقد سئل عنه عليه الصلاة والسلام في ذاك أيضا: هو
~~هاد يهديني حيث أراد شيئا وفهم السائل آخر ولا يعد ذلك كذبا في
~~الحقيقة. وتسميته به في بعض الأحاديث الصحيحة بالنظر لما فهم الغير منه
~~لا بالنسبة إلى ما قصده المتكلم وجعله ذنبا في حديث الشفاعة قيل لأنه
~~ينكشف لإبراهيم عليه السلام أنه كان منه خلاف الأولى لا أن كل تعريض هو/
~~كذلك فإنه قد يجب والإمام لضيق محرابه ومجاله ينكر الحديث الوارد في ذلك
~~وهو في " الصحيحين " ويقول: إسناد الكذب إلى راويه أهون من إسناده إلى
~~الخليل عليه السلام، وقد مر الكلام في ذلك.

# وقيل: كانت له عليه السلام حمى لها نوبة معينة في بعض ساعات الليل فنظر
~~ليعرف هل هي تلك الساعة فإذا هي قد حضرت فقال لهم إني سقيم، وليس شيء من
~~ذلك من المعاريض، ونحوه ما أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: أرسل
~~إليه عليه السلام ملكهم فقال: إن غدا عيدنا فاخرج معنا فنظر إلى نجم
~~فقال إن ذا النجم لم يطلع قط إلا طلع بسقم لي. وأنت تعلم أن النظر المعدى
~~بفي بمعنى التأمل والتفكر والنظر المشار إليه لا يحتاج إلى تفكر، وعن
~~أبي مسلم أن المعنى نظر وتفكر في النجوم ليستدل بأحوالها على حدوثها
~~وأنها لا تصلح أن تكون آلهة فقال إني سقيم أي سقيم النظر حيث لم يحصل له
~~كمال اليقين انتهى، وهذا لعمري يسلب فيما أرى عن أبي مسلم الإسلام وفيه
~~من الجهل بمقام الأنبياء لا سيما الخليل عليه وعليهم السلام ms09004 ما يدل على
~~سقم نظره نعوذ بالله تعالى من خذلانه ومكره.

# وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن { نظر نظرة فى النجوم }
~~كلمة من كلام العرب تقول إذا تفكر الشخص: نظر في النجوم وعليه فليس هو من
~~المعاريض بل قوله: { إنى سقيم } فقط منها وهذا إن أيده نقل من أهل
~~اللغة حسن جدا، وقيل: المعنى نظر في أحوال النجوم أو في علمها أو في
~~كتبها وأحكامها ليستدل على ما يحدث له والنظر فيها للاستدلال على بعض
~~الأمور ليس بممنوع شرعا إذا كان باعتقاد أن الله تعالى جعلها علامة عليه
~~والممنوع الاستدلال باعتقاد أنها مؤثرة بنفسها والجزم بكلية أحكامها، وقد
~~ذكر الكرماني في " مناسكه " على ما قال الخفاجي أن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال لرجل أراد السفر في آخر الشهر أتريد أن تخسر صفقتك ويخيب سعيك
~~اصبر حتى يهل الهلال انتهى.

# وهذا البحث من أهم المباحث فإنه لم يزل معترك العلماء والفلاسفة
~~الحكماء، وقد وعدنا بتحقيق الحق فيه وبيان كدره وصافيه فنقول وبالله
~~تعالى التوفيق إلى سلوك أقوم طريق:

# اعلم أن بعض الناس أنكروا أن يكون للكواكب تأثير في هذا العالم غير وجود
~~الضياء في المواضع التي تطلع عليها الشمس والقمر وعدمه فيما غابا عنه وما
~~جرى هذا المجرى، وهذا خروج عن الإنصاف وسلوك في مسالك الجور والاعتساف،
~~وبعضهم قالوا: إن لها تأثيرا ما يجري على الأمر الطبيعي مثل أن يكون
~~البلد القليل العرض ذا مزاج مائل عن الاعتدال إلى الحر واليبس وكذا مزاج
~~أهله وتكون أجسامهم ضعيفة وألوانهم سود وصفر كالنوبة والحبشة، وأن يكون
~~البلد الكثير العرض ذا مزاج مائل عن الاعتدال إلى البرد والرطوبة وكذا
~~مزاج أهله وتكون أجسامهم عبلة وألوانهم بيض وشعورهم شقر مثل الترك
~~والصقالبة، ومثل نمو النبات واشتداده ونضج ثمره بالشمس والقمر ونحو ذلك
~~مما يدرك بالحس، ولا بأس في نسبته إلى الكوكب على معنى أن الله تعالى
~~أودع فيه قوة مؤثرة فاثر بإذن الله تعالى كما ينسب الإحراق إلى النار
~~والري إلى الماء مثلا ms09005 على معنى ذلك وهو مذهب السلف على ما قال الشيخ
~~إبراهيم الكوراني في جميع الأسباب والمسببات وصرح به بعض الماتريدية، أو
~~على معنى أن الله تعالى أودع فيه قوة مؤثرة مطلقا على ما يقوله الأشاعرة
~~في كل سبب ومسبب فلا فرق بين الماء والنار مثلا عندهم في أنه ليس في كل
~~قوة يترتب عليها ما يترتب وإنما الفرق في أنه جرت عادة الله تعالى بأن
~~يخلق الإحراق دون الري عند النار دون الماء ويخلق الري دون الإحراق عند
~~الماء دون النار وليس للنار والماء مدخل في الأثر من الإحراق والري سوى
~~أن كلا مقارن لخلق الله تعالى الأثر بلا واسطة./ وظواهر الأدلة مع
~~الأولين ولا ينافي مذهبهم توحيد الأفعال وأنه عز وجل خالق كل شيء كما حقق
~~في موضعه.

# وبعضهم زعم أن لها تأثيرا يعرفه المنجم غير ذلك كالسعادة والنحوسة وطول
~~العمر وقصره وسعة العيش وضيقه إلى غير ذلك مما لا يخفى على من راجع كتب
~~أحكام طوالع المواليد وطوالع السنين والكسوف والخسوف والأعمال ونحوها،
~~وهو مما لا ينبغي أن يعول عليه أو يلتفت إليه فليس له دليل عقلي أو نقلي
~~بل الأدلة قائمة على بطلانه متكفلة بهدم أركانه، والقائلون به بعد
~~اتفاقهم على أن الخير والشر والإعطاء والمنع وما أشبه ذلك يكون في العالم
~~بالكواكب على حسب السعود والنحوس وكونها في البروج المنافرة لها أو
~~الموافقة وحسب نظر بعضها إلى بعض بالتسديس والتربيع والتثليث والمقابلة
~~وحسب كونها في شرفها وهبوطها ووبالها ورجعتها واستقامتها وإقامتها
~~اختلفوا في كثير من الأصول وتكلموا بكلام يضحك منه أرباب العقول، وذلك
~~أنهم اختلفوا في أنه على أي وجه يكون ذلك؟ فزعم قوم منهم أن فعلها
~~بطبائعها، وزعم آخرون أن ذلك ليس فعلا لها لكنها تدل عليه بطبائعها،
~~وزعم آخرون أنها تفعل في البعض بالعرض وفي البعض بالذات، وزعم آخرون أنها
~~تفعل بالاختيار لا بالطبع إلا أن السعد منها لا يختار إلا الخير والنحس
~~لا يختار إلا الشر وهذا مع قولهم إنها قد تتفق على ms09006 الخير وقد تتفق على
~~الشر مما يتعجب منه، وزعم آخرون أنها لا تفعل بالاختيار بل تدل به وهو
~~كلام لا يعقل معناه.

# واختلفوا أيضا فقالت فرقة: من الكواكب ما هو سعد ومنها ما هو نحس وهي
~~تسعد غيرها وتنحسه. وقالت أخرى: هي في أنفسها طبيعة واحدة وإنما تختلف
~~دلالتها على السعود والنحوس، وهذا قول من يقول منهم إن للفلك طبيعة
~~مخالفة لطبيعة الاستقصات الكائنة الفاسدة وأنها لا حارة ولا باردة ولا
~~يابسة ولا رطبة ولا سعد ولا نحس فيها وإنما يدل بعض أجرامها وبعض أجزائها
~~على الخير والبعض على الشر وارتباط الخير والشر والسعد والنحس بها ارتباط
~~المدلولات بأدلتها لا ارتباط المعلولات بعللها وهو أعقل من أصحاب القول
~~بالاقتضاء الطبيعي والعلية وإن كان قوله أيضا عند بعض الأجلة ليس بشيء
~~لأن الدلالة الحسية لا تختلف ولا تتناقض.

# واختلفوا أيضا فقالت فرقة تفعل في الأبدان والأنفس جميعا وهو قول
~~بطليموس وأتباعه، وقال الأكثرون: تفعل في الأنفس دون الأبدان، ولعل
~~الخلاف لفظي، واختلف رؤساؤهم بطليموس ودوروسوس وأنطيقوس وريمس وغيرهم من
~~علماء الروم والهند وبابل في الحدود وغيرها وتضادوا في المواضع التي
~~يأخذون منها دليلهم، ومن ذلك اختلافهم في أمر سهم السعادة فزعم بطليموس
~~أنه يعلم بأن يؤخذ أبدا العدد الذي يحصل من موضع الشمس إلى موضع القمر
~~ويبتدىء من الطالع فيرصد منه مثل ذلك العدد على التوالي فمنتهى العدد
~~موضع السهم، وزعم بعضهم أنه يبتدىء من الطالع فيعد مثل ذلك على خلاف
~~التوالي، وزعم بعض الفرس أن سهم السعادة يؤخذ بالليل من القمر إلى الشمس
~~وبالنهار من الشمس إلى القمر، وزعم أهل مصر في الحدود أنها تؤخذ من أرباب
~~البيوت وزعم الكلدانيون أنها تؤخذ من مدبري المثلثات، واختلفوا أيضا
~~فرتبت طائفة البروج المذكرة والمؤنثة من الطالع فعدوا واحدا مذكرا وآخر
~~مؤنثا وصيروا الابتداء بالمذكر، وقسمت طائفة أخرى البروج أربعة أجزاء
~~وجعلوا المذكرة هي التي من الطالع إلى وسط السماء والتي تقابلها من
~~الغارب إلى وتد الأرض وجعلوا الربعين الباقيين مؤنثين، ومما يضحك ms09007 العقلاء
~~أنهم جعلوا البروج قسمين حار المزاج وبارده وجعلوا الحار منها ذكرا
~~والبارد أنثى وابتدؤا بالحمل فقالوا: هو ذكر حار والذي بعده مؤنث بارد
~~وهكذا إلى آخرها فصارت ستة ذكورا وستة إناثا.

# / وقال بعضهم: الأول ذكر والثلاثة بعده إناث والخامس ذكر والثلاثة بعده
~~إناث والتاسع ذكر وما بعده إناث فالذكور ثلاثة وبعد كل ذكر إناث ثلاث
~~مخالفة له في الطبيعة.

# ثم إن هذه القسمة للمذكر والمؤنث ذاتية للبروج ولها قسمة ثانية بالعرض
~~وهي أنهم يبدؤن من الطالع إلى الثاني عشر فيأخذون واحدا ذكرا وآخر
~~أنثى. وبعضهم يقول هي أربعة أقسام فمن وتد المشرق إلى وتد العاشر ذكر
~~شرقي مجفف سريع، ومن وتد العاشر إلى وتد الغارب مؤنث جنوبي محرق وسط،
~~ومن وتد الغارب إلى وتد الرابع ذكر معتل رطب غربي بطيء، ومن وتد الرابع
~~إلى الطالع مؤنث ذليل مبرد شمالي وسط، وبعض الأوائل منهم لم يقتصر على
~~ذلك بل ابتدأ بالدرجة الأولى من الحمل فقال هي ذكر والدرجة الثانية أنثى
~~وهكذا إلى آخر الحوت، ولبطليموس هذيان آخر فإنه ابتدأ بأول درجة كل برج
~~ذكر فنسب منها إلى تمام اثنتي عشرة درجة ونصف إلى الذكورية ومنه إلى تمام
~~خمس وعشرين درجة إلى الأنوثية ثم قسم باقي البروج إلى قسمين فنسب النصف
~~الأول إلى الذكر والآخر إلى الأنثى وفعل مثل ذلك في كل برج أنثى.

# ولدوروسوس هذيان آخر فإنه يقسم البروج كل برج ثمانية وخمسين دقيقة ومائة
~~وخمسين دقيقة ثم ينظر إلى الطالع فإن كان برجا ذكرا أعطى القسمة الأولى
~~للذكر ثم الثانية للأثنى إلى أن يأتي على البروج كلها وإن كان أنثى أعطى
~~القسمة الأولى للأنثى ثم الثانية للذكر إلى أن يأتي على آخرها، وما لهم
~~في شيء من ذلك دليل مع أن قولهم ببساطة الفلك يأبى اختلاف أجزائه
~~بالحرارة والبرودة والذكورة والأنوثة. ومثل هذيانهم في قسمة الأجزاء
~~الفلكية إلى ما ذكر قسمتهم الكواكب إلى ذلك فزعموا أن القمر والزهرة
~~مؤنثان وأن الشمس وزحل والمشتري والمريخ مذكرة وأن عطارد ذكر أنثى ms09008 وأن
~~سائر الكواكب تذكر وتؤنث بسبب الأشكال التي تكون لها بالقياس إلى الشمس
~~وذلك أنها إذا كانت مشرقة متقدمة على الشمس فهي مذكرة وإن كانت مغربة
~~تابعة كانت مؤنثة وإن ذلك يكون لها بالقياس إلى أشكالها من الأفق، وذلك
~~أنها إذا كانت في الأشكال التي من المشرق إلى وسط السماء مما تحت الأرض
~~فهي مذكرة وإذا كانت في الربعين الباقيين فهي مؤنثة، ويلزم عليه انقلاب
~~المذكر مؤنثا والمؤنث مذكرا.

# وأجاب بعضهم عن هذا الهذيان أنه لا مانع من اتصاف شيء بأمر بالقياس إلى
~~شيء وبضده بالقياس إلى آخر وهو في نفسه غير متصف بشيء منهما كالأدكن فإنه
~~يقال فيه أبيض بالقياس إلى الأسود وأسود بالقياس إلى الأبيض وهو في نفسه
~~لا أسود ولا أبيض فكذا الكواكب يقال إنها ذكران وإناث بالقياس إلى
~~الأشكال أعني الجهات والجهات إلى الرياح كالصبا والدبور والرياح إلى
~~الكيفيات لا أنها ذكران وإناث في أنفسها، وهو تلبيس فإن الأدكن فيه شائبة
~~بياض وسواد فمقتضى التشبيه يلزم أن يكون في الكوكب شائبة ذكورة وأنوثة،
~~وأيضا الظاهر أن الانقسام المذكور بحسب الطبيعة والتأثير والتأثر ولا
~~يكاد يعرف انقلاب الحقيقة والطبيعة بحسب الموضع والقرب والبعد، ومنه يعلم
~~فساد ما قالوا: إن القمر من أول ما يهل إلى وقت انتصافه الأول في الضوء
~~يكون فاعلا للرطوبة خاصة ومن ذلك إلى وقت الامتلاء يكون فاعلا للحرارة
~~ومنه إلى وقت الانتصاف الثاني في الضوء يكون فاعلا لليبس ومن ذلك إلى
~~وقت خفائه يكون فاعلا للبرودة وقاسوا ذلك على تأثيرات الشمس في الفصول
~~والفرق مثل الشمس ظاهر، ويلزم عليه كون الشهر الواحد ذا فصول والحس
~~يدفعه، وأيضا كلامهم هذا يخالف ما قالوه من أن قوة القمر الترطيب لقرب
~~فلكه من الأرض وقبوله للبخارات الرطبة التي ترتفع منها إليه، ثم إن هذا
~~القول باطل في نفسه لما أنه يلزم عليه ازدياد رطوبة القمر/ في كل يوم لو
~~سلم تصاعد البخارات الرطبة إليه وتأثره منها، وكذا القول بأن قوة زحل أن
~~يبرد ويجفف تجفيفا يسيرا ms09009 لبعده عن حرارة الشمس والبخارات الرطبة، وأن
~~قوة المريخ مجففة محرقة لمشاكلة لونه لون النار ولقربه من الشمس، وكوكب
~~الدب الأكبر كالمريخ، وأن عطاردا معتدل في التجفيف والترطيب لأنه لا
~~يبعد عن الشمس بعدا كثيرا ولا وضعه فوق كرة القمر.

# ومن العجائب استدلال فضلائهم على اختلاف طبائع الكواكب باختلاف ألوانها
~~حيث قالوا: لما كان لون زحل الغبرة والكمودة حكما بأنه على طبع السوداء
~~وهو البرد واليبس فإن لها من الألوان الغبرة، ولما كان لون المريخ كلون
~~النار قلنا طبعه حار يابس والحرارة واليبس في الشمس ظاهرتان، ولما كان
~~لون الزهرة كالمركب من البياض والصفرة والبياض أظهر فيها قلنا طبعها
~~البرودة والرطوبة كالبلغم، ولما كان صفرة المشتري أكثر مما في الزهرة
~~كانت سخونته أكثر من سخونة الزهرة وكان في غاية الاعتدال، وأما القمر فهو
~~أبيض وفيه كمودة فيدل بياضه على البرودة.

# وأما عطارد فتختلف ألوانه فربما رأيناه أخضر وربما رأيناه أغبر وربما
~~رأيناه على خلاف هذين اللونين وذلك في أوقات مختلفة مع كونه من الأفق على
~~ارتفاع واحد فلا جرم يكون له طبائع مختلفة إلا أنا لما وجدناه في الأغلب
~~أغبر كالأرض قلنا هو مثلها في الطبع، ويرد عليه أن المشاركة في بعض
~~الصفات لا تقتضي المشاركة في الطبيعة ولا في صفة أخرى، وأن دلالة مجرد
~~اللون على الطبيعة ضعيفة جدا لاشتراك الكثير في لون مع اختلاف الطبائع،
~~وأيضا الزرقة أظهر في الزهرة واختلاف ألوان عطارد لأنا نراه قريب الأفق
~~فيكون بيننا وبينه بخارات مختلفة.

# وقال أبو معشر: إن القمر لا ينسب لونه إلى البياض إلا من عدم قوة الحس
~~البصري وفيه بعد ما فيه ولو سلم جميع ما قالوه من اختلاف طبائع البروج
~~والكواكب بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة فقصارى ما يترتب على ذلك
~~ما نجده من اختلاف الأقاليم حرارة وبرودة مثلا واختلاف أشجارها وأثمارها
~~واختلاف أجسام أهلها وألوانهم واختلاف حيواناتها إلى غير ذلك من
~~الاختلافات، ومع هذا نقول: إن الكواكب جزء السبب في ذلك لكن من أين لهم
~~القول بأن ms09010 جميع الحوادث في هذا العالم خيرها وشرها وصلاحها وفسادها وجميع
~~أشخاصه وأنواعه وصوره وقواه ومدد بقاء أشخاصه وجميع أحوالها العارضة لها
~~وتكون الجنين ومدة لبثه في بطن أمه وخروجه إلى الدنيا وعمره ورزقه
~~وشقاوته وحسنه وقبحه وأخلاقه وحذقه وبلادته وجهله وعلمه إلى ما لا يحصى
~~من أحواله وانقسام الحيوان إلى الطير وأصنافه وإلى الحيوان البحري
~~وأنواعه والبري وأقسامه واختلاف صور الحيوانات وأفعالها وأخلاقها وثبت
~~العداوة بين أفراد نوع وأفراد نوع آخر منها كالذئاب والغنم وثبوت الصداقة
~~كذلك وكذا ثبوت العداوة أو الصداقة بين أفراد النوع الواحد إلى غير ذلك
~~مما يكون في العالم لا يكون إلا بتأثير الكواكب وهو مما لا يكاد يصح لأن
~~طريق صحته إما الخبر الصادق أو الحس الذي يشترك فيه الناس أو ضرورة العقل
~~أو نظره وشيء من هذا كله غير موجود، ولا يمكن الأحكاميين أن يدعوا واحدا
~~من الثلاثة الأول وغايتهم أن يدعوا أن التجربة قادتهم إلى ذلك، ولا شك أن
~~أقل ما لا بد منه فيها أن يحصل ذلك الشيء على حالة واحدة مرتين والوضع
~~المعين لمجموع الكواكب لا يتكرر أصلا أو يتكرر بعد ألوف ألوف من السنين
~~وعمر الإنسان الواحد/ بل عمر البشر لا تفي به. وزعم بعضهم لذلك أن مجموع
~~الاتصالات ونسب الكواكب بعضها إلى بعض غير شرط في التأثير لتتوقف التجربة
~~على تكراره بل يكفي بعض الاتصالات وقد يكفي واحد منها وذلك يتكرر في
~~أزمنة قليلة فتتأتى التجربة، مثلا رداءة السفر وقد نزل القمر برج العقرب
~~يستند إلى هذا النزول بالتجربة فإنا وجدنا تكرر ذلك وترتب الرداءة عليه
~~كل مرة وهذا هو التجربة وكذا يقال في نظائره.

# وأنت تعلم أن التجارب التي دلت على كذب ما يقولون بوقوع خلافه أضعاف
~~التجارب التي دلت على صدقه، فقد أجمع حذاقهم سنة سبع وثلاثين عام خروج
~~علي كرم الله تعالى وجهه إلى صفين على أنه يقتل ويقهر جيشه فانتصر على
~~أهل الشام ولم يقدروا على التخلص إلا بالحيلة، وإن لم يسلم هذا الإجماع
~~فإجماعهم ms09011 على مثله في خروجه كرم الله تعالى وجهه لحرب الخوارج حيث كان
~~القمر في العقرب وقوله رضي الله تعالى عنه: نخرج ثقة بالله تعالى وتوكلا
~~عليه سبحانه وتكذيبا لقول المنجم، ونصرته الخارجة عن القياس مما شاع
~~وذاع ولو قيل بتواتره لم يبعد، وأجمعوا سنة ست وستين على غلبة عبيد الله
~~بن زياد وقد سار بنحو من ثمانين ألف مقاتل على المختار بن أبي عبيد
~~فلقيه إبراهيم بن الأشتر صاحب المختار بأرض نصيبين فيما دون سبعة آلاف
~~مقاتل فقتل من عسكره نحوا من ثلاثة وسبعين ألفا وضربه وهو لا يعرفه
~~فقتله ولم يقتل من أصحابه أكثر من مائة.

# وأجمعوا يوم أسست بغداد سنة ست وأربعين ومائة على أن طالعها يقضي بأنه
~~لا يموت فيها خليفة وشاع ذلك حتى قال بعض شعراء المنصور مهنئا له:

# يهنيك منها بلدة تقضي لنا

# أن الممات بها عليك حرام

# لما قضت أحكام طالع وقتها

# أن لا يرى فيها يموت إمام

# فأول ما ظهر كذب ذلك بقتل الأمين بشارع باب الأنبار فقال بعض الشعراء:

# كذب المنجم في مقالته التي

# كان ادعاها في بنا بغدان

# قتل الأمين بها لعمري يقتضي

# تكذيبهم في سائر الحسبان

# ثم مات فيها جماعة من الخلفاء كالواثق والمتوكل والمعتضد والناصر وغيرهم
~~إلى أمور أخر لا تكاد تحصى أجمعوا فيها على حكم وتبين كذبهم فيه.

# على أنه قد يقال لهم: المؤثر في السعود والنحوس ونحوهما هل هو الكوكب
~~وحده أو البرج وحده أو الكوكب بشرط حصوله في البرج؟ فإن قالوا بأحد
~~الأمرين الأولين لزمهم دوام الأثر لدوام المؤثر، وإن قالوا بالثالث لزمهم
~~القول باختلاف البروج في الطبيعة وإلا لاتحدت آثار الكوكب فيها وكلهم
~~مجمعون على أن الفلك بسيط لا تركيب فيه، والتزام التركيب من طبائع مختلفة
~~ينافي قولهم بامتناع الانحلال. وزعم بعضهم أنها تفعل ما تفعل بالاختيار
~~يستدعي إلغاء أمر الاتصال والانفصال والمقارنة والهبوط ونحو ذلك؛ وكون ما
~~ذكر شرطا للاختيار لا يخفى حاله، والقول بأنها تستدعي من حيث طبيعة
~~أشعتها التسخين والتبريد وهما يوجبان ms09012 اختلاف أمزجة الأبدان واختلافها
~~يوجب اختلاف أفعال النفس يرد عليه أنا نرى التسخين مثلا يقتضي حرارة
~~وحدة في المزاج يفعل بها شخص غاية الخير والأفعال الحميدة وآخر غاية الشر
~~والأفعال الخبيثة فلا بد لهذا الاختلاف من موجب غير التسخين، وأيضا هم
~~يقولون: جميع الحوادث الكونية مستند إلى الكواكب وحديث التسخين والتبريد
~~واستلزامهما اختلاف أفعال النفس لا يتم به/ هذا الغرض.

# وذكر الإمام الرازي عليه الرحمة أن المثبتين لعلم الأحكام والتأثيرات أي
~~من الإسلاميين احتجوا من كتاب الله تعالى بآيات وهي أنواع، الأول: الآيات
~~الدالة على تعظيم الكواكب فمنها قوله تعالى:

# فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس

# [التكوير: 1516] وأكثر المفسرين على أن المراد هو الكواكب التي تصير
~~راجعة تارة ومستقيمة أخرى، ومنها قوله تعالى:

# فلا أقسم بموقع النجوم * وإنه لقسم لو
~~تعلمون عظيم

# [الواقعة: 75 76] وقد صرح سبحانه بتعظيم هذا القسم وذلك يدل على غاية
~~جلالة مواقع النجوم ونهاية شرفها، ومنها قوله تعالى:

# والسماء والطارق * وما أدراك ما الطارق * النجم
~~الثاقب

# [الطارق: 1-3] قال ابن عباس: الثاقب هو زحل لأنه يثقب بنوره سمك
~~السموات السبع، ومنها قوله تعالى:

# والشمس والقمر والنجوم مسخرت بأمره ألا
~~له الخلق والأمر تبارك الله رب العلمين

# [الأعراف: 54] فقد بين سبحانه إلهيته بكون هذه الكواكب تحت تدبيره
~~وتسخيره.

# النوع الثاني: ما يدل على وصفه تعالى بعض الأيام بالنحوسة كقوله سبحانه:

# فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا فى أيام نحسات

# [فصلت: 16] النوع الثالث: الآيات الدالة على أن لها تأثيرا في هذا
~~العالم كقوله تعالى:

# فالمدبرت أمرا

# [النازعات: 5] وقوله تعالى:

# فالمدبرت أمرا

# [النازعات: 5] وقوله تعالى:

# فالمقسمات أمرا

# [الذاريات: 4] قال بعضهم المراد هذه الكواكب.

# الرابع: الآيات الدالة على أنه تعالى جعل حركات هذه الأجرام وخلقها على
~~وجه ينتفع بها في مصالح هذا العالم كقوله تعالى:

# هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره
~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق
~~الله ذلك إلا بالحق

# [يونس: 5] وقوله تعالى:

# تبارك الذى جعل فى السماء بروجا وجعل فيها
~~سراجا وقمرا منيرا

# [الفرقان: 61].

# النوع الخامس: أنه تعالى ms09013 حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه تمسك بعلم
~~النجوم فقال سبحانه:

# فنظر نظرة فى النجوم * فقال إنى سقيم

# [الصافات: 8889] السادس: أنه تعالى قال:

# لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس
~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون

# [غافر: 57] ولا يكون المراد كبر الجثة لأن كل أحد يعلمه فوجب أن يكون
~~المراد كبر القدر والشرف، وقال سبحانه:

# ويتفكرون فى خلق السموات والأرض ربنا ما
~~خلقت هذا بطلا

# [آل عمران: 191] ولا يجوز أن يكون المراد أنه تعالى خلقها ليستدل
~~بتركيبها وتأليفها على وجود الصانع لأن هذا القدر حاصل في تركيب البعوضة
~~ودلالة حصول الحياة في بنية الحيوانات على وجود الصانع أقوى من دلالة
~~تركيب الأجرام الفلكية عليه لأن الحياة لا يقدر عليها غيره تعالى وجنس
~~التركيب يقدر عليه الغير فلما خصها سبحانه وتعالى بهذا التشريف المستفاد
~~من قوله تعالى:

# ربنا ما خلقت هذا بطلا

# [آل عمران: 191] علمنا أن في تخليقها أسرارا عالية وحكما بالغة تتقاصر
~~عقول البشر عن إدراكها، ويقرب من هذه الآية قوله تعالى:

# وما خلقنا السماء والارض وما بينهما بطلا
~~ذلك ظن الذين كفروا

# [ص: 27] ولا يمكن أن يكون المراد أنه تعالى خلقها على وجه يمكن
~~الاستدلال بها على وجود الصانع الحكيم لأن كونها دالة على الافتقار إلى
~~الصانع أمر ثابت لها لذاتها لأن كل متحيز محدث وكل محدث مفتقر إلى الفاعل
~~فثبت أن دلالة المتحيزات على وجود الفاعل أمر ثابت لها لذواتها وأعيانها
~~وما كان كذلك لم يكن سبب الفعل والجعل فلم يمكن حمل الآية على هذا الوجه
~~فوجب حملها على الوجه الذي ذكر.

# النوع السابع: روي أن عمر بن الخيام كان يقرأ " كتاب المجسطي " على
~~أستاذه فدخل عليهم واحد من المتفقهة فقال: ما تقرءون؟ فقال عمر: نحن في
~~تفسير آية من كتاب الله تعالى:

# أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنينها
~~وزينها وما لها من فروج

# [ق: 6] فنحن ننظر كيف خلق السماء وكيف بناها وكيف صانها عن الفروج.

# الثامن: أن إبراهيم عليه السلام لما استدل على إثبات الصانع تعالى
~~بقوله: ms09014

# ربي الذى يحى ويميت

# [البقرة: 258] قال له نمروذ: أتدعي أنه يحيي ويميت بواسطة الطبائع
~~والعناصر أو لا بواسطتها فإن ادعيت الأول فذلك مما لا تجده البتة لأن كل
~~ما يحدث في هذا العالم فهو بواسطة العناصر والحركات الفلكية وإن ادعيت
~~الثاني فمثل هذا الإحياء والإماتة حاصل مني ومن كل أحد وهو المراد بقوله:

# أنا أحيي وأميت

# [البقرة: 258] ثم إن إبراهيم عليه السلام لم ينازع في كون هذه الحوادث
~~السفلية مرتبطة بالحركات الفلكية بل أجاب بأن الله تعالى هو المبدأ لتلك
~~الحركات فيكون الفعل منه سبحانه حقيقة والواحد منا لا يقدر على تحريك
~~الأفلاك على خلاف التحريك الإلهي وهذا هو المراد بقوله:

# فإن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها
~~من المغرب

# [البقرة: 258] وإذا عرفت نهج الكلام في هذا الباب عرفت أن القرآن العظيم
~~مملوء من تعظيم الأجرام الفلكية وتشريف الكرات الكوكبية.

# وأما الأخبار فكثيرة منها ما روي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن
~~استقبال الشمس والقمر واستدبارهما عند قضاء الحاجة، ومنها أنه لما مات
~~ولده صلى الله عليه وسلم إبراهيم انكسفت الشمس فقال: الناس إنما انكسفت
~~لموت إبراهيم فقال عليه الصلاة والسلام:

# " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا ينكسفان لموت أحد ولا
~~لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة "

# ومنها ما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ذكر
~~القدر فأمسكوا وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا وإذا ذكر النجوم فأمسكوا» ومن
~~الناس من يروي أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " لا تسافروا والقمر في العقرب "

# ومنهم من يرويه عن علي كرم الله تعالى وجهه وإن كان المحدثون لا
~~يقبلونه.

# وأما الآثار فكثيرة أيضا فعن علي كرم الله تعالى وجهه أن رجلا أتاه
~~آخر الشهر فقال: أريد الخروج في تجارة فقال: تريد أن يمحق الله تعالى
~~تجارتك استقبل هلال الشهر بالخروج. وعن عكرمة أن يهوديا منجما قال له
~~ابن عباس: ويحك تخبر الناس بما لا تدري فقال: إن لك ابنا في المكتب يحم
~~غدا ويموت ms09015 في اليوم العاشر فقال ابن عباس: ومتى تموت أنت؟ قال: على رأس
~~السنة ثم قال له: ولا تموت أنت حتى تعمى فكان كل ذلك. وعن الشعبي قال:
~~«قال أبو الدرداء لقد فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركنا ولا طائر
~~يطير بجناحيه إلا ونحن ندعي فيه علما» وليست الكواكب موكلة بالفساد
~~والصلاح ولكن فيها دليل بعض الحوادث عرف ذلك بالتجربة، وجاء في الآثار أن
~~أول من أعطي هذا العلم آدم عليه السلام وذلك أنه عاش حتى أدرك من ذريته
~~أربعين ألف أهل بيت وتفرقوا عنه في الأرض وكان يغتم لخفاء خبرهم فأكرمه
~~الله تعالى بهذا العلم فكان إذا أراد أن يعرف حال أحدهم نظر في النجوم
~~فعرفه. وعن ميمون بن مهران أنه قال: إياكم والتكذيب بالنجوم فإنه من علم
~~النبوة، وروي عن الشافعي أنه كان عالما بالنجوم، وجاء لبعض جيرانه ولد
~~فحكم له بأن هذا الولد ينبغي أن يكون على عضوه الفلاني خال صفته كذا وكذا
~~فوجد الأمر كما قال، وروى ابن إسحاق أن المنجمين أخبروا فرعون أنه سيجىء
~~ولد من بني إسرائيل يكون هلاكه على يده. وكذا كان كما قص الله تعالى:

# يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم

# [القصص: 4].

# وأما المعقول فهو أن هذا العلم ما خلت عنه ملة من الملل ولا أمة من
~~الأمم ولم يزالوا مشتغلين به معولين عليه في معرفة المصالح، ولو كان
~~فاسدا بالكلية لاستحال إطباق أهل المشرق والمغرب من أول بناء العالم إلى
~~آخره عليه، والتجارب في هذا الباب أكثر من أن تحصى اه كلامه.

# ولعمري لقد نثر الكنانة ونفض الجعبة واستفرغ الوسع وبذل الجهد وروج
~~وبهرج وقعقع وفرقع ومن غير/ طحن جعجع وجمع بين ما يعلم بالضرورة أنه كذب
~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه وما يعلم بالضرورة أنه خطأ
~~في تأويل كلام الله تعالى ومعرفة مراده سبحانه، ولا يروج ما ذكره إلا على
~~مفرط في الجهل أو مقلد لأهل الباطل من المنجمين وإن أردت الإيضاح وأحببت
~~الاتضاح فاسمع لما نقول: ms09016 ما ذكره من الاستدلالات أو هي من بيوت العناكب
~~وأشبه شيء بنار الحباحب؛ فأما الاستدلال بقوله تعالى:

# فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس

# [التكوير: 1516] ففيه أنا لا نسلم أن هناك قسما بالنجوم فقد روي عن
~~ابن مسعود أن المراد بالخنس بقر الوحش وهي رواية عن ابن عباس واختاره ابن
~~جبير، وحكى الماوردي أنها الملائكة، وإذا سلم ذلك بناء على أنه الذي ذهب
~~إليه الجمهور فأي دلالة فيه على التأثير وقد أقسم سبحانه بالليل والنهار
~~والضحى ومكة والوالد وما ولد والفجر وليال عشر والشفع والوتر والسماء
~~والأرض واليوم الموعود وشاهد ومشهود والمرسلات والعاصفات والناشرات
~~والفارقات والنازعات والناشطات والسابحات والسابقات والتين والزيتون وطور
~~سينين إلى غير ذلك فلو كان الإقسام بشيء دليلا على تأثيره لزم أن يكون
~~جميع ما أقسم به تعالى مؤثرا وهم لا يقولون به وإن لم يكن دليلا
~~فالاستدلال به باطل، ومثله في ذلك الاستدلال بقوله تعالى:

# فلا أقسم بموقع النجوم

# [الواقعة: 75] وقد فسر غير واحد مواقع النجوم بمنازل القرآن ونجومه التي
~~نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في مدة ثلاث وعشرين سنة، وكذا
~~الاستدلال بقوله سبحانه وتعالى:

# والسماء والطارق

# [الطارق: 1].

# وأما قوله تعالى:

# فالمدبرت أمرا

# [النازعات: 5] فلم يقل أحد من الصحابة والتابعين وعلماء التفسير أنه
~~إقسام بالنجوم فهذا ابن عباس وعطاء وعبد الرحمن بن سابط وابن قتيبة
~~وغيرهم قالوا: إن المراد بالمدبرات أمرا الملائكة حتى قال ابن عطية: لا
~~أحفظ خلافا في ذلك، وكذلك

# المقسمات أمرا

# [الذاريات: 4] فتفسيرهما بالنجوم تفسير المنجمين ومن سلك سبيلهم وهو
~~تفسير بالرأي والعياذ بالله تعالى.

# وأما وصفه تعالى بعض الأيام بالنحوسة كما في الآية التي ذكرها فليس ذلك
~~لتأثير الكواكب ونحوستها بحسب ما يزعم المنجم بل لأن الله تعالى عذب
~~أعداءه فيها فهي أيام مشائيم على الأعداء فوصف تلك الأيام بنحسات كوصف
~~يوم القيامة بأنه عسير على الكافرين. وكذا يقال في قوله تعالى:

# فى يوم نحس مستمر

# [القمر: 19] وليس { مستمر } فيه صفة { يوم } بل هو صفة {
~~نحس } أي نحس دائم لا يقلع عنهم ms09017 كما تقلع مصائب الدنيا عن أهلها،
~~والقول بأنه صفة { يوم } وأن المراد به يوم أربعاء آخر الشهر وأنه نحس
~~أبدا غلط ولا يكاد المنجم يزعم نحوسة يوم أربعاء آخر الشهر ولو شهر صفر
~~أبدا بل كثيرا ما يحكم بغاية سعده حسبما تقتضيه الأوضاع الفلكية فيه
~~بزعمه. وأما استدلاله بالآيات الدالة على أنه سبحانه وضع حركات هذه
~~الأجرام على وجه ينتفع بها في مصالح هذا العالم فمن الطرائف إذ الأليق لو
~~صح زعم المنجم أن يذكر في الآية ما تقتضيه النجوم من السعد والنحس وتعطيه
~~من السعادة والشقاوة وتهبه من الأعمار والأرزاق والعلوم والمعارف وسائر
~~ما في العالم من الخير والشر فإن العبرة بذلك أعظم من العبرة بمجرد
~~الضياء والنور ومعرفة عدد السنين والحساب.

# وأما ما ذكره عن إبراهيم عليه السلام من أنه تمسك بعلم النجوم حين قال:
~~{ إنى سقيم } فسقيم جيدا وقد سمعت ما قيل في الآية، ولا ينبغي أن
~~يظن بإمام الحنفاء وشيخ الأنبياء وخليل رب الأرض والسماء أنه كان يتعاطى
~~علم النجوم ويأخذ منه أحكام الحوادث ولو فتح هذا الباب على الأنبياء
~~عليهم السلام لاحتمل أن يكون جميع أخبارهم عن المستقبلات من/ أوضاع
~~النجوم لا من الوحي وهو كما ترى.

# وأما الاستدلال بقوله تعالى:

# لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس

# [غافر: 57] وأن المراد به كبر القدر والشرف لا كبر الجثة ففي غاية
~~الفساد فإن المراد من الخلق ههنا الفعل لا المفعول، والآية للدلالة على
~~المعاد أي إن الذي خلق السموات والأرض وخلقهما أكبر من خلقكم كيف يعجزه
~~أن يعيدكم بعد الموت، ونظيرها قوله تعالى:

# أوليس الذى خلق السموات والأرض بقدر على
~~أن يخلق مثلهم

# [يس: 81] وأين هذا من بحث أحكام النجوم وتأثيراتها، ومثل هذا الاستدلال
~~بقوله تعالى:

# ويتفكرون فى خلق السموات والأرض ربنا ما
~~خلقت هذا بطلا

# [آل عمران: 191] فإن خلق السموات والأرض من أعظم الأدلة على وجود
~~فاطرهما وكمال قدرته وحكمته وعلمه وانفراده بالربوبية ومن سوى بينهما
~~وبين البقة فقد كابر، ولذا ترى الأشياء الضعيفة كالبعوضة ms09018 والذباب
~~والعنكبوت إنما تذكر في سياق ضرب الأمثال مبالغة في الاحتقار والضعف ولا
~~تذكر في سياق الاستدلال على عظمة ذي الجلال جل شأنه، على أن الآية لو دلت
~~على أن للكواكب تأثيرا لدلت على أن للأرض تأثيرا أيضا كالكواكب وهم لم
~~يقولوا به، وما ذكره بعد من أن دلالة حصول الحياة في أبدان الحيوانات
~~أقوى من دلالة السموات والأرض إلى آخر ما قال في حيز المنع، ونظير ذلك
~~الاستدلال بقوله تعالى:

# وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما بطلا

# [ص: 27] فإنه لا يدل أيضا على أن للكواكب تأثيرا، وغاية ما تدل عليه
~~هذه الآية ونظائرها أن تلك المخلوقات فيها حكم ومصالح وليست باطلة أي
~~خالية عن ذلك، ونحن نقول بما تدل عليه ولكن لا نقول بأن تلك الحكم هي
~~الإسعاد والإشقاء وهبة الأعمار والأرزاق إلى غير ذلك مما يزعمه المنجمون
~~بل هي الآثار الظاهرة في عالم الطبيعة على ما سمعت ونحوها كالدلالة على
~~وجود الصانع وكثير من صفاته جل شأنه التي ينكرها الكفرة ولا مانع من أن
~~يقال خلق الله تعالى كذا لتظهر دلالته على كذا، ولا تتعين العبارة التي
~~ذكرها على أنه لا بأس بها عند تدقيق النظر، ولعل ما قاله من فروع كون
~~الماهيات غير مجعولة والكلام فيه شهير.

# وأما ما ذكره عن عمر بن الخيام فهو على طرف الثمام، وأما ما ذكره في
~~محاجة إبراهيم عليه السلام وتقرير المناظرة على ما قرره فلم يقل به أحد
~~من المفسرين سلفهم وخلفهم بل قد يقطع بأنه لم يخطر بقلب المشرك المناظر
~~وما هو إلا تفسير بالرأي والتشهي نعوذ بالله تعالى من ذلك، وأما استدلاله
~~بما روي من نهيه عليه الصلاة والسلام عن استقبال الشمس والقمر عند قضاء
~~الحاجة فبعيد عن حاجته بل لا دلالة للنهي المذكور على تأثير الكواكب الذي
~~يزعمونه وإلا لدل النهي عن استقبال الكعبة عند قضاء الحاجة على أن لها
~~تأثيرا، على أن بعض الأجلة قد ذكر أن ذلك النهي لم ينقل فيه عن رسول
~~الله صلى ms09019 الله عليه وسلم كلمة واحدة لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا متصل
~~ولا مرسل وإنما قال بعض الفقهاء في آداب التخلي ولا يستقبل الشمس والقمر
~~فقيل لأن ذلك أبلغ في التستر، وقيل: لأن نورهما من نوره تعالى، وقيل: لأن
~~اسم الله تعالى مكتوب عليهما.

# وأما ما ذكر من حديث كسوف الشمس يوم موت إبراهيم وقوله عليه الصلاة
~~والسلام ما قال فصحيح لكن لا يدل على ما يزعمه المنجمون، وصدر الحديث يدل
~~على أن الشمس والقمر آيتان وليسا بربين ولا إلهين ففيه إشارة إلى نفي
~~التصرف عنهما، وفي قوله عليه الصلاة والسلام لا ينكسفان لموت أحد ولا
~~لحياته قولان، أحدهما: أن موت أحد وحياته لا يكونان سببا لانكسافهما،
~~وثانيهما: أنه لا يحصل عن انكسافهما موت ولا حياة وإنما/ ذلك تخويف من
~~الله تعالى لعباده أجرى العادة بحصوله في أوقات معلومة بالحساب لطلوع
~~الهلال وإبداره وسراره، فأما سبب كسوف الشمس فتوسط القمر بين جرم الشمس
~~وأبصارنا كسحابة تمر تحتها فإن لم يكن للقمر عرض ستر عنا كل الشمس وإن
~~كان له عرض فبقدر ما يوجبه عرضه، وأما سبب خسوف القمر فهو توسط الأرض
~~بينه وبين الشمس حتى يصير ممنوعا من اكتساب النور من الشمس ويبقى ظلام
~~ظل الأرض المخروط في ممره فقد يقع كله في المخروط وقد يقع بعضه فيه ويبقى
~~بعضه الآخر خارجا إلى آخر ما قرر في موضعه وليس في الشرع ما يأباه
~~والوقوف على وقت الكسوف والخسوف ومقدارهما أمر سهل ولا يلزم من صدق
~~المنجم في ذلك صدقه فيما يزعم من التأثيرات وما الإخبار بهما إلا
~~كالإخبار بوقت طلوع الشمس في يوم كذا في ساعة كذا وكالإخبار بوقت الهلال
~~والإبدار والسرار، ثم إنا لا ننكر أن الله تعالى يحدث عند الكسوفين من
~~أقضيته وأقداره ما يكون بلاء لقوم ومصيبة لهم ويجعل الكسوف سببا لذلك
~~ولهذا أمر صلى الله عليه وسلم عند الكسوف بالفزع إلى ذكر الله تعالى
~~والصلاة والعتاقة والصدقة لأن هذه الأشياء تكون سببا لدفع موجب الكسف
~~الذي ms09020 جعله الله تعالى سببا لما جعله فلولا انعقاد سبب التخويف لما أمر
~~عليه الصلاة والسلام بدفع موجبه بهذه العبادات، ولله تعالى في أيام دهره
~~أوقات يحدث فيها ما يشاء من البلاء والنعماء ويقضي من الأسباب بما يدفع
~~موجب تلك الأسباب لمن قامت به أو يقلله أو يخففه فمن فزع إلى تلك الأسباب
~~أو بعضها اندفع عنه الشر الذي جعل الله تعالى الكسوف سببا له أو بعضه،
~~ولهذا قل ما يسلم أطراف الأرض حيث يخفى الإيمان وما جاءت به الرسل فيها
~~من شر عظيم يحصل بسبب الكسوف ويسلم منه الأماكن التي يظهر فيها نور
~~النبوة والقيام بما جاءت به الرسل أو يقل فيها جدا.

# وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم لما كسفت الشمس في عهده قام فزعا
~~مسرعا يجر رداءه ونادى في الناس الصلاة جامعة وخطبهم بتلك الخطبة
~~البليغة وأخبر أنه لم ير كيومه ذلك في الخير والشر وأمرهم عند حصول مثل
~~تلك الحالة بالعتاقة والصدقة والصلاة والتوبة وما ذلك إلا لكونه عليه
~~الصلاة والسلام أعلم الخلق بالله تعالى وبأمره وشأنه وتصريفه أمور
~~مخلوقاته وتدبيره وأنصحهم للأمة وأشفقهم على العباد ولم يبين لهم عليه
~~الصلاة والسلام أسباب الكسوفين وحسابهما لأن الجهل بذلك لا يضر والعلم به
~~لا ينفع نفع العلم بما جاءت به الرسل عليهم السلام. وقد يقال: الأمر
~~بالصلاة عندهما كالأمر بالصلاة عند طلوع الفجر والغروب والزوال مع تضمن
~~ذلك رفع موجبهما الذي جعلهما الله تعالى سببا له.

# ومن الناس من أنكر أن يكون الكسوفان سببين لشيء من البلاء أصلا وأن سبب
~~حصولهما ليس ما أطال الكلام فيه المنجمون ومر بعضه بل السبب هو تجلي الله
~~تعالى عليهما لما أخرجه ابن ماجه في " سننه " والإمام أحمد والنسائي من
~~حديث النعمان بن بشير قال: «انكسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه
~~وسلم فخرج فزعا يجر ثوبه حتى أتى المسجد فلم يزل يصلي حتى انجلت ثم قال:
~~إن ناسا يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء ms09021
~~وليس كذلك إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا تجلى
~~الله تعالى لشيء من خلقه خشع له وإن الأمر بالصلاة لظهور آثار تجلي
~~الجلال في هذين الجرمين العظيمين أو هو كالأمر بالصلاة عند غروب الشمس
~~وطلوع الفجر مثلا وحكمته كحكمته والقائلون بهذا مكابرون للفلاسفة في
~~أشياء لا ينبغي المكابرة فيها ولعلها تضر بالدين وتصير سببا لطعن
~~الملحدين/ فيكابرون في كون الأفلاك مستديرة والأرض كرية وأن نور القمر
~~مستفاد من ضياء الشمس وأن الكسوف القمري عبارة عن انمحاء نور القمر بتوسط
~~الأرض بينه وبين الشمس من حيث إن نوره مقتبس منها وأن الكسوف الشمسي
~~عبارة عن وقوع جرم القمر بين الناظر والشمس عند اجتماعهما في العقدتين
~~على دقيقة واحدة وقولهم بتأثير الأسباب المحسوسة في مسبباتها وإثبات
~~القوى والطبائع والأفعال والانفعالات إلى غير ذلك مما تقوم عليه الأدلة
~~اليقينية ولا تعارضه النصوص الشرعية القطعية، وما ذكروه من الحديث تعقبه
~~حجة الإسلام الغزالي فقال: إن زيادة فإن الله الخ لم يصح نقلها فيجب
~~تكذيب قائلها ولو صحت لكان تأويلها أهون من مكابرة أمور قطعية فكم من
~~ظواهر أولت بالأدلة العقلية التي لم تبلغ في الوضوح إلى هذا الحد وأعظم
~~ما يفرح به الملحدة أن يصرح ناصر الشرع بأن هذا وأمثاله على خلاف الشرع
~~فيسهل عليه إبطال الشرع إن كان شرطه أمثال ذلك اه.

# وليس الأمر في هذه كما قال من عدم الصحة فإن إسنادها لا مطعن فيه، فابن
~~ماجه يروي الحديث بهذه الزيادة عن محمد بن المثنى وأحمد بن ثابت وحميد بن
~~الحسن وهم يروونه عن عبد الوهاب عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن النعمان
~~بن بشير وكل هؤلاء ثقات حفاظ، نعم الحديث الخالي عنها رواه بضعة عشر
~~صحابيا منهم علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وعائشة وأسماء أختها
~~وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله وسمرة بن جندب وقبيصة الهلالي وعبد الله
~~بن عمرو، ومن هنا خاف بعض الأجلة أن تكون مدرجة في الحديث لكنه خلاف
~~الظاهر ms09022 وحينئذ يقال: إن كسوف الشمس والقمر يوجب لهما ضعف سلطانهما
~~وبهائهما وذلك يوجب لهما من الخشوع والخضوع لرب العالمين وعظمته وجلاله
~~سبحانه ما يكون سببا لتجليه عز وجل لهما، ولا يستنكر أن يكون تجلي الله
~~سبحانه لهما في وقت معين كما يدنو سبحانه من أهل الموقف عشية عرفة وكما
~~ينزل تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا عند مضي نصف الليل فيحدث لهما
~~ذلك التجلي خشوعا آخر ليس هو الكسوف فإنه إنما حدث بالسبب الذي عرفت ولم
~~يقل النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى إذا تجلى لهما انكسفا بل
~~قال فإذا تجلى الله لشيء من خلقه خشع له. وفي رواية الإمام أحمد «إذا بدا
~~الله لشيء من خلقه خشع له» فههنا خشوعان خشوع أوجبه كسوفهما الحادث من
~~وضعهما الخاص وخشوع أوجبه تجليه تعالى لهما لذلك الخشوع الذي أوجبه
~~الكسوف، وهذا توجيه لطيف المنزع يقبله العقل المستقيم والفطرة السليمة إن
~~شاء الله تعالى.

# وأما استدلاله بحديث ابن مسعود ففيه على ما قيل أن الحديث لو ثبت لكان
~~حجة عليه لا له إذ لو كان علم النجوم حقا لم يأمر صلى الله عليه وسلم
~~بالإمساك عند ذكر النجوم فالظاهر أنه عليه الصلاة والسلام لم يأمر بذلك
~~إلا لأن الخوض في ذلك خوض فيما لا علم للخائض به فتأمل.

# وأما حديث النهي عن السفر والقمر في العقرب فصحيح من كلام المنجمين دون
~~رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم، وروايته عن علي كرم الله تعالى
~~وجهه كذب أيضا والمشهور عنه خلاف ذلك كما سمعت في قصة خروجه لقتال
~~الخوارج، وأما ما احتج به من الأثر عن علي كرم الله تعالى وجهه أن رجلا
~~أتاه الخ فلا يعلم ثبوته عنه رضي الله تعالى عنه، والكذابون كثيرا ما
~~ينفقون سلعهم الباطلة بنسبتها إليه أو إلى أهل بيته، ثم لو صح عنه فليس
~~فيه تعرض لثبوت أحكام النجوم بوجه، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة
~~والسلام أنه قال:

# " اللهم بارك لأمتي في بكورها "

# ونسبة ms09023 أول الشهر إليه كنسبة أول النهار إليه، وكان صخر راوي الحديث إذا
~~بعث تجارة له بعثها في/ أول النهار فأثرى وكثر ماله ولا يبعد أن يكون أول
~~السنة كأول النهار أيضا فللأوائل مزية القوة كما هو مشاهد في الشباب
~~والشيوخة، ولله تعالى تجليات في الأزمنة والأمكنة والأشخاص وليس ذلك من
~~تأثير الكواكب في شيء، ومثل هذا يقال فيما ذكره الكرماني وقد مر.

# وأما ما ذكره عن اليهودي الذي أخبر ابن عباس رضي الله تعالى عنه فلا
~~نسلم صحته، وإن سلم ذلك فهو من جنس إخبار الكهان بشيء من المغيبات، وقد
~~أخبر ابن الصياد النبي صلى الله عليه وسلم بما أخبر فقال عليه الصلاة
~~والسلام له

# " إنما أنت من إخوان الكهان "

# وعلم مقدمة المعرفة لا يختص بما ذكر المنجمون بل له عدة أسباب يصدق
~~الحكم معها ويكذب منها الكهانة ومنها المنامات ومنها الفأل والزجر وضرب
~~الحصى والخط والكتف والكشف المستند إلى الرياضة وهو كشف جزئي عن بعض
~~الحوادث ويشترك فيه المؤمن والكافر ومنها غير ذلك، وللعمال في البحر
~~والسعاة ونحوهم في البر علامات يعرفون بها أوقات المطر والصحو والبرد
~~والريح وغيرها وقلما يخطؤون في أخبارهم بل صوابهم في ذلك أكثر من صواب
~~المنجم.

# وأما ما ذكره من حديث أبي الدرداء فالمحفوظ فيه «توفي رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم وتركنا وما طائر يقلب جناحيه إلا وقد ذكر لنا منه علما»
~~وفيه روايات أخر صحيحة أيضا وكلها ليس فيها وليست الكواكب الخ فهو من
~~أعظم الأدلة على بطلان دعوى المنجمين إذ لم يذكر عليه الصلاة والسلام من
~~أحكام النجوم شيئا البتة وقد علمهم علم كل شيء حتى الخراءة، وأما قوله
~~إنه جاء في الآثار أن أول من أعطي هذا العلم آدم عليه السلام الخ فكذب
~~وافتراء على آدم عليه السلام، وقد عمل هذا الكاذب المفتري بالمثل السائر
~~إذا كذبت فأبعد شاهدك، ونحوه ما روي عن ميمون بن مهران.

# وأما ما نسب إلى الشافعي فهو بعض من حكاية ذكرها أبو عبد الله الحاكم ms09024
~~فيما ألفه في " مناقبه " والحكايات التي ذكرت عنه في أحكام النجوم ثلاث.
~~إحداها قال الحاكم: قرىء على أبي يعلى حمزة بن محمد العلوي وأكثر ظني
~~أني حضرته ثنا أبو إسحق إبراهيم بن محمد بن العباس الأزدي في آخرين قالوا
~~ثنا محمد بن أبي يعقوب الجوال الدينوري ثنا عبد الله بن محمد البلوي
~~حدثني خالي عمارة بن زيد قال: كنت صديقا لمحمد بن الحسن فدخلت معه يوما
~~على هرون الرشيد فسأله ثم إني سمعت محمد بن الحسن وهو يقول: إن محمد بن
~~إدريس يزعم أنه للخلافة أهل قال فاستشاط هرون من قوله غضبا ثم قال:
~~علي به فلما مثل بين يديه أطرق ساعة ثم رفع رأسه إليه فقال: أيها قال
~~الشافعي: ما أيها يا أمير المؤمنين أنت الداعي وأنا المدعو وأنت السائل
~~وأنا المجيب فذكر حكاية طويلة سأله فيها عن العلوم ومعرفته بها إلى أن
~~قال: كيف علمك بالنجوم؟ قال: أعرف الفلك الدائر والنجم السائر والقطب
~~الثابت والمائي والناري وما كانت العرب تسميه الأنواء ومنازل النيرين
~~والاستقامة والرجوع والنحوس والسعود وهيآتها وطبائعها وما أستدل به في
~~بري وبحري وأستدل في أوقات صلاتي وأعرف ما مضى من الأوقات في إمسائي
~~وإصباحي وظعني في أسفاري ثم ساق العلوم على هذا النحو، ومن له علم
~~بالمنقولات يعلم أن هذه الحكاية كذب مختلق وافك مفترى على الشافعي
~~والبلاء فيها من عند محمد بن عبد الله البلوي فإنه كذاب وضاع وهو الذي
~~وضع " رحلة الشافعي " وذكر فيها مناظرته لأبي يوسف بحضرة الرشيد ولم ير
~~الشافعي أبا يوسف ولا اجتمع به قط وإنما دخل بغداد بعد موته ويشهد بكذبها
~~أنها تدل على أن محمدا وشى بالشافي إلى الرشيد وأراد قتله ومحمد أجل من
~~أن ينسب إليه ذلك/ وتعظيمه للشافعي ومحبته إياه هو المعروف كتعظيم
~~الشافعي له وثنائه عليه، وفيها شواهد أخر على الكذب يعرفها العالم
~~بالمنقول إذا اطلع عليها كلها.

# وثانيتها وهي التي أخذت منها ما ذكرها الإمام، قال الحاكم: أخبرنا أبو
~~الوليد الفقيه قال حدثت عن ms09025 الحسن بن سفيان عن حرملة قال: كان الشافعي
~~يديم النظر في كتب النجوم وكان له صديق وعنده جارية قد حبلت فقال: إنها
~~تلد إلى سبعة وعشرين يوما ويكون في فخذ الولد الأيسر خال أسود ويعيش
~~أربعة وعشرين يوما ثم يموت فكان الأمر كما قال فاحرق بعد ذلك تلك الكتب
~~وما عاود النظر في شيء منها، وهذا الإسناد رجاله ثقات لكن الشأن فيمن حدث
~~أبا الوليد عن الحسن بن سفيان أو فيمن حدث الحسن عن حرملة، ويدل على كذب
~~الحكاية أنها لو صحت لوجب أن تثنى الخناصر على هذا العلم وتشد به الأيدي
~~لا أن تحرق كتبه ولا يعاود النظر في شيء منها، وإن الطالع عند المنجمين
~~طالعان طالع مسقط النطفة وهو الطالع الأصلي الذي يزعمون دلالته على وقت
~~الولادة والحكاية لم تتضمن أن الشافعي نظر فيه ولو كان لتضمنته وطالع
~~الولادة وإخبار الشافعي قبلها ضرورة أنه قال: إنها تلد إلى سبعة وعشرين
~~يوما.

# وثالثتها قال الحاكم: أنبأني عبد الرحمن بن الحسن القاضي أن زكريا بن
~~يحيى الساجي حدثهم قال أخبرني أحمد بن محمد بن بنت الشافعي قال سمعت
~~أبي يقول: كان الشافعي وهو حدث ينظر في النجوم وما نظر في شيء إلا فاق
~~فيه فجلس يوما وامرأة تلد فحسب فقال: تلد جارية عوراء على فرجها خال
~~أسود وتموت إلى كذا وكذا فولدت فكان كما قال فجعل على نفسه أن لا ينظر
~~فيه أبدا، وأمر هذه الحكاية كالتي قبلها فإن ابن بنت الشافعي لم يلق
~~الشافعي ولا رآه والشأن فيمن حدث بها عنه، وأيضا طالع مسقط النطفة لم
~~يؤخذ والخبر قبل تحقق طالع الولادة، ثم إن تحقق هذه الحكاية إن كان قبل
~~تحقق الحكاية التي قبلها لم تكد تحقق وإن كان تحقق تلك قبل لم تكد هذه
~~تحقق كما لا يخفى على المنصف، والذي صح عن الشافعي في أمر النجوم أنه كان
~~يعرف ما كانت العرب تعرفه من علم المنازل والاهتداء بالنجوم في الطرقات
~~وأما غير ذلك من الأحكام التي يزعمها ms09026 المنجمون فلا، وكان رضي الله تعالى
~~عنه شديد الإنكار على المتكلمين مزريا بهم حكمه فيهم أن يضربوا بالجريد
~~ويطاف بهم في القبائل فما تراه يرى في المنجمين الذين شاع هذيانهم وقبح
~~عند ذوي العقول السليمة شأنهم، نعم كانت له رضي الله تعالى عنه اليد
~~الطولي في علم الفراسة وقد خرج إلى اليمن لجمع كتبه فجمع منها ما جمع وله
~~فيها حكايات يقضي منها العجب، ولعل إخباره بأمر المولود لو صح من ذلك
~~العلم والناقل لجهله أو لأمر آخر أسنده للنظر في أحكام النجوم وقال ما
~~قال.

# وأما ما ذكر عن ابن إسحق من أن فرعون كان يقتل أبناء بني إسرائيل لإخبار
~~المنجمين إياه بأنه سيولد لهم مولود يكون هلاكك على يده فهو كما قال بعض
~~الأجلة من أخبار أهل الكتاب ومخالف لروايات أكثر المفسرين فإنهم أحالوا
~~ذلك على إخبار الكهان. وروى بعضهم أن قومه أخبروه بأن بني إسرائيل يزعمون
~~أنه يولد منهم مولود يكون هلاكه على يديه وفي أخبار الكهان ما هو أعجب من
~~ذلك. ومنها خبرهم بظهور خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم وانتشار أمره،
~~ونحن لا ننكر علم تقدمة المعرفة بأسباب مفضية إلى مثل ذلك يختلف قوى
~~الناس في إدراكها وتحصيلها وإنما كلامنا مع المنجمين في أصول علم الأحكام
~~وبيان فسادها وكذب أكثر الأحكام التي يسندونها إليها.

# وأما ما ذكره في الاستدلال بالمعقول من أنه ما خلت عن هذا العلم ملة من
~~الملل ولا أمة من الأمم وأنهم لم يزالوا مشتغلين/ به معولين في معرفة
~~المصالح عليه إلى آخر ما قال ففرية من غير مرية، ويا عجبا من دعواه
~~إطباق أهل المشرق والمغرب من أول بناء العالم إلى آخره عليه وهم يقولون
~~إنما أسست أصوله وأوضاعه في زمن هرمس الهرامس يعنون به إدريس عليه السلام
~~وهو بعد بناء العالم بكثير، وأيضا قد رده كثير من الفلاسفة وجمع غفير من
~~أساطين الإسلام حتى إنه قد ألف ما يزيده على مائة مصنف في رده وإبطاله،
~~وقد قال أبو نصر الفارابي: ms09027 اعلم أنك لو قلبت أوضاع المنجمين فجعلت الحار
~~باردا والبارد حارا والسعد نحسا والنحس سعدا والذكر أنثى والأنثى
~~ذكرا ثم حكمت لكانت أحكامك من جنس أحكامهم تصيب تارة وتخطىء تارات، وقد
~~زيف أمرهم ابن سينا في كتابيه " الشفاء " و " النجاة " ، وكذا أبو
~~البركات البغدادي في كتاب «المعتبر » له.

# هذا ما اختاره بعض المحققين في الرد على المنجمين وأعود فأقول: الذي
~~أراه في هذا المقام ويترجح عندي من كلام العلماء الأعلام أن الله عز وجل
~~لم يخلق شيئا باطلا خاليا عن حكمة ومنفعة بل خلق الأشياء علويها
~~وسفليها جليلها ودنيها مشتملة على حكم لا تحصى ومنافع لا تستقصى وإن
~~تفاوتت في أفرادها قلة وكثرة وخص كلا منها بخاصة لا توجد في غيرها مع
~~اشتراك الكل في الدلالة على وجوده تعالى ووحدته وعلمه وقدرته:

# ولله في كل تحريكة

# وتسكينة أبدا شاهد

# وفي كل شيء له آية

# تدل على أنه واحد

# فالأجرام العلوية مشتركة في هذه الدلالة مختص كل منها بخاصة، وشأن
~~الكواكب في خواصها وتأثيراتها كشأن النباتات والمعدنيات والحيوانيات في
~~خواصها وتأثيراتها، فمنها ما خاصته في نفسه غير متوقفة على ضم شيء آخر
~~إليه، ومنها ما خاصته متوقفة على ضم شيء آخر، ومنها ما إذا ضم إليه شيء
~~أسقط خاصته، وأبطل منفعته ومنها ما يعقل وجه تأثيره ومنها ما لا يعقل،
~~ومنها ما يؤثر في مكان دون مكان وزمان دون زمان، ومنها ما يؤثر في جميع
~~الأزمنة والأمكنة إلى غير ذلك من الأحوال، وكونها زينة للسماء لا يستدعي
~~نفي أن يكون فيها منفعة أخرى على حد ما في الأرض فقد قال سبحانه:

# إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها

# [الكهف: 7] مع اشتمال الأزهار وغيرها على ما تعلم وما لا تعلم من
~~المنافع، وكذلك كونها علامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر وكونها
~~رجوما للشياطين.

# ولا أقول ببساطة الأفلاك ولا ببساطة الكواكب ولا بانحصارها فيما يشاهد
~~ببصر أو رصد ولا بذكورة بعض وأنوثة آخر إلى كثير مما يزعمه المنجمون،
~~وأقول: إن الله تعالى ms09028 أودع في بعضها تأثيرا حسبما أودع في أزهار الأرض
~~ونحوها وإنها لا تؤثر إلا باذنه عز وجل كما هو مذهب السلف في سائر
~~الأسباب العادية وإن شئت فقل كما قال الأشاعرة فيها، وأنه لا يبعد أن
~~يكون بعضها علامات لإحداثه تعالى أمورا لا بواسطتها في أحد العالمين
~~العلوي والسفلي يعرفها من يوقفه الله تعالى عليها من ملائكته وخواص
~~عباده، وارتباط كثير من السفليات بالعلويات مما قال به الأكابر ولا ينكره
~~إلا مكابر، ولا أنسب أثرا من الآثار إلى كوكب بخصوصه على القطع لاحتمال
~~شركة كوكب أو أمر آخر، نعم الظاهر يقتضي كثرة مدخلية بعض الكواكب في بعض
~~الآثار كالقمر في مد البحار وجزرها فإن منها ما يأخذ في الازدياد حين
~~يفارق القمر الشمس إلى وقت الامتلاء ثم إنه يأخذ في الانتقاص ولا يزال
~~نقصانه يستمر بحسب نقصان القمر إلى المحاق ومنها ما يحصل فيه المد في كل
~~يوم وليلة مع طلوع القمر وغروبه كبحر فارس وبحر الهند وبحر الصين،
~~وكيفيته إنه إذا بلغ/ القمر مشرقا من مشارق البحر ابتدأ البحر بالمد ولا
~~يزال كذلك إلى أن يصير القمر في وسط سماء ذلك الموضع فإذا زال عن مغرب
~~ذلك الموضع ابتدأ المد من تحت الأرض ولا يزال زائدا إلى أن يصل القمر
~~إلى وتد الأرض فحينئذ ينتهي المد منتهاه ثم يبتدىء الجزر ثانيا ويرجع
~~الماء كما كان، ومثل المد والجزر بحرانات الأمراض فإنها بحسب زيادة القمر
~~ونقصانه على معنى كثرة مدخلية ذلك ظاهرا فيها إلى أمور كثيرة، ولا أقول:
~~إن لكوكب تأثيرا في السعادة والشقاوة ونحوهما، ولا يبعد أن يكون كوكب أو
~~كواكب باعتبار بعض الأحوال علامة لنحو ذلك يعرفها بعض الخواص، ولا وثوق
~~بما قاله الأحكاميون وكل ما يقولونه ظن وتخمين لا دليل لهم عليه وهم فيما
~~أسسوا عليه أحكامهم متناقضون وفي المذاهب مختلفون فللبابليين مذهب وللفرس
~~مذهب ولأهل الهند مذهب ولأهل الصين مذهب وقد رد بعضهم على بعض وشهد بعض
~~على بعض بفساد أصولهم ومبنى أحكامهم فقد كان أوائلهم ms09029 من الأقدمين وكبار
~~رصادهم من عهد بطليموس وطيموحارس ومانالارس قد حكموا حكما في الكواكب
~~واتفقوا على صحته وأقام الناس على تقليدهم وبناء الأمر على ما قالوه أكثر
~~من سبعمائة سنة فجاء من بعدهم خالد بن عبد الملك المروزي وحسن صاحب "
~~الزيج المأموني " ومحمد بن الجهم ويحيى بن أبي منصور فامتحنوا ما قالوا
~~فوجدوهم غالطين وأجمعوا على غلطهم وسموا رصدهم " الرصد الممتحن ". ثم
~~حدثت بعدهم بنحو ستين سنة طائفة أخرى زعيمهم أبو معشر محمد بن جعفر فرد
~~عليهم وبين خطأهم كما ذكره أبو سعيد شاذان المنجم في كتاب «أسرار النجوم»
~~له وفيه قلت لأبي معشر الذنب بارد يابس فلم قلتم إنه يدل على التأنيث؟
~~فقال: هكذا قالوا قلت: فقد قالوا إنه ليس بصادق اليبس لكنه بارد عفن
~~ملتوي كل الأعراض الغائية توهم لا يكون شيء منها يقينيا وإنما يكون توهم
~~أقوى من توهم.

# ومن تأمل أحوال القوم علم أن ما معهم تفرس يصيبون معه ويخطؤون.

# ثم حدثت بعدهم طائفة أخرى بنحو سبعين سنة منهم أبو الحسين عبد الرحمن بن
~~عمر المعروف بالصوفي فرد على من قبله وغلطه وألف كتابا بين فيه من
~~الأغلاط ما بين وحمله إلى عضد الدولة ابن بويه فاستحسنه وأجزل ثوابه، ثم
~~جاءت بعد نحو ثلاثين سنة طائفة أخرى منهم كوشيار الديلمي فألف " المجمل
~~في الأحكام " وجهل فيه من يحتج للأحكام من الأحكاميين، وقال عن صناعة
~~التنجيم: هي صناعة غير مبرهنة وللخواطر والظنون فيها مجال إلى أن قال:
~~ومن المنفردين بعلم الأحكام من يأتي على جزئياته بحجج على سبيل النظر
~~والجدل فيظن أنها براهين لجهله بطريق البرهان وطبيعته، ثم حدثت طائفة
~~أخرى منهم منجم الحاكم بالديار المصرية المعروف بالفكري فوضع هو وأصحابه
~~رصدا آخر سموه " الرصد الحاكمي " فخالفوا فيه أصحاب " الرصد الممتحن "
~~وبنوا أمر الأحكام عليه.

# ثم حدثت طائفة أخرى منهم أبو الريحان البيروتي مؤلف كتاب «التفهيم إلى
~~صناعة التنجيم» وكان بعد كوشيار بنحو أربعين سنة فخالف من تقدمه وأتى من
~~مناقضاتهم والرد عليهم بما هو دال على ms09030 فساد صناعتهم وختم كتابه بقوله في
~~الخبء والضمير ما أكثر افتضاح المنجمين فيه وما أكثر إصابة الزاجرين بما
~~يستعمل من الكلام وقت السؤال ويرونه باديا من الآثار والأفعال على
~~السائل إلى آخر ما قال.

# ثم حدثت طائفة أخرى منهم أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي وكان
~~بعد البيروني بنحو ثمانين عاما وكان رأسا في الصناعة ومع هذا اعترف بأن
~~قول المنجمين هذيان، ثم حدثت طائفة أخرى بالمغرب منهم أبو اسحق الزر قال/
~~وأصحابه وكان بعد أبي الصلت بنحو مائة سنة فخالف الأوائل والأواخر في
~~الصناعتين الرصدية والأحكامية.

# وآخر ما نعلم حدوثه " زيج لالنت والقسيني " وفيه من المخالفة لما قبله
~~من الأزياح ما فيه. وقد ذكر فيه تقويم هرشل ومقدار حركته وهو كوكب سيار
~~ظفر به هرشل أحد فلاسفة الإفرنج وسماه باسمه ولم يظفر به أحد قبله، وهذا
~~الزيج أضبط الأزياج فيما يزعم المنجمون اليوم، والإفرنج على مهارة كثير
~~منهم بعلم الرصد لا يقولون بشيء مما يقول به الأحكاميون الأوائل والأواخر
~~ويسخرون منهم، وقد ذكر من يوثق به وجوها تدل على فساد ما بأيديهم من
~~العلم وأنه لا يوثق به، الأول أن معرفة جميع المؤثرات الفلكية مما لا
~~تتأتى، اما أولا فلأنه لا سبيل إلى معرفة الكواكب إلا بواسطة القوى
~~الباصرة وإذا كان المرئى صغيرا أو في غاية البعد يتعذر رؤيته فإن أصغر
~~الكواكب التي في فلك الثوابت وهو الذي به قوة البصر مثل كرة الأرض بضعة
~~عشر مرة وكرة الأرض أعظم من كرة عطارد كذا مرة فلو قدرنا أنه حصل في
~~الفلك الأعظم كواكب كثيرة كل منها كعطارد حجما فكيف ترى، ونفي هذا
~~الاحتمال لا بد له من دليل ومع قيامه لا يحصل الجزم بمعرفة جميع
~~المؤثرات، وإن قالوا: جاز ذلك إلا أن آثار هذا الكوكب لصغره ضعيفة فلا
~~تصل إلى هذا العالم، قلنا: صغر الجرم لا يوجب ضعف الأثر فقد أثبتم لعطارد
~~آثارا قوية مع صغره بالنسبة إلى سائر السيارات بل أثبتم للرأس والذنب
~~وسهم السعادة وسهم الغيب ms09031 آثارا قوية وهي أمور وهمية.

# وأما ثانيا فالمرصود من الكواكب المرئية أقل قليل بالنسبة إلى غير
~~المرصود فمن أين لهم الوقوف على طبيعة غير المرصود؟ وأما ثالثا فلأنه لم
~~يحصل الوقوف على طبائع جميع المرصود أيضا وقلما تكلموا في معرفة غير
~~الثوابت التي من القدر الأول والثاني، وأما رابعا فآلات الرصد لا تفي
~~بضبط الثواني والثوالث فما فوق ولا شك أن الثانية الواحدة مثل الأرض كذا
~~ألف مرة أو أقل أو أكثر، ومع هذا التفاوت العظيم كيف الوصول إلى الغرض
~~وقد قيل إن الإنسان الشديد الجري بين رفعه رجله ووضعه الأخرى يتحرك جرم
~~الفلك الأقصى ثلاثة آلاف ميل فإذا كان كذلك فكيف ضبط هذه المؤثرات؟ وأما
~~خامسا فبتقدير انهم عرفوا طبائع هذه الكواكب حال بساطتها فهل وقفوا على
~~طبائعها حال امتزاج بعضها ببعض والامتزاجات الحاصلة من طبائع ألف كوكب أو
~~أكثر بحسب الأجزاء الفلكية تبلغ في الكثرة إلى حيث لا يقدر العقل على
~~ضبطها. وأما سادسا فيقال: هب أنا عرفنا تلك الامتزاجات الحاصلة في ذلك
~~الوقت فلا ريب أنه لا يمكننا معرفة الامتزاجات التي كانت حاصلة قبله مع
~~أنا نعلم قطعا أن الأشكال السالفة ربما كانت عائقة ومانعة عن مقتضيات
~~الأشكال الحاصلة في الحال، ولا ريب أنا نشاهد أشخاصا كثيرة من النبات
~~والحيوان والإنسان تحدث مقارنة لطالع واحد مع أن كل واحد منها مخالف
~~للآخر في أكثر الأمور، وذلك أن الأحوال السابقة في حق كل واحد تكون
~~مخالفة للأحوال السابقة في حق الآخر وذلك يدل على أنه لا اعتماد على
~~مقتضى طالع الوقت بل لا بد من الإحاطة بالطوالع السالفة وذلك مما لا وقوف
~~عليه فإنه ربما كانت تلك الطوالع دافعة مقتضيات هذا الطالع الحاضر، وعلى
~~هذا الوجه عول ابن سينا في كتابيه " الشفاء " و " النجاة " في إبطال هذا
~~العلم.

# الثاني أن تأثير الكواكب يختلف باختلاف أقدارها فما كان من القدر الأول
~~أثر بوقوعه على الدرجة وإن لم تضبط الدقيقة، وما كان من القدر الأخير لم
~~يؤثر إلا بضبط الدقيقة، ms09032 ولا ريب بجهالة مقادير جميع الكواكب فكيف تضبط
~~الآثار، الثالث فساد أصولهم وتناقض آرائهم/ واختلافهم اختلافا عظيما من
~~غير دليل ومتى تعارضت الأقوال وتعذر الترجيح فيما بينها لا يعول على شيء
~~منها.

# الرابع أن أرصادهم لا تنفك عن نوع خلل وهي مبنى أحكامهم، وقد صنف أبو
~~علي بن الهيثم " رسالة بليغة في أقسام الخلل الواقع في آلات الرصد " وبين
~~أن ذلك ليس في وسع الإنسان دفعه وإزالته وإصابتهم في أوقات الخسوف
~~والكسوف مع ذلك الخلل لا تستدعي إصابتهم في غيرها معه، الخامس أنا نشاهد
~~عالما كثيرا يقتلون في ساعة واحدة في حرب وخلقا كثيرا يغرقون في ساعة
~~واحدة مع اختلاف طوالعهم واقتضائها أحوالا مختلفة عندكم وهذا يدل على
~~عدم اعتبار ما اعتبرتموه أولا، فإن قلتم: إن الطوالع قد يكون بعضها أقوى
~~من بعض فلعل طالع الوقت أقوى من طالع الأصل فكان الحكم، قلنا: هذا بعينه
~~يبطل عليكم اعتبار طالع المولود فإن الطوالع بعده مختلفة كثيرة ولعل
~~بعضها أقوى منه فلا يفيد اعتباره شيئا، السادس أن العقل لا مساغ له في
~~اقتضاء كوكب معين أو وضع معين تأثيرا خاصا والتجربة على قصورها معارضة
~~بتجربة اقتضت خلافها إلى غير ذلك من الوجوه.

# وأبو البركات البغدادي وإن زيف ما هم عليه إلا أنه يقر بقبول بعض
~~الأحكام فإنه قال بعد ذكر شيء من أقوالهم التي لا دليل لهم عليها: وهذه
~~أقوال قالها قائل فقبلها قابل ونقلها ناقل فحسن بها ظن السامع واغتر بها
~~من لا خبرة له ولا قدرة له على النظر ثم حكم بحسبها الحاكمون بجيد ورديء
~~وسلب وإيجاب وسعد ونحوس فصادف بعضه موافقة الوجود فصدق فاغتر به المغترون
~~ولم يلتفتوا إلى كذب فيه بل عذروه وقالوا: هو منجم ما هو نبي حتى يصدق
~~في كل ما يقول واعتذروا له بأن العلم أوسع من أن يحيط به ولو أحاط به
~~لصدق في كل شيء، ولعمر الله تعالى إنه لو أحاط به علما صادقا لصدق
~~والشأن أن يحيط به على الحقيقة لا على ms09033 أن يفرض فرضا ويتوهم وهما فينقله
~~إلى الوجود ويثبته في الموجود وينسب إليه ويقيس عليه، والذي يصح منه
~~ويلتفت إليه العقلاء هي أشياء غير هذه الخرافات التي لا أصل لها مما حصل
~~بتوقيف أو تجربة حقيقية كالقرانات والانتقالات والمقابلة وممر كوكب من
~~المتحيرة تحت كوكب من الثابتة وما يعرض للمتحيرة من رجوع واستقامة ورجوع
~~في شمال وانخفاض في جنوب وغير ذلك، وكأني أريد أن أختصر الكلام ههنا
~~وأوافق إشارتك وأعمل بحساب اختيارك رسالة في ذلك أذكر ما قيل فيها من علم
~~أحكام النجوم من أصول حقيقية أو مجازية أو وهمية أو غلطية وفروع نتائج
~~أنتجت عن تلك الأصول وأذكر الجائز من ذلك والممتنع والقريب والبعيد فلا
~~أرد علم الأحكام من كل وجه كما رده من جهله ولا أقبل فيه كل قول كما قبله
~~من لم يعقله بل أوضح موضع القبول والرد وموضع التوقيف والتجويز والذي من
~~المنجم والذي من التنجيم والذي منهما وأوضح لك أنه لو أمكن الإنسان أن
~~يحيط بشكل كل ما في الفلك علما لأحاط بكل ما يحويه الفلك لأن منه مبادىء
~~الأسباب لكنه لا يمكن ويبعد عن الإمكان بعدا عظيما والبعض الممكن منه
~~لا يهدي إلى بعض الحكم لأن البعض الآخر المجهول قد يناقض المعلوم في حكمه
~~ويبطل ما يوجبه فنسبة المعلوم إلى المجهول من الأحكام كنسبة المعلوم إلى
~~المجهول من الأسباب وكفى بذلك بعدا انتهى، وفيه من التأييد لبعض ما تقدم
~~من الأوجه ما فيه.

# وأنا أقول: إن الإحاطة بالأسرار المودعة في الأجرام لا يبعد أن تحصل
~~لبعض الخواص ذوي النفوس القدسية لكن بطريق الكشف أو نحوه دون الاستدلال
~~الفكري والأعمال الرصدية مثلا وهو الذي/ يقتضيه كلام الشيخ الأكبر قدس
~~سره قال في الباب الثالث والسبعين من " الفتوحات ": ومن الأولياء النقباء
~~وهم اثنا عشر نقيبا في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون على عدد البروج
~~الإثني عشر كل نقيب عالم بخاصية كل برج وبما أودع الله تعالى في مقامه من
~~الأسرار والتأثيرات وما يعطي للنزلاء فيه ms09034 من الكواكب السيارة والثوابت ثم
~~قال: ومنهم النجباء وهم ثمانية في كل زمان إلى أن قال: ولهم القدم
~~الراسخة في علم تسيير الكواكب من جهة الكشف والاطلاع لا من جهة الطريقة
~~المعلومة عند العلماء بهذا الشأن، والنقباء هم الذين حازوا علم الفلك
~~التاسع والنجباء حازوا علم الثمانية الأفلاك التي دونه وهي كل فلك فيه
~~كوكب، ويفهم من هذا القول بالتأثيرات وأنها مفاضة من البرج على النازل
~~فيه من الكواكب.

# وقد تكررت الإشارة منه إلى ذلك ففي الفصل الثالث من الباب الحادي
~~والسبعين والثلثمائة من " الفتوحات " أن الله تعالى خلق في جوف الكرسي
~~جسما شفافا مستديرا يعني الفلك الأطلس قسمه اثني عشر قسما هي البروج
~~وأسكن كل برج منها ملكا إلى أن قال: وجعل لكل نائب من هؤلاء الأملاك
~~الاثني عشر في كل برج ملكه إياه ثلاثين خزانة تحتوي كل خزانة منها على
~~علوم شتى يهبون منها لمن نزل بهم ما تعطيه مرتبته وهي الخزائن التي قال
~~الله تعالى فيها

# وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا
~~بقدر معلوم

# [الحجر: 21] وهذه الخزائن تسمى عند أهل التعاليم درجات الفلك والنازلون
~~بها هم الجواري والمنازل وعيوقاتها من الثوابت والعلوم الحاصلة من هذه
~~الخزائن الإلهية هي ما يظهر في عالم الأركان من التأثيرات بل ما يظهر في
~~مقعر فلك الثوابت إلى الأرض، وجعل لهؤلاء الأثني عشر نظرا في الجنان
~~وأهلها وما فيها مخلصا من غير حجاب فما في الجنان من حكم فهو عن تولي
~~هؤلاء بنفوسهم تشريفا لأهل الجنة وأما أهل الدنيا وأهل النار فما
~~يباشرون ما لهم من الحكم إلا بالنواب وهم النازلون عليهم الذين ذكرناهم،
~~وقال قدس سره في الفصل الرابع: إن الله تعالى جعل لكل كوكب من هذه
~~الكواكب قطعا في الفلك الأطلس ليحصل من تلك الخزائن التي في بروجه
~~وبأيدي ملائكته الأثنى عشر من علوم التأثير ما تعطيه حقيقة كل كوكب
~~وجعلها على حقائق مختلفة. انتهى المراد منه.

# وله قدس سره كلام غير هذا أيضا وقد صرح بنحو ms09035 ما صرح به المنجمون من
~~اختلاف طبائع البروج وأن كل ثلاثة منها على مرتبة واحدة في المزاج وأنا
~~لا أزيد على القول بأن للأجرام العلوية كواكبها وأفلاكها أسرارا وحكما
~~وتأثيرات غير ذاتية بل مفاضة عليها من جانب الحق والفياض المطلق جل شأنه
~~وعظم سلطانه ومنها ما هو علامة لما شاء الله تعالى ولا يتم دليل على نفي
~~ما ذكر ولا يعلم كمية ذلك ولا كيفيته ولا أن تأثير كذا من كوكب كذا أو
~~كوكب كذا علامة لكذا في نفس الأمر إلا الله تعالى العليم البصير

# ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير

# [الملك: 14] إلا أنه سبحانه قد يطلع بعض خواص عباده من البشر والملك على
~~شيء من ذلك، ولا يبعد أن يطلع سبحانه البعض على الكل ووقوع ذلك لنبينا
~~صلى الله عليه وسلم مما لا أكاد أشك فيه.

# وقد نص بعض ساداتنا الصوفية قدست أسرارهم وأشرقت علينا أنوارهم على أن
~~علومه عليه الصلاة والسلام التي وهبت له ثلاثة أنواع نوع أوجب عليه
~~إظهاره وتبليغه وهو علم الشريعة والتكاليف الإلهية وقوله تعالى:

# يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن
~~لم تفعل فما بلغت رسالته

# [المائدة: 67] ناظر إلى ذلك دون العموم/ المطلق أو خصوص خلافة علي كرم
~~الله تعالى وجهه كما يقوله الشيعة، ونوع أوجب عليه كتمانه وهو علم
~~الأسرار الإلهية التي لا تتحملها قوة غير قوته القدسية عليه الصلاة
~~والسلام فكما أن لله تعالى علما استأثر به دون أحد من خلقه كذلك لحبيبه
~~الأعظم صلى الله عليه وسلم علم استأثر به بعد ربه سبحانه لكنه مفاض منه
~~تعالى عليه ولعله أشير إليه في قوله تعالى:

# فأوحى إلى عبده ما أوحى

# [النجم: 10] وقد يكون بين المحب والمحبوب من الأسرار ما يضن به على
~~الأغيار، ومن هنا قيل:

# ومستخبر عن سر ليلى تركته

# بعمياء من ليلى بغير يقين

# يقولون خبرنا فأنت أمينها

# وما أنا إن خبرتهم بأمين

# ونوع خيره الله تعالى فيه بين الأمرين، وهذا منه ما أظهره لمن رآه أهلا ms09036
~~له ومنه ما لم يظهره لأمر ما فلعل ما وهب له عليه الصلاة والسلام من
~~العلم بدقائق أسرار الأجرام العلوية وحكمها وما أراد الله تعالى بها مما
~~لم يظهره للناس كعلم الشريعة لأنه مما لا يضبط بقاعدة وتفصيل الأمر فيه
~~لا يكاد يتيسر والبعض مرتبط بالبعض ومع هذا لا يستطيع العالم به أن يجعل
~~الإقامة سفرا ولا الهزيمة ظفرا ولا العقد فلا ولا الإبرام نقضا ولا
~~اليأس رجاء ولا العدو صديقا ولا البعيد قريبا ولا ولا ويوشك لو انتشر
~~أمره وظهر حلوه ومره أن يضعف توكل كثير من العوام على الله تعالى
~~والانقطاع إليه والرغبة فيما عنده وأن يلهوا به عن غيره وينبذوا ما سواه
~~من العلوم النافعة لأجله فكل يتمنى أن يعلم الغيب ويطلع عليه ويدرك ما
~~يكون في غد أو يجد سبيلا إليه بل ربما يكون ذلك سببا لبعض الأشخاص
~~مفضيا إلى الاعتقاد القبيح والشرك الصريح، وقد كان في العرب شيء من ذلك
~~فلو فتح هذا الباب لاتسع الخرق وعظم الشر، وقد ترك صلى الله عليه وسلم
~~هدم الكعبة وتأسيسها على قواعد إبراهيم عليه السلام لنحو هذه الملاحظة،
~~فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام قال لعائشة رضي الله تعالى عنها:

# " لولا قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة وأسستها على قواعد إبراهيم "

# ولا يبعد أيضا أن يكون في علم الله تعالى إظهار ذلك وعلم الناس به
~~سببا لتعطل المصالح الدنيوية ومنافيا للحكمة الإلهية فأوجب على رسوله
~~صلى الله عليه وسلم كتمه وترك تعلميه كما علم الشرائع.

# ويمكن أن يكون قد علم صلى الله عليه وسلم أن العلم بذلك من العلوم
~~الوهبية التي يمن الله تعالى بها على من يشاء من عباده وأن من وهب سبحانه
~~له من أمته قوة قدسية يهب سبحانه له ما تتحمله قوته منه، وقد سمعت ما
~~سمعت في النقباء والنجباء، ويمكن أن يكون قد علم عليه الصلاة والسلام ذلك
~~أمثالهم ومن هو أعلى قدرا منهم كالأمير علي كرم الله تعالى وجهه وهو باب
~~مدينة العلم ms09037 بطريق من طرق التعليم ومنها الإفاضة التي يذكرها بعض أهل
~~الطرائق من الصوفية، ويجوز أن يقال: إن سر البعثة إنما هو إرشاد الخلق
~~إلى ما يقربهم إليه سبحانه زلفى، وليس في معرفة التأثيرات الفلكية
~~والحوادث الكونية قرب إلى الله تعالى والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأل
~~جهدا في دعوة الخلق وإرشادهم إلى ما يقربهم لديه سبحانه وينفعهم يوم
~~قدومهم عليه جل شأنه وما يتوقف عليه من أمر النجوم أمور دياناتهم كمعرفة
~~القبلة وأوقات العبادات قد أرشد إليه من أرشد منهم وترك ما يحتاجون إليه
~~من ذلك في أمور دنياهم كالزراعة إلى عاداتهم وما جربه كل قوم في أماكنهم
~~وأشار إشارة إجمالية إلى بعض الحوادث الكونية لبعض الكواكب في بعض
~~أحوالها كما في حديث/ الكسوف والخسوف السابق وأرشدهم إلى ما ينفعهم إذا
~~ظهر مثل ذلك ويتضمن الإشارة الإجمالية أيضا أمره تعالى بالاستعاذة من شر
~~القمر في بعض حالاته وذلك في قوله تعالى:

# قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق * ومن شر
~~غاسق إذا وقب

# [الفلق: 1-3] على ما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ويقرب في
~~بعض الوجوه من شأنه صلى الله عليه وسلم شأنه عليه الصلاة والسلام في أمر
~~النباتات ونحوها فبين لهم ما يحل ويحرم من ذلك وأشار منفعة بعض الأشياء
~~من نبات وغيره ولم يفصل القول في الخواص وترك الناس فيما يأكلون ويشربون
~~مما هو حلال على عاداتهم إلا أنه قال:

# وكلوا واشربوا ولا تسرفوا

# [الأعراف: 31] نعم نهى صلى الله عليه وسلم عن الخوض في علم النجوم لطلب
~~معرفة الحوادث المستقبلة بواسطة الأوضاع المتوقف بزعم المنجمين على معرفة
~~الطبائع سدا لباب الشر والوقوع في الباطل لأن معرفة ذلك على التحقيق
~~ليست كسبية كمعرفة خواص النباتات ونحوها والمعرفة الكسبية التي يزعمها
~~المنجمون ليست بمعرفة وإنما هي ظنون لا دليل لهم عليها كما تقدم وصار به
~~أرسطاليس أيضا فإنه قال في أول كتابه " السماع الطبيعي ": إنه لا سبيل
~~إلى اليقين بمعرفة تأثير الكواكب وحكى نحوه عن ms09038 بطليموس، وكون المنهي عنه
~~ذلك هو الذي صرح به بعض الأجلة وعليه حمل خبر أبي داود وابن ماجه «من
~~اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر» وأما الخوض في علم النجوم
~~لتحصيل ما يعرف به أوقات الصلوات وجهة القبلة وكم مضى من الليل أو النهار
~~وكم بقي وأوائل الشهور الشمسية ونحو ذلك ومنه فيما أرى ما يعرف به وقت
~~الكسوف والخسوف فغير منهي عنه بل العلم المؤدي لبعض ما ذكر من فروض
~~الكفاية بل إن كان علم النجوم عبارة عن العلم الباحث عن النجوم باعتبار
~~ما يعرض لها من المقارنة والمقابلة والتثليث والتسديس وكيفية سيرها
~~ومقدار حركاتها ونحو ذلك مما يبحث عنه في الزيج أو كان عبارة عما يعم ذلك
~~والعلم الذي يتوصل به إلى معرفة ارتفاع الكوكب وانخفاضه ومعرفة الماضي من
~~الليل والنهار ومعرفة الأطوال والأعراض ونحو ذلك مما تضمنه علم الأسطرلاب
~~والربع المجيب ونحوهما فهو مما لا أرى بأسا في تعلمه مطلقا وإن كان
~~عبارة عن العلم الباحث عن أحكامها وتأثيراتها التي تقتضيها باعتبار
~~أوضاعها وطبائعها على ما يزعمه الإحكاميون فهذا الذي اختلف في أمره فقال
~~بعضهم بحرمة تعلمه لحديث أبي داود وابن ماجه السابق والقائل بهذا قائل
~~بحرمة تعلم السحر وهو أحد أقوال في المسألة فيها الإفراط والتفريق،
~~ثانيها أنه مكروه، ثالثها أنه مباح، رابعها أنه فرض كفاية، خامسها أنه
~~كفر والجمهور على الأول ولأن فيه ترويج الباطل وتعريض الجهلة لاعتقاد أن
~~أحكام النجوم المعروفة بين أهلها حق والكواكب مؤثرة بنفسها، وقيل: يحرم
~~تعلمه لأنه منسوخ فقد قال الكرماني في " عجائبه ": كان علم النجوم علما
~~نبويا فنسخ.

# وتعقب هذا بأنه لا معنى لنسخ العلم نفسه وإن حمل الكلام على معنى كان
~~تعلمه مباحا فنسخ ذلك إلى التحريم كان في الاستدلال مصادرة، وقال بعضهم:
~~لا حرمة في تعلمه إنما الحرمة في اعتقاد صحة الأحكام وتأثيرات الكواكب
~~على الوجه الذي يقوله جهلة الأحكاميين لا مطلقا.

# وأجيب عن الخبر السابق بأنه محمول على تعلم شيء من علم النجوم على ms09039 وجه
~~الاعتناء بشأنه كما يرمز إليه  اقتبس  وذلك لا يتم بدون اعتقاد صحة
~~حكمه وأن الكواكب مؤثرات، وتعلمه على هذا الوجه حرام وبدون مباح وفيه
~~بحث. وقيل: في الجواب أن الخبر فيمن ادعى علما بحكم من الأحكام آخذا له
~~من النجوم قائلا الأمر كذا ولا بد لأن النجم يقتضيه البتة وهو لا شك في
~~إثمه وحرمة دعواه التي قامت الأدلة على كذبها وهو كما ترى، وكلام بعض/
~~أجلة العلماء صريح في إباحة تعلمه متى اعتقد أن الله تعالى أجرى العادة
~~بوقوع كذا عند حلول الكوكب الفلاني منزلة كذا مثلا مع جواز التخلف،
~~واستظهر بعض حرمة التعلم مطلقا متى كان فيه إغراء الجهلة بذلك العلم
~~وإيقاعهم في محذور اعتقاد التأثير أو كان فيه غير ذلك من المفاسد وكراهته
~~إن سلم من ذلك لما فيه من تضييع الأوقات فيما لا فائدة فيه ومبناه ظنون
~~وأوهام وتخيلات، ولا يبعد القول بأنه يباح للعالم الراسخ النظر في كتبه
~~للإطلاع على ما قالوا والوقوف على مناقضاتهم واختلافاتهم التي سمعت بعضا
~~منها لينفر عنها الناس ويرد العاكفين عليها كما يباح له النظر في كتب
~~سائر أهل الباطل كاليهود والنصارى لذلك بل لو قيل بسنيته لهذا الغرض لم
~~يبعد لكن أنت تعلم أن السلف الصالح لم يحوموا حول شيء منه بسوى ذمه وذم
~~أهله ولم يتطلبوا كتابا من كتبه لينظروا فيه على أي وجه كان النظر؛
~~ونسبة خلاف ذلك إلى أحد منهم لا تصح فالحزم اتباعهم في ذلك وسلوك مسلكهم
~~فهو لعمري أقوم المسالك.

# هذا واعترض القول بإطلاعه صلى الله عليه وسلم على ما ذكر من شأن الأجرام
~~العلوية بأن فيه فتح باب الشبهة في كون أخباره صلى الله عليه وسلم
~~بالغيوب من الوحي لجواز أن تكون من أحكام النجوم على ذلك القول.

# وأجيب بأن الشبهة إنما تتأتى لو ثبت أنه عليه الصلاة والسلام رصد ولو
~~مرة كوكبا من الكواكب وحقق منزلته وأخبر بغيب إذ مجرد العلم بأن لكوكب
~~كذا حكم كذا إذا حل بمنزلة كذا لا ms09040 يفيد بدون معرفة أنه حل في تلك المنزلة
~~فحيث لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لا يفتح باب الشبهة وفيه
~~بحث ظاهر، وبأن علمه صلى الله عليه وسلم بما تدل عليه الأوضاع عند
~~القائلين به ليس إلا عن وحي فغاية ما يلزم على تلك الشبهة أن يكون خبره
~~بالغيب بواسطة علم أحكام النجوم الذي علمه بالوحي وأي خلل يحصل من هذا في
~~نبوته عليه الصلاة والسلام بل هذه الشبهة تستدعي كونه نبيا كما أن عدمها
~~كذلك.

# وتعقب بأنه متى سلم أن للأوضاع الفلكية دلالة على الأمور الغيبية وأنه
~~صلى الله عليه وسلم يعلم ما تدل عليه يقع الاشتباه بينه وبين غيره من
~~علماء ذلك العلم المخبرين بالغيب إذا وقع كما أخبروا والتفرقة بأنه عليه
~~الصلاة والسلام قد أوحي إليه بذلك دون الغير فرع كونه نبيا وهو أول
~~المسألة، واختير في الجواب أن يقال: إن أخباره صلى الله عليه وسلم بالغيب
~~إن كان بعد ثبوت نبوته بمعجز غير ذلك لا تتأتى الشبهة إن أفهم أن خبره
~~بواسطة الوحي ولا تضر إن لم يفهم إذ غاية ما في الباب أنه نبي لظهور
~~المعجز على يده قبل أن أخبر بغيب بواسطة وضع فلكي وشاركه غيره في ذلك،
~~وإن كان قبل ثبوت نبوته بمعجز غيره بأن كان التحدي بذلك الخبر ووقوع ما
~~أخبر به فالذي يدفع الشبهة حينئذ عدم القدرة على المعارضة فلا يستطيع
~~منجم أن يخبر صادقا بمثل ذلك بمقتضى علمه بالأوضاع ومقتضياتها فتدبر.

# ثم الظاهر على ما ذكره الشيخ الأكبر قدس سره في النقباء والنجباء أن لكل
~~من الأنبياء عليهم السلام اطلاعا على ذلك إذ رتبة النبي فوق رتبة الولي
~~وعلمه فوق علمه إذ هو الركن الأعظم في الفضل. ولا حجة في قصة موسى والخضر
~~عليهما السلام على خلافه، أما على القول بنبوة الخضر عليه السلام فظاهر
~~وكذا على القول بولايته وأنه فعل ما فعل عن أمر الله تعالى بواسطة نبي،
~~وأما على القول بولايته وأنه فعل ذلك لعلم ms09041 أوتيه بلا واسطة نبي فلأنه لا
~~يدل إلا على فقدان موسى عليه السلام العلم بتلك الأمور الثلاثة وعلم
~~الخضر بها ولا يلزم من ذلك أن يكون الخضر أعلم منه مطلقا وهو ظاهر، وعلى
~~هذا جوز إبقاء الآية على ظاهرها فيكون إبراهيم عليه السلام قد نظر في
~~النجوم حسبما علمه الله تعالى من أحوال الملكوت الأعلى/ واستدل على أنه
~~سيسقم بما استدل، ولعل نظره كان في طالع الوقت أو نحوه أو طالع ولادته أو
~~طالع سقوط النطفة التي خلق منها والعلم به بالوحي أو بواسطة العلم بطالع
~~الولادة؛ والاعتراض على ذلك بأنه يلزم عليه تقويته عليه السلام ما هم
~~عليه من الباطل في أمر النجوم وارد أيضا على حمل ما في الآية على
~~التعريض والجواب هو الجواب.

# هذا وإذا أحطت خبرا بجميع ما ذكرت لك في هذا المقام فأحسن التأمل فيما
~~تضمنه من النقض والإبرام وقد جمعت لك ما لم أعلم أنه جمع في تفسير ولا
~~أبرىء نفسي عن الخطأ والسهو والتقصير والله سبحانه ولي التوفيق وبيده عز
~~وجل أزمة التحقيق. وقوله تعالى: { فتولوا عنه مدبرين }.

### || [37.90]

# تفريع على قوله عليه السلام:

# إنى سقيم

# [الصافات: 89] أي أعرضوا وتركوا قربه، والمراد أنهم ذهبوا إلى معيدهم
~~وتركوه، و { مدبرين } إما حال مؤكدة أو حال مقيدة بناء على أن
~~المراد بسقيم مطعون أو أنهم توهموا مرضا له عدوى مرض الطاعون أو غيره
~~فإن المرض الذي له عدوى بزعم الأطباء لا يختص بمرض الطاعون فكأنه قيل:
~~فأعرضوا عنه هاربين مخافة العدوى.

### || [37.91-92]

# { فراغ إلى ءالهتهم } فذهب بخفية إلى أصنامهم التي يعبدونها،
~~وأصل الروغان ميل الشخص في جانب ليخدع من خلفه فتجوز به عما ذكر لأنه
~~المناسب هنا { فقال } للأصنام استهزاء { ألا تأكلون } من الطعام
~~الذي عندكم، وكان المشركون يضعون في أيام أعيادهم طعاما لدى الأصنام
~~لتبرك عليه، وأتى بضمير العقلاء لمعاملته عليه السلام إياهم معاملتهم.

# { ما لكم لا تنطقون }

# بجوابي.

### || [37.93]

# { فراغ عليهم } فمال مستعليا عليهم وقوله تعالى: { ضربا }
~~مصدر لراغ عليهم باعتبار المعنى فإن ms09042 المراد منه ضربهم أو لفعل مضمر هو مع
~~فاعله حال من فاعله أي فراغ عليهم يضربهم ضربا أو هو حال منه على أنه
~~مصدر بمعنى الفاعل أي ضاربا أو مفعول له أي لأجل ضرب. وقرأ الحسن { سفقا
~~} و { صفقا } أيضا (باليمين) أي باليد اليمين كما روي عن ابن
~~عباس، وتقييد الضرب باليمين للدلالة على شدته وقوته لأن اليمين أقوى
~~الجارحتين وأشدهما في الغالب وقوة الآلة تقتضي شدة الفعل وقوته أو بالقوة
~~على أن اليمين مجاز عنها. روي أنه عليه السلام كان يجمع يديه في الآلة
~~التي يضربها بها وهي الفأس فيضربها بكمال قوته، وقيل المراد باليمين
~~الحلف، وسمي الحلف يمينا إما لأن العادة كانت إذا حلف شخص لآخر جعل
~~يمينه بيمينه فحلف أو لأن الحلف يقوي الكلام ويؤكده، وأريد باليمين قوله
~~عليه السلام

# تالله لأكيدن أصنمكم

# [الأنبياء: 57] والباء عليه للسببية أي ضربا بسبب اليمين الذي حلفه قبل
~~وهي على ما تقدم للاستعانة أو للملابسة.

### || [37.94]

# { فأقبلوا إليه } أي إلى إبراهيم عليه السلام بعد رجوعهم من
~~عيدهم وسؤالهم عن الكاسر وقولهم

# فأتوا به على أعين الناس

# [الأنبياء: 61] { يزفون } حال من واو (أقبلوا) أي يسرعون من زف
~~النعام أسرع لخلطه الطيران بالمشي ومصدره الزف والزفيف، وقيل: {
~~يزفون } أي يمشون على تؤدة ومهل من زفاف العروس إذ كانوا في طمأنينة
~~من أن ينال أصنامهم بشيء لعزتها، وليس بشيء.

# وقرأ حمزة ومجاهد وابن وثاب والأعمش { يزفون } بضم الياء من أزف دخل في
~~الزفيف فالهمزة ليست للتعدية أو حمل غيره على الزفيف فهي لها قاله
~~الأصمعي. وقرأ مجاهد أيضا وعبد الله بن يزيد والضحاك/ ويحيى بن عبد
~~الرحمن المقري وابن أبي عبلة { يزفون } مضارع وزف بمعنى أسرع، قال
~~الكسائي والفراء: لا نعرف وزف بمعنى زف وقد أثبته الثقات فلا يضر عدم
~~معرفتهما. وقرىء { يزفون } بالبناء للمفعول، وقرىء { يزفون } بسكون الزاي
~~من زفاه إذا حداه كأن بعضهم يزفو بعضا لتسارعهم إليه.

### || [37.95]

# { قال } بعد أن أتوا به عليه السلام وجرى ما جرى من المحاورة على سبيل ms09043
~~التوبيخ والإنكار عليهم { أتعبدون ما تنحتون } أي الذي
~~تنحتونه من الأصنام فما موصولة حذف عائدها وهو الظاهر المتبادر، وجوز
~~كونها مصدرية أي أتعبدون نحتكم، وتوبيخهم على عبادة النحت مع أنهم يعبدون
~~الأصنام وهي ليست نفس النحت للإشارة إلى أنهم في الحقيقة إنما عبدوا
~~النحت لأن الأصنام قبله حجارة ولم يكونوا يعبدونها وإنما عبدوها بعد أن
~~نحتوها ففي الحقيقة ما عبدوا إلا نحتهم، وفيه ما فيه.

### || [37.96]

# { والله خلقكم وما تعملون } في موضع الحال من ضمير

# تعبدون

# [الصافات: 95] لتأكيد الإنكار والتوبيخ والاحتجاج على أنه لا ينبغي تلك
~~العبادة، و (ما) موصولة حذف عائدها أيضا أي خلقكم وخلق الذي تعملونه أي
~~من الأصنام كما هو الظاهر، وهي عبارة عن مواد وهي الجواهر الحجرية وصور
~~حصلت لها بالنحت؛ وكون المواد مخلوقة له عز وجل ظاهر، وكون الصور
~~والأشكال كذلك مع أنها بفعلهم باعتبار أن الإقدار على الفعل وخلق ما
~~يتوقف عليه من الدواعي والأسباب منه تعالى، وكون الأصنام وهي ما سمعت
~~معمولة لهم باعتبار جزئها الصوري فهو مع كونه معمولا لهم مخلوق لله
~~تعالى بذلك الاعتبار فلا إشكال.

# وفي " المتمة للمسألة المهمة " تأليف الشيخ إبراهيم الكوراني عليه
~~الرحمة صريح الكلام دال على أن الله تعالى خالق للأصنام بجميع أجزائها
~~التي منها الأشكال، ومعلوم أن الأشكال إنما حصلت بتشكيلهم فتكون الأشكال
~~مخلوقة لله تعالى معمولة لهم لكون نحتهم وتشكيلهم عين خلق الله تعالى
~~الأشكال بهم. ولا استحالة في ذلك لأن العبد لا قوة له إلا بالله تعالى
~~بالنص ومن لا قوة له إلا بغيره فالقوة لذلك الغير لا له فلا قوة حقيقة
~~إلا لله تعالى، ومن المعلوم أنه لا فعل للعبد إلا بقوة فلا فعل له إلا
~~بالله تعالى فلا فعل حقيقة إلا لله تعالى، وكل ما كان كذلك كان النحت
~~والتشكيل عين خلق الله سبحانه الأشكال بهم وفيهم بالذات وغيره بالاعتبار
~~فيكون المعمول عين المخلوق بالذات وغيره بالاعتبار فإن إيجاد الله عز وجل
~~يتعلق بذات الفعل من حيث هو وفعل العبد بالمعنى المصدري ms09044 يتعلق بالفعل
~~بمعنى الحاصل بالمصدر من حيث كونه طاعة أو معصية أو مباحا لكونه مكلفا
~~والله تعالى له الإطلاق ولا حاكم عليه سبحانه انتهى فافهم.

# والزمخشري جعل أيضا (ما) موصولة إلا أنه جعل المخلوق له تعالى هو
~~الجواهر ومعمولهم هو الشكل والصورة إما على أن الكلام على حذف مضاف أي
~~وما تعملون شكله وصورته، وإما على أن الشائع في الاستعمال ذلك فإنهم
~~يقولون عمل النجار الباب والصائغ الخلخال والبناء البناء ولا يعنون
~~إلا عمل الشكل بدون تقدير شكل في النظم كأن تعلق العمل بالشيء هو هذا
~~التعلق لا تعلق التكوين، وهو مبني على اعتقاده الفاسد من أن أفعال العباد
~~مخلوقة لهم، والاحتجاج في الآية على الأول بأن يقال: إنه تعالى خلق
~~العابد والمعبود مادة وصورة فكيف يعبد المخلوق المخلوق؟ وعلى الثاني بأنه
~~تعالى خلق العابد ومادة المعبود فكيف يعبد المخلوق المخلوق على أن العابد
~~منهما هو الذي عمل صورة المعبود، والأول أظهر.

# وعدل عن ضمير

# ما تنحتون

# [الصافات: 95] أو/ الإتيان به دون ما تعملون للإيذان بأن مخلوقية
~~الأصنام لله عز وجل ليس من حيث نحتهم لها فقط بل من حيث سائر أعمالهم
~~أيضا من التصوير والتحلية والتزيين. وفي «الكشف» فائدة العدول الدلالة
~~على أن تأثيرهم فيها ليس النحت ثم العمل يقع على النحت والأثر الحاصل منه
~~ولا يقع النحت على الثاني فلا بد من العدول لهذه النكتة وبه يتم الاحتجاج
~~أي الذي قيل على اعتبار الزمخشري. وجوز أن يكون الموصول عاما للأصنام
~~وغيرها وتدخل أوليا ولا يتأتى عليه حديث العدول.

# وقيل (ما) مصدرية والمصدر مؤول باسم المفعول ليطابق { ما تنحتون }
~~على ما هو الظاهر فيه ويتحد المعنى مع ما تقدم على احتمال الموصولية،
~~وجوز بقاء المصدر على مصدريته والمراد به الحاصل بالمصدر أعني الأثر
~~وكثيرا ما يراد به ذلك حتى قيل: إنه مشترك بينه وبين التأثير والإيقاع
~~أي خلقكم وخلق عملكم. واحتج بالآية على المعتزلة. وتعقب بأنه لا يصح لأن
~~الاستدلال بذلك على أن العابد والمعبود جميعا خلق الله تعالى ms09045 فكيف يعبد
~~المخلوق مخلوقا ولو قيل: إن العابد وعمله من خلق الله تعالى لفات
~~الملاءمة والاحتجاج، ولأن { ما } في الأول موصولة فهي في الثاني كذلك
~~لئلا ينفك النظم، وما قاله القاضي البيضاوي من أنه لا يفوت الاحتجاج بل
~~أنه أبلغ فيه لأن فعلهم إذا كان بخلق الله تعالى كان مفعولهم المتوقف على
~~فعلهم أولى بذلك، وأيد بأن الأسلوب يصير من باب الكناية وهو أبلغ من
~~التصريح ولا فائدة في العدول عن الظاهر إلا هذا فيجب صونا لكلام الله
~~تعالى عن العبث تعقبه في «الكشف» بأنه لا يتم لأن الملازمة ممنوعة عند
~~القوم ألا ترى أنهم معترفون بأن العبد وقدرته وإرادته من خلق الله تعالى
~~ثم المتوقف عليهما وهو الفعل يجعلونه خلق العبد، والتحقيق أنه يفيد
~~التوقف عليه تعالى وهم لا ينكرونه إنما الكلام في الإيجاد والإحداث ثم
~~قال: وأظهر منه أن يقال: لأن المعمول من حيث المادة كانوا لا ينكرون أنه
~~من خلق الله تعالى فقيل هو من حيث الصورة أيضا خلقه فهو مخلوق من جميع
~~الوجوه مثلكم من غير فرق فلم تسوونه بالخالق وما ازداد بفعلكم إلا بعد
~~استحقاق عن العبادة ولما كان هذا المعنى في تقرير الزمخشري على أبلغ وجه
~~كان هذا البناء متداعيا كيفما قرر، على أن فائدة العدول قد اتضحت حق
~~الوضوح فبطل الحصر أيضا، وقد قيل عليه: إن المراد بالفعل الحاصل بالمصدر
~~لأنه بالمعنى الآخر أعني الإيقاع من النسب التي ليست بموجودة عندهم،
~~وتوقف الحاصل بالإيقاع على قدرة العبد وإرادته توقف بعيد بخلاف توقفه على
~~الإيقاع الذي لا وجود له فيكون ما ذكره في معرض السند مجتمعا مع المقدمة
~~الممنوعة فلا يصلح للسندية، والمراد بمفعولهم أشكال الأصنام المتوقف على
~~ذلك المعنى القائم بهم وإذا كان ذاك بخلقه تعالى فلأن يكون الذي لا يقوم
~~بهم بل بما يباينهم بخلقه تعالى أولى.

# ولا مجال للخصم أن يمنع هذه الملازمة إذ قد أثبت خلق المتولدات مطلقا
~~للعباد بواسطة خلقهم لما يقوم بهم، وانتفاء الأول ملزوم لانتفاء الثاني
~~فتأمل. ms09046

# وقال في «التقريب» انتصارا لمن قال بالمصدرية: إن الجواهر مخلوقة له
~~تعالى وفاقا والأعمال مخلوقة أيضا لعموم الآية فكيف يعبد ما لا مدخل له
~~في الخلق فدعوى فوات الاحتجاج باطلة وكذلك فك النظم والتبتير، وتعقبه في
~~«الكشف» أيضا فقال فيه: إن المقدمة الوفاقية إذا لم يكن بد منها ولم تكن
~~معلومة من هذا السياق يلزم فوات الاحتجاج، وأما الحمل على التغليب في
~~الخطاب فتوجيه لا ترجيح والكلام في الثاني. ثم قال: وأما أن المصدرية
~~أولى لئلا يلزم حذف الضمير فمعارض بأن الموصولة أكثر/ استعمالا وهي أنسب
~~بالسياق السابق على أنه لا بد من تقدير عملهم في المنحوت فيزداد الحذف.

# واعترض بأنا لا نسلم الأكثرية وكذا لا نسلم أنها أنسب بالسياق لما سمعت
~~من أن الأسلوب على ذلك من باب الكناية وهو أبلغ من التصريح والتقدير
~~المذكور ليس بلازم لجواز إبقاء الكلام على عمومه الشامل للمنحوت بالطريق
~~الأولى أو يقدر بمصدر مضاف إضافة عهدية، وبعضهم جعلها موصولة كناية عن
~~العمل لئلا ينفك النظم ويظهر احتجاج الأصحاب على خلق أفعال العباد.
~~وتعقبه أيضا بأنه أفسد من الأول لما فيه من التعقيد وفوات الاحتجاج،
~~وكون الموصول في الأول عبارة عن الأعيان وفي الثاني كناية عن المعاني
~~وانفكاك النظم ليس لخصوص الموصولية والمصدرية بل لتباين المعنيين وهو
~~باق.

# و صاحب «الانتصاف» قال بتعين حملها على المصدرية لأنهم لم يعبدوا
~~الأصنام من حيث كونها حجارة وإنما عبدوها من حيث أشكالها فهم في الحقيقة
~~إنما عبدوا عملهم وبذلك تبتلج الحجة عليهم بأنهم وعملهم مخلوقان لله
~~تعالى فكيف يعبد المخلوق مخلوقا مثله مع أن المعبود كسب العابد وعمله،
~~وأجاب عن حديث لزوم انفكاك النظم بأن لنا أن نحمل الأولى على المصدرية
~~أيضا فإنهم في الحقيقة إنما عبدوا نحتهم. وفي دعوى التعين بحث.

# وجوز كون (ما) الثانية استفهامية للإنكار والتحقير أي وأي شيء تعملون في
~~عبادتكم أصناما نحتموها أي لا عمل لكم يعتبر، وكونها نافية أي وما أنتم
~~تعملون شيئا في وقت خلقكم ولا تقدرون على شيء، ولا ms09047 يخفى أن كلا
~~الاحتمالين خلاف الظاهر بل لا ينبغي أن يحمل عليه التنزيل. وأظهر الوجوه
~~كونها موصولة وتوجيه ذلك على ما يقوله الأصحاب ثم كونها مصدرية،
~~والاستدلال بالآية عليه ظاهر، وقول صاحب «الكشف»: و " الانتصاف " إن
~~استدلال الأصحاب بهذه الآية لا يتم إن أراد به ترجيح احتجاج المعتزلة
~~خارج عن دائرة الإنصاف، ثم إنها على تقدير أن لا تكون دليلا لهم لا تكون
~~دليلا للمعتزلة أيضا كما لا يخفى على المنصف، هذا ولما غلبهم إبراهيم
~~عليه السلام بالحجة مالوا إلى الغلبة بقوة الشوكة.

### || [37.97]

# { قالوا ابنوا له بنينا } حائطا توقدون فيه النار، وقيل:
~~منجنيقا. { فألقوه فى الجحيم } في النار الشديدة من الجحمة
~~وهي شدة التأجج والاتقاد، واللام بدل عن المضاف إليه أو للعهد، والمراد
~~جحيم ذلك البنيان التي هي فيه أو عنده.

### || [37.98]

# { فأرادوا به كيدا } سوأ باحتيال فإنه عليه السلام لما قهرهم
~~بالحجة قصدوا تعذيبه بذلك لئلا يظهر للعامة عجزهم { فجعلنهم
~~الاسفلين } الأذلين بإبطال كيدهم وجعله برهانا ظاهرا ظهور نار
~~القرى ليلا على علم على علو شأنه عليه السلام حيث جعل سبحانه النار عليه
~~بردا وسلاما، وقيل: أي الهالكين، وقيل: أي المعذبين في الدرك الأسفل من
~~النار والأول أنسب.

### || [37.99]

# { وقال إنى ذاهب إلى ربى } إلى حيث أمرني أو حيث أتجرد فيه
~~لعبادته عز وجل جعل الذهاب إلى المكان الذي أمره ربه تعالى بالذهاب إليه
~~ذهابا إليه وكذا الذهاب إلى مكان يعبده تعالى فيه لا أن الكلام بتقدير
~~مضاف، والمراد بذلك المكان الشام، وقيل مصر وكأن المراد إظهار اليأس من
~~إيمانهم وكراهة البقاء معهم أي إني مفارقكم ومهاجر منكم إلى ربي {
~~سيهدين } إلى ما فيه صلاح ديني أو إلى مقصدي. والسين لتأكيد الوقوع
~~لأنها في مقابلة لن المؤكد للنفي كما ذكره سيبويه. وبت عليه السلام القول
~~لسبق وعده تعالى إياه بالهداية لما أمره سبحانه بالذهاب أو لفرط توكله
~~عليه السلام أو للبناء على عادته تعالى معه/ وإنما لم يقل موسى عليه
~~السلام مثل ذلك بل قال:

# عسى ربى أن ms09048 يهدينى سواء السبيل

# [القصص: 22] بصيغة التوقع قيل: لعدم سبق وعد وعدم تقدم عادة واقتضاء
~~مقامه رعاية الأدب معه تعالى بأن لا يقطع عليه سبحانه بأمر قبل وقوعه،
~~وتقديمه على رعاية فرط التوكل ومقامات الأنبياء متفاوتة وكلها عالية،
~~وقيل لأن موسى عليه السلام قال ما قال قبل البعثة وإبراهيم عليه السلام
~~قال ذلك بعدها، وقيل لأن إبراهيم كان بصدد أمر ديني فناسبه الجزم وموسى
~~كان بصدد أمر دنيوي فناسبه عدم الجزم، ومن الغريب ما قيل ونحا إليه قتادة
~~أنه لم يكن مراد إبراهيم عليه السلام بقوله: { إني } الخ الهجرة وإنما
~~أراد بذلك لقاء الله تعالى بعد الإحراق ظانا إنه يموت في النار إذا ألقي
~~فيها وأراد بقوله: { سيهديني } الهداية إلى الجنة، ويدفع هذا القول دعاؤه
~~بالولد حيث قال: { رب هب لي من الصالحين }.

### || [37.100]

# بعض الصالحين يعينني على الدعوة والطاعة ويؤنسني في الغربة، والتقدير
~~ولدا من الصالحين وحذف لدلالة الهبة عليه فإنها في القرآن وكلام العرب
~~غلب استعمالها مع العقلاء في الأولاد، وقوله تعالى:

# ووهبنا له أخاه هرون نبيا

# [مريم: 53] من غير الغالب أو المراد فيه هبة نبوته لا هبة ذاته وهو شيء
~~آخر ولقوله تعالى: { فبشرناه بغلام حليم }.

### || [37.101]

# فإنه ظاهر في أن ما بشر به عين ما استوهبه مع أن مثله إنما يقال عرفا
~~في حق الأولاد، ولقد جمع بهذا القول بشارات أنه ذكر لاختصاص الغلام به
~~وأنه يبلغ أوان البلوغ بالسن المعروف فإنه لازم لوصفه بالحليم لأنه لازم
~~لذلك السن بحسب العادة إذ قلما يوجد في الصبيان سعة صدر وحسن صبر وإغضاء
~~في كل أمر، وجوز أن يكون ذلك مفهوما من قوله تعالى: { غلام } فإنه قد
~~يختص بما بعد البلوغ وإن كان ورد عاما وعليه العرف كما ذكره الفقهاء
~~وأنه يكون حليما وأي حلم مثل حلمه عرض عليه أبوه وهو مراهق الذبح فقال:

# ستجدنى إن شاء الله من الصبرين

# [الصافات: 102] فما ظنك به بعد بلوغه، وقيل ما نعت الله تعالى نبيا
~~بالحلم لعزة وجوده غير إبراهيم وابنه عليهما ms09049 السلام، وحالهما المذكورة
~~فيما بعد تدل على ما ذكر فيهما.

### || [37.102]

# والفاء في قوله تعالى: { فلما بلغ معه السعى } فصيحة تعرب
~~عن مقدر قد حذف تعويلا على شهادة الحال وإيذانا بعدم الحاجة إلى
~~التصريح به لاستحالة التخلف أي فوهبناه له ونشأ فلما بلغ رتبة أن يسعى
~~معه في أشغاله وحوائجه، و { مع } ظرف للسعي وهي تدل على معنى الصحبة
~~واستحداثها، وتعلقها بمحذوف دل عليه المذكور لأن صلة المصدر لا تتقدمه
~~لأنه عند العمل مؤول بأن المصدرية والفعل ومعمول الصلة لا يتقدم على
~~الموصول لأنه كتقدم جزء الشيء المرتب الأجزاء عليه أو لضعفه عن العمل فيه
~~بحث، أما أولا: فلأن التأويل المذكور على المشهور في المصدر المنكر دون
~~المعرف، وأما ثانيا: فلأنه إذا سلم العموم فليس كل ما أول بشيء حكمه حكم
~~ما أول به، وأما ثالثا: فلأن المقدم هنا ظرف وقد اشتهر أنه يغتفر فيه ما
~~لا يغتفر في غيره. وصرحوا بأنه يكفيه رائحة الفعل وبهذا يضعف حديث المنع
~~لضعف العامل عن العمل فالحق أنه لا حاجة في مثل ذلك إلى التقدير معرفا
~~كان المصدر أو منكرا كقوله تعالى:

# ولا تأخذكم بهما رأفة

# [النور: 2] وهو الذي ارتضاه الرضى وقال به العلامة الثاني.

# واختار صاحب «الفرائد» كونها متعلقة بمحذوف وقع حالا من { السعى }
~~أي فلما بلغ السعي حال كون ذلك السعي كائنا معه، وفيه أن السعي معه
~~معناه اتفاقهما فيه فالصحبة بين الشخصين فيه، وما قدره يقتضي الصحبة بين
~~السعي وإبراهيم عليه السلام ولا يطابق المقام، وجوز تعلقه ببلغ، ورد بأنه
~~يقتضي بلوغهما معا حد السعي لما سمعت من معنى (مع) وهو غير صحيح، وأجيب
~~بأن مع على ذلك لمجرد الصحبة على/ أن تكون مرادفة عند نحو فلان يتغنى مع
~~السلطان أي عنده ويكون حاصل المعنى بلغ عند أبيه وفي صحبته متخلقا
~~بأخلاقه متطبعا بطباعه ويستدعي ذلك كمال محبة الأب إياه، ويجوز على هذا
~~أن تتعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل { بلغ } ومن مجيء (مع) لمجرد
~~الصحبة قوله تعالى حكاية عن ms09050 بلقيس:

# أسلمت مع سليمن لله رب العلمين

# [النمل: 44] فلتكن فيما نحن فيه مثلها في تلك الآية.

# وتعقب بأن ذاك معنى مجازي والحمل على المجاز هنالك للصارف ولا صارف فيما
~~نحن فيه فليحمل على الحقيقة على أنه لا يتعين هنالك أن تكون لمعية الفاعل
~~لجواز أن يراد أسلمت لله ولرسوله مثلا، وتقديم { مع } إشعارا منها
~~بأنها كانت تظن أنها على دين قبل وأنها مسلمة لله تعالى فيما كانت تعبد
~~من الشمس فدل على أنه إسلام يعتد به من أثر متابعة نبيه لا إسلام كالأول
~~فاسد، قال صاحب «الكشف»: وهذا معنى صحيح حمل الآية عليه أولى وإن حمل على
~~معية الفاعل لم يكن بد من محذوف نحو مع بلوغ دعوته وإظهار معجزته لأن فرق
~~ما بين المقيد ومطلق الجمع معلوم بالضرورة، وزعم بعض أنه لا مانع من
~~إرادة الحقيقة واستحداث إسلامهما معا على معنى أنه عليه السلام وافقها
~~أو لقنها وليس بشيء كما لا يخفى.

# وقيل يراد بالسعي على تقدير تعلق (مع) ببلغ المسعى وهو الجبل المقصود
~~إليه بالمشي وهو تكلف لا يصار إليه. وبالجملة الأولى تعلقها بالسعي.
~~والتخصيص لأن الأب أكمل في الرفق وبالاستصلاح له فلا يستسعيه قبل أوانه
~~أو لأنه عليه السلام استوهبه لذلك، وفيه على الأول بيان أوانه وأنه في
~~غضاضة عوده كان فيه ما فيه من رصانة العقل ورزانة الحلم حتى أجاب بما
~~أجاب، وعلى الثاني بيان استجابة دعائه عليه السلام وكان للغلام يومئذ
~~ثلاث عشرة سنة والولد أحب ما يكون عند أبيه في سن يقدر فيه على إعانة
~~الأب وقضاء حاجة ولا يقدر فيه على العصيان { قال يبني إني
~~أرى في المنام أني أذبحك } يحتمل أنه عليه السلام رأى في
~~منامه أنه فعل ذبحه فحمله على ما هو الأغلب في رؤيا الأنبياء عليهم
~~السلام من وقوعها بعينها، ويحتمل أنه رأى ما تأويله ذلك لكن لم يذكره
~~وذكر التأويل كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب في سفينة رأيت في المنام
~~أني ناج من هذه المحنة، وقيل إنه ms09051 رأى معالجة الذبح ولم ير إنهار الدم
~~فأني أذبحك إني أعالج ذبحك، ويشعر صنيع بعضهم اختيار أنه عليه السلام أتى
~~في المنام فقيل له اذبح ابنك ورؤيا الأنبياء وحي كالوحي في اليقظة، وفي
~~رواية أنه رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول إن الله تعالى يأمرك بذبح
~~ابنك فلما أصبح روأ في ذلك وفكر من الصباح إلى الرواح أمن الله تعالى
~~هذا الحلم أم من الشيطان؟ فمن ثم سمي يوم التروية فلما أمسى رأي مثل ذلك
~~فعرف أنه من الله تعالى فمن ثم سمي يوم عرفة ثم رأى مثله في الليلة
~~الثالثة فهم بنحره فسمي يوم النحر.

# وقيل إن الملائكة حين بشرته بغلام حليم قال هو إذن ذبيح الله فلما ولد
~~وبلغ حد السعي معه قيل له أوف بنذرك، ولعل هذا القول كان في المنام وإلا
~~فما يصنع بقوله: { إنى أرى فى المنام أنى أذبحك } وفي
~~كلام التوراة التي بأيدي اليهود اليوم ما يرمز إلى أن الأمر بالذبح كان
~~ليلا فإنه بعد أن ذكر قول الله تعالى له عليه السلام خذ ابنك وامض إلى
~~بلد العبادة وأصعده ثم قربانا على أحد الجبال الذي أعرفك به قيل فأدلج
~~إبراهيم بالغداة الخ فالأمر إما مناما وإما يقظة لكن وقع تأكيدا لما في
~~المنام إذ لا محيص عن الإيمان بما قصه الله تعالى علينا فيما أعجز به
~~الثقلين من القرآن والحزم الجزم بكونه في المنام لا غير إذ لا يعول على
~~ما في أيدي اليهود وليس في الأخبار الصحيحة ما يدل على وقوعه يقطة أيضا.

# / ولعل السر في كونه مناما لا يقظة أن تكون المبادرة إلى الامتثال أدل
~~على كمال الانقياد والإخلاص. وقيل: كان ذلك في المنام دون اليقظة ليدل
~~على أن حالتي الأنبياء يقظة ومناما سواء في الصدق، والأول أولى.
~~والتأكيد لما في تحقق المخبر به من الاستبعاد، وصيغة المضارع في الموضعين
~~قيل لاستحضار الصورة الماضية لنوع غرابة، وقيل: في الأول لتكرر الرؤيا
~~وفي الثاني للاستحضار المذكور أو لتكرر الذبح حسب تكرر الرؤيا ms09052 أو
~~للمشاكلة؛ ومن نظر بعد ظهر له غير ذلك.

# { فانظر ماذا ترى } من الرأي؛ وإنما شاوره في ذلك وهو حتم ليعلم
~~ما عنده فيما نزل من بلاء الله عز وجل فيثبت قدمه إن جزع ويأمن عليه إن
~~سلم وليوطن نفسه عليه فيهون عليه ويكتسب المثوبة بالانقياد لأمر الله
~~تعالى قبل نزوله وليكون سنة في المشاورة، فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة
~~في أكله من الشجرة لما فرط منه ذلك.

# وقرأ حمزة والكسائي { ماذا تري } بضم التاء وكسر الراء خالصة أي ما الذي
~~تريني إياه من الصبر وغيره أو أي شيء تريني على أن (ما) مبتدأ وذا موصول
~~خبره ومفعولي تري محذوفان أو ماذا كالشيء الواحد مفعول ثان لترى والمفعول
~~الأول محذوف، وقرىء { ماذا ترى } بضم التاء وفتح الراء على البناء
~~للمفعول أي ماذا تريك نفسك من الرأي. و { انظر } في جميع القراءات معلقة
~~عن العمل وفي { ماذا } الاحتمالان فلا تغفل.

# { قال يأبت افعل ما تؤمر } أي الذي تؤمر به فحذف الجار
~~والمجرور دفعة أو حذف الجار أولا فعدى الفعل بنفسه نحو أمرتك الخير ثم
~~حذف المجرور بعد أن صار منصوبا ثانيا، والحذف الأول شائع مع الأمر حتى
~~كاد يعد متعديا بنفسه فكأنه لم يجتمع حذفان أو افعل أمرك على أن (ما)
~~مصدرية والمراد بالمصدر الحاصل بالمصدر أي المأمور به، ولا فرق في جواز
~~إرادة ذلك من المصدر بين أن يكون صريحا وأن يكون مسبوكا. وإضافته إلى
~~ضمير إبراهيم إضافة إلى المفعول ولا يخفى بعد هذا الوجه، وهذا الكلام
~~يقتضي تقدم الأمر وهو غير مذكور فإما أن يكون فهم من كلامه عليه السلام
~~أنه رأى أنه يذبحه مأمورا أو علم أن رؤيا الأنبياء حق وأن مثل ذلك لا
~~يقدمون عليه إلا بأمر، وصيغة المضارع للإيذان بغرابة ذلك مثلها في كلام
~~إبراهيم على وجه وفيه إشارة إلى أن ما قاله لم يكن إلا عن حلم غير مشوب
~~بجهل بحال المأمور به، وقيل: للدلالة على أن الأمر متعلق به متوجه إليه
~~مستمر إلى ms09053 حين الامتثال به، وقيل: لتكرر الرؤيا، وقيل: جىء بها لأنه لم
~~يكن بعد أمر وإنما كانت رؤيا الذبح فأخبره بها فعلم لعلمه بمقام أبيه
~~وأنه ممن لا يجد الشيطان سبيلا بإلقاء الخيالات الباطلة إليه في المنام
~~أنه سيكون ذلك ولا يكون إلا بأمر إلهي فقال له افعل ما تؤمر بعد من الذبح
~~الذي رأيته في منامك، ولما كان خطاب الأب { يا بني } على سبيل الترحم قال
~~هو { يا أبت } على سبيل التوقير والتعظيم ومع ذلك أتى بجواب حكيم لأنه
~~فوض الأمر حيث استشاره فأجاب بأنه ليس مجازها وإنما الواجب إمضاء الأمر.

# { ستجدنى إن شاء الله من الصبرين } على قضاء الله
~~تعالى، ذبحا كان أو غيره، وقيل: على الذبح والأول أولى للعموم ويدخل
~~الذبح دخولا أوليا، وفي قوله: { من الصبرين } دون صابرا وإن
~~كانت رؤوس الآي تقتضي ذلك من التواضع ما فيه، قيل ولعله وفق للصبر ببركته
~~مع بركة الاستثناء وموسى عليه السلام لما لم يسلك هذا المسلك من التواضع
~~في قوله:

# ستجدنى إن شاء الله صابرا

# [الكهف: 69] حيث لم ينظم نفسه الكريمة في سلك/ الصابرين بل أخرج الكلام
~~على وجه لا يشعر بوجود صابر سواه لم يتيسر له الصبر مع أنه لم يهمل أمر
~~الاستثناء. وفيه أيضا إغراء لأبيه عليه السلام على الصبر لما يعلم من
~~شفقته عليه مع عظم البلاء حيث أشار إلى أن لله تعالى عبادا صابرين وهي
~~زهرة ربيع لا تتحمل الفرك.

### || [37.103]

# { فلما أسلما } أي استسلما وانقادا لأمر الله تعالى فالفعل لازم
~~أو سلم الذبيح نفسه وإبراهيم ابنه على أنه متعد والمفعول محذوف.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وعبد الله ومجاهد والضحاك وجعفر
~~بن محمد والأعمش والثوري { سلما } وخرجت على ما سمعت، ويجوز أن يكون
~~المعنى فوضا إليه تعالى في قضائه وقدره، وقرىء { استسلما } وأصل الأفعال
~~الثلاثة سلم هذا لفلان إذا خلص له فإنه سلم من أن ينازع فيه.

# { وتله للجبين } صرعه على شقه فوقع جبينه على الأرض، وأصل
~~التل الرمي على التل ms09054 وهو التراب المجتمع ثم عمم في كل صرع، والجبين أحد
~~جانبي الجبهة وشذ جمعه على أجبن وقياسه في القلة أجبنة ككثيب وأكثبة وفي
~~الكثرة جبنان وجبن ككثبان وكثب، واللام لبيان ما خر عليه كما في قوله
~~تعالى:

# يخرون للأذقان

# [الإسراء: 107] وقوله:

# وخر صريعا لليدين وللفم

# وليست للتعدية، وقيل المراد كبه على وجهه وكان ذلك بإشارة منه. أخرج غير
~~واحد عن مجاهد أنه قال لأبيه: لا تذبحني وأنت تنظر إلى وجهي عسى أن
~~ترحمني فلا تجهز علي اربط يدي إلى رقبتي ثم ضع وجهي للأرض ففعل فكان ما
~~كان، ولا يخفى أن إرادة ذلك بإشارة من الآية بعيد، نعم لا يبعد أن يكون
~~الذبيح قال هذا. وفي الآثار حكاية أقوال غير ذلك أيضا، منها ما في خبر
~~للسدي أنه قال لأبيه عليهما السلام: يا أبت اشدد رباطي حتى لا اضطرب
~~واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء فتراه أمي فتحزن وأسرع مر
~~السكين على حلقي فيكون أهون للموت علي فإذا أتيت أمي فاقرأ عليها السلام
~~مني فأقبل عليه إبراهيم يقبله. وكل منهما يبكي، ومنها ما في حديث أخرجه
~~أحمد وجماعة عن ابن عباس أنه قال لأبيه وكان عليه قميص أبيض يا أبت ليس
~~لي ثوب تكفنني فيه غيره فاخلعه حتى تكفنني فيه فعالجه ليخلعه فكان ما قص
~~الله عز وجل. وكان ذلك عند الصخرة التي بمنى، وعن الحسن في الموضع المشرف
~~على مسجد منى، وعن الضحاك في المنحر الذي ينحر فيه اليوم، وقيل كان ببيت
~~المقدس وحكي ذلك عن كعب، وحكى الإمام مع هذا القول أنه كان بالشام.

### || [37.104-105]

# { وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ } قيل
~~ناداه من خلفه ملك من قبله تعالى بذلك. و { ءان } مفسرة بمعنى أي وقرأ
~~زيد بن علي (قد صدقت) بحذفها، وقرىء { صدقت } بالتخفيف، وقرأ فياض {
~~الريا } بكسر الراء والإدغام، وتصديقه عليه السلام الرؤيا توفيته حقها من
~~العمل وبذل وسعه في إيقاعها وذلك بالعزم والإتيان بالمقدمات ولا يلزم فيه
~~وقوع ما رآه بعينه، ms09055 وقيل هو إيقاع تأويلها وتأويلها ما وقع، ويفهم من
~~كلام الإمام أنه الاعتراف بوجوب العمل بها، ولا يدل على الإتيان بكل ما
~~رآه في المنام.

# وهل أمر عليه السلام الشفرة على حلقه أم لا؟ قولان ذهب إلى الثاني منهما
~~كثير من الأجلة، وقد أخرج الإمام أحمد عن ابن عباس أنه عليه السلام لما
~~أخذ الشفرة وأراد أن يذبحه نودي من خلفه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا،
~~وأخرج هو وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في
~~«شعب الإيمان» عنه أنه عالج قميصه ليخلعه فنودي بذلك. وأخرج ابن المنذر
~~والحاكم وصححه من طريق مجاهد عنه أيضا فلما أدخل يده ليذبحه فلم يحمل
~~المدية حتى نودي/ أن يا أبراهيم قد صدقت الرؤيا فأمسك يده، وأخرج عبد بن
~~حميد وغيره عن مجاهد فلما أدخل يده ليذبحه نودي أن يا إبراهيم قد صدقت
~~الرؤيا فأمسك يده ورفع رأسه فرأى الكبش ينحط إليه حتى وقع عليه فذبحه،
~~وفي رواية أخرى عنه أخرجها عبد بن حميد أيضا وابن المنذر أنه أمر السكين
~~فانقلبت.

# وإلى عدم الإمرار ذهبت اليهود أيضا لما في توراتهم مد إبراهيم يده فأخذ
~~السكين فقال له ملأك الله من السماء قائلا: يا إبراهيم يا إبراهيم قال:
~~لبيك قال: لا تمد يدك إلى الغلام ولا تصنع به شيئا. وذهب إلى الأول
~~طائفة فمنهم من قال: إنه أمرها ولم تقطع مع عدم المانع لأن القطع بخلق
~~الله تعالى فيها أو عندها عادة وقد لا يخلق سبحانه، ومنهم من قال: أنه
~~أمرها ولم تقطع لمانع، فقد أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عطاء بن
~~يسار أنه عليه السلام قام إليه بالشفرة فبرك عليه فجعل الله تعالى ما بين
~~لبته إلى منحره نحاسا لا تؤثر فيه الشفرة، وأخرج ابن جرير وابن أبي
~~حاتم عن السدي أنه عليه السلام جر السكين على حلقه فلم ينحر وضرب الله
~~تعالى على حلقه صفيحة من نحاس، وأخرج الخطيب في " تالي التلخيص " عن فضيل
~~بن عياض قال: أضجعه ms09056 ووضع الشفرة فقلبها جبريل عليه السلام، وأخرج الحاكم
~~بسند فيه الواقدي عن عطاء أنه نحر في حلقه فإذا هو قد نحر في نحاس فشحذ
~~الشفرة مرتين أو ثلاثا بالحجر، وضعف جميع ذلك.

# وقيل إنه عليه السلام ذبح لكن كان كلما قطع موضعا من الحلق أوصله الله
~~تعالى، وزعموا ورود ذلك في بعض الأخبار ولا يكاد يصح، وسيأتي قريبا إن
~~شاء الله تعالى ما يتعلق بهذا المقام من الكلام.

# وجواب (لما) محذوف مقدر بعد { صدقت الرؤيا } أي كان ما كان مما
~~تنطق به الحال ولا يحيط به المقال من استبشارهما وشكرهما الله تعالى على
~~ما أنعم عليهما من دفع البلاء بعد حلوله والتوفيق لما لم يوفق غيرهما
~~لمثله وإظهار فضلهما مع إحراز الثواب العظيم إلى غير ذلك؛ وهو أولى من
~~تقدير فإذا ونحوه، وقدره بعض البصريين بعد

# وتله للجبين

# [الصافات: 103] أي أجزلنا أجرهما، وعن الخليل وسيبويه تقديره قبل {
~~وتله } قال في «البحر»: والتقدير فلما أسلما أسلما وتله، وقال ابن
~~عطية: وهو عندهم كقول امرىء القيس:

# فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى

# أي أجزنا وانتحى، وهو كما ترى، وقال الكوفيون: الجواب مثبت وهو {
~~وندينه } على زيادة الواو، وقالت فرقة: هو و { تله } على
~~زيادتها أيضا، ولعل الأولى ما تقدم.

# وقوله تعالى: { إنا كذلك نجزى المحسنين } ابتداء كلام
~~غير داخل في النداء وهو تعليل لإفراج تلك الشدة المفهوم من الجواب المقدر
~~أو من الجواب المذكور أعني نادينا الخ على القول بأنه الجواب أو منه وإن
~~لم يكن الجواب والعلة في المعنى إحسانهما، وكونه تعليلا لما انطوى عليه
~~الجواب من الشكر ليس بشيء.

### || [37.106]

# أي الابتلاء والاختبار البين الذي يتميز فيه المخلص من غيره أو المحنة
~~البينة وهي المحنة الظاهرة صعوبتها وما وقع لا شيء أصعب منه ولا تكاد
~~تخفى صعوبته على أحد ولله عز وجل أن يبتلي من شاء بما شاء وهو سبحانه
~~الحكيم الفعال لما يريد. ولعل هذه الجملة لبيان كونهما من المحسنين، وقيل
~~لبيان حكمة ما نالهما، وعلى التقديرين هي مستأنفة استئنافا ms09057 بيانيا
~~فليتدبر.

### || [37.107]

# { وفدينه بذبح } بحيوان يذبح بدله { عظيم } قيل أي عظيم
~~الجثة سمين وهو كبش أبيض أقرن أعين وفي رواية أملح بدل أبيض، وعن الحسن
~~أنه وعل أهبط عن ثبير، والجمهور على الأول ووافقهم الحسن في رواية رواها
~~عنه ابن أبي حاتم وفيها أن اسمه حرير، واليهود على أنه كبش أيضا. وفسر
~~المعظم العظيم بعظيم القدر/ وذلك على ما روي عن ابن عباس لأنه الكبش الذي
~~قربه هابيل فتقبل منه وبقي يرعى في الجنة إلى يوم هذا الفداء، وفي رواية
~~عنه وعن ابن جبير أنهما قالا: عظمه كونه من كباش الجنة رعى فيها أربعين
~~خريفا. وقال مجاهد وصف بالعظم لأنه متقبل يقينا، وقال الحسن بن الفضل:
~~لأنه كان من عند الله عز وجل، وقال أبو بكر الوراق: لأنه لم يكن عن نسل
~~بل عن التكوين؛ وقال عمرو بن عبيد: لأنه جرت السنة به وصار دينا باقيا
~~آخر الدهر، وقيل لأنه فدى به نبي وابن نبي، وهبوطه من ثبير كما قال
~~الحسن في الوعل وجاء ذلك في رواية عن ابن عباس. وفي رواية عن علي كرم
~~الله تعالى وجهه أنه وجده عليه السلام قد ربط بسمرة في أصل ثبير. وعن
~~عطاء بن السائب أنه قال: كنت قاعدا بالمنحر فحدثني قرشي عن أبيه أن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم قال له: إن الكبش نزل على إبراهيم في هذا
~~المكان. وفي رواية عن ابن عباس أنه خرج عليه كبش من الجنة قد رعى فيها
~~أربعين خريفا فأرسل إبراهيم عليه السلام ابنه واتبعه فرماه بسبع حصيات
~~وأحرجه عند الجمرة الأولى فأفلت ورماه بسبع حصيات وأحرجه عند الجمرة
~~الوسطى فأفلت ورماه بسبع حصيات وأحرجه عند الجمرة الكبرى فأتى به المنحر
~~من منى فذبح قيل وهذا أصل سنية رمي الجمار، والمشهور أن أصل السنية رمي
~~الشيطان هناك ففي خبر عن قتادة أن الشيطان أراد أن يصيب حاجته من إبراهيم
~~وابنه يوم أمر بذبحه فتمثل بصديق له فأراد أن يصده عن ذلك فلم يتمكن
~~فتعرض ms09058 لابنه فلم يتمكن فأتى الجمرة فانتفخ حتى سد الوادي ومع إبراهيم ملك
~~فقال له: ارم يا إبراهيم فرمى بسبع حصيات يكبر في أثر كل حصاة فافرج له
~~عن الطريق ثم انطلق حتى أتى الجمرة الثانية فسد الوادي أيضا فقال الملك:
~~ارم يا إبراهيم فرمى كما في الأولى وهكذا في الثالثة.

# وظاهر الآية أن الفداء كان بحيوان واحد وهو المعروف. وأخرج عبد بن حميد
~~عن ابن عباس أنه فدى بكبشين أملحين أقرنين أعينين ولا أعرف له صحة، ويراد
~~بالذبح عليه لو صح الجنس. والفادي على الحقيقة إبراهيم عليه السلام، وقال
~~سبحانه: { فديناه } على التجوز في الفداء أي أمرنا أو أعطينا أو في
~~إسناده إليه تعالى، وجوز أن يكون هناك استعارة مكنية أيضا، وفائدة
~~العدول عن الأصل التعظيم.

### || [37.108-109]

# سبق ما يعلم منه بيانه عند تفسير نظيره في آخر قصة نوح، ولعل ذكر

# في العالمين

# [الصافات: 79] هناك وعدم ذكره هنا لما أن لنوح عليه السلام من الشهرة
~~لكونه كآدم ثان للبشر ونجاة من نجا من أهل الطوفان ببركته ما ليس
~~لإبراهيم عليه السلام.

### || [37.110-111]

# { ذلك } إشارة إلى إبقاء ذكره الجميل فيما بين الأمم لا إلى ما يشير
~~إليه فيما سبق فلا تكرار وطرح هنا { إنا } قيل مبالغة في دفع توهم اتحاده
~~مع ما سبق كيف وقد سيق الأول تعليلا لجزاء إبراهيم وابنه عليهما السلام
~~بما أشير إليه قبل وسيق هذا تعليلا لجزاء إبراهيم وحده بما تضمنه قوله
~~تعالى: { وتركنا عليه } الخ وما ألطف الحذف هنا اقتصارا حيث
~~كان فيما قبله ما يشبه ذلك من عدم ذكر الابن والاقتصار على إبراهيم. وقيل
~~لعل ذلك اكتفاء بذكر { إنا } مرة في هذه القصة. وقال بعض الأجلة: إنه
~~للإشارة إلى أن قصة إبراهيم عليه السلام لم تتم فإن ما بعد من قوله
~~تعالى:

# وبشرنه بإسحق

# [الصافات: 112] الخ من تكملة ما يتعلق به عليه السلام بخلاف سائر القصص
~~التي جعل

# إنا كذلك نجزى المحسنين

# [الصافات: 80 ، 105] مقطعا لها فإن ما بعد ليس مما يتعلق بما قبل ومع ms09059
~~هذا لم تخل القصة من مثل تلك الجملة بجميع كلماتها وسلك فيها هذا المسلك
~~اعتناء بها فتأمل وقوله تعالى: { إنه من عبادنا
~~المؤمنين }

# / الكلام فيه كما تقدم.

### || [37.112]

# { وبشرنه بإسحق نبيا } حال من إسحاق، وكذا قوله
~~تعالى: { من الصلحين } وفي ذلك تعظيم شأن الصلاح، وفي تأخيره
~~إيماء إلى أنه الغاية لها لتضمنها معنى الكمال والتكميل، والمقصود منهما
~~الإتيان بالأفعال الحسنة السديدة وهو في الاستعمال يختص بها. وجوز كون {
~~من الصلحين } حالا وكون { نبيا } حالا من الضمير المستتر
~~فيه، وقدم في اللفظ للاهتمام ولئلا تختل رؤوس الآي وفيه من البعد ما فيه،
~~على أن في جواز تقديم الحال مطلقا أو اطراده في مثل هذا التركيب كلاما
~~لا يخفى على من راجع " الألفية " و " شروحها " وفيه ما فيه بعد، وجوز
~~أيضا كونه في موضع الصفة لنبيا والكلام على الأول وهو الذي عليه
~~الجمهور أمدح كما لا يخفى، والمراد كونه نبيا وكونه من الصالحين في قضاء
~~الله تعالى وتقديره أي مقضيا كونه نبيا مقضيا كونه من الصالحين وإن
~~شئت فقل مقدرا ولا يكونان بذلك من الحال المقدرة التي تذكر في مقابلة
~~المقارنة بل هما بهذا الاعتبار حالان مقارنان للعامل وهو فعل البشارة أو
~~شيء آخر محذوف أي بشرناه بوجود إسحاق نبيا الخ، وأوجب غير واحد تقدير
~~ذلك معللا بأن البشارة لا تتعلق بالأعيان بل بالمعاني. وتعقب بأنه إن
~~أريد أنها لا تستعمل إلا متعلقة بالأعيان فالواقع خلافه ك

# بشر أحدهم بالأنثى

# [النحل: 58]، فإن قيل إنما يصح بتقدير ولادة ونحوه من المعاني فهو محل
~~النزاع فلا وجه له، والذي يميل إليه القلب أن المعنى على إرادة ذلك،
~~وربما يدعى أن معنى البشارة تستدعي تقدير معنى من المعاني، وقيل هما
~~حالان مقدران كقوله تعالى:

# ادخلوها خلدين

# [الزمر: 73] وفيه بحث.

### || [37.113]

# { وبركنا عليه } أي على إبراهيم عليه السلام { وعلى
~~إسحق } أي أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا بأن كثرنا نسلهما
~~وجعلنا منهم أنبياء ورسلا. وقرىء { بركنا } بالتشديد للمبالغة { ومن
~~ذريتهما محسن } في عمله أو على نفسه بالإيمان ms09060 والطاعة.

# { وظلم لنفسه } بالكفر والمعاصي ويدخل فيها ظلم الغير {
~~مبين } ظاهر ظلمه، وفي ذلك تنبيه على أن النسب لا أثر له في الهدى
~~والضلال وأن الظلم في الأعقاب لا يعود على الأصول بنقيصة وعيب.

# هذا وفي الآيات بعد أبحاث الأول أنهم اختلفوا في الذبيح فقال  على ما
~~ذكره الجلال السيوطي في رسالته " القول الفصيح في تعيين الذبيح "  علي
~~وابن عمر وأبو هريرة وأبو الطفيل وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي ويوسف بن
~~مهران والحسن البصري ومحمد بن كعب القرظي وسعيد بن المسيب وأبو جعفر
~~الباقر وأبو صالح والربيع بن أنس والكلبي وأبو عمرو بن العلاء وأحمد بن
~~حنبل وغيرهم أنه إسماعيل عليه السلام لا إسحاق عليه السلام وهو إحدى
~~الروايتين عن ابن عباس ورجحه جماعة خصوصا غالب المحدثين وقال أبو حاتم:
~~هو الصحيح. وفي " الهدي " أنه الصواب عند علماء الصحابة والتابعين فمن
~~بعدهم. وسئل أبو سعيد الضرير عن ذلك فأنشد:

# إن الذبيح هديت إسماعيل

# نص الكتاب بذاك والتنزيل

# شرف به خص الإله نبينا

# وأتى به التفسير والتأويل

# إن كنت أمته فلا تنكر له

# شرفا به قد خصه التفضيل

# وفي دعواه النص نظر وهو المشهور عند العرب قبل البعثة أيضا كما يشعر به
~~أبيات نقلها الثعالبي في " تفسيره " عن أمية بن أبي الصلت واستدل له
~~بأنه الذي وهب لإبراهيم عليه السلام إثر الهجرة وبان البشارة بإسحاق/ بعد
~~معطوفة على البشارة بهذا الغلام، والظاهر التغاير فيتعين كونه إسماعيل
~~وبأنه بشر بأن يوجد وينبأ فلا يجوز ابتلاء إبراهيم عليه السلام بذبحه
~~لأنه علم أن شرط وقوعه منتف. والجواب بأن الأول بشارة بالوجود وهذا بشارة
~~بالنبوة ولكن بعد الذبح، قال صاحب " الكشف ": ضعيف لأن نظم الآية لا يدل
~~على أن البشارة بنبوته بل على أن البشارة بأمر مقيد بالنبوة فإما أن يقدر
~~بوجود إسحاق بعد الذبح ولا دلالة في اللفظ عليه وإما أن يقدر الوجود
~~مطلقا وهو المطلوب، فإن قلت: يكفي الدلالة تقدم البشارة بالوجود أولا
~~قلت: ذاك عليك لا لك ومن يسلم أن المتقدم ms09061 بشارة بإسحاق حتى يستتب لك
~~المرام وبأن البشارة به وقعت مقرونة بولادة يعقوب منه على ما هو الظاهر
~~في قوله تعالى في هود [71]:

# فبشرنها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب

# ومتى بشر بالولد وولد الولد دفعة كيف يتصور الأمر بذبح الولد مراهقا
~~قبل ولادة ولده؟ ومنع كونه إذ ذاك مراهقا لجواز أن يكون بالغا كما ذهب
~~إليه اليهود قد ولد له يعقوب وغيره مكابرة لا يلتفت إليها وبأنه تعالى
~~وصف إسماعيل عليه السلام بالصبر في قوله سبحانه:

# وإسمعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصبرين

# [الأنبياء: 85] وبأنه عز وجل وصفه بصدق الوعد في قوله تعالى:

# إنه كان صدق الوعد

# [مريم: 54] ولم يصف سبحانه إسحاق بشيء منهما فهو الأنسب دونه بأن يقول
~~القائل:

# يأبت افعل ما تؤمر ستجدنى إن شاء الله من
~~الصبرين

# [الصافات: 102] المصدق قوله بفعله وبأن ما وقع كان بمكة وإسماعيل هو
~~الذي كان فيها وبأن قرني الكبش كانا معلقين في الكعبة حتى احترقا معها
~~أيام حصار الحجاج ابن الزبير رضي الله تعالى عنه وكانا قد توارثهما قريش
~~خلفا عن سلف، والظاهر أن ذاك لم يكن منهم إلا للفخر ولا يتم لهم إذا كان
~~الكبش فدى لإسحاق دون أبيهم إسماعيل، وبأنه روى الحاكم في «المستدرك»
~~وابن جرير في " تفسيره " والأموي في " مغازيه " والخلعي في " فوائده " من
~~طريق إسماعيل بن أبي كريمة عن عمر بن أبي محمد الخطابي عن العتبي عن
~~أبيه عن عبد الله بن سعيد الصنابجي قال: حضرنا مجلس معاوية فتذاكر القوم
~~إسماعيل وإسحاق أيهما الذبيح؟ فقال بعض القوم: إسماعيل وقال بعضهم: بل
~~إسحاق فقال معاوية: على الخبير سقطتم كنا عند رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فأتاه أعرابي فقال: يا رسول الله خلفت الكلأ يابسا والماء عابسا
~~هلك العيال وضاع المال فعد علي مما أفاء الله تعالى عليك يا ابن
~~الذبيحين فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه فقال القوم:
~~من الذبيحان يا أمير المؤمنين؟ قال: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر
~~لله تعالى ms09062 إن سهل أمرها أن ينحر بعض بنيه فلما فرغ أسهم بينهم فكانوا
~~عشرة فخرج السهم على عبد الله فأراد أن ينحره فمنعه أخواله بنو مخزوم
~~وقالوا: أرض ربك وافد ابنك ففداه بمائة ناقة قال معاوية: هذا واحد والآخر
~~إسماعيل وبأنه ذكر في التوراة أن الله تعالى امتحن إبراهيم فقال له: يا
~~إبراهيم فقال: لبيك قال: خذ ابنك وحيدك الذي تحبه وامض إلى بلد العبادة
~~وأصعده ثم قربانا على أحد الجبال الذي أعرفك به فإن معنى وحيدك الذي ليس
~~لك وغيره لا يصدق ذلك على إسحاق حين الأمر بالذبح لأن إسماعيل كان
~~موجودا إذ ذاك لأنه ولد لإبراهيم على ما في التوراة وهو ابن ست وثمانين
~~سنة وولد إسحاق على ما فيها أيضا وهو ابن مائة سنة، وأيضا قوله تعالى
~~الذي تحبه أليق بإسماعيل لأن أول ولد له من المحبة في الأغلب ما ليس لمن
~~بعده من الأولاد، ويعلم مما ذكر أن ما في التوراة الموجودة بأيدي اليهود
~~اليوم من ذكر هو إسحاق بعد الذي تحبه من زياداتهم وأباطيلهم التي أدرجوها
~~في كلام الله تعالى إذ لا يكاد يلتئم مع ما قبله.

# وأجاب بعض اليهود عن ذلك بأن إطلاق الوحيد على إسحاق لأن/ إسماعيل كان
~~إذ ذاك بمكة وهو تحريف وتأويل باطل لأنه لا يقال الوحيد وصفا للابن إلا
~~إذا كان واحدا في البنوة ولم يكن له شريك فيها، وقال لي بعض منهم: إن
~~إطلاق ذلك عليه لأنه كان واحدا لأمه ولم يكن لها ابن غيره فقلت: يبعد
~~ذلك كل التبعيد إضافته إلى ضمير إبراهيم عليه السلام، ويؤيد ما قلنا ما
~~قاله ابن إسحاق ذكر محمد بن كعب أن عمر بن عبد العزيز أرسل إلى رجل كان
~~يهوديا فأسلم وحسن إسلامه وكان من علمائهم فسأله أي ابني إبراهيم أمر
~~بذبحه؟ فقال إسماعيل: والله يا أمير المؤمنين وأن يهود لتعلم بذلك ولكنهم
~~يحسدونكم معشر العرب، وذكر ابن كثير أن في بعض نسخ التوراة بكرك بدل
~~وحيدك وهو أظهر في المطلوب.

# وقيل: هو ms09063 إسحاق ونسبه القرطبي للأكثرين وعزاه البغوي وغيره إلى عمر
~~وعلي وابن مسعود والعباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعبيد بن
~~عمير وأبي ميسرة وزيد بن أسلم وعبد الله بن شقيق والزهري والقاسم بن
~~يزيد ومكحول وكعب وعثمان بن حاضر والسدي والحسن وقتادة وأبي الهذيل وابن
~~سابط ومسروق وعطاء ومقاتل وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس واختاره أبو
~~جعفر بن جرير الطبري وجزم به القاضي عياض في " الشفاء " والسهيلي في "
~~التعريف والإعلام " واستدل له بأنه لم يذكر الله تعالى أنه بشر بإسماعيل
~~قبل كونه فهو إسحاق لثبوته بالنص ولأنه لم تكن تحته هاجر أم إسماعيل
~~فالمدعو ولد من سارة.

# وأجيب بأنه كفى هذه الآية دليلا على أنه مبشر به أيضا لأن قوله تعالى:

# وبشرنه بإسحق

# [الصافات: 112] بعد استيفاء هذه القصة وتذييلها بما ذيل ظاهر الدلالة
~~على أن هنالك بشارتين متغايرتين ثم عدم الذكر لا يدل على عدم الوجود ولا
~~يلزم أن يكون طلب ولد من سارة ولا علم أنه عليه السلام دعا بذلك قبل أن
~~وهبت هاجر منه لأنها أهديت إليه في حران قبل الوصول إلى الشام على أن
~~البشارة بإسحاق كانت في الشام نصا فظاهر هذه الآية أنها قبل الوصول
~~إليها لأن البشارة عقيب الدعاء وكان قبل الوصول إلى الشام قاله في
~~«الكشف».

# وبما رواه ابن جرير عن أبي كريب عن زيد بن حباب عن الحسن بن دينار عن
~~علي بن زيد بن جدعان عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " الذبيح إسحاق "

# وتعقب بأن الحسن بن دينار متروك وشيخه منكر الحديث، وبما أخرج الديلمي
~~في " مسند الفردوس " من طريق عبد الله بن ناجية عن محمد بن حرب النسائي
~~عن عبد المؤمن بن عباد عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن داود سأل ربه مسألة فقال اجعلني
~~مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فأوحى الله تعالى إليه إني ابتليت إبراهيم ms09064
~~بالنار فصبر وابتليت إسحاق بالذبح فصبر وابتليت يعقوب فصبر "

# وبما أخرجه الدارقطني والديلمي في " مسند الفردوس " من طريقه عن محمد بن
~~أحمد بن إبراهيم الكاتب عن الحسين بن فهم عن خلف بن سالم عن بهز بن أسد
~~عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذبيح إسحاق "

# وبما أخرجه الطبراني في " الأوسط " وابن أبي حاتم في " تفسيره " من
~~طريق الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن
~~يسار عن أبي هريرة قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى خيرني بين أن يغفر
~~لنصف أمتي أو شفاعتي فاخترت شفاعتي ورجوت أن تكون أعم لأمتي ولولا الذي
~~سبقني إليه العبد الصالح لعجلت دعوتي إن الله تعالى لما فرج عن إسحاق كرب
~~الذبح قيل له: يا إسحاق سل تعطه قال: أما والله لأتعجلنها قبل نزغات
~~الشيطان/ اللهم من مات لا يشرك بك شيئا قد أحسن فاغفر له "

# وتعقب هذا بأن عبد الرحمن ضعيف، وقال ابن كثير الحديث غريب منكر وأخشى
~~أن يكون فيه زيادة مدرجة وهي قوله: إن الله تعالى لما فرج الله الخ وإن
~~كان محفوظا فالأشبه أن السياق عن إسماعيل وحرفوه بإسحاق إلى غير ذلك من
~~الأخبار وفيها من الموقوف والضعيف والموضوع كثير، ومتى صح حديث مرفوع في
~~أنه إسحاق قبلناه ووضعناه على العين والرأس. والذاهبون إلى هذا القول
~~يدعون صحة شيء منها في ذلك.

# وأجيب عن بعض ما استدل به للأول بأن وقوع القصة بمكة غير مسلم بل كان
~~ذلك بالشام وتعليق القرنين في الكعبة لا يدل على وقوعها بمكة لجواز أنهما
~~نقلا من بلاد الشام إلى مكة فعلقا فيها، وعلى تسليم الوقوع بمكة لا مانع
~~من أن يكون إبراهيم قد سار به من الشام إليها بل قد روي القول به، أخرج
~~عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» عن سعيد بن جبير قال: لما رأى إبراهيم
~~في ms09065 المنام ذبح إسحاق سار به من منزله إلى المنحر بمنى مسيرة شهر في غداة
~~واحدة فلما صرف عنه الذبح وأمر بذبح الكبش ذبحه ثم راح به رواحا إلى
~~منزله في عشية واحدة مسيرة شهر طويت له الأودية والجبال، وأمر الفخر لو
~~سلم ليس بالاستدلال به كثير فخر، والخبر الذي فيه " يا ابن الذبيحين "
~~غريب وفي إسناده من لا يعرف حاله وفيه ما هو ظاهر الدلالة على عدم صحته
~~من قوله فلما فرغ أسهم بينهم فكانوا عشرة فخرج السهم على عبد الله فإن
~~عبد الله بإجماع أهل الأخبار لم يكن مولودا عند حفر زمزم، وقصة نذر عبد
~~المطلب ذبح أحد أولاده تروى بوجه آخر وهو أنه نذر الذبح إذا بلغ أولاده
~~عشرا فلما بلغوها بولادة عبد الله كان ما كان.

# وما شاع من خبر " أنا ابن الذبيحين " قال العراقي: لم أقف عليه، والخبر
~~السابق بعد ما عرف حاله لا يكفي لثبوته حديثا فلا حاجة إلى تأويله بأنه
~~أريد بالذبيحين فيه إسحاق وعبد الله بناء على أن الأب قد يطلق على العم
~~أو أريد بهما الذابحان وهما إبراهيم وعبد المطلب يحمل فعيل على معنى فاعل
~~لا مفعول، وحمل هؤلاء

# وبشرنه بإسحق نبيا

# [الصافات: 112] على البشارة بنبوته وما تقدم على البشارة بأن يوجد قبل
~~ولما كان التبشير هناك قبل الولادة والتسمية إنما تكون بعدها في الأغلب
~~لم يسم هناك وسماه هنا لأنه بعد الولادة واستأنس للاتحاد بوصفه بكونه من
~~الصالحين لأن مطلوبه كان ذلك فكأنه قيل له هذا الغلام الذي بشرت به أولا
~~هو ما طلبته بقولك:

# رب هب لى من الصلحين

# [الصافات: 100] وأنت تعلم أن حمله على البشارة بالنبوة خلاف الظاهر إذ
~~كان الظاهر أن يقال لو أريد ذلك بشرناه بنبوته ونحوه. وتقدير أن يوجد
~~نبيا لا يدفعه كما لا يخفى وكذا وصفه بالصلاح الذي طلبه فتأمل.

# ومن العلماء من رأى قوة الأدلة من الطرفين ولم يترجح شيء منها عنده
~~فتوقف في التعيين كالجلال السيوطي عليه الرحمة فإنه قال في آخر " رسالته ms09066
~~" السابقة: كنت ملت إلى القول بأن الذبيح إسحاق في " التفسير " وأنا الآن
~~متوقف عن ذلك، وقال بعضهم كما نقله الخفاجي: إن في الدلالة على كونه
~~إسحاق أدلة كثيرة وعليه جملة أهل الكتاب ولم ينقل في الحديث ما يعارضه
~~فلعله وقع مرتين مرة بالشام لإسحاق ومرة بمكة لإسماعيل عليهما السلام،
~~والتوقف عندي خير من هذا القول، والذي أميل أنا إليه أنه إسماعيل عليه
~~السلام بناء على أن ظاهر الآية يقتضيه وأنه المروي عن كثير من أئمة أهل
~~البيت ولم أتيقن صحة حديث مرفوع يقتضي خلاف ذلك، وحال أهل الكتاب لا يخفى
~~على ذوي الألباب.

# / البحث الثاني: أنه استدل بما في القصة على جواز النسخ قبل الفعل وهو
~~مذهب كثير من الأصوليين وخالف فيه المعتزلة والصيرفي، ووجه الاستدلال على
~~ما قرره بعض الأجلة أن إبراهيم عليه السلام أمر بذبح ولده بدليل قوله:

# افعل ما تؤمر

# [الصافات: 102] ولأنه عليه السلام أقدم على الذبح وترويع الولد ولو لم
~~يكن مأمورا به لكان ذلك ممتنعا شرعا وعادة ونسخ عنه قبل الفعل لأنه لم
~~يفعل ولو كان ترك الفعل مع حضور الوقت لكان عاصيا.

# واعترض عليه بأنا لا نسلم أنه لو لم يفعل وقد حضر الوقت لكان عاصيا
~~لجواز أن يكون الوقت موسعا فيحصل التمكن فلا يعصى بالتأخير ثم ينسخ.
~~وأجيب أما أولا فبأنه لو كان موسعا لكان الوجوب متعلقا بالمستقبل لأن
~~الأمر باق عليه قطعا فإذا نسخ فقد نسخ تعلق الوجوب بالمستقبل وهو المانع
~~من النسخ عندهم فإنهم يقولون: إذا تعلق الوجوب بالمستقبل مع بقاء الأمر
~~عليه امتنع رفع ذلك التعلق بالنهي عنه والإ لزم توارد الأمر والنهي على
~~شيء واحد وهو محال، فإذا جوزوا النسخ في الواجب الموسع في وقته قبل فعله
~~مع أن الوجوب فيه تعلق بالمستقبل والأمر باق عليه فقد اعترفوا بجواز ما
~~منعوه وهو المطلوب، وأما ثانيا فبأنه لو كان موسعا لأخر الفعل ولم يقدم
~~على الذبح وترويع الولد عادة إما رجاء أن ينسخ عنه وإما رجاء أن يموت
~~فيسقط عنه ms09067 لعظم الأمر ومثله ما يؤخر عادة.

# وتعقب هذا بأن عادة الأنبياء عليهم السلام المبادرة إلى امتثال أمر الله
~~تعالى على خلاف عادة أكثر الناس ولا تستبعد منهم خوارق العادات وإبراهيم
~~من أجلهم قدرا سلمنا أن العادة ولو بالنسبة إلى الأنبياء تقتضي التأخير
~~لكن من أين علم أنه عليه السلام لم يؤخر إلى آخر الوقت اتباعا للعادة
~~فالمعول عليه الجواب الأول وبه يتم الاستدلال، وربما دفعوه بوجوه أخر،
~~منها أنه لم يؤمر بشيء وإنما توهم ذلك توهما بإراءة الرؤيا ولو سلم فلم
~~يؤمر بالذبح إنما أمر بمقدماته من إخراج الولد وأخذه المدية وتله للجبين،
~~وتعقب هذا بأنه ليس بشيء لما مر من قوله: { افعل ما تؤمر }
~~وإقدامه على الذبح والترويع المحرم لولا الأمر كيف ويدل على خلافه قوله
~~تعالى:

# إن هذا لهو البلاء المبين

# [الصافات: 106] وقوله سبحانه:

# وفدينه بذبح عظيم

# [الصافات: 107] ولولا الأمر لما كان بلاء مبينا ولما احتاج إلى الفداء،
~~وكون الفداء عن ظنه أنه مأمور بالذبح لا يخفى حاله، وعلى أصل المعتزلة هو
~~توريط لإبراهيم عليه السلام في الجهل بما يظهر أنه أمر وليس بأمر وذلك
~~غير جائز، ومن لا يجوز الظن الفاسد على الأنبياء عليهم السلام فهذا عنده
~~أدنى من لا شيء.

# ومنها أنا لا نسلم أنه لم يذبح بل روي أنه ذبح وكان كلما قطع شيئا
~~يلتحم عقيب القطع وأنه خلق صفيحة نحاس أو حديد تمنع الذبح، وتعقب بأن هذا
~~لا يسمع، أما أولا فلأنه خلاف العادة والظاهر ولم ينقل نقلا معتبرا.

# وأجيب بأن الرواية سند للمنع والضعف لا ينافيه والاحتمال كاف في المقام
~~ولا ريب في جوازه كإرسال الكبش من الجنة، وأما ثانيا فلأنه لو ذبح لما
~~احتيج إلى الفداء، وكونه لأن الإزهاق لم يحصل ليس بشيء، ولو منع الذبح
~~بالصفيحة مع الأمر به لكان تكليفا بالمحال وهو لا يجوزونه ثم قد نسخ عنه
~~وإلا لأثم بتركه فيكون نسخا قبل التمكن فهو لنا لا علينا.

# ومن السادة الحنفية من قال: ما نحن فيه ليس من النسخ ms09068 لأنه رفع الحكم لا
~~إلى بدل وهنا له بدل قائم مقامه كالفدية للصوم في حق الشيخ الفاني فعلم
~~أنه لم يرفع حكم المأمور به. وفي " التلويح " فإن قيل: هب أن الخلف قام
~~مقام الأصل لكنه استلزم حرمة الأصل أي ذبحه وتحريم الشيء بعد وجوبه نسخ
~~لا محالة لرفع حكمه، قيل: لا نسلم كونه نسخا وإنما يلزم لو كان حكما
~~شرعيا/ وهو ممنوع فإن حرمة ذبح الولد ثابتة في الأصل فزالت بالوجوب ثم
~~عادت بقيام الشاة مقام الولد فلا تكون حكما شرعيا حتى يكون ثبوتها
~~نسخا للوجوب انتهى.

# وتعقب بأن هذا بناء على ما تقرر من أن رفع الإباحة الأصلية ليس نسخا
~~أما على أنه نسخ كما التزمه بعض الحنفية إذ لا إباحة ولا تحريم إلا بشرع
~~كما قرروه يكون رفع الحرمة الأصلية نسخا وإذا كان رفعها نسخا أيضا
~~يبقى الإيراد المذكور من غير جواب على ما قرر في «شرح التحرير». هذا
~~وتمام الكلام في حجة الفريقين مفصل في أصول الفقه وهذا المقدار كاف لغرض
~~المفسر.

# البحث الثالث: أنه استدل أبو حنيفة بالقصة على أن لو نذر أن يذبح ولده
~~فعليه شاة، ووافقه في ذلك محمد، ونقله الإمام القرطبي عن مالك. وفي "
~~تنوير الأبصار " وشرحه " الدر المختار " نذر أن يذبح ولده فعليه شاة لقصة
~~الخليل عليه السلام وألغاه الثاني والشافعي كنذره قتله ونقل الجصاص أن
~~نذر القتل كنذر الذبح، واعترض على الإمام بأنه نذر معصية وجاء " لا نذر
~~في معصية الله تعالى " ، وقال هو: إن ذلك في شرع إبراهيم عليه السلام
~~عبارة عن ذبح شاة ولم يثبت نسخه فليس معصية، وقال بعض الشافعية: ليس في
~~النظم الجليل ما يدل على أنه كان نذرا من إبراهيم عليه السلام حتى يستدل
~~به. وأجيب بأنه ورد في التفسير المأثور أنه نذر ذلك وهو في حكم النص ولذا
~~قيل له لما بلغ معه السعي: أوف بنذرك، وبأنه إذا قامت الشاة مقام ما
~~أوجبه الله تعالى عليه علم قيامها مقام ما يوجبه على نفسه بالطريق الأولى ms09069
~~فيكون ثابتا بدلالة النص، والإنصاف أن مدرك الشافعي وأبي يوسف عليهما
~~الرحمة أظهر وأقوى من مدرك الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه في هذه
~~المسألة فتأمل.

### || [37.114]

# أنعمنا عليهما بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية.

### || [37.115]

# هذا وما بعده من قبيل عطف الخاص على العام، والكرب العظيم تغلب فرعون
~~ومن معه من القبط، وقيل الغرق وليس بذاك.

### || [37.116]

# { ونصرنهم } الضمير لهما مع القوم وقيل لهما فقط وجيء به ضمير
~~جمع لتعظيمهما { فكانوا هم الغلبون } بسبب ذلك على فرعون
~~وقومه؛ و { هم } يجوز أن يكون فصلا أو توكيدا أو بدلا. والتنجية وإن
~~كانت بحسب الوجود مقارنة لما ذكر من النصر لكنها لما كانت بحسب المفهوم
~~عبارة عن التخليص عن المكروه بدأ بها ثم بالنصر الذي يتحقق مدلوله بمحض
~~تنجية المنصور من عدوه من غير تغلب عليه ثم بالغلبة لتوفية مقام الامتنان
~~حقه بإظهار أن كل مرتبة من هذه المراتب الثلاث نعمة جليلة على حيالها.

### || [37.117]

# { وءاتينهما } بعد ذلك { الكتب المستبين } أي
~~البليغ في البيان والتفصيل كما يشعر به زيادة البنية وهو التوراة.

### || [37.118]

# { وهدينهما } بذلك { الصراط المستقيم } الموصل إلى
~~الحق والصواب بما فيه من تفاصيل الشرائع وتفاريع الأحكام.

### || [37.119-122]

# الكلام فيه نظير ما سبق في نظيره.

### || [37.123]

# قال الطبري: هو إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هرون أخي موسى
~~عليهما السلام فهو إسرائيلي من سبط هرون، وحكى القتيبي أنه من سبط/
~~يوشع، وحكى الطبرسي أنه ابن عم اليسع وأنه بعث بعد حزقيل، وفي " العجائب
~~" للكرماني أنه ذو الكفل، وعن وهب أنه عمر كما عمر الخضر ويبقى إلى
~~فناء الدنيا. وأخرج ابن عساكر عن الحسن أنه موكل بالفيافي والخضر بالبحار
~~والجزائر وأنهما يجتمعان بالموسم في كل عام، وحديث اجتماعه مع النبي صلى
~~الله عليه وسلم في بعض الأسفار وأكله معه من مائدة نزلت عليهما عليهما
~~الصلاة والسلام من السماء هي خبز وحوت وكرفس وصلاتهما العصر معا رواه
~~الحاكم عن أنس وقال: هذا حديث صحيح الإسناد وكل ذلك من التعمير وما ms09070 بعده
~~لا يعول عليه. وحديث الحاكم ضعفه البيهقي، وقال الذهبي: موضوع قبح الله
~~تعالى من وضعه ثم قال: وما كنت أحسب ولا أجوز أن الجهل يبلغ بالحاكم إلى
~~أن يصحح هذا.

# وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر: عن
~~ابن مسعود أن إلياس هو إدريس، ونقل عنه أنه قرأ { وإن أدريس لمن المرسلين
~~} والمستفيض عنه أنه قرأ كالجمهور نعم قرأ ابن وثاب والأعمش والمنهال بن
~~عمرو والحكم بن عتيبة الكوفي كذلك. وقرىء { إدراس } وهو لغة في إدريس
~~كإبراهام في إبراهيم، وإذا فسر إلياس بإدريس على أن أحد اللفظين اسم
~~والآخر لقب فإن كان المراد بهما من سمعت نسبه فلا بأس به وإن كان المراد
~~بهما إدريس المشهور الذي رفعه الله تعالى مكانا عليا وهو على ما قيل
~~أخنوخ بن يزد بن مهلاييل بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم وكان على ما
~~ذكره المؤرخون قبل نوح، وفي " المستدرك " عن ابن عباس أن بينه وبين نوح
~~ألف سنة، وعن وهب أنه جد نوح أشكل الأمر في قوله تعالى

# وتلك حجتنا ءاتينها إبرهيم على قومه نرفع
~~درجت من نشاء إن ربك حكيم عليم * ووهبنا
~~له إسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من
~~قبل ومن ذريته داوود وسليمن وأيوب ويوسف
~~وموسى وهرون وكذلك نجزى المحسنين * وزكريا
~~ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصلحين *
~~وإسمعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا
~~على العلمين

# [الأنعام: 83-86] لأن ضمير { ذريته } إما أن يكون لإبراهيم لأن
~~الكلام فيه وإما أن يكون لنوح لأنه أقرب ولأن يونس ولوطا ليسا من ذرية
~~إبراهيم، وعلى التقديرين لا يتسنى نظم إلياس المراد به الذي هو قبل نوح
~~على ما سمعت في عداد الذرية، ويرد على القول بالاتحاد مطلقا أنه خلاف
~~الظاهر فلا تغفل.

# وقرأ عكرمة والحسن بخلاف عنهما والأعرج وأبو رجاء وابن عامر وابن محيصن
~~{ وإن الياس } بوصل الهمزة فاحتمل أن يكون قد وصل همزة القطع واحتمل أن
~~يكون اسمه ياسا ودخلت عليه أل كما قيل ms09071 في اليسع، وفي حرف أبي ومصحفه و {
~~إن إيليس } بهمزة مكسورة بعدها ياء أيضا ساكنة آخر الحروف بعدها لام
~~مكسورة بعدها ياء أيضا ساكنة وسين مهملة مفتوحة.

### || [37.124]

# { إذ قال لقومه } وهم على المشهور في الياس سبط من بني إسرائيل
~~أسكنهم يوشع لما فتح الشام المدينة المعروفة اليوم ببعلبك وزعم بعضهم
~~أنها كانت تسمى بكة وقيل بك بلا هاء ثم سميت بما عرف على طريق التركيب
~~المزجي، و { إذ } عند جمع مفعول اذكر محذوفا أي اذكر وقت قوله لقومه {
~~ألا تتقون } عذاب الله تعالى ونقمته بامثتال أوامره واجتناب
~~نواهيه.

### || [37.125]

# { أتدعون بعلا } أي أتعبدونه أو تطلبون حاجكم منه، وهو اسم صنم
~~لهم كما قال الضحاك والحسن وابن زيد، وفي بعض نسخ " القاموس " أنه لقوم
~~يونس، ولا مانع من أن يكون لهما أو ذلك تحريف، قيل وكان من ذهب طوله
~~عشرون ذراعا وله أربعة أوجه فتنوا به وعظموه حتى/ أخدموه أربعمائة سادن
~~وجعلوهم أنبياءه فكان الشيطان يدخل في جوفه ويتكلم بشريعة الضلالة
~~والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس، وقيل هو اسم امرأة أتتهم بضلالة
~~فاتبعوها واستؤنس له بقراءة بعضهم { بعلاء } بالمد على وزن حمراء، وظاهر
~~صرفه أنه عربي على القولين فلا تغفل. وقال عكرمة وقتادة: البعل الرب
~~بلغة اليمن. وفي رواية أخرى عن قتادة بلغة أزد شنوءة، واستام ابن عباس
~~ناقة رجل من حمير فقال: له أنت صاحبها؟ قال: بعلها فقال ابن عباس أتدعون
~~بعلا أتدعون ربا من أنت؟ قال: من حمير، والمراد عليها أتدعون بعض
~~البعول أي الأرباب والمراد بها الأصنام أو المعبودات الباطلة فالتنكير
~~للتبعيض فيرجع لما قيل قبله.

# { وتذرون أحسن الخلقين } أي وتتركون عبادته تعالى أو
~~طلب جميع حاجكم منه عز وجل على أن الكلام على حذف مضاف؛ وقيل إن المراد
~~بتركهم إياه سبحانه تركهم عبادته عز وجل والمراد بالخالق من يطلق عليه
~~ذلك، وله بهذا الاعتبار أفراد وان اختلفت جهة الإطلاق فيها فلا إشكال في
~~إضافة أفعل إلى ما بعده.

# وهاهنا سؤال مشهور وهو ما وجه العدول عن تدعون ms09072 بفتح التاء والدال مضارع
~~ودع بمعنى ترك إلى { تذرون } مع مناسبته ومجانسته لتدعون قبله دون تذرون؟
~~وأجيب عن ذلك بأجوبة. الأول أن في ذلك نوع تكلف والجناس المتكلف غير
~~ممدوح عند البلغاء ولا يمدح عندهم ما لم يجىء عفوا بطريق الاقتضاء ولذا
~~ذموا متكلفه فقيل فيه:

# طبع المجنس فيه نوع قيادة

# أو ما ترى تأليفه للأحرف

# قاله الخفاجي، وفي كون هذا البيت في خصوص المتكلف نظر وبعد فيه ما فيه.

# الثاني أن في تدعون إلباسا على من يقرأ من المصحف دون حفظ من العوام
~~بأن يقرأه كتدعون الأول ويظن أن المراد إنكار بين دعاء بعل ودعاء أحسن
~~الخالقين، وليس بالوجه إذ ليس من سنة الكتاب ترك ما يلبس على العوام كما
~~لا يخفى على الخواص. والصحابة أيضا لم يراعوهم وإلا لما كتبوا المصحف
~~غير منقوط ولا ذا شكل كما هو المعروف اليوم، وفي بقاء الرسم العثماني
~~معتبرا إلى انقضاء الصحابة ما يؤيد ما قلنا.

# والثالث أن التجنيس تحسين وإنما يستعمل في مقام الرضا والإحسان لا في
~~مقام الغضب والتهويل، وفيه أنه وقع فيما نفاه قال تعالى:

# ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا
~~غير ساعة

# [الروم: 55] وقال سبحانه:

# يكاد سنا برقه يذهب بالأبصر * يقلب الله
~~اليل والنهار إن فى ذلك لعبرة لأولى
~~الأبصر

# [النور: 4344] وفيهما الجناس التام ولا يخفى حال المقام.

# الرابع ما نقل عن الإمام فإنه سئل عن سبب ترك تدعون إلى { تذرون } فقال:
~~ترك لأنهم اتخذوا الأصنام آلهة وتركوا الله تعالى بعدما علموا أن الله
~~سبحانه ربهم ورب آبائهم الأولين استكبارا واستنكارا فلذلك قيل: {
~~وتذرون } ولم يقل وتدعون، وفيه القول بأن دع أمر بالترك قبل العلم
~~وذر أمر بالترك بعده ولا تساعده اللغة والاشتقاق.

# الخامس أن لإنكار كل من فعلي دعاء بعل وترك أحسن الخالقين علة غير علة
~~إنكار الآخر فترك التجنيس رمزا إلى شدة المغايرة بين الفعلين.

# السادس أنه لما لم يكن مجانسة بين المفعولين بوجه من الوجوه ترك التجنيس
~~في الفعلين المتعلقين بهما وإن كانت المجانسة ms09073 المنفية بين المفعولين
~~شيئا والمجانسة التي نحن بصددها بين الفعلين شيئا آخر، وكلا الجوابين
~~كما ترى.

# السابع أن يدع إنما استعملته العرب في الترك الذي لا يذم مرتكبه لأنه من
~~الدعة بمعنى الراحة ويذر بخلافه لأنه يتضمن إهانة وعدم اعتداد لأنه من
~~الوذر قطعة اللحم الحقيرة التي لا يعتد بها. واعترض بأن المتبادر من قوله
~~بخلافه أن يذر إنما استعملته العرب في الترك/ الذي يذم مرتكبه فيرد عليه
~~قوله تعالى:

# فذرهم وما يفترون

# [الأنعام: 112، 137] وقوله سبحانه:

# وذروا ما بقى من الربوا

# [البقرة: 278] إلى غير ذلك وفيه تأمل. الثامن أن يدع أخص من يذر لأنه
~~بمعنى ترك الشيء مع اعتناء به بشهادة الاشتقاق نحو الإيداع فإنه ترك
~~الوديعة مع الاعتناء بحالها ولهذا يختار لها من هو مؤتمن عليها ونحوه
~~موادعة الأحباب وأما يذر فمعناه الترك مطلقا أو مع الإعراض والرفض
~~الكلي، قال الراغب: يقال فلأن يذر الشيء أي يقذفه لقلة الاعتداد به ومنه
~~الوذر وهو ما سمعت آنفا، ولا شك أن السياق إنما يناسب هذا دون الأول إذ
~~المراد تبشيع حالهم في الإعراض عن ربهم وهو قريب من سابقه لكنه سالم عن
~~بعض ما فيه.

# التاسع أن في تدعون بفتح التاء والدال ثقلا ما لا يخفى على ذي الذوق
~~السليم والطبع المستقيم { وتذرون } سالم عنه فلذا اختير عليه فتأمل
~~والله تعالى أعلم. وقد أشار سبحانه وتعالى بقوله: { أحسن
~~الخالقين } إلى المقتضي للإنكار المعنى بالهمز وصرح به للاعتناء
~~بشأنه في قوله تعالى: { الله ربكم ورب آبآئكم... }.

### || [37.126]

# بالنصب على البدلية من

# أحسن الخالقين

# [الصافات: 125]. قال أبو حيان: ويجوز كون ذاك عطف بيان إن قلنا إن إضافة
~~أفعل التفضيل محضة، وقرأ غير واحد من السبعة بالرفع على أن الاسم الجليل
~~مبتدأ و { ربكم } خبره أو هو خبر مبتدأ محذوف و (ربكم) عطف بيان أو بدل
~~منه، وروي عن حمزة أنه إذا وصل نصب وإذا وقف رفع. والتعرض لذكر ربوبيته
~~تعالى لآبائهم الأولين لتأكيد إنكار تركهم إياه تعالى والإشعار ببطلان
~~آراء آبائهم أيضا.

### || [37.127] ms09074

# { فكذبوه } فيما تضمنه كلامه من إيجاب الله تعالى التوحيد وتحريمه
~~سبحانه الإشراك وتعذيبه تعالى عليه، وجوز أن يكون تكذيبهم راجعا إلى ما
~~تضمنه قوله

# الله ربكم

# [الصافات: 126] { فإنهم } بسبب ذلك { لمحضرون } أي في
~~العذاب وإنما أطلقه اكتفاء بالقرينة أو لأن الإحضار المطلق مخصوص بالشر
~~في العرف العام أو حيث استعمل في القرآن لإشعاره بالجبر.

### || [37.128]

# استثناء متصل من الواو في (كذبوه) فيدل على أن من قومه مخلصين لم
~~يكذبوه، ومنع كونه استثناء متصلا من ضيمر { محضرون } لأنه للمكذبين
~~فإذا استثني منه اقتضى أنهم كذبوه ولم يحضروا وفساده ظاهر، وقيل: لأنه
~~إذا لم يستثن من ضمير كذبوا كانوا كلهم مكذبين فليس فيهم مخلص فضلا عن
~~مخلصين ومآله ما ذكر، لكن اعترضه ابن كمال بأنه لا فساد فيه لأن
~~استثناءهم من القوم المحضرين لعدم تكذيبهم على ما دل عليه التوصيف
~~بالمخلصين لا من المكذبين فمآل المعنى واحد. ورد بأن ضمير محضرين للقوم
~~كضمير كذبوا، وقال الخفاجي: لا يخفى أن اختصاص الإحضار بالعذاب كما صرح
~~به غير واحد يعين كون ضمير محضرين للمكذبين لا لمطلق القوم فإن لم يسلمه
~~فهو أمر آخر، وفي " البحر " ولا يناسب أن يكون استثناء منقطعا إذ يصير
~~المعنى لكن عباد الله المخلصين من غير قومه لا يحضرون في العذاب وفيه
~~بحث.

### || [37.129-132]

# الكلام فيه كما في تظيره بيد أنه يقال ههنا إن إل ياسين لغة في إلياس
~~وكثيرا ما يتصرفون في الأسماء الغير العربية. وفي " الكشاف " لعل لزيادة
~~الياء والنون معنى في اللغة السريانية، ومن هذا الباب سيناء وسينين،
~~واختار هذه اللغة هنا رعاية للفواصل، وقيل: هو جمع إلياس على طريق
~~التغليب بإطلاقه على قومه وأتباعه كالمهلبين للمهلب وقومه. وضعف بما ذكر
~~النحاة من أن العلم إذا جمع أو ثني وجب تعريفه باللام جبرا لما فاته من
~~العلمية، ولا فرق فيه بين ما فيه تغليب وبين غيره كما صرح به ابن الحاجب
~~في «شرح المفصل»، لكن هذا غير متفق عليه، قال ابن يعيش/ في «شرح المفصل»:
~~يجوز استعماله ms09075 نكرة بعد التثنية والجمع نحو زيدان كريمان وزيدون كريمون؛
~~وهو مختار الشيخ عبد القاهر وقد أشبعوا الكلام على ذلك في مفصلات كتب
~~النحو، ثم إن هذا البحث إنما يتأتى مع من لم يجعل لام إلياس للتعريف أما
~~من جعلها له فلا يتأتى البحث معه، وقيل: هو جمع إلياسي بياء النسبة فخفف
~~لاجتماع الياآت في الجر والنصب كما قيل أعجمين في أعجميين وأشعرين في
~~أشعريين، والمراد بالياسين قوم إلياس المخلصون فإنهم الأحقاء بأن ينسبوا
~~إليه، وضعف بقلة ذلك وإلباسه بإلياس إذا جمع وإن قيل: حذف لام إلياس مزيل
~~للإلباس، وأيضا هو غير مناسب للسياق والسباق إذ لم يذكر آل أحد من
~~الأنبياء.

# وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب وزيد بن علي { آل ياسين } بالإضافة، وكتب في
~~المصحف العثماني منفصلا ففيه نوع تأييد لهذه القراءة، وخرجت عن أن ياسين
~~اسم أبي إلياس ويحمل الآل على إلياس وفي الكناية عنه تفخيم له كما في آل
~~إبراهيم عن نبينا صلى الله عليه وسلم، وجوز أن يكون الآل مقحما على أن
~~ياسين هو إلياس نفسه. وقيل: ياسين فيها اسم لمحمد صلى الله عليه وسلم فآل
~~ياسين آله عليه الصلاة والسلام، أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن
~~مردويه عن ابن عباس أنه قال في { سلم على إل ياسين } نحن آل
~~محمد آل ياسين، وهو ظاهر في جعل ياسين اسما له صلى الله عليه وسلم،
~~وقيل: هو اسم للسورة المعروفة، وقيل: اسم للقرآن فآل ياسين هذه الأمة
~~المحمدية أو خواصها. وقيل: اسم لغير القرآن من الكتب، ولا يخفى عليك أن
~~السياق والسباق يأبيان أكثر هذه الأقوال.

# وقرأ أبو رجاء والحسن { على الياسين } بوصل الهمزة وتخريجها يعلم مما
~~مر. وقرى ابن مسعود ومن قرأ معه فيما سبق ادريس { سلام على إدراسين } وعن
~~قتادة { وأن إدريس } وقرأ { على إدريسين } وقرأ أبي { على إيليس } كما
~~قرأ { وان ايليس لمن المرسلين } [الصافات: 123 }.

### || [37.133-136]

# سبق بيانه في الشعراء.

### || [37.137]

# { وإنكم } يا أهل مكة { لتمرون عليهم } على منازلهم
~~في متاجركم إلى الشام فإن ms09076 سذوم في طريقه { مصبحين } داخلين في
~~الصباح.

### || [37.138]

# { وبالليل } قيل أي ومساء بأن يراد بالليل أوله لأنه زمان السير
~~ولوقوعه مقابل الصباح، وقيل: أي نهارا وليلا وهو تأويل قبل الحاجة ولذا
~~اختير الأول، ووجه التخصيص عليه بأنه لعل سدوم وقعت قريب منزل يمر بها
~~المرتحل عنه صباحا والقاصد مساء، وقال بعض الأجلة: لو أبقي على ظاهره
~~لأن ديار العرب لحرها يسافر فيها في الليل إلى الصباح خلا عن التكلف في
~~توجيه المقابلة.

# { أفلا تعقلون } أتشاهدون ذلك فلا تعقلون حتى تعتبروا به
~~وتخافوا أن يصيبكم مثل ما أصابهم فإن منشأ ذلك مخالفتهم رسولهم ومخالفة
~~الرسول قدر مشترك بينكم.

### || [37.139]

# { وإن يونس لمن المرسلين } يروى على ما في " البحر "
~~أنه عليه السلام نبىء وهو ابن ثمان وعشرين سنة، وحكى في " البحر " أنه
~~كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس وهو ابن متى بفتح الميم وتشديد التاء
~~الفوقية مقصور، وهل هذا اسم أمه أو أبيه؟ فيه خلاف فقيل اسم أمه وهو
~~المذكور في " تفسير عبد الرزاق " ، وقيل:/ اسم أبيه وهذا  كما قال ابن
~~حجر  أصح، وبعض أهل الكتاب يسميه يونان ابن ماثى، وبعضهم يسميه يونه ابن
~~امتياي؛ ولم نقف في شيء من الأخبار على اتصال نسبه، وفي اسمه عند العرب
~~ست لغات تثليث النون مع الواو والياء والهمزة، والقراءة المشهورة بضم
~~النون مع الواو. وقرأ أبو طلحة بن مصرف بكسر النون قيل أراد أن يجعله
~~عربيا مشتقا من أنس وهو كما ترى.

### || [37.140]

# { إذ أبق } هرب، وأصله الهرب من السيد لكن لما كان هربه من قومه
~~بغير إذن ربه كما هو الأنسب بحال الأنبياء عليهم السلام حسن إطلاقه عليه
~~فهو إما استعارة أو مجاز مرسل من استعمال المقيد في المطلق، والأول أبلغ،
~~وقال بعض الكمل: الإباق الفرار من السيد بحيث لا يهتدي إليه طالب أي بهذا
~~القصد، وكان عليه السلام هرب من قومه بغير إذن ربه سبحانه إلى حيث طلبوه
~~فلم يجدوه فاستعير الإباق لهربه باعتبار هذا القيد لا باعتبار القيد
~~الأول، وفيه ms09077 بعد تسليم اعتبار هذا القيد على ما ذكره بعض أهل اللغة أنه
~~لا مانع من اعتبار ذلك القيد فلا اعتبار بنفي اعتباره { إلى الفلك
~~المشحون } المملوء.

### || [37.141]

# { فسهم } فقارع عليه السلام من في الفلك، واستدل به من قال
~~بمشروعية القرعة { فكان من المدحضين } فصار من المغلوبين
~~بالقرعة، وأصله المزلق - اسم مفعول - عن مقام الظفر. يروى أنه وعد قومه
~~العذاب وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام فلما كان اليوم الثالث خرج
~~يونس قبل أن يأذن الله تعالى له ففقده قومه فخرجوا بالكبير والصغير
~~والدواب وفرقوا بين كل والدة وولدها فشارف نزول العذاب بهم فعجوا إلى
~~الله تعالى وأنابوا واستقالوا فأقالهم الله تعالى وصرف عنهم العذاب فلما
~~لم ير يونس نزول العذاب استحى أن يرجع إليهم وقال: لا أرجع إليهم كذابا
~~أبدا ومضى على وجهه فأتى سفينة فركبها فلما وصلت اللجة وقفت فلم تسر
~~فقال صاحبها: ما يمنعها أن تسير إلا أن فيكم رجلا مشؤوما فاقترعوا
~~ليلقوا من وقعت عليه القرعة في الماء فوقعت على يونس ثم أعادوا فوقعت
~~عليه ثم أعادوا فوقعت عليه فلما رأى ذلك رمى بنفسه في الماء.

### || [37.142]

# { فالتقمه الحوت } أي ابتلعه من اللقمة، وفي خبر أخرجه أحمد
~~وغيره عن ابن مسعود أنه أتى قوما في سفينة فحملوه وعرفوه فلما دخلها
~~ركدت والسفن تسير يمينا وشمالا فقال: ما بال سفينتكم؟ قالوا: ما ندري
~~قال: ولكني أدري ان فيها عبدا آبق من ربه وإنها والله لا تسير حتى تلقوه
~~قالوا: أما أنت والله يا نبي الله فلا نلقيك فقال لهم: اقترعوا فمن قرع
~~فليلق فاقترعوا ثلاث مرات وفي كل مرة تقع القرعة عليه فرمى بنفسه فكان ما
~~قص الله تعالى. وكيفية اقتراعهم على ما في " البحر " عن ابن مسعود أنهم
~~أخذوا لكل سهما على أن من طفا سهمه فهو ومن غرق سهمه فليس إياه فطفا سهم
~~يونس. وروي أنه لما وقف على شفير السفينة ليرمي بنفسه رأى حوتا  واسمه
~~على ما أخرج ابن أبي حاتم وجماعة عن قتادة نجم ms09078  قد رفع رأسه من المار
~~قدر ثلاثة أذرع يرقبه ويترصده فذهب إلى ركن آخر فاستقبله الحوت فانتقل
~~إلى آخر فوجده وهكذا حتى استدار بالسفينة فلما رأى ذلك عرف أنه أمر من
~~الله تعالى فطرح نفسه فأخذه أن يصل إلى الماء.

# { وهو مليم } أي داخل في الملامة على أن بناء أفعل للدخول في
~~الشيء نحو أحرم إذا دخل الحرم أو آت بما يلام عليه على أن الهمزة فيه
~~للصيرورة نحو أغد البعير أي صار ذا غدة فهو هنا لما أتى بما يستحق اللوم
~~عليه صار ذا لوم أو مليم نفسه على أن الهمزة فيه للتعدية نحو أقدمته
~~والمفعول محذوف، وما روي عن ابن عباس ومجاهد من تفسيره/ بالمسيء والمذنب
~~فبيان لحاصل المعنى وحسنات الأبرار سيئات المقربين.

# وقرىء { مليم } بفتح أوله اسم مفعول وقياسه ملوم لأنه واوي يقال لمته
~~ألومه لوما لكنه جيء به على ليم كما قالوا مشيب ومدعى في مشوب ومدعو
~~بناء على شيب ودعى وذلك أنه لما قلبت الواو ياء في المجهول جعل كالأصل
~~فحمل الوصف عليه.

### || [37.143]

# أي من الذاكرين الله تعالى كثيرا بالتسبيح كما قيل، وفي كلام قتادة ما
~~يشعر باعتبار الكثرة، واستفادتها على ما قال الخفاجي من جعله من المسبحين
~~دون أن يقال مسبحا فإنه يشعر بأنه عريق فيهم منسوب إليهم معدود في
~~عدادهم ومثله يستلزم الكثرة، وقيل: من التفعيل. ورد بأن معنى سبح لم
~~يعتبر فيه ذلك إذ هو قال سبحان الله، وقد يقال: هي من إرادة الثبوت من {
~~المسبحين } فإنه يشعر بأن التسبيح ديدن لهم، والمراد بالتسبيح
~~ههنا حقيقته وهو القول المذكور أو ما في معناه وروي ذلك عن ابن جبير.
~~وهذا الكون عند بعض قبل التقام الحوت إياه أيام الرخاء، واستظهر أبو حيان
~~أنه في بطن الحوت وأن التسبيح ما ذكره الله تعالى في قوله سبحانه:

# فنادى فى الظلمت أن لا إله إلا أنت
~~سبحنك إنى كنت من الظلمين

# [الأنبياء: 87] وحمله بعضهم على الذكر مطلقا وبعض آخر على العبادة
~~كذلك، وجماعة منهم ابن ms09079 عباس على الصلاة بل روي عنه أنه قال: كل ما في
~~القرآن من التسبيح فهو بمعنى الصلاة، وأنت تعلم أنه إن كان اللفظ فيما
~~ذكر حقيقة شرعية ولم يكن للتسبيح حقيقة أخرى شرعية أيضا لم يحتج إلى
~~قرينة، وإن كان مجازا أو كان للتسبيح حقيقة شرعية أخرى احتيج إلى قرينة
~~فإن وجدت فذاك وإلا فالأمر غير خفي عليك. وكما اختلف في زمان التسبيح
~~بالمعنى السابق اختلف في زمانه بالمعاني الأخر. أخرج أحمد في " الزهد "
~~وغيره عن ابن جبير في قوله تعالى: { فلولا أنه كان من
~~المسبحين } قال: من المصلين قبل أن يدخل بطن الحوت، وأخرج أحمد
~~وغيره أيضا عن الحسن في الآية قال: ما كان إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت
~~فذكر ذلك لقتادة فقال: لا إنما كان يعمل في الرخاء، وروي عن الحسن غير ما
~~ذكر، فقد أخرج عنه ابن أبي حاتم والبيهقي في " شعب الإيمان " والحاكم
~~أنه قال في الآية: كان يكثر الصلاة في الرخاء فلما حصل في بطن الحوت ظن
~~أنه الموت فحرك رجليه فإذا هي تتحرك فسجد وقال: يا رب اتخذت لك مسجدا في
~~موضع لم يسجد فيه أحد. وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك بن قيس قال: اذكروا
~~الله تعالى في الرخاء يذكركم في الشدة فإن يونس عليه السلام كان عبدا
~~صالحا ذاكرا لله تعالى فلما وقع بطن الحوت قال الله تعالى: { فلولا
~~أنه كان من المسبحين } الخ وإن فرعون كان عبدا طاغيا
~~ناسيا لذكر الله تعالى فلما أدركه الغرق قال:

# آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا
~~إسرائيل وأنا من المسلمين

# [يونس: 90] فقيل له

# ءالئن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين

# [يونس: 91]. والأولى حمل زمان كونه من المسبحين على ما يعم زمان الرخاء
~~وزمان كونه في بطن الحوت، فإن لاتصافه بذلك في كلا الزمانين مدخلا في
~~خروجه من بطن الحوت المفهوم من قوله تعالى: { فلولا أنه كان
~~من المسبحين }.

### || [37.144]

# كما يشعر به ما في حديث أخرجه عبد الرزاق وابن جرير وابن ms09080 أبي حاتم وابن
~~مردويه عن أنس مرفوعا من أنه عليه السلام لما التقمه الحوت وهوى به حتى
~~انتهى إلى ما انتهى من الأرض سمع تسبيح الأرض فنادى في الظلمات أن لا إله
~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فأقبلت الدعوة نحو العرش فقالت
~~الملائكة: يا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا من بلاد غربة قال سبحانه: وما
~~تدرون/ ماذا كم؟ قالوا: لا يا ربنا قال: ذاك عبدي يونس قالوا: الذي كنا
~~لا نزال نرفع له عملا متقبلا ودعوة مجابة؟ قال: نعم قالوا: يا ربنا ألا
~~ترحم ما كان يصنع في الرخاء وتنجيه عند البلاء؟ قال: بلى فأمر عز وجل
~~الحوت فلفظه.

# واستظهر أبو حيان أن المراد بقوله سبحانه: { للبث فى بطنه }
~~الخ لبقي في بطنه حيا إلى يوم البعث وبه أقول. وتعقب بأنه ينافيه ما ورد
~~من أنه لا يبقى عند النفخة الأولى ذو روح من البشر والحيوان في البر
~~والبحر. وأجيب بعد تسليم ورود ذلك أو ما يدل عليه بأنه مبالغة في طول
~~المدة مع أنه في حيز لو فلا يرد رأسا أو المراد بوقت البعث ما يشتمل
~~زمان النفخة لأنه من مقدماته فكأنه منه، وعن قتادة لكان بطن الحوت قبرا
~~له، وظاهره أنه أريد للبث ميتا في بطنه إلى يوم البعث، ولا مانع من بقاء
~~بنية الحوت كبنيته من غير تسلط البلاء إلى ذلك اليوم، وضمير {
~~يبعثون } لغير مذكور وهو ظاهر.

### || [37.145]

# { فنبذنه } بأن حملنا الحوت على لفظه فالإسناد مجازي، والنبذ
~~على ما في «القاموس» طرحك الشيء أماما أو وراء أو هو عام. وقال الراغب:
~~النبذ إلقاء الشيء وطرحه لقلة الاعتداد به، والمراد به هنا الطرح والرمي
~~والقيد الذي ذكره الراغب لا أرغب فيه فإنه عليه السلام وإن أبق وخرج من
~~غير إذن مولاه واعتراه من تأديبه تعالى ما اعتراه فالرب عز وجل بأنبيائه
~~رحيم وله سبحانه في كل شأن اعتداد بهم عظيم فهو عليه السلام معتد به في
~~حال الإلقاء وإن كان ذلك { بالعراء } أي بالمكان الخالي ms09081 عما يغطيه من
~~شجر أو نبت، يروى أن الحوت سار مع السفينة رافعا رأسه يتنفس ويونس يسبح
~~حتى انتهوا إلى البر فلفظه. ورد بأنه يأباه قوله تعالى

# فنادى فى الظلمت

# [الأنبياء: 87] وأجيب بأنه بمجرد رفع رأسه للتنفس لا يخرج منها، ثم إن
~~هذا لئلا يختنق يونس أو تنحصر نفسه بحكم العادة لا ليمتنع دخول الماء جوف
~~الحوت حتى يقال السمك لا يحتاج لذلك، ومع هذا نحن لا نجزم بصحة الخبر فقد
~~روى أيضا أنه طاف به البحار كلها ثم نبذه على شط دجلة قريب نينوى بكسر
~~النون الأولى وضم الثانية كما في «الكشف» من أرض الموصل، والالتقام كان
~~في دجلة أيضا على ما صرح به البعض وخالف فيه أهل الكتاب، وسيأتي إن شاء
~~الله تعالى نقل كلامهم لك في هذه القصة لتقف على ما فيه.

# والظاهر أن الحوت من حيتان دجلة أيضا وقد شاهدنا فيها حيتانا عظيمة
~~جدا، وقيل كان من حيتان النيل. أخرج ابن أبي شيبة عن وهب أنه جلس هو
~~وطاوس ونحوهما من أهل ذلك الزمان فذكروا أي أمر الله تعالى أسرع؟ فقال
~~بعضهم: قول الله تعالى

# كلمح البصر

# [النحل: 77] وقال بعضهم: السرير حين أتى به سليمان، وقال وهب: أسرع أمر
~~الله تعالى أن يونس على حافة السفينة إذ أوحى الله سبحانه إلى نون في نيل
~~مصر فما خر من حافتها إلا في جوفه، ولا شبهة في ان قدرة الله عز وجل أعظم
~~من ذلك لكن الشبهة في صحة الخبر وكأني بك تقول: لا شبهة في عدم صحته.

# واختلف في مدة لبثه فأخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» وغيره عن
~~الشعبي قال: التقمه الحوت ضحى ولفظه عشية وكأنه أراد حين أظلم الليل،
~~وأخرج عبد بن حميد وغيره عن قتادة قال: إنه لبث في جوفه ثلاثا، وفي كتب
~~أهل الكتاب ثلاثة أيام وثلاث ليال، وعن عطاء وابن جبير سبعة أيام، وعن
~~الضحاك عشرين يوما، وعن ابن عباس وابن جرير وأبي مالك والسدي ومقاتل بن
~~سليمان والكلبي وعكرمة ms09082 أربعين يوما، وفي «البحر» ما يدل على أنه لم يصح
~~خبر في مدة لبثه عليه/ السلام في بطن الحوت.

# { وهو سقيم } مما ناله، قال ابن عباس والسدي: إنه عاد بدنه كبدن
~~الصبي حين يولد، وعن ابن جبير أنه عليه السلام ألقي ولا شعر له ولا جلد
~~ولا ظفر، ولعل ذلك يستدعي بحكم العادة أن لمدة لبثه في بطن الحوت طولا
~~ما.

### || [37.146]

# أي أنبتناها مظلة عليه مظلة له كالخيمة فعليه حال من { شجرة } قدمت
~~عليها لأنها نكرة. واليقطين يفعيل من قطن بالمكان إذا أقام به، وزاد
~~الطبرسي إقامة زائل لا إقامة راسخ. والمراد به على ما جاء عن الحسن السبط
~~وابن عباس في رواية وابن مسعود وأبي هريرة وعمرو بن ميمون وقتادة وعكرمة
~~وابن جبير ومجاهد في إحدى الروايتين عنهما الدباء وهو القرع المعروف،
~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه، وأنبتها الله تعالى مطلة عليه
~~لأنها تجمع خصالا برد الظل و [نعومة] الملمس وعظم الورق وأن الذباب لا
~~يقع عليها على ما قيل، وكان عليه السلام لرقة جلده بمكثه في بطن الحوت
~~يؤذيه الذباب ومماسة ما فيه خشونة ويؤلمه حر الشمس ويستطيب بارد الظل
~~فلطف الله تعالى به بذلك، وذكر أن ورق القرع أنفع شيء لمن ينسلخ جلده.

# واشتهر أن الشجر ما كان على ساق من عود فيشكل تفسير الشجرة هنا بالدباء.
~~وأجاب أبو حيان بأنه يحتمل أن الله تعالى أنبتها على ساق لتظله خرقا
~~للعادة، وقال الكرماني: العامة تخصص الشجر بما له ساق، وعند العرب كل شيء
~~له أرومة تبقى فهو شجر وغيره نجم، ويشهد له قول أفصح الفصحاء صلى الله
~~عليه وسلم شجرة الثوم انتهى. وقال بعض الأجلة: لك أن تقول أصل معناه ما
~~له أرومة لكنه غلب في عرف أهل اللغة على ما له ساق وأغصان فإذا أطلق
~~يتبادر منه المعنى الثاني وإذا قيد كما هنا. وفي الحديث يرد على أصله وهو
~~الظاهر، ثم ذكر أن ما قاله أبو حيان تمحل في محل لا مجال للرأي ms09083 فيه وأخرج
~~عبد بن حميد وابن جرير عن ابن جبير أنه قال: كل شجرة لا ساق لها فهي من
~~اليقطين والذي يكون على وجه الأرض من البطيخ والقثاء، وفي رواية أخرى عنه
~~أنه سئل عن اليقطين أهو القرع؟ قال: لا ولكنها شجرة سماها الله تعالى
~~اليقطين أظلته. وفي رواية عن ابن عباس أنه كل شيء ينبت ثم يموت من عامه،
~~وفي أخرى كل شيء يذهب على وجه الأرض. وقيل: شجرة اليقطين هي شجرة الموز
~~تغطي بورقها واستظل بأغصانها وأفطر على ثمارها، وقيل شجرة التين والأصح
~~ما تقدم.

# وروي عن قتادة أنه عليه السلام كان يأكل من ذلك القرع، وجاء في رواية عن
~~أبي هريرة أنه قال: طرح بالعراء فأنبت الله تعالى عليه يقطينة فقيل له:
~~ما اليقطينة؟ قال: شجرة الدباء هيأ الله تعالى له أروية وحشية تأكل من
~~حشاش الأرض فتفسح عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبتت، وقيل:
~~إنه كان يستظل بالشجرة وتختلف إليه الأروية فيشرب من لبنها، وفي بعض
~~الآثار أنها نبتت وأظلته في يومها. أخرج أحمد في " الزهد " وغيره عن وهب
~~أنه لما خرج من البحر نام نومة فأنبت الله تعالى عليه شجرة من يقطين وهي
~~الدباء فأظلته وبلغت في يومها فرآها قد أظلته ورأى خضرتها فأعجبته ثم نام
~~نومة فاستيقظ فإذا هي قد يبست فجعل يحزن عليها فقيل له: أنت الذي لم تخلق
~~ولم تسق ولم تنبت تحزن علهيا وأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون
~~ثم رحمتهم فشق عليك وهؤلاء هم أهل نينوى المعنيون بقوله تعالى: {
~~وأرسلناه إلى مئة ألف... }.

### || [37.147]

# والإرسال على ما أخرج غير واحد عن مجاهد والحسن وقتادة هو الإرسال الأول
~~الذي كان قبل أن يلتقمه الحوت فالعطف على قوله تعالى:

# وإن يونس

# [الصافات: 139] الخ على سبيل البيان لدلالته على ابتداء الحال وانتهائه
~~وعلى ما هو المقصود من الإرسال من الإيمان، واعترض بينهما بقصته اعتناء
~~بها لغرابتها. وأورد عليه أنه يأبى عن حمله على الإرسال الأول الفاء في ms09084
~~قوله تعالى: { فآمنوا فمتعناهم إلى حين }.

### || [37.148]

# { فئامنوا } فإن أولئك لم يؤمنوا عقيب إرساله الأول بل بعدما
~~فارقهم. وأجيب بأنه تعقيب عرفي نحو تزوج فولد له. وقيل: الأقرب أن الفاء
~~للتفصيل أو السببية، وقيل هو إرسال ثان إليهم بعد أن أصابه فالعطف على ما
~~عنده. وأورد عليه أن المروي أنهم بعد مفارقته لهم رأوا العذاب أو خافوه
~~فآمنوا فقوله تعالى: { فئامنوا } في النظم الجليل هنا يأبى عن حمله
~~على إرسال ثان. وأجيب بأنه يجوز أن يكون الإيمان المقرون بحرف التعقيب
~~إيمانا مخصوصا أو أن آمنوا بتأويل أخلصوا الإيمان وجددوه لأن الأول كان
~~إيمان بأس، وقيل هو إرسال إلى غيرهم، وقيل: إن الأولين بعد أن آمنوا
~~سألوه أن يرجع إليهم فأبى لأن النبي إذا هاجر عن قومه لم يرجع إليهم
~~مقيما فيهم وقال لهم: إن الله تعالى باعث إليكم نبيا.

# وفي خبر طويل أخرجه أحمد في " الزهد " وجماعة عن ابن مسعود أنه عليه
~~السلام بعد أن نبذ بالعراء وأنبت الله تعالى عليه الشجرة وحسن حاله خرج
~~فإذا هو بغلام يرعى غنما فقال: ممن أنت يا غلام؟ قال: من قوم يونس قال:
~~فإذا رجعت إليهم فاقرئهم السلام وأخبرهم أنك لقيت يونس فقال له الغلام:
~~إن تكن يونس فقد تعلم أنه من كذب ولم يكن له بينة قتل فمن يشهد لي؟ قال:
~~تشهد لك هذه الشجرة وهذه البقعة فقال الغلام ليونس: مرهما فقال لهما
~~يونس: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له قالتا: نعم فرجع الغلام إلى قومه
~~وكان له إخوة فكان في منعة فأتى الملك فقال: إني لقيت يونس وهو يقرأ
~~عليكم السلام فأمر به الملك أن يقتل فقال: إن لي بينة فأرسل معه فانتهوا
~~إلى الشجرة والبقعة فقال لهما الغلام نشدتكما بالله هل أشهدكما يونس
~~قالتا: نعم فرجع القوم مذعورين يقولون: تشهد لك الشجرة والأرض فاتوا
~~الملك فحدثوه بما رأوا فتناول الملك يد الغلام فاجلسه في مجلسه وقال: أنت
~~أحق بهذا المكان منى وأقام لهم أمرهم ذلك الغلام أربعين سنة، وهذا دال ms09085
~~بظاهره أنه عليه السلام لم يرجع بعد أن أصابه ما أصابه إليهم فإن صح يراد
~~بالإرسال هنا إما الإرسال الأول الذي تضمنه قوله تعالى:

# وإن يونس لمن المرسلين

# [الصافات: 139] وإما إرسال آخر إلى غير أولئك القوم، والمعروف عند أهل
~~الكتاب أنه عليه السلام لم يرسل إلا إلى أهل نينوى، وسيأتي إن شاء الله
~~تعالى قريبا تفصيل قصته عندهم.

# و { أو } على ما نقل عن ابن عباس بمعنى بل، وقيل: بمعنى الواو وبها
~~قرأ جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما، وقيل: للإبهام على المخاطب، وقال
~~المبرد وكثير من البصريين: للشك نظرا إلى الناظر من البشر على معنى من
~~رآهم شك في عددهم وقال مائة ألف أو يزيدون والمقصود بيان كثرتهم أو أن
~~الزيادة ليست كثيرة كثرة مفرطة كما يقال هم ألف وزيادة، وقال ابن كمال:
~~المراد يزيدون باعتبار آخر وذلك أن المكلفين بالفعل منهم كانوا مائة ألف
~~وإذا ضم إليهم المراهقون الذين بصدد التكليف كانوا أكثر؛ ومن ههنا ظهر
~~وجه التعبير بصيغة التجدد دون الثبات.

# وتعقب بأنه مع أن المناسب له الواو تكلف ركيك، وأقرب منه أن الزيادة
~~بحسب الإرسال الثاني ويناسبه صيغة التجدد وإن كانت للفاصلة، وهو معطوف
~~على جملة { أرسلنا } بتقديرهم يزيدون لا على { مائة } بتقدير
~~أشخاص يزيدون أو تجريده للمصدرية/ فإنه ضعيف، والزيادة على ما روي عن ابن
~~عباس ثلاثون ألفا، وفي أخرى عنه بضعة وثلاثون ألفا، وفي أخرى بضعة
~~وأربعون ألفا، وعن نوف وابن جبير سبعون ألفا، وأخرى الترمذي وابن جرير
~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي بن كعب قال: سألت رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: { وأرسلنه إلى
~~مائة ألف أو يزيدون } قال: يزيدون عشرين ألفا، وإذا صح هذا
~~الخبر بطل ما سواه.

# { فمتعنهم } بالحياة { إلى حين } إلى آجالهم المسماة في
~~الأزل قاله قتادة والسدي، وزعم بعضهم أن تمتيعهم بالحياة إلى زمان المهدي
~~وهم إذا ظهر من أنصاره فهم اليوم أحياء في الجبال والقفار لا يراهم كل
~~أحد ms09086 كالمهدي عند الإمامية والخضر عند بعض العلماء والصوفية، وربما يكشف
~~لبعض الناس فيرى أحدا منهم وهو كذب مفترى، ولعل عدم ختم هذه القصة
~~والقصة التي قبلها بنحو ما ختم به سائر القصص من قوله تعالى:

# وتركنا عليه فى الآخرين * سلم

# [الصافات: 7879] الخ تفرقة بين شأن لوط ويونس عليهما السلام وشأن أصحاب
~~الشرائع الكبر وأولي العزم من المرسلين مع الاكتفاء فيهما بالتسليم
~~الشامل لكل الرسل المذكورين في آخر السورة ولتأخرهما في الذكر قربا منه
~~والله تعالى أعلم.

# والمذكور في شأن يونس عليه السلام في كتب أهل الكتاب أن الله عز وجل
~~أمره بالذهاب إلى دعوة أهل نينوى وكانت إذ ذاك عظيمة جدا لا تقطع إلا في
~~نحو ثلاثة أيام وكانوا قد عظم شرهم وكثر فسادهم فاستعظم الأمر وهرب إلى
~~ترسيس فجاء يافا فوجد سفينة يريد أهلها الذهاب بها إلى ترسيس فاستأجر
~~وأعطى الأجرة وركب السفينة فهاجت ريح عظيمة وكثرت الأمواج وأشرفت السفينة
~~على الغرق ففزع الملاحون ورموا في البحر بعض الأمتعة لتخف السفينة وعند
~~ذلك نزل يونس إلى بطن السفينة ونام حتى علا نفسه فتقدم إليه الرئيس فقال
~~له: ما بالك نائما؟ قم وادع إلهك لعله يخلصنا مما نحن فيه ولا يهلكنا،
~~وقال بعضهم: تعالوا نتقارع لنعرف من أصابنا هذا الشر بسببه فتقارعوا
~~فوقعت القرعة على يونس فقالوا له: أخبرنا ماذا عملت ومن أين أتيت وإلى
~~أين تمضي ومن أي كورة أنت ومن أي شعب أنت؟ فقال لهم: أنا عبد الرب إله
~~السماء خالق البر والبحر وأخبرهم خبره فخافوا خوفا عظيما وقالوا له: لم
~~صنعت ما صنعت؟ يلومونه على ذلك ثم قالوا له: ما نصنع الآن بك ليسكن البحر
~~عنا؟ فقال: ألقوني في البحر يسكن فإنه من أجلي صار هذا الموج العظيم فجهد
~~الرجال أن يردوها إلى البر فلم يستطيعوا فأخذوا يونس وألقوه في البحر
~~لنجاة جميع من في السفينة فسكن البحر وأمر الله تعالى حوتا عظيما
~~فابتلعه فبقي في بطنه ثلاثة أيام وثلاث ليال وصلى في بطنه إلى ربه
~~واستغاث ms09087 به، فأمر سبحانه الحوت فألقاه إلى اليبس ثم قال عز وجل له: قم
~~وامض إلى نينوى وناد في أهلها كما أمرتك من قبل فمضى عليه السلام ونادى
~~وقال: تخسف نينوى بعد ثلاثة أيام فآمنت رجال نينوى بالله تعالى ونادوا
~~بالصيام ولبسوا المسوح جميعا ووصل الخبر إلى الملك فقام عن كرسيه ونزع
~~حلته ولبس مسحا وجلس على الرماد ونودي أن لا يذق أحد من الناس والبهائم
~~طعاما ولا شرابا وجأروا إلى الله تعالى ورجعوا عن الشر والظلم فرحمهم
~~الله تعالى فلم ينزل بهم العذاب فحزن يونس وقال: إلهي من هذا هربت فإني
~~علمت أنك الرحيم الرؤوف الصبور التواب يا رب خذ نفسي فالموت خير لي من
~~الحياة فقال: يا يونس حزنت من هذا جدا؟ فقال: نعم يا رب وخرج يونس وجلس
~~مقابل المدينة وصنع له هناك مظلة وجلس تحتها إلى أن يرى ما يكون في
~~المدينة/ فأمر الله تعالى يقطينا فصعد على رأسه ليكون ظلا له من كربه
~~فرح باليقطين فرحا عظيما وأمر الله تعالى دودة فضربت اليقطين فجف ثم
~~هبت ريح سموم وأشرقت الشمس على رأس يونس عليه السلام فعظم الأمر عليه
~~واستطيب الموت فقال له الرب: يا يونس أحزنت جدا على اليقطين؟ فقال: نعم
~~يا رب حزنت جدا فقال سبحانه: حزنت عليه وأنت لم تتعب فيه ولم تربه بل
~~صار من ليلته وهلك من ليلته فأنا لا أشفق على نينوى المدينة العظيمة التي
~~فيها سكان أكثر من اثني عشر ربوة من الناس قوم لا يعلمون يمينهم ولا
~~شمالهم وبهائمهم كثيرة انتهى، وفيه من المخالف للحق ما فيه؛ ولتطلع على
~~حاله نقلته لك وكم لأهل الكتاب من باطل:

### || [37.149]

# { ألربك البنات ولهم البنون } أمر الله تعالى نبيه صلى
~~الله عليه وسلم في صدر السورة الكريمة بتبكيت قريش وإبطال مذهبهم في
~~إنكار البعث بطريق الاستفتاء وساق البراهين الناطقة بتحققه لا محالة وبين
~~وقوعه وما يلقونه عند ذلك من فنون العذاب واستثنى منهم عباده المخلصين
~~وفصل سبحانه ما لهم من النعيم المقيم، ms09088 ثم ذكر سبحانه أنه قد ضل من قبلهم
~~أكثر الأولين وأنه تعالى أرسل إليهم منذرين على وجه الإجمال، ثم أورد قصص
~~بعض الأنبياء عليهم السلام بنوع تفصيل متضمنا كل منها ما يدل على فضلهم
~~وعبوديتهم له عز وجل، ثم أمره صلى الله عليه وسلم ههنا بتبكيتهم بطريق
~~الاستفتاء عن وجه ما تنكره العقول بالكلية وهي القسمة الباطلة اللازمة
~~لما كانوا عليه من الاعتقاد الزائغ حيث كانوا يقولون كبعض أجناس العرب
~~جهينة وسليم وخزاعة وبني مليح: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى عما
~~يقولون علوا كبيرا، ثم بتبكيتهم بما يتضمنه كفرهم المذكور من الاستهانة
~~بالملائكة عليهم السلام بجعلهم إناثا، ثم أبطل سبحانه أصل كفرهم المنطوي
~~على هذين الكفرين وهو نسبة الولد إليه سبحانه وتعالى عن ذلك علوا
~~كبيرا، ولم ينظمه سبحانه في سلك التبكيت لمشاركتهم اليهود القائلين عزير
~~ابن الله والنصارى المعتقدين عيسى ابن الله تعالى الله عن ذلك.

# والفاء قيل لترتيب الأمر على ما يعلم مما سبق من كون أولئك الرسل أعلام
~~الخلق عليهم السلام عباده تعالى فإن ذلك مما يؤكد التبكيت ويظهر بطلان
~~مذهبهم الفاسد فكأنه قيل: إذا كان رسل ربك من علمت حالهم فاستخبر هؤلاء
~~الكفرة عن وجه كون البنات وهن أوضع الجنسين له تعالى بزعمهم والبنين
~~الذين هم أرفعهما لهم فإنهم لا يستطيعون أن يثبتوا له وجها لأنه في غاية
~~البطلان لا يقوله من له أدنى شيء من العقل.

# وقال بعض الأجلة: الكلام متصل بقوله تعالى في أول السورة

# فاستفتهم أهم أشد خلقا

# [الصافات: 11] على أن الفاء هنا للعطف على ذاك، والتعقيب لأنه أمر بهما
~~من غير تراخ، وهي هناك جزائية في جواب شرط مقدر، وبهذا القول أقول. وأورد
~~عليه أبو حيان أن فيه الفصل الطويل وقد استقبح النحاة الفصل بجملة نحو
~~أكلت لحما واضرب زيدا وخبزا فما ظنك بالفصل بجمل بل بما يقرب من سورة.
~~وأجيب بأن ما ذكر في عطف المفردات وأما الجمل فلاستقلالها يغتفر لها ذلك،
~~والكلام هنا لما تعانقت معانيه وارتبطت مبانيه وأخذ بعضها ms09089 بحجز بعض حتى
~~كأن الجميع كلمة واحدة لم يعد البعد بعدا كما قيل:

# وليس يضير البعد بين جسومنا

# إذا كان ما بين القلوب قريبا

# ووجه ترتب المعطوف على ما قبل كوجه ترتب المعطوف عليه فإن كونه تعالى رب
~~السموات والأرض وتلك الخلائق العظيمة كما دل على وحدته تعالى وقدرته عز
~~وجل دال على تنزهه سبحانه عن الولد، ألا ترى إلى قوله جل شأنه:

# بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد

# [الأنعام: 101] والمناسبة بين الرد على منكري البعث/ والرد على مثبتي
~~الولد ظاهرة، وقد اتحد في الجملتين السائل والمسؤول والأمر.

# وجوز بعضهم كون ضمير { استفتهم } للمذكورين من الرسل عليهم السلام
~~والبواقي لقريش، والمراد الاستفتاء ممن يعلم أخبارهم ممن يوثق بهم ومن
~~كتبهم وصحفهم أي ما منهم أحد إلا وينزه الله تعالى عن أمثال ذلك حتى يونس
~~عليه السلام في بطن الحوت، ولعمري إن الرجل قد بلغ الغاية من التكلف من
~~غير احتياج إليه، ولعله لو استغنى عن ارتكاب التجوز بالتزام كون
~~الاستفتاء من المرسلين المذكورين حيث يجتمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~معهم اجتماعا روحانيا كما يدعيه لنفسه الشيخ محي الدين قدس سره مع غير
~~واحد من الأنبياء عليهم السلام ويدعي أن الأمر بالسؤال المستدعي للاجتماع
~~أيضا في قوله تعالى:

# واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من
~~دون الرحمن ءالهة يعبدون

# [الزخرف: 45] على هذا النمط لكان الأمر أهون وإن كان ذلك منزعا صوفيا.

# وأضيف الرب إلى ضميره عليه الصلاة والسلام دون ضميرهم تشريفا لنبيه صلى
~~الله عليه وسلم وإشارة إلى أنهم في قولهم بالبنات له عز وجل كالنافين
~~لربوبيته سبحانه لهم.

### || [37.150]

# وقوله تعالى: { أم خلقنا الملئكة إنثا } إضراب
~~وانتقال من التبكيت بالاستفتاء السابق إلى التبكيت بهذا أي بل أخلقنا
~~الملائكة الذين هم من أشرف الخلائق وأقواهم وأعظمهم تقدسا عن النقائص
~~الطبيعية إناثا والأنوثة من أخس صفات الحيوان.

# وقوله تعالى: { وهم شهدون } استهزاء بهم وتجهيل لهم كقوله
~~تعالى:

# أشهدوا خلقهم

# [الزخرف: 19] فإن أمثال هذه الأمور لا تعلم إلا ms09090 بالمشاهدة إذ لا سبيل
~~إلى معرفتها بطريق العقل وانتفاء النقل مما لا ريب فيه فلا بد أن يكون
~~القائل بأنوثتهم شاهدا عند خلقهم. والجملة إما حال من فاعل { خلقنا
~~} أي بل أخلقناهم إناثا والحال أنهم حاضرون حينئذ أو عطف على {
~~خلقنا } أي بل أهم شاهدون.

### || [37.151-152]

# وقوله تعالى: { ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد
~~الله } استئناف من جهته تعالى غير داخل تحت الاستفتاء مسوق لإبطال أصل
~~مذهبهم الفاسد ببيان أن مبناه ليس إلا الإفك الصريح والافتراء القبيح من
~~غير أن يكون لهم دليل أو شبهة { وإنهم لكذبون } فيما
~~يتدينون به مطلقا أو في هذا القول، وفيه تأكيد لقوله تعالى: { من
~~إفكهم } وقرء { ولد الله } بالإضافة ورفع ولد على أنه خبر مبتدأ
~~محذوف أي ليقولون الملائكة ولد الله والولد فعل بمعنى مفعول يقع على
~~المذكر والمؤنث والواحد والجمع ولذا وقع هنا خبرا عن الملائكة المقدر.

### || [37.153]

# بهمزة مفتوحة هي حرف استفهام حذفت بعدها همزة الوصول والاستفهام للإنكار
~~والمراد إثبات إفكهم وتقرير كذبهم. والاصطفاء أخذ صفوة الشيء لنفسه.

# وقرأ نافع في رواية إسمعيل وابن جماز وجماعة وإسماعيل عن أبي جعفر
~~وشيبة { اصطفى } بكسر الهمزة وهي همزة الوصل وتكسر إذا ابتدىء بها
~~وخرجت على حذف أداة الاستفهام لدلالة أم بعد وإن كانت منقطعة غير معادلة
~~لها لكثرة استعمالها معها، وجوز إبقاء الكلام على الإخبار إما على إضمار
~~القول أي لكاذبون في قولهم اصطفى الخ أو يقولون اصطفى الخ على ما قيل: أو
~~على الإبدال من قولهم { ولد الله } أو الملائكة ولد الله وليس
~~دخيلا بين نسيبين، والأولى التخريج على حذف الأداة وحسم البحث فتأمل.

### || [37.154]

# بهذا الحكم الذي تقضي ببطلانه بداهة العقول والالتفات لزيادة التوبيخ.

### || [37.155]

# بحذف أحد التاءين من تتذكرون. وقرأ طلحة بن مصرف تذكرون بسكون الذال وضم
~~الكاف من ذكر. والفاء للعطف على مقدر أي تلاحظون ذلك فلا تتذكرون بطلانه
~~فإنه مركوز في عقل كل ذكي وغبي.

### || [37.156]

# إضراب وانتقال من توبيخهم وتبكيتهم بما ذكر بتكليفهم ما لا يدخل تحت
~~الوجود ms09091 أصلا أي بل ألكم حجة واضحة نزلت من السماء بأن الملائكة بناته
~~تعالى ضرورة أن الحكم بذلك لا بد له من سند حسي أو عقلي وحيث انتفى
~~كلاهما فلا بد من سند نقلي.

### || [37.157]

# { فأتوا بكتبكم } الناطق بصحة دعواكم { إن كنتم
~~صدقين } فيها، والأمر للتعجيز، وإضافة الكتاب إليهم للتهكم. وفي
~~الآيات من الأنباء عن السخط العظيم والإنكار الفظيع لأقاويلهم والاستبعاد
~~الشديد لأباطيلهم وتسفيه أحلامهم وتركيك عقولهم وأفهامهم مع استهزاء بهم
~~وتعجيب من جهلهم ما لا يخفى على من تأمل فيها.

### || [37.158]

# وقوله تعالى: { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا }
~~التفات إلى الغيبة للإيذان بانقطاعهم عن الجواب وسقوطهم عن درجة الخطاب
~~واقتضاء حالهم أن يعرض عنهم وتحكى لآخرين جناياتهم. واستظهر أن المراد
~~بالجنة الشياطين وأريد بالنسب المجعول المصاهرة. أخرج آدم بن أبي اياس
~~وعبد بن حميد وابن جرير وغيرهم عن مجاهد قال: قال كفار قريش الملائكة
~~بنات الله تعالى فقال لهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه - أي على
~~سبيل التبكيت - فمن أمهاتهم؟ فقالوا: بنات سروات الجن وروى هذا ابن أبي
~~حاتم عن عطية، أو أريد جعلوا بينه سبحانه وبينهم مناسبة حيث أشركوهم به
~~تعالى في استحقاق العبادة وروي هذا عن الحسن، وقيل إن قوما من الزنادقة
~~يقولون الله عز وجل وإبليس عليه اللعنة أخوان فالله تعالى هو الخير
~~الكريم وإبليس هو الشرير اللئيم وهو المراد بقوله سبحانه: { وجعلوا
~~} الخ وحكى هذا الطبرسي عن الكلبي، وقال الإمام الرازي: وهذا القول عندي
~~أقرب الأقاويل وهو مذهب المجوس القائلين بيزدان وأهرمن ويعبرون عنهما
~~بالنور والظلمة، ويبعد هذا القول عندي أن الظاهر أن ضمير { جعلوا }
~~كالضمائر السابقة لقريش ولم يشتهر ذلك عنهم بل ولا عن قبيلة من قبائل
~~العرب وليس المقام للرد على الكفرة مطلقا.

# وأخرج غير واحد عن مجاهد وعبد بن حميد عن عكرمة وابن أبي شيبة عن أبي
~~صالح أن المراد بالجنة الملائكة، وحكاه في «مجمع البيان» عن قتادة
~~واختاره الجبائي، والمراد بالجعل المذكور ما تضمنه قولهم الملائكة بنات
~~الله، وأعيد تمهيدا ms09092 لما يعقبه، وهو مبني على أن الجن والملك جنس واحد
~~مخلوقون من عنصر واحد وهو النار لكن من كان من كثيفها الدخاني فهو شيطان
~~وهو شرذ وتمرد ومن كان من صافي نورها فهو ملك وهو خير كله.

# ووجه التسمية بالجن الاستتار عن عيوننا فالجن والجنة بمعنى مفعول من جنه
~~إذا ستره، ويكون على هذا تخصيص الجن بأحد نوعيه تخصيصا طارئا كتخصيص
~~الدابة، وعلى الأصل جاء ما هنا، ونقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~أن نوعا من الملائكة عليهم السلام يسمى الجن ومنهم إبليس؛ وعبر عن
~~الملائكة بالجنة حطا لهم مع عظم شأنهم في أنفسهم أن يبلغوا منزلة
~~المناسبة التي أضافوها إليهم في قولهم ذلك، وقد يقال: إن الاستتار
~~كالداعي لهم إلى ذلك الزعم الباطل بناء على توهمهم بأنه إنما يليق
~~بالإناث فقالوا: لو لم يكونوا بناته سبحانه وتعالى لما سترهم عن العيون
~~فلذا عبر عنهم بالجنة.

# { ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون } أي والله لقد
~~علمت الشياطين أي جنسهم أن الله تعالى يحضرهم ولا بد النار ويعذبهم بها
~~ولو كانوا مناسبين له تعالى أو/ شركاء في استحقاق العبادة أو التصرف لما
~~عذبهم سبحانه فضمير { أنهم } للجنة على ما عدا الوجه الأخير من
~~الأوجه السابقة وإما عليه فهو للكفرة أي والله لقد علمت الملائكة الذين
~~جعلوا بينه تعالى وبينهم نسبا وقالوا هم بناته أن الكفرة لمحضرون النار
~~معذبون بها لكذبهم وافترائهم في قولهم ذلك، والمراد به المبالغة في
~~التكذيب ببيان أن الذين يدعى لهم هؤلاء تلك النسبة ويعلمون أنهم أعلم
~~منهم بحقيقة الحال يكذبونهم في ذلك ويحكمون بأنهم معذبون لأجله حكما
~~مؤكدا، ويجوز على الأوجه الأول عود الضمير على الكفرة أيضا والمعنى على
~~نحو ما ذكر، وعلم الملائكة أن الكفرة معذبون ظاهر، وعلم الشياطين بأنهم
~~أنفسهم وكذا سائر الكفرة معذبون لما أن الله عز وجل توعد إبليس عليه
~~اللعنة بما يدل على ذلك.

# وقوله سبحانه: { سبحان الله عما يصفون }.

### || [37.159]

# على جميع الأوجه السابقة تنزيه من جهته تعالى لنفسه عن ms09093 الوصف الذي لا
~~يليق به. وقوله تعالى: { إلا عباد الله المخلصين }.

### || [37.160]

# استثناء منقطع من المحضرين وما بينهما اعتراض أي ولكن المخلصون ناجون،
~~وجوز كونه استثناء متصلا منه ويفسر ضمير { إنهم } بما يعم وهو خلاف
~~الظاهر وجوز كونه استثناء منقطعا من ضمير { يصفون } وكونه استثناء
~~متصلا منه وهو خلاف الظاهر أيضا. وجوز كونه استثناء من ضمير {
~~جعلوا } على الانقطاع لا غير وما في البين اعتراض، واختار الواحدي
~~الوجه الأول. قال الطيبي: ويحسن كل الحسن إذا فسر الجنة بالشياطين أي
~~وضمير { إنهم } بالكفرة ليرجع معناه إلى قوله تعالى حكاية عن اللعين:

# لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم
~~المخلصين

# [ص: 8283] أي أنهم لمحضرون النار ومعذبون حيث أطاعونا في إغوائنا إياهم
~~لكن الذين أخلصوا الطاعة لله تعالى وطهروا قلوبهم من أرجاس الشرك وأنجاس
~~الكفر والرذائل ما عمل فيهم كيدنا فلا يحضرون ويكون ذلك مدحا للمخلصين
~~وتعريضا بالمشركين وإرغاما لأنوفهم ومزيدا لغيظهم أي أنهم بخلاف ما هم
~~عليه من سفه الأحلام وجهل النفوس وركاكة العقول اه. وفي بيان المعنى نوع
~~قصور. وقوله تعالى: { فإنكم وما تعبدون... }.

### || [37.161-163]

# عود إلى خطابهم. والفاء في جواب شرط مقدر أي إذا علمتم هذا أو إذا كان
~~المخلصون ناجين { فإنكم } الخ. والواو للعطف { وما تعبدون }
~~معطوف على الضمير في { إنكم } وضمير { عليه } لله عز وجل والجار
~~متعلق بفاتنين وعدي بعلى لتضمنه معنى الاستيلاء وهو استعارة من قولهم فتن
~~غلامه أو امرأته عليه إذا أفسده والباء زائدة وهو خبر (ما)، والجملة خبر
~~(إن) والاستثناء مفرغ من مفعول (فاتنين) المقدر و { أنتم } خطاب
~~للكفرة ومعبوديهم على سبيل التغليب نحو أنت وزيد تخرجان أي ما أنتم
~~ومعبودوكم مفسدين أحدا على الله عز وجل بإغوائكم إلا من سبق في علم الله
~~تعالى أنه من أهل النار يصلاها ويدخلها لا محالة.

# وجوز كون الواو هنا مثلها في قولهم كل رجل وضيعته فجملة { ما أنتم
~~عليه } الخ مستقلة ليست خبرا لإن وضمير { عليه } لما بتقدير
~~مضاف وهو متعلق بفاتنين أيضا بتضمينه معنى البعث أو الحمل ولا ms09094 تغليب في
~~الخطاب كأنه قيل: إنكم وآلهتكم قرناء لا تبرحون تعبدونها ثم قيل ما أنتم
~~على عبادة ما تعبدون بباعثين أو حاملين على طريق الفتنة والإضلال أحدا
~~إلا من سبق في علمه تعالى أنه من أهل النار. وظاهر صنيع بعضهم أن أمر/
~~التغليب في { أنتم } على هذا على حاله، وأنت تعلم أن الظاهر الاتصال،
~~وجوز أن يراد معنى المعية وخبر (إن) جملة { ما أنتم عليه } الخ
~~ويكون الكلام على أسلوب قول الوليد بن عقبة بن أبي معيط عامله الله
~~تعالى بما هو أهلة يحض معاوية على حرب الأمير علي كرم الله تعالى وجهه:

# فإنك والكتاب إلى علي

# كدابغة وقد حلم الأديم

# قال في «الكشف»: ومعنى الآية أي عليه إنكم يا كفرة مع معبوديكم لا يتسهل
~~لكم إلا أن تفتنوا من هو ضال مثلكم، وهو بيان لخلاصة المعنى. واستظهر أبو
~~حيان العطف وكون الضمير للعبادة وتضمين فاتنين معنى الحمل وتغليب المخاطب
~~على الغائب في { أنتم } وكون الجملة المنفية خبر (إن). وحكي عن بعضهم
~~القول بأن على بمعنى الباء والضمير المجرور به لما تعبدون فتأمل.

# وقرأ الحسن وابن أبي عبلة { صالوا الحجيم } بالواو على ما في كتاب "
~~الكامل " للهذلي، وفي " كتاب ابن خالويه " عنهما { صال } بالضم ولا واو.
~~وفي «اللوامح» و «الكشاف» عن الحسن { صال الجحيم } بضم اللام فعلى إثبات
~~الواو هو جمع سلامة سقطت النون للإضافة، وفي الكلام مراعاة لفظ من أولا
~~ومعناها ثانيا كما هو قوله تعالى:

# ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الأخر
~~وما هم بمؤمنين

# [البقرة: 8] وعلى عدم إثباتها فيه ثلاثة أوجه، الأول: أن يكون جمعا
~~حذفت النون منه للإضافة ثم واو الجمع لالتقاء الساكنين وأتبع الخط اللفظ.

# الثاني: أن يكون مفردا حذفت لامه وهي الياء تخفيفا وجعلت كالمنسي وجرى
~~الإعراب على عينه كما جرى على عين (يد ودم) وعلى ذلك قوله تعالى:

# وجنى الجنتين دان

# [الرحمن: 54] وقوله سبحانه:

# وله الجوار المنشآت

# [الرحمن: 24] بضم نون { دان } وراء { الجوار } وقولهم ما باليت به
~~بالة فإن أصل بالة بالية ms09095 بوزن عافية حذفت لامه فأجري الإعراب على عينه
~~ولما لحقته الهاء انتقل إليها، الثالث: أن يكون مفردا أيضا ويكون أصله
~~صائل على القلب المكاني بتقديم اللام على العين ثم حذفت اللام المقدمة
~~وهي الياء فبقي صال بوزن فاع وصار معربا كباب ونظيره شاك الجاري إعرابه
~~على الكاف في لغة. وقوله تعالى: { وما منآ إلا له مقام
~~معلوم }.

### || [37.164]

# حكاية لاعتراف الملائكة بالعبودية للرد على من يزعم فيهم خلافها فهو من
~~كلامه تعالى لكنه حكى بلفظهم وأصله وما منهم إلا الخ أي وما منا إلا له
~~مقام معلوم في العبادة والانتهاء إلى أمر الله تعالى في تدبير العالم
~~مقصور عليه لا يتجاوزه ولا يستطيع أن يزل عنه خضوعا لعظمته تعالى
~~وخشوعا لهيبته سبحانه وتواضعا لجلاله جل شأنه كما روي

# " فمنهم راكع لا يقيم صلبه وساجد لا يرفع رأسه "

# وقد أخرج الترمذي وحسنه وابن ماجه وابن مردويه عن أبي ذر قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا
~~تسمعون إن السماء أطت وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه
~~ملك واضعا جبهته ساجدا لله "

# وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ومحمد بن نصر المروزي في كتاب
~~الصلاة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " ما في السماء موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم وذلك قول الملائكة {
~~وما منآ إلا له مقام معلوم * وإنا لنحن
~~الصآفون } "

# وعن السدي { إلا له مقام معلوم } في القرب والمشاهدة، وجعل
~~بعضهم ذلك من كلام الجنة بمعنى الملائكة متصلا بما قبله من كلامهم وهو
~~من قوله تعالى: { سبحن الله عما يصفون } إلى

# المسبحون

# [الصافات: 159-166] فقال بعد أن فسر الجنة بالملائكة: إن { سبحن
~~الله عما يصفون } حكاية/ لتنزيه الملائكة إياه تعالى عما وصفه
~~المشركون به بعد تكذيبهم لهم في ذلك بتقدير قول معطوف على

# علمت

# [الصافات: 158] و

# إلا عباد الله المخلصين

# [الصافات: 160] شهادة منهم ببراءة المخلصين من أن يصفوه ms09096 تعالى بذلك
~~متضمنة لتبرئتهم منه بحكم اندراجهم في زمرة المخلصين على أبلغ وجه وآكده
~~على أنه استثناء منقطع من واو { يصفون } كأنه قيل: ولقد علمت
~~الملائكة أن المشركين لمعذبون لقولهم ذلك وقالوا سبحان الله عما يصفون
~~لكن عباد الله الذين نحن من جملتهم برآء من ذلك الوصف.

# و { فإنكم } الخ تعليل وتحقيق لبراءة المخلصين عما ذكر ببيان
~~عجزهم عن إغوائهم وإضلالهم. والالتفات إلى الخطاب لإظهار كمال الاعتناء
~~بتحقيق مضمون الكلام وما تعبدون الشياطين الذين أغووهم وفيه إيذان
~~بتبريهم عنهم وعن عبادتهم كقولهم:

# بل كانوا يعبدون الجن

# [سبأ: 41] وقولهم: { وما منا إلا له مقام } الخ تبيين
~~لجلية أمرهم وتعيين لحيزهم في موقف العبودية بعد ما ذكر من تكذيب الكفرة
~~فيما قالوا وتنزيه الله تعالى عن ذلك وتبرئة المخلصين عنه وإظهار لقصور
~~شأنهم وجعل تفسير الجنة بالملائكة هو الوجه لاقتضاء ربط الآيات وتوجيهها
~~بما ذكر إياه وفي التعليل شيء.

# نعم إن هذه الآية تقوي قول من يقول: المراد بالجنة فيما سبق الملائكة
~~عليهم السلام تقوية ظاهرة جدا وإن الربط الذي ذكر في غاية الحسن، وقيل:
~~هو من قول الرسول عليه الصلاة والسلام أي وما من المسلمين إلا له مقام
~~معلوم على قدر أعماله يوم القيامة وهو متصل بقوله:

# فاستفتهم

# [الصافات: 149] كأنه قيل فاستفتهم وقال وما منا الخ على معنى بكتهم بذلك
~~وانع عليهم كفرانهم وعدد ما أنت وأصحابك متصف به من أضدادها، وإن شئت لم
~~تقدر قل بعد علمك بأن المعنى ينساق إليه وهو بعيد فافهم والله تعالى
~~أعلم.

# و { منا } خبر مقدم والمبتدأ محذوف للاكتفاء بصفته وهي جملة { له
~~مقام } أي ما منا أحد إلا له مقام معلوم. وحذف الموصوف بجملة أو شبهها
~~إذا كان بعض ما قبله من مجرور بمن أو في مطرد وهذا اختيار الزمخشري. وقال
~~أبو حيان { منا } صفة لمبتدأ محذوف والجملة المذكورة هي الخبر أي وما
~~أحد كائن منا إلا له مقام معلوم. وتعقب ما مر بأنه لا ينعقد كلام من ما
~~منا أحد، وقوله سبحانه: { إلا ms09097 له مقام معلوم } هو محط
~~الفائدة فيكون هو الخبر وإن تخيل أن إلا بمعنى غير وهي صفة لا يصح لأنه
~~لا يجوز حذف موصوفها وفارقت غيرا إذا كانت صفة في ذلك لتمكن غير في
~~الوصف وقلة تمكن إلا فيه، وقال غيره: إن فيه أيضا التفريغ في الصفات وهم
~~منعوا ذلك، ودفع بأنه ينعقد منه كلام مفيد مناسب للمقام إذ معناه ما منا
~~أحد متصف بشيء من الصفات إلا بصفة أن يكون له مقام معلوم لا يتجاوزه،
~~والمقصود بالحصر المبالغة أو يقال إنه صفة بدل محذوف أي ما منا أحد إلا
~~أحد له مقام معلوم كما قاله ابن مالك في نظيره، وفيه أن فيه اعترافا بأن
~~المقصود بالإفادة تلك الجملة وهو يستلزم أولوية كونها خبرا وما ذكر من
~~احتمال كونه صفة لبدل محذوف فليس بشيء لأن فيه حذف المبدل والمبدل منه
~~ولا نظير له، وبالجملة ما ذكره أبو حيان أسلم من القيل والقال، نعم قيل
~~يجوز أن يقال: القصد هنا ليس إفادة مضمون الخبر بل الرد على الكفرة ولذا
~~جعل الظرف خبرا وقدم فالمعنى ليس منا أحد يتجاوز مقام العبودية لغيرها
~~بخلافكم أنتم فقد صدر منكم ما أخرجكم عن رتبة الطاعة، وفيه نظر.

### || [37.165]

# أنفسنا أو أقدامنا في الصلاة. وقال ناصر الدين: أي في أداء الطاعة
~~ومنازل الخدمة، وقيل: الصافون حول العرش ننتظر الأمر الإلهي، وفي «البحر»
~~داعين للمؤمنين، وقيل: صافون أجنحتنا في الهواء منتظرين ما يؤمر./ وأخرج
~~ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن الوليد بن عبد الله بن مغيث قال:
~~كانوا لا يصفون في الصلاة حتى نزلت { وإنا لنحن الصافون }
~~وأخرج مسلم عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض
~~مسجدا وجعلت لنا ترتبها طهورا إذا لم نجد الماء "

# وأخرج هو أيضا وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن جابر بن سمرة قال قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ms09098 ربهم "

# وهذه الأخبار ونحوها ترجح التفسير الأول.

### || [37.166]

# أي المنزهون الله تعالى عما لا يليق به سبحانه ويدخل فيه ما نسبه إليه
~~تعالى الكفرة، وقيل: أي القائلون سبحان الله. وأخرج عبد بن حميد وغيره عن
~~قتادة أنه قال: المسبحون أي المصلون ويقتضيه ما روي عن ابن عباس أن كل
~~تسبيح في القرآن بمعنى الصلاة، والظاهر ما تقدم، ولعل الأول إشارة إلى
~~مزيد أدبهم الظاهر مع ربهم عز وجل والثاني إشارة إلى كمال عرفانهم به
~~سبحانه، وقال ناصر الدين: لعل الأول إشارة إلى درجاتهم في الطاعة وهذا في
~~المعارف، وما في (إن) واللام وتوسيط الفصل من التأكيد والاختصاص لأنهم
~~المواظبون على ذلك دائما من غير فترة وخواص البشر لا تخلو من الاشتغال
~~بالمعاش، ولعل الكلام لا يخلو عن تعريض بالكفرة.

# والظاهر أن الآيات الثلاث أعني قوله تعالى:

# وما منا

# [الصافات: 164] إلى هنا نزلت كما نزلت أخواتها. وعن هبة الله المفسر
~~أنها نزلت لا في الأرض ولا في السماء وعد معها آيتين من آخر سورة البقرة
~~وآية من الزخرف [45]

# واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا

# الآية قال ابن العربي: ولعله أراد في الفضاء بين السماء والأرض. وقال
~~الجلال السيوطي: لم أقف على مستند لما ذكره إلا آخر البقرة فيمكن أن
~~يستدل له بما أخرجه مسلم عن ابن مسعود " لما أسري برسول الله صلى الله
~~عليه وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى " الحديث وفيه " فأعطي الصلوات الخمس
~~وأعطي خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك من أمته بالله شيئا المقحمات
~~" انتهى فلا تغفل.

### || [37.167]

# إن هي المخففة واللام هي الفارقة والضمير لكفار قريش كانوا يقولون قبل
~~مبعث النبي صلى الله عليه وسلم.

### || [37.168]

# أي كتابا من جنس الكتب التي نزلت عليهم ومثلها في كونه من عند الله
~~تعالى.

### || [37.169]

# لأخلصنا العبادة له تعالى ولكنا أهدى منهم.

### || [37.170]

# والفاء في قوله تعالى: { فكفروا به } فصيحة مثلها في قوله تعالى:

# أن اضرب بعصاك البحر فانفلق

# [الشعراء: 63] أي فجاءهم ذكر وأي ذكر سيد الأذكار وكتاب مهيمن ms09099 على سائر
~~الكتب والأخبار فكفروا به { فسوف يعلمون } أي عاقبة كفرهم وما
~~يحل بهم من الانتقام، وقيل أريد بالذكر العلم أي لو أن عندنا علما من
~~الذين تقدموا وما فعل الله تعالى بهم بعد أن ماتوا هل أثابهم أم عذبهم
~~لأخلصنا العبادة له تعالى فجاءهم ذلك في القرآن العظيم فكفروا به، ولا
~~يخفى بعده.

### || [37.171]

# استئناف مقرر للوعيد وتصديره بالقسم لغاية الاعتناء بتحقيق مضمونه أي
~~وبالله لقد سبق وعدنا لهم بالنصرة والغلبة وهو قوله تعالى: { إنهم
~~لهم المنصورون... }.

### || [37.172-173]

# فيكون تفسيرا أو بدلا من { كلمتنا } وجوز أن يكون مستأنفا
~~والوعد ما في محل آخر من قوله تعالى:

# لأغلبن أنا ورسلى

# [المجادلة: 21] والأول أظهر. والمراد بالجند اتباع المرسلين وأضافهم/
~~إليه تعالى تشريفا لهم وتنويها بهم، وقال بعض الأجلة: هو تعميم بعد
~~تخصيص وفيه من التأكيد ما فيه، والمراد عند السدي بالنصرة والغلبة ما كان
~~بالحجة، وقال الحسن: المراد النصرة والغلبة في الحرب فإنه لم يقتل نبي
~~من الأنبياء في الحرب وإنما قتل من قتل منهم غيلة أو على وجه آخر في غير
~~الحرب وإن مات نبي قبل النصرة أو قتل فقد أجرى الله تعالى أن ينصر قومه
~~من بعده فيكون في نصرة قومه نصرة له، وقريب منه ما قيل إن القصرين
~~باعتبار عاقبة الحال وملاحظة المآل، وقال ناصر الدين: هما باعتبار الغالب
~~والمقضي بالذات لأن الخير هو مراده تعالى بالذات وغيره مقضي بالتبع لحكمة
~~وغرض آخر أو للاستحقاق بما صدر من العباد، ولذا قيل بيده الخير ولم يذكر
~~الشر مع أن الكل من عنده عز وجل، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إن
~~لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة، وظاهر السياق يقتضي أن ذلك في
~~الدنيا وأنه بطريق القهر والاستيلاء والنيل من الأعداء أما بقتلهم أو
~~تشريدهم أو إجلائهم عن أوطانهم أو استئسارهم أو نحو ذلك، والجملتان
~~دالتان على الثبات والاستمرار فلا بد من أن يقال: إن استمرار ذلك عرفي،
~~وقيل: هو على ظاهره واستمرار الغلبة للجند مشروط بما ms09100 تشعر به الإضافة فلا
~~يغلب اتباع المرسلين في حرب إلا لإخلالهم بما تشعر به بميل ما إلى الدنيا
~~أو ضعف التوكل عليه تعالى أو نحو ذلك، ويكفي في نصرة المرسلين إعلاء
~~كلمتهم وتعجيز الخلق عن معارضتهم وحفظهم من القتل في الحروب ومن الفرار
~~فيها ولو عظمت هنالك الكروب فافهم. ولا يخفى وجه التعبير بمنصورون مع
~~المرسلين وبالغالبون مع الجند فلا تغفل. وسمى الله عز وجل وعده بذلك كلمة
~~وهي كلمات لأنها لما اجتمعت وتضامنت وارتبطت غاية الارتباط صارت في حكم
~~شيء واحد فيكون ذلك من باب الاستعارة، والمشهور أن إطلاق الكلمة على
~~الكلام مجاز مرسل من إطلاق الجزء على الكل، وقال بعض العلماء: إنه حقيقة
~~لغوية واختصاص الكلمة بالمفرد اصطلاح لأهل العربية فعليه لا يحتاج إلى
~~التأويل.

# وقرأ الضحاك { كلماتنا } بالجمع، ويجوز أن يراد عليها وعودنا فتفطن، وفي
~~قراءة ابن مسعود { على عبادنا } على تضمين { سبقت } معنى حقت

### || [37.174]

# { فتول عنهم } فأعرض عنهم واصبر { حتى حين } إلى وقت
~~انتهاء مدة الكف عن القتال، وعن السدي إلى يوم بدر ورجحه الطبري وقيل:
~~إلى يوم الفتح وكان قبله مهادنة الحديبية، وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة
~~أنه قال: إلى يوم موتهم وحكاه الطبرسي عن ابن عباس أيضا، وقال ابن زيد:
~~إلى يوم القيامة، وهو والذي قبله ظاهران في عدم اختصاص النصرة بما كان في
~~الدنيا.

### || [37.175]

# { وأبصرهم } وهم حينئذ على أسوأ حال وأفظع نكال قد حل بهم ما
~~حل من الأسر والقتل أو أبصر بلاءهم على أن الكلام على حذف مضاف، والأمر
~~بمشاهدة ذلك وهو غير واقع للدلالة على أنه لشدة قربه كأنه حاضر قدامه
~~وبين يديه مشاهد خصوصا إذا قيل إن الأمر للحال أو الفور.

# { فسوف يبصرون } ما يكون لك من التأييد والنصر، وقيل: المعنى
~~أبصر ما يكون عليهم يوم القيامة من العذاب فسوف يبصرون ما يكون لك من
~~مزيد الثواب، وسوف للوعيد لا للتسويف والتبعيد الذي هو حقيقتها وقرب ما
~~حل بهم مستلزم لقرب ما يكون له عليه الصلاة والسلام ms09101 فهو قرينة على عدم
~~إرادة التبعيد منه.

### || [37.176]

# { أفبعذابنا يستعجلون } استفهام توبيخ أخرج جويبر عن ابن
~~عباس قال قالوا يا محمد أرنا العذاب الذي تخوفنا به وعجلنه لنا فنزلت،
~~وروي أنه لما نزل { فسوف يبصرون } قالوا متى هذا؟ فنزلت.

### || [37.177]

# { فإذا نزل } أي العذاب الموعود/ { بساحتهم } وهي العرصة
~~الواسعة عند الدور والمكان الواسع مطلقا وتجمع على سوح قال الشاعر:

# فكان سيان أن لا يسرحوا نعما

# أو يسرحوه بها واغبرت السوح

# وفي الضمير استعارة مكنية شبه العذاب بجيش يهجم على قوم وهم في ديارهم
~~بغتة فيحل بها والنزول تخييل. وقرأ ابن مسعود { نزل } بالتخفيف والبناء
~~للمجهول وهو لازم فالجار والمجرور نائب الفاعل، وقرىء (نزل) بالتشديد
~~والبناء للمجهول أيضا وهو متعد فنائب الفاعل ضمير العذاب.

# { فساء صباح المنذرين } أي فبئس صباح المنذرين صباحهم على أن
~~ساء بمعنى بئس وبها قرأ عبد الله والمخصوص بالذم محذوف واللام في
~~(المنذرين) للجنس لا للعهد لاشتراطهم الشيوع فيما بعد فعلى الذم والمدح
~~ليكون التفسير بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال ولو كان ساء بمعنى قبح
~~على أصله جاز اعتبار العهد من غير تقدير. والصباح مستعار لوقت نزول
~~العذاب أي وقت كان من صباح الجيش المبيت للعدو وهو السائر إليه ليلا
~~ليهجم عليه وهو في غفلته صباحا، وكثيرا ما يسمون الغارة صباحا لما
~~أنها في الأعم الأغلب تقع فيه، وهو مجاز مرسل أطلق فيه الزمان وأريد ما
~~وقع فيه كما يقال أيام العرب لوقائعهم. وجوز حمل الصباح هنا على ذلك.

# وفي «الكشاف» مثل العذاب النازل بهم بعد ما أنذروه فأنكروه بجيش أنذر
~~بهجومه قوما بعض نصاحهم فلم يلتفتوا إلى إنذاره ولا أخذوا اهبتهم ولا
~~دبروا أمرهم تدبيرا ينجيهم حتى أناخ بفنائهم بغتة فشن عليهم الغارة وقطع
~~دابرهم، وكانت عادة مغاويرهم أصباحا فسميت الغارة صباحا وإن وقعت في
~~وقت آخر؛ وما فصحت هذه الآية ولا كانت لها الروعة التي يحس بها ويروقك
~~موردها على نفسك وطبعك إلا لمجيئها على طريقة التمثيل انتهى، وظاهره أن
~~الكلام على الاستعارة التمثيلية وفضلها ms09102 على غيرها أشهر من أن يذكر وأجل
~~من أن ينكر.

# وقيل: ضمير (نزل) للنبي صلى الله عليه وسلم ويراد حينئذ نزوله يوم
~~الفتح لا يوم بدر لأنه ليس بساحتهم إلا على تأويل ولا بخيبر لقوله صلى
~~الله عليه وسلم حين صبيحها:

# " الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين "

# لأن تلاوته عليه الصلاة والسلام ثمت لاستشهاده بها والكلام هنا مع
~~المشركين، ولا يخفى بعد رجوع الضمير إليه عليه الصلاة والسلام

### || [37.178-179]

# تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم إثر تسلية وتأكيد لوقوع الميعاد غب
~~تأكيد مع ما في إطلاق الفعلين عن المفعول من الإيذان ظاهرا بأن ما يبصره
~~عليه الصلاة والسلام حينئذ من فنون المسار وما يبصرونه من فنون المضار
~~لا يحيط به الوصف والبيان، وجوز أن يراد بما تقدم عذاب الدنيا وبهذا عذاب
~~الآخرة.

### || [37.180]

# تنزيه لله تعالى شأنه عن كل ما يصفه المشركون به مما لا يليق بجناب
~~كبريائه وجبروته مما حكى عنهم في السورة الكريمة وما لم يحك من الأمور
~~التي من جملتها ترك إنجاز الموعود على موجب كلمته تعالى السابقة لا سيما
~~في حق الرسول صلى الله عليه وسلم كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية
~~المعربة عن التربية والتكميل والمالكية الكلية مع الإضافة إلى ضميره عليه
~~الصلاة والسلام أولا وإلى العزة ثانيا كأنه قيل: سبحان من هو مربيك
~~ومكملك ومالك العزة والغلبة على الإطلاق عما يصفه المشركون به من الأشياء
~~التي منها ترك نصرتك عليهم كما يدل عليه استعجالهم/ بالعذاب. ومعنى ملكه
~~تعالى العزة على الإطلاق أنه ما من عزة لأحد من الملوك وغيرهم إلا وهو عز
~~وجل مالكها. وقال الزمخشري: أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه تعالى بها كأنه
~~قيل ذو العزة كما تقول صاحب صدق لاختصاصه بالصدق. ثم ذكر جواز إرادة
~~المعنى الذي ذكرناه، والفرق أن الإضافة على ما ذكرنا على أنه سبحانه
~~المعز وعلى الآخر على أنه عز وجل العزيز بنفسه، ولكل وجه من المبالغة خلا
~~عنه الآخر وقوله تعالى: ms09103 { وسلام على المرسلين }.

### || [37.181]

# تشريف للرسل كلهم بعد تنزيهه تعالى عما ذكر وتنويه بشأنهم وإيذان بأنهم
~~سالمون عن كل المكاره فائزون بكل المآرب وقوله سبحانه: { والحمد
~~لله رب العالمين }.

### || [37.182]

# إشارة إلى وصفه تعالى بصفاته الكريمة الثبوتية بعد التنبيه على اتصافه
~~عز وجل بجميع صفاته السلبية وإيذان باستتباعها للأفعال الحميدة التي من
~~جملتها إفاضته تعالى على المرسلين من فنون الكرامات السنية والكمالات
~~الدينية والدنيوية وإسباغه جل وعلا عليهم وعلى من تبعهم من صنوف النعماء
~~الظاهرة والباطنة الموجبة لحمده تعالى وإشعار بأن ما وعده عليه السلام من
~~النصرة والغلبة قد تحقق، والمراد تنبيه المؤمنين على كيفية تسبيحه سبحانه
~~وتحميده والتسليم على رسله عليهم السلام الذين هم وسائط بينه تعالى
~~وبينهم في فيضان الكمالات مطلقا عليهم. وهو ظاهر في عدم كراهة إفراد
~~السلام عليهم، ولعل توسيط التسليم على المرسلين بين تسبيحه تعالى وتحميده
~~لختم السورة الكريمة بحمده تعالى مع ما فيه من الإشعار بأن توفيقه تعالى
~~للتسليم عليهم من جملة نعمه تعالى الموجبة للحمد كذا في " إرشاد العقل
~~السليم ".

# وقد يقال: تقديم التنزيه لأهميته ذاتا ومقاما، ولما كان التنزيه عما
~~يصف المشركون وقد ذكر عز وجل إرشاد الرسل إياهم وتحذيرهم لهم من أن يصفوه
~~سبحانه بما لا يليق به تعالى وضمن ذلك الإشارة إلى سوء حالهم وفظاعة
~~منقلبهم أردف جل وعلا ذلك بالإشارة إلى حسن حال المرسلين الداعين إلى
~~تنزيهه تعالى عما يصفه به المشركون، وفيه من الاهتمام بأمر التنزيه ما
~~فيه، وأتى عز وجل بالحمد للإشارة إلى أنه سبحانه متصف بالصفات الثبوتية
~~كما أنه سبحانه متصف بالصفات السلبية وهذا وإن استدعى إيقاع الحمد بعد
~~التسبيح بلا فصل كما في قولهم سبحان الله والحمد لله وهو المذكور في
~~الأخبار والمشهور في الأذكار إلا أن الفصل بينهما هنا بالسلام على
~~المرسلين مما اقتضاه مقام ذكرهم فيما مر وجدد الالتفات إليهم تقديم
~~التنزيه عما يصفه به من يرسلون إليه، ولعل من يدقق النظر يرى أن السلام
~~هنا أهم من الحمد نظرا للمقام وإن كان ms09104 هو أهم منه ذاتا والأهمية بالنظر
~~للمقام أولى بالاعتبار عندهم ولذا تراهم يقدمون المفضول على الفاضل إذا
~~اقتضى المقام الاعتناء به، ولعله من تتمة جملة التسبيح وبهذا ينحل ما
~~يقال من أن حمده تعالى أجل من السلام على الرسل عليهم السلام فكان ينبغي
~~تقديمه عليه على ما هو المنهج المعروف في الكتب والخطب، ولا يحتاج إلى ما
~~قيل: إن المراد بالحمد هنا الشكر على النعم وهي الباعثة عليه ومن أجلها
~~إرسال الرسل الذي هو وسيلة لخيري الدارين فقدم عليه لأن الباعث على الشيء
~~يتقدم عليه في الوجود وإن كان هو متقدما على الباعث في الرتبة فتدبر.

# وهذه الآية من الجوامع والكوامل ووقوعها في موقعها هذا ينادي بلسان ذلق
~~أنه كلام من له الكبرياء ومنه العزة جل جلاله وعم نواله.

# وقد أخرج الخطيب عن أبي سعيد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~يقول بعد أن يسلم: { سبحان ربك رب العزة عما
~~يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب
~~العلمين }. وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم عن رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم قال: من قال دبر كل صلاة

# " سبحان رب رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب
~~العالمين ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر "

# وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى من
~~الأجر يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم سبحان ربك رب العزة
~~"

# إلى آخر السورة، وأخرجه البغوي من وجه آخر متصل عن علي كرم الله تعالى
~~وجهه موقوفا، وجاء في ختم المجلس بالتسبيح غير هذا ولعله أصح منه، فقد
~~أخرج أبو داود عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا
~~كفر بهن عنه ولا يقولهن في مجلس خير وذكر إلا ختم له بهن عليه كما يختم
~~بخاتم على ms09105 الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب
~~إليك» لكن المشهور اليوم بين الناس أنهم يقرؤون عند ختم مجلس القراءة أو
~~الذكر أو نحوهما الآية المذكورة { سبحن ربك رب العزة
~~عما يصفون * وسلم على المرسلين * والحمد
~~لله رب العلمين }.

# ومن باب الإشارة في الآيات ما قالوا:

# والصفت صفا

# [الصافات: 1] هي الأرواح الكاملة المكملة من الصف الأول وهو صف الأنبياء
~~عليهم السلام والصف الثاني وهو صف الأصفياء

# فالزجرت زجرا

# [الصافات: 2] عن الكفر والفسوق بالحجج والنصائح والهمم القدسية

# فالتليت ذكرا

# [الصافات: 3] آيات الله تعالى وشرائعه عز وجل، وقيل الصافات جماعة
~~الملائكة المهيمين والزاجرات جماعة الملائكة الزاجرين للأجرام العلوية
~~والأجسام السفلية بالتدبير والتاليات جماعة الملائكة التالية آيات الله
~~تعالى وجلايا قدسه على أنبيائه وأوليائه، وتنزل الملائكة على الأولياء
~~مما قال به الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم وقد نطق بأصل التنزل عليهم
~~قوله تعالى:

# إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقموا
~~تتنزل عليهم الملئكة ألا تخافوا ولا
~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون

# [فصلت: 30] وقد يطلقون على بعض الأولياء أنبياء الأولياء.

# قال الشعراوي في " رسالة الفتح في تأويل ما صدر عن الكمل من الشطح ":
~~أنبياء الأولياء هم كل ولي أقامه الحق تعالى في تجل من مظهر تجلياته
~~وأقام له محمد صلى الله عليه وسلم ومظهر جبريل عليه السلام فاسمعه ذلك
~~المظهر الروحاني خطاب الأحكام المشروعة لمظهر محمد صلى الله عليه وسلم
~~حتى إذا فرغ من خطابه وفزع عن قلب هذا الولي عقل صاحب هذا المشهد جميع ما
~~تضمنه ذلك الخطاب من الأحكام المشروعة الظاهرة في هذه الأمة المحمدية
~~فيأخذها هذا الولي كما أخذها المظهر المحمدي فيرد إلى حسه وقد وعى ما
~~خاطب الروح به مظهر محمد صلى الله عليه وسلم وعلم صحته علم يقين بل عين
~~يقين فمثل هذا يعمل بما شاء من الأحاديث لا التفات له إلى تصحيح غيره أو
~~تضعيفه فقد يكون ما قال بعض المحدثين بأنه صحيح لم يقله النبي عليه
~~الصلاة والسلام وقد يكون ما قالوا فيه إنه ms09106 ضعيف سمعه هذا الولي من الروح
~~الأمين يلقيه على حقيقة محمد صلى الله عليه وسلم كما سمع بعض الصحابة
~~حديث جبريل في بيان الإسلام والإيمان والإحسان فهؤلاء هم أنبياء الأولياء
~~ولا ينفردون قط بشريعة ولا يكون لهم خطاب بها إلا بتعريف أن هذا هو شرع
~~محمد عليه الصلاة والسلام أو يشاهدن المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم
~~في حضرة التمثل الخارج عن ذاتهم والداخل المعبر/ عنه بالمبشرات في حق
~~النائم غير أن الولي يشترك مع النبي في إدراك ما تدركه العامة في النوم
~~في حال اليقظة فهؤلاء في هذه الأمة كالأنبياء في بني إسرائيل على مرتبة
~~تعبد هارون بشريعة موسى مع كونه نبيا وهم الذين يحفظون الشريعة الصحيحة
~~التي لا شك فيها على أنفسهم وعلى هذه الأمة فهم أعلم الناس بالشرع غير أن
~~غالب علماء الشريعة لا يسلمون لهم ذلك وهم لا يلزمهم إقامة الدليل على
~~صدقهم لأنهم ليسوا مشرعين فهم حفاظ الحال النبوي والعلم اللدني والسر
~~الإلهي وغيرهم حفاظ الأحكام الظاهرة، وقد بسطنا الكلام على ذلك في "
~~الميزان " اه.

# وقال بعيد هذا في رسالته المذكورة: اعلم أن بعض العلماء أنكروا نزول
~~الملك على قلب غير النبي صلى الله عليه وسلم لعدم ذوقه له، والحق أنه
~~ينزل ولكن بشريعة نبيه صلى الله عليه وسلم فالخلاف إنما ينبغي أن يكون
~~فيما ينزل به الملك لا في نزول الملك وإذا نزل على غير نبي لا يظهر له
~~حال الكلام أبدا إنما يسمع كلامه ولا يرى شخصه أو يرى شخصه من غير كلام
~~فلا يجمع بين الكلام والرؤية إلا نبي والسلام اه، وقد تقدم لك طرف من
~~الكلام في رؤية الملك فتذكر.

# إن إلهكم لواحد

# [الصافات: 4] إخبار بذلك ليعلموه ولا يتخذوا من دونه تعالى آلهة من
~~الدنيا والهوى والشيطان، ومعنى كونه عز وجل واحدا تفرده في الذات
~~والصفات والأفعال وعدم شركة أحد معه سبحانه في شيء من الأشياء، وطبقوا
~~أكثر الآيات بعد على ما في الأنفس، وقيل في قوله تعالى:

# وقفوهم إنهم ms09107 مسئولون

# [الصافات: 24] فيه إشارة إلى أن للسالك في كل مقام وقفة تناسب ذلك
~~المقام وهو مسؤول عن أداء حقوق ذلك المقام فإن خرج عن عهدة جوابه أذن له
~~بالعبور وإلا بقي موقوفا رهينا بأحواله إلى أن يؤدي حقوقه، وكذا طبقوا
~~ما جاء من قصص المرسلين بعد على ما في الأنفس، وقيل في قوله تعالى:

# وما منا إلا له مقام معلوم

# [الصافات: 164] يشير إلى أن الملك لا يتعدى مقامه إلى ما فوقه ولا يهبط
~~عنه إلى ما دونه وهذا بخلاف نوع الإنسان فإن من أفراده من سار إلى مقام
~~قاب قوسين بل طار إلى منزل أو أدنى وجر هناك مطارف

# فأوحى إلى عبده ما أوحى

# [النجم: 10] ومنها من هوى إلى أسفل سافلين وانحط إلى قعر سجين

# واتل عليهم نبأ الذى ءاتينه ءايتنا
~~فانسلخ منها فأتبعه الشيطن فكان من
~~الغاوين

# [الأعراف: 175] وقد ذكروا أن الإنسان قد يترقى حتى يصل إلى مقام الملك
~~فيعبره إلى مقام قرب النوافل ومقام قرب الفرائض وقد يهبط إلى درك
~~البهيمية فما دونها

# أولئك كالانعم بل هم أضل

# [الأعراف: 179] نسأل الله تعالى أن يرقينا إلى مقام يرضاه ويرزقنا رضاه
~~يوم لقاه وأن يجعلنا من جنده الغالبين وعباده المخلصين بحرمة سيد
~~المرسلين صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين وسلام على المرسلين
~~والحمد لله رب العالمين.

### | [38 - سورة ص]

### || [38.1]

# { ص } بالسكون على الوقف عند الجمهور، وقرأ أبي والحسن وابن أبي إسحق
~~وأبو السمال وابن أبي عبلة ونصر بن عاصم { صاد } بكسر الدال؛ والظاهر
~~أنه كسر لالتقاء الساكنين وهو حرف من حروف المعجم نحو { ق } و { ن }.
~~وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه أمر من صادي أي عارض، ومنه الصدى وهو ما
~~يعارض الصوت الأول ويقابله بمثله في الأماكن الخالية والأجسام الصلبة
~~العالية، والمعنى عارض القرآن بعملك أي إعمل بأوامره ونواهيه، وقال عبد
~~الوهاب: أي أعرضه على عملك فانظر أين عملك من القرآن، وقيل هو أمر من
~~صادى أي حادث، والمعنى حادث القرآن، وهو رواية عن الحسن أيضا ms09108 وله قرب من
~~الأول.

# وقرأ عيسى ومحبوب عن أبي عمرو وفرقة { صاد } بفتح الدال، وكذا قرؤا قاف
~~ونون بالفتح فيهما فقيل هو لالتقاء الساكنين أيضا طلبا للخفة، وقيل هو
~~حركة إعراب على أن { صاد } منصوب بفعل مضمر أي اذكر أو اقرأ صاد أو بفعل
~~القسم بعد نزع الخافض لما فيه من معنى التعظيم المتعدي بنفسه نحو الله
~~لأفعلن أو مجرور بإضمار حرف القسم، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث
~~بناء على أنه علم للسورة، وقد ذكر الشريف أنه إذا اشتهر مسمى بإطلاق لفظ
~~عليه يلاحظ المسمى في ضمن ذلك اللفظ وأنه بهذا الاعتبار يصح اعتبار
~~التأنيث في الاسم.

# وقرأ ابن أبي إسحق في رواية { صاد } بالجر والتنوين، وذلك إما لأن
~~الثلاثي الساكن الوسط يجوز صرفه بل قيل إنه الأرجح، وإما لاعتبار ذلك
~~اسما للقرآن كما هو أحد الاحتمالات فيه فلم يتحقق فيه العلتان فوجب
~~صرفه، والقول بأن ذاك لكونه علما لمعنى السورة لا للفظها فلا تأنيث فيه
~~مع العلمية ليكون هناك علتان لا يخلو عن دغدغة.

# وقرأ ابن السميفع وهارون الأعور والحسن في رواية { صاد } بضم الدال،
~~وكأنه اعتبر اسما للسورة وجعل خبر مبتدأ محذوف أي هذه صاد. ولهم في
~~معناه غير متقيدين بقراءة الجمهور اختلاف كأضرابه من أوائل السور، فأخرج
~~عبد بن حميد عن أبي صالح قال: سئل جابر بن عبد الله وابن عباس عن { ص }
~~فقالا: ما ندري ما هو، وهو مذهب كثير في نظائره، وقال عكرمة: سأل نافع بن
~~الأزرق عبد الله بن عباس عن { ص } فقال: ص كان بحرا بمكة وكان عليه عرش
~~الرحمن إذ لا ليل ولا نهار. وقال ابن جبير: هو بحر يحيي الله تعالى به
~~الموتى بين النفختين، والله تعالى أعلم بصحة هذين الخبرين. وأخرج ابن
~~جرير عن الضحاك قال { ص } صدق الله، وأخرج ابن مردويه عنه أنه قال: { ص
~~} يقول إني أنا الله الصادق، وقال محمد ابن كعب القرظي: هو مفتاح أسماء
~~الله تعالى (صمد وصانع المصنوعات وصادق الوعد).

# وقيل هو إشارة ms09109 إلى صدود الكفار عن القرآن، وقيل حرف مسرود على منهاج
~~التحدي، وجنح إليه غير واحد من أرباب التحقيق، وقيل اسم للسورة وإليه ذهب
~~الخليل وسيبويه والأكثرون، وقيل اسم للقرآن وقيل غير ذلك باعتبار بعض
~~القراآت كما سمعت عن قريب.

# ومن الغرييب أن المعنى صاد محمد صلى الله عليه وسلم قلوب الخلق
~~واستمالها حتى آمنوا به، ولعل القائل به اعتبره فعلا ماضيا مفتوح الآخر
~~أو ساكنه للوقف، وأنا لا أقول به ولا أرتضيه وجها، وهو على بعض هذه
~~الأوجه لا حظ له من الإعراب، وعلى بعضها يجوز أن يكون مقسما به ومفعولا
~~لمضمر وخبر مبتدأ محذوف، وعلى بعضها يتعين كونه مقسما به، وعلى بعض ما
~~تقدم في القراءات يتأتى ما يتأتى مما لا يخفى عليك، وبالجملة إن لم يعتبر
~~مقسما به فالواو في قوله سبحانه: { والقرآن ذي الذكر } للقسم
~~وإن اعتبر/ مقسما به فهي للعطف عليه لكن إذا كان قسما منصوبا على
~~الحذف والإيصال يكون العطف عليه باعتبار المعنى والأصل، ثم المغايرة
~~بينهما قد تكون حقيقية كما إذا أريد بالقرآن كله و بص السورة أو بالعكس
~~أو أريد بص البحر الذي قيل به فيما مر وبالقرآن كله أو السورة، وقد تكون
~~اعتبارية كما إذا أريد بكل السورة أو القرآن على ما قيل، ولا يخفى ما
~~تقتضيه الجزالة الخالية عن التكلف. وضعف جعل الواو للقسم أيضا بناء على
~~قول جمع أن توارد قسمين على مقسم عليه واحد ضعيف.

# والذكر كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس الشرف ومنه قوله تعالى:

# وإنه لذكر لك ولقومك

# [الزخرف: 44] أو الذكرى والموعظة للناس على ما روي عن قتادة والضحاك، أو
~~ذكر ما يحتاج إليه في أمر الدين من الشرائع والأحكام وغيرها من أقاصيص
~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأخبار الأمم الدارجة والوعد والوعيد على
~~ما قيل. وجواب القسم قيل مذكور فقال الكوفيون والزجاج: هو قوله تعالى:

# إن ذلك لحق تخاصم أهل النار

# [ص: 64] وتعقبه الفراء بقوله: لا نجده مستقيما لتأخر ذلك جدا عن
~~القسم، وقال الأخفش هو ms09110

# إن كل إلا كذب الرسل

# [ص: 14] وقال قوم:

# كم أهلكنا من قبلهم من قرن

# [ص: 6] وحذفت اللام أي لكم لما طال الكلام كما حذفت من

# قد أفلح

# [الشمس: 9] بعد قوله تعالى:

# والشمس

# [الشمس: 1] حكاه الفراء وثعلب، وتعقبه الطبرسي بأنه غلط لأن اللام لا
~~تدخل على المفعول و { كم } مفعول. وقال أبو حيان: إن هذه الأقوال يجب
~~إطراحها.

# ونقل السمرقندي عن بعضهم أنه

# بل الذين كفروا

# [ص: 2] الخ فإن { بل } لنفي ما قبله وإثبات ما بعده فمعناه ليس الذين
~~كفروا إلا في عزة وشقاق.

# وجوز أن يريد هذا القائل أن { بل } زائدة في الجواب أو ربط بها الجواب
~~لتجريدها لمعنى الإثبات. وقيل هو صاد إذ معناه صدق الله تعالى أو صدق
~~محمد صلى الله عليه وسلم ونسب ذلك إلى الفراء وثعلب، وهو مبني على جواز
~~تقدم جواب القسم واعتقاد أن { ص } تدل على ما ذكر، ومع هذا في كون ص
~~نفسه هو الجواب خفاء، وقيل هو جملة هذه صاد على معنى السورة التي أعجزت
~~العرب فكأنه قيل: هذه السورة التي أعجزت العرب والقرآن ذي الذكر وهذا كما
~~تقول: هذا حاتم والله تريد هذا هو المشهور بالسخاء والله، وهو مبني على
~~جواز التقدم أيضا، وقيل هو محذوف فقدره الحوفي لقد جاءكم الحق ونحوه،
~~وابن عطية ما الأمر كما تزعمون ونحوه، وقدره بعض المحققين ما كفر من كفر
~~لخلل وجده ودل عليه بقوله تعالى: { بل الذين } الخ، وآخر إنه لمعجز
~~ودل عليه ما في { ص } من الدلالة على التحدي بناء على أنه اسم حرف من
~~حروف المعجم ذكر على سبيل التحدي والتنبيه على الإعجاز أو ما في أقسم بص
~~أو هذه ص من الدلالة على ذلك بناء على أنه اسم للسورة أو أنه لواجب العمل
~~به دل عليه { ص } بناء على كونه أمرا من المصاداة، وقدره بعضهم غير
~~ذلك، وفي «البحر» ينبغي أن يقدر هنا ما أثبت جوابا للقسم بالقرآن في
~~قوله تعالى:

# يس * والقرءان الحكيم * إنك لمن المرسلين

# [يس:1-3].

# ويقوي هذا التقدير ms09111 ذكر النذارة هنا في قوله تعالى:

# وعجبوا أن جاءهم منذر منهم

# [ص: 4] وهناك في قوله سبحانه:

# لتنذر قوما

# [يس: 6] فالرسالة تتضمن النذارة والبشارة.

# وجعل بل في قوله تعالى: { بل الذين كفروا فى عزة
~~وشقاق }.

### || [38.2]

# للانتقال من هذا القسم والمقسم عليه إلى ذكر حال تعزز الكفار ومشاقتهم
~~في قبولهم رسالته صلى الله عليه وسلم وامتثال ما جاء به وهي كذلك على
~~كثير من الوجوه السابقة، وقد تجعل على بعضها للإضراب عن الجواب بأن يقال
~~مثلا: إنه لمعجز بل الذين كفروا في استكبار من الإذعان لإعجازه أو هذه
~~السورة التي/ أعجزت العرب بل الذين كفروا لا يذعنون، وجعلها بعضهم
~~للإضراب عما يفهم مما ذكر ونحوه من أن من كفر لم يكفر لخلل فيه فكأنه
~~قيل: من كفر لم يكفر لخلل فيه بل كفر تكبرا عن اتباع الحق وعنادا، وهو
~~أظهر من جعل ذلك إضرابا عن صريحه، وإن قدر نحو هذا المفهوم جوابا
~~فالإضراب عنه قطعا. وفي «الكشف» عد هذا الإضراب من قبيل الإضراب المعنوي
~~على نحو زيد عفيف عالم بل قومه استخفوا به على الإضراب عما يلزم الأوصاف
~~من التعظيم كما نقل عن بعضهم عدول عن الظاهر، ويمكن أن يكون الجواب الذي
~~عنه الإضراب ما أنت بمقصر في تذكير الذين كفروا وإظهار الحق لهم، ويشعر
~~به الآيات بعد وسبب النزول الآتي ذكره إن شاء الله تعالى فكأنه قيل ص
~~والقرآن ذي الذكر ما أنت بمقصر في تذكير الذين كفروا وإظهار الحق لهم بل
~~الذين كفروا مقصرون في اتباعك والاعتراف بالحق، ووجه دلالة ما في النظم
~~الجليل على قولنا بل الذين كفروا مقصرون الخ ظاهر، وهذه عدة احتمالات بين
~~يديك وإليك أمر الاختيار والسلام عليك.

# والمراد بالعزة ما يظهرونه من الاستكبار عن الحق لا العزة الحقيقية
~~فإنها لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وأصل الشقاق
~~المخالفة وكونك في شق غير شق صاحبك أو من شق العصا بينك وبينه، والمراد
~~مخالفة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، والتنكير للدلالة على ms09112
~~شدتهما، والتعبير بفي على استغراقهم فيهما.

# وقرأ حماد بن الزبرقان وسورة عن الكسائي وميمونة عن أبي جعفر والجحدري
~~من طريق العقيلي { في غرة } بالغين المعجمة المكسورة والراء المهملة أي
~~في غفلة عظيمة عما يجب عليهم من النظر فيه، ونقل عن ابن الأنباري أنه قال
~~في كتاب " الرد على من خالف الإمام ": إنه قرأ بها رجل وقال: إنها أنسب
~~بالشقاق وهو القتال بجد واجتهاد وهذه القراءة افتراء على الله تعالى اه
~~وفيه ما فيه.

### || [38.3]

# { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } وعيد لهم على كفرهم
~~واستكبارهم ببيان ما أصاب أضرابهم. و { كم } مفعول { أهلكنا } و {
~~من قرن } تمييز، والمعنى، قرنا كثيرا أهلكنا من القرون الخالية {
~~فنادوا } عند نزول بأسنا وحلول نقمتنا استغاثة لينجوا من ذلك، وقال
~~الحسن وقتادة: رفعوا أصواتهم بالتوبة حين عاينوا العذاب لينجوا منه {
~~ولات حين مناص } حال من ضمير { نادوا } والعائد مقدر وإن لم
~~يلزم أي مناصهم ولات هي لا المشبهة بليس عند سيبويه زيدت عليها تاء
~~التأنيث لتأكيد معناها وهو النفي لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى
~~أو لأن التاء تكون للمبالغة كما في علامة أو لتأكيد شبهها بليس بجعلها
~~على ثلاثة أحرف ساكنة الوسط، وقال الرضي: إنها لتأنيث الكلمة فتكون
~~فتأكيد التأنيث واختصت بلزوم الأحيان ولا يتعين لفظ الحين إلا عند بعض
~~وهو محجوج بسماع دخولها على مرادفه، وقول المتنبي:

# لقد تصبرت حتى لات مصطبر

# والآن أقحم حتى لات مقتحم

# وإن لم يهمنا أمره مخرج على ذلك بجعل المصطبر والمقتحم اسمي زمان أو
~~القول بأنها داخلة فيها على لفظ حين مقدر بعدها؛ والتزموا حذف أحد
~~الجزأين والغالب حذف المرفوع كما هنا على قراءة الجمهور أي ليس الحين حين
~~مناص، ومذهب الأخفش أنها لا النافية للجنس العاملة عمل إن زيدت عليها
~~التاء فحين مناص اسمها والخبر محذوف أي لهم، وقيل إنها لا النافية للفعل
~~زيدت عليها التاء ولا عمل لها أصلا فإن وليها مرفوع فمبتدأ حذف خبره أو
~~منصوب كما هنا فبعدها فعل مقدر عامل فيه ms09113 أي ولا ترى حين مناص.

# وقرأ أبو السمال { ولات حين } بضم التاء ورفع النون فعلى مذهب سيبويه {
~~حين } اسم { لات } والخبر محذوف أي ليس حين مناص حاصلا/ لهم، وعلى
~~القول الأخير مبتدأ خبره محذوف وكذا على مذهب الأخفش فإن من مذهبه كما في
~~«البحر» أنه إذا ارتفع ما بعدها فعلى الابتداء أي فلا حين مناص كائن لهم.
~~وقرأ عيسى بن عمر { ولات حين } بكسر التاء مع النون كما في قول المنذر بن
~~حرملة الطائي النصراني:

# طلبوا صلحنا ولات أوان

# فأجبنا أن لات حين بقاء

# وخرج ذلك إما على أن لات تجر الأحيان كما أن لولا تجر الضمائر كلولاك
~~ولولاه عند سيبويه، وإما على إضمار من كأنه قيل: لات من حين مناص ولات من
~~أوان صلح كما جروا بها مضمرة في قولهم على كم جذع بيتك أي من جذع في أصح
~~القولين، وقولهم:

# ألا رجل جزاه الله خيرا

# يريدون ألا من رجل، ويكون موضع من حين مناص رفعا على أنه اسم لات بمعنى
~~ليس كما تقول ليس من رجل قائما، والخبر محذوف على قول سيبويه وعلى أنه
~~مبتدأ والخبر محذوف على قول غيره، وخرج الأخفش ولات أوان على إضمار حين
~~أي ولات حين أوان صلح فحذفت حين وأبقى أوان على جره، وقيل: إن أوان في
~~البيت مبني على الكسر وهو مشبه بإذ في قول أبي ذؤيب:

# نهيتك عن طلابك أم عمرو

# بعاقبة وأنت إذ صحيح

# ووجه التشبيه أنه زمان قطع عنه المضاف إليه لأن الأصل أوان صلح وعوض
~~التنوين فكسر للالتقاء الساكنين لكونه مبنيا مثله فهما شبهان في أنهما
~~مبنيان مع وجود تنوين في آخرهما للعوض يوجب تحريك الآخر بالكسر وإن كان
~~سبب البناء في أوان دون إذ شبه الغايات حيث جعل زمانا قطع عنه المضاف
~~إليه وهو مراد وليس تنوين العوض مانعا عن الإلحاق بها فإنها تبنى إذا لم
~~يكن تنوين لأن علته الاحتياج إلى المحذوف كاحتياج الحرف إلى ما يتم به،
~~وهذا المعنى قائم نون أو لم ينون فإن ms09114 التنوين عوض لفظي لا معنوي فلا
~~تنافي بين التعويض والبناء لكن اتفق أنهم لم يعوضوا التنوين إلا في حال
~~إعرابها وكأن ذلك لئلا يتمحض للتعويض بل يكون فيها معنى التمكن أيضا فلا
~~منافاة، وثبت البناء فيما نحن فيه بدليل الكسر وكانت العلة التي في
~~الغايات قائمة فأحيل البناء عليها، واتفق أنهم عوضوا التنوين ههنا
~~تشبيها بإذ في أنها لما قطعت عن الإضافة نونت أو توفية لحق اللفظ لما
~~فات حق المعنى، وخرجت القراءة على حمل { مناص } على أوان في البيت
~~تنزيلا لما أضيف إليه الظرف وهو { حين } منزلة الظرف لأن المضاف والمضاف
~~إليه كشيء واحد فقدرت ظرفيته وهو قد كان مضافا إذ أصله مناصهم فقطع وصار
~~كأنه ظرف مبني مقطوع عن الإضافة منون لقطعه ثم بنى ما أضيف إليه وهو {
~~حين } على الكسر لإضافته إلى ما هو مبني فرضا وتقديرا وهو { مناص
~~} المشابه لأوان. وأورد عليه أن ما ذكر من الحمل لم يؤثر في المحمول نفسه
~~فكيف يؤثر فيما يضاف إليه على أن في تخريج الجر في البيت على ذلك ما فيه،
~~والعجب كل العجب ممن يرتضيه، وضم التاء على قراءة أبي السمال وكسرها على
~~قراءة عيسى للبناء، وروي عن عيسى { ولات حين } بالضم { مناص } بالفتح،
~~قال صاحب «اللوامح»: فإن صح ذلك فلعله بنى { حين } على الضم تشبيها
~~بالغايات وبنى { مناص } على الفتح مع { لات } وفي الكلام تقديم وتأخير أي
~~ولات مناص حين لكن لا إنما تعمل في النكرات المتصلة بها دون المنفصلة
~~عنها ولو بظرف، وقد يجوز أن يكون لذلك معنى لا أعرفه انتهى.

# وأهون من هذا فيما أرى كون { حين } معربا مضافا إلى { مناص }
~~والفتح لمجاورة واو العطف في قوله تعالى:

# وعجبوا

# [ص: 4] نظير فتح الراء من غير في قوله:

# / لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت

# حمامة في غصون ذات أو قال

# على قول والأغلب على الظن عدم صحة هذه القراءة. وقرأ عيسى أيضا كقراءة
~~الجمهور إلا أنه كسر تاء { لات } وعلم من هذه القراءات أن في ms09115 تائها ثلاث
~~لغات.

# واختلفوا في أمر الوقف عليها فقال سيبويه، والفراء وابن كيسان والزجاج:
~~يوقف عليها بالتاء، وقال الكسائي: والمبرد بالهاء، وقال أبو علي: ينبغي
~~أن لا يكون خلاف في أن الوقف بالتاء لأن قلب التاء هاء مخصوص بالأسماء؛
~~وزعم قوم أن التاء ليست ملحقة بلا وإنما هي مزيدة في أول ما بعدها
~~واختاره أبو عبيدة، وذكر أنه رأى في الإمام { ولا تحين مناص } برسم التاء
~~مخلوطا بأول حين، ولا يرد عليه أن خط المصحف خارج عن القياس الخطي إذ لم
~~يقع في الإمام في محل آخر مرسوما على خلاف ذلك حتى يقال ما هنا مخالف
~~للقياس والأصل اعتباره إلا فيما خصه الدليل، ومن هنا قال السخاوي في «شرح
~~الرائية» أنا أستحب الوقف على لا بعد ما شاهدته في مصحف عثمان رضي الله
~~تعالى عنه، وقد سمعناهم يقولون: اذهب تلان وتحين بدون لا وهو كثير في
~~النثر والنظم انتهى، ومنه قوله:

# العاطفون تحين لا من عاطف

# والمطعمون زمان ما من مطعم

# وكون أصله العاطفونه بهاء السكت فلما أثبتت في الدرج قلبت تاء مما لا
~~يصغى إليه، نعم الأولى اعتبار التاء مع لا لشهرة حين دون تحين، وقال
~~بعضهم: إن لات هي ليس بعينها وأصل ليس ليس بكسر الياء فأبدلت ألفا
~~لتحركها بعد فتحة وأبدلت السين تاء كما في ست فإن أصله سدس، وقيل: إنها
~~فعل ماض ولات بمعنى نقص وقل فاستعملت في النفي كقل وليس بالمعول عليه.
~~والمناص المنجا والفوت يقال: ناصه ينوصه إذا فاته، وقال الفراء: النوص
~~التأخر يقال ناص عن قرنه ينوص نوصا ومناصا أي فر وزاغ، ويقال استناص
~~طلب المناص قال حارثة بن بدر يصف فرسا له:

# غمر الجراء إذا قصرت عنانه

# بيدي استناص ورام جرى المسحل

# وعلى المعنى الأول حمله بعضهم هنا وقال: المعنى نادوا واستغاثوا طلبا
~~للنجاة والحال أن ليس الحين حين فوات ونجاة؛ وعن مجاهد تفسيره بالفراء،
~~وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: اخبرني عن قوله
~~تعالى: { ولات حين ms09116 مناص } فقال: ليس بحين فرار وأنشد له قول
~~الأعشى:

# تذكرت ليلى لات حين تذكر

# وقد بنت عنها والمناص بعيد

# وعن الكلبي أنه قال: كانوا إذا قاتلوا فاضطروا قال بعضهم لبعض: مناص أي
~~عليكم بالفرار فلما أتاهم العذاب قالوا: مناص فقال الله تعالى: { ولات
~~حين مناص } قال القشيري: فعلى هذا يكون التقدير فنادوا مناص فحذف
~~لدلالة ما بعده عليه أي ليس الوقت وقت ندائكم به، والظاهر أن الجملة على
~~هذا التفسير حالية أي نادوا بالفرار وليس الوقت وقت فرار، وقال أبو حيان
~~في تقرير الحالية: وهم لات حين مناص أي لهم، وقال الجرجاني: أي فنادوا
~~حين لا مناص أي ساعة لا منجا ولا فوت فلما قدم لا وأخر حين اقتضى ذلك
~~الواو كما يقتضي الحال إذا جعل مبتدأ وخبرا مثل جاء زيد راكبا ثم تقول
~~جاء زيد وهو راكب فحين ظرف لقوله تعالى: { فنادوا } انتهى.

# وكون الأصل ما ذكر أن { حين } ظرف لنادوا دعوى أعجمية مخالفة لذوق
~~الكلام العربي لا سيما ما هو أفصح الكلام ولا أدري ما الذي دعاه لذلك.

### || [38.4]

# { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم } حكاية لأباطيلهم
~~المتفرعة على ما حكى/ من استكبارهم وشقاقهم أي عجبوا من أن جاءهم رسول من
~~جنسهم أي بشر أو من نوعهم وهم معروفون بالأمية فيكون المعنى رسول أمي،
~~والمراد أنهم عدوا ذلك أمرا عجيبا خارجا عن احتمال الوقوع وأنكروه أشد
~~الإنكار لا أنهم اعتقدوا وقوعه وتعجبوا منه { وقال الكفرون }
~~وضع فيه الظاهر موضع الضمير غضبا عليهم وذما لهم وإيذانا بأنه لا
~~يتجاسر على مثل ما يقولون إلا المتوغلون في الكفر والفسوق { هذا
~~سحر } فيما يظهره مما لا نستطيع له مثلا { كذاب } فيما يسنده
~~إلى الله عز وجل من الإرسال والإنزال.

### || [38.5]

# { أجعل الآلهة إلها وحدا } بأن نفى الألوهية عنها وقصرها
~~على واحد فالجعل بمعنى التصيير وليس تصييرا في الخارج بل في القول
~~والتسمية كما في قوله تعالى:

# وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن
~~إنثا

# [الزخرف: 19] وليس ذلك من باب إنكار وحدة الوجود في ms09117 شيء ليقال إن الله
~~سبحانه نعى على الكفرة ذلك الإنكار فتثبت الوحدة فإنه عليه الصلاة
~~والسلام ما قال باتحاد آلهتهم معه عز وجل في الوجود.

# { إن هذا لشىء عجاب } أي بليغ في العجب فإن فعالا بناء
~~مبالغة كرجل طوال وسراع، ووجه تعجبهم أنه خلاف ما ألفوا عليه آباءهم
~~الذين أجمعوا على تعدد الآلهة وواظبوا على عبادتها وقد كان مدارهم في كل
~~ما يأتون ويذرون التقليد فيعدون خلاف ما اعتادوه عجيبا بل محالا، وقيل
~~مدار تعجبهم زعمهم عدم وفاء علم الواحد وقدره بالأشياء الكثيرة وهو لا
~~يتم إلا إن ادعوا لآلهتهم علما وقدرة، والظاهر أنهم لم يدعوهما لها

# ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض
~~ليقولن الله

# [لقمان: 25]

# . وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والسلمي وعيسى وابن مقسم { عجاب } بشد
~~الجيم وهو أبلغ من المخفف، وقال مقاتل { عجاب } لغة أزد شنوءة، أخرج أحمد
~~وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وغيرهم
~~عن ابن عباس قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل
~~فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويقول ويقول فلو بعثت إليه فنهيته
~~فبعث إليه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل البيت وبينهم وبين أبي
~~طالب قدر مجلس فخشي أبو جهل إن جلس إلى أبي طالب أن يكون أرق عليه فوثب
~~فجلس في ذلك المجلس فلم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا قرب عمه
~~فجلس عند الباب فقال له أبو طالب: أي ابن أخي ما بال قومك يشكونك يزعمون
~~أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول قال وأكثروا عليه من القول وتكلم رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها يدين
~~لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية ففرحوا لكلمته ولقوله فقال
~~القوم: ما هي؟ وأبيك لنعطينكها وعشرا قال: لا إله إلا الله فقاموا فزعين
~~ينفضون ثيابهم وهم يقولون: { أجعل الآلهة إلها واحدا
~~إن هذا لشيء عجاب } وفي رواية أنهم قالوا: سلنا ms09118 غير هذا
~~فقال عليه الصلاة والسلام:

# " لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها فغضبوا وقاموا
~~غضابا وقالوا والله لنشتمنك وإلهك الذي يأمرك بهذا "

### || [38.6]

# { وانطلق الملأ منهم } أي وانطلق الأشراف من قريش من مجلس
~~أبي طالب بعدما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاهدوا تصلبه في
~~الدين ويئسوا مما كانوا يرجونه منه عليه الصلاة والسلام بواسطة عمه وكان
~~منهم أبو جهل والعاص بن وائل والأسود بن المطلب بن عبد يغوث وعقبة بن
~~أبي معيط.

# / وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مجلز قال: قال رجل يوم بدر ما هم إلا
~~النساء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل هم الملأ وتلا {
~~وانطلق الملأ منهم }.

# { أن امشوا } الظاهر أنه أمر بالمشي بمعنى نقل الأقدام عن ذلك
~~المجلس، و { أن } مفسرة فقيل في الكلام محذوف وقع حالا من الملأ أي
~~انطلق الملأ يتحاورون والتفسير لذلك المحذوف وهو متضمن معنى القول دون
~~لفظه، وقيل لا حاجة إلى اعتبار الحذف فإن الانطلاق عن مجلس التقاول
~~يستلزم عادة تفاوض المنطلقين وتحاورهم بما جرى فيه وتضمن المفسر لمعنى
~~القول أعم من كونه بطريق الدلالة وغيرها كالمقارنة ومثل ذلك كاف فيه،
~~وقيل الانطلاق هنا الاندفاع في القول فهو متضمن لمعنى القول بطريق
~~الدلالة وإطلاق الانطلاق على ذلك الظاهر أنه مجاز مشهور نزل منزلة
~~الحقيقة، وجوز أن يكون التجوز في الإسناد وأصله انطلقت ألسنتهم والمعنى
~~شرعوا في التكلم بهذا القول، وقال بعضهم: المراد بامشوا سيروا على
~~طريقتكم وداوموا على سيرتكم، وقيل هو من مشت المرأة إذا كثرت ولادتها
~~ومنه الماشية وسميت بذلك لأنها من شأنها كثرة الولادة أو تفاؤلا بذلك
~~والمراد لازم معناه أي أكثروا واجتمعوا، وقيل: هو دعاء بكثرة الماشية
~~افتتحوا به كلامهم للتعظيم كما يقال أسلم أيها الأمير واختاروه من بين
~~الأدعية لعظم شأن الماشية عندهم. وتعقب بأنه خطأ لأن فعله مزيد يقال أمشى
~~إذا كثرت ماشيته فكان يلزم قطع همزته والقراءة بخلافه مع أن إرادة هذا
~~المعنى هنا في غاية البعد، ms09119 وأيا ما كان فالبعض قال للبعض ذلك، وقيل قال
~~الأشراف لأتباعهم وعوامهم. وقرىء { امشوا } بغير أن على إضمار القول دون
~~إضمارها أي قائلين امشوا.

# { واصبروا على ءالهتكم } أي اثبتوا على عبادتها متحملين
~~لما تسمعونه في حقها من القدح. وقرأ ابن مسعود { وانطلق الملأ منهم يمشون
~~أن اصبروا } فجملة { يمشون } حالية أو مستأنفة والكلام في { أن
~~اصبروا } كما في { أن امشوا } سواء تعلق بانطلق أو بما يليه.

# { إن هذا لشىء يراد } تعليل للأمر بالصبر أو لوجوب الامتثال
~~به، والإشارة إلى ما وقع وشاهدوه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم
~~وتصلبه في أمر التوحيد ونفي ألوهية آلهتهم أي إن هذا لشيء عظيم يراد من
~~جهته صلى الله عليه وسلم إمضاؤه وتنفيذه لا محالة من غير صارف يلويه ولا
~~عاطف يثنيه لا قول يقال من طرف اللسان أو أمر يرجى فيه المسامحة بشفاعة
~~إنسان فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله إلى إرادتكم واصبروا على عبادة
~~آلهتكم، وقيل: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر يراد بنا فلا حيلة إلا
~~تجرع مرارة الصبر، وقيل: إن هذا الذي يدعيه من أمر التوحيد أو يقصده من
~~الرياسة والترفع على العرب والعجم لشيء يتمنى أو يريده كل أحد ولكن لا
~~يكون لكل ما يتمناه أو يريده فاصبروا، وقيل: إن هذا أي دينكم يطلب لينتزع
~~منكم ويطرح أو يراد إبطاله، وقيل: الإشارة إلى الصبر المفهوم من {
~~اصبروا } أي إن الصبر لشيء مطلوب لأنه محمود العاقبة.

# وقال القفال: هذه كلمة تذكر للتهديد والتخويف، والمعنى أنه ليس غرضه من
~~هذا القول تقرير الدين وإنما غرضه أن يستولي علينا فيحكم في أموالنا
~~وأولادنا بما يريد فتأمل.

### || [38.7]

# { ما سمعنا بهذا } الذي يقوله { فى الملة الآخرة }
~~قال ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب ومقاتل أرادوا ملة النصارى، والتوصيف
~~بالآخرة بحسب الاعتقاد لأنهم الذين لا يؤمنون بنبوة محمد صلى الله عليه
~~وسلم/ ومرادهم من قولهم { ما سمعنا } الخ إنا سمعنا خلافه وهو عدم
~~التوحيد فإن النصارى كانوا يثلثون ويزعمون أنه الدين الذي جاء به ms09120 عيسى
~~عليه السلام وحاشاه، وعن مجاهد أيضا وقتادة أرادوا ملة العرب ونحلتها
~~التي أدركوا عليها آباءهم، وجوز أن يكون { فى الملة الآخرة }
~~حالا من اسم الإشارة لا متعلقا بسمعنا أي ما سمعنا بهذا الذي يدعونا
~~إليه من التوحيد كائنا في الملة التي تكون آخر الزمان أرادوا أنهم لم
~~يسمعوا من أهل الكتاب والكهان الذين كانوا يحدثونهم قبل بعثة النبي صلى
~~الله عليه وسلم بظهور نبي أن في دينه التوحيد ولقد كذبوا في ذلك فإن
~~حديث أن النبي المبعوث آخر الزمان يكسر الأصنام ويدعو إلى توحيد الملك
~~العلام كان أشهر الأمور قبل الظهور، وإن أرادوا على هذا المعنى إنا سمعنا
~~خلاف ذلك فكذبهم أقبح.

# { إن هذا } أي ما هذا. { إلا اختلاق } أي افتعال وافتراء من
~~غير سبق مثل له.

### || [38.8]

# { أءنزل عليه الذكر } أي القرآن { من بيننا } ونحن
~~رؤساء الناس وأشرافهم كقولهم:

# لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين
~~عظيم

# [الزخرف: 31] ومرادهم إنكار كونه ذكرا منزلا من عند الله تعالى
~~كقولهم

# لو كان خيرا ما سبقونا إليه

# [الأحقاف: 11] وأمثال هذه المقالات الباطلة دليل على أن مناط تكذيبهم
~~ليس إلا الحسد وقصر النظر على الحطام الدنيوي.

# { بل هم فى شك من ذكرى } من القرآن الذي أنزلته على رسولي
~~المشحون بالتوحيد لميلهم إلى التقليد وإعراضهم عن الأدلة المؤدية إلى
~~العلم بحقيته وليس في عقيدتهم ما يقطعون به فلذا تراهم ينسبونه إلى السحر
~~تارة وإلى الاختلاق أخرى فبل للإضراب عن جميع ما قبله، و (بل) في قوله
~~تعالى: { بل لما يذوقوا عذاب } إضراب عن مجموع الكلامين
~~السابقين حديث الحسد في قوله تعالى: { أءنزل } الخ وحديث الشك في قوله
~~تعالى: { بل هم فى شك } أي لم يذوقوا عذابي بعد فإذا ذاقوه زال
~~عنهم ما بهم من الحسد والشك حينئذ يعني أنهم لا يصدقون إلا أن يمسهم
~~العذاب فيضطروا إلى التصديق أو إضراب عن الإضراب قبله أي لم يذوقوا
~~عذابي بعد فإذا ذاقوه زال شكهم واضطروا إلى التصديق بذكري، والأول على
~~ما في «الكشف» هو ms09121 الوجه السديد وينطبق عليه ما بعد من الآيات، وقيل
~~المعنى لم يذوقوا عذابي الموعود في القرآن ولذلك شكوا فيه وهو كما ترى.
~~وفي التعبير بلما دلالة على أن ذوقهم العذاب على شرف الوقوع. وقوله
~~تعالى: { أم عندهم خزآئن رحمة ربك... }.

### || [38.9]

# { أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب }
~~في مقابلة قوله سبحانه:

# أءنزل

# [ص: 8] الخ، ونظيره في رد نظيره

# أهم يقسمون رحمة ربك

# ][الزخرف: 32] وأم منقطعة مقدرة ببل والهمزة، والمراد بالعندية الملك
~~والتصرف لا مجرد الحضور. وتقديم الظرف لأنه محل الإنكار أي بل أيملكون
~~خزائن رحمته تعالى ويتصرفون فيها حسبما يشاؤن حتى إنهم يصيبون بها من
~~شاؤا ويصرفونها عمن شاؤا ويتحكمون فيها بمقتضى رأيهم فيتخيروا للنبوة بعض
~~صناديدهم.

# وإضافة الرب إلى ضميره صلى الله عليه وسلم للتشريف واللطف به عليه
~~الصلاة والسلام. والعزيز القاهر على خلقه، والوهاب الكثير المواهب المصيب
~~بها مواقعها، وحديث العزة والقهر يناسب ما كانوا عليه من ترفعهم بالنبوة
~~عنه صلى الله عليه وسلم تجبرا. والمبالغة في (الوهاب) من طريق الكمية
~~تناسب قوله تعالى: { خزائن } وتدل على حرمان لهم عظيم، وفي ذلك إدماج
~~أن النبوة ليست عطاء واحدا بالحقيقة بل يتضمن عطايا جمة تفوت الحصر وهي
~~من طريق الكيفية المشار إليها بإصابة المواقع للدلالة على أن مستحق
~~العطاء ومحله من وهب ذلك وهو النبي صلى الله عليه وسلم وفي الوصف
~~المذكور/ أيضا إشارة إلى أن النبوة موهبة ربانية.

### || [38.10]

# وقوله تعالى: { أم لهم ملك السموات والأرض وما
~~بينهما } ترشيح لما سبق أي بل ألهم ملك هذه الأجرام العلوية
~~والأجسام السفلية حتى يتكلموا في الأمور الربانية ويتحكموا في التدابير
~~الإلهية التي يستأثر بها رب العزة والكبرياء، وقوله تعالى: {
~~فليرتقوا فى الأسباب } جواب شرط محذوف أي إن كان لهم ما ذكر
~~من الملك فليصعدوا في المعارج والمناهج التي يتوصل بها إلى السموات
~~فليدبروها وليتصرفوا فيها فإنهم لا طريق لهم إلى تدبيرها والتصرف فيها
~~إلا ذاك أو إن ادعوا ما ذكر من الملك فليصعدوا وليتصرفوا حتى يظن صدق
~~دعواهم فإنه ms09122 لا أمارة عندهم على صدقها فلا أقل من أن يجعلوا ذلك أمارة،
~~وقال الزمخشري ومتابعوه: أي فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوصل بها
~~إلى العرش حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم وملكوت الله تعالى وينزلوا
~~الوحي إلى من يختارون ويستصوبون، وهو مناسب للمقام بيد أن فيه دغدغة،
~~وأيا ما كان ففي أمرهم بذلك تهكم بهم لا يخفى. والسبب في الأصل الوصلة
~~من الحبل ونحوه. وعن مجاهد الأسباب هنا أبواب السموات، وقيل السموات
~~أنفسها لأن الله تعالى جعلها أسبابا عادية للحوادث السفلية.

### || [38.11]

# أي هم جند الخ، فجند خبر مبتدأ محذوف مقدر مقدما كما هو الظاهر و (ما)
~~مزيدة قيل للتقليل والتحقير نحو أكلت شيئا ما، وقيل للتعظيم والتكثير،
~~واعترض بأنه لا يلائمه { مهزوم } وأجيب بأن الوصف بالعظمة والكثرة
~~على سبيل الاستهزاء فهي بحسب اللفظ عظمة وكثرة وفي نفس الأمر ذلة وقلة،
~~ورجح بأن الأكثر في كلامهم كونها للتعظيم نحو لأمر ما جدع قصير أنفه 
~~لأمر ما يسود من يسود. وقول امرىء القيس:

# وحديث الركب يوم هنا

# وحديث ما على قصره

# مع أن الكلام لتسليته صلى الله عليه وسلم وتبشيره بانهزامهم وذلك أكمل
~~على هذا التقدير بل قيل إن التبشير بخذلان عدد حقير ربما أشعر بإهانة
~~وتحقير:

# ألم تر أن السيف ينقص قدره

# إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

# وفيه نظر. و { هنالك } صفة { جند } أو ظرف { مهزوم } وهو
~~إشارة إلى المكان البعيد وأريد به على قول المكان الذي تفاوضوا فيه مع
~~الرسول صلى الله عليه وسلم بتلك الكلمات السابقة وهو مكة وجعل ذلك
~~إخبارا بالغيب عن هزيمتهم يوم الفتح، وقيل يوم بدر وروي ذلك عن مجاهد
~~وقتادة، وأنت خبير بأن (هنالك) إذا كان إشارة إلى مكة ومتعلقا بمهزوم لا
~~يتسنى هذا إلا إذا أريد من مكة ما يشمل بدرا، و { مهزوم } خبر بعد
~~خبر. وأصل الهزم غمز الشيء اليابس حتى ينحطم كهزم الشن وهزم القثاء
~~والبطيخ ومنه الهزيمة لأنه كما يعبر عنه بالحطم والكسر، والتعبير عما لم
~~يقع باسم ms09123 المفعول المؤذن بالوقوع على ما في بعض " شروح الكشاف " للإيذان
~~بشدة قربه حتى كأنه محقق. و { من الأحزاب } صفة { جند } أي هم جند
~~قليلون أذلاء أو كثيرون عظماء كائنون هنالك من الكفار المتحزبين على
~~الرسل مكسورون عن قريب في مكانهم الذي تكلموا فيه بما تكلموا فلا تبال
~~بما يقولون ولا تكترث بما يهذون.

# وقال أبو البقاء { جند } مبتدأ و (ما) زائدة وهنالك نعت وكذا من
~~الأحزاب ومهزوم خبر، وتعقبه أبو حيان بأن فيه بعد التفاتة عن/ الكلام
~~الذي قبله، واعتبر الزمخشري الحصر أي ما هم إلا جند من المتحزبين مهزوم
~~عن قريب لا يتجاوزون الجندية المذكورة إلى الأمور الربانية، وهو حسن إلا
~~أنه اختلف في منشأ ذلك فقيل: إنه كان حق الجند أن يعرف لكونه
~~معلوما فنكر سوقا للمعلوم مساق المجهول كأنه لا يعرف منهم إلا هذا
~~القدر وهو أنهم جند بهذه الصفة. وقال صاحب " الكشف ": إنه التفخيم
~~المدلول عليه بالتنكير، وزيادة (ما) الدالة على الشيوع وغاية التعظيم
~~لدلالتهما على اختصاص الوصف بالجندية من بين سائر الصفات كأنه لا وصف لهم
~~غيرها، وفيه منع ظاهر، ويفهم كلام العلامة الثاني أنه اعتبار كون { جند
~~} خبرا مقدما لمبتدأ محذوف لأن المقام يقتضي الحصر فتدبر ولا تغفل.

# وجعل الزمخشري { هنالك } الموضع للإشارة إلى المكان البعيد مستعارا
~~للمرتبة من العلو والشرف على أنه ((إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من
~~الانتداب لمثل ذلك القول العظيم كما في قولهم لمن انتدب لأمر ليس من أهله
~~لست هنالك)) وفيه إيماء إلى علة الذم؛ وجوز على هذا أن تكون (ما) نافية
~~أي هم جند ليسوا حيث وضعوا أنفسهم. وتعقب بأنه مما لم يقله أحد من أهل
~~العربية ولا يليق بالمقام وفيه بحث، وجوز أن تكون { هنالك } إشارة
~~إلى الزمان البعيد وهي كما قال ابن مالك قد يشار بها إليه نحو قوله
~~تعالى:

# هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت

# [يونس: 30] وتتعلق بمهزوم.

# والكلام إخبار بالغيب إما عن هزيمتهم يوم الفتح أو يوم بدر كما تقدم
~~حكايته أو يوم ms09124 الخندق ولا يخفى ما فيه. وقيل: إشارة إلى زمان الارتقاء في
~~الأسباب أي هؤلاء القوم جند مهزوم إذا ارتقوا في الأسباب وليس بالمرضي.
~~وقيل: (ما) اسم موصول مبتدأ و (هنالك) في موضع الصلة و (جند) خبر مقدم و
~~(مهزوم) و (من الأحزاب) صفتان وهما المقصودان بالإفادة و (ما هنالك)
~~إشارة إلى مكة، والمراد من الذين فيها المشركون والتعبير عنهم بما لأنهم
~~كالأنعام بل هم أضل، وقيل الأصنام وعبدتها، وأمر التعبير بما عليه أظهر
~~ويقال فيه نحو ما قاله أبو حيان في كلام أبي البقاء وزيادة لا تخفى.
~~وقوله تعالى: { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد
~~وفرعون... }.

### || [38.12]

# إلى آخره استئناف مقرر لمضمون ما قبله ببيان أحوال العتاة الطغاة مما
~~فعلوا من التكذيب وفعل بهم من العقاب، و { ذو الأوتاد } صفة (فرعون)
~~لا لجميع ما قبله وإلا لقيل ذوو الأوتاد. و { الأوتاد } جمع وتد وهو
~~معروف، وكسر التاء فيه أشهر من فتحها ويقال وتد واتد كما يقال شغل شاغل
~~قاله الأصمعي وأنشد:

# لاقت على الماء جذيلا واتدا

# ولم يكن يخلفها المواعدا

# وقالوا: ود بإبدال التاء دالا والإدغام ووت بإبدال الدال تاء، وفيه
~~قلب الثاني للأول وهو قليل. وأصل إطلاق ذلك على البيت المطنب بأوتاده وهو
~~لا يثبت بدونها كما قال الأعشى:

# والبيت لا يبتنى إلا على عمد

# ولا عماد إذا لم ترس أوتاد

# فقيل إنه شبه هنا فرعون في ثبات ملكه ورسوخ سلطنته ببيت ثابت أقيم عماده
~~وثبتت أوتاده تشبيها مضمرا في النفس على طريق الاستعارة المكنية ووصف
~~بذي الأوتاد على سبيل التخييل، فالمعنى كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون
~~الثابت ملكه وسلطنته وقيل: شبه الملك الثابت من حيث الثبات والرسوخ بذي
~~الأوتاد وهو البيت المطنب بأوتاده واستعير ذو الأوتاد له على سبيل
~~الاستعارة التصريحية قيل وهو أظهر مما مر نهايته أنه/ وصف بذلك فرعون
~~مبالغة لجعله عين ملكه، والمعنى على وصفه بثبات الملك ورسوخ السلطنة
~~واستقامة الأمر.

# وقال ابن مسعود وابن عباس في رواية عطية: الأوتاد الجنود يقوون ملكه كما
~~يقوى ms09125 الوتد الشيء أي وفرعون ذو الجنود فالاستعارة عليه تصريحية في
~~الأوتاد، وقيل: هو مجاز مرسل للزوم الأوتاد للجند، وقيل المباني العظيمة
~~الثابتة وفيه مجاز أيضا، وقال ابن عباس في رواية أخرى وقتادة وعطاء:
~~كانت له عليه اللعنة أوتاد وخشب يلعب له بها وعليها، وقيل: كان يشبح
~~المعذب بين أربع سوار كل طرف من أطرافه إلى سارية ويضرب في كل وتدا من
~~حديد ويتركه حتى يموت، وروي معناه عن الحسن ومجاهد. وقيل: كان يمده بين
~~أربعة أوتاد في الأرض ويرسل عليه العقارب والحيات، وقيل: يشده بأربعة
~~أوتاد ثم يرفع صخرة فتلقى عليه فتشدخه. وعلى هذه الأقوال الأربعة
~~فالأوتاد ثابتة على حقيقتها.

### || [38.13]

# { وثمود وقوم لوط وأصحاب لئيكة } أصحاب الغيضة وهم
~~الذين أرسل إليهم شعيب عليه السلام نسبوا إلى غيضة كانوا يسكنونها، وقيل
~~الأيكة اسم بلد لهم { أولئك } المكذبون { الأحزاب } أي الكفار
~~المتحزبون على الرسل عليهم السلام المهزومون؛ وهو مبتدأ وخبر ويفهم من
~~ذلك أن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هم وأنهم الذين وجد منهم
~~التكذيب لأن المبتدأ والخبر في مثله متعاكسان رأسا برأس لا لأن {
~~أولئك } إشارة إلى الأحزاب أولا والأحزاب ثانيا هم المكذبون.

### || [38.14]

# وقوله تعالى: { إن كل إلا كذب الرسل } استئناف جيء به
~~تقريرا لتكذيبهم على أبلغ وجه وتمهيدا لما يعقبه، فإن نافية ولا عمل
~~لها لانتقاض النفي بإلا، و { كل } مبتدأ والاستثناء مفرغ من أعم العام
~~وهو الخبر أي ما كل حزب من الأحزاب محكوما عليه بحكم إلا محكوما عليه
~~بأنه كذب الرسل أو مخبرا عنه بخبر إلا مخبرا عنه بأنه كذب الرسل لأن
~~الرسل يصدق كل منهم الكل وكلهم متفقون على الحق فتكذيب كل واحد منهم
~~تكذيب لهم جميعا، وجوز أن يكون من مقابلة الجمع بالجمع أي ما كلهم
~~محكوما عليه بحكم أو مخبرا عنه بشيء إلا محكوما عليه أو إلا
~~مخبرا عنه بأنه كذب رسوله، والحصر مبالغة كأن سائر أوصافهم بالنظر إلى
~~ما أثبت لهم بمنزلة العدم فيدل على أنهم غالون في التكذيب، ويدل ms09126 على
~~غلوهم فيه أيضا إعادته متعلقا بالرسل وتنويع الجملتين إلى اسمية
~~استثنائية وغيرها أعني قوله تعالى:

# كذبت قبلهم

# [ص: 12] الخ، وجعل كل فرقة مكذبة للجميع على الوجه الأول، ويسجل ذلك
~~عليهم استحقاقهم أشد العقاب ولذا رتب عليه قوله تعالى: { فحق عقاب
~~} أي ثبت ووقع على كل منهم عقابي الذي كانت توجبه جناياتهم من أصناف
~~العقوبات فأغرق قوم نوح وأهلك فرعون بالغرق وقوم هود بالريح وثمود
~~بالصيحة وقوم لوط بالخسف وأصحاب الأيكة بعذاب الظلة. وجوز أن يكون

# أولئك الأحزاب

# [ص: 13] بدلا من الطوائف المذكورة والجملة بعد مستأنفة لما سمعت وأن
~~يكون مبتدأ والجملة بعده خبر بحذف العائد أي إن كل منهم أو كلهم إلا كذب
~~الرسل، والمجموع استئناف مقرر لما قبله مع ما فيه من بيان كيفية تكذيبهم
~~وكلاهما خلاف الظاهر، وأما ما قيل من أنه خبر والمبتدأ قوله تعالى:

# وعاد

# [ص:12] الخ أو قوله تعالى:

# وقوم لوط

# [ص: 13] الخ فمما يجب تنزيه ساحة التنزيل عن أمثاله.

### || [38.15]

# { وما ينظر هؤلآء إلا صيحة وحدة ما لها من
~~فواق } شروع في بيان عقاب كفار مكة إثر بيان عقاب أضرابهم فإن الكلام
~~السابق مما يوجب ترقب السامع بيانه، والنظر بمعنى الانتظار وعبر به
~~مجازا بجعل محقق/ الوقوع كأنه أمر منتظر لهم. والإشارة بهؤلاء للتحقير.
~~والمراد بالصيحة الواحدة النفخة الثانية، أي ما ينتظر هؤلاء الكفرة
~~الحقيرون الذين هم أمثال أولئك الطوائف المهلكة في الكفر والتكذيب شيئا
~~إلا النفخة الثانية التي تقوم بها الساعة قاله قتادة وليس المراد أنها
~~نفسها عقاب لهم لعمومها للبر والفاجر من جميع الأمم بل المراد أنه ليس
~~بينهم وبين ما أعد لهم من العذاب إلا هي لتأخير عقوبتهم إلى الآخرة لما
~~أن تعذيبهم بالاستئصال حسبما يستحقونه والنبي صلى الله عليه وسلم موجود
~~خارج عن السنة الإلهية المبنية على الحكم الباهرة كما نطق به قوله تعالى:

# وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم

# [الأنفال: 33] إذ المراد من { وأنت فيهم } وجوده عليه الصلاة
~~والسلام لا مجاورته لهم كما توهم حتى يقال: لا دلالة ms09127 في الآية على امتناع
~~وقوعه بعد الهجرة لمخالفته للتفسير المشهور.

# وقيل المراد بالصيحة المذكورة النفخة الأولى. وتعقب بأنه مما لا وجه له
~~أصلا لما أنه لا يشاهد هولها ولا يصعق بها إلا من كان حيا عند وقوعها
~~وليس عقابهم الموعود واقعا عقيبها ولا العذاب المطلق مؤخرا إليها بل
~~يحل بهم من حين موتهم.

# وقيل المراد صيحة يهلكون بها في الدنيا كما هلكت ثمود، ولا يخفى أن هذا
~~تعذيب بالاستئصال وهو مما لا يقع كما سمعت فلا يكون منتظرا، وقال أبو
~~حيان: الصيحة ما نالهم من قتل وأسر وغلبة كما تقول صاح بهم الدهر فهي
~~مجاز عن الشر كما في قولهم ما ينتظرون إلا مثل صيحة الحبلى أي شرا
~~يعاجلهم، وفيه بعد.

# وجوز جعل { هؤلاء } إشارة إلى الأحزاب ولما سبق ذكرهم مكررا مؤكدا
~~استحضرهم المخاطب في ذهنه فنزل الوجود الذهني منزلة الخارجي المحسوس
~~وأشير إليهم بما يشار به للحاضر المشاهد، واحتمال التحقير قائم ولا ينبو
~~عنه التعبير بأولئك لأن البعد في الواقع مع أنه قد يقصد به التحقير أيضا.

#  والكلام بيان لما يصيرون إليه في الآخرة من العقاب بعد ما نزل بهم في
~~الدنيا من العذاب، وجعلهم منتظرين له لأن ما أصابهم من عذاب الاستئصال
~~ليس هو نتيجة ما جنوه من قبيح الأعمال إذ لا يعتد به بالنسبة إلى ما ثمت
~~من الأهوال فهو تحذير لكفار قريش وتخويف لمن يساق له الحديث فلا وجه لما
~~قاله أبو السعود من أن هذا ليس في حيز الاحتمال أصلا لأن الانتظار سواء
~~كان حقيقة أو استهزاء إنما يتصور في حق من لم يترتب على أعماله نتائجها
~~بعد، وبعد ما بين عقاب الأحزاب واستئصالهم بالمرة لم يبق مما أريد بيانه
~~من عقوباتهم أمر منتظر بخلاف كفار قريش حيث ارتكبوا ما ارتكبوا ولما
~~يلاقوا بعد شيئا قاله الخفاجي، ولا يخفى أن المنساق إلى الذهن هو
~~الاحتمال الأول وهو المأثور عن السلف.

# والفواق الزمن الذي بين حلبتي الحالب ورضعتي الراضع ويقال للبن الذي
~~يجتمع في الضرع بين ms09128 الحلبتين فيقة ويجمع على أفواق وأفاويق جمع الجمع،
~~والكلام على تقدير مضافين أي ما ينتظرون إلا صيحة واحدة ما لها من توقف
~~مقدار فواق أو على ذكر الملزوم الذي هو الفواق وإرادة اللازم الذي هو
~~التوقف مقداره، وهو مجاز مشهور والمعنى إن الصيحة إذا جاء وقتها لم
~~تستأخر هذا القدر من الزمان. وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة تفسيره بالرجوع
~~والترداد، وهو مجاز أطلق فيه الملزوم وأريد اللازم فإن في الزمان بين
~~الحلبتين يرجع اللبن إلى الضرع، والمعنى أنها صيحة واحدة فحسب لا تثنى
~~ولا تردد فالجملة عليه صفة مؤكدة لوحدة الصيحة.

# وقرأ السلمي وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وطلحة بضم الفاء فقيل هما
~~بمعنى واحد وهو ما تقدم كقصاص الشعر وقصاصه، وقيل: المفتوح اسم مصدر من
~~أفاق المريض إفاقة وفاقة إذا رجع إلى الصحة/ وإليه يرجع تفسير ابن زيد
~~والسدي وأبي عبيدة والفراء له بالإفاقة والاستراحة، والمضموم اسم ساعة
~~رجوع اللبن للضرع. وقوله تعالى: { وقالوا ربنا عجل لنا
~~قطنا قبل... }.

### || [38.16]

# حكاية لما قالوه عند سماعهم بتأخير عقابهم إلى الآخرة أي قالوا بطريق
~~الاستهزاء والسخرية ربنا عجل لنا قسطنا ونصيبنا من العذاب الذي توعدنا به
~~ولا تؤخره إلى يوم الحساب الذي مبدؤه الصيحة المذكورة. وتصدير دعائهم
~~بالنداء المذكور للإمعان في الاستهزاء كأنهم يدعون ذلك بكمال الرغبة
~~والابتهال والقائل على ما روي عن عطاء النضر بن الحرث بن علقمة بن كلدة
~~وهو الذي قال الله تعالى فيه:

# سأل سائل بعذاب واقع

# [المعارج: 1] وأبو جهل على ما روي عن قتادة، وعلى القولين الباقون راضون
~~فلذا جىء بضمير الجمع، والقط القطعة من الشيء من قطه إذا قطعه ويقال
~~لصحيفة الجائزة قط لأنها قطعة من القرطاس، ومن ذلك قول الأعشى:

# ولا الملك النعمان يوم لقيته

# بنعمته يعطي القطوط ويطلق

# قيل وهو في ذلك أكثر استعمالا وقد فسره بها هنا أبو العالية والكلبي
~~أي عجل لنا صحيفة أعمالنا لننظر فيها وهي رواية عن الحسن، وجاء في رواية
~~أخرى عنه أنهم أرادوا نصيبهم من الجنة، وروي ms09129 هذا أيضا عن قتادة وابن
~~جبير، وذلك أنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر وعد الله تعالى
~~المؤمنين الجنة فقالوا على سبيل الهزء: عجل لنا نصيبنا منها لنتنعم به في
~~الدنيا، قال السمرقندي: أقوى التفاسير أنهم سألوا أن يعجل لهم النعيم
~~الذي كان يعده عليه الصلاة والسلام من آمن لقولهم { ربنا } ولو كان على
~~ما يحمله أهل التأويل من سؤال العذاب أو الكتاب استهزاء لسألوا رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم ولم يسألوا ربهم، وفيه بحث يعلم مما مر آنفا.

### || [38.17]

# { اصبر على ما يقولون } على ما يتجدد من أمثال هذه المقالات
~~الباطلة المؤذية { واذكر عبدنا داوود } أي اذكر لهم قصته عليه
~~السلام تعظيما للمعصية في أعينهم وتنبيها لهم على كمال قبح ما اجترؤا
~~عليه فإنه عليه السلام مع علو شأنه وإيتائه النبوة والملك لما ألم بما هو
~~خلاف الأولى ناله ما ألمه وأدام غمه وندمه فما الظن بهؤلاء الكفرة
~~الأذلين الذين لم يزالوا على أكبر الكبائر مصرين أو اذكر قصته عليه
~~السلام في نفسك وتحفظ من ارتكاب ما يوجب العتاب، وقيل إنه تعالى أمره
~~عليه الصلاة والسلام أن يذكر قصص الأنبياء عليهم السلام الذين عرض لهم ما
~~عرض فصبروا حتى فرج الله تعالى عنهم وأحسن عاقبتهم، ترغيبا له في الصبر
~~وتسهيلا لأمره عليه وإيذانا ببلوغ ما يريده بذلك، وهو كما ترى، وقيل
~~أمره بالصبر وذكر قصص الأنبياء ليكون ذلك برهانا على صحة نبوته صلى الله
~~عليه وسلم، والذكر على هذا والأول لساني وعلى ما بينهما قلبي وهو مراد
~~من فسر { اذكر } على ذلك بتذكر { ذا الأيد } أي ذا القوة يقال
~~فلان أيد وذو أيد وذو آد واياد بمعنى واياد كل شيء ما يتقوى به. {
~~إنه أواب } أي رجاع إلى الله تعالى وطاعته عز وجل، وأخرج ابن
~~جرير عن ابن عباس ومجاهد أنهما قالا: الأواب المسبح، وعن عمرو بن شرحبيل
~~أنه المسبح بلغة الحبشة، وأخرج الديلمي عن مجاهد قال: سألت ابن عمر عن
~~الأواب فقال: سألت النبي صلى ms09130 الله عليه وسلم عنه فقال: هو الرجل يذكر
~~ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله تعالى، وهذا إن صح لا يعدل عنه.

# والجملة تعليل لكونه عليه السلام ذا الأيد وتدل بأي معنى كان الأواب
~~فيها على أن المراد/ بالأيد القوة الدينية وهي القوة على العبادة كما قال
~~مجاهد وقتادة والحسن وغيرهم إذ لا يحسن التعليل لو حملت القوة على القوة
~~في الجسم، نعم قد كان عليه السلام قوي الجسم أيضا إلا أن ذلك غير مراد
~~هنا. وفي التعبير عنه بعبدنا ووصفه بذي الأيد والتعليل بما ذكر دلالة على
~~كثرة عبادته ووفور طاعته. وقد أخرج البخاري في " تاريخه " عن أبي
~~الدرداء قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر داود وحدث عنه قال:
~~كان أعبد البشر، وأخرج الديلمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال:
~~«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لأحد أن يقول إني أعبد من
~~داود، وروي أنه كان يصوم يوما ويفطر يوما وكان يقوم نصف الليل وفي ذلك
~~دلالة على قوته في العبادة لما في كل من الصيام والقيام المذكورين من ترك
~~راحة تذكرها قريبا.

### || [38.18]

# { إنا سخرنا الجبال معه } استئناف لبيان قصته عليه
~~السلام، وجوز كونه لتعليل قوته في الدين وأوابيته إلى الله عز وجل، ومع
~~متعلقة بسخر، وإيثارها على اللام لأن تسخير الجبال له عليه السلام لم يكن
~~بطريق تفويض التصرف الكلي فيها إليه كتسخير الريح وغيرها لسليمان عليه
~~السلام بل بطريق الاقتداء به في عبادة الله تعالى. وأخر الظرف المذكور عن
~~{ الجبال } وقدم في سورة الأنبياء [79] فقيل:

# وسخرنا مع داوود الجبال

# قال بعض الفضلاء: لذكر داود وسليمان ثمت فقدم مسارعة للتعيين ولا كذلك
~~هنا، وجوز تعلقها بقوله تعالى: { يسبحن } وهو أقرب بالنسبة إلى آية
~~الأنبياء، وتسبيحهن تقديس بلسان قال لائق بهن نظير تسبيح الحصى المسموع
~~في كف النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: تقديس بلسان الحال وتقييد
~~بالوقتين المذكورين بعد يأباه إذ لا اختصاص لتسبيحهن الحالي بهما وكذا لا
~~اختصاص له بكونه ms09131 معه، وقيل المعنى يسرن معه على أن يسبحن من السباحة،
~~والجملة حال من { الجبال } والعدول عن مسبحات مع أن الأصل في الحال
~~الإفراد للدلالة على تجدد التسبيح حالا بعد حال نظير ما في قول الأعشى:

# لعمري لقد لاحت عيون كثيرة

# إلى ضوء نار في يفاع تحرق

# وجوز أن تكون مستأنفة لبيان كيفية التسخير ومقابلتها بمحشورة هنا
~~كالمعينة للحالية.

# { بالعشى } هو كما قال الراغب: من زوال الشمس إلى الصباح أي يسبحن
~~بهذا الوقت وليس ذلك نصا في استيعابه بالتسبيح { والإشراق } أي ووقت
~~الإشراق، قال ثعلب: يقال شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت إذا أضاءت وصفت فوقت
~~الإشراق وقت ارتفاعها عن الأفق الشرقي وصفاء شعاعها وهو الضحوة الصغرى،
~~وروي عن أم هانىء بنت أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة
~~الضحى وقال: هذه صلاة الإشراق، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء
~~الخراساني أن ابن عباس قال: لم يزل في نفسي من صلاة الضحى شيء حتى قرأت
~~هذه الآية { يسبحن بالعشى والإشراق } وفي رواية عنه أيضا
~~ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية، ووجه فهم الحبر إياها من الآية أي كل
~~تسبيح ورد في القرآن فهو عنده ما لم يرد به التعجب والتنزيه بمعنى الصلاة
~~فحيث كانت صلاة لداود عليه السلام وقصت على طريق المدح علم منه
~~مشروعيتها. وفي «الكشف» وجهه أن الآية دلت على تخصيصه عليه السلام ذينك
~~الوقتين بالتسبيح وقد علم من الرواية أنه كان يصلي مسبحا فيهما فحكى في
~~القرآن ما كان عليه وإن لم يذكر كيفيته فيكون في الآية ذكر صلاة الضحى
~~وهو المطلوب أو نقول: إن تسبيح الجبال/ غير تسبيح داود عليه السلام لأن
~~الأول مجاز فحمل تسبيح داود على المجاز أيضا لأن المجاز بالمجاز أنسب
~~اه.

# وتعقب بأنه إذا علم من الرواية فكيف يقال إنه أخذه من الآية والتجوز
~~ينبغي تقليله ما أمكن، وهذا بناء على أن { معه } متعلق بيسبحن حتى
~~يكون هو عليه السلام مسبحا أي مصليا وإلا فتسبيح الجبال لا دلالة ms09132 له
~~على الصلاة، ومع هذا ففيه حينئذ جمع بين معنيين مجازيين إلا أن يقال به،
~~أو يجعل بمعنى يعظمن ويجعل تعظيم كل محمولا على ما يناسبه، وبعد اللتيا
~~والتي لا يخلو عن كدر، وارتضى الخفاجي الأول وأراه لا يخلو عن كدر أيضا.
~~وقال الجلبي في ذلك: يجوز أن يقال: تخصيص هذين الوقتين بالذكر دل على
~~اختصاصهما بمزيد شرف فيصلح ذلك الشرف سببا لتعيينهما للصلاة والعبادة
~~فإن لفضيلة الأزمنة والأمكنة أثرا في فضيلة ما يقع فيهما من العبادات،
~~وهذا عندي أصفى مما تقدم، ويشعر به ما أخرجه الطبراني في " الأوسط " وابن
~~مردويه عن ابن عباس قال: كنت أمر بهذه الآية { يسبحن بالعشى
~~والإشراق } فما أدري ما هي حتى حدثتني أم هانىء أن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم صلى يوم فتح مكة صلاة الضحى ثمان ركعات فقال ابن عباس: قد
~~ظننت أن لهذه الساعة صلاة لقوله تعالى: { يسبحن بالعشى
~~والإشراق }.

# هذا ولهم في صلاة الضحى كلام طويل والحق سنيتها وقد ورد فيها كما قال
~~الشيخ ولي الدين ابن العراقي أحاديث كثيرة صحيحة مشهورة حتى قال محمد بن
~~جرير الطبري أنها بلغت مبلغ التواتر. ومن ذلك حديث أم هانىء الذي في
~~«الصحيحين» وزعم أن تلك الصلاة كانت صلاة شكر لذلك الفتح العظيم
~~صادفت ذلك الوقت لا أنها عبادة مخصوصة فيه دون سبب أو أنها كانت قضاء عما
~~شغل صلى الله عليه وسلم تلك الليلة من حزبه فيها خلاف ظاهر الخبر السابق
~~عنها. وكذا ما رواه أبو داود من طريق كريب عنها أنها قالت " صلى عليه
~~الصلاة والسلام سبحة الضحى " ، ومسلم في كتاب الطهارة من طريق أبي مرة
~~عنها أيضا ففيه " ثم صلى ثماني ركعات سبحة الضحى ". وابن عبد البر في "
~~التمهيد " من طريق عكرمة بن خالد أنها قالت: " قدم رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم مكة فصلى ثمان ركعات فقلت ما هذه الصلاة؟ قال: هذه صلاة الضحى
~~".

# واحتج القائلون بالنفي بحديث عائشة " إن كان رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم ليدع العمل ms09133 وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم
~~وما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى قط وإني لأسبحها " ،
~~رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأبو مالك، وحمله القائلون بالإثبات على
~~نفي رؤيتها ذلك لما أنه روى عنها مسلم وأحمد وابن ماجه أنها قالت: " كان
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربعا ويزيد ما شاء الله تعالى
~~" ، وقد شهد أيضا بأنه عليه الصلاة والسلام كان يصليها على ما قال
~~الحاكم أبو ذر الغفاري وأبو سعيد وزيد بن أرقم وأبو هريرة وبريدة
~~الأسلمي، وأبو الدرداء وعبد الله بن أبي أوفى وعتبان بن مالك وعتبة بن
~~عبد السلمي ونعيم بن همام الغطفاني وأبو أمامة الباهلي وأم هانىء وأم
~~سلمة، ومن القواعد المعروفة أن المثبت مقدم على النافي مع أن رواية
~~الإثبات أكثر بكثير من رواية النفي وتأويلها أهون من تأويل تلك.

# وذكر الشافعية أنها أفضل التطوع بعد الرواتب لكن النووي في " شرح المهذب
~~" قدم عليها صلاة التراويح فجعلها في الفضل بين الرواتب والضحى والمذهب
~~عنهم وجوبها عليه صلى الله عليه وسلم وأن ذلك من خصوصياته عليه الصلاة
~~والسلام، واحتج له بما أخرجه ابن العربي بسنده عن عكرمة عن ابن عباس
~~قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب على النحر ولم يكتب عليكم وأمرت
~~بصلاة الضحى ولم تؤمروا/ بها "

# رواه الدارقطني أيضا، وقال شيخ الحفاظ أبو الفضل بن حجر: إنه لم يثبت
~~ذلك في خبر صحيح، وفي الأخبار ما يعكر على القول به، وذكر أن أقلها
~~ركعتان لخبر البخاري عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام أوصاه بهما
~~وأن لا يدعهما. وأدنى كمالها أربع لما صح كان صلى الله عليه وسلم يصلى
~~الضحى أربعا ويزيد ما شاء فست فثمان " وأكثرها اثنتا عشرة ركعة لخبر
~~ضعيف يعمل به في مثل ذلك، وذهب الكثير إلى أن الأكثر ثمان. وذكروا أنها
~~أفضل من اثنتي عشرة والعمل القليل قد يفضل الكثير فما يقتضيه " أجرك على
~~قدر نصبك " أغلبي. ms09134 وصرح ابن حجر الهيتمي عليه الرحمة بالمغايرة بين صلاة
~~الضحى وصلاة الإشراق قال: ومما لا يسن جماعة ركعتان عقب الإشراق بعد خروج
~~وقت الكراهة وهي غير الضحى. وتقدم لك ما يفيد اتحادهما ويدل عليه غير ذلك
~~من الأخبار، وصح إطلاق صلاة الأوابين على صلاة الضحى كإطلاقها على الصلاة
~~المعروفة بعد المغرب. هذا وتمام الكلام فيها في كتب الفقه والحديث.

### || [38.19]

# { والطير } عطف على

# الجبال

# [ص: 18] على ما هو الظاهر { محشورة } حال من { الطير } والعامل

# سخرنا

# [ص: 18] أي وسخرنا الطير حال كونها محشورة، عن ابن عباس كان عليه السلام
~~إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح واجتمعت إليه الطير فسبحت وذلك حشرها.
~~ولم يؤت بالحال فعلا مضارعا كالحال السابقة ليدل على الحشر الدفعي الذي
~~هو أدل على القدرة وذلك بتوسط مقابلته للفعل أو لأن الدفعية هي الأصل عند
~~عدم القرينة على خلافها.

# وقرأ ابن أبي عبلة والجحدري { والطير محشورة } برفعهما مبتدأ
~~وخبرا، ولعل الجملة على ذلك حال من ضمير

# يسبحن

# [ص: 18]. { كل له أواب } استئناف مقرر لمضمون ما قبله مصرح
~~بما فهم منهم إجمالا من تسبيح الطير. واللام تعليلية. والضمير لداود أي
~~كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيحه رجاع إلى التسبيح. ووضع الأواب
~~موضع المسبح إما لأنها كانت ترجع التسبيح والمرجع رجاع لأنه يرجع إلى
~~فعله رجوعا بعد رجوع وإما لأن الأواب هو التواب الكثير الرجوع إلى الله
~~تعالى كما هو المشهور ومن دأبه إكثار الذكر وإدامة التسبيح والتقديس.
~~وقيل يجوز أن يكون المراد كل من الطير فالجملة للتصريح بما فهم، وكذا
~~يجوز أن يراد كل من داود عليه السلام ومن الجبال والطير. والضمير لله
~~تعالى أي كل من داود والجبال والطير لله تعالى أواب أي مسبح مرجع
~~للتسبيح.

### || [38.20]

# { وشددنا ملكه } قويناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود ومزيد
~~النعمة، واقتصر بعضهم على الهيبة، والسدي على الجنود، وروى عنه ابن جرير
~~والحاكم أنه كان يحرسه كل يوم وليلة أربعة آلاف. وحكي أنه كان حول محرابه
~~أربعون ألف مستلئم يحرسونه، وهذا في غاية البعد ms09135 عادة مع عدم احتياج مثله
~~عليه السلام إليه، وكذا القول الأول كما لا يخفى على منصف، وأخرج عبد بن
~~حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ادعى رجل من بني إسرائيل
~~عند داود عليه السلام رجلا ببقرة فجحده فسئل البينة فلم تكن بينة فقال
~~لهما عليه السلام: قوما حتى أنظر في أمركما فقاما من عنده فأتي داود في
~~منامه فقيل له: اقتل الرجل المدعى عليه فقال: إن هذه رؤيا ولست أعجل فأتي
~~الليلة الثانية فقيل له: اقتل الرجل فلم يفعل ثم أتي الليلة الثالثة فقيل
~~له: اقتل الرجل أو تأتيك العقوبة من الله تعالى فأرسل عليه السلام إلى
~~الرجل فقال: إن الله تعالى أمرني أن أقتلك فقال: تقتلني بغير بينة ولا
~~ثبت قال نعم: والله لأنفذن أمر الله عز وجل فيك فقال له الرجل/ لا تعجل
~~علي حتى أخبرك إني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكنني كنت اغتلت والد هذا
~~فقتلته فبذلك أخذت فأمر به داود عليه السلام فقتل فعظمت بذلك هيبته في
~~بني إسرائيل وشد به ملكه. وقرأ ابن أبي عبلة بشد الدال.

# { وآتيناه الحكمة } النبوة وكمال العلم وإتقان العمل، وقيل
~~الزبور وعلم الشرائع، وقيل كل كلام وافق الحق الحكمة فهو حكمة { وفصل
~~الخطاب } أي فصل الخصام بتمييز الحق عن الباطل فالفصل بمعناه المصدري
~~والخطاب الخصام لاشتماله عليه أو لأنه أحد أنواعه خص به لأنه المحتاج
~~للفصل أو الكلام الذي يفصل بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والصواب
~~والخطأ وهو كلامه عليه السلام في القضايا والحكومات وتدابير الملك
~~والمشورات، فالخطاب الكلام المخاطب به والفصل مصدر بمعنى اسم الفاعل أو
~~الكلام الذي ينبه المخاطب على المقصود من غير التباس يراعى فيه مظان
~~الفصل والوصل والعطف والاستئناف والإضمار والحذف والتكرار ونحوها فالخطاب
~~بمعنى الكلام المخاطب به أيضا والفصل مصدر إما بمعنى اسم الفاعل أي
~~الفاصل المميز للمقصود عن غيره أو بمعنى اسم المفعول أي المقصود أي الذي
~~فصل من بين أفراد الكلام بتلخيصه مراعاة ما سمعت فيه أو الذي ms09136 فصل بعضه عن
~~بعض ولم يجعل ملبسا مختلطا.

# وجوز أن يراد بفصل الخطاب الخطاب القصد الذي ليس فيه اختصار مخل ولا
~~إشباع ممل كما جاء في وصف كلام نبينا صلى الله عليه وسلم:

# " لا نزر ولا هذر "

# فالخطاب بمعنى الكلام المخاطب به كما سلف والفصل إما بمعنى الفاصل لأن
~~القصد أي المتوسط فاصل بين الطرفين وهما هنا المختصر المخل والمطنب الممل
~~أو لأن الفصل والتمييز بين المقصود وغيره أظهر تحققا في الكلام القصد
~~لما في أحد الطرفين من الإخلال وفي الطرف الآخر من الإملال المفضي إلى
~~إهمال بعض المقصود وإما بمعنى المفصول لان الكلام المذكور مفصول مميز عند
~~السامع على المخل والممل بسلامته عن الإخلال والإملال، والإضافة على
~~الوجه الأول من إضافة المصدر إلى مفعوله وعلى ما عداه من إضافة الصفة
~~لموصوفها.

# وما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه والشعبي وحكاه الطبرسي عن الأكثرين
~~من أن فصل الخطاب هو قوله: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه
~~فقيل هو داخل في فصل الخطاب على الوجه الثاني فإن فيه الفصل بين المدعي
~~والمدعى عليه وهو من الفصل بين الحق والباطل، وجاء في بعض الروايات هو
~~إيجاب البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه فلعله أريد أن فصل
~~الخطاب على الوجه الأول أعني فصل الخصام كان بذاك وجعله نفسه على سبيل
~~المبالغة، وما روي عن ابن عباس ومجاهد والسدي من أنه القضاء بين الناس
~~بالحق والإصابة والفهم فهو ليس شيئا وراء ما ذكر أولا.

# وأخرج ابن جرير عن الشعبي وابن أبي حاتم والديلمي عن أبي موسى
~~الأشعري أن فصل الخطاب الذي أوتيه عليه السلام هو أما بعد، وذكر أبو موسى
~~أنه عليه السلام أول من قال ذلك فقيل: هو داخل في فصل الخطاب وليس فصل
~~الخطاب منحصرا فيه لأنه يفصل المقصود عما سيق مقدمة له من الحمد والصلاة
~~أو من ذكر الله عز وجل مطلقا، وظاهره اعتبار فصل الخطاب بمعنى الكلام
~~الذي ينبه المخاطب على المقصود إلى آخر ما مر، ويوهم ms09137 صنيع بعضهم دخوله
~~فيه باعتبار المعنى الثاني لفصل الخطاب ولا يتسنى ذلك، وحمل الخبر على
~~الانحصار مما لا ينبغي إذ ليس في إيتاء هذا اللفظ كثير امتنان. ثم الظاهر
~~أن المراد من أما بعد ما يؤدي مؤداه من الألفاظ لا نفس هذا اللفظ لأنه
~~لفظ/ عربي وداود لم يكن من العرب ولا نبيهم بل ولا بينهم فالظاهر أنه لم
~~يكن يتكلم بالعربية، والذي يترجح عندي أن المراد بفصل الخطاب فصل الخصام
~~وهو يتوقف على مزيد علم وفهم وتفهيم وغير ذلك فإيتاؤه يتضمن إيتاء جميع
~~ما يتوقف هو عليه وفيه من الامتنان ما فيه، ويلائمه أتم ملاءمة قوله
~~تعالى:

### || [38.21]

# { وهل أتك نبأ الخصم } استفهام يراد منه التعجب والتشويق
~~إلى استماع ما في حيزه لإيذانه بأنه من الأنباء البديعة التي حقها أن
~~تشيع فيما بين كل حاضر وبادي. والجملة قيل عطف على

# إنا سخرنا

# [ص: 18] من قبيل عطف القصة على القصة، وقيل: على

# اذكر

# [ص: 17]. والخصم في الأصل مصدر لخصمه بمعنى خاصمه أو غلبه ويراد منه
~~المخاصم ويستعمل للمفرد والمذكر وفروعهما؛ وجاء للجمع هنا على ما قال جمع
~~لظاهر ضمائره بعد وربما ثني وجمع على خصوم وأخصام، وأصل المخاصمة على ما
~~قال الراغب أن يتعلق كل واحد بخصم الآخر أي بجانبه أو أن يجذب كل واحد
~~خصم الجوالق من جانب.

# { إذ تسوروا المحراب } أي علوا سوره ونزلوا إليه فتفعل
~~للعلو على أصله نحو تسنم الجمل أي علا سنامه وتذرى الجبل علا ذروته،
~~والسور الجدار المحيط المرتفع، والمحراب الغرفة وهي العلية ومحراب المسجد
~~مأخوذ منه لانفصاله عما عداه أو لشرفه المنزل منزلة علوه قاله الخفاجي،
~~وقال الراغب: محراب المسجد قيل: سمي بذلك لأنه موضع محاربة الشيطان
~~والهوى، وقيل: لكون حق الإنسان فيه أن يكون حريبا من أشغال الدنيا ومن
~~توزع الخاطر، وقيل: الأصل فيه أن محراب البيت صدر المجلس ثم لما اتخذت
~~المساجد سمي صدره به، وقيل: بل المحراب أصله في المسجد وهو اسم خص به صدر
~~المجلس فسمي صدر البيت محرابا ms09138 تشبيها بمحراب المسجد وكأن هذا أصح
~~انتهى، وصرح الجلال السيوطي أن المحاريب التي في المساجد بهيئتها
~~المعروفة اليوم لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وله رسالة في
~~تحقيق ذلك.

# و (إذ) متعلقة بمحذوف مضاف إلى الخصم أي نبأ تحاكم الخصم إذ تسوروا أو
~~بنبأ على أن المراد به الواقع في عهد داود عليه السلام، وإسناد الإتيان
~~إليه على حذف مضاف أي قصة نبأ الخصم، وجوز تعلقها به بلا حذف على جعل
~~إسناد الإتيان إليه مجازيا أو بالخصم وهو في الأصل مصدر والظرف قنوع
~~يكفيه رائحة الفعل، وزعم الحوفي تعلقها بأتى ولا يكاد يصح لأن إتيان نبأ
~~الخصم لم يكن وقت تسورهم المحراب.

### || [38.22]

# { إذ دخلوا على داوود } إذ هذه بدل من

# إذ

# [ص:21] الأولى بدل كل من كل بأن يجعل زمان التسور وزمان الدخول لقربهما
~~بمنزلة المتحدين أو بدل اشتمال بأن يعتبر الامتداد أو ظرف لتسوروا ويعتبر
~~امتداد وقته وإلا فالتسور ليس في وقت الدخول، ويجوز أن يراد بالدخول
~~إرادته وفيه تكلف لأنه مع كونه مجازا لا يتفرع عليه قوله تعالى: {
~~ففزع منهم } فيحتاج إلى تفريعه على التسور وهو أيضا كما ترى،
~~وجوز تعلقه باذكر مقدرا. والفزع انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء
~~المخيف. روي أن الله تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين قيل هما جبريل
~~وميكائيل عليهما السلام فطلبا أن يدخلا عليه فوجداه في يوم عبادته
~~فمنعهما الحرس فتسورا عليه المحراب فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان.
~~وكان عليه السلام كما روي عن ابن عباس جزأ زمانه أربعة أجزاء يوما
~~للعبادة ويوما للقضاء ويوما للاشتغال بخاصة نفسه ويوما لجميع بني
~~إسرائيل فيعظهم ويبكيهم.

# وسبب الفزع قيل: إنهم نزلوا من فوق الحائط وفي يوم الاحتجاب والحرس حوله
~~لا يتركون من يريد الدخول عليه فخاف عليه السلام أن يؤذوه لا سيما على ما
~~حكي أنه كان ليلا، وقيل: إن الفزع من أجل أنه ظن أن أهل مملكته قد
~~استهانوه/ حتى ترك بعضهم الاستئذان فيكون في الحقيقة ms09139 فزعا من فساد
~~السيرة لا من الداخلين، وقال أبو الأحوص: فزع منهم لأنهما دخلا عليه وكل
~~منهما آخذ برأس صاحبه، وقيل: فزع منهم لما رأى من تسورهم موضعا مرتفعا
~~جدا لا يمكن أن يرتقي إليه بعد أشهر مع أعوان وكثرة عدد.

# والظاهر أن فزعه ليس إلا لتوقع الأذى لمخالفة المعتاد فلما رأوه قد فزع
~~{ قالوا لا تخف } وهو استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية
~~فزعه عليه السلام كأنه قيل: فماذا قالوا عند مشاهدتهم فزعه؟ فقيل: قالوا
~~له إزالة لفزعه لا تخف { خصمان } خبر مبتدأ محذوف أي نحن خصمان،
~~والمراد هنا فوجان لا شخصان متخاصمان وقد تقدم أن الخصم يشمل الكثير
~~فيطابق ما مر من جمع الضمائر، ويؤيده على ما قيل قوله سبحانه: { بغى
~~بعضنا على بعض } فإن نحو هذا أكثر فيطابق استعمالا في قول
~~الجماعة، وقراءة بعضهم { بغى بعضهم على بعض } أظهر في التأييد، ولا يمنع
~~ذلك كون التحاكم إنما وقع بين اثنين لجواز أن يصحب كلا منهما من يعاضده
~~والعرف يطلق الخصم على المخاصم ومعاضده وإن لم يخاصم بالفعل، وجوز أن
~~يكون المراد اثنين والضمائر المجموعة مراد بها التثنية فيتوافقان وأيد
~~بقوله سبحانه

# إن هذا أخى

# [ص: 23] وقيل: يجوز أن يقدر خصمان مبتدأ خبره محذوف أي فينا خصمان وهو
~~كما ترى.

# والظاهر أن جملة { بغى } الخ في موضع الصفة لخصمان وأن جملة نحن خصمان
~~الخ استئناف في موضع التعليل للنهي فهي موصولة بلا تخف، وجوز أن يكونوا
~~قد قالوا لا تخف وسكتوا حتى سألوا ما أمركم؟ فقالوا: خصمان بغى الخ أي
~~جار بعضنا على بعض.

# واستشكل قولهم هذا على القول بأنهم كانوا ملائكة بأنه إخبار عن أنفسهم
~~بما لم يقع منهم وهو كذب والملائكة منزهون عنه. وأجيب بأنه إنما يكون
~~كذبا لو كانوا قصدوا به الإخبار حقيقة أما لو كان فرضا لأمر صوروه في
~~أنفسهم لما أتوا على صورة البشر كما يذكر العالم إذا صور مسألة لأحد أو
~~كان كناية وتعريضا بما وقع من داود عليه السلام ms09140 فلا. وقرأ أبو يزيد
~~الجرار عن الكسائي { خصمان } بكسر الخاء.

# { فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط } أي ولا تتجاوزه. وقرأ
~~أبو رجاء وابن أبي عبلة وقتادة والحسن وأبو حيوة { ولا تشطط } من شط
~~ثلاثيا أي ولا تبعد عن الحق، وقرأ قتادة أيضا { تشط } مدغما من أشط
~~رباعيا، وقرأ زر { تشاطط } بضم التاء وبألف على وزن تفاعل مفكوكا، وعنه
~~أيضا { تشطط } من شطط. والمراد في الجميع لا تجر في الحكومة وأرادوا
~~بهذا الأمر والنهي إظهار الحرص على ظهور الحق والرضا به من غير ارتياب
~~بأنه عليه السلام يحكم بالحق ولا يجوز في الحكم وأحد الخصمين قد يقول نحو
~~ذلك للإيماء إلى أنه المحق وقد يقوله اتهاما للحاكم وفيه حينئذ من
~~الفظاظة ما فيه؛ وعلى ما ذكرنا أولا فيه بعض فظاظة.

# وفي تحمل داود عليه السلام لذلك منهم دلالة على أنه يليق بالحاكم تحمل
~~نحو ذلك من المتخاصمين لا سيما إذا كان ممن معه الحق فحال المرء وقت
~~التخاصم لا يخفى. والعجب من حاكم أو محكم أو من للخصوم نوع رجوع إليه
~~كالمفتي كيف لا يقتدي بهذا النبي الأواب عليه الصلاة والسلام في ذلك بل
~~يغضب كل الغضب لأدنى كلمة تصدر ولو فلتة من أحد الخصمين يتوهم منها الحط
~~لقدره ولو فكر في نفسه لعلم أنه بالنسبة إلى هذا النبي الأواب لا يعدل
~~والله العظيم متك ذباب. اللهم وفقنا لأحسن الأخلاق واعصمنا من الأغلاط.

# { واهدنا إلى سواء الصرط } أي وسط طريق الحق بزجر الباغي
~~عما سلكه من طريق الجور وإرشاده إلى منهاج العدل.

### || [38.23]

# { إن هذا أخى } الخ استئناف لبيان ما فيه الخصومة. والمراد/
~~بالأخوة أخوة الدين أو اخوة الصداقة والألفة أو أخوة الشركة والخلطة
~~لقوله تعالى:

# وإن كثيرا من الخلطاء

# [ص: 24] وكل واحد من هذه الأخوات يدلي بحق مانع من الاعتداء والظلم،
~~وقيل: هي أخوة في النسب وكان المتحاكمان أخوين من بني إسرائيل لأب وأم،
~~ولا يخفى أن المشهور أنهما كانا من الملائكة بل قيل لا خلاف في ذلك. و {
~~أخى } بيان ms09141 عند ابن عطية وبدل أو خبر لأن عند الزمخشري، ولعل المقصود
~~بالإفادة على الثاني قوله تعالى: { له تسع وتسعون نعجة
~~ولى نعجة وحدة } وهي الأنثى من بقر الوحش ومن الضأن والشاء
~~الجبلي وتستعار للمرأة كالشاة كثيرا نحو قول ابن عون:

# أنا أبوهن ثلاث هنه

# رابعة في البيت صغرا هنه

# ونعجتي خمسا توفيهنه

# ألا فتى سحج يغذيهنه

# وقول عنترة:

# يا شاة ما قنص لمن حلت له

# حرمت علي وليتها لم تحرم

# وقول الأعشى:

# فرميت غفلة عينه عن شاته

# فأصبت حبة قلبها وطحالها

# والظاهر إبقاؤها على حقيقتها هنا ويراد بها أنثى الضأن، وجوز إرادة
~~الامرأة، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلق بذلك.

# وقرأ الحسن وزيد بن علي { تسع وتسعون } بفتح التاء فيهما، وكثر مجيء
~~الفعل والفعل بمعنى واحد نحو السكر والسكر ولا يبعد ذلك في التسع لا سيما
~~وقد جاور العشر، والحسن وابن هرمز { نعجة } بكسر النون وهي لغة لبعض بني
~~تميم. وقرأ ابن مسعود { ولى نعجه أنثى } ووجه ذلك الزمخشري بأنه يقال
~~امرأة أنثى للحسناء الجميلة والمعنى وصفها بالعراقة في لين الأنوثة
~~وفتورها وذلك أملح لها وأزيد في تكسرها وتثنيها ألا ترى إلى وصفهم لها
~~بالكسول والمكسال، وقوله:

# فتور القيام قطيع الكلام

# لعوب العشاء إذا لم تنم

# وقول قيس بن الخطيم:

# تنام عن كبر شأنها فإذا

# قامت رويدا تكاد تنغرف

# وفي الكلام عليه توفية حق القسمين أعني ما يرجع إلى الظالم وما يرجع إلى
~~المظلوم كأنه قيل: إنه مع وفور استغنائه وشدة حاجتي ظلمني حقي، وهذا ظاهر
~~إذا كانت النعجة مستعارة وإلا فالمناسب تأكيد الأنوثة بأنها كاملة فيها
~~فيكون أدر وأحلب لما يطلب منها على أن فيه رمزا إلى ما وري عنه.

# { فقال أكفلنيها } ملكنيها، وحقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ما
~~تحت يدي، وقال ابن كيسان: اجعلها كفلي أي نصيبي، وعن ابن عباس وابن
~~مسعود تحول لي عنها وهو بيان للمراد وألصق بوجه الاستعارة { وعزني }
~~أي غلبني، وفي المثل من عز بز أي من غلب سلب وقال الشاعر:

# قطاة عزها ms09142 شرك فباتت

# تجاذبه وقد علق الجناح

# { فى الخطاب } أي مخاطبته إياي محاجة بأن جاء بحجاج لم أطق رده،
~~وقال الضحاك: أي إن تكلم/ كان أفصح مني وإن حارب كان أبطش مني، وقال ابن
~~عطية: كان أوجه مني وأقوى فإذا خاطبته كان كلامه أقوى من كلامي وقوته
~~أعظم من قوتي. وقيل: أي غلبني في مغالبته إياي في الخطبة على أن الخطاب
~~من خطبت المرأة وخطبها هو فخاطبني خطابا أي غالبني في الخطبة فغلبني حيث
~~زوجها دوني، وهو قول من يجعل النعجة مستعارة، وتعقبه صاحب " الكشف "
~~فقال: حمل الخطاب على المغالبة في خطبة النساء لا يلائم فصاحة التنزيل
~~لأن التمثيل قاصر عنه لنبو قوله: { ولى نعجة } عن ذلك أشد النبوة
~~وكذا قوله: { أكفلنيها } إذ ينبغي على ذلك أن يخاطب به ولي
~~المخطوبة إلا أن يجعل الأول مجازا عما يؤول إليه الحال ظنا والشرط في
~~حسنه تحقق الانتهاء كما في

# أعصر خمرا

# [يوسف: 36] والثاني مجاز عن تركه الخطبة، ولا يخفى ما فيهما من التعقيد،
~~ثم إنه لتصريحه ينافي الغرض من التمثيل وهو التنبيه على عظم ما كان منه
~~عليه السلام وأنه أمر يستحي من كشفه مع الستر عليه والاحتفاظ بحرمته
~~انتهى فتأمل.

# وقرأ أبو حيوة وطلحة { وعزني } بتخفيف الزاي، قال أبو الفتح: حذفت إحدى
~~الزائين تخفيفا كما حذفت إحدى السينين في قول أبي زيد:

# أحسن به فهن إليه شوس

# وروي كذلك عن عاصم. وقرأ عبد الله وأبو وائل ومسروق والضحاك والحسن
~~وعبيد بن عمير { وعازني } بألف بعد العين وتشديد الزاي أي وغالبني.

### || [38.24]

# { قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } جواب
~~قسم محذوف قصد به المبالغة في إنكار فعل ذي النعجات الكثيرة وتهجين طمعه.
~~وليس هذا ابتداء من داود عليه السلام إثر فراغ المدعى من كلامه ولا فتيا
~~بظاهر كلامه قبل ظهور الحال لديه فقيل: ذلك على تقدير: لقد ظلمك إن كان
~~ما تقول حقا؛ وقيل ثم كلام محذوف أي فاقر المدعى عليه فقال لقد ظلمك الخ
~~ولم يحك في القرآن اعتراف المدعى ms09143 عليه لأنه معلوم من الشرائع كلها أنه لا
~~يحكم الحاكم إلا بعد إجابة المدعى عليه، وجاء في رواية أنه عليه السلام
~~لما سمع كلام الشاكي قال للآخر ما تقول فأقر فقال له: لترجعن إلى الحق أو
~~لأكسرن الذي فيه عيناك، وقال للثاني: { لقد ظلمك } الخ فتبسما عند
~~ذلك وذهبا ولم يرهما لحينه، وقيل: ذهبا نحو السماء بمرأى منه، وقال
~~الحليمي: إنه عليه السلام رأى في المدعي مخايل الضعف والهضيمة فحمل أمره
~~على أنه مظلوم كما يقول فدعاه ذلك إلى أن لا يسأل المدعى عليه فاستعجل
~~بقوله: { لقد ظلمك } ولا يخفى أنه قول ضعيف لا يعول عليه لأن
~~مخايل الصدق كثيرا ما تظهر على الكاذب والحيلة أكثر من أن تحصى قديما
~~وحديثا؛ وفيما وقع من إخوة يوسف عليه السلام ولم يكونوا أنبياء على
~~الأصح ما يزيل الاعتماد في هذا الباب، وبعض الجهلة ذهب إلى نحو هذا، وزعم
~~أن ذنب داود عليه السلام ما كان إلا أنه صدق أحدهما على الآخر وظلمه قبل
~~مسألته. والسؤال مصدر مضاف إلى مفعوله وتعديته إلى مفعول آخر بإلى لتضمنه
~~معنى الإضافة كأنه قيل: لقد ظلمك بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه السؤال
~~والطلب أو لقد ظلمك بسؤال نعجتك مضافة إلى نعاجه.

# { وإن كثيرا من الخلطاء } أي الشركاء الذين خلطوا أموالهم
~~الواحد خليط وهي الخلطة وقد غلبت في الماشية وفي حكمها عند الفقهاء كلام
~~ذكر بعضا منه الزمخشري { ليبغى } ليتعدى { بعضهم على بعض
~~} غير مراع حق الشركة والصحبة.

# / { إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } منهم فإنهم
~~يتحامون عن البغي والعدوان { وقليل ما هم } أي وهم قليل جدا
~~فقليل خبر مقدم و { هم } مبتدأ و (ما) زائدة، وقد جاءت المبالغة في
~~القلة من التنكير وزيادة (ما) الإبهامية ويتضمن ذلك التعجب فإن الشيء إذا
~~بولغ فيه كان مظنة للتعجب منه فكأنه قيل: ما أقلهم. والجملة اعتراض
~~تذييلي، وقرىء { ليبغي } بفتح الياء على تقدير حذف النون الخفيفة وأصله
~~ليبغين كما قال طرفة بن العبد:

# اضرب عنك الهموم طارقها

# ضربك بالسيف قونس ms09144 الفرس

# يريد اضربن، ويكون على تقدير قسم محذوف وذلك القسم وجوابه خبر لإن، وعلى
~~قراءة الجمهور اللام هي الواقعة في خبر إن وجملة { يبغي } الخ هو الخبر،
~~وقرىء { ليبغ } بحذف الياء للتخفيف كما في قوله تعالى:

# واليل إذا يسر

# [الفجر: 4] وقوله:

# محمد تفد نفسك كل نفس

# إذا ما خفت من أمر تبالا

# والظاهر أن قوله تعالى: { وإن كثيرا من الخلطاء } الخ من
~~كلام داود عليه السلام تتمة لما ذكره أولا وقد نظر فيه ما كان عليه
~~التداعي كما هو ظاهر التعبير بالخلطاء فإنه غالب في الشركاء الذين خلطوا
~~أموالهم في الماشية وجعل على وجه استعارة النعجة ابتداء تمثيل لم ينظر
~~فيه إلى ما كان عليه التداعي كأنه قيل: وإن البغي أمر يوجد فيما بين
~~المتلابسين وخص الخلطاء لكثرته فيما بينهم فلا عجب مما شجر بينكم ويترتب
~~عليه قصد الموعظة الحسنة والترغيب في إيثار عادة الخلطاء الذين حكم لهم
~~بالقلة وأن يكره إليهم الظلم والاعتداء الذي عليه أكثرهم مع التأسف على
~~حالهم وأن يسلى المظلوم عما جرى عليه من خليطه وأن له في أكثر الخلطاء
~~أسوة أو كأنه قيل: إن هذا الأمر الذي جرى بينكما أيها الخليطان كثيرا ما
~~يجري بين الخلطاء فينظر فيه إلى خصوص حالهما، قال في " الكشف ": والمحمل
~~الأظهر هذا. وعلى التقديرين هو تذييل يترتب عليه ما ذكر. ثم قال: ولعل
~~الأظهر حمل الخلطاء على المتعارفين والمتضادين وأضرابهم ممن بينهم ملابسة
~~شديدة وامتزاج على نحو:

# إن الخليط أجدوا البين فانجردوا

# والغلبة في الشركاء الذين خلطوا أموالهم في عرف الفقهاء فذكر الخلطاء لا
~~ينافي ذكر الحلائل إذ لم ترد الخلطة اه. وأنت خبير بأن ذلك وإن لم يناف
~~ذكر الحلائل لكن أولوية عدم إرادة الحلائل وإبقاء النعجة على معناها
~~الحقيقي مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان.

# { وظن داوود أنما فتنه } الظن مستعار للعلم
~~الاستدلالي لما بينهما من المشابهة الظاهرة. وفي " البحر " لما كان الظن
~~الغالب يقارب العلم استعير له، فالمعنى وعلم داود وأيقن بما جرى في مجلس
~~الحكومة ms09145 أن الله تعالى ابتلاه، وقيل لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه
~~فضحك ثم صعدا إلى السماء حيال وجهه فعلم بذلك أنه تعالى ابتلاه، وجوز
~~إبقاء الظن على حقيقته. وأنكر ابن عطية مجيء الظن بمعنى العلم اليقيني
~~وقال: لسنا نجده في كلام العرب وإنما هو توقيف بين معتقدين غلب أحدهما
~~على الآخر وتوقعه العرب على العلم الذي ليس بواسطة الحواس فإنه اليقين
~~التام ولكن يخلط الناس في هذا ويقولون: ظن بمعنى أيقن إلى آخر ما أطال،
~~ويفهم منه أن إطلاق الظن على العلم الاستدلالي حقيقة والمشهور أنه مجاز،
~~وظاهر ما بعد أنه هنا بمعنى العلم.

# و { إنما } المفتوحة على ما حقق بعض الأجلة لا تدل على الحصر
~~كالمكسورة، ومن قال بإفادتها إياه/ حملا على المكسورة كالزمخشري لم يدع
~~الاطرد فليس المقصود ههنا قصر الفتنة عليه عليه السلام لأنه يقتضي
~~انفصال الضمير، ولا قصر ما فعل به على الفعل لأن كل فعل ينحل إلى عام
~~وخاص فمعنى ضربته فعلت ضربه على أن المعنى ما فعلنا به إلا الفتنة كما
~~قال أبو السعود لأنه على ما قيل تعسف وإلغاز، ومن يدعي الاطراد يلتزم
~~الثاني من القصرين المنفيين ويمنع كون ما ذكر تعسفا وإلغازا.

# وقرأ عمر بن الخطاب وأبو رجاء والحسن بخلاف عنه { فتناه } بتشديد التاء
~~والنون مبالغة، والضحاك { افتناه } كقوله على ما نقله الجوهري عن أبي
~~عبيدة:

# لئن فتنتني لهي بالأمس افتنت

# سعيدا فأمسى قد غوى كل مسلم

# وقتادة وأبو عمرو في رواية { أنما فتنه } بضمير التثنية وهو
~~راجع إلى الخصمين.

# { فاستغفر ربه } إثر ما علم أن ما صدر عنه ذنب { وخر
~~راكعا } أي ساجدا على أن الركوع مجاز عن الجسود لأنه لإفضائه إليه
~~جعل كالسبب ثم تجوز به عنه أو هو استعارة لمشابهته له في الانحناء
~~والخضوع والعرب تقول نخلة راكعة ونخلة ساجدة، وقال الشاعر:

# فخر على وجهه راكعا

# وتاب إلى الله من كل ذنب

# وقيل أي خر للسجود راكعا أي مصليا على أن الركوع بمعنى الصلاة لاشتهار
~~التجوز به عنها، ms09146 وتقدير متعلق لخر يدل عليه غلبة فحواه لأنه بمعنى سقط
~~على الأرض كما في قوله تعالى:

# فخر عليهم السقف من فوقهم

# [النحل: 26]. وقال الحسين بن الفضل: أي خر من ركوعه أي سجد بعد أن كان
~~راكعا، وظاهره إبقاء الركوع على حقيقته وجعل خر بمعنى سجد. والجمهور على
~~ما قدمنا.

# واستشهد به أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وأصحابه على أن الركوع يقوم
~~مقام السجود في سجدة التلاوة وهو قول الخطابي من الشافعية ولا فرق في
~~ذلك بين الصلاة وخارجها كما في " البزازية " وغيرها. وفي " الكشف " قالوا
~~أي الحنفية: إن القياس يقتضي أن يقوم الركوع مقام السجود لأن الشارع جعله
~~ركوعا وتجوز بأحدهما عن الآخر لقيامه مقامه وإغنائه غناءه. وأيدوه بأن
~~السجود لم يؤمر به لعينه ولهذا لم يشرع قربة مقصودة بل للخضوع وهو حاصل
~~بالركوع. فإن قلت: إن سجدة داود عليه السلام كانت سجدة شكر والكلام في
~~سجدة التلاوة قلت: لا علي في ذلك لأني لم أستدل بفعل داود عليه السلام بل
~~بجعل الشارع إياه مغنيا غناء السجود، ولأصحابنا يعني الشافعية أن يمنعوا
~~أن علاقة المجاز ما ذكروه بل مطلق الميل عن الخصوع المشترك بينهما أو
~~لأنه مقدمته كما قال الحسن: لا يكون ساجدا حتى يركع أو خر مصليا
~~والمعتبر غاية الخضوع وليست في الركوع اه.

# ولا يخفى أن المعروف من النبي صلى الله عليه وسلم السجود ولم نقف في
~~خبر على أنه عليه الصلاة والسلام ركع للتلاوة بدله ولو مرة وكذا أصحابه
~~رضي الله تعالى عنهم، وليس أمر القياس المذكور بالقوى فالأحوط فعل الوارد
~~لا غير بل قال بعض الشافعية: إن قول الأصحاب لا يقوم الركوع مقام السجدة
~~ظاهر في جواز الركوع وهو بعيد والقياس حرمته، وعنى صاحب " الكشف " بما
~~ذكر في السؤال من أن سجدة داود عليه السلام كانت سجدة شكر أنها كانت كذلك
~~من نبينا صلى الله عليه وسلم فقد أخرج النسائي وابن مردويه بسند جيد عن
~~ابن عباس أن النبي/ صلى الله عليه وسلم سجد في ms09147 { ص } وقال: سجدها داود
~~توبة ونسجدها شكرا أي على قبول توبة داود عليه السلام من خلاف الأولى
~~بعلي شأنه وقد لقي عليه السلام على ذلك من القلق المزعج ما لم يلقه غيره
~~كما ستعلمه إن شاء الله تعالى، وآدم عليه السلام وإن لقي أمرا عظيما
~~أيضا لكنه كان مشوبا بالحزن على فراق الجنة فجوزى لذلك بأمر هذه الأمة
~~بمعرفة قدره وأنه أنعم عليه نعمة تستوجب دوام الشكر إلى قيام الساعة،
~~ولقصته على ما في بعض الروايات شبه لما وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم في
~~قصة زينب المقتضي للعتب عليه بقوله تعالى:

# وتخفى فى نفسك

# [الأحزاب: 37] الآية فيكون ذكرها مذكرا له عليه الصلاة والسلام ما وقع
~~وما آل الأمر إليه مما هو أرفع وأجل فكأن ذلك اقتضى دوام الشكر بإظهار
~~السجود له، ولعل ذلك وجه تخصيص داود بذلك مع وقوع نظيره لغيره من
~~الأنبياء عليهم السلام فتأمله، ولا تغفل عن كون السورة مكية على الصحيح
~~وقصة زينب رضي الله تعالى عنها مدنية، وينحل الإشكال بالتزام كون السجود
~~بعد القصة فلينقر. وهي عند الحنفية إحدى سجدات التلاوة الواجبة كما ذكر
~~في الكتب الفقهية، ومن فسر { خر راكعا } بخر للسجود مصليا ذهب إلى
~~أن ما وقع من داود عليه السلام صلاة مشتملة على السجود وكانت للاستغفار
~~وقد جاء في شريعتنا مشروعية صلاة ركعتين عند التوبة لكن لم نقف في خبر
~~على ما يشعر بحمل ما هنا على صلاة دواد عليه السلام لذلك وإنما وقفنا على
~~أنه سجد { وأناب } أي رجع إلى الله تعالى بالتوبة.

### || [38.25]

# { فغفرنا له ذلك } أي ما استغفرنا منه. أخرج أحمد وعبد بن
~~حميد عن يونس بن حبان أن داود عليه السلام بكى أربعين ليلة حتى نبت العشب
~~حوله من دموعه ثم قال: يا رب قرح الجبين ورقأ الدمع وخطيئتي علي كما هي
~~فنودي يا داود أجائع فتطعم؟ أم ظمآن فتسقى؟ أم مظلوم فينتصر لك؟ فنحب
~~نحبة هاج ما هنالك من الخضرة فغفر له عند ذلك، وفي رواية عبد ms09148 الله بن
~~أحمد في " زوائد الزهد " عن مجاهد أنه خر ساجدا أربعين ليلة حتى نبت من
~~دموع عينيه من البقل ما غطى رأسه ثم قال الخ، وروي أنه لم يشرب ماء إلا
~~وثلثاه من دمعه وجهد نفسه راغبا إلى الله تعالى في العفو عنه حتى كاد
~~يهلك واشتغل بذلك عن الملك حتى وثب ابن له يقال له إيشا على ملكه ودعا
~~إلى نفسه فاجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل فلما غفر له حاربه فهزمه.

# وأخرج أحمد عن ثابت أنه عليه السلام اتخذ سبع حشايا وحشاهن من الرماد
~~حتى أنفذها دموعا ولم يشرب شرابا إلا مزجه بدمع عينيه، وأخرج عن وهب
~~أنه اعتزل النساء وبكى حتى رعش وخددت الدموع في وجهه، ولم ينقطع خوفه
~~عليه السلام وقلقه بعد المغفرة، فقد أخرج أحمد والحكيم الترمذي وابن جرير
~~عن عطاء الخراساني أن داود نقش خطيئته في كفه لكي لا ينساها وكان إذا
~~رآها اضطربت يداه. وأخرج أحمد وغيره عن ثابت عن صفوان وعبد بن حميد من
~~طريق عطاء بن السائب عن أبي عبد الله الجدلي ما رفع داود رأسه إلى السماء
~~بعد الخطيئة حتى مات.

# { وإن له عندنا لزلفى } قربة بعد المغفرة. { وحسن
~~مآب } وحسن مرجع في الجنة، وأخرج عبد بن حميد عن عبيد بن عمير أنه قال
~~في الآية: يدنو من ربه سبحانه حتى يضع يده عليه، وهو إن صح من المتشابه.
~~وأخرج أحمد في " الزهد " والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن
~~مالك بن دينار أنه قال فيها: يقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق
~~العرش ثم يقول الرب عز وجل: يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم
~~الذي كنت تمجدني به في/ الدنيا فيقول: يا رب كيف وقد سلبته؟ فيقول: إني
~~راده عليك اليوم فيندفع بصوت يستغرق نعيم أهل الجنة.

# هذا واختلف في أصل قصته التي ترتب عليها ما ترتب فقيل إنه عليه السلام
~~رأى امرأة رجل يقال له أوريا من مؤمني قومه  وفي بعض الآثار ms09149 أنه وزيره 
~~فمال قلبه إليها فسأله أن يطلقها فاستحي أن يرده ففعل فتزوجها وهي أم
~~سليمان وكان ذلك جائزا في شريعته معتادا فيما بين أمته غير مخل
~~بالمروءة حيث كان يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا
~~أعجبته، وقد كان الرجل من الأنصار في صدر الإسلام بعد الهجرة إذا كانت له
~~زوجتان نزل عن إحداهما لمن اتخذه أخا له من المهاجرين لكنه عليه السلام
~~لعظم منزلته وارتفاع مرتبته وعلو شأنه نبه بالتمثيل على أنه لم يكن ينبغي
~~له أن يتعاطى ما يتعاطاه آحاد أمته ويسأل رجلا ليس له إلا امرأة واحدة
~~أن ينزل عنها فيتزوجها مع كثرة نسائه بل كان يجب عليه أن يغالب ميله
~~الطبيعي ويقهر نفسه ويصبر على ما امتحن به.

# وقيل إنه أضمر في نفسه إن قتل أوريا تزوج بها وإليه مال ابن حجر في "
~~تحفته ". وقيل لم يكن أوريا تزوجها بل كان خطبها ثم خطبها هو فآثره عليه
~~السلام أهلها فكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن، وفي بعض الآثار أنه
~~فعل ذلك ولم يكن عالما بخطبة أخيه فعوتب على ترك السؤال هل خطبها أحد أم
~~لا؟ وقيل إنه كان في شريعته أن الرجل إذا مات وخلف امرأة فأولياؤه أحق
~~بها إلا أن يرغبوا عن التزوج بها فلما قتل أوريا خطب امرأته ظانا أن
~~أولياءه رغبوا عنها فلما سمعوا منعتهم هيبته وجلالته أن يخطبوها. وقيل
~~إنه كان في عبادة فأتاه رجل وامرأة متحاكمين إليه فنظر إلى المرأة
~~ليعرفها بعينها وهو نظر مباح فمالت نفسه ميلا طبيعيا إليها فشغل عن بعض
~~نوافله فعوتب لذلك، وقيل إنه لم يتثبت في الحكم وظلم المدعى عليه قبل
~~سؤاله لما ناله من الفزع وكانت الخصومة بين المتخاصمين وكانا من الإنس
~~على الحقيقة إما على ظاهر ما قص أو على جعل النعجة فيه كناية عن المرأة،
~~ونقل هذا عن أبي مسلم.

# والمقبول من هذه الأقوال ما بعد من الإخلال بمنصب النبوة، وللقصاص كلام
~~مشهور لا يكاد يصح لما ms09150 فيه من مزيد الإخلال بمنصبه عليه السلام ولذا قال
~~علي كرم الله تعالى وجهه على ما في بعض الكتب: من حدث بحديث داود عليه
~~السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وذلك حد الفرية على
~~الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين، وهذا اجتهاد منه كرم
~~الله تعالى وجهه، ووجه مضاعفة الحد على حد الأحرار أنهم عليهم السلام
~~سادة السادة وهو وجه مستحسن إلا أن الزين العراقي ذكر أن الخبر نفسه لم
~~يصح عن الأمير كرم الله تعالى وجهه. وقال أبو حيان: الذي نذهب إليه ما دل
~~عليه ظاهر الآية من أن المتسورين المحراب كانوا من الإنس دخلوا عليه من
~~غير المدخل وفي غير وقت جلوسه للحكم وأنه فزع منهم ظانا أنهم يغتالونه
~~إذ كان منفردا في محرابه لعبادة ربه عز وجل فلما اتضح له أنهم جاؤا في
~~حكومة وبرز منهم اثنان للتحاكم كما قص الله تعالى وأن داود عليه السلام
~~ظن دخولهم عليه في ذلك الوقت ومن تلك الجهة ابتلاء من الله تعالى له أن
~~يغتالوه فلم يقع ما كان ظنه فاستغفر من ذلك الظن حيث أخلف ولم يكن ليقع
~~مظنونه وخر ساجدا ورجع إلى الله تعالى وأنه سبحانه غفر له ذلك الظن فإنه
~~عز وجل قال: { فغفرنا له ذلك } ولم يتقدم سوى قوله تعالى:

# وظن داوود أنما فتنه

# [ص: 24] ونعلم قطعا أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الخطايا لا
~~يمكن وقوعهم في شيء منها ضرورة أنا لو جوزنا عليهم شيئا من ذلك بطلت
~~الشرائع ولم يوثق بشيء مما يذكرون أنه وحي من الله تعالى فما حكى الله
~~تعالى في كتابه يمر على ما أراده الله تعالى وما حكى القصاص مما فيه/ نقص
~~لمنصب الرسالة طرحناه، ونحن كما قال الشاعر:

# ونؤثر حكم العقل في كل شبهة

# إذا آثر الأخبار جلاس قصاص

# انتهى؛ ويقرب من هذا من وجه ما قيل إن قوما قصدوا أن يقتلوه عليه
~~السلام فتسوروا المحراب فوجدوا عنده أقواما فتصنعوا بما قص الله تعالى
~~من التحاكم ms09151 فعلم غرضهم فقصد أن ينتقم منهم فظن أن ذلك ابتلاء من الله
~~تعالى وامتحان له هل يغضب لنفسه أم لا فاستغفر ربه مما عزم عليه من
~~الانتقام منهم وتأديبهم لحق نفسه لعدوله عن العفو الأليق به، وقيل:
~~الاستغفار كان لمن هجم عليه وقوله تعالى: { فغفرنا له } على معنى
~~فغفرنا لأجله، وهذا تعسف وإن وقع في بعض كتب الكلام، وعندي أن ترك
~~الأخبار بالكلية في القصة مما لا يكاد يقبله المنصف، نعم لا يقبل منها ما
~~فيه إخلال بمنصب النبوة ولا يقبل تأويلا يندفع معه ذلك ولا بد من القول
~~بأنه لم يكن منه عليه السلام إلا ترك ما هو الأولى بعلي شأنه والاستغفار
~~منه وهو لا يخل بالعصمة.

### || [38.26]

# { يداوود إنا جعلنك خليفة فى الارض } إما حكاية
~~لما خوطب به عليه السلام مبينة لزلفاه عنده عز وجل وإما مقول لقول مقدر
~~معطوف على

# غفرنا

# [ص: 25] أو حال من فاعله أي وقلنا له أو قائلين له يا داود إنا جعلناك
~~خليفة في الأرض أي استخلفناك على الملك فيها والحكم فيما بين أهلها أو
~~جعلناك خليفة ممن قبلك من الأنبياء القائمين بالحق، وهو على الأول: مثل
~~فلان خليفة السلطان إذا كان منصوبا من قبله لتنفيذ ما يريده، وعلى
~~الثاني: من قبيل هذا الولد خليفة عن أبيه أي ساد مسده قائم بما كان يقوم
~~به من غير اعتبار لحياة وموت وغيرهما، والأول أظهر والمنة به أعظم فهو
~~عليه السلام خليفة الله تعالى بالمعنى الذي سمعت، قال ابن عطية: ((ولا
~~يقال خليفة الله تعالى إلا لرسوله وأما الخلفاء فكل واحد منهم خليفة من
~~قبله، وما يجىء في الشعر من تسمية أحدهم خليفة الله فذلك تجوز كما قال
~~قيس الرقيات:

# خليفة الله في بريته

# جفت بذاك الأقلام والكتب

# وقالت الصحابة لأبي بكر: خليفة رسول الله وبذلك كان يدعى إلى أن توفي
~~فلما ولي عمر قالوا خليفة خليفة رسول الله فعدل عنه اختصارا إلى أمير
~~المؤمنين)). وذهب الشيخ الأكبر محيي الدين قدس سره إلى أن الخليفة ms09152 من
~~الرسل من فوض إليه التشريع ولعله من جملة اصطلاحاته ولا مشاحة في
~~الاصطلاح.

# واستدل بعضهم بالآية على احتياج الأرض إلى خليفة من الله عز وجل وهو قول
~~من أوجب على الله تعالى نصب الإمام لأنه من اللطف الواجب عليه سبحانه،
~~والجماعة لا يقولون بذلك والإمامة عندهم من الفروع وإن ذكروها في كتب
~~العقائد، وليس في الآية ما يلزم منه ذلك كما لا يخفى وتحقيق المطلب في
~~محله.

# { فاحكم بين الناس بالحق } الذي شرعه الله تعالى لك فالحق
~~خلاف الباطل وأل فيه للعهد، وجوز أن يراد به ما هو من أسمائه تعالى أي
~~بحكم الحق أي الله عز وجل للعلم بأن الذوات لا يكون محكوما بها. وتعقب
~~بأن مقابلته بالهوى تأبى ذلك، ولعل من يقول به يجعل المقابل المضاف
~~المحذوف والمقابلة باعتبار أن حكم الله تعالى لا يكون إلا بالحق، وفرع
~~الأمر بالحكم بالحق على ما تقدم لأن الاستخلاف بكلا المعنيين مقتض للحكم
~~العدل لا سيما على المعنى الأول لظهور اقتضاء كونه عليه السلام خليفة له
~~تعالى أن لا يخالف حكمه حكم من استخلفه بل يكون على وفق إرادته ورضاه.
~~وقيل المترتب مطلق الحكم لظهور ترتبه على كونه خليفة. وذكر الحق لأن به
~~سداده، وقيل ترتب ذلك لأن/ الخلافة نعمة عظيمة شكرها العدل.

# وفي «البحر» ((أن هذا أمر بالديمومة وتنبيه لغيره ممن ولي أمور الناس أن
~~يحكم بينهم بالحق وإلا فهو من حيث أنه معصوم لا يحكم إلا بالحق))، وعلى
~~نحو هذا يخرج النهي عندي في قوله سبحانه وتعالى: { ولا تتبع
~~الهوى } فإن اتباع الهوى مما لا يكاد يقع من المعصوم. وظاهر السياق
~~أن المراد ولا تتبع هوى النفس في الحكومات، وعمم بعضهم فقال: أي في
~~الحكومات وغيرها من أمور الدين والدنيا.

# وأيد بهذا النهي ما قيل إن ذنبه عليه السلام المبادرة إلى تصديق المدعي
~~وتظليم الآخر قبل مساءلته لا الميل إلى امرأة أوريا فكأنه قيل ولا تتبع
~~الهوى في الحكم كما اتبعته أولا، وفيه أن اتباع الهوى وحكمه بغير ms09153 ما شرع
~~الله تعالى له غير مناسب لمقامه لا سيما وقد أخبر الله تعالى قبل الإخبار
~~بمسألة المتحاكمين أنه أتاه الحكم وفصل الخطاب فليس هذا إلا إرشادا لما
~~يقتضيه منصب الخلافة وتنبيها لمن هو دونه عليه السلام. وأصل الهوى ميل
~~النفس إلى الشهوة، ويقال للنفس المائلة إليها ويكون بمعنى المهوى كما في
~~قوله:

# هواي مع الركب اليمانين مصعد

# جنيب وجثماني بمكة موثق

# وبه فسره هنا بعضهم فقال: أي لا تتبع ما تهوى الأنفس.

# { فيضلك عن سبيل الله } بالنصب على أنه جواب النهي، وقيل
~~هو مجزوم بالعطف على النهي مفتوح لالتقاء الساكنين أي فيكون الهوى أو
~~اتباعه سببا لضلالك عن دلائله التي نصبها على الحق وهي أعم من الدلائل
~~العقلية والنقلية، وصد ذلك عن الدلائل إما لعدم فهمها أو العمل بموجبها،
~~وقوله تعالى: { إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم
~~عذاب شديد } تعليل لما قبله ببيان غائلته وإظهار سبيل الله في موضع
~~الإضمار لزيادة التقرير والإيذان بكمال شناعة الضلال عنه، وخبر (إن) إما
~~جملة { لهم عذاب } على أن { لهم } خبر مقدم و { عذاب } مبتدأ
~~وإما الظرف و { عذاب } مرتفع على الفاعلية بما فيه من الاستقرار.

# وقرأ ابن عباس والحسن بخلاف عنهما وأبو حيوة { يضلون } بضم الياء
~~قال أبو حيان: وهذه القراءة أعم لأنه لا يضل إلا ضال في نفسه، وقراءة
~~الجمهور أوضح لأن المراد الموصول من أضلهم اتباع الهوى وهم بعد أن أضلهم
~~صاروا ضالين.

# وقوله تعالى: { بما نسوا } متعلق بالاستقرار والباء سببية و (ما)
~~مصدرية، وقوله سبحانه: { يوم الحساب } مفعول { نسوا } على ما
~~هو الظاهر أي ثابت لهم ذلك العذاب بسبب نسيانهم وعدم ذكرهم يوم الحساب؛
~~وعليه يكون تعليلا صريحا لثبوت العذاب الشديد لهم بنسيان يوم الحساب
~~بعد الإشعار بعلية ما يستتبعه ويستلزمه أعني الضلال عن سبيل الله تعالى
~~فإنه مستلزم لنسيان يوم الحساب بالمرة بل هذا فرد من أفراده. وأخرج ابن
~~جرير عن عكرمة أن الكلام من التقديم والتأخير أي لهم يوم الحساب عذاب
~~شديد بما نسوا فيكون { يوم ms09154 الحساب } ظرفا لقوله تعالى: { لهم } وجعل
~~النسيان عليه مجازا عن ضلالهم عن سبيل الله بعلاقة السببية ومن ضرورته
~~جعل مفعول النسيان سبيل الله تعالى، وعليه يكون التعليل المصرح به عين
~~التعليل المشعر به بالذات غيره بالعنوان فتدبر.

### || [38.27]

# { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما بطلا }
~~أي خلقا باطلا فهو منصوب على النيابة عن المفعول المطلق نحو كل هنيئا
~~أي أكلا هنيئا، والباطل ما لا حكمة فيه، وجوز كونه حالا من فاعل {
~~خلقنا } بتقدير مضاف/ أي ذوي باطل، والباطل اللعب والعبث أي ما خلقنا
~~ذلك مبطلين لاعبين كقوله تعالى:

# وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما
~~لاعبين

# [الدخان: 38] وجوز كونه حالا من المفعول أيضا بنحو هذا التأويل. وأيا
~~ما كان فالكلام مستأنف مقرر لما قبله من أمر المعاد والحساب فإن خلق
~~السماء والأرض وما بينهما من المخلوقات مشتملا على الحكم الباهرة
~~والأسرار البالغة والفوائد الجمة أقوى دليل على عظم القدرة وأنه لا
~~يتعاصاها أمر المعاد والحساب فإن خلق ذلك كذلك مؤذن بأنه عز وجل لا يترك
~~الناس إذا ماتوا سدى بل يعيدهم ويحاسبهم ولعله الأولى.

# وجوز كون الجملة في موضع الحال في فاعل

# نسوا

# [ص: 26] جىء بها لتفظيع أمر النسيان كأنه قيل: بما نسوا يوم الحساب مع
~~وجود ما يؤذن به وهو كما ترى، وجوز كون { بطلا } مفعولا له ويفسر
~~بخلاف الحق ويراد به متابعة الهوى كأنه قيل: ما خلقنا هذا العالم للباطل
~~الذي هو متابعة الهوى بل للحق الذي هو مقتضى الدليل من التوحيد والتدرع
~~بالشرع كقوله تعالى:

# وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

# [الذاريات: 56] ولا يخفى بعده، وعليه تكون الجملة مستأنفة لتقرير أمر
~~النهي عن اتباع الهوى، وقيل: تكون عطفا على ما قبلها بحسب المعنى كأنه
~~قيل: لا تتبع الهوى لأنه يكون سببا لضلالك ولأنه تعالى لم يخلق العالم
~~لأجل متابعة الهوى بل خلقه للتوحيد والتمسك بالشرع فلا تغفل.

# { ذلك } إشارة إلى ما نفى من خلق ما ذكر باطلا { ظن الذين
~~كفروا } أي مظنونهم ليصح الحمل أو يقدر مضاف أي ms09155 ظن ذلك ظن الذين
~~كفروا فإن إنكارهم المعاد والجزاء قول بأن خلق ما ذكر خال عن الحكمة
~~وإنما هو عبث ولذا قال سبحانه:

# أفحسبتم أنما خلقنكم عبثا وأنكم إلينا
~~لا ترجعون

# [المؤمنون: 115] أو فإن إنكارهم ذلك قول بنفي عظم القدرة وهو قول بنفي
~~دليله وهو خلق ما ذكر مشتملا على الحكم الباهرة والإسرار، وهذا بناء
~~على الوجه الأول في بيان التقرير وهو كما ترى.

# { فويل للذين كفروا } مبتدأ وخبر والفاء لإفادة ترتب ثبوت
~~الويل لهم على ظنهم الباطل كما أن وضع الموصول موضع ضميرهم لإشعار ما في
~~حيز الصلة بعلية كفرهم له، ولا تنافي بينهما لأن ظنهم من باب كفرهم
~~فيتأكد أمر التعليل، و { من } في قوله تعالى: { من النار }
~~ابتدائية أو بيانية أو تعليلية كما في قوله تعالى:

# فويل لهم مما كتبت أيديهم

# [البقرة: 79] ونظائره وتفيد على هذا علية النار لثبوت الويل لهم صريحا
~~بعد الإشعار بعلية ما يؤدي إليها من ظنهم وكفرهم أي فويل لهم بسبب النار
~~المترتبة على ظنهم وكفرهم، قيل والكلام عليه على تقدير مضاف أي من دخول
~~النار.

### || [38.28]

# { أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصلحت
~~كالمفسدين فى الأرض } أم منقطعة وتقدر ببل والهمزة، والهمزة
~~لإنكار التسوية بين الفريقين ونفيها على أبلغ وجه وآكده، وبل للإضراب
~~الانتقالي من تقرير أمر البعث والحساب بما مر من نفي خلق العالم باطلا
~~إلى تقريره وتحقيقه بإنكار التسوية بين الفريقين أي بل أنجعل المؤمنين
~~المصلحين كالكفرة المفسدين في الأرض التي جعلت مقرا لهم كما يقتضيه عدم
~~البعث وما يترتب عليه من الجزاء لاستواء الفريقين في التمتع في الحياة
~~الدنيا بل أكثر الكفرة أوفر حظا منها من أكثر المؤمنين لكن ذلك الجعل
~~محال مخالف للحكمة فتعين البعث والجزاء حتما لرفع الأولين إلى أعلى
~~عليين ورد الآخرين إلى أسفل سافلين كذا قالوا، وظاهره أن محالية جعل
~~الفريقين سواء حكمة تقتضي تعين المعاد الجسماني، وفيه خفاء، والظاهر أن
~~المعاد الروحاني يكفي لمقتضى الحكمة من إثابة الأولين وتعذيب الآخرين
~~فالدليل العقلي الذي تشير إليه ms09156 الآية ظاهر في إثبات معاد لكن بعد إبطال
~~التناسخ وهو كاف في الرد على كفرة/ العرب فإنهم لا يقولون بمعاد بالكلية
~~ولم يخطر ببالهم التناسخ أصلا، ولإثبات المعاد الجسماني طريق آخر مشهور
~~بين المتكلمين، وجعل هذا الدليل العقلي طريقا لإثباته يحتاج إلى تأمل
~~فتأمل.

# وقوله تعالى: { أم نجعل المتقين كالفجار } إضراب
~~وانتقال عن إثبات ما ذكر بلزوم المحال الذي هو التسوية بين الفريقين
~~المذكورين على الإطلاق إلى إثباته بلزوم ما هو أظهر منه استحالة وهي
~~التسوية بين أتقياء المؤمنين وأشقياء الكفرة، وحمل الفجار على فجرة
~~المؤمنين مما لا يساعده المقام، ويجوز أن يراد بهذين الفريقين عين
~~الأولين ويكون التكرير باعتبار وصفين آخرين هما أدخل في إنكار التسوية من
~~الوصفين الأولين، وأيا ما كان فليس المراد من الجمعين في الموضعين
~~أناسا بأعيانهم ولذا قال ابن عباس: الآية عامة في جميع المسلمين
~~والكافرين. وقيل: هي في قوم مخصوصين من مشركي قريش قالوا للمؤمنين إنا
~~نعطى في الآخرة من الخير ما لا تعطون فنزلت، وأنت تعلم أن العبرة لعموم
~~اللفظ لا لخصوص السبب، وفي رواية أخرى عن ابن عباس أخرجها ابن عساكر أنه
~~قال: الذين آمنوا علي وحمزة وعبيدة بن الحرث رضي الله تعالى عنهم
~~والمفسدين في الأرض عتبة والوليد بن عتبة وشيبة وهم الذين تبارزوا يوم
~~بدر، ولعله أراد أنهم سبب النزول.

### || [38.29]

# وقوله تعالى: { كتب } خبر مبتدأ محذوف هو عبارة عن القرآن أو
~~السورة، ويجوز على الثاني تقديره مذكرا أي هو أو هذا وهو الأولى عند جمع
~~رعاية للخبر وتقديره مؤنثا رعاية للمرجع، وقوله تعالى: { أنزلنه
~~إليك } صفته. وقوله سبحانه: { مبارك } أي كثير المنافع الدينية
~~والدنيوية خبر ثان للمبتدأ أو صفة { كتاب } عند من يجوز تأخير الوصف
~~الصريح عن غير الصحيح. وقرىء { مباركا } بالنصب على أنه حال من مفعول
~~{ أنزلنا } وهي حال لازمة لأن البركة لا تفارقه جعلنا الله تعالى في
~~بركاته ونفعنا بشريف آياته.

# وقوله عز وجل: { ليدبروا ءايته } متعلق بأنزلناه، وجوز أن
~~يكون متعلقا بمحذوف يدل عليه وأصله ليتدبروا ms09157 بتاء بعد الياء آخر الحروف،
~~وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه بهذا الأصل أي أنزلناه ليتفكروا في آياته
~~التي من جملتها هذه الآيات المعربة عن أسرار التكوين والتشريع فيعرفوا ما
~~يدبر ويتبع ظاهرها من المعاني الفائقة والتأويلات اللائقة. وضمير الرفع
~~لأولي الألباب على التنازع وإعمال الثاني أو للمؤمنين فقط أو لهم
~~وللمفسدين.

# وقرأ أبو جعفر { لتدبروا } بتاء الخطاب وتخفيف الدال وجاء كذلك عن عاصم
~~والكسائي بخلاف عنهما، والأصل لتتدبروا بتاءين فحذفت إحداهما على الخلاف
~~الذي فيها أهي تاء المضارعة أم التاء التي تليها؟ والخطاب للنبي صلى
~~الله عليه وسلم وعلماء أمته على التغليب أي لتدبر أنت وعلماء أمتك {
~~وليتذكر أولوا الألباب } أي وليتعظ به ذوو العقول
~~الزاكية الخالصة من الشوائب أو ليستحضروا ما هو كالمركوز في عقولهم لفرط
~~تمكنهم من معرفته لما نصب عليه من الدلائل فإن إرسال الرسل وإنزال الكتب
~~لبيان ما لا يعرف إلا من جهة الشرع كوجوب الصلوات الخمس والإرشاد إلى ما
~~يستقل العقل بإدراكه كوجود الصانع القديم جل جلاله وعدم نواله

### || [38.30]

# { ووهبنا لداوود سليمن نعم العبد } وقرىء { نعم
~~} على الأصل. والمخصوص بالمدح محذوف أي نعم العبد هو أي سليمان كما
~~ينبىء عنه تأخيره عن داود مع كونه مفعولا صريحا لوهبنا ولأن قوله
~~تعالى: { إنه أواب } أي رجاع إلى الله تعالى بالتوبة كما يشعر به
~~السياق أو إلى التسبيح مرجع له أو إلى مرضاته عز وجل تعليل للمدح وهو من
~~حاله لما أن الضمير المجرور في قوله سبحانه: { إذ عرض عليه
~~بالعشي الصافنات... }.

### || [38.31]

# { إذ عرض عليه } يعود/ إليه عليه السلام قطعا، و (إذ) منصوب
~~باذكر، والمراد من ذكر الزمان ذكر ما وقع فيه أو ظرف لأواب أو لنعم
~~والظرف قنوع لكن يرد على الوجهين أن التقييد يخل بكمال المدح فالأول أولى
~~وهو كالاستشهاد على أنه أواب أي اذكر ما صدر عنه إذ عرض عليه {
~~بالعشى } الخ فإنه يشهد بذلك. والعشي على ما قال الراغب من زوال
~~الشمس إلى الصباح، وقال بعض: منه إلى آخر النهار، ms09158 والظرفان متعلقان بعرض،
~~وقوله تعالى: { الصفنت } نائب الفاعل وتأخيره عنهما لما مر غير
~~مرة من التشويق إلى المؤخر، والصافن من الخيل الذي يرفع إحدى يديه أو
~~رجليه ويقف على مقدم حافرها وأنشد الزجاج:

# ألف الصفون فما يزال كأنه

# مما يقوم على الثلاث كسيرا

# وقال أبو عبيدة: هو الذي يجمع يديه ويسويهما وأما الذي يقف على طرف
~~الحافر فهو المتخيم، وعن " التهذيب " و " متن اللغة " هو المخيم، وقال
~~القتبي الصافن الواقف في الخيل وغيرها، وفي الحديث

# " من سره أن يقوم الناس له صفونا فليتبوأ مقعده من النار "

# أي يديمون له القيام حكاه قطرب وأنشد للنابغة:

# لنا قبة مضروبة بفنائها

# عتاق المهارى والجياد الصوافن

# وقال الفراء: رأيت العرب على هذا وأشعارهم تدل على أنه القيام خاصة
~~والمشهور في الصفوف ما تقدم وهو من الصفات المحمودة في الخيل لا تكاد
~~تتحقق إلا في العراب الخلص.

# { الجياد } جمع جواد للذكر والأنثى يقال جاد الفرس صار رائضا يجود
~~جودة بالضم وهو جواد ويجمع أيضا على أجواد وأجاويد، وقال بعضهم: هو جمع
~~جود كثوب وأثواب وفسر بالذي يسرع في مشيه، وقيل هو الذي يجود بالركض،
~~وقيل: وصفت بالصفون والجودة لبيان جمعها بين الوصفين المحمودين واقفة
~~وجارية أي إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها وإذا جرت كانت سراعا
~~خفافا في جريها، والخيل تمدح بالسكون في الموقف كما تمدح بالسرعة في
~~الجري، ومن ذلك قول مسلم بن الوليد:

# وإذا احتبى قربوسه بعنانه

# علك الشكيم إلى انصراف الزائر

# وقيل جيد ككيس ضد الردىء ويجمع على جيادات وجيائد، وضعف بأنه لا فائدة
~~في ذكره مع { الصفنت } حينئذ وبأنه يفوت عليه مدح الخيل
~~باعتبار حاليها وكون الجياد أعم فذكره تعميم بعد تخصيص فيه نظر.

# وفي «البحر» قيل الجياد الطوال الأعناق من الجيد وهو العنق. وأنا في شك
~~من ثبوته، قال في «القاموس»: الجيد بالكسر العنق أو مقلده أو
~~مقدمه جمعه أجياد وجيود وبالتحريك طولها أو دقتها مع طول وهو أجيد
~~وهي جيداء وجيدانة جمعه جود اه، وراجعت غيره فلم أجد ms09159 فيه زيادة على ذلك
~~فلينقر، ويمكن أن يقال: إن الجياد جمع شاذ لأجيد أو جيداء أو جيدانة أو
~~هو جمع لجيد بالتحريك كجمل وجمال ويراد بجيد أجيد أو نحوه نظير ما يراد
~~بالخلق المخلوق والله تعالى أعلم، وأيا ما كان فالوصفان يوصف بهما
~~المذكر والمؤنث من الخيل، والجمع بألف وتاء لا يخص المؤنث فلا حاجة بعد
~~القول بأن ما عرض كان مشتملا على ذكور الخيل وإناثها إلى القول بأن في
~~الصافنات تغليب المؤنث على المذكر وأنه يجوز بقلة، وأريد بالجمع هنا
~~الكثرة فعن الكلبي أن هذه الخيل كانت ألف فرس غزا سليمان عليه السلام
~~دمشق ونصيبين فأصابها.

# واستشكلت هذه الرواية بأن الغنائم لم تحل لغير نبينا صلى الله عليه وسلم
~~كما ورد في الحديث الصحيح. وأجيب بأنه يحتمل أن تكون فيئا لا غنيمة، وعن
~~مقاتل أنها/ ألف فرس ورثها من أبيه داود وكان عليه السلام قد أصابها من
~~العمالقة وهم بنو عمليق بن عوص بن عاد بن ارم.

# واستشكلت هذه زيادة على الأولى بأن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون كما
~~جاء في الحديث الذي رواه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه محتجا به في
~~مسألة فدك والعوالي بمحضر الصحابة وهم الذين لا تأخذهم في الله لومة
~~لائم.

# وأجيب بأن المراد بالإرث حيازة التصرف لا الملك، وعقرها تقربا على ما
~~في الأوجه في الآية بعد وجاء في بعض الروايات لا يقتضي الملك، وقال عوف:
~~بلغني أنها كانت خيلا ذات أجنحة أخرجت له من البحر لم تكن لأحد قبله ولا
~~بعده، وروي كونها كذلك عن الحسن، وأخرج ابن جرير وغيره عن إبراهيم التيمي
~~أنها كانت عشرين ألف فرس ذات أجنحة، وليس في هذا شيء سوى الاستبعاد، وإذا
~~لم يلتفت إلى الأخبار في ذلك إذ ليس فيها خبر صحيح مرفوع أو ما في حكمه
~~يعول عليه فيما أعلم فلنا أن نقول: هي خيل كانت له كالخيل التي تكون عند
~~الملوك وصلت إليه بسبب من أسباب الملك فاستعرضها فلم تزل تعرض عليه حتى ms09160
~~غربت الشمس، قيل وغفل عن صلاة العصر، وحكى هذا الطبرسي عن علي كرم الله
~~تعالى وجهه وقتادة والسدي ثم قال: وفي روايات أصحابنا أنه فات أول الوقت.
~~وقال الجبائي: لم يفته الفرض وإنما فاته نفل كان يفعله آخر النهار.

### || [38.32]

# { فقال إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى } قاله
~~عليه السلام اعترافا بما صدر عنه من الاشتغال وندما عليه وتمهيدا لما
~~يعقبه من الأمر بردها وعقرها على ما هو المشهور. والخير كثر استعماله في
~~المال ومنه قوله تعالى:

# إن ترك خيرا

# [البقرة: 180] وقوله سبحانه:

# وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم

# [البقرة: 273] وقوله عز وجل:

# وإنه لحب الخير لشديد

# [العاديات: 8] وقال بعض العلماء: لا يقال للمال خير حتى يكون كثيرا ومن
~~مكان طيب كما روي أن عليا كرم الله تعالى وجهه دخل على مولى له فقال:
~~ألا أوصي يا أمير المؤمنين؟ قال: لا لأن الله تعالى يقول: { إن ترك
~~خيرا } وليس لك مال كثير، وروي تفسيره بالمال هنا عن الضحاك وابن
~~جبير. وقال أبو حيان: يراد بالخير الخيل والعرب تسمى الخيل الخير، وحكى
~~ذلك عن قتادة والسدي، ولعل ذلك لتعلق الخير بها، ففي الخبر

# " الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة "

# والإحباب على ما نقل عن الفراء مضمن معنى الإيثار وهو ملحق بالحقيقة
~~لشهرته في ذلك، وظاهر كلام بعضهم أنه حقيقة فيه فهو مما يتعدى بعلى لكن
~~عدي هنا بعن لتضمينه معنى الإنابة { وحب الخير } مفعول به أي
~~آثرت حب الخير منيبا له عن ذكر ربي أو أنبت حب الخير عن ذكر ربي
~~مؤثرا له.

# وجوز كون { حب } منصوبا على المصدر التشبيهي ويكون مفعول {
~~أحببت } محذوفا أي أحببت الصافنات أو عرضها حبا مثل حب الخير
~~منيبا لذلك عن ذكر ربي، وليس المراد بالخير عليه الخيل وذكر أبو الفتح
~~الهمداني أن أحببت بمعنى لزمت من قوله:

# ضرب بعير السوء إذ أحبا

# واعترض بأن أحب بهذا المعنى غريب لم يرد إلا في هذا البيت وغرابة اللفظ
~~تدل على اللكنة وكلام الله ms09161 عز وجل منزه عن ذلك، مع أن اللزوم لا يتعدى
~~بعن إلا إذا ضمن معنى يتعدى به أو تجوز به عنه فلم يبق فائدة في العدول
~~عن المعنى المشهور مع صحته أيضا بالتضمين وجعل بعضهم الإحباب من أول
~~الأمر بمعنى التقاعد والاحتباس و { حب الخير } مفعولا لأجله أي
~~تقاعدت واحتبست عن ذكر ربي لحب الخير.

# وتعقب بأن الذي يدل عليه كلام اللغويين أنه لزوم عن تعب أو مرض ونحوه
~~فلا يناسب تقاعد النشاط والتلهي الذي كان عليه السلام فيه وقول بعض
~~الأجلة: بعد التنزل عن جواز استعمال المقيد في المطلق لما كان لزوم
~~المكان لمحبة الخيل على خلاف مرضاة الله تعالى جعلها من/ الأمراض التي
~~تحتاج إلى التداوي بأضدادها ولذلك عقرها ففي { أحببت }  استعارة
~~تبعية لا يخفى حسنها ومناسبتها للمقام ليس بشيء لخفاء هذه الاستعارة
~~نفسها وعدم ظهور قرينتها، وبالجملة ما ذكره أبو الفتح مما لا ينبغي أن
~~يفتح له باب الاستحسان عند ذوي العرفان.

# وجوز حمل { أحببت } على ظاهره من غير اعتبار تضمينه ما يتعدى بعن
~~وجعل عن متعلقة بمقدر كمعرضا وبعيدا وهو حال من ضمير { أحببت } ،
~~وجوز في عن كونها تعليلية وسيأتي إن شاء الله تعالى و { ذكر } مضاف
~~إلى مفعوله وجوز أن يكون مضافا إلى فاعله. وقيل الإضافة على معنى اللام
~~ولا يراد بالذكر المعنى المصدري بل يراد به الصلاة فمعنى { عن ذكر
~~ربى } عن صلاة ربي التي شرعها وهو كما ترى. وبعض من جعل (عن) للتعليل
~~فسر ذلك الرب بكتابه عز وجل وهو التوراة أي أحببت الخيل بسبب كتاب الله
~~تعالى وهو التوراة فإن فيه مدح ارتباطها وروي ذلك عن أبي مسلم. وقرأ أبو
~~جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو { إنى أحببت } بفتح الياء.

# { حتى توارت بالحجاب } متعلق بقوله تعالى: { أحببت }
~~باعتبار استمرار المحبة ودوامها حسب استمرار العرض أي أنبت حب الخير عن
~~ذكر ربي واستمر ذلك حتى غربت الشمس تشبيها لغروبها في مغربها بتواري
~~المخباة بحجابها على طريق الاستعارة التبعية، ويجوز أن يكون هناك استعارة ms09162
~~مكنية تخييلية وأيا ما كان فما أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو
~~الشيخ عن كعب، قال: الحجاب هو حجاب من ياقوت أخضر محيط بالخلائق منه
~~اخضرت السماء. وما قيل إنه جبل دون قاف بسنة تغرب الشمس وراءه لا يخفى
~~حاله، والناس في ثبوت جبل قاف بين مصدق ومكذب والقرافي يقول لا وجود له
~~وإليه أميل وإن قال المثبتون ما قالوا. والباء للظرفية أو الاستعانة أو
~~الملابسة، وعود الضمير إلى الشمس من غير ذكر لدلالة العشي عليها.

### || [38.33]

# والضمير المنصوب في قوله تعالى: { ردوها على } للصافنات على ما
~~قال غير واحد. وظاهر كلامهم أنه للصافنات المذكور في الآية، ولعلك تختار
~~أنه للخيل الدال عليها الحال المشاهدة أو الخير في قوله:

# إنى أحببت حب الخير

# [ص: 32] لأن { ردوها } من تتمة مقالته عليه السلام والصافنات غير مذكورة
~~في كلامه بل في كلام الله تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم. والكلام على
~~ما قال الزمخشري على إضمار القول أي قال ردوها علي. والجملة مستأنفة
~~استئنافا بيانيا كأنه قيل: فماذا قال سليمان؟ فقيل قال: ردوها، وتعقبه
~~أبو حيان بأنه لا يحتاج إلى الإضمار إذ الجملة مندرجة تحت حكاية القول في
~~قوله تعالى:

# فقال إنى

# [ص: 32] الخ.

# والفاء في قوله تعالى: { فطفق مسحا } فصيحة مفصحة عن جملة قد
~~حذفت ثقة بدلالة الحال عليها وإيذانا بغاية سرعة الامتثال بالأمر كما في
~~قوله تعالى:

# فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا
~~عشرة عينا

# [البقرة: 60] أي فردوها عليه فطفق الخ وطفق من أفعال الشروع واسمها ضمير
~~سليمان و { مسحا } مفعول مطلق لفعل مقدر هو خبرها أي شرع يمسح مسحا
~~لا حال مؤول بماسحا كما جوزه أبو البقاء إذ لا بد لطفق من الخبر وليس
~~هذا مما يسد الحال فيه مسده. وقرأ زيد بن علي { مساحا } على وزن قتال.

# { بالسوق والأعناق } أي بسوقها وأعناقها على أن التعريف للعهد
~~وإن أل قائمة مقام الضمير المضاف إليه، والباء متعلقة بالمسح على معنى
~~شرع يمسح السيف بسوقها وأعناقها، وقال: جمع هي زائدة ms09163 أي شرع يمسح سوقها
~~وأعناقها بالسيف، ومسحته بالسيف كما قال الراغب: كناية عن الضرب. وفي
~~«الكشاف» ((يمسح السيف بسوقها وأعناقها يقطعها تقول مسح علاوته إذا ضرب
~~عنقه ومسح المسفر/ الكتاب إذا قطع أطرافه بسيفه، وعن الحسن كسف عراقيبها
~~وضرب أعناقها أراد بالكسف القطع ومنه الكسف في ألقاب الزحاف والعروض ومن
~~قاله بالشين المعجمة فمصحف))، وكون المراد القطع قد دل عليه بعض الأخبار.
~~أخرج الطبراني في «الأوسط» والإسمعيلي في «معجمه» وابن مردويه بسند حسن
~~عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله تعالى: {
~~فطفق مسحا بالسوق والأعناق } قطع سوقها وأعناقها بالسيف،
~~وقد جعلها عليه السلام بذلك قربانا لله تعالى وكان تقريب الخيل مشروعا
~~في دينه، ولعل كسف العراقيب ليتأتى ذبحها بسهولة، وقيل: إنه عليه السلام
~~حبسها في سبيل الله تعالى وكان ذلك المسح الصادر منه وسما لها لتعرف أنها
~~خيل محبوسة في سبيل الله تعالى وهو نظير ما يفعل اليوم من الوسم بالنار
~~ولا بأس به في شرعنا ما لم يكن في الوجه، ولعله عليه السلام رأى الوسم
~~بالسيف أهون من الوسم بالنار فاختاره أو كان هو المعروف في تلك الأعصار
~~بينهم، ويروى أنه عليه السلام لما فعل ذلك سخر له الريح كرامة له، وقيل:
~~إنه عليه السلام أراد بذلك إتلافها حيث شغلته عن عبادة ربه عز وجل وصار
~~تعلق قلبه بها سببا لغفلته، واستدل بذلك الشبلي قدس سره على حل تحريق
~~ثيابه بالنار حين شغلته عن ربه جل جلاله؛ وهذا قول باطل لا ينبغي أن
~~يلتفت إليه وحاشا نبي الله أن يتلف مالا محترما لمجرد أنه شغل به عن
~~عبادة وله سبيل لأن يخرجه عن ملكه مع نفع هو من أجل القرب إليه عز وجل
~~على أن تلك الخيل لم يكن عليه السلام اقتناها واستعرضها بطرا وافتخارا
~~معاذ الله تعالى من ذلك وإنما اقتناها للانتفاع بها في طاعة الله سبحانه
~~واستعرضها للتطلع على أحوالها ليصلح من شأنها ما يحتاج إلى إصلاح وكل ذلك
~~عبادة ms09164 فغاية ما يلزم أنه عليه السلام نسى عبادة لشغله بعبادة أخرى
~~فاستدلال الشبلي قدس سره غير صحيح، وقد نبه أيضا على عدم صحته عبد
~~الوهاب الشعراني من السادة الصوفية في كتابه " اليواقيت والجواهر في
~~عقائد الأكابر " ولكن بحمل الآية على محمل آخر، وما ذكرناه في محملها
~~وتفسيرها هو المشهور بين الجمهور ولهم فيها كلام غير ذلك فقيل ضمير {
~~ردوها } للشمس والخطاب للملائكة عليهم السلام الموكلين بها، قالوا:
~~طلب ردها لما فاته صلاة العصر لشغله بالخيل فردت له حتى صلى العصر، وروي
~~هذا القول عن علي كرم الله تعالى وجهه كما قال الخفاجي والطبرسي وتعقب
~~ذلك الرازي بأن القادر على تحريك الأفلاك والكواكب هو الله تعالى فكان
~~يجب أن يقول ردها علي دون { ردوها } بضمير الجمع.

# فإن قالوا: هو للتعظيم كما في

# رب ارجعون

# [المؤمنون: 99] قلنا: لفظ { ردوها } مشعر بأعظم أنواع الإهانة فكيف يليق
~~بهذا اللفظ رعاية التعظيم؟ وأيضا إن الشمس لو رجعت بعد الغروب لكان
~~مشاهدا لكل أهل الدنيا ولو كان كذلك لتوفرت الدواعي على نقله وحيث لم
~~ينقله أحد علم فساده.

# والذي يقول برد الشمس لسليمان يقول هو كردها ليوشع وردها لنبينا صلى
~~الله عليه وسلم في حديث العير ويوم الخندق حين شغل عن صلاة العصر وردها
~~لعلي كرم الله تعالى وجهه ورضي عنه بدعائه عليه الصلاة والسلام، فقد روي
~~عن أسماء بنت عميس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه ورأسه في
~~حجر علي كرم الله تعالى وجهه فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم:

# " صليت يا علي؟ قال: لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنه
~~كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم
~~رأيتها طلعت بعدما غربت ووقعت على الأرض وذلك بالصهباء في خيبر "

# ، وهذا الخبر في صحته خلاف فقد ذكره ابن الجوزي في " الموضوعات " ، وقال
~~إنه موضوع/ بلا شك وفي سنده أحمد بن داود وهو متروك الحديث كذاب كما قاله ms09165
~~الدارقطني، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث، وقال ابن الجوزي: قد روى هذا
~~الحديث ابن شاهين فذكره ثم قال: وهذا حديث باطل ومن تغفل واضعه أنه نظر
~~إلى صورة فضيلة ولم يلمح عدم الفائدة فيها وأن صلاة العصر بغيبوبة الشمس
~~تصير قضاء ورجوع الشمس لا يعيدها أداء انتهى. وقد أفرد ابن تيمية تصنيفا
~~في الرد على الروافض ذكر فيه الحديث بطرقه ورجاله وأنه موضوع. وقال
~~الإمام أحمد: لا أصل له، وصححه الطحاوي والقاضي عياض، ورواه الطبراني في
~~«معجمه الكبير» بإسناد حسن كما حكاه شيخ الإسلام ابن العراقي في «شرح
~~التقريب» عن أسماء أيضا لكن بلفظ آخر ورواه ابن مردويه عن أبي هريرة
~~وكان أحمد بن صالح يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث
~~أسماء لأنه من علامات النبوة.

# وكذا اختلف في حديث الرد يوم الخندق فقيل ضعيف، وقيل: موضوع، وادعى
~~العلامة ابن حجر الهيثمي صحته، وما في حديث العير - وأظن أنهم اختلفوا في
~~صحته أيضا - ليس صريحا في الرد فإن لفظ الخبر أنه لما أسرى بالنبي صلى
~~الله عليه وسلم وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير قالوا: متى
~~يجيء؟ قال: يوم الأربعاء فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد ولى
~~النهار ولم يجيء فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزيد له في النهار
~~ساعة وحبست عليه الشمس والحبس غير الرد ولو كان هناك رد لأدركه قريش
~~ولقالوا فيه ما قالوا في انشقاق القمر ولم ينقل، وقيل: كأن ذلك كان بركة
~~في الزمان نحو ما يذكره الصوفية مما يعبرون عنه بنشر الزمان وإن لم
~~يتعلقه الكثير وكذا ما كان ليوشع عليه السلام فقد جاء في الحديث الصحيح

# " لم تحبس الشمس على أحد إلا ليوشع بن نون "

# والقصة مشهورة وهذا الحديث الصحيح عند الكل يعارض جميع ما تقدم، وتأويله
~~بأن المراد لم تحبس على أحد من الأنبياء غيري إلا ليوشع أو بالتزام أن
~~المتكلم غير داخل في عموم كلامه بعد تسليم قبوله لا ينفي معارضته خبر ms09166
~~الرد لسليمان عليه السلام فإنه بظاهره يستدعي نفي الرد الذي هو أعظم من
~~الحبس له عليه السلام.

# وبالجملة القول برد الشمس لسليمان عليه السلام غير مسلم، وعدم قولي بذلك
~~ليس لامتناع الرد في نفسه كما يزعمه الفلاسفة بل لعدم ثبوته عندي، والذوق
~~السليم يأبى حمل الآية على ذلك لنحو ما قال الرازي ولغيره من تعقيب طلب
~~الرد بقوله تعالى: { فطفق } الخ ثم ما قدمنا نقله من وقوع الصلاة بعد
~~الرد قضاء هو ما ذهب إليه البعض.

# وفي " تحفة العلامة ابن حجر الهيتمي " لو عادت الشمس بعد الغروب عاد
~~الوقت كما ذكره ابن العماد، وقضية كلام الزركشي خلافه وأنه لو تأخر
~~غروبها عن وقته المعتاد قدر غروبها عنده وخرج الوقت وإن كانت موجودة
~~انتهى كلام الزركشي، وما ذكر آخرا بعيد وكذا أولا فالأوجه كلام ابن
~~العماد ولا يضر كون عودها معجزة له صلى الله عليه وسلم لأن المعجزة [في]
~~نفس العود وأما بقاء الوقت بعودها فبحكم الشرع ومن ثم لما عادت صلى علي
~~كرم الله تعالى وجهه العصر أداء بل عودها لم يكن إلا لذلك انتهى. ولا
~~يحضرني الآن ما لأصحابنا الحنفية في ذلك بيد أني رأيت في «حواشي تفسير
~~البيضاوي» لشهاب الدين الخفاجي وهو من أجلة الأصحاب ادعاء أن الظاهر أن
~~الصلاة بعد الرد أداء ثم قال: وقد بحث الفقهاء فيه بحثا طويلا ليس هذا
~~محله.

# وقيل ضمير { توارت } للخيل كضمير { ردوها } واختاره جمع فقيل
~~الحجاب اصطبلاتها أي حتى دخلت اصطبلاتها، وقيل حتى توارت في المسابقة بما
~~يحجبها عن النظر، وبعض من قال بإرجاع الضمير للخيل جعل (عن) للتعليل ولم
~~يجعل المسح بالسوق والأعناق بالمعنى السابق فقالت طائفة: عرض على سليمان/
~~الخيل وهو في الصلاة فأشار إليهم أني في صلاة فأزالوها عنه حتى دخلت في
~~الاصطبلات فقال لما فرغ من صلاته:

# إنى أحببت حب الخير

# [ ص: 32] أي الذي لي عند الله تعالى في الآخرة بسبب ذكر ربي كأنه يقول
~~فشغلني ذلك عن رؤية الخيل حتى دخلت اصطبلاتها ردوها علي فطفق ms09167 يمسح
~~أعرافها وسوقها محبة لها وتكريما. وروي أن المسح كان لذلك عن ابن عباس
~~والزهري وابن كيسان ورجحه الطبري، وقيل كان غسلا بالماء ولا يخفى أن
~~تطبيق هذه الطائفة الآية على ما يقولون ركيك جدا.

# وقال الرازي: قال الأكثرون إنه عليه السلام فاته صلاة العصر بسبب
~~اشتغاله بالنظر إلى الخيل فاستردها وعقر سوقها وأعناقها تقربا إلى الله
~~تعالى، وعندي أنه بعيد ويدل عليه وجوه، الأول: أنه لو كان مسح السوق
~~والأعناق قطعها لكان معنى قوله تعالى:

# وامسحوا برؤسكم

# [المائدة: 6] اقطعوها وهذا لا يقوله عاقل بل لو قيل مسح رأسه بالسيف
~~فربما فهم منه ضرب العنق أما إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم منه ذلك
~~البتة، الثاني: أن القائلين بهذا القول جمعوا على سليمان أنواعا من
~~الأفعال المذمومة، فأولها: ترك الصلاة، وثانيها: أنه استولى عليه
~~الاشتغال بحب الدنيا إلى حيث نسي الصلاة، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

# " حب الدنيا رأس كل خطيئة "

# وثالثها: أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة والإنابة،
~~ورابعها: على القول برجوع ضمير { ردوها } إلى الشمس أنه خاطب رب
~~العالمين بكلمة لا يذكرها الرجل الحصيف إلا مع الخادم الخسيس، وخامسها:
~~أنه أتبع هذه المعاصي بعقر الخيل سوقها وأعناقها وقد ورد النهي عن ذبح
~~الحيوان إلا لأكله. فهذه أنواع من الكبائر نسبوها إلى سليمان عليه السلام
~~مع أن لفظ القرآن لا يدل على شيء منها، وسادسها: أن ذكر هذه القصة وكذا
~~التي قبلها بعد أمره بالصبر على سفاهة الكفار يقتضي أن تكون مشتملة على
~~الأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة والصبر على طاعة الله تعالى والإعراض
~~عن الشهوات واللذات وأما اشتمالها على الإقدام على الكبائر العظيمة
~~والذنوب الجسيمة فبمراحل عن مقتضى التعقيب أن كتاب الله تعالى ينادي على
~~القول المذكور بالفساد. والصواب أن يقال: إن رباط الخيل كان مندوبا إليه
~~في دينهم كما أنه كذلك في دين نبينا صلى الله عليه وسلم ثم إن سليمان
~~احتاج إلى الغزو فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها وذكر أني لا أحبها ms09168
~~لأجل الدنيا ونصيب النفس وإنما أحبها لأمر الله تعالى وتقوية دينه وهو
~~المراد من قوله:

# عن ذكر ربى

# [ص: 32] ثم إنه عليه السلام أمر بإعدائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب أي
~~غابت عن بصره ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخيل إليه فلما عادت إليه
~~طفق يمسح سوقها وأعناقها والغرض من ذلك المسح أمور.

# الأول: تشريف لها وإبانة لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو،
~~والثاني: أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يتضع إلى حيث يباشر
~~أكثر الأمور بنفسه، والثالث: أنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها
~~فكان يمتحنها ويمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض؟
~~فهذا التفسير الذي ينطبق عليه لفظ القرآن انطباقا موافقا، ولا يلزمنا
~~نسبة شيء من تلك المنكرات والمحذورات إلى نبي من الأنبياء عليهم السلام،
~~ثم قال: وأقول أنا شديد التعجب من الناس كيف قبلوا ما شاع من الوجوه
~~السخيفة مع أن العقل والنقل يردانها وليس لهم في إثباتها شبهة فضلا عن
~~حجة ولفظ الآية لا يدل على شيء من تلك الوجوه التي يذكرها الجمهور كما قد
~~ظهر ظهورا لا يرتاب العاقل فيه، وبفرض الدلالة يقال: إن الدلائل
~~الكثيرة/ قامت على عصمة الأنبياء عليهم السلام ولم يدل دليل على صحة تلك
~~الحكايات ورواية الآحاد لا تصلح معارضة للدلائل القوية فكيف الحكايات عن
~~أقوام لا يبالي بهم ولا يلتفت إلى أقوالهم انتهى كلامه.

# وكان عليه الرحمة قد اعترض القول برجوع ضمير { توارت } إلى الشمس
~~دون الصافنات بأن الصافنات مذكورة بصريحها والشمس ليست كذلك وعود الضمير
~~إلى المذكور أولى من عوده إلى المقدر، وأيضا أنه قال

# إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى حتى توارت
~~بالحجاب

# [ص: 32] وظاهره يدل على أنه كان يعيد ويكرر قوله إني أحببت حب الخير عن
~~ذكر ربي إلى أن توارت بالحجاب فإذا كانت المتوارية الشمس يلزم القول
~~بأنه كرر ذلك من العصر إلى المغرب وهو بعيد، وإذا كانت الصافنات كان
~~المعنى أنه حين وقع بصره عليها ms09169 حال عرضها كان يقول ذلك إلى أن غابت عن
~~عينه وذلك مناسب، وأيضا القائلون بالعود إلى الشمس قائلون بتركه عليه
~~السلام صلاة العصر ويأباه { إنى أحببت } الخ لأن تلك المحبة لو
~~كانت عن ذكر الله تعالى لما نسي الصلاة ولما ترك ذكر الله عز وجل، وأقول:
~~ما عند الجمهور أولى بالقبول وما ذكره عليهم من الوجوه لا يلتفت إليه ولا
~~يعول عليه.

# أما ما قاله من أنه لو كان مسح السوق والأعناق بمعنى القطع لكان امسحوا
~~برؤسكم أمرا بقطعها ففيه أن هذا إنما يتم لو قيل إن المسح كلما ذكر
~~بمعنى القطع ولم يقل ولا يقال وإنما قالوا: إن المسح في الآية بمعنى
~~القطع وقد قال بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في خبر حسن وقد
~~قدمناه لك عن الطبراني والإسمعيلي وابن مردويه وليس بعد قوله عليه
~~الصلاة والسلام قول لقائل، ويكفي مثل ذلك الخبر في مثل هذا المطلب إذ ليس
~~فيه ما يخالف العقل أو نقلا أقوى كما ستعرفه إن شاء الله تعالى.

# وقد ذكر هذا المعنى للمسح الزمخشري أيضا وهو من أجلة علماء هذا الشأن،
~~وصح نقله عن جماعة من السلف، وقال الخفاجي: استعمال المسح بمعنى ضرب
~~العنق استعارة وقعت في كلامهم قديما، نعم احتياج ذلك للقرينة مما لا
~~شبهة فيه، والقرينة عند من يدعيه ههنا السياق وعود ضمير { توارت }
~~على الشمس وهو كالمتعين كما سيتضح لك إن شاء الله تعالى.

# وأما قوله: إنهم جمعوا على سليمان عليه السلام أنواعا من الأفعال
~~المذمومة ففرية من غير مرية. وقوله: أولها: ترك الصلاة فيه أن الترك
~~المذموم ما كان عن عمد وهم لا يقولون به وما يقولون به الترك نسيانا وهو
~~ليس بمذموم إذ النسيان لا يدخل تحت التكليف على أن كون ما ترك فرضا مما
~~لم يجزم به الجميع، وقوله: ثانيها: أنه استولى عليه الاشتغال بحب الدنيا
~~إلى حيث ترك الصلاة، فيه أن ذلك اشتغال بخيل الجهاد وهو عبادة.

# وقوله: ثالثها: أنه بعد الإتيان بهذا الذنب ms09170 العظيم لم يشتغل بالتوبة
~~والإنابة، فيه أنا لا نسلم أنه عليه السلام ارتكب ذنبا حقيقة فضلا عن
~~كونه عظيما، نعم ربما يقال: إنه عليه السلام لم يستحسن ذلك بمقامه
~~فأتبعه التقرب بالخيل التي شغل بسببها وذلك يدل على التوبة دلالة قوية
~~ولم يكن ليتعطل أمر الجهاد به فقد أوتي عليه السلام غير ذلك على أن كون
~~ما ذكر كالاستشهاد على قوله تعالى:

# إنه أواب

# [ص: 30]مشعر بتضمنه الأوبة وإن ذهبنا إلى تعلق

# إذ عرض

# [ص: 32] بأواب يكاد لا يرد هذا الكلام رأسا.

# وقوله: رابعها: أنه خاطب ربه عز وجل بلفظ غير مناسب، فيه أنه إن ورد
~~فإنما يرد على القول برجوع ضمير { ردوها } إلى الشمس ونحن لا نقول به
~~فلا يلزمنا الجواب عنه، والذي نقوله: إن الضمير للخيل والخطاب لخدمته ومع
~~هذا لم يقل تلك الكلمة تهورا وتجبرا كما يتوهم، وقوله: خامسها: أنه
~~اتبع هذه المعاصي بعقر الخيل وقد ورد النهي الخ، فيه أنه عليه السلام لم
~~يفعل معصية ليقال أتبع هذه المعاصي وأن الخيل عقرت قربانا وكان تقريبها
~~مشروعا في دينه فهو طاعة، ومن مجموع ما ذكرنا يعلم ما في قوله سادسها:
~~الخ على أنه قد تقدم لك وجه ربط هذه القصص بما قبلها وهو لا يتوقف على
~~التزام ما قاله في هذه القصة وما زعمه من أنه الصواب ففي إرجاع ضمير {
~~توارت } إلى الخيل، ولا يخفى على ذي ذوق سليم وطبع مستقيم أن تواري
~~الخيل بالحجاب عبارة ركيكة يجل عنها الكتاب المتين، وفيه أيضا أنه لا
~~يكاد ينساق إلى الذهن متعلق { حتى توارت } الذي أشار إليه في
~~تقرير ما زعم صوابيته وتعلقه بقال على ما يشير إليه كلامه المنقول آخرا
~~مما يستبعد جدا فإن الظاهر أن قوله:

# حتى توارت بالحجاب

# [ص: 32] من المحكي كالذي قبله والذي بعده لا من الحكاية، وأيضا كون
~~الرد للمسح الذي ذكره خلاف ما جاء في الخبر الحسن وهو في نفسه بعيد،
~~والأغراض التي ذكرها فيه لا يخفى حالها، ودعواه أن هذا التفسير هو ms09171 الذي
~~ينطبق عليه لفظ القرآن مما لا يتم لها دليل ولعل الدليل على عدم الانطباق
~~ظاهر.

# وقوله: أنا شديد التعجب من الناس الخ أقول فيه: أنا تعجبي منه أشد من
~~تعجبه من الناس حيث خفي عليه حسن الوجه الذي استحسنه الجمهور ولم يطلع
~~على ما ورد فيه من الأخبار الحسان وظن أن القول به مناف للقول بعصمة
~~الأنبياء عليهم السلام حتى قال ما قال ورشق على الجمهور النبال، وقوله في
~~ترجيح رجوع ضمير { توارت } إلى { الصفنت } على رجوعه إلى
~~الشمس أنها مذكورة بصريحها دون الشمس ليس بشيء فإن رجوعه إلى الشمس يجعل
~~الكلام ركيكا فلا ينبغي ارتكابه لمجرد أن فيه رجوع الضمير إلى مذكور
~~صريحا على أن في كونه راجعا إلى الصافنات المذكورة صريحا بحثا، ولا
~~يرد على الجمهور لزوم تخالف الضمائر في المرجع وهو تفكيك لأن التخالف مع
~~القرينة لا ضير فيه، وأعجب مما ذكر زعمه أنه يلزم على ما قال الجمهور أن
~~سليمان عليه السلام كرر قوله:

# إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى

# [ص: 32] من العصر إلى المغرب فإن الجمهور ما حاموا حول ما يلزم منه ذلك
~~أصلا إذ لم يقل أحد منهم بأن حتى متعلق بقال كما زعم هو بل هي عندهم
~~متعلقة بأحببت على المعنى الذي أسلفناه، ومن أنصف لا يرتضي أيضا القول
~~بأنه عليه السلام كرر ذلك القول إلى أن غابت الخيل عن عينه كما قاله به
~~هذا الإمام، ويرد على قوله القائلون بالعود إلى الشمس قائلون بتركه عليه
~~السلام صلاة العصر ويأباه { إنى أحببت } الخ لأن تلك المحبة لو
~~كانت عن ذكر الله تعالى لما نسي الصلاة أن الجمهور لا يقولون بأن على
~~للتعليل والإباء المذكور على تقدير تسليمه لا يتسنى إلا على ذلك وما
~~يقولونه وقد أسلفناه لك بمراحل عنه.

# وبالجملة قد اختلت أقوال هذا الإمام في هذا المقام ولم ينصف مع الجمهور
~~وهم أعرف منه بالمأثور، نعم ما ذكره في الآية وجه ممكن فيها على بعد إذا
~~قطع النظر عن الأخبار ms09172 وما جاء عن السلف من الآثار، وقد ذكر نحوه عبد
~~الوهاب الشعراني في كتابه " اليواقيت والجواهر " وهو في الحقيقة والله
~~تعالى أعلم من كلام الشيخ الأكبر محيي الدين قدس سره وقد خالف الجمهور
~~كالإمام. قال في الباب المائة والعشرين من " الفتوحات ": ليس للمفسرين
~~الذين جعلوا التواري للشمس دليل فإن الشمس ليس لها هنا ذكر ولا للصلاة
~~التي يزعمون ومساق الآية لا يدل على ما قالوه بوجه ظاهر البتة، وأما
~~استرواحهم فيما فسروه بقوله تعالى:

# ولقد فتنا سليمن

# [ص: 34] فالمراد بتلك الفتنة إنما هو الاختبار بالخيل هل يحبها عن ذكر
~~ربه تعالى لها أو يحبها لعينها؟ فأخبر عليه السلام عن نفسه/ أنه أحبها عن
~~ذكر ربه سبحانه إياها لا لحسنها وكمالها وحاجته إليها إلى آخر ما قال،
~~وقد كان قدس سره معاصرا للإمام وكتب إليه رسالة يرغبه فيها بسلوك طريقة
~~القوم ولم يجتمعا، وغالب الظن أنه لم يأخذ أحدهما من الآخر ما قال في
~~الآية بل لم يسمعه وعلم كل منهما لا ينكر والشيخ بحر لا يدرك قعره، وما
~~ذكره في الاسترواح مما لم أقف عليه لأحد من المفسرين والله تعالى أعلم.

# وقرأ ابن كثير { بالسؤق } بهمزة ساكنة قال أبو علي: وهي ضعيفة لكن وجهها
~~في القياس أن الضمة لما كانت تلي الواو وقدر أنها عليها كما يفعلون
~~بالواو المضمومة حيث يبدلونها همزة، ووجهها من القياس أن أبا حبة النميري
~~كان يهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة وكان ينشد:

# أحب الوافدين إلى مؤسى

# وقال أبو حيان: ليست ضعيفة لأن الساق فيه الهمزة فوزنه فعل بسكون العين
~~فجاءت هذه القراءة على هذه اللغة. وتعقب بأن همز الساق إبدال على غير
~~القياس إذ لا شبهة في كونه أجوف فلا بد من التوجيه بما تقدم. وقرأ ابن
~~محيصن { بالسؤوق } بهمزة مضمومة بعدها واو ساكنة بوزن الفسوق، ورواها
~~بكار عن قنبل وهو جمع ساق أيضا. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {
~~بالساق } مفردا اكتفى به عن الجمع لأمن اللبس.

### || [38.34]

# { ولقد فتنا سليمن ms09173 وألقينا على كرسيه
~~جسدا ثم أناب } أظهر ما قيل في فتنته عليه السلام أنه قال:
~~لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تأتي كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله
~~تعالى ولم يقل إن شاء الله فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة وجاءت بشق رجل
~~وقد روى ذلك الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعا وفيه: «فوالذي نفس
~~محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا فرسانا» لكن الذي في «صحيح
~~البخاري» أربعين بدل سبعين وأن الملك قال له: قل إن شاء الله فلم يقل
~~وغايته ترك الأولى فليس بذنب وإن عده هو عليه السلام ذنبا، فالمراد
~~بالجسد ذلك الشق الذي ولد له، ومعنى إلقائه على كرسيه وضع القابلة له
~~عليه ليراه.

# وروى الإمامية عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه ولد لسليمان ابن
~~فقالت الجن والشياطين: إن عاش له ولد لنلقين منه من أبيه من البلاء فأشفق
~~عليه السلام منهم فجعله وظئره في السحاب من حيث لا يعلمون فلم يشعر إلا
~~وقد ألقي على كرسيه ميتا تنبيها على أن الحذر لا ينجي من القدر وعوتب
~~على تركه التوكل اللائق بالخواص من ترك مباشرة الأسباب، وروي ذلك عن
~~الشعبي أيضا، ورواه بعضهم عن أبي هريرة على وجه لا يشك في وضعه إلا من
~~يشك في عصمة الأنبياء عليهم السلام، وأنا في صحة هذا الخبر لست على يقين
~~بل ظاهر الآية أن تسخير الريح بعد الفتنة وهو ظاهر في عدم صحة الخبر لأن
~~الوضع في السحاب يقتضي ذلك.

# وأخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي من طريق علي بن زيد عن سعيد بن
~~المسيب أن سليمان عليه السلام احتجب عن الناس ثلاثة أيام فأوحى الله
~~تعالى إليه أن يا سليمان احتجبت عن الناس ثلاثة أيام فلم تنظر في أمور
~~عبادي ولم تنصف مظلوما من ظالم وكان ملكه في خاتمه وكان إذا دخل الحمام
~~وضع خاتمه تحت فراشه فجاء الشيطان فأخذه فأقبل الناس على الشيطان فقال
~~سليمان: يا أيها الناس أنا سليمان نبي الله ms09174 تعالى فدفعوه فساح أربعين
~~يوما فأتى أهل سفينة فأعطوه حوتا فشقها فإذا هو بالخاتم فيها فتختم به
~~ثم جاء فأخذ بناصيته فقال عند ذلك:

# رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى

# [ص: 35].

# وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم قال ابن حجر: والسيوطي بسند قوي
~~عن ابن عباس أراد سليمان عليه السلام أن يدخل الخلاء فأعطى الجرادة خاتمه
~~وكانت امرأته وكانت أحب نسائه إليه فجاء الشيطان/ في صورة سليمان فقال
~~لها: هاتي خاتمي فأعطته فلما لبسه دانت الإنس والجن والشياطين فلما خرج
~~سليمان قال لها: هاتي خاتمي قالت: قد أعطيته سليمان قال أنا سليمان قالت
~~كذبت لست سليمان فجعل لا يأتي أحدا فيقول له أنا سليمان إلا كذبه حتى
~~جعل الصبيان يرمونه بالحجارة فلما رأى ذلك عرف أنه من أمر الله تعالى
~~وقام الشيطان يحكم بين الناس فلما أراد الله تعالى أن يرد عليه سلطانه
~~ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان فأرسلوا إلى نساء سليمان فقالوا:
~~أتنكرن من سليمان شيئا؟ قلن: نعم إنه يأتينا ونحن حيض وما كان يأتينا
~~قبل ذلك فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له ظن أن أمره قد انقطع فأمر
~~الشياطين فكتبوا كتبا فيها سحر ومكر فدفنوها تحت كرسي سليمان ثم أثاروها
~~وقرؤها على الناس وقالوا: بهذا كان يظهر سليمان على الناس ويغلبهم فاكفر
~~الناس سليمان وبعث ذلك الشيطان بالخاتم فطرحه في البحر فتلقته سمكة
~~فأخذته وكان عليه السلام يعمل على شط البحر بالأجر فجاء رجل فاشترى سمكا
~~فيه تلك السمكة، فدعا سليمان فحمل معه السمك إلى باب داره فأعطاه تلك
~~السمكة فشق بطنها فإذا الخاتم فيه فأخذه فلبسه فدانت له الإنس والجن
~~والشياطين وعاد إلى حاله وهرب الشيطان إلى جزيرة في البحر فأرسل في طلبه
~~وكان مريدا فلم يقدروا عليه حتى وجدوه نائما فبنوا عليه بنيانا من
~~رصاص فاستيقظ فأوثقوه وجاؤا به إلى سليمان فأمر فنقر له صندوق من رخام
~~فأدخل في جوفه ثم سد بالنحاس ثم أمر به فطرح ms09175 في البحر.

# وذكر في سبب ذلك أنه عليه السلام كان قد غزا صيدون في الجزائر فقتل
~~ملكها وأصاب ابنته وهي جرادة المذكورة فأحبها وكان لا يرقأ دمعها جزعا
~~على أبيها فأمر الشياطين فمثلوا لها صورته وكان ذلك جائزا في شريعته
~~وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدن لها كعادتهن في ملكه فأخبره آصف
~~فكسر الصورة وضرب المرأة فعوتب بذلك حيث تغافل عن حال أهله. واختلف في
~~اسم ذلك الشيطان فعن السدي أنه حبقيق؛ وعن الأكثرين أنه صخر وهو المشهور.
~~وإنما قال سبحانه: { جسدا } لأنه إنما تمثل بصورة غيره وهو سليمان
~~عليه السلام وتلك الصورة المتمثلة ليس فيها روح صاحبها الحقيقي وإنما حل
~~في قالبها ذلك الشيطان فلذا سميت جسدا وعبارة «القاموس» صريحة في أن
~~الجسد يطلق على الجني.

# وقال أبو حيان وغيره: ((إن هذه المقالة من أوضاع اليهود وزنادقة
~~السوفسطائية ولا ينبغي لعاقل أن يعتقد صحة ما فيها، وكيف يجوز تمثل
~~الشيطان بصورة نبي حتى يلتبس أمره عند الناس ويعتقدوا أن ذلك المتصور هو
~~النبي، ولو أمكن وجود هذا لم يوثق بإرسال نبي نسأل الله تعالى سلامة
~~ديننا وعقولنا)) ومن أقبح ما فيها زعم تسلط الشيطان على نساء نبيه حتى
~~وطئهن وهن حيض الله أكبر هذا بهتان عظيم وخطب جسيم ونسبة الخير إلى ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما لا تسلم صحتها، وكذا لا تسلم دعوى قوة سنده
~~إليه وإن قال بها من سمعت.

# وجاء عن ابن عباس برواية عبد الرزاق وابن المنذر ما هو ظاهر في أن ذلك
~~من أخبار كعب ومعلوم أن كعبا يرويه عن كتب اليهود وهي لا يوثق بها على
~~أن إشعار ما يأتي بأن تسخير الشياطين بعد الفتنة يأبى صحة هذه المقالة
~~كما لا يخفى، ثم إن أمر خاتم سليمان عليه السلام في غاية الشهرة بين
~~الخواص والعوام ويستبعد جدا أن يكون الله تعالى قد ربط ما أعطى نبيه
~~عليه السلام من الملك بذلك الخاتم وعندي أنه لو كان في ذلك الخاتم السر
~~الذي يقولون ms09176 لذكره الله عز وجل في كتابه والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.

# وقال قوم: مرض سليمان عليه السلام مرضا كالإغماء حتى صار على كرسيه
~~كأنه جسد بلا روح وقد شاع/ قولهم في الضعيف: لحم على وضم وجسد بلا روح
~~فالجسد الملقى على الكرسي هو عليه السلام نفسه. وروي ذلك عن أبي مسلم
~~وقال في قوله تعالى: { ثم أناب } أي رجع إلى الصحة وجعل { جسدا
~~} حالا من مفعول { ألقينا } المحذوف كأنه قيل ولقد فتنا سلميان أي
~~ابتليناه وأمرضناه وألقيناه على كرسيه ضعيفا كأنه جسد بلا روح ثم رجع
~~إلى صحته، ولا يخفى سقمه، والحق ما ذكر أولا في الحديث المرفوع.

# وعطف { أناب } بثم وكان الظاهر الفاء كما في قوله تعالى:

# فاستغفر ربه

# [ص: 24] قيل إشارة إلى استمرار إنابته وامتدادها فإن الممتد يعطف بها
~~نظرا لأواخره بخلاف الاستغفار فإنه ينبغي المسارعة إليه ولا امتداد في
~~وقته، وقيل: إن العطف بثم هنا لما أنه عليه السلام لم يعلم الداعي إلى
~~الإنابة عقيب وقوعه وهذا بخلاف ما كان في قصة داود عليه السلام فإن العطف
~~هناك على ظن الفتنة واللائق به أن لا يؤخر الاستغفار عنه، وقيل: العطف
~~بها هنا لما أن بين زمان الإنابة وأول زمان ما وقع منه عليه السلام من
~~ترك الاستثناء مدة طويلة وهي مدة الحمل وليس بين زمان استغفار داود عليه
~~السلام وأول زمان ما وقع منه كذلك.

### || [38.35]

# { قال } بدل من

# أناب

# [ص: 34] وتفسير له على ما في «إرشاد العقل السليم» وهو الظاهر. ويمكن أن
~~يكون استئنافا بيانيا نشأ من حكاية ما تقدم كأنه قيل فهل كان له حال لا
~~يضر معه مسح الخيل سوقها وأعناقها؟ وهل كان بحيث تقتضي الحكمة فتنته؟
~~فأجيب بما أجيب وحاصله نعم كان له حال لا يضر معه المسح وكان بحيث تقتضي
~~الحكمة فتنته فقد دعا بملك عظيم فوهب له، ويمكن أن يقرر الاستئناف على
~~وجه آخر، وكذا يمكن أن يكون استئنافا نحويا لحكاية شيء من أحواله عليه
~~السلام فتأمل.

# { رب اغفر لى } ما ms09177 لم أستحسن صدوره عني. { وهب لى ملكا
~~لا ينبغى لاحد من بعدى } أي لا يصح لأحد غيري لعظمته فبعد
~~هنا نظير ما في قوله تعالى:

# فمن يهديه من بعد الله

# [الجاثية: 23] أي غير الله تعالى، وهم أعم من أن يكون الغير في عصره،
~~والمراد وصف الملك بالعظمة على سبيل الكناية كقولك لفلان ما ليس لأحد من
~~الفضل والمال وربما كان في الناس أمثاله تريد أن له من ذلك شيئا عظيما
~~لا أن لا يعطي أحد مثله ليكون منافسة، وما أخرج عبد بن حميد والبخاري
~~ومسلم والنسائي والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول»، وابن مردويه عن أبي
~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إن عفريتا جعل يتفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي وإن الله تعالى
~~أمكنني منه فلقد هممت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا
~~فتنظروا إليه كلكم فذكرت قول أخي سليمان { رب اغفر لى وهب لى
~~ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى } فرده الله تعالى خاسئا "

# لا ينافي ذلك لأنه عليه الصلاة والسلام أراد كمال رعاية دعوة أخيه
~~سليمان عليه السلام بترك شيء تضمنه ذلك الملك العظيم وإلا فالملك العظيم
~~ليس مجرد ربط عفريت إلى سارية بل هو سائر ما تضمنه قوله تعالى الآتي:

# فسخرنا له الريح

# [ص: 36] الخ. وقيل: إن عدم المنافاة لأن الكناية تجامع إرادة الحقيقة
~~كما تجامع إرادة عدمها، ولعله إنما طلب عليه السلام ذلك ليكون علامة على
~~قبول سؤاله المغفرة وجبر قلب عما فاته بترك الاستثناء أو ليتوصل به إلى
~~تكثير طاعته لله عز وجل ونعمة الدنيا الصالحة للعبد الصالح فلا إشكال في
~~طلب الملك في هذا المقام إذا قلنا بما يقتضيه ظاهر النظم الجليل من صدور
~~الطلبين معا.

# وقال الزمخشري: ((كان سليمان عليه السلام ناشئا في بيت الملك والنبوة
~~ووارثا لهما فأراد أن يطلب من ربه عز وجل معجزة فطلب على حسب إلفه ملكا
~~زائدا على الممالك زيادة خارقة للعادة بالغة حد الإعجاز ليكون/ ذلك
~~دليلا على نبوته قاهرا للمبعوث ms09178 إليهم ولن تكون معجزة حتى تخرق العادات
~~فذلك معنى { لا ينبغى لاحد من بعدى } )) فقوله من { بعدى
~~} بمعنى من دوني وغيري كما في الوجه السابق، وحسن طلب ذلك معجزة مع قطع
~~النظر عن الإلف أنه عليه السلام كان زمن الجبارين وتفاخرهم بالملك ومعجزة
~~كل نبي من جنس ما اشتهر في عصره، ألا ترى أنه لما اشتهر السحر وغلب في
~~عهد الكليم عليه السلام جاءهم بما يتلقف ما أتوا به، ولما اشتهر الطب في
~~عهد المسيح عليه السلام جاءهم بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، ولما
~~اشتهر في عهد خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم الفصاحة أتاهم بكلام لم
~~يقدروا على أقصر فصل من فصوله.

# واعترض بأن اللائق بطلب المعجزة أن يكون في ابتداء النبوة وظاهر النظم
~~الجليل أن هذا الطلب كان بعد الفتنة والإنابة كيف لا وقوله تعالى: {
~~قال } الخ بدل من { أناب } وتفسير له والفتنة لم تكن في الابتداء
~~كما يشعر به النظم. وأجيب بأنا لا نسلم أن اللائق بطلب المعجزة كونها في
~~ابتداء النبوة وإن سلم فليس في الآية ما ينافي وقوعه، وكذا وقوع الفتنة
~~في ابتدائها لا سيما إن قلنا: إن قوله تعالى: { قال رب اغفر لى }
~~الخ ليس تفسيرا لأناب. وأجيب على القول بأن الفتنة كانت سلب الملك بأن
~~رجوعه بعد كالابتداء.

# وذكر بعض الذاهبين إلى ذلك أنه عليه السلام أقام في ملكه قبل هذه الفتنة
~~عشرين سنة وأقام بعدها عشرين سنة أيضا وقالوا في هذه الآية: إن مصب
~~الدعاء الوصف فمعنى الآية هب لي ملكا لا ينبغي لأحد غيري ممن هو في عصري
~~بأن يسلبه مني كهذه السلبة. وروي هذا المعنى عن عطاء بن أبي رباح
~~وقتادة، وحاصله الدعاء بعدم سلب ملكه عنه في حياته، ويفهم مما في سياق
~~التفريع إجابة سؤاله عليه السلام وأن ما وهب له لا يسلب عنه بعد. وجوز أن
~~يكون هذا دعاء بعدم السلب وإن لم يتقدم سلب ودوام نعمة الله عز وجل مما
~~يحسن الدعاء به والآثار ملأى من ذلك ms09179 فهذا الوجه لا يتعين بناؤه على تفسير
~~الفتنة بسلب الملك على ما حكى سابقا.

# وقال الجبائي: إنه عليه السلام طلب ملكا لا يكون لغيره أبدا ولم يطلب
~~ذلك إلا بعد الإذن فإن الأنبياء عليهم السلام لا يطلبون إلا ما يؤذن لهم
~~في طلبه وجائز أن يكون الله تعالى قد أعلمه أنه إن سأل ذلك كان أصلح له
~~في الدين وأعلمه أن لا صلاح لغيره فيه وهو نظير قول القائل: اللهم اجعلني
~~أكثر أهل زماني مالا إذا علمت أن ذلك أصلح لي فإنه حسن لا ينسب قائله
~~إلى شح اه.

# قيل ويجوز أن يكون معنى الآية عليه هب لي ملكا ينبغي لي حكمة ولا ينبغي
~~حكمة لأحد غيري وأراد بذلك طلب أن يكون عليه السلام متأهلا لنعم الله عز
~~وجل وهو كما ترى. وقيل غير ذلك، ومن أعجب ما رأيت ما قاله السيد المرتضى:
~~إنه يجوز أن يكون إنما سأل ملك الآخرة وثواب الجنة ويكون معنى قوله: {
~~لا ينبغى لاحد من بعدى } لا يستحقه بعد وصوله إليه من حيث لا
~~يصح أن يعمل ما يستحق به ذلك لانقطاع التكليف، ولا يخفى أنه مما لا
~~يرتضيه الذوق والتفريع الآتي آب عنه كل الإباء.

# واستدل بعضهم بالآية على بعض الأقوال المذكورة فيها على تكفير من ادعى
~~استخدام الجن وطاعتهم له وأيد ذلك بالحديث السابق، والحق أن استخدام الجن
~~الثابت لسليمان عليه السلام لم يكن بواسطة أسماء ورياضات بل هو تسخير
~~إلهي من غير واسطة شيء وكان أيضا على وجه أتم وهو مع/ ذلك بعض الملك
~~الذي استوهبه فالمختص على تقدير إفادة الآية الاختصاص مجموع ما تضمنه
~~قوله تعالى:

# فسخرنا

# [ص: 36] الخ فالظاهر عدم إكفار من يدعي استخدام شيء من الجن، ونحن قد
~~شاهدنا مرارا من يدعي ذلك وشاهدنا آثار صدق دعواه على وجه لا ينكره إلا
~~سوفسطائي أو مكابر.

# ومن الاتفاقيات الغريبة أني اجتمعت يوم تفسيري لهذه الآية برجل موصلي
~~يدعي ذلك وامتحنته بما يصدق دعواه في محفل عظيم ففعل وأتى بالعجب العجاب، ms09180
~~وكانت الأدلة على نفي احتمال الشعبذة ونحوها ظاهرة لذوي الألباب إلا أن
~~لي إشكالا في هذا المقام وهو أن الخادم الجني قد يحضر الشيء الكثيف من
~~نحو صندوق مقفل بين جمع في حجرة أغلقت أبوابها وسدت منافذها ولم يشعر به
~~أحد، ووجه الإشكال أن الجني لطيف فكيف ستر الكثيف فلم ير في الطريق؟ وكيف
~~أخرجه من الصندوق وأدخله الحجرة وقد سددت المنافذ؟ وتلطف الكثيف ثم تكثفه
~~بعد مما لا يقبله إلا كثيف أو سخيف، ومثل ذلك كون الإحضار المذكور على
~~نحو إحضار عرش بلقيس بالإعدام والإيجاد كما يقوله الشيخ الأكبر أو بوجه
~~آخر كما يقول غيره، ولعل الشرع أيضا يأبى هذا، وسرعة المرور إن نفعت
~~ففي عدم الرؤية في الطريق، وقصارى ما يقال لعل للجني سحرا أو نحوه سلب
~~به الإحساس فتصرف بالصندوق ومنافذ الحجرة حسبما أراد وأتى بالكثيف يحمله
~~ولم يشعر به أحد من الناس فإن تم هذا فبها وإلا فالأمر مشكل.

# وظاهر جعل جملة { قال رب اغفر لى } تفسيرا للإنابة يقتضي أن
~~الاستغفار مقصود لذاته لا وسيلة للاستيهاب. وفي كون الاستيهاب مقصودا
~~لذاته أيضا احتمالان. وتقديم الاستغفار على تقدير كونهما مقصودين بالذات
~~لمزيد اهتمامه بأمر الدين وقد يجعل مع هذا وسيلة للاستيهاب المقصود أيضا
~~فإن افتتاح الدعاء بنحو ذلك أرجى للإجابة، وجوز على بعد بعد التزام
~~الاستئناف في الجملة كون الاستيهاب هو المقصود لذاته والاستغفار وسيلة
~~له، وسيجىء إن شاء الله تعالى ما قيل في الاستئناس له.

# وقرىء { من بعدي } بفتح الياء وحكى القراءة به في { لي }.

# وقوله تعالى: { إنك أنت الوهاب } تعليل للدعاء بالمغفرة
~~والهبة معا لا للدعاء بالأخيرة فقط فإن المغفرة أيضا من أحكام وصف
~~الوهابية قطعا. ومن جوز كون الاستيهاب هو المقصود استأنس له بهذا
~~التعليل ظنا منه أنه للدعاء بالأخيرة فقط وكذا بعدم التعرض لإجابة
~~الدعاء بالأولى فإن الظاهر أن قوله تعالى: { فسخرنا له الريح
~~تجري بأمره... }.

### || [38.36]

# { فسخرنا له الريح } إلى آخره تفريع على طلبه ملكا لا ينبغي
~~لأحد من بعده، ولو كان ms09181 الاستغفار مقصودا أيضا لقيل فغفرنا له وسخرنا له
~~الريح الخ. وأجيب بأنه يجوز أن يقال: إن المغفرة لمن استغفر لا سيما
~~الأنبياء عليهم السلام لما كانت أمرا معلوما بخلاف هبة ملك لمن استوهب
~~لم يصرح بها واكتفى بدلالة ما ذكر في حيز الفاء مع ما في الآية بعد على
~~ذلك، وتقوى هذه الدلالة على تقدير أن يكون طلب الملك علامة على قبول
~~استغفاره وإجابة دعائه فتأمل. والتسخير التذليل أي فذللناها لطاعته إجابة
~~لدعوته، وقيل أدمنا تذليلها كما كان.

# وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة وأبو جعفر { الرياح } بالجمع قيل: وهو
~~أوفق لما شاع من أن الريح تستعمل في الشر والرياح في الخير، وقد علمت أن
~~ذلك ليس بمطرد.

# وقوله تعالى: { تجرى بأمره } بيان لتسخيرها له عليه السلام أو
~~حال أي جارية بأمره { رخاء } أي لينة من الرخاوة لا تحرك لشدتها.
~~واستشكل هذا بأنه ينافي قوله تعالى:

# ولسليمن الريح عاصفة

# [الأنبياء: 81] لوصفها ثمت بالشدة وهنا باللين. وأجيب بأنها كانت في أصل
~~الخلقة شديدة لكنها صارت لسليمان لينة سهلة أو أنها تشتد عند الحمل
~~وتلين/ عند السير فوصفت باعتبار حالين أو أنها شديدة في نفسها فإذا أراد
~~سليمان عليه السلام لينها لانت على ما يشير إليه قوله تعالى: {
~~بأمره } أو أنها تلين وتعصف باقتضاء الحال، وقال ابن عباس والحسن
~~والضحاك: رخاء مطيعة لا تخالف إرادته كالمأمور المنقاد، فالمراد بلينها
~~انقيادها له وهو لا ينافي عصفها، واللين يكون بمعنى الإطاعة وكذا الصلابة
~~تكون بمعنى العصيان.

# { حيث أصاب } أي قصد وأراد كما روي عن ابن عباس والضحاك وقتادة،
~~وحكى الزجاج عن العرب أصاب الصواب فأخطأ الجواب، وعن رؤبة أن رجلين من
~~أهل اللغة قصداه ليسألاه عن هذه الكلمة فخرج إليهما فقال: أن تصيبان؟
~~فقالا: هذه طلبتنا ورجعا، ويقال أصاب الله تعالى بك خيرا، وأنشد
~~الثعلبي:

# أصاب الكلام فلم يستطع

# فأخطأ الجواب لدى المفصل

# وعن قتادة أن أصاب بمعنى أراد لغة هجر وقيل لغة حمير، وجوز أن يكون أصاب
~~من صاب يصوب بمعنى نزل، والهمزة للتعدية ms09182 أي حيث أنزل جنوده، و (حيث)
~~متعلقة بسخرنا أو بتجري.

### || [38.37]

# { والشيطين } عطف على

# الريح

# [ص: 36] { كل بناء وغواص } بدل من { الشيطين } وهو
~~بدل كل من كل إن أريد المعهودون المسخرون أو أريد من له قوة البناء
~~والغوص والتمكن منهما أو بدل بعض إن لم يرد ذلك فيقدر ضمير أي منهم
~~والغوص لاستخراج الحلية وهو عليه السلام على ما قيل أول من استخرج الدر.

### || [38.38]

# عطف على { كل } لا على

# الشيطين

# [ص: 37] لأنهم منهم إلا أن يراد العهد ولا على ما أضيف إليه { كل }
~~لأنه لا يحسن فيه إلا الإضافة إلى مفرد منكر أو جمع معرف. والأصفاد جمع
~~صفد وهو القيد في المشهور، وقيل الجامعة أعني الغل الذي يجمع اليدين إلى
~~العنق قيل وهو الأنسب بمقرنين لأن التقرين بها غالبا ويسمى به العطاء
~~لأنه ارتباط للمنعم عليه ومنه قول علي كرم الله تعالى وجهه: من برك فقد
~~أسرك ومن جفاك فقد أطلقك؛ وقول القائل: غل يدا مطلقها وفك رقبة معتقها،
~~وقال أبو تمام:

# هممي معلقة عليك رقابها

# مغلولة إن العطاء إسار

# وتبعه المتنبي في قوله:

# وقيدت نفسي في ذراك محبة

# ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا

# وفرقوا بين فعليهما فقالوا: صفده قيده وأصفده أعطاه عكس وعده وأوعده،
~~ولهم في ذلك كلام طويل قال فيه الخفاجي ما قال ثم قال: والتحقيق عندي أن
~~ههنا مادتين في كل منهما ضار ونافع وقليل اللفظ وكثيره وقد ورد في
~~إحداهما الضار بلفظ قليل مقدم والنافع بلفظ كثير مؤخر وفي الأخرى عكسه
~~ووجهه في الأول أنه أمر واقع لأنه وضع للقيد ثم أطلق على العطاء لأنه
~~يقيد صاحبه وعبر بالأقل في القيد لضيقه المناسب لقلة حروفه وبالأكثر في
~~العطاء لأنه من شأن الكرم. وقدم الأول لأنه أصل أخف وعكس ذلك في وعد
~~وأوعد فعبر في النافع بالأقل وقدم وأخر الضار وكثر حروفه لأنه مستقبل غير
~~واقع والخير الموعود به يحمد سرعة إنجازه وقلة مدة وقوعه فإن أهنأ البر
~~عاجله وهذا يناسب قلة حروفه وفي الوعيد يحمد ms09183 تأخيره لحسن الخلف والعفو
~~عنه فناسب كثرة حروفه ثم قال: وهذا تحقيق في غاية الحسن وما عداه وهم
~~فارغ فاعرفه.

# والمراد بهؤلاء المقرنين المردة فتفيد الآية تفصيل الشياطين إلى عملة
~~استعملهم عليه السلام في الأعمال الشاقة كالبناء والغوص/ ومردة قرن بعضهم
~~ببعض بالجوامع ليكفوا عن الشر، وظاهره أن هناك تقييدا حقيقة وهو مشكل
~~لأن الشياطين إما أجسام نارية لطيفة قابلة للتشكل، وإما أرواح خبيثة
~~مجردة، وأيا ما كان لا يمكن تقييدها ولا إمساك القيد لها. وأجيب باختيار
~~الأول وهو الصحيح.

# والأصفاد غير ما هو المعروف بل هي أصفاد يتأتى بها تقييد اللطيف على وجه
~~يمنعه عن التصرف، والأمر من أوله خارق للعادة، وقيل: إن لطافة أجسامهم
~~بمعنى شفافتها والشفافة لا تأبى الصلابة كما في الزجاج والفلك عند
~~الفلاسفة فيمكن أن تكون أجسامهم شفافة وصلبة فلا ترى لشفافتها ويتأتى
~~تقييدها لصلابتها، وأنكر بعضهم الصلابة لتحقق نفوذ الشياطين فيما لا يمكن
~~نفوذ الصلب فيه وأنهم لا يدركون باللمس والصلب يدرك به.

# وقيل: لا مانع من أنه عليه السلام يقيدهم بشكل صلب فيقيدهم حينئذ
~~بالأصفاد والشيطان إذا ظهر متشكلا بشكل قد يتقيد به ولا يمكنه التشكل
~~بغيره ولا العود إلى ما كان، وقد نص الشيخ الأكبر محي الدين قدس سره أن
~~نظر الإنسان يقيد الشيطان بالشكل الذي يراه فيه فمتى رأى الإنسان شيطانا
~~بشكل ولم يصرف نظره عنه بالكلية لم يستطع الشيطان الخفاء عنه ولا التشكل
~~بشكل آخر إلى أن يجد فرصة صرف النظر عنه ولو برمشة عين.

# وزعم الجبائي أن الشيطان كان كثيف الجسم في زمن سليمان عليه السلام
~~ويشاهده الناس ثم لما توفي عليه السلام أمات الله عز وجل ذلك الجن وخلق
~~نوعا آخر لطيف الجسم بحيث لا يرى ولا يقوى على الأعمال الشاقة، وهذا لا
~~يقبل أصلا إلا برواية صحيحة وأنى هي، وقيل: الأقرب أن المراد تمثيل كفهم
~~عن الشرور بالإقران في الصفد وليس هناك قيد ولا تقييد حقيقة.

### || [38.39]

# إما حكاية لما خوطب به سليمان عليه السلام مبينة لعظم ms09184 شأن ما أوتي من
~~الملك وأنه مفوض إليه تفويضا كليا، وإما مقول لقول مقدر هو معطوف على

# سخرنا

# [ص: 36] أو حال من فاعله أي وقلنا أو قائلين له هذا الخ والإشارة إلى ما
~~أعطاه مما تقدم أي هذا الذي أعطيناكه من الملك العظيم والبسطة والتسليط
~~على ما لم يسلط عليه غيرك عطاؤنا الخاص بك فأعط من شئت وامنع من شئت غير
~~محاسب على شيء من الأمرين ولا مسؤول عنه في الآخرة لتفويض التصرف فيه
~~إليك على الإطلاق، فبغير حساب حال من المستكن في الأمر والفاء جزائية و {
~~هذا عطاؤنا } مبتدأ وخبر، والإخبار مفيد لما أشرنا إليه من
~~اعتبار الخصوص أي عطاؤنا الخاص بك أو يقال: إن ذكره ليس للإخبار به بل
~~ليترتب عليه ما بعده كقوله:

# هذه دارهم وأنت مشوق

# ما بقاء الدموع في الآماق

# وجوز أن يكون { بغير حساب } حالا من العطاء نحو

# هذا بعلى شيخا

# [هود: 72] أي هذا عطاؤنا متلبسا بغير حساب عليه في الآخرة أو هذا
~~عطاؤنا كثيرا جدا لا يعد ولا يحسب لغاية كثرته، وأن يكون صلة العطاء
~~واعتبره بعضهم قيدا له لتتم الفائدة ولا يحتاج لاعتبار ما تقدم، وعلى
~~التقديرين ما في البين اعتراض فلا يضر الفصل به، والفاء اعتراضية وجاء
~~اقتران الاعتراض بها كما جاء بالواو كقوله:

# واعلم فعلم المرء ينفعه

# أن سوف يأتي كل ما قدرا

# وقيل: الإشارة إلى تسخير الشياطين. والمراد بالمن والإمساك إطلاقهم
~~وإبقاؤهم في الأصفاد، والمن قد يكون بمعنى الإطلاق كما في قوله تعالى:

# فإما منا بعد وإما فداء

# [محمد: 4] والأولى في قوله تعالى: { بغير حساب } حينئذ كونه
~~حالا/ من المستكن في الأمر، وهذا القول رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن
~~ابن عباس، وما روي عنه من أنه إشارة إلى ما وهب له عليه السلام من النساء
~~والقدرة على جماعهن لا يكاد يصح إذ لم يجر لذلك ذكر في الآية، وإلى الأول
~~ذهب الجمهور وهو الأظهر. وقرأ ابن مسعود { هذا فامنن أو
~~أمسك عطاؤنا بغير حساب }.

### || [38.40]

# { وإن له ms09185 عندنا لزلفى } لقربة وكرامة مع ماله من الملك
~~العظيم فهو إشارة إلى أن ملكه لا يضره ولا ينقصه شيئا من مقامه. {
~~وحسن مآب } حسن مرجع في الجنة وهو عطف على { زلفى } وقرأ
~~الحسن وابن أبي عبلة { وحسن } بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف أي
~~له، والوقف عندهما على { لزلفى }.

# هذا وأمر سليمان عليه السلام من أعظم الأمور وكان مع ما آتاه الله تعالى
~~من الملك العظيم يعمل الخوص بيده ويأكل خبز الشعير ويطعم بني إسرائيل
~~الحواري أخرجه أحمد في " الزهد " عن عطاء، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن
~~عمر رضي الله تعالى عنهما قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رفع سليمان عليه السلام طرفه إلى
~~السماء تخشعا "

# حيث أعطاه الله تعالى ما أعطاه وكان في عصره من ملوك الفرس كيخسرو فقد
~~ذكر الفقيه أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري في " تاريخه " أنه عليه
~~السلام ورث ملك أبيه في عصر كيخسرو بن سباوش وسار من الشام إلى العراق
~~فبلغ خبره كيخسرو فهرب إلى خراسان فلم يلبث حتى هلك ثم سار سليمان إلى
~~مرو ثم إلى بلاد الترك فوغل فيها ثم جاوز بلاد الصين ثم عطف إلى أن وافى
~~بلاد فارس فنزلها أياما ثم عاد إلى الشام ثم أمر ببناء بيت المقدس فلما
~~فرغ سار إلى تهامة ثم إلى صنعاء وكان من حديثه مع صاحبتها ما ذكره الله
~~تعالى وغزا بلاد المغرب الأندلس وطنجة وغيرهما ثم انطوى البساط وضرب له
~~بين عساكر الموتى الفسطاط فسبحان الملك الدائم الذي لا يزول ملكه ولا
~~ينقضي سلطانه.

### || [38.41]

# { واذكر عبدنا أيوب } قال ابن إسحاق: الصحيح أنه كان من بني
~~إسرائيل ولم يصح في نسبه شيء غير أن اسم أبيه أموص، وقال ابن جرير: هو
~~أيوب بن أموص بن روم بن عيص بن إسحاق عليه السلام، وحكى ابن عساكر أن أمه
~~بنت لوط وأن أباه ممن آمن بإبراهيم فعلى هذا كان عليه السلام قبل موسى،
~~وقال ابن جرير: كان بعد شعيب، وقال ابن ms09186 أبي خيثمة: كان بعد سليمان.
~~وقوله تعالى: { اذكر } الخ عطف على

# اذكر عبدنا داوود

# [ص: 17] وعدم تصدير قصة سليمان عليه السلام بهذا العنوان لكمال الاتصال
~~بينه وبين داود عليهما السلام، و { أيوب } عطف بيان لعبدنا أو بدل
~~منه بدل كل من كل.

# وقوله تعالى: { إذ نادى ربه } بدل اشتمال منه أو من { أيوب
~~}  { إنى } أي بأني. وقرأ عيسى بكسر همزة { إني }  { مسني الشيطان }
~~وقرىء بإسكان ياء { مسني } وبإسقاطها { بنصب } بضم النون وسكون الصاد
~~التعب كالنصب بفتحتين، وقيل: هو جمع نصب كوثن ووثن، وقرأ أبو جعفر وشيبة
~~وأبو عمارة عن حفص والجعفي عن أبي بكر وأبو معاذ عن نافع بضمتين وهي
~~لغة، ولا مانع من كون الضمة الثانية عارضة للاتباع، وربما يقال: إن في
~~ذلك رمزا إلى ثقل تعبه وشدته، وقرأ زيد بن علي والحسن والسدي وابن أبي
~~عبلة ويعقوب والجحدري بفتحتين وهي لغة أيضا كالرشد والرشد، وقرأ أبو
~~حيوة ويعقوب في رواية وهبيرة عن حفص بفتح النون وسكون الصاد، قال
~~الزمخشري: على أصل المصدر، ونص ابن عطية على أن ذلك لغة أيضا، قال: بعد
~~ذكر القراآت: وذلك كله بمعنى واحد وهو المشقة وكثيرا ما يستعمل النصب في
~~مشقة الاعياء. وفرق بعض الناس بين هذه الألفاظ والصواب أنها لغات بمعنى
~~من قولهم أنصبني الأمر إذا شق علي انتهى./ والتنوين للتفخيم وكذا في قوله
~~تعالى: { وعذاب } وأراد به الألم وهو المراد بالضر في قوله: { أنى
~~مسنى الضر }. وقيل: النصب والضر في الجسد والعذاب في الأهل
~~والمال، وهذا حكاية لكلامه عليه السلام الذي نادى به ربه عز وجل بعبارته
~~وإلا لقيل إنه مسه الخ بالغيبة.

# وإسناد المس إلى الشيطان قيل على ظاهره وذلك أنه عليه اللعنة سمع ثناء
~~الملائكة عليهم السلام على أيوب عليه السلام فحسده وسأل الله تعالى أن
~~يسلطه على جسده وماله وولده ففعل عز وجل ابتلاء له، والقصة مشهورة. وفي
~~بعض الآثار أن الماس له شيطان يقال له مسوط، وأنكر الزمخشري ذلك فقال: لا
~~يجوز أن يسلط الله تعالى الشيطان ms09187 على أنبيائه عليهم السلام ليقضي من
~~إتعابهم وتعذيبهم وطره، ولو قدر على ذلك لم يدع صالحا إلا وقد نكبه
~~وأهلكه، وقد تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة فحسب، وجعل
~~إسناد المس إليه هنا مجازا فقال: لما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما
~~وسوس سببا فيما مسه الله تعالى به من النصب والعذاب نسبه إليه، وقد راعى
~~عليه السلام الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى الله سبحانه في دعائه مع أنه
~~جل وعلا فاعله ولا يقدر عليه إلا هو.

# وهذه الوسوسة قيل وسوسته إليه عليه السلام أن يسأل الله تعالى البلاء
~~ليمتحن ويجرب صبره على ما يصيبه كما قال شرف الدين عمر بن الفارض:

# وبما شئت في هواك اختبرني

# فاختياري ما كان فيه رضاكا

# وسؤاله البلاء دون العافية ذنب بالنسبة لمقامه عليه لا حقيقة، والمقصود
~~من ندائه بذلك الاعتراف بالذنب. وقيل إن رجلا استغاثه على ظالم فوسوس
~~إليه الشيطان بترك إغاثته فلم يغثه فمسه الله تعالى بسبب ذلك بما مسه.
~~وقيل: كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يغزه وسوسة من الشيطان
~~فعاتبه الله تعالى بالبلاء، وقيل وسوس إليه فأعجب بكثرة ماله وولده
~~فابتلاه الله تعالى لذلك، وكل هذه الأقوال عندي متضمنة ما لا يليق بمنصب
~~الأنبياء عليهم السلام.

# وذهب جمع إلى أن النصب والعذاب ليسا ما كانا له من المرض والألم أو
~~المرض وذهاب الأهل والمال بل أمران عرضا له وهو مريض فاقد الأهل والمال
~~فقيل هما ما كانا له من وسوسة الشيطان إليه في مرضه من عظم البلاء
~~والقنوط من الرحمة والإغراء على الجزع كان الشيطان يوسوس إليه بذلك وهو
~~يجاهده في دفع ذلك حتى تعب وتألم على ما هو فيه من البلاء فنادى ربه
~~يستصرفه عنه ويستعينه عليه { أنى مسنى الشيطن بنصب
~~وعذاب } وقيل كانا من وسوسة الشيطان إلى غيره فقيل: إن الشيطان تعرض
~~لامرأته بصورة طبيب فقالت له: إن ههنا مبتلى فهل لك أن تداويه فقال: نعم
~~بشرط أن يقول: إذا شفيته ms09188 أنت شفيتني فمالت لذلك وعرضت كلامه لأيوب عليه
~~السلام فعرف أنه الشيطان وكان عليه ذلك أشد مما هو فيه { فنادى
~~ربه أنى مسنى } الخ؛ وقيل: إن الشيطان طلب منها أن تذبح لغير
~~الله تعالى إذا عالجه وبرأ فمالت لذلك فعظم عليه عليه السلام الأمر
~~فنادى، وقيل: إنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين فارتد أحدهم فسأل عنه فقيل
~~له: ألقى إليه الشيطان أن الله تعالى لا يبتلي الأنبياء والصالحين فتألم
~~من ذلك جدا فقال ما قال وفي رواية مر به نفر من بني إسرائيل فقال بعضهم
~~لبعض: ما أصابه هذا إلا بذنب أصابه وهذا نوع من وسوسة الشيطان فعظم عليه
~~ذلك فقال ما قال، والإسناد على جميع ما ذكر باعتبار الوسوسة، وقيل: غير
~~ذلك والله تعالى أعلم.

### || [38.42]

# وقوله تعالى: { اركض برجلك } إما حكاية لما قيل له أو مقول لقول
~~مقدر معطوف على

# نادى

# [ص: 41] أي فقلنا له أركض برجلك/ أي اضرب بها وكذا قوله تعالى: {
~~هذا مغتسل بارد وشراب } فإنه أيضا إما حكاية لما قيل له
~~بعد امتثاله بالأمر ونبوع الماء أو مقول لقول مقدر معطوف على مقدر ينساق
~~إليه الكلام كأنه قيل: فضربها فنبعت عين فقلنا له هذا مغتسل تغتسل به
~~وتشرب منه فيبرأ ظاهرك وباطنك، فالمغتسل اسم مفعول على الحذف والإيصال
~~وكذا الشراب، وعن مقاتل أن المغتسل اسم مكان أي هذا مكان تغتسل فيه وليس
~~بشيء، وظاهر الآية اتحاد المخبر عنه بمغتسل وشراب، وقيل: إنه عليه السلام
~~ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها وبرجله اليسرى فنبعت باردة
~~فشرب منها، وقال الحسن: ركض برجله فنبعت عين فاغتسل منها ثم مشى نحوا من
~~أربعين ذراعا ثم ركض برجله فنبعت أخرى فشرب منها، ولعله عنى بالأولى
~~عينا حارة، وظاهر النظم عدم التعدد. و { بارد } على ذلك صفة {
~~شراب } مع أنه مقدم عليه صفة { مغتسل } وكون هذا إشارة إلى جنس
~~النابع أو يقدر وهذا بارد الخ تكلف لا يخرج ذلك عن الضعف، وقيل أمر
~~بالركض بالرجل ليتناثر عنه كل داء ms09189 بجسده. وكان ذلك على ما روي عن قتادة
~~والحسن ومقاتل بأرض الجابية من الشام، وفي الكلام حذف أيضا أي فاغتسل
~~وشرب فكشفنا بذلك ما به من ضر.

### || [38.43]

# { ووهبنا له أهله } بإحيائهم بعد هلاكهم على ما روي عن
~~الحسن. وروى الطبرسي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه أن الله تعالى
~~أحيا له أهله الذين كانوا ماتوا قبل البلية وأهله الذين ماتوا وهو في
~~البلية، وفي «البحر» الجمهور على أنه تعالى أحيا له من مات من أهله وعافى
~~المرضى وجمع عليه من تشتت منهم، وقيل وإليه أميل وهبه من كان حيا منهم
~~وعافاه من الأسقام وأرغد لهم العيش فتناسلوا حتى بلغ عددهم عدد من مضى {
~~ومثلهم معهم } فكان له ضعف ما كان، والظاهر أن هذه الهبة كانت
~~في الدنيا، وزعم بعض أن هذا وعد وتكون تلك الهبة في الآخرة { رحمة
~~منا } أي لرحمة عظيمة عليه من قبلنا. { وذكرى لاولى
~~الالبب } وتذكيرا لهم بذلك ليصيروا على الشدائد كما صبر ويلجؤا
~~إلى الله تعالى فيما يصيبهم كما لجأ ليفعل سبحانه بهم ما فعل به من حسن
~~العاقبة.

# روي عن قتادة أنه عليه السلام ابتلي سبع سنين وأشهرا وألقي على كناسة
~~بني إسرائيل تختلف الدواب في جسده فصبر ففرج الله تعالى عنه وأعظم له
~~الأجر وأحسن، وعن ابن عباس أنه صار ما بين قدميه إلى قرنه قرحة واحدة
~~وألقي على الرماد حتى بدا حجاب قلبه فكانت امرأته تسعى إليه فقالت له
~~يوما: أما ترى يا أيوب قد نزل بي والله من الجهد والفاقة ما إن بعت
~~قروني برغيف فأطعمتك فادع الله تعالى أن يشفيك ويريحك فقال: ويحك كنا في
~~النعيم سبعين عاما فاصبري حتى نكون في الضر سبعين عاما فكان في البلاء
~~سبع سنين ودعا فجاء جبريل عليه السلام فأخذ بيده ثم قال: قم فقام عن
~~مكانه وقال:

# اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب

# [ص: 42] فاغتسل وشرب فبرأ وألبسه الله تعالى حلة من الجنة فتنحى فجلس في
~~ناحية وجاءت امرأته فلم تعرفه ms09190 فقالت: يا عبد الله أين المبتلى الذي كان
~~ههنا؟ لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب وجعلت تكلمه ساعة فقال: ويحك أنا
~~أيوب قد رد الله تعالى علي جسدي ورد الله تعالى عليه ماله وولده ومثلهم
~~معهم وأمطر عليه جرادا من ذهب فجعل يأخذ الجراد بيده ويجعله في ثوبه
~~وينشر كساءه فيجعل فيه فأوحى الله تعالى إليه يا أيوب أما شبعت؟ قال: يا
~~رب من الذي يشبع من فضلك ورحمتك، وفي «البحر» روى أنس عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم: «أن أيوب بقي في محنته ثماني عشرة سنة يتساقط لحمه حتى/ مله
~~العالم ولم يصبر عليه إلا امرأته».

# وعظم بلائه عليه السلام مما شاع وذاع ولم يختلف فيه اثنان لكن في بلوغ
~~أمره إلى أن ألقي على كناسة ونحو ذلك فيه خلاف قال الطبرسي: قال أهل
~~التحقيق إنه لا يجوز أن يكون بصفة يستقذره الناس عليها لأن في ذلك
~~تنفيرا فأما الفقر والمرض وذهاب الأهل فيجوز أن يمتحنه الله تعالى بذلك.

# وفي " هداية المريد " للقاني أنه يجوز على الأنبياء عليهم السلام كل عرض
~~بشري ليس محرما ولا مكروها ولا مباحا مزريا ولا مزمنا ولا مما تعافه
~~الأنفس ولا مما يؤدي إلى النفرة ثم قال بعد ورقتين: واحترزنا بقولنا ولا
~~مزمنا ولا مما تعافه الأنفس عما كان كذلك كالإقعاد والبرص والجذام
~~والعمى والجنون، وأما الإغماء فقال النووي لا شك في جوازه عليهم لأنه مرض
~~بخلاف الجنون فإنه نقص، وقيد أبو حامد الإغماء بغير الطويل وجزم به
~~البلقيني، قال السبكي: وليس كإغماء غيرهم لأنه إنما يستر حواسهم الظاهرة
~~دون قلوبهم لأنها معصومة من النوم الأخف، قال: ويمتنع عليهم الجنون وإن
~~قل لأنه نقص ويلحق به العمى ولم يعم نبي قط، وما ذكر عن شعيب من كونه
~~كان ضريرا لم يثبت، وأما يعقوب فحصلت له غشاوة وزالت اه. وفرق بعضهم في
~~عروض ذلك بين أن يكون بعد التبليغ وحصول الغرض من النبوة فيجوز وبين أن
~~يكون قبل فلا يجوز، ولعلك تختار القول بحفظهم مما ms09191 تعافه النفوس ويؤدي إلى
~~الاستقذار والنفرة مطلقا وحينئذ فلا بد من القول بأن ما ابتلي به أيوب
~~عليه السلام لم يصل إلى حد الاستقذار والنفرة كما يشعر به ما روي عن
~~قتادة ونقله القصاص في كتبهم، وذكر بعضهم أن داءه كان الجدري ولا أعتقد
~~صحة ذلك والله تعالى أعلم.

### || [38.44]

# وقوله تعالى: { وخذ بيدك ضغثا } عطف على { اركض } أو على

# وهبنا

# [ص: 43] بتقدير قلنا خذ بيدك الخ. والأول أقرب لفظا وهذا أنسب معنى فإن
~~الحاجة إلى هذا الأمر لا تمس إلا بعد الصحة واعتدال الوقت فإن امرأته
~~رحمة بنت إفرائيم أو مشيا بن يوسف أوليا بنت يعقوب أو ماخير بنت ميشا بن
~~يوسف على اختلاف الروايات - ولا يخفى لطف { رحمة منا } على
~~الرواية الأولى - ذهبت لحاجة فأبطأت أو بلغت أيوب عن الشيطان أن يقول
~~كلمة محذورة فيبرأ وأشارت عليه بذلك فقالت له إلى متى هذا البلاء كلمة
~~واحدة ثم استغفر ربك فيغفر لك أو جاءته بزيادة على ما كانت تأتي به من
~~الخبز فظن أنها ارتكبت في ذلك محرما فحلف ليضربنها إن برىء مائة ضربة
~~فأمره الله تعالى بأخذ الضغث وهو الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو
~~قضبان، وقيل: القبضة الكبيرة من القضبان، ومنه ضغث على إبالة والإبالة
~~الحزمة من الحطب والضغث القبضة من الحطب أيضا عليها، ومنه قول الشاعر:

# وأسفل مني نهدة قد ربطتها

# وألقيت ضغثا من خلى متطيب

# وقال ابن عباس هنا: الضغث عثكال النخل، وقال مجاهد: الأثل وهو نبت له
~~شوك، وقال الضحاك: حزمة من الحشيش مختلفة، وقال الأخفش: الشجر الرطب، وعن
~~سعيد بن المسيب أنه عليه السلام لما أمر أخذ ضغثا من ثمام فيه مائة عود،
~~وقال قتادة: هو عود فيه تسعة وتسعون عودا والأصل تمام المائة فإن كان
~~هذا معتبرا في مفهوم الضغث ولا أظن فذاك وإلا فالكلام على إرادة المائة
~~فكأنه قيل: خذ بيدك ضغثا فيه مائة عود { فاضرب به } أي بذلك الضغث
~~{ ولا تحنث } بيمينك فإن البر يتحقق به ولقد شرع الله ms09192 تعالى ذلك
~~رحمة عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها وهي رخصة باقية في الحدود
~~في شريعتنا وفي غيرها أيضا لكن غير/ الحدود يعلم منها بالطريق الأولى
~~فقد أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبي إمامة
~~بن سهل بن حنيف قال: حملت وليدة في بني ساعدة من زنا فقيل لها: ممن حملك؟
~~قالت: من فلان المقعد فسئل المقعد فقال: صدقت فرفع ذلك إلى رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فقال: خذوا عثكولا فيه مائة شمراخ فاضربوه به ضربة واحدة
~~ففعلوا، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن محمد بن عبد الرحمن عن ثوبان
~~أن رجلا أصاب فاحشة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض على
~~شفا موت فأخبر أهله بما صنع فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقنو فيه
~~مائة شمراخ فضرب به ضربة واحدة، وأخرج الطبراني عن سهل بن سعد أن النبي
~~عليه الصلاة والسلام أتي بشيخ قد ظهرت عروقه قد زنى بامرأة فضربه بضغث
~~فيه مائة شمراخ ضربة واحدة، ولا دلالة في هذه الأخبار على عموم الحكم من
~~يطيق الجلد المتعارف لكن القائل ببقاء حكم الآية قائل بالعموم لكن شرطوا
~~في ذلك أن يصيب المضروب كل واحدة من المائة إما بأطرافها قائمة أو
~~بأعراضها مبسوطة على هيئة الضرب.

# وقال الخفاجي: إنهم شرطوا فيه الإيلام أما مع عدمه بالكلية فلا فلو ضرب
~~بسوط واحد له شعبتان خمسين مرة من حلف على ضربه مائة بر إذا تألم فإن لم
~~يتألم لا يبر ولو ضربه مائة لأن الضرب وضع لفعل مؤلم بالبدن بآلة
~~التأديب، وقيل: يحنث بكل حال كما فصل في «شروح الهداية» وغيرها انتهى.
~~وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس لا يجوز ذلك لأحد بعد أيوب إلا الأنبياء
~~عليهم السلام، وفي " أحكام القرآن العظيم " للجلال السيوطي عن مجاهد قال:
~~كانت هذه لأيوب خاصة، وقال إلكيا: ذهب الشافعي وأبو حنيفة وزفر إلى أن من
~~فعل ذلك فقد بر في يمينه، وخالف مالك ورآه ms09193 خاصا بأيوب عليه السلام، وقال
~~بعضهم: إن الحكم كان عاما ثم نسخ والصحيح بقاء الحكم.

# واستدل بالآية على أن للزوج ضرب زوجته وأن يحلف ولا يستثني وعلى أن
~~الاستثناء شرطه الاتصال إذ لو لم يشترط لأمره سبحانه وتعالى بالاستثناء
~~ولم يحتج إلى الضرب بالضغث. واستدل عطاء بها على مسألة أخرى فأخرج سعيد
~~بن منصور بسند صحيح عنه أن رجلا قال له: إني حلفت أن لا أكسو امرأتي
~~درعا حتى تقف بعرفة فقال: احملها على حمار ثم اذهب فقف بها بعرفة فقال:
~~إنما عنيت يوم عرفة فقال عطاء: أيوب حين حلف ليجلدن امرأته مائة جلدة
~~أنوى أن يضربها بالضغث إنما أمره الله تعالى أن يأخذ ضغثا فيضربها به ثم
~~قال: إنما القرآن عبر إنما القرآن عبر، وللبحث في ذلك مجال، وكثير
~~من الناس استدل بها على جواز الحيل وجعلها أصلا لصحته، وعندي أن كل حيلة
~~أوجبت إبطال حكمة شرعية لا تقبل كحيلة سقوط الزكاة وحيلة سقوط الاستبراء
~~وهذا كالتوسط في المسألة فإن من العلماء من يجوز الحيلة مطلقا ومنهم من
~~لا يجوزها مطلقا، وقد أطال الكلام في ذلك العلامة ابن تيمية.

# { إنا وجدنه صابرا } فيما أصابه في النفس والأهل والمال.
~~وقد كان عليه السلام يقول كلما أصابته مصيبة: اللهم أنت أخذت وأنت أعطيت
~~ويحمد الله عز وجل، ولا يخل بذلك شكواه إلى الله تعالى من الشيطان لأن
~~الصبر عدم الجزع ولا جزع فيما ذكر كتمني العافية وطلب الشفاء مع أنه قال
~~ذلك على ما قيل خيفة الفتنة في الدين كما سمعت فيما تقدم، ويروى أنه قال
~~في مناجاته: إلهي قد علمت أنه لم يخالف لساني قلبي ولم يتبع قلبي بصري
~~ولم يلهني ما ملكت يميني ولم آكل إلا ومعي يتيم ولم أبت شبعان ولا كاسيا
~~ومعي جائع أو عريان فكشف الله تعالى عنه { نعم العبد } أي أيوب {
~~إنه أواب } تعليل لمدحه/ وتقدم معنى الأواب.

### || [38.45]

# { واذكر عبادنا إبرهيم وإسحق ويعقوب } الثلاثة
~~عطف بيان لعبادنا أو بدل منه. وقيل: نصب باضمار أعني. ms09194 وقرأ ابن عباس وابن
~~كثير وأهل مكة { عبدنا } بالإفراد فإبراهيم وحده بدل أو عطف بيان أو
~~مفعول أعني، وخص بعنوان العبودية لميزد شرفه، وما بعده عطف على { عبدنا }
~~وجوز أن يكون المراد بعبدنا عبادنا وضعا للجنس موضع الجمع فتتحد
~~القراءتان { أولى الايدى والابصر } أولي القوة في الطاعة
~~والبصيرة في الدين على أن الأيدي مجاز مرسل عن القوة، والأبصار جمع بصر
~~بمعنى بصيرة وهو مجاز أيضا لكنه مشهور فيه أو أولي الأعمال الجليلة
~~والعلوم الشريفة على أن ذكر الأيدي من ذكر السبب وإرادة المسبب، والأبصار
~~بمعنى البصائر مجاز عما يتفرع عليها من العلوم كالأول أيضا، وفي ذلك على
~~الوجهين تعريض بالجهلة البطالين أنهم كفاقدي الأيدي والأبصار وتوبيخ على
~~تركهم المجاهدة والتأمل مع تمكنهم منهما، وقيل: الأيدي النعم أي أولي
~~التي أسداها الله تعالى إليهم من النبوة والمكانة أو أولي النعم
~~والإحسانات على الناس بإرشادهم وتعليمهم إياهم، وفيه ما فيه. وقرىء {
~~الأيادي } على جمع الجمع كأوطف وأواطف، وقرأ عبد الله والحسن وعيسى
~~والأعمش { الايد } بغير ياء فقيل يراد الأيدي بالياء وحذفت اجتزاء
~~بالكسرة عنها، ولما كانت أل تعاقب التنوين حذفت الياء معها كما حذفت مع
~~التنوين حكاه أبو حيان ثم قال: وهذا تخريج لا يسوغ لأن حذف هذه الياء مع
~~وجود أل ذكره سيبويه في الضرائر، وقيل: الأيد القوة في طاعة الله تعالى
~~نظر ما تقدم. وقال الزمخشري بعد تعليل الحذف بالاكتفاء بالكسرة وتفسيره
~~بالأيد من التأييد قلق غير متمكن وعلل بأن فيه فوات المقابلة وفوات
~~النكتة البيانية فلا تغفل.

### || [38.46]

# { إنا أخلصنهم بخالصة } تعليل لما وصفوا به، والباء
~~للسببية وخالصة اسم فاعل وتنوينها للتفخيم، وقوله تعالى: { ذكرى
~~الدار } بيان لها بعد إبهامها للتفخيم، وجوز أن يكون خبرا عن ضميرها
~~المقدر أي هي ذكرى الدار، وأيا ما كان فذكرى مصدر مضاف لمفعوله وتعريف
~~الدار للعهد أي الدار الآخرة، وفيه إشعار بأنها الدار في الحقيقة وإنما
~~الدنيا مجاز أي جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة جليلة الشأن لا شوب
~~فيها هي نذكرهم دائما ms09195 الدار الآخرة فإن خلوصهم في الطاعة بسبب تذكرهم
~~إياها وذلك لأن مطمح انظارهم ومطرح أفكارهم في كل ما يأتون ويدرون جواز
~~الله عز وجل والفوز بلقائه ولا يتسنى ذلك إلا في الآخرة. وقيل أخلصناهم
~~بتوفيقهم لها واللطف بهم في اختيارها والباء كما في الوجه الأول للسببية
~~والكلام نحو قولك: أكرمته بالعلم أي بسبب أنه عالم أكرمته أو أكرمته بسبب
~~أنك جعلته عالما، وقد يتخيل في الثاني أنه صلة، ويعضد الوجه الأول قراءة
~~الأعمش وطلحة { بخالصتهم }. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك أن ذكرى الدار
~~تذكيرهم الناس الآخرة وترغيبهم إياهم فيها وتزهيدهم إياهم فيها على وجه
~~خالص من الحظوظ النفسانية كما هو شأن الأنبياء عليهم السلام، وقيل المراد
~~بالدار الدار الدنيا وبذكراها الثناء الجميل ولسان الصدق الذي ليس
~~لغيرهم. وحكي ذلك عن الجبائي. وأبي مسلم وذكره ابن عطية احتمالا، وحاصل
~~الآية عليه كما قال الطبرسي إنا خصصناهم بالذكر الجميل في الأعقاب.

# وقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج ونافع وهشام بإضافة { خالصة } إلى { ذكرى }
~~للبيان أي بما خلص من/ ذكرى الدار على معنى أنهم لا يشوبون ذكراها بهم
~~آخر أصلا أو على غير ذلك من المعاني، وجوز على هذه القراءة أن تكون {
~~خالصة } مصدرا كالعاقبة والكاذبة مضافا إلى الفاعل أي أخلصناهم بأن
~~خلصت لهم ذكرى الدار. وظاهر كلام أبي حيان أن احتمال المصدرية ممكن في
~~القراءة الأولى أيضا لكنه قال: الأظهر أن تكون اسم فاعل.

### || [38.47]

# { وإنهم عندنا لمن المصطفين } أي المختارين من بين
~~أبناء جنسهم، وفيه إعلال معروف. و { عندنا } يجوز فيه أن يكون من صلة
~~الخبر وأن يكون من صلة محذوف دل عليه { لمن المصطفين } أي
~~وإنهم مصطفون عندنا، ولم يجوزوا أن يكون من صلة { المصطفين }
~~المذكور لأن أل فيه موصولة ومصطفين صلة وما في حيز الصلة لا يتقدم معمولة
~~على الموصول لئلا يلزم تقدم الصلة على الموصول. واعترض بأنا لا نسلم أن
~~أل فيه موصولة إذ لم يرد منه الحدوث ولو سلم فالمتقدم ظرف وهو يتوسع فيه
~~ما لا يتوسع في ms09196 غيره، والظاهر أن الجملة عطف على ما قبلها، وتأكيدها
~~لمزيد الاعتناء بكونهم عنده تعالى من المصطفين من الناس. { الاخيار }
~~الفاضلين عليهم في الخير وهو جمع خير مقابل شر الذي هو أفعل تفضيل في
~~الأصل، وكان قياس أفعل التفضيل أن لا يجمع على أفعال لكنه للزوم تخفيفه
~~حتى أنه لا يقال أخير إلا شذوذا أو في ضرورة جعل كأنه بنية أصلية؛ وقيل
~~جمع خير المشدد أو خير المخفف منه كأموات في جمع ميت بالتشديد أو ميت
~~بالتخفيف.

### || [38.48]

# { واذكر إسمعيل } فصل ذكره عن ذكر أبيه وأخيه اعتنار بشأنه
~~من حيث إنه لا يشرك العرب فيه غيرهم أو للإشعار بعراقته في الصبر الذي هو
~~المقصود بالذكر { واليسع } قال ابن جرير هو ابن أخطوب بن العجوز،
~~وذكر أنه استخلفه إلياس على بني إسرائيل ثم استنبىء، واللام فيه زائدة
~~لازمة لمقارنتها للوضع، ولا ينافي كونه غير عربي فإنها قد لزمت في بعض
~~الأعلام الأعجمية كالإسكندر فقد لحن التبريزي من قال اسكندر مجردا له
~~منها، والأولى عندي أنه إذا كان اسما أعجميا وأل فيه مقارنة للوضع أن لا
~~يقال بزيادتها فيه، وقيل هو اسم عربي منقول من يسع مضارع وسع حكاه
~~الجلال السيوطي في " الإتقان ". وفي " القاموس " يسع كيضع اسم أعجمي أدخل
~~عليه أل ولا تدخل على نظائره كيزيد.

# وقرأ حمزة والكسائي { والليسع } بلامين والتشديد كان أصله ليس بوزن فيعل
~~من اللسع دخل عليه أل تشبيها بالمنقول الذي تدخله للمح أصله، وجزم بعضهم
~~بأنه على هذه القراءة أيضا علم أعجمي دخل عليه اللام.

# { وذا الكفل } قيل هو ابن أيوب، وعن وهب أن الله تعالى بعث بعد
~~أيوب شرف بن أيوب نبيا وسماه الكفل وأمره بالدعاء إلى توحيده وكان
~~مقيما بالشام عمره حتى مات وعمره خمس وسبعون سنة. وفي " العجائب "
~~للكرماني قيل هو إلياس، وقيل هو يوشع بن نون، وقيل هو نبي اسمه ذو
~~الكفل، وقيل كان رجلا صالحا تكفل بأمور فوفى بها، وقيل هو زكريا من
~~قوله تعالى:

# وكفلها زكريا

# [آل عمران: 37] اه، وقال ابن ms09197 عساكر: هو نبي تكفل الله تعالى له في
~~عمله بضعف عمل غيره من الأنبياء، وقيل لم يكن نبيا وإن اليسع استخلفه
~~فتكفل له أن يصوم النهار ويقوم الليل، وقيل أن يصلي كل يوم مائة ركعة،
~~وقيل: كان رجلا من الصالحين كان في زمانه أربعمائة نبي من بني إسرائيل
~~فقتلهم ملك جبار إلا مائة منهم فروا من القتل فآواهم وأخفاهم وقام
~~بمونتهم فسماه الله تعالى ذا الكفل، وقيل هو اليسع وأن له اسمين ويأباه
~~ظاهر النظم { وكل } أي وكلهم { من الاخيار } المشهورين
~~بالخيرية.

### || [38.49]

# { هذا } إشارة إلى ما تقدم من الآيات الناطقة بمحاسنهم { ذكر } أي
~~شرف لهم وشاع الذكر بهذا المعنى لأن الشرف يلزمه الشهرة والذكر بين الناس
~~فتجوز به عنه بعلاقة اللزوم، والمراد في ذكر قصصهم وتنويه الله تعالى بهم
~~شرف عظيم لهم أو المعنى هذا المذكور من الآيات نوع من الذكر الذي هو
~~القرآن، وذكر ذلك للانتقال من نوع من الكلام إلى آخر كما يقول الجاحظ في
~~كتبه: فهذا باب ثم شرع في باب آخر ويقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه
~~وأراد الشروع في آخر: هذا وكان كيت وكيت، ويحذف على ما قيل الخبر في مثل
~~ذلك كثيرا وعليه

# هذا وإن للطغين لشر مئاب

# [ص: 55] وستسمع إن شاء الله تعالى الكلام فيه فلا يقال: إنه لا فائدة
~~فيه لأنه معلوم أنه من القرآن. وقال ابن عباس: هذا ذكر من مضى من
~~الأنبياء عليهم السلام.

# وقوله تعالى: { وإن للمتقين لحسن مآب } أي مرجع شروع
~~في بيان أجرهم الجزيل في الآجل بعد بيان ذكرهم الجميل في العاجل. والمراد
~~بالمتقين إما الجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا وإما نفس المذكورين عبر
~~عنهم بذلك مدحا لهم بالتقوى التي هي الغاية القصوى في الكمال. والجملة
~~فيما أرى عطف على الجملة قبلها كأنه قيل: هذا شرف لهم في الدنيا وإن لهم
~~ولأضرابهم أو إن لهم في الآخرة لحسن مآب أو هي من قبيل عطف القصة على
~~القصة، وقال الشهاب الخفاجي عليه الرحمة: هي ms09198 حالية ولم يبين صاحب الحال،
~~ويبعد أن يكون ذكرا لأنه نكرة متقدمة وأن يكون { هذا } لأنه مبتدأ
~~ومع ذلك في المعنى على تقدير الحالية خفاء، وقال بعض أجلة المعاصرين. إنه
~~أراد أن الكلام على معنى والحال كذا أي الأمر والشأن كذا ولم يرد أن
~~الجملة حال بالمعنى المعروف الذي يقتضي ذا حال وعاملا في الحال إلى غير
~~ذلك وادعى أن الأمر كذلك في كل جملة يقال إنها حال وليس فيها ضمير يعود
~~على ما قبلها نحو جاء زيد والشمس طالعة وقال: إنه الذي ينبغي أن يعول
~~عليه وإن لم يذكره النحويون اه، والحال لا يخفى على ذي تمييز. وإضافة {
~~حسن } إلى { مآب } من إضافة الصفة إلى الموصوف إما بتأويل مآب ذي
~~حسن أو حسن وأما بدونه قصدا للمبالغة.

### || [38.50]

# وقوله تعالى: { جنت عدن } بدل اشتمال، وجوز أن يكون نصبا على
~~المدح، وجعله الزمخشري عطف بيان لحسن مآب، وعدن قيل من الأعلام الغالبة
~~غلبة تقديرية ولزوم الإضافة فيها أو تعريفها باللام أغلبي كما صرح به
~~ابن مالك في " التسهيل " ، وجنات عدن كمدينة طيبة لا كإنسان زيد فإنه
~~قبيح، وقيل العلم مجموع { جنت عدن } وهو أيضا من غير الغالب
~~لأن المراد من الإضافة التي تعوضها العلم بالغلبة إضافة تفيده تعريفا،
~~وعلى القولين هو معين فيصلح للبيان لكن تعقب ذلك أبو حيان بأن للنحويين
~~في عطف البيان مذهبين، أحدهما أن ذلك لا يكون إلا في المعارف فلا يكون
~~عطف البيان إلا تابعا لمعرفة وهو مذهب البصريين، والثاني أنه يجوز أن
~~يكون في النكرات فيكون عطف البيان تابعا لنكرة كما تكون المعرفة فيه
~~تابعة لمعرفة وهذا مذهب الكوفيين وتبعهم الفارسي؛ وأما تخالفهما في
~~التنكير والتعريف فلم يذهب إليه أحد سوى الزمخشري كما قد صرح به ابن مالك
~~في التسهيل فهو بناء للأمر على مذهبه. وذهب آخرون أن عدنا مصدر عدن بمكان
~~كذا استقر، ومنه المعدن لمستقر الجواهر ولا علمية ولا نقل هناك ومعنى {
~~جنت عدن } جنات استقرار وثبات فإن كان عطف بيان فهو على ms09199 مذهب
~~الكوفيين والفارسي. ومن الغريب ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال: سألت
~~كعبا عن قوله تعالى: { جنت عدن } فقال: جنات/ كروم وأعناب
~~بالسريانية، وفي " تفسير ابن جرير " أنه بالرومية.

# وقوله تعالى:

# { مفتحة لهم الابواب } إما صفة لجنات عدن وإليه ذهب ابن
~~اسحق وتبعه ابن عطية أو حال من ضميرها المستتر في خبر إن والعامل فيه
~~الاستقرار المقدر أو نفس الظرف لتضمنه معناه ونيابته عنه وإليه ذهب
~~الزمخشري ومختصرو كلامه أو حال من ضميرها المحذوف مع العامل لدلالة
~~المعنى عليه والتقدير يدخلونها مفتحة وإليه ذهب الحوفي. و { الابواب
~~} نائب فاعل { مفتحة } عند الجمهور والرابط العائد على الجنات
~~محذوف تقديره الأبواب منها، واكتفى الكوفيون عن ذلك بأل لقيامها مقام
~~الضمير فكأنه قيل: مفتحة لهم أبوابها، وذهب أبو علي إلى أن نائب فاعل {
~~مفتحة } ضمير الجنات والأبواب بدل منه بدل اشتمال كما هو ظاهر
~~كلام الزمخشري، ولا يصح أن يكون بدل بعض من كل لأن أبواب الجنات ليست
~~بعضا من الجنات على ما قال أبو حيان.

# وقرأ زيد بن علي وعبد الله بن رفيع وأبو حيوة { جنت عدن
~~مفتحة } برفعهما على أنهما خبران لمحذوف أي هو أي المآب جنات عدن
~~مفتحة لهم أبوابه أو هو جنات عدن هي مفتحة لهم أبوابها أو على أنهما
~~مبتدأ وخبر. ووجه ارتباط الجملة بما قبلها انها مفسرة لحسن المآب لأن
~~محصلها جنات أبوابها فتحت أكراما لهم أو هي معترضة.

### || [38.51]

# وقوله تعالى: { متكئين فيها } وقوله سبحانه: { يدعون
~~فيها بفكهة كثيرة وشراب } قيل حالان من ضمير { لهم }
~~وهما حالان مقدران لأن الاتكاء وما بعده ليس في حال تفتيح الأبواب بل
~~بعده، وقيل: الأول حال مقدرة من الضمير المذكور والثاني حال من ضمير {
~~متكئين } ، وجوز جعلهما حالين من المتقين، ولا يصح إلا إن قلنا بأن
~~الفاصل ليس بأجنبي والظاهر أنه أجنبي، وقال بعض الأجلة: الأظهر ان {
~~متكئين } حال من ضمير { يدعون } قدم رعاية للفاصلة و {
~~يدعون } استئناف لبيان حالهم كأنه قيل ما حالهم بعد دخولها؟ فقيل:
~~يدعون ms09200 فيها بفاكهة كثيرة وشراب متكئين فيها. والاقتصار على الفاكهة
~~للإيذان بأن مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ دون التعدي فإنه لتحصيل بدل ولا
~~تحلل ثمت ولما كانت الفاكهة تتنوع وصفها سبحانه بالكثرة وكثرتها باختلاف
~~أنواعها وكثرة كل نوع منها، ولما كان الشراب نوعا واحدا وهو الخمر
~~أفرد، وقيل: وصفت الفاكهة بالكثرة ولم يوصف الشراب للإيذان بأنه يكون على
~~الشراب نقل كثير سواء تعددت أنواعه أم اتحدت، ويمكن أن يقال والله تعالى
~~أعلم: التقدير وشراب كثير لكن حذفت كثير لدلالة ما قبل ورعاية للفاصلة.

### || [38.52]

# { وعندهم قصرت الطرف } أي على أزواجهن لا ينظرن إلى
~~غيرهم أو قاصرات طرف أزواجهن عليهن فلا ينظرون إلى غيرهن لشدة حسنهن،
~~وتمام الكلام قد مر وحلا { أتراب } أي لدات على سن واحدة تشبيها في
~~التساوي والتماثل بالترائب التي هي ضلوع الصدر أو لسقوطهن معا على الأرض
~~حين الولادة ومسهن ترابها فكأن الترب بمعنى المتارب كالمثل بمعنى
~~المماثل، والظاهر أن هذا الوصف بينهن فيكون في ذلك إشارة إلى محبة بعضهن
~~لبعض وتصادقهن فيما بينهن فإن النساء الأتراب يتحابين ويتصادقن وفي ذلك
~~راحة عظيمة لأزواجهن كما أن في تباغض الضرائر نصبا عظيما وخطبا جسيما
~~لهم، وقد جرب ذلك وصح نسأل الله تعالى العفو والعافية. وقيل: إن ذلك
~~بينهن وبين أزواجهن أي أن أسنانهن كأسنانهم ليحصل كمال التحاب، ورجح بأن
~~اهتمام الرجل بحصول المحبة بينه وبين زوجته أشد من اهتمامه بحصولها بين
~~زوجاته، وفيه توقف. ثم أن الوصف الأول/ على المعنى الأول متكفل بالدلالة
~~على محبتهن لأزواجهن وعلى المعنى الثاني متكفل بالدلالة على محبة أزواجهن
~~لهن وإذا حصلت المحبة من طرف فالغالب حصولها من الطرف الآخر، وقد قيل: من
~~القلب إلى القلب سبيل والأمر في الشاهد أن كون الزوجات أصغر من الأزواج
~~أحب لهم لا التساوي، واختار بعضهم كون ذلك بينهن وبين أزواجهن ويلزم منه
~~مساواة بعضهن لبعض وهذا إذا كان المراد بقوله تعالى: { وعندهم } الخ
~~وعند كل واحد منهم ولو كان المراد وعند مجموعهم وكان الجمع موزعا بأن
~~يكون لكل ms09201 واحد واحد من أهل الجنة واحدة واحدة من قاصرات الطرف الأتراب
~~كان اعتبار كون الوصف بينهن وبين الأزواج كالمتعين لكن هذا الفرض خلاف ما
~~نطقت به الأخبار سواء قلنا بما روي عن ابن عباس من أن الآية في الآدميات
~~أو قلنا بما قاله صاحب " الفينان " من أنها في الحور، وقيل بناء على ما
~~هو الظاهر في الوصف إن التساوي في الأعمار بين الحور وبين نساء الجنة
~~فالآية فيهما.

### || [38.53]

# أي لأجل يوم الحساب فإن ما وعدوه لأجل طاعتهم وأعمالهم الصالحة وهي تظهر
~~بالحساب فجعل كأنه علة لتوقف إنجاز الوعد فالنسبة لليوم والحساب مجازية،
~~وجوز أن تكون اللام بمعنى بعد كما في كتب لخمس خلون من جمادي الآخرة
~~مثلا وهو أقل مؤونة.

# وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { يوعدون } بياء الغيبة وعلى قراءة الجمهور
~~بتاء الخطاب فيها التفات.

### || [38.54]

# { إن هذا } أي ما ذكر من ألوان النعم والكرامات { لرزقنا }
~~أعطيناكموه { ما له من نفاد } انقطاع أبدا.

### || [38.55]

# { هذا } قال الزجاج: أي الأمر هذا على أنه خبر مبتدأ محذوف، وقال
~~أبو علي: أي هذا للمؤمنين على أنه مبتدأ خبره محذوف وقدره بعضهم كما ذكر.
~~وجوز أبو البقاء احتمال كونه مبتدأ محذوف الخبر واحتمال كونه خبرا محذوف
~~المبتدأ، وجوز بعضهم كونه فاعل فعل محذوف أي مضى هذا وكونه مفعولا للفعل
~~محذوف أي خذ هذا، وجوز أيضا كون ها اسم فعل بمعنى خذ وذا مفعوله من غير
~~تقدير ورسمه متصلا يبعده والتقدير أسهل منه.

# وقوله تعالى: { وإن للطغين لشر مآب } عطف على ما قبله،
~~ولزوم عطف الخبر على الإنشاء على بعض الاحتمالات جوابه سهل، وأشار
~~الخفاجي إلى الحالية هنا أيضا ولعل أمرها على بعض الأقوال المذكورة هين.
~~والطاغون هنا الكفار كلام يدل عليه كلام ابن عباس حيث قال: أي الذين طغوا
~~علي وكذبوا رسلي، وقال الجبائي: أصحاب الكبائر كفارا كانوا أو لم
~~يكونوا. وإضافة { شر } إلى { مآب } كإضافة

# حسن

# [ص: 49] إليه فيما تقدم، وظاهر المقابلة يقتضي أن يقال: لقبح مآب هنا أو
~~لخير مآب فيما ms09202 مضى لكن مثله لا يلتفت إليه إذا تقابلت المعاني لأنه من
~~تكلف الصنعة البديعية كما صرح به المرزوفي في «شرح الحماسة» كذا قيل،
~~وقيل إنه من الاحتباك وأصله إن للمتقين لخير مآب وحسن مآب وإن للطاغين
~~لقبح مآب وشر مآب واستحسنه الخفاجي وفيه نوع بعد.

### || [38.56]

# وقوله تعالى: { جهنم } يعلم إعرابه مما سلف؛ وقوله سبحانه: {
~~يصلونها } أي يدخلونها ويقاسون حرها حال من { جهنم } نفسها أو من
~~الضمير المستتر في خبر { إن } الراجع لشر مآب المراد به هي والحال مقدرة
~~{ فبئس المهاد } أي هي يعني جهنم فالمخصوص بالذم محذوف. والمهاد
~~كالفراش لفظا ومعنى وقد استعير مما يفترشه النائم، والمهد كالمهاد وقد
~~يخص بمقر الطفل.

### || [38.57]

# { هذا } خبر مبتدأ محذوف أي العذاب هذا. وقوله تعالى: {
~~فليذوقوه } جملة/ مرتبة على الجملة قبلها فهي بمنزلة جزاء شرط
~~محذوف، وقوله تعالى: { حميم وغساق } خبر مبتدأ محذوف أي هو حميم
~~وغساق وذا قد يشاربه للمتعدد أو مبتدأ محذوف الخبر أي منه حميم ومنه غساق
~~كما في قوله:

# حتى إذا ما أضاء الصبح في غلس

# وغودر البقل ملوى ومحصود

# أي منه ملوى ومنه محصود أو { هذا } مبتدأ خبره { حميم } وجملة {
~~فليذوقوه } معترضة كقولك زيد فافهم رجل صالح أو هذا مبتدأ خبره {
~~فليذوقوه } على مذهب الأخفش في إجازته زيد فاضربه مستدلا بقوله:

# وقائلة خولان فانكح فتاتهم

# أو { هذا } في محل نصب بفعل مضمر يفسره { فليذوقوه } أي
~~ليذوقوا هذا فليذوقوه، ولعلك تختار القول بأن { هذا } مبتدأ وحميم
~~خبره وما في البين اعتراض وقد قدمه في " الكشاف " والفاء تفسيرية تعقيبية
~~وتشعر بأن لهم إذاقة بعد إذاقة، وفي حميم وغساق على هذين الوجهين
~~الاحتمالان المذكوران أولا والحميم الماء الشديد الحرارة.

# والغساق بالتشديد كما قرأ به ابن أبي اسحاق وقتادة وابن وثاب وطلحة
~~وحمزة والكسائي وحفص والفضل وابن سعدان وهرون عن أبي عمرو، وبالتخفيف
~~كما قرأ به باقي السبعة اسم لما يجري من صديد أهل النار كما روي عن عطاء
~~وقتادة وابن زيد، وعن السدى ما يسيل من دموعهم. وأخرج ابن جرير ms09203 عن كعب
~~أنه عين في جهنم تسيل إليها حمة كل ذي حمة من حية وعقرب وغيرهما يغمس
~~فيها الكافر فيتساقط جلده ولحمه وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس
~~أنه الزمهرير. وقيل: هو مشددا ومخففا وصف من غسق كضرب وسمع بمعنى سال
~~يقال غسقت العين إذا سال دمعها فيكون على ما في " البحر " صفة حذف
~~موصوفها أي ومذوق غساق ويراد به سائل من جلود أهل النار مثلا، والوصفية
~~في المشدد أظهر لأن فعالا بالتشديد قليل في الأسماء، ومنه الغياد ذكر
~~البوم والخطار دهن يتخذ من الزيت والعقار ما يتداوى به من النبات، ومن
~~الغريب ما قاله الجواليقي والواسطي أن الغساق هو البارد المنتن بلسان
~~الترك والحق أنه عربي نعم النتونة وصف له في الواقع وليست مأخوذة في
~~المفهوم، فقد أخرج أحمد والترمذي وابن حبان وجماعة وصححه الحاكم عن أبي
~~سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " ولو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا "

# وقيل الغساق عذاب لا يعلمه إلا الله عز وجل ويبعده هذا الخبر.

### || [38.58]

# { وأخر } أي ومذوق آخر وفسره ابن مسعود كما رواه عنه جمع بالزمهرير
~~أو وعذاب آخر. وقرأ الحسن ومجاهد والجحدري وابن جبير وعيسى وأبو عمرو {
~~وأخر } على الجمع أي ومذوقات أو أنواع عذاب آخر { من شكله } أي من
~~مثل هذا المذوق أو العذاب في الشدة والفظاعة، وتوحيد الضمير دون تثنيته
~~نظرا للحميم والغساق على أنه لما ذكر أو للشراب الشامل للحميم والغساق
~~أو للغساق. وقرأ مجاهد { شكله } بكسر الشين وهي لغة فيه كمثل وإذا كان
~~بمعنى الغنج فهو بالكسر لا غير { أزوج } أي أجناس و { ءاخر } على
~~القراءتين يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي وهذا مذوق أو عذاب آخر أو
~~هذه مذوقات أو أنواع عذاب آخر، والجملة معطوفة على هذا حميم، وإن شئت
~~فقدر هو أو هي واعطف الجملة على هو حميم، وأن يكون مبتدأ خبره محذوف أي
~~ومنه مذوق أو عذاب آخر أو ومنه مذوقات أو ms09204 أنواع عذاب أخر والعطف على منه
~~حميم وجوز أن يقدر الخبر لهم أي ولهم مذوق أو عذاب آخر أو ولهم مذوقات أو
~~أنواع عذاب/ أخر والعطف على

# هذا فليذوقوه

# [ص: 57] و { من شكله } و { أزوج } في جميع ذلك صفتاه لآخر أو
~~أخر. و { آخر } وإن كان مفردا في اللفظ فهو جمع وصادق على متعدد في
~~المعنى. ويحتمل أن يكون آخر أو أخر مبتدأ و { من شكله } صفته و {
~~أزوج } خبر والجواب عن عدم المطابقة على قراءة الأفراد ما سمعت، وأن
~~يكون ذلك عطفا على حميم عطف المفرد على المفرد و { من شكله } صفته و {
~~أزواج } صفة للثلاثة المتعاطفة، وجوز أن يكون { آخر } مبتدأ و { من شكله
~~} خبره و { أزواج } فاعل الظرف، وأن يكون الأول مبتدأ و { من شكله } خبر
~~مقدم و { أزواج } مبتدأ والجملة خبر المبتدأ الأول أعني آخر، وصح
~~الابتداء به لأنه من باب ضعيف عاذ بقرملة فالمبتدأ في الحقيقة الموصوف
~~المحذوف أي نوع آخر أو مذوق آخر، وقيل لأنه جيء به للتفصيل، ومما ذكروا
~~من المسوغات أن تكون النكرة للتفصيل نحو الناس رجلان رجل أكرمته ورجل
~~أهنته وبحث فيه ابن هشام في " المغني " ، وجعلوا ضمير (شكله) على الوجهين
~~عائدا على (آخر) وهما لا يكادان يتسنيان على القراءة بالجمع فتدبر ولا
~~تغفل.

### || [38.59]

# { هذا فوج } جمع كثير من أتباعكم في الضلال. { مقتحم }
~~راكب الشدة داخل فيها أو متوسط شدة مخيفة { معكم } والمراد هذا فوج
~~داخل معكم النار مقاس فيها ما تقاسونه، وهذا حكاية ما تقوله ملائكة
~~العذاب لرؤساء الضلال عند دخول النار تقريعا لهم فهو بتقدير فيقال لهم
~~عند الدخول هذا الخ. وفي " الكشاف " واستظهره أبو حيان أنه حكاية كلام
~~الطاغين بعضهم مع بعض يخاطب بعضهم بعضا في شأن أتباعهم يقول هذا فوج
~~مقتحم معكم، والظرف متعلق بمقتحم، وجوز فيه أن يكون نعتا ثانيا لفوج أو
~~حالا منه لأنه قد وصف أو من الضمير المستتر فيه، ومنع أبو البقاء جواز
~~كونه ظرفا قائلا: إنه يلزم عليه فساد المعنى وتبعه ms09205 الكواشي وصاحب "
~~الأنوار " ، وتعقبه صاحب " الكشف " بأنه إن كان الفساد لإنبائه عن
~~تزاحمهم في الدخول وليس المعنى على المزاحمة بين الفريقين الأتباع
~~والمتبوعين لأنهم بعد الدخول يقولون ذلك لا عند المزاحمة غير لازم لأن
~~الاقتحام لا ينبىء عن التزاحم ولا هو لازم له وإنما مثل ضربت معه زيدا
~~ينبىء عن المشاركة في الضرب والمقارنة فكذلك اقتحام المتبوعين النار مع
~~الأتباع ينبىء عن المشاركة في ركوب كل من الطائفتين قحمة النار ومقاساة
~~شدتها في زمان متقارب عرفا، ولو قيل هذا فوج معكم مقتحمون لم يفد أن
~~المخاطبين أيضا كذلك وفسد المعنى المقصود، والعجب ممن جوز أن يكون حالا
~~من ضمير { مقتحم } ولم يجوز أن يكون ظرفا وإن كان بغير ذلك فليفد
~~أولا ثم ليعترض انتهى.

# وقال بعضهم: إن وجه فساد الظرفية دون الحالية أنه ليس المراد أنهم
~~اقتحموا في الصحبة ودخلوا فيها بل اقتحموا في النار مصاحبين لكم ومقارنين
~~إياكم، وهو كلام فاسد لا محصل له لأن مدلول مع المعبر عنه بالصحبة معناه
~~الاجتماع في التلبس بمدلول متعلقها فيفيد اشتراك الطائفتين في الاقتحام
~~لا في الصحبة كما توهمه ولا يدل على اتحاد زمانيهما كما صرح به في "
~~المغني " ، ولو سلم فهو لتقاربه عد متحدا كما أشير في عبارة " الكشف "
~~إليه فالحق أنه لا فساد.

# وقوله تعالى: { لا مرحبا بهم } دعاء من المتبوعين على أتباعهم
~~سواء كان قائل ما تقدم الملائكة عليهم السلام أو بعض الرؤساء لبعض أو صفة
~~لفوج أو حال منه لوصفه أو من ضميره، وأيا ما كان يؤول بمقول لهم لا
~~مرحبا لأنه دعاء فهو إنشاء لا يوصف به، وكذا لا يكون حالا بدون تأويل،
~~والمعنى على استحقاقهم أن يقال لهم ذل لا أنهم قيل لهم ذلك بالفعل، وهو
~~على الوصفية والحالية من كلام الملائكة/ عليهم السلام إن كانوا هم
~~القائلين أو من كلام بعض الرؤساء، وجوز كونه ابتداء كلام منهم و {
~~مرحبا } من الرحب بضم الراء وهو السعة ومنه الرحبة للفضاء الواسع وهو
~~مفعول به لفعل واجب الإضمار ms09206 و { بهم } بيان للمدعو عليهم، وتكون الباء
~~للبيان كاللام في نحو سقيا له، وكون اللام دون الباء كذلك دعوى من غير
~~دليل أي ما أتوا بهم رحبا وسعة، وقيل: الباء للتعدية فمجرورها مفعول ثان
~~لأتوا وهو مبني على زعم أن اللام لا تكون للبيان، وكفى بكلام الزمخشري
~~وأبي حيان دليلا على خلافه، ويقال: مرحبا بك على معنى رحبت بلادك
~~رحبا كما يقال على معنى أتيت رحبا من البلاد لا ضيقا؛ ويفهم من كلام
~~بعضهم جواز أن يكون { مرحبا } مفعولا مطلقا لمحذوف أي لا رحبت بهم
~~الدار مرحبا، والجمهور على الأول، وأيا ما كان فالمراد بذلك مثبتا
~~الدعاء بالخير ومنفيا الدعاء بالسوء.

# { إنهم صالو النار } تعليل من جهة الملائكة لاستحقاقهم الدعاء
~~عليهم أو وصفهم بما ذكر أو تعليل من الرؤساء لذلك، والكلام عليه يتضمن
~~الإشارة إلى عدم انتفاعهم بهم كأنه قيل: إنهم داخلون النار بأعمالهم
~~مثلنا فأي نفع لنا فلا مرحبا بهم.

### || [38.60]

# { قالوا } أي الأتباع وهم الفوج المقتحم للرؤساء { بل أنتم لا
~~مرحبا بكم } أي بل أنتم أحق بما قيل لنا أو بما قلتم لنا، ولعلهم
~~إنما خاطبوهم بذلك على تقدير كون القائل الملائكة الخزنة عليهم السلام مع
~~أن الظاهر أن يقولوا بطريق الاعتذار إلى أولئك القائلين بل هم لا مرحبا
~~بهم قصدا منهم إلى إظهار صدقهم بالمخاصمة مع الرؤساء والتحاكم إلى
~~الخزنة طمعا في قضائهم بتخفيف عذابهم أو تضعيف عذاب خصمائهم. وفي
~~«البحر» خاطبوهم لتكون المواجهة لمن كانوا لا يقدرون على مواجهتهم في
~~الدنيا بقبيح أشفى لصدورهم حيث تسببوا في كفرهم وأنكى للرؤساء. وهذا
~~أيضا بتأويل القول بناء على أن الإنشاء لا يكون خبرا أي بل أنتم مقول
~~فيكم أي أحق أن يقال فيكم لا مرحبا بكم.

# { أنتم قدمتموه لنا } تعليل لأحقيتهم بذلك، وضمير الغيبة في
~~{ قدمتموه } للعذاب لفهمه مما قبله أو للمصدر الذي تضمه { صالو
~~} وهو الصلي أي أنتم قدمتم العذاب أو الصلي ودخول النار لنا بإغوائنا
~~وإغرائنا على ما قدمنا من العقائد الزائغة والأعمال السيئة لا أنا ms09207
~~باشرناها من تلقاء أنفسنا. وفي الكلام مجازان عقليان، الأول إسناد
~~التقديم إلى الرؤساء لأنهم السبب فيه بإغوائهم، والثاني إيقاعه على
~~العذاب أو الصلي مع أنه ليس المقدم بل المقدم عمل السوء الذي هو سبب له،
~~وقيل: أطلق الضمير الذي هو عبارة عن العذاب أو الصلي المسبب عن العمل على
~~العمل مجازا لغويا، وقيل: لا حاجة إلى ارتكاب المجاز فيه فتقديم العذاب
~~أو الصلي بتأخير الرحمة منهم.

# { فبئس القرار } أي فبئس المقر جهنم، وهو من كلام الأتباع
~~وكأنهم قصدوا بذلك التشفي والإنكاء وإن ذلك المقر مشترك. وقيل: قصدوا
~~بالذم المذكور تغليظ جناية الرؤساء عليهم.

### || [38.61]

# { قالوا } أي الأتباع أيضا، وقول ابن السائب: القائل جميع أهل النار
~~خلاف الظاهر جدا فلا يصار إليه، وتوسيط الفعل بين كلاميهم لما بينهما من
~~التباين ذاتا وخطابا أي قالوا معرضين عن خصومة رؤسائهم متضرعين إلى
~~الله عز وجل: { ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا
~~ضعفا فى النار } أي مضاعفا ومعناه ذا ضعف أي مثل وهو أن يزيد على
~~عذابه مثله فيصير بتلك الزيادة مثلين لعذاب غيره، ويطلق الضعف على
~~الزيادة المطلقة. وقال ابن مسعود هنا: الضعف حيات وعقارب، والظاهر من بعض
~~عباراتهم أن { من } موصولة، ونص الخفاجي/ على أنها شرطية. وفي «البحر»
~~{ من قدم } هم الرؤساء، وقال الضحاك: هو إبليس وقابيل، وهو أنسب
~~بخلاف الظاهر المحكي عن ابن السائب.

### || [38.62]

# { وقالوا } الضمير للطاغين عند جمع أي قال الطاغون بعضهم لبعض على
~~سبيل التعجب والتحسر { ما لنا لا نرى رجالا كنا } في الدنيا
~~{ نعدهم من الاشرار } أي الأراذل الذين لا خير فيهم ولا جدوى
~~يعنون بذلك فقراء المؤمنين وكانوا يسترذلونهم ويسخرون منهم لفقرهم
~~ومخالفتهم إياهم في الدين، وقيل: الضمير لصناديد قريش كأبي جهل وأمية بن
~~خلف وأصحاب القليب، والرجال عمار وصهيب وسلمان وخباب وبلال وأضرابهم رضي
~~الله تعالى عنهم بناء على ما روي عن مجاهد من أن الآية نزلت فيهم،
~~واستضعف «صاحب الكشف» وسبب النزول لا يكون دليلا على الخصوص، واستظهر
~~بعضهم أن الضمير للأتباع لأنه ms09208 فيما قبل يعني قوله تعالى:

# قالوا بل أنتم

# [ص: 60] الخ لهم أيضا، وكانوا أيضا يسخرون من فقراء المؤمنين تبعا
~~لرؤسائهم، وأيا ما كان فجملة { كنا } الخ صفة { رجالا }.

### || [38.63]

# وقوله تعالى: { أتخذنهم سخريا } بهمزة استفهام سقطت
~~لأجلها همزة الوصل كما قرأ بذلك الحجازيان وابن عامر وعاصم وأبو جعفر
~~والأعرج والحسن وقتادة استئناف لا محل له من الإعراب قالوه حيث لم يروهم
~~معهم إنكارا على أنفسهم وتأنيبا لهم في الاستسخار منهم.

# وقوله تعالى: { أم زاغت عنهم الابصر } متصل بقوله تعالى:

# ما لنا لا نرى

# [ص: 62] الخ، وأم فيه متصلة وتقدم ما فيه معنى الهمزة يغني عن تقدمها
~~على ما يقتضيه كلام الزمخشري، والمعنى ما لنا لا نراهم في النار أليسوا
~~فيها فلذلك لا نراهم بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها أو بقوله
~~تعالى: { أتخذنهم } الخ، وأم فيه إما متصلة أيضا، والمقابلة
~~باعتبار اللازم، والمعنى أي الأمرين فعلنا بهم الاستسخار منهم أم
~~الازدراء بهم وتحقيرهم وإن أبصارنا تعلو عنهم وتقتحمهم على معنى إنكار
~~الأمرين جميعا على أنفسهم، وعن الحسن كل ذلك قد فعلوا اتخذوهم سخريا
~~وزاغت عنهم أبصارهم محقرة لهم، وإما منقطعة كأنهم أضربوا عن إنكار
~~الاستسخار وأنكروا على أنفسهم أشد منه وهو أنهم جعلوهم محقرين لا ينظر
~~إليهم بوجه، وفي { زاغت } دون أزغنا مبالغة عظيمة كأن العين بنفسها
~~تمجهم لقبح منظرهم وأين هذا من السخر فقد يكون المسخور منه محبوبا
~~مكرما. وجوز أن يكون معنى { أم زاغت } على الانقطاع بل زاغت أبصارنا
~~وكلت أفهامنا حتى خفي عنا مكانهم وأنهم على الحق المبين.

# وقرأ النحويان وحمزة { أتخذنهم } بغير همزة فجوز أن تكون
~~مقدرة لدلالة أم عليها فتتحد القراءتان، وأن لا تكون كذلك ويكون الكلام
~~إخبارا فقال ابن الأنباري: الجملة حال أي وقد اتخذناهم، وجوز كونها
~~مستأنفة لبيان ما قبلها. وقال الزمخشري وجماعة: صفة ثانية لرجالا و {
~~أم زاغت } متصل بقوله تعالى: { ما لنا لا نرى } الخ كما سمعت
~~أولا. وجوز أن تكون أم فيه منقطعة كأنهم أضربوا عما قبل وأنكروا ms09209 على
~~أنفسهم ما هو أشد منه أو أضربوا عن ذلك إلى بيان إن ما وقع منهم في حقهم
~~كان لزيغ أبصارهم وكلال أفهامهم عن إدراك أنهم على الحق بسبب رثاثة
~~حالهم، وقرأ عبد الله وأصحابه ومجاهد والضحاك وأبو جعفر وشيبة والأعرج
~~ونافع وحمزة والكسائي { سخريا } بضم السين ومعناه على ما في «البحر»
~~من السخرة والاستخدام. ومعنى سخريا بالكسر على المشهور من السخر وهو
~~الهزء وهو معنى ما حكي عن أبي عمرو قال: ما كان من مثل العبودية فسخري
~~بالضم وما كان من مثل الهزء فسخري بالكسر، وقيل: هو بالكسر من التسخير.

### || [38.64]

# { إن ذلك } أي الذي حكى عنهم/ { لحق } لا بد أن يتكلموا به
~~فالمراد من حقيته تحققه في المستقبل. وقوله تعالى: { تخاصم أهل
~~النار } خبر مبتدأ محذوف أي هو تخاصم، والجملة بيان لذلك، وفي الإبهام
~~أولا والتبيين ثانيا مزيد تقرير له، وقال ابن عطية: بدل من حق والمبدل
~~منه ليس في حكم السقوط حقيقة، وقيل بدل من محل اسم إن. والمراد بالتخاصم
~~التقاول، وجوز إرادة ظاهره فإن قول الرؤساء

# لا مرحبا بهم

# [ص: 59] وقول الأتباع

# بل أنتم لا مرحبا بكم

# [ص: 60] من باب الخصومة فسمي التفاوض كله تخاصما لاشتماله عليه، قيل
~~وهذا ظاهر أن التقاول بين المتبوعين والأتباع أما لو جعل الكل من كلام
~~الخزنة فلا، ولو جعل { لا مرحبا } من كلام الرؤساء و

# هذا فوج

# [ص: 59] من كلام الخزنة فيصح أن يجعل تخاصما مجازا. وقرأ ابن أبي
~~عبلة { تخاصم } بالنصب فهو بدل من { ذلك }. وقال الزمخشري: صفة له، وتعقب
~~بأن وصف اسم الإشارة وإن جاز أن يكون بغير المشتق إلا أنه يلزم أن يكون
~~معرفا بأل كما ذكره في " المفصل " من غير نقل خلاف فيه فبينه وبين ما
~~يستدعيه القول بالوصفية تناقض مع ما في ذلك من الفصل الممتنع أو القبيح.
~~وأجاب صاحب «الكشف» بأن القياس يقتضي التجويز لأن اسم الإشارة يحتاج إلى
~~رافع لإبهامه دال على ذات معينة سواء كان فيه اختصاص بحقيقة أخرى أو
~~بحقائق أولا، ms09210 وهذا القدر لا يخرج الاسم عن الدلالة على حقيقة الذات
~~المعينة التي يصح بها أن يكون وصفا لاسم الإشارة، وأما الاستعمال فمعارض
~~بأصل الاستعمال في الصفة فكما أن الجمهور حملوا على الصفة في نحو هذا
~~الرجل مع احتمال البدل والبيان كذلك الزمخشري حمل على الوصف مع احتمال
~~البدل لأنه التفت لفت المعنى، ولا يناقض ما في " المفصل " لأنه ذكر ذلك
~~في باب النداء خاصة على تقدير عدم استقلال اسم الإشارة ولأن حال
~~الاستقلال أقل لم يتعرض له، وقد بين في موضعه أنه في النداء خاصة يمتنع
~~وصف اسم الإشارة إذا لم يستقل بالمضاف إلى المعرف باللام على أنه كثيرا
~~ما يخالف في أحد الكتابين " الكشاف " و " المفصل " الآخر، والإشكال بأنه
~~يلزم الفصل غير قادح فإنه يجوز لاسيما على تقدير استقلال اسم الإشارة
~~اه. ولا يخلو عن شيء.

# وقرأ ابن السميقع { تخاصم } فعلا ماضيا { أهل } بالرفع على أهل
~~فاعل له.

### || [38.65]

# { قل } يا محمد لمشركي مكة { إنما أنا منذر } أنذرتكم عذاب
~~الله تعالى للمشركين، والكلام رد لقولهم

# هذا ساحر كذاب

# [ص: 4] فإن الإنذار ينافي السحر والكذب. وقد يقال: المراد إنما أنا رسول
~~منذر لا ساحر كذاب، وفيه من الحسن ما فيه فإن كل واحد من وصفي الرسالة
~~والإنذار ينافي كل واحد من وصفي السحر والكذب لكن منافاة الرسالة للسحر
~~أظهر وبينهما طباق فكذلك الإنذار للكذب، وضم إلى ذلك قوله تعالى: { وما
~~من إله إلا الله } لإفادة أن له صلى الله عليه وسلم صفة
~~الدعوة إلى توحيده عز وجل أيضا فالأمران مستقلان بالإفادة. و { من }
~~زائدة للتأكيد أي ما إله أصلا إلا الله { الواحد } أي الذي لا يحتمل
~~الكثرة في ذاته بحسب الجزئيات بأن يكون له سبحانه ماهية كلية ولا بحسب
~~الأجزاء { القهار } لكل شيء.

### || [38.66]

# { رب السموات والأرض وما بينهما } من الموجودات منه
~~سبحانه خلقها وإليه تدبير جميع أمورها { العزيز } الذي يغلب ولا يغلب
~~في أمر من أموره جل شأنه فتندرج في ذلك المعاقبة { الغفار } المبالغ
~~في المغفرة يغفر ما يشاء ms09211 لمن يشاء تقرير للتوحيد، أما الوصف الأول فظاهر
~~في ذلك غير محتاج للبيان، وأما القهار/ لكل شيء فلأنه لو كان إله غيره
~~سبحانه لم يكن قهارا له ضرورة أنه لا يكون حينئذ إلها بل ربما يلزم أن
~~يكون مقهورا وذلك مناف للألوهية تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأما {
~~رب السموات } الخ فلأنه لو أمكن غيره معه تعالى شأنه جاء دليل
~~التمانع المشار إليه بقوله سبحانه:

# لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا

# [الأنبياء: 22] فلم تتكون السموات والأرض وما بينهما، وقيل: لأن معنى {
~~رب السموات } الخ رب كل موجود فيدخل فيه كل ما سواه فلا يكون
~~إلها، وأما العزيز فلأنه يقتضي أن يغلب غيره ولا يغلب ومع الشركة لا يتم
~~ذلك. وأما الغفار فلأنه يقتضي أن يغفر ما يشاء لمن يشاء فربما شاء مغفرة
~~لأحد وشاء لآخر منه العقاب فإن حصل مراده فالآخر ليس بإله وإن حصل مراد
~~الآخر ولم يحصل مراده لم يكن هو إلها تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا،
~~وما قيل في برهان التمانع سؤالا وجوابا يقال هنا، وفي هذه الأوصاف من
~~الدلالة على الوعد والوعيد ما لا يخفى، وللاقتصار على وصف الإنذار صريحا
~~فيما تقدم قدم وصف القهار على وصف الغفار هنا، وجوز أن يكون المقصود هو
~~تحقيق الإنذار وجيء بالثاني تتميما له وإيضاحا لما فيه من الإجمال أي
~~قل لهم ما أنا إلا منذر لكم بما أعلم وإنما أنذرتكم عقوبة من هذه صفته
~~فإن مثله حقيق بأن يخاف عقابه كما هو حقيق بأن يرجى ثوابه، والوجه الأول
~~أوفق لمقتضى المقام لأن التعقيب بتلك الصفات في الدلالة على أن الدعوة
~~إلى التوحيد مقصودة بالذات بمكان لا ينكر ولأن هذا بالنسبة إلى ما مر من
~~صدر السورة إلى هنا بمنزلة أن يقول المستدل بعد تمام تقريره فالحاصل
~~فالأولى أن يكون على وزان المبسوط وفيه قوله تعالى:

# أجعل الالهة إلها وحدا

# [ص: 5] فافهم.

### || [38.67]

# { قل } تكرير الأمر للإيذان بأن المقول أمر جليل له شأن خطير لا بد من ms09212
~~الاعتناء به أمرا وائتمارا { هو } أي ما أنبأتكم به من كوني رسولا
~~منذرا وأن الله تعالى واحدا لا شريك له { نبأ عظيم } خبر ذو
~~فائدة عظيمة جدا لا ريب فيه أصلا.

### || [38.68]

# متمادون في الإعراض عنه لتمادي غفلتكم، وهذه الجملة صفة ثانية لنبأ
~~والكلام بجملته تحسير لهم وتنبيه على مكان الخطأ وإظهار لغاية الرأفة
~~والعطف الذي يقتضيه مقام الدعوة. واستظهر بعض الأجلة أن { هو } للقرآن
~~كما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، واستشهد بآخر السورة وقال: إنه يدخل
~~ما ذكر دخولا أوليا، واختار كون هذه الجملة استئنافا ناعيا عليهم سوء
~~حالهم بالنسبة إليه وأنهم لا يقدرون قدره الجليل مع غاية عظمته الموجبة
~~للإقبال عليه وتلقيه بحسن القبول؛ وكأن الكلام عليه ناظر إلى ما في أول
~~السورة من قوله تعالى:

# والقرآن ذي الذكر * بل الذين كفروا في عزة
~~وشقاق

# [ص:12] جيء به ليستدل على أنه وارد من جهته تعالى بما يشير إليه قوله
~~تعالى: { ما كان لي من علم بالملإ... }.

### || [38.69]

# الخ حيث تضمن ذكر نبأ من أنبائه على التفصيل من غير سابقة معرفة به ولا
~~مباشرة سبب من أسبابها المعتادة كالنظر في الكتب الإلهية والسماع من
~~الكتابين وهو حجة بينة دالة على أنه بطريق الوحي من عند الله تعالى وأن
~~سائر أنبائه أيضا كذلك. وهو على ما قلنا تذكير لإثبات النبوة بذكر مختصر
~~منه تمهيدا لإرشاد الطريق وتذكيرا للباقي وتسلقا منه إلى استماع ما
~~ذكره لطف للمدعوين وتنويه للداعي، وعدم التعرض لنحو ذلك في أمر التوحيد
~~لظهور أدلته مع كونه ذكر شيء منها غضا طريا وهو ما أشارت إليه الصفات
~~المذكورة آنفا، فلا يقال: إن التعرض لإثبات النبوة دون التوحيد دليل
~~على/ أن المقصود بالإفادة هو النبوة وأن الثاني جيء به تتميما لذلك.
~~وأنت تعلم أن النبوة وكون القرآن وحيا من عند الله تعالى متلازمان متى
~~ثبت أحدهما ثبت الآخر، لكن يرجح جعل الآية في النبوة وإثباتها القرب
~~وتصدير هذه الآية بنحو من صدرت به الآية المتضمنة دعوى النبوة قبلها ms09213 من
~~قوله تعالى:

# قل

# [ص: 67] فإن سلم لك هذا المرجح فذاك وإلا فلا تعدل عما روي عن ابن عباس
~~ومن معه، وعن الحسن أن ذلك يوم القيامة كما في قوله تعالى:

# عم يتساءلون * عن النبإ العظيم

# [النبأ: 12] وقيل: ما تقدم من أنباء الأنبياء عليهم السلام، وقيل تخاصم
~~أهل النار، وعدي العلم بالباء نظرا إلى معنى الإحاطة، والملأ الجماعة
~~الأشراف لأنهم يملؤن العيون رواء والنفوس جلالة وبهاء وهو اسم جمع ولذا
~~وصف بالمفرد أعني { الاعلى } والمراد به عند ملأ الملائكة وآدم عليهم
~~السلام وإبليس عليه اللعنة وكانوا في السماء فالعلو حسي وكان التقاول
~~بينهم على ما ستعلمه إن شاء الله تعالى.

# وإذ متعلقة بمحذوف يقتضيه المقام إذ المراد نفي علمه عليه الصلاة
~~والسلام بحالهم لا بذواتهم، والتقدير ما كان لي فيما سبق علم ما بوجه من
~~الوجوه بحال الملأ الأعلى وقت اختصامهم، وهو أولى من تقدير الكلام كما
~~ذهب إليه الجمهور أي ما كان لي علم بكلام الملأ الأعلى وقت اختصامهم لأن
~~علمه صلى الله عليه وسلم غير مقصور على ما جرى بينهم من الأقوال فقط بل
~~عام لها وللأفعال أيضا من سجود الملائكة عليهم السلام وإباء إبليس
~~واستكباره حسبما ينطق به الوحي فالأولى اعتبار العموم في نفيه أيضا.
~~وقيل: إذ بدل اشتمال من { الملا } أو ظرف لعلم وفيه بحث والاختصام
~~فيما يشير إليه سبحانه بقوله عز وجل:

# إذ قال ربك

# [البقرة: 30] الخ، والتعبير بيختصمون المضارع لأنه أمر غريب فأتى به
~~لاستحضاره حكاية للحال، وضمير الجمع للملأ. وحكى أبو حيان كونه لقريش
~~وابتعده وكأن في { يختصمون } حينئذ التفاتا من الخطاب في

# أنتم عنه معرضون

# [ص: 68] إلى الغيبة والاختصام في شأن رسالته صلى الله عليه وسلم أو في
~~شأن القرآن أو شأن المعاد وفيه عدول عن المأثور وارتكاب لما لا يكاد يفهم
~~من الآية من غير داع إلى ذلك ومع هذا لا يقبله الذوق السليم، وقوله
~~تعالى: { إن يوحى إلي إلا أنمآ... }.

### || [38.70]

# اعتراض وسط بين إجمال اختصامهم وتفصيله تقريرا لثبوت علمه ms09214 عليه الصلاة
~~والسلام وتعيينا لسببه إلا أن بيان انتفائه فيما سبق لما كان منبئا عن
~~ثبوته الآن، ومن البين عدم ملابسته صلى الله عليه وسلم بشيء من مباديه
~~المعهودة تعين أنه ليس إلا بطريق الوحي حتما فجعل ذلك أمرا مسلم الثبوت
~~غنيا عن الإخبار به قصدا وجعل مصب الفائدة إخباره بما هو داع إلى الوحي
~~ومصحح له، فالقائم مقام الفاعل ليوحى إما ضمير عائد إلى الحال المقدر كما
~~أشير إليه سابقا أو ما يعمه وغيره، فالمعنى ما يوحى إلي حال الملأ
~~الأعلى أو ما يوحى إلي الذي يوحى من الأمور الغيبية التي من جملتها
~~حالهم لأمر من الأمور إلا لأني نذير مبين من جهته تعالى فإن كونه عليه
~~الصلاة والسلام كذلك من دواعي الوحي إليه ومصححاته، وجوز كون الضمير
~~القائم مقام الفاعل عائدا إلى المصدر المفهوم من { يوحى } أي ما يفعل
~~الإيحاء إلى بحال الملأ الأعلى أو بشيء من الأمور الغيبية التي من جملتها
~~حالهم لأمر من الأمور إلا لأني الخ.

# وجوز أيضا كون الجار والمجرور نائب الفاعل { وإنما } على تقدير
~~اللام، قال في «الكشف»: ومعنى الحصر أنه صلى الله عليه وسلم لم يوح إليه
~~لأمر إلا لأنه نذير مبين وأي مبين كقولك: لم تستقض يا فلان إلا لأنك عالم
~~عامل مرشد. وجوز الزمخشري أن يكون بعد حذف اللام مقاما مقام الفاعل،
~~ومعنى الحصر أني لم أومر إلا بهذا لأمر/ وحده وليس إلى غير ذلك لأنه
~~الأمر الذي يشتمل على كل الأوامر إما تضمنا وإما التزاما أو لم أومر
~~إلا بإنذاركم لا بهدايتكم وصدكم عن العناد فإن ذلك ليس إلي، وما ذكر
~~أولا أوفق بحال الاعتراض كما لا يخفى على من ليس أجنبيا عن إدراك
~~اللطائف.

# وقرأ أبو جعفر { إنما } بالكسر على الحكاية أي ما يوحى إلي إلا هذه
~~الجملة وإيحاؤها إليه أمر عليه الصلاة والسلام أن يقولها وحاصل معنى
~~الحصر قريب مما ذكر آنفا، وجوز أن يراد لم أومر إلا بأن أقول لكم هذا
~~القول دون أن أقول أعلم ms09215 الغيب بدون وحي مثلا فتدبر ولا تغفل.

### || [38.71]

# وقوله تعالى: { إذ قال ربك للملئكة } الخ شروع في
~~تفصيل ما أجمل من الاختصام الذي هو ما جرى بينهم من التقاول فهو بدل من

# إذ يختصمون

# [ص: 69] بدل كل من كل، وجوز كونه بدل بعض، وصح إسناد الاختصام إلى
~~الملائكة مع أن التقاول كان بينهم وبين الله تعالى كما يدل عليه { إذ
~~قال ربك } الخ لأن تكليمه تعالى إياهم كان بواسطة الملك فمعنى
~~المقاولة بين الملأ الأعلى مقاولة ملك من الملائكة مع سائر الملائكة
~~عليهم السلام في شأن الاستخلاف ومع إبليس في شأن السجود ومع آدم في قوله:

# أنبئهم بأسمائهم

# [البقرة: 33] ومعنى كون المقاولة بين الملائكة وآدم وإبليس وجودها فيما
~~بينهم في الجملة. ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في الإسناد فالكل
~~حقيقة لأن الملأ الأعلى شامل للملك المتوسط وهو المقاول بالحقيقة وهو عز
~~وجل مقاول بالمجاز، ولا تقل المخاصم ليكون الأمر بالعكس، وما يقال: إن
~~قوله تعالى: { إذ قال ربك } يقتضي أن تكون مقاولته تعالى إياهم
~~بلا واسطة فهو ممنوع لأنه إبدال زمان قصة عن زمان التفاوض فيها، والغرض
~~أن تعلم القصة لا مطابقة كل جزء جزء لكل جزء جزء فذلك غير لازم ولا
~~ومراد، ثم فيه فائدة جليلة وهي أن مقاولة الملك إياهم أو إياهما عن الله
~~تعالى فهم مقاولوه تعالى أيضا، وأريد هذا المعنى من هذا الإيراد لا من
~~اللفظ ليلزم الجمع المذكور آنفا، وجعل الله عز وجل من الملأ الأعلى بأن
~~يراد به ما عدا البشر ليكون الاختصام قائما به تعالى وبهم على معنى أنه
~~سبحانه في مقابلتهم يخاصمونه ويخاصمهم مع ما فيه من إيهام الجهة له عز
~~وجل ينبو المقام عنه نبوا ظاهرا، ولم يذكر سبحانه جواب الملائكة عليهم
~~السلام لتتم المقاولة اختصارا بما كرر مرارا ولهذا لم يقل جل شأنه إني
~~خالق خلقا من صفته كيت وكيت جاعل إياه خليفة.

# وروعي هذا النسق ههنا لنكتة سرية وهي أن يجعل مصب الغرض من القصة حديث
~~إبليس ليلائم ms09216 ما كان فيه أهل مكة وأنه بامتناعه عن امتثال أمر واحد جرى
~~عليه ما جرى فكيف يكون حالهم وهم مغمورون في المعاصي؛ وفيه أنه أول من سن
~~العصيان فهو إمامهم وقائدهم إلى النار، وذكر حديث سجود الملائكة وطي
~~مقاولتهم في شأن الاستخلاف ليفرق بين المقاولتين وأن السؤال قبل الأمر
~~ليس مثله بعده فإن الثاني يلزمه التواني، ثم فيه حديث تكريم آدم عليه
~~السلام ضمنا دلالة على أن المعلم والناصح يعظم وأنه شرع منه تعالى قديم،
~~وكان على أهل مكة أن يعاملوا النبي صلى الله عليه وسلم معاملة الملائكة
~~لآدم لا معاملة إبليس له قاله صاحب «الكشف» وهو حسن بيد أن ما علل به
~~الاختصار من تكرار ذلك مرارا لا يتم إلا إذا كان ذلك في سورة مكية نزلت
~~قبل هذه السورة، وقد علل بعضهم ترك الذكر بالاكتفاء بما في البقرة، وفيه
~~أن نزولها متأخر عن نزول هذه السورة لأنها مدنية وهذه مكية فلا يصح
~~الاكتفاء إحالة عليها قبل نزولها، وكون المراد اكتفاء السامعين للقرآن
~~بعد ذلك لا يخفى حاله، ولعل القصة كانت معلومة سماعا منه صلى الله عليه
~~وسلم وكان عالما بها بواسطة الوحي/ وإن لم تكن إذ ذاك نازلة قرآنا
~~فاختصرت ههنا لما ذكر في «الكشف» اكتفاء بذلك، وقال فيه أيضا: وذلك أن
~~تقول التقاول بين الملائكة وآدم عليهم السلام حيث قال:

# أنبئونى بأسماء هؤلاء

# [البقرة: 31] تبكيتا لهم بما نسبوا إليه من قولهم { أتجعل فيها
~~} وبينه وبين إبليس إما لأنه داخل في الإنكار والتبكيت بل هو أشدهم في
~~ذلك لكن غلب الله تعالى الملائكة لأنه أخس من أن يقرن مع هؤلاء مفردا في
~~الذكر أو لأنه أمر بالسجود لمعلمه فامتنع وأسمعه لما أسمع. وقوله تعالى:
~~{ وإذ قال ربك } الخ للإتيان بطرف مشتمل على قصة المقاولة
~~وتصوير أصلها فلم يلزم منه أن يكون الرب جل شأن من المقاولين وإن كان
~~بينه سبحانه وبينهم تقاول قد حكاه الله تعالى، وهذا أقل تكلفا مما فيه
~~دعوى أن تكليمه تعالى كان بواسطة الملك ms09217 إذ للمانع أن يمنع التوسط على
~~أصلنا وعلى أصل المعتزلة أيضا لا سيما إذا جعل المبكتون الملائكة كلهم،
~~وعلى الوجهين ظهر فائدة إبدال { إذ قال ربك } من { إذ
~~يختصمون } على وجه بين، والاعتراض بأنه لو كان بدلا لكان الظاهر
~~إذ قال ربي لقوله

# ما كان لى من علم

# [ص: 69] فليس المقام مما يقتضي الالتفات غير قادح فإنه على أسلوب قوله
~~تعالى:

# ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض
~~ليقولن خلقهن العزيز العليم * الذي جعل لكم
~~الأرض

# [الزخرف: 910] فالخطاب بلكم نظرا إلى أنه من قول الله تعالى تمم قولهم
~~وذنبه كذلك ههنا هو من قول الله تعالى لتتميم قول النبي صلى الله عليه
~~وسلم وهذا على نحو ما يقول: مخاطبك جاءني الأمير فتقول الذي أكرمك وحباك
~~أو يقول رأيت الأمير يوم الجمعة فتقول: يوم خلع عليك الخلعة الفلانية،
~~ومنه علم أنه ليس من الالتفات في شيء وإن هذا الإبدال على هذا الأسلوب
~~لمزيد الحسن انتهى.

# وجوز أن يقال: إن { إذ } قوله تعالى: { إذ قال ربك } ظرف
~~ليختصمون، والمراد بالملا الأعلى الملائكة وباختصامهم قولهم لله تعالى

# أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء

# [البقرة: 30] في مقابلة قوله تعالى:

# إني جاعل فى الارض

# [البقرة: 30] إلى غير ذلك، ولا يتوقف صحة إرادة ذلك على جعل الله تعالى
~~من الملأ ولا على أنه سبحانه كلمهم بواسطة ملك ولا تقدم تفصيل الاختصام
~~مطلقا بل يكفي ذكره بعد النزول سواء ذكر قرآنا أم لا، ويجرح تفسير
~~الملأ بما ذكر على تفسيره بما يعم آدم عليه السلام أن ذاك على ما سمعت
~~يستدعي القول بأن آدم كان في السماء وهو ظاهر في أنه عليه السلام خلق في
~~السماء أو رفع إليها بعد خلقه في الأرض وكلا الأمرين لا يسلمهما كثير من
~~الناس، وقد نقل ابن القيم في كتابه " مفتاح دار السعادة " عن جمع أن آدم
~~عليه السلام إنما خلق في الأرض وأن الجنة التي أسكنها بعد أن جرى ما جرى
~~كانت فيها أيضا وأتى بأدلة كثيرة قوية على ذلك ms09218 ولم يجب عن شيء منها
~~فتدبر.

# وذهب بعضهم إلى أن الملأ الأعلى الملائكة وأن اختصامهم كان في الدرجات
~~والكفارات، فقد أخرج الترمذي وصححه والطبراني وغيرهما عن معاذ بن جبل
~~قال: «احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة من صلاة الصبح
~~حتى كدنا نتراءى عين الشمس فخرج سريعا فثوب بالصلاة فصلى رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فلما سلم دعا بصوته فقال: على مصافكم ثم التفت إلينا ثم
~~قال: أما إني أحدثكم بما حبسني عنكم الغداة إني قمت الليلة فقمت وصليت ما
~~قدر لي ونعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن
~~صورة فقال: يا محمد قلت: لبيك ربي قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا
~~أدري فوضع كفه بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثديي فتجلى لي كل شيء
~~وعرفته فقال: يا محمد قلت: لبيك قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في
~~الدرجات والكفارات فقال: ما الدرجات؟ فقلت: إطعام الطعام وإفشاء السلام
~~والصلاة بالليل والناس نيام قال: صدقت فما الكفارات؟ قلت: إسباغ الوضوء
~~في المكاره وانتظار الصلاة بعد الصلاة ونقل الأقدام/ إلى الجماعات قال:
~~صدقت سل يا محمد فقلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب
~~المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير
~~مفتون اللهم إني أسألك حبك وحب من أحبك وحب عمل يقربني إلى حبك قال
~~النبي صلى الله عليه وسلم:

# " تعملوهن وادرسوهن فإنهم حق "

# ومعنى اختصامهم في ذلك على ما في البحر اختلافهم في قدر ثوابه، ولا يخفى
~~أن حمل الاختصام في الآية على ما ذكر بمراحل عن السياق فإنه مما لم يعرفه
~~أهل الكتاب فلا يسلمه المشكرون له عليه الصلاة والسلام أصلا، نعم هو
~~اختصام آخر لا تعلق له بالمقام، وجعل هؤلاء  إذ  في { إذ قال }
~~منصوبا باذكر مقدرا، وكذا كل من قال: إن الاختصام ليس في شأن آدم عليه
~~السلام يجعله كذلك.

# والشهاب الخفاجي قال: الأظهر أي مطلقا تعلق إذ باذكر المقدر على ms09219 ما عهد
~~في مثله ليبقى { إذ يختصمون } على عمومه ولئلا يفصل بين البدل
~~والمبدل منه وليشتمل ما في الحديث الصحيح من اختصامهم في الكفارات
~~والدرجات ولئلا يحتاج إلى توجيه العدول عن ربي إلى { ربك } انتهى،
~~وفيه شيء لا يخفى.

# ومن غريب ما قيل في اختصامهم ما حكاه الكرماني في " عجائبه " أنه عبارة
~~عن مناظرتهم بينهم في استنباط العلوم كمناظرة أهل العلم في الأرض، ويرد
~~به على من يزعم أن جميع علومهم بالفعل، والمعروف عن السلف أنه المقاولة
~~في شأن آدم عليه السلام والرد به حاصل أيضا.

# والمراد بالملائكة في { إذ قال ربك للملئكة } ما يعم
~~إبليس لأنه إذ ذاك كان مغمورا فيهم، ولعل التعبير بهم دون الضمير الراجع
~~إلى الملأ الأعلى على القول بالاتحاد لشيوع تعلق القول بهم بين أهل
~~الكتاب بهذا العنوان أو لشهرة المقابلة بين الملك والبشر فيلطف جدا قوله
~~سبحانه: { إذ قال ربك للملئكة }  { إنى خلق
~~بشرا من طين } وقيل: عبر بذلك إظهارا للاستغراق في المقول له،
~~والمراد إني خالق فيما سيأتي، وفي التعبير بما ذكر ما ليس في التعبير
~~بصيغة المضارع من الدلالة على أنه تعالى فاعل البتة من غير صارف. والبشر
~~الجسم الكثيف يلاقي ويباشر أو بادي البشرة ظاهر الجلد غير مستور بشعر أو
~~وبر أو صوف، والمراد به آدم عليه السلام؛ وذكر هنا خلقه من طين وفي آل
~~عمران خلقه من تراب وفي الحجر من صلصال من حمإ مسنون وفي الأنبياء من عجل
~~ولا منافاة غاية ما في الباب أنه ذكر في بعض المادة القريبة في بعض
~~المادة البعيدة، ثم إن ما جرى عند وقوع المحكي ليس اسم البشر الذي لم
~~يخلق مسماه حينئذ فضلا عن تسميته به بل عبارة كاشفة عن حاله وإنما عبر
~~عنه بهذا الاسم عند الحكاية.

### || [38.72]

# { فإذا سويته } أي صورته بالصورة الإنسانية والخلقة البشرية أو
~~سويت أجزاء بدنه بتعديل طبائعه { ونفخت فيه من روحى } تمثيل
~~لإفاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها فليس ثمت نفخ ولا
~~منفوخ ms09220 أي فإذا أكملت استعداده وأفضت عليه ما يحيا به من الروم الطاهرة
~~التي هي أمري { فقعوا له } أمر من وقع، وفيه دليل على أن المأمور
~~به ليس مجرد الانحناء كما قيل: أي فاسقطوا له { سجدين } تحية له
~~وتكريما.

### || [38.73]

# { فسجد الملئكة } أي فخلقه فسواه فنفخ فيه الروح فسجد له
~~الملائكة { كلهم } بحيث لم يبق أحد منهم إلا سجد { أجمعون } أي
~~بطريق المعية بحيث لم يتأخر أحد منهم عن أحد فكل للإحاطة وأجمع للاجتماع.
~~ولا اختصاص لإفادته ذلك بالحالية خلافا لبعضهم، وتحقيقه على ما في
~~«الكشف» أن الاشتقاق الواضح يرشد إلى أن فيه معنى الجمع والضم والأصل في
~~الإطلاق الخطابي التنزيل على أكمل أحوال الشيء ولا/ خفاء في أن الجمع في
~~وقت واحد أكمل أصنافه لكن لما شاع استعماله تأكيدا أقيم مقام كل في
~~إفادة الإحاطة من غير نظر إلى الكمال فإذا فهمت الإحاطة بلفظ آخر لم يكن
~~بد من ملاحظة الأصل صونا للكلام عن الإلغاء ولو سلم فكل تأكيد الشمول
~~بإخراجه عن الظهور إلى النصوص، و { أجمعون } تأكيد ذلك التأكيد
~~فيفيد أتم أنواع الإحاطة وهو الإحاطة في وقت واحد، واستخراج هذه الفائدة
~~من جعله كإقامة المظهر مقام المضمر لا يلوح وجهه، والنقض بقوله سبحانه:

# لاغوينهم أجمعين

# [ص: 82] منشؤه عدم تصور وجه الدلالة. وظاهر هذه الآية وآية الحجر أن
~~سجودهم مترتب على ما حكى من الأمر التعليقي وكثير من الآيات الكريمة
~~كالتي في البقرة والأعراف وغيرهما ظاهرة في أنه مترتب على الأمر التنجيزي
~~وقد مر تحقيق ذلك فليراجع.

### || [38.74]

# وقوله تعالى: { إلا إبليس } استثناء متصل لما أنه وإن كان جنيا
~~معدود في زمرة الملائكة موصوف بصفاتهم لا يقوم ولا يقعد إلا معهم فشملته
~~الملائكة تغليبا ثم استثني استثناء واحد منهم أو لأن من الملائكة جنسا
~~يتوالدون وهو منهم أو هو استثناء منقطع، وقوله تعالى: { استكبر }
~~على الأول: استئناف مبين لكيفية ترك السجود المفهوم من الاستثناء فإن
~~تركه يحتمل أن يكون للتأمل والتروي وبه يتحقق أنه للإباء والاستكبار وعلى
~~الثاني: يجوز اتصاله ms09221 بما قبله أي لكن إبليس استكبر وتعظم { وكان من
~~الكفرين } أي وصار منهم باستكباره وتعاظمه على أمر الله تعالى،
~~وترك الفاء المؤذنة بالسببية إحالة على فطنة السامع أو لظهور المراد.
~~وكون التعاظم على أمره عز وجل لا سيما الشفاهي موجبا للكفر مما لا ينبغي
~~أن يشك فيه على أن هذا الاستكبار كان متضمنا استقباح الأمر وعده جورا،
~~ويجوز أن يكون المعنى وكان من الكافرين في علم الله تعالى لعلمه عز وجل
~~أنه سيعصيه ويصدر عنه ما يصدر باختياره وخبث طويته واستعداده.

### || [38.75]

# { قال } عز وجل على سبيل الإنكار والتوبيخ { يإبليس ما منعك
~~أن تسجد } أي من السجود { لما خلقت } أي للذي خلقته على أن ما
~~موصولة والعائد محذوف، واستدل به على جواز إطلاق { ما } على آحاد من
~~يعقل ومن لم يجز قال: إن { ما } مصدرية ويراد بالمصدر المفعول أي أن
~~تسجد لمخلوق { بيدى } وهذا عند بعض أهل التأويل من الخلف تمثيل
~~لكونه عليه السلام معتني بخلقه فإن من شأن المعتنى به أن يعمل باليدين،
~~ومن آثار ذلك خلقه من غير توسط أب وأم وكونه جسما صغيرا انطوى فيه
~~العالم الأكبر وكونه أهلا لأن يفاض عليه ما لا يفاض على غيره إلى غير
~~ذلك من مزايا الآدمية. وعند بعض آخر منهم اليد بمعنى القدرة والتثنية
~~للتأكيد الدال على مزيد قدرته تعالى لأنها ترد لمجرد التكرير نحو

# ثم ارجع البصر كرتين

# [الملك: 4] فأريد به لازمه وهو التأكيد وذلك لأن لله تعالى في خلقه
~~أفعالا مختلفة من جعله طينا مخمرا ثم جسما ذا لحم وعظم ثم نفخ الروح
~~فيه وإعطائه قوة العلم والعمل ونحو ذلك مما هو دال على مزيد قدرة خالق
~~القوى والقدر، وجوز أن يكون ذلك لاختلاف فعل آدم فقد يصدر منه أفعال
~~ملكية كأنها من آثار اليمين وقد يصدر منه أفعال حيوانية كأنها من آثار
~~الشمال وكلتا يديه سبحانه يمين. وعند بعض اليد بمعنى النعمة والتثنية إما
~~لنحو ما مر وإما على إرادة نعمة الدنيا ونعمة الآخرة. والسلف يقولون:
~~اليد ms09222 مفردة وغير مفردة ثابتة لله عز وجل على المعنى اللائق به سبحانه ولا
~~يقولون في مثل هذا الموضع إنها بمعنى القدرة أو النعمة، وظاهر الأخبار أن
~~للمخلوق بها مزية على غيره، فقد ثبت/ في «الصحيح» أنه سبحانه قال في جواب
~~الملائكة: اجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة وعزتي وجلالي لا أجعل من خلقته
~~بيدي كمن قلت له كن فكان.

# وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في " العظمة " والبيهقي عن ابن عمر رضي الله
~~تعالى عنهما قال: خلق الله تعالى أربعا بيده: العرش وجنات عدن والقلم
~~وآدم ثم قال لكل شيء كن فكان، وجاء في غير ما خبر أنه تعالى كتب التوراة
~~بيده، وفي حديث محاجة آدم وموسى عليهما السلام ما يدل على أن المخلوقية
~~بها وصف تعظيم حيث قال له موسى: أنت آدم الذي خلقك الله تعالى بيده،
~~وكذلك في حديث الشفاعة أن أهل الموقف يأتون آدم ويقولون له: أنت آدم أبو
~~الناس خلقك الله تعالى بيده، ويعلم من ذلك أن ترتيب الإنكار في { ما
~~منعك أن تسجد } على خلق الله تعالى إياه بيديه لتأكيد الإنكار
~~وتشديد التوبيخ كأنه قيل: ما منعك أن تعظم بالسجود من هو أهل للتعظيم
~~للعناية الربانية التي حفت إيجاده.

# وزعم الزمخشري أن { خلقت بيدى } من باب رأيته بعيني فبيدي
~~لتأكيد أنه مخلوق لا شك فيه وحيث إن إبليس ترك السجود لآدم عليه السلام
~~لشبهة أنه سجود لمخلوق وانضم إلى ذلك أنه مخلوق من طين وأنه هو مخلوق من
~~نار وزل عنه أن الله سبحانه حين أمر من هو أجل منه وأقرب عباده إليه زلفى
~~وهم الملائكة امتثلوا ولم يلتفتوا إلى التفاوت بين الساجد والمسجود له
~~تعظيما لأمر ربهم وإجلالا لخطابه ذكر له ما يتشبث به من الشبهة وأخرج
~~له الكلام مخرج القول بالموجب مع التنبيه على مزلة القدم فكأنه قيل له ما
~~منعك من السجود لشيء هو كما تقول مخلوق خلقته بيدي لا شك في كونه مخلوقا
~~امتثالا لأمري وإعظاما لخطابي كما فعلت الملائكة ولا يخفى أن ms09223 المقام
~~ناب عما ذكره أشد النبو، وجعل ذلك من باب رأيت بعيني لا يفيد إلا تأكيد
~~المخلوقية، وإخراج الكلام مخرج القول بالموجب مما لا يكاد يقبل فإن سياق
~~القول بالموجب أن يسلم له ثم ينكر عليه لا أن يقدم الإنكار أصلا ويؤتى
~~به كالرمز بل كالإلغاز، وأيضا الأخبار الصحيحة ظاهرة في أن ذاك وصف
~~تعظيم لا كما زعمه، وأيضا جعل سجود الملائكة لآدم راجعا إلى محض
~~الامتثال من غير نظر إلى تكريم آدم عليه السلام مردود بما سلم في عدة
~~مواضع أنه سجود تكريم كيف وهو يقابل

# أتجعل فيها

# [البقرة: 30] وكذلك تعليمه إياهم فليلحظ فيه جانب الآمر تعالى شأنه
~~وجانب المسجود له عليه الصلاة والسلام توفية للحقين وكأنه قال ما قال
~~وأخرج الآية على وجه لم يخطر ببال إبليس حذرا من خرم مذهبه ولا عليه أن
~~يسلم دلالة الآية على التكريم ويخصه بوجه وحينئذ لا تدل على الأفضلية
~~مطلقا حتى يلزم خرم مذهبه. ولعمري أن هذا الرجل عق أباه آدم عليه السلام
~~في هذا المبحث من " كشافه " حيث أورد فيه مثالا لما قرره في الآية جعل
~~فيه سقاط الحشم مثالا لآدم عليه السلام وبر عدو الله تعالى إبليس حيث
~~أقام له عذره وصوب اعتقاده أنه أفضل من آدم لكونه من نار وآدم من طين
~~وإنما غلطه من جهة أخرى وهو أنه لم يقس نفسه على الملائكة إذ سجدوا له
~~على علمهم أنه بالنسبة إليهم محطوط الرتبة ساقط المنزلة وكم له من عثرة
~~لا يقال لصاحبها لعا مع الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم في هذا
~~المقام، نسأل الله تعالى أن يعصمنا من مهاوي الهوى ويثبت لنا الأقدام.
~~وقرىء { بيدي } بكسر الدال كمصرخي و { بيدي } على التوحيد.

# { أستكبرت } بهمزة الإنكار وطرح همزة الوصل أي أتكبرت من غير
~~استحقاق { أم كنت من العالين } أو كنت مستحقا للعلو فائقا
~~فيه، وقيل المعنى أحدث لك الاستكبار أم لم تزل منذ كنت من المستكبرين
~~فالتقابل على الأول: باعتبار الاستحقاق وعدمه/ وعلى الثاني: باعتبار
~~الحدوث والقدم ms09224 ولذا قيل { كنت من العالين } دون أنت من العالين،
~~وقيل إن العالين صنف من الملائكة يقال لهم المهيمون مستغرقون بملاحظة
~~جمال الله تعالى وجلاله لا يعلم أحدهم أن الله تعالى خلق غيره لم يؤمروا
~~بالسجود لآدم عليه السلام أو هم ملائكة السماء كلهم ولم يؤمروا بالسجود
~~وإنما المؤمور ملائكة الأرض فالمعنى أتركت السجود استكبارا أم تركته
~~لكونك ممن لم يؤمر به ولا يخفى ما فيه. وأم في كل ذلك متصلة ونقل ابن
~~عطية عن كثير من النحويين أنها لا تكون كذلك إذا اختلف الفعلان نحو أضربت
~~زيدا أم قتلته.

# وتعقبه أبو حيان بأنه مذهب غير صحيح وأن سيبويه صرح بخلافه. وقرأت فرقة
~~منهم ابن كثير فيما قيل { استكبرت } بصلة الألف وهي قراءة أهل مكة وليست
~~في مشهور ابن كثير فاحتمل أن تكون همزة الاستفهام قد حذفت لدلالة أم
~~عليها كقوله:

# بسبع رمينا الجمر أم بثمان

# >

# واحتمل أن يكون الكلام إخبارا وأم منقطعة والمعنى بل أنت من العالين
~~والمراد استخفافه سبحانه به.

### || [38.76]

# { قال أنا خير منه } قيل هو جواب عن الاستفهام الأخير يؤدي
~~مؤدى أنه كذلك أي هو من العالين على الوجه الأول وأنه ليس من الاستكبار
~~سابقا ولاحقا في شيء على الوجه الثاني ويجري مجرى التعليل لكونه فائقا
~~إلا أنه لما لم يكن وافيا بالمقصود لأنه مجرد دعوى أوثر بيانه بما يفيد
~~ذلك وزيادة وهو قوله: { خلقتني من نار وخلقته من طين }
~~أما الأول: فظاهر وأما الثاني: فلأنه ذكر النوعين تنبيها على أن
~~المماثلة كافية فضلا عن الأفضلية ولهذا أبهم وفصل وقابل وآثر {
~~خلقتني. وخلقته } دون أنا من نار وهو من طين ليدل على أن
~~المماثلة في المخلوقية مانعة فكيف إذا انضم إليها خيرية المادة. وفيه
~~تنبيه على أن الآمر كان أولى أن يستنكف فإنه أعني السجود حق الآمر،
~~واستلطفه صاحب " الكشف " ثم قال: ومنه يعلم أن جواب إبليس من الأسلوب
~~الأحمق.

# وجعل غير واحد قوله: { أنا خير منه } جوابا أولا وبالذات عن
~~الاستفهام بقوله تعالى:

# ما منعك أن ms09225 تسجد

# [ص: 75] بادعاء شيء مستلزم للمانع من السجود على زعمه، وقوله: {
~~خلقتني } الخ تعليلا لدعوى الخيرية. وأيا ما كان فقد أخطأ اللعين
~~إذ لا مماثلة في المخلوقية فمخلوقية آدم عليه السلام باليدين ولا كذلك
~~مخلوقيته وأمر خيرية المادة على العكس في النظر الدقيق ومع هذا الفضل غير
~~منحصر بما كان من جهتها بل يكون من جهة الصورة والغاية أيضا وفضل آدم
~~عليه السلام في ذلك لا يخفى، وكأن خطأه لظهوره لم يتعرض لبيانه بل جعل
~~جوابه طرده وذلك قوله تعالى: { قال فاخرج... }.

### || [38.77]

# { قال فاخرج منها } والفاء لترتيب الأمر على ما ظهر من اللعين
~~من المخالفة للأمر الجليل وتعليلها بأظهر الأباطيل أي فاخرج من الجنة،
~~والإضمار قبل ذكرها لشهرة كونه من سكانها. وعن ابن عباس أنه كان في عدن
~~لا في جنة الخلد ثم إنه يكفي في صحة الأمر كونه ممن اتخذ الجنة وطنا
~~ومسكنا ولا تتوقف على كونه فيها بالفعل وقت الخطاب كما هو شائع في
~~المحاورات يقول من يخاصم صاحبه في السوق أو غيره في دار: أخرج من الدار
~~مع أنه وقت المخاصمة ليس فيها بالفعل وهذا إن قيل: إن المحاورة لم تكن في
~~الجنة. وقيل: منها أي من زمرة الملائكة المعززين وهو المراد بالهبوط لا
~~الهبوط من السماء كما قيل فإن وسوسته لآدم عليه السلام كانت بعد هذا
~~الطرد وكانت على ما روي عن الحسن بطريق النداء من باب الجنة على أن
~~كثيرا من العلماء أنكروا الهبوط من السماء بالكلية، بناء على أن الجنة
~~التي أسكنها آدم عليه السلام كانت في الأرض. وقيل: أخرج من الخلقة التي
~~أنت فيها وانسلخ منها والأمر للتكوين، وكان عليه اللعنة يفتخر/ بخلقته
~~فغير الله تعالى خلقته فاسود بعد ما كان أبيض وقبح بعد ما كان حسنا
~~وأظلم بعد ما كان نورانيا.

# وقوله تعالى: { فإنك رجيم } تعليل للأمر بالخروج أي مطرود من كل
~~خير وكرامة، فالرجم كناية عن الطرد لأن المطرود يرجم بالحجارة أو شيطان
~~يرجم بالشهب كذا قالوا، وقد يقال: المراد ms09226 برجيم ذليل فإن الرجم يستدعي
~~الذلة، وهو أبعد من توهم التكرار مع الجملة بعد من الوجه الأول وأوفق لما
~~في الأعراف [13] من قوله تعالى:

# فاخرج إنك من الصغرين

### || [38.78]

# { وإن عليك لعنتى } أي إبعادي عن الرحمة، وفي الحجر [35]

# اللعنة

# فإن كانت أل فيه للعهد أو عوضا عن الضمير المضاف إليه فعدم الفرق بين
~~ما هناك وما هنا ظاهر وإن أريد كل لعنة فذاك لما أن لعنة اللاعنين من
~~الملائكة والثقلين أيضا من جهته تعالى فهم يدعون عليه بلعنة الله تعالى
~~وإبعاده من رحمته { إلى يوم الدين } يوم الجزاء والعقوبة، وفيه
~~إيذان بأن اللعنة مع كمال فظاعتها ليست كافية في جزاء جنايته بل هي
~~أنموذج مما سيلقاه مستمرة إلى ذلك اليوم، لكن لا على أنها تنقطع يومئذ
~~كما يوهمه ظاهر التوقيت ونسب القول به إلى بعض الصوفية بل على أنه سيلقى
~~يومئذ من ألوان العذاب وأفانين العقاب ما تنسى عنده اللعنة وتصير
~~كالزائل ألا يرى إلى قوله تعالى:

# فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على
~~الظلمين

# [الأعراف: 44] وقوله تعالى:

# ويلعن بعضكم بعضا

# [العنكبوت: 25]

### || [38.79]

# { قال رب فأنظرنى } أي أمهلني وأخرني، والفاء متعلقة بمحذوف
~~ينسحب عليه الكلام كأنه قال: إذا جعلتني رجيما فامهلني ولا تمتني {
~~إلى يوم يبعثون } أي آدم وذريته للجزاء بعد الموت وهو وقت
~~النفخة الثانية، وأراد اللعين بذلك أن يجد فسحة من إغوائهم ويأخذ منهم
~~ثأره وينجو من الموت لأنه لا يكون بعد البعث وكان أمر البعث معروفا بين
~~الملائكة فسمعه منهم فقال ما قال، ويمكن أن يكون قد عرفه عقلا حيث عرف
~~ببعض الأمارات أو بطريق آخر من طرق المعرفة أن أفراد هذا الجنس لا تخلو
~~من وقوع ظلم بينها وأن الدار ليست دار قرار بل لا بد من الموت فيها وأن
~~الحكمة تقتضي الجزاء.

### || [38.80]

# ورود الجواب بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله الآخرين على وجه
~~يشعر بأن السائل تبع لهم في ذلك صريح في أنه إخبار بالانظار المقدر لهم
~~أزلا لا إنشاء لإنظار خاص به ms09227 قد وقع إجابة لدعائه وأن استنظاره كان
~~طلبا لتأخير الموت إذ به يتحقق كونه منهم لا لتأخير العقوبة كما قيل فإن
~~ذلك معلوم من إضافة اليوم إلى الدين أي إنك من جملة الذين أخرت آجالهم
~~أزلا حسبما تقتضيه حكمة التكوين.

### || [38.81]

# الذي قدرته وعينته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى لا إلى وقت
~~البعث الذي هو المسؤول فالفاء ليست لربط نفس الإنظار بالاستنظار بل لربط
~~الإخبار المؤكد به كما في قوله تعالى:

# إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل

# [يوسف: 77] وقول الشافعي:

# فإن ترحم فأنت لذلك أهل

### || [38.82]

# { قال فبعزتك } قسم بسلطان الله عز وجل وقهره وهو كما يكون
~~بالذات يكون بالصفة فالباء للقسم على ما عليه الأكثرون والفاء لترتيب
~~مضمون الجملة على الإنظار أي فاقسم بعزتك { لاغوينهم أجمعين
~~} أي أفراد هذا النوع بتزيين المعاصي لهم.

### || [38.83]

# وهم الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته وعصمهم عن الغواية. وقرىء {
~~المخلصين } على صيغة الفاعل أي الذين أخلصوا قلوبهم أو أعمالهم لله
~~تعالى.

### || [38.84]

# { قال } أي الله عز وجل { فالحق والحق أقول } برفع الأول
~~على أنه مبتدأ محذوف الخبر أو خبر محذوف المبتدأ ونصب الثاني على أنه
~~مفعول لما بعده قدم عليه للقصر أي لا أقول إلا الحق، والفاء لترتيب مضمون
~~ما بعدها على ما قبلها أي فالحق قسمي.

### || [38.85]

# { لأملأن جهنم } على أن الحق إما اسمه تعالى أو نقيض الباطل
~~عظمه الله تعالى بإقسامه به، ورجح بحديث إعادة الاسم معرفة أو فأنا الحق
~~أو فقولي الحق، وقوله تعالى: { لأملأن } الخ حينئذ جواب لقسم محذوف
~~أي والله لأملأن الخ، وقوله تعالى: { والحق أقول } على تقدير
~~اعتراض مقرر على الوجهين الأولين لمضمون الجملة القسمية وعلى الوجه
~~الثالث لمضمون الجملة المتقدمة أعني فقولي الحق. وقول { فالحق }
~~مبتدأ خبره { لأملأن } لأن المعنى أن أملأ ليس بشيء أصلا.

# وقرأ الجمهور { فالحق والحق } بنصبهما وخرج على أن الثاني
~~مفعول مقدم كما تقدم والأول مقسم به حذف منه حرف القسم فانتصب كما في بيت
~~" الكتاب ":

# إن عليك الله أن ms09228 تبايعا

# تؤخذ كرها أو تجىء طائعا

# وقولك: الله لأفعلن وجوابه { لأملأن } وما بينهما اعتراض وقيل هو
~~منصوب على الإغراء أي فالزموا الحق و { لأملأن } جواب قسم محذوف،
~~وقال الفراء: هو على معنى قولك حقا لآتينك ووجود أل وطرحها سواء أي
~~لأملأن جهنم حقا فهو عنده نصب على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة، ولا
~~يخفى أن هذا المصدر لا يجوز تقديمه عند جمهور النحاة وأنه مخصوص بالجملة
~~التي جزآها معرفتان جامدان جمودا محضا. وقال صاحب " البسيط ": وقد يجوز
~~أن يكون الخبر نكرة والمبتدأ يكون ضميرا نحو هو زيد معروفا وهو الحق
~~بيننا وأنا الأمير مفتخرا ويكون ظاهرا نحو زيد أبوك عطوفا وأخوك زيد
~~معروفا اه فكأن الفراء لا يشترط في ذلك ما يشترطون.

# وقرأ ابن عباس ومجاهد والأعمش بالرفع فيهما، وخرج رفع الأول على ما مر
~~ورفع الثاني على أنه مبتدأ والجملة بعده خبر والرابط محذوف أي أقوله
~~كقراءة ابن عامر

# وكلا وعد الله الحسنى

# [النساء: 95] وقول أبي النجم:

# قد أصبحت أم الخيار تدعي

# علي ذنبا كله لم أصنع

# برفع كل ليتأتى السلب الكلي المقصود للشاعر، وقرأ الحسن وعيسى وعبد
~~الرحمن بن أبي حماد عن أبي بكر بجرهما، وخرج على أن الأول: مجرور بواو
~~القسم محذوفة أي فوالحق، والثاني: مجرور بالعطف عليه كما تقول: والله
~~والله لأقومن، و { أقول } اعتراض بين القسم وجوابه، وجعله الزمخشري
~~مفعولا مقدما لأقول والجر على حكاية لفظ المقسم به قال: ومعناه التوكيد
~~والتشديد وإفادته ذلك زيادة على ما يفيده أصل الاعتراض لأن العدول عما
~~يقتضيه من الإعراب إلى الحكاية لما كان لاستبقاء الصورة الأولى دل على
~~أنها من العناية في شأنها بمكان وهذا جار في كل حكاية من دون فعل قول وما
~~يقوم مقامه فيدل فيما نحن فيه على فضل عناية بشأن القسم ويفيد التشديد
~~والتوكيد.

# وقرىء بجر الأول على إضمار حرف القسم ونصب الثاني على المفعولية.

# { منك } أي من جنسك من الشياطين { وممن تبعك } في الغواية
~~والضلالة { منهم } من ذرية آدم عليه السلام { أجمعين } توكيد ms09229
~~للضمير في { منك } والضمير المجرور بمن الثانية، والمعنى لأملأن جهنم
~~من المتبوعين والتابعين أجمعين لا أترك منهم أحدا أو توكيد للتابعين
~~فحسب والمعنى لأملأنها من الشياطين وممن تبعهم من جميع الناس لا تفاوت في
~~ذلك بين ناس وناس بعد وجود الأتباع منهم من أولاد الأنبياء وغيرهم،
~~وتأكيد التابعين دون المتبوعين لما/ أن حال التابعين إذا بلغ إلى أن اتصل
~~إلى أولاد الأنبياء فما بال المتبوعين. وقال صاحب " الكشف ": صاحب هذا
~~القول اعتبر القرب وأن الكلام بين الحق تعالى شأنه وبين الملعون في شأن
~~التابعين فأكد ما هو المقصود وترك توكيد الآخر للاكتفاء.

# هذا واعلم أن هذه القصة قد ذكرت في عدة سور وقد ترك في بعضها بعض ما ذكر
~~في البعض الآخر للإيجاز ثقة ما ذكر في ذلك وقد يكون فيها في موضعين مثلا
~~لفظان متحدان مآلا مختلفان لفظا رعاية للتفنن، وقد يحمل الاختلاف على
~~تعدد الصدور فيقال مثلا: إن اللعين أقسم مرة بالعزة فحكى ذلك في سورة {
~~ص } بقوله تعالى: { قال فبعزتك } وأخرى بإغواء الله تعالى الذي
~~هو أثر من آثار قدرته وعزته عز وجل وحكم من أحكام سلطانه فحكى ذلك في
~~سورة الأعراف [16] بقوله تعالى:

# قال فبما أغويتنى

# وقد يحمل الاختلاف على اختلاف المقامات كترك الفاء من قوله:

# أنظرنى إلى يوم يبعثون

# [الأعراف: 14] ومن قوله تعالى:

# إنك من المنظرين

# في الأعراف [15] مع ذكرها فيهما في { ص } والذي يجب اعتباره في نقل
~~الكلام إنما هو أصل معناه ونفس مدلوله الذي يفيده وأما كيفية إفادته له
~~فليس مما يجب مراعاته عند النقل البتة بل قد تراعي وقد لا تراعي حسب
~~اقتضاء المقام، ولا يقدح في أصل الكلام تجريده عنها بل قد تراعي عند نقله
~~كيفيات وخصوصيات لم يراعها المتكلم أصلا حيث إن مقام الحكاية اقتضتها
~~وهي ملاك الأمر ولا يخل ذلك بكون المنقول أصل المعنى كما قد حققه صدر
~~المفتين أبو السعود وأطال الكلام فيه فليراجع.

### || [38.86]

# { قل ما أسئلكم عليه } أي على القرآن كما روي عن ابن عباس
~~أو ms09230 على تبليغ ما يوحى إلي أو على الدعاء إلى الله تعالى على ما قيل {
~~من أجر } أي أجرا دنيويا جل أو قل { وما أنا من
~~المتكلفين } من الذين يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله وما
~~عرفتموني قط متصنعا ولا مدعيا ما ليس عندي حتى انتحل النبوة وأتقول
~~القرآن فأمره صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم عن نفسه هذه المقالة ليس
~~لإعلامهم بالمضمون بل للاستشهاد بما عرفوه منه عليه الصلاة والسلام
~~وللتذكير بما علموه وفي ذلك ذم التكلف. وأخرج ابن عدي عن أبي برزة قال:
~~«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ قلنا: بلى يا
~~رسول الله قال: هم الرحماء بينهم قال: ألا أنبئكم بأهل النار؟ قلنا: بلى
~~قال: هم الآيسون القانطون الكذابون المتكلفون» وعلامة المتكلف كما أخرجه
~~البيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن المنذر ثلاث أن ينازل من فوقه ويتعاطى
~~ما لا ينال ويقول ما لا يعلم، وفي «الصحيحين» أن ابن مسعود قال: أيها
~~الناس من علم منكم علما فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله تعالى أعلم قال
~~الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: { قل ما أسئلكم
~~عليه من أجر وما أنا من المتكلفين }.

### || [38.87]

# { إن هو } أي ما هو أي القرآن { إلا ذكر } جليل الشأن من الله
~~تعالى { للعلمين } للثقلين كافة.

### || [38.88]

# { ولتعلمن نبأه } أي ما أنبأ به من الوعد والوعيد وغيرهما
~~أو خبره الذي يقال فيه في نفس الأمر وهو أنه الحق والصدق { بعد حين
~~} قال ابن عباس وعكرمة وابن زيد: يعني يوم القيامة، وقال قتادة والفراء
~~والزجاج: بعد الموت، وكان الحسن يقول: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر
~~اليقين، وفسر نبؤه بالوعد والوعيد الكائنين في الدنيا، والمراد لتعلمن
~~ذلك بتحققه إذا أخذتكم سيوف المسلمين وذلك يوم بدر وأشار إلى هذا السدي،
~~وأيا ما كان ففي الآية من التهديد ما لا يخفى.

# / هذا ومما قاله بعض السادة الصوفية في بعض الآيات: قالوا في قوله
~~تعالى:

# إنا سخرنا الجبال معه يسبحن ms09231 بالعشى
~~والإشراق * والطير محشورة كل له أواب

# [ص: 1819] إنه ظاهر في أن الجماد والحيوان الذي هو عند أهل الحجاب غير
~~ناطق حي دراك له علم بالله عز وجل. ونقل الشعراني عن شيخه علي الخواص قدس
~~سره القول بتكليف البهائم من حيث لا يشعر المحجوبون، وجوز أن يكون نذيرها
~~من ذواتها وأن يكون خارجا عنها من جنسها، وقال: ما سميت بهائم إلا لكون
~~أمر كلامها وأحوالها قد أبهم على غالب الخلق لا لأن الأمر مبهم عليها
~~نفسها. وحكي عنه أنه كان يعامل كل جماد في الوجود معاملة الحي ويقول: إنه
~~يفهم الخطاب ويتألم كما يتألم الحيوان.

# وقيل: في قوله تعالى:

# وإن كثيرا من الخلطآء ليبغي بعضهم على
~~بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات

# [ص: 24] إشارة إلى أن النفوس مجبولة على الظلم وسائر الصفات الذميمة
~~وإلى أن الذين تزكت أنفسهم قليل جدا بالنسبة إلى الآخرين

# يداوود إنا جعلنك خليفة فى الارض

# [ص: 26] نقل الشعراني أن خلافته عليه السلام وكذا خلافة آدم كانت في
~~عالم الصور وعالم الأنفس المدبرة لها دون العالم النوراني فإن لكل شخص من
~~أهله مقاما معلوما عينه له ربه سبحانه، وللشيخ الأكبر قدس سره كلام
~~طويل في الخلافة، ويحكى عن بعض الزنادقة أن الخليفة لا يكتب عليه خطيئة
~~ولا هو داخل في ربقة التكليف لأن مرتبته مرتبة مستخلفه وهو كفر صراح،
~~وفرق العلماء بين الخليفة والملك. أخرج الثعلبي من طريق العوام بن حوشب
~~قال: حدثني رجل من قومي شهد عمر رضي الله تعالى عنه أنه سأل طلحة والزبير
~~وكعبا وسلمان رضي الله تعالى عنهم ما الخليفة من الملك؟ فقال طلحة
~~والزبير: ما ندري فقال سلمان: الخليفة الذي يعدل في الرعية ويقسم بينهم
~~بالسوية ويشفق عليهم شفقة الرجل على أهله ويقضي بكتاب الله تعالى فقال
~~كعب: ما كنت أحسب أحدا يعرف الخليفة من الملك غيري فقوله تعالى:

# فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى

# [ص: 26] كالتفسير لهذه الخلافة وفيه إشارة إلى ذم الهوى، وفي بعض الآثار
~~«ما عبد إله في ms09232 الأرض أبغض على الله تعالى من الهوى فهو أعظم الأصنام».

# وقوله تعالى:

# فطفق مسحا بالسوق والاعناق

# [ص: 33] فيه إشارة بناء على المشهور في القصة إلى أن كل محبوب سوى الله
~~تعالى إذا حجبك عن الله تعالى لحظة يلزمك أن تعالجه بسيف نفي لا إله إلا
~~الله وقد سمعت استدلال الشبلي بذلك على تحريق ثيابه وما قيل فيه قال:

# رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من
~~بعدي

# [ص: 35] لم يقصد بذلك السؤال إلا ما يوجب مزيد القرب إليه عز وجل وليس
~~فيه ما يخل بكماله عليه السلام وإلا لعوتب عليه، وقد تقدم الكلام في ذلك
~~ومنه يعلم كذب ما في «الجواهر والدرر» نقلا عن الخواص قال: بلغنا أن
~~النملة التي كلمت سليمان عليه السلام قالت: يا نبي الله أعطني الأمان
~~وأنا أنصحك بشيء ما أظنك تعلمه فأعطاها الأمان فأسرت إليه في أذنه وقالت:
~~إني أشم من قولك:

# هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي

# [ص: 35] رائحة الحسد فتغير سليمان واغبر لونه ثم قالت له: قد تركت الأدب
~~مع الله تعالى من وجوه، منها عدم خروجك من شح النفس الذي نهاك الله تعالى
~~عنه إلى حضرة الكرم الذي أمرك الله تعالى به، ومنها مبالغتك في السؤال
~~بأن لا يكون ذلك العطاء لأحد من عبيد سيدك من بعدك فحجرت على الحق تعالى
~~بأن لا يعطى أحدا بعد موتك ما أعطاه كل ذلك لمبالغتك في شدة الحرص،
~~ومنها طلبك أن يكون ملك سيدك لك وحدك تقول هب لي وغاب عنك أنك عبد له لا
~~يصح / أن تملك معه شيئا مع أن فرحك بالعطاء لا يكون إلا مع شهود ملكك
~~له، وكفى بذلك جهلا ثم قالت له: يا سليمان وماذا ملكك الذي سألته أن
~~يعطيكه فقال: خاتمي قالت: أف لملك يحويه خاتم انتهى، ويدل على كذب ما
~~بلغه وجوه أيضا لا تخفى على الخواص والعجب من أنها خفيت على الخواص.

# وقوله تعالى:

# قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ms09233

# [ص: 75] يشير إلى فضل آدم عليه السلام وأنه أكمل المظاهر، واليدان عندهم
~~إشارة إلى صفتي اللطف والقهر وكل الصفات ترجع إليهما، ولا شك عندنا في
~~أنه أفضل من الملائكة عليهم السلام. وذكر الشعراني أنه سأل الخواص عن
~~مسألة التفضيل الذي أشرنا إليه فقال: الذي ذهب إليه جماعة من الصوفية أن
~~التفاضل إنما يصح بين الأجناس المشتركة كما يقال أفضل الجواهر الياقوت
~~وأفضل الثياب الحلة وأما إذا اختلفت الأجناس فلا تفاضل فلا يقال أيما
~~أفضل الياقوت أم الحلة؟ ثم قال: والذي نذهب إليه أن الأرواح جميعها لا
~~يصح فيها تفاضل إلا بطريق الإخبار عن الله تعالى فمن أخبره الحق تعالى
~~بذلك هو الذي حصل له العلم التام وقد تنوعت الأرواح إلى ثلاثة أنواع.

# أرواح تدبر أجسادا نورية وهم الملأ الأعلى. وأرواح تدبر أجسادا نارية
~~وهم الجن وأرواح تدبر أجسادا ترابية وهم البشر، فالأرواح جميعها ملائكة
~~حقيقة واحدة وجنس واحد فمن فاضل من غير علم إلهي فليس عنده تحقيق فإنا
~~لو نظرنا التفاضل من حيث النشأة مطلقا قال العقل بتفضيل الملائكة ولو
~~نظرنا إلى كمال النشأة وجمعيتها حكمنا بتفضيل البشر، ومن أين لنا ركون
~~إلى ترجيح جانب على آخر مع أن الملك جزء من الإنسان من حيث روحه لأن
~~الأرواح ملائكة فالكل من الجزء والجزء من الكل، ولا يقال أيما أفضل جزء
~~الإنسان أو كله فافهم انتهى، والكلام في أمر التفضيل طويل محله كتب
~~الكلام ثم إن حظ العارف من القصص المذكورة في هذه السورة الجليلة لا يخفى
~~إلا على ذوي الأبصار الكليلة نسأل الله تعالى أن يوفقنا لفهم كتابه بحرمة
~~سيد أنبيائه وأحبابه صلى الله عليه وسلم وشرف وعظم وكرم.

### | [39 - سورة الزمر]

### || [39.1]

# { تنزيل الكتب } قال الفراء والزجاج: هو مبتدأ وقوله تعالى: {
~~من الله العزيز الحكيم } خبره أو خبر مبتدأ محذوف أي هذا
~~المذكور تنزيل، و { من الله } متعلق بتنزيل والوجه الأول أوجه كما
~~في «الكشف». والكتاب القرآن كله وكأن الجملة عليه تعليل لكونه ذكرا
~~للعالمين أو لقوله تعالى:

# ولتعلمن ms09234 نبأه بعد حين

# [ص: 88] والظاهر أن المراد بالكتاب على الوجه الثاني السورة لكونها على
~~شرف الذكر فهي أقرب لاعتبار الحضور الذي يقتضيه اسم الإشارة فيها. و {
~~تنزيل } بمعنى منزل أو قصد به المبالغة، وقدر أبو حيان المبتدأ هو
~~عائدا على الذكر في

# إن هو إلا ذكر

# [ص: 87] وجعل الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا كأنه قيل هذا الذكر ما
~~هو؟ فقيل هو تنزيل الكتاب والكتاب عليه القرآن وفي { تنزيل }
~~الاحتمالان، وجوز على احتمال كونه خبر مبتدأ محذوف كون { من الله }
~~خبرا ثانيا وكونه خبر مبتدأ محذوف أيضا أي هذا أو هو تنزيل الكتاب هذا
~~أو هو من الله وكونه حالا من { الكتب } وجاز الحال من المضاف إليه
~~لأن المضاف مما يعمل عمل الفعل وكونه حالا من الضمير المستتر في {
~~تنزيل } على تقدير كونه بمعنى منزل وكونه حالا من { تنزيل } نفسه
~~والعامل فيه معنى الإشارة. وتعقب بأن معاني الأفعال لا تعمل إذا كان ما
~~هي فيه محذوفا ولذلك ردوا على المبرد قوله في بيت الفرزدق: وإذ ما مثلهم
~~بشر أن مثلهم منصوب على الحالية وعامله الظرف المقدر أي ما في الوجود بشر
~~مماثلا لهم بأن الظرف عامل معنوي لا يعمل محذوفا.

# وقرأ ابن أبي عبلة وزيد بن علي وعيسى { تنزيل } بالنصب على إضمار
~~فعل نحو اقرأ والزم. والتعرض لوصفي العزة والحكمة للإيذان بظهور أثريهما
~~في الكتاب بجريان أحكامه ونفاذ أوامره ونواهيه من غير مدافع ولا ممانع
~~وبابتناء جميع ما فيه على أساس الحكم الباهرة.

### || [39.2]

# وقوله تعالى: { إنا أنزلنا إليك الكتب بالحق }
~~بيان لكونه نازلا بالحق وتوطئة لما يذكر بعد. وفي «إرشاد العقل السليم»
~~أنه شروع في بيان [شأن] المنزل إليه وما يجب عليه إثر بيان شأن المنزل
~~وكونه من عند الله تعالى. وأيا ما كان لا يتكرر مع ما تقدم، نعم كان
~~الظاهر على تقدير كون المراد بالكتاب هناك القرءان الإتيان بضميره ههنا
~~إلا أنه أظهر قصدا إلى تعظيمه ومزيد الاعتناء بشأنه. وقال ابن عطية:
~~الذي يظهر لي أن الكتاب الأول عام ms09235 لجميع ما تنزل من عند الله تعالى
~~والكتاب الثاني خاص بالقرآن فكأنه أخبر إخبارا مجردا أن الكتب الهادية
~~الشارعة تنزيلها من الله عز وجل وجعله توطئة لقوله سبحانه { إنا
~~أنزلنا إليك الكتب } اه وهو كما ترى. والباء متعلقة
~~بالإنزال وهي للسببية أي أنزلناه بسبب الحق أي إثباته وإظهاره أو بمحذوف
~~وقع حالا من المفعول وهي للملابسة أي أنزلناه ملتبسا بالحق والصواب،
~~والمراد أن كل ما فيه موجب للعمل والقبول حتما، وجوز كون المحذوف حالا
~~من الفاعل أي أنزلناه ملتبسين بالحق أي في ذلك.

# والفاء في قوله تعالى: { فاعبد الله مخلصا له الدين }
~~لترتيب الأمر بالعبادة على إنزال الكتاب إليه عليه الصلاة والسلام بالحق
~~أي فاعبده تعالى ممحضا له الدين من شوائب الشرك والرياء حسبما / بين في
~~تضاعيف ما أنزل إليك. والعدول إلى الاسم الجليل مما يلائم هذا الأمر أتم
~~ملاءمة. وقرأ ابن أبي عبلة { الدين } بالرفع كما رواه الثقاة فلا عبرة
~~بإنكار الزجاج، وخرج ذلك الفراء على أنه مبتدأ خبره الظرف المقدم
~~للاختصاص أو لتأكيده.

### || [39.3]

# واعترض بأنه يتكرر مع قوله تعالى: { ألا لله الدين الخالص }
~~وأجيب بأن الجملة الأولى استئناف وقع تعليلا للأمر بإخلاص العبادة وهذه
~~الجملة تأكيد لاختصاص الدين به تعالى أي ألا هو سبحانه الذي يجب أن يخص
~~بإخلاص الدين له تعالى لأنه المتفرد بصفات الألوهية التي من جملتها
~~الاطلاع على السرائر والضمائر، وهي على قراءة الجمهور استئناف مقرر لما
~~قبله من الأمر بإخلاص الدين له عز وجل ووجوب الامتثال به. وفي الإتيان
~~بألا واسمية الجملة وإظهار الجلالة والدين ووصفه بالخالص والتقديم المفيد
~~للاختصاص مع اللام الموضوعة له عند بعض ما لا يخفى من الدلالة على
~~الاعتناء بالدين الذي هو أساس كل خير، قيل ومن هنا يعلم أنه لا بأس بجعل
~~الجملة تأكيدا للجملة قبلها على القراءة الأخيرة وإليه ذهب صاحب
~~«التقريب» وقال بتغاير دلالتي الجملتين إجمالا وتفصيلا. ورد بذلك زعم
~~إباء هذه الجملة صحة تخريج الفراء.

# والحق أنه تخريج لا يعول عليه، ففي «الكشف» لما كان ms09236 قوله تعالى: {
~~لله الدين الخالص } بمنزلة التعليل لقوله سبحانه:

# فاعبد الله مخلصا

# [الزمر: 2] كان الأصل أن يقال فلله الدين الخالص ثم ترك إلى { ألا
~~لله الدين الخالص } مبالغة لما عرفت من أنه أقوى الوصلين ثم
~~صدر بحرف التنبيه زيادة على زيادة وتحقيقا بأن غير الخالص كالعدم فلو
~~قدر الاستئناف التعليلي أولا من دون الوصف المطلوب الذي هو الأصل في
~~العلة ومن دون حرف التنبيه للفائدة المذكورة كان كلاما متنافرا ويلزم
~~زيادة التنافر من وصف الدين بالخلوص ثانيا لدلالته على العي في الأول إذ
~~ليس فيه ما يرشد إلى هذا الوصف حتى يجعل من باب الإجمال والتفصيل؛ وأما
~~جعله تأكيدا فلا وجه له للوصف المذكور ولأن حرف التنبيه لا يحسن موقعها
~~حينئذ فإنها يؤتى بها في ابتداء الاستئناف المضاف لقصد التأكيد اه.

# ونص العلامة الثاني أيضا على أن كون الجملة الثانية تأكيدا للأولى
~~فاسد عند من له معرفة بأساليب الكلام وصياغات المعاني ففيها ما ينبو عنه
~~مقام التأكيد ولا يكاد يقترن به المؤكد لكن في قول صاحب «الكشف»: ليس في
~~الأول ما يرشد إلى وصف الخلوص حتى يجعل من باب الإجمال والتفصيل بحثا إذ
~~لقائل أن يقول: إن { له الدين } على معنى له الدين الكامل ومن
~~المعلوم أن كمال الدين بكونه خالصا فيكون في الأول ما يرشد إلى هذا
~~الوصف نعم وهن ذلك التخريج على حاله قبل هذا البحث أم لم يقبل.
~~وقال أبو حيان: الدين مرفوع على أنه فاعل بمخلصا الواقع حالا والراجع
~~لذي الحال محذوف على رأي البصريين أي الدين منك أو تكون أل عوضا من
~~الضمير أي دينك وعليه يكون وصف الدين بالإخلاص وهو وصف صاحبه من باب
~~الإسناد المجازي كقولهم شعر شاعر.

# وفي الآية دلالة على شرف الإخلاص بالعبادة وكم من آية تدل على ذلك.
~~وأخرج ابن مردويه عن يزيد الرقاشي

# " أن رجلا قال: يا رسول الله إنا نعطي أموالنا التماس الذكر فهل لنا من
~~أجر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا قال: يا رسول ms09237 الله إنا نعطي
~~التماس الأجر والذكر فهل لنا أجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن
~~الله تعالى لا يقبل إلا من أخلص له ثم تلا رسول الله عليه الصلاة والسلام
~~/ هذه الآية { ألا لله الدين الخالص } "

# ويؤيد هذا أن المراد بالدين في الآية الطاعة لا كما روي عن قتادة من أنه
~~شهادة أن لا إله إلا الله وعن الحسن من أنه الإسلام.

# وقوله تعالى: { والذين اتخذوا من دونه أولياء } الخ
~~تحقيق لحقية التوحيد ببطلان الشرك ليعلم منه حقية الإخلاص وبطلان تركه
~~وفيه من ترغيب المخلصين وترهيب غيرهم ما لا يخفى. والموصول عبارة عن
~~المشركين من قريش وغيرهم كما روي عن مجاهد، وأخرج جويبر عن ابن عباس أن
~~الآية نزلت في ثلاثة أحياء: عامر وكنانة وبني سلمة كانوا يعبدون الأوثان
~~ويقولون: الملائكة بنات الله فالموصول إما عبارة عنهم أو عبارة عما يعمهم
~~وأضرابهم من عبدة غير الله سبحانه وهو الظاهر فيكون الأولياء عبارة عن كل
~~معبود باطل كالملائكة وعيسى عليهم السلام والأصنام. ومحل الموصول رفع على
~~الابتداء خبره الجملة الآتية المصدرية بإن.

# وقوله تعالى: { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله
~~زلفى } حال بتقدير القول من واو { اتخذوا } مبينة لكيفية إشراكهم
~~وعدم خلوص دينهم أي اتخذوا قائلين ذلك، وجوز أن يكون القول المقدر قالوا
~~ويكون بدلا من { اتخذوا } وأن يكون المقدر ذلك ويكون هو الخبر
~~للموصول والجملة الآتية استئناف بياني كأنه قيل بعد حكاية ما ذكر: فماذا
~~يفعل الله تعالى بهم؟ فقيل إن الله يحكم بينهم الخ، والوجه الأول هو
~~المنساق إلى الذهن، نعم قرأ عبد الله وابن عباس ومجاهد وابن جبير قالوا:
~~{ ما نعبدهم } الآية لكن لا يتعين فيه البدلية أو الخبرية، وقد
~~اعترض البدلية صاحب «الكشف» بأن المقام ليس مقام الإبدال إذ ليس فيه
~~إعادة الحكم لكون الأول غير واف بالغرض اعتناء بشأنه لا سيما وحذف البدل
~~ضعيف بل ينافي الغرض من الإتيان به. والاستثناء مفرغ من أعم العلل و {
~~زلفى } مصدر مؤكد على غير لفظ المصدر أي ms09238 والذين لم يخلصوا العبادة
~~لله تعالى بل شابوها بعبادة غيره سبحانه قائلين ما نعبدهم لشيء من
~~الأشياء إلا ليقربونا إلى الله تعالى تقريبا.

# وقرىء { نعبدهم } بضم النون اتباعا لحركة الباء.

# { إن الله يحكم بينهم } أي وبين خصمائهم الذين هم
~~المخلصون للدين وقد حذف لدلالة الحال عليه كما في قوله تعالى:

# لا نفرق بين أحد من رسله

# [البقرة: 285] على أحد الوجهين أي بين أحد منهم وبين غيره، وعليه قول
~~النابغة:

# فما كان بين الخير لو جاء سالما

# أبو حجر إلا ليال قلائل

# أي بين الخير وبيني. وقيل الضمير للفريقين المتخذين والمتخذين وكذا
~~الكلام في ضميري الجمع في قوله تعالى: { في ما هم فيه
~~يختلفون } والمعنى على الأول أنه تعالى يفصل الخصومة بين المشركين
~~والمخلصين فيما اختلفوا فيه من التوحيد والإشراك وادعى كل صحة ما اتصف به
~~بإدخال المخلصين الموحدين الجنة وإدخال المشركين النار أو يميزهم سبحانه
~~تمييزا يعلم منه حال ما تنازعوا فيه بذلك، والمعنى على الثاني أنه تعالى
~~يحكم بين العابدين والمعبودين فيما يختلفون حيث يرجو العابدون شفاعتهم
~~وهم يتبرؤن منهم ويلعنونهم قالا أو حالا بإدخال من له أهلية دخول الجنة
~~من المعبودين الجنة وإدخال العابدين ومن ليس له أهلية دخول الجنة ممن عبد
~~كالأصنام النار، وإدخال الأصنام النار ليس لتعذيبها بل لتعذيب عبدتها
~~بها، وسيأتي قريبا إن شاء الله تعالى ما يضعفه.

# وأجاز الزمخشري كون الموصول السابق عبارة عن المعبودين على حذف العائد
~~إليه وإضمار المشركين من / غير ذكر تعويلا على دلالة السياق عليهم ويكون
~~التقدير والذين اتخذهم المشركون أولياء قائلين ما نعبدهم إلا ليقربونا
~~عند الله زلفى إن الله يحكم بينهم وبين عبدتهم فيما الفريقان فيه يختلفون
~~حيث يرجو العبدة شفاعتهم وهم يلعنوهم بإدخال ما هو منهم أهل للجنة الجنة
~~وإدخال العبدة مع أصنامهم النار. وتعقب بأنه بعد الإغضاء عما فيه من
~~التعسفات بمعزل من السداد كيف لا وليس فيما ذكر من طلب الشفاعة واللعن
~~مادة يختلف فيها الفريقان اختلافا محوجا إلى الحكم والفصل فإنما ذاك ما
~~بين ms09239 فريقي الموحدين والمشركين في الدنيا من الاختلاف في الدين الباقي إلى
~~يوم القيامة فتدبر ولا تغفل. وقرىء { ما نعبدكم إلا لتقربونا } حكاية لما
~~خاطبوا به آلهتهم.

# { إن الله لا يهدى } أي لا يوفق للاهتداء الذي هو طريق النجاة
~~عن المكروه والفوز بالمطلوب { من هو كذب كفار } في حد ذاته
~~وموجب سيء استعداده لأنه غير قابل للاهتداء والله عز وجل لا يفيض على
~~القوابل إلا حسب القابليات كما يشير إليه قوله سبحانه:

# ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى

# [طه: 50] وقوله تعالى:

# قل كل يعمل على شاكلته

# [الإسراء: 84] وقوله عز وجل:

# وما ظلمنهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون

# [النحل: 118] وهذا هو الذي حتم عليه جل شأنه لسيء استعداده بالموافاة
~~على الضلال قاله بعض الأجلة. وقال الطبرسي: لا يهدي إلى الجنة أي يوم
~~القيامة من هو كاذب كفار في الدنيا.

# وقال ابن عطية: المراد لا يهدي الكاذب الكافر في حال كذبه وكفره وهذا
~~ليس بشيء أصلا. والمراد بمن هو كاذب كفار قيل من يعم أولئك المحدث عنهم
~~وغيرهم، وقيل: أولئك المحدث عنهم وكذبهم في دعواهم استحقاق غير الله
~~تعالى للعبادة أو قولهم في بعض من اتخذوهم أولياء من دون الله إنهم بنات
~~الله سبحانه أو أن المتخذ ابن الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، فمن هو
~~كاذب من الظاهر الذي أقيم مقام المضمر على معنى أن الله تعالى لا يهديهم
~~أي المتخذين تسجيلا عليهم بالكذب والكفر وجعل تمهيدا لما بعده، وقال
~~بعضهم: الجملة تعليل للحكم.

# وقرأ أنس بن مالك والجحدري والحسن والأعرج وابن يعمر { كذاب
~~كفار } وقرأ زيد بن علي { كذوب كفور } وحملوا الكاذب هنا على الراسخ
~~في الكذب لهاتين القراءتين وكذا حملوا الكفر على كفر النعم دون الكفر في
~~الاعتقاد لقراءة زيد، وذكر الإمام فيه احتمالين.

### || [39.4]

# { لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما
~~يخلق ما يشاء } استئناف مسوق لتحقيق الحق وإبطال القول بأن
~~الملائكة بنات الله وعيسى ابنه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ببيان
~~استحالة اتخاذ الولد في ms09240 حقه سبحانه على الإطلاق ليندرج فيه استحالة ما
~~قيل اندراجا أوليا، وحاصل المعنى لو أراد الله سبحانه اتخاذ الولد
~~لامتنعت تلك الإرادة لتعلقها بالممتنع أعني الاتخاذ لكن لا يجوز للباري
~~إرادة ممتنعة لأنها ترجح بعض الممكنات على بعض. وأصل الكلام لو اتخذ
~~الولد لامتنع لاستلزامه ما ينافي الألوهية فعدل إلى لو أراد الاتخاذ
~~لامتنع أن يريده ليكون أبلغ وأبلغ ثم حذف هذا الجواب وجيء بدله {
~~لاصطفى } تنبيها على أن الممكن هذا لا الأول وأنه لو كان هذا من
~~اتخاذ الولد في شيء لجاز اتخاذ الولد عليه سبحانه وتعالى شأنه عن ذلك فقد
~~تحقق التلازم وحق نفي اللازم وإثبات الملزوم دون صعوبة. ويجوز أن يكون
~~المراد لو أراد الله أن يتخذ لامتنع ولم يصح لكن على إرادة نفي الصحة على
~~كل تقدير من تقديري الإرادة وعدمها من باب «لو لم يخف الله لم يعصه» فلا
~~ينفي الثاني إذ ذاك ولا يحتاج إلى بيان الملازمة وإذا امتنع ذلك فالممكن
~~الاصطفاء وقد اصطفى سبحانه من / مخلوقاته من شاء كالملائكة وعيسى وذهب
~~عليكم أن الاصطفاء ليس باتخاذ. والجواب على هذا الوجه أيضا محذوف أقيم
~~مقامه ما يفيد زيادة مبالغة، وإنما لم يجعل { لاصطفى } هو الجواب
~~عليه لصيرورة المعنى حينئذ لو أراد اتخاذ الولد لاصطفى ولو لم يرد
~~لاصطفى من طريق الأولى وحينئذ يكون إثبات الاصطفاء هو المطلوب من الإيراد
~~كما أن التمدح بنفي العصيان في مثال الباب هو المطلوب وليس الكلام فيه،
~~وعلى الوجهين هو من أسلوب:

# ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

# بهن فلول من قراع الكتائب

# وجوز أن يكون المعنى في الآية لو أراد الله تعالى أن يتخذ ولدا لجعل
~~المخلوق ولدا إذ لا موجود سواه إلا وهو مخلوق له تعالى والتالي محال
~~للمباينة التامة بين المخلوق والخالق والولدية تأبى تلك المباينة فالمقدم
~~مثله ويكون قوله تعالى { لاصطفى مما يخلق ما يشاء } على
~~معنى لاتخذه ابنا على سبيل الكناية وما تقدم أولى لما فيه من المبالغة
~~التي نبهت عليها.

# وقوله تعالى: { سبحنه ms09241 } تقرير لما ذكر من استحالة اتخاذ الولد في
~~حقه تعالى وتأكيد له ببيان تنزهه سبحانه عنه أي تنزهه الخاص به تعالى على
~~أن سبحان مصدر من سبح إذا بعد أو أسبحه تسبيحا لائقا به لأنه علم
~~للتسبيح مقول على ألسنة العباد أو سبحوه تسبيحا لائقا بشأنه جل شأنه.

# وقوله تعالى: { هو الله الوحد القهار } استئناف مقرر
~~لتنزهه عن ذلك أيضا فإن اتخاذ الولد يقتضي تبعضا وانفصال شيء من شيء
~~وكذا يقتضي المماثلة بين الولد والوالد والوحدة الذاتية الحقيقية التي هي
~~في أعلى مراتب الوحدة الواجبة له تعالى بالبراهين القطعية العقلية تأبى
~~التبعض والانفصال إباء ظاهرا لأنهما من خواص الكم وقد اعتبر في مفهوم
~~الوحدة الذاتية سلبه فتأبى الاتخاذ المذكور وكذا تأبى المماثلة سواء فسرت
~~بما ذهب إليه قدماء المعتزلة كالجبائي وابنه أبي هاشم وهي المشاركة في
~~أخص صفات الذات كمشاركة زيد لعمرو في الناطقية أم فسرت بما ذهب إليه
~~المحققون من الماتريدية وهي المشاركة في جميع الصفات الذاتية كمشاركته له
~~في الحيوانية والناطقية أم فسرت بما نسب إلى الأشعري وهو التساوي بين
~~الشيئين من كل وجه، ولعل مراده نحو ما مر عن الماتريدي وإلا فمع التساوي
~~من كل وجه ينتفي التعدد فينتفي التماثل بناء على ما قرروا من أن الوحدة
~~الذاتية كما تقتضي نفي الأبعاض المقدارية تقتضي نفي الكثرة العقلية وأن
~~التماثل يقتضي التعدد وهو يقتضي ثبوت الأجزاء المذكورة كذا قيل، وفيه بحث
~~طويل وكلام غير قليل وسنذكر بعضا منه إن شاء الله تعالى في تفسير سورة
~~الإخلاص فالأولى أن يقتصر على منافاة الوحدة الذاتية للتبعض والانفصال
~~لاستلزامهما التركب الخارجي والحكماء والمتكلمون مجمعون على استحالته في
~~حقه تعالى ودليلها أظهر من يذكر. وكذا وصف القهارية يأبى اتخاذ الولد
~~وقرر ذلك على أوجه، فقيل وجه إبائها ذلك أن القهارية تقتضي الغنى الذاتي
~~الذي هو أعلى مراتب الغنى وهو يقتضي التجرد عن المادة وتولد الولد عن
~~الشيء يقتضيها، وقيل إن القهارية تقتضي كمال الغنى وهو يقتضي كمال التجرد
~~الذي هو البساطة من ms09242 كل الوجوه فلا يكون هناك جنس وفصل ومادة وصورة وإعراض
~~وأبعاض إلى غير ذلك مما يخل بالبساطة الكاملة الحقيقية واتخاذ الولد لما
~~فيه من الانفصال والمثلية مخل بتلك البساطة فيخل بالغنى فيخل بالقهارية،
~~وقد أشار سبحانه إلى أن الغنى ينافي أن يكون له سبحانه ولد بقوله تعالى:

# قالوا اتخذ الله ولدا سبحنه هو الغنى

# [يونس: 68] وقيل: إن اتخاذ الولد / يقتضي انفصال شيء عنه تعالى وذلك
~~يقتضي أن يكون متأثرا مقهورا لا مؤثرا قهارا تعالى عن ذلك علوا
~~كبيرا، فحيث كان جل وعلا قهارا كما هو مقتضى الألوهية استحال أن يكون
~~له عز وجل ولد، وقيل: إن القهارية منافية للزوال لأن القهار لو قبله كان
~~مقهورا إذ المزيل قاهر له ولذا قيل سبحانه من قهر العباد بالموت. والولد
~~من أعظم فوائده عندهم قيامه مقام الأب بعد زواله فإذا لم يكن الزوال لم
~~يكن حاجة إلى الولد وهذا مع كونه إلزاميا لا يخلو عن بحث كما لا يخفى.
~~والزمخشري جعل قوله تعالى: { سبحنه هو الله } الخ متصلا
~~بقوله عز وجل:

# والذين اتخذوا من دونه أولياء

# [الزمر: 3] الخ على أنه مقرر نفي أن يكون له تعالى ولي ونفى أن يكون له
~~ولد، ولعل بيان ذلك لا يخفى فتدبر.

### || [39.5]

# وقوله سبحانه: { خلق السموات والأرض بالحق } إثبات
~~لما ذكر أولا من الوحدة والقهر، وفيه أيضا ما ستعمله إن شاء الله تعالى
~~أي خلق هذا العالم المشاهدة ملتبسا بالحق والصواب مشتملا على الحكم
~~والمصالح.

# وقوله تعالى: { يكور اليل على النهار ويكور
~~النهار على اليل } بيان لكيفية تصرفه فيما ذكر بعد بيان الخلق
~~فإن حدوث الليل والنهار منوط بتحريك أجرام سماوية. والتكوير في الأصل هو
~~اللف واللي من كار العمامة على رأسه وكورها. والمراد على ما روي عن قتادة
~~يغشي أحدهما الآخر، وهو على ماقيل على معنى يذهب أحدهما ويغشي مكانه
~~الآخر أي يلبسه مكانه فيصير أسود مظلما بعد ما كان أبيض منيرا وبالعكس
~~فالمغشي حقيقة المكان، ويجوز أن يكون المغشي الليل والنهار على الاستعارة
~~ويكون ms09243 المكان ظرفا، والمقصود أنه لما كان أحدهما غاشيا للآخر أشبه
~~اللباس الملفوف على لابسه في ستره إياه واشتماله عليه وتغطيه به. وتحقيقه
~~أن أحدهما لما كان محيطا على جميع ما أحاط به الآخر من غير أن يكون ثم
~~شيء زائد غير الظهور والخفاء جعل إحاطته على محاط الآخر إحاطة عليه مجاز
~~ملابسته وعبر عنها بالغشيان والتكوير للشبه المذكور.

# وجوز أن يكون المراد أن كل واحد من الليل والنهار يغيب الآخر إذا طرأ
~~عليه فشبه في تغييبه إياه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار
~~ورجح الأول بأن فيه مع اعتبار الستر اعتبار اللي وإحاطة الأطراف ثم إن
~~هذا لظهوره تشبيه مبذول وأن يكون المراد أن هذا يكر على هذا كرورا
~~متتابعا فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على إثر بعض قيل وهو
~~الأرجح لأنه اعتبر فيه ما اعتبر مع الأول مع النظر إلى المطرد فيه لفظ
~~الكور فإنه لف بعد لف وهو أيضا كذلك إلا أن أكوار العمامة متظاهرة وفيما
~~نحن فيه متعاورة وهذا مما لا بأس به فإن كل لية تسمى كورا حقيقة.

# وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن المعنى يحمل أحدهما على
~~الآخر، وفسر هذا الحمل بالضم والزيادة أي يزيد الليل على النهار ويضمه
~~إليه بأن يجعل بعض أجزاء الليل نهارا فيطول النهار ويقصر الليل ويزيد
~~النهار على الليل ويضمه إليه بأن يجعل سبحانه بعض أجزاء النهار ليلا
~~فيطول الليل ويقصر النهار. وإلى هذا ذهب الراغب وهو معنى واضح والآية
~~عليه كقوله تعالى:

# يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل

# [الحج: 61] في قول، وذكر بعض الفضلاء أنها على المعنى الأول فيها شيء من
~~قوله تعالى:

# جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر

# [الفرقان: 62] وعلى المعنى الثاني فيها شيء من قوله تعالى:

# واليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى

# [الليل: 12] وعلى الثالث شيء من قوله سبحانه:

# يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا

# [الأعراف: 54] وإنها يحتمل أن يكون فيها الاستعارة التبعية والمكنية /
~~والتخييلية والتمثيلية ms09244 والتمثيل أولى بالاعتبار. وأيا ما كان فصيغة
~~المضارع للدلالة على التجدد.

# { وسخر الشمس والقمر } جعلهما منقادين لأمره عز وجل {
~~كل يجرى لأجل مسمى } بيان لكيفية تسخيرهما أي كل منهما
~~يجري لمنتهى دورته أو منقطع حركته، وقد مر تمام الكلام عليه. وفيه دليل
~~على أن الشمس متحركة، وزعم بعض الكفرة أنها ساكنة وأنها مركز العالم
~~وسمعت في هذه الآيام أنه ظهر في الإفرنج منذ سنتين تقريبا من يزعم أنها
~~تتحرك على مركز آخر كما تتحرك الأرض عليها نفسها بزعمهم وزعم بعض
~~المتقدمين، ولهم في الهيئة كلام غير هذا وفيه الغث والسمين إلا أن نفيهم
~~السماوات الناطقة بها الشرائع بالكلية من العجب العجاب وأنظارهم السخيفة
~~تفضي بهم إلى ما هو أعجب من ذلك عند ذوي العقول السليمة نسأل الله تعالى
~~السلامة والتوفيق. ولي عزم على تأليف كتاب أبين فيه إن شاء الله تعالى ما
~~هو الأقرب إلى الحق من الهيئتين القديمة والجديدة متحركا على محور
~~الإنصاف ساكتا عن سلوك مسالك الاعتساف والله تعالى الموفق لذلك.

# { إلا هو العزيز } القادر على عقاب المصرين { الغفار }
~~لذنوب التائبين أو الغالب الذي يقدر أن يعاجلهم بالعقوبة وهو سبحانه يحلم
~~عليهم ويؤخرهم إلى أجل مسمى فيكون قد سمى الحلم عنهم وقد ترك تعجيل
~~العقوبة بالمغفرة التي هي ترك العقاب على طريق الاستعارة للمناسبة بينهما
~~في الترك. وجوز كون ذلك من باب المجاز المرسل، والأول أبلغ وأحسن، وهذان
~~الوجهان في { العزيز الغفار } قد ذكرهما الزمخشري، وظن بعضهم أن
~~الداعي للأول رعاية مذهب الاعتزال حيث خص فيه المغفرة بذنوب التائبين
~~فتركه وقال: العزيز القادر على كل ممكن الغالب على كل شيء الغفار حيث لم
~~يعاجل بالعقوبة وسلب ما في هذه الصنائع من الرحمة وعموم المنفعة وما
~~علينا أن نفسر كما فسر ونقول بأن مغفرته تعالى لا تخص التائبين بل قد
~~يغفر جل شأنه لغيرهم إلا أن التقييد ليلائم ما تقدم أتم ملاءمة، ففي
~~«الكشف» أن الوجه الأول من ذينك الوجهين المذكورين يناسب قوله تعالى: {
~~خلق السموات والأرض بالحق } من ms09245 وجهين. أحدهما: ما فيه
~~من الدلالة على كمال القدرة وكمال الرحمة المقتضي لعقاب المصر وغفران
~~ذنوب التائب، وثانيهما: أن قوله تعالى: { خلق السموات } الخ
~~مسوق لأمرين إثبات الوحدة والقهر المذكورين فيما قبل نفيا للولد بل
~~حسما للشرك من أصله والتسلق إلى ما مهد أولا من العبادة والإخلاص لئلا
~~يزول عن الخاطر فقيل { بالحق } كما قيل هنالك

# إنا أنزلنا إليك الكتب بالحق

# [الزمر: 2] وأدمج فيه أن إنزال الكتاب كما يدل على استحقاقه تعالى
~~للعبادة فكذلك خلق السموات والأرض بالحق والحكمة التي منها الجزاء على
~~ما سلف فالتذييل بألا هو العزيز الغفار للترغيب في طلب المغفرة بالعبادة
~~والإخلاص والتحذير عن خلاف ذلك سواء خالف أصل الدين كالكفر أو خالف
~~الإخلاص فيه كسائر المعاصي في غاية الملاءمة، وإنما أفرد مخالفة الدين
~~بالذكر صريحا في قوله تعالى:

# والذين اتخذوا

# [الزمر: 3] الخ تحذيرا من حالهم لأنها هاتكة لعصمة النجاة فكانت أحق
~~بالتحذير، ورمز إلى هذا الثاني بالتذييل المذكور تكميلا للمعنى المراد
~~ومدار هذه السورة الكريمة على الأمر بالعبادة والإخلاص والتحذير من الكفر
~~والمعاصي، والوجه الثاني من ذينك الوجهين يناسب حديث الشرك والتذييل به
~~لتوكيد تفظيع ما نسبوا إليه، ولما ذكر تنزيل الكتاب وعقب بالأوصاف
~~المقتضية للعبادة والإخلاص ذيله بقوله سبحانه: /

# ألا لله الدين الخالص

# [الزمر: 3] على ما تحقق وجهه وقد نقلناه نحن عنه فيما مر، ثم لما ذكر
~~بعده عظيم ما نسبوا إليه سبحانه: من الشرك والأولاد وما دل على تنزهه
~~تعالى بالألوهية ناسب أن يذيله بقوله تعالى: { ألا هو العزيز
~~الغفار } للتوكيد المذكور، وقد آثر هذا العلامة الطيبي ويعلم مما
~~ذكرنا وجه رجحان الأول اه، والوجه الثاني من وجهي المناسبة على الوجه
~~الأول أولى الوجهين، والآية على ما ذكره البعض يجوز ارتباطها بما عندها
~~من الخلق والتكوير والتسخير.

### || [39.6]

# وقوله تعالى: { خلقكم من نفس وحدة } الخ دليل آخر على
~~الوحدة والقهر. وترك عطفه على

# خلق السموات

# [الزمر: 5] للإيذان باستقلاله في الدلالة ولتعلقه بالعالم السفلي،
~~والبداءة بخلق الإنسان لأنه أقرب وأعجب بالنسبة إلى غيره باعتبار ms09246 ما فيه
~~من العقل وقبول الأمانة الإلهية وغير ذلك حتى قيل:

# وتزعم أنك جرم صغير

# وفيك انطوى العالم الأكبر

# والمراد بالنفس آدم عليه السلام. وقوله تعالى: { ثم جعل منها
~~زوجها } أي حواء فإنها خلقت من قصيري ضلعه عليه السلام اليسرى وهي
~~أسفل الأضلاع على معنى أنها خلقت من بعضها أو خلقت منها كلها وخلق الله
~~تعالى لآدم مكانها. عطف على محذوف هو صفة ثانية لنفس أي من نفس واحدة
~~خلقها ثم جعل منها زوجها، أو على { وحدة } لأنه في الأصل اسم مشتق
~~فيجوز عطف الفعل عليه كقوله تعالى:

# فالق الإصباح وجعل اليل سكنا

# [الأنعام: 96] ويعتبر ماضيا لأن اسم الفاعل قد يكون للمضي إذا لم يعمل
~~أي من نفس وحدت ثم جعل منها زوجها ورجح بسلامته من التقدير الذي هو خلاف
~~الأصل أو على { خلقكم } لتفاوت ما بينهما في الدلالة فإنهما وإن
~~كانتا آيتين دالتين على ما مر من الصفات الجليلة لكن خلق حواء من الضلع
~~أعظم وأجلب للتعجب ولذا عبر بالجعل دون الخلق فثم للتراخي الرتبي، ويجوز
~~فيه كون الثاني أعلى مرتبة من الأول وعكسه، وقيل إنه تعالى أخرج ذرية آدم
~~عليه السلام من ظهره كالذر ثم خلق منه حواء فالمراد بخلقهم منه إخراجهم
~~من ظهره كالذر فالعطف على { خلقكم } وثم على ظاهرها، وهذا لا يقبل
~~إلا إذا صح مرفوعا أو في حكمه. وقد تضمنت الآية ثلاث آيات خلق آدم عليه
~~السلام بلا أب وأم وخلق حواء من قصيراه وخلق ذريته التي لا يحصى عددها
~~إلا الله عز وجل.

# وقوله تعالى: { وأنزل لكم من الأنعم ثمنية
~~أزوج } استدلال بنوع آخر من العالم السفلي. والإنزال مجاز عن القضاء
~~والقسمة فإنه تعالى إذا قضى وقسم أثبت ذلك في اللوح المحفوظ ونزلت به
~~الملائكة الموكلة بإظهاره، ووصفه بالنزول مع أنه معنى شائع متعارف
~~كالحقيقة والعلاقة بين الإنزال والقضاء الظهور بعد الخفاء ففي الكلام
~~استعارة تبعية، وجوز أن يكون فيه مجاز مرسل، ويجوز أن يكون التجوز في
~~نسبة الإنزال إلى الأنعام والمنزل حقيقة أسباب ms09247 حياتها كالأمطار ووجه ذلك
~~الملابسة بينهما، وقيل يراد بالأزواج أسباب تعيشها أو يجعل الإنزال
~~مجازا عن إحداث ذلك بأسباب سماوية وهو كما ترى، وقيل الكلام على ظاهره
~~والله تعالى خلق الأنعام في الجنة ثم أنزلها منها ولا أرى لهذا الخبر
~~صحة.

# والأنعام الإبل والبقر والضأن والمعز وكانت ثمانية أزواج لأن كلا منها
~~ذكر وأنثى. وتقديم الظرفين على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاعتناء
~~بما قدم والتشويق إلى ما أخر.

# وقوله تعالى: { يخلقكم فى بطون أمهتكم } بيان
~~لكيفية خلق من ذكر من الأناسي والأنعام إظهارا لما فيه من عجائب القدرة،
~~وفيه تغليبان تغليب أولي العقل على غيرهم وتغليب الخطاب / على الغيبة كذا
~~قيل، والأظهر أن الخطاب خاص وصيغة المضارع للدلالة على التدرج والتجدد.
~~وقوله تعالى: { خلقا من بعد خلق } مصدر مؤكد أن تعلق { من
~~بعد } بالفعل وإلا فغير مؤكد أي يخلقكم فيها خلقا مدرجا حيوانا
~~سويا من بعد عظام مكسوة لحما من بعد عظام عارية من بعد مضغ [مخلقة من
~~بعد مضغ] غير مخلقة من بعد علقة من بعد نطفة فقوله سبحانه: { خلقا
~~من بعد خلق } لمجرد التكرير كما يقال مرة بعد مرة لا أنه مخصوص
~~بخلقين. وقرأ عيسى وطلحة { يخلقكم } بإدغام القاف في الكاف { فى
~~ظلمت ثلث } ظلمة البطن والرحم والمشيمة، وقيل ظلمة الصلب
~~والبطن والرحم. والجار والمجرور متعلق بيخلقكم، وجوز الشهاب تعلقه بخلقا
~~بناء على أنه غير مؤكد وكونه بدلا من قوله تعالى: { فى بطون
~~أمهتكم }.

# { ذلكم الله ربكم } إشارة إليه تعالى باعتبار أفعاله
~~المذكورة على وجه يدل على بعد منزلته تعالى في العظمة والكبرياء. واسم
~~الإشارة مبتدأ والاسم الجليل خبره و { ربكم } خبر بعد خبر والاسم
~~الجليل نعت أو بدل وهو الخبر أي ذلكم العظيم الشأن الذي عددت أفعاله الله
~~مربيكم فيما ذكر من الأطوار وفيما بعدها ومالككم المستحق لتخصيص العبادة
~~به سبحانه { له الملك } على الإطلاق في الدنيا والآخرة ليس لغيره
~~تعالى شركة ما في ذلك بوجه من الوجوه والجملة خبر آخر، وقوله تعالى: {
~~لا إله ms09248 إلا هو } جملة متفرعة على ما قبلها ولم يصرح معها
~~بالفاء التفريعية اعتمادا على فهم السامع. وفي «إرشاد العقل السليم» أنه
~~خبر آخر. والفاء في قوله تعالى: { فأنى تصرفون } لترتيب ما
~~بعدها على ما ذكر من شؤونه عز وجل أي فكيف تصرفون عن عبادته تعالى مع
~~وفور موجباتها ودواعيها وانتفاء الصارف عنها بالكلية إلى عبادة غيره
~~سبحانه من غير داع إليها مع كثرة الصوارف عنها.

### || [39.7]

# { إن تكفروا } به تعالى مع مشاهدة ما ذكر من موجبات الإيمان
~~والشكر { فإن الله غني عنكم } أي فأخبركم أنه عز وجل غني
~~عن إيمانكم وشكركم غير متأثر من انتفائهما { ولا يرضى لعباده
~~الكفر } لما فيه من الضرر عليهم { وإن تشكروا يرضه } أي
~~الشكر { لكم } لما فيه من نفعكم، ومن قال بالحسن والقبح العقليين قال:
~~عدم الرضا بالكفر لقبحه العقلي والرضا بالشكر لحسنه العقلي، والرضا إما
~~بمعنى المحبة أو بمعنى الإرادة مع ترك الاعتراض ويقابلة السخط كما في
~~«شرح المسايرة» فعباده على ظاهره من العموم، ومنهم من فسره بالإرادة من
~~غير قيد ويقابله الكره وهؤلاء يقولون قد يرضى بالكفر أي يريده لبعض الناس
~~كالكفرة ونقله السخاوي عن النووي في كتابه «الأصول والضوابط» وابن الهمام
~~عن الأشعري وإمام الحرمين كذا قاله الخفاجي في «حواشيه على تفسير
~~البيضاوي».

# والذي رأيته في «الضوابط» وهي نسخة صغيرة جدا ما نصه: مسألة مذهب أهل
~~الحق الإيمان بالقدر وإثباته وأن جميع الكائنات خيرها وشرها بقضاء الله
~~تعالى وقدره وهو مريد لها كلها ويكره المعاصي مع أنه سبحانه مريد لها
~~لحكمة يعلمها جل وعلا، وهل يقال إنه تعالى يرضى المعاصي ويحبها؟ فيه
~~مذهبان لأصحابنا المتكلمين حكاهما إمام الحرمين وغيره، قال إمام الحرمين
~~في «الإرشاد»: مما اختلف فيه أهل الحق إطلاق المحبة والرضاء، فقال بعض
~~أصحابنا لا يطلق القول بأن الله تعالى يحب المعاصي ويرضاها لقوله تعالى:
~~{ ولا يرضى لعباده الكفر } ومن حقق من أئمتنا لم يلتفت
~~إلى تهويل المعتزلة / بل قال: الله تعالى يريد الكفر ويحبه ويرضاه
~~والإرادة والمحبة والرضا بمعنى واحد ms09249 قال: والمراد بعباده في الآية
~~الموفقون للإيمان وأضيفوا إلى الله تعالى تشريفا لهم كما في قوله تعالى:

# يشرب بها عباد الله

# [الإنسان: 6] أي خواصهم لا كلهم اه فلا تغفل عن الفرق بينه وبين ما
~~ذكره الخفاجي.

# وحكى تخصيص العباد في «البحر» عن ابن عباس. وقيل يجوز مع ذلك حمل العباد
~~على العموم ويكون المعنى ولا يرضى لجميع عباده الكفر بل يرضاه ويريده
~~لبعضهم نظير قوله تعالى:

# لا تدركه الأبصر

# [الأنعام: 103] على قول، ولعلامة الأعصار صاحب «الكشف» تحقيق نفيس في
~~هذا المقام لم أره لغيره من العلماء الأعلام وهو أن الرضا يقابل السخط
~~وقد يستعمل بعن والباء ويعدى بنفسه فإذا قلت: رضيت عن فلان فإنما يدخل
~~على العين لا المعنى ولكن باعتبار صدور معنى منه يوجب الرضا في مقابلة
~~سخطت عليه وبينهما فرقان أنك إذا قلت: رضيت عن فلان بإحسانه لم يتعين
~~الباء للسببية بل جاز أن يكون صلة مثله في رضيت بقضاء الله تعالى وإذا
~~قلت: سخطت عليه بإساءته تعين السببية فكان الأصل ههنا ذكر الصلة لكنه
~~كثر الحذف في الاستعمال بخلافه ثمت إذ لا حذف، وإذا قيل: رضيت به فهذا
~~يجب دخوله على المعنى إلا إذا دخل على الذات تمهيدا للمعنى ليكون أبلغ
~~تقول: رضيت بقضاء الله تعالى ورضيت بالله عز وجل ربا وقاضيا، وقريب منه
~~سمعت حديث فلان وسمعته يتحدث وإذا عدي بنفسه جاز دخوله على الذات كقولك:
~~رضيت زيدا وإن كان باعتبار المعنى تنبيها على أن كله مرضي بتلك الخصلة
~~وفيه مبالغة وجاز دخوله على المعنى كقولك: رضيت إمارة فلان، والأول أكثر
~~استعمالا وهو على نحو قولهم: حمدت زيدا وحمدت علمه، وأما إذا استعمل
~~باللام تعدى بنفسه كقولك رضيت لك هذا فمعناه ما سيجيء إن شاء الله تعالى
~~قريبا.

# وإذا تمهد هذا لاح لك أن الرضا في الأصل متعلقه المعنى وقد يكون الذات
~~باعتبار تعلقه بالمعنى أو باعتبار التمهيد فهذه ثلاثة أقسام حققت
~~بأمثلتها وأنه في الحقيقة حالة نفسانية تعقب حصول ملائم مع ابتهاج به
~~واكتفاء فهو ms09250 غير الإرادة بالضرورة لأنها تسبق الفعل وهذا يعقبه، وهذا
~~المعنى في غير المستعمل باللام من الوضوح بمكان لا يخفى على ذي عينين،
~~وأما فيه فإنما اشتبه الأمر لأنك إذا قلت: رضيت لك التجارة فالراضي
~~بالتجارة هو مخاطبك وإنما أنت بينت له أن التجارة مما يحق أن يرضى به
~~وليس المعنى رضيت بتجارتك بل المعنى استحمادك التجارة له فالملاءمة ههنا
~~بين الواقع عليه الفعل والداخل عليه اللام ثم إنه قد يرضى بما ترضاه له
~~إذا عرف وجه الملاءمة وقد لا يرضى، وفيه تجوز إما لجعل الرضا مجازا عن
~~الاستحماد لأن كل مرضي محمود أو لأنك جعلت كونه مرضيا له بمنزلة كونه
~~مرضيا لك فاعلم أن الرضا في حق الله تعالى شأنه محال لأنه سبحانه لا
~~يحدث له صفة عقيب أمر البتة فهو مجاز كما أن الغضب كذلك إما من أسماء
~~الصفات إذا فسر بإرادة أن يثيبهم إثابة من رضي عمن تحت يده وإما من أسماء
~~الأفعال إذا أريد الاستحماد وأن مثل قوله تعالى:

# رضى الله عنهم ورضوا عنه

# [المائدة: 119] إما من باب المشاكلة وإما من باب المجاز المذكور، وأن
~~مثل قوله سبحانه:

# ورضيت لكم الإسلم دينا

# [المائدة: 3] متعين أن يكون من ذلك الباب بالنسبة إلى من يصح اتصافه
~~بالرضا حقيقة أيضا فإذن قوله تعالى: { ولا يرضى لعباده
~~الكفر } كلام وارد على نهجه من غير تأويل دال على أنه جل شأنه لا
~~يستحمد الكفر لعباده كما يستحمد الإسلام لهم ويرتضيه، وأما أنه لا يرد
~~الكفر أن يوجد فليس من هذا الباب في شيء ولا هو من مقتضيات هذا التركيب
~~وأن الخروج إلى تخصيص العباد من ضيق العطن وأن قول المحققين / رضي الله
~~تعالى عنهم: إن الطاعات برضى الله تعالى والمعاصي ليست كذلك ليس لهذه
~~الآية بل لأن الرضا بالمعنى الأصلي يستحيل عليه تعالى وقد أخبر أنه رضي
~~عن المؤمنين بسبب طاعتهم في مواضع عديدة من كتابه الكريم.

# والزخشري عامله الله تعالى بعدله فسر الرضا في نحوه بالاختيار وهو لا
~~ينفك عن الإرادة، ms09251 وأنت تعلم سقوطه مما حقق هذا ثم إنا نقول: لما أرشد
~~سبحانه إلى الحق وهدد على الباطل إكمالا للرحمة على عباده كلهم الفريقين
~~بقوله تعالى: { إن تكفروا } إلى قوله سبحانه { يرضه لكم }
~~تنبيها على الغنى الذاتي وأنه سبحانه تعالى أن يكون أمره بالخير
~~لانتفاعه به ونهيه عن الشر لتضرره منه. ثم في العدول عن مقتضى الظاهر من
~~الخطاب إلى قوله تعالى: { ولا يرضى لعباده الكفر } ما
~~ينبه على أن عبوديتهم وربوبيته جل شأنه يقتضي أن لا يرضى لهم ذلك، وفيه
~~أنهم إذا اتصفوا بالكفر فكأنهم قد خرجوا عن رتبة عبوديته تعالى وبقوا في
~~الذل الدائم ثم قيل { يرضه لكم } للتنبيه على مزيد الاختصاص فهذا
~~هو النظم السري الذي يحار دون إدراك طائفة من لطائفة الفكر البشري والله
~~تعالى أعلم اه. وهو كلام رصين وبالقبول قمين إلا أنه ربما يقال إنه لا
~~يتمشى على مذهب السلف حيث إنهم لا يؤولون الرضا في حقه تعالى وكونه عبارة
~~عن حالة نفسانية إلى آخر ما ذكر في تفسيره إنما هو فينا وحيث إن ذاته
~~تعالى مباينة لسائر الذوات فصفاته سبحانه كذلك فحقيقة الرضا في حقه تعالى
~~مباينة لحقيقته فينا وأين التراب من رب الأرباب، وقد تقدم الكلام في هذا
~~المقام على وجه يروي الأوام ويبرىء السقام فنقول عدم التأويل لا يضر فيما
~~نحن بصدده فالرضا إن أول أو لم يؤول غير الإرادة لحديث السبق والتأخر
~~الساق، وممن صرح بذلك ابن عطية قال: تأمل الإرادة فإن حقيقتها إنما هي
~~فيما لم يقع بعد والرضا حقيقته إنما هي فيما وقع واعتبر هذا في آيات
~~القرآن تجده وإن كانت العرب قد تستعمل في أشعارها على جهة التجوز هذا بدل
~~هذا.

# وقد ذهب إلى المغايرة بينهما بما ذكر هنا ابن المنير أيضا إلا أنه أول
~~الرضا وذكر أنه لا يتأتى حمله في الآية على الإرادة وشنع على الزمخشري في
~~ذلك جزاء ما تكلم على بعض أهل السنة المخالفين للمعتزلة في زعمهم اتحاد
~~الرضا والإرادة وأنه تعالى قد يريد ms09252 ما لا يفعله العبد وقد يفعل العبد ما
~~لا يريده عز وجل فقال: هب أن المصر على هذا المعتقد على قلبه رين أو في
~~ميزان عقله غين أليس يدعي أو يدعي له أنه الخريت في مغائر العبارات فكيف
~~هام عن جادة الإجادة في بهماء وأعار منادي الحذاقة أذنا صماء اللهم إلا
~~أن يكون الهوى إذا تمكن أرى الباطل حقا وغطى على مكشوف العبارة فسحقا
~~سحقا أليس مقتضى العربية فضلا عن القوانين العقلية أن المشروط مرتب على
~~الشرط فلا يتصور وجود المشروط قبل الشرط عقلا ولا مضيه واستقبال الشرط
~~لغة ونقلا واستقر باتفاق الفريقين أهل السنة وأهل البدعة أن إرادة الله
~~تعالى لشكر العباد مثلا مقدمة على وجود الشكر منهم فحينئذ كيف ينساغ حمل
~~الرضا على الإرادة وقد جعل في الآية مشروطا وجزاء وجعل وقوع الشكر شرطا
~~ومجزيا واللازم من ذلك عقلا تقدم المراد وهو الشكر على الإرادة وهي
~~الرضا ولغة تقدم المشروط على الشرط فإذا ثبت بطلان حمل الرضا على الإرادة
~~عقلا ونقلا تعين المحمل الصحيح له وهو المجازاة على الشكر بما عهد أن
~~يجازي به المرضى عنه من الثواب والكرامة فيكون معنى الآية والله تعالى
~~أعلم وإن تشكروا يجازكم على شكركم جزاء المرضي عنه، ولا شك أن المجازاة
~~مستقبلة بالنسبة إلى الشكر فجرى الشرط والجزاء على مقتضاهما لغة وانتظم /
~~ذلك بمقتضى الأدلة العقلية على بطلان تقدم المراد على الإرادة عقلا،
~~ومثل هذا يقال في قوله تعالى: { ولا يرضى لعباده الكفر }
~~أي لا يجازي الكافر مجازاة المرضي عنه بل مجازاة المغضوب عليه من النكال
~~والعقوبة انتهى.

# لا يقال: حيث كان قوله تعالى: { فإن الله غنى عنكم } جزاء
~~باعتبار الأخبار كما أشير إليه فيما سلف فليكن قوله تعالى { يرضه
~~لكم } جزاء بذلك الاعتبار فحينئذ لا يلزم أن يكون نفس الرضا مؤخرا
~~لأنا نقول: مثل هذا الاعتبار شائع في الجملة الاسمية المتحقق مضمونها قبل
~~الشرط نحو

# وإن يمسسك بخير فهو على كل شىء قدير

# [الأنعام: 17] وفي الفعل الماضي إذا وقع جزاء نحو ms09253

# إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل

# [يوسف: 77] وأما في الفعل المضارع فليس كذلك والذوق السليم يأبى هذا
~~الاعتبار فيه ومع هذا أي حاجة تدعو إلى ذلك هنا ولا أراها إلا نصرة
~~الباطل والعياذ بالله تعالى. ثم إنه يعلم من مجموع ما قدمنا حقية ما
~~قالوا من أنه لا تلازم بين الإرادة والرضا كما أن الرضا ليس عبارة عن
~~حقيقة الإرادة لكن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم قسما الإرادة إلى قسمين
~~تكوينية وشرعية، وذكرا أن المعاصي كالكفر وغيره واقعة بإرادة الله تعالى
~~التكوينية دون إرادته سبحانه الشرعية وعلى هذا فالرضا لا ينفك عن الإرادة
~~الشرعية فكل مراد لله تعالى بالإرادة الشرعية مرضي له سبحانه وهذا
~~التقسيم لا أتعقله إلا أن تكون الإرادة الشرعية هي الإرادة التي يرتضي
~~المراد بها فتدبر هذا.

# وقرأ ابن كثير ونافع في رواية، وأبو عمرو والكسائي { يرضه } بإشباع ضمة
~~الهاء، والقاعدة في إشباع الهاء وعدمه أنها إن سكن ما قبلها لم تشبع نحو
~~عليه وإليه وإن تحرك أشبعت نحو به وغلامه وههنا قبلها ساكن تقديرا وهو
~~الألف المحذوفة للجازم فإن جعلت موجودة حكما لم تشبع كما في قراءة ابن
~~عامر وحفص وإن قطع النظر عنها أشبعت كما في قراءة من سمعت وهذا هو الفصيح
~~وقد تشبع وتختلس في غير ذلك وقد يحسن إشباعها مع فقد الشرط لنكتة، وقرأ
~~أبو بكر { يرضه } بسكون الهاء ولم يرضه أبو حاتم وقال: هو غلط لا
~~يجوز، وفيه أنه لغة لبني كلاب وبني عقيل إجراء للوصل مجرى الوقف.

# { ولا تزر وازرة وزر أخرى } بيان لعدم سراية كفر الكافر
~~إلى غيره، وقد تقدم الكلام في هذه الجملة وكذا في قوله تعالى: { ثم
~~إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم
~~تعملون إنه عليم بذات الصدور } فتذكر.

### || [39.8]

# { وإذا مس الإنسن ضر } من مرض وغيره من المكاره { دعا
~~ربه منيبا إليه } راجعا ممن كان يدعوه في حالة الرخاء من دون
~~الله عز وجل لعلمه بأنه بمعزل من القدرة على كشف ضره وهذا وصف للجنس ms09254 بحال
~~بعض أفراده كقوله تعالى:

# إن الإنسان لظلوم كفار

# [إبراهيم: 34]، واستظهر أبو حيان أن المراد بالإنسان جنس الكافر، وقيل:
~~هو معين كعتبة بن ربيعة { ثم إذا خوله نعمة منه } أي
~~أعطاه نعمة عظيمة من جنابه من الخول بفتحتين وهو تعهد الشيء أي الرجوع
~~إليه مرة بعد أخرى وأطلق على العطاء لما أن المعطي الكريم يتعهد من هو
~~ربيب إحسانه ونشو امتنانه بتكرير العطاء عليه مرة بعد أخرى، وقال بعضهم:
~~معنى { خوله } في الأصل أعطاه خولا بفتحتين أي عبيدا وخدما أو
~~أعطاه ما يحتاج إلى تعهده والقيام عليه ثم عمم لمطلق العطاء، وجوز
~~الزمخشري كونه من خال يخول خولا بسكون الواو إذا افتخر. واعترض بأنه صرح
~~في «الصحاح» أن خال بمعنى افتخر يائي والخيلاء بمعنى التكبر يدل عليه
~~دلالة بينة، وأيضا خول متعد إلى مفعولين وأخذه منه لا يقتضي أن يتعدى
~~للمفعول الثاني.

# وأجيب عن الأول بأن الزمخشري من أئمة النقل وقد ثبت عنده، وأصله من
~~الخال الذي هو العلامة، وقد نقل / فيه الواو والياء ثم قيل لسيما الجمال
~~والخير خال من ذلك وأخذ منه الخيال وأما الاختيال بمعنى التكبر فهو مأخوذ
~~من الخيال لأنه خال نفسه فوق قدره أو جعل لنفسه خال الخير كما يقال: أعجب
~~الرجل فقد وضح أن الاشتقاق يناسبهما ولا ينكر ثبوت الياء بدليل الخيلاء
~~لكن لا مانع من ثبوت الياء أيضا وليس الاختيال مأخوذا من الخيلاء بل
~~الخيلاء هو الاسم منه فلا يصلح مانعا لكن يصلح مثبتا للياء، وعن الثاني
~~بأنه ليس المراد أن خول مضعف خال بمعنى افتخر حتى يشكل تعديته للمفعول
~~الثاني بل إنه موضوع في اللغة لمعنى أعطى وما ذكر بيان لمأخذ اشتقاقه
~~وأصل معناه الملاحظ في وضعه له ومثله كثير فأصل خوله جعله مفتخرا بما
~~أنعم عليه ثم قطع النظر عنه وصار بمعنى أعطاه مطلقا.

# { نسى ما كان يدعو إليه } أي نسي الضر الذي كان يدعو الله
~~تعالى إلى إزالته وكشفه { من قبل } التخويل فما واقعة على الضر ودعا
~~من الدعوة وهو ms09255 يتعدى بإلى يقال دعا المؤذن الناس إلى الصلاة ودعا فلان
~~الناس إلى مأدبته والدعوة مجاز عن الدعاء، والمعنى على اعتبار المضاف كما
~~أشير إليه، ويجوز أن يراد بما معنى من للدلالة على الوصفية والتفخيم
~~واقعا عليه تعالى كما في قوله تعالى:

# وما خلق الذكر والأنثى

# [الليل: 3] وقوله سبحانه:

# ولا أنتم عبدون ما أعبد

# [الكافرون: 3] والدعاء على ظاهره وتعديته بإلى لتضمينه معنى الإنابة أو
~~التضرع والابتهال. والمعنى نسي ربه الذي كان يدعو منيبا أو متضرعا إليه
~~وهو وجه لا بأس به، وما قيل من أنه تكلف إذ لا يقال دعا إليه بمعنى دعاه
~~ولا حاجة إلى جعل ما بمعنى من مردود لحسن موقف التضمين واستعمال ما في
~~مقام التفخيم. وفي «الإرشاد» أن في ذلك الجعل إيذانا بأن نسيانه بلغ إلى
~~حيث لا يعرف مدعوه ما هو فضلا من أن يعرفه من هو. وقيل: ما مصدرية أي
~~نسي كونه يدعو، وقيل: هي نافية وتم الكلام عند قوله تعالى { نسي } أي
~~نسي ما كان فيه من الضر ثم نفى أن يكون دعاء هذا الكافر خالصا لله تعالى
~~من قبل أي من قبل الضر ولا يخفى ما فيه.

# { وجعل لله أندادا } شركاء في العبادة، والظاهر من
~~استعمالاتهم إطلاق الأنداد على الشركاء مطلقا، وفي «البحر» أندادا أى
~~أمثالا يضاد بعضها بعضا ويعارض، قال قتادة: أي الرجال يطيعهم في
~~المعصية، وقال غيره أوثانا { ليضل } الناس بذلك { عن سبيله }
~~عز وجل الذي هو التوحيد.

# وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعيسى { ليضل } بفتح الياء أي ليزداد ضلالا أو
~~ليثبت عليه وإلا فأصل الضلال غير متأخر عن الجعل المذكور، واللام لام
~~العاقبة كما في قوله تعالى:

# فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا

# [القصص: 8] بيد أن هذا أقرب إلى الحقيقة لأن الجاعل ههنا قاصد بجعله
~~المذكور حقيقة الإضلال والضلال وإن لم يعرف بجهله أنهما إضلال وضلال وأما
~~آل فرعون فهم غير قاصدين بالتقاطهم العداوة أصلا.

# { قل } تهديدا لذلك الجاعل وبيانا لحاله ومآله { تمتع
~~بكفرك قليلا } أي تمتعا قليلا أو ms09256 زمانا قليلا { إنك من
~~أصحب النار } أي ملازميها والمعذبين فيها على الدوام، وهو تعليل
~~لقلة التمتع وفيه من الإقناط من النجاة وذم الكفر ما لا يخفى كأنه قيل:
~~إذ قد أبيت ما أمرت به من الإيمان والطاعة فمن حقك أن تؤمر بتركه لتذوق
~~عقوبته.

### || [39.9]

# { أمن هو قانت ءاناء اليل } الخ من تمام الكلام المأمور
~~به في قول، وأم إما متصلة قد حذف معادلها ثقة بدلالة مساق الكلام عليه
~~كأنه قيل له تأكيدا للتهديد وتهكما به أأنت أحسن حالا ومآلا أم من هو
~~قائم بمواجب الطاعات ودائم على وظائف العبادات في ساعات الليل التي فيها
~~العبادة أقرب إلى القبول / وأبعد عن الرياء حالتي السراء والضراء لا عند
~~مساس الضر فقط كدأبك حال كونه { سجدا وقائما } وإلى كون المحذوف
~~المعادل الأول ذهب الأخفش ووافقه غير واحد ولا بأس به عند ظهور المعنى
~~لكن قال أبو حيان: إن مثل ذلك يحتاج إلى سماع من العرب. ونصب { سجدا
~~وقائما } على الحالية كما أشير إليه أي جامعا بين الوصفين المحمودين
~~وصاحب الحال الضمير المستتر في { قانت }. وجوز كون الحال من ضمير {
~~يحذر } الآتي قدم عليه ولا داعي لذلك. وقرأ الضحاك { ساجد وقائم }
~~برفع كل على أنه خبر بعد خبر، وجوز أبو حيان كونه نعتا لقانت وليس بذاك،
~~والواو كما أشير إليه للجمع بين الصفتين، وترك العطف على { قانت } قيل
~~لأن القنوت مطلق العبادة فلم يكن مغايرا للسجود والقيام فلم يعطفا عليه
~~بخلاف السجود والقيام فإنهما وصفان متغايران فلذا عطف أحدهما على الآخر.
~~وتقديم السجود على القيام لكونه أدخل في معنى العبادة، وذهب المعظم إلى
~~أنه أفضل من القيام لحديث «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» وقوله
~~تعالى: { يحذر الأخرة } حال أخرى على التداخل أو الترادف أو
~~استئناف وقع جوابا عما نشأ من حكاية حاله كأنه قيل ما باله يفعل ذلك؟
~~فقيل: يحذر الآخرة أي عذاب الآخرة كما قرأ به ابن جبير. { ويرجوا
~~رحمة ربه } فينجو بذلك مما يحذره ويفوز بما يرجوه كما ms09257 ينبىء عنه
~~التعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال مع الإضافة إلى
~~ضمير الراجي لا أنه يحذر ضر الدنيا ويرجو خيرها فقط.

# وإما منقطعة وما فيها من الإضراب للانتقال من التبكيت بتكليف الجواب
~~الملجيء إلى الاعتراف بما بينهما من التباين البين كأنه قيل: بل أمن هو
~~قانت الخ، وقدر الزمخشري كغيره مثلك أيها الكافر. وقال النحاس: أم بمعنى
~~بل ومن بمعنى الذي والتقدير بل الذي هو قانت الخ أفضل مما قبله. وتعقبه
~~في «البحر» بأنه لا فضل لمن قبله حتى يجعل هذا أفضل بل يقدر الخبر من
~~أصحاب الجنة لدلالة مقابله أعني

# إنك من أصحب النار

# [الزمر: 8] عليه ولا يبعد أن يقدر أفضل منك ويكون ذلك من باب التهكم.

# وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة والأعمش وعيسى وشيبة والحسن في رواية { أمن }
~~بتخفيف الميم وضعفها الأخفش وأبو حاتم ولا التفات إلى ذلك، وخرجت على
~~إدخال همزة الاستفهام التقريري على من والمقابل محذوف أي أألذي هو قانت
~~الخ خير أم أنت أيها الكافر؟ ومثله في حذف المعادل قوله:

# دعاني إليها القلب إني لأمره

# سميع فما أدري أرشد طلابها

# فإنه أراد أم غي، وقال الفراء: الهمزة للنداء كأنه قيل يا من هو قانت
~~وجعل قوله تعالى: { قل } خطابا له، وضعف هذا القول أبو علي الفارسي
~~وهو كذلك.

# وقوله تعالى: { قل } على معنى قل له أيضا بيانا للحق وتصريحا به
~~وتنبيها على شرف العلم والعمل { هل يستوي الذين يعلمون }
~~فيعملون بمقتضى علمهم ويقنتون الليل سجدا وركعا يحذرون الآخرة ويرجون
~~رحمة ربهم { والذين لا يعلمون } فيعلمون بمقتضى جهلهم وضلالهم
~~كدأبك أيها الكافر الجاعل لله تعالى أندادا والاستفهام للتنبيه على أن
~~كون الأولين في أعلى معارج الخير وكون الآخرين في أقصى مدارج الشر من
~~الظهور بحيث لا يكاد يخفى على أحد من منصف ومكابر. ويعلم مما ذكرنا / أن
~~المراد بالذين يعلمون العاملون من علماء الديانة وصرح بإرادة ذلك بعض
~~الأجلة على تقديري الاتصال والانقطاع وأن الكلام تصريح بنفي المساواة بين
~~القانت وغيره المضمنة من حرفي ms09258 الاستفهام أعني الهمزة وأم على الاتصال أو
~~من التشبيه على الانقطاع وعلى قراءة التخفيف أيضا قال: وإنما عدل إلى
~~هذه العبارة دلالة على أن ذلك مقتضى العلم وأن العلم الذي لا يترتب عليه
~~العمل ليس بعلم عند الله تعالى سواء جعل من باب إقامة الظاهر مقام المضمر
~~للإشعار المذكور أو استئناف سؤال تبكيتي توضيحا للأول من حيث التصريح
~~ومن حيث إنهم وصفوا بوصف آخر يقتضي اتصافهم بتلك الأوصاف ومباينتهم لطبقة
~~من لا يتصف. وهذا أبلغ وأظهر لفظا لقوله تعالى: { قل } وجوز أن يكون
~~الكلام واردا على سبيل التشبيه فيكون مقررا لنفي المساواة لا تصريحا
~~بمقتضى الأول أي كما لا استواء بين العالم وغيره عندكم من غير ريبة فكذلك
~~ينبغي أن لا يكون لكم ارتياب في نفي المساواة بين القانت المذكور وغيره،
~~وكونه للتصريح بنفي المساواة وحمل { الذين يعلمون } على العاملين
~~من علماء الديانة على ما سمعت مما لا ينبغي أن يختار غيره لتكثير
~~الفائدة، وأما من ارتاب في ذلك الواضح فلا يبعد منه الارتياب في هذا
~~الواضح أيضا فجوابه أن الاستنكاف عن الجهل مركوز في الطباع بخلاف الأول،
~~ويشعر كلام كثير أن قوله تعالى: { أمن هو } الخ غير داخل في حيز
~~القول والمعنى عليه كما في الأول بتغيير يسير لا يخفى.

# وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه تلا { أمن هو قانت }
~~الآية فقال: نزلت في عثمان بن عفان، وأخرج ابن سعد في «طبقاته»، وابن
~~مردويه وابن عساكر عن ابن عباس أنها نزلت في عمار بن ياسر، وأخرج جويبر
~~عنه أنها نزلت في عمار وابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة، وعن عكرمة
~~الاقتصار على عمار، وعن مقاتل المراد بمن هو قانت عمار وصهيب وابن مسعود
~~وأبو ذر، وفي رواية الضحاك عن ابن عباس أبو بكر وعمر، وقال يحيى بن
~~سلام: رسول الله صلى الله عليه وسلم، والظاهر أن المراد المتصف بذلك من
~~غير تعيين ولا يمنع من ذلك نزولها فيمن علمت.

# وفيها دلالة على فضل الخوف والرجاء، وقد أخرج ms09259 الترمذي والنسائي وابن
~~ماجه عن أنس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وهو في الموت
~~فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو وأخاف فقال عليه الصلاة والسلام: لا يجتمعان
~~في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الذي يرجو وآمنه الذي يخاف.
~~وفيها رد على من ذم العبادة خوفا من النار ورجاء الجنة وهو الإمام
~~الرازي كما قال الجلال السيوطي، نعم العبادة لذلك ليس إلا مذمومة بل قال
~~بعضهم بكفر من قال: لولا الجنة والنار ما عبدت الله تعالى على معنى نفي
~~الاستحقاق الذاتي. وفيها دلالة أيضا على فضل صلاة الليل وأنها أفضل من
~~صلاة النهار. ودل قوله تعالى: { هل يستوي } الخ على فضل العلم
~~ورفعة قدره وكون الجهل بالعكس. واستدل به بعضهم على أن الجاهل لا يكافىء
~~العالمة كما أنه لا يكافىء بنت العالم.

# وقوله تعالى: { إنما يتذكر أولوا الألبب } كلام
~~مستقل غير داخل عند الكافة في الكلام المأمور به وارد من جهته تعالى بعد
~~الأمر بما تضمن القوارع الزاجرة عن الكفر والمعاصي لبيان عدم تأثيرها في
~~قلوب الكفرة لاختلال عقولهم كما في قوله:

# عوجوا فحيوا لنعمى دمنة الدار

# ماذا تحيون من نؤى وأحجار

# وهو أيضا كالتوطئة لافراد المؤمنين بعد بالخطاب والإعراض عن غيرهم أي
~~إنما يتعظ بهذه البيانات الواضحة أصحاب العقول الخالصة عن شوائب الخلل
~~وأما هؤلاء فبمعزل عن ذلك. وقرىء { يذكر } بالإدغام.

### || [39.10-11]

# { قل يعباد الذين ءامنوا اتقوا ربكم } أمر رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم أن يذكر المؤمنين ويحملهم على التقوى والطاعة
~~إثر تخصيص التذكر بأولي الألباب وفيه إيذان بأنهم هم أي قل لهم قولي هذا
~~بعينه وفيه تشريف لهم بإضافتهم إلى ضمير الجلالة ومزيد اعتناء بشأن
~~المأمور به فإن نقل عين أمر الله تعالى أدخل في إيجاب الامتثال به.

# وقوله تعالى: { للذين أحسنوا } إلى آخره تعليل للأمر أو لوجوب
~~الامتثال به، والجار والمجرور متعلق بمحذوف هو خبر مقدم وقوله سبحانه: {
~~فى هذه الدنيا } متعلق بأحسنوا واسم الإشارة للإحضار، وقوله
~~تبارك وتعالى { حسنة ms09260 } مبتدأ وتنوينه للتفخيم أي للمحسنين في الدنيا
~~حسنة في الآخرة أي حسنة والمراد بها الجنة، وقوله عزو جل: { وأرض
~~الله واسعة } جملة معترضة إزاحة لما عسى أن يتوهم من التعلل في
~~التفريط بعدم التمكن في الوطن من رعاية الأوامر والنواهي على ما هي عليه.

# وقوله تعالى: { إنما يوفى الصبرون أجرهم بغير
~~حساب } من تتمة الاعتراض فكأنه قيل: اتقوا ربكم فإن للمحسنين في هذه
~~الدنيا الجنة في الأخرى ولا عذر للمفرطين في الإحسان بعدم التمكن في
~~الأوطان فإن أرض الله تعالى واسعة وبلاده كثيرة فليتحولوا إن لم يتمكنوا
~~عنها وليهاجروا إلى ربهم لنيل الرضوان فإن لهم في جنب ذلك ما يتقاصر عنه
~~الجنة ويستلذ له كل محنة وكأنه لما أزاح سبحانه علتهم بأن في أرض الله
~~تعالى سعة وقع في خلدهم هل نكون نحن ومن يتمكن من الإحسان في بلدته فارغ
~~البال رافغ الحال سواء بسواء فأجيبوا إنما يوفى الصابرون الذين صبروا على
~~الهجرة ومفارقة المحاب والاقتداء بالأنبياء والصالحين أجرهم بغير حساب،
~~وأصله إنما توفون أجوركم بغير حساب على الخطاب وعدل عنه إلى المنزل
~~تنبيها على أن المقتضي لذلك صبرهم فيفيد أنكم توفون أجوركم بصبركم كما
~~وفى أجر من قبلكم بصبرهم وهو محمول على العموم شامل للصبر على كل بلاء
~~غير مخصوص بالصبر على المهاجرة لكنه إنما جيء به في الآية لذلك وليشمل
~~الصابرين على ألم المهاجرة شمولا أوليا.

# والجار والمجرور في موضع الحال إما من الأجر أي إنما يوفون أجرهم كائنا
~~بغير حساب وذلك بأن يغرف لهم غرفا ويصب عليهم صبا، واما من الصابرين أي
~~إنما يوفون ذلك كائنين بغير حساب عليه، والمراد على الوجهين المبالغة في
~~الكثرة وهو المراد بقول ابن عباس لا يهتدي إليه حساب الحساب ولا يعرف،
~~وجوز جعل الحال من الصابرين على معنى لا يحاسبون أصلا، والمتبادر ما
~~يفيد المبالغة في كثرة الأجر، ومعنى القصر ما يوفى الصابرون أجرهم إلا
~~بغير حساب جعل الجار والمجرور حالا من المنصوب أو المرفوع لأن القصر في
~~الجزء الأخير، وفيه ms09261 من الاعتناء بأمر الأجر ما فيه، وأما اختصاصه
~~بالصابرين دون غيرهم فمن ترتب الحكم على المشتق.

# هذا ونقل عن السدي أن قوله تعالى: { فى هذه الدنيا } متعلق
~~بحسنة من حيث المعنى فقيل: هو حينئذ حال من { حسنة } ورد بأنها مبتدأ
~~ولا يجوز الحال منه على الصحيح، فإن قيل: يلتزم جعلها فاعل الظرف قيل: لا
~~يتسنى إلا على مذهب الأخفش وهو ضعيف. وقيل حال من الضمير المستتر في
~~الخبر الراجع إلى { حسنة } وقال الزمخشري: هو بيان لحسنة والتقدير هي
~~في الدنيا، والمراد بها الصحة والعافية أي للمحسنين صحة وعافية في
~~الدنيا، قال في «الكشف»: وإنما آثر كونه بيانا مع جواز كونه حالا عن
~~الضمير الراجع إلى { حسنة } في الخبر لأن المعنى على البيان لا على
~~التقييد بالحال وذلك لأن المعنى على هذا الوجه أن للمحسنين جزاء يسيرا
~~في الدنيا هو الصحة والعافية وإنما توفية أجورهم / في الآخرة ولو قيد
~~بالحال لم يلائم على ما لا يخفى، وحق قوله تعالى: { وأرض الله
~~واسعة } على هذا أن يكون اعتراضا إزاحة لما قد يختلج في بعض النفوس
~~من خلاف ذلك الجزاء بواسطة اختلاف الهواء والتربة وغير ذلك مما يؤدي إلى
~~آفات في البدن فقيل وأرض الله تعالى واسعة فلا يعدم أحد محلا يناسب حاله
~~فليتحول عنه إليه إن لم يلائمه ثم يكون فيه تنبيه على أن من جعل الأرض
~~ذات الطول والعرض قطعا متجاورات تكميلا لانتعاشهم وارتياشهم يجب أن
~~تقابل نعمه بالشكر ليعدوا من المحسنين ثم قيل: { إنما يوفى
~~الصبرون } أي توفية الأجر لهؤلاء المحسنين إنما يكون في الآخرة
~~والذي نالوه في الدنيا عاجل حظهم وأما الأجر الموفى بغير حساب فذلك
~~للصابرين، ومن سلبناه تلك العاجلة تمحيصا له وتقريبا وفي ذلك تسلية
~~لأهل البلاء وتنشيط للعباد على مكابدة العبادات وتحريض على ملازمة
~~الطاعات ثم قال: وهذا أيضا وجه حسن دقيق والرجحان للأول من وجوه:

# أحدها: أن الاعتراض لإزاحة العلة في التفريط أظهر لأنه المقصود من
~~السياق على ما يظهر من قوله تعالى: { اتقوا ربكم ms09262 }. الثاني: أنه
~~المطابق لما ورد في التنزيل من نحو

# ألم تكن أرض الله وسعة فتهجروا فيها

# [النساء: 97]

# إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون

# [العنكبوت: 56]. الثالث: أن تعلق الظرف بالمذكور المتقدم هو الوجه ما لم
~~يصرف صارف. الرابع: أنه على ذلك التقدير ليس بمطرد ولا أكثري فإن الحسنة
~~بذلك المعنى في شأن المخالفين أتم والقول بأنها استدراج في شأنهم لا حسنة
~~ليس بالظاهر فقد قال سبحانه:

# فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه

# [الأعراف: 131] انتهى، ولعمري إن ما رجحه بالترجيح حقيق وما استحسنه
~~واستدقه ليس بالحسن ولا الدقيق.

# والذي نقله الطبرسي عن السدي تفسير الحسنة في الدنيا بالثناء الحسن
~~والذكر الجميل والصحة والسلامة، وفسرها بعضهم بولاية الله تعالى وعليه
~~فليس للمخالفين منها نصيب، وفي الآية أقوال أخر فعن عطاء أرض الله تعالى
~~المدينة قال أبو حيان: فعلى هذا يكون { أحسنوا } هاجروا و {
~~حسنة } راحة من الأعداء، وقال قوم: أرض الله تعالى الجنة، وتعقبه ابن
~~عطية بأنه تحكم لا دليل عليه. وقال أبو مسلم: لا يمتنع ذلك لأنه تعالى
~~أمر المؤمنين بالتقوى ثم بين سبحانه أنه من اتقى له في الآخرة الحسنة وهي
~~الخلود في الجنة ثم بين جل شأنه أن أرض الله واسعة لقوله تعالى:

# وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء

# [الزمر: 74] وقوله تعالى:

# وجنة عرضها السموات والأرض أعدت
~~للمتقين

# [آل عمران: 133] والرجحان لما سمعت أولا. واختير فيه شمول الحسنة
~~لحسنات الدنيا والآخرة. والمراد بالإحسان الإتيان بالأعمال الحسنة
~~القلبية والقالبية،

# " قال النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيره في حديث جبريل عليه السلام:
~~أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "

# والآية على ما في بعض الآثار نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين
~~عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة وفيها من الدلالة على فضل الصابرين ما
~~فيها.

# { قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين }
~~أي من كل ما يخل به من الشرك والرياء وغير ذلك؛ أمر عليه الصلاة والسلام
~~ببيان ما أمر به نفسه من ms09263 الإخلاص في عبادة الله عز وجل الذي هو عبارة عما
~~أمر به المؤمنون من التقوى مبالغة في حثهم على الإتيان بما كلفوه
~~وتمهيدا لما يعقبه مما خوطب به المشركون. وعدم التصريح بالآمر لتعين أنه
~~الله عز وجل، وقيل: للإشارة إلى أن هذا الأمر مما ينبغي امتثاله سواء صدر
~~منه تعالى أم صدر من غيره سبحانه.

### || [39.12]

# أي وأمرت بذلك لأجل أن أكون / مقدم المسلمين في الدنيا والآخرة لأن
~~إحراز قصب السبق في الدين بالإخلاص فيه وإخلاصه عليه الصلاة والسلام أتم
~~من إخلاص كل مخلص فالمراد بالأولية الأولية في الشرف والرتبة. والعطف
~~لمغايرة الثاني الأول بتقييده بالعلة والإشعار بأن العبادة المذكورة كما
~~تقتضي الأمر بها لذاتها تقتضيه لما يلزمها من السبق في الدين. وإلى حذف
~~متعلق الأمر وكون اللام تعليلية ذهب البصريون في هذه الآية ونحوها؛ وذهب
~~غيرهم إلى أنها زائدة، واستدل له بتركها في قوله تعالى:

# وأمرت أن أكون من المسلمين

# [النمل: 91]

# وأمرت أن أكون من المؤمنين

# [يونس: 104]

# أمرت أن أكون أول من أسلم

# [الأنعام: 14] وكل ذلك محتمل لتقدير اللام فلا تغفل. ولا تزاد إلا مع أن
~~لفظا أو تقديرا دون الاسم الصريح وذلك لأن الأصل في المفعول به أن يكون
~~اسما صريحا فكأنها زيدت عوضا من ترك الأصل إلى ما يقوم مقامه كما يعوض
~~السين في اسطاع عوضا من ترك الأصل الذي هو أطوع، وهذه الزيادة وإن كانت
~~شاذة قياسا إلا أنها لما كثرت استعمالا جاز استعمالها في القرآن
~~والكلام الفصيح، ومثل هذا يقال في زيادتها مع فعل الإرادة نحو أردت لأن
~~أفعل. وجعل الزمخشري وجه زيادتها معه أنها لما كان فيها معنى الإرادة
~~زيدت تأكيدا لها وجعل وجها في زيادتها مع فعل الأمر أيضا لا سيما
~~والطلب والإرادة عندهم من باب واحد، وفي المعنى أوجه أن أكون أول من أسلم
~~في زماني ومن قومي أي إسلاما على وفق الأمر، وأن أكون أول الذين دعوتهم
~~إلى الإسلام إسلاما، وأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره ms09264
~~لأكون مقتدى بي في قولي وفعلي جميعا ولا تكون صفتي صفة الملوك الذين
~~يأمرون بما لا يفعلون، وأن أفعل ما أستحق به الأولية والشرف من أعمال
~~السابقين دلالة على السبب وهي الأعمال التي يستحق بها الشرف بالمسبب وهو
~~الأولية والشرف المذكور في النظم الجليل ذكر ذلك الزمخشري. وفي «الكشف»
~~المختار من الأوجه الأربعة الوجه الثاني فإنه المكرر الشائع في القرآن
~~الكريم وفيه سائر المعاني الأخر من موافقة القول الفعل ولزوم أولية الشرف
~~من أولية التأسيس مع أنه ليس فيه أنه أمر بأن يكون أشرف وأسبق فافهم.

### || [39.13]

# { قل إني أخاف إن عصيت ربي } بترك الإخلاص والميل إلى
~~ما أنتم عليه من الشرك. وجوز العموم أي أخاف إن عصيته بشيء من المعاصي {
~~عذاب يوم عظيم } هو يوم القيامة. ووصفه بالعظمة لعظمة ما فيه من
~~الدواهي والأهوال، وهو مجاز في الظرف أو الإسناد وهو أبلغ ولذا عدل عن
~~توصيف العذاب بذاك والمقصود من قول ذلك لهم تهديدهم والتعريض لهم بأنه
~~عليه الصلاة والسلام مع عظمته لو عصى الله تعالى ما أمن العذاب فكيف بهم.

### || [39.14]

# { قل الله أعبد } لا غيره سبحانه لا استقلالا ولا اشتراكا {
~~مخلصا له ديني } حال من فاعل { أعبد } فقيل مؤكدة لما أن
~~تقديم المفعول قد أفاد الحصر وهو يدل على إخلاصه عن الشرك الظاهر والخفي،
~~وقيل: مؤسسة وفسر إخلاص الدين له تعالى بعبادته سبحانه لذاته من غير طلب
~~شيء كقول رابعة: سبحانك ما عبدتك خوفا من عقابك ولا رجاء ثوابك أو يفسر
~~بتجريده عن الشرك بقسميه وأن يكون معه ما يشينه من غير ذلك كما أشير إليه
~~آنفا؛ والفرق بين هذا وقوله سبحانه:

# قل إنى أمرت

# [الزمر: 11] الخ أن ذاك أمر ببيان كونه عليه الصلاة والسلام مأمورا
~~بعبادته تعالى مخلصا له الدين وهذا أمر بالإخبار بامتثاله بالأمر على
~~أبلغ وجه وآكده إظهارا لتصلبه صلى الله عليه وسلم في الدين وحسما
~~لأطماعهم الفارغة حيث إن كفار قريش دعوه صلى الله عليه وسلم إلى دينهم
~~فنزلت لذلك وتمهيدا لتهديدهم بقوله ms09265 عز وجل: { فاعبدوا ما
~~شئتم... }

### || [39.15]

# { فاعبدوا ما شئتم } أن تعبدوه { من دونه } عز وجل، وفيه
~~من الدلالة على شدة الغضب عليهم ما لا يخفى كأنهم لما لم ينتهوا عما نهوا
~~عنه أمروا به كي يحل بهم العقاب { قل إن الخسرين } أي
~~الكاملين في الخسران وهو إضاعة ما بهم وإتلاف ما لا بد منه لجمعهم أعاظم
~~أنواع الخسران { الذين خسروا أنفسهم وأهليهم }
~~باختيارهم الكفر لهما فالمراد بالأهل أتباعهم الذين أضلوهم أي أضاعوا
~~أنفسهم وأضاعوا أهليهم وأتلفوهما { يوم القيمة } حين يدخلون
~~النار حيث عرضوهما للعذاب السرمدي وأوقعوهما في هلكة ما وراءها هلكة؛ ولو
~~أبقى { يوم القيمة } على ظاهره لأنه يتبين فيه أمرهم ويتحقق
~~مبدأ خسرانهم صح على ما قيل، وقيل: المراد بالأهل الأتباع مطلقا
~~وخسرانهم إياهم لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروا هم كما خسروا
~~أنفسهم وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهابا لا إياب بعده،
~~وتعقب بأن المحذور ذهاب من لو آب لانتفع به الخاسر وذلك غير متصور في
~~الشق الأخير، وقيل: المراد بالأهل ما أعده الله تعالى لمن يدخل الجنة من
~~الخاصة أي وخسروا أهليهم الذين كانوا يكونون لهم في الجنة لو آمنوا، أخرج
~~عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: ليس أحد إلا قد أعد الله تعالى له
~~أهلا في الجنة إن أطاعه، وأخرج نحوه عن مجاهد، وروي أيضا عن ميمون بن
~~مهران وكلهم ذكروا ذلك في الآية، وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس أنه قال
~~فيها أيضا: خسروا أهليهم من أهل الجنة كانوا أعدوا لهم لو عملوا بطاعة
~~الله تعالى فغبنوهم، وهو الذي يقتضيه كلام الحسن فقد روي عنه أنه فسر
~~الأهل بالحور العين، ولا يخفى أن حمل الآية على ذلك لا يخلو عن بعد.
~~وأيا ما كان فليس المراد مجرد تعريف الكاملين في الخسران بما ذكر بل
~~بيان أنهم المخاطبون بما تقدم إما بجعل الموصول عبارة عنهم أو بجعله
~~عبارة عما هم مندرجون فيه اندراجا أوليا.

# وما في قوله تعالى: { ألا ms09266 ذلك هو الخسران المبين } من
~~استئناف الجملة، وتصديرها بحرف التنبيه والإشارة بذلك إلى بعد منزلة
~~المشار إليه في الشر وأنه لعظمه بمنزلة المحسوس وتوسيط ضمير الفصل وتعريف
~~الخسران والإتيان به على فعلان الأبلغ من فعل ووصفه بالمبين من الدلالة
~~على كمال هوله وفظاعته وأنه لا نوع من الخسر وراءه ما لا يخفى.

### || [39.16]

# وقوله تعالى: { لهم من فوقهم ظلل من النار } إلى آخره
~~نوع بيان لخسرانهم بعد تهويله بطريق الإبهام على أن { لهم } خبر لظلل
~~و { من فوقهم } متعلق بمحذوف حال من ضميرها في الظرف المقدم لا
~~منها نفسها لضعف الحال من المبتدأ، وجعلها فاعل الظرف حينئذ إتباع لنظر
~~الأخفش وهو ضعيف، و { من النار } صفة لظلل. والكلام جار مجرى التهكم
~~بهم ولذا قيل { لهم } وعبر عما علاهم من النار بالظلل أي لهم كائنة من
~~فوقهم ظلل كثيرة متراكمة بعضها فوق بعض كائنة من النار { ومن
~~تحتهم ظلل } كائنة من النار أيضا، والمراد أطباق كثيرة منها
~~وتسميتها ظللا من باب المشاكلة. وقيل هي ظلل لمن تحتهم في طبقة أخرى من
~~طبقات النار ولا يطرد في أهل الطبقة الأخيرة من هؤلاء الخاسرين إلا أن
~~يقال: إنها للشياطين ونحوهم مما لا ذكر لهم هنا، وقيل: إن ما تحتهم يلتهب
~~ويتصاعد منه شيء حتى يكون ظلة فسمي ظلة باعتبار ما آل إليه أخيرا وليس
~~بذاك، والمراد أن النار محيطة بهم.

# { ذلك } العذاب الفظيع { يخوف الله به عباده } يذكره
~~سبحانه لهم بآيات الوعيد ليخافوا / فيجتنبوا ما يوقعهم فيه، وخص بعضهم
~~العباد بالمؤمنين لأنهم المنتفعون بالتخويف وعمم آخرون. وكذا في قوله
~~سبحانه: { يعباد فاتقون } ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي، ويختلف
~~المراد بالأمر على الوجهين كما لا يخفى. وهذه عظة من الله جل جلاله وعم
~~نواله منطوية على غاية اللطف والرحمة. وقرىء { يا عبادي } بالياء.

### || [39.17]

# { والذين اجتنبوا الطغوت } الخ قال ابن زيد: نزلت في
~~ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون لا إله إلا الله زيد بن عمرو بن نفيل
~~وسلمان وأبي ذر. وقال ابن إسحاق: ms09267 أشير بها إلى عبد الرحمن بن عوف وسعد
~~بن أبي وقاص وسعيد بن زيد والزبير وذلك أنه لما أسلم أبو بكر سمعوا ذلك
~~فجاءوه وقالوا: أسلمت قال نعم وذكرهم بالله تعالى فآمنوا بأجمعهم فنزلت
~~فيهم وهي محكمة في الناس إلى يوم القيامة.

# والطاغوت فعلوت من الطغيان كما قالوا لا فاعول كما قيل بتقديم اللام على
~~العين نحو صاعقة وصاقعة، ويدل على ذلك الاشتقاق وأن طوغ وطيغ مهملان.
~~وأصله طغيوت أو طغووت من الياء أو الواو لأن طغى يطغى ويطغو كلاهما
~~ثابتان في العربية نقله الجوهري، ونقل أن الطغيان والطغوان بمعنى وكذا
~~الراغب، وجمعه على الطواغيت يدل على أن الجمع بني على الواو، وقولهم: من
~~الطغيان لا يريدون به خصوص الياء بل أرادوا المعنى وهو على ما في
~~«الصحاح» الكاهن والشيطان وكل رأس في الضلال، وقال الراغب: هو عبارة عن
~~كل متعد وكل معبود من دون الله تعالى وسمي به الساحر والكاهن والمارد من
~~الجن والصارف عن الخير ويستعمل في الواحد والجمع. وقال الزمخشري في هذه
~~السورة: لا يطلق على غير الشيطان، وذكر أن فيه مبالغات من حيث البناء فإن
~~صيغة فعلوت للمبالغة ولذا قالوا الرحموت الرحمة الواسعة، ومن حيث التسمية
~~بالمصدر، ومن حيث القلب فإنه للاختصاص كما في الجاه، وقد أطلقه في النساء
~~على كعب بن الأشرف وقال: سمي طاغوتا لإفراطه في الطغيان وعداوة رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم أو على التشبيه بالشيطان فلعله أراد لا يطلق على
~~غير الشيطان على الحقيقة، وكأنه جعل كعبا على الأول من الوجهين من
~~شياطين الإنس. وفي «الكشف» كأنه لما رآه مصدرا في الأصل منقولا إلى
~~العين كثير الاستعمال في الشيطان حكم بأنه حقيقة فيه بعد النقل مجاز في
~~الباقي لظهور العلاقة إما استعارة وإما نظر إلى تناسب المعنى. والذي يغلب
~~على الظن أن الطاغوت في الأصل مصدر نقل إلى البالغ الغاية في الطغيان
~~وتجاوز الحد، واستعماله في فرد من هذا المفهوم العام شيطانا كان أو غيره
~~يكون حقيقة ويكون مجازا على ما ms09268 قرروا في استعمال العام في فرد من أفراده
~~كاستعمال الإنسان في زيد، وشيوعه في الشيطان ليس إلا لكونه رأس الطاغين،
~~وفسره هنا بالشيطان مجاهد، ويجوز تفسيرها بالشياطين جمعا على ما سمعت عن
~~الراغب ويؤيده قراءة الحسن { اجتنبوا الطواغيت }.

# { أن يعبدوها } بدل اشتمال من الطاغوت وعبادة غير الله تعالى
~~عبادة للشيطان إذ هو الآمر بها والمزين لها، وإذا فسر الطاغوت بالأصنام
~~فالأمر ظاهر { وأنابوا إلى الله } وأقبلوا إليه سبحانه معرضين
~~عما سواه إقبالا كليا { لهم البشرى } بالثواب من الله تعالى
~~على ألسنة الرسل عليهم السلام أو الملائكة عند حضور الموت وحين يحشرون
~~وبعد ذلك. { فبشر عباد }.

### || [39.18]

# { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } مدح
~~لهم بأنهم نقاد في الدين يميزون بين الحسن والأحسن والفاضل والأفضل فإذا
~~اعترضهم أمران واجب وندب اختاروا الواجب وكذلك المباح والندب. / وقيل
~~يستمعون أوامر الله تعالى فيتبعون أحسنها نحو القصاص والعفو والانتصار
~~والإغضاء والإبداء والإخفاء لقوله تعالى:

# وأن تعفوا أقرب للتقوى

# [البقرة: 237]

# وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم

# [البقرة: 271] والفرق بين الوجهين أن هذا أخص لأنه مخصوص بأوامر فيها
~~تخيير بين راجح وأرجح كالعفو والقصاص مثلا كأنه قيل يتبعون أحسن القولين
~~الواردين في معين وفي الأول يتبعون الأحسن من القولين مطلقا كالإيجاب
~~بالنسبة إلى الندب مثلا. وعن الزجاج يستمعون القرآن وغيره فيتبعون
~~القرآن. وقيل يستمعون القول ممن كان فيتبعون أولاه بالقبول وأرشده إلى
~~الحق ويلزم من وصفهم بذلك أنهم يميزون القبيح من الحسن ويجتنبون القبيح.
~~وأريد بهؤلاء العباد الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم لئلا ينفك النظم فإن
~~قوله تعالى: { فبشر } مرتب على قوله سبحانه: { لهم البشرى }
~~ووضع الظاهر موضع الضمير ليشرفهم تعالى بالإضافة إليه ولتكرير بيان
~~الاستحقاق وليدل على أنهم نقادون حرصا على إثار الطاعة ومزيد القرب عند
~~الله تعالى وفيه تحقيق للإنابة وتتميم حسن. وقيل الوقف على { عباد }
~~فيكون { الذين } مبتدأ خبره جملة قوله تعالى:

# { أولئك الذين هداهم الله } أي لدينه، والكلام
~~استئناف بإعادة صفة من استؤنف عنه الحديث؛ وما تقدم أرجح لما سلف من
~~الفوائد ms09269 من إقامة الظاهر مقام المضمر والتتميم فإن ذلك دون الوصف لا يتم،
~~ولأن محرك السؤال المجاب بالجملة بعد قوله تعالى: { يتبعون
~~أحسنه } أقوى وذلك الأصل في حسن الاستئناف { وأولئك هم
~~أولوا الألباب } أي هم أصحاب العقول السليمة عن معارضة الوهم
~~ومنازعة الهوى المستحقون للهداية لا غيرهم. وفي الآية دلالة على حط قدر
~~التقليد المحض ولذا قيل:

# شمر وكن في أمور الدين مجتهدا

# ولا تكن مثل عير قيد فانقادا

# واستدل بها على أن الهداية تحصل بفعل الله تعالى وقبول النفس لها كما
~~ذهب إليه الأشاعرة.

### || [39.19]

# وقوله تعالى: { أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت
~~تنقذ من فى النار } بيان لأضداد المذكورين على طريقة الإجمال
~~وتسجيل عليهم بحرمان الهداية وهم عبدة الطاغوت ومتبعو خطواتها كما يلوح
~~به التعبير عنهم بمن حق عليه كلمة العذاب فإن المراد بتلك الكلمة قوله
~~تعالى:

# لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين

# [ص: 85] والآية على ما قيل نزلت في أبي جهل وأضرابه، والهمزة للإنكار
~~والفاء للعطف على مقدر ومن شرطية على ما ذهب إليه الحوفي وغيره وجواب
~~الشرط { فأنت تنقذ } الخ والهمزة قبله لاستطالة الكلام على نحو
~~قوله:

# لقد علم الحزب اليمانون أنني

# إذا قلت أما بعد أني خطيبها

# لأن دخول الهمزة في الجواب أو الشرط كاف تقول: أإن أكرمك تكرمه كما تقول
~~إن أكرمك أتكرمه ولا تكررها فيهما إلا للتأكيد لأن الجملتين أعني الشرط
~~والجزاء بعد دخول الأداة مفردان والاستفهام إنما يتوجه على مضامين الجمل
~~إذا كان المطلوب تصديقا والإنكار المفاد بالهمزة متعلق بمضمون المعطوف
~~والمعطوف عليه إلا أن المقصود في المعطوف إنكار الجزاء والتقدير أأنت
~~مالك أمر الناس قادر على التصرف فيه فمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه
~~على معنى لست أنت مالك أمر الناس ولا أنت تقدر على الإنقاذ بل المالك
~~والقادر على الإنقاذ هو الله عز وجل، وعدل عن فأنت تنقذه إلى ما في النظم
~~الكريم لمزيد تشديد الإنكار والاستبعاد مع ما فيه من الإشارة إلى أنه نزل
~~استحقاقهم للعذاب وهم في ms09270 الدنيا المشعر به الشرط / منزلة دخولهم النار
~~وأنه مثل حاله عليه الصلاة والسلام في المبالغة في تحصيل هدايتهم
~~والاجتهاد في دعائهم إلى الإيمان بحال من يريد أن ينقذ من في النار منها.

# وفي «الحواشي الخفاجية» نقلا عن السعد أن في هذه الآية استعارة لا
~~يعرفها إلا فرسان البيان وهي الاستعارة التمثيلية المكنية لأنه نزل ما
~~يدل عليه قوله تعالى: { أفمن } الخ من استحقاقهم العذاب وهم في
~~الدنيا منزلة دخولهم النار في الآخرة حتى يترتب عليه تنزيل بذله عليه
~~الصلاة والسلام جهده في دعائهم إلى الإيمان منزلة إنقاذهم من النار الذي
~~هو من ملائمات دخول النار ثم قال: وقد عرفت من مذهبه أن قرينة المكنية قد
~~تكون تحقيقية كما في نقض العهد انتهى فتأمل.

# وقيل: إن النار مجاز عن الضلال من باب إطلاق اسم المسبب على السبب
~~والإنقاذ بدل الهداية من ترشيح المجاز أو مجاز عن الدعاء للإيمان والطاعة
~~وليس بذاك، وجوز أن يكون الجزاء محذوفا وجملة { فأنت تنقذ } الخ
~~مستأنفة مقررة للجملة الأولى والتقدير أفمن حق عليه كلمة العذاب فأنت
~~تخلصه أفأنت تنقذ من في النار.

# ولا فرق بين الوجهين في أن الفاء في الأولى للعطف على محذوف ولا في كون
~~المعنى على تنزيل استحقاق العذاب وهم في الدنيا منزلة دخولهم النار
~~وتمثيل حاله عليه الصلاة والسلام في المبالغة في تحصيل هدايتهم بحال من
~~يريد أن ينقذ من في النار منها، نعم الكلام على الأول جملة وعلى الثاني
~~جملتان. واستظهر أبو حيان أن { من } موصولة مبتدأ والخبر محذوف، وحكى
~~أن منهم من يقدره يتأسف عليه ومنهم من يقدره يتخلص منه ومنهم من يقدره
~~فأنت تخلصه، ولا يخفى أن التقدير الأخير أولى، وذكر أن النحاة على أن
~~الفاء في مثل هذا التركيب للعطف وموضعها قبل الهمزة لكن قدمت الهمزة لأن
~~لها صدر الكلام وقال: إن القول بأن كلا منهما في مكانه قول انفرد به
~~الزمخشري فيما علمنا وفي «المغني» ترجيح القول بأن الهمزة مقدمة من تأخير
~~وعليه يقدر المعطوف عليه ما ms09271 أنت مالك أمرهم أو ما أخبر الله تعالى به
~~واقع لا محالة أو كل كافر مستحق للعذاب أو نحو ذلك مما يناسب المعنى
~~المراد.

### || [39.20]

# { لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها
~~غرف } استدراك بين ما يشبه النقيضين والضدين وهما المؤمنون والكافرون
~~وأحوالهما. والمراد بالذين اتقوا الموصوفون بما عدد من الصفات الفاضلة.
~~والغرف جمع غرفة وهي العلية أي لهم علالي كثيرة جليلة بعضها فوق بعض {
~~مبنية } قيل: هو كالتمهيد لقوله تعالى: { تجرى من تحتها }
~~أي من تحت تلك الغرف الفوقانيات والتحتانيات { الأنهر } أي مبنية
~~بناءا يتأتى معه جري الأنهار من تحتها وذلك على خلاف علالي الدنيا فيفيد
~~الوصف بذلك أنها سويت تسوية البناء على الأرض وجعلت سطحا واحدا يتأتى
~~معه جري الأنهار عليه على أن مياه الجنة لما كانت منحدرة من بطنان العرش
~~على ما في الحديث فهي أعلى من الغرف فلا عجب من جري الماء عليها فوقا
~~وتحتا لكن لا بد من وضع يتأتى معه الجري فالوصف المذكور لإفادة ذلك.

# وقال بعض الأجلة: الظاهر أن هذا الوصف تحقيق للحقيقة وبيان أن الغرف
~~ليست كالظلل حيث أريد بها المعنى المجازي على الاستعارة التهكمية. وقال
~~بعض فضلاء إخواننا المعاصرين: فائدة التوصيف بما ذكر الإشارة إلى رفعة
~~شأن الغرف حيث آذن أن الله تعالى بانيها وماذا عسى يقال في بناء بناه
~~الله جل وعلا؟ وأقول والله تعالى أعلم: وصفت الغرف بذلك للإشارة إلى أنها
~~مهيأة معدة لهم قد فرغ من أمرها كما هو ظاهر الوصف لا أنها تبنى يوم
~~القيامة لهم، وفي ذلك من تعظيم شأن المتقين ما فيه. وفي الآية على هذا رد
~~على المعتزلة وكأن / الزمخشري لذلك لم يحم حول هذا الوجه واقتصر على ما
~~حكيناه أولا مع أن ما قلناه أقرب منه فليحفظ.

# { وعد الله } مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله فإنه وعد أي وعد { لا
~~يخلف الله الميعاد } لما في خلفه من النقص المستحيل عليه عز
~~وجل.

### || [39.21]

# { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء } استئناف
~~وارد ms09272 إما لتمثيل الحياة الدنيا في سرعة الزوال وقرب الاضمحلال بما ذكر من
~~أحوال الزرع تحذيرا من الاغترار بزهرتها أو للاستشهاد على تحقق الموعود
~~من الأنهار الجارية من تحت الغرف بما يشاهد من إنزال الماء من السماء وما
~~يترتب عليه من آثار قدرته سبحانه وأحكام حكمته ورحمته. والمراد بالماء
~~المطر وبالسماء جهة العلو، وقيل: الأجرام العلوية وكون إنزال المطر منها
~~باعتبار أنه بأسباب ناشئة منها فإن تصاعد الأبخرة وتكون الغيوم بسبب جذب
~~الشمس واختلاف أوضاعها ونحو ذلك من الأسباب التي يعلمها الله تعالى، وأما
~~كون إنزال المطر نفسه من جرم السماء المعروفة نفسها فكثير ما يرتفع سحاب
~~ويمطر مطرا غزيرا وهناك من هو على ذروة جبل لا سحاب عنده ولا مطر
~~والتزام أن المطر في ذلك نازل من جرم السماء أيضا على السحاب لكن لا
~~يشاهده من هو مشرف على السحاب وواقف فوق الجبل لا يخفى حاله. وقيل:
~~المراد بالماء كل ماء في الأرض، والمراد بالإنزال المذكور الإنزال في
~~مبدأ الخليقة وذلك أنه عز وجل لما خلق الأرض خلقها خالية من الماء فأنزل
~~من بحر تحت العرش ماء.

# { فسلكه } فأدخله { ينابيع فى الارض } أي في ينابيع أي
~~عيون ومجاري كائنة في الأرض كالعروق في الأجساد فعلى الأول: يقتضي ظاهر
~~الآية أن ماء العيون والقنوات من ماء المطر وعلى الثاني: ليس منه. وشاع
~~عن الفلاسفة أن ماء العيون وما جري مجراها من الأبخرة قالوا: إن البخار
~~إذا احتبس في الأرض يميل إلى جهة وتبرد بها فتنقلب مياه مختلطة بأجزاء
~~بخارية فإذا كثر بحيث لا تسعه الأرض أوجب انشقاقها فانفجر منها العيون،
~~ورده أبو البركات البغدادي فقال في «المعتبر»: السبب في العيون وما يجري
~~مجراها هو ما يسيل من الثلوج ومياه الأمطار لأنا نجدها تزيد بزيادتها
~~وتنقص بنقصانها وأن استحالة الأهوية والأبخرة المنحصرة في الأرض لا مدخل
~~لها في ذلك فإن باطن الأرض في الصيف أشد بردا منه في الشتاء فلو كان سبب
~~هذه استحالتها لوجب أن تكون العيون والقنوات ومياه الآبار في ms09273 الصيف أزيد
~~وفي الشتاء أنقص مع أن الأمر بخلاف ذلك على ما دلت عليه التجربة. وقال
~~الميبدي: الحق أن السبب الذي ذكره صاحب «المعتبر» معتبر لا محالة إلا أنه
~~غير مانع من اعتبار السبب الذي ذكر يعني ما شاع، واحتجاجه في المنع إنما
~~يدل على أنه لا يجوز أن يكون ذلك هو السبب التام لا على أنه لا يجوز أن
~~يكون ذلك سببا في الجملة اه.

# وفي «شرح المواقف» اختلفوا في أن المياه متولدة من أجزاء مائية متفرقة
~~في عمق الأرض إذا اجتمعت أو من الهواء البخاري الذي ينقلب ماء.

# وهذا الثاني وإن كان ممكنا إلا أن الأول أولى لأن مياه العيون والقنوات
~~والآبار تزيد بزيادة الثلوج والأمطار، والأولى عندي أن يحمل الماء في
~~الآية على المطر ونحوه من الثلج، والآية تدل على أن ذلك الماء يسلكه الله
~~تعالى في ينابيع في الأرض ولا تدل على أن ما في الينابيع ليس إلا ذلك
~~الماء فيجوز أن يكون بعض ما فيها هو الماء المنزل من السماء والبعض الآخر
~~حادثا من الهواء البخاري بانقلابه ماء بأسباب يعلمها الله عز وجل، وحمل
~~الإنزال على الإنزال في مبدأ الخليقة على ما سمعت مع كونه مما لم أقف /
~~على خبر صحيح يقتضيه خلاف الظاهر في الآية جدا لأن الخطاب في { ألم
~~تر } عام ولا يتأتى العموم في رؤية ذلك، وكأنه يتعين عليه جعل الخطاب
~~خاصا بسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم والمراد ألم تعلم ذلك بالوحي
~~ومع ذلك لا يخفى حال حمل الآية على ما ذكر، وقريب مما قيل ما حكاه
~~الزمخشري في الآية عن بعض من أن كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها
~~إلى الصخرة ثم يقسمه الله تعالى بين البقاع، هذا لكن يعكر على ما اخترناه
~~ظاهر ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في الآية: ليس في الأرض
~~ماء إلا ما أنزل الله تعالى من السماء ولكن عروق في الأرض تغيره فمن سره
~~أن يعود الملح ms09274 عذبا فليصعد. وأخرج نحوه عن سعيد بن جبير والشعبي، فإن
~~صح هذا الخبر وقلنا إنه في حكم المرفوع فما علينا إذا قلنا بظاهره فالعقل
~~لا يأباه والله تعالى على كل شيء قدير.

# هذا وجوز أن تكون الينابيع جمع ينبوع بمعنى النابع فإنه كما يطلق على
~~المنبع يطلق على ما ذكر وحينئذ تكون منصوبة على الحال، والمعنى فسلكه
~~مياها نابعة في الأرض، ولا يخلو من الكدر لأنه لو قصد هذا كان الظاهر أن
~~يقال من الأرض وعلى ما هو المشهور يكون { ينابيع } منصوبا بنزع
~~الخافض كما أشرنا إليه. واحتمال كونه منصوبا على المصدرية في إطلاقيه
~~بأن يكون الأصل فسلكه سلوكا في ينابيع أي مجاري فحذف المصدر وأقيم ما هو
~~في موضع الصفة مقامه أو يكون الأصل فسلكه سلوك ينابيع أي مياه نابعة فحذف
~~المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه بعيد كما لا يخفى.

# { ثم يخرج به } أي بواسطته مراعاة للحكمة لا لتوقف الإخراج
~~عليه في نفس الأمر، وقالت الأشاعرة: أي يخرج عنده بلا مدخلية له بوجه من
~~الوجوه سوى المقارنة { زرعا مختلفا ألوانه } أي أنواعه
~~وأصنافه من بر وشعير وغيرهما أو كيفياته المدركة بالبصر من خضرة وحمرة
~~وغيرهما أو كيفياته مطلقا من الألوان والطعوم وغيرهما على ما قيل، وشمل
~~الزرع المقتات وغيره.

# وثم للتراخي في الرتبة أو الزمان، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة.

# { ثم يهيج } ييبس، وظاهر كلام أهل اللغة أن هذا معنى حقيقي
~~للهيجان، ويفهم من كلام بعض المفسرين أن يهيج بمعنى يثور واستعماله بمعنى
~~ييبس من مجاز المشارفة لأن الزرع إذا يبس وتم جفافه يشرف على أن يثور
~~ويذهب من منابته { فتراه مصفرا } من بعد خضرته ونضارته. وقرىء
~~{ مصفارا }  { ثم يجعله حطما } فتاتا متكسرا كأن لم يغن
~~بالأمس، ولكون هذه الحالة من الآثار القوية علقت بجعل الله تعالى
~~كالإخراج. وقرأ أبو بشر { ثم يجعله } بالنصب قال صاحب «الكامل»: وهو
~~ضعيف ولم يبين وجه النصب، وكأنه إضمار أن كما في قوله:

# إني وقتلي سليكا ثم أعقله

# ولا يخفى وجه ضعفه هنا.

# { إن ms09275 فى ذلك } إشارة إلى ما ذكر تفصيلا، وما فيه من معنى البعد
~~للإيذان ببعد منزلته في الغرابة والدلالة على ما قصد بيانه { لذكرى }
~~لتذكيرا عظيما { لأولى الألبب } لأصحاب العقول الخالصة عن
~~شوائب الخلل وتنبيها لهم على حقيقة الحال يتذكرون بذلك حال الحياة
~~الدنيا وسرعة تقضيها فلا يغترون ببهجتها ولا يفتنون بفتنتها أو يجزمون
~~بأن من قدر على إنزال الماء من السماء والتصرف به على أتم وجه قادر على
~~إجراء الأنهار من تحت تلك الغرف، وكأن الأول أولى ليكون ما تقدم ترغيبا
~~في الآخرة وهذا تنفيرا عن الدنيا، وقيل المعنى إن في ذلك لتذكيرا
~~وتنبيها على أنه لا بد لذلك من صانع حكيم وأنه كائن على تقدير وتدبير لا
~~عن تعطيل وإهمال وهو بمعزل عما يقتضيه / السياق على أن الأنسب بإرادة ذلك
~~ذكر الآثار غير مسندة إليه عز وجل فحيث ذكرت مسندة إليه سبحانه فالظاهر
~~أن يكون متعلق التذكير والتنبيه شؤونه تعالى أو شؤون آثاره حسبما أشير
~~إليه لا وجوده جل وعلا.

### || [39.22]

# وقوله تعالى: { أفمن شرح الله صدره للإسلم } الخ
~~استئناف جار مجرى التعليل لما قبله من تخصيص الذكرى بأولي الألباب.
~~والشرح في الأصل البسط والمد للحم ونحوه ويكنى به عن التوسيع، وتجوز به
~~هنا عن خلق النفس الناطقة مستعدة استعدادا تاما للقبول بجامع عدم
~~التأبي عن القبول وسهولة الحصول وذلك بعد التجوز في الصدر، وإرادة النفس
~~الناطقة منه من حيث إنه محل للقلب وفي تجويفه بخار لطيف يتكون من صفوة
~~الأغذية وبه تتعلق النفس أولا وبواسطته تتعلق بسائر البدن تعلق التدبير
~~والتصريف، وتلك النفس هي التي تتصف بالإسلام والإيمان. وجعل بعض الأجلة
~~شرح الله صدره استعارة تمثيلية، والهمزة للإنكار داخلة على محذوف على أحد
~~القولين المارين آنفا، والفاء للعطف على ذلك المحذوف. وخبر (من) محذوف
~~لدلالة ما بعده عليه والتقدير أكل الناس سواء فمن شرح الله تعالى صدره
~~وخلقه مستعدا للإسلام فبقي على الفطرة الأصلية ولم تتغير بالعوارض
~~المكتسبة القادحة فيها

# { فهو } بموجب ذلك مستقر { على نور } عظيم { من ms09276 ربه } وهو
~~اللطف الإلهي المشرق عليه من بروج الرحمة عند مشاهدة الآيات التكوينية
~~والتنزيلية والتوفيق للإهتداء بها إلى الحق كمن قسا قلبه وحرج صدره
~~بتبديل فطرة الله تعالى بسوء اختياره واستولى عليه ظلمات الغي والضلال
~~فأعرض عن تلك الآيات بالكلية حتى لا يتذكر بها ولا يغتنمها، وعدل عن
~~فعنده أو فله نور إلى ما في النظم الجليل للدلالة على استمرار ذلك
~~واستقراره في النور وهو مستعار للطف والتوفيق للاهتداء، وقد يقال: هو أمر
~~إلهي غير اللطف والتوفيق يدرك به الحق؛ وجاء برواية الثعلبي في
~~«تفسيره» والحاكم في «مستدركه» والبيهقي في «شعب الإيمان» وابن مردويه عن
~~ابن مسعود أنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {
~~أفمن شرح الله صدره } الخ فقلنا: يا رسول الله كيف انشراح
~~الصدر؟ قال: إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح قلنا: فما علامة ذلك يا
~~رسول الله؟ فقال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب
~~للموت قبل نزوله.

# واستشكل ذلك بأن ظاهر الآية ترتب دخول النور على الانشرح، لأنه
~~الاستعداد لقبوله وما في الحديث الشريف عكسه والظاهر أن السؤال عما في
~~الآية وأن الجواب بيان لكيفيته. وأجيب بأن الإهتداء له مراتب بعضها مقدم
~~وبعضها مؤخر وانشراح الصدر بحسب الفطرة والخلق وبحسب ما يطرأ عليه بعد
~~فيض الألطاف عليه وبينهما تلازم، والمراد بانشراح الصدر في الحديث ما
~~يكون بعد التمكن فيه، وفي الآية ما تقدم وقس عليه النور، والجواب من قبيل
~~الأسلوب الحكيم فتأمل.

# { فويل للقسية قلوبهم من ذكر الله } أي من أجل
~~ذكره سبحانه الذي حقه أن تلين منه القلوب أي إذا ذكر الله تعالى عندهم أو
~~آياته عز وجل اشمأزوا من ذلك وزادت قلوبهم قساوة.

# وقرىء { عن ذكر الله } والمتواترة أبلغ لأن القاسي من أجل الشيء أشد
~~تأبيا من قبوله من القاسي عنه بسبب آخر، وللمبالغة في وصف أولئك بالقبول
~~وهؤلاء بالامتناع ذكر شرح الصدر لأن توسعته وجعله محلا للإسلام دون
~~القلب الذي فيه يدل على شدته وإفراط كثرته التي ms09277 فاضت حتى ملأت الصدر
~~فضلا عن القلب، وإسناده إلى الله تعالى الظاهر / في أنه على أتم الوجوه
~~لأنه فعل قادر حكيم وقابله بالقساوة مع أن مقتضى المقابلة أن يعبر بالضيق
~~لأن القساوة كما في الصخرة الصماء تقتضي عدم قبول شيء بخلاف الضيق فإنه
~~مشعر بقبول شيء قليل، وعدل عن التعبير بما يفيد مجعولية القساوة له تعالى
~~وخلقه إياها للإشارة إلى غاية لزومها لهم حتى كأنها لو لم تجعل لتحققت
~~فيهم بمقتضى ذواتهم، وأما إسنادها إلى القلوب دون الصدور فللتنصيص على
~~فساد هذا العضو الذي إذا فسد فسد الجسد كله، واعتبر الجمع في هؤلاء
~~الكفرة والإفراد في أولئك المؤمنين حيث قال سبحانه: { أفمن شرح
~~الله صدره } دون أفمن شرح الله صدورهم للإشارة إلى أن المؤمنين
~~وإن تعددوا كرجل واحد ولا كذلك الكفار.

# { أولئك } البعداء المتصفون بما ذكر من قساوة القلوب { فى
~~ضلل مبين } ظاهر كونه ضلالا لكل أحد. والآية نزلت في علي وحمزة
~~رضي الله تعالى عنها وأبي لهب وابنه، فعلي كرم الله تعالى وجهه وحمزة رشي
~~الله تعالى عنه ممن شرح الله تعالى صدره للإسلام وأبو لهب وابنه من
~~القاسية قلوبهم.

### || [39.23]

# { الله نزل أحسن الحديث } هو القرآن الكريم، وكونه
~~حديثا بمعنى كونه كلاما محدثا به لا بمعنى كونه مقابلا للقديم، ومن
~~قال بالتلازم من الأشاعرة القائلين بحدوث الكلام اللفظي جعل الأوصاف
~~الدالة على الحدوث لذلك الكلام، وجوز أن يكون إطلاق الحديث هنا على
~~القرآن من باب المشاكلة. عن ابن عباس أن قوما من الصحابة قالوا: يا رسول
~~الله حدثنا بأحاديث حسان وبأخبار الدهر فنزلت، وعن ابن مسعود أن الصحابة
~~ملوا ملة فقالوا له عليه الصلاة والسلام حدثنا فنزلت أي إرشادا لهم إلى
~~ما يزيل مللهم وهو تلاوة القرآن واستماعه منه صلى الله عليه وسلم غضا
~~طريا. وفي إيقاع اسم الله تعالى مبتدأ وبناء { نزل } عليه تفخيم
~~لأحسن الحديث واستشهاد على أحسنيته وتأكيد لاستناده إلى الله عز وجل وأن
~~مثله لا يمكن أن يتكلم به غيره سبحانه، أما التفخيم فلأنه ms09278 من باب الخليفة
~~عند فلان، وأما الاستشهاد على أحسنيته فلكونه ممن لا يتصور أكمل منه بل
~~لا كمال لشيء ما في جنبه بوجه، وأما توكيد الاستناد إليه تعالى فمن
~~التقوى، وأما أن مثله لا يمكن أن يتكلم به غيره سبحانه فلمكان التناسب
~~لأن أكمل الحديث إنما يكون من أكمل متكلم ضرورة، ومذهب الزمخشري أن مثل
~~هذا التركيب يفيد الحصر وأنه لا تنافي بينه وبين التقوى جمعا فافهم.

# { كتبا } بدل من { أحسن الحديث } أو حال منه كما قال
~~الزمخشري، وليس مبنيا على القول بأن إضافة أفعل التفضيل تفيده تعريفا
~~كما ظن أبو حيان فإن مطلق الإضافة كافية في صحة الحالية كما لا يخفى على
~~من له أدنى إلمام بالعربية. ووقوعه حالا مع كونه اسما لا صفة إما لوصفه
~~بقوله تعالى: { متشبها } أو لكونه في قوة مكتوبا. والمراد بكونه
~~متشابها هنا تشابه معانيه في الصحة والإحكام والابتناء على الحق والصدق
~~واستتباع منافع الخلق في المعاد والمعاش وتناسب ألفاظه في الفصاحة وتجاوب
~~نظمه في الإعجاز، وما أشبه هذا بقول العرب في الوجه الكامل حسنا وجه
~~متناصف كأن بعضه أنصف بعضا في القسط من الجمال.

# وقوله تعالى: { مثاني } صفة أخرى لكتابا أو حال أخرى منه. وهو جمع
~~مثنى بضم الميم وفتح النون المشددة على خلاف القياس إذ قياسه مثنيات
~~بمعنى مردد ومكرر لما كرر وثنى من أحكامه ومواعظه وقصصه، وقيل: لأنه يثنى
~~في التلاوة. وجوز أن يكون جمع مثنى بالفتح مخففا من التثنية بمعنى
~~التكرير والإعادة كما كان قوله تعالى:

# ثم ارجع البصر كرتين

# [الملك: 4] بمعنى كرة بعد كرة وكذلك «لبيك وسعديك»، والمراد أنه جمع
~~لمعنى التكرير والإعادة كما ثنى ما ذكر لذلك لكن استعمال المثنى في هذا
~~المعنى أكثر لأنه أول مراتب التكرار، ويحتمل أن يراد أن مثنى بمعنى
~~التكرير والإعادة كما أن صريح المثنى كذلك في نحو { كرتين } ثم جمع
~~للمبالغة، وقيل: جمع مثنية لاشتماله آياته على الثناء على الله تعالى أو
~~لأنها تثني ببلاغتها وإعجازها على المتكلم بها، ولا يخفى أن ms09279 رعاية
~~المناسبة مع { متشبها } تجعل ذلك مرجوحا وأنه حسن إذا حمل على
~~الثناء باعتبار الإعجاز.

# وفي «الكشف» الأقيس بحسب اللفظ أن { مثاني } اشتقت من الثناء أو
~~الثني جمع مثنى مفعل منهما إما بمعنى المصدر جمع لما صير صفة أو بمعنى
~~المكان في الأصل نقل إلى الوصف مبالغة نحو أرض مأسدة لأن محل الثناء يقع
~~على سبيل المجاز على الثاني والمثنى عليه وكذلك محل الثني انتهى.

# ووقوعه صفة لكتاب باعتبار تفاصيله وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير ألا
~~تراك تقول: القرآن أسباع وأخماس وسور وآيات فكذلك تقول: هو أحكام ومواعظ
~~وأقاصيص مثاني ونظيره قولك الإنسان عروق وعظام وأعصاب إلا أنك تركت
~~الموصوف إلى الصفة والأصل كتابا متشابها فصولا مثاني، ويجوز أن يكون
~~تمييزا محولا عن الفاعل والأصل متشابها مثانيه فحول ونكر لأن الأكثر
~~فيه التنكير وهذا كقولك: رأيت رجلا حسنا شمائل.

# وقرأ هشام وأبو بشر { مثاني } بسكون الياء فاحتمل أن يكون خبر مبتدأ
~~محذوف وأن يكون منصوبا وسكن الياء على لغة من يسكنها في كل الأحوال
~~لانكسار ما قبلها استثقالا للحركة عليها.

# وقوله تعالى: { تقشعر منه جلود الذين يخشون
~~ربهم } قيل صفة لكتابا أو حال منه لتخصصه بالصفة، وقال بعض: الأظهر
~~أنه استئناف مسوق لبيان آثاره الظاهرة في سامعيه بعد بيان أوصافه في نفسه
~~ولتقرير كونه أحسن الحديث. والاقشعرار التقبض يقال اقشعر الجلد إذا تقبض
~~تقبضا شديدا وتركيبه من القشع وهو الأديم اليابس قد ضم إليه الراء
~~ليكون رباعيا ودالا على معنى زائد يقال: اقشعر جلده وقف شعره إذا
~~عرض له خوف شديد من أمر هائل دهمه بغتة، والمراد تصوير خوفهم بذكر لوازمه
~~المحسومة ويطلق عليه التمثيل وإن كان من باب الكناية. وقيل: هو تصوير
~~للخوف بذكر آثارها وتشبيه حالة بحالة فيكون تمثيلا حقيقة، والأول أحسن
~~لأن تشبيه القصة بالقصة على سبيل الاستعارة ههنا لا يخلو عن تكلف.
~~واستظهر كون المراد بيان حصول تلك الحالة وعروضها لهم بطريق التحقيق،
~~والمعنى أنهم إذا سمعوا القرآن وقوارع آيات وعيده أصابتهم رهبة وخشية
~~تقشعر ms09280 منها جلودهم وإذا ذكروا رحمة لله تعالى عند سماع آيات وعده تعالى
~~وألطافه تبدلت خشيتهم رجاء ورهبتهم رغبة وذلك قوله تعالى: { ثم
~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } أي ساكنة
~~مطمئنة إلى ذكر رحمته تعالى، وإنما لم يصرح بالرحمة إيذانا بأنها أول ما
~~يخطر بالبال عند ذكره تعالى لأصالتها كما يرشد إليه خبر «سبقت رحمتي
~~غضبي»، وذكر القلوب لتقدم الخشية التي هي من عوارضها ولعله إنما لم تذكر
~~هناك على طرز ذكرها هنا لأنها لا توصف بالاقشعرار وتوصف باللين، وليس في
~~الآية أكثر من نعت أوليائه باقشعرار الجلود من القرآن ثم سكونهم إلى
~~رحمته عز وجل، وليس فيها نعتهم بالصعق والتواجد والصفق كما يفعله بعض
~~الناس، أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم وابن
~~عساكر عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء كيف كان يصنع
~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرؤا القرآن؟ قالت: كانوا كما
~~نعتهم الله تعالى تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم قلت: فإن ناسا ههنا إذا
~~سمعوا ذلك تأخذهم غشية قالت: أعوذ بالله تعالى من الشيطان، وأخرج الزبير
~~بن بكار في / «الموفقيات» عن عامر عن عبد الله بن الزبير قال: جئت أمي
~~فقلت وجدت قوما ما رأيت خيرا منهم قط يذكرون الله تعالى فيرعد أحدهم
~~حتى يغشى عليه من خشية الله تعالى فقالت: لا تقعد معهم ثم قالت: رأيت
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان
~~القرآن فلا يصيبهم هذا أفتراهم أخشى من أبي بكر وعمر؟ وقال ابن عمر وقد
~~رأى ساقطا من سماع القرآن فقال إنا لنخشى الله تعالى وما نسقط؟ هؤلاء
~~يدخل الشيطان في جوف أحدهم، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر
~~عن قتادة أنه قال في الآية هذا نعت أولياء الله تعالى قال: تقشعر جلودهم
~~وتبكي أعينهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله تعالى ولم ينعتهم الله سبحانه
~~بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما هذا في أهل البدع وإنما ms09281 هو من الشيطان،
~~وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن جبير: قال الصعقة من الشيطان، وقال ابن
~~سيرين: بيننا وبين هؤلاء الذين يصرعون عند قراءة القرآن أن يجعل أحدهم
~~على حائط باسطا رجليه ثم يقرأ عليهم القرآن كله فإن رمى بنفسه فهو صادق،
~~فهذه أخبار ناعية على بعض المتصوفة صعقهم وتواجدهم وضرب رؤسهم الأرض عند
~~سماع القرآن ويقول مشايخهم: إن ذلك لضعف القلوب عن تحمل الوارد وليس
~~فاعلو ذلك في الكمال كالصحابة أهل الصدر الأول في قوة التحمل فما هو إلا
~~دليل النقص بدليل أن السالك إذا كمل رسخ وقوي قلبه ولم يصدر منه شيء من
~~ذلك ويقولون: ليس في الآية أكثر من إثبات الإقشعرار واللين وليس فيها نفي
~~أن يعتريهم حال آخر بل في الآية إشعار بأن المذكور حال الراسخين الكاملين
~~حيث قال سبحانه: { الذين يخشون ربهم } فعبر بالموصول ومقتضى
~~معلومية الصلة أن لهم رسوخا في الخشية حتى يعلموا بها فلا يلزم من كون
~~حالهم ما ذكر ليس إلا على فرض دلالتها على الحصر كون حال غيرهم كذلك ثم
~~إنه متى كان الأمر ضروريا كالعطاس لا اعتراض على من يتصف به، وفي كلام
~~ابن سيرين ما يؤيد ذلك، وهذا غاية ما يقال في هذا المجال ونحن نسأل الله
~~تعالى أن يتفضل علينا بما تفضل به على أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم.

# { ذلك هدى الله } الإشارة إلى الكتاب الذي شرح أحواله { يهدى
~~به من يشاء } أي من يشاء الله تعالى هدايته بأن يوفقه سبحانه للتأمل
~~فيما في تضاعيفه من شواهد الحقية ودلائل كونه من عنده عز وجل، وجوز أن
~~يكون ضمير { يشاء } لمن والمعنى يهدي به الله تعالى من يشاء هداية الله
~~تعالى وليس بذاك. { ومن يضلل الله } أي يخلق سبحانه فيه الضلال
~~لإعراضه عما يرشده إلى الحق بسوء استعداده { فما له من هاد }
~~يخلصه من ورطة الضلال. وقيل: الإشارة بذلك إلى المذكور من الاقشعرار
~~واللين والمعنى ذلك ذكر من الخشية والرجاء أثر هداه تعالى يهدي بذلك
~~الأثر من يشاء ms09282 من عباده ومن يضلله أي ومن لم يؤثر فيه لقسوة قلبه وإصراره
~~على فجوره فما له من هاد أي من مؤثر فيه بشيء قط وهو كما ترى.

### || [39.24]

# { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيمة }
~~استئناف جار مجرى التعليل لما قبله من تباين حال المهتدي والضال. والكلام
~~في الهمزة والفاء والخبر كالذي مر في نظائره، ويقال هنا على أحد القولين:
~~التقدير أكل الناس سواء فمن شأنه أن يتقي بوجهه الذي هو أشرف أعضائه يوم
~~القيامة العذاب السيء الشديد لكون يده التي بها كان يتقي المكاره مغلولة
~~إلى عنقه كمن هو آمن لا يعتريه مكروه ولا يحتاج إلى الاتقاء بوجه من
~~الوجوه فالوجه على حقيقته وقد يحمل على ذلك من غير حاجة إلى حديث كون
~~اليد مغلولة تصويرا لكمال اتقائه وجده فيه وهو أبلغ، وفي هذا المضمار
~~يجري قول الشاعر:

# / يلقى السيوف بوجهه وبنحره

# ويقيم هامته مقام المغفر

# وجوز أن يكون الوجه بمعنى الجملة والمبالغة عليه دون المبالغة فيما
~~قبله. وقيل: الاتقاء بالوجه كناية عن عدم ما يتقي به إذ الاتقاء بالوجه
~~لا وجه له لأنه مما لا يتقى به، ولا يخلو عن خدش. وإضافة سوء إلى العذاب
~~من إضافة الصفة إلى الموصوف و { يوم القيمة } معمول { يتقي
~~} كما أشرنا إلى ذلك. وجوز أن يكون من تتمة سوء العذاب، والمعنى أفمن
~~يتقي عذاب يوم القيامة كالمصر على كفره، وهو وجه حسن والوجه حينئذ كما في
~~الوجه السابق إما الجملة مبالغة في تقواه وإما على الحقيقة تصويرا لكمال
~~تقواه وجده فيها وهو أبلغ. والمتبادر إلى الذهن المعنى السابق. والآية
~~قيل نزلت في أبي جهل.

# { وقيل للظلمين } عطف على { يتقي } أي ويقال لهم من جهة
~~خزنة النار. وصيغة الماضي للدلالة على التحقيق والتقرر. وقيل الواو للحال
~~والجملة حال من ضمير { يتقى } بإضمار قد أو بدونه. ووضع المظهر موضع
~~المضمر للتسجيل عليهم بالظلم والإشعار بعلة الأمر في قوله تعالى: {
~~ذوقوا ما كنتم تكسبون } أي وبال ما كنتم تكسبون في الدنيا
~~على الدوام من الكفر ms09283 والمعاصي.

### || [39.25]

# { كذب الذين من قبلهم } استئناف مسوق لبيان ما أصاب بعض
~~الكفرة من العذاب الدنيوي إثر بيان ما يصيب الكل من العذاب الأخروي أي
~~كذب الذين من قبلهم من الأمم السالفة { فأتهم العذاب }
~~المقدر لكل أمة منهم { من حيث لا يشعرون } من الجهة التي لا
~~يحتسبون ولا يخطر ببالهم إتيانه منها لأن ذلك أشد على النفس.

### || [39.26]

# { فأذاقهم الله الخزى } أي الذل والصغار { في الحياة
~~الدنيا } كالمسخ والخسف والقتل والسبي والإجلاء وغير ذلك من فنون
~~النكال. والفاء تفسيرية مثلها في قوله تعالى:

# فاستجبنا له فنجينه

# [الأنبياء: 76] { ولعذاب الأخرة } المعد لهم { أكبر }
~~لشدته وسرمديته { لو كانوا يعلمون } أي لو كانوا من شأنهم أن
~~يعلموا شيئا لعلموا ذلك واعتبروا به.

### || [39.27]

# { ولقد ضربنا للناس فى هذا القرءان } العظيم الشأن
~~{ من كل مثل } يحتاج إليه الناظر في أمور دينه { لعلهم
~~يتذكرون } أي كي يتذكروا ويتعظوا أو مرجوا تذكرهم واتعاظهم،
~~والرجاء بالنسبة إلى غيره تعالى والتعليل أظهر.

### || [39.28]

# { قرءانا عربيا } حال من { هذا } والاعتماد فيها على الصفة
~~أعني { عربيا } وإلا فقرآنا جامدا لا يصلح للحالية وهو أيضا عين
~~ذي الحال فلا يظهر حاله فالحال في الحقيقة { عربيا } و { قرءانا
~~} للتمهيد ونظيره جاء زيد رجلا صالحا، قيل وذلك بمنزلة عربيا محققا.
~~وجوز أن يكون منصوبا بمقدر تقديره أعني أو أخص أو أمدح ونحوه، وأن يكون
~~مفعول { يتذكرون } وهو كما ترى.

# { غير ذى عوج } لا اختلال فيه بوجه من الوجوه وهو أبلغ من مستقيم
~~لأن عوجا نكرة وقعت في سياق النفي لما في غير من معناه، والاستقامة يجوز
~~أن تكون من وجه دون وجه ونفي مصاحبة العوج عنه يقتضي نفي اتصافه به
~~بالطريق الأولى فهو أبلغ من غير معوج. والعوج بالكسر يقال فيما يدرك بفكر
~~وبصيرة والعوج بالفتح يقال فيما يدرك بالحس، وعبر بالأول ليدل على أنه
~~بلغ إلى حد لا يدرك العقل فيه عوجا فضلا عن الحس، وتمام الكلام مر في
~~الكهف. وقيل المراد بالعوج الشك واللبس، وروي ذلك عن مجاهد وأنشدوا قول
~~الشاعر: ms09284

# وقد أتاك يقين غير ذي عوج

# من الإله وقول غير مكذوب

# ولا استدلال به على أن العوج بمعنى الشك لأن عوج اليقين هو الشك لا
~~محالة، والقول في وجه الاستدلال أن الشاعر فهم هذا المعنى من الآية لأنه
~~اقتباس وإذا فهمه الفصيح مع صحة التجوز كان محملا تعسف ظاهر لأنه لم
~~يتبين أنه اقتبسه منها ولو سلم يكون محتملا لما يحتمله العوج في النظم
~~الذي لا عوج فيه، وقد يقال: مراد من قال أي لا لبس فيه ولا شك نفي بعض
~~أنواع الاختلال، وعلى ذلك ما روى عن عثمان بن عفان من أنه قال: أي غير
~~مضطرب ولا متناقض وما قيل أي غير ذي لحن. وأخرج الديلمي في «مسند
~~الفردوس» عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { غير ذى
~~عوج } غير مخلوق ولعله إن صح الخبر تفسير باللازم فتأمل.

# { لعلهم يتقون } علة أخرى مترتبة على الأولى.

### || [39.29]

# { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشكسون }
~~إيراد لمثل من الأمثال القرآنية بعد بيان أن الحكمة في ضربها هو التذكر
~~والاتعاظ بها وتحصيل التقوى، والمراد بضرب المثل ههنا تطبيق حالة عجيبة
~~بأخرى مثلها وجعلها مثلها. و { مثلا } مفعول ثان لضرب و { رجلا }
~~مفعوله الأول أخر عن الثاني للتشويق إليه وليتصل به ما هو من تتمته التي
~~هي العمدة في التمثيل أو { مثلا } مفعول ضرب و { رجلا } الخ بدل
~~منه بدل منه بدل كل من كل. وقال الكسائي: انتصب { رجلا } على إسقاط
~~الخافض أي مثلا في رجل وقيل غير ذلك وقد تقدم الكلام في نظيره.

# و { فيه } خبر مقدم و { شركاء } مبتدأ و { متشكسون } صفته
~~والنكرة وإن وصفت يحسن تقديم خبرها. والجملة صفة { رجلا } والرابط
~~الهاء أو الجار والمجرور في موضع الصفة له و { شركاء } مرتفع به على
~~الفاعلية لاعتماده على الموصوف، وقيل { فيه } صلة شركاء وهو مبتدأ خبره
~~متشاكسون، وفيه أنه ليس لتقديمه نكتة ظاهرة. والمعنى ضرب الله تعالى
~~مثلا للمشرك حسبما يقول إليه مذهبه من ادعاء كل من معبوديه ms09285 عبوديته
~~عبدا يتشارك فيه جماعة متشاجرون لشكاسة أخلاقهم وسوء طبائعهم يتجاذبونه
~~ويتعاورونه في مهماتهم المتباينة في تحيره وتوزع قلبه. { ورجلا } أي
~~وضرب للموحد مثلا رجلا { سلما } أي خالصا { لرجل } فرد ليس
~~لغيره سبيل إليه أصلا فهو في راحة عن التحير وتوزع القلب وضرب الرجل
~~مثلا لأنه أفطن لما شقي به أو سعد فإن الصبي والمرأة قد يغفلان عن ذلك.

# وقرأ عبد الله وابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة الزهري والحسن بخلاف عنه
~~والجحدري وابن كثير وأبو عمرو { سالما } اسم فاعل من سلم أي خالصا له
~~من الشركة. وقرأ ابن جبير { سلما } بكسر السين وسكون اللام، وقرىء {
~~سلما } بفتح فسكون وهما مصدران وصف بهما مبالغة في الخلوص من الشركة.
~~وقرىء { ورجل سالم } برفعهما أي وهناك رجل سالم، وجوز أن لا يقدر شيء
~~ويكون رجل مبتدأ وسالم خبره لأنه موضع تفصيل إذ قد تقدم ما يدل عليه
~~فيكون كقول امرىء القيس:

# إذ ما بكى من خلفها انحرفت له

# بشق وشق عندنا لم يحول

# وقوله تعالى: { هل يستويان مثلا } إنكار واستبعاد لاستوائهما
~~ونفي له على أبلغ وجه وآكده وإيذان بأن ذلك من الجلاء والظهور بحيث لا
~~يقدر أحد أن يتفوه باستوائهما أو يتلعثم في الحكم بتباينهما ضرورة / أن
~~أحدهما في لوم وعناء والآخر في راحة بال ورضاء، وقيل ضرورة أن أحدهما في
~~أعلى عليين والآخر في أسفل سافلين، وأيا ما كان فالسر في إبهام الفاضل
~~والمفضول الإشارة إلى كمال الظهور عند من له أدنى شعور.

# وانتصاب { مثلا } على التمييز المحول عن الفاعل إذ التقدير هل يستوي
~~مثلهما وحالهما، والاقتصار في التمييز على الواحد لبيان الجنس والاقتصار
~~عليه أولا في قوله تعالى: { ضرب الله مثلا } وقرىء { مثلين }
~~أي هل يستوي مثلاهما وحالاهما، وثني مع أن المقصود من التمييز حاصل
~~بالإفراد من غير لبس لقصد الإشعار بمعنى زائد وهو اختلاف النوع، وجوز أن
~~يكون ضمير { يستويان } للمثلين لأن التقدير فيما سبق مثل رجل ومثل
~~رجل أي هل يستوي المثلان مثلين وهو على نحو كفى بهما رجلين ms09286 وهو من باب 
~~لله تعالى دره فارسا  ويرجع ذلك إلى هل يستويان رجلين فيما ضرب من
~~المثال ولما كان المثل بمعنى الصفة العجيبة التي هي كالمثل كان المعنى هل
~~يستويان فيما يرجع إلى الوصفية.

# وقوله تعالى: { الحمد لله } تقرير لما قبله من نفي الاستواء
~~بطريق الاعتراض وتنبيه للموحدين على أن مالهم من المزية بتوفيق الله
~~تعالى وأنها نعمة جليلة تقتضي الدوام على حمده تعالى وعبادته أو على أن
~~بيانه تعالى بضرب المثل أن لهم المثل الأعلى وللمشركين مثل السوء صنع
~~جميل ولطف تام منه عز وجل مستوجب لحمده تعالى وعبادته.

# وقوله تعالى: { بل أكثرهم لا يعلمون } إضراب وانتقال من
~~بيان عدم الاستواء على الوجه المذكور إلى بيان أن أكثر الناس وهم
~~المشركون لا يعلمون ذلك مع كمال ظهوره أو ليسوا من ذوي العلم فلا يعلمون
~~ذلك فيبقون في ورطة الشرك والضلال، وقيل المراد أنهم لا يعلمون أن الكل
~~منه تعالى وأن المحامد إنما هي له عز وجل فيشركون به غيره سبحانه فالكلام
~~من تتمة { الحمد لله } ولا اعتراض، ولا يخفى أن بناء الكلام على
~~الاعتراض كما سمعت أولى. وقوله تعالى: { إنك ميت وإنهم
~~ميتون }

### || [39.30]

# تمهيد لما يعقبه من الاختصام يوم القيامة. وفي «البحر» أنه لما لم
~~يلتفتوا إلى الحق ولم ينتفعوا بضرب المثل أخبر سبحانه بأن مصير الجميع
~~بالموت إلى الله تعالى وأنهم يختصمون يوم القيامة بين يديه وهو عز وجل
~~الحكم العدل فيتميز هناك المحق والمبطل. وقال بعض الأجلة: إنه لما ذكرت
~~من أول السورة إلى هنا البراهين القاطعة لعرق الشركة المسجلة لفرط جهل
~~المشركين وعدم رجوعهم مع جهده صلى الله عليه وسلم في ردهم إلى الحق وحرصه
~~على هدايتهم اتجه السؤال منه عليه الصلاة والسلام بعد ما قاساه منهم بأن
~~يقول ما حالي وحالهم؟ فأجيب بانك ميت وإنهم ميتون الآية.

# وقرأ ابن الزبير وابن أبي إسحاق وابن محيصن وعيسى واليماني وابن أبي
~~غوث وابن أبي عبلة { إنك مائت وإنهم مائتون } والفرق بين ميت ومائت أن
~~الأول: صفة ms09287 مشبهة وهي تدل على الثبوت ففيها إشعار بأن حياتهم عين الموت
~~وأن الموت طوق في العنق لازم والثاني: اسم فاعل وهو يدل على الحدوث فلا
~~يفيد هنا مع القرينة أكثر من أنهم سيحدث لهم الموت. وضمير الخطاب على ما
~~سمعت للرسول صلى الله عليه وسلم قال أبو حيان: ويدخل معه عليه الصلاة
~~والسلام مؤمنو أمته، وضمير الجمع الغائب للكفار وتأكيد الجملة في {
~~إنهم ميتون } للإشعار بأنهم في غفلة عظيمة كأنهم ينكرون الموت
~~وتأكيد الأولى دفعا لاستبعاد موته عليه الصلاة والسلام، وقيل للمشاكلة،
~~وقيل إن الموت مما تكرهه النفوس وتكره سماع خبره طبعا فكان مظنة أن لا
~~يلتفت إلى الإخبار به أو أن / ينكر وقوعه ولو مكابرة فأكد الحكم بوقوعه
~~لذلك ولا يضر في ذلك عدم الكراهة في بعض لخصوصية فيه كسيد العالمين صلى
~~الله عليه وسلم.

### || [39.31]

# { ثم إنكم } على تغليب المخاطب على الغيب. { يوم
~~القيمة عند ربكم } أي مالك أموركم { تختصمون } فتحتج
~~أنت عليهم بأنك بلغتهم ما أرسلت به من الأحكام والمواعظ التي من جملتها
~~ما في تضاعيف هذه الآيات واجتهدت في دعوتهم إلى الحق حق الاجتهاد وهم قد
~~لجوا في المكابرة والعناد ويعتذرون بالأباطيل مثل

# أطعنا سادتنا

# [الأحزاب: 67] و

# وجدنا ءاباءنا

# [الأنبياء: 53] و

# غلبت علينا شقوتنا

# [المؤمنون: 106] والجمع بين { يوم القيمة } و { عند
~~ربكم } لزيادة التهويل ببيان أن اختصامهم ذلك في يوم عظيم عند مالك
~~لأمورهم نافذ حكمه فيهم ولو اكتفى بالأول لاحتمل وقوع الاختصام فيما
~~بينهم بدون مرافعة أو بمرافعة لكن ليست لدى مالك لأمورهم، والاكتفاء
~~بالثاني على تسليم فهم كون ذلك يوم القيامة معه بدون الاحتمال لا يقوم
~~مقام ذكرهما لما في التصريح بما هو كالعلم من التهويل ما فيه، وقال جمع:
~~المراد بذلك الاختصام العام فيما جرى في الدنيا بين الأنام لا خصوص
~~الاختصام بينه عليه الصلاة والسلام وبين الكفرة الطغام، وفي الآثار ما
~~يأبى الخصوص المذكور.

# أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن عساكر عن إبراهيم النخعي
~~قال: نزلت هذه الآية

# إنك ms09288 ميت

# [الزمر: 30] الخ فقالوا: وما خصومتنا ونحن إخوان فلما قتل عثمان بن عفان
~~قالوا هذه خصومة ما بيننا. وأخرج سعيد بن منصور عن أبي سعيد الخدري قال:
~~لما نزلت { ثم إنكم يوم القيمة عند ربكم
~~تختصمون } كنا نقول: ربنا واحد وديننا واحد فلما كان يوم صفين وشد
~~بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: نعم هو هذا.

# وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن
~~ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: لقد لبثنا برهة من دهرنا ونحن نرى أن
~~هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابين من قبل { إنك ميت
~~وإنهم ميتون * ثم إنكم يوم القيامة عند
~~ربكم تختصمون } قلنا: كيف نختصم ونبينا واحد وكتابنا واحد حتى
~~رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف فعرفت أنها نزلت فينا، وفي رواية أخرى
~~عنه بلفظ نزلت علينا الآية { ثم إنكم يوم القيمة عند
~~ربكم تختصمون } وما ندري فيم نزلت قلنا: ليس بيننا خصومة فما
~~التخاصم حتى وقعت الفتنة فقلت: هذا الذي وعدنا ربنا أن نختصم فيه.

# وأخرج أحمد وعبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن أبي حاتم
~~والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في «الحلية»، والبيهقي في «البعث
~~والنشور» عن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه قال: لما نزلت: {
~~إنك ميت وإنهم ميتون * ثم إنكم يوم
~~القيمة عند ربكم تختصمون } [الزمر: 3031] قلت: يا
~~رسول الله أينكر علينا ما يكون بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب قال: نعم
~~ينكر ذلك عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه قال الزبير: فوالله إن الأمر
~~لشديد.

# وزعم الزمخشري أن الوجه الذي يدل عليه كلام الله تعالى هو ما ذكر أولا
~~واستشهد بقوله تعالى:

# فمن أظلم

# [الزمر: 32] الخ وبقوله سبحانه:

# والذى جاء بالصدق

# [الزمر: 33] الخ لدلالتهما على أنهما اللذان تكون الخصومة بينهما، وكذلك
~~ما سبق من قوله تعالى:

# ضرب الله مثلا رجلا

# [الزمر: 29] الخ. وتعقب ذلك في «الكشف» فقال: أقول قد نقل عن جلة
~~الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم ما يدل ms09289 على أنهم فهموا الوجه
~~الثاني أي العموم بل ظاهر قول النخعي / قالت الصحابة: ما خصومتنا ونحن
~~إخوان يدل على أنه قول الكل فالوجه إيثار ذلك. وتحقيقه أن قوله تعالى:

# ولقد ضربنا للناس فى هذا القرءان

# [الزمر: 27] كلام مع الأمة كلهم موحدهم ومشركهم وكذلك قوله تعالى

# ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون
~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد
~~لله بل أكثرهم

# [الزمر: 29] دون بل هم كالنص على ذلك فإذا قيل: { إنك ميت } وجب أن يكون
~~على نحو

# يأيها النبى إذا طلقتم

# [الطلاق: 1] أي إنكم أيها النبي والمؤمنون وأبهم ليعم القبيلين ولا
~~يتنافر النظم فقد روعي من مفتتح السورة إلى هذا المقام التقابل بين
~~الفريقين لا بينه عليه الصلاة والسلام وحده وبين الكفار ثم إذا قيل: {
~~ثم إنكم } على التغليب يكون تغليبا للمخاطبين على جميع الناس
~~فهذا من حيث اللفظ والمساق الظاهر ثم إذا كان الموت أمرا عمه والناس
~~جميعا كان المعنى عليه أيضا، وأما حديث الاختصام والطباق الذي ذكره
~~فليس بشيء لأنه لعمومه يشمله شمولا أوليا كما حقق هذا المعنى مرارا.
~~والتعقيب بقوله تعالى:

# فمن أظلم

# [الزمر: 32] للتنبيه على أنه مصب الغرض وأن المقصود التسلق إلى تلك
~~الخصومة، ولا أنكر أن قوله تعالى: { عند ربكم } يدل على أن
~~الاختصام يوم القيامة ولكن أنكر أن يختص باختصام النبي صلى الله عليه
~~وسلم وحده والمشركين بل يتناوله أولا وكذلك اختصام المؤمنين والمشركين
~~واختصام المؤمنين بعضهم مع بعض كاختصام عثمان رضي الله تعالى عنه يوم
~~القيامة وقاتليه، وهذا ما ذهب إليه هؤلاء وهم هم رضي الله تعالى عنهم
~~انتهى، وكأنه عنى بقوله ولا أنكر الخ رد ما يقال إن { عند ربكم }
~~يدل على أن الاختصام يوم القيامة، وقد صرح في النظم الجليل بذلك فيكون
~~تأكيدا مشعرا بالاهتمام بأمر ذلك الاختصام فليس هو إلا اختصام حبيبه
~~صلى الله عليه وسلم مع أعدائه الطغام، ووجه الرد أنه إن سلم أن فائدة
~~الجمع ما ذكر فلا نسلم استدعاء ذلك لاعتبار الخصوص بل يكفي للاهتمام دخول ms09290
~~اختصام الحبيب مع أعدائه عليه الصلاة والسلام فتأمله.

# ثم أنت تعلم أنه لو لم يكن في هذا المقام سوى الحديث الصحيح المرفوع
~~لكفى في كون المراد عموم الاختصام فالحق القول بعمومه وهو أنواع شتى، فقد
~~أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال في الآية: يخاصم الصادق الكاذب
~~والمظلوم الظالم والمهتدي الضال والضعيف المستكبر، وأخرج الطبراني وابن
~~مردويه بسند لا بأس به عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم قال:

# " أول من يختصم يوم القيامة الرجل وامرأته والله ما يتكلم لسانها ولكن
~~يداها ورجلاها يشهدان عليها بما كان لزوجها وتشهد يداه ورجلاه بما كان
~~لها ثم يدعى الرجل وخادمه بمثل ذلك ثم يدعى أهل الأسواق وما يوجد ثم دانق
~~ولا قراريط ولكن حسنات هذا تدفع إلى هذا الذي ظلمه وسيئات هذا الذي ظلمه
~~توضع عليه ثم يؤتى بالجبارين في مقامع من حديد فيقال أوردوهم إلى النار
~~فوالله ما أدري يدخلونها أو كما قال الله { وإن منكم إلا
~~واردها } [مريم: 71] "

# وأخرج البزار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " يجاء بالأمير الجائر فتخاصمه الرعية "

# وأخرج أحمد والطبراني بسند حسن عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " أول خصمين يوم القيامة جاران "

# ولعل الأولية إضافية لحديث أبي أيوب السابق. وجاء عن ابن عباس اختصام
~~الروح مع الجسد أيضا بل أخرج أحمد بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم:

# " ليختصمن يوم القيامة كل شيء حتى الشاتان فيما انتطحا "

# تم الجزء الثالث والعشرون ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الرابع
~~والعشرون وأوله { فمن أظلم }

### || [39.32]

# { فمن أظلم ممن كذب على الله } بأن أضاف إليه سبحانه
~~وتعالى الشرك أو الولد { وكذب بالصدق } أي بالأمر الذي هو عين
~~الحق ونفس الصدق وهو ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم { إذ جاءه
~~} أي في أول مجيئه من غير تدبر فيه ولا تأمل  فإذ  فجائية كما ms09291 صرح به
~~الزمخشري لكن اشترط فيها في «المغني» أن تقع بعد بينا أو بينما ونقله عن
~~سيبويه فلعله أغلبي، وقد يقال: هذا المعنى يقتضيه السياق من غير توقف
~~على كون (إذ) فجائية، ثم المراد أن هذا الكاذب والمكذب أظلم من كل ظالم.

# { أليس فى جهنم مثوى للكفرين } أي لهؤلاء الذين
~~افتروا على الله سبحانه وتعالى وسارعوا إلى التكذيب بالصدق. ووضع الظاهر
~~موضع الضمير للتسيجل عليهم بالكفر. والجمع باعتبار معنى { من } كما أن
~~الإفراد في الضمائر السابقة باعتبار لفظها أو لجنس الكفرة فيشمل أهل
~~الكتاب ويدخل هؤلاء في الحكم دخولا أوليا. وأيا ما كان فالمعنى على
~~كفاية جهنم مجازاة لهم كأنه قيل: أليست جهنم كافية للكافرين مثوى كقوله
~~تعالى:

# حسبهم جهنم يصلونها

# [المجادلة: 8] أي هي تكفي عقوبة لكفرهم وتكذيبهم، والكفاية مفهومة من
~~السياق كما تقول لمن سألك شيئا: ألم أنعم عليك تريد كفاك سابق إنعامي
~~عليك.

# واستدل بالآية على تكفير أهل البدع لأنهم مكذبون بما علم صدقه. وتعقب
~~بأن { من كذب } مخصوص بمن كذب الأنبياء شفاها في وقت تبليغهم لا
~~مطلقا لقوله تعالى: { إذ جاءه } ولو سلم إطلاقه فهم لكونهم يتأولون
~~ليسوا مكذبين وما نفوه وكذبوه ليس معلوما صدقه بالضرورة إذ لو علم من
~~الدين ضرورة كان جاحده كافرا كمنكر فرضية الصلاة ونحوها. وقال الخفاجي:
~~الأظهر أن المراد تكذيب الأنبياء عليهم السلام بعد ظهور المعجزات في أن
~~ما جاؤوا به من عند الله تعالى لا مطلق التكذيب، وكأني بك تختار أن
~~المتأول غير مكذب لكن لا عذر في تأويل ينفي ما علم من الدين ضرورة.

### || [39.33]

# { والذى جاء بالصدق وصدق به } الموصول عبارة عن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم كما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم
~~وابن مردويه والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عباس، وفسر الصدق بلا
~~إله إلا الله، والؤمنون داخلون بدلالة السياق وحكم التبعية دخول الجند في
~~قولك: نزل الأمير موضع كذا، وليس هذا من الجمع بين الحقيقة والمجاز في
~~شيء لأن الثاني لم يقصد ms09292 من حاق اللفظ، ولا يضر في ذلك أن المجيء بالصدق
~~ليس وصفا للمؤمنين الأتباع كما لا يخفى، والموصول على هذا مفرد لفظا
~~ومعنى، والجمع في قوله تعالى: { أولئك هم المتقون }
~~باعتبار دخول الأتباع تبعا، ومراتب التقوى متفاوتة ولرسول الله صلى الله
~~عليه وسلم أعلاها.

# وجوز أن يكون الموصول صفة لمحذوف أي الفوج الذي أو الفريق الذي الخ
~~فيكون مفرد اللفظ مجموع المعنى فقيل: الكلام حينئذ على التوزيع لأن /
~~المجيء بالصدق على الحقيقة له عليه الصلاة والسلام والتصديق بما جاء به
~~وإن عمه وأتباعه صلى الله عليه وسلم لكنه فيهم أظهر فليحمل عليه للتقابل.
~~وفي «الكشف» الأوجه أن لا يحمل على التوزيع غاية ما في الباب أن أحد
~~الوصفين في أحد الموصوفين أظهر، وعليه يحمل كلام الزمخشري الموهم
~~للتوزيع.

# وحمل بعضهم الموصول على الجنس فإن تعريفه كتعريف ذي اللام يكون للجنس
~~والعهد، والمراد حينئذ به الرسل والمؤمنون. وأيد إرادة ما ذكر بقراءة ابن
~~مسعود { والذي جاؤوا بالصدق وصدقوا به } وزعم بعضهم أنه أريد والذين
~~فحذفت النون كما في قوله:

# إن الذي حانت بفلج دماؤهم

# هم القوم كل القوم يا أم مالك

# وتعقبه أبو حيان بأنه ليس بصحيح لوجوب جمع الضمير في الصلة حينئذ كما في
~~البيت، ألا ترى أنه إذا حذفت النون من اللذان كان الضمير مثنى كقوله:

# أبني كليب إن عمي اللذا

# قتلا الملوك وفككا الأغلالا

# وقال علي وأبو العالية والكلبي وجماعة { الذى جاء بالصدق } هو
~~الرسول صلى الله عليه وسلم والذي صدق به هو أبو بكر رضي الله تعالى عنه.
~~وأخرج ذلك ابن جرير والباوردي في «معرفة الصحابة» وابن عساكر من طريق
~~أسيد بن صفوان وله صحبة عن علي كرم الله تعالى وجهه، وقال أبو الأسود
~~ومجاهد في رواية وجماعة من أهل البيت وغيرهم: الذي صدق به هو علي كرم
~~الله تعالى وجهه. وأخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا إلى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدى أنه قال: {
~~الذى جاء ms09293 بالصدق } جبريل عليه السلام { وصدق به } هو
~~النبي صلى الله عليه وسلم، قيل: وعلى الأقوال الثلاثة يقتضي إضمار الذي
~~وهو غير جائز على الأصح عند النحاة من أنه لا يجوز حذف الموصول وإبقاء
~~صلته مطلقا، أي سواء عطف على موصول آخر أم لا.

# ويضعفه أيضا الأخبار عنه بالجمع. وأجيب بأنه لا ضرورة إلى الإضمار
~~ويراد بالذي الرسول صلى الله عليه وسلم والصديق أو علي كرم الله تعالى
~~وجههما معا على أن الصلة للتوزيع، أو يراد بالذي جبريل عليه السلام
~~والرسول صلى الله عليه وسلم معا كذلك، وضمير الجمع قد يرجع إلى الاثنين
~~وقد أريدا بالذي، ولا يخفى ما في ذلك من التكلف والله تعالى أعلم بحال
~~الأخبار، ولعل ذكر أبي بكر مثلا على تقدير الصحة من باب الاقتصار على
~~بعض أفراد العام لنكتة وهي في أبي بكر رضي الله تعالى عنه كونه أول من
~~آمن وصدق من الرجال، وفي علي كرم الله تعالى وجهه كونه أول من آمن وصدق
~~من الصبيان، ويقال نحو ذلك على تقدير صحة خبر السدي ولا يكاد يصح لقوله
~~تعالى: فيما بعد

# ليكفر

# [الزمر: 35] الخ، وبما ذكر يجمع بين الأخبار إن صحت ولا يعتبر في شيء
~~منها الحصر فتدبر.

# وقرأ أبو صالح وعكرمة بن سليمان { وصدق به } مخففا أي وصدق به
~~الناس ولم يكذبهم به يعني أداه إليهم كما نزل عليه من غير تحريف فالمفعول
~~محذوف لأن الكلام في القائم به الصدق وفي الحديث الصدق، والكلام على
~~العموم دون خصوصه عليه الصلاة والسلام فإن جملة القرآن حفظه الصحابة عنه
~~عليه الصلاة والسلام وأدوه كما أنزل. وقيل: المعنى وصار صادقا به أي
~~بسببه لأن القرآن معجز والمعجز يدل على صدق النبي عليه الصلاة والسلام،
~~وعلى هذا فالوصف خاص، وقد تجوز في ذلك باستعمال { صدق } بمعنى صار
~~صادقا به ولا كناية فيه كما قيل؛ وقال أبو صالح: أي وعمل به وهو كما
~~ترى. وقرىء / { وصدق به } مبنيا للمفعول مشددا.

### || [39.34]

# { لهم ما يشآءون عند ربهم } بيان لما لأولئك ms09294 الموصوفين
~~بالمجيء بالصدق والتصديق به في الآخرة من حسن المآب بعد بيان ما لهم في
~~الدنيا من حسن الأعمال أي لهم كل ما يشاؤونه من جلب المنافع ودفع المضار
~~في الآخرة لا في الجنة فقط لما أن بعض ما يشاؤونه من تكفير السيئات
~~والأمن من الفزع الأكبر وسائر أهوال القيامة إنما يقع قبل دخول الجنة.

# { ذلك } الذي ذكر من حصول كل ما يشاؤونه { جزاء المحسنين }
~~أي اللذين أحسنوا أعمالهم، والمراد بهم أولئك المحدث عنهم لكن أقيم
~~الظاهر مقام الضمير تنبيها على العلة لحصول الجزاء، وقيل: المراد ما
~~يعمهم وغيرهم ويدخلون دخولا أوليا.

### || [39.35]

# وقوله تعالى: { ليكفر الله عنهم أسوأ الذى
~~عملوا } الخ متعلق بمحذوف أي ليكفر الله عنهم ويجزيهم، خصهم سبحانه
~~بما خص أو بما قبله باعتبار فحواه على ما قيل أي وعدهم الله جميع ما
~~يشاؤونه من زوال المضار وحصول المسار ليكفر عنهم بموجب ذلك الوعد أسوأ
~~الذي عملوا الخ، وليس ببعيد معنى عن الأول، وجوز أن يكون متعلقا بقوله
~~سبحانه:

# وذلك جزاء المحسنين

# [الزمر: 34] أي بما يدل عليه من الثبوت أو بالمحسنين كما قال أبو حيان
~~فكأنه قيل: وذلك جزاء الذين أحسنوا أعمالهم ليكفر الله تعالى عنهم أسوأ
~~الذي عملوه.

# { ويجزيهم أجرهم } ويعطيهم ثوابهم { بأحسن الذى
~~كانوا يعملون } وتقديم التكفير على إعطاء الثواب لأن درء المضار
~~أهم من جلب المسار.

# وأقيم الاسم الجليل مقام الضمير الراجع إلى

# ربهم

# [الزمر: 34] لإبراز كمال الاعتناء بمضمون الكلام. وإضافة أسوأ وأحسن إلى
~~ما بعدهما من إضافة أفعل التفضيل إلى غير المفضل عليه للبيان والتوضيح
~~كما في الأشج أعدل بني مروان ويوسف أحسن إخوته، والتفضيل على ما قال
~~الزمخشري للدلالة على أن الزلة المكفرة عندهم هي الأسوأ لاستعظامهم
~~المعصية مطلقا لشدة خوفهم، والحسن الذي يعملونه عند الله تعالى هو
~~الأحسن لحسن إخلاصهم فيه. وذلك على ما قرر في «الكشف» لأن التفضيل هنا من
~~باب الزيادة المطلقة من غير نظر إلى مفضل عليه نظرا إلى وصوله إلى أقصى
~~الغاية الكمالية، ثم لما كانوا متقين ms09295 كاملي التقى لم يكن في عملهم أسوأ
~~إلا فرضا وتقديرا.

# وقوله سبحانه: { بأحسن الذى كانوا يعملون } دون أحسن
~~الذي كانوا يعملون يدل على أن حسنهم عند الله تعالى من الأحسن لدلالته
~~على أن جميع أجرهم يجري على ذلك الوجه فلو لم يعملوا إلا الأحسن كان
~~التفضيل بحسب الأمر نفسه ولو كان في العمل الأحسن والحسن وكان الجزاء
~~بالأحسن بأن ينظر إلى أحسن الأعمال فيجري الباقي في الجزاء على قياسه دل
~~أن الحسن عند المجازي كالأحسن، فصح على التقديرين أن حسنهم عند الله
~~تعالى هو الأحسن، ويعلم من هذا أن لا اعتزال فيما ذكره الزمخشري كما
~~توهمه أبو حيان. وأما قوله في الاعتراض عليه: إنه قد استعمل { أسوأ } في
~~التفضيل على معتقدهم و { أحسن } في التفضيل على ما هو عند الله عز وجل
~~وذلك توزيع في أفعل التفضيل وهو خلاف الظاهر، فقد يسلم إذا لم يكن في
~~الكلام ما يؤذن بالمغايرة فحيث كان فيه ههنا ذلك على ما قرر لا يسلم أن
~~التوزيع خلاف الظاهر.

# وقيل: إن { أسوأ } على ما هو الشائع في أفعل التفضيل، وليس المراد
~~أن لهم عملا سيئا وعملا أسوأ والمكفر هو الأسوأ فإنهم المتقون الذين
~~وإن كانت لهم سيئات لا تكون سيئاتهم من الكبائر العظيمة، ولا يناسب
~~التعرض لها في مقام مدحهم بل الكلام كناية عن تكفير جميع سيئاتهم بطريق
~~برهاني، فإن الأسوأ إذا كفر كان غيره أولى بالتكفير لا أن ذلك صدر منهم،
~~ولا نسلم / وجوب تحقق المعنى الحقيقي في الكناية وهو كما ترى.

# وقال غير واحد: أفعل على ما هو الشائع والأسوأ الكفر السابق على التقوى
~~والإحسان، والمراد تكفير جميع ما سلف منهم قبل الإيمان من المعاصي بطريق
~~برهاني. وعلى هذا لا يتسنى تفسير

# وصدق به

# [الزمر: 33] بعلي كرم الله تعالى وجهه إذ لم يسبق له كفر أصلي ولا يكاد
~~يعبر عن الكفر التبعي بأسوأ العمل.

# وقيل: أفعل ليس للتفضيل أصلا فأسوأ بمعنى السيء صغيرا كان أو كبيرا
~~كما هو وجه أيضا في الأشج أعدل ms09296 بني مروان، وأيد بقراءة ابن مقسم وحامد
~~بن يحيى عن ابن كثير رواية عن البزي عنه { أسواء } بوزن أفعال جمع سوء،
~~وأحسن عند أكثر أهل هذه الأقوال على بابه على معنى أنه تعالى ينظر إلى
~~أحسن طاعاتهم فيجري سبحانه الباقي في الجزاء على قياسه لطفا وكرما،
~~وزعم الطبرسي أن الأحسن الواجب والمندوب والحسن المباح والجزاء إنما هو
~~على الأولين دون المباح، وقيل: المراد يجزيهم بأحسن من عملهم وهو الجنة،
~~وفيه ما فيه. والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل في صلة الموصول الثاني
~~دون الأول للإيذان باستمرارهم على الأعمال الصالحة بخلاف السيئة.

### || [39.36]

# { يعملون أليس الله بكاف عبده } إنكار ونفي لعدم
~~كفايته تعالى على أبلغ وجه كأن الكفاية من التحقق والظهور بحيث لا يقدر
~~أحد على أن يتفوه بعدمها أو يتلعثم في الجواب بوجودها. والمراد بعبده إما
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روي عن السدي وأيد بقوله تعالى: {
~~ويخوفونك بالذين من دونه } أي الأوثان التي اتخذوها
~~آلهة؛ فإن الخطاب سواء كانت الجملة استئنافا أو حالا له صلى الله عليه
~~وسلم. وقد روي أن قريشا قالت له عليه الصلاة والسلام: إنا نخاف أن تخبلك
~~آلهتنا وتصيبك معرتها لعيبك إياها فنزلت، وفي رواية قالوا: لتكفن عن شتم
~~آلهتنا أو ليصيبنك منها خبل فنزلت، أو الجنس المنتظم له عليه الصلاة
~~والسلام انتظاما أوليا، وأيد بقراءة أبي جعفر ومجاهد وابن وثاب وطلحة
~~والأعمش وحمزة والكسائي { عباده } بالجمع وفسر بالأنبياء عليهم
~~السلام والمؤمنين، وعلى الأول يراد أيضا الأتباع كما سمعت في قوله
~~تعالى:

# والذى جاء بالصدق وصدق به

# [الزمر: 33] { ويخوفونك } شامل لهم أيضا على ما سلف والتئام
~~الكلام بقوله تعالى:

# فمن أظلم

# [الزمر: 32] إلى هذا المقام لدلالته على أنه تعالى يكفي نبيه صلى الله
~~عليه وسلم منهم دينه ودنياه ويكفي أتباعه المؤمنين أيضا المهمين وفيه
~~أنه سبحانه يكفيهم شر الكافرين من وجهين من طريق المقابلة ومن أنه داخل
~~في كفاية مهمي الرسول عليه الصلاة والسلام وأتباعه، وهذا ما تقتضيه
~~البلاغة القرآنية ويلائم ما بني ms09297 عليه السورة الكريمة من ذكر الفريقين
~~وأحوالهما توكيدا لما أمر به أولا من العبادة والإخلاص.

# وقرىء { بكافي عباده } بالإضافة و { يكافي عباده } مضارع كافى ونصب {
~~عباده } فاحتمل أن يكون مفاعلة من الكفاية كقولك: يجازي في يجزي وهو أبلغ
~~من كفى لبنائه على لفظ المبالغة وهو الظاهر لكثرة تردد هذا المعنى في
~~القرآن نحو

# فسيكفيكهم الله

# [البقرة: 137] ويحتمل أن يكون مهموزا من المكافأة وهي المجازاة.

# ووجه الارتباط أنه تعالى لما ذكر حال من كذب على الله وكذب بالصدق
~~وجزاءه، وحال مقابله أعني الذي جاء بالصدق وصدق به وجزاءه وعرض بقوله
~~سبحانه:

# ذلك جزاء المحسنين

# [الزمر: 34] بأن ما سلف جزاء الكافرين المسيئين لما هو معروف من فائدة
~~البناء على اسم الإشارة ثم عقبه تعالى بقوله عز وجل:

# ليكفر

# [الزمر: 35] الخ على معنى ليكفر عنهم ويجزيهم خصهم بما خص فنبه على
~~المقابل أيضا من ضرورة الاختصاص والتعليل، وفيه أيضا ما يدل على حكم
~~المقابل على اعتبار المتعلق غير / ما ذكر كما يظهر بأدنى التفات أردف
~~بقوله تعالى: { أليس الله بكاف عبده } وحيث إن مطمح النظر
~~من العباد السيد الحبيب صلى الله عليه وسلم كان المعنى الله تعالى يجازي
~~عبده ونبيه عليه الصلاة والسلام هذا الجزاء المذكور وفيه أنه الذي يجزيه
~~البتة ويلائمه قوله تعالى: { ويخوفونك } فإنه لما كان في مقابلة
~~ذم آلهتهم كما سمعت في سبب النزول كان تحذيرا من جزاء الآلهة فلا مغمز
~~بعدم الملاءمة. نعم لا ننكر أن معنى الكفاية أبلغ كما هو مقتضى القراءة
~~المشهورة فاعلم ذاك والله تعالى يتولى هداك.

# { ومن يضلل الله } حتى غفل عن كفايته تعالى عبده وخوف بما لا
~~ينفع ولا يضر أصلا { فما له من هاد } يهديه إلى خير ما.

### || [39.37]

# { ومن يهد الله } فيجعل كونه تعالى كافيا نصب عينه عاملا
~~بمقتضاه { فما له من مضل } يصرفه عن مقصده أو يصيبه بسوء يخل
~~بسلوكه إذ لا راد لفعله ولا معارض لإرادته عز وجل كما ينطق به قوله
~~تعالى: { أليس الله بعزيز } غالب لا يغالب منيع ms09298 لا يمانع ولا
~~ينازع { ذى انتقام } ينتقم من أعدائه لأوليائه. وإظهار الاسم الجليل
~~في موضع الإضمار لتحقيق مضمون الكلام وتربية المهابة.

### || [39.38]

# { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض
~~ليقولن الله } لظهور الدليل ووضوح السبيل فقد تقرر في العقول
~~وجوب انتهاء الممكنات إلى واجب الوجود. والاسم الجليل فاعل لفعل محذوف أي
~~خلقهن الله { قل } تبكيتا لهم { أفرايتم ما تدعون من
~~دون الله إن أرادنى الله بضر هل هن كشفت
~~ضره } أي إذا كان خالق العالم العلوي والسفلي هو الله عز وجل كما
~~أقررتم فأخبروني أن آلهتكم إن أرادني الله سبحانه بضر هل هن يكشفن عني
~~ذلك الضر، فالفاء واقعة في جواب شرط مقدر؛ وقال بعضهم: التقدير إذا لم
~~يكن خالق سواه تعالى فهل يمكن غيره كشف ما أراد من الضر، وجوز أن تكون
~~عاطفة على مقدر أي أتفكرتم بعد ما أقررتم فرأيتم ما تدعون الخ. { أو
~~أرادنى برحمة } أي أو أن أرادني بنفع { هل هن ممسكت
~~رحمته } فيمنعها سبحانه عني.

# وقرأ الأعرج وشيبة وعمرو بن عبيد وعيسى بخلاف عنه وأبو عمرو وأبو بكر {
~~كاشفات } و { ممسكات } بالتنوين فيهما ونصب ما بعدهما وتعليق إرادة الضر
~~والرحمة بنفسه النفيسة عليه الصلاة والسلام للرد في نحورهم حيث كانوا
~~خوفوه معرة الأوثان ولما فيه من الإيذان بإمحاض النصحية. وقدم الضر لأن
~~دفعه أهم. وقيل: { كشفت } و { ممسكت } على ما يصفونها به
~~من الأنوثة تنبيها على كمال ضعفها.

# { رحمته قل حسبي الله } كافي جل شأنه في جميع أموري من
~~إصابة الخير ودفع الشر. روي عن مقاتل أنه صلى الله عليه وسلم لما سألهم
~~سكتوا فنزل ذلك. { عليه يتوكل } لا على غيره في كل شيء {
~~المتوكلون } لعلمهم أن كل ما سواه تحت ملكوته تعالى.

### || [39.39]

# { قل يقوم اعملوا على مكانتكم } على حالتكم التي
~~أنتم عليها من العداوة التي تمكنتهم فيها فإن المكانة نقلت من المكان
~~المحسوس إلى الحالة التي عليها الشخص واستعيرت لها استعارة محسوس لمعقول،
~~وهذا كما تستعار حيث وهنا للزمان بجامع الشمول والإحاطة، وجوز أن ms09299 يكون
~~المعنى اعملوا على حسب تمكنكم واستطاعتكم. وروي عن عاصم { مكاناتكم }
~~بالجمع والأمر للتهديد.

# وقوله تعالى: { إنى عمل } وعيد لهم وإطلاقه لزيادة الوعيد لأنه
~~لو قيل: على مكانتي لتراءى أنه عليه الصلاة والسلام على حالة واحدة لا
~~تتغير ولا تزداد فلما / أطلق أشعر بأنه له صلى الله عليه وسلم كل زمان
~~مكانة أخرى وأنه لا يزال يزداد قوة بنصر الله تعالى وتأييده ويؤيد ذلك
~~قوله تعالى: { فسوف تعلمون } فإنه دال على أنه صلى الله عليه
~~وسلم منصور عليهم في الدنيا والآخرة بدليل قوله تعالى: { من يأتيه
~~عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم }

### || [39.40]

# فإن الأول إشارة إلى العذاب الدنيوي وقد نالهم يوم بدر والثاني إشارة
~~إلى العذاب الأخروي فإن العذاب المقيم عذاب النار فلو قيل إني عامل على
~~مكانتي وكان إذ ذاك غير غالب بل الأمر بالعكس لم يلائم المقصود. و { من
~~} تحتمل الاستفهامية والموصولية وجملة { يخزيه } صفة { عذاب }
~~والمراد بمقيم دائم وفي الكلام مجاز في الظرف أو الإسناد وأصله مقيم فيه
~~صاحبه.

### || [39.41]

# { إنا أنزلنا عليك الكتب للناس } لأجلهم فإنه
~~مناط مصالحهم في المعاش والمعاد { بالحق } حال من مفعول { أنزلنا
~~} أو من فاعله أي أنزلنا الكتاب ملتبسا أو ملتبسين بالحق { فمن
~~اهتدى } بأن عمل بما فيه { فلنفسه } إذ نفع به نفسه { ومن
~~ضل } بأن لم يعمل بموجبه { فإنما يضل عليها } لما أن
~~وبال ضلاله مقصور عليها { وما أنت عليهم بوكيل } لتجبرهم على
~~الهدى وما وظيفتك إلا البلاغ وقد بلغت أي بلاغ.

### || [39.42]

# { الله يتوفى الأنفس } أي يقبضها عن الابدان بأن يقطع تعلقها
~~تعلق التصرف فيها عنها { حين موتها } أي في وقت موتها { والتى
~~لم تمت } أي ويتوفى الأنفس التي لم تمت { فى منامها } متعلق 
~~بيتوفى  أي يتوفاها في وقت نومها على أن مناما اسم زمان، وجوز فيه كونه
~~مصدرا ميميا بأن يقطع سبحانه تعلقها بالأبدان تعلق التصرف فيها عنها
~~أيضا فتوفي الأنفس حين الموت وتوفيها في وقت النوم بمعنى قبضها عن
~~الأبدان وقطع تعلقها بها تعلق التصرف إلا أن ms09300 توفيها حين الموت قطع
~~لتعلقها بها تعلق التصرف ظاهرا وباطنا وتوفيها في وقت النوم قطع لذلك
~~ظاهرا فقط، وكأن التوفي الذي يكون عند الموت لكونه شيئا واحدا في أول
~~زمان الموت وبعد مضي أيام منه قيل: { حين موتها } والتوفي الذي
~~يكون في وقت النوم لكونه يتفاوت في أول وقت النوم وبعد مضي زمان منه قوة
~~وضعفا قيل: { في منامها } أي في وقت نومها كذا قيل فتدبره ولمسلك
~~الذهن السليم اتساع.

# وإسناد الموت والنوم إلى الأنفس قيل: مجاز عقلي لأنهما حالا أبدانها لا
~~حالاها، وزعم الطبرسي أن الكلام على حذف مضاف أعني الأبدان. وجعل
~~الزمخشري الأنفس عبارة عن الجملة دون ما يقابل الأبدان، وحمل توفيها على
~~إماتتها وسلب صحة أجزائها بالكلية فلا تبقى حية حساسة داركة حتى كأن
~~ذاتها قد سلبت، وحيث لم يتحقق هذا المعنى في التوفي حين النوم لأنه ليس
~~إلا سلب كمال الصحة وما يترتب عليه من الحركات الاختيارية وغيرها قال في
~~قوله تعالى: { والتى لم تمت فى منامها } أي يتوفاها حين
~~تنام تشبيها للنائمين بالموتى، ومنه قوله تعالى:

# وهو الذى يتوفكم باليل

# [الأنعام: 60] حيث لا تميزون ولا تتصرفون كما أن الموتى كذلك. وما
~~يتخايل فيه من الجمع بين الحقيقة والمجاز يدفع بالتأمل. وتقديم الاسم
~~الجليل وبناء { يتوفى } عليه للحصر أو للتقوي أو لهما، واعتبار
~~الحصر أوفق بالمقام من اعتبار التقوي وحده أي الله يتوفى الأنفس حقيقة لا
~~غيره عز وجل.

# { فيمسك التى } أي الأنفس التي { قضى } في الأزل { عليها
~~الموت } ولا يردها إلى أبدانها بل يبقيها على ما كانت عليه وينضم إلى
~~ذلك قطع تعلق التصرف باطنا، وعبر عن ذلك بالإمساك ليناسب التوفي.

# / وقرأ حمزة والكسائي وعيسى وطلحة والأعمش وابن وثاب { قضي } على
~~البناء للمفعول ورفع { الموت }.

# { ويرسل الأخرى } أي الأنفس الأخرى وهي النائمة إلى أبدانها
~~فتكون كما كانت حال اليقظة متعلقة بها تعلق التصرف ظاهرا وباطنا، وعبر
~~بالإرسال رعاية للتقابل { إلى أجل مسمى } هو الوقت المضروب
~~للموت حقيقة وهو غاية لجنس الإرسال الواقع بعد الإمساك لا ms09301 لفرد منه فإنه
~~آتي لا امتداد له فلا يغيا.

# واعتبر بعضهم كون الغاية للجنس لئلا يرد لزوم أن لا يقع نوم بعد اليقظة
~~الأولى أصلا وهو حسن. وقيل: { يرسل } مضمن معنى الحفظ والمراد يرسل
~~الأخرى حافظا إياها عن الموت الحقيقي إلى أجل مسمى. وروي عن ابن عباس أن
~~في ابن آدم نفسا وروحا بينهما مثل شعاع الشمس فالنفس هي التي بها العقل
~~والتمييز والروح هي التي بها النفس والتحرك فيتوفيان عند الموت وتتوفى
~~النفس وحدها عند النوم، وهو قول بالفرق بين النفس والروح، ونسبه بعضهم
~~إلى الأكثرين. ويعبر عن النفس بالنفس الناطقة وبالروح الأمرية وبالروح
~~الإلهية، وعن الروح بالروح الحيوانية وكذا بالنفس الحيوانية، والثانية
~~كالعرش للأولى، قال بعض الحكماء المتألهين: إن القلب الصنوبري فيه بخار
~~لطيف هو عرش للروح الحيوانية وحافظ لها وآلة يتوقف عليها آثارها، والروح
~~الحيوانية عرش ومرآة للروح الإلهية التي هي النفس الناطقة وواسطة بينها
~~وبين البدن بها يصل حكم تدبير النفس إليه، وإلى عدم التغاير ذهب جماعة،
~~وهو قول ابن جبير وأحد قولين لابن عباس، وما روي عنه أولا في الآية
~~يوافق ما ذكرناه من حيث ان النفس عليه ليست بمعنى الجملة كما قال
~~الزمخشري وادعى أن الصحيح ما ذكره دون هذا المروي بدليل موتها ومنامها،
~~والضمير للأنفس وما أريد منها غير متصف بالموت والنوم وإنما الجملة هي
~~التي تتصف بهما. وقال في «الكشف»: ولأن الفرق بين النفسين رأي يدفعه
~~البرهان، وإيقاع الاستيفاء أيضا لا بد له من تأويل أيضا فلا ينبغي أن
~~يعدل عن المشهور الملائم يعني حمل التوفي على الإماتة فإن أصله أخذ الشيء
~~من المستوفى منه وافيا كملا وسلبه منه بالكلية ثم نقل عن ذلك إلا
~~الإماتة لما أنه موجود فيها حتى صارت المتبادرة إلى الفهم منه. وفيه
~~دغدغة.

# والذي يشهد له كثير من الآثار الصحيحة أن المتوفى الأنفس التي تقابل
~~الأبدان دون الجملة. أخرج الشيخان في «صحيحهما» عن أبي هريرة قال: قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " إذا أوى أحدكم إلى ms09302 فراشه فلينفضه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما
~~خلفه عليه ثم ليقل اللهم باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت
~~نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك "

# ، وأخرج أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن أبي شيبة عن أبي قتادة
~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم ليلة الوادي:

# " إن الله تعالى قبض أرواحكم حين شاء وردها عليكم حين شاء "

# وأخرج ابن مردويه

# " عن أنس بن مالك قال: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقال:
~~من يكلؤنا الليلة؟ فقلت: أنا فنام ونام الناس ونمت فلم نستيقظ إلا بحر
~~الشمس فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: أيها الناس إن هذه الأرواح
~~عارية في أجساد العباد فيقبضها الله إذا شاء ويرسلها إذا شاء» "

# وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن سليم بن عامر أن عمر بن الخطاب قال:
~~العجب من رؤيا الرجل أنه يبيت فيرى الشيء لم يخطر له على بال فتكون رؤياه
~~كأخذ باليد ويرى الرجل الرؤيا فلا تكون رؤياه شيئا فقال علي كرم الله
~~تعالى وجهه: أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين؟ يقول الله تعالى: {
~~الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت
~~فى منامها فيمسك التى قضى عليها الموت
~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى } فالله تعالى يتوفى
~~الأنفس / كلها فما رأت وهي عنده سبحانه في السماء فهي الرؤيا الصادقة وما
~~رأت إذا أرسلت إلى أجسادها فهي الكاذبة لأنها إذا أرسلت إلى أجسادها
~~تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها وأخبرتها بالأباطيل فكذبت فيها فعجب
~~عمر من قوله رضي الله تعالى عنهما.

# وظاهر هذا الأثر أن النفس النائمة المقبوضة تكون في السماء حتى ترسل،
~~ومثل ذلك مما يجب تأويله على القول بتجرد النفس ولا يجب على القول الآخر.
~~نعم لعلك تختاره وكأنك تقول: إن النفس شريفة علوية هبطت من المحل الأرفع
~~وأرسلت من حمى ممنع وشغلت بتدبير منزلها في نهارها وليلها ولم تزل تنتظر
~~فرصة العود إلى ذياك الحمى والمحل الرفيع الأسمى وعند النوم ms09303 تنتهز تلك
~~الفرصة وتهون عليها في الجملة هاتيك الغصة فيحصل لها نوع توجه إلى عالم
~~النور ومعلم السرور الخالي من الشرور بحيث تستعد استعدادا ما لقبول بعض
~~آثاره والاستضاءة بشيء من أنواره وجعلها كذلك هو قبضها وبه لعمري بسطها
~~وقبضها، فمتى رأت وهي في تلك الحال مستفيضة من ذلك العالم الموصوف
~~بالكمال رؤيا كانت صادقة، ومتى رأت وهي راجعة القهقرى إلى ما ابتليت به
~~من تدبير منزل تحوم فيه شياطين الأوهام وتزدحم فيه أي ازدحام كانت رؤياها
~~كاذبة ثم إنها في كلا الحالين متفاوتة الأفراد فيما يكون من الاستعداد،
~~والوقوف على حقيقة الحال لا يتم إلا بالكشف دون القيل والقال.

# { إن فى ذلك لآيت لقوم يتفكرون } الإشارة إلى ما
~~ذكر من التوفي والإمساك والإرسال، والإفراد لتأويله بالمذكور أو نحوه،
~~وصيغة البعيد باعتبار مبدئه أو تقضي ذكره أو بعد منزلته. والتنوين في {
~~ءايت } للتكثير والتعظيم أي إن فيما ذكر لآيات كثيرة عظيمة دالة على
~~كمال قدرته تعالى وحكمته وشمول رحمته سبحانه لقوم يتفكرون في كيفية تعلق
~~الأنفس بالأبدان وتوفيها عنها تارة بالكلية عند الموت وإمساكها باقية لا
~~تفنى بفنائها إلى أن يعيد الله تعالى الخلق وما يعتريها من السعادة
~~والشقاوة وأخرى عن ظواهرها فقط كما عند النوم وإرسالها حينا بعد حين إلى
~~انقضاء آجالها.

### || [39.43]

# { أم اتخذوا } أي بل اتخذ قريش  فأم  منقطعة والاستفهام المقدر
~~لإنكار اتخاذهم { من دون الله شفعاء } تشفع لهم عند الله تعالى
~~في رفع العذاب، وقيل: في أمورهم الدنيوية والأخروية، وجوز كونها متصلة
~~بتقدير معادل كما ذكره ابن الشيخ في «حواشي البيضاوي» وهو تكلف لا حاجة
~~إليه. ومعنى { من دون الله } من دون رضاه أو إذنه لأنه سبحانه لا
~~يشفع عنده إلا من أذن له ممن أرضاه ومثل هذه الجمادات الخسيسة ليست مرضية
~~ولا مأذونة ولو لم يلاحظ هذا اقتضى أن الله تعالى شفيع ولا يطلق ذلك عليه
~~سبحانه أو التقدير أم اتخذوا آلهة سواه تعالى لتشفع لهم وهو يؤل لما ذكر.

# { قل أولو كانوا لا يملكون ms09304 شيئا ولا يعقلون }
~~أي أيشفعون حال تقدير عدم ملكهم شيئا من الأشياء وعدم وعقلهم إياه،
~~وحاصله أيشفعون وهم جمادات لا تقدر ولا تعلم فالهمزة داخلة على محذوف
~~والواو للحال والجملة حال من فاعل الفعل المحذوف. وذهب بعضهم إلى أنها
~~للعطف على شرطية قد حذفت لدلالة { لو كانوا لا يملكون } الخ
~~عليها أي أيشفعون لو كانوا يملكون شيئا ويعقلون ولو كانوا لا يملكون
~~شيئا ولا يعقلون، والمعنى على الحالية أيضا كأنه قيل: أيشفعون على كل
~~حال، وقال بعض المحققين من النحاة: إنها اعتراضية ويعني بالجملة
~~الاعتراضية ما يتوسط بين أجزاء الكلام متعلقا به معنى مستأنفا لفظا
~~على طريق الالتفات كقوله:

# فأنت طلاق والطلاق ألية

# وقوله:

# ترى كل من فيها وحاشاك فانيا

# وقد تجىء بعد تمام الكلام كقوله صلى الله عليه وسلم:

# " أنا سيد ولد آدم ولا فخر "

# وفي احتياج أداة الشرط في مثل هذا التركيب / إلى الجواب خلاف وعلى القول
~~بالاحتياج هو محذوف لدلالة ما قبل عليه وتحقيق الأقوال في كتب العربية.
~~وجوز أن يكون مدخول الهمزة المحذوف هنا الاتخاذ أي قل لهم أتتخذونهم
~~شفعاء ولو كانوا لا يملكون شيئا من الأشياء فضلا عن أن يملكوا الشفاعة
~~عند الله تعالى ولا يعقلون.

### || [39.44]

# { قل لله الشفعة جميعا } لعله كما قال الإمام رد لما
~~يجيبون به وهو أن الشفعاء ليست الأصنام أنفسها بل أشخاص مقربون هي
~~تماثيلهم. والمعنى أنه تعالى مالك الشفاعة كلها لا يستطيع أحد شفاعة ما
~~إلا أن يكون المشفوع [له] مرتضى والشفيع مأذونا له وكلاهما مفقودان
~~ههنا. وقد يستدل بهذه الآية على وجود الشفاعة في الجملة يوم القيامة لأن
~~الملك أو الاختصاص الذي هو مفاد اللام هنا يقتضي الوجود فالاستدلال بها
~~على نفي الشفاعة مطلقا في غاية الضعف.

# وقوله تعالى: { له ملك السموات والأرض } استئناف
~~تعليلي لكون الشفاعة جميعا له عز وجل كأنه قيل: له ذلك لأنه جل وعلا
~~مالك الملك كله فلا يتصرف أحد بشيء منه بدون إذنه ورضاه فالسماوات والأرض
~~كناية عن كل ما سواه سبحانه. وقوله ms09305 تعالى: { ثم إليه ترجعون
~~} عطف على قوله تعالى: { له ملك } الخ وكأنه تنصيص على مالكية
~~الآخرة التي فيها معظم نفع الشفاعة وإيماء إلى انقطاع الملك الصوري عما
~~سواه عز وجل. وجوز أن يكون عطفا على قوله تعالى: { لله
~~الشفعة } وجعله في «البحر» تهديدا لهم كأنه قيل: ثم إليه ترجعون
~~فتعلمون أنهم لا يشفعون لكم ويخيب سعيكم في عبادتهم. وتقديم { إليه }
~~للفاصلة وللدلالة على الحصر إذ المعنى إليه تعالى لا إلى أحد غيره سبحانه
~~لا استقلالا ولا اشتراكا ترجعون.

### || [39.45]

# { وإذا ذكر الله وحده } أي مفردا بالذكر ولم تذكر معه
~~آلهتهم، وقيل: أي إذا قيل لا إله إلا الله { اشمأزت قلوب
~~الذين لا يؤمنون بالأخرة } أي انقبضت ونفرت كما في قوله
~~تعالى:

# وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على
~~أدبارهم نفورا

# [الإسراء: 46] { وإذا ذكر الذين من دونه } فرادى أو مع
~~ذكر الله عز وجل { إذا هم يستبشرون } لفرط افتتانهم بهم
~~ونسيانهم حق الله تعالى. وقد بولغ في بيان حالهم القبيحة حيث بين الغاية
~~فيهما فإن الاستبشار أن يمتلىء القلب سرورا حتى ينبسط له بشرة الوجه،
~~والاشمئزاز أن يمتلىء غيظا وغما ينقبض عنه أديم الوجه كما يشاهد في وجه
~~العابس المحزون.

# و { إذا } الأولى: شرطية محلها النصب على الظرفية وعاملها الجواب عند
~~الأكثرين وهو { اشمأزت } أو الفعل الذي يليها وهو { ذكر } عند
~~أبي حيان وجماعة، وليست مضافة إلى الجملة التي تليها عندهم، وكذا {
~~إذا } الثانية، فالعامل فيها إما { ذكر } بعدها وإما {
~~يستبشرون } و { إذا } الثالثة فجائية رابطة لجملة الجزاء بجملة
~~الشرط كالفاء، فعلى القول بحرفيتها لا يعمل فيها شيء وعلى القول باسميتها
~~وأنها ظرف زمان أو مكان عاملها هنا خبر المبتدأ بعدها، وقال الزمخشري:
~~عاملها فعل مقدر مشتق من لفظ المفاجأة تقديره فاجاؤا وقت الاستبشار فهي
~~مفعول به، وجوز أن تكون فاعلا على معنى فاجأهم وقت الاستبشار، وهذا
~~الفعل المقدر هو جواب (إذا) الثانية فتتعلق به بناء على قول الأكثرين من
~~أن العامل في (إذا) جوابها، ولا يلزم تعلق ظرفين بعامل ms09306 واحد لأن الثاني
~~منهما ليس منصوبا على الظرفية. نعم قيل على الزمخشري: إنه لا سلف له
~~فيما ذهب إليه، وأنت تعلم أن الرجل في العربية لا يقلد غيره. ومن العجيب
~~قول الحوفي إن { إذا } الثالثة ظرفية جىء بها تكرارا لإذا قبلها
~~وتوكيدا وقد حذف شرطها والتقدير إذا كان ذلك هم يستبشرون، ولا ينبغي أن
~~يلتفت إليه أصلا.

# والآية في شأن المشركين مطلقا. وأخرج ابن مردويه عن ابن / عباس أنه فسر
~~{ الذين لا يؤمنون بالأخرة } بأبي جهل بن هشام والوليد
~~بن عقبة وصفوان وأبي بن خلف، وفسر { الذين من دونه } باللات
~~والعزى وكأن ذلك تنصيص على بعض أفراد العام. وأخرج ابن المنذر وغيره عن
~~مجاهد أن الآية حكت ما كان من المشركين يوم قرأ النبي صلى الله عليه
~~وسلم

# والنجم

# [النجم: 1] عند باب الكعبة، وهذا أيضا لا ينافي العموم كما لا يخفى.
~~وقد رأينا كثيرا من الناس على نحو هذه الصفة التي وصف الله تعالى بها
~~المشركين يهشون لذكر أموات يستغيثون بهم ويطلبون منهم ويطربون من سماع
~~حكايات كاذبة عنهم توافق هواهم واعتقادهم فيهم ويعظمون من يحكي لهم ذلك
~~وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه عز وجل
~~وسرد ما يدل على مزيد عظمته وجلاله وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة
~~وينسبونه إلى ما يكره، وقد قلت يوما لرجل يستغيث في شدة ببعض الأموات
~~وينادي يا فلان أغثني فقلت له: قل يا الله فقد قال سبحانه:

# وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة
~~الداع إذا دعان

# [البقرة: 186] فغضب وبلغني أنه قال: فلان منكر على الأولياء، وسمعت عن
~~بعضهم أنه قال: الولي أسرع إجابة من الله عز وجل وهذا من الكفر بمكان
~~نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزيغ والطغيان.

### || [39.46]

# أمر بالدعاء والالتجاء إلى الله تعالى لما قاساه في أمر دعوتهم وناله من
~~شدة شكيمتهم في المكابرة والعناد فإنه تعالى القادر على الأشياء بجملتها
~~والعالم بالأحوال برمتها، والمقصود من الأمر بذلك بيان حالهم ووعيدهم
~~وتسلية حبيبه الأكرم ms09307 صلى الله عليه وسلم وأن جده وسعيه معلوم مشكور عنده
~~عز وجل وتعليم العباد الالتجاء إلى الله تعالى والدعاء بأسمائه العظمى.
~~ولله تعالى در الربيع بن خيثم فإنه لما سئل عن قتل الحسين رضي الله تعالى
~~عنه تأوه وتلا هذه الآية، فإذا ذكر لك شيء مما جرى بين الصحابة قل: {
~~اللهم فاطر السموات } الخ فإنه من الآداب التي ينبغي أن
~~تحفظ.

# وتقديم المسند إليه في { أنت تحكم } للحصر أي أنت تحكم وحدك بين
~~العباد فيما استمر اختلافهم فيه حكما يسلمه كل مكابر معاند ويخضع له كل
~~عات مارد وهو العذاب الدنيوي أو الأخروي، والمقصود من الحكم بين العباد
~~الحكم بينه عليه الصلاة والسلام وبين هؤلاء الكفرة.

### || [39.47]

# { ولو أن للذين ظلموا ما فى الأرض جميعا } الخ
~~قيل مستأنف مسوق لبيان آثار الحكم الذي استدعاه النبي صلى الله عليه
~~وسلم وغاية شدته وفظاعته أي لو أن لهم جميع ما في الدنيا من الأموال
~~والذخائر { ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب
~~يوم القيمة } أي لجعلوا كل ذلك فدية لأنفسهم من العذاب السيء
~~الشديد. وقيل الجملة معطوفة على مقدر والتقدير فأنا أحكم بينهم وأعذبهم
~~ولو علموا ذلك ما فعلوا ما فعلوا، والأول أظهر. وليس المراد إثبات
~~الشرطية بل التمثيل لحالهم بحال من يحاول التخلص والفداء مما هو فيه بما
~~ذكر فلا يتقبل منه، وحاصله أن العذاب لازم لهم لا يخلصون منه ولو فرض هذا
~~المحال ففيه من الوعيد والإقناط ما لا يخفى.

# وقوله تعالى: { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا
~~يحتسبون } أي ظهر لهم من فنون العقوبات ما لم يكن في حسابهم زيادة
~~مبالغة في الوعيد، ونظير ذلك في الوعد قوله تعالى:

# فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين

# [السجدة: 17] والجملة قيل: الظاهر أنها حال من فاعل { افتدوا }.

### || [39.48]

# { وبدا لهم } حين تعرض عليهم صحائفهم { سيئات ما كسبوا
~~} أي الذي كسبوه وعملوه على أن { ما } موصولة أو كسبهم وعملهم على أنها
~~مصدرية. وإضافة { سيئات } على معنى من أو اللام ms09308 { وحاق } أي أحاط
~~{ بهم ما كانوا به يستهزئون } أي جزاء ذلك على أن الكلام
~~على تقدير المضاف أو على أن هناك مجازا بذكر السبب وإرادة مسببه، و {
~~ما } محتملة للموصولية والمصدرية أيضا.

### || [39.49]

# { فإذا مس الإنسن ضر دعانا } إخبار عن الجنس بما يغلب
~~فيه، وقيل: المراد بالإنسان حذيفة بن المغيرة، وقيل: الكفرة { ثم
~~إذا خولنه نعمة منا } أي أعطيناه إياها تفضلا فإن
~~التخويل على ما قيل مختص به لا يطلق على ما أعطى جزاء { قال إنما
~~أوتيته على علم } أي على علم مني بوجوه كسبه أو بأني سأعطاه
~~لما لي من الاستحقاق أو على علم من الله تعالى بي وباستيجابي. و(إنما)
~~للحصر أي ما أوتيته لشيء من الأشياء إلا لأجل علم، والهاء للنعمة،
~~والتذكير لتأويلها بشيء من النعم، والقرينة على ذلك التنكير، وقيل: لأنها
~~بمعنى الإنعام، وقيل: لأن المراد بها المال، وقيل: لأنها تشتمل على مذكر
~~ومؤنث فغلب المذكر، وجوز أن يكون لما في { إنما } على أنها موصولة أي
~~إن الذي أوتيته كائن على علم ويبعد موصوليتها كتابتها متصلة في المصاحف.

# { بل هى فتنة } رد لقوله ذلك، والضمير للنعمة باعتبار لفظها كما
~~أن الأول لها باعتبار معناها، واعتبار اللفظ بعد اعتبار المعنى جائز وإن
~~كان الأكثر العكس، وجوز أن يكون التأنيث باعتبار الخبر، وقيل: هو ضمير
~~الإتيانة وقرىء بالتذكير فهو للنعمة أيضا كالذي مر أو للإتيان أي ليس
~~الأمر كما يقول بل ما أوتيه امتحان له أيشكر أم يكفر؟ وأخبر عنه بالفتنة
~~مع أنه آلة لها لقصد المبالغة، ونحو هذا يقال على تقدير عود الضمير
~~للإتيانة أو الإتيان.

# { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن الأمر كذلك وهذا ظاهر
~~في أن المراد بالإنسان الجنس إذ لو أريد العهد لقيل لكنه لا يعلم أو
~~لكنهم لا يعلمون وإرادة العهد هناك وإرجاع الضمير للمطلق هنا على أنه
~~استخدام نظير عندي درهم ونصفه تكلف.

# والفاء للعطف وما بعدها عطف على قوله تعالى:

# وإذا ذكر الله وحده

# [الزمر: 45] الخ وهي لترتيبه عليه والغرض منه التهكم والتحميق، ms09309 وفيه
~~ذمهم بالمناقضة والتعكيس حيث إنهم يشمئزون عن ذكر الله تعالى وحده
~~ويستبشرون بذكر الآلهة فإذا مسهم ضر دعوا من اشمأزوا من ذكره دون من
~~استبشروا بذكره، وهذا كما تقول: فلان يسىء إلى فلان فإذا احتاج سأله
~~فأحسن إليه، ففي الفاء استعارة تبعية تهكمية، وقيل: يجوز أن تكون للسببية
~~داخلة على السبب لأن ذكر المسبب يقتضي ذكر سببه لأن ظهور

# ما لم يكونوا يحتسبون

# [الزمر: 47] الخ مسبب عما بعد الفاء إلا أنه يتكرر مع قوله تعالى الآتي:

# والذين ظلموا من هؤلاء

# [الزمر: 51] إلى آخره إن لم يتغايرا بكون أحدهما في الدنيا والآخر في
~~الأخرى، وإلى ما قدمنا ذهب الزمخشري، والجمل الواقعة في البين عليه أعني
~~قوله سبحانه:

# قل اللهم

# [الزمر: 46] إلى

# يستهزئون

# [الزمر: 48] اعتراض مؤكد للإنكار عليهم، وزعم أبو حيان أن في ذلك تكلفا
~~واعتراضا بأكثر من جملتين وأبو علي الفارسي لا يجيز الاعتراض بجملتين
~~فكيف يجيزه بالأكثر؟ وأنا أقول: لا بأس بذلك لا سيما وقد تضمن معنى
~~دقيقا لطيفا، والفارسي محجوج بما ورد في كلام العرب من ذلك.

### || [39.50]

# { قد قالها الذين من قبلهم } ضمير { قالها } لقوله
~~تعالى:

# إنما أوتيته على علم

# [الزمر: 49] لأنها كلمة أو جملة، وقرىء بالتذكير أي القول أو الكلام
~~المذكور، و { الذين من قبلهم } قارون وقومه فإنه قال ورضوا به
~~فالإسناد من باب إسناد ما للبعض إلى الكل وهو مجاز عقلي. / وجوز أن يكون
~~التجوز في الظرف فقالها الذين من قبلهم بمعنى شاعت فيهم، والشائع الأول،
~~والمراد قالوا مثل هذه المقالة أو قالوها بعينها ولاتحاد صورة اللفظ تعد
~~شيئا واحدا في العرف { فمآ أغنى عنهم ما كانوا
~~يكسبون } من متاع الدنيا ويجمعونه منه.

### || [39.51]

# { فأصابهم سيئات ما كسبوا } أي أصابهم جزاء سيئات كسبهم
~~أو الذي كسبوه على أن الكلام بتقدير مضاف أو أنه تجوز بالسيئات عما تسبب
~~عنها وقد يقال لجزاء السيئة سيئة مشاكلة نحو قوله تعالى:

# وجزاء سيئة سيئة مثلها

# [الشورى: 40] فيكون ما هنا من المشاكلة التقديرية، وإذا كان المعنى على
~~جعل جزاء جميع ms09310 ما كسبوا سيئا دل الكلام على أن جميع ما كسبوا سيء إذ لو
~~كان فيه حسن جوزي عليه جزاء حسنا. وفيه من ذمهم ما فيه.

# { والذين ظلموا من هؤلاء } المشركين، و { من } للبيان
~~فإنهم كلهم كانوا ظالمين إذ الشرك ظلم عظيم، أو للتبعيض فالمراد بالذين
~~ظلموا من أصر على الظلم حتى تصيبهم قارعة وهم بعض منهم { سيصيبهم
~~سيئات ما كسبوا } كما أصاب الذين من قبلهم، والمراد به العذاب
~~الدنيوي وقد قحطوا لسبع سنين، وقتل: ببدر صناديدهم وقيل العذاب الأخروي،
~~وقيل: الأعم، ورجح الأول بأنه الأوفق للسياق. وأشير بقوله تعالى: { وما
~~هم بمعجزين } أي بفائتين على ما قيل إلى العذاب الأخروي.

### || [39.52]

# { أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء }
~~أن يبسطه له { ويقدر } لمن يشاء أن يقدر له من غير أن يكون لأحد ما
~~مدخل في ذلك حيث حبس عنهم الرزق سبعا ثم بسطه لهم سبعا { إن فى
~~ذلك } الذي ذكر { لأيات } دالة على أن الحوادث كافة من الله تعالى
~~شأنه والأسباب في الحقيقة ملغاة { لقوم يؤمنون } إذ هم
~~المستدلون بها على مدلولاتها.

### || [39.53]

# { قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم } أي
~~أفرطوا في المعاصي جانين عليها. وأصل الإسراف الإفراط في صرف المال ثم
~~استعمل فيما ذكر مجازا بمرتبتين على ما قيل، وقال الراغب: ((هو تجاوز
~~الحد في كل فعل يفعله الإنسان وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر)) وهذا ظاهر
~~في أنه حقيقة فيما ذكرنا وهو حسن. وضمن معنى الجناية ليصح تعديه بعلى
~~والمضمن لا يلزم فيه أن يكون معناه حقيقيا، وقيل: هو مضمن معنى الحمل،
~~وحمل غير واحد الإضافة في { عبادي } على العهد أو على التشريف، وذهبوا
~~إلى أن المراد بالعباد المؤمنون وقد غلب استعماله فيهم مضافا إليه عز
~~وجل في القرآن العظيم فكأنه قيل: أيها المؤمنون المذنبون { لا
~~تقنطوا من رحمة الله } أي لا تيأسوا من مغفرته سبحانه
~~وتفضله عز وجل على أن المغفرة مدرجة في الرحمة أو أن الرحمة مستلزمة لها
~~لأنه لا يتصور الرحمة لمن لم يغفر ms09311 له، وتعليل النهي بقوله تعالى: { إن
~~الله يغفر الذنوب جميعا } يقتضي دخولها في المعلل،
~~والتذييل بقوله سبحانه: { إنه هو الغفور الرحيم } كالصريح
~~في ذلك.

# وجوز أن يكون في الكلام صنعة الاحتباك كأنه قيل: لا تقنطوا من رحمة الله
~~ومغفرته إن الله يغفر الذنوب جميعا ويرحم، وفيه بعد، وقالوا: المراد
~~بمغفرة الذنوب التجافي عنها وعدم المؤاخذة بها في الظاهر والباطن وهو
~~المراد بسترها، وقيل: المراد بها محوها من الصحائف بالكلية مع التجافي
~~عنها وأن الظاهر إطلاق الحكم وتقييده بالتوبة خلاف الظاهر كيف لا وقوله
~~تعالى:

# إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون
~~ذلك لمن يشاء

# [النساء: 48] ظاهر في الإطلاق فيما عدا الشرك، ويشهد للإطلاق أيضا
~~أمور، الأول: نداؤهم بعنوان العبودية فإنها تقتضي المذلة وهي أنسب بحال
~~العاصي إذا لم يتب واقتضاؤها للترحم ظاهر. الثاني: الاختصاص الذي تشعر به
~~الإضافة إلى ضميره تعالى فإن السيد من شأنه أن يرحم عبده ويشفق عليه.
~~الثالث: تخصيص ضرر الإسراف المشعرة به { على } بأنفسهم فكأنه قيل: ضرر
~~الذنوب عائد عليهم لا علي فيكفي ذلك من غير ضرر آخر كما في المثل أحسن
~~إلى من أساء كفى المسيء إساءته، فالعبد إذا أساء ووقف بين يدي سيده
~~ذليلا خائفا عالما بسخط سيده عليه ناظرا لإكرام غيره ممن أطاع لحقه
~~ضرر إذ استحقاق العقاب عقاب عند ذوي الألباب.

# الرابع: النهي عن القنوط مطلقا عن الرحمة فضلا عن المغفرة وإطلاقها.
~~الخامس: إضافة الرحمة إلى الاسم الجليل المحتوي على جميع معاني الأسماء
~~على طريق الالتفات فإن ذلك ظاهر في سعتها وهو ظاهر في شمولها التائب
~~وغيره. السادس: التعليل بقوله تعالى: { إن الله } الخ فإن التعليل
~~يحسن مع الاستبعاد وترك القنوط من الرحمة مع عدم التوبة أكثر استبعادا
~~من تركه مع التوبة.

# السابع: وضع الاسم الجليل فيه موضع الضمير لإشعاره بأن المغفرة من
~~مقتضيات ذاته لا لشيء آخر من توبة أو غيرها. الثامن: تعريف الذنوب فإنه
~~في مقام التمدح ظاهر في الاستغراق فتشمل الذنب الذي يعقبه التوبة والذي
~~لا ms09312 تعقبه. التاسع: التأكيد بالجميع. العاشر: التعليل بأنه هو الخ. الحادي
~~عشر: التعبير بالغفور فإنه صيغة مبالغة وهي إن كانت باعتبار الكم شملت
~~المغفرة جميع الذنوب أو باعتبار الكيف شملت الكبائر بدون توبة. الثاني
~~عشر: حذف معمول { الغفور } فإن حذف المعمول يفيد العموم. الثالث عشر:
~~إفادة الجملة الحصر فإن من المعلوم أن الغفران قد يوصف به غيره تعالى
~~فالمحصور فيه سبحانه إنما هو الكامل العظيم وهو ما يكون بلا توبة. الرابع
~~عشر: المبالغة في ذلك الحصر. الخامس عشر: الوعد بالرحمة بعد المغفرة فإنه
~~مشعر بأن العبد غير مستحق للمغفرة لولا رحمته وهو ظاهر فيما إذا لم يتب.
~~السادس عشر: التعبير بصيغة المبالغة فيها. السابع عشر: إطلاقها.

# ومنع المعتزلة مغفرة الكبائر والعفو عنها من غير توبة وقالوا: إنها وردت
~~في غير موضع من القرآن الكريم مقيدة بالتوبة فإطلاقها هنا يحمل على
~~التقييد لاتحاد الواقعة وعدم احتمال النسخ، وكون القرآن في حكم كلام
~~واحد، وأيدوا ذلك بقوله تعالى: { وأنيبوا إلى ربكم
~~وأسلموا له... }

### || [39.54]

# فإنه عطف على

# لا تقنطوا

# [الزمر: 53] والتعليل معترض، وبعد تسليم حديث حمل الإطلاق على التقييد
~~يكون عطفا لتتميم الإيضاح كأنه قيل: لا تقنطوا من رحمة الله تعالى
~~فتظنوا أنه لا يقبل توبتكم وأنيبوا إليه تعالى وأخلصوا له عز وجل. وأجاب
~~بعض الجماعة بمنع وجوب حمل الإطلاق على التقييد في كلام واحد نحو أكرم
~~الفضلاء أكرم الكاملين فضلا عن كلام لا يسلم كونه في حكم كلام واحد
~~وحينئذ لا يكون المعطوف شرطا للمعطوف عليه إذ ليس من تتمته. وقيل إن
~~الأمر بالتوبة والإخلاص لا يخل بالإطلاق إذ ليس المدعى أن الآية تدل على
~~حصول المغفرة لكل أحد من غير توبة وسبق تعذيب لتغني عن الأمر بهما وتنافي
~~الوعيد بالعذاب.

# وقال بعض أجلة المدققين: إن قوله تعالى:

# يعبادى الذين أسرفوا

# [الزمر: 53] خطاب للكافرين والعاصين وإن كان المقصود الأولي الكفار
~~لمكان القرب وسبب النزول، فقد أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس أنه
~~قال: إن أهل مكة قالوا: يزعم محمد صلى ms09313 الله عليه وسلم أنه من عبد الأوثان
~~ودعا مع الله تعالى إلها آخر وقتل / النفس التي حرم الله لم يغفر له
~~فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس ونحن أهل شرك؟ فأنزل
~~الله تعالى:

# قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم

# [الزمر: 53] الخ.

# وأخرج ابن جرير عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: نزلت هذه الآيات
~~في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا أسلموا
~~ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا فكنا نقول: لا يقبل الله تعالى من هؤلاء صرفا
~~ولا عدلا أبدا أقوام أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوه فنزلت هؤلاء
~~الآيات وكان عمر رضي الله تعالى عنه كاتبا فكتبها بيده ثم كتب بها إلى
~~عياش وإلى الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا.

# وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت هذه الآيات الثلاث

# قل يعبادى

# [الزمر: 53] إلى

# وأنتم لا تشعرون

# [الزمر: 55] بالمدينة في وحشي وأصحابه وتخلل قوله تعالى:

# إن الله يغفر الذنوب جميعا

# [الزمر: 53] بين المعطوفين تعليلا للجزء الأول قبل الوصول إلى الثاني
~~للدلالة على سعة رحمته تعالى وأن مثله حقيق بأن يرجى وإن عظم الذنب لا
~~سيما وقد عقب بقوله تعالى: { إنه هو } الآية الدال على انحصار
~~الغفران والرحمة على الوجه الأبلغ فالوجه أن يجري على عمومه ليناسب عموم
~~الصدر ولا يقيد بالتوبة لئلا ينافي غرض التخلل مع أنه جمع محلى باللام،
~~وقد أكد بما صار نصا في الاستغراق، ولا يغني المعتزلي أن القرآن العظيم
~~كالكلام الواحد وأنه سليم من التناقض بل يضره، وكذلك ما ذكر من أسباب
~~النزول انتهى.

# وقد تضمن الإشارة إلى بعض مؤكدات الإطلاق التي حكيناها آنفا. والذي
~~يترجح في نظري ما أختاره من عموم الخطاب في

# يعبادى

# [الزمر: 53] للعاصين والكافرين، وأمر الإضافة سهل، وإن قوله تعالى: {
~~إن الله يغفر الذنوب جميعا } مقيد بلمن يشاء بقرينة
~~التصريح به في قراءة عبد الله هنا، وكون الأمور كلها معلقة بالمشيئة ولا
~~نسلم أن متعلق المشيئة التائب وحده، وكونها تابعة للحكمة على تقدير ms09314 صحته
~~لا ينفع إذ دون إثبات كون المغفرة لغير التائب منافية للحكمة خرط القتاد.
~~نعم لا تتعلق بالمشرك ما لم يؤمن لقوله تعالى:

# إن الله لا يغفر أن يشرك به

# [النساء: 48] فمغفرة الشرك مشروطة بالإيمان فالمشرك داخل فيمن يشاء لكن
~~بالشرط المعروف، واعتبار الشرط فيه لا يضر في عدم اعتبار شرط التوبة في
~~العاصي بما دونه.

# ويشهد لذلك ما أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» وابن جرير وابن أبي حاتم
~~وابن مردويه والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ثوبان قال: سمعت رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم يقول:

# " ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية { يعبادى الذين
~~أسرفوا على أنفسهم } إلى آخر الآية فقال رجل: يا رسول الله
~~ومن أشرك؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ساعة ثم قال: ألا ومن أشرك
~~ثلاث مرات "

# لا يقال المغفرة لمن أشرك بشرط الإسلام أمر واضح فلا يجوز أن تخفى على
~~السائل وعليه عليه الصلاة والسلام حتى يسكت لانتظار الوحي أو الاجتهاد
~~لأنا نقول: السؤال للاستبعاد من حيث العادة والسكوت لتعليم سلوك طريق
~~التأني والتدبر وإن كان الأمر واضحا. وقيل: الظاهر أنه لانتظار الإذن أو
~~الاجتهاد في التصريح بعموم المغفرة فإنهم ربما اتكلوا على ذلك فيخشى
~~التفريط في العمل وهو لا ينافي التعليم فإنه عليه الصلاة والسلام إنما
~~يعلمهم التدبر بعد أن يتدبر هو في نفسه صلى الله عليه وسلم. وزعم أن
~~الحديث دال على اشتراط التوبة ليس بشيء، ويؤيد إطلاق المغفرة عن قيد
~~التوبة ما أخرجه الإمام أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن
~~المنذر وابن الأنباري في «المصاحف» والحاكم وابن مردويه عن أسماء بنت
~~يزيد قالت: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ { يا عبادي الذين
~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا -
~~ولا يبالي - إنه هو الغفور الرحيم } فإنه ليس للا يبالي كثير حسن إن /
~~كانت المغفرة مشروطة بالتوبة كما لا يخفى، وكذا ما أخرجه ابن جرير عن ابن
~~سيرين قال: ms09315 قال علي كرم الله تعالى وجهه أي آية أوسع؟ فجعلوا يذكرون آيات
~~من القرآن

# ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه

# [النساء: 110] الآية ونحوها فقال علي كرم الله تعالى وجهه: ما في القرآن
~~أوسع آية من

# قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم

# [الزمر: 53] الآية. والمؤكدات السابقة أعني السبعة عشر لا يخلو بعضها عن
~~بحث.

# والظاهر أن مغفرة ذنب لا تجامع العذاب عليه أصلا، وذهب بعضهم إلى أنها
~~تجامعه إذا كان أنقص من الذنب لا إذا كان بمقداره فمن عذب بمقدار ذنبه في
~~النار، وأخرج منها لا يقال إنه غفر له إذ السيئات إنما تجزى بأمثالها،
~~وقيل: تجامعه مطلقا وكون السيئات لا تجزى إلا بأمثالها بلطفه تعالى
~~أيضا فهو نوع من عفوه عز وجل وفيه ما فيه فتأمل.

# وأصل الإنابة الرجوع. ومعنى { وأنيبوا إلى ربكم } الخ أي
~~ارجعوا إليه سبحانه بالإعراض عن معاصيه والندم عليها، وقيل: بالانقطاع
~~إليه تعالى بالعبادة، وذكر الرب كالتنبيه على العلة، وقال القشيري:
~~الإنابة الرجوع بالكلية، والفرق بين الإنابة والتوبة أن التائب يرجع من
~~خوف العقوبة والمنيب يرجع استحياء لكرمه تعالى، والإسلام له سبحانه:
~~الإخلاص في طاعاته عز وجل. وذكر أن الإخلاص بعد الإنابة أن يعلم العبد أن
~~نجاته بفضل الله تعالى لا بإنابته فبفضله سبحانه وصل إلى إنابته لا
~~بإنابته وصل إلى فضله جل فضله. وعن ابن عباس من حديث أخرجه ابن جرير وابن
~~المنذر عنه «من آيس العباد من التوبة فقد جحد كتاب الله تعالى ولكن لا
~~يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله تعالى عليه».

### || [39.55]

# { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم }
~~الظاهر أنه خطاب للعباد المخاطبين فيما تقدم سواء أريد بهم المؤمنون أو
~~ما يعمهم والكافرين. والمراد بما أنزل القرآن وهو كما أنزل إلى المؤمنين
~~أنزل إلى الكافرين ضرورة أنه أنزل عليه صلى الله عليه وسلم لدعوة الناس
~~كافة، والمراد بأحسنه ما تضمن الإرشاد إلى خير الدارين دون القصص ونحوها
~~أو المأمور به أو العزائم أو الناسخ، وأفعل على الأول والثالث على ظاهره ms09316
~~وعلى الثاني والرابع فيه احتمالان؛ وقيل: لعل الأحسن ما هو أنجى وأسلم
~~كالإنابة والمواظبة على الطاعة وأفعل فيه على ظاهره أيضا. وجوز أن يكون
~~الخطاب للجنس، والمراد بما أنزل الكتب السماوية وبأحسنه القرآن، وفيه
~~ارتكاب خلاف الظاهر. وفي ذكر الرب ترغيب في الاتباع { من قبل أن
~~يأتيكم العذاب بغتة } أي فجأة { وأنتم لا
~~تشعرون } لا تعلمون أصلا بمجيئه فتتداركون ما يدفعه.

### || [39.56]

# { أن تقول نفس } في موضع المفعول له بتقدير مضاف، وقدره الزمخشري
~~كراهة وهو منصوب بفعل محذوف يدل عليه ما قبل أي أنذركم وأمركم بأحسن ما
~~أنزل إليكم كراهة أن تقول، ومن لا يشترط للنصب اتحاد الفاعل يجوز كون
~~الناصب

# أنيبوا

# [الزمر: 54] أو

# اتبعوا

# [الزمر: 55] وأيا ما كان فهذه الكراهة مقابل الرضا دون الإرادة فلا
~~اعتزال في تقديرها، وهو أولى من تقدير مخافة كما فعل الحوفي حيث قال: أي
~~أنذرناكم مخافة أن تقول، وابن عطية جعل العامل { أنيبوا } ولم يقدر
~~شيئا من الكراهة والمخافة حيث قال: أي أنيبوا من أجل أن تقول، وذهب بعض
~~النحاة إلى أن التقدير لئلا تقول. وتنكير { نفس } للتكثير بقرينة
~~المقام كما في قول الأعشى:

# ورب بقيع لو هتفت بحوه

# أتاني كريم ينفض الرأس مغضبا

# فأنه أراد أفواجا من الكرام ينصرونه لا كريما واحدا، وجوز أن يكون
~~للتبعيض لأن القائل بعض الأنفس واستظهره أبو حيان، قيل: ويكفي ذلك في
~~الوعيد لأن كل نفس يحتمل أن تكون ذلك، وجوز أيضا أن / يكون للتعظيم أي
~~نفس متميزة من الأنفس إما بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عظيم، وليس بذاك.

# { يا حسرتى } بالألف بدل ياء الإضافة، والمعنى كما قال سيبويه يا
~~حسرتي احضري فهذا وقتك. وقرأ ابن كثير في الوقف { يا حسرتاه } بهاء
~~السكت. وقرأ أبو جعفر { يا حسرتي } بياء الإضافة، وعنه { يا حسرتاي }
~~بالألف والياء التحتية مفتوحة أو ساكنة جمعا بين العوض والمعوض كذا قيل،
~~ولا يخفى أن مثل هذا غير جائز اللهم إلا شاذا استعمالا وقياسا،
~~فالأوجه أن يكون ثنى الحسرة مبالغة على نحو «لبيك وسعديك» ms09317 وأقام بين
~~ظهريهم وظهرانيهم على لغة بلحرث بن كعب من إبقاء المثنى على الألف في
~~الأحوال كلها، واختار ذلك صاحب «الكشف»، وجوز أبو الفضل الرازي أيضا في
~~كتابه «اللوامح» أن تكون التثنية على ظاهرها على تلك اللغة، والمراد حسرة
~~فوت الجنة وحسرة دخول النار، واعتبار التكثير أولى لكثرة حسراتهم يوم
~~القيامة.

# { على ما فرطت } أي بسبب تفريطي  فعلى  تعليلية و (ما)
~~مصدرية كما في قوله تعالى:

# ولتكبروا الله على ما هداكم

# [البقرة: 185] والتفريط التقصير { فى جنب الله } أي جانبه، قال
~~الراغب: ((أصل الجنب الجارحة ثم يستعار للناحية والجهة التي تليها
~~كعادتهم في استعارة سائر الجوارح لذلك نحو اليمين والشمال))، والمراد هنا
~~الجهة مجازا، والكلام على حذف مضاف أي في جنب طاعة الله أو في حقه تعالى
~~أي ما يحق له سبحانه ويلزم وهو طاعته عز وجل؛ وعلى ذلك قول سابق البربري
~~من شعراء «الحماسة»:

# أما تتقين الله في جنب عاشق

# له كبد حرى عليك تقطع

# والتفريط في جهة الطاعة كناية عن التفريط في الطاعة نفسها لأن من ضيع
~~جهة ضيع ما فيها بطريق الأولى الأبلغ لكونه بطريق برهاني، ونظير ذلك قول
~~زياد الأعجم:

# إن السماحة والمروءة والندى

# في قبة ضربت على ابن الحشرج

# ولا مانع من أن يكون للطاعة وكذا حق الله تعالى بمعنى طاعته سبحانه جهة
~~بالتبعية للمطيع كمكان السماحة وما معها في البيت، ومما ذكرنا يعلم أنه
~~لا مانع من الكناية كما توهم. وقال الإمام: سمي الجنب جنبا لأنه جانب من
~~جوانب الشيء، والشيء الذي يكون من لوازم الشيء وتوابعه يكون كأنه جند من
~~جنوده وجانب من جوانبه فلما حصلت المشابهة بين الجنب الذي هو العضو وبين
~~ما يكون لازما للشيء وتابعا له لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب على الحق
~~والأمر والطاعة انتهى. وجعلوا في الكلام عليه استعارة تصريحية وليس هناك
~~مضاف مقدر، وليس بذاك. وقول ابن عباس: يريد على ما ضيعت من ثواب الله،
~~ومقاتل: على ما ضيعت من ذكر الله؛ ومجاهد والسدي: على ما فرطت ms09318 في أمر
~~الله، والحسن: في طاعة الله، وسعيد بن جبير: في حق الله بيان لحاصل
~~المعنى، وقيل: الجنب مجاز عن الذات كالجانب أو المجلس يستعمل مجازا
~~لربه، فيكون المعنى على ما فرطت في ذات الله. وضعف بأن الجنب لا يليق
~~إطلاقه عليه تعالى ولو مجازا، وركاكته ظاهرة أيضا، وقيل: هو مجاز عن
~~القرب أي على ما فرطت في قرب الله. وضعف بأنه محتاج إلى تجوز آخر، ويرجع
~~الأمر في الآخرة إلى طاعة الله تعالى ونحوها. وبالجملة لا يمكن إبقاء
~~الكلام على حقيقته لتنزهه عز وجل من الجنب بالمعنى الحقيقي. ولم أقف على
~~عد أحد من السلف إياه من الصفات السمعية، ولا أعول على ما في «المواقف»،
~~وعلى فرض العد / كلامهم فيها شهير وكلهم مجمعون على التنزيه وسبحان من
~~ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وفي حرف عبد الله وحفصة { فى ذكر
~~الله }.

# { وإن كنت لمن السخرين } أي المستهزئين بدين الله تعالى
~~وأهله، و { إن } هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة والجملة في محل
~~النصب على الحال عند الزمخشري أي فرطت في حال سخريتي. وقال في «البحر»:
~~ويظهر أنها استئناف إخبار عن نفسه بما كان عليه في الدنيا لا حال.
~~والمقصود من ذلك الإخبار التحسر والتحزن.

### || [39.57]

# أي من الشرك والمعاصي. وفسر غير واحد الهداية هنا بالإرشاد والدلالة
~~الموصلة بناء على أنه الأنسب بالشرطية والمطابق للرد بقوله سبحانه:

# بلى

# [الزمر: 59] الخ، وفسرها أبو حيان بخلق الاهتداء، وأيا ما كان فالظاهر
~~أن هذه المقالة في الآخرة.

### || [39.58]

# { أو تقول حين ترى العذاب لو أن لى كرة } أي
~~رجوعا إلى الحياة الدنيا { فأكون من المحسنين } في العقيدة
~~والعمل. و { لو } للتمني { فأكون } منصوب في جوابها، وجوز في
~~«البحر» أن يكون منتصبا بالعطف على { كرة } إذ هو مصدر فيكون مثل
~~قوله:

# فما لك عنها غير ذكرى وحسرة

# وتسأل عن ركبانها أين يمموا

# وقول الآخر:

# ولبس عباءة وتقر عيني

# أحب لي من لبس الشفوف

# ثم قال: والفرق بينهما أن الفاء إذا كانت في جواب ms09319 التمني كانت (أن)
~~واجبة الإضمار وكان الكون مترتبا على حصول المتمني لا متمنى، وإذا كانت
~~للعطف على { كرة } جاز إظهار (أن) وإضمارها وكان الكون متمني. وقوله
~~تعالى: { بلى قد جاءتك ءايتي فكذبت بها... }

### || [39.59]

# جواب من الله عز وجل لما تضمنه قول القائل

# لو أن الله هداني

# [الزمر: 57] من نفي أن يكون الله تعالى هداه ورد عليه، ولا يشترط في
~~الجواب ببلى تقدم النفي صريحا وقد وقع في موقعه اللائق به لأنه لو قدم
~~على القرينة الأخيرة أعني

# أو تقول حين ترى العذاب

# [الزمر: 58] الخ وأوقع بعده غير مفصول بنيهما بها لم يحسن لتبتير النظم
~~الجليل، فإن القرائن الثلاث متناسبة متناسقة متلاصقة، والتناسب بينهن أتم
~~من التناسب بين القرينة الثانية وجوابها، ولو أخرت القرينة الثانية وجعلت
~~الثالثة ثانية لم يحسن أيضا لأن رعاية الترتيب المعنوي وهي أهم تفوت إذ
~~ذاك، وذلك لأن التحسر على التفريط عند تطاير الصحف على ما يدل عليه مواضع
~~من القرآن العظيم، والتعلل بعدم الهداية إنما يكون بعد مشاهدة حال
~~المتقين واغتباطهم، ولأنه للتسلي عن بعض التحسر أو من باب تمسك الغريق
~~فهو لا حق وتمني الرجوع بعد ذوق النار، ألا ترى إلى قوله تعالى:

# إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا نرد ولا
~~نكذب

# [الأنعام: 27] وكذلك لو حمل الوقوف على الحبس على شفيرها أو مشاهدتها،
~~وكل بعد مشاهدة حال المتقين وما لقوا من خفة الحساب والتكريم في الموقف،
~~ولأن اللجأ إلى التمني بعد تحقق أن لا جدوى للتعليل. وقال الطيبي: إن
~~النفس عند رؤية أهوال يوم القيامة يرى الناس مجزيين بأعمالهم فيتحسر على
~~تفويت الأعمال عليها ثم قد يتعلل بأن التقصير لم يكن مني فإذا نظر وعلم
~~أن التقصير كان منه تمنى الرجوع، ثم الظاهر من السياق أن النفوس جمعت بين
~~الأقوال الثلاثة  فأو  لمنع الخلو، وجيء بها تنبيها على أن كل واحد
~~يكفي صارفا عن إيثار الكفر وداعيا إلى الإنابة واتباع أحسن ما أنزل
~~وتذكير الخطاب في { جاءتك } الخ على المعنى / لأن المراد بالنفس الشخص ms09320
~~وإن كان لفظها مؤنثا سماعيا.

# وقرأ ابن يعمر والجحدري وأبو حيوة والزعفراني وابن مقسم ومسعود بن صالح
~~والشافعي عن ابن كثير ومحمد بن عيسى في اختياره والعبسي { جاءتك } الخ
~~بكسر الكاف والتاء، وهي قراءة أبي بكر الصديق وابنته عائشة رضي الله
~~تعالى عنهما، وروتها أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ الحسن.
~~والأعمش. والأعرج (جأتك) بالهمز من غير مد بوزن فعتك، وهو على ما قال أبو
~~حيان: مقلوب من جاءتك قدمت لام الكلمة وأخرت العين فسقطت الألف.

# واستدل المعتزلة بالآية على أن العبد خالق لأفعال. وأجاب الأشاعرة بأن
~~إسناد الأفعال إلى العبد باعتبار قدرته الكاسبة. وحقق الكوراني أنه
~~باعتبار قدرته المؤثرة بإذن الله عز وجل لا كما ذهب إليه المعتزلة من أنه
~~باعتبار قدرته المؤثرة أذن الله تعالى أم لم يأذن.

### || [39.60]

# { ويوم القيمة ترى الذين كذبوا على الله
~~وجوههم مسودة } بما ينالهم من الشدة التي تغير ألوانهم حقيقة،
~~ولا مانع من أن يجعل سواد الوجوه حقيقة علامة لهم غير مترتب على ما
~~ينالهم، وجوز أن يكون ذلك من باب المجاز لا أنها تكون مسودة حقيقة بأن
~~يقال: إنهم لما يلحقهم من الكآبة ويظهر عليهم من آثار الجهل بالله عز وجل
~~يتوهم فيهم ذلك. والظاهر أن الرؤية بصرية. والخطاب إما لسيد المخاطبين
~~عليه الصلاة والسلام، وإما لكل من تتأتى منه الرؤية، وجملة { وجوههم
~~مسودة } في موضع الحال على ما استظهره أبو حيان، وكون المقصود
~~رؤية سواد وجوههم لا ينافي الحالية كما توهم لأن القيد مصب الفائدة، ولا
~~بأس بترك الواو والاكتفاء بالضمير فيها لا سيما وفي ذكرها ههنا اجتماع
~~واوين وهو مستثقل. وزعم الفراء شذوذ ذلك، ومن سلمه جعل الجملة هنا بدلا
~~من { الذين } كما ذهب إليه الزجاج، وهم جوزوا إبدال الجملة من
~~المفرد، أو مستأنفة كالبيان لما أشعرت به الجملة قبلها وأدركه الذوق
~~السليم منها من سوء حالهم، أو جعل الرؤية علمية والجملة في موضع الثاني،
~~وأيد بأنه قرىء { وجوههم مسودة } بنصبهما على أن { وجوههم } مفعول ثان ms09321 و
~~{ مسودة } حال منه. وأنت تعلم أن اعتبار الرؤية بصرية أبلغ في تفضيحهم
~~وتشهير فظاعة حالهم لا سيما مع عموم الخطاب، والنصب في القراءة الشاذة
~~يجوز أن يكون على الإبدال.

# والمراد بالذين ظلموا أولئك القائلون المتحسرون فهو من باب إقامة الظاهر
~~مقام المضمر، وينطبق على ذلك أشد الانطباق قوله تعالى: { أليس فى
~~جهنم مثوى } أي مقام { للمتكبرين } الذين جاءتهم آيات
~~الله فكذبوا بها واستكبروا عن قبولها والانقياد لها، وهو تقرير لرؤيتهم
~~كذلك، وينطبق عليه أيضا قوله الآتي:

# وينجي

# [الزمر: 61] الخ. وكذبهم على الله تعالى لوصفهم له سبحانه بأن له شريكا
~~ونحو ذلك تعالى عما يصفون علوا كبيرا، وقيل: لوصفهم له تعالى بما لا
~~يليق في الدنيا وقولهم في الأخرى:

# لو أن الله هداني

# [الزمر: 57] المتضمن دعوى أن الله سبحانه لم يهدهم ولم يرشدهم، وقيل: هم
~~أهل الكتابين، وعن الحسن أنهم القدرية القائلون إن شئنا فعلنا وإن لم يشأ
~~الله تعالى وإن شئنا لم نفعل وإن شاء الله سبحانه؛ وقيل: المراد كل من
~~كذب على الله تعالى ووصفه بما لا يليق به سبحانه نفيا وإثباتا فأضاف
~~إليه ما يجب تنزيهه تعالى عنه أو نزهه سبحانه عما يجب أن يضاف إليه، وحكي
~~ذلك عن القاضي وظاهره يتقضي تكفير كثير من أهل القبلة، وفيه ما فيه،
~~والأوفق لنظم الآية / الكرمية ما قدمنا، ولا يبعد أن يكون حكم كل من كذب
~~على الله تعالى عالما بأنه كذب عليه سبحانه أو غير عالم لكنه مستند إلى
~~شبهة واهية كذلك؛ وكلام الحسن إن صح لا أظنه إلا من باب التمثيل، وتعريض
~~الزمخشري بأهل الحق بما عرض خارج عن دائرة العدل فما ذهبوا إليه ليس من
~~الكذب على الله تعالى في شيء، والكذب فيه وفي أصحابه ظاهر جدا. وقرأ
~~أبي { أجوههم } بإبدال الواو همزة.

### || [39.61]

# { وينجى الله الذين اتقوا } ما اتصف به أولئك المتكبرون
~~من جهنم. وقرىء { ينجي } بالتخفيف من الإنجاء { بمفازتهم } اسم
~~مصدر كالفلاح على ما في «الكشف» أو مصدر ميمي على ما في غيره من ms09322 فاز بكذا
~~إذا أفلح به وظفر بمراده منه، وقال الراغب: هي مصدر فاز أو اسم الفوز
~~ويراد بها الظفر بالبغية على أتم وجه كالفلاح وبه فسرها السدي. والباء
~~للملابسة متعلقة بمحذوف هو حال من الموصول مفيدة لمقارنة تنجيتهم من
~~العذاب لنيل الثواب أي ينجيهم الله تعالى من جهنم مثوى المتكبرين لتقواهم
~~مما اتصف المتكبرون به ملتبسين بفلاحهم وظفرهم بالبغية وهي الجنة، ومآله
~~ينجيهم من النار ويدخلهم الجنة، وكون الجنة بغية المتقي كائنا من كان
~~مما لا شبهة فيه. نعم هي بغية لبعض المتقين من حيث إنها محل رؤية محبوبهم
~~التي هي غاية مطلوبهم ولك أن تعمم البغية.

# وقوله تعالى: { لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون } في
~~موضع الحال أيضا إما من الموصول أو من ضمير { مفازتهم } مفيدة
~~لكونهم مع التنجية أو الفوز منفيا عنهم على الدوام مساس جنس السوء
~~والحزن، والظاهر أن هذه الحال مقدرة، وقيل: إنها مقارنة مفيدة لكون
~~تنجيتهم أو مفازتهم بالجنة غير مسبوقة بمساس العذاب والحزن، ولا يخفى أنه
~~لا يتسنى بالنسبة إلى جميع المتقين إذ منهم من يمسه العذاب ويحزن لا
~~محالة، وعد وجود ذلك لقلته وانقطاعه كلا وجود تكلف بعيد.

# وجوز أن يراد بالمفازة الفلاح ويجعل قوله تعالى: { لا يمسهم }
~~الخ استئنافا لبيانها كأنة قيل: ما مفازتهم؟ فقيل: لا يمسهم الخ. والباء
~~حينئذ على ما في «الكشف» سببية متعلقة بينجي أي ينجيهم بنفي السوء والحزن
~~عنهم. وتعقب بأن في جعل عدم الحزن وعدم السوء سبب النجاة تكلفا فهما من
~~النجاة، والظاهر أنه لو جعلت الباء على هذا الوجه أيضا للملابسة لا يرد
~~ذلك.

# وجوز كون المفازة اسم مكان أي محل الفوز، وفسرت بالمنجاة مكان النجاة،
~~وصح ذلك لأن النجاة فوز وفلاح، وجعلت الباء عليه للسببية وهناك مضاف
~~محذوف بقرينة باء السببية وإن المنجاة لا تصلح سببا أي ينجيهم بسبب
~~منجاتهم وهو الإيمان، وهو كالتصريح بما اقتضاه تعليق الفعل بالموصول
~~السابق، وفسره الزمخشري بالأعمال الصالحة، وقواه بما حكاه عن ابن عباس
~~ليتم مذهبه؛ أو لا مضاف ms09323 بل هناك مجاز بتلك القرينة من إطلاق اسم المسبب
~~على السبب، والجملة بعد على الاحتمالين في هذا الوجه حال ولا يخفى أن
~~المفازة بمعنى المنجاة مكان النجاة هي الجنة والإيمان أو العمل الصالح
~~ليس سببا لها نفسها وإنما هو سبب دخولها فلا بد من اعتباره فلا تغفل.

# وجوز أن تكون المفازة مصدرا ميميا من فاز منه أي نجا منه يقال: طوبى
~~لمن فاز بالثواب وفاز من العقاب أي ظفر به ونجا، والباء إما للملابسة
~~والجملة بيان للمفازة أي ينجيهم الله تعالى ملتبسين بنجاتهم الخاصة لهم
~~أي بنفي السوء والحزن عنهم، ولا يخفى ركاكة هذا المعنى، وإما للسببية إما
~~على حذف المضاف أو التجوز نظير ما مر آنفا، ولا يحتاج هنا إلى اعتبار
~~الدخول كما لا يخفى، والجملة في موضع الحال أيضا. وجوز على بعض الأوجه
~~تعلق { بمفازتهم } بما بعده ولا يخفى أنه خلاف الظاهر وبالجملة
~~الاحتمالات العقلية في الآية كثيرة لأن المفازة إما اسم مصدر أو مصدر
~~ميمي أو اسم مكان من فاز به ظفر أو من فاز منه نجا والباء إما / للملابسة
~~أو للسببية أو للاستعانة، وهي إما متعلقة بما قبلها أو بما بعدها وهذه
~~ستة وثلاثون احتمالا وإذا ضممت إليها احتمال حذف المضاف في {
~~بمفازتهم } بمعنى منجاتهم أو نجاتهم واحتمال التجوز فيه كذلك وكذا
~~احتمال كون جملة { لا يمسهم } الخ حالا من الموصول واحتمال كونها
~~حالا من ضمير  مفازتهم  واحتمال كون الحال مقدرة وكونها مقارنة زادت
~~كثيرا، ولا يخفى أن فيها المقبول ودونه بل فيها ما لا يتسنى أصلا فأمعن
~~النظر ولا تجمد.

# وقرأ السلمي والحسن والأعرج والأعمش وحمزة والكسائي وأبو بكر {
~~بمفازاتهم } جمعا لتكون على طبق المضاف إليه في الدلالة على التعدد
~~صريحا.

### || [39.62]

# { قل الله خلق كل شىء } من خير وشر وإيمان وكفر لكن لا
~~بالجبر بل بمباشرة المتصف بهما لأسبابهما فالآية رادة على المعتزلة ردا
~~ظاهرا { وهو على كل شىء وكيل } يتولى التصرف فيه كيفما
~~يشاء حسبما تقتضيه الحكمة، وكأن ذكر ذلك للدلالة على أنه ms09324 سبحانه الغني
~~المطلق وان المنافع والمضار راجعة إلى العباد، ولك أن تقول: المعنى أنه
~~تعالى حفيظ على كل شيء كما قيل نحو ذلك في قوله تعالى:

# وما أنت عليهم بوكيل

# [الزمر: 41] وحاصله أنه تعالى يتولى حفظ كل شيء بعد خلقه فيكون إشارة
~~إلى احتياج الأشياء إليه تعالى في بقائها كما أنها محتاجة إليه عز وجل في
~~وجودها.

### || [39.63]

# { له مقاليد السموات والأرض } أي مفاتيحها كما قال
~~ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم، فقيل هو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل:
~~جمع مقليد وقيل: جمع مقلاد من التقليد بمعنى الإلزام ومنه تقليد القضاء
~~وهو إلزامه النظر في أموره، وكذا القلادة للزومها للعنق، وجعل اسما
~~للآلة المعروفة للإلزام بمعنى الحفظ وهو على جميع هذه الأقوال عربي
~~والأشهر الأظهر كونه معربا فهو جمع إقليد معرب إكليد وهو جمع شاذ لأن
~~جمع إفعيل على مفاعيل مخالف للقياس وجاء أقاليد على القياس ويقال: في
~~إكليد كليد بلا همزة، وذكر الشهاب أنه بلغة الروم إقليدس وكليد وإكليد
~~منه، والمشهور أن كليد فارسي ولم يشتهر في الفارسية إكليد بالهمزة.

# وله مقاليد كذا قيل: مجاز عن كونه مالك أمره ومتصرفا فيه بعلاقة
~~اللزوم، ويكنى به عن معنى القدرة والحفظ، وجوز كون المعنى الأول كنائيا
~~لكن قد اشتهر فنزل منزلة المدلول الحقيقي فكني به عن المعنى الآخر فيكون
~~هناك كناية على كناية وقد يقتصر على المعنى الأول في الإرادة وعليه قيل
~~هنا المعنى لا يملك أمر السماوات والأرض ولا يتمكن من التصرف فيها غيره
~~عز وجل. والبيضاوي بعد ذكر ذلك قال: هو كناية عن قدرته تعالى وحفظه لها
~~وفيه مزيد دلالة على الاستقلال والاستبداد لمكان اللام والتقديم، وقال
~~الراغب: مقاليد السماوات والأرض ما يحيط بها، وقيل: خزائنها، وقيل:
~~مفاتيحها، والإشارة بكلها إلى معنى واحد وهو قدرته تعالى عليه وحفظه لها
~~انتهى.

# وجوز أن يكون المعنى لا يملك التصرف في خزائن السماوات والأرض أي ما
~~أودع فيها واستعدت له من المنافع غيره تعالى، ولا يخفى أن هذه الجملة إن
~~كانت ms09325 في موضع التعليل لقوله سبحانه:

# وهو على كل شىء وكيل

# [الزمر: 62] على المعنى الأول فالأظهر الاقتصار في معناها على أنه لا
~~يملك أمر السماوات والأرض أي العالم بأسره غيره تعالى فكأنه قيل: تعالى
~~يتولى التصرف في كل شيء لأنه لا يملك أمره سواه عز وجل، وإن كانت تعليلا
~~له على المعنى الثاني فالأظهر الاقتصار في معناها على أنه لا قدرة عليها
~~لأحد غيره جل شأنه فكأنه قيل: هو تعالى يتولى حفظه كل شيء لأنه لا قدرة
~~لأحد عليه غيره تعالى، وجوز أن تكون عطف بيان للجملة قبلها وأن تكون صفة
~~{ وكيل } وأن تكون خبرا بعد خبر فأمعن النظر في ذلك وتدبر.

# وأخرج أبو يعلى ويوسف القاضي في / «سننه» وأبو الحسن القطان في
~~«المطولات» وابن السني في «عمل اليوم والليلة» وابن المنذر وابن أبي
~~حاتم وابن مردويه

# " عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: «سألت رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم عن قول الله تعالى: { له مقاليد السموت
~~والأرض } فقال: لا إله إلا الله والله أكبر سبحان الله والحمد لله
~~أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الأول والآخر والظاهر والباطن يحيى
~~ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير» "

# الحديث.

# وفي رواية ابن مردويه عن ابن عباس أن عثمان جاء إلى النبي صلى الله
~~عليه وسلم فقال له: أخبرني عن مقاليد السماوات والأرض فقال: سبحان الله
~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي
~~العظيم الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل
~~شيء قدير يا عثمان من قالها إذا أصبح عشر مرات وإذا أمسى أعطاه الله ست
~~خصال. أما أولهن: فيحرس من إبليس وجنوده. وأما الثانية: فيعطى قنطارا من
~~من الأجر. وأما الثالثة: فيتزوج من الحور العين. وأما الرابعة: فيغفر له
~~ذنوبه. وأما الخامسة: فيكون مع إبراهيم عليه السلام. وأما السادسة:
~~فيحضره إثنا عشر ملكا عند موته يبشرونه بالجنة ويزفونه من قبره إلى ms09326
~~الموقف فإن أصابه شيء من أهاويل يوم القيامة قالوا له لا تخف إنك من
~~الآمنين ثم يحاسبه الله حسابا يسيرا ثم يؤمر به إلى الجنة فيزفونه إلى
~~الجنة من موقفه كما تزف العروس حتى يدخلوه الجنة بإذن الله تعالى والناس
~~في شدة الحساب.

# وفي رواية العقيلي والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عمر أن عثمان
~~سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن تفسير { له مقاليد
~~السموات والأرض } فقال عليه الصلاة والسلام: ما سألني عنها
~~أحد تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله
~~ولا حول ولا قوة إلا بالله هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير
~~يحي ويميت وهو على كل شيء قدير. وفي رواية الحرث بن أبي أسامة وابن
~~مردويه عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال:

# " هي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا
~~قوة إلا بالله "

# وبالجملة اختلفت الروايات في الجواب، وقيل في حديث ابن عمر رضي الله
~~تعالى عنهما: إنه ضعيف في سنده من لا تصلح روايته، وابن الجوزي قال: إنه
~~موضوع ولم يسلم له وحال الأخبار الأخر الله تعالى أعلم به والظن الضعف.
~~والمعنى عليها أن لله تعالى هذه الكلمات يوحد بها سبحانه ويمجد وهي
~~مفاتيح خير السماوات والأرض من تكلم بها من المؤمنين أصابه، فوجه إطلاق
~~المقاليد عليها أنها موصلة إلى الخير كما توصل المفاتيح إلى ما في
~~الخزائن، وقد ذكر صلى الله عليه وسلم شيئا من الخير في حديث ابن عباس
~~وعد في الحديث قبله عشر خصال لمن قالها كل يوم مائة مرة وهو بتمامه في
~~«الدر المنثور».

# { والذين كفروا بآيت الله أولئك هم
~~الخسرون } معطوف على قوله تعالى:

# الله خلق كل شىء

# [الزمر: 62] الخ أي انه عز شأنه متصف بهذه الصفات الجليلة الشأن والذين
~~كفروا وجحدوا ذلك أولئك هم الكاملون في الخسران، وقيل: على قوله تعالى: {
~~له مقاليد السموات والأرض } ولا يظهر ذلك على بعض
~~الأوجه السابقة فيه. وقيل: على مقدر ms09327 تقديره فالذين اتقوا أو فالذين آمنوا
~~بآيات الله هم الفائزون والذين كفروا الخ، وفيه تكلف. وجوز أن يكون
~~معطوفا على قوله تعالى:

# وينجي الله

# [الزمر: 61] الخ فيكون التقدير وينجي الله المتقين والذين كفروا بآيات
~~الله أولئك هم الخاسرون وما بينهما اعتراض للدلالة على أنه تعالى مهيمن
~~على العباد مطلع على أفعالهم مجاز عليها. وفيه تأكيد لثواب المؤمنين
~~وفلاحهم وعقاب الكفرة وخسرانهم ولم يقل ويهلك الذين كفروا / بخسرانهم ما
~~قاله سبحانه: { وينجي } الخ للإشعار بأن العمدة في فوز المؤمنين فضله
~~تعالى فلذا جعل نجاتهم مسندة له تعالى حادثة له يوم القيامة غير ثابتة
~~قبل ذلك بالاستحقاق والأعمال بخلاف هلاك الكفرة فإنهم قدموه لأنفسهم بما
~~اتصفوا به من الكفر والضلال ولم يسند له تعالى ولم يعبر عنه بالمضارع
~~أيضا، وفي ذلك تصريح بالوعد وتعريض بالوعيد حيث قيل: { الخسرون }
~~ولم يقل الهالكون أو المعذبون أو نحوه وهو قضية الكرم.

# وعطف الجملة الاسمية على الفعلية مما لا شبهة في جوازه عند النحويين،
~~ومما ذكرنا يعلم رد قول الإمام الرازي: إن هذا الوجه ضعيف من وجهين:
~~الأول: وقوع الفصل الكثير بين المعطوف والمعطوف عليه. الثاني: وقوع
~~الاختلاف بينهما في الفعلية والاسمية وهو لا يجوز. والإمام أبو حيان منع
~~كون الفاصل كثيرا وقال في الوجه الثاني: إنه كلام من لم يتأمل كلام
~~العرب ولا نظر في أبواب الاشتغال. نعم قال في «الكشف» يؤيد الاتصال بما
~~يليه دون قوله تعالى: { وينجي } أن قوله سبحانه: { وينجى الله
~~} متصل بقوله تعالى:

# ويوم القيمة ترى الذين كذبوا

# [الزمر: 60] فلو قيل بعده: { والذين كفروا بئايت
~~الله أولئك هم الخسرون } لم يحسن لأن الأحسن على هذا
~~المساق أن يقدم على قوله تعالى: { وينجي الله } على ما لا يخفى
~~ولأنه كالتخلص إلى ما بعده من حديث الأمر بالعبادة والإخلاص إذ ذاك، وهو
~~كلام حسن، ثم الحصر الذي يقتضيه تعريف الطرفين وضمير الفصل باعتبار
~~الكمال كما أشرنا إليه لا باعتبار مطلق الخسران فإنه لا يختص بهم؛ وجوز
~~أن يكون قصر قلب فإنهم يزعمون المؤمنين ms09328 خاسرين.

### || [39.64]

# أي أبعد الآيات المقتضية لعبادته تعالى وحده غير الله أعبد، فغير مفعول
~~مقدم لأعبد و { تأمرونى } اعتراض للدلالة على أنهم أمروه به عقيب
~~ذلك وقالوا له صلى الله عليه وسلم: استلم بعض آلهتنا ونؤمن بإلهك لفرط
~~غباوتهم ولذا نودوا بعنوان الجهل، وجوز أن يكون { أعبد } في موضع
~~المفعول  لتأمروني  على أن الأصل تأمروني أن أعبد فحذفت أن وارتفع
~~الفعل كما قيل في قوله:

# ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى

# ويؤيد قراءة من قرأ { أعبد } بالنصب، و { غير } منصوب بما دل عليه {
~~تأمروني أعبد } أي تعبدونني غير الله أي أتصيرونني عابدا غيره تعالى،
~~ولا يصح نصبه بأعبد لأن الصلة لا تعمل فيما قبلها والمقدر كالموجود، وقال
~~بعضهم: هو منصوب به وأن بعد الحذف يبطل حكمها المانع عن العمل، وقرأ ابن
~~كثير { تأمروني } بالإدغام وفتح الياء. وقرأ ابن عامر { تأمرونني }
~~بإظهار النونين على الأصل، ونافع { تأمروني } بنون واحدة مكسورة وفتح
~~الياء، وفي تعيين المحذوف من النونين خلاف فقيل: الثانية لأنها التي حصل
~~بها التكرار، وقيل: الأولى لأنها حرف إعراب عرضة للتغيير.

### || [39.65]

# { ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك } أي من
~~الرسل عليهم السلام { لئن أشركت } أي بالله تعالى شيئا ما {
~~ليحبطن عملك ولتكونن من الخسرين } الظاهر أن
~~جملة { لئن } الخ نائب فاعل { أوحي } لكن قيل في الكلام حذف
~~والأصل أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك الخ، وإلى الذين من قبك مثل ذلك،
~~وقيل: لا حذف. وإفراد الخطاب باعتبار كل واحد منه صلى الله عليه وسلم
~~والمرسلين الموحى إليهم فإنه أوحى لكل { لئن أشركت } الخ
~~بالإفراد، وذهب البصريون إلى أن الجمل لا تكون فاعلة فلا تقوم مقام
~~الفاعل، ففي «البحر» أن { إليك } حينئذ نائب الفاعل، والمعنى كما قال
~~مقاتل أوحي إليك وإلى الذين / من قبلك بالتوحيد، وقوله تعالى: { لئن
~~أشركت } الخ استئناف خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وهو
~~كما ترى. وأيا ما كان فهو كلام على سبيل الفرض لتهييج المخاطب المعصوم
~~وإقناط الكفرة والإيذان بغاية شناعة الإشراك وقبحه ms09329 وكونه بحيث ينهى عنه
~~من لا يكاد يباشره فكيف بمن عداه، فالاستدلال بالآية على جواز صدور
~~الكبائر من الأنبياء عليهم السلام كما في «المواقف» ليس بشيء، فاحتمال
~~الوقوع فرضا كاف في الشرطية لكن ينبغي أن يعلم أن استحالة الوقوع شرعية.
~~ولاما { لقد } و { لئن } موطئتان للقسم واللامان بعد للجواب.

# وفي عدم تقييد الإحباط بالاستمرار على الإشراك إلى الموت دليل للحنفية
~~الذاهبين إلى أن الردة تحبط الأعمال التي قبلها مطلقا. نعم قالوا: لا
~~يقضي منها بعد الرجوع إلى الإسلام إلا الحج، ومذهب الشافعي أن الردة لا
~~تحبط العمل السابق عليها ما لم يستمر المرتد على الكفر إلى الموت، وترك
~~التقييد هنا اعتمادا على التصريح به في قوله تعالى:

# ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر
~~فأولئك حبطت أعملهم في الدنيا والأخرة
~~وأولئك أصحب النار هم فيها

# [البقرة: 217] ويكون ذلك من حمل المطلق على المقيد.

# وأجاب بعض الحنفية بأن في الآية المذكورة توزيعا { فأولئك
~~حبطت أعملهم } ناظر إلى الارتداد عن الدين { وأولئك
~~أصحب النار } الخ ناظر إلى الموت على الكفر فلا مقيد ليحمل
~~المطلق عليه. ومن هذا الخلاف نشأ الخلاف في الصحابي إذا ارتد ثم عاد إلى
~~الإسلام بعد وفاته صلى الله عليه وسلم أو قبلها ولم يره هل يقال له:
~~صحابي أم لا؟ فمن ذهب إلى الإطلاق قال لا ومن ذهب إلى التقييد قال: نعم.
~~وقيل: يجوز أن يكون الإحباط مطلقا من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام
~~إذ شركه وحاشاه أقبح، وفيه ضعف لأن الغرض تحذير أمته وتصوير فظاعة الكفر
~~فتقدير أمر يختص به لا يتعدى من النبي إلى الأمة لا اتجاه له مع أنه لا
~~مستند له من نقل أو عقل. والمراد بالخسران على مذهب الحنفية ما لزم من
~~حبط العمل فكأن الظاهر  فتكون  إلا أنه عدل إلى ما في النظم الجليل
~~للإشعار بأن كلا من الإحباط والخسران يستقل في الزجر عن الإشراك، وقيل:
~~الخلود في النار فيلزم التقييد بالموت كما هو عند الشافعي عليه الرحمة.

# وقرىء { ليحبطن } من ms09330 أحبط { عملك } بالنصب أي ليحبطن الله تعالى أو
~~الإشراك عملك، وقرىء بالنون ونصب { عملك } أيضا.

### || [39.66]

# { بل الله فاعبد } رد لما أمروه به من استلام بعض آلهتهم،
~~والفاء جزائية في جواب شرط مقدر كأنه قيل: إن كنت عابدا أو عاقلا فاعبد
~~الله فحذف الشرط وجعل تقديم المفعول عوضا عنه، وإلى هذا ذهب الزمخشري
~~وسلفه في كونها جزائية الزجاج، وأنكر أبو حيان كون التقديم عوضا عن
~~الشرط، ومذهب الفراء والكسائي أن الفاء زائدة بين المؤكد والمؤكد والاسم
~~الجليل منصوب بفعل محذوف والتقدير الله اعبد فاعبده وقدر مؤخرا ليفيد
~~الحصر.

# وفي «الانتصاف» ((مقتضى كلام سيبويه أن الأصل تنبه فاعبد الله فحذفوا
~~الفعل الأول اختصارا واستنكروا الابتداء بالفاء ومن شأنها التوسط بين
~~المعطوف والمعطوف عليه فقدموا المفعول فصارت الفاء متوسطة لفظا ودالة
~~على المحذوف وانضاف إليها فائدة الحصر لإشعار التقديم بالاختصاص))،
~~واعتبار الاختصاص قيل: مما لا بد منه لأنه لم يكن الكلام ردا عليهم فيما
~~أمروه به لولاه فإنهم لم يطلبوا منه عليه الصلاة والسلام ترك عبادة الله
~~سبحانه بل استلام آلهتهم والشرك به عز وجل اللهم إلا أن يقال: عبادة الله
~~سبحانه مع الشرك / كلا عبادة، والله جل وعلا أغنى الشركاء فمن أشرك في
~~عمله أحدا معه عز وجل فعمله لمن أشرك كما يدل عليه كثير من الأخبار.
~~وقرأ عيسى { بل الله } بالرفع.

# { وكن من الشكرين } إنعامه تعالى عليك الذي يضيق عنه نطاق
~~الحصر، وفيه إشارة إلى موجب الاختصاص.

### || [39.67]

# { وما قدروا الله حق قدره } أي ما عظموه جل جلاله حق
~~عظمته إذ عبدوا غيره تعالى وطلبوا من نبيه صلى الله عليه وسلم عبادة غيره
~~سبحانه قاله الحسن والسدي، وقال المبرد: أصله من قولهم: فلان عظيم القدر
~~يريدون بذلك جلالته، وأصل القدر اختصاص الشيء بعظم أو صغر أو مساواة،
~~وقال الراغب: أي ما عرفوا كنهه عز وجل. وتعقب بأن معرفة كنهه تعالى أي
~~حقيقته سبحانه لا يخص هؤلاء لتعذر الوقوف على الحقيقة، ومن هنا:

# العجز عن درك الإدراك إدراك

# والبحث عن كنه ms09331 ذات الله إشراك

# ولا يخفى أن المسألة خلافية، وما ذكر على تقدير التسليم يمكن دفعه
~~بالعناية. نعم أولى منه ما قيل: أي ما عرفوه كما يليق به سبحانه حيث
~~جعلوا له سبحانه شريكا، وظاهر كلام بعضهم أن الكلام على تقدير مضاف أي
~~ما قدروا في أنفسهم وما تصوروا عظمة الله حق التصور فلم يعظموه كما هو
~~حقه عز وجل حيث وصفوه بما لا يليق بشؤنه الجليلة من الشركة ونحوها، وأيا
~~ما كان فهو متعلق بما قبله من حيث إن فيه تجهيلهم في الإشراك ودعائهم
~~رسوله صلى الله عليه وسلم إليه، وقيل: المعنى ما وصفوا الله تعالى حق
~~صفته إذ جحدوا البعث ووصفوه سبحانه بأنه خالق الخلق عبثا وأنه سبحانه
~~عاجز عن الإعادة والبعث وهو خلاف الظاهر، وعليه يكون للتمهيد لأمر النفخ
~~في الصور، وضمير الجمع على جميع ما ذكر لكفار قريش كما روى عن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما، وقيل: الضمير لليهود تكلموا في صفات الله تعالى
~~وجلاله فألحدوا وجسموا وجاءوا بكل تخليط فنزلت.

# وقرأ الأعمش { حق قدره } بفتح الدال، وقرأ الحسن وعيسى وأبو نوفل وأبو
~~حيوة { وما قدروا } بتشديد الدال { حق قدره } بفتح الدال.

# { والأرض جميعا قبضته يوم القيمة
~~والسموت مطويت بيمينه } الجملة في موضع الحال من
~~الاسم الجليل و { جميعا } حال من المبتدأ عند من يجوزه أو من يقدر
~~كأثبتها جميعا كما قيل، وهو جار مجرى الحال المؤكدة في أن العامل منتزع
~~من مضمون الجملة، وفي «التقريب» هو حال من الضمير في { قبضته }
~~لأنه بمعنى مقبوضة وكان الظاهر أن يؤخر عنه وإنما قدم عليه ليعلم أول
~~الأمر أن الخبر الذي يرد لا يقع عن أرض واحدة أو بعض دون بعض ولكن عن
~~الأرضين كلها أو عن جميع أبعاضها. وجاز هذا التقديم لأن المصدر لم يعمل
~~من حيث كونه مصدرا بل لكونه بمعنى اسم المفعول، وقال الحوفي: العامل في
~~الحال ما دل عليه { قبضته } لا هي، وهو كما ترى، و { يوم
~~القيمة }  معمول { قبضته } وهي في الأصل المرة ms09332 الواحدة من
~~القبض وتطلق على المقدار المقبوض كالقبضة بضم القاف وجعلت صفة مشبهة
~~حينئذ، وجوز كل من إرادة المقبوضة والمعنى المصدري هنا، والكلام على
~~الثاني على تقدير مضاف أي ذوات قبضته أي يقبضهن سبحانه قبضة واحدة.

# وقرأ الحسن { قبضته } بالنصب على أنه ظرف مختص مشبه بالمبهم ولذا لم
~~يصرح بفي معه وهو مذهب الكوفيين، والبصريون يقولون: إن النصب في مثل ذلك
~~خطأ غير جائز وإنه لا بد من التصريح بفي. / وقرأ عيسى والجحدري { مطويات
~~} بالنصب على أن { السموات } عطف على { الأرض } مشاركة لها في
~~الحكم أي والسماوات قبضته، و { مطويت } حال من { السموات
~~} عند من يجوز مجيء الحال من مثل ذلك أو من ضميرها المستتر في {
~~قبضته } على أنها بمعنى مقبوضته أو من ضميرها محذوفا أي أثبتها
~~مطويات، و { بيمينه } متعلق بمطويات أو على أن { السموات }
~~مبتدأ و { بيمينه } الخبر و { مطويت } حال أيضا إما من
~~المبتدأ أو من الضمير المحذوف أو من الضمير المستتر في الخبر بناء على
~~مذهب الأخفش من جواز تقديم الحال في مثل ذلك.

# والكلام عند كثير من الخلف تمثيل لحال عظمته تعالى ونفاذ قدرته عز وجل
~~وحقارة الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام بالإضافة إليها بحال من
~~يكون له قبضة فيها الأرض جميعا ويمين بها يطوي السماوات أو بحال من يكون
~~له قبضة فيها الأرض والسماوات ويمين بها يطوي السماوات من غير ذهاب
~~بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو مجاز بالنسبة إلى المجرى عليه وهو
~~الله عز شأنه. وقال بعضهم: المراد التنبيه على مزيد جلالته عز وجل وعظمته
~~سبحانه بإفادة أن الأرض جميعا تحت ملكه تعالى يوم القيامة فلا يتصرف
~~فيها غيره تعالى شأنه بالكلية كما قال سبحانه:

# الملك يومئذ لله

# [الحج: 56] والسماوات مطويات طي السجل للكتب بقدرته التي لا يتعاصاها
~~شيء.

# وفيه رمز إلى أن ما يشركونه معه عز وجل أرضيا كان أم سماويا مقهور تحت
~~سلطانه جل شأنه وعز سلطانه فالقبضة مجاز عن الملك أو التصرف كما يقال:
~~بلد كذا في قبضة ms09333 فلان، واليمين مجاز عن القدرة التامة، وقيل: القبضة مجاز
~~عما ذكر ونحوه والمراد باليمين القسم أي والسماوات مفنيات بسبب قسمه
~~تعالى لأنه عز وجل أقسم أن يفنيها، وهو ما يهزأ منه لا مما يهتز
~~استحسانا له، والسلف يقولون أيضا: إن الكلام تنبيه على مزيد جلالته
~~تعالى وعظمته سبحانه ورمز إلى أن آلهتهم أرضية أم سماوية مقهورة تحت
~~سلطانه عز وجل إلا أنهم لا يقولون: إن القبضة مجاز عن الملك أو التصرف
~~ولا اليمين مجاز عن القدرة بل ينزهون الله تعالى عن الأعضاء والجوارح
~~ويؤمنون بما نسبه إلى ذاته بالمعنى الذي أراده سبحانه وكذا يفعلون في
~~الأخبار الواردة في هذا المقام.

# فقد أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن ابن مسعود قال:

# " جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد
~~إنا نجد الله يحمل السماوات يوم القيامة على أصبع والأرضين على أصبع
~~والشجر على أصبع والماء والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع فيقول: أنا
~~الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لقول
~~الحبر ثم قرأ رسول الله عليه الصلاة والسلام { وما قدروا الله
~~حق قدره } الآية "

# ، والمتأولون يتأولون الأصابع على الاقتدار وعدم الكلفة كما في قول
~~القائل: أقتل زيدا بأصبعي، ويبعد ذلك ظاهر ما أخرجه الإمام أحمد
~~والترمذي وصححه والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس قال: مر يهودي على رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم وهو جالس قال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله
~~السماوات على ذه وأشار بالسبابة والأرضين على ذه والجبال على ذه وسائر
~~الخلق على ذه؟ كل ذلك يشير بأصابعه فأنزل الله تعالى { وما قدروا
~~الله حق قدره } وجعل بعض المتأولين الإشارة إعانة على التمثيل
~~والتخييل. وزعم بعضهم أن الآية نزلت ردا لليهودي حيث شبه وذهب إلى
~~التجسيم وإن ضحكه عليه الصلاة والسلام المحكي في الخبر السابق كان للرد
~~أيضا وأن «تصديقا له» في الخبر من كلام الراوي على ما فهم، ولا يخفى أن
~~ذلك ms09334 خلاف الظاهر جدا، وجعلوا أيضا من باب الإعانة على التمثيل وتخييل
~~العظمة فعله عليه الصلاة والسلام حين قرأ هذه الآية، فقد أخرج الشيخان
~~والنسائي وابن ماجه وجماعة عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~قرأ هذه الآية ذات يوم المنبر { وما قدروا الله حق قدره
~~والأرض جميعا قبضته يوم القيمة والسموت
~~مطويت بيمينه } ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هكذا
~~بيده ويحركها يقبل بها ويدبر يمجد الرب نفسه أنا الجبار أنا المتكبر أنا
~~الملك أنا العزيز أنا الكريم فرجف برسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر
~~حتى قلنا ليخرن به» وفي «صحيح مسلم» عن عبد الله بن مقسم أنه نظر إلى ابن
~~عمر كيف يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " يأخذ الله تعالى سماواته وأرضيه بيديه ويقول: أنا الله ويقبض أصابعه
~~ويبسطها أنا الملك "

# وفي «شرح الصحيح» للإمام النووي نقلا عن المازري أن قبض النبي صلى
~~الله عليه وسلم أصابعه وبسطها تمثيل لقبض هذه المخلوقات وجمعها بعد بسطها
~~وحكاية للمبسوط المقبوض وهو السماوات والأرضون لا إشارة إلى القبض والبسط
~~الذي هو صفة للقابض والباسط سبحانه وتعالى ولا تمثيل لصفة الله تعالى
~~السمعية المسماة باليد التي ليست بجارحة انتهى.

# ثم إن ظاهر بعض الأخبار يقتضي أن قبض الأرض بعد طي السماوات وأنه بيد
~~أخرى. أخرج مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يطوي
~~الله تعالى السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا
~~الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أين
~~الجبارون أين المتكبرون؟، وفي «الشرح» نقلا عن المازري أيضا أن إطلاق
~~اليدين لله تعالى متأول على القدرة، وكنى عن ذلك باليدين لأن أفعالنا تقع
~~باليدين فخوطبنا بما نفهمه ليكون أوضح وأوكد في النفوس، وذكر اليمين
~~والشمال حتى يتم التأول لأنا نتناول باليمين ما نكرمه وبالشمال ما دون
~~ولأن اليمين في حقنا تقوى لما لا تقوى له الشمال، ومعلوم أن السماوات
~~أعظم من الأرض ms09335 فأضافها إلى اليمين وأضاف الأرضين إلى الشمال ليظهر
~~التقريب في الاستعارة وإن كان الله سبحانه وتعالى لا يوصف بأن شيئا أخف
~~عليه من شيء ولا أثقل من شيء انتهى. والصوفية يقولون بالتجلي الصوري مع
~~بقاء الإطلاق والتنزيه المدلول عليه بليس كمثله شيء، والأمر عليه سهل
~~جدا.

# ثم إن التصرف في الأرض والسماوات يكون والناس على الصراط كما جاء في خبر
~~رواه مسلم عن عائشة مرفوعا، وروي أيضا عن أبي سعيد الخدري عن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم
~~خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة "

# والكلام في هذا الخبر كالكلام في نظائره، وإياك من التشبيه والتجسيم،
~~وكذا من نسبة ذلك إلى السلف ولا تك كالمعتزلة في التحامل عليهم والوقيعة
~~فيهم، ويكفي دليلا على جهل المعتزلة بربهم زعمهم أنه عز وجل فوض العباد
~~فهم يفعلون ما لا يشاء ويشاء ما لا يفعلون.

# { سبحانه وتعالى عما يشركون } أي أبعد من هذه قدرته
~~وعظمته عن إشراكهم أو عما يشركونه من الشركاء  فسبحان  للتعجب وتتعلق
~~به { عن } بالتأويل بما ذكر و { ما } تحتمل المصدرية والموصولية.

### || [39.68]

# { ونفخ فى الصور } المشهور أن النافخ فيه ملك واحد وأنه إسرافيل
~~عليه السلام بل حكى القرطبي الإجماع عليه. وفي حديث أخرجه ابن ماجه
~~والبزار وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري مرفوعا أن النافخ اثنان، ويدل
~~عليه أيضا أخبار أخر، منها ما أخرجه أحمد والحاكم عن ابن عمر أن النبي
~~صلى الله عليه وسلم قال:

# " النافخان في السماء الثانية رأس أحدهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب
~~ينتظران متى يؤمران أن ينفخا في الصور فينفخا "

# وفي بعض الآثار ما يدل على أنه واحد وأنه شاخص ببصره إلى إسرافيل عليه
~~السلام ما طرف منذ خلقه الله تعالى ينتظر متى يشير إليه فينفخ في الصور.

# والصور قرن عظيم فيه ثقب بعدد كل روح مخلوقة ونفس منفوسة. وأخرج أبو
~~الشيخ / عن وهب أنه من لؤلؤة بيضاء في صفاء الزجاجة به ثقب دقيقة بعدد ms09336
~~الأرواح وفي وسطه كوة كاستدارة السماء والأرض ونحن نؤمن به ونفوض كيفيته
~~إلى علام الغيوب جل شأنه. وأنكر بعضهم ذلك وقال: هو جمع صورة كما في
~~قراءة قتادة وزيد بن علي { فى الصور } بفتح الواو وقد مر الكلام في
~~ذلك. والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع، وبني الفعل للمفعول لعدم تعلق الغرض
~~بالفاعل بل الغرض إفادة هذا الفعل من أي فاعل كان فكأنه قيل: ووقع النفخ
~~في الصور.

# { فصعق من فى السموات ومن فى الأرض } أي ماتوا بسبب
~~ذلك، ويحتمل أنهم يغشى عليهم أولا ثم يموتون، ففي «الأساس» صعق الرجل
~~إذا غشي عليه من هدة أو صوت شديد يسمعه وصعق إذا مات. وفي «صحيح مسلم» من
~~حديث طويل فيه ذكر الدجال

# " ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغي ليتا ورفع ليتا فأول من
~~يسمعه رجل يلوط حوض إبله فيصعق ويصعق الناس "

# وقرىء { فصعق } بضم الصاد.

# { إلا من شاء الله } قال السدي: جبريل وإسرافيل وميكائيل وملك
~~الموت عليهم السلام، وقيل: هم وحملة العرش فإنهم يموتون بعد، وفي ترتيب
~~موتهم اضطراب مذكور في «الدر المنثور»، وقيل: رضوان والحور ومالك
~~والزبانية وروي ذلك عن الضحاك، وقيل: من مات قبل ذلك أي يموت من في
~~السماوات والأرض إلا من سبق موته لأنهم كانوا قد ماتوا؛ قال في «البحر»:
~~وهذا نظير

# لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى

# [الدخان: 56] ومن الغريب ما حكى فيه أن المستثنى هو الله عز وجل، ولا
~~يخفى عليك حاله متصلا كان الاستثناء أم منقطعا، وقيل: هو موسى عليه
~~السلام وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى في تحقيق ذلك، وقيل غير ذلك.
~~ويراد بالسماوات على أكثر الأقوال جهة العلو وإلا لم يتصل الاستثناء فإن
~~حملة العرش مثلا ليسوا في السماوات بالمعنى المعروف، وقيل: إنه لم يرد
~~في التعيين خبر صحيح.

# { ثم نفخ فيه } أي في الصور وهو ظاهر في أنه ليس بجمع وإلا لقيل
~~فيها { أخرى } أي نفخة أخرى، وهو يدل على أن المراد بالأول ونفخ في
~~الصور نفخة واحدة كما ms09337 صرح به في مواضع لأن العطف يقتضي المغايرة فلو أريد
~~المطلق الشامل للأخرى لم يكن لذكرها ههنا وجه، و { أخرى } تحتمل
~~النصب على أنها صفة مصدر مقدر أي نفخة أخرى، والرفع على أنها صفة لنائب
~~الفاعل، وعلى الأول كان النائب عنه الظرف. وصح في «صحيحي البخاري ومسلم»
~~أن الله تعالى ينزل بين النفختين ماء من السماء - جاء في بعض الروايات
~~أنه كالطل بالمهملة وفي بعضها كمني الرجال - فتنبت منه أجساد الناس وإن
~~بين النفختين أربعين وهذا عن أبي هريرة مرفوعا ولم يبين فيه ما هذه
~~الأربعون. وفي حديث أخرجه أبو داود أنها أربعون عاما، وأخرج عبد بن حميد
~~عن عبد الله بن العاص قال: ينفخ في الصور النفخة الأولى من باب إيلياء
~~الشرقي أو قال الغربي والنفخة الثانية من باب آخر.

# { فإذا هم قيام } قائمون من قبورهم { ينظرون } أي ينتظرون
~~ما يؤمرون أو ينتظرون ماذا يفعل بهم، وقيل: يقلبون أبصارهم في الجهات نظر
~~المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم. وتعقب بأن قولهم عند قيامهم

# من بعثنا من مرقدنا

# [يس: 52] يأباه ظاهرا نوع إباء. وجوز أن يكون قيام من القيام مقابل
~~الحركة أي فإذا هم متوقفون جامدون في أمكنتهم لتحيرهم. واعترض بأن قوله
~~تعالى:

# ونفخ فى الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم
~~ينسلون

# [يس: 51] ظاهر في خلافه لأن النسل الإسراع / في المشي، وكذا قوله تعالى:

# يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب
~~يوفضون

# [المعارج: 43].

# وقرأ زيد بن علي { قياما } بالنصب على أن جملة { ينظرون } خبرهم {
~~وقيما } حال من ضمير { ينظرون } قدم للفاصلة، أو من المبتدأ عند من
~~يجوز ذلك. وفي «البحر» النصب على الحال وخبر المبتدأ الظرف الذي هو {
~~إذا } الفجائية وهي حال لا بد منها إذ هي محط الفائدة إلا أن يقدر
~~الخبر محذوفا أي فإذا هم مبعوثون أو موجودون قياما، وإذا نصب {
~~قياما } على الحال فالعامل فيها ذلك الخبر المحذوف إن قلنا به وإلا
~~فالعامل هو العامل في الظرف فإن كان { إذا } ظرف مكان على ما يقتضيه
~~ظاهر كلام ms09338 سيبويه فتقديره فبالحضرة هم قياما، وإن كان ظرف زمان كما ذهب
~~إليه الرياشي فتقديره ففي ذلك الزمان الذي نفخ فيه هم أي وجودهم، واحتيج
~~إلى تقدير هذا المضاف لأن ظرف الزمان لا يكون خبرا عن الجثة، وإن كانت {
~~إذا } حرفا كما زعم الكوفيون فلا بد من تقدير الخبر إلا إن اعتقدنا أن
~~{ ينظرون } هو الخبر ويكون عاملا في الحال انتهى.

# ولعمري إن مذهب الكوفيين أقل تكلفا.

# هذا وههنا إشكال بناء على أنهم فسروا نفخة الصعق بالنفخة الأولى التي
~~يموت بها من بقي على وجه الأرض، فإنه قد أخرج البخاري ومسلم والترمذي
~~وابن ماجه والإمام أحمد وغيرهم عن أبي هريرة قال: «قال رجل من اليهود
~~بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه
~~قال: أتقول هذا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فذكرت ذلك لرسول
~~الله عليه الصلاة والسلام فقال: قال الله تعالى: { ونفخ فى الصور
~~فصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء
~~الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون }
~~فأكون أول من يرفع رأسه فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا
~~أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله تعالى» وهو يأبى تفسير
~~النفخة بذلك ضرورة أن موسى عليه السلام قد مات قبل تلك النفخة بألوف
~~سنين، واحتمال أنه عليه السلام لم يمت كما قيل في الخضر وإلياس مما لا
~~ينبغي أن يتفوه به حي، ويدل كما قال بعض الأجلة: على أنها نفخة البعث.

# وقال القاضي عياض: يحتمل أن تكون هذه صعقة فزع بعد النشر حين تنشق
~~السماوات فتتوافق الآيات والأحاديث وتكون النفخات ثلاثا وهو اختيار ابن
~~العربي. ورده القرطبي بأن أخذ موسى عليه السلام بقائمة العرش إنما هو
~~عند نفخة البعث وادعى أن الصحيح أن ليس إلا نفختان لا ثلاث ولا أربع كما
~~قيل. ثم قال: والذي يزيح الإشكال ما قال بعض مشايخنا: إن الموت ليس بعدم
~~محض بالنسبة للأنبياء عليهم السلام والشهداء فإنهم موجودون ms09339 أحياء وإن لم
~~نرهم فإذا نفخت نفخة الصعق صعق كل من في السماء والأرض وصعقة غير
~~الأنبياء موت وصعقتهم غشي فإذا كانت نفخة البعث عاش من مات وأفاق من غشي
~~عليه، ولذا وقع في «الصحيحين» «فأكون أول من يفيق» انتهى، ولا يخفى أنه
~~يحتاج إلى القول بجواز استعمال المشترك في معنييه معا أو إلى ارتكاب
~~عموم المجاز أو التزام إرادة غشي عليهم وأن موت من يموت بعض الغشي مفاد
~~من أمر آخر فتدبر.

### || [39.69]

# { وأشرقت الأرض } أي أرض المحشر وهي أرض المبدلة من الأرض
~~المعروفة. وفي «الصحيح» «يحشر الناس [يوم القيامة] على أرض بيضاء عفراء
~~كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد» وهي أوسع بكثير من الأرض المعروفة. وفي
~~بعض الروايات أنها يومئذ من فضة ولا يصح، أي أضاءت { بنور ربها }
~~هو على ما روي عن ابن عباس نور / يخلقه الله تعالى بلا واسطة أجسام مضيئة
~~كشمس وقمر، واختاره الإمام وجعل الإضافة من باب

# ناقة الله

# [الأعراف: 73] وعن محي السنة تفسيره بتجلي الرب لفصل القضاء، وعن الحسن
~~والسدي تفسيره بالعدل وهو من باب الاستعارة وقد استعير لذلك وللقرآن
~~والبرهان في مواضع من التنزيل أي وأشرقت الأرض بما يقيمه فيها من الحق
~~والعدل ويبسط سبحانه من القسط في الحساب ووزن الحسنات والسيئات، واختار
~~هذا الزمخشري وصحح أولا تلك الاستعارة بتكررها في القرآن العظيم، وحققها
~~ثانيا بقوله: وينادي على ذلك إضافته إلى اسمه تعالى لأنه عز وجل هو الحق
~~العدل إشارة إلى الصارف إلى التأويل، وعينها ثالثها بإضافة إسمه تعالى
~~الرب إلى الأرض لأن العدل هو الذي يتزين به الأرض لا البرهان مثلا،
~~ورابعا بما عطف على إشراق الأرض من وضع الكتاب والمجيء بالنبيين
~~والشهداء والقضاء بالحق لأنه كله تفصيل العدل بالحقيقة، وأيدها خامسا
~~بالعرف العام فإن الناس يقولون للملك العادل: أشرقت الآفاق بعدلك وأضاءت
~~الدنيا بقسطك، وسادسا بقوله صلى الله عليه وسلم:

# " الظلم ظلمات يوم القيامة "

# فإنه يقتضي أن يكون العدل نورا فيه، وسابعا بأن فتح الآية وختمها بنفي
~~الظلم يدل عليه ms09340 ليكون من باب رد العجز على الصدر على طريقة الطرد والعكس.
~~ورجح ما اختار الإمام بأن الأصل الحقيقة ولا صارف لأن الإضافة تصح بأدنى
~~ملابسة، وأيد ما حكي عن محي السنة ببعض الأحاديث.

# وتعقب ذلك صاحب «الكشف» فقال: إن إضافة الملابسة مجاز والترجيح لما
~~اختاره جار الله لما ذكر من الفوائد ولأنه الشائع في استعمال القرآن، ألا
~~ترى إلى قوله تعالى:

# الله نور السموات والأرض

# [النور: 35] وأما تجلي الرب سبحانه فسواء حمل على تجلي الجلال أو تجلي
~~الجمال لا يقتضي إشراق الأرض بنور إلا بأحد المعنيين أعني العدل أو عرضا
~~يخلقه الله تعالى عند التجلي في الأرض فلو توهم من تجليه تعالى أنه ينعكس
~~نور منه على الأرض لاستحال إلا بالتفسير المذكور فليس قولا ثالثا لينصر
~~ويؤيد بالحديث الذي لا يدل على أنه تفسير الآية المشتمل على حديث الرؤية
~~وإلقاء ستره تعالى على العبد يذكر ما فعل به وما جنى انتهى.

# ولعل الأوفق بما يشعر به كثير من الأخبار أن قوله سبحانه: {
~~وأشرقت الأرض بنور ربها } إشارة إلى تجليه عز وجل لفصل
~~القضاء وقد يعبر عنه بالإتيان، وقد صرح به في قوله تعالى:

# يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملئكة

# [البقرة: 210] ولم يتأول ذلك السلف بل أثبتوه له سبحانه كالنزول على
~~الوجه الذي أثبته عز وجل لنفسه. ولا يبعد أن يكون هذا النور هو النور
~~الوارد في الحديث الصحيح

# " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه
~~عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور "

# ويقال فيه كالحجاب نحو ما قال السلف في سائر المتشابهات أو هو نور آخر
~~يظهر عند ذلك التجلي، ولا أقول: هو نور منعكس من الذات المقدس انعكاس نور
~~الشمس مثلا من الشمس بل الأمر فوق ما تنتهي إليه العقول، وأنى وهيهات
~~وكيف ومتى يتصور إلى حقيقة ذلك الوصول؟ ويومىء إلى أن ذلك التجلي مقرون
~~بالعدل التعبير بعنوان الربوبية مضافا إلى ضمير الأرض والله تعالى أعلم ms09341
~~بمراده.

# وقرأ ابن عباس وعبيد بن عمير وأبو الجوزاء { أشرقت } بالبناء للمفعول،
~~قال الزمخشري: من شرقت بالضوء تشرق إذا امتلأت به واغتصت وأشرقها الله
~~تعالى كما تقول: ملأ الأرض عدلا وطبقها عدلا، وقال ابن عطية: هذا إنما
~~يترتب من فعل يتعدى فهذا / على أن يقال: أشرق البيت وأشرقه السراج فيكون
~~الفعل مجاوزا وغير مجاوز، وقال صاحب «اللوامح» وجب أن يكون الإشراق على
~~هذه القراءة منقولا من شرقت الشمس إذا طلعت فيصير متعديا والمعنى أذهبت
~~ظلمة الأرض، ولا يجوز أن يكون من أشرقت إذا أضاءت فإن ذلك لازم وهذا قد
~~يتعدى إلى المفعول.

# { ووضع الكتب } قال السدي الحساب، فالكتاب مجاز عن الحساب
~~ووضعه ترشيح له، والمراد به الشروع فيه ويجوز جعل الكلام تمثيلا. وقال
~~بعضهم: صحائف الأعمال وضعت بأيدي العمال فالتعريف للجنس أو الاستغراق،
~~وقيل: اللوح المحفوظ وضع ليقابل به الصحائف فالتعريف للعهد، وروي هذا
~~القول عن ابن عباس، واستبعده أبو حيان وقال: لعله لا يصح عن ابن عباس.

# { وجىء بالنبيين } قيل ليسئلوا هل بلغوا أممهم؟ وقيل: ليحضروا
~~حسابهم { والشهداء } قال عطاء ومقاتل وابن زيد: الحفظة، وكأنهم
~~أرادوا أنهم يشهدون على كل من الأمم أنهم بلغوا أو يشهدون على كل بعمله
~~كما قال سبحانه:

# وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد

# [ق: 21] وفي بعض الآثار أنه يؤتى باللوح المحفوظ وهو يرتعد فيقال له: هل
~~بلغت إسرافيل؟ فيقول: نعم يا رب بلغته فيؤتى بإسرافيل وهو يرتعد فيقال
~~له: هل بلغك اللوح؟ فيقول: نعم يا رب فعند ذلك يسكن روع اللوح ثم يقال
~~لإسرافيل فأنت هل بلغت جبرائيل؟ فيقول: نعم يا رب فيؤتى بجبرائيل وهو
~~يرتعد فيقال له: هل بلغك إسرافيل؟ فيقول: نعم يا رب فعند ذلك يسكن روع
~~إسرافيل ثم يقال لجبرائيل: فأنت هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب فيؤتى
~~بالمرسلين وهم يرتعدون فيقال لهم: هل بلغكم جبرائيل؟ فيقولون: نعم فيسكن
~~عند ذلك روع جبرائيل ثم يقال لهم: فأنتم هل بلغتم؟ فيقولون: نعم فيقال
~~للأمم: هل بلغكم الرسل؟ فيقول كفرتهم: ما جاءنا من ms09342 بشير ولا نذير
~~فيعظم على الرسل الحال ويشتد البلبال فيقال لهم: من يشهد لكم؟ فيقولون:
~~النبي الأمي وأمته فيؤتى بالأمة المحمدية فيشهدون لهم أنهم بلغوا فيقال
~~لهم: من أين علمتم ذلك؟ فيقولون: من كتاب أنزله الله تعالى علينا ذكر
~~سبحانه فيه أن الرسل بلغوا أممهم ويزكيهم النبي عليه الصلاة والسلام
~~وذلك قوله تعالى:

# وكذلك جعلنكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على
~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا

# [البقرة: 143] ومن هنا قيل: المراد بالشهداء في الآية أمة نبينا صلى
~~الله عليه وسلم، وقال الجبائي وأبو مسلم: هم عدول الآخرة يشهدون للأمم
~~وعليهم، وقيل: جميع الشهداء من الملائكة وأمة محمد عليه الصلاة والسلام
~~والجوارح والمكان، وأيا ما كان فالشهداء جمع شاهد، وقال قتادة والسدي:
~~المراد بهم المستشهدون في سبيل الله تعالى فهو جمع شهيد وليس بذاك.

# { وقضى بينهم } أي بين العباد المفهوم من السياق { بالحق }
~~بالعدل { وهم لا يظلمون } بنقص ثواب أو زيادة عقاب على ما جرى
~~به الوعد بناء على أن الظلم حقيقة لا يتصور في حقه تعالى فإن الأمر كله
~~له عز وجل.

### || [39.70]

# { ووفيت كل نفس ما عملت } أي أعطيت جزاء ذلك كاملا {
~~وهو أعلم بما يفعلون } فلا يفوته سبحانه شيء من أعمالهم.

### || [39.71]

# وقوله تعالى: { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا
~~} الخ تفصيل للتوفية وبيان لكيفيتها، والفاء ليس بلازم، والسوق يقتضي
~~الحث على المسير بعنف وإزعاج وهو الغالب ويشعر بالإهانة وهو المراد هنا
~~أي سيقوا إليها بالعنف والإهانة أفواجا متفرقة بعضها في أثر بعض مترتبة
~~حسب ترتب طبقاتهم / في الضلالة والشرارة. والزمر جمع زمرة قال الراغب:
~~((هي الجماعة القليلة، ومنه قيل شاة زمرة قليلة الشعر ورجل زمر قليل
~~المروءة، ومنه اشتق الزمر، والزمارة كناية عن الفاجرة))، وقال بعضهم:
~~اشتقاق الزمرة من الزمر وهو الصوت إذ الجماعة لا تخلو عنه. { حتى
~~إذا جاءوها فتحت أبوبها } ليدخلوها وكانت قبل مجيئهم غير
~~مفتوحة فهي كسائر أبواب السجون لا تزال مغلقة حتى يأتي أصحاب الجرائم
~~الذين يسجنون فيها فتفتح ليدخلوها فإذا دخلوها أغلقت عليهم. ms09343 و { حتى
~~} هي التي تحكي بعدها الجملة. والكلام على إذا الواقعة بعدها قد مر في
~~الأنعام. وقرأ غير واحد { فتحت } بالتشديد { وقال لهم خزنتها
~~} على سبيل التقريع والتوبيخ { ألم يأتكم رسل منكم } أي من
~~جنسكم تفهمون ما ينبؤنكم به ويسهل عليكم مراجعتهم. وقرأ ابن هرمز { تأتكم
~~} بتاء التأنيث، وقرىء { نذر منكم }  { يتلون عليكم ءايت
~~ربكم } المنزلة لمصلحتكم { وينذرونكم لقاء يومكم
~~هذا } أي وقتكم هذا وهو وقت دخولكم النار لأن المنذر به في الحقيقة
~~العذاب ووقته، وجوز أن يراد به يوم القيامة والآخرة لاشتماله على هذا
~~الوقت أو على ما يختص بهم من عذابه وأهواله، ولا ينافيه كونه في ذاته غير
~~مختص بهم؛ والإضافة لامية تفيد الاختصاص لأنه يكفي للاختصاص ما ذكر، نعم
~~الأول أظهر فيه.

# واستدل بالآية على أنه لا تكليف قبل الشرع لأنهم وبخوهم بكفرهم بعد
~~تبليغ الرسل للشرائع وإنذارهم ولو كان قبح الكفر معلوما بالعقل دون
~~الشرع لقيل: ألم تعلموا بما أودع الله تعالى فيكم من العقل قبح كفركم،
~~ولا وجه لتفسير الرسل بالعقول لإباء الأفعال المستندة إليها عن ذلك، نعم
~~هو دليل إقناعي لأنه إنما يتم على اعتبار المفهوم وعموم { الذين
~~كفروا } وكلاهما محل نزاع، وقيل في وجه الاستدلال: إن الخطاب
~~للداخلين عموما يقتضي أنهم جميعا أنذرهم الرسل ولو تحقق تكليف قبل
~~الشرع لم يكن الأمر كذلك. وتعقب بأن للخصم أن لا يسلم العموم، ولمن قال
~~بوجوب الإيمان عقلا أن يقول: إنما وبخوهم بالكفر بعد التبليغ لأنه أبعد
~~عن الاعتذار وأحق بالتوبيخ والإنكار.

# { قالوا بلى } قد أتانا رسل منا تلوا علينا آيات ربنا وأنذرونا
~~لقاء يومنا هذا { ولكن حقت } أي وجبت { كلمة العذاب }
~~أي كلمة الله تعالى المقتضية له { على الكفرين } والمراد بها
~~الحكم عليهم بالشقاوة وأنهم من أهل النار لسوء اختيارهم أو قوله تعالى
~~لإبليس:

# لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين

# [ص: 85] ووضعوا (الكافرين) موضع ضميرهم للإيماء إلى علية الكفر، والكلام
~~اعتراف لا اعتذار.

### || [39.72]

# { قيل ادخلوا أبوب جهنم خلدين فيها } أي مقدرا
~~خلودكم فيها، ms09344 والقائل يحتمل أن يكون الخزنة وترك ذكرهم للعلم به مما قبل،
~~ويحتمل أن يكون غيرهم ولم يذكر لأن المقصود ذكر هذا المقول المهول من غير
~~نظر إلى قائله؛ وقال بعض الأجلة: أبهم القائل لتهويل المقول.

# { فبئس مثوى المتكبرين } أل فيه سواء كانت حرف تعريف أم
~~اسم موصول للجنس وفاء بحق فاعل باب نعم وبئس والمخصوص بالذم محذوف ثقة
~~بذكره آنفا أي فبئس مثواهم جهنم والتعبير بالمثوى لمكان { خلدين }
~~وفي التعبير بالمتكبرين إيماء إلى أن دخولهم النار لتكبرهم عن قبول الحق
~~والانقياد للرسل المنذرين عليهم الصلاة والسلام وهو في معنى التعليل
~~بالكفر، ولا ينافي تعليل ذلك بسبق كلمة العذاب عليهم لأن حكمه تعالى /
~~وقضاءه سبحانه عليهم بدخول النار ليس إلا بسبب تكبرهم وكفرهم لسوء
~~اختيارهم المعلوم له سبحانه في الأزل، وكذا قوله عز وجل

# لأملأن

# [ص: 85] فهناك سببان قريب وبعيد والتعليل بأحدهما لا ينافي التعليل بآخر
~~فتذكر وتدبر.

### || [39.73]

# { وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا }
~~جماعات مرتبة حسب ترتب طبقاتهم في الفضل، وفي «صحيح مسلم» وغيره عن أبي
~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين
~~يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة ثم هم بعد ذلك منازل "

# والمراد بالسوق هنا الحث على المسير للإسراع إلى الإكرام بخلافه فيما
~~تقدم فإنه لإهانة الكفرة وتعجيلهم إلى العقاب والآلام واختير للمشاكلة،
~~وقوله سبحانه: { إلى الجنة } يدفع إيهام الإهانة مع أنه قد يقال:
~~إنهم لما أحبوا لقاء الله تعالى أحب الله تعالى لقاءهم فلذا حثوا على
~~دخول دار كرامته جل شأنه قاله بعض الأجلة.

# واختار الزمخشري أن المراد هنا بسوقهم سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا
~~راكبين، وهذا السوق والحث أيضا للإسراع بهم إلى دار الكرامة. وتعقب بأنه
~~لا قرينة على إرادة ذلك وكون جميع المتقين لا يذهب بهم إلا راكبين يحتاج
~~إلى دليل، والاستدلال بقوله تعالى:

# يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا

# [مريم: 85] لا يتم إلا على ms09345 القول بأن الوفد لا يكونون إلا ركبانا وأن
~~الركوب يستمر لهم إلى أن يدخلوا الجنة، وفي «الكشف» أنه تفسير ظاهر يؤيده
~~الأحاديث الكثيرة ويناسب المقام لأن السوقين بعد فصل القضاء واللطف
~~الخالص في شأن البعض والقهر الخالص في شأن البعض ولا ينافي مقام عظمة
~~مالك الملوك على ما توهم انتهى.

# وأقول: إن حمل { الذين اتقوا } على المخلصين فالقول
~~بركوبهم قول قوي وإن حمل على المحترز عن الشرك خاصة ليشمل المخلصين
~~فالقول بذلك قول ضعيف إذ منهم من لا يدخل الجنة إلا بعد أن يدخل النار
~~ويعذب فيها، وظاهر كثير من الأخبار أن من هذا الصنف من يذهب إلى الجنة
~~مشيا. ففي «صحيح مسلم» عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " آخر من يدخل الجنة رجل فهو يمشي مرة ويكبو أخرى وتسفعه النار مرة فإذا
~~ما جاوزها التفت إليها فقال تبارك الذي نجاني منك لقد أعطاني الله تعالى
~~شيئا ما أعطاه أحدا من الأولين والآخرين فترفع له شجرة فيقول: أي رب
~~أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها فأشرب من مائها فيقول الله تعالى: يا
~~ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها فيقول: لا يا رب ويعاهده أن لا
~~يسأله غيرها وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه "

# الحديث.

# وقال بعض العارفين: إن المتقين يساقون إلى الجنة لأنهم قد رأوا الله
~~تعالى في المحشر فلرغبتهم في رؤيته عز وجل ثانيا لا يحبون فراق ذلك
~~الموطن الذي رأوه فيه ولشدة حبهم وشغفهم لا يكاد يخطر لهم أنهم سيرونه
~~سبحانه إذا دخلوا الجنة، والمحبة إذا عظمت فعلت بصاحبها أعظم من ذلك
~~وأعظم فكأنها غلبتهم حتى خيلت إليهم أن ذلك الموطن هو الموطن الذي يرى
~~فيه عز وجل وهو محل تجليه على محبيه جل جلاله وعظم نواله فأحجموا عن
~~المسير ووقفوا منتظرين رؤية اللطيف الخبير وغدا لسان حال كل منهم يقول:

# وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي

# متأخر عنه ولا متقدم

# ويدل على رؤيتهم إياه عز وجل ms09346 هناك ما في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة قال:
~~«إن أناسا قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل نرى
~~ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تضارون في
~~[رؤية] القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله قال: هل تضارون في
~~الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا قال: / فإنكم ترونه كذلك يجمع الله
~~الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه فيتبع من [كان]
~~يعبد الشمس الشمس وينبع من [كان] يعبد القمر القمر ويتبع من [كان] يعبد
~~الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله تبارك
~~وتعالى في صورة غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون نعوذ
~~بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله
~~في صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه ويضرب
~~الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيز ولا يتكلم يومئذ
~~إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم» الحديث، ومع هذا فسوقهم ليس
~~كسوق الذين كفروا كما لا يخفى. وقيل: السائق للكفرة ملائكة الغضب والسائق
~~للمتقين شوقهم إلى مولاهم فهو سبحانه لهم غاية الإرب، وليست الجنة عندهم
~~هي المقصودة بالذات ولا مجرد الحلول بها أقصى اللذات وإنما هي وسيلة
~~للقاء محبوبهم الذي هو نهاية مطلوبهم.

# { حتى إذا جاءوها وفتحت أبوبها } وقرىء بالتشديد،
~~والواو للحال والجملة حالية بتقدير قد على المشهور أي جاءوها وقد فتحت
~~لهم أبوابها كقوله تعالى:

# جنت عدن مفتحة لهم الأبواب

# [ص: 50] ويشعر ذلك بتقدم الفتح كأن خزنة الجنات فتحوا أبوابها ووقفوا
~~منتظرين لهم، وهذا كما تفتح الخدم باب المنزل للمدعو للضيافة قبل قدومه
~~وتقف منتظرة له، وفي ذلك من الاحترام والإكرام ما فيه. والظاهر أن قوله
~~تعالى: { وقال لهم خزنتها } الخ عطف على { فتحت
~~أبوبها } وجواب { إذا } محذوف مقدر بعد { خلدين } للإيذان
~~بأن لهم حينئذ من فنون الكرامات ما لا يحيط به نطاق العبارات كأنه قيل:
~~إذا جاؤها مفتحة لهم أبوابها ms09347 وقال لهم خزنتها { سلم عليكم }
~~أي من جميع المكاره والآلام وهو يحتمل الإخبار والإنشاء.

# { طبتم } أي من دنس المعاصي، وقيل: طبتم نفسا بما أتيح لكم من
~~النعيم المقيم، والأول مروي عن مجاهد وهو الأظهر، والجملة في موضع
~~التعليل { فادخلوها خلدين } أي مقدرين الخلود كان ما كان مما
~~يقصر عنه البيان أو فازوا بما لا يعد ولا يحصى من التكريم والتعظيم،
~~وقدره المبرد سعدوا بعد { خلدين } أيضا، ومنهم من قدره قبل {
~~وفتحت } أي حتى إذا جاءوها جاؤها وقد فتحت وليس بشيء، ومنهم من قدره
~~نحو ما قلنا قبل { وقال } وجعل جملة { قال } الخ معطوفة عليه، وما
~~تقدم أقوى معنى وأظهر. وقال الكوفيون: واو { وفتحت } زائدة والجواب
~~جملة { فتحت } وقيل: الجواب { قال لهم خزنتها } والواو
~~زائدة، والمعول عليه ما ذكرنا أولا وبه يعلم وجه اختلاف الجملتين أعني
~~قوله تعالى في أهل النار:

# حتى إذا جاءوها فتحت أبوبها

# [الزمر: 71] وقوله جل شأنه في أهل الجنة: { حتى إذا جاءوها
~~وفتحت أبوبها } حيث جىء بواو في الجملة الثانية وحذف الجواب
~~ولم يفعل كذلك في الجملة الأولى، فما قيل: إن الواو في الثانية واو
~~الثمانية لأن المفتح ثمانية أبواب ولما كانت أبواب النار سبعة لا ثمانية
~~لم يؤت بها - وجه ضعيف لا يعول عليه.

# واستدل المعتزلة بقوله: { طبتم فادخلوها } حيث رتب فيه الأمر
~~بالدخول على الطيب والطهارة من دنس المعاصي على أن أحدا لا يدخل الجنة
~~إلا وهو طيب طاهر من المعاصي إما لأنه لم يفعل شيئا منها أو لأنه تاب
~~عما فعل توبة مقبولة في الدنيا. ورد بأنه وإن دل على أن أحدا لا يدخلها
~~إلا وهو طيب لكن قد يحصل ذلك بالتوبة المقبولة وقد يكون بالعفو عنه أو
~~الشفاعة له أو بعد تمحيصه بالعذاب فلا متمسك فيها للمعتزلة.

# / وقيل: المراد بالذين اتقوا المحترزون عن الشرك خاصة فطبتم على معنى
~~طبتم عن دنس الشرك ولا خلاف في أن دخول الجنة مسبب عن الطيب والطهارة
~~عنه. وتعقب بأن ذاك خلاف الظاهر لأن التقوى في العرف الغالب ms09348 تقع على أخص
~~من ذلك لا سيما في معرض الإطلاق والمدح بما عقبه من قوله تعالى:

# فنعم أجر العملين

# [الزمر: 74] فتدبر.

### || [39.74]

# { وقالوا } عطف على

# قال

# [الزمر: 73] أو على الجواب المقدر بعد { خلدين } أو على مقدر غيره
~~أي فدخلوها وقالوا: { الحمد لله الذى صدقنا وعده }
~~بالبعث والثواب { وأورثنا الأرض } يريدون المكان الذي استقروا
~~فيه فإن كانت أرض الآخرة التي يمشي عليها تسمى أرضا حقيقة فذاك وإلا
~~فإطلاقهم الأرض على ذلك من باب الاستعارة تشبيها له بأرض الدنيا،
~~والظاهر الأول، وحكي عن قتادة وابن زيد والسدي أن المراد أرض الدنيا وليس
~~بشيء. وإيراثها تمليكها مخلفة عليهم من أعمالهم أو تمكينهم من التصرف
~~فيها تمكين الوارث فيما يرثه بناء على أنه لا ملك في الآخرة لغيره عز
~~وجل وإنما هو إباحة التصرف والتمكين مما هو ملكه جل شأنه، وقيل: ورثوها
~~من أهل النار فإن لكل منهم مكانا في الجنة كتب له بشرط الإيمان.

# { نتبوأ من الجنة حيث نشاء } أي يتبوأ كل منا في أي
~~مكان أراده من جنته الواسعة لا أن كلا منهم يتبوأ في أي مكان من مطلق
~~الجنة أو من جنات غيره المعينة لذلك الغير، فلا يقال: إنه يلزم جواز تبوؤ
~~الجميع في مكان واحد وحدة حقيقة وهو محال أو أن يأخذ أحدهم جنة غيره وهو
~~غير مراد، وقيل: الكلام على ظاهره ولكل منهم أن يتبوأ في أي مكان شاء من
~~مطلق الجنة ومن جنات غيره إلا أنه لا يشاء غير مكانه لسلامة نفسه وعصمة
~~الله تعالى له عن تلك المشيئة، وقال الإمام: قالت حكماء الإسلام: إن لكل
~~جنتين جسمانية وروحانية ومقامات الثانية لا تمانع فيها فيجوز أن يكون في
~~مقام واحد منها ما لا يتناهى من أربابها. وهذه الجملة حالية فالمعنى
~~أورثنا مقامات الجنة حالة كوننا نسرح في منازل الأرواح كما نشاء. وقد قال
~~بعض متألهي الحكماء: الدار الضيقة تسع ألف ألف من الأرواح والصور
~~المثالية التي هي أبدان المتجردين عن الأبدان العنصرية لعدم تمانعها كما
~~قيل:

# سم الخياط ms09349 مع الأحباب ميدان

# وفسر المقام الروحاني بما تدركه الروح من المعارف الإلهية وتشاهده من
~~رضوان الله تعالى وعنايته القدسية مما لا عين رأت ولا أذن سمعت. وتعقب
~~بأن هذا إن عد من بطون القرآن العظيم فلا كلام وإلا فحمل الجنة على مثل
~~ذلك مما لا تعرفه العرب ولا ينبغي أن يفسر به، على أنه ربما يقال: يرد
~~عليه أنه يقتضي أن لكل أحد أن يصل إلى مقام روحاني من مقاماتها مع أن
~~منها ما يخص الأنبياء المكرمين والملائكة المقربين، والظاهر أنه لا يصل
~~إلى مقاماتهم كل أحد من العارفين فافهم ولا تغفل.

# { فنعم أجر العملين } من كلام الداخلين عند الأكثر
~~والمخصوص بالمدح محذوف أي هذا الأجر أو الجنة. ولعل التعبير  بأجر
~~العاملين  دون أجرنا للتعريض بأهل النار أنهم غير عاملين، وقال مقاتل:
~~هو من كلام الله تعالى.

### || [39.75]

# { وترى الملئكة حافين } أي محدقين من الحفاف بمعنى الجانب
~~جمع حاف كما قال الأخفش، وقال الفراء: لا يفرد فقيل: أراد أن المفرد لا
~~يكون حافا إذ الإحداق والإحاطة لا يتصور بفرد وإنما يتحقق بالجمع، وقيل:
~~أراد أنه لم يرد استعمال مفرده. وأورد على الأول أن الإحاطة بالشيء بمعنى
~~محاذاة جميع جوانبه فتتصور في الواحد بدورانه حول الشيء فإنه حينئذ
~~يحاذي جميع / جوانبه تدريجا فيكون الحفوف بمعنى الدوران حوله أو يراد
~~بكونه حافا أنه جزء من الحاف وله مدخل في الحفوف، ولو صح ما ذكر لم يصح
~~أن يقال: طائف أو محدق أو محيط أو نحوه مما يدل على الإحاطة. وأورد على
~~الثاني أنا لم نجد ورود جمع سالم لم يرد استعمال مفرده فبعد ورود حافين
~~الظاهر ورود حاف كما لا يخفى.

# والخطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم، وجوز أن يكون لكل من تصح
~~منه الرؤية كأنه قيل: وترى أيها الرائي الملائكة حافين { من حول
~~العرش } أي حول العرش على أن { من } مزيد على رأي الأخفش وهو
~~الأظهر، وقيل: هي للابتداء  فحول العرش  مبتدأ الحفوف وكأن الحفوف
~~حينئذ للخلق، وفي بعض الآثار ms09350 ما هو ناطق بذلك، وفيها ما يدل على أن
~~العرش يوم فصل القضاء يكون في الأرض حيث يشاء الله تعالى والأرض يومئذ
~~غير هذه الأرض، على أن أحوال يوم القيامة وشؤون الله تعالى وراء عقولنا
~~وسبحان من لا يعجزه شيء، والظاهر أن الرؤية بصرية  فحافين  حال أولى
~~وقوله تعالى: { يسبحون بحمد ربهم } حال ثانية، ويجوز أن
~~يكون حالا من ضمير { حافين } المستتر، وجوز كون الرؤية علمية 
~~فحافين  مفعول ثان وجملة { يسبحون } حال من { الملئكة } أو
~~من ضميرهم في { حافين } والباء في { بحمده } للملابسة والجار
~~والمجرور في موضع الحال أي ينزهونه تعالى عما لا يليق به ملتبسين بحمده،
~~وحاصله يذكرون الله تعالى بوصفي جلاله وإكرامه تبارك وتعالى، وهذا الذكر
~~إما من باب التلذذ فإن ذكر المحبوب من أعظم لذائذ المحب كما قيل:

# أجد الملامة في هواك لذيذة

# حبا لذكرك فليلمني اللوم

# أو من باب الامتثال ويدعي أنهم مكلفون، ولا يسلم أنهم خارجون عن خطة
~~التكليف أو يخرجون عنها يوم القيامة، نعم لا يرون ذلك كلفة وإن أمروا به.
~~وفي حديث طويل جدا أخرجه عبد بن حميد وعلي بن سعيد في كتاب «الطاعة
~~والعصيان» وأبو يعلى وأبو الحسن القطان في «المطولات» وأبو الشيخ في
~~«العظمة» والبيهقي في «البعث والنشور» عن أبي هريرة

# " فبينما نحن وقوف  أي في المحشر  إذ سمعنا حسا من السماء شديدا
~~فينزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس حتى إذا دنوا من
~~الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم ثم تنزل أهل السماء الثانية
~~بمثلي من نزل من الملائكة ومثلي من فيها من الجن والإنس حتى إذا دنوا من
~~الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم ثم تنزل أهل السماء الثالثة
~~بمثلي من نزل من الملائكة ومثلي من فيها من الجن والإنس حتى إذا دنوا من
~~الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم ثم ينزلون على قدر ذلك من
~~التضعيف إلى السماوات السبع ثم ينزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة
~~تحمل عرشه يومئذ ثمانية وهم اليوم أربعة ms09351 أقدامهم على تخوم الأرض السفلى
~~والأرضون والسماوات إلى حجزهم والعرش على مناكبهم لهم زجل بالتسبيح
~~فيقولون: سبحان ذي العزة والجبروت سبحان ذي الملك والملكوت سبحان الحي
~~الذي لا يموت سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت سبوح قدوس رب الملائكة
~~والروح سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت فيضع عرشه حيث يشاء
~~من الأرض ثم يهتف سبحانه بصوته فيقول عز وجل: يا معشر الجن والإنس إني قد
~~أنصت لكم منذ يوم خلقتكم إلى يومكم هذا أسمع قولكم وأبصر أعمالكم فأنصتوا
~~إلي فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله تعالى
~~ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه "

# الحديث.

# / { وقضى بينهم بالحق } أي بين العباد كلهم بإدخال بعضهم
~~الجنة وبعضهم النار فإن القضاء المعروف يكون بينهم، ولوضوح ذلك لا يضر
~~كون الضمير لغير الملائكة مع أن ضمير { يسبحون } لهم إذ التفكيك لا
~~يمتنع مطلقا كما توهم، وقيل: ضمير { بينهم } للملائكة واستظهره أبو
~~حيان، وثوابهم وإن كانوا كلهم معصومين يكون على حسب تفاضل أعمالهم فيختلف
~~تفاضل مراتبهم فإقامة كل في منزلته حسب عمله هو القضاء بينهم بالحق.

# { وقيل الحمد لله رب العلمين } أي على ما قضى بيننا
~~بالحق، والقائل (قيل) هم المؤمنون المقضي لهم لا ما يعمهم والمقضي عليهم،
~~وحمدهم الأول على إنجاز وعده سبحانه وإيراثهم الأرض يتبوؤون من الجنة ما
~~شاؤا، وحمدهم هذا على القضاء بالحق بينهم فلا تكرار. وقال الطيبي: إن
~~الأول للتفصلة بين الفريقين بحسب الوعد والوعيد والسخط والرضوان، والثاني
~~للتفرقة بينهما بحسب الأبدان ففريق في الجنة وفريق في السعير والأول
~~أحسن، وقيل: هم الملائكة يحمدونه تعالى على قضائه سبحانه بينهم بالحق
~~وإنزال كل منهم منزلته، وعليه ليس في الحمدين شائبة تكرار لتغاير
~~الحامدين. وقيل: { قيل } دون قالوا لتعينهم وتعظيمهم. وجوز كون القائل
~~جميع العباد منعمهم ومعذبهم؛ وكأنه أريد أن الحمد من عموم الخلق المقضي
~~بينهم هنا إشارة إلى التمام وفصل الخصام كما يقوله المنصرفون من مجلس
~~حكومة ونحوها، فيحمده المؤمنون لظهور حقهم وغيرهم لعدله ms09352 واستراحتهم من
~~انتظار الفصل، ففي بعض الآثار أنه يطول الوقوف في المحشر على العباد حتى
~~إن أحدهم ليقول: رب أرحني ولو إلى النار، وقيل: إنهم يحمدونه إظهارا
~~للرضا والتسليم.

# وقال ابن عطية: هذا الحمد ختم للأمر يقال عند انتهاء فصل القضاء أي إن
~~هذا الحاكم العدل ينبغي أن يحمد عند نفوذ حكمه وإكمال قضائه، ومن هذه
~~الآية جعلت { الحمد لله رب العلمين } خاتمة المجالس في
~~العلم. هذا والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على رسوله محمد خاتم
~~النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين.

# ومن باب الإشارة في بعض الآيات:

# فاعبد الله مخلصا له الدين

# [الزمر: 2] أي اعبده تعالى بنفسك وقلبك وروحك مخلصا، وإخلاص العبادة
~~بالنفس التباعد عن الانتقاص، وإخلاص العبادة بالقلب العمى عن رؤية
~~الأشخاص، وإخلاص العبادة بالروح نفي طلب الاختصاص. وذكر أن المخلص من خلص
~~بالجود عن حبس الوجود

# إن الله لا يهدى من هو كذب كفار

# [الزمر: 3] فيه إشارة إلى تهديد من يدعي رتبة من الولاية ليس بصادق فيها
~~وعقوبته حرمان تلك الرتبة

# يكور اليل على النهار ويكور النهار على
~~اليل

# [الزمر: 5] فيه إشارة إلى أحوال السائرين إلى الله سبحانه من القبض
~~والبسط والصحو والسكر والجمع والفرق والستر والتجلي وغير ذلك

# فى ظلمت ثلث

# [الزمر: 6] قيل: يشير إلى ظلمة الإمكان وظلمة الهيولى وظلمة الصورة {
~~أمن هو قانت ءاناء اليل سجدا وقائما } يشير إلى
~~القيام بآداب العبودية ظاهرا وباطنا من غير فتور ولا تقصير { يحذر
~~الأخرة } ونعيمها كما يحذر الدنيا وزينتها { ويرجو رحمة
~~ربه } رضاه سبحانه عنه وقربه عز وجل. { قل هل يستوى الذين
~~يعلمون } قدر معبودهم جل شأنه فيطلبونه { والذين لا
~~يعلمون } ذلك فيطلبون ما سواه { إنما يتذكر } حقيقة الأمر

# أولو الألبب

# [الزمر: 9] وهم الذين انسلخوا من جلد وجودهم وصفوا عن شوائب أنانيتهم {
~~قل يعبادى الذين آمنوا } بي شوقا إلي { اتقوا
~~ربكم } فلا تطلبوا غيره سبحانه { للذين أحسنوا } في طلبي
~~{ في هذه الدنيا } بأن لم يطلبوا مني غيري / { حسنة }
~~عظيمة وهي حسنة وجداني { وأرض الله واسعة } وهي حضرة جلاله ms09353
~~وجماله فإنها لا نهاية لها فليسر فيها ليرى ما يرى ولا يظن بما فتح عليه
~~انتهاء السير وانقطاع الفيض { إنما يوفى الصبرون } على
~~صدق الطلب { أجرهم } من التجليات

# بغير حساب

# [الزمر: 10] إذ لا نهاية لتجلياته تعالى وكل يوم هو في شأن { قل إنى
~~أخاف إن عصيت ربى } بطلب ما سواه

# عذاب يوم عظيم

# [الزمر: 13] وهو عذاب القطيعة والحرمان

# قل الله أعبد مخلصا له دينى

# [الزمر: 14] فلا أطلب دنيا ولا أخرى كما قيل:

# وكل له سؤل ودين ومذهب

# ولي أنتم سؤل وديني هواكم

# { قل إن الخسرين الذين خسروا أنفسهم } أي
~~الذين تبين خسران أنفسهم بإفساد استعدادها للوصول والوصال {
~~وأهليهم } من القلوب والاسرار والأرواح بالإعراض عن طلب المولى {
~~يوم القيمة } الذي تتبين فيه الحقائق

# ذلك هو الخسرن المبين

# [الزمر: 15] الذي لا خفاء فيه لفوات رأس المال وعدم إمكان التلافي، وقال
~~بعض الأجلة: إن للإنسان قوتين يستكمل بإحداهما علما وبالأخرى عملا،
~~والآلة الواسطة في القسم الأول هي العلوم المسماة بالمقدمات وترتيبها على
~~الوجه المؤدي إلى النتائج التي هي بمنزلة الربح يشبه تصرف التاجر في رأس
~~المال بالبيع والشراء، والآلة في القسم العملي هو القوى البدنية وغيرها
~~من الأسباب الخارجية المعينة عليها، واستعمال تلك القوى في وجوه أعمال
~~البر التي هي بمنزلة الربح يشبه التجارة، فكل من أعطاه الله تعالى العقل
~~والصحة والتمكين ثم إنه لم يستفد منها معرفة الحق ولا عمل الخير فإذا مات
~~فات ربحه وضاع رأس ماله ووقع في عذاب الجهل وألم البعد عن عالمه والقرب
~~مما يضاده أبد الآباد، فلا خسران فوق هذا ولا حرمان أبين منه، وقد أشار
~~سبحانه إلى هذا بقوله تعالى:

# لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل

# [الزمر: 16] وهذا على الأول إشارة إلى إحاطة نار الحسرة بهم

# لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها
~~غرف مبنية تجرى من تحتها الأنهر

# [الزمر: 20] قيل الغرف المبنية بعضها فوق بعض إشارة إلى العلوم المكتسبة
~~المبنية على النظريات وأنها تكون في المتانة واليقين كالعلوم الغريزية
~~البديهية { ألم ms09354 تر أن الله أنزل من السماء } من سماء
~~حضرته سبحانه أو من سماء القلب { ماء } ماء المعارف والعلوم {
~~فسلكه ينابيع } مدارك وقوى { فى الارض } أرض البشرية {
~~ثم يخرج به زرعا } من الأعمال البدنية والأقوال اللسانية

# ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطما

# [الزمر: 21] إشارة إلى أفعال المرائين وأقوالهم ترى مخضرة وفق الشرع ثم
~~تصفر من آفة الرياء ثم تكون حطاما لا حاصل لها إلا الحسرة { أفمن
~~شرح الله صدره للإسلم } للانقياد إليه سبحانه

# فهو على نور من ربه

# [الزمر: 22] يستضىء به في طلبه سبحانه، ومن علامات هذا النور محو ظلمات
~~الصفات الذميمة النفسانية والتحلية بالأخلاق الكريمة القدسية.

# { الله نزل أحسن الحديث كتبا متشبها
~~مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم }
~~إذا قرعت صفات الجلال أبواب قلوبهم

# ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله

# [الزمر: 23] بالشوق والطلب { ضرب الله مثلا رجلا فيه
~~شركاء متشكسون } يتجاذبونه وهم شغل الدنيا وشغل العيال وغير
~~ذلك من الأشغال

# ورجلا سلما لرجل

# [الزمر: 29] إشارة إلى المؤمن الخالص الذي لم يشغله شيء عن مولاه عز
~~شأنه { فمن أظلم ممن كذب على الله } يشير إلى حال
~~الكاذبين في دعوى الولاية

# وكذب بالصدق إذ جاءه

# [الزمر: 32] يشير إلى حال أقوام نبذوا الشريعة وراء ظهورهم وقالوا: هي
~~قشر والعياذ بالله تعالى.

# ويوم القيمة ترى الذين كذبوا على الله
~~وجوههم مسودة

# [الزمر: 60] قيل: هو سواد قلوبهم ينعكس على وجوههم

# وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا

# [الزمر: 73] قيل المتقون قد عبدوا الله تعالى / لله جل شأنه لا للجنة
~~فتصير شدة استغراقهم في مشاهدة مطالع الجمال والجلال مانعة لهم عن الرغبة
~~في الجنة فلا جرم يفتقرون إلى السوق، وقيل: كل خصلة ذميمة أو شريفة في
~~الإنسان فإنها تجره من غير اختيار شاء أم أبى إلى ما يضاهي حاله فذاك
~~معنى السوق في الفريقين، وقيل: القوم أهل وفاء فهم يقولون: لا ندخل الجنة
~~حتى يدخلها أحبابنا فلذا يساقون إليها ولكن لا كسوق الكفرة { وترى
~~الملئكة حافين من حول العرش } إشارة إلى أنه صلى ms09355
~~الله عليه وسلم في مقعد صدق عند مليك مقتدر بناء على أن العرش لا يتحول
~~{ يسبحون بحمد ربهم } إشارة إلى نعيمهم { وقضى
~~بينهم بالحق } أعطي كل ما يستحقه

# وقيل الحمد لله رب العلمين

# [الزمر: 75] على انقضاء الأمر وفصل القضاء بالعدل الذي لا شبهة فيه ولا
~~امتراء. هذا والحمد لله تعالى على إفضاله والصلاة والسلام على رسوله محمد
~~وآله.

### | [40 - سورة غافر]

### || [40.1]

# بتفخيم الألف وتسكين الميم، وقرأ ابن عامر برواية ذكوان وحمزة والكسائي
~~وأبو بكر بالإمالة الصريحة، ونافع برواية ورش وأبو عمرو بالإمالة بين
~~بين، وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بفتح الميم على التحريك لالتقاء الساكنين
~~بالفتحة للخفة كما في أين وكيف، وجوز أن يكون ذلك نصبا بإضمار اقرأ ومنع
~~من الصرف للعلمية والتأنيث لأنه بمعنى السورة أو للعلمية وشبه العجمة لأن
~~فاعيل ليس من أوزان أبنية العرب وإنما وجد ذلك في لغة العجم كقابيل
~~وهابيل، ونقل هذا عن سيبويه. وفي «الكشف» أن الأولى أن يعلل بالتعريف
~~والتركيب. وقرأ أبو السمال بكسر الميم على أصل التقاء الساكنين كما في
~~جير والزهري برفعها والظاهر أنه إعراب فهو إما مبتدأ أو خبر مبتدأ محذوف،
~~والكلام في المراد به كالكلام في نظائره.

# ويجمع على حواميم وحاميمات أما الثاني فقد أنشد فيه ابن عساكر في
~~«تاريخه»:

# هذا رسول الله في الخيرات

# جاء بياسين وحاميمات

# وأما الأول فقد تقدم عدة أخبار فيه ولا أظن أن أحدا ينكر صحة جميعها أو
~~يزعم أن لفظ حواميم فيها من تحريف الرواة الأعاجم؛ وأيضا أنشد أبو
~~عبيدة:

# حلفت بالسبع الا لى تطولت

# وبمئين بعدها قد أمئيت

# وبثمان ثنيت وكررت

# وبالطواسين اللواتي تليت

# وبالحواميم اللواتي سبعت

# وبالمفصل التي قد فصلت

# وذهب الجواليقي والحريري وابن الجوزي إلى أنه لا يقال حواميم، وفي
~~«الصحاح» عن الفراء أن قول العامة الحواميم ليس من كلام العرب. وحكى صاحب
~~«زاد المسير» عن شيخه أبي منصور اللغوي أن من الخطأ أن تقول: قرأت
~~الحواميم والصواب أن تقول قرأت آل حم، وفي حديث ابن مسعود إذا وقعت ms09356 في
~~آل حم فقد وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن، وعلى هذا قول الكميت بن زيد
~~في «الهاشميات»:

# / وجدنا لكم في آل حم آية

# تأولها منا تقي ومعرب

# والطواسين والطواسيم بالميم بدل النون كذلك عندهم، وما سمعت يكفي في
~~ردهم. نعم ما قالوه مسموع مقبول كالذي قلناه لكن ينبغي أن يعلم أن آل في
~~قولهم آل حم كما قال الخفاجي ليس بمعنى الآل المشهور وهو الأهل بل هو لفظ
~~يذكر قبل ما لا يصح تثنيته وجمعه من الأسماء المركبة ونحوها كتأبط شرا
~~فإذا أرادوا تثنيته أو جمعه وهو جملة لا يتأتى فيها ذلك إذ لم يعهد مثله
~~في كلام العرب زادوا قبله لفظة آل أو ذوا فيقال: جاءني آل تأبط شرا أو
~~ذوا تأبط شرا أي الرجلان أو الرجال المسمون بهذا الاسم، فآل حم بمعنى
~~الحواميم وآل بمعنى ذو، والمراد به ما يطلق عليه ويستعمل فيه هذا اللفظ
~~وهو مجاز عن الصحبة المعنوية، وفي كلام الرضي وغيره إشارة إلى هذا إلا
~~أنهم لم يصرحوا بتفسيره فعليك بحفظه، وحكى في «الكشف» أن الأولى أن يجمع
~~بذوات حم أي دون حواميم أو حاميمات ومعناه السور المصحوبات بهذا اللفظ
~~أعني حم.

### || [40.2]

# الكلام فيه إعرابا كالكلام في مطلع سورة الزمر بيد أنه يجوز هنا أن
~~يكون { تنزيل } خبرا عن { حم } ولعل تخصيص الوصفين لما في القرآن
~~الجليل من الإعجاز وأنواع العلوم التي يضيق عن الإحاطة بها نطاق الأفهام
~~أو هو على نحو تخصيص الوصفين فيما سبق فإن شأن البليغ علمه بالأشياء أن
~~يكون حكيما إلا أنه قيل { العليم } دون الحكيم تفننا.

### || [40.3]

# وقوله تعالى: { غافر الذنب وقابل التوب شديد
~~العقاب ذى الطول } صفات للاسم الجليل كالعزيز العليم، وذكر غافر
~~الذنب وقابل التوب وذي الطول للترغيب وذكر شديد العقاب للترهيب والمجموع
~~للحث على المقصود من

# تنزيل الكتب

# [غافر: 2] وهو المذكور بعد من التوحيد والإيمان بالبعث المستلزم للإيمان
~~بما سواهما والإقبال على الله تعالى، والأولان منها وإن كانا اسمي فاعل
~~إلا أنهما لم يرد بهما ms09357 التجدد ولا التقييد بزمان بل أريد بهما الثبوت
~~والاستمرار فإضافتهما للمعرفة بعدهما محضة أكسبتهما تعريفا فصح أن يوصف
~~بهما أعرف المعارف، والأمر في { ذى الطول } ظاهر جدا. نعم الأمر في
~~{ شديد العقاب } مشكل فإن شديدا صفة مشبهة وقد نص سيبويه على أن
~~كل ما إضافته غير محضة إذا أضيف إلى معرفة جاز أن ينوي بإضافته التمحض
~~فيتعرف وينعت به المعرفة إلا ما كان من باب الصفة المشبهة فإنه لا يتعرف
~~ومن هنا ذهب الزجاج إلى أن { شديد العقاب } بدل، ويرد عليه أن في
~~توسيط البدل بين الصفات تنافرا بينا لأن الوصف يؤذن بأن الموصوف مقصود
~~والبدل بخلافه فيكون بمنزلة استئناف القصد بعد ما جعل غير مقصود، والجواب
~~أنه إنما يشكل ظاهرا على مذهب سيبويه وسائر البصريين القائلين بأن الصفة
~~المشبهة لا تتعرف أصلا بالإضافة إلى المعرفة، وأما على مذهب الكوفيين
~~القائلين بأنها كغيرها من الصفات قد تتعرف بالإضافة ويجوز وصف المعرفة
~~بها نحو مررت بزيد حسن الوجه فلا، ويقال فيما ذكر على المذهب الأول: إن
~~شديدا مؤول بمشدد اسم فاعل من أشده جعله شديدا كأذين بمعنى مؤذن فيعطى
~~حكمه، أو يقال: إنه معرف بأل والأصل الشديد عقابه لكن حذفت لأمن اللبس
~~بغير الصفة لوقوعه بين الصفات واحتمال كونه بدلا وحده لا يلتفت على ما
~~سمعت إليه ورعاية لمشاكلة ما معه من الأوصاف المجردة منها والمقدر في حكم
~~الموجود، وقد غيروا كثيرا من كلامهم عن قوانينه لأجل المشاكلة حتى
~~قالوا: ما يعرف سحادليه من عنادليه أرادوا ما يعرف ذكره من أنثييه /
~~فثنوا ما هو وتر لأجل ما هو شفع، وجوز كون جميع التوابع المذكورات
~~أبدالا وتعمد تنكير { شديد العقاب } وإبهامه للدلالة على فرط
~~الشدة وعلى ما لا شيء أدهى منه وأمر لزيادة الإنذار.

# وفي «الكشف» جعل كلها أبدالا فيه تنافر عظيم لا سيما في إبدال {
~~العزيز } من { الله } الاسم الجامع لسائر الصفات العلم النص وأين
~~هذا من براعة الاستهلال؟ وذهب مكي إلى جواز كون { غافر الذنب
~~وقابل التوب } دون ما قبلهما ms09358 بدلين وأنهما حينئذ نكرتان، وقد
~~علمت ما فيه مما تقدم، وقال أبو حيان: إن بدل البداء عند من أثبته قد
~~يتكرر وأما بدل كل من كل وبدل بعض من كل وبدل اشتمال فلا نص عن أحد من
~~النحويين أعرفه في جواز التكرار فيها أو منعه إلا أن في كلام بعض أصحابنا
~~ما يدل على أن البدل من البدل جائز دون تعدد البدل واتحاد المبدل منه.

# وظاهر كلام الخفاجي أن النحاة صرحوا بجواز تعدده حيث قال: لا يرد على
~~القول بالإبدال قلة البدل في المشتقات، ولا أن النكرة لا تبدل من المعرفة
~~ما لم توصف، ولا أن تعدد البدل لم يذكره النحاة كما قيل لأن النحاة صرحوا
~~بخلافه في الجميع، وللدماميني فيه كلام طويل الذيل في أول «شرح الخزرجية»
~~لا يسعه هذا المقام فإن أردته فانظر فيه انتهى. وعندي أن الإبدال هنا ليس
~~بشيء كلا أو بعضا.

# و { التوب } يحتمل أن يكون مصدرا كالأوب بمعنى الرجوع ويحتمل أن
~~يكون اسم جمع لتوبة كتمر وتمرة، و { الطول } الفضل بالثواب والإنعام
~~أو بذلك وبترك العقاب المستحق كما قيل وهو أولى من تخصيصه بترك العقاب
~~وإن وقع بعد { شديد العقاب } وكون الثواب موعودا فصار كالواجب
~~فلا يكون فضلا ليس بشيء فإن الوعد به ليس بواجب، وفسره ابن عباس بالسعة
~~والغنى، وقتادة بالنعم، وابن زيد بالقدرة. ((وتوسيط الواو بين { غافر
~~الذنب وقابل التوب } لإفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين
~~بين أن يقبل سبحانه توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات وأن يجعلها محاءة
~~للذنب كأنه لم يذنب كأنه قيل: جامع المغفرة والقبول)) قاله الزمخشري،
~~ووجه كما في «الكشف» أنها صفات متعاقبة بدون الواو دالة على معنى الجمع
~~المطلق من مجرد الإجراء فإذا خصت بالواو إحدى القرائن دل على أن المراد
~~المعتبر فيها وفيما تقدمها خاصة صونا لكلام البليغ عن الإلغاء، ففي
~~الواو هنا الدلالة على أنه سبحانه جامع بين الغفران وقبول التوب للتائب
~~خاصة، ولا ينافي ذلك أنه عز وجل قد يغفر لمن لم يتب، وما ms09359 قيل: إن التوسيط
~~يدل على أن المعنى كما أخرج أبو الشيخ في «العظمة» عن الحسن (غافر الذنب)
~~لمن لم يتب و(قابل التوب) لمن تاب فغير مسلم، والتغاير الذي يذكرونه بين
~~موقع الفعلين وهما غفران الذنب وقبول التوبة عنه المقتضي لكون الغفران
~~بالنسبة إلى قوم والقبول بالنسبة إلى آخرين إذ جعلوا موقع الأول الذنب
~~الباقي في الصحائف من غير مؤاخذة وموقع الثاني الذنب الزائل الممحو عنها
~~حاصل مع الإجراء فلا مدخل للواو، ثم ما ذكر من الوجه السابق جار على أصلي
~~أهل السنة والمعتزلة فلا وجه لرده بما ليس بقادح وإيثار ما هو مرجوح،
~~وتقديم الغافر على القابل من باب تقديم التخلية على التحلية فافهم.

# وفي القطع بقبول توبة العاصي قولان لأهل السنة.

# وفي «البحر» ((الظاهر من الآية أن توبة العاصي بغير الكفر كتوبة العاصي
~~به مقطوع بقبولها)). وفي توحيد صفة العذاب مغمورة بصفاته تعالى الدالة
~~على الرحمة دليل على زيادة الرحمة وسبقها فسبحانه من إله ما أرحمه
~~وأكرمه.

# { لا إله إلا هو } فيجب الإقبال الكلي على طاعته في أوامره
~~ونواهيه { إليه المصير } فحسب لا إلى غيره تعالى لا استقلالا
~~ولا اشتراكا فيجازي كلا من المطيع والعاصي. وجملة { لا إله
~~إلا هو } مستأنفة أو حالية، وقيل: صفة لله تعالى أو لشديد / العقاب.

# وفي الآيات مما يقتضي الاتعاظ ما فيها. أخرج عبد بن حميد عن يزيد بن
~~الأصم أن رجلا كان ذا بأس وكان من أهل الشام وأن عمر رضي الله تعالى عنه
~~فقده فسأل عنه فقيل له: تتابع في الشراب فدعا عمر كاتبه فقال له: اكتب من
~~عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا
~~إله إلا هو بسم الله الرحمن الرحيم { حم } إلى قوله تعالى { إليه
~~المصير } وختم الكتاب، وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا
~~ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول:
~~قد وعدني ربي أن يغفر لي وحذرني عقابه فلم يبرح يرددها على نفسه ms09360 حتى بكى
~~ثم نزع فأحسن النزوع فلما بلغ عمر توبته قال: هكذا فافعلوا إذا رأيتم
~~أخاكم قد زل زلة فسددوه ووقفوه وادعوا الله تعالى أن يتوب عليه ولا
~~تكونوا أعوانا للشياطين عليه.

### || [40.4-5]

# { ما يجدل فى ءايت الله إلا الذين كفروا }
~~نزلت على ما قال أبو العالية في الحرث بن قيس السلمي أحد المستهزئين.
~~والمراد بالجدال الجدال بالباطل من الطعن في الآيات والقصد إلى إدحاض
~~الحق وإطفاء نور الله عز وجل لقوله تعالى بعد: { وجدلوا
~~بالبطل ليدحضوا به الحق } فإنه مذكور تشبيها لحال
~~كفار مكة بكفار الأحزاب من قبل وإلا فالجدال فيها لإيضاح ملتبسها وحل
~~مشكلها ومقادحة أهل العلم في استنباط معانيها ورد أهل الزيغ عنها أعظم
~~جهاد في سبيل الله تعالى؛ وفي قوله صلى الله عليه وسلم وقد أخرجه عبد بن
~~حميد عن أبي هريرة مرفوعا:

# " إن جدالا في القرآن كفر "

# إيماء إلى ذلك حيث ذكر فيه جدالا منكرا للتنويع فأشعر أن نوعا
~~منه كفر وضلال ونوعا آخر ليس كذلك. والتحقيق كما في «الكشف» أن المجادلة
~~في الشيء تقتضي أن يكون ذلك الشيء إما مشكوكا عند المجادلين أو أحدهما
~~أو منكرا كذلك، وأيا ما كان فهو مذموم اللهم إلا إذا كان من موحد لخارج
~~عن الملة أو من محقق لزائغ إلى البدعة فهو محمود بالنسبة إلى أحد
~~الطرفين، وأما ما قيل: إن البحث فيها لإيضاح الملتبس ونحوه جدال عنها لا
~~فيها فإن الجدال يتعدى بعن إذا كان للمنع والذب عن الشيء وبفي لخلافه كما
~~ذكره الإمام وبالباء أيضا كما في قوله تعالى:

# وجدلهم بالتى هى أحسن

# [النحل: 125] ففيه بحث.

# وفي قوله تعالى: { في آيات الله } دون  فيه  بالضمير العائد إلى

# الكتاب

# [غافر: 2] دلالة على أن كل آية منه يكفي كفرا لمجادله فكيف بمن ينكره
~~كله ويقول فيه ما يقول، وفيه أن كل آية منه آية أنه من الله تعالى
~~الموصوف بتلك الصفات فيدل على شدة شكيمة المجادلة في الكفر وأنه جادل في
~~الواضح الذي لا خفاء به.

# ومما ذكر ms09361 يظهر اتصال هذه الآية بما قبلها وارتباط قوله تعالى: { فلا
~~يغررك تقلبهم فى البلاد } بها أي إذا علمت أن هؤلاء
~~شديدو الشكائم في الكفر قد خسروا الدنيا والآخرة حيث جادلوا في آيات الله
~~العزيز العليم وأصروا على ذلك فلا تلتفت لاستدراجهم بتوسعة الرزق عليهم
~~وإمهالهم فإن عاقبتهم الهلاك كما فعل بمن قبلهم من أمثالهم مما أشير إليه
~~بقوله سبحانه:

# { كذبت قبلهم قوم نوح } الخ. والتقلب الخروج من أرض إلى
~~أخرى. والمراد بالبلاد بلاد الشام واليمن فإن الآية في كفار قريش وهم
~~كانوا يتقلبون بالتجارة في هاتيك البلاد ولهم رحلة الشتاء لليمن ورحلة
~~الصيف للشام، ولا بأس في إرادة ما يعم ذلك وغيره.

# وقرأ زيد بن علي وعبيدة بن عمير { فلا يغرك } بالإدغام مفتوح الراء وهي
~~لغة تميم والفك لغة الحجازيين.

# وبدأ بقوم نوح لأنه عليه الصلاة والسلام على ما في «البحر» أول رسول في
~~الأرض أو لأنهم أول قوم كذبوا رسولهم وعتوا عتوا شديدا.

# { والاحزاب من بعدهم } أي / والذين تحزبوا واجتمعوا على
~~معاداة الرسل عليهم السلام من قوم نوح كعاد وثمود وقوم فرعون.

# { وهمت كل أمة } من تلك الأمم { برسولهم } وقرأ عبد
~~الله { برسولها } رعاية اللفظ الأمة { ليأخذوه } ليتمكنوا من إيقاع
~~ما يريدون به من حبس وتعذيب وقتل وغيره، فالأخذ كناية عن التمكن المذكور،
~~وبعضهم فسره بالأسر وهو قريب مما ذكر، وقال قتادة: أي ليقتلوه.

# { وجدلوا بالبطل } بما لا حقيقة له قيل هو قولهم:

# ما أنتم إلا بشر مثلنا

# [يس: 15] والأولى أن يقال هو كل ما يذكرونه لنفي الرسالة وتحسين ما هم
~~عليه، وتفسيره بالشيطان ليس بشيء { ليدحضوا } ليزيلوا { به } أي
~~بالباطل، وقيل: أي بجدالهم بالباطل { الحق } الأمر الثابت الذي لا
~~محيد عنه { فأخذتهم } بالإهلاك المستأصل لهم { فكيف كان
~~عقاب } فإنكم تمرون على ديارهم وترون أثره، وهذا تقرير فيه تعجيب
~~للسامعين مما وقع بهم، وجوز أن يكون من عدم اعتبار هؤلاء. واكتفى بالكسرة
~~عن ياء الإضافة في (عقاب) لأنه فاصلة.

# واختلف في المسبب عنه الأخذ المذكور فقيل: مجموع التكذيب والهم ms09362 بالأخذ
~~والجدال بالباطل، واختار الزمخشري كونه الهم بالأخذ، وقال في «الكشف»:
~~وذلك لأن قوله تعالى: { وجدلوا بالبطل ليدحضوا } هو
~~التكذيب بعينه والأخذ يشاكل الأخذ وإنما التكذيب موجب استحقاق العذاب
~~الأخروي المشار إليه بعد، ولا ينكر أن كليهما يقتضي كليهما لكن لما كان
~~ملاءمة الأخذ للأخذ أتم والتكذيب للعذاب الأخروي أظهر أنه متعلق بالأخذ
~~تنبيها على كمال الملاءمة، ثم المجادلة العنادية ليس الغرض منها إلا
~~الإيذاء فهي تؤكد الهم من هذا الوجه بل التكذيب أيضا يؤكده، والغرض من
~~تمهيد قوله تعالى: { ما يجدل } وذكر الأحزاب الإلمام بهذا المعنى،
~~ثم التصريح بقوله سبحانه: { وهمت كل أمة برسولهم }
~~يدل على ما اختاره دلالة بينة فلا حاجة إلى أن يعتذر بأنه إنما اعتبر هذا
~~لا ما سيق له الكلام من المجادلة الباطلة للتسلي انتهى، والإنصاف أن فيما
~~صنعه جار الله رعاية جانب المعنى ومناسبة لفظية إلا أن الظاهر هو التفريع
~~على المجموع كما لا يخفى.

### || [40.6]

# { وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا } أي
~~كما وجب حكمه تعالى بالإهلاك على هؤلاء المتحزبين على الأنبياء وجب حكمه
~~سبحانه بالإهلاك على هؤلاء المتحزبين عليك أيضا وهم كفار قريش {
~~أنهم أصحب النار } أي لأنهم أصحاب النار أي لأن العلة
~~متحدة وهي أنهم كفار معاندون مهتمون بقتل النبي مثلهم، فوضع {
~~أصحب النار } موضع ما ذكر لأنه آخر أوصافهم وشرها والدال على
~~الباقي. و { أنهم } الخ في حيز النصب بحذف لام التعليل كما أشرنا
~~إليه، وجوز أن يكون في محل رفع على أنه بدل من { كلمت ربك } بدل
~~كل من كل إن أريد بالكلمة قوله تعالى أو حكمه سبحانه بأنهم من أصحاب
~~النار، وبدل اشتمال إن أريد بها الأعم، ويراد بالذين كفروا أولئك
~~المتحزبون، والمعنى كما وجب إهلاكهم بالعذاب المستأصل في الدنيا وجب
~~إهلاكهم بعذاب النار في الآخرة أيضا لكفرهم، والوجه الأول أظهر بالمساق.
~~والتعبير بعنوان الربوبية من الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم،
~~وفسرت { كلمت ربك } عليه بقوله سبحانه:

# وكان حقا علينا نصر المؤمنين

# [الروم: 47] ونحوه.

# وفي ms09363 مصحف عبد الله { وكذلك سبقت } وهو على ما قيل تفسير معنى لا قراءة.
~~وقرأ ابن هرمز وشيبة وابن القعقاع ونافع وابن عامر { كلمات } على الجمع.

### || [40.7]

# { الذين يحملون العرش } وهو جسم عظيم له قوائم، الكرسي وما
~~تحته بالنسبة إليه كحلقة في فلاة. / وفي بعض الآثار «خلق الله تعالى
~~العرش من جوهرة خضراء وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع
~~ثمانين ألف عام». وذكر بعضهم في سعته أنه لو مسح مقعره بجميع مياه الدنيا
~~مسحا خفيفا لقصرت عن استيعابه ويزعم أهل الهيئة ومن وافقهم أنه كري
~~وأنه المحدد وفلك الأفلاك وأنه كسائر الأفلاك لا يوصف بثقل ولا خفة وليس
~~لهم في ذلك خبر يعول عليه بل الأخبار ظاهرة في خلافه.

# والظاهر أن الحمل على حقيقته وحملته ملائكة عظام. أخرج أبو يعلى وابن
~~مردويه بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " أذن لي أن أحدث عن ملك قد مرقت رجلاه الأرض السابعة السفلى والعرش على
~~منكبيه وهو يقول: سبحانك أين كنت وأين تكون "

# وأخرج أبو داود وجماعة بسند صحيح عن جابر بلفظ

# " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش ما بين
~~شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام "

# وهم على ما في بعض الآثار ثمانية. أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي
~~في «شعب الإيمان» عن هرون بن رباب قال: حملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت
~~رخيم يقول أربعة منهم سبحانك وبحمدك على حلمك بعد عفوك وأربعة منهم
~~سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك. وأخرج أبو الشيخ وابن أبي حاتم من
~~طريق أبي قبيل أنه سمع ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: حملة العرش
~~ثمانية ما بين موق أحدهم إلى مؤخر عينيه مسيرة خمسمائة عام، وفي بعض
~~الآثار أنهم اليوم أربعة ويوم القيامة ثمانية. أخرج أبو الشيخ عن وهب
~~قال: حملة العرش أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدوا بأربعة آخرين، ملك
~~منهم في صورة إنسان يشفع لبني آدم ms09364 في أرزاقهم، وملك منهم في صورة نسر
~~يشفع للطير في أرزاقهم، وملك منهم في صورة ثور يشفع للبهائم في أرزاقهم،
~~وملك منهم في صورة أسد يشفع للسباع في أرزاقهم فلما حملوا العرش وقعوا
~~على ركبهم من عظمة الله تعالى فلقنوا لا حول ولا قوة إلا بالله فاستووا
~~قياما على أرجلهم. وجاء رواية عن وهب أيضا أنهم يحملون العرش على
~~أكتافهم وهو الذي يشعر به ظاهر خبر أبي هريرة السابق. وأخرج ابن المنذر
~~وأبو الشيخ عن حبان بن عطية قال: حملة العرش ثمانية أقدامهم مثبتة في
~~الأرض السابعة ورؤوسهم قد جاوزت السماء السابعة وقرونهم مثل طولهم عليها
~~العرش. وفي بعض الآثار أنهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وفي بعض لا يستطيعون
~~أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور، وهم على ما أخرج ابن أبي شيبة عن أبي
~~أمامة يتكلمون بالفارسية أي إذا تكلموا بغير التسبيح وإلا فالظاهر أنهم
~~يسبحون بالعربية، على أن الخبر الله تعالى أعلم بصحته، وفي بعض الآثار عن
~~وهب أنهم ليس لهم كلام إلا أن يقولوا قدوس الله القوي ملأت عظمته
~~السماوات والأرض، وما سيأتي إن شاء الله تعالى بعيد هذا في الآية يأبى
~~ظاهر الحصر.

# { ومن حوله } أي والذين من حول العرش وهم ملائكة في غاية الكثرة
~~لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى. وقيل: حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة
~~يطوفون به مهللين مكبرين ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم
~~على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير ومن ورائهم مائة ألف صف قد
~~وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به
~~الآخر. وذكر في كثرتهم / أن مخلوقات البر عشر مخلوقات البحر والمجموع عشر
~~مخلوقات الجو والمجموع عشر ملائكة السماء الدنيا والمجموع عشر ملائكة
~~السماء الثانية وهكذا إلى السماء السابعة والمجموع عشر ملائكة الكرسي
~~والمجموع عشر الملائكة الحافين بالعرش، ولا نسبة بين مجموع المذكور وما
~~يعلمه الله تعالى من جنوده سبحانه:

# وما يعلم جنود ربك إلا هو

# [المدثر: 31].

# ويقال لحملة العرش ms09365 والحافين به الكروبيون جمع كروبي بفتح الكاف وضم
~~الراء المهملة المخففة وتشديدها خطأ ثم واو بعدها باء موحدة ثم ياء مشددة
~~من كرب بمعنى قرب، وقد توقف بعضهم في سماعه من العرب وأثبته أبو علي
~~الفارسي واستشهد له بقوله:

# كروبية منهم ركوع وسجد

# وفيه دلالة على المبالغة في القرب لصيغة فعول والياء التي تزاد
~~للمبالغة، وقيل: من الكرب بمعنى الشدة والحزن وكأن وصفهم بذلك لأنهم أشد
~~الملائكة خوفا.

# وزعم بعضهم أن الكروبيين حملة العرش وأنهم أول الملائكة وجودا ومثله لا
~~يعرف إلا بسماع. وعن البيهقي أنهم ملائكة العذاب وكأن ذلك إطلاق آخر من
~~الكرب بمعنى الشدة والحزن، وقال ابن سيناء في «رسالة»: الملائكة
~~الكروبيون هم العامرون لعرصات التيه الأعلى الواقفون في الموقف الأكرم
~~زمرا الناظرون إلى المنظر الأبهى نظرا وهم الملائكة المقربون والأرواح
~~المبرؤون، وأما الملائكة العاملون فهم حملة العرش والكرسي وعمار السماوات
~~انتهى.

# وذهب بعضهم إلى أن حمل العرش مجاز عن تدبيره وحفظه من أن يعرض له ما يخل
~~به أو بشيء من أحواله التي لا يعلمها إلا الله عز وجل، وجعلوا القرينة
~~عقلية لأن العرش كري في حيزه الطبيعي فلا يحتاج إلى حمل ونسب ذلك إلى
~~الحكماء وأكثر المتكلمين، وكذا ذهبوا إلى أن الحفيف والطواف بالعرش كناية
~~أو مجاز عن القريب من ذي العرش سبحانه ومكانتهم عنده تعالى وتوسطهم في
~~نفاذ أمره عز وجل، والحق الحقيقة في الموضعين؛ وما ذكر من القرينة
~~العقلية في حيز المنع.

# وقرأ ابن عباس وفرقة { العرش } بضم العين فقيل: هو جمع عرش كسقف وسقف أو
~~لغة في العرش، والموصول الأول مبتدأ والثاني عطف عليه والخبر قوله تعالى:
~~{ يسبحون بحمد ربهم } والجملة استئناف مسوق لتسلية رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم ببيان أن الملائكة الذين هم في المحل الأعلى
~~مثابرون على ولاية من معه من المؤمنين ونصرتهم واستدعاء ما يسعدهم في
~~الدراين أي ينزهونه تعالى عن كل ما لا يليق بشأنه الجليل - كالجسمية وكون
~~العرش حاملا له عز وجل - ملتبسين بحمده جل شأنه على ms09366 نعمائه التي لا
~~تتناهى.

# { ويؤمنون به } إيمانا حقيقيا كاملا، والتصريح بذلك مع الغنى
~~عن ذكره رأسا لإظهار فضيلة الإيمان وإبراز شرف أهله والإشعار بعلة
~~دعائهم للمؤمنين حسبما ينطق به قوله تعالى: { ويستغفرون
~~للذين ءامنوا } فإن المشاركة في الإيمان أقوى المناسبات وأتمها
~~وأدعى الدواعي إلى النصح والشفقة وإن تخالفت الأجناس وتباعدت الأماكن،
~~وفيه على ما قيل: إشعار بأن حملة العرش وسكان الفرش سواء في الإيمان
~~بالغيب إذ لو كان هناك مشاهدة للزومها من الحمل بناء على العادة الغالبة
~~أو على أن العرش جسم شفاف لا يمنع الأبصار البتة لم يقل يؤمنون لأن
~~الإيمان هو التصديق القلبي أعني العلم أو ما يقوم مقامه مع اعتراف وإنما
~~يكون في الخبر ومضمونه من معتقد علمي أو ظني ناشىء من البرهان أو قول
~~الصادق كأنه اعترف بصدق المخبر أو البرهان / وأما العيان فيغني عن
~~البيان، ففي ذلك رمز إلى الرد على المجسمة، ونظيره في ذلك قوله عليه
~~الصلاة والسلام:

# " لا تفضلوني على ابن متى "

# كذا قيل، وينبغي أن يعلم أن كون حملة العرش لا يرونه عز وجل بالحاسة لا
~~يلزم منه عدم رؤية المؤمنين إياه تعالى في الدار الآخرة.

# { ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما } على إرادة
~~القول أي يقولون ربنا الخ، والجملة لا محل لها من الإعراب على أنها تفسير
~~ليستغفرون أو في محل رفع على أنها عطف بيان على تلك الجملة بناء على
~~جوازه في الجمل أو في محل نصب على الحالية من الضمير في {
~~يستغفرون }. وفسر استغفارهم على هذا الوجه بشفاعتهم للمؤمنين
~~وحملهم على التوبة بما يفيضون على سرائرهم، وجوز أن يكون الاستغفار في
~~قوله تعالى:

# ويستغفرون لمن فى الأرض

# [الشورى: 5] المفسر بترك معاجلة العقاب وإدرار الرزق والارتفاق بما خلق
~~من المنافع الجمة ونحو ذلك وهو وإن لم يخص المؤمنين لكنهم أصل فيه
~~فتخصيصهم هنا بالذكر للإشارة إلى ذلك، والأظهر كون الجملة تفسيرا، ونصب
~~{ رحمة وعلما } على التمييز وهو محول عن الفاعل والأصل وسعت
~~رحمتك وعلمك كل شيء وحول إلى ما في ms09367 النظم الجليل للمبالغة في وصفه عز وجل
~~بالرحمة والعلم حيث جعلت ذاته سبحانه كأنها عين الرحمة والعلم مع التلويح
~~إلى عمومها لأن نسبة جميع الأشياء إليه تعالى مستوية فتقتضي استواءها في
~~شمولهما، ووصفه تعالى بكمال الرحمة والعلم كالتمهيد لقوله سبحانه: {
~~فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك } الخ، وتسبب
~~المغفرة عن الرحمة ظاهر، وأما تسببها عن العلم فلأن المعنى فاغفر للذين
~~عملت منهم التوبة أي من الذنوب مطلقا بناء على أنه المتبادر من الإطلاق
~~واتباع سبيلك وهو سبيل الحق التي نهجها الله تعالى لعباده ودعا إليها
~~الإسلام أي علمك الشامل المحيط بما خفي وما علن يقتضي ذلك، وفيه تنبيه
~~على طهارتهم من كدورات الرياء والهوى فإن ذلك لا يعلمه إلا الله تعالى
~~وحده.

# ويتضمن التمهيد المذكور الإشارة إلا أن الرحمة الواسعة والعلم الشامل
~~يقتضيان أن ينال هؤلاء الفوز العظيم والقسط الأعلى من الرضوان وفيه إيماء
~~إلى معنى:

# إن تغفر اللهم تغفر جما

# وأي عبد لك لا ألما

# فإن العبد وإن بالغ حق المبالغة في أداء حقوقه تعالى فهو مقصر، وإليه
~~الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم:

# " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمته "

# وتقديم الرحمة لأنها المقصودة بالذات ههنا، وفي تصدير الدعاء بربنا من
~~الاستعطاف ما لا يخفى ولذا كثر تصدير الدعاء به.

# وقوله تعالى: { وقهم عذاب الجحيم } أي واحفظهم عنه تصريح بعد
~~تلويح للتأكيد فإن الدعاء بالمغفرة يستلزم ذلك، وفيه دلالة على شدة
~~العذاب.

### || [40.8]

# { وأدخلهم جنت عدن التى وعدتهم } أي وعدتهم
~~إياها فالمفعول الآخر مقدر والمراد وعدتهم دخولها، وتكرير النداء لزيادة
~~الاستعطاف، وقرأ زيد بن علي والأعمش «جنة عدن» بالإفراد وكذا في مصحف عبد
~~الله { ومن صلح من ءابائهم وأزوجهم وذرياتهم
~~} عطف على الضمير المنصوب في { أدخلهم } أي وأدخل معهم هؤلاء ليتم
~~سرورهم ويتضاعف ابتهاجهم، وجوز الفراء والزجاج العطف على الضمير في {
~~وعدتهم } أي وعدتهم ووعدت من صلح الخ فقيل: المراد بذلك الوعد
~~العام. وتعقب بأنه لا يبقى على هذا للعطف وجه فالمراد الوعد الخاص بهم
~~بقوله تعالى:

# ألحقنا ms09368 بهم ذريتهم

# [الطور: 21] والظاهر العطف على الأول والدعاء بالإدخال / فيه صريح، وفي
~~الثاني ضمني والظاهر أن المراد بالصلاح الصلاح المصحح لدخول الجنة وإن
~~كان دون صلاح المتبوعين، وقرأ ابن أبي عبلة { صلح } بضم اللام يقال: صلح
~~فهو صليح وصلح فهو صالح، وقرأ عيسى «ذريتهم» بالإفراد.

# { إنك أنت العزيز } أي الغالب الذي لا يمتنع عليه مقدور {
~~الحكيم } الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة الباهرة من الأمور التي
~~من جملتها إدخال من طلب إدخالهم الجنات فالجملة تعليل لما قبلها.

### || [40.9]

# { وقهم السيئت } أي العقوبات على ما روي عن قتادة، وإطلاق
~~السيئة على العقوبة لأنها سيئة في نفسها، وجوز أن يراد بها المعنى
~~المشهور وهو المعاصي والكلام على تقدير مضاف أي وقهم جزاء السيآت أو تجوز
~~بالسبب عن المسبب، وأيا ما كان فلا يتكرر هذا مع

# وقهم عذاب الجحيم

# [غافر: 7] بل هو تعميم بعد تخصيص لشموله العقوبة الدنيوية والأخروية
~~مطلقا أو الدعاء الأول للمتبوعين وهذا للتابعين، وجوز أن يراد بالسيآت
~~المعنى المشهور بدون تقدير مضاف ولا تجوز أي المعاصي أي وقهم المعاصي في
~~الدنيا ووقايتهم منها حفظهم عن ارتكابها وهو دعاء بالحفظ عن سبب العذاب
~~بعد الدعاء بالحفظ عن المسبب وهو العذاب، وتعقب بأن الأنسب على هذا تقديم
~~هذا الدعاء على ذاك.

# { ومن تق السيئت يومئذ } أي يوم المؤاخذة { فقد
~~رحمته } ويقال على الوجه الأخير ومن تق السيآت يوم العمل أي في
~~الدنيا فقد رحمته في الآخرة وأيد هذا الوجه بأن المتبادر من { يومئذ
~~} الدنيا لأن إذ تدل على المضي، وفيه منع ظاهر { وذلك } إشارة إلى
~~الرحمة المفهومة من { رحمته } أو إلى الوقاية المفهومة من فعلها أو
~~إلى مجموعهما، وأمر التذكير على الاحتمالين الأولين وكذا أمر الإفراد على
~~الاحتمال الأخير ظاهر { هو الفوز } أي الظفر { العظيم } الذي
~~لا مطمع وراءه لطامع. هذا وإلى كون المراد بالذين تابوا الذين تابوا من
~~الذنوب مطلقا ذهب الزمخشري، وقال في السيآت على تقدير حذف المضاف هي
~~الصغائر أو الكبائر المتوب عنها، وذكر أن الوقاية منها للتكفير ms09369 أو قبول
~~التوبة وأن هؤلاء المستغفر لهم تائبون صالحون مثل الملائكة في الطهارة
~~وأن الاستغفار لهم بمنزلة الشفاعة وفائدته زيادة الكرامة والثواب فلا يضر
~~كونهم موعودين المغفرة والله تعالى لا يخلف الميعاد.

# وتعقب بأنه لا فائدة في ذكر الرحمة والمبالغة فيها إذا كان المغفور له
~~مثل الملائكة عليهم السلام في الطهارة وأي حاجة إلى الاستغفار فضلا عن
~~المبالغة، وأن ما قاله في السيآت لا يجوز فإن إسقاط عقوبة الكبيرة بعد
~~التوبة واجب في مذهبه وما كان فعله واجبا كان طلبه بالدعاء عبثا قبيحا
~~عند المعتزلة، وكذا إسقاط عقوبة الصغيرة فلا يحسن طلبه بالدعاء، ولا يجوز
~~أن يكون ذلك لزيادة منفعة لأن ذلك لا يسمى مغفرة، حكى هذا الطيبي عن
~~الإمام ثم قال: فحينئذ يجب القول بأن المراد بالتوبة التوبة عن الشرك كما
~~قال الواحدي فاغفر للذين تابوا عن الشرك واتبعوا سبيلك أي دينك الإسلام.

# فإن قلت لو لم يكن التوبة من المعاصي مرادا لكان يكفي أن يقولوا: فاغفر
~~للذين آمنوا ليطابق السابق، قلت: والله تعالى أعلم هو قريب من وضع المظهر
~~موضع المضمر من غير اللفظ السابق وبيانه إن قوله تعالى:

# ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما فاغفر
~~للذين تابوا

# [غافر: 7] الآية جاء مفصولا عن قوله تعالى:

# ويستغفرون للذين ءامنوا

# [غافر: 7] فالآية بيان لكيفية الاستغفار لا لحال المستغفر لهم، ووصفهم
~~المميز يعرف بالذوق، وأما فائدة العدول عن المضمر وأنه لم يقل: فاغفر لهم
~~بل قيل: { للذين تابوا } فهي أن الملائكة كما عللوا الغفران في
~~حق مفيض الخيرات جل شأنه بالعلم الشامل والرحمة الواسعة عللوا قابل الفيض
~~أيضا بالتوبة عن الشرك واتباع سبيل الإسلام.

# فإن قلت: هذه التوبة إنما تصح في حق من سبق شركه على إسلامه دون من ولد
~~مسلما ودام عليه، قلت: الآية نازلة في زمن الصحابة وجلهم انتقلوا من
~~الشرك إلى الإسلام ولو قيل: فاغفر لمن لم يشرك لخرجوا فغلب الصحابة رضي
~~الله تعالى عنهم على سنن جميع الأحكام انتهى، ولعمري إن للبحث فيه مجالا
~~أي مجالا.

# وفي ms09370 «الكشف» إنما اختار الزمخشري ما اختاره على ما قال الواحدي من أن
~~التوبة عن الشرك لأن التوبة عند الإطلاق تنصرف إلى التوبة من الذنوب
~~مطلقا على أن فيه تكرارا إذ ذاك لأن التائب عن الشرك هو المسلم، وقد
~~فسر متبع السبيل في هذا القول به وإذا شرط حملة العرش ومن حوله عليهم
~~السلام صلاح التابع وهو الذرية مع ما ورد من قوله تعالى:

# بإيمن ألحقنا بهم ذريتهم

# [الطور: 21] فما بال المتبوع؟ وأنت تعلم أن الصلاح من أخص أوصاف المؤمن
~~وكفاك دعاء إبراهيم ويوسف عليهما السلام في الإلحاق بالصالحين شاهدا،
~~وأما أنهم غير محتاجين إلى الدعاء فجوابه أنه لا يجب أن يكون للحاجة، ألا
~~ترى إلى قولنا: اللهم صل على سيدنا محمد وما ورد فيه من الفضائل والمعلوم
~~حصوله منه تعالى يحسن طلبه فإن الدعاء في نفسه عبادة ويوجب للداعي
~~والمدعو له من الشرف ما لا يتقاعد عن حصول أصل الثواب، ثم إن الوقاية عن
~~السيئات إن كانت بمعنى التكفير وقع الكلام في أن السيئات المكفرة ما هي
~~ولا خفاء أن النصوص دالة على تكفير التوبة للسيئات كلها وأن الصغائر
~~مكفرات ما اجتنبت الكبائر فلا بد من تخصيصها به كما ذكر وإن كان معناها
~~أن يعفى عنها ولا يؤاخذ بها كما هو قول الواحدي ومختار الإمام ومن ائتم
~~به فينبغي أن ينظر أن الوقاية في أي المعنيين أظهر وأن قوله تعالى: {
~~ومن تق السيئت يومئذ فقد رحمته } وما يفيده من
~~المبالغة على نحو من أدرك مرعى الصمان فد أدرك. وتعقيبه بقوله سبحانه: {
~~وذلك هو الفوز العظيم } في شأن المقصرين أظهر أو شأن
~~المكفرين، ومن هذا التقرير قد لاح أن هذا الوجه ظاهر هذا السياق وأنه
~~يوافق أصل الفريقين وليس فيه أنه سبحانه يعفو عن الكبائر بلا توبة أو لا
~~يعفو فلا ينافي جوازه من أدلة أخرى إلى آخر ما قال وهو كلام حسن وإن كان
~~في بعضه كحديث التكرار وكون الصلاح في الآية ما هو من أخص أوصاف المؤمن
~~نوع مناقشة. ms09371

# وقد يرجح كون المراد بالتوبة التوبة من الذنوب مطلقا دون التوبة عن
~~الشرك فقط بأن المتبادر من

# وقهم عذاب الجحيم

# [غافر: 7] وق كل واحد منهم ذلك، ومن المعلوم أنه لا بد من نفوذ الوعيد
~~في طائفة من المؤمنين العاصين وتعذيبهم في النار فيكون الدعاء بحفظ كل من
~~المؤمنين من العذاب محرما. وقد نصوا على حرمة أن يقال: اللهم اغفر لجميع
~~المؤمنين جميع ذنوبهم لذلك، ولا يلزم ذلك على كون الدعاء للتائبين
~~الصالحين، وحمل الإضافة على العهد بأن يراد بعذاب الجحيم ما كان على سبيل
~~الخلود لا يخفى حاله؛ والاعتراض بلزوم الدعاء بمعلوم الحصول على كون
~~المراد بالتوبة ذلك بخلاف ما إذا أريد بها التوبة عن الشرك فإنه لا يلزم
~~ذلك إذ المعنى عليه فاغفر للذين تابوا عن الشرك ذنوبهم التي لم يتوبوا
~~عنها وغفران تلك الذنوب غير معلوم الحصول قد علم جوابه مما في «الكشف»،
~~على أن كون الغفران للتائب معلوم الحصول خلافا أشرنا إليه أول السورة.
~~نعم هذا اللزوم ظاهر في قولهم:

# وأدخلهم جنت عدن التى وعدتهم

# [غافر: 8] ونظير ذلك ما ورد في الدعاء / إثر الأذان «وابعثه مقاما
~~محمودا الذي وعدته»، وقد أجيب عن ذلك بغير ما أشير إليه أيضا وهو أن
~~سبق الوعد لا يستدعي حصول الموعود بلا توسط دعاء. وبالجملة لا بأس بحمل
~~التوبة على التوبة من الذنوب مطلقا ولا يلزم من القول به القول بشيء من
~~أصول المعتزلة فتأمل وأنصف.

### || [40.10]

# وقوله تعالى: { إن الذين كفروا } شروع في بيان أحوال الكفار
~~بعد دخول النار. { ينادون } وهم في النار وقد مقتوا أنفسهم الأمارة
~~بالسوء التي وقعوا فيما وقعوا باتباع هواها حتى أكلوا أناملهم من المقت
~~كما أخرج ذلك عبد بن حميد عن الحسن. وفي بعض الآثار أنهم يمقتون أنفسهم
~~حين يقول لهم الشيطان:

# فلا تلوموني ولوموا أنفسكم

# [إبراهيم: 22] وقيل: يمقتونها حين يعلمون أنهم من أصحاب النار، والمنادي
~~الخزنة أو المؤمنون يقولون لهم إعظاما لحسرتهم: { لمقت الله
~~أكبر من مقتكم أنفسكم } وهذا معمول للنداء لتضمنه معنى
~~القول كأنه ms09372 قيل ينادون مقولا لهم لمقت الخ أو معمول لقول مقدر بفاء
~~التفسير أي ينادون فيقال لهم: لمقت الخ، وجعله معمولا للنداء على حذف
~~الجار وإيصال الفعل بالجملة ليس بشيء، و { مقت } مصدر مضاف إلى الاسم
~~الجليل إضافة المصدر لفاعله، وكذا إضافة المقت الثاني إلى ضمير الخطاب.
~~وفي الكلام تنازع أو حذف معمول الأول من غير تنازل أي لمقت الله إياكم أو
~~أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم، واللام للابتداء أو للقسم. والمقت أشد
~~البغض؛ والخلف يؤولونه مسندا إليه تعالى بأشد الإنكار.

# { إذ تدعون } أي إذ يدعوكم الأنبياء ونوابهم { إلى الإيمن
~~} فتأبون قبوله { فتكفرون } وهذا تعليل للحكم أو للمحكوم به  فإذ
~~ متعلقة  بأكبر  وكان التعبير بالمضارع للإشارة إلى الاستمرار التجددي
~~كأنه قيل: لمقت الله تعالى أنفسكم أكبر من مقتكم إياها لأنكم دعيتم مرة
~~بعد مرة إلى الإيمان فتكرر منكم الكفر، وزمان المقتين واحد على ما هو
~~المتبادر وهو زمان مقتهم أنفسهم الذي حكيناه آنفا. ويجوز أن يكون
~~تعليلا لمقتهم أنفسهم و(إذ) متعلقة  بمقت  الثاني فهم مقتوا أنفسهم
~~لأنهم دعوا مرارا إلى الإيمان فكفروا، والتعبير بالمضارع كما في الوجه
~~السابق، وزمان المقتين كذلك، والعلة في الحقيقة إصرارهم على الكفر مع
~~تكرر دعائهم إلى الإيمان، وجوز أن يكون تعليلا لمقت الله و { إذ }
~~متعلقة به، ويعلم مما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى ما عليه وما له،
~~وظاهر صنيع جماعة من الأجلة اختيار كون { إذ } ظرفية لا تعليلية فقيل:
~~هي ظرف  لمقت  الأول، والمعنى لمقت الله تعالى أنفسكم في الدنيا إذ
~~تدعون إلى الإيمان فتكفرون أشد من مقتكم إياها اليوم وأنتم في النار أو
~~وأنتم متحققون أنكم من أصحابها فزمان المقتين مختلف، وكون زمان الأول
~~الدنيا وزمان الثاني الآخرة مروي عن الحسن، وأخرجه عبد بن حميد وابن
~~المنذر عن مجاهد، واعترض عليه غير واحد بلزوم الفصل بين المصدر وما في
~~صلته بأجنبي هو الخبر، وفي «أمالي ابن الحاجب» لا بأس بذلك لأن الظروف
~~متسع فيها وقيل: هي لمصدر آخر يدل عليه الأول أو لفعل ms09373 يدل عليه ذلك كما
~~في «البحر».

# وفي «الكشف» فيه أن المقدر لا بد له من جزاآت أن استقل ويتسع الخرق وإن
~~جعل بدلا فحذفه وإعمال / المصدر المحذوف لا يتقاعد عن الفصل بالخبر وليس
~~أجنبيا من كل وجه؛ وتقدير الفعل أي مقتكم الله إذ تدعون أبعد وأبعد.
~~وقيل: هي ظرف لمقت الثاني. واعترض بأنهم لم يمقتوا أنفسهم وقت الدعوة بل
~~في القيامة.

# وأجيب بأن الكلام على هذا الوجه من قبيل قول الأمير كرم الله تعالى
~~وجهه: إنما أكلت يوم أكل الثور الأحمر وقول عمرو بن عدس التميمي لمطلقته
~~دختنوس بنت لقيط وقد سألته لبنا وكانت مقفرة من الزاد: الصيف ضيعت اللبن
~~وذلك بأن يكون مجازا بتنزيل وقوع السبب وهو كفرهم وقت الدعوة منزلة وقوع
~~المسبب وهو مقتهم لأنفسهم حين معاينتهم ما حل بهم بسببه، وقيل: إن المراد
~~عليه إذ تبين أنكم دعيتم إلى الإيمان المنجي والحق الحقيق بالقبول فأبيتم
~~أو إن المراد بأنفسهم جنسهم من المؤمنين فإنهم كانوا يمقتون المؤمنين في
~~الدنيا إذ يدعون إلى الإيمان وهو أبعد التأويلات. وقال مكي: { إذ }
~~معمولة لاذكروا مضمرا والمراد التحير والتنديم واستحسنه بعضهم وأراه
~~خلاف المتبادر. وادعى صاحب «الكشف» أن فيه تنافرا بينا وعلله بما لم
~~يظهر لي وجهه فتأمل. وتفسير { مقتكم أنفسكم } بمقت كل واحد
~~نفسه هو الظاهر، وجوز أن يراد به مقت بعضهم بعضا فقيل: إن الأتباع
~~يمقتون الرؤساء لما ورطوهم فيه من الكفر والرؤساء يمقتون الأتباع لما
~~أنهم اتبعوهم فحملوا أوزارا مثل أوزارهم فلا تغفل.

### || [40.11]

# { قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا
~~اثنتين } صفتان لمصدري الفعلين، والتقدير أمتنا إماتتين اثنتين
~~وأحييتنا إحياءتين اثنتين. وجوز كون المصدرين موتتين وحياتين وهما إما
~~مصدران للفعلين المذكورين أيضا بحذف الزوائد أو مصدارن لفعلين آخرين يدل
~~عليهما المذكوران فإن الإماتة والإحياء ينبئان عن الموت والحياة حتما
~~فكأنه [قيل] أمتنا فمتنا موتتين اثنتين وأحييتنا فحيينا حياتين اثنتين
~~على على طرز قوله:

# وعض زمان يا ابن مروان لم يدع

# من المال إلا مسحت أو مجلف

# أي لم يدع فلم ms09374 يبق إلا مسحت الخ.

# واختلف في المراد بذلك فقيل: أرادوا بالإماتة الأولى خلقهم أمواتا
~~وبالثانية إماتتهم عند انقضاء آجالهم وبالإحياءة الأولى إحياءتهم بنفخ
~~الروح فيهم وهم في الأرحام وبالثانية إحياءتهم بإعادة أرواحهم إلى
~~أبدانهم للبعث. وأخرج هذا ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن
~~عباس وجماعة منهم الحاكم وصححه عن ابن مسعود، وعبد بن حميد وابن المنذر
~~عن قتادة، وروي أيضا عن الضحاك وأبي مالك وجعلوا ذلك نظير آية [البقرة:
~~28]

# كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا فأحيكم ثم
~~يميتكم ثم يحييكم

# والإماتة إن كانت حقيقة في جعل الشيء عادم الحياة سبق بحياة أم لا
~~فالأمر ظاهر وإن كانت حقيقة في تصيير الحياة معدومة بعد أن كانت موجودة
~~كما هو ظاهر كلامهم حيث قالوا: إن صيغة الإفعال وصيغة التفعيل موضوعتان
~~للتصيير أي النقل من حال إلى حال ففي إطلاقها على ما عد إماته أولى خفاء
~~لاقتضاء ذلك سبق الحياة ولا سبق فيما ذكر، ووجه بأن ذلك من باب المجاز
~~كما قرروه في ضيق فم الركية ووسع أسفلها قالوا: إن الصانع إذا اختار أحد
~~الجائزين وهو متمكن منهما على السواء فقد صرف المصنوع الجائز عن الآخرة
~~فجعل صرفه عنه كنقله منه يعني أنه تجوز بالإفعال أو التفعيل الدال على
~~التصيير وهو النقل من حال إلى حال أخرى عن لازمه وهو الصرف عما في حيز
~~الإمكان، ويتبعه جعل الممكن الذي تجوز إرادته بمنزلة الواقع، وكذا جعل
~~الأمر في ضيق فم الركية مثلا بإنشائه على الحال الثانية بمنزلة أمره
~~بنقله عن غيرها، ولذا جعله بعض الأجلة بمنزلة الاستعارة / بالكناية فيكون
~~مجازا مرسلا مستتبعا للاستعارة بالكناية، فالمراد بالإماتة هناك الصرف
~~لا النقل، وذكر بعضهم أنه لا بد من القول بعموم المجاز لئلا يلزم الجمع
~~بين الحقيقة والمجاز في الآية أو استعمال المشترك في معنييه بناء على زعم
~~أن الصيغة مشتركة بين الصرف والنقل، ومن أجاز ما ذكر لم يحتج للقول بذلك.

# وفي «الكشف» آثر جار الله أن إحدى الإماتتين ما ذكر في قوله تعالى: ms09375

# وكنتم أموتا فأحيكم

# [البقرة: 28] وإطلاقها عليه من باب المجاز وهو مجاز مستعمل في القرآن،
~~وقد ذكر وجه التجوز، وتحقيق ذلك يبتني على حرف واحد وهو أن الإحياء معناه
~~جعل الشيء حيا فالمادة الترابية أو النطفية إذا أفيضت عليها الحياة صدق
~~أنها صارت ذات حياة على الحقيقة إذ لا يحتاج إلى سبق موت على الحقيقة بل
~~إلى سبق عدم الحياة فهناك إحياء حقيقة، وأما الإماتة فإن جعل بين الموت
~~والحياة التقابل المشهوري استدعى المسبوقية بالحياة فلا تصح الإماتة
~~قبلها حقيقة، وإن جعل التقابل الحقيقي صحت، لكن الظاهر في الاستعمال بحسب
~~عرفي العرب والعجم أنه مشهوري انتهى.

# وأراد بالمشهوري والحقيقي ما ذكروه في التقابل بالعدم والملكة فإنهم
~~قالوا: المتقابلان بالعدم والملكة وهما أمران يكون أحدهما وجوديا والآخر
~~عدم ذلك الوجودي في موضوع قابل له إن اعتبر قبوله بحسب شخصه في وقت
~~اتصافه بالأمر العدمي فهو العدم والملكة المشهوران كالكوسجية فإنها عدم
~~اللحية عما من شأنه في ذلك الوقت أن يكون ملتحيا فإن الصبي لا يقال له
~~كوسج، وإن اعتبر قبوله أعم من ذلك بأن لا يقيد بذلك الوقت كعدم اللحية عن
~~الطفل أو يعتبر قبوله بحسب نوعه كالعمى للأكمه أو جنسه القريب كالعمى
~~للعقرب أو البعيد كعدم الحركة الإرادية عن الجبل فإن جنسه البعيد أعني
~~الجسم الذي هو فوق الجماد قابل للحركة الإرادية فهو العدم والملكة
~~الحقيقيان لكن في بناء اقتضاء المسبوقية بالحياة وعدمه على ذلك خفاء، وإن
~~ضم إليه التعبير بصيغة الماضي كما لا يخفى على المتدبر.

# ثم وجه تسبب الإماتة مرتين والإحياء كذلك لقوله تعالى: { فاعترفنا
~~بذنوبنا } أنهم قد أنكروا البعث فكفروا وتبع ذلك من الذنوب ما لا
~~يحصى لأن من لم يخش العاقبة تخرق في المعاصي فلما رأوا الإماتة والإحياء
~~قد تكرر عليهم علموا بأن الله تعالى قادر على الإعادة قدرته على الإنشاء
~~فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها من إنكار البعث وما تبعه من معاصيهم.

# وقال السدي: أرادوا بالإماتة الأولى إماتتهم عند انقضاء آجالهم
~~وبالإحياءة الأولى إحياءتهم في القبر للسؤال ms09376 وبالإماتة الثانية إماتتهم
~~بعد هذه الإحياءة إلى قيام الساعة وبالإحياءة الثانية إحياءتهم للبعث،
~~واعترض عليه بأنه يلزم هذا القائل ثلاث إحياءات فكان ينبغي أن يكون
~~المنزل أحييتنا ثلاثا فإن ادعى عدم الاعتداد بالإحياءة المعروفة وهي
~~التي كانت في الدنيا لسرعة انصرامها وانقطاع آثارها وأحكامها لزمه أن لا
~~يعتد بالإماتة بعدها.

# وقال بعض المحققين في الانتصار له: إن مراد الكفار من هذا القول
~~اعترافهم بما كانوا ينكرونه في الدنيا ويكذبون الأنبياء حين كانوا
~~يدعونهم إلى الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر لأن قولهم هذا كالجواب عن
~~النداء في قوله تعالى:

# ينادون لمقت الله

# [غافر: 10] كأنهم أجابوا أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دعونا وكنا
~~نعتقد أن لا حياة بعد الموت فالآن نعترف بالموتين والحياتين لما قاسينا
~~من شدائدهما وأحوالهما فالذنب المعترف به تكذيب البعث، ولهذا جعل مرتبا
~~على القول وإنما ذكروا الإماتتين ليذكروا الإحياءين إذ كلتا الحياتين
~~كانتا منكرتين عندهم دون الحياة المعروفة ومقام هذه الآية غير مقام قوله
~~تعالى:

# وكنتم أموتا فأحيكم

# [البقرة: 28] فإن هذه / كما سمعت لبيان الإقرار والاعتراف منهم في
~~الآخرة بما أنكروه في الدنيا وتلك لبيان الامتنان الذي يستدعي شكر المنعم
~~أو لبيان الدلائل لتصرفهم عن الكفر. ويرجح هذا القول إن أمر إطلاق
~~الإماتة على كلتا الإماتتين ظاهر. وتعقبه في «الكشف» بأنه لا قرينة في
~~اللفظ تدل على خروج الإحياء الأول مع أن الإطلاق عليه أظهر والمقابلة
~~تنادي على دخوله. ويكفي في الاعتراف إثبات إحياء واحد منهما غير الأول.

# وقيل: إنما قالوا: { أحييتنا اثنتين } لأنهما نوعان إحياء
~~البعث وإحياء قبله، ثم إحياء البعث قسمان إحياء في القبر وإحياء عند
~~القيام ولم يذكر تقسيمه لأنهم كانوا منكرين لقسميه. وتعقب بأن ذكر
~~الإماتة الثانية التي في القبر دليل على أن التقسيم ملحوظ، والمراد
~~التعدد الشخصي لا النوعي نعم هذا يصلح تأييدا لما اختاره جار الله، وروي
~~عن جمع من السلف من أن الإحياءات وإن كانت ثلاثا إنما سكت عن الثانية
~~لأنها داخلة في إحياءة البعث قاله صاحب «الكشف» ثم قال: وعلى ms09377 هذا
~~فالإماتة على مختار جار الله إماتة قبل الحياة وإماتة بعدها وطويت إماتة
~~القبر كما طويت إحياءته ولك أن تقول إن الإماتة نوع واحد بخلاف الإحياء
~~فروعي التعدد فيها شخصا بخلافه، وذكر الإماتة الثانية لأنها منكرة عندهم
~~كالحياتين، ويجب الاعتراف بها لا للدلالة على أن التعدد في الإحياء شخصي
~~والحق أن ذلك وجه لكن قوله تعالى: { اثنتين } ظاهر في المرة فلذا
~~آثر من آثر الوجه الأول وإن كانت الإماتة فيه غير ظاهرة ذهابا إلى أن
~~ذلك مجاز مستعمل في القرآن فتأمل.

# وقال الإمام: إن أكثر العلماء احتجوا بهذه الآية في إثبات عذاب القبر
~~وذلك أنهم أثبتوا لأنفسهم وموتتين فإحدى الموتتين مشاهد في الدنيا فلا بد
~~من إثبات حياة أخرى في القبر حتى يصير الموت الذي عقيبها موتا ثانيا،
~~وذلك يدل على حصول حياة في القبر، وأطال الكلام في تحقيق ذلك والانتصار
~~له، والمنصف يرى أن عذاب القبر ثابت بالأحاديث الصحيحة دون هذه الآية
~~لقيام الوجه المروي عمن سمعت أولا فيها، وقد قيل: إنه الوجه لكني أظن أن
~~اختيار الزمخشري له لدسيسة اعتزالية، وقال ابن زيد في الآية أريد إحياؤهم
~~نسما عند أخذ العهد عليهم من صلب آدم ثم إماتتهم بعد ثم إحياؤهم في
~~الدنيا ثم إماتتهم ثم إحياؤهم وهذا صريح في أن الإحياءات ثلاث، وقد أطلق
~~فيه الإحياء الثالث؛ والأغلب على الظن أنه عنى به إحياء البعث، وقيل:
~~التثنية في كلامهم مثلها في قوله تعالى:

# ثم ارجع البصر كرتين

# [الملك: 4] مراد بها التكرير والتكثير فكأنهم قالوا: أمتنا مرة بعد مرة
~~وأحييتنا مرة بعد مرة فعلمنا عظيم قدرتك وأنه لا يتعاصاها الإعادة كما لا
~~يتعاصاها غيرها فاعترفنا بذنوبنا التي اقترفناها من إنكار ذلك، وحينئذ
~~فلا عليك أن تعتبر الموت في صلب آدم ثم الإحياء لأخذ العهد ثم الإماتة ثم
~~الإحياء بنفخ الروح في الأرحام ثم الإماتة عند انقضاء الأجل في الدنيا ثم
~~الإحياء في القبر للسؤال أو لغيره ثم الإماتة فيه ثم الإحياء بنفخ الروح
~~في الأرحام ثم الإماتة عند انقضاء ms09378 الأجل في الدنيا ثم الإحياء في القبر
~~للسؤال أو لغيره ثم الإماتة فيه ثم الإحياء للبعث ولا يخفى أنه على ما
~~فيه إنما يتم لو كان المقول أمتنا إماتتين أو كرتين وأحييتنا إحياءتين أو
~~كرتين مثلا دون ما في المنزل، فإن { اثنتين } فيه وصف لإماتتين
~~ولإحياءتين وهو دافع لاحتمال إرادة التكثير كما قيل في

# إلهين اثنين

# [النحل: 51] وبناء الأمر على أن العدد لا مفهوم له لا يخلو عن بحث، ومن
~~غرائب ما قيل في ذلك ما روي عن محمد بن كعب أن الكافر في الدنيا حي الجسد
~~ميت القلب فاعتبرت الحالتان فهناك إماتة وإحياء للقلب والجسد في الدنيا
~~ثم إماتتهم عند انقضاء الآجال ثم إحياؤهم للبعث، ومثل هذا يحكى ليطلع على
~~حاله.

# { فهل إلى خروج } أي إلى نوع خروج من النار أي فهل إلى خروج
~~سريع أو بطيء أو من مكان منها إلى آخر أو إلى الدنيا أو غيرها / { من
~~سبيل } طريق من الطرق فنسلكه ومثل هذا التركيب يستعمل عند اليأس، وليس
~~المقصود به الاستفهام وإنما قالوه من فرط قنوطهم تعللا أو تحيرا ولذلك
~~أجيبوا بذكر ما أوقعهم في الهلاك وهو قوله تعالى: { ذلكم بأنه
~~إذا دعى الله }.

### || [40.12]

# { ذلكم } الخ من غير جواب عن الخروج نفيا أو إثباتا وإن كان
~~الاستفهام على ظاهره، والمراد طلب الخروج نظير

# فارجعنا نعمل صلحا

# [السجدة: 12] ونحوه لقيل:

# اخسئوا فيها

# [المؤمنون: 108] أو نحو ذلك كذا قيل، وجوز أن يكونوا طلبوا الرجعة
~~ليعملوا بموجب ذلك الاعتراف لكن مع استبعاد لها واستشعار يأس منه والجواب
~~إقناط لهم ببيان أنهم كانوا مستمرين على الشرك فجوزوا باستمرار العقاب
~~والخلود في النار كما يقتضيه حكمه تعالى وذلك جواب بنفي السبيل إلى
~~الخروج على أبلغ وجه، ولا أرى في هذا الوجه بأسا ويوشك أن يكون
~~المتبادر، والمعنى ذلكم الذي أنتم فيه من العذاب.

# { بأنه } أي بسبب أن الشأن { إذا دعي الله } أي عبد سبحانه
~~في الدنيا { وحده } أي متحدا منفردا فهو نصب على الحال مؤول بمشتق
~~منكر أو يوحد وحده ms09379 على أنه مفعول مطلق لفعل مقدر على حد

# أنبتكم من الأرض نباتا

# [نوح: 17] والجملة بتمامها حال أيضا حذفت وأقيم المصدر مقامها، وفيه
~~كلام آخر مفصل في «الرفدة» وقد تقدم بعضه. { كفرتم } بتوحيده تعالى
~~أي جحدتم وأنكرتم ذلك { وإن يشرك به تؤمنوا } بالإشراك أي
~~تذعنوا وتقروا به، وفي إيراد { إذا } وصيغة الماضي في الشرطية الأولى و
~~{ إن } وصيغة المضارع في الثانية ما لا يخفى من الدلالة على سوء حالهم
~~وحيث كان كذلك.

# { فالحكم لله } الذي لا يحكم إلا بالحق ولا يقضي إلا بما تقتضيه
~~الحكمة { العلى الكبير } المتصف بغاية العلوم نهاية الكبرياء
~~فليس كمثله شيء في ذاته وصفاته وأفعاله، ولذا اشتدت سطوته بمن أشرك به
~~واقتضت حكمته خلوده في النار فلا سبيل لخروجكم منها أبدا إذ كنتم
~~مشركين.

# واستدلال الحرورية بهذه الآية على زعمهم الفاسد في غاية السقوط، ويكفي
~~في الرد عليهم قوله تعالى:

# فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها

# [النساء: 35] الآية وقوله تعالى:

# يحكم به ذوا عدل منكم

# [المائدة: 95].

### || [40.13]

# { هو الذى يريكم ءايته } الدالة على شؤنه العظيمة الموجبة
~~لتفرده بالألوهية لتستدلوا بها على ذلك وتعملوا بموجبها فإذا دعي سبحانه
~~وحده تؤمنوا وإن يشرك به تكفروا، وهذه الآيات ما يشاهد من آثار قدرته عز
~~وجل:

# وفي كل شيء له آية

# تدل على أنه واحد

# { وينزل } بالتشديد وقرىء بالتخفيف من الإنزال { لكم من السماء
~~رزقا } أي سبب رزق وهو المطر. وإفراده بالذكر مع كونه من جملة تلك
~~الآيات لتفرده بعنوان كونه من آثار رحمته وجلائل نعمته الموجبة للشكر.
~~وصيغة المضارع في الفعلين للدلالة على تجدد الإراءة والتنزيل
~~واستمرارهما. وتقديم الجار والمجرور على المفعول لما مر غير مرة.

# { وما يتذكر } بتلك الآيات التي هي كالمركوزة في العقول لظهورها
~~المغفول عنها للانهماك في التقليد واتباع الهوى { إلا من ينيب }
~~يرجع عن الإنكار بالإقبال عليها والتفكر فيها، فإن الجازم بشيء لا ينظر
~~فيما ينافيه فمن لا ينيب بمعزل عن التذكر.

### || [40.14]

# { فادعوا الله } اعبدوه عز وجل { مخلصين له الدين } من
~~الشرك { ولو كره ms09380 الكفرون } إخلاصكم وشق عليهم. وظاهر كلام
~~«الكشاف» أن { ادعوا } الخ مسبب عن الإنابة وأن فيه التفاتا حيث قال:
~~ثم قال للمنيبين / والأصل فليدع ذلك المنيب، على معنى إن صحت الإنابة على
~~نحو فقد جئنا خراسانا، وقد وافق على كونه خطابا لمن ذكر غير واحد. وفي
~~«الكشف» التحقيق أن قوله تعالى:

# وما يتذكر

# [غافر: 13] الخ اعتراض وقوله سبحانه: { فادعوا الله } مسبب عن
~~قوله تعالى:

# هو الذى يريكم

# [غافر: 13] على أنه خطاب يعم المؤمن والكافر لسبق ذكرهما لا للكفار
~~وحدهم على نحو

# من مقتكم أنفسكم

# [غافر: 10] إذ ليس مما نودوا به يوم القيامة، والمعنى فادعوه فوضع
~~الظاهر موضع المضمر ليتمكن فضل تمكن وليشعر بأن كونه تعالى هو المعبود
~~بحق هو الذي يقتضي أن يعبد وحده. وفائدة الاعتراض أن هذه الآيات ودلالتها
~~على اختصاصه سبحانه وحده بالعبادة بالنسبة إلى من ينيب لا المعاند. وقوله
~~في «الكشاف»: ثم قال للمنيبين إشارة إلى أن فائدة تقديم الاعتراض أن
~~الانتفاع بالآيات على هذا التقدير فكأنه مسبب عن الإنابة معنى لما كان
~~تسبب السابق للاحق الإنابة، فهذا هو الوجه ولا يأباه تفسير { ولو
~~كره الكفرون } بقوله: وإن غاظ ذلك أعداءكم فإنه للتنبيه على أن
~~امتثال ذلك الأمر إنما يكون بعد إنابتهم وكأن قد حصل ذلك وحصل التضاد
~~بينهم وبين الكافرين، وهو تحقيق حقيق بالقبول لكن في توجيه كلام «الكشاف»
~~تكلف ظاهر.

### || [40.15]

# { رفيع الدرجت } صفة مشبهة أضيفت إلى فاعلها من رفع الشيء
~~بالضم إذا علا، وجوز أن يكون صيغة مبالغة من باب أسماء الفاعلين وأضيف
~~إلى المفعول وفيه بعد، و { الدرجت } مصاعد الملائكة عليهم السلام
~~إلى أن يبلغوا العرش أي رفيع درجات ملائكته ومعارجهم إلى عرشه. وفسرها
~~ابن جبير بالسماوات ولا بأس بذلك فإن الملائكة يعرجون من سماء إلى سماء
~~حتى يبلغوا العرش إلا أنه جعل رفيعا اسم فاعل مضافا إلى المفعول فقال:
~~أي رفع سماء فوق سماء والعرش فوقهن، وقد سمعت آنفا أن فيه بعدا، ووصفه
~~عز وجل بذلك للدلالة على سبيل الإدماج على عزته سبحانه ms09381 وملكوته جل شأنه.
~~ويجوز أن يكون كناية عن رفعة شأنه وسلطانه عز شأنه وسلطانه كما أن قوله
~~تعالى: { ذو العرش } كناية عن ملكه جل جلاله، ولا نظر في ذلك إلى أن
~~له سبحانه عرشا أو لا، فالكناية وإن لم تناف إرادة الحقيقة لكن لا تقتضي
~~وجوب إرادتها فقد وقد؛ وعن ابن زيد أنه قال: أي عظيم الصفات وكأنه بيان
~~لحاصل المعنى الكنائي، وقيل: هي درجات ثوابه التي ينزلها أولياءه تعالى
~~يوم القيامة، وروي ذلك عن ابن عباس وابن سلام، وهذا أنسب بقوله تعالى:

# فادعوا الله مخلصين

# [غافر: 14] والمعنى الأول أنسب بقوله تعالى: { يلقى الروح من
~~أمره } لتضمنه ذكر الملائكة عليهم السلام وهم المنزلون بالروح كما
~~قال سبحانه:

# ينزل الملئكة بالروح من أمره

# [النحل: 2] وأيا ما كان  فرفيع الدرجات  و { ذو العرش } وجملة {
~~يلقي } أخبار ثلاثة قيل:  لهو  السابق في قوله تعالى:

# هو الذى يريكم

# [غافر: 13] الخ واستبعده أبو حيان بطول الفصل، وقيل: لهو محذوفا،
~~والجملة كالتعليل لتخصيص العبادة وإخلاص الدين له تعالى، وهي متضمنة بيان
~~إنزال الرزق الروحاني بعد بيان إنزال الرزق الجسماني في

# وينزل لكم من السماء رزقا

# [غافر: 13] فإن المراد بالروح على ما روي عن قتادة الوحي وعلى ما روي عن
~~ابن عباس القرآن وذلك جار من القلوب مجرى الروح من الأجساد، وفسره الضحاك
~~بجبريل عليه السلام وهو عليه السلام حياة القلوب باعتبار ما ينزل به من
~~العلم. وجوز ابن عطية أن يراد به كل ما ينعم الله تعالى به على عباده
~~المهتدين في تفهيم الإيمان والمعقولات الشريفة وهو كما ترى.

# وقوله تعالى: { من أمره } قيل: بيان للروح، وفسر بما يتناول الأمر
~~والنهي، وأوثر على / لفظ الوحي للإشارة إلى أن اختصاص حياة القلوب بالوحي
~~من جهتي التخلي والتحلي الحاصلين بالامتثال والانتهاء. وعن ابن عباس
~~تفسير الأمر بالقضاء فجعلت { من } ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع حالا من
~~{ الروح } أي ناشئا من أمره أو صفة له على رأي من يجوز حذف الموصول
~~مع بعض صلته أي الكائن من أمره، وفسره بعضهم ms09382 بالملك وجعل { من }
~~ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع حالا أو صفة على ما ذكر آنفا، وكون الملك
~~مبدأ للوحي لتلقيه عنه، ومن فسر الروح بجبريل عليه الصلاة والسلام قال: {
~~من } سببية متعلقة  بيلقي  والمعنى ينزل الروح من أجل تبليغ أمره.

# { على من يشاء من عباده } وهو الذي اصطفاه سبحانه لرسالته
~~وتبليغ أحكامه إليهم، والاستمرار التجددي المفهوم من { يلقي } ظاهر
~~فإن الإلقاء لم يزل من لدن آدم عليه السلام إلى انتهاء زمان نبينا صلى
~~الله عليه وسلم، وهو في حكم المتصل إلى قيام الساعة بإقامة من يقوم
~~بالدعوة على ما روى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة
~~والسلام أنه قال:

# " إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها
~~"

# أي بإحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما، وأمر ذلك
~~التجدد على ما جوزه ابن عطية لا يحتاج إلى ما ذكر. وقرىء { رفيع } بالنصب
~~على المدح.

# { لينذر } علة للإلقاء، وضميره المستتر لله تعالى أو لمن وهو الملقى
~~إليه أو للروح أو للأمر، وعوده على الملقى إليه وهو الرسول أقرب لفظا
~~ومعنى لقرب المرجع وقوة الإسناد فإنه الذي ينذر الناس حقيقة بلا واسطة،
~~واستظهر أبو حيان رجوعه إليه تعالى لأنه سبحانه المحدث عنه، وقوله تعالى:
~~{ يوم التلاق } مفعول  لينذر  أو ظرف والمنذر به محذوف أي لينذر
~~العذاب أو نحو يوم التلاق.

### || [40.16]

# وقوله سبحانه: { يوم هم برزون } بدل من

# يوم التلاق

# [غافر: 15] و { هم } مبتدأ و { برزون } خبر والجملة في محل جر
~~بإضافة { يوم } إليها، وقيل: وهذا تخريج على مذهب أبي الحسن من جواز
~~إضافة الظرف المستقبل كإذا إلى الجملة الاسمية نحو أجيئك إذا زيد ذاهب،
~~وسيبويه لا يجوز ذلك ويوجب تقدير فعل بعد الظرف يكون الاسم مرتفعا به،
~~وجوز أن يكون { يوم } ظرفا لقوله تعالى: { لا يخفى على
~~الله منهم شيء } والظاهر البدلية. وهذه الجملة استئناف لبيان
~~بروزهم وتقرير له وإزاحة لما كان يتوهمه بعض المتوهمين في الدنيا من
~~الاستتار توهما باطلا، ms09383 وجوز أن تكون خبرا ثانيا  لهم . وقيل: هي
~~حال من ضمير { برزون }.

# و { يوم التلاق } يوم القيامة سمي بذلك قال ابن عباس: لالتقاء
~~الخلائق فيه، وقال مقاتل: للالتقاء الخالق والمخلوق فيه. وحكاه الطبرسي
~~عن ابن عباس، وقال السدي: لالتقاء أهل السماء وأهل الأرض؛ وقال ميمون بن
~~مهران: لالتقاء الظالم والمظلوم، وحكى الثعلبي أن ذلك لالتقاء كل امرء
~~وعمله، واختار بعض الأجلة ما قال مقاتل وقال: هو أولى الوجوه لما فيه من
~~حمل المطلق على ما ورد في كثير من المواضع نحو

# فمن كان يرجو لقاء ربه

# [الكهف: 110]

# إن الذين لا يرجون لقاءنا

# [يونس: 7]

# وقال الذين لا يرجون لقاءنا

# [الفرقان: 21]. وقال صاحب «الكشف»: القول الأول وهو ما نقل عن ابن عباس
~~أولا أشبه لجريان الكلام فيه على الحقيقة ونفي ما يتوهم من المساواة بين
~~الخالق والمخلوق واستقلال كل من البدلين بفائدة التهويل لما في الأول من
~~تصوير تلاقي الخلائق على اختلاف أنواعها، وفي الثاني من البروز لمالك
~~أمرها بروزا لا يبقى لأحد فيه شبهة.

# وأما نحو قوله تعالى: { لقاء ربه } فمسوق بمعنى آخر.

# و { برزون } من برز وأصله حصل في براز أي / فضاء، والمراد ظاهرون
~~لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء لأن الأرض يومئذ قاع صفصف وليس
~~عليهم ثياب إنما هم عراة مكشوفون كما جاء في «الصحيحين» عن ابن عباس

# " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنكم ملاقو الله حفاة عراة
~~غرلا "

# وقيل: المراد خارجون من قبورهم أو ظاهرة أعمالهم وسرائرهم، وقيل: ظاهرة
~~نفوسهم لا تحجب بغواشي الأبدان مع تعلقها بها، ولا يقبل هذا بدون ثبت من
~~المعصوم، والمراد بقوله تعالى: { منهم } على ما قيل: من أحوالهم
~~وأعمالهم. وقيل: من أعيانهم، واختير التعميم أي لا يخفى عليه عز شأنه شيء
~~ما من أعيانهم وأعمالهم وأحوالهم الجلية والخفية السابقة واللاحقة.

# وقرأ أبي { لينذر يوم } ببناء ينذر للفاعل ورفع يوم على
~~الفاعلية مجازا.

# وقرأ اليماني فيما ذكر صاحب «اللوامح» { لينذر } مبنيا للمفعول {
~~يوم } بالرفع على النيابة عن الفاعل. ms09384 وقرأ الحسن واليماني فيما ذكر ابن
~~خالويه { لتنذر } بالتاء الفوقية فقيل: الفاعل فيه ضمير الخطاب للرسول
~~صلى الله عليه وسلم، وقيل: ضمير الروح لأنها تؤنث.

# وقوله تعالى: { لمن الملك اليوم لله الوحد
~~القهار } حكاية لما يسئل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به بتقدير قول
~~معطوف على ما قبله من الجملة المنفية المستأنفة أو مستأنف يقع جوابا عن
~~سؤال نشأ من حكاية بروزهم وظهور أحوالهم كأنه قيل: فما يكون حينئذ؟
~~فقيل: يقال: { لمن الملك } الخ.

### || [40.17]

# وقوله تعالى: { اليوم تجزى كل نفس } أي من النفوس البرة
~~والفاجرة { بما كسبت } أي من خير أو شر { لا ظلم اليوم }
~~بنقص الثواب وزيادة العقاب { إن الله سريع الحساب } أي سريع
~~حسابه إذ لا يشغله سبحانه شأن عن شأن فيصل إلى المحاسب من النفوس ما
~~يستحقه سريعا. روي عن ابن عباس أنه تعالى إذا أخذ في حسابهم لم يقل أهل
~~الجنة إلا فيها ولا أهل النار إلا فيها من تتمة الجواب جىء به لبيان
~~إجمال فيه، والتذييل لتعليل ما قبله.

# والمنادي بذلك سؤالا وجوابا واحد. أخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود قال:
~~«يجمع الله تعالى الخلق يوم القيامة بصعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة
~~فضة لم يعص الله تعالى فيها قط ولم يخطأ فيها فأول ما يتكلم أن ينادي
~~مناد

# لمن الملك اليوم لله الوحد القهار * اليوم
~~تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن
~~الله سريع الحساب

# [غافر: 1617] فأول ما يبدؤن به من الخصومات الدماء» الحديث، وهو عند
~~الحسن الله نفسه عز وجل، وقيل: ملك، وقيل: السائل هو الله تعالى أو ملك
~~والمجيب الناس.

# وذكر الطيبي تقريرا لعبارة «الكشاف» أن قوله تعالى: { اليوم
~~تجزى } الخ تعليل فيجب أن يكون السائل والمجيب هو الله عز وجل، فإنه
~~سبحانه لما سأل { لمن الملك اليوم } وأجاب هو سبحانه بنفسه {
~~لله الواحد القهار } كان المقام موقع السؤال وطلب التعليل
~~فأوقع { اليوم تجزى } جوابا عنه يعني إنما اختص الملك به تعالى
~~لأنه وحده يقدر على مجازاة ms09385 كل نفس بما كسبت وله العدل التام فلا يظلم
~~أحدا وله التصرف فلا يشغله شأن عن شأن فيسرع الحساب، ولو أوقع { لله
~~الواحد القهار } جوابا عن أهل المحشر لم يحسن هذا الاستئناف
~~انتهى، وفيه ما فيه.

# والحق أن قوله تعالى: { اليوم تجزى كل نفس } الخ إن كان
~~من كلام المجيب كما هو ظاهر حديث ابن مسعود بعد أن يكون من الناس، وجوز
~~فيه أن لا يكون من تتمة الجواب بل هو حكاية لما سيقوله تعالى في ذلك /
~~اليوم عقيب السؤال والجواب. وأيا ما كان فتخصيص الملك به تعالى في ذلك
~~اليوم إنما هو بالنظر إلى ظاهر الحال من زوال الأسباب وارتفاع الوسائط
~~وظهور ذلك للكفرة والجهلة. وأما حقيقة الحال فناطقة بذلك دائما.

# وذهب محمد بن كعب القرظي إلى أن السؤال والجواب منه تعالى ويكونان بين
~~النفختين حين يفني عز وجل الخلائق. وروي نحوه عن ابن عباس. أخرج عبد بن
~~حميد في «زوائد الزهد» وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وأبو نعيم في
~~«الحلية» عنه رضي الله تعالى عنه قال: «ينادي مناد بين يدي الساعة يا
~~أيها الناس أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات وينزل الله سبحانه إلى
~~السماء الدنيا فيقول: { لمن الملك اليوم لله الواحد
~~القهار } » والسياق ظاهر في أن ذلك يوم القيامة فلعله على تقدير صحة
~~الحديث يكون مرتين.

# ومعنى جزاء النفوس بما كسبت أنها تجزى خيرا إن كسبت خيرا، وشرا إن
~~كسبت شرا. وقيل: إن النفوس تكتسب بالعقائد والأعمال هيآت توجب لذتها
~~وألمها لكنها لا تشعر بها في الدنيا فإذا قامت قيامتها وزالت العوائق
~~أدركت ألمها ولذتها. والظاهر أن هذا قول باللذة والألم الروحانيين ونحن
~~لا ننكر حصولهما يومئذ لكن نقول: إن الجزاء لا ينحصر بهما بل يكون أيضا
~~بلذة وألم جسمانيين. فالاقتصار في تفسير الآية على ذلك قصور.

### || [40.18]

# { وأنذرهم يوم الأزفة } يوم القيامة كما قال مجاهد وقتادة
~~وابن زيد، ومعنى { الأزفة } القريبة يقال: أزف الشخوص إذا قرب وضاق
~~وقته، فهي في الأصل اسم فاعل ثم نقلت منه وجعلت ms09386 اسما للقيامة لقربها
~~بالإضافة لما مضى من مدة الدنيا أو لما بقي فإن كل آت قريب، ويجوز أن
~~تكون باقية على الأصل فتكون صفة لمحذوف أي الساعة الآزفة، وقدر بعضهم
~~الموصوفة الخطة بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة وهي القصة والأمر
~~العظيم الذي يستحق أن يخط ويكتب لغرابته، ويراد بذلك ما يقع يوم القيامة
~~من الأمور الصعبة وقربها لأن كل آت قريب، والمراد باليوم الوقت مطلقا أو
~~هو يوم القيامة، وقال أبو مسلم: { يوم الأزفة } يوم المنية وحضور
~~الأجل. ورجح بأنه أبعد عن التكرار وأنسب بما بعده ووصف القرب فيه أظهر.

# { إذ القلوب لدى الحناجر } بدل من { يوم الأزفة } و
~~{ الحناجر } جمع حنجرة أو حنجور كحلقوم لفظا ومعنى؛ وهي كما قال
~~الراغب: رأس الغلصمة من خارج وهي لحمة بين الرأس والعنق، والكلام كناية
~~عن شدة الخوف أو فرط التألم، وجوز أن يكون على حقيقته وتبلغ قلوب الكفار
~~حناجرهم يوم القيامة ولا يموتون كما لو كان ذلك في الدنيا.

# { كظمين } حال من أصحاب القلوب على المعنى فإن ذكر القلوب يدل على
~~ذكر أصحابها فهو من باب

# ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا

# [الحجر: 47] فكأنه قيل: إذ قلوبهم لدى الحناجر كاظمين عليها، وهو من كظم
~~القربة إذا ملأها وسد فاها، فالمعنى ممسكين أنفسهم على قلوبهم لئلا تخرج
~~مع النفس فإن كاظم القربة كاظم على الماء ممسكها عليه لئلا يخرج امتلاء،
~~وفيه مبالغة عظيمة، وجوز كونه حالا من ضمير { القلوب } المستتر في
~~الخبر أعني { لدى الحناجر } وعلى رأي من يجوز مجىء الحال من
~~المبتدأ كونه حالا من { القلوب } نفسها. وجمع جمع العقلاء لتنزيلها
~~منزلتهم لوصفها بصفتهم كما في قوله تعالى:

# فظلت أعنقهم لها خضعين

# [الشعراء: 4] والمعنى حال كون القلوب كاظمة على الغم والكرب، ومنه يعلم
~~أنه لا يجوز أن يكون { لدى الحناجر } ظرف { كظمين } / لفساد
~~المعنى والحاجة إلى تقدير محذوف مع الغنى عنه، وكذلك على قراءة { كاظمون
~~} للأول فقط فيتعين كون { لدى الحناجر } خبرا و { كاظمون } خبرا
~~آخر وبذلك يترجح كون الحال ms09387 من (القلوب)، وقدر الكواشي هم كاظمون ليوافق
~~وجه الحالية من الأصحاب وجوز كونه حالا من مفعول { أنذرهم } أي
~~أنذرهم مقدرا كظمهم أو مشارفين الكظم.

# { ما للظلمين من حميم } أي قريب مشفق من احتم فلان لفلان
~~احتد فكأنه الذي يحتد حماية لذويه ويقال لخاصة الرجل حامته ومن هنا فسر
~~الحميم بالصديق { ولا شفيع يطاع } أي ولا شفيع يشفع فالجملة في
~~محل جر أو رفع صفة { شفيع } والمراد نفي الصفة والموصوف لا الصفة فقط
~~ليدل على أن ثم شفيعا لكن لا يطاع فالكلام من باب:

# لا ترى الضب بها ينجحر

# ولم يقتصر على نفع الشفيع بل ضم إليه ما ضم ليقام انتفاء الموصوف مقام
~~الشاهد على انتفاء الصفة فيكون ذلك الضم إزالة لتوهم وجود الموصوف حيث
~~جعل انتفاؤه أمرا مسلما مشهورا لا نزاع فيه لأن الدليل ينبغي أن يكون
~~أوضح من المدلول، وهذا كما تقول لمن عاتبك على القعود عن الغزو مالي فرس
~~أركبه وما معي سلاح أحارب به فليفهم.

# والضمائر المذكورة من قوله تعالى: { وأنذرهم } إلى هنا إن كانت
~~للكفار كما هو الظاهر فوضع الظالمين موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالظلم
~~وتعليل الحكم، وإن كانت عامة لهم ولغيرهم فليس هذا من باب وضع الظاهر
~~موضع الضمير وإنما هو بيان حكم للظالمين بخصوصهم، والمراد بهم الكاملون
~~في الظلم وهم الكافرون لقوله تعالى:

# إن الشرك لظلم عظيم

# [لقمان: 13].

### || [40.19]

# { يعلم خائنة الأعين } أي النظرة الخائنة كالنظرة إلى غير
~~المحرم واستراق النظر إليه وغير ذلك  فخائنة  صفة لموصوف مقدر، وجعل
~~النظرة خائنة إسناد مجازي أو استعارة مصرحة أو مكنية وتخييلية بجعل النظر
~~بمنزلة شيء يسرق من المنظور إليه ولذا عبر فيه بالاستراق، ويجوز أن يكون
~~(خائنة) مصدرا كالكاذبة والعاقبة والعافية أي يعلم سبحانه خيانة الأعين،
~~وقيل: هو وصف مضاف إلى موصوفه كما في قوله:

# وإن سقيت كرام الناس فاسقينا

# أي يعلم سبحانه الأعين الخائنة، ولا يحسن ذلك لقوله تعالى: { وما
~~تخفي الصدور } أي والذي تخفيه الصدور من الضمائر أو إخفاء الصدور
~~لما تخفيه من ذلك ms09388 لأن الملاءمة واجبة الرعاية في علم البيان وملائم
~~الأعين الخائنة الصدور المخفية، وما قيل في عدم حسن ذلك من أن مقام
~~المبالغة يقتضي أن يراد استراق العين ضم إليه هذه القرينة أولا فغير
~~قادح في التعليل المذكور إذ لا مانع من أن يكون على مطلوب دلائل ثم لولا
~~القرينة لجاز أن تجعل الأعين تمهيدا للوصف فالقرينة هي المانعة وهذه
~~الجملة على ما في «الكشاف» متصلة بأول الكلام خبر من أخبار هو في قوله
~~تعالى:

# هو الذى يريكم

# [الرعد: 13] على معنى هو الذي يريكم الخ وهو يعلم خائنة الأعين ولم
~~يجعله تعليلا لنفي الشفاعة على معنى ما لهم من شفيع لأن الله تعالى يعلم
~~منهم الخيانة سرا وعلانية قيل: لأنه لا يصلح تعليلا لنفيها بل لنفي
~~قبولها فإن الله تعالى هو العالم لا الشفيع والمقصود نفي الشفاعة، ووجه
~~تقرير هذا الخبر في هذا الموضع ما فيه من التخلص إلى ذم آلهتهم مع أن
~~تقديمه على { الذى يريكم } لا وجه له لتعلقه بما قبله أشد التعلق
~~كما أشير إليه وكذلك على

# رفيع الدرجت

# [غافر: 15] لاتصاله بالسابق وأمر المنيبين بالإخلاص ولما فيه من النبو
~~من توسيط المنكر الفعلي بين المبتدأ وخبره المعرف الاسمي، وأما توسيطه
~~بين القرائن الثلاث فبين العصا / ولحائها فلا موضع له أحق من هذا ولا يضر
~~البعد اللفظي في مثل ذلك كما لا يخفى، وظن بعضهم ضرره فمنهم من قال:
~~((الجملة متصلة بمجموع قوله عز وجل:

# وأنذرهم يوم الأزفة

# [غافر: 18] إلى آخره، وذلك أنه سبحانه لما أمر بإنذار ذلك اليوم وما
~~يعرض فيه من شدة الكرب والغم وذكر تعالى أن الظالم لا يجد من يحميه من
~~ذلك ولا من يشفع له ذكر جل وعلا اطلاعه على جميع ما يصدر من العبد وأنه
~~مجازى بما عمل ليكون على حذر من ذلك اليوم إذا علم أن الله تعالى مطلع
~~على أعماله)) وإلى هذا ذهب أبو حيان.

# وقال ابن عطية: هي متصلة بقوله تعالى:

# سريع الحساب

# [غافر: 17] لأن سرعة حسابه تعالى للخلق إنما ms09389 هي لعلمه تعالى الذي لا
~~يحتاج معه إلى روية وفكر ولا لشيء مما يحتاجه المحاسبون، وحكى رحمه الله
~~تعالى عن فرقة أنها متصلة بقوله تعالى:

# لا يخفى على الله منهم شيء

# [غافر: 16] ثم قال: وهذا قول حسن يقويه تناسب المعنيين ويضعفه البعد
~~وكثرة الحائل. وجعلها بعض متصلة بنفي قبول الشفاعة الذي تضمنه قوله
~~تعالى:

# ولا شفيع يطاع

# [غافر: 18] فإن { يطاع } المنفي بمعنى تقبل شفاعته على أنها تعليل
~~لذلك أي لا تقبل شفاعة شفيع لهم لأن الله تعالى يعلم منه الخيانة سرا
~~وعلانية وليست تعليلا لنفي الشفاعة ليرد ما قيل، ولا يخفى ما فيه،
~~ولعمري إن جار الله في مثل هذا المقام لا يجارى.

### || [40.20]

# { والله يقضى بالحق } أي والذي هذه صفاته يقضي قضاء ملتبسا
~~بالحق لا بالباطل لاستغنائه سبحانه عن الظلم، وتقديم المسند إليه للتقوي،
~~وجوز أن يكون للحصر وفائدة العدول عن المضمر إلى المظهر والإتيان بالاسم
~~الجامع عقيب ذكر الأوصاف ما أشير إليه من إرادة الموصوف بتلك الصفات.

# { والذين يدعون من دونه لا يقضون بشىء } تهكم
~~بآلهتهم لأن الجماد لا يقال فيه يقضي أو لا يقضي، وجعله بعضهم من باب
~~المشاكلة وأصله لا يقدرون على شيء، واختير الأول قيل لأن التهكم أبلغ
~~لأنه ليس المقصود الاستدلال على عدم صلاحيتهم للإلهية.

# وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بخلاف عنه وهشام { تدعون } بتاء الخطاب على
~~الالتفات، وجوز أن يكون على إضمار قل فلا يكون التفاتا وإن عبر عنه
~~بالغيبة قبله لأنه ليس على خلاف مقتضى الظاهر إذ هو ابتداء كلام مبني على
~~خطابهم.

# { إن الله هو السميع البصير } تقرير لعلمه تعالى بخائنة
~~الأعين وما تخفي الصدور وقضائه سبحانه بالحق ووعيد لهم على ما يقولون
~~ويفعلون وتعريض بحال ما يدعون من دونه عز وجل. وفيه إشارة إلى أن القاضي
~~ينبغي أن يكون سميعا بصيرا.

### || [40.21]

# { أو لم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان
~~عقبة الذين كانوا من قبلهم } أي مآل حال الذين كذبوا
~~الرسل عليهم السلام قبلهم كعاد وثمود. و { ينظروا } مجزوم على ms09390 أنه
~~معطوف على { يسيروا } ، وجوز أبو حيان كونه منصوبا في جواب النفي
~~كما في قوله:

# ألم تسأل فتخبرك الرسوم

# وتعقب بأنه لا يصح تقديره بأن لم يسيروا ينظروا. وأجيب بأن الاستفهام
~~إنكاري وهو في معنى النفي.

# فيكون جواب نفي النفي { كانوا هم أشد منهم قوة } قدرة
~~وتمكنا من التصرفات، والضمير المنفصل تأكيد للمضير المتصل قبله، وجوز
~~كونه ضمير فصل ولا يتعين وقوعه بين معرفتين فقد أجاز الجرجاني وقوع
~~المضارع بعده كما في قوله تعالى:

# إنه هو يبدىء ويعيد

# [البروج: 13] نعم الأصل الأكثر فيه ذلك، على أن أفعل التفضيل الواقع
~~بعده من الداخلة على المفضل عليه مضارع للمعرفة لفظا في عدم دخول أل
~~عليه ومعنى لأن المراد به الأفضل باعتبار أفضلية معينة.

# / وجملة { كانوا } الخ مستأنفة في جواب كيف صارت أمورهم. وقرأ ابن
~~عامر { منكم } بضمير الخطاب على الالتفات.

# { وءاثارا فى الأرض } عطف على { قوة } أي وأشد آثارا في
~~الأرض مثل القلاع المحكمة والمدائن الحصينة، وقد حكى الله تعالى عن قوم
~~منهم أنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتا. وجوز كونه عطفا على { أشد
~~} بتقدير محذوف أي وأكثر آثارا فتشمل الآثار القوية وغيرها، وهو ارتكاب
~~خلاف المتبادر من غير حاجة يعتد بها، وقيل: المراد بهذه الآثار آثار
~~أقدامهم في الأرض لعظم أجرامهم وليس بشيء أصلا.

# { فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله
~~من واق } أي وليس لهم واق من الله تعالى يقيهم ويمنع عنهم عذابه تعالى
~~أبدا، فكان للاستمرار والمراد استمرار النفي لا نفي الاستمرار، و(من)
~~الثانية زائدة و(من) الأولى متعلقة بواق، وقدم الجار والمجرور للاهتمام
~~والفاصلة لأن اسم الله تعالى قيل: لم يقع مقطعا للفواصل. وجوز أن تكون
~~(من) الأولى للبدلية أي ما كان لهم بدلا من المتصف بصفات الكمال واق
~~وأريد بذلك شركاؤهم، وأن تكون ابتدائية تنبيها على أن الأخذ في غاية
~~العنف لأنه إذا لم يبتدىء من جهته سبحانه واقية لم يكن لهم باقية.

### || [40.22]

# { ذلك } الأخذ { بأنهم } أي بسبب أنهم { كانت تأتيهم
~~رسلهم بالبينت } بالمعجزات والأحكام الواضحة ms09391 { فكفروا }
~~ريثما أتتهم رسلهم بذلك { فأخذهم الله إنه قوي } متمكن
~~مما يريده عز وجل غاية التمكن { شديد العقاب } لا يعتد بعقاب عند
~~عقابه سبحانه، وهذا بيان للإجمال في قوله تعالى:

# فأخذهم الله بذنوبهم

# [غافر: 21] إن كانت الباء هناك سببية وبيان لسبب الأخذ إن كانت للملابسة
~~أي أخذهم ملابسين لذنوبهم غير تائبين عنها فتأمل.

### || [40.23]

# { ولقد أرسلنا موسى بئايتنا } وهي معجزاته عليه
~~السلام { وسلطن مبين } حجة قاهرة ظاهرة، والمراد بذلك قيل ما
~~أريد بالآيات ونزل تغاير الوصفين منزلة تغاير الذاتين فعطف الثاني على
~~الأول، وقيل: المراد به بعض من آياته له شأن كالعصا، وعطف عليها تفخيما
~~لشأنه كما عطف جبريل وميكال عليهما السلام على الملائكة. وتعقب بأن مثله
~~إنما يكون إذا غير الثاني بعلم أو نحوه أما مع إبهامه ففيه نظر، وحكى
~~الطبرسي أن المراد بالآيات حجج التوحيد وبالسلطان المعجزات الدالة على
~~نبوته عليه السلام، وقيل الآيات المعجزات والسلطان ما أوتيه عليه السلام
~~من القوة القدسية وظهورها باعتبار ظهور آثارها من الإقدام على الدعوة من
~~غير اكتراث. وقرأ عيسى { سلطان } بضم اللام.

### || [40.24]

# { إلى فرعون وهمن } وزير فرعون، وزعم اليهود أنه لم يكن
~~لفرعون وزير يدعى هامان وإنما هامان ظالم جاء بعد فرعون بزمان مديد ودهر
~~داهر نفى جاءهم من اختلال أمر كتبهم وتواريخ فرعون لطول العهد وكثرة
~~المحن التي ابتلوا بها فاضمحلت منها أنفسهم وكتبهم. { وقرون } قيل
~~هو الذي كان من قوم موسى عليه السلام، وقيل: هو غيره وكان مقدم جنود
~~فرعون، وذكرهما من بين أتباع فرعون لمكانتهما في الكفر وكونهما أشهر
~~الأتباع. وفي ذكر قصة الإرسال إلى فرعون ومن معه وتفصيل ما جرى تسلية
~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان لعاقبة من هو أشد الذين كانوا من
~~قبل وأقربهم زمانا ولذا خص ذلك بالذكر، ولا بعد في كون فرعون / وجنوده
~~أشد من عاد { فقالوا سحر } أي هو يعنون موسى عليه السلام ساحر
~~فيما أظهر من المعجزات { كذاب } في دعواه أنه رسول من رب العالمين.

### || [40.25]

# { فلما جاءهم بالحق ms09392 من عندنا } وبلغهم أمر الله تعالى
~~غير مكترث بقولهم ساحر كذاب { قالوا } غيظا وحنقا وعجزا عن
~~المعارضة { اقتلوا أبناء الذين ءامنوا معه
~~واستحيوا نساءهم } أي أعيدوا عليهم ما كنتم تفعلونه بهم أولا
~~كي تصدوهم عن مظاهرة موسى عليه السلام، فالأمر بالقتل والاستحياء وقع
~~مرتين. المرة الأولى حين أخبرت الكهنة والمنجمون في قول فرعون بمولود من
~~بني إسرائيل يسلبه ملكه، والمرة الثانية هذه، وضمير { قالوا } لفرعون
~~ومن معه.

# وقيل: إن قارون لم يصدر منه مثل هذه المقالة لكنهم غلبوا عليه.

# { وما كيد الكفرين إلا فى ضلل } في ضياع من ضلت
~~الدابة إذا ضاعت، والمراد أنه لا يفيدهم شيئا فالعاقبة للمتقين. واللام
~~إما للعهد والإظهار في موقع الإضمار لذمهم بالكفر والإشعار بعلة الحكم أو
~~للجنس والمذكورون داخلون فيه دخولا أوليا، والجملة اعتراض جىء به في
~~تضاعيف ما حكى عنهم من الأباطيل للمسارعة إلى بيان بطلان ما أظهروه من
~~الإبراق والإرعاد واضمحلاله بالمرة.

### || [40.26]

# { وقال فرعون ذرونى أقتل موسى } كان إذا هم بقتله
~~كفوه بقولهم: ليس بالذي تخافه وهو أقل من ذلك وأضعف وما هو إلا ساحر
~~يقاومه ساحر مثله وإنك إذا قتلته أدخلت الشبهة على الناس واعتقدوا أنك
~~عجزت عن مظاهرته بالحجة، والظاهر أنه لعنه الله تعالى استيقن أنه عليه
~~السلام نبي ولكن كان فيه خب وجربزة وكان قتالا سفاكا للدماء في أهون
~~شيء فكيف لا يقتل من أحس منه بأنه الذي يثل عرشه ويهدم ملكه ولكنه يخاف
~~إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك فقوله: { ذروني } الخ كان تمويها على
~~قومه وإيهاما أنهم هم الذين يكفونه وما كان يكفه إلا ما في نفسه من هول
~~الفزع ويرشد إلى ذلك قوله: { وليدع ربه } لأن ظاهره الاستهانة
~~بموسى عليه السلام بدعائه ربه سبحانه كما يقال: ادع ناصرك فإني منتقم
~~منك، وباطنه أنه كان يرعد فرائصه من دعاء ربه فلهذا تكلم به أول ما تكلم
~~وأظهر أنه لا يبالي بدعاء ربه وما هو إلا كمن قال: ذروني أفعل كذا وما
~~كان فليكن وإلا فما لمن ms09393 يدعي أنه ربهم الأعلى أن يجعل لما يدعيه موسى
~~عليه السلام وزنا فيتفوه به تهكما أو حقيقة.

# { إني أخاف } إن لم أقتله. { أن يبدل دينكم } أن يغير
~~حالكم الذي أنتم عليه من عبادتي وعبادة الأصنام وكان عليه اللعنة قد
~~أمرهم بنحتها وإن تجعل شفعاء لهم عنده كما كان كفار مكة يقولون:

# هؤلاء شفعؤنا عند الله

# [يونس: 18] ولهذا المعنى أضافوا الآلهة إليه في قولهم:

# ويذرك وءالهتك

# [الأعراف: 127] فهي إضافة تشريف واختصاص وهذا ما ذهب إليه بعض المفسرين،
~~وقال ابن عطية: الدين السلطان ومنه قول زهير:

# لئن حللت بحي من بني أسد

# في دين عمرو وحالت بيننا فدك

# أي إني أخاف أن يغير سلطانكم ويستذلكم { أو أن يظهر } إن لم يقدر
~~على تغيير دينكم بالكلية { فى الأرض الفساد } وذلك بالتهارج الذي
~~يذهب معه الأمن وتتعطل المزارع والمكاسب ويهلك الناس قتلا وضياعا
~~فالفساد الذي عناه فساد دنياهم، فيكون حاصل المعنى على ما قرر أولا إني
~~أخاف أن يفسد عليكم / أمر دينكم بالتبديل أو يفسد عليكم أمر دنياكم
~~بالتعطيل وهما أمران كل منهما مر، ونحو هذا يقال على المعنى الثاني
~~للدين، وعن قتادة أن اللعين عنى بالفساد طاعة الله تعالى.

# وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو { وأن } بالواو الواصلة. وقرأ الأعرج
~~والأعمش وابن وثاب وعيسى وابن كثير وابن عامر والكوفيون غير حفص { يظهر }
~~بفتح الياء والهاء { الفساد } بالرفع. وقرأ مجاهد { يظهر } بتشديد الظاء
~~والهاء { الفساد } بالرفع. وقرأ زيد بن علي { يظهر } بضم الياء وفتح
~~الهاء مبنيا للمفعول { الفساد } بالرفع.

### || [40.27]

# { وقال موسى } لما سمع بما أجراه اللعين من حديث قتله { إني
~~عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن
~~بيوم الحساب } قاله عليه السلام مخاطبا به قومه على ما ذهب إليه
~~غير واحد، وذلك أنه لما كان القول السابق من فرعون خطابا لقومه على سبيل
~~الاستشارة وإجالة الرأي لا بمحضر منه عليه السلام كان الظاهر أن موسى
~~عليه السلام أيضا خاطب قومه لا فرعون وحاضريه بذلك، ويؤيده قوله تعالى:
~~في [الأعراف: 128]

# وقال موسى لقومه استعينوا ms09394

# في هذه القصة بعينها، وقوله تعالى هنا: { وربكم } فإن فرعون ومن
~~معه لا يعتقدون ربوبيته تعالى وإرادة أنه تعالى كذلك في نفس الأمر لا يضر
~~في كونه مؤيدا لأن التأييد مداره الظاهر.

# وصدر الكلام بأن تأكيدا وتنبيها على أن السبب المؤكد في دفع الشر هو
~~العياذ بالله تعالى. وخص اسم الرب لأن المطلوب هو الحفظ والتربية، وأضافه
~~إليه وإليهم حثا لهم على موافقته في العياذ به سبحانه والتوجه التام
~~بالروح إليه جل شأنه لما في تظاهر الأرواح من استجلاب الإجابة، وهذا هو
~~الحكمة في مشروعية الجماعة في العبادات. و { من كل } على معنى من شر
~~كل وأراد بالتكبر الاستكبار عن الإذعان للحق وهو أقبح استكبار وأدله على
~~دناءة ومهانة نفسه وعلى فرط ظلمه وعسفه، وضم إليه عدم الإيمان بيوم
~~الجزاء ليكون أدل وأدل، فمن اجتمع فيه التكبر والتكذيب بالجزاء وقلة
~~المبالاة بالعاقبة فقد استكمل أسباب القسوة والجراءة على الله تعالى
~~وعباده ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها، واختير المنزل دون منه سلوكا لطريق
~~التعريض لأنه كلام وارد في عرضهم فلا يلبسون جلد النمر إذا عرض عليهم مع
~~ما في ذلك من الدلالة على علة الاستعاذة ورعاية حق تربية اللعين له عليه
~~السلام في الجملة. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي { عت } بإدغام الذال
~~المعجمة في التاء بعد قلبها تاء.

### || [40.28]

# { وقال رجل مؤمن من ءال فرعون } قيل كان قبطيا ابن
~~عم فرعون وكان يجري مجرى ولي العهد ومجرى صاحب الشرطة، وقيل: كان
~~إسرائيليا، وقيل: كان غريبا ليس من الفئتين، ووصفه على هذين القولين
~~بكونه من آل فرعون باعتبار دخوله في زمرتهم وإظهار أنه على دينهم وملتهم
~~تقية وخوفا، ويقال نحو هذا في الإضافة في مؤمن آل فرعون الواقع في عدة
~~أخبار، وقيل: { من ءال فرعون } على القولين متعلق بقوله تعالى: {
~~يكتم إيمنه } والتقديم للتخصيص أي رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل
~~فرعون دون موسى عليه السلام ومن اتبعه، ولا بأس على هذا في الوقف على {
~~مؤمن }. واعترض بأن كتم يتعدى بنفسه دون ms09395 من فيقال: كتمت فلانا كذا
~~دون كتمت من فلان قال الله تعالى:

# ولا يكتمون الله حديثا

# [النساء: 42] وقال الشاعر:

# كتمتك ليلا بالجمومين ساهرا

# وهمين هما مستكنا وظاهرا

# أحاديث نفس تشتكي ما يريبها

# وورد هموم لن يجدن مصادرا

# وأراد على ما في «البحر» كتمتك أحاديث نفس وهمين. وفيه أنه صرح بعض
~~اللغويين بتعديه بمن أيضا، قال / في «المصباح» كتم من باب قتل يتعدى إلى
~~مفعولين ويجوز زيادة من في المفعول الأول فيقال: كتمت من زيد الحديث كما
~~يقال: بعته الدار وبعتها منه. نعم تعلقه بذلك خلاف الظاهر بل الظاهر
~~تعلقه بمحذوف وقع صفة ثانية لرجل، والظاهر على هذا كونه من آل فرعون
~~حقيقة وفي كلامه المحكي عنه بعدما هو ظاهر في ذلك واسمه قيل: شمعان بشين
~~معجمة، وقيل: خربيل بخاء معجمة مكسورة وراء مهملة ساكنة، وقيل: حزبيل
~~بحاء مهملة وزاي معجمة، وقيل: حبيب.

# وقرأ عيسى وعبد الوارث وعبيد بن عقيل وحمزة بن القاسم عن أبي عمرو {
~~رجل } بسكون الجيم وهي لغة تميم ونجد.

# { أتقتلون رجلا } أي أتقصدون قتله فهو مجاز ذكر فيه المسبب
~~وأريد السبب، وكون الإنكار لا يقتضي الوقوع لا يصححه من غير تجوز { أن
~~يقول ربى الله } أي لأن يقول ذلك { وقد جاءكم
~~بالبينت } الشاهدة على صدقه من المعجزات والاستدلالات الكثيرة،
~~وجمع المؤنث السالم وإن شاع أنه للقلة لكنه إذا دخلت عليه أل يفيد الكثرة
~~بمعونة المقام. والجملة حالية من الفاعل أو المفعول. ((وهذا إنكار من ذلك
~~الرجل عظيم وتبكيت لهم شديد كأنه قال: أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي
~~قتل نفس محرمة وما لكم عليه في ارتكابها إلا كلمة الحق التي نطق بها وهي
~~قوله: { ربي الله } مع أنه قد جاءكم بالبينات { من ربكم } أي
~~من عند من نسب إليه الربوبية وهو ربكم لا ربه وحده، وهذا استدراج إلى
~~الاعتراف)) وفي { أن يقول ربي الله } إلى { من ربكم }
~~نكتة جليلة وهي أن من يقول ربي الله أو فلان لا يقتضي أن يقابل بالقتل
~~كما لا تقابلون بالقتل إذا قلتم: ms09396 ربنا فرعون كيف وقد جعل ربه من هو ربكم
~~فكان عليكم بأن تعزروه وتوقروه لا أن تخذلوه وتقتلوه.

# وجوز الزمخشري كون { أن يقول } على تقدير مضاف أي وقت أن يقول فحذف
~~الظرف فانتصب المضاف إليه على الظرفية لقيامه مقامه، والمعنى أتقتلونه
~~ساعة سمعتم منه هذا القول من غير روية ولا فكر في أمره، ورده أبو حيان
~~بأن القائم مقام الظرف لا يكون إلا المصدر الصريح كجئت صياح الديك أو ما
~~كان بما الدوامية دون الغير الصريح كجئت أن صاح أو أن يصيح الديك، وفيه
~~أن ابن جني كالزمخشري صرح بالجواز وكل إمام.

# ثم إن الرجل احتاط لنفسه خشية أن يعرف اللعين حقيقة أمره فيبطش به فتلطف
~~في الاحتجاج فقال: { وإن يك كذبا فعليه كذبه } لا
~~يتخطاه وبال كذبه فيحتاج في دفعه إلى قتله { وإن يك صدقا
~~يصبكم بعض الذى يعدكم } فلا أقل من أن يصيبكم بعض الذي
~~يعدكم به أو يعدكموه، وفيه مبالغة في التحذير فإنه إذا حذرهم من إصابة
~~البعض أفاد أنه مهلك مخوف فما بال الكل وإظهار للإنصاف وعدم التعصب ولذا
~~قدم احتمال كونه كاذبا، وقيل: المراد يصبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا وهو
~~بعض مواعيده كأنه خوفهم بما هو أظهر احتمالا عندهم، وقيل: بعض بمعنى كل
~~وأنشدوا لذلك قول عمير القطامي:

# قد يدرك المتأني بعض حاجته

# وقد يكون مع المستعجل الزلل

# وذهب الزجاج إلى أن { بعض } فيه على ظاهره، والمراد إلزام الحجة
~~وإبانة فضل المتأني على المستعجل بما لا يقدر الخصم أن يدفعه فالبيت
~~كالآية على الوجه الأول، وأنشدوا لمجىء بعض بمعنى كل قول الشاعر:

# إن الأمور إذا الأحداث دبرها

# دون الشيوخ ترى في بعضها خللا

# / ولا يتعين فيه ذلك كما لا يخفى، وعن أبي عبيدة أنه فسر البعض بالكل
~~أيضا وأنشد قول لبيد:

# تراك أمكنة إذا لم أرضها

# أو يرتبط بعض النفوس حمامها

# حمل البيت على معنى لا أزال أنتقل في البلاد إلى أن لا يبقى أحد أقصده
~~من العباد، والمحققون على أن البعض فيه على ms09397 ظاهره والمراد به نفسه،
~~والمعنى لا أزال أترك ما لم أرضه من الأمكنة إلا أن أموت، وقال الزمخشري:
~~إن صحت الرواية عن أبي عبيدة في ذلك فقد حق فيه قول المازني في مسألة
~~العلقى كان أجفى من أن يفقه ما أقول له. وفيه مبالغة في الرد.

# { إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب } احتجاج آخر
~~ذو وجهين. أحدهما أنه لو كان مسرفا كذابا لما هداه الله تعالى إلى
~~البينات ولما عضده بتلك المعجزات. وثانيهما إن كان كذلك خذله الله تعالى
~~وأهلكه فلا حاجة لكم إلى قتله، ولعله أراد به المعنى الأول وأوهمهم أنه
~~أراد الثاني لتلين شكيمتهم؛ وعرض لفرعون بأنه مسرف أي في القتل والفساد
~~كذاب في ادعاء الربوبية لا يهديه الله تعالى سبيل الصواب ومنهاج النجاة،
~~فالجملة مستأنفة متعلقة معنى بالشرطية الأولى أو بالثانية أو بهما.

### || [40.29]

# { يقوم لكم الملك اليوم ظهرين } غالبين عالين على
~~بني إسرائيل { فى الأرض } أي في أرض مصر لا يقاومكم أحد في هذا الوقت
~~{ فمن ينصرنا من بأس الله } من أخذه وعذابه سبحانه { إن
~~جاءنا } أي فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا لبأس الله تعالى بقتله فإنه
~~إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد، فالفاء في  فمن  الخ فصيحة والاستفهام
~~إنكاري، وإنما نسب ما يسرهم من الملك والظهور في الأرض إليهم خاصة ونظم
~~نفسه في سلكهم فيما يسؤهم من مجيء بأس الله تعالى تطييبا لقلوبهم
~~وإيذانا بأنه مناصح لهم ساع في تحصيل ما يجديهم ودفع ما يرديهم سعيه في
~~حق نفسه ليتأثروا بنصحه.

# { قال فرعون } بعدما سمع ذلك { ما أريكم } أي ما أشير عليكم
~~{ إلا ما أرى } إلا الذي أراه واستصوبه من قتله يعني لا أستصوب
~~إلا قتله وهذا الذي تقولونه غير صواب { وما أهديكم } بهذا الرأي {
~~إلا سبيل الرشاد } طريق الصواب والصلاح أو ما أعلمكم إلا ما
~~أعلم من الصواب ولا أدخر منه شيئا ولا أسر عنكم خلاف ما أظهر يعني أن
~~لسانه وقلبه متواطئان على ما يقول، وقد كذب عدو الله فقد كان ms09398 مستشعرا
~~للخوف الشديد من جهة موسى عليه السلام لكنه كان يتجلد ولولا استشعاره لم
~~يستشر أحدا.

# وعن معاذ بن جبل والحسن أنهما قرءا { الرشاد } بشد الشين على أنه
~~فعال للمبالغة من رشد بالكسر كعلام من علم أو من رشد بالفتح كعباد
~~من عبد. وقيل: هو من أرشد المزيد كجبار من أجبر، وتعقب بأن فعالا لم
~~يجىء من المزيد إلا في عدة أحرف نحو جبار ودراك وقصار وسآر ولا يحسن
~~القياس على القليل مع أنه ثبت - في بعضه كجبار - سماع الثلاثي فلا يتعين
~~كونه من المزيد فقد جاء جبره على كذا كأجبره وقصار كجبار عند بعض لا
~~يتعين كونه من أقصر لمجيء قصر عن الشيء كأقصر عنه، وحكي عن الجوهري أن
~~الإقصار كف مع قدرة والقصر كف مع عجز فلا يتم هذا عليه، وأما دراك وسآر
~~فقد خرجا على حذف الزيادة تقديرا لا استعمالا كما قالوا: أبقل المكان
~~فهو باقل وأورس الرمث فهو وارس، قال ابن جني: وعلى هذا خرج الرشاد فيكون
~~من رشد بمعنى أرشد تقديرا لا استعمالا فإن المعنى على ذلك، ثم قال: فإن
~~قيل إذا كان المعنى على أرشد فكيف أجزت أن يكون من رشد المكسور أو من /
~~رشد المفتوح؟ قيل: المعنى راجع إلى أنه مرشد لأنه إذا رشد أرشد لأن
~~الإرشاد من الرشد فهو من باب الاكتفاء بذكر السبب عن المسبب انتهى، وقيل:
~~أجيز ذلك لأن المبالغة في الرشد تكون بالإرشاد كما قرروا في قيوم وطهور.

# وقال بعض المحققين: إن رشد بمعنى اهتدى فالمعنى ما أهديكم إلا سبيل من
~~اهتدى وعظم رشده فلا حاجة إلى ما سمعت، وإنما يحتاج إليه لو وجب كون
~~المعنى ما أهديكم إلا سبيل من كثر إرشاده ومن أين وجب ذلك؟ وجوز كون فعال
~~في هذه القراءة للنسبة كما قالوا: عواج لبياع العاج وبتات لبياع البت وهو
~~كساء غليظ، وقيل: طيلسان من خز أو صوف.

# وأنكر بعضهم كون القراءة على صيغة فعال في كلام فرعون وإنما هي في قول
~~الذي آمن

# يقوم اتبعون ms09399 أهدكم سبيل الرشاد

# [غافر: 38]، فإن معاذ بن جبل كان كما قال أبو الفضل الرازي وأبو حاتم
~~يفسر { سبيل الرشاد } على قراءته بسبيل الله تعالى وهو لا يتسنى
~~في كلام فرعون كما لا يخفى، وستعلم إن شاء الله تعالى أن معاذا قرأ كذلك
~~في قول المؤمن فلعل التفسير بسبيل الله عز وجل كان فيه دون كلام فرعون
~~والله تعالى أعلم.

### || [40.30]

# { وقال الذي ءامن } الجمهور على أنه الرجل المؤمن الكاتم
~~إيمانه القائل:

# أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله

# [غافر: 28] قوى الله تعالى نفسه وثبت قلبه فلم يهب فرعون ولم يعبأ به
~~فأتى بنوع آخر من التهديد والتخويف فقال: { يقوم إني أخاف
~~عليكم مثل يوم الأحزاب } إلى آخره، وقالت فرقة: كلام ذلك
~~المؤمن قد تم، والمراد بالذي آمن هنا هو موسى نفسه عليه السلام، واحتجت
~~بقوة كلامه، وعلى الأول المعول أي قال ناصحا لقومه: يا قوم إني أخاف
~~عليكم في تكذيب موسى عليه السلام والتعرض له بالسوء إن يحل بكم مثل ما حل
~~بالذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم الماضية.

# واليوم واحد الأيام بمعنى الوقائع وقد كثر استعمالها بذلك حتى صار حقيقة
~~عرفية أو بمعناها المعروف لغة، والكلام عليه على حذف مضاف أي مثل حادث
~~يوم الأحزاب. وأيا ما كان فالظاهر جمع اليوم لكن جمع الأحزاب المضاف هو
~~إليه مع التفسير بما بعد أغنى عن جمعه، والمعنى عليه ورجح الإفراد بالخفة
~~والاختصار، وقال الزجاج: المراد يوم حزب حزب بمعنى أن جمع حزب مراد به
~~شمول أفراده على طريق البدل وهو تأويل في الثاني وما تقدم أظهر.

### || [40.31]

# { مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود } أي مثل جزاء دأبهم أي
~~عادتهم الدائمة من الكفر وإيذاء الرسل، وقدر المضاف لأن المخوف في
~~الحقيقة جزاء العمل لا هو، وجاء هذا من نصب { مثل } الثاني على أنه
~~عطف بيان لمثل الأول لأن آخر ما تناولته الإضافة قوم نوح، ولو قلت: أهلك
~~الله الأحزاب قوم نوح وعاد وثمود لم يكن إلا عطف بيان لإضافة قوم إلى
~~أعلام فسرى ms09400 ذلك الحكم إلى أول ما تناولته الإضافة. وقال ابن عطية: هو بدل
~~من

# مثل

# [غافر: 30] الأول، والاحتياج إلى تقدير المضاف على حاله { والذين
~~من بعدهم } كقوم لوط.

# { وما الله يريد ظلما للعباد } أي فما فعل سبحانه
~~بهؤلاء الأحزاب لم يكن ظلما بل كان عدلا وقسطا لأنه عز وجل أرسل إليهم
~~رسلهم بالبينات فكذبوهم وتحزبوا عليهم فاقتضى ذلك إهلاكهم، وهذا أبلغ من
~~قوله تعالى:

# وما ربك بظلم للعبيد

# [فصلت: 46] من حيث جعل المنفي فيه إرادة الظلم لأن من كان عن إرادة /
~~الظلم بعيدا كان عن الظلم نفسه أبعد، وحيث نكر الظلم كأنه نفي أن يريد
~~ظلما ما لعباده، وجوز الزمخشري أن يكون معناه كمعنى قوله تعالى:

# ولا يرضى لعباده الكفر

# [الزمر: 7] أي لا يريد سبحانه لهم أن يظلموا يعني أنه عز وجل دمرهم
~~لأنهم كانوا ظالمين، ولا يخفى أن هذا المعنى مرجوح لفظا ومعنى، ثم لا
~~حجة فيه للمعتزلة لثبوت الفرق بين أراده منه وأراده له فلو سلم أنه
~~سبحانه لا يريد لهم أن يظلموا لم يلزم أن لا يريده منهم والممتنع عند أهل
~~السنة هو هذا فلا احتياج إلى صرف الآية عن الظاهر عندهم أيضا.

### || [40.32]

# خوفهم بالعذاب الأخروي بعد تخويفهم بالعذاب الدنيوي. والتناد مصدر تنادى
~~القوم أي نادى بعضهم بعضا. ويوم التناد يوم القيامة سمي بذلك لأنه ينادي
~~فيه بعضهم بعضا للاستغاثة أو يتصايحون فيه بالويل والثبور أو لتنادي أهل
~~الجنة وأهل النار كما حكى في سورة الأعراف أو لأن الخلق ينادون إلى
~~المحشر أو لنداء المؤمن

# هاؤم اقرؤا كتبيه

# [الحاقة: 19] والكافر

# ليتني لم أوت كتبيه

# [الحاقة: 25]. وعن ابن عباس أن هذا التنادي هو التنادي الذي يكون بين
~~الناس عند النفخ في الصور ونفخة الفزع في الدنيا وأنهم يفرون على وجوههم
~~للفزع الذي نالهم وينادي بعضهم بعضا، وروي هذا عن أبي هريرة عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عطية: يحتمل أن يراد التذكير بكل نداء في
~~القيامة فيه مشقة على الكفار والعصاة.

# وقرأت فرقة { التناد } بسكون الدال ms09401 في الوصل إجراء له مجرى الوقف. وقرأ
~~ابن عباس والضحاك وأبو صالح والكلبى والزعفراني وابن مقسم { التناد }
~~بتشديد الدال من ند البعير إذا هرب أي يوم الهرب والفرار لقوله تعالى:

# يوم يفر المرء من أخيه

# [عيسى: 34] الآية، وفي الحديث

# " إن للناس جولة يوم القيامة يندون يظنون أنهم يجدون مهربا "

# وقيل: المراد به يوم الاجتماع من ندا إذا اجتمع ومنه النادي.

### || [40.33]

# { يوم تولون مدبرين } بدل من

# يوم التناد

# [غافر:32] أي يوم تولون عن الموقف منصرفين عنه إلى النار، وقيل: فارين
~~من النار، فقد روي أنهم إذا سمعوا زفير النار هربوا فلا يأتون قطرا من
~~الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفا فلا ينفعهم الهرب، ورجح هذا القول بأنه
~~أتم فائدة وأظهر ارتباطا بقوله تعالى: { ما لكم من الله من
~~عاصم } أي يعصمكم في فراركم حتى لا تعذبوا في النار قاله السدي، وقال
~~قتادة: أي ما لكم في الانطلاق إلى النار من مانع يمنعكم منها أو ناصر،
~~وهذا ما يقال على المعنى الأول  ليوم تولون مدبرين  وأيا ما كان
~~فالجملة حال أخرى من ضمير { تولون }.

# { ومن يضلل الله فما له من هاد } يهديه إلى طريق
~~النجاة أصلا، وكأن الرجل يئس من قبولهم نصحه فقال ذلك ثم وبخهم على
~~تكذيب الرسل السالفين فقال: { ولقد جاءكم يوسف... }

### || [40.34]

# { ولقد جاءكم يوسف } بن يعقوب عليهما السلام { من قبل }
~~أي من قبل موسى { بالبينت } الأمور الظاهرة الدالة على صدقه {
~~فما زلتم فى شك مما جاءكم به } من الدين { حتى
~~إذا هلك } بالموت { قلتم لن يبعث الله من بعده
~~رسولا } غاية لقوله: { فما زلتم } وأرادوا بقولهم: { لن
~~يبعث الله من بعده رسولا } تكذيب رسالته ورسالة غيره أي
~~لا رسول فيبعث فهم بعد الشك بتوا بهذا التكذيب ويكون ذلك ترقيا. ويجوز
~~أن يكون الشك في رسالته على حاله وبتهم إنما هو بتكذيب رسالة غيره من
~~بعده، وقيل: يحتمل أن يكونوا أظهروا الشك في حياته حسدا وعنادا علما
~~مات عليه السلام أقروا بها وأنكروا أن يبعث / الله تعالى من بعده ms09402 رسولا
~~وهو خلاف الظاهر، ومجىء يوسف بن يعقوب عليهما السلام المخاطبين بالبينات
~~قيل: من باب نسبة أحوال الآباء إلى الأولاد وكذلك نسبة الأفعال الباقية
~~إليهم، وجوز كون بعض الذين جاءهم يوسف عليه السلام حقيقة حيا؛ ففي بعض
~~التواريخ أن وفاة يوسف عليه السلام قبل مولد موسى عليه السلام بأربع
~~وستين سنة فيكون من نسبة حال البعض إلى الكل، واستظهر في «البحر» أن
~~فرعون يوسف عليه السلام هو فرعون موسى عليه السلام، وذكر عن أشهب عن مالك
~~أنه بلغه أنه عمر اربعمائة وأربعين سنة. والذي ذكره أغلب المؤرخين أن
~~فرعون موسى اسمه الريان وفرعون يوسف اسمه الوليد. وذكر القرطبي أن فرعون
~~الأول من العمالقة وهذا قبطي، وفرعون يوسف عليه السلام مات في زمنه،
~~واختار القول بتغايرهما، وأمر المجيء وما معه من الأفعال على ما سمعت.

# وقيل: المراد بيوسف المذكور هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف الصديق أرسله
~~الله تعالى نبيا فأقام فيهم عشرين سنة وكان من أمرهم ما قص الله عز وجل.
~~ومن الغريب جدا ما حكاه النقاش والماوردي أن يوسف المذكور في هذه السورة
~~من الجن بعثه الله تعالى رسولا إليهم، نقله الجلال السيوطي في «الإتقان»
~~ولا يقبله من له أدنى إتقان. نعم القول بأن للجن نبيا منهم اسمه يوسف
~~أيضا مما عسى أن يقبل كما لا يخفى.

# وقرىء { ألن يبعث } بإدخال همزة الاستفهام على حرف النفي كأن بعضهم يقرر
~~بعضا على نفي البعثة.

# { كذلك } أي مثل ذلك الإضلال الفظيع { يضل الله من هو
~~مسرف } في العصيان { مرتاب } في دينه شاك فيما تشهد به البينات
~~لغلبة الوهم والانهماك في التقليد.

### || [40.35]

# { الذين يجدلون فى ءايت الله } بدل من الموصول الأول
~~ أعني من  أو بيان أو صفة له باعتبار معناه كأنه قيل: كل مسرف مرتاب أو
~~المسرفين المرتابين، وجوز نصبه بأعني مقدرا، وقوله تعالى شأنه: {
~~بغير سلطن } على الأوجه المذكورة متعلق  بيجادلون  وقوله
~~سبحانه: { اتهم } صفة { سلطن } والمراد بإتيانه إتيانه من جهته
~~سبحانه وتعالى إما على أيدي الرسل عليهم السلام فيكون ms09403 ذاك إشارة إلى
~~الدليل النقلي، وإما بطريق الإفاضة على عقولهم فيكون ذاك إشارة إلى
~~الدليل العقلي، وقد يعمم فيكون المعنى يجادلون بغير حجة صالحة للتمسك بها
~~أصلا لا عقلية ولا نقلية.

# وقوله سبحانه: { كبر مقتا عند الله وعند الذين
~~ءامنوا } تقرير لما أشعر به الكلام من ذمهم وفيه ضرب من التعجب
~~والاستعظام، وفاعل { كبر } ضمير راجع إلى الجدال الدال عليه {
~~يجدلون } على نحو من كذب كان شرا له أي كبر الجدال في آيات الله
~~بغير حجة مقتا عند الله الخ، أو إلى الموصول الأول وأفرد رعاية للفظه،
~~واعترض عليه بأنه حمل على اللفظ من بعد الحمل على المعنى، وأهل العربية
~~يجتنبونه. وقال صاحب «الكشف»: هذا شيء نقله ابن الحاجب ولم يساعده غيره
~~وهو غير مسلم أي كبر المسرف المرتاب المجادل في آيات الله بغير حجة مقتا
~~أي كبر مقته وعظم عند الله تعالى وعند المؤمنين.

# { كذلك } أي مثل ذلك الطبع الفظيع { يطبع الله على كل
~~قلب متكبر جبار } فيصدر عنه أمثال ما ذكر من الإسراف
~~والارتياب والمجادلة بغير حق؛ وجوز أن يكون { الذين } مبتدأ وجملة {
~~كبر } خبره لكن على حذف مضاف هو المخبر عنه حقيقة أي جدال الذين
~~يجادلون كبر مقتا، وأن يكون { الذين } مبتدأ على حذف المضاف و {
~~بغير سلطن } / خبر المضاف المقدر أي جدال الذين يجادلون في
~~ءايات الله تعالى كائن بغير سلطان، وظاهر كلام البعض أن { الذين }
~~مبتدأ من غير حذف مضاف و { بغير سلطن } خبره، وفيه الإخبار عن
~~الذات والجثة بالظرف وفاعل { كبر } كذلك على مذهب من يرى اسمية الكاف
~~كالأخفش أي كبر مقتا مثل ذلك الجدال فيكون قوله تعالى: { يطبع } الخ
~~استئنافا للدلالة على الموجب لجدالهم، ولا يخفى ما في ذلك من العدول عن
~~الظاهر، وفي «البحر» الأولى في إعراب هذا الكلام أن يكون { الذين }
~~مبتدأ وخبره { كبر } والفاعل ضمير المصدر المفهوم من { يجدلون
~~} أي الذين يجادلون كبر جدالهم مقتا فتأمل.

# وقرأ أبو عمرو وابن ذكوان والأعرج بخلاف عنه { قلب } بالتنوين فما بعده
~~صفته. ووصفه ms09404 بالكبر والتجبر لأنه منبعهما كقولهم: رأت عيني وسمعت أذني،
~~وجوز أن يكون ذاك على حذف مضاف أي كل ذي قلب متكبر جبار، وجعل الصفتين
~~لصاحب القلب لتتوافق القراءتان هذه وقراءة باقي السبعة بلا تنوين، وعن
~~مقاتل المتكبر المعاند في تعظيم أمر الله تعالى، والجبار المتسلط على خلق
~~الله تعالى، والظاهر أن عموم (كل) منسحب على المتكبر والجبار أيضا فكأنه
~~اعتبر أولا إضافة { قلب } إلى ما بعده ثم اعتبرت إضافته إلى المجموع.

### || [40.36]

# { وقال فرعون يهمن ابن لى صرحا } بناء مكشوفا
~~عاليا من صرح الشيء إذا ظهر { لعلي أبلغ الأسبب } أي
~~الطرق كما روي عن السدي، وقال قتادة: الأبواب وهي جمع سبب ويطلق على كل
~~ما يتوصل به إلى شيء.

### || [40.37]

# { أسبب السموات } بيان لها، وفي إبهامها ثم إيضاحها تفخيم
~~لشأنها وتشويق للسامع إلى معرفتها. { فأطلع إلى إله
~~موسى } بالنصب على جواب الترجي عند الكوفيين فإنهم يجوزون النصب بعد
~~الفاء في جواب الترجي كالتمني؛ ومنع ذلك البصريون وخرجوا النصب هنا على
~~أنه في جواب الأمر وهو { ابن } كما في قوله:

# يا ناق سيري عنقا فسيحا

# إلى سليمان فنستريحا

# وجوز أن يكون بالعطف على خبر { لعلي } بتوهم أن فيه لأنه كثيرا
~~ما جاء مقرونا بها أو على { الأسباب } على حد:

# ولبس عباءة وتقر عيني

# وقال بعض: إن هذا الترجي تمن في الحقيقة لكن أخرجه اللعين هذا المخرج
~~تمويها على سامعيه فكان النصب في جواب التمني، والظاهر أن البصريين لا
~~يفرقون بين ترج وترج. وقرأ الجمهور بالرفع عطفا على

# أبلغ

# [غافر: 36].

# قيل: ولعله أراد أن يبني له رصدا في موضع عال يرصد منه أحوال الكواكب
~~التي هي أسباب سماوية تدل على الحوادث الأرضية فيرى هل فيها ما يدل على
~~إرسال الله تعالى إياه، وهذا يدل على أنه مقر بالله عز وجل وإنما طلب ما
~~يزيل شكه في الرسالة، وكان للعين وأهل عصره اعتناء بالنجوم وأحكامها على
~~ما قيل. وهذا الاحتمال في غاية البعد عندي، وقيل: أراد أن يعلم الناس
~~بفساد قول موسى عليه ms09405 السلام: إني رسول من رب السماوات بأنه إن كان رسولا
~~منه فهو ممن يصل إليه وذلك بالصعود للسماء وهو محال فما بني عليه مثله،
~~ومنشأ ذلك جهله بالله تعالى وظنه أنه سبحانه مستقر في السماء وأن رسله
~~كرسل الملوك يلاقونه ويصلون إلى مقره، وهو عز وجل منزه عن صفات المحدثات
~~والأجسام ولا تحتاج إلى ما تحتاج إليه رسل الملوك رسله الكرام عليهم
~~الصلاة والسلام، وهذا نفي لرسالته من الله تعالى ولا تعرض فيه لنفي
~~الصانع المرسل له.

# وقال الإمام: ((الذي عندي في تفسير الآية أن فرعون كان من الدهرية وغرضه
~~من هذا الكلام إيراد شبهة في نفي الصانع وتقريره أنه قال: إنا لا نرى
~~شيئا نحكم عليه بأنه إله العالم فلم يجز إثبات هذا الإله، أما أنا لا
~~نراه فلأنه لو كان موجودا لكان في السماء / ونحن لا سبيل لنا إلى صعود
~~السماوات فكيف يمكننا أن نراه، وللمبالغة في بيان عدم الإمكان قال:

# يهمن ابن لي صرحا

# [غافر: 36] فما هو إلا لإظهار عدم إمكان ما ذكر لكل أحد، ولعل لا تأبى
~~ذلك لأنها للتهكم على هذا وهي شبهة في غاية الفساد إذ لا يلزم من انتفاء
~~أحد طرق العلم بالشيء انتفاء ذلك الشيء)). ورأيت لبعض السلفيين أن اللعين
~~ما قال ذلك إلا لأنه سمع من موسى عليه السلام أو من أحد من المؤمنين وصف
~~الله تعالى بالعلو أو بأنه سبحانه في السماء فحمله على معنى مستحيل في
~~حقه تعالى لم يرده موسى عليه السلام ولا أحد من المؤمنين فقال ما قال
~~تهكما وتمويها على قومه.

# وللإمام في هذا المقام كلام رد به على القائلين بأن الله تعالى في
~~السماء ورد احتجاجهم بما أشعرت به الآية على ذلك وسماهم المشبهة، والبحث
~~في ذلك طويل المجال والحق مع السلف عليهم رحمة الملك المتعال وحاشاهم ثم
~~حاشاهم من التشبيه.

# وقوله: { وإني لأظنه كذبا } يحتمل أن يكون عنى به كاذبا
~~في دعوى الرسالة وأن يكون عنى به كاذبا في دعوى أن له إلها غيري ms09406 لقوله:

# ما علمت لكم من إله غيري

# [القصص: 38].

# { وكذلك } أي ومثل ذلك التزيين البليغ المفرط { زين
~~لفرعون سوء عمله } فانهمك فيه انهماكا لا يرعوي عنه بحال {
~~وصد عن السبيل } أي عن سبيل الرشاد، فالتعريف للعهد والفعلان
~~مبنيان للمفعول والفاعل في الحقيقة هو الله تعالى، ولم يفعل سبحانه كلا
~~من التزيين والصد إلا لأن فرعون طلبه بلسان استعداده واقتضى ذلك سوء
~~اختياره؛ ويدل على هذا أنه قرىء { زين } مبنيا للفاعل ولم يسبق سوى ذكره
~~تعالى دون الشيطان. وجوز أن يكون الفاعل الشيطان ونسبة الفعل إليه بواسطة
~~الوسوسة.

# وقرأ الحجازيان والشامي وأبو عمرو { وصد } بالبناء للفاعل وهو ضمير
~~فرعون على أن المعنى وصد فرعون الناس عن سبيل الرشاد بأمثال هذه
~~التمويهات والشبهات، ويؤيده { وما كيد فرعون إلا فى
~~تباب } أي في خسار لأنه يشعر بتقدم ذكر للكيد وهو في هذه القراءة
~~أظهر، وقرأ ابن وثاب { وصد } بكسر الصاد أصله صدد نقلت الحركة إلى الصاد
~~بعد توهم حذفها، وابن أبي إسحق. وعبد الرحمن بن أبي بكرة { وصد } بفتح
~~الصاد وضم الدال منونة عطفا على { سوء عمله } ، وقرىء { وصدوا }
~~بواو الجمع أي هو وقومه.

### || [40.38]

# { وقال الذى ءامن } هو مؤمن آل فرعون، وقيل: فيه نظير ما قيل في
~~سابقه أنه موسى عليه السلام وهو ضعيف كما لا يخفى { يقوم اتبعون
~~} فيما دللتكم عليه { أهدكم سبيل الرشاد } سبيلا يصل به
~~سالكه إلى المقصود، وفيه تعريض بأن ما عليه فرعون وقومه سبيل الغي. وقرأ
~~معاذ بن جبل كما في «البحر» { الرشاد } بتشديد الشين وتقدم الكلام في ذلك
~~فلا تغفل.

### || [40.39]

# { يقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع } أي تمتع
~~أو متمتع به يسير لسرعة زواله { وإن الأخرة هى دار
~~القرار } لخلودها ودوام ما فيها.

### || [40.40]

# { من عمل سيئة } في الدنيا { فلا يجزى } في الآخرة {
~~إلا مثلها } عدلا من الله عز وجل، واستدل به على أن الجنايات
~~تغرم بمثلها أي بوزانها من غير مضاعفة { ومن عمل صلحا من
~~ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك } الذين عملوا ذلك
~~{ يدخلون ms09407 الجنة يرزقون فيها بغير حساب } بغير
~~تقدير وموازنة بالعمل بل أضعافا مضاعفة فضلا منه تعالى ورحمة، وقسم
~~العمال إلى ذكر وأنثى للاهتمام والاحتياط في الشمول لاحتمال نقص الإناث،
~~وجعل الجزاء في جزاء أعمالهم جملة اسمية مصدرة باسم الإشارة مع تفضيل
~~الثواب وتفصيله تغليبا للرحمة وترغيبا فيما / عند الله عز وجل، وجعل
~~العمل عمدة وركنا من القضية الشرطية والإيمان حالا للدلالة على أن
~~الإيمان شرط في اعتبار العمل والاعتداد به والثواب عليه لأن الأحوال قيود
~~وشروط للحكم التي وقعت فيه، ويتضمن ذلك الإشارة إلى عظيم شرفه ومزيد
~~ثوابه. وقرأ الأعرج والحسن وأبو جعفر وعيسى وغير واحد من السبعة {
~~يدخلون } مبنيا للمفعول.

### || [40.41]

# كرر نداءهم إيقاظا لهم عن سنة الغفلة واهتماما بالمنادي له ومبالغة في
~~توبيخهم على ما يقابلون به دعوته، وترك العطف في النداء الثاني وهو

# يقوم إنما هذه الحيوة الدنيا

# [غافر: 39] الخ لأنه تفسير لما أجمل في النداء قبله من الهداية إلى سبيل
~~الرشاد فإنها التحذير من الإخلاد إلى الدنيا والترغيب في إيثار الآخرة
~~على الأولى وقد أدى ذلك فيه على أتم وجه وأحسنه ولم يترك في هذا النداء
~~لأنه ليس بتلك المثابة وذلك لأنه للموازنة بين الدعوتين دعوته إلى دين
~~الله الذي ثمرته النجاة ودعوتهم إلى اتخاذ الأنداد الذي عاقبته النار،
~~وليس ذلك من تفسير الهداية في شيء بل ذلك لتحقيق أنه هاد وأنهم مضلون وأن
~~ما عليه هو الهدى وما هم عليه هو الضلال فهو عطف على النداء الأول أو
~~المجموع، وقيل: هو عطف على النداء الثاني داخل معه في التفسير لما أجمل
~~في النداء الأول تصريحا وتعريضا، ولكل وجه وفي الترجيح كلام.

### || [40.42]

# { تدعونني لأكفر بالله } بدل من

# تدعونني إلى النار

# [غافر: 41] أو عطف بيان له بناء على أنه يجري في الجمل كالمفردات أو
~~جملة مستأنفة مفسرة لذلك، والدعاء كالهداية في التعدية بإلى واللام {
~~وأشرك به ما ليس لي به } أي بكونه شريكا له تعالى في
~~المعبودية أو بربوبيته وألوهيته { علم } ونفي العلم هنا كناية عن نفي ms09408
~~المعلوم، وفي إنكاره للدعوة إلى ما لا يعلمه إشعار بأن الألوهية لا بد
~~لها من برهان موجب للعلم بها. { وأنا أدعوكم إلى العزيز
~~الغفار } المستجمع لصفات الألوهية من كمال القدرة والغلبة وما يتوقف
~~عليه من العلم والإرادة والتمكن من المجازاة والقدرة على التعذيب
~~والغفران وخص هذان الوصفان بالذكر وإن كانا كناية عن جميع الصفات
~~لاستلزامهما ذلك كما أشير إليه لما فيهما من الدلالة على الخوف والرجاء
~~المناسب لحاله وحالهم.

### || [40.43]

# { لا جرم أنما تدعوننى إليه ليس له دعوة فى
~~الدنيا ولا فى الأخرة } سياقه على مذهب البصريين أن { لا } رد
~~لكلام سابق وهو ما يدعونه إليه ههنا من الكفر بالله سبحانه وشرك الآلهة
~~الباطلة عز وجل به و { جرم } فعل ماض بمعنى ثبت وحق كما في قوله:

# ولقد طعنت أبا عبيدة طعنة

# جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا

# وأن ما في حيزها فاعله أي ثبت وحق عدم دعوة للذي تدعونني إليه من
~~الأصنام إلى نفسه أصلا يعني أن من حق المعبود بالحق أن يدعو العباد
~~المكرمين كالأنبياء والملائكة إلى نفسه ويأمرهم بعبادته ثم يدعو العباد
~~بعضهم بعضا إليه تعالى وإلى طاعته سبحانه إظهارا لدعوة ربهم عز وجل وما
~~تدعون إليه وإلى عبادته من الأصنام لا يدعو هو إلى ذلك ولا يدعي الربوبية
~~أصلا لا في الدنيا لأنه جماد فيها لا يستطيع شيئا من دعاء وغيره ولا في
~~الآخرة لأنه إذا أنشأه الله تعالى فيها حيوانا تبرأ من الدعاة إليه ومن
~~عبدته وحاصله حق أن ليس لآلهتكم دعوة أصلا فليست بآلهة حقة أو بمعنى كسب
~~وفاعله ضمير الدعاء السابق الذي دعاه قومه وأن مع ما في حيزها مفعوله أي
~~كسب دعاؤكم إياي إلى آلهتكم أن لا دعوة لها أي ما حصل من ذلك / إلا ظهور
~~بطلان دعوتها وذهابها ضياعا.

# وقيل: { جرم } اسم (لا) وهو مصدر مبني على الفتح بمعنى القطع والخبر
~~(أن) مع ما في حيزها على معنى لا قطع لبطلان دعوة ألوهية الأصنام أي لا
~~ينقطع ذلك البطلان في وقت من ms09409 الأوقات فينقلب حقا، وهذا البطلان هو معنى
~~النفي الذي يفهم من قوله تعالى: { ليس له دعوة } الخ، و { لا
~~جرم } على هذا مثل لا بد فإنه من التبديد وهو التفريق وانقطاع بعض
~~الشيء من بعض، ومن ثم قيل: المعنى لا بد من بطلان دعوة الأصنام أي
~~بطلانها أمر ظاهر مقرر، ونقل هذا القول عن الفراء، وعنه أن ذلك هو أصل {
~~لا جرم } لكنه كثر استعماله حتى صار بمعنى حقا فلهذا يجاب بما يجاب
~~به القسم في مثل لا جرم لآتينك. وفي «الكشاف» وروي عن العرب لا جرم أنه
~~يفعل بضم الجيم وسكون الراء أي لا بد وفعل وفعل أخوان كرشد ورشد وعدم
~~وعدم، وهذه اللغة تؤيد القول بالاسمية في اللغة الأخرى ولا تعينها كما لا
~~يخفى. وقد تقدم شيء من الكلام في { لا جرم } أيضا فليتذكر.

# ولام { له } في جميع هذه الأوجه لنسبة الدعوة إلى الفاعل على ما سمعت
~~من المعنى، وجوز أن يكون لنسبتها إلى المفعول فإن الكفار كانوا يدعون
~~آلهتهم فنفى في الآية دعاءهم إياها على معنى نفي الاستجابة منها لدعائهم
~~إياها، فالمعنى إن ما تدعونني إليه من الأصنام ليس له استجابة دعوة لمن
~~يدعوه أصلا أو ليس له دعوة مستجابة أي لا يدعى دعاء يستجيبه لداعيه.

# فالكلام إما على حذف المضاف أو على حذف الموصوف، وجوز التجوز فيه للدعوة
~~عن استجابتها التي تترتب عليها، وهذا كما سمي الفعل المجازي عليه باسم
~~الجزاء في قولهم: كما تدين تدان هو من باب المشاكلة عند بعض.

# { وأن مردنا إلى الله } أي مرجعنا إليه تعالى بالموت،
~~وهذا عطف على { أنما تدعونني } داخل في حكمه، وكذا قوله تعالى:
~~{ وأن المسرفين هم أصحب النار } وفسر ابن مسعود
~~ومجاهد المسرفين هنا بالسفاكين للدماء بغير حلها فيكون المؤمن قد ختم
~~تعريضا بما افتتح به تصريحا في قوله:

# أتقتلون رجلا

# [غافر: 28]. وعن قتادة أنهم المشركون فإن الإشراك إسراف في الضلالة، وعن
~~عكرمة أنهم الجبارون المتكبرون، وقيل: كل من غلب شره خيره فهو مسرف،
~~والمراد بأصحاب النار ms09410 ملازموها، فإن أريد بالمسرفين ما يدخل فيه المؤمن
~~العاصي أريد بالملازمة العرفية الشاملة للمكث الطويل، وإن أريد بهم ما
~~يخص الكفرة فهي بمعنى الخلود.

### || [40.44]

# { فستذكرون } وقرىء { فستذكرون } بالتشديد أي فسيذكر بعضكم بعضا
~~عند معاينة العذاب { ما أقول لكم } من النصائح { وأفوض
~~أمري إلى الله } ليعصمني من كل سوء { إن الله بصير
~~بالعباد } فيحرس من يلوذ به سبحانه منهم من المكاره، وهذا يحتمل أن
~~يكون جواب توعدهم المفهوم من قوله تعالى:

# وما كيد فرعون إلا في تباب

# [غافر: 37] أو من قوله سبحانه: { فوقاه الله سيئات ما
~~مكروا }

### || [40.45]

# { فوقاه الله سيئات ما مكروا } ويحتمل أن يكون متاركة
~~والتفريع في { فستذكرون } على قوله الأخير:

# يقوم ما لي أدعوكم

# [غافر: 41] الخ، وجعله من جعل ذلك معطوفا على { يقوم } الثاني
~~تفريعا على جملة الكلام، و { ما } في { ما مكروا } مصدرية و {
~~السيئات } الشدائد أي فوقاه الله تعالى شدائد مكرهم { وحاق بآل
~~فرعون } أي بفرعون وقومه، فاستغنى بذكرهم عن ذكره ضرورة أنه أولى
~~منهم بذلك، ويجوز أن يكون آل فرعون شاملا له عليه اللعنة بأن يراد بهم
~~مطلق كفرة القبط كما قيل في قوله تعالى:

# اعملوا آل داوود

# [سبأ: 13] انه شامل لداود عليه السلام. وكانوا على ما حكى الاوزاعى ولا
~~أعتقد صحته ألفي ألف وستمائة ألف. وعن ابن عباس أن هذا المؤمن لما أظهر
~~إيمانه قصد فرعون قتله فهرب إلى جبل فبعث في طلبه ألف رجل / فمنهم من
~~أدركه يصلي والسباع حوله فلما هموا ليأخذوه ذبت عنه فأكلتهم، ومنهم من
~~مات في الجبل عطشا، ومنهم من رجع إلى فرعون خائبا فاتهمه وقتله وصلبه،
~~فالمراد بآل فرعون هؤلاء الألف الذين بعثهم إلى قتله أي فنزل بهم وأصابهم
~~{ سوء العذاب } الغرق على الأول وأكل السباع والموت عطشا والقتل
~~والصلب على ما روي عن ابن عباس والنار عليهما ولعله الأولى، وإضافة {
~~سوء } إلى (العذاب) لامية أو من إضافة الصفة للموصوف.

### || [40.46]

# وقوله تعالى: { النار } مبتدأ وجملة قوله تعالى { يعرضون
~~عليها غدوا وعشيا } خبره والجملة تفسير لقوله تعالى: ms09411

# وحاق

# [غافر: 45] الخ. وجوز أن تكون { النار } بدلا من { سوء العذاب
~~} و { يعرضون } في موضوع الحال منها أو من الآل، وأن تكون النار خبر
~~مبتدأ محذوف هو ضمير { سوء العذاب } كأنه قيل: ما سوء العذاب؟ فقيل:
~~هو النار، وجملة { يعرضون } تفسير على ما مر. وفي الوجه الأول من
~~تعظيم أمر النار وتهويل عذابها ما ليس في هذا الوجه كما ذكره صاحب
~~«الكشاف»، ومنشأ التعظيم على ما في «الكشف» الإجمال والتفسير في كيفية
~~تعذيبهم وإفادة كل من الجملتين نوعا من التهويل. الأولى: الإحاطة بعذاب
~~يستحق أن يسمى سوء العذاب. والثانية: النار المعروض هم عليها غدوا
~~وعشيا.

# والسر في إفادة تعظيم النار في هذا الوجه دون ما تضمن تفسير { سوء
~~العذاب } وبيان كيفية التعذيب أنك إذا فسرت { سوء العذاب }
~~بالنار فقد بالغت في تعظيم سوء العذاب ثم استأنفت بيعرضون عليها تتميما
~~لقوله تعالى: { وحاق بآل فرعون } من غير مدخل للنار فيما سيق
~~له الكلام، وإذا جئت بالجملتين من غير نظر إلى المفردين وإن أحدهما تفسير
~~للآخر فقد قصدت بالنار قصد الاستقلال حيث جعلتها معتمد الكلام وجئت
~~بالجملة بيانا وإيضاحا للأولى كأنك قد آذنت بأنها أوضح لاشتمالها على
~~ما لا أسوأ منه أعني النار؛ على أن من موجبات تقديم المسند إليه إنباؤه
~~عن التعظيم مع اقتضاء المقام له وههنا كذلك على ما لا يخفى، والتركيب
~~أيضا يفيد التقوي على نحو زيد ضربته. ومن هنا قال صاحب «الكشف»: هذا هو
~~الوجه، وأيد بقراءة من نصب { النار } بناء على أنها ليست منصوبة بأخص
~~أو أعني بل بإضمار فعل يفسره { يعرضون } مثل يصلون فإن عرضهم على
~~النار إحراقهم بها من قولهم: عرض الأسارى على السيف قتلوا به، وهو من باب
~~الاستعارة التمثيلية بتشبيه حالهم بحال متاع يبرز لمن يريد أخذه، وفي ذلك
~~جعل النار كالطالب الراغب فيهم لشدة استحقاقهم الهلاك.

# وهذا العرض لأرواحهم. أخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد عن هزيل بن
~~شرحبيل أن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو وتروح على ms09412 النار فذلك
~~عرضها. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن ابن مسعود نحو ذلك، وهذه
~~الطير صور تخلق لهم من صور أعمالهم، وقيل ذاك من باب التمثيل وليس بذاك،
~~وذكر الوقتين ظاهر في التخصيص بمعنى أنهم يعرضون على النار صباحا مرة
~~ومساء مرة أي فيما هو صباح ومساء بالنسبة إلينا، ويشهد له ما أخرجه ابن
~~المنذر والبيهقي في «شعب الإيمان» وغيرهما عن أبي هريرة أنه كان له
~~صرختان في كل يوم غدوة وعشية كان يقول أول النهار: ذهب الليل وجاء النهار
~~وعرض آل فرعون على النار، ويقول أول الليل: ذهب النهار وجاء الليل وعرض
~~آل فرعون / على النار فلا يسمع أحد صوته إلا استعاذ بالله تعالى من
~~النار، والفصل بين الوقتين إما بترك العذاب أو بتعذيبهم بنوع آخر غير
~~النار.

# وجوز أن يكون المراد التأبيد اكتفاء بالطرفين المحيطين عن الجميع.

# وأيا ما كان ففي الآية دليل ظاهر على بقاء النفس وعذاب البرزخ لأنه
~~تعالى بعد أن ذكر ذلك العرض قال جل شأنه: { ويوم تقوم الساعة
~~أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب } وهو ظاهر في المغايرة
~~فيتعين كون ذلك في البرزخ، ولا قائل بالفرق بينهم وبين غيرهم فيتم
~~الاستدلال على العموم. وفي «الصحيحين» وغيرهما عن ابن عمر عن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة
~~فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال: هذا مقعدك حتى
~~يبعثك الله تعالى "

# و { يوم } على ما استظهره أبو حيان معمول لقول مضمر، والجملة عطف على
~~ما قبلها أي ويوم تقوم الساعة يقال للملائكة: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب
~~أي عذاب جهنم فإنه أشد مما كانوا فيه أو أشد عذاب جهنم فإن عذابها ألوان
~~بعضها أشد من بعض، وعن بعض أشد العذاب هو عذاب الهاوية، وقيل: هو معمول
~~{ أدخلوا }. وقيل: هو عطف على { عشيا } فالعامل فيه {
~~يعرضون } و { أدخلوا } على إضمار القول وهو كما ترى. وقرأ علي
~~كرم الله ms09413 تعالى وجهه والحسن وقتادة وابن كثير والعربيان وأبو بكر {
~~ادخلوا } على أنه أمر لآل فرعون بالدخول أي ادخلوا يا آل فرعون.

### || [40.47]

# وقوله تعالى: { وإذ يتحاجون فى النار } معمول لاذكر
~~محذوفا أي واذكر وقت تخاصمهم في النار. والجملة معطوفة على ما قبلها عطف
~~القصة على القصة لا على مقدر تقديره اذكر ما تلي عليك من قصة موسى عليه
~~السلام وفرعون ومؤمن آل فرعون ولا على قوله تعالى:

# فلا يغررك تقلبهم فى البلاد

# [غافر: 4] أو على قوله سبحانه:

# وأنذرهم يوم الأزفة

# [غافر: 18] لعدم الحاجة إلى التقدير في الأول وبعد المعطوف عليه في
~~الأخيرين. وزعم الطبري أن { إذ } معطوفة على

# إذ القلوب لدى الحناجر

# [غافر: 18] وهو مع بعده فيه ما فيه، وجوز أن تكون معطوفة على

# غدوا

# [غافر: 46] وجملة { يوم تقوم } اعتراض بينهما وهو مع كونه خلاف
~~الظاهر قليل الفائدة. وضمير { يتحاجون } على ما اختاره ابن عطية
~~وغيره لجميع كفار الأمم، ويتراءى من كلام بعضهم أنه لكفار قريش، وقيل: هو
~~لآل فرعون.

# وقوله تعالى: { فيقول الضعفاء للذين استكبروا }
~~تفصيل للمحاجة والتخاصم في النار أي يقول المرؤسون لرؤسائهم: { إنا
~~كنا } في الدنيا { لكم تبعا } أتباعا فهو كخدم في جمع خادم.
~~وذهب جمع لقلة هذا الجمع إلى أن { تبعا } مصدر إما بتقدير مضاف أي
~~إنا كنا لكم ذوي تبع أي أتباعا أو على التجوز في الظرف أو الإسناد
~~للمبالغة بجعلهم لشدة تبعيتهم كأنهم عين التبعية { فهل أنتم
~~مغنون عنا نصيبا من النار } بدفع بعض عذابها أو بتحمله
~~عنا. و { مغنون } من الغناء بالفتح بمعنى الفائدة. و { نصيبا }
~~بمعنى حصة مفعول لما دل عليه من الدفع أو الحمل أوله بتضمين أحدهما أي
~~دافعين أو حاملين عنا نصيبا، ويجوز أن يكون (نصيبا) قائما مقام المصدر
~~كشيئا في قوله تعالى:

# لن تغني عنهم أمولهم ولا أولدهم من الله
~~شيئا

# [آل عمران: 10]. و { من النار } على هذا متعلق  بمغنون  وعلى ما
~~قبله ظرف مستقر بيان  لنصيبا .

### || [40.48]

# { قال الذين استكبروا } للضعفاء { إنا كل فيها }
~~نحن وأنتم / فكيف نغني ms09414 عنكم؟ ولو قدرنا لدفعنا عن أنفسنا شيئا من
~~العذاب. ورفع { كل } على الابتداء وهو مضاف تقديرا لأن المراد كلنا و
~~{ فيها } خبره والجملة خبر (إن). وقرأ ابن السميقع وعيسى بن عمر { كلا
~~} بالنصب، وخرجه ابن عطية والزمخشري على أنه توكيد لاسم (إن)، وكون كل
~~المقطوع عن الإضافة يقع تأكيدا اكتفاء بأن المعنى عليها مذهب الفراء
~~ونقله أبو حيان عن الكوفيين، ورده ابن مالك في «شرحه للتسهيل»، وقيل: هو
~~حال من المستكن في الظرف. وتعقب بأنه في معنى المضاف ولذا جاز الابتداء
~~به فكيف يكون حالا، وإذا سلم كفاية هذا المقدار من التنكير في الحالية
~~فالظرف لا يعمل في الحال المتقدمة كما يعمل في الظرف المتقدم نحو كل يوم
~~لك ثوب.

# وأجيب عن أمر العمل بأن الأخفش أجاز عمل الظرف في حال إذا توسطت بينه
~~وبين المبتدأ نحو زيد قائما في الدار عندك وما في الآية الكريمة كذلك،
~~على أن بعضهم أجاز ذلك ولو تقدمت الحال على المبتدأ والظرف؛ نعم منعه
~~بعضهم مطلقا لكن المخرج لم يقلده، وابن الحاجب جوزه في بعض كتبه ومنعه
~~في بعض، قيل: وقد يوفق بينهما بأن المنع على تقدير عمل الظرف لنيابته عن
~~متعلقه، والجواز على جعل العامل متعلقه المقدر فيكون لفظيا لا معنويا،
~~وإلى هذا التخريج ذهب ابن مالك وأنشد له قول بعض الطائيين:

# دعا فأجبنا وهو بادي ذلة

# لديكم فكان النصر غير قريب

# وحمل قوله تعالى:

# والسموت مطويت بيمينه

# [الزمر: 67] في قراءة النصب على ذلك. وقال أبو حيان: الذي أختاره في
~~تخريج هذه القراءة أن كلا بدل من اسم (إن) لأن كلا يتصرف فيها
~~بالابتداء ونواسخه وغير ذلك فكأنه قيل: إن كلا فيها. وإذا كانوا قد
~~تأولوا حولا أكتعا ويوما أجمعا على البدل مع أنهما لا يليان العوامل
~~فأن يدعى في كل البدل أولى، وأيضا فتنكير { كل } ونصبه حالا في غاية
~~الشذوذ نحو مررت بهم كلا أي جميعا. ثم قال: فإن قلت: كيف تجعله بدلا
~~وهو بدل كل من كل من ضمير المتكلم وهو ms09415 لا يجوز على مذهب جمهور النحويين؟
~~قلت: مذهب الأخفش والكوفيين جوازه وهو الصحيح، على أن هذا ليس مما وقع
~~فيه الخلاف بل إذا كان البدل يفيد الإحاطة جاز أن يبدل من ضمير المتكلم
~~وضمير المخاطب لا نعلم خلافا في ذلك كقوله تعالى:

# تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا

# [المائدة: 114] وكقولك: مررت بكم صغيركم وكبيركم معناه مررت بكم كلكم
~~وتكون لنا عيدا كلنا، فإذا جاز ذلك فيما هو بمعنى الإحاطة فجوازه فيما
~~دل على الإحاطة وهو { كل } أولى ولا التفات لمنع المبرد البدل فيه
~~لأنه بدل من ضمير المتكلم لأنه لم يحقق مناط الخلاف انتهى، ولعل القول
~~بالتوكيد أحسن من هذا وأقرب، ورد ابن مالك له لا يعول عليه.

# { إن الله قد حكم بين العباد } فأدخل أهل الجنة الجنة
~~وأهل النار النار، وقدر لكل منا ومنكم عذابا لا يدفع عنه ولا يتحمله عنه
~~غيره.

### || [40.49]

# { وقال الذين فى النار } من الضعفاء والمستكبرين جميعا لما
~~ضاقت بهم الحيل وعيت بهم العلل { لخزنة جهنم } أي للقوام
~~بتعذيب أهل النار. وكان الظاهر لخزنتها بضمير النار لكن وضع الظاهر موضعه
~~للتهويل، فإن جهنم أخص من النار بحسب الظاهر لإطلاقها على ما في الدنيا
~~أو لأنها محل لأشد العذاب لشامل للنار وغيرها، وجوز أن يكون ذلك لبيان
~~محل الكفرة في النار بأن تكون جهنم أبعد دركاتها من قولهم: بئر جهنام
~~بعيدة القعر وفيها أعتى الكفرة وأطغاهم، فلعل الملائكة الموكلين بعذاب
~~أولئك أجوب دعوة لزيادة قربهم من الله عز وجل فلهذا تعمدهم أهل النار
~~بطلب الدعوة / منهم وقالوا لهم: { ادعوا ربكم يخفف عنا
~~يوما } أي مقدار يوم من أيام الدنيا { من العذاب } أي شيئا من
~~العذاب، فمفعول { يخفف } محذوف، و { من } تحتمل البيان والتبعيض،
~~ويجوز أن يكون المفعول { يوما } بحذف المضاف نحو ألم يوم و { من
~~العذاب } بيانه، والمراد يدفع عنا يوما من أيام العذاب.

### || [40.50]

# { قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات } أي
~~لم تنبهوا على هذا ولم تك تأتيكم رسلكم في الدنيا على الاستمرار بالحجج
~~الواضحة الدالة ms09416 على سوء مغبة ما كنتم عليه من الكفر والمعاصي كما في قوله
~~تعالى:

# ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات
~~ربكم وينذرونكم لقآء يومكم هذا

# [الزمر: 71] وأرادوا بذلك إلزامهم وتوبيخهم على إضاعة أوقات الدعاء
~~وتعطيل أسباب الإجابة { قالوا بلى } أي أتونا بها فكذبناهم كما نطق
~~به قوله تعالى:

# بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل
~~الله من شيء إن أنتم إلا في ضلل كبير

# [الملك: 9].

# والفاء في قوله تعالى: { قالوا فادعوا } فصيحة أي إذا كان الأمر
~~كذلك فادعوا أنتم فإن الدعاء لمن يفعل فعلكم ذلك مستحيل صدوره عنا، وقيل:
~~في تعليل امتناع الخزنة عن الدعاء: لأنا لم نؤذن في الدعاء لأمثالكم،
~~وتعقب بأنه مع عرائه عن بيان أن سببه من قبل الكفرة كما يفصح عنه الفاء
~~ربما يوهم أن الإذن في حيز الإمكان وأنهم لو أذن لهم لفعلوا فالتعليل
~~الأول أولى، ولم يريدوا بأمرهم بالدعاء اطماعهم في الإجابة بل إقناطهم
~~منها وإظهار خيبتهم حسبما صرحوا به في قولهم: { وما دعاء
~~الكفرين إلا في ضلل } أي في ضياع وبطلان أي لا يجاب،
~~فهذه الجملة من كلام الخزنة، وقيل: هي من كلامه تعالى إخبارا منه سبحانه
~~لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

# واستدل بها مطلقا من قال: إن دعاء الكافر لا يستجاب وأنه لا يمكن من
~~الخروج في الاستسقاء، والحق أن الآية في دعاء الكفار يوم القيامة وأن
~~الكافر قد يقع في الدنيا ما يدعو به ويطلبه من الله تعالى إثر دعائه كما
~~يشهد بذلك آيات كثيرة، وأما أنه هل يقال لذلك إجابة أم لا؟ فبحث لا جدوى
~~له.

### || [40.51]

# وقوله تعالى: { إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا } الخ
~~كلام مستأنف مسوق من جهته تعالى لبيان أن ما أصاب الكفرة من العذاب
~~المحكي من فروع حكم كلي تقتضيه الحكمة هو أن شأننا المستمر أننا ننصر
~~رسلنا وأتباعهم { في الحيوة الدنيا } بالحجة والظفر والانتقام
~~لهم من الكفرة بالاستئصال والقتل والسبي وغير ذلك من العقوبات، ولا يقدح
~~في ذلك ما قد يتفق للكفرة من ms09417 صورة الغلبة امتحانا إذ العبرة إنما هي
~~بالعواقب وغالب الأمر، وقد تقدم تمام الكلام في ذلك فتذكر.

# { ويوم يقوم الأشهد } أي ويوم القيامة عبر عنه بذلك
~~للإشعار بكيفية النصرة وأنها تكون عند جمع الأولين والآخرين وشهادة
~~الأشهاد للرسل بالتبليغ وعلى الكفرة بالتكذيب، فالأشهاد جمع شهيد بمعنى
~~شاهد كأشراف جميع شريف، وقيل: جمع شاهد بناء على أن فاعلا قد يجمع على
~~أفعال، وبعض من لم يجوز يقول: هو جمع شهد بالسكون اسم جمع لشاهد كما
~~قالوا في صحب بالسكون اسم جمع لصاحب. وفسر بعضهم { الأشهد }
~~بالجوارح وليس بذاك، وهو عليهما من الشهادة، وقيل: هو من المشاهدة بمعنى
~~الحضور. وفي «الحواشي الخفاجية» أن النصرة في الآخرة لا تتخلف أصلا
~~بخلافها في الدنيا فإن الحرب فيها سجال وإن كانت العاقبة للمتقين ولذا
~~دخلت { في } على { الحيوة الدنيا } دون قرينه لأن الظرف
~~المجرور بفي لا يستوعب كالمنصوب على الظرفية كما ذكره الأصوليون انتهى،
~~وفيه بحث.

# / قرأ ابن هرمز وإسماعيل وهي رواية عن أبي عمرو { تقوم } بتاء التأنيث
~~على معنى جماعة الأشهاد.

### || [40.52]

# { يوم لا ينفع الظلمين معذرتهم } بدل من

# يوم يقوم

# [غافر: 51] و { لا } قيل: تحتمل أن تكون لنفي النفع فقط على معنى أنهم
~~يعتذرون ولا ينفعهم معذرتهم لبطلانها وتحتمل أن تكون لنفي النفع والمعذرة
~~على معنى لا تقع معذرة لتنفع، وفي «الكشاف» يحتمل أنهم يعتذرون بمعذرة
~~ولكنها لا تنفع لأنها باطلة وأنهم لو جاءوا بمعذرة لم تكن مقبولة لقوله
~~تعالى:

# ولا يؤذن لهم فيعتذرون

# [المرسلات: 36] وأراد على ما في «الكشف» أن عدم النفع إما لأمر راجع إلى
~~المعذرة الكائنة وهو بطلانها، وإما لأمر راجع إلى من يقبل العذر ولا نظر
~~فيه إلى وقوع العذر؛ والحاصل أن المقصود بالنفي الصفة ولا نظر فيه إلى
~~الموصوف نفيا أو إثباتا، وليس في كلامه إشارة إلى إرادة نفيهما جميعا
~~فتدبر.

# وقرأ غير الكوفيين ونافع { لا تنفع } بالتاء الفوقية، ووجهها ظاهر، وأما
~~قراءة الياء فلأن المعذرة مصدر وتأنيثه غير حقيقي مع أنه فصل عن الفعل
~~بالمفعول.

# { ولهم اللعنة ms09418 } أي البعد من الرحمة. { ولهم سوء
~~الدار } هي جهنم وسوءها ما يسوء فيها من العذاب فإضافته لامية أو هي
~~من إضافة الصفة للموصوف أي الدار السوأى. ولا يخفى ما في الجملتين من
~~إهانتهم والتهكم بهم.

### || [40.53]

# { ولقد ءاتينا موسى الهدى } ما يهتدي به من المعجزات
~~والصحف والشرائع فهو مصدر تجوز به عما ذكر أو جعل عين الهدى مبالغة فيه.
~~{ وأورثنا بنى إسرءيل الكتب } تركنا عليهم بعد وفاته
~~عليه السلام من ذلك التوراة فالإيراث مجاز مرسل عن الترك أو هو استعارة
~~تبعية له، ويجوز أن يكون المعنى جعلنا بني إسرائيل آخذين الكتاب عنه عليه
~~السلام بلا كسب فيشمل من في حياته عليه السلام كما يقال: العلماء ورثة
~~الأنبياء، وهو وجه إلا أن اعتبار بعد الموت أوفق في الإيراث والعلاقة
~~عليه أتم، وإرادة التوراة من الكتاب هو الظاهر، وجوز أن يكون المراد به
~~جنس ما أنزل على أنبيائهم فيشمل التوراة والزبور والإنجيل.

### || [40.54]

# { هدى وذكرى } هداية وتذكرة أي لأجلهما، أو هاديا ومذكرا فهما
~~مصدران في موضع الحال { لأولي الألبب } لذوي العقول السليمة
~~الخالصة من شوائب الوهم، وخصوا لأنهم المنتفعون به.

### || [40.55]

# { فاصبر } أي إذا عرفت ما قصصناه عليك للتأسي فاصبر على ما نالك من
~~أذية المشركين { إن وعد الله } إياك والمؤمنين بالنصر المشار
~~إليه بقوله سبحانه:

# إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا

# [غافر: 51] أو جميع مواعيده تعالى ويدخل فيه وعده سبحانه بالنصر دخولا
~~أوليا { حق } لا يخلفه سبحانه أصلا فلا بد من وقوع نصره جل شأنه لك
~~وللمؤمنين، واستشهد بحال موسى ومن معه وفرعون ومن تبعه { واستغفر
~~لذنبك } أقبل على أمر الدين وتلاف ما ربما يفرط مما يعد بالنسبة إليك
~~ذنبا وإن لم يكنه، ولعل ذلك هو الاهتمام بأمر العدا بالاستغفار فإن الله
~~تعالى كافيك في النصر وإظهار الأمر، وقيل: { لذنبك } لذنب أمتك في
~~حقك، قيل: فإضافة المصدر للمفعول.

# { وسبح بحمد ربك بالعشى والأبكار } أي ودم على
~~التسبيح والتحميد لربك على أنه عبر بالظرفين وأريد جميع الأوقات، وجوز أن
~~يراد خصوص الوقتين، والمراد ms09419 بالتسبيح معناه الحقيقي كما في الوجه الأول
~~أو الصلاة، قال قتادة: أريد صلاة الغداة وصلاة العصر، وعن الحسن أريد
~~ركعتان بكرة وركعتان عشيا، قيل: لأن الواجب بمكة كان ذلك، وقد قدمنا /
~~أن الحسن لا يقول بفرضية الصلوات الخمس بمكة فقيل: كان يقول بفرضية
~~ركعتين بكرة وركعتين عشيا. وقيل: إنه يقول كان الواجب ركعتين في أي وقت
~~اتفق، والكل مخالف للصريح المشهور، وجوز على إرادة الدوام أن يراد
~~بالتسبيح الصلاة ويراد بذلك الصلوات الخمس، وحكى ذلك في «البحر» عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما.

### || [40.56]

# { إن الذين يجدلون فى ءايت الله } دلائله سبحانه
~~التي نصبها على توحيده وكتبه المنزلة وما أظهر على أيدي رسله من المعجزات
~~{ بغير سلطن اتهم } أي بغير حجة في ذلك أتتهم من جهته
~~تعالى، والجار متعلق  بيجادلون  وتقييد المجادلة بذلك مع استحالة إتيان
~~الحجة للإيذان بأن المتكلم في أمر الدين لا بد من استناده إلى حجة واضحة
~~وبرهان مبين، وهذا عام في كل مجادل مبطل وإن نزل في قوم مخصوصين وهم على
~~الأصح مشركو مكة.

# وقوله تعالى: { إن فى صدورهم إلا كبر } خبر لإن و { إن }
~~نافية، والمراد بالصدور القلوب أطلقت عليها للمجاورة والملابسة. والكبر
~~والتكبر والتعاظم أي ما في قلوبهم إلا تكبر عن الحق وتعاظم عن التفكر
~~والتعلم أو هو مجاز عن إرادة الرياسة والتقدم على الإطلاق أو إرادة أن
~~تكون النبوة لهم أي ما في قلوبهم إلا إرادة الرياسة أو أن تكون النبوة
~~لهم دونك حسدا وبغيا حسبما قالوا:

# لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين
~~عظيم

# [الزخرف: 31] وقالوا:

# لو كان خيرا ما سبقونا إليه

# [الأحقاف: 11] ولذلك يجادلون في آياته تعالى لا أن فيها موقع جدال ما أو
~~أن لهم شيئا يتوهم صلاحيته لأن يكون مدارا لمجادلتهم في الجملة.

# وقوله تعالى: { ما هم ببلغيه } صفة  لكبر  أي ما هم ببالغي
~~موجب الكبر ومقتضيه وهو متعلق إرادتهم من دفع الآيات أو من الرياسة أو
~~النبوة، وقال الزجاج: المعنى ما يحملهم على تكذيبك إلا ما ms09420 في صدورهم من
~~الكبر عليك وما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر لأن الله تعالى أذلهم. وقيل:
~~الجملة مستأنفة وضمير { بلغيه } لدفع الآيات المفهوم من المجادلة،
~~وما تقدم أظهر.

# وقال مقاتل: المجادلون الذين نزلت فيهم الآية اليهود عظموا أمر الدجال
~~فنزلت، وإلى هذا ذهب أبو العالية. أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم بسند
~~صحيح عنه قال: إن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن
~~الدجال يكون منا في آخر الزمان ويكون من أمره ما يكون فعظموا أمره
~~وقالوا: يصنع كذا وكذا فأنزل الله تعالى { إن الذين يجدلون
~~} الخ، وهذا كالنص في أن أمر اليهود كان السبب في نزولها، وعليه تكون
~~الآية مدنية وقد مر الكلام في ذلك فتذكر. وفي رواية أن اليهود كانوا
~~يقولون: يخرج صاحبنا المسيح بن داود يريدون الدجال ويبلغ سلطانه البر
~~والبحر وتسير معه الانهار وهو آية من آيات الله فيرجع إلينا الملك، حكاها
~~في «الكشاف» ثم قال: فسمى الله تعالى تمنيهم ذلك كبرا ونفي سبحانه أن
~~يبلغوا متمناهم. ويخطر لي على هذا القول أن اليهود لم يريدوا من تعظيم
~~أمر الدجال سوى نفي أن يكون نبينا صلى الله عليه وسلم النبي المبعوث في
~~آخر الزمان الذي بشر به أنبياؤهم وزعم أن المبشر به هو ذلك اللعين، ففي
~~بعض الروايات أنهم قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: لست صاحبنا  يعنون
~~النبي المبشر به أنبياؤهم، فالإضافة لأدنى ملابسة - بل هو المسيح بن
~~داود يبلغ سلطانه البر والبحر ويسير معه الأنهار، وفي ذلك بزعمهم دفع
~~الآيات الدالة على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم والداعي لهم إلى ذلك
~~الكبر والحسد وحب أن لا تخرج النبوة من بني إسرائيل، فمعنى الآية عليه
~~نحو معناها على القول بكون المجادلين مشركي مكة.

# ثم إن اليهود عليهم اللعنة / كذبوا أولا بقولهم للنبي عليه الصلاة
~~والسلام: لست صاحبنا، وثانيا بقولهم: بل هو المسيح بن داود يعنون
~~الدجال، أما الكذب الأول فظاهر، وأما الثاني فلأنه لم يبعث نبي إلا وقد
~~حذر أمته الدجال وأنذرهم ms09421 إياه كما نطقت بذلك الأخبار، وهم قالوا: هو
~~صاحبنا يعنون المبشر ببعثته آخر الزمان، وكل ذلك من الجدال في آيات الله
~~تعالى بغير سلطان.

# { فاستعذ بالله } أي فالتجىء إليه تعالى من كيد من يحسدك ويبغي
~~عليك، وفيه رمز إلى أنه من همزات الشياطين، وقال أبو العالية: هذا أمر
~~للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ من فتنة الدجال بالله عز وجل {
~~إنه هو السميع البصير } أي لأقوالكم وأفعالكم. والجملة
~~لتعليل الأمر قبلها.

### || [40.57]

# وقوله تعالى: { لخلق السموات والأرض أكبر من
~~خلق الناس } تحقيق للحق وتبيين لأشهر ما يجادلون فيه من أمر البعث
~~الذي هو كالتوحيد في وجوب الإيمان به على منهاج قوله تعالى:

# أو ليس الذى خلق السموات والأرض بقدر
~~على أن يخلق مثلهم

# [يس: 81] وإضافة { خلق } إلى ما بعده من إضافة المصدر إلى مفعوله أي
~~لخلق الله تعالى السماوات والأرض أعظم من خلقه سبحانه الناس لأن الناس
~~بالنسبة إلى تلك الأجرام العظيمة كلا شيء، والمراد أن من قدر على خلق ذلك
~~فهو سبحانه على خلق ما لا يعد شيئا بالنسبة إليه بدأ وإعادة أقدر وأقدر.
~~وقال أبو العالية: (الناس) الدجال وهو بناء على ما روي عنه في المجادلين،
~~ولعمري إن تطبيق هذا ونحوه على ذلك في غاية البعد وأنا لا أقول به.

# { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } وهم الكفرة، ولما
~~كان ما قبل لإثبات البعث الذي يشهد له العقل وتقتضيه الحكمة اقتضاء
~~ظاهرا ناسب نفي العلم عمن كفر به لأنهم لو كانوا من العقلاء الذين من
~~شأنهم التدبر والتفكر فيما يدل عليه لم يصدر عنهم إنكاره، ولم يذكر للعلم
~~مفعولا لأن المناسب للمقام تنزيله منزلة اللازم، وقيل: المراد لا يعلمون
~~أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس أي لا يجرون على موجب العلم
~~بذلك من الإقرار بالبعث ومن لا يجري على موجب علمه هو والجاهل سواء. وفي
~~«البحر» أنه تعالى نبه على أنه لا ينبغي أن يجادل في آيات الله ولا يتكبر
~~الإنسان بقوله سبحانه: { لخلق } الخ أي ms09422 إن مخلوقاته تعالى أكبر وأجل
~~من خلق البشر فما لأحدهم يجادل ويتكبر على خالقه سبحانه وتعالى ولكن أكثر
~~الناس لا يعلمون: لا يتأملون لغلبة الغفلة عليهم ولذلك جادلوا وتكبروا،
~~ولا يخفى أنه تفسير قليل الجدوى.

### || [40.58]

# { وما يستوى الأعمى والبصير } أي الغافل عن معرفة الحق
~~في مبدئه ومعاده ومن كانت له بصيرة في معرفتهما، وتفسير { البصير }
~~بالله تعالى و { الأعمى } بالصنم غير مناسب هنا { والذين
~~ءامنوا وعملوا الصلحات } أي المحسن ولذا قوبل بقوله
~~تعالى: { ولا المسيء } وعدل عن التقابل الظاهر كما في الأعمى
~~والبصير إلى ما في النظم الجليل إشارة إلى أن المؤمنين علم في الإحسان،
~~وقدم { الأعمى } لمناسبة العمى ما قبله من نفي العلم، وقدم {
~~الذين ءامنوا } بعد لمجاورة البصير ولشرفهم، وفي مثله طرق أن
~~يجاور كل ما يناسبه كما هنا، وأن يقدم ما يقابل الأول ويؤخر ما يقابل
~~الآخر كقوله تعالى:

# وما يستوى الاعمى والبصير * ولا الظلمات ولا
~~النور * ولا الظل ولا الحرور

# [فاطر: 19-21] وأن يؤخر المتقابلان كالأعمى والأصم والسميع والبصير وكل
~~ذلك من باب التفنن / في البلاغة وأساليب الكلام. والمقصود من نفي استواء
~~من ذكر بيان أن هذا التفاوت مما يرشد إلى البعث كأنه قيل: ما يستوي
~~الغافل والمستبصر والمحسن والمسيء فلا بد أن يكون لهم حال أخرى يظهر فيها
~~ما بين الفريقين من التفاوت وهي فيما بعد البعث.

# وأعيدت { لا } في المسيء تذكيرا للنفي السابق لما بينهما من الفصل
~~بطول الصلة، ولأن المقصود بالنفي أن الكافر المسيء لا يساوي المؤمن
~~المحسن، وذكر عدم مساواة الأعمى للبصير توطئة له، ولو لم يعد النفي فيه
~~فربما ذهل عنه وظن أنه ابتداء كلام، ولو قيل: ولا الذين آمنوا والمسيء لم
~~يكن نصا فيه أيضا لاحتمال أنه مبتدأ و { قليلا ما تتذكرون
~~} خبره وجمع على المعنى قاله الخفاجي، وهو إن تم فعلى القراءة بياء
~~الغيبة، وقيل: لم يقل ولا الذين آمنوا والمسيء لأن المقصود نفي مساواة
~~المسيء للمحسن لا نفي مساواة المحسن له إذ المراد بيان خسارته ولا يصفو ms09423
~~عن كدر فتدبر.

# والموصول مع ما عطف عليه معطوف على { الاعمى } مع ما عطف عليه عطف
~~المجموع على المجموع كما في قوله تعالى:

# هو الأول والأخر والظهر والبطن

# [الحديد: 2] ولم يترك العطف بينهما بناء على أن الأول مشبه به والثاني
~~مشبه وهما متحدان مآلا لأن كلا من الوصفين الأولين مغاير لكل من
~~الوصفين الأخيرين وتغاير الصفات كتغاير الذوات في صحة التعاطف، ووجه
~~التغاير أن الغافل والمستبصر والمحسن والمسيء صفات متغايرة المفهوم بقطع
~~النظر عن اتحاد ما صدقهما وعدمه، وقيل: التغاير بين الوصفين الأولين
~~والوصفين الأخيرين من جهة أن القصد في الأولين إلى العلم، وفي الأخيرين
~~إلى العمل، وهو وجه لا بأس به، وقيل: هما وإن اتحدا ذاتا متغايران
~~اعتبارا من حيث إن الثاني صريح والأول مذكور على طريق التمثيل، ونظر فيه
~~بأنه لو اكتفى بمجرد هذه المغايرة لزم جواز عطف المشبه على المشبه به
~~وعكسه.

# { قليلا ما تتذكرون } أي تذكرا قليلا تتذكرون. وقرأ
~~الجمهور والأعرج والحسن وأبو جعفر وشيبة بياء الغيبة والضمير للناس أو
~~الكفار، قال الزمخشري: والتاء أعم، وعلله صاحب «التقريب» بأن فيه تغليب
~~الخطاب على الغيبة، وقال القاضي: إن التاء للتغليب أو الالتفات أو أمر
~~الرسول صلى الله عليه وسلم بالمخاطبة أي بتقدير قل قبله، وآثر العلامة
~~الطيبي الالتفات لأن العدول من الغيبة إلى الخطاب في مقام التوبيخ يدل
~~على العنف الشديد والإنكار البليغ، فهذه الآية متصلة بخلق السماوات وهو
~~كلام مع المجادلين. وتعقبه صاحب «الكشف» بأنه يجوز أن يجعل ما ذكر نكتة
~~التغليب فيكون أولى لفائدة التعميم أيضا فليفهم، والظاهر أن التغليب جار
~~على احتمال كون الضمير للناس واحتمال كونه للكفار لأن بعض الناس أو
~~الكفار مخاطب هنا؛ والتقليل أيضا يصح إجراؤه على ظاهره لأن منهم من
~~يتذكر ويهتدي، وقال الجلبي: الضمير إذا كان للناس فالتقليل على معناه
~~الحقيقي والمستثنى هم المؤمنون وإذا كان للكفار فهو بمعنى النفي، ثم
~~الظاهر أن المخاطب من خاطبه صلى الله عليه وسلم من قريش فمن قال: المخاطب
~~هو النبي عليه الصلاة ms09424 والسلام لقوله تعالى:

# فاصبر

# [غافر: 55] ولا يناسب إدخاله فيمن لم يتذكر فقد سها ولم يتذكر.

### || [40.59]

# { إن الساعة لاتية لا ريب فيها } أي في مجيئها أي لا
~~بد من مجيئها ولا محالة لوضوح الدلالة على جوازها وإجماع الأنبياء على
~~الوعد الصادق بوقوعها. ويجوز أن يكون المعنى أنها آتية وأنها ليست محلا
~~للريب أي لوضوح الدلالة إلى آخر ما مر، والفرق أن متعلق الريب على الأول
~~المجيء وعلى هذا الساعة والحمل عليه أولى.

# { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } لا يصدقون بها لقصور
~~نظرهم على ما يدركونه بالحواس الظاهرة واستيلاء / الأوهام على عقولهم.

### || [40.60]

# { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم } أي اعبدوني أثبكم
~~على ما روي عن ابن عباس والضحاك ومجاهد وجماعة. وعن الثوري أنه قيل له:
~~ادع الله تعالى فقال: إن ترك الذنوب هو الدعاء يعني أن الدعاء باللسان
~~ترجمة عن طلب الباطن وأنه إنما يصح لصحة التوجه وترك المخالفة فمن ترك
~~الذنوب فقد سأل الحق بلسان الاستعداد وهو الدعاء الذي يلزمه الإجابة ومن
~~لا يتركها فليس بسائل وإن دعاه سبحانه ألف مرة؛ وما ذكر مؤيد لتفسير
~~الدعاء بالعبادة ومحقق له فإن ترك الذنوب من أجل العبادات وينطبق على ذلك
~~كمال الانطباق قوله تعالى: { إن الذين يستكبرون عن
~~عبادتى سيدخلون جهنم دخرين } أي صاغرين أذلاء. وجوز
~~أن يكون المعنى: اسألوني أعطكم وهو المروي عن السدي فمعنى قوله تعالى: {
~~يستكبرون عن عبادتى } يستكبرون عن دعائي لأن الدعاء نوع من
~~العبادة ومن أفضل أنواعها، بل روى ابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس
~~أنه قال: أفضل العبادة الدعاء وقرأ الآية، والتوعد على الاستكبار عنه لأن
~~ذلك عادة المترفين المسرفين وإنما المؤمن يتضرع إلى الله تعالى في كل
~~تقلباته، وفي إيقاع العبادة صلة الاستكبار ما يؤذن بأن الدعاء باب من
~~أبواب الخضوع لأن العبادة خضوع ولأن المراد بالعبادة الدعاء، والاستكبار
~~إنما يكون عن شيء إذا أتى به لم يكن مستكبرا.

# قال في «الكشف»: وهذا الوجه أظهر بحسب اللفظ وأنسب إلى السياق لأنه لما
~~جعل المجادلة ms09425 في آيات الله تعالى من الكبر جعل الدعاء وتسليم آياته من
~~الخضوع لأن الداعي له تعالى الملتجىء إليه عز وجل لا يجادل في آياته بغير
~~سلطان منه البتة. والعطف في قوله تعالى: { وقال } من عطف مجموع قصة
~~على مجموع أخرى لاستوائهما في الغرض، ولهذا لما تمم هذه القصة أعني قوله
~~سبحانه: { وقال ربكم } إلى قوله عز وجل:

# كن فيكون

# [غافر: 60-68] صرح بالغرض في قوله تعالى:

# ألم تر إلى الذين يجدلون في ءايت الله

# [غافر: 69] كما بنى القصة أولا على ذلك في قوله تبارك وتعالى:

# إن الذين يجدلون في ءايت الله بغير
~~سلطن

# [غافر: 56] ولو تؤمل في هذه السورة الكريمة حق التأمل وجد جل الكلام
~~مبنيا على رد المجادلين في آيات الله المشتملة على التوحيد والبعث
~~وتبيين وجه الرد في ذلك بفنون مختلفة، ثم انظر إلى ما ختم به السورة كيف
~~يطابق ما بدئت من قوله سبحانه:

# فلا يغررك تقلبهم

# [غافر: 4] وكيف صرح آخرا بما رمز إليه أولا لتقضى منه العجب فهذا وجه
~~العطف انتهى.

# وما ذكره من أظهرية هذا الوجه بحسب اللفظ ظاهر جدا لما في الأولى من
~~ارتكاب خلاف الظاهر قبل الحاجة إليه في موضعين في الدعاء حيث تجوز به عن
~~العبادة لتضمنها له أو لأنه عبادة خاصة أريد به المطلق، وفي الاستجابة
~~حيث جعلت الإثابة على العبادة لترتبها عليها استجابة مجازا أو مشاكلة
~~بخلاف الثاني فإن فيه ارتكاب خلاف الظاهر وهو التجوز في موضع واحد وهو {
~~عن عبادتي } ومع هذا هو بعد الحاجة فلم يكن كنزع الخف قبل الوصول
~~إلى الماء بل قيل: لا حاجة إلى التجوز فيه لأن الإضافة مراد بها العهد
~~هنا فتفيد ما تقدم، لكن كونه أنسب بالسياق أيضا مما لا يتم في نظري،
~~وأيا ما كان فأستجب جزم في جواب الأمر أي إن تدعوني أستجب لكم
~~والاستجابة على الوجهين مشروطة بالمشيئة حسبما تقتضيه أصولنا، وقد صرح /
~~بذلك في استجابة الدعاء قال سبحانه:

# فيكشف ما تدعون إليه إن شاء

# [الأنعام: 41] والاستكبار عن عبادة الله ms09426 تعالى دعاء كانت أو غيره كفر
~~يترتب عليه ما ذكر في الآية الكريمة. وأما ترك ذلك لا عن استكبار فتفصيل
~~الكلام فيه لا يخفى، والمقامات في ترك الدعاء فقيل: متفاوتة فقد لا يحسن
~~كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:

# " من لم يدع الله تعالى يغضب عليه "

# أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والحاكم عن أبي هريرة مرفوعا، وقد يحسن كما
~~يدل عليه ما روي من ترك الخليل عليه السلام الدعاء يوم ألقي في النار
~~وقوله علمه بحالي يغني عن سؤالي، وربما يقال: ترك الدعاء اكتفاء بعلم
~~الله عز وجل دعاء والله تعالى أعلم.

# وقرأ ابن كثير وأبو بكر وزيد بن علي وأبو جعفر { سيدخلون } مبنيا
~~للمفعول من الإدخال واختلفت الرواية عن عاصم وأبي عمرو.

### || [40.61]

# { الله الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه }
~~لتستريحوا فيه بأن أغاب سبحانه فيه الشمس فجعله جل شأنه باردا مظلما
~~وجعل عز وجل برده سببا لضعف القوى المحركة وظلمته سببا لهدو الحواس
~~الظاهرة إلى أشياء أخرى جعلها أسبابا للسكون والراحة { والنهار
~~مبصرا } يبصر فيه أو به فالنهار إما ظرف زمان للإبصار أو سبب له.
~~وأيا ما كان فإسناد الإبصار له بجعله مبصرا إسناد مجازي لما بينهما من
~~الملابسة، وفيه مبالغة وأنه بلغ الإبصار إلى حد سرى في نهار المبصر، ولذا
~~لم يقل: لتبصروا فيه على طرز ما وقع في قرينه، فإن قيل: لم لم يقل جعل
~~لكم الليل ساكنا ليكون فيه المبالغة المذكورة وتخرج القرينتان مخرجا
~~واحدا في المبالغة، قلت: أجيب عن ذلك بأن نعمة النهار أتم وأعظم من نعمة
~~الليل فسلك مسلك المبالغة فيها، وتركت الأخرى على الظاهر تنبيها على
~~ذلك، وقيل: إن النعمتين فرسا رهان فدل على فضل الأولى بالتقديم وعلى فضل
~~الأخرى بالمبالغة وهو كما ترى، وقيل: لم يقل ذلك لأن الليل يوصف على
~~الحقيقة بالسكون فيقال: ليل ساكن أي لا ريح فيه ولا يبعد أن يكون السكون
~~بهذا المعنى حقيقة عرفية. فلو قيل: ساكنا لم يتميز المراد نظرا إلى
~~الإطلاق وإن ms09427 تميز نظرا إلى قرينة التقابل. وكان رجحان هذا الأسلوب لأن
~~الكلام المحكم الواضح بنفسه من أول الأمر هو الأصل لا سيما في خطاب ورد
~~في معرض الامتنان للخاصة والعامة، وهم متفاوتون في الفهم والدراية
~~الناقصة والتامة، وفي «الكشف» لما لم يكن الإبصار علة غائية في نفسه بل
~~العلة ابتغاء الفضل كما ورد مصرحا به في سورة القصص بخلاف السكون والدعة
~~في الليل صرح بذلك في الأول ورمز في الثاني مع إفادة نكتة سرية في
~~الإسناد المجازي. وقال الجلبي: إذا حملت الآية على الاحتباك، وقيل:
~~المراد جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه والنهار مبصرا لتنتشروا فيه
~~ولتبتغوا من فضل الله تعالى فحذف من الأول بقرينة الثاني ومن الثاني
~~بقرينة الأول لم يحتج إلى ما ذكر في تعليل ترك المبالغة في القرينة
~~الأولى، وهذا هو المشهور في الآية والله سبحانه وتعالى أعلم.

# { إن الله لذو فضل } لا يوازيه فضل ولقصد الإشعار به لم يقل
~~المفضل { على الناس } برهم وفاجرهم { ولكن أكثر الناس
~~لا يشكرون } لجهلهم بالمنعم وإغفالهم مواقع النعم. وتكرير الناس
~~لتخصيص الكفران / بهم، وذلك من إيقاعه على صريح اسمهم الظاهر الموضوع
~~موضع الضمير الدال على أنه من شأنهم وخاصتهم في الغالب.

### || [40.62]

# { ذلكم } المتصف بالصفات المذكورة المقتضية للألوهية والربوبية {
~~الله ربكم خلق كل شىء لا إله إلا هو }
~~أخبار مترادفة تخصص اللاحقة [منها] السابقة وتقلل اشتراكها في المفهوم
~~نظرا إلى أصل الوضع وتقررها، وجوز في بعضها الوصفية والبدلية، وأخر {
~~خلق كل شيء } عن

# لا إله إلا هو

# [الأنعام: 102] في آية سورة الأنعام، وقدم هنا لما أن المقصود ههنا على
~~ما قيل الرد على منكري البعث فناسب تقديم ما يدل عليه، وهو أنه منه
~~سبحانه وتعالى مبدأ كل شيء فكذا إعادته.

# وقرأ زيد بن علي { خالق } بالنصب على الاختصاص أي أعني أو أخص خالق كل
~~شيء فيكون { لا إله إلا هو } استئنافا بما هو كالنتيجة
~~للأوصاف المذكورة فكأنه قيل: الله تعالى متصف بما ذكر من الصفات ولا إله
~~إلا من اتصف بها ms09428 فلا إله إلا هو.

# { فأنى تؤفكون } فكيف ومن أي جهة تصرفون من عبادته سبحانه إلى
~~عبادة غيره عز وجل. وقرأ طلحة في رواية { يؤفكون } بياء الغيبة.

### || [40.63]

# { كذلك يؤفك الذين كانوا بئايت الله
~~يجحدون } أي مثل ذلك الإفك العجيب الذي لا وجه له ولا مصحح أصلا
~~يؤفك كل من جحد بآياته تعالى أي آية كانت لا إفكا آخر له وجه ومصحح في
~~الجملة.

### || [40.64]

# { الله الذى جعل لكم الأرض قرارا } أي مستقرا {
~~والسماء بنآء } أي قبة ومنه أبنية العرب لقبابهم التي تضرب وإطلاق
~~ذلك على السماء على سبيل التشبيه، وهو تشبيه بليغ وفيه إشارة لكريتها.
~~وهذا بيان لفضله تعالى المتعلق بالمكان بعد بيان فضله المتعلق بالزمان،
~~وقوله سبحانه: { وصوركم فأحسن صوركم } بيان لفضله تعالى
~~المتعلق بأنفسهم، والفاء في { فأحسن } تفسيرية فالمراد صوركم أحسن
~~تصوير حيث خلق كلا منكم منتصب القامة بادي البشرة متناسب الأعضاء
~~والتخطيطات متهيأ لمزاولة الصنائع واكتساب الكمالات.

# وقرأ الأعمش وأبو رزين { صوركم } بكسر الصاد فرارا من الضمة قبل الواو،
~~وجمع فعلة بضم الفاء على فعل بكسرها شاذ ومنه قوة وقوى بكسر القاف في
~~الجمع. وقرأت فرقة { صوركم } بضم الصاد وإسكان الواو على نحو بسرة وبسر {
~~ورزقكم من الطيبات } أي المستلذات طعما ولباسا وغيرهما
~~وقيل الحلال.

# { ذلكم } الذي نعت بما ذكر من النعوت الجليلة { الله ربكم }
~~خبران لذلكم { فتبارك الله } تعالى بذاته { رب العلمين
~~} أي مالكهم ومربيهم والكل تحت ملكوته مفتقر إليه تعالى في ذاته ووجوده
~~وسائر أحواله جميعها بحيث لو انقطع فيضه جل شأنه عنه آنا لعدم بالكلية.

### || [40.65]

# { هو الحى } المنفرد بالحياة الذاتية الحقيقية { لا إله
~~إلا هو } إذ لا موجود يدانيه في ذاته وصفاته وأفعاله عز وجل {
~~فادعوه } فاعبدوه خاصة لاختصاص ما يوجب ذلك به تعالى. وتفسير الدعاء
~~بالعبادة هو الذي يقتضيه قوله تعالى: { مخلصين له الدين } أي
~~الطاعة من الشرك الخفي والجلي وأنه الأليق بالترتب على ما ذكر من أوصاف
~~الربوبية والألوهية، وإنما ذكرت بعنوان الدعاء لأن اللائق هو العبادة على
~~وجه التضرع والانكسار ms09429 والخضوع

# { الحمد لله رب العلمين } أي قائلين ذلك. / أخرج ابن
~~جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن
~~عباس قال: من قال لا إله إلا الله فليقل على أثرها الحمد لله رب العالمين
~~وذلك قوله تعالى: { فادعوه مخلصين } الخ. وأخرج عبد بن حميد عن
~~سعيد بن جبير نحو ذلك، وعلى هذا فالحمد لله الخ من كلام المأمورين
~~بالعبادة قبله، وجوز كونه من كلام الله تعالى على أنه إنشاء حمد ذاته
~~سبحانه بذاته جل شأنه.

### || [40.66]

# { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون
~~الله لما جآءني البينات من ربي } من الحجج والآيات
~~أو من الآيات لكونها مؤيدة لأدلة العقل منبهة عليها فإن الآيات التنزيلية
~~مفسرات للآيات التكوينية الآفاقية والأنفسية { وأمرت أن أسلم
~~لرب العلمين } أي بأن أنقاد له تعالى وأخلص له عز وجل ديني.

### || [40.67]

# { هو الذى خلقكم من تراب } في ضمن خلق آدم عليه السلام
~~منه حسبما مر تحقيقه { ثم من نطفة } أي ثم خلقكم خلقا تفصيليا
~~من نطفة أي من مني { ثم من علقة } قطعة دم جامد { ثم
~~يخرجكم طفلا } أي أطفالا وهو اسم جنس صادق على القليل والكثير.
~~وفي «المصباح»: قال ابن الأنباري: يكون الطفل بلفظ واحد للمذكر والمؤنث
~~والجمع ويجوز فيه المطابقة أيضا؛ وقيل: إنه أفرد بتأويل خلق كل فرد من
~~هذا النوع ثم يخرج كل فرد منه طفلا { ثم لتبلغوا أشدكم
~~} اللام فيه متعلقة بمحذوف تقديره ثم يبقيكم لتبلغوا وذلك المحذوف عطف
~~على { يخرجكم } وجوز أن يكون { لتبلغوا } عطفا على علة
~~مقدرة ليخرجكم كأنه قيل: ثم يخرجكم لتكبروا شيئا فشيئا ثم لتبلغوا
~~أشدكم وكمالكم في القوة والعقل، وكذا الكلام في قوله تعالى: { ثم
~~لتكونوا شيوخا } ويجوز عطفه على { لتبلغوا }. وقرأ ابن
~~كثير وابن ذكوان وأبو بكر وحمزة والكسائي { شيوخا } بكسر الشين. وقرىء {
~~شيخا } كقوله تعالى: { طفلا }.

# { ومنكم من يتوفى من قبل } أي من قبل الشيخوخة بعد بلوغ
~~الأشد أو قبله أيضا { ولتبلغوا } متعلق بفعل مقدر بعده أي
~~ولتبلغوا { أجلا مسمى } هو ms09430 يوم القيامة بفعل ذلك الخلق من تراب
~~وما بعده من الأطوار، وهو عطف على { خلقكم } والمراد من يوم القيامة
~~ما فيه من الجزاء فإن الخلق ما خلقوا إلا ليعبدوا ثم يبلغوا الجزاء،
~~وتفسير الأجل المسمى بذلك مروي عن الحسن، وقال بعض: هو يوم الموت. وتعقب
~~بأن وقت الموت فهم من ذكر التوفي قبله فالأولى تفسيره بما تقدم، وظاهر
~~صنيع الزمخشري ترجيح هذا على ما بين في «الكشف» { ولعلكم
~~تعقلون } ولكي تعقلوا ما في ذلك التنقل في الأطوار من فنون الحكم
~~والعبر. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال: أي ولعلكم تعقلون عن ربكم
~~أنه يحييكم كما أماتكم.

### || [40.68]

# { هو الذي يحيي } الأموات { ويميت } الأحياء أو الذي يفعل
~~الإحياء والإماتة { فإذا قضى أمرا } أراد بروز أمر من الأمور
~~إلى الوجود الخارجي { فإنما يقول له كن فيكون } من غير
~~توقف على شيء من الأشياء أصلا. وهذا عند الخلف تمثيل لتأثير قدرته تعالى
~~في المقدورات عند تعلق إرادته سبحانه بها وتصوير لسرعة ترتب المكونات على
~~تكوينه من غير أن يكون هناك آمر ومأمور وقد تقدم الكلام في ذلك. والفاء
~~الأولى / للدلالة على أن ما بعدها من نتائج ما قبلها من حيث إنه يقتضي
~~قدرة ذاتية غير متوقفة على العدد والمواد، وجوز فيها كونها تفصيلية
~~وتعليلية أيضا فتدبر.

### || [40.69]

# ((تعجيب من أحوالهم الشنيعة وآرائهم الركيكة وتمهيد لما يعقبه من بيان
~~تكذيبهم بكل القرآن وبسائر الكتب والشرائع وترتيب الوعيد على ذلك، كما أن
~~ما سبق من قوله تعالى:

# إن الذين يجدلون

# [غافر: 56] الخ بيان لابتناء جدالهم على مبنى فاسد لا يكاد يدخل تحت
~~الوجود فلا تكرير فيه)) كذا في «إرشاد العقل السليم». وقال القاضي: تكرير
~~ذكر المجادلة لتعدد المجادل بأن يكون هناك قوما وهنا قوما آخرين أو
~~المجادل فيه بأن يحمل في كل على معنى مناسب ففيما مر في البعث وهنا في
~~التوحيد أو هو للتأكيد اهتماما بشأن ذلك، واختار ما في «الإرشاد»، ((أي
~~انظر إلى هؤلاء المكابرين المجادلين في آياته تعالى الواضحة الموجبة ms09431
~~للإيمان بها الزاجرة عن الجدال فيها كيف يصرفون عنها مع تعاضد الدواعي
~~إلى الإقبال عليها وانتفاء الصوارف عنها بالكلية)).

### || [40.70]

# وقوله تعالى: { الذين كذبوا بالكتب } أي بكل القرآن أو
~~بجنس الكتب السماوية فإن تكذيبه تكذيب لها في محل الجر على أنه بدل من
~~الموصول الأول أو بيان أو صفة له أو في محل النصب على الذم أو في محل
~~الرفع على أنه خبر محذوف أو مبتدأ خبره { فسوف يعلمون } وإنما
~~وصل الموصول الثاني بالتكذيب دون المجادلة لأن المعتاد وقوع المجادلة في
~~بعض المواد لا في الكل. وصيغة الماضي للدلالة على التحقيق كما أن صيغة
~~المضارع في الصلة الأولى للدلالة على تجدد المجادلة وتكررها { وبما
~~أرسلنا به رسلنا } من سائر الكتب على الوجه الأول في تفسير
~~الكتاب أو مطلق الوحي والشرائع على الوجه الثاني فيه. { فسوف
~~يعلمون } كنه ما فعلوا من الجدال والتكذيب عند مشاهدتهم لعقوباته.

### || [40.71]

# { إذ الاغلل فى أعنقهم } ظرف ليعلمون، والمعنى على
~~الاستقبال، والتعبير بلفظ المضي للدلالة على تحققه حتى كأنه ماض حقيقة
~~فلا تنافر بين سوف وإذ { والسلسل } عطف على { الأغلل }
~~والجار والمجرور في نية التأخير كأنه قيل: إذ الأغلال والسلاسل في
~~أعناقهم، وقوله تعالى: { يسحبون } أي يجرون.

### || [40.72]

# { في الحميم } حال من ضمير { يعلمون } أو ضمير { في
~~أعنقهم } أو جملة مستأنفة لبيان حالهم بعد ذلك، وجوز كون {
~~السلسل } مبتدأ وجملة { يسحبون } خبره والعائد محذوف أي
~~يسحبون بها. وجوز كون { الأغلل } مبتدأ { والسلسل } عطف
~~عليه والجملة خبر المبتدأ و { في أعنقهم } في موضع الحال، ولا
~~يخفى حاله. وقرأ ابن مسعود وابن عباس وزيد بن علي وابن وثاب { والسلاسل
~~يسحبون } بنصب (السلاسل) وبناء (يسحبون) للفاعل فيكون السلاسل مفعولا
~~مقدما ليسحبون، والجملة معطوفة على ما قبلها، ولا بأس بالتفاوت اسمية
~~وفعلية. وقرأت فرقة منهم ابن عباس في رواية { والسلاسل } بالجر، وخرج ذلك
~~الزجاج على الجر بخافض محذوف كما في قوله:

# أشارت كليب بالأكف الأصابع

# أي (وبالسلاسل) كما قرىء به أو (في السلاسل) كما في مصحف أبي، والفراء
~~على العطف ms09432 بحسب المعنى إذ الأغلال في أعناقهم بمعنى أعناقهم في الأغلال،
~~ونظيره قوله:

# مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة

# ولا ناعب إلا ببين غرابها

# / ويسمى في غير القرآن عطف التوهم، وذهب إلى هذا التخريج الزمخشري وابن
~~عطية، وابن الأنباري بعد أن ضعف تخريج الزجاج خرج القراءة على ما قال
~~الفراء قال: وهذا كما تقول: خاصم عبد الله زيدا العاقلين بنصب العاقلين
~~ورفعه لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصم الآخر، وهذه المسألة لا تجوز
~~عند البصريين ونقل جوازها عن محمد بن سعدان الكوفي قال: لأن كل واحد
~~منهما فاعل مفعول.

# { ثم فى النار يسجرون } يحرقون ظاهرا وباطنا من سجر
~~التنور إذا ملأه إيقادا ويكون بمعنى ملأه بالحطب ليحميه، ومنه السجير
~~للصديق الخليل كأنه سجر بالحب أي ملىء، ويفهم من «القاموس» أن السجر من
~~الأضداد، وكلا الاشتقاقين مناسب في السجير أي ملىء من حبك أو فرغ من غيرك
~~إليك والأول أظهر. والمراد بهذا وما قبله أنهم معذبون بأنواع العذاب
~~سحبهم على وجوههم في النار الموقدة ثم تسليط النار على باطنهم وأنهم
~~يعذبون ظاهرا وباطنا فلا استدراك في ذكر هذا بعد ما تقدم.

### || [40.73-74]

# { ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون * من دون
~~الله قالوا ضلوا عنا } أي يقال لهم ويقولون. وصيغة الماضي
~~للدلالة على تحقق الوقوع. والسؤال للتوبيخ. وضلالهم عنهم بمعنى غيبتهم من
~~ضلت دابته إذا لم يعرف مكانها، وهذا لا ينافي ما يشعر بأن آلهتهم مقرونون
~~بهم في النار لأن للنار طبقات ولهم فيها مواقف فيجوز غيبتهم عنهم في
~~بعضها واقترانهم بهم في بعض آخر، ويجوز أن يكون ضلالهم استعارة لعدم
~~النفع فحضورهم كالعدم فذكر على حقيقته في موضع وعلى مجازه في آخر.

# { بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا } أي بل تبين لنا
~~اليوم أنا لم نكن نعبد في الدنيا شيئا يعتد به، وهو إضراب عن كون الآلهة
~~الباطلة ليست بموجودة عندهم أو ليست بنافعة إلى أنها ليست شيئا يعتد به.
~~وفي ذلك اعتراف بخطئهم وندم على قبيح فعلهم حيث لا ينفع ms09433 ذلك، وجعل
~~الجلبي هذه الآية كقوله تعالى:

# والله ربنا ما كنا مشركين

# [الأنعام: 23] يفزعون إلى الكذب لحيرتهم واضطرابهم.

# ومعنى قوله تعالى: { كذلك يضل الله الكفرين } أنه
~~تعالى يحيرهم في أمرهم حتى يفزعون إلى الكذب مع علمهم بأنه لا ينفعهم،
~~ولعل ما تقدم هو المناسب للسياق. ومعنى هذا مثل ذلك الإضلال يضل الله
~~تعالى في الدنيا الكافرين حتى أنهم يدعون فيها ما يتبين لهم أنه ليس بشيء
~~أو مثل ضلال آلهتهم عنهم في الآخرة نضلهم عن آلهتهم فيها حتى لو طلبوا
~~الآلهة وطلبتهم لم يلق بعضهم بعضا أو مثل ذلك الضلال وعدم النفع يضل
~~الله تعالى الكافرين حتى لا يهتدوا في الدنيا إلى ما ينفعهم في الآخرة.
~~وفي «المجمع» كما أضل الله تعالى أعمال هؤلاء وأبطل ما كانوا يؤملونه
~~كذلك يفعل بأعمال جميع من يتدين بالكفر فلا ينتفعون بشيء منها، فإضلال
~~الكافرين على معنى إضلال أعمالهم أي إبطالها، ونقل ذلك عن الحسن، وقيل في
~~معناه غير ذلك.

### || [40.75]

# وقوله تعالى: { ذلكم } إشارة إلى المذكور من سحبهم في السلاسل
~~والأغلال وتسجيرهم في النار وتوبيخهم بالسؤال، وجوز على بعض الأوجه أن
~~يكون إشارة إلى إضلال الله تعالى الكافرين، وإلى الأول ذهب ابن عطية أي
~~ذلكم العذاب الذي أنتم فيه { بما كنتم تفرحون فى الأرض }
~~تبطرون وتأشرون كما / قال مجاهد. { بغير الحق } وهو الشرك
~~والمعاصي أو بغير استحقاق لذلك، وفي ذكر { الأرض } زيادة تفظيع للبطر
~~{ وبما كنتم تمرحون } تتوسعون في الفرح، وقيل: المعنى بما
~~كنتم تفرحون بما يصيب أنبياء الله تعالى وأولياءه من المكاره وبما كنتم
~~تتوسعون في الفرح بما أوتيتم حتى نسيتم لذلك الآخرة واشتغلتم بالنعمة عن
~~المنعم، وفي الحديث

# " الله تعالى يبغض البذخين الفرحين ويحب كل قلب حزين "

# وبين الفرح والمرح تجنيس حسن. والعدول إلى الخطاب للمبالغة في التوبيخ
~~لأن ذم المرء في وجهه تشهير له، ولذا قيل: النصح بين الملأ تقريع.

### || [40.76]

# { ادخلوا أبوب جهنم } أي الأبواب المقسومة لكم {
~~خلدين فيها } مقدرين الخلود { فبئس مثوى
~~المتكبرين } عن الحق جهنم، وكان مقتضى ms09434 النظم الجليل حيث صدر
~~بادخلوا أن يقال: فبئس مدخل المتكبرين ليتجاوب الصدر والعجز لكن لما كان
~~الدخول المقيد بالخلود سبب الثواء عبر بالمثوى وصح التجاوب معنى، وهذا
~~الأمر على ما استظهره في «البحر» مقول لهم بعد المحاورة السابقة وهم في
~~النار، ومطمح النظر فيه الخلود فهو أمر بقيد الخلود لا بمطلق الدخول،
~~ويجوز أن يقال: هم بعد الدخول فيها أمروا أن يدخلوا الأبواب المقسومة لهم
~~فكان أمرا بالدخول بقيد التجزئة لكل باب، وقال ابن عطية: يقال لهم قبل
~~هذه المحاورة في أول الأمر ادخلوا.

### || [40.77]

# { فاصبر إن وعد الله } بتعذيب أعدائك الكفرة { حق }
~~كائن لا محالة { فإما نرينك } أصله فإن نرك فزيدت { ما }
~~لتوكيد { إن } الشرطية ولذلك جاز أن يلحق الفعل نون التوكيد على ما قيل.
~~وإلى التلازم بين ما ونون التوكيد بعد إن الشرطية ذهب المبرد والزجاج فلا
~~يجوز عندهما زيادة (ما) بدون إلحاق نون ولا إلحاق نون بدون زيادة (ما)
~~ورد بقوله:

# فإما تريني ولي لمة

# فإن الحوادث أودي بها

# ونسب أبو حيان - على كلام فيه - جواز الأمرين إلى سيبويه والغالب أن إن
~~إذا أكدت  بما  يلحق الفعل بعدها نون التوكيد على ما نص عليه غير واحد
~~{ بعض الذى نعدهم } وهو القتل والأسر { أو نتوفينك
~~} قبل ذلك { فإلينا يرجعون } يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم،
~~وهو جواب { نتوفينك } وجواب { نرينك } محذوف مثل فذاك،
~~وجوز أن يكون جوابا لهما على معنى إن نعذبهم في حياتك أو لم نعذبهم فإنا
~~نعذبهم في الآخرة أشد العذاب ويدل على شدته الاقتصار على ذكر الرجوع في
~~هذا المعرض. والزمخشري آثر في الآية هنا ما ذكر أولا وذكر في الرعد في
~~نظيرها أعني قوله تعالى:

# وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك
~~فإنما عليك البلغ

# [الرعد: 40] ما يدل على أن الجملة المقرونة بالفاء جواب على التقديرين،
~~قال في «الكشف»: والفرق أن قوله تعالى: { فاصبر إن وعد الله
~~حق } عدة للإنجاز والنصر وهو الذي همه عليه الصلاة والسلام وهم
~~المؤمنين معقود به لمقتضى هذا السياق فينبغي أن ms09435 يقدر فذاك هناك ثم جىء
~~بالتقدير الثاني ردا لشماتتهم وأنه منصور على كل حال وإتماما للتسلي،
~~وأما مساق التي في الرعد فلا يجاب التبليغ وأنه ليس عليه غير ذلك كيفما
~~دارت القضية، فمن ذهب إلى إلحاق ما هنا بما في الرعد ذهب عنه مغزى
~~الزمخشري انتهى فتأمل ولا تغفل.

# وقرأ أبو عبد الرحمن ويعقوب { يرجعون } بفتح الياء، وطلحة بن مصرف
~~ويعقوب في رواية الوليد بن / حسان بفتح تاء الخطاب.

### || [40.78]

# { ولقد أرسلنا رسلا } ذوي خطر وكثرة { من قبلك } من
~~قبل إرسالك. { منهم من قصصنا } أوردنا أخبارهم وآثارهم {
~~عليك } كنوح وإبراهيم وموسى عليهم السلام. { ومنهم من لم
~~نقصص عليك } وهم أكثر الرسل عليهم الصلاة والسلام، أخرج الإمام
~~أحمد عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: «قلت يا رسول الله كم عدة
~~الأنبياء؟ قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا الرسل من ذلك ثلثمائة وخمسة
~~عشر جما غفيرا» والظاهر أن المراد بالرسول في الآية ما هو أخص من
~~النبي، وربما يوهم صنيع القاضي أن المراد به ما هو مساو للنبي. وأيا
~~ما كان لا دلالة في الآية على عدم علمه صلى الله عليه وسلم بعدد الأنبياء
~~والمرسلين عليهم الصلاة والسلام - كما توهم بعض الناس ورد لذلك خبر
~~الإمام أحمد وجرى بيننا وبينه من النزاع ما جرى - وذلك لأن المنفي القص
~~وقد علمت معناه فلا يلزم من نفي ذلك نفي ذكر أسمائهم، ولو سلم فلا يلزم
~~من نفي ذكر الأسماء نفي ذكر أن عدتهم كذا من غير تعرض لذكر أسمائهم، على
~~أن النفي بلم وهي على الصحيح تقلب المضارع ماضيا فالمنفي القص في الماضي
~~ولا يلزم من ذلك استمرار النفي فيجوز أن يكون قد قصوا عليه عليه الصلاة
~~والسلام جميعا بعد ذلك ولم ينزل ذلك قرآنا، وأظهر من ذلك في الدلالة
~~على عدم استمرار النفي قوله تعالى:

# رسلا قد قصصنهم عليك من قبل ورسلا لم
~~نقصصهم عليك

# [النساء: 164] لتبادر الذهن فيه إلى أن المراد لم نقصصهم عليك من قبل
~~لمكان { قصصنهم عليك من ms09436 قبل } وبالجملة الاستدلال بالآية
~~على أنه صلى الله عليه وسلم لم يعلم عدة الأنبياء والمرسلين عليهم السلام
~~ولا علمها بعد جهل عظيم بل خذلان جسيم نعوذ بالله تعالى من ذلك، وأخرج
~~الطبراني في «الأوسط» وابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه في قوله
~~تعالى: { ومنهم من لم نقصص عليك } قال: بعث الله تعالى
~~عبدا حبشيا نبيا فهو ممن لم يقصص على محمد صلى الله عليه وسلم، وعن
~~ابن عباس بلفظ «إن الله تعالى بعث نبيا أسود في الحبش فهو ممن لم يقصص
~~عليه عليه الصلاة والسلام» والمراد بذلك على نحو ما مر أنه لم تذكر له
~~صلى الله عليه وسلم قصصه وآثاره ولا أوردت عليه أحواله وأخباره كما كان
~~في شأن موسى وعيسى وغيرهما من المرسلين عليهم الصلاة والسلام، ولا يمكن
~~أن يقال: المراد أنه لم يذكر له صلى الله عليه وسلم بعثة شخص موصوف بذلك
~~إذ لا يساعد عليه اللفظ، وأيضا لو أريد ما ذكر فمن أين علم علي كرم الله
~~تعالى وجهه أو ابن عباس ذلك وهل يقول باب مدينة العلم على علم لم يفض
~~عليه من تلك المدينة؟ حاشاه ثم حاشاه وكذا ابن عمه العباس عبد الله.

# واستشكل هذا الخبر بأن فيه رسالة العبد وقد قالوا العبد لا يكون رسولا،
~~وأجيب بأن العبد فيه ليس بمعنى المملوك وهو الذي لا يكون رسولا لنقصان
~~تصرفه ونفرة النفوس عن اتباعه بل هو أحد العبيد بمعنى السودان عرفا ولو
~~قيل: إن العبد بهذا المعنى لا يكون رسولا أيضا لنفرة النفوس عن اتباعه
~~كنفرتها عن اتباع المملوك قلنا: على تقدير تسليم النفرة إنما هي فيما إذا
~~كان الإرسال لغير السودان وأما إذا كان الإرسال للسودان فليست هناك نفرة
~~أصلا، وظاهر لفظ ابن عباس أن ذلك الأسود إنما بعث في الحبش والتزام أنه
~~لا يكون رسول من السودان أولاد حام مما لا يساعد عليه الدليل لأنه إن
~~كانت النفرة مانعة من الإرسال فهي لا تتحقق فيما إذا كان الإرسال إلى بني ms09437
~~صنفه؛ وإن كان المانع أنه لا يوجد متأهل للإرسال في بني حام لنقصان
~~عقولهم وقلة كمالهم فدعوى ذلك جهل والله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته وكم
~~رأينا في أبناء حام من هو أعقل وأكمل من كثير من أبناء سام ويافث، وإن
~~كان قد ورد قاطع من نبينا صلى الله عليه وسلم / أنه لا يكون من أولئك
~~رسول فليذكر وأنى به ثم إن أمر النبوة فيمن ذكر أهون من أمر الرسالة كما
~~لا يخفى، وكأنه لمجموع ما ذكرنا قال الخفاجي عليه الرحمة: في صحة الخبر
~~نظر.

# { وما كان لرسول } أي وما صح وما استقام لرسول من أولئك الرسل {
~~أن يأتي بآية } بمعجزة { إلا بإذن الله } فالمعجزات
~~على تشعب فنونها عطايا من الله تعالى قسمها بينهم حسبما اقتضته مشيئته
~~المبنية على الحكم البالغة كسائر القسم ليس لهم اختيار في إيثار بعضها
~~والاستبداد بإتيان المقترح بها.

# { فإذا جاء أمر الله } بالعذاب في الدنيا والآخرة { قضي
~~بالحق } بإنجاء المحق وإثابته وإهلاك المبطل وتعذيبه { وخسر
~~هنالك } أي وقت مجىء أمر الله تعالى اسم مكان استعير للزمان {
~~المبطلون } المتمسكون بالباطل على الإطلاق فيدخل فيهم المعاندون
~~المقترحون دخولا أوليا. ومن المفسرين من فسر المبطلين بهم وفسر أمر
~~الله بالقيامة، ومنهم من فسره بالقتل يوم بدر وما ذكرنا أولى. وأبعد ما
~~رأينا في الآية أن المعنى فإذا أراد الله تعالى إرسال رسول وبعثة نبي
~~قضى ذلك وأنفذه بالحق وخسر كل مبطل وحصل على فساد آخرته.

### || [40.79]

# { الله الذى جعل لكم الأنعم } المراد بها الإبل خاصة
~~كما حكي عن الزجاج واختاره صاحب «الكشاف»، واللام للتعليل لا للاختصاص
~~فإن ذلك هو المعروف في نظير الآية أي خلقها لأجلكم ولمصلحتكم. وقوله
~~تعالى: { لتركبوا منها } الخ تفصيل لما دل عليه الكلام
~~إجمالا، ومن هنا جعل ذلك بعضهم بدلا مما قبله بدل مفصل من مجمل بإعادة
~~حرف الجر. و(من) لابتداء الغاية أي ابتداء تعلق الركوب بها أو تبعيضية
~~وكذا (من) في قوله تعالى: { ومنها تأكلون } وليس المراد على
~~إرادة التبعيض أن كلا من ms09438 الركوب والأكل مختص ببعض معين منها بحيث لا
~~يجوز تعلقه بما تعلق به الآخر بل على أن كل بعض منها صالح لكل منهما. نعم
~~كثيرا ما يعدون النجائب من الإبل للركوب.

# والجملة على ما ذهب إليه الجلبي عطف على المعنى فإن قوله تعالى: {
~~لتركبوا منها } في معنى منها تركبون أو إن منها تأكلون في معنى
~~لتأكلوا منها لكن لم يؤت به كذلك لنكتة. وقال العلامة التفتازاني: إن هذه
~~الجملة حالية لكن يرد على ظاهره أن فيه عطف الحال على المفعول له ولا
~~محيص عنه سوى تقدير معطوف أي خلق لكم الأنعام منها تأكلون ليكون من عطف
~~جملة على جملة. وتعقبه الخفاجي بقوله: لم يلح لي وجه جعل هذا الواو عاطفة
~~محتاجة إلى التقدير المذكور مع أن الظاهر أنها واو حالية سواء قلنا إنها
~~حال من الفاعل أو المفعول والمنساق إلى ذهني العطف بحسب المعنى، ولعل
~~اعتباره في جانب المعطوف أيسر فيعتبر أيضا في قوله تعالى: { ولكم
~~فيها منفع }.

### || [40.80]

# { ولكم فيها منفع } أي غير الركوب والأكل كالألبان والأوبار
~~والجلود ويقال: إنه في معنى ولتنتفعوا بمنافع فيها أو نحو ذلك {
~~ولتبلغوا عليها حاجة فى صدوركم } أي أمرا ذا بال
~~تهتمون به وذلك كحمل الأثقال من بلد إلى بلد، وهذا عطف على

# لتركبوا منها

# [غافر: 79] جاء على نمطه، وكان الظاهر المزاوجة بين الفوائد المحصلة من
~~الأنعام بأن يؤتى باللام في الجميع أو تترك فيه لكن عدل إلى ما في النظم
~~الجليل لنكتة.

# / قال صاحب «الكشف»: إن الأنعام ههنا لما أريد بها الإبل خاصة جعل
~~الركوب وبلوغ الحاجة من أتم الغرض منها لأن جل منافعها الركوب والحمل
~~عليها، وأما الأكل منها والانتفاع بأوبارها وألبانها بالنسبة إلى ذينك
~~الأمرين فنزر قليل، فأدخل اللام عليهما وجعلا مكتنفين لما بينهما تنبيها
~~على أنه أيضا مما يصلح للتعليل ولكن قاصرا عنهما، وأما الاختصاص
~~المستفاد من قوله تعالى: { ومنها تأكلون } فلأنها من بين ما
~~يقصد للركوب ويعد للأكل فلا ينتقض بالخيل على مذهب من أباح لحمها ولا
~~بالبقر. ms09439

# وقال صاحب «الفرائد»: إنما قيل { ومنها تأكلون * ولكم
~~فيها منفع } ولم يقل: لتأكلوا منها ولتصلوا إلى المنافع لأنهم في
~~الحال آكلون وآخذون المنافع وأما الركوب وبلوغ الحاجة فأمران منتظران
~~فجىء فيهما بما يدل على الاستقبال. وتعقب بأن الكل مستقبل بالنسبة إلى
~~زمن الخلق.

# وقال القاضي: تغيير النظم في الأكل لأنه في حيز الضرورة، وقيل في
~~توجيهه: يعني أن مدخول الغرض لا يلزم أن يترتب على الفعل، فالتغيير إلى
~~صورة الجملة الحالية مع الإتيان بصيغة الاستمرار للتنبيه على امتيازه عن
~~الركوب في كونه من ضروريات الإنسان. ويطرد هذا الوجه في قوله تعالى: {
~~ولكم فيها منفع } لأن المراد منفعة الشرب واللبس وهذا مما
~~يلحق بالضروريات وهو لا يضر نعم فيه دغدغة لا تخفى.

# وقال الزمخشري: إن الركوب وبلوغ الحاجة يصح أن يكونا غرض الحكيم جل شأنه
~~لما فيهما من المنافع الدينية كإقامة دين وطلب علم واجب أو مندوب فلذا
~~جىء فيهما باللام بخلاف الأكل وإصابة المنافع فإنهما من جنس المباحات
~~التي لا تكون غرض الحكيم. وهو مبني على مذهبه من الربط بين الأمر
~~والإرادة ولا يصح أيضا لأن المباحات التي هي نعمة تصح أن تكون غرض
~~الحكيم جل جلاله عندهم، ويا ليت شعري ماذا يقول في قوله تعالى:

# هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه

# [يونس: 67] نعم لو ذكر أنه لاشتماله على الغرض الديني كان أنسب بدخول
~~اللام لكان وجها إن تم. وقيل: تغيير النظم الجليل في الأكل لمراعاة
~~الفواصل كما أن تقديم الجار والمجرور لذلك.

# وأما قوله تعالى: { ولكم فيها منفع } فكالتابع للأكل فأجري
~~مجراه وهو كما ترى.

# وقوله تعالى: { وعليها } توطئة لقوله سبحانه: { وعلى الفلك
~~تحملون } ليجمع بين سفائن البر وسفائن البحر فكأنه قيل: وعليها في
~~البر وعلى الفلك في البحر تحملون فلا تكرار. وفي «إرشاد العقل السليم»
~~((لعل المراد بهذا الحمل حمل النساء والولدان عليها بالهودج وهو السر في
~~فصله عن الركوب)). وتقديم الجار قيل: لمراعاة الفواصل كتقديمه قبل. وقيل
~~التقديم هنا وفيما تقدم للاهتمام. وقيل: { على الفلك } دون ms09440 في
~~الفلك كما في قوله تعالى:

# احمل فيها من كل زوجين اثنين

# [هود: 40] لأن معنى الظرفية والاستعلاء موجود فيها فيصح كل من
~~العبارتين، والمرجح لعلى هنا المشاكلة.

# وذهب غير واحد إلى أن المراد بالأنعام الأزواج الثمانية فمعنى الركوب
~~والأكل منها تعلقهما بالكل لكن لا على أن كلا منهما مختص ببعض معين منها
~~بحيث لا يجوز تعلقه بما تعلق به الآخر بل على أن بعضها يتعلق به الأكل
~~فقط كالغنم وبعضها يتعلق به كلاهما كالإبل ومنهم من عد البقر أيضا
~~وركوبه معتاد عند بعض أهل الأخبية، وأدرج بعضهم الخيل والبغال وسائر ما
~~ينتفع به من البهائم في الأنعام وهو ضعيف. ورجح القول بأن المراد الأزواج
~~الثمانية على القول المحكي عن الزجاج من أن المراد الإبل خاصة بأن المقام
~~/ مقام امتنان وهو مقتض للتعميم، والظاهر ذاك، وكون المقام مقام امتنان
~~غير مسلم بل هو مقام استدلال كقوله تعالى:

# أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت

# [الغاشية: 17] كما يشعر به السياق، ولا يأباه ذكر المنافع فإنه
~~استطرادي.

### || [40.81]

# { ويريكم ءايته } أي دلائله الدالة على كمال شؤونه جل جلاله {
~~فأي ءايت الله } أي فأي آية من تلك الآيات الباهرة {
~~تنكرون } فإن كلا منها من الظهور بحيث لا يكاد يجترىء على إنكارها
~~من له عقل في الجملة، فأي للاستفهام التوبيخي وهي منصوبة بتنكرون، وإضافة
~~الآيات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وتهويل إنكارها وتذكير (أي) في
~~مثل ما ذكر هو الشائع المستفيض والتأنيث قليل ومنه قوله:

# بأي كتاب أم بأية سنة

# ترى حبهم عارا علي وتحسب

# قال الزمخشري: ((لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات
~~نحو حمار وحمارة غريب وهي في أي أغرب لإبهامه)) لأنه اسم استفهام عما هو
~~مبهم مجهول عند السائل والتفرقة مخالفة لما ذكر لأنها تقتضي التمييز بين
~~ما هو مؤنث ومذكر فيكون معلوما له.

### || [40.82]

# { أفلم يسيروا } أي أقعدوا فلم يسيروا على أحد الرأيين { في
~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم
~~} من الأمم المهلكة وقوله تعالى: { كانوا أكثر منهم ms09441
~~وأشد قوة وءاثارا في الأرض } الخ استئناف نظير ما مر في
~~نظيره أول السورة بل أكثر الكلام هناك جار ههنا { فمآ أغنى
~~عنهم ما كانوا يكسبون }  { ما } الأولى: نافية أو
~~استفهامية في معنى النفي في محل نصب بأغنى، والثانية: موصولة في موضع رفع
~~به أو مصدرية والمصدر الحاصل بالتأويل مرفوع به أيضا أي لم يغن عنهم أو
~~أي شيء أغنى عنهم الذي كسبوه أو كسبهم.

### || [40.83]

# { فلما جاءتهم رسلهم بالبينت } المعجزات أو الآيات
~~الواضحات الشاملة لذلك { فرحوا بما عندهم من العلم } ذكر
~~فيه ستة أوجه. الأول: أن المراد بالعلم عقائدهم الزائغة وشبههم الداحضة
~~فيما يتعلق بالمبدأ والمعاد وغيرهما أو عقائدهم المتعلقة بأحوال الآخرة
~~كما هو ظاهر كلام «الكشاف»، والتعبير عن ذلك بالعلم على زعمهم للتهكم كما
~~في قوله تعالى:

# بل ادارك علمهم في الآخرة

# [النمل: 66] والمعنى أنهم كانوا يفرحون بذلك ويستحقرون له علم الرسل
~~عليهم السلام ويدفعون به البينات. الثاني: أن المراد به علم الفلاسفة
~~والدهريين من بني يونان على اختلاف أنواعه فكانوا إذا سمعوا بوحي الله
~~تعالى دفعوه وصغروا علم الأنبياء عليهم السلام إلى ما عندهم من ذلك. وعن
~~سقراط أنه سمع بموسى عليه الصلاة والسلام، وقيل له: لو هاجرت إليه فقال:
~~نحن قوم مهذبون فلا حاجة لنا إلى من يهذبنا. والزمان متشابه فقد رأينا من
~~ترك متابعة خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم واستنكف عن الانتساب إلى
~~شريعة أحد منهم فرحا بما لحس من فضلات الفلاسفة وقال: إن العلم هو ذاك
~~دون ما جاء به الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين. الثالث: أن
~~أصل المعنى فلما جاءتهم رسلهم بالبينات لم يفرحوا بما جاءهم من العلم
~~فوضعوا موضعه فرحوا بما عندهم من الجهل ثم سمي ذلك الجهل علما لاغتباطهم
~~به ووضعهم إياه مكان ما ينبغي لهم من الاغتباط بما جاءهم من العلم، وفيه
~~التهكم بفرط جهلهم والمبالغة في خلوهم من العلم، وضمير { فرحوا } و {
~~عندهم } على هذه الأوجه للكفرة المحدث عنهم.

# الرابع: أن يجعل ضمير { فرحوا } للكفرة وضمير ms09442 { عندهم } للرسل
~~عليهم السلام، والمراد بالعلم الحق الذي جاء المرسلون به أي فرحوا بما
~~عند الرسل من العلم فرح ضحك منه واستهزاء به، وخلاصته أنهم استهزؤا /
~~بالبينات وبما جاء به الرسل من علم الوحي، ويؤيد هذا قوله تعالى: {
~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون }. الخامس: أن يجعل
~~الضميران للرسل عليهم السلام، والمعنى أن الرسل لما رأوا جهل الكفرة
~~المتمادي واستهزاءهم بالحق وعلموا سوء عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على
~~جهلهم واستهزائهم فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله تعالى وحاق
~~بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم، وحكي هذا عن الجبائي السادس: أن يجعل
~~الضميران للكفار، والمراد بما عندهم من العلم علمهم بأمور الدنيا
~~ومعرفتهم بتدبيرها كما قال تعالى:

# يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا وهم عن
~~الأخرة هم غفلون

# [الروم: 7]

# ذلك مبلغهم من العلم

# [النجم: 30] فلما جاءهم الرسل بعلم الديانات وهي أبعد شيء من علمهم
~~لبعثها على رفض الدنيا والظلف عن الملاذ والشهوات لم يلتفتوا إليها
~~وصغروها واستهزؤا بها واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم
~~ففرحوا به.

# قال صاحب «الكشف»: والأرجح من بين هذه الأوجه الستة الثالث ففيه التهكم
~~والمبالغة في خلوهم من العلم ومشتمل على ما يشتمل عليه الأول وزيادة سالم
~~عن عدم الطباق للواقع كما في الثاني وعن قصور العبارة عن الأداء كالرابع
~~وعن فك الضمائر كما في الخامس، والسادس قريب لكنه قاصر عن فوائد الثالث
~~انتهى فتأمله جدا.

# وأبو حيان استحسن الوجه السادس وتعقب الوجه الثالث بأنه لا يعبر بالجملة
~~الظاهر كونها مثبتة عن الجملة المنفية إلا في قليل من الكلام نحو شر أهر
~~ذا ناب على خلاف فيه، ولما آل أمره إلى الإثبات المحصور جاز، وأما الآية
~~فينبغي أن لا تحمل على القليل لأن في ذلك تخليطا لمعاني الجمل المتباينة
~~فلا يوثق بشيء منها. وأنت تعلم أنه لا تباين معنى بين لم يفرحوا بما
~~جاءهم من العلم و { فرحوا بما عندهم من العلم } على ما
~~قرر. نعم هذا الوجه عندي مع ما فيه من حسن لا ms09443 يخلو عن بعد، وكلام صاحب
~~«الكشف» لا يخلو عن دغدغة.

### || [40.84]

# { فلما رأوا بأسنا } شدة عذابنا ومنه قوله تعالى:

# بعذاب بئيس

# [الأعراف: 165] { قالوا ءامنا بالله وحده وكفرنا
~~بما كنا به مشركين } يعنون الأصنام أو سائر آلهتهم الباطلة.

### || [40.85]

# { فلم يك ينفعهم إيمنهم لما رأوا بأسنا }
~~أي عند رؤية عذابنا لأن الحكمة الإلهية قضت أن لا يقبل مثل ذلك الإيمان.
~~و { إيمنهم } رفع بيك اسما لها أو فاعل { ينفعهم } وفي {
~~يك } ضمير الشأن على الخلاف الذي في كان يقوم زيد، ودخل حرف النفي على
~~الكون لا على النفع لإفادة معنى نفي الصحة فكأنه لم يصح ولم يستقم حكمة
~~نفع إيمانهم إياهم عند رؤية العذاب، وههنا أربعة فاءات فاء

# فما أغنى

# [غافر: 82] وفاء

# فلما جاءتهم

# [غافر: 83] وفاء

# فلما رأوا

# [غافر: 84] وفاء { فلم يك } فالفاء الأولى: مثلها في نحو قولك: رزق
~~المال فمنع المعروف فما بعدها نتيجة مآلية لما كانوا فيه من التكاثر
~~بالأموال والأولاد والتمتع بالحصون ونحوها، والثانية: تفسيرية مثلها في
~~قولك: فلم يحسن إلى الفقراء بعد فمنع المعروف في المثال فما بعدها إلى
~~قوله تعالى:

# وحاق بهم

# [غافر: 83] إيضاح لذلك المجمل وأنه كيف انتهى بهم الأمر إلى عكس ما
~~أملوه وأنهم كيف جمعوا واحتشدوا وأوسعوا في إطفاء نور الله وكيف حاق
~~المكر السيء بأهله إذ كان في قوله سبحانه: { فما أغنى عنهم }
~~إيماء بأنهم زاولوا أن يجعلوها مغنية، والثالثة: للتعقيب، وجعل ما بعدها
~~تابعا لما قبلها واقعا عقيبه { فلما رأوا بأسنا } مترتب
~~على قوله تعالى: { فلما جاءتهم } الخ تابع له لأنه بمنزلة فكفروا
~~إلا أن { فلما جاءتهم } الآية بيان كفر مفصل مشتمل على سوء
~~معاملتهم وكفرانهم بنعمة الله تعالى العظمى من الكتاب والرسول فكأنه قيل:
~~فكفروا فلما رأوا بأسنا آمنوا، ومثلها الفاء الرابعة / فما بعدها عطف على
~~آمنوا دلالة على أن عدم نفع إيمانهم ورده عليهم تابع للإيمان عند رؤية
~~العذاب كأنه قيل: فلما رأوا بأسنا آمنوا فلم ينفعهم إيمانهم إذ النافع
~~إيمان الاختيار.

# { سنت الله التي قد خلت في عباده ms09444 } أي سن الله
~~تعالى ذلك أعني عدم نفع الإيمان عند رؤية البأس سنة ماضية في البعاد، وهي
~~من المصادر المؤكدة ك

# وعد الله

# [النساء: 122] و

# صبغة الله

# [البقرة: 138]، وجوز انتصابها على التحذير أي احذروا يا أهل مكة سنة
~~الله تعالى في أعداء الرسل.

# { وخسر هنالك الكفرون } أي وقت رؤيتهم البأس على أنه اسم
~~مكان قد استعير للزمان كما سلف آنفا. وهذا الحكم خاص بإيمان البأس وأما
~~توبة البأس فهي مقبولة نافعة بفضل الله تعالى وكرمه، والفرق ظاهر. وعن
~~بعض الأكابر أن إيمان البأس مقبول أيضا ومعنى { فلم يك ينفعهم
~~إيمنهم لما رأوا بأسنا } أن نفس إيمانهم لم ينفعهم
~~وإنما نفعهم الله تعالى حقيقة به، ولا يخفى عليك حال هذا التأويل وما كان
~~من ذلك القبيل والله تعالى أعلم.

# ومن باب الإشارة في بعض الآيات على ما أشار إليه بعض السادات

# حم

# [غافر: 1] إشارة إلى ما أفيض على قلب محمد صلى الله عليه وسلم من الرحمن
~~فإن الحاء والميم من وسط الاسمين الكريمين، وفي ذلك أيضا سر لا يجوز
~~كشفه ولما صدرت السورة بما أشار إلى الرحمة وأنها وصف المدعو إليه
~~والداعي ذكر بعد من صفات المدعو إليه وهو الله عز وجل ما يدل على عظم
~~الرحمة وسبقها، وفي ذلك من بشارة المدعو ما فيه.

# الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد
~~ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا

# [غافر: 7] الخ فيه إشارة إلى شرف الإيمان وجلالة قدر المؤمنين وإلى أنه
~~ينبغي للمؤمنين من بني آدم أن يستغفر بعضهم لبعض؛ وفي ذلك أيضا من تأكيد
~~الدلالة على عظم رحمة الله عز وجل ما لا يخفى

# فادعوا الله مخلصين له الدين

# [غافر: 14] بأن يكون غير مشوب بشيء من مقاصد الدنيا والآخرة { يلقي
~~الروح من أمره على من يشاء من عباده } قيل: في
~~إطلاق الروح إشارة إلى روح النبوة وهو يلقى على الأنبياء، وروح الولاية
~~ويلقى على العارفين، وروح الدراية ويلقى على المؤمنين الناسكين

# لينذر يوم التلاق

# [غافر: 15] قيل التلاقي مع الله تعالى ولا ms09445 وجود لغيره تعالى وهو مقام
~~الفناء المشار إليه بقوله سبحانه: { يوم هم برزون } من قبور
~~وجودهم

# لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم
~~لله الوحد القهار

# [غافر: 16] إذ ليس في الدار غيره ديار { اليوم تجزى كل
~~نفس } من التجلي { بما كسبت } في بذل الوجود للمعبود

# لا ظلم اليوم

# [غافر: 17] فتنال كل نفس من التجلي بقدر بذلها من الوجود لا أقل من ذلك.

# وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى الحناجر
~~كظمين

# [غافر: 18] هذه قيامة العوام المؤجلة ويشير إلى قيامة الخواص المعجلة
~~لهم، فقد قيل: إن لهم في كل نفس قيامة من العتاب والعقاب والثواب والبعاد
~~والاقتراب وما لم يكن لهم في حساب، وخفقان القلب ينطق والنحول يخبر
~~واللون يفصح والمشوق يستر ولكن البلاء يظهر، وإذا أزف فناء الصفات بلغت
~~القلوب الحناجر وشهدت العيون بما تخفي الضمائر

# يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور

# [غافر: 19] خائنة أعين المحبين استحسانهم تعمد النظر إلى غير المحبوب
~~باستحسان واستلذاذ وما تخفيه الصدور من متمنيات النفوس ومستحسنات القلوب
~~ومرغوبات الأرواح { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم }
~~قيل أي اطلبوني مني أجبكم فتجدوني ومن وجدني وجد كل شيء فالدعاء الذي لا
~~يرد هو هذا الدعاء، ففي بعض الأخبار «من طلبني وجدني» { إن الذين
~~يستكبرون عن عبادتي } دعائي وطلبي { سيدخلون
~~جهنم } الحرمان / والبعد مني

# دخرين

# [غافر:60] ذليلين مهينين

# الله الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه
~~والنهار مبصرا

# [غافر: 61] فيه إشارة إلى ليل البشرية ونهار الروحانية، وذكر أن سكون
~~الناس في الليل المعروف على أقسام فأهل الغفلة يسكنون إلى استراحة النفوس
~~والأبدان، وأهل الشهوة يسكنون إلى أمثالهم وأشكالهم من الرجال والنسوان،
~~وأهل الطاعة يسكنون إلى حلاوة أعمالهم وقوة آمالهم. وأهل المحبة يسكنون
~~إلى أنين النفوس وحنين القلوب وضراعة الأسرار واشتعال الأرواح بالأشواق
~~التي هي أحر من النار { الله الذي جعل لكم الأرض
~~قرارا } يشير إلى أنه تعالى جعل أرض البشرية مقرا للروح {
~~والسمآء بنآء } أي سماء الروحانية مبنية عليها

# وصوركم فأحسن صوركم

# [غافر: 64] بأن جعلكم مرايا جماله وجلاله، وفي ms09446 الخبر «خلق الله تعالى
~~آدم على صورته» وفي ذلك إشارة إلى رد

# أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء

# [البقرة: 30] ولله تعالى من قال:

# ما حطك الواشون عن رتبة

# عندي ولا ضرك مغتاب

# كأنهم أثنوا ولم يعلموا

# عليك عندي بالذي عابوا

# والكافر لسوء اختياره التحق بالشياطين وصار مظهرا لصفات القهر من رب
~~العالمين

# وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين

# [الزخرف: 76]. تم الكلام على سورة المؤمن والحمد لله أولا وآخرا
~~وباطنا وظاهرا.

### | [41 - سورة فصلت]

### || [41.1]

# إن جعل اسما للسورة أو القرآن فهو إما خبر لمحذوف أو مبتدأ خبره: {
~~تنزيل من الرحمن الرحيم }.

### || [41.2]

# { تنزيل } على المبالغة أو التأويل المشهور، وهو على الأول خبر بعد
~~خبر، وخبر مبتدأ محذوف إن جعل { حم } مسرودا على نمط التعديد عند
~~الفراء. وقوله تعالى: { من الرحمن الرحيم } من تتمته مؤكد
~~لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أو خبر آخر
~~للمبتدأ المحذوف أو تنزيل مبتدأ لتخصصه بما بعده خبره: { كتب }

### || [41.3]

# { كتب } وحكي ذلك عن الزجاج والحوفي، وهو على الأوجه الأول بدل منه
~~أو خبر آخر أو خبر لمحذوف، وجملة { فصلت ءايته } على جميع
~~الأوجه في موضع الصفة لكتاب، وإضافة التنزيل إلى / { الرحمن
~~الرحيم } من بين أسمائه تعالى للإيذان بأنه مدار للمصالح الدينية
~~والدنيوية واقع بمقتضى الرحمة الربانية حسبما ينبىء عنه قوله تعالى:

# وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين

# [الأنبياء: 107] وتفصيل آياته تمييزها لفظا بفواصلها ومقاطعها ومبادىء
~~السور وخواتمها، ومعنى بكونها وعدا ووعيدا وقصصا وأحكاما إلى غير ذلك
~~بل من أنصف علم أنه ليس في بدء الخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم والمباحث
~~المتباينة عبارة وإشارة مثل ما في القرآن. وعن السدي { فصلت
~~ءايته } أي بينت ففصل بين حرامه وحلاله وزجره وأمره ووعده ووعيده،
~~وقال الحسن: فصلت بالوعد والوعيد، وقال سفيان: بالثواب والعقاب، وما
~~ذكرنا أولا أعم ولعل ماذكروه من باب التمثيل لا الحصر، وقيل: المراد
~~فصلت آياته في التنزيل أي لم تنزل جملة واحدة وليس بذاك.

# وقرىء { فصلت } بفتح الفاء والصاد مخففة أي فرقت ms09447 بين الحق والباطل، وقال
~~ابن زيد: بين النبي صلى الله عليه وسلم ومن خالفه على أن فصل متعد أو
~~فصل بعضها من بعض باختلاف الفواصل والمعاني على أن فصل لازم بمعنى انفصل
~~كما في قوله تعالى:

# فصلت العير

# [يوسف: 94]. وقرىء { فصلت } بضم الفاء وكسر الصاد مخففة على أنه مبني
~~للمفعول والمعنى على ما مر.

# { قرءانا عربيا } نصب على المدح بتقدير أعني أو أمدح أو نحوه أو
~~على الحال فقيل: من { كتاب } لتخصصه بالصفة، وقيل: من { ءايته }
~~وجوز في هذه الحال أن تكون مؤكدة لنفسها وأن تكون موطئة للحال بعدها،
~~وقيل: نصب على المصدر أي يقرؤه قرآنا، وقال الأخفش: هو مفعول ثان لفصلت،
~~وهو كما ترى إن لم تكن أخفش، وأيا ما كان ففي { قرءانا عربيا }
~~امتنان بسهولة قراءته وفهمه لنزوله بلسان من نزل بين أظهرهم.

# { لقوم يعلمون } أي معانيه لكونه على لسانهم على أن المفعول
~~محذوف أو لأهل العلم والنظر على أن الفعل منزل منزلة اللازم ولام {
~~لقوم } تعليلية أو اختصاصية وخصهم بذلك لأنهم هم المنتفعون به والجار
~~والمجرور إما في موضع صفة أخرى  لقرآنا  أو صلة  لتنزيل  أو  لفصلت
~~ قال الزمخشري: ولا يجوز أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده أي قرآنا
~~عربيا كائنا لقوم عرب لئلا يفرق بين الصلات والصفات، ولعله أراد لئلا
~~يلزم التفريق بين الصفة وهي قوله تعالى: { بشيرا ونذيرا }.

### || [41.4]

# { بشيرا ونذيرا } وموصوفها وهو

# قرآنا

# [فصلت: 3] بناء على أنه صفة له بالصلة وهي { لقوم } على تقدير
~~تعلقه  بتنزيل  أو  بفصلت  وبين الصلة وموصولها بالصفة أي { تنزيل
~~} أو { فصلت } و { لقوم } والجمع للمبالغة على حد قولك لمن يفرق
~~بين أخوين: لا تفعل فإن التفريق بين الإخوان مذموم أو أراد لئلا يفرق بين
~~الصلتين في الحكم مع عدم الموجب للتفريق وهو أن يتصل

# من الرحمن

# [فصلت: 2] بموصوله ولا يتصل { لقوم }

# وكذلك بين الصفتين وهو { عربيا } بموصوفه ولا يتصل { بشيرا }
~~والجمع لذلك أيضا. واختار أبو حيان كون الجار والمجرور صلة { فصلت }
~~وقال: ((يبعد تعلقه  بتنزيل  لكونه وصف ms09448 (قبل أخذ متعلقه) إن كان { من
~~الرحمن } في موضع الصفة أو أبدل منه { كتاب } أو كان خبرا 
~~لتنزيل  فيكون في ذلك البدل من الموصول أو الإخبار عنه قبل أخذه متعلقه
~~وهو لا يجوز)) ولعل ذلك غير مجمع عليه، وكون { بشيرا } صفة { قرآنا
~~} هو المشهور، وجوز أن يكون مع ما عطف عليه حال من { كتاب } أو من {
~~ءايته }.

# وقرأ زيد بن علي { بشير ونذير } برفعهما وهي رواية شاذة عن نافع على
~~الوصفية لكتاب أو الخبرية لمحذوف أي هو بشير لأهل الطاعة ونذير لأهل
~~المعصية.

# { فأعرض أكثرهم } عن تدبره وقبوله، والضمير للقوم على المعنى
~~الأول ليعلمون وللكفار المذكورين حكما على المعنى الثاني، ويجوز أن يكون
~~للقوم عليه أيضا بأن يراد به / ما من شأنهم العلم والنظر { فهم لا
~~يسمعون } أي لا يقبلون ولا يطيعون من قولك: تشفعت إلى فلان فلم يسمع
~~قولي ولقد سمعه ولكنه لما لم يقبله ولم يعمل بمقتضاه فكأنه لم يسمعه وهو
~~مجاز مشهور. وفي «الكشف» أن قوله تعالى: { فأعرض } مقابل قوله
~~تعالى:

# لقوم يعلمون

# [فصلت: 3] وقوله سبحانه: { فهم لا يسمعون } مقابل قوله جل
~~شأنه: { بشيرا ونذيرا } أي أنكروا إعجازه والإذعان له مع العلم
~~ولم يقبلوا بشائره ونذره لعدم التدبر.

### || [41.5]

# { وقالوا قلوبنا في أكنة } أي أغطية متكاثفة { مما
~~تدعونا إليه } من الإيمان بالله تعالى وحده وترك ما ألفينا عليه
~~آباءنا و { من } على ما في «البحر» لابتداء الغاية { وفي آذاننا
~~وقر } أي صمم وأصله الثقل. وقرأ طلحة بكسر الواو وقرىء بفتح القاف {
~~ومن بيننا وبينك حجاب } غليظ يمنعنا عن التواصل و(من)
~~للدلالة على أن الحجاب مبتدأ من الجانبين بحيث استوعب ما بينهما من
~~المسافة المتوسطة ولم يبق ثمت فراغ أصلا. وتوضيحه أن البين بمعنى الوسط
~~بالسكون وإذا قيل: بيننا وبينك حجاب صدق على حجاب كائن بينهما استوعب
~~أولا، وأما إذا قيل: من بيننا فيدل على أن مبتدأ الحجاب من الوسط أعني
~~طرفه الذي يلي المتكلم فسواء أعيد { من } أو لم يعد يكون الطرف الآخر
~~منتهى باعتبار ومبتدأ باعتبار ms09449 فيكون الظاهر الاستيعاب لأن جميع الجهة
~~أعني البين جعل مبتدأ الحجاب فالمنتهى غيره البتة، وهذا كاف في الفرق بين
~~الصورتين كيف وقد أعيد البين لاستئناف الابتداء من تلك الجهة أيضا إذ لو
~~قيل: ومن بيننا بتغليب المتكلم لكفى، ثم ضرورة العطف على نحو بيني وبينك
~~إن سلمت لا تنافي إرادة الإعادة له فتدبر.

# وما ذكروه من الجمل الثلاث تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق وقبوله
~~ومج أسماعهم له وامتناع مواصلتهم وموافقتهم للرسول صلى الله عليه وسلم
~~وأرادوا بذلك إقناطه عليه الصلاة والسلام عن اتباعهم إياه عليه الصلاة
~~والسلام حتى لا يدعوهم إلى الصراط المستقيم. وذكر أبو حيان ((أنه لما كان
~~القلب محل المعرفة والسمع والبصر معينان على تحصيل المعارف ذكروا أن هذه
~~الثلاثة محجوبة عن أن يصل إليها مما يلقيه الرسول صلى الله عليه وسلم
~~شيء)) ولم يقولوا على قلوبنا أكنة كما قالوا: { وفي آذاننا وقر }
~~ليكون الكلام على نمط واحد في جعل القلوب والآذان مستقر الأكنة والوقر
~~وإن كان أحدهما استقرار استعلاء والثاني استقرار احتواء إذ لا فرق في
~~المعنى بين قلوبنا في أكنة وعلى قلوبنا أكنة والدليل عليه قوله تعالى:

# إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه

# [الكهف: 57] ولو قيل إنا جعلنا قلوبهم في أكنة لم يختلف المعنى
~~فالمطابقة حاصلة من حيث المعنى والمطابيع من العرب لا يراعون الطباق
~~والملاحظة إلا في المعاني. واختصاص كل من العبارتين بموضعه للتفنن على
~~أنه لما كان منسوبا إلى الله تعالى في سورة بني إسرائيل والكهف كان معنى
~~الاستعلاء والقهر أنسب، وههنا لما كان حكاية عن مقالهم كان معنى
~~الاحتواء أقرب، كذا حققه بعض الأجلة ودغدغ فيه. وتفسير الأكنة بالأغطية
~~هو الذي عليه جمهور المفسرين فهي جمع كنان كغطاء لفظا ومعنى: وقيل: هي
~~ما يجعل فيها السهام.

# أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد أنه قال في قوله تعالى: {
~~وقالوا قلوبنا في أكنة } قالوا كالجعبة للنبل.

# { فاعمل } على دينك وقيل في إبطال أمرنا { إننا عملون }
~~على ديننا وقيل: في إبطال أمرك ms09450 والكلام على الأول متاركة وتقنيط عن
~~اتباعه عليه الصلاة والسلام، ومقصودهم إننا عاملون، والأول: توطئة له،
~~وحاصل المعنى أنا لا نترك ديننا بل نثبت عليه / كما نثبت على دينك، وعلى
~~الثاني: هو مبارزة بالخلاف والجدال، وقائل ما ذكر أبو جهل ومعه جماعة من
~~قريش. ففي خبر أخرجه أبو سهل السري من طريق عبد القدوس عن نافع بن الأزرق
~~عن ابن عمر عن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية أقبلت قريش إلى
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: ما يمنعكم من الإسلام فتسودوا
~~العرب؟ فقالوا: يا محمد ما نفقه ما تقول ولا نسمعه وإن على قلوبنا لغلفا
~~وأخذ أبو جهل ثوبا فمده فيما بينه وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام
~~فقال: يا محمد قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا
~~وبينك حجاب، وفيه فلما كان من الغد أقبل منهم سبعون رجلا إلى النبي صلى
~~الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أعرض علينا الإسلام فلما عرض عليهم
~~الإسلام أسلموا عن آخرهم فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام وقال: الحمد
~~الله بالأمس تزعمون أن على قلوبكم غلفا وقلوبكم في أكنة مما أدعوكم إليه
~~وفي آذانكم وقرا وأصبحتم اليوم مسلمين فقالوا: يا رسول الله كذبنا والله
~~بالأمس لو كذلك ما اهتدينا أبدا ولكن الله تعالى الصادق والعباد
~~الكاذبون عليه وهو الغني ونحن الفقراء إليه.

### || [41.6]

# { قل إنما أنا بشر مثلكم } لست ملكا ولا جنيا لا
~~يمكنكم التلقي منه، وهو رد لقولهم:

# بيننا وبينك حجاب

# [فصلت: 5] { يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد }
~~أي ولا أدعوكم إلى ما تنبو عنه العقول وإنما أدعوكم إلى التوحيد الذي دلت
~~عليه دلائل العقل وشهدت له شواهد السمع، وهذا جواب عن قولهم:

# قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا
~~وقر

# [فصلت: 5] { فاستقيموا إليه } فاستووا إليه تعالى بالتوحيد
~~وإخلاص العبادة ولا تتمسكوا بعرا الشرك وتقولوا لمن يدعوكم إلى التوحيد:
~~{ قلوبنا في أكنة } الخ { واستغفروه } مما سلف منكم من
~~القول والعمل وهذا وجه ms09451 لا يخلو عن حسن في ربط الأمر بما قبله.

# وفي «إرشاد العقل السليم» ((أي لست من جنس مغاير لكم حتى يكون بيني
~~وبينكم حجاب وتباين مصحح لتباين الأعمال والاديان كما ينبىء عنه قولكم:

# فاعمل إننا عاملون

# [فصلت: 5] بل إنما أن بشر مثلكم مأمور بما آمركم به حيث أخبرنا جميعا
~~بالتوحيد بخطاب جامع بيني وبينكم، فإن الخطاب في { ألهكم } محكي
~~منتظم للكل لا أنه خطاب منه عليه الصلاة والسلام للكفرة كما في مثلكم))
~~وهو مبني على اختيار الوجه الأول في { فاعمل إننا عملون }
~~ولا بأس به من هذه الجهة، نعم فيه قصور من جهة أخرى.

# وقال صاحب «الفرائد»: ليس هذا جوابا لقولهم إذ لا يقتضي أن يكون له
~~جواب، وحاصله لا تتركهم وما يدينون لقولهم ذلك المقصود منه أن تتركهم،
~~سلمنا أنه جواب لكن المراد منه أني بشر فلا أقدر أن أخرج قلوبكم من
~~الأكنة وأرفع الحجاب من البين والوقر من الآذان ولكني أوحى إلي وأمرت
~~بتبليغ أنما إلهكم إله واحد وللإمام كلام قريب مما ذكر في حيز التسليم،
~~وكلا الكلامين غير واف بجزالة النظم الكريم، وجعله الزمخشري جوابا من أن
~~المشركين طالما يتمسكون في رد النبوة بأن مدعيها بشر ويجب أن يكون ملكا
~~ولا يجوز أن يكون بشرا ولذا لا يصغون إلى قول الرسول ولا يتفكرون فيه
~~فقوله عليه الصلاة والسلام: إني لست بملك وإنما أنا بشر من باب القلب
~~عليهم لا القول بالموجب ولا من الأسلوب الحكيم في شيء كما قيل كأنه صلى
~~الله عليه وسلم قال: ما تمسكتم به في رد نبوتي من أني بشر هو الذي يصحح
~~نبوتي إذ لا يحسن في الحكمة أن يرسل إليكم الملك فهذا يوجب قبولكم لا
~~الرد والغلو في الإعراض.

# وقوله: { يوحى إلي إنما إلهكم } تمهيد للمقصود من
~~البعثة بعد إثبات النبوة أولا مفصلا بقوله تعالى:

# حم

# [فصلت: 1] الآيات ومجملا ثانيا بقوله: { يوحى إلي }  ثم قيل: {
~~إنما إلهكم } بيانا / للمقصود فقوله { يوحى إلي }
~~مسوق للتمهيد، وفيه رمز إلى / إثبات النبوة، وهذا المعنى ms09452 على القول بأن
~~المراد من { فاعمل } الخ فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال
~~أمرك ظاهر، وأما على القول الأول فوجهه أن الدين هو جملة ما يلتزمه
~~المبعوث إليه من طاعة الباعث تعالى بواسطة تبليغ المبعوث فهو مسبب عن
~~نبوته المسببة عن دليلها فأظهروا بذلك أنهم منقادون لما قرر لديهم آباؤهم
~~من منافاة النبوة للبشرية وأنه دينهم فقيل لهم ما قيل، وهو على هذا الوجه
~~أكثر طباقا وأبلغ، وهذا حسن دقيق وما ذكر أولا أسرع تبادرا.

# وفي «الكشف» أن { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى
~~إلي } في مقابلة إنكارهم الإعجاز والنبوة وقوله: { فاستقيموا }
~~يقابل عدم القبول وفيه رمز إلى شيء مما سمعت فتأمل.

# وقرأ ابن وثاب والأعمش { قال إنما } فعلا ماضيا، وقرأ النخعي
~~والأعمش { يوحي } بكسر الحاء على أنه مبني للفاعل أي يوحي الله إلي
~~أنما إلهكم إله واحد.

# { وويل للمشركين } من شركهم بربهم عز وجل.

### || [41.7]

# { الذين لا يؤتون الزكوة } لبخلهم وعدم إشفاقهم على الخلق
~~وذلك من أعظم الرذائل { وهم بالأخرة هم كفرون } مبتدأ
~~وخبر و { هم } الثاني ضمير فصل و { بالأخرة } متعلق بكافرون،
~~والتقديم للاهتمام ورعاية الفاصلة، والجملة حال مشعرة بأن امتناعهم عن
~~الزكاة لاستغراقهم في الدنيا وإنكارهم للآخرة. وحمل الزكاة على معناها
~~الشرعي مما قاله ابن السائب، وروي عن قتادة والحسن والضحاك ومقاتل، وقيل:
~~الزكاة بالمعنى اللغوى أي لا يفعلون ما يزكي أنفسهم وهو الإيمان والطاعة.
~~وعن مجاهد والربيع لا يزكون أعمالهم، وأخرج ابن جرير وجماعة عن ابن عباس
~~أنه قال في ذلك: أي لا يقولون لا إله إلا الله وكذا الحكيم الترمذي وغيره
~~عن عكرمة فالمعنى حينئذ لا يطهرون أنفسهم من الشرك، واختار ذلك الطيبي
~~قال: والمعنى عليه فاستقيموا إليه بالتوحيد وإخلاص العبادة له تعالى
~~وتوبوا إليه سبحانه مما سبق لكم من الشرك وويل لكم إن لم تفعلوا ذلك كله
~~فوضع موضعه منع إيتاء الزكاة ليؤذن بأن الاستقامة على التوحيد وإخلاص
~~العمل لله تعالى والتبري عن الشرك هو تزكية النفس، وهو أوفق لتأليف
~~النظم، وما ms09453 ذهب إليه حبر الأمة إلا لمراعاة النظم، وجعل قوله تعالى: {
~~إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحات لهم أجر
~~غير ممنون }.

### || [41.8]

# أي غير مقطوع مذكورا على جهة الاستطراد تعريضا بالمشركين وأن نصيبهم
~~مقطوع حيث لم يزكوا أنفسهم كما زكوا، واستدل على الاستطراد بالآية بعد.
~~وفي «الكشف» القول الأول أظهر والمشركون باق على عمومه لا من باب إقامة
~~الظاهر مقام المضمر كهذا القول وأن الجملة معترضة كالتعليل لما أمرهم به
~~وكذلك { إن الذين ءامنوا } الآية لأنه بمنزلة وويل للمشركين
~~وطوبى للمؤمنين، وفيهما من التحذير والترغيب ما يؤكد أن الأمر بالإيمان
~~والاستقامة تأكيدا لا يخفى حاله على ذي لب، وكذلك الزكاة فيه على
~~الظاهر. وخص من بين أوصاف الكفرة منعها لما أنها معيار على الإيمان
~~المستكن في القلب، كيف وقد قيل: المال شقيق الروح بل قال بعض الأدباء:

# وقالوا شقيق الروح مالك فاحتفظ

# به فأجبت المال خير من الروح

# أرى حفظه يقضي بتحسين حالتي

# وتضييعه يفضي لتسآل مقبوح

# والصرف عن الحقيقة الشرعية الشائعة من غير موجب لا يجوز كيف ومعنى
~~الإيتاء لا يقر قراره، نعم لو كان بدله يأتون كما في قوله تعالى:

# ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى

# [التوبة: 54] لحسن لا يقال: إن الزكاة فرضت بالمدينة والسورة مكية لأنا
~~نقول: إطلاق الاسم على طائفة مخرجة من المال على وجه من القربة مخصوص كان
~~شائعا قبل فرضيتها بدليل شعر أمية بن أبي الصلت الفاعلون للزكوات، على
~~أن هذا الحق على هذا الوجه المعروف فرض بالمدينة، / وقد كان في مكة فرض
~~شيء من المال يخرج إلى المستحق لا على هذا الوجه وكان يسمى زكاة أيضا ثم
~~نسخ انتهى. ومنه يعلم سقوط ما قاله الطيبي. بقي مخالفة الحبر وهي لا
~~تتحقق إلا إذا تحققت الرواية عنه وبعده الأمر أيضا سهل، ولعله رضي الله
~~تعالى عنه كان يقرأ (لا يأتون) من الإتيان إذ القراءة المشهورة تأبى ذلك
~~إلا بتأويل بعيد، والعجب نسبة ما ذكر عن الحبر في «البحر» إلى الجمهور
~~أيضا، وحمل الآية على ذلك مخلص ms09454 بعض ممن لا يقول بتكليف الكفار بالفروع
~~لكن لا يخفى حال الحمل وهي على المعنى المتبادر دليل عليه وممن لا يقول
~~به قال: هم مكلفون باعتقاد حقيتها دون إيقاعها والتكليف به بعد الإيمان
~~فمعنى الآية لا يؤتون الزكاة بعد الإيمان، وقيل: المعنى لا يقرون
~~بفرضيتها، والقول بتكليف المجنون أقرب من هذا التأويل، وقيل كلمة {
~~ويل } تدل على الذم لا التكليف وهو مذموم عقلا، وفيه بحث لا يخفى.

# هذا وقيل في { ممنون } لا يمن به عليهم من المن بمعنى تعداد النعم،
~~وأصل معناه الثقل فأطلق على ذلك لثقله على الممنون عليه، وعن ابن عباس
~~تفسيره بالمنقوص، وأنشدوا لذي الأصبع العدواني:

# إني لعمرك ما بابي بذي غلق

# عن الصديق ولا زادي بممنون

# والآية على ما روي عن السدي نزلت في المرضى والهرمى إذا عجزوا عن كمال
~~الطاعات كتب لهم من الأجر في المرض والهرم مثل الذي كان يكتب لهم وهم
~~أصحاء وشبان ولا تنقص أجورهم وذلك من عظيم كرم الله تعالى ورحمته عز وجل.

### || [41.9]

# { قل أئنكم لتكفرون بالذى خلق الأرض فى
~~يومين } إلى آخر الآيات والكلام فيها كثير ومنه ما ليس بالمشهور
~~ولنبدأ بما هو المشهور وبعد التمام نذكر الآخر فنقول: هذا إنكار وتشنيع
~~لكفرهم، وإن واللام. إما لتأكيد الإنكار وتقديم الهمزة لاقتضائها الصدارة
~~لا لإنكار التأكيد وإما للإشعار بأن كفرهم من البعد بحيث ينكر العقلاء
~~وقوعه فيحتاج إلى التأكيد. وعلق سبحانه كفرهم بالموصول لتفخيم شأنه تعالى
~~واستعظام كفرهم به عز وجل. والظاهر أن المراد بالأرض الجسم المعروف،
~~وقيل: لعل المراد منها ما في جهة السفل من الأجرام الكثيفة واللطيفة من
~~التراب والماء والهواء تجوزا باستعمالها في لازم المعنى على ما قيل
~~بقرينة المقابلة وحملت على ذلك لئلا يخلو الكلام عن التعرض لمدة خلق ما
~~عدا التراب، ومن خلقها في يومين أنه سبحانه خلق لها أصلا مشتركا ثم خلق
~~لها صورا بها تنوعت إلى أنواع. واليوم في المشهور عبارة عن زمان كون
~~الشمس فوق الأفق وأريد منه ههنا الوقت مطلقا لأنه ms09455 لا يتصور ذلك قبل خلق
~~السماء والكواكب والأرض نفسها ثم إن ذلك الوقت يحتمل أن يكون بمقدار
~~اليوم المعروف ويحتمل أن يكون أقل منه أو أكثر والأقل أنسب بالمقام،
~~وأيا ما كان فالظاهر أن اليومين ظرفان لخلق الأرض مطلقا من غير توزيع.
~~وقال بعض الأجلة: إنه تعالى خلق أصلها ومادتها في يوم وصورها وطبقاتها في
~~آخر، وقال في «إرشاد العقل السليم» ((المراد بخلق الأرض تقدير وجودها أي
~~حكم بأنها ستوجد في يومين)) مثله في قوله تعالى:

# إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من
~~تراب ثم قال له كن فيكون

# [آل عمران:59] والمراد بكفرهم به تعالى إلحادهم في ذاته سبحانه وصفاته
~~عز وجل وخروجهم عن الحق اللازم له جل شأنه على عباده من توحيده واعتقاد
~~ما يليق بذاته وصفاته جل جلاله فلا ينزهونه تعالى عن صفات الأجسام ولا
~~يثبتون له القدرة التامة والنعوت واللائقة به سبحانه وتعالى ولا يعترفون
~~بإرساله تعالى الرسل وبعثه سبحانه الأموات حتى كأنهم يزعمون أنه سبحانه
~~خلق العباد عبثا وتركهم سدى.

# وقوله تعالى: { وتجعلون له أندادا } عطف على (تكفرون) داخل
~~معه في حكم الإنكار والتوبيخ، / وجعله حالا من الضمير في { خلق } لا
~~يخفى حاله. وجمع الأنداد باعتبار ما هو الواقع لا بأن يكون مدار الإنكار
~~هو التعدد أي وتجعلون له أندادا وأكفاء من الملائكة والجن وغيرهم والحال
~~أنه لا يمكن أن يكون له سبحانه ند واحد.

# { ذلك } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة وما فيه
~~من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان ببعد منزلته في العظمة،
~~وإفراد الكاف لما أن المراد ليس تعيين المخاطبين، وهو مبتدأ خبره ما بعده
~~أي ذلك العظيم الشأن الذي فعل ما ذكر في مدة يسيرة { رب العلمين
~~} أي خالق جميع الموجودات ومربيها دون الأرض خاصة فكيف يتصور أن يكون شيء
~~من مخلوقاته ندا له عز وجل.

### || [41.10]

# وقوله تعالى: { وجعل فيها رواسي } على ما اختاره غير واحد عطف
~~على

# خلق الأرض

# [فصلت: 9] داخل في حكم ms09456 الصلة، ولا ضير في الفصل بينهما بالجملتين
~~المذكورتين لأن الأولى متحدة بقوله تعالى: { تكفرون } بمنزلة
~~إعادتها والثانية معترضة مؤكدة لمضمون الكلام فالفصل بهما كلا فصل، وفيه
~~بلاغة من حيث المعنى لدلالته على أن المعطوف عليه أي { خلق الأرض }
~~كاف في كونه تعالى رب العالمين وأن لا يجعل له ند فكيف إذا انضمت إليه
~~هذه المعطوفات.

# وتعقب بأن الاتحاد لا يخرجه عن كونه فاصلا مشوشا للذهن مورثا للتعقيد
~~فالحق والأقرب أن تجعل الواو اعتراضية وكل من الجملتين معترض ليندفع
~~بالاعتراض الاعتراض أو يجعل ابتداء كلام بناء على أنه يصدر بالواو أو
~~يقال: هو معطوف على مقدر كخلق، واختار هذا الأخير صاحب «الكشف» فقال:
~~أوجه ما ذكر فيه أنه عطف على مقدر بعد

# رب العلمين

# [فصلت: 9] أي خلقها وجعل فيها رواسي فكأنه ساق قوله تعالى: { خلق
~~الارض في يومين } أولا ردا عليهم في كفرهم ثم ذكره ثانيا
~~تتميما للقصة وتأكيدا للإنكار، وليس سبيل قوله سبحانه: { ذلك رب
~~العالمين } سبيل الاعتراض حتى تجعل الجملة عطفا على الصلة ويعتذر
~~عن تخلل { تجعلون } عطفا على { تكفرون } باتحاده بما قبله على
~~أسلوب

# وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام

# [البقرة:217] وذلك لأنه مقصود لذاته في هذا المساق وهو ركن للإنكار مثل
~~قوله تعالى: { الذي خلق الأرض } وأكد على ما لا يخفى على ذي
~~بصيرة. والرواسي الجبال من رسا إذا ثبت، والمراد بجعلها إبداعها بالفعل،
~~وفي «الإرشاد» المراد تقدير الجعل لا الجعل بالفعل.

# وقوله تعالى: { من فوقها } متعلق بجعل أو بمحذوف صفة لرواسي أي
~~كائنة من فوقها والضمير للأرض وفي ذلك استخدام على ما قيل في المراد منها
~~لأن الجبال فوق الأرض المعروفة لا فوق جميع الأجسام السفلية والبسائط
~~العنصرية، وفائدة { من فوقها } الإشارة إلى أنها جعلت مرتفعة عليها
~~لا تحتها كالأساطين ولا مغروزة فيها كالمسامير لتكون منافعها معرضة
~~لأهلها ويظهر للنظار ما فيها من مراصد الاعتبار ومطارح الأفكار. ولعمري
~~إن في ارتفاعها من الحكم التكوينية ما تدهش منه العقول، والآية لا تأبى
~~أن يكون في ms09457 المغمور من الأرض في الماء جبالا كما لا يخفى والله تعالى
~~أعلم.

# { وبرك فيها } أي كثر خيرها، وفي «الإرشاد» قدر سبحانه أن يكثر
~~خيرها بأن يكثر فيها أنواع النباتات وأنواع الحيوانات التي من جملتها
~~الإنسان { وقدر فيها أقوتها } أي بين كميتها وأقدارها، وقال
~~في «الإرشاد»: أي حكم بالفعل بأن يوجد فيما سيأتي لأهلها من الأنواع
~~المختلفة أقواتها المناسبة لها على مقدار معين تقتضيه الحكمة.

# والكلام على تقدير مضاف، وقيل: لا يحتاج إلى ذلك والإضافة لأدنى ملابسة،
~~وإليه يشير كلام / السدي حيث قال: أضاف الأقوات إليها من حيث هي فيها
~~وعنها برزت، وفسر مجاهد الأقوات بالمطر والمياه. وفي رواية أخرى عنه
~~وإليه ذهب عكرمة والضحاك أنها ما خص به كل إقليم من الملابس والمطاعم
~~والنباتات ليكون الناس محتاجين بعضهم لبعض وهو مقتض لعمارة الأرض وانتظام
~~أمور العالم، ويؤيد هذا قراءة بعضهم { وقسم فيها أقواتها }.

# { فى أربعة أيام } متعلق بحصول الأمور المذكورة لا بتقديرها
~~على ما في «إرشاد العقل السليم»، والكلام على تقدير مضاف أي قدر حصولها
~~في تتمة أربعة أيام؛ وكان الزجاج يعلقه  بقدر  كما هو رأي الإمام أبي
~~حنيفة في القيد إذا وقع متعاطفات نحو أكرمت زيدا وضربت عمرا ورأيت
~~خالدا في الدار، والشافعي يقول: المتعقب للجمل يعود إليها جميعا لأن
~~الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات فيكون القيد هنا عائدا
~~إلى جعل الرواسي وما بعده وهو الذي يتبادر إلى فهمي ولا بد من تقدير
~~المضاف الذي سمعت وقد صرح الزجاج بتقديره ولم يقدره الزمخشري وجعل الجار
~~متعلقا بمحذوف وقع خبرا لمبتدأ محذوف أي كل ذلك من خلق الأرض وما بعده
~~كائن في أربعة أيام على أنه فذلكة أي كلام منقطع أتى به لمجمل ما ذكر
~~مفصلا مأخوذة من فذلكة الحساب وقولهم: فذلك كذا بعد استقرار الجمع فما
~~نحن فيه ألحق فيه أيضا جملة من العدد بجملة أخرى وجعله كذلك لا يمنع عطف
~~{ جعل فيها رواسي } على مقدر لأن الربط المعنوي كاف. والقول بأن
~~الفذلكة تقتضي التصريح بذكر الجملتين ms09458 مثل أن يقال: سرت من البصرة إلى
~~واسط في يومين ومن واسط إلى الكوفة في يومين فذلك أربعة أيام وههنا لم
~~ينص إلا على أحد المبلغين غير سديد لأن العلم بالمبلغين في تحقيق الفذلكة
~~كاف على أن المراد أنه جار مجراها وإنما لم يجز الحمل على أن جعل الرواسي
~~وما ذكر عقيبه أو تقدير الأقوات في أربعة أيام لأنه يلزم أن يكون خلق
~~الأرض وما فيها في ستة أيام وقد ذكر بعده أن خلق السموات في يومين فيكون
~~المجموع ثمانية أيام.

# وقد تكرر في كتاب الله تعالى أن خلقهما أعني السموات والأرض في ستة
~~أيام وقيدت الأيام الأربعة بقوله تعالى: { سوآء } فإنه مصدر مؤكد
~~لمضمر هو صفة لأيام أي استوت سواء أي استواء كما يدل عليه قراءة زيد بن
~~علي، والحسن وابن أبي إسحق وعمرو بن عبيد وعيسى ويعقوب { سوآء } بالجر
~~فإنه صريح في الوصفية وبذلك يضعف القول بكونه حالا من الضمير في {
~~أقوتها } مع قلة الحال من المضاف إليه في غير الصور الثلاث ولزوم
~~تخالف القراءتين في المعنى.

# ويعلم من ذلك أنه على قراءة أبي جعفر بالرفع يجعل خبر المبتدأ محذوف أي
~~هي سواء وتجعل الجملة صفة لأيام أيضا لا حالا من الضمير لدفع التجوز
~~فإنه شائع في مثل ذلك مطرد في عرفي العرب والعجم فتراهم يقولون: فعلته في
~~يومين ويريدون في يوم ونصف مثلا وسرت أربعة أيام ويريدون ثلاثة ونصفا
~~مثلا، ومنه قوله تعالى:

# الحج أشهر معلومت

# [البقرة: 197] فإن المراد بالأشهر فيه شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة
~~وليلة النحر وذلك لأن الزائد جعل فردا مجازا. ثم أطلق على المجموع اسم
~~العدد الكامل فالمعنى ههنا في أربعة أيام لا نقصان فيها ولا زيادة وكأنه
~~لذلك أوثر ما في التنزيل على أن يقال: وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك
~~فيها وقدر فيها أقواتها في يومين كما قيل / أولا

# خلق الأرض في يومين

# [فصلت: 9] وحاصله أنه لو قيل ذلك لكان يجوز أن يراد باليومين الأولين
~~والآخيرين أكثرهما وإنما لم ms09459 يقل خلق الأرض في يومين كاملين وجعل فيها
~~رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في يومين كاملين أو خلق
~~الأرض في يومين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها
~~في يومين تلك أربعة سواء لأن ما أورده سبحانه أخصر وأفصح وأحسن طباقا
~~لما عليه التنزيل من مغاصات القرائح ومصاك الركب ليتميز الفاضل من الناقص
~~والمتقدم من الناكص وترتفع الدرجات وتتضاعف المثوبات. وقال بعض الأجلة:
~~إن في النظم الجليل دلالة أي مع الاختصار على أن اليومين الأخيرين متصلان
~~باليومين الأولين لتبادره من جعلهما جملة واحدة واتصالهما في الذكر.

# وقوله تعالى: { للسائلين } متعلق بمحذوف وقع خبرا لمبتدأ محذوف
~~أي هذا الحصر في أربعة كائن للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها، ولا ضير
~~في توالي حذف مبتدأين بناء على ما آثره الزمخشري في الجار والمجرور قبل،
~~وقيل هو متعلق  بقدر  السابق أي وقدر فيها أقواتها لأجل الطالبين لها
~~المحتاجين إليها من المقتاتين، وقيل: متعلق بمقدر هو حال من الأقوات،
~~والكل لا يستقيم إلا على ما آثره الزجاج دون ما آثره الزمخشري لأن
~~الفذلكة كما يعلم مما سبق لا تكون إلا بعد تمام الجملتين فلا يجوز أن
~~تتوسط بين الجملة الثانية وبعض متعلقاتها وقيل متعلق بسواء على أنه حال
~~من الضمير والمعنى مستوية مهيأة للمحتاجين أو به على قراءة الرفع وجعله
~~خبر مبتدأ محذوف أي هو أي أمر هذه المخلوقات ونفعها مستو مهيأ للمحتاجين
~~إليه من البشر وهو كما ترى.

### || [41.11]

# { ثم استوى إلى السماء } أي قصد إليها وتوجه دون إرادة تأثير
~~في غيرها من قولهم: استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه لا يلوي على غيره.
~~وذكر الراغب أن الاستواء متى عدي بعلى فبمعنى الاستيلاء كقوله تعالى:

# الرحمن على العرش استوى

# [طه: 5] وإذا عدي بإلى فبمعنى الانتهاء إلى الشيء إما بالذات أو
~~بالتدبير، وعلى الثاني قوله تعالى: { ثم استوى إلى السماء }
~~الآية. وكلام السلف في الاستواء مشهور. وقد ذكرنا فيما سلف طرفا منه.
~~ويشعر ظاهر كلام البعض ms09460 أن في الكلام مضافا محذوفا أي ثم استوى إلى خلق
~~السماء { وهي دخان } أمر ظلماني ولعله أريد به مادتها التي منها
~~تركبت وأنا لا أقول بالجواهر الفردة لقوة الأدلة على نفيها ولا يلزم من
~~ذلك محذور أصلا كما لا يخفى على الذكي المنصف، وقيل: إن عرشه تعالى كان
~~قبل خلق السموات والأرض على الماء فاحدث الله تعالى في الماء سخونة
~~فارتفع زبد ودخان فأما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق الله تعالى فيه
~~اليبوسة وأحدث سبحانه منه الأرض وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله تعالى
~~منه السموات. وقيل: كان هناك ياقوتة حمراء فنظر سبحانه إليها بعين
~~الجلال فذابت وصارت ماء فأزبد وارتفع منه دخان فكان ما كان، وأيا ما كان
~~فليس الدخان كائنا من النار التي هي إحدى العناصر لأنها من توابع الأرض
~~ولم تكن موجودة إذ ذاك على قول كما ستعرف إن شاء الله تعالى، وعلى القول
~~بالوجود لم يذهب أحد إلى تكون ذلك من تلك النار والحق الذي ينبغي أن لا
~~يلتفت إلى ما سواه أن كرة النار التي يزعمها الفلاسفة المتقدمون ووافقهم
~~كثير من الناس عليها ليست بموجودة ولا توقف لحدوث الشهب على وجودها كما
~~يظهر لذي ذهن ثاقب.

# / { فقال لها وللأرض ائتيا } بما خلقت فيكما من المنافع
~~فليس المعنى على إتيان ذاتهما وإيجادهما بل إتيان ما فيهما مما ذكر بمعنى
~~إظهاره والأمر للتسخير قيل ولا بد على هذا أن يكون المترتب بعد جعل
~~السموات سبعا أو مضمون مجموع الجمل المذكورة بعد الفاء وإلا فالأمر
~~بالإتيان بهذا المعنى مترتب على خلق الأرض والسماء. وقال بعض: الكلام على
~~التقديم والتأخير والأصل ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقضاهن سبع سموات
~~الخ فقال لها وللأرض ائتيا الخ وهو أبعد عن القيل والقال إلا أنه خلاف
~~الظاهر أو كونا واحدثا على وجه معين وفي وقت مقدر لكل منكما فالمراد
~~إتيان ذاتهما وإيجادهما فالأمر للتكوين على أن خلق وجعل وبارك وقدر
~~بالمعنى الذي حكيناه عن «إرشاد العقل السليم» ويكون هذا ((شروعا ms09461 في بيان
~~كيفية التكوين إثر بيان كيفية التقدير، ولعل تخصيص البيان بما يتعلق
~~بالأرض وما فيها لما أن بيان اعتنائه تعالى بأمر المخاطبين وترتيب مبادىء
~~معايشهم قبل خلقهم مما يحملهم على الإيمان ويزجرهم عن الكفر والطغيان،
~~وخص الاستواء بالسماء مع أن الخطاب المترتب عليه متوجه إليهما معا
~~اكتفاء بذكر تقدير الأرض وتقدير ما فيها كأنه قيل: فقيل لها وللأرض التي
~~قدر وجودها ووجود ما فيها كونا وأحدثا)) وهذا الوجه هو الذي قدمه صاحب
~~«الإرشاد» وذكره غيره احتمالا ((وجعل الأمر عبارة عن تعلق إرادته
~~تعالى بوجودهما تعلقا فعليا بطريق التمثيل من غير أن يكون هناك آمر
~~ومأمور كما قيل في قوله تعالى:

# كن

# [غافر: 68].

# وقوله تعالى: { طوعا أو كرها } تمثيلا لتحتم تأثير قدرته
~~تعالى فيهما واستحالة امتناعهما من ذلك لا إثبات الطوع والكره لهما، وهما
~~مصدران وقعا موقع الحال أي طائعتين أو كارهتين، وقوله تعالى: {
~~قالتا أتينا طائعين } أي منقادين تمثيلا لكمال تأثرهما عن
~~القدرة الربانية وحصولهما كما أمرا به وتصويرا لكون وجودهما كما هما
~~عليه جاريا على مقتضى الحكمة المبالغة فإن الطوع منبىء عن ذلك والكره
~~موهم لخلافه)). وقيل: { طائعين } بجمع المذكر السالم مع اختصاصه
~~بالعقلاء باعتبار كونهما في معرض الخطاب والجواب ولا وجه للتأنيث عند
~~إخبارهم عن أنفسهم لكون التأنيث بحسب اللفظ فقط.

### || [41.12]

# وقوله تعالى: { فقضاهن سبع سموت في يومين }
~~تفسيرا وتفصيلا لتكوين السماء المجمل المعبر عنه بالأمر وجوابه، لا أنه
~~فعل مترتب على تكوينهما أي خلقهن خلقا إبداعيا وأتقن أمرهن حسبما
~~تقتضيه الحكمة في وقتين. وضمير { هن } إما للسماء على المعنى لأنه
~~بمعنى السموات ولذا قيل: هو اسم جمع  فسبع  حال من الضمير، وإما مبهم
~~يفسره ما بعده على أنه تمييز فهو له وإن تأخر لفظا ورتبة لجوازه في
~~التمييز نحو ربه رجلا وهو وجه عربي. وقال أبو حيان: ((انتصب { سبع }
~~على الحال وهو حال مقدرة))، وقال بعضهم: بدل من الضمير، وقيل: مفعول به
~~والتقدير قضى منهن سبع سموات، وقال الحوفي: على أنه مفعول ثان على تضمين ms09462
~~القضاء معنى التصيير ولم يذكر مقدار زمن خلق الأرض وخلق ما فيها اكتفاء
~~بذكره في بيان تقديرهما.

# وقوله تعالى: { وأوحى في كل سماء أمرها } عطفا على {
~~قضاهن } أي خلق في كل منها ما استعدت له واقتضت الحكمة أن يكون فيها
~~من الملائكة والنيرات وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى كما يقتضيه
~~كلام السدي وقتادة فالوحي عبارة عن التكوين كالأمر مقيد بما قيد به
~~المعطوف عليه من الوقت أو أوحى إلى أهل كل منها أوامره وكلفهم / ما يليق
~~بهم من التكاليف كما قيل، فالوحي بمعناه المشهور من بين معانيه ومطلق عن
~~القيد المذكور أو مقيد به فيما أرى، واحتمال التقييد والإطلاق جار في
~~قوله تعالى: { وزينا السماء الدنيا بمصبيح } أي من
~~الكواكب وهي فيها وإن تفاوتت في الارتفاع والانخفاض على ما يقتضيه الظاهر
~~أو بعضها فيها وبعضها فيما فوقها لكنها لكونها كلها ترى متلألئة عليها صح
~~كون تزيينها بها، والالتفات إلى نون العظمة لإبراز مزيد العناية، وأما
~~قوله تعالى: { وحفظا } فهو مفعول مطلق لفعل مقدر معطوف على قوله
~~تعالى: { زينا } أي وحفظناها حفظا، والضمير للسماء وحفظها إما من
~~الآفات أو من الشياطين المسترقة للسمع وتقدم الكلام في ذلك، وقيل الضمير
~~للمصابيح وهو خلاف الظاهر، وجوز كونه مفعولا لأجله على المعنى أي
~~معطوفا على مفعول له يتضمنه الكلام السابق أي زينة وحفظا، ولا يخفى أنه
~~تكلف بعيد لا ينبغي القول به مع ظهور الأول وسهولته كما أشار في «البحر»
~~وجعل قوله تعالى: { ذلك } إشارة إلى جميع الذي ذكر بتفاصيله أي ذلك
~~المذكور { تقدير العزيز العليم }. أي البالغ في القدرة
~~والبالغ في العلم.

# ثم قال صاحب «الإرشاد» بعد ما سمعت مما حكي عنه: ((فعلى هذا لا دلالة
~~في الآية الكريمة على الترتيب بين إيجاد الأرض وإيجاد السماء وإنما
~~الترتيب بين التقدير أي تقدير إيجاد الأرض وما فيها وإيجاد السماء، وأما
~~على تقدير كون الخلق وما عطف عليه من الأفعال الثلاثة على معانيها
~~الظاهرة فهي تدل على تقدم خلق الأرض وما فيها ms09463 وعليه إطباق أكثر أهل
~~التفسير))، ولا يخفى عليك ان حمل تلك الأفعال على ما حملها عليه خلاف
~~الظاهر كما هو مقر به، وعدم التعرض لخلق الأرض وما فيها بالفعل كما تعرض
~~لخلق السموات كذلك لا يلائم دعوى الاعتناء التي أشار إليها في بيان وجه
~~تخصيص البيان بما يتعلق بالأرض وما فيها على أن خلق ما فيها بالفعل غير
~~ظاهر من قوله تعالى:

# فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا
~~أتينا طائعين

# [فصلت: 11] لا سيما وقد ذكرت الأرض قبل مستقلة وذكر ما فيها مستقلا فلا
~~يتبادر من الأرض هنا إلا تلك الأرض المستقلة لا هي مع ما فيها، وأمر تقدم
~~خلق الأرض وتأخره سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام فيه.

# وقيل: إن إتيان السماء حدوثها وإتيان الأرض أن تصير مدحوة وفيه جمع بين
~~معنيين مجازيين حيث شبه البروز من العدم وبسط الأرض وتمهيدها بالإتيان من
~~مكان آخر وفي صحة الجمع بينهما كلام على أن في كون الدحو مؤخرا عن جعل
~~الرواسي كلاما أيضا ستعرفه إن شاء الله تعالى، وقيل: المراد لتأت كل
~~منكما الأخرى في حدوث ما أريد توليده منكما وأيد بقراءة ابن عباس وابن
~~جبير ومجاهد { آتيا. وقالتا آتينا } على أن ذلك من المواتاة بمعنى
~~الموافقة، قال الجوهري: تقول آتيته على ذلك الأمر مواتاة إذا وافقته
~~وطاوعته لأن المتوافقين يأتي كل منهما صاحبه وجعل ذلك من المجاز المرسل
~~وعلاقته اللزوم، وقال ابن جني: هي المسارعة وهو حسن أيضا ولم يجعله أكثر
~~الأجلة من الإيتاء لأنه غير لائح وجعله ابن عطية منه وقدر المفعول أي
~~أعطيا من أنفسكما من الطاعة ما أردته منكما وما تقدم أحسن وما أسلفناه في
~~أول الأوجه من الكلام يأتي نحوه هنا كما لا يخفى.

# واختلف الناس في أمر التقدم والتأخر في خلق كل من السموات وما فيها
~~والأرض وما فيها وذلك للآيات والأحاديث التي ظاهرها التعارض فذهب بعض إلى
~~تقدم خلق الأرض لظاهر هذه الآية حيث ذكر فيها أولا خلق الأرض وجعل
~~الرواسي فيها وتقدير ms09464 الأقوات ثم قال سبحانه:

# ثم استوى إلى السماء

# [فصلت: 11] الخ وأبى أن يكون الأمر بالإتيان للأرض أمر تكوين، ولظاهر
~~قوله تعالى في آية البقرة:

# خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى
~~السماء فسواهن سبع سموات

# [البقرة: 29] وأول آية النازعات أعني قوله تعالى:

# أأنتم أشد خلقا أم السماء بنها * رفع سمكها
~~فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحها * والأرض
~~بعد ذلك دحها * أخرج منها ماءها ومرعها *
~~والجبال أرسها * متعا لكم ولأنعمكم

# [النازعات: 27-33] لما أن ظاهره يدل على تأخر خلق الأرض وما فيها من
~~الماء والمرعى والجبال لأن { ذلك } إشارة إلى السابق وهو رفع السمك
~~والتسوية، و(الأرض) منصوب بمضمر على شريطة التفسير أي ودحا الأرض بعد رفع
~~السماء وتسويتها دحاها الخ بأن الأرض منصوب بمضمر نحو تذكر وتدبر أو اذكر
~~الأرض بعد ذلك لا بمضمر على شريطة التفسير أو به و { بعد ذلك }
~~إشارة إلى المذكور سابقا من ذكر خلق السماء لا خلق السماء نفسه ليدل على
~~أنه متأخر في الذكر عن خلق السماء تنبيها على أنه قاصر في الأول لكنه
~~تتميم كما تقول جملا ثم تقول بعد ذلك كيت وكيت وهذا كثير في استعمال
~~العرب والعجم، وكأن { بعد ذلك } بهذا المعنى عكسه إذا استعمل
~~لتراخي الرتبة والتعظيم؛ وقد تستعمل (ثم) أيضا بهذا المعنى وكذا الفاء،
~~وبعضهم يذهب في الجواب إلى ما قاله ابن عباس. فقد روى الحاكم والبيهقي
~~بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما فقال: رأيت أشياء تختلف علي في القرآن قال: هات ما اختلف عليك من
~~ذلك فقال: أسمع الله تعالى يقول:

# أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض

# [فصلت: 9] حتى بلغ

# طائعين

# [فصلت: 11] فبدأ بخلق الأرض في هذه الآية قبل خلق السماء ثم قال سبحانه
~~في الآية الأخرى:

# أم السماء بنها

# [النازعات: 27] ثم قال

# والأرض بعد ذلك دحها

# [النازعات: 30] فبدأ جل شأنه بخلق السماء قبل خلق الأرض. فقال ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما: أما خلق الأرض في يومين فإن ms09465 الأرض خلقت قبل السماء
~~وكانت السماء دخانا فسواهن سبع سموات في يومين بعد خلق الأرض، وأما
~~قوله تعالى: { والأرض بعد ذلك دحها } يقول جعل فيها جبلا
~~وجعل فيها نهرا وجعل فيها شجرا وجعل فيها بحورا انتهى.

# قال الخفاجي: يعني أن قوله تعالى: { أخرج منها ماءها } بدل أو
~~عطف بيان لدحاها بمعنى بسطها مبين للمراد منه فيكون تأخرها في هذه الآية
~~ليس بمعنى تأخر ذاتها بل بمعنى تأخر خلق ما فيها وتكميله وترتيبه بل خلق
~~التمتع والانتفاع به فإن البعدية كما تكون باعتبار نفس الشيء تكون
~~باعتبار جزئه الأخير وقيده المذكور كما لو قلت: بعثت إليك رسولا ثم كنت
~~بعثت فلانا لينظر ما يبلغه فبعث الثاني وإن تقدم لكن ما بعث لأجله متأخر
~~عنه فجعل نفسه متأخرا. فإن قلت: كيف هذا مع ما رواه ابن جرير وغيره
~~وصححوه عن ابن عباس أيضا أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم
~~فسألته عن خلق السموات والأرض فقال عليه الصلاة والسلام:

# " خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد والإثنين وخلق الجبال وما فيهن من
~~المنافع يوم الثلاثاء وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران
~~والخراب فهذه أربعة فقال تعالى: { أئنكم لتكفرون بالذي
~~خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك
~~رب العلمين * وجعل فيها رواسي من فوقها
~~وبرك فيها وقدر فيها أقوتها في أربعة أيام
~~سواء للسائلين } [فصلت: 910] وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم
~~الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة "

# فإنه يخالف الأول لاقتضائه خلق ما في الأرض من الأشجار والأنهار ونحوها
~~قبل خلق السماء قلت: الظاهر حمله على أنه خلق فيما ذكر مادة ذلك وأصوله
~~إذ لا يتصور العمران والخراب قبل خلق السماء فعطفه عليه قرينة لذلك فلا
~~تعارض بين الحديثين كما أنه ليس بين الآيات اختلاف انتهى كلام الخفاجي.

# ولا يخفى أن قول ابن عباس / السابق نص في أن جعل الجبال في الأرض بعد
~~خلق السماء وهو ظاهر آية النازعات إذ كان { بعد ذلك } معتبرا في
~~قوله تعالى:

# والجبال أرسها

# [النازعات: 32] وآية حم ms09466 السجدة ظاهرة في أن جعل الجبال قبل خلق
~~السموات، ثم إن رواية ابن جرير المذكورة عنه مخالفة لخبر مسلم

# " عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق
~~الله تعالى التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم
~~الإثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها
~~الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر
~~ساعة من النهار فيما بين العصر إلى الليل "

# واستدل في «شرح المهذب» بهذا الخبر على أن السبت أول أيام الأسبوع دون
~~الأحد ونقله عن أصحابه الشافعية وصححه الأسنوي وابن عساكر، وقال العلامة
~~ابن حجر: هو الذي عليه الأكثرون وهو مذهبنا يعني الشافعية كما في
~~«الروضة» وأصلها بل قال السهيلي في «روضه» لم يقل بأن أوله الأحد إلا ابن
~~جرير، وجرى النووي في موضع على ما يقتضي أن أوله الأحد فقال: في يوم
~~الإثنين سمي به لأنه ثاني الأيام. وأجيب بأنه جرى في توجيه التسمية
~~المكتفى فيه بأدنى مناسبة على القول الضعيف. وانتصر القفال من الشافعية
~~لكون أوله الأحد بأن الخبر المذكور تفرد به مسلم وقد تكلم عليه الحفاظ
~~علي ابن المديني والبخاري وغيرهما وجعلوه من كلام كعب وأن أبا هريرة إنما
~~سمعه منه ولكن اشتبه على بعض الرواة فجعله مرفوعا. وأجيب بأن من حفظ
~~الرفع حجة على من لم يحفظه والثقة لا يرد حديثه بمجرد الظن ولأجل ذلك
~~أعرض مسلم عما قاله أولئك واعتمد الرفع وخرج طريقه في «صحيحه» فوجب
~~قبولها. وذكر أحمد بن المقري المالكي أن الإمام أحمد رواه أيضا في
~~«مسنده» عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ شبك بيدي أبو القاسم صلى الله عليه
~~وسلم وقال:

# " خلق الله تعالى الأرض يوم السبت "

# الحديث، وفي «الدر المنثور» عدة أخبار عن ابن عباس ناطقة بأن مبدأ خلق
~~الأرض كان يوم الأحد، وفيه أيضا أخرج ابن جرير عن أبي بكر رضي الله
~~تعالى عنه قال: «جاء اليهود إلى النبي صلى ms09467 الله عليه وسلم فقالوا: يا
~~محمد أخبرنا ما خلق الله تعالى من الخلق في هذه الأيام الستة فقال: خلق
~~الله تعالى الأرض يوم الأحد والإثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وخلق
~~المدائن والأقوات والأنهار وعمرانها وخرابها يوم الأربعاء وخلق السموات
~~والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات يعني من يوم الجمعة وخلق في أول
~~ساعة الآجال وفي الثانية الآفة وفي الثالثة آدم قالوا: صدقت إن تممت فعرف
~~النبي صلى الله عليه وسلم ما يريدون فغضب فأنزل الله تعالى

# وما مسنا من لغوب * فاصبر على ما يقولون

# [ق: 38-39]».

# واليهود قاطبة على أن أول الأسبوع يوم الأحد احتجاجا بما يسمونه
~~التوراة وظاهر الاشتقاق يقتضي ذلك. ومن ذهب إلى أن الأول السبت قال: لا
~~حجة في ذلك لأن التسمية لم تثبت بأمر من الله تعالى ولا من رسوله صلى
~~الله عليه وسلم فلعل اليهود وضعوا أسماء الأسبوع على ما يعتقدون فأخذتها
~~العرب عنهم ولم يرد في القرآن إلا الجمعة والسبت وليسا من أسماء العدد
~~على أن هذه التسمية لو ثبتت عن العرب لم يكن فيها دليل لأن العرب تسمي
~~خامس الورد ربعا وتاسعه عشرا وهذا هو الذي أخذ منه ابن عباس قوله الذي
~~كاد ينفرد به أن يوم عاشوراء هو يوم تاسع المحرم وتاسوعاء هو يوم ثامنه،
~~ولا يخفى أن الجواب الأول خارج عن الإنصاف فلأيام الأسبوع عند العرب
~~أسماء أخر فيها ما يدل على ذلك أيضا، وهي أول وأهون وجبار ودبار ومؤنس
~~وعروبة وشيار، ولا يسوغ لمنصف أن يظن أن العرب تبعوا في ذلك اليهود وجاء
~~الإسلام وأقرهم على ذلك، وليت شعري إذا كانت تلك الأسماء وقعت متابعة
~~لليهود فما الأسماء الصحيحة التي وضعها واضع / لغة العرب غير تابع فيها
~~لليهود، والجواب الثاني خلاف الظاهر جدا.

# ونقل الواحدي في «البسيط» عن مقاتل أن خلق السماء مقدم على إيجاد الأرض
~~فضلا عن دحوها واختاره الإمام ونسبه بعضهم إلى المحققين من المفسرين
~~وأولوا الآية بأن الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد بل هو عبارة عن ms09468
~~التقدير، والمراد به في حقه تعالى حكمه تعالى أن سيوجد وقضاؤه عز وجل
~~بذلك مثله في قوله تعالى:

# إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من
~~تراب ثم قال له كن فيكون

# [آل عمران: 59] ولا بد على هذا من تأويل { جعل } و

# بارك

# [فصلت: 10] بنحو ما سمعت عن «الإرشاد»، وجوز أن يبقى { خلق } وكذا ما
~~بعده على ما يتبادر منه ويكون الكلام على إرادة الإرادة كما في قوله
~~تعالى:

# إذا قمتم إلى الصلاة

# [المائدة: 6] أي بالذي أراد خلق الأرض في يومين وأراد أن يجعل فيها
~~رواسي وقالوا: إن (ثم) للتفاوت في الرتبة المنزلة منزلة التراخي الزماني
~~كما في قوله تعالى:

# ثم كان من الذين ءامنوا

# [البلد: 17] فإن اسم (كان) ضمير يرجع إلى فاعل

# فلا اقتحم

# [البلد: 11] وهو الإنسان الكافر وقوله سبحانه:

# فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما
~~ذا مقربة * أو مسكينا ذا متربة

# [البلد: 13-16] تفسير للعقبة، والترتيب الظاهري يوجب تقديم الإيمان عليه
~~لكن (ثم) هنا للتراخي في الرتبة مجازا. وفي «الكشف»: إن ما نقله الواحدي
~~لا إشكال فيه ويتعين { ثم } في هذه السورة والسجدة على تراخي الرتبة
~~وهو أوفق لمشهور قواعد الحكماء لكن لا يوافق ما جاء من أن الابتداء من
~~يوم الأحد كان، وخلق السموات وما فيها من يوم الخميس والجمعة وفي آخر
~~يوم الجمعة ثم خلق آدم عليه السلام.

# وفي «البحر» الذي نقوله: إن الكفار وبخوا وقرعوا بكفرهم بمن صدرت عنه
~~هذه الأشياء جميعها من غير ترتيب زماني وأن { ثم } لترتيب الإخبار لا
~~لترتيب الزمان والمهلة كأنه قال سبحانه بالذي أخبركم أنه خلق الأرض وجعل
~~فيها رواسي وبارك فيها وقدر فيها أقواتها ثم أخبركم أنه استوى إلى السماء
~~فلا تعرض في الآية لترتيب الوقوع الترتيب الزماني، ولما كان خلق السماء
~~أبدع في القدرة من خلق الأرض استؤنف الإخبار فيه بثم فهي لترتيب الإخبار
~~كما في قوله تعالى:

# ثم كان من الذين ءامنوا

# [البلد: 17]بعد قوله سبحانه:

# فلا اقتحم العقبة

# [البلد: 11] وقوله تعالى:

# ثم ms09469 ءاتينا موسى الكتب

# [الأنعام: 154] بعد قوله عز وجل:

# قل تعالوا أتل

# [الأنعام: 151] ويكون قوله جل شأن

# فقال لها وللأرض

# [فصلت: 11] بعد إخباره تعالى بما أخبر به تصويرا لخلقهما على وفق
~~إرادته تعالى كقولك أرأيت الذي أثنيت عليه فقلت له إنك عالم صالح فهذا
~~تصوير لما أثنيت به وتفسير له فكذلك أخبر سبحانه بأنه خلق كيت وكيت فأوجد
~~ذلك إيجادا لم يتخلف عن إرادته انتهى.

# وظاهر ما ذكره في قوله تعالى: { فقال لها } الخ أن القول بعد
~~الإيجاد، وقال بعض الأجلة يجوز أن يكون ذلك للتمثيل أو التخييل للدلالة
~~على أن السماء والأرض محلا قدرته تعالى يتصرف فيهما كيف يشاء إيجادا
~~وإكمالا ذاتا وصفة ويكون تمهيدا لقوله سبحانه: { فقضاهن } أي
~~لما كان الخلق بهذه السهولة قضى السموات وأحكم خلقها في يومين فيصح هذا
~~القول قبل كونهما وبعده، وفي أثنائه إذ ليس الغرض دلالة على وقوع.

# وذكر في نكتة تقديم خلق الأرض وما فيها في الذكر ههنا وفي سورة البقرة
~~على خلق السموات والعكس في سورة النازعات أنها يجوز أن يكون أن المقام
~~في الأوليين مقام الامتنان وتعداد النعم فمقتضاه تقديم ما هو أقرب النعم
~~إلى المخاطبين والمقام في الثالثة مقام بيان كمال القدرة فمقتضاه تقديم
~~ما هو أدل على كمالها، وروى عن الحسن أنه تعالى خلق الأرض في موضع بيت
~~المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق بها ثم أصعد الدخان وخلق منه
~~السموات وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض، وذلك قوله تعالى:

# كانتا رتقا ففتقناهما

# [الأنبياء: 30] الآية.

# وجعله بعضهم دليلا على تأخر دحو الأرض عن خلق السماء، وفي «الإرشاد»
~~أنه ليس نصا في ذلك فإن بسط / الأرض معطوف على إصعاد الدخان وخلق السماء
~~بالواو فلا دلالة في ذلك على الترتيب قطعا. وفي «الكشف» أنه يدل على أن
~~كون السماء دخانا سابق على دحو الأرض وتسويتها بل ظاهر قوله تعالى:

# ثم استوى إلى السماء وهي دخان

# [فصلت: 11] يدل على ذلك، وإيجاد الجوهرة النورية والنظر إليها بعين
~~الجلال المبطن بالرحمة والجمال وذويها ms09470 وامتياز لطيفها عن كثيفها وصعود
~~المادة الدخانية اللطيفة وبقاء الكثيف هذا كله سابق على الأيام الستة
~~وثبت في الخبر الصحيح ولا ينافي الآيات واختار بعضهم أن خلق المادة
~~البعيدة للسماء والأرض كان في زمان واحد وهي الجوهرة النورية أو غيرها
~~وكذا فصل مادة كل عن الأخرى وتمييزها عنها أعني الفتق وإخراج الأجزاء
~~اللطيفة وهي المادة القريبة للسموات وإبقاء الكثيفة وهي المادة القريبة
~~للأرض فإن فصل اللطيف عن الكثيف يستلزم فصل الكثيف عنه وبالعكس، وأما خلق
~~كل على الهيئة التي يشاهد بها فليس في زمان واحد بل خلق السموات سابق في
~~الزمان على خلق الأرض، ولا ينبغي لأحد أن يرتاب في تأخر خلق الأرض بجميع
~~ما فيها عن خلق السموات كذلك، ومتى ساغ حمل { ثم } للترتيب في
~~الإخبار هان أمر ما يظن من التعارض في الآيات والأخبار هذا والله تعالى
~~أعلم.

# ولبعض المتأخرين في الآية كلام غريب دفع به ما يظن من المنافاة بين
~~الآيات الدالة على أن خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام كقوله
~~تعالى:

# الله الذى خلق السموات والأرض وما بينهما
~~في ستة أيام ثم استوى على العرش

# [السجدة: 4] وقوله سبحانه:

# ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في
~~ستة أيام وما مسنا من لغوب

# [ق: 38] وهذه الآية التي يخيل منها أن خلق ذلك في ثمانية أيام وهو أن
~~للشيء حكما من حيث ذاته ونفسه حكما من حيث صفاته وإضافاته ونسبه
~~وروابطه واقتضاءاته ومتمماته وسائر ما يضاف إليه ولكل من ذلك أجل معدود
~~وحد محدود يظهره سبحانه في ذلك بالأزمان الخاصة به والأوقات المؤجلة له
~~وهي متفاوتة مختلفة، والله تعالى خلق السموات والأرض وما بينهما في حد
~~ذاتها في ستة أيام، وذلك عند نشئها في ذاتها من خلقه سبحانه إياها من
~~البحر الحاصل من ذوبان الياقوتة الحمراء لما نظر إليها جل شأنه بنظر
~~الهيبة فتموج إلى أن حصل منه الزبد وثار الدخان فخلق السماء من الدخان
~~والأرض من الزبد والنجوم من الشعلات المستجنة في زبد البحر والنار
~~والهواء ms09471 والماء من جسم أكثف من الدخان وألطف من الزبد، والسماء حقيقة
~~وحدانية في ذاتها ولها صلاحية التعدد والكثرة على حسب بدو شأنها في علم
~~الغيب فتعينها بالسبعة على الجهة الخاصة ووقوع كل سماء في محلها الخاص
~~مترتبا عليها حكم خاص يحتاج إلى جعل غير جعلها في نفسها وهو المسمى
~~بالقدر وتعيين الحدود التي هي الهندسة الإيجادية، وهذا لجعل متفرع على
~~الخلق ونحوه غير نحوه قطعا كما يشعر به قوله تعالى:

# وخلق كل شيء فقدره تقديرا

# [الفرقان: 2] وقد يسمى بالتسوية وبالقضاء أيضا كما في قوله تعالى:

# ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات

# [البقرة: 29] وقوله تعالى هنا:

# ثم استوى إلى السماء وهي دخان

# [فصلت: 11] إلى قوله سبحانه:

# فقضاهن سبع سموات

# [فصلت: 12] وأما تقدير أقوات الأرض وإعطاء البركة وتوليد المتولدات فلها
~~أيام معدودات وحدود محدودات لا تدخل في أيام خلق السموات والأرض لأنها
~~لإيجاد أنفسها، فالأيام الأربعة المذكورة في الآية إنما هي لجعل الرواسي
~~وتقدير الأقوات وإحداث البركة وليست من تلك الستة وكذلك اليومان اللذان
~~لتسوية السماء وقضائها سبع سموات خارجان عنها فليس في الآية التي الكلام
~~فيها سوى أن خلق الأرض كان في يومين وأما خلق السموات وما بينها وبين
~~الأرض فلم يذكر في الآية مدة له وإنما ذكر مدة قضاء السموات وهو غير
~~خلقها ومدة جعل الرواسي وتقدير الأقوات وإحداث البركة وذلك غير خلق الأرض
~~وما بينها وبين السماء فلا تنافي بينها وبين الآيات الدالة على أن خلق
~~السموات / والأرض وما بينهما في ستة أيام، ولا يعكر على ذلك ما روي عن
~~الصادق أن الله سبحانه خلق في يوم الأحد والإثنين الأرضين وخلق أقواتها
~~في يوم الثلاثاء وخلق السموات في يوم الأربعاء ويوم الخميس وخلق أقواتها
~~يوم الجمعة وذلك قول الله سبحانه:

# خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة
~~أيام

# [الفرقان: 59] لأنه بعد تسليم صحته المذكور فيه أن الأقوات قد خلقت في
~~يومين لا أنها قدرت وبين الخلق والتقدير بون بعيد؛ فخلق الأقوات عبارة عن
~~إيجاد ذاتياتها وموادها وعللها وأسبابها ms09472 فإذا وجدت قدرت وفصلت على
~~الأطوار المعلومة فلا إشكال.

# والعجب ممن استشكل هذا المقام كيف لم ينظر في مدلولات الألفاظ الإلهية
~~بحسب القواعد القرآنية واللغوية فاحتاج في حله إلى تكلفات أمور خفية
~~وارتكاب توجيهات غير مرضية، ثم إن هذا البعض ذكر لليوم ما يزيد على ستين
~~إطلاقا منها المرتبة ونقل هذا عن شيخه ورأيته في بعض الكتب لغيره، وجواز
~~إرادته في الآية وكذا جوز إرادة غيره من الإطلاقات، وذكر سر كون خلق
~~السموات والأرض في ستة أيام وأطال الكلام في هذا المقام، وكان ذلك ضمن
~~رسالة ألفها حين طلبت منه جوابا عما يظن من المنافاة غير ما ذكروه من
~~الجواب عن ذلك، ومن وقف على تلك الرسالة منها قعقعة بلا سلاح وأحس بطيران
~~في جو ما يزعمه تحقيقا بلا جناح فكم فيها من قول لا سند له ومدعى لم
~~يورد دليله، فعليك بالتأمل التام فيما ذكره المفسرون وما ذكره هذا الرجل
~~من الكلام ولا تك للإنصاف مجانبا وللتعصب مصاحبا والله تعالى الموفق.

# وما تقدم من حمل قوله تعالى:

# قالتا أتينا طائعين

# [فصلت: 11]على التمثيل هو ما ذهب إليه جماعة من المفسرين، وقالت طائفة:
~~إنهما نطقتا نطقا حقيقيا وجعل الله تعالى لهما حياة وإدراكا، قال ابن
~~عطية: وهذا أحسن لأنه لا شيء يدفعه وإن العبرة فيه أتم والقدرة فيه أظهر،
~~ولا يخفى أن المعنى الأول أبلغ، ومن ذهب إلى أن للجمادات إدراكا لائقا
~~بها قال بظاهر الآية ولعلها إحدى أدلته على ذلك. وذكر بعضهم في قوله
~~سبحانه: { وأوحى في كل سماء أمرها } أنه سبحانه خص كل سماء
~~بما ميزها عن السماء الأخرى من الذاتيات وجعل ذلك وجها في جمع السموات
~~وإفراد الأرض.

# وقرأ الأعمش { أو كرها } بضم الكاف، قال أبو حيان: ((والأصح أنها لغة
~~في الإكراه على الشيء، والأكثر على أن الكره بالضم معناه المشقة)).

### || [41.13]

# { فإن أعرضوا } متصل بقوله تعالى: { قل أئنكم } الخ أي
~~فإن أعرضوا عن التدبر فيما ذكر من عظائم الأمور الداعية إلى الإيمان أو
~~عن الإيمان بعد ms09473 هذا البيان { فقل } لهم: { أنذرتكم } أي أنذركم،
~~وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الإنذار المنبىء عن تحقق المنذر {
~~صعقة مثل صعقة عاد وثمود } أي عذابا مثل عذابهم
~~قاله قتادة، وهو ظاهر على القول بأن الصاعقة تأتي في اللغة بمعنى العذاب،
~~ومنع ذلك بعضهم وجعل ما ذكر مجازا، والمراد عذابا شديد الوقع كأنه
~~صاعقة مثل صاعقتهم، وأيا ما كان فالمراد أعلمتكم حلول صاعقة.

# وقرأ ابن الزبير والسلمي وابن محيصن { صعقة مثل صعقة } بغير ألف فيهما
~~وسكون العين وهي المرة من الصعق أو الصعق ويقال: صعقته الصاعقة صعقا
~~فصعق صعقا بالفتح أي هلك بالصاعقة المصيبة له.

### || [41.14]

# { إذ جاءتهم الرسل } أي جاءت عادا وثمود ففيه إطلاق الجمع
~~على الإثنين وهو شائع وكذا { الرسل } / وقيل: يحتمل أن يراد ما يعم
~~رسول الرسول، وجوز في الأول أن يكون باعتبار أفراد القبيلتين. وذكروا في
~~{ إذ } أوجها من الإعراب. الأول: أنه ظرف لأنذرتكم. الثاني: أنه صفة
~~لصاعقة الأولى، وأورد عليهما لزوم كون إنذاره عليه الصلاة والسلام
~~والصاعقة التي أنذر بها واقعين في وقت مجيء الرسل عادا وثمود وليس كذلك.
~~الثالث: أنه صفة لصاعقة الثانية، وتعقب بأنه يلزم عليه حذف الموصول مع
~~بعض صلته وهو غير جائز عند البصريين أو وصف المعرفة بالنكرة. الرابع:
~~واختاره أبو حيان أنه معمول لصاعقة عاد وثمود بناء على أن المراد بها
~~العذاب وإلا فهي بالمعنى المعروف جثة لا يتعلق بها الظرف وفيه شيء لا
~~يخفى. الخامس: واختاره غير واحد أنه حال منها لأنها معرفة بالإضافة،
~~وبعضهم يجوز كونه حالا من الأولى أيضا لتخصصها بالوصف بالمتخصص
~~بالإضافة فتكون الأوجه ستة.

# وقوله تعالى: { من بين أيديهم ومن خلفهم } متعلق
~~بجاءتهم، والضمير المضاف إليه لعاد وثمود، والجهتان كناية عن جميع الجهات
~~على ما عرف في مثله أي أتتهم الرسل من جميع جهاتهم، والمراد بإتيانهم من
~~جميع الجهات بذل الوسع في دعوتهم على طريق الكناية ويجوز أن يراد بما بين
~~أيديهم الزمن الماضي وبما خلفهم المستقبل وبالعكس واستعير فيه ظرف المكان
~~للزمان والمراد جاؤهم بالإنذار عما ms09474 جرى على أمثالهم الكفرة في الماضي
~~وبالتحذير عما سيحيق بهم في الآخرة.

# وروي هذا عن الحسن، وجوز كون الضمير المضاف إليه للرسل والمراد جاءتهم
~~الرسل المتقدمون والمتأخرون على تنزيل مجيء كلامهم ودعوتهم إلى الحق
~~منزلة مجيء أنفسهم فإن هودا. وصالحا كانا داعيين لهم إلى الإيمان بهما
~~وبجميع الرسل ممن جاء من بين أيديهم وممن يجيء من خلفهم فكأن الرسل قد
~~جاؤهم وخاطبوهم بقوله تعالى: { ألا تعبدوا إلا الله } وروي
~~هذا الوجه عن ابن عباس والضحاك، وإليه ذهب الفراء. ونص بعض الأجلة على أن
~~{ من بين أيديهم } عليه حال من { الرسل } لا متعلق بجاءتهم،
~~وجمع الرسل عليه ظاهر، وقيل: يحتمل أن يكون كون { الرسل من بين
~~أيديهم ومن خلفهم } كناية عن الكثرة كقوله تعالى:

# يأتيها رزقها رغدا من كل مكان

# [النحل: 112] وقال الطبري: الضمير في قوله تعالى: { من بين
~~أيديهم } لعاد وثمود وفي قوله تعالى: { ومن خلفهم } للرسل
~~وتعقبه في «البحر» ((بأن فيه خروجا عن الظاهر في تفريق الضمائر وتعمية
~~المعنى إذ يصير التقدير جاءتهم الرسل من بين أيديهم وجاءتهم من خلف الرسل
~~أي من خلف أنفسهم، وهذا معنى لا يتعقل إلا أن كان الضمير عائدا في {
~~من خلفهم } على الرسل لفظا وهو عائد على رسل آخرين معنى فكأنه
~~قيل: جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلف رسل آخرين فيكون كقولهم: عندي
~~درهم ونصفه أي ونصف درهم آخر، وبعده لا يخفى)).

# وخص بالذكر من الأمم المهلكة عاد وثمود لعلم قريش بحالهما ولوقوفهم على
~~بلادهم في اليمن والحجر. و { أن } يصح أن تكون مفسرة لمجيء الرسل لأنه
~~بالوحي وبالشرائع فيتضمن معنى القول و { لا } ناهية وأن تكون مصدرية ولا
~~ناهية أيضا، والمصدرية قد توصل بالنهي كما توصل بالأمر على كلام فيه،
~~وجعل الحوفي { لا } نافية و { أن } ناصبة للفعل، وقيل: إنها المخففة من
~~الثقيلة ومعها ضمير شأن محذوف، وأورد عليه أنها إنما تقع بعد أفعال
~~اليقين وإن خبر باب أن لا يكون طلبا إلا بتأويل، وقد يدفع بأنه بتقدير
~~القول وأن مجيء ms09475 الرسل كالوحي معنى فيكون مثله في وقوع (أن) بعده لتضمنه
~~ما يفيد اليقين كما أشار إليه الرضي وغيره، ولا يخفى ما فيه من التكلف
~~المستغنى عنه؛ وعلى احتمال كونها مصدرية وكونها مخففة يكون الكلام بتقدير
~~حرف / الجر أي بأن لا تعبدوا إلا الله.

# { قالوا لو شاء ربنا } مفعول المشيئة محذوف وقدره الزمخشري
~~إرسال الرسل أي لو شاء ربنا إرسال الرسل { لأنزل ملئكة } أي
~~لأرسلهم لكن لما كان إرسالهم بطريق الإنذار قيل: لأنزل، قيل: ولم يقدر
~~إنزال الملائكة بناء على أن الشائع تقدير مفعول المشيئة بعد لو الشرطية
~~من مضمون الشرط لأنه عار عن إفادة ما أرادوه من نفي إرساله تعالى البشر
~~والشائع غير مطرد، وقال أبو حيان: ((إنما التقدير لو شاء ربنا إنزال
~~ملائكة بالرسالة منه إلى الإنس لأنزلهم بها إليهم، وهذا أبلغ في الامتناع
~~من إرسال البشر إذ علقوا ذلك بإنزال الملائكة وهو سبحانه لم يشأ ذلك فكيف
~~يشاؤه في البشر)) وهو وجه حسن.

# { فإنا بما أرسلتم به } أي بالذي أرسلتم به على زعمكم،
~~وفيه ضرب تهكم بهم { كفرون } لما أنكم بشر مثلنا لا فضل لكم علينا،
~~والفاء فاء النتيجة السببية فيكون في الكلام إيماء إلى قياس استثنائي أي
~~لكنه لم ينزل، ويجوز أن تكون تعليلية لشرطيتهم أي إنما قلنا ذلك لأنا
~~منكرون لما أرسلتم به كما ننكر رسالتكم. و { ما } كما أشرنا إليه
~~موصولة، وكونها مصدرية وضمير { به } لقولهم: { ألا تعبدوا
~~إلا الله } خلاف الظاهر.

# أخرج البيهقي في «الدلائل» وابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: قال أبو
~~جهل والملأ من قريش قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم رجلا عالما
~~بالسحر والكهانة والشعر فكلمه ثم أتانا ببيان من أمره، فقال عتبة بن
~~ربيعة: والله لقد سمعت الشعر والكهانة والسحر وعلمت من ذلك علما وما
~~يخفى علي إن كان كذلك فأتاه فقال له يا محمد أنت خير أم هاشم أنت خير أم
~~عبد المطلب؟ فلم يجبه قال: فبم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا فإن كنت إنما بك
~~الرياسة ms09476 عقدنا ألويتنا لك، وإن كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ما
~~تستغني به أنت وعقبك من بعدك، وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختار
~~من أي بنات قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم فلما فرغ
~~قال عليه الصلاة والسلام:

# " بسم الله الرحمن الرحيم { حم * تنزيل من الرحمن
~~الرحيم * كتب فصلت ءايته قرءانا عربيا }
~~[فصلت: 1-3] فقرأ حتى بلغ { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم
~~صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } [فصلت: 13] فأمسك عتبة
~~على فيه عليه الصلاة والسلام فأنشده الرحم أن يكف عنه ورجع إلى أهله ولم
~~يخرج إلى قريش فلما احتبس عنهم قال أبو جهل: يا معشر قريش ما أرى عقبة
~~إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه وما ذاك إلا من حاجة أصابته انتقلوا
~~بنا إليه فأتوه فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما حسبنا إلا أنك صبوت إلى
~~محمد وأعجبك أمره فإن كنت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن محمد
~~فغضب وأقسم بالله تعالى لا يكلم محمدا أبدا وقال: لقد علمتم أني أكثر
~~قريش مالا ولكني أتيته فقص عليهم القصة فأجابني بشيء والله ما هو بسحر
~~ولا شعر ولا كهانة قرأ بسم الله الرحمن الرحيم { حم * تنزيل من
~~الرحمن الرحيم * كتب فصلت ءايته قرءانا
~~عربيا } [فصلت: 1-3] حتى { أنذرتكم صاعقة مثل
~~صاعقة عاد وثمود } [فصلت: 13] فأمسكت بفيه وناشدته الرحم فكف
~~وقد علمتم أن محمدا صلى الله عليه وسلم إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن
~~ينزل بكم العذاب ".

### || [41.15]

# { فأما عاد فاستكبروا فى الأرض } شروع في تفصيل ما لكل
~~واحدة من الطائفتين من الجناية والعذاب، ولتفرع التفصيل على الإجمال قرن
~~بفاء السببية، وبدىء بقصة عاد لأنها أقدم زمانا أي فأما عاد فتعظموا في
~~الأرض التي لا ينبغي التعظيم فيها على أهلها { بغير الحق } أي
~~بغير استحقاق للتعظم. / وقيل: تعظموا عن امتثال أمر الله عز وجل وقبول ما
~~جاءتهم به الرسل { وقالوا } اغترارا بقوتهم: { من أشد منا
~~قوة } أي لا أشد منا ms09477 قوة فالاستفهام إنكاري، وهذا بيان لاستحقاقهم
~~العظمة وجواب الرسل عما خوفوهم به من العذاب، وكانوا ذوي أجسام طوال وخلق
~~عظيم وقد بلغ من قوتهم أن الرجل كان ينزع الصخرة من الجبل ويرفعها بيده.

# { أو لم يروا } أي أغفلوا وألم ينظروا ولم يعلموا علما جليا
~~شبيها بالمشاهدة والعيان { أن الله الذي خلقهم هو
~~أشد منهم قوة } قدرة فإنه تعالى قادر بالذات مقتدر على ما لا
~~يتناهى قوي على ما لا يقدر عليه غيره عز وجل مفيض للقوة والقدر على كل
~~قوي وقادر، وفي هذا إيماء إلى أن ما خوفهم به الرسل ليس من عند أنفسهم
~~بناء على قوة منهم وإنما هو من الله تعالى خالق القوى والقدر وهم يعلمون
~~أنه عز وجل أشد قوة منهم، وتفسير القوة بالقدرة لأنه أحد معانيها كما
~~يشير إليه كلام الراغب. وزعم بعضهم أن القوة عرض ينزه الله تعالى عنه
~~لكنها مستلزمة للقدرة فلذا عبر عنها بها مشاكلة. وأورد في حيز الصلة {
~~خلقهم } دون خلق السموات والأرض لادعائهم الشدة في القوة، وفيه ضرب
~~من التهكم بهم.

# { وكانوا بآياتنا يجحدون } أي ينكرونها وهم يعرفون حقيتها
~~وهو عطف على { فاستكبروا } أو { قالوا } فجملة { أولم
~~يروا } الخ مع ما عطف هو عليه اعتراض، وجوز أن يكون هو وحده اعتراضا
~~والواو اعتراضية لا عاطفة.

### || [41.16]

# { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا } قال مجاهد: شديدة السموم
~~فهو من الصر بفتح الصاد بمعنى الحر، وقال ابن عباس والضحاك وقتادة
~~والسدي: باردة تهلك بشدة بردها من الصر بكسر الصاد وهو البرد الذي يصر أي
~~يجمع ظاهر جلد الإنسان ويقبضه؛ والأول أنسب لديار العرب، وقال السدي
~~أيضا وأبو عبيدة وابن قتيبة والطبري وجماعة: مصوتة من صر يصر إذا صوت،
~~وقال ابن السكيت: صرصر يجوز أن يكون من الصرة وهي الصيحة ومنه

# فأقبلت امرأته في صرة

# [الذاريات: 29] وفي الحديث أنه تعالى أمر خزنة الريح ففتحوا عليهم قدر
~~حلقة الخاتم ولو فتحوا قدر منخر الثور لهلكت الدنيا، وروي أنها كانت تحمل
~~العير بأوقارها فترميهم في البحر.

# { في أيام ms09478 نحسات } جمع نحسة بكسر الحاء صفة مشبهة من نحس
~~نحسا كعلم علما نقيض سعد سعدا. وقرأ الحرميان وأبو عمرو والنخعي وعيسى
~~والأعرج { نحسات } بسكون الحاء فاحتمل أن يكون مصدرا وصف به مبالغة،
~~واحتمل أن يكون صفة مخففا من فعل كصعب. وفي «البحر» ((تتبعت ما ذكره
~~التصريفيون مما جاء صفة من فعل اللازم فلم يذكروا فيه فعلا بسكون العين
~~وإنما ذكروا فعلا بالكسر كفرح وأفعل كأحور وفعلان كشبعان وفاعلا كسالم،
~~وهو صفة { أيام } وجمع بالألف والتاء لأنه صفة لما لا يعقل))،
~~والمراد بها مشائيم عليهم لما أنهم عذبوا فيها، فاليوم الواحد يوصف
~~بالنحس والسعد بالنسبة إلى شخصين فيقال له سعد بالنسبة إلى من ينعم فيه،
~~ويقال له نحس بالنسبة إلى من يعذب، وليس هذا مما يزعمه الناس من خصوصيات
~~الأوقات، لكن ذكر الكرماني في «مناسكه» عن ابن عباس أنه قال: الأيام كلها
~~لله تعالى لكنه سبحانه خلق بعضها نحوسا وبعضها سعودا. وتفسير {
~~نحسات } بمشائيم مروي عن مجاهد وقتادة والسدي وقال الضحاك: أي شديدة
~~البرد حتى كأن البرد عذاب لهم، وأنشد الأصمعي في النحس بمعنى البرد:

# / كأن سلافه مزجت بنحس

# وقيل: نحسات ذوات غبار، وإليه ذهب الجبائي ومنه قول الراجز:

# قد اغتدى قبل طلوع الشمس

# للصيد في يوم قليل النحس

# يريد قليل الغبار. وكانت هذه الأيام من آخر شباط وتسمى أيام العجوز،
~~وكانت فيما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة آخر شوال من الأربعاء إلى
~~الأربعاء، وروي ما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء، وقال السدي: أولها غداة
~~يوم الأحد، وقال الربيع بن أنس: يوم الجمعة.

# { لنذيقهم عذاب الخزي في الحيوة الدنيا } أضيف
~~العذاب إلى الخزي وهو الذل على قصد وصفه به لقوله تعالى: { ولعذاب
~~الأخرة أخزى } وهو في الأصل صفة المعذب وإنما وصف به العذاب على
~~الإسناد المجازي للمبالغة، فإنه يدل على أن ذل الكافر زاد حتى اتصف به
~~عذابه كما قرر في قولهم: شعر شاعر، وهذا في مقابلة استكبارهم وتعظمهم.
~~وقرىء { لتذيقهم } بالتاء على أن الفاعل ضمير الريح أو الأيام ms09479 النحسات {
~~وهم لا ينصرون } بدفع العذاب عنهم بوجه من الوجوه.

### || [41.17]

# { وأما ثمود فهدينهم } قال ابن عباس وقتادة والسدي: أي
~~بينا لهم، وأرادوا بذلك على ما قيل بيان طريقي الضلالة والرشد كما في
~~قوله تعالى:

# وهدينه النجدين

# [البلد: 10] وهو أنسب بقوله تعالى: { فاستحبوا العمى على
~~الهدى } أي فاختاروا الضلالة على الهدى فإنه ظاهر في أنه بين لهم
~~الطريقان فاختاروا أحدهما، وصرح ابن زيد بذلك فقد حكي عنه أنه قال: أي
~~أعلمناهم الهدى من الضلال، وفسر غير واحد الهداية هنا بالدلالة أي
~~فدللناهم على الحق بنصب الحجج وإرسال الرسل فاختاروا الضلال ولم يفسروها
~~بالدلالة الموصلة لإباء ظاهر { فاستحبوا } الخ عنه.

# واستدل المعتزلة بهذه الآية على أن الإيمان باختيار العبد على الاستقلال
~~بناء على أن قوله تعالى: { هديناهم } دل على نصب الأدلة وإزاحة
~~العلة، وقوله تعالى: { استحبوا العمى } الخ دل على أنهم
~~بأنفسهم آثروا العمى.

# والجواب كما في «الكشف» أن في لفظ الاستحباب ما يشعر بأن قدرة الله
~~تعالى هي المؤثرة وأن لقدرة العبد مدخلا ما فإن المحبة ليست اختيارية
~~بالاتفاق وإيثار العمى حبا وهو الاستحباب من الاختيارية، فانظر إلى هذه
~~الدقيقة تر العجب العجاب. وإلى نحوه أشار الإمام الداعي إلى الله تعالى
~~قدس سره، ومعنى كون المحبة ليست اختيارية أنها بعد حصول ما تتوقف عليه من
~~أمور اختيارية تكون بجذب الطبيعة من غير اختيار للشخص في ميل قلبه
~~وارتباط هواه بمن يحبه، فهي نفسها غير اختيارية لكنها باعتبار مقدماتها
~~اختيارية، ولذلك كلفنا بمحبة الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم.
~~وفي «طوق الحمامة» لابن سعيد أن المحبة ميل روحاني طبيعي، وإليه يشير
~~قوله عز وجل:

# وجعل منها زوجها ليسكن إليها

# [الأعراف: 189] أي يميل فجعل علة ميلها كونها منها، وهو المراد بقوله
~~عليه الصلاة والسلام:

# " الأرواح جنود مجندة "

# وتكون المحبة لأمور أخر كالحسن والإحسان والكمال، ولها آثار يطلق عليها
~~محبة كالطاعة والتعظيم، وهذه هي التي يكلف بها لأنها اختيارية فاعرفه.
~~وقرأ ابن وثاب والأعمش وبكر بن حبيب { وأما ثمود } بالرفع مصروفا. ms09480 وقد
~~قرأ الأعمش وابن وثاب بصرفه في جميع القرآن إلا في قوله تعالى:

# وآتينا ثمود الناقة

# [الإسراء: 59] لأنه في المصحف بغير ألف. وقرأ ابن أبي إسحاق وابن هرمز
~~بخلاف عنه والمفضل، قال ابن عطية: والأعمش / وعاصم، وروي عن ابن عباس {
~~ثمودا } بالنصب والتنوين، وروى المفضل عن عاصم الوجهين والمنع عن الصرف
~~للعلمية والتأنيث على إرادة القبيلة، ومن صرفه جعله اسم رجل، والنصب على
~~جعله من باب الإضمار على شريطة التفسير، ويقدر الفعل الناصب بعده لأن
~~(أما) لا يليها في الغالب إلا اسم. وقرىء بضم الثاء على أنه جمع ثمد وهو
~~قلة الماء فكأنهم سموا بذلك لأنهم كانوا يسكنون في الرمال بين حضرموت
~~وصنعاء وكانوا قليلي الماء.

# { فأخذتهم صعقة العذاب الهون } أي الذل وهو صفة
~~للعذاب أو بدل منه، ووصفه به مصدرا للمبالغة وكذا إضافة صاعقة إلى
~~العذاب فيفيد ذلك أن عذابهم عين الهون وأن له صاعقة، والمراد بالصاعقة
~~النار الخارجة من السحاب كما هو المعروف، وسبب حدوثها العادي مشهور في
~~كتب الفلسفة القديمة وقد تكلم في ذلك أهل الفلسفة الجديدة المتداولة
~~اليوم في بلاد الروم وما قرب منها فقالوا في كيفية انفجار الصاعقة: من
~~المعلوم أن انطلاق الكهربائية التي في السحاب وهي قوة مخصوصة في الأجسام
~~نحو قوة الكهرباء التي بها تجذب التبنة ونحوها إليها إنما يحصل باتحاد
~~كهربائية الأجسام مع بعضها فإذا قرب السحاب من الأجسام الأرضية طلبت
~~الكهربائية السحابية أن تتحد بالكهربائية الأرضية فتتبجس بينهما شرارة
~~كهربائية فتصعق الأجسام الأرضية، وتتفاوت قوة الصاعقة باختلاف الاستحالة
~~البخارية فليست في جميع البلاد والفصول واحدة، وأوضحوا ذلك بكلام طويل من
~~أراده فليرجع إليه في كتبهم، وقيل: المراد بالصاعقة هنا الصيحة كما ورد
~~في آيات أخر، ولا مانع من الجمع بينهما. وقرأ ابن مقسم { الهوان } بفتح
~~الهاء وألف بعد الواو

# { بما كانوا يكسبون } من اختيار الضلالة على الهدى، وهذا
~~تصريح بما تشعر به الفاء.

### || [41.18]

# { ونجينا } من تلك الصاعقة { الذين ءامنوا وكانوا
~~يتقون } بسبب إيمانهم واستمرارهم على التقوى، والمراد بها تقوى الله ms09481
~~عز وجل، وقيل: تقوى الصاعقة والمتقي عذاب الله تعالى متق لله سبحانه وليس
~~بذاك.

### || [41.19]

# { ويوم يحشر أعداء الله إلى النار } شروع في بيان
~~عقوباتهم الآجلة بعد ذكر عقوباتهم العاجلة، والتعبير عنهم بأعداء الله
~~تعالى لذمهم والإيذان بعلة ما يحيق بهم من ألوان العذاب وقيل: المراد بهم
~~الكفار من الأولين والآخرين. وتعقب بأن قوله تعالى الآتي:

# في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس

# [فصلت: 25] كالصريح في إرادة الكفرة المعهودين، والمراد من قوله تعالى:
~~{ إلى النار } قيل: إلى موقف الحساب، والتعبير عنه بالنار للإيذان
~~بأن النار عاقبة حشرهم وأنهم على شرف دخولها، ولا مانع من إبقائه على
~~ظاهره والقول بتعدد الشهادة فتشهد عليهم جوارحهم في الموقف مرة وعلى شفير
~~جهنم أخرى. و { يوم } إما منصوب باذكر مقدر معطوف على قوله تعالى:

# فقل أنذرتكم صعقة

# [فصلت: 13] أو ظرف لمضمر مؤخر قد حذف إيهاما لقصور العبارة عن تفصيله،
~~وقيل: ظرف لما يدل عليه قوله تعالى: { فهم يوزعون } أي يحبس أولهم
~~على آخرهم ليتلاحقوا وهو كناية عن كثرتهم، وقيل: يساقون ويدفعون إلى
~~النار. والفاء تفصيلية.

# وقرأ زيد بن علي ونافع والأعرج وأهل المدينة { نحشر } بالنون { أعداء }
~~بالنصب وكسر الأعرج الشين. وقرىء { يحشر } على البناء للفاعل وهو الله
~~تعالى ونصب { أعداء الله }.

### || [41.20]

# وقوله تعالى: { حتى إذا جاءوها } أي النار جميعا غاية ليحشر أو
~~ليوزعون أي / حتى إذا حضروها. و { ما } مزيدة لتأكيد اتصال الشهادة
~~بالحضور لأنها تؤكد ما زيدت بعده فهي تؤكد معنى إذا، و { إذا } دالة
~~على اتصال الجواب بالشرط لوقوعهما في زمان واحد، وهذا مما لا تعلق له
~~بالنحو حتى يضر فيه أن النحاة لم يذكروه كما شنع به أبو حيان وأكد لأنهم
~~ينكرونه. وفي الكلام حذف والتقدير حتى إذا ما جاؤها وسئلوا عما أجرموا
~~فأنكروا:

# { شهد عليهم سمعهم وأبصرهم وجلودهم بما
~~كانوا يعملون } واكتفى عن المحذوف بذكر الشهادة لاستلزامها إياه،
~~ولا يأبى التقدير تأكيد الاتصال إذ يكفي للاتصال وقوع ذلك في مجلس واحد.
~~والظاهر أن الجلود هي المعروفة، وقيل: ms09482 هي الجوارح كنى بها عنها، وقيل:
~~كنى بها عن الفروج، قيل: وعليه أكثر المفسرين منهم ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما.

### || [41.21]

# وفي «الإرشاد» أنه الأنسب بتخصيص السؤال في قوله تعالى: { وقالوا
~~لجلودهم لم شهدتم علينا } فإن ما تشهد به من الزنا أعظم
~~جناية وقبحا وأجلب للخزي والعقوبة مما يشهد به السمع والأبصار من
~~الجنايات المكتسبة بتوسطهما وفيه نظر ولعل إرادة فالظاهر أولى، ولعل
~~تخصيص السؤال بالجلود لأنها بمرأى منهم بخلاف السمع والبصر أو لأنها هي
~~مدركة العذاب بالقوة المودعة فيها كما يشعر به قوله تعالى:

# كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها
~~ليذوقوا العذاب

# [النساء: 65] قاله الجلبي، ثم نقل عن العلامة الثاني في ذلك أن الشهادة
~~من الجلود أعجب وأبعد إذ ليس شأنها الإدراك بخلاف السمع والبصر، وتعقبه
~~بقوله: فيه نظر فإن الجلد محل القوة اللامسة التي هي أهم الحواس للحيوان
~~كما أن السمع والبصر محل السامعة والباصرة والذي ينطق الأعيان دون
~~الأعراض ثم إن اللامسة تشتمل على الذائقة التي هي الأهم بعد اللامسة، ثم
~~قال: ويلوح مما قررناه وجه آخر للتخصيص فإن الأهمية للإنسان والاشتمال
~~على أهم من غيرها يصلح أن يكون مخصصا، فانقلاب ما يرجون منه أكمل النفع
~~أعجب ومثله أحق بالتوبيخ من غيره. واعترض عليه بأن رده على العلامة لم
~~يصادف محزه إذ ليس المراد مما ذكره من أنها ليس من شأنها الإدراك إلا
~~إدراك أنواع المعاصي التي يشهد عليها كالكفر والكذب والقتل والزنا مثلا
~~وإدراك مثلها منحصر في السمع والبصر.

# وأنت تعلم بعد طي كشح البحث في هذا الجواب أن ما ذكره العلامة لا يناسب
~~ظاهر السؤال أعني { لم شهدتم علينا } وأولى ما قيل من أوجه
~~التخصيص: أن المدافعة عن الجلود أزيد من المدافعة عن السمع والبصر فإن
~~جلد الإنسان الواحد لو جزىء لزاد على ألف سمع وبصر وهو يدافع عن كل جزء
~~ويحذر أن يصيبه ما يشينه فكانت الشهادة من الجلود عليهم أعجب وأبعد عن
~~الوقوع. وفي الحديث

# " إن أول ما ينطق من الإنسان فخذه ms09483 اليسرى ثم تنطق الجوارح فيقول: تبا
~~لك فعنك كنت أدافع "

# ووجه إفراد السمع قد مر أول التفسير، ووجه الاقتصار على السمع والبصر
~~والجلد أشار إليه أبو حيان قال: لما كانت الحواس خمسة السمع والبصر والشم
~~والذوق واللمس وكان الذوق مندرجا في اللمس إذ بمماسة جلد اللسان الرطب
~~للمذوق يحصل إدراك طعم المذوق وكان حس الشم ليس فيه تكليف لا أمر ولا نهي
~~وهو ضعيف اقتصر من الحواس على السمع والبصر واللمس. وللبحث فيه مجال.
~~وكأني بك تختار أن المراد بالجلود ما سوى السمع والأبصار وأن ذكر السمع
~~لما أنه وسيلة إدراك أكثر الآيات التنزيلية وذكر الأبصار لما أنها وسيلة
~~إدراك أكثر الآيات التكوينية.

# / وقد أشير إلى كل في قوله تعالى:

# وأما ثمود فهدينهم

# [فصلت: 17] على وجه، وأن شهادتهما فيما يتعلق بالكفر، فيشهد السمع عليهم
~~أنهم كذبوا بالآيات التنزيلية التي جاء بها الرسل وسمعوها منهم، والأبصار
~~أنهم لم يعبئوا بالآيات التكوينية التي أبصروها وكفروا بما تدل عليه،
~~ولعل شهادة الجلود فيما يتعلق بما سوى الكفر من المعاصي التي نهى عنها
~~الرسل عليهم السلام كالزنا مثلا، وجوز أن تكون شهادة السمع بإدراك
~~الآيات التنزيلية والأبصار بإدراك الآيات التكوينية والجلود بالكفر بما
~~يقتضيه كل وبالمعاصي الأخر، ولا بعد في شمول

# ما كانوا يعملون

# [فصلت: 20] لإدراك الآيات والإحساس بها بقسميها فتدبر. ولعل قوله تعالى:
~~{ لم شهدتم } سؤال عن العلة الموجبة. وصيغة جمع العقلاء في {
~~شهدتم } وما بعد مع أن المراد منه ليس من ذوي العقول لوقوع ذلك في
~~موقع السؤال والجواب المختصين بالعقلاء. وقرأ زيد بن علي { لم شهدتن }
~~بضمير المؤنثات.

# { قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } أي أنطقنا
~~الله تعالى وأقدرنا على بيان الواقع فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح
~~وما كتمنا، وحيث كان معنى السؤال لأي علة موجبة شهدتم؟ صلح ما ذكر جوابا
~~له، وقيل: لا قصد هنا للسؤال أصلا وإنما القصد إلى التعجب ابتداء لأن
~~التعجب يكون فيما لا يعلم سببه وعلته فالسؤال عن العلة المستلزم لعدم
~~معرفتها جعل مجازا ms09484 أو كناية عن التعجب، فقد قيل: إذا ظهر السبب بطل
~~العجب فكأنه قيل: ليس نطقنا بعجب من قدرة الله تعالى الذي أنطق كل شيء؛
~~وأيا ما كان فالنطق على معناه الحقيقي كما هو الظاهر وكذا الشهادة، ولا
~~يقال: الشاهد أنفسهم والسمع والأبصار والجلود آلات كاللسان فما معنى {
~~شهدتم علينا } لأنه يقال: ليس المراد هذا النوع من النطق الذي
~~يسند حقيقة إلى جملة الشخص ويكون غيره آلة بلا قدرة وإرادة له في نفسه
~~حتى لو أسند إليه كان مجازا كإسناد الكتابة إلى القلم بل هو نطق يسند
~~إلى العضو حقيقة فيكون نفسه ناطقا بقدرة وإرادة خلقهما الله تعالى فيه
~~كما ينطق الشخص بالآلة، وكيف لا وأنفسهم كارهة لذلك منكرة له، وقيل:
~~الناطق هم بتلك الأعضاء إلا أنهم لا يقدرون على دفع كونها آلات ولذا نسبت
~~الشهادة عليهم إليها وليس بشيء، وجوز بعضهم أن يكون النطق مجازا عن
~~الدلالة فالمراد بالشهادة ظهور علامات على الأعضاء دالة على ما كانت
~~ملتبسة به في الدنيا بتغيير أشكالها ونحوه مما يلهم الله تعالى من رآه
~~أنها تلبست به في الدنيا لارتفاع الغطاء في الآخرة، وهو خلاف ظاهر الآيات
~~والأحاديث ولا داعي إليه، وعلى الظاهر لا بد من تخصيص { كل شيء } بكل
~~حي نطق إذ ليس كل شيء ولا كل حي ينطق بالنطق الحقيقي ومثل هذا التخصيص
~~شائع، ومنه ما قيل في

# والله على كل شيء قدير

# [البقرة: 284] و

# تدمر كل شيء

# [الأحقاف: 5]، وجوز أن يكون النطق في { أنطقنا } بمعناه الحقيقي
~~ويحمل النطق في { أنطق كل شيء } على الدلالة فيبقى العام على
~~عمومه ولا يحتاج إلى التخصيص المذكور ويكون التعبير بالنطق للمشاكلة وهو
~~خلاف الظاهر، والموصول المشعر بالعلية يأباه إباء ظاهرا.

# وقوله تعالى: { وهو خلقكم أول مرة وإليه
~~ترجعون } يحتمل أن يكون من تمام كلام الجلود ومقول القول ويحتمل أن
~~يكون مستأنفا من كلامه عز وجل والأول أظهر، والمراد على كل حال تقرير ما
~~قبله بأن القادر على الخلق أول مرة قادر على الإنطاق. وصيغة المضارع ms09485 إذا
~~كان الخطاب يوم القيامة مع أن الرجع فيه متحقق لا مستقبل لما أن المراد
~~بالرجع ليس مجرد الرد إلى الحياة بالبعث بل ما يعمه وما يترتب عليه من
~~العذاب الخالد المترقب عند التخاطب على تغليب المتوقع على الواقع، وجوز
~~أن تكون لاستحضار الصورة مع ما في ذلك من مراعاة الفواصل.

### || [41.22]

# وقوله تعالى: / { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم
~~سمعكم ولا أبصركم ولا جلودكم } حكاية لما سيقال
~~لهم يومئذ من جهته تعالى بطريق التوبيخ والتقريع تقريرا لجواب الجلود،
~~واستظهر أبو حيان أنه من كلام الجوارح و { أن يشهد } مفعول له
~~بتقدير مضاف أي ما كنتم تستترون في الدنيا عند مباشرتكم الفواحش مخافة أو
~~كراهة أن تشهد عليكم جوارحكم بذلك أي ليس استتاركم للخوف مما ذكر أو
~~لكراهته.

# { ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما
~~تعملون } أي ولكن لأجل ظنكم أن الله تعالى لا يعلم كثيرا مما
~~تعملون وهو ما عملتم خفية فلا يظهره سبحانه يوم القيامة وينطق الجوارح به
~~فلذا سعيتم في الاستتار عن الخلق دون الخالق عز وجل أو هو بتقدير حرف جر
~~متعلق بتستترون فقيل: هو الباء والمستتر عنه الجوارح، والمعنى ما استترتم
~~عنها بملابسة أن تشهد عليكم أي تتحمل الشهادة إذ ما ظننتم أنها تشهد
~~عليكم بل ظننتم أن الله سبحانه لا يعلم فلذا لم يكن استتاركم بهذا السبب،
~~وقيل: هو عن والمعنى لم يمكنكم الاستتار عن الجوارح لئلا تتحمل الشهادة
~~عليكم حين ترتكبون ما ترتكبون لكن ظننتم ما ظننتم. وقيل: { أن تشهد
~~} مفعول له والمستتر عنه الجوارح أي ما تستترون عن جوارحكم مخافة أن تشهد
~~عليكم لكن ظننتم الخ، وقيل: إن { تستترون } ضمن معنى الظن فعدي
~~تعديته أي ما كنتم تستترون ظانين شهادة الجوارح عليكم، ويؤيده قول قتادة:
~~أي ما كنتم تظنون أن تشهد عليكم الخ، والحق أن هذا بيان لحاصل المعنى.

# أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وجماعة عن ابن مسعود قال:
~~كنت مستترا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر قرشي وثقفيان أو ثقفي ms09486 وقرشيان
~~كثير لحم بطونهم قليل فقة قلوبهم فتكلموا بكلام لم أسمعه فقال أحدهم:
~~أترون الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا يسمعه
~~وإذا لم نرفع لم يسمع فقال الآخر: إن سمع منه شيئا سمعه كله قال: فذكرت
~~ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى:

# وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا
~~أبصركم

# [فصلت: 22] إلى قوله سبحانه

# من الخسرين

# [فصلت: 23] فالحكم المحكي حينئذ يكون خاصا بمن كان على ذلك الاعتقاد
~~من الكفر لكنه قيل في الفكرة. وفي «الإرشاد» ((لعل الأنسب أن يراد بالظن
~~معنى مجازي يعم معناه الحقيقي وما يجري مجراه من الأعمال المنبئة عنه كما
~~في قوله تعالى:

# يحسب أن ماله أخلده

# [الهمزة: 3] ليعم ما حكى من الحال جميع أصناف الكفرة فتدبر)).

# وفي الآية تنبيه على أن المؤمن ينبغي أن لا يمر عليه حال إلا بملاحظة أن
~~عليه رقيبا كما قال أبو نواس:

# إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل

# خلوت ولكن قل علي رقيب

# ولا تحسبن الله يغفل ساعة

# ولا أن ما يخفى عليه يغيب

### || [41.23]

# { وذلكم } إشارة إلى ظنهم المذكور في ضمن قوله سبحانه:

# ظننتم

# [فصلت: 22] وما فيه من معنى البعد للإيذان بغاية بعد منزلته في الشر
~~والسوء، وهو مبتدأ وقوله تعالى: { ظنكم الذي ظننتم بربكم
~~} بدل منه، وقوله سبحانه: { أرداكم } أي أهلككم خبره، وجوز أن يكون
~~{ ظنكم } خبرا و { أرداكم } خبرا بعد خبر. ورده أبو حيان بأن
~~{ ذلكم } إشارة إلى ظنهم السابق فيصير التقدير وظنكم بربكم أنه لا
~~يعلم ظنكم بربكم فما استفيد من الخبر هو ما استفيد من المبتدأ وهو لا
~~يجوز كقولهم: سيد الجارية مالكها وقد منعه النحاة. وأجيب بأنه لا يلزم ما
~~ذكر لجواز جعل الإشارة إلى الأمر العظيم في القباحة فيختلف المفهوم
~~باختلاف العنوان ويصح / الحمل كما في هذا زيد، ولو سلم فالاتحاد مثله في
~~قوله:

# أنا أبو النجم وشعري شعري

# مما يدل على الكمال في الحسن كما في هذا المثال أو في القبح كما في
~~الجملة ms09487 المذكورة، وقيل: المراد منه التعجب والتهكم، وقد يراد من الخبر
~~غير فائدة الخبر ولازمها. واختار بعضهم في الجواب ما أشار إليه ابن هشام
~~في «شرح بانت سعاد» وبسط الكلام فيه من أن الفائدة كما تحصل من الخبر
~~تحصل من صفته وقيده كالحال، وجوز في جملة { أرداكم } أن تكون حالا
~~بتقدير قد أو بدونه، والموصول في جميع الأوجه صفة { ظنكم } وقيل:
~~الثلاثة أخبار فلا تغفل.

# { فأصبحتم } بسبب ذلك الظن السوء الذي أهلككم { من
~~الخسرين } إذ صار ما أعطوا من الجوارح لنيل السعادة في الدنيا
~~والآخرة لأن بها تعيشهم في الدنيا وإدراكهم ما يهتدون به إلى اليقين
~~ومعرفة رب العالمين الموصل للسعادة الأخروية سببا للشقاء في الدارين حيث
~~أداهم إلى كفران نعم الرازق والكفر بالخالق والانهماك في الغفلات وارتكاب
~~المعاصي واتباع الشهوات.

### || [41.24]

# { فإن يصبروا فالنار مثوى لهم } أي محل ثواء وإقامة
~~أبدية لهم بحيث لا براح لهم منها، وترتيب الجزاء على الشرط لأن التقدير
~~إن يصبروا والظن أن الصبر ينفعهم لأنه مفتاح الفرج لا ينفعهم صبرهم إذا
~~لم يصادف محله فإن النار محلهم لا محالة، وقيل: في الكلام حذف والتقدير
~~أو لا يصبروا كقوله تعالى:

# اصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم

# [الطور: 16] وقيل: المراد فإن يصبروا على ترك دينك واتباع هواهم فالنار
~~مثوى لهم وليس بذاك. والالتفات للإيذان باقتضاء حالهم أن يعرض عنهم ويحكي
~~سوء حالهم للغير أو للإشعار بإبعادهم عن حيز الخطاب وإلقائهم في غيابة
~~دركات النار.

# { وإن يستعتبوا } أي يسألوا العتبى وهي الرجوع إلى ما يحبونه
~~جزعا مما هم فيه { فما هم من المعتبين } أي المجابين إليها.
~~وقال الضحاك: المراد إن يعتذروا فما هم من المعذورين. وقرأ الحسن وعمرو
~~بن عبيد وموسى الأسواري { وإن يستعتبوا } مبنيا للمفعول {
~~فما هم من المعتبين } اسم فاعل أي إن طلب منهم أن يرضوا ربهم
~~فما هم فاعلون ولا يكون ذلك لأنهم قد فارقوا الدنيا دار الأعمال كما قال
~~صلى الله عليه وسلم:

# " ليس بعد الموت مستعتب "

# ويحتمل أن تكون هذه القراءة بمعنى قوله ms09488 عز وجل:

# ولو ردوا لعدوا لما نهوا عنه

# [الأنعام: 28].

### || [41.25]

# { وقيضنا لهم } أي قدرنا، وفي «البحر» أي سببنا لهم من حيث لم
~~يحتسبوا وقيل: سلطنا ووكلنا عليهم { قرناء } جمع قرين أي أخدانا
~~وأصحابا من غواة الجن، وقيل: منهم ومن الإنس يستولون عليهم استيلاء
~~القيض وهو القشر على البيض، وقيل: أصل القيض البدل ومنه المقايضة
~~للمعاوضة فتقييض القرين للشخص إما لاستيلائه عليه أو لأخذه بدلا عن غيره
~~من قرنائه { فزينوا لهم } حسنوا وقرروا في أنفسهم { ما بين
~~أيديهم } قال ابن عباس: من أمر الآخرة حيث ألقوا إليهم أنه لا جنة
~~ولا نار ولا بعث { وما خلفهم } من أمر الدنيا من الضلالة والكفر
~~واتباع الشهوات، وقال الحسن: ما بين أيديهم من أمر الدنيا وما خلفهم من
~~أمر الآخرة، وقال الكلبي: ما بين أيديهم أعمالهم التي يشاهدونها وما
~~خلفهم ما هم عاملوه في المستقبل ولكل وجهة. ولعل الأحسن ما حكي عن الحسن
~~{ وحق عليهم القول } أي ثبت وتقرر عليهم كلمة العذاب وتحقق
~~موجبها ومصداقها وهي قوله تعالى لإبليس:

# فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم منك وممن
~~تبعك منهم أجمعين

# [ص: 8485]. { في أمم } حال من الضمير المجرور أي كائنين في جملة
~~أمم، وقيل: { في } بمعنى مع ويحتمل المعنيين قوله:

# / إن تك عن أحسن الصنيعة مأ

# فوكا ففي آخرين قد أفكوا

# وفي «البحر» لا حاجة للتضمين مع صحة معنى في. وتنكير { أمم } للتكثير
~~أي في أمم كثيرة { قد خلت } أي مضت { من قبلهم من الجن
~~والإنس } على الكفر والعصيان كدأب هؤلاء { إنهم كانوا
~~خسرين } تعليل لاستحقاقهم العذاب والضمير لهم وللأمم، وجوز كونه
~~لهم بقرينة السياق.

### || [41.26]

# { وقال الذين كفروا } من رؤساء المشركين لأعقابهم أو قال
~~بعضهم لبعض: { لا تسمعوا لهذا القرءان } أي لا تنصتوا له.

# أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم
~~وهو بمكة إذا قرأ القرآن يرفع صوته فكان المشركون يطردون الناس عنه
~~ويقولون: لا تسمعوا لهذا القرآن { والغوا فيه } وأتوا باللغو عند
~~قراءته ليتشوش على القارىء، والمراد ms09489 باللغو ما لا أصل له وما لا معنى له،
~~وكان المشركون عند قراءته عليه الصلاة والسلام يأتون بالمكاء والصفير
~~والصياح وإنشاد الشعر والأراجيز، وقال أبو العالية: أي قعوا فيه وعيبوه.
~~وفي «كتاب ابن خالويه» قرأ عبد الله بن بكر السهمي وقتادة وأبو حيوة وأبو
~~السمال والزعفراني وابن أبي إسحاق وعيسى بخلاف عنهما { والغوا } بضم
~~الغين مضارع لغا بفتحها وهما لغتان يقال لغي يلغى كرضي يرضى ولغا يلغو
~~كعدا يعدو إذا هذى، وقال صاحب «اللوامح»: يجوز أن يكون الفتح من لغى
~~بالشيء يلغي به إذا رمى به فيكون { فيه } بمعنى به أي ارموا به وانبذوه
~~{ لعلكم تغلبون } أي تغلبونه على قراءته أو تطمون أمره
~~وتميتون ذكره.

### || [41.27]

# { فلنذيقن الذين كفروا } أي فوالله لنذيقن هؤلاء
~~القائلين. والإظهار في مقام الإضمار للإشعار بالعلية أو جميع الكفار وهم
~~يدخلون فيه دخولا أوليا. { عذابا شديدا } لا يقادر قدره {
~~ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون } أي جزاء
~~سيآت أعمالهم التي هي في أنفسها أسوأ  فأفعل  للزيادة المطلقة، وقيل:
~~إنه سبحانه لا يجازيهم بمحاسن أعمالهم كإغاثة الملهوفين وصلة الأرحام
~~وقرى الأضياف لأنها محبطة بالكفر، والعذاب إما في الدارين أو في إحداهما،
~~وعن ابن عباس { عذابا شديدا } يوم بدر و { أسوأ الذي
~~كانوا يعملون } في الآخرة.

### || [41.28]

# { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من الجزاء وهو مبتدأ وقوله تعالى: {
~~جزاء أعداء الله } خبره أي ما ذكر من الجزاء جزاء معد لأعدائه
~~تعالى، وقوله سبحانه: { النار } عطف بيان لجزاء أو بدل أو خبر لمبتدأ
~~محذوف. وجوز أن يكون { ذلك } خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك و { جزاء
~~} مبتدأ و { النار } خبره، والإشارة حينئذ إلى مضمون الجملة السابقة،
~~وقوله تعالى: { لهم فيها دار الخلد } جملة مستقلة مقررة لما
~~قبلها، وجوز أن يكون { النار } مبتدأ وهذه الجملة خبره أي هي بعينها
~~دار إقامتهم على أن في للتجريد كما قيل: في قوله تعالى:

# لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة

# [الأحزاب: 21] وقول الشاعر:

# وفي الله إن لم ينصفوا حكم عدل

# وهو أن ينتزع ms09490 من أمر ذي صفة آخر مثله مبالغة فيها، وجوز أن يقال:
~~المقصود ذكر الصفة والدار إنما ذكرت توطئة فكأنه قيل لهم فيها الخلود،
~~وقيل: الكلام على ظاهره والظرفية حقيقية، والمراد أن لهم في النار
~~المشتملة على الدركات دار مخصوصة هم فيها خالدون والأول أبلغ.

# / { جزآء بما كانوا بآياتنا يجحدون } منصوب بفعل مقدر أي
~~يجزون جزاء أو بالمصدر السابق فإن المصدر ينتصب بمثله كما في قوله
~~تعالى:

# فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا

# [الإسراء: 63] والباء الأولى متعلقة بجزاء والثانية بيجحدون قدمت عليه
~~لقصد الحصر الإضافي مع ما فيه من مراعاة الفواصل أي بسبب ما كانوا يجحدون
~~بآياتنا الحقة دون الأمور التي ينبغي جحودها، وجعل بعضهم الجحود مجازا
~~عن اللغو المسبب عنه أي جزاء بما كانوا بآياتنا يلغون.

### || [41.29]

# { وقال الذين كفروا } وهم متقلبون فيما ذكر من العذاب.

# { ربنا أرنا الذين أضلنا من الجن والإنس }
~~يعنون فريقي شياطين النوعين المقيضين لهم الحاملين لهم على الكفر
~~والمعاصي بالتسويل والتزيين، وعن علي كرم الله وجهه وقتادة أنهما إبليس
~~وقابيل فإنهما سنا الكفر والقتل بغير حق. وتعقب بأنه لا يصح عن علي كرم
~~الله تعالى وجهه فإن قابيل مؤمن عاص، والظاهر أن الكفار إنما طلبوا إراءة
~~المضلين بالكفر المؤدي إلى الخلود وكونهم رئيس الكفرة ورئيس أهل الكبائر
~~خلاف الظاهر. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب وأبو بكر { أرنا }
~~بالتخفيف كفخذ بالسكون في فخذ، وفي «الكشاف» { أرنا } بالكسر
~~للاستبصار وبالسكون للاستعطاء ونقله عن الخليل، فمعنى القراءة عليه أعطنا
~~اللذين أضلانا { نجعلهما تحت أقدامنا } ندوسهما بها
~~انتقاما منهما، وقيل: نجعلهما في الدرك الأسفل من النار ليشتد عذابهما
~~فالمراد نجعلهما في الجهة التي تحت أقدامنا، وقرىء في السبعة { اللذين }
~~بتشديد النون وهي حجة على البصريين الذين لا يجوزون التشديد فيها في حال
~~كونها بالياء وكذا في اللتين وهذين وهاتين { ليكونا من
~~الأسفلين } ذلا ومهانة أو مكانا.

### || [41.30]

# { إن الذين قالوا ربنا الله } شروع في بيان حسن أحوال
~~المؤمنين في الدنيا والآخرة بعد بيان سوء حال الكفرة فيهما أي قالوه ms09491
~~اعترافا بربوبيته تعالى وإقرارا بوحدانيته كما يشعر به الحصر الذي
~~يفيده تعريف الطرفين كما في صديقي زيد { ثم استقموا } ثم ثبتوا
~~على الإقرار ولم يرجعوا إلى الشرك، فقد روي عن الصديق رضي الله تعالى عنه
~~أنه تلا الآية وهي قد نزلت على ما روي عن ابن عباس ثم قال: ما تقولون
~~فيها؟ قالوا: لم يذنبوا قال: قد حملتم الأمر على أشده قالوا: فما تقول؟
~~قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. وعن عمر رضي الله تعالى عنه استقاموا
~~لله تعالى بطاعته لم يروغوا روغان الثعالب، وعن عثمان رضي الله تعالى عنه
~~أخلصوا العمل، وعن الأمير علي كرم الله تعالى وجهه أدوا الفرائض، وقال
~~الثوري: عملوا على وفاق ما قالوا، وقال الفضيل: زهدوا في الفانية ورغبوا
~~في الباقية، وقال الربيع: أعرضوا عما سوى الله تعالى، وفي «الكشاف» أي ثم
~~ثبتوا على الإقرار ومقتضياته وأراد أن من قال: ربي الله تعالى فقد اعترف
~~أنه عز وجل مالكه ومدبر أمره ومربيه وأنه عبد مربوب بين يدي مولاه
~~فالثبات على مقتضاه أن لا تزل قدمه عن طريق العبودية قلبا وقالبا ولا
~~يتخطاه وفيه يندرج كل العبادات والاعتقادات ولهذا قال صلى الله عليه وسلم
~~لمن طلب أمرا يعتصم به:

# " قل ربي الله تعالى ثم استقم "

# وذكر أن ما ورد عن الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم جزئيات لهذا
~~المعنى ذكر كل منها على سبيل التمثيل ولا يخفى أن كلام الصديق رضي الله
~~تعالى عنه يبعد كون ما ذكره على سبيل التمثيل، ولعل { ثم } على هذا
~~للتراخي الرتبي فإن الاستقامة عليه أعظم وأصعب من الإقرار وكذا يقال على
~~أغلب التفاسير السابقة، وجوز أن تكون للتراخي الزماني لأنها تحصل بعد مدة
~~من وقت الإقرار، وجعلت / على تفسير الاستقامة بأداء الفرائض أو بالعمل
~~للتراخي الرتبي أيضا بناء على أن الإقرار مبدأ الاستقامة على ذلك
~~ومنشؤها، وهذا على عكس التراخي الرتبي الذي سمعته أولا لأن المعطوف
~~عليه فيه أعلا مرتبة من المعطوف إذ هو العمدة والأساس، وعلى ما تقدم
~~المعطوف ms09492 أعلى مرتبة من المعطوف عليه كما لا يخفى.

# { تنزل عليهم } من الله ربهم عز وجل { الملئكة } قال
~~مجاهد والسدي: عند الموت، وقال مقاتل: عند البعث، وعن زيد بن أسلم عند
~~الموت وفي القبر وعند البعث، وقيل: تتنزل عليهم يمدونهم فيما يعن ويطرأ
~~لهم من الأمور الدينية والدنيوية بما يشرح صدورهم ويدفع عنهم الخوف
~~والحزن بطريق الإلهام كما أن الكفرة يغويهم ما قيض لهم من قرناء السوء
~~بتزيين القبائح، قيل: وهذا هو الأظهر لما فيه من الإطلاق والعموم الشامل
~~لتنزلهم في المواطن الثلاثة السابقة وغيرها، وقد قدمنا لك أن جميعا من
~~الناس يقولون: بتنزل الملائكة على المتقين في كثير من الأحايين وأنهم
~~يأخذون منهم ما يأخذون فتذكر.

# { ألا تخافوا } ما تقدمون عليه فإن الخوف غم يلحق لتوقع المكروه
~~{ ولا تحزنوا } على ما خلفتم فإنه غم يلحق لوقوعه من فوات نافع أو
~~حصول ضار وروي هذا عن مجاهد، وقال عطاء بن أبي رباح: لا تخافوا رد
~~حسناتكم فإنها مقبولة ولا تحزنوا على ذنوبكم فإنها مغفورة، وقيل: المراد
~~نهيهم عن الغموم على الإطلاق والمعنى أن الله تعالى كتب لكم الأمن من كل
~~غم فلن تذوقوه أبدا. و { أن } إما مصدرية و { لا } ناهية أو نافية
~~وسقوط النون للنصب والخبر في موضع الإنشاء مبالغة، وإما مخففة من الثقيلة
~~و { تتنزل } مضمن معنى العلم و(لا) ناهية و(أن) في الوجهين مقدرة
~~بالباء أي بأن لا تخافوا أو بأنه لا تخافوا والهاء ضمير الشأن، وإما
~~مفسرة و { تتنزل } مضمن معنى القول و(لا) ناهية أيضا. وفي قراءة
~~عبد الله { لا تخافوا } بدون { أن } أي يقولون لا تخافوا على أنه حال
~~من (الملائكة) أو استئناف.

# { وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون } أي التي
~~كنتم توعدونها في الدنيا على ألسنة الرسل عليهم السلام، هذا من بشاراتهم
~~في أحد المواطن الثلاثة.

### || [41.31]

# وقوله تعالى: { نحن أولياؤكم في الحيوة الدنيا }
~~إلى آخره من بشاراتهم في الدنيا أي أعوانكم في أموركم نلهمكم الحق
~~ونرشدكم إلى ما فيه خيركم وصلاحكم، ولعل ذلك عبارة عما يخطر ms09493 ببال
~~المؤمنين المستمرين على الطاعات من أن ذلك بتوفيق الله تعالى وتأييده لهم
~~بواسطة الملائكة عليهم السلام، ويجوز على قول بعض الناس أن تقول الملائكة
~~لبعض المتقين شفاها في غير تلك المواطن: { نحن أولياؤكم في
~~الحيوة الدنيا }  { وفي الأخرة } نمدكم بالشفاعة ونتلقاكم
~~بالكرامة حين يقع بين الكفرة وقرنائهم ما يقع من الدعاوى والخصام. وذهب
~~بعض المفسرين على أن هذا من بشاراتهم في أحد المواطن الثلاثة أيضا على
~~معنى كنا نحن أولياءكم في الدنيا ونحن أولياؤكم في الآخرة، وقيل: هذا من
~~كلام الله تعالى دون الملائكة أي نحن أولياؤكم بالهداية والكفاية في
~~الدنيا والآخرة.

# { ولكم فيها } أي في الآخرة { ما تشتهي أنفسكم } من
~~فنون الملاذ { ولكم فيها ما تدعون } ما تتمنون وهو افتعال من
~~الدعاء بمعنى الطلب أي تدعون لأنفسكم وهو عند بعض أعم من الأول لأنه قد
~~يقع الطلب في أمور معنوية وفضائل عقلية روحانية، وقيل: بينهما عموم وخصوص
~~/ من وجه إذ قد يشتهي المرء ما لا يطلبه كالمريض يشتهي ما يضره ولا
~~يريده، وكون التمني أعم من الإرادة غير مسلم، نعم قيل: إذا أريد بالمتمنى
~~ما يصح تمنيه لا ما يتمنى بالفعل فذاك. وقال ابن عيسى المراد ما تدعون
~~أنه لكم فهو لكم بحكم ربكم { ولكم } في الموضعين خبر و { ما } مبتدأ
~~و { فيها } حال من ضميره في الخبر وعدم الاكتفاء بعطف { ما تدعون
~~} على { ما تشتهي } للإيذان باستقلال كل منهما.

### || [41.32]

# { نزلا } قال الحسن: منا وقال بعضهم: ثوابا، وتنوينه للتعظيم وكذا
~~وصفه بقوله تعالى: { من غفور رحيم } والمشهور أن النزل ما يهيأ
~~للنزيل أي الضيف ليأكله حين نزوله وتحسن إرادته هنا على التشبيه لما في
~~ذلك من الإشارة إلى عظم ما بعد من الكرامة. وانتصابه على الحال من الضمير
~~في الظرف الراجع إلى

# ما تدعون

# [فصلت: 31] لا من الضمير المحذوف الراجع إلى { ما } لفساد المعنى لأن
~~التمني والادعاء ليس في حال كونه نزلا بل ثبت لهم ذلك المدعي واستقر حال
~~كونه نزلا، وجعله حالا من المبتدأ نفسه لا ms09494 يخفى حاله على ذي تمييز.
~~وقال ابن عطية: { نزلا } نصب على المصدر، والمحفوظ أن مصدر نزل نزول
~~لا نزل، وجعله بعضهم مصدرا لأنزل، وقيل: هو جمع نازل كشارف وشرف فينتصب
~~على الحال أيضا أي نازلين، وذو الحال على ما قال أبو حيان: الضمير
~~المرفوع في { تدعون } ولا يحسن تعلق { من غفور } به على هذا
~~القول فقيل: هو في موضع الحال من الضمير في الظرف فلا تغفل. وقرأ أبو
~~حيوة { نزلا } بإسكان الزاي.

### || [41.33]

# { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله } أي إلى توحيده
~~تعالى وطاعته والظاهر العموم في كل داع إلى تعالى، وإلى ذلك ذهب الحسن
~~ومقاتل وجماعة، وقيل: بالخصوص فقال ابن عباس: هو رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم، وعنه أيضا هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقالت عائشة وقيس بن
~~أبي حازم وعكرمة ومجاهد: نزلت في المؤذنين، وينبغي أن يتأول قولهم على
~~أنهم داخلون في الآية وإلا فالسورة بكمالها مكية بلا خلاف ولم يكن الأذان
~~بمكة إنما شرع بالمدينة، والتزام القول بتأخر حكمها عن نزولها كما ترى.
~~والظاهر أن المراد الدعاء باللسان، قيل: به وباليد كأن يدعو إلى الإسلام
~~ويجاهد، ((وقال زيد بن علي: دعا إلى الله بالسيف، ولعل هذا والله تعالى
~~أعلم هو الذي حمله على الخروج بالسيف على بعض الظلمة من ملوك بني أمية،
~~وكان زيد هذا رضي الله تعالى عنه عالما بكتاب الله تعالى وله «تفسير»
~~ألقاه على بعض النقلة عنه وهو في حبس هشام بن عبد الملك وفيه من العلم
~~والاستشهاد بكلام العرب حظ وافر. ويقال: إنه كان إذا تناظر هو وأخوه محمد
~~الباقر اجتمع الناس بالمحابر يكتبون ما يصدر عنهما من العلم رحمهما الله
~~تعالى ورضي عنهما))، والاستفهام في معنى النفي أي لا أحد أحسن قولا ممن
~~دعا إلى الله.

# { وعمل صلحا } أي عملا صالحا أي عمل صالح كان. وقال أبو
~~أمامة: صلى بين الأذان والإقامة، ولا يخفى ما فيه، وقال عكرمة: صلى وصام،
~~وقال الكلبي: أدى الفرائض والحق العموم { وقال إنني ms09495 من
~~المسلمين } أي تلفظ بذلك ابتهاجا بأنه منهم وتفاخرا به مع قصد
~~الثواب إذ هو لا ينافيه أو جعل واتخذ الإسلام دينا له من قولهم: هذا قول
~~فلان أي مذهبه ومعتقده، وبعضهم يرجع الوجهين إلى وجه واحد، والمعنى على
~~القول بكون الآية خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم / اختار النسبة إلى
~~الإسلام دون عز الدنيا وشرفها وهو قولهم رد

# لا تسمعوا لهذا القرآن

# [فصلت: 26] وتعجيب منه. وقرأ ابن أبي عبلة وإبراهيم بن نوح عن قتيبة
~~الميال { وقال إني } بنون مشددة دون نون الوقاية.

# واستدل أبو بكر بن العربي بالآية على عدم اشتراط الاستثناء في قول
~~القائل: أنا مسلم أو أنا مؤمن. وفي الآية إشارة إلى أنه ينبغي للداعي إلى
~~الله تعالى أن يكون عاملا عملا صالحا ليكون الناس إلى قبول دعائه أقرب
~~وإليه أسكن.

### || [41.34]

# { ولا تستوى الحسنة ولا السيئة } جملة مستأنفة سيقت
~~لبيان محاسن الأعمال الجارية بين العباد إثر بيان محاسن الأعمال الجارية
~~بين العبد والرب عز وجل ترغيبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الصبر
~~على أذية المشركين ومقابلة إساءتهم بالإحسان. والحكم عام أي لا تستوي
~~الخصلة الحسنة والسيئة في الآثار والأحكام. و { لا } الثانية مزيدة
~~لتأكيد النفي مثلها في قوله تعالى:

# ولا الظل ولا الحرور

# [فاطر: 21] لأن استوى لا يكتفي بمفرد.

# وقوله تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن } استئناف مبين لحسن
~~عاقبة الحسنة أي ادفع السيئة حيث اعترضتك من بعض أعاديك بالتي هي أحسن
~~منها وهي الحسنة على أن المراد بالأحسن الزائد مطلقا أو بأحسن ما يمكن
~~دفعها به من الحسنات كالإحسان إلى من أساء فإنه أحسن من مجرد العفو فأحسن
~~على ظاهره والمفضل عليه عام ولذا حذف كما في الله تعالى أكبر، وإخراجه
~~مخرج الجواب عن سؤال من قال: كيف أصنع؟ للمبالغة والإشارة إلى أنه مهم
~~ينبغي الاعتناء به والسؤال عنه، وللمبالغة أيضا وضع { أحسن } موضع
~~الحسنة لأن من دفع بالأحسن هان عليه الدفع بما دونه، ومما ذكرنا يعلم أن
~~ليس المراد بالحسنة والسيئة أمرين معينين. ms09496 وعن علي كرم الله تعالى وجهه
~~الحسنة حب الرسول وآله عليهم الصلاة والسلام والسيئة بغضهم، وعن ابن عباس
~~الحسنة لا إله إلا الله والسيئة الشرك، وقال الكلبي: الدعوتان إليهما،
~~وقال الضحاك: الحلم والفحش، وقيل: الصبر، وقيل: المدارة والغلظة، وقيل
~~غير ذلك، ولا يخفى أن بعض المروي يكاد لا تصح إرادته هنا فلعله لم يثبت
~~عمن روي عنه، وجوز أن يكون المراد بيان تفاوت الحسنات والسيئات في
~~أنفسهما بمعنى أن الحسنات تتفاوت إلى حسن وأحسن والسيئات كذلك فتعريف
~~الحسنة والسيئة للجنس و { لا } الثانية ليست مزيدة وأفعل على ظاهره،
~~والكلام في { ادفع } الخ على معنى الفاء أي إذا كان كل من الجنسين
~~متفاوت الأفراد في نفسه فادفع بأحسن الحسنتين السيء والأسوأ، وترك الفاء
~~للاستئناف الذي ذكرنا وهو أقوى الوصلين ولعل الأول أقرب.

# { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي
~~حميم } بيان لنتيجة الدفع المأمور به أي فإذا فعلت ذلك صار عدوك
~~المشاق مثل الولي الشفيق. قال ابن عطية: دخلت { كأن } المفيدة للتشبية
~~لأن العدو لا يعود وليا حميما بالدفع بالتي هي أحسن وإنما يحسن ظاهره
~~فيشبه بذلك الولي الحميم؛ ولعل ذلك من باب الاكتفاء بأقل اللازم وهذا
~~بالنظر إلى الغالب وإلا فقد تزول العداوة بالكلية بذلك كما قيل:

# إن العداوة تستحيل مودة

# بتدارك الهفوات بالحسنات

# و { الذي بينك وبينه عداوة } أبلغ من عدوك ولذا اختير
~~عليه مع اختصاره. والآية قيل: نزلت في أبي سفيان ابن حرب كان عدوا
~~مبينا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فصار عند أهل السنة وليا مصافيا
~~وكأن ما عنده انتقل إلى ولد ولده يزيد عليه من الله عز وجل ما يستحق.

### || [41.35]

# { وما يلقاها } أي ما يلقى ويؤتى هذه / الفعلة والخصلة الشريفة
~~التي هي الدفع بالتي هي أحسن فالضمير راجع لما يفهم من السياق، وجوز
~~رجوعه للتي هي أحسن، وحكى مكي أن الضمير لشهادة أن لا إله إلا الله فكأنه
~~أرجع للتي هي أحسن وفسرت بالشهادة المذكورة ومع هذا هو كما ترى، وقيل:
~~الضمير للجنة وليس ms09497 بشيء. وقرأ طلحة وابن كثير في رواية { وما
~~يلقاها } من الملاقاة.

# { فخور إلا الذين صبروا } أي الذين فيهم طبيعة الصبر
~~وشأنهم ذلك { وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } ذو نصيب عظيم
~~من خصال الخير وكمال النفس كما روي عن ابن عباس، وقال قتادة: ذو حظ عظيم
~~من الثواب، وقيل: الحظ العظيم الجنة، وعليهما فهو وعد وعلى الأول هو مدح،
~~وكرر { وما يلقاها } تأكيدا لمدح تلك الفعلة الجميلة الجليلة.

# ولأوحد أهل عصره الذي بخل الزمان أن يأتي بمثله صالح أفندي كاتب ديوان
~~الإنشاء في الحدباء في هذه الآية عبارة مختصرة التزم الدقة فيها رحمة
~~الله تعالى عليه وهي قوله تعالى: { وما يلقاها إلا الذين
~~صبروا } الآية يمكن أن يؤخذ من الأول ما هو من أول الأول لا الثاني
~~للاتفاق فيتحقق الأشرف بعد إعطاء المقام حقه فيتحقق الحابس أنه مجدود
~~فيقف عند الحد المحدود انتهت. وأراد والله تعالى أعلم أنه يمكن أن يؤخذ
~~من الأول أي قوله تعالى: { وما يلقاها إلا الذين صبروا
~~} ومن الثاني وهو قوله سبحانه: { وما يلقاها إلا ذو حظ
~~عظيم } ما أي شكل هو من أول ضروب الشكل الأول الأربعة وهو قياس منه
~~مركب من موجبتين كليتين ينتج موجبة كلية بأن يقال: كل صابر هو الذي
~~يلقاها وكل من يلقاها فهو ذو حظ عظيم ينتج كل صابر هو ذو حظ عظيم، ولا
~~يمكن أن يؤخذ قياس من الشكل الثاني للاتفاق في الكيف وشرط الشكل الثاني
~~اختلاف المقدمتين فهي كما هو مقرر في محله فيتحقق بعد الأخذ وتركيب
~~المقدمتين الأمر الأشرف أي النتيجة التي هي موجبة كلية وهي أشرف
~~المحصورات الأربع لاشتمالها على الإيجاب الأشرف من السلب والكلية الأشرف
~~من الجزئية بعد إعطاء المقام حقه من جعل الموصول للاستغراق كما أشير إليه
~~ليفيد الكلية فعند ذلك يتحقق ويعلم الحابس أي الصابر أنه مجدود أي ذو جد
~~وحظ فيقف عند الحد المحدود ولا يتجاوز من الصبر إلى غيره فافهم.

### || [41.36]

# { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ } النزغ النخس وهو
~~المس بطرف ms09498 قضيب أو أصبع بعنف مؤلم استعير هنا للوسوسة الباعثة على الشر
~~وجعل نازغا للمبالغة على طريقة جد جده  فمن  على هذا ابتدائية، ويجوز
~~أن يراد به نازغ على أن المصدر بمعنى اسم الفاعل وصفا للشيطان  فمن 
~~بيانية والجار والمجرور في موضع الحال أو هي ابتدائية أيضا لكن على سبيل
~~التجريد، وجوز أن يكون المراد بالنازغ وسوسة الشيطان و { إن } شرطية و {
~~ما } مزيدة أي وإن ينزغنك ويصرفنك الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي
~~هي أحسن { فاستعذ بالله } من شره ولا تطعه.

# { أنه } عز وجل { هو السميع } فيسمع سبحانه استعاذتك {
~~العليم } فيعلم جل شأنه نيتك وصلاحك، وقيل: السمع لقول من أذاك
~~العليم بفعله فينتقم منه مغنيا عن انتقامك، وقيل: العليم بنزغ الشيطان.
~~وفي جعل ترك الدفع من آثار نزغات الشيطان مزيد تحذير وتنفير عنه، ولعل
~~الخطاب من باب إياك أعني واسمعي يا جاره. وجوز أن يراد بالشيطان ما يعم
~~شيطان الإنس فإن منهم من يصرف عن الدفع بالتي هي أحسن ويقول: / إنه عدوك
~~الذي فعل بك كيت وكيت فانتهز الفرصة فيه وخذ ثأرك منه لتعظم في عينه
~~وأعين الناس ولا يظن فيك العجز وقلة الهمة وعدم المبالاة إلى غير ذلك من
~~الكلمات التي ربما لا تخطر أبدا ببال شيطان الجن نعوذ بالله تعالى
~~السميع العليم من كل شيطان، وفسر عبد الرحمن بن زيد النزغ بالغضب واستدل
~~بالآية على استحباب الاستعاذة عنده. وقد روى الحاكم عن سليمان بن صدر
~~قال:

# " استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد غضب أحدهما فقال
~~النبي عليه الصلاة والسلام: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الغضب.
~~أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقال الرجل: أمجنونا تراني؟ فتلا رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم { وإما ينزغنك من الشيطن
~~نزغ فاستعذ بالله } "

# ولعل الغضب من آثار الوسوسة.

### || [41.37]

# { ومن ءايته } الدالة على شؤنه الجليلة جل شأنه. { اليل
~~والنهار } في حدوثهما وتعاقبهما وإيلاج كل منهما في الآخر {
~~والشمس والقمر } في استنارتهما واختلافهما في قوة النور والعظم
~~والآثار ms09499 والحركات مثلا. وقدم ذكر الليل قيل: تنبيها على تقدمه مع كون
~~الظلمة عدما، وناسب ذكر الشمس بعد النهار لأنها آيته وسبب تنويره ولأنها
~~أصل لنور القمر بناء على ما قالوا من أنه مستفاد من ضياء الشمس، وأما
~~ضياؤها فالمشهور أنه غير طارىء عليها من جرم آخر، وقيل: هو من العرش،
~~والفلاسفة اليوم يظنون أنه من جرم آخر وادعوا أنهم يرون في طرف من جرم
~~الشمس ظلمة قليلة.

# { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر } لأنها من جملة
~~مخلوقاته سبحانه وتعالى المسخرة على وفق إرادته تعالى مثلكم {
~~واسجدوا لله الذي خلقهن } الضمير قيل للأربعة المذكورة
~~والمقصود تعليق الفعل بالشمس والقمر لكن نظم معهما الليل والنهار إشعارا
~~بأنهما من عداد ما لا يعلم ولا يختار ضرورة أن الليل والنهار كذلك ولو
~~ثنى الضمير لم يكن فيه إشعار بذلك. وحكم جماعة ما لا يعقل  على ما قال
~~الزمخشري  حكم الأنثى فيقال: الأقلام بريتها وبريتهن فلا يتوهم أن
~~الضمير لما كان لليل والنهار والشمس والقمر كان المناسب تغليب الذكور.
~~والجواب بأنه لما كن من الآيات عدت كالإناث تكلف عنه غنى بالقاعدة
~~المذكورة. نعم قال أبو حيان: ((ينبغي أن يفرق بين جمع القلة من ذلك وجمع
~~الكثرة فإن الأفصح في الأول أن يكون بضمير الواحدة تقول الأجذاع انكسرت
~~على الأفصح والأفصح في الثاني أن يكون بضمير الإناث تقول الجذوع انكسرن
~~وما في الآية ليس بجمع قلة بلفظ واحد لكنه منزل منزلة المعبر عنه به،
~~وقيل: الضمير للشمس والقمر والإثنان جمع وجمع ما لا يعقل يؤنث، ومن حيث
~~يقال شموس وأقمار لاختلافهما بالأيام والليالي ساغ أن يعود الضمير إليهما
~~جمعا، وقيل: الضمير للآيات المتقدم ذكرها في قوله تعالى: { ومن
~~ءايته } )).

# { إن كنتم إياه تعبدون } فإن السجود أقصى مراتب العبادة
~~فلا بد من تخصيصه به عز وجل. وكان علي كرم الله تعالى وجهه وابن مسعود
~~يسجدان عند { تعبدون } ونسب القول بأنه موضع السجدة للشافعي، وسجد
~~عند { لا يسأمون } ابن عباس وابن عمر وأبو وائل وبكر بن عبد الله،
~~وكذلك ms09500 روي عن ابن وهب ومسروق والسلمي والنخعي وأبي صالح وابن وثاب
~~والحسن وابن سيرين وأبي حنيفة رضي الله تعالى عنهم، ونقله في «التحرير»
~~عن الشافعي رضي الله تعالى عنه. وفي «الكشف» أصح / الوجهين عند أصحابنا 
~~يعني الشافعية  أن موضع السجدة { لا يسأمون } كما هو مذهب الإمام
~~أبي حنيفة، ووجهه أنها تمام المعنى على أسلوب اسجد فإن الاستكبار عنه
~~مذموم، وعلله بعضهم بالاحتياط لأنها إن كانت عند { تعبدون } جاز
~~التأخير لقصر الفصل، وإن كانت عند { يسأمون } لم يجز تعجيلها.

### || [41.38]

# { فإن استكبروا } تعاظموا عن اجتناب ما نهوا عنه من السجود
~~لتلك المخلوقات وامتثال ما أمروا به من السجود لخالقهن فلا يعبأ بهم أو
~~فلا يخل ذلك بعظمة ربك { فالذين عند ربك } أي في حضرة قدسه عز
~~وجل من الملائكة عليهم السلام الذين هم خير منهم { يسبحون له
~~بالليل والنهار } أي دائما وإن لم يكن عندهم ليل ونهار {
~~وهم لا يسأمون } لا يملون ذلك، وجواب الشرط في الحقيقة ما أشرنا
~~إليه أو نحوه وما ذكر قائم مقامه، ويجوز أن يكون الكلام على معنى الإخبار
~~كما قيل في نحو إن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس: إنه على معنى فأخبرك
~~أني قد أكرمتك أمس. وقرىء { لا يسأمون } بكسر الياء. والظاهر أن الآية
~~في أناس من الكفرة كانوا يسجدون للشمس والقمر كالصابئين في عبادتهم
~~الكواكب ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله تعالى فنهوا عن هذه
~~الواسطة وأمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله تعالى خالصا.

# واستدل الشيخ أبو إسحق في «المهذب» بالآية على صلاتي الكسوف والخسوف
~~قال: لأنه لا صلاة تتعلق بالشمس والقمر غيرهما، وأخذ من ذلك تفضيلهما على
~~صلاة الاستسقاء لكونهما في القرآن بخلافها.

### || [41.39]

# { ومن ءايته أنك ترى } يا من تصح منه الرؤية. { الأرض
~~خشعة } يابسة متطامنة مستعار من الخشوع بمعنى التذلل { فإذا
~~أنزلنا عليها الماء } أي المطر { اهتزت وربت } أي
~~تحركت بالنبات وانتفخت لأن النبت إذا دنا أن يظهر ارتفعت له الأرض
~~وانتفخت ثم تصدعت عن النبات، ويجوز أن يكون في الكلام ms09501 استعارة تمثيلية
~~شبه حال جدوبة الأرض وخلوها عن النبات ثم إحياء الله تعالى إياها بالمطر
~~وانقلابها من الجدوبة إلى الخصب وإنبات كل زوج بهيج بحال شخص كئيب كاسف
~~البال رث الهيئة لا يؤبه به ثم إذا أصابه شيء من متاع الدنيا وزينتها
~~تكلف بأنواع الزينة والزخارف فيختال في مشيه زهوا فيهتز بالأعطاف خيلاء
~~وكبرا فحذف المشبه واستعمل الخشوع والاهتزاز دلالة على مكانه ورجح
~~اعتبار التمثيل. وقرىء { ربأت } أي زادت، وقال الزجاج: معنى ربت عظمت
~~وربأت بالهمز ارتفعت ومنه الربيئة وهي طليعة على الموضع المرتفع.

# { إن الذي أحيها } بما ذكر بعد موتها { لمحي
~~الموتى } بالبعث { إنه على كل شيء } من الأشياء التي من
~~جملتها الإحياء { قدير } مبالغ في القدرة.

### || [41.40]

# { إن الذين يلحدون في ءايتنا } ينحرفون في تأويل آيات
~~القرآن عن جهة الصحة والاستقامة فيحملونها على المحامل الباطلة، وهو مراد
~~ابن عباس بقوله: يضعون الكلام في غير موضعه، وأصله من ألحد إذا مال عن
~~الاستقامة فحفر في شق ويقال لحد. وقرىء { يلحدون } و { يلحدون }
~~باللغتين، وقال قتادة هنا: الإلحاد التكذيب، وقال مجاهد: المكاء والصفير
~~واللغو فالمعنى يميلون عما ينبغي ويليق في شأن آياتنا فيكذبون القرآن أو
~~فيلغون ويصفرون عند قراءته، وجوز أن يراد بالآيات ما يشمل جميع الكتب
~~المنزلة وبالإلحاد ما يشمل تغيير اللفظ وتبديله لكن ذلك بالنسبة إلى غير
~~القرآن لأنه لم يقع فيه كما وقع في غيره من الكتب على ما هو الشائع. وعن
~~أبي مالك تفسير الآيات بالأدلة فالإلحاد في شأنها الطعن في دلالتها
~~والإعراض عنها، وهذا أوفق بقوله تعالى: /

# ومن ءايته اليل والنهار والشمس والقمر

# [فصلت: 37]

# ومن ءايته أنك ترى الأرض خشعة

# [فصلت: 39] الخ، وما تقدم أوفق بقوله سبحانه:

# وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرءان
~~والغوا فيه

# [فصلت: 26] وبما بعد، والآية على تفسير مجاهد أوفق وأوفق.

# والمراد بقوله تعالى: { لا يخفون علينا } مجازاتهم على
~~الإلحاد فالآية وعيد لهم وتهديد، وقوله تعالى: { أفمن يلقى في
~~النار خير أم من يأتي ءامنا يوم القيمة } تنبيه
~~على كيفية الجزاء، ms09502 وكان الظاهر أن يقابل الإلقاء في النار بدخول الجنة
~~لكنه عدل عنه إلى ما في النظم الجليل اعتناء بشأن المؤمنين لأن الأمن من
~~العذاب أعم وأهم ولذا عبر في الأول بالإلقاء الدال على القسر والقهر وفيه
~~بالإتيان الدال على أنه بالاختيار والرضا مع الأمن ودخول الجنة لا ينفي
~~أن يبدل حالهم من بعد خوفهم أمنا، وجوز أن تكون الآية من الاحتباك
~~بتقدير من يأتي خائفا ويلقى في النار ومن يأتي آمنا ويدخل الجنة فحذف
~~من الأول مقابل الثاني ومن الثاني مقابل الأول وفيه بعد. والآية كما قال
~~ابن بحر عامة في كل كافر ومؤمن. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس { أفمن
~~يلقى في النار } أبو جهل { أم من يأتي ءامنا } أبو بكر
~~الصديق رضي الله تعالى عنه، وأخرج عبد الرزاق وغيره عن بشير بن تميم من
~~يلقى في النار أبو جهل ومن يأتي آمنا عمار. والآية نزلت فيهما، وقال
~~مقاتل: نزلت في أبي جهل وعثمان بن عفان، وقيل: فيه وفي عمر، وقيل: فيه
~~وفي حمزة، وقال الكلبي: فيه وفي الرسول صلى الله عليه وسلم.

# { اعملوا ما شئتم } تهديد شديد للكفرة الملحدين الذين يلقون في
~~النار وليس المقصود حقيقة الأمر { إنه بما تعملون بصير }
~~فيجازيكم بحسب أعمالكم.

### || [41.41]

# { إن الذين كفروا بالذكر } وهو القرآن { لما
~~جاءهم } من غير أن يمضي عليهم زمان يتأملون فيه ويتفكرون { وإنه
~~لكتب عزيز } لا يوجد نظيره أو منيع لا تتأتى معارضته، وأصل العز
~~حالة مانعة للإنسان عن أن يغلب، وإطلاقه على عدم النظير مجاز مشهور وكذا
~~كونه منيعا، وقيل: غالب للكتب لنسخه إياها. وعن ابن عباس أي كريم على
~~الله تعالى؛ والجملة حالية مفيدة لغاية شناعة الكفر به.

### || [41.42]

# وقوله تعالى: { لا يأتيه البطل من بين يديه ولا
~~من خلفه } صفة أخرى لكتاب، وما بين يديه وما خلفه كناية عن جميع
~~الجهات كالصباح والمساء كناية عن الزمان كله أي لا يتطرق إليه الباطل من
~~جميع جهاته، وفيه تمثيل لتشبيهه بشخص حمي من جميع جهاته فلا يمكن ms09503 أعداءه
~~الوصول إليه لأنه في حصن حصين من حماية الحق المبين، وجوز أن يكون المعنى
~~لا يأتيه الباطل من جهة ما أخبر به من الأخبار الماضية والأمور الآتية.
~~وقيل: الباطل بمعنى المبطل كوارس بمعنى مورس أو هو مصدر كالعافية بمعنى
~~مبطل أيضا.

# وقوله تعالى: { تنزيل من حكيم حميد } أي محمود على ما أسدي
~~من النعم التي منها تنزيل الكتاب، وحمده سبحانه: بلسان الحال متحقق من كل
~~منعم عليه وبلسان القال متحقق ممن وفق لذلك خبر مبتدأ محذوف أو صفة أخرى
~~لكتاب مفيدة لفخامته الإضافية كما أن الصفتين السابقتين مفيدتان لفخامته
~~الذاتية. وقوله تعالى: { لا يأتيه } الخ اعتراض عند من لا يجوز
~~تقديم غير الصريح من الصفات على الصريح كل ذلك لتأكيد بطلان الكفر
~~بالقرآن.

# واختلفوا في خبر { إن } أمذكور هو أو محذوف؟ / فقيل: مذكور وهو قوله
~~تعالى:

# أولئك ينادون من مكان بعيد

# [فصلت: 44] وهو قول أبي عمرو بن العلاء في حكاية جرت بينه وبين بلال بن
~~أبي بردة سئل بلال في مجلسه عن هذا فقال: لم أجد لها نفاذا فقال له أبو
~~عمرو: إنه منك لقريب { أولئك ينادون من مكان بعيد }
~~وذهب إليه الحوفي وهو في مكان بعيد، وذهب أبو حيان إلى أنه قوله تعالى: {
~~لا يأتيه البطل } بحذف العائد أي الكافرون وحاله أنه كتاب
~~عزيز لا يأتيه الباطل منهم أي متى راموا إبطالا له لم يصلوا إليه أو
~~يجعل أل في الباطل عوضا من الضمير به على قول الكوفيين أي لا يأتيه
~~باطلهم أو قوله سبحانه:

# ما يقال لك

# [فصلت: 43] الخ والعائد أيضا محذوف أي ما يقال لك في شأنهم أو فيهم إلا
~~ما قد قيل للرسل من قبلك أي أوحي إليك في شأن هؤلاء المكذبين لك ولما جئت
~~به مثل ما أوحي إلى من قبلك من الرسل وهو أنهم عاقبتهم سيئة في الدنيا
~~بالهلاك وفي الآخرة بالعذاب الدائم ثم قال: وغاية ما في هذين التوجيهين
~~حذف الضمير العائد وهو موجود نحو السمن منوان بدرهم والبركر بدرهم أي
~~منه. ms09504 ونقل عن بعض نحاة الكوفة أن الخبر في قوله تعالى:

# وإنه لكتب عزيز

# [فصلت: 41] وتعقبه بأنه لا يتعقل، وقيل: هو محذوف وخبر { إن } يحذف
~~لفهم المعنى، وسأل عيسى بن عمر عمرو بن عبيد عن ذلك فقال عمرو: معناه في
~~التفسير إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم كفروا به وأنه لكتاب عزيز فقال
~~عيسى: أجدت يا أبا عثمان.

# وقال قوم: تقديره معاندون أو هالكون، وقال الكسائي: قد سد مسده ما تقدم
~~من الكلام قبل وهو قوله تعالى:

# أفمن يلقى

# [فصلت: 40] وكأنه يريد أنه محذوف دل عليه ما قبله فيمكن أن يقدر يخلدون
~~في النار، ويقدر الخبر على ما استحسنه ابن عطية بعد { حميد }.

# وفي «الكشاف» أن قوله تعالى:

# إن الذين كفروا بالذكر

# [فصلت: 41] بدل من قوله تعالى:

# إن الذين يلحدون في ءايتنا

# [فصلت: 40] قال في «البحر»: ولم يتعرض بصريح الكلام إلى خبر { إن }
~~أمذكور هو أو محذوف لكنه قد يدعي أنه أشار إلى ذلك فإن المحكوم به على
~~المبدل منه هو المحكوم به على البدل فيكون التقدير إن الذين يلحدون في
~~آياتنا أن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم لا يخفون علينا.

# وفي «الكشف» فائدة هذا الإبدال التنبيه على أنه ما يحملهم على الإلحاد
~~إلا مجرد الكفر، وفيه إمداد التحذير من وجوه ما ذكر من التنبيه؛ ووضع
~~الذكر موضع الضمير الراجع إلى الآيات زيادة تحسير لهم. وما في { لما }
~~من معنى مفاجأتهم بالكفر أول ما جاء، وما فيه من التعظيم لشأن الآيات
~~والتمهيد للحديث عن كمال الكتاب الدال على سوء مغبة الملحد فيه، ثم
~~الأشبه أن يحمل كلام «الكشاف» على أن الخبر محذوف لدلالة السابق عليه
~~ولزيادة التهويل لذهاب الوهم كل مذهب وتكون الجملة بدلا عن الجملة لأن
~~البدل بتكرير العامل إنما جوز في المجرور لشدة الاتصال انتهى فتأمل والله
~~تعالى الموفق.

### || [41.43]

# { ما يقال لك } إلى آخره تسلية له صلى الله عليه وسلم عما يصيبه
~~من أذية الكفار من طعنهم في كتابه وغير ذلك، فالقائل الكفار أي ما يقول
~~كفار قومك ms09505 في شأنك وشأن ما أنزل إليك من القرآن { إلا ما قد قيل
~~} أي مثل ما قد قال الكفرة السابقون { للرسل من قبلك } من
~~الكلام المؤذي المتضمن للطعن فيما أنزل إليهم، وهذا نظير قوله تعالى:

# كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا
~~قالوا سحر أو مجنون

# [الذاريات: 52].

# وقوله تعالى: { إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم }
~~قيل: تعليل لما يستفاد من السياق من الأمر بالصبر كأنه قيل: ما يقال لك
~~إلا نحو ما قيل لأمثالك من الرسل فاصبر كما صبروا إن ربك لذو مغفرة عظيمة
~~/ لأوليائه وذو عقاب أليم لأعدائهم فينصر أولياءه وينتقم من أعدائهم، أو
~~جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ثم ماذا؟ فقيل: إن ربك لذو مغفرة لأوليائه وذو
~~عقاب أليم لأعدائهم وقد نصر لذلك من قبلك من الرسل عليهم السلام وانتقم
~~من أعدائهم وسيفعل ذلك بك وبأعدائك أيضا، وجوز أن يكون القائل هو الله
~~تعالى والمعنى على ما سمعت عن أبي حيان وقد جعل هذه الجملة خبر { إن }
~~أي ما يوحي الله تعالى إليك في شأن الكفار المؤذين لك إلا مثل ما أوحي
~~للرسل من قبلك في شأن الكفار المؤذين لهم من أن عاقبتهم سيئة في الدنيا
~~بالهلاك وفي الآخرة بالعذاب الأليم فاصبر إن ربك الخ، وقد يجعل { إن
~~ربك } الخ باعتبار مضمونه تفسيرا للمقول فحاصل المعنى ما أوحي إليك
~~وإلى الرسل إلا وعد المؤمنين بالمغفرة والكافرين بالعقوبة دون العكس الذي
~~يزعمه الكفرة بلسان حالهم فاصبر فسينجز الله تعالى وعده، وقيل: المقول هو
~~الشرائع أي ما يوحي إليك إلا مثل ما أوحي إلى الرسل من الشرائع دون أمور
~~الدنيا وقد جرت عادة الكفار بتكذيب ذلك فما عليك إذا كذب كفار قومك واصبر
~~على ذلك، وجعل { إن ربك } الخ تعليلا لما يستفاد من السياق
~~أيضا، وجعله بعضهم تفسيرا لذلك المقول أعني الشرائع لأنها الأوامر
~~والنواهي الإلهية وهي مجملة فيه، وفيه من البعد ما فيه، وإلى نحو ما
~~ذكرناه أولا ذهب قتادة. أخرح ابن أبي حاتم عنه أنه قال ms09506 في الآية: {
~~ما يقال لك } من التكذيب { إلا ما قد قيل للرسل من
~~قبلك } فكما كذبوا كذبت وكما صبروا على أذى قومهم لهم فاصبر على أذى
~~قومك لك، واختيار { أليم } على شديد مع أنه أنسب بالفواصل للإيماء إلى
~~أن نظم القرآن ليس كالأسجاع والخطب وأن حسنه ذاتي والنظر فيه إلى المعاني
~~دون الألفاظ، ويحسن وصف العقاب به هنا كون العقاب جزاء التكذيب المؤلم.

### || [41.44]

# { ولو جعلنه قرءانا أعجميا } جواب لقولهم: هلا أنزل
~~القرآن بلغة العجم، والضمير للذكر { لقالوا لولا فصلت
~~ءايته } أي بينت لنا وأوضحت بلسان نفقهه، وقوله تعالى: {
~~ءاعجمي وعربي } بهمزتين الأولى للاستفهام والثانية همزة
~~أعجمي والجمهور يقرؤون بهمزة استفهام بعدها مدة هي همزة أعجمي إنكار مقرر
~~للتحضيض أي أكلام أعجمي ورسول أو مرسل إليه عربي، وحاصله أنه لو نزل كما
~~يريدون لأنكروا أيضا وقالوا مالك وللعجمة أو مالنا وللعجمة. والأعجمي
~~أصله أعجم بلا ياء ومعناه من لا يفهم كلامه للكنته أو لغرابة لغته وزيدت
~~الياء للمبالغة كما في أحمري ودواري وأطلق على كلامه مجازا لكنه اشتهر
~~حتى التحق بالحقيقة، وزعم صاحب «اللوامح» أن الياء فيه بمنزلة ياء كرسي
~~وهو وهم، وقيل: { عربي } على احتمال أن يكون المراد ومرسل إليه
~~عربي مع أن المرسل إليهم جمع فحقه أن يقال: عربية أو عربيون لأن المراد
~~بيان التنافي والتنافر بين الكلام وبين المخاطب به لا بيان كون المخاطب
~~به واحدا أو جمعا، ومن حق البليغ أن يجرد الكلام للدلالة على ما ساقه
~~له ولا يأتي بزائد عليه إلا ما يشد من عضده فإذا رأى لباسا طويلا على
~~امرأة قصيرة قال: اللباس طويل واللابس قصير دون واللابسة قصيرة لأن
~~الكلام لم يقع في ذكورة اللابس وأنوثته فلو قال لخيل إن لذلك مدخلا فيما
~~سيق له الكلام، وهذا أصل من الأصول يجب أن يكون على ذكر، ويبنى عليه
~~الحذف والإثبات والتقييد والإطلاق إلى غير ذلك في كلام الله تعالى وكل
~~كلام بليغ.

# وقرأ عمرو بن ميمون { أعجمي } بهمزة استفهام بفتح العين أي أكلام ms09507 منسوب
~~إلى العجم وهم من عدا العرب وقد يخص بأهل فارس ولغتهم العجمية أيضا فبين
~~الأعجمي والعجمي عموم / وخصوص من وجه، والظاهر أن المراد بالعربي مقابل
~~الأعجمي في القراءة المشهورة ومقابله العجمي في القراءة الأخرى. وقرأ
~~الحسن وأبو الأسود والجحدري وسلام والضحاك وابن عباس وابن عامر بخلاف
~~عنهما { أعجمي } بلا استفهام وبسكون العين على أن الكلام إخبار بأن
~~القرآن أعجمي والمتكلم به أو المخاطب عربي. وجوز أن يكون المراد هلا
~~فصلت آياته فجعل بعضها أعجميا لإفهام العجم وبعضها عربيا لإفهام العرب
~~وروي هذا عن ابن جبير فالكلام بتقدير مبتدأ هو بعض أي بعضها أعجمي وبعضها
~~عربي، والمقصود به من الجملة الشرطية إبطال مقترحهم وهو كونه بلغة العجم
~~باستلزامه المحذور وهو فوات الغرض منه إذ لا معنى لإنزاله أعجميا على من
~~لا يفهمه أو الدلالة على أنهم لا ينفكون عن التعنت فإذا وجدت الأعجمية
~~طلبوا أمرا آخر وهكذا.

# { قل } ردا عليهم { هو للذين ءامنوا هدى } يهدي إلى الحق
~~{ وشفاء } لما في الصدور من شك وشبهة { والذين لا يؤمنون
~~} مبتدأ خبره { في ءاذانهم وقر } على أن { في ءاذانهم } خبر
~~مقدم و(وقر) مبتدأ أي مستقر في آذانهم وقر أي صمم من فلا يسمعونه، وقيل:
~~خبر الموصول (في آذانهم) و { وقر } فاعل الظرف، وقيل: { وقر } خبر
~~مبتدأ محذوف تقديره هو أي القرآن و { في ءاذانهم } متعلق بمحذوف وقع
~~حالا من { وقر }.

# ورجح بأنه أوفق بقوله تعالى: { وهو عليهم عمى } ومن جوز العطف
~~على معمولي عاملين عطف الموصول على الموصول الأول و { وقر } على {
~~هدى } على معنى هو للذين آمنوا هدى وللذين لا يؤمنون وقر، وقوله تعالى:
~~{ في ءاذانهم } ذكر بيانا لمحل الوقر أو حال من الضمير في الظرف
~~الراجع إلى { وقر } والأول أبلغ؛ ويرد عليه بعد الإغماض عما في جواز
~~العطف المذكور من الخلاف أن فيه تنافرا بجعل القرآن نفس الوقر لا سيما
~~وقد ذكر محله وليس كجعله نفس العمى لأنه يقابل جعله نفس الهدى فروعي
~~الطباق ولذا لم يبين محله، وأما الوقر إذا ms09508 جعل نفس الكتاب فهو كالدخيل
~~ولم يطابق ما ورد في سائر المواضع من التنزيل، وهذا يرد على الوجه الذي
~~قبله أيضا، وجوز ابن الحاجب في «الأمالي» أن يكون { وهو عليهم
~~عمى } مرتبطا بقوله سبحانه: { هو للذين ءامنوا هدى
~~وشفاء } والتقدير هو للذين آمنوا هدى وعلى الذين لا يؤمنون عمى، وقوله
~~تعالى: { والذين لا يؤمنون في ءاذانهم وقر } جملة
~~معترضة على الدعاء، وتعقب بأن هذا وإن جاز من جهة الإعراب لكنه من جهة
~~المعاني مردود لفك النظم، وزعم بعضهم أن ضمير { هو } عائد على الوقر
~~وهو من العمى كما ترى. وأولى الأوجه ما تقدم وجىء بعلى في { عليهم
~~عمى } للدلالة على استيلاء العمى عليهم، ولم يذكر حال القلب لما علم من
~~التعريض في قوله سبحانه: { للذين ءامنوا هدى وشفاء } بأنه
~~لغيرهم مرض فظيع.

# { أولئك } إشارة إلى الموصول الثاني باعتبار اتصافه بما في حيز
~~صلته وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلته في الشر مع ما فيه من
~~كمال المناسبة للنداء من مكان بعيد أي أولئك البعداء الموصوفون بما ذكر
~~من التصام عن الحق الذي يسمعونه والتعامي عن الآيات التي يشاهدونها {
~~ينادون من مكان بعيد } تمثيل لهم في عدم فهمهم وانتفاعهم
~~بما دعوا له بمن ينادي من مسافة نائية فهو يسمع الصوت ولا يفهم تفاصيله
~~ولا معانيه أو لا يسمع ولا يفهم، فقد حكى أهل اللغة أنه يقال للذي لا
~~يفهم: أنت تنادي من بعيد، وإرادة هذا المعنى مروية عن علي كرم الله تعالى
~~/ وجهه ومجاهد، وعن الضحاك أن الكلام على حقيقته وأنهم يوم القيامة
~~ينادون بكفرهم وقبيح أعمالهم بأقبح أسمائهم من بعد حتى يسمع ذلك أهل
~~الموقف فتعظم السمعة عليهم وتحل المصائب بهم، وحاصل الرد أنه هاد
~~للمؤمنين شاف لما في صدورهم كاف في دفع الشبه فلذا ورد بلسانهم معجزا
~~بينا في نفسه مبينا لغيره والذين لا يؤمنون بمعزل عن الانتفاع به على
~~أي حال جاءهم.

# وقرأ ابن عمر وابن عباس وابن الزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وابن هرمز {
~~عم ms09509 } بكسر الميم وتنوينه، وقال يعقوب القاري وأبو حاتم: لا ندري نونوا أم
~~فتحوا الياء على أنه فعل ماض، وبغير تنوين رواها عمرو بن دينار وسليمان
~~بن قتيبة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

### || [41.45]

# { ولقد ءاتينا موسى الكتب فاختلف فيه } كلام
~~مستأنف مسوق لبيان أن الاختلاف في شأن الكتب عادة قديمة للأمم غير مختص
~~بقومك على منهاج قوله تعالى:

# ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك

# [فصلت: 43] على ما سمعت أولا أي وبالله لقد آتينا موسى التوراة فاختلف
~~فيها فمن مصدق لها ومكذب وهكذا حال قومك في شأن ما آتيناك من القرآن فمن
~~مؤمن به وكافر.

# { ولولا كلمة سبقت من ربك } في حق أمتك المكذبة وهي
~~العدة بتأخير عذابهم وفصل ما بينهم وبين المؤمنين من الخصومة إلى يوم
~~القيامة بنحو قوله تعالى:

# بل الساعة موعدهم

# [القمر: 46] وقوله سبحانه:

# ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى

# [النحل: 61] { لقضي بينهم } باستئصال المكذبين كما فعل بمكذبي
~~الأمم السالفة.

# { وإنهم } أي كفار قومك { لفي شك منه } أي من القرآن {
~~مريب } موجب للقلق والاضطراب، وقيل: الضمير الثاني للتوراة والأول
~~لليهود بقرينة السياق لأنهم الذين اختلفوا في كتاب موسى عليه السلام وليس
~~بشيء.

### || [41.46]

# { من عمل صلحا } بأن آمن بالكتب وعمل بموجبها { فلنفسه
~~} أي فلنفسه يعمله أو فلنفسه نفعه لا لغيره، و { من } يصح فيها الشرطية
~~والموصولية وكذا في قوله تعالى: { ومن أساء فعليها } ضره لا
~~على الغير { وما ربك بظلم للعبيد } اعتراض تذييلي مقرر
~~لمضمون ما قبله مبني على تنزيل ترك إثابة المحسن بعمله أو إثابة الغير
~~بعمله وتنزيل التعذيب بغير إساءة أو بإساءة غيره منزلة الظلم الذي يستحيل
~~صدوره عنه تعالى ولم يحتج بعضهم إلى التنزيل، وقد مر الكلام في ذلك وفي
~~توجيه النفي والمبالغة فتذكر.

### || [41.47]

# { إليه يرد علم الساعة } أي إذا سئل عنها قيل الله تعالى
~~يعلم أو لا يعلمها إلا الله عز وجل فالمقصود من هذا الكلام إرشاد
~~المؤمنين في التقصي عن هذا السؤال وكلا الجوابين يلزمه اختصاص علمها ms09510 به
~~تعالى. أما الثاني فظاهر، وأما الأول فلأنك إذا سئلت عن مسألة وقلت فلان
~~يعلمه كان فيه نفي عنك كناية وتنبيه على أن فلانا أهل أن يسئل عنه دونك.

# { وما تخرج من ثمرت من أكمامها } أي من أوعيتها جمع
~~كم بالكسر وهو وعاء الثمرة كجف الطلعة من كمه إذا ستره وقد يضم وكم
~~القميص بالضم وقرأ الحسن في رواية والأعمش وطلحة وغير واحد من السبعة {
~~من ثمرة } على إرادة الجنس والجمع لاختلاف الأنواع. وقرىء { من
~~ثمرات من أكمامهن } بجمع الضمير أيضا وما نافية ومن الأولى مزيدة لتأكيد
~~الاستغراق والنص عليه ومن الثانية ابتدائية وكذا { ما } في قوله تعالى:
~~{ وما تحمل من أنثى ولا تضع } أي حملها، وقوله تعالى: {
~~إلا بعلمه } في موضع الحال والباء للملابسة أو المصاحبة
~~والاستثناء من أعم الأحوال أي ما يحدث شيء من خروج ثمرة ولا حمل حامل ولا
~~وضع واضع ملابسا أو مصاحبا بشيء من الأشياء إلا مصاحبا أو ملابسا
~~بعلمه المحيط سبحانه واقعا حسب تعلقه به. وجوز في الأولى أن تكون موصولة
~~معطوفة على (الساعة) أي إليه يرد علم الساعة وعلم ما يخرج ومن الأولى
~~بيانية والجار والمجرور في موضع الحال ومن الثانية على حالها. وتأنيث {
~~تخرج } باعتبار المعنى لأن ما بمعنى ثمرة قيل: ولا يجوز في ما
~~الثانية ذلك لمكان الاستثناء المفرغ وأجازه بعضهم، ويكفي لصحة التفريغ
~~النفي في قوله تعالى: { ولا تضع } وجملة { لا تضع } إما حال أو
~~معطوفة على جملة { إليه يرد } الخ، ولا يخفى عليك أن المتبادر في
~~الموضعين النفي ثم إن الاستثناء متعلق بالكل وتبيين القدر المشترك بين
~~الأفعال الثلاثة وجعله الأصل في تعلق المفرغ كما سمعت لإظهار المعنى
~~والإيماء إلى أنه لا يحتاج في مثله إلى حذف من الأولين أعني (ما تخرج)
~~و(ما تحمل) وهو قريب من أسلوب:

# وقد حيل بين العير والنزوان

# لأن خرج زيد معناه حدث خروجه كما أن معنى ذلك فعل الحيلولة وليس ذاك من
~~باب الاستثناء المتعقب لجمل والخلاف في متعلقه في شيء لأن ذلك ms09511 في غير
~~المفرغ فقد ذكر النحويون في باب التنازع وإن كان منفيا بالا فالحذف ليس
~~إلا ولو كان منه لم يكن من المختلف فيه لاتحاد الجمل في المقصود وظهور
~~قرينة الرجوع إلى الكل. والكلام على ما في «شرح التأويلات» متصل بأمر
~~الساعة والبعث فإنه لا يعلم هذا كله إلا الله تعالى فذكر هذه الأمور
~~لمناسبتها لعلم الساعة وان الكل إيجاد بعد العدم بقدرته عز وجل فيكون
~~كالبرهان على الحشر، وجوز أن يكون متصلا بقوله تعالى:

# ومن ءايته اليل والنهار

# [فصلت: 37] الخ وبقوله سبحانه:

# ومن ءايته أنك ترى الأرض خشعة

# [فصلت: 39] الخ؛ فالمعنى من آيات ألوهيته تعالى وقدرته أن تخرج الثمرات
~~وتحمل الحوامل وتضع حسب علمه جل وعلا، والأول أقرب.

# { ويوم يناديهم أين شركائي } أي بزعمكم كما نص عليه
~~بقوله سبحانه:

# أين شركائي الذين كنتم تزعمون

# [القصص: 62] / وفيه تهكم بهم وتقريع لهم. و { يوم } منصوب باذكر أو
~~ظرف لمضمر مؤخر قد ترك إيذانا بقصور البيان عنه كما في قوله تعالى:

# يوم يجمع الله الرسل

# [المائدة: 109] وضمير { يناديهم } عام في كل من عبد غير الله تعالى
~~فيندرج فيه عبدة الأوثان.

# { قالوا } أي أولئك المنادون { ءاذناك } أي أعلمناك والمراد
~~بالإعلام هنا الإخبار لأنه تعالى عالم فلا يصح إعلامه بما هو سبحانه عالم
~~به بخلاف الإخبار فإنه يكون للعالم فكأنه قيل أخبرناك { ما منا من
~~شهيد } أي بأنه ليس منا أحد يشهد لهم بالشركة فالجملة في محل نصب
~~مفعول { ءاذناك } وقد علق عنها وفي تعليق باب أعلم وأنبأ خلاف
~~والصحيح أنه مسموع في الفصيح. و { شهيد } فعيل من الشهادة ونفي
~~الشهادة كناية عن التبرؤ منهم لأن الكفرة يوم القيامة أنكروا عبادة غيره
~~تعالى مرة وأقروا بها وتبرؤا عنها مرة أخرى وفسره السمرقندي بالإنكار
~~لعبادتهم غير الله تعالى وشركهم كذبا منهم وافتراء كقوله تعالى حكاية
~~عنهم:

# والله ربنا ما كنا مشركين

# [الأنعام: 23].

# وظاهر { ءاذناك } يقتضي سبق الإيذان في جواب { أين شركائي }
~~وإنما سئلوا ثانيا حتى أجابوا بأنه قد سبق الجواب لأنه توبيخ وفي إعادة
~~التوبيخ ms09512 من تأكيد أمر الجناية وتقبيح حال من يرتكبها ما لا يخفى. واستظهر
~~أبو حيان أن المراد إحداث إيذان لا إخبار عن إيذان سابق على نحو طلقت
~~وأمثاله، وجوز أن يقال: إنه إخبار بإعلام سابق وذلك الإعلام السابق ما
~~علمه تعالى من بواطنهم يوم القيامة أنهم لم يبقوا على الشرك وعلى تلك
~~الشهادة وكأنه إعلام منهم بلسان الحال وهذا لا يقتضي سبق سؤال ولا جواب
~~وفيه حسن أدب كأنهم يقولون أنت أعلم به ثم يأخذون في الجواب.

# قال في «الكشف»: وهذا الوجه هو المختار لاشتماله على النكتة المذكورة
~~وما في الآخرين من سوء الأدب؛ ويحتمل أن يكون المعنى آذناك بأنه ليس منا
~~أحد يشاهدهم فشهيد من الشهود بمعنى الحضور والمشاهدة ونفي مشاهدتهم
~~الظاهر أنه على الحقيقة وذلك في موقف وجعل بعض العبدة مقرين بمعبوداتهم
~~في آخر فلا تنافي بينهما. وقيل: هو كناية عن نفي أن يكون له تعالى شريك
~~نحو قولك: لا نرى لك مثلا تريد لا مثل لك لنراه. والكلام في {
~~ءاذناك } على ما آذناك. وقيل: ضمير { قالوا } للشركاء أي قال
~~الشركاء: ليس من أحد يشهد لهم بأنهم كانوا محقين فشهيد من الشهادة لا
~~غير، والمراد التبرؤ منهم وفيه تفكيك الضمائر.

### || [41.48]

# ومعنى قوله تعالى: { وضل عنهم ما كانوا يدعون من
~~قبل } على ما قيل: إن شركاءهم الذين كانوا يدعونهم من قبل ويرجون
~~نفعهم غابوا عنهم على أن الضلال على معناه الحقيقي وهو الذي يقابل
~~الوجدان أو أن شركاءهم لم ينفعوهم بشيء على أن الضلال مجاز عن عدم النفع
~~و { ما } اسم موصول عبارة عن الشركاء، ويحسن جمع من يعقل ومن لا يعقل في
~~التعبير بما في مثل هذا المقام، وجوز أن تكون ما عبارة عن القول الذي
~~كانوا يقولونه في شأن الشركاء من أنهم آلهة وشركاء لله سبحانه وتعالى،
~~والمعنى نسوا ما كانوا يقولونه في شأن شركائهم من نسبة الألوهية إليهم،
~~ولك أن تجعلها مصدرية والجملة يحتمل أن تكون حالا وأن تكون اعتراضا،
~~وذكر بعض الأجلة أنه يتعين الأخير ms09513 على القول بأن ضمير { قالوا }
~~[فصلت: 47] للشركاء وكون الضلال مجازا عن عدم النفع فتدبر.

# { وظنوا } أي أيقنوا كما قال السدي وغيره لأنه لا احتمال لغيره هنا
~~والظن يكون بمعنى العلم كثيرا { ما لهم من محيص } أي مهرب.
~~والظاهر أن الجملة في محل نصب سادة مسد مفعولي ظن وهي معلقة عنها بحرف
~~النفي. وقيل: تم الكلام عند قوله تعالى: { وظنوا } والظن / على
~~ظاهره أي وترجح عندهم أن قولهم:

# ما منا من شهيد

# [فصلت: 47] منجاة لهم أو أمر يموهون به. والجملة بعد مستأنفة أي لا يكون
~~لهم منجى أو موضع روغان.

### || [41.49]

# { لا يسأم الإنسان } لا يمل ولا يفتر { من دعآء الخير
~~} من طلب السعة في النعمة وأسباب المعيشة. و { دعآء } مصدر مضاف
~~للمفعول وفاعله محذوف أي من دعاء الخير هو. وقرأ عبد الله { من دعاء
~~بالخير } بباء داخلة على الخير { وإن مسه الشر } الضيقة
~~والعسر { فيئوس قنوط } أي فهو يؤس قنوط من فضل الله تعالى ورحمته،
~~وهذا صفة الكافر. والآية نزلت في الوليد بن المغيرة، وقيل: في عتبة بن
~~ربيعة وقد بولغ في يأسه من جهة الصيغة لأن فعولا من صيغ المبالغة ومن
~~جهة التكرار المعنوي فإن القنوط أن يظهر عليه أثر اليأس فيتضاءل وينكسر،
~~ولما كان أثره الدال عليه لا يفارقه كان في ذكره ذكره ثانيا بطريق أبلغ،
~~وقدم اليأس لأنه صفة القلب وهو أن يقطع رجاءه من الخير وهي المؤثرة فيما
~~يظهر على الصورة من التضاؤل والانكسار.

### || [41.50]

# { ولئن أذقنه رحمة منا من بعد ضراء مسته
~~} أي لئن فرجنا عنه بصحة بعد مرض أو سعة بعد ضيق أو غير ذلك {
~~ليقولن هذا لي } أي حقي أستحقه لما لي من الفضل والعمل لا
~~تفضل من الله عز وجل فاللام للاستحقاق أو هو لي دائما لا يزول فاللام
~~للملك وهو يشعر بالدوام ولعل الأول أقرب. { وما أظن الساعة
~~قائمة } أي تقوم فيما سيأتي { ولئن رجعت إلى ربي } على
~~تقدير قيامها { إن لي عنده للحسنى } أي للحالة الحسنى من
~~الكرامة. والتأكيد بالقسم ms09514 هنا ليس لقيام الساعة بل لكونه مجزيا بالحسنى
~~لجزمه باستحقاقه للكرامة لاعتقاده أن ما أصابه من نعم الدنيا لاستحقاقه
~~له وأن نعم الآخرة كذلك فلا تنافي بين أن التي الأصل فيها أن تستعمل لغير
~~المتيقن وبين التأكيد بالقسم وإن واللام وتقديم الظرفين وصيغة التفضيل.

# { فلننبئن الذين كفروا بما عملوا } لنعلمنهم
~~بحقيقة أعمالهم ولنبصرنهم بعكس ما اعتقدوا فيها فيظهر لهم أنهم مستحقون
~~للإهانة لا الكرامة كما توهموا { ولنذيقنهم من عذاب
~~غليظ } لا يمكنهم التفصي عنه لشدته فهو كوثاق غليظ لا يمكن قطعه.

### || [41.51]

# { وإذا أنعمنا على الإنسن أعرض } عن الشكر {
~~ونأى بجانبه } تكبر واختال على أن الجانب بمعنى الناحية والمكان
~~ثم نزل مكان الشيء وجهته كناية منزلة الشيء نفسه، ومنه قوله تعالى:

# ولمن خاف مقام ربه

# [الرحمن: 46] وقول الشاعر:

# ذعرت به القطا ونفيت عنه

# مقام الذئب كالرجل اللعين

# وقول الكتاب حضرة فلان ومجلسه العالي وكتبت إلى جهته وإلى جانبه العزيز
~~يريدون نفسه وذاته فكأنه قيل: نأى بنفسه ثم كني بذهب بنفسه عن التكبر
~~والخيلاء. وجوز أن يراد { بجانبه } عطفه ويكون عبارة عن الانحراف
~~والازورار كما قالوا ثنى عطفه وتولى بركنه والأول مشتمل على كنايتين، وضع
~~الجانب موضع النفس والتعبير عن التكبر البالغ بنحو ذهب بنفسه وهذا على
~~واحدة على ما في «الكشف». وجعل بعضهم الجانب والجنب حقيقة كالعطف في
~~الجارحة وأحد شقي البدن مجازا في الجهة فلا تغفل. وعن أبي عبيدة نأى
~~بجانبه أي نهض به وهو عبارة عن التكبر كشمخ بأنفه، والباء للتعدية ثم إن
~~التعبير عن ذات الشخص بنحو المقام والمجلس كثيرا ما يكون لقصد التعظيم
~~والاحتشام عن التصريح بالاسم وهم يتركون التصريح به عند / إرادة تعظيمه
~~قال زهير:

# فعرض إذا ما جئت بالبان والحمى

# وإياك أن تنسى فتذكر زينبا

# سيكفيك من ذاك المسمى إشارة

# فدعه مصونا بالجلال محجبا

# ومن هنا قال الطيبي: إن ما هنا وارد على التهكم. وقرىء { ونآ } بإمالة
~~الألف وكسر النون للاتباع { وناء } على القلب كما قالوا راء في رأى.

# { وإذا مسه الشر فذو دعاء ms09515 عريض } أي كثير مستمر
~~مستعار مما له عرض متسع وأصله مما يوصف به الأجسام وهو أقصر الامتدادين
~~وأطولهما هو الطول، ويفهم في العرف من العريض الاتساع وصيغة المبالغة
~~وتنوين التكثير يقويان ذلك، ووصف الدعاء بما ذكر يستلزم عظم الطول أيضا
~~لأنه لا بد أن يكون أزيد من العرض وإلا لم يكن طولا، والاستعارة في كل
~~من الدعاء والعريض جائزة ولا يخفى كيفية إجرائها.

# وذكر بعض الأجلة أن الآيات قد تضمنت ضربين من طغيان جنس الإنسان فالأول:
~~في بيان شدة حرصه على الجمع وشدة جزعه على الفقد والتعريض بتظليم ربه
~~سبحانه في قوله: { هذا لي } [فصلت:50] مدمجا فيه سوء اعتقاده في
~~المعاد المستجلب لتلك المساوي كلها، والثاني: في بيان طيشه المتولد عنه
~~إعجابه واستكباره عند وجود النعمة واستكانته عند فقدها وقد ضمن في ذلك
~~ذمه بشغله بالنعمة عن المنعم في الحالتين، أما في الأول: فظاهر، وأما في
~~الثاني: فلأن التضرع جزعا على الفقد ليس رجوعا إلى المنعم بل تأسف على
~~الفقد المشغل عن المنعم كل الإشغال، وذكر أن في ذكر الوصفين ما يدل
~~على أنه عديم النهية أي العقل ضعيف المنة أي القوة فإن اليأس والقنوط
~~ينافيان الدعاء العريض وإنه عند ذلك كالغريق المتمسك بكل شيء انتهى.

# ومنه يعلم جواب ما قيل: كونه يدعو دعاء عريضا متكررا ينافي وصفه بأنه
~~يؤس قنوط لأن الدعاء فرع الطمع والرجاء وقد اعتبر في القنوط ظهور أثر
~~اليأس فظهور ما يدل على الرجاء يأباه. وأجاب آخرون بأنه يجوز أن يقال:
~~الحال الثاني شأن بعض غير البعض الذي حكى عنه اليأس والقنوط أو شأن الكل
~~في بعض الأوقات.

# واستدل بعضهم بقوله تعالى: { فذو دعآء عريض } على أن الإيجاز
~~غير الاختصار وفسره لهذه الآية بحذف تكرير الكلام مع اتحاد المعنى
~~والإيجاز بحذف طوله وهو الإطناب وهو استدلال بما لا يدل إذ ليس فيها حذف
~~ذلك العرض فضلا عن تسميته.

### || [41.52]

# { قل أرأيتم } الخ رجوع لإلزام الطاعنين والملحدين وختم للسورة
~~بما يلتفت لفت بدئها وهو من الكلام المنصف ms09516 وفيه حث على التأمل واستدراج
~~للإقرار مع ما فيه من سحر البيان وحديث الساعة وقع في البين تتميما
~~للوعيد وتنبيها على ما هم فيه من الضلال البعيد كذا قيل، وسيأتي إن شاء
~~الله تعالى بسط الكلام في ذلك. ومعنى { أرأيتم } أخبروني { إن
~~كان } أي القرآن { من عند الله ثم كفرتم به } مع
~~تعاضد موجبات الإيمان به. و { ثم } كما قال النيسابوري للتراخي
~~الرتبي { من أضل ممن هو في شقاق } أي خلاف { بعيد }
~~غاية البعد عن الحق، والمراد ممن هو في شقاق المخاطبون. ووضع الظاهر موضع
~~ضميرهم شرحا لحالهم بالصلة وتعليلا لمزيد ضلالهم. وجملة { من أضل
~~} على ما قال ابن الشيخ سادة مسد مفعولي { رأيتم } وفي «البحر»
~~المفعول الأول محذوف تقديره أرأيتم أنفسكم والثاني هو جملة الاستفهام.
~~وأيا ما كان فجواب الشرط محذوف. قال النيسابوري: تقديره مثلا فمن أضل
~~منكم، وقيل: إن كان من عند الله ثم كفرتم به فأخبروني من أضل منكم، ولعله
~~الأظهر.

### || [41.53]

# / وقوله تعالى: { سنريهم ءايتنا في الأفاق } الخ مرتبط
~~على ما اختاره صاحب «الكشاف» بقوله تعالى:

# قل أرأيتم

# [فصلت: 52] الخ على وجه التتميم والإرشاد إلى ما ضمن من الحث على النظر
~~ليؤدي إلى المقصود فيهدوا إلى إعجازه ويؤمنوا بماجاء به ويعملوا بمقتضاه
~~ويفوزوا كل الفوز، وفسر الآيات بما أجرى الله تعالى على يدي نبيه صلى
~~الله عليه وسلم وعلى أيدي خلفائه وأصحابهم رضي الله تعالى عنهم من
~~الفتوحات الدالة على قوة الإسلام وأهله ووهن الباطل وحزبه. والآفاق
~~النواحي الواحد أفق بضمتين وأفق بفتحتين أي سنريهم آياتنا في النواحي
~~عموما من مشارق الأرض ومغاربها وشمالها وجنوبها، وفيه أن هذه الإراءة
~~كائنة لا محالة حق لا يحوم حولها ريبة { وفي أنفسهم } في بلاد
~~العرب خصوصا وهو من عطف { جبريل } على { ملائكته } [البقرة:
~~98]. وفي العدول عنها إلى المنزل ما لا يخفى من تمكين ذلك النصر وتحقيق
~~دلالته على حقية المطلوب إثباته وإظهار أن كونه آية بالنسبة إلى الأنفس
~~وإن كان كونه فتحا بالنسبة إلى الأرض والبلدة.

# { حتى يتبين } يظهر ms09517 { لهم أنه } أي القرآن هو {
~~الحق } الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهو الحق كله
~~من عند الله تعالى المطلع على كل غيب وشهادة فلهذا نصر حاملوه وكانوا
~~محقين. وفي التعريف من الفخامة ما لا يخفى جلالة وقدرا. وفيما ذكر إشارة
~~إلى أنه تعالى لا يزال ينشيء فتحا بعد فتح وآية غب آية إلى أن يظهر على
~~الدين كله ولو كره المشركون فانظر إلى هذه الآية الجامعة كيف دلت على
~~حقية القرآن على وجه تضمن حقية أهله ونصرتهم على المخالفين وأعظم بذاك
~~تسليا عما أشعرت به الآية السابقة من انهماكهم في الباطل إلى حد يقرب من
~~اليأس. وقيل: الضمير للرسول عليه الصلاة والسلام أو الدين أو التوحيد
~~ولعل الأول أولى.

# { أو لم يكف بربك } استئناف وارد لتوبيخهم على إنكارهم تحقق
~~الإراءة. والهمزة للإنكار والواو على أحد الرأيين للعطف على مقدر دخلت
~~عليه الهمزة يقتضيه المقام والباءة مزيدة للتأكيد و { ربك } فاعل كفى
~~وزيادة الباء في فاعلها هو القول المشهور المرضي للنحاة وتزاد في فاعل
~~فعل التعجب أيضا نحو أحسن بزيد فإن أحسن فعل ماض جيء به على صيغة الأمر
~~والباء زائدة وزيد فاعل عند جماعة من النحويين ولا تكاد تزاد في غيرهما،
~~وقوله:

# ألم يأتيك والأنباء تنمي

# بما لاقت لبون بني زياد

# شاذ قبيح على ما قال الشهاب.

# وقوله تعالى: { أنه على كل شيء شهيد } بدل من الفاعل بدل
~~اشتمال، وقيل: هو بتقدير حرف الجر أي أو لم يكفهم ربك بأنه الخ، وما
~~للنحويين في مثل هذا التركيب من الكلام شهير، أي أنكروا إراءة ذلك الدالة
~~على حقية القرآن ولم يكفهم دليلا أنه عز وجل مطلع على كل شيء عالم به
~~ومن ذلك حالهم وحالك الموجبان حكمة نصرك عليهم وخذلانهم، وكأن ذلك لظهوره
~~نزل منزلة المعلوم لهم.

# وفي «الكشف» أي أو لم يكفهم أن ربك سبحانه مطلع على كل شيء يستوي عنده
~~غيب الأشياء وشهادتها على معنى أو لم يكفهم هذه الإراءة دليلا قاطعا
~~ولما كان ms09518 ما وعده غيبا عنهم كيف وقد نزل وهم في حال ضعف وقلة يقاسون ما
~~يقاسون من مشركي مكة قيل: أو لم يكفهم إطلاع من هذا الكتاب الحق من عنده
~~على كل غيب وشهادة دليلا على كينونة الإراءة وإحضار ذلك الغيب عندهم إذ
~~لا غيب بالنسبة إليه تعالى، وفي العدول إلى هذه العبارة فائدتان إحداهما:
~~تحقيق إنجاز ذلك الموعود كأنه مشاهد بذكر الدليل القاطع على الوقوع.
~~والثانية الدلالة / على أن هذه الإراءة الآن وهم في ضعف وقلة قد تمت
~~بالنسبة إلى إثبات حقية القرآن لأن من علم أنه تعالى على كل شيء شهيد
~~وعلم أن القرآن معجز من عنده علم أن جميع ما فيه حق وصدق فعلم أن تلك
~~النصرة كائنة.

# والحاصل أنه كما يستدل من تلك الآيات على حقية القرآن وحقية أهله تارة
~~يستدل من إعجاز القرآن على حقية تلك الآيات وقوعا وحقية أهل الإسلام
~~أخرى فأدى المعنيان في عبارة جامعة تؤدي الغرضين على وجه لا يمكن أتم منه
~~انتهى. ولا يخفى أن في الآية عليه نوعا من الإلغاز. وقيل: أي ألم يغنهم
~~عن إراءة الآيات الموعودة المبينة لحقية القرآن ولم يكفهم في ذلك أنه
~~تعالى شهيد على جميع الأشياء وقد أخبر بأنه من عنده عز وجل، وهو كما ترى.
~~وقيل: المعنى أو لم يكفك أنه تعالى على كل شيء شهيد محقق له فيحقق أمرك
~~بإظهار الآيات الموعودة كما حقق سائر الأشياء الموعودة. وتعقب بأنه مع
~~إيهامه ما لا يليق بجلالة منصبه صلى الله عليه وسلم من التردد فيما ذكر
~~من تحقق الموعود لا يلائم قوله تعالى: { ألا إنهم في مرية
~~من لقاء ربهم }.

### || [41.54]

# { ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم } أي في شك عظيم من
~~ذلك بالبعث لاستبعادهم إعادة الموتى بعد تبدد أجزائهم وتفرق أعضائهم فلا
~~يلتفتون إلى أدلة ما ينفعهم عند لقائه تعالى كحقية القرآن لأنه صريح في
~~أن عدم الكفاية معتبر بالنسبة إليهم.

# وقوله تعالى: { ألا إنه بكل شيء محيط } لبيان ما يترتب
~~على تلك المرية ms09519 بناء على أن المعنى أنه تعالى عالم بجميع الأشياء على
~~أكمل وجه فلا يخفى عليه جل وعلا خافية منهم فيجازيهم جل جلاله على كفرهم
~~ومريتهم لا محالة. وقيل: دفع لمريتهم وشكهم في البعث وإعادة ما تفرق
~~واختلط مما يتوهمون عدم إمكان تمييزه أي أنه تعالى عالم بجمل الأشياء
~~وتفاصيلها مقتدر عليها لا يفوته شيء منها فهو سبحانه يعلم الأجزاء ويقدر
~~على البعث.

# هذا وما ذكر في تفسير

# سنريهم ءايتنا في الأفاق وفي أنفسهم

# [فصلت: 53] في معنى ما روي عن الحسن ومجاهد والسدي وأبي المنهال وجماعة
~~قالوا: إن قوله سبحانه: { سنريهم } الخ وعيد للكفار بما يفتحه الله
~~تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم من الأقطار حول مكة وفي غير ذلك من
~~الأرض كخيبر وأراد بقوله تعالى: { في أنفسهم } فتح مكة، وقال
~~الضحاك وقتادة: في الآفاق ما أصاب الأمم المكذبة في أقطار الأرض قديما
~~وفي أنفسهم ما كان يوم بدر فإن في ذلك دلالة على نصرة من جاء بالحق وكذب
~~من الأنبياء عليهم السلام فيدل على حقية النبي صلى الله عليه وسلم وما
~~جاء به من القرآن. وأورد عليه أن { سنريهم } يأبى كون ما في الآفاق
~~ما أصاب الأمم المكذبة لكونه مرئيا لهم قبل.

# وقال عطاء وابن زيد: إن معنى { سنريهم ءايتنا في الافاق }
~~أي أقطار السماء والأرض من الشمس والقمر وسائر الكواكب والرياح والجبال
~~الشامخة وغير ذلك وفي أنفسهم من لطيف الصنعة وبديع الحكمة، وضعف ذلك
~~الإمام بنحو ما سمعت آنفا. وأجيب بأن القوم وإن كانوا قد رأوا تلك
~~الآيات إلا أن العجائب التي أودعها الله تعالى فيها مما لا نهاية لها فهو
~~سبحانه يطلعهم عليها زمانا قريبا حالا فحالا فإن كل أحد يشاهد بنية
~~الإنسان إلا أن العجائب المودعة في تركيبها لا تحصى وأكثر الناس غافلون
~~عنها فمن حمل على التفكير فيها بالقوارع التنزيلية والتنبيهات الإلهية
~~كلما ازداد تفكرا ازداد وقوفا فصح معنى الاستقبال.

# واختار ذلك صاحب «الكشف» تبعا لغيره وبين وجه مناسبة الآيات لما قبلها
~~عليه، وجعل ضمير ms09520 { أنه الحق } لله / عز وجل فقال: إن في قوله
~~تعالى:

# قل أرأيتم إن كان من عند الله

# [الأحقاف: 10] إشعارا بأن كونه من عنده سبحانه ينافي الكفر به وأنهم
~~مسلمون ذلك لكن يطعنون في كونه من عنده عز وجل ولذا جعل نحو {
~~أسطير الأولين } في جواب قولهم

# ماذا أنزل ربكم

# [النحل: 24] أنه إعراض عن كونه منزلا وجواب بأنه أساطير لا منزل فأريد
~~أن يبين إثبات كونه حقا من عنده تعالى على سبيل الكناية ليكون أوصل إلى
~~الغرض ويناسب ما بني عليه الكلام من سلوك طريق الإنصاف فقيل: {
~~سنريهم } أي سيري الله تعالى، والالتفات للدلالة على زيادة الاختصاص
~~وتحقيق ثبوت الإراءة ثم قيل: { حتى يتبين لهم أنه
~~الحق } أي إن الله جل جلاله هو الحق من كل وجه ذاتا وصفة وقولا
~~وفعلا وما سواه باطل من كل وجه لاحق إلا هو سبحانه وإذا تبين لهم حقيته
~~عز شأنه من كل وجه يلزم ثبوت القرآن وكونه من عنده تعالى بالضرورة، ثم
~~قيل: { أولم يكف بربك } أي أو لم يكفك شهوده تعالى على كل
~~شيء فمنه سبحانه تشهد كل شيء لا من آيات الآفاق والأنفس تشهده تعالى
~~فالأول استدلال بالأثر على المؤثر والثاني من المؤثر على الأثر وهذا هو
~~اللمي اليقيني. وفي قوله تعالى: { بربك } مضافا إلى ضميره صلى الله
~~عليه وسلم وإيثاره على أو لم يكف به إشعار بأنه عليه الصلاة والسلام
~~وأتباعه من كل العارفين هم الذين يكفيهم شهوده على كل شيء دليلا وأن ذلك
~~لهم نفس عنايته تعالى وتربيته من دون مدخل لتعلمهم فيه بخلاف الأول، ثم
~~قيل: { ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم } فلهذا لا
~~يكفيهم أنه تعالى على كل شيء شهيد لأنه لا شهود لهم ليشدوا شهوده تعالى
~~فهو شامل لفريقي الأبرار والكفار، أما الكفار فلأنهم في شك في الأصل،
~~وأما الأبرار فلأنهم في شك من الشهود أي لا علم لهم به إلا إيمانا
~~متمحضا عن التقليد. وإطلاق المرية للتغليب ولا يخفى حسن موقعه، ثم قيل:
~~{ ألا إنه ms09521 بكل شيء محيط } تتميما لقوله تعالى: { أو
~~لم يكف بربك } لأن من أحاط بكل شيء علما وقدرة لم يتخلف شيء عن
~~شهوده فمن شهده شهد كل شيء فهذا هو الوجه في تعميم الآيات من غير تخصيص
~~لها بالفتوح وهو أنسب من قول الحسن ومجاهد وأجرى على قواعد الصوفية
~~وعلماء الأصول رحمة الله تعالى عليهم أجمعين انتهى، وقد أبعد عليه الرحمة
~~المغزى وتكلف ما تكلف.

# ونقل العارف الجامي قدس سره في «نفحاته» عن القاشاني أن قوله تعالى: {
~~سنريهم } الخ يدل على وحدة الوجود، وقد رأيت في بعض كتب القوم
~~الاستدلال به على ذلك وجعل ضمير { أنه الحق } إلى المرئي وتفسير
~~{ الحق } بالله عز وجل، ومن هذا ونحوه قال الشيخ الأكبر قدس سره:
~~سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها وهذه الوحدة هي التي حارت فيها الأفهام
~~وخرجت لعدم تحقيق أمرها رقاب من ربقة الإسلام، وللشيخ إبراهيم الكوراني
~~قدس سره النوراني عدة «رسائل» في تحقيق الحق فيها وتشييد مبانيها نسأل
~~الله تعالى أن يمن علينا بصحيح الشهود ويحفظنا بجوده عما علق بأذهان
~~الملاحدة من وحدة الوجود.

# وقرىء (إنه على كل شيء شهيد) بكسر همزة إن على إضمار القول. وقرأ السلمي
~~والحسن { في مرية } بضم الميم وهي لغة فيها كالكسر ونحوها { خفية }
~~[الأنعام: 63] بضم الخاء وكسرها والكسر أشهر لمناسبة الياء.

# ومن كلمات القوم في الآيات:

# إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم أجر
~~غير ممنون

# [فصلت: 8] فيه إشارة إلى أن أجر المؤمن الغير العامل ممنون أي منقوص
~~بالنسبة إلى أجر المؤمن العامل وأجر هذا العامل على الأعمال البدنية
~~كالصلاة والحج الجنة، وعلى الأعمال القلبية كالرضا والتوكل: الشوق
~~والمحبة وصدق الطلب، وعلى الأعمال الروحانية كالتوجه إلى الله تعالى: كشف
~~الأسرار وشهود المعاني والاستئناس بالله تعالى والاستيحاش من الخلق
~~والكرامات، وعلى أعمال الأسرار كالإعراض عن السوى بالكلية دوام التجلي {
~~قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض } / أي أرض
~~البشرية { في يومين } يومي الهوى والطبيعة

# وتجعلون له أندادا

# [فصلت: 9] من الهوى والطبيعة { وجعل فيها رواسي } العقول
~~الإنسانية { وبرك فيها ms09522 } بالحواس الخمس

# وقدر فيهآ أقواتها

# [فصلت: 10] أقواتها من القوى البشرية { ثم استوى إلى السماء
~~} سماء القلب

# وهي دخان

# [فصلت: 11] هيولى إلهية { فقضاهن سبع سموات } هي الأطوار
~~السبعة للقلب فالأول: محل الوسوسة والثاني: مظهر الهواجس والثالث: معدن
~~الرؤية ويسمى الفؤاد والرابع: منبع الحكمة ويسمى القلب والخامس: مرآة
~~الغيب ويسمى السويداء والسادس: مثوى المحبة ويسمى الشغاف والسابع: مورد
~~التجلي ومركز الأسرار ومهبط الأنوار ويسمى الحبة { في يومين } يومي
~~الروح الإنساني والإلهام

# وزينا السماء الدنيا بمصبيح

# [فصلت: 12] وهي أنوار الأذكار والطاعات { إن الذين قالوا
~~ربنا الله } يوم خوطبوا بألست بربكم؟ { ثم استقموا }
~~على إقرارهم لما خرجوا إلى عالم الصور ولم ينحرفوا عن ذلك كالمنافقين
~~والكافرين، وذكر أن الاستقامة متفاوتة فاستقامة العوام في الظاهر
~~بالأوامر والنواهي وفي الباطن بالإيمان واستقامة الخواص في الظاهر
~~بالرغبة عن الدنيا وفي الباطن بالرغبة عن الجنان شوقا إلى الرحمن
~~واستقامة خواص الخواص في الظاهر برعاية حقوق المبايعة بتسليم النفس
~~والمال وفي الباطن بالفناء والبقاء { تتنزل عليهم
~~الملائكة } تنزلا متفاوتا حسب تفاوت مراتبهم، وعن بعض أئمة أهل
~~البيت: إن الملائكة لتزاحمنا بالركب أو ما هذا معناه

# وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون

# [فصلت: 30] هي أيضا متفاوتة فمنهم من يبشر بالجنة المعروفة ومنهم من
~~يبشر بجنة الوصال ورؤية الملك المتعال { ومن أحسن قولا ممن
~~دعا إلى الله } بترك ما سواه { وعمل صلحا } لئلا يخالف
~~حاله قاله

# وقال إنني من المسلمين

# [فصلت: 33] المنقادين لحكمه تعالى الراضين بقضائه وقدره، وفيه إشارة إلى
~~صفات الشيخ المرشد وما ينبغي أن يكون عليه ويحق أن يقال في كثير من
~~المتصدين للإرشاد في هذا الزمان المتلاطمة أمواجه بالفساد:

# خلت الرقاع من الرخاخ

# وتفرزنت فيها البيادق

# وتصاهلت عرج الحمير

# وذاك من عدم السوابق

# { ولا تستوي الحسنة } وهي التوجه إلى الله تعالى بصدق الطلب
~~وخلوص المحبة { ولا السيئة } وهي طلب السوى والرضا بالدون {
~~ادفع بالتي هي أحسن } وهي طلب الله تعالى طلب ما سواه
~~سبحانه { فإذا الذي بينك وبينه عداوة } وهو النفس
~~الأمارة بالسوء

# كأنه ولي حميم

# [فصلت: 34] لتزكي النفس ms09523 عن صفاتها الذميمة وانفطامها عن المخالفات
~~القبيحة { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ } لتميل إلى
~~ما يهوى

# فاستعذ بالله

# [فصلت: 36] وارجع إليه سبحانه لئلا يؤثر فيك نزغه، وفيه إشارة إلى أنه
~~لا ينبغي الأمن من المكر والغفلة عن الله عز وجل:

# إن الذين يلحدون في ءايتنا لا يخفون علينا

# [فصلت: 40] فيه إشارة إلى سوء المنكرين على الأولياء فإنهم من آيات الله
~~تعالى والإنكار من الإلحاد نسأل الله تعالى العفو والعافية { قل هو }
~~أي القرآن

# للذين ءامنوا هدى وشفاء

# [فصلت: 44] على حسب مراتبهم فمنهم من يهديه إلى شهود الملك العلام فعن
~~الصادق على آبائه وعليه السلام لقد تجلى الله تعالى في كتابه لعباده ولكن
~~لا يبصرون { سنريهم ءايتنا في الأفاق وفي أنفسهم }
~~فيه إشارة إلى أن الخلق لا يرون الآيات إلا بإراءته عز وجل وهي كشف الحجب
~~ليظهر أن الأعيان ما شمت رائحة الوجود ولا تشمه أبدا وأنه عز وجل هو
~~الأول والآخر والظاهر والباطن كان الله ولا شيء معه وهو سبحانه الآن على
~~ما عليه كان وإليه الإشارة عندهم بقوله تعالى:

# حتى يتبين لهم أنه الحق

# [فصلت: 53] ومن هنا قال الشيخ الأكبر قدس سره:

# ما آدم في الكون ما إبليس

# ما ملك سليمان وما بلقيس

# / الكل إشارة وأنت المعنى

# يا من هو للقلوب مغناطيس

# وأكثر كلامه قدس سره من هذا القبيل بل هو أم وحدة الوجود وأبوها وابنها
~~وأخوها، وإياك أن تقول كما قال ذلك الأجل حتى تصل بتوفيق الله تعالى إلى
~~ما إليه وصل والله عز وجل الهادي إلى سواء السبيل.

# تم الكلام على السورة والحمد لله على جزيل نعمائه والصلاة والسلام على
~~رسوله محمد مظهر أسمائه وعلى آله وأصحابه وسائر أتباعه وأحبائه وصلاة
~~وسلاما باقيين إلى يوم لقائه.

### | [42 - سورة الشورى]

### || [42.1-2]

# { حم * عسق } لعلهما اسمان للسورة وأيد بعدهما آيتين والفصل
~~بينهما في الخط وبورود تسميتها { عسق } من غير ذكر { حم } ، وقيل:
~~هما اسم واحد وآية واحدة وحقه أن يرسم متصلا كما في

# كهيعص

# [مريم: 1] لكنه فصل ليكون مفتتح ms09524 السورة على طرز مفتتح أخواتها حيث رسم
~~في كل مستقلا وعلى الأول: هما خبران لمبتدأ محذوف، وقيل: { حم } مبتدأ
~~و { عسق } خبره وعلى الثاني: الكل خبر واحد، وقيل: إن { حم * عسق
~~} إشارة إلى هلاك مدينتين تبنيان على نهر من أنهار المشرق يشق النهر
~~بينهما يجتمع فيهما كل جبار عنيد يبعث الله تعالى على إحداهما نارا
~~ليلا فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت كأنها لم تكن مكانها ويخسف بالأخرى في
~~الليلة الأخرى، وروي ذلك عن حذيفة، وقيل: إن { حم } اسم من أسماء الله
~~تعالى وعين إشارة إلى عذاب يوم بدر وسين إشارة إلى قوله تعالى:

# وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون

# [الشعراء: 227] وقاف إلى قارعة من السماء تصيب الناس، وروي ذلك بسند
~~ضعيف عن أبي ذر، والذي يغلب على الظن عدم ثبوت شيء من الروايتين. وفي
~~«البحر» ذكر المفسرون في { حم * عسق } أقوالا مضطربة لا يصح منها
~~شيء ضربنا عن ذكرها صفحا. وما ذكرناه أولا قد اختاره غير واحد. ومنهم
~~من اختار أنها مقطعات جىء بها للإيقاظ. وقرأ ابن عباس وابن مسعود (حم سق)
~~بلا عين. وقوله تعالى: { كذلك يوحي إليك وإلى الذين من
~~قبلك الله العزيز الحكيم }

### || [42.3]

# كلام مستأنف وارد لتحقيق أن مضمون السورة موافق لما في تضاعيف الكتب
~~المنزلة على سائر الرسل المتقدمين في الدعوة إلى / التوحيد والإرشاد إلى
~~الحق أو أن إيحاءها [مثل إيحائها] بعد تنويهها بذكر اسمها والتنبيه على
~~فخامة شأنها. والكاف مفعول { يوحي } على الأول: أي يوحي مثل ما في هذه
~~السورة من المعاني أو نعت لمصدر مؤكد على الثاني: أي يوحي إيحاء مثل
~~إيحائها إليك وإلى الرسل أي بواسطة الملك، وهي في الوجهين اسم كما هو
~~مذهب الأخفش وإن شئت فاعتبرها حرفا واعتبر الجار والمجرور مفعولا أو
~~متعلقا بمحذوف وقع نعتا، وقول العلامة الثاني في «التلويح»: إن جار
~~الله لا يجوز الابتداء بالفعل ويقدر المبتدأ في جميع ما يقع فيه الفعل
~~ابتداء كلام غير مسلم وقد ترددوا فيه حتى قيل: إنه لم يظهر له وجه. ms09525 وجوز
~~أبو البقاء كون { كذلك } مبتدأ و { يوحي } الخبر والعائد محذوف أي
~~مثل ذلك يوحيه إليك الخ وحذف مثله شائع في الفصيح، نعم هذا الوجه خلاف
~~الظاهر.

# والإشارة كما أشرنا إليه إلى ما في السورة أو إلى إيحائها. والدلالة على
~~البعد لبعد منزلة المشار إليه في الفضل. وصيغة المضارع على حكاية الحال
~~الماضية للدلالة على استمراره في الأزمنة الماضية وأن إيحاء مثله عادته
~~عز وجل، وقيل: إنها على التغليب فإن الوحي إلى من مضى مضى وإليه عليه
~~الصلاة والسلام بعضه ماض وبعضه مستقبل، وجوز أن تكون على ظاهرها ويضمر
~~عامل يتعلق به { إلى الذين } أي وأوحي إلى الذين وهو كما ترى. وفي
~~جعل مضمون السورة أو إيحائها مشبها به من تفخيمها ما لا يخفى.

# وقرأ مجاهد وابن كثير وعياش ومحبوب كلاهما عن أبي عمرو { يوحى } مبنيا
~~للمفعول على أن { كذلك } مبتدأ و { يوحى } خبره المسند إلى ضميره أو
~~مصدر و { يوحى } مسند إلى { إليك } و { الله } مرتفع عند السكاكي
~~على الفاعلية ليوحى الواقع في جواب من يوحي؟ نحو ما قرروه في قوله تعالى:

# يسبح له فيها بالغدو والأصال * رجال

# [النور: 3637] على قراءة { يسبح } بالبناء للمفعول، وقوله:

# ليبك يزيد ضارع لخصومة

# ومختبط مما تطيح الطوائح

# وقال الزمخشري: رافعه ما دل عليه { يوحي } كأن قائلا قال: من الموحي؟
~~فقيل: الله وإنما قدر كذلك على ما قاله صاحب «الكشف» ليدل على أن الإيحاء
~~مسلم معلوم وإنما الغرض من الإخبار إثبات اتصافه بأنه تعالى من شأنه
~~الوحي لا إثبات أنه موح، ولم يرتض القول بعدم الفرق بين هذا وقوله تعالى:
~~{ يسبح له فيها بالغدو والأصال * رجال } بل أوجب
~~الفرق لأن الفعل المضارع هنالك على ظاهره لم يؤت به للدلالة على
~~الاستمرار ولهم فيه مقال.

# و { العزيز الحكيم } صفتان له تعالى عند الشيخين. وجوز أبو حيان
~~كون الاسم الجليل مبتدأ وما بعده خبر له وقيل: { الله العزيز
~~الحكيم } إلى آخر السورة قائم مقام فاعل { يوحى } أي هذه الكلمات.

# وقرأ أبو حيوة. والأعشى عن أبي بكر. ms09526 وأبان { نوحي } بنون العظمة فالله
~~مبتدأ وما بعده خبر أو { العزيز الحكيم } صفتان، وقوله تعالى: {
~~له ما في السموات وما في الأرض... }

### || [42.4]

# خبر له، وعلى الأوجه السابقة استئناف مقرر لعزته تعالى وحكمته عز وجل.

### || [42.5]

# { تكاد السموات } وقرىء { يكاد } بالياء { يتفطرن }
~~يتشققن من عظمة الله تعالى وجلاله جل شأنه وروي ذلك عن قتادة. وأخرج
~~جماعة منهم الحاكم وصححه عن ابن عباس أنه قال: تكاد السماوات يتفطرن من
~~الثقل، وقيل: من دعاء الشريك والولد له سبحانه كما في سورة مريم، وأيد
~~هذا بقوله تعالى بعد:

# والذين اتخذوا من دونه أولياء

# [الشورى: 6] فإيراد الغفور الرحيم بعد لأنهم استوجبوا بهذه المقالة / صب
~~العذاب عليهم لكنه صرف عنهم لسبق رحمته عز وجل، والآية عليه واردة
~~للتنزيه بعد إثبات المالكية والعظمة، والأول أولى في هذا المقام لأن
~~الكلام مسوق لبيان عظمته تعالى وعلوه جل جلاله ويؤيده ترك العاطف، ويليه
~~ما روي عن الحبر فإن الآية وإن تضمنت عليه الغرض المسوق له الكلام لكن
~~دلالتها عليه بناء على القول الأول أظهر.

# وقرأ البصريان وأبو بكر { ينفطرن } بالنون، والأول أبلغ لأن المطاوع
~~والمطاوع من التفعيل والتفعل الموضوع للمبالغة بخلاف الثاني فإنه انفعال
~~مطاوع للثلاثي. وروى يونس عن أبي عمرو أنه قرأ { تتفطرن } بتاءين ونون
~~في آخره على ما في «الكشاف»، و { تنفطرن } بتاء واحدة ونون على ما في
~~«البحر» عن ابن خالويه وهو على الروايتين شاذ عن القياس والاستعمال لأن
~~العرب لا تجمع بين علامتي التأنيث فلا تقول النساء تقمن ولا الوالدات
~~ترضعن، والوجه فيه تأكيد التأنيث كتأكيد الخطاب في أرأيتك؛ ومثله ما رواه
~~أبو عمر الزاهد في «نوادر ابن الأعرابي» الإبل تتشممن.

# { من فوقهن } أي يبتدأ التفطر من جهتهن الفوقانية، وتخصيصها على
~~الأول في سبب التفطر لما أن أعظم الآيات وأدلها على العظمة والجلال -
~~كالعرش والكرسي والملائكة - من تلك الجهة ولذا كانت قبلة الدعاء، وعلى
~~الثالث للدلالة على التفطر من تحتهن بالطريق الأولى لأن تلك الكلمة
~~الشنعاء الواقعة في الأرض حين أثرت من جهة الفوق ms09527 فلأن تؤثر من جهة التحت
~~أولى، وكذا على الثاني لأن العادة تفطر سطح البيت مثلا من جهة التحتانية
~~بحصول ثقل عليه. وقيل: الضمير للأرض أي لجنسها فيشمل السبع ولذا جمع
~~الضمير وهو خلاف الظاهر، وقال علي بن سليمان الأخفش: الضمير للكفار
~~والمراد من فوق الفرق والجماعات الملحدة، وبهذا الاعتبار أنث الضمير، وفي
~~ذلك إشارة إلى أن التفطر من أجل أقوال هاتيك الجماعات، وفيه ما فيه.

# { والملئكة يسبحون بحمد ربهم } ينزهونه سبحانه
~~عما لا يليق به جل جلاله ملتبسين بحمده عز وجل، وقيل: يصلون والظاهر
~~العموم في الملائكة، وقال مقاتل: المراد بهم حملة العرش {
~~ويستغفرون لمن في الأرض } بالسعي فيما يستدعي مغفرتهم من
~~الشفاعة والإلهام وترتيب الأمور المقربة إلى الطاعة كالمعاونة في بعض
~~أمور المعاش ودفع العوائق واستدعاء تأخير العقوبة طمعا في إيمان الكافر
~~وتوبة الفاسق وهذا يعم المؤمن والكافر بل لو فسر الاستغفار بالسعي فيما
~~يدفع الخلل المتوقع عم الحيوان بل الجماد، وهو فيما ذكر مجاز مرسل أو
~~استعارة.

# وقال السدي وقتادة: المراد بمن في الأرض المؤمنون لقوله تعالى في آية
~~أخرى:

# ويستغفرون للذين ءامنوا

# [غافر: 7] والمراد بالاستغفار عليه حقيقته، وقيل: الشفاعة.

# { ألا إن الله هو الغفور الرحيم } إذ ما من مخلوق إلا
~~وله حظ عظيم من رحمته تعالى وأنه سبحانه لذو مغفرة للناس على ظلمهم، وفيه
~~إشارة إلى قبول استغفار الملائكة عليهم السلام وأنه سبحانه يزيدهم على ما
~~طلبوه من المغفرة رحمة.

# والآية على كون قوله تعالى: { تكاد السموات يتفطرن }
~~لبيان عظمته جل شأنه مقررة لما دل عليه ذلك ومؤكدة له لأن تسبيح الملائكة
~~وتنزيههم له تعالى لمزيد عظمته تبارك وتعالى وعظيم جلاله جل وعلا
~~والاستغفار لغيرهم للخوف عليهم من سطوة جبروته عز وجل والتذييل بقوله
~~تعالى: { ألا إن الله } الخ / على هذا ظاهر، وعلى كون تفطر
~~السموات لنسبة الولد والشريك بيان لكمال قدسه تعالى عما نسب إليه عز وجل
~~فيكون تسبيحهم عما يقوله الكفرة واستغفارهم للمؤمنين الذين تبرأوا عما
~~صدر من هؤلاء والتذييل للإشارة إلى سبب ترك معاجلة ms09528 العذاب مع استحقاقهم
~~له وعمم بعض المستغفر لهم وأدخل استغفار الملائكة في سبب ترك المعاجلة.

### || [42.6]

# { والذين اتخذوا من دونه أولياء } شركاء وأندادا {
~~الله حفيظ عليهم } رقيب على أحوالهم وأعمالهم فيجازيهم بها {
~~وما أنت عليهم بوكيل } أي بموكل بهم أو بموكول إليك أمرهم
~~وإنما وظيفتك البلاغ والإنذار فوكيل فعيل بمعنى مفعول من المزيد أو
~~الثلاثي. وما في هذه الآية من الموادعة على ما في «البحر» منسوخ بآية
~~السيف.

### || [42.7]

# { وكذلك أوحينآ إليك قرآنا عربيا } ذلك إشارة إلى
~~مصدر { أوحينآ } ومحل الكاف  على ما ذهب إليه الأخفش من ورودها
~~اسما  النصب على المصدرية و { قرآنا } مفعول لأوحينا أي ومثل ذلك
~~الإيحاء البديع البين المفهوم أوحينا إليك قرآنا عربيا لا لبس فيه عليك
~~ولا على قومك، وقيل: إشارة إلى ما تقدم من

# الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل

# [الشورى: 6] فالكاف مفعول لأوحينا { قرآنا عربيا } حال من
~~المفعول به أي أوحيناه إليك وهو قرآن عربي، وجوز نصبه على المدح أو
~~البدلية من { كذلك } ، وقيل: أولى من هذا أن يكون إشارة إلى معنى
~~الآية المتقدمة من أنه تعالى هو الحفيظ عليهم وأنه عليه الصلاة والسلام
~~نذير فحسب لأنه أتم فائدة وأشمل عائدة ولا بد عليه من التجوز في {
~~قرآنا عربيا } إذ لا يصح أن يقال أوحينا ذلك المعنى وهو قرآن
~~عربي لأن القرآنية والعربية صفة اللفظ لا المعنى لكن أمره سهل لقربه من
~~الحقيقة لما بين اللفظ والمعنى من الملابسة القوية حتى يوصف أحدهما بما
~~يوصف به الآخر مع ما في المجاز من البلاغة.

# { لتنذر أم القرى } أي أهل أم القرى على التجوز في النسبة أو
~~بتقدير المضاف والمراد بأم القرى مكة، وسميت بذلك على ما قال الراغب لما
~~روي أنه دحيت الدنيا من تحتها فهي كالأصل لها والأم تقال لكل ما كان
~~أصلا لشيء، وقد يقال: هي أم لما حولها من القرى لأنها حدثت قبلها لا كل
~~قرى الدنيا، وقد يقال لبلد: هي أم البلاد باعتبار احتياج أهالي البلاد
~~إليها { ومن حولها ms09529 } من العرب على ما ذهب إليه كثير وخص المذكورون
~~بالذكر لأن السورة مكية وهم أقرب إليه عليه الصلاة والسلام وأول من أنذر
~~أو لدفع ما يتوهم من أن أهل مكة ومن حولها لهم طمع في شفاعته صلى الله
~~عليه وسلم وإن لم يؤمنوا لحق القرابة والمساكنة والجوار فخصهم بالإنذار
~~لإزالة ذلك الطمع الفارغ، وقيل: { من حولها } جميع أهل الأرض
~~واختاره البغوي وكذا القشيري وقال: لأن الكعبة سرة الأرض والدنيا محدقة
~~بما هي فيه أعني مكة. وهذا عندي لا يكاد يصح مع قولهم: إن عرضها كأم
~~وطولها عز وإن المعمور في جانب الشمال أكثر منه في جانب الجنوب.

# { وتنذر يوم الجمع } أي يوم القيامة لأنه يجمع فيه الخلائق
~~قال الله تعالى:

# يوم يجمعكم ليوم الجمع

# [التغابن: 9] وقيل: تجمع فيه الأرواح والأشباح، وقيل: الأعمال والعمال.
~~والإنذار يتعدى إلى مفعولين وقد يستعمل ثانيهما بالباء وقد حذف ههنا
~~ثاني مفعولي الأول وهو { يوم الجمع } والمراد به عذابه وأول
~~مفعولي الثاني وهو { أم القرى ومن حولها } فقد حذف من
~~الأول ما أثبت في الثاني ومن الثاني ما أثبت في الأول وذلك من الاحتباك.

# وقال جار الله: الأول عام في الإنذار بأمور الدنيا والآخرة ثم خص بقوله
~~تعالى: { وتنذر يوم الجمع } يوم القيامة زيادة في الإنذار
~~وبيانا لعظمة أهواله لأن الإفراد بالذكر يدل عليه وكذلك إيقاع الإنذار
~~عليه ثانيا / والظاهر عليه أن حذف المفعول الثاني من الأول لإفادة
~~العموم وإن كان حذف الأول من الثاني لذلك أيضا وتنذر كل أحد يوم الجمع،
~~وقيل: { يوم الجمع } ظرف فيكون المفعولان محذوفين وقرىء { لينذر }
~~بياء الغيبة على أن الفاعل ضمير القرآن لعدم حسن الالتفات ههنا { لا
~~ريب فيه } اعتراض في آخر الكلام مقرر لما قبله ويحتمل الحالية من {
~~يوم الجمع } أو الاستئناف.

# { فريق في الجنة وفريق في السعير } أي بعد جمعهم في
~~الموقف فإنهم يجمعون فيه أولا ثم يفرقون بعد الحساب، { وفريق }
~~مبتدأ و { في الجنة } صفته والخبر محذوف وكذا { فريق في
~~السعير } أي منهم فريق كائن في الجنة ms09530 ومنهم فريق كائن في النار،
~~وضمير منهم للمجموعين لدلالة الجمع عليه، وجملة المبتدأ والخبر استئناف
~~في جواب سؤال تقديره ثم كيف يكون حالهم؟ أو حال ولا ركاكة فيه؛ واشتراط
~~الواو فيه غير مسلم، وجوز كون { فريق } فاعلا للظرف المقدر، وفيه
~~ضعف، وكونه مبتدأ والظرف المقدر في موضع الصفة له و { في الجنة }
~~خبره أي فريق كائن منهم مستقر في الجنة، وكونه مبتدأ خبره ما بعده من غير
~~أن يكون هناك ظرف مقدر واقع صفة، وساغ الابتداء بالنكرة لأنها في سياق
~~التفصيل والتقسيم كما في قوله:

# فثوب لبست وثوب أجر

# وكونه خبر مبتدأ محذوف أي المجموعون فريق الخ.

# وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { فريقا...وفريقا } بنصبهما
~~فقيل: هو على الحال من مقدر أي افترقوا أي المجموعون فريقا وفريقا أو
~~من ضمير جمعهم المقدر لأن أل قامت مقامه أي وتنذر يوم جمعهم متفرقين وهو
~~من مجاز المشارفة أي مشارفين للتفرق أو الحال مقدرة فلا يلزم كون
~~افتراقهم في حال اجتماعهم أو يقال إن اجتماعهم في زمان واحد لا ينافي
~~افتراق أمكنتهم كما تقول: صلوا في وقت واحد في مساجد متفرقة فالمراد
~~متفرقين في داري الثواب والعقاب، وإذا أريد بالجمع جمع الأرواح بالأشباح
~~أو الأعمال بالعمال لا يحتاج إلى توفيق أصلا، وجوز كون النصب بتنذر
~~المقدر أو المذكور والمعنى تنذر فريقا من أهل الجنة وفريقا من أهل
~~السعير لأن الإنذار ليس في الجنة والسعير ولا يخفى تكلفه.

### || [42.8]

# { ولو شاء الله } جعلهم أمة واحدة { لجعلهم } أي في
~~الدنيا { أمة واحدة } مهتدين أو ضالين، وهو تفصيل لما أجمله ابن
~~عباس في قوله: على دين واحد، فمعنى قوله تعالى: { ولكن يدخل من
~~يشاء فى رحمته } أنه تعالى يدخل في رحمته من يشاء أن يدخله فيها
~~ويدخل من يشاء في عذابه أن يدخله فيه ولا ريب في أن مشيئته تعالى لكل من
~~الإدخالين تابعة لاستحقاق كل من الفريقين لدخول ما أدخله ومن ضرورة
~~اختلاف الرحمة والعذاب اختلاف حال الداخلين فيهما قطعا فلم يشأ جعل ms09531 الكل
~~أمة واحدة بل جعلهم فريقين وإنما قيل { والظلمون ما لهم من
~~ولي ولا نصير }  وكان الظاهر أن يقال ويدخل من يشاء في عذابه
~~ونقمته  للإيذان بأن الإدخال في العذاب من جهة الداخلين بموجب سوء
~~اختيارهم لا من جهته عز وجل كما في الإدخال في الرحمة، واختار الزمخشري
~~((كون المراد أمة واحدة مؤمنين وهو ما قاله مقاتل على دين الإسلام كما في
~~قوله تعالى:

# ولو شاء الله لجمعهم على الهدى

# [الأنعام: 35] وقوله سبحانه:

# ولو شئنا للآتينا كل نفس هداها

# [السجدة: 13] والمعنى ولو شاء الله تعالى مشيئة قدرة لقسرهم على الإيمان
~~ولكنه سبحانه شاء مشيئة حكمة وكلفهم وبنى أمرهم على ما يختارون ليدخل
~~المؤمنين في رحمته وهم المرادون بقوله تعالى: { من يشآء } وترك
~~الظالمين بغير ولي ولا نصير)).

# والكلام متعلق بقوله تعالى:

# والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ
~~عليهم وما أنت عليهم بوكيل

# [الشورى: 6] كالتعليل للنهي عن شدة حرصه صلى الله عليه وسلم على
~~إيمانهم، فالظالمون مظهر أقيم مقام ضمير المتخذين ليفيد أن ظلمهم علة لما
~~بعده أو هو للجنس ويتناولهم تناولا أوليا، وعدل عن الظاهر إلى ما في
~~النظم الجليل إذ الكلام في الإنذار وهو أبلغ في تخويفهم لإشعاره بأن
~~كونهم في العذاب أمر مفروغ منه وإنما الكلام في أنه بعد تحتمه هل لهم من
~~يخلصهم بالدفع أو الرفع فإذا نفى ذلك علم أنهم في عذاب لا خلاص منه.

# وتعقب بأن فرض جعل الكل مؤمنين يأباه تصدير الاستدراك بإدخال بعضهم في
~~رحمته تعالى إذ الكل حينئذ داخلون فيها فكان المناسب حينئذ تصديره
~~بإخراج بعضهم من بينهم وإدخالهم في عذابه، وربما يقال: حيث إن الآية
~~متعلقة بما سمعت كان المراد ولو شاء الله تعالى لجعل الجميع مؤمنين كما
~~تريد وتحرص عليه ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك بل جعل بعضهم مؤمنا كما أردت
~~وجعل بعضهم الآخر وهم أولئك المتخذون من دونه أولياء كفارا لا خلاص لهم
~~من العذاب حسبما تقتضيه الحكمة وكان التصدير بما صدر به مناسبا كما لا
~~يخفى على ms09532 من له ذوق بأساليب الكلام إلا أن الظاهر على هذا أدخل من شاء
~~دون { يدخل من يشاء } لكن عدل عنه إليه حكاية للحال الماضية.

# وقال شيخ الإسلام: الذي يقتضيه سباق النظم الكريم وسياقه أن يراد
~~الاتحاد في الكفر كما في قوله تعالى:

# كان الناس أمة وحدة فبعث الله النبيين

# [البقرة: 213] الآية على أحد الوجهين، فالمعنى ولو شاء الله تعالى
~~لجعلهم أمة واحدة متفقة على الكفر بأن لا يرسل إليهم رسولا لينذرهم ما
~~ذكر من يوم الجمع وما فيه من ألوان الأهوال فيبقوا على ما هم عليه من
~~الكفر ولكن يدخل من يشاء في رحمته سبحانه أي شأنه عز شأنه ذلك فيرسل إلى
~~الكل من ينذرهم ما ذكر فيتأثر بعضهم بالإنذار فيصرفون اختيارهم إلى الحق
~~فيوفقهم الله تعالى للإيمان والطاعات ويدخلهم في رحمته عز وجل ولا يتأثر
~~به الآخرون ويتمادون في غيهم وهم الظالمون فيبقون في الدنيا على ما هم
~~عليه من الكفر ويصيرون في الآخرة إلى السعير من غير ولي يلي أمرهم ولا
~~نصير يخلصهم من العذاب انتهى. ولا يخفى أن بين قوله تعالى: { كان
~~الناس أمة وحدة } الآية وقوله سبحانه: { ولو شاء الله
~~لجعلهم أمة وحدة } بالمعنى الذي اختاره هنا فيهما نوع تناف
~~فتدبر جميع ذلك والله تعالى الموفق.

### || [42.9]

# { أم اتخذوا من دونه أولياء } جملة مستأنفة مقررة لما
~~قبلها من انتفاء أن يكون للظالمين ولي أو نصير وكلام «الكشاف» يومىء إلى
~~أنه متصل بقوله تعالى

# والذين اتخذوا

# [الشورى: 6] الخ على معنى دع الاهتمام بشأنهم واقطع الطمع في إيمانهم
~~وكيت وكيت أليسوا الذين اتخذوا من دون الله تعالى أولياء وهو سبحانه
~~الولي الحقيقي القادر على كل شيء وعدلوا عنه عز وجل إلا ما لا نسبة بينه
~~تعالى وبينه أصلا، وإن قوله سبحانه:

# وكذلك أوحينا

# [الشورى: 7] الآية اعتراض مؤكد لمضمون الآيتين. و { أم } على القولين
~~منقطعة وهي تقدر في الأغلب ببل والهمزة، وقدرها جماعة هنا بهما إلا أن بل
~~على القول الثاني للإضراب وعلى القول الأول للانتقال من بيان ما ms09533 قبلها
~~إلى بيان ما بعدها، والهمزة قيل: لإنكار الواقع واستقباحه، وقيل: لا بل
~~لإنكار الوقوع ونفيه على أبلغ وجه وآكده إذ المراد بيان أن ما فعلوا ليس
~~من اتخاذ الأولياء في شيء لأن ذلك فرع كون الأصنام أولياء وهو أظهر
~~الممتنعات أي بل اتخذوا متجاوزين الله تعالى أولياء من الأصنام وغيرها.

# { فالله هو الولى } قيل: هو جواب شرط مقدر أي إن أرادوا
~~وليا بحق فالله تعالى هو الولي بحق لا ولي بحق سواه عز وجل، وكونه جواب
~~الشرط على معنى الإخبار ونحوه. وقال في «البحر» ((لا حاجة إلى اعتبار شرط
~~محذوف والكلام يتم بدونه))، ولعله يريد ما قيل: إنه عطف على / ما قبله أو
~~إنه تعليل للإنكار المأخوذ من الاستفهام كقولك أتضرب زيدا فهو أخوك أي
~~لا ينبغي لك ضربه فإنه أخوك. وتعقب بأن المعروف في مثله استعماله بالواو
~~وإنما يحسن التعليل في صريح الإنكار، ولا يناسب معنى المضي أيضا {
~~وهو يحي الموتى } أي شأنه ذلك نحو فلان يقري الضيف ويحمي
~~الحريم { وهو على كل شيء قدير } فهو سبحانه الحقيق بأن يتخذ
~~وليا فليخصوه بالاتخاذ دون من لا يقدر على شيء ما أصلا.

### || [42.10]

# { وما اختلفتم فيه من شيء } إلى آخره حكاية لقول رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم للمؤمنين أي ما خالفكم الكفار فيه من أمور الدين
~~كاتخاذ الله تعالى وحده وليا فاختلفتم أنتم وهم { فحكمه } راجع {
~~إلى الله } وهو إثابة المحقين وعقاب المبطلين، ويجوز أن يكون كلاما
~~من جهته تعالى متضمنا التسلية ويكون قوله تعالى: { ذلكم } الخ بتقدير
~~قل، والإمام اعتبره من أول الكلام، وأيا ما كان فالإشارة إليه تعالى من
~~حيث اتصافه بما تقدم من الصفات على ما قاله الطيبي من كونه تعالى هو يحي
~~الموتى وكونه سبحانه على كل شيء قدير وكونه عز وجل ما اختلفوا فيه فحكمه
~~إليه. وقال في «الإرشاد»: ((أي ذلكم الحاكم العظيم الشأن { الله ربي
~~} مالكي { عليه توكلت } في مجامع أموري خاصة لا على غيره {
~~وإليه أنيب } أرجع في كل ما يعن ms09534 لي من معضلات الأمور لا إلى أحد
~~سواه وحيث كان التوكل أمرا واحدا مستمرا والإنابة متعددة متجددة حسب
~~تجدد موادها أوثر في الأول صيغة الماضي وفي الثاني صيغة المضارع، وقيل:
~~وما اختلفتم فيه وتنازعتم من شيء من الخصومات فتحاكموا فيه إلى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم ولا تؤثروا على حكومته حكومة غيره كقوله تعالى:

# فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول

# [النساء: 59]. وقيل: وما اختلفتم فيه من شيء من تأويل آية واشتبه عليكم
~~فارجعوا في بيانه إلى المحكم من كتاب الله تعالى والظاهر من سنة رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: وما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي
~~لا تتعلق بتكليفكم ولا طريق لكم إلى علمه فقولوا الله تعالى أعلم كمعرفة
~~الروح)).

# وأورد على الكل أنه مخالف للسياق لأن الكلام مسوق للمشركين وهو على ذلك
~~مخصوص بالمؤمنين. وظاهر كلام الإمام اختيار الاختصاص فإنه قال في وجه
~~النظم الكريم: إنه تعالى كما منع رسوله صلى الله عليه وسلم أن يحمل
~~الكفار على الإيمان كذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معه في الخصومات
~~والمنازعات، وذكر أنه احتج نفاة القياس به فقالوا: إما أن يكون المراد
~~منه وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه مستفاد من نص الله تعالى أو من القياس
~~على ما نص سبحانه عليه والثاني باطل لأنه يقتضي أن تكون كل الأحكام مبنية
~~على القياس فتعين الأول، ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون المراد
~~فحكمه معروف من بيان الله تعالى سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس؟
~~وأجيب عنه بأن المقصود من التحاكم إلى الله تعالى قطع الاختلاف لقوله
~~تعالى: { وما اختلفتم } والرجوع إلى القياس مما يقوي الاختلاف
~~فوجب الرجوع إلى النصوص اه.

# وأنت تعلم أن النصوص غير كافية في جميع الأحكام وأن الآية على ما سمعت
~~أولا مما لا يكاد يصح الاستدلال بها على هذا المطلب من أول الأمر.

# وفي «الكشاف» ((لا يجوز حمل الاختلاف فيها على اختلاف المجتهدين في
~~أحكام الشريعة لأن الاجتهاد لا ms09535 يجوز بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم))
~~ولا يخفى عليك أن هذه المسألة مختلف فيها فقال الأكثرون بجواز الاجتهاد
~~المذكور عقلا ومنهم من أحاله، ثم المجوزون، منهم من منع وقوع التعبد به
~~وهو مذهب أبي علي وابنه أبي هاشم، وإليه ذهب صاحب «الكشاف» وذكر ما
~~يخالفه نقل لمذهب الغير وإن لم يعقبه برد كما هو عادته / في الأكثر ومنهم
~~من ادعى الوقوع ظنا ومنهم من جزم بالوقوع، وقيل: إنه الأصح عند
~~الأصوليين ومنهم من توقف، والبحث فيها مستوفى في أصول الفقه، والذي نقوله
~~هنا: إن الاستدلال بالآية على منعه لا يكاد يتم وأقل ما يقال فيه: إنه
~~استدلال بما فيه احتمال.

### || [42.11]

# وقوله تعالى: { فاطر السموات والأرض } خبر آخر لذلكم أو
~~خبر لمبتدأ محذوف أي هو فاطر أو صفة لربي أو بدل منه أو مبتدأ خبره {
~~جعل لكم } وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما بالجر على أنه بدل
~~من ضمير { إليه } أو { عليه } أو وصف للاسم الجليل في قوله
~~تعالى:

# إلى الله

# [الشورى:10] وما بينهما جملة معترضة بين الصفة والموصوف. وقد تقدم معنى
~~فاطر وجعل أي خلق { من أنفسكم } من جنسكم { أزوجا } نساء.
~~وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر غير مرة { ومن
~~الأنعم أزوجا } أي وخلق للأنعام من جنسها أزواجا كما خلق لكم
~~من أنفسكم أزواجا ففيه جملة مقدرة لدلالة القرينة أو وخلق لكم من
~~الأنعام أصنافا أو ذكورا وإناثا.

# { يذرؤكم } يكثركم يقال ذرأ الله تعالى الخلق بثهم وكثرهم والذرء
~~والذر أخوان { فيه } أي فيما ذكر من التدبير وهو أن جعل سبحانه للناس
~~والأنعام أزواجا يكون بينهم توالد وجعل التكثر في هذا الجعل لوقوعه في
~~خلاله وأثنائه فهو كالمنبع له، ويجوز أن تكون (في) للسببية وغلب في {
~~يذرؤكم } المخاطبون العقلاء على الغيب مما لا يعقل فهناك تغليب
~~واحد اشتمل على جهتي تغليب وذلك لأن الأنعام غائب غير عاقل فإذا أدخلت في
~~خطاب العقلاء كان فيه تغليب العقل والخطاب معا، وهذا التغليب  أعني
~~التغليب لأجل الخطاب والعقل ms09536  من الأحكام ذات العلتين وهما هنا الخطاب
~~والعقل وهذا هو الذي عناه جار الله وهو مما لا بأس فيه لأن العلة ليست
~~حقيقية، وزعم ابن المنير ((أن الصحيح أنهما حكمان متباينان غير
~~متداخلين أحدهما: مجيئه على نعت ضمير العقلاء أعم من كونه مخاطبا أو
~~غائبا، والثاني مجيئه بعد ذلك على نعت الخطاب فالأول لتغليب العقل
~~والثاني لتغليب الخطاب)) ليس بشيء ولا يحتاج إليه. وكلام صاحب «المفتاح»
~~يحتمل اعتبار تغليبين: أحدهما تغليب المخاطبين على الغيب، وثانيهما تغليب
~~العقلاء على ما لا يعقل، وقال الطيبي: إن المقام يأبى ذلك لأنه يؤدي
~~إلى أن الأصل يذرؤكم ويذرؤها ويذرؤكن ويذرؤها لكن الأصل يذرؤكم ويذرؤها
~~لا غير لأن  كم  في { يذرؤكم } هو كم في { جعل لكم من
~~أنفسكم أزواجا } بعينه لكن غلب ههنا على الغيب فليس في يذرؤكم
~~إلا تغليب واحد انتهى. ثم إنه لا ينبغي أن يقال: إن التذرئة حكم علل في
~~الآية بعلتين: إحداهما جعل الناس أزواجا، والثانية جعل الأنعام أزواجا
~~ويجوز أن يكون هو الذي عناه جار الله لأن الحكم هو البث المطلق وعلته
~~المجموع وإن جعل كل جزء منه علة فكل بث حكم أيضا فأين الحكم الواحد
~~المتعدد علته فافهم.

# وعن ابن عباس أن معنى { يذرؤكم فيه } يجعل لكم فيه معيشة تعيشون
~~بها، وقريب منه قول ابن زيد يرزقكم فيه، والظاهر عليه أن الضمير لجعل
~~الأزواج من الأنعام.

# وقال مجاهد أي يخلقكم نسلا بعد نسل وقرنا بعد قرن، ويتبادر منه أن
~~الضمير للجعل المفهوم من { جعل لكم من أنفسكم أزواجا }
~~ويجوز أن يكون كما في الوجه الأول ويفهم منه أن الذرء أخص من الخلق وبه
~~صرح ابن عطية قال: ولفظة ذرأ تزيد على لفظة خلق معنى آخر ليس في خلق وهو
~~توالي الطبقات على مر الزمان، وقال العتبي: ضمير { فيه } للبطن لأنه
~~في حكم المذكور والمراد يخلقكم في بطون الإناث، وفي رواية عن ابن زيد أنه
~~لما خلق من السموات والأرض، وهو كما ترى ومثله ما قبله والله تعالى
~~أعلم.

# { ليس ms09537 كمثله شيء } نفي للمشابهة من كل وجه ويدخل في / ذلك نفي
~~أن يكون مثله سبحانه شيء يزاوجه عز وجل وهو وجه ارتباط هذه الآية بما
~~قبلها أو المراد ليس مثله تعالى شيء في الشؤون التي من جملتها التدبير
~~البديع السابق فترتبط بما قبلها أيضا. والمراد من (مثله) ذاته تعالى فلا
~~فرق بين ليس كذاته شيء وليس كمثله شيء في المعنى إلا أن الثاني كناية
~~مشتملة على مبالغة وهي أن المماثلة منفية عمن يكون مثله وعلى صفته فكيف
~~عن نفسه وهذا لا يستلزم وجود المثل إذ الفرض كاف في المبالغة ومثل هذا
~~شائع في كلام العرب نحو قول أوس بن حجر:

# ليس كمثل الفتى زهير

# خلق يوازيه في الفضائل

# وقول الآخر:

# وقتلى كمثل جذوع النخيل

# تغشاهم مسبل منهمر

# وقول الآخر:

# سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم

# ما أن كمثلهم في الناس من أحد

# وقد ذكر ابن قتيبة وغيره أن العرب تقيم المثل مقام النفس فتقول مثلك لا
~~يبخل وهي تريد أنت لا تبخل أي على سبيل الكناية وقد سمعت فائدتها. وفي
~~«الكشف» أنها الدلالة على فضل إثبات لذلك الحكم المطلوب وتمكينه وذلك
~~لوجهين: أحدهما أنه فرض جامع يقتضي ذلك فإذا قلت مثلك لا يبخل دل على أن
~~موجب عدم البخل موجود بخلافه إذا قلت أنت لا تبخل. والثاني أنه إذا جعل
~~من جماعة لا يبخلون يكون أدل على عدم البخل لأنه جعل معدودا من جملتهم،
~~ومن ذلك قولهم قد أيفعت لداته أي أترابه وأمثاله في السن، وقول رقيقة
~~بنت أبي صيفي بن هاشم في سقيا عبد المطلب: ألا وفيهم الطيب الطاهر لداته
~~تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك.

# وقيل: إن مثلا بمعنى الصفة وشيئا عبارة عنها أيضا حكاه الراغب ثم
~~قال: والمعنى ليس كصفته تعالى صفة تنبيها على أنه تعالى وإن وصف بكثير
~~مما يوصف به البشر فليست تلك الصفات له عز وجل حسب ما يستعمل في البشر.

# وذهب الطبري وغيره إلى أن مثلا زائدة للتأكيد كالكاف ms09538 في قوله:

# بالأمس كانوا في رخاء مأمول

# فأصبحت مثل كعصف مأكول

# وقول الآخر:

# أهل عرفت الدار بالغريين

# وصاليات ككما يؤثفين

# وتعقبه أبو حيان بأنه ليس بجيد لأن مثلا اسم والأسماء لا تزاد بخلاف
~~الكاف فإنها حرف فتصلح للزيادة. ونسب إلى الزجاج وابن جني والأكثرين
~~القول بأن الكاف زائدة للتأكيد، ورده ابن المنير بأن الكاف تفيد تأكيد
~~التشبيه لا تأكيد النفي ونفي المماثلة المهملة أبلغ من نفي المماثلة
~~المؤكدة فليست الآية نظير شطري البيتين، ويقال نحوه فيما نقل عن الطبري
~~ومن معه، وأجيب بأنه يفيد تأكيد التشبيه إن سلبا فسلب وإن إثباتا
~~فإثبات فيندفع ما أورد، نعم الأول هو الوجه.

# والمثل قال الراغب: ((أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة وذلك أن الند يقال
~~لما يشارك في الجوهر فقط والشبه لما يشارك في الكيفية فقط والمساوي لما
~~يشارك في الكمية فقط والشكل لما يشارك في القدر والمساحة فقط والمثل عام
~~في جميع ذلك، ولهذا لما أراد الله تعالى نفي الشبه من كل وجه خصه سبحانه
~~بالذكر))، وذكر الإمام الرازي أن المثلين عند المتكلمين هما اللذان يقوم
~~كل منهما مقام الآخر في حقيقته وماهيته وحمل المثل في الآية على ذلك أي
~~لا يساوي الله تعالى في حقيقة الذات شيء، وقال: لا يصح أن يكون المعنى
~~ليس كمثله تعالى في الصفات شيء لأن العباد يوصفون بكونهم عالمين قادرين
~~كما أن الله تعالى يوصف بذلك وكذا يوصفون بكونهم معلومين مذكورين مع أن
~~الله تعالى يوصف بذلك، وأطال الكلام في هذا المقام وفي القلب منه شيء.

# / وفي «شرح جوهرة التوحيد» اعلم أن قدماء المعتزلة كالجبائي وابنه أبي
~~هاشم ذهبوا إلى أن المماثلة هي المشاركة في أخص صفات النفس فمماثلة زيد
~~لعمرو مثلا عندهم مشاركته إياه في الناطقية فقط، وذهب المحققون من
~~الماتريدية إلى أن المماثلة هي الاشتراك في الصفات النفسية كالحيوانية
~~والناطقية لزيد وعمرو. ومن لازم الاشتراك في الصفة النفسية أمران أحدهما:
~~الاشتراك فيما يجب ويجوز ويمتنع. وثانيهما: أن يسد كل منهما مسد الآخر
~~والمتماثلان وان اشتركا في ms09539 الصفات النفسية لكن لا بد من اختلافهما بجهة
~~أخرى ليتحقق التعدد والتمايز فيصح التماثل، ونسب إلى الأشعري أنه يشترط
~~في التماثل التساوي من كل وجه. واعترض بأنه لا تعدد حينئذ فلا تماثل،
~~وبأن أهل اللغة مطبقون على صحة قولنا: زيد مثل عمرو في الفقه إذا كان
~~يساويه فيه ويسد مسده وإن اختلف في كثير من الأوصاف، وفي الحديث

# " الحنطة بالحنطة مثلا بمثل "

# وأريد به الاستواء في الكيل دون الوزن وعدد الحبات وأوصافها، ويمكن أن
~~يجاب بأن مراده التساوي في الوجه الذي به التماثل حتى إن زيدا وعمرا لو
~~اشتركا في الفقه وكان بينهما مساواة فيه بحيث ينوب أحدهما مناب الآخر صح
~~القول بأنهما مثلان فيه وإلا فلا فلا يخالف مذهب الماتريدية، وفيه أيضا
~~أنه عز وجل ليس له سبحانه مماثل في ذاته فلا يسد مسد ذاته تعالى ذات ولا
~~مسد صفته جلت صفته صفة.

# والمراد بالصفة الصفة الحقيقية الوجودية، ومن هنا تعلم ما في قول الإمام
~~((لا يصح أن يكون المعنى ليس كمثله تعالى في الصفات شيء لأن العباد
~~يوصفون بكونهم عالمين قادرين كما أن الله سبحانه يوصف بذلك)) فإن معنى
~~ذلك أنه تعالى ليس مثل صفته سبحانه صفة، ومن المعلوم البين أن علم العباد
~~وقدرتهم ليسا مثل علم الله عز وجل وقدرته جل وعلا أي ليسا سادين مسدهما،
~~وأما كونه تعالى مذكورا ونحوه فهو ليس من الصفات المعتبرة القائمة بذاته
~~تعالى كما لا يخفى.

# وزعم جهم بن صفوان أن المقصود من هذه الآية بيان أنه تعالى ليس مسمى
~~باسم الشيء لأن كل شيء فإنه يكون مثلا لمثل نفسه فقوله تعالى: { ليس
~~كمثله شيء } معناه ليس مثل مثله شيء وذلك يقتضي أن لا يكون هو
~~سبحانه مسمى باسم الشيء فلم يجعل المثل كناية عن الذات على ما سمعت ولا
~~حكم بزيادته ولا بزيادة الكاف ومع هذا وإغماض العين عما في كلامه لا يتم
~~له مقصوده إذ لنا أن نجعل ليس مثل مثله شيء نفيا للمثل على سبيل الكناية
~~أيضا لكن ms09540 بوجه آخر وهو أنه نفي للشيء بنفي لازمه لأن نفي اللازم يستلزم
~~نفي الملزوم كما يقال: ليس لأخي زيد أخ فأخو زيد ملزوم والأخ لازمه لأنه
~~لا بد لأخي زيد من أخ هو زيد فنفيت هذا اللازم والمراد نفي ملزومه أي ليس
~~لزيد أخ إذ لو كان له أخ لكان لذلك الأخ أخ هو زيد فكذا نفيت أن يكون
~~لمثل الله تعالى مثل، والمراد نفي مثله سبحانه وتعالى إذ لو كان له مثل
~~لكان هو مثل مثله إذ التقدير أنه موجود، ومغايرته لما تقدم أن مبناه
~~إثبات اللزوم بين وجود المثل ووجود مثل المثل ليكون نفي اللازم كناية عن
~~نفي الملزوم من غير ملاحظة والتفات إلى أن حكم الأمثال واحد وأنه يجري في
~~النفي دون الإثبات فإن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم دون العكس بخلاف ما
~~تقدم فإن مبناه أن حكم المتماثلين واحد وإلا لم يكونا متماثلين ولا يحتاج
~~إلى إثبات اللزوم بين وجود المثل ومثل المثل وأنه يجري في النفي والإثبات
~~كما سمعت من الأمثلة وليس ذاك من المذهب الكلامي في شيء، أما أولا فلأنه
~~إيراد الحجة وليس في الآية إشعار بها فضلا عن الإيراد، وأما ثانيا
~~فلأنه حينئذ تكون الحجة قياسا استثنائيا استثنى فيه نقيض التالي هكذا
~~لو كان له سبحانه مثل لكان هو جل شأنه مثل مثله لكنه ليس مثلا لمثله فلا
~~بد من بيان بطلان التالي حتى تتم الحجة / إذ ليس بينا بنفسه بل وجود
~~المثل ووجود مثل المثل في مرتبة واحدة في العلم والجهل لا يجوز جعل
~~أحدهما دليلا على الآخر، لكن قيل: إن المفهوم من ليس مثل مثله شيء على
~~ذلك التقدير نفي أن يكون مثل لمثله سواه تعالى بقرينة الإضافة كما أن
~~المفهوم من قول المتكلم: إن دخل داري أحد فكذا غير المتكلم، وأيضا لا
~~نسلم أنه لو وجد له سبحانه مثل لكان هو جل وعلا مثل مثله لأن وجود مثله
~~سبحانه محال والمحال جاز أن يستلزم المحال.

# وأجيب عن الأول أن اسم ms09541 ليس { شيء } وهو نكرة في سياق النفي فتعم الآية
~~نفي شيء يكون مثلا لمثله، ولا شك أنه على تقدير وجود المثل يصدق عليه
~~أنه شيء مثل لمثله، والإضافة لا تقتضي خروجه عن عموم شيء بخلاف المثال
~~المذكور فإن القرينة العقلية دلت على تخصيص أحد بغير المتكلم لأن مقصوده
~~المنع عن دخول الغير وعن الثاني أن وجود المثل لشيء مطلقا يستلزم المثل
~~مع قطع النظر عن خصوصية ذلك الشيء وذلك بين فالمنع بتجويز أن يكون لذاته
~~تعالى مثل ولا يكون هو سبحانه مثلا لمثله مكابرة، ثم إن هذا الوجه لكثرة
~~ما فيه من القيل والقال بالنسبة إلى غيره من الأوجه السابقة لم نذكره عند
~~ذكرها وهو على علاته أحسن من القول بالزيادة كما لا يخفى على من وفقه
~~الله عز وجل.

# { وهو السميع } المدرك إدراكا تاما لا على طريق التخيل والتوهم
~~لجميع المسموعات ولا على طريق تأثر حاسة ولا وصول هواء { البصير }
~~المدرك إدراكا تاما لجميع المبصرات أو الموجودات لا على سبيل التخيل
~~والتوهم ولا على طريق تأثر حاسة ولا وصول شعاع فالسمع والبصر صفتان غير
~~العلم على ما هو الظاهر وأرجعهما بعضهم إلى صفة العلم، وتمام الكلام على
~~ذلك في الكلام. وقدم سبحانه نفي المثل على إثبات السمع والبصر لأنه أهم
~~في نفسه وبالنظر إلى المقام.

### || [42.12]

# { له مقاليد السماوات والأرض } تقدم تفسيره في سورة
~~الزمر وكذا قوله تعالى: { يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر }.
~~وقرىء { يقدر } بالتشديد { إنه بكل شيء عليم } مبالغ في
~~الإحاطة به فيفعل كل ما يفعل جل شأنه على ما ينبغي أن يفعل عليه. والجملة
~~تعليل لما قبلها وتمهيد لما بعدها من قوله تعالى: { شرع لكم من
~~الدين ما وصى به نوحا... }.

### || [42.13]

# { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى
~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى
~~وعيسى } وإيذان بأن ما شرع سبحانه لهم صادر عن كمال العلم والحكمة
~~كما أن بيان نسبته إلى المذكورين عليهم الصلاة والسلام تنبيه على كونه
~~دينا قديما أجمع عليه ms09542 الرسل. والخطاب لأمته عليه الصلاة والسلام أي شرع
~~لكم من الدين ما وصى به نوحا ومن بعده من أرباب الشرائع وأولي العزم من
~~مشاهير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأمرهم به أمرا مؤكدا. وتخصيص
~~المذكورين بالذكر لما أشير إليه من علو شأنهم وعظم شهرتهم ولاستمالة قلوب
~~الكفرة إلى الاتباع لاتفاق كل على نبوة بعضهم واختصاص اليهود بموسى عليه
~~السلام والنصارى بعيسى عليه السلام وإلا فما من نبي إلا وهو مأمور بما
~~أمروا به من إقامة دين الإسلام وهو التوحيد وما لا يختلف باختلاف الأمم
~~وتبدل الأعصار من أصول الشرائع والأحكام كما ينبىء عنه التوصية فإنها
~~معربة عن تأكيد الأمر والاعتناء بشأن المأمور به.

# والمراد بإيحائه إليه صلى الله عليه وسلم إما ما ذكر في صدر السورة
~~الكريمة وفي قوله تعالى:

# وكذلك أوحينا إليك

# [الشورى: 7] الآية وإما ما يعمهما وغيرهما مما وقع في سائر المواقع التي
~~من جملتها قوله تعالى:

# ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبرهيم حنيفا

# [النحل: 123] وقوله سبحانه:

# قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما
~~إلهكم إله واحد

# [الكهف: 110] وغير ذلك. وإيثار الإيحاء على ما قبله وما بعده من التوصية
~~لمراعاة ما وقع في الآيات المذكورة ولما في الإيحاء من / التصريح برسالته
~~عليه الصلاة والسلام القامع لإنكار الكفرة، والالتفات إلى نون العظمة
~~لإظهار كمال الاعتناء بإيحائه، وفي ذلك إشعار بأن شريعته صلى الله عليه
~~وسلم هي الشريعة المعتنى بها غاية الاعتناء ولذا عبر فيها بالذي التي هي
~~أصل الموصولات وذلك هو السر في تقديم الذي أوحي إليه عليه الصلاة والسلام
~~على ما بعده مع تقدمه عليه زمانا. وتقديم توصية نوح عليه السلام
~~للمسارعة إلى بيان كون المشروع لهم دينا قديما، وقد قيل: إنه عليه
~~الصلاة والسلام أول الرسل. وتوجيه الخطاب إليه عليه الصلاة والسلام بطريق
~~التلوين للتشريف والتنبيه على أنه تعالى شرعه لهم على لسانه صلى الله
~~عليه وسلم.

# { أن أقيموا الدين } أي دين الإسلام الذي هو توحيد الله تعالى
~~وطاعته والإيمان بكتبه ورسله وبيوم الجزاء وسائر ما ms09543 يكون العبد به
~~مؤمنا. والمراد بإقامته تعديل أركانه وحفظه من أن يقع فيه زيغ أو
~~المواظبة عليه. و { أن } مصدرية وتقدم الكلام في وصلها بالأمر والنهي أو
~~مخففة من الثقيلة لما في { شرع } من معنى العلم. والمصدر إما منصوب
~~على أنه بدل من مفعول { شرع } والمعطوفين عليه أو مرفوع على أنه خبر
~~مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف والجملة جواب عن سؤال نشأ من إبهام
~~المشروع كأنه قيل: وما ذاك؟ فقيل: هو أن أقيموا الدين، وقيل: هو مجرور
~~على أنه بدل من ضمير { به } ولا يلزمه بقاء الموصول بلا عائد لأن
~~المبدل منه ليس في نية الطرح حقيقة، نعم قال شيخ الإسلام: ((إنه ليس بذاك
~~لما أنه مع إفضائه إلى خروجه عن حيز الإيحاء إلى النبي صلى الله عليه
~~وسلم مستلزم لكون الخطاب في النهي الآتي عن التفرق للأنبياء المذكورين
~~عليهم السلام وتوجيه النهي إلى أممهم تمحل ظاهر مع أن الأظهر أنه متوجه
~~إلى أمته صلى الله عليه وسلم وأنهم المتفرقون)) ثم بين ما استظهره وسنشير
~~إليه إن شاء الله تعالى.

# وجوز كونه بدلا من { الدين } ويجوز كون { أن } مفسرة فقد تقدمها ما
~~يتضمن معني القول دون حروفه.

# والخطاب في { أقيموا } وقوله تعالى: { ولا تتفرقوا فيه }
~~على ما اختاره غير واحد من الأجلة شامل للنبي صلى الله عليه وسلم
~~وأتباعه وللأنبياء والأمم قبلهم وضمير { فيه } للدين أي ولا تتفرقوا في
~~الدين الذي هو عبارة عما تقدم من الأصول بأن يأتي به بعض ولا يأتي بعض
~~ويأتي بعض ببعض منه دون بعض وهو مراد مقاتل أي لا تختلفوا فيه، ولا يشمل
~~هذا النهي عن الاختلاف في الفروع فإنها ليست من الأصول المرادة هنا ولم
~~يتحد بها النبيون كما يؤذن بذلك قوله تعالى:

# لكل جعلنا منكم شرعة ومنهجا

# [المائدة: 48] وبعضهم أدخل بعض الفروع في أصول الدين المرادة هنا من
~~(الدين). قال مجاهد: لم يبعث نبي إلا أمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة
~~والإقرار بالله تعالى وطاعته سبحانه وذلك إقامة الدين.

# وقال الحافظ أبو ms09544 بكر بن العربي: لم يكن مع آدم عليه السلام إلا بنوه
~~ولم يفرض له الفرائض ولا شرعت له المحارم وإنما كان منبها على بعض
~~الأمور مقتصرا على بعض ضروريات المعاش واستمر الأمر إلى نوح عليه السلام
~~فبعثه الله تعالى بتحريم الأمهات والبنات ووظف عليه الواجبات وأوضح له
~~الأدب في الديانات ولم يزل ذلك يتأكد بالرسل ويتناصر الأنبياء واحدا بعد
~~واحد وشريعة إثر شريعة حتى ختمه سبحانه بخير الملل على لسان أكرم الرسل،
~~فمعنى الآية شرعنا لكم ما شرعنا للأنبياء دينا واحدا في الأصول وهي
~~التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج والتقرب بصالح الأعمال والصدق
~~والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وصلة الرحم وتحريم الكبر والزنا والإيذاء
~~للخلق والاعتداء على الحيوان واقتحام الدناءات وما يعود بخرم المروءات
~~فهذا كله مشروع دينا واحدا وملة متحدة لم يختلف على ألسنة الأنبياء وان
~~اختلفت أعدادهم، ومعنى { أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه
~~} اجعلوه قائما أي دائما مستمرا من غير خلاف فيه ولا اضطراب [عليه]
~~انتهى، ولعله أراد بالصلاة والزكاة والصيام والحج مطلقها لا ما نعرفه في
~~شرعنا منها فإن الصلوات الخمس والزكاة المخصوصة وصيام شهر رمضان من خواص
~~هذه الأمة على الصحيح، والظاهر أن حج البيت لم يشرع لأمة موسى وأمة عيسى
~~عليهما السلام ولا لأكثر الأمم قبلهما على أن الآية مكية ولم تشرع الزكاة
~~المعروفة وصيام رمضان إلا في المدينة، وبالجملة لا شك في اختلاف الأديان
~~في الفروع، نعم لا يبعد اتفاقها فيما هو من مكارم الأخلاق واجتناب
~~الرذائل.

# { كبر } أي عظم وشق { على المشركين ما تدعوهم إليه
~~} على سبيل الاستمرار التجددي من التوحيد ورفض عبادة الأصنام ويشعر
~~بإرادته التعبير بالمشركين وهو أصل الأصول وأعظم ما شق عليهم كما تنبىء
~~بذلك الآيات أو ما تدعوهم إليه من إقامة الدين وعدم التفرق فيه.

# { الله يجتبي إليه من يشاء } تسلية له صلى الله عليه وسلم
~~بأن منهم من يجيب. و { يجتبي } من الاجتباء بمعنى الاصطفاء والضمير
~~في { إليه } لله تعالى كما ذكر محي السنة وغيره وكذا الضمير في قوله ms09545
~~تعالى: { ويهدي إليه من ينيب } أي يصطفي إليه سبحانه من يشاء
~~اصطفاءه ويخصصه سبحانه بفيض إلهي يتحصل له منه أنواع النعم ويهدي إليه عز
~~وجل بالإرشاد والتوفيق من يقبل إليه تعالى شأنه. وعدى الاجتباء بإلى لما
~~فيه من الجمع على ما يفهم من كلام الراغب، وجعله جمع من الجباية بمعنى
~~الجمع يقال: جبيت الماء في الحوض جمعته فيه فمنهم من اختار جعل ضمير {
~~إليه } في الموضعين  لما  لما فيه من اتساق الضمائر أي يجتلب ويجمع
~~من يشاء اجتلابه وجمعه إلى ما تدعوهم إليه، ومنهم من اختار جعله للدين
~~لمناسبة معنوية هي اتحاد المتفرق فيه والمجتمع عليه والزمخشري اختار كونه
~~من الجباية بمعنى الجمع وعود الضمير على الدين، وما ذكره محي السنة وغيره
~~ قال في «الكشف»  أظهر وأملأ بالفائدة، أما الثاني فللدلالة على أن أهل
~~الاجتباء غير أهل الاهتداء وكلتا الطائفتين هم أهل الدين والتوحيد الذين
~~لم يتفرقوا فيه وعلى مختار طائفة واحدة. وأما الأول فلأن الاجتباء بمعنى
~~الاصطفاء أكثر استعمالا ولأنه يدل على أن أهل الدين هم صفوة الله تعالى
~~اجتباهم إليه واصطفاهم لنفسه سبحانه، وأما الذي آثره الزمخشري فكلام
~~ظاهري بناه على أن الكلام في عدم التفرق في الدين فناسب الجمع والانتهاء
~~إليه، وقيل: { ما تدعوهم إليه } على معنى ما تدعوهم إلى
~~الإيمان به والمراد به الرسالة أي ثقلت عليهم رسالتك وعظم لديهم تخصيصنا
~~إياك بالرسالة والوحي دونهم وقوله تعالى: { الله يجتبي إليه
~~من يشاء } رد عليهم على نحو

# الله أعلم حيث يجعل رسالته

# [الأنعام: 124] وما قدمنا أظهر.

### || [42.14]

# { وما تفرقوا } أي أمم الأنبياء بعد وفاة أنبيائهم  كما في
~~«الكشف»  منذ بعث نوح عليه السلام في الدين الذي دعوا إليه واختلفوا فيه
~~في وقت من الأوقات { إلا من بعد ماجاءهم العلم } من
~~أنبيائهم بأن الفرقة ضلال وفساد وأمر متوعد عليه؛ وهذا يؤيد ما دل عليه
~~سابقا من أن الأمم القديمة والحديثة أمروا باتفاق الكلمة وإقامة الدين.
~~والمراد بالعلم سببه مجازا مرسلا، ويجوز أن يكون التجوز في الاسناد،
~~وأن يكون ms09546 الكلام بتقدير مضاف أي جاءهم سبب العلم، وقد يقال جاء مجاز عن
~~حصل. والاستثناء على ما أشرنا إليه مفرغ من أعم الأوقات، وجوز أن يكون من
~~أعم الأحوال أي ما تفرقوا في حال من الأحوال إلا حال مجيء العلم {
~~بغيا بينهم } أي عداوة على أن البغي / الظلم والتجاوز والعداوة
~~سبب له وهي الداعي للتفرق أو طلبا للدنيا والرياسة على أن البغي مصدر
~~بغى بمعنى طلب.

# { ولولا كلمة سبقت من ربك } هي عدته تعالى بترك
~~معاجلتهم بالعذاب { إلى أجل مسمى } معلوم له سبحانه وهو يوم
~~القيامة أو آخر أعمارهم المقدرة لهم { لقضي بينهم } باستئصال
~~المبطلين حين افترقوا لعظم ما افترقوا { وإن الذين أورثوا
~~الكتب من بعدهم } هم أهل الكتاب الذين كانوا في عهده صلى
~~الله عليه وسلم وقرأ زيد بن علي { ورثوا } مبنيا للمفعول مشدد الراء
~~{ لفي شك منه } أي من كتابهم فلم يؤمنوا به حق الإيمان { مريب
~~} مقلق أو مدخل في الريبة. والجملة اعتراض يؤكد أن تفرقهم ذلك باق في
~~أعقابهم منضما إليه الشك في كتابهم مع انتسابهم إليه فهم تفرقوا بعد
~~العلم الحاصل لهم من النبي المبعوث إليهم المصدق لكتابهم وتفرقوا قبله
~~شكا في كتابهم فلم يؤمنوا به ولم يصدقوا حقه.

### || [42.15]

# { فلذلك } أي إذا كان الأمر كما ذكر فلأجل ذلك التفرق ولما حدث
~~بسببه من تشعب الكفر في الأمم السالفة شعبا { فادع } إلى الائتلاف
~~والاتفاق على الملة الحنيفية القديمة { واستقم كما أمرت } أي
~~اثبت على الدعاء كما أوحي إليك، وقيل: الإشارة إلى قوله تعالى:

# شرع لكم

# [الشورى: 13] وما يتصل به ونقل عن الواحدي أي ولأجل ذلك من التوصية التي
~~شوركت فيها مع نوح ومن بعده ولأجل ذلك الأمر بالإقامة والنهي عن التفرق
~~فادع، وما ذكر أولا أولى لأن قوله تعالى: { أن أقيموا } شمل
~~النبي عليه الصلاة والسلام وأتباعه كما سمعت، ويدل عليه

# كبر على المشركين ما تدعوهم إليه

# [الشورى: 13] فقوله تعالى: { فلذلك فادع } الخ لا يتسبب عنه لما
~~يظهر من التكرار وهو تفرع الأمر عن الأمر، وأما تسببه ms09547 عن تفرقهم فظاهر
~~على معنى فلما أحدثوا من التفرق وأبدعوا فاثبت أنت على الدعاء الذي أمرت
~~به واستقم وهذا ظاهر للمتأمل.

# ومن الناس من جعل المشار إليه الشرع السابق ولم يدخل فيه الأمر بالإقامة
~~لئلا يلزم التكرار أي فلأجل أنه شرع لهم الدين القويم القديم الحقيق بأن
~~يتنافس فيه المتنافسون فادع، وقيل: هو الكتاب، وقيل: هو العلم المذكور في
~~قوله تعالى:

# جاءهم العلم

# [الشورى: 14] وقيل: هو الشك ورجح بالقرب وليس بذاك. واللام على جميع
~~الأقوال المذكورة للتعليل، وقيل: على بعضها هي بمعنى إلى صلة الدعاء فما
~~بعدها هو المدعو إليه، وأنت تعلم أنه لا حاجة في إرادة ذلك إلى جعلها
~~بمعنى إلى فإن الدعاء يتعدى بها أيضا كما في قوله:

# دعوت لما نابني مسورا

# ونقل ذلك عن الفراء والزجاج، وأيا ما كان فالفاء الأولى واقعة في جواب
~~شرط مقدر كما أشرنا إليه والفاء الثانية مؤكدة للأولى، وقيل: كان الناس
~~بعد الطوفان أمة واحدة موحدين فاختلف أبناؤهم بعد موتهم حين بعث الله
~~تعالى النبيين مبشرين ومنذرين، وجعل ضمير { تفرقوا } لأخلاف أولئك
~~الموحدين والذين أورثوا الكتاب باق على ما تقدم والأول أظهر. وقيل: ضمير
~~{ تفرقوا } لأهل الكتاب تفرقوا من بعد ما جاءهم العلم بمبعث النبي
~~صلى الله عليه وسلم فهذا كقوله تعالى:

# وما تفرق الذين أوتوا الكتب إلا من بعد ما
~~جاءتهم البينة

# [البينة: 4] وإنما تفرقوا حسدا له عليه الصلاة والسلام لالشبهة.
~~والمراد بالذين أورثوا الكتاب من بعدهم مشركو مكة وأحزابهم لأنهم أورثوا
~~القرآن فالكتاب القرآن وضمير { منه } له وقيل للرسول وهو خلاف الظاهر.

# واختار كون المتفرقين أهل الكتاب / اليهود والنصارى والمورثين الشاكين
~~مشركي مكة وأحزابهم شيخ الإسلام واستظهر أن الخطاب في

# أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه

# [الشورى: 13] لأمته صلى الله عليه وسلم، وتعقب القول بكون المتفرق كل
~~أمة بعد نبيها والقول بكونه أخلاف الموحدين الذين كانوا بعد الطوفان
~~فقال: يرد ذلك قوله تعالى:

# ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى
~~لقضي بينهم

# [الشورى: 14] فإن مشاهير الأمم المذكورة قد أصابهم عذاب ms09548 الاستئصال من
~~غير إنظار إمهال على أن مساق النظم الكريم لبيان أحوال هذه الأمة وإنما
~~ذكر من ذكر من الأنبياء عليهم السلام لتحقيق أن ما شرع لهؤلاء دين قديم
~~أجمع عليه أولئك الأعلام عليهم الصلاة والسلام تأكيدا لوجوب إقامته
~~وتشديدا للزجر عن التفرق والاختلاف فيه فالتعرض لبيان تفرق أممهم عنه
~~ربما يوهم الإخلال بذلك المرام انتهى.

# وأجيب عن الأول بأن ضمير { بينهم } لأولئك الذين تفرقوا وقد علمت
~~أن المراد بهم المتفرقون بعد وفاة أنبيائهم وهو لم يصبهم عذاب الاستئصال
~~وإنما أصاب الذين لم يؤمنوا في عهد أنبيائهم وإطلاق المتفرقين ليس بذاك
~~الظهور، وقيل: المراد لقضي بينهم ريثما افترقوا ولم يمهلوا أعواما،
~~وقيل: المراد لقضي بينهم بإهلاك المبطلين وإثابة المحقين إثابتهم في
~~العقبى وهو كما ترى، وعن الثاني بأنا لا نسلم إيهام التعرض لبيان تفرق
~~الأمم الإخلال بالمرام بعد بيان أنه لم يكن إلا بعد أن جاءهم العلم بأنه
~~ضلال وفساد وأمر متوعد عليه وأنه كان بغيا بينهم ولم يكن لشبهة في صحة
~~الدين.

# وقيل: ضمير { تفرقوا } [الشورى: 14] للمشركين في قوله تعالى:

# كبر على المشركين

# [الشورى: 13]. حكى في «البحر» عن ابن عباس أنه قال: وما تفرقوا يعني
~~قريشا والعلم محمد صلى الله عليه وسلم وكانوا يتمنون أن يبعث إليهم نبي
~~كما قال سبحانه:

# وأقسموا بالله جهد أيمنهم لئن جاءهم نذير

# [فاطر: 42] الآية. وقد يقال عليه: المراد بالذين أورثوا الكتاب أهل
~~الكتاب الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى

# من بعدهم

# [الشورى: 14] على ما قال أبو حيان من بعد أسلافهم. ونقل الطبرسي عن
~~السدي ما يدل على أن المراد من بعد أحبارهم وفسر الموصول بعوام أهل
~~الكتاب، وقيل: ضمير { بعدهم } للمشركين أيضا والبعدية رتبية كما
~~قيل في قوله تعالى:

# والأرض بعد ذلك دحها

# [النازعات: 30] ولا يخفى عليك أنه لا بأس بعود ضمير { تفرقوا }
~~للمشركين لو وجد للذين أورثوا الكتاب توجيه يقع في حيز القبول والله
~~تعالى الموفق.

# وجعل متعلق { استقم } الدعاء لا تخفى مناسبته، وجوز جعله عاما فيكون
~~(استقم) أمرا بالاستقامة ms09549 في جميع أموره عليه الصلاة والسلام، والاستقامة
~~أن يكون على خط مستقيم، وفسرها الراغب بلزوم المنهج المستقيم فلا حاجة
~~إلى التأويل بالدوام على الاستقامة أي دم على الاستقامة { ولا
~~تتبع أهواءهم } أي شيئا من أهوائهم الباطلة على أن الإضافة
~~للجنس { وقل ءامنت بما أنزل الله من كتب } أي بجميع
~~الكتب المنزلة لأن (ما) من أدوات العموم، وتنكير { كتاب } المبين مؤيد
~~لذلك. وفي هذا القول تحقيق لحق وبيان لاتفاق الكتب في الأصول وتأليف
~~لقلوب أهل الكتابين وتعريض بهم حيث لم يؤمنوا بجميعها { وأمرت
~~لأعدل بينكم } أي أمرني الله تعالى بما أمرني به لأعدل بينكم
~~في تبليغ الشرائع والأحكام فلا أخص بشيء منها شخصا دون شخص وقيل: لأعدل
~~بينكم في الحكم إذا تخاصمتم، وقيل: بتبليغ الشرائع وفصل الخصومة واختاره
~~غير واحد، وقيل: لأسوي بيني وبينكم ولا آمركم بما لا أعمله ولا أخالفكم
~~إلى ما أنهاكم عنه ولا أفرق بين أصاغركم وأكابركم في إجراء حكم الله عز
~~وجل، فاللام للتعليل والمأمور به محذوف، وقيل: اللام مزيدة أي أمرت أن
~~أعدل ويحتاج / لتقدير الباء أي بأن أعدل، ولا يخلو عن بعد.

# { الله ربنا وربكم } أي خالق الكل ومتولي أمره فليس المراد
~~خصوص المتكلم والمخاطب { لنا أعملنا } لا يتخطانا جزاؤها ثوابا
~~كان أو عقابا { ولكم أعملكم } لا يجاوزكم آثارها لننتفع
~~بحسناتكم ونتضرر بسيئاتكم { لا حجة بيننا وبينكم } أي لا
~~احتجاج ولا خصومة لأن الحق قد ظهر فلم يبق للاحتجاج حاجة ولا للمخالفة
~~محمل سوى المكابرة والعناد، وجاءت الحجة هنا على أصلها فإنها في الأصل
~~مصدر بمعنى الاحتجاج كما ذكره الراغب وشاعت بمعنى الدليل وليس بمراد {
~~الله يجمع بيننا } يوم القيامة { وإليه المصير }
~~فيفصل سبحانه بيننا وبينكم. وليس في الآية ما يدل على متاركة الكفار
~~رأسا حتى تكون منسوخة بآية السيف، وادعى أبو حيان أن ما يظهر منها
~~الموادعة المنسوخة بتلك الآية.

### || [42.16]

# { والذين يحاجون في الله } أي يخاصمون في دينه. قال ابن
~~عباس ومجاهد: نزلت في طائفة من بني إسرائيل همت برد الناس عن الإسلام ms09550
~~وإضلالهم فقالوا: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فديننا أفضل من
~~دينكم، وفي رواية بدل فديننا الخ فنحن أولى بالله تعالى منكم، وأخرج ابن
~~المنذر عن عكرمة قال: لما نزلت

# إذا جاء نصر الله والفتح

# [النصر: 1] قال المشركون بمكة لمن بين أظهرهم من المؤمنين: قد دخل الناس
~~في دين الله أفواجا فاخرجوا من بين أظهرنا أو اتركوا الإسلام، والمحاجة
~~فيه غير ظاهرة ولعلهم مع هذا يذكرون ما فيه ذلك.

# { من بعد ما استجيب له } أي من بعدما استجاب الناس لله عز
~~وجل أو لدينه ودخلوا فيه وأذعنوا له لظهور الحجة ووضوح المحجة. والتعبير
~~عن ذلك بالاستجابة باعتبار دعوتهم إليه { حجتهم داحضة عند
~~ربهم } زائلة باطلة لا تقبل عنده عز وجل بل لا حجة لهم أصلا. وإنما
~~عبر عن أباطيلهم بالحجة وهي الدليل ههنا مجاراة معهم على زعمهم الباطل.
~~وجوز كون ضمير { له } للرسول عليه الصلاة والسلام لكونه في حكم المذكور
~~والمستجيب أهل الكتب واستجابتهم له صلى الله عليه وسلم إقرارهم بنعوته
~~واستفتاحهم به قبل مبعثه عليه الصلاة والسلام فإذا كانوا هم المحاجين كان
~~الكلام في قوة والذين يحاجون في دين الله من بعدما استجابوا لرسوله
~~وأقروا بنعوته حجتهم في تكذيبه باطلة لما فيها من نفي ما أقروا به قبل
~~وصدقه العيان. وقيل: المستجيب هو الله عز وجل وضمير { له } لرسوله عليه
~~الصلاة والسلام، واستجابته تعالى له صلى الله عليه وسلم بإظهار المعجزات
~~الدالة على صدقه، وإلى نحوه ذهب الجبائي حيث قال: أي من بعدما استجاب
~~الله تعالى دعاءه في كفار بدر حتى قتلهم بأيدي المؤمنين ودعاءه على أهل
~~مكة حتى قحطوا ودعاءه لمستضعفين حتى خلصهم الله تعالى من أيدي قريش وغير
~~ذلك مما يطول تعداده، وبطلان حجتهم لظهور خلاف ما تقتضيه بزعمهم بذلك،
~~وهذا ظاهر في أن هذه الآية مدنية لأن وقعة بدر بعد الهجرة وحمل {
~~استجيب } على الوعد خلاف الظاهر جدا، وكذا ما روي عن عكرمة، وقيل:
~~إن حمل الاستجابة على استجابة أهل الكتاب يقتضي ذلك أيضا إذ لم ms09551 يكن بمكة
~~أحد منهم، وقيل: لا يقتضيه لأن خبر استجابتهم وإقرارهم بنعوته صلى الله
~~عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام بمكة بلغ أهل مكة والمجادلون محمول
~~عليهم فلا مانع من كونها مكية.

# { وعليهم غضب } عظيم لمكابرتهم الحق بعد ظهوره { ولهم
~~عذاب شديد } لا يقادر قدره.

### || [42.17]

# { الله الذي أنزل الكتب } جنس الكتاب أو الكتاب المعهود
~~أو جميع الكتب { بالحق } ملتبسا بالحق بعيدا من الباطل في أحكامه
~~وأخباره أو ملتبسا بما يحق ويجب من العقائد والأحكام { والميزان }
~~أي العدل كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم أو الشرع الذي يوزن به
~~الحقوق ويسوي بين الناس، وعلى الوجهين فيه استعارة ونسبة الإنزال إليه
~~مجاز لأنه من صفات الأجسام والمنزل حقيقة من بلغه، واعتبر بعضهم الأمر أي
~~أنزل الأمر بالميزان، وتعقب بأنه أيضا محتاج إلى التأويل، وقد يقال:
~~نسبة الإنزال وكذا النزول إلى الأمر مشهورة جدا فالتحقت بالحقيقة، ويجوز
~~أن يتجوز في الإنزال ويقال نحو ذلك في { أنزل الكتب } وعن مجاهد
~~أن الميزان الآلة المعروفة فعلى هذا إنزاله على حقيقته، وجوز أن يكون على
~~سبيل الأمر به، واستظهر الأول لما نقل الزمخشري في الحديد أنه نزل إلى
~~نوح وأمر أن يوزن به، وكون المراد به ميزان الأعمال بعيد هنا.

# { وما يدريك } أي أي شيء يجعلك داريا أي عالما { لعل
~~الساعة } أي إتيان الساعة الذي أخبر به الكتاب الناطق بالحق فالكلام
~~بتقدير مضاف مذكر، وقوله تعالى: { قريب } خبر عنه في الحقيقة لأن
~~المحذوف بقرينة كالملفوظ وهو وجه في تذكيره؛ وجوز أن يكون لتأويل الساعة
~~بالبعث وأن يكون { قريب } من باب تامر ولابن أي ذات قرب إلى أوجه أخر
~~تقدمت في الكلام على قوله تعالى:

# إن رحمت الله قريب

# [الأعراف: 56] وأيا ما كان فالمعنى إن الساعة على جناح الإتيان فاتبع
~~الكتاب وواظب على العدل واعمل بالشرع قبل أن يفاجئك اليوم الذي توزن فيه
~~الأعمال ويوفى جزاؤها.

### || [42.18]

# { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } استعجال إنكار
~~واستهزاء، كانوا يقولون: متى هي؟ ليتها قامت حتى يظهر لنا ms09552 [الحق] أهو
~~الذي نحن عليه أم كالذي عليه محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه؟ {
~~والذين ءامنوا مشفقون منها } أي خائفون منها مع اعتناء
~~بها فإن الإشفاق عناية مختلطة بخوف فإذا عدي بمن كما هنا فمعنى الخوف فيه
~~أظهر وإذا عدي بعلى فمعنى العناية أظهر، وعنايتهم بها لتوقع الثواب، وزعم
~~الجلبي أن الآية من الاحتباك والأصل يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها فلا
~~يشفقون منها والذين آمنوا مشفقون منها فلا يستعجلون بها { ويعلمون
~~أنها الحق } الأمر المتحقق الكائن لا محالة.

# { ألا إن الذين يمارون في الساعة } أي يجادلون فيها،
~~وأصله من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها للحلب، وإطلاق المماراة على
~~المجادلة لأن كلا من المتجادلين يستخرج ما عند صاحبه، ويجوز أن يكون من
~~المرية التردد في الأمر وهو أخص من الشك ومعنى المفاعلة غير مقصود
~~فالمعنى إن الذين يترددون في أمر الساعة ويشكون فيه { لفي ضلل
~~بعيد } عن الحق فإن البعث أقرب الغائبات بالمحسوسات لأنه يعلم من
~~تجويزه من إحياء الأرض بعد موتها وغير ذلك، فمن لم يهتد إليه فهو عن
~~الاهتداء إلى ما وراءه أبعد وأبعد.

### || [42.19]

# { الله لطيف بعباده } بر بليغ البر بهم يفيض جل شأنه على
~~جميعهم من صنوفه ما لا يبلغه الأفهام ويؤذن بذلك مادة اللطف وصيغة
~~المبالغة فيها وتنكيرها الدال على المبالغة بحسب الكمية والكيفية. قال
~~حجة الإسلام [الغزالي] عليه الرحمة: إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق
~~المصالح وغوامضها وما دق منها ولطف ثم يسلك في إيصالها إلى المستصلح سبيل
~~الرفق دون العنف فإذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في الإدراك تم معنى
~~اللطيف ولا يتصور كمال ذلك إلا في الله تعالى شأنه، فصنوف البر من
~~المبالغة في الكم، وكونها لا تبلغها الأفهام من المادة / والمبالغة في
~~الكيفية لأنه إذا دق جدا كان أخفى وأخفى، وإرادة الجميع من إضافة العباد
~~وهو جمع إلى ضميره تعالى فيفيد الشمول والاستغراق.

# وبالعموم قال مقاتل إلا أنه قال: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يقتلهم
~~جوعا. وقال أبو حيان: ((لطيف بعباده ms09553 أي بر بعباده المؤمنين ومن سبق له
~~الخلود في الجنة وما يرى من النعم على الكافر فليس بلطف إنما هو إملاء
~~إلا ما آل إلى رحمة ووفاة على الإسلام)). وحكى الطيبي هذا التخصيص عن
~~الواحدي ومال إلى ترجيحه وذلك أنه ادعى أن الإضافة في { عباده }
~~إضافة تشريف إذ أكثر استعمال التنزيل الجليل في مثل ذلك فيختص العباد
~~بأوليائه تعالى المؤمنين، وحمل اللطف على منح الهداية وتوفيق الطاعة وعلى
~~الكمالات الأخروية والكرامات السنية، وحمل الرزق في قوله تعالى: {
~~يرزق من يشاء } عليه أيضا وقال: إن استعماله فيما ذكر كاستعماله
~~في قوله تعالى:

# ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من
~~فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب

# [النور: 38]. وجعل قوله سبحانه: { وهو القوي العزيز }
~~مؤذنا بالتعليل كأنه قيل: إنما تلطف جل شأنه في حق عباده المؤمنين دون
~~من غضب عليهم بمحض مشيئته سبحانه لأنه تعالى قوي قادر على أن يختص برحمته
~~وكرامته من يشاء من عباده عزيز غالب لا يمنعه سبحانه عما يريده أحد،
~~وادعى أنه يكون وزان الآية على هذا مع قوله تعالى: { من كان يريد
~~حرث الأخرة نزد له فى حرثه }.

### || [42.20]

# { من كان يريد حرث الأخرة نزد له في حرثه }
~~الآية وزان قوله عز وجل:

# ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها *
~~قد أفلح من زكها * وقد خاب من دسها

# [الشمس: 710] وينتظم الكلام أتم انتظام وتلتئم أطرافه أشد التآم، ولا
~~يقال حينئذ: إن قوله تعالى:

# يرزق من يشاء

# [الشورى: 19] حكم مترتب على السابق فكان ينبغي أن يعم عمومه والعموم
~~أظهر، وحديث التخصيص في { يرزق من يشاء } فقد أجاب عنه صاحب
~~«التقريب» فقال إنما خصص الرزق بمن يشاء مع أنهم كلهم بر سبحانه بهم
~~لأنه تعالى قد يخص أحدا بنعمة وغيره بأخرى فالعموم لجنس البر والخصوص
~~لنوعه. وأشار جار الله إلى أنه لا تخصيص بالحقيقة فإن المعنى الله تعالى
~~بليغ البر بجميع عباده يرزق من يشاء ما يشاء سبحانه منه  فيرزق من يشاء
~~ بيان لتوزيعه على جميعهم فليس الرزق إلا النصيب ms09554 الخاص لكل واحد، ولما
~~شمل الدارين لاءم قوله تعالى: { من كان يريد } الخ كل الملاءمة،
~~ولا يتوقف هذا على ما قاله الطيبي، ولعل أمر التذييل بالاسمين الجليلين
~~على القول بالعموم أظهر والتعليل أنسب فكأنه قيل: لطيف بعباده عام
~~الإحسان بهم لأنه تعالى القوي الباهر القدرة الذي غلب وغلبت قدرته سبحانه
~~جميع القدر يرزق من يشاء لأنه العزيز الذي لا يغلب على ما يريد فكل من
~~الاسمين الجليلين ناظر إلى حكم فافهم وقل رب زدني علما:

# فكم لله من لطف خفي

# يدق خفاه عن فهم الذكي

# والحرث في الأصل إلقاء البذر في الأرض يطلق على الزرع الحاصل منه،
~~ويستعمل في ثمرات الأعمال ونتائجها بطريق الاستعارة المبنية على تشبيهها
~~بالغلال الحاصلة من البذور المتضمن لتشبيه الأعمال بالبذور أي من كان
~~يريد بأعماله ثواب الآخرة نضاعف له ثوابه بالواحد عشرة إلى سبعمائة فما
~~فوقها.

# { ومن كان يريد } بأعماله { حرث الدنيا } وهو متاعها
~~وطيباتها { نؤته منها } أي شيئا منها حسبما قدرناه له بطلبه
~~وإرادته { وما له في الأخرة من نصيب } إذ كانت همته مقصورة
~~على الدنيا.

# وقرأ ابن مقسم والزعفراني ومحبوب / والمنقري كلاهما عن أبي عمرو { يزد
~~} و { يؤته } بالياء فيهما، وقرأ سلام { نؤته } بضم الهاء وهي لغة أهل
~~الحجاز وقد جاء في الآية فعل الشرط ماضيا والجواب مضارعا مجزوما قال
~~أبو حيان: ((ولا نعلم خلافا في جواز الجزم في مثل ذلك وأنه فصيح مختار
~~مطلقا إلا ما ذكره صاحب كتاب «الإعراب» أبو الحكم بن عذرة عن بعض
~~النحويين أنه لا يجيء في الفصيح إلا إذا كان فعل الشرط كان، وإنما يجيء
~~معها لأنها أصل الأفعال ونص كلام سيبويه والجماعة أنه لا يختص بكان بل
~~سائر الأفعال مثلها في ذلك وأنشد سيبويه للفرزدق:

# دست رسولا بأن القوم إن قدروا

# عليك يشفوا صدورا ذات توغير

# وقال أيضا:

# تعش فإن عاهدتني لا تخونني

# نكن مثل من ياذئب يصطحبان))

### || [42.21]

# { أم لهم شركاء } في الكفر وهم الشياطين { شرعوا لهم }
~~أي لهؤلاء الكفرة المعاصرين لك بالتسويل والتزيين { من ms09555 الدين ما
~~لم يأذن به الله } كالشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا. و {
~~أم } منقطعة فيها معنى بل الإضرابية والهمزة التي للتقرير والتقريع
~~والإضراب عما سبق من قوله تعالى:

# شرع لكم من الدين

# [الشورى: 13] الخ فالعطف عليه وما اعترض به بين الآيتين من تتمة الأولى،
~~وتأخير الإضراب ليدل على أنهم في شرع يخالف ما شرعه الله تعالى من كل وجه
~~فالشرك في مقابلة إقامة الدين والاستقامة عليه وإنكار البعث في مقابلة
~~قوله تعالى:

# والذين ءامنوا مشفقون منها ويعلمون أنها
~~الحق

# [الشورى: 18] والعمل للدنيا لقوله سبحانه:

# من كان يريد حرث الأخرة

# [الشورى: 20] وهذا أظهر من جعل الإضراب عما تقدم من قوله تعالى:

# كبر على المشركين

# [الشورى: 13] كما لا يخفى.

# وقيل: شركاؤهم أصنامهم، وإضافتها إليهم لأنهم الذين جعلوها شركاء لله
~~سبحانه، وإسناد الشرع إليها لأنها سبب ضلالتهم وافتتانهم كقوله تعالى:

# إنهن أضللن كثيرا

# [إبراهيم: 36] وجوز أن يكون الاستفهام المقدر على هذا للإنكار أي ليس
~~لهم شرع ولا شارع كما في قوله تعالى:

# أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا

# [الأنبياء: 43] وأيا ما كان فضمير { شرعوا } للشركاء وضمير {
~~لهم } للكفار. وجوز على تفسير الشركاء بالأصنام أن يكون الأول للكفار
~~والثاني للشركاء أي شرع الكفار لأصنامهم ورسموا من المعتقدات والأحكام ما
~~لم يأذن به الله تعالى كاعتقاد أنهم آلهة وأن عبادتهم تقربهم إلى الله
~~سبحانه، وكجعل البحيرة والسائبة والوصيلة وغير ذلك، وهو كما ترى.

# { ولولا كلمة الفصل } أي القضاء والحكم السابق منه تعالى
~~بتأخير العذاب إلى يوم القيامة أو إلى آخر أعمارهم { لقضي بينهم
~~} أي بين الكافرين والمؤمنين في الدنيا أو حين افترقوا بالعقاب والثواب،
~~وجوز أن يكون المعنى لولا ما وعدهم الله تعالى به من الفصل في الآخرة
~~لقضي بينهم فالفصل بمعنى البيان كما في قوله تعالى:

# هذا يوم الفصل جمعنكم والأولين

# [المرسلات: 38] وقيل: ضمير (بينهم) للكفار وشركائهم بأي معنى كان.

# { وإن الظلمين } وهم المحدث عنهم أو الأعم منهم ويدخلون
~~دخولا أوليا { لهم عذاب أليم } في الآخرة. وفي «البحر» أي في
~~الدنيا بالقتل والأسر والنهب ms09556 وفي الآخرة بالنار.

# وقرأ الأعرج ومسلم بن جندب { وأن } بفتح الهمزة عطفا على { كلمة
~~الفصل } أي لولا القضاء السابق بتأخير العذاب وتقدير أن الظالمين لهم
~~عذاب أليم في الآخرة أو لولا العدة بأن الفصل يكون يوم القيامة وتقدير أن
~~الظالمين لهم الخ لقضي بينهم، والعطف على التقديرين تتميم للإيضاح لا
~~تفسيري محض.

### || [42.22]

# { ترى الظلمين } جملة مستأنفة لبيان ما قبل. والخطاب لكل أحد
~~يصلح له للقصد إلى المبالغة في سوء حالهم أي ترى يا من يصح / منه الرؤيا
~~الظالمين يوم القيامة { مشفقين } خائفين الخوف الشديد { مما
~~كسبوا } في الدنيا من السيآت، والكلام قيل على تقدير مضاف. و { من
~~} صلة الإشفاق أي مشفقين من وبال ما كسبوا { وهو } أي الوبال {
~~واقع بهم } أي حاصل لهم لاحق بهم، واختار بعضهم أن لا تقدير و(من)
~~تعليلية لأنه أدخل في الوعيد، والجملة اعتراض للإشارة إلى أن إشفاقهم لا
~~ينفعهم، وإيثار { واقع } على يقع مع أن المعنى على الاستقبال لأن
~~الخوف إنما يكون من المتوقع بخلاف الحزن للدلالة على تحققه وأنه لا بد
~~منه، وجوز أن تكون حالا من ضمير { مشفقين } وظاهر ما سمعت أنه حال
~~مقدرة.

# { والذين ءامنوا وعملوا الصلحات في روضت
~~الجنت } أي مستقرون في أطيب بقاعها وأنزهها، وقال الراغب: هي
~~محاسنها وملاذها. وأصل الروضة مستنقع الماء والخضرة واللغة الكثيرة في
~~واوها جمعا التسكين كما في المنزل ولغة هذيل بن مدركة فتحها فيقولون
~~روضات إجراء للمعتل مجرى الصحيح نحو جفنات ولم يقرأ أحد فيما علمنا
~~بلغتهم.

# { لهم ما يشآءون عند ربهم } أي ما يشتهونه من فنون
~~المستلذات حاصل لهم عند ربهم فالظرف متعلق بمتعلق الجار والمجرور الواقع
~~خبرا لما أوبه واختاره جار الله ونفى أن يكون متعلقا بيشاؤن مع أنه
~~الظاهر نحوا، وبين صاحب «الكشف» ذلك بأنه كلام في معرض المبالغة في وصف
~~ما يكون أهل الجنة فيه من النعيم الدائم فأفيد أنهم في أنزه موضع من
~~الجنة وأطيب مقعد منها بقوله تعالى: { في روضت الجنت } لأن
~~روضة الجنة أنزه موضع منها لا ms09557 سيما والإضافة في هذا المقام تنبىء عن
~~تميزها بالشرف والطيب، والتعقيب بقوله تعالى: { لهم ما يشآءون }
~~أيضا ثم أفيد أن لهم ما يشتهون من ربهم ولا خفاء أنك إذا قلت: لي عند
~~فلان ما شئت كان أبلغ في حصول كل مطالبك منه مما إذا قلت: لي ما شئت عند
~~فلان بالنسبة إلى الطالب والمطلوب منه. أما الأول: فلأنه يفيد ان جميع ما
~~تشاؤه موجود مبذول لك منه، والثاني يفيد ان ما شئت عنده مبذول لا جميع ما
~~تشاؤه، وأما الثاني: فلأنك وصفته بأنه يبذل جميع المرادات، وفي الثاني
~~وصفته بأن ما شئت عنده مبذول لك إما منه وإما من غيره ثم في الأول مبالغة
~~في تحقيق ذلك وثبوته كما تقول: لي عندك وقبلك كذا، فالله تعالى شأنه أخبر
~~بأن ذلك حق لهم ثابت مقضي في ذمة فضله سبحانه ولا كذلك في الثاني، ثم
~~قال: ولعل الأوجه أن يجعل { عند ربهم } خبرا آخر أي الذين آمنوا
~~وعملوا الصالحات عند ربهم في روضات الجنات لهم فيها ما يشاؤن، وإنما أخر
~~توخيا لسلوك طريق المبالغة في الترقي من الأدنى إلى الأعلى ومراعاة
~~لترتيب الوجود أيضا فإن الوافد والضيف ينزل في أنزه موضع ثم يحضر بين
~~يديه الذي يشتهيه؛ وملاك ذلك كله أن يختصه رب المنزل بالقرب والكرامة،
~~وأن جعله حالا من فاعل { يشآءون } أو من المجرور في { لهم } أفاد
~~هذا المعنى أيضا لكنه يقصر عما آثرناه لأنه قد أتى به إتيان الفضلة وهو
~~مقصود بذاته عمدة، ولعمري إن ما آثره حسن معنى إلا أنه أبعد لفظا مما
~~آثره جار الله، ولا يخفى عليك ما هو الأنسب بالتنزيل.

# وفي الخبر عن أبي ظبية قال: إن السرب من أهل الجنة لتظلهم السحابة
~~فتقول: ماأمطركم؟ فما يدعو داع من القوم إلا أمطرته حتى إن القائل منهم
~~ليقول: أمطرينا كواعب أترابا.

# { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من حال المؤمنين، وما فيه من معنى البعد
~~للإيذان ببعد منزلة المشار إليه { هو الفضل الكبير } الذي لا
~~يقدر قدره ولا ms09558 تبلغ غايته ويصغر دونه ما لغيرهم في الدنيا.

### || [42.23]

# { ذلك } / الفضل الكبير أو الثواب المفهوم من السياق هو { الذي
~~يبشر الله عباده الذين ءامنوا وعملوا
~~الصلحات } أي يبشر به فحذف الجار ثم العائد إلى الموصول كما هو
~~عادتهم في التدريج في الحذف، ولا مانع كما قال الشهاب من حذفهما دفعة،
~~وجوز كون (ذلك) إشارة إلى التبشير المفهوم من { يبشر } بعد والإشارة
~~قد تكون لما يفهم بعد كما قرروه في قوله تعالى:

# وكذلك جعلنكم أمة وسطا

# [البقرة: 143] ونحوه، والعائد إلى الموصول ضمير منصوب بيبشر على أنه
~~مفعول مطلق له لأنه ضمير المصدر أي ذلك التبشير يبشره الله عباده؛ وزعم
~~أبو حيان أنه لا يظهر جعل الإشارة إلى التبشير لعدم تقدم لفظ البشرى ولا
~~ما يدل عليها وهو ناشيء عن الغفلة عما سمعت فلا حاجة في الجواب عنه أن
~~كون ما تقدم تبشيرا للمؤمنين كاف في صحة ذلك، ثم قال: ((ومن النحويين من
~~جعل { الذي } مصدرية حكاه ابن مالك عن يونس وتأول عليه هذه الآية أي
~~ذلك تبشير الله تعالى عباده، وليس بشيء لأنه إثبات للاشتراك بين مختلفي
~~الحد بغير دليل وقد ثبتت اسمية { الذي } فلا يعدل عن ذلك بشيء لا يقوم
~~به دليل ولا شبهة)).

# وقرأ عبد الله بن يعمر وابن أبي إسحق والجحدري والأعمش وطلحة في رواية
~~والكسائي وحمزة { يبشر } ثلاثيا، ومجاهد وحميد بن قيس بضم الياء وتخفيف
~~الشين من أبشر وهو معدى بالهمزة من بشر اللازم المكسور الشين وإما بشر
~~بفتحها فمتعد وبشر بالتشديد للتكثير لا للتعدية لأن المعدى إلى واحد وهو
~~مخفف لا يعدى بالتضعيف إليه فالتضعيف فيه للتكثير لا للتعدية.

# { قل لا أسألكم عليه } أي على ما أتعاطاه لكم من التبليغ
~~والبشارة وغيرهما { أجرا } أي نفعا ما، ويختص في العرف بالمال {
~~إلا المودة } أي إلا مودتكم أياي { في القربى } أي
~~لقرابتي منكم ففي للسببية مثلها في «إن امرأة دخلت النار في هرة» فهي
~~بمعنى اللام لتقارب السبب والعلة، وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد وقتادة
~~وجماعة.

# والخطاب إما ms09559 لقريش على ما قيل: إنهم جمعوا له مالا وأرادوا أن يرشوه
~~على أن يمسك عن سب آلهتهم فلم يفعل ونزلت، وله عليه الصلاة والسلام في
~~جميعهم قرابة. أخرج أحمد والشيخان والترمذي وغيرهم عن ابن عباس «أنه سئل
~~عن قوله تعالى: { إلا المودة في القربى } فقال سعيد بن
~~جبير: قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس: عجلت إن
~~النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة»
~~أو للأنصار بناء على ما قيل: إنهم أتوه بمال ليستعين به على ما ينوبه
~~فنزلت فرده، وله عليه الصلاة والسلام قرابة منهم لأنهم أخواله فإن أم عبد
~~المطلب وهي سلمى بنت زيد النجارية منهم وكذا أخوال آمنة أمه عليه الصلاة
~~والسلام كانوا على ما في بعض التواريخ من الأنصار أيضا، أو لجميع العرب
~~لقرابته عليه الصلاة والسلام منهم جميعا في الجملة كيف لا وهم إما
~~عدنانيون وقريش منهم وإما قحطانيون والأنصار منهم، وقرابته عليه الصلاة
~~والسلام من كل قد علمت وذلك يستلزم قرابته من جميع العرب، وقضاعة من
~~قحطان لا قسم برأسه على ما عليه معظم النسابين، والمعنى إن لم تعرفوا حقي
~~لنبوتي وكوني رحمة عامة ونعمة تامة فلا أقل من مودتي لأجل حق القرابة
~~وصلة الرحم التي تعتنون بحفظها ورعايتها.

# وحاصله لا أطلب منكم إلا مودتي ورعاية حقوقي لقرابتي منكم وذلك أمر لازم
~~عليكم، وروي نحو هذا في «الصحيحين» عن ابن عباس بل جاء ذلك عنه رضي الله
~~تعالى عنه في روايات كثيرة وظاهرها أن الخطاب لقريش منها ما أخرجه سعيد
~~بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في
~~«الدلائل» / عن الشعبي قال: أكثر الناس علينا في هذه الآية { قل لا
~~أسألكم } الخ فكتبنا إلى ابن عباس نسأله فكتب رضي الله تعالى عنه
~~ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وسط النسب في قريش ليس بطن من
~~بطونهم إلا وقد ولدوه قال الله تعالى: { قل لا أسألكم عليه
~~أجرا ms09560 } على ما أدعوكم عليه { إلا المودة في القربى }
~~تودوني لقرابتي منكم وتحفظوني بها. ومنها ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر
~~وابن أبي حاتم والطبراني عنه قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم
~~قرابة من جميع قريش فلما كذبوه وأبوا أن يتابعوه قال: يا قوم إذا أبيتم
~~أن تتابعوني فاحفظوا قرابتي فيكم ولا يكون غيركم من العرب أولى بحفظي
~~ونصرتي منكم. والظاهر من هذه الأخبار أن الآية مكية والقول بأنها في
~~الأنصار يقتضي كونها مدنية، والاستثناء متصل بناء على ما سمعت من تعميم
~~الأجر. وقيل: لا حاجة إلى التعميم. وكون المودة المذكورة من أفراد الأجر
~~ادعاء كاف لاتصال الاستثناء، وقيل: هو منقطع إما بناء على أن المودة له
~~عليه الصلاة والسلام ليست أجرا أصلا بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم
~~أو لأنها لازمة لهم ليمدحوا بصلة الرحم فنفعها عائد عليهم والانقطاع أقطع
~~لتوهم المنافاة بين هذه الآية والآيات المتضمنة لنفي سؤال الأجر مطلقا.
~~وذهب جماعة إلى أن المعنى لا أطلب منكم أجرا إلا محبتكم أهل بيتي
~~وقرابتي. وفي «البحر» أنه قول ابن جبير والسدي وعمرو بن شعيب، و { في }
~~عليه للظرفية المجازية و { القربى } بمعنى الأقرباء، والجار
~~والمجرور في موضع الحال أي إلا المودة ثابتة في أقربائي متمكنة فيهم،
~~ولمكانة هذا المعنى لم يقل: إلا مودة القربى، وذكر أنه على الأول كذلك
~~وأمر اتصال الاستثناء وانقطاعه على ما سبق، والمراد بقرابته عليه الصلاة
~~والسلام في هذا القول قيل: ولد عبد المطلب، وقيل علي وفاطمة وولداها رضي
~~الله تعالى عنهم، وروي ذلك مرفوعا، أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم
~~والطبراني وابن مردويه من طريق ابن جبير عن ابن عباس قال:

# " لما نزلت هذه الآية { قل لا أسألكم } الخ قالوا: يا رسول
~~الله من قرابتك الذين وجبت مودتهم؟ قال علي وفاطمة وولداها صلى الله عليه
~~وسلم على النبي وعليهم "

# وسند هذا الخبر على ما قال السيوطي في «الدر المنثور» ضعيف، ونص على
~~ضعفه في «تخريج أحاديث الكشاف» ابن حجر، وأيضا لو صح ms09561 لم يقل ابن عباس ما
~~حكي عنه في «الصحيحين» وغيرهما وقد تقدم إلا أنه روي عن جماعة من أهل
~~البيت ما يؤيد ذلك، أخرج ابن جرير عن أبي الديلم قال: لما جيء بعلي بن
~~الحسين رضي الله تعالى عنهما أسيرا فأقيم على درج دمشق قام رجل من أهل
~~الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم فقال له علي رضي الله تعالى
~~عنه: أقرأت القرآن؟ قال: نعم قال: أقرأت آل حم؟ قال: نعم قال: ما قرأت {
~~قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في
~~القربى } قال: فإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم. وروى ذاذان عن علي كرم
~~الله تعالى وجهه قال: فينا في آل حم آية لا يحفظ مودتنا إلا مؤمن ثم قرأ
~~هذه الآية، وإلى هذا أشار الكميت في قوله:

# وجدنا لكم في آل حم آية

# تأولها منا تقي ومعرب

# ولله تعالى در السيد عمر الهيتي أحد الأقارب المعاصرين حيث يقول:

# بأية آية يأتي يزيد

# غداة صحائف الأعمال تتلى

# وقام رسول رب العرش يتلو

# وقد صمت جميع الخلق (قل لا)

# والخطاب على هذا القول لجميع الأمة لا للأنصار فقط وإن ورد ما يوهم ذلك
~~فإنهم كلهم مكلفون بمودة أهل البيت. فقد أخرج مسلم والترمذي والنسائي عن
~~زيد بن أرقم «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم / قال:

# " أذكركم الله تعالى في أهل بيتي "

# وأخرج الترمذي وحسنه والطبراني والحاكم والبيهقي في «الشعب» عن ابن عباس
~~قال: قال عليه الصلاة والسلام:

# " أحبوا الله تعالى لما يغذوكم به من نعمة وأحبوني لحب الله تعالى
~~وأحبوا أهل بيتي لحبي "

# وأخرج ابن حبان والحاكم عن أبي سعيد قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل
~~البيت رجل إلا أدخله الله تعالى النار "

# إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة من الأخبار، وفي بعضها ما يدل على عموم
~~القربى وشمولها لبني عبد المطلب.

# أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي عن المطلب بن ربيعة قال: دخل العباس
~~على رسول الله صلى الله عليه ms09562 وسلم فقال: إنا لنخرج فنرى قريشا تحدث فإذا
~~رأونا سكتوا فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودر عرق بين عينيه ثم
~~قال: والله لا يدخل قلب امرىء مسلم إيمان حتى يحبكم لله تعالى ولقرابتي،
~~وهذا ظاهر إن خص القربى بالمؤمنين منهم وإلا فقيل: إن الحكم منسوخ، وفيه
~~نظر، والحق وجوب محبة قرابته عليه الصلاة والسلام من حيث إنهم قرابته صلى
~~الله عليه وسلم كيف كانوا، وما أحسن ما قيل:

# داريت أهلك في هواك وهم عدا

# ولأجل عين ألف عين تكرم

# وكلما كانت جهة القرابة أقوى كان طلب المودة أشد، فمودة العلويين
~~الفاطميين ألزم من محبة العباسيين على القول بعموم { القربى } وهي
~~على القول بالخصوص قد تتفاوت أيضا باعتبار تفاوت الجهات والاعتبارات
~~وآثار تلك المودة التعظيم والاحترام والقيام بأداء الحقوق أتم قيام، وقد
~~تهاون كثير من الناس بذلك حتى عدوا من الرفض السلوك في هاتيك المسالك.
~~وأنا أقول قول الشافعي الشافي العي:

# يا راكبا قف بالمحصب من منى

# واهتف بساكن خيفها والناهض

# سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى

# فيضا كملتطم الفرات الفائض

# إن كان رفضا حب آل محمد

# فليشهد الثقلان أني رافضي

# ومع هذا لا أعد الخروج عما يعتقده أكابر أهل السنة في الصحابة رضي الله
~~تعالى عنهم دينا، وأرى حبهم فرضا علي مبينا فقد أوجبه أيضا الشارع
~~وقامت على ذلك البراهين السواطع.

# ومن الظرائف ما حكاه الإمام عن بعض المذكرين قال: إنه عليه الصلاة
~~والسلام قال:

# " مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها هلك "

# وقال صلى الله عليه وسلم:

# " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "

# ونحن الآن في بحر التكليف وتضربنا أمواج الشبهات والشهوات وراكب البحر
~~يحتاج إلى أمرين. أحدهما: السفينة الخالية عن العيوب، والثاني: الكواكب
~~الطالعة النيرة، فإذا ركب تلك السفينة ووضع بصره على تلك الكواكب كان
~~رجاء السلامة غالبا، فلذلك ركب أصحابنا أهل السنة سفينة حب آل محمد صلى
~~الله عليه وسلم ووضعوا أبصارهم على نجوم الصحابة يرجون أن يفوزوا
~~بالسلامة والسعادة في ms09563 الدنيا والآخرة انتهى. والكثير من الناس في حق كل
~~من الآل والأصحاب في طرفي التفريط والإفراط وما بينهما هو الصراط
~~المستقيم، ثبتنا الله تعالى على ذلك الصراط.

# وقال عبد الله بن القاسم: المعنى لا أسألكم عليه أجرا إلا أن يود بعضكم
~~بعضا وتصلوا قراباتكم، وأمر { في } والاستثناء لا يخفى. وأخرج عبد بن
~~حميد عن الحسن أن المعنى لا أسألكم عليه أجرا إلا التقرب إلى الله تعالى
~~بالعمل الصالح فالقربى بمعنى القرابة وليس المراد قرابة النسب؛ قيل:
~~ويجري في الاستثناء الاتصال والانقطاع، واستظهر / الخفاجي أنه منقطع وأنه
~~على نهج قوله:

# ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

# البيت، وأراه على القول قبله كذلك. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى
~~عنهما (إلا مودة في القربى).

# هذا ومن الشيعة من أورد الآية في مقام الاستدلال على إمامة علي كرم الله
~~تعالى وجهه قال: علي كرم الله تعالى وجهه واجب المحبة وكل واجب المحبة
~~واجب الطاعة وكل واجب الطاعة صاحب الإمامة ينتج علي رضي الله تعالى عنه
~~صاحب الإمامة وجعلوا الآية دليل الصغرى، ولا يخفى ما في كلامهم هذا من
~~البحث، أما أولا: فلأن الاستدلال بالآية على الصغرى لا يتم إلا على
~~القول بأن معناها لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوا قرابتي وتحبوا أهل
~~بيتي وقد ذهب الجمهور إلى المعنى الأول، وقيل في هذا المعنى: إنه لا
~~يناسب شأن النبوة لما فيه من التهمة فإن أكثر طلبة الدنيا يفعلون شيئا
~~ويسألون عليه ما يكون فيه نفع لأولادهم وقراباتهم، وأيضا فيه منافاة ما
~~لقوله تعالى:

# وما تسألهم عليه من أجر

# [يوسف: 104] وأما ثانيا: فلأنا لا نسلم أن كل واجب المحبة واجب الطاعة
~~فقد ذكر ابن بابويه في كتاب «الاعتقادات» أن الإمامية أجمعوا على وجوب
~~محبة العلوية مع أنه لا يجب طاعة كل منهم، وأما ثالثا: فلأنا لا نسلم أن
~~كل واجب الطاعة صاحب الإمامة أي الزعامة الكبرى وإلا لكان كل نبي في
~~زمنه صاحب ذلك ونص

# إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا

# [البقرة: ms09564 247] يأبى ذلك، وأما رابعا: فلأن الآية تقتضي أن تكون الصغرى
~~أهل البيت واجبو الطاعة ومتى كانت هذه صغرى قياسهم لا ينتج النتيجة التي
~~ذكروها ولو سلمت جميع مقدماته بل ينتج أهل البيت صاحبو الإمامة وهم لا
~~يقولون بعمومه إلى غير ذلك من الأبحاث فتأمل ولا تغفل.

# { ومن يقترف حسنة } أي يكتسب أي حسنة كانت، والكلام تذييل،
~~وقيل المراد بالحسنة المودة في قربى الرسول صلى الله عليه وسلم وروي ذلك
~~عن ابن عباس والسدي، وأن الآية نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه لشدة
~~محبته لأهل البيت، وقصة فدك والعوالي لا تأبى ذلك عند من له قلب سليم،
~~والكلام عليه تتميم، ولعل الأول أولى، وحب آل الرسول عليه الصلاة والسلام
~~من أعظم الحسنات وتدخل في الحسنة هنا دخولا أوليا { نزد له
~~فيها } أي في الحسنة { حسنا } بمضاعفة الثواب عليها فإنها يزاد بها
~~حسن الحسنة، ففي للظرفية و { حسنا } مفعول به أو تمييز. وقرأ زيد بن
~~علي وعبد الوارث عن أبي عمرو وأحمد بن جبير عن الكسائي { يزد } بالياء
~~أي يزد الله تعالى. وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو { حسنى } بغير تنوين
~~وهو مصدر كبشرى أو صفة لموصوف مقدر أي صفة أو خصلة حسنى { إن الله
~~غفور } ساتر ذنوب عباده { شكور } مجاز من أطاع منهم بتوفية الثواب
~~والتفضل عليه بالزيادة، وقال السدي: غفور لذنوب آل محمد صلى الله عليه
~~وسلم شكور لحسناتهم.

### || [42.24]

# { أم يقولون } بل أيقولون { افترى } محمد عليه الصلاة والسلام
~~{ على الله كذبا } بدعوى النبوة أو القرآن، والهمزة للإنكار
~~التوبيخي وبل للإضراب من غير إبطال وهو إضراب أطم من الأول، فأطم فإن
~~إثبات ما هم عليه من الشرع وإن كان شرا وشركا أقرب من جعل الحق الأبلج
~~المعتضد بالبرهان النير من أوسطهم فضلا ودعة وعقلا افتراء ثم افتراء
~~على الله عز وجل فكأنه قيل: أيتمالكون التفوه بنسبة مثله عليه / الصلاة
~~والسلام إلى الافتراء ثم إلى الافتراء على الله عز وجل الذي هو أعظم
~~الفري وأفحشها ولا تحترق ألسنتهم. وفي ms09565 ذلك أتم دلالة على بعده صلى الله
~~عليه وسلم من الافتراء كيف وقد أردف بقوله تعالى: { فإن يشإ الله
~~يختم على قلبك } فإن هذا الأسلوب مؤداه استبعاد الافتراء من
~~مثله عليه الصلاة والسلام وأنه في البعد مثل الشرك بالله سبحانه والدخول
~~في جملة المختوم على قلوبهم فكأنه قيل: فإن يشأ الله سبحانه يجعلك من
~~المختوم على قلوبهم حتى تفتري عليه الكذب فإنه لا يجترىء على افتراء
~~الكذب على الله تعالى إلا من كان في مثل حالهم وهو في معنى فإن يشأ يجعلك
~~منهم لأنهم هم المفترون الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله تعالى،
~~وما أحسن هذا التعريض بأنهم المفترون وأنهم في نفس هذه المقالة عن
~~افترائهم مفترون، ونظير الآية فيما ذكر قول أمين نسب إلى الخيانة: لعل
~~الله تعالى خذلني لعل الله تعالى أعمى قلبي وهو لا يريد إثبات الخذلان
~~وعمى القلب وإنما يريد استبعاد أن يخون مثله والتنبيه على أنه ركب من
~~تخوينه أمر عظيم، فالكلام تعليل لإنكار قولهم، وأتى بإن مع أن عدم مشيئته
~~تعالى مقطوع به قيل إرخاء للعنان، وقيل: إشعار بعظمته تعالى وأنه سبحانه
~~غني عن العالمين، ثم ذيل بقوله تعالى: { ويمح الله البطل
~~ويحق الحق بكلمته } تأكيدا للمفهوم من السابق من أنه
~~ليس من الافتراء في شيء أي كيف يكون افتراء ومن عادته تعالى محو الباطل
~~ومحقه وإثبات الحق بوحيه أو بقضائه وما أتى به عليه الصلاة والسلام يزداد
~~كل يوم قوة ودحوا فلو كان مفتريا كما يزعمون لكشف الله تعالى افتراءه
~~ومحقه وقذف بالحق على باطله فدمغه.

# والفعل المضارع للاستمرار. والكلام ابتدائي فيمح مرفوع لا مجزوم بالعطف
~~على { يختم } ، وأسقطت الواو في الرسم في أغلب المصاحف تبعا
~~لإسقاطها في اللفظ لالتقاء الساكنين كما في

# سندع الزبانية

# [العلق: 18]

# ويدع الإنسن بالشر

# [الإسراء: 11] وكان القياس إثباتها رسما لكن رسم المصحف لا يلزم جريه
~~على القياس. ويؤيد الاستئناف دون العطف على { يختم } إعادة الاسم
~~الجليل ورفع { يحق }  وهذا ما ذكره جار الله في الجملتين ms09566 وبيان
~~ارتباطهما بما قبلهما، وقد دقق النظر في ذلك وأتى بما استحسنه النظار حتى
~~قال العلامة الطيبي: لو لم يكن في كتابه إلا هذا لكفاه مزية وفضلا،
~~وجوز هو أيضا في قوله تعالى: { ويمح } الخ أن يكون عدة لرسول الله
~~صلى الله عليه وسلم بالنصر أي يمحو الله تعالى باطلهم وما بهتوك به ويثبت
~~الحق الذي أنت عليه بالقرآن وبقضائه الذي لا مرد له، وحينئذ يكون
~~اعتراضا يؤكد ما سبق له الكلام من كونهم مبطلين في هذه النسبة إلى من هو
~~أصدق الناس لهجة بأصدق حديث من أصدق متكلم.

# وقال في «إرشاد العقل السليم» في الجملة الأولى: ((إنها استشهاد على
~~بطلان ما قالوه ببيان أنه عليه الصلاة والسلام لو افترى على الله تعالى
~~كذبا لمنعه من ذلك قطعا، وتحقيقه أن دعوى كون القرآن افتراء عليه تعالى
~~قول منهم إنه سبحانه لا يشاء صدوره عن النبي صلى الله عليه وسلم بل يشاء
~~عدم صدوره عنه ومن ضرورياته منعه عنه قطعا فكأنه قيل: لو كان افتراء
~~عليه تعالى لشاء عدم صدوره عنك وإن يشأ ذلك يختم على قلبك بحيث لم يخطر
~~ببالك معنى من معانيه ولم تنطق بحرف من حروفه وحيث لم يكن الأمر كذلك بل
~~تواتر الوحي حينا فحينا تبين أنه من عند الله عز وجل))، وذكر في الجملة
~~الثانية ما ذكره جار الله من الوجهين، ولا يخفى عليك ما يرد على كلامه من
~~المنع مع أن فيه جعل مفعول المشيئة غير ما يدل عليه الجواب وهو ذلك
~~المشار به إلى عدم الصدور، والمتبادر كون المفعول الختم على ما هو
~~المعروف / في نظائر هذا التركيب أي فإن يشأ الله تعالى الختم على قلبك
~~يختم، وإيهام كون القرآن ناشئا منه صلى الله عليه وسلم لا منزلا عليه
~~عليه الصلاة والسلام.

# وقال السمرقندي: المعنى إن يشأ يختم على قلبك كما فعل بهم فهو تسلية له
~~عليه الصلاة والسلام وتذكير لإحسانه إليه وإكرامه له صلى الله عليه وسلم
~~ليشكر ربه سبحانه ويترحم على من ms09567 ختم على قلبه فاستحق غضب ربه ولولا ذلك
~~ما اجترأ على نسبته لما ذكر، فالتفريع بالنظر إلى المعنى المكنى عنه،
~~وحاصله أنهم اجترؤا على هذا لأنهم مطبوعون على الضلال انتهى، وفيه شمة
~~مما ذكره الزمخشري.

# وعن قتادة وجماعة { يختم على قلبك } ينسك القرآن، والمراد
~~على ما قال ابن عطية الرد على مقالة الكفار وبيان بطلانها كأنه قيل: وكيف
~~يصح أن تكون مفتريا وأنت من الله تعالى بمرأى ومسمع وهو سبحانه قادر ولو
~~شاء لختم على قلبك فلا تعقل ولا تنطق ولا يستمر افتراؤك، وفيه أن اللفظ
~~ضيق عن أداء هذا المعنى، وذكر القشيري أن المعنى فإن يشأ الله تعالى يختم
~~على قلوب الكفار وعلى ألسنتهم ويعاجلهم بالعذاب.

# وعدل عن الغيبة إلى الخطاب ومن الجمع إلى الإفراد، وحاصله يختم على قلبك
~~أيها القائل انه عليه الصلاة والسلام افترى على الله تعالى كذبا، وفيه
~~من البعد ما فيه مع أن الكفار مختوم على قلوبهم.

# وقال مجاهد، ومقاتل: المعنى فإن يشأ يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى
~~لا يشق عليك قولهم إنك مفتر، ولا مانع عليه من عطف { يمح } على جواب
~~الشرط بل هو الظاهر فيكون سقوط الواو للجازم، و { يحق } حينئذ
~~مستأنف أي وإن يشأ يمح باطلهم عاجلا لكنه سبحانه لم يفعل لحكمة أو
~~مطلقا وقد فعل جل وعلا بالآخرة وأظهر دينه، وقيل: لا مانع من العطف على
~~بعض الأقوال السابقة أيضا أي إن يشأ يمح افتراءك لو افتريت وهو كما ترى،
~~وكذا جوز كون الجملة حالية وإن أحوج ذلك إلى تقدير المبتدأ وفيه تكلف
~~مستغنى عنه؛ وربما يقال: إن جملة { فإن يشإ الله يختم } من
~~تتمة قولهم مفرعا على { افترى } كأنه قيل: افترى على الله كذبا فإن
~~يشأ الله يختم على قلبه بسبب افترائه فلا يعقل شيئا أو كأنه قيل: افتريت
~~على الله فإن يشأ يختم على قلبك جزاء ذلك إلا أن نكتة اختيار الغيبة في
~~إحدى الجملتين والخطاب في الأخرى غير ظاهرة، وكونها الإشارة إلى أن من
~~افترى يحق ms09568 أن يواجه بالجزاء ليس مما يهش له السامع فيما أرى، ولعل الأولى
~~أن يكون { فإن يشإ } الخ مفرعا على كلامهم خارجا مخرج التهكم بهم،
~~ولا بأس حينئذ بعطف { يمح } على جواب الشرط ويراد بالباطل ما هو باطل
~~بزعمهم كأنه قيل: أم يقولون افترى على الله فإذن إن يشأ الله يختم على
~~قلبك ويمح ما يزعمون أنه باطل، وهذا كما تقول لمن أخبرك أن زيدا افترى
~~عليك وأنت تعلم أنه لم يفتر وإنما أدى عنك ما أمرته به فإذن نؤدبه وننتقم
~~منه ونمحو افتراءه تقصد بذلك التهكم بالقائل فتأمل، فهذه الآية كما قال
~~الخفاجي من أصعب ما مر في كلامه تعالى العظيم وفقنا الله تعالى وإياكم
~~لفهم معانيه والوقوف على سره وخافيه.

# { إنه عليم بذات الصدور } فيعلم سبحانه ما في صدرك
~~وصدورهم فيجري جل وعلا الأمر على حسب ذلك.

### || [42.25]

# { وهو الذى يقبل التوبة عن عباده } بالتجاوز عما
~~تابوا عنه. والقبول يعدى بعن لتضمنه معنى الإبانة وبمن لتضمنه معنى الأخذ
~~كما في قوله تعالى:

# وما منعهم أن تقبل منهم نفقتهم

# [التوبة: 54] أي تؤخذ، وقيل: القبول مضمن هنا معنى التجاوز والكلام على
~~تقدير مضاف أي يقبل التوبة متجاوزا عن ذنوب عباده وهو تكلف.

# والتوبة أن يرجع عن القبيح والإخلال بالواجب في الحال ويندم على ما مضى
~~ويعزم على تركه في المستقبل / وزادوا التفصي منه بأي وجه أمكن إن كان
~~الذنب لعبد فيه حق وذلك بالرد إليه أو إلى وكيله أو الاستحلال منه إن كان
~~حيا وبالرد إلى ورثته إن كان ميتا ووجدوا، ثم القاضي لو كان أمينا
~~وهو كالإكسير ومن رأى الإكسير؟ فإن لم يقدر على شيء من ذلك يتصدق عنه
~~وإلا يدع له ويستغفر. وفي «الكشف» التفصي داخل في الرجوع إذ لا يصح
~~الرجوع عنه وهو ملتبس به بعد. واختير أن حقيقتها الرجوع وإنما الندم
~~والعزم ليكون الرجوع إقلاعا ويتحقق أنه التوبة التي ندبنا إليها وهو
~~موافق لما في «الإحياء» من أنها اسم لتلك الحالة بالحقيقة والباقي شروط
~~التحقق. ويشترط أيضا ms09569 أن يكون الباعث على الرجوع مع الندم والعزم دينيا
~~فلو رجع لمانع آخر من ضعف بدن أو غرم لذلك لم يكن من التوبة في شيء،
~~وأشار الزمخشري إلى ذلك بكون الرجوع لأن المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب
~~وخرج عنه ما لو رجع طلبا للثناء أو رياء أو سمعه لأن قبح القبيح معناه
~~كونه مقتضيا للعقاب آجلا وللذم عاجلا فلو رجع لما سبق لم يكن رجوعا
~~لذلك. وروى جابر أن أعرابيا دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وكبر فلما فرغ من صلاته قال له علي
~~كرم الله وجهه: إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين وتوبتك تحتاج
~~إلى التوبة فقال يا أمير المؤمنين: ما التوبة؟ قال: اسم يقع على ستة معان
~~على الماضي من الذنوب الندامة ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم
~~وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية وإذاقة النفس مرارة الطاعة
~~كما أذقتها حلاوة المعصية والبكاء بدل كل ضحك ضحكته، وهذا يحتمل أن تكون
~~التوبة مجموع هذه الأمور فالمراد أكمل أفرادها، ويحتمل أنها اسم لكل واحد
~~منها والأول أظهر.

# واختلف في التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض هل هي صحيحة أم
~~لا؟ والذي عليه الأصحاب أنها صحيحة لظواهر الآيات والأحاديث وصدق التعريف
~~عليها، وأكثر المعتزلة على أنها غير صحيحة قال أبو هاشم منهم: لو تاب عن
~~القبيح لكونه قبيحا وجب أن يتوب عن كل القبائح وإن تاب عنه لا لمجرد
~~قبحه بل لغرض آخر لم تصح توبته.

# وتعقب بأنه يجوز أن يكون الباعث شدة القبح أو أمرا دينيا آخر وأيضا
~~يجري نظير هذا في فعل الحسن بل يقال: لو فعل الحسن لكونه حسنا وجب عليه
~~أن يفعل كل حسن وإن فعله لغرض آخر لم يقبل وفيه بحث.

# واستدل المعتزلة بالآية على أنه يجب عليه تعالى قبول التوبة، واستدل أهل
~~السنة بها على عدم الوجوب لمكان التمدح ولا تمدح بالواجب، وفيه أيضا
~~بحث، والأنفع في هذا المقام أدلة نفي الوجوب مطلقا ms09570 عليه عز وجل.

# { ويعفوا عن السيئت } صغائرها وكبائرها لمن يشاء من غير
~~اشتراط شيء كالتوبة للكبائر واجتنابها للصغائر. وقال الطيبي: المعنى من
~~شأنه تعالى شأنه قبول التوبة عن عباده إذا تابوا والعفو عن سيآتهم بمحض
~~رحمته أو بشفاعة شافع، وقال المعتزلة: أي يعفو عن الكبائر إذا تيب عنها
~~وعن الصغائر إذا اجتنبت الكبائر فالعفو عن السيئات عليه أعم من قبول
~~التوبة لشموله الصغائر إذا اجتنبت الكبائر وهو تعميم بعد تخصيص، والظاهر
~~مع أهل السنة إذ لا دلالة في النظم الجليل على تخصيص السيئات نعم المراد
~~بها غير الشرك بالإجماع.

# { ويعلم ما تفعلون } بتاء الخطاب عند حفص. والأخوين وعلقمة
~~وعبد الله وبياء الغيبة عند الجمهور وعلى الأول ففيه التفات و(ما) موصولة
~~والعائد محذوف أي يعلم الذي تفعلونه كائنا ما كان من خير وشر فيجازي
~~بالثواب والعقاب أو يتجاوز سبحانه بالعفو حسبما تقتضيه مشيئته جل وعلا
~~المبنية على الحكم والمصالح. / وقيل: يعلم ذلك فيجازي التائب ويتجاوز عن
~~غيره إذا شاء سبحانه والأول أظهر. وفي «الكشاف» يعلم سبحانه ذلك فيثيب
~~على الحسنات ويعاقب على السيئات. وفي «الكشف» بعد نقله هو أي قوله تعالى:
~~{ ويعلم } الخ تذييل للكلام السابق يؤكد ما ذكره من القبول والعفو
~~لأنه تعالى إذا علم العملين والعاملين جازى كلا بما فعل فأولى أن يجازي
~~هؤلاء المحسنين بأفعالهم، ثم فيه لطف وحث على لزوم الحذر منه تعالى
~~والإخلاص له سبحانه في إمحاض التوبة. ونحن أيضا لا ننكر أنه تذييل فيه
~~تأكيد كما لا يخفى.

### || [42.26]

# { ويستجيب الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } عطف
~~على

# يقبل التوبة

# [الشورى: 25] فالفاعل ضميره تعالى و { الذين } مفعول بدون تقدير شيء
~~بناء على أن { يستجيب } يتعدى بنفسه كما يتعدى باللام نحو شكرته
~~وشكرت له أو بتقدير اللام على أنه من باب الحذف والإيصال والأصل يستجيب
~~للذين آمنوا بناء على أنه يتعدى للداعي باللام وللدعاء بنفسه ونحو هذا
~~قوله:

# وداع دعا يا من يجيب إلى الندى

# فلم يستجبه عند ذاك مجيب

# وأجاب واستجاب بمعنى أي ويجيب الله تعالى الذين ms09571 آمنوا إذا دعوا وحاصله
~~يجيب دعاءهم، وجوز بعضهم أن يكون الكلام بتقدير هذا المضاف قيل: وهو أولى
~~من القول بإيصال الفعل بحذف الصلة لأن حذف المضاف إذا لم يلبس منقاس وذاك
~~مسموع. ويجوز أن يكون المراد يثيبهم على طاعتهم فإن الطاعة لكونها طلب ما
~~يترتب عليها من الثواب شابهت الدعاء وشابهت الإثابة عليها الإجابة، ومن
~~هذا يسمى الثناء دعاء لأنه يترتب عليه ما يترتب عليه، وسئل سفيان عن قوله
~~عليه الصلاة والسلام في الحديث:

# " أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له
~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير "

# فقال: هذا كقوله تعالى في الحديث القدسي:

# " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين "

# ألا ترى قول أمية بن الصلت لابن جدعان حين أتاه يبغي نائله:

# أأذكر حاجتي أم قد كفاني

# ثناؤك إن شيمتك الحياء

# إذا أثنى عليك المرء يوم

# كفاه عن تعرضك الثناء

# وجعلوا من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:

# " أفضل الدعاء الحمد لله "

# على معنى أن الحمد يدل على الدعاء والسؤال بطريق الكناية والتعريض،
~~وقيل: هو على إطلاق الدعاء على الحمد لشبهه به في طلب ما يترتب عليه،
~~وجوز أن يراد بالإجابة معناها الحقيقي والإثابة بناء على القول بصحة
~~الجمع بين الحقيقة والمجاز أي يجيب دعاءهم ويثيبهم على الطاعة.

# { ويزيدهم } على ما سألوا واستحقوا { من فضله } الواسع جل
~~شأنه، وقيل: إن فاعل ويستجيب { الذين ءامنوا } واستظهره أبو حيان،
~~والجملة عطف على مجموع قوله تعالى:

# هو الذي يقبل التوبة

# [الشورى: 25] الخ أي ينقادون لله تعالى ويجيبونه سبحانه إذا دعاهم، وهو
~~المروي عن ابن جبير، وعن إبراهيم بن أدهم أنه قيل له: ما لنا ندعو فلا
~~نجاب؟ فقال: لأنه سبحانه دعاكم فلم تجيبوه ثم قرأ

# والله يدعو إلى دار السلام

# [يونس: 25] { ويستجيب الذين ءامنوا } وهذا يؤكد هذا الوجه
~~لأنه قدس سره ذكر أن الله تعالى دعاكم بقوله عز وجل: { والله يدعو
~~إلى دار السلام } وذكر أن المؤمن من استجاب دعوة ms09572 ربه تعالى
~~بقوله: { ويستجيب الذين ءامنوا } فمن لا يجيب دعاءه تعالى
~~لا يجيب تعالى أيضا دعاءه، وكون الفاعل ضميره تعالى قد روي ما يقتضيه عن
~~ابن عباس ومعاذ بن جبل { ويزيدهم } عليه عطف على ما قبله وعلى
~~الوجه الآخر عطف على مقدر أي فيوفيهم أجورهم ويزيدهم عليها على أسلوب

# وقالا الحمد لله الذي فضلنا

# [النمل: 15] وقوله سبحانه: { من فضله } متعلق بيزيدهم مطلقا، وجوز
~~تعليقه بالفعلين على التنازع فإن الإجابة والثواب فضل منه تعالى
~~كالزيادة. وأيا ما كان فالظاهر عموم { الذين ءامنوا } وروي عن
~~سعيد بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة واستحكم
~~الإسلام قالت الأنصار فيما بينها: نأتي رسول الله عليه الصلاة والسلام
~~ونقول له: إن تعرك أمور فهذه أموالنا تحكم فيها فنزلت

# قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في
~~القربى

# [الشورى: 23] فقرأها عليهم، وقال تودون قرابتي من بعدي فخرجوا مسلمين
~~فقال المنافقون: إن هذا لشيء افتراه في مجلسه أراد بذلك عز قرابته من
~~بعده فنزلت

# أم يقولون افترى على الله كذبا

# [الشورى: 24] فأرسل إليهم فتلاها عليهم فبكوا وندموا فأنزل الله تعالى:

# وهو الذي يقبل التوبة عن عباده

# [الشورى: 25] فأرسل صلى الله عليه وسلم إليهم فبشرهم وقال: {
~~ويستجيب الذين ءامنوا } وهم الذين سلموا لقوله ذكر ذلك
~~الطبرسي، وذكر قريبا منه في «الدر المنثور» لكن قال: أخرجه الطبراني في
~~«الأوسط» وابن مردويه عن ابن جبير بسند ضعيف، والذي يغلب على الظن الوضع.

# { والكفرون لهم عذاب شديد } بدل ما للمؤمنين من
~~الإجابة والتفضل.

### || [42.27]

# { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض
~~} أي لتكبروا فيها بطرا وتجاوزوا الحد الذي يليق بالعبيد أو لظلم بعضهم
~~بعضا فإن الغنى مبطرة مأشرة، وكفى بحال قارون عبرة، وفي الحديث

# " أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها "

# ولبعض العرب:

# وقد جعل الوسمي ينبت بيننا

# وبين بني رومان نبعا وشوحطا

# وأصل البغي طلب أكثر مما يجب بأن يتجاوز في القدر والكمية أو في الوصف
~~والكيفية { ولكن ينزل } بالتشديد، وقرأ ابن كثير ms09573 وأبو عمرو
~~بالتخفيف من الإنزال { بقدر } بتقدير { ما يشآء } وهو ما اقتضته
~~حكمته جل شأنه { إنه بعباده خبير بصير } محيط بخفيات
~~أمورهم وجلاياها فيقدر لكل واحد منهم في كل وقت من أوقاتهم ما يليق بشأنه
~~فيفقر ويغني ويمنع ويعطي ويقبض ويبسط حسبما تقتضيه الحكمة الربانية ولو
~~أغناهم جميعا لبغوا ولو أفقرهم لهلكوا.

# واستشكلت الآية بأن الغنى كما يكون سبب البغي فكذلك الفقر قد يكون فلا
~~يظهر الشرطية، وأجاب جار الله بأنه «لا شبهة أن البغي مع الفقر أقل ومع
~~البسط أكثر وأغلب وكلاهما سبب ظاهر للإقدام على البغي والإحجام عنه فلو
~~عم البسط لغلب البغي حتى ينقلب الأمر إلى عكس ما عليه الآن)) وأراد والله
~~تعالى أعلم أن نظام العالم على ما هو عليه يستمر وإن كان قد يصدر من
~~الغني في بعض الأحيان بغي ومن الفقير كذلك لكن في أحدهما ما يدفع الآخر
~~أما لو أفقرهم كلهم لكان الضعف والهلك لازما ولو بسط عليهم كلهم مع أن
~~الحاجة طبيعية لكان من البغي ما لا يقادر قدره لأن نظام العالم بالفقر
~~أكثر منه بالغنى، وهذا أمر ظاهر مكشوف؛ ثم إن الفقر الكلي لا يتصور معه
~~البغي للضعف العام ولأنه لا يجد حاجته عند غيره ليظلمه، وأما الغنى الكلي
~~فعنده البغي التام، وأما الذي عليه سنة الله عز وجل فهو الذي جمع الأمرين
~~مشتملا على خوف للغني من الفقراء يزعه عن الظلم وخوف للفقير من الأغنياء
~~أكثر منه يدعوه إلى التعاون ليفوز بمبتغاه ويزعه عن البغي، ثم قد يتفق
~~بغي من هذا أو ذاك كذا قرره صاحب «الكشف» ثم قال: وهذا جواب حسن لا تكلف
~~فيه وهو إشارة إلى رد العلامة الطيبي فإنه زعم أنه جواب متكلف وأن
~~السؤال قوي، وذهب هو إلى أن المراد { بعباده } من خصهم الله تعالى
~~بالكرامة وجعلهم من أوليائه ثم قال: وينصره التذييل بقوله تعالى: {
~~إنه بعباده خبير بصير } / ووضع المظهر موضع المضمر أي إنه
~~تعالى خبير بأحوال عباده المكرمين بصير بما يصلحهم وما يرديهم، وإليه ms09574
~~ينظر ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم

# " إذا أحب الله تعالى عبدا حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء
~~"

# ، ويشد من عضده قول خباب بن الأرت نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير
~~وبني قينقاع فتمنيناها فنزلت { ولو بسط } الآية وقول عمرو بن حريث
~~طلب قوم من أهل الصفة من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يغنيهم الله تعالى
~~ويبسط لهم الأموال والأرزاق فنزلت وعليه تفسير محي السنة انتهى. ولا يخفى
~~أن الأنسب بحال المكرمين المصطفين من عباده تعالى أن لا يبطرهم الغنى
~~لصفاء بواطنهم وقوة توجههم إلى حظائر القدس ومزيد تعلق قلوبهم بمحبوبهم
~~ووقوفهم على حقائق الأشياء وكمال علمهم بمنتهى زخارف الحياة الدنيا،
~~وأبناء الدنيا لو فكروا في ذلك حق التفكر لهان أمرهم وقل شغفهم كما قيل:

# لو فكر العاشق في منتهى

# حسن الذي يسبيه لم يسبه

# فلعل الأولى ما تقدم أو يقال: إن هذا في بعض العباد المؤمنين فتأمل.

### || [42.28]

# { وهو الذى ينزل الغيث } أي المطر الذي يغيثهم من الجدب
~~ولذلك خص بالنافع منه فلا يقال غيث لكل مطر. وقرأ الجمهور { ينزل }
~~مخففا. { من بعد ما قنطوا } يئسوا منه، وتقييد تنزيله بذلك مع
~~تحققه بدونه أيضا لتذكير كمال النعمة؛ وقرأ الأعمش وابن وثاب { قنطوا }
~~بكسر النون { وينشر رحمته } أي منافع الغيث وآثاره في كل شيء من
~~السهل والجبل والنبات والحيوان أو رحمته الواسعة المنتظمة لما ذكر
~~انتظاما أوليا، وقيل: الرحمة هنا ظهور الشمس لأنه إذا دام المطر سئم
~~فتجىء الشمس بعده عظيمة الموقع ذكره المهدوي وليس بشيء، ومن البعيد جدا
~~ما قاله السدي من أن الرحمة هنا الغيث نفسه عدد النعمة نفسها بلفظين،
~~وأيا ما كان فضمير { رحمته } لله عز وجل، وجوز على الأول كونه للغيث. {
~~وهو الولي } الذي يتولى عباده بالإحسان ونشر الرحمة { الحميد
~~} المستحق للحمد على ذلك لا غيره سبحانه.

### || [42.29]

# { ومن ءايته خلق السموات والأرض } على ما هما
~~عليه من تعاجيب الصنائع فإنها بذاتها وصفاتها تدل على شؤونه تعالى
~~العظيمة، ومن له أدنى إنصاف ms09575 وشعور يجزم باستحالة صدورها من الطبيعة
~~العديمة الشعور. { وما بث فيهما } عطف على { السموات } أي
~~ومن آياته خلق ما بث أو عطف على { خلق } أي ومن آياته ما بث. و { ما
~~} تحتمل الموصولية والمصدرية والموصولية أظهر ولا حاجة عليه إلى تقدير
~~مضاف أي خلق الذي بث خلافا لأبي حيان { من دابة } أي حيوان له
~~دبيب وحركة.

# وظاهر الآية وجود ذلك في السموات وفي الأرض وبه قال مجاهد وفسر الدابة
~~بالناس والملائكة، ويجوز أن يكون للملائكة مشي مع الطيران، واعترض ذلك
~~ابن المنير بأن إطلاق الدابة على الأناسي بعيد في عرف اللغة فكيف
~~بالملائكة؟ وادعى أن الأصح كون الدواب في الأرض لا غير. وما في أحد
~~الشيئين يصدق أنه فيهما في الجملة، فالآية على أسلوب

# يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان

# [الرحمن: 22] وذلك لقوله تعالى في [البقرة: 164]:

# وبث فيها من كل دابة

# فإنه يدل على اختصاص الدواب بالأرض لأن مقام الإطناب يقتضي ذكره لو كان
~~لا للعمل بمفهوم اللقب الذي لا يقول به الجمهور.

# والجواب أن التي في البقرة لما كانت كلاما مع الغبي والفهم والمسترشد
~~والمعاند جىء فيه بما هو معروف عند الكل وهو بث الدواب في الأرض وأما
~~ههنا فجىء به مدمجا مختصرا لما تكرر في القرآن ولا سيما في هذه السورة
~~من كمال قدرته على كل ممكن فقيل: { ومن ءايته خلق
~~السموات والأرض وما بث فيهما } مؤثرا على لفظ الخلق
~~ليدل على التكثير الدال على كمال القدرة وبين بقوله تعالى: { من
~~دابة } تعميما وتغليبا لغير ذوي العلم في السماوي والأرضي تحقيقا
~~للمخلوقية فقد ثبت في صحاح الأحاديث ما يدل على وجود الدواب في السماء من
~~مراكب أهل الجنة وغيرها، وكذلك ما يدل على وجود ملائكة كالأوعال بل لا
~~يبعد أن يكون في كل سماء حيوانات ومخلوقات على صور شتى وأحوال مختلفة لا
~~نعلمها ولم يذكر في الأخبار شيء منها فقد قال تعالى:

# ويخلق ما لا تعلمون

# [النحل: 8] وأهل الأرصاد اليوم يتراءى لهم بواسطة نظاراتهم مخلوقات في
~~جرم القمر لكنهم لم ms09576 يحققوا أمرها لنقص ما في الآلات على ما يدعون، ويحتمل
~~أن يكون فيما عدا القمر ونفي ذلك ليس من المعلوم من الدين بالضرورة ليضر
~~القول به.

# وقيل: المراد بالسموات جهات العلو المسامتة للأقاليم مثلا وفي جو كل
~~إقليم بل كل بلدة بل كل قطعة من الأرض حيوانات لا يحصي كثرتها إلا الله
~~تعالى بعضها يحس بها بلا واسطة آلة وبعضها بواسطتها، وقيل: المراد بها
~~السحب وفيها من الحيوانات ما فيها وكل ذلك على ما فيه لا يحتاج إليه،
~~وكذا لا يحتاج إلى ما ذهب إليه كثير من أن المراد بالدابة الحي مجازا
~~إما من استعمال المقيد في المطلق أو إطلاق الشيء على لازمه أو المسبب على
~~سببه لأن الحياة سبب للدبيب وإن لم تكن الدابة سببا للحي فيكون مجازا
~~مرسلا تبعيا لأن الاحتياج إلى ذلك عدول عن الظاهر ولا يعدل عنه إلا إذا
~~دل دليل على خلافه وأين ذلك الدليل؟ بل هو قائم على وجود الدواب في
~~السماء كما هي موجودة في الأرض.

# { وهو على جمعهم } أي حشرهم بعد البعث للمحاسبة { إذا
~~يشآء } ذلك { قدير } تام القدرة كاملها، و { إذا } متعلقة بما
~~قبلها لا بقدير لأن المقيد بالمشيئة جمعه تعالى لا قدرته سبحانه وهي كما
~~تدخل على الماضي تدخل على المضارع، ومنه قوله:

# وإذا ما أشاء أبعث منها

# آخر الليل ناشطا مذعورا

# وقول صاحب «الكشف»: لقائل أن يفرق بين إذا وإذا ما الظاهر أنه ليس في
~~محله وقد نص الخفاجي على عدم الفرق وجعل القول به توهما، وكذا نص على
~~أنها تدخل على الفعلين ظرفية كانت أو شرطية، وقيد ذلك الطيبي بما إذا
~~كانت بمعنى الوقت كما هنا. وضمير { جمعهم } قيل للسموات والأرض وما
~~فيهما على التغليب وهو كما ترى، وقيل: للدواب المفهوم مما تقدم وضمير
~~العقلاء للتغليب المناسب لكون الجمع للمحاسبة، وقيل: للناس المعلوم من
~~ذلك ولعله الأولى.

### || [42.30]

# { وما أصبكم من مصيبة } أي مصيبة كانت من مصائب
~~الدنيا كالمرض وسائر النكبات { فبما كسبت أيديكم } أي فبسبب
~~معاصيكم التي ms09577 اكتسبتموها. و { ما } اسم موصول مبتدأ والمبتدأ إذا كان
~~موصولا صلته جملة فعلية تدخل على خبره الفاء كثيرا لما فيه من معنى
~~الشرط لإشعاره بابتناء الخبر عليه فلذا جىء بالفاء هنا.

# وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر في رواية وشيبة { بما } بغير فاء لأنها
~~ليست بلازمة وإيقاع المبتدأ موصولا يكفي في الإشعار المذكور، وحكي عن
~~ابن مالك أنه قال: اختلاف القراءتين دل على أن (ما) موصولة فجىء تارة
~~بالفاء في خبرها وأخرى لم يؤت بها حطا للمشبه عن المشبه به، وجوز كون
~~(ما) شرطية واستظهره أبو حيان في القراءة بالفاء وجعلها موصولة في
~~القراءة الأخرى بناء على أن حذف الفاء من جواب الشرط مخصوص بالشعر عند
~~سيبويه نحو:

# من يفعل الحسنات الله يشكرها

# والأخفش وبعض نحاة بغداد أجازوا ذلك مطلقا، ومنه / قوله تعالى:

# وإن أطعتموهم إنكم لمشركون

# [الأنعام: 121]. وقال أبو البقاء: حذف الفاء من الجواب حسن إذا كان
~~الشرط بلفظ الماضي ويعلم منه مزيد حسن حذفها هنا على جعل (ما) موصولة.

# { ويعفوا عن كثير } أي من الذنوب فلا يعاقب عليها بمصيبة
~~عاجلا قيل وآجلا. وجوز كون المراد بالكثير الكثير من الناس والظاهر
~~الأول وهو الذي تشهد له الأخبار. روى الترمذي عن أبي موسى أن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم قال:

# " لا يصيب عبدا نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب وما يعفو الله تعالى
~~عنه أكثر وقرأ { وما أصبكم من مصيبة } "

# وأخرج ابن المنذر وجماعة عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية { وما
~~أصبكم } الخ، قال عليه الصلاة والسلام

# " والذي نفسي بيده ما من خدش عود ولا اختلاج عرق ولا نكبة حجر ولا عثرة
~~قدم إلا بذنب وما يعفو الله عز وجل عنه أكثر "

# ، وأخرج ابن سعد عن أبي مليكة أن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله
~~تعالى عنهما كانت تصدع فتضع يدها على رأسها وتقول بذنبي وما يغفره الله
~~تعالى أكثر، ورؤى على كف شريح قرحة فقيل: بم هذا؟ فقال: بما كسبت يدي،
~~وسئل عمران بن حصين ms09578 عن مرضه فقال: إن أحبه إلي أحبه إلى الله تعالى
~~وهذا بما كسبت يدي.

# والآية مخصوصة بأصحاب الذنوب من المسلمين وغيرهم فإن من لا ذنب له
~~كالأنبياء عليهم السلام قد تصيبهم مصائب، ففي الحديث

# " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل "

# ويكون ذلك لرفع درجاتهم أو لحكم أخرى خفيت علينا، وأما الأطفال
~~والمجانين فقيل غير داخلين في الخطاب لأنه للمكلفين وبفرض دخولهم أخرجهم
~~التخصيص بأصحاب الذنوب فما يصيبهم من المصائب فهو لحكم خفية، وقيل: في
~~مصائب الطفل رفع درجته ودرجة أبويه أو من يشفق عليه بحسن الصبر ثم إن
~~المصائب قد تكون عقوبة على الذنب وجزاء عليه بحيث لا يعاقب عليه يوم
~~القيامة، ويدل على ذلك ما رواه أحمد في «مسنده» والحيكم الترمذي وجماعة
~~عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله
~~تعالى حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ومآ أصابكم من
~~مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير }
~~وسأفسرها لك يا علي ما أصابك من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما
~~كسبت أيديكم والله تعالى أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة وما
~~عفا الله تعالى عنه في الدنيا فالله سبحانه أكرم من أن يعود بعد عفوه.

# وزعم بعضهم أنها لا تكون جزاء لأن الدنيا دار تكليف فلو حصل الجزاء فيها
~~لكانت دار جزاء وتكليف معا وهو محل فما هي إلا امتحانات، وخبر علي كرم
~~الله وجهه يرده وكذا ما صح من أن الحدود  أي غير حد قاطع الطريق 
~~مكفرات وأي محالية في كون الدنيا دار تكليف ويقع فيها لبعض الأشخاص ما
~~يكون جزاء له على ذنبه أي مكفرا له. وعن الحسن تفسير المصيبة بالحد قال:
~~المعنى ما أصابكم من حد من حدود الله تعالى فإنما هو بكسب أيديكم
~~وارتكابكم ما يوجبه ويعفو الله تعالى عن كثير فيستره على العبد حتى لا
~~يحد عليه، وهو مما تأباه الأخبار ومع هذا ليس بشيء ولعله لم يصح عن
~~الحسن.

# وفي ms09579 «الانتصاف» أن هذه الآية تبلس عندها القدرية ولا يمكنهم ترويج حيلة
~~في صرفها عن مقتضى نصها فإنها حملوا قوله تعالى:

# ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء

# [النساء: 48] على التائب وهو غير ممكن لهم ههنا فإنه قد أثبت التبعيض /
~~في العفو ومحال عندهم أن يكون العفو هنا مقيدا بالتوبة فإنه يلزم
~~تبعيضها أيضا وهي عندهم لا تتبعض كما نقل الإمام عن أبي هاشم وهو رأس
~~الاعتزال والذي تولى كبره منهم فلا محمل لها إلا الحق الذي لا مرية فيه
~~وهو رد العفو إلى مشيئة الله تعالى غير موقوف على التوبة. وأجيب عنهم بأن
~~لهم أن يقولوا: المراد ويعفو عن كثير فلا يعاقب عليه في الدنيا بل يؤخر
~~عقوبته في الآخرة لمن لم يتب. وأنت تعلم ما دل خبر علي كرم الله تعالى
~~وجهه.

### || [42.31]

# { وما أنتم بمعجزين في الأرض } أي بجاعلين الله سبحانه
~~وتعالى عاجزا عن أن يصيبكم بالمصائب بما كسبت أيديكم وإن هربتم في أقطار
~~الأرض كل مهرب، وقيل: المراد أنكم لا تعجزون من في الأرض من جنوده تعالى
~~فكيف من في السماء { وما لكم من دون الله من ولي } من
~~متول بالرحمة يرحمكم إذا أصابتكم المصائب وقيل يحميكم عنها { ولا
~~نصير } يدفعها عنكم. والجملة كالتقرير لقوله تعالى:

# ويعفوا عن كثير

# [الشورى: 30] أي إن الله تعالى يعفو عن كثير من المصائب إذ لا قدرة لكم
~~أن تعجزوه سبحانه فتفوتوا ما قضى عليكم منها ولا لكم أيضا من متول
~~بالرحمة غيره عز وجل ليرحمكم إذا أصابتكم ولا ناصر سواه لينصركم منها
~~ولهذا جاء عن علي كرم الله تعالى وجهه أن هذه أرجى آية في القرآن
~~للمؤمنين، ويقوي أمر الرجاء على ما قيل ان معنى { ما أنتم } الخ ما
~~أنتم بمعجزين الله تعالى في دفع مصائبكم أي إنه سبحانه قادر على ذلك.

### || [42.32]

# { ومن ءايته الجوار } أي السفن الجواري أي الجارية فهي صفة
~~لموصوف محذوف لقرينة قوله تعالى: { في البحر } وبذلك حسن الحذف وإلا
~~فهي صفة غير مختصة والقياس فيها أن لا ms09580 يحذف الموصوف وتقوم مقامه، وجوز
~~أبو حيان أن يقال: إنها صفة غالبة كالأبطح وهي يجوز فيها أن تلي العوامل
~~بغير ذكر الموصوف. و { في البحر } متعلق بالجواري وقوله تعالى: {
~~كالأعلم } في موضع الحال. وجوز أن يكون الأول أيضا كذلك.
~~والأعلام جمع علم وهو الجبل وأصله الأثر الذي يعلم به الشيء كعلم الطريق
~~وعلم الجيش وسمي الجبل علما لذلك ولا اختصاص له بالجبل الذي عليه النار
~~للاهتداء بل إذا أريد ذلك قيد كما في قول الخنساء:

# وإن صخرا لتأتم الهداة به

# كأنه علم في رأسه نار

# وفيه مبالغة لطيفة، وحكي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما سمعه:
~~قاتلها الله تعالى ما رضيت بتشبيهه بالجبل حتى جعلت على رأسه نارا.

# وقرأ نافع وأبو عمرو (الجواري) بياء في الوصل دون الوقف. وقرأ ابن كثير
~~بها فيهما والباقون بالحذف فيهما والإثبات على الأصل والحذف للتخفيف،
~~وعلى كل فالإعراب تقديري وسمع من بعض العرب الإعراب على الراء.

### || [42.33]

# { إن يشأ يسكن الريح } التي تجري بها ويعدم سبب تموجها وهو
~~تكاثف الهواء الذي كان في المحل الذي جرت إليه وتراكم بعضه على بعض وسبب
~~ذلك التكاثف إما انخفاض درجة حرارة الهواء فيقل تمدده ويتكاثف ويترك أكثر
~~المحل الذي كان مشغولا به خليا وإما تجمع فجائي يحصل في الأبخرة
~~المنتشرة في الهواء فيخلو محلها، وهذا على ما قيل أقوى الأسباب فإذا وجد
~~الهواء أمامه فراغا بسبب ذلك جرى بقوة ليشغله فتحدث الريح وتستمر حتى
~~تملأ المحل وما ذكر في سبب التموج هو الذي ذكره فلاسفة العصر. وأما
~~المتقدمون فذكروا أشياء أخر، ولعل هناك أسبابا غير ذلك كله لا يعلمها
~~إلا الله عز وجل، والقول بالأسباب تحريكا وإسكانا لا ينافي إسناد
~~الحوادث إلى الفاعل المختار جل جلاله وعم نواله. / وقرأ نافع { الرياح
~~} جمعا.

# { فيظللن رواكد على ظهره } فيصرن ثوابت على ظهر البحر
~~أي غير جاريات لا غير متحركات أصلا، وفسر بعضهم { يظللن } بيبقين
~~فيكون { رواكد } حالا والأول أولى. وقرأ قتادة { فيظللن } بكسر
~~اللام والقياس الفتح لأن ms09581 الماضي مكسور العين فالكسر في المضارع شاذ، وقال
~~الزمخشري: هو من ظل يظل ويظل بالفتح والكسر نحو ضل بالضاد يضل ويضل،
~~وتعقبه أبو حيان بأنه ليس كما ذكر لأن يضل بالفتح من ضللت بالكسر ويضل
~~بالكسر من ضللت بالفتح وكلاهما مقيس.

# { إن في ذلك } الذي ذكر من السفن المسخرة في البحر تحت أمره
~~سبحانه وحسب مشيئته تعالى { لآيات } عظيمة كثيرة على عظمة شؤنه عز وجل
~~{ لكل صبار شكور } لكل من حبس نفسه عن التوجه إلى ما لا ينبغي
~~ووكل همته بالنظر في آيات الله تعالى والتفكر في آلائه سبحانه فالصبر هنا
~~حبس مخصوص والتفكر في نعمه تعالى شكر. ويجوز أن يكون قد كنى بهذين
~~الوصفين عن المؤمن الكامل لأن الإيمان نصفه صبر ونصفه شكر. وذكر الإمام
~~أن المؤمن لا يخلو من أن يكون في السراء والضراء فإن كان في الضراء كان
~~من الصابرين وإن كان في السراء كان من الشاكرين.

### || [42.34]

# { أو يوبقهن } عطف على { يسكن } [الشورى: 33] أي أو يهلكهن
~~بإرسال الريح العاصفة المغرقة، والمراد على ما قال غير واحد إهلاك أهلها
~~إما بتقدير مضاف أو بالتجوز بإطلاق المحل على حاله أو بطريق الكناية لأنه
~~يلزم من إهلاكها إهلاك من فيها والقرينة على إرادة ذلك قوله تعالى: {
~~بما كسبوا } وأصله أو يرسلها أي الريح فيوبقهن لأنه قسيم {
~~يسكن } فاقتصر فيه على المقصود من إرسالها عاصفة وهو إما إهلاكهم أو
~~إنجاؤهم المراد من قوله تعالى: { ويعف عن كثير } إذا المعنى أو
~~يرسلها فيوبق ناسا بذنوبهم وينج ناسا على طريق العفو عنهم وبهذا ظهر
~~وجه جزم { يعف } لأنه بمعنى ينج معطوف على يوبق، ويعلم وجه عطفه
~~بالواو لأنه مندرج في القسيم وهو ارسالها عاصفة، وعلى هذا التفسير تكون
~~الآية متضمنة لإسكانها ولإرسالها عاصفة مع الإهلاك والإنجاء وإرسالها
~~باعتدال معلوم من قوله سبحانه { الجوار } [الشورى: 32] فإنها المطلوب
~~الأصلي منها.

# وقال بعض الأجلة: التحقيق أن { يعف } عطف على قوله تعالى:

# يسكن الريح

# [الشورى: 33] إلى قوله سبحانه: { بما كسبوا } ولذا عطف بالواو لا
~~بأو والمعنى ms09582 إن يشأ يعاقبهم بالإسكان أو الإعصاف وإن يشأ يعف عن كثير.
~~وجوز بعضهم حمل { يوبقهن } على ظاهره لأن السفن من جملة أموالهم
~~التي هلاكها والخسارة فيها بذنوبهم أيضا وجعل الآية مثل قوله تعالى:

# وما أصبكم من مصيبة

# [الشورى: 30] الخ.

# وقرأ الأعمش { يعفو } بالواو الساكنة آخره على عطفه على مجموع الشرط
~~والجواب دون الجواب وحده كما في قراءة الجزم، وعن أهل المدينة أنهم قرؤا
~~{ يعفو } بالواو المفتوحة على أنه منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد الواو
~~والعطف على هذه القراءة على مصدر متصيد من الكلام السابق كأنه قيل: يقع
~~وهو من العطف على المعنى وهذا مذهب البصريين في مثل ذلك وتسمى هذه الواو
~~واو الصرف لصرفها عن عطف الفعل المجزوم قبلها إلى عطف مصدر على مصدر،
~~ومذهب الكوفيين أن الواو بمعنى أن المصدرية ناصبة للمضارع بنفسها. واختار
~~الرضي أن الواو إما واو الحال والمصدر بعدها مبتدأ خبره مقدر والجملة
~~حالية أو واو المعية وينصب بعدها الفعل لقصد الدلالة على معية الأفعال
~~كما أن الواو في المفعول معه دالة على مصاحبة الأسماء فعدل به عن /
~~الظاهر ليكون نصا في معنى الجمعية، والمشهور اليوم على ألسنة المعربين
~~مذهب البصريين وعليه خرج أبو حيان النصب في هذه القراءة وكذا خرج غير
~~واحد ومنهم الزجاج النصب في قوله تعالى: { ويعلم الذين
~~يجدلون فى ءايتنا ما لهم من محيص }.

### || [42.35]

# أي من مهرب ومخلص من العذاب على ذلك، وجعلوا الجزاء بمنزلة الإنشاء
~~كالاستفهام فكأنه تقدم أحد الأمور الستة ولم يرتض ذلك الزمخشري وقال: فيه
~~نظر لما أورده سيبويه في «الكتاب» قال: واعلم أن النصب بالفاء والواو في
~~قوله: إن تأتني آتك وأعطيك ضعيف وهو نحو من قوله:

# وألحق بالحجاز فأستريحا

# فهذا تجوز ولا بحد الكلام ولا وجهه إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلا
~~لأنه ليس بواجب أنه يفعل إلا أن يكون من الأول فعل فلما ضارع الذي لا
~~يوجبه كالاستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضعف [انتهى]، ولا يجوز أن
~~تحمل القراءة المستفيضة على وجه ضعيف ms09583 ليس بحد الكلام ولا وجهه ولو كانت
~~من هذا الباب لما أخلى سيبويه منها «كتابه» وقد ذكر نظائرها من الآيات
~~المشكلة انتهى.

# وخرج هو النصب في { يعلم } على العطف على علة مقدرة قال: أي لينتقم
~~منهم ويعلم الذين الخ، وكم من نظير له في القرآن العظيم إلا أن ذلك مع
~~وجود حرف التعليل كقوله تعالى:

# ولنجعله ءاية للناس

# [مريم: 21] وقوله سبحانه:

# وخلق الله السموت والأرض بالحق ولتجزى
~~كل نفس بما كسبت

# [الجاثية: 22].

# وقال أبو حيان: يبعد هذا التقدير أنه ترتب على الشرط إهلاك قوم ونجاة
~~قوم فلا يحسن لينتقم منهم. وأجيب بأن الآية مخصوصة بالمجرمين فالمقصود
~~الهلاك ويجوز أن يقدر ليظهر عظيم قدرته تعالى ويعلم الذين يجادلون فلا
~~يرد عليه ما ذكر ويحسن ذلك التقدير في توجيه النصب في { يعفو } على
~~ما روي عن أهل المدينة إذا خدش التوجيه السابق بما نقل عن سيبويه فيقال:
~~إنه عطف على تعليل مقدر أي لينتقم منهم ويعفو عن كثير، وقراءة النصب في {
~~يعلم } هي التي قرأ بها أكثر السبعة.

# وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر والأعرج وشيبة وزيد بن علي بالرفع، وقرر
~~في «الكشف» وجهه بأنه على عطف { يعلم } على مجموع الجملة الشرطية على
~~معنى ومن آياته الدالة على كمال القدرة السفن في البحر ثم ذكر وجه
~~الدلالة وأنها مسخرة تحت أمره سبحانه تارة بتضمن نفع من فيها وتارة
~~بالعكس ثم قال جل وعلا ويعلم الذين يعاندون ولا يعترفون بآيات الله تعالى
~~الباهرة بدل قوله سبحانه فيها بالضمير الراجع إلى الآية المبحوث عنها
~~شهادة بأنها من آيات الله تعالى وزيادة للتحذير وذم الجدال فيها وليكون
~~على أسلوب الكناية على نحو العرب لا تحفر الذمم فكأنه لما قيل:

# إن يشأ يسكن الريح

# [الشورى: 33] وذكر سبب الدلالة صار في معنى يعلمها ويعترف بها المتدبرون
~~في آياتنا المسترشدون ويعلم المجادلون فيها المنكرون ما لهم من محيص،
~~وجاز أن يجعل عطفا على قوله تعالى:

# ومن ءايته الجوار

# [الشورى: 32] وتجعل هذه وحدها آيات لتضمنها وجوها من الدلالة أقميت ms09584
~~مقام المضمر، والمعنى ومن آياته الجوار ويعلم المجادلون فيها، واعترض بين
~~المعطوف والمعطوف عليه ببيان وجه الدلالة ليدل على موجب وعيد المجادل
~~وعلى كونها آية بل آيات، ونقل عن ابن الحاجب أنه يجوز أن يكون الرفع
~~بالعطف على موضع الجزاء المتقدم باعتبار كونه جملة لا باعتبار عطف مجرد
~~الفعل ليجب الجزم فتكون الجملتان مشتركتين في المسببية، وفيه بحث يعلم
~~مما سيأتي إن شاء الله تعالى.

# وقرىء { ويعلم } بالجزم. وخرج على العطف على { يعف } [الشورى:
~~34] وتسببه عن الشرط باعتبار تضمن الإخبار عن علم المجادلين بما يحل بهم
~~في / المستقبل الوعيد والتحذير كما قيل:

# سوف ترى إذا انجلى الغبار

# أفرس تحتك أم حمار

# ومرجع المعنى على ذلك أنه تعالى إن يشأ يعصف الريح فيغرق بعضا وينج
~~آخرين عفوا ويحذر جماعة أخرى. واعترض بأن التخصيص بالمجادلين في هذا
~~التحذير غير لائح، وأيضا علمهم بأن لا محيص من عذاب الله تعالى على
~~تقدير عصف الريح بأهل السفن على سبيل العبرة ولا اختصاص لها بهم ولا بهذا
~~المقدور خاصة.

# وأجيب عن الأول بأن التخصيص بالمجادلين لأنهم أولى بالتحذير، وعن الأخير
~~بأنه أريد أن البر والبحر لا ينجيان من بأسه عز وجل فهو تعميم. واختار في
~~«الكشف» كون التخريج على أن الآية في الكافرين بمعنى إن يشأ يعصف الريح
~~فيغرق بعضهم وينج آخرين منهم عفوا ويعلموا ما لهم من محيص فلا يغتروا
~~بالنجاة والعفو في هذه المرة، فالمجادلون هم الكثير الناجون أو بعضهم وهو
~~على منوال قوله تعالى:

# أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى

# [الإسراء: 69] الآية، ومن مجموع ما سمعت يلوح لك ضعف هذه القراءة ولهذا
~~لم يقرأ بها في السبعة.

# والظاهر على القراءات الثلاث أن فاعل { يعلم الذين } وجملة {
~~ما لهم من محيص } سادة مسد المفعولين. وفي «الدر المصون» أن
~~الجملة في قراءة الرفع تحتمل الفعلية وتحتمل الاسمية أي وهو يعلم الذين،
~~ولا يخفى أن الظاهر على الاحتمال الثاني كون «الذين» مفعولا أولا
~~والجملة مفعولا ثانيا والفاعل ضمير تعالى المستتر، وأوجب بعضهم هذا على ms09585
~~قراءة الجزم وعطف «يعلم» على «يعف» لئلا يخرج الكلام عن الانتظام ويظهر
~~قصد التحذير لشيوع أن علم الله تعالى يكون كناية عن المجازاة وهو كما
~~ترى.

### || [42.36]

# { فمآ أوتيتم من شيء } أي شيء كان من أسباب الدنيا.
~~والظاهر أن الخطاب للناس مطلقا، وقيل: للمشركين، و(ما) موصولة مبتدأ
~~والعائد محذوف أي أوتيتموه والخبر ما بعد، ودخلت الفاء لتضمنها معنى
~~الشرط، وقال أبو حيان: هي شرطية مفعول ثان لأوتيتم و { من شيء } بيان
~~لها وقوله تعالى: { فمتع الحيوة الدنيا } أي فهو متاعها
~~تتمتعون به مدة حياتكم فيها جواب الشرط، والأول أوفق بقوله تعالى: {
~~وما عند الله } من ثواب الآخرة { خير } ذاتا لخلوص نفعه {
~~وأبقى } زمانا حيث لا يزول ولا يفنى لأن الظاهر أن { ما } فيه
~~موصولة وإنما لم يؤت بالفاء في خبرها مع أن الموصول المبتدأ إذا وصل
~~بالظرف يتضمن معنى الشرط أيضا لأن مسببية كون الشيء عند الله تعالى
~~لخيريته أمر معلوم مقرر غني عن الدلالة عليه بحرف موضوع له بخلاف ما عند
~~غيره سبحانه والتعبير عنه بأنه عند الله تعالى دون ما ادخر لذلك.

# وقوله تعالى: { للذين ءامنوا } إما متعلق بأبقى أو اللام لبيان
~~من له هذه النعمة فهو خبر مبتدأ محذوف أي ذلك للذين آمنوا.

# { وعلى ربهم يتوكلون } لا على غيره تعالى أصلا. وعن علي
~~كرم الله تعالى وجهه اجتمع لأبي بكر رضي الله تعالى عنه مال فتصدق به
~~كله في سبيل الله تعالى فلامه المسلمون وخطأه الكافرون فنزلت. والموصول
~~في قوله تعالى: { والذين يجتنبون كبائر الإثم
~~والفواحش... }

### || [42.37]

# مع ما بعد إما عطف على الموصول الأول أو هو مدح مرفوع على الخبرية
~~لمبتدأ محذوف أو منصوب بمقدر كأعني أو أمدح، والواو اعتراضية كما ذكره
~~الرضي، وغفل أبو البقاء عن الواو فلم يذكر العطف وذكر بدله البدل. وكبائر
~~الإثم ما رتب عليه الوعيد أو ما يوجب الحد أو كل ما نهى الله تعالى عنه
~~والفواحش ما فحش وعظم قبحه منها، وقيل: المراد بالكبائر ما يتعلق /
~~بالبدع واستخراج الشبهات وبالفواحش ms09586 ما يتعلق بالقوة الشهوانية وبقوله
~~تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ما يتعلق بالقوة
~~الغضبية وهو كما ترى. والمراد بالإثم الجنس وإلا لقيل الآثام. و { إذا
~~} ظرف ليغفرون و «هم» مبتدأ لا تأكيد لضمير { غضبوا } وجوزه في
~~«البحر» وجملة { يغفرون } خبره وتقديمه لإفادة الاختصاص لأنه فاعل
~~معنوي، واختصاصهم باعتبار أنهم احقاء بذلك دون غيرهم فإن المغفرة حال
~~الغضب عزيزة المنال. وفي الآية إيماء إلى أنهم يغفرون قبل الاستغفار.
~~وقيل: { هم } مرفوع بفعل يفسره { يغفرون } ولما حذف انفصل الضمير
~~وليس بشيء، وجعل أبو البقاء { إذا } شرطية وجملة { هم يغفرون }
~~جوابا لها، وتعقبه أبو حيان بأنه يلزم الفاء حينئذ ولا يجوز حذفها إلا
~~في الشعر، وتقدم لك آنفا ما ينفعك تذكره فتذكر. وقرأ حمزة والكسائي
~~«كبير الإثم» بالإفراد لإرادة الجنس أو الفرد الكامل منه وهو الشرك، وروي
~~تفسيره به عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ولا يلزم التكرار لأن
~~المراد الاستمرار والدوام.

### || [42.38]

# { والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلوة } قيل:
~~نزلت في الأنصار دعاهم الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم
~~للإيمان به وطاعته سبحانه فاستجابوا له فأثنى عليهم جل وعلا بما أثنى،
~~وعليه فهو من ذكر الخاص بعد العام لبيان شرفه لإيمانهم دون تردد وتلعثم،
~~والآية إن كانت مدنية فالأمر ظاهر وإذا كانت مكية فالمراد بالأنصار من
~~آمن بالمدينة قبل الهجرة أو المراد بهم أصحاب العقبة { وأمرهم
~~شورى بينهم } أي ذو شورى ومراجعة في الآراء بينهم بناء على أن
~~الشورى مصدر كالبشرى فلا يصح الإخبار لأن الأمر متشاور فيه لا مشاورة إلا
~~إذا قصد المبالغة، وأورد أنه يقال من غير تأويل شأني الكرم والأمر هنا
~~بمعنى الشأن، نعم إذا حمل على القضايا المتشاور فيها احتاج إلى التأويل
~~أو قصد المبالغة، وقيل: إن إضافة المصدر للمعوم فلا يصح الإخبار إلا
~~بالتأويل ورد بأن المراد أمرهم فيما يتشاور فيه لا جميع أمورهم وفيه نظر.
~~وقال الراغب: المشورة استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض من قولهم:
~~شرت العسل وأشرته استخرجته والشورى الأمر ms09587 الذي يتشاور فيه انتهى،
~~والمشهور كونه مصدرا، وجيء بالجملة اسمية مع أن المعطوف عليه جملة فعلية
~~للدلالة على أن التشاور كان حالهم المستمرة قبل الإسلام وبعده.

# وفي الآية مدح للتشاور لا سيما على القول بأن فيها الإخبار بالمصدر، وقد
~~أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " من أراد أمرا فشاور فيه وقضى هدي لأرشد الأمور "

# ، وأخرج عبد بن حميد والبخاري في «الأدب» وابن المنذر عن الحسن قال: ما
~~تشاور قوم قط إلا هدوا وأرشد أمرهم ثم تلا { وأمرهم شورى
~~بينهم }.

# وقد كانت الشورى بين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما يتعلق
~~بمصالح الحروب، وكذا بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعده عليه الصلاة
~~والسلام، وكانت بينهم أيضا في الأحكام كقتال أهل الردة وميراث الجد وعدد
~~حد الخمر وغير ذلك، والمراد بالأحكام ما لم يكن لهم فيه نص شرعي وإلا
~~فالشورى لا معنى لها وكيف يليق بالمسلم العدول عن حكم الله عز وجل إلى
~~آراء الرجال والله سبحانه هو الحكيم الخبير، ويؤيد ما قلنا ما أخرجه
~~الخطيب عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: قلت يا رسول الله الأمر ينزل بنا
~~بعدك لم ينزل فيه قرآن ولم يسمع منك فيه شيء قال: اجمعوا له العابد من
~~أمتي واجعلوه بينكم شورى ولا تقضوه برأي واحد. وينبغي أن يكون المستشار
~~عاقلا كما ينبغي أن يكون عابدا، فقد أخرج الخطيب أيضا عن أبي هريرة
~~مرفوعا

# " استرشدوا العاقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا "

# والشورى على الوجه الذي ذكرناه من جملة أسباب صلاح الأرض ففي الحديث

# " إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم أسخياءكم وأمركم شورى بينكم فظهر
~~الأرض / خير لكم من بطنها وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم
~~وأمركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها "

# وإذا لم تكن على ذلك الوجه كان إفسادها للدين والدنيا أكثر من إصلاحها.

# { ومما رزقنهم ينفقون } أي في سبيل الخير لأنه مسوق
~~للمدح ولا مدح بمجرد الإنفاق، ولعل ms09588 فصله عن قرينة بذكر المشاورة لأن
~~الاستجابة لله تعالى واقام الصلاة كانا من آثارها، وقيل: لوقوعها عند
~~اجتماعهم للصلوات.

### || [42.39]

# أي ينتقمون ممن بغى عليهم على ما جعله الله تعالى لهم ولا يعتدون. ومعنى
~~الاختصاص أنهم الأخصاء بالانتصار وغيرهم يعدو ويتجاوز، ولا يراد أنهم
~~ينتصرون ولا يغفرون ليتناقض هو والسابق، فكأنه وصفهم سبحانه بأنهم
~~الأخصاء بالغفران لا يغول الغضب أحلامهم كما يغول في غيرهم وأنهم الأخصاء
~~بالانتصار على ما جوز لهم إن كافؤا ولا يعتدون كغيرهم فهم محمودون في
~~الحالتين بين حسن وأحسن مخصوصون بذلك من بين الناس. وقال غير واحد: إن
~~كلا من الوصفين في محل وهو فيه محمود فالعفو عن العاجز المعترف بجرمه
~~محمود ولفظ المغفرة مشعر به والانتصار من المخاصم المصر محمود، ولفظ
~~الانتصار مشعر به ولو أوقعا على عكس ذلك كانا مذمومين وعلى هذا جاء قوله:

# إذا أنت أكرمت الكريم ملكته

# وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

# فوضع الندى في موضع السيف بالعلا

# مضر كوضع السيف في موضع الندى

# وقد يحمد كل ويذم باعتبارات أخر فلا تناقض أيضا سواء اتحد الموصوفان في
~~الجملتين أو لا. وقال بعض المحققين: الأوجه أن لا يحمل الكلام على
~~التخصيص بل على التقوى أي يفعلون المغفرة تارة والانتصار أخرى لا دائما
~~للتناقض وليس بذاك. وعن النخعي أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال: كانوا
~~يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم الفساق. وفيه إيماء إلى أن
~~الانتصار من المخاصم المصر وإلا فلا إذلال للنفس بالعفو عن العاجز
~~المعترف. ثم إن جملة { هم ينتصرون } من المبتدأ والخبر صلة
~~الموصول و { إذا } ظرف { ينتصرون } وجوز كونها شرطية والجملة جواب
~~الشرط وجملة الجواب والشرط هي الصلة. وتعقبه أبو حيان بما مر آنفا، وجوز
~~أيضا كون { هم } فاعلا لمحذوف وهو كما سمعت في

# وإذا ما غضبوا

# [الشورى: 37] الخ، وقال الحوفي: يجوز جعل { هم } توكيدا لضمير {
~~أصابهم } وفيه الفصل بين المؤكد والمؤكد بالفاعل ولعله لا يمتنع،
~~ومع هذا فالوجه في الإعراب ما أشرنا إليه أولا.

### || [42.40]

# { وجزاء سيئة ms09589 سيئة مثلها } بيان لما جعل للمنتصر وتسمية
~~الفعلة الثانية وهي الجزاء سيئة قيل للمشاكلة، وقال جار الله: ((تسمية
~~كلتا الفعلتين سيئة لأنها تسوء من تنزل به))، وفيه رعاية لحقيقة اللفظ
~~وإشارة إلى أن الانتصار مع كونه محمودا إنما يحمد بشرط رعاية المماثلة
~~وهي عسرة ففي مساقها حث على العفو من طريق الاحتياط.

# وقوله تعالى: { فمن عفا } أي عن المسيء إليه { وأصلح } ما
~~بينه وبين من يعاديه بالعفو والإغضاء عما صدر منه { فأجره على
~~الله } فيجزيه جل وعلا أعظم الجزاء، تصريح بما لوح إليه ذلك من الحث
~~وتنبيه على أنه وإن كان سلوكا لطريق الاحتياط يتضمن مع ذلك إصلاح ذات
~~البين المحمود حالا ومآلا ليكون زيادة تحريض عليه، وابهام الأجر وجعله
~~حقا على العظيم الكريم جل شأنه الدال على عظمه زيادة في الترغيب، وجيء
~~بالفاء ليفرعه عن السابق أي إذا كان سلوك الانتصار غير مأمون العثار فمن
~~عفا وأصلح فهو سالك الطريق / المأمون العثار المحمود في الدارين.

# وقوله تعالى: { إنه لا يحب الظلمين } المتجاوزين الحد
~~في الانتقام، تتميم لذلك المعنى وتصريح بما ضمن من عسر رعاية طريق
~~المماثلة وأنه قلما تخلو عن الاعتداء والتجاوز لا سيما في حال الحرد
~~والتهاب الحمية فيكون دخولا في زمرة من لا يحبه الله تعالى، ولا حاجة
~~على هذا المعنى إلى جعل { فمن عفا } الخ اعتراضا، ثم لو كان كذلك
~~بأن يكون هذا متعلقا بجزاء سيئة سيئة مثلها على أنه تعليل لما يفهم منه
~~فالفاء غير مانعة عنه كما توهم، وأدخل غير واحد المبتدئين بالسيئة في
~~الظالمين.

### || [42.41]

# { ولمن انتصر بعد ظلمه } بعد ما ظلم بالبناء للمجهول،
~~وقرىء به فالمصدر مضاف لمفعوله أو هو مصدر المبني للمفعول واللام للقسم،
~~وجوز أن تكون لام الابتداء جيء بها للتوكيد و { من } شرطية أو موصولة
~~وحمل انتصر على لفظها وحمل { فأولئك ما عليهم من سبيل }
~~أي للمعاقب ولا للعاتب والعائب على معناها. والجملة عطف على

# من عفا

# [الشورى:40] وجيء بها للتصريح بأن ما حض عليه إنما حض عليه إرشادا ms09590 إلى
~~الأصلح في الأغلب لا أن المنتصر عليه سبيل بوجه حالا أو مآلا، ولإيهام
~~الحض خلاف ما تضمنته من نفي السبيل على العموم صدرت باللام.

### || [42.42]

# وقوله تعالى: { إنما السبيل على الذين يظلمون
~~الناس } تعيين لمن عليه السبيل بعد نفي ذلك عن المنتصرين، والمراد
~~بالذين يظلمون الناس من يبدؤنهم بالظلم أو يزيدون في الانتقام ويتجاوزون
~~ما حد لهم، وفسر ذلك بعضهم بالذين يفعلون بهم ما لا يستحقونه وهو أعم. {
~~ويبغون في الأرض بغير الحق } أي يتكبرون فيها تجبرا
~~وفسادا { أولئك } الموصوفون بالظلم والبغي بغير الحق { لهم
~~عذاب أليم } بسبب ظلمهم وبغيهم، والمراد بهؤلاء الظالمين الباغين
~~الكفرة. وقيل: من يعمهم وغيرهم. وقوله تعالى: { ولمن صبر وغفر
~~إن ذلك لمن عزم الامور }.

### || [42.43]

# تحذير عن الظلم والبغي وما يؤدي إلى العذاب الأليم بوجه، وفيه حض على ما
~~حض عليه أولا اهتماما به وزيادة ترغيب فيه، فالصبر هنا هو الإصلاح
~~المؤخر فيما تقدم قدم ههنا، وعبر عنه بالصبر لأنه من شأن أولي العزم
~~وإشارة إلى أن الإصلاح بالعفو والإغضاء إنما يحمد إذا كان عن قدرة لا عن
~~عجز. و { ذلك } إشارة إلى المذكور من الصبر والمغفرة، و { عزم
~~الأمور } الأمور المعزومة المقطوعة أو العازمة الصادقة، وجوز في { من
~~} أن تكون موصولة وأن تكون شرطية، وفي اللام أن تكون ابتدائية وأن تكون
~~قسمية واكتفى بجواب القسم عن جواب الشرط، وإذا جعلت اللام للابتداء و {
~~من } شرطية فجملة { إن ذلك } جواب الشرط وحذفت الفاء منها، ومن
~~يخص الحذف بالشعر لا يجوز هذا الوجه، وذكر جماعة أن في الكلام حذفا أي
~~إن ذلك منه لمن عزم الأمور، وعلل ذلك بأن الجملة خبر فلا بد فيها من رابط
~~و { ذلك } لا يصلح له لأنه إشارة إلى الصبر والمغفرة، وكونه مغنيا
~~عنه لأن المراد صبره أو { ذلك } رابط والإشارة لمن بتقدير من ذوي عزم
~~الأمور تكلف.

# هذا واختار العلامة الطيبي أن تسمية الفعلية الثانية التي هي الجزاء
~~سيئة من باب التهجين دون المشاكلة، وزعم أن المجازي مسيء وبنى ms09591 على ذلك
~~ربط جملة

# إنه لا يحب الظالمين

# [الشورى: 40] بما قبل فقال: يمكن أن يقال لما نسب المجازي إلى المساءة
~~في قوله سبحانه:

# وجزاء سيئة سيئة مثلها

# [الشورة: 40] والمسيء في هذا المقام مفسدا لما في البين بدليل { فمن
~~عفا وأصلح } علل مفهوم ذلك بقوله سبحانه: { إنه لا يحب
~~الظلمين } كأنه قيل: من أخرج نفسه / بالعفو والإصلاح من الانتساب
~~إلى السيئة والإفساد كان مقسطا إن الله يحب المقسطين فوضع موضعه {
~~فأجره على الله } ومن اشتغل بالمجازاة وانتسب إلى السيئة وأفسد
~~ما في البين وحرم نفسه ذلك الأجر الجزيل كان ظالما نفسه { إنه لا
~~يحب الظلمين } فالآية واردة إرشادا للمظلوم إلى مكارم
~~الأخلاق وإيثار طريق المرسلين.

# وقال: إن قوله تعالى:

# ولمن انتصر بعد ظلمه

# [الشورى: 41] الخ خطاب للولاة والحكام وتعليم فعل ما ينبغي فعله بدليل
~~قوله سبحانه:

# إنما السبيل على الذين يظلمون الناس

# [الشورى: 42] حيث أعاد السبيل المنكر بالتعريف وعلق به { يظلمون
~~الناس } وفسره بقوله تعالى: { عذاب أليم } وكذا قوله سبحانه: {
~~ولمن صبر وغفر } الخ تعليم لهم أيضا طريق الحكم يعني أن صاحب
~~الحق إذا عدل من الأولى وانتصر من الظالم فلا سبيل لكم عليه لما قد رخص
~~له ذلك وإذا اختار الأفضل فلا سبيل لكم على الظالم لأن عفو المظلوم من
~~عزم الأمور فتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان
~~انتهى، ولا يخفى ما فيه وفي «الكشف» أن جعل ما ذكر خطابا للولاة والحكام
~~يوجب التعقيد في الكلام فالمعول عليه ما قدمناه.

# وقد جاءت أخبار كثيرة في فضل العافين عمن ظلمهم، أخرج البيهقي في «شعب
~~الإيمان» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " قال موسى ابن عمران عليه الصلاة والسلام يا رب من أعز عبادك عندك؟
~~قال: من إذا قدر غفر "

# وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في «الشعب» عن أنس قال: قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إذا وقف العباد للحساب نادى مناد ليقم من أجره على الله تعالى فليدخل
~~الجنة ثم ms09592 نادى الثانية ليقم من أجره على الله تعالى قالوا: ومن ذا الذي
~~أجره على الله تعالى؟ قال: العافون عن الناس فقام كذا وكذا ألفا فدخلوا
~~الجنة بغير حساب "

# وأخرج أحمد وأبو داود عن أبي هريرة أن رجلا شتم أبا بكر رضي الله
~~تعالى عنه والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فجعل عليه الصلاة والسلام
~~يعجب ويتبسم فلما أكثر رد عليه بعض قوله فغضب النبي صلى الله عليه وسلم
~~وقام فلحقه أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله كان يشتمني
~~وأنت جالس فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت قال: إنه كان معك ملك يرد
~~عنك فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان فلم أكن لأقعد مع الشيطان ثم
~~قال عليه الصلاة والسلام:

# " ثلاث من الحق ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله تعالى ألا أعز الله
~~عز وجل بها نصره وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله تعالى
~~بها كثرة وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله تعالى بها
~~قلة "

# استشكل هذا الخبر بأنه يشعر بعتب أبي بكر رضي الله تعالى عنه وهو نوع
~~من السبيل المنفي في قوله تعالى:

# ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من
~~سبيل

# [الشورى: 41] وأجيب بأنا لا نسلم ذلك وليس فيه أكثر من تنبيهه رضي الله
~~تعالى عنه على ترك الأولى وهو شيء والعتب شيء آخر، وكذا لا يعد لوما كما
~~لا يخفى. ومن الناس من خص السبيل في الآية بالإثم والعقاب فلا إشكال عليه
~~أصلا، وقيل: هو باق على العموم إلا أن الآية في عوام المؤمنين ومن لم
~~يبلغ مبلغ أبي بكر رضي الله تعالى عنه فإن مثله يلام بالشتم وإن كان بحق
~~بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأذن له به قالا أو حالا بل
~~لاح عليه صلى الله عليه وسلم ما يشعر باستحسان السكوت عنه وحسنات الأبرار
~~سيآت المقربين.

# وقد أمر صلى الله عليه وسلم بعض ms09593 الأشخاص برد الشتم على الشاتم، أخرج
~~النسائي وابن ماجه / وابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
~~دخلت علي زينب رضي الله تعالى عنها وعندي رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فأقبلت علي تسبني فوزعها النبي عليه الصلاة والسلام فلم تنته فقال لي:
~~سبيها فسببتها حتى جف ريقها في فمها ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~يتهلل سرورا، ولعله كان هذا منه عليه الصلاة والسلام تعزيزا لزينب رضي
~~الله تعالى عنها بلسان عائشة رضي الله تعالى عنها لما أن لها حقا في
~~الرد ورأى المصلحة في ذلك وقد ذكر فقهاؤنا أن للقاضي أن يعزر من استحق
~~التعزير بشتم غير القذف وكذا للزوج أن يعزر زوجته على شتمها غير محرم إلى
~~أمور أخر فتأمل.

# وظاهر قوله تعالى:

# وجزاء سيئة سيئة مثلها

# [الشورى: 40] يقتضي رعاية المماثلة مطلقا، وفي «تفسير الإمام» ((أن
~~الآية تقتضي وجوب رعاية المماثلة في كل الأمور إلا فيما خصه الدليل لأنه
~~لوحملت المماثلة فيها على المماثلة في أمر معين فهو غير مذكور فيها فيلزم
~~الإجمال وعلى ما قلنا يلزم تحمل التخصيص ومعلوم أن دفع الإجمال أولى من
~~دفع التخصيص، والفقهاء أدخلوا التخصيص فيها في صور كثيرة، تارة بناء على
~~نص آخر أخص، وأخرى بناء على القياس، ولا شك أن من ادعى التخصيص فعليه
~~البيان والمكلف يكفيه أن يتمسك بها في جميع المطالب. وعن مجاهد والسدي
~~إذا قال له: أخزاه الله تعالى فليقل أخزاه الله تعالى وإذا قذفه قذفا
~~يوجب الحد فليس له ذلك بل الحد الذي أمر الله تعالى به)).

# ونقل أبو حيان عن الجمهور أنهم قالوا إذا بغى مؤمن على مؤمن فلا يجوز له
~~أن ينتصر منه بنفسه بل يرفع ذلك إلى الإمام أو نائبه. وفي «مجمع الفتاوى»
~~جاز المجازاة بمثله في غير موجب حد للإذن به { ولمن انتصر بعد
~~ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل } والعفو أفضل

# فمن عفا وأصلح فأجره على الله

# [الشورى: 40] وقال ابن الهمام: الأولى أن الإنسان إذا قيل له ما يوجب ms09594
~~التعزير أن لا يجيبه قالوا: لو قال له: يا خبيث الأحسن أن يكف عنه ويرفعه
~~إلى القاضي ليؤدبه بحضوره ولو أجاب مع هذا فقال: بل أنت لا بأس.

# وفي «التنوير وشرحه» ضرب غيره بغير حق وضربه المضروب أيضا يعزران كما
~~لو تشاتما بين يدي القاضي ولم يتكافآ. وأنت تعلم ما يقتضيه ظاهر الآية
~~ولا يعدل عنه إلا لنص، وظاهر كلام العلامة الطيبي أن المظلوم إذا عفا لا
~~يلزم الظالم التعزير بضرب أو حبس أو نحوه، وذكر فقهاؤنا أن التعزير يغلب
~~فيه حق العبد فيجوز فيه الإبراء والعفو واليمين والشهادة على الشهادة
~~وشهادة رجل وامرأتين ويكون أيضا حقا لله تعالى فلا عفو فيه إلا إذا علم
~~الإمام انزجار الفاعل إلى آخر ما قالوا، ويترجح عندي أن الإمام متى رأى
~~بعد التأمل والتجرد عن حظوظ النفس ترك التعزير للعفو سببا للفساد
~~والتجاسر على التعدي وتجاوز الحدود عزر بما تقتضيه المصلحة العامة وليبذل
~~وسعه فيما فيه إصلاح الدين وانتظام أمور المسلمين وإياه أن يتبع الهوى
~~فيضل عن الصراط المستقيم.

### || [42.44]

# { ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده } أي ما
~~له من ناصر يتولاه من بعد خذلان الله تعالى إياه فضمير { بعده } لله
~~تعالى بتقدير مضاف فيه، وقيل للخذلان المفهوم من { يضلل } والجملة
~~عطف على قوله تعالى:

# أولئك لهم عذاب أليم

# [الشورى: 42] وكنى بمن عن الظالم الباغي تسجيلا بأنه ضال مخذول أو أتى
~~به مبهما ليشمله شمولا أوليا فقوله سبحانه:

# ولمن صبر

# [الشورى: 43] الخ اعتراض لما أشرنا إليه.

# { وترى الظلمين لما رأوا العذاب } أي حين يرونه،
~~وصيغة الماضي للدلالة على التحقق { يقولون هل إلى مرد } أي
~~رجعة إلى الدنيا { من سبيل } حتى نؤمن ونعمل صالحا وجوز أن يكون
~~المعنى هل إلى رد للعذاب ومنع منه من سبيل. وتنكير { مرد } وكذا {
~~سبيل } للمبالغة والجملة حال وقيل مفعول ثان لترى.

### || [42.45]

# { وتراهم يعرضون عليها } أي على النار المدلول عليها
~~بالعذاب، والجملة كالسابقة { خشعين } متضائلين متقاصرين { من
~~الذل } أي بسبب الذل لعظم ما لحقهم فمن ms09595 سببية متعلقة بخاشعين وهو
~~وكذا ما بعده حال. وجوز أن يعلق الجار بقوله تعالى: { ينظرون } ويوقف
~~على { خشعين }  { من طرف خفي } والأول أظهر. والطرف مصدر طرف
~~إذا حرك عينه ومنه طرفة العين، والمراد بالخفي الضعيف. ومن ابتدائية أي
~~يبتدىء نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف بمسارقة كما ترى المصبور ينظر إلى
~~السيف وهكذا نظر الناظر إلى المكاره لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها ويملأ
~~عينيه منها كما يفعل في نظره إلى المحاب، ويجوز أن تكون من بمعنى الباء.
~~وعن ابن عباس { خفي } ذليل فالطرف عليه جفن العين، وقيل: يحشرون عميا
~~فلا ينظرون إلا بقلوبهم وذاك نظر من طرف خفي، وهو تأويل متكلف. والجملتان
~~السابقتان أعني { ترى الظلمين } و { تراهم يعرضون }
~~معطوفان على { ومن يضلل } وأصل الكلام والظالمون لما رأوا العذاب
~~يقولون وهم يعرضون عليها خاشعين، ثم قيل: { وترى }  { وتراهم }
~~خطابا لكل من يتأتى منه الرؤية ويعتبر بحالهم زيادة للتهويل كأنه يعجبهم
~~مما هم فيه ليعتبروا ويبتهجوا، ومنه يظهر أنه خطاب للنبي صلى الله عليه
~~وسلم وأتباعه.

# { وقال الذين ءامنوا إن الخسرين } أي إنهم {
~~الذين خسروا أنفسهم وأهليهم } بالتعريض للعذاب الخالد
~~أو على ما مر في الزمر. وعدل عن انهم إلى المنزل تسجيلا عليهم بأكمل
~~الخسران إذ المراد إن الكاملين في صفة الخسران المتصفين بحقيقته { يوم
~~القيمة } متعلق بخسروا والقول في الدنيا، وجوز أن يكون متعلقا
~~بقال، والماضي لتحقق الوقوع أي ويقولون إذا رأوهم على تلك الصفة. وفي
~~«الكشف» الظاهر أنه قول يوم القيامة كالخسران من باب التنازع بين
~~الفعلين، وآثر صاحب «الكشاف» على ما يؤذن به صنيعه أن يتعلق بالخسران
~~وحده لأن الأصل في { وقال الذين ءامنوا إن الخسرين }
~~الخ هم الخاسرون كما أن الأصل في { وترى الظلمين } والظالمون
~~لما رأوا ثم قيل: { وقال الذين ءامنوا } على نحو ما قيل {
~~وترى } الخ وكما أن الرؤية رؤية الدنيا استحضارا لعذابهم الكائن في
~~الآخرة تهويلا كذلك القول كأنهم جعلهم حضورا يعاين عذابهم ويسمع ما
~~يقول المؤمنون فيهم ورد على الخطاب في الرؤية والغيبة ms09596 في القول لأن
~~معاينة العذاب لما كانت أدخل في التهويل جعل العذاب قريبا مشاهدا وخصوا
~~بالخطاب على سبيل استحضار الحال لمزيد الابتهاج ولم يكن في الخسران ذلك
~~المعنى لأنه أمر معقول والمحسوسات أقوى لا سيما إذا كن موجبات الخسران
~~فجيء به على الأصل من الغيبة. وعدل من المضارع إلى الماضي لأنه قول صادر
~~عن مقتضى الحال قد حق ووقع تفوهوا به أولا وأسند إلى المؤمنين دلالة على
~~الابتهاج المذكور واغتباطهم بنجاتهم عما هم فيه وإلا فالقول والرؤية لكل
~~من يتأتى منه القول والرؤية، وجعله حالا كما فعل الطيبي على معنى
~~وتراهم وقد صدق فيهم قول المؤمنين في الدنيا { إن الخسرين }
~~الخ من أسلوب قوله:

# إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة

# وفيه أنه إنما يرتكب عند تعذر الحقيقة وقد أمكن الحمل على التنازع فلا
~~تعذر. ثم إنه على التقدير لا يظهر أنه قول فيها إلا بدليل خارج، وهذا
~~بخلاف ما ذكره جار الله في قوله تعالى:

# وقد قدمت إليكم بالوعيد

# [ق: 28] من تقدير وقد صح عندكم أني قدمت لأن في اللفظ إشعارا به بينا
~~انتهى، ولعمري لقد أبعد قدس سره المغزى في هذه الآيات العظام وأتى بما
~~تستحسنه النظار من ذي الأفهام فليفهم. وقوله تعالى: / { ألا إن
~~الظلمين في عذاب مقيم } إما من تمام كلام المؤمنين ويجري
~~فيه ما سمعت من الأصل ونكتة العدول أو استئناف إخبار منه تعالى تصديقا
~~لذلك.

### || [42.46]

# { وما كان لهم من أولياء ينصرونهم } برفع العذاب عنهم
~~{ من دون الله } حسبما يزعمون { ومن يضلل الله فما له
~~من سبيل } إلى الهدى أو النجاة، وقيل: المراد ما له من حجة.

### || [42.47]

# { استجيبوا لربكم } إذا دعاكم لما به النجاة على لسان رسوله
~~صلى الله عليه وسلم { من قبل أن يأتى يوم لا مرد له
~~من الله } الجار والمجرور إما متعلق بمرد ويعامل اسم لا الشبيه
~~بالمضاف معاملته فيترك تنوينه كما نص عليه ابن مالك في «التسهيل»؛ ومنه
~~قوله عليه الصلاة والسلام:

# " لا مانع لما أعطيت "

# وقوله تعالى:

# لا تثريب ms09597 عليكم اليوم

# [يوسف: 92] أي لا يرده الله تعالى بعدما حكم به. ومن لم يرض بذلك قال:
~~هو خبر لمبتدأ محذوف أي ذلك من الله تعالى. والجملة استئناف في جواب سؤال
~~مقدر تقديره ممن ذلك؟ أو حال من الضمير المستتر في الظرف الواقع خبر لا
~~أو متعلق بالنفي أو بما دل عليه كما قيل في قوله تعالى:

# ما أنت بنعمة ربك بمجنون

# [القلم: 2] وقيل: هو متعلق بيأتي، وتعقب بأنه خلاف المتبادر من اللفظ
~~والمعنى، وقيل: هو مع ذلك قليل الفائدة، وجوز كونه صفة ليوم، وتعقب بأنه
~~ركيك معنى. والظاهر أن المراد بذلك اليوم يوم القيامة لا يوم ورود الموت
~~كما قيل.

# { ما لكم من ملجأ يومئذ } أي ملاذ تلتجئون إليه فتخلصون
~~من العذاب على أن { ملجأ } اسم مكان، ويجوز أن يكون مصدرا ميميا {
~~وما لكم من نكير } إنكار على أنه مصدر أنكر على غير القياس
~~ونفى ذلك مع قوله تعالى حكاية عنهم:

# والله ربنا ما كنا مشركين

# [الأنعام: 23] تنزيلا لما يقع من إنكارهم منزلة العدم لعدم نفعه وقيام
~~الحجة وشهادة الجوارح عليهم أو يقال إن الأمرين باعتبار تعدد الأحوال
~~والمواقف. وجوز أن يكون { نكير } اسم فاعل للمبالغة أي ما لكم منكر
~~لأحوالكم غير مميز لها ليرحمكم وهو كما ترى.

### || [42.48]

# { فإن أعرضوا فما أرسلنك عليهم حفيظا } تلوين
~~للكلام وصرف له عن خطاب الناس بعد أمرهم بالاستجابة وتوجيه له إلى الرسول
~~صلى الله عليه وسلم أي فإن لم يستجيبوا وأعرضوا عما تدعوهم إليه فلا تهتم
~~بهم فما أرسلناك رقيبا ومحاسبا عليهم { إن عليك } أي ما عليك {
~~إلا البلغ } لا الحفظ وقد فعلت.

# { وإنا إذا أذقنا الإنسن منا رحمة } أي نعمة من
~~الصحة والغنى والأمن ونحوها { فرح بها } أريد بالإنسان الجنس الشامل
~~للجميع وهو حينئذ بمعنى الأناسي أو الناس ولذا جمع ضميره في قوله سبحانه:
~~{ وإن تصبهم } وليست للاستغراق والجمعية لا تتوقف عليه فكأنه قيل:
~~وإن تصب الناس أو الأناسي { سيئة } بلاء من مرض وفقر وخوف وغيرها {
~~بما قدمت أيديهم } بسبب ما صدر ms09598 منهم من السيئات { فإن
~~الإنسن كفور } بليغ الكفر ينسى النعمة رأسا ويذكر البلية
~~ويستعظمها ولا يتأمل سببها بل يزعم أنها أصابته من غير استحقاق لها. وأل
~~فيه أيضا للجنس، وقيل: هي فيهما للعهد على أن المراد المجرمون، وقيل: هي
~~في الأول للجنس وفي الثاني للعهد. وقال الزمخشري: أراد بالإنسان الجمع لا
~~الواحد لمكان ضمير الجمع ولم يرد إلا المجرمين لأن إصابة السيئة بما قدمت
~~أيديهم إنما يستقيم فيهم، ثم قال: ولم يقل فإنه لكفور ليسجل على أن هذا
~~الجنس موسوم بكفران النعم كما قال سبحانه:

# إن الإنسان لظلوم كفار

# [إبراهيم: 34]

# إن الإنسن لربه لكنود

# [العاديات: 6] ففهم منه العلامة الطيبي أنها في الأول للعهد / وأن
~~المراد الكفار المخاطبون في قوله تعالى:

# استجيبوا لربكم

# [الشورى: 47] لترتب { فإن أعرضوا } عليه. ووضع المظهر موضع
~~المضمر للإشعار بتصميمهم على الكفران والإيذان بأنهم لا يرعوون مما هم
~~فيه وأنها في الثاني للجنس ليكون المعنى ليس ببدع من هذا الإنسان المعهود
~~الإصرار لأن هذا الجنس موسوم بكفران النعم فيكون ذم المطلق دليلا على ذم
~~المقيد.

# وفي «الكشف» أنه أراد أن الإنسان أي الأول للجنس الصالح للكل وللبعض
~~وإذا قام دليل على إرادة البعض تعين وقد قام لما سلف أن الإصابة في غير
~~المجرمين للعوض الموفي ولم يذهب إلى أن اللام للعهد وجعل قوله تعالى: {
~~فإن الإنسن كفور } للجنس ليكون تعليلا للمقيد بطريق الأولى
~~ومطابقا لما جاء في مواضع عديدة من الكتاب العزيز؛ ولا بأس بأن يجعل
~~إشارة إلى السالف فإنه للجنس أيضا، ويكون في وضع المظهر موضع المضمر
~~الفائدة المذكورة مرارا بل هو أدل على القانون الممهد في الأصول وبكون
~~كليهما للجنس أقول.

# وإسناد الكفران مع أنه صفة الكفرة إلى الجنس لغلبتهم فهو مجاز عقلي حيث
~~أسند إلى الجنس حال أغلب أفراده لملابسته الأغلبية، ويجوز أن يعتبر أغلب
~~الأفراد عين الجنس لغلبتهم على غيرهم فكيون المجاز لغويا، وكذا يقال في
~~إسناد الفرح إذا كان بمعنى البطر فإنه أيضا من صفات الكفرة بل إن كان
~~أيضا بمعناه المعروف ms09599 وهو انشراح الصدر بلذة عاجلة وأكثر ما يكون ذلك في
~~اللذات البدنية الدنيوية فإنه وإن لم يكن من خواص الكفار بل يكون في
~~المؤمنين أيضا اضطرارا أو شكرا إلا أنه لا يعم جميع أفراد الجنس وإن
~~قلت بعمومه لم تحتج إلى ذلك كما إذا فسرته بالبطر على إرادة العهد في
~~الإنسان، وإصابة السيئة بالذنوب غير عامة للأفراد أيضا فحال إسنادها
~~يعلم مما ذكرنا.

# وتصدير الشرطية الأولى بإذا مع إسناد الإذاقة بلفظ الماضي إلى نون
~~العظمة للتنبية على أن إيصال النعمة محقق الوجود كثير الوقوع وأنه مراد
~~بالذات من الجواد المطلق سبحانه وتعالى كما أن تصدير الثانية بإن وإسناد
~~الإصابة بلفظ المضارع إلى السيئة وتعليلها بأعمالهم للإيذان بندرة وقوعها
~~وأنها بمعزل عن الانتظام في سلك الإرادة بالذات والقصد الأولى. وإقامة
~~علة الجزاء مقام الجزاء مبالغة في ذمهم.

### || [42.49-50]

# { لله ملك السموات والأرض } لا لغيره سبحانه اشتراكا
~~أو استقلالا { يخلق ما يشاء } من غير وجوب عليه سبحانه { يهب
~~لمن يشاء إنثا ويهب لمن يشاء الذكور }.

# { أو يزوجهم ذكرانا وإنثا ويجعل من يشاء
~~عقيما } استئناف بياني أو بيان ليخلق أو بدل منه بدل البعض على ما
~~اختاره القاضي.

# ولما ذكر سبحانه إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدها أتبع جل وعلا ذلك
~~أن له سبحانه الملك وأنه تعالى يقسم النعمة والبلاء كما شاء بحكمته تعالى
~~البالغة لا كما شاء الإنسان بهواه. وفيه إشارة إلى أن إذاقة الرحمة ليست
~~للفرح والبطر بل للشكر لموليها وإصابة المحنة ليست للكفران والجزع بل
~~للرجوع إلى مبليها؛ وتأكيد لإنكار كفرانهم من وجهين. الأول: أن الملك
~~ملكه سبحانه من غير منازع ومشارك يتصرف فيه كيف يشاء فليس على من هو أحقر
~~جزء من ملكه تعالى أن يعترض ويريد أن يجري التدبير حسب هواه الفاسد.
~~الثاني: أن هذا الملك الواسع لذلك العزيز الحكيم جل جلاله الذي من شأنه
~~أن يخلق ما يشاء فأنى يجوز أن يكون تصرفه إلا على وجه لا يتصور أكمل منه
~~ولا أوفق لمقتضى الحكمة والصواب، وعند ذلك لا ms09600 يبقى إلا التسليم والشغل
~~بتعظيم المنعم المبلي عن الكفران والإعجاب.

# وناسب هذا المساق أن يدل في البيان من أول الأمر على أنه تعالى فعل لمحض
~~مشيئته سبحانه لا مدخل لمشيئة العبد فيه فلذا قدمت الإناث وأخرت الذكور
~~كأنه قيل يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء من الأناسي ما لا يهواه ويهب لمن
~~يشاء / منهم ما يهواه فقد كانت العرب تعد الإناث بلاء

# وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا
~~وهو كظيم

# [النحل: 58] ولو قدم المؤخر لاختل النظم، وليس التقديم لمجرد رعاية
~~مناسبة القرب من البلاء ليعارض بأن الآية السابقة ذكرت الرحمة فيها مقدمة
~~عليه فناسب ذلك تقديم الذكور على الإناث.

# وفي تعريف الذكور مع ما فيه من الاستدراك لقضية التأخير التنبيه على أنه
~~المعروف الحاضر في قلوبهم أول كل خاطر وأنه الذي عقدوا عليه مناهم. ولما
~~قضى الوطر من هذا الأسلوب قيل: { أو يزوجهم } أي الأولاد {
~~ذكرانا وإنثا } أي يخلق ما يهبهم زوجا لأن التزويج جعل الشيء
~~زوجا فذكرانا وإناثا حال من الضمير. والواو قيل للمعية لأن حقه
~~التأخير عن القسمين سياقا ووجودا فلا تتأتى المقارنة إلا بذلك، وقيل
~~ذلك لأن المراد يهب لمن يشاء ما لا يهواه ويهب لمن يشاء ما يهواه أو يهب
~~الأمرين معا لا أنه سبحانه يجعل من كل من الجنسين الذكور والإناث على
~~حياله زوجا ولولا ذلك لتوهم ما ذكر فتأمله، ولتركبه منهما لم يكرر فيه
~~حديث المشيئة.

# وقدم المقدم على ما هو عليه في الأصل ولم يعرف إذ لا وجه له، ثم قيل: {
~~ويجعل من يشاء عقيما } أي لا يولد له فقيد بالمشيئة لأنه قسم
~~آخر، وكأنه جيء بأو في { أو يزوجهم } دون الواو كما في سابقه من
~~حيث إنه قسيم الانفراد المشترك بين الأولين ولم يؤت في الأخير لاتضاحه
~~بأنه قسيم الهبة المشتركة بين الأقسام المتقدمة فتأمل، وقيل قدم الإناث
~~توصية برعايتهن لضعفهن لا سيما وكانوا قريبي العهد بالوأد، وفي الحديث

# " من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهن كن له سترا من ms09601 النار "

# وقيل: قدمت لأنها أكثر لتكثير النسل فهي من هذا الوجه أنسب بالخلق
~~المراد بيانه، وقيل: لتطييب قلوب آبائهن لما في تقديمهن من التشريف لأنهن
~~سبب لتكثير مخلوقاته تعالى، وقال الثعالبي: إنه إشارة إلى ما في تقدم
~~ولادتهن من اليمن حتى إن أول مولود ذكر يكون مشؤما فيقولون له بكر
~~بكرين؛ وعن قتادة من يمن المرأة تبكيرها بأنثى، وقيل: قدمت وأخر الذكور
~~معرفا للمحافظة على الفواصل، والمناسب للسياق ما علمت سابقا. وقال
~~مجاهد في { أو يزوجهم } التزويج أن تلد المرأة غلاما ثم تلد
~~جارية، وقال محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنهما: هو أن تلد توأما
~~غلاما وجارية. وزعم بعضهم أن الآية نزلت في الأنبياء عليهم الصلاة
~~والسلام حيث وهب سبحانه لشعيب ولوط عليهم السلام إناثا ولإبراهيم عليه
~~السلام ذكورا ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ذكورا وإناثا وجعل عيسى
~~ويحيى عليهما السلام عقيمين اه.

# { إنه عليم قدير } مبالغ جل شأنه في العلم والقدرة فيفعل ما
~~يفعل بحكمة واختيار.

### || [42.51]

# { وما كان لبشر } أي ما صح لفرد من أفراد البشر { أن
~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو
~~يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشآء } ظاهره حصر التكليم
~~في ثلاثة أقسام. الأول: الوحي وهو المراد بقوله تعالى: { إلا وحيا
~~} وفسره بعضهم بالإلقاء في القلب سواء كان في اليقظة أو في المنام
~~والإلقاء أعم من الإلهام فإن إيحاء أم موسى إلهام وإيحاء إبراهيم عليه
~~السلام إلقاء في المنام وليس إلهاما وإيحاء الزبور إلقاء في اليقظة كما
~~روي عن مجاهد وليس بإلهام؛ والفرق أن الإلهام لا يستدعي صورة كلام نفساني
~~وقد فقد وأما اللفظي فلا، وأما نحو إيحاء الزبور فيستدعيه. وقد جاء إطلاق
~~الوحي على الإلقاء في القلب في قول عبيد بن الأبرص:

# وأوحى إلي الله أن قد تأمروا

# بإبل أبي أوفى فقمت على رجل

# فإنه أراد قذف في قلبي.

# والثاني: إسماع الكلام من غير أن يبصر السامع من يكلمه كما كان لموسى
~~وكذا / الملائكة الذين كلمهم الله تعالى في قضية ms09602 خلق آدم عليه السلام
~~ونحوهم وهو المراد بقوله سبحانه: { أو من وراء حجاب } فإنه تمثيل
~~له سبحانه بحال الملك المتحجب الذي يكلم بعض خواصه من وراء حجاب يسمع
~~صوته ولا يرى شخصه.

# والثالث: إرسال الملك كالغالب من حال نبينا صلى الله عليه وسلم وهو حال
~~كثير من الأنبياء عليهم السلام، وزعم أنه من خصوصيات أولي العزم من
~~المرسلين غير صحيح وهو المراد بقوله عز وجل: { أو يرسل رسولا }
~~أي ملكا { فيوحي } ذلك الرسول إلى المرسل إليه الذي هو الرسول
~~البشري { بإذنه } أي بأمره تعالى وتيسيره سبحانه: { ما يشاء } أن
~~يوحيه، وهذا يدل على أن المراد من الأول الوحي من الله تعالى بلا واسطة
~~لأن إرسال الرسول جعل فيه إيحاء ذلك الرسول، وبنى المعتزلي على هذا الحصر
~~أن الرؤية غير جائزة لأنها لو صحت لصح التكليم مشافهة فلم يصح الحصر،
~~وقال بعض: المراد حصر التكليم في الوحي بالمعنى المشهور والتكليم من وراء
~~حجاب وتكليم الرسل البشريين مع أممهم، واستبعد بأن العرف لم يطرد في
~~تسمية ذلك إيحاء.

# وقال القاضي إن قوله تعالى: { إلا وحيا } معناه إلا كلاما خفيا
~~يدرك بسرعة وليس في ذاته مركبا من حروف مقطعة وهو ما يعم المشافهة كما
~~روي في حديث المعراج وما وعد به في حديث الرؤية والمهتف به كما اتفق
~~لموسى عليه السلام في الطور لكن عطف قوله تعالى: { أو من وراء
~~حجاب } عليه يخصه بالأول فالآية دليل على جواز الرؤية لا على
~~امتناعها. وإلى الأول ذهب الزمخشري وانتصر له صاحب «الكشف» عفا الله
~~تعالى عنه فقال: وأما نحن فنقول والله تعالى أعلم: إن قوله تعالى: {
~~وما كان لبشر } على التعميم يقتضي الحصر بوجه لا يخص التكلم
~~بالأنبياء عليهم السلام ويدخل فيه خطاب مريم وما كان لأم موسى وما يقع
~~للمحدثين من هذه الأمة وغيرهم فحمل الوحي على ما ذهب إليه الزمخشري أولى.

# ثم إنه يلزم القاضي أن لا يكون ما وقع من وراء حجاب وحيا لا أنه يخصصه
~~لأنه نظير قولك: ما كان لك ms09603 أن تنعم إلا على المساكين وزيد، نعم يحتمل أن
~~يكون زيد داخلا فيهم على نحو

# ملائكته... وجبريل

# [البقرة: 98] وهذا يضر القاضي لاقتضائه أن يكون هذا القسم أعني ما وقع
~~من وراء حجاب أعلا المراتب فلا يكون الثاني هو المشافهة، وتقدير إلا
~~وحيا من غير حجاب أو من وراء حجاب خلاف الظاهر وفيه فك للنظم لقوله
~~سبحانه: { أو يرسل } وهو عطف على قوله تعالى: { إلا وحيا }
~~مع كونه خلاف الظاهر. وعلى هذا يفسد ما بني عليه من حديث التنزل من القسم
~~الأعلى إلى ما دونه، ومع ذلك لا يدل على عدم وقوع الرؤية فضلا عن جوازه
~~بل دل على أنها لو وقعت لم يكن معها المكالمة وذلك هو الصحيح لأن الرؤية
~~تستدعي الفناء والبقاء به عز وجل وهو يقتضي رفع حجاب المخاطب المستدعي
~~كونا وجوديا ثم الكامل لتوفيته حق المقامات الكبرى يكون المحتظى منه
~~بالشهود في مقام البقاء المذكور ومع ذلك لا يمنعه عن حظه من سماع الخطاب
~~لأنه حظ القلب المحجوب عن مقام الشهود، والمقصود إن الذي يصح ذوقا
~~ونقلا وعقلا كون الخطاب من وراء حجاب البتة وهو صحيح لكن لا ينفع منكر
~~الرؤية ولا مثبتها، وأما سؤال الترقي في الأقسام فالجواب عنه أن الترقي
~~حاصل بين الأول والثاني الذي له سمي الكليم كليما، وأما الثالث: فلما
~~كان تكليما مجازيا أخر عن القسمين ولم ينظر إلى أنه أشرف من القسم
~~الأول فإن ذلك الأمر غير راجع إلى التكليم بل لأنه مخصوص بالأنبياء عليهم
~~السلام انتهى.

# وتعقب ما اعترض به على القاضي بأنه لا يرد لأن الوحي بذلك المعنى
~~بالتخصيص المذكور والتقييد المأخوذ من التقابل صار مغايرا لما بعده وليس
~~من شيء من القبيلين حتى يذهب إلى الترقي أو التدلي لأنه لا يعطف / بأو بل
~~بالواو كما لا يخفى، ولزوم أن لا يكون الواقع من وراء حجاب وحيا غير
~~مسلم لأنه إن أراد أن لا يكون وحيا مطلقا فغير صحيح لأن قوله تعالى
~~بعده: { فيوحي بإذنه } قرينة على أن المراد بالوحي ms09604 السابق وحي
~~مخصوص كالذي بعده وإن أراد أنه لا يكون من الوحي المخصوص السابق فلا يضره
~~لأنه عين ما عناه، نعم الحصر على ما ذهب إليه القاضي غير ظاهر إلا بعد
~~ملاحظة أنه مخصوص بما كان بالكلام فتدبر.

# والظاهر أن عائشة رضي الله تعالى عنها حملت الآية على نحو ما حملها
~~المعتزلة، أخرج البخاري ومسلم والترمذي عنها أنها قالت: «من زعم أن
~~محمدا رأى ربه فقد كذب ثم قرأت

# لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو
~~اللطيف الخبير

# [الأنعام: 103] { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا
~~وحيا أو من وراء حجاب } » وأنت تعلم أن أكثر العلماء على أن
~~النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه سبحانه ليلة الإسراء لكثرة الروايات
~~المصرحة بالرؤية نعم ليس فيها التصريح بأنها بالعين لكن الظاهر من الرؤية
~~كونها بها، والمروي عن الأشعري وجمع من المتكلمين أنه جل شأنه كلمه عليه
~~الصلاة والسلام تلك الليلة بغير واسطة ويعزى ذلك إلى جعفر بن محمد الباقر
~~وابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم وهو الظاهر للأحاديث الصحاح في
~~مرادة الصلاة واستقرار الخمسين على الخمس وغير ذلك، وعائشة رضي الله
~~تعالى عنها لم تنف الرؤية إلا اعتمادا على الاستنباط من الآيات ولو كان
~~معها خبر لذكرته، واحتجاجها بما ذكر من الآيات غير تام، أما عدم تمامية
~~احتجاجها بآية { لا تدركه الأبصار } فمشهور، وأما عدم تمامية
~~الاحتجاج بالآية الثانية فلما سمعت عن صاحب «الكشف» قدس سره.

# وقال الخفاجي بعد تقرير الاحتجاج بأنه تعالى حصر تكليمه سبحانه للبشر في
~~الثلاثة: فإذا لم يره جل وعلا من يكلمه سبحانه في وقت الكلام لم يره عز
~~وجل في غيره بالطريق الأولى وإذا لم يره تعالى هو أصلا لم يره سبحانه
~~غيره إذ لا قائل بالفصل، وقد أجيب عنه في الأصول بأنه يحتمل أن يكون
~~المراد حصر التكليم في الدنيا في هذه الثلاثة أو نقول يجوز أن تقع الرؤية
~~حال التكليم وحيا إذا لوحي كلام بسرعة وهو لا ينافي الرؤية انتهى، ولا
~~يخفى ms09605 عليك أن الجواب الأول لا ينفع فيما نحن بصدده إلا بالتزام أن ما وقع
~~لنبينا عليه الصلاة والسلام تلك الليلة لا يعد تكليما في الدنيا على ما
~~ذكره الشرنبلالي في «إكرام أولي الألباب» لأنه كان في الملكوت الأعلى
~~وأنه يستفاد من كلام صاحب «الكشف» منع ظاهر للشرطية في وجه الاستدلال
~~الذي قرره، وبعضهم أجاب بأن العام مخصص بغير ما دليل وفي «البحر» قيل
~~قالت قريش: ألا تكلم الله تعالى وتنظر إليه إن كنت نبيا صادقا كما كلم
~~جل وعلا موسى ونظر إليه تعالى فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم:

# " لم ينظر موسى عليه السلام إلى الله عز وجل فنزلت { وما كان
~~لبشر } الآية "

# وهذا ظاهر في أن الآية لم تتضمن التكليم الشفاهي مع الرؤية وكذا ما فيه
~~أيضا كان من الكفار خوض في تكليم الله تعالى موسى عليه السلام فذهبت
~~قريش واليهود في ذلك إلى التجسيم فنزلت فإن عدم تضمنها ذلك أدفع لتوهم
~~التجسيم، وبالجملة الذي يترجح عندي ما قاله صاحب «الكشف» قدس سره أن
~~الآية لا تنفع منكر الرؤية ولا مثبتها وما ذكر من سبب النزول ليس بمتيقن
~~الثبوت.

# ويفهم من كلام بعضهم أن الوحي كما يكون بالإلقاء في الروع يكون بالخط
~~فقد قال النخعي كان في الأنبياء عليهم السلام من يخط له في الأرض، ومعناه
~~اللغوي يشمل ذلك، فقد قال الإمام أبو عبد الله التيمي الأصبهاني: الوحي
~~أصله التفهيم وكل ما فهم به شيء من الإلهام والإشارة والكتب فهو وحي،
~~وقال الراغب: أصل الوحي الإشارة السريعة ولتضمن السرعة قيل أمر وحي وذلك
~~يكون بالكلام على الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب وبإشارة
~~ببعض الجوارح وبالكتابة، وقد حمل على ذلك قوله تعالى:

# فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة

# [مريم: 11] فقد / قيل رمز وقيل اعتبار وقيل كتب وجعل التسخير من الوحي
~~أيضا وحمل عليه قوله تعالى:

# وأوحى ربك إلى النحل

# [النحل: 68] وسيأتي إن شاء الله تعالى ما للصوفية قدست أسرارهم من
~~الكلام في هذه الآية. و { وحيا } على ms09606 ما قال الزمخشري مصدر واقع موقع
~~الحال وكذا (أن يرسل) لأنه بتأويل إرسالا، و { من وراء حجاب } ظرف
~~واقع موقع الحال أيضا كقوله تعالى:

# وعلى جنوبهم

# [آل عمران: 191] والتقدير وما صح أن يكلم أحدا في حال من الأحوال إلا
~~موحيا أو مسمعا من وراء حجاب أو مرسلا. وتعقبه أبو حيان فقال: ((وقوع
~~المصدر حالا لا ينقاس فلا يجوز جاء زيد بكاء تريد باكيا، وقاس منه
~~المبرد ما كان نوعا للفعل نحو جاء زيد مشيا أو سرعة ومنع سيبويه من
~~وقوع أن مع الفعل موقع الحال فلا يجوز جاء زيد أن يضحك في معنى ضحكا
~~الواقع موقع ضاحكا)).

# وأجيب عن الأول بأن القرآن يقاس عليه ولا يلزم أن يقاس على غيره مع أنه
~~قد يقال: يكتفى بقياس المبرد، وعن الثاني بأنه علل المنع بكون الحاصل
~~بالسبك معرفة وهي لا تقع حالا، وفي ذلك نظر لأنه غير مطرد ففي «شرح
~~التسهيل» أنه قد يكون نكرة أيضا ألا تراهم فسروا

# أن يفترى

# [يونس: 37] بمفترى، وقد عرض ابن جني ذلك على أبي علي فاستحسنه، وعلى
~~تسليم الاطراد فالمعرفة قد تكون حالا لكونها في معنى النكرة كوحده،
~~والاقتصار على المنع أولى لمكان التعسف في هذا، واختار غير واحد أن {
~~وحيا } بما عطف عليه منتصب بالمصدر لأنه نوع من الكلام أو بتقدير إلا
~~كلام وحي و { من وراء حجاب } صفة كلام أوسماع محذوف وصفة المصدر
~~تسد مسده والإرسال نوع من الكلام أيضا بحسب المآل والاستثناء عليه مفرغ
~~من أعم المصادر، وقال الزجاج: قال سيبويه سألت الخليل عن قوله تعالى: {
~~أو يرسل رسولا } بالنصب فقال: هو محمول على أن سوى هذه التي في
~~قوله تعالى: { أن يكلمه الله } لما يلزم منه أن يقال: ما كان
~~لبشر أن يرسل الله رسولا وذلك غير جائز، والمعنى ما كان لبشر { أن
~~يكلمه الله } إلا بأن يوحي أو أن يرسل، وعليه أن يقدر في قوله
~~تعالى: { أو من وراء حجاب } نحو أو أن يسمع من وراء حجاب وأي داع
~~إلى ذلك ms09607 مع ما سمعت؟ واختلف في الاستثناء هل هو متصل أو منقطع؟ وأبو
~~البقاء على الانقطاع.

# وتعقبه بعضهم بأن المفرغ لا يتصف بذلك والبحث شهير.

# وقرأ ابن أبي عبلة { أو من وراء حجاب } بالجمع. وقرأ نافع وأهل
~~المدينة { أو يرسل رسولا فيوحي } برفع الفعلين ووجهوا ذلك
~~بأنه على إضمار مبتدأ أي هو يرسل أو هو معطوف على { وحيا } أو على ما
~~يتعلق به { من وراء } بناء على أن تقديره أو يسمع من وراء حجاب، وقال
~~العلامة الثاني: إن التوجيه الثاني وما بعده ظاهر وهو عطف الجملة الفعلية
~~الحالية على الحال المفردة، وأما إضمار المبتدأ فإن حمل على هذا فتقدير
~~المبتدأ لغو، وإن أريد أنها مستأنفة فلا يظهر ما يعطف عليه سوى { ما
~~كان لبشر } الخ وليس بحسن الانتظام. وتعقب بأنه يجوز أن يكون تقدير
~~المبتدأ مع اعتبار الحالية بناء على أن الجملة الاسمية التي الخبر فيها
~~جملة فعلية تفيد ما لا تفيده الفعلية الصرفة مما يناسب حال إرسال الرسول،
~~أو يقال: لا نسلم أن العطف على { ما كان لبشر } ليس بحسن
~~الانتظام، وفيه دغدغة لا تخفى.

# وفي الآية على ما قال ابن عطية دليل على أن من حلف أن لا يكلم فلانا
~~فراسله حنث لاستثنائه تعالى الإرسال من الكلام، ونقله الجلال السيوطي في
~~«أحكام القرآن» عن مالك وفيه بحث والله تعالى الهادي.

# { إنه علي } متعال عن صفات المخلوقين { حكيم } يجري سبحانه
~~أفعاله على سنن الحكمة فيكلم / تارة بواسطة وأخرى بدونها إما إلهاما
~~وإما خطابا أو إما عيانا وإما خطابا من وراء حجاب على ما يقتضيه
~~الاختلاف السابق في تفسير الآية.

### || [42.52]

# { وكذلك } أي ومثل هذا الإيحاء البديع على أن الإشارة لما بعد {
~~أوحينا إليك روحا من أمرنا } وهو ما أوحى إليه عليه
~~الصلاة والسلام أو القرآن الذي هو للقلوب بمنزلة الروح للأبدان حيث
~~يحييها حياة أبدية. وقيل: أي ومثل الإيحاء المشهور لغيرك أوحينا إليك،
~~وقيل: أي ومثل ذلك الإيحاء المفصل أوحينا إليك إذ كان عليه الصلاة
~~والسلام اجتمعت له الطرق الثلاث ms09608 سواء فسر الوحي بالإلقاء أم فسر بالكلام
~~الشفاهي. وقد ذكر أنه عليه الصلاة والسلام قد ألقي إليه في المنام كما
~~ألقي إلى إبراهيم عليه السلام وألقي إليه عليه الصلاة والسلام في اليقظة
~~على نحو إلقاء الزبور إلى داود عليه السلام. ففي «الكبريت الأحمر»
~~للشعراني نقلا عن الباب الثاني من «الفتوحات المكية» أنه صلى الله عليه
~~وسلم أعطي القرآن مجملا قبل جبريل عليه السلام من غير تفصيل الآيات
~~والسور. وعن ابن عباس تفسير الروح بالنبوة. وقال الربيع: هو جبريل عليه
~~السلام، وعليه فأوحينا مضمن معنى أرسلنا، والمعنى أرسلناه بالوحي إليك
~~لأنه لا يقال: أوحى الملك بل أرسله. ونقل الطبرسي عن أبي جعفر وأبي عبد
~~الله رضي الله تعالى عنهما أن المراد بهذا الروح ملك أعظم من جبرائيل
~~وميكائيل كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصعد إلى السماء، وهذا
~~القول في غاية الغرابة ولعله لا يصح عن هذين الإمامين. وتنوين { روحا }
~~للتعظيم أي روحا عظيما.

# { ما كنت تدرى ما الكتب ولا الايمن } الظاهر أن ما
~~الأولى نافية والثانية استفهامية في محل رفع على الابتداء و {
~~الكتب } خبر، والجملة في موضع نصب بتدري وجملة { ما كنت } الخ
~~حالية من ضمير { أوحينا } أو هي مستأنفة والمضي بالنسبة إلى زمان
~~الوحي.

# واستشكلت الآية بأن ظاهرها يستدعي عدم الاتصاف بالإيمان قبل الوحي ولا
~~يصح ذلك لأن الأنبياء عليهم السلام جميعا قبل البعثة مؤمنون لعصمتهم عن
~~الكفر بإجماع من يعتد به. وأجيب بعدة أجوبة.

# الأول: أن الإيمان هنا ليس المراد به التصديق المجرد بل مجموع التصديق
~~والإقرار والأعمال فإنه كما يطلق على ذلك يطلق على هذا شرعا، ومنه قوله
~~تعالى:

# وما كان الله ليضيع إيمنكم

# [البقرة: 143] والأعمال لا سبيل إلى درايتها من غير سمع فهو مركب
~~والمركب ينتفي بانتفاء بعض أجزائه فلا يلزم من انتفاء الإيمان المركب
~~بانتفاء الأعمال انتفاء الإيمان بالمعنى الآخر أعني التصديق وهو الذي
~~أجمع العلماء على اتصاف الأنبياء عليهم السلام به قبل البعثة، ولذا عبر
~~بتدري دون أن يقال: لم ms09609 تكن مؤمنا وهو جواب حسن ولا يلزمه نفي الإيمان
~~عمن لا يعمل الطاعات ليكون القول به اعتزالا كما لا يخفى.

# الثاني: أن الإيمان إنما يعني به التصديق بالله تعالى وبرسوله عليه
~~الصلاة والسلام دون التصديق بالله عز وجل ودون ما يدخل فيه الأعمال
~~والنبي صلى الله عليه وسلم مخاطب بالإيمان برسالة نفسه كما أن أمته صلى
~~الله عليه وسلم مخاطبون بذلك، ولا شك أنه قبل الوحي لم يكن عليه الصلاة
~~والسلام يعلم أنه رسول الله وما علم ذلك إلا بالوحي فإذا كان الإيمان هو
~~التصديق بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ولم يكن هذا المجموع
~~ثابتا قبل الوحي بل كان الثابت هو التصديق بالله تعالى خاصة المجمع على
~~اتصاف الأنبياء عليهم السلام به قبل البعثة استقام نفي الإيمان قبل الوحي
~~وإلى هذا ذهب ابن المنير.

# الثالث: أن المراد شرائع الإيمان ومعالمه مما لا طريق إليه إلا السمع
~~وإليه ذهب محي السنة البغوي وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل
~~الوحي على دين إبراهيم عليه السلام ولم تتبين له عليه الصلاة / والسلام
~~شرائع دينه، ولا يخفى أنه إذا لم يعتبر كون الكلام على حذف مضاف يلزمه
~~إطلاق الإيمان على الأعمال وحدها وهو خلاف المعروف.

# الرابع: أن الكلام على تقدير مضاف فقيل التقدير دعوة الإيمان أي ما كنت
~~تدري كيف تدعو الخلق إلى الإيمان وإليه يشير كلام أبي العالية. وقال
~~الحسين بن الفضل: أي أهل الإيمان أي لا تدري من الذي يؤمن، وأنت تدري أنه
~~لا يرتضي هذا إلا من لا يدري.

# الخامس: المراد نفي دراية المجموع أي ما كنت تدري قبل الوحي مجموع
~~الكتاب والإيمان فلا ينافي كونه صلى الله عليه وسلم كان يدري الإيمان
~~وحده ويأباه إعادة { لا } السادس: أن المراد ما كنت تدري ذلك إذ كنت في
~~المهد وإليه ذهب علي بن عيسى وهو خلاف الظاهر.

# والظاهر أن المراد استمرار النفي إلى زمن الوحي، وظاهر كلام «الكشف»
~~يميل إلى اعتبار نحو ذلك القيد قال: لعل الأشبه ms09610 أن الإيمان على ظاهره
~~والآية واردة في معرض الامتنان والإيحاء يشمل الإلقاء في الروع وإرسال
~~الرسول فالإيمان عرفه بالأول والكتاب بالثاني على أن الآية تدل على أنه
~~صلى الله عليه وسلم عرفهما بعد أن لم يكن عارفا وهو كذلك أما أنه عليه
~~الصلاة والسلام عرفهما بعد الوحي فلا فجاز أن يعرفهما به وجاز أن يعرف
~~واحدا منهما معينا به. وقد دل الدليل على أن المعرف به هو الكتاب
~~والإيمان بعد العقل وقبل الوحي، والتمسك به على أنه صلى الله عليه وسلم
~~لم يكن متعبدا بشرع من قبله ضعيف لأن عدم الدراية لا يلزمه عدم التعبد
~~بل يلزمه سقوط الإثم إن لم يكن تقصيرا انتهى.

# وأنت تعلم أن المتبادر أنه عليه الصلاة والسلام عرفهما بعد الوحي، وأما
~~قوله قدس سره في تضعيف التمسك بذلك على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن
~~متعبدا بشرع من قبله أن عدم الدراية لا يلزمه عدم التعبد فقد قيل عليه:
~~إنه ساقط لأنه عليه الصلاة والسلام إذا لم يدر شرعا فكيف يتعبد به.

# وقد يجاب بأن مراد المدقق أن الدراية المنفية الدراية بمعنى العلم
~~الجازم الثابت المطابق للواقع وعدمها لا يلزمه عدم التعبد إذ يكفي في
~~التعبد بشرع من قبله عليه الصلاة والسلام الظن الراجح ثبوته، فلعله كان
~~حاصلا له صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا الظن يكفي للمتعبدين اليوم بشرع
~~نبينا عليه الصلاة والسلام فإن أكثر الفروع ظنية، ومن يتتبع الأخبار يعلم
~~أن العرب لم يزالوا على بقايا من دين إبراهيم عليه السلام من الحج
~~والختان وإيقاع الطلاق والغسل من الجنابة وتحريم ذوات المحارم بالقرابة
~~والصهر وغير ذلك وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحرص الناس على اتباع
~~دين إبراهيم عليه السلام. وفي «الصحيح» أنه صلى الله عليه وسلم كان أي
~~قبل البعثة يتحنث بغار حراء، وفسر التحنث بالتحنف أي اتباع الحنيفية وهي
~~دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والفاء تبدل ثاء في كثير من كلامهم وفي
~~رواية ابن هشام في «السيرة» يتحنف بالفاء ms09611 بدل الثاء، نعم فسر أيضا
~~بالتعبد كما في «صحيح البخاري» وباتقاء الحنث أي الإثم كالتحرج والتأثم
~~وكل ذلك مما ذكره الحافظ القسطلاني في «شرح الصحيح».

# ثم إن الظاهر أن من قال: إنه صلى الله عليه وسلم كان متعبدا بشرع من
~~قبله ليس مراده أنه عليه الصلاة والسلام كان متعبدا بجميع شرع من قبله
~~بل بما ترجح عنده صلى الله عليه وسلم ثبوته. والذي ينبغي أن يرجح كون ذلك
~~من شرع إبراهيم عليه السلام لأنه من ذريته عليهما الصلاة والسلام وقد
~~كلفت العرب بدينه.

# وقال بعضهم: إن عبادته صلى الله عليه وسلم التفكر والاعتبار، ولعله
~~أيضا مما ترجح عنده عليه الصلاة والسلام كونه من شريعته عليه السلام
~~وربما يقال: بما علمه صلى الله عليه وسلم لا على ذلك الوجه من / شرع من
~~قبله أنه صلى الله عليه وسلم لم يزل موحى إليه وأنه عليه الصلاة والسلام
~~متعبد بما يوحى إليه إلا أن الوحي السابق على البعثة كان إلقاء ونفثا
~~في الروع وما عمل بما كان من شرائع أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام
~~إلا بواسطة ذلك الإلقاء وإذا كان بعض إخوانه من الأنبياء عليهم السلام قد
~~أوتي الحكم صبيا ابن سنتين أو ثلاث فهو عليه الصلاة والسلام أولى بأن
~~يوحى إليه ذلك النوع من الإيحاء صبيا أيضا. ومن علم مقامه صلى الله
~~عليه وسلم وصدق بأنه الحبيب الذي كان نبيا وآدم بين الماء والطين لم
~~يستبعد ذلك فتأمل.

# { ولكن جعلنه } أي الروح الذي أوحيناه إليك، وقال ابن عطية:
~~الضمير للكتاب، وقيل: للإيمان ورجح بالقرب، وقيل: للكتاب والإيمان ووحد
~~لأن مقصدهما واحد فهو نظير

# والله ورسوله أحق أن يرضوه

# [التوبة: 62]. { نورا } عظيما { نهدي به من نشاء } هدايته
~~{ من عبادنا } وهو الذي يصرف اختياره نحو الاهتداء به والجملة إما
~~مستأنفة أو صفة { نورا } وقوله تعالى: { وإنك لتهدي } تقرير
~~لهدايته، وبيان لكيفيتها، ومفعول { لتهدي } محذوف ثقة بغاية الظهور
~~أي وإنك لتهدي بذلك النور من تشاء هدايته { إلى صرط مستقيم }
~~وهو الإسلام وسائر الشرائع والأحكام.

# وقرأ ms09612 ابن السميقع { لتهدي } بضم التاء وكسر الدال من أهدى، وقرأ حوشب {
~~لتهدي } مبنيا للمفعول أي ليهديك الله وقرىء (لتدعو).

### || [42.53]

# { صرط الله } بدل من الأول وإضافته إلى الاسم الجليل ثم وصفه
~~بقوله تعالى: { الذي له ما في السموات وما في الارض
~~} لتفخيم شأنه وتقرير استقامته وتأكيد وجوب سلوكه فإن كون جميع ما فيهما
~~من الموجودات له تعالى خلفا وملكا وتصرفا مما يوجب ذلك أتم إيجاب.

# { ألا إلى الله تصير الأمور } أي أمور من فيهما قاطبة لا
~~إلى غيره تعالى وذلك بارتفاع الوسائط يوم القيامة ففيه من الوعد للمهتدين
~~إلى الصراط المستقيم والوعيد للضالين عنه ما لا يخفى. وصيغة المضارع على
~~ما قررنا على ظاهرها من الاستقبال، وقال في «البحر»: المراد بها
~~الاستمرار كما في زيد يعطي أي من شأنه ذلك، والأول أظهر والله تعالى
~~أعلم.

# ومما قاله أرباب الإشارات في بعض الآيات: قال سبحانه:

# لتنذر أم القرى ومن حولها

# [الشورى: 7] قيل يشير ذلك إلى إنذار نفسه الشريفة لأنها أم قرى نفوس آدم
~~وأولاده لأنه صلى الله عليه وسلم أول العالمين خلقا ومنه عليه الصلاة
~~والسلام نشأت الأرواح والنفوس ومن هذا كان آدم ومن دونه تحت لوائه صلى
~~الله عليه وسلم، وقد أشار إلى ذلك سلطان العاشقين عمر بن الفارض بقوله
~~على لسان الحقيقة المحمدية:

# وإني وإن كنت ابن آدم صورة

# فلي منه معنى شاهد بأبوتي

# وقوله سبحانه: { ومن حولها } يشير إلى نفوس أهل العالم وقد أنذر
~~صلى الله عليه وسلم كلا حسب استعداده، وقيل في قوله تعالى:

# ليس كمثله شيء وهو السميع البصير

# [الشورى: 11] إنه يشير إلى التنزيه والتشبيه، وقرر ذلك الشيخ الأكبر قدس
~~سره بما يطول

# له مقاليد السموات والأرض

# [الشورى: 12] أي مفاتيح سموات القلوب وفيها خزائن لطفه تعالى ورحمته عز
~~وجل وأرض النفوس وفيها خزائن قهره سبحانه وعزته جل جلاله فكل قلب مخزن
~~لنوع من ألطافه كالمعرفة والمحبة والشوق والتوحيد والهيبة والأنس والرضا
~~إلى غير ذلك، وقد يجتمع في القلب خزائن وكل نفس مخزن لنوع من آثار قهره ms09613
~~كالنكرة والجحود والإنكار والشرك والنفاق والحرص والكبر والبخل والشره
~~وغير ذلك، وقد / يجتمع في النفس خزائن، وفائدة الإخبار بأن له سبحانه
~~مقاليد ذلك قطع أفكار العباد عمن سواه سبحانه في جلب ما يريدونه ودفع ما
~~يكرهونه

# الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب

# [الشورى: 13] يشير إلى مقامي المجذوب والسالك فالمجذوب من الخواص اجتباه
~~ربه سبحانه في الأزل وسلكه في مسلك من يحبهم واصطنعه سبحانه لنفسه جل
~~شأنه وجذبه تعالى عن الدارين بجذبة توازي عمل الثقلين فهو في مقعد صدق
~~عند مليك مقتدر، والسالك من العوام سلكه في سلك من يحبونه بالتوفيق
~~للهداية والقيام على قدمي الجهد والإنابة إلى سبيل الرشاد من طريق العناد

# والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له

# [الشورى: 16] يشير إلى الذين يحاجون في معرفة الله تعالى بشبه العقل
~~الذي استجاب له تعالى حين دعاه فوصل إلى الحضرة فهو في كشف وعيان وأولئك
~~من وراء ما يزعمون أنه برهان

# أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن
~~به الله

# [الشورى: 21] يشير إلى كفار النفوس فإنهم شرعوا عند استيلائهم للأرواح
~~والقلوب ما لم يرض به الله تعالى من مخالفات الشريعة وموافقات الطبيعة

# الله لطيف بعباده

# [الشورى: 19] يشير إلى عموم لطفه تعالى وهو أنواع لا تحصى ومراتب لا
~~تستقصى. وروى السلمي عن سيد الطائفة قدس سره اللطيف من نور قلبك بالهدى
~~وربى جسمك بالغذا ويخرجك من الدنيا بالإيمان ويحرسك من نار لظى ويمكنك
~~حتى تنظر وترى هذا لطف اللطيف بالعبد الضعيف { والذين ءامنوا
~~وعملوا الصلحات } استعملوا تكاليف الشرع لقمع الطبع وكسر
~~الهوى وتزكية النفس وتصفية القلب وجلاء الروح { في روضت
~~الجنت } في الدنيا جنات الوصلة والمعارف وطيب الأنس في الخلوة
~~والآخرة في روضات الجنة

# لهم ما يشآءون عند ربهم

# [الشورى: 22] حسب مراتبهم في القربات والوصلات والمكاشفات ونيل الدرجات
~~وعلى قدر هممهم

# قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في
~~القربى

# [الشورى: 23] وهم أقاربه صلى الله عليه وسلم الذين خلقوا من عنصره
~~الشريف وتحلوا بحلاه ms09614 المنيف كأئمة أهل البيت ومودتهم يعود نفعها إلى من
~~يودهم لأنها سبب للفيض وهم رضي الله تعالى عنهم أبوابه وفي قوله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " أنا مدنية العلم وعلي بابها "

# رمز إلى ذلك فافهم الإشارة

# وهو الذي يقبل التوبة عن عباده

# [الشورى: 25] لمزيد كرمه جل شأنه فمتى وفق عبدا للتوبة قبلها جودا
~~وكرما وعن بعضهم أنه قال لبعض المشايخ: إن تبت فهل يقبلني الله تعالى؟
~~فقال: إن يقبلك الله تعالى تتب إليه سبحانه فقبول الله تعالى سابق على
~~التوبة

# ويزيدهم من فضله

# [الشورى: 26] إشارة إلى الرؤية فإن الجنان ونعيمها مخلوقة تقع في مقابلة
~~مخلوق وهو عمل العمال والرؤية مما تتعلق بالقديم فلا تقع إلا فضلا
~~ربانيا، وفي بعض الأخبار أن هذه الزيادة أن يشفعهم في إخوان إخوانهم

# استجيبوا لربكم

# [الشورى: 47] الاستجابة للعوام بالوفاء بعهده تعالى والقيام بحقه سبحانه
~~والرجوع عن مخالفته جل شأنه إلى موافقته عز وجل، وللخواص بالاستسلام
~~للأحكام الأزلية والإعراض عن الدنيا وزينتها وشهواتها، ولأخص الخواص من
~~أهل المحبة بصدق الطلب بالإعراض عن الدارين والتوجه لحضرة الجلال ببذل
~~الوجود في نيل الوصول والوصال

# يهب لمن يشاء إنثا ويهب لمن يشاء الذكور * أو
~~يزوجهم ذكرانا وإنثا ويجعل من يشاء عقيما

# [الشورى: 4950] قيل فيه إشارة إلى أحوال المشايخ من حيث المريدين فمنهم
~~من يهب الله تعالى له ومنهم من لا تصرف له في غيره بالتخريج والتسليك وهو
~~أشبه شيء بالأنثى من حيث عدم التصرف ومنهم من يهب سبحانه له من له قدرة
~~التصرف بالتخريج والتسليك وهو أشبه شيء بالذكر ومنهم من يهب له تعالى هذا
~~وهذا ومنهم من يجعله جل وعلا عقيما لا مريد له أصلا.

# وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من
~~وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه * ما
~~يشآء إنه علي حكيم

# [الشورى: 51] قال سيدي الشيخ / عبد الوهاب الشعراني في تفسيره الآية
~~المذكورة: اعلم أن المانع من سماع كلام الحق إنما هو البشرية فإذا ارتفع
~~العبد عنها كلمه الله تعالى من حيث كلم سبحانه ms09615 الأرواح المجردة عن
~~المواد، والبشر ما سمي بشرا إلا لمباشرته الأمور التي تعوقه عن اللحوق
~~بدرجة الروح فلما لم يلحق كلمه الله تعالى في الأشياء وتجلى سبحانه له
~~فيها بخلاف من لحق كالأنبياء عليهم السلام فلا يتجلى الحق سبحانه لغيرهم
~~إلا في حجاب الصور ولولا هدايته تعالى للعبد ما عرف أنه سبحانه ربه.
~~واعلم أن الحقيقة تأبى أن يكلم الله تعالى غير نفسه أو يسمع غير نفسه
~~فلا بد إذا خاطب عبدا على قصد إسماعه أن يكون جميع قواه لأنه محال أن
~~يطيق الحادث سماع كلام القديم ولم يكن الحق سبحانه قواه عند النجوى ولذلك
~~خر موسى عليه السلام صعقا إذ لم يكن له استعداد يقبل به التجلي اللائق
~~بمقامه وثبت نبينا صلى الله عليه وسلم ولما لم يكن للجبل درجة المحبة
~~التي يكون بها الحق سمع عبده وبصره وجميع قواه لم يقدر على سماع الخطاب
~~فدك. واعلم أن حديث الحق سبحانه للخلق لا يزال أبدا غير أن من الناس من
~~يفهم أنه حديث كعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ومن ورثه من الأولياء
~~ومنهم من لا يعرف ذلك ويقول: ظهر لي كذا وكذا ولا يعرف أن ذلك من حديث
~~الحق سبحانه معه وكان شيخنا يقول: كان عمر من أهل السماع المطلق الذي
~~يحدثهم الله تعالى في كل شيء ولكن له ألقاب وهو أنه إن أجابوه به تعالى
~~فهو حديث وإن أجابوه بهم فهي محادثة وإن سمعوا حديثه سبحانه فليس بحديث
~~في حقهم وإنما هو خطاب أو كلام، وقد ورد في المتهجدين أنهم أهل المسامرة
~~فقد علمت أن الوحي ما يلقيه الله تعالى في قلوب خواص عباده على جهة
~~الحديث فيحصل لهم من ذلك علم بأمر ما فإن لم يكن كذلك فليس بوحي ولا خطاب
~~فإن بعض الناس يجدون في قلوبهم علما بأمر ما مثل العلوم الضرورية عند
~~الناس فهو علم صحيح لكن ليس صادرا عن خطاب وكلامنا إنما هو في الخطاب
~~الإلهي المسمى وحيا فإن الله تعالى جعل ms09616 هذا الصنف من الوحي كلاما
~~يستفيد به العلم من جاء له.

# واعلم أنه لا ينزل على قلوب الأولياء من وحي الإلهام إلا دقائق ممتدة من
~~الأرواح الملكية لا نفس الملائكة لأن الملك لا ينزل بوحي على غير نبي
~~أصلا ولا يأمر بأمر إلهي قطعا لأن الشريعة قد استقرت فلم يبق إلا وحي
~~المبشرات وهو الوحي الأعم ويكون من الحق إلى العبد من غير واسطة ويكون
~~أيضا بواسطة والنبوة من شأنها الواسطة فلا بد من واسطة الملك فيها لكن
~~الملك لا يكون حال إلقائه ظاهرا بخلاف الأنبياء عليهم السلام فإنهم يرون
~~الملك حال الكلام والولي لا يشهد الملك إلا في غير حال الإلقاء فإن سمع
~~كلامه لم يره وإن رآه لا يكلمه فالعارفون لا ينالون ما فاتهم من النبوة
~~مع بقاء المبشرات عليهم إلا أن الناس يتفاضلون فمنهم من لا يبرح في بشارة
~~الواسطة ومنهم من يرتفع عنها كالأفراد فإن لهم المبشرات بارتفاع الوسائط
~~وما لهم النبوات ولهذا ينكر عليهم الأحكام لأنهم ضاهوا الأنبياء من حيث
~~كونهم يعملون بما يرونه من تعريفات الحق لهم كأنه شريعة مستقلة في الظاهر
~~وليس ذلك بشريعة إنما هو بيان لها فالمنقطع إنما هو وحي التشريع لا غير
~~أما التعريف لأمور مجملة في السنة فهو باق لهذه الأمة ليكونوا على بصيرة
~~فيما يدعون الناس إليه لأنه خبر إلهي وإخبار من الله تعالى للعبد على يد
~~ملك مغيب على هذا الملهم، ولا يكون الإلهام إلا في الخير و

# ألهمها فجورها

# [الشمس: 8] على معنى إلهامها إياه لتجتنبه كما أن إلهامها تقواها لتعمل
~~بها، وأكمل الإلهام أن يلهم اتباع الشرع والنظر في الكتب الإلهية ويقف
~~عند حدودها وأوامرها حتى يزول صدى طبيعته وتنتقش فيها صور العالم، وأما
~~قوله تعالى: { أو من وراء حجاب } فهو خطاب إلهي يلقيه على السمع
~~لا على القلب فيدركه من ألقي إليه فيفهم منه ما قصده من يسمعه ذلك وقد
~~يحصل له ذلك في صورة التجلي فتخاطبه تلك الصورة وهي عين الحجاب فيفهم من
~~ذلك ms09617 الخطاب علم ما يدل عليه ويعلم أن ذلك حجاب وأن المتكلم من وراء ذلك
~~الحجاب وكل من أدرك صورة التجلي الإلهي يعلم أن ذلك هو الله تعالى فما
~~يزيد صاحب هذا الحال على غيره إلا بمعرفته أن المخاطب له من وراء الحجاب.
~~وأما قوله تعالى: { أو يرسل رسولا } فهو ما ينزل به الملك أو ما
~~يجىء به الرسول البشري إلينا إذا نقلا كلام الله تعالى خاصة كالتالين فإن
~~نقلا علما وجداه في أنفسهما وأفصحا عنه فذلك ليس بكلام إلهي، ومن
~~الأولياء من يعطي الترجمة عن الله سبحانه في حال الإلقاء والوحي الخاص
~~بكل إنسان فيكون المترجم موجدا لصور الحروف اللفظية أو المرقومة ويكون
~~روح تلك الصور كلام الله عز وجل لا غير، وقد يقول الولي: حدثني قلبي عن
~~ربي يعني به من الوجه الخاص فاعلم ذلك وتأمل ما قررته لك فإنه نفيس
~~والله تعالى يتولى هداك، وله قدس سره كلام كثير في هذا المقام تركناه خوف
~~الإطالة، ولعل فيما ذكرناه كفاية لذوي الأفهام.

# { وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا } وهو ما به
~~الحياة الطيبة الأبدية { ما كنت تدري ما الكتب ولا
~~الإيمن } قبل الإيحاء. قيل: أشير بهذا الإيحاء إلى الإيحاء في هذه
~~النشأة وكان له صلى الله عليه وسلم في كل حال من أحواله فيها نوع من
~~الوحي والدراية المنفية إذ كان عليه الصلاة والسلام في كينونته قبل
~~إخراجه منها بتجلي كينونته عز وجل وإلا فهو صلى الله عليه وسلم نبي ولا
~~آدم ولا ماء ولا طين ولا يعقل نبي بدون إيحاء

# وإنك لتهدي إلى صرط مستقيم

# [الشورى: 52] وهو التوحيد السليم من زوايا الأغيار ويشير إلى ذلك قوله
~~تعالى: { ألا إلى الله تصير الأمور } [الشورى: 53] تمت
~~السورة بتوفيق الله عز وجل والصلاة والسلام على أول نور أشرق من شمس
~~الأزل وبها والحمد لله تعالى.

### | [43 - سورة الزخرف]

### || [43.1]

# الكلام فيه على نحو ما مر في مفتتح يس.

### || [43.2]

# { والكتب } أي القرآن والمراد به جميعه، وجوز إرادة جنسه الصادق
~~ببعضه وكله، ms09618 وقيل: يجوز أن يراد به جنس الكتب المنزلة أو المكتوب في
~~اللوح أو المعنى المصدري وهو الكتابة والخط. وأقسم سبحانه بها لما فيها
~~من عظيم المنافع ولا يخفى ما في ذلك، والأولى على تقدير اسمية { حم }
~~كونه اسما للقرآن وأن يراد ذلك أيضا بالكتاب وهو مقسم به إما ابتداء
~~أو عطفا على { حم } على تقدير كونه مجرورا بإضمار باء القسم على أن
~~مدار العطف المغايرة في العنوان لكن يلزم على هذا حذف حرف الجر وإبقاء
~~عمله كما في:

# أشارت كليب بالأكف الأصابع

# ومنع أن يقسم بشيئين بحرف واحد لا يلتفت إليه ومناط تكرير القسم
~~المبالغة في تأكيد الجملة القسمية { المبين } أي المبين لمن أنزل
~~عليهم لكونه بلغتهم وعلى أساليب كلامهم على أنه من أبان اللازم أو المبين
~~لطريق الهدى من طريق الضلالة الموضح لأصول ما يحتاج إليه في أبواب
~~الديانة على أنه من أبان المتعدي.

### || [43.3]

# { إنا جعلنه قرءانا عربيا } جواب للقسم، والجعل بمعنى
~~التصيير المعدى لمفعولين لا بمعنى الخلق المعدى لواحد لا لأنه ينافي
~~تعظيم القرآن بل لأنه يأباه ذوق المقام المتكلم فيه لأن الكلام لم يسبق
~~لتأكيد كونه مخلوقا وما كان إنكارهم متوجها عليه بل هو مسوق لإثبات
~~كونه قرآنا عربيا مفصلا واردا على أساليبهم لا يعسر عليهم فهم ما فيه
~~ودرك كونه معجزا كما يؤذن به قوله تعالى: { لعلكم تعقلون }
~~أي لكي تفهموه وتحيطوا بما فيه من النظر الرائق والمعنى الفائق وتقفوا
~~على ما يتضمنه من الشواهد الناطقة بخروجه عن طوق البشر وتعرفوا حق النعمة
~~في ذلك وتنقطع أعذاركم بالكلية. والقسم بالقرآن على ذلك من الأيمان
~~الحسنة البديعة لما فيه من رعاية المناسبة والتنبيه على أنه لا شيء أعلى
~~منه فيقسم به ولا أهم من وصفه فيقسم عليه كما قال أبو تمام:

# وثناياك إنها إغريض

# ولآل قوم وبرق وميض

# بناء على أن جواب القسم قوله: إنها إغريض.

# واستدل بالآية على أن القرآن مخلوق وأطالوا الكلام في ذلك، وأجيب بأنه
~~إن دل على المخلوقية فلا يدل على أكثر ms09619 من مخلوقية الكلام اللفظي ولا نزاع
~~فيها. وأنت تعلم أن الحنابلة ينازعون في ذلك ولهم عن الاستدلال أجوبة
~~مذكورة في كتبهم. وأخرج ابن مردويه عن طاوس قال: جاء رجل إلى ابن عباس من
~~حضرموت فقال له: يا ابن عباس أخبرني عن القرآن أكلام من كلام الله تعالى
~~أم خلق من خلق الله سبحانه؟ قال: بل كلام من كلام الله تعالى أو ما سمعت
~~الله سبحانه يقول:

# وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى
~~يسمع كلام الله

# [التوبة: 6] فقال له الرجل: أفرأيت قوله تعالى: { إنا جعلنه
~~قرءانا عربيا } قال: كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ بالعربية
~~أما سمعت الله تعالى يقول:

# بل هو قرءان مجيد * في لوح محفوظ

# [البروج: 21-22] فتأمل فيه.

### || [43.4]

# { وإنه في أم الكتب } أي في اللوح المحفوظ على ما ذهب
~~إليه جمع فإنه أم الكتب السماوية أي أصلها لأنها كلها منقولة منه، وقيل:
~~{ أم الكتب } العلم الأزلي، وقيل: الآيات المحكمات والضمير ل

# حم

# [الزخرف:1] أو للكتاب بمعنى السورة أي إنها واقعة في الآيات المحكمات
~~التي هي الأم وهو كما ترى. وقرأ الأخوان { إم } بكسر الهمزة لاتباع الميم
~~أو { الكتب } فلا تكسر في عدم الوصل { لدينا } أي عندنا {
~~لعلي } رفيع الشأن بين الكتب لإعجازه واشتماله على عظيم الأسرار {
~~حكيم } ذو حكمة بالغة أو محكم لا ينسخه غيره أو حاكم على غيره من
~~الكتب وهما خبران لإن، وفي { أم الكتب } قيل متعلق بعلى واللام
~~لما فارقت محلها وتغيرت عن أصلها بطلت صدراتها فجاز تقديم ما في حيزها
~~عليها أو حال منه لأنه صفة نكرة تقدمتها أو من ضميره المستتر و {
~~لدينا } بدل من { أم الكتب } وهما وإن كانا متغايرين بالنظر
~~إلى المعنى متوافقان بالنظر إلى الحاصل أو حال منه أو من (الكتاب) فإن
~~المضاف في حكم الجزء لصحة سقوطه، ولعل المختار كون الظرفين في موضع الخبر
~~لمبتدأ محذوف والجملة مستأنفة لبيان محل الحكم كأنه قيل بعد بيان اتصافه
~~بما ذكر من الوصفين الجليلين هذا في أم الكتاب ولدينا، ولم ms09620 يجوزوا كونهما
~~في موضع الخبر لإن لدخول اللام في غيرهما. وأيا ما كان فالجملة المؤكدة
~~إما عطف على الجملة المقسم عليها داخلة في حكمها وإما مستأنفة مقررة لعلو
~~شأن القرآن / الذي أنبأ الإقسام به على منهاج الاعتراض في قوله تعالى:

# وإنه لقسم لو تعلمون عظيم

# [الواقعة: 76].

# وبعد ما بين سبحانه علو شأن القرآن العظيم وحقق جل وعلا أن إنزاله على
~~لغتهم ليعقلوه ويؤمنوا به ويعملوا بموجبه عقب سبحانه ذلك بإنكار أن يكون
~~الأمر بخلافه فقال جل شأنه: { أفنضرب عنكم الذكر }

### || [43.5]

# { أفنضرب عنكم الذكر } أي أفننحيه ونبعده عنكم على سبيل
~~الاستعارة التمثيلية من قولهم: ضرب الغرائب عن الحوض شبه حال الذكر
~~وتنحيته بحال غرائب الإبل وذودها عن الحوض إذا دخلت مع غيرها عند الورد
~~ثم استعمل ما كان في تلك القصة ههنا، وفيه إشعار باقتضاء الحكمة توجه
~~الذكر إليهم وملازمته لهم كأنه يتهافت عليهم، ولو جعل استعارة في المفرد
~~بجعل التنحية ضربا جاز ومن ذلك قول طرفة:

# أضرب عنك الهموم طارقها

# ضربك بالسيف قونس الفرس

# وقول الحجاج في خطبته يهدد أهل العراق: لأضربنكم ضرب غرائب الإبل. و {
~~الذكر } قيل المراد به القرآن ويروى ذلك عن الضحاك وأبي صالح والكلام
~~على تقدير مضاف أي إنزال الذكر وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر تفخيما،
~~وقيل: بل هو ذكر العباد بما فيه صلاحهم فهو بمعنى المصدر حقيقة، وعن ابن
~~عباس ومجاهد ما يقتضيه. والهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف يقتضيه
~~على أحد الرأيين في مثل هذا التركيب أي أنهملكم فننحي الذكر عنكم، وقال
~~ابن الحاجب: الفاء لبيان أن ما قبلها وهو جعل القرآن عربيا سبب لما
~~بعدها وهو إنكار أن يضرب سبحانه الذكر عنهم.

# { صفحا } أي إعراضا، وهو مصدر لنضرب من غير لفظه فإن تنحية الذكر
~~إعراض فنصبه على أنه مفعول مطلق على نهج قعدت جلوسا كأنه قيل: أفنصفح
~~عنكم صفحا أو هو منصوب على أنه مفعول له أو حال مؤول بصافحين بمعنى
~~معرضين. وأصل الصفح أن تولي الشيء صفحة عنقك، وقيل: إنه بمعنى ms09621 الجانب
~~فينتصب على الظرفية أي أفننحيه عنكم جانبا، ويؤيده قراءة حسان بن عبد
~~الرحمن الضبعي والسميط بن عمير وشبيل بن عزرة { صفحا } بضم الصاد
~~وحينئذ يحتمل أن يكون تخفيف صفح كرسل جمع صفوح بمعنى صافحين، وأبو حيان
~~اختار أن يكون مفردا بمعنى المفتوح كالسد والسد. وحكى عن ابن عطية أن
~~انتصاب { صفحا } على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة فيكون
~~العامل فيه محذوفا، ولا يخفى أنه لا يظهر ذلك، وأيا ما كان فالمراد
~~إنكار أن يكون الأمر خلاف ما ذكر من إنزال كتاب على لغتهم ليفهموه.

# { أن كنتم قوما مسرفين } أي لأن كنتم منهمكين في الإسراف
~~مصرين عليه على معنى أن الحكمة تقتضي ذكركم وإنزال القرآن عليكم فلا نترك
~~ذلك لأجل أنكم مسرفون لا تلتفتون إليه بل نفعل، التفتم أم لا. وقيل: هو
~~على معنى أن حالكم وإن اقتضى تخليتكم وشأنكم حتى تموتوا على الكفر
~~والضلالة وتبقوا في العذاب الخالد لكننا لسعة رحمتنا لا نفعل ذلك بل
~~نهديكم إلى الحق بإرسال الرسول الأمين وإنزال الكتاب المبين.

# وقرأ نافع والأخوان { إن كنتم } بكسر الهمزة على أن الجملة شرطية، و(إن)
~~وإن كانت تستعمل للمشكوك وإسرافهم أمر محقق لكن جىء بها هنا بناء على
~~جعل المخاطب كأنه متردد في ثبوت الشرط شاك فيه قصدا إلى نسبته إلى الجهل
~~بارتكابه الإسراف لتصويره بصورة ما يفرض لوجوب انتفائه وعدم صدوره ممن
~~يعقل، وقيل: لا حاجة إلى هذا لأن الشرط الإسراف في المستقبل وهو ليس
~~بمتحقق، ورد بأن (إن) الداخلة على كان لا تقلبه للاستقبال / عند الأكثر،
~~ولذا قيل: { إن } هنا بمعنى إذ، وأيد بأن علي بن زيد قرأ به وأنه يدل على
~~التعليل فتوافق قراءة الفتح معنى، ولو سلم فالظاهر من حال المسرف المصر
~~على إسرافه بقاؤه على ما هو عليه فيكون محققا في المستقبل أيضا على
~~القول بأنها تقلب كان كغيرها من الأفعال وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة ما
~~قبل عليه، وجوز أن يكون الشرط في موقع الحال أي مفروضا إسرافكم على أنه
~~من ms09622 الكلام المنصف فلا يحتاج إلى تقدير جواب.

# وتعقب بأنه إنما يتأتى على القول بأن (ان) الوصلية ترد في كلامهم بدون
~~الواو والمعروف في العربية خلافه. وقوله عز وجل: { وكم أرسلنا
~~من نبي فى الأولين }.

### || [43.6-7]

# تقرير لما قبله ببيان أن إسراف الأمم السالفة لم يمنعه تعالى من إرسال
~~الأنبياء إليهم وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاء قومه به
~~عليه الصلاة والسلام، فقد قيل: البلية إذا عمت طابت، و { كم } مفعول {
~~أرسلنا } و { في الأولين } متعلق به أو صفة { نبي } و {
~~ما يأتيهم } الخ للاستمرار وضميره للأولين.

### || [43.8]

# وقوله تعالى: { فأهلكنا أشد منهم بطشا } نوع آخر من
~~التسلية له صلى الله عليه وسلم، وضمير { منهم } يرجع إلى المسرفين
~~المخاطبين لا إلى ما يرجع إليه ضمير { ما يأتيهم } لقوله تعالى: {
~~ومضى مثل الأولين } أي سلف في القرآن غير مرة ذكر قصتهم التي
~~حقها أن تسير مسير المثل. ونصب { بطشا } على التمييز وجوز كونه على
~~الحال من فاعل { أهلكنا } أي باطشين، والأول أحسن، ووصف أولئك
~~بالأشدية لإثبات حكمهم لهؤلاء بطريق الأولوية. وقوله تعالى: { ولئن
~~سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن
~~خلقهن العزيز العليم }

### || [43.9]

# عطف على الخطاب السابق، والآيتان أعني قوله تعالى:

# وكم أرسلنا

# [الزخرف: 6-7] اعتراض لإفادة التقرير والتسلية كما سمعت، والمراد ولئن
~~سألتهم من خلق العالم ليسندن خلقه إلى من هو متصف بهذه الصفات في نفس
~~الأمر لا أنهم يقولون هذه الألفاظ ويصفونه تعالى بما ذكر من الصفات ذكره
~~الزمخشري فيما نسب إليه، وهذا حسن وله نظير عرفا وهو أن واحدا لو أخبرك
~~أن الشيخ قال كذا وعنى بالشيخ شمس الأئمة ثم لقيت شمس الأئمة فقلت: إن
~~فلانا أخبرني أن شمس الأئمة قال: كذا مع أن فلانا لم يجر على لسانه إلا
~~الشيخ ولكنك تذكر ألقابه وأوصافه فكذا ههنا الكفار يقولون: خلقهن الله
~~لا ينكرون ثم إن الله عز وجل ذكر صفاته أي إن الله تعالى الذي يحيلون
~~عليه خلق السموات والأرض من صفته سبحانه كيت وكيت. وقال ms09623 ابن المنير: إن
~~{ العزيز العليم } من كلام المسؤولين وما بعد من كلامه سبحانه.
~~وفي «الكشف» لا فرق بين ذلك الوجه وهذا في الحاصل فإنه حكاية كلام عنهم
~~متصل به كلامه تعالى على أنه من تتمته وإن لم يكن قد تفوهوا به، وهذا كما
~~يقول مخاطبك: أكرمني زيد فتقول: الذي أكرمك وحياك أو لجماعة آخرين حاضرين
~~الذي أكرمكم وحياكم فإنك تصل كلامك بكلامه على أنه من تتمته ولكن لا
~~تجعله من مقوله، والأظهر من حيث اللفظ ما ذكره ابن المنير وحينئذ يقع
~~الالتفات في

# فأنشرنا

# [الزخرف: 11] بعد موقعه، ونظير ذلك قوله تعالى حكاية عن موسى عليه
~~السلام:

# لا يضل ربي ولا ينسى

# [طه: 52] إلى قوله تعالى:

# فأخرجنا به أزواجا من نبت شتى

# [طه: 53] وفي إعادة الفعل في الجواب اعتناء بشأنه ومطابقته للسؤال من
~~حيث المعنى على ما زعم أبو حيان لا من حيث اللفظ قال: لأن من مبتدأ فلو
~~طابق في اللفظ لكان بالاسم مبتدأ دون الفعل بأن يقال: العزيز العليم
~~خلقهن.

### || [43.10]

# { الذي جعل لكم الأرض مهدا } مكانا ممهدا أي موطأ
~~ومآله بسطها لكم تستقرون فيها / ولا ينافي ذلك كريتها لمكان العظم. وعن
~~عاصم أنه قرأ { مهدا } بدون ألف { وجعل لكم فيها سبلا }
~~طرقا تسلكونها في أسفاركم { لعلكم تهتدون } أي لكي تهتدوا
~~بسلوكها إلى مقاصدكم أو بالتفكر فيها إلى التوحيد الذي هو المقصد الأصلي.

### || [43.11]

# { والذي نزل من السماء ماء بقدر } أي بمقدار تقتضيه
~~المشيئة المبنية على الحكم والمصالح ولا يعلم مقدار ما ينزل من ذلك في كل
~~سنة على التحقيق إلا الله عز وجل، والآلة التي صنعها الفلاسفة في هذه
~~الأعصار المسماة بالأودوميتر [odométre] يزعمون أنه يعرف بها مقدار المطر
~~النازل في كل بلد من البلاد في جميع السنة لا تفيد تحقيقا في البقعة
~~الواحدة الصغيرة فضلا عن غيرها كما لا يخفى على المنصف. وفي «البحر» {
~~بقدر } أي بقضاء وحتم في الأزل، والأول أولى.

# { فأنشرنا به } أي أحيينا بذلك الماء { بلدة ميتا }
~~خالية عن النماء والنبات بالكلية. وقرأ أبو ms09624 جعفر وعيسى { ميتا }
~~بالتشديد، وتذكيره لأن البلدة في معنى البلد والمكان، قال الجلبي: لا
~~يبعد والله تعالى أعلم أن يكون تأنيث البلد وتذكير { ميتا } إشارة
~~إلى بلوغ ضعف حاله الغاية. وفي الكلام استعارة مكنية أو تصريحية.
~~والالتفات في { أنشرنا } إلى نون العظمة لإظهار كمال العناية بأمر
~~الإحياء والإشعار بعظم خطره.

# { كذلك } أي مثل ذلك الإنشار الذي هو في الحقيقة إخراج النبات من
~~الأرض وهو صفة مصدر محذوف أي إنشارا كذلك { تخرجون } أي تبعثون من
~~قبوركم أحياء. وفي التعبير عن إخراج النبات بالإنشار الذي هو إحياء
~~الموتى وعن إحيائهم بالإخراج تفخيم لشأن الإنبات وتهوين لأمر البعث، وفي
~~ذلك من الرد على منكريه ما فيه. وقرأ ابن وثاب وعبد الله بن جبير وعيسى
~~وابن عامر والأخوان { تخرجون } مبنيا للفاعل.

### || [43.12]

# { والذي خلق الأزوج كلها } أي أصناف المخلوقات فالزوج
~~هنا بمعنى الصنف لا بمعناه المشهور، وعن ابن عباس الأزواج الضروب
~~والأنواع كالحلو والحامض والأبيض والأسود والذكر والأنثى، وقيل: كل ما
~~سوى الله سبحانه زوج لأنه لا يخلو من المقابل كفوق وتحت ويمين وشمال وماض
~~ومستقبل إلى غير ذلك والفرد المنزه عن المقابل هو الله عز وجل، وتعقب بأن
~~دعوى اطراده في الموجودات بأسرها لا تخلو عن النظر. ولعل من قال: كل ما
~~سوى الله سبحانه زوج لم يبن الأمر على ما ذكر وإنما بناه على أن الواجب
~~جل شأنه واحد من جميع الجهات لا تركيب فيه سبحانه بوجه من الوجوه لا
~~عقلا ولا خارجا ولا كذلك شيء من الممكنات مادية كانت أو مجردة.

# { وجعل لكم من الفلك والأنعم ما تركبون } أي
~~ما تركبونه، فما موصولة والعائد محذوف، والركوب بالنظر إلى الفلك يتعدى
~~بواسطة الحرف وهو في كما قال تعالى:

# فإذا ركبوا في الفلك

# [العنكبوت: 65] بخلافه لا بالنظر إليه فإنه يتعدى بنفسه كما قال سبحانه:

# لتركبوها

# [النحل: 8] إلا أنه غلب المتعدي بغير واسطة لقوته على المتعدي بواسطة
~~فالتجوز الذي يقتضيه التغليب بالنسبة إلى المتعلق أو غلب المخلوق للركوب
~~على المصنوع له لكونه مصنوع الخالق ms09625 القدير أو الغالب على النادر فالتجوز
~~في { ما } وضميره الذي تعدى الركوب إليه بنفسه دون النسبة إلى المفعول
~~ولتغليب ما ركب من الحيوان على الفلك.

### || [43.13]

# { لتستووا على ظهوره } حيث عبر عن القرار على الجميع
~~بالاستواء على الظهور المخصوص بالدواب والضمير ل

# ما تركبون

# [الزخرف: 12] وأفرد رعاية للفظ. وجمع ظهور مع إضافته إليه رعاية لمعناه.
~~والظاهر أن لام { لتستووا } لام كي، وقال الحوفي: من أثبت لام
~~الصيرورة جاز له / أن يقول به هنا، وقال ابن عطية: هي لام الأمر، وفيه
~~بعد من حيث استعماله أمر المخاطب بتاء الخطاب، وقد اختلف في أمره فقيل:
~~إنه لغة رديئة قليلة لا تكاد تحفظ إلا في قراءة شاذة نحو { فبذلك
~~فلتفرحوا } [يونس: 58] أو شعر نحو قوله:

# لتقم أنت يابن خير قريش

# وما ذكره المحدثون من قوله عليه الصلاة والسلام: «لتأخذوا مصافكم» يحتمل
~~أنه من المروي بالمعنى، وقال الزجاج: إنها لغة جيدة، وأبو حيان على الأول
~~وحكاه عن جمهور النحويين.

# { ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه }
~~أي تذكروها بقلوبكم معترفين بها مستعظمين لها ثم تحمدوا عليها بألسنتكم
~~وهذا هو معنى ذكر نعمة الله تعالى عليهم على ما قال الزمخشري. وحاصله أن
~~الذكر يتضمن شعور القلب والمرور على اللسان فنزل على أكمل أحواله وهو أن
~~يكون ذكرا باللسان مع شعور من القلب، وأما الاعتراف والاستعظام فمن نعمة
~~ربكم لاقتضائه الإحضار في القلب لذلك وهذا عين الحمد الذي هو شكر في هذا
~~المقام لا أنه يوجبه وإن كان ذلك التقرير سديدا أيضا، ومنه يظهر إيثاره
~~على ثم تحمدوا إذا استويتم، ومن جوز استعمال المشترك في معنييه جوز هنا
~~أن يراد بالذكر الذكر القلبي والذكر اللساني وهو كما ترى.

# ولما كانت تلك النعمة متضمنة لأمر عجيب قال سبحانه: { وتقولوا
~~سبحن الذي سخر لنا هذا } أي وتقولوا سبحان الذي ذلله
~~وجعله منقادا لنا متعجبين من ذلك، وليس الإشارة للتحقير بل لتصوير الحال
~~وفيها مزيد تقرير لمعنى التعجب، والكلام وإن كان إخبارا على ما سمعت
~~أولا يشعر بالطلب.

# أخرج ms09626 عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي مجلز قال: رأى الحسين
~~بن علي رضي الله تعالى عنهما وكرم وجههما رجلا ركب دابة فقال: سبحان
~~الذي سخر لنا هذا فقال: أو بذلك أمرت؟ فقال: فكيف أقول؟ قال: الحمد لله
~~الذي هدانا للإسلام الحمد لله الذي من علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم
~~الحمد لله الذي جعلني في خير أمة أخرجت للناس ثم تقول: { سبحن
~~الذي سخر لنا هذا } إلى { مقرنين } وهذا يومي إلى أن
~~ليس المراد من النعمة نعمة التسخير، وأخرج ابن المنذر عن شهر بن حوشب أنه
~~فسرها بنعمة الإسلام.

# وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وجماعة عن علي كرم الله
~~تعالى وجهه أنه أتي بدابة فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله فلما
~~استوى على ظهرها قال: الحمد لله ثلاثا والله أكبر ثلاثا { سبحن
~~الذى سخر لنا هذا } [الزخرف: 13] إلى

# لمنقلبون

# [الزخرف: 14] سبحانك لا إله إلا أنت قد ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي إنه
~~لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك فقيل له: مم ضحكت يا أمير المؤمنين؟ قال:
~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت ثم ضحك فقلت: يا رسول
~~الله مم ضحكت؟ فقال: يتعجب الرب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ويقول: علم
~~عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري، وفي حديث أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود
~~والدارمي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على
~~بعيره خارجا إلى سفر حمد الله تعالى وسبح وكبر ثلاثا ثم قال: {
~~سبحن الذي سخر لنا هذا } إلى { لمنقلبون } ،
~~وفي حديث أخرجه أحمد وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من
~~بعير إلا في ذروته شيطان فاذكروا اسم الله تعالى إذا ركبتموه كما أمركم.

# وظاهر النظم الجليل أن تذكر النعمة والقول المذكور لا يخصان ركوب
~~الأنعام بل يعمانها والفلك، وذكر بعضهم أنه يقال: إذا ركبت السفينة

# بسم الله مجريها ومرساها

# [هود: 41] إلى

# رحيم

# [هود: 41] ويقال: ms09627 عند النزول منها «اللهم / أنزلنا منزلا مباركا وأنت
~~خير المنزلين».

# { وما كنا له مقرنين } أي مطيقين، وأنشد قطرب لعمرو بن معدي
~~كرب:

# لقد علم القبائل ما عقيل

# لنا في النائبات بمقرنينا

# وهو من أقرن الشيء إذا أطاقه، قال ابن هرمة:

# وأقرنت ما حملتني ولقلما

# يطاق احتمال الصد يا دعد والهجر

# وحقيقة أقرنه وجده قرينته وما يقرن به لأن الصعب لا يكون قرينة للضعيف
~~ألا ترى إلى قولهم في الضعيف لا تقرن به الصعبة. والقرن الحبل الذي يقرن
~~به، قال الشاعر:

# وابن اللبون إذا ما لز في قرن

# لم يستطع صولة البزل القناعيس

# وحاصل المعنى أنه ليس لنا من القوة ما يضبط به الدابة والفلك وإنما الله
~~تعالى هو الذي سخر ذلك وضبطه لنا. أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن
~~سليمان بن يسار أن قوما كانوا في سفر فكانوا إذا ركبوا قالوا: {
~~سبحن الذي سخر لنا هذا مقرنين } وكان فيهم رجل
~~له ناقة رزام فقال: أما أنا فلهذه مقرن فقمصت به فصرعته فاندقت عنقه.
~~وقرىء { مقرنين } بتشديد الراء مع فتحها وكسرها وهما بمعنى المخفف.

### || [43.14]

# أي راجعون، وفيه إيذان بأن حق الراكب أن يتأمل فيما يلابسه من السير
~~ويتذكر منه المسافرة العظمى التي هي الانقلاب إلى الله تعالى فيبني أموره
~~في مسيره ذلك على تلك الملاحظة ولا يأتي بما ينافيها، ومن ضرورة ذلك أن
~~يكون ركوبه لأمر مشروع. وفيه إشارة إلى أن الركوب مخطرة فلا ينبغي أن
~~يغفل فيه عن تذكر الآخرة.

### || [43.15]

# { وجعلوا له من عباده جزءا } متصل بقوله تعالى:

# ولئن سألتهم

# [الزخرف: 9] إلى آخره فهو حال من فاعل { ليقولن } بتقدير قد أو
~~بدونه، والمراد بيان أنهم مناقضون مكابرون حيث اعترفوا بأنه عز وجل خالق
~~السموات والأرض ثم وصفوه سبحانه بصفات المخلوقين وما يناقض كونه تعالى
~~خالقا لهما فجعلوا له سبحانه جزأ وقالوا: الملائكة بنات الله سبحانه
~~وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. وعبر عن الولد بالجزء لأنه بضعة ممن هو ولد
~~له كما قيل: أولادنا أكبادنا، وفيه دلالة على ms09628 مزيد استحالته على الحق
~~الواحد الذي لا يضاف إليه انقسام حقيقة ولا فرضا ولا خارجا ولا ذهنا
~~جل شأنه وعلا، ولتأكيد أمر المناقضة لم يكتف بقوله تعالى: { جزء } وقيل
~~{ من عباده } لأنه يلزمهم على موجب اعترافهم أن يكون ما فيهما
~~مخلوقه تعالى وعبده سبحانه إذ هو حادث بعدهما محتاج إليهما ضرورة.

# وقيل: الجزء اسم للإناث يقال: أجزأت المرأة إذا ولدت أنثى، وأنشد قول
~~الشاعر:

# إن أجزأت حرة يوما فلا عجب

# قد تجزىء الحرة المذكار أحيانا

# وقوله:

# زوجتها من بنات الأوس مجزئة

# للعوسج اللدن في أبياتها زجل

# وجعل ذلك الزمخشري من بدع التفاسير وذكر أن ادعاء أن الجزء في لغة العرب
~~اسم للإناث كذب عليهم ووضع مستحدث منحول وأن البيتين مصنوعان، وقال
~~الزجاج: في البيت الأول لا أدري قديم أم مصنوع. ووجه بعضهم ذلك بأن حواء
~~خلقت من جزء آدم عليه السلام فاستعير لكل الإناث. وقرأ أبو بكر عن عاصم {
~~جزأ } بضمتين.

# ثم للكلام وإن سيق للفرض المذكور يفهم منه كفرهم لتجسيم الخالق تعالى
~~والاستخفاف به جل وعلا حيث جعلوا له سبحانه أخس النوعين بل إثبات ذلك
~~يستدعي الإمكان / المؤذن بحدوثه تعالى فلا يكون إلها ولا بارئا ولا
~~خالقا تعالى عما يقولون وسبحانه عما يصفون، وليس الكلام مساقا لتعديد
~~الكفران كما قيل.

# وقوله تعالى: { إن الإنسن لكفور مبين } لا يقتضيه فإن
~~المراد المبالغة في كفران النعمة وهي في إنكار الصانع أشد من المبالغة في
~~كفرهم به كما أشير إليه. و { مبين } من أبان اللازم أي ظاهر الكفران،
~~وجوز أن يكون من المتعدي أي مظهر كفرانه.

### || [43.16]

# { أم اتخذ مما يخلق بنات }  { أم } مقطعة وما فيها من
~~معنى بل للانتقال والهمزة للإنكار والتعجيب من شأنهم. وقوله تعالى: {
~~وأصفكم بالبنين } إما عطف على { اتخذ } داخل في حكم
~~الإنكار والتعجيب أو حال من فاعله بإضمار قد أو بدونه. والالتفات إلى
~~خطابهم لتشديد الإنكار أي بل اتخذ سبحانه من خلقه أخس الصنفين واختار لكم
~~أفضلهما على معنى هبوا أن إضافة اتخاذ الولد إليه سبحانه جائزة ms09629 فرضا أما
~~تفطنتم لما ارتكبتم من الشطط في القسمة وقبح ما ادعيتم من أنه سبحانه
~~آثركم على نفسه بخير الجزئين وأعلاهما وترك له جل شأنه شرهما وأدناهما
~~فما أنتم إلا في غاية الجهل والحماقة. وتنكير (بنات) وتعريف (البنين)
~~لقرينة ما اعتبر فيهما من الحقارة والفخامة. وقوله تعالى: { وإذا
~~بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه
~~مسودا وهو كظيم }.

### || [43.17]

# قيل: حال وارتضاه العلامة الثاني على معنى أنهم نسبوا إليه تعالى ما
~~ذكروا من حالهم أن أحدهم إذا بشر به اغتم، وقيل: استئناف مقرر لما قبله،
~~وجوز عطفه على ما قبله وليس بذاك. والالتفات للإيذان باقتضاء ذكر قبائحهم
~~أن يعرض عنهم وتحكى لغيرهم تعجيبا. والجملة الاسمية في موضع الحال أي
~~إذا أخبر أحدهم بجنس ما جعله مثلا للرحمن جل شأنه وهو جنس الإناث لأن
~~الولد لا بد أن يجانس الولد ويماثله صار وجهه أسود في الغاية لسوء ما بشر
~~به عنده والحال هو مملوء من الكرب والكآبة. وعن بعض العرب أن امرأته وضعت
~~أنثى فهجر البيت الذي فيه المرأة فقالت:

# ما لأبي حمزة لا يأتينا

# يظل في البيت الذي يلينا

# غضبان أن لا نلد البنينا

# وليس لنا من أمرنا ما شينا

# وإنما نأخذ ما أعطينا

# وقرىء { مسود } بالرفع و { مسواد } بصيغة المبالغة من اسواد كاحمار مع
~~الرفع أيضا على أن في { ظل } ضمير المبشر ووجهه مسود أي مسواد جملة
~~واقعه موقع الخبر، والمعنى صار المبشر مسود الوجه وقيل: الضمير المستتر
~~في { ظل } ضمير الشأن والجملة خبرها، وقيل: الفعل تام والجملة حالية
~~والوجه ما تقدم.

### || [43.18]

# وقوله تعالى: { أومن ينشأ في الحلية } تكرير للإنكار و {
~~من } منصوبة المحل بمضمر معطوف على { جعلوا } [الزخرف:15] وهناك
~~مفعول محذوف أيضا أي أو جعلوا له تعالى من شأنه أن يتربى في الزينة وهن
~~البنات  كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي  ولدا، فالهمزة لإنكار
~~الواقع واستقباحه. وجوز انتصاب { من } بمضمر معطوف على

# اتخذ

# [الزخرف: 16] فالهمزة حينئذ لإنكار الوقوع واستبعاده، وإقحامها بين
~~المعطوفين لتذكير ما في ms09630 (أم) المنقطعة من الإنكار، والعطف للتغاير
~~العنواني أي أو اتخذ سبحانه من هذه الصفة الذميمة ولدا { وهو } مع ما
~~ذكر من القصور { في الخصام } أي الجدال الذي لا يكاد يخلو عنه إنسان
~~في العادة { غير مبين } غير قادر على تقرير دعواه وإقامة حجته
~~لنقصان عقله وضعف رأيه، والجار متعلق / بمبين، وإضافة { غير } لا تمنع
~~عمل ما بعدها فيه لأنه بمعنى النفي فلا حاجة لجعله متعلقا بمقدر، وجوز
~~كون (من) مبتدأ محذوف الخبر أي أو من حاله كيت وكيت ولده عز وجل، وجعل
~~بعضهم خبره جعلوه ولدا لله سبحانه وتعالى أو اتخذه جل وعلا ولدا.

# وعن ابن زيد أن المراد بمن ينشأ في الحلية الأصنام قال: وكانوا يتخذون
~~كثيرا منها من الذهب والفضة ويجعلون الحلي على كثير منها. وتعقب بأنه
~~يبعد هذا القول قوله تعالى: { وهو في الخصام غير مبين }
~~إلا إن أريد بنفي الإبانة نفي الخصام أي لا يكون منها خصام فإبانة كقوله:

# على لا حب لا يهتدى بمناره

# وعندي أن هذا القول بعيد في نفسه وأن الكلام أعني قوله سبحانه: { أم
~~اتخذ } إلى هنا وارد لمزيد الإنكار في أنهم قوم من عادتهم المناقضة
~~ورمي القول من غير علم. وفي المجىء بأم المنقطعة وما في ضمنها من الإضراب
~~دليل على أن معتمد الكلام إثبات جهلهم ومناقضتهم لا إثبات كفرهم لكنه
~~يفهم منه كما سمعت وتسمع إن شاء الله تعالى.

# وقرأ الجحدري في رواية { ينشأ } مبنيا للمفعول مخففا، وقرأ الحسن في
~~رواية أيضا { يناشأ } على وزن يفاعل مبنيا للمفعول، والمناشاة بمعنى
~~الإنشاء كالمغالاة بمعنى الإغلاء، وقرأ الجمهور { ينشأ } مبنيا للفاعل.

# والآية ظاهرة في أن النشوء في الزينة والنعومة من المعايب والمذام وأنه
~~من صفات ربات الحجال فعلى الرجل أن يجتنب ذلك ويأنف منه ويربأ بنفسه عنه
~~ويعيش كما قال عمر رضي الله تعالى عنه اخشوشنوا في اللباس واخشوشبوا في
~~الطعام وتمعددوا وإن أراد أن يزين نفسه زينها من باطن بلباس التقوى.

### || [43.19]

# وقوله تعالى: { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد
~~الرحمن إناثا ms09631 } أي سموا وقالوا إنهم اناث، قال الزجاج: الجعل
~~في مثله بمعنى القول والحكم على الشيء تقول: جعلت زيدا أعلم الناس أي
~~وصفته بذلك وحكمت به، واختار أبو حيان أن المعنى صيروهم في اعتقادهم
~~إناثا اعتراض وارد لإثبات مناقضتهم أيضا وادعاء ما لا علم لهم به
~~المؤيد لجعله معتمد الكلام على ما سبق آنفا فإنهم أنثوهم في هذا المعتقد
~~من غير استناد إلى علم فأرشد إلى أن ما هم عليه من إثبات الولد مثل ما هم
~~عليه من تأنيث الملائكة عليهم السلام في أنهما سخف وجهل كانا كفرين أو
~~لا، نعم هما في نفس الأمر كفران، أما الأول: فظاهر، وأما الثاني:
~~فللاستخفاف برسله سبحانه أعني الملائكة وجعلهم أنقص العباد رأيا وأخسهم
~~صنفا وهم العباد المكرمون المبرأون من الذكورة والأنوثة فإنهما من عوارض
~~الحيوان المتغذي المحتاج إلى بقاء نوعه لعدم جريان حكمة الله تعالى ببقاء
~~شخصه وليس ذلك عطفا على قوله سبحانه:

# وجعلوا له من عباده جزءا

# [الزخرف: 15] لما علمت من أن الجملة في موضع الحال من فاعل

# ليقولن

# [الزخرف: 9] ولا يحسن بحسب الظاهر أن يقال: ليقولن خلقهن العزيز العليم
~~وقد جعلوا الملائكة إناثا.

# وقرىء (عبيد) جمع عبد وكذا { عباد } وقيل: عباد جمع عابد كصائم وصيام
~~وقائم وقيام، وقرأ عمر بن الخطاب والحسن وأبو رجاء وقتادة وأبو جعفر
~~وشيبة والأعرج والابنان ونافع { عند الرحمن } ظرفا وهو أدل على رفع
~~المنزلة وقرب المكانة، والكلام على الاستعارة في المشهور لاستحالة
~~العندية المكانية في حقه سبحانه، وقرأ أبي (عبد الرحمن) بالباء مفرد
~~عباد، والمعنى على الجمع بإرادة الجنس. وقرأ الأعمش { عباد } بالجمع
~~والنصب حكاها ابن خالويه وقال: هي في مصحف ابن مسعود كذلك، وخرج أبو حيان
~~النصب على إضمار فعل أي الذين هم خلقوا عباد الرحمن. وقرأ زيد بن علي {
~~أنثا } بضمتين ككتب جمع إناثا فهو جمع الجمع، وعلى جميع القراءات،
~~الحصر إذا سلم إضافي فلا يتم الاستدلال به على أفضلية الملك على البشر.

# { أشهدوا خلقهم } أي أحضروا خلق الله تعالى إياهم فشاهدوهم
~~إناثا حتى ms09632 يحكموا بأنوثتهم فإن ذلك مما يعلم / بالمشاهدة، وهذا كقوله
~~تعالى:

# أم خلقنا الملئكة إنثا وهم شهدون

# [الصافات: 150] وفيه تجهيل لهم وتهكم بهم، وإنما لم يتعرض لنفي الدلائل
~~النقلية لأنها في مثل هذا المطلب مفرعة على القول بالبنوة وهم الكفرة
~~الذين لا يقولون بها ولنفي الدلائل العقلية لظهور انتفائها والنفي
~~المذكور أظهر في التهكم فافهم.

# وقرأ نافع { أأشهدوا } بهمزة داخلة على أشهد الرباعي المبني للمفعول،
~~وفي رواية أنه سهل هذه الهمزة فجعلها بين الهمزة والواو وهي رواية عن
~~أبي عمرو، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس ومجاهد، وفي
~~أخرى أنه سهلها وأدخل بينها وبين الأولى ألفا كراهة اجتماع همزتين ونسبت
~~إلى جماعة، والاكتفاء بالتسهيل أوجه، وقرأ الزهري وناس: { أشهدوا } بغير
~~استفهام مبنيا للمفعول رباعيا فقيل المعنى على الاستفهام نحو قوله:

# قالوا تحبها قلت بهرا

# وهو الظاهر، وقيل: على الإخبار، والجملة صفة { إنثا } وهم وإن لم
~~يشهدوا خلقهم لكن نزلوا لجراءتهم على ذلك منزلة من أشهد أو المراد أنهم
~~أطلقوا عليهم الإناث المعروفات لهم اللاتي أشهدوا خلقهن لا صنفا آخر من
~~الإناث؛ ولا يخفى ما في كلا التأويلين من التكلف.

# { ستكتب } في ديوان أعمالهم { شهدتهم } التي شهدوا بها على
~~الملائكة عليهم السلام، وقيل: سألهم الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدريكم
~~أنهم إناث فقالوا: سمعنا ذلك من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا فقال
~~الله تعالى: { ستكتب شهدتهم }  { ويسئلون } عنها يوم
~~القيامة، والكلام وعيد لهم بالعقاب والمجازاة على ذلك والسين للتأكيد،
~~وقيل: يجوز أن تحمل على ظاهرها من الاستقبال ويكون ذلك إشارة إلى تأخير
~~كتابة السيآت لرجاء التوبة والرجوع كما ورد في الحديث «إن كاتب الحسنات
~~أمين على كاتب السيآت فإذا أراد أن يكتبها قال له: توقف فيتوقف سبع ساعات
~~فإن استغفر وتاب لم يكتب» فلما كان ذلك من شأن الكتابة قرنت بالسين،
~~وكونهم كفارا مصرين على الكفر لا يأباه.

# وقرأ الزهري { سيكتب } بالياء التحتية مبنيا للمفعول، وقرأ الحسن
~~كالجمهور إلا أنه قرأ { شهاداتهم } بالجمع وهي قولهم: إن ms09633 لله سبحانه جزأ
~~وإن له بنات وإنها الملائكة، وقيل: المراد ما أريد بالمفرد والجمع
~~باعتبار التكرار، وقرأ ابن عباس وزيد بن علي وأبو جعفر وأبو حيوة وابن
~~أبي عبلة والجحدري والأعرج { سنكتب } بالنون مبنيا للفاعل { شهادتهم }
~~بالنصب والإفراد. وقرأت فرقة { سيكتب } بالياء التحتية مبنيا للفاعل
~~وبإفراد { شهادتهم } ونصبها أي سيكتب الله تعالى شهادتهم. وقرىء {
~~يساءلون } من المفاعلة للمبالغة.

### || [43.20]

# { وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنهم } عطف على
~~قوله سبحانه:

# وجعلوا الملائكة

# [الزخرف: 19] الخ إشارة إلى أنه من جنس ادعائهم أنوثة الملائكة في أنهم
~~قالوه من غير علم، ومرادهم بهذا القول على ما قاله بعض الأجلة الاستدلال
~~بنفي مشيئة الله تعالى ترك عبادة الملائكة عليهم السلام على امتناع النهي
~~عنها أو على حسنها فكأنهم قالوا: إن الله تعالى لم يشأ ترك عبادتنا
~~الملائكة ولو شاء سبحانه ذلك لتحقق بل شاء جل شأنه العبادة لأنها
~~المتحققة فتكون مأمورا بها أو حسنة ويمتنع كونها منهيا عنها أو قبيحة،
~~وهو استدلال باطل لأن المشيئة لا تستلزم الأمر أو الحسن لأنها ترجيح بعض
~~الممكنات على بعض حسنا كان أو قبيحا فلذلك جهلوا بقوله سبحانه: { ما
~~لهم بذلك } القول على الوجه الذي قصدوه منه، وحاصله يرجع إلى
~~الإشارة إلى زعمهم أن المشيئة تقتضي طباق الأمر لها أو حسن ما تعلقت به {
~~من علم } يستند إلى سند ما. { إن هم إلا يخرصون } أي
~~يكذبون كما فسره به غير واحد، ويطلق الخرص على الحزر وهو شائع / بل قيل:
~~إنه الأصل وعلى كل هو قول عن ظن وتخمين. وقوله تعالى: { أم
~~ءاتينهم كتبا من قبله فهم به مستمسكون }

### || [43.21]

# إضراب عن نفي أن يكون لهم بذلك علم من طريق العقل إلى إبطال أن يكون لهم
~~سند من جهة النقل؛ فأم منقطعة لا متصلة معادلة لقوله تعالى: { اشهدوا
~~} [الزخرف: 19] كما قيل لبعده. وضمير { قبله } للقرآن لعلمه من
~~السياق أو الرسول عليه الصلاة والسلام، وسين { مستمسكون } للتأكيد
~~لا للطلب أي بل أآتيناهم كتابا من قبل القرآن أو من قبل الرسول صلى ms09634 الله
~~عليه وسلم ينطق بصحة ما يدعونه فهم بذلك الكتاب متمسكون وعليه معولون.
~~وقوله جل وعلا: { بل قالوا إنا وجدنا ءاباءنا على
~~أمة... }

### || [43.22]

# إبطال لأن يكون لهم حجة أصلا أي لا حجة لهم على ذلك عقلية ولا نقلية
~~وإنما جنحوا فيه إلى تقليد آبائهم الجهلة مثلهم، والأمة الدين والطريقة
~~التي تؤم أي كالرحلة للرجل العظيم الذي يقصد في المهمات يقال: فلان لا
~~أمة له أي لا دين ولا نحلة، قال الشاعر:

# وهل يستوى ذو أمة وكفور

# وقال قيس بن الحطيم:

# كنا على أمة آبائنا

# ويقتدي بالأول الآخر

# وقال الجبائي: الأمة الجماعة والمراد وجدنا آباءنا متوافقين على ذلك،
~~والجمهور على الأول وعليه المعول، ويقال فيها إمة بكسر الهمزة أيضا وبها
~~قرأ عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة والجحدري وقرأ ابن عياش { أمة }
~~بفتح الهمزة، قال في «البحر»: أي على قصد وحال، و { على ءاثرهم
~~مهتدون } قيل خبران لإن، وقيل: { على ءاثرهم } صلة {
~~مهتدون } ومهتدون هو الخبر.

# هذا وجعل الزمخشري الآية دليلا على أنه تعالى لم يشأ الكفر من الكافر
~~وإنما شاء سبحانه الإيمان، وكفر أهل السنة القائلين بأن المقدورات كلها
~~بمشيئة الله تعالى، ووجه ذلك بأن الكفار لما ادعوا أنه تعالى شاء منهم
~~الكفر حيث قالوا:

# لو شاء الرحمن

# [الزخرف: 20] الخ أي لو شاء جل جلاله منا أن نترك عبادة الأصنام تركناها
~~رد الله تعالى ذلك عليهم وأبطل اعتقادهم بقوله سبحانه:

# ما لهم بذلك من علم

# [الزخرف: 20] الخ فلزم حقيقة خلافه وهو عين ما ذهب إليه. والجملة عطف
~~على قوله تعالى:

# وجعلوا له من عباده جزءا

# [الزخرف: 15] أو على

# جعلوا الملئكة

# [الزخرف: 19] الخ فيكون ما تضمنته كفرا آخر ويلزمه كفر القائلين بأن
~~الكل بمشيئته عز وجل، ومما سمعت يعلم رده، وقيل: في رده أيضا: يجوز أن
~~يكون ذلك إشارة إلى أصل الدعوى وهو جعل الملائكة عليهم السلام بنات الله
~~سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا دون ما قصدوه من قولهم: { لو شاء }
~~الخ وما ذكر بعد أصل الدعوى من تتمتها ms09635 فإنه حكاية شبهتهم المزيفة لأن
~~العبادة للملائكة وإن كانت بمشيئته تعالى لكن ذلك لا ينافي كونها من أقبح
~~القبائح المنهي عنها وهذا خلاف الظاهر.

# وقال بعض الأجلة: إن كفرهم بذلك لأنهم قالوه على جهة الاستهزاء، ورده
~~الزمخشري ((بأن السياق لا يدل على أنهم قالوه مستهزئين؛ على [أن] الله
~~تعالى قد حكى عنهم [ذلك] على سبيل الذم والشهادة بالكفر أنهم جعلوا له
~~سبحانه جزأ وأنه جل وعلا اتخذ بنات واصطفاهم بالبنين وأنهم جعلوا
~~الملائكة المكرمين إناثا وأنهم عبدوهم وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم
~~فلو كانوا ناطقين بها على طريق الهزء لكان النطق بالمحكيات  قبل هذا
~~المحكي الذي هو إيمان عنده لو جدوا بالنطق به  مدحا لهم من قبل أنها
~~كلمات كفر نطقوا بها على طريق الهزء فبقي أن يكونوا / جادين ويشترك كلها
~~في أنها كلمات كفر، فإن جعلوا الأخير وحده مقولا على وجه الهزء دون ما
~~قبله فما بهم إلا تعويج كتاب الله تعالى ولو كانت هذه كلمة حق نطقوا بها
~~هزأ لم يكن لقوله سبحانه:

# ما لهم بذلك من علم

# [الزخرف: 20] الخ معنى لأن الواجب فيمن تكلم بالحق استهزاء أن ينكر عليه
~~استهزاؤه ولا يكذب)).

# ولا يخفى أن رده بأنه لا يدل عليه السياق صحيح، وأما ما ذكر من حكاية
~~الله سبحانه والتعويج فلا لأنه تعالى ما حكى عنهم قولا أولا بل أثبت
~~لهم اعتقادا يتضمن قولا أو فعلا وقد بين أنهم مستخفون في ذلك العقد
~~كما أنهم مستخفون في هذا القول فقوله: لو نطقوا الخ لا مدخل له في السابق
~~وليس فيه تعويج البتة من هذا الوجه وكذلك قوله: لم يكن لقوله تعالى: {
~~ما لهم } الخ معنى مردود لأن الاستهزاء باب من الجهل كما يدل عليه
~~قول موسى عليه السلام

# أعوذ بالله أن أكون من الجهلين

# وقد تقدم في [البقرة: 67]، وأما الكذب فراجع إلى مضمونه والمراد منه كما
~~سمعت فمن قال لا إله إلا الله استهزاء مكذب فيما يلزم من أنه إخبار عن
~~إثبات التعدد لأنه إخبار عن ms09636 التوحيد فافهم كذا في «الكشف».

# وفيه أيضا أن قولهم:

# لو شاء الرحمن

# [الزخرف: 20] الخ فهم منه كونه كفرا من أوجه. أحدها: أنه اعتذار عن
~~عبادتهم الملائكة عليهم السلام التي هي كفر وإلزام أنه إذا كان بمشيئته
~~تعالى لم يكن منكرا.

# والثاني: أن الكفر والإيمان بتصديق ما هو مضطر إلى العلم بثبوته بديهة
~~أو استدلالا متعلقا بالمبدأ والمعاد وتكذيبه لا بإيقاع الفعل على وفق
~~المشيئة وعدمه.

# والثالث: أنهم دفعوا قول الرسل بدعوتهم إلى عبادته تعالى ونهيهم عن
~~عبادة غيره سبحانه بهذه المقالة ثم إنهم ملزمون على مساق هذا القول لأنه
~~إذا استند الكل إلى مشيئته تعالى شأنه فقد شاء إرسال الرسل وشاء دعوتهم
~~للعباد وشاء سبحانه جحودهم وشاء جل وعلا دخولهم النار فالإنكار والدفع
~~بعد هذا القول دليل على أنهم قالوه لا عن اعتقاد بل مجازفة، وإليه
~~الإشارة بقوله تعالى في مثله:

# قل فلله الحجة البلغة فلو شاء لهداكم
~~أجمعين

# [الأنعام: 149] وفيه أنهم يعجزون الخالق بإثبات التمانع بين المشيئة وضد
~~المأمور به فيلزم أن لا يريد إلا ما أمر سبحانه به ولا ينهى جل شأنه إلا
~~وهو سبحانه لا يريده وهذا تعجيز من وجهين. إخراج بعض المقدورات عن أن
~~يصير محلها وتضييق محل أمره ونهيه؛ وهذا بعينه مذهب إخوانهم من القدرية؛
~~ولهذه النكتة جعل قولهم:

# وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنهم

# [الزخرف: 20] معتمد الكلام ولم يقل: وعبدوا الملائكة وقالوا: لو شاء
~~ونظير قولهم في أنه إنما أتى به لدفع ما علم ضرورة قوله تعالى:

# لو شآء ربنا لأنزل ملئكة

# [فصلت: 14] فالدفع كفر والتعجيز كفر في كفر، وقوله تعالى:

# ما لهم بذلك من علم

# [الزخرف: 20] يحتمل أن يرجع إلى جميع ما سبق من قوله تعالى:

# وجعلوا له من عباده

# [الزخرف: 15] إلى هذا المقام ويحتمل أن يرجع إلى الأخير فقد ثبت أنهم
~~قالوه من غير علم وهو الأظهر للقرب وتعقيب كل بإنكار مستقل وطباقه لما في
~~الأنعام، وقوله سبحانه:

# إن هم إلا يخرصون

# [الأنعام: 116] على هذا التكذيب المفهوم منه راجع إلى استنتاج المقصود ms09637
~~من هذه اللزومية فقد سبق أنها عليهم لا لهم ولوح إلى طرف منه في سورة
~~الأنعام أو إلى الحكم بامتناع الانفكاك مع تجويز الحاكم الانفكاك حال
~~حكمه فإن ذلك يدل على كذبه وإن كان ذلك الحكم في نفسه حقا صحيحا يحق أن
~~يعلم كما تقول زيد قائم قطعا أو البتة وعندك احتمال نقيضه. وليس هذا
~~رجوعا إلى مذهب من جعل الصدق بطباقه للمعتقد فافهم.

# على أنه لما كان اعتذارا على ما مر صح أن يرجع التكذيب إلى أنه لا يصلح
~~اعتذارا أي إنهم كاذبون في أن المشيئة تقتضي طباق الأمر لها، وهذا ما
~~آثره / الإمام والعلامة والقاضي، والظاهر ما قدمناه. وتعقيب الخرص على
~~وجه البيان أو الاستئناف عن قوله تعالى:

# ما لهم بذلك من علم

# [الزخرف: 20] وقوله تعالى:

# إن يتبعون إلا الظن

# في سورة [الأنعام: 116] دليل على ما أشرنا فقد لاح للمسترشد أن الآية
~~تصلح حجة لأهل السنة لا للمعتزلة. وقال في آية سورة الأنعام: إن قولهم
~~هذا إما لدعوى المشروعية ردا للرسل أو لتسليم أنهم على الباطل اعتذارا
~~بأنهم مجبورون، والأول باطل لأن المشيئة تتعلق بفعلهم المشروع وغيره فما
~~شاء الله تعالى أن يقع منهم مشروعا وقع كذلك وما شاء الله تعالى أن يقع
~~لا كذلك وقع لا كذلك. ولا شك أن من توهم أن كون الفعل بمشيئته تعالى
~~ينافي مجيء الرسل عليهم السلام بخلاف ما عليه المباشر من الكفر والضلال
~~فقد كذب التكذيب كله وهو كاذب في استنتاج المقصود من هذه اللزومية وظاهر
~~الآية مسوق لهذا المعنى، والثاني على ما فيه من حصول المقصود وهو
~~الاعتراف بالبطلان باطل أيضا إذ لا جبر لأن المشيئة تعلقت بأن يشركوا
~~اختيارا منهم والعلم تعلق كذلك فهو يؤكد دفع القدر لا أنه يحققه وإليه
~~الإشارة بقوله تعالى:

# قل فلله الحجة البلغة

# [الأنعام: 149] ثم إنهم كاذبون في هذا القول لجزمهم حيث لا ظن مطلقا
~~فضلا عن العلم وذلك لأن من المعلوم أن العلم بصفات الله سبحانه فرع
~~العلم بذاته جل وعلا والإيمان بها ms09638 كذلك والمحتجون به كفرة مشركون مجسمون.
~~ونقل العلامة الطيبي نحوا من الكلام الأخير عن إمام الحرمين عليه
~~الرحمة في «الإرشاد» اه. وقد أطال العلماء الأعلام الكلام في هذا المقام
~~وأرى الرجل سقى الله تعالى مرقده صيب الرضوان قد مخض كل ذلك وأتى بزبده
~~بل لم يترك من التحقيق شيئا لمن أتى من بعده فتأمل والله عز وجل هو
~~الموفق.

### || [43.23]

# { وكذلك } أي والأمر كما ذكر من عجزهم عن الحجة مطلقا وتشبثهم
~~بذيل التقليد. وقوله سبحانه: { ما أرسلنا من قبلك في
~~قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا
~~ءاباءنا على أمة وإنا على ءاثرهم مقتدون }
~~استئناف مبين لذلك دال على أن التقليد فيما بينهم ضلال قديم لأسلافهم وأن
~~متقدميهم أيضا لم يكن لهم سند منظور إليه وتخصيص المترفين بتلك المقالة
~~للإيذان بأن التنعم وحب البطالة صرفهم عن النظر إلى التقليد.

### || [43.24]

# { قال } حكاية لما جرى بين المنذرين وبين أممهم عند تعللهم بتقليد
~~آبائهم أي قال: كل نذير من أولئك المنذرين لأمته { أو لو جئتكم }
~~أي أتقتدون بآبائكم ولو جئتكم { بأهدى } بدين أهدى { مما
~~وجدتم عليه ءاباءكم } من الضلالة التي ليست من الهداية في
~~شيء، وإنما عبر عنها بذلك مجاراة معهم على مسلك الإنصاف. وقرأ الأكثرون {
~~قل } على أنه حكاية أمر ماض أوحي إلى كل نذير أي فقيل أو قلنا للنذير قل
~~الخ، واستظهر في «البحر» كونه خطابا لنبينا صلى الله عليه وسلم، والظاهر
~~هو ما تقدم لقوله تعالى: { قالوا إنا بما أرسلتم به
~~كفرون } فإنه ظاهر جدا في أنه حكاية عن الأمم السالفة أي قال كل
~~أمة لنذيرها إنا بماأرسلتم به الخ وقد أجمل عند الحكاية للإيجاز كما قرر
~~في قوله تعالى:

# يأيها الرسل كلوا من الطيبت

# [المؤمنون: 51]. وجعله حكاية عن قومه عليه الصلاة والسلام بحمل صيغة
~~الجمع على تغليبه صلى الله عليه وسلم على سائر المنذرين وتوجيه كفرهم إلى
~~ما أرسل به الكل من التوحيد لإجماعهم عليهم السلام عليه كما في نحو قوله
~~تعالى:

# كذبت عاد المرسلين

# [الشعراء: 123] تمحل ms09639 بعيد، وأيضا يأباه ظاهر قوله سبحانه:

### || [43.25]

# / فإن ظاهره كون الانتقام بعذاب الاستئصال وصاحب «البحر» يحمله على
~~الانتقام بالقحط والقتل والسبي والجلاء.

# وقرأ أبي وأبو جعفر وشيبة وابن مقسم والزعفراني وغيرهم { أو لو جئناكم
~~} بنون المتكلمين وهي تؤيد ما ذهبنا إليه والأمر بالنظر فيما انتهى إليه
~~حال المكذبين تسلية له صلى الله عليه وسلم وإرشاد إلى عدم الاكتراث
~~بتكذيب قومه إياه عليه الصلاة والسلام.

### || [43.26]

# { وإذ قال إبرهيم } أي واذكر لهم وقت قوله عليه الصلاة
~~والسلام { لأبيه } آزر { وقومه } المكبين على التقليد كيف تبرأ
~~مما هم فيه بقوله: { إنني براء مما تعبدون } وتمسك
~~بالبرهان. والكلام تمهيد لما أهل مكة فيه من العناد والحسد والإباء عن
~~تدبر الآيات وأنهم لو قلدوا آباءهم لكان الأولى أن يقلدوا أباهم الأفضل
~~الأعلم الذي هم يفتخرون بالانتماء إليه وهو إبراهيم عليه السلام فكأنه
~~بعد تعييرهم على التقليد يعيرهم على أنهم مسيئون في ترك اختياره أيضا.
~~و(براء) مصدر كالطلاق نعت به مبالغة ولذلك يستوي فيه الواحد والمتعدد
~~والمذكر والمؤنث.

# وقرأ الزعفراني والقورصي عن أبي جعفر وابن المناذري عن نافع { براء }
~~بضم الباء وهو اسم مفرد كطوال وكرام بضم الكاف، وقرأ الأعمش { بري } وهو
~~وصف كطويل وكريم وقراءة العامة لغة العالية وهذه لغة نجد. وقرأ الأعمش
~~أيضا { إني } بنون مشددة دون نون الوقاية.

### || [43.27]

# { إلا الذي فطرني } استثناء متصل إن قلنا إن ما عامة لذوي
~~العلم وغيرهم وإنهم كانوا يعبدون الله تعالى والأصنام وليس هذا من الجمع
~~بين الله تعالى وغيره سبحانه الذي يجب اجتنابه لما فيه من إيهام التسوية
~~بينه سبحانه وبين غيره جل وعلا لظهور ما يدل على خلاف ذلك في الكلام أو
~~منقطع بناء على أن ما مختصة بغير ذوي العلم وأنه لا يناسب التغليب أصلا
~~وأنهم لم يكونوا يعبدونه تعالى أو أنهم كانوا يعبدونه عز وجل إلا أن
~~عبادته سبحانه مع الشرك في حكم العدم. وعلى الوجهين محل الموصول النصب،
~~وأجاز الزمخشري أن يكون في محل جر على أنه بدل من ما المجرور ms09640 بمن، وفيه
~~بحث لأنه يصير استثناء من الموجب ولم يجوزوا فيه البدل، ووجهه أنه في
~~معنى النفي لأن معنى

# إنني براء مما تعبدون

# [الزخرف: 26] لا أعبد ما تعبدون فهو نظير قوله تعالى:

# ويأبى الله إلا أن يتم نوره

# [التوبة: 32] إلا أن ذلك في المفرغ وهذا فيما ذكر فيه المستثنى منه وهم
~~لا يخصونه بالمفرغ ولا بألفاظ مخصوصة أيضا كأبى وقلما، نعم إن أبا حيان
~~يأبى إلا أنه موجب ولا يعتبر النفي معنى، وأجاز أيضا أن تكون { إلا }
~~صفة بمعنى غير على أن { ما } في { ما تبعدون } نكرة موصوفة والتقدير
~~إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني فهو نظير قوله تعالى:

# لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا

# [الأنبياء: 22] واعتبار (ما) نكرة موصوفة بناء على أن (إلا) لا تكون صفة
~~إلا لنكرة وكذا اعتبارها بمعنى الجمع بناء على اشتراط كون النكرة
~~الموصوفة بها كذلك، والمسألة خلافية، فمن النحويين من قال إن (إلا) يوصف
~~بها المعرفة والنكرة مطلقا وعليه لا يحتاج إلى اعتبار كون (ما) نكرة
~~بمعنى آلهة. وفي جعل الصلة { فطرني } تنبيه على أنه لا يستحق العبادة
~~إلا الخالق للعابد.

# { فإنه سيهدين } يثبتني على الهداية فالسين للتأكيد لا
~~للاستقبال لأنه جاء في [الشعراء: 78]

# يهدين

# بدونها والقصة واحدة، والمضارع في الموضعين للاستمرار، وقيل: المراد
~~سيهدين إلى وراء ما هداني إليه أولا فالسين على ظاهرها والتغاير في
~~الحكاية والمحكي بناء على تكرر القصة.

### || [43.28]

# { وجعلها } الضمير المرفوع المستتر لإبراهيم عليه السلام أو لله عز
~~وجل والضمير المنصوب لكلمة التوحيد أعني لا إله / إلا الله كما روي عن
~~قتادة ومجاهد والسدي ويشعر بها قوله:

# إنني براء مما تعبدون

# [الزخرف: 26] الخ، وجوز أن يعود على هذا القول نفسه وهو أيضا كلمة لغة
~~{ كلمة بقية في عقبه } في ذريته عليه السلام فلا يزال
~~فيهم من يوحد الله تعالى ويدعو إلى توحيده عز وجل.

# وقرأ حميد بن قيس { كلمة } بكسر الكاف وسكون اللام وهي لغة فيها، وقرىء
~~{ في عقبه } بسكون القاف تخفيفا و { في عاقبه } أي ms09641 من عقبه أي خلفه ومنه
~~تسمية النبي صلى الله عليه وسلم بالعاقب لأنه آخر الأنبياء عليهم الصلاة
~~والسلام.

# { لعلهم يرجعون } تعليل للجعل أي جعلها باقية في عقبه كي
~~يرجع من أشرك منهم بدعاء من وحد أو بسبب بقائها فيهم، والضميران للعقب
~~وهو بمعنى الجمع، والأكثرون على أن الكلام بتقدير مضاف أي لعل مشركيهم أو
~~الإسناد من إسناد ما للبعض إلى الكل وأولوا لعل بناء على أن الترجي من
~~الله سبحانه وهو لا يصح في حقه تعالى أو منه عليه السلام لكنه من
~~الأنبياء في حكم المتحقق ويجوز ترك التأويل كما لا يخفى بل هو الأظهر إذا
~~كان ذاك من إبراهيم عليه السلام.

### || [43.29]

# { بل متعت هؤلاء } أي أهل مكة المعاصرين للرسول صلى الله
~~عليه وسلم { وءاباءهم } بالمد في العمر والنعمة { حتى جاءهم
~~الحق } دعوة التوحيد أو القرآن { ورسول مبين } ظاهر الرسالة
~~بما له من المعجزات الباهرات أو مبين للتوحيد بالآيات البينات والحجج
~~القاطعات. والمراد بالتمتيع ما هو سبب له من استمتاعهم بما متعوا
~~واشتغالهم بذلك عن شكر المنعم وطاعته والغاية لذلك فكأنه قيل اشتغلوا حتى
~~جاء الحق وهي غاية له في نفس الأمر لأن مجيء الرسول مما ينبه عن سنة
~~الغفلة ويزجر عن الاشتغال بالملاذ لكنهم عكسوا فجعلوا ما هو سبب للتنصل
~~سببا للتوغل فهو على أسلوب قوله تعالى:

# لم يكن الذين كفروا

# [البينة: 1] إلى قوله سبحانه:

# وما تفرق الذين أوتوا الكتب إلا من بعد ما
~~جاءتهم البينة

# [البينة: 4]. و { بل متعت } إضراب عن قوله جل شأنه

# لعلهم يرجعون

# [الزخرف: 28] كأنه قيل بل متعت مشركي مكة وأشغلتهم بالملاهي والملاذ
~~فاشتغلوا فلم يرجعوا أو فلم يحصل ما رجاه من رجوعهم عن الشرك، وهو في
~~الحقيقة إضراب عن التمهيد الذي سمعت وشروع في المقصود لكن روعي فيه
~~المناسبة بما قرب من جملة الإضراب أعني { لعلهم يرجعون } وفي
~~«الحواشي الشهابية» أنه إضراب عن قوله تعالى:

# وجعلها

# [الزخرف: 28] الخ أي لم يرجعوا فلم أعاجلهم بالعقوبة بل أعطيتهم نعما
~~أخر غير الكلمة الباقية لأجل أن ms09642 يشكروا منعمها ويوحدوه فلم يفعلوا بل زاد
~~طغيانهم لاغترارهم أو التقدير ما اكتفيت في هدايتهم بجعل الكلمة باقية
~~فيهم بل متعتهم وأرسلت رسولا.

# وقرأ قتادة والأعمش { بل متعت } بتاء الخطاب ورواها يعقوب عن نافع وهو
~~من كلامه تعالى على سبيل التجريد لا الالتفات وإن قيل به في مثله أيضا
~~كأنه تعالى اعترض بذلك على نفسه جل شأنه في قوله سبحانه: { وجعلها }
~~الخ لا لتقبيح فعله سبحانه بل لقصد زيادة توبيخ المشركين كما إذا قال
~~المحسن على من أساء مخاطبا لنفسه: أنت الداعي لإساءته بالإحسان إليه
~~ورعايته فيبرز كلامه في صورة من يعترض على نفسه ويوبخها حتى كأنه مستحق
~~لذلك، وفي ذلك من توبيخ المسيء ما فيه. وقال صاحب «اللوامح»: هو من كلام
~~إبراهيم عليه السلام ومناجاته ربه عز وجل، وقال في «البحر»: الظاهر أنه
~~من مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم على معنى قل يا رب متعت، والأول
~~أولى وهو الموافق للأصل المشهور. وقرأ الأعمش { متعنا } بنون العظمة.

### || [43.30]

# { ولما جاءهم الحق } لينبههم عما هم فيه من الغفلة ويرشدهم
~~إلى التوحيد { قالوا هذا سحر وإنا به كفرون } /
~~زادوا شرارة فضموا إلى شركهم معاندة الحق والاستخفاف به فسموا القرآن
~~سحرا وكفروا به واستحقروا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

### || [43.31]

# { وقالوا لولا نزل هذا القرءان على رجل من
~~القريتين } أي من إحدى القريتين مكة والطائف أو من رجالهما فمن
~~ابتدائية أو تبعيضية. وقرىء { رجل } بسكون الجيم { عظيم } بالجاه
~~والمال قال ابن عباس: الذي من مكة الوليد بن المغيرة المخزومي والذي من
~~الطائف حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، وقال مجاهد: عتبة بن ربيعة وكنانة
~~بن عبد ياليل، وقال قتادة: الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي،
~~وكان الوليد بن المغيرة يسمى ريحانة قريش وكان يقول: لو كان ما يقول محمد
~~صلى الله عليه وسلم حقا لنزل علي أو على أبي مسعود يعني عروة بن
~~مسعود وكان يكنى بذلك. وهذا باب آخر من إنكارهم للنبوة وذلك أنهم أنكروا
~~أولا أن يكون النبي ms09643 بشرا ثم لما بكتوا بتكرير الحجج ولم يبق عندهم
~~تصور رواج لذلك جاؤا بالإنكار من وجه آخر فتحكموا على الله سبحانه أن
~~يكون الرسول أحد هذين وقولهم { هذا القرءان } ذكر له على وجه
~~الاستهانة لأنهم لم يقولوا هذه المقالة تسليما بل إنكارا كأنه قيل: هذا
~~الكذب الذي يدعيه لو كان حقا لكان الحقيق به رجل من القريتين عظيم وهذا
~~منهم لجهلهم بأن رتبة الرسالة إنما تستدعي عظيم النفس بالتخلي عن الرذائل
~~الدنية والتحلي بالكمالات والفضائل القدسية دون التزخرف بالزخارف
~~الدنيوية.

### || [43.32]

# وقوله تعالى: { أهم يقسمون رحمت ربك } إنكار فيه تجهيل
~~وتعجيب من تحكمهم بنزول القرآن العظيم على من أرادوا. والرحمة يجوز أن
~~يكون المراد بها ظاهرها وهو ظاهر كلام «البحر» ونزل تعيينهم لمن ينزل
~~عليه الوحي منزلة التقسيم لها وتدخل النبوة فيها، ويجوز أن يكون المراد
~~بها النبوة وهو الأنسب لما قبل وعليه أكثر المفسرين. وفي إضافة الرب إلى
~~ضميره صلى الله عليه وسلم من تشريفه عليه الصلاة والسلام ما فيه. وفي
~~إضافة الرحمة إلى الرب إشارة إلى أنها من صفات الربوبية.

# { نحن قسمنا بينهم معيشتهم } أسباب معيشتهم. وقرأ
~~عبد الله وابن عباس والأعمش وسفيان { معايشهم } على الجمع { في
~~الحياة الدنيا } قسمة تقتضيها مشيئتنا المبنية على الحكم
~~والمصالح ولم نفوض أمرها إليهم علما منا بعجزهم عن تدبيرها بالكلية.
~~وإطلاق المعيشة يقتضي أن يكون حلالها وحرامها من الله تعالى.

# { ورفعنا بعضهم فوق بعض } في الرزق وسائر مبادي المعاش
~~{ درجت } متفاوتة بحسب القرب والبعد حسبما تقتضيه الحكمة فمن ضعيف
~~وقوي وغني وفقير وخادم ومخدوم وحاكم ومحكوم { ليتخذ بعضهم
~~بعضا سخريا } ليستعمل بعضهم بعضا في مصالحهم ويستخدموهم في
~~مهنهم ويتسخروهم في أشغالهم حتى يتعايشوا ويترافدوا ويصلوا إلى مرافقهم
~~لا لكمال في الموسع عليه ولا لنقص في المقتر عليه ولو فوضنا ذلك إلى
~~تدبيرهم لضاعوا وهلكوا فإذا كانوا في تدبير خويصة أمرهم وما يصلحهم من
~~متاع الدنيا الدنية وهو على طرف الثمام بهذه الحالة فما ظنهم بأنفسهم في
~~تدبير أمر الدين وهو أبعد من ms09644 مناط العيوق ومن أين لهم البحث عن أمر
~~النبوة والتخير لها من يصلح لها ويقوم بأمرها. والسخري على ما سمعت نسبة
~~إلى السخرة وهي التذليل والتكليف، وقال الراغب: السخري هو الذي يقهر أن
~~يتسخر بإرادته، وزعم بعضهم أنه هنا من السخر بمعنى الهزء أي ليهزأ الغني
~~بالفقير واستبعده أبو حيان، وقال السمين: إنه غير مناسب للمقام.

# وقرأ عمرو بن ميمون وابن محيصن وابن أبي ليلى وأبو رجاء والوليد بن
~~مسلم { سخريا } بكسر السين والمراد به ما ذكرنا أيضا، وفي قوله تعالى:
~~{ نحن قسمنا } الخ ما يزهد في الانكباب على طلب الدنيا ويعين على
~~التوكل / على الله عز وجل والانقطاع إليه جل جلاله:

# فاعتبر نحن قسمنا بينهم

# تلقه حقا وبالحق نزل

# { ورحمت ربك } أي النبوة وما يتبعها من سعادة الدارين، وقيل:
~~الهداية والإيمان، وقال قتادة والسدي: الجنة { خير مما يجمعون
~~} من حطام الدنيا الدنية فالعظيم من رزق تلك الرحمة دون ذلك الحطام
~~الدنىء الفاني.

### || [43.33]

# استئناف مبين لحقارة متاع الدنيا ودناءة قدره عند الله عز وجل، والمعنى
~~إن حقارة شأنه بحيث لولا كراهة أن يجتمع الناس على الكفر ويطبقوا عليه
~~لأعطيناه على أتم وجه من هو شر الخلائق وأدناهم منزلة، فكراهة الاجتماع
~~على الكفر هي المانعة من تمتيع كل كافر والبسط عليه لا أن المانع كون
~~متاع الدنيا له قدر عندنا، والكراهة المذكورة هي وجه الحكمة في ترك تنعيم
~~كل كافر وبسط الرزق عليه فلا محذور في تقديرها؛ وليس ذلك مبنيا على وجوب
~~رعاية المصلحة وإرادة الإيمان من الخلق ليكون اعتزالا كما ظن. وكأن وجه
~~كون البسط على الكفار سببا للاجتماع على الكفر مزيد حب الناس للدنيا
~~فإذا رأوا ذلك كفروا لينالوها، وهذا على معنى أن الله تعالى شأنه علم أنه
~~لو فعل ذلك لدعا الناس إذ ذاك حبهم للدنيا إلى الكفر، فلا يقال: إن
~~كثيرا من الناس اليوم يتحقق الغنى التام لو كفر ولا يكفر ولو أكره عليه
~~بالقتل، وكون المراد بالأمر الواحد الذي يقتضيه كونهم أمة واحدة فإنه
~~بمعنى ms09645 اجتماعهم على أمر واحد الكفر بقرينة الجواب.

# و { لبيوتهم } بدل اشتمال من قوله تعالى: { لمن يكفر }
~~واللام فيهما للاختصاص أو هما متعلقان بالفعل لا على البدلية ولام {
~~لمن } صلة الفعل لتعديه باللام فهو بمنزلة المفعول به ولام {
~~لبيوتهم } للتعليل فهو بمنزلة المفعول له، ويجوز أن تكون الأولى
~~للملك والثانية للاختصاص كما في قولك: وهبت الحبل لزيد لدابته وإليه ذهب
~~ابن عطية، ولا يجوز على تقدير اختلاف اللامين معنى البدلية إذ مقتضى
~~إعادة العامل في البدل الاتحاد في المعنى وإلى هذا ذهب أبو حيان، وقال
~~الخفاجي: لا مانع من أن يبدل المجموع من المجموع بدون اعتبار إعادة.

# والسقف جمع سقف كرهن جمع رهن، وعن الفراء أنه جمع سقيفة كسفن جمع سفينة،
~~والمعارج جمع معرج وهو عطف على { سقفا } أي ولجعلنا لهم مصاعد عليها
~~يعلون السطوح والعلالي وكأن المراد معارج من فضة بناء على أن العطف ظاهر
~~في التشريك في القيد وإن تقدم، وقال أبو حيان: لا يتعين ذلك.

# وقرأ أبو رجاء { سقفا } بضم السين وسكون القاف تخفيفا وفي «البحر» هي
~~لغة تميم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح السين والسكون على الإفراد لأنه
~~اسم جنس يطلق على الواحد وما فوقه وهو المراد بقرينة البيوت؛ وقرىء بفتح
~~السين والقاف وهي لغة في سقف وليس ذلك تحريك ساكن لأنه لا وجه له. وقرىء
~~{ سقوفا } وهو جمع سقف كفلوس جمع فلس، وقرأ طلحة { معاريج } جمع معراج.

### || [43.34]

# { ولبيوتهم } أي ولجعلنا لبيوتهم. وتكرير ذكر بيوتهم لزيادة
~~التقرير ولأنه ابتداء آية { أبوبا وسررا } أي من فضة على ما
~~سمعت. وقرىء { سررا } بفتح السين والراء وهي لغة لبني تميم وبعض كلب
~~وذلك في جمع فعيل المضعف إذا كان اسما باتفاق وصفة نحو ثوب جديد وثياب
~~جدد باختلاف بين النحاة { عليها } أي على السرر { يتكئون } /
~~كما هو شأن الملوك لا يهمهم شيء.

### || [43.35]

# { وزخرفا } قال الحسن: أي نقوشا وتزاويق، وقال ابن زيد: الزخرف
~~أثاث البيت وتجملاته وهو عليهما عطف على

# سقفا

# [الزخرف: 33]، وقال ابن عباس وقتادة والشعبي والسدي ms09646 والحسن أيضا في
~~رواية الزخرف الذهب، وأكثر اللغويين ذكروا له معنيين هذا والزينة فقيل
~~الظاهر أنه حقيقة فيهما، وقيل: إنه حقيقة في الزينة ولكون كمالها بالذهب
~~استعمل فيه أيضا، ويشير إليه كلام الراغب قال: الزخرف الزينة المزوقة
~~ومنه قيل للذهب زخرف، وفي «البحر» جاء في الحديث

# " إياكم والحمرة فإنها من أحب الزينة إلى الشيطان "

# ، وقال ابن عطية: الحسن أحمر والشهوات تتبعه؛ ولبعض شعراء المغرب:

# وصبغت درعك من دماء كماتهم

# لما رأيت الحسن يلبس أحمرا

# وهو على هذا عطف على محل

# من فضة

# [الزخرف: 33] كأن الأصل سقفا من فضة وزخرف يعني بعضها من فضة وبعضها من
~~ذهب فنصب عطفا على المحل، وجوز عطفه على

# سقفا

# [الزخرف: 33] أيضا.

# { وإن كل ذلك لما متع الحيوة الدنيا } أي وما
~~كل ما ذكر من البيوت الموصوفة بالصفات المفصلة إلا شيء يتمتع به في
~~الحياة الدنيا وفي معناه ما قرىء { وما كل ذلك إلا متاع
~~الدنيا } وقرأ الجمهور { لما } بفتح اللام والتخفيف على أن { إن } هي
~~المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بين المخففة وغيرها وما زائدة أو
~~موصولة بتقدير لما هو متاع كما في قوله تعالى:

# تماما على الذي أحسن

# [الأنعام: 154] في قراءة من رفع النون، وقرأ أبو رجاء وفي «التحرير» أبو
~~حيوة { لما } بكسر اللام والتخفيف على أن { إن } هي المخففة واللام حرف
~~جر وما موصولة في محل جر بها والجار والمجرور في موضع الخبر لكل وصدر
~~الصلة محذوف كما سمعت آنفا. وحق التركيب في مثله الاتيان باللام الفارقة
~~فيقال: للمامتاع لكنها حذفت لظهور إرادة الاثبات كما في قوله:

# أنا ابن أباة الضيم من آل مالك

# وإن مالك كانت كرام المعادن

# بل لا يجوز في البيت إدخال اللام كما لا يخفى على النحوي.

# { والأخرة } أي بما فيها من فنون النعيم التي لا يحيط بها نطاق
~~البيان { عند ربك للمتقين } خاصة لهم، والمراد بهم من اتقى
~~الشرك، وقال غير واحد: من اتقى ذلك والمعاصي.

# وفي الآية من الدلالة على التزهيد في الدنيا وزينتها والتحريض على ms09647
~~التقوى ما فيها، وقد أخرج الترمذي وصححه وابن ماجه عن سهل بن سعد قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كانت الدنيا تعدل عند الله تعالى
~~جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء "

# وعن علي كرم الله تعالى وجهه الدنيا أحقر من ذراع خنزير ميت بال عليه
~~كلب في يد مجذوم.

# هذا واستدل بعضهم بقوله تعالى:

# لبيوتهم سقفا

# [الزخرف: 33] على أن السقف لرب البيت الأسفل لا لصاحب العلو لأنه منسوب
~~إلى البيت.

### || [43.36]

# { ومن يعش } أي يتعام ويعرض { عن ذكر الرحمن } وهو
~~القرآن، وإضافته إلى الرحمن للإيذان بنزوله رحمة للعالمين، وجوز أن يكون
~~مصدرا أضيف إلى المفعول أي من يعش عن أن يذكر الرحمن، وأن يكون مصدرا
~~أضيف إلى الفاعل أي عن تذكير الرحمن عباده سبحانه. وقرأ يحيى بن سلام
~~البصري { يعش } بفتح الشين كيرض أي يعم يقال: عشي كرضي إذا حصلت الآفة في
~~بصره وعشا كغزا إذا نظر نظر العشى لعارض قال الحطيئة:

# متى تأته تعشو إلى ضوء ناره

# تجد خير نار عندها خير موقد

# أي تنظر إليها نظر العشي لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء ولو
~~لم يكن كذلك لم يكن لكلمة / الغاية موقع وأظهر منه في المقصود قول حاتم:

# أعشو إذا ما جارتي برزت

# حتى يواري جارتي الخدر

# لأنه قيد بالوقت وأتى بالغاية وما هو خلقي لا يزول. وقال بعضهم: لم أر
~~أحدا يجيز عشوت عنه إذا أعرضت وإنما يقال تعاشيت وتعاميت عن الشيء إذا
~~تغافلت عنه كأنك لم تره ويقال: عشوت إلى النار إذا استدللت عليها ببصر
~~ضعيف، وهو مما لا يلتفت إليه ومثله عشي وعشا عرج بكسر الراء لمن به الآفة
~~وعرج بفتحها لمن مشى مشية العرجان من غير عرج على ما في «الكشاف»، وفيه
~~خلاف لأهل اللغة ففي «القاموس» يقال: ((عرج أي بالفتح إذا أصابه شيء في
~~رجله وليس بخلقه فإذا كان خلقة فعرج كفرح أو يثلث في غير الخلقة)).

# وقرأ زيد بن علي { يعشو } بإثبات الواو وخرج ذلك ms09648 الزمخشري على أن من
~~موصولة لا شرطية جازمة. وجوز أن تكون شرطية والمدة إما للإشباع أو على
~~لغة من يجزم المعتل الآخر بحذف الحركة على ما حكاه الأخفش. وجوز كون
~~الفعل مجزوما بحذف النون والواو ضمير الجمع، وقد روعي فيه معنى من،
~~وتخريج الزمخشري مبني على الفصيح المطرد المتبادر.

# { نقيض له شيطانا } أي نتح له شيطانا ليستولي عليه استيلاء
~~القيض على البيض وهو القشر الأعلى. { فهو له قرين } دائما لا
~~يفارقه ولا يزال يوسوسه ويغويه وهذا عقاب على الكفر بالختم وعدم الفلاح
~~كما يقال: إن الله تعالى يعاقب على المعصية بمزيد اكتساب السيآت. وقرأ
~~علي كرم الله تعالى وجهه والسلمي والأعمش ويعقوب وأبو عمرو بخلاف عنه
~~وحماد عن عاصم وعصمة عن الأعمش وعن عاصم والعليمي عن أبي بكر { يقيض }
~~بالياء على إسناده إلى ضمير { الرحمن } ، وقرأ ابن عباس يقيض
~~بالياء والبناء للمفعول { شيطن } بالرفع والفعل في جميع القراءات مجزوم
~~ولم نسمع أنه قرىء بالرفع، وفي «الكشاف» حق من قرأ { من يعشو } بالواو أن
~~يرفعه أي بناء على تخريجه ذلك على أن من موصولة، وجوز على ذلك أيضا أن
~~يكون { يقيض } مرفوعا لكنه سكن تخفيفا.

# وفي «البحر» ((يجوز أن تكون { من } موصولة وجزم { نقيض } تشبيها
~~للموصول باسم الشرط وإذا كان ذلك مسموعا في الذي وهو لم يكن اسم شرط قط
~~فالأولى أن يكون فيما استعمل موصولا وشرطا، قال الشاعر:

# لا تحفرن بئرا تريد أخا بها

# فإنك فيها أنت من دونه تقع

# كذاك الذي يبغي على الناس ظالما

# تصبه على رغم عواقب ما صنع

# انشدهما ابن الأعرابي وهو مذهب للكوفيين، وله وجه من القياس وهو أنه
~~كما شبه الموصول باسم الشرط فدخلت الفاء في خبره فكذلك يشبه به فينجزم
~~الخبر إلا أن دخول الفاء منقاس إذا كان الخبر مسببا عن الصلة بشروطه
~~المذكورة في النحو وهذا لا يقيسه البصريون)).

### || [43.37]

# { وإنهم } أي الشياطين الذين قيض وقدر كل واحد منهم لكل واحد ممن
~~يعشو { ليصدونهم } أي ليصدون قرناءهم وهم الكفار المعبر عنهم بمن ms09649
~~يعش. وجمع ضمير الشيطان لأن المراد به الجنس، وجمع ضمير من رعاية لمعنى
~~كما أفرد أولا رعاية للفظ. وفي «الانتصاف» أن في هذه الآية نكتتين
~~بديعتين الأولى الدلالة على أن النكرة الواقعة في سياق الشرط تفيد العموم
~~وهي مسألة اضطرب فيها الأصوليون وإمام الحرمين من القائلين بإفادتها
~~العموم حتى استدرك على الأئمة إطلاقهم القول بأن النكرة في سياق الإثبات
~~تخص، وقال إن الشرط يعم النكرة في سياقه تعم وقد رد عليه الفقيه أبو
~~الحسن / علي الأبياري شارح كتابه ردا عنيفا، وفي هذه الآية للإمام ومن
~~قال بقوله كفاية، وذلك أن الشيطان ذكر فيها منكرا في سياق شرط ونحن نعلم
~~أنه إنما أريد عموم الشياطين لا واحد لوجهين أحدهما أنه قد ثبت أن لكل
~~أحد شيطانا فكيف بالعاشي عن ذكر الله تعالى والآخر من الآية وهو أنه
~~أعيد عليه الضمير مجموعا في قوله تعالى: { وإنهم } فإنه عائد إلى
~~الشيطان قولا واحدا ولولا إفادته عموم الشمول لما جاز عود ضمير الجمع
~~عليه بلا إشكال، فهذه نكتة تجد عند إسماعها لمخالفي هذا الرأي سكتة.

# والنكتة الثانية أن فيها ردا على من زعم أن العود على معنى من يمنع من
~~العود على لفظها بعد ذلك واحتج لذلك بأنه إجمال بعد تفسير، وهو خلاف
~~المعهود من الفصاحة وقد نقض ذلك الكندي وغيره بآيات، واستخرج جدي من هذه
~~الآية نقض ذلك أيضا لأنه أعيد الضمير على اللفظ في { يعش } و { له
~~} وعلى المعنى في { ليصدونهم } ثم على اللفظ في

# حتى إذا جاءنا

# [الزخرف: 38] وقد قدمت أن الذي منع قد يكون اقتصر بمنعه على مجيء ذلك في
~~جملة واحدة وأما إذا تعددت الجمل واستقلت كل بنفسها فقد لا يمنع ذلك
~~انتهى.

# وفي كون ضمير { إنهم } عائدا على الشيطان قولا واحدا نظر، فقد
~~قال أبو حيان: الظاهر أن ضمير النصب في { إنهم ليصدونهم }
~~عائد على من على المعنى وهو أولى من عود ضمير { إنهم } على الشيطان
~~كما ذهب إليه ابن عطية لتناسق الضمائر في { إنهم } وما بعده فلا ms09650
~~تغفل.

# { عن السبيل } المستبين الذي يدعو إليه ذكر الرحمن {
~~ويحسبون } أي العاشون { أنهم } أي الشياطين { مهتدون }
~~أي إلى ذلك السبيل الحق وإلا لما اتبعوهم أو ويحسب العاشون أن أنفسهم
~~مهتدون فإن اعتقاد كون الشياطين مهتدين مستلزم لاعتقاد كونهم كذلك لاتحاد
~~مسلكهما. والظاهر أن أبا حيان يختار هذا الوجه للتناسق أيضا. والجملة
~~حال من مفعول { يصدون } بتقدير المبتدأ أو من فاعله أو منهما
~~لاشتمالها على ضميريهما أي وإنهم ليصدونهم عن الطريق الحق وهم يحسبون
~~أنهم مهتدون إليه. وصيغة المضارع في الأفعال الأربعة للدلالة على
~~الاستمرار التجددي لقوله تعالى: { حتى إذا جاءنا }.

### || [43.38]

# { حتى إذا جاءنا } فإن { حتى } وإن كانت ابتدائية داخلة على
~~الجملة الشرطية لكنها تقتضي حتما أن تكون غاية لأمر ممتد وأفرد الضمير
~~في جاء وما بعده لما أن المراد حكاية مقالة كل واحد من العاشين لقرينه
~~لتهويل الأمر وتفظيع الحال والمعنى يستمر أمر العاشين على ما ذكر حتى إذا
~~جاءنا كل واحد منهم مع قرينه يوم القيامة { قال } مخاطبا له: {
~~يليت بيني وبينك } أي في الدنيا، وقيل: في الآخرة { بعد
~~المشرقين } أي بعد كل منهما من الآخر، والمراد بهما المشرق
~~والمغرب كما اختاره الزجاج والفراء وغيرهما لكن غلب المشرق على المغرب
~~وثنيا كالموصلين للموصل والجزيرة وأضيف البعد إليهما، والأصل بعد المشرق
~~من المغرب والمغرب من المشرق وإنما اختصر هذا المبسوط لعدم الإلباس إذ لا
~~خفاء أنه لا يراد بعدهما من شيء واحد لأن البعد من أحدهما قرب من الآخر
~~ولأنهما متقابلان فبعد أحدهما من الآخر مثل في غاية البعد لا بعدهما عن
~~شيء آخر، واشعار السياق بالمبالغة لا ينكر فلا لبس من هذا الوجه أيضا،
~~وقال ابن السائب: لا تغليب، والمراد مشرق الشمس في أقصر يوم من السنة
~~ومشرقها في أطول يوم منها.

# { فبئس القرين } أي أنت، وقيل: أي هو على أنه من كلامه تعالى
~~وهو كما ترى. وقرأ أبو جعفر وشيبة وأبو بكر والحرميان وقتادة والزهري
~~والجحدري { جاءانا } على التثنية أي العاشي والقرين.

### || [43.39]

# / وقوله تعالى: { ولن ينفعكم ms09651 } الخ حكاية لما سيقال لهم حينئذ من
~~جهة الله عز وجل توبيخا وتقريعا. وفاعل { ينفعكم } ضمير مستتر
~~يعود على ما يفهم مما قبل أي لن ينفعكم هو أي تمنيكم لمباعدتهم أو الندم
~~أو القول المذكور { اليوم } أي يوم القيامة { إذ ظلمتم } بدل
~~من { اليوم } أي إذ تبين أنكم ظلمتم في الدنيا قاله غير واحد. وفسر
~~ذلك بالتبين قيل لئلا يشكل جعله وهو ماض بدلا من { اليوم } وهو
~~مستقبل لأن تبين كونهم ظالمين عند أنفسهم إنما يكون يوم القيامة فاليوم
~~وزمان التبين متحدان وهذا كقوله:

# إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة

# وأورد عليه أن السؤال عائد لأن { إذ } ظرف لما مضى من الزمان ولا يخرج
~~عن ذلك باعتبار التبين وتفصى بعضهم عن الإشكال بأن إذ قد تخرج من المضي
~~إلى الاستقبال على ما ذهب إليه جماعة منهم ابن مالك محتجا بقوله تعالى:

# فسوف يعلمون * إذ الأغلل

# [غافر: 7071] وإلى الحال كما ذهب إليه بعضهم محتجا بقوله سبحانه:

# ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ
~~تفيضون فيه

# [يونس: 61] فلتكن هنا للاستقبال، وأهل العربية يضعفون دعوى خروجها من
~~المضي.

# وقال الجلبي: لعل الأظهر حملها على التعليل فيتعلق بالنفي، فقد قال
~~سيبويه: إنها بمعنى التعليل حرف بمنزلة لام العلة، نعم أنكر الجمهور هذا
~~القسم لكن إثبات سيبويه إياه يكفي حجة:

# فإن القول ما قالت حذام

# وتعقب بأنه لا يكفي في تخريج كلام الله سبحانه إثبات سيبويه وحده مع
~~إطباق جميع أئمة العربية على خلافه، وأيضا تعليل النفي بعد يبعده وقال
~~أبو حيان: ((لا يجوز البدل على بقاء إذ على موضوعها من كونها ظرفا لما
~~مضى من الزمان فإن جعلت لمطلق الوقت جاز))، ولا يخفى أن ذلك مجاز فهل
~~تكفي البدلية قرينة له فإن كفت فذاك. وقال ابن جني: راجعت أبا علي في هذه
~~المسألة يعني الإبدال المذكور مرارا وآخر ما تحصل منه أن الدنيا والآخرة
~~متصلتان وهما سواء في حكم الله سبحانه وعلمه جل شأنه إذ لا يجري عليه عز
~~وجل زمان فكأن ms09652 { إذ } مستقبل أو { اليوم } ماض فصح ذلك، ورد بأن
~~المعتبر حال الحكاية والكلام فيها وارد على ما تعارفه العرب ولولاه لسد
~~باب النكات ولغت الاعتبارات في العبارات ومثله غني عن البيان. وقال أبو
~~البقاء: التقدير بعد { إذ ظلمتم } فحذف المضاف للعلم به، وقال
~~الحوفي: { إذ } متعلقة بما دل عليه المعنى كأنه قيل ولن ينفعكم اليوم
~~اجتماعكم إذ ظلمتم مثلا.

# ومن الناس من استشكل الآية من حيث إن فيها إعمال { ينفعكم } الدال
~~على الاستقبال لاقترانه بلن في اليوم وهو الزمان الحاضر وإذ وهو للزمان
~~الماضي.

# وأجيب بأنه يدفع الثاني بما قدروه من التبين لأن تبين الحال يكون في
~~الاستقبال والأول بأن { اليوم } تعريفه للعهد وهو يوم القيامة لا
~~للحضور كتعريف الآن وإن كان نوعا منه. وقيل: يدفع بأن الاستقبال بالنسبة
~~إلى وقت الخطاب وهو بعض أوقات اليوم وهو كما ترى فتأمل ولا تغفل.

# وقوله تعالى: { أنكم في العذاب مشتركون } تعليل لنفي
~~النفع أي لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركين
~~في سببه في الدنيا. وجوز أن يكون الفعل مسندا إليه أي لن ينفعكم كونكم
~~مشتركين في العذاب كما ينفع الواقعين في الأمر الصعب اشتراكهم فيه
~~لتعاونهم في تحمل أعبائه وتقسمهم لشدته وعنائه وذلك أن كل واحد منكم به
~~من العذاب ما لا تبلغه طاقته أو لن ينفعكم ذلك من حيث التأسي فإن المكروب
~~يتأسى ويتروح بوجدان المشارك وهو الذي عنته الخنساء بقولها:

# يذكرني طلوع الشمس صخرا

# وأذكره بكل مغيب شمس

# / ولولا كثرة الباكين حولي

# على إخوانهم لقتلت نفسي

# وما يبكون مثل أخي ولكن

# أعزي النفس عنه بالتأسي

# فهؤلاء لا يؤسيهم اشتراكهم ولا يروحهم لعظم ما هم فيه أو لن ينفعكم ذلك
~~من حيث التشفي أي لن يحصل لكم التشفي بكون قرنائكم معذبين مثلكم حيث كنتم
~~تدعون عليهم بقولكم:

# ربنآ آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا
~~كبيرا

# [الأحزاب: 68] وقولكم:

# فآتهم عذابا ضعفا من النار

# [الأعراف: 38] لتتشفوا بذلك. واعترض على الوجه الأول من هذه الأوجه
~~الثلاثة بأن الانتفاع بالتعاون ms09653 في تحمل أعباء العذاب ليس ما يخطر ببالهم
~~حتى يرد عليهم بنفيه. وأجيب بأنه غير بعيد أن يخطر ذلك ببالهم لمكان
~~المقارنة والصحبة والغريق يتشبث بالحشيش والظمآن يحسب السراب شرابا.

# وقرأ ابن عامر { إنكم } بكسر الهمزة وهو يقوي ما ذكر أولا من إضمار
~~الفاعل وتقدير اللام في أنكم معنى ولفظا لأنه لا يمكن أن يكون فاعلا
~~فيتعين الإضمار، ولأن الجملة عليها تكون استئنافا تعليليا فيناسب تقدير
~~اللام لتتوافق القراءتان.

### || [43.40]

# وقوله تعالى: { أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي }
~~إنكار تعجيب من أن يكون صلى الله عليه وسلم هو الذي يقدر على هدايتهم وهم
~~قد تمرنوا في الكفر واعتادوه واستغرقوا في الضلال بحيث صار ما بهم من
~~العشي عمى مقرونا بالصمم { ومن كان في ضلل مبين } عطف على
~~{ العمي } باعتبار تغاير الوصفين أعني العمى والضلال بحسب المفهوم
~~وإن اتحدا مآلا، ومدار الإنكار هو التمكن والاستقرار في الضلال المفرط
~~الذي لا يخفى لا توهم القصور منه عليه الصلاة والسلام ففيه رمز إلى أنه
~~لا يقدر على ذلك إلا الله تعالى وحده بالقسر والإلجاء وقد كان صلى الله
~~عليه وسلم يبالغ في المجاهدة في دعاء قومه وهم لا يريدون إلا غيا
~~وتعاميا عما يشاهدونه من شواهد النبوة وتصاما عما يسمعونه من بينات
~~القرآن فنزلت { أفأنت } الخ.

### || [43.41]

# { فإما نذهبن بك } فإن قبضناك قبل أن نبصرك عذابهم ونشفي
~~بذلك صدرك وصدور المؤمنين. { فإنا منهم منتقمون } لا محالة
~~في الدنيا والآخرة، واقتصر بعضهم على عذاب الآخرة لقوله تعالى في آية
~~أخرى:

# أو نتوفينك فإلينا يرجعون

# [غافر: 77] والقرآن يفسر بعضه بعضا، وما ذكرنا أتم فائدة وأوفق بإطلاق
~~الانتقام، وأما تلك الآية فليس فيها ذكره. وما مزيدة للتأكيد وهي بمنزلة
~~لام القسم في استجلاب النون المؤكدة.

### || [43.42]

# { أو نرينك الذي وعدنهم } أي أو أردنا أن نريك
~~العذاب الذي وعدناهم { فإنا عليهم مقتدرون } بحيث لا
~~مناص لهم من تحت ملكنا وقهرنا واعتبار الإرادة لأنها أنسب بذكر الاقتدار
~~بعد. وفي التعبير بالوعد وهو سبحانه لا يخالف الميعاد إشارة إلى ms09654 أنه هو
~~الواقع، وهكذا كان إذ لم يفلت أحد من صناديدهم في بدر وغيرها إلا من تحصن
~~بالإيمان، وقرىء { نرينك } بالنون الخفيفة.

### || [43.43]

# تسلية له صلى الله عليه وسلم وأمر له عليه الصلاة والسلام أو لأمته
~~بالدوام على التمسك بالآيات والعمل بها، والفاء في جواب شرط مقدر أي إذا
~~كان أحد هذين الأمرين واقعا لا محالة فاستمسك بالذي أوحيناه إليك. وقوله
~~تعالى: { إنك } الخ تعليل للاستمساك أو للأمر به. / وقرأ بعض قراء
~~الشام { أوحي } بإسكان الياء، وقرأ الضحاك { أوحى } مبنيا للفاعل.

### || [43.44]

# { وأنه } أي ما أوحي إليك والمراد به القرآن { لذكر } لشرف
~~عظيم { لك ولقومك } هم قريش على ما روي عن ابن عباس ومجاهد
~~وقتادة والسدي وابن زيد. وأخرج ابن عدي وابن مردويه عن علي كرم الله
~~تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما قالا: كان رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل بمكة ويعدهم الظهور فإذا قالوا: لمن
~~الملك بعدك أمسك فلم يجبهم بشيء لأنه عليه الصلاة والسلام لم يؤمر في ذلك
~~بشيء حتى نزلت: { وإنه لذكر لك ولقومك } فكان صلى الله
~~عليه وسلم بعد إذا سئل قال لقريش فلا يجيبونه حتى قبلته الأنصار على ذلك.

# وأخرج الطبراني وابن مردويه

# " عن عدي بن حاتم قال: «كنت قاعدا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فقال: ألا إن الله تعالى علم ما في قلبي من حبي لقومي فبشرني فيهم فقال
~~سبحانه: { وإنه لذكر لك ولقومك } الآية فجعل الذكر
~~والشرف لقومي في كتابه» الحديث، وفيه «فالحمد لله الذي جعل الصديق من
~~قومي والشهيد من قومي إن الله تعالى قلب العباد ظهرا وبطنا فكان خير
~~العرب قريش وهي الشجرة المباركة "

# إلى أن قال عدي: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده قريش
~~بخير قط إلا سره حتى يتبين ذلك السرور في وجهه للناس كلهم وكان عليه
~~الصلاة والسلام كثيرا ما يتلو هذه الآية { وإنه لذكر لك
~~ولقومك } الخ.

# وقيل هم العرب مطلقا لما أن القرآن ms09655 نزل بلغتهم ثم يختص بذلك الشرف
~~الأخص فالأخص منهم حتى يكون الشرف لقريش أكثر من غيرهم ثم لبني هاشم أكثر
~~مما يكون لسائر قريش، وفي رواية عن قتادة هم من اتبعه صلى الله عليه وسلم
~~من أمته. وقال الحسن: هم الأمة والمعنى وإنه لتذكرة وموعظة لك ولأمتك،
~~والأرجح عندي القول الأول.

# { وسوف تسئلون } يوم القيامة عنه وعن قيامكم بحقوقه، وقال
~~الحسن والكلبي والزجاج: تسألون عن شكر ما جعله الله تعالى لكم من الشرف.

# قيل إن هذه الآية تدل على أن الإنسان يرغب في الثناء الحسن والذكر
~~الجميل إذ لو لم يكن ذلك مرغوبا فيه ما امتن الله تعالى به على رسوله
~~صلى الله عليه وسلم والذكر الجميل قائم مقام الحياة ولذا قيل: ذكر الفتى
~~عمره الثاني، وقال ابن دريد:

# وإنما المرء حديث بعده

# فكن حديثا حسنا لمن وعى

# وقال آخر:

# إنما الدنيا محاسنها

# طيب ما يبقى من الخبر

# ويحكى أن الطاغية هلاكو سأل أصحابه من الملك؟ فقالوا له: أنت الذي
~~دوخت البلاد وملكت الأرض وطاعتك الملوك وكان المؤذن إذ ذاك يؤذن فقال لا
~~الملك هذا الذي له أزيد من ستمائة سنة قد مات وهو يذكر على المآذن في كل
~~يوم وليلة خمس مرات يريد محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

### || [43.45]

# أي هل حكمنا بعبادة غير الله سبحانه وهل جاءت في ملة من ملل المرسلين
~~عليهم السلام والمراد الاستشهاد بإجماع المرسلين / على التوحيد والتنبيه
~~على أنه ليس ببدع ابتدعه صلى الله عليه وسلم حتى يكذب ويعادى له، والكلام
~~بتقدير مضاف أي واسأل أمم من أرسلنا أو على جعل سؤال الأمم بمنزلة سؤال
~~المرسلين إليهم. قال الفراء: هم إنما يخبرون عن كتب الرسل فإذا سألهم
~~عليه الصلاة والسلام فكأنه سأل المرسلين عليهم السلام، وعلى الوجهين
~~المسؤول الأمم، وروي ذلك عن الحسن ومجاهد وقتادة والسدي وعطاء وهو رواية
~~عن ابن عباس أيضا.

# وأخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة أنه قال في بعض القراءات (واسأل من
~~أرسلنا إليهم رسلنا قبلك). وأخرج هو ms09656 وسعيد بن منصور عن مجاهد قال: كان
~~عبد الله يقرأ (واسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك من رسلنا)، وعن ابن مسعود
~~أنه قرأ (واسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبل مؤمني أهل الكتاب). وجعل
~~بعضهم السؤال مجازا عن النظر والفحص عن مللهم في سؤال الديار والاطلال
~~ونحوها من قولهم: سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك.

# وروي عن ابن عباس أيضا وابن جبير والزهري وابن زيد أن الكلام على ظاهره
~~وأنه عليه الصلاة والسلام قيل له ذلك ليلة الإسراء حين جمع له الأنبياء
~~في البيت المقدس فأمهم ولم يسألهم عليه الصلاة والسلام إذ لم يكن في شك.
~~وفي بعض الآثار أن ميكال قال لجبريل عليهما السلام: هل سأل محمد صلى الله
~~عليه وسلم عن ذلك؟ فقال: هو أعظم يقينا وأوثق إيمانا من أن يسأل. وتعقب
~~هذا القول بأن المراد بهذا السؤال إلزام المشركين وهم منكرون الإسراء،
~~وللبحث فيه مجال.

# والخطاب على جميع ما سمعت لنبينا عليه الصلاة والسلام. وفي «البحر» الذي
~~يظهر أنه خطاب للسامع الذي يريد أن يفحص عن الديانات قيل له اسأل أيها
~~الناظر أتباع الرسل أجاءت رسلهم بعبادة غير الله عز وجل فإنهم يخبرونك أن
~~ذلك لم يقع ولا يمكن أن يأتوا به ولعمري إنه خلاف الظاهر جدا. ومما يقضي
~~منه العجب ما قيل: إن المعنى واسألني أو واسألنا عمن أرسلنا وعلق اسأل
~~فارتفع من وهو اسم استفهام على الابتداء وأرسلنا خبره والجملة في موضع
~~نصب باسأل بعد إسقاط الخافض كأن سؤاله من أرسلت يا رب قبلي من رسلك أجعلت
~~في رسالته آلهة تعبد ثم ساق السؤال فحكى المعنى فرد الخطاب إلى النبي
~~صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { من قبلك } انتهى. واسأل من قرأ
~~أبا جاد أيرضى بهذا الكلام ويستحسن تفسير كلام الله تعالى المجيد بذلك.

### || [43.46]

# { ولقد أرسلنا موسى بئايتنا } متلبسا بها { إلى
~~فرعون وملئه } أشراف قومه وخصوا بالذكر لأن غيرهم تبع {
~~فقال } لهم { إني رسول رب العلمين } إليكم. وأريد
~~باقتصاص ذلك تسلية رسول ms09657 الله صلى الله عليه وسلم وإبطال قولهم:

# لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين
~~عظيم

# [الزخرف: 31] لأن موسى عليه السلام مع عدم زخارف الدنيا لديه كان له مع
~~فرعون وهو ملك جبار ما كان وقد أيده الله سبحانه بوحيه وما أنزل عليه،
~~والاستشهاد بدعوته عليه السلام إلى التوحيد إثر ما أشير إليه من إجماع
~~جميع الرسل عليهم السلام عليه ويعلم من ذلك وجه مناسبة الآيات لما قبلها.

# وقال أبو حيان: ((مناسبتها من وجهين: الأول أنه ذكر فيما قبل قول
~~المشركين:

# لولا نزل

# [الزخرف: 31] الخ وفيه زعم أن العظم بالجاه والمال وأشير في هذه الآيات
~~إلى أن مثل ذلك سبق إليه فرعون في قوله:

# أليس لي ملك مصر

# [الزخرف: 51] الخ فهو قدوتهم في ذلك وقد انتقم منه فكذلك ينتقم منهم،
~~الثاني أنه سبحانه لما قال:

# وسئل

# [الزخرف: 45] الخ ذكر جل وعلا قصة موسى وعيسى عليهما السلام وهما أكثر
~~أتباعا ممن سبق / من الأنبياء وكل جاء بالتوحيد فلم يكن فيما جاءا به
~~إباحة اتخاذ آلهة من دون الله تعالى كما اتخذت قريش فناسب ذكر قصتهما
~~الآية التي قبلها)).

### || [43.47]

# أي فاجأهم الضحك منها أي استهزؤا بها أول ما رأوها ولم يتأملوا فيها.
~~وفي «الكشاف» ((جاز أن تجاب لما بإذا المفاجاة لأن فعل المفاجأة مقدر
~~معها وهو عامل النصب في محلها كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجؤوا وقت
~~ضحكهم)) فالجواب عنده ذلك الفعل وهو العامل في لما، وقدر ماضيا لأنه
~~المعروف في جوابها، وإذا مفعول به لا ظرف. وقال أبو حيان: ((لا نعلم
~~نحويا ذهب إلى ما ذهب إليه هذا الرجل من أن إذا الفجائية تكون منصوبة
~~بفعل مقدر تقديره فاجأ بل المذاهب فيها ثلاثة. الأول أنها حرف فلا تحتاج
~~إلى عامل. الثاني أنها ظرف مكان فإن صرح بعد الاسم بعدها بخبر له كان ذلك
~~الخبر عاملا فيها نحو خرجت فإذا زيد قائم فقائم هو الناصب لها والتقدير
~~خرجت ففي المكان الذي خرجت فيه زيد قائم. الثالث أنها ظرف زمان والعامل
~~فيها ms09658 الخبر أيضا كأنه قيل: ففي الزمان الذي خرجت فيه زيد قائم. وإذا لم
~~يذكر بعد الاسم خبر أو ذكر اسم منصوب على الحال كانت إذا خبرا للمبتدأ
~~فإن كان جثة وقلنا: إذا ظرف مكان كان الأمر واضحا وإن قلنا ظرف زمان كان
~~الكلام على حذف مضاف أي ففي الزمان حضور زيد ثم أن المفاجأة التي ادعاها
~~لا يدل المعنى على أنها تكون من الكلام السابق بل يدل على أنها تكون من
~~الكلام التي هي فيه تقول خرجت فإذا الأسد فالمعنى ففاجأني الأسد دون
~~ففاجأت الأسد)) انتهى. وقال الخفاجي: ما قيل إن نصبها بفعل المفاجأة
~~المقدر هكذا لم يقله أحد من النحاة لا يلتفت إليه وتفصيله في «شروح
~~المغني».

### || [43.48]

# { وما نريهم من ءاية } من الآيات { إلا هي أكبر
~~من أختها } أي من أية مثلها في كونها آية دالة على النبوة واستشكل
~~بأنه يلزم كون كل واحدة من الآيات فاضلة ومفضولة معا وهو يؤدي إلى
~~التناقض وتفضيل الشيء على نفسه لعموم آية في النفي. وأجيب بأن الغرض من
~~هذا الكلام أنهن موصوفات بالكبر لا يكدن يتفاوتن فيه على معنى أن كل
~~واحدة لكمالها في نفسها إذا نظر إليها قيل هي أكبر من البواقي لاستقلالها
~~بإفادة المقصود على التمام كما قال الحماسي:

# من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم

# مثل النجوم التي يسري بها الساري

# وإذا لوحظ الكل توقف عن التفضيل بينهن. ولقد فاضلت فاطمة بنت خرشب
~~الأنمارية بين أولادها الكملة ربيعة الحفاظ وعمارة الوهاب وأنس الفوارس
~~ثم قالت [لما] أبصرت مراتبهم متدانية قليلة التفاوت: ثكلتهم إن كنت أعلم
~~أيهم أفضل هم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها. وقال بعض الأجلة:
~~المراد بأفعل الزيادة من وجه أي ما نريهم من آية إلا هي مختصة بنوع من
~~الإعجاز مفضلة على غيرها بذلك الاعتبار، ولا ضير في كون الشيء الواحد
~~فاضلا ومفضولا باعتبارين، وقد أطال الكلام في ذلك جلال الدين الدواني
~~في «حواشيه على الشرح الجديد للتجريد» فليراجع ذلك من أراده. وفي «البحر»
~~قيل: كانت ms09659 آياته عليه السلام من كبار الآيات وكانت كل واحدة أكبر من التي
~~قبلها فعلى هذا يكون ثم صفة محذوفة أي من أختها السابقة عليها ولا يبقى
~~في الكلام تعارض، ولا يكون ذلك الحكم في الآية الأولى لأنه لم يسبقها شيء
~~فتكون أكبر منه، وذكر بعضهم في الأكبرية أن الأولى تقتضي علما والثانية
~~تقتضي علما منضما إلى علم الأولى فيزداد الرجوع انتهى، والأولى ما تقدم
~~لشيوع ارادة ذلك المعنى من مثل هذا التركيب.

# { وأخذنهم بالعذاب } كالسنين والجراد والقمل وغيرها / {
~~لعلهم يرجعون } لكي يرجعوا ويتوبوا عما هم عليه من الكفر.

### || [43.49]

# { وقالوا يأيه الساحر } قال الجمهور: وهو خطاب تعظيم فقد
~~كانوا يقولون للعالم الماهر ساحر لاستعظامهم علم السحر، وحكاه في «مجمع
~~البيان» عن الكلبي والجبائي، وقيل: المعنى يا غالب السحرة من ساحره
~~فسحره كخاصمه فخصمه فهو خطاب تعظيم أيضا، وقيل: الساحر على المعنى
~~المعروف فيه وقد تعودوا دعاءه عليه السلام بذلك قبل، ومقتضى مقام طلب
~~الدعاء منه عليه السلام أن لا يدعوه به إلا أنهم فرط حسرتهم سبق لسانهم
~~إلى ما تعودوا به. وقيل: هو خطاب استهزاء وانتقاص دعاهم إليه شدة شكيمتهم
~~ومزيد حماقتهم وروي ذلك عن الحسن.

# ودفع الزمخشري المنافاة بين هذا الخطاب وقولهم الآتي: { إننا
~~لمهتدون } بأن ذلك القول وعد منوي إخلافه وعهد معزوم على نكثه معلق
~~بشرط أن يدعو لهم وينكشف عنهم العذاب وفيه أن الوعد وإن كان منوي الإخلاف
~~لكن إظهار الإخلاف حال التضرع إليه عليه السلام ينافيه لأنهم في استلانة
~~قلبه عليه السلام. وقيل الأظهر أنهم قالوا يا موسى كما في الأعراف لكن
~~حكى الله تعالى كلامهم هنا على حسب حالهم ووفق ما في قلوبهم تقبيحا لذلك
~~وتسلية لحبيبه صلى الله عليه وسلم ويكون ذلك على عكس قوله سبحانه:

# إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله

# [النساء: 157] وجعل على هذا قولهم الآتي مجمل ما فصل هنالك من الإيمان
~~وإرسال بني إسرائيل فلا يحتاج إلى التزام كون القولين في مجلسين للجمع
~~بين ما هنا وما هناك، ولا ms09660 يخلو عن بعد والالتزام المذكور لا أرى ضررا
~~فيه. وقرىء (يا أيه) بضم الهاء.

# { ادع لنا ربك } ليكشف عنا العذاب { بما عهد عندك } أي
~~بعهده عندك، والمراد به النبوة وسميت عهدا إما لأن الله تعالى عاهد نبيه
~~عليه السلام أن يكرمه بها وعاهد النبي ربه سبحانه على أن يستقل بأعبائها
~~أو لما فيها من الكلفة بالقيام بأعبائها ومن الاختصاص كما بين المتواثقين
~~أو لأن لها حقوقا تحفظ كما يحفظ العهد أو من العهد الذي يكتب للولاة كأن
~~النبوة منشور من الله تعالى بتولية من أكرمه بها والباء إما صلة  لادع 
~~أو متعلق بمحذوف وقع حالا من الضمير فيه أي متوسلا إليه تعالى بما عهد
~~أو بمحذوف دل عليه التماسهم مثل أسعفنا إلى ما نطلب، وإما أن تكون للقسم
~~والجواب ما يأتي، وهي على هذا للقسم حقيقة وعلى ما قبله للقسم الاستعطافي
~~وعلى الوجه الأول للسببية، وإدخال ذلك في الاستعطاف خروج عن الاصطلاح،
~~وجوز أن يراد بالعهد عهد استجابة الدعوة كأنه قيل: بما عاهدك الله تعالى
~~مكرما لك من استجابة دعوتك أو عهد كشف العذاب عمن اهتدى، وأمر الباء في
~~الوجهين على ما مر؛ وأن يراد بالعهد الإيمان والطاعة أي بما عهد عندك
~~فوفيت به على أنه من عهد إليه أن يفعل كذا أي أخذ منه العهد على فعله
~~ومنه العهد الذي يكتب للولاة.

# و { عندك } يغني عن ذكر الصلة مع إفادة أنه محفوظ مخزون عند المخاطب،
~~والأولى على هذا أن تكون ما موصولة، وهذا الوجه فيه كما في «الكشف» نبو
~~لفظا ومعنى وسياقا على ما لا يخفى على الفطن.

# { إننا لمهتدون } لمؤمنون ثابتون على الإيمان وهو إما معلق
~~بشرط كشف العذاب كما في قولهم المحكي في سورة [الأعراف: 134]

# لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك

# أو غير معلق ويجب حينئد أن يكون هذا منهم في مجلس آخر، وإن قلنا: لم
~~يصدر منهم طلب الدعاء إلا مرة أو أكثر منها لكن على طرز واحد قيل هنا:
~~أرادوا من الاهتداء الإيمان وإرسال بني ms09661 إسرائيل كما سمعت آنفا.

### || [43.50]

# { فلما كشفنا عنهم العذاب } أي بدعوته ففي الكلام / حذف
~~أي فدعانا بكشف العذاب فكشفناه فلما كشفناه عنهم { إذا هم ينكثون
~~} فاجأهم نكث عهدهم بالاهتداء أو فاجؤوا وقت نكث عهدهم. وقرأ أبو حيوة {
~~ينكثون } بكسر الكاف.

### || [43.51]

# { ونادى فرعون في قومه قال يقوم أليس لي
~~ملك مصر وهذه الأنهر تجري من تحتي } أي رفع
~~صوته بنفسه فيما بين قومه بذلك القول، ولعله جمع عظماء القبط في محله
~~الذي هو فيه بعد أن كشف العذاب فنادى فيما بينهم بذلك لتنتشر مقالته في
~~جميع القبط ويعظم في نفوسهم مخافة أن يؤمنوا بموسى عليه السلام ويتركوه.
~~ويجوز أن يكون إسناد النداء إليه مجازا والمراد أمر بالنداء بذلك في
~~الأسواق والأزقة ومجامع الناس وهذا كما يقال بنى الأمير المدينة. {
~~ونادى } قيل معطوف على فاجأ المقدر ونزل منزلة اللازم وعدي بفي
~~كقوله:

# يجرح في عراقيبها نصلي

# للدلالة على تمكين النداء فيهم. وعنى بملك مصر ضبطها والتصرف فيها
~~بالحكم ولم يرد مصر نفسها بل هي وما يتبعها وذلك من اسكندرية إلى أسوان
~~كما في «البحر». والأنهار الخلجان التي تخرج من النيل المبارك كنهر الملك
~~ونهر دمياط ونهر تنيس ولعل نهر طولون كان منها إذ ذاك لكنه اندرس فجدده
~~أحمد بن طولون ملك مصر في الإسلام وأراد بقوله: { من تحتي } من تحت
~~أمري. وقال غير واحد كانت أنها تخرج من النيل وتجري من تحت قصره وهو مشرف
~~عليها، وقيل: كان له سرير عظيم مرتفع تجري من تحته أنهار أخرجها من
~~النيل، وقال قتادة: كانت له جنان وبساتين بين يديه تجري فيها الأنهار،
~~وفسر الضحاك الأنهار بالقواد والرؤساء الجبابرة، ومعنى كونهم يجرون من
~~تحته أنهم يسيرون تحت لوائه ويأتمرون بأمره، وقد أبعد جدا وكذا من فسرها
~~بالأموال ومن فسرها بالخيل وقال: كما يسمى الفرس بحرا يسمى نهرا بل
~~التفاسير الثلاثة تقرب من تفاسير الباطنية فلا ينبغي أن يلتفت إليها.

# والواو في { وهذه } الخ إما عاطفة لهذه الأنهار على الملك فجملة {
~~تجري } حال منها أو ms09662 للحال فهذه مبتدأ و { الأنهر } صفة أو عطف
~~بيان وجملة { تجري } خبر للمبتدأ وجملة (هذه) الخ حال من ضمير
~~المتكلم، وجوز أن تكون للعطف { وهذه... تجري } مبتدأ وخبر
~~والجملة عطف على اسم { ليس } وخبرها. وقوله: { أفلا تبصرون }
~~على تقدير المفعول أي أفلا تبصرون ذلك أي ما ذكر، ويجوز أن ينزل منزلة
~~اللازم والمعنى أليس لكم بصر أو بصيرة. وقرأ عيسى { تبصرون } بكسر النون
~~فتكون الياء الواقعة مفعولا محذوفة، وقرأ فهد بن الصقر { يبصرون } بياء
~~الغيبة ذكره في «الكامل» للهذلي والساجي عن يعقوب ذكره ابن خالويه. ولا
~~يخفى ما بين افتخار اللعين بملك مصر ودعواه الربوبية من البعد البعيد.

# وعن الرشيد أنه لما قرأ هذه الآية قال: لأولينها  يعني مصر  أخس عبيدي
~~فولاها الخصيب وكان على وضوئه، وعن عبد الله بن طاهر أنه وليها فخرج
~~إليها فلما شارفها ووقع عليها بصره قال: أهي القرية التي افتخر بها فرعون
~~حتى قال: { أليس لي ملك مصر } والله لهي أقل عندي من أن
~~أدخلها فثنى عنانه.

### || [43.52]

# { أم أنا خير } مع هذه البسطة والسعة في الملك والمال { من
~~هذا الذي هو مهين } أي ضعيف حقير أو مبتذل ذليل فهو من
~~المهانة وهي القلة أو الذلة { ولا يكاد يبين } أي الكلام.
~~والجمهور أنه عليه السلام كان بلسانه بعض شيء من أثر الجمرة لكن اللعين
~~بالغ. ومن ذهب إلى أن الله تعالى كان أجاب سؤاله حل عقدة من لسانه فلم
~~يبق فيه منها أثر قال: المعنى ولا يكاد يبين حجته الدالة على صدقه فيما
~~يدعي لا أنه لا قدرة له على الإفصاح باللفظ وهو افتراء عليه عليه السلام
~~ألا ترى إلى / مناظرته له ورده عليه وإفحامه إياه، وقيل: عابه بما كان به
~~عليه السلام من الحبسة أيام كان عنده وأراد اللعين أنه عليه السلام ليس
~~معه من العدد وآلات الملك والسياسة ما يعتضد به وهو في نفسه مخل بما ينعت
~~به الرجال من اللسن وإبانة الكلام.

# و { أم } على ما نقل عن سيبويه والخليل متصلة، وقد ms09663 نزل السبب بعدها
~~منزلة المسبب على ما ذهب إليه الزمخشري، والمعنى أفلا تبصرون أم تبصرون
~~إلا أنه وضع { أم أنا خير } موضع أم تبصرون. وإيضاح ذلك أن فرعون
~~عليه اللعنة لما قدم أسباب البسطة والرياسة بقوله: { أليس لي } الخ
~~وعقبه بقوله

# أفلا تبصرون

# [الزخرف: 51] استقصارا لهم وتنبيها على أنه من الوضوح بمكان لا يخفى
~~على ذي عينين قال في مقابله: { أم أنا خير } بمعنى أم تبصرون أني
~~أنا المقدم المتبوع. وفي العدول تنبيه على أن هذا الشق هو المسلم لا
~~محالة عندكم فكأنه يحكيه عن لسانهم بعدما أبصروا وهو أسلوب عجيب وفن
~~غريب، وجعله الزمخشري من إنزال السبب مكان المسبب لأن كونه خيرا في نفسه
~~أي محصلا له أسباب التقدم والملك سبب لأن يقال فيه أنت خير منه وقولهم:
~~أنت خير سبب لكونهم بصراء وسبب السبب قد يقال له سبب فلا يرد ما يقال إن
~~السبب قولهم: أنت خير لا قوله: أنا خير.

# وقال القاضي البيضاوي: إنه من إنزال المسبب منزلة السبب لأن علمهم بأنه
~~خير مستفاد من الإبصار، وفيه أن المذكور أنا خير لا أم تعلمون أني خير،
~~وله أن يقول: ذلك يغني غناه لأنه جعله مسلما معلوما ما عندهم فقال: {
~~أم أنا خير } لا أم تعلمون كما سلف، ولا يخفى أن ما ذكره الزمخشري
~~أظهر كذا في «الكشف». وقال العلامة الثاني في تقرير ذلك: إن قوله: أنا
~~خير سبب لقولهم من جهة بعثه على النظر في أحواله واستعداده لما ادعاه
~~وقولهم: أنت خير سبب لكونهم بصراء عنده فأنا خير سبب له بالواسطة لكن لا
~~يخفى أنه سبب للعلم بذلك والحكم به، وأما بحسب الوجود فالأمر بالعكس لأن
~~إبصارهم سبب لقولهم أنت خير فتأمل.

# وبالجملة إن ما بعد { أم } مؤول بجملة فعلية معلولة لفظا ومعنى هي ما
~~سمعت ونحو ذلك من حيث التأويل

# أدعوتموهم أم أنتم صمتون

# [الأعراف: 193] أي أم صمتم، وقوله:

# أمخدج اليدين أم أتمت

# أي أم متما، وقيل: حذف المعادل لدلالة المعنى عليه، والتقدير أفلا
~~تبصرون أم ms09664 تبصرون أنا خير الخ. وتعقب بأن هذا لا يجوز إلا إذا كان بعد أم
~~لا نحو أيقوم زيد أم لا أي أم لا يقوم فأما حذفه دون لا فليس من كلامهم.
~~وجوز أن يكون في الكلام طي على نهج الاحتباك والمعنى أهو خير مني فلا
~~تبصرون ما ذكرتكم به أم أنا خير منه لأنكم تبصرونه، ولا ينبغي الالتفات
~~إليه.

# وجوز غير واحد كون { أم } منقطعة مقدرة ببل والهمزة التي للتقرير كأن
~~اللعين قال إثر ما عدد أسباب فضله ومبادي خيريته: أثبت عندكم واستقر
~~لديكم أني خير وهذه حالي من هذا الخ، ورجحه بعضهم لما فيه من عدم التكلف
~~في أمر المعادل اللازم أولا لحسن في المتصلة. وقال السدي وأبو عبيدة: أم
~~بمعنى بل فيكون قد انتقل من ذلك الكلام إلى إخباره بأنه خير كقول الشاعر:

# بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى

# وصورتها أم أنت في العين أملح

# وقال أبو البقاء: إنها منقطعة لفظا متصلة معنى وأراد ما تقدم من
~~التأويل، وليس فيه مخالفة لما أجمع عليه النحاة كما توهم، وجملة { لا
~~يكاد يبين } معطوفة على الصلة أو مستأنفة أو حالية. وقرىء { أما
~~أنا خير } بإدخال الهمزة على ما النافية، وقرأ الباقر رضي الله
~~تعالى عنه { يبين } بفتح الياء من بان إذا ظهر.

### || [43.53]

# { فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب } كناية عن
~~تمليكه. قال مجاهد: كانوا إذا سودوا رجلا سوروه بسوارين وطوقوه بطوق من
~~ذهب علامة لسودده، / فقال فرعون هلا ألقى رب موسى عليه أساور من ذهب إن
~~كان صادقا، وهذا من اللعين لزعمه أن الرياسة من لوازم الرسالة كما قال
~~كفار قريش في عظيم القريتين. والأسورة جمع سوار نحو خمار وأخمرة، وقرأ
~~الأعمش { أساور } ورويت عن أبي، وعن أبي عمرو جمع أسورة فهو جمع الجمع،
~~وقرأ الجمهور { أساورة } جمع أسوار بمعنى السوار والهاء عوض عن ياء
~~أساوير فإنها تكون في الجمع المحذوف مدته للعوض عنها كما في زنادقة جمع
~~زنديق. وقد قرأ { أساوير } عبد الله وأبي في الرواية المشهورة، ms09665 وقرأ
~~الضحاك (ألقى) مبنيا للفاعل أي الله تعالى (أساورة) بالنصب.

# { أو جآء معه الملائكة مقترنين } من قرنته به
~~فاقترن، وفسر بمقرونين أي به لأنه لازم معناه بناء على هذا، وفسر أيضا
~~بمتقارنين من اقترن بمعنى تقارن والاقتران مجاز أو كناية عن الإعانة.
~~ولذا قال ابن عباس: يعينونه على من خالفه، وقيل: عن التصديق ولولا ذلك لم
~~يكن لذكره بعد قوله (معه) فائدة، وهو على الأول حسي وعلى الثاني معنوي،
~~وقيل: متقارنين بمعنى مجتمعين كثيرين، وعن قتادة متتابعين.

### || [43.54]

# { فاستخف قومه } فطلب منهم الخفة في مطاوعته على أن السين
~~للطلب على حقيقتها، ومعنى الخفة السرعة لإجابته ومتابعته كما يقال هم
~~خفوف إذا دعوا وهو مجاز مشهور وقال ابن الأعرابي استخف أحلامهم أي وجدهم
~~خفيفة أحلامهم أي قليلة عقولهم فصيغة الاستفعال للوجدان كالأفعال كما
~~يقال أحمدته وجدته محمودا وفي نسبته ذلك للقوم تجوز { فأطاعوه }
~~فيما أمرهم به { إنهم كانوا قوما فسقين } فلذلك سارعوا
~~إلى طاعة ذلك الفاسق الغوي.

### || [43.55]

# { فلما ءاسفونا } أي أسخطونا كما قال علي كرم تعالى وجهه. وفي
~~معناه ما قيل أي أغضبونا أشد الغضب أي بأعمالهم. والغضب عند الخلف مجاز
~~عن إرادة العقوبة فيكون صفة ذات أو عن العقوبة فيكون صفة فعل. وقال أبو
~~عبد الله الرضا رضي الله تعالى عنه: إن الله سبحانه لا يأسف كأسفنا ولكن
~~له جل شأنه أولياء يأسفون ويرضون فجعل سبحانه رضاهم رضاه وغضبهم غضبه
~~تعالى، وعلى ذلك قال عز وجل:

# " من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة "

# وقال سبحانه:

# من يطع الرسول فقد أطاع الله

# [النساء: 80] وعليه قيل: المعنى فلما أسفوا موسى عليه السلام ومن معه،
~~والسلف لا يؤولون ويقولون: الغضب فينا انفعال نفساني وصفاته سبحانه ليست
~~كصفاتنا بوجه من الوجوه، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير
~~الأسف بالحزن وأنه قال هنا أي أحزنوا أولياءنا المؤمنين نحو السحرة وبني
~~إسرائيل.

# وذكر الراغب ((أن الأسف الحزن والغضب معا وقد يقال لكل منهما على
~~الانفراد، وحقيقته ثوران دم القلب شهوة الانتقام فمتى ms09666 كان ذلك على من
~~دونه انتشر فصار غضبا ومتى كان على من فوقه انقبض فصار حزنا، ولذلك سئل
~~ابن عباس عنهما فقال: مخرجهما واحد واللفظ مختلف فمن نازع من يقوى عليه
~~أظهره غيظا وغضبا ومن نازع من لا يقوى عليه أظهره حزنا وجزعا، وبهذا
~~النظر قال الشاعر:

# فحزن كل أخي حزن أخو الغضب

# ))

# انتهى. وعلى جميع الأقوال آسف منقول بالهمزة من أسف.

# { انتقمنا منهم فأغرقنهم أجمعين } في اليم.

### || [43.56]

# { فجعلنهم سلفا } قال ابن عباس وزيد بن أسلم وقتادة أي
~~متقدمين إلى النار. وقال غير واحد: قدوة للكفار الذين بعدهم يقتدون بهم
~~في استيجاب مثل عقابهم ونزوله بهم، والكلام / على الاستعارة لأن الخلف
~~يقتدي بالسلف فلما اقتدوا بهم في الكفر جعلوا كأنهم اقتدوا بهم في معلول
~~الغضب وهو مصدر نعت به ولذا يصح إطلاقه على القليل والكثير، وقيل: جمع
~~سالف كحارس وحرس وخادم وخدم وهذا يحتمل أن يراد بالجمع فيه ظاهره ويحتمل
~~أن يراد به اسم الجمع فإن فعلا ليس من أبنية الجموع لغلبته في المفردات،
~~والمشهور في جمعه أسلاف وجاء سلاف أيضا.

# وقرأ أبو عبد الله وأصحابه وسعيد بن عياش والأعمش والأعرج وطلحة وحمزة
~~والكسائي { سلفا } بضمتين جمع سليف كفريق لفظا ومعنى، سمع القاسم بن
~~معن العرب تقول: مضى سليف من الناس يعنون فريقا، منهم وقيل: جمع سلف
~~كصبر جمع صابر أو جمع سلف كجنب. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه ومجاهد
~~والأعرج أيضا (سلفا) بضم ففتح إما على أنه أبدلت فيه ضمة اللام فتحة
~~تخفيفا كما يقال في جدد بضم الدال جدد بفتحها أو على أنه جمع سلفة بمعنى
~~الأمة والجماعة من الناس أي فجعلناهم أمة سلفت، والسلف بالضم فالفتح في
~~غير هذا ولد القبج والجمع سلفان كصردان ويضم.

# { ومثلا للآخرين } أي عظة لهم، والمراد بهم الكفار بعدهم،
~~والجار متعلق على التنازع بسلفا ومثلا، ويجوز أن يراد بالمثل القصة
~~العجيبة التي تسير مسير الأمثال؛ ومعنى كونهم مثلا للكفار أن يقال لهم:
~~مثلكم مثل قوم فرعون، ويجوز تعلق الجار بالثاني ms09667 وتعميم الآخرين بحيث يشمل
~~المؤمنين، وكونهم قصة عجيبة للجميع ظاهر.

### || [43.57]

# { ولما ضرب ابن مريم مثلا } الخ بيان لعناد قريش
~~بالباطل والرد عليهم، فقد روي أن عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه قال
~~للنبي صلى الله عليه وسلم وقد سمعه يقول:

# إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم

# [الأنبياء: 98] أليست النصارى يعبدون المسيح وأنت تقول كان نبيا وعبدا
~~من عباد الله تعالى صالحا فإن كان في النار فقد رضينا أن نكون نحن
~~وآلهتنا معه ففرح قريش وضحكوا وارتفعت أصواتهم وذلك قوله تعالى: { إذا
~~قومك منه يصدون } فالمعنى ولما ضرب ابن الزبعرى عيسى ابن
~~مريم مثلا وحاجك بعبادة النصارى إياه إذا قومك من ذلك ولأجله يرتفع لهم
~~جلبة وضجيج فرحا وجذلا، والحجة لما كانت تسير مسير الأمثال شهرة قيل
~~لها مثل أو المثل بمعنى المثال أي جعله مقياسا وشاهدا على إبطال قوله
~~عليه الصلاة والسلام: إن آلهتهم من حصب جهنم، وجعل عيسى عليه السلام نفسه
~~مثلا من باب «الحج عرفة».

# وقرأ أبو جعفر والأعرج والنخعي وأبو رجاء وابن وثاب وابن عامر ونافع
~~والكسائي { يصدون } بضم الصاد من الصدود، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى
~~وجهه، وأنكر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذه القراءة وهو قبل بلوغه
~~تواترها، والمعنى عليها إذا قومك من أجل ذلك يعرضون عن الحق بالجدل بحجة
~~داحضة واهية، وقيل: المراد يثبتون على ما كانوا عليه من الإعراض. وقال
~~الكسائي والفراء: يصدون بالكسر ويصدون بالضم لغتان بمعنى واحد مثل {
~~يعرشون } و

# يعرشون

# [الأعراف: 137] ومعناهما يضجون، وجوز أن يكون يعرضون.

### || [43.58]

# { وقالوا } تمهيدا لما بنوا عليه من الباطل المموه مما يغتر به
~~السفهاء { أآلهتنا خير أم هو } أي ظاهر عندك أن عيسى عليه
~~السلام خير من آلهتنا فحيث كان هو في النار فلا بأس بكونها وأيانا فيها،
~~وحقق الكوفيون الهمزتين همزة الاستفهام والهمزة الأصلية؛ وسهل باقي
~~السبعة الثانية بين بين، / وقرأ ورش في رواية أبي الأزهر بهمزة واحدة
~~على مثال الخبر، والظاهر أنه على حذف همزة الاستفهام. ms09668 وقوله تعالى: { ما
~~ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون } إبطال
~~لباطلهم إجمالا اكتفاء بما فصل في قوله تعالى:

# إن الذين سبقت

# [الأنبياء: 101] وتنبيها على أنه مما لا يذهب على ذي مسكة بطلانه فكيف
~~على غيره ولكن العناد يعمي ويصم أي ما ضربوا لك ذلك إلا لأجل الجدال
~~والخصام لا لطلب الحق فإنه في غاية البطلان بل هم قوم لد شداد الخصومة
~~مجبولون على المحك أي سؤال الخلق واللجاج، فجدلا منتصب على أنه مفعول
~~لأجله، وقيل: هو مصدر في موضع الحال أي مجادلين، وقرأ ابن مقسم { جدالا
~~} بكسر الجيم وألف بعد الدال.

### || [43.59]

# وقوله تعالى: { إن هو } أي ما عيسى ابن مريم { إلا عبد
~~أنعمنا عليه } بالنبوة وروادفها فهو مرفوع المنزلة على القدر
~~لكن ليس له من استحقاق المعبودية من نصيب، كلام حكيم مشتمل على ما اشتمل
~~عليه قوله تعالى:

# إن الذين سبقت

# [الأنبياء: 101] ولكن على سبيل الرمز وعلى فساد رأي النصارى في إيثارهم
~~عبادته عليه السلام تعريضا بمكان عبادة قريش غيره سبحانه وتعالى. وقوله
~~تعالى: { وجعلنه مثلا } أي أمرا عجيبا حقيقا بأن يسير ذكره
~~كالأمثال السائرة { لبني إسرءيل } حيث خلقناه من غير أب وجعلنا له
~~من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ونحو ذلك ما لم نجعل لغيره في
~~زمانه، كلام أجمل فيه وجه الافتتان به وعليه، ووجه دلالته على قدرة خالقه
~~تعالى شأنه وبعد استحقاقه عليه السلام عما قرف به إفراطا وتفريطا.

### || [43.60]

# وقوله سبحانه: { ولو نشاء لجعلنا } الخ تذييل لوجه دلالته على
~~القدرة وأن الافتتان من عدم التأمل وتضمين للإنكار على من اتخذ الملائكة
~~آلهة كما اتخذ عيسى عليهم السلام أي ولو نشاء لقدرتنا على عجائب الأمور
~~وبدائع الفطر لجعلنا بطريق التوليد ومآله لولدنا { منكم } يا رجال {
~~ملائكة } كما ولدنا عيسى من غير أب { في الأرض يخلفون }
~~أي يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم أو يكونون خلفا ونسلا لكم
~~ليعرف تميزنا بالقدرة الباهرة وليعلم أن الملائكة ذوات ممكنة تخلق
~~توليدا كما تخلق إبداعا فمن أين لهم استحقاق ms09669 الألوهية والانتساب إليه
~~سبحانه وتعالى بالبنوة؟. وجوز أن يكون معنى { لجعلنا } الخ لحولنا
~~بعضكم ملائكة فمن ابتدائية أو تبعيضية و { ملائكة } مفعول ثان أو
~~حال. وقيل: من للبدل كما في قوله تعالى:

# أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة

# [التوبة: 38] وقوله:

# ولم تذق من البقول الفستقا

# أي ولو نشاء لجعلنا بدلكم ملائكة يكونون مكانكم بعد إذهابكم، وإليه يشير
~~كلام قتادة ومجاهد، والمراد بيان كمال قدرته تعالى لا التوعد بالاستئصال
~~وإن تضمنه فإنه غير ملائم للمقام، وقيل: لا مانع من قصدهما معا، نعم
~~كثير من النحويين لا يثبتون لمن معنى البدلية ويتأولون ما ورد مما يوهم
~~ذلك والأظهر ما قرر أولا.

# وذكر العلامة الطيبي عليه الرحمة أن قوله تعالى:

# إن هو إلا عبد

# [الزخرف: 59] الخ جواب عن جدل الكفرة في قوله سبحانه:

# إنكم وما تعبدون

# [الأنبياء: 98] الخ وأن تقريره: إن جدلكم هذا باطل لأنه عليه السلام ما
~~دخل في ذلك النص الصريح لأن الكلام معكم أيها المشركون وأنتم المخاطبون
~~به وإنما المراد بما تعبدون الأصنام التي تنحتونها بأيديكم وأما عيسى
~~عليه السلام فما هو إلا عبد مكرم منعم عليه بالنبوة مرفوع المنزلة والذكر
~~مشهور في بني إسرائيل كالمثل السائر فمن أين تدخل في قولنا:

# إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم

# [الأنبياء: 98] ثم لا اعتراض علينا أن نجعل قوما أهلا للنار وآخرين
~~أهلا للجنة إذ لو نشاء لجعلنا منكم ومن أنفسكم أيها الكفرة ملائكة أي
~~عبيدا مكرمون مهتدون وإلى الجنة صائرون كقوله تعالى:

# ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها

# [السجدة: 13] اه. وعلى ما ذكرنا أن الكلام في إبطال قد تم عند قوله
~~تعالى:

# خصمون

# [الزخرف: 58] وما بعد لما سمعت قبل وهو أدق وأولى مما ذكره بل ما أشار
~~إليه من أن قوله تعالى: { ولو نشاء } الخ لنفي الاعتراض ليس بشيء.

# وروي أن ابن الزبعرى قال للنبي صلى الله عليه وسلم حين سمع قوله تعالى:

# إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم

# [الأنبياء: 98] أهذا لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال عليه الصلاة ms09670
~~والسلام: هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم فقال: خصمتك ورب الكعبة أليست
~~النصارى يعبدون المسيح، واليهود عزيرا وبنو مليح الملائكة؟ فإن كان
~~هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم ففرحوا وضحكوا وسكت
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى:

# إن الذين سبقت

# [الأنبياء: 101] الآية أو نزلت هذه الآية، وأنكر بعضهم السكوت، وذكر أن
~~ابن الزبعرى حين قال للنبي عليه الصلاة والسلام: خصمتك رد عليه صلى الله
~~عليه وسلم بقوله ما أجهلك بلغة قومك أما فهمت أن ما لما لا يعقل. وروى
~~محي السنة في «المعالم» أن ابن الزبعرى قال له عليه الصلاة والسلام: أنت
~~قلت: { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم
~~}؟ قال: نعم قال: أليست اليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد المسيح وبنو
~~مليح يعبدون الملائكة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل هم يعبدون
~~الشيطان فأنزل الله تعالى:

# إن الذين سبقت لهم منا الحسنى

# [الأنبياء: 101] وهذا أثبت من الخبر الذي قبله. وتعقب ما تقدم في الخبر
~~السابق من سؤال ابن الزبعرى أهذا لنا الخ، وقوله عليه الصلاة والسلام: هو
~~لكم الخ بأنه ليس بثبت.

# وذكر من أثبته أنه صلى الله عليه وسلم إنما لم يجب حين سئل عن الخصوص
~~والعموم بالخصوص عملا بما تقتضيه كلمة { ما } لأن إخراج المعهودين عن
~~الحكم عند المحاجة موهم للرخصة في عبادتهم في الجملة فعممه عليه الصلاة
~~والسلام للكل لكن لا بطريق عبارة النص بل بطريق الدلالة بجامع الاشتراك
~~في المعبودية من دون الله تعالى ثم بين أنهم بمعزل من أن يكونوا معبوديهم
~~بما جاء في خبر محي السنة من قوله عليه الصلاة والسلام: بل هم يعبدون
~~الشيطان كما نطق به قوله تعالى:

# سبحنك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون
~~الجن

# [سبأ: 41] الآية، وقد تقدم ما ينفعك تذكره فتذكر.

# وفي «الدر المنثور» أخرج الإمام أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن
~~مردويه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش: إنه ليس
~~أحد يعبد من ms09671 دون الله تعالى فيه خير فقالوا: ألست تزعم أن عيسى كان نبيا
~~وعبدا من عباد الله تعالى صالحا فإن كنت صادقا فإنه كآلهتنا فأنزل
~~الله سبحانه:

# ولما ضرب ابن مريم مثلا

# [الزخرف: 57] الخ، والكلام في الآيات على هذه الرواية يعلم مما تقدم
~~بأدنى التفات.

# وقيل: إن المشركين لما سمعوا قوله تعالى:

# إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من
~~تراب

# [آل عمران: 59] قالوا: نحن أهدى من النصارى لأنهم عبدوا آدميا ونحن
~~نعبد الملائكة فنزلت، فالمثل ما في قوله تعالى: { إن مثل عيسى }
~~الآية والضارب هو تعالى شأنه أي ولما بين الله سبحانه حاله العجيبة اتخذه
~~قومك ذريعة إلى ترويج ما هم فيه من الباطل بأنه مع كونه مخلوقا بشرا قد
~~عبد فنحن أهدى حيث عبدنا ملائكة مطهرين مكرمين عليه وهو الذي عنوه
~~بقولهم:

# أآلهتنا خير أم هو

# [الزخرف: 58] فأبطل الله تعالى ذلك بأنه مقايسة باطل بباطل وأنهم في
~~اتخاذهم العبد المنعم عليه إلها مبطلون مثلكم في اتخاذ الملائكة وهم
~~عباد مكرمون، ثم في قوله سبحانه: { ولو نشاء لجعلنا منكم }
~~دلالة على أن الملائكة عليهم السلام مخلوقون مثله وأنه سبحانه قادر / على
~~أعجب من خلق عيسى عليه السلام وأنه لا فرق في ذلك بين المخلوق توالدا
~~وإبداعا فلا يصلح القسمان للإلهية. وفي رواية عن ابن عباس وقتادة أنه
~~لما نزل قوله تعالى: { إن مثل عيسى } الآية قالت قريش: ما أراد
~~محمد صلى الله عليه وسلم من ذكر عيسى عليه السلام إلا أن نعبده كما عبدت
~~النصارى عيسى.

# ومعنى

# يصدون

# [الزخرف: 57] يضجون ويضجرون، والضمير في

# أم

# [الزخرف: 58] هو لنبينا عليه الصلاة والسلام، وغرضهم بالموازنة بينه صلى
~~الله عليه وسلم وبين آلهتهم الاستهزاء به عليه الصلاة والسلام، وقوله
~~تعالى: { ولو نشآء } الخ رد وتكذيب لهم في افترائهم عليه صلى الله
~~عليه وسلم ببيان أن عيسى عليه السلام في الحقيقة وفيما أوحى إلى الرسول
~~عليه الصلاة والسلام ليس إلا أنه عبد منعم عليه كما ذكر فكيف يرضى صلى
~~الله عليه وسلم بمعبوديته أو ms09672 كيف يتوهم الرضا بمعبودية نفسه؟ ثم بين جل
~~شأنه أن مثل عيسى ليس ببدع من قدرة الله تعالى وأنه قادر على أبدع منه
~~وأبدع مع التنبيه على سقوط الملائكة عليهم السلام أيضا عن درجة
~~المعبودية بقوله سبحانه: { ولو نشآء } الخ وفيه أن الدلالة على ذلك
~~المعنى غير واضحة، وكذلك رجوع الضمير إلى نبينا عليه الصلاة والسلام في
~~قوله تعالى: { أم هو } مع رجوعه إلى عيسى في قوله سبحانه:

# إن هو إلا عبد

# [الزخرف: 59] وفيه من فك النظم ما يجب أن يصان الكتاب المعجز عنه، ولا
~~يكاد يقبل القول برجوع الضمير الثاني إليه صلى الله عليه وسلم، ولعل
~~الرواية عن الحبر غير ثابتة، وجوز أن يكون مرادهم التنصل عما أنكر عليهم
~~من قولهم: الملائكة عليهم السلام بنات الله سبحانه ومن عبادتهم إياهم
~~كأنهم قالوا: ما قلنا بدعا من القول ولا فعلنا منكرا من الفعل فإن
~~النصارى جعلوا المسيح ابن الله عز وجل فنحن أشف منهم قولا وفعلا حيث
~~نسبنا إليه تعالى الملائكة عليهم السلام وهم نسبوا إليه الأناسي، وقوله
~~تعالى: { ولو نشآء } الخ عليه كما في الوجه الثاني.

### || [43.61]

# { وأنه } أي عيسى عليه السلام { لعلم للساعة } أي إنه
~~بنزوله شرط من أشراطها وبحدوثه بغير أب أو بإحيائه الموتى دليل على صحة
~~البعث الذي هو معظم ما ينكره الكفرة من الأمور الواقعة في الساعة، وأيا
~~ما كان فعلم الساعة مجاز عما تعلم به والتعبير به للمبالغة.

# وقرأ أبي { لذكر } وهو مجاز كذلك. وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وأبو مالك
~~الغفاري وزيد بن علي وقتادة ومجاهد والضحاك ومالك بن دينار والأعمش
~~والكلبي قال ابن عطية وأبو نصرة { لعلم } بفتح العين واللام أي لعلامة.
~~وقرأ عكرمة قال ابن خالويه وأبو نصرة { للعلم } معرفا بفتحتين والحصر
~~إضافي، وقيل: باعتبار أنه أعظم العلامات.

# وقد نطقت الأخبار بنزوله عليه السلام فقد أخرج البخاري ومسلم والترمذي
~~وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم

# " لينزلن ابن مريم حكما عدلا فليكسرن الصليب ms09673 وليقتلن الخنزير وليضعن
~~الجزية وليتركن القلاص فلا يسعى عليها وليذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد
~~وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد "

# ، وفي رواية «وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع إلى الحمرة
~~والبياض ينزل بين ممصرتين كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل فليقاتل الناس
~~على الإسلام» وفيه «ويهلك المسيح الدجال» وفي أخرى قال: قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم

# " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم "

# وفي رواية «فأمكم منكم قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم؟ قال:
~~تخبرني قال: فأمكم بكتاب ربكم عز وجل وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم.

# والمشهور نزوله عليه السلام بدمشق والناس في / صلاة الصبح فيتأخر الإمام
~~وهو المهدي فيقدمه عيسى عليه السلام ويصلي خلفه ويقول: إنما أقيمت لك.
~~وقيل بل يتقدم هو ويؤم الناس والأكثرون على اقتدائه بالمهدي في تلك
~~الصلاة دفعا لتوهم نزوله ناسخا وأما في غيرها فيؤم هو الناس لأنه
~~الأفضل والشيعة تأبى ذلك. وفي بعض الروايات أنه عليه السلام ينزل على
~~ثنية يقال لها أفيق بفاء وقاف بوزن أمير وهي هنا مكان بالقدس الشريف نفسه
~~ويمكث في الأرض على ما جاء في رواية عن ابن عباس أربعين سنة وفي رواية
~~سبع سنين قيل والأربعون إنما هي مدة مكثه قبل الرفع وبعده ثم يموت ويدفن
~~في الحجرة الشريفة النبوية، وتمام الكلام في «البحور الزاخرة» للسفاريني.

# وعن الحسن وقتادة وابن جبير أن ضمير { إنه } للقرآن لما أن فيه
~~الإعلام بالساعة فجعله عين العلم مبالغة أيضا، وضعف بأنه لم يجر للقرآن
~~ذكر هنا مع عدم مناسبة ذلك للسياق، وقالت فرقة: يعود على النبي صلى الله
~~عليه وسلم فقد قال عليه الصلاة والسلام:

# " بعثت أنا والساعة كهاتين "

# وفيه من البعد ما فيه. وكأن هؤلاء يجعلون ضمير

# أم هو

# [الزخرف: 58] وضمير

# إن هو

# [الزخرف: 59] له صلى الله عليه وسلم أيضا وهو كما ترى.

# { فلا تمترن بها } فلا تشكن في وقوعها { واتبعون } أي
~~واتبعوا هداي أو شرعي أو رسولي، وقيل: هو قول الرسول ms09674 صلى الله عليه وسلم
~~مأمورا من جهته عز وجل فهو بتقدير القول أي وقل اتبعوني { هذا } أي
~~الذي أدعوكم إليه أو القرآن على أن الضمير في { إنه } له { صرط
~~مستقيم } موصل إلى الحق.

### || [43.62]

# { ولا يصدنكم الشيطن } عن اتباعي { إنه لكم
~~عدو مبين } أي بين العداوة أو مظهرها حيث أخرج أباكم من الجنة
~~وعرضكم للبلية.

### || [43.63]

# { ولما جاء عيسى بالبينت } بالأمور الواضحات وهي
~~المعجزات أو آيات الإنجيل أو الشرائع ولا مانع من إرادة الجميع { قال }
~~لبني إسرائيل { قد جئتكم بالحكمة } أي الإنجيل كما قال
~~القشيري والماوردي، وقال السدي: بالنبوة، وفي رواية أخرى عنه هي قضايا
~~يحكم بها العقل، وقال أبو حيان: أي بما تقتضيه الحكمة الإلهية من
~~الشرائع، وقال الضحاك: أي بالموعظة { ولأبين لكم } متعلق بمقدر أي
~~وجئتكم لأبين لكم، ولم يترك العاطف ليتعلق بما قبله ليؤذن بالاهتمام
~~بالعلة حيث جعلت كأنها كلام برأسه. وفي «الإرشاد» ((هو عطف على مقدر
~~ينبىء عنه المجىء بالحكمة كأنه قيل قد جئتكم بالحكمة لأعلمكم إياها
~~ولأبين لكم)) { بعض الذي تختلفون فيه } وهو أمر الديانات
~~وما يتعلق بالتكليف دون الأمور التي لم يتعبدوا بمعرفتها ككيفية نضد
~~الأفلاك وأسباب اختلاف تشكلات القمر مثلا فإن الأنبياء عليهم السلام لم
~~يبعثوا لبيان ما يختلف فيه من ذلك ومثلها ما يتعلق بأمر الدنيا ككيفية
~~الزراعة وما يصلح الزرع وما يفسده مثلا فإن الأنبياء عليهم السلام لم
~~يبعثوا لبيانه أيضا كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم في قصة تأبير
~~النخل

# " أنتم أعلم بأمور دنياكم "

# وجوز أن يراد بهذا البعض بعض أمور الدين المكلف بها وأريد بالبيان
~~البيان على سبيل التفصيل وهي لا يمكن بيان جميعها تفصيلا وبعضها مفوض
~~للاجتهاد. وقال أبو عبيدة: المراد بعض الذي حرم عليهم وقد أحل عليه
~~السلام لهم لحوم الإبل والشحم من كل حيوان وصيد السمك يوم السبت، وقال
~~مجاهد: بعض الذي يختلفون فيه من تبديل التوراة، وقال قتادة: لأبين لكم
~~اختلاف الذين تحزبوا في أمره عليه السلام.

# { فاتقوا الله } من / مخالفتي { وأطيعون } فيما ms09675 أبلغه عنه
~~تعالى.

### || [43.64]

# { إن الله هو ربى وربكم فاعبدوه } بيان لما أمرهم
~~بالطاعة فيه وهو اعتقاد التوحيد والتعبد بالشرائع { هذا } أي هذا
~~التوحيد والتعبد بالشرائع { صرط مستقيم } لا يضل سالكه، وهو إما
~~من تتمة كلام عيسى عليه السلام أو استئناف من الله تعالى مقرر لمقالة
~~عيسى عليه السلام.

### || [43.65]

# { فاختلف الأحزاب } الفرق المتحزبة { من بينهم } من بين
~~من بعث إليهم وخاطبهم بما خاطبهم من اليهود والنصارى وهم أمة دعوته عليه
~~السلام، وقيل: المراد النصارى وهم أمة إجابته عليه السلام، وقد اختلفوا
~~فرقا ملكانية ونسطورية ويعقوبية { فويل للذين ظلموا } من
~~المختلفين وهم الذين لم يقولوا: إنه عبد الله ورسوله { من عذاب
~~يوم أليم } هو يوم القيامة و(أليم) صفة عذاب أو (يوم) على الإسناد
~~المجازي.

### || [43.66]

# الضمير لقريش، { وأن تأتيهم } بدل من (الساعة)، والاستثناء مفرغ،
~~وجوز جعل (إلا) بمعنى غير والاستفهام للإنكار وينظرون بمعنى ينتظرون أي
~~ما ينتظرون شيئا إلا إتيان الساعة فجأة وهم غافلون عنها، وفي ذلك تهكم
~~بهم حيث جعل إتيان الساعة كالمنتظر الذي لا بد من وقوعه.

# ولما جاز اجتماع الفجأة والشعور وجب أن يقيد ذلك بقوله سبحانه: { وهم
~~لا يشعرون } لعدم إغناء الأول عنه فلا استدراك، وقيل: يجوز أن يراد
~~بلا يشعرون الإثبات لأن الكلام وارد على الإنكار كأنه قيل: هل يزعمون
~~أنها تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون أي لا يكون ذلك بل تأتيهم وهم فطنون،
~~وفيه ما فيه، وقيل: ضمير { ينظرون } للذين ظلموا، وقيل: للناس مطلقا
~~وأيد بما أخرجه ابن مردويه عن أبي سعيد قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تقوم الساعة والرجلان يحلبان
~~النعجة والرجلان يطويان الثوب ثم قرأ عليه الصلاة والسلام { هل
~~ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا
~~يشعرون } ".

### || [43.67]

# الظرف متعلق بعدو والفصل لا يضره، والمراد أن المحبات تنقطع يوم إذ
~~تأتيهم الساعة ولا يبقى إلا محبة المتقين وهم المتصادقون في الله عز وجل
~~لما أنهم يرون ثواب التحاب في الله تعالى، واعتبار الانقطاع لأن الخل حال
~~كونه خلا ms09676 محال أن يصير عدوا. وقيل: المعنى الاخلاء تنقطع خلتهم ذلك
~~اليوم إلا المجتنبين أخلاء السوء. والفرق بين الوجهين أن المتقي في
~~الأول: هو المحب لصاحبه في الله تعالى فاتقى الحب أن يشوبه غرض غير إلهي،
~~وفي الثاني: هو من اتقى صحبة الأشرار. والاستثناء فيهما متصل، وجوز أن
~~يكون يومئذ متعلقا بالأخلاء والمراد به في الدنيا ومتعلق (عدو) مقدر أي
~~في الآخرة والآية قيل نزلت في أبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط.

### || [43.68]

# حكاية لما ينادي به المتقون المتحابون في الله تعالى يومئذ فهو بتقدير
~~قول أي فيقال لهم يا عبادي الخ أو فأقول لهم بناء على أن المنادي هو الله
~~عز وجل تشريفا لهم. وعن المعتمر بن سليمان أن الناس حين يبعثون ليس منهم
~~أحد إلا يفزع فينادي مناد يا عباد الخ فيرجوها الناس كلهم فيتبعها قوله
~~تعالى: { ا ;لذين ءامنوا بئايتنا وكانوا مسلمين
~~}.

### || [43.69]

# فييأس منها الكفار، فيا عباد عام مخصوص إما بالآية السابقة وإما
~~باللاحقة، والأول أوفق من أوجه عديدة. والموصول إما صفة للمنادي أو بدل
~~أو مفعول لمقدر أي أمدح ونحوه، وجملة { وكانوا مسلمين } حال من
~~ضمير { ءامنوا } بتقدير قد أو بدونه، وجوز عطفها على الصلة، ورجحت
~~الحالية بأن الكلام عليها أبلغ لأن المراد بالإسلام / هنا الانقياد
~~والإخلاص ليفيد ذكره بعد الإيمان فإذا جعل حالا أفاد بعد تلبسهم به في
~~الماضي اتصاله بزمان الإيمان. وكان تدل على الاستمرار أيضا ومن هنا جاء
~~التأكيد والأبلغية بخلاف العطف، وكذا الحال المفردة بأن يقال: الذين
~~آمنوا بآياتنا مخلصين.

# وقرأ غير واحد من السبعة { يا عبادي } بالياء على الأصل، والحذف كثير
~~شائع وبه قرأ حفص وحمزة والكسائي. وقرأ ابن محيصن { لا خوف } بالرفع من
~~غير تنوين، والحسن والزهري وابن أبي إسحق وعيسى وابن يعمر ويعقوب
~~بفتحها من غير تنوين.

### || [43.70]

# { ادخلوا الجنة أنتم وأزوجكم } نساؤكم المؤمنات
~~فالإضافة للاختصاص التام فيخرج من لم يؤمن منهم { تحبرون } تسرون
~~سرورا يظهر حباره أي أثره من النضرة والحسن على وجوهكم كقوله تعالى:

# تعرف في ms09677 وجوههم نضرة النعيم

# [المطففين: 24] أو تزينون من الحبر بفتح الحاء وكسرها وهو الزينة وحسن
~~الهيئة؛ وهذا متحد بما قبله معنى والفرق في المشتق منه، وقال الزجاج: أي
~~تكرمون إكراما يبالغ فيه. والحبرة بالفتح المبالغة في الفعل الموصوف
~~بأنه جميل ومنه الإكرام فهو في الأصل عام أريد به بعض أفراده هنا.

### || [43.71]

# { يطاف عليهم } بعد دخولهم الجنة حسبما أمروا به { بصحف
~~من ذهب وأكوب } كذلك. والصحاف جمع صحفة قيل هي كالقصعة، وقيل:
~~أعظم أواني الأكل الجفنة ثم القصعة ثم الصحفة ثم المئكلة. والأكواب جمع
~~كوب وهو كوز لا عروة له، وهذا معنى قول مجاهد لا إذن له، وهو على ما روي
~~عن قتادة دون الإبريق، وقال: بلغنا أنه مدور الرأس ولما كانت أواني
~~المأكول أكثر بالنسبة لأواني المشروب عادة جمع الأول جمع كثرة والثاني
~~جمع قلة، وقد تظافرت الأخبار بكثرة الصحاف. أخرج ابن المبارك وابن أبي
~~الدنيا في «صفة الجنة» والطبراني في «الأوسط» بسند رجاله ثقات عن أنس
~~قال:

# " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أسفل أهل الجنة أجمعين
~~درجة لمن يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم بيد كل واحد صحفتان واحدة من ذهب
~~والأخرى من فضة في كل واحدة لون ليس في الأخرى مثله يأكل من آخرها مثل ما
~~يأكل من أولها يجد لآخرها من الطيب واللذة مثل الذي يجد لأولها ثم يكون
~~ذلك كرشح المسك الإذفر لا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون إخوانا على
~~سرر متقابلين "

# وفي حديث رواه عكرمة

# " إن أدنى أهل الجنة منزلة وأسفلهم درجة لرجل لا يدخل بعده أحد يفسح له
~~في بصره مسيرة عام في قصور من ذهب وخيام من لؤلؤ ليس فيها موضع شبر إلا
~~معمور يغدى عليه كل يوم ويراح بسبعين ألف صحفة في كل صحفة لون ليس في
~~الأخرى مثله شهوته في آخرها كشهوته في أولها لو نزل عليه جميع أهل الأرض
~~لوسع عليهم مما أعطى لا ينقص ذلك مما أوتي شيئا "

# وروى ابن أبي شيبة هذا العدد عن ms09678 كعب أيضا، وإذا كان ذلك للأدنى فما
~~ظنك بالأعلى، رزقنا الله تعالى ما يليق بجوده وكرمه. وأمال أبو الحرث عن
~~الكسائي كما ذكر ابن خالويه (بصحاف).

# { وفيها } أي في الجنة { ما تشتهيه الأنفس } من فنون
~~الملاذ { وتلذ الأعين } أي تستلذ وتقر بمشاهدته. وذكر ذلك -
~~الشامل لكل لذة ونعيم بعد ذكر الطواف عليهم بأواني الذهب الذي هو بعض من
~~التنعم والترفه - تعميم بعد تخصيص كما أن ذكر لذة العين التي هي جاسوس
~~النفس بعد اشتهاء النفس تخصيص بعد تعميم. وقال بعض الأجلة: إن قوله
~~تعالى: { يطاف عليهم بصحف } دل على الأطعمة { وأكواب }
~~على الأشربة، ولا يبعد أن يحمل قوله سبحانه: { وفيها ما تشتهيه
~~الأنفس } على المنكح والملبس وما يتصل بهما ليتكامل جميع المشتهيات
~~النفسانية فبقيت اللذة الكبرى وهي النظر إلى وجه الله تعالى الكريم /
~~فكنى عنه بقوله عز وجل: { وتلذ الأعين } ولهذا قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فيما رواه النسائي عن أنس:

# " حبب إلي الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة "

# وقال قيس بن ملوح:

# ولقد هممت بقتلها من حبها

# كيما تكون خصيمتي في المحشر

# حتى يطول علي الصراط وقوفنا

# وتلذ عيني من لذيذ المنظر

# ويوافق هذا قول الإمام جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: شتان بين ما
~~تشتهي الأنفس وبين ما تلذ الأعين لأن جميع ما في الجنة من النعيم
~~والشهوات في جنب ما تلذ الأعين كأصبع تغمس في البحر لأن شهوات الجنة لها
~~حد ونهاية لأنها مخلوقة ولا تلذ عين في الدار الباقية إلا بالنظر إلى
~~الباقي جل وعز ولا حد لذلك ولا صفة ولا نهاية انتهى. ويعلم مما ذكر أن
~~المعنى على اعتبار وفيها ما تلذ الأعين وعلى ذلك بنى الزمخشري قوله: هذا
~~حصر لأنواع النعم لأنها إما مشتهاة في القلوب أو مستلذة في الأعين،
~~وتعقبه في «الكشف» فقال: فيه نظر لانتقاضه بمستلذات سائر المشاعر الخمس،
~~فإن قيل: إنها من القسم الأول قلنا: مستلذ العين كذلك فالوجه أنه ذكر
~~تعظيما لنعيمها بأنه مما يتوافق فيه القلب ms09679 والعين وهو الغاية عندهم في
~~المحبوب لأن العين مقدمة القلب؛ وهذا قول بأنه ليس في الجملة الثانية
~~اعتبار موصول آخر بل هي والجملة قبلها صلتان لموصول واحد وهو المذكور،
~~وما تقدم هو الذي يقتضيه كلام الأكثرين، وحذف الموصول في مثل ذلك
~~شائع، ولا مانع من إدخال النظر إلى وجهه تعالى الكريم فيما تلذ الأعين
~~على ما ذكرناه أولا. و { أل } في الأنفس والأعين للاستغراق على ما قيل،
~~ولا فرق بين جمع القلة والكثرة. ولعل من يقول: بأن استغراق المفرد أشمل
~~من استغراق الجمع ويفرق بين الجمعين في المبدإ والمنتهى يقول: بأن
~~استغراق جمع القلة أشمل من استغراق جمع الكثرة، وقيل: هي للعهد، وقيل:
~~عوض عن المضاف إليه أي ما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم، وجمع النفس والعين
~~الباصرة على أفعل في كلامهم أكثر من جمعهما على غيره بل ليس في القرآن
~~الكريم جمع الباصرة إلا على ذلك، وما أنسب هذا الجمع هنا لمكان

# الأخلاء

# [الزخرف: 67] وحمل ما تشتهيه النفس على المنكح والملبس وما يتصل بهما
~~خلاف الظاهر.

# وفي الأخبار أيضا ما هو ظاهر في العموم، أخرج ابن أبي شيبة والترمذي
~~وابن مردويه عن بريدة قال:

# " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل في الجنة خيل فإنها
~~تعجبني؟ قال: إن أحببت ذلك أتيت بفرس من ياقوتة حمراء فتطير بك في الجنة
~~حيث شئت، فقال له رجل: إن الإبل تعجبني فهل في الجنة من إبل؟ فقال: يا
~~عبد الله إن أدخلت الجنة فلك فيها ما تشتهي نفسك ولذت عينك "

# وأخرج أيضا نحوه عن عبد الرحمن بن سابط وقال: هو أصح من الأول، وجاء
~~نحوه أيضا في روايات أخر فلا يضره ما قيل من ضعف إسناده. ولا يشكل على
~~العموم أن اللواطة مثلا لا تكون في الجنة لأن ما لا يليق أن يكون فيها
~~لا يشتهى بل قيل في خصوص اللواطة إنه لا يشتهيها في الدنيا الأنفس
~~السليمة.

# واختلف الناس هل يكون في الجنة حمل أم لا؟ فذهب بعض إلى الأول، ms09680 فقد أخرج
~~الإمام أحمد وهناد والدارمي وعبد بن حميد وابن ماجه وابن حبان والترمذي
~~وحسنه وابن المنذر والبيهقي في «البعث» عن أبي سعيد الخدري قال:

# " قلنا يا رسول الله إن الولد من قرة العين وتمام السرور فهل يولد لأهل
~~الجنة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إن المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة
~~كان حمله ووضعه وسنه في ساعة كما يشتهي "

# / وذهب طاوس وإبراهيم النخعي ومجاهد وعطاء وإسحق بن إبراهيم إلى
~~الثاني. فقد روي عن أبي رزين العقيلي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " إن أهل الجنة لا يكون لهم ولد "

# وفي حديث لقيط الطويل الذي رواه عبد الله بن الإمام أحمد وأبو بكر بن
~~عمرو وأبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم والطبراني وابن حبان ومحمد بن
~~إسحق بن منده وابن مردويه وأبو نعيم وجماعة من الحفاظ وتلقاه الأئمة
~~بالقبول وقال فيه ابن منده: لا ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو
~~مخالف للكتاب والسنة قلت:

# " يا رسول الله أو لنا فيها  يعني الجنة  أزواج أو منهن مصلحات؟ قال:
~~المصلحات للمصلحين تلذذونهن ويلذذنكم مثل لذاتكم في الدنيا غير أن لا
~~توالد "

# وقال مجاهد وعطاء قوله تعالى:

# ولهم فيها أزوج مطهرة

# [البقرة: 25] أي مطهرة من الولد والحيض والغائط والبول ونحوها.

# وقال إسحق بن إبراهيم في حديث أبي سعيد السابق: إنه على معنى إذا
~~اشتهى المؤمن الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة كما يشتهي ولكن
~~لا يشتهي، وتعقب بأن { إذا } لمتحقق الوقوع ولو أريد ما ذكر لقيل: لو
~~اشتهى، وفي «حادي الأرواح» إسناد حديث أبي سعيد على شرط الصحيح فرجاله
~~يحتج بهم فيه ولكنه غريب جدا. وقال السفاريني في «البحور الزاخرة» حديث
~~أبي سعيد أجود أسانيده إسناد الترمذي وقد حكم عليه بالغرابة وأنه لا
~~يعرف إلا من حديث أبي الصديق التاجي وقد اضطرب لفظه فتارة يروى عنه إذا
~~اشتهى الولد وتارة أنه يشتهي الولد وتارة أن الرجل ليولد له، وإذا قد
~~تستعمل لمجرد التعليق الأعم من المحقق وغيره، ms09681 ورجح القول بعدم الولادة
~~بعشرة وجوه مذكورة فيها، وأنا أختار القول بالولادة كما نطق بها حديث
~~أبي سعيد وقد قال فيه الأستاذ أبو سهل فيما نقله الحاكم: إنه لا ينكره
~~إلا أهل الزيغ، وفيه غير إسناد، وليس تكون الولد على الوجه المعهود في
~~الدنيا بل يكون كما نطق به الحديث ومتى كان كذلك فلا يستبعد تكونه من
~~نسيم يخرج وقت الجماع، وزعم أن الولد إنما يخلق من المني فحيث لا مني في
~~الجنة كما جاء في الأخبار لا خلق فيه تعجيز للقدرة، ولا ينافي ذلك ما في
~~حديث لقيط لأن المراد هناك نفي التوالد المعهود في الدنيا كما يشير إليه
~~وقوع «غير أن لا توالد» بعد قوله عليه الصلاة والسلام:

# " مثل لذاتكم في الدنيا "

# ، ويقال نحو ذلك في حديث أبي رزين جمعا بين الأخبار.

# ثم إن التوالد ليس على سبيل الاستمرار بل هو تابع للاشتهاء ولا يلزم
~~استمراره فالقول بأنه إن استمر لزم وجود أشخاص لا نهاية لها وإن انقطع
~~لزم انقطاع نوع من لذة أهل الجنة ليس بشيء، وما قيل: إنه قد ثبت في
~~«الصحيح» أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " يبقى في الجنة فضل فينشئ الله تعالى لها خلقا يسكنهم إياها "

# ولو كان في الجنة إيلاد لكان الفضل لأولادهم الملازمة فيه ممنوعة لجواز
~~أن يقال من يشتهي الولد يشتهي أن يكون معه في منزله، والقول بأن التوالد
~~في الدنيا لحكمة بقاء النوع وهو باق في الجنة بدون توالد فيكون عبثا يرد
~~عليه أنه ما المانع من أن يكون هناك للذة ونحوها كالأكل والشرب فإنهما في
~~الدنيا لشيء وفي الجنة لشيء آخر، وبالجملة ما ذكر لترجيح عدم الولادة من
~~الوجوه مما لا يخفى حاله على من له ذهن وجيه.

# وقرأ غير واحد من السبعة وغيرهم { ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين } بحذف
~~الضمير العائد على { ما } من الجملتين المتعاطفتين، وفي مصحف عبد الله {
~~ما تشتهيه الأنفس وتلذه الأعين } بالضمير فيهما، والقراءة به في الأول
~~دون الثانية لأبي جعفر وشيبة ونافع ms09682 وابن عامر وحفص.

# { وأنتم فيها } أي في الجنة، وقيل: في الملاذ / المفهومة مما تقدم
~~وهو كما ترى { خلدون } دائمون أبد الآبدين، والجملة داخلة في حيز
~~النداء وهي كالتأكيد لقوله تعالى:

# لا خوف عليكم

# [الزخرف: 68] ونودوا بذلك إتماما للنعمة وإكمالا للسرور فإن كل نعيم
~~زائل موجب لكلفة الحفظ وخوف الزوال ومستعقب للتحسر في ثاني الأحوال، ولله
~~تعالى در القائل:

# وإذا نظرت فإن بؤسا زائلا

# للمرء خير من نعيم زائل

# وعن النصراباذي أنه إن كان خلودهم لشهوة الأنفس ولذة الأعين فالفناء خير
~~من ذلك وإن كان لفناء الأوصاف والاتصاف بصفات الحق والمقام فيها على سرر
~~الرضا والمشاهدة فأنتم إذا أنتم، وأنت تعلم أن ما ذكره يدخل في عموم ما
~~تقدم دخولا أوليا. وذكر بعضهم هنا أن الخطاب هنا من باب الالتفات وأنه
~~للتشريف. وقال الطيبي: ذق مع طبعك المستقيم معنى الخطاب والالتفات
~~وتقديم الظرف في { وأنتم فيها خلدون } لتقف على ما لا يكتنهه
~~الوصف.

### || [43.72]

# { وتلك الجنة } مبتدأ وخبر وقوله تعالى: { التي
~~أورثتموها } صفة الجنة وقوله سبحانه: { بما كنتم تعملون
~~} متعلق بأورثتموها، وقيل: { تلك الجنة } مبتدأ وصفة و { التي
~~أورثتموها } الخبر والجار بعده متعلق به، وقيل: تلك مبتدأ والجنة
~~صفتها و { التي أورثتموها } صفة الجنة و { بما كنتم }
~~متعلق بمحذوف هو الخبر. والإشارة على الوجه الأول إلى (الجنة) المذكورة
~~في قوله تعالى:

# ادخلوا الجنة

# [الزخرف: 70] وعلى الأخيرين إلى الجنة الواقعة صفة على ما قيل، والباء
~~للسببية أو للمقابلة، وقد شبه ما استحقوه بأعمالهم الحسنة من الجنة
~~ونعيمها الباقي لهم بما يخلفه المرء لوارثه من الأملاك والأرزاق ويلزمه
~~تشبيه العمل نفسه بالمورث اسم فاعل فاستعير الميراث لما استحقوه ثم اشتق
~~{ أورثتموها } فيكون هناك استعارة تبعية، وقال بعض: الاستعارة
~~تمثيلية. وجوز أن تكون مكنية، وقيل: الإرث مجاز مرسل للنيل والأخذ، وأخرج
~~ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم قال:

# " ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار فالكافر يرث المؤمن
~~منزله في النار ms09683 والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة وذلك قوله تعالى: {
~~وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون
~~} "

# ولا يخلو الكلام عن مجاز عليه أيضا، وأيا ما كان فسببية العمل لإيراث
~~الجنة ونيلها ليس إلا بفضل الله تعالى ورحمته عز وجل، والمراد بقوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " لن يدخل أحدكم الجنة عمله "

# ففي إدخال العمل الجنة على سبيل الاستقلال والسببية التامة فلا تعارض.
~~وأخرج هناد وعبد بن حميد في «الزهد» عن ابن مسعود قال: تجوزون الصراط
~~بعفو الله تعالى وتدخلون الجنة برحمة الله تعالى وتقتسمون المنازل
~~بأعمالكم فتأمل. وقرىء { ورثتموها }.

### || [43.73]

# { لكم فيها فاكهة كثيرة } بحسب الأنواع والأصناف لا بحسب
~~الأفراد فقط { منها تأكلون } أي لا تأكلون إلا بعضها وأعقابها
~~باقية في أشجارها فهي مزينة بالثمار أبدا موقرة بها لا ترى شجرة عريانة
~~من ثمرها كما في الدنيا، وفي الحديث

# " لا ينزع رجل في الجنة من ثمرها إلا نبت مكانها مثلاها "

# فمن تبعيضية وجوز كونها ابتدائية، والتقديم للحصر الإضافي وقيل لرعاية
~~الفاصلة. ولعل تكرير ذكر المطاعم في القرآن العظيم مع أنها كلا شيء
~~بالنسبة إلى سائر أنواع نعيم الجنة لما كان بأكثرهم في الدنيا من الشدة
~~والفاقة فهو تسلية لهم، وقيل: إن ذلك لكون أكثر المخاطبين عواما نظرهم
~~مقصور على الأكل والشرب. وتعقب بأنه غير تام. وللصوفية كلام سيأتي في
~~مواضع إن شاء الله تعالى عز وجل.

### || [43.74]

# { إن المجرمين } / أي الراسخين في الإجرام الكاملين فيه وهم
~~الكفار فكأنه قيل: إن الكفار { في عذاب جهنم خلدون } وأيد
~~إرادة ذلك بجعلهم قسيم المؤمنين بالآيات في قوله تعالى:

# الذين ءامنوا بئايتنا

# [الزخرف: 69] فلا تدل الآية على خلود عصاة المؤمنين كما ذهب إليه
~~المعتزلة والخوارج، ولا يضر عدم التعرض لبيان حكمهم بناء على أن المراد
~~بالذين آمنوا المتقون لقوله تعالى:

# يعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون

# [الزخرف: 68] والقول بأن الذين آمنوا شامل لهم لأن العلة إيمانهم
~~وإسلامهم لا يخفى ما فيه. والظرف متعلق بخالدون وخالدون خبر (إن)، وجوز
~~أن يكون الظرف هو الخبر ms09684 و(خالدون) فاعله لاعتماده.

### || [43.75]

# { لا يفتر عنهم } أي لا يخفف عنهم من فترت عنه الحمى إذا سكنت
~~قليلا، والمادة بأي صيغة كانت تدل على الضعف مطلقا { وهم فيه } أي
~~في العذاب. وقرأ عبد الله { فيها } أي في جهنم { مبلسون } حزينون
~~من شدة البأس، قال الراغب: الإبلاس الحزن المعترض من شدة البأس ومنه اشتق
~~إبليس فيما قيل ولما كان المبلس كثيرا ما يلزم السكوت وينسى ما يعنيه
~~قيل أبلس فلان إذا سكت وانقطعت حجته انتهى، وقد فسر الإبلاس هنا بالسكوت
~~وانقطاع الحجة.

### || [43.76]

# لسوء اختيارهم، و { هم } ضمير فصل فيفيد التخصيص. وقرأ عبد الله وأبو
~~زيد { الظالمون } بالرفع على أن (هم) مبتدأ وهو خبره، وذكر أبو عمرو
~~الجرمي أن لغة تميم جعل ما هو فصل عند غيرهم مبتدأ ويرفعون ما بعده على
~~الخبر، وقال أبو زيد: سمعتهم يقرؤن { تجدوه عند الله هو خير وأعظم }
~~[المزمل: 20] برفع خير وأعظم، وقال قيس بن ذريح:

# تحن إلى ليلى وأنت تركتها

# وكنت عليها بالملا أنت أقدر

# وقال سيبويه: بلغنا أن رؤبة كان يقول أظن زيدا هو خير منك يعني بالرفع.

### || [43.77]

# { ونادوا } أي من شدة العذاب وفي بعض الآثار «يلقى على أهل النار
~~الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب فيقولون: ادعوا مالكا فيدعون {
~~يملك ليقض علينا ربك } » أي ليمتنا من قضى عليه إذا
~~أماته، ومرادهم سل ربك أن يقضي علينا حتى نستريح. وإضافتهم الرب إلى
~~ضميره لحثه لا للإنكار، وهذا لا ينافي الإبلاس على التفسير الأول لأنه
~~صراخ وتمن للموت من فرط الشدة، وأما على التفسير الثاني أنه وإن نفاه
~~لكن زمان كل غير زمان الآخر فإن أزمنة العذاب متطاولة وأحقابه ممتدة
~~فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتا لغلبة اليأس عليهم وعلمهم أنه لا
~~خلاص لهم ولو بالموت ويغوثون أوقاتا لشدة ما بهم. وتعقب بأنه لا يناسب
~~دوام الجملة الاسمية أعني وهم مبلسون وقيل إن { نادوا } معطوف بالواو
~~وهي لا تقتضي ترتيبا، ولا يخفى أن تلك الجملة حالية لا تنفك عن الخلود.

# وقرأ علي ms09685 كرم الله تعالى وجهه وابن مسعود وابن وثاب والأعمش { يامال }
~~بالترخيم على لغة من ينتظر وقرأ أبو السوار { يامال } بالترخيم أيضا لكن
~~على لغة من لم ينتظر.

# قال ابن جني: وللترخيم في هذا الموضع سر وذلك أنهم لعظم ما هم فيه ضعفت
~~قواهم وذلت أنفسهم فكان هذا من موضع الاختصار ضرورة وبهذا يجاب عن قول
~~ابن عباس وقد حكيت له القراءة به على اللغة الأولى: ما أشغل أهل النار عن
~~الترخيم مشيرا بذلك إلى إنكارها فإن ما للتعجب وفيها معنى الصد يعني
~~أنهم في حالة تشغلهم عن الالتفات إلى الترخيم وترك النداء على الوجه
~~الأكثر في الاستعمال وحاصل الجواب أن هذا الترخيم لم يصدر عنهم لقصد
~~التصرف في الكلام والتفنن فيه كما في قوله:

# / يحي رفات العظام بالية

# والحق يامال غير ما تصف

# بل للعجز وضيق المجال عن الإتمام كما يشاهد في بعض المكروبين.

# { قال } أي مالك { إنكم مكثون } مقيمون في العذاب أبدا
~~لا خلاص لكم منه بموت ولا غيره، وهذا تقنيط ونكاية لهم فوق ما هم فيه ولا
~~يضر في ذلك علمه بيأسهم إن قلنا به. وذكر بعض الأجلة أن فيه استهزاء لأنه
~~أقام المكث مقام الخلود والمكث يشعر بالانقطاع لأنه كما قال الراغب ثبات
~~مع انتظار، ويمكن أن يكون وجه الاستهزاء التعبير بماكثون من حيث إنه يشعر
~~بالاختيار وإجابتهم بذلك بعد مدة. قال ابن عباس يجيبهم بعد مضي ألف سنة،
~~وقال نوف: بعد مائة، وقيل ثمانين، وقيل أربعين.

### || [43.78]

# خطاب توبيخ وتقريع من جهته تعالى مقرر لجواب مالك ومبين لسبب مكثهم، ولا
~~مانع من خطابه سبحانه الكفرة تقريعا لهم، وقيل: هو من كلام بعض الملائكة
~~عليهم السلام وهو كما يقول أحد خدم الملك للرعية أعلمناكم وفعلنا بكم قيل
~~لا يجوز أن يكون من قول مالك لا لأن ضمير الجمع ينافيه بل لأن مالكا لا
~~يصح منه أن يقوله لأنه لا خدمة له غير خزنه للنار. وفيه بحث. وقيل: في {
~~قال } ضميره تعالى فالكل مقوله عز وجل، وقيل: إن ms09686 قوله تعالى:

# إنكم مكثون

# [الزخرف: 77] خاتمة حال الفريقين، وقوله سبحانه { لقد } الخ كلام آخر
~~مع قريش والمراد عليه جئناكم في هذه السورة أو القرآن بالحق، وعلى ما
~~تقدم لقد جئناكم في الدنيا بالحق وهو التوحيد وسائر ما يجب الإيمان به
~~وذلك بإرسال الرسل وإنزال الكتب ولكن أكثركم للحق أي حق كان كارهون لا
~~يقبلونه وينفرون منه وفسر الحق بذلك دون الحق المعهود سواء كان الخطاب
~~لأهل النار أو لقريش لمكان { أكثركم } فإن الحق المعهود كلهم
~~كارهون له مشمئزون منه، وقد يقال: الظاهر العهد وعبر بالأكثر لأن من
~~الأتباع من يكفر تقليدا. وقرىء { لقد جئتكم }.

### || [43.79]

# وقوله تعالى: { أم أبرموا أمرا } كلام مبتدأ ناع على المشركين
~~ما فعلوا من الكيد برسول الله صلى الله عليه وسلم، و { أم } منقطعة وما
~~فيها معنى بل للانتقال من توبيخ أهل النار إلى حكاية جناية هؤلاء.
~~والهمزة للإنكار فإن أريد بالإبرام الأحكام حقيقة فهي لإنكار الوقوع
~~واستبعاده، وإن أريد الأحكام صورة فهي لإنكار الواقع واستقباحه أي بل
~~أبرم مشركو مكة أمرا من كيدهم ومكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم {
~~فإنا مبرمون } كيدنا حقيقة لا هم أو فإنا مبرمون كيدنا بهم
~~حقيقة كما أبرموا كيدهم صورة كقوله تعالى:

# أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون

# [الطور: 42].

# والآية إشارة إلى ما كان منهم من تدبير قتله عليه الصلاة والسلام في دار
~~الندوة وإلى ما كان منه عز وجل من تدميرهم، وقيل: هو من تتمية الكلام
~~السابق، والمعنى أم أبرموا في تكذيب الحق ورده ولم يقتصروا على كراهته
~~فإنا مبرمون أمرا في مجازاتهم، فإن كان ذاك خطابا لأهل النار فإبرام
~~الأمر في مجازاتهم هو تخليدهم في النار معذبين؛ وإن كان خطابا لقريش فهو
~~خذلانهم ونصر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم فكأنه قيل: فإنا مبرمون
~~أمرا في مجازاتهم وإظهار أمرك، وفيه إشارة إلى أن إبرامهم لا يفيدهم،
~~ولا يغني عنهم شيئا والعدول عن الخطاب في أكثركم إلى الغيبة في أبرموا
~~على هذا / القيل للإشعار بأن ذلك أسوأ ms09687 من كراهتهم ويؤيده ما ذكر أولا
~~على ما قيل قوله تعالى: { أم يحسبون أنا لا نسمع
~~سرهم }.

### || [43.80]

# { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم } لأنه يدل على أن ما
~~أبرموه كان أمرا قد أخفوه فيناسب الكيد دون تكذيب الحق لأن الكفرة
~~مجاهرون فيه والمراد بالسر هنا حديث النفس، أي بل أيحسبون أنا لا نسمع
~~حديث أنفسهم بذلك الكيد { ونجوهم } أي تناجيهم وتحادثهم سرا. وقال
~~غير واحد: السر ما حدثوا به أنفسهم أو غيرهم في مكان خال والنجوى ما
~~تكلموا به فيما بينهم بطريق التناجي.

# { بلى } نسمعهما ونطلع عليهما { ورسلنا } الذين يحفظون عليهم
~~أعمالهم { لديهم } ملازمون لهم { يكتبون } أي يكتبونهما أو
~~يكتبون كل ما صدر عنهم من الأفعال والأقوال التي من جملتها ما ذكر.
~~والمضارع للاستمرار التجددي، وهو مع فاعله خبر و { لديهم } حال قدم
~~للفاصلة أو خبر أيضا. وجملة المبتدأ والخبر إما عطف على ما يترجم عنه
~~(بلى) أو حال أي نسمع ذلك والحال أن رسلنا يكتبونه.

# وإذا كان المراد بالسر حديث النفس فالآية ظاهرة في أن السر والكلام
~~المخيل مسموع له تعالى، وكذا هي ظاهرة في أن الحفظة تكتبه كغيره من
~~أقوالهم وأفعالهم الظاهرة، ولا يبعد ذلك بأن يطلعهم الله تعالى عليه
~~بطريق من طرق الاطلاع فيكتبوه. ومن خص كتابهم بالأمور الغير القلبية خص
~~السر بما حدث به الغير في مكان خال. والظاهر أن حسبانهم ذلك حقيقة ولا
~~يستبعد من الكفرة الجهلة، فقد أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال:
~~بينا ثلاثة عند الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي فقال واحد
~~منهم ترون الله تعالى يسمع كلامنا فقال واحد: إذا جهرتم سمع وإذا أسررتم
~~لم يسمع فنزلت { أم يحسبون } الآية. وقيل: إنهم نزلوا في إقدامهم
~~على الباطل وعدم خوفهم من الله عز وجل منزلة من يحسب أن الله سبحانه لا
~~يسمع سره ونجواه.

### || [43.81]

# { قل } أي للكفرة تحقيقا للحق وتنبيها لهم على أن مخالفتك لهم بعدم
~~عبادتك ما يعبدون من الملائكة عليهم السلام ليس لبغضك وعداوتك ms09688 لهم أو
~~لمعبوديهم بل إنما هو لجزمك باستحالة ما نسبوا إليهم وبنوا عليه عبادتهم
~~من كونهم بنات الله سبحانه وتعالى.

# { إن كان للرحمن ولد فأنا أول العبدين }
~~أي لذلك الولد و(كان) بمعنى صح كما يقال ما كان لك أن تفعل كذا وهو أحد
~~استعمالاتها، و { أول } أفعل تفضيل والمفضل عليه المقول لهم، وجوز
~~اعتبار ذلك مطلقا، والمراد إظهار الرغبة والمسارعة، والمنساق إلى الذهن
~~الأول. ووجه الملازمة أنه عليه الصلاة والسلام أعلم الناس بشؤنه تعالى
~~وبما يجوز عليه وبما لا يجوز وأحرصهم على مراعاة حقوقه وما توجبه من
~~تعظيم ولده سبحانه فإن حق الوالد على شخص يوجب عليه تعظيم ولده لما أن
~~تعظيم الولد تعظيم الوالد، فالمعنى إن كان للرحمن ولد وصح ذلك وثبت
~~ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها فإنا أول من يعظم ذلك الولد
~~وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له كما يعظم الرجل ولد الملك لعظم أبيه،
~~وهذا نفي لكينونة ولد له سبحانه على أبلغ وجه وهو الطريق البرهاني
~~والمذهب الكلامي، فإنه في الحقيقة قياس استثنائي استدل فيه بنفي اللازم
~~البين انتفاؤه وهو عبادته صلى الله عليه وسلم للولد على نفي الملزوم وهو
~~كينونة الولد له سبحانه، وذلك نظير قوله تعالى:

# لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا

# [الأنبياء: 22] لكنه جيء بإن دون لو لجعل ما في حيزها بمنزلة ما لا قطع
~~بعدمه على طريق المساهلة وإرخاء العنان للتبكيت والإفحام.

# / وفي «الكشف» أن في الآية مبالغة من حيث إنه جعل الممكن في نفسه أعني
~~عبادته عليه الصلاة والسلام لما يدعونه ولدا محالا فهو نفي لعبادة
~~الولد على أبلغ وجه حيث جعل مسببا عن محال ثم نفي للولد كذلك من طريق
~~آخر وهو أنه لما لم يعبد صلى الله عليه وسلم الولد مع كونه أولى بعبادته
~~لو كان، دل على نفيه، ونحوها ذكر في الآية مرويا عن قتادة والسدي
~~والطبري. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد أن المعنى:
~~قل إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا ms09689 أول من عبد الله تعالى وحده وكذبكم
~~بما تقولون فالمراد من كونه عليه الصلاة والسلام أول العابدين كونه صلى
~~الله عليه وسلم من ينكر ذلك عليهم، والملازمة في الشرطية باعتبار أن
~~نسبتهم الولد له تعالى تقتضي أن يكذبهم النبي صلى الله عليه وسلم وأن
~~يكون أول من ينكره لأنه صاحب الدعوة إلى التوحيد، وقد خفي ذلك على الإمام
~~فنفى صحة هذا الوجه، وتكلف بعضهم فقال: (إن) تسبب الجزاء عن الشرط عليه
~~باعتبار الأولية في العبادة والتوحيد من بينهم فإنهم إذا أطبقوا على ذلك
~~الزعم يكون النبي صلى الله عليه وسلم أولهم في عبادة الله تعالى وحده لا
~~محالة، وقيل: (إن) السببية باعتبار الإخبار والذكر نحو إن تضربني فأنا لا
~~أضربك وهو أولى مما قبله، والإنصاف أن الارتباط خفي لا يظهر إلا لمجاهد.

# وحكى أبو حاتم عن جماعة ولم يسم أحدا منهم أن { العبدين } من
~~عبد يعبد كفرح يفرح إذا أنف من الشيء، ومنه قوله:

# وأعبد أن أهجو كليبا بدارم

# وقول الآخر:

# متى ما يشأ ذو الود يصرم خليله

# ويعبد عليه لا محالة ظالما

# أي إن كان للرحمن ولد فأنا أول الآنفين من الولد أو من كونه لله سبحانه
~~ونسبته له عز وجل. وروي نحو هذا عن ابن عباس أخرج الطستي عنه أن نافع بن
~~الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى: { فأنا أول العبدين
~~} فقال: أنا أول من ينفر عن أن يكون لله تعالى ولد، وأيد ذلك بقراءة
~~السلمي واليماني { العبدين } جمع عبد كحذر وحذرين وهو المعروف في معنى
~~أنف وقلما يقال فيه عابد، ومن هنا ضعف ابن عرفة هذا الوجه لما فيه من
~~استعمال ما قل استعماله في كلامهم.

# وذكر الخليل في كتاب «العين» أنه قرىء { العبدين } بسكون الباء تخفيف
~~العبدين بكسرها، وقال أبو حاتم: العبد بكسر الباء الشديد الغضب، وقال أبو
~~عبيدة: العرب تقول عبدني حقي أي جحدني، وروي عن الحسن وابن زيد وزهير بن
~~محمد وهو رواية عن ابن عباس وقتادة والسدي أيضا أن { إن } نافية أي ms09690 ما
~~كان للرحمن ولد فأنا أول من قال ذلك وعبد ووحد، و { كان } عليه
~~للاستمرار والمقصود استمرار النفي لا نفي الاستمرار والفاء للسببية.
~~وتعقب بأنه خلاف الظاهر مع خفاء وجه السببية أو حسنها، وزعم مكي أنه لا
~~يجوز لإيهامه نفي الولد فيما مضى وهو كما ترى.

# وقرأ عبد الله وابن وثاب وطلحة والأعمش وحمزة والكسائي كما قال القاضي {
~~ولد } بضم الواو وسكون اللام جمع ولد بفتحهما.

### || [43.82]

# أي عن وصفهم أو الذي يصفونه / به من كونه سبحانه له ولد. وفي إضافة اسم
~~الرب إلى أعظم الأجرام وأقواها تنبيه على أنها وما فيها من المخلوقات حيث
~~كانت تحت ملكوته تعالى وربوبيته عز وجل كيف يتوهم أن يكون شيء منها جزأ
~~منه سبحانه وهو ينافي وجوب الوجود. وفي تكرير ذلك الاسم الجليل تفخيم
~~لشأن العرش.

### || [43.83]

# { فذرهم } فدعهم غير ملتفت إليهم حيث لم يذعنوا للحق بعد ما سمعوا
~~هذا البرهان الجلي { يخوضوا } في أباطيلهم { ويلعبوا } في
~~دنياهم فإن ما هم فيه من الأقوال والأفعال ليس إلا من باب الجهل والجزم
~~لجواب الأمر { حتى يلقوا يومهم الذي يوعدون } وهو
~~يوم القيامة عند الأكثرين، وعن عكرمة وجماعة أنه يوم بدر وقد وعدوا
~~الهلاك فيه، وقريب منه تفسيره بيوم الموت، وقيل: ينبغي تفسيره به دون يوم
~~القيامة لأن الغاية للخوض واللعب إنما هو يوم الموت لانقطاعهما بالموت،
~~وانتصر للأكثرين بأن يوم القيامة هو اليوم الموعود وبه سمي في لسان الشرع
~~وتفسيره بذاك مخالف للمعروف ولما بعد من ذكر الساعة، وما ذكر من أمر
~~الانقطاع مدفوع بأن الموت وما بعده في حكم القيامة ولذا ورد «من مات فقد
~~قامت قيامته» ومثله قد يراد به الدلالة على طول المدة مع قطع النظر عن
~~الانتهاء فيقال: لا يزال في ضلالة إلى أن تقوم القيامة.

# وقرأ أبو جعفر وابن محيصن وعبيد بن عقيل عن أبي عمرو { يلقوا } مضارع
~~لقي. والآية قيل منسوخة بآية السيف.

### || [43.84]

# { وهو الذي في السماء إله وفي الارض إله }
~~الظرفان متعلقان بإله لأنه صفة بمعنى ms09691 معبود من أله بمعنى عبد وهو خبر
~~مبتدأ محذوف أي هو إله وذلك عائد الموصول وحذف لطول الصلة بمتعلق الخبر
~~والعطف عليه. وقال غير واحد: الجار متعلق بإله باعتبار ما ينبىء عنه من
~~معنى المعبودية بالحق بناء على اختصاصه بالمعبود بالحق وهذا كتعلق الجار
~~بالعلم المشتهر بصفة نحو قولك: هو حاتم في طيء حاتم في تغلب، وعلى هذا
~~تخرج قراءة عمر وعلي وعبد الله وأبي والحكم بن أبي العالي وبلال بن
~~أبي بردة وابن يعمر وجابر وابن زيد وعمر بن عبد العزيز وأبو شيخ الهنائي
~~وحميد وابن مقسم وابن السميقع { وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله
~~} فيعلق الجار بالاسم الجليل باعتبار الوصف المشتهر به، واعتبر بعضهم
~~معنى الاستحقاق للعبادة وعلل ذلك بأن العبادة بالفعل لا تلزم، وجوز كون
~~الجار والمجرور صلة الموصول، و { إله } خبر مبتدأ محذوف أيضا على أن
~~الجملة بيان للصلة وأن كونه سبحانه في السماء على سبيل الإلهية لا على
~~معنى الاستقرار. واختير كون { إله } في هذا الوجه خبر مبتدأ محذوف
~~على كونه خبرا آخر للمبتدأ المذكور أو بدلا من الموصول أو من ضميره
~~بناء على تجويزه لأن إبدال النكرة الغير الموصوفة من المعرفة إذا أفادت
~~ما لم يستفد أولا كما هنا جائز حسن على ما قال أبو علي في الحجة لأن
~~البيان ههنا أتم وأهم فلذا رجح مع ما فيه من التقدير وحينئذ فلا فاصل
~~أجنبي بين المتعاطفين، ولا يجوز كون الجار والمجرور خبر مقدما و(إله)
~~مبتدأ مؤخرا للزوم خلو الجملة عن العائد مع فساد المعنى.

# وفي الآية نفي الآلهة السماوية والأرضية واختصاص الإلهية به عز جل لما
~~فيها من تعريف طرفي الإسناد، والموصول في مثل ذلك كالمعرف بالأداة
~~وللاعتناء بكل من إلهيته تعالى في السماء وإلهيته عز وجل في الأرض قيل {
~~وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله } ولم
~~يقل: وهو الذي في السماء وفي الأرض إله أو هو الذي في السماء والأرض إله،
~~وحديث الإعادة قيل مما لا يجري ههنا لأن ms09692 القاعدة أغلبية كأكثر قواعد
~~العربية.

# وقال بعض الأفاضل: يجوز إجراء القاعدة فيه والمغايرة بين الشيئين أعم من
~~أن تكون بالذات أو بالوصف / والاعتبار، والمراد هنا الثاني ولا شك أن
~~طريق عبادة أهل السماء له تعالى غير طريق عبادة أهل الأرض على ما يشهد به
~~تتبع الآثار فإذا كان إله بمعنى معبود كان معنى الآية أنه تعالى معبود في
~~السماء على وجه ومعبود في الأرض على وجه آخر، وإن كان بمعنى التحير فيه
~~فالتحير في أهل السماء غير التحير في أهل الأرض فلا جرم تكون أطوارهم
~~مخالفة لأطوار أهل الأرض، ومن ذلك اختلاف علومهم فإن علوم أهل الأرض إن
~~كانت ضرورية فأكثرها مستندة إلى الحس وإن كانت نظرية كانت مكتسبة من
~~النظر فإذا انسد طريق النظر والحس عجزوا وتحيروا ولا كذلك أهل السماء
~~لتنزههم عن الكسب والحس فتحيرهم على نحو آخر، أو نقول التحير في إدراك
~~ذاته تعالى وصفاته إنما ينشأ من مشاهدة آثار عظمته وكمال قدرته سبحانه
~~ولا شك أن تلك الآثار في السماء أعظم من الآثار في الأرض وعليه فيجوز أن
~~يكون الإله بمعنى المتحير فيه ويكون مجازا عن عظيم الشأن من باب ذكر
~~اللازم وإرادة الملزوم فيكون المعنى أنه تعالى عظيم الشأن في السماء على
~~نحو وعظيم الشأن في الأرض على نحو آخر اه، ولا يخلو عن شيء كما لا يخفى.

# { وهو الحكيم العليم } كالدليل على النفي والاختصاص المشار
~~إليهما فإن من لا يتصف بكمال الحكمة والعلم لا يستحق الإلهية.

### || [43.85]

# { وتبارك الذي له ملك السموت والأرض وما
~~بينهما } كالهواء ومخلوقات الجو المشاهدة وغيرها { وعنده علم
~~الساعة } أي العلم بالساعة أي الزمان الذي تقوم القيامة فيه فالمصدر
~~مضاف لمفعوله، والساعة بمعناها اللغوي وهو مقدار قليل من الزمان، ويجوز
~~أن يراد بها معناها الشرعي وهو يوم القيامة، والمحذور مندفع بأدنى تأمل.
~~وفي تقديم الخبر إشارة إلى استئثاره تعالى بعلم ذلك { وإليه
~~ترجعون } للجزاء، والالتفات إلى الخطاب للتهديد.

# وقرأ الأكثر بياء الغيبة والفعل في القراءتين مبني للمفعول؛ وقرىء بفتح
~~تاء ms09693 الخطاب والبناء للفاعل، وقرىء { تحشرون } بتاء الخطاب أيضا والبناء
~~للمفعول.

### || [43.86]

# { ولا يملك الذين يدعون } أي ولا يملك آلهتهم الذين
~~يدعونهم { من دونه الشفعة } كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله
~~عز وجل. وقرىء { تدعون } بتاء الخطاب والتخفيف؛ والسلمي وابن وثاب بها
~~وشد الدال { إلا من شهد بالحق } الذي هو التوحيد { وهم
~~يعلمون } أي يعلمونه. والجملة في موضع الحال، وقيد بها لأن الشهادة
~~عن غير علم بالمشهود به لا يعول عليها. وجمع الضمير باعتبار معنى من كما
~~أن الإفراد أولا باعتبار لفظه. والمراد به الملائكة وعيسى وعزير
~~وأضرابهم صلاة الله تعالى وسلامه عليهم.

# والاستثناء قيل: متصل إن أريد بالذين يدعون من دونه كل ما يعبد من دون
~~الله عز وجل ومنفصل إن أريد بذلك الأصنام فقط، وقيل: هو منفصل مطلقا
~~وعلل بان المراد نفي ملك الآلهة الباطلة الشفاعة للكفرة ومن شهد بالحق
~~منها لا يملك الشفاعة لهم أيضا وإنما يملك الشفاعة للمؤمنين فكأنه قيل
~~على تقدير التعميم: ولا يملك الذين يدعونهم من دون الله تعالى كائنين ما
~~كانوا الشفاعة لهم لكن من شهد بالحق يملك الشفاعة لمن شاء الله سبحانه من
~~المؤمنين؛ فالكلام نظير قولك: ما جاء القوم إلي إلا زيدا جاء إلى عمرو
~~فتأمل.

# وقال مجاهد وغيره: المراد بمن شهد بالحق المشفوع فيهم، وجعل الاستثناء
~~عليه متصلا والمستثنى منه محذوفا كأنه قيل: ولا يملك هؤلاء الملائكة
~~وأضرابهم الشفاعة في أحد إلا فيمن وحد عن إيقان وإخلاص / ومثله في حذف
~~المستثنى منه قوله:

# نجا سالم والنفس منه بشرقة

# ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا

# أي ولم ينج شيء إلا جفن سيف، واستدل بالآية على أن العلم ما لا بد منه
~~في الشهادة دون المشاهدة.

### || [43.87]

# { ولئن سألتهم من خلقهم } أي سألت العابدين أو
~~المعبودين { ليقولن الله } لتعذر المكابرة في ذلك من فرط ظهوره
~~ووجه قول المعبودين ذلك أظهر من أن يخفى { فأنى يؤفكون } فكيف
~~يصرفون عن عبادته تعالى إلى عبادة غيره سبحانه ويشركونه معه عز وجل مع
~~إقرارهم بأنه تعالى خالقهم ms09694 أو مع علمهم بإقرار آلهتهم بذلك. والفاء
~~جزائية أي إذا كان الأمر كذلك فإني الخ، والمراد التعجب من إشراكهم مع
~~ذلك، وقيل: المعنى فكيف يكذبون بعد علمهم بذلك فهو تعجب من عبادة غيره
~~تعالى وإنكارهم للتوحيد مع أنه مركوز في فطرتهم، وأيا ما كان فهو متعلق
~~بما قبله من التوحيد والإقرار بأنه تعالى هو الخالق، وأما كون المعنى
~~فكيف أو أين يصرفون عن التصديق بالبعث مع أن الإعادة أهون من الإبداء
~~وجعله متعلقا بأمر الساعة كما قيل فيأباه السياق.

# وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو { تؤفكون } بتاء الخطاب.

### || [43.88]

# بجر { قيله } وهي قراءة عاصم وحمزة والسلمي وابن وثاب والأعمش. وقرأ
~~الأعرج وأبو قلابة ومجاهد والحسن وقتادة ومسلم بن جندب برفعه وهي قراءة
~~شاذة. وقرأ الجمهور بنصبه. واختلف في التخريج فقيل الجر على عطفه على لفظ
~~الساعة في قوله تعالى:

# وعنده علم الساعة

# [الزخرف: 85] أي عنده علم قيله، والنصب على عطفه على محلها لأنها في محل
~~نصب بعلم المضاف إليها فإنه كما قدمنا مصدر مضاف لمفعوله فكأنه قيل: يعلم
~~الساعة ويعلم قيله، والرفع على عطفه على { علم الساعة } على حذف
~~مضاف والأصل وعلم قيله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ونسب الوجه
~~الأول لأبي علي والثالث لابن جني وجميع الأوجه للزجاج وضمير { قيله }
~~عليها للرسول صلى الله عليه وسلم المفهوم من قوله تعالى:

# ولئن سألتهم

# [الزخرف: 87] والقيل والقال والقول مصادر جاءت بمعنى واحد، والمنادى وما
~~في حيزه مقول القول، والكلام خارج مخرج التحسر والتحزن والتشكي من عدم
~~إيمان أولئك القوم، وفي الإشارة إليهم بهؤلاء دون قوله قومي ونحوه تحقير
~~لهم وتبر منهم لسوء حالهم. والمراد من إخباره تعالى بعلمه ذلك وعيده
~~سبحانه إياهم، وقيل: الجر على إضمار حرف القسم والنصب على حذفه وإيصال
~~فعله إليه محذوفا والرفع على نحو لعمرك لأفعلن وإليه ذهب الزمخشري وجعل
~~المقول { يرب } وقوله سبحانه: { إن هؤلآء } الخ جواب القسم على
~~الأوجه الثلاثة وضمير { قيله } كما سبق، والكلام إخبار منه تعالى أنهم
~~لا يؤمنون وإقسامه سبحانه عليه ms09695 بقوله صلى الله عليه وسلم: يا رب لرفع
~~شأنه عليه الصلاة والسلام وتعظيم دعائه والتجائه إليه تعالى، والواو عنده
~~للعطف أعني عطف الجملة القسمية على الجملة الشرطية لكن لما كان القسم
~~بمنزلة الجملة الاعتراضية صارت الواو كالمضمحل عنها معنى العطف، وفيه أن
~~الحذف الذي تضمنه تخريجه من ألفاظ شاع استعمالها في القسم كعمرك وأيمن
~~الله واضح الوجه على الأوجه الثلاثة، وأما في غيرها كالقيل هنا فلا يخلو
~~عن ضعف. وقيل: الجر على أن الواو واو قسم والجواب محذوف أي لننصرنه أو
~~لنفعلن بهم ما نشاء حكاه في «البحر» وهو كما ترى.

# وقيل: النصب على العطف على مفعول يكتبون المحذوف أي يكتبون أقوالهم /
~~وأفعالهم وقيله يا رب الخ وليس بشيء، وقيل: هو على العطف على مفعول

# يعلمون

# [الزخرف: 86] أعني الحق أي يعلمون الحق وقيل الخ، وهو قول لا يكاد يعقل،
~~وعن الأخفش أنه على العطف على

# سرهم ونجوهم

# [الزخرف: 80] ورد بأنه ليس بقوي في المعنى مع وقوع الفصل بما لا يحسن
~~اعتراضا ومع تنافر النظم. وتعقب أن ما ذكر من الفصل ظاهر وأما ضعف
~~المعنى وتنافر النظم فغير مسلم لأن تقديره أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم
~~ونجواهم وأنا لا نسمع قيله الخ وهو منتظم أتم انتظام، وعنه أيضا أنه على
~~إضمار فعل من القيل ناصب له على المصدرية والتقدير قال قيله ويؤيده قراءة
~~ابن مسعود { وقال الرسول } والجملة معطوفة على ما قبلها.

# ورد بأنه لا يظهر فيه ما يحسن عطفه على الجملة قبله وليس التأكيد
~~بالمصدر في موقعه ولا ارتباط لقوله تعالى:

# فاصفح

# [الزخرف: 89] به.

# وقال العلامة الطيبي: في توجيهه إن قوله تعالى:

# ولئن سألتهم

# [الزخرف: 87] تقديره وقلنا لك: ولئن سألتهم الخ وقلت: يا رب يأسا من
~~إيمانهم وإنما جعل غائبا على طريق الالتفات لأنه كأنه صلى الله عليه
~~وسلم فاقد نفسه للتحزن عليهم حيث لم ينفع فيهم سعيه واحتشاده، وقيل:
~~الواو على هذا الوجه للحال وقال بتقدير قد والجملة حالية أي فأنى يؤفكون
~~وقد قال الرسول يا رب الخ، ms09696 وحاصله فأنى يؤفكون وقد شكا الرسول عليه
~~الصلاة والسلام إصرارهم على الكفر وهو خلاف الظاهر، وقيل: الرفع على
~~الابتداء والخبر { يرب } إلى { لا يؤمنون } أو هو محذوف أي
~~مسموع أو متقبل فجملة النداء وما بعده في موضع نصب بقيله والجملة حال أو
~~معطوفة، ولا يخفى ما في ذلك.

# والأوجه عندي ما نسب إلى الزجاج، والاعتراض عليه بالفصل هين، وبضعف
~~المعنى والتنافر غير مسلم، ففي «الكشف» بعد ذكر تخريج الزجاج الجر أن
~~الفاصل أعني من قوله تعالى:

# وإليه ترجعون

# [الزخرف: 85] إلى

# يؤفكون

# [الزخرف: 87] يصلح اعتراضا لأن قوله سبحانه

# وعنده علم الساعة

# [الزخرف: 85] مرتبط بقوله تعالى:

# حتى يلقوا يومهم الذي يوعدون

# [الزخرف: 83] على ما لا يخفى. والكلام مسوق للوعيد البالغ بقوله تعالى:

# وإليه ترجعون

# [الزخرف: 85] إلى قوله عز وجل:

# وهم يعلمون

# [الزخرف: 68] متصل بقوله تعالى:

# وعنده علم الساعة

# [الزخرف: 85] اتصال العصا بلحاها، وقوله تعالى: { ولئن سألتهم
~~} خطاب لمن يتأتى منه السؤال تتميم لذلك الكلام باستحقاقهم ما أوعدوه
~~لعنادهم البالغ، ومنه يظهر وقوع التعجب في قوله سبحانه: { فأنى
~~يؤفكون } وعلى هذا ظهر ارتباط وعلم قيله بقوله تعالى: { وعنده
~~علم الساعة } وأن الفاصل متصل بهما اتصالا يجل موقعه، ومن هذا
~~التقرير يلوح أن ما ذهب إليه الزجاج في الأوجه الثلاثة حسن، ولك أن ترجحه
~~على ما ذهب إليه الأخفش بتوافق القراءتين، وأن حمل { ولئن
~~سألتهم } على الخطاب المتروك إلى غير معين أوفق بالمقام من حمله
~~على خطابه عليه الصلاة والسلام وسلامته من إضمار القول قبل قوله تعالى: {
~~ولئن سألتهم } مع أن السياق غير ظاهر الدلالة عليه اه، وهو
~~أحسن ما رأيته للمفسرين في هذا المقام.

# وقرأ أبو قلابة { يا رب } بفتح الباء ووجه ظاهر.

### || [43.89]

# { فاصفح } فأعرض { عنهم } ولا تطمع في إيمانهم. وأصل الصفح
~~لي صفحة العنق فكنى به عن الإعراض. { وقل } لهم { سلم } أي
~~أمري سلام تسلم منكم ومتاركة فليس ذلك أمرا بالسلام عليهم والتحية وإنما
~~هو أمر بالمتاركة. وحاصله إذا أبيتم القبول فأمري التسلم منكم، واستدل
~~بعضهم بذلك على جواز السلام على ms09697 الكفار وابتدائهم بالتحية، أخرج ابن أبي
~~شيبة عن شعيب بن الحبحاب قال: كنت مع علي بن عبد الله البارقي فمر علينا
~~يهودي أو نصراني فسلم عليه قال شعيب: فقلت: إنه يهودي أو نصراني فقرأ
~~علي آخر سورة الزخرف

# وقيله يرب

# [الزخرف: 88] إلى الآخر. وأخرج ابن أبي شيبة أيضا عن عون بن عبد الله
~~أنه قال قلت لعمر بن عبد العزيز كيف / تقول أنت في ابتداء أهل الذمة
~~بالسلام؟ فقال: ما أرى بأسا أن نبتدئهم قلت لم؟ قال: لقوله تعالى: {
~~فاصفح عنهم وقل سلم } ومما ذكرنا يعلم ضعفه، وقال السدي:
~~المعنى قل خيرا بدلا من شرهم، وقال مقاتل: اردد عليهم معروفا، وحكى
~~الماوردي أي قل ما تسلم به من شرهم والكل كما ترى والحق ما قدمنا.

# { فسوف يعلمون } حالهم السيئة وإن تأخر ذلك وهو وعيد من الله
~~سبحانه لهم وتسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم. وقرأ أبو جعفر والحسن
~~والأعرج ونافع وهشام { تعلمون } بتاء الخطاب على أنه داخل في حيز { قل
~~} وإن أريد من الآية الكف عن القتال فهي منسوخة وإن أريد الكف عن
~~مقابلتهم بالكلام فليست بمنسوخة والله تعالى أعلم.

### | [44 - سورة الدخان]

### || [44.1-2]

# الكلام فيه كالذي سلف في السورة السابقة.

### || [44.3]

# { إنا أنزلنه } أي الكتاب المبين الذي هو القرآن على القول
~~المعول عليه { في ليلة مبركة } هي ليلة القدر على ما روي عن
~~ابن عباس وقتادة وابن جبير ومجاهد وابن زيد والحسن وعليه أكثر المفسرين
~~والظواهر معهم، وقال عكرمة وجماعة: هي ليلة النصف من شعبان، وتسمى ليلة
~~الرحمة والليلة المباركة وليلة الصك وليلة البراءة. ووجه تسميتها
~~بالأخيرين أن البندار إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة / والصك
~~كذلك الله عز وجل يكتب لعباده المؤمنين البراءة والصك في هذه الليلة.
~~وظاهر كلامهم هنا أن البراءة وهي مصدر بريء براءة إذا تخلص تطلق على صك
~~الأعمال والديون وما ضاهاها وأنه ورد في الآثار ذلك. وهو مجاز مشهور وصار
~~بذلك كالمشترك. وفي «المغرب» بريء من الدين والعيب براءة، ومنه البراءة
~~لخط ms09698 الإبراء والجمع براءات، وبروات عامية اه. وأكثر أهل اللغة على أنه
~~لم يسمع من العرب وأنه عامي صرف وإن كان من باب المجاز الواسع.

# قال ابن السيد في «المقتضب» البراءة في الأصل مصدر برىء براءة، وأما
~~البراءة المستعملة في صناعة الكتاب فتسميتها بذلك إما على أنها من برىء
~~من دينه إذا أداه وبرئت من الأمر إذا تخليت منه فكأن المطلوب منه أمر
~~تبرأ إلى الطالب أو تخلى، وقيل: أصله أن الجاني كان إذا جنى وعفا عنه
~~الملك كتب له كتاب أمان مما خافه فكان يقال: كتب السلطان لفلان براءة ثم
~~عمم ذلك فيما كتب من أولي الأمر وأمثالهم اه.

# وذكروا في فضل هذه الليلة أخبارا كثيرة، منها ما أخرجه ابن ماجه
~~والبيهقي في «شعب الإيمان» عن علي كرم الله وجهه قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كانت ليلة النصف من شعبان
~~فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى
~~السماء الدنيا فيقول: ألا مستغفر فأغفر له ألا مسترزق فأرزقه ألا مبتلى
~~فأعافيه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر "

# وما أخرجه الترمذي وابن أبي شيبة والبيهقي وابن ماجه عن عائشة قالت:

# " فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فخرجت أطلبه فإذا هو
~~بالبقيع رافعا رأسه إلى السماء فقال يا عائشة: أكنت تخافين أن يحيف الله
~~تعالى عليك ورسوله؟ قلت: ما بي من ذلك ولكني ظننت أنك أتيت بعض نسائك،
~~فقال: إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر
~~لأكثر من عدد شعر غنم كلب "

# وما أخرجه أحمد بن حنبل في «المسند» عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " يطلع الله تعالى إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا اثنين
~~مشاحن وقاتل نفس "

# وذكر بعضهم فيها صلاة مخصوصة وأنها تعدل عشرين حجة مبرورة وصيام عشرين
~~سنة مقبولا، وروي في ذلك حديثا طويلا عن علي كرم الله تعالى ms09699 وجهه، وقد
~~أخرجه البيهقي ثم قال: يشبه أن يكون هذا الحديث موضوعا وهو منكر وفي
~~رواته مجهولون وأطال الوعاظ الكلام في هذه الليلة وذكر فضائلها وخواصها،
~~وذكروا عدة أخبار في أن الآجال تنسخ فيها. وفي «الدر المنثور» طرف غير
~~يسير من ذلك وسنذكر بعضا منه إن شاء الله تعالى. وفي «البحر» ((قال
~~الحافظ أبو بكر بن العربي: لا يصح فيها شيء ولا نسخ الآجال فيها)) ولا
~~يخلو من مجازفة والله تعالى أعلم.

# والمراد بإنزاله في تلك الليلة إنزاله فيها جملة إلى السماء الدنيا من
~~اللوح فالإنزال المنجم في ثلاث وعشرين سنة أو أقل كان من السماء الدنيا
~~وروي هذا عن ابن جرير وغيره، وذكر أن المحل الذي أنزل فيه من تلك السماء
~~البيت المعمور وهو مسامت للكعبة بحيث لو نزل لنزل عليها. وأخرج سعيد بن
~~منصور عن إبراهيم النخعي أنه قال: نزل القرآن جملة على جبريل عليه السلام
~~وكان جبريل عليه السلام يجيء به بعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

# وقال غير واحد: المراد ابتداء إنزاله في تلك الليلة على التجوز في الطرف
~~أو النسبة واستشكل ذلك بأن / ابتداء السنة المحرم أو شهر ربيع الأول لأنه
~~ولد فيه صلى الله عليه وسلم ومنه اعتبر التاريخ في حياته عليه الصلاة
~~والسلام إلى خلافة عمر رضي الله تعالى عنه وهو الأصح، وقد كان الوحي إليه
~~صلى الله عليه وسلم على رأس الأربعين سنة من مدة عمره عليه الصلاة
~~والسلام على المشهور من عدة أقوال فكيف يكون ابتداء الإنزال في ليلة
~~القدر من شهر رمضان أو في ليلة البراءة من شعبان؟

# وأجيب بأن ابتداء الوحي كان مناما في شهر ربيع الأول ولم يكن بإنزال
~~شيء من القرآن والوحي يقظة مع الإنزال كان في يوم الاثنين لسبع عشرة خلت
~~من شهر رمضان، وقيل لسبع منه، وقيل لأربع وعشرين ليلة منه، وأنت تعلم
~~كثرة اختلاف الأقوال في هذا المقام فمن يقول بابتداء إنزاله في شهر يلتزم
~~منها ما لا يأباه.

# واختلف في أول ما ms09700 نزل منه، ففي «صحيح مسلم» أنه

# يأيها المدثر

# [المدثر: 1] وتعقبه النووي في «شرحه» فقال: ((إنه ضعيف بل باطل والصواب
~~أن أول ما نزل على الإطلاق

# اقرأ باسم ربك

# [العلق: 1] كما صرح به في حديث عائشة، وأما { يأيها المدثر }
~~فكان نزولها بعد فترة الوحي كما صرح به في رواية الزهري عن أبي سلمة عن
~~جابر.

# وأما قول من قال من المفسرين أول ما نزل الفاتحة فبطلانه أظهر من أن
~~يذكر)) اه والكلام في ذلك مستوفى في «الإتقان» فليرجع إليه من أراده.

# ووصف الليلة بالبركة لما أن إنزال القرآن مستتبع للمنافع الدينية
~~والدنيوية بأجمعها أو لما فيها من تنزل الملائكة والرحمة وإجابة الدعوة
~~وفضيلة العبادة أو لما فيها من ذلك وتقدير الأرزاق وفصل الأقضية كالآجال
~~وغيرها وإعطاء تمام الشفاعة له عليه الصلاة والسلام، وهذا بناء على أنها
~~ليلة البراءة، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم سأل ليلة الثالث عشر من
~~شعبان في أمته فأعطي الثلث منها ثم سأل ليلة الرابع عشر فأعطي الثلثين ثم
~~سأل ليلة الخامس عشر فأعطي الجميع إلا من شرد على الله تعالى شراد
~~البعير. وأيا ما كان فقد قيل: إن التعليل إنما يحتاج إليه بناء على
~~القول بما اختاره العز بن عبد السلام من أن الأمكنة والأزمنة كلها
~~متساوية في حد ذاتها لا يفضل بعضها بعضا إلا بما يقع فيها من الأعمال
~~ونحوها، وزاد بعضهم أو يحل لتدخل البقعة التي ضمته صلى الله عليه وسلم
~~فإنها أفضل البقاع الأرضية والسماوية حتى قيل وبه أقول إنها أفضل من
~~العرش. والحق أنه لا يبعد أن يخص الله سبحانه بعضها بمزيد، تشريف حتى
~~يصير ذلك داعيا إلى إقدام المكلف على الأعمال فيها أو لحكمة أخرى. وجملة
~~{ إنا أنزلنه } جواب القسم، وفي ذلك مبالغة نحو ما في قوله:

# وثناياك أنها إغريض

# وقوله تعالى: { إنا كنا منذرين } استئناف يبين المقتضي
~~للإنزال. وقوله تعالى: { فيها يفرق كل أمر حكيم }.

### || [44.4]

# { فيها يفرق كل أمر حكيم } استئناف أيضا لبيان التخصيص
~~بالليلة المباركة فكأنه قيل: ms09701 أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتحذير من
~~العقاب وكان إنزاله في تلك الليلة المباركة لأنه من الأمور الدالة على
~~الحكم البالغة وهي ليلة يفرق فيها كل أمر حكيم ففي الكلام لف ونشر،
~~واشتراط أن يكون كل منهما بجملتين مستقلتين مما لا داعي إليه. وقيل: إن
~~جملة { فيها يفرق } الخ صفة أخرى لليلة وما بينهما اعتراض لا يضر
~~الفصل به بل لا يعد الفصل به فصلا. وقيل إن قوله تعالى:

# إنا كنا منذرين

# [الدخان: 3] هو جواب القسم وما بينهما اعتراض وإليه ذهب ابن عطية زاعما
~~أنه لا يجوز جعل

# إنا أنزلنه

# [الدخان: 3] جوابا له لما فيه من القسم بالشيء على نفسه. واعترض بأن
~~قوله تعالى: { فيها يفرق كل أمر حكيم } يكون حينئذ من
~~تتمة الاعتراض فلا يحسن تأخره عن / المقسم عليه ولا يدفعه أن هذه الجملة
~~مستأنفة لا صفة أخرى لأنه استئناف بياني متعلق بما قبل كما سمعت آنفا
~~فلا يليق الفصل أيضا كما لا يخفى على من له ذوق سليم، وما ذكر من حديث
~~القسم بالشيء على نفسه فقد أشرنا إلى جوابه. وقيل إن قوله سبحانه: {
~~إنا كنا منذرين } جواب آخر للقسم وفيه تعدد المقسم عليه من غير
~~عطف ولم نر من تعرض له.

# ومعنى يفرق ويفصل ويلخص. والحكيم بمعنى المحكم لأنه لا يبدل ولا يغير
~~بعد إبرازه للملائكة عليهم السلام بخلافه قبله وهو في اللوح فإن الله
~~تعالى يمحو منه ما يشاء ويثبت. وجوز أن يكون بمعنى المحكوم به ونسبته إلى
~~الأمر عليها حقيقة، ويجوز أن يكون المعنى كل أمر ملتبس بالحكمة والأصل
~~حكيم صاحبه فتجوز في النسبة، وقيل: إن حكيم للنسبة كتامر ولابن وقد أبهم
~~سبحانه هذا الأمر.

# وأخرج محمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في
~~ذلك: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو موت أو
~~حياة أو مطر حتى يكتب الحاج يحج فلان ويحج فلان. وأخرج عبد بن حميد وابن
~~جرير عن ربيعة ms09702 بن كلثوم قال: كنت عند الحسن فقال له رجل: يا أبا سعيد
~~ليلة القدر في كل رمضان هي؟ قال: إي والله إنها لفي كل رمضان وإنها لليلة
~~يفرق فيها كل أمر حكيم فيها يقضي الله تعالى كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها،
~~وروي هذا التعميم عن غير واحد من السلف. وأخرج البيهقي عن أبي الجوزاء {
~~فيها يفرق كل أمر حكيم } هي ليلة القدر يجاء بالديوان
~~الأعظم السنة إلى السنة فيغفر الله تعالى شأنه لمن يشاء ألا ترى أنه عز
~~وجل قال:

# رحمة من ربك

# [الدخان: 6] وفيه بحث، وإلى مثل ذلك التعميم ذهب بعض من قال: إن الليلة
~~المباركة هي ليلة البراءة، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من
~~طريق محمد بن سوقة عن عكرمة أنه قال في الآية: في ليلة النصف من شعبان
~~يبرم أمر السنة وينسخ الأحياء من الأموات ويكتب الحاج فلا يزاد فيهم ولا
~~ينقص منهم أحد. وفي كثير من الأخبار الاقتصار على قطع الآجال، أخرج ابن
~~جرير والبيهقي في «شعب الإيمان» عن الزهري عن عثمان بن محمد بن المغيرة
~~بن الأخفش قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان
~~حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى "

# ، وأخرج الدينوري في «المجالسة» عن راشد بن سعد أن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال:

# " في ليلة النصف من شعبان يوحي الله تعالى إلى ملك الموت بقبض كل نفس
~~يريد قبضها في تلك السنة "

# ونحوه كثير.

# وقيل: يبدأ في استنساخ كل أمر حكيم من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة
~~ويقع الفراغ في ليلة القدر فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل عليه السلام
~~ونسخة الحروب إلى جبرائيل عليه السلام وكذلك الزلازل والصواعق والخسف
~~ونسخة الأعمال إلى إسماعيل عليه السلام صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم
~~ونسخة المصائب إلى ملك الموت. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~تقضى الأقضية كلها ليلة النصف من شعبان وتسلم إلى أربابها ليلة السابع
~~والعشرين ms09703 من شهر رمضان. واعترض بما ذكر على الاستدلال بالظواهر على أن
~~الليلة المذكورة هي ليلة القدر لا ليلة النصف من شعبان ومن تدبر علم أنه
~~لا يخدش الظواهر. نعم حكي عن عكرمة أن ليلة النصف من شعبان هي ليلة القدر
~~ويلزمه تأويل ما يأبى ظاهره ذلك فتدبر. وسيأتي إن شاء الله عز وجل
~~الكلام في هذا المقام مستوفى على أتم وجه في تفسير سورة القدر وهو سبحانه
~~الموفق.

# وقرأ الحسن والأعرج والأعمش { يفرق } بفتح الياء وضم الراء { كل }
~~بالنصب أي يفرق الله تعالى، وقرأ / زيد بن علي فيما ذكر الزمخشري عنه {
~~نفرق } بالنون { كل } بالنصب وفيما ذكر أبو علي الأهوازي عنه بفتح الياء
~~وكسر الراء ونصب { كل } ورفع { حكيم } على أنه الفاعل بيفرق، وقرأ الحسن
~~وزائدة عن الأعمش { يفرق } بالتشديد وصيغة المفعول وهو للتكثير. وفيه رد
~~على قول بعض اللغويين كالحريري أن الفرق مختص بالمعاني والتفريق
~~بالأجسام.

### || [44.5]

# { أمرا من عندنا } نصب على الاختصاص وتنكيره للتفخيم، والجار
~~والمجرور في موضع الصفة له وتعلقه بيفرق ليس بشيء. والمراد بالعندية أنه
~~على وفق الحكمة والتدبير أي أعني بهذا الأمر أمرا فخيما حاصلا على
~~مقتضى حكمتنا وتدبيرنا وهو بيان لزيادة فخامته ومدحه. وجوز كونه حالا من
~~ضمير

# أمر

# [الدخان: 4] السابق المستتر في { حكيم } الواقع صفة له أو من {
~~أمر } نفسه، وصح مجىء الحال منه مع أنه نكرة لتخصصه بالوصف على أن
~~عموم النكرة المضاف إليها (كل) مسوغ للحالية من غير احتياج الوصف، وقول
~~السمين: إن فيه القول بالحال من المضاف إليه في غير المواضع المذكورة في
~~النحو صادر عن نظر ضعيف لأنه كالجزء في جواز الاستغناء عنه بأن يقال:
~~يفرق أمر حكيم على إرادة عموم النكرة في الإثبات كما في قوله تعالى:

# علمت نفس ما أحضرت

# [التكوير: 14] وقيل: حال من { كل } وأيا ما كان فهو مغاير لذي الحال
~~لوصفه بقوله تعالى: { من عندنا } فيصح وقوعه حالا من غير لغوية
~~فيه.

# وكونها مؤكدة غير متأت مع الوصفية كما لا يخفى على ذي الذهن السليم، ms09704 وهو
~~على هذه الأوجه واحد الأمور وجوز أن يراد به الأمر الذي هو ضد النهي على
~~أنه واحد الأوامر فحينئذ يكون منصوبا على المصدرية لفعل مضمر من لفظه
~~أي أمرنا أمرا من عندنا، والجملة بيان لقوله سبحانه:

# يفرق

# [الدخان: 4] الخ ، وقيل: إما أن يكون نصبا على المصدرية ليفرق لأن كتب
~~الله تعالى للشيء إيجابه وكذلك أمره عز وجل به كأنه قيل: يؤمر بكل شأن
~~مطلوب على وجه الحكمة أمرا فالأمر وضع موضع الفرقان المستعمل بمعنى
~~الأمر، وإما أن يكون على الحالية من فاعل

# أنزلنا

# [الدخان: 3] أو مفعوله أي إنا أنزلناه آمرين أمرا أو حال كون الكتاب
~~أمرا يجب أن يفعل. وفي جعل الكتاب نفس الأمر لاشتماله عليه أيضا تجوز
~~فيه فخامة، وتعقب ذلك في «الكشف» فقال: فيه ضعف للفصل بالجملتين بين
~~الحال وصاحبها على الثاني ولعدم اختصاص الأوامر الصادرة منه تعالى بتلك
~~الليلة على الأول. ووجهه أن تخص بالقرآن ولا يجعل قوله تعالى: { فيها
~~يفرق } علة للإنزال في الليلة بل هو تفصيل لما أجمل في قوله سبحانه:

# إنا أنزلنه في ليلة مبركة

# [الدخان: 3] على معنى فيها أنزل الكتاب المبين الذي هو المشتمل على كل
~~مأمور به حكيم كأنه جعل الكتاب كله أمرا أو ما أمر به كل المأمورات وفيه
~~مبالغة حسنة، ولا يخفى أن في فهمه من الآية تكلفا. وقال الخفاجي في أمر
~~الفصل: إنه لا يضر ذلك الفاصل على الاعتراض وكذا على التعليل لأنه غير
~~أجنبي. وجوز بعضهم على تقدير أن يراد بالأمر ضد النهي كونه مفعولا له
~~والعامل فيه { يفرق } أو { أنزلنا } أو { منذرين }.

# وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { أمر } بالرفع وهي تنصر كون
~~انتصابه في قراءة الجمهور على الاختصاص لأن الرفع عليه فيها.

### || [44.6]

# وقوله تعالى: { إنا كنا مرسلين * رحمة من ربك }
~~تعليل ليفرق أو لقوله تعالى: { أمرا من عندنا } و { رحمة }
~~مفعول به لمرسلين وتنوينها للتفخيم، والجار والمجرور في موضع الصفة لها،
~~وإيقاع الإرسال عليها هنا كإيقاعه عليها في قوله سبحانه:

# ما يفتح ms09705 الله للناس من رحمة فلا ممسك لها
~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده

# [فاطر: 2] والمعنى على ما في «الكشاف» ((يفصل في هذه الليلة كل أمر لأن
~~من عادتنا أن نرسل رحمتنا وفصل كل أمر من قسمة الأرزاق وغيرها من باب
~~الرحمة أي إن المقصود الأصلي بالذات من ذلك الرحمة / أو تصدر الأوامر من
~~عندنا لأن من عادتنا ذلك والأوامر الصادرة من جهته تعالى من باب الرحمة
~~أيضا لأن الغاية لتكليف العباد تعريضهم للمنافع)) وفيه كما قيل إشارة
~~إلى أن جعله تعليلا لقوله سبحانه: { أمرا من عندنا } إنما هو
~~على تقدير أن يراد بالأمر مقابل النهي وهو يجري على تقديري المصدرية
~~والحالية.

# وفي «الكشف» أن قوله: يفصل الخ أو تصدر الأوامر الخ تبيين لمعنى التعليل
~~على التفسيرين في

# يفرق

# [الدخان: 4] لأنه إما بمعنى الفصل على الحقيقة من قسمة الأرزاق وغيرها
~~أو بمعنى يؤمر والشأن المطلوب يكون مأمورا به لا محالة فحاصله يرجع إلى
~~قوله: أو تصدر الأوامر من عندنا لا لوجهي التعليل من تعلقه بيفرق أو
~~بأمرا فإن تعلقه بأمرا إنما يصح إذا نصب على الاختصاص وإذ ذاك ليس
~~الأمر ما يقابل النهي لأن الأمر إذا كان المقابل فهو إما مصدر وإنما يعلل
~~فعله وإما حال مؤكدة فيكون راجعا إلى تعليل الإنزال المخصوص وليس
~~المقصود وإنما لم يذكر المعنى على تقدير تعلقه بأمرا لأن المعنى الأول
~~يصلح تفسيرا له أيضا انتهى.

# والظاهر كون ذلك تبيينا لوجهي التعليل، وما ذكر في نفيه لا يخلو عن بحث
~~كما يعرف بالتأمل، واعتبار العادة في بيان المعنى جاء من { كنا } فإنه
~~يقال: كان يفعل كذا لما تكرر وقوعه وصار عادة كما صرحوا به في الكتب
~~الحديثية وغيرها ولإفادة ذلك عدل عن إنا مرسلون الأخصر وقوله سبحانه: {
~~من ربك } وضع فيه الظاهر موضع الضمير والأصل منا فجىء بلفظ الرب
~~مضافا إلى ضميره صلى الله عليه وسلم على وجه تخصيص الخطاب به صلى الله
~~عليه وسلم تشريفا له عليه الصلاة والسلام ودلالة على أن كونه سبحانه ms09706 ربك
~~وأنت مبعوث رحمة للعالمين مما يقتضي أن يرسل الرحمة.

# وقال الطيبي: خص الخطاب برسوله عليه الصلاة والسلام والمراد العموم،
~~والأصل من ربكم وجىء بلفظ الرب ليؤذن بأن المربوبية تقتضي الرحمة على
~~المربوبين وليكون تمهيده يبتني عليه التعليل الآتي المتضمن للتعريض
~~بواسطة الحصر بأن آلهتهم لا تسمع ولا تبصر ولا تغني شيئا وتعقب بأنه لو
~~أريد العموم لفاتت النكتة المذكورة ولزم أن يدخل المؤمنون في قوله تعالى:

# إن كنتم موقنين

# [الدخان: 7] وما بعده وليس المعنى عليه وفي القلب منه شيء وفسر بعضهم
~~الرحمة المرسلة بنبينا صلى الله عليه وسلم ولا يخفى أن صحة التعليل تأبى
~~ذلك.

# وجوز أن يكون قوله تعالى: { إنا كنا مرسلين } بدلا من قوله
~~سبحانه:

# إنا كنا منذرين

# [الدخان: 3] الواقع تعليلا لإنزال الكتاب بدل كل أو اشتمال باعتبار
~~الإرسال والإنذار، ويكون { رحمة } حينئذ مفعولا له أي أنزلنا
~~القرآن لأن عادتنا إرسال الرسل والكتب إلى العباد لأجل الرحمة عليهم
~~واختيار كون الرحمة مفعولا له ليتطابق البدل والمبدل منه إذ معنى المبدل
~~منه فاعلين الإنذار ويطابقه فاعلين الإرسال ولم يجوز كونها كذلك على وجه
~~التعليل بل أوجب كونها مفعولا به ليصح إذ لو قيل: فيها تفصيل كل شأن
~~حكيم لأنا فاعلون الإرسال لأجل الرحمة لم يفد أن الفصل رحمة ولا أنه
~~سبحانه مرسل فلا يستقيم التعليل قيل وينصر نصب { رحمة } على المفعول
~~قراءة الحسن وزيد بن علي برفعها لأن الكلام عليه جملة مستأنفة أي هي رحمة
~~تعليلا للإرسال فيلائم القول بأنها في قراءة النصب مفعول له وليطابق
~~قراءتهما في كون معنى { إنا كنا مرسلين } إنا كنا فاعلين
~~الإرسال.

# وقال بعض أجلة المحققين: إن القول بأنه تعليل أظهر من القول بأنه بدل
~~ليكون الكلام على نسق في التعليل غب التعليل، ولما ذكر في الحالة
~~المقتضية للإبدال ولوقوع الفصل، وأشار على ما قيل بما ذكر في الحالة
~~المقتضية للإبدال بأن المبدل منه غير مقصود وأنه في حكم السقوط وههنا
~~ليس كذلك، وتعقب هذا بأنه أغلبي لا مطرد، وقوله: لوقوع الفصل أي ms09707 بين
~~البدل والمبدل / منه بأن الفاصل غير أجنبي فلا يضر الفصل به فتدبر. وجوز
~~كون { رحمة } مصدرا لرحمنا مقدر وكونها حالا من ضمير { مرسلين
~~} وكونها بدلا من { أمرا } فلا تغفل.

# { إنه هو السميع } لكل مسموع فيسمع أقوال العباد { العليم
~~} لكل معلوم فيعلم أحوالهم. وتوسيط الضمير مع تعريف الطرفين لإفادة
~~الحصر، والجملة تحقيق لربوبيته عز وجل وأنها لا تحق إلا لمن هذه نعوته،
~~وفي تخصيص { السميع العليم } على ما قال الطيبي إدماج لوعيد
~~الكفار ووعد المؤمنين الذين تلقوا الرحمة بأنواع الشكر.

### || [44.7]

# { رب السموت والأرض وما بينهما } بدل من

# ربك

# [الدخان: 6] أو بيان أو نعت. وقرأ غير واحد من السبعة والأعرج وابن أبي
~~إسحاق وأبو جعفر وشيبة بالرفع على أنه خبر آخر لإن أو خبر مبتدأ محذوف أي
~~هو رب. والجملة مستأنفة لإثبات ما قبلها وتعليله { إن كنتم
~~موقنين } أي إن كنتم ممن عنده شيء من الإيقان وطرف من العلوم
~~اليقينية على أن الوصف المتعدي منزل منزلة اللازم لعدم القصد إلى ما
~~يتعلق به، وجواب الشرط محذوف أي إن كنتم من أهل الإيقان علمتم كونه
~~سبحانه رب السموات والأرض لأنه من أظهر اليقينيات دليلا وحينئذ يلزمكم
~~القول بما يقتضيه مما ذكر أولا، ويجوز أن يكون مفعوله مقدرا أي إن كنتم
~~موقنين في إقراركم إذا سئلتم عمن خلق السموات والأرض فقلتم الله تعالى
~~خلقهن، والجواب أيضا محذوف أي إن كنتم موقنين في إقراركم بذلك علمتم ما
~~يقتضيه مما تقدم لظهور اقتضائه إياه، وجعل غير واحد الجواب على الوجهين
~~تحقق عندكم ما قلناه، ولم يجوزوا جعله مضمون { رب السموات } الخ
~~لأنه سبحانه كذلك، أيقنوا أم لم يوقنوا، فلا معنى لجعله دالا عليه، وكذا
~~جعله مضمون ما بعد بل هذا مما لا يحسن باعتبار العلم أيضا.

# وفي هذا الشرط تنزيل إيقانهم منزلة عدمه لظهور خلافه عليهم، وهو مراد من
~~قال: إنه من باب تنزيل العالم منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب العلم،
~~قيل: ولا يصح أن يقال: إنهم نزلوا منزلة الشاكين لمكان قوله سبحانه ms09708 بعد:

# بل هم في شك

# [الدخان: 9] ولا أرى بأسا في أن يقال: إنهم نزلوا أولا كذلك ثم سجل
~~عليهم بالشك لأنهم وإن أقروا بأنه عز وجل رب السموات والأرض لم ينفكوا
~~عن الشك لإلحادهم في صفاته سبحانه وإشراكهم به تعالى شأنه. وجوز أن يكون
~~{ موقنين } مجازا عن مريدين الإيقان والجواب محذوف أيضا أي إن
~~كنتم مريدين الإيقان فاعلموا ذلك، وفيه بعد. وأما جعل { إن } نافية كما
~~حكاه النيسابوري فليس بشيء كما لا يخفى.

### || [44.8]

# { لا إله إلا هو } جملة مستأنفة مقررة لما قبلها، وقيل: خبر
~~لمبتدأ محذوف أي هو سبحانه لا إله إلا هو؛ وجملة المبتدأ وخبره مستأنفة
~~مقررة لذلك، وقيل: خبر آخر لإن على قراءة

# رب السموات

# [الدخان: 7] بالرفع وجعله خبرا، وقيل: خبر له على تلك القراءة وما
~~بينهما اعتراض { يحي ويميت } مستأنفة كما قبلها، وكذا قوله تعالى:
~~{ ربكم ورب ءابائكم الاولين } بإضمار مبتدأ أو بدل من
~~{ رب السموات } على تلك القراءة أو بيان أو نعت له، وقيل: فاعل
~~ليميت، وفي { يحي } ضمير راجع إليه والكلام من باب التنازع أو إلى {
~~رب السموات } ، وقيل: { يحي ويميت } خبر آخر لرب
~~السموات وكذا { ربكم } وقيل: هما خبران آخران لإن.

# وقرأ ابن أبي إسحاق وابن محيصن وأبو حيوة والزعفراني وابن مقسم والحسن
~~وأبو موسى وعيسى بن سليمان وصالح كلاهما عن الكسائي بالجر بدلا من { رب
~~السموات } على قراءة الجر، وقرأ أحمد بن جبير الأنطاكي بالنصب على
~~المدح.

### || [44.9]

# { بل هم في شك } إضراب إبطالي أبطل به إيقانهم لعدم جريهم على
~~موجبه. وتنوين { شك } للتعظيم أي / في شك عظيم { يلعبون } لا
~~يقولون ما يقولون مما هو مطابق لنفي الأمر عن جد وإذعان بل يقولونه
~~مخلوطا بهزء ولعب وهذه الجملة خبر بعد خبر لهم. وجوز أن تكون هي الخبر
~~والظرف متعلق بالفعل قدم للفاصلة. والالتفات عن خطابهم لفرط عنادهم وعدم
~~التفاتهم.

### || [44.10]

# والفاء في قوله تعالى: { فارتقب } لترتيب الارتقاب أو الأمر به على
~~ما قبلها فإن كونهم في شك يلعبون مما يوجب ذلك حتما ms09709 أي فانتظر لهم {
~~يوم تأتي السماء بدخان مبين } أي يوم تأتي بجدب ومجاعة
~~فإن الجائع جدا يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان وهي ظلمة تعرض للبصر
~~لضعفه فيتوهم ذلك فإطلاق الدخان على ذلك المرئي باعتبار أن الرائي يتوهمه
~~دخانا، ولا يأباه وصفه بمبين وإرادة الجدب والمجاعة منه مجاز من باب ذكر
~~المسبب وإرادة السبب أو لأن الهواء يتكدر سنة الجدب بكثرة الغبار لقلة
~~الأمطار المسكنة له فهو كناية عن الجدب وقد فسر أبو عبيدة الدخان به،
~~وقال القتبي: يسمى دخانا ليبس الأرض حتى يرتفع منها ما هو كالدخان،
~~وقال بعض العرب: نسمي الشر الغالب دخانا، ووجه ذلك بأن الدخان مما يتأذى
~~به فأطلق على كل مؤذ يشبهه، وأريد به هنا الجدب ومعناه الحقيقي معروف،
~~وقياس جمعه في القلة أدخنة وفي الكثرة دخنان نحو غراب وأغربة وغربان،
~~وشذوا في جمعه على فواعل فقالوا: دواخن كأنه جمع داخنة تقديرا، وقرينة
~~التجوز فيه هنا حالية كما ستعلمه إن شاء الله تعالى من الخبر.

# والمراد باليوم مطلق الزمان وهو مفعول به لارتقب أو ظرف له والمفعول
~~محذوف أي ارتقب وعد الله تعالى في ذلك اليوم وبالسماء جهة العلو، وإسناد
~~الإتيان بذلك إليهما من قبيل الإسناد إلى السبب لأنه يحصل بعدم إمطارها
~~ولم يسند إليه عز وجل مع أنه سبحانه الفاعل حقيقة ليكون الكلام مع سابقه
~~المتضمن إسناد ما هو رحمة إليه تعالى شأنه على وزان قوله تعالى:

# أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم

# [الفاتحة: 7] وتفسير الدخان بما فسرناه به مروي عن قتادة وأبي العالية
~~والنخعي والضحاك ومجاهد ومقاتل وهو اختيار الفراء والزجاج.

# وقد روي بطرق كثيرة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، أخرج أحمد
~~والبخاري وجماعة عن مسروق قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: إني تركت
~~رجلا في المسجد يقول في هذه الآية { يوم تأتي السماء بدخان
~~} الخ: يغشى الناس قبل يوم القيامة دخان، فيأخذ بأسماع المنافقين
~~وأبصارهم ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام فغضب وكان متكئا فجلس ثم قال:
~~من علم منكم علما ms09710 فليقل به، ومن لم يكن يعلم فليقل الله تعالى أعلم، فإن
~~من العلم أن يقول لما لا يعلم الله تعالى أعلم، وسأحدثكم عن الدخان إن
~~قريشا لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبطؤا عن الإسلام
~~قال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا
~~العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينه كهيئة الدخان من
~~الجوع، فأنزل الله تعالى:

# فارتقب

# [الدخان:11] إلى

# أليم

# [الدخان: 11] فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله استسق
~~الله تعالى لمضر فاستسقى لهم عليه الصلاة والسلام، فسقوا فأنزل الله
~~تعالى:

# إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون

# [الدخان: 15] الخبر.

# وفي رواية أخرى صحيحة أنه قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من
~~الناس إدبارا قال: اللهم سبعا كسبع يوسف فأخذتهم سنة حتى أكلوا الميتة
~~والجلود والعظام، فجاءه أبو سفيان وناس من أهل مكة فقالوا: يا محمد إنك
~~تزعم أنك قد بعثت رحمة وإن قومك قد هلكوا، فادع الله تعالى فدعا رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم / فسقوا الغيث فأطبقت عليهم سبعا فشكا الناس
~~كثرة المطر فقال: اللهم حوالينا ولا علينا فانحدرت السحابة عن رأسه فسقى
~~الناس حولهم قال: فقد مضت آية الدخان وهو الجوع الذي أصابهم الحديث،
~~وظاهره يدل كما في «تاريخ ابن كثير» على أن القصة كانت بمكة فالآية مكية.
~~وفي بعض الروايات أن قصة أبي سفيان كانت بعد الهجرة فلعلها وقعت مرتين،
~~وقد تقدم ما يتعلق بذلك في سورة المؤمنين.

# وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي لهيعة عن عبد الرحمن الأعرج أنه قال
~~في هذا الدخان: كان في يوم فتح مكة وفي «البحر» عنه أنه قال: { يوم
~~تأتي السماء } وهو يوم فتح مكة لما حجبت السماء الغبرة، وفي رواية
~~ابن سعيد أن الأعرج يروي عن أبي هريرة أنه قال: كان يوم فتح مكة دخان،
~~وهو قول الله تعالى: { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان
~~مبين } ويحسن على هذا القول أن يكون كناية ms09711 عما حل بأهل مكة في ذلك
~~اليوم من الخوف والذل ونحوهما. وقال علي كرم الله تعالى وجهه وابن عمر
~~وابن عباس وأبو سعيد الخدري وزيد بن علي والحسن: إنه دخان يأتي من السماء
~~قبل يوم القيامة يدخل في أسماع الكفرة حتى يكون رأس الواحد كالرأس الحنيذ
~~ويعتري المؤمن كهيئة الزكام وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه
~~خصاص.

# وأخرج ابن جرير عن حذيفة بن اليمان مرفوعا «أول الآيات الدجال ونزول
~~عيسى ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا
~~قالوا والدخان، قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟ فتلا رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم: { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان
~~مبين } وقال: يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة،
~~أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران
~~يخرج من منخريه وأذنيه ودبره» فالدخان على ظاهره والمعنى فارتقب يوم ظهور
~~الدخان.

# وحكى السفاريني في «البحور الزاخرة» عن ابن مسعود أنه كان يقول: هما
~~دخانان مضى واحد والذي بقي يملأ ما بين السماء والأرض ولا يصيب المؤمن
~~إلا بالزكمة وأما الكافر فيشق مسامعه فيبعث الله تعالى عند ذلك الريح
~~الجنوب من اليمن فتقبض روح كل مؤمن ويبقى شرار الناس.

# ولا أظن صحة هذه الرواية عنه. وحمل ما في الآية على ما يعم الدخانين لا
~~يخفى حاله.

# وقيل: المراد بيوم تأتي السماء الخ يوم القيامة فالدخان يحتمل أن يراد
~~به الشدة والشر مجازا وأن يراد به حقيقته. وقال الخفاجي: الظاهر عليه أن
~~يكون قوله تعالى: { تأتي السماء } إلى آخره استعارة تمثيلية إذ لا
~~سماء لأنه يوم تشقق فيه السماء فمفرداته على حقيقتها، وأنت تعلم أنه لا
~~مانع من القول بأن السماء كما سمعت أولا بمعنى جهة العلو سلمنا أنها
~~بمعنى الجرم المعروف لكن لا مانع من كون الدخان قبل تشققها بأن يكون حين
~~يخرج الناس من القبور مثلا بل لا مانع من القول بأن المراد من إتيان
~~السماء بدخان استحالتها إليه بعد ms09712 تشققها وعودها إلى ما كانت عليه أولا
~~كما قال سبحانه:

# ثم استوى إلى السماء وهي دخان

# [فصلت: 11] ويكون فناؤها بعد صيرورتها دخانا.

# هذا والأظهر حمل الدخان على ما روي عن ابن مسعود أولا لأنه أنسب
~~بالسياق لما أنه في كفار قريش وبيان سوء حالهم مع أن في الآيات بعد ما هو
~~أوفق به، فوجه الربط أنه سبحانه لما ذكر من حالهم مقابلتهم الرحمة
~~بالكفران وأنهم لم ينتفعوا بالمنزل والمنزل عليه عقب بقوله تعالى شأنه: {
~~فارتقب يوم } الخ، للدلالة على أنهم / أهل العذاب والخذلان لا
~~أهل الإكرام والغفران.

### || [44.11]

# { يغشى الناس } أي يحيط بهم، والمراد بهم كفار قريش، ومن جعل
~~الدخان ما هو من أشراط الساعة حمل (الناس) على من أدركه ذلك الوقت، ومن
~~جعل ذلك يوم القيامة حمل (الناس) على العموم. والجملة صفة أخرى للدخان.
~~وقوله تعالى: { هذا عذاب أليم }.

### || [44.12]

# في موضع نصب بقول مقدر وقع حالا أي قائلين أو يقولون هذا الخ. والإشارة
~~للتفخيم، وقيل: يجوز أن يكون { هذا عذاب أليم } إخبارا منه عز
~~وجل تهويلا للأمر كما قال سبحانه وتعالى في قصة الذبيح

# إن هذا لهو البلاء المبين

# [الصافات: 106] فهو استئناف أو اعتراض والإشارة بهذا للدلالة على قرب
~~وقوعه وتحققه، وما تقدم أولى. وقوله سبحانه: { ربنا } إلى آخره - كما
~~صرح به غير واحد من المفسرين - وعد منهم بالإيمان إن كشف جل وعلا عنهم
~~العذاب، فكأنهم قالوا: ربنا إن كشفت عنا العذاب آمنا لكن عدلوا عنه إلى
~~ما في المنزل إظهارا لمزيد الرغبة وحملوه على ذلك لما في بعض الروايات
~~أنه لما اشتد القحط بقريش مشى أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وناشده الرحم وواعده أن دعا لهم وزال ما بهم آمنوا والمراد بقوله
~~سبحانه وتعالى.

### || [44.13]

# { أنى لهم الذكرى } نفي صدقهم في الوعد وأن غرضهم إنما هو
~~كشف العذاب والخلاص أي كيف يتذكرون أو من أين يتذكرون بذلك ويفون بما
~~وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب عنهم { وقد جاءهم رسول
~~مبين } أي والحال أنهم ms09713 شاهدوا من دواعي التذكر وموجبات الاتعاظ ما هو
~~أعظم من ذلك في إيجابهما حيث جاءهم رسول عظيم الشأن ظاهر أمر رسالته
~~بالآيات والمعجزات التي تخر لها صم الجبال أو مظهر لهم مناهج الحق بذلك.

### || [44.14]

# { ثم تولوا عنه } أي عن ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام وهو
~~هو. والجملة عطف على قوله تعالى: و

# قد جاءهم

# [الدخان: 13] إلى آخره، وعطفها على قوله سبحانه:

# ربنا

# [الدخان: 12] الخ لأنه على معنى قالوا ربنا الخ ليس بذاك. وثم للاستبعاد
~~والتراخي الرتبي وإلا فهم قد تولوا ريثما جاءهم وشاهدوا منه ما شاهدوا
~~مما يوجب الإقبال إليه صلى الله عليه وسلم.

# { وقالوا } مع ذلك في حقه عليه الصلاة والسلام. { معلم
~~مجنون } أي قالوا تارة: يعلمه عداس غلام رومي لبعض ثقيف وأخرى مجنون
~~أو يقول بعضهم كذا وآخرون كذا ولم يقل ومجنون بالعطف لأن المقصود تعديد
~~فبائحهم. وقرأ زر بن حبيش (معلم) بكسر اللام فمجنون صفة له وكأنهم أرادوا
~~رسول مجنون وحاشاه ثم حاشاه صلى الله عليه وسلم.

### || [44.15]

# جواب من جهته تعالى عن قولهم وإخبار بالعود على تقدير الكشف أي إن كشفنا
~~عنكم العذاب كشفا قليلا أو زمانا قليلا عدتم والمراد على ما قيل
~~عائدون إلى الكفر؛ وأنت تعلم أن عودهم إليه يقتضي إيمانهم وقد مر أنهم لم
~~يؤمنوا وإنما وعدوا الإيمان فإما أن يكون وعدهم منزلا منزلة إيمانهم أو
~~المراد عائدون إلى الثبات على الكفر أو على الإقرار والتصريح به وقال
~~قتادة: هذا توعد بمعاد الآخرة وهو خلاف الظاهر جدا ومن قال: إن الدخان
~~يوم القيامة قال إن قوله سبحانه: { إنا كاشفوا } إلى آخره وعد
~~بالكشف على نحو قوله عز وجل:

# ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه

# [الأنعام: 28] ومن قال المراد به ما هو من أشراط الساعة قال بإمكان
~~الكشف وعدم انقطاع التكليف عند ظهوره وإن كان من الأشراط بل جاء في / بعض
~~الآثار أنه يمكث أربعين يوما وليلة فيكشف عنهم فيعودون إلى ما كانوا
~~عليه من الضلال. وحمله على ما روي عن ابن مسعود ms09714 ظاهر الاستقامة لا قيل
~~فيه ولا قال. وقوله سبحانه:

# وقد جاءهم

# [الدخان: 13] الخ قوي الملاءمة له وهو بعيد الملاءمة للقول المروي عن
~~الأمير كرم الله تعالى وجهه ومن معه فقد احتيج في تحصيلها إلى جعل
~~الإسناد من باب إسناد حال البعض إلى الكل أو حمل الناس على الكفار
~~الموجودين في ذلك الوقت والأمر على القول بأنه ما كان في فتح مكة أهون
~~إلا أنه مع ذلك ليس كقول ابن مسعود فتأمل.

### || [44.16]

# { يوم نبطش البطشة الكبرى } هو يوم بدر عند ابن مسعود
~~وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير عن أبي بن كعب ومجاهد والحسن وأبي
~~العالية وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وقتادة وعطية، وأخرجه ابن مردويه
~~عن ابن عباس. وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد بسند صحيح عن عكرمة قال: قال
~~ابن عباس قال ابن مسعود البطشة الكبرى يوم بدر، وأنا أقول: هي يوم
~~القيامة ونقل في «البحر» حكاية أنه يوم القيامة عن الحسن وقتادة أيضا.
~~والظرف معمول لما دل عليه قوله تعالى: { إنا منتقمون } أي إنا
~~ننتقم يوم إذ إنا منتقمون، وقيل لمنتقمون ورده الزجاج وغيره بأن ما بعد
~~إن لا يجوز أن يعمل فيما قبلها، وقيل لعائدون على معنى إنكم لعائدون إلى
~~العذاب يوم نبطش. وقيل بكاشفوا العذاب وليس بشيء وقيل لذكرهم أو اذكر
~~مقدرا، وقيل هو بدل من

# يوم تأتي

# [الدخان: 10] الخ.

# وقرىء { نبطش } بضم الطاء وقرأ الحسن وأبو رجاء وطلحة بخلاف عنه { نبطش
~~} بضم النون من باب الافعال على معنى نحمل الملائكة عليهم السلام على أن
~~يبطشوا بهم أو نمكنهم من ذلك فالمفعول به محذوف للعلم وزيادة التهويل،
~~وجعل البطشة على هذا مفعولا مطلقا على طريقة

# أنبتكم... نباتا

# [نوح: 17]، وقال ابن جني وأبو حيان: هي منصوبة بفعل مضمر يدل عليه
~~الظاهر أي يوم نبطش من نبطشه فيبطش البطشة الكبرى، وقال ابن جني: ولك أن
~~تنصبها على أنها مفعول كأنه به قيل: يوم نقوي البطشة الكبرى عليهم
~~ونمكنها منهم كقولك: يوم نسلط القتل عليهم ونوسع الأخذ ms09715 منهم. وفي
~~«القاموس» بطش به يبطش ويبطش أخذه بالعنف والسطوة كابطشه والبطش الأخذ
~~الشديد في كل شيء والبأس اه فلا تغفل.

### || [44.17]

# { ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون } أي امتحناهم بإرسال
~~موسى عليه السلام إليهم، على أنه من فتن الفضة عرضها على النار فيكون
~~بمعنى الامتحان وهو استعارة والمراد عاملناهم معاملة الممتحن ليظهر حالهم
~~لغيرهم، أو أوقعناهم في الفتنة على أنه بمعناه المعروف والمراد بالفتنة
~~حينئذ ما يفتن به الشخص أي يغتر ويغفل عما فيه صلاحه كما في قوله تعالى:

# إنما أمولكم وأولدكم فتنة

# [التغابن: 15] وفسرت هنا بالإمهال وتوسيع الرزق. وفسر بعضهم الفتنة
~~بالعذاب ثم تجوز به عن المعاصي التي هي سبب وهو تكلف ما لا داعي له.

# وقرىء { فتنا } بتشديد التاء إما لتأكيد معناه المصدري أو لتكثير
~~المفعول أو الفعل.

# { وجاءهم رسول كريم } أي مكرم معظم عند الله عز وجل أو عند
~~المؤمنين أو عنده تعالى وعندهم أو كريم في نفسه متصف بالخصال الحميدة
~~والصفات الجليلة حسبا ونسبا. وقال الراغب: ((الكرم إذا وصف به الإنسان
~~فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه ولا يقال هو كريم حتى
~~يظهر ذلك منه، ونقل عن بعض العلماء أن الكرم كالحرية إلا أن الحرية قد
~~تقال في المحاسن الصغيرة والكبيرة والكرم لا يقال إلا في المحاسن
~~الكبيرة)). وقال الخفاجي أصل معنى الكريم جامع المحامد والمنافع وادعى
~~لذلك أن تفسيره به أحسن من تفسيره بالتفسيرين السابقين.

### || [44.18]

# { أن أدوا إلي عباد الله } أطلقوهم وسلموهم إلي،
~~والمراد بهم بنو إسرائيل الذين كان فرعون مستعبدهم، والتعبير عنهم بعباد
~~الله تعالى للإشارة إلى أن استعباده إياهم ظلم منه، والأداء مجاز عما
~~ذكر، وهذا كقوله عليه السلام

# فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم

# [طه: 47] وروي ذلك عن ابن زيد ومجاهد وقتادة أو أدوا إلي حق الله
~~تعالى من الإيمان وقبول الدعوة يا عباد الله على أن مفعول { أدوا }
~~محذوف و { عباد } منادى وهو عام لبني إسرائيل والقبط، والأداء بمعنى
~~الفعل للطاعة وقبول الدعوة وروي هذا عن ابن عباس. ms09716

# و(أن) عليهما قيل مصدرية قبلها حرف جر مقدر متعلق بجاءهم أي بأن أدوا،
~~وتعقب بأنه لا معنى لقولك: جاءهم بالتأدية إلي، وحمله على طلب التأدية
~~إلي لا يخلو عن تعسف ورد بأنه بتقدير القول وهو شائع مطرد فتقديره بأن
~~قال أدوا إلي ولا يخلو عن تكلف ما، ومع هذا، الأمر مبني على جواز وصل
~~المصدرية بالأمر والنهي وهو غير متفق عليه، نعم الأصح الجواز.

# وقيل: هي مخففة من الثقيلة، وتعقب بأنها حينئذ يقدر معها ضمير الشأن
~~ومفسره لا يكون إلا جملة خبرية وأيضا لا بد أن يقع بعدها النفي أوقد أو
~~السين أو سوف أو لو وأن يتقدمها فعل قلبي ونحوه وأجيب بأن مجيء الرسول
~~يتضمن معنى فعل التحقيق كالأعلام والفصل المذكور غير متفق عليه، فقد ذهب
~~المبرد تبعا للبغاددة إلى عدم اشتراطه، والقول بأنه شاذ يصان القرآن عن
~~مثله غير مسلم واشتراط كون مفسر ضمير الشأن جملة خبرية، فيه خلاف على ما
~~يفهم من كلام بعضهم، ولم يذكر في «المغني» في الباب الرابع في الكلام على
~~ضمير الشأن إلا اشتراط كون مفسره جملة ولم يشترط فيها الخبرية ولم يتعرض
~~لخلاف، نعم قال في الباب الخامس: النوع الثامن ((اشتراطهم في بعض الجملة
~~الخبرية وفي بعضها الإنشائية وعد من الأول خبر إن وضمير الشأن لكنه قال
~~بعد: وينبغي أن يستثنى من ذلك في خبري إن وضمير الشأن خبر أن المفتوحة
~~إذا خففت فإنه يجوز أن يكون جملة دعائية كقوله تعالى:

# والخامسة أن غضب الله عليها

# [النور: 9] في قراءة من قرأ أن وغضب بالفعل والاسم الجليل فاعل)).
~~وحقق بعض الأجلة أن الإخبار عن ضمير الشأن بجملة إنشائية جائز عند
~~الزمخشري، أو هي مفسرة وقد تقدم ما يدل على القول دون حروفه لأن مجيء
~~الرسول يكون برسالة ودعوة وكأن التفسير لمتعلقه المقدر أي جاءهم بالدعوة
~~وهي { أن أدوا إلى عباد الله }  { إنى لكم رسول
~~أمين }.

### || [44.19]

# { وأن لا تعلوا على الله } ولا تستكبروا عليه سبحانه
~~بالاستهانة بوحيه جل شأنه ورسوله عليه السلام { وأن ms09717 } كالتي قبلها،
~~والمعنى على المصدرية بكفكم عن العلو على الله تعالى { إني آتيكم
~~بسلطان مبين } تعليل للنهي أي آتيكم بحجة واضحة لا سبيل إلى
~~إنكارها أو موضحة صدق دعواي و { آتيكم } على صيغة الفاعل أو المضارع،
~~ولا يخفى حسن ذكر الأمين مع الأداء والسلطان مع العلاء. وذكر (أن) في
~~الأول ترشيحا للاستعارة المصرحة أو المكنية بجعلهم كأنهم مال للغير في
~~يده أمره بدفعه لمن يؤتمن عليه وفي الثاني تورية عن معنى الملك مرشحة
~~بقوله { لا تعلوا } وقرأت فرقة { أني } بفتح الهمزة فقيل هو أيضا
~~على تعليل النهي بتقدير اللام، وقيل: هو متعلق بما دخله النهي نظير قولك
~~لمن غضب من قول الحق له لا تغضب لأن قيل لك الحق.

### || [44.20]

# { وإني عذت بربي وربكم } أي التجأت إليه تعالى وتوكلت
~~عليه جل شأنه { أن ترجمون } من أن ترجموني أي تؤذوني ضربا أو
~~شتما أو أن تقتلوني، وروي هذا عن قتادة وجماعة قيل: لما قال:

# وأن لا تعلوا على الله

# [الدخان: 19] توعدوه بالقتل فقال ذلك، وفي «البحر» أن هذا كان قبل أن
~~يخبره عز وجل بعجزهم عن رجمه بقوله / سبحانه:

# فلا يصلون إليكما

# [القصص: 35] والجملة عطف على الجملة المستأنفة. وقرأ أبو عمرو والأخوان
~~(عت) بإدغام الذال في التاء.

### || [44.21]

# فكونوا بمعزل مني لا علي ولا لي ولا تتعرضوا لي بسوء فليس ذلك جزاء من
~~يدعوكم إلى ما فيه فلا حكم، وقيل: المعنى وإن لم تؤمنوا لي فلا موالاة
~~بيني وبين من لا يؤمن فتنحوا واقطعوا أسباب الوصلة عني، ففي الكلام حذف
~~الجواب وإقامة المسبب عنه مقامه والأول أوفق بالمقام، والاعتزال عليه
~~عبارة عن الترك وإن لم تكن مفارقة بالأبدان.

### || [44.22]

# { فدعا ربه } بعد أن أصروا على تكذيبه عليه السلام { أن
~~هؤلاء قوم مجرمون } أي بأن هؤلاء الخ فهو بتقدير الباء صلة
~~الدعاء كما يقال دعا بهذا الدعاء، وفيه اختصار كأنه قيل: إن هؤلاء قوم
~~مجرمون تناهى أمرهم في الكفر وأنت أعلم بهم فافعل بهم ما يستحقونه قيل
~~كان دعاؤه عليه السلام «اللهم ms09718 عجل لهم ما يستحقون بإجرامهم»، وقيل هو
~~قوله:

# ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظلمين

# [يونس: 85] إلى قوله:

# فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم

# [يونس: 88] وإنما ذكر الله سبحانه السبب الذي استوجبوا به الهلاك ليعلم
~~منه دعاؤه والإجابة معا وأن دعاءه كان على يأس من إيمانهم وهذا من بليغ
~~اختصارات الكتاب المعجز.

# وقرأ ابن أبي إسحق وعيسى والحسن في رواية وزيد بن علي بكسر همزة (إن)
~~وخرج على إضمار القول أي قائلا إن هؤلاء الخ.

### || [44.23]

# { فأسر بعبادي } وهم بنو إسرائيل ومن آمن به من القبط { ليلا
~~} بقطع من الليل، والكلام بإضمار القول إما بعد الفاء أي فقال أسر الخ
~~فالفاء للتعقيب والترتيب والقول معطوف على ماقبله أو قبلها كأنه قيل قال
~~أو فقال إن كان الأمر كما تقول فأسر الخ، فالفاء واقعة في جواب شرط مقدر
~~وهو وجوابه مقول القول المقدر مع الفاء أو بدونها على أنه استئناف
~~والإضمار الأول لقلة التقدير مع أن تقدير أن لا يناسب إذ لا شك فيه
~~تحقيقا ولا تنزيلا وجعلها بمعنى إذا تكلف على تكلف وأبو حيان لا يجيز
~~حذف الشرط وإبقاء جوابه في مثل هذا الموضع وقد شنع على الزمخشري في
~~تجويزه. وقرأ نافع وابن كثير { فاسر } بوصل الهمزة من سرى.

# { إنكم متبعون } يتبعكم فرعون وجنوده إذا علموا بخروجكم
~~فالجملة مستأنفة لتعليل الأمر بالسرى ليلا ليتأخر العلم به فلا يدركون
~~والتأكيد لتقدم ما يلوح بالخبر.

### || [44.24]

# { واترك البحر رهوا } أي ساكنا كما قال ابن عباس يقال رها
~~البحر يرهو رهوا سكن ويقال: جاءت الخيل رهوا أي ساكنة، قال الشاعر:

# والخيل تمزع رهوا في أعنتها

# كالطير ينجو من الشؤبوب ذي البرد

# ويقال افعل ذلك رهوا أي ساكنا على هينة وأنشد غير واحد للقطامي في نعت
~~الركاب:

# يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة

# ولا الصدور على الاعجاز تتكل

# والظاهر أنه مصدر في الأصل يؤول باسم الفاعل، وجوز أن يكون بمعنى الساكن
~~حقيقة وعن مجاهد رهوا أي منفرجا مفتوحا قال أبو عبيدة رها الرجل يرهو
~~رهوا فتح ms09719 بين رجليه، وعن بعض العرب أنه رأى جملا فالجا أي ذا سنامين
~~فقال: سبحان الله تعالى رهو بين سنامين قالوا: أراد فرجة واسعة، والظاهر
~~أيضا أنه مصدر مؤول أو فيه مضاف مقدر أي ذا فرجة قال قتادة: أراد موسى
~~عليه السلام بعد أن جاوز البحر هو ومن معه أن يضربه بعصاه حتى يلتئم كما
~~ضربه أولا فانفلق لئلا يتبعه فرعون وجنوده فأمر بأن يتركه رهوا أي
~~مفتوحا منفرجا أو ساكنا على هيئته قارا على حاله من انتصاب الماء
~~وكون الطريق يبسا ولا / يضربه بعصاه ولا يغير منه شيئا ليدخله القبط
~~فإذا حصلوا فيه أطبقه الله تعالى عليهم، وذلك قوله تعالى:

# { إنهم جند مغرقون } فهو تعليل للأمر بتركه رهوا، وقيل:
~~رهوا سهلا، وقيل: يابسا، وقيل: جددا، وقيل غير ذلك والكل بيان لحاصل
~~المعنى، وزعم الراغب ((أن الصحيح أن الرهو السعة من الطريق ثم قال: ومنه
~~الرهاء المفازة المستوية ويقال لكل جوبة مستوية يجتمع فيها الماء رهو
~~ومنه قيل «لا شفعة في رهو»)) والحق أن ما ذكره من جملة إطلاقاته وأما أنه
~~الصحيح فلا وقرىء { أنهم } بالفتح أي لأنهم.

### || [44.25]

# { كم تركوا } أي كثيرا تركوا بمصر { من جنت وعيون }.

### || [44.26]

# حسن شريف في بابه، وأريد بذلك كما روي عن قتادة المواضع الحسان من
~~المجالس والمساكن وغيرها.

# وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس وابن مردويه عن جابر أنه أريد به
~~المنابر وروي ذلك عن مجاهد وابن جبير أيضا، وقيل: السرر في الحجال
~~والأول أولى. وقرأ ابن هرمز وقتادة وابن السميقع ونافع في رواية خارجة {
~~مقام } بضم الميم.

### || [44.27]

# { ونعمة } أي تنعم. قال الراغب: ((النعمة بالفتح التنعم وبناؤها
~~بناء المرة من الفعل كالضربة والشتمة والنعمة بالكسر الحالة الحسنة
~~وبناؤها بناء التي يكون عليها الإنسان كالجلسة والركبة وتقال للجنس
~~الصادق بالقليل والكثير)) واختير ههنا تفسير النعمة بالشيء المنعم به
~~لأنه أنسب للترك وهي كثيرا ما تكون بهذا المعنى. وقرأ أبو رجاء { ونعمة
~~} بالنصب وخرج بالعطف على

# كم

# [الدخان: 25]، وقيل: هي معطوفة على محل ما ms09720 قبلها كأنه قيل: كم تركوا
~~جنات وعيونا وزروعا ومقاما كريما ونعمة.

# { كانوا فيها فكهين } طيبي الأنفس وأصحاب فاكهة ففاكه كلابن
~~وتامر، وقال القشيري: لاهين. وقرأ الحسن وأبو رجاء { فكهين } بغير ألف
~~والفكه يستعمل كثيرا في المستخف المستهزىء فالمعنى مستخفين بشكر النعمة
~~التي كانوا فيها. وقال الجوهري: ((فكه الرجل بالكسر فهو فكه إذا كان
~~مزاحا والفكه أيضا الأشر)).

### || [44.28]

# { كذلك } قال الزجاج: المعنى الأمر كذلك، والمراد التأكيد والتقرير
~~فيوقف على ذلك فالكاف في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف أو الجار والمجرور
~~كذلك، وقيل: الكاف في موضع نصب أي نفعل فعلا كذلك لمن نريد إهلاكه، وقول
~~الكلبي: أي كذلك أفعل بمن عصاني ظاهر فيما ذكر. وقال الزمخشري: الكاف
~~منصوبة على معنى مثل ذلك الإخراج أي المفهوم مما تقدم أخرجناهم منها.

# { وأورثنها قوما ءاخرين } عطف على

# تركوا

# [الدخان: 25] والجملة معترضة فيما عدا القول الأخير وعلى أخرجناهم فيه،
~~وقيل: الكاف منصوبة على معنى تركوا تركا مثل ذلك فالعطف على { تركوا
~~} بدون اعتراض وهو كما ترى. والمراد بالقوم الآخرين بنو إسرائيل وهم
~~مغايرون للقبط جنسا ودينا. ويفسر ذلك قوله تعالى في سورة [الشعراء: 59]

# كذلك وأورثنها بني إسرءيل

# وهو ظاهر في أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر بعد هلاك فرعون وملكوها وبه
~~قال الحسن. وقيل: المراد بهم غير بني إسرائيل ممن ملك مصر بعد هلاك القبط
~~وإليه ذهب قتادة قال: لم يرد في مشهور التواريخ أن بني إسرائيل رجعوا إلى
~~مصر ولا أنهم ملكوها قط وأول ما في سورة الشعراء بأنه من باب

# وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره

# [فاطر: 11] وقولك: عندي درهم ونصفه فليس المراد خصوص ما تركوه / بل نوعه
~~وما يشبهه. والإيراث الإعطاء. وقيل: المراد من إيراثها إياهم تمكينهم من
~~التصرف فيها ولا يتوقف ذلك على رجوعهم إلى مصر كما كانوا فيها أولا،
~~وأخذ جمع بقول الحسن وقالوا لا اعتبار بالتواريخ وكذا الكتب التي بيد
~~اليهود اليوم لما أن الكذب فيها كثير وحسبنا كتاب الله تعالى وهو سبحانه
~~أصدق القائلين وكتابه جل ms09721 وعلا مأمون من تحريف المحرفين.

### || [44.29]

# { فما بكت عليهم السماء والأرض } مجاز عن عدم الاكتراث
~~بهلاكهم والاعتداد بوجودهم. وهو استعارة تمثيلية تخييلية شبه حال موتهم
~~لشدته وعظمته بحال من تبكي عليه السماء والأجرام العظام وأثبت له ذلك
~~والنفي تابع للإثبات في التجوز كما حقق في موضعه، وقيل: هي استعارة مكنية
~~تخييلية بأن شبه السماء والأرض بالإنسان وأسند إليهما البكاء أو تمثيلية
~~بأن شبه حالهما في عدم تغير حالهما وبقائهما على ما كانا عليه بحال من لم
~~يبك، وليس بشيء كما لا يخفى على من راجع كلامهم. وقد كثر في التعظيم
~~لمهلك الشخص بكت عليه السماء والأرض وبكته الريح ونحو ذلك، قال يزيد بن
~~مفرغ:

# الريح يبكي شجوه

# والبرق يلمع في غمامه

# وقال النابغة:

# بكى حارث الجولان من فقد ربه

# وحوران منه خاشع متضائل

# أراد بهما مكانين معروفين، وقال جرير:

# لما أتى خبر الزبير تواضعت

# سور المدينة والجبال الخشع

# وقال الفرزدق يرثي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز:

# الشمس طالعة ليست بكاسفة

# تبكي عليك نجوم الليل والقمرا

# يتعجب من طلوع الشمس وكان من حقها أن لا تطلع أو تطلع كاسفة، والنجوم
~~تروى منصوبة ومرفوعة فالنصب على المغالبة أي تغلب الشمس النجوم في البكاء
~~نحو باكيته فبكيته، قال جار الله: كان رضي الله تعالى عنه يتهجد بالليل
~~فتبكيه النجوم ويعدل بالنهار فتبكيه الشمس والشمس غالبة في البكاء لأن
~~العدل أفضل من صلاة الليل، والجوهري جعلها منصوبة بكاسفة أي لا تكسف ضوء
~~النجوم لكثرة بكائها وكأنه جعل خفاء النجوم تحت ضوء الشمس كسفا لها
~~مجازا، وفيه أن الكسف بالمعنى المذكور غير واضح وتخلل تبكي غير مستفصح
~~وفي «حواشي الصحاح» الشمس كاسفة ليست بطالعة. وفيها أن نجوم الليل ظرف أي
~~طول الدهر كأنه من باب آتيك الشمس والقمر أي وقتهما كأنه قيل: تبكي ما
~~يطلع النجوم والقمر، وفيه أن مثل هذا الظرف مسموع لا يثبت إلا بثبت فكيف
~~يعدل إليه مع المعنى الواضح، وقيل: التقدير تبكي بكاء النجوم فحذف
~~المضاف. وفيه أنه مما لا ms09722 يكاد يفهم، والرفع واضح والقمر منصوب على أنه
~~مفعول معه وهذا استطراد دعانا إليه شهرة البيت مع كثرة الخبط فيه.

# وأخرج الترمذي وجماعة عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " ما من عبد إلا وله في السماء بابان باب يصعد منه عمله وباب ينزل منه
~~رزقه فالمؤمن إذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا هذه الآية: { فما بكت
~~عليهم السماء والأرض } "

# وذكر أنهم لم يكونوا يعملون على وجه الأرض عملا صالحا فتفقدهم فتبكي
~~عليهم، ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ولا عمل
~~صالح فتفقدهم فتبكي عليهم.

# / وأخرج البيهقي في «شعب الإيمان» والحاكم وصححه وغيرهما عن ابن عباس
~~قال: «إن الأرض لتبكي على المؤمن أربعين صباحا ثم قرأ الآية» وأخرج ابن
~~المنذر وغيره عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: إن المؤمن إذا مات بكى
~~عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء ثم تلا { فما بكت } الخ
~~وجعلوا كل ذلك من باب التمثيل.

# ومن أثبت كالصوفية للأجرام السماوية والأرضية وسائر الجمادات شعورا
~~لائقا بحالها لم يحتج إلى اعتبار التمثيل وأثبت بكاء حقيقيا لها حسبما
~~تقتضيه ذاتها ويليق بها أو أوله بالحزن أو نحوه وأثبته لها حسب ذلك
~~أيضا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطاء: بكاء السماء حمرة أطرافها.
~~وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن نحوه، وأخرج عن سفيان الثوري قال: كان
~~يقال هذه الحمرة التي تكون في السماء بكاء السماء على المؤمن؛ ولعمري
~~ينبغي لمن لم يضحك من ذلك أن يبكي على عقله، وأنا لا أعتقد أن من ذكر من
~~الأجلة كانوا يعتقدونه. وقيل: إن الآية على تقدير مضاف أي فما بكت عليهم
~~سكان السماء وهم الملائكة وسكان الأرض وهم المؤمنون بل كانوا بهلاكهم
~~مسرورين. وروي هذا عن الحسن والأحسن ما تقدم.

# { وما كانوا } لما جاء وقت هلاكهم { منظرين } ممهلين إلى وقت
~~آخر أو إلى يوم القيامة بل عجل لهم في الدنيا.

### || [44.30]

# { ولقد نجينا بني إسرءيل } بما فعلنا بفرعون ms09723 وقومه ما
~~فعلنا { من العذاب المهين } من استعباد فرعون وقتله أبناءهم
~~واستحيائه نساءهم على الخسف والضيم.

### || [44.31]

# { من فرعون } بدل من { العذاب } على حذف المضاف والتقدير من
~~عذاب فرعون أو جعله عليه اللعنة عين العذاب مبالغة، وجوز أن يتعلق بمحذوف
~~يقع حالا أي كائنا من جهة فرعون، وقيل: متعلق بمحذوف واقع صفة أي
~~كائنا أو الكائن من فرعون ولا بأس بهذا إذا لم يعد ذلك من حذف الموصول
~~مع بعض صلته.

# وقرأ عبد الله { من عذاب المهين } على إضافة الموصوف إلى صفته كبقلة
~~الحمقاء. وقرأ ابن عباس { من فرعون } على الاستفهام لتهويل العذاب أي
~~هل تعرفون من فرعون في عتوه وشيطنته فما ظنكم بعذابه؟، وقيل: لتحقير
~~فرعون بجعله غير معلوم يستفهم عنه كالنكرة لما فيه في القبائح التي لم
~~يعهد مثلها وما بعد يناسب ما قبل كما لا يخفى. وأيا ما كان فالظاهر أن
~~الجملة استئناف، وقيل: إنها مقول قول مقدر هو صفة للعذاب، وقدر المقول
~~عنده إن كان تعريف العذاب للعهد ومقول إن كان للجنس فلا تغفل.

# { إنه كان عاليا } متكبرا { من المسرفين } في الشر
~~والفساد، والجار والمجرور إما خبر ثان لكان أي كان متكبرا مغرقا في
~~الإسراف، وإما حال من الضمير المستتر في عاليا أي كان متكبرا في حال
~~إغراقه في الإسراف.

### || [44.32]

# { ولقد اخترنهم } أي اصطفينا بني إسرائيل وشرفناهم { على
~~علم } أي عالمين باستحقاقهم ذلك أو مع علم منا بما يفرط منهم في بعض
~~الأحوال، وقيل: عالمين بما يصدر منهم من العدل والإحسان والعلم والإيمان،
~~ويرجع هذا إلى ما قيل أولا فإن العدل وما معه من أسباب الاستحقاق، وقيل:
~~لأجل علم فيهم، وتعقب بأنه ركيك لأن تنكير العلم لا يصادف محزه. وأجيب
~~بأنه للتعظيم ويحسن اعتباره علة للاختيار.

# { على العلمين } أي عالمي زمانهم كما قال مجاهد وقتادة
~~فالتعريف للعهد أو الاستغراق العرفي فلا يلزم تفضيلهم على أمة محمد صلى
~~الله عليه وسلم الذين هم خير أمة أخرجت للناس / على الإطلاق. وجوز أن
~~يكون للاستغراق الحقيقي والتفضيل باعتبار ms09724 كثرة الأنبياء عليهم السلام
~~فيهم لا من كل الوجوه حتى يلزم تفضيلهم على هذه الأمة المحمدية، وقيل:
~~المراد اخترناهم للإيحاء على الوجه الذي وقع وخصصناهم به دون العالمين،
~~وليس بشيء. ومما ذكرنا يعلم أنه ليس في الآية تعلق حرفي جر بمعنى بمتعلق
~~واحد لأن الأول متعلق بمحذوف وقع حالا والثاني متعلق بالفعل كقوله:

# ويوما على ظهر الكثيب تعذرت

# علي وآلت حلفة لم تحلل

# وقيل: لأن كل حرف بمعنى.

### || [44.33]

# { وءاتينهم من الأيت } كفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال
~~المن والسلوى وغيرها من عظائم الآيات التي لم يعهد مثلها في غيرهم،
~~وبعضها وإن أوتيها موسى عليه السلام يصدق عليه أنهم أوتوه لأن ما للنبي
~~لأمته { ما فيه بلاء مبين } أي نعمة ظاهرة أو اختبار ظاهر
~~للنظر كيف يعملون. وفي { فيه } إشارة إلى أن هناك أمورا أخرى ككونه
~~معجزة.

### || [44.34]

# { إن هؤلآء } كفار قريش لأن الكلام فيهم، وذكر قصة فرعون وقومه
~~استطرادي للدلالة على أنهم مثلهم في الإصرار على الضلالة والإنذار عن مثل
~~ما حل بهم، وفي اسم الإشارة تحقير لهم { ليقولون }.

### || [44.35]

# { إن هي إلا موتتنا الأولى } أي ما العاقبة ونهاية
~~الأمر إلا الموتة الأولى المزيلة للحياة الدنيوية { وما نحن
~~بمنشرين } أي بمبعوثين بعدها، وتوصيفها بالأولى ليس لقصد مقابلة
~~الثانية كما في قولك: حج زيد الحجة الأولى ومات.

# قال الإسنوي في «التمهيد»: الأول: في اللغة ابتداء الشيء ثم قد يكون له
~~ثان وقد لا يكون، كما تقول: هذا أول ما اكتسبته فقد تكتسب بعده شيئا وقد
~~لا تكتسب كذا ذكره جماعة منهم الواحدي في «تفسيره» والزجاج. ومن فروع
~~المسألة ما لو قال: إن كان أول ولد تلدينه ذكرا فأنت طالق تطلق إذا
~~ولدته، وإن لم تلد غيره بالاتفاق، قال أبو علي: اتفقوا على أنه ليس من
~~شرط كونه أولا أن يكون بعده آخر، وإنما الشرط أن لا يتقدم عليه غيره اه
~~ومنه يعلم ما في قول بعضهم: إن الأول يضايف الآخر والثاني ويقتضي وجوده
~~بلا شبهة، والمثال إن صح فإنما هو فيمن ms09725 نوى تعدد الحج فاخترمته المنية
~~فلحجه ثان باعتبار العزم من قصور الاطلاع وأنه لا حاجة إلى أن يقال: إنها
~~أولى بالنسبة إلى ما بعدها من حياة الآخرة بل هو في حد ذاته غير مقبول
~~لما قال ابن المنير من أن الأولى إنما يقابلها أخرى تشاركها في أخص
~~معانيها، فكما لا يصح أو لا يحسن أن يقال: جاءني رجل وامرأة أخرى لا يقال
~~الموتة الأولى بالنسبة لحياة الآخرة.

# وقيل: ((إنه قيل لهم أنكم تموتون موتة تتعقبها حياة كما تقدمتكم موتة قد
~~تعقبتها حياة وذلك قوله عز وجل

# وكنتم أموتا فأحيكم ثم يميتكم ثم
~~يحييكم

# [البقرة: 28] فقالوا: { إن هي إلا موتتنا الأولى }
~~يريدون ما الموتة التي من شأنها أن تتعقبها حياة، إلا الموتة الأولى دون
~~الثانية وما هذه الصفة التي تصفون بها الموتة من تعقب الحياة لها إلا
~~للموتة الأولى خاصة))، وهذا ما ارتضاه جار الله وأراد أن النفي والإثبات
~~لما كان لرد المنكر المصر إلى الصواب كان منزلا على إنكارهم، لا سيما
~~والتعريف في الأولى تعريف عهد، وقوله تعالى: { الموتة الأولى }
~~تفسير للمبهم وهي على نحو هي العرب تقول كذا فيتطابقان والمعهود الموتة
~~التي تعقبتها الحياة الدنيوية، ولذلك استشهد بقوله تعالى: { وكنتم
~~أموتا } الخ فليس اعتبار الوصف عدولا عن الظاهر من غير حاجة كما قال
~~ابن المنير.

# وقوله في الاعتراض أيضا: ((إن الموت السابق على الحياة / الدنيوية لا
~~يعبر عنه بالموتة لأن { فيها } لمكان بناء المرة إشعارا بالتجدد
~~والموت السابق مستصحب لم تتقدمه حياة)) مدفوع كما قال صاحب «الكشف». ثم
~~إنه لا يلزم من تفسير الموتة الأولى بما بعد الحياة في قوله تعالى:

# لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى

# [الدخان: 56] تفسيرها بذلك هنا لأن إيقاع الذوق عليها هناك قرينة أنها
~~التي بعد الحياة الدنيا لأن ما قبل الحياة غير مذوق، ومع هذا كله الإنصاف
~~أن حمل الموتة الأولى هنا أيضا على التي بعد الحياة الدنيا أظهر من
~~حملها على ما قبل الحياة من العدم بل هي المتبادرة إلى الفهم عند ms09726 الإطلاق
~~المعروفة بينهم، وأمر الوصف بالأولى على ما سمعت أولا.

# وقيل: إنهم وعدوا بعد هذه الموتة موتة القبر وحياة البعث فقوله تعالى
~~عنهم: { إن هي إلا موتتنا الأولى } رد للموتة الثانية
~~وفي قوله سبحانه: { وما نحن بمنشرين } نفي لحياة القبر ضمنا
~~إذ لو كانت بدون الموتة الثانية لثبت النشر ضرورة.

### || [44.36]

# { فأتوا بآبآئنا } خطاب لمن وعدهم بالنشور من الرسول صلى الله
~~عليه وسلم والمؤمنين أي فأتوا لنا بمن مات من آبائنا { إن كنتم
~~صدقين } في وعدكم ليدل ذلك على صدقكم ودلالة الإيقان إما لمجرد
~~الإحياء بعد الموت وإما بأن يسألوا عنه، قيل: طلبوا من الرسول عليه
~~الصلاة والسلام أن يدعو الله تعالى فيحي لهم قصي بن كلاب ليشاوروه في صحة
~~النبوة والبعث إذ كان كبيرهم ومستشارهم في النوازل.

### || [44.37]

# { أهم خير } في القوة والمنعة { أم قوم تبع } هو تبع
~~الأكبر الحميري واسمه أسعد بهمزة، وفي بعض الكتب سعد بدونها وكنيته أبو
~~كرب وكان رجلا صالحا. أخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت: كان تبع
~~رجلا صالحا ألا ترى أن الله تعالى ذم قومه ولم يذمه، وأخرج ابن عساكر
~~عن ابن عباس لا يشتبهن عليكم أمر تبع فإنه كان مسلما، وأخرج أحمد
~~والطبراني وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم "

# وأخرج ابن عساكر وابن المنذر عن ابن عباس قال: سألت كعبا عن تبع فإني
~~أسمع الله تعالى يذكر في القرآن قوم تبع ولا يذكر تبعا فقال: إن تبعا
~~كان رجلا من أهل اليمن ملكا منصورا فسار بالجيوش حتى انتهى إلى سمرقند
~~فرجع فأخذ طريق الشام فأسر بها أحبارا فانطلق بهم نحو اليمن حتى إذا دنا
~~من ملكه طار في الناس أنه هادم الكعبة فقال له الأحبار: ما هذا الذي تحدث
~~به نفسك فإن هذا البيت لله تعالى وإنك لن تسلط عليه فقال: إن هذا لله
~~تعالى وأنا أحق من حرمه فأسلم من مكانه وأحرم ms09727 فدخلها محرما فقضى نسكه ثم
~~انصرف نحو اليمن راجعا حتى قدم على قومه فدخل عليه أشرافهم فقالوا: يا
~~تبع أنت سيدنا وابن سيدنا خرجت من عندنا على دين وجئت على غيره فاختر منا
~~أحد أمرين إما تخلينا وملكنا وتعبد ما شئت وإما أن تذر دينك الذي أحدثت -
~~وبينهم يومئذ نار تنزل من السماء - فقال الأحبار عند ذلك: اجعل بينك
~~وبينهم النار فتواعد القوم جميعا على أن يجعلوها بينهم فجيء بالأحبار
~~وكتبهم وجيء بالأصنام وعمارها وقدموا جميعا إلى النار وقامت الرجال
~~خلفهم بالسيوف فهدرت النار هدير الرعد ورمت شعاعا لها فنكص أصحاب
~~الأصنام وأقبلت النار وأحرقت الأصنام وعمارها وسلم الآخرون فأسلم قوم
~~واستسلم قوم فلبثوا بعد ذلك عمر تبع حتى إذا نزل بتبع الموت استخلف أخاه
~~وهلك فقتلوا أخاه وكفروا صفقة واحدة.

# وفي رواية عن ابن عباس أن تبعا لما أقبل من الشرق بعد أن حير الحيرة -
~~أي بناها ونظم أمرها  وهي بكسر الحاء المهملة وياء ساكنة مدينة بقرب
~~الكوفة  / وبنى سمرقند وهي مدينة بالعجم معروفة، وقيل: إنه هدمها وقصد
~~المدينة وكان قد خلف بها حين سافر ابنا له فقتل غيلة فأجمع على خرابها
~~واستئصال أهلها فجمع له الأنصار وخرجوا لقتاله وكانوا يقاتلونه بالنهار
~~ويقرونه بالليل فأعجبه ذلك وقال: إن هؤلاء لكرام فبينما هو على ذلك إذ
~~جاءه كعب وأسد ابنا عم من قريظة حبران وأخبراه أنه يحال بينك وبين ما
~~تريد فإنها مهاجر نبي من قريش اسمه محمد صلى الله عليه وسلم ومولده بمكة
~~فثناه قولهما عما يريد ثم دعواه إلى دينهما فاتبعهما وأكرمهما فانصرفوا
~~عن المدينة ومعهم نفر من اليهود فقال له في الطريق نفر من هذيل: ندلك على
~~بيت فيه كنز من لؤلؤ وزبرجد وذهب وفضة بمكة وأرادت هذيل هلاكه لأنهم
~~عرفوا أنه ما أراده أحد بسوء إلا هلك فذكر ذلك للحبرين فقالا: ما نعلم
~~لله عز وجل بيتا في الأرض اتخذه لنفسه غير هذا فاتخذه مسجدا وانسك عنده
~~واحلق رأسك وما أراد القوم إلا هلاكك فأكرمه وكساه ms09728 وهو أول من كسى البيت
~~وقطع أيدي أولئك النفر من هذيل وأرجلهم وسمل أعينهم وصلبهم.

# وفي رواية أنه قال للحبرين حين قالا له ما قالا: وأنتما ما يمنعكما من
~~ذلك؟ فقالا: أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم عليه السلام وإنه لكما
~~أخبرناك ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوها حوله وبالدماء
~~التي يريقونها عنده وهم نجس أهل شرك فعرف صدقهما ونصحهما فطاف بالبيت
~~ونحر وحلق رأسه وأقام بمكة ستة أيام فيما يذكرون ينحر للناس ويطعم أهلها
~~ويسقيهم العسل، وقيل: إنه أراد تخريب البيت فرمي بداء عظيم فكف عنه
~~وكساه.

# وأخرج ابن عساكر عن ابن إسحق أن تبعا أري في منامه أن يكسو البيت
~~فكساه الخصف ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافر ثم أري أن يكسوه
~~أحسن من ذلك فكساه الوصائل وصائل اليمن فكان فيما ذكر لي أول من كساه
~~وأوصى بها ولاته من جرهم وأمر بتطهيره وجعل له بابا ومفتاحا. وفي رواية
~~أنه قال أيضا: ولا تقربوه دما ولا ميتا ولا تقربه حائض.

# وفي «نهاية ابن الأثير» في الحديث «أن تبعا كسى البيت المسوح فانتفض
~~البيت منه ومزقه عن نفسه ثم كساه الخصف فلم يقبله ثم كساه الانطاع
~~[فقبلها]»، وفي موضع آخر منها «إن أول من كسى الكعبة كسوة كاملة تبع
~~كساها الأنطاع ثم كساها الوصائل» والخصف فعل بمعنى مفعول من الخصف وهو ضم
~~الشيء إلى الشيء والمراد شيء منسوج من الخوص على ما هو الظاهر، وقيل:
~~أريد به ههنا الثياب الغلاظ جدا تشبيها بالخصف المذكور، والمعافر برود
~~من اليمن منسوبة إلى معافر قبيلة بها، والميم زائدة، والوصائل ثياب حمر
~~مخططة يمانية، والمسوح جمع مسح بكسر الميم وسكون المهملة أثواب من شعر
~~غليظة، والأنطاع جمع نطع بالكسر وبالفتح وبالتحريك بسط من أديم.

# وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن أبي بن كعب قال: لما قدم تبع المدينة ونزل
~~بفنائها بعث إلى أحبار يهود فقال: إني مخرب هذا البلد حتى لا تقوم به
~~يهودية ويرجع الأمر إلى دين ms09729 العرب فقال له شامول اليهودي وهو يومئذ
~~أعلمهم: أيها الملك إن هذا بلد يكون إليه مهاجر نبي من بني إسمعيل
~~مولده بمكة اسمه أحمد وهذه دار هجرته إلى أن قال: قال وما صفته؟ قال: رجل
~~ليس بالقصير ولا بالطويل في عينيه حمرة يركب البعير ويلبس الشملة سيفه
~~على عاتقه لا يبالي من لاقى حتى يظهر أمره فقال تبع: ما إلى هذا البلد من
~~سبيل وما كان ليكون خرابها على يدي.

# وذكر أبو حاتم الرياشي أنه آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث
~~بسبعمائة سنة، وقيل بينه وبين مولده عليه الصلاة والسلام ألف سنة،
~~والقولان يدلان على أنه قبل مبعث عيسى عليه السلام. وأخرج ابن مردويه عن
~~ابن عباس قال: لا تقولوا في تبع إلا خيرا فإنه قد حج البيت وآمن بما جاء
~~به عيسى ابن مريم، وهو يدل على أنه بعد مبعث عيسى عليه السلام، والأول
~~أشهر.

# / ومن حديث عباد بن زياد المري أنه لما أخبره اليهود أنه سيخرج نبي
~~بمكة يكون قراره بهذا البلد  يعني المدينة  اسمه أحمد وأخبروه أنه لا
~~يدركه قال للأوس والخزرج: أقيموا بهذا البلد فإن خرج فيكم فوازروه وإن لم
~~يخرج فأوصوا بذلك أولادكم، وقال في شعره:

# حدثت أن رسول الملي

# ك يخرج حقا بأرض الحرم

# ولو مد دهري إلى دهره

# لكنت وزيرا له وابن عم

# وفي «البحر» بدل البيت الأول:

# شهدت على أحمد أنه

# رسول من الله باري النسم

# وفيه أيضا رواية عن ابن إسحاق وغيره أنه كتب أيضا كتابا وكان فيه أما
~~بعد فإني آمنت بك وبكتابك الذي أنزل عليك وأنا على دينك وسنتك وآمنت بربك
~~ورب كل شيء وآمنت بكل ما جاء من ربك من شرائع الإسلام فإن أدركتك فبها
~~ونعمت وإن لم أدركك فاشفع لي ولا تنسني يوم القيامة فإني من أمتك الأولين
~~وتابعيك قبل مجيئك وأنا على ملتك وملة أبيك إبراهيم عليه السلام، ثم ختم
~~الكتاب ونقش عليه لله الأمر من قبل ومن بعد، وكتب عنوانه إلى محمد ms09730 بن عبد
~~الله نبي الله ورسوله خاتم النبيين ورسول رب العالمين صلى الله عليه
~~وسلم من تبع الأول ودفعه إلى عظيم من الأوس والخزرج وأمره أن يدفعه
~~للنبي عليه الصلاة والسلام إن أدركه.

# ويقال: إنه بنى له دارا في المدينة يسكنها إذا أدركه صلى الله عليه
~~وسلم وقدم إليها وأن تلك الدار دار أبي أيوب خالد بن زيد وأن الشعر
~~والكتاب وصلا إليه وأنه من ولد ذلك الرجل الذي دفعا إليه أولا، ولما ظهر
~~النبي عليه الصلاة والسلام دفعوا الكتاب إليه فلما قرىء عليه قال:
~~مرحبا بتبع الأخ الصالح ثلاث مرات.

# وجاء أنه صلى الله عليه وسلم عليه صلاة الجنازة وكذا على البراء بن
~~معرور بعد وفاته بشهر يوم قدومه عليه الصلاة والسلام المدينة كما قال
~~النجم الغيطي وكانت صلاة الجنازة قد فرضت تلك السنة.

# وكون هذا هو تبع الأول ويقال له الأكبر هو المذكور في غير ما كتاب، وذكر
~~عبد الملك بن عبد الله بن بدرون في «شرحه لقصيدة ابن عبدون» أن أسعد هذا
~~هو تبع الأوسط وذكر أيضا أن ملكه ثلثمائة وعشرين سنة وملك بعده عمرو
~~أربعا وستين سنة، وقال ابن قتيبة: حسان وهو الذي قتل زرقاء اليمامة
~~وأباد جديسا وكان ملكه خمسا وعشرين سنة؛ والتواريخ ناطقة بتقدم تبابعة
~~عليه فإن تبعا يقال لمن ملك اليمن مطلقا كما يقال لملك الترك خاقان،
~~والروم قيصر، والفرس كسرى أو لا يسمى به إلا إذا كانت له حمير وحضرموت
~~كما في «القاموس» أو إلا إذا كانت له حمير وسبأ وحضرموت كما ذكره
~~الطيبي، والمتصف بذلك غير واحد كما لا يخفى على من أحاط خبرا
~~بالتواريخ. وما تقدم من حكاية أنه هدم سمرقند ذكر عبد الملك خلافه ونسب
~~هدمها إلى شمر بن افريقيس ابن أبرهة أحد التبابعة أيضا كان قبل تبع
~~المذكور بكثير قال: إن شمر خرج نحو العراق ثم توجه يريد الصين ودخل مدينة
~~الصغد فهدمها وسميت شمر كند أي شمر خربها وعربت بعد فقيل سمرقند اه.

# وحكاية البناء يمكن نسبتها ms09731 إلى شمر هذا فإن كند في لغة أهل أذربيجان
~~ونواحيها على ما قيل بمعنى القرية فسمرقند بمعنى قرية شمر وهو أوفق
~~بالبناء.

# وذكر علامة عصره الملا أمين أفندي العمري الموصلي تغمده الله تعالى
~~برحمته في كتابه «شرح ذات الشفاء» أن تبعا الذي ذكر سابقا هو ابن حسان
~~وأنه ملك الدنيا كلها وأنه يقال له الرائش لأنه راش الناس بالعطاء، ولعل
~~ما قاله قول لبعضهم وإلا فقد قال ابن قتيبة: إنه ابن كليكرب. / وفي «شرح
~~قصيدة ابن عبدون» أن الرائش لقب الحرث بن بدر أحد التبابعة، وهو قبل أسعد
~~المتقدم ذكره بزمان طويل جدا، وهو أيضا ممن ذكر نبينا صلى الله عليه
~~وسلم في شعره فقال:

# ويملك بعدهم رجل عظيم

# نبي لا يرخص في الحرام

# يسمى أحمدا يا ليت أني

# أعمر بعد مخرجه بعام

# ثم إن ملكه الدنيا كلها غير مسلم، وبالجملة الأخبار مضطربة في أمر
~~التبابعة وأحوالهم وترتيب ملوكهم بل قال صاحب «تواريخ الأمم»: ليس في
~~التواريخ أسقم من تاريخ ملوك حمير لما يذكر من كثرة عدد سنينهم مع قلة
~~عدد ملوكهم فإن ملوكهم ستة وعشرون ومدتهم ألفان وعشرون سنة. وقال بعض: إن
~~مدتهم ثلاثة آلاف واثنان وثمانون سنة ثم ملك من بعدهم اليمن الحبشة والله
~~تعالى أعلم بحقيقة الحال.

# والقدر المعول عليه ههنا أن تبعا المذكور هو أسعد أبو كرب وأنه كان
~~مؤمنا بنبينا صلى الله عليه وسلم وكان على دين إبراهيم عليه السلام ولم
~~يكن نبيا، وحكاية نبوته عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا تصح،
~~وإخباره بمبعثه صلى الله عليه وسلم لا يقتضيها لأنه علم ذلك من أحبار
~~اليهود وهم عرفوه من الكتب السماوية. وما روي من أنه عليه الصلاة والسلام
~~قال: «ما أدري أكان تبع نبيا أو غير نبي» لم يثبت، نعم روى أبو داود
~~والحاكم أنه عليه الصلاة والسلام قال:

# " ما أدري أذو القرنين هو أم لا؟ "

# وليس فيه ما يدل على التردد في نبوته وعدمها فإن ذا القرنين ليس بنبي
~~على الصحيح، ثم ms09732 إن الظاهر أنه عليه الصلاة والسلام درى بعد أنه ليس ذا
~~القرنين.

# وقال قوم: ليس المراد بتبع هاهنا رجلا واحدا إنما المراد ملوك اليمن،
~~وهو خلاف الظاهر والأخبار تكذبه. ومعنى تبع متبوع فهو فعل بمعنى مفعول
~~وقد يجىء هذا اللفظ بمعنى فاعل كما قيل للظل تبع لأنه يتبع الشمس، ويقال
~~لملوك اليمن أقيال من يقيل فلان أباه إذا اقتدى به لأنهم يقتدى بهم،
~~وقيل: سمي ملكهم قيلا لنفوذ أقواله وهو مخفف قيل كميت.

# { والذين من قبلهم } أي قبل قوم تبع كعاد وثمود أو قبل قريش
~~فهو تعميم بعد تخصيص { أهلكنهم } استئناف لبيان عاقبة أمرهم هدد
~~به كفار قريش أو حال بإضمار قد أو بدونه من الضمير المستتر في الصلة أو
~~خبر عن الموصول إن جعل مبتدأ ولم يعطف على ما قبله { إنهم كانوا
~~مجرمين } تعليل لإهلاكهم أي أهلكناهم بسبب كونهم مجرمين فليحذر كفار
~~قريش الإهلاك لإجرامهم.

### || [44.38]

# { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما } أي ما
~~بين الجنسين وهو شامل لما بين الطبقات. وقرأ عبيد بن عمير { وما
~~بينهن } فالضمير لمجموع السموات والأرض { لاعبين } أي عابثين
~~وهو دليل على وقوع الحشر كما مر في الأنبياء [16] وغيرها.

### || [44.39]

# { ما خلقنهما } أي وما بينهما { إلا بالحق } استثناء
~~مفرغ من أعم الأحوال أي ما خلقناهما ملتبسين بشيء من الأشياء إلا ملتبسين
~~بالحق فالجار والمجرور في موضع الحال من الفاعل، وجوز أن يكون في موضع
~~الحال من المفعول، والباء للملابسة فيهما، وجوز أن / تكون للسببية،
~~والاستثناء مفرغ من أعم الأسباب أي ما خلقناهما بسبب من الأسباب إلا بسبب
~~الحق الذي هو الإيمان والطاعة والبعث والجزاء والملابسة أظهر.

# { ولكن أكثرهم لا يعلمون } تذييل وتجهيل فخيم لمنكري
~~الحشر وتوكيد لأن إنكارهم يؤدي إلى إبطال الكائنات بأسرها ويحسبونه هينا
~~وهو عند الله عظيم ولهذا قال المؤمنون:

# ربنا ما خلقت هذا بطلا سبحنك فقنا عذاب
~~النار

# [آل عمران: 191].

### || [44.40]

# { إن يوم الفصل } أي فصل الحق عن الباطل والمحق عن المبطل
~~بالجزاء أو فصل الشخص عن أحبابه وذوي قرابته { ميقتهم ms09733 } وقت
~~موعدهم { أجمعين } وقرىء { ميقاتهم } بالنصب على أنه اسم (إن)
~~والخبر { يوم الفصل } أي إن ميعاد حسابهم وجزائهم في يوم الفصل
~~وليس مثل إن حراسنا أسدا.

### || [44.41]

# { يوم لا يغني } بدل من

# يوم الفصل

# [الدخان: 40] أو عطف بيان عند من لا يشترط المطابقة تعريفا وتنكيرا،
~~وجوز نصبه بأعني مقدرا وأن يكون ظرفا لما دل عليه الفصل لا له للفصل
~~بينه وبينه بأجنبي، وهو مصدر لا يعمل إذا فصل لضعفه أوله على قول من
~~اغتفر الفصل إذا كان المعمول ظرفا كابن الحاجب والرضي، وجوز أبو البقاء
~~كونه صفة لميقاتهم. وتعقب بأنه جامد نكرة لإضافته للجملة فكيف يكون صفة
~~للمعرفة مع أنه لا يصح بناؤه عند البصريين إذا أضيف إلى جملة صدرها معرب
~~وهو المضارع أي يوم لا يجزى { مولى عن مولى شيئا } من الإغناء
~~أي الإجزاء، فشيئا منصوب على المصدرية ويجوز كونه مفعولا به. ويغني
~~بمعنى يدفع وينفع. وتنكير { شيئا } للتقليل. والمولى الصاحب الذي من
~~شأنه أن يتولى معونة صاحبه على أموره فيدخل في ذلك ابن العم والحليف
~~والعتيق والمعتق وغيرهم، وذكر الخفاجي أنه من الولاية وهي التصرف فيشمل
~~كل من يتصرف في آخر لأمر ما كقرابة وصداقة وهو قريب مما ذكرنا. وأيا ما
~~كان فليس ذلك من استعمال المشترك في أكثر من معنى واحد، ولو سلم أن هناك
~~مشتركا استعمل في أكثر من معنى كانت الآية دليلا لابن الهمام عليه
~~الرحمة في جواز ذلك في النفي فيقال عنده: ما رأيت عينا ويراد العين
~~الباصرة وعين الذهب وغيرها ويعلم من نفي إغناء المولى نفي إغناء غيره من
~~باب أولى.

# { ولا هم ينصرون } الضمير عند جمع للمولى الأول؛ والجمع باعتبار
~~المعنى لأنه نكرة في سياق النفي وهي تعم دون الثاني لأنه أفيد وأبلغ لأن
~~حال المولى الثاني نصرته معلوم من نفي الإغناء السابق، ولأنه إذا لم ينصر
~~من استند إليه فكيف هو، وأيضا وجه جمع الضمير فيه أظهر، وجوز عوده على
~~الثاني للدلالة على أنه لا ينصره غير مولاه وهو في سياق ms09734 النفي أيضا وإن
~~لم يكن في ذلك بمرتبة الأول. نعم قيل في وجه الجمع عليهما: إن النكرة في
~~سياق النفي تدل على كل فرد فرد فلا يرجع الضمير لها جمعا. وأجيب بأنه لا
~~يطرد لأنها قد تحمل على المجموع بقرينة عود ضمير الجمع عليها، ولعل
~~الأولى عود الضمير على المولى المفهوم من النكرة المنفية، وقال بعض: لو
~~جعل الضمير للكفار كضمير { ميقتهم } [الدخان:40] كثرت الفائدة
~~وقلت المؤنة فتأمل.

### || [44.42]

# { إلا من رحم الله } في محل رفع على أنه بدل من ضمير

# ينصرون

# [الدخان: 41] أو في محل نصب على الاستثناء منه أي لا يمنع من العذاب إلا
~~من رحمه الله تعالى وذلك بالعفو عنه وقبول الشفاعة فيه. وجوز كونه بدلا
~~أو استثناء من { مولى } وفيه كما في الأول دليل على ثبوت الشفاعة لكن
~~الرجحان للأول لفظا ومعنى. والاستثناء من أي كان متصل، وقال الكسائي:
~~إنه منقطع أي لكن من رحمه الله تعالى / فإنه لا يحتاج إلى قريب ينفعه ولا
~~إلى ناصر ينصره، ولا وجه له مع ظهور الاتصال، نعم إنه لا يتأتى على كون
~~الاستثناء من الضمير وكونه راجعا للكفار فلا تغفل.

# { إنه هو العزيز } الغالب الذي لا ينصر من أراد سبحانه تعذيبه
~~{ الرحيم } لمن أراد أن يرحمه عز وجل.

### || [44.43]

# { إن شجرة الزقوم } مر معنى الزقوم في الصافات [62] وقرىء {
~~شجرة } بكسر الشين.

### || [44.44]

# { طعام الأثيم } أي الكثير الآثام والمراد به الكافر لدلالة ما
~~قبله وما بعده عليه دون ما يعمه والعاصي المكثر من المعاصي ثم إن المراد
~~به جنس الكافر لا واحد بعينه، وقال ابن زيد وسعيد بن جبير: إنه هنا أبو
~~جهل، وليس بشيء ولا دليل على ذلك بما أخرجه سعيد بن منصور عن أبي مالك
~~من أن أبا جهل كان يأتي بالتمر والزبد فيقول: تزقموا فهذا الزقوم الذي
~~يعدكم به محمد صلى الله عليه وسلم فنزلت: { إن شجرة الزقوم
~~طعام الأثيم } لما لا يخفى، ومثله ما قيل: إنه الوليد.

# وأخرج أبو عبيد في «فضائله» وابن الأنباري وابن المنذر ms09735 عن عوف بن عبد
~~الله أن ابن مسعود أقرأ رجلا { إن شجرة الزقوم * طعام
~~الأثيم } فقال الرجل طعام اليثيم فرددها عليه فلم يستقم بها لسانه فقال
~~أتستطيع أن تقول طعام الفاجر؟ قال: نعم قال: فافعل، وأخرج الحاكم وصححه
~~وجماعة عن أبي الدرداء أنه وقع له مثل ذلك فلما رأى الرجل أنه لا يفهم
~~قال: (إن شجرة الزقوم طعام الفاجر).

# واستدل بذلك على أن إبدال كلمة مكان كلمة جائز إذا كانت مؤدية معناها.
~~وتعقبه القاضي أبو بكر في «الانتصار» بأنه أراد أن ينبهه على أنه لا يريد
~~اليتيم بل الفاجر فينبغي أن يقرأ { الأثيم } وأنت تعلم أن هذا التأويل
~~لا يكاد يتأتى فيما روي عن ابن مسعود فإنه كالنص في تجويز الإبدال لذلك
~~الرجل وأبعد منه عن التأويل ما أخرج ابن مردويه عن أبي أنه كان يقرىء
~~رجلا فارسيا فكان إذا قرأ عليه { إن شجرة الزقوم طعام
~~الأثيم } قال: طعام اليتيم فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

# " قل له طعام الظلام "

# فقالها ففصح بها لسانه، وفي الباب أخبار كثيرة جياد الأسانيد كخبر أحمد
~~من حديث أبي هريرة

# " أنزل القرآن على سبعة أحرف عليما حكيما غفورا رحيما "

# وكخبره من حديث أبي بكرة «كله - أي القرآن - شاف كاف ما لم تختم آية
~~عذاب برحمة أو رحمة بعذاب» نحو قولك تعال وأقبل وأسرع وعجل إلى غير ذلك.
~~لكن قال الطحاوي: إنما كان ذلك رخصة لما كان يتعسر على كثير منهم التلاوة
~~بلفظ واحد لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ ثم نسخ بزوال العذر
~~وتيسر الكتابة والحفظ، وكذا قال ابن عبد البر والباقلاني وآخرون، ولعله
~~ان تحقق إبدال من أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعده عليه الصلاة
~~والسلام يقال: إنه كان منه قبل الاطلاع على النسخ ومتى لم يجز إبدال كلمة
~~مكان كلمة مؤدية معناها مع الاتحاد عربية فعدم جواز ذلك مع الاختلاف
~~عربية وفارسية مثلا أظهر، وما روي عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى
~~عنه من أنه يرى جواز ms09736 قراءة القرآن بالفارسية بشرط أداء المعاني على
~~كمالها فقد صح عنه خلافه، وقد حقق الشرنبلالي عليه الرحمة هذه المسألة في
~~رسالة مفردة بما لا مزيد عليه، وقد تقدم في هذا الكتاب شيء من ذلك فتذكر.

# والطعام ما يتناول منه من الغذاء وأصله مصدر فلذا وقع خبرا عن المؤنث
~~ولم يطابق، وجوز أن يكون ذلك من باب قوله:

# إنارة العقل مكسوف بطوع هوى

# وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا

# / فكأنه قيل: إن الزقوم طعام الأثيم.

### || [44.45]

# { كالمهل } عكر الزيت كما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما،
~~وجاء في حديث رواه الحاكم وغيره عن أبي سعيد مرفوعا وفيه «فإذا قرب إلى
~~وجهه  يعني الجهنمي  سقطت فروة وجهه» وربما يؤيد بقوله تعالى:

# يوم تكون السماء كالمهل

# [المعارج: 8] مع قوله سبحانه:

# فكانت وردة كالدهان

# [الرحمن: 37] وقال بعض: عكر القطران، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما الصديد، ومنه ما في حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه
~~ادفنوني في ثوبي هذين فإنما هما للمهل والتراب. وفي رواية أخرى عنه
~~رضي الله تعالى عنه أنه ما أذيب من ذهب أو فضة أو حديد أو رصاص، وروي ذلك
~~عن ابن مسعود، قيل: وسمي ذلك مهلا لأنه يمهل في النار حتى يذوب فهو من
~~المهل بمعنى السكون، وادعى بعضهم الاشتراك وقد جاء استعماله في كل ما
~~سمعت.

# وقرأ الحسن { كالمهل } بفتح الميم وهو لغة فيه. والجار والمجرور أو
~~الكاف في محل رفع خبر مبتدأ محذوف والجملة استئناف لبيان حال الطعام أي
~~هو كالمهل أو مثل المهل، وقوله عز وجل: { يغلي في البطون } خبر
~~ثان لذلك المبتدأ، وقيل: حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور فيكون
~~وصفا للطعام أيضا؛ وقال أبو عبيد: هو حال من المهل، وقيل: صفة له لأن
~~أل فيه للجنس نحو أمر على اللئيم يسبني ويعتبر داخلا في التشبيه وأنت
~~تعلم أن غليان الطعام في البطن فيه مبالغة أما التشبيه بمهل يغلي في
~~البطن فلا، وقيل كالمهل أو الكاف خبر ثان لإن ms09737 وجملة { يغلي في
~~البطون } حال من الزقوم أو الطعام. وتعقب بأنه منع مجىء الحال من
~~المضاف إليه في غير صور مخصوصة ليس هذا منها ومنع مجيئه من الخبر ومن
~~المبتدأ. وأجيب بأن هذا بناء على جواز مجىء الحال من الخبر ومن المبتدأ
~~والمضاف إليه المبتدأ في حكمه وأن ما ذكر من الصور التي يجىء الحال فيها
~~من المضاف إليه لأن المضاف كالجزء في جواز إسقاطه، ولا يخفى أنه بناء على
~~ضعيف، وقيل: كالمهل خبر ثان والجملة حال من ضمير الشجرة المستتر فيه،
~~والتذكير باعتبار كونها طعام الأثيم أو لاكتسابها إياه مما أضيفت إليه
~~نظير ما سمعت في البيت آنفا وهو تكلف مستغنى عنه، وقيل: الجملة على ذلك
~~خبر مبتدأ محذوف هو ضمير الطعام أو الزقوم فإن كانت الجملة حينئذ
~~مستأنفة فالبحث هين وإن كانت حالية عاد ما مر آنفا ولا أراك تظنه هينا،
~~وقيل: كالمهل حال من طعام وحاله معلوم، وبالجملة الوجوه في إعراب الآية
~~كثيرة وأنا أختار منها ما ذكرته أولا.

# وقرأ عمرو بن ميمون وأبو رزين والأعرج وأبو جعفر وشيبة وابن محيصن وطلحة
~~والحسن في رواية وأكثر السبعة { تغلي } بالتاء الفوقية فكالمهل خبر ثان
~~لإن وجملة { تغلي } خبر ثالث واتحاد المبتدأ والخبر متكفل باتحاد
~~القراءتين معنى فافهم ولا تغفل.

### || [44.46]

# { كغلي الحميم } صفة مصدر محذوف أي غليا كغلي الحميم، وجوز أن
~~يكون حالا. والحميم ما هو في غاية الحرارة.

### || [44.47]

# { خذوه } على إرادة القول والمقول له الزبانية أي ويقال لهم خذوه {
~~فاعتلوه } فجروه بقهر. قال الراغب: ((العتل الأخذ بمجامع الشيء
~~وجره بقهر))، وبعضهم يعبر بالثوب بدل الشيء وليس ذاك بلازم والمدار على
~~الجر مع الإمساك بعنف. وقال الأعمش ومجاهد: معنى { اعتلوه } اقصفوه
~~كما يقصف الحطب، والظاهر عليه التضمين أو تعلق الجار بخذوه، والمعنى
~~الأول هو المشهور. وقرأ زيد بن علي والحجازيان وابن عامر ويعقوب {
~~فاعتلوه } / بضم التاء وروي ذلك عن الحسن وقتادة والأعرج على أنه من باب
~~قعد، وعلى قراءة الجمهور من باب نصر وهما لغتان { إلى سواء ms09738
~~الجحيم } أي وسطه، وسمي سواء لاستواء بعد جميع أطرافه بالنسبة إليه.

### || [44.48]

# كأن أصله صبوا فوق رأسه الحميم، ثم قيل: صبوا فوق رأسه عذابا هو الحميم
~~للمبالغة بجعل العذاب عين الحميم، وهو مترتب عليه ولجعله مصبوبا
~~كالمحسوس ثم أضيف العذاب إلى الحميم للتخفيف، وزيد { من } للدلالة على
~~أن المصبوب بعض هذا النوع فهناك إما تمثيل أو استعارة تصريحية أو مكنية
~~أو تخييلية.

### || [44.49]

# أي ويقال أو قولوا له ذلك استهزاء وتقريعا على ما كان يزعمه. أخرج عبد
~~الرزاق وغيره عن قتادة قال: لما نزلت

# خذوه فاعتلوه إلى سوآء الجحيم

# [الدخان: 47] قال أبو جهل: ما بين جبليها رجل أعز ولا أكرم مني، فقال
~~الله تعالى: { ذق } الخ. وأخرج الأموي في «مغازيه» عن عكرمة أن أبا جهل
~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء لقد
~~علمت أنني أمنع أهل بطحاء وأنا العزيز الكريم فقتله الله تعالى يوم بدر
~~وأذله وعيره بكلمته { ذق إنك أنت العزيز الكريم } وروي
~~أن اللعين قال يوما: يا معشر قريش أخبروني ما اسمي فذكرت له ثلاثة أسماء
~~عمر والجلاس وأبو الحكم فقال: ما أصبتم اسمي إلا أخبركم به؟ قالوا: بلى
~~قال: اسمي العزيز الكريم فنزلت

# إن شجرة الزقوم

# [الدخان: 43] الآيات، وهذا ونحوه لا يدل أيضا على تخصيص حكم الآية به
~~فكل أثيم يدعي دعواه كذلك يوم القيامة، وقيل: المعنى ذق إنك أنت العزيز
~~في قومك الكريم عليهم فما أغنى ذلك عنك ولم يفدك شيئا، والذوق مستعار
~~للإدارك.

# وقرأ الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما على المنبر
~~والكسائي { أنك } بفتح الهمزة على معنى لأنك.

### || [44.50]

# { إن هذا } أي العذاب أو الأمر الذي أنتم فيه { ما كنتم به
~~تمترون } تشكون وتمارون فيه، وهذا ابتداء كلام منه عز وجل أو من
~~مقول القول والجمع باعتبار المعنى لما سمعت أن المراد جنس الأثيم.

### || [44.51]

# { إن المتقين في مقام } في موضع قيام، والمراد بالقيام
~~الثبات والملازمة كما في قوله تعالى:

# ما دمت ms09739 عليه قائما

# [آل عمران: 75] ويكنى به عن الإقامة لأن المقيم ملازم لمكانه، وهو مراد
~~من قال: { في مقام } أي موضع إقامة.

# وقرأ عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما وزيد بن علي وأبو جعفر وشيبة
~~والأعرج والحسن وقتادة ونافع وابن عامر { مقام } بضم الميم ومعناه موضع
~~إقامة، وعلى ما قررنا ترجع القراءتان إلى معنى واحد.

# { أمين } يأمن صاحبه مما يكره فهو صفة من الأمن وهو عدم الخوف عما هو
~~من شأنه، ووصف المقام به باعتبار أمن من آمن به فهو إسناد مجازي كما في
~~نهر جار، وظاهر كلام الزمخشري أن ذلك استعارة من الأمانة كأن المكان
~~مؤتمن وضع عنده ما يحفظه من المكاره ففيه استعارة مكنية وتخييلية، وقال
~~ابن عطية: فعيل بمعنى مفعول أي مأمون فيه وليس بذاك، وجوز أن يكون للنسبة
~~أي ذي أمن.

### || [44.52]

# { في جنت وعيون } بدل من

# مقام

# [الدخان: 51] بإعادة الجار أو الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور،
~~وظرفية العيون للمجاورة، والظاهر / أنه بدل اشتمال لا كل وبعض. وفي ذلك
~~دلالة على نزاهة مكانهم واشتماله على ما يستلذ من المآكل والمشارب.

### || [44.53]

# { يلبسون من سندس وإستبرق } خبر ثان أو حال من الضمير
~~في الجار والمجرور أو استئناف. والسندس قال ثعلب: الرقيق من الديباج
~~والواحدة سندسة، والإستبرق غليظه، وقال الليث: هو ضرب من البزيون يتخذ من
~~المرعز، ولم يختلف أهل اللغة في أنهما معربان كذا ذكره بعضهم. وفي
~~«الكشاف» الإستبرق ما غلظ من الديباج وهو تعريب استبر، قال الخفاجي:
~~ومعنى استبر في لغة الفرس الغليظ مطلقا ثم خص بغليظ الديباج وعرب، وقيل:
~~إنه عربي من البراقة، وأيد بقراءته بوصل الهمزة وهو كما ترى. وذكر بعضهم
~~أن السندس أصله سندي ومعناه منسوب إلى السند المكان المعروف لأن السندس
~~كان يجلب منه فأبدلت ياء النسبة سينا، وقد مر الكلام في ذلك فتذكر.

# ثم إن وقوع المعرب في القرآن العظيم لا ينافي كونه عربيا مبينا. ونقل
~~صاحب «الكشف» عن جار الله أنه قال: الكلام المنظوم مركب من الحروف
~~المبسوطة ms09740 في أي لسان كان تركي أو فارسي أو عربي ثم لا يدل على أن
~~العربي أعجمي فكذا ههنا، ثم قال صاحب «الكشف»: يريد أن كون استبر
~~أعجميا لا يلزمه أن يكون استبرق كذلك.

# وقرأ ابن محيصن { وإستبرق } فعلا ماضيا كما في «البحر»، والجملة
~~حينئذ قيل معترضة، وقيل: حال من { سندس } والمعنى يلبسون من سندس وقد
~~برق لصقالته ومزيد حسنه.

# { متقبلين } في مجالسهم ليستأنس بعضهم ببعض.

### || [44.54]

# { كذلك } أي الأمر كذلك فالكاف في محل رفع على الخبرية لمبتدأ
~~محذوف، والمراد تقرير ما مر وتحقيقه. ونقل عن جار الله أنه قال: والمعنى
~~فيه أنه لم يستوف الوصف وأنه بمثابة ما لا يحيط به الوصف فكأنه قيل:
~~الأمر نحو ذلك وما أشبهه. وأراد على ما قال المدقق أن الكاف مقحم
~~للمبالغة وذلك مطرد في عرفي العرب والعجم. وجوز أن يكون في محل نصب على
~~معنى أثبناهم مثل ذلك.

# وقوله تعالى: { وزوجنهم } على هذا عطف على الفعل المقدر وعلى
~~ما قبل على

# يلبسون

# [الدخان: 53] والمراد على ما قال غير واحد وقرناهم { بحور عين
~~} وفسر بذلك قيل لأن الجنة ليس فيها تكليف فلا عقد ولا تزويج بالمعنى
~~المشهور، وقيل: لمكان الباء، وزوجه المرأة بمعنى أنكحه إياها متعد بنفسه،
~~وفيه بحث فإن الأخفش جوز الباء فيه فيقال: زوجته بامرأة فتزوج بها،
~~وأزدشنوءة يعدونه بالباء أيضا، وفي «القاموس» ((زوجته امرأة
~~وتزوجت امرأة وبها أو هذه قليلة)) ويعلم مما ذكر أن قول بعض الفقهاء
~~زوجته بها خطأ لا وجه له، ويجوز أن يقال: إن ذلك التفسير لأن الحور العين
~~في الجنة ملك يمين كالسراري في الدنيا فلا يحتاج الأمر إلى العقد عليهن،
~~على أنه يمكن أن يكون في الجنة عقد وإن لم يكن فيها تكليف.

# وقد أخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد أنه قال: زوجناهم أنكحناهم. ومن الناس
~~من قال بالتكليف فيها بمعنى الأمر والنهي لكن لا يجدون في الفعل والترك
~~كلفة، نعم المشهور أن لا تكليف فيها، وبعض ما حرم في الدنيا كنكاح امرأة
~~الغير ونكاح المحارم ms09741 لا يفعلونه لعدم خطوره لهم ببال أصلا.

# والحور جمع حوراء وهي البيضاء كما روي عن ابن عباس والضحاك وغيرهما،
~~وقيل: الشديدة سواد العين وبياضها، وقيل: الحوراء ذات الحور وهو سواد
~~المقلة كلها كما في الظباء فلا يكون في الإنسان إلا مجازا. وأخرج ابن
~~المنذر وغيره عن مجاهد أن الحوراء التي يحار فيها الطرف. والعين جمع
~~عيناء وهي عظيمة العينين.

# وأكثر الأخبار تدل على أنهن / لسن نساء الدنيا. أخرج ابن أبي حاتم
~~والطبراني عن أبي أمامة قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلق الحور العين من زعفران "

# وأخرج ابن مردويه والخطيب عن أنس بن مالك مرفوعا نحوه، وأخرج ابن
~~المبارك عن زيد بن أسلم قال: إن الله تعالى لم يخلق الحور العين من تراب
~~إنما خلقهن من مسك وكافور وزعفران. وأخرج ابن مردويه والديلمي عن عائشة
~~قالت:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حور العين خلقهن من تسبيح الملائكة
~~عليهم السلام "

# وهذا إن صح لا يعارض ما قبله إذ لا بد عليه من أن يقال بتجسد المعاني
~~فيجوز تجسد التسبيح وجعله جزأ مما خلقن منه.

# وقيل: المراد بهن هنا نساء الدنيا وهن في الجنة حور عين بالمعنى الذي
~~سمعت بل هن أجمل من الحور العين أعني النساء المخلوقات في الجنة من
~~زعفران أو غيره ويعطي الرجل هناك ما كان له في الدنيا من الزوجات، وقد
~~يضم إلى ذلك ما شاء الله تعالى من نساء متن ولم يتزوجن، ومن تزوجت بأكثر
~~من واحد فهي لآخر أزواجها أو لأولهم إن لم يكن طلقها في الدنيا أو تخير
~~فتختار من كان أحسنهم خلقا معها، أقوال صحح جمع منها الأول، وتعطى زوجة
~~كافر دخلت الجنة لمن شاء الله تعالى. وقد ورد أن آسية امرأة فرعون تكون
~~زوجة نبينا صلى الله عليه وسلم.

# وقرأ عكرمة { بحور عين } بالإضافة وهي على معنى من أي بالحور من العين،
~~وفي قراءة عبد الله { بعيس عين } والعيساء البيضاء تعلوها حمرة.

### || [44.55]

# { يدعون فيها بكل فاكهة } يطلبون ويأمرون ms09742 بإحضار ما يشتهون
~~من الفواكه ولا يتخصص شيء منها بمكان ولا زمان { آمنين } من الضرر أي
~~ضرر كان، وهو حال من ضمير { يدعون } وكونه حالا من الضمير في قوله
~~سبحانه: { في جنت } [الدخان: 52] بعيد، وأبعد منه جعل { يدعون
~~} حينئذ صفة الحور والنون فيه ضمير النسوة ومنه يفعلن لما فيه من ارتكاب
~~خلاف الظاهر مع عدم المناسبة للسياق.

### || [44.56]

# وقوله تعالى: { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة
~~الأولى } جملة مستأنفة أو حالية وكأنه أريد أن يقال: لا يذوقون فيها
~~الموت البتة فوضع الموتة الأولى موضع ذلك لأن الموتة الماضية محال ذوقها
~~في المستقبل فهو من باب التعليق بالمحال كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى
~~يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها، ونظيره قول القائل لمن
~~يستسقيه: لا أسقيك إلا الجمر وقد علم أن الجمر لا يسقي، ومثله قوله عز
~~وجل:

# ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء إلا ما قد
~~سلف

# [النساء: 22] فالاستثناء متصل والدخول فرضي للمبالغة، وضمير { فيها }
~~للجنات، وقيل: هو متصل والمؤمن عند موته لمعاينة ما يعطاه في الجنة كأنه
~~فيها فكأنه ذاق الموتة الأولى في الجنة، وقيل: متصل وضمير { فيها }
~~للآخرة والموت أول أحوالها، ولا يخفى ما فيه من التفكيك مع ارتكاب
~~التجوز، وقيل: الاستثناء منقطع والضمير للجنات أي لكن الموتة الأولى قد
~~ذاقوها في الدنيا، والأصل اتصال الاستثناء. وقال الطبري: إلا بمعنى بعد،
~~والجمهور لم يثبتوا هذا المعنى لها، وقال ابن عطية: ذهب قوم إلى أن إلا
~~بمعنى سوى وضعفه الطبري. وقال أبو حيان: ((ليس تضعيفه بصحيح بل يصح
~~المعنى بسوى ويتسق)). وفائدة الوصف تذكير حال الدنيا.

# والداعي لما سمعت من الأوجه دفع سؤال يورد ههنا من أن الموتة الأولى
~~مما مضى لهم في الدنيا وما هو كذلك لا يمكن أن يذوقوه في الجنة فكيف
~~استثنيت؟ وقيل: إن السؤال مبني على أن الاستثناء من النفي إثبات فيثبت
~~للمستثني الحكم المنفي عن المستثنى منه ومحال أن يثبت للموتة الأولى
~~الماضية الذوق في الجنة، وأما على قول من / جعله تكلما ms09743 بالباقي بعد
~~الثنيا، والمعنى لا يذوقون سوى الموتة الأولى من الموت فلا إشكال فتأمل.

# وقرأ عبيد بن عمير { لا يذاقون } مبنيا للمفعول، وقرأ عبد الله { لا
~~يذوقون فيها طعم الموت } وجاء في الحديث النوم لأنه أخو الموت، أخرج
~~البزار والطبراني في «الأوسط» وابن مردويه والبيهقي في البعث بسند صحيح
~~عن جابر بن عبد الله قال:

# " قيل يا رسول الله أينام أهل الجنة؟ قال: لا النوم أخو الموت وأهل
~~الجنة لا يموتون ولا ينامون "

# { ووقهم عذاب الجحيم } وقرأ أبو حيوة { ووقاهم } مشدد
~~القاف على المبالغة في التكثير في الوقاية لأن التفعيل لزيادة المعنى لا
~~للتعدية لأن الفعل متعد قبله.

### || [44.57]

# { فضلا من ربك } أي أعطوا كل ذلك عطاء وتفضلا منه تعالى فهو
~~نصب على المصدرية، وجوز فيه أن يكون حالا ومفعولا له، وأيا ما كان
~~ففيه إشارة إلى نفي إيجاب أعمالهم الإثابة عليه سبحانه وتعالى. وقرىء {
~~فضل } بالرفع أي ذلك فضل { ذلك هو الفوز العظيم } لأنه فوز
~~بالمطالب وخلاص من المكاره.

### || [44.58]

# { فإنما يسرنه } أي فإنما سهلنا القرآن { بلسانك } أي
~~بلغتك، وقيل: المعنى أنزلناه على لسانك بلا كتابة لكونك أميا، وهذا
~~فذلكة وإجمال لما في السورة بعد تفصيل، تذكيرا لما سلف مشروحا فيها،
~~فالمعنى ذكرهم بالكتاب المبين فإنما يسرناه بلسانك { لعلهم
~~يتذكرون } أي كي يفهموه ويتذكروا به ويعملوا بموجبه.

### || [44.59]

# { فارتقب } أي وإن لم يتذكروا فانتظر ما يحل بهم وهو تعميم بعد
~~تخصيص بقوله تعالى:

# فارتقب يوم تأتي السماء

# [الدخان: 10] { إنهم مرتقبون } منتظرون ما يحل بك كما
~~قالوا:

# نتربص به ريب المنون

# [الطور: 30] وقيل: معناه مرتقبون ما يحل بهم تهكما، وقيل: هو مشاكلة،
~~والمعنى إنهم صائرون للعذاب. وفي الآية من الوعد له صلى الله عليه وسلم
~~ما لا يخفى. وقيل: فيها الأمر بالمتاركة وهو منسوخ بآية السيف فلا تغفل.

# ومن باب الإشارة في الآيات ما ذكروه في قوله تعالى:

# ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون

# [الدخان: 17] إلى آخر القصة من تطبيق ذلك على ما في الأنفس، وهو مما
~~يعلم ما ذكرناه في ms09744 باب الإشارة من هذا الكتاب غير مرة فلا نطيل به.
~~وقالوا في قوله تعالى:

# وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما
~~لاعبين * ما خلقنهما إلا بالحق

# [الدخان: 38-39] إنه إشارة إلى الوحدة كقوله عز وجل:

# سنريهم ءايتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى
~~يتبين لهم أنه الحق

# [فصلت: 53] وأفصح بعضهم فقال: الحق هو عز وجل والباء للسببية أي ما
~~خلقناهما إلا بسبب أن تكون مرايا لظهور الحق جل وعلا، ومن جعل منهم الباء
~~للملابسة أنشد:

# رق الزجاج وراقت الخمر

# فتشاكلا وتشابه الأمر

# فكأنما خمر ولا قدح

# وكأنما قدح ولا خمر

# والعبارة ضيقة والأمر طور ما وراء العقل والسكوت أسلم. وقالوا في شجرة
~~الزقوم: هي شجرة الحرص وحب الدنيا تظهر يوم القيامة على أسوأ حال وأخبث
~~طعم. وقالوا:

# الموتة الأولى

# [الدخان: 56] ما كان في الدنيا بقتل النفس بسيف الصدق في الجهاد الأكبر
~~وهو المشار إليه «بموتوا قبل أن تموتوا» فمن مات ذلك الموت حيي أبدا
~~الحياة الطيبة التي لا يمازجها شيء من ماء الألم الجسماني والروحاني وذلك
~~هو الفوز العظيم، والله تعالى يقول الحق وهو سبحانه يهدي السبيل.

### | [45 - سورة الجاثية]

### || [45.1]

# { حم } إن جعل اسما للسورة فمحله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي
~~هذا مسمى بحم.

### || [45.2]

# وقوله تعالى: { تنزيل الكتب } خبر بعد خبر على أنه مصدر أطلق
~~على المفعول مبالغة، وقوله سبحانه: { من الله العزيز الحكيم
~~} صلته أو خبر ثالث أو حال من { تنزيل } عاملها معنى الإشارة أو من {
~~الكتب } الذي هو مفعول معنى عاملها المضاف، وقيل: { حم } مبتدأ
~~وهذا خبره والكلام على المبالغة أيضا أو تأويل { تنزيل } بمنزل،
~~والإضافة من إضافة الصفة لموصوفها، واعتبار المبالغة أولى أي المسمى به
~~تنزيل الخ. وتعقب بأن الذي يجعل عنوانا للموضوع حقه أن يكون قبل ذلك
~~معلوم الانتساب إليه وإذ لا عهد بالتسمية بعد فحقها الإخبار بها، وجوز
~~جار الله جعل { حم } مبتدأ بتقدير مضاف أي تنزيل حم و { تنزيل }
~~المذكور خبره و { من الله } صلته، وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر
~~إيذانا بأنه ms09745 الكتاب الكامل إن أريد بالكتاب السورة، وفيه تفخيم ليس في
~~تنزيل حم تنزيل من الله، ولهذا لما لم يراع في حم السجدة هذه النكتة عقب
~~بقوله تعالى:

# كتب فصلت

# [فصلت: 3] ليفيد هذه الفائدة مع التفنن في العبارة، وإن أريد الكتاب كله
~~فللإشعار بأن تنزيله كإنزال الكل في حصول الغرض من التحدي والتهدي، فدعوى
~~عراء هذا الوجه عن فائدة يعتد بها عراء عن إنصاف يعتد به. وإن جعل
~~تعديدا للحروف فلا حظ له من الإعراب وكان { تنزيل } خبر مبتدأ مضمر
~~يلوح به ما قبله أي المؤلف من جنس ما ذكر تنزيل الكتاب أو مبتدأ خبره
~~الظرف بعده على ما قاله جار الله. وقيل: { حم } مقسم به ففيه حرف جر
~~مقدر وهو في محل جر أو نصب على الخلاف المعروف فيه و { تنزيل } نعت
~~مقطوع فهو خبر مبتدأ مقدر والجملة مستأنفة وجواب القسم قوله تعالى: {
~~إن في السموات والأرض لأيت للمؤمنين }.

### || [45.3]

# وهو على ما تقدم استئناف للتنبيه على الآيات التكوينية. وجوز أن يكون

# تنزيل الكتب من الله

# [الجاثية: 2] مبتدأ وخبرا والجملة جواب القسم، وهو خلاف الظاهر، وقيل:
~~يقدر { حم } على كونه مقسما به مبتدأ محذوف الخبر أي حم قسمي ويكون {
~~تنزيل } نعتا له غير مقطوع، وعلى سائر الأوجه قوله سبحانه: {
~~العزيز الحكيم } نعت للاسم الجليل. وجوز الإمام كونه صفة للكتاب
~~إلا أنه رجح الأول بعد احتياجه إلى ارتكاب المجاز مع زيادة قرب الصفة من
~~الموصوف فيه، وأوجبه أبوحيان لما في الثاني من الفصل بين الصفة والموصوف
~~الغير الجائز. وقوله عز وجل: { إن في السموات } الخ يجوز أن
~~يكون بتقدير مضاف أي إن في خلق السموات كما رواه الواحدي عن الزجاج لما
~~أنه قد صرح به في آية أخرى والقرآن يفسر بعضه بعضا، ويناسبه قوله عز
~~وجل: { وفي خلقكم... }.

### || [45.4]

# { وفي خلقكم } إلى آخره، ويجوز أن يكون على ظاهره وحينئذ يكون
~~على أحد وجهين. أحدهما: إن فيهما لآيات أي ما فيهما من المخلوقات كالجبال
~~والمعادن والكواكب والنيرين وعلى هذا يكون قوله سبحانه ms09746 { وفي
~~خلقكم } من عطف الخاص على العام. والثاني: إن أنفسهما لآيات لما
~~فيها من فنون الدلالة على القادر الحكيم جل شأنه، وهذا أظهر وهو أبلغ من
~~أن يقال: إن في خلقهما لآيات وإن كان المعنى آيلا إليه، و { في
~~خلقكم } خبر مقدم وقوله سبحاه: { وما يبث من دآبة } عطف
~~على خلق، وجوز في { ما } كونها مصدرية وكونها موصولة إما بتقدير مضاف أي
~~وفي خلق ما ينشره ويفرقه من دابة أو بدونه. وجوز عطفه على الضمير المتصل
~~المجرور بالإضافة وما موصولة لا غير على الظاهر، وهو مبني على جواز العطف
~~على الضمير المتصل المجرور من غير إعادة الجار وذلك مذهب الكوفيين ويونس
~~والأخفش؛ قال أبو حيان: ((وهو الصحيح، واختاره الأستاذ أبو علي
~~الشلوبين))، ومذهب سيبويه وجمهور البصريين منع العطف المذكور سواء كان
~~الضمير مجرورا بالحرف أو بالإضافة لشدة الاتصال فأشبه العطف على بعض
~~الكلمة. وذكر ابن الحاجب في «شرح المفصل» في باب الوقف منه أن بعض
~~النحويين يجوزون العطف في المجرور بالإضافة دون المجرور بالحرف لأن اتصال
~~المجرور بالمضاف ليس كاتصاله بالجار لاستقلال كل واحد منهما بمعناه فلم
~~يشتد اتصاله فيه اشتداد مع الحرف وأجاز الجرمي والزيادي العطف إذا أكد
~~الضمير المتصل بمنفصل نحو مررت بك أنت وزيد وقوله تعالى: { ءايت }
~~مبتدأ مؤخر والجملة معطوفة على جملة

# إن في السموات

# [الجاثية: 3] الخ.

# وقرأ أبي وعبد الله { لآيات } باللام كذا في «البحر» ولم يبين أن آيات
~~مرفوع أو منصوب، فإن كان منصوبا فاللام زائدة في اسم إن المتقدم عليه
~~خبرها وهو أحد مواضع زيادته المطردة الكثيرة، وإن كان مرفوعا فهي زائدة
~~في المبتدأ ويقل زيادتها فيه، وحسن زيادتها هنا تقدم (إن) في الجملة
~~المعطوف عليها فهو كقوله:

# إن الخلافة بعدهم لذميمة

# وخلائف ظرف لمما أحقر

# وقرأ زيد بن علي { آية } بالإفراد. وقرأ الأعمش والجحدري وحمزة والكسائي
~~ويعقوب { آيات } بالجمع والنصب على أنها عطف على { آيات } السابق الواقع
~~اسما لإن و { في خلقكم } معطوف على { في السموات } فكأنه
~~قيل: وإن في خلقكم وما ms09747 يبث من دابة آيات { لقوم يوقنون } أي من
~~شأنهم أن يوقنوا بالأشياء على ما هي عليه.

### || [45.5]

# { واختلف اليل والنهار } بالجر على إضمار في، وقد قرأ
~~عبد الله بذكره. وجاء حذف الجار مع إبقاء عمله كما في قوله:

# إذا قيل أي الناس شر قبيلة

# أشارت كليب بالأكف الأصابع

# وحسن ما هنا ذكر الجار في الآيتين قبل. وقرىء بالرفع على أنه مبتدأ خبره
~~{ ءايت } بعد. والمراد باختلافهما تعاقبهما أو تفاوتهما طولا
~~وقصرا، وقيل: اختلافهما في أن أحدهما نور والآخر ظلمة.

# { وما أنزل الله } عطف على { اختلف }  { من السماء }
~~جهة العلو، وقيل: السحاب، وقيل: الجرم المعروف بضرب من التأويل.

# { من رزق } من مطر، وسمي رزقا لأنه سببه فهو مجاز، ولو لم يؤل صح
~~لأنه في نفسه رزق أيضا. { فأحيا به الأرض } بأن أخرج منها
~~أصناف الزرع والثمرات والنبات، والسببية عادية اقتضتها الحكمة / { بعد
~~موتها } يبسها وعرائها عن آثار الحياة وانتفاء قوة التنمية عنها.

# { وتصريف الرياح } من جهة إلى أخرى ومن حال إلى حال، وتأخيره عن
~~إنزال المطر مع تقدمه عليه في الوجوه إما للإيذان بأنه آية مستقلة حيث لو
~~روعي الترتيب الوجودي لربما توهم أن مجموع تصريف الرياح وإنزال المطر آية
~~واحدة، وإما لأن كون التصريف آية ليس بمجرد كونه مبدأ لإنشاء المطر بل له
~~ولسائر المنافع التي من جملتها سوق السفن في البحار. وقرأ زيد بن علي
~~وطلحة وعيسى { وتصريف الريح } بالإفراد.

# { ءايت لقوم يعقلون } بالرفع على أنه مبتدأ خبره ما تقدم
~~من الجار والمجرور أعني { في اختلف } على ما سمعت. والجملة معطوفة
~~على ما قبلها. وقيل: إن { اختلف } بالجر عطف على

# خلقكم

# [الجاثية: 4] المجرور بفي قبله و { ءايت } عطف على

# ءايت

# [الجاثية: 4] السابق المرفوع بالابتداء، وفيه العطف على معمولي عاملين
~~مختلفين، ومن الناس من يمنعة وهم أكثر البصريين، ومنهم من يجيزه وهم أكثر
~~الكوفيين، ومنهم من يفصل فيقول: وهو جائز في نحو قولك: في الدار زيد
~~والحجرة عمرو وغير جائز في نحو قولك: زيد في الدار وعمرو الحجرة لأن
~~الأول ms09748 يلي المجرور فيه العاطف فقام العاطف مقام الجار، والثاني لم يل فيه
~~المجرور العاطف فكان فيه إضمار الجار من غير عوض، وتمام الكلام في هذه
~~المسألة في محله.

# وقيل: إن { اختلف } عطف على المجرور قبل و { ءايت } خبر مبتدأ
~~محذوف أي هي آيات؛ واختاره من لم يجوز العطف على معمولي عاملين ويقول
~~بضعف حذف الجار مع بقاء عمله وإن تقدمه ذكر جار. وقال أبو البقاء: {
~~ءايت } مرفوع على التأكيد لآيات السابق وهم يعيدون الشيء إذا طال
~~الكلام في الجملة للتأكيد والتذكير. وتعقب بأن ذلك إنما يكون بعين ما
~~تقدم واختلاف الصفات يدل على تغاير الموصوفات فلا وجه للتأكيد، وأيضا
~~فيه الفصل بين المعطوف المجرور والمعطوف عليه وبين المؤكد والمؤكد وهو إن
~~جاز يورث تعقيدا ينافي فصاحة القرآن العظيم.

# وقرأ { ءايت } هنا بالنصب من قرأها هناك به فهي مفعول لفعل محذوف أي
~~أعني آيات.

# وقيل: العاطف في قوله تعالى: { واختلف } عطف اختلاف على المجرور
~~بفي قبل وعطفها على اسم

# إن

# [الجاثية: 3] وهو مبني على جواز العطف على معمولي عاملين، وقال أبو
~~البقاء: هي منصوبة على التأكيد والتكرير لاسم إن نحو إن بثوبك دما وبثوب
~~زيد دما، ومر آنفا ما فيه. وقال بعضهم: إنها اسم إن مضمرة وهي قد تضمر
~~ويبقى عملها، ذكر أبو حيان في «الارتشاف» في الكلام على إن من خير الناس
~~أو خيرهم زيد أن محمد بن يحيى بن المبارك اليزيدي ذهب إلى نصب خيرهم
~~ورفع زيد فاسم إن محذوف وأو خيرهم منصوب بإضمار إن لدلالة إن المذكورة
~~تقديره إن من خير الناس زيدا وإن خيرهم زيد. وقد أقر الشاطبي تخريج
~~النصب في الآية على ذلك لكن نقله السفاقسي عن أبي البقاء ورده بأن إن لا
~~تضمر. وقال ابن هشام في آخر الباب الرابع من «المغني»: إنه بعيد، والظاهر
~~أنه لا بد عليه من إضمار الجار في { اختلف } وحينئذ لا يخفى حاله،
~~وسائر القراءات مروية هنا عمن رويت عنه فيما تقدم. وتنكير { ءايت }
~~في الآيات للتفخيم كما وكيفا، ((والمعنى ms09749 إن المنصفين من العباد إذا
~~نظروا في السموات والأرض النظر الصحيح علموا أنها مصنوعة وأنها لا بد
~~لها من صانع فآمنوا بالله تعالى وأقروا، وإذا نظروا في خلق أنفسهم
~~وتنقلها من حال إلى حال وهيئة / إلى أخرى وفي خلق ما على ظهر الأرض من
~~صنوف الحيوان ازدادوا إيمانا وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس فإذا نظروا في
~~سائر الحوادث التي تتجدد في كل وقت كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار
~~وحياة الأرض بها بعد موتها وتصريف الرياح جنوبا وشمالا وقبولا ودبورا
~~(وشدة وضعفا وحرارة وبرودة) عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم)) كذا في
~~«الكشاف» ومنه يعلم نكتة اختلاف الفواصل.

# وفي «الكشف» أنه ذكر ما حاصله أنه على سبيل الترقي وهو يوافق ما عليه
~~الصوفية وغيرهم من أن الإيقان مرتبة خاصة في الإيمان، ثم العقل لما كان
~~مدارهما أي الإيمان والإيقان ونعني به العقل المؤيد بنور البصيرة جعله
~~لخلوص الإيقان من اعتراء الشكوك من كل وجه ففي استحكامه كل خير، وروعي في
~~ترتيب الآيات ما روعي في ترتيب المراتب الثلاث من تقديم ما هو أقدم
~~وجودا، ولا يلزم أن تكون الآية الثانية أعظم من الأولى ولا الثالثة من
~~الثانية لما ذكره من أن الجامع بين النظرين موقن وبين الثلاثة عاقل على
~~أنها كذلك في تحصيل هذا الغرض فإن كانت أعظم من وجه آخر فلا بأس فإن
~~النظر إلى حال نفسه وما هو من نوعه ثم جنسه من سائر الأناسي والحيوان
~~للقرب والتكرر وكثرة العدد أدخل في انتفاء الشك وحصول اليقين وإن كان
~~النظر في السماء والأرض أتم دلالة على كمال القدرة والعلم فذلك لا يضر
~~ولا هو المطلوب ههنا ثم النظر إلى اختلاف المذكور أدل على استحكام ذلك
~~اليقين من حيث إنه يتجدد حينا فحينا ويبعث على النظر والاعتبار كلما
~~تجدد هذا، والتحقيق أن تمام النظر في الثاني يضطر إلى النظر في الأول لأن
~~السموات والأرض من أسباب تكون الحيوان بوجه، وكذلك النظر في الثالث يضطر
~~إلى النظر في الأولين، أما على الأول فظاهر من ms09750 أسباب تكون الحيوان بوجه،
~~وكذلك النظر في الثالث يضطر إلى النظر في الأولين، أما على الأول فظاهر
~~وأما على الثاني فلأنه العلة الغائية فلا بد من أن يكون جامعا انتهى،
~~وهو كلام نفيس جدا.

# وقال الإمام في ترتيب هذه الفواصل: ((أظن أن سببه أنه قيل إن كنتم
~~مؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإن كنتم لستم من المؤمنين بل كنتم من طلاب
~~الجزم واليقين فافهموا هذه الدلائل وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من
~~الموقنين فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين فاجتهدوا في معرفة هذه
~~الدلائل))، ولا يخفى أنه فاته ذلك التحقيق ولم يختر الترقي وهو بالاختيار
~~حقيق. والمغايرة بين ما هنا وما في سورة [البقرة: 164] أعني

# إن في خلق السموات والأرض واختلف الليل
~~والنهار والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع
~~الناس

# الآية للتفنن والكلام المعجز مملوء منه، وذكر الإمام في ذلك ما لا يهش
~~له السامع فتأمل.

### || [45.6]

# { تلك آيت الله } مبتدأ وخبر، وقوله تعالى: { نتلوها
~~عليك } حال عاملها معنى الإشارة نحو

# وهذا بعلي شيخا

# [هود: 72] على المشهور، وقيل: هو الخبر و { آيت الله } بدل أو
~~عطف بيان وقوله سبحانه: { بالحق } حال من فاعل { نتلوها } أو من
~~مفعوله أي نتلوها محقين أو ملتبسة بالحق فالباء للملابسة ويجوز أن تكون
~~للسببية الغائية. والمراد بالآيات المشار إليها إما آيات القرآن أو
~~السورة أو ما ذكر قبل من السموات والأرض وغيرهما فتلاوتها بتلاوة ما يدل
~~عليها، وفسرت بالسرد أي نسردها عليك. وقال ابن عطية: الكلام بتقدير مضاف
~~أي نتلوا شأنها وشأن العبرة بها. وقرىء { يتلوها } بالياء على أن الفاعل
~~ضميره تعالى والمراد على القراءتين تلاوتها عليه صلى الله عليه وسلم
~~بواسطة الملك عليه السلام.

# { فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون } هو من باب
~~قولهم: أعجبني زيد وكرمه يريدون أعجبني كرم زيد إلا أنهم عدلوا عنه
~~للمبالغة في الإعجاب أي فبأي حديث بعد هذه الآيات المتلوة بالحق يؤمنون،
~~وفيه / دلالة على أنه لا بيان أزيد من هذا البيان ولا آية أدل من ms09751 هذه
~~الآية، وتفخيم شأن الآيات من اسم الإشارة وإضافتها إلى الله عز وجل. وجعل
~~{ نتلوها } حالا مع ضمير التعظيم ثم تكرير الاسم الجليل للنكتة
~~المذكورة وإضافتها إليه بواسطة الضمير مرة أخرى، وقد ذكر ذلك الزمخشري
~~وتعقبه أبو حيان بأنه ((ليس بشيء لأن فيه من حيث المعنى إقحام الأسماء من
~~غير ضرورة والعطف، والمراد غير العطف من إخراجه إلى باب البدل لأن تقدير
~~كرم زيد إنما يكون في أعجبني زيد كرمه بغير واو على البدل وهذا قلب
~~لحقائق النحو، وإنما المعنى في المثال أن ذات زيد أعجبته وأعجبه كرمه
~~فهما إعجابان لا إعجاب واحد)) وهو مبني على عدم التعمق في فهم كلام جار
~~الله. ومن تعمق فيه لا يرى أنه قائل بالإقحام وإنما بيان حاصل المعنى
~~يوهمه، وبين هذه الطريقة وطريقة البدل مغايرة تامة، فقد ذكر أن فائدة هذه
~~الطريقة وهي طريقة إسناد الفعل إلى شيء والمقصود إسناده إلى ما عطف عليه
~~قوة اختصاص المعطوف بالمعطوف عليه من جهة الدلالة على أنه صار من التلبس
~~بحيث يصح أن يسند أوصافه وأفعاله وأحواله إلى الأول قصدا لأنه بمنزلته
~~ولا كذلك البدل لأن المقصود فيه بالنسبة هو الثاني فقط وهنا هما مقصودان.

# فإن قلت: إذا لم يكن ذلك الوصف منسوبا للمعطوف عليه لزم إقحامه كما قال
~~أبو حيان، وما يذكر من المبالغة لا يدفع المحذور، وعلى فرض تسليمه
~~فدلالته على ما ذكر بأي طريق من طرق الدلالة المشهورة. أجيب بأنه غير
~~منسوب إليه في الواقع لكن لما كان بينهما ملابسة تامة من جهة ما ككون
~~الآيات ههنا بإذنه تعالى أو مرضية له عز وجل جعل كأنه المقصود بالنسبة
~~وكنى بها عن ذلك الاختصاص كناية إيمائية ثم عطف عليه المنسوب إليه وجعل
~~تابعا فيها وبهذا غاير البدل مغايرة تامة غفل عنها المعترض فالنسبة
~~بتمامها مجازية كذا قرره بعض المحققين.

# وقال الواحدي: أي فبأي حديث بعد حديث الله أي القرآن وقد جاء إطلاقه
~~عليه في قوله تعالى:

# الله نزل أحسن الحديث

# [الزمر: 23] وحسن الإضمار لقرينة ms09752 تقدم الحديث، وقوله سبحانه: {
~~وءايته } عطف عليه لتغايرهما إجمالا وتفصيلا لأن الآيات هي ذلك
~~الحديث ملحوظ الأجزاء، وإن أريد ما بين فيه من الآيات والدلائل فليس من
~~عطف الخاص على العام لأن الآيات ليست من القرآن وإنما وجه دلالتها
~~وإيرادها منه فيكون في هذا الوجه الدلالة أيضا على حال البيان والمبين
~~كما في الوجه الأول. وقال الضحاك: أي فبأي حديث بعد توحيد الله ولا يخفى
~~أنه بظاهره مما لا معنى له فلعله أراد بعد حديث توحيده تعالى أي الحديث
~~المتضمن ذلك أو هو بعد تقدير المضاف من باب أعجبني زيد وكرمه. وأيا ما
~~كان فالفاء في جواب شرط مقدر والظرف صفة { حديث } وجوز أن يكون
~~متعلقا بيؤمنون قدم للفاصلة.

# وقرأ ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي { تؤمنون } بالتاء الفوقانية وهو
~~موافق لقوله تعالى:

# وفي خلقكم

# [الجاثية: 4] بحسب الظاهر والصورة وإلا فالمراد هنا الكفار بخلاف ذلك.
~~وقرأ طلحة { توقنون } بالتاء الفوقانية والقاف من الإيقان.

### || [45.7]

# { ويل لكل أفاك } كثير الإفك أي الكذب { أثيم } كثير
~~الإثم. والآية نزلت في أبي جهل، وقيل: في النضر بن الحرث وكان يشتري
~~حديث الأعاجم ويشغل به الناس عن استماع القرآن لكنها عامة كما هو مقتضي
~~كل ويدخل من نزلت فيه دخولا أوليا. و { أثيم } صفة { أفاك }
~~وقوله تعالى: { يسمع ءايت الله }.

### || [45.8]

# { يسمع ءايت الله } صفة أخرى له، وقيل استئناف، وقيل حال من
~~الضمير في { أثيم } / وقوله سبحانه: { تتلى عليه } حال من {
~~ءايت الله } ولم يجوز جعله مفعولا ثانيا ليسمع لأن شرطه أن يكون
~~ما بعده مما لا يسمع كسمعت زيدا يقرأ. والظاهر أن المراد بتتلى
~~الاستمرار لأنه المناسب للاستبعاد المدلول عليه بقوله عز وجل: { ثم
~~يصر } فإن ثم لاستبعاد الإصرار بعد سماع الآيات وهي للتراخي الرتبي
~~ويمكن إبقاؤه على حقيقته إلا أن الأول أبلغ وأنسب بالمقام، ونظير ذلك في
~~الاستبعاد قول جعفر بن علية:

# لا يكشف الغماء إلا ابن حرة

# يرى غمرات الموت ثم يزورها

# والإصرار على الشيء ملازمته وعدم الانفكاك عنه من الصر وهو ms09753 الشد ومنه
~~صرة الدراهم، ويقال: صر الحمار أذنيه ضمهما صرا وأصر الحمار ولا يقال
~~أذنيه على ما في «الصحاح» وكأن معناه حينئذ صار صارا أذنيه. والمراد هنا
~~ثم يقيم على كفره وضلاله { مستكبرا } عن الايمان بالآيات وهو حال
~~من ضمير { يصر } وقوله سبحانه { كأن لم يسمعها } حال بعد
~~حال أو حال من ضمير { مستكبرا } وجوز الاستئناف. و { كأن } مخففة
~~من كأن بحذف إحدى النونين واسمها ضمير الشأن، وقيل: لا حاجة إلى تقديره
~~كما في أن المفتوحة، والمعنى يصر مستكبرا مثل غير السامع لها.

# { فبشره بعذاب أليم } على إصراره ذلك. والبشارة في الأصل
~~الخبر المغير للبشرة خيرا كان أو شرا، وخصها العرف بالخبر السار فإن
~~أريد المعنى العرفي فهو استعارة تهكمية أو هو من قبيل:

# تحية بينهم ضرب وجيع

### || [45.9]

# { وإذا علم من ءايتنا شيئا } وإذا بلغه شيء من آياتنا
~~وعلم أنه منها. { اتخذها هزوا } بادر إلى الاستهزاء بالآيات كلها
~~ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه، وجوز أن يكون المعنى وإذا علم من
~~آياتنا شيئا يمكن أن يتشبث به المعاند ويجد له محملا يتسلق به على
~~الطعن والغميزة افترصه واتخذ آيات الله تعالى هزوا وذلك نحو اعتراض ابن
~~الزبعرى في قوله تعالى:

# إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم

# [الأنبياء: 98] ومغالطته رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله على ما بعض
~~الروايات: خصمتك، فضمير { اتخذها } على الوجهين للآيات، والفرق
~~بينهما أن { شيئا } على الثاني فيه تخصيص لقرينة { اتخذها
~~هزوا } إذ لا يحتمل إلا ما يحسن أن يخيل فيه ذلك ثم يجعله دستورا
~~للباقي فيقول: الكل من هذا القبيل، وفرق بين الوجهين أيضا بأن الأول
~~الاتخاذ قبل التأمل وفي الثاني بعده وبعد تمييز آية عن أخرى. وقيل:
~~الاستهزاء بما علمه من الآيات إلا أنه أرجع الضمير إلى الآيات لأن
~~الاستهزاء بواحدة منها استهزاء بكلها لما بينها من التماثل. وجوز أن يرجع
~~الضمير إلى شيء والتأنيث لأنه بمعنى الآية كقول أبي العتاهية:

# نفسي بشيء من الدنيا معلقة

# الله والقائم المهدي يكفيها

# يعني ms09754 الشيء وأراد به عتبة جارية للمهدي من حظاياه وكان أبو العتاهية
~~يهواها فقال ما قال. وقرأ قتادة ومطر الوراق { علم } بضم العين وشد اللام
~~مبنيا للمفعول.

# { أولئك } إشارة إلى

# أفاك أثيم

# [الجاثية: 7] من حيث الاتصاف بما ذكر من القبائح، والجمع باعتبار الشمول
~~للكل كما في قوله تعالى:

# كل حزب بما لديهم فرحون

# [الروم: 32] كما أن الإفراد فيما سبق من الضمائر باعتبار كل واحد واحد،
~~وأداة البعد للإشارة إلى بعد منزلتهم في الشر. { لهم } بسبب جناياتهم
~~المذكورة { عذاب مهين } وصف العذاب بالإهانة توفية لحق استكبارهم
~~واستهزائهم / بآيات الله عز وجل.

### || [45.10]

# { من ورائهم جهنم } أي من قدامهم لأنهم متوجهون إليها أو من
~~خلفهم لأنهم معرضون عن الالتفات إليها والاشتغال عما ينجيهم منها مقبلون
~~على الدنيا والانهماك في شهواتها، والوراء تستعمل في هذين المعنيين لأنها
~~اسم للجهة التي يواريها الشخص فتعم الخلف والقدام، وقيل في توجيه
~~الخلفية: إن جهنم لما كانت تتحقق لهم بعد الأجل جعلت كأنها خلفهم { ولا
~~يغني عنهم } ولا يدفع { ما كسبوا } أي الذي كسبوه من الأموال
~~والأولاد { شيئا } من عذاب الله تعالى أو شيئا من الإغناء على أن {
~~شيئا } مفعول به أو مفعول مطلق { ولا ما اتخذوا } أي الذي
~~اتخذوه { من دون الله أولياء } أي الأصنام. وجوز أن تفسر { ما
~~} بما تعمها وسائر المعبودات الباطلة، والأول أظهر، وجوز في { ما } في
~~الموضعين أن تكون مصدرية. وتوسيط حرفي النفي بين المعطوفين مع أن عدم
~~إغناء الأصنام أظهر وأجلى من عدم إغناء الأموال والأولاد قطعا مبني على
~~زعمهم الفاسد حيث كانوا يطمعون في شفاعتهم، وفيه تهكم.

# { ولهم } فيما وراءهم من جهنم { عذاب عظيم } لا يقادر قدره.

### || [45.11]

# { هذا } أي القرآن كما يدل عليه ما بعد وكذا ماقبل ك

# يسمع آيت الله

# [الجاثية: 8] و

# وإذا علم من آياتنا

# [الجاثية: 9] و

# تلك آيت الله نتلوها

# [الجاثية: 6] { هدى } في غاية الكمال من الهداية كأنه نفسها.

# { والذين كفروا بئايت ربهم } يعني القرآن أيضا على
~~أن الإضافة للعهد، وكان الظاهر الإضمار لكن عدل عنه إلى ms09755 ما في النظم
~~الجليل لزيادة تشنيع كفرهم به وتفظيع حالهم، وجوز أن يراد بالآيات ما
~~يشمله وغيره. { لهم عذاب من رجز } من أشد العذاب { أليم }
~~بالرفع صفة { عذاب } أخر للفاصلة.

# وقرأ غير واحد من السبعة { أليم } بالجر على أنه صفة { رجز } ، وجعله
~~صفة { عذاب } أيضا والجر للمجاورة مما لا ينبغي أن يلتفت إليه، وقيل:
~~على قراءة الرفع إن الرجز بمعنى الرجس الذي هو النجاسة، والمعنى لهم عذاب
~~أليم من تجرع رجس أو شرب رجس والمراد به الصديد الذي يتجرعه الكافر ولا
~~يكاد يسيغه ولا داعي لذلك كما لا يخفى. وتنوين { عذاب } في المواقع
~~الثلاثة للتفخيم، ورفعه إما على الابتداء وإما على الفاعلية للظرف.

### || [45.12]

# { الله الذي سخر لكم البحر } بأن جعله أملس السطح يطفو
~~عليه ما يتخلخل كالأخشاب ولا يمنع الغوص فيه { لتجري الفلك
~~فيه بأمره } بتسخيره تعالى إياه وتسهيل استعمالها فيما يراد بها،
~~وقيل: بتكوينه تعالى أو بإذنه عز وجل، وسياق الامتنان يقتضي أن يكون
~~المعنى لتجري الفلك فيه وأنتم راكبوها. { ولتبتغوا من فضله }
~~بالتجارة والغوص والصيد وغيرها { ولعلكم تشكرون } ولكي
~~تشكروا النعم المترتبة على ذلك. وهذا أعني { الله الذي سخر }
~~الخ ذكر تتميما للتقريع ولهذا رتب عليه الأغراض العاجلة فإنه مما يستوجب
~~الشكر غالبا للكافر أيضا فكأنه قيل: تلك الآيات أولى بالشكر ولهذا عقب
~~بما يعم القسمين أعني قوله سبحانه: { وسخر لكم ما فى
~~السموات وما في الأرض }.

### || [45.13]

# { وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض } أي من
~~الموجودات بأن جعل فيها منافع لكم، منها ظاهرة ومنها خفية، وعقب بالتفكر
~~لينبه على أن التفكر هو الذي يؤدي إلى ما ذكر من الأولوية ويدل به على أن
~~التفكر ملاك الأمر في ترتيب الغرض على ما جعل آية من الإيمان والإيقان
~~والشكر { جميعا } حال / من { ما في السموات وما في
~~الأرض } أو توكيد له وقوله تعالى: { منه } حال من ذلك أيضا،
~~والمعنى سخر هذه الأشياء جميعا كائنة منه وحاصلة من عنده يعني أنه
~~سبحانه مكونها وموجودها بقدرته وحكمته ثم ms09756 مسخرها لخلقه.

# وجوز فيه أوجه أخر. الأول أن يكون خبر مبتدأ محذوف فقيل «جميعا» حينئذ
~~حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور بناء على جواز تقدم الحال على
~~مثل هذا العامل أو من المبتدأ بناء على تجويز الحال منه أي هي جميعا منه
~~تعالى وقيل: جميعا على ما كان ويلاحظ في تصوير المعنى فالضمير المبتدأ
~~يقدر بعده ويعتبر رجوعه إلى ما تقدم بقيد (جميعا)، والجملة على القولين
~~استئناف جيء به تأكيدا لقوله تعالى: { سخر } أي أنه عز وجل أوجدها
~~ثم سخرها لا أنها حصلت له سبحانه من غيره كالملوك.

# الثاني أن يجعل { ما في السموات } مبتدأ ويكون هو خبره و { جميعا }
~~حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور الواقع صلة ويكون { وسخر
~~لكم } تأكيدا للأول أي سخر وسخر، وفي العطف إيماء إلى أن التسخير
~~الثاني كأنه غير الأول دلالة على أن المتفكر كلما فكر يزداد إيمانا
~~بكمال التسخير والمنة عليه. وجملة { ما في السموات } الخ
~~مستأنفة لمزيد بيان القدرة والحكمة. واعترض بأنه إن أريد التأكيد اللغوي
~~فهو لا يخلو من الضعف لأن عطف مثله في الجمل غير معهود، وإن أريد التأكيد
~~الاصطلاحي كما قيل به في قوله تعالى:

# كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون

# [التكاثر: 3-4] فهو مخالف لما ذكره ابن مالك في «التسهيل» من أن عطف
~~التأكيد يختص بثم، وقال الرضي: يكون بالفاء أيضا وهو ههنا بالواو ولم
~~يجوزه أحد منهم وإن لم يذكروا وجه الفرق على أنه قد تقرر في المعاني أنه
~~لا يجري في التأكيد العطف مطلقا لشدة الاتصال، واعترض أيضا بأن فيه حذف
~~مفعول { سخر } من غير قرينة وهذا كما ترى. الثالث أن يكون { ما في
~~الأرض } مبتدأ و { منه } خبره ولا يخفى أنه ضعيف بحسب المساق.

# وأخرج ابن المنذر من طريق عكرمة أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لم
~~يكن يفسر هذه الآية، ولعله إن صح محمول على أنه لم يبسط الكلام فيها، فقد
~~أخرج ابن جرير عنه أنه قال: فيها كل شيء ms09757 هو من الله تعالى.

# وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حيمد وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في
~~«الأسماء والصفات» عن طاوس قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص
~~فسأله مم خلق الخلق؟ قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب قال:
~~فمم خلق هؤلاء؟ قال: لا أدري ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير فسأله فقال
~~مثل قول عبد الله بن عمرو فأتى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فسأله مم
~~خلق الخلق؟ قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب قال: فمم خلق
~~هؤلاء؟ فقرأ ابن عباس { وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه
~~} فقال الرجل: ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبي صلى الله
~~عليه وسلم.

# واختلف أهل العلم فيما أراد ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بذلك فقال
~~البيهقي: أراد أن مصدر الجميع منه تعالى أي من خلقه وإبداعه واختراعه خلق
~~الماء أولا أو الماء وما شاء عز وجل من خلقه لا عن أصل ولا عن مثال سبق
~~ثم جعله تعالى أصلا لما خلق بعده فهو جل شأنه المبدع وهو سبحانه البارىء
~~لا إله غيره ولا خالق سواه اه، وعليه جميع المحدثين والمفسرين ومن حذا
~~حذوهم.

# وقال الشيخ إبراهيم الكوراني من الصوفية: إن المخلوقات تعينات الوجود
~~المفاض الذي هو صورة النفس الرحماني المسمى بالعماء وذلك أن / العماء قد
~~انبسط على الحقائق التي هي أمور عدمية متميزة في نفس الأمر والانبساط
~~حادث والعماء من حيث اقترانه بالماهيات غير ذات الحق تعالى فإنه سبحانه
~~الوجود المحض الغير المقترن بها فالموجودات صور حادثة في العماء قائمة به
~~والله تعالى قيومها لأنه جل وعلا الأول الباطن الممد لتلك الصور بالبقاء
~~ولا يلزم من ذلك قيام الحوادث بذات الحق تعالى ولا كونه سبحانه مادة لها
~~لأن وجوده تعالى مجرد عن الماهيات غير مقترن بها والمتعين بحسبها هو
~~العماء الذي هو الوجود المفاض فأراد ابن عباس أن الأشياء جميعا منه
~~تعالى أي من نوره سبحانه المفاض الذي ms09758 هو العماء والوجود المفاض منه تعالى
~~بإيجاده جل شأنه، وبهذا ينطبق الجواب على السؤال من غير تكلف ولا محذور،
~~ولو كان مراد ابن عباس مجرد ما ذكره البيهقي من أن مصدر الجميع من خلقه
~~تعالى كان يكفي في ذلك قوله تعالى:

# الله خلق كل شيء

# [الرعد: 16] لكن السؤال إنما وقع بمم ووقع الجواب بمنه في تلاوته الآية
~~فالظاهر أن ما فهمه السائل من تلاوته رضي الله تعالى عنه ليس مجرد ما
~~ذكره بقرينة مدحه بقوله: ما كان ليأتي بهذا الخ فإن ما ذكره البيهقي
~~يعرفه كل من آمن بقوله تعالى: { الله خلق كل شيء } فلا يظهر
~~حينئذ وجه لقول كل من ابن عمرو وابن الزبير لا أدري فإنهما من أفضل
~~المؤمنين بأن الله تعالى خالق كل شيء بل ما فهمه هو ما أشرنا إليه اه،
~~وعليه عامة أهل الوحدة.

# { وأجاب الأولون } بأن مراد ابن عباس قطع التسليل في السؤال بعد
~~ذكر مادة لبعضها بأن مرجع الأمر أن الأشياء كلها خلقت بقدرته تعالى لا من
~~شيء وهو كلام حكيم يمدح قائله لم يهتد إليه ابن الزبير وابن عمرو، ولا
~~يعكر على هذا قوله تعالى:

# أم خلقوا من غير شيء

# [الطور: 35] لما قاله المفسرون فيه وسيأتي إن شاء الله تعالى في محله
~~فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك.

# وقد أورد الحسين بن علي بن واقد في مجلس الرشيد هذه الآية ردا على بعض
~~النصارى في زعمه ان قوله تعالى في عيسى عليه السلام:

# وروح منه

# [النساء:171] يدل على ما يزعمه فيه عليه السلام من أنه ابن الله سبحانه
~~وتعالى عما يصفون.

# وحكى أبو الفتح وصاحب «اللوامح» عن ابن عباس وعبد الله بن عمرو والجحدري
~~وعبد الله بن عبيد بن عمير أنهم قرؤوا «منة» بكسر الميم وشد النون ونصب
~~التاء على أنه مفعول له أي سخر لكم ذلك نعمة عليكم، وحكاها عن ابن عباس
~~أيضا ابن خالويه، ولكن قال أبو حاتم: إن سند هذه القراءة إليه مظلم فإذا
~~صح السند يمكن أن يقال ms09759 فيما تقدم من حديث طاوس: إنه ذكر الآية على قراءة
~~الجمهور ويحتمل أن له قراءتين فيها. وقرأ مسلمة بن محارب كذلك إلا أنه ضم
~~التاء على تقدير هو أو هي منة، وعنه أيضا فتح الميم وشد النون وهاء
~~الكناية عائدة على الله تعالى أي إنعامه وهو فاعل { سخر } على
~~الإسناد المجازي كما تقول: كرم الملك أنعشني أو هو خبر مبتدأ محذوف أي
~~هذا أو هو منه تعالى، وجوزت الفاعلية في قراءته الأولى، وتذكير الفعل لأن
~~الفاعل ليس مؤنثا حقيقيا مع وجود الفاصل، والوجه الأول أولى وإن كان
~~فيه تقدير

# { إن في ذلك } أي فيما ذكر { لآيات } عظيمة الشأن كثيرة العدد
~~{ لقوم يتفكرون } في بدائع صنعه تعالى وعظائم شأنه جل شأنه
~~فإن ذلك يجرهم إلى الإيمان والإيقان والشكر.

### || [45.14]

# { قل للذين ءامنوا يغفروا } حذف المقول لدلالة «يغفروا»
~~عليه فإنه جواب للأمر باعتبار تعلقه به لا باعتبار نفسه فقط أي قل لهم
~~اغفروا يغفروا { للذين لا يرجون أيام الله } أي يعفوا
~~ويصفحوا عن / الذين لا يتوقعون وقائعه تعالى بأعدائه ونقمته فيهم فالرجاء
~~مجاز عن التوقع وكذا الأيام مجاز عن الوقائع من قولهم: أيام العرب
~~لوقائعها وهو مجاز مشهور وروي ذلك عن مجاهد، أو لا يأملون الأوقات التي
~~وقتها الله تعالى لثواب المؤمنين ووعدهم الفوز فيها.

# والآية قيل نزلت قبل آية القتال ثم نسخت بها. وقال بعضهم: لا نسخ لأن
~~المراد هنا ترك النزاع في المحقرات والتجاوز عن بعض ما يؤذي ويوحش، وحكى
~~النحاس والمهدوي عن ابن عباس أنها نزلت في عمر رضي الله تعالى عنه شتمه
~~مشرك بمكة قبل الهجرة فهم أن يبطش به فنزلت وروي ذلك عن مقاتل وهذا
~~ظاهر في كونها مكية كأخواتها. وإرادة فهم أن يبطش به بعد الهجرة لأن
~~المسلمين بمكة قبلها عاجزون مقهورون لا يمكنهم الانتصار من المشركين
~~والعاجز لا يؤمر بالعفو والصفح غير ظاهر محتاج إلى نقل، ودوام عجز كل من
~~المسلمين غير معلوم بل من وقف على أحوال أبي حفص رضي الله تعالى عنه لا ms09760
~~يتوقف في أنه قادر على ما هم به لا يبالي بما يترتب عليه. وهذا أولى
~~في الجواب من أن يقال: إن الأمر بفعل ذلك بينه وبين الله تعالى بقلبه
~~ليثاب عليه. نعم قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نزلوا في
~~غزوة بني المصطلق على بئر يقال له المريسيع فأرسل ابن أبي غلامه ليستقي
~~فأبطأ عليه فلما أتاه قال له: ما حبسك؟ قال: غلام عمر قعد على طرف البئر
~~فما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي صلى الله عليه وسلم وقرب أبي
~~بكر رضي الله تعالى عنه قال ابن أبي: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل
~~سمن كلبك بأكلك فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فاشتمل سيفه يريد التوجه إليه
~~فأنزل الله تعالى الآية؛ وحكاه الإمام عن ابن عباس وهو يدل على أنها
~~مدنية، وكذا ما روي عن ميمون بن مهران قال: إن فنحاصا اليهودي قال: لما
~~أنزل الله تعالى:

# من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا

# [البقرة: 245] احتاج رب محمد فسمع بذلك عمر رضي الله تعالى عنه فاشتمل
~~سيفه وخرج فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبه حتى رده ونزلت الآية.

# { ليجزي قوما بما كانوا يكسبون } تعليل للأمر
~~بالمغفرة، وجوز أن يكون تعليلا للأمر بالقول لأنه سبب لامتثالهم المجازي
~~عليه. والمراد بالقوم المؤمنون الغافرون والتنكير للتعظيم، ولفظ القوم في
~~نفسه اسم مدح على ما يرشد إليه الاشتقاق والاستعمال في نحو يا ابن القوم.

# وفي هذا التنكير كمال التعريف والتنبيه على أنهم لا يخفون نكروا أو
~~عرفوا مع العلم بأن المجزي لا يكون إلا العامل وهو الغافر ههنا أي أمروا
~~بذلك ليجزي الله تعالى يوم القيامة قوما أيما قوم وقوما مخصوصين بما
~~كسبوا في الدنيا من الأعمال الحسنة التي من جملتها الصبر على أذية الكفار
~~والإغضاء عنهم بكظم الغيظ واحتمال المكروه ما لا يحيط به نطاق البيان من
~~الثواب العظيم، ومنهم من خص ما كسبوه بالمغفرة والصبر على الأذية، و {
~~ما } في الوجهين موصولة وجوز أن ms09761 تكون مصدرية، والباء للسببية أو
~~للمقابلة أو صلة { يجزي }.

# وجوز أن يراد بالقوم الكفرة وبما كسبوا سيآتهم التي من جملتها إيذاؤهم
~~المؤمنين والتنكير للتحقير. وتعقب بأن مطلق الجزاء لا يصلح تعليلا للأمر
~~بالمغفرة لتحققه على تقديري المغفرة وعدمها فلا بد من تخصيصه بالكل بأن
~~لا يتحقق بعض منه في الدنيا أو بما يصدر عنه تعالى بالذات، وفي ذلك من
~~التكلف ما لا يخفى. وأن يراد كلا الفريقين والتنكير للشيوع، وتعقب بأنه
~~أكثر تكلما وأشد تمحلا، والذي يشهد للوجه السابق ما روي عن سعيد بن
~~المسيب قال: كنا بين يدي عمر رضي الله تعالى عنه فقرأ قارىء هذه الآية
~~فقال: ليجزى عمر بما صنع.

# وقرأ زيد بن علي وأبو عبد الرحمن والأعمش / وأبو خليد وابن عامر وحمزة
~~والكسائي { لنجزي } بنون العظمة، وقرىء { ليجزى } بالياء والبناء للمفعول
~~{ قوم } بالرفع على أنه نائب الفاعل، وقرأ شيبة وأبو جعفر بخلاف عنه
~~كذلك إلا أنهما نصبا { قوما } وروي ذلك عن عاصم، واحتج به من يجوز
~~نيابة الجار والمجرور عن الفاعل مع وجود المفعول الصريح فيقول: ضرب بسوط
~~زيدا فبما كسبوا نائب الفاعل ههنا ولا يجيز ذلك الجمهور، وخرجت هذه
~~القراءة على أن القائم مقام الفاعل ضمير المصدر أي ليجزي هو أي الجزاء.
~~ورد بأنه لا يقام مقامه عند وجود المفعول به أيضا على الصحيح، وأجازه
~~الكوفيون على خلاف في الإطلاق والاستحسان أو على أنه ضمير المفعول الثاني
~~وهو الجزاء بمعنى المجزي به كما في قوله تعالى:

# جزاؤهم عند ربهم جنت عدن

# [البينة: 8] وأضمر لدلالة السياق كما في قوله سبحانه:

# ولأبويه

# [النساء: 11] والمفعول الثاني في باب أعطى يقوم مقام الفاعل بلا خلاف
~~وهذا من ذاك، وأبو البقاء اعتبر الخير بدل الجزاء المذكور أو على أن {
~~قوما } منصوب بأعني أو جزى مضمرا لدلالة المجهول على أن ثم جازيا
~~واختاره أبو حيان، و { ليجزي } حينئذ من باب يعطي ويمنع وحيل بين
~~العير والنزوان فمعناه ليفعل الجزاء ويكون هناك جملتان.

### || [45.15]

# { من عمل صلحا فلنفسه ومن أساء فعليها } لا ms09762
~~يكاد يسري عمل إلى غير عامله { ثم إلى ربكم } مالك أموركم {
~~ترجعون } فيجازيكم على أعمالكم حسبما تقتضيه الحكمة خيرا على الخير
~~وشرا على الشر. والجملة مستأنفة لبيان كيفية الجزاء.

### || [45.16]

# { ولقد ءاتينا بنى إسرءيل الكتب } وهو التوراة على
~~أن التعريف للعهد، وجوز جعله للجنس ليشمل الزبور والإنجيل ولا يضر في ذلك
~~كون الزبور أدعية ومناجاة والإنجيل أحكامه قليلة جدا ومعظم أحكام عيسى
~~عليه السلام من التوراة لأن إيتاء الكتاب مطلقا منة { والحكم }
~~القضاء وفصل الأمور بين الناس لأن الملك كان فيهم واختاره أبو حيان، أو
~~الفقه في الدين ويقال: لم يتسع فقه الأحكام على نبي ما اتسع على لسان
~~موسى عليه السلام، أو الحكم النظرية الأصلية والعملية الفرعية {
~~والنبوة } حيث كثر فيهم الأنبياء عليهم السلام ما لم يكثر في
~~غيرهم { ورزقناهم من الطيبات } المستلذات الحلال وبذلك تتم
~~النعمة وذلك كالمن والسلوى { وفضلنهم على العلمين }
~~حيث آتيناهم ما لم نؤت غيرهم من فلق البحر وإظلال الغمام ونظائرهما
~~فالمراد تفضيلهم على العالمين مطلقا من بعض الوجوه لا من كلها ولا من
~~جهة المرتبة والثواب فلا ينافي ذلك تفضيل أمة محمد صلى الله عليه وسلم
~~عليهم من وجه آخر ومن جهة المرتبة والثواب. وقيل: المراد بالعالمين عالمو
~~زمانهم.

### || [45.17]

# { وءاتينهم بينت من الأمر } دلائل ظاهرة في أمر
~~الدين، فمن بمعنى في والبينات الدلائل ويندرج فيها معجزات موسى عليه
~~السلام وبعضهم فسرها بها، وعن ابن عباس آيات من أمر النبي صلى الله عليه
~~وسلم وعلامات مبينة لصدقه عليه الصلاة والسلام ككونه يهاجر من مكة إلى
~~يثرب ويكون أنصاره أهلها إلى غير ذلك مما ذكر في كتبهم { فما
~~اختلفوا } في ذلك الأمر { إلا من بعد ما جاءهم العلم
~~} بحقيقة الحال فجعلوا ما ويجب زوال الخلاف موجبا لرسوخه { بغيا
~~بينهم } عداوة وحسدا لا شكا فيه { إن ربك يقضي
~~بينهم يوم القيمة } بالمؤاخذة والجزاء { فيما كانوا
~~فيه يختلفون } من أمر الدين.

### || [45.18]

# { ثم جعلنك على شريعة } أي سنة وطريقة من شرعه إذا سنه
~~ليسلك، وفي «البحر» ((الشريعة ms09763 في كلام العرب الموضع الذي يرد منه الناس
~~في الأنهار ونحوها / فشريعة الدين من ذلك من حيث يرد الناس منها أمر الله
~~تعالى ورحمته والقرب منه عز وجل))، وقال الراغب: ((الشرع مصدر ثم جعل
~~اسما للطريق النهج فقيل له شرع وشرعة وشريعة واستعير ذلك للطريقة
~~الإلهية من الدين ثم قال: قال بعضهم سميت الشريعة شريعة تشبيها بشريعة
~~الماء من حيث إن من شرع فيها على الحقيقة والصدق روي وتطهر، وأعني بالري
~~ما قال بعض الحكماء: كنت أشرب فلا أروى فلما عرفت الله تعالى رويت بلا
~~شرب، وبالتطهر ما قال عز وجل:

# إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل
~~البيت ويطهركم تطهيرا

# [الأحزاب: 33])) والظاهر هنا المعنى اللغوي، والتنوين للتعظيم أي شريعة
~~عظيمة الشأن { من الأمر } أي أمر الدين، وجوز أبو حيان كونه مصدر
~~أمر، والمراد من الأمر والنهي وهو كما ترى { فاتبعها ولا
~~تتبع أهواء الذين لا يعلمون } أي آراء الجهال التابعة
~~للشهوات، والمراد بهم ما يعم كل ضال، وقيل: هم جهال قريظة والنضير، وقيل:
~~رؤساء قريش كانوا يقولون له صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى دين آبائك.

### || [45.19]

# { إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا } من الأشياء أو
~~شيئا من الإغناء إن اتبعتهم والجملة مستأنفة مبينة لعلة النهي { وإن
~~الظلمين بعضهم أولياء بعض } لا يواليهم ولا يتبع
~~أهواءهم إلا من كان ظالما مثلهم.

# { والله ولي المتقين } الذين أنت قدوتهم فدم على ما أنت
~~عليه من توليه سبحانه خاصة والإعراض عما سواه عز وجل بالكلية.

### || [45.20]

# { هذا } أي القرآن { بصائر للناس } فإن ما فيه من معالم
~~الدين وشعائر الشرائع بمنزلة البصائر في القلوب، وقيل: الإشارة إلى اتباع
~~الشريعة والكلام من باب التشبيه البليغ، وجمع الخبر على الوجهين باعتبار
~~تعدد ما تضمنه المبتدأ واتباع مصدر مضاف فيعم ويخبر عنه بمتعدد أيضا.
~~وقرىء { هذه } أي الآيات { وهدى } جليل من ورطة الضلالة {
~~ورحمة } عظيمة { لقوم يوقنون } من شأنهم الإيقان بالأمور.

### || [45.21]

# { أم حسب الذين اجترحوا السيئت } إلى آخره استئناف
~~مسوق لبيان حال المسيئين والمحسنين ms09764 إثر بيان حال الظالمين والمتقين. و {
~~أم } منقطعة وما فيها من معنى بل للانتقال من البيان الأول إلى الثاني،
~~والهمزة لإنكار الحسبان على معنى أنه لا يليق ولا ينبغي لظهور خلافه.
~~والاجتراح الاكتساب ومنه الجارحة للأعضاء التي يكتسب بها كالأيدي، وجاء
~~هو جارحة أهله أي كاسبهم، وقال الراغب: الاجتراح اكتساب الإثم وأصله من
~~الجراحة كما أن الاقتراف من قرف القرحة، والظاهر تفسيره ههنا بالاكتساب
~~لمكان { السيئات } والمراد بها على ما في «البحر» سيئات الكفر.

# وقوله تعالى: { أن نجعلهم } ساد مسد مفعولي الحسبان، والجعل
~~بمعنى التصيير وهم مفعوله الأول، وقوله سبحانه: { كالذين ءامنوا
~~وعملوا الصلحت } مفعوله الثاني، وقوله عز وجل: { سوآء }
~~بدل من الكاف بناء على أنها اسم بمعنى مثل، وقوله تعالى: { محيهم
~~وممتهم } فاعل { سوآء } أجري مجرى مستو كما قالوا: مررت برجل
~~سواء هو والعدم، وضمير الجمع للمجترحين، والمعنى على إنكار حسبان جعل
~~محيا المجترحين ومماتهم مستويين مثلهما للمؤمنين، ومصب الإنكار استواء
~~ذلك فإن المؤمنين تتوافق حالاهم لأنهم مرحومون في المحيا والممات وأولئك
~~تتضاد حالاهم فإنهم مرحومون حياة لا موتا؛ وجوز أن يكون { سوآء }
~~حالا من الضمير في الكاف بناء على ما سمعت من معناها.

# / وتعقب بأنها اسم جامد على صورة الحرف فلا يصح استتار الضمير فيها وقد
~~صرح الفارسي بمنع ذلك، نعم يجوز أن يكون { كالذين } جارا ومجرورا
~~في موضع المفعول الثاني و { سوآء } حالا من الضمير المستتر فيه، وقيل:
~~يجوز أيضا كونه حالا من ضمير { نجعلهم } وكذا يجوز كونه المفعول
~~الثاني، وكون الكاف أو الجار والمجرور حالا من هذا الضمير، وما ذكر
~~أولا أظهر وأولى، وجوز كون ضمير الجمع في { محيهم
~~وممتهم } للمؤمنين فسواء حال من الموصول الثاني ولا يجوز أن يكون
~~حالا من الضمير في { كالذين } لفساد المعنى وكون الضمير للفريقين
~~فسواء حال من مجموع الموصول الثاني وضمير الأول، والمعنى على إنكار حسبان
~~أن يستوي الفريقان بعد الممات في الكرامة أو ترك المؤاخذة كما استويا
~~ظاهرا في الرزق والصحة في الحياة، وجوز أن يكون المعنى على إنكار ms09765 حسبان
~~جعل الحياتين مستويتين لأن المؤمنين على الطاعة وأولئك على المعاصي وكذلك
~~الموتان لأنهم ملقون بالبشرى والرضوان وأولئك بالسوء والخذلان، وقيل: به
~~على تقدير كون الضمير للمجترحين أيضا. ولم يجوز المدقق الإبدال من الكاف
~~على تقدير اشتراك الضمير إذ المثل هو المشبه و { سوآء } جار على المشبه
~~والمشبه به.

# وقرأ جمهور القراء { سواء محيهم وممتهم }  برفع سواء
~~وما بعده على أن سواء خبر مقدم وما بعده مبتدأ لا العكس لأن سواء نكرة
~~ولا مسوغ للابتداء بها والضمير للمجترحين.

# والجملة قيل: بدل من المفعول الثاني لنجعل بدل كل من كل أو بدل اشتمال
~~أو بدل بعض، وأيا ما كان ففيه إبدال الجملة من المفرد وقد أجازه أبو
~~الفتح واختاره ابن مالك، وأورد عليه شواهد، قال أبو حيان: لا يتعين فيها
~~البدل. وقال محمد بن عبد الله الاشبيلي المعروف بابن العلج في كتابه
~~«البسيط» في النحو: ((لا يصح أن تكون جملة معمولة للأول في موضع البدل
~~فإن كانت غير معمولة فهل تكون جملة بدلا من جملة لا يبعد عندي جواز ذلك
~~كالعطف والتأكيد اللفظي)). وظاهره أنه لا يجوز الإبدال ههنا. وفي
~~«البحر» ((يظهر لي أنه لا يجوز إبدال هذه الجملة من ذلك المفعول لأن
~~الجعل بمعنى التصيير ولا يجوز صيرت زيدا أبوه قائم ولا صيرت زيدا غلامه
~~منطلق لأن في ذلك انتقالا من ذات إلى ذات أو من وصف في الذات إلى وصف آخر
~~فيها وليس في تلك الجملة المقدرة مفعولا ثانيا انتقال مما ذكرنا)) وفيه
~~بحث لا يخفى. والزمخشري قد نص على جعل الجملة بدلا من الكاف وهو إمام في
~~العربية، لكن أفاد صاحب «الكشف» أنه أراد أنه بدل من حيث المعنى لا أنه
~~بدل من ذاك لفظا قال: لأنه مفرد دال على الذات باعتبار المعنى وهذا دال
~~على المعنى وإن كان الذات يلزم من طريق الضرورة إلا أن يقدر له موصوف
~~محذوف بأن يقدر رجالا سواء محياهم ومماتهم مثلا، والمعنى على البدلية
~~كما سمعت في قراءة النصب، وجوز كون الجملة ms09766 مفعولا ثانيا و {
~~كالذين } حال من ضمير { نجعلهم } ولا يخفى عليك ما عليه وما
~~له. وإذا كان الضمير للمؤمنين فالجملة قيل: حال من الموصول الثاني لا من
~~الضمير في المفعول الثاني للفساد، وتعقب بأن فيه اكتفاء الاسمية الحالية
~~بالضمير وهو غير فصيح على ما قيل. وقيل: استئناف يبين المقتضي للإنكار
~~على حسبان التماثل وهو أن المؤمنين سواء حالهم عند الله تعالى في الدارين
~~بهجة وكرامة فكيف يماثلهم المجترحون، وجوز أن تكون بيانا لوجه الشبه
~~المجمل، وإذا كان الضمير للفريقين فالظاهر أن الجملة كلام مستأنف غير
~~داخل في حكم الإنكار والتساوي حينئذ بين حال المؤمنين بالنسبة إليهم خاصة
~~وحال المجترحين كذلك وتكون الجملة تعليلا للإنكار في المعنى دالا على
~~عدم المماثلة لا في الدنيا ولا في الآخرة لأن المؤمنين متساوو المحيا
~~والممات في الرحمة وأولئك متساوو المحيا والممات في النقمة إذ المعنى كما
~~يعيشون يموتون فلما افترق حال هؤلاء وحال هؤلاء حياة فكذلك / موتا، وأما
~~الإبدال فقد علم حاله فتأمل. وقرأ الأعمش { سوآء }  بالنصب { محياهم
~~ومماتهم } به أيضا، وخرج الأول على ما سمعت ونصب (محياهم ومماتهم) على
~~الظرفية لأنهما اسما زمان أو مصدران أقيما مقام الزمان والعامل إما {
~~سوآء } أو { نجعلهم }.

# هذا والآية وإن كانت في الكفار على ما نقل عن «البحر» - وهو ظاهر ما روي
~~عن الكلبي من أن عتبة وشيبة والوليد بن عتبة قالوا لعلي كرم الله تعالى
~~وجهه وحمزة رضي الله تعالى عنه والمؤمنين: والله ما أنتم على شيء ولئن
~~كان ما تقولون حقا لحالنا أفضل من حالكم في الآخرة كما هو أفضل في
~~الدنيا فنزلت الآية: { أم حسب الذين اجترحوا السيئت
~~} الخ وهي متضمنة للرد عليهم على جميع أوجهها كما يعرف بأدنى تدبر -
~~يستنبط منها تباين حالي المؤمن العاصي والمؤمن الطائع ولهذا كان كثير من
~~العباد يبكون عند تلاوتها حتى إنها تسمى مبكاة العابدين لذلك، فقد أخرج
~~عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» والطبراني وجماعة عن أبي الضحى قال:
~~قرأ تميم الداري سورة الجاثية فلما أتى ms09767 على قوله تعالى: { أم حسب
~~الذين } الآية لم يزل يكررها ويبكي حتى أصبح وهو عند المقام. وأخرج
~~ابن أبي شيبة عن بشير مولى الربيع بن خيثم أن الربيع كان يصلي فمر بهذه
~~الآية { أم حسب الذين } الخ فلم يزل يرددها حتى أصبح، وكان
~~الفضيل بن عياض يقول لنفسه إذا قرأها: ليت شعري من أي الفريقين أنت. وقال
~~ابن عطية: ((إن لفظها يعطي أن اجتراح السيئات هو اجتراح الكفر لمعادلته
~~بالإيمان، ويحتمل أن تكون المعادلة بالاجتراح وعمل الصالحات ويكون
~~الإيمان في الفريقين ولهذا بكى الخائفون عند تلاوتها)). ورأيت كثيرا من
~~المغرورين المستغرقين ليلهم ونهارهم بالفسق والفجور يقولون بلسان القال
~~والحال: نحن يوم القيامة أفضل حالا من كثير من العابدين وهذا منهم -
~~والعياذ بالله تعالى - ضلال بعيد وغرور ما عليه مزيد.

# { ساء ما يحكمون } أي ساء حكمهم هذا وهو الحكم بالتساوي فما
~~مصدرية والكلام إخبار عن قبح حكمهم المعهود. ويجوز أن يكون لإنشاء ذمهم
~~على أن { ساء } بمعنى بئس فما فيه نكرة موصوفة وقعت تمييزا مفسرا
~~لضمير الفاعل المبهم والمخصوص بالذم محذوف أي بئس شيئا حكموا به ذلك.

### || [45.22]

# { وخلق الله السموات والأرض بالحق } كأنه دليل
~~على إنكار حسبانهم السابق أو دليل على تساوي محيا كل فريق ومماته وبيان
~~لحكمته على تقدير كون قوله تعالى:

# سواء محيهم وممتهم

# [الجاثية: 21] استئنافا وذلك من حيث إن خلق العالم بالحق المقتضي للعدل
~~يستدعي انتصاف المظلوم من الظالم والتفاوت بين المسيء والمحسن وإذا لم
~~يكن في المحيا كان بعد الممات حتما.

# { ولتجزى كل نفس بما كسبت } عطف على { بالحق }
~~لأنه في معنى العلة سواء كانت الباء للسببية الغائية أو الملابسة، أما
~~على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن المعنى خلقها ملتبسة ومقرونة
~~بالحكمة والصواب دون العبث والباطل وحاصله خلقها لأجل ذلك أو عطف على علة
~~محذوفة مثل ليدل سبحانه بها على قدرته أو ليعدل، و(ما) موصولة أو مصدرية
~~أي ليجزى كل نفس بالذي كسبته أو بكسبها. { وهم } أي النفوس المدلول
~~عليها بكل نفس { لا يظلمون } بنقص ms09768 ثواب وتضعيف عذاب. والجملة في
~~موضع الحال. وتسمية ذلك ظلما مع أنه ليس كذلك لأنه منه سبحانه تصرف في
~~ملكه والظلم صرف في ملك الغير بغير إذنه لأنه لو فعله غيره عز وجل كان
~~ظلما / فالكلام على الاستعارة التمثيلية أو أنه لما كان مخالفا لوعده
~~سبحانه الحق سماه تعالى ظلما.

### || [45.23]

# { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه } تعجيب من حال من ترك
~~متابعة الهدى إلى مطاوعة الهوى فكأنه يعبده فالكلام على التشبيه البليغ
~~أو الاستعارة، والفاء للعطف على مقدر دخلت عليه الهمزة أي أنظرت من هذه
~~حاله فرأيته فإن ذلك مما يقضي منه العجب. وأبو حيان جعل (أرأيت) بمعنى
~~أخبرني وقال: المفعول الأول من { اتخذ } والثاني محذوف يقدر بعد
~~الصلات أي أيهتدي بدليل { فمن يهديه }.

# والآية نزلت على ما روي عن مقاتل في الحرث بن قيس السهمي كان لا يهوى
~~شيئا إلا ركبه، وحكمها عام وفيها من ذم اتباع هوى النفس ما فيها، وعن
~~ابن عباس ما ذكر الله تعالى هوى إلا ذمه. وقال وهب: إذا شككت في خير
~~أمرين فانظر أبعدهما من هواك فأته، وقال سهل التستري: هواك داؤك فإن
~~خالفته فدواؤك، وفي الحديث

# " العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله تعالى "

# وقال أبو عمران موسى بن عمران الأشبيلي الزاهد:

# فخالف هواها واعصها إن من يطع

# هوى نفسه ينزع به شر منزع

# ومن يطع النفس اللجوجة ترده

# وترم به في مصرع أي مصرع

# وقد ذم ذلك جاهلية أيضا، ومنه قول عنترة:

# أني امرؤ سمح الخليقة ماجد

# لا أتبع النفس اللجوج هواها

# ولعل الأمر غني عن تكثير النقل.

# وقرأ الأعرج وأبو جعفر { ءالهة } بتاء التأنيث بدل هاء الضمير، وعن
~~الأعرج أنه قرأ «آلهة» بصيغة الجمع.

# قال ابن خالويه: كان أحدهم يستحسن حجرا فيعبده فإذا رأى أحسن منه رفضه
~~مائلا إليه، فالظاهر أن آلهة بمعناها من غير تجوز أو تشبيه والهوى بمعنى
~~المهوى مثله في قوله:

# هواي مع الركب اليمانين مصعد

# { وأضله الله } أي خلقه ضالا أو خلق فيه الضلال أو ms09769 خذله وصرفه
~~عن اللطف على ما قيل { على علم } حال من الفاعل أي أضله الله تعالى
~~عالما سبحانه بأنه أهل لذلك لفساد جوهر روحه. ويجوز أن يكون حالا من
~~المفعول أي أضله عالما بطريق الهدى فهو كقوله تعالى:

# فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم

# [الجاثية: 17] { وختم على سمعه وقلبه } بحيث لا يتأثر
~~بالمواعظ ولا يتفكر في الآيات. { وجعل على بصره غشوة }
~~مانعة عن الاستبصار والاعتبار والكلام على التمثيل. وقرأ عبد الله
~~والأعمش { غشاوة } بفتح الغين وهي لغة ربيعة والحسن وعكرمة وعبد الله
~~أيضا بضمها وهي لغة عكلية، وأبو حنيفة وحمزة والكسائي وطلحة ومسعود بن
~~صالح والأعمش أيضا { غشوة } بفتح الغين وسكون الشين، وابن مصرف والأعمش
~~أيضا كذلك إلا أنهما كسرا الغين { فمن يهديه من بعد الله }
~~أي من بعد إضلاله تعالى إياه، وقيل: المعنى فمن يهديه غير الله سبحانه {
~~أفلا تذكرون } أي ألا تلاحظون فلا تذكرون، وقرأ الجحدري {
~~تذكرون } بالتخفيف، والأعمش «تتذكرون» بتاءين على الأصل.

### || [45.24]

# { وقالوا } بيان لأحكام إضلالهم والختم على سمعهم وقلوبهم وجعل /
~~غشاوة على أبصارهم فالضمير لمن باعتبار معناه أو للكفرة { ما هي } أي
~~ما الحياة { إلا حياتنا الدنيا } التي نحن فيها، ويجوز أن
~~يكون الضمير للحال والحياة الدنيا من جملة الأحوال فيكون المستثنى من جنس
~~المستثنى منه أيضا لاستثناء حال الحياة الدنيا من أعم الأحوال ولا حاجة
~~إلى تقدير حال مضافا بعد أداة الاستثناء أي ما الحال إلا حال الحياة
~~الدنيا { نموت ونحيا } حكم على النوع بحملته من غير اعتبار تقديم
~~وتأخير إلا أن تأخير نحيا في النظم الجليل للفاصلة أي تموت طائفة وتحيا
~~طائفة ولا حشر أصلا، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي نحيا ونموت وليس
~~بذاك، وقيل: أرادوا بالموت عدم الحياة السابق على نفخ الروح فيهم أي نكون
~~نطفا وما قبلها وما بعدها ونحيا بعد ذلك، وقيل: أرادوا بالحياة بقاء
~~النسل والذرية مجازا كأنهم قالوا: نموت بأنفسنا ونحيا ببقاء أولادنا
~~وذرارينا، وقيل: أرادوا يموت بعضنا ويحيا بعض على أن التجوز في الإسناد، ms09770
~~وجوز أن يريدوا بالحياة على سبيل المجاز إعادة الروح لبدن آخر بطريق
~~التناسخ وهو اعتقاد كثير من عبدة الأصنام ولا يخفى بعد ذلك. وقرأ زيد بن
~~علي رضي الله تعالى عنهما { ونحيا } بضم النون.

# { وما يهلكنا إلا الدهر } أي طول الزمان فالدهر أخص من
~~الزمان وهو الذي ارتضاه السعد، ولهم في ذلك كلام طويل، وقال الراغب:
~~((الدهر في الأصل اسم لمدة العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه ثم يعبر به
~~عن كل مدة كثيرة، وهو خلاف الزمان فإنه يقع على المدة القليلة والكثيرة،
~~ودهر فلان مدة حياته، ويقال: دهر فلانا نائبة دهرا أي نزلت به حكاه
~~الخليل فالدهر ههنا مصدر)). وذكر بعض الأجلة أن الدهر بالمعنى السابق
~~منقول من المصدر وأنه يقال: دهره دهرا أي غلبه وإسنادهم الإهلاك إلى
~~الدهر إنكار منهم لملك الموت وقبضه الأرواح بأمر الله عز وجل وكانوا
~~يسندون الحوادث مطلقا إليه لجهلهم أنها مقدرة من عند الله تعالى،
~~وأشعارهم لذلك مملوءة من شكوى الدهر وهؤلاء معترفون بوجود الله تعالى فهم
~~غير الدهرية فإنهم مع إسنادهم الحوادث إلى الدهر لا يقولون بوجوده،
~~سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا والكل يقول باستقلال الدهر
~~بالتأثر، ولا يبعد أن يكون الزمان عندهم مقدار حركة الفلك كما ذهب إليه
~~معظم الفلاسفة.

# وقد جاء النهي عن سب الدهر. أخرج مسلم

# " لا يسب أحدكم الدهر فإن الله هو الدهر "

# وأبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم قال الله عز وجل:

# " يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر فلا يقل أحدكم يا خيبة الدهر فإني
~~أنا الدهر أقلب ليله ونهاره "

# والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم أيضا يقول الله عز وجل:

# " استقرضت عبدي فلم يقرضني وشتمني عبدي وهو لا يدري يقول وادهراه وأنا
~~الدهر "

# والبيهقي: «لا تسبوا الدهر قال الله عز وجل:

# " أنا الدهر الأيام والليالي أجددها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك "

# ومعنى ذلك أن الله تعالى هو الآتي بالحوادث فإذا سببتم الدهر على أنه
~~فاعل وقع السب على الله عز وجل.

# وعد ms09771 بعضهم سبه كبيرة لأنه يؤدي إلى سبه تعالى وهو كفر، وما أدى إليه
~~فأدنى مراتبه أن يكون كبيرة.

# / وكلام الشافعية صريح بأن ذلك مكروه لا حرام فضلا عن كونه كبيرة،
~~والذي يتجه في ذلك تفصيل وهو أن من سبه فإن أراد به الزمن فلا كلام في
~~الكراهة، أو الله عز وجل فلا كلام في الكفر، ومثله إذا أراد المؤثر
~~الحقيقي فإنه ليس إلا الله سبحانه؛ وإن أطلق فهذا محل التردد لاحتمال
~~الكفر وغيره وظاهر كلامهم هنا أيضا الكراهة لأن المتبادر منه الزمن
~~وإطلاقه على الله تعالى كما قال بعض الأجلة إنما هو بطريق التجوز. ومن
~~الناس من قال: إن سبه كبيرة إن اعتقد أن له تأثيرا فيما نزل به كما كان
~~يعتقد جهلة العرب، وفيه نظر لأن اعتقاد ذلك كفر وليس الكلام فيه، وأنكر
~~بعضهم كون ما في حديث أبي داود والحاكم «فإني أنا الدهر» بضم الراء
~~وقال: لو كان كذلك كان الدهر من أسمائه تعالى وكان يرويه «فإني أنا
~~الدهر» بفتح الراء ظرفا لأقلب أي فإني أنا أقلب الليل والنهار الدهر أي
~~على طول الزمان وممره، وفيه أن رواية مسلم «فإن الله هو الدهر» تبطل ما
~~زعمه، ومن ثم كان الجمهور على ضم الراء. ولا يلزم عليه أن يكون من أسمائه
~~تعالى لما سبق أن ذلك على التجوز. وحكى الراغب عن بعضهم أن الدهر الثاني
~~في حديث مسلم غير الأول وأنه مصدر بمعنى الفاعل، والمعنى أن الله تعالى
~~هو الدهر أي المصرف المدبر المفيض لما يحدث، وفيه بعد. وقرأ عبد الله {
~~إلا دهر } وتأويله إلا دهر يمر.

# { وما لهم بذلك } أي بما ذكر من قصر الحياة على ما في الدنيا
~~ونسبة الإهلاك إلى الدهر { من علم } مستند إلى عقل أو نقل { إن
~~هم إلا يظنون } ما هم إلا قوم قصارى أمرهم الظن والتقليد من
~~غير أن يكون لهم ما يصح أن يتمسك به في الجملة، هذا معتقدهم الفاسد في
~~أنفسهم.

### || [45.25]

# { وإذا تتلى عليهم ءايتنا } الناطقة بالحق الذي من ms09772
~~جملته البعث { بينت } واضحات الدلالة على ما نطقت به مما يخالف
~~معتقدهم أو مبينات له { ما كان حجتهم } بالنصب على أنه خبر { كان }
~~واسمها قوله تعالى: { إلا أن قالوا ائتوا بآبآئنآ إن
~~كنتم صادقين } أي في أنا نبعث بعد الموت أي ما كان متمسكا لهم
~~شيء من الأشياء إلا هذا القول الباطل الذي يستحيل أن يكون حجة. وتسميته
~~حجة لسوقهم إياه مساق الحجة على سبيل التهكم بهم أو أنه من قبيل:

# تحية بينهم ضرب وجيع

# أي ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة، والمراد نفي أن يكون لهم حجة فإنه لا
~~يلزم من عدم حصول الشيء حالا كإعادة آبائهم التي طلبوها في الدنيا
~~امتناعه بعد لتمتنع الإعادة إذا قامت القيامة. والخطاب في { ائتوا } و
~~{ كنتم } للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين إذ هم قائلون بمقالته
~~صلى الله عليه وسلم من البعث طالبون من الكفرة الإقرار به، وجوز أن يكون
~~له عليه الصلاة والسلام وللأنبياء عليهم السلام الجائين بالبعث وغلب
~~الخطاب على الغيبة. وقال ابن عطية: { ائتوا } و { كنتم } من حيث
~~المخاطبة له صلى الله عليه وسلم والمراد هو وإلهه والملك الذي يذكر عليه
~~الصلاة والسلام نزوله عليه بذلك وهو جبريل عليه السلام، وهو كما ترى.

# وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وابن عامر فيما روى عنه عبد الحميد وعاصم فيما
~~روى هارون وحسين عن أبي بكر عنه { حجتهم } بالرفع على أنه اسم (كان) وما
~~بعد خبر أي ما كان حجتهم شيئا من الأشياء إلا هذا القول الباطل، وجواب {
~~إذا } (ما كان) الخ، ولم تقترن بالفاء وإن كانت لازمة في المنفى بما
~~إذا وقعت جواب الشرط لأنها غير جازمة ولا أصلية في الشرطية، وهو سر قول
~~أبي حيان: ((إن إذا خالفت أدوات الشرط بأن جوابها إذا كان / منفيا بما
~~لم تدخل الفاء بخلاف أدوات الشرط فلا بد معها من الفاء نحو إن تزرنا فما
~~جفوتنا)) فلا حاجة إلى تقدير جواب لها كعمدوا إلى الحجج الباطلة خلافا
~~لابن هشام. واستدل بوقوع ما ذكر جوابا ms09773 على أن العمل في إذا ليس
~~للجواب لصدارة ما المانعة منه ولا قائل بالفرق، ولعل من قال بالعمل يقول
~~يتوسع في الظرف ما لم يتوسع في غيره، ثم إن المعنى على الاستقبال لمكان {
~~إذا } أي ما تكون حجتهم إلا أن يقولوا ذلك.

### || [45.26]

# { قل الله يحييكم } ابتداء { ثم يميتكم } عند انقضاء
~~آجالكم على ما دلت عليه الحجج لا الدهر كما تزعمون { ثم يجمعكم
~~إلى يوم القيمة } أي فيه وجوز كون الفعل مضمنا معنى
~~مبعوثين أو منتهين ونحوه ومعنى في أظهر أي يجمعكم في يوم القيامة { لا
~~ريب فيه } أي في جمعكم فإن من قدر على البدء قدر على الإعادة
~~والحكمة اقتضت الجمع للجزاء لا محالة في ذلك اليوم والوعد الصدق بالآيات
~~دل على وقوعها، وحاصله أن البعث أمر ممكن أخبر به الصادق وتقتضيه الحكمة
~~وكل ما هو كذلك لا محالة واقع، والإتيان بالآباء حيث كان منافيا للحكمة
~~التشريعية امتنع إيقاعه.

# { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } استدراك من قوله
~~تعالى: { لا ريب فيه } وهو من تمام الكلام المأمور به أو كلام مسوق
~~من جهته تعالى تحقيقا للحق وتنبيها على أن ارتيابهم لجهلهم وقصورهم في
~~النظر والتفكر لا لأن فيه شائبة ريب ما.

### || [45.27]

# { ولله ملك السموات والأرض } بيان للاختصاص المطلق
~~والتصرف الكلي فيهما وفيما بينهما بالله عز وجل إثر بيان تصرفه تعالى
~~بالإحياء والإماتة والبعث، والجمع للمجازاة فهو تعميم للقدرة بعد تخصيص.

# { ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون }
~~قال الزمخشري: العامل في { يوم تقوم } يخسر و(يومئذ) بدل من {
~~يوم تقوم } وحكاه ابن عطية عن جماعة. وتقديم الظرف على الفعل للحصر
~~لأن كل خسران عند الخسران في ذلك اليوم كلا خسران، وفيه أيضا رعاية
~~الفواصل على ما قيل، وتعقب حديث الإبدال بأن التنوين في { يومئذ }
~~عوض عن الجملة المضاف إليها، والظاهر أنها تقدر بقرينة ما قبل { تقوم
~~الساعة } فيقال ويوم تقوم الساعة يوم إذ تقوم الساعة يخسر المبطلون
~~فيكون تأكيدا لا بدلا إذ لا وجه له، ولذا قيل: إنه بالتأكيد أشبه، وقول ms09774
~~أبي حيان: إن كان بدلا توكيديا وهو قليل جاز وإلا فلا لا يسمن ولا
~~يغني. وتكلف بعضهم فزعم أن اليوم الثاني بمعنى الوقت الذي هو جزء من يوم
~~قيام الساعة فهو بدل بعض معه عائد مقدر ولما كان فيه ظهور خسرانهم كان هو
~~المقصود بالنسبة.

# وقالت فرقة: العامل في { يوم تقوم } ما يدل عليه الملك قالوا: وذلك
~~أن يوم القيامة أمر ثالث ليس بالسماء ولا بالأرض لتبدلهما فكأنه قيل:
~~ولله ملك السموات والأرض والملك يوم تقوم الساعة، و { يومئذ }
~~منصوب بيخسر والجملة استئناف وإن كان لها تعلق بما قبلها من جهة تنوين
~~العوض، وقيل: يجوز أن يكون عطفا على ظرف معمول لملك المذكور كأنه قيل:
~~لله ملك السموات والأرض اليوم ويوم تقوم الساعة وهو كما ترى. و {
~~المبطلون } الداخلون في الباطل، ولعل المراد به أعظم أنواعه وهو
~~الكفر.

### || [45.28]

# { وترى كل أمة } من الأمم المجموعة { جاثية } باركة على
~~الركب مستوفزة وهي هيئة المذنب الخائف المنتظر لما يكره، وعن ابن عباس
~~جاثية مجتمعة، وعن قتادة جماعات من الجثوة مثلثة الجيم وهي الجماعة تجتمع
~~على جثي أي تراب مجتمع، وعن مؤرج السدوسي جاثية خاضعة بلغة قريش. والخطاب
~~في { ترى } لمن يصح منه الرؤية أو لسيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام
~~وهي / بصرية. و { جاثية } حال وجوز أن تكون صفة ولو كانت علمية كانت
~~مفعولا ثانيا. وقرىء { جاذية } بالذال والجذو أشد استيفازا من الجثو
~~لأن الجاذي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه، وجوز أن يكون الجاذي بمعنى
~~الجاثي أبدلت ثاؤه ذالا فإن الثاء والذال متقارضان كما قيل شحاث وشحاذ.

# { كل أمة تدعى إلى كتبها } إلى صحيفة أعمالها التي
~~كتبتها الحفظة لتحاسب، وأفرد على إرادة الجنس وإلا فلكل واحد من كل أمة
~~صحيفة فيها أعماله، وقيل: المراد كتاب نبيها تدعى إليه لينظر هل عملت به
~~أو لا وحكي ذلك عن يحيى بن سلام إلا أنه حمل (كل أمة) على كل أمة كافرة
~~والظاهر العموم. وقيل: المراد بذلك اللوح المحفوظ أي تدعى إلى ما سبق لها ms09775
~~فيه.

# وقرأ يعقوب { كل } بالنصب وخرج على أنه بدل من { كل } الأول. وجملة {
~~تدعى } صفة. وإبدال الأمة المدعوة إلى كتابها من الأمة الجاثية حسن
~~وجاء ذلك من الوصف، ويقال مثل ذلك فيما إذا كان الجملة حالا، وإذا كانت
~~الرؤية علمية وجملة { تدعى } مفعولا ثانيا فالظاهر أنه تأكيد،
~~وجعله تأكيدا مع كون الجملة صفة فيه تخلل التأكيد بين الوصفين وهو كما
~~في «الكشف» غير مستحسن.

# { اليوم تجزون ما كنتم تعملون } مقول قول مقدر هو حال
~~أو خبر بعد خبر. وفي الكلام مضاف مقدر أي جزاء ما كنتم الخ أو هو من
~~المجاز.

### || [45.29]

# وقوله تعالى: { هذا كتبنا } إلى آخره من تمام ما يقال حينئذ،
~~والإشارة إلى الكتاب التي تدعى إليه الأمة المقول لها ذلك، وهو إذا كان
~~صحيفة الأعمال فإضافته إلى ضميره جل شأنه لأدنى ملابسة على التجوز في
~~النسبة الإضافية فإنه تعالى الذي أمر الكتبة أن يكتبوا فيه أعمالهم، وإن
~~كان الكتاب المنزل على نبي تلك الأمة أو اللوح المحفوظ فأمر الإضافة
~~ظاهر، وضمير العظمة على سائر الأوجه لتفخيم شأن الكتاب، وجوز أن يكون
~~الضمير للكتبة والإضافة فيه حقيقية قيل: ويأباه { نستنسخ } إلا أن
~~يجعل بمعنى ننسخ ونكتب وستعلم إن شاء الله تعالى ما فيه، والأظهر عندي
~~حمل الكتاب في الموضعين على صحيفة الأعمال واسم الإشارة مبتدأ وما بعده
~~خبر.

# وقوله سبحانه: { ينطق عليكم } أي يشهد عليكم { بالحق } من
~~غير زيادة ولا نقص خبر آخر أو حال أو مستأنف، و { بالحق } حال من
~~فاعل { ينطق }.

# وقوله تعالى: { إنا كنا نستنسخ } إلى آخره تعليل لنطقه عليهم
~~بأعمالهم من غير إخلال بشيء منها أي إنا كنا فيما قبل نستنسخ الملائكة أي
~~نجعلها تنسخ وتكتب { ما كنتم تعملون } في الدنيا من الأعمال
~~حسنة كانت أو سيئة.

# وحقيقة النسخ (كتابة من أصل ينظر فيه) فكأن أفعال العباد هي الأصل على
~~ما في «البحر». وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إن الله تعالى خلق النون
~~وهي الدواة وخلق القلم فقال: اكتب قال: ما أكتب؟ ms09776 قال: اكتب ما هو كائن
~~إلى يوم القيامة من عمل معمول بر أو فاجر ورزق مقسوم حلال أو حرام ثم
~~الزم كل شيء من ذلك بيانه دخوله في الدنيا متى ومقامه فيها كم وخروجه
~~منها كيف ثم جعل على العباد حفظه وعلى الكتاب خزانا فالحفظة يستنسخون كل
~~يوم من الخزان عمل ذلك اليوم فإذا فني الرزق وانقطع الأمر وانقضى الأجل
~~أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم فتقول الخزنة ما نجد لصاحبكم
~~عندنا شيئا فترجع فيجدونه قد مات ثم قال ابن عباس ألستم قوما عربا
~~تسمعون الحفظة يقولون { إنا كنا نستنسخ ما كنتم
~~تعملون } وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟ وفي رواية ابن المنذر وابن
~~أبي حاتم عنه رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن الآية فذكر نحو ما سمعت ثم
~~قال: هل يستنسخ الشيء إلا من كتاب؟ وكون الاستنساخ من اللوح قد رواه
~~جماعة عنه، وما ذكرناه يصحح أن يكون هذا القول من الملائكة بدون تأويل {
~~نستنسخ } بننسخ / كما لا يخفى.

### || [45.30]

# وقوله تعالى: { فأما الذين ءامنوا وعملوا
~~الصلحت فيدخلهم ربهم في رحمته } إلى آخره
~~تفصيل للمجمل المفهوم من قوله تعالى:

# ينطق عليكم بالحق

# [الجاثية: 29] أو يجزون من الوعد والوعيد. والمراد بالرحمة الجنة مجازا
~~والظرفية على ظاهرها، وقيل: المراد بالرحمة ما يشمل الجنة وغيرها والأول
~~أظهر.

# { ذلك } الذي ذكر من الإدخال في رحمته تعالى { هو الفوز
~~المبين } الظاهر كونه فوزا لا فوز وراءه.

### || [45.31]

# { وأما الذين كفروا أفلم تكن ءايتي تتلى
~~عليكم } أي فيقال لهم بطريق التقريع والتوبيخ: ألم تكن تأتيكم رسلي
~~فلم تكن آياتي تتلى عليكم فجواب (أما) القول المقدر، وحذف اكتفاء
~~بالمقصود وهو المقول وحذفه كثير مقيس حتى قيل هو البحر حدث عنه، وحذف
~~المعطوف عليه لقرينة الفاء العاطفة وأن تلاوة الآيات تستلزم إتيان الرسل
~~معنى، وهذا على ما ذهب إليه الزمخشري والجمهور على أن الهمزة مقدمة من
~~تأخير لصدارتها والفاء على نية التقدير، والتقدير فيقال لهم: ألم تكن الخ
~~فليس هناك سوى حذف القول. وفي «الكشف» ms09777 لو حمل على أن المحذوف فيوبخون
~~لدلالة ما بعده عليه، وفائدة هذا الأسلوب مع أن الأصل فيدخلهم في عذابه
~~الدلالة على أن المؤمنين يدخلون الجنة والكافرون بعد في الموقف معذبون
~~بالتوبيخ لكان وجها. { فاستكبرتم } عن الإيمان بها { وكنتم
~~قوما مجرمين } قوما عادتهم الإجرام.

### || [45.32]

# { وإذا قيل إن وعد الله } أي وما وعده سبحانه من الأمور
~~الآتية أو وعده تعالى بذلك { حق } أي كائن هو أو متعلقه لا محالة ففي
~~الكلام تجوز إما في الطرف أو في النسبة. وقرأ الأعرج وعمرو بن فائد {
~~وإذا قيل أن } بفتح الهمزة على لغة سليم { والساعة لا ريب
~~فيها } برفع { الساعة } في قراءة الجمهور على العطف على محل (إن)
~~واسمها على ما ذهب إليه أبو علي وتبعه الزمخشري، ومن زعم أن لاسم (إن)
~~موضعا جوز العطف عليه هنا، وزعم أبو حيان أن الصحيح أنه لا يجوز كلا
~~الوجهين وعليه فجملة { الساعة لا ريب فيها } عطف على الجملة
~~السابقة. وقرأ حمزة { والساعة } بالنصب عطفا على اسم (إن) وروي ذلك عن
~~الأعمش وأبي عمرو وأبي حيوة وعيسى والعبسي والمفضل. وذكر أمر الساعة
~~وانها لا ريب في وقوعها مع أنها من جملة ما وعد الله تعالى اعتناء بأمر
~~البعث المقصود بالمقام.

# { قلتم } لغاية عتوكم: { ما ندرى ما الساعة } أي أي شيء
~~هي استغرابا لها جدا كما يؤذن به جمع { ما ندري } مع الاستفهام. {
~~إن نظن إلا ظنا } استشكل ذلك لما أنه استثناء مفرغ وقد
~~قالوا: لا يجوز تفريغ العامل إلى المفعول المطلق المؤكد فلا يقال: ما
~~ضربت إلا ضربا لأنه بمنزلة ما ضربت إلا ضربت، وقال الرضي: إن الاستثناء
~~المفرغ يجب أن يستثنى من متعدد مقدر معرب بإعراب المستثنى مستغرق لذلك
~~الجنس حتى يدخل فيه المستثنى بيقين ثم يخرج بالاستثناء وليس مصدر نظن
~~محتملا مع الظن غيره حتى يخرج الظن منه، وكذا يقال في ما ضربت إلا ضربا
~~ونحوه وهذا مراد من قال: إنه من قبيل استثناء الشيء من نفسه، واختلفوا في
~~حله فقيل: إن معنى ما نظن ms09778 ما نفعل الظن كما في نحو قيم وقعد وحينئذ يصح
~~الاستثناء ويتغاير مورد النفي والإيجاب من حيث التقدير والتجوز في
~~الاستثناء من العام المقدر وجعل { نظن } في معنى الفعل لا نفعل الظن
~~كأنه قيل: ما نفعل فعلا إلا الظن، وكذا يقال في أمثاله ومنها قول
~~الأعشى:

# وحل به الشيب أثقاله

# وما اغتره الشيب إلا اغترارا

# / وارتضاه صاحب «الكشف»، وقيل: ما نظن بتأويل ما نعتقد ويكون { ظنا
~~} مفعولا به أي ما نعتقد شيئا إلا ظنا، وارتضاه أبو حيان. وتعقب بأن
~~ظاهر حالهم أنهم مترددون لا معتقدون. وأجيب بأن الاعتقاد المنفي لا ينافي
~~ظاهر حالهم بل يقررها على أتم وجه، وقيل المستثنى ظن أمر الساعة
~~والمستثنى منه مطلق الظن كأنه قيل لا ظن ولا تردد لنا إلا ظن أمر الساعة
~~والتردد فيه فالكلام لنفي ظنهم فيما سوى ذلك مبالغة، وقال الرضي: إن ما
~~ضربت إلا ضربا يحتمل التعدد من حيث توهم المخاطب إذ ربما تقول ضربت وقد
~~فعلت غير الضرب مما يجري مجراه من مقدماته كالتهديد فتدفع ذلك وتقول ضربت
~~ضربا فهو نظير جاء زيد زيد فلما كان ضربت محتملا للضرب وغيره من حيث
~~التوهم صار كالمتعدد الشامل للضرب وغيره، وحاصله أن الضرب لما احتمل قبل
~~التأكيد والاستثناء فعلا آخر حمل على العموم بقرينة الاستثناء فيكون
~~المعنى ما فعلت شيئا إلا ضربا، وهكذا { ما نظن إلا ظنا }
~~وهذا كالمتحد مع ما ذكرناه أولا.

# ورد بأن الاستثناء يقتضي الشمول المحقق ولا يكفي فيه الاحتمال المحقق
~~فضلا عن المتوهم.

# وتعقب بأنه ليس بشيء لأنه إذا تجرد الفعل لمعنى عام صار الشمول محققا
~~على أن عدم كفاية الشمول الفرضي غير مسلم كما يعرفه من يتتبع موارده،
~~وذهب ابن يعيش وأبو البقاء إلى أنه على القلب والتقديم والتأخير والأصل
~~إن نحن إلا نظن ظنا وحكي ذلك عن المبرد، وقد حمل عليه ما حكاه أبو عمرو
~~بن العلاء وسيبويه من قول العرب: ليس الطيب إلا المسك بالرفع فقال: الأصل
~~ليس إلا الطيب المسك ليكون اسم ليس ضمير ms09779 الشأن وما بعد إلا مبتدأ وخبرا
~~في موضع الخبر لها، ورده الرضي وقال: إنه تكلف لما فيه من التعقيد المخل
~~بالفصاحة. والمثال المحكي وارد على لغة بني تميم فإنهم عاملوا ليس معاملة
~~ما فأهملوها لانتقاض النفي بإلا، وقيل { ظنا } مفعول مطلق لفعل محذوف
~~والمستثنى محذوف والتقدير إن نظن إلا أنكم تظنون ظنا.

# وحكي عن المبرد أيضا وفيه حذف إن واسمها وخبرها وإبقاء المصدر وذلك لا
~~يجوز، وفيه أيضا من التعقيد المخل بالفصاحة ما فيه، ولا أظن صحة حكايته
~~عن المبرد لغاية برودته، وجوز صاحب «التقريب» أن يكون المراد إن نظن إلا
~~ظنا ضعيفا فهو مصدر مبين للنوع حذفت صفته كما صرح به في «البحر» لا
~~مؤكد، وهذا يوافق ما ذكره الإمام السكاكي في بحث أن التنكير قد يكون
~~للتحقير. وتعقب بأن قوله تعالى: { وما نحن بمستيقنين }
~~يأباه فإن مقابل الاستيقان مطلق الظن لا الضعيف منه، وقد صرح غير واحد
~~بأن هذه الجملة كالتأكيد لما قبلها والمراد بها استمرار النفي وتأكيده،
~~قيل: والمعنى وما نحن بمستيقنين إمكان الساعة أي لا نتيقن إمكانها أصلا
~~فضلا عن تحقق وقوعها المدلول عليه بقوله تعالى: { إن وعد الله
~~حق والساعة لا ريب فيها } فقولهم ذلك رد لهذا، ولعل
~~المثبتين لأنفسهم الظن من غير إيقان بأمر الساعة غير القائلين

# ما هي إلا حياتنا الدنيا

# [الجاثية: 24] فإن ذلك ظاهر في أنهم منكرون للبعث جازمون بنفي الساعة
~~فيكون الكفرة صنفين صنف جازمون بنفيها كأئمتهم وصنف مترددون متحيرون فيها
~~فإذا سمعوا ما يؤثر عن آبائهم أنكروها وإذا سمعوا الآيات المتلوة تقهقر
~~إنكارهم فترددوا. ويحتمل اتحاد قائل ذاك وقائل هذا إلا أن كل قول في وقت
~~وحال فهو مضطرب مختلف الحالات تارة يجزم بالنفي فيقول:

# ما هي إلا حياتنا الدنيا

# [الجاثية: 24] وأخرى يظن فيقول { إن نظن إلا ظنا } ، وقيل:
~~الجزم هناك بنفي وقوعها والظن من غير إيقان هنا بمجرد إمكانها فهم
~~مترددون بإمكانها الذاتي جازمون بعدم وقوعها بالفعل فتأمل.

### || [45.33]

# / { وبدا لهم } أي ظهر لهم حينئذ { سيئات ما عملوا }
~~أي ms09780 قبائح أعمالهم أي عقوباتها فإن العقوبة تسوء صاحبها وتقبح عنده أو
~~سيآت أعمالهم أي أعمالهم السيآت على أن تكون الإضافة من إضافة الصفة إلى
~~الموصوف والكلام على تقدير مضاف أي ظهر لهم جزاء ذلك أو أن يراد بالسيآت
~~جزاؤها من باب إطلاق السبب على المسبب، وقيل: المراد ظهر لهم الجهات
~~السيئة الغير الحسنة عقلا لأعمالهم أي جهات قبحها العقلي التي خفيت
~~عليهم في الدنيا بتزيين الشيطان؛ وهو قول بالحسن والقبح العقليين في
~~الأفعال. و { ما } موصولة، وجوز أن تكون مصدرية فلا تغفل { وحاق } أي
~~حل { بهم ما كانوا به يستهزءون } من الجزاء والعقاب.

### || [45.34]

# { وقيل اليوم ننساكم } نترككم في العذاب من باب إطلاق السبب
~~على المسبب لأن من نسي شيئا تركه أو نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير
~~المبالى به على أن ثم استعارة تمثيلية، وجوز أن يكون استعارة مكنية في
~~ضمير الخطاب. { كما نسيتم } في الدنيا { لقاء يومكم هذا
~~} أي كما تركتم عدته وهي التقوى والإيمان به أو كما لم تبالوا أنتم
~~بلقائه ولم تخطروه ببال كالشيء الذي يطرح نسيا منسيا، وجوز أن يكون
~~التعبير بنسيانه لأن علمه مركوز في فطرتهم أو لتمكنهم منه بظهور دلائله
~~ففي النسيان الأول مشاكلة. وإضافة { لقاء } إلى  يوم  من إضافة
~~المصدر إلى ظرفه فهي على معنى في والمفعول مقدر أي لقاءكم الله تعالى
~~وجزاءه سبحانه في يومكم هذا. وقال العلامة التفتازاني { لقاء
~~يومكم } ك

# مكر اليل

# [سبأ: 33] من باب المجاز الحكمي فلذا أجري المضاف إليه مجرى المفعول به،
~~وإنما لم يجعل من إضافة المصدر إلى المفعول به حقيقة لأن التوبيخ ليس على
~~نسيان لقاء اليوم نفسه بل نسيان ما فيه من الجزاء. وقال بعض الأجلة: لا
~~يخفى أن لقاء اليوم يجوز أن يكون كناية عن لقاء جميع ما فيه وهو أنسب
~~بالمقام لأن السياق لإنكار البعث { ومأواكم النار وما لكم
~~من نصرين } ما لأحد منكم ناصر واحد يخلصكم منها.

### || [45.35]

# { ذلكم } العذاب { بأنكم } بسبب أنكم { اتخذتم ءايت
~~الله هزوا } أي مهزوءا بها ولم ترفعوا ms09781 لها رأسا { وغرتكم
~~الحيوة الدنيا } فحسبتم أن لا حياة سواها { فاليوم لا
~~يخرجون منها } أي النار. وقرأ الحسن وابن وثاب وحمزة والكسائي {
~~لا يخرجون } مبنيا للفاعل. والالتفات إلى الغيبة للإيذان بإسقاطهم عن
~~رتبة الخطاب استهانة بهم أو بنقلهم من مقام الخطابة إلى غيابة النار،
~~وجوز أن يكون هذا ابتداء كلام فلا التفات. { ولا هم يستعتبون
~~} أي يطلب منهم أن يعتبوا ربهم سبحانه أي يزيلوا عتبه جل وعلا، وهو كناية
~~عن إرضائه تعالى أي لا يطلب منهم إرضاؤه عز وجل لفوات أوانه. وقد تقدم في
~~الروم والسجدة أوجه أخر في ذلك فتذكر.

### || [45.36]

# تفريع على ما احتوت عليه السورة الكريمة، وقد احتوت على آلاء الله تعالى
~~وأفضاله عز وجل واشتملت على الدلائل الآفاقية والأنفسية / وانطوت على
~~البراهين الساطعة والنصوص اللامعة في المبدأ والمعاد. واللام للاختصاص.
~~وتقديم الخبر لتأكيده. وتعريف (الحمد) للاستغراق أو الجنس. والجملة إخبار
~~عن الاستحقاقه تعالى لما تدل عليه، وجوز أن يراد الإنشاء، وتمام الكلام
~~قد تقدم في الفاتحة، وفي التفريع المذكور على ما قال بعض الأجلة إشارة
~~إلى أن كفرهم لا يؤثر شيئا في ربوبيته تعالى ولا يسد طريق إحسانه ورحمته
~~عز وجل:

# ومن يسد طريق العارض الهطل

# وإنما هم ظلموا أنفسهم، وإجراء ما أجرى من الصفات الدالة على إنعامه
~~تعالى عليه عز وجل كالدليل على استحقاقه تعالى الحمد واختصاصه به جل
~~وعلا. وقوله تعالى: { رب العلمين } بدل مما قبل. وفي تكرير لفظ
~~الرب تأكيد وإيذان بأن ربوبيته تعالى لكل بطريق الأصالة. وقرأ ابن محيصن
~~برفعه على المدح بإضمار هو.

### || [45.37]

# { وله الكبرياء } فيه من الاختصاص ما في { لله الحمد }
~~[الجاثية: 36] والكبرياء قال ابن الأثير: العظمة والملك، وقال الراغب:
~~الترفع عن الانقياد، وقيل: هي عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود. وقوله
~~تعالى: { في السموت والأرض } في موضع الحال أو متعلق
~~بالكبرياء والتقييد بذلك لظهور آثار الكبرياء وأحكامها فيه. والإظهار في
~~مقام الإضمار لتفخيم شأن الكبرياء، وفي الحديث القدسي

# " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما قذفته في ms09782 النار
~~"

# أخرجه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه وابن أبي شيبة والبيهقي
~~في «الأسماء والصفات» عن أبي هريرة، وهو ظاهر في عدم اتحاد الكبرياء
~~والعظمة فلا تغفل { وهو العزيز } الذي لا يغلب { الحكيم } في
~~كل ما قضى وقدر.

# وفي هذه الجمل إرشاد  على ما قيل  إلى أوامر جليلة كأنه قيل: له الحمد
~~فاحمدوه تعالى وله الكبرياء فكبروه سبحانه وهو العزيز الحكيم فأطيعوه عز
~~وجل، وجعلها بعضهم مجازا أو كناية عن الأوامر المذكورة والله تعالى
~~أعلم.

# هذا ولم أظفر من باب الإشارة بما يتعلق بشيء من آيات هذه السورة الكريمة
~~يفي بمؤنة نقله غير ما يتعلق بقوله تعالى:

# وسخر لكم ما في السموات وما في الارض جميعا
~~منه

# [الجاثية: 13] من جعله إشارة إلى وحدة الوجود، وقد مر ما يغني عن نقله،
~~والله عز وجل ولي التوفيق.

### | [46 - سورة الأحقاف]

### || [46.1-2]

# الكلام فيه كالذي تقدم في مطلع السورة السابقة.

### || [46.3]

# { ما خلقنا السموات والارض } بما فيهما من حيث الجزئية
~~منهما ومن حيث الاستقرار فيهما { وما بينهما } من المخلوقات {
~~إلا بالحق } استثناء مفرغ من أعم المفاعيل أي إلا خلقا ملتبسا
~~بالحق الذي تقتضيه الحكمة التكوينية والتشريعية، وفيه من الدلالة على
~~وجود الصانع وصفات كماله وابتناء أفعاله على حكم بالغة وانتهائها إلى
~~غايات جليلة ما لا يخفى، وجوز كونه مفرغا من أعم الأحوال من فاعل {
~~خلقنا } أو من مفعوله أي ما خلقناها في حال من الأحوال إلا حال
~~ملابستنا بالحق أو حال ملابستها به.

# { وأجل مسمى } عطف على { الحق } بتقدير مضاف أي وبتقدير أجل
~~مسمى، وقدر لأن الخلق إنما يلتبس به لا بالأجل نفسه والمراد بهذا الأجل 
~~كما قال ابن عباس  يوم القيامة فإنه ينتهي إليه أمور الكل وتبدل فيه
~~الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار، وقيل: مدة البقاء
~~المقدر لكل واحد، ويؤيد الأول قوله تعالى:

# { والذين كفروا عما أنذروا معرضون } فإن ما أنذروه
~~يوم القيامة وما فيه من الطامة التامة والأهوال العامة لا آخر أعمارهم.
~~وجوز كون { ما } مصدرية أي ms09783 عن إنذارهم بذلك الوقت على إضافة المصدر إلى
~~مفعوله الأول القائم مقام الفاعل. والجملة حالية أي ما خلقنا الخلق إلا
~~بالحق وتقدير الأجل الذي يجازون عنده / والحال أنهم غير مؤمنين به معرضون
~~عنه غير مستعدين لحلوله.

### || [46.4]

# { قل } توبيخا لهم وتبكيتا { أرءيتم } أخبروني وقرىء { أرأيتكم
~~}  { ما تدعون } ما تعبدون { من دون الله } من الأصنام أو
~~جميع المعبودات الباطلة ولعله الأظهر. والموصول مفعول أول  لأرأيتم 
~~وقوله تعالى: { أروني } تأكيد له فإنه بمعنى أخبروني أيضا. وقوله
~~تعالى: { ماذا خلقوا } جوز فيه أن تكون { ما } اسم استفهام
~~مفعولا مقدما  لخلقوا  و { ذا } زائدة وأن تكون { ماذا } اسما
~~واحدا مفعولا مقدما أي أي شيء خلقوا وأن تكون اسم استفهام مبتدأ أو
~~خبرا مقدما و { ذا } اسم موصول خبرا أو مبتدأ مؤخرا وجملة {
~~خلقوا } صلة الموصول أي ما الذي خلقوه، وعلى الأولين جملة {
~~خلقوا } مفعول ثان  لأرأيتم  وعلى ما بعدهما جملة { ماذا
~~خلقوا } وجوز أن يكون الكلام من باب الإعمال وقد أعمل الثاني وحذف
~~مفعول الأول واختاره أبو حيان، وقيل: يحتمل أن يكون { أروني } بدل
~~اشتمال من { أرأيتم } وقال ابن عطية: ((يحتمل { أرأيتم } وجهين،
~~كونها متعدية و { ما } مفعولا لها، وكونها منبهة لا تتعدى و { ما }
~~استفهامية على معنى التوبيخ))، وهذا الثاني قاله الأخفش في

# أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة

# [الكهف: 63].

# وقوله تعالى: { من الارض } تفسير للمبهم في { ماذا خلقوا }
~~قيل: والظاهر أن المراد من أجزاء الأرض وبقعها، وجوز أن يكون المراد ما
~~على وجهها من حيوان وغيره بتقدير مضاف يؤدي ذلك، ويجوز أن يراد بالأرض
~~السفليات مطلقا ولعله أولى.

# { أم لهم شرك } أي شركة مع الله سبحانه { في السموات }
~~أي في خلقها، ولعل الأولى فيها أيضا أن تفسر بالعلويات. و { أم } جوز
~~أن تكون منقطعة وأن تكون متصلة، والمراد نفي استحقاق آلهتهم للمعبودية
~~على أتم وجه، فقد نفى أولا: مدخليتها في خلق شيء من أجزاء العالم السفلي
~~حقيقة واستقلالا، وثانيا: مدخليتها على سبيل الشركة في خلق شيء من
~~أجزاء العالم العلوي، ومن المعلوم أن ms09784 نفي ذلك يستلزم نفي استحقاق
~~المعبودية. وتخصيص الشركة في النظم الجليل بقوله سبحانه: { في
~~السموات } مع أنه لا شركة فيها وفي الأرض أيضا لأن القصد إلزامهم
~~بما هو مسلم لهم ظاهر لكل أحد والشركة في الحوادث السفلية ليست كذلك
~~لتملكهم وإيجادهم لبعضها بحسب الصورة الظاهرة. وقيل: الأظهر أن تجعل
~~الآية من حذف معادل { أم } المتصلة لوجود دليله والتقدير ألهم شرك في
~~الأرض أم لهم شرك في السموات؟ وهو كما ترى. وقوله تعالى: { ائتوني
~~بكتب } إلى آخره تبكيت لهم بتعجيزهم عن الإتيان بسند نقلي بعد
~~تبكيتهم بالتعجيز عن الإتيان بسند عقلي فهو من جملة القول أي ائتوني
~~بكتاب إلهي كائن { من قبل هذا } الكتاب أي القرآن الناطق
~~بالتوحيد وإبطال الشرك دال على صحة دينكم { أو أثرة من علم
~~} أي بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين شاهدة باستحقاقهم العبادة،
~~فالإثارة مصدر كالضلالة بمعنى البقية من قولهم: سمنت الناقة على أثارة من
~~لحم أي بقية منه.

# وقال القرطبي: هي بمعنى الإسناد والرواية، ومنه قول الأعشى:

# إن الذي فيه تماريتما

# بين للسامع والآثر

# وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن وقتادة: المعنى أو خاصة من علم فاشتقاقها
~~من الأثرة فكأنها قد آثر الله تعالى بها من هي عنده، وقيل: هي العلامة.
~~وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق
~~أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم:

# " أو أثارة من علم "

# قال: الخط، وروي ذلك أيضا موقوفا على ابن عباس، وفسر بعلم الرمل كما
~~في حديث أبي هريرة مرفوعا /

# " كان نبي من الأنبياء يخط فمن صادف مثل خطه علم "

# وفي رواية عن الحبر أنه قال: { أثرة من علم } خط كان يخطه
~~العرب في الأرض، وهذا ظاهر في تقوية أمر علم الرمل وأنه شيء له وجه ويرشد
~~إلى بعض الأمور، وفي ذلك كلام يطلب من محله. وفي «البحر» ((قيل: إن صح
~~تفسير ابن عباس الأثارة بالخط في التراب كان ذلك من باب التهكم بهم ms09785
~~وبأقوالهم ودلائلهم)). والتنوين للتقليل و { من علم } صفة أي أو
~~ائتوني بأثارة قليلة كائنة من علم.

# { إن كنتم صدقين } في دعواكم فإنها لا تكاد تصح ما لم يقم
~~عليها برهان عقلي أو دليل نقلي وحيث لم يقم عليها شيء منهما وقد قاما على
~~خلافها تبين بطلانها.

# وقرىء { إثارة } بكسر الهمز وفسرت بالمناظرة فإنها تثير المعاني، قيل:
~~وذلك من باب الاستعارة على تشبيه ما يبرز ويتحقق بالمناظرة بما يثور من
~~الغبار الثائر من حركات الفرسان. وقرأ علي وابن عباس رضي الله تعالى عنهم
~~بخلاف عنهما وزيد بن علي وعكرمة وقتادة والحسن والسلمي والأعمش وعمرو بن
~~ميمون { أثرة } بغير ألف وهي واحدة جمعها أثر كقترة وقتر، وعلي كرم الله
~~تعالى وجهه والسلمي وقتادة أيضا بإسكان الثاء وهي الفعلة الواحدة مما
~~يؤثر أي قد قنعت منكم بخبر واحد أو أثر واحد يشهد بصحة قولكم؛ وعن
~~الكسائي ضم الهمزة وإسكان الثاء فهي اسم للمقدار كالغرفة لما يغرف باليد
~~أي ائتوني بشيء ما يؤثر من علم، وروي عنه أيضا أنه قرأ { إثره } بكسر
~~الهمزة وسكون الثاء وهي بمعنى الأثرة بفتحتين.

### || [46.5]

# { ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا
~~يستجيب له } إنكار لأن يكون أضل من المشركين، وذكر بعض الفضلاء أن
~~المراد نفي أن يكون أحد يساويهم في الضلالة وإن كان سبك التركيب لنفي
~~الأضل، وقد مر ما يتعلق بذلك فتذكر أي هو أضل من كل ضال حيث ترك دعاء
~~المجيب القادر المستجمع لجميع صفات الكمال كما يشعر بذلك الاسم الجليل
~~ودعا من ليس شأنه الاستجابة له وإسعافه بمطلوبه { إلى يوم
~~القيمة } أي ما دامت الدنيا، وظاهره أنه بعدها تقع الاستجابة وليس
~~بمراد لتحقق ما يدل على خلافه، فهذه الغاية على ما في «الانتصاف» ((من
~~الغايات المشعرة بأن ما بعدها وإن وافق ما قبلها إلا أنه أزيد منه زيادة
~~بينة تلحقه بالمباين حتى كأن الحالتين وإن كانتا نوعا واحدا لتفاوت ما
~~بينهما كالشيء وضده، وذلك أن الحالة الأولى التي جعلت غايتها القيامة لا
~~تزيد ms09786 على عدم الاستجابة، والحالة الثانية التي في القيامة زادت على عدم
~~الاستجابة بالعداوة وبالكفر بعبادتهم إياهم كما ينطق به ما بعد فهو من
~~وادي قوله تعالى: في سورة [الزخرف: 29]

# بل متعت هؤلاء وءاباءهم

# الآية))، ونحوه قوله سبحانه في إبليس:

# وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين

# [ص: 78] وقد يقال: المراد بهذه الغاية التأبيد كما قيل في قوله تعالى:

# خلدين فيها ما دامت السموات

# [هود: 107] وقولهم: ما دام ثبير.

# وقال بعضهم: لا إشكال في الآية لأن الغاية مفهوم فلا تعارض المنطوق،
~~وفيه بحث، ففي «الدرر» و «الينبوع» عن «البديع» أن الغاية عندنا من قبيل
~~إشارة النص لا المفهوم. وقال الزركشي في «شرح جمع الجوامع»: ذهب القاضي
~~أبو بكر إلى أن الحكم في الغاية منطوق وادعى أن أهل اللغة صرحوا بأن
~~تعليق الحكم بالغاية موضوع على أن ما بعدها خلاف ما قبلها لأنهم اتفقوا
~~على أنها ليست كلاما مستقلا فإن قوله تعالى:

# حتى تنكح زوجا غيره

# [البقرة: 230] وقوله سبحانه:

# حتى يطهرن

# [البقرة: 222] لا بد فيه من إضمار لضرورة تتميم الكلام؛ وذلك أن المضمر
~~إما ضد ما قبله أو لا والثاني باطل لأنه ليس في الكلام ما يدل عليه فيقدر
~~حتى يطهرن فاقربوهن، حتى تنكح زوجا غيره فتحل، قال: والمضمر بمنزلة
~~الملفوظ فإنه إنما / يضمر لسبقه إلى ذهن العارف باللسان، وعليه جرى صاحب
~~«البديع» من الحنفية فقال: هو عندنا من دلالة الإشارة لا من المفهوم، لكن
~~الجمهور على أنه مفهوم ومنعوا وضع اللغة لذلك انتهى، ويعلم من هذا أن
~~قوله في «التلويح»: إن مفهوم الغاية متفق عليه لا يخلو من الخلل.

# { وهم عن دعائهم } الضمير الأول: لمفعول { يدعوا } أعني {
~~من لا يستجيب } والثاني: لفاعله، والجمع فيهما باعتبار معنى {
~~من } كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها أي والذين يدعون من لا
~~يستجيبون لهم عن دعائهم إياهم { غفلون } لا يسمعون ولا يدرون، أما
~~إن كان المدعو جمادا فظاهر، وأما إن كان من ذوي العقول فإن كان من
~~المقبولين المقربين عند الله تعالى فلاشتغاله عن ذلك ms09787 بما هو فيه من الخير
~~أو كونه في محل ليس من شأن الذي فيه أن يسمع دعاء الداعي للبعد كعيسى
~~عليه الصلاة والسلام اليوم أو لأن الله تعالى يصون سمعه عن سماع ذلك لأنه
~~لكونه مما لا يرضي الله تعالى يؤلمه لو سمعه، وإن كان من أعداء الله
~~تعالى كشياطين الجن والإنس الذين عبدوا من دون الله تعالى فإن كان ميتا
~~فلاشتغاله بما هو فيه من الشر، وقيل: لأن الميت ليس من شأنه السماع ولا
~~يتحقق منه سماع إلا معجزة كسماع أهل القليب، وفي هذا كلام تقدم بعضه؛ وإن
~~كان حيا فإن كان بعيدا مثلا فالأمر ظاهر، وإن كان قريبا سليم الحاسة
~~فقيل: الكلام بالنسبة إليه بعد تأويل الغفلة بعدم السماع وعلى التغليب
~~لندرة هذا الصنف.

# ومن الناس من أول الغفلة بعدم الفائدة وتعقب بأنه حينئذ لا يكون لوصفهم
~~بالغفلة بعد وصفهم بعدم الاستجابة كثير فائدة، واعتبر بعضهم التغليب من
~~غير تأويل بمعنى أنه غلب من يتصور منه الغفلة حقيقة على غيره، وهذا
~~كالتغليب في التعبير عن تلك الآلهة بما هو موضوع لأن يستعمل في العقلاء،
~~وإن كانت الآية في عبدة الأصنام ونحوها مما لا يعقل تجوز في الغفلة وكان
~~التعبير بما هو للعاقل لإجراء العبدة إياها مجرى العقلاء. وقال بعضهم على
~~جعلها في عبدة الأصنام: إن وصفها بما ذكر من ترك الاستجابة والغفلة مع
~~ظهور حالها للتهكم بها فتدبر ولا تغفل.

### || [46.6]

# { وإذا حشر الناس } عند قيام القيامة { كانوا } أي
~~المعبودون { لهم } أي العابدين { أعداء } شديدي العداوة {
~~وكانوا } أي المعبودون أيضا { بعبادتهم } أي بعبادة الكفرة
~~إياهم { كفرين } مكذبين، والأمر ظاهر في ذوي العقول، وأما في
~~الأصنام فقد روي أن الله تعالى يخلق لها إدراكا وينطقها فتتبرأ عن
~~عبادتهم وكذا تكون أعداء لهم، وجوز كون تكذيب الأصنام بلسان الحال لظهور
~~أنهم لا يصلحون للعبادة وأنهم لا نفع لهم كما توهموه أولا حيث قالوا:

# ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله

# [الزمر: 3] ورجوا الشفاعة منهم. وفسرت العداوة بالضر على أنها مجاز مرسل ms09788
~~عنه فمعنى { كانوا لهم أعداء } كانوا لهم ضارين، وما ذكرناه في
~~بيان الضمائر هو الظاهر، وقيل: ضمير { هم } المرفوع البارز والمستتر في
~~قوله تعالى:

# وهم عن دعائهم غفلون

# [الأحقاف: 5] للكفرة الداعين وضمير { دعائهم } لهم أو للمعبودين،
~~والمعنى أن الكفار عن ضلالهم بأنهم يدعون من لا يستجيب لهم غافلون لا
~~يتأملون ما عليهم في ذلك، وفيه من ارتكاب خلاف الظاهر ما فيه، وفي
~~الضمائر بعد نحو ذلك، والمعنى إذا حشر الناس كان الكفار أعداء لآلهتهم
~~الباطلة لما يرون من ترتب العذاب على عبادتهم إياها وكانوا لذلك منكرين
~~أنهم عبدوا غير الله تعالى كما حكى الله تعالى عنهم / أنهم يقولون:

# والله ربنا ما كنا مشركين

# [الأنعام: 23] وتعقب بأن السياق لبيان حال الآلهة معهم لا عكسه، ولأن
~~كفرهم حينئذ إنكار لعبادتهم وتسميته كفرا خلاف الظاهر.

### || [46.7]

# { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينات } أي واضحات أو
~~مبينات ما يلزم بيانه { قال الذين كفروا للحق } أي الآيات
~~المتلوة، ووضع موضع ضميرها تنصيصا على حقيتها ووجوب الإيمان بها كما وضع
~~الموصول موضع ضمير المتلو عليهم تسجيلا عليهم بكمال الكفر والضلالة.
~~وجوز كون المراد  بالحق  النبوة أو الإسلام فليس فيه موضوعا موضع
~~الضمير، والأول: أظهر. واللام متعلقة  بقال  على أنها لام العلة أي
~~قالوا لأجل الحق وفي شأنه وما يقال في شأن شيء مسوق لأجله، وجوز تعلقه 
~~بكفروا  على أنه بمعنى الباء أو حمل الكفر على نقيضه وهو الإيمان فإنه
~~يتعدى باللام نحو

# أنؤمن لك

# [الشعراء: 111] وهو خلاف الظاهر كما لا يخفى.

# { لما جاءهم } أي في وقت مجيئه إياهم، ويفهم منه في العرف
~~المبادرة وتستلزم عدم التأمل والتدبر فكأنه قيل: بادروا أول سماع الحق من
~~غير تأمل إلى أن قالوا: { هذا سحر مبين } أي ظاهر كونه سحرا،
~~وحكمهم بذلك على الآيات لعجزهم عن الإتيان بمثلها، وعلى النبوة لما معها
~~من الخارق للعادة، وعلى الإسلام لتفريقه بين المرء وزوجه وولده.

### || [46.8]

# { أم يقولون افتراه } إضراب وانتقال من حكاية شناعتهم السابقة
~~إلى حكاية ما هو أشنع منها وهو الكذب عمدا ms09789 على الله تعالى فإن الكذب
~~خصوصا عليه عز وجل متفق على قبحه حتى ترى كل أحد يشمئز من نسبته إليه
~~بخلاف السحر فإنه وإن قبح فليس بهذه المرتبة حتى تكاد تعد معرفته من
~~الأمور المرغوبة. وما في { أم } المنقطعة من الهمزة معنى للإنكار
~~التوبيخي المتضمن للتعجب من نسبته إلى الافتراء مع قولهم: هو سحر لعجزهم
~~عنه. والضمير المنصوب في { افتراه } كما قال أبو حيان { للحق }
~~[الأحقاف: 7] الذي هو الآيات المتلوة، وقال بعضهم: للقرآن الدال عليه ما
~~تقدم أي بل أيقولون افتراه.

# { قل إن افتريته } على الفرض { فلا تملكون لي من
~~الله شيئا } أي عاجلني الله تعالى بعقوبة الافتراء عليه سبحانه فلا
~~تقدرون على كفه عز وجل عن معالجتي ولا تطيقون دفع شيء من عقابه سبحانه
~~عني فكيف أفتريه وأتعرض لعقابه، فجواب { إن } في الحقيقة محذوف وهو
~~عاجلني وما ذكر مسبب عنه أقيم مقامه أو تجوز به عنه.

# { هو أعلم بما تفيضون فيه } بالذي تأخذون فيه من القدح في
~~وحي الله تعالى والطعن في آياته وتسميته سحرا تارة وافتراء أخرى،
~~واستعمال الإفاضة في الأخذ في الشيء والشروع فيه قولا كان أو فعلا مجاز
~~مشهور، وأصلها إسالة الماء يقال: أفاض الماء إذا أساله، وما أشرنا إليه
~~من كون { ما } موصولة وضمير فيه عائد عليه هو الظاهر وجوز كون { ما }
~~مصدرية وضمير { فيه } للحق أو للقرآن.

# { كفى به شهيدا بيني وبينكم } حيث يشهد لي سبحانه
~~بالصدق والبلاغ وعليكم بالكذب والجحود، وهو وعيد بجزاء إفاضتهم في الطعن
~~في الآيات، واستؤنف لأنه في جواب سؤال مقدر، و { به } في موضع الفاعل 
~~بكفى  على أصح الأقوال، و { شهيدا } حال و { بيني وبينكم }
~~متعلق به أو بكفى.

# { وهو الغفور الرحيم } وعد بالغفران والرحمة لمن تاب وآمن
~~وإشعار بحلم الله تعالى عليهم إذ لم يعاجلهم سبحانه بالعقوبة وأمهلهم جل
~~شأنه ليتداركوا أمورهم.

### || [46.9]

# { قل ما كنت بدعا من الرسل } أي بديعا منهم يعني لست
~~مبتدعا لأمر يخالف أمورهم بل جئت بما جاؤا به من الدعوة إلى التوحيد أو ms09790
~~فعلت نحو ما فعلوا من إظهار ما آتاني الله تعالى من المعجزات دون الإتيان
~~بالمقترحات كلها، فقد قيل: إنهم كانوا / يقترحون عليه عليه الصلاة
~~والسلام آيات عجيبة ويسألونه عن المغيبات عنادا ومكابرة فأمر صلى الله
~~عليه وسلم أن يقول لهم ذلك، ونظير بدع الخف بمعنى الخفيف والخل بمعنى
~~الخليل فهو صفة مشبهة أو مصدر مؤول بها، وجوز إبقاؤه على أصله.

# وقرأ عكرمة وأبو حيوة وابن أبي عبلة { بدعا } بفتح الدال، وخرج على
~~أنه جمع بدعة كسدرة وسدر، والكلام بتقدير مضاف أي ذا بدع أو مصدر
~~والاخبار به مبالغة أو بتقدير المضاف أيضا.

# وقال الزمخشري: يجوز أن يكون صفة على فعل كقولهم: دين قيم ولحم زيم أي
~~متفرق، قال في «البحر»: ((ولم يثبت سيبويه صفة على هذا الوزن إلا عدي حيث
~~قال: ولا نعلمه جاء صفة إلا في حرف معتل يوصف به الجمع وهو قوم عدى،
~~واستدرك عليه زيم وهو استدراك صحيح، وأما قيم فمقصور من قيام ولولا ذلك
~~لصحت عينه كما صحت في حول وعوض، وأما قول العرب: مكان سوى وماء روى ورجل
~~رضا وماء صرى فمتأولة عند التصريفيين إما بالمصدر أو بالقصر، وعن مجاهد
~~وأبي حيوة { بدعا } بفتح الباء وكسر الدال وهو صفة كحذر)).

# { وما أدري ما يفعل بي ولا بكم } أي في الدارين على
~~التفصيل كما قيل. وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه قال في الآية: أما في
~~الآخرة فمعاذ الله تعالى قد علم صلى الله عليه وسلم أنه في الجنة حين أخذ
~~ميثاقه في الرسل ولكن ما أدري ما يفعل بي في الدنيا أأخرج كما أخرجت
~~الأنبياء عليهم السلام من قبلي أم أقتل كما قتلت الأنبياء عليهم السلام
~~من قبلي ولا بكم أأمتي المكذبة أم أمتي المصدقة أم أمتي المرمية بالحجارة
~~من السماء قذفا أم المخسوف بها خسفا ثم أوحي إليه

# وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس

# [الإسراء: 60] يقول سبحانه: أحطت لك بالعرب أن لا يقتلوك فعرف عليه
~~الصلاة والسلام أنه لا يقتل ثم أنزل الله ms09791 تعالى

# هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق
~~ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا

# [الفتح: 28] يقول: أشهد لك على نفسه أنه سيظهر دينك على الأديان ثم قال
~~سبحانه له عليه الصلاة والسلام في أمته:

# وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان
~~الله معذبهم وهم يستغفرون

# [الأنفال: 33] فأخبره الله تعالى بما صنع به وما يصنع بأمته، وعن
~~الكلبي أنه صلى الله عليه وسلم قال له أصحابه وقد ضجروا من أذى
~~المشركين: حتى متى نكون على هذا؟ فقال: وما أدري ما يفعل بي ولا بكم
~~أأترك بمكة أم أومر بالخروج إلى أرض قد رفعت لي ورأيتها يعني في منامه
~~ذات نخل وشجر.

# وحكى في «البحر» عن مالك بن أنس وقتادة وعكرمة والحسن أيضا وابن عباس
~~أن المعنى ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة.

# وأخرج أبو داود في «ناسخه» من طريق عكرمة عن ابن عباس أنه قال في الآية:
~~نسختها الآية التي في الفتح يعني

# ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر

# [الفتح: 2] فخرج صلى الله عليه وسلم إلى الناس فبشرهم بأنه غفر له ما
~~تقدم من ذنبه وما تأخر فقال رجل من المؤمنين: هنيئا لك يا نبي الله قد
~~علمنا الآن ما يفعل بك فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى في سورة
~~[الأحزاب: 47]

# وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا

# وقال سبحانه:

# ليدخل المؤمنين والمؤمنت جنت تجري من
~~تحتها الأنهر خلدين فيها ويكفر عنهم
~~سيئتهم

# [الفتح: 5] فبين الله تعالى ما يفعل به وبهم.

# واستشكل على تقدير صحته بأن النسخ لا يجري في الخبر فلعل المنسوخ الأمر
~~بقوله تعالى: { قل } إن قلنا: إنه هنا للتكرار أو المراد بالنسخ مطلق
~~التغيير. وقال أبو حيان: هذا القول ليس بظاهر بل قد أعلم الله تعالى نبيه
~~عليه الصلاة والسلام من أول الرسالة بحاله وحال المؤمن وحال الكافر في
~~الآخرة، وقال الإمام: ((أكثر المحققين استبعدوا هذا القول واحتجوا بأن
~~النبي لا بد أن يعلم من نفسه كونه نبيا ومتى علم ذلك ms09792 علم أنه لا يصدر
~~عنه الكبائر وأنه مغفور [له] وإذا كان كذلك امتنع كونه / شاكا في أنه هل
~~هو مغفور له أم لا؟ وبأنه لا شك أن الأنبياء أرفع حالا من الأولياء، وقد
~~قال الله تعالى فيهم:

# ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم
~~يحزنون

# [يونس: 62] فكيف يعتقد بقاء الرسول وهو رئيس الأنبياء وقدوة الأولياء
~~شاكا في أنه هل هو من المغفورين أم لا؟)).

# وقد يقال: المراد أيضا أنه عليه الصلاة والسلام ما يدري ذلك على
~~التفصيل، وما ذكر لا يتعين فيه حصول العلم التفصيلي لجواز أن يكون عليه
~~الصلاة والسلام قد أعلم بذلك في مبدأ الأمر إجمالا بل في إعلامه صلى
~~الله عليه وسلم بعد بحال كل شخص شخص على سبيل التفصيل بأن يكون قد أعلم
~~عليه الصلاة والسلام بأحوال زيد مثلا في الآخرة على التفصيل وبأحوال
~~عمرو وكذلك وهكذا توقف.

# وفي «صحيح البخاري» وأخرجه الإمام أحمد والنسائي وابن مردويه

# " عن أم العلاء، وكانت بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت
~~لما مات عثمان بن مظعون: رحمة الله تعالى عليك يا أبا السائب شهادتي عليك
~~لقد أكرمك الله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك أن
~~الله تعالى أكرمه؟ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير
~~والله ما أدري وأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفعل بي ولا بكم
~~قالت أم العلاء: فوالله ما أزكي بعده أحدا "

# ، وفي رواية ابن حبان والطبراني

# " عن زيد بن ثابت أنها قالت لما قبض: طب أبا السائب نفسك إنك في الجنة
~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك؟ قالت: يا رسول الله عثمان بن
~~مظعون قال: أجل وما رأينا إلا خيرا والله ما أدري ما يصنع بي "

# ، وفي رواية الطبراني وابن مردويه

# " عن ابن عباس أنه لما مات قالت امرأته أو امرأة: هنيئا لك ابن مظعون
~~الجنة فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر مغضب وقال: وما ms09793
~~يدريك؟ والله إني لرسول الله وما أدري ما يفعل الله بي فقالت: يا رسول
~~الله صاحبك وفارسك وأنت أعلم فقال: أرجو له رحمة ربه تعالى وأخاف عليه
~~ذنبه "

# ، لكن في هذه الرواية أن ابن عباس قال: وذلك قبل أن ينزل

# ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر

# [الفتح: 2] وعن الضحاك المراد لا أدري ما أومر به ولا ما تؤمرون به في
~~باب التكاليف والشرائع والجهاد ولا في الابتلاء والامتحان.

# والذي أختاره أن المعنى على نفي الدراية من غير جهة الوحي سواء كانت
~~الدراية تفصيلية أو إجمالية وسواء كان ذلك في الأمور الدنيوية أو
~~الأخروية وأعتقد أنه صلى الله عليه وسلم لم ينتقل من الدنيا حتى أوتي من
~~العلم بالله تعالى وصفاته وشؤنه والعلم بأشياء يعد العلم بها كمالا ما
~~لم يؤته أحد غيره من العالمين، ولا أعتقد فوات كمال بعدم العلم بحوادث
~~دنيوية جزئية كعدم العلم بما يصنع زيد مثلا في بيته وما يجري عليه في
~~يومه أو غده، ولا أرى حسنا قول القائل: إنه عليه الصلاة والسلام يعلم
~~الغيب واستحسن أن يقال بدله: إنه صلى الله عليه وسلم أطلعه الله تعالى
~~على الغيب أو علمه سبحانه إياه أو نحو ذلك.

# وفي الآية رد على من ينسب لبعض الأولياء علم كل شيء من الكليات
~~والجزئيات، وقد سمعت خطيبا على منبر المسجد الجامع المنسوب للشيخ عبد
~~القادر الكيلاني قدس سره يوم الجمعة قال بأعلى صوت: يا باز أنت أعلم بي
~~من نفسي، وقال لي بعض: إني لأعتقد أن الشيخ قدس سره يعلم كل شيء مني حتى
~~منابت شعري، ومثل ذلك مما لا ينبغي أن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فكيف ينسب إلى من سواه؟ فليتق العبد مولاه.

# وفيما تقدم من الأخبار في شأن عثمان بن مظعون رد أيضا على من يقول فيمن
~~دونه في الفضل أو من لم يبشره الصادق بالجنة والكرامة نحو ما قيل فيه.
~~نعم ينبغي الظن الحسن في المؤمنين أحياء وأمواتا ورجاء الخير ms09794 لكل منهم
~~فالله تعالى أرحم الراحمين.

# هذا والظاهر أن { ما } استفهامية مرفوعة المحل بالابتداء والجملة بعدها
~~خبر وجملة المبتدأ والخبر معلق عنها الفعل القلبي وهو إما متعد لواحد أو
~~اثنين، وجوز أن تكون { ما } موصولة في محل نصب على المفعولية لفعل
~~الدراية وهو حينئذ متعد لواحد / والجملة بعدها صلة، وأن تكون حرفا
~~مصدريا فالمصدر مفعول { أدري } والاستفهامية أقضى لحق مقام التبري عن
~~الدراية، و { لا } لتذكير النفي المنسحب على { ما يفعل } الخ
~~وتأكيده، ولولا اعتبار الانسحاب لكان التركيب ما يفعل بي وبكم دون { لا
~~} لأنه ليس محلا للنفي ولا لزيادة لا ونظير ذلك زيادة { من } في قوله
~~تعالى:

# ما يود الذين كفروا... أن ينزل عليكم من
~~خير

# [البقرة: 105] لانسحاب النفي فإنه إذا انتفت ودادة التنزيل انتفى
~~التنزيل، وزيادة الباء في قوله سبحانه:

# أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات
~~والارض ولم يعي بخلقهن بقادر

# [الأحقاف: 33] لانسحاب النفي، على أن مع ما في حيزها ولولاه ما زيدت
~~الباء في الخبر، وقيل: الأصل ولا ما يفعل بكم فاختصر، وقيل: ولا بكم.
~~وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة { يفعل } بالبناء للفاعل وهو ضمير الله
~~عز وجل.

# { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } أي ما أفعل إلا اتباع ما
~~يوحى إلي على معنى قصر أفعاله صلى الله عليه وسلم على اتباع الوحي،
~~والمراد بالفعل ما يشمل القول وغيره. وهذا جواب عن اقتراحهم الإخبار عما
~~لم يوح إليه عليه الصلاة والسلام من الغيوب، والخطاب السابق للمشركين.
~~وقيل: عن استعجال المسلمين أن يتخلصوا عن أذية المشركين والخطاب السابق
~~لهم، والأول أوفق لقوله تعالى: { وما أنا إلا نذير } أنذركم
~~عقاب الله تعالى حسبما يوحى إلي { مبين } بين الإنذار بالمعجزات
~~الباهرة، والحصر إضافي. وقرأ ابن عمير { يوحي } على البناء للفاعل.

### || [46.10]

# { قل أرءيتم إن كان } أي ما يوحى إلي من القرآن، وقيل: الضمير
~~للرسول، وفيه أن الظاهر لو كان المعنى عليه كنت { من عند الله }
~~لا سحرا ولا مفترى كما تزعمون { وكفرتم به } الواو للحال
~~والجملة ms09795 حال بتقدير قد على المشهور من الضمير في الخبر وسطت بين أجزاء
~~الشرط اهتماما بالتسجيل عليهم بالكفر أو للعطف على { كان } كما في
~~قوله تعالى:

# قل أرءيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به

# [فصلت: 52] وكذا الواو في قوله تعالى: { وشهد شاهد من بني
~~إسرءيل } إلا أنها تعطفه بماعطف عليه على جملة ما قبله، فالجمل
~~المذكورات بعد الواوات ليست متعاطفة على نسق واحد بل مجموع { شهد }  {
~~فآمن واستكبرتم } معطوف على مجموع { كان } وما معه، مثله في
~~المفردات

# هو الأول والأخر والظهر والبطن

# [الحديد: 3] والمعنى أن اجتمع كونه من عند الله تعالى مع كفركم واجتمع
~~شهادة الشاهد فإيمانه مع استكباركم عن الإيمان، وسيأتي إن شاء الله تعالى
~~الكلام في جواب الشرط وفي مفعولي { أرأيتم } وضمير { به } عائد
~~على ما عاد عليه اسم (كان) وهو ما يوحي من القرآن أو الرسول، وعن الشعبي
~~أنه للرسول، ولعله يقول في ضمير { كان } أيضا كذلك وكذا في ضمير {
~~على مثله } لئلا يلزم التفكيك. وأنت تعلم أن الظاهر رجوع الضمائر
~~كلها للقرآن، وتنوين { شاهد } للتفخيم، وكذا وصفه بالجار والمجرور أي
~~وشهد شاهد عظيم الشأن من بني إسرائيل الواقفين على شؤن الله تعالى وأسرار
~~الوحي بما أوتوا من التوراة على مثل القرآن من المعاني المنطوية في
~~التوراة من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك فإنها في الحقيقة عين ما فيه
~~كما يعرب عنه قوله تعالى:

# وإنه لفي زبر الأولين

# [الشعراء: 196] على وجه، وكذا قوله سبحانه:

# إن هذا لفي الصحف الأولى

# [الأعلى: 18] والمثلية باعتبار تأديتها بعبارات أخرى أو على مثل ما ذكر
~~من كونه من عند الله تعالى والمثلية لما ذكر، وقيل: على مثل شهادته أي
~~لنفسه بأنه من عند الله تعالى كأنه لإعجازه يشهد لنفسه بذلك، وقيل (مثل)
~~كناية عن القرآن نفسه للمبالغة، وعلى تقدير كون الضمير للرسول صلى الله
~~عليه وسلم فسر المثل بموسى عليه السلام.

# / والفاء في قوله تعالى: { فآمن } أي بالقرآن للسببية فيكون إيمانه
~~مترتبا على شهادته له بمطابقته للوحي، ويجوز أن تكون تفصيلية ms09796 فيكون
~~إيمانه به هو الشهادة له، والمعنى على تقدير أن يراد فآمن بالرسول صلى
~~الله عليه وسلم ظاهر بأدنى التفاوت، وقوله تعالى: { واستكبرتم }
~~أي عن الإيمان معطوف على ما أشرنا إليه { شهد شاهد } وجوز كونه
~~معطوفا على { آمن } لأنه قسيمه ويجعل الكل معطوفا على الشرط، ولا تكرار
~~في { استكبرتم } لأن الاستكبار بعد الشهادة والكفر قبلها.

# وقوله تعالى: { إن الله لا يهدي القوم الظلمين }
~~أي الموسومين بهذا الوصف، استئناف بياني في مقام التعليل للاستكبار عن
~~الإيمان. ووصفهم بالظلم للإشعار بعلة الحكم فتشعر هذه الجملة بأن كفرهم
~~به لضلالهم المسبب عن ظلمهم وهو دليل جواب الشرط ولذا حذف ومفعولا {
~~أرأيتم } محذوفان أيضا لدلالة المعنى عليهما، والتقدير أرأيتم
~~حالكم إن كان كذا فقد ظلمتم ألستم ظالمين، فالمفعول الأول حالكم والثاني
~~ألستم ظالمين، والجواب فقد ظلمتم، وقال ابن عطية: في { أرأيتم }
~~يحتمل أن تكون منبهة فهي لفظ موضوع للسؤال لا تقتضي مفعولا، ويحتمل أن
~~تكون جملة { إن كان } الخ سادة مسد مفعوليها، وهو خلاف ما قرره محققو
~~النحاة في ذلك. وقدر الزمخشري الجواب ألستم ظالمين بغير فاء. ورده أبو
~~حيان بأن الجملة الاستفهامية إذا وقعت جوابا للشرط لزمها الفاء فإن كانت
~~الأداة الهمزة تقدمت على الفاء وإلا تأخرت، ولعله تقدير معنى لا تقدير
~~إعراب، وقدره بعضهم أفتؤمنون لدلالة { فآمن } وقدره الحسن فمن أضل
~~منكم لقوله تعالى:

# قل أرءيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به
~~من أضل ممن هو في شقاق بعيد

# [فصلت: 52] وقوله سبحانه: { إن الله لا يهدي القوم
~~الظلمين } وقيل: التقدير فمن المحق منا ومنكم ومن المبطل؟ وقيل:
~~تهلكون، وقيل: هو { فآمن واستكبرتم } أي فقد آمن محمد صلى
~~الله عليه وسلم به أو الشاهد واستكبرتم أنتم عن الإيمان، وأكثرها كما
~~ترى.

# والشاهد عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه عند الجمهور وابن عباس
~~والحسن ومجاهد وقتادة وابن سيرين والضحاك وعكرمة في رواية ابن سعد وابن
~~عساكر عنه. وفي «الكشف» في جعله شاهدا والسورة مكية بحث ولهذا استثنيت
~~هذه الآية، وتحقيقه ms09797 أنه نزل ما سيكون منزلة الواقع ولهذا عطف { شهد }
~~وما بعده على قوله تعالى: { كان من عند الله وكفرتم }
~~ليعلم أنه مثله في التحقيق فيكون على أسلوب قوله سبحانه:

# كمآ أنزلنا على المقتسمين

# [الحجر: 90] أي أنذر قريشا مثل ما أنزلناه على يهود بني قريظة وقد أنزل
~~عليهم بعد سبع سنين من نزول الآية، ومصب الإلزام في قوله تعالى: {
~~فآمن } كأنه قيل: أخبروني إن يؤمن به عالم من بني إسرائيل أي عالم لما
~~تحقق عنده أنه مثل التوراة ألستم تكونون أضل الناس، ففي الدلالة على أنه
~~مثل التوراة يجب الإيمان به شهد ذلك الشاهد أو لم يشهد لأن تلك الشهادة
~~يعقبها الإيمان من غير مهلة فلو لم يؤمن لم يكن عالما بما في التوراة؛
~~وهذا يصلح جوابا مستقلا من غير نظر إلى الأول فافهم، وقول من قال:
~~الشاهد عبد الله على هذا بيان للواقع وأنه كان ممن شهد وآمن لا أن المراد
~~بلفظ الآية عبد الله خصوصا، وعلى الوجهين لا بد من تأويل قول سعد، وقد
~~تقدم في حديث الشيخين وغيرهما وفيه نزل { وشهد شاهد } بأن المراد
~~في شأنه الذي سيحدث على الأول أو فيه وفيمن هو على حاله كأنه قيل: هو من
~~النازلين فيه لأنه كان من الشاهدين انتهى.

# وتعقب قوله: إنه نزل ما سيكون منزلة الواقع بأنه لا حاجة إلى ذلك
~~التنزيل على تقدير مكيتها، وكون / الشاهد ابن سلام لمكان العطف على الشرط
~~الذي يصير به الماضي مستقبلا وحينئذ لا ضير في شهادة الشاهد بعد نزولها،
~~ومع هذا فالظاهر من الأخبار أن النزول كان في المدينة وأنه بعد شهادة ابن
~~سلام. أخرج أبو يعلى. والطبراني والحاكم بسند صحيح

# " عن عوف بن مالك الأشجعي قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأنا
~~معه حتى دخلنا كنيسة اليهود يوم عيدهم فكرهوا دخولنا عليهم فقال لهم رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: أروني اثني عشر رجلا منكم يشهدون أن لا إله
~~إلا الله وأن محمدا رسول الله يحبط الله تعالى عن كل ms09798 يهودي تحت أديم
~~السماء الغضب الذي عليه فسكتوا فما أجابه منهم أحد ثم رد عليهم عليه
~~الصلاة والسلام فلم يجبه أحد فثلث فلم يجبه أحد فقال: أبيتم فوالله لأنا
~~الحاشر وأنا العاقب وأنا المقفى آمنتم أو كذبتم ثم انصرف صلى الله عليه
~~وسلم وأنا معه حتى كدنا أن نخرج فإذا رجل من خلفه فقال: كما أنت يا محمد
~~فأقبل فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود؟ قالوا: والله
~~ما نعلم فينا رجلا أعلم بكتاب الله تعالى ولا أفقه منك ولا من أبيك ولا
~~من جدك قال: فإني أشهد بالله أنه النبي الذي تجدونه في التوراة والإنجيل
~~فقالوا: كذبت ثم ردوا عليه وقالوا شرا فقام رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وأنا وابن سلام فأنزل الله تعالى: { قل أرءيتم إن كان
~~من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني
~~إسرءيل } الآية "

# وروي حديث شهادته وإيمانه على وجه آخر، ولا يظهر لي الجمع بينه وبين ما
~~ذكر، وهو أيضا ظاهر في كون النزول بعد الشهادة. وأخرج عبد بن حميد

# " عن سعيد بن جبير قال: جاء ميمون بن يامين إلى النبي صلى الله عليه
~~وسلم وكان رأس اليهود بالمدينة فأسلم وقال: يا رسول الله ابعث إليهم 
~~يعني اليهود  فاجعل بينك وبينهم حكما من أنفسهم فإنهم سيرضوني فبعث
~~عليه الصلاة والسلام إليهم وأدخله الداخل فأتوه فخاطبوه مليا فقال لهم:
~~اختاروا رجلا من أنفسكم يكون حكما بيني وبينكم قالوا: فإنا قد رضينا
~~بميمون بن يامين فأخرجه إليهم فقال لهم ميمون: لنشهد أنه رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم وأنه على الحق فأبوا أن يصدقوه فأنزل الله تعالى فيه {
~~قل أرءيتم } الآية "

# ، وهو ظاهر في مدنية الآية وأن نزولها قبل شهادة الشاهد لكنه ظاهر في أن
~~الشاهد غير عبد الله بن سلام، وكونه كان يسمى بذلك قبل لم أره، ولا يظهر
~~لي وجه التعبير به دون المشهود إن كان، والذي رأيته في «الاستيعاب» في
~~ترجمة عبد الله أنه ابن سلام بن الحرث ms09799 الإسرائيلي الأنصاري يكنى أبا يوسف
~~وكان اسمه في الجاهلية الحصين فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم عبد الله والله تعالى أعلم.

# ((ومن كذب اليهود وجهلهم بالتاريخ ما يعتقدونه في عبد الله بن سلام أنه
~~صلى الله عليه وسلم حين سافر إلى الشام في تجارة لخديجة رضي الله تعالى
~~عنها اجتمع بأحبار اليهود وقص عليهم أحلامه فعلموا أنه صاحب دولة فأصحبوه
~~عليه السلام سلام وبقي معه مدة فتعلم منه علم الشرائع والأمم السالفة
~~وأفرطوا في الكذب إلى أن نسبوا القرآن المعجز إلى تأليف عبد الله بن سلام
~~وعبد الله هذا مما ليس له إقامة بمكة ولا تردد إليها، ولم ير النبي صلى
~~الله عليه وسلم إلا في المدينة وأسلم إذ قدمها عليه الصلاة والسلام أو
~~قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بعامين على ما حكاه في «البحر» عن الشعبي،
~~فما أكذب اليهود وأبهتهم لعنهم الله تعالى، وناهيك من طائفة ما ذم في
~~القرآن طائفة مثلها)).

# وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مسروق أن الشاهد هو موسى
~~بن عمران عليه الصلاة والسلام، وقد تقدم أنه كان يدعي مكية الآية وينكر
~~نزولها في ابن سلام ويقول: إنما كانت خصومة خاصم بها محمد صلى الله عليه
~~وسلم، وكأنه على هذا لا يحتاج إلى القول بأنها نزلت بخصوص شاهد، وأيد عدم
~~إرادة الخصوص بأن { شاهد } في الآية نكرة والنكرة في سياق الشرط تعم،
~~وأنا أقول: بكون التنوين في / { شاهد } للتعظيم وبمدنية الآية ونزولها
~~في ابن سلام، والخطابات فيها مطلقا لكفار مكة، وربما يظن على بعض
~~الروايات أنها لليهود وليس كذلك، وهم المعنيون أيضا بالذين كفروا في
~~قوله تعالى: { وقال الذين كفروا }.

### || [46.11]

# { وقال الذين كفروا } إلى آخره، وهو حكاية لبعض آخر من
~~أقاويلهم الباطلة في حق القرآن العظيم والمؤمنين به، وفيه تحقيق
~~لاستكبارهم أي وقال كفار مكة: { للذين ءامنوا } أي لأجلهم وفي
~~شأنهم فاللام للتعليل كما سمعت في

# قال الذين كفروا للحق

# [الأحقاف: 7] وقيل: هي لام المشافهة والتبليغ والتفتوا ms09800 في قولهم: { لو
~~كان } أي ما جاء به صلى الله عليه وسلم من القرآن، وقيل: الإيمان {
~~خيرا ما سبقونا إليه } ولولاه لقالوا: سبقتمونا بالخطاب أو
~~لما سمعوا أن جماعة آمنوا خاطبوا جماعة آخرى من المؤمنين أي قالوا للذين
~~آمنوا: لو كان خيرا ما سبقنا إليه أولئك الذين بلغنا إيمانهم. وتعقب بأن
~~هذا ليس من مواطن الالتفات، وكونهم قصدوا تحقير المؤمنين بالغيبة لا وجه
~~له، وكون المشافهين طائفة من المؤمنين والمخبر عنهم طائفة أخرى خلاف
~~الظاهر، فالأولى كونها للتعليل وقالوا ذلك لما رأوا أن أكثر المؤمنين
~~كانوا فقراء ضعفاء كعمار وصهيب وبلال وكانوا يزعمون أن الخير الديني يتبع
~~الخير الدنيوي وأنه لا يتأهل للأول إلا من كان له القدح المعلى من
~~الثاني، ولذا قالوا:

# لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين
~~عظيم

# [الزخرف: 31] وخطؤهم في ذلك مما لا يخفى.

# وأخرج ابن المنذر عن عون بن أبي شداد قال: كانت لعمر بن الخطاب رضي
~~الله تعالى عنه أمة أسلمت قبله يقال لها زنيرة فكان رضي الله تعالى عنه
~~يضربها على إسلامها وكان كفار قريش يقولون: لو كان خيرا ما سبقتنا إليه
~~زنيرة فأنزل الله تعالى في شأنها { وقال الذين كفروا } الآية،
~~ولعلهم لم يريدوا زنيرة بخصوصها بل من شابهها أيضا. وفي الآية تغليب
~~المذكر على المؤنث، وقال أبو المتوكل: أسلم أبو ذر ثم أسلمت غفار فقالت
~~قريش ذلك، وقال الكلبي والزجاج: قال ذلك بنو عامر بن صعصعة وغطفان وأسد
~~وأشجع لما أسلم أسلم وجهينة ومزينة وغفار. وقال الثعلبي: هي مقالة
~~اليهود حين أسلم ابن سلام وأصحابه منهم، ويلزم عليه القول بأن الآية
~~مدنية وعدها في المستثنيات أو كون { قال } فيها كنادى في قوله تعالى:

# ونادى أصحب الأعراف

# [الأعراف: 48] وهذا كما ترى والمعول عليه ما تقدم.

# { وإذ لم يهتدوا به } أي بالقرآن، وقيل: بالرسول صلى الله
~~عليه وسلم، و { إذ } على ما اختاره جار الله ظرف لمقدر دل عليه السابق
~~واللاحق أي وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم واستكبارهم، وقوله تعالى: {
~~فسيقولون ms09801 هذا إفك قديم } أي يتحقق منهم هذا القول والطعن
~~حينا فحينا كما يؤذن بذلك صيغة المضارع مسبب عن العناد والاستكبار،
~~وإذا جاز مثل حينئذ الآن - أي كان ذلك حينئذ واسمع الآن بدليل قرينة
~~الحال - فهذا أجوز، والإشارة إلى القرآن العظيم، وقولهم ذلك فيه كقولهم:

# أسطير الأولين

# [الأنعام: 25] ولم يجوز أن يكون { فسيقولون } عاملا في الظرف
~~لتدافع دلالتي المضي والاستقبال، وإنما لم يجعله من قبيل

# فسوف يعلمون * إذ الأغلل

# [غافر:70-71] نظما للمستقبل في سلك المقطوع كما اختاره ابن الحاجب في
~~«الأمالي» لأن المعنى ههنا  كما في «الكشف»  على أن عدم الهداية محقق
~~واقع لا أنه سيقع البتة، ألا ترى إلى قوله تعالى: { وقال الذين
~~كفروا للذين ءامنوا } بعدما بين استكبارهم وعنادهم كيف ينص
~~على / أنهم مجادلون معرضون عن القرآن وتدبره غير مهتدين ببشائره ونذره.
~~وقال بعضهم: الظرف معمول  لسيقولون  والفاء لا تمنع عن عمل ما بعدها
~~فيما قبلها كما ذكره الرضي، والتسبب المشعرة به عن كفرهم، و {
~~سيقولون } بمعنى قالوا، والعدول إليه للإشعار بالاستمرار. وتعقب بأن
~~ذلك مع السين بعيد، وقيل: إذ تعليلية للقول. وتعقب بأنه معلل كما آذنت به
~~الفاء، وقدر بعضهم العامل المحذوف قالوا ما قالوا، ورجحه على التقدير
~~السابق وليس براجح عليه كما لا يخفى على راجح.

### || [46.12]

# { ومن قبله } أي من قبل القرآن وهو خبر مقدم لقوله تعالى: {
~~كتاب موسى } قدم للاهتمام، وجوز الطبرسي كون { كتاب } معطوفا
~~على { شاهد } [الأحقاف: 10] والظرف فاصل بين العاطف والمعطوف، والمعنى
~~وشهد كتاب موسى من قبله، وجعل ضمير { قبله } للقرآن أيضا وليس بشيء
~~أصلا. وقوله سبحانه: { إماما ورحمة } حال من الضمير في الخبر أو
~~من { كتاب } عند من جوز الحال من المبتدأ، وقيل: حال من محذوف والعامل
~~كذلك أي أنزلناه إماما وهو كما ترى. والمعنى وكائن من قبله كتاب موسى
~~يقتدى به في دين الله تعالى وشرائعه كما يقتدى بالإمام ورحمة من الله
~~سبحانه لمن آمن به وعمل بموجبه.

# وقوله تعالى: { وهذا } أي القرآن الذي يقولون في شأنه ما يقولون {
~~كتاب } مبتدأ ms09802 خبر. وقوله عز وجل: { مصدق } نعت { كتاب } وهو
~~مصب الفائدة أي مصدق لكتاب موسى الذي هو إمام ورحمة أو لما بين يديه من
~~جميع الكتب الإلهية، وقد قرىء { مصدق لما بين يديه }
~~والجملة عطف على الجملة قبلها وهي حالية أو مستأنفة، وأيا ما كان
~~فالكلام رد لقولهم:

# هذا إفك قديم

# [الأحقاف: 11] وإبطال له، والمعنى كيف يصح كونه إفكا قديما وقد سلموا
~~كتاب موسى والقرآن مصدق له متحد معه في المعنى أو لجميع الكتب الإلهية.

# وقوله تعالى: { لسانا عربيا } حال من ضمير { كتاب } المستتر
~~في { مصدق } أو منه نفسه لتخصيصه بالصفة، وعامله على الأول {
~~مصدق } وعلى الثاني ما في { هذا } من معنى الفعل، وفائدة هذه
~~الحال مع أن عربيته أمر معلوم لكل أحد الإشعار بالدلالة على أن كونه
~~مصدقا كما دل على أنه حق دل على أنه وحي وتوقيف من الله تعالى. هذا على
~~القول بأن الكلام مع اليهود ظاهر، وأما على القول بأنه مع كفار مكة
~~فلأنهم قد يسلمون التوراة ونحوها من الكتب الإلهية السابقة وإن كانوا
~~أحيانا ينكرون إنزال الكتب وإرسال الرسل عليهم السلام مطلقا.

# وفي «الكشف» وجه تقديم الخبر في قوله تعالى: { ومن قبله كتاب
~~موسى } أن إرسال الرسل وإنزال الكتب أمر مستمر كائن من عند الله تعالى
~~فمن قبل إنزال القرآن إماما ورحمة كان إنزال التوراة كذلك، وليس من
~~تقديم الاختصاص بل لأن العناية والاهتمام بذكره، ولما ألزم الكفار بنزول
~~مثله وشهادة أعلم بني إسرائيل ذكر على سبيل الاعتراض من حال كتاب
~~موسى عليه السلام ما يؤكد كونه من عند الله تعالى وأن ما يطابقه يكون من
~~عنده سبحانه لا محالة وتوصل منه إلى أن القرآن لما كان مصدقه بل مصدق
~~سائر الكتب السماوية وجب أن يؤمن به ويتلقى بالقبول؛ وهو بالحقيقة إعادة
~~للدعوى الأولى على وجه أخصر وأشمل إذ دل فيه على أن كونه مصدقا كاف شهد
~~شاهد بني إسرائيل أو لا، وإن قيل: نزلوا لعنادهم منزلة من لا يعرف أن
~~كتاب موسى قبله إذ لو ms09803 عرفوا وقد تبين أنه مثله لأذعنوا فقيل: { ومن
~~قبله } لا من بعده لكان وجها موفى فيه حق الاختصاص كما آثره السكاكي
~~من أنه لازم التقديم انتهى.

# وهو ظاهر في أن الجملة ليست حالية.

# / وجوز كون { لسانا } مفعولا  لمصدق  والكلام بتقدير مضاف أي ذا
~~لسان عربي وهو النبي عليه الصلاة والسلام وتصديقه إياه بموافقته كتاب
~~موسى أو الكتب السماوية مطلقا وإعجازه، وجوز على المفعولية كون {
~~هذا } إشارة إلى كتاب موسى فلا يحتاج إلى تقدير مضاف. ويراد 
~~بلسانا عربيا  القرآن، ووضعت الإشارة موضع الضمير للتعظيم، والأصل وهو
~~مصدق لسانا عربيا، وقيل: هو منصوب بنزع الخافض أي مصدق بلسان عربي
~~والكل كما ترى. وقرأ الكلبي { ومن قبله } بفتح الميم { كتاب موسى }
~~بالنصب، وخرجت على أن (من) موصولة معمولة لفعل مقدر وكذا { كتاب } أي
~~وآتينا الذين كانوا قبل نزول القرآن من بني إسرائيل كتاب موسى.

# { لينذر الذين ظلموا } متعلق  بمصدق  وفيه ضمير للكتاب أو
~~لله تعالى أو للرسول عليه الصلاة والسلام ويؤيد الأخير قراءة أبي رجاء
~~وشيبة والأعرج وأبي جعفر وابن عامر ونافع وابن كثير في رواية { لتنذر }
~~بتاء الخطاب فإنه لا يصلح بدون تكلف لغير الرسول، والتعليل صحيح على
~~الكل، ولا يتوهم لزوم حذف اللام على أن الضمير للكتاب لوجود شرط النصب
~~لأنه شرط الجواز.

# { وبشرى للمحسنين } عطف على المصدر الحاصل من أن والفعل،
~~وقال الزمخشري: - وتبعه أبو البقاء - هو في محل النصب معطوف على محل {
~~لينذر } لأنه مفعول له، وزعم أبو حيان أن ذلك ((لا يجوز على الصحيح
~~من مذهب النحويين لأن المحل ليس بحق الأصالة وهم يشترطون في الحمل عليه
~~ذلك إذ الأصل في المفعول له الجر، والنصب ناشيء من نزع الخافض لكنه كثر
~~بشرطه، وحكى في إعرابه أوجها فقال: قيل معطوف على { مصدق } وقيل:
~~خبر مبتدأ محذوف أي هو بشرى، وقيل: منصوب بفعل محذوف معطوف على { ينذر }
~~أي ويبشر بشرى، وقيل: منصوب بنزع الخافض أي ولبشرى))، والظاهر أن {
~~المحسنين } في مقابلة { الذين ظلموا } والمراد بالأول
~~الكفرة وبالثاني المؤمنين. وفي «شرح ms09804 الطيبي» إنما عدل عن العادلين إلى {
~~المحسنين } ليكون ذريعة إلى البشارة بنفي الخوف والحزن لمن قالوا:
~~ربنا الله ثم استقاموا، وقيل: { المحسنين } دون الذين أحسنوا بعد
~~قوله تعالى: { الذين ظلموا } ليكون المعنى لينذر الذين وجد منهم
~~الظلم ويبشر الذين ثبتوا واستقاموا على الصراط السوي فيناسب تعليل
~~البشارة بقوله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم
~~استقموا }.

### || [46.13]

# { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقموا }
~~إلى آخره أي إن الذين جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم والاستقامة
~~في الدين التي هي منتهى العمل، و { ثم } للتراخي الرتبي فالعمل
~~متراخي الرتبة عن التوحيد، وقد نصوا على أنه لا يعتد به بدونه { فلا
~~خوف عليهم } من لحوق مكروه { ولا هم يحزنون } من فوات
~~محبوب، والمراد استمرار النفي. والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط مع بقاء
~~معنى الابتداء فلا تدخل في خبر ليت ولعل وكان وإن كان كانت أسماؤها
~~موصولات. وتقدم في سورة السجدة نظير هذه الآية وذكرنا في تفسيره ما ذكرنا
~~فليراجع.

### || [46.14]

# { أولئك } الموصوفون بماذكر من الوصفين الجليلين { أصحب
~~الجنة خلدين فيها } حال من المستكن في { أصحب } وقوله
~~تعالى: { جزاء } منصوب إما بعامل مقدر أي يجزون جزاء، والجملة استئناف
~~أو حال وإما بمعنى ما تقدم على ما قيل فإن قوله تعالى: { أولئك
~~أصحب الجنة } في معنى جزيناهم { بما كانوا يعلمون }
~~من الحسنات القلبية والقالبية.

### || [46.15]

# { ووصينا الإنسن بولديه إحسنا } نزلت كما أخرج
~~ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في أبي بكر الصديق
~~رضي الله تعالى عنه / إلى قوله تعالى:

# وعد الصدق الذى كانوا يوعدون

# [الأحقاف: 16].

# { وإحسانا } قيل: مفعول ثان لوصينا على تضمينه معنى ألزمنا، وقيل:
~~منصوب على المصدر على تضمين { وصينا } معنى أحسنا أي أحسنا بالوصية
~~للإنسان بوالديه إحسانا، وقيل: صفة لمصدر محذوف بتقدير مضاف أي إيصاء ذا
~~إحسان، وقيل: مفعول له أي وصيناه بهما لإحساننا إليهما، وقال ابن عطية:
~~إنه منصوب على المصدر الصريح و { بولديه } متعلق بوصينا، أو به
~~وكأنه عنى يحسن إحسانا وهو حسن، ms09805 لكن تعقب أبو حيان تجويزه تعلق الجار
~~بإحسانا ((بأنه لا يصح لأنه مصدر مقدر بحرف مصدري والفعل فلا يتقدم
~~معموله عليه ولأن أحسن لا يتعدى بالباء وإنما يتعدى باللام تقول: أحسنت
~~لزيد ولا تقول: أحسنت بزيد على معنى أن الإحسان يصل إليه))، وفيه أنا لا
~~نسلم أن المقدر بشيء يشارك ما قدر به في جميع الأحكام لجواز أن يكون بعض
~~أحكامه مختصا بصريح لفظه مع أن الظرف يكفيه رائحة الفعل ولذا يعمل الاسم
~~الجامد فيه باعتبار لمح المعنى المصدري، وقد قالوا: إنه يتصرف فيه ما لا
~~يتصرف في غيره لاحتياج معظم الأشياء إليه. والجار والمجرور محمول عليه،
~~وقد كثر ما ظاهره التعلق بالمصدر المتأخر نكرة ك

# ولا تأخذكم بهما رأفة

# [النور: 2] ومعرفة نحو

# فلما بلغ معه السعي

# [الصافات: 102] وتأويل كل ذلك تكلف، وأيضا قوله: لأن أحسن لا يتعدى
~~بالباء الخ فيه منع ظاهر، وقدر بعضهم الفعل قبل الجار فقال: وصينا
~~الإنسان بأن يحسن بوالديه إحسانا، ولعل التنوين للتفخيم أي إحسانا
~~عظيما. والإيصاء والوصية التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ من
~~قولهم: أرض واصية متصلة النبات، ففي الآية إشعار بأن الإحسان بهما أمر
~~معتنى به، وقد عد في الحديث ثاني أفضل الأعمال وهو الصلاة لأول وقتها،
~~وعد عقوقهما ثاني أكبر الكبائر وهو الإشراك بالله عز وجل، والأحاديث
~~في الترغيب في الأول والترهيب عن الثاني كثيرة جدا، وفي الآيات ما فيه
~~كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.

# وقرأ الجمهور { حسنا } بضم الحاء وإسكان السين أي فعلا ذا حسن أو
~~كأنه في ذاته نفس الحسن لفرط حسنه، وجوز أبو حيان فيه أن يكون بمعنى
~~{ إحسنا } فالأقوال السابقة تجري فيه. وقرأ علي كرم الله تعالى
~~وجهه والسلمي وعيسى { حسنا } بفتح الحاء والسين، وعن عيسى { حسنا }
~~بضمهما.

# { حملته أمه كرها ووضعته كرها } أي ذات كره أو
~~حملا ذا كره وهو المشقة كما قال مجاهد والحسن وقتادة، وليس الكره في أول
~~علوقها بل بعد ذلك حين تجد له ثقلا.

# وقرأ شيبة وأبو جعفر والحرميان ms09806 { كرها } بفتح الكاف وهما لغتان بمعنى
~~واحد كالفقر والفقر والضعف والضعف، وقيل: المضموم اسم والمفتوح
~~مصدر. وقال الراغب: ((قيل الكره أي بالفتح المشقة التي تنال الإنسان من
~~خارج مما يحمل عليه بإكراه والكره ما يناله من ذاته وهو ما يعافه
~~من حيث الطبع أو من حيث العقل أو الشرع)). وطعن أبو حاتم في هذه القراءة
~~فقال: لا تحسن هذه القراءة لأن الكره بالفتح الغصب والغلبة. وأنت تعلم
~~أنها في السبعة المتواترة فلا معنى للطعن فيها، وقد كان هذا الرجل يطعن
~~في بعض القراآت بما لا علم له به جسارة منه عفا الله تعالى عنه.

# { وحمله وفصله } أي مدة حمله وفصاله، وبتقدير هذا المضاف
~~يصح حمل قوله تعالى: { ثلاثون شهرا } على المبتدأ من غير كره.
~~والفصال الفطام وهو مصدر فاصل فكأن الولد فاصل أمه وأمه فاصلته. وقرأ أبو
~~رجاء والحسن وقتادة / ويعقوب والجحدري { وفصله } أي فطمه فالفصل
~~والفصال كالفطم والفطام بناء ومعنى؛ وقيل: الفصال بمعنى وقت الفصل أي
~~الفطم فهو معطوف على مدة الحمل، والمراد بالفصال الرضاع التام المنتهي
~~بالفطام ولذلك عبر بالفصال عنه أو عن وقته دون الرضاع المطلق فإنه لا
~~يفيد ذلك، وفي الوصف تطويل.

# والآية بيان لما تكابده الأم وتقاسيه في تربية الولد مبالغة في التوصية
~~لها، ولذا اعتنى الشارع ببرها فوق الاعتناء ببر الأب، فقد روي

# " أن رجلا قال: يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك
~~قال: ثم من؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أباك "

# وقد أشير في الآية إلى ما يقتضي البر بها على الخصوص في ثلاث مراتب
~~فتكون الأوامر في الخبر كالمأخوذة من ذلك.

# واستدل بها علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما
~~وجماعة من العلماء على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لما أنه إذا حط عن
~~الثلاثين للفصال حولان لقوله تعالى:

# حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة

# [البقرة: 233] يبقى للحمل ذلك وبه قال الأطباء، قال جالينوس: كنت شديد
~~الفحص عن مقدار زمن ms09807 الحمل فرأيت امرأة ولدت لمائة وأربع وثمانين ليلة.
~~وادعى ابن سينا أنه شاهد ذلك.

# وأما أكثر مدة الحمل فليس في القرآن العظيم ما يدل عليه؛ وقال ابن سينا
~~في «الشفا»: بلغني من جهة من أثق به كل الثقة أن امرأة وضعت بعد الرابع
~~من سني الحمل ولدا نبتت أسنانه، وحكى عن أرسطو أنه قال: أزمنة الحمل
~~لكل حيوان مضبوطة سوى الإنسان فربما وضعت المرأة لسبعة أشهر وربما وضعت
~~لثمانية وقلما يعيش الولد في الثامن إلا في بلاد معينة مثل مصر.

# ولعل تخصيص أقل الحمل وأكثر الرضاع بالبيان في القرآن الكريم بطريق
~~الصراحة والدلالة دون أكثر الحمل وأقل الرضاع وأوسطهما لانضباطهما بعدم
~~النقص والزيادة بخلاف ما ذكر. وتحقق ارتباط حكم النسب بأقل مدة الحمل حتى
~~لو وضعته فيما دونه لما يثبت نسبه منه وبعده يثبت وتبرأ من الزنا، ولو
~~أرضعت مرضعة بعد حولين لم يثبت به أحكام الرضاع في التناكح وغيره وفي هذا
~~خلاف لا يعبأ به.

# { حتى إذا بلغ أشده } غاية لمقدر أي فعاش أو استمرت حياته
~~حتى إذا اكتهل واستحكم قوته وعقله { وبلغ أربعين سنة }
~~الظاهر أنه غير بلوغ الأشد، وقال بعضهم: إنه بلوغ الأشد والعطف للتأكيد.
~~وقد ذكر غير واحد أن الإنسان إذا بلغ هذا القدر يتقوى جدا خلقه الذي هو
~~عليه فلا يكاد يزايله بعد، وفي الحديث

# " إن الشيطان يجر يده على وجه من زاد على الأربعين ولم يتب ويقول بأبي
~~وجه لا يفلح "

# وأخرج أبو الفتح الأزدي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا

# " من أتى عليه الأربعون سنة فلم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار "

# وعلى ذلك قول الشاعر:

# إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن

# له دون ما يهوى حياء ولا ستر

# فدعه ولا تنفس عليه الذي مضى

# وإن جر أسباب الحياة له العمر

# وقيل: لم يبعث نبي إلا بعد الأربعين، وذهب الفخر إلى خلافه مستدلا بأن
~~عيسى ويحيى عليهما السلام أرسلا صبيين لظواهر ما حكى في الكتاب الجليل
~~عنهما، وهو ظاهر كلام ms09808 السعد حيث قال: من شروط النبوة الذكورة وكمال العقل
~~والذكاء والفطنة وقوة الرأي ولو في الصبا كعيسى ويحيى عليهما السلام إلى
~~آخر ما قال.

# وذهب ابن العربي في آخرين إلى أنه يجوز على الله سبحانه بعث الصبي إلا
~~أنه لم يقع وتأولوا آيتي عيسى ويحيى

# قال إني عبد الله ءاتاني الكتب وجعلني نبيا

# [مريم: 30]،

# وآتيناه الحكم صبيا

# [مريم: 12] بأنهما إخبار عما سيحصل لهما / لا عما حصل بالفعل، ومثله
~~كثير في الآيات وغيرها، والواقع عند هؤلاء البعث بعد البلوغ. وحكى
~~اللقاني عن بعض اشتراطه فيه ويترجح عندي اشتراطه فيه دون أصل النبوة لما
~~أن النفوس في الأغلب تأنف عن اتباع الصغير وإن كبر فضلا كالرقيق
~~والأنثى، وصرح جمع بأن الأعم الأغلب كون البعثة على رأس الأربعين كما وقع
~~لنبينا صلى الله عليه وسلم.

# { قال رب أوزعني } أي رغبني ووفقني من أوزعته بكذا أي جعلته
~~مولعا به راغبا في تحصيله. وقرأ البزي { أوزعني } بفتح الياء { أن
~~أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي }
~~أي نعمة الدين أو ما يعمها وغيرها، وذلك يؤيد ما روي أنها نزلت في أبي
~~بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لأنه لم يكن أحد أسلم هو وأبواه من
~~المهاجرين والأنصار سواه كذا قيل، وإسلام أبيه بعد الفتح وحينئذ يلزم أن
~~تكون الآية مدنية وإليه ذهب بعضهم، وقيل: إن هذا الدعاء بالنسبة إلى
~~أبويه دعاء بتوفيقهما للإيمان وهو كما ترى.

# واعترض على التعليل بابن عمر وأسامة بن زيد وغيرهما، ونقل عن الواحدي
~~أنه قد صحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة ورسول الله
~~صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة في سفر للشام في التجارة فنزل تحت شجرة
~~سمرة وقال له الراهب: إنه لم يستظل بها أحد بعد عيسى غيره صلى الله
~~عليه وسلم فوقع في قلبه تصديقه فلم يكن يفارقه في سفر ولا حضر فلما نبىء
~~وهو ابن أربعين آمن به وهو ابن ثمانية وثلاثين فلما بلغ الأربعين قال: {
~~رب أوزعني } الخ.

# { وأن أعمل ms09809 صلحا ترضه } التنوين للتفخيم والتكثير،
~~والمراد بكونه مرضيا له تعالى مع أن الرضا على ما عليه جمهور أهل الحق
~~الإرادة مع ترك الاعتراض وكل عمل صالح كذلك أن يكون سالما من غوائل عدم
~~القبول كالرياء والعجب وغيرهما، فحاصله اجعل عملي على وفق رضاك. وقيل
~~المراد بالرضا هنا ثمرته على طريق الكناية.

# { وأصلح لي في ذريتي } أي اجعل الصلاح ساريا في ذريتي
~~راسخا فيهم كما في قوله:

# فإن تعتذر في المحل من ذي ضروعها

# لدى المحل يجرح في عراقيبها نصلي

# على أن { أصلح } نزل منزلة اللازم ثم عدي بفي ليفيد ما أشرنا إليه
~~من سريان الصلاح فيهم وكونهم كالظرف له لتمكنه فيهم وإلا فكان الظاهر
~~وأصلح لي ذريتي، وقيل: عدي بفي لتضمنه معنى اللطف أي الطف بي في ذريتي،
~~والأول أحسن. قال ابن عباس: أجاب الله تعالى دعاء أبي بكر فأعتق تسعة من
~~المؤمنين منهم بلال وعامر بن فهيرة ولم يرد شيئا من الخير إلا أعانه
~~الله تعالى عليه، ودعا أيضا فقال: { أصلح لي في ذريتي }
~~فأجابه الله تعالى فلم يكن له ولد إلا آمنوا جميعا فاجتمع له إسلام
~~أبويه وأولاده جميعا، وقد أدرك أبوه وولده عبد الرحمن وولده أبو عتيق
~~النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة رضي
~~الله تعالى عنهم أجمعين.

# { إني تبت إليك } عما لا ترضاه أو يشغل عنك { وإني من
~~المسلمين } الذين أخلصوا أنفسهم لك.

### || [46.16]

# { أولئك } إشارة إلى

# الإنسان

# [الأحقاف: 15] والجمع لأن المراد به الجنس المتصف بالمعنى المحكي عنه،
~~وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد منزلته وعلو درجته أي أولئك
~~المنعوتون بما ذكر من النعوت الجليلة.

# { الذين نتقبل عنهم أحسن ما علموا } من الطاعات
~~فإن المباح حسن لا يثاب عليه { ونتجاوز عن سيئتهم }
~~لتوبتهم المشار إليها بإني تبت وإلا فعند أهل الحق أن مغفرة الذنب مطلقا
~~لا تتوقف على توبة { في أصحب الجنة } / كائنين في عدادهم
~~منتظمين في سلكهم، وقيل: { في } بمعنى مع وليس بذاك.

# { وعد الصدق } مصدر لفعل ms09810 مقدر وهو مؤكد لمضمون الجملة قبله، فإن
~~قوله سبحانه: { نتقبل } و { نتجاوز } وعد منه عز وجل بالتقبل
~~والتجاوز. { الذي كانوا يوعدون } على ألسنة الرسل عليهم
~~السلام.

# وقرىء { يتقبل } بالياء والبناء للمفعول و { أحسن } بالرفع على النيابة
~~مناب الفاعل وكذا { يتجاوز عن سيآتهم }. وقرأ الحسن والأعمش وعيسى بالياء
~~فيهما مبنيين للفاعل وهو ضميره تعالى شأنه و { أحسن } بالنصب على
~~المفعولية.

### || [46.17]

# { والذي قال لولديه } عند دعوتهما إياه للإيمان { أف
~~لكما } صوت يصدر عن المرء عند تضجره وفيه قراءات ولغات نحو الأربعين،
~~وقد نبهنا على ذلك في سورة الإسراء. واللام لبيان المؤفف له كما في

# هيت لك

# [يوسف: 23] والموصول مبتدأ خبره

# أولئك الذين حق عليهم القول

# [الأحقاف: 18] والمراد به الجنس فهو في معنى الجمع، ولذا قيل: {
~~أولئك } وإلى ذلك أشار الحسن بقوله: هو الكافر العاق لوالديه
~~المنكر للبعث، ونزول الآية في شخص لا ينافي العموم كما قرر غير مرة، وزعم
~~مروان عليه ما يستحق أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي
~~الله تعالى عنهما وردت عليه عائشة رضي الله تعالى عنها. أخرج ابن
~~أبي حاتم وابن مردويه عن عبد الله قال: إني لفي المسجد حين خطب مروان
~~فقال: إن الله تعالى قد أرى لأمير المؤمنين  يعني معاوية  في يزيد
~~رأيا حسنا أن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر فقال عبد الرحمن بن أبي
~~بكر: أهرقلية؟ إن أبا بكر رضي الله تعالى عنه والله ما جعلها في أحد من
~~ولده ولا أحد من أهل بيته ولا جعلها معاوية إلا رحمة وكرامة لولده، فقال
~~مروان: ألست الذي قال لوالديه { أف لكما } فقال عبد الرحمن: ألست
~~ابن اللعين الذي لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباك فسمعت عائشة
~~فقالت: مروان أنت القائل لعبد الرحمن كذا وكذا كذبت والله ما فيه نزلت
~~نزلت في فلان بن فلان.

# وفي رواية تقدمت رواها جماعة وصححها الحاكم عن محمد بن زياد أنها كذبته
~~ثلاثا ثم قالت: والله ما هو به  تعني أخاها  ولو شئت أن ms09811 أسمي الذي
~~أنزلت فيه لسميته إلى آخر ما مر، وكان ذلك من فضض اللعنة إغاظة لعبد
~~الرحمن وتنفيرا للناس عنه لئلا يلتفتوا إلى ما قاله وما قال إلا حقا
~~فأين يزيد الذي تجل اللعنة عنه وأين الخلافة؟

# ووافق بعضهم كالسهيلي في «الإعلام» مروان في زعم نزولها في عبد الرحمن،
~~وعلى تسليم ذلك لا معنى للتعيير لا سيما من مروان فإن الرجل أسلم وكان من
~~أفاضل الصحابة وأبطالهم وكان له في الإسلام غناء يوم اليمامة وغيره
~~والإسلام يجب ما قبله فالكافر إذا أسلم لا ينبغي أن يعير بما كان يقول.

# { أتعدانني أن أخرج } ابعث من القبر بعد الموت. وقرأ الحسن
~~وعاصم وأبو عمرو في رواية وهشام { أتعداني } بإدغام نون الرفع في نون
~~الوقاية، وقرأ نافع في رواية وجماعة بنون واحدة، وقرأ الحسن وشيبة وأبو
~~جعفر بخلاف عنه، وعبد الوارث عن أبي عمرو وهارون بن موسى عن الجحدري،
~~وبسام عن هشام { أتعدانني } بنونين من غير إدغام ومع فتح الأولى
~~كأنهم فروا من اجتماع الكسرتين والياء ففتحوا للتخفيف، وقال أبو حاتم:
~~فتح النون باطل غلط، وقال بعضهم: فتح نون التثنية لغة رديئة وهون الأمر
~~هنا الاجتماع، وقرأ الحسن وابن يعمر والأعمش وابن مصرف والضحاك {
~~أخرج } مبنيا للفاعل من الخروج.

# { وقد خلت القرون من قبلي } أي مضت ولم يخرج منها أحد ولا
~~بعث فالمراد إنكار البعث كما قيل:

# / ما جاءنا أحد يخبر أنه

# في جنة لما مضى أو نار

# وقال أبو سليمان الدمشقي: أراد وقد خلت القرون من قبلي مكذبة بالبعث،
~~فالكلام كالاستدلال على نفي البعث.

# { وهما يستغيثان الله } أي يقولان: الغياث بالله تعالى منك،
~~والمراد إنكار قوله واستعظامه كأنهما لجآ إلى الله سبحانه في دفعه كما
~~يقال: العياذ بالله تعالى من كذا أو يطلبان من الله عز وجل أن يغيثه
~~بالتوفيق حتى يرجع عما هو عليه من إنكار البعث { ويلك ءامن } أي
~~قائلين أو يقولون له ذلك، وأصل { ويل } دعاء بالثبور يقام مقام الحث
~~على الفعل أو تركه إشعارا بأن ما هو مرتكب ms09812 له حقيق بأن يهلك مرتكبه وأن
~~يطلب له الهلاك فإذا أسمع ذلك كان باعثا على ترك ما هو فيه والأخذ بما
~~ينجيه، وقيل: إن ذلك لأن فيه إشعارا بأن الفعل الذي أمر به مما يحسد
~~عليه فيدعى عليه بالثبور فإذا سمع ذلك رغب فيه، وأيا ما كان فالمراد هنا
~~الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الدعاء بالهلاك. { إن وعد
~~الله حق } أي البعث، وأضافا الوعد إليه تعالى تحقيقا للحق
~~وتنبيها على خطئه في إسناد الوعد إليهما. وقرأ الأعرج وعمرو بن فائد {
~~أن } بفتح الهمزة على تقدير لأن أو آمن بأن وعد الله حق، ورجح الأول بأن
~~فيه توافق القراءتين { فيقول } مكذبا لهما { ما هذا } الذي
~~تسميانه وعد الله { إلا أسطير الأولين } أباطيلهم التي
~~سطروها في الكتب من غير أن يكون لها حقيقة.

### || [46.18]

# { أولئك } القائلون ذلك، وقيل: أي صنف هذا المذكور بناء على زعم
~~خصوص

# الذي

# [الأحقاف: 17] وليس بشيء.

# { الذين حق عليهم القول } وهو قوله تعالى لإبليس:

# لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين

# [ص: 85] وقد مر تمام الكلام في ذلك. ورد بهذا على من زعم أن الآية في
~~عبد الرحمن بن أبي بكر لأنه رضي الله تعالى عنه أسلم وجب عنه ما قبل
~~وكان من أفاضل الصحابة، ومن حق عليه القول هو من علم الله تعالى أنه
~~لا يسلم أبدا. وقيل: الحكم هنا على الجنس فلا ينافي خروج البعض من
~~أحكامه الأخروية، وقيل: غير ذلك مما لا يلتفت إليه. { في أمم قد
~~خلت من قبلهم } في مقابلة

# في أصحب الجنة

# [الأحقاف: 16] فهو مثله إعرابا ومبالغة ومعنى، وقوله تعالى: { من
~~الجن والإنس } بيان للأمم.

# { إنهم } جميعا { كانوا خسرين } قد ضيعوا فطرتهم الأصلية
~~الجارية مجرى رؤوس أموالهم باتباع الشيطان. والجملة تعليل للحكم بطريق
~~الاستئناف. وقرأ العباس عن أبي عمرو { أنهم } بفتح الهمزة على
~~تقدير لأنهم. واستدل بقوله عز وجل: { في أمم قد خلت } الخ على
~~أن الجن يموتون قرنا بعد قرن كالإنس. وفي «البحر» قال الحسن في بعض
~~مجالسه: الجن لا ms09813 يموتون فاعترضه قتادة بهذه الآية فسكت.

### || [46.19]

# { ولكل } من الفريقين المذكورين في قوله تعالى:

# أولئك الذين نتقبل عنهم

# [الأحقاف: 16] وفي قوله سبحانه:

# أولئك الذين حق عليهم القول

# [الأحقاف: 18] وإن شئت فقل في

# الذين قالوا ربنا الله

# [الأحقاف: 13] و

# الذي قال لوالديه أف

# [الأحقاف: 17] { درجت مما عملوا } أي من جزاء ما عملوا،
~~فالكلام بتقدير مضاف، والجار والمجرور صفة { درجت } و { من }
~~بيانية أو ابتدائية و { ما } موصولة أي من الذي عملوه من الخير والشر أو
~~مصدرية أي من عملهم الخير والشر، ويجوز أن تكون { من } تعليلية بدون
~~تقدير مضاف والجار والمجرور كما تقدم. والدرجات جمع درجة وهي نحو المنزلة
~~لكن يقال للمنزلة درجة إذا اعتبرت بالصعود ودركا إذا اعتبرت بالحدور،
~~ولهذا قيل: درجات الجنة ودركات النار. / والتعبير بالدرجات كما قال غير
~~واحد على وجه التغليب لاشتمال { كل } على الفريقين أي لكل منازل
~~ومراتب سواء كانت درجات أو دركات، وإنما غلب أصحاب الدرجات لأنهم الأحقاء
~~به لا سيما، وقد ذكر جزاؤهم مرارا وجزاء المقابل مرة.

# { وليوفيهم أعملهم } أي جزاء أعمالهم والفاعل ضميره
~~تعالى. وقرأ الأعمش والأعرج وشيبة وأبو جعفر والأخوان وابن ذكوان ونافع
~~بخلاف عنه { لنوفيهم } بنون العظمة، وقرأ السلمي بتاء فوقية على الإسناد
~~للدرجات مجازا.

# { وهم لا يظلمون } بنقص ثواب وزيادة عقاب، وقد مر الكلام في
~~مثله غير مرة. والجملة حال مؤكدة للتوفية أو استئناف مقرر لها، واللام
~~متعلقة بمحذوف مؤخر كأنه قيل: وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم فعل ما فعل من
~~تقدير الأجزية على مقادير أعمالهم فجعل الثواب درجات والعقاب دركات.

### || [46.20]

# { ويوم يعرض الذين كفروا على النار } أي يعذبون
~~بها من قولهم: عرض بنو فلان على السيف إذا قتلوا به وهو مجاز شائع، وذهب
~~غير واحد إلى أنه من باب القلب المعنوي والمعنى يوم تعرض النار على الذين
~~كفروا نحو عرضت الناقة على الحوض فإن معناه أيضا كما قالوا: عرضت الحوض
~~على الناقة لأن المعروض عليه يجب أن يكون له إدراك ليميل به إلى المعروض
~~أو يرغب عنه لكن لما ms09814 كان المناسب هو أن يؤتى بالمعروض عند المعروض عليه
~~ويحرك نحو وههنا الأمر بالعكس لأن الحوض لم يؤت به وكذا النار قلب
~~الكلام رعاية لهذا الاعتبار.

# وفي «الانتصاف» ((إن كان قولهم: عرضت الناقة على الحوض مقلوبا فليس
~~قوله تعالى: { ويوم يعرض الذين كفروا على النار }
~~كذلك لأن الملجىء ثم إلى اعتقاد القلب أن الحوض جماد لا إدراك له
~~والناقة هي المدركة فهي التي يعرض عليها الحوض حقيقة، وأما النار فقد
~~وردت النصوص بأنها حينئذ مدركة إدراك الحيوانات بل إدراك أولي العلم
~~فالأمر في الآية على ظاهره كقولك: عرضت الأسرى على الأمير))، وربما يقال:
~~لا مانع من تنزيلها منزلة المدرك إن لم تكن حينئذ مدركة وكذا تنزيل
~~الحوض منزلته حتى كأنه يستعرض الناقة كما قال أبو العلاء المعري:

# إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت

# عن الماء فاشتاقت إليها المناهل

# وبعد ذلك قد لا يحتاج إلى اعتبار القلب. وقال أبو حيان: ((لا ينبغي حمل
~~القرآن على القرآن إذ الصحيح فيه أنه مما يضطر إليه في الشعر، وإذا كان
~~المعنى صحيحا واضحا بدونه فأي ضرورة تدعو إليه؟ والمثال المذكور لا قلب
~~فيه أيضا، فإن عرض الناقة على الحوض وعرض الحوض على الناقة كل منهما
~~صحيح إذ العرض أمر نسبي يصح إسناده لكل واحد من الناقة والحوض)).

# وابن السكيت في كتاب «التوسعة» ذهب إلى أن عرضت الحوض على الناقة مقلوب
~~والأصل إنما هو عرضت الناقة على الحوض وهو مخالف للمشهور. وأنت تعلم مما
~~ذكرنا أولا أن سبب اعتبارهم القلب في المثال كون المناسب في العرض أن
~~يؤتى بالمعروض عند المعروض عليه وأن الأمر في عرضت الحوض على الناقة
~~بالعكس، وتفصيل الكلام في ذلك على وجه يعرف منه منشأ الخلاف أن العرض
~~مطلقا لا يقتضي ذلك وإنما المقتضي له المعنى المقصود من العرض في المثال
~~وهو الميل إلى المعروض، ومن لم ينظر إلى هذا المعنى ونظر إلى أن المعروض
~~يتحرك إلى المعروض عليه قال إنه الأصل، ومن لم ينظر إلى الاعتبارين وقال
~~العرض إظهار شيء لشيء ms09815 قال إن كلا من القولين على الأصل، وهو كما قال
~~العلامة السيالكوتي الحق لأن كلا / الاعتبارين خارج عن مفهوم العرض
~~فاحفظه فإنه نفيس.

# والظرف منصوب بقول محذوف مقوله قوله تعالى: { أذهبتم
~~طيبتكم } إلى آخره أي فيقال لهم يوم يعرضون أذهبتم لذاتكم { في
~~حيتكم الدنيا } باستيفائها { واستمتعتم بها } فلم
~~يبق لكم بعد شيء منها، وهو عطف تفسير لأذهبتم. وقرأ قتادة ومجاهد وابن
~~وثاب وأبو جعفر والحسن والأعرج وابن كثير { آذهبتم } بهمزة بعدها مدة
~~مطولة، وابن عامر بهمزتين حققهما ابن ذكوان ولين الثانية هشام وابن كثير
~~في رواية، وعن هشام الفصل بين المحققة والملينة بألف، والاستفهام على
~~معنى التوبيخ فهو خبر في المعنى ولو كان استفهاما محضا لم تدخل الفاء
~~في قوله سبحانه: { فاليوم تجزون عذاب الهون } أي الهوان
~~وكذلك قرىء { بما كنتم } في الدنيا { تستكبرون في الارض
~~بغير الحق } بغير استحقاق لذلك، وقد مر بيان سر { في الارض }
~~{ وبما كنتم تفسقون } أي تخرجون من طاعة الله عز وجل أي بسبب
~~استكباركم وفسقكم المستمرين، وفي «البحر» ((أريد بالاستكبار الترفع عن
~~الإيمان وبالفسق معاصي الجوارح وقدم ذنب القلب على ذنب الجوارح إذ أعمال
~~الجوارح ناشئة عن مراد القلب))، وقرىء { تفسقون } بكسر السين.

# وهذه الآية محرضة على التقلل من الدنيا وترك التنعم فيها والأخذ
~~بالتقشف، أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم والبيهقي
~~في «شعب الإيمان» عن ابن عمر أن عمر رضي الله تعالى عنه رأى في يد جابر
~~بن عبد الله رضي الله تعالى عنه درهما فقال ما هذا الدرهم؟ قال: أريد أن
~~أشتري به لأهلي لحما قرموا إليه فقال أكلما اشتهيتم شيئا اشتريتموه أين
~~تذهب عنكم هذه الآية { أذهبتم طيبتكم في حيتكم
~~الدنيا واستمتعتم بها }.

# وأخرج ابن المبارك وابن سعد وأحمد في الزهد وعبد بن حميد. وأبو نعيم في
~~«الحلية» عن الحسن قال قدم وفد أهل البصرة على عمر رضي الله تعالى عنه مع
~~أبي موسى الأشعري فكان له في كل يوم خبز يلت فربما وافقناه مأدوما بزيت
~~وربما ms09816 وافقناه مأدوما بسمن وربما وافقناه مأدوما بلبن وربما وافقنا
~~القدائد اليابسة قد دقت ثم أغلي عليها وربما وافقنا اللحم الغريض  أي
~~الطري  وهو قليل قال وقال لنا عمر رضي الله تعالى عنه: إني والله ما
~~أجهل عن كراكر وأسنمة وعن صلاء وصناب وسلائق ولكن وجدت الله تعالى عير
~~قوما بأمر فعلوه فقال عز وجل: { أذهبتم طيبتكم في
~~حيتكم الدنيا واستمتعتم بها } ، والكراكر جمع
~~كركرة بالكسرة زور البعير الذي إذا برك أصاب الأرض وهو من أطيب ما
~~يؤكل منه والأسنمة جمع سنام معروف والصلاء بالكسر والمد الشواء،
~~والصناب ككتاب صباغ يتخذ من الخردل والزبيب، والسلائق جمع سليقة كسفينة
~~ما سلق من البقول وغيرها ويروى بالصاد الخبز الرقاق واحدتها صليقة كسفينة
~~أيضا، وقيل: هي الحملان المشوية، وقيل: اللحم المشوي المنضج وأنشدوا
~~لجرير:

# يكلفني معيشة آل زيد

# ومن لي بالصلائق والصناب

# وأخرج أحمد والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال:

# " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر آخر عهده من أهله بفاطمة
~~وأول من يدخل عليه منهم فاطمة رضي الله تعالى عنها فقدم من غزاة له
~~فأتاها فإذا بمسح على بابها ورأى على الحسن والحسين قلبين من فضة فرجع
~~ولم يدخل عليها فلما رأت ذلك ظنت / أنه لم يدخل من أجل ما رأى فهتكت
~~الستر ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما فبكيا فقسمت ذلك بينهما فانطلقا
~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما يبكيان فأخذه رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم منهما فقال يا ثوبان اذهب بهذا إلى بني فلان أهل بيت بالمدينة
~~واشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج فإن هؤلاء أهل بيتي ولا أحب أن
~~يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا "

# والمسح بكسر فسكون ثوب من شعر غليظ، والقلبين تثنية قلب بضم فسكون
~~السوار، والعصب بفتح فسكون قال الخطابي إن لم يكن الثياب اليمانية فما
~~أدري ما هو وما أدري أن القلائد تكون منها، ويحتمل أن الرواية بفتح الصاد
~~وهو إطناب مفاصل الحيوان فلعلهم كانوا ms09817 يتخذون من طاهره مثل الخرز. قال ثم
~~ذكر بعض أهل اليمن أن العصب سن دابة بحرية تسمى فرس فرعون يتخذ منها
~~الخرز البيض وغيرها.

# وأحاديث الزهد في طيبات الحياة الدنيا كثيرة وحال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم في ذلك معروفة بين الأمة. وفي «البحر» بعد حكاية حال عمر رضي
~~الله تعالى عنه على نحو مما ذكرنا ((قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:
~~وهذا من باب الزهد وإلا فالآية نزلت في كفار قريش، والمعنى إنه كانت لكم
~~طيبات الآخرة لو آمنتم لكنكم لم تؤمنوا فاستعجلتم طيباتكم في الحياة
~~الدنيا، فهذه كناية عن عدم الإيمان ولذلك ترتب عليه { فاليوم
~~تجزون عذاب الهون } ولو أريد الظاهر ولم يكن كناية عما ذكرنا
~~لم يترتب عليه الجزاء بالعذاب)).

# هذا ولما كان أهل مكة مستغرقين في لذات الدنيا معرضين عن الإيمان وما
~~جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ناسب تذكيرهم بما جرى للعرب الأولى ممن
~~كانوا أكثر أموالا وأشد قوة وأعظم جاها منهم فسلط عليهم العذاب بسبب
~~كفرهم وبضرب الأمثال وقصص من تقدم يعرف قبح الشيء وحسنه فقال سبحانه
~~لرسوله صلى الله عليه وسلم: { واذكر... }.

### || [46.21]

# { واذكر } لكفار مكة { أخا عاد } هودا عليه السلام { إذ
~~أنذر قومه } بدل اشتمال منه أي وقت إنذاره إياهم { بالأحقاف }
~~جمع حقف رمل مستطيل فيه اعوجاج وانحناء ويقال احقوقف الشيء اعوج وكانوا
~~بدويين أصحاب خباء وعمد يسكنون بين رمال مشرفين على البحر بأرض يقال لها
~~الشحر من بلاد اليمن قاله ابن زيد، وقال ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما بين عمان ومهرة، وفي رواية أخرى عنه الأحقاف جبل بالشام، وقال ابن
~~إسحاق: مساكنهم من عمان إلى حضرموت؛ وقال ابن عطية الصحيح أن بلاد عاد
~~كانت باليمن ولهم كانت ارم ذات العماد وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام
~~في إرم وبيان الحق فيها.

# { وقد خلت النذر } أي الرسل كما هو المشهور، وقيل من يعمهم
~~والنواب عنهم جمع نذير بمعنى منذر. وجوز كون { النذر } جمع نذير
~~بمعنى الإنذار فيكون مصدرا ms09818 وجمع لأنه يختلف باختلاف المنذر به. وتعقب
~~بأن جمعه على خلاف القياس ولا حاجة تدعو إليه { من بين يديه } أي
~~من قبله عليه السلام { ومن خلفه } أي من بعده وقرىء به ولولا ذلك
~~لجاز العكس، والظاهر أن المراد النذر المتقدمون عليه والمتأخرون عنه. وعن
~~ابن عباس يعني الرسل الذين بعثوا قبله والذين بعثوا في زمانه، فمعنى {
~~من خلفه } من بعد إنذاره، وعطف { من خلفه } أي من بعده على
~~ما قبله إما من باب:

# علفتها تبنا وماء باردا

# وفيه أقوال فقيل عامل الثاني مقدر أي وسقيتها ماء، ويقال في الآية أي
~~خلت النذر من بين يديه وتأتي من خلفه؛ وقيل إنه مشاكلة، وقيل: إنه من
~~قبيل الاستعارة بالكناية، وإما لإدخال الآتي في سلك الماضي قطعا بالوقوع
~~وفيه شائبة الجمع بين الحقيقة والمجاز، وجوز أن / يقال: المضي باعتبار
~~الثبوت في علم الله تعالى أي وقد خلت النذر في علم الله تعالى يعني ثبت
~~في علمه سبحانه خلو الماضين منهم والآتين.

# والجملة إما حال من فاعل { أنذر } أي إذ أنذر معلما إياهم بخلو
~~النذر أو مفعوله أي وهم عالمون بإعلامه إياهم، وهو قريب من أسلوب قوله
~~تعالى:

# كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا

# [البقرة: 28] الآية، ويجوز أن يكون المعنى أنذرهم على فترة من الرسل،
~~وهي حال أيضا على تفسير ابن عباس. وعلم القوم يجوز أن يكون من إعلامه
~~ومن مشاهدتهم أحوال من كانوا في زمانه وسماعهم أحوال من قبله، وإما
~~اعتراض بين المفسر أعني { أنذر قومه } وبين المفسر أعني قوله
~~تعالى: { ألا تعبدوا إلا الله } فإن النهي عن الشيء إنذار
~~عن مضرته كأنه قيل: واذكر زمان إنذار هود قومه بما أنذر به الرسل قبله
~~وبعده وهو أن لا تعبدوا إلا الله تنبيها على أنه إنذار ثابت قديما
~~وحديثا اتفقت عليه الرسل عليهم السلام عن آخرهم فهو يؤكد قوله تعالى: {
~~واذكر } ويؤكد قوله سبحانه: { أنذر قومه } ولذلك توسط، وهو
~~أيضا مقصود بالذكر بخلاف ما إذا جعل حالا فإنه حينئذ قيد تابع، وهذا
~~الوجه أولى مما ms09819 قبله على ما قرره في «الكشف».

# وجوز بعضهم العطف على { أنذر } أي وأعلمهم بذلك وهو كما ترى. وجعلت {
~~أن } مفسرة لتقدم معنى القول دون حروفه وهو الإنذار والمفسر معموله
~~المقدر، وجوز كونها مصدرية وكونها مخففة من الثقيلة فقبلها حرف جر مقدر
~~متعلق بأنذر أي أنذرهم بأن لا تعبدوا إلا الله.

# { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } صفة { يوم }
~~وعظمه مجاز عن كونه مهولا لأنه لازم له، وكون اليوم مهولا باعتبار
~~هول ما فيه من العذاب فالإسناد فيه مجازي، ولا حاجة إلى جعله صفة للعذاب
~~والجر للجوار والجملة استئناف تعليل للنهي، ويفهم إني أخاف عليكم ذلك
~~بسبب شرككم.

### || [46.22]

# { قالوا أجئتنا } استفهام توبيخي { لتأفكنا } أي لتصرفنا
~~ كما قال الضحاك  من الإفك بمعنى الصرف، وقيل: أي لتزيلنا بالإفك وهو
~~الكذب { عن ءالهتنا } أي عن عبادتها { فأتنا بما تعدنا }
~~من معاجلة العذاب على الشرك في الدنيا { إن كنت من الصدقين }
~~في وعدك بنزوله بنا.

### || [46.23]

# { قال إنما العلم } أي بوقت نزوله أو العلم بجميع الأشياء
~~التي من جملتها ذلك { عند الله } وحده لا علم لي بوقت نزوله،
~~والكلام كناية عن أنه لا يقدر عليه ولا على تعجيله لأنه لو قدر عليه
~~وأراده كان له علم به في الجملة فنفى علمه به المدلول عليه بالحصر نفي
~~لمدخليته فيه حتى يطلب تعجيله من الله عز وجل ويدعو به. وبهذا التقرير
~~علم مطابقة جوابه عليه السلام لقولهم:

# ائتنا

# [الأحقاف: 22] فيأتيكم به في وقته المقدر له { وأبلغكم ما
~~أرسلت به } من مواجب الرسالة التي من جملتها بيان نزول العذاب إذ
~~لم تنتهوا عن الشرك. وقرأ أبو عمرو { أبلغكم } من الإبلاغ.

# { ولكني أراكم قوما تجهلون } شأنكم الجهل ومن آثار
~~ذلك أنكم تقترحون علي ما ليس من وظائف الرسل من الإتيان بالعذاب.

### || [46.24]

# والفاء في قوله تعالى: { فلما رأوه عارضا } فصيحة أي فأتاهم
~~فلما رأوه، وضمير النصب قيل راجع إلى { ما } في

# بما تعدنا

# [الأحقاف: 22] وكون المرئي هو الموعود باعتبار المآل والسببية له وإلا
~~فليس هو المرئي حقيقة، وجوز ms09820 الزمخشري أن يكون مبهما يفسره { عارضا }
~~وهو إما تمييز وإما حال، ثم قال: وهذا الوجه أعرب - أي أبين وأظهر لما
~~أشرنا إليه في الوجه الأول من الخفاء - وأفصح لما فيه من البيان بعد
~~الإبهام والإيضاح غب التعمية. وتعقبه أبو حيان ((بأن المبهم الذي يفسره
~~ويوضحه التمييز لا يكون في باب رب نحو ربه رجلا لقيته وفي باب نعم /
~~وبئس على مذهب البصريين نحو نعم رجلا زيد وبئس غلاما عمرو، وأما أن
~~الحال توضح المبهم وتفسره فلا نعلم أحدا ذهب إليه، وقد حصر النحاة
~~المضمر الذي يفسره ما بعده فلم يذكروا فيه مفعول رأى إذا كان ضميرا ولا
~~أن الحال يفسر الضمير ويوضحه))، وأنت تعلم جلالة جار الله وإمامته في
~~العربية.

# والعارض السحاب الذي يعرض في أفق السماء، ومنه قول الشاعر:

# يا من رأى عارضا أرقت له

# بين ذراعي وجبهة الأسد

# وقول الأعشى:

# يا من رأى عارضا قد بت أرمقه

# كأنما البرق في حافاته الشعل

# { مستقبل أوديتهم } أي متوجه أوديتهم وفي مقابلتها، وهي
~~جمع واد، وأفعلة في جمع فاعل الاسم شاذ نحو ناد وأندية وجائز للخشبة
~~الممتدة في أعلى السقف وأجوزة والإضافة لفظية كما في قوله تعالى: {
~~قالوا هذا عارض ممطرنا } ولذلك وقعا صفتين للنكرة وأطلق
~~عليها الزمخشري مجازية ووجه التجوز أن هذه الإضافة للتوسع والتخفيف حيث
~~لم تفد فائدة زائدة على ما كان قبل فكما أن إجراء الظرف مجرى المفعول به
~~مجاز كذلك إجراء المفعول أو الفاعل مجرى المضاف إليه في الاختصاص ولم يرد
~~أنها من باب الإضافة لأدنى ملابسة.

# { بل هو ما استعجلتم به } أي من العذاب والكلام على إضمار
~~القول قبله أي قال هود بل هو الخ لأن الخطاب بينه وبينهم فيما سبق ويؤيده
~~أنه قرىء كذلك، وقدره بعضهم قل بل هو الخ للقراءة به أيضا والاحتياج إلى
~~ذلك لأنه إضراب ولا يصلح أن يكون من مقول من قال { هذا عارض
~~ممطرنا } وقدر البغوي قال الله بل هو الخ وينفك النظم الجليل عليه
~~كما لا يخفى. وقرىء { بل ms09821 ما استعجلتم } أي بل هو، وقرأ قوم { ما
~~استعجلتم } بضم التاء وكسر الجيم.

# { ريح } بدل من { ما } أو من { هو } أو خبر لمبتدأ محذوف أي هي أو
~~هو ريح { فيها عذاب أليم } صفة { ريح } لكونه جملة بعد نكرة
~~وكذا قوله تعالى: { تدمر كل شيء... }.

### || [46.25]

# { تدمر } أي تهلك { كل شيء } من نفوسهم وأموالهم أو مما أمرت
~~بتدميره { بأمر ربها } ويجوز أن يكون مستأنفا. وقرأ زيد بن علي {
~~تدمر } بفتح التاء وسكون الدال وضم الميم، وقرىء كذلك أيضا إلا أنه
~~بالياء ورفع { كل } على أنه فاعل { يدمر } وهو من دمر دمارا أي هلك،
~~والجملة صفة أيضا والعائد محذوف أي بها أو الضمير من { ربها } ويجوز
~~أن يكون استئنافا كما في قراءة الجمهور وأراد البيان أن لكل ممكن وقتا
~~مقتضيا منوطا بأمر بارئه لا يتقدم ولا يتأخر ويكون الضمير من {
~~ربها } لكل شيء فإنه بمعنى الأشياء. وفي ذكر الأمر والرب والإضافة
~~إلى الريح من الدلالة على عظمة شأنه عز وجل ما لا يخفى.

# والفاء في قوله تعالى: { فأصبحوا لا يرى إلا
~~مسكنهم } فصيحة أي فجأتهم الريح فدمرتهم فأصبحوا لا يرى إلا
~~مساكنهم وجعلها بعضهم فاء التعقيب على القول بإضمار القول مسندا إليه
~~تعالى وادعى أنه ليس هناك قول حقيقة بل هو عبارة عن سرعة استئصالهم وحصول
~~دمارهم من غير ريث وهو كما ترى.

# وقرأ الجمهور { لا ترى } بتاء الخطاب { إلا مساكنهم } بالنصب، والخطاب
~~لكل أحد تتأتى منه الرؤية تنبيها على أن حالهم بحيث لو حضر كل أحد
~~بلادهم لا يرى إلا مساكنهم أو لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم، وقرأ
~~أبو رجاء ومالك بن دينار بخلاف عنهما والجحدري والأعمش وابن أبي إسحق
~~والسلمي { لا ترى } بالتاء من فوق مضمومة { إلا مساكنهم } بالرفع وجمهور
~~النحاة على أنه لا يجوز التأنيث مع الفصل بإلا إلا في الشعر كقول ذي
~~الرمة:

# / كأنه جمل هم وما بقيت

# إلا النحيزة والألواح والعصب

# وقول الآخر وعزاه ابن جني لذي الرمة أيضا:

# برى النحز والأجرال ما في غروضها

# وما ms09822 بقيت إلا الضلوع الجراشع

# وبعضهم يجيزه مطلقا وتمام الكلام فيه في محله، وقرأ عيسى الهمداني { لا
~~يرى } بضم الياء التحتية { إلا مسكنهم } بالتوحيد والرفع وروى هذا عن
~~الأعمش ونصر بن عاصم، وقرىء { لا ترى } بتاء فوقية مفتوحة { إلا مسكنهم }
~~مفردا منصوبا وهو الواحد الذي أريد به الجمع أو مصدر حذف مضافه أي آثار
~~سكونهم.

# { كذلك } أي مثل ذلك الجزاء الفظيع { نجزي القوم
~~المجرمين } أخرج ابن أبي الدنيا في «كتاب السحاب» وأبو الشيخ في
~~«العظمة» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في قوله تعالى:

# فلما رأوه

# [الأحقاف: 24] الآية أول ما عرفوا أنه عذاب ما رأوا ما كان خارجا من
~~رحالهم ومواشيهم يطير بين السماء والأرض مثل الريش فدخلوا بيوتهم وأغلقوا
~~أبوابهم فجاءت الريح ففتحت أبوابهم ومالت عليهم بالرمل فكانوا تحت الرمل
~~سبع ليال وثمانية أيام حسوما لهم أنين فأمر الله تعالى الريح فكشفت عنهم
~~الرمل وطرحتهم في البحر فهو قوله تعالى: { فأصبحوا لا يرى
~~إلا مسكنهم }.

# وروي أن أول من أبصر العذاب امرأة منهم رأت ريحا فيها كشهب النار، وروي
~~أن هودا عليه السلام لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطا إلى
~~جنب عين تنبع، وعن ابن عباس أنه عليه السلام اعتزل ومن معه في حظيرة ما
~~يصيبهم من الريح إلا ما يلين به الجلود وتلذه الأنفس، وإنها لتمر من عاد
~~بالظعن بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة، وكانت كما أخرج ابن أبي
~~شيبة وابن جرير عن عمرو بن ميمون تجيء بالرجل الغائب، ومر في سورة
~~الأعراف مما يتعلق بهم ما مر فارجع إليهم إن أردته.

# ولما أصابهم من الريح ما أصابهم كان صلى الله عليه وسلم يدعو إذا عصفت
~~الريح. أخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وعبد بن حميد عن عائشة رضي
~~الله تعالى عنها قالت:

# " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: اللهم إني
~~أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها
~~وشر ms09823 ما أرسلت به فإذا أخيلت السماء تغير لونه صلى الله عليه وسلم وخرج
~~ودخل وأقبل وأدبر فإذا مطرت سري عنه فسألته فقال عليه الصلاة
~~والسلام: لا أدري لعله كما قال قوم عاد { هذا عارض ممطرنا }
~~[الأحقاف: 24] ".

### || [46.26]

# { ولقد مكنهم } أي قررنا عادا وأقدرناهم. و { ما } في
~~قوله تعالى: { فيما إن مكنهم فيه } موصولة أو موصوفة و {
~~إن } نافية أي في الذي أو في شيء ما مكناكم فيه من السعة والبسطة وطول
~~الأعمار وسائر مبادي التصرفات كما في قوله تعالى:

# كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكنهم في
~~الأرض ما لم نمكن لكم

# [الأنعام: 6] ولم يكن النفي بلفظ { ما } كراهة لتكرير اللفظ وإن اختلف
~~المعنى، ولذا قال من ذهب إلى أن أصل مهما ماما على أن ما الشرطية مكررة
~~للتأكيد قلبت الألف الأولى هاء فرارا من كراهة التكرار، وعابوا على
~~المتنبي قوله:

# لعمرك ماما بان منك لضارب

# بأقتل مما بان منك لعائب

# أي ما الذي بان الخ، يريد لسانه لا يتقاعد عن سنانه، هذا للعائب وذلك
~~للضارب، وكان يسعه أن يقول: إن مابان، وإدخال الباء للنفي لا للعمل على
~~أن إعمال إن قد جاء عن المبرد، قيل: { إن } شرطية محذوفة / الجواب
~~والتقدير إن مكناكم فيه طغيتم، وقيل: إنها صلة بعد (ما) الموصولة تشبيها
~~بما النافية و(ما) التوقيتية، فهي في الآية مثلها في قوله:

# يرجى المرء ما ان لا يراه

# وتعرض دون أدناه الخطوب

# أي مكناهم في مثل الذي مكناكم فيه، وكونها نافية هو الوجه لأن القرآن
~~العظيم يدل عليه في مواضع وهو أبلغ في التوبيخ وأدخل في الحث على
~~الاعتبار.

# { وجعلنا لهم سمعا وأبصرا وأفئدة } ليستعملوها
~~فيما خلقت له ويعرفوا بكل منها ما نيطت به معرفته من فنون النعم ويستدلوا
~~بها على شؤون منعمها عز وجل ويداوموا على شكره جل شأنه.

# { فما أغنى عنهم سمعهم } حيث لم يستعملوه في استماع
~~الوحي ومواعظ الرسل { ولا أبصرهم } حيث لم يجتلوا بها الآيات
~~التكوينية المرسومة في صحائف العالم { ولا أفئدتهم } حيث لم
~~يستعملوها في ms09824 معرفة الله تعالى { من شيء } أي شيئا من الإغناء، و {
~~من } مزيدة للتوكيد والتنوين للتقليل. وجوز أن تكون تبعيضية أي ما أغنى
~~بعض الإغناء وهو القليل، و { ما } في { ما أغنى } نافية وجوز كونها
~~استفهامية. وتعقبه أبو حيان بأنه يلزم عليه زيادة { من } في الواجب وهو
~~لا يجوز على الصحيح. ورد بأنهم قالوا: تزاد في غير الموجب وفسروه بالنفي
~~والنهي والاستفهام. وإفراد السمع في النظم الجليل وجمع غيره لاتحاد
~~المدرك به وهو الأصوات وتعدد مدركات غيره أو لأنه في الأصل مصدر، وأيضا
~~مسموعهم من الرسل متحد.

# { إذ كانوا يجحدون بآيات الله } ظرف متعلق بالنفي
~~الصريح أو الضمني في قوله تعالى: { ما أغنى } وهو ظرف أريد به
~~التعليل كناية أو مجازا لاستواء مؤدى الظرف والتعليل في قولك: ضربته
~~لإساءته وضربته إذ أساء لأنك إنما ضربته في ذلك الوقت لوجود الإساءة فيه،
~~وهذا مما غلب في إذ وحيث من بين سائر الظروف حتى كاد يلحق بمعانيهما
~~الوضعية.

# { وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } من العذاب الذي
~~كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء ويقولون:

# فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصدقين

# [الأحقاف: 22].

### || [46.27]

# { ولقد أهلكنا ما حولكم } يا أهل مكة { من القرى }
~~كحجر ثمود وقرى قوم صالح، والكلام بتقدير مضاف أو تجوز بالقرى عن أهلها
~~لقوله تعالى: { وصرفنا الايت } أي كررناها { لعلهم
~~يرجعون } وأمر { ما } سهل، والترجي مصروف لغيره تعالى أو { لعل
~~} للتعليل أي لكي يرجعوا عما هم فيه من الكفر والمعاصي إلى الإيمان
~~والطاعة.

### || [46.28]

# { فلولا نصرهم } فهلا منعهم من الهلاك الذي وقعوا فيه {
~~الذين اتخذوا } أي آلهتهم الذين اتخذوهم. { من دون الله
~~قربانا ءالهة } والضمير الذي قدرناه عائدا هو المفعول الأول 
~~لاتخذوا  و { ءالهة } هو المفعول الثاني و { قربانا } بمعنى
~~متقربا بها حال أي اتخذوهم آلهة من دون الله حال كونها متقربا بها إلى
~~الله عز وجل حيث كانوا يقولون:

# ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى

# [الزمر: 3] و

# هؤلاء شفعؤنا عند الله

# [يونس: 18] وفي الكلام تهكم بهم.

# وأجاز الحوفي كون { قربانا } مفعولا ms09825 من أجله، وأجاز هو أيضا وابن
~~عطية ومكي وأبو البقاء كونه المفعول الثاني  لاتخذوا  وجعل { ءالهة
~~} بدلا منه، وقال في «الكشاف»: لا يصح ذلك لفساد المعنى، ونقل عنه في
~~بيانه أنه لا يصح أن يقال: تقربوا بها من دون الله لأن الله تعالى لا
~~يتقرب به، وأراد كما في «الكشف» / أنه إذا جعل مفعولا ثانيا يكون
~~المعنى فلولا نصرهم الذين اتخذوهم قربانا بدل الله تعالى أو متجاوزين عن
~~أخذه تعالى قربانا إليهم وهو معنى فاسد. واعترض عليه بجعل { دون }
~~بمعنى قدام كما قيل به في قوله تعالى:

# وادعوا شهداءكم من دون الله

# [البقرة: 23] وبأنه قد قيل: إن (قربانا) مفعول له فهو غير مختص
~~بالمتقرب به، وجاز أن يطلق على المتقرب إليه وحينئذ يلتئم الكلام.

# وأجيب عن الأول بأنه غير قادح لأنه مع نزارة استعمال دون بمعنى قدام لا
~~يصلح ظرف الاتخاذ لأنه ليس بين يدي الله تعالى وإنما التقرب بين يديه
~~تعالى ولأجله سبحانه، واتخاذهم قربانا ليس التقرب به لأن معناه تعظيمهم
~~بالعبادة ليشفعوا بين يدي الله عز وجل ويقربوهم إليه سبحانه، فزمان
~~الاتخاذ ليس زمان التقرب البتة، وحينئذ إن كان مستقرا حالا لزم ما لزم
~~في الأول. ولا يجوز أن يكون معمول { قربانا } لأنه اسم جامد بمعنى ما
~~يتقرب به فلا يصلح عاملا كالقارورة وإن كان فيها معنى القرار، وفيه نظر.

# وأجيب عن الثاني بأن الزمخشري بعد أن فسر القربان بما يتقرب به ذكر هذا
~~الامتناع على أن قوله تعالى بعد { بل ضلوا } الخ ينادي على فساد
~~ذلك أرفع النداء. وقال بعضهم في امتناع كون { قربانا } مفعولا
~~ثانيا و { ءالهة } بدلا منه: إن البدل وإن كان هو المقصود لكن لا بد
~~في غير بدل الغلط من صحة المعنى بدونه ولا صحة لقولهم: اتخذوهم من دون
~~الله قربانا أي ما يتقرب به لأن الله تعالى لا يتقرب به بل يتقرب إليه
~~فلا يصح أنهم اتخذوهم قربانا متجاوزين الله تعالى في ذلك، وجنح بعضهم
~~إلى أنه يصح أن يقال: الله تعالى ms09826 يتقرب به أي برضاه تعالى والتوسل به جل
~~وعلا.

# وقال الطيبي: إن الزمخشري لم يرد بفساد المعنى إلا خلاف المعنى المقصود
~~إذ لم يكن قصدهم في اتخاذهم الأصنام آلهة على زعمهم إلا أن يتقربوا بها
~~إلى الله تعالى كما نطقت به الآيات فتأمل. وقرىء { قربانا } بضم
~~الراء.

# { بل ضلوا عنهم } أي غابوا عنهم، وفيه تهكم بهم أيضا كأن عدم
~~نصرهم لغيبتهم أو ضاعوا عنهم أي ظهر ضياعهم عنهم بالكلية وقد امتنع نصرهم
~~الذي كانوا يؤملونه امتناع نصر الغائب عن المنصور.

# { وذلك } أي ضلال آلهتهم عنهم { إفكهم } أي أثر إفكهم أي صرفهم
~~عن الحق واتخاذهم إياها آلهة ونتيجة شركهم { وما كانوا يفترون
~~} أي وأثر افترائهم وكذبهم على الله تعالى أو أثر ما كانوا يفترونه على
~~الله عز وجل، وقيل: { ذلك } إشارة إلى اتخاذ الأصنام آلهة أي ذلك
~~الاتخاذ الذي أثره ضلال آلهتهم عنهم كذبهم وافتراؤهم أو والذي كانوا
~~يفترونه وليس بذاك وإن لم يحوج إلى تقدير مضاف.

# وقرأ ابن عباس في رواية { أفكهم } بفتح الهمزة والإفك والأفك مصدران
~~كالحذر والحذر. وقرأ ابن الزبير والصباح بن العلاء الأنصاري وأبو عياض
~~وعكرمة وحنظلة بن النعمان بن مرة ومجاهد وهي رواية عن ابن عباس أيضا {
~~أفكهم } بثلاث فتحات على أن أفك فعل ماض وحينئذ الإشارة إلى الاتخاذ أي
~~ذلك الاتخاذ صرفهم عن الحق، { وما كانوا } قيل عطف على ذلك أو على
~~الضمير المستتر وحسن للفصل أو هو مبتدأ والخبر محذوف أي كذلك، والجملة
~~حينئذ معطوفة على الجملة قبلها. وأبو عياض وعكرمة أيضا كذلك إلا أنهما
~~شددا الفاء للتكثير، وابن الزبير أيضا وابن عباس فيما ذكر ابن خالويه {
~~آفكهم } بالمد فاحتمل أن يكون فاعل فالهمزة أصلية وأن يكون أفعل والهمزة
~~للتعدية أي جعلهم يأفكون؛ وجوز أن تكون للوجدان كأحمدته وأن يكون أفعل
~~بمعنى فعل، وحكى في «البحر» أنه قرىء { أفكهم } بفتح الهمزة والفاء وضم
~~الكاف وهي لغة في الإفك. وقرأ ابن عباس فيما روى قطرب وأبو الفضل الرازي
~~{ آفكهم } اسم فاعل من أفك أي وذلك ms09827 الاتخاذ صارفهم عن الحق. وقرىء { وذلك
~~إفك مما كانوا يفترون } والمعنى ذلك بعض / ما يفترون من الإفك أي بعض
~~أكاذيبهم المفتريات فالإفك بمعنى الاختلاق فلا تغفل.

### || [46.29]

# { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن } أي أملناهم إليك
~~ووجهناهم لك. والنفر على المشهور ما بين الثلاثة والعشرة من الرجال لأنه
~~من النفير والرجال هم الذين إذا حزبهم أمر نفروا لكفايته، والحق أن هذا
~~باعتبار الأغلب فإنه يطلق على ما فوق العشرة في الفصيح، وقد ذكر ذلك جمع
~~من أهل اللغة، وفي «المجمل» الرهط والنفر يستعمل إلى الأربعين، وفي كلام
~~الشعبي حدثني بضعة عشر نفرا، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفسيره هنا بما
~~زاد على العشرة ولا يختص بالرجال، والأخذ من النفير لا يدل على الاختصاص
~~بهم بل ولا بالناس لإطلاقه على الجن هنا.

# والجار والمجرور صفة { نفرا } وقوله تعالى: { يستمعون
~~القرءان } حال مقدرة منه لتخصصه بالصفة أو صفة له أخرى وضمير الجمع
~~لأنه اسم جمع فهو في المعنى جمع، ولذا قرىء { صرفنا } بالتشديد للتكثير،
~~و { إذ } معمولة لمقدر لا عطف على

# أخا عاد

# [الأحقاف: 21] أي واذكر لقومك وقت صرفنا إليك نفرا من الجن مقدرا
~~استماعهم القرآن لعلهم يتنبهون لجهلهم وغلطهم وقبح ما هم عليه من الكفر
~~بالقرآن والإعراض عنه حيث انهم كفروا به وجهلوا أنه من عند الله تعالى
~~وهم أهل اللسان الذي نزل به ومن جنس الرسول الذي جاء به وأولئك استمعوه
~~وعلموا أنه من عنده تعالى وآمنوا به وليسوا من أهل لسانه ولا من جنس
~~رسوله ففي ذكر هذه القصة توبيخ لكفار قريش والعرب، ووقوعها إثر قصة هود
~~وقومه وإهلاك من أهلك من أهل القرى لأن أولئك كانوا ذوي شدة وقوة كما حكى
~~عنهم في غير آية والجن توصف بذلك أيضا كما قال تعالى:

# قال عفريت من الجن أنا ءاتيك به قبل أن تقوم
~~من مقامك وإني عليه لقوي أمين

# [النمل: 39] ووصفهم بذلك معروف بين العرب فناسبت ما قبلها لذلك مع ما
~~قيل إن قصة عاد متضمنة ذكر الريح وهذه ms09828 متضمنة ذكر الجن وكلاهما من العالم
~~الذي لا يشاهد، وسيأتي الكلام في حقيقتهم.

# { فلما حضروه } أي القرآن عند تلاوته، وهو الظاهر وإن كان فيه
~~تجوز، وقيل: الرسول صلى الله عليه وسلم عند تلاوته له ففيه التفات {
~~قالوا } أي قال بعضهم لبعض { أنصتوا } اسكتوا لنسمعه، وفيه تأدب
~~مع العلم وكيف يتعلم { فلما قضي } أتم وفرغ عن تلاوته. وقرأ أبو
~~مجلز وحبيب بن عبد الله { قضى } بالبناء للفاعل وهو ضمير الرسول صلى
~~الله عليه وسلم، وأيد بذلك عود ضمير { حضروه } إليه عليه الصلاة
~~والسلام. { ولوا إلى قومهم منذرين } مقدرين إنذارهم عند
~~وصولهم إليهم.

# قيل: إنهم تفرقوا في البلاد فأنذروا من رأوه من الجن، وكان هؤلاء كما
~~جاء في عدة روايات من جن نصيبين وهي من ديار بكر قريبة من الشام، وقيل:
~~من نينوى وهي أيضا من ديار بكر لكنها قريبة من الموصل، وذكر أنهم
~~كانوا من الشيصبان وهم أكثر الجن عددا وعامة جنود إبليس منهم، وكان
~~الحضور بوادي نخلة على نحو ليلة من مكة المكرمة.

# فقد أخرج أحمد وعبد بن حميد والشيخان والترمذي والنسائي وجماعة عن ابن
~~عباس قال: «انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه إلى سوق
~~عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت
~~الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء
~~وأرسلت علينا الشهب قالوا ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث
~~فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر
~~السماء فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي صلى الله عليه
~~وسلم وهو أصحابه بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو عليه الصلاة والسلام يصلي
~~بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا / له فقالوا: هذا والله
~~الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهناك حين رجعوا إلى قومهم».

# وفي رواية ابن المنذر عن عبد الملك أنهم لما حضروه قالوا: أنصتوا فلما
~~قضي وفرغ صلى الله عليه وسلم من صلاة الصبح ولوا إلى قومهم ms09829 منذرين مؤمنين
~~لم يشعر بهم حتى نزل

# قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن

# [الجن: 1]. وفي «الصحيحين» عن مسروق عن ابن مسعود أنه آذنته صلى الله
~~عليه وسلم بهم شجرة.

# وكانوا على ما روي عن ابن عباس سبعة وكذا قال زر وذكر منهم زوبعة، وأخرج
~~ابن أبي حاتم عن مجاهد أنهم كانوا سبعة: ثلاثة من أهل حران وأربعة من
~~نصيبين وكانت أسماؤهم حسي ومسي وشاصر وماصر والأردوانيان وسرق والأحقم
~~بميم آخره، وفي رواية عن كعب الأحقب بالباء، وذكر صاحب «الروض» بدل حسي
~~ومسي منشيء وناشيء. وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس
~~أنه قال في هؤلاء النفر: كانوا تسعة عشر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم رسلا إلى قومهم.

# والخبر السابق يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان حين حضر الجن مع
~~طائفة من أصحابه، وأخرج عبد بن حميد وأحمد ومسلم والترمذي وأبو داود

# " عن علقمة قال «قلت لابن مسعود: هل صحب النبي صلى الله عليه وسلم ليلة
~~الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منا أحد ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب فقلنا: استطير
~~أو اغتيل فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء
~~فأخبرناه فقال أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن فانطلق بنا
~~فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم» "

# فهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن معه أحد من أصحابه ولم
~~يشعر به أحد منهم.

# وأخرج أحمد عن ابن مسعود أنه قال:

# " قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن وأخذت إداوة ولا
~~أحسبها إلا ماء حتى إذا كنا بأعلى مكة رأيت أسودة مجتمعة قال: فخط لي
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: قم ههنا حتى آتيك ومضى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم إليهم فرأيتهم يتثورون إليه فسمر معهم ليلا طويلا
~~حتى جاءني مع الفجر فقال لي: هل معك ms09830 من وضوء قلت: نعم ففتحت الإداوة فإذا
~~هو نبيذ فقلت: ما كنت أحسبها إلا ماء فإذا هو نبيذ فقال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم: ثمرة طيبة وماء طهور فتوضأ منها ثم قام يصلي فأدركه
~~شخصان منهم فصفهما خلفه ثم صلى بنا فقلت: من هؤلاء يا رسول الله؟ قال: جن
~~نصيبين "

# فهذا يدل على خلاف ما تقدم والجمع بتعدد واقعة الجن.

# وقد أخرج الطبراني في «الأوسط» وابن مردويه عن الحبر أنه قال: صرفت الجن
~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، وذكر الخفاجي أنه قد دلت
~~الأحاديث على أن وفادة الجن كانت ست مرات ويجمع بذلك اختلاف الروايات في
~~عددهم وفي غير ذلك، فقد أخرج أبو نعيم والواقدي عن كعب الأحبار قال:
~~انصرف النفر التسعة من أهل نصيبين من بطن نخلة وهم فلان وفلان وفلان
~~والأردوانيان والأحقب جاءوا قومهم منذرين فخرجوا بعد وافدين إلى رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم وهم ثلاثمائة فانتهوا إلى الحجون فجاء الأحقب
~~فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن قومنا قد حضروا الحجون
~~يلقونك فواعده رسول الله صلى الله عليه وسلم لساعة من الليل بالحجون.

# وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة أنه قال في الآية: هم اثنا عشر ألفا من
~~جزيرة الموصل، وفي «الكشاف» حكاية هذا العدد أيضا وأن السورة التي قرأها
~~صلى الله عليه وسلم عليهم

# اقرأ باسم ربك

# [العلق: 1]، ونقل في / «البحر» عن ابن عمر وجابر بن عبد الله رضي الله
~~تعالى عنهم أنه عليه الصلاة والسلام قرأ عليهم سورة الرحمن فكان إذا قال:

# فبأي آلاء ربكما تكذبان

# [الرحمن: 13] قالوا: لا بشيء من آيات ربنا نكذب ربنا لك الحمد. وأخرج
~~أبو نعيم في «الدلائل». والواقدي عن أبي جعفر قال: قدم على رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم الجن في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من النبوة وفي
~~معناه ما قيل: كانت القصة قبل الهجرة بثلاث سنين بناء على ما صح عن ابن
~~عباس أنه صلى الله عليه وسلم مكث ms09831 بمكة يوحى إليه ثلاث عشرة سنة وفي
~~المسألة خلاف والمشهور ما ذكر. وقيل: كان استماع الجن في ابتداء الإيحاء.

### || [46.30]

# { قالوا } أي عند رجوعهم إلى قومهم { يقومنا إنا سمعنا
~~كتبا } جليل الشأن { أنزل من بعد موسى } ذكروه دون عيسى
~~عليهما السلام لأنه متفق عليه عند أهل الكتابين ولأن الكتاب المنزل عليه
~~أجل الكتب قبل القرآن وكان عيسى عليه السلام مأمورا بالعمل بمعظم ما فيه
~~أو بكله، وقال عطاء: لأنهم كانوا على اليهودية ويحتاج إلى نقل صحيح، وعن
~~ابن عباس أن الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى عليه السلام فلذا قالوا ذلك،
~~وفيه بعد فإن اشتهار أمر عيسى عليه السلام وانتشار أمر دينه أظهر من أن
~~يخفى لا سيما على الجن، ومن هنا قال أبو حيان: إن هذا لا يصح عن ابن عباس
~~{ مصدقا لما بين يديه } من التوراة أو جميع الكتب الإلهية
~~السابقة { يهدي إلى الحق } من العقائد الصحيحة { وإلى
~~طريق مستقيم } من الأحكام الفرعية أو ما يعمها وغيرها من
~~العقائد على أنه من ذكر العام بعد الخاص.

### || [46.31]

# { يقومنا أجيبوا داعي الله } أرادوا به ما سمعوه من
~~الكتاب ووصفوه بالدعوة إلى الله تعالى بعدما وصفوه بالهداية إلى الحق
~~والطريق المستقيم لتلازمهما، وفي الجمع بينهما ترغيب لهم في الإجابة أي
~~ترغيب، وجوز أن يكون أرادوا به الرسول صلى الله عليه وسلم { وءامنوا
~~به } أي بداعي الله تعالى أو بالله عز وجل { يغفر لكم من
~~ذنوبكم } أي بعض ذنوبكم قيل: وهو ما كان خالص حقه عز وجل فإن حقوق
~~العباد لا تغفر بالإيمان. وتعقبه ابن المنير بأن الحربي إذا نهب الأموال
~~وسفك الدماء ثم حسن إسلامه جب إسلامه إثم ما تقدم بلا إشكال ثم قال
~~ويقال: إنه لم يرد وعد المغفرة للكافرين على تقدير الإيمان في كتاب الله
~~تعالى إلا مبعضة وهذا منه فإن لم يكن لإطراده كذلك سر فما هو إلا أن مقام
~~الكافرين قبض لا بسط فلذلك لم يبسط رجاؤه في مغفرة جملة الذنوب، وقد ورد
~~في حق المؤمنين ms09832 كثيرا، ورده صاحب «الإنصاف» بأن مقام ترغيب الكافر في
~~الإسلام بسط لا قبض وقد أمر الله تعالى أن يقول لفرعون قولا لينا وقد
~~قال تعالى:

# إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف

# [الأنفال: 38] وهي غير مبعضة و { ما } للعموم لا سيما وقد وقعت في
~~الشرط.

# وقال بعض أجلة المحققين: إن الحربي وإن كان إذا أسلم لا تبقى عليه تبعة
~~أصلا لكن الذمي إذا أسلم تبقى عليه حقوق الآدميين، والقوم  كما نقل عن
~~عطاء  كانوا يهودا فتبقى عليهم تبعاتهم فيما بينهم إذا أسلموا جميعا
~~من غير حرب فلما كان الخطاب معهم جيء بما يدل على التبعيض، وقيل: جيء به
~~لعدم علم الجن بعد بأن الإسلام يجب إثم ما قبله مطلقا وفيه توقف، وقد
~~يقال: أرادوا بالبعض الذنوب السالفة ولو لم يقولوا ذلك لتوهم المخاطبون
~~أنهم إن أجابوا داعي الله تعالى وآمنوا به يغفر لهم ما تقدم من ذنوبهم
~~وما تأخر، وقيل: (من) زائدة أي يغفر لكم ذنوبكم.

# { ويجركم من عذاب أليم } معد للكفرة. وهذا ونحوه يدل على
~~أن الجن / مكلفون، ولم ينص ههنا على ثوابهم إذا أطاعوا وعمومات الآيات
~~تدل على الثواب، وعن ابن عباس لهم ثواب وعليهم عقاب يلتقون في الجنة
~~ويزدحمون على أبوابها، ولعل الاقتصار هنا على ما ذكر لما فيه من التذكير
~~بالذنوب والمقام الإنذار فلذا لم يذكر فيه شيء من الثواب، وقيل: لا ثواب
~~لمطيعيهم إلا النجاة من النار فيقال لهم: كونوا ترابا فيكونون ترابا،
~~وهذا مذهب ليث بن أبي سليم وجماعة ونسب إلى الإمام أبي حنيفة رضي الله
~~تعالى عنه، وقال النسفي في «التيسير»: توقف أبو حنيفة في ثواب الجن في
~~الجنة ونعيمهم لأنه لا استحقاق للعبد على الله تعالى ولم يقل بطريق الوعد
~~في حقهم إلا المغفرة والإجارة من العذاب، وأما نعيم الجنة فموقوف على
~~الدليل. وقال عمر بن عبد العزيز: إن مؤمني الجن حول الجنة في ربض وليسوا
~~فيها، وقيل: يدخلون الجنة ويلهمون التسبيح والذكر فيصيبون من لذة ذلك ما
~~يصيبه بنو آدم من ms09833 لذائذهم، قال النووي في «شرح صحيح مسلم»: والصحيح أنهم
~~يدخلونها ويتنعمون فيها بالأكل والشرب وغيرهما، وهذا مذهب الحسن البصري
~~ومالك بن أنس والضحاك وابن أبي ليلى وغيرهم.

### || [46.32]

# { ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض
~~} إيجاب للإجابة بطريق الترهيب إثر إيجابها بطريق الترغيب وتحقيق لكونهم
~~منذرين وإظهار داعي الله من غير اكتفاء بأحد الضميرين بأن يقال: يجبه أو
~~يجب داعيه للمبالغة في الإيجاب بزيادة التقرير وتربية المهابة وإدخال
~~الروعة. وتقييد الإعجاز بكونه في الأرض لتوسيع الدائرة أي فليس بمعجز له
~~تعالى بالهرب وإن هرب كل مهرب من أقطارها أو دخل في أعماقها.

# وقوله تعالى: { وليس له من دونه أولياء } بيان لاستحالة
~~نجاته بواسطة الغير إثر بيان استحالة نجاته بنفسه وجمع الأولياء باعتبار
~~معنى { من } فيكون من باب مقابلة الجمع بالجمع لانقسام الآحاد على
~~الآحاد، ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عامر أنه قرأ { وليس لهم } بضمير
~~الجمع فإنه لمن باعتبار معناها، وكذا الجمع في قوله سبحانه: {
~~أولئك } بذلك الاعتبار أي أولئك الموصوفون بعدم إجابة داعي الله {
~~في ضلل مبين } أي ظاهر كونه ضلالا بحيث لا يخفى على أحد حيث
~~أعرضوا عن إجابة من هذا شأنه.

### || [46.33]

# { أو لم يروا } الهمزة للإنكار والواو على أحد القولين عطف على
~~مقدر دخله الاستفهام يستدعيه المقام. والرؤية قلبية أي ألم يتفكروا ولم
~~يعلموا { أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم
~~يعي بخلقهن } أي لم يتعب بذلك أصلا من عيي كفعل بكسر العين،
~~ويجوز فيه الإدغام بمعنى تعب كأعيا، وقال الكسائي: أعييت من التعب وعييت
~~من انقطاع الحيلة والعجز والتحير في الأمر؛ وأنشدوا:

# عيوا بأمرهم كما

# عيت ببيضتها الحمامة

# أي لم يعجز عن خلقهن ولم يتحير فيه، واختار بعضهم عدم الفرق.

# وقرأ الحسن { ولم يعي } بكسر العين وسكون الياء، ووجهه أنه في الماضي
~~فتح عين الكلمة كما قالوا في بقي بقى بفتح القاف وألف بعدها وهي لغة طيء،
~~ولما بنى الماضي على فعل مفتوح العين بني مضارعه على يفعل مكسورها فجاء
~~يعيى فلما ms09834 دخل الجازم حذف الياء فبقي يعي بنقل حركة الياء إلى العين
~~فسكنت الياء.

# وقوله تعالى: { بقادر } في حيز الرفع لأنه خبر أن / والباء زائدة
~~فيه، وحسن زيادتها كون ما قبلها في حيز النفي، وقد أجاز الزجاج ما ظننت
~~أن أحدا بقائم قياسا على هذا، قال أبو حيان: والصحيح قصر ذلك على
~~السماع فكأنه قيل هنا: أو ليس الله بقادر { على أن يحيي
~~الموتى } ولذلك أجيب عنه بقوله تعالى: { بلى إنه على كل
~~شيء قدير } تقريرا للقدرة على وجه عام يكون كالبرهان على المقصود،
~~ولذا قيل: إن هذا مشير إلى كبرى لصغرى سهلة الحصول فكأنه قيل: إحياء
~~الموتى شيء وكل شيء مقدور له فينتج أن إحياء الموتى مقدور له، ويلزمه أنه
~~تعالى قادر على أن يحيي الموتى.

# وقرأ الجحدري وزيد بن علي وعمرو بن عبيد وعيسى والأعرج بخلاف عنه ويعقوب
~~{ يقدر } بدل { بقادر } بصيغة المضارع الدال على الاستمرار وهذه
~~القراءة على ما قيل موافقة أيضا للرسم العثماني.

### || [46.34]

# { ويوم يعرض الذين كفروا على النار } ظرف عامله
~~قول مضمر مقوله: { أليس هذا بالحق } أي ويقال يوم يعرض الخ،
~~والظاهر أن الجملة معترضة، وقيل: هي حال، والتقدير وقد قيل، وفيه نظر،
~~وقد مر آنفا الكلام في العرض بطوله. والإشارة إلى ما يشاهدونه حين العرض
~~من حيث هو من غير أن يخطر بالبال لفظ يدل عليه فضلا عن تذكيره وتأنيثه
~~إذ هو اللائق بتهويله وتفخيمه، وقيل: هي إلى العذاب بقرينة التصريح به
~~بعد، وفيه تهكم بهم وتوبيخ لهم على استهزائهم بوعد الله تعالى ووعيده
~~وقولهم:

# وما نحن بمعذبين

# [الشعراء: 138].

# { قالوا بلى وربنا } تصديق بحقيته؛ وأكدوا بالقسم كأنهم
~~يطمعون في الخلاص بالاعتراف بحقية ذلك كما في الدنيا وأنى لهم. وعن الحسن
~~أنهم ليعذبون في النار وهم راضون بذلك لأنفسهم يعترفون أنه العدل.

# { قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } بسبب
~~استمراركم على الكفر في الدنيا، ومعنى الأمر الإهانة بهم فهو تهكم وتوبيخ
~~وإلا لكان تحصيلا للحاصل، وقيل: هو أمر تكويني؛ والمراد إيجاب عذاب غير
~~ما هم ms09835 فيه وليس بذاك.

### || [46.35]

# والفاء في قوله تعالى: { فاصبر كما صبر أولوا العزم
~~من الرسل } واقعة في جواب شرط مقدر أي إذا كان عاقبة أمر الكفرة ما
~~ذكر فاصبر على ما يصيبك من جهتهم أو إذا كان الأمر على ما تحققته من
~~قدرته تعالى الباهرة فاصبر، وجوز غير واحد كونها عاطفة لهذه الجملة على
~~ما تقدم، والسببية فيها ظاهرة واقتصر في «البحر» على كونها لعطف هذه
~~الجملة على أخبار الكفار في الآخرة؛ وقال: ((المعنى بينهما مرتبط كأنه
~~قيل: هذه حالهم فلا تستعجل أنت واصبر ولا تخف إلا الله عز وجل))، والعزم
~~يطلق على الجد والاجتهاد في الشيء وعلى الصبر عليه، و { من } بيانية
~~كما في

# فاجتنبوا الرجس من الأوثن

# [الحج: 30] والجار والمجرور في موضع الحال من { الرسل } فيكون أولوا
~~العزم صفة جميعهم، وإليه ذهب ابن زيد والجبائي وجماعة أي فاصبر كما صبر
~~الرسل المجدون المجتهدون في تبليغ الوحي الذين لا يصرفهم عنه صارف ولا
~~يعطفهم عنه عاطف والصابرون على أمر الله تعالى فيما عهده سبحانه إليهم أو
~~قضاه وقدره عز وجل عليهم بواسطة أو بدونها.

# وعن عطاء الخراساني والحسن بن الفضل والكلبي ومقاتل وقتادة وأبي
~~العالية وابن جريج، وإليه ذهب أكثر المفسرين أن { من } للتبعيض فأولوا
~~العزم بعض الرسل عليهم السلام، واختلف في عدتهم وتعيينهم على أقوال، فقال
~~الحسن بن الفضل: ثمانية عشر وهم المذكورون في سورة [الأنعام: 90] لأنه
~~سبحانه قال بعد ذكرهم:

# فبهداهم اقتده

# وقيل: تسعة نوح عليه السلام صبر على أذى قومه طويلا، وإبراهيم عليه
~~السلام صبر على الإلقاء في النار، والذبيح عليه السلام صبر على ما أريد /
~~به من الذبح، ويعقوب عليه السلام صبر على فقد ولده، ويوسف عليه السلام
~~صبر على البئر والسجن وأيوب عليه السلام صبر على البلاء، وموسى عليه
~~السلام قال له قومه:

# إنا لمدركون

# [الشعراء: 61] فقال:

# إن معي ربي سيهدين

# [الشعراء: 62] وداود عليه السلام بكى على خطيئته أربعين سنة وعيسى عليه
~~السلام لم يضع لبنة على لبنة وقال: إنها يعني الدنيا معبرة فاعبروها ms09836 ولا
~~تعمروها، وقيل: سبعة آدم ونوح وإبراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى عليهم
~~السلام، وقيل: ستة وهم الذين أمروا بالقتال وهم نوح وهود وصالح وموسى
~~وداود وسليمان، وأخرجه ابن مردويه عن ابن عباس، وعن مقاتل أنهم ستة ولم
~~يذكر حديث الأمر بالقتال وقال: هم نوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب ويوسف
~~وأيوب. وأخرج ابن عساكر عن قتادة أنهم نوح وهود وإبراهيم وشعيب وموسى
~~عليهم السلام. وظاهره القول بأنهم خمسة، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد
~~وابن المنذر عنه أنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وظاهره القول بأنهم أربعة
~~وهذا أصح الأقوال.

# وقول الجلال السيوطي: إن أصحها القول بأنهم خمسة هؤلاء الأربعة ونبينا
~~صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين وأخرج ذلك ابن أبي حاتم وابن مردويه
~~عن ابن عباس وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله من أئمة أهل البيت
~~رضي الله تعالى عنهم ونظمهم بعض الأجلة فقال:

# أولو العزم نوح والخليل الممجد

# وموسى وعيسى والحبيب محمد

# مبني على أنهم كذلك بعد نزول الآية وتأسي نبينا عليه الصلاة والسلام بمن
~~أمر بالتأسي به ولم يرد أن أصح الأقوال أن المراد بهم في الآية أولئك
~~الخمسة صلى الله تعالى عليهم وسلم إذ يلزم عليه أمره عليه الصلاة والسلام
~~أن يصبر كصبره نفسه ولا يكاد يصح ذلك، وعلى هذا قول أبي العالية فيما
~~أخرجه عبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي في «شعب الإيمان» وابن عساكر عنه
~~أنهم ثلاثة نوح وإبراهيم وهود ورسول الله صلى الله عليه وسلم رابع لهم،
~~ولعل الأولى في الآية القول الأول وإن صار أولوا العزم بعد مختصا بأولئك
~~الخمسة عليهم الصلاة والسلام عند الإطلاق لاشتهارهم بذلك كما في الأعلام
~~الغالبة فكأنه قيل: فاصبر على الدعوة إلى الحق ومكابدة الشدائد مطلقا
~~كما صبر إخوانك الرسل قبلك.

# { ولا تستعجل لهم } أي لكفار مكة بالعذاب أي لا تدع بتعجيله
~~فإنه على شرف النزول بهم { كأنهم يوم يرون ما يوعدون }
~~من العذاب { لم يلبثوا } في الدنيا { إلا ساعة } يسيرة {
~~من نهار } لما يشاهدون من شدة العذاب ms09837 وطول مدته. وقرأ أبي { من
~~النهار } وقوله تعالى: { بلاغ } خبر مبتدأ محذوف أي هذا الذي
~~وعظتم به كفاية في الموعظة أو تبليغ من الرسول، وجعل بعضهم الإشارة إلى
~~القرآن أو ما ذكر من السورة. وأيد تفسير { بلاغ } بتبليغ بقراءة أبي
~~مجلز وأبي سراج الهذلي { بلغ } بصيغة الأمر له صلى الله عليه وسلم،
~~وبقراءة أبي مجاز أيضا في رواية { بلغ } بصيغة الماضي من التفعيل،
~~واستظهر أبو حيان كون الإشارة إلى ما ذكر من المدة التي لبثوا فيها كأنه
~~قيل: تلك الساعة بلاغهم كما قال تعالى:

# متع قليل

# [آل عمران: 197] وقال أبو مجلز: { بلاغ } مبتدأ خبره قوله تعالى: {
~~لهم } السابق فيوقف على { ولا تستعجل } ويبتدأ بقوله تعالى: {
~~لهم } وتكون الجملة التشبيهية معترضة بين المبتدأ والخبر؛ والمعنى لهم
~~انتهاء وبلوغ إلى وقت فينزل بهم العذاب؛ وهو ضعيف جدا لما فيه من الفصل
~~ومخالفة الظاهر إذ الظاهر تعلق { لهم } بتستعجل.

# وقرأ الحسن وزيد بن علي وعيسى { بلاغا } بالنصب بتقدير بلغ بلاغا أو
~~بلغنا بلاغا أو نحو ذلك. وقرأ الحسن أيضا { بلاغ } بالجر على أنه نعت
~~لنهار.

# { فهل يهلك إلا القوم الفسقون } الخارجون عن
~~الاتعاظ أو عن الطاعة، وفي الآية من الوعيد والإنذار / ما فيها.

### | [47 - سورة محمد]

### || [47.1]

# { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } أي أعرضوا عن
~~الإسلام وسلوك طريقه أو منعوا غيرهم عن ذلك، على أن صد لازم أو متعد، قال
~~في «الكشف»: والأول أظهر لأن الصد عن سبيل الله هو الإعراض عما أتى به
~~محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى:

# قل هذه سبيلي أدعو إلى الله

# [يوسف: 108] فيطابق قوله تعالى:

# والذين ءامنوا وعملوا الصلحات وءامنوا بما
~~نزل على محمد

# [محمد: 2] وكثير من الآثار تؤيد الثاني. وفسر الضحاك { سبيل الله
~~} ببيت الله عز وجل، وقال: صدهم عنه منعهم قاصديه وليس بذلك / والآية
~~عامة لكل من اتصف بعنوان الصلة. وقال ابن عباس: هم أي { الذين
~~كفروا وصدوا } على الوجه الثاني في { صدوا } المطعمون يوم بدر
~~الكبرى، وكأنه عنى من يدخل في العموم دخولا ms09838 أوليا، فإن أولئك كانوا
~~صادين بأموالهم وأنفسهم فصدهم أعظم من صد غيرهم ممن كفر وصد عن السبيل.
~~وأول من أطعم منهم  على ما نقل عن «سيرة ابن سيد الناس»  أبو جهل عليه
~~اللعنة نحر لكفار قريش حين خرجوا من مكة عشرا من الإبل، ثم صفوان بن
~~أمية نحر تسعا بعسفان، ثم سهل بن عمرو نحر بقديد عشرا ثم شيبة بن ربيعة
~~وقد ضلوا الطريق نحر تسعا ثم عتبة بن ربيعة نحر عشرا، ثم مقيس الجمحي
~~بالأبواء نحر تسعا، ثم العباس نحر عشرا، والحرث بن عامر نحر تسعا،
~~وأبو البختري على ماء بدر نحر عشرا، ومقيس تسعا؛ ثم شغلتهم الحرب
~~فأكلوا من أزوادهم، وقيل: كانوا ستة نفر نبيه ومنبه ابنا الحجاج وعتبة
~~وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل والحرث ابنا هشام، وضم مقاتل إليهم ستة أخرى
~~وهم عامر بن نوفل وحكيم بن حزام وزمعة بن الأسود والعباس بن عبد المطلب
~~وصفوان بن أمية وأبو سفيان بن حرب أطعم كل واحد منهم يوما الاحابيش
~~والجنود يستظهرون بهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ينافي
~~عد أبي سفيان إن صحت الرواية من أولئك كونه مع العير لأن المراد بيوم
~~بدر زمن وقعتها فيشمل من أطعم في الطريق وفي مدتها حتى انقضت، وقال
~~مقاتل: هم اثنا عشر رجلا من أهل الشرك كانوا يصدون الناس عن الإسلام
~~ويأمرونهم بالكفر، وقيل: هم شياطين من أهل الكتاب صدوا من أراد منهم أو
~~من غيرهم عن الدخول في الإسلام.

# والموصول مبتدأ خبره قوله تعالى: { أضل أعملهم } أي أبطلها
~~وأحبطها وجعلها ضائعة لا أثر لها ولا نفع أصلا لا بمعنى أنه سبحانه
~~أبطلها وأحبطها بعد أن لم تكن كذلك بل بمعنى أنه عز وجل حكم ببطلانها
~~وضياعها، وأريد بها ما كانوا يعملونه من أعمال البر كصلة الأرحام وقرى
~~الأضياف وفك الأسارى وغيرها من المكارم. وجوز أن يكون المعنى جعلها
~~ضلالا أي غير هدى حيث لم يوفقهم سبحانه لأن يقصدوا بها وجهه سبحانه أو
~~جعلها ضالة أي غير ms09839 مهتدية على الإسناد المجازي، ومن قال الآية في
~~المطعمين وأضرابهم قال: المعنى أبطل جل وعلا ما عملوه من الكيد لرسول
~~الله صلى الله عليه وسلم كالإنفاق الذي أنفقوه في سفرهم إلى محاربته عليه
~~الصلاة والسلام وغيره بنصر رسوله صلى الله عليه وسلم وإظهار دينه على
~~الدين كله، ولعله أوفق بما بعده، وكذا بما قيل إن الآية نزلت ببدر.

### || [47.2]

# { والذين ءامنوا وعملوا الصلحات } قال ابن عباس
~~فيما أخرجه عنه جماعة منهم الحاكم وصححه: هم أهل المدينة الأنصار، وفسر
~~رضي الله تعالى عنه

# الذين كفروا

# [محمد: 1] بأهل مكة قريش، وقال مقاتل: هم ناس من قريش، وقيل: مؤمنو أهل
~~الكتاب، وقيل: أعم من المذكورين وغيرهم فإن الموصول من صيغ العموم ولا
~~داعي للتخصيص { وءامنوا بما نزل على محمد } من القران،
~~وخص بالذكر الإيمان بذلك مع اندراجه فيما قبله تنويها بشأنه وتنبيها
~~على سمو مكانه من بين سائر ما يجب الإيمان به وأنه الأصل في الكل ولذلك
~~أكد بقوله تعالى: { وهو الحق من ربهم } وهو جملة معترضة بين
~~المبتدأ والخبر مفيدة لحصر الحقية فيه على طريقة الحصر في قوله تعالى:

# ذلك الكتاب

# [البقرة: 2] وقولك: حاتم الجود فيراد بالحق ضد الباطل، وجوز أن يكون
~~الحصر على ظاهره و(الحق) الثابت، وحقية ما نزل عليه عليه الصلاة والسلام
~~لكونه ناسخا لا ينسخ / وهذا يقتضي الاعتناء به ومنه جاء التأكيد، وأيا
~~ما كان فقوله تعالى: { من ربهم } حال من ضمير { الحق }.

# وقرأ زيد بن علي وابن مقسم { نزل } مبنيا للفاعل، والأعمش { أنزل }
~~معدى بالهمزة مبنيا للمفعول. وقرىء { أنزل } بالهمز مبنيا للفاعل {
~~ونزل } بالتخفيف.

# { كفر عنهم سيئتهم } أي سترها بالإيمان والعمل الصالح،
~~والمراد أزالها ولم يؤاخذهم بها { وأصلح بالهم } أي حالهم في
~~الدين والدنيا بالتوفيق والتأييد، وتفسير البال بالحال مروي عن قتادة
~~وعنه تفسيره بالشأن وهو الحال أيضا أو ماله خطر، وعليه قول الراغب:
~~((البال الحال التي يكترث بها، ولذلك يقال: ما باليت بكذا بالة أي ما
~~اكترثت به))، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:

# " كل أمر ذي ms09840 بال "

# الحديث ويكون بمعنى الخاطر القلبي ويتجوز به عن القلب كما قال الشهاب.
~~وفي «البحر» ((حقيقة البال الفكر والموضع الذي فيه نظر الإنسان وهو القلب
~~ومن صلح قلبه صلحت حاله، فكأن اللفظ مشير إلى صلاح عقيدتهم وغير ذلك من
~~الحال تابع له))، وحكي عن السفاقسي تفسيره هنا بالفكر وكأنه لنحو ما أشير
~~إليه، وهو كما في «البحر» أيضا مما ((لا يثنى ولا يجمع وشذ قولهم في
~~جمعه بالات)).

### || [47.3]

# { ذلك } إشارة إلى ما مر من الإضلال والتكفير والإصلاح وهو مبتدأ
~~خبره قوله تعالى: { بأن الذين كفروا اتبعوا البطل
~~وأن الذين ءامنوا اتبعوا الحق من ربهم } أي
~~ذلك كائن بسبب اتباع الأولين الباطل واتباع الآخرين الحق. والمراد بالحق
~~والباطل معناهما المشهور. وأخرج ابن المنذر وغيره عن مجاهد تفسير الباطل
~~بالشيطان. وفي «البحر» قال مجاهد: الباطل الشيطان وكل ما يأمر به و {
~~الحق } هو الرسول والشرع، وقيل: الباطل ما لا ينتفع به. وجوز الزمخشري
~~كون ذلك خبر مبتدأ محذوف و { بأن } الخ في محل نصب على الحال،
~~والتقدير الأمر ذلك أي كما ذكر ملتبسا بهذا السبب. والعامل في الحال إما
~~معنى الإشارة وإما نحو أثبته وأحقه فإن الجملة تدل على ذلك لأنه مضمون كل
~~خبر وتعقبه أبو حيان بأن فيه ارتكابا للحذف من غير داع له، والجار
~~والمجرور أعني { من ربهم } في موضع الحال على كل حال، والكلام أعني
~~قوله تعالى: { ذلك بأن } إلى قوله سبحانه: { من ربهم }
~~تصريح بما أشعر به الكلام السابق من السببية لما فيه من البناء على
~~الموصول، ويسميه علماء البيان التفسير، ونظيره ما أنشده الزمخشري لنفسه:

# به فجع الفرسان فوق خيولهم

# كما فجعت تحت الستور العواتق

# تساقط من أيديهم البيض حيرة

# وزعزع عن أجيادهن المخانق

# فإن فيه تفسيرا على طريق اللف والنشر كما في الآية وهو من محاسن
~~الكلام.

# { كذلك } أي مثل ذلك الضرب البديع { يضرب الله } أي يبين {
~~للناس } أي لأجلهم { أمثلهم } أي أحوال الفريقين المؤمنين
~~والكافرين وأوصافهما الجارية في الغرابة مجرى الأمثال، وهي اتباع
~~المؤمنين ms09841 الحق وفوزهم وفلاحهم، واتباع الكافرين الباطل وخيبتهم وخسرانهم،
~~وجوز أن يراد بضرب الأمثال التمثيل والتشبيه بأن جعل سبحانه اتباع الباطل
~~مثلا لعمل الكفار والإضلال مثلا لخيبتهم واتباع الحق مثلا لعمل
~~المؤمنين وتكفير السيآت مثلا لفوزهم والإشارة بذلك لما تضمنه الكلام
~~السابق، وجوز كون ضمير { أمثلهم } للناس.

### || [47.4]

# والفاء في قوله تعالى: { فإذا لقيتم الذين كفروا }
~~لترتيب ما في حيزها من الأمر على ما قبلها فإن ضلال أعمال الكفرة وخيبتهم
~~/ وصلاح أحوال المؤمنين وفلاحهم مما يوجب أن يترتب على كل من الجانبين ما
~~يليق به من الأحكام أي إذا كان الأمر كذلك فإذا لقيتموهم في المحارب {
~~فضرب الرقاب } وقال الزمخشري:(( { لقيتم } من اللقاء وهو
~~الحرب و { ضرب } نصب على المصدرية لفعل محذوف والأصل اضربوا الرقاب
~~ضربا فحذف الفعل وقدم المصدر وأنيب منابه مضافا إلى المفعول)). وحذف
~~الفعل الناصب في مثل ذلك مما أضيف إلى معموله واجب، وهو أحد مواضع يجب
~~فيها الحذف ذكرت في مطولات كتب النحو، وليس منها نحو ضربا زيدا على ما
~~نص عليه ابن عصفور.

# وذكر غير واحد أن فيما ذكر اختصارا وتأكيدا ولا كلام في الاختصار،
~~وأما التأكيد فظاهر القول به أن المصدر بعد حذف عامله مؤكد، وقال الحمصي
~~في «حواشي التصريح»: إن المصدر في ذلك مؤكد في الأصل وأما الآن فلا لأنه
~~صار بمنزلة الفعل الذي سد هو مسده فلا يكون مؤكدا بل كل مصدر صار بدلا
~~من اللفظ بالفعل لا يكون مؤكدا ولا مبينا لنوع ولا عدد. و { ضرب
~~الرقاب } مجاز مرسل عن القتل، وعبر به عنه إشعارا بأنه ينبغي أن يكون
~~بضرب الرقبة حيث أمكن وتصويرا له بأشنع صورة لأن ضرب الرقبة فيه إطارة
~~الرأس الذي هو أشرف أعضاء البدن ومجمع حواسه وبقاء البدن ملقى على هيئة
~~منكرة والعياذ بالله تعالى، وذكر أن في التعبير المذكور تشجيع المؤمنين
~~وأنهم منهم بحيث يتمكنون من القتل بضرب أعناقهم في الحرب.

# { حتى إذا أثخنتموهم } أي أوقعتم القتل بهم بشدة وكثرة على
~~أن ذلك مستعار من ثخن المائعات ms09842 لمنعه عن الحركة، والمراد حتى إذ أكثرتم
~~قتلهم وتمكنتم من أخذ من لم يقتل { فشدوا الوثاق } أي فأسروهم
~~واحفظوهم، فالشد وكذا ما بعد في حق من أسر منهم بعد إثخانهم لا للمثخن إذ
~~هو بالمعنى السابق لا يشد ولا يمن عليه ولا يفدى لأنه قد قتل أو المعنى
~~حتى إذا أثقلتموهم بالجراح ونحوه بحيث لا يستطيعون النهوض فاسروهم
~~واحفظوهم؛ فالشد وكذا ما بعد في حق المثخن لأنه بهذا المعنى هو الذي لم
~~يصل إلى حد القتل لكن ثقل عن الحركة فصار كالشيء الثخين الذي لم يسل ولم
~~يستمر في ذهابه، والإثخان عليه مجاز أيضا. و { الوثاق } في الأصل
~~مصدر كالخلاص وأريد به هنا ما يوثق به. وقرىء { الوثاق } بالكسر وهو
~~اسم لذلك، ومجيء فعال اسم آلة كالحزام والركاب نادر على خلاف القياس،
~~وظاهر كلام البعض أن كلا من المفتوح والمكسور اسم لما يوثق به، ولعل
~~المراد بيان المراد هنا.

# { فإما منا بعد وإما فداء } أي فإما تمنون منا وإما
~~تفدون فداء، والكلام تفصيل لعاقبة مضمون ما قبله من شد الوثاق، وحذف
~~الفعل الناصب للمصدر في مثل ذلك واجب أيضا، ومنه قوله:

# لأجهدن فإما درء واقعة

# ثخشى وإما بلوغ السؤال والأمل

# وجوز أبو البقاء كون كل من { منا } و { فداء } مفعولا به لمحذوف
~~أي أولوهم منا أو اقبلوا منهم فداء، وليس  كما قال أبو حيان  إعراب
~~نحوي.

# وقرأ ابن كثير في رواية شبل { وإما فدى } بالفتح والقصر كعصا. وزعم أبو
~~حاتم أنه لا يجوز قصره لأنه مصدر فاديته، قال الشهاب: ولا عبرة به فإن
~~فيه أربع لغات الفتح والكسر مع المد والقصر ولغة خامسة البناء مع الكسر
~~كما حكاه الثقات انتهى. وفي «الكشف» نقلا عن «الصحاح» الفداء إذا كسر
~~أوله يمد ويقصر وإذا فتح فهو مقصور. ومن العرب من يكسر الهمزة أي يبنيه
~~على الكسر إذا جاور لام الجر خاصة لأنه اسم فعل بمعنى الدعاء، وأنشد
~~الأصمعي بيت النابغة:

# مهلا فداء لك

# وهذا الكسر مع التنوين / كما صرح به في «البحر». ms09843

# وظاهر الآية  على ما ذكره السيوطي في «أحكام القرآن العظيم»  امتناع
~~القتل بعد الأسر وبه قال الحسن. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه أنه قال:
~~أتي الحجاج بأسارى فدفع إلى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما رجلا يقتله
~~فقال ابن عمر: ليس بهذا أمرنا إنما قال الله تعالى: { حتى إذا
~~أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما
~~فداء } وفي حكم الأسارى خلاف فذهب الأكثرون إلى ((أن الإمام بالخيار إن
~~شاء قتلهم إن لم يسلموا لأنه صلى الله عليه وسلم قتل صبرا عقبة بن أبي
~~معيط وطعيمة بن عدي والنضر بن الحرث التي قالت فيه أخته أبياتا منها
~~تخاطب النبي صلى الله عليه وسلم:

# ما كان ضرك لو مننت وربما

# من الفتى وهو المغيظ المحنق

# ولأن في قتلهم حسم مادة فسادهم بالكلية. وليس لواحد من الغزاة أن يقتل
~~أسيرا بنفسه فإن فعل بلا ملجىء كخوف شر الأسير كان للإمام أن يعزره إذا
~~وقع على خلاف مقصوده ولكن لا يضمن شيئا، وإن شاء استرقهم لأن فيه دفع
~~شرهم مع وفور المصلحة لأهل الإسلام، وإن شاء تركهم أحرارا ذمة للمسلمين
~~كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه ذلك في أهل السواد إلا أسارى مشركي العرب
~~والمرتدين فإنهم لا تقبل منهم جزية ولا يجوز استرقاقهم بل الحكم فيهم إما
~~الإسلام أو السيف، وإن أسلم الأسارى بعد الأسر لا يقتلهم لاندفاع شرهم
~~بالإسلام، ولكن يجوز استرقاقهم فإن الإسلام لا ينافي الرق جزاء على الكفر
~~الأصلي وقد وجد بعد انعقاد سبب الملك وهو الاستيلاء على الحربي غير
~~المشرك من العرب، بخلاف ما لو أسلموا من قبل الأخذ فإنهم يكونون أحرارا
~~لأنه إسلام قبل انعقاد سبب الملك فيهم.

# ولا يفادى بالاسارى في إحدى الروايتين عن الإمام أبي حنيفة رضي الله
~~تعالى عنه لما في ذلك من معونة الكفرة لأنه يعود الأسير الكافر حربا
~~علينا، ودفع شر حرابته خير من استنقاذ المسلم لأنه إذا بقي في أيديهم كان
~~ابتلاء في حقه فقط، والضرر بدفع أسيرهم إليهم يعود على ms09844 جماعة المسلمين.
~~والرواية الأخرى عنه أنه يفادى وهو قول محمد وأبي يوسف والإمام الشافعي
~~ومالك وأحمد إلا بالنساء فإنه لا يجوز المفاداة بهن عندهم، ومنع أحمد
~~المفاداة بصبيانهم، وهذه رواية «السير الكبير»، قيل: وهو أظهر الروايتين
~~عن الإمام أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: تجوز المفاداة بالأسارى قبل القسمة
~~لا بعدها، وعند محمد تجوز بكل حال. ووجه ما ذكره الأئمة من جواز المفاداة
~~أن تخليص المسلم أولى من قتل الكافر للانتفاع به ولأن حرمته عظيمة وما
~~ذكر من الضرر الذي يعود إلينا بدفعه إليهم يدفعه ظاهرا المسلم الذي
~~يتخلص منهم لأنه ضرر شخص واحد فيقوم بدفعه واحد مثله ظاهرا فيتكافئان
~~وتبقى فضيلة تخليص المسلم وتمكينه من عبادة الله تعالى فإن فيها زيادة
~~ترجيح.

# ثم إنه قد ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرج مسلم وأبو
~~داود والترمذي وعبد بن حميد وابن جرير

# " عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فدى رجلين من
~~المسلمين برجل من المشركين "

# ويحتج لمحمد بما أخرجه مسلم أيضا

# " عن إياس بن سلمة عن أبيه سلمة قال: خرجنا مع أبي بكر رضي الله تعالى
~~عنه أمره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قال فلقيني رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم من الغد في السوق فقال: يا سلمة هب لي المرأة
~~يعني التي نفله أبو بكر إياها  فقلت: يا رسول الله لقد أعجبتني وما
~~كشفت لها ثوبا، ثم لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد في السوق
~~فقال: يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك فقلت: هي لك يا رسول الله فوالله ما
~~كشفت لها ثوبا فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ففدى بها ناسا من
~~المسلمين أسروا بمكة "

# ولا يفادى بالأسير إذا أسلم وهو / بأيدينا لأنه لا يفيد إلا إذا طابت
~~نفسه وهو مأمون على إسلامه فيجوز لأنه يفيد تخليص مسلم من غير إضرار
~~بمسلم آخر. وأما المفاداة بمال فلا تجوز في المشهور من ms09845 مذهب الحنفية لما
~~بين في المفاداة بالمسلمين من ردهم حربا علينا.

# وفي «السير الكبير» أنه لا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجة، قيل:
~~استدلالا بأسارى بدر فإنه لا شك في احتياج المسلمين بل في شدة حاجتهم إذ
~~ذاك فليكن محمل المفاداة الكائنة في بدر بالمال.

# وأما المن على الأسارى وهو أن يطلقهم إلى دار الحرب من غير شيء فلا يجوز
~~عند أبي حنيفة ومالك وأحمد، وأجازه الإمام الشافعي لأنه صلى الله عليه
~~وسلم من على جماعة من أسرى بدر منهم أبو العاص بن أبي الربيع على ما
~~ذكره ابن إسحق بسنده وأبو داود من طريقه إلى عائشة لما بعث أهل مكة في
~~فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي
~~العاص بمال وبعثت فيه بقلادة كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين
~~بنائه عليها فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك رق لها رقة شديدة
~~وقال لأصحابه:

# " إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها "

# ففعلوا ذلك مغتبطين به، ورواه الحاكم وصححه وزاد «وكان النبي صلى الله
~~عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخلي زينب إليه ففعل» ومن صلى الله عليه وسلم
~~على ثمامة بن أثال بن النعمان الحنفي سيد أهل اليمامة ثم أسلم وحسن
~~إسلامه، وحديثه في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة، ويكفي ما ثبت في «صحيح
~~البخاري» من قوله عليه الصلاة والسلام:

# " لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى  يعني أسارى بدر
~~ لتركتهم له "

# فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر وهو الصادق المصدوق بأنه يطلقهم لو سأله
~~المطعم، والإطلاق على ذلك التقدير لا يثبت إلا وهو جائز شرعا لمكان
~~العصمة، وكونه لم يقع لعدم وقوع ما علق عليه لا ينفي جوازه شرعا.
~~واستدل أيضا بالآية التي نحن فيها فإن الله تعالى خير فيها بين
~~المن والفداء)). والظاهر أن المراد بالمن الإطلاق مجانا؛ وكون المراد
~~المن عليهم بترك القتل وإبقاءهم مسترقين أو تخليتهم لقبول الجزية ms09846 وكونهم
~~من أهل الذمة خلاف الظاهر، وبعض النفوس يجد طعم الإلاء أحلى من هذا المن.

# وأجاب بعض الحنفية بأن الآية منسوخة بقوله تعالى:

# فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم

# [التوبة: 5] من سورة براءة فإنه يقتضي عدم جواز المن وكذا عدم جواز
~~الفداء وهي آخر سورة نزلت في هذا الشأن، وزعم أن ما وقع من المن والفداء
~~إنما كان في قضية بدر وهي سابقة عليها وإن كان شيء من ذلك بعد بدر فهو
~~أيضا قبل السورة. والقول بالنسخ جاء عن ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد
~~في روايات ذكرها الجلال السيوطي في «الدر المنثور». وقال العلامة ابن
~~الهمام: قد يقال إن ذلك  يعني ما في سورة براءة  في حق غير الأسارى
~~بدليل جواز الاسترقاق فيهم فيعلم أن القتل المأمور به في حق غيرهم، وما
~~ذكره في جواز الاسترقاق ليس على إطلاقه إذ لا يجوز كما علمت استرقاق
~~مشركي العرب.

# { حتى تضع الحرب أوزارها } أي آلاتها وأثقالها من
~~السلاح وغيره، قال الأعشى:

# وأعددت للحرب أوزارها

# رماحا طوالا وخيلا ذكورا

# ومن نسج داود موضونة

# تساق إلى الحرب عيرا فعيرا

# وهي في الأصل الأحمال فاستعيرت لما ذكر استعارة تصريحية، ويجوز أن يكون
~~في { الحرب } استعارة مكنية بأن تشبه بإنسان يحمل حملا على رأسه أو
~~ظهره ويثبت لها ما أثبت تخييلا، وكلام «الكشاف» أميل / إليه، وقيل: هي
~~أحمال المحارب أضيفت للحرب تجوزا في النسبة الإضافية وتغليبا لها على
~~الكراع، وإسناد الوضع للحرب مجازي أيضا وليس بذاك. وعد بعض الأماثل
~~الكلام تمثيلا. والمراد حتى تنقضي الحرب وقال: يجوز أن يكون إرادة ذلك
~~من باب المجاز المتفرع على الكناية كما في قوله:

# فألقت عصاها واستقر بها النوى

# فإنه كنى به عن انقضاء السفر والإقامة. وقيل: الأوزار جمع وزر بمعنى إثم
~~وهو هنا الشرك والمعاصي، { وتضع } بمعنى تترك مجازا، وإسناده للحرب
~~مجاز أو بتقدير مضاف، والمعنى حتى يضع أهل الحرب شركهم ومعاصيهم، وفيه
~~أنه لا يستحسن إضافة الأوزار بمعنى الآثام إلى الحرب. و { حتى } -
~~عند الشافعي عليه الرحمة ومن قال نحو ms09847 قوله - غاية للضرب، والمعنى اضربوا
~~أعناقهم حتى تنقضي الحرب، وليس هذا بدلا من الأول ولا تأكيدا له بناء
~~على ما قرروه من أن حتى الداخلة على إذا الشرطية ابتدائية أو غاية للشد
~~أو للمن والفداء معا أو للمجموع من قوله تعالى: { فضرب الرقاب }
~~الخ بمعنى أن هذه الأحكام جارية فيهم حتى لا يكون حرب مع المشركين بزوال
~~شوكتهم، وقيل: بنزول عيسى عليه السلام، وروي ذلك عن سعيد بن جبير والحسن،
~~وفي الحديث ما يؤيده. أخرج أحمد والنسائي وغيرهما عن سلمة بن نفيل قال:
~~بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل فقال: يا
~~رسول الله إن الخيل قد سيبت ووضع السلاح وزعم أقوام أن لا قتال وأن قد
~~وضعت الحرب أوزارها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " كذبوا فالآن جاء القتال ولا تزال طائفة من أمتي يقاتلون في سبيل الله
~~لا يضرهم من خالفهم يزيغ الله تعالى قلوب قوم ليرزقهم منهم وتقاتلون حتى
~~تقوم الساعة ولاتزال الخيل معقودا في نواصيها الخير حتى تقوم الساعة ولا
~~تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج "

# وهي عند من يقول: لا من ولا فداء اليوم غاية للمن والفداء إن حمل على
~~الحرب على حرب بدر بجعل تعريفه للعهد، والمعنى المن عليهم ويفادون حتى
~~تضع حرب بدر أوزارها، وغاية للضرب والشد إن حملت على الجنس، والمعنى أنهم
~~يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب أوزارها بأن لا يبقى للمشركين شوكة،
~~ولا تجعل غاية للمن والفداء مع إرادة الجنس.

# وفي زعم جوازه والتزام النسخ كلام فتأمل.

# { ذلك } أي الأمر ذلك أو افعلوا ذلك فهو في محل رفع خبر مبتدأ محذوف
~~أو في محل نصب مفعول لفعل كذلك، والإشارة إلى ما دل عليه قوله تعالى: {
~~فضرب الرقاب } الخ لا إلى ما تقدم من أول السورة إلى ههنا لأن
~~افعلوا لا يقع على جميع السالف وعلى الرفع ينفك النظم الجليل إن لم يحمل
~~عليه لأن ما بعد كلام فيهم { ولو يشاء الله لانتصر ms09848 منهم
~~} لانتقم منهم ببعض أسباب الهلاك من خسف أو رجفة أو غرق أو موت جارف {
~~ولكن ليبلو بعضكم ببعض } ولكن أمركم سبحانه بالقتال
~~ليبلو المؤمنين بالكافرين بأن يجاهدوهم فينالوا الثواب ويخلد في صحف
~~الدهر ما لهم من الفضل الجسيم والكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم عز وجل
~~ببعض انتقامه سبحانه فيتعظ به بعض منهم ويكون سببا لإسلامه. واللام
~~متعلق بالفعل المقدر الذي ذكرناه.

# { والذين قتلوا في سبيل الله } أي استشهدوا. وقرأ
~~الجمهور { قاتلوا } أي جاهدوا، والجحدري بخلاف عنه { قتلوا } بفتح
~~القاف والتاء بلا ألف، وزيد بن ثابت والحسن وأبو رجاء وعيسى والجحدري
~~أيضا { قتلوا } بالبناء للمفعول وشد التاء.

# / { فلن يضل أعملهم } فلن يضيعها سبحانه، وقرأ علي كرم
~~الله تعالى وجهه { يضل } مبنيا للمفعول { أعمالهم } بالرفع على النيابة
~~عن الفاعل. وقرىء { يضل } بفتح الياء من ضل { أعمالهم } بالرفع على
~~الفاعلية.

# والآية قال قتادة: كما أخرجه عنه ابن جرير وابن أبي حاتم ذكرنا لنا
~~أنها نزلت في يوم أحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب وقد فشت
~~فيهم الجراحات والقتل وقد نادى المشركون يومئذ اعل هبل ونادى المسلمون
~~الله أعلى وأجل فنادى المشركون يوم بيوم بدر وإن الحرب سجال لنا عزى ولا
~~عزى لكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " الله مولانا ولا مولى لكم إن القتلى مختلفة أما قتلانا فأحياء مرزوقون
~~وأما قتلاكم ففي النار يعذبون "

# ومنه يعلم وجه قراءة { قتلوا } بصيغة التفعيل.

### || [47.5]

# { سيهديهم } سيوصلهم إلى ثواب تلك الأعمال من النعيم المقيم
~~والفضل العظيم، وهذا كالبيان لقوله سبحانه:

# فلن يضل أعملهم

# [محمد: 4] أو سيثبت جل شأنه في الدنيا هدايتهم، والمراد الوعد بأن
~~يحفظهم سبحانه ويصونهم عما يورث الضلال وحبط الأعمال، وهو كالتعليل لذلك،
~~ويجوز أن يكون كالبيان له أيضا. { ويصلح بالهم } أي شأنهم، قال
~~الطبرسي: المراد إصلاح ذلك في العقبى فلا يتكرر مع ما تقدم لأن المراد به
~~إصلاح شأنهم في الدين والدنيا فلا تغفل.

### || [47.6]

# في موضع الحال بتقدير قد أو بدونه أو استئناف كما قال أبو البقاء، ms09849
~~والتعريف في الآخرة. أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد أنه قال: يهتدي
~~أهل الجنة إلى بيوتهم ومساكنهم وحيث قسم الله تعالى لهم منها لا يخطؤن
~~كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحدا، وفي الحديث

# " لأحدكم بمنزله في الجنة أعرف منه بمنزله في الدنيا "

# وذلك بإلهام منه عز وجل، وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل أنه قال: بلغنا
~~أن الملك الذي كان وكل بحفظ عمل الشخص في الدنيا يمشي بين يديه في الجنة
~~ويتبعه الشخص حتى يأتي أقصى منزل هو له فيعرفه كل شيء أعطاه الله تعالى
~~في الجنة فإذا انتهى إلى أقصى منزله في الجنة دخل إلى منزله وأزواجه
~~وانصرف الملك عنه. وورد في بعض الآثار أن حسناته تكون دليلا له إلى
~~منزله فيها، وقيل: إنه تعالى رسم على كل منزل اسم صاحبه وهو نوع من
~~التعريف، وقيل: تعريفها تحديدها يقال: عرف الدار وأرفها أي حددها أي
~~حددها لهم بحيث يكون لكل جنة مفرزة، وقيل: أي شرفها لهم ورفعها وعلاها
~~على أن عرفها من الأعراف التي هي الجبال وما أشبهها، وعن ابن عباس في
~~رواية عطاء وروي عن مؤرج أي طيبها لهم على أنه من العرف وهو الريح الطيبة
~~ههنا، ومنه طعام معرف أي مطيب، وعرفت القدر طيبتها بالملح والتابل، وعن
~~الجبائي أن التعريف في الدنيا وهو بذكر أوصافها، والمراد أنه تعالى لم
~~يزل يمدحها لهم حتى عشقوها فاجتهدوا فيما يوصلهم إليها.

# والأذن تعشق قبل العين أحيانا

# وعلى هذا المراد قيل:

# اشتاقه من قبل رؤيته كما

# تهوى الجنان بطيب الأخبار

### || [47.7]

# { يأيها الذين ءامنوا إن تنصروا الله } أي دينه
~~ورسوله صلى الله عليه وسلم لا على أن الكلام على تقدير مضاف بل على أن
~~نصرة الله فيه تجوز في النسبة فنصرته سبحانه نصرة رسوله ودينه إذ هو جل
~~شأنه وعلا المعين الناصر وغيره سبحانه المعان المنصور { ينصركم }
~~على أعدائكم ويفتح لكم { ويثبت أقدامكم } في مواطن الحرب
~~ومواقفها أو على محجة الإسلام، والمراد يقويكم أو يوفقكم للدوام على ms09850
~~الطاعة.

# / وقرأ المفضل عن عاصم { ويثبت } مخففا.

### || [47.8]

# { والذين كفروا فتعسا لهم } من تعس الرجل بفتح
~~العين تعسا أي سقط على وجهه، وضده انتعش أي قام من سقوطه، وقال شمر وابن
~~شميل وأبو الهيثم وغيرهم: تعس بكسر العين، ويقال: تعسا له ونكسا على
~~أن الأول  كما قال ابن السكيت  بمعنى السقوط على الوجه والثاني بمعنى
~~السقوط على الرأس، وقال الحمصي في «حواشيه على التصريح»: تعس تعسا أي لا
~~انتعش من عثرته ونكسا بضم النون وقد تفتح إما في لغة قليلة وإما
~~اتباعا لتعسا، والنكس بالضم عود المرض بعد النقه، ويراد بذلك الدعاء،
~~وكثر في الدعاء على العاثر تعسا له، وفي الدعاء له لعا له أي انتعاشا
~~وإقامة، وأنشدوا قول الأعشى يصف ناقة:

# كلفت مجهولة نفسي وشايعني

# همي عليها إذا ما آلها لمعا

# بذات لوث عفرناة إذا عثرت

# فالتعس أولى لها من أن أقول لعا

# وقال ثعلب وابن السكيت أيضا التعس الهلاك، ومنه قول مجمع بن هلال:

# تقول وقد أفردتها من حليلها

# تعست كما أتعستني يا مجمع

# وفي «القاموس» ((التعس الهلاك والعثار والسقوط والشر والبعد
~~والانحطاط والفعل كمنع وسمع أو إذا خاطبت قلت: تعست
~~كمنع وإذا حكيت قلت: تعس كسمع، ويقال: تعسه الله تعالى
~~وأتعسه ورجل تاعس وتعس))، وانتصابه على المصدر بفعل من لفظه يجب
~~إضماره لأنه للدعاء كسقيا ورعيا فيجري مجرى الأمثال إذا قصد به ذلك،
~~والجار والمجرور بعده متعلق بمقدر للتبيين عند كثير أي أعني له مثلا
~~فنحو تعسا له جملتان. وذهب الكوفيون إلى أنه كلام واحد، ولابن هشام كلام
~~في هذا الجار مذكور في بحث لام التبيين فلينظر هناك.

# واختلفت العبارات في تفسير ما في الآية الكريمة، فقال ابن عباس: أي
~~بعدا لهم، وابن جريج والسدي أي حزنا لهم، والحسن أي شتما لهم، وابن
~~زيد أي شقاء لهم، والضحاك أي رغما لهم، وحكى النقاش تفسيره بقبحا لهم،
~~وقال غير واحد: أي عثورا وانحطاطا لهم، وما ألطف ذكر ذلك في حقهم بعد
~~ذكر تثبيت الأقدام في حق المؤمنين، وفي ms09851 رواية عن ابن عباس يريد في الدنيا
~~القتل وفي الآخرة التردي في النار، وأكثر الأقوال ترجع إلى الدعاء عليهم
~~بالهلاك.

# وجوز الزمخشري في إعرابه وجهين. الأول: كونه مفعولا مطلقا لفعل محذوف
~~كما تقدم. والثاني: مفعولا به لمحذوف أي فقضى تعسا لهم، وقدر على الأول
~~القول أي فقال: تعسا لهم، والذي دعاه لذلك على ما قيل جعل { الذين }
~~مبتدأ والجملة المقرونة بالفاء خبرا له وهي لإنشاء الدعاء والإنشاء لا
~~يقع خبرا بدون تأويل، فإما أن يقدر معها قول أو تجعل خبرا بتقدير قضى،
~~وجعل قوله تعالى: { وأضل أعملهم } عطفا على ما قدر.

# وفي «الكشف» المراد من قال: تعسا لهم أهلكهم الله لا أن ثم دعاء
~~وقولا، وذلك لأنه لا يدعى على شخص إلا وهو مستحق له فإذا أخبر تعالى أنه
~~يدعو عليه دل على تحقق الهلاك لا سيما وظاهر اللفظ أن الدعاء منه عز وجل،
~~وهذا مجاز على مجاز أعني أن القول مجاز وكذلك الدعاء بالتعس، ولم يجعل
~~العطف على { تعسا } لأنه دعاء، و { أضل } إخبار، ولو جعل دعاء أيضا
~~عطفا على { تعسا } على التجوز المذكور لكان له وجه انتهى.

# وأنت تعلم أن اعتبار ما اعتبره الزمخشري ليس لأجل أمر العطف فقط بل لأجل
~~أمر الخبرية أيضا، فإن قيل بصحة الإخبار بالجملة الإنشائية من غير تأويل
~~استغنى عما قاله بالكلية، ودخلت الفاء في خبر الموصول لتضمنه معنى الشرط.

# / وجوز أن يكون الموصول في محل نصب على المفعولية لفعل مقدر يفسره
~~الناصب  لتعسا  أي أتعس الله الذين كفروا أو تعس الله الذي كفروا
~~تعسا لما سمعت عن «القاموس» وقد حكي أيضا عن أبي عبيدة، والفاء زائدة
~~في الكلام كما في قوله تعالى:

# وربك فكبر

# [المدثر: 3] ويزيدها العرب في مثل ذلك على توهم الشرط، وقيل: يقدر الفعل
~~مضارعا معطوفا على قوله تعالى:

# يثبت

# [محمد: 7] أي ويتعس الذين الخ. والفاء للعطف فالمراد إتعاس بعد إتعاس،
~~ونظيره قوله تعالى:

# وإيي فارهبون

# [البقرة: 40] أو لأن حق المفسر أن يذكر عقب المفسر كالتفصيل بعد
~~الإجمال، وفيه مقال. ms09852

### || [47.9]

# { ذلك } أي ما ذكر من التعس والإضلال { بأنهم } بسبب أنهم {
~~كرهوا ما أنزل الله } من القرآن لما فيه من التوحيد وسائر
~~الأحكام المخالفة لما ألفوه واشتهته أنفسهم الأمارة بالسوء، وهذا تخصيص
~~وتصريح بسببية الكفر بالقرآن للتعس والإضلال إذ قد علم من قوله تعالى:

# والذين كفروا

# [محمد: 8] الخ سببية مطلق الكفر الداخل فيه الكفر بالقرآن دخولا أوليا
~~لذلك { فأحبط } لأجل ذلك { أعملهم } التي لو كانوا عملوها
~~مع الإيمان لأثيبوا عليها، وذكر الإحباط مع ذكر الإضلال المراد هو منه
~~إشعارا بأنه يلزم الكفر بالقرآن ولا ينفك عنه بحال.

### || [47.10]

# { أفلم يسيروا في الأرض } أي أقعدوا في أماكنهم فلم يسيروا
~~فيها { فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم }
~~من الأمم المكذبة فإن آثار ديارهم تنبىء عن أخبارهم. وقوله تعالى: {
~~دمر الله عليهم } استئناف بياني كأنه قيل: كيف كانت عاقبتهم؟
~~فقيل: أهلك ما يختص بهم من النفس والأهل والمال يقال دمره أهلكه ودمر
~~عليه أهلك ما يختص به فدمر عليه أبلغ من دمره، وجاءت المبالغة من حذف
~~المفعول وجعله نسيا منسيا والإتيان بكلمة الاستعلاء وهي لتضمن التدمير
~~معنى الإيقاع أو الهجوم أو نحوه.

# { وللكفرين } أي لهؤلاء الكافرين السائرين سيرتهم {
~~أمثلها } أمثال عاقبتهم أو عقوبتهم لدلالة ما سبق عليها لكن لا
~~على أن لهؤلاء أمثال ما لأولئك وأضعافه بل مثله، وإنما جمع باعتبار
~~مماثلته لعواقب متعددة حسب تعدد الأمم المعذبة، وقيل: يجوز أن يكون
~~عذابهم أشد من عذاب الأولين وقد قتلوا وأسروا بأيدي من كانوا يستخفونهم
~~ويستضعفونهم، والقتل بيد المثل أشد [ألما] من الهلاك بسبب عام، وقيل:
~~المراد بالكافرين المتقدمون بطريق وضع الظاهر موضع الضمير كأنه قيل: دمر
~~الله تعالى عليهم في الدنيا ولهم في الآخرة أمثالها.

### || [47.11]

# { ذلك } إشارة إلى ثبوت أمثال عاقبة أو عقوبة الأمم السالفة لهؤلاء،
~~وقيل: إشارة إلى النصر وهو كما ترى { بأن الله مولى الذين
~~ءامنوا } أي ناصرهم على أعدائهم، وقرىء { ولي الذين ءامنوا
~~}  { وأن الكفرين لا مولى لهم } فيدفع ما حل بهم من
~~العقوبة والعذاب، ولا يناقض هذا ms09853 قوله تعالى:

# ثم ردوا إلى الله مولهم الحق

# [الأنعام: 62] لأن المولى هناك بمعنى المالك فلم يتوارد النفي والإثبات
~~على معنى واحد.

### || [47.12]

# { إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا
~~الصلحت جنت تجري من تحتها الانهر } بيان
~~لحكم ولايته تعالى لهم وثمرتها الأخروية { والذين كفروا
~~يتمتعون } أي ينتفعون بمتاع الدنيا أياما قلائل { ويأكلون
~~كما تأكل الأنعم } الكاف في موضع نصب إما على الحال من ضمير
~~المصدر كما / يقول سيبويه أي يأكلونه أي الأكل مشبها أكل الأنعام، وإما
~~على أنه نعت لمصدر محذوف كما يقول أكثر المعربين أي أكلا مثل أكل
~~الأنعام، والمعنى أن أكلهم مجرد من الفكر والنظر كما تقول للجاهل تعيش
~~كما تعيش البهيمة لا تريد التشبيه في مطلق العيش ولكن في خواصه ولوازمه،
~~وحاصله أنهم يأكلون غافلين عن عواقبهم ومنتهى أمورهم.

# وقوله تعالى: { والنار مثوى لهم } أي موضع إقامة لهم، حال
~~مقدر من واو { يأكلون }. وجوز أن يكون استئنافا وكان قوله تعالى: {
~~يتمتعون ويأكلون } في مقابلة قوله سبحانه: { وعملوا
~~الصلحات } لما فيه من الإيماء إلى أنهم عرفوا أن نعيم الدنيا خيال
~~باطل وظل زائل، فتركوا الشهوات وتفرغوا للصالحات، فكان عاقبتهم النعيم
~~المقيم في مقام كريم وهؤلاء غفلوا عن ذلك فرتعوا في دمنهم كالبهائم حتى
~~ساقهم الخذلان إلى مقرهم من درك النيران، وهذا ما ذكره العلامة الطيبي
~~في بيان التقابل بين الآيتين.

# وقال بعض الأجلة: في الكلام احتباك وذلك أنه ذكر الأعمال الصالحة ودخول
~~الجنة أولا دليلا على حذف الأعمال الفاسدة ودخول النار ثانيا وذكر
~~التمتع والمثوى ثانيا دليلا على حذف التقلل والمأوى أولا والأول أحسن
~~وأدق. وأسند إدخال الجنة إلى الله تعالى ولم يسلك نحو هذا المسلك في قوله
~~تعالى: { والنار مثوى لهم } وخولف بين الجملتين فعلية واسمية
~~للإيذان بسبق الرحمة والإعلام بمصير المؤمنين والوعد بأن عاقبتهم أن الله
~~سبحانه يدخلهم جنات وأن الكافرين مثواهم النار وهم الآن حاضرون فيها ولا
~~يدرون وكالبهائم يأكلون.

### || [47.13]

# { وكأين } بمعنى كم الخبرية وهي مبتدأ، وقوله تعالى: { من
~~قرية } تمييز لها، وقوله سبحانه: { هي ms09854 أشد قوة من
~~قريتك } صفة  لقرية  كما أن قوله عز وجل: { التي أخرجتك
~~} صفة  لقريتك ، وقد حذف عنهما المضاف وأجري أحكامه عليهما كما يفصح
~~عنه الخبر الذي هو قوله تعالى: { أهلكنهم } أي وكم من أهل قرية
~~هم أشد قوة من أهل قريتك الذين أخرجوك أهلكناهم بأنواع العذاب، وجوز أن
~~لا يكون هناك حذف وإنما أطلق المحل وأريد الحال مجازا. وإسناد الإخراج
~~إلى أهل قريته صلى الله عليه وسلم وهي مكة المكرمة مجاز من باب الإسناد
~~إلى السبب لأنهم عاملوه صلى الله عليه وسلم بما عاملوه فكانوا بذلك سببا
~~لإخراجه حين أذن الله تعالى له عليه الصلاة والسلام بالهجرة منها، ونظير
~~ذلك أقدمني بلدك حق لي عليك. وأنت تعلم أنه على ما حققه الأجلة بحتمل
~~أوجها ثلاثة: مجازا في الإسناد إذا كان الإقدام مستعملا في معناه الذي
~~وضع له وإن كان موهوما. ومجازا في الطرف إذا كان مستعملا في معنى
~~الحمل على القدوم، واستعارة بالكناية إن كان الحق مستعملا في المقدم،
~~والشيخ يقول في مثل ذلك: إن الفعل المتعدي موهوم لا فاعل له ليصير
~~الإسناد إليه حقيقة فلا إقدام مثلا في قصد المتكلم وإنما هو تصوير
~~القدوم بصورة الإقدام، وإسناده إلى الحق المصور بصورة المقدم مبالغة في
~~كونه داعيا للقدوم، وارتضاه السيالكوتي في «حواشي شرح مختصر التلخيص»
~~وذب عنه القال والقيل، وتمام الكلام هناك، والكلام في الآية على طرز ذاك.
~~ووصف القرية الأولى بشدة القوة للإيذان بأولوية الثانية منها بالإهلاك
~~لضعف قوتها كما أن وصف الثانية بإخراجه عليه الصلاة والسلام للإيذان
~~بأولويتها به لقوة جنايتها، وعلى طريقته قول النابغة:

# كليب لعمري كان أكثر ناصرا

# وأيسر جرما منك ضرح بالدم

# / وقوله تعالى: { فلا نصر لهم } بيان لعدم خلاصهم بواسطة
~~الأعوان والأنصار إثر بيان عدم خلاصهم منه بأنفسهم، والفاء لترتيب ذكر ما
~~بالغير على ذكر ما بالذات وهو حكاية حال ماضية كما في قوله تعالى:

# فأغشينهم فهم لا يبصرون

# [يس: 9] ولا نسلم أن اسم الفاعل إذا لم يعمل حقيقة في الماضي.

# والآية تسلية ms09855 له صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج عبد بن حميد وأبو يعلى
~~وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله
~~عليه وسلم لما خرج من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال:

# " أنت أحب بلاد الله تعالى إلى الله وأنت أحب بلاد الله تعالى إلي ولولا
~~أن أهلك أخرجوني منك لم أخرج منك "

# فأعدى الأعداء من عدا على الله تعالى في حرمه أو قتل غير قاتله أو قتل
~~بذحول أهل الجاهلية فأنزل الله سبحانه { وكأين من قرية } الخ،
~~وقد تقدم ما يتعلق بذلك أول السورة فتذكر.

### || [47.14]

# { أفمن كان على بينة من ربه } تقرير لتباين حال
~~الفريقين المؤمنين والكافرين وكون الأولين في أعلى عليين والآخرين في
~~أسفل سافلين وبيان لعلة ما لكل منهما من الحال، والهمزة لإنكار استوائهما
~~أو لإنكار كون الأمر ليس كما ذكر، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام
~~وقد قرىء بدونها، و { من } عبارة عن المؤمنين المتمسكين بأدلة الدين
~~كما أنها في قوله تعالى: { كمن زين له سوء عمله } عبارة عن
~~أضدادهم من المشركين. وأخرج جماعة عن ابن عباس أن { من كان على
~~بينة من ربه } هو رسول الله صلى الله عليه وسلم و { من زين
~~له سوء عمله } هم المشركون، وروي عن قتادة نحوه وإليه ذهب
~~الزمخشري. وتعقب بأن التخصيص لا يساعده النظم الكريم ولا داعي إليه،
~~وقيل: ومثله كون { من } الأولى عبارة عنه صلى الله عليه وسلم وعن
~~المؤمنين، والمعنى أيستوي الفريقان أو أليس الأمر كما ذكر فمن كان ثابتا
~~على حجة ظاهرة وبرهان نير من مالك أمره ومربيه وهو القرآن العظيم وسائر
~~المعجزات والحجج العقلية كمن زين له الشيطان عمله السيء من الشرك وسائر
~~المعاصي كإخراجك من قريتك مع كون ذلك في نفسه أقبح القبائح {
~~واتبعوا } في ذلك العمل السيء، وقيل: بسبب ذلك التزيين {
~~أهواءهم } الزائغة من غير أن يكون لهم شبهة توهم صحة ما هم عليه
~~فضلا عن حجة تدل عليها. وجمع الضميرين الأخيرين باعتبار معنى { من ms09856 }
~~كما أن إفراد الأولين باعتبار لفظها.

### || [47.15]

# { مثل الجنة التي وعد المتقون } إلى آخره استئناف
~~مسوق لشرح محاسن الجنة الموعودة آنفا للمؤمنين وبيان كيفية أنهارها التي
~~أشير إلى جريانها من تحتها وعبر عنهم بالمتقين إيذانا بأن الإيمان
~~والعمل الصالح من باب التقوى الذي هو عبارة عن فعل الواجبات وترك السيآت.
~~والمثل الوصف العجيب الشأن وهو مبتدأ باتفاق المعربين، واختلف في خبره
~~فقيل محذوف فقال النضر بن شميل: تقديره ما تسمعون، وقوله عز وجل: {
~~فيهآ أنهار } إلى آخره مفسر له، وقال سيبويه: تقديره فيما يتلى
~~عليكم أو فيما قصصنا عليك ويقدر مقدما { وفيها أنهار } الخ بيان
~~لذلك المثل، وقدره ابن عطية ظاهر في نفس من وعى هذه الأوصاف وليس بذاك،
~~ولعل الأنسب بصدر النظم الكريم تقدير النضر، وقيل: هو مذكور فقيل هو قوله
~~تعالى: { فيهآ أنهار } الخ على معنى مثل الجنة وصفتها مضمون هذا
~~الكلام ولا يحتاج مثل هذا الخبر إلى رابط. وقيل هذه الجملة هي الخبر إلا
~~أن لفظ { مثل } زائدة زيادة اسم في قول من قال:

# إلى الحول ثم اسم السلام عليكما

# فالمبتدأ في الحقيقة هو المضاف إليه فكأنه قيل: الجنة فيها أنهار الخ
~~وليس بشيء، وقيل: الخبر قوله تعالى الآتي: / { كمن هو خلد في
~~النار } وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط الكلام فيه.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وعبد الله والسلمي { أمثال
~~الجنة } أي صفاتها، قال ابن جني: وهذا دليل على أن قراءة العامة
~~بالتوحيد معناها الكثرة لما في { مثل } من معنى المصدرية ولذا جاز مررت
~~برجل مثل رجلين وبرجلين مثل رجال وبامرأة مثل رجل، وعن علي كرم الله
~~تعالى وجهه أيضا أنه قرىء { مثال الجنة } ومثال الشيء في الأصل نظيره
~~الذي يقابل به.

# { من مآء غير آسن } أي غير متغير الطعم والريح لطول مكث
~~ونحوه، وماضيه أسن بالفتح من باب ضرب ونصر وبالكسر من باب علم حكى
~~ذلك الخفاجي عن أهل اللغة. وفي «البحر» ((أسن الماء تغير ريحه يأسن
~~ويأسن ذكره ثعلب في «الفصيح»، ms09857 والمصدر أسون، وأسن بسكر السين يأسن
~~بفتحها لغة أسنا قاله اليزيدي، وأسن الرجل بالكسر لا غير إذا دخل البئر
~~فأصابته ريح منتنة منها فغشي عليها أو دار رأسه ومنه قول الشاعر:

# قد أترك القرن مصفرا أنامله

# يميد في الريح ميد المائح الأسن))

# وقرأ ابن كثير وأهل مكة { أسن } على وزن حذر فهو صفة مشبهة أو صيغة
~~مبالغة، وقرأ { يسن } بالياء قال أبو علي: وذلك على تخفيف الهمزة.

# { وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } لم يحمض ولم
~~يصر قارصا ولا حازرا كألبان الدنيا وتغير الريح لا يفارق تغير الطعم {
~~وأنهر من خمر لذة للشربين } أي لذيذة لهم ليس
~~فيها كراهة طعم وريح ولا غائلة سكر وخمار كخمور الدنيا فإنها لا لذة في
~~نفس شربها وفيها من المكاره والغوائل ما فيها وهي صفة مشبهة مؤنث لذ وصفت
~~بها الخمر لأنها مؤنثة وقد تذكر أومصدر نعت به بتقدير مضاف أو بجعلها عين
~~اللذة مبالغة على ما هو المعروف في أمثال ذلك؛ وقرئت بالرفع على أنها صفة
~~{ أنهار } وبالنصب على أنها مفعول له أي كائنة لأجل اللذة لا لشيء
~~آخر من الصداع وسائر آفات خمور الدنيا.

# { وأنهر من عسل مصفى } مما يخالفه فلا يخالطه الشمع
~~وفضلات النحل وغيرها، ووصفه بمصفى لأن الغالب على العسل التذكير وهو مما
~~يذكر ويؤنث كما نص عليه أبو حيان وغيره. وهذا على ما قيل تمثيل لما يجري
~~مجرى الأشربة في الجنة بأنواع ما يستطاب منها أو يستلذ في الدنيا
~~بالتخلية عما ينقصها وينغصها والتحلية بما يوجب غزارتها ودوامها.

# وبدىء بالماء لأنه في الدنيا مما لا يستغنى عنه ثم باللبن إذ كان يجري
~~مجرى المطعم لكثير من العرب في كثير من أوقاتهم ثم بالخمر لأنه إذا حصل
~~الري والمطعوم تشوفت النفس إلى ما يلتذ به ثم بالعسل لأن فيه الشفاء في
~~الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم فهو متأخر بالرتبة، وجاء عن ابن
~~عباس أن لبن تلك الأنهار لم يحلب، وقال سعيد بن جبير: إنه لم يخرج من بين
~~فرث ms09858 ودم وإن خمرها لم تدنسها الرجال بأرجلها وإن عسلها لم يخرج من بطون
~~النحل. وأخرج ابن جرير عن سعد قال: سألت أبا إسحق عن قوله تعالى: { من
~~ماء غير ءاسن } فقال: سألت عنه الحرث فحدثني أن ذلك الماء تسنيم
~~وقال: بلغني أنه لا تمسه يد وأنه يجيء الماء هكذا حتى يدخل الفم. وفي
~~حديث أخرجه ابن مردويه عن الكلبي أن نهر دجلة نهر الخمر في الجنة وأن
~~عليه إبراهيم عليه السلام ونهر جيحون نهر الماء فيها ويقال له نهر الرب
~~ونهر الفرات نهر اللبن وأنه لذرية المؤمنين ونهر النيل نهر العسل. وأخرج
~~الحرث بن أبي أسامة في «مسنده» والبيهقي عن كعب قال: نهر النيل نهر
~~العسل ونهر دجلة نهر اللبن ونهر الفرات نهر الخمر ونهر سيحان نهر الماء
~~في الجنة. وأنت تعلم أن المذكور في الآية لكل أنهار بالجمع والله تعالى
~~أعلم بصحة هذه الأخبار ونحوها، ثم إنها إن صحت لا يبعد تأويلها وإن كانت
~~القدرة الإلهية / لا يتعاصاها شيء.

# { ولهم فيها } مع ما ذكر من فنون الأنهار { من كل الثمرت
~~} أي أنواع من كل الثمرات فالجار والمجرور صفة مبتدأ مقدر وقدره بعضهم
~~زوجان وكأنه انتزعه من قوله تعالى:

# فيهما من كل فكهة زوجان

# [الرحمن: 52] وقيل: { من } زائدة أي ولهم فيها كل الثمرات {
~~ومغفرة } مبتدأ خبره محذوف والجملة عطف على الجملة السابقة أي ولهم
~~مغفرة، وجوز أن يكون عطفا على المبتدأ قبل بدون قيد فيها لأن المغفرة
~~قبل دخول الجنة أو بالقيد والكلام على حذف مضاف أي ونعيم مغفرة أو جعل
~~المغفرة عبارة عن أثرها وهو النعيم أو مجازا عن رضوان الله عز وجل، وقد
~~يقال: المراد بالمغفرة هنا ستر ذنوبهم وعدم ذكرها لهم لئلا يستحيوا
~~فتتنغص لذتهم والمغفرة السابقة ستر الذنوب وعدم المؤاخذة بها وحينئذ
~~العطف على المبتدأ من غير ارتكاب شيء مما ذكر، وقد رأيت نحو هذا بعد
~~كتابته للطبرسي مقتصرا عليه ولعله أولى مما قالوه، وتنوين { مغفرة
~~} للتعظيم أي مغفرة عظيمة لا يقادر قدرها، وقوله تعالى: { من ms09859 ربهم
~~} متعلق بمحذوف صفة لها مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة الذاتية
~~بالفخامة الإضافية أي كائنة من ربهم.

# وقوله عز وجل: { كمن هو خلد في النار } خبر لمبتدأ محذوف
~~تقديره أمن هو خالد في هذه الجنة حسبما جرى به الوعد كمن هو خالد في
~~النار كما نطق به قوله تعالى:

# والنار مثوى لهم

# [محمد: 12]، وجوز أن يكون بدلا من قوله سبحانه:

# كمن زين له سوء عمله

# [محمد: 14] وما بينهما اعتراض لبيان ما يمتاز به من { على بينة
~~} في الآخرة تقريرا لإنكار المساواة وفيه بعد. وذهب جار الله إلى أنه
~~خبر { مثل الجنة } وأن ذاك مرتب على الإنكار السابق أعني قوله
~~تعالى:

# أفمن كان

# [محمد: 14] الخ، والمعنى أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار
~~فالمضافان محذوفان الجزاء بقرينة مقابلة الجنة ولفظ المثل بقرينة تقدمه
~~ومثله كثير. وفائدة التعرية عن حرف الإنكار أن من اشتبه عليه الأول أعني
~~حال المتمسك بالبينة وحال التابع لهواه فالثاني مثله عنده وإذ ذاك لا
~~يستحق الخطاب، ونظير ذلك قول حضرمي بن عامر:

# أفرح إن أرزأ الكرام وأن

# أورث ذودا شصائصا نبلا

# فإنه كلام منكر للفرح برزية الكرام ووراثة الذود مع تعريه من حرف
~~الإنكار لانطوائه تحت حكم من قال له: أتفرح بموت أخيك وبوراثة إبله وذلك
~~من التسليم الذي يقل تحته كل إنكار. وجعل قوله تعالى: { فيها
~~أنهار } كالتكرير للصلة أي صلة بعد صلة يتضمن تفصيلها لأنه كالتفصيل
~~للموعود، ولهذا لم يتخلل العاطف بينهما، وجوز أن يكون في موضع الحال
~~على أن الظرف في موضع ذلك و { أنهار } فاعله لا على أنه مبتدأ والظرف
~~خبر مقدم والجملة الاسمية حال لعدم الواو فيها، وقد صرحوا بأن الاكتفاء
~~فيها بالضمير غير فصيح، واعتبارها فعلية بتقدير متعلق الظرف استقر لا
~~يخفى حاله، وقيل: في الحال ضعف من حيث المعنى لمجيئه مجىء الفضلات وهي أم
~~الإنكار، وأيضا هو حال من الجنة لا من ضميرها في الصلة وفي العامل تكلف،
~~ثم الحال غير مقيدة وجعلها مؤكدة وقد علم كونها ms09860 كذلك من إخباره تعالى فيه
~~أيضا تكلف، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف والجملة استئناف بياني، قال في
~~«الكشف»: وهو الوجه، والتقدير هي فيها أنهار وكأنه قيل: أنى يكون صفة
~~الجنة وهي كذا وكذا كصفة النار فالاستئناف ههنا بمنزلة قولك: وهي كذا
~~وكذا اعتراضا لما في لفظ المثل من الإشعار بالوصف العجيب، وليس خبر
~~الجملة السابقة { وهو كمن هو خلد في النار } مورد
~~السؤال ليعترض بوقوع الاستئناف قبل مضيه.

# وأورد أنه لا حاجة إلى تقدير المبتدأ لأن { فيها أنهار } جملة
~~برأسها، والجواب أن التقدير مثلها فيها أنهار فحذف المضاف وأقيم المضاف
~~إليه مقامه فصار مرفوعا ثم حذف ولهذا قال في السؤال كأن قائلا قال: وما
~~مثلها؟ ويجري ما قرر في قراءة الأمير كرم الله تعالى وجهه ومن معه {
~~أمثال } بالجمع فيقال: التقدير أمثال الجنة كأمثال جزاء من هو خالد في
~~النار، ويقدر المضاف الأول جمعا للمطابقة، ولعمري لقد أبعد جار الله
~~المغزى، وقد استحسن ما ذكره كثير من المحققين قال صاحب «الكشف» بعد تقرير
~~جعل { كمن هو خلد } خبر - لمثل الجنة -: هذا هو الوجه اللائح
~~المناسب للمساق. وقال ابن المنير: في «الانتصاف» بعد نقله كم ذكر الناس
~~في تأويل هذه الآية فلم أر أطلى ولا أحلى من هذه النكت التي ذكرها لا
~~يعوزها إلا التنبيه على أن في الكلام محذوفا ليتعادل، والتقدير مثل ساكن
~~الجنة كمن هو خالد في النار، ومن هذا النمط قوله تعالى:

# أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام
~~كمن ءامن بالله

# [التوبة: 19] الخ. وما قدرناه لتحصيل التعادل أولى وإن كان فيه كثرة حذف
~~فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك.

# والضمير المفرد  أعني { هو } - راجع إلى { من } باعتبار لفظها كما
~~أن ضمير الجمع في قوله سبحانه: { وسقوا ماء حميما } راجع إليها
~~باعتبار معناها، والمراد وسقوا ماء حارا مكان تلك الأشربة وفيه تهكم
~~بهم { فقطع أمعاءهم } من فرط الحرارة. روي أنه إذا أدني منهم
~~شوى وجوههم وامتازت فروة رؤوسهم فإذا شربوه قطع أمعاءهم. وهي جمع معى
~~بالفتح والكسر ما ينتقل ms09861 الطعام إليه بعد المعدة ويقال له عفاج وهو مذكر
~~وقد يؤنث.

### || [47.16]

# { ومنهم من يستمع إليك } هم المنافقون. وإفراد الضمير
~~باعتبار اللفظ كما أن جمعه بعد باعتبار المعنى. قال ابن جريج: كانوا
~~يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا
~~يراعونه حق رعايته تهاونا منهم { حتى إذا خرجوا من عندك
~~قالوا للذين أوتوا العلم } أي لأولي العلم من الصحابة رضي
~~الله تعالى عنهم، وقيل: هم الواعون لكلامه عليه الصلاة والسلام الراعون
~~له حق رعايته من الصحابة رضي الله تعالى عنهم { ماذا قال ءانفا }
~~أي ما الذي قال قبيل هذا الوقت ومقصودهم من ذلك الاستهزاء وإن كان بصورة
~~الاستعلام، وجوز أن يكون مرادهم حقيقة الاستعلام إذ لم يلقوا له آذانهم
~~تهاونا به ولذلك ذموا والأول أولى. قيل: قالوا ذلك لابن مسعود، وعن ابن
~~عباس أنا منهم وقد سميت فيمن سئل وأراد رضي الله تعالى عنه أنه من الذين
~~أوتوا العلم بنص القرآن، وما أحسن ما عبر عن ذلك.

# و { ءانفا } اسم فاعل على غير القياس أو بتجريد فعله من الزوائد لأنه
~~لم يسمع له فعل ثلاثي بل استأنف وائتنف، وذكر الزجاج أنه من استأنفت
~~الشيء إذا ابتدأته وكأن أصل معنى هذا أخذت أنفه أي مبدأه، وأصل الأنف
~~الجارحة المعروفة ثم يسمى به طرف الشيء ومقدمه وأشرفه، وذكر غير واحد أن
~~آنفا من ذلك قالوا: إنه اسم للساعة التي قبل ساعتك التي أنت فيها من
~~الأنف بمعنى المتقدم وقد استعير من الجارحة لتقدمها على الوقت الحاضر،
~~وقيل: هو بمعنى زمان الحال. وهو على ما ذهب إليه الزمخشري نصب على
~~الظرفية ولا ينافي كونه اسم فاعل كما في بادىء فإنه اسم فاعل غلب على
~~معنى الظرفية في الاستعمال. وقال أبو حيان: الصحيح أنه ليس بظرف ولا نعلم
~~أحدا من النحاة عده في الظروف وأوجب نصبه على الحال من فاعل { قال }
~~أي ماذا قال مبتدئا أي ما القول الذي ائتنفه الآن قبل انفصالنا عنه،
~~وإلى ذلك يشير كلام الراغب. ms09862 وقرأ ابن كثير { أنفا } على وزن فعل.

# { أولئك } الموصفون بما ذكر / { الذين طبع الله على
~~قلوبهم } لعدم توجههم نحو الخير { واتبعوا أهواءهم }
~~فتوجهوا نحو كل ما لا خير فيه فلذلك كان منهم ما كان.

### || [47.17-18]

# { والذين اهتدوا } إلى طريق الحق { زادهم } أي الله عز
~~وجل { هدى } بالتوفيق والإلهام. والموصول يحتمل الرفع على الابتداء
~~والنصب بفعل محذوف يفسره المذكور و { هدى } مفعول ثان لأن زاد قد يتعدى
~~لمفعولين، ويحتمل أن يكون تمييزا والأول هو الظاهر. وتنوينه للتعظيم أي
~~هدى عظيما { وءاتهم تقواهم } أي أعطاهم تقواهم إياه جل شأنه
~~بأن خلقها فيهم بناء على ما يقوله الأشاعرة في أفعال العباد أو بأن خلق
~~فيهم قدرة عليها مؤثرة في فعلها بإذنه سبحانه على ما نسبه الكوراني إلى
~~الأشعري، وسائر المحققين في أفعال العباد من أنها بقدرة خلقها الله تعالى
~~فيهم مؤثرة بإذنه تعالى، وقول بعضهم: بأن جعلهم جل شأنه متقين له سبحانه
~~يمكن تطبيقه على كل من القولين، وقال البيضاوي: أي بين لهم ما يتقون أو
~~أعانهم على تقواهم أو أعطاهم جزاءها فالإيتاء عنده مجاز عن البيان أو
~~الإعانة أو هو على حقيقته والتقوى مجاز عن جزائها لأنها سببه أو فيه مضاف
~~مقدر وليس في شيء من ذلك ما يأباه مذهب أهل الحق، وذكر الزمخشري الثاني
~~والثالث من ذلك، واختار الطيبي الأول من هذين الاثنين وقال: هو أوفق
~~لتأليف النظم الكريم لأن أغلب آيات هذه السورة الكريمة روعي فيها التقابل
~~فقوبل

# أولئك الذين طبع الله على قلوبهم

# [محمد: 16] بقوله سبحانه: { والذين اهتدوا زادهم هدى }
~~لأن الطبع يحصل من تزايد الرين وترادف ما يزيد في الكفر، وقوله تعالى:

# واتبعوا أهواءهم

# [محمد: 16] بقوله جل وعلا: { وءاتهم تقواهم } فيحمل على كمال
~~التقوى وهو أن يتنزه العارف عما يشغل سره عن الحق ويتبتل إليه سبحانه
~~بشراشره وهو التقوى الحقيقية المعنية بقوله تعالى:

# اتقوا الله حق تقاته

# [آل عمران: 102] فإن المزيد على مزيد الهدى مزيد لا مزيد عليه، وفي
~~الترفع عن متابعة الهوى النزوع إلى المولى والعزوب عن ms09863 شهوات الحياة
~~الدنيا. ثم في إسناد إيتاء التقوى إليه تعالى وإسناد متابعة الهوى إليهم
~~إيماء إلى معنى قوله تعالى حكاية:

# وإذا مرضت فهو يشفين

# [الشعراء: 80] وتلويح إلى أن متابعة الهوى مرض روحاني وملازمة التقوى
~~دواء إلهي انتهى. وما ذكره من التقابل جار فيما ذكرناه أيضا، وكذا يجري
~~التقابل على تفسير إيتاء التقوى ببيان ما يتقون لإشعار الكلام عليه بأن
~~ما هم فيه ليس من ارتكاب الهوى والتشهي بل هو أمر حق مبني على أساس قوي.
~~وتفسير ذلك بإعطاء جزاء التقوى مروي عن سعيد بن جبير وذهب إليه الجبائي،
~~والكلام عليه أفيد وأبعد عن التأكيد من غير حاجة إلى حمل التقوى على أعلى
~~مراتبها، وأمر التقابل هين فإنه قد يقال: إن قوله تعالى: { اهتدوا }
~~في مقابلة { اتبعوا أهواءهم } وقوله سبحانه: { زادهم هدى
~~} في مقابلة { طبع الله على قلوبهم } فليتدبر.

# وقيل: فاعل { زادهم } ضمير قوله صلى الله عليه وسلم المفهوم من قوله
~~تعالى:

# ومنهم من يستمع إليك

# [محمد: 16] وقوله سبحانه:

# ماذا قال ءانفا

# [محمد: 16] وكذا فاعل { ءاتهم } أي أعانهم أو بين لهم، والإسناد
~~مجازي، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر، وأيضا إذا كان قوله تعالى: {
~~زادهم هدى } في مقابلة قوله سبحانه: { طبع الله على
~~قلوبهم } فالأولى أن يتحد فاعله مع فاعله ويجري نحو ذلك على ما قاله
~~الطيبي لئلا يلزم التفكيك، وجوز أن يكون ضميرا عائدا على قول
~~المنافقين فإن ذلك مما يعجب منه المؤمن فيحمد الله تعالى على إيمانه
~~ويزيد بصيرة في دينه، وهو بعيد جدا بل لا يكاد يلتفت إليه.

# { فهل ينظرون إلا الساعة } أي القيامة، وقوله تعالى: {
~~أن تأتيهم بغتة } أي تباغتهم بغتة وهي المفاجأة بدل / اشتمال
~~من (الساعة) أي لا يتذكرون بأحوال الأمم الخالية ولا بالأخبار بإتيان
~~الساعة وما فيها من عظائم الأحوال فما ينتظرون للتذكر إلا إتيان الساعة
~~نفسها. وقوله تعالى: { فقد جاء أشراطها } أي علاماتها وأماراتها
~~كما في قوله أبي الأسود الدؤلي:

# فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا

# فقد جعلت أشراط أوله تبدو

# وهي جمع شرط بالتحريك. ms09864 ((تعليل لمفاجأتها على معنى أنه لم يبق من الأمور
~~الموجبة للتذكر أمر مترقب ينتظرونه سوى إتيان نفس الساعة إذ قد جاء
~~أشراطها فلم يرفعوا لها رأسا ولم يعدوها من مبادىء إتيانها فيكون
~~إتيانها بطريق المفاجأة لا محالة)) كذا في «إرشاد العقل السليم». وظاهر
~~كلام «الكشاف» أنه تعليل للإتيان مطلقا أي ما ينتظرون إلا إتيان الساعة
~~لأنه قد جاء أشراطها وبعد مجيئها لا بد من وقوع الساعة، وتعليل المقيد
~~دون قيده لا يخلو عن بعد، قيل: ويقربه هنا أن انتظارهم ليس إلا لإتيان
~~الساعة وتقييده ببغتة ليس إلا لبيان الواقع، وقال بعض المحققين: هو تعليل
~~لانتظار الساعة لأن ظهور أمارات الشيء سبب لانتظاره، وفي جعله تعليلا
~~للمفاجأة خفاء لأنها لا تناسب مجىء الأشراط إلا بتأويل. وأنت تعلم أن
~~البدل هو المقصود فالانتظار لإتيان الساعة بغتة فالتعليل المذكور تعليل
~~للمقيد دون قيده أيضا فكان ما في «الإرشاد» متعين وإن كان فيه نوع
~~تأويل.

# وقوله تعالى: { فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم } على ما
~~أفاده بعض الأجلة تعجيب من نفع الذكرى عند مجىء الساعة وإنكار لعدم
~~تشمرهم لها ولانتظارهم إياها هزؤا وجحودا. وفي «الإرشاد» ((وقوله
~~تعالى: { فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم } حكم بخطئهم
~~وفساد رأيهم في تأخير التذكر إلى إتيانها ببيان استحالة نفع التذكر
~~حينئذ كقوله سبحانه:

# يومئذ يتذكر الإنسن وأنى له الذكرى

# [الفجر: 23] أي فكيف لهم ذكراهم على أن { أنى } خبر مقدم و {
~~ذكراهم } مبتدأ و { إذا جاءتهم } اعتراض وسط بينهما رمزا إلى
~~غاية سرعة مجيئها، وإطلاق المجىء عن قيد البغتة لما أن مدار استحالة نفع
~~التذكر كونه عند مجيئها مطلقا لا مقيدا بقيد البغتة))، وقيل: { أنى
~~} خبر مقدم لمبتدأ محذوف أي فأنى لهم الخلاص إذا جاءتهم الذكرى بما
~~يخبرون به فينكرونه منوطة بالعذاب ولا يخفى حاله.

# وقرأ أبو جعفر الرؤاسي عن أهل مكة { إن تأتهم } على أنه شرط مستأنف
~~جزاؤه { فأنى لهم } الخ أي إن تأتهم الساعة بغتة إذ قد جاء
~~أشراطها فأنى تنفعهم الذكرى وقت مجيئها. { وإن } هنا بمعنى إذا لأن ms09865
~~إتيان الساعة متيقن، ولعل الإتيان بها للتعريض بهم وأنهم في ريب منها أو
~~لأنها لعدم تعيين زمانها أشبهت المشكوك فيه وإذا جاءتهم باعتبار الواقع
~~فلا تعارض بينهما كما يتوهم في النظرة الحمقاء.

# وفي «الكشف» { إذا } على هذه القراءة لمجرد الظرفية لئلا يلزم التمانع
~~بين { إذا جاءتهم } و { إن تأتهم } وفي الإتيان بإن مع الجزم
~~بالوقوع تقوية أمر التوبيخ والإنكار كما لا يخفى انتهى، وعلى ما ذكرنا لا
~~يحتاج إلى جعل (إذا) لمجرد الظرفية.

# وقرأ الجعفي وهارون عن أبي عمرو { بغتة } بفتح الغين وشد التاء، قال
~~صاحب «اللوامح»: وهي صفة وانتصابها على الحال ولا نظير لها في المصادر
~~ولا في الصفات بل في الأسماء نحو الجربة وهي القطيع من حمر الوحش،
~~وقد يسمى الأقوياء من الناس إذا كانوا جماعة متساوين جربة،
~~والشربة وهي اسم موضع وكذا قال أبو العباس بن الحاج من أصحاب أبي
~~علي الشلوبين في كتابه «المصادر». وقال الزمخشري: وما أخوفني أن تكون
~~غلطة من الراوي عن أبي عمرو وأن يكون الصواب بغتة بفتح الغين من غير
~~تشديد كقراءة الحسن فيما تقدم. وتعقبه أبو حيان بأن هذا على عادته في
~~تغليط الرواة.

# والظاهر أن المراد بأشراط الساعة هنا علاماتها التي كانت واقعة / إذ ذاك
~~وأخبروا أنها علامات لها كبعثة نبينا صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج أحمد
~~والبخاري ومسلم والترمذي عن أنس قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار
~~بالسبابة والوسطى "

# وأراد عليه الصلاة والسلام مزيد القرب بين مبعثه والساعة فإن السبابة
~~تقرب من الوسطى طولا فينا وهكذا فيه صلى الله عليه وسلم. وزعم بعضهم
~~أن أمر الطول والقصر في وسطاه وسبابته عليه الصلاة والسلام على عكس ما
~~فينا خطأ لا يلتفت إليه إلا أن يكون أراد ذلك في أصابع رجليه الشريفة صلى
~~الله عليه وسلم.

# " وأخرج أحمد عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم يقول بعثت أنا والساعة جميعا وإن كادت لتسبقني "

# وهذا أبلغ في ms09866 إفادة القرب.

# وعدوا منها انشقاق القمر الذي وقع له صلى الله عليه وسلم والدخان الذي
~~وقع لأهل مكة وأما أشراطها مطلقا فكثيرة ألفت فيها كتب مختصرة ومطولة
~~وهي تنقسم إلى مضيقة لا تبقى الدنيا بعد وقوعها إلا أيسر يسير كخروج
~~المهدي رضي الله تعالى عنه - على ما يقول أهل السنة دون ما يقوله الشيعة
~~القائلون بالرجعة فإن الدنيا عندهم بعد ظهوره تبقى مدة معتدا بها -
~~وكنزول عيسى عليه السلام وخروج الدجال وطلوع الشمس من مغربها وخروج
~~الدابة وغير ذلك، وغير مضيقة وهي أكثر الأشراط ككون الحفاة الرعاة رؤوس
~~الناس وتطاولهم في البنيان وفشو الغيبة وأكل الربا وشرب الخمر وتعظيم رب
~~المال وقلة الكرام وكثرة اللئام وتباهي الناس في المساجد واتخاذها طرقا
~~وسوء الجوار وقطيعة الأرحام وقلة العلم وأن يوسد الأمر إلى غير أهله وأن
~~يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع إلى ما يطول ذكره.

# ومن وقف على الكتب المؤلفة في هذا الشأن واطلع على أحوال الأزمان رأى أن
~~أكثر هذه العلامات قد برزت للعيان وامتلأت منها البلدان، ومع هذا كله أمر
~~الساعة مجهول ورداء الخفاء عليه مسدول، وقصارى ما ينبغي أن يقال: إن ما
~~بقي من عمر الدنيا أقل قليل بالنسبة إلى ما مضى، وفي بعض الآثار أنه عليه
~~الصلاة والسلام خطب أصحابه بعد العصر حين كادت الشمس تغرب ولم يبق منها
~~إلا أسف  أي شيء  فقال:

# " والذي نفس محمد بيده ما مثل ما مضى من الدنيا فيما بقي منها إلا مثل
~~ما مضى من يومكم هذا فيما بقي منه وما بقي منه إلا اليسير "

# ولا ينبغي أن يقال: إن الألف الثانية بعد الهجرة وهي الألف التي نحن
~~فيها هي ألف مخضرمة أي نصفها من الدنيا ونصفها الآخر من الآخرة.

# وقال الجلال السيوطي في رسالة سماها «الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف»:
~~الذي دلت عليه الآثار أن مدة هذه الأمة تزيد على ألف سنة ولا تبلغ
~~الزيادة عليها ألف سنة وبنى الأمر على ما ورد من أن مدة الدنيا ms09867 سبعة آلاف
~~سنة وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في آخر الألف السادسة وأن الدجال
~~يخرج على رأس مائة وينزل عيسى عليه السلام فيقتله ثم يمكث في الأرض
~~أربعين سنة وأن الناس يمكثون بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة
~~وأن بين النفختين أربعين سنة، وذكر الأحاديث والأخبار في ذلك.

# وفي «بهجة الناظرين وآيات المستدلين» قد احتج كثير من العلماء على تعيين
~~قرب زمانها بأحاديث لا تخلو عن نظر فمنهم من قال: بقي منها كذا، ومنهم من
~~قال: يخرج الدجال على رأس كذا وتطلع الشمس على رأس كذا، وأفرد الحافظ
~~السيوطي رسالة لذلك كله وقال: تقوم الساعة في نحو الألف والخمسمائة، وكل
~~ذلك مردود وليس للمتكلمين في ذلك إلا ظن وحسبان لا يقوم عليه من الوحي
~~برهان انتهى، ونقله السفاريني في «البحور الزاخرة في علوم الآخرة».

# وذكر السيوطي عدة أخبار في كون مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، أولها ما
~~أخرجه الحكيم الترمذي / في «نوادر الأصول» بسنده عن أبي هريرة قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل
~~الكبائر من أمتي ثم ماتوا عليها فهم في الباب الأول من جهنم "

# وساق بقية الحديث، وفيه

# " وأطولهم مكثا فيه من يمكث فيها مثل الدنيا منذ خلقت إلى يوم أفنيت
~~وذلك سبعة آلاف سنة "

# الحديث وتعقبه السفاريني بقوله: ذكر الحافظ ابن رجب في كتابه «صفة
~~النار» أن هذا الحديث خرجه ابن أبي حاتم وغيره، وخرجه الإسماعيلي
~~مطولا، وقال الدارقطني في كتاب «المختلف»: هو حديث منكر وذكر علله.

# ومما ذكره السيوطي في ذلك ما نقل هو ضعف إسناد رفعه. وقد يرد عليه بأنه
~~قد مضى من زمن البعثة إلى يومنا هذا ألف ومئتان وثماني وستون سنة وإذا ضم
~~إليها ما ذكره من سني مكث عيسى عليه السلام وبقاء الدنيا بعد طلوع الشمس
~~من مغربها وما بين النفختين وهي مائتا سنة تصير ألفا وأربعمائة وثماني
~~وسبعين فيبقى من المدة التي ذكرها اثنتان وعشرون سنة وإلى الآن لم تطلع ms09868
~~الشمس من مغربها ولا خرج الدجال الذي خروجه قبل طلوعها من مغربها بعدة
~~سنين ولا ظهر المهدي الذي ظهوره قبل الدجال بسبع سنين ولا وقعت الأشراط
~~التي قبل ظهور المهدي، ولا يكاد يقال: إنه يظهر بعد خمس عشرة سنة ويظهر
~~الدجال بعدها بسبع سنين على رأس المائة الثالثة من الألف الثانية لأن قبل
~~ذلك مقدمات تكون في سنين كثيرة، فالحق أنه لا يعلم ما بقي من مدة
~~الدنيا إلا الله عز وجل وأنه وإن طال أقصر قصير وما متاع الحياة الدنيا
~~إلا قليل، وكذا فيما أرى مبدأ خلقها لا يعلمه إلا الله تعالى وما يذكرونه
~~في المبدأ لو صح فإنما هو في مبدأ خلق الخليفة آدم عليه السلام لا مبدأ
~~خلق السماء والأرض والجبال ونحوها.

# وحكى الشيخ محي الدين قدس سره عن إدريس عليه السلام وقد اجتمع معه
~~اجتماعا روحانيا وسأله عن العالم أنه قال: نحن معاشر الأنبياء نعلم أن
~~العالم حادث ولا نعلم متى حدث. والفلاسفة على المشهور يزعمون أن من
~~العالم ما هو قديم بالشخص وما هو قديم بالنوع مع قولهم بالحدوث الذاتي
~~ولا يدثر عندهم. وذهب الملا صدر الشيرازي أنهم لا يقولون إلا بقدم العقول
~~المجردة دون عالم الأجسام مطلقا بل هم قائلون بحدوثها ودثورها وأطال
~~الكلام على ذلك في «الأسفار» وأتى بنصوص أجلتهم كأرسطو وغيره.

# وحكى البعض عنهم أنه خلق هذا العالم الذي نحن فيه وهو عالم الكون
~~والفساد والطالع السنبلة ويدثر عند مضي ثمانية وسبعين ألف سنة وذلك عند
~~مضي مدة سلطان كل من البروج الاثني عشر ووصول الأمر إلى برج الميزان
~~وزعموا أن مدة سلطان الحمل اثنا عشر ألف سنة ومدة سلطان الثور أقل بألف
~~وهكذا إلى الحوت.

# ونقل البكري عن هرمس أنه زعم أنه لم يكن في سلطان الحمل والثور والجوزاء
~~على الأرض حيوان فلما كان سلطان الأسد تكونت دواب الماء وهوام الأرض فلما
~~كان سلطان الأسد تكونت الدواب ذوات الأربع فلما كان سلطان السنبلة تولد
~~الإنسانان الأولان ادمانوس وحوانوس. وزعم بعضهم أن ms09869 مدة العالم مقدار قطع
~~الكواكب الثابتة لدرج الفلك التي هي ثلثمائة وستون درجة وقطعها لكل درجة
~~على قول كثير منهم في مائة سنة فتكون مدته ستا وثلاثين ألف سنة وكل ذلك
~~خبط لا دليل عليه.

# ومن أعجب ما رأيت ما زعمه بعض الإسلاميين من أن الساعة تقوم بعد ألف
~~وأربعمائة وسبع سنين أخذا من قوله تعالى: { فهل ينظرون إلا
~~الساعة أن تأتيهم بغتة } وقوله سبحانه:

# لا تأتيكم إلا بغتة

# [الأعراف: 187] بناء على أن عدة حروف { بغتة } بالجمل الكبير
~~ألف وأربعمائة وسبع ويوشك أن يقول قائل: هي ألف وثمانمائة واثنان وبحسب
~~تاء التأنيث أربعمائة لا خمسة فإنه رأى بعض أهل الحساب كما في «فتاوى خير
~~الدين الرملي» ويجىء آخر ويقول: هي أكثر من ذلك أيضا ويعتبر بسط الحروف
~~على / نحو ما قالوا في اسم محمد صلى الله عليه وسلم إنه متضمن عدة
~~المرسلين عليه السلام، وأنت تعلم أن مثل ذلك مما لا ينبغي لعاقل أن يعول
~~عليه أو يلتفت إليه، والحزم الجزم بأنه لا يعلم ذلك إلا اللطيف الخبير.

### || [47.19]

# { فاعلم أنه لا إله إلا الله } مسبب عن مجموع القصة
~~من مفتتح السورة لا عن قوله تعالى:

# هل ينظرون

# [محمد: 18] كأنه قيل: إذا علمت أن الأمر كما ذكر من سعادة هؤلاء وشقاوة
~~هؤلاء فاثبت على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية فهو من موجبات السعادة،
~~وفسر الأمر بالعلم بالثبات عليه لأن علمه صلى الله عليه وسلم بالتوحيد لا
~~يجوز أن يترتب على ما ذكره سبحانه من الأحوال فإنه عليه الصلاة والسلام
~~موحد عن علم حال ما يوحى إليه ولأن المعنى: فتمسك بما أنت فيه من موجبات
~~السعادة لا باطلب السعادة، وقال بعض الأفاضل: إن الثبات أيضا حاصل له
~~عليه الصلاة والسلام فأمره بذلك صلى الله عليه وسلم تذكير له بما أنعم
~~الله تعالى عليه توطئة لما بعده، وتعقب بأن المراد بالثبات الاستمرار وهو
~~بالنظر إلى الأزمنة الآتية وذلك وإن كان مما لا بد من حصوله له عليه
~~الصلاة والسلام لمكان العصمة ms09870 لكن المعصوم يؤمر وينهى فيأتي بالمأمور
~~ويترك المنهي ولا بد للعصمة.

# والأمر في قوله تعالى: { واستغفر لذنبك وللمؤمنين
~~والمؤمنت } قيل على معنى الثبات أيضا، وجعل الاستغفار كناية
~~عما يلزمه من التواضع وهضم النفس والاعتراف بالتقصير لأنه صلى الله عليه
~~وسلم معصوم أو مغفور لا مصر ذاهل عن الاستغفار، وقيل: التحقيق أنه توطئة
~~لما بعده من الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات؛ ولعل الأولى إبقاؤه على
~~الحقيقة من دون جعله توطئة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر
~~الاستغفار، أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن حبان عن الأغر
~~المزني رضي الله تعالى عنه قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر
~~الله كل يوم مائة مرة "

# وأخرج النسائي وابن ماجه وغيرهما عن أبي موسى قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصبحت غداة قط إلا استغفرت الله
~~فيها مائة مرة "

# وأخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وجماعة عن ابن عمر
~~رضي الله تعالى عنهما قال:

# " إنا كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس يقول: رب اغفر
~~لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة "

# وفي لفظ «التواب الغفور» إلى غير ذلك من الأخبار الصحيحة.

# والذنب بالنسبة إليه عليه الصلاة والسلام ترك ما هو الأولى بمنصبه
~~الجليل ورب شيء حسنة من شخص سيئة من آخر كما قيل: حسنات الأبرار سيئات
~~المقربين؛ وقد ذكروا أن لنبينا صلى الله عليه وسلم في كل لحظة عروجا إلى
~~مقام أعلى مما كان فيه فيكون ما عرج منه في نظره الشريف ذنبا بالنسبة
~~إلى ما عرج إليه فيستغفر منه، وحملوا على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام:

# " إنه ليغان على قلبي "

# الحديث وفيه أقوال أخر.

# وقوله تعالى: { وللمؤمنين } على حذف مضاف بقرينة ما قبل أي
~~ولذنوب المؤمنين، وأعيد الجار لأن ذنوبهم جنس آخر غير ذنبه عليه الصلاة
~~والسلام فإنها معاص كبائر وصغائر وذنبه صلى الله عليه وسلم ترك الأولى
~~بالنسبة إلى منصبه الجليل، ولا يبعد أن ms09871 يكون بالنسبة إليهم من أجل
~~حسناتهم، قيل: وفي حذف المضاف وتعليق الاستغفار بذواتهم إشعار بفرط
~~احتياجهم إليه فكأن ذواتهم عين الذنوب وكذا فيه إشعار بكثرتها، وجوز
~~بعضهم كون الاستغفار للمؤمنين بمعنى طلب المغفرة لهم وطلب سببها كأمرهم
~~بالتقوى، وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز مع أن في صحته كلاما، فالظاهر
~~إبقاء اللفظ على حقيقته.

# وفي تقديم الأمر بالتوحيد إيذان بمزيد شرف التوحيد فإنه أساس الطاعات
~~ونبراس العبادات.

# وفي الكلمة الطيبة أبحاث شريفة ولطائف منيفة لا بأس بذكر بعضها وإن تقدم
~~شيء من ذلك فنقول: المشهور أن (إلا) للاستثناء والاسم الجليل بدل من محل
~~اسم (لا) النافية للجنس وخبر { لا } محذوف، واستشكل الإبدال من جهتين
~~أولاهما أنه بدل بعض وليس معه ضمير يعود على المبدل منه وهو شرط فيه؛
~~وأجيب بمنع كونه شرطا مطلقا / بل هو شرط حيث لا تفهم البعضية بقرينة
~~وههنا قد فهمت بقرينة الاستثناء. ثانيتهما: أن بين المبدل منه والبدل
~~مخالفة فإن الأول منفي والثاني موجب. وأجاب السيرافي بأنه بدل عن الأول
~~في عمل العامل، والتخالف نفيا وإيجابا لا يمنع البدلية لأن مذهب البدل
~~أن يجعل الأول كأنه لم يذكر والثاني في موضعه وقد تتخالف الصفة والموصوف
~~في ذلك نحو مررت برجل لا كريم ولا لبيب على أنه لو قيل: إن البدل في
~~الاستثناء قسم على حياله مغاير لغيره من الأبدال لكان له وجه.

# واستشكل أمر الخبر بأنه إن قدر ممكن يلزم عدم إثبات الوجود بالفعل
~~للواحد الحقيقي تعالى شأنه أو موجود يلزم عدم تنزيهه تعالى عن إمكان
~~الشركة وتقدير خاص مناسب لا قرينة عليه قيل: ولصعوبة هذا الإشكال ذهب
~~صاحب «الكشاف» وأتباعه إلى أن الكلمة لا غير محتاجة إلى خبر وجعل {
~~إلا الله } مبتدأ و { لا إله } خبره والأصل الله إله أي معبود
~~بحق لكن لما أريد قصر الصفة على الموصوف قدم الخبر وقرن المبتدأ بإلا إذ
~~المقصور عليه هو الذي يلي (إلا) والمقصور هو الواقع في سياق النفي
~~والمبتدأ إذا اقترن بإلا وجب تقديم خبره. وتعقب بأنه ms09872 مع ما فيه من التمحل
~~يلزم منه بناء الخبر مع (لا) وهي لا يبنى معها إلا المبتدأ، وأيضا لو
~~كان الأمر كذلك لم يكن لنصب الاسم الواقع بعدها وجه وقد جوزه جماعة.

# وقال بعض الأفاضل: إن لا إله إلا الله على هذا المذهب قضية معدولة
~~الطرفين بمنزلة غير الحي لا عالم بمعنى الحي عالم ولا يدفع الاعتراض كما
~~لا يخفى.

# وقال بعضهم: إن الخبر هو { إلا الله } أعني إلا مع الاسم الجليل
~~وأورد عليه أن الجنس مغاير لكل من أفراده فكيف يصدق حينئذ سلب مغايرة
~~فرد عنه اللهم إلا أن يقال: إن ذلك بناء على تضمين معنى من وإن المفهوم
~~منه أنه انتفى من هذا الجنس غير هذا الفرد، والوجه كما قيل أن يقال: إن
~~المغايرة المنفية هي المغايرة في الوجود لا المغايرة في المفهوم حتى لا
~~يصدق، ولا شك أن المراد من الجنس المنفي بلا هذه هو المفهوم من غير
~~اعتبار حصوله في الأفراد كلها أو بعضها فيكون محمولا لا بمعنى اعتبار
~~عدم حصوله فيها أصلا حتى لا يصح حمله إذ لا يلزم من عدم اعتبار شيء
~~اعتبار عدمه ومتى تحقق الحمل تحقق عدم المغايرة في الوجود فتدبره.

# وقال بعضهم: لا خبر للا هذه أصلا على ما قاله بنو تميم فيها، وأورد
~~عليه أنه يلزم حينئذ انتفاء الحكم والعقد وهو باطل قطعا ضرورة اقتضاء
~~التوحيد ذلك ولا يبعد أن يقال: إن القول بعدم احتياج (لا) إلى الخبر لا
~~يخرج المركب منها ومن اسمها عن العقد وذلك لأن معنى المركب نحو لا رجل
~~على هذا التقدير انتفى هذا الجنس فإذا قلنا: لا رجل إلا حاتم كان معناه
~~انتفى هذا الجنس في غير هذا الفرد ويخدشه أن تركب الكلام من الحرف والاسم
~~مما ليس إليه سبيل، وربما يدفع بما قيل في النداء مثل يا زيد من أنه قائم
~~مقام ادعوه، والشريف العلامة قدس سره صرح في بيان ما نقل عن بني تميم من
~~عدم إثبات خبر (لا) هذه بأنه يحتمل أن ms09873 يكون بناء على أن المفهوم من
~~التركيب كما ذكر آنفا انتفاء هذا الجنس ثم إن كلمة (إلا) على هذا
~~التقدير بمعنى غير ولا مجال لكونها للاستثناء لا لما يتوهم من التناقض
~~بناء على أن سلب الجنس عن كل فرد فرد ينافي إثباته لواحد من أفراده فإنه
~~مدفوع بنحو ما اختاره نجم الأئمة في دفع التناقض المتوهم في مثل: ما قام
~~القوم إلا زيدا لوجوب شمول القوم المنفي عنهم الفعل لزيد المثبت هو له
~~فيما يتبادر بأن يقال: إن الجنس الخارج عنه هذا الفرد منتف في ضمن كل ما
~~عداه ولا لما قد يتوهم من عدم تناول الجنس المنفي لما هو بعد (إلا) وهو
~~شرط الاستثناء لما عرفت من الفرق بين / الجنس بدون اعتبار حصوله في
~~الأفراد وبينه مع اعتبار عدم حصوله فيها بل لأنها لو كانت للاستثناء لما
~~أفاد الكلام التوحيد لأنه يكون حاصله حينئذ أن هذا الجنس على تقدير عدم
~~دخول هذا الفرد فيه منتف فيفهم منه عدم انتفائه في أفراد غير خارج عنها
~~ذلك الفرد فأين التوحيد، فالواجب حملها على معنى غير وجعلها تابعة لمحل
~~اسم (لا) بدلا عنه أو صفة كما في قوله:

# وكل أخ مفارقه أخوه

# لعمر أبيك إلا الفرقدان

# كذا رأيته في بعض نسخ قديمة وذكره بعض شيوخ مشايخنا العلامة الطبقجلي في
~~رسالته «شرح الكلمة الطيبة» ولم يتعقبه بشيء. وعندي أن ما ذكر في نفي كون
~~(إلا) للاستثناء على ذلك التقدير لا يخلو عن نظر، ثم إنه قيل: إذا كان
~~مضمون المركب على ذلك التقدير أن هذا الجنس منتف فيما عدا هذا الفرد كانت
~~القضية شخصية ولها لازم هو قضية كلية  أعني قولنا كل ما يعتبر فردا له
~~سوى هذا الفرد فهو منتف  ولا استبعاد في شيء من ذلك.

# وذهب الكثير إلى تقدير الخبر: موجود وأجاب عن الإشكال بأنه يلزم نفي
~~الإمكان العام من جانب الوجود عن الآلهة غير الله تعالى وذلك مبني على
~~مقدمة قطعية معلومة للعقلاء هي أن المعبود بالحق لا يكون إلا ms09874 واجب الوجود
~~فيصير المعنى لا معبود بحق موجود إلا الله وإذ ليس موجودا ليس ممكنا
~~لأنه لو كان ممكنا لكان واجبا بناء على المقدمة القطعية فيكون موجودا،
~~وقد أفادت الكلمة الطيبة أنه ليس بموجود فليس بممكن لأن نفي اللازم يدل
~~على نفي الملزوم.

# واعترض بأن المقدمة القطعية وإن كانت صحيحة في نفس الأمر لكنها غير
~~مسلمة عند المشركين لأنهم يعبدون الأصنام ويعتقدونها آلهة مع اعترافهم
~~بأنها ممكنة محتاجة إلى الصانع

# ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض
~~ليقولن الله

# [لقمان: 25] فيمكن أن يعترف المكلف بالكلمة الطيبة ويعتقد أن نفي الوجود
~~لا يستلزم نفي الإمكان فيمكن عنده وجود آلهة غير الله تعالى فلا يكون
~~التلفظ بالكلمة نصا على إيمانه ولو كانت المقدمة المذكورة مسلمة عند
~~الكل لأمكن أن يقدر الخبر من أول الأمر موجود بالذات أي لا إله موجود
~~بالذات إلا الله وإذا لم يكن غيره تعالى موجودا بالذات لم يكن مستحقا
~~للعبادة لأن المستحق لها لا يكون إلا واجبا لذاته.

# وقد قرر الجواب بوجهين آخرين. الأول أن لا إله موجود قضية سالبة حملية
~~لا بد لها من جهة وهي الإمكان العام فيكون المعنى أن الجانب المخالف
~~للسلب وهو إثبات الوجود ليس ضروريا للآلهة إلا الله تعالى فإنه موجود
~~بالإمكان العام أي جانب السلب ليس ضروريا له تعالى فيكون الوجود ضروريا
~~له سبحانه تحقيقا للتناقض بين المستثنى والمستثنى منه. الثاني أن لا إله
~~موجود بالإمكان العام سالبة كلية ممكنة عامة فيكون المتحصل بالاستثناء
~~الذي هو نقيض موجبة جزئية ضرورية أي الله موجود بالضرورة.

# وأورد على التقريرين أنهما إنما يتمان إذا كان كل من طرفي المستثنى
~~والمستثنى منه قضية مستقلة وهو ممنوع. والصحيح عند أهل العربية أنهما
~~كلام واحد مقيد بالاستثناء فلا يجري فيهما أحكام التناقض إلا أن يؤول
~~بالمعنى اللغوي، وأيضا جعل الله موجود بالضرورة قضية جزئية فيه تساهل.

# وقيل: يمكن أن يقال الخبر المقدر هو الموجود مطلقا سواء كان بالفعل أو
~~بالإمكان على استعمال المشترك في كلا معنييه أو على تأويله ms09875 بما يطلق عليه
~~اسم الموجود وهو كما ترى، وقيل: يجوز تقديره ممكن ونفي الإمكان يستلزم
~~نفي الوجود لأن الإله واجب الوجود وإمكان اتصاف شيء بوجوب الوجود يستلزم
~~/ اتصافه بالفعل بالضرورة فإذا استفيد من الكلمة الطيبة إمكانه يستفاد
~~منه وجوده أيضا إذ كل ما لم يوجد يستحيل أن يكون واجب الوجود، ويعلم ما
~~فيه مما مر فلا تغفل.

# وقال بعضهم: الخبر المقدر مستحق للعبادة، فالمعنى لا إله مستحق للعبادة
~~إلا الله، ولا محذور فيه. واعترض بأن هذا كون خاص ولا بد في حذفه من
~~قرينة ولا قرينة فلا يصح الحذف. وأجيب بأنها كنار على علم لأن الإله
~~بمعنى المعبود فدل على العبادة واستحقاقها، ويؤيده ملاحظة المقام واعتبار
~~حال المخاطبين لأن هذه الكلمة الطيبة واردة لرد اعتقاد المشركين الزاعمين
~~أن الأصنام تستحق العبادة.

# واعترض أيضا بأنه لا يدل على نفي التعدد مطلقا أي لا بالإمكان ولا
~~بالفعل لجواز وجود إله غيره سبحانه لا يستحق العبادة، وأيضا يمكن أن
~~يقال: المراد إما نفي إله مستحق للعبادة غيره تعالى بالفعل أو بالإمكان
~~فعلى الأول لا ينفي إمكان إله مستحق للعبادة أيضا غيره عز وجل وعلى
~~الثاني لا يدل على استحقاقه تعالى للعبادة بالفعل. ورد بأن وجوب الوجود
~~مبدأ جميع الكمالات ولذا فرعوا عليه كثيرا منها فلا ريب أنه يوجب
~~استحقاق التعظيم والتبجيل، ولا معنى لاستحقاق العبادة إلا ذلك فإذا لم
~~يستحق غيره تعالى العبادة لم يوجد واجب وجود غيره سبحانه وإلا لاستحق
~~العبادة قطعا، وإذا لم يوجد لم يكن ممكنا أيضا فثبت أن نفي استحقاق
~~العبادة يستلزم نفي التعدد جزما.

# وتعقب بأن فيه البناء على أن الإله لا يكون إلا واجب الوجود، وقد سمعت
~~أنها وإن كانت قطعية الصدق في نفس الأمر إلا أنها غير مسلمة عند
~~المشركين. ومن المحققين من قال: إنه لا يلتفت إلى عدم تسليمهم لمكابرتهم
~~ما عسى أن يكون بديهيا. نعم ربما يقال: إن الكلمة الطيبة على ذلك
~~التقدير إنما تدل على نفي المعبود بالفعل بناء على ما قرر في ms09876 المنطق أن
~~ذات الموضوع يجب اتصافه بالعنوان بالفعل، ويجاب بمنع وجوب ذلك بل يكفي
~~الاتصاف بالإمكان كما صرح به الفارابي، وأما ما نقل عن الشيخ فمعناه
~~كونه بالفعل بحسب الفرض العقلي لا بحسب نفس الأمر كما تدل عليه عبارته في
~~«الشفاء» و«الإشارات» فيرجع إلى معنى الإمكان.

# والفرق بين المذهبين أن في مذهب الشيخ زيادة اعتبار ليست في مذهب
~~الفارابي وهي أن الشيخ اعتبر مع الإمكان بحسب نفس الأمر فرض الاتصاف
~~بالفعل ولم يعتبره الفارابي، وبالجملة إن الاتصاف بالفعل غير لازم فكل
~~ما يمكن اتصافه بالمعبودية داخل في الحكم بأنه لا يستحق العبادة، ولما
~~كانت القضية سالبة صدقت وإن لم يوجد الموضوع، ولعل التحقيق في هذا المقام
~~أن الكلمة الطيبة جارية بين الناس على متفاهم اللغة والعرف لا على
~~الاصطلاحات المنطقية والتدقيقات الفلسفية، وهي كلام ورد في رد اعتقاد
~~المشرك الذي اعتقد أن آلهة غير الله سبحانه تستحق العبادة فإذا اعترف
~~المشرك بمضمونه من أنه لا معبود مستحق للعبادة إلا الله تعالى علم من
~~ظاهر حاله الإيمان، ولهذا اكتفى به الشارع عليه الصلاة والسلام، وأما
~~الكافر الذي يعتقد إمكان وجود ذات تستحق العبادة بعد فلا تكفي هذه الكلمة
~~الطيبة في إيمانه كما لا تكفي في إيمان من أنكر النبوة أو المعاد أو نحو
~~ذلك مما يجب الإيمان به بل لا بد من الاعتراف بالحكم الذي أنكره ولا
~~محذور في ذلك، ولما كان الكفرة الذين يعتقدون أن آلهة غير الله تعالى
~~تستحق العبادة هم المشهورون دون من يعتقد إمكان وجودها بعد اعتبرت الكلمة
~~علما للتوحيد بالنسبة إليهم.

# ويعلم من هذا أنه لو قدر الخبر المحذوف من أول الأمر موجود أمكن دفع
~~الإشكال بهذا الطريق أعني متفاهم اللغة وعرف الناس من الأوساط، وأما أن
~~نفي الوجود لا يستلزم نفي الإمكان فلا يلزم من الكلمة الطيبة حينئذ نفي
~~إمكان آلهة غير الله تعالى فمما لا يسبق إلى الأفهام ولا يكاد يوجد كافر
~~يعتقد نفي وجود إله / غيره تعالى مع اعتقاده إمكان وجود إله غيره ms09877 سبحانه
~~بعد ذلك، ومن الناس من أيد تقدير الخبر كذلك بأن الظاهر أن (لا) نافية
~~للجنس ونفي الماهية نفسها بدون اعتبار الوجود واتصافها به كنفي السواد
~~نفسه لا نفي وجوده عنه بعيد، فكما أن جعل الشيء باعتبار الوجود إذ لا
~~معنى لجعل الشيء وتصييره نفسه فكذلك نفيه ورفعه أيضا باعتبار رفع الوجود
~~عنه. وتعقب بأن هذا هو الذي يقتضيه النظر الجليل، وأما النظر الدقيق فقد
~~يحكم بخلافه لأن نفي الماهية باعتبار الوجود ينتهي بالآخرة إلى نفس ماهية
~~ما باعتبار نفسها، وذلك لأن نفي اتصافها بالوجود لا يكون باعتبار اتصاف
~~ذلك الاتصاف به إلى ما لا يتناهى، فلا بد من الانتهاء إلى اتصاف منتف
~~بنفسه لا باعتبار اتصافه بالوجود دفعا للتسلسل، وقيل: الظاهر أن نفي
~~الأعيان كما في الكلمة الطيبة إنما هو باعتبار ذلك، وأما غيرها فتارة
~~وتارة فتدبر.

# و { إلا } على التقدير المذكور للاستثناء ورفع الاسم الجليل على ما
~~سمعت من المشهور، وقيل: هي فيه بمعنى غير صفة الاسم لا باعتبار المحل أي
~~لا إله غير الله تعالى موجود.

# واعترض بأن المقصود من الكلام أمران نفي الألوهية عن غيره تعالى
~~وإثباتها له سبحانه، وهو إنما يتم إذا كانت (إلا) فيه للاستثناء إذ
~~يستفاد النفي والإثبات حينئذ بالمنطوق أما إن كانت بمعنى غير فلا يفيد
~~بمنطوقه إلا نفي الألوهية عن غيره تعالى سبحانه وفي كون إثباتها له تعالى
~~بالمفهوم ويكتفي به بحث ولأن ذلك إن كان مفهوم لقب فلا عبرة عند القائلين
~~بالمفهوم على الصحيح خلافا للدقاق والصيرفي من الشافعية، وابن خويز
~~منداد من المالكية، ومنصور بن أحمد من الحنابلة، وإن كان مفهوم صفة فمن
~~البين أنه غير مجمع عليه بل أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه لم يقل بشيء من
~~مفاهيم المخالفة أصلا، وأنت تعلم أن ما ذكره من إفادة الكلمة الطيبة
~~إثبات الإلهية لله تعالى ونفيها عما سواه عز وجل على تقدير كون (إلا)
~~للاستثناء غير مجمع عليه أيضا فإن الاستثناء من النفي ليس بإثبات عند
~~أبي حنيفة رضي ms09878 الله تعالى عنه. وجعل الإثبات في كلمة التوحيد بعرف
~~الشرع، وفي المفرغ نحو ما قام إلا زيد بالعرف العام، وما له وما عليه في
~~كتب الأصول فلا تغفل. وتمام الكلام فيما يتعلق بإعراب هذه الكلمة الطيبة
~~في كتب العربية، وقد ذكرنا ذلك في «تعليقاتنا على شرح السيوطي للألفية».

# وهي عند السادة الصوفية قدست أسرارهم جامعة لجميع مراتب التوحيد ودالة
~~عليها إما منطوقا أو بالاستلزام، ومراتبه أربع: الأولى توحيد الألوهية،
~~الثانية توحيد الأفعال الثالثة توحيد الصفات، وإن شئت قلت: توحيد الوجوب
~~الذاتي فإنه يستلزم سائر الصفات الكمالية كما فرعها عليه بعض المحققين،
~~الرابعة توحيد الذات وإن شئت قلت: توحيد الوجود الحقيقي فإن المآل واحد
~~عندهم، وبيان ذلك أن لا إله إلا الله منطوقه  على ما يتبادر إلى الأذهان
~~وذهب إليه المعظم  قصر الألوهية على الله تعالى قصرا حقيقيا أي
~~إثباتها له تعالى بالضرورة ونفيها عن كل ما سواه سبحانه كذلك وهو يستلزم
~~توحيد الأفعال وتوحيد الصفات وتوحيد الذات.

# أما الأول الذي هو قصر الخالقية فيه تعالى فلأن مقتضى قصر الألوهية عليه
~~تعالى قصرا حقيقيا هو أن الله عز وجل هو الذي يستحق أن يعبده كل مخلوق
~~فهو النافع الضار على الإطلاق فهو سبحانه وتعالى الخالق لكل شيء، فإن كل
~~من لا يكون خالقا لكل شيء لا يكون نافعا ضارا على الإطلاق وكل من لا
~~يكون كذلك لا يستحق أن يعبده كل مخلوق لأن العبادة هي الطاعة والانقياد
~~والخضوع ومن لا يملك نفعا ولا ضرا بالنسبة إلى بعض المخلوقين لا يستحق
~~أن يعبده ذلك البعض ويطيعه وينقاد به، فإن من لا يقدر على إيصال نفع إلى
~~شخص أو دفع ضر عنه لا يرجوه، ومن لا يقدر على إيصال ضر إليه لا يخافه،
~~وكل من لا يخاف ولا يرجى أصلا لا يستحق أن يعبد؛ وهو ظاهر لكن الذي
~~يقتضيه قصر الألوهية عليه تعالى قصرا حقيقيا هو أن الله تعالى هو الذي
~~يستحق أن يعبده كل مخلوق فهو النافع الضار / على الإطلاق فهو الخالق ms09879 لكل
~~شيء وهو المطلوب.

# وأما الثاني فلأن الكلمة الطيبة تدل على أن الألوهية ثابتة له تعالى
~~ثبوتا مستمرا ممتنع الانفكاك ومنتفية عن غيره انتفاء كذلك، وكل ما كان
~~كذلك فهي دالة على أنه عز وجل واجب الوجود، وأن كل موجود سواه تعالى ممكن
~~الوجود؛ وكل ما كان كذلك كان وجوب الوجود مقصورا عليه تعالى وهو مستلزم
~~لسائر صفات الكمال وهو المطلوب.

# أما دلالتها على أنه عز وجل واجب الوجود فلأن الألوهية لا تكون إلا
~~لموجود حقيقة اتفاقا، وكل ما لا يكون صفة إلا لموجود إذا دل كلام على
~~أنه ثابت لشيء ثبوتا ممتنع الانفكاك سرمدا فقد دل على أن الوجود ثابت
~~لذلك الشيء ثبوتا ممتنع الانفكاك سرمدا، ولا يكون كذلك إلا إذا كان
~~موجودا لذاته وهو المعنى بواجب الوجود لذاته، وحيث دلت على ثبوت
~~الألوهية ثبوتا مستمرا ممتنع الانفكاك فقد دلت على وجوب وجوده تعالى
~~وهو مستلزم لسائر صفات الكمال وهو المطلوب.

# وأما دلالتها على أن كل موجود سواه فهو ممكن الوجود فلأن موجودا ما
~~سواه لو كان واجب الوجود لذاته لكان مستحقا أن يعبد لكنها قد دلت على
~~أنه لا يستحق أن يعبد إلا الله فقد دلت على أنه لا واجبا وجوده لذاته
~~إلا الله تعالى فكل ما سواه فهو ممكن وهو المطلوب، أو يقال: إنها قد دلت
~~على أنه تعالى هو النافع الضار على الإطلاق فهو الجامع لصفات الجلال
~~والإكرام فهو سبحانه المتصف بصفات الكمال كلها وهو المطلوب.

# وأما الثالث فقد قال حجة الإسلام الغزالي في باب الصدق من «الإحياء»:
~~((كل ما تقيد العبد به فهو عبد له كما قال عيسى عليه السلام: يا عبيد
~~الدنيا، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم:

# " تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم وعبد الحلة وعبد الخميصة "

# سمى كل من تقيد قلبه بشيء عبدا له))، وقال في باب الزهد منه: من طلب
~~غير الله تعالى فقد عبده؛ وكل مطلوب معبود، وكل طالب عبد بالإضافة إلى
~~مطلبه، وقال في الباب الثالث من كتاب العلم ms09880 منه: كل متبع هواه فقد اتخذ
~~هواه معبودا قال تعالى:

# أفرأيت من اتخذ إلهه هواه

# [الجاثية: 23] وقال صلى الله عليه وسلم:

# " أبغض إله عبد في الأرض عند الله تعالى هو الهوى "

# انتهى. ومن المعلوم أنه ما في الوجود شيء إلا وهو مطلوب لطالب ما وقد صح
~~بما مر إطلاق الإله عليه ولا إله إلا الله فما في الوجود حقيقة إلا الله.
~~ومنهم من قرر دلالة الكلمة الطيبة على توحيد الذات ونفي وجود أحد سواه عز
~~وجل بوجه آخر، وهو أن { إلا } بمعنى غير بدل من الإله المنفي فيكون
~~النفي في الحقيقة متوجها إلى الغير ونفي الغير توحيد حقيقي عندهم.

# وإذا تبين لك دلالتها على جميع مراتب التوحيد لاح لك أن الشارع لأمر ما
~~جعلها مفتاح الإسلام وأساس الدين ومهداة الأنام. وفي حديث أخرجه أبو نعيم
~~عن عياض الأشعري أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " لا إله إلا الله كلمة كريمة ولها عند الله مكان جمعت وسولت من قالها
~~صادقا من قلبه دخل الجنة "

# وفي حديث أخرجه ابن النجار عن دينار عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام
~~قال:

# " لا إله إلا الله كلمة عظيمة كريمة على الله تعالى من قالها مخلصا
~~استوجب الجنة "

# وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من
~~وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة
~~"

# وحديث البطاقة أشهر من أن يذكر، وكذا الحديث القدسي المروي عن علي الرضا
~~عن آبائه عليهم السلام، وجاء

# " من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله / دخل الجنة» "

# أي بلا حساب وإلا فما الفرق بين ذلك ومن قالها ولم تكن آخر كلامه من
~~الدنيا. وبالجملة إن فضلها لا يحصى وإنها لتوصل قائلها إلى المقام
~~الأقصى، وقد ألفت كتب في فضلها وكيفية النطق بها وآداب استعمالها فلا
~~نطيل الكلام في ذلك.

# بقي ههنا بحث وهو أن المسلمين أجمعوا على وجوب معرفة الله تعالى وإن ms09881
~~اختلفوا في كونه شرعيا أو عقليا، وأما النظر في معرفته تعالى لأجل
~~حصولها بقدر الطاقة البشرية فقد قال العلامة التفتازاني في «شرح
~~المقاصد»: لا خلاف بين أهل الإسلام في وجوبه لأنه أمر مقدور يتوقف عليه
~~الواجب المطلق الذي هو المعرفة، وكل مقدور يتوقف عليه الواجب المطلق فهو
~~واجب شرعا إن كان وجوب الواجب المطلق شرعيا كما هو رأي الأصحاب، وعقلا
~~إن كان عقليا كما هو رأي المعتزلة لئلا يلزم تكليف المحال، أما كون
~~النظر مقدورا فظاهر، وأما توقف المعرفة عليه فلأنها ليست بضرورية بل
~~نظرية، ولا معنى للنظري إلا ما يتوقف على النظر ويتحصل به، وظاهر كلام
~~السيد السند في «شرح المواقف» إجماع المسلمين كافة على ذلك أيضا.

# والحق وقوع الخلاف في وجوب النظر كما يدل عليه كلام ابن الحاجب في
~~«مختصره»، والعضد في «شرحه»، وكلام التاج السبكي في «جمع الجوامع»،
~~والجلال المحلي في «شرحه»، وقول شيخ الإسلام في «حاشيته» عليه: محل
~~الخلاف في وجوب النظر في أصول الدين وعدم وجوبه في غير معرفة الله تعالى
~~منها، أما النظر فيها فواجب إجماعا كما ذكره السعد التفتازاني كغيره
~~اعترضه المحقق ابن قاسم العبادي في حاشيته «الآيات البينات» بقوله: إن
~~الظاهر أن ما نقله السعد من الإجماع على وجوب النظر في معرفة الله تعالى
~~غير مسلم عند الشارح وغيره، ألا ترى إلى تمثيل الشارح لمحل الخلاف بقوله:
~~«كحدوث العالم ووجود الباري تعالى وما يجب له جل شأنه وما يمتنع عليه
~~سبحانه من الصفات» فإن قوله: ووجود الباري تعالى الخ يتعلق بمعرفته عز
~~وجل إلى آخر ما قال.

# نعم قال كثير ورجحه الإمام الرازي والآمدي: إنه يجب النظر في مسائل
~~الاعتقاد ومعرفة الله تعالى أسها فيجب فيها بالأولى، وقالوا في ذلك:
~~لأن المطلوب اليقين لقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فاعلم
~~أنه لا إله إلا الله } وقد علم ذلك. وقال تعالى للناس:

# واتبعوه لعلكم تهتدون

# [الأعراف: 158] ويقاس غير الوحدانية عليها، ولا يتم الاستدلال إلا بضم
~~توقف حصول اليقين على النظر. وهؤلاء لم ms09882 يجوزوا التقليد في الأصول وهو أحد
~~أقوال في المسألة.

# ثانيها قول العنبري: إنه يجوز التقليد فيها بالعقد الجازم ولا يجب النظر
~~لها لأنه عليه الصلاة والسلام كان يكتفي في الإيمان بالعقد الجازم ويقاس
~~غير الإيمان عليه. والمراد أنه عليه الصلاة والسلام كان يكتفي بذلك نظرا
~~إلى ظاهر الحال فإن الخبر كما صرح به المحقق عيسى الصفوي في «شرحه
~~للفوائد الغياثية» على ما نقله عنه تلميذه ابن قاسم العبادي في «الآيات
~~البينات» دال وضعا على صورة ذهنية على وجه الإذعان تحكي الحال الواقعية،
~~ولا شك أن لا إله إلا الله محمد رسول الله من قسم الخبر فهما دالان وضعا
~~على أن قائلهما ولو تحت ظلال السيف معتقد لمضمونهما على وجه الإذعان،
~~وعدم كونه معتقدا في نفس الأمر احتمال عقلي، والمطلع على ما في القلوب
~~علام الغيوب.

# وثالث الأقوال أنه يجب التقليد بالعقد الجازم ويحرم النظر لأنه مظنة
~~الوقوع في الشبه والضلال لاختلاف الأذهان بخلاف التقليد وهذا ليس بشيء
~~أصلا.

# والذي أوجب النظر من المحققين لم يرد به النظر على طريق المتكلمين بل
~~صرح كما في «الجواب العتيد» للكوراني بأن المعتبر هو النظر على طريق
~~العامة، والظاهر أنه ليس مظنة الوقوع فيما ذكر. وهل القائل بوجوبه من
~~أولئك جاعل له شرطا لصحة الإيمان أم لا؟ ففيه خلاف. فيفهم من بعض /
~~عبارات «شرح الأربعين» لابن حجر أنه جاعل له كذلك فلا يصح إيمان المقلد
~~عنده، بل يفهم منها أن النظر المعتبر عند ذلك هو النظر على طريق
~~المتكلمين، وكلام الجلال المحلي في «شرح جمع الجوامع» صريح في أن
~~القائلين بوجوب النظر غير أبي هاشم ليسوا جاعلين النظر شرطا لصحة
~~الإيمان ولا زاعمين بطلان إيمان المقلد بل هو صحيح عندهم مع الإثم بترك
~~النظر الواجب.

# نعم سيأتي إن شاء الله تعالى نقل الإمام حجة الإسلام في كتابه «فيصل
~~التفرقة بين الإسلام والزندقة» نقل الاشتراط عن طائفة من المتكلمين مع
~~رده.

# وأما ما نقل عن الشيخ الأشعري من الاشتراط وأنه لا يصح إيمان المقلد
~~فكذب ms09883 عليه كما قاله الأستاذ أبو القاسم القشيري، وقال التاج السبكي:
~~التحقيق أنه إن كان التقليد أخذا بقول الغير بغير حجة مع احتمال شك أو
~~وهم فلا يكفي، وإن كان جزما فيكفي خلافا لأبي هاشم. والظاهر أن القائل
~~بكفاية التقليد مع الجزم يمنع القول بأن المعرفة لا تحصل إلا بالنظر
~~ويقول: إنها قد تحصل بالإلهام أو التعليم أو التصفية فمن حصل له العقد
~~الجازم بما يجب عليه اعتقاده فقد صح إيمانه من غير إثم لحصول المقصود،
~~ومن لم يحصل له ذلك ابتداء أو تقليدا أو ضرورة فالنظر عليه متعين

# ومن أظلم ممن ذكر بئايت ربه ثم أعرض
~~عنها

# [السجدة: 22].

# ويكفي دليلا للصحة اكتفاء النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله
~~تعالى عنهم من عوام العجم كأجلاف العرب وإن أسلم أحدهم تحت ظل السيف
~~بمجرد الإقرار بلا إله إلا الله محمد رسول الله الدال بحسب ظاهر حالهم
~~على أنهم يعتقدون مضمون ذلك ويذعنون له، ولو كان الاستدلال فرضا لأمروا
~~به بعد النطق بالكلمتين أو علموا الدليل ولقنوه كما لقنوهما وكما علموا
~~سائر الواجبات، ولو وقع ذلك لنقل إلينا فإنه من أهم مهمات الدين، ولم
~~ينقل أنهم أمروا أحدا منهم أسلم بترديد نظر ولا سألوه عن دليل تصديقه
~~ولا أرجؤا أمره حتى ينظر فلو كان النظر واجبا على الأعيان ولو إجماليا
~~على طريق العامة لما اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك العوام
~~والأجلاف بمجرد الإقرار لأن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه لا يقرون
~~أحدا على ترك فرض العين من غير عذر، فلا يكون تاركه آثما فضلا عن أن
~~يكون بتركه غير صحيح الإيمان، ويشهد لذلك ما قاله صلى الله عليه وسلم
~~لأسامة بن زيد عند اعتذاره عن قتل مرداس بن نهيك من أهل فدك وغيره من
~~الأخبار الكثير. وما في «المواقف» و«المقاصد» و«شرح المختصر العضدي»
~~وغيرها من كتب الكلام والأصول من أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
~~كانوا يعلمون أنهم  أي العوام واجلاف العرب يعلمون الأدلة إجمالا كما
~~قال ms09884 الأعرابي: البعرة تدل على البعير وأثر الأقدام على المسير أفسماء
~~ذات أبراج وأرض ذات فجاج لا تدل على اللطيف الخبير أي فلذلك لم يلزموهم
~~النظر ولا سألوهم عنه ولا أرجؤوا أمرهم وكل ما كان كذلك لم يكن اكتفاؤهم
~~بمجرد الإقرار دليلا على أن النظر ليس واجبا على الأعيان ولا على أن
~~تاركه غير آثم دعوى لا دليل عليها، وحكاية الأعرابي إن كانت مسوقة
~~للاستدلال لا تدل، غاية ما في الباب أن ذلك الأعرابي كان عالما بدليل
~~إجمالي، ولا يلزم منه أن جميع الأجلاف والعوام كانوا عالمين بالأدلة
~~الإجمالية في عهد النبوة وغيره وإلا لكانت حجة على أنه لا مقلد في
~~الوجود، على أن بعضهم أسند ذلك القول إلى قس بن ساعدة وكان في الفترة.

# والجلال المحلي ذكره لأعرابي قاله في جواب الأصمعي وكان في زمن الرشيد
~~بل قد يقال: إن ظاهر كثير من الآيات والأخبار يدل على أن كثيرا من
~~المشركين في عهده عليه الصلاة والسلام لم يكونوا عالمين بأدلة التوحيد
~~مطلقا، وذلك كقوله تعالى: حكاية عنهم:

# أجعل الالهة إلها وحدا إن هذا لشيء عجاب

# [ص: 5]

# إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله
~~يستكبرون * ويقولون أئنا لتاركوا ءالهتنا لشاعر
~~مجنون

# [الصافات: 35-36] وقول بعضهم في بعض الحروب: اعل هبل اعل هبل.

# وما ذكره المحقق العضد في «شرح المختصر» من الدليل على عدم جواز التقليد
~~حيث قال: إن الأمة أجمعوا على وجوب معرفة الله تعالى وأنها لا تحصل
~~بالتقليد لثلاثة أوجه: أحدها أنه يجوز الكذب على المخبر فلا يحصل بقوله
~~العلم ثانيها أنه لو أفاد العلم لأفاده بنحو حدوث العالم من المسائل
~~المختلف فيها فإذا قلد واحد في الحدوث والآخر في القدم كانا عالمين بهما
~~فيلزم حقيقتهما وأنه محال. ثالثها أن التقليد لو حصل العلم فالعلم بأنه
~~صدق فيما أخبر به إما أن يكون ضروريا أو نظريا لا سبيل إلى الأول
~~بالضرورة فلا بد له من دليل والمفروض أنه لا دليل إذ لو علم صدقه بدليله
~~لم يبق تقليدا ms09885 تعقبه العلامة الكوراني فقال: فيه بحث.

# أما الوجه الأول فلأن من جوز التقليد مثل المقلد بمن نشأ على شاهق جبل
~~ولم ينظر في ملكوت السموات والأرض وأخبره غيره بما يلزمه اعتقاده وصدقه
~~بمجرد إخباره من غير تفكر وتدبر وهو صريح في أن الكلام في مقلد أخبره
~~غيره بما يلزمه اعتقاده وما يلزمه اعتقاده لا يكون إلا صدقا فإن الكذب
~~لا يلزم أحدا اعتقاده، وأما من أخبر بالأكاذيب فاعتقدها فهو لم يعتقد
~~إلا أكاذيب والأكاذيب ليست من معرفة الله تعالى في شيء فكيف يحكم عليه
~~أحد من العقلاء بأنه مؤمن بالله تعالى عارف به مع أنه لم يعتقد إلا
~~الأكاذيب وهو ظاهر.

# وأما في الوجه الثاني فلمثل ما مر لأنا لا نقول: إن كل تقليد مفيد للعلم
~~ولا أن كل مقلد عالم كيف وليس كل نظر مفيدا للعلم ولا كل ناظر مصيبا،
~~فإذا لم يكن النظر موجبا للعلم مطلقا وإنما الموجب النظر الصحيح فكذلك
~~نقول: ليس كل تقليد مفيدا للعلم وإنما المفيد التقليد الصحيح، وهو أن
~~يقلد عالما بمسائل معرفة الله تعالى صادقا فيما يخبره به فإن الكلام
~~إنما هو في صحة إيمان مثل هذا المقلد لا مطلقا.

# وأما في الثالث فلأنا نختار أن عمله بأنه صدق فيما أخبر به ضروري قولكم
~~لا سبيل إليه بالضرورة قلنا: ممنوع لقوله تعالى:

# فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلم

# [الأنعام: 125] وقد روي مرفوعا أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن شرح
~~الصدر فقال عليه الصلاة والسلام:

# " نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينفسح "

# فصرح صلى الله عليه وسلم بأنه نور لا يحصل من دليل وإنما يقذفه الله
~~تعالى في قلبه فلا يقدر على دفعه من غير فكر ولا روية ولا نظر ولا
~~استدلال، وقد صرح بعض أكابر المحققين بأن توحيد الأنبياء عليهم الصلاة
~~والسلام عن علم ضروري وجدوه في نفوسهم لم يقدروا على دفعه وبأن من أهل
~~الفترة من وجد كذلك بل قد صرح بأن الإيمان علم ضروري يجده المؤمن في قلبه ms09886
~~لا يقدر على دفعه فكم من آمن بلا دليل ومن لم يؤمن مع الدليل، وقلما يوثق
~~بإيمان من آمن عن دليل فإنه معرض للشبه القادحة فيه. وفي الباب المائة
~~والاثنين والسبعين والمائة والسابع والسبعين والمائتين والسابع والسبعين
~~من «الفتوحات المكية» ما يؤيد ذلك.

# وقال الإمام حجة الإسلام في «فيصل التفرقة»: من أشد الناس غلوا
~~وانحرافا طائفة من المتكلمين كفروا عوام المسلمين وزعموا أن من لا يعرف
~~الكلام معرفتنا ولم يعرف الأدلة الشرعية بأدلتنا التي حرزناها فهو كافر
~~فهؤلاء ضيقوا رحمة الله تعالى الواسعة على عباده أولا، وجعلوا الجنة
~~وقفا على شرذمة يسيرة من المتكلمين، ثم جهلوا ما تواترت به السنة ثانيا
~~إذ ظهر من عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة رضوان الله
~~تعالى عليهم أجمعين حكمهم بإسلام طوائف من أجلاف العرب كانوا مشغولين
~~بعبادة الوثن ولم يشتغلوا بتعليم الدلائل ولو اشتغلوا بها لم يفهموها،
~~ومن ظن أن مدرك الإيمان الكلام والأدلة المحررة والتقسيمات المرتبة فقد
~~أبعد، لابل الإيمان نور يقذفه الله تعالى في قلب عبده عطية وهداية من
~~عنده، تارة بتنبه في الباطن لا يمكن التعبير / عنه، وتارة بسبب رؤيا في
~~المنام، وتارة بمشاهدة حال رجل متدين وسراية نوره إليه عند صحبته
~~ومجالسته، وتارة بقرينة حال، فقد جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم جاحدا له منكرا فلما وقع بصره على طلعته البهية وغرته
~~الغريرة السنية فرآها يتلألأ منها نور النبوة قال: والله ما هذا وجه
~~كذاب، وسأله أن يعرض عليه الإسلام فأسلم، وجاء آخر فقال: أنشدك الله بعثك
~~الله نبينا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بلى إني والله الله بعثني نبيا
~~فصدقه بيمينه وأسلم، فهذا وأمثاله أكثر من أن يحصى ولم يشتغل واحد منهم
~~قط بالكلام وتعلم الأدلة بل كان تبدو أنوار الإيمان أولا بمثل هذه
~~القرائن في قلوبهم لمعة بيضاء ثم لا تزال تزداد وضوحا وإشراقا بمشاهدة
~~تلك الأحوال العظيمة وبتلاوة القرآن وتصفية القلوب، وليت شعري من نقل عن
~~رسول الله صلى الله ms09887 عليه وسلم وعن الصحابة إحضاره أعرابيا أسلم وقوله
~~الدليل على أن العالم حادث لأنه لا يخلو عن الأعراض وما لا يخلو عن
~~الحوادث فهو حادث، وأن الله تعالى عالم بعلم وقادر بقدره كلاهما زائد على
~~الذات لا هو ولا غيره إلى غير ذلك من رسوم المتكلمين، ولست أقول: لم تجر
~~هذه الألفاظ بل لم يجر أيضا ما معناه معنى هذه الألفاظ بل كان لا تنكشف
~~ملحمة إلا عن جماعة من الأجلاف يسلمون تحت ظلال السيوف وجماعة من الأسارى
~~يسلمون واحدا واحدا بعد طول الزمان أو على القرب وكانوا إذا نطقوا
~~بكلمة الشهادة علموا الصلاة والزكاة وردوا إلى صناعتهم من رعاية الغنم أو
~~غيرها.

# نعم لست أنكر أنه يجوز أن يكون ذكر أدلة المتكلمين أحد أسباب الإيمان
~~في حق بعض الناس ولكن ذلك ليس بمقصور عليه وهو نادر أيضا وساق الكلام
~~إلى أن قال: والحق الصريح أن كل من اعتقد أن ما جاء به الرسول صلى الله
~~عليه وسلم واشتمل عليه القرآن حق اعتقادا جزما فهو مؤمن وإن لم يعرف
~~أدلته، فالإيمان المستعار من الدلائل الكلامية ضعيف جدا مشرف على
~~التزلزل بكل شبهة بل الإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في
~~الصبا بتواتر السماع والحاصل بعد البلوغ بقرائن لا يمكن العبارة عنها
~~اه.

# وفيه فوائد شتى ولذا نقلناه بطوله، ومتى جاز أن يقذف الله تعالى في قلب
~~العبد نور الإيمان فيؤمن بلا نظر واستدلال جاز أن يقذف سبحانه في قلبه
~~صدق المخبر بحيث لا يقدر على دفعه ولا يدري أنه من أين جاء لا سيما إذا
~~كان المخبر هو النبي صلى الله عليه وسلم، فإن من لازم قذف نور الإيمان
~~في قلب المؤمن به عليه الصلاة والسلام أن يقذف في قلبه صدقه صلى الله
~~عليه وسلم لأن الإيمان لا يتم إلا بذلك، فقد ظهر أن دعوى الضرورة في أنه
~~لا سبيل إلى العلم بصدق المخبر فيما أخبر به علما ضروريا إن لم تكن
~~مكابرة فمنعها ليس مكابرة أيضا، فإن الدليل ms09888 قد قام على جواز حصول العلم
~~الضروري بصدقه بل على وقوعه فليست تلك الدعوى من المقدمات الضرورية التي
~~يكون منعها مكابرة غير مسموعة.

# وقد اتضح من جميع ما ذكر أن ما قاله السعد في «شرح المقاصد» - من أن
~~الحق أن المعرفة بدليل إجمالي يرفع الناظر من حضيض التقليد فرض عين لا
~~مخرج عنه لأحد من المكلفين وبدليل تفصيلي يتمكن معه من إزاحة الشبه
~~وإلزام المنكرين وإرشاد المسترشدين فرض كفاية لا بد من أن يقوم به البعض
~~- لا يخلو عن نظر على ما قيل، لكن الظاهر عندي أن الحق مع السعد من جهة
~~أن الإيمان بمعنى التصديق مكلف به وشرط المكلف به كونه اختياريا، وقد
~~صرحوا أن التكليف بما ليس باختياري تكليف في الحقيقة بما يتوقف عليه من
~~الأمور الاختيارية وأن التصديق نفسه لكونه غير اختياري كان التكليف به في
~~الحقيقة تكليفا بما يتوقف هو عليه من النظر الاختياري، فالإيمان الذي
~~يحصل بقذفه تعالى النور في القلب من غير فكر ولا روية ولا نظر ولا
~~استدلال ليس اختياريا بنفسه ولا باعتبار ما يحصل هو منه فكيف يكون
~~مكلفا به، وما مراد السعد ومن / وافقه بالمعرفة إلا المعرفة من حيث إنها
~~مكلف بها كما يشير إليه قوله: لا مخرج عنه لأحد من المكلفين، وكون ذلك
~~مكلفا به باعتبار أمر اختياري غير النظر كتحصيل الاستعداد لإفاضة النور
~~وخلق العلم الضروري في قلب العبد غير ظاهر. نعم لست أنكر أن من المعرفة
~~ما لا يتوقف على نظر في دليل إجمالي أو غيره كمعرفة الأنبياء عليهم
~~السلام على ما سمعت عن بعضهم، وكمعرفة من شاء الله تعالى من عباده سبحانه
~~غيرهم ولا أسمي نحو هذه المعرفة تقليدية، وكذا لا أنكر أن المعرفة
~~الحاصلة من قذف النور فوق المعرفة الحاصلة من النظر في الدليل فإنها يخشى
~~عليها من عواصف الشبه، وأذهب إلى أن النظر في الدليل مطلقا واجب على من
~~لم يحصل له العقد الجازم إلا به، وأما من حصل له ذلك بأي طريق كان دونه ms09889
~~فلا يجب عليه وكذا لا يأثم بتركه، وحكاية الإجماع على إثمه به لا يخفى ما
~~فيها، وتوجيه ذلك بأن جزم المؤمن حينئذ لا ثقة به إذ لو عرضت له شبهة فات
~~وبقي مترددا بخلاف الجزم الناشيء عن الاستدلال فإنه لا يفوت بذلك غير
~~ظاهر لأنه إذا سلم أن من تم جزمه من غير نظر فقد أتى بواجب الإيمان فلا
~~وجه لتأثيمه بترك النظر بناء على مجرد احتمال عروض شبهة مشوشة لجزمه لأنه
~~إذا سلم أن الواجب عليه ليس إلا أن يجزم وقد جزم فقد أدى واجب الوقت وما
~~ترك منه شيئا، وكل من لم يترك واجبا معينا في وقت معين لا معنى
~~لتأثيمه في ذلك الوقت من جهة ذلك الواجب، وكما يحتمل عقلا أن تعرض له
~~شبهة تشوش عليه الجزم لعدم الدليل كذلك يحتمل عقلا أن يحصل له الدليل
~~على ما جزم به قبل عروض شبهة ولعل هذا الاحتمال أقوى وأقرب إلى الوقوع.

# وإذا أحطت خبرا بجميع ما ذكرنا علمت أن الاستدلال بقوله تعالى: {
~~فاعلم أنه لا إله إلا الله } على وجوب النظر فيه نظر
~~لتوقفه على صحة قولهم: إن العلم لا يحصل إلا بالنظر وقد سمعت ما فيه.
~~ويقوي ذلك إذا قلنا: إن علمه صلى الله عليه وسلم بالوحدانية ضروري إذ
~~يكون المراد الأمر بالثبات والاستمرار على ما هو صلى الله تعالى عليه
~~وسلم فيه اجتناب ما يخل بالعلم، وقد يقال: يجوز أن يكون الاستدلال نظرا
~~إلى ظاهر اللفظ من حيث إنه أمر بالعلم بالوحدانية فلا بد أن يكون مقدورا
~~بنفسه أو باعتبار ما يحصل هو منه، وحيث انتفى كونه مقدورا بنفسه تعين
~~كونه مقدورا باعتبار ما يحصل هو منه، والظاهر أنه النظر. وأنت تعلم أنه
~~إن كان التقليد سببا من أسباب العلم إيضا لم يتم هذا وإن لم يكن سببا
~~تم فتأمل.

# ثم اعلم أن النظر الذي قالوا به في الأصول الاعتقادية أعم من النظر في
~~الأدلة العقلية والنظر في الأدلة السمعية، فإن منها ما ثبت بالسمع
~~كالأمور ms09890 الأخروية ومدخل العقل فيها ليس إلا بأنها أمور ممكنة أخبر الصادق
~~بوقوعها وكل ممكن أخبر الصادق بوقوعه واقع فتلك الأمور واقعة، وأما النظر
~~في معرفة الله تعالى  أعني التصديق بوجوده تعالى وصفاته العلا  فقيل:
~~يتعين أن يكون المراد به النظر في الأدلة العقلية فقط، ولا يجوز أن يكون
~~النظر في الأدلة السمعية طريقا إليها لاستلزامه الدور. وفي «الجواب
~~العتيد» الدور لازم لكن لا مطلقا بل بالنسبة إلى كل مطلوب يتوقف العلم
~~بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم على العلم به، وذلك لأن النظر في الأدلة
~~السمعية إنما يكون طريقا إلى المعرفة إذا كانت صادقة عند الناظر فيها،
~~وصدقها في علم الناظر موقوف على علمه بأن هذا الذي يدعي أنه رسول الله
~~الذي جاء بها صادقا في دعواه الرسالة وعلمه بذلك / موقوف على العلم بأن
~~الله تعالى قد أظهر المعجزات على يده تصديقا له في دعواه وعلمه بذلك
~~موقوف على العلم بأن ثمت إلها على صفة يمكن بها أن يبعث رسولا ككونه
~~حيا عالما مريدا قادرا وهو من معرفة الإله سبحانه فلو استفدنا العلم
~~بوجود الله تعالى وبتلك الصفات من الدلائل السمعية الموقوفة على صدق
~~الرسول عليه الصلاة والسلام لزم الدور كما ترى.

# نعم إذا قيل: إن المكلف بعدما آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم واعتقد
~~اعتقادا جازما بصدقه في جميع ما جاء به من عند الله تعالى بأي وجه كان
~~ذلك الجزم بالضرورة أو بالنظر أو بالتقليد فله أن يأخذ عقيدته من القرآن
~~من غير تأويل ولا ميل من غير أن ينظر في دليل عقلي، كان ذلك كلاما
~~صحيحا لا غبار عليه، ولا يلزم منه تحصيل للحاصل بالنسبة إلى ما حصله
~~أولا من المسائل التي يتوقف عليها صدق الرسول عليه الصلاة والسلام لأن
~~التحصيل الثاني من حيث إن الجائي بدلائلها صادق فيها والتحصيل الأول كان
~~بالنظر العقلي من غير اعتبار صدق الرسول عليه الصلاة والسلام فاختلفت
~~الحيثية فليفهم والله تعالى أعلم.

# { والله يعلم متقلبكم } في الدنيا { ومثواكم } في
~~الآخرة، وخص ms09891 المتلقب بالدنيا والمثوى بالآخرة لأن كل أحد متحرك في الدنيا
~~دائما نحو معاده غير قار وفي الآخرة مقيم لا حركة له نحو دار وراءها.
~~والمراد من علمه تعالى بذلك تحذيرهم من جزائه وعقابه سبحانه أو الترغيب
~~في امتثال ما يأمرهم جل شأنه به والترهيب عما ينهاهم عز وجل عنه على طريق
~~الكناية. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: متقلبكم تصرفكم في حياتكم
~~الدنيا ومثواكم في قبوركم وآخرتكم، وقال عكرمة: متقلبكم في أصلاب الآباء
~~إلى أرحام الأمهات ومثواكم إقامتكم في الأرض؛ وقال الطبري وغيره: متقلبكم
~~تصرفكم في يقظتكم ومثواكم منامكم، وقيل: متقلبكم في معايشكم ومتاجركم
~~ومثواكم حيث تستقرون من منازلكم، وقيل: متقلبكم في أعمالكم ومثواكم من
~~الجنة والنار. واختار أبو حيان عمومهما في كل متقلب وفي كل إقامة، ونحوه
~~ما قيل: المراد يعلم جميع أحوالكم فلا يخفى عليه سبحانه شيء منها.

# وقرأ ابن عباس { منقلبكم } بالنون.

### || [47.20]

# { ويقول الذين ءامنوا } حرصا على الجهاد لما فيه من الثواب
~~الجزيل فالمراد بهم المؤمنون الصادقون { لولا نزلت سورة } أي
~~هلا أنزلت سورة يؤمر فيها بالجهاد  فلولا  تحضيضية، وعن ابن مالك أن {
~~لا } زائدة والتقدير لو أنزلت سورة وليس بشيء.

# { فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال }
~~أي بطريق الأمر به، والمراد  بمحكمة  مبنية لا تشابه ولا احتمال فيها
~~لوجه آخر سوى وجوب القتال، وفسرها الزمخشري بغير منسوخة الأحكام. وعن
~~قتادة كل سورة فيها القتال فهي محكمة وهو أشد القرآن على المنافقين وهذا
~~أمر استقرأه قتادة من القرآن لا بخصوصية هذه الآية والمتحقق أن آيات
~~القتال غير منسوخة وحكمها باق إلى يوم القيامة. وقيل: محكمة بالحلال
~~والحرام.

# وقرىء { نزلت سورة } بالبناء للفاعل من نزل الثلاثي المجرد ورفع {
~~سورة } على الفاعل. وقرأ زيد بن علي { نزلت } كذلك إلا أنه نصب {
~~سورة محكمة } ، وخرج ذلك على كون الفاعل ضمير السورة، و { سورة محكمة
~~} نصب على الحال. وقرأ هو وابن عمير { وذكر } مبنيا للفاعل وهو
~~ضميره تعالى / { القتال } بالنصب على أنه مفعول به.

# { رأيت الذين في قلوبهم ms09892 مرض } أي نفاق، وقيل: ضعف في
~~الدين { ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت
~~} أي نظر المحتضر الذي لا يطرف بصره، والمراد تشخص أبصارهم جبنا وهلعا،
~~وقيل: يفعلون ذلك من شدة العداوة له عليه الصلاة والسلام، وقيل: من خشية
~~الفضيحة فإنهم إن تخلفوا عن القتال افتضحوا وبان نفاقهم. وقال الزمخشري:
~~كانوا يدعون الحرص على الجهاد ويتمنونه بألسنتهم ويقولون: لولا أنزلت
~~سورة في معنى الجهاد فإذا أنزلت وأمروا فيها بما تمنوا وحرصوا عليه كاعوا
~~وشق عليهم وسقط في أيديهم كقوله تعالى:

# فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم
~~يخشون الناس

# [النساء: 77] والظاهر ما ذكرناه أولا من أن القائلين هم الذين أخلصوا
~~في إيمانهم وإنما عرا المنافقين ما عرا عند نزول أمر المؤمنين بالجهاد
~~لدخولهم فيهم بحسب ظاهر حالهم، وقد جوز هو أيضا إرادة الخلص من الذين
~~آمنوا لكن كلامه ظاهر في ترجح ما ذكره أولا عنده والظاهر أن في الكلام
~~عليه إقامة الظاهر مقام المضمر. وجوز أن يكون المطلوب في قوله تعالى: {
~~لولا أنزلت سورة } إنزال سورة مطلقا حيث كانوا يستأنسون
~~بالوحي ويستوحشون إذا أبطأ، وروي نحوه عن ابن جريج. أخرج ابن المنذر عنه
~~أنه قال في الآية: كان المؤمنون يشتاقون إلى كتاب الله تعالى وإلى بيان
~~ما ينزل عليهم فيه فإذا نزلت السورة يذكر فيها القتال رأيت يا محمد
~~المنافقين ينظرون إليك الخ.

# { فأولى لهم } تهديد ووعيد على ما روي عن غير واحد، وعن أبي
~~علي أن { أولى } فيه علم لعين الويل مبني على زنة أفعل من لفظ الويل
~~على القلب وأصله أويل وهو غير منصرف للعلمية والوزن، فالكلام مبتدأ وخبر.
~~واعترض بأن الويل غير متصرف فيه، ومثل يوم أيوم مع أنه غير منقاس لا يفرد
~~عن الموصوف البتة، وإن القلب خلاف الأصل لا يرتكب إلا بدليل، وإن علم
~~الجنس شيء خارج عن القياس مشكل التعقل خاصة فيما نحن فيه، ثم قيل: إن
~~الاشتقاق الواضح من الولي بمعنى القرب كما في قوله:

# تكلفني ليلى وقد شط وليها

# وعادت عواد بيننا ms09893 وخطوب

# يرشد إلى أنه للتفضيل في الأصل غلب في قرب الهلاك ودعاء السوء كأنه قيل:
~~هلاكا أولى لهم بمعنى أهلكهم الله تعالى هلاكا أقرب لهم من كل شر
~~وهلاك، وهذا كما غلب بعدا وسحقا في الهلاك، وهو على هذا منصوب على أنه
~~صفة في الأصل لمصدر محذوف وقد أقيم مقامه والجار متعلق به. وفي «الصحاح»
~~((عن الأصمعي أولى له قاربه ما يهلكه أي نزل به وأنشد:

# فعادى بين هاديتين منها

# وأولى أن يزيد على الثلاث

# أي قارب أن يزيد، قال ثعلب: ولم يقل أحد في { أولى } أحسن مما قاله
~~الأصمعي))، وعلى هذا هو فعل مستتر، فيه ضمير الهلاك بقرينة السياق، وقريب
~~منه ما قيل: إنه فعل ماض وفاعله ضميره عز وجل واللام مزيدة أي أولاهم
~~الله تعالى ما يكرهون أو غير مزيدة أي أدنى الله عز وجل الهلاك لهم،
~~والظاهر زيادة اللام على ما سمعت عن الأصمعي، ومن فسره بقرب جوز الأمرين.
~~وقيل: هو اسم فعل والمعنى وليهم شر بعد شر، وقيل: هو فعلى من آل بمعنى
~~رجع لا أفعل من الولي فهو في الأصل دعاء عليهم بأن يرجع أمرهم إلى
~~الهلاك، والمراد أهلكهم الله تعالى إلا أن التركيب مبتدأ وخبر. وقال
~~الرضي: هو علم للوعيد من وليه الشر أي قربه، والتركيب مبتدأ وخبر أيضا.
~~واستدل بما حكى أبو زيد من قولهم: أولاة بتاء التأنيث على أنه ليس بأفعل
~~تفضيل ولا أفعل / فعلى وأنه علم وليس بفعل ثم قال: بل هو مثل أرمل وأرملة
~~إذا سمي بهما ولذا لم ينصرف، وليس اسم فعل أيضا بدليل أولاة في تأنيثه
~~بالرفع يعني أنه معرب ولو كان اسم فعل كان مبنيا مثله. وتعقب بأنه لا
~~مانع من كون أولاة لفظا آخر بمعناه فلا يرد من ذلك على قائلي ما تقدم
~~أصلا، وجاء أول أفعل تفضيل وظرفا كقبل وسمع فيه أولة كما نقله أبو
~~حيان، وقيل: الأحسن كونه أفعل تفضيل بمعنى أحق وأحرى وهو خبر لمبتدأ
~~محذوف يقدر في كل مقام بما يليق به ms09894 والتقدير ههنا العقاب أولى لهم، وروي
~~ذلك عن قتادة ومال إلى هذا القول ابن عطية، وعلى جميع هذه الأقوال قوله
~~تعالى: { طاعة وقول معروف }.

### || [47.21]

# { طاعة وقول معروف } كلام مستقل محذوف منه أحد الجزأين إما
~~الخبر وتقديره خير لهم أو أمثل، وهو قول مجاهد ومذهب سيبويه والخليل،
~~وإما المبتدأ وتقديره الأمر أو أمرنا طاعة أي الأمر المرضي لله تعالى
~~طاعة، وقيل: أي أمرهم طاعة معروفة وقول معروف أي معلوم حال أنه خديعة،
~~وقيل: هو حكاية قولهم قبل الأمر بالجهاد أي قالوا أمرنا طاعة ويشهد له
~~قراءة أبي { يقولون طاعة وقول معروف } وذهب بعض إلى أن

# أولى

# [محمد: 20] أفعل تفضيل مبتدأ و { لهم } صلته واللام بمعنى الباء و {
~~طاعة } خبر كأنه قيل فأولى بهم من النظر إليك نظر المغشي عليه من
~~الموت طاعة وقول معروف، وعليه لا يكون كلاما مستقلا ولا يوقف على {
~~لهم } ومما لا ينبغي أن يلتفت إليه ما قيل: إن { طاعة } صفة لسورة
~~في قوله تعالى:

# فإذا أنزلت سورة

# [محمد: 20] والمراد ذات طاعة أو مطاعة. وتعقبه أبو حيان بأنه ليس بشيء
~~لحيلولة الفصل الكثير بين الصفة والموصوف.

# { فإذا عزم الأمر } أي جد والجد أي الاجتهاد لأصحاب الأمر إلا
~~أنه أسند إليه مجازا كما في قوله تعالى:

# إن ذلك من عزم الأمور

# [لقمان: 17] ومنه قول الشاعر:

# قد جدت الحرب بكم فجدوا

# والظاهر أن جواب { إذا } قوله تعالى: { فلو صدقوا الله }
~~وهو العامل فيها ولا يضر اقترانه بالفاء ولا تمنع من عمل ما بعدها فيما
~~قبلها في مثله كما صرحوا به، وهذا نحو إذا جاء الشتاء فلو جئتني لكسوتك،
~~وقيل: الجواب محذوف تقديره فإذا عزم الأمر كرهوا أو نحو ذلك قاله قتادة.
~~وفي «البحر» من حمل { طاعة وقول معروف } على أنهم يقولون ذلك
~~خديعة قدر فإذا عزم الأمر ناقضوا وتعاصوا. ولعل من يجعل القول السابق
~~للمؤمنين في ظاهر الحال وهم المنافقون جوز هذا التقدير أيضا، وقدر بعضهم
~~الجواب فاصدق وهو كما ترى. وأيا ما كان فالمراد فلو صدقوا الله فيما ms09895
~~زعموا من الحرص على الجهاد ولعلهم أظهروا الحرص عليه كالمؤمنين الصادقين،
~~وقيل: في قولهم: { طاعة وقول معروف } ، وقيل: في إيمانهم.

# { لكان } أي الصدق { خيرا لهم } مما ارتكبوه وهذا مبني على ما
~~في زعمهم من أن فيه خيرا وإلا فهو في نفس الأمر لا خير فيه.

### || [47.22]

# { فهل عسيتم } خطاب لأولئك الذين في قلوبهم مرض بطريق الالتفات
~~لتأكيد التوبيخ وتشديد التقريع. وهل للاستفهام والأصل فيه أن يدخل الخبر
~~للسؤال عن مضمونه والإنشاء الموضوع له (عسى) ما دل عليه بالخبر أي فهل
~~يتوقع منكم وينتظر { إن توليتم } أمور الناس وتأمرتم عليهم، فهو
~~من الولاية والمفعول به محذوف وروي ذلك عن محمد بن كعب وأبي العالية
~~والكلبي { أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم }
~~تناحرا على الولاية وتكالبا على جيفة الدنيا والمتوقع كل من يقف على
~~حالهم إلا الله عز وجل إذ لا يصح منه سبحانه ذلك والاستفهام أيضا
~~بالنسبة إلى غيره جل وعلا، فالمعنى إنكم لما عهد منكم - من الأحوال
~~الدالة على الحرص على / الدنيا حيث أمرتم بالجهاد الذي هو وسيلة إلى ثواب
~~الله تعالى العظيم فكرهتموه وظهر عليكم ما ظهر - أحقاء بأن يقول لكم كل
~~من ذاقكم وعرف حالكم يا هؤلاء ما ترون هل يتوقع منكم إن توليتم أن تفسدوا
~~في الأرض؟ الخ.

# وفسر بعضهم التولي بالإعراض عن الإسلام فالفعل لازم أي فهل عسيتم إن
~~أعرضتم عن الإسلام أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في
~~الأرض بالتغاور والتناهب وقطع الأرحام بمقاتلة بعض الأقارب بعضا ووأد
~~البنات. وتعقب بأن الواقع في حيز الشرط في مثل هذا المقام لا بد أن تكون
~~محذوريته باعتبار ما يتبعه من المفاسد لا باعتبار ذاته ولا ريب في أن
~~الإعراض عن الإسلام رأس كل شر وفساد فحقه أن يجعل عمدة في التوبيخ لا
~~وسيلة للتوبيخ بما دونه من المفاسد. ويؤيد الأول قراءة بعض { وليتم }
~~مبنيا للمفعول وكذا قراءته عليه الصلاة والسلام على ما ذكر في «البحر»
~~ورويت عن علي كرم الله تعالى وجهه ورويس ms09896 ويعقوب { توليتم } بالبناء
~~للمفعول أيضا بناء على أن المعنى تولاكم الناس واجتمعوا على موالاتكم،
~~والمراد كنتم فيهم حكاما، وقيل: المعنى تولاكم ولاة غشمة خرجتم معهم
~~ومشيتم تحت لوائهم وأفسدتم بإفسادهم واستظهر أبو حيان تفسيره بالإعراض
~~إلا أنه قال: المعنى إن أعرضتم عن امتثال أمر الله تعالى في القتال أن
~~تفسدوا في الأرض بعدم معونة أهل الإسلام على أعدائهم وتقطعوا أرحامكم لأن
~~من أرحامكم كثيرا من المسلمين فإذا لم تعينوهم قطعتم ما بينكم وبينهم من
~~الرحم. وتعقب بأن حمل الإفساد على الإفساد بعدم المعونة فيه خفاء، وكذا
~~الإتيان بأن عليه دون إذا من حيث إن الإعراض عن امتثال أمر الله تعالى في
~~القتال كالمحقق من أولئك المنافقين فتأمل.

# و { أن تفسدوا } خبر  عسى  و { إن توليتم }  اعتراض،
~~وجواب إن محذوف يدل عليه ما قبله، وزعم بعضهم أن الأظهر جعل { إن
~~توليتم } حالا مقدرة، وفيه أن الشرط بدون الجواب لم يعهد وقوعه
~~حالا في غير أن الوصلية وهي لا تفارق الواو، وإلحاق الضمائر بعسى كما في
~~سائر الأفعال المتصرفة لغة أهل الحجاز، وبنو تميم لا يلحقونها به
~~ويلتزمون دخوله على أن والفعل فيقولون الزيدان عسى أن يقوما والزيدون عسى
~~أن يقوموا، وذكر الإمام هاتين اللغتين ثم قال: وأما قول من قال: عسى أنت
~~تقوم وعسى أنا أقوم فدون ما ذكرنا للتطويل الذي فيه فإن كان مقصوده حكاية
~~لغة ثالثة هي انفصال الضمير فنحن لا نعلم أحدا من نقله اللسان العربي
~~ذكرها وإن كان غير ذلك فليس فيه كثير جدوى.

# وقرأ نافع { عسيتم } بكسر السين المهملة، وهو غريب. وقرأ أبو عمرو في
~~رواية وسلام ويعقوب وأبان وعصمة { تقطعوا } بالتخفيف مضارع قطع، والحسن {
~~تقطعوا } بفتح التاء والقاف وشد الطاء وأصله تتقطعوا بتاءين حذفت إحداهما
~~ونصبوا { أرحامكم } على إسقاط الحرف أي في أرحامكم لأن تقطع لازم.

### || [47.23]

# { أولئك } إشارة إلى المخاطبين بطريق الالتفات إيذانا بأن ذكر
~~هناتهم أوجب إسقاطهم عن درجة الخطاب ولو على جهة التوبيخ وحكاية أقوالهم
~~الفظيعة لغيرهم، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: ms09897 { الذين لعنهم
~~الله } أي أبعدهم من رحمته عز وجل { فأصمهم } عن استماع الحق
~~لتصامهم عنه لسوء اختيارهم { وأعمى أبصرهم } لتعاميهم عما
~~يشاهدونه من الآيات المنصوبة في الأنفس والآفاق.

# وجاء التركيب { فأصمهم } ولم يأت فأصم آذانهم كما جاء {
~~وأعمى أبصرهم } أو وأعماهم كما جاء فأصمهم، قيل: لأن الأذن
~~لو أصيبت بقطع أو قلع لسمع الكلام فلم يحتج إلى ذكر الأذن، والبصر وهو
~~العين لو أصيب لامتنع الإبصار فالعين لها مدخل في الرؤية والأذن لا مدخل
~~لها في السمع انتهى وهو كما ترى. وقال الخفاجي: لأنه إذا ذكر الصمم لم
~~يبق حاجة إلى ذكر الآذان، وأما العمى فلشيوعه في البصر / والبصيرة حتى
~~قيل: إنه حقيقة فيهما وهو ظاهر ما في «القاموس» فإذا كان المراد أحدهما
~~حسن تقييده. وقيل في وجه ذلك بناء على كون العمى حقيقة فيما كان في
~~البصر: إن نحو أعمى الله أبصارهم بحسب الظاهر من باب أبصرته بعيني وهو
~~يقال في مقام يحتاج إلى التأكيد، ولما كان أولئك الذين حكى حالهم في أمر
~~الجهاد غير ظاهر إعماؤهم ظهور إصمامهم كيف وفي الآيات السابقة ما يؤذن
~~بعدم انتفاعهم بالمسموع من القرآن وهو من آثار إصمامهم وليس فيها ما يؤذن
~~بعدم انتفاعهم بالآيات المرئية المنصوبة في الأنفس والآفاق الذي هو من
~~آثار إعمائهم ناسب أن يسلك في كل من الجملتين ما سلك مع ما في سلوكه في
~~الأخير من رعاية الفواصل وهو أدق مما قبل.

# هذا والأرحام جمع رحم بفتح الراء وكسر الحاء وهي على ما في «القاموس»
~~القرابة أو أصلها وأسبابها، وقال الراغب: ((الرحم رحم المرأة أي بيت منبت
~~ولدها ووعاؤه ومنه استعير الرحم للقرابة لكونهم خارجين من رحم واحدة))،
~~ويقال للأقارب ذوو رحم كما يقال لهم أرحام، وقد صرح ابن الأثير بأن ذا
~~((الرحم يقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب ويطلق في الفرائض على الأقارب
~~من جهة النساء))؛ والمذكور في كتبها تفسيره بكل قريب ليس بذي سهم ولا
~~عصبة وعدوا من ذلك أولاد الأخوات لأبوين أو لأب ms09898 وعمات الآباء وظاهر كلام
~~الأئمة في قوله عليه الصلاة والسلام «من ملك ذا رحم محرم فهو حر» دخول
~~الأبوين والولد في ذي الرحم لغة حيث أجمعوا على أنهم يعتقون على من ملكهم
~~لهذا الخبر وإن اختلفوا في عتق غيرهم. وصرح ابن حجر الهيتمي في «الزواجر»
~~بأن الأولاد من الأرحام.

# وظاهر عطف الأقربين على الوالدين في الآية يقتضي عدم دخولهما في الأقارب
~~فلا يدخلون في الأرحام لأنهم كما قالوا الأقارب، وكلام فقهائنا نص في عدم
~~دخول الوالدين والولد في ذلك حيث قالوا: إذا أوصى لأقاربه أو لذوي قرابته
~~أو لأرحامهم فهي للأقرب فالأقرب من كل ذي رحم محرم ولا يدخل الوالدان
~~والولد، وأما الجد وولد الولد فنقل أبو السعود عن العلامة قاسم عن
~~«البدائع» أن الصحيح عدم دخولهما، واختاره في «الاختيار» وعلله بأن
~~القريب من يتقرب إلى غيره بواسطة غيره وتكون الجزئية بينهما منعدمة، وفي
~~«شرح الحموي» أن دخولهما هو الأصح. وفي متن «المواهب» وأدخل أي محمد الجد
~~والحفدة وهو الظاهر عنهما، وذكر أن مثل الجد الجدة وقد يقال: إن عدم دخول
~~الوالدين والولد في ذلك وكذا الجد والحفدة عند من يقول بعدم دخولهم ليس
~~لأن اللفظ لا يصدق عليهم لغة بل لأنه لا يصدق عليهم عرفا وهم اعتبروا
~~العرف كما قال الطحطاوي في أكثر مسائل الوصية. وفي «جامع الفصولين» أن
~~مطلق الكلام فيما بين الناس ينصرف إلى المتعارف، وما ذكره في «المعراج»
~~من خبر «من سمى والده قريبا عقه» لا يدل على أنه ليس قريبا لغة بل هو
~~بيان حكم شرعي مبناه أن في ذلك إيذاء للوالد وحطا من قدره عرفا، وهذا
~~كما لو ناداه باسمه وكان يكره ذلك، وأمر العطف في الآية الكريمة سهل
~~لجواز عطف العام على الخاص كعطف الخاص على العام، فالذي يترجح عندي أن
~~الأرحام كما صرحوا به الأقارب بالقرابة الغير السببية والمراد بهم ما
~~يقابل الأجانب ويدخل فيهم الأصول والفروع والحواشي من قبل الأب أو من قبل
~~الأم وحرمة قطع كل لا شك فيها لأنه ms09899 على ما قلنا رحم.

# والآية ظاهرة في حرمة قطع الرحم. ((وحكى القرطبي في «تفسيره» اتفاق
~~الأمة على حرمة قطعها ووجوب صلتها، ولا ينبغي التوقف في كون القطع كبيرة،
~~والعجب من الرافعي عليه الرحمة كيف توقف في قول صاحب «الشامل»: إنه من
~~الكبائر، وكذا تقرير النووي قدس سره له على توقفه. واختلف في المراد
~~بالقطيعة فقال أبو زرعة: ينبغي أن تختص بالإساءة، وقال غيره: هي ترك /
~~الإحسان ولو بدون إساءة لأن الأحاديث آمرة بالصلة ناهية عن القطيعة ولا
~~واسطة بينهما، والصلة إيصال نوع من أنواع الإحسان كما فسرها بذلك غير
~~واحد فالقطيعة ضدها فهي ترك الإحسان. ونظر فيه الهيتمي بناء على تفسير
~~العقوق بأن يفعل مع أحد أبويه ما لو فعله مع أجنبي كان محرما صغيرة
~~فينتقل بالنسبة إلى أحدهما كبيرة وإن الأبوين أعظم من بقية الأقارب ثم
~~قال: فالذي يتجه ليوافق كلامهم وفرقهم بين العقوق وقطع الرحم أن المراد
~~بالأول أن يفعل مع أحد الأبوين ما يتأذى به فإن كان التأذي ليس بالهين
~~عرفا كان كبيرة وإن لم يكن محرما لو فعله مع الغير وبالثاني قطع ما ألف
~~القريب منه من سابق الوصلة والإحسان بغير عذر شرعي لأن قطع ذلك يؤدي إلى
~~إيحاش القلوب وتأذيها، فلو فرض أن قريبه لم يصل إليه إحسان ولا إساءة قط
~~لم يفسق بذلك لأن الأبوين إذا فرض ذلك في حقهما من غير أن يفعل معهما ما
~~يقتضي التأذي العظيم لغناهما مثلا لم يكن كبيرة فأولى بقية الأقارب؛ ولو
~~فرض أن الإنسان لم يقطع عن قريبه ما ألفه منه من الإحسان لكنه فعل معه
~~محرما صغيرة أو قطب في وجهه أو لم يقم له في ملأ ولا عبأ به لم يكن ذلك
~~فسقا بخلافه مع أحد الأبوين لأن تأكد حقهما اقتضى أن يتميزا على بقية
~~الأقارب بما لا يوجد نظيره فيهم، وعلى ضبط الثاني بما ذكرته فلا فرق بين
~~أن يكون الإحسان الذي ألفه منه قريبه مالا أو مكاتبة أو مراسلة أو زيارة
~~أو غير ms09900 ذلك فقطع ذلك كله بعد فعله لغير عذر كبيرة، وينبغي أن يراد بالعذر
~~في المال فقد ما كان يصله به أو تجدد احتياجه إليه أو أن يندبه الشارع
~~إلى تقديم غير القريب عليه لكونه أحوج أو أصلح، فعدم الإحسان إلى القريب
~~أو تقديم الأجنبي عليه لهذا العذر يرفع عنه وإن انقطع بسبب ذلك ما ألفه
~~منه القريب لأنه إنما راعى أمر الشارع بتقديم الأجنبي عليه، وواضح أن
~~القريب لو ألف منه قدرا معينا من المال يعطيه إياه كل سنة مثلا فنقصه
~~لا يفسق بذلك بخلاف ما لو قطعه من أصله لغير عذر، وأما عذر الزيارة
~~فينبغي ضبطه بعذر الجمعة لجامع أن كلا فرض عين وتركه كبيرة؛ وأما عذر
~~ترك المكاتبة والمراسلة فهو أن لا يجد من يثق به في أداء ما يرسله معه،
~~والظاهر أنه إذا ترك الزيادة التي ألفت منه في وقت مخصوص لعذر لا يلزمه
~~قضاؤها في غير ذلك الوقت.

# والأولاد والأعمام من الأرحام وكذا الخالة فيأتي فيهم وفيها ما تقرر من
~~الفرق بين قطعهم وعقوق الوالدين، وأما قول الزركشي: صح في الحديث أن
~~الخالة بمنزلة الأم وأن عم الرجل صنو أبيه وقضيتهما أنهما مثل الأب والأم
~~حتى في العقوق فبعيد جدا ويكفي مشابهتهما في أمر ما كالحضانة تثبت
~~للخالة كما تثبت للأم وكذا المحرمية وكالإكرام في العم والمحرمية وغيرهما
~~مما ذكر)) انتهى المراد منه.

# ولو قيل: إن الصغيرة تعد كبيرة لو فعلت مع القريب لكنها دون ما لو فعلت
~~مع أحد الأبوين لم يبعد عندي لتفاوت قبح السيئات بحسب الإضافات بل لا
~~يبعد على هذا أن يكون قبح قطع الرحم متفاوتا باعتبار الشخص القاطع
~~وباعتبار الشخص المقطوع ومتى سلم التفاوت فليقل به في العقوق ويكون عقوق
~~الأم أقبح من عقوق الأب وكذا عقوق الولد الذي يعبأ به أقبح من عقوق الولد
~~الذي لا يعبأ به ويتفرع من ذلك ما يتفرع مما لا يخفى على فقيه.

# واستدل بالآية عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على منع بيع ms09901 أم الولد.
~~روى الحاكم في «المستدرك» وصححه وابن المنذر عن بريدة قال: كنت جالسا
~~عند عمر إذ سمع صائحا فسأل فقيل: جارية من قريش تباع أمها فأرسل يدعو
~~المهاجرين والأنصار فلم تمض ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة فحمد الله
~~تعالى وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فهل تعلمونه كان مما جاء به محمد صلى
~~الله عليه وسلم القطيعة قالوا: لا قال: فإنها قد أصبحت فيكم فاشية ثم قرأ

# فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض
~~وتقطعوا أرحامكم

# [محمد: 22] ثم قال: وأي قطيعة أقطع من أن تباع أم امرىء فيكم قالوا
~~فاصنع ما بدا لك فكتب في الآفاق أن لا تباع أم حر فإنها قطيعة رحم وأنه
~~لا يحل.

# واستدل بها أيضا على جواز لعن يزيد عليه من الله تعالى ما يستحق. نقل
~~البرزنجي في «الإشاعة» والهيتمي في «الصواعق» أن الإمام أحمد لما سأله
~~ولده عبد الله عن لعن يزيد قال كيف لا يلعن من لعنه الله تعالى في كتابه؟
~~فقال عبد الله قد قرأت كتاب الله عز وجل فلم أجد فيه لعن يزيد فقال
~~الإمام إن الله تعالى يقول:

# فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض
~~وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله

# [محمد: 22] الآية وأي فساد وقطيعة أشد مما فعله يزيد؟ انتهى.

# وهو مبني على جواز لعن العاصي المعين من جماعة لعنوا بالوصف، وفي ذلك
~~خلاف، فالجمهور على أنه لا يجوز لعن المعين فاسقا كان أو ذميا حيا كان
~~أو ميتا ولم يعلم موته على الكفر لاحتمال أن يختم له أو ختم له بالإسلام
~~بخلاف من علم موته على الكفر كأبي جهل.

# وذهب شيخ الإسلام السراج البلقيني إلى جواز لعن العاصي المعين لحديث
~~«الصحيحين»

# " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان لعنتها
~~الملائكة حتى تصبح "

# وفي رواية

# " إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح "

# واحتمال أن يكون لعن الملائكة عليهم السلام إياها ليس بالخصوص بل
~~بالعموم بأن يقولوا: لعن الله من ms09902 باتت مهاجرة فراش زوجها بعيد وإن بحث به
~~معه ولده الجلال البلقيني.

# وفي «الزواجر» لو استدل لذلك بخبر مسلم

# " أنه صلى الله عليه وسلم مر بحمار وسم في وجهه فقال: لعن الله من فعل
~~هذا "

# لكان أظهر إذ الإشارة بهذا صريحة في لعن معين إلا أن يؤول بأن المراد
~~الجنس وفيه ما فيه انتهى.

# وعلى هذا القول لا توقف في لعن يزيد لكثرة أوصافه الخبيثة وارتكابه
~~الكبائر في جميع أيام تكليفه ويكفي ما فعله أيام استيلائه بأهل المدينة
~~ومكة فقد روى الطبراني بسند حسن

# " اللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه وعليه لعنة الله والملائكة
~~والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل "

# والطامة الكبرى ما فعله بأهل البيت ورضاه بقتل الحسين على جده وعليه
~~الصلاة والسلام، واستبشاره بذلك وإهانته لأهل بيته مما تواتر معناه وإن
~~كانت تفاصيله آحادا، وفي الحديث

# " ستة لعنتهم  وفي رواية  لعنهم الله وكل نبي مجاب الدعوة المحرف
~~لكتاب الله  وفي رواية  الزائد في كتاب الله والمكذب بقدر الله
~~والمتسلط بالجبروت ليعز من أذل الله ويذل من أعز الله والمستحل من عترتي
~~والتارك لسنتي "

# وقد جزم بكفره وصرح بلعنه جماعة من العلماء منهم الحافظ ناصر السنة ابن
~~الجوزي وسبقه القاضي أبو يعلى، وقال العلامة التفتازاني: لا نتوقف في
~~شأنه بل في إيمانه لعنة الله تعالى عليه وعلى أنصاره وأعوانه، وممن صرح
~~بلعنه الجلال السيوطي عليه الرحمة وفي «تاريخ ابن الوردي» وكتاب «الوافي
~~بالوفيات» أن السبي لما ورد من العراق على يزيد خرج فلقي الأطفال
~~والنساء من ذرية علي والحسين رضي الله تعالى عنهما والرؤس على أطراف
~~الرماح وقد أشرفوا على ثنية جيرون فلما رآهم نعب غراب فأنشأ يقول:

# لما بدت تلك الحمول وأشرفت

# تلك الرؤس على شفا جيرون

# نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل

# فقد اقتضيت من الرسول ديوني

# / يعني أنه قتل بمن قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر كجده
~~عتبة وخاله ولد عتبة وغيرهما وهذا كفر صريح فإذا صح عنه فقد ms09903 كفر به ومثله
~~تمثله بقول عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه:

# ليت أشياخي

# الأبيات. وأفتى الغزالي عفا الله عنه بحرمة لعنه. وتعقب السفاريني من
~~الحنابلة نقل البرزنجي والهيتمي السابق عن أحمد رحمه الله تعالى فقال:
~~((المحفوظ عن الإمام أحمد خلاف ما نقلا، ففي «الفروع» ما نصه ومن أصحابنا
~~من أخرج الحجاج عن الإسلام فيتوجه عليه يزيد ونحوه ونص أحمد خلاف ذلك
~~وعليه الأصحاب، ولا يجوز التخصيص باللعنة خلافا لأبي الحسين وابن
~~الجوزي وغيرهما، وقال شيخ الإسلام - يعني والله تعالى أعلم ابن تيمية -
~~ظاهر كلام أحمد الكراهة، قلت: والمختار ما ذهب إليه ابن الجوزي وأبو حسين
~~القاضي ومن وافقهما)) انتهى كلام السفاريني. وأبو بكر بن العربي المالكي
~~عليه من الله تعالى ما يستحق أعظم الفرية فزعم أن الحسين قتل بسيف
~~جده صلى الله عليه وسلم وله من الجهلة موافقون على ذلك

# كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا
~~كذبا

# [الكهف: 5].

# قال ابن الجوزي عليه الرحمة في كتابه «السر المصون»: من الاعتقادات
~~العامة التي غلبت على جماعة منتسبين إلى السنة أن يقولوا: إن يزيد كان
~~على الصواب وإن الحسين رضي الله تعالى عنه أخطأ في الخروج عليه ولو نظروا
~~في السير لعلموا كيف عقدت له البيعة وألزم الناس بها ولقد فعل في ذلك كل
~~قبيح ثم لو قدرنا صحة عقد البيعة فقد بدت منه بواد كلها توجب فسخ العقد
~~ولا يميل إلى ذلك إلا كل جاهل عامي المذهب يظن أنه يغيظ بذلك الرافضة.

# هذا ويعلم من جميع ما ذكره اختلاف الناس في أمره فمنهم من يقول: هو مسلم
~~عاص بما صدر منه مع العترة الطاهرة لكن لا يجوز لعنه، ومنهم من يقول: هو
~~كذلك ويجوز لعنه مع الكراهة أو بدونها ومنهم من يقول: هو كافر ملعون،
~~ومنهم من يقول: إنه لم يعص بذلك ولا يجوز لعنه وقائل هذا ينبغي أن ينظم
~~في سلسلة أنصار يزيد وأنا أقول: الذي يغلب على ظني أن الخبيث لم يكن
~~مصدقا برسالة النبي صلى الله عليه ms09904 وسلم وأن مجموع ما فعل مع أهل حرم
~~الله تعالى وأهل حرم نبيه عليه الصلاة والسلام وعترته الطيبين الطاهرين
~~في الحياة وبعد الممات وما صدر منه من المخازي ليس بأضعف دلالة على عدم
~~تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر؛ ولا أظن أن أمره كان
~~خافيا على أجلة المسلمين إذ ذاك ولكن كانوا مغلوبين مقهورين لم يسعهم
~~إلا الصبر ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ولو سلم أن الخبيث كان مسلما
~~فهو مسلم جمع من الكبائر ما لا يحيط به نطاق البيان، وأنا أذهب إلى جواز
~~لعن مثله على التعيين ولو لم يتصور أن يكون له مثل من الفاسقين. والظاهر
~~أنه لم يتب، واحتمال توبته أضعف من إيمانه، ويلحق به ابن زياد وابن سعد
~~وجماعة فلعنة الله عز وجل عليهم أجمعين، وعلى أنصارهم وأعوانهم وشيعتهم
~~ومن مال إليهم إلى يوم الدين ما دمعت عين على أبي عبد الله الحسين،
~~ويعجبني قول شاعر العصر ذو الفضل الجلي عبد الباقي أفندي العمري الموصلي
~~وقد سئل عن لعن يزيد اللعين:

# يزيد على لعني عريض جنابه

# فاغدو به طول المدى ألعن اللعنا

# ومن كان يخشى القال والقيل من التصريح بلعن ذلك الضليل فليقل: لعن الله
~~عز وجل من رضي بقتل / الحسين ومن آذى عترة النبي صلى الله عليه وسلم
~~بغير حق ومن غصبهم حقهم فإنه يكون لاعنا له لدخوله تحت العموم دخولا
~~أوليا في نفس الأمر، ولا يخالف أحد في جواز اللعن بهذه الألفاظ ونحوها
~~سوى ابن العربي المار ذكره وموافقيه فإنهم على ظاهر ما نقل عنهم لا
~~يجوزون لعن من رضي بقتل الحسين رضي الله تعالى عنه، وذلك لعمري هو الضلال
~~البعيد الذي يكاد يزيد على ضلال يزيد.

### || [47.24]

# { أفلا يتدبرون القرءان } أي لا يلاحظونه ولا يتصفحونه
~~وما فيه من المواعظ والزواجر حتى لا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات {
~~أم على قلوب أقفالها } تمثيل لعدم وصول الذكر إليها وانكشاف
~~الأمر لها فكأنه قيل: أفلا يتدبرون القرآن إذ وصل إلى قلوبهم أم ms09905 لم يصل
~~إليها؟ فتكون (أم) متصلة على مذهب سيبويه، وظاهر كلام بعض اختياره. وذهب
~~أبو حيان وجماعة إلى أنها منقطعة وما فيها من معنى بل للانتقال من
~~التوبيخ بترك التدبر إلى التوبيخ بكون قلوبهم مقفلة لا تقبل التدبر
~~والتفكر، والهمزة للتقرير، وتنكير القلوب لتهويل حالها وتفظيع شأنها
~~وأمرها في القساوة والجهالة كأنه قيل: على قلوب منكرة لا يعرف حالها ولا
~~يقادر قدرها في القساوة وقيل: لأن المراد قلوب بعض منهم وهم المنافقون
~~فتنكيرها للتبعيض أو للتنويع كما قيل، وإضافة الأقفال إليها للدلالة على
~~أنها أقفال مخصوصة بها مناسبة لها غير مجانسة لسائر الأقفال المعهودة.
~~وقرىء { إقفالها } بكسر الهمزة، وهو مصدر من الإفعال و { أقفلها } بالجمع
~~على أفعل.

### || [47.25]

# { إن الذين ارتدوا على أدبرهم } أي رجعوا إلى ما
~~كانوا عليه من الكفر، قال ابن عباس وغيره: نزلت في منافقين كانوا أسلموا
~~ثم نافقت قلوبهم، وفي «إرشاد العقل السليم» هم المنافقون الذين وصفوا
~~فيما سلف بمرض القلوب وغيره من قبائح الأحوال فإنهم قد كفروا به عليه
~~الصلاة والسلام { من بعد ما تبين لهم الهدى } بالدلائل
~~الظاهرة والمعجزات الباهرة القاهرة. وأخرج عبد الرزاق وجماعة عن قتادة
~~أنه قال: هم أعداء الله تعالى أهل الكتاب يعرفون بعث النبي صلى الله
~~عليه وسلم ويجدونه مكتوبا في التوراة والإنجيل ثم يكفرون به عليه الصلاة
~~والسلام. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال: { إن الذين
~~ارتدوا } الخ اليهود ارتدوا عن الهدى بعد أن عرفوا أن محمدا صلى
~~الله عليه وسلم نبي، والمختار ما تقدم، وأيا ما كان فالموصول اسم (إن)
~~وجملة قوله تعالى: { الشيطن سول لهم } خبرها كقولك: إن
~~زيدا عمرو مر به أي سهل لهم ركوب العظائم من السول بفتحتين وهو
~~الاسترخاء استعير للتسهيل أي لعده سهلا هينا حتى لا يبالي به كأنه شبه
~~بإرخاء ما كان مشدودا، وقيل: أي حملهم على الشهوات من السول وهو التمني،
~~وأصله حملهم على سؤلهم أي ما يشتهونه ويتمنونه فالتفعيل للحمل على المصدر
~~كغربه إذا حمله على الغربة إلا ms09906 أنهم جعلوا المصدر بمعنى اسم المفعول،
~~ونقل ذلك عن ابن السكيت. واعترض بأن السول بمعنى التمني من السؤال فهو
~~مهموز والتسويل واوي ومعناه التزيين فلا مناسبة لا لفظا ولا معنى فالقول
~~باشتقاق سول منه خطأ، ورد بأن السول من السؤال وله استعمالان فيكون
~~مهموزا وهو المعروف ومعتلا يقال سال يسال كخاف يخاف وقالوا منه:
~~يتساولان بالواو فيجوز كون التسويل من السول على هذه اللغة أو هو على
~~المشهورة خفف بقلب الهمزة ثم التزم، ونظيره تدير من الدار لاستمرار /
~~القلب في ديار وكذلك تحيز لاستمرار القلب في حيز ويكون مآل المعنى على
~~هذا حملهم على الشهوات.

# وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { سول لهم } مبنيا
~~للمفعول وخرج ذلك على تقدير مضاف أي كيد الشيطان سول لهم، وجوز تقديره
~~سول كيده لهم فحذف وقام الضمير المجرور مقامه فارتفع واستتر، قيل: وهو
~~أولى لأنه تقدير في وقت الحاجة ولا يخفى أن الأول أقل تكلفا.

# { وأملى لهم } أي ومد لهم الشيطان في الأماني والآمال، ومعنى
~~المد فيها توسيعها وجعلها ممدودة بنفسها أو بزمانها بأن يوسوس لهم بأنكم
~~تنالون في الدنيا كذا وكذا مما لا أصل لهم حتى يعوقهم عن العمل. وأصل
~~الإملاء الإبقاء ملاوة من الدهر أي برهة، ومنه قيل: المعنى وعدهم بالبقاء
~~الطويل، وجعل بعضهم فاعل { أملى } ضميره تعالى، والمعنى أمهلهم ولم
~~يعاجلهم بالعقوبة؛ وفيه تفكيك لكن أيد بقراءة مجاهد وابن هرمز والأعمش
~~وسلام ويعقوب { وأملي } بهمزة المتكلم مضارع أملى فإن الفاعل حينئذ
~~ضميره تعالى على الظاهر والأصل توافق القراءتين، وجوز أن يكون ماضيا
~~مجهولا من المزيد سكن آخره للتخفيف كما قالوا في بقي بقي بسكون الياء.

# وعلى الظاهر جوز أن تكون الواو للاستئناف وأن تكون للحال ويقدر مبتدأ
~~بعدها أي وأنا أملي لئلا يكون شاذا كقمت وأصك وجهه، وجوزت الحالية في
~~قراءة الجمهور أيضا على جعل الفاعل ضميره تعالى فحينئذ تقدر قد على
~~المشهور.

# وقرأ ابن سيرين والجحدري وشيبة وأبو عمرو وعيسى { وأملى } بالبناء
~~للمفعول  فلهم  نائب الفاعل أي أمهلوا ms09907 ومد في أعمارهم، وجوز أن يكون
~~ضمير { الشيطن } والمعنى أمهل الشيطان لهم أي جعل من المنظرين إلى
~~يوم القيامة لأجلهم ففيه بيان لاستمرار ضلالهم وتقبيح حالهم.

### || [47.26]

# { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من ارتدادهم لا إلى الإملاء كما نقل عن
~~الواحدي ولا إلى التسويل كما قيل لأن شيئا منهما ليس مسببا من القول
~~الآتي. وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: { بأنهم } أي بسبب أنهم {
~~قالوا } يعني المنافقين { للذين كرهوا ما نزل الله }
~~هم بنو قريظة والنضير من اليهود الكارهين لنزول القرآن على النبي عليه
~~الصلاة والسلام مع علمهم بأنه من عند الله تعالى حسدا وطمعا في نزوله
~~على أحد منهم { سنطيعكم في بعض الامر } أي في بعض أموركم
~~وأحوالكم وهو ما حكى عنهم في قوله تعالى:

# ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم
~~الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم
~~لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن
~~قوتلتم لننصرنكم

# [الحشر: 11] وقيل: في بعض ما تأمرون به كالتناصر على رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم، وقيل: القائلون اليهود الكافرون به صلى الله عليه وسلم بعد ما
~~وجدوا نعته الشريف في كتابهم والمقول لهم المنافقون كان اليهود يعدونهم
~~النصرة إذا أعلنوا بعداوة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقيل: القائلون
~~أولئك اليهود والمقول لهم المشركون كانوا يعدونهم النصرة أيضا إذا
~~حاربوا. وتعقب كلا القولين بأن كفر اليهود به عليه الصلاة والسلام ليس
~~بسبب هذا القول ولو فرض صدوره عنهم على رأي القائل بل من حيث إنكارهم
~~بعثه عليه الصلاة والسلام وقد عرفوه كما عرفوا أبناءهم وآباءهم، ومنه
~~يعلم ما في قول بعضهم: إن القائلين هم المنافقون واليهود والمقول لهم
~~المشركون، وما فسرنا به الآية الكريمة مروي عن الحبر رضي الله تعالى عنه.

# { والله يعلم إسرارهم } أي إخفاءهم ما يقولونه لليهود أو
~~كل قبيح ويدخل ذلك دخولا أوليا. وقرأ الجمهور { أسرارهم } بفتح الهمزة
~~أي يعلم الأشياء التي يسرونها ومنها قولهم / هذا الذي أظهره سبحانه
~~لتفضيحهم. وقال الإمام: الأظهر أن يقال المراد يعلم سبحانه ما ms09908 في قلوبهم
~~من العلم بصدق رسوله صلى الله عليه وسلم، وفيه ما لا يخفى. والجملة
~~اعتراض مقرر لما قبله متضمن للوعيد.

### || [47.27]

# والفاء في قوله سبحانه: { فكيف إذا توفتهم الملئكة
~~} لترتيب ما بعدها على ما قبلها. { وكيف } منصوب بفعل محذوف هو
~~العامل في الظرف كأنه قيل: يفعلون في حياتهم ما يفعلون من الحيل فكيف
~~يفعلون إذا توفتهم الملائكة، وقيل: مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي
~~فكيف حالهم أو حيلتهم إذا توفتهم الخ، وزعم الطبري أن التقدير فكيف علمه
~~تعالى بأسرارهم إذا توفتهم الخ، وليس بشيء. ووقت التوفي هو وقت الموت.
~~والملائكة عليهم السلام ملك الموت وأعوانه. وقرأ الأعمش { توفاهم }
~~بالألف بدل التاء فاحتمل أن يكون ماضيا وأن يكون مضارعا حذف منه أحد
~~تاءيه والأصل تتوفاهم.

# { يضربون وجوههم وأدبرهم } حال من (الملائكة)، وجوز
~~كونه حالا من ضمير { توفتهم } وضعفه أبو حيان، وهو على ما قيل
~~تصوير لتوفيهم على أهول الوجوه وأفظعها وإبراز لما يخافون منه ويجبنون عن
~~القتال لأجله فإن ضرب الوجوه والأدبار في القتال والجهاد مما يتقى، وعن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنه لا يتوفى أحد على معصية ألا تضرب الملائكة
~~في وجهه وفي دبره، والكلام على الحقيقة عنده ولا مانع من ذلك وإن لم يحس
~~بالضرب من حضر وما ذلك إلا كسؤال الملكين وسائر أحوال البرزخ. والمراد
~~بالوجه والدبر قيل العضوان المعروفان. أخرج ابن المنذر عن مجاهد أنه قال:
~~يضربون وجوههم وأستاههم ولكن الله سبحانه كريم يكني، وقال الراغب وغيره:
~~المراد القدام والخلف، وقيل: وقت التوفي وقت سوقهم في القيامة إلى النار
~~والملائكة ملائكة العذاب يومئذ، وقيل: هو وقت القتال والملائكة ملائكة
~~النصر تضرب وجوههم إن ثبتوا وأدبارهم إن هربوا نصرة لرسول الله صلى الله
~~عليه وسلم، وكلا القولين كما ترى.

### || [47.28]

# { ذلك } التوفي الهائل { بأنهم } أي بسبب أنهم { اتبعوا
~~ما أسخط الله } من الكفر والمعاصي { وكرهوا رضوانه }
~~ما يرضاه عز وجل من الإيمان والطاعات حيث كفروا بعد الإيمان وخرجوا عن
~~الطاعة بما صنعوا من المعاملة مع ms09909 إخوانهم اليهود، وقيل: { ما أسخط
~~الله } كتمان نعت الرسول صلى الله عليه وسلم و(رضوانه) ما يرضيه
~~سبحانه من إظهار ذلك وهو مبني على أن ما تقدم إخبار عن اليهود وقد سمعت
~~ما فيه، ولما كان اتباع ما أسخط الله تعالى مقتضيا للتوجه ناسب ضرب
~~الوجه وكراهة رضوانه سبحانه مقتضيا للإعراض ناسب ضرب الدبر ففي الكلام
~~مقابلة بما يشبه اللف والنشر.

# { فأحبط } لذلك { أعملهم } التي عملوها حال إيمانهم من
~~الطاعات، وجوز أن يراد ما كان بعد من أعمال البر التي لو عملوها حال
~~الإيمان لانتفعوا بها.

### || [47.29]

# { أم حسب الذين في قلوبهم مرض } هم المنافقون الذين
~~فصلت أحوالهم الشنيعة، وصفوا بوصفهم السابق لكونه مدارا لما نعى عليهم
~~بقوله تعالى: { أن لن يخرج الله أضغنهم } فأم منقطعة
~~وأن مخففة من (أن)، واسمها ضمير الشأن والجملة بعدها خبرها. والأضعان
~~جمع ضغن وهو الحقد وقيده الراغب بالشديد وقد ضغن بالكسر وتضاغن القوم
~~واضطغنوا أبطنوا الأحقاد، ويقال: اضطغنت الصبي إذا أخذته تحت حضنك وأنشد
~~الأحمر

# كأنه مضطغن صبيا

# وفرس ضاغن لا يعطي ما عنده من الجري إلا بالضرب، وأصل الكلمة من الضغن
~~وهو الالتواء والاعوجاج في قوائم الدابة والقناة وكل شيء، قال بشر:

# كذات الضغن تمشي في الرفاق

# وأنشد الليث:

# / إن قناتي من صليبات القنا

# ما زادها التثقيف إلا ضغنا

# والحقد في القلب يشبه به. وقال الليث وقطرب: الضغن العداوة قال الشاعر:

# قل لابن هند ما أردت بمنطق

# ساء الصديق وشيد الأضغانا

# وهذا لا ينافي الأول لأن الحقد العداوة لأمر يخفيه المرء في قلبه،
~~والإخراج مختص بالأجسام، والمراد به هنا الإبراز أي بل أحسب الذين في
~~قلوبهم حقد وعداوة للمؤمنين أنه لن يبرز الله تعالى أحقادهم ويظهرها
~~للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فتبقى مستورة، والمعنى أن ذلك مما
~~لا يكاد يدخل تحت الاحتمال.

### || [47.30]

# { ولو نشاء } إراءتك إياهم { لأريناكهم } أي لعرفناكهم على
~~أن الرؤية علمية { فلعرفتهم بسيمهم } تفريع لمعرفته صلى
~~الله عليه وسلم على تعريف الله عز وجل، ويجوز أن تكون الرؤية بصرية على ms09910
~~أن المعنى أنه صلى الله عليه وسلم يعرفهم معرفة متفرعة على إراءته إياهم،
~~والالتفات إلى نون العظمة للإيماء إلى العناية بالإراءة. والسيما
~~العلامة، والمعنى هنا على الجمع لعمومها بالإضافة لكنها أفردت للإشارة
~~إلى أن علاماتهم متحدة الجنس فكأنها شيء واحد أي فلعرفتهم بعلامات نسمهم
~~بها. ولام { فلعرفتهم } كلام { لأريناكهم } الواقعة في
~~جواب (لو) لأن المعطوف على الجواب جواب، وكررت في المعطوف للتأكيد، وأما
~~التي في قوله تعالى: { ولتعرفنهم في لحن القول }
~~فواقعة في جواب قسم محذوف والجملة معطوفة على الجملة الشرطية { لحن
~~القول } أسلوب من أساليبه مطلقا، أو المائلة عن الطريق المعروفة كأن
~~يعدل عن ظاهره من التصريح إلى التعريض والإبهام، ولذا سمي خطأ الإعراب به
~~لعدوله عن الصواب. وقال الراغب: ((اللحن صرف الكلام عن سننه الجاري عليه
~~إما بإزالة الإعراب أو التصحيف وهو المذموم وذلك أكثر استعمالا، وإما
~~بإزالته عن التصريح وصرفه بمعناه إلى تعريض وفحوى وهو محمود من حيث
~~البلاغة، وإليه أشار بقوله الشاعر عند أكثر الأدباء:

# منطق صائب وتلحن أحيا

# نا وخير الحديث ما كان لحنا

# وإياه قصد بقوله تعالى: { ولتعرفنهم في لحن القول }
~~)) وفي «البحر» ((يقال: لحنت له بفتح الحاء ألحن لحنا قلت له قولا
~~يفهمه عنك ويخفى على غيره، ولحنه هو بالكسر فهمه وألحنته أنا إياه
~~ولاحنت الناس فاطنتهم، وقيل: لحن القول الذهاب عن الصواب))، وعن ابن عباس
~~{ لحن القول } هنا قولهم ما لنا إن أطعنا من الثواب ولا يقولون ما
~~علينا إن عصينا من العقاب وكان هذا الذي ينبغي منهم، وقال بعض من فسره
~~بالأسلوب المائل عن الطريق المعروفة: إنهم كانوا يصطلحون فيما بينهم على
~~ألفاظ يخاطبون بها الرسول صلى الله عليه وسلم مما ظاهره حسن ويعنون به
~~القبيح وكانوا أيضا يتكلمون بما يشعر بالاتباع وهم بخلاف ذلك كقولهم إذا
~~دعاهم المؤمنون إلى نصرهم: إنا معكم، وبالجملة إنهم كانوا يتكلمون بكلام
~~ذي دسائس وكان صلى الله عليه وسلم يعرفهم بذلك، وعن أنس رضي الله تعالى
~~عنه ما خفي بعد هذه الآية على رسول الله ms09911 صلى الله عليه وسلم شيء من
~~المنافقين كان عليه الصلاة والسلام يعرفهم بسيماهم ولقد كنا في بعض
~~الغزوات وفيها تسعة من المنافقين يشكوهم الناس فناموا ذات ليلة وأصبحوا
~~وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب هذا منافق.

# وفي دعواه أنه صلى الله عليه وسلم كان يعرفهم بسيماهم إشكال فإن { لو
~~} ظاهرها عدم الوقوع بل المناسب معرفتهم من لحن القول، وكأنه حمله على
~~أنه وعد بالوقوع دال على الامتناع فيما سلف، ولقد صدق وعده واستشهد عليه
~~بما اتفق في بعض الغزوات.

# ولا تنحصر السيما بالكتابة / بل تكون بغيرها أيضا مما يعرفهم به النبي
~~صلى الله عليه وسلم كما يعرف القائف حال الشخص بعلامات تدل عليه، وكثيرا
~~ما يعرف الإنسان محبه ومبغضه من النظر ويكاد النظر ينطق بما في القلب،
~~وقد شاهدنا غير واحد يعرف السني والشيعي بسمات في الوجه، وإن صح أن بعض
~~الأولياء قدست أسرارهم كان يعرف البر والفاجر والمؤمن والكافر ويقول أشم
~~من فلان رائحة الطاعة ومن فلان رائحة المعصية ومن فلان رائحة الإيمان ومن
~~فلان رائحة الكفر ويظهر الأمر حسبما أشار فرسول الله صلى الله عليه وسلم
~~بتلك المعرفة أولى وأولى؛ ولعلها بعلامات وراء طور عقولنا، والنور
~~المذكور في خبر

# " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى "

# متفاوت الظهور بحسب القابليات وللنبي صلى الله عليه وسلم أتمه.

# وذكروا من علامات النفاق بغض علي كرم الله تعالى وجهه. فقد أخرج ابن
~~مردويه عن ابن مسعود قال: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم إلا ببغضهم علي بن أبي طالب. وأخرج هو وابن عساكر عن
~~أبي سعيد الخدري ما يؤيده، وعندي أن بغضه رضي الله تعالى عنه من أقوى
~~علامات النفاق فإن آمنت بذلك فيا ليت شعري ماذا تقول في يزيد الطريد أكان
~~يحب عليا كرم الله تعالى وجهه أم كان يبغضه، ولا أظنك في مرية من أنه
~~عليه اللعنة كان يبغضه رضي الله تعالى عنه أشد البغض وكذا يبغض ولديه
~~الحسن والحسين على جدهما ms09912 وأبويهما وعليهما الصلاة والسلام كما تدل على
~~ذلك الآثار المتواترة معنى، وحينئذ لا مجال لك من القول بأن اللعين كان
~~منافقا. وقد جاء في الأحاديث الصحيحة علامات للنفاق غير ما ذكر كقوله
~~عليه الصلاة والسلام:

# " علامات المنافق ثلاث "

# الحديث لكن قال العلماء هي علامات للنفاق العملي لا الإيماني، وقيل:
~~الحديث خارج مخرج التنفير عن اتصاف المؤمن المخلص بشيء منها لما أنها
~~كانت إذ ذاك من علامات المنافقين.

# واستدل بقوله تعالى: { ولتعرفنهم في لحن القول } من
~~جعل التعريض بالقذف موجبا الحد، ولا يخفى حاله.

# { والله يعلم أعملكم } فيجازيكم عليها بحسب قصدكم وهذا
~~على ما قيل وعد للمؤمنين وإيذان بأن حالهم بخلاف حال المنافقين؛ وقيل:
~~وعيد للمنافقين وإيذان لهم بأن المجزى عليه ما يقصدونه لا ما يعرضون أو
~~يورون به، واستظهر أنه خطاب عام فهو وعد ووعيد، وحمل على العموم قوله
~~تعالى: { ولنبلونكم حتى نعلم المجهدين منكم
~~والصبرين }.

### || [47.31]

# { ولنبلونكم } بالأمر بالجهاد ونحوه من التكاليف الشاقة {
~~حتى نعلم المجهدين منكم والصبرين } على مشاق
~~التكاليف علما فعليا يتعلق به الجزاء، وفي معناه ما قيل: أي حتى يظهر
~~علمنا، وقال ابن الحاجب في ذلك: العلم يطلق باعتبار الرؤية والشيء لا يرى
~~حتى يقع - يعني على المشهور - وهو هنا بمعنى ذلك أو بمعنى المجازاة،
~~والمعنى حتى نجازي المجاهدين منكم والصابرين { ونبلوا
~~أخبركم } فيظهر حسنها وقبيحها، والكلام كناية عن بلاء أعمالهم
~~فإن الخبر حسنه وقبيحه على حسب المخبر عنه فإذا تميز الحسن عن الخبر
~~القبيح فقد تميز المخبر عنه وهو العمل كذلك، وهذا أبلغ من نبلو أعمالكم.
~~والظاهر عموم الأخبار، وجوز كون المراد بها إخبارهم عن إيمانهم وموالاتهم
~~للمؤمنين على أن إضافتها للعهد أي ونبلو أخبار إيمانكم وموالاتكم فيظهر
~~صدقها وكذبها.

# وقرأ أبو بكر الأفعال الثلاثة المسندة إلى ضمير العظمة بالياء، وقرأ
~~رويس { ونبلو } بالنون وسكون الواو، والأعمش بسكونها وبالياء فالفعل
~~مرفوع بضمة مقدرة بتقدير ونحن نبلو والجملة حالية، وجوز أن يكون منصوبا
~~كما في قراءة الجمهور سكن للتخفيف كما في قوله:

# أبى الله أن أسمو ms09913 بأم ولا أب

### || [47.32]

# { إن الذين كفروا وصدوا } الناس { عن سبيل الله
~~وشاقوا الرسول } صاروا في شق غير شقه، والمراد / عادوه { من
~~بعد ما تبين لهم الهدى } لما شاهدوا من نعته عليه الصلاة
~~والسلام في التوراة أو بما ظهر على يديه صلى الله عليه وسلم من المعجزات
~~ونزل عليه عليه الصلاة والسلام من الآيات وهم بنو قريظة والنضير أو
~~المطعمون يوم بدر وقد تقدم ذكرهم، وقيل: أناس نافقوا بعد أن آمنوا { لن
~~يضروا الله } بكفرهم وصدهم { شيئا } من الأشياء أو شيئا من
~~الضرر أو لن يضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشاقته شيئا؛ وقد حذف
~~المضاف لتعظيمه عليه الصلاة والسلام بجعل مضرته وما يلحقه كالمنسوب إلى
~~الله تعالى وفيه تفظيع مشاقته صلى الله عليه وسلم.

# { وسيحبط أعملهم } في مكايدهم التي نصبوها في إبطال دينه
~~تعالى ومشاقة رسوله عليه الصلاة والسلام فلا يصلون بها إلى ما كانوا
~~يبغون من الغوائل ولا تثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم ونحو ذلك،
~~وجوز أن يراد أعمالهم التي عملوها في دينهم يرجون بها الثواب.

### || [47.33]

# قيل: إن بني أسد أسلموا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: قد
~~آثرناك وجئناك بنفوسنا وأهلنا كأنهم منوا بذلك فنزلت فيهم هذه وقوله
~~تعالى:

# يمنون عليك أن أسلموا

# [الحجرات: 17] ومن هنا قيل المعنى لا تبطلوا أعمالكم بالمن بالإسلام،
~~وعن ابن عباس بالرياء والسمعة وعنه أيضا بالشك والنفاق، وقيل: بالعجب
~~فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وقيل: المراد بالأعمال الصدقات
~~أي تبطلوها بالمن والأذى، وقيل: لا تبطلوا طاعاتكم بمعاصيكم.

# أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أنه قال في الآية: من استطاع منكم
~~أن لا يبطل عملا صالحا بعمل سوء فليفعل ولا قوة إلا بالله تعالى، وأخرج
~~عبد بن حميد ومحمد بن نصر المروزي في «كتاب الصلاة» وابن أبي حاتم عن
~~أبي العالية قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا
~~يضر مع لا إله إلا الله ذنب كما لا ينفع مع ms09914 الشرك عمل حتى نزلت {
~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا
~~أعملكم } فخافوا أن يبطل الذنب العمل، ولفظ عبد بن حميد فخافوا
~~الكبائر أن تحبط أعمالهم، وأخرج ابن نصر وابن جرير وابن مردويه عن ابن
~~عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كنا معاشر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم
~~نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبولا حتى نزلت { أطيعوا الله
~~وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعملكم } فلما نزلت
~~هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات
~~والفواحش فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها قلنا: قد هلك حتى نزلت هذه
~~الآية

# إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون
~~ذلك لمن يشاء

# [النساء: 48] فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك وكنا إذا رأينا أحدا
~~أصاب منها شيئا خفنا عليه وإن لم يصب منها شيئا رجونا له.

# واستدل المعتزلة بالآية على أن الكبائر تحبط الطاعات بل الكبيرة الواحدة
~~تبطل مع الإصرار الأعمال ولو كانت بعدد نجوم السماء، وذكروا في ذلك من
~~الأخبار ما ذكروا. وفي «الكشف» لا بد في هذا المقام من تحرير البحث بأن
~~يقال: إن أراد المعتزلة أن نحو الزنا إذا عقب الصلاة يبطل ثوابها مثلا
~~فهذا لا دليل عليه نقلا وعقلا بل هما متعادلان على ما دل عليه صحاح
~~الأحاديث، وكفى بقوله تعالى:

# فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل
~~مثقال ذرة شرا يره

# [الزلزلة: 7-8] حجة بالغة، وإن أرادوا أن عقابه قد يكبر حتى لا يعاد له
~~صغار الحسنات فهذا صحيح والكلام حينئذ في تسميته إحباطا، ولا بأس به
~~لكن عندنا أن هذا الإحباط غير لازم وعندهم لازم، وهو مبني على جواز العفو
~~وهي مسألة / أخرى، وأما الكبيرة التي تختص بذلك العمل كالعجب ونحو المن
~~والأذى بعد التصدق فهي محبطة لا محالة اتفاقا، وعليه يحمل ما نقل من
~~الآثار، ومن لا يسميه إحباطا لأنه يجعله شرطا للقبول والإحباط أن يصير
~~الثواب زائلا وهذا لا يتأتى إذا لم يثبت له ثواب فله ذلك، ms09915 وهو أمر يرجع
~~إلى الاصطلاح انتهى وهو من الحسن بمكان. وإعادة الفعل في { وأطيعوا
~~الرسول } للاهتمام بشأن إطاعته عليه الصلاة والسلام.

### || [47.34]

# { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } امتنعوا
~~عن الدخول في الإسلام وسلوك طريقه أو صدوا الناس عنه { ثم ماتوا
~~وهم كفار فلن يغفر الله لهم } نزلت في أهل القليب كما
~~قيل، وحكمها عام كما قال غير واحد في كل من مات على كفره، وهو ظاهر على
~~التفسير الأول لصدوا عن سبيل الله، وأما على التفسير الثاني له فقيل
~~عليه: إن العموم مع تخصيص الكفر بصد الناس عن الإسلام محل نظر. ويفهم من
~~كلام بعض الأجلة أن العموم لأن مدار عدم المغفرة هو الاستمرار على الكفر
~~حسبما يشعر اعتباره قيدا في الكلام فتدبر. واستدل بمفهوم الآية بعض
~~القائلين بالمفهوم على أنه تعالى قد يغفر لمن لم يمت على كفره سائر
~~ذنوبه.

### || [47.35]

# { فلا تهنوا } أي إذا علمتم أن الله تعالى مبطل أعمالهم ومعاقبهم
~~فهو خاذلهم في الدنيا والآخرة فلا تبالوا بهم ولا تظهروا ضعفا، فالفاء
~~فصيحة في جواب شرط مفهوم مما قبله، وقيل: هي لترتيب النهي على ما سبق من
~~الأمر بالطاعة { وتدعوا إلى السلم } عطف على { تهنوا }
~~داخل في حيز النهي أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح خورا وإظهارا للعجز
~~فإن ذلك إعطاء الدنية، وجوز أن يكون منصوبا بإضمار أن فيعطف المصدر
~~المسبوك على مصدر متصيد مما قبله كقوله:

# لا تنه عن خلق وتأتي مثله

# واستدل إلكيا بهذا النهي على منع مهادنة الكفار إلا عند الضرورة، وعلى
~~تحريم ترك الجهاد إلا عند العجز.

# وقرأ السلمي { وتدعوا } بتشديد الدال من ادعى بمعنى دعا، وفي
~~«الكشاف» ذكر لا في هذه القراءة، ولعل ذلك رواية أخرى، وقرأ الحسن وأبو
~~رجاء والأعمش وعيسى وطلحة وحمزة وأبو بكر { السلم } بكسر السين.

# { وأنتم الأعلون } أي الأغلبون، والعلو بمعنى الغلبة مجاز
~~مشهور، والجملة حالية مقررة لمعنى النهي مؤكدة لوجوب الانتهاء وكذا قوله
~~تعالى: { والله معكم } أي ناصركم فإن كونهم الأغلبين وكونه عز
~~وجل ناصرهم ms09916 من أقوى موجبات الاجتناب عما يوهم الذل والضراعة. وقال أبو
~~حيان: ((يجوز أن يكونا جملتين مستأنفتين أخبروا أولا أنهم الأعلون وهو
~~إخبار بمغيب أبرزه الوجود ثم ارتقى إلى رتبة أعلى من التي قبلها وهي كون
~~الله تعالى معهم.

# { ولن يتركم أعملكم } قال: ولن يظلمكم))، وقيل: ولن
~~ينقصكم، وقيل: ولن يضيعها، وهو كما قال أبو عبيد والمبرد من وترت الرجل
~~إذا قتلت له قتيلا من ولد أو أخ أو حميم أو سلبته ماله وذهبت به. قال
~~الزمخشري: ((وحقيقته أفردته من قريبه أو ماله من الوتر وهو الفرد، فشبه
~~إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر وهو من فصيح الكلام - وفيه
~~هنا من الدلالة على مزيد لطف الله تعالى ما فيه - ومنه قوله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله "

# )) والظاهر على ما ذكره أنه لا بد من تضمين وترته معنى السلب ونحوه
~~ليتعدى إلى المفعول الثاني بنفسه، وفي «الصحاح» أنه من الترة وحمله على
~~نزع الخافض أي جعلته موتورا لم يدرك ثأره في ذلك كأنه نقصه فيه وجعله
~~نظير دخلت البيت أي فيه وهو سديد أيضا. وجوز بعضهم { يتر } ههنا
~~متعديا لواحد و { أعملكم } بدل من ضمير الخطاب أي لن يتر
~~أعمالكم من ثوابها.

# / والجملة قيل: معطوفة على قوله تعالى: { معكم } وهي وإن لم تقع
~~حالا استقلالا لتصديرها بحرف الاستقبال المنافي للحال على ما صرح به
~~العلامة التفتازاني وغيره لكنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في غيره،
~~وقيل: المانع من وقوع المصدرة بحرف الاستقبال حالا مخالفته للسماع وإلا
~~فلا مانع من كونها حالا مقدرة مع أنه يجوز أن تكون { لن } لمجرد تأكيد
~~النفي.

# والظاهر أن المانعين بنوا المنع على المنافاة وأنها إذا زالت باعتبار
~~أحد الأمرين فلا منع لكن قيل: إن الحال المقصود منها بيان الهيئة غير
~~الحال الذي هو أحد الأزمنة والمنافاة إنما هي بين هذا الحال والاستقبال.
~~وهذا نظير ما قال مجوزو مجيء الجملة الماضية حالا بدون قد، وما لذلك وما
~~عليه في ms09917 كتب النحو، وإذا جعلت الجملة قبل مستأنفة لم يكن إشكال في العطف
~~أصلا.

### || [47.36]

# { إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو } لا ثبات لها ولا
~~اعتداد بها { وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم }
~~أي ثواب إيمانكم وتقواكم من الباقيات الصالحات التي يتنافس فيها
~~المتنافسون { ولا يسألكم أموالكم } عطف على الجزاء
~~والإضافة للاستغراق، والمعنى إن تؤمنوا لا يسألكم جميع أموالكم كما يأخذ
~~من الكافر جميع ماله، وفيه مقابلة حسنة لقوله تعالى: { يؤتكم
~~أجوركم } كأنه قيل: يعطكم كل الأجور ويسألكم بعض المال وهو ما شرعه
~~سبحانه من الزكاة، وقول سفيان بن عيينة أي لا يسألكم كثيرا من أموالكم
~~إنما يسألكم ربع العشر فطيبوا أنفسكم بيان لحاصل المعنى، وقيل: أي لا
~~يسألكم ما هو مالكم حقيقة وإنما يسألكم ماله عز وجل وهو المالك لها حقيقة
~~وهو جل شأنه المنعم عليكم بالانتفاع بها، وقيل: أي لا يسألكم أموالكم
~~لحاجته سبحانه إليها بل ليرجع إنفاقكم إليكم، وقيل: أي لا يسألكم الرسول
~~صلى الله عليه وسلم شيئا من أموالكم أجرا على تبليغ الرسالة كما قال
~~تعالى:

# قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من
~~المتكلفين

# [ص: 86] ووجه التعليق عليها غير ظاهر وفي بعضها أيضا ما لا يخفى.

### || [47.37]

# { إن يسألكموها } أي أموالكم { فيحفكم } فيجهدكم بطلب
~~الكل فإن الإحفاء والإلحاف المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء يقال: أحفاه
~~في المسئلة إذا لم يترك شيئا من الإلحاح وأحفى شاربه استأصله وأخذه
~~أخذا متناهيا، وأصل ذلك على ما قال الراغب: من أحفيت الدابة جعلته
~~حافيا أي منسحج الحافر والبعير جعلته منسحج الفرسن من المشي حتى يرق {
~~تبخلوا } جواب الشرط. والمراد بالبخل هنا ترك الإعطاء إذ هو على
~~المعنى المشهور أمر طبيعي لا يترتب على السؤال { ويخرج
~~أضغنكم } أي أحقادكم لمزيد حبكم للمال وضمير { يخرج } لله
~~تعالى ويعضده قراءة يعقوب، ورويت أيضا عن ابن عباس { ونخرج } بالنون
~~مضمومة، وجوز أن يكون للسؤال أو للبخل فإنه سبب إخراج الأضغان والإسناد
~~على ذلك مجازي، وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو { ويخرج } بالرفع على
~~الاستئناف، ms09918 وجوز جعل الجملة حالا بتقدير وهو يخرج وحكاها أبو حاتم عن
~~عيسى، وفي «اللوامح» عن عبد الوارث عن أبي عمرو { ويخرج } بالياء
~~التحتية وفتحها وضم الراء والجيم { أضغانكم } بالرفع على الفاعلية. وقرأ
~~ابن عباس ومجاهد وابن سيرين وابن محيصن وأيوب بن المتوكل واليماني {
~~وتخرج } بتاء التأنيث ورفع { أضغانكم } ، وقرىء { ويخرج } بضم الياء
~~التحتية وفتح الراء { أضغانكم } رفعا على النيابة عن الفاعل وهي / مروية
~~عن عيسى إلا أنه فتح الجيم بإضمار أن فالواو عاطفة على مصدر متصيد أي يكن
~~بخلكم وإخراج أضغانكم.

### || [47.38]

# { ثم أنتم هؤلاء } أي أنتم أيها المخاطبون هؤلاء الموصوفون
~~بما تضمنه قوله تعالى:

# إن يسألكموها

# [محمد: 37] الخ، والجملة مبتدأ وخبر وكررت (ها) التنبيهية للتأكيد،
~~وقوله سبحانه: { تدعون لتنفقوا في سبيل الله } الخ
~~استئناف مقرر ومؤكد لذلك لاتحاد محصل معناهما، فإن دعوتهم للإنفاق هو سؤل
~~الأموال منهم وبخل ناس منهم هو معنى عدم الإعطاء المذكور مجملا أولا،
~~أو صلة لهؤلاء على أنه بمعنى الذين فإن اسم الإشارة يكون موصولا مطلقا
~~عند الكوفيين وأما البصريون فلم يثبتوا اسم الإشارة موصولا إلا إذا
~~تقدمه (ما) الاستفهامية باتفاق أو (من) الاستفهامية باختلاف، والإنفاق في
~~سبيل الله تعالى هو الإنفاق المرضي له تعالى شأنه مطلقا فيشمل النفقة
~~للعيال والأقارب والغزو وإطعام الضيوف والزكاة وغير ذلك وليس مخصوصا
~~بالإنفاق للغزو أو بالزكاة كما قيل.

# { فمنكم من يبخل } أي ناس يبخلون { ومن يبخل فإنما
~~يبخل عن نفسه } فلا يتعدى ضرر بخله إلى غيرها يقال: بخلت عليه
~~وبخلت عنه لأن البخل فيه معنى المنع ومعنى التضييق على من منع عنه
~~المعروف والإضرار فناسب أن يعدى بعن للأول وبعلى للثاني، وظاهر أن من منع
~~المعروف عن نفسه فإضراره عليها فلا فرق بين اللفظين في الحاصل، وقال
~~الطيبي: يمكن أن يقال يبخل عن نفسه على معنى يصدر البخل عن نفسه لأنها
~~مكان البخل ومنبعه كقوله تعالى:

# ومن يوق شح نفسه

# [الحشر: 9] وهو كما ترى.

# { والله الغني } لا غيره عز وجل { وأنتم الفقراء }
~~الكاملون في الفقر فما يأمركم به ms09919 سبحانه فهو لاحتياجكم إلى ما فيه من
~~المنافع التي لا تقتضي الحكمة إيصالها بدون ذلك فإن امتثلتم فلكم وإن
~~توليتم فعليكم.

# وقوله تعالى: { وإن تتولوا } عطف على قوله سبحانه: { إن
~~تؤمنوا } أي وإن تعرضوا عن الإيمان والتقوى { يستبدل قوما
~~غيركم } يخلق مكانكم قوما آخرين وهو كقوله تعالى:

# ويأت بخلق جديد

# [فاطر: 16] { ثم لا يكونوا أمثلكم } في التولي عن
~~الإيمان والتقوى بل يكونون راغبين فيهما. و(ثم) للتراخي حقيقة أو لبعد
~~المرتبة عما قبل.

# والمراد بهؤلاء القوم أهل فارس، فقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن
~~جرير وابن أبي حاتم والطبراني في «الأوسط» والبيهقي في «الدلائل»
~~والترمذي وهو حديث صحيح على شرط مسلم عن أبي هريرة قال:

# " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { وإن تتولوا }
~~الخ فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا
~~يكونون أمثالنا؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان ثم
~~قال: هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله
~~رجال من فارس "

# وجاء في رواية ابن مردويه عن جابر: الدين بدل الإيمان، وقيل: هم
~~الأنصار، وقيل: أهل اليمن، وقيل: كندة والنخع، وقيل: العجم، وقيل: الروم،
~~وقيل: الملائكة وحمل القوم عليهم بعيد في الاستعمال، وحيث صح الحديث فهو
~~مذهبي. والخطاب لقريش أو لأهل المدينة قولان والظاهر أنه للمخاطبين قبل،
~~والشرطية غير واقعة، فعن الكلبي شرط في الاستبدال توليهم لكنهم لم
~~يتولوا فلم يستبدل سبحانه قوما غيرهم والله تعالى أعلم.

# ومما قاله بعض أرباب الإشارة في بعض الآيات:

# يأيها الذين ءامنوا إن تنصروا الله ينصركم

# [محمد: 7] نصرة الله تعالى من العبد على وجهين صورة ومعنى، أما نصرته
~~تعالى في الصورة فنصرة دينه جل شأنه بإيضاح الدليل وتبيينه وشرح فرائضه
~~وسننه وإظهار معانيه وأسراره وحقائقه ثم بالجهاد عليه وإعلاء كلمته وقمع
~~أعدائه، وأما نصرته في المعنى فبإفناء الناسوت / في اللاهوت، ونصرة الله
~~سبحانه للعبد على وجهين أيضا صورة ومعنى، أما نصرته تعالى للعبد في
~~الصورة فبإرسال ms09920 الرسل وإنزال الكتب وإظهار المعجزات والآيات وتبيين السبل
~~إلى النعيم والجحيم، ثم بالأمر بالجهاد الأصغر والأكبر وتوفيق السعي
~~فيهما طلبا لرضاه عز وجل، وأما نصرته تعالى له في المعنى فبإفناء وجوده
~~في وجوده سبحانه بتجلي صفات جماله وجلاله { مثل الجنة التي
~~وعد المتقون } يشير إلى جنة قلوب أرباب الحقائق الذين اتقوا عما
~~سواه جل وعلا { فيها أنهار من ماء غير ءاسن } هو ماء
~~الحياة الروحانية لم يتغير بطول المكث { وأنهار من لبن } وهو
~~العلم الحقاني الذي هو غذاء الأرواح أو لبن الفطرة التي فطر الناس عليها
~~{ لم يتغير طعمه } بحموضة الشكوك والأوهام أو الأهواء
~~والبدع { وأنهر من خمر لذة للشربين } وهي خمر
~~الشوق والمحبة:

# يقولون لي صفها فأنت بوصفها

# خبير أجل عندي بأوصافها علم

# صفاء ولا ماء ولطف ولا هوى

# ونور ولا نار وروح ولا جسم

# { وأنهر من عسل } وهو عسل الوصال { مصفى } عن كدر
~~الملال وخوف الزوال { ولهم فيها من كل الثمرت } اللذائذ
~~الروحانية { ومغفرة من ربهم } ستر لذنب وجودهم كما قيل:

# وجودك ذنب لا يقاس به ذنب

# { كمن هو خلد في النار } نار الجفاء { وسقوا ماء
~~حميما } وهو ماء الخذلان

# فقطع أمعاءهم

# [محمد: 15] من الحرمان

# ولو نشاء لأرينكهم فلعرفتهم بسيمهم

# [محمد: 30] وهي ظلمة في وجوههم تدرك بالنظر الإلهي قيل: المؤمن ينظر
~~بنور الفراسة والعارف بنور التحقيق والنبي عليه الصلاة والسلام ينظر
~~بالله عز وجل، وقيل: كل من رزق قرب النوافل ينظر به تعالى لحديث

# " لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه
~~الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به "

# الحديث وحينئذ يبصر كل شيء، ومن هنا كان بعض الأولياء الكاملين يرى على
~~ما حكي عنه أعمال العباد حين يعرج بها وسبحان السميع البصير اللطيف
~~الخبير.

### | [48 - سورة الفتح]

### || [48.1]

# { إنا فتحنا لك } إخبار عن صلح الحديبية عند الجمهور وروي ذلك
~~عن ابن عباس وأنس والشعبي والزهري قال ابن عطية: وهو الصحيح. وأصل الفتح
~~إزالة الاغلاق، ((وفتح البلد كما في «الكشاف» الظفر به عنوة أو ms09921 صلحا
~~بحرب أو بغيره لأنه منغلق ما لم يظفر به فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد
~~فتح))، وسمي ذلك الصلح فتحا لاشتراكهما في الظهور والغلبة على المشركين
~~فإنهم كما قال الكلبي ما سألوا الصلح إلا بعد أن ظهر المسلمون عليهم،
~~وعن ابن عباس أن المسلمين رموهم أي بسهام وحجارة كما قيل حتى أدخلوهم
~~ديارهم أو لأن ذلك الصلح صار سببا لفتح مكة.

# قال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية اختلط المشركون بالمسلمين
~~وسمعوا كلامهم وتمكن الإسلام من قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر
~~بهم سواد الإسلام، قال القرطبي: فما مضت تلك السنون إلا والمسلمون قد
~~جاؤا إلى مكة في عشرة آلاف ففتحوها. والتسمية على الأول من باب الاستعارة
~~التبعية كيفما قررت، وعلى الثاني من باب المجاز المرسل سواء قلنا إنه في
~~مثل ما ذكر تبعي أم لا حيث سمي السبب باسم المسبب، ولا مانع من أن يكون
~~بين شيئين نوعان من العلاقة فيكون استعمال أحدهما في الآخر باعتبار كل
~~نوعا من المجاز كما في المشفر والشفة الغليظة لإنسان.

# وإسناد الفتح المراد به الصلح الذي هو فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~إليه عز وجل مجاز من إسناد ما للقابل للفاعل الموجد، وفي ذلك من تعظيم
~~شأن الصلح والرسول عليه الصلاة والسلام ما فيه. لا يقال: قد تقرر في
~~الكلام أن الأفعال كلها مخلوقة له تعالى فنسبة الصلح إليه سبحانه إسناد
~~إلى ما هو له فلا مجاز لأنا نقول: ما هو له عبارة عما كان الفعل حقه أن
~~يسند إليه في العرف سواء كان مخلوقا له تعالى أو لغيره عز وجل كما صرح
~~به السعد في «المطول» وكيف لا ولو كان كذلك لكان إسناد جميع الأفعال إلى
~~غيره تعالى مجازا وإليه تعالى حقيقة كالصلاة والصيام وغيرهما.

# / وقال المحقق ميرزاجان: يمكن توجيه ما في الآية الكريمة على أنه
~~استعارة مكنية أو على أن يراد خلق الصلح وإيجاده أو على أن يكون المجاز
~~في الهيئة التركيبية الموضوعة ms09922 للإسناد إلى ما هو له فاستعملت في الإسناد
~~إلى غيره أو على أن يكون من قبيل الاستعارة التمثيلية، والأوجه الأربعة
~~جارية في كل ما كان من قبيل المجاز العقلي كأنبت الربيع البقل، وقد صرح
~~القوم بالثلاثة الأول منها، وزعم بعض أن الصلح مما يسند إليه تعالى حقيقة
~~فلا يحتاج إلى شيء من ذلك وفيه مافيه، ويجوز أن يكون ذلك إخبارا عن جعل
~~المشركين في الحديبية مغلوبين خائفين طالبين للصلح ويكون الفتح مجازا عن
~~ذلك وإسناده إليه تعالى حقيقة.

# وقد خفي كون ما كان في الحديبية فتحا على بعض الصحابة حتى بينه عليه
~~الصلاة والسلام. أخرج البيهقي عن عروة قال:

# " أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعا فقال رجل من
~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله ما هذا بفتح لقد صددنا عن
~~البيت وصد هدينا وعكف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ورد
~~رجلين من المسلمين خرجا فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: بئس
~~الكلام هذا بل هو أعظم الفتح لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن
~~بلادكم ويسألونكم القضية ويرغبون إليكم في الأمان وقد كرهوا منكم ما
~~كرهوا، وقد أظفركم الله عليهم وردكم سالمين غانمين مأجورين فهذا أعظم
~~الفتح، أنسيتم يوم أحد إذا تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في
~~أخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذا زاغت
~~الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا؟ قال المسلمون: صدق
~~الله ورسوله هو أعظم الفتوح والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت ولأنت
~~أعلم بالله وبالأمور منا "

# وفائدة الخبر بالفتح على الوجهين بالنسبة إلى غيره عليه الصلاة والسلام
~~لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم يعلم ذلك وكذا يعلم لازم الفائدة كذا قيل.
~~وحمل الغير على من لم يحضر الفتح من الصحابة وغيرهم لأن الحاضرين علموا
~~ذلك قبل النزول، وقيل: الحاضر إنما علم وقوع الصلح أو كون المشركين بحيث
~~طلبوه ولم يعلم كونه فتحا كما يشعر به ms09923 الخبر، وإن سلم أنه علم ذلك لكنه
~~لم يعلم عظم شأنه على ما يشعر به إسناده إلى نون العظمة والإخبار به بذلك
~~الاعتبار. وقال بعض المحققين: لعل المقصود بالإفادة كون ذلك للمغفرة وما
~~عطف عليها فيجوز أن تكون الفائدة بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم أيضا،
~~وأقول: قد صرحوا بأنه كثيرا ما تورد الجملة الخبرية لأغراض أخر سوى
~~إفادة الحكم أو لازمه نحو

# رب إني وضعتها أنثى

# [آل عمران: 36]

# رب إني وهن العظم مني

# [مريم: 4]

# لا يستوي القعدون من المؤمنين

# [النساء: 95] الآية إلى غير ذلك مما لا يحصى فيجوز أن يكون الغرض من
~~إيرادها ههنا الامتنان دون إفادة الحكم أو لازمه ولا مجاز في ذلك ونحوه
~~على ما أشار إليه العلامة عبد الحكيم السيالكوتي في «حواشيه على المطول».
~~وصرح في «الرسالة الجندية» بأن الهيئة التركيبية الخبرية في نحو ذلك
~~منقولة إلى الإنشائية وأن المجاز في الهيئة فقط لا في الأطراف ولا في
~~المجموع وهو مجاز مفرد عند صاحب الرسالة، والكلمة أعظم من اللفظ الحقيقي
~~والحكمي، وبعضهم يقول هو مجاز مركب ولا ينحصر في التمثيلية، وتحقيقه في
~~موضعه.

# والتأكيد بإن للاعتناء لا لرد الإنكار وقيل لأن الحكم لعظم شأنه مظنة
~~للإنكار، وقيل: لأن بعض السامعين منكر كون ما وقع فتحا، ويقال في تكرير
~~الحكم نحو ذلك.

# وقال مجاهد: المراد بالفتح فتح خيبر وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع
~~على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام، وكان خروج النبي صلى الله
~~تعالى عليه وسلم - كما قال ابن إسحق ورجحه الحافظ ابن حجر - في بقية
~~المحرم سنة سبع وأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها / ونقل عن مالك
~~وجزم به ابن حزم أنه كان في آخر سنة ست، وجمع بأن من أطلق سنة ست بناه
~~على أن ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقي وهو شهر ربيع الأول، وقول
~~الشيخ أبي حامد في «التعليقة»: إن غزوة خيبر كانت سنة خمس وهم، وقول ابن
~~سعد وابن أبي شيبة رواية عن أبي سعيد الخدري، ms09924 إنها كانت لثمان عشرة من
~~رمضان خطأ، ولعل الأصل كانت حنين فحرف ومع هذا يحتاج إلى توجيه. وقد فتحت
~~على أيدي أهل الحديبية لم يشركهم أحد من المتخلفين عنها فالفتح على
~~حقيقته وإسناده إليه تعالى على حد ما سمعت فيما تقدم، والتأكيد بإن
~~وتكرير الحكم للاعتناء، والتعبير عن ذلك بالماضي مع أنه لم يكن واقعا
~~يوم النزول بناء على ما روي عن المسور بن مخرمة من أن السورة نزلت من
~~أولها إلى آخرها بين مكة والمدينة من باب مجاز المشارفة نحو «من قتل
~~قتيلا» على المشهور أو الأول نحو

# إني أراني أعصر خمرا

# [يوسف: 36] ولا يضر اختلافهما في الفعلية والاسمية؛ وفيه وجه آخر يعلم
~~مما سيأتي إن شاء الله تعالى.

# وذهب جماعة إلى أنه فتح مكة وهو كما في «زاد المعاد» الفتح الأعظم الذي
~~أعز الله تعالى به دينه واستنقذ به بلده وطهر حرمه واستبشر به أهل السماء
~~وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء ودخل الناس بعده في دين الله عز وجل
~~أفواجا وأشرق وجه الدهر ضياء وابتهاجا، وكان سنة ثمان وفي رواية ونصف،
~~وقد خرج رسول الله تعالى صلى الله عليه وسلم على ما أخرجه أحمد بإسناد
~~صحيح عن أبي سعيد لليلتين خلتا من شهر رمضان، وفتح مكة لثلاث عشرة خلت
~~منه على ما روي عن الزهري، وروي عن جماعة أنه كان الفتح في عشر بقيت من
~~شهر رمضان وقيل غير ذلك، وكان معه صلى الله عليه وسلم من المسلمين عشرة
~~آلاف وقيل: إثنا عشر ألفا والجمع ممكن، وكان الفتح عند الشافعي صلحا
~~وهي رواية عن أحمد للتأمين في مر الظهران ب «من دخل دار أبي سفيان فهو
~~آمن ومن دخل المسجد فهو آمن»، ولعدم قسمة الدور بين الغانمين، وذهب
~~الأكثرون إلى أنه عنوة للتصريح بالأمر بالقتال ووقوعه من خالد بن الوليد
~~وقوله عليه الصلاة والسلام:

# " أحلت لي ساعة من نهار "

# ولا يسمى ذلك التأمين صلحا إلا إذا التزم من أشير إليه به الكف عن
~~القتال، والأخبار الصحيحة ظاهرة ms09925 في أن قريشا لم يلتزموا، وترك القسمة لا
~~يستلزم عدم العنوة فقد تفتح البلدة عنوة ويمن على أهلها وتترك لهم دورهم.

# وأقام عليه الصلاة والسلام بعد الفتح خمس عشرة ليلة في رواية البخاري
~~وسبع عشرة في رواية أبي داود وثمان عشرة في رواية الترمذي، وتسع عشرة في
~~رواية بعض، وتمام الكلام في كتب السير، واستظهر هذا القول أبو حيان وذكر
~~((أنه المناسب لآخر السورة التي قبل لما قال سبحانه:

# هاأنتم هؤلاء تدعون

# [محمد: 38] الآية فبين جل وعلا أنه فتح لهم مكة وغنموا وحصل لهم أضعاف
~~ما أنفقوا ولو بخلوا لضاع عليهم ذلك فلا يكون بخلهم إلا على أنفسهم،
~~وأيضا لما قال سبحانه:

# وأنتم الأعلون والله معكم

# [محمد: 35] بين تعالى برهانه بفتح مكة فإنهم كانوا هم الأعلين، وأيضا
~~لما قال تعالى:

# فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم

# [محمد: 35] كان ذلك في فتح مكة ظاهرا حيث لم يلحقهم وهن ولا دعوا إلى
~~الصلح بل أتى صناديد قريش مستأمنين مستسلمين))، وهذا ظاهر بالنسبة إلى
~~القول بأن المراد به فتح الحديبية، وأما على القول بأن المراد به فتح
~~خيبر فليس كذلك.

# ورجع بعضهم القول بأنه صلح الحديبية على القول بأنه فتح مكة بأن وعد فتح
~~مكة يجيء صريحا في هذه السورة الكريمة وذلك قوله تعالى:

# لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن
~~المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين

# [الفتح: 27] الآية فلو حمل هذا الفتح عليه لكان تأكيدا بخلاف ما إذا
~~حمل على صلح الحديبية فإنه يكون تأسيسا والتأسيس خير من التأكيد، ورجحه
~~بعض على القول بأنه فتح خيبر بمثل هذا لأن فتح خيبر مذكور فيما بعد
~~أيضا، وللبحث في ذلك مجال، وإن والتكرير لما تقدم، وكذا الإسناد إلى
~~ضمير العظمة بل هذا الفتح أولى / بالاعتناء وتعظيم الشأن حتى قيل: إن
~~إسناده إليه تعالى لكونه من الأمور الغريبة العجيبة التي يخلقها الله
~~تعالى على يد أنبيائه عليهم السلام كالرمي بالحصى المشار إليه بقوله
~~تعالى:

# وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى

# [الأنفال: 17] وهذا خلاف الظاهر، والمشهور ms09926 أن في الكلام مجازا عقليا
~~وفيه الاحتمالات السابقة.

# وقال بعض المحققين: يمكن أن يقال: لعل الإرادة هنا معتبرة إما على سبيل
~~الحذف أو على المجاز المرسل كما في قوله تعالى:

# إذا قمتم إلى الصلاة

# [المائدة: 6] الآية، وقوله تعالى:

# فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله

# [النحل: 98] عند أكثر الأئمة، ومثل هذا التأويل قيل: مطرد في الأفعال
~~الاختيارية، وزعم بعضهم أن الفتح مجاز عن تيسيره، وذكر بعض الصدور في
~~توجيه التأكيد بأن ههنا أنه قد يجعل غير السائل بمنزلة السائل إذا قدم
~~إليه ما يلوح به بالخبر، وصرحوا بأن الملوح لا يلزم أن يكون كلاما، وقد
~~ذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أنه عليه الصلاة والسلام رأى في المنام
~~أنه وأصحابه رضي الله تعالى عنهم دخلوا مكة آمنين فصار المقام مقام أن
~~يتردد في الفتح فألقى إليه عليه الصلاة والسلام الكلام مؤكدا كما يلقى
~~إلى السائل كذلك، وجوز أن يكون لرد الإنكار بناء على تحققه من المشركين
~~فإنهم كانوا يزعمون أنه صلى الله عليه وسلم لا يستولي على مكة كما لم
~~يستول عليها من أراد الاستيلاء عليها قبله عليه الصلاة والسلام وهو كما
~~ترى.

# وذكر بعض أجلة القائلين بأن المراد به فتح مكة أن الكلام وعد بفتحها
~~فقيل إن الجملة حينئذ إخبار، وقيل: إنها إنشاء، واستشكل بما صرح به الرضي
~~من أن الجمل الإنشائية منحصرة بالاستقراء في الطلبية والإيقاعية والوعد
~~ليس شيئا منهما أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن مجرد قولك لأكرمنك
~~مثلا لا يقع به الإكرام، وقال بعض الصدور إن كلامهم مضطرب في كون الوعد
~~إنشاء أو إخبارا، ويمكن التوفيق بأن يقال: أصل الوعد إنشاء لأنه إظهار
~~أمر في النفس يوجب سرور المخاطب وما يتعلق به الوعد وهو الموعود إخبار،
~~نظيره قول النحاة كأن لإنشاء التشبيه مع أن مدخولها جملة خبرية. وقال
~~الخفاجي: هذا ناشيء من عدم فهم المراد منه، فإن قيل: المراد من لأكرمنك
~~مثلا إكرام في المستقبل فهو خبر بلا مرية، وإن قيل: معناه العزم على
~~إكرامه وتعجيل المسرة له ms09927 بإعلامه فهو إنشاء، وأقول لا يخفى أن الإخبار
~~أصل للإنشاء، وقد صرح بذلك العلامة التفتازاني في «المطول» وليست هيئة
~~المركب دالة على أنه إنشاء وليس فيه ما يدل بمادته على ذلك فيمكن أن
~~يقال: إنه إخبار قصد به تعجيل المسرة وإن ذلك لا يخرج عن الإخبار نظير ما
~~قيل في قوله تعالى:

# رب إني وضعتها أنثى

# [آل عمران: 36] ونحوه فتدبر.

# والتعبير عن ذلك بالماضي لتحققه، وفيه من تسلية قلوب الأصحاب وتسليتهم
~~حيث صاروا محزونين غاية الحزن من تأخير الفتح ما فيه، وهذا التعبير من
~~قبيل الاستعارة التبعية على ما حققه السيد السند في «حواشي المطول» حيث
~~قال: اعلم أن التعبير عن المضارع بالماضي وعكسه يعد من باب الاستعارة بأن
~~يشبه غير الحاصل بالحاصل في تحقق الوقوع ويشبه الماضي بالحاضر في كونه
~~نصب العين واجب المشاهدة ثم يستعار لفظ أحدهما للآخر فعلى هذا تكون
~~استعارة الفعل على قسمين. أحدهما: أن يشبه الضرب الشديد مثلا بالقتل
~~ويستعار له اسمه ثم يشتق منه قتل بمعنى ضرب ضربا شديدا.

# والثاني: أن يشبه الضرب المستقبل بالضرب في الماضي مثلا في تحقق الوقوع
~~فيستعمل فيه ضرب فيكون المعنى المصدري أعني الضرب موجودا في كل واحد من
~~المشبه والمشبه به لكنه قيد في كل منهما بقيد يغاير الآخر فصح التشبيه
~~لذلك.

# وقال المحقق ميرزاجان يمكن توجيه الاستعارة ههنا بوجه آخر وهو أن يشبه
~~الزمان المستقبل بالزمان الماضي ووجه الشبه أنه كما أن الثاني ظرف أمر
~~محقق الوقوع كذلك الزمان الأول واللفظ الدال على الزمان الثاني وهو لفظ /
~~الفعل الماضي من جهة الصيغة جعل دالا على الزمان المستقبل مستعملا فيه،
~~ومن البين أن المصدر على حاله لم يتغير معناه فكانت الاستعارة في الصيغة
~~والهيئة أولى لأنها الدالة على الزمان الماضي وبواسطتها كانت الاستعارة
~~في الفعل كما كانت الاستعارة في الفعل بواسطة المصدر، والفرق أن هذه
~~الاستعارة في الفعل بواسطة جوهره ومادته وفيما نحن فيه بواسطة صورته، لا
~~يقال: الدال على الزمان هو نفس اللفظ المشتق لا جزؤه لأنا ms09928 نقول: يجري هذا
~~الاحتمال في الاستعارة التبعية المشهورة بأن يقال: الدال على المعنى
~~الحدثي هو نفس اللفظ المشتق لا جزؤه لأن المصدر بصيغته غير متحقق في
~~المشتق فإن الضرب غير موجود في ضارب وضرب. فإن قلت: المصدر لفظ مستقل
~~يمكن التعبير به عن معناه بخلاف الهيئة قلت: لفظ الزمان الماضي أيضا
~~كذلك فلا فرق ولو سلم نقول في كل منهما: نستعير المعنى المطابقي للفظ
~~الفعل بواسطة المعنى التضمني له، ولا يبعد أن يسمى مثل هذا استعارة
~~تبعية، والأمر في التسمية هين لا اعتداد بشأنه، ولعلهم إنما جعلوا
~~الاستعارة في مثل ذلك بواسطة المصدر واعتبروا التغاير الاعتباري ولم
~~يعتبروا ما اعتبرنا من تشبيه نفس الزمان بالزمان حتى تصير الاستعارة في
~~الفعل تبعية بلا تكلف رعاية لطي النشر بقدر الإمكان وأيضا في كون الصيغة
~~والهيئة جزأ للفظ تأمل، وأيضا الهيئة ليست جزأ مستقلا كالمصدر، وأيضا
~~الهيئة ليست لفظا والاستعارة قسم للفظ، ولعل القوم لهذه كلها أو بعضها
~~لم يلتفتوا إليه انتهى، وفيه بحث.

# وللفاضل مير صدر الدين «رسالة» في هذه الآية الكريمة تعرض فيها للمحقق
~~في هذا المقام، وتعقبها الفاضل يوسف القرباغي «برسالة» أطال الكلام فيها
~~وجرح وعدل وذكر عدة احتمالات في الاستعارة التبعية، ومال إلى أن الهيئة
~~لفظ محتجا بما نقله من «شرح المختصر العضدي» ومن «شرح الشرح» للعلامة
~~التفتازاني وأيده بنقول أخر فليراجع ذلك فإنه وإن كان في بعضه نظر لا
~~يخلو عن فائدة. والذي يترجح عندي أن الهيئة ليست بلفظ لكنها في حكمه وأنه
~~قد يتصرف فيها بالتجوز كما في الخبر إذا استعمل في الإنشاء وأن المجاز
~~المرسل يكون تبعيا بناء على ما ذكروه في وجه التبعية في الاستعارة، وقول
~~الصدر في الفرق: إن العلاقة في الاستعارة ملحوظة حين الإطلاق فإنهم صرحوا
~~بأن اسم المشبه به لا يطلق على المشبه إلا بعد دخوله في جنس المشبه به
~~بخلاف المرسل فإن العلاقة باعثة للانتقال وليست ملحوظة حين الاستعمال فلا
~~ضرورة في القول بالتبعية فيه إن تم - لا يجدي نفعا فافهم. ms09929

# وزعم بعضهم أن التعبير بالماضي ههنا على حقيقته بناء على أن الفتح مجاز
~~عن تيسيره وتسهيله وهو مما لا يتوقف على حصول الفتح ووقوعه ليكون
~~مستقبلا بالنسبة إلى زمن النزول مثله ألا ترى أن موسى عليه الصلاة
~~والسلام سأل ربه تعالى بقوله:

# ويسر لي أمري

# [طه: 26] أن يسهل أمره وهو خلافته في أرضه وما يصحبها، وأجيب إليه في
~~موقف السؤال بقوله تعالى:

# قد أوتيت سؤلك يموسى

# [طه: 36] ولم يباشر بعد شيئا، وحمله على الوعد بإيتاء السؤال خلاف
~~الظاهر، وأنت تعلم أن ما ذهب إليه الجمهور أظهر وأبلغ. وفي مجيء المستقبل
~~بصيغة الماضي لتنزيله منزلة المحقق من الفخامة والدلالة على علو شأن
~~المخبر ما لا يخفى كما في «الكشاف»، وذلك على ما قيل لأنه يدل على أن
~~الأزمنة كلها عنده تعالى على السواء وأن منتظره كمحقق غيره وأنه سبحانه
~~إذا أراد أمرا تحقق لا محالة وأنه لجلالة شأنه إذا أخبر عن حادث فهو
~~كالكائن لما عنده من أسبابه القريبة والبعيدة، وقيل غير ذلك.

# واستشكل أمر المضي في كلامه تعالى بناء على ثبوت الكلام النفسي الأزلي
~~للزوم الكذب لأن صدق الكلام يستدعي سبق وقوع النسبة ولا يتصور السبق على
~~الأزل، وأجيب بأن كلامه تعالى النفسي الأزلي لا يتصف بالماضي وغيره لعدم
~~الزمان. وتعقب بأن تحقق / هذا مع القول بأن الأزلي مدلول اللفظي عسير
~~جدا، وكذا القول بأن المتصف بالمضي وغيره إنما هو اللفظ الحادث دون
~~المعنى القديم. وأجاب بعضهم بأن العسر لو كان دلالة اللفظي عليه دلالة
~~الموضوع على الموضوع له وليس كذلك عندهم بل هي دلالة الأثر على المؤثر،
~~ولا يلزم من اعتبار شيء في الأثر اعتباره في المؤثر، ولا يخفى أن كون
~~الدلالة دلالة الأثر على المؤثر خلاف الظاهر. وقال ابن الصدر في ذلك: إن
~~اشتمال الكلام اللفظي على المضي والحضور والاستقبال إنما هو بالنظر إلى
~~زمان المخاطب لا إلى زمان المتكلم كما إذا أرسلت زيدا إلى عمرو تكتب في
~~مكتوبك إليه إني أرسلت إليك زيدا مع أنه حين ما ms09930 تكتبه لم يتحقق الإرسال
~~فتلاحظ حال المخاطب، وكما تقدر في نفسك مخاطبا وتقول: لم تفعل الآن كذا
~~وكان قبل ذلك كذا، ولا شك أن هذا المضي والحضور والاستقبال بالنسبة إلى
~~زمان الوجود المقدر لهذا المخاطب لا بالنسبة إلى زمان المتكلم بالكلام
~~النفسي لكونه متوجها لمخاطب مقدر لا يلاحظ فيه إلا أزمنة المخاطبين
~~المقدرين، وما اعتبره أئمة العربية من حكاية الحال الماضية واعتبار المضي
~~والحضور والاستقبال في الجملة الحالية بالقياس إلى زمان الفعل لا زمان
~~التكلم قريب منه جدا انتهى.

# وللمحقق ميرزاجان كلام في هذا المقام يطلب من «حواشيه على الشرح
~~العضدي».

# وقيل: المراد بالفتح فتح الروم على إضافة المصدر إلى الفاعل فإنهم غلبوا
~~على الفرس في عام النزول، وكونه فتحا له عليه الصلاة والسلام لأنه أخبر
~~عن الغيب فتحقق ما أخبر به في ذلك العام ولأنه تفاءل به لغلبة أهل الكتاب
~~المؤمنين وفي ذلك من ظهور أمره صلى الله عليه وسلم ما هو بمنزلة الفتح،
~~قيل: ففي الفتح استعارة لتشبيه ظهوره صلى الله عليه وسلم بالفتح، وقيل:
~~لا تجوز فيه وإنما التجوز في تعلقه به عليه الصلاة والسلام، وقيل: لا
~~تجوز أصلا والمعنى فتحنا على الروم لأجلك. وأنت تعلم أن حمل الفتح على
~~ما ذكره في نفسه بعيد جدا. وأورد عليه أن فتح الروم لم يكن مسببا على
~~الجهاد ونحوه فلا يصح ما ذكروه في توجيه التعليل الآتي، وعن قتادة {
~~فتحنا } من الفتاحة بالضم وهي الحكومة أي إنا قضينا لك على أهل مكة
~~أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل لتطوفوا بالبيت وهو بعيد أيضا.

# وقيل: المراد به فتح الله تعالى له صلى الله عليه وسلم بالإسلام والنبوة
~~والدعوة بالحجة والسيف؛ وقريب منه ما نقله الراغب من أنه فتحه عز وجل له
~~عليه الصلاة والسلام بالعلوم والهدايات التي هي ذريعة إلى الثواب
~~والمقامات المحمودة، وأمره في البعد كما سبق، وأيا ما كان فحذف المفعول
~~للقصد إلى نفس الفعل والإيذان بأن مناط التبشير نفس الفتح الصادر عنه
~~سبحانه لا خصوصية المفتوح.

# وتقديم ms09931 { لك } على المفعول المطلق أعني قوله تعالى: { فتحا
~~مبينا } مع أن الأصل تقديمه على سائر المفاعيل كما صرح به العلامة
~~التفتازاني للاهتمام بكون ذلك لنفعه عليه الصلاة والسلام، وقيل: لأنه
~~مدار الفائدة، و { مبين } من أبان بمعنى بان اللازم أي فتحا بينا
~~ظاهر الأمر مكشوف الحال أو فارقا بين الحق والباطل.

### || [48.2]

# { ليغفر لك الله } مذهب الأشاعرة القائلين بأن أفعاله تعالى
~~لا تعلل بالأغراض أن مثل هذه اللام للعاقبة أو لتشبيه مدخولها بالعلة
~~الغائية في ترتبه على متعلقها وترتب المغفرة على الفتح من حيث إن فيه
~~سعيا منه صلى الله عليه وسلم في إعلاء كلمة الله تعالى بمكابدة مشاق
~~الحروب واقتحام موارد الخطوب؛ والسلف كما قال ابن القيم وغيره يقولون
~~بتعليل أفعاله عز وجل. وفي «شرح المقاصد» للعلامة التفتازاني أن من بعض
~~أدلتهم  أي الأشاعرة ومن وافقهم على هذا المطلب  يفهم أنهم أرادوا عموم
~~السلب ومن بعضها أنهم أرادوا سلب العموم، ثم قال: الحق أن بعض / أفعاله
~~تعالى معلل بالحكم والمصالح وذلك ظاهر والنصوص شاهدة به، وأما تعميم
~~ذلك بأنه لا يخلو فعل من أفعاله سبحانه من غرض فمحل بحث. وذكر الأصفهاني
~~في «شرح الطوالع» في هذه المسألة خلافا للمعتزلة وأكثر الفقهاء. وأنا
~~أقول: بما ذهب إليه السلف لوجود التعليل فيما يزيد على عشرة آلاف آية
~~وحديث، والتزام تأويل جميعها خروج عن الإنصاف، وما يذكره الحاضرون من
~~الأدلة يدفع بأدنى تأمل كما لا يخفى على من طالع كتب السلفيين عليهم
~~الرحمة.

# وفي «الكشاف» ((لم يجعل الفتح علة للمغفرة لكن لاجتماع ما عدد من الأمور
~~الأربعة وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز
~~كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عز الدارين
~~وأغراض العاجل والآجل)). وحاصله كما قال العلامة أن الفتح لم يجعل علة
~~لكل من المتعاطفات بعد اللام أعني المغفرة وإتمام النعمة والهداية والنصر
~~بل لاجتماعها، ويكفي في ذلك أن يكون له دخل في حصول البعض كإتمام النعمة
~~والنصر العزيز، وتحقيقه كما قال ms09932 أن العطف على المجرور باللام قد يكون
~~للاشتراك في متعلق اللام مثل جئتك لأفوز بلقياك وأحوز عطاياك ويكون
~~بمنزلة تكرير اللام وعطف جار ومجرور على جار ومجرور، وقد يكون للاشتراك
~~في معنى اللام كجئتك لتستقر في مقامك وتفيض علي من إنعامك أي لاجتماع
~~الأمرين، ويكون من قبيل جاءني غلام زيد وعمرو أي الغلام الذي لهما.
~~واستظهر دفعا لتوهم أنه إذا كان المقصود البعض فذكر الباقي لغو أن يقال:
~~لا يخلو كل منهما أن يكون مقصودا بالذات وهو ظاهر أو المقصود البعض
~~وحينئذ فذكر غيره إما لتوقفه عليه أو لشدة ارتباطه به أو ترتبه عليه
~~فيذكر للإشعار بأنهما كشيء واحد كقوله تعالى:

# أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى

# [البقرة: 282] وقولك: أعددت الخشب ليميل الحائط فأدعمه ولازمت غريمي
~~لأستوفي حقي وأخليه. وظاهر كلام الزمخشري أن المقصود فيما نحن فيه تعليل
~~الهيئة الإجتماعية فحسب فتأمل لتعرف أنه من أي الأقسام هو.

# واعلم أن المشهور كون العلة ما دخلته اللام لا ما تعلقت به كما هو ظاهر
~~عبارة «الكشاف»؛ لكن حقق أنها إذا دخلت على الغاية صح أن يقال: إن ما
~~بعدها علة ويراد بحسب التعقل وأن يقال: ما تعلقت به علة ويراد بحسب
~~الوجود فلا تغفل.

# وزعم صاحب «الغنيان» أن اللام ههنا هي لام القسم وكسرت وحذف النون من
~~الفعل تشبيها بلام كي. ورد بأن لام القسم لا تكسر ولا ينصب بها فإنه لم
~~يسمع والله ليقوم زيد على معنى ليقومن زيد، وانتصر له بأن الكسر قد علل
~~بتشبيهها بلام كي وأما النصب فله أن يقول فيه: بأنه ليس نصبا وإنما هو
~~الحركة التي تكون مع وجود النون بقيت بعد حذفها دلالة على الحذف. وأنت
~~تعلم أنه لا يجدي نفعا مع عدم السماع.

# هذا والالتفات إلى اسم الذات المستتبع لجميع الصفات قيل: للإشعار بأن كل
~~واحد مما انتظم في سلك الغاية من أفعاله تعالى صادر عنه عز وجل من حيثية
~~غير حيثية الآخر مترتبة على صفة من صفاته جل شأنه. وقال الصدر: لا ms09933 يبعد
~~أن يقال: إن التعبير عنه تعالى في مقام المغفرة بالاسم الجليل المشعر
~~بصفات الجمال والجلال يشعر بسبق مغفرته تعالى على عذابه. وفي «البحر»
~~((لما كان الغفران وما بعده يشترك في إطلاقه الرسول عليه الصلاة والسلام
~~وغيره لقوله تعالى:

# ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء

# [النساء: 116] وقوله سبحانه:

# اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم
~~نعمتي

# [المائدة: 3] وقوله تعالى:

# يبني إسرءيل اذكروا نعمتي التي أنعمت
~~عليكم

# [البقرة: 40] وقوله عز وجل:

# يهدي من يشآء

# [البقرة: 142] وقوله تبارك وتعالى:

# إنهم لهم المنصورون

# [الصافات: 172] وكان الفتح مختصا بالرسول صلى الله عليه وسلم أسنده
~~الله تعالى إلى نون العظمة تفخيما لشأنه وأسند تلك الأشياء إلى الاسم
~~الظاهر وضميره))/ وهو كما ترى وإن قاله الإمام أيضا. وأقول: يمكن أن
~~يكون في إسناد المغفرة إليه تعالى بالاسم الأعظم بعد إسناد الفتح إليه
~~تعالى بنون العظمة إيماء إلى أن المغفرة ما يتولاها سبحانه بذاته وأن
~~الفتح مما يتولاه جل شأنه بالوسائط، وقد صرح بعضهم بأن عادة العظماء أن
~~يعبروا عن أنفسهم بصيغة المتكلم مع الغير لأن ما يصدر عنهم في الأكثر
~~باستخدام توابعهم، ولا يعترض بأن النصر كالفتح وقد أسند إلى الاسم الجليل
~~لما يخفى عليك.

# وتقديم { لك } على المفعول الصريح أعني قوله تعالى: { ما تقدم
~~من ذنبك وما تأخر } لما مر غير مرة. و { ما } للعموم
~~والمتقدم والمتأخر للإحاطة كناية عن الكل. والمراد بالذنب ما فرط من خلاف
~~الأولى بالنسبة إلى مقامه عليه الصلاة والسلام فهو من قبيل حسنات الأبرار
~~سيآت المقربين، وقد يقال: المراد ما هو ذنب في نظره العالي صلى الله عليه
~~وسلم وإن لم يكن ذنبا ولا خلاف الأولى عنده تعالى كما يرمز إلى ذلك
~~الإضافة.

# وقال الصدر: يمكن أن يكون قوله تعالى: { ليغفر } الخ كناية عن عدم
~~المؤاخذة أو من باب الاستعارة التمثيلية من غير تحقق معاني المفردات.
~~وأخرج ابن المنذر عن عامر وأبي جعفر أنهما قالا: ما تقدم في الجاهلية
~~وما تأخر في الإسلام، وقيل ما تقدم من حديث مارية وما تأخر ms09934 من امرأة زيد
~~وليس بشيء مع أن العكس أولى لأن حديث امرأة زيد متقدم.

# وفي الآية مع ما عهد من حاله صلى الله عليه وسلم من كثرة العبادة ما يدل
~~على شرف مقامه إلى حيث لا تحيط به عبارة، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم
~~لما نزلت صام وصلى حتى انتفخت قدماه وتعبد حتى صار كالشن البالي فقيل له:
~~أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك أو ما تأخر؟ فقال عليه
~~الصلاة والسلام: أفلا أكون عبدا شكورا.

# { ويتم نعمته عليك } بإعلاء الدين وانتشاره في البلاد
~~وغير ذلك مما أفاضه تعالى عليه صلى الله عليه وسلم من النعم الدينية
~~والدنيوية { ويهديك صرطا مستقيما } في تبليغ الرسالة
~~وإقامة الحدود. قيل: إن أصل الاستقامة وإن كان حاصلا قبل الفتح لكن حصل
~~بعد ذلك من اتضاح سبل الحق واستقامة مناهجه ما لم يكن حاصلا قبل.

### || [48.3]

# { وينصرك الله } إظهار الاسم الجليل مع النصر قيل: لكونه خاتمة
~~العلل أو الغايات ولإظهار كمال العناية بشأنه كما يعرب عنه إردافه بقوله
~~تعالى: { نصرا عزيزا } وقال الصدر: أظهر الاسم في الصدر وهنا لأن
~~المغفرة تتعلق بالآخرة والنصر يتعلق بالدنيا فكأنه أشير بإسناد المغفرة
~~والنصر إلى صريح اسمه تعالى إلى أن الله عز وجل هو الذي يتولى أمرك في
~~الدنيا والآخرة. وقال الإمام: ((أظهرت الجلالة هنا إشارة إلى أن النصر لا
~~يكون إلا من عند الله تعالى كما قال تعالى:

# وما النصر إلا من عند الله

# [آل عمران: 126] وذلك لأن النصر بالصبر والصبر بالله قال تعالى:

# وما صبرك إلا بالله

# [النحل: 127] لأنه سكون القلب واطمئنانه وذلك بذكر الله

# ألا بذكر الله تطمئن القلوب

# [الرعد: 28])) والعزيز بحسب الظاهر هو المنصور، وحيث وصف به النصر فهو
~~إما للنسبة وإن كان المعروف فيها فاعلا كلابن وفعالا كبزاز أي نصرا
~~فيه عز ومنعة، أو فيه تجوز في الإسناد من باب وصف المصدر بصيغة المفعول
~~وهو المنصور هنا نحو

# عذاب أليم

# [البقرة: 104] في قول لا الفاعل وهو الناصر لما ms09935 قيل من عدم مناسبته
~~للمقام وقلة فائدته إذ الكلام في شأن المخاطب المنصور، لا المتكلم الناصر
~~وفيه شيء. وقيل: الكلام بتقدير مضاف أي عزيز صاحبه وهو المنصور وفيه تكلف
~~الحذف والإيصال. وقد يقال: يحتاج إلى شيء مما ذكر إذ لا مانع من وصف
~~النصر بالعزيز على ما هو الظاهر بناء على أحد معاني العزة / وهو قلة
~~الوجود وصعوبة المنال. والمعنى ينصرك الله نصرا يقل وجود مثله ويصعب
~~مناله، وقد قال الراغب بهذا في قوله تعالى:

# وإنه لكتب عزيز

# [فصلت: 41] ورأيت ذلك للصدر بعد أن كتبته من الصدر فتأمل ولا تكن ذا
~~عجز.

### || [48.4]

# { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } بيان
~~لما أفاض سبحانه عليهم من مبادي الفتح، والمراد بالسكينة الطمأنينة
~~والثبات من السكون أي أنزلها في قلوبهم بسبب الصلح والأمن إظهارا لفضله
~~تعالى عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف. والمراد بإنزالها خلقها وإيجادها،
~~وفي التعبير عن ذلك بالإنزال إيماء إلى علو شأنها. وقال الراغب: إنزال
~~الله تعالى نعمته على عبد إعطاؤه تعالى إياها وذلك إما بإنزال الشيء نفسه
~~كإنزال القرآن أو بإنزال أسبابه والهداية إليه كإنزال الحديد ونحوه،
~~وقيل: { أنزل } من نزل في مكان كذا حط رحله فيه وأنزله غيره، فالمعنى
~~حط السكينة في قلوبهم فكأن قلوبهم منزلا لها ومأوى، وقيل: السكينة
~~ملك يسكن قلب المؤمن ويؤمنه كما روي أن عليا رضي الله تعالى عنه وكرم
~~وجهه قال: إن السكينة لتنطق على لسان عمر، وأمر الإنزال عليه ظاهر جدا.
~~وأخرج ابن جرير والبيهقي في «الدلائل» وغيرهما عن ابن عباس أنه قال:
~~السكينة هي الرحمة، وقيل: هي العقل ويقال له سكينة إذا سكن عن الميل إلى
~~الشهوات وعن الرعب، وقيل: هي الوقار والعظمة لله تعالى ولرسوله صلى الله
~~عليه وسلم، وقيل: هي من سكن إلى كذا مال إليه أي أنزل في قلوبهم السكون
~~والميل إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الشرائع، وأرجح
~~التفاسير هنا على ما قال الخفاجي: الأول، وما ذكره بعضهم من أن السكينة
~~شيء له ms09936 رأس كرأس الهرة فما أراه قولا يصح.

# { ليزدادوا إيمنا مع إيمنهم } أي يقينا مع يقينهم
~~برسوخ العقيدة واطمئنان النفوس عليها على أن الإيمان لما ثبت في الأزمنة
~~نزل تجدد أزمانه منزلة تجدده وازدياده فاستعير له ذلك ورشح بكلمة مع،
~~وقيل: ازدياد الإيمان بازدياد ما يؤمن به. وروي عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما أن أول ما أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد ثم
~~الصلاة والزكاة ثم الحج والجهاد فازدادوا إيمانا مع إيمانهم، ومن قال:
~~الأعمال من الإيمان قال بأنه نفسه - أي الإيمان المركب من ذلك وغيره -
~~يزيد وينقص ولم يحتج في الآية إلى تأويل بل جعلها دليلا له.

# وتفصيل الكلام في هذا المقام أنه ذهب جمهور الأشاعرة والقلانسي والفقهاء
~~والمحدثون والمعتزلة إلى أن الإيمان يزيد وينقص ونقل ذلك عن الشافعي
~~ومالك، وقال البخاري: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت
~~أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص. واحتجوا على ذلك
~~بالعقل والنقل، أما الأول فلأنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان
~~آحاد الأمة المنهمكين في الفسق والمعاصي مساويا لإيمان الأنبياء عليهم
~~السلام مثلا واللازم باطل فكذا الملزوم، وأما الثاني فلكثرة النصوص في
~~هذا المعنى، منها الآية المذكورة، ومنها ما روي عن ابن عمر رضي الله
~~تعالى عنهما قلنا:

# " يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص قال: نعم يزيد حتى يدخل صاحبه
~~الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار "

# ، ومنها ما روي عن عمر وجابر رضي الله تعالى عنهما مرفوعا

# " لو وزن إيمان أبي بكر يإيمان هذه الأمة لرجح به "

# واعترض بأن عدم قبول الإيمان الزيادة والنقص على تقدير كون الطاعات
~~داخلة في مسماه أولى وأحق من عدم قبوله ذلك إذا كان مسماه التصديق وحده.
~~أما أولا فلأنه لا مرتبة فوق كل الأعمال لتكون زيادة ولا إيمان دونه
~~ليكون نقصا، وأما ثانيا فلأن أحدا لا يستكمل / الإيمان حينئذ والزيادة
~~على ما لم يكمل بعد محال. وأجيب بأن هذا إنما يتوجه على المعتزلة ms09937
~~والخوارج القائلين بانتفاء الإيمان بانتفاء شيء من الأعمال، والجماعة
~~إنما يقولون: إنها شرط كمال في الإيمان فلا يلزم عند الانتفاء إلا انتفاء
~~الكمال وهو غير قادح في أصل الإيمان.

# وقال النووي وجماعة محققون من علماء الكلام: إن الإيمان بمعنى التصديق
~~القلبي يزيد وينقص أيضا بكثرة النظر ووضوح الأدلة وعدم ذلك، ولهذا كان
~~إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريه الشبه، ويؤيده أن كل
~~واحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظم يقينا
~~وإخلاصا منه في بعضها فكذلك التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين
~~وكثرتها. واعترض بأنه متى قبل ذلك كان شكا. ودفع بأن مراتب اليقين
~~متفاوتة إلى علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين مع أنها لا شك معها. وممن
~~وافق النووي على ما جزم به السعد في القسم الثاني من «تهذيبه».

# وقال جماعة من العلماء أعظمهم الإمام أبو حنيفة وتبعه أصحابه وكثير من
~~المتكلمين الإيمان لا يزد ولا ينقص، واختاره إمام الحرمين، واحتجوا بأنه
~~اسم للتصديق البالغ حد الجزم والإذعان وهذا لا يتصور فيه زيادة ولا
~~نقصان، فالمصدق إذا ضم إليه الطاعات أو ارتكب المعاصي فتصديقه بحاله لم
~~يتغير أصلا وإنما يتفاوت إذا كان اسما للطاعات المتفاوتة قلة وكثرة.
~~وأجابوا عما تمسك به الأولون بوجوه منها: ما أشرنا أولا من أن الزيادة
~~بحسب الدوام والثبات وكثرة الزمان والأوقات. وإيضاحه ما قاله إمام
~~الحرمين: النبي صلى الله عليه وسلم يفضل من عداه باستمرار تصديقه وعصمة
~~الله تعالى إياه من مخامرة الشكوك والتصديق عرض لا يبقى بشخصه بل بتجدد
~~أمثاله فتقع للنبي عليه الصلاة والسلام متوالية ولغيره على الفترات
~~فثبتت للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم أعداد من الإيمان لا يثبت لغيره
~~إلا بعضها فيكون إيمانه صلى الله عليه وسلم أكثر، والزيادة بهذا المعنى
~~قيل مما لانزاع فيها.

# واعترض بأن حصول المثل بعد انعدام الشيء لا يكون زيادة فيه كسواد الجسم،
~~ودفع بأن المراد زيادة أعداد حصلت وعدم البقاء لا ينافي ذلك.

# ومنها ما أشرنا إليه ms09938 ثانيا من أن المراد الزيادة بحسب زيادة ما يؤمن
~~به، والصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين آمنوا أولا بما آمنوا به
~~وكانت الشريعة لم تتم وكانت الأحكام تنزل شيئا فشيئا فكانوا يؤمنون بكل
~~ما يتجدد منها ولا شك في تفاوت إيمان الناس بملاحظة التفاصيل كثرة وقلة
~~لا يختص ذلك بعصره صلى الله عليه وسلم لإمكان الاطلاع على التفاصيل في
~~غيره من العصور أيضا.

# ومنها أن المراد زيادة ثمرته وإشراق نوره في القلب فإن نور الإيمان يزيد
~~بالطاعات وينقص بالمعاصي، قيل: وهذا إنما يحتاج إليه بعد إقامة قاطع على
~~امتناع قبول التصديق الزيادة والنقص ومتى لم يقم قاطع على ذلك كان الأولى
~~إبقاء الظواهر على حالها. وقال الخطابي: الإيمان قول وهو لا يزيد ولا
~~ينقص وعمل وهو يزيد وينقص واعتقاد وهو يزيد ولا ينقص فإذا نقص ذهب واعترض
~~أنه إذا زاد ثم عاد إلى ما كان فقد نقص ولم يذهب. ودفع بأن مراده أن
~~الاعتقاد باعتبار أول مراتبه يزيد ولا ينقص لا أن الاعتقاد مطلقا كذلك.

# وذهب جماعة منهم الإمام الرازي وإمام الحرمين [في قول] إلى أن الخلاف
~~لفظي وذلك بحمل قول النفي على أصل الإيمان وهو التصديق فلا يزيد ولا ينقص
~~وحمل قول الإثبات على ما به كماله وهو الأعمال فيكون الخلاف في هذه
~~المسألة فرع الخلاف في تفسير الإيمان، والحق أنه حقيقي لما سمعت عن
~~الإمام النووي ومن معه من أن التصديق نفسه يزيد وينقص.

# وقال بعض المحققين: إن الزيادة والنقص من خواص الكم والتصديق قسم من
~~العلم ولم يقل أحد بأنه / من مقولة الكم وإنما قيل هو كيف أو انفعال أو
~~إضافة وتعلق بين العالم والمعلوم أو صفة ذات إضافة؛ والأشهر أنه كيف
~~فمتى صح ذلك وقلنا بمغايرة الشدة والضعف للزيادة والنقص فلا بأس بحملهما
~~في النصوص وغيرها على الشدة والضعف وذلك مجاز مشهور، وإنكار اتصاف
~~الإيمان بهما يكاد يلحق بالمكابرة فتأمل. وذكر بعضهم هنا أن الإيمان الذي
~~هو مدخول مع هو الإيمان الفطري والإيمان المذكور قبله الإيمان ms09939 الاستدلالي
~~فكأنه قيل: ليزدادوا إيمانا استدلاليا مع إيمانهم الفطري، وفيه من
~~الخفاء ما فيه.

# { ولله جنود السموات والأرض } يدبر أمرها كيفما يريد
~~فيسلط بعضها على بعض تارة ويوقع سبحانه بينها السلم أخرى حسبما تقتضيه
~~مشيئته المبنية على الحكم والمصالح، ومن قضية ذلك ما وقع في الحديبية {
~~وكان الله عليما } مبالغا في العلم بجميع الأمور { حكيما }
~~في تقديره وتدبيره عز وجل.

### || [48.5]

# وقوله سبحانه { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات
~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } متعلق بما يدل
~~عليه ما ذكر من كون جنود السموات والأرض له جل شأنه من معنى التصرف
~~والتدبير، وقد صرح بعض الأفاضل بأنه كناية عنه، أي دبر سبحانه ما دبر من
~~تسليط المؤمنين ليعرفوا نعمة الله تعالى في ذلك ويشكروها فيدخلهم الجنة
~~فالعلة في الحقيقة معرفة النعمة وشكرها لكنها لما كانت سببا لدخول الجنة
~~أقيم المسبب مقام السبب. وقيل: متعلق بفتحنا، وقيل: بأنزل، وتعلقه بذلك
~~مع تعلق اللام الأخرى به مبني على تعلق الأول به مطلقا والثاني مقيدا
~~وتنزيل تغاير الوصفين منزلة تغاير الذاتين وإلا فلا يتعلق بعامل واحد
~~حرفا جر بمعنى واحد من غير اتباع. وقيل: متعلق بينصرك، وقيل: بيزداد،
~~وقيل: بجميع ما ذكر إما على التنازع والتقدير أو بتقدير ما يشمل ذلك
~~كفعل سبحانه ما ذكر ليدخل الخ، وقيل: هو بدل من { ليزداد } [الفتح:
~~4] بدل اشتمال فإن إدخال المؤمنين والمؤمنات الجنة وكذا ما عطف عليه
~~مستلزم لزيادة الإيمان وبدل الاشتمال يعتمد على ملابسة ما بين المبدل
~~والمبدل منه بحيث يشعر أحدهما بالآخر غير الكلية والبعضية، ولعل الأظهر
~~الوجه الأول. وضم المؤمنات ههنا إلى المؤمنين دفعا لتوهم اختصاص الحكم
~~بالذكور لأجل الجهاد والفتح على أيديهم، وكذا في كل موضع يوهم الاختصاص
~~يصرح بذكر النساء، ويقال نحو ذلك فيما بعد كذا قيل.

# واخرج ابن جرير وجماعة عن أنس قال:

# " أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم { ليغفر لك الله ما
~~تقدم من ذنبك وما تأخر } [الفتح: 2] في مرجعه من
~~الحديبية فقال: لقد أنزلت علي آية هي أحب ms09940 إلي مما على الأرض ثم قرأها
~~عليهم فقالوا: هنيئا مريئا يا رسول الله قد بين الله تعالى لك ماذا
~~يفعل بك فماذا يفعل بنا فنزلت { ليدخل المؤمنين
~~والمؤمنات } حتى بلغ { فوزا عظيما } "

# { ويكفر عنهم سيئتهم } أي يغطيها ولا يظهرها، والمراد
~~يمحوها سبحانه ولا يؤاخذهم بها. وتقديم الإدخال في الذكر على التكفير مع
~~أن الترتيب في الوجود على العكس للمسارعة إلى بيان ما هو المطلوب الأعلى
~~كذا قال غير واحد. ويجوز عندي أن يكون التكفير في الجنة على أن المعنى
~~يدخلهم الجنة ويغطي سيآتهم ويسترها عنهم فلا تمر لهم ببال ولا يذكرونها
~~أصلا لئلا يخجلوا فيتكدر صفو عيشهم، وقد مر مثل ذلك.

# { وكان ذلك } أي ما ذكر من الإدخال والتكفير { عند الله فوزا
~~عظيما } لا يقادر قدره لأنه منتهى ما تمتد إليه أعناق الهمم من جلب
~~نفع ودفع ضر. و { عند الله } حال من { فوزا } لأن صفة النكرة إذا
~~قدمت عليها / أعربت حالا، وكونه يجوز فيه الحالية إذا تأخر عن {
~~عظيما } لاضير فيه كما توهم، أي كائنا عند الله تعالى أي في علمه
~~سبحانه وقضائه جل شأنه، والجملة اعتراض مقرر لما قبله.

### || [48.6]

# وقوله تعالى: { ويعذب المنفقين والمنفقت
~~والمشركين والمشركت } عطف على

# يدخل

# [الفتح: 5] أي وليعذب المنافقين الخ لغيظهم من ذلك، وهو ظاهر على جميع
~~الأوجه السابقة في { ليدخل } حتى وجه البدلية فإن بدل الاشتمال
~~تصححه الملابسة كما مر، وازدياد الإيمان على ما ذكرنا في تفسيره مما
~~يغيظهم بلا ريب، وقيل: إنه على هذا الوجه يكون عطفا على المبدل منه.
~~وتقديم المنافقين على المشركين لأنهم أكثر ضررا على المسلمين فكان في
~~تقديم تعذيبهم تعجيل المسرة.

# { الظآنين بالله ظن السوء } أي ظن الأمر الفاسد المذموم
~~وهو أنه عز وجل لا ينصر رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وقيل:
~~المراد به ما يعم ذلك وسائر ظنونهم الفاسدة من الشرك أو غيره {
~~عليهم دائرة السوء } أي ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو
~~حائق بهم ودائر عليهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { دائرة السوء } بالضم،
~~والفرق ms09941 بينه وبين { السوء } بالفتح على ما في «الصحاح» أن المفتوح
~~مصدر والمضموم اسم مصدر بمعنى المساءة. وقال غير واحد: هما لغتان بمعنى
~~كالكره والكره عند الكسائي وكلاهما في الأصل مصدر غير أن المفتوح غلب
~~في أن يضاف إليه ما يراد ذمه والمضموم جرى مجرى الشر. ولما كانت الدائرة
~~هنا محمودة وأضيفت إلى المفتوح في قراءة الأكثر تعين على هذا أن يقال: إن
~~ذاك على تأويل أنها مذمومة بالنسبة إلى من دارت عليه من المنافقين
~~والمشركين واستعمالها في المكروه أكثر وهي مصدر بزنة اسم الفاعل أو اسم
~~فاعل، وإضافتها على ما قال الطيبي من إضافة الموصوف إلى الصفة للبيان
~~على المبالغة، وفي «الكشف» الإضافة بمعنى من على نحو دائرة ذهب فتدبر.
~~والكلام إما إخبار عن وقوع السوء بهم أو دعاء عليهم.

# وقوله تعالى: { وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد
~~لهم جهنم } عطف على ذلك، وكان الظاهر فلعنهم فأعد بالفاء في
~~الموضعين لكنه عدل عنه للإشارة إلى أن كلا من الأمرين مستقل في الوعيد
~~به من غير اعتبار للسببية فيه { وسآءت مصيرا } جهنم.

### || [48.7]

# { ولله جنود السموات والأرض } ذكر سابقا [الفتح: 4]
~~على أن المراد أنه عز وجل المدبر لأمر المخلوقات بمقتضى حكمته فلذلك ذيل
~~بقوله تعالى: { عليما حكيما } وههنا أريد به التهديد بأنهم في
~~قبضة قدرة المنتقم ولذا ذيل بقوله تعالى: { وكان الله عزيزا
~~حكيما } فلا تكرار كما قال الشهاب. وقيل: إن الجنود جنود رحمة وجنود
~~عذاب، والمراد به هنا الثاني كما ينبىء عنه التعرض لوصف العزة.

### || [48.8]

# { إنا أرسلنك شهدا } أي على أمتك لقوله تعالى:

# ويكون الرسول عليكم شهيدا

# [البقرة: 143] وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة شاهدا على أمتك
~~وشاهدا على الأنبياء عليهم السلام أنهم قد بلغوا { ومبشرا }
~~بالثواب على الطاعة { ونذيرا } بالعذاب على المعصية.

### || [48.9]

# { لتؤمنوا بالله ورسوله } الخطاب للنبي صلى الله عليه
~~وسلم وأمته كقوله سبحانه:

# يأيها النبي إذا طلقتم النساء

# [الطلاق: 1] وهو من باب التغليب غلب فيه المخاطب على الغيب فيفيد أن
~~النبي عليه الصلاة والسلام مخاطب ms09942 بالإيمان برسالته كالأمة وهو كذلك،
~~وقال الواحدي: الخطاب في

# أرسلنك

# [الفتح: 8] للنبي صلى الله عليه وسلم وفي { لتؤمنوا } لأمته فعلى
~~هذا إن كان اللام للتعليل يكون المعلل محذوفا أي لتؤمنوا بالله وكيت
~~وكيت فعل ذلك الإرسال أو للأمر على طريقة { فبذلك فلتفرحوا } [يونس:
~~58] على قراءة التاء الفوقانية فقيل هو على معنى قل لهم: لتؤمنوا الخ،
~~وقيل: هو للأمة على أن خطابه صلى الله عليه وسلم منزل منزلة خطابهم فهو
~~عينه ادعاء، واللام متعلقة بأرسلنا، ولا يعترض / عليه بما قرره الرضي
~~وغيره من أنه يمتنع أن يخاطب في كلام واحد اثنان من غير عطف أو تثنية أو
~~جمع لأنه بعد التنزيل لا تعدد، وجوز أن يكون ذلك لأنهم حينئذ غير مخاطبين
~~في الحقيقة فخطابهم في حكم الغيبة، وقيل: الامتناع المذكور مشروط بأن
~~يكون كل من المخاطبين مستقلا أما إذا كان أحدهما داخلا في خطاب الآخر
~~فلا امتناع كما يعلم من تتبع كلامهم، وحينئذ يجوز أن يراد خطاب الأمة
~~أيضا من غير تغليب، والكلام في ذلك طويل وما ذكر سابقا سالم عن القال
~~والقيل.

# { وتعزروه } أي تنصروه كما روي عن جابر بن عبد الله مرفوعا
~~وأخرجه جماعة عن قتادة، والضمير لله عز وجل، ونصرته سبحانه بنصرة دينه
~~ورسوله صلى الله عليه وسلم { وتوقروه } أي تعظموه كما قال قتادة
~~وغيره، والضمير له تعالى أيضا، وقيل: كلا الضميرين للرسول صلى الله
~~عليه وسلم وروي عن ابن عباس، وزعم بعضهم أنه يتعين كون الضمير في {
~~تعزروه } للرسول عليه الصلاة والسلام لتوهم أن التعزير لا يكون له
~~سبحانه وتعالى كما يتعين عند الكل كون الضمير في قوله تعالى: {
~~وتسبحوه } لله سبحانه وتعالى، ولا يخفى أن الأول كون الضميرين
~~فيما تقدم لله تعالى أيضا لئلا يلزم فك الضمائر من غير ضرورة أي وتنزهوا
~~الله تعالى أو تصلوا له سبحانه من السبحة { بكرة وأصيلا } غدوة
~~وعشيا، والمراد ظاهرهما أو جميع النهار ويكنى عن جميع الشيء بطرفيه كما
~~يقال شرقا وغربا لجميع الدنيا، وعن ابن عباس رضي الله تعالى ms09943 عنهما صلاة
~~الفجر وصلاة الظهر وصلاة العصر.

# وقرأ أبو جعفر وأبو حيوة وابن كثير وأبو عمرو الأفعال الأربعة  أعني
~~لتؤمنوا وما بعده  بياء الغيبة، وعن ابن مسعود وابن جبير كذلك إلا أنهما
~~قرآ { ويسبحوا الله } بالاسم الجليل مكان الضمير، وقرأ الجحدري {
~~تعزروه } بفتح التاء الفوقية وضم الزاي مخففا، وفي رواية عنه فتح التاء
~~وكسر الزاي مخففا وروي هذا عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه، وقرىء
~~بضم التاء وكسر الزاي مخففا، وقرأ ابن عباس ومحمد بن اليماني { تعززوه }
~~بزاءين من العزة أي تجعلوه عزيزا وذلك بالنسبة إليه سبحانه بجعل دينه
~~ورسوله صلى الله عليه وسلم كذلك. وقرىء { وتوقروه } من أوقره بمعنى
~~وقره.

### || [48.10]

# { إن الذين يبايعونك } يوم الحديبية على الموت في نصرتك
~~كما روي عن سلمة بن الأكوع وغيره، أو على أن لا يفروا من قريش كما روي عن
~~ابن عمر وجابر رضي الله تعالى عنهم، وسيأتي الكلام في تفصيل ذلك إن شاء
~~الله تعالى. والمبايعة وقعت قبل نزول الآية فالتعبير بالمضارع لاستحضار
~~الحال الماضية، وهي مفاعلة من البيع يقال: بايع السلطان مبايعة إذا ضمن
~~بذل الطاعة له بما رضخ له، وكثيرا ما تقال على البيعة المعروفة للسلاطين
~~ونحوهم وإن لم يكن رضخ، وما وقع للمؤمنين قيل يشير إلى ما في قوله تعالى:

# إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم

# [التوبة: 111] الآية { إنما يبايعون الله } لأن المقصود
~~من بيعة الرسول عليه الصلاة والسلام وإطاعته إطاعة الله تعالى وامتثال
~~أوامره سبحانه لقوله تعالى:

# من يطع الرسول فقد أطاع الله

# [النساء: 80] فمبايعة الله تعالى بمعنى طاعته سبحانه مشاكلة أو هو صرف
~~مجاز. وقرىء { إنما يبايعون لله } أي لأجل الله تعالى ولوجهه، والمفعول
~~محذوف أي إنما يبايعونك لله.

# { يد الله فوق أيديهم } استئناف مؤكد لما قبله لأنه عبارة
~~عن المبايعة، قال في «الكشاف» ((لما قال سبحانه: { إنما يبايعون
~~الله } أكده على طريقة التخييل فقال تعالى: { يد الله فوق
~~أيديهم } وانه سبحانه منزه عن الجوارح وصفات الأجسام وإنما المعنى
~~تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول ms09944 صلى الله عليه وسلم كعقده مع الله تعالى
~~من غير تفاوت بينهما)). وفي «المفتاح» أما حسن الاستعارة التخييلية فبحسب
~~حسن الاستعارة بالكناية متى كانت / تابعة لها كما في قولك: فلان بين
~~أنياب المنية ومخالبها ثم إذا انضم إليها المشاكلة كما في { يد الله
~~} الخ كانت أحسن وأحسن، يعني أن في اسم الله تعالى استعارة بالكناية
~~تشبيها له سبحانه وتعالى بالمبايع واليد استعارة تخييلية مع أن فيها
~~أيضا مشاكلة لذكرها مع أيدي الناس، وامتناع الاستعارة في اسم الله تعالى
~~إنما هو في الاستعارة التصريحية دون المكنية لأنه لا يلزم إطلاق اسمه
~~تعالى على غيره سبحانه. وروى الواحدي عن ابن كيسان اليد القوة أي قوة
~~الله تعالى ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم أي ثق بنصرة الله تعالى لك لا
~~بنصرتهم وإن بايعوك. وقال الزجاج: المعنى يد الله في الوفاء فوق أيديهم
~~أو في الثواب فوق أيديهم في الطاعة أو يد الله سبحانه في المنة عليهم في
~~الهداية فوق أيديهم في الطاعة، وقيل: المعنى نعمة الله تعالى عليهم
~~بتوفيقهم لمبايعتك فوق نعمتهم وهي مبايعتهم إياك وأعظم منها، وفيه شيء من
~~قوله تعالى:

# قل لا تمنوا علي إسلمكم بل الله يمن
~~عليكم أن هداكم للإيمن

# [الحجرات: 17] وكل ذلك تأويلات ارتكبها الخلف وأحسنها ما ذكر أولا،
~~والسلف يمرون الآية كما جاءت مع تنزيه الله عز وجل عن الجوارح وصفات
~~الأجسام وكذلك يفعلون في جميع المتشابهات ويقولون: إن معرفة حقيقة ذلك
~~فرع معرفة حقيقة الذات وأنى ذلك وهيهات هيهات.

# وجوز أن تكون الجملة خبرا بعد خبر لإن، وكذا جوز أن تكون حالا من ضمير
~~الفاعل في { يبايعونك } وفي جواز ذلك مع كونها اسمية غير مقترنة
~~بالواو كلام.

# { فمن نكث } نقض العهد { فإنما ينكث على نفسه }
~~فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه. وروى الزمخشري عن جابر بن عبد الله أنه ما
~~نكث أحد البيعة إلا جد بن قيس وكان منافقا، والذي نقله الطيبي عن مسلم
~~يدل على أن الرجل لم يبايع لا أنه بايع ونكث قال: «سئل جابر ms09945 كم كانوا يوم
~~الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة فبايعناه وعمر رضي الله تعالى عنه آخذ
~~بيده صلوات الله تعالى وسلامه عليه تحت الشجرة وهي سمرة فبايعناه غير جد
~~بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره» ولم يسر مع القوم، ولعل هذا هو
~~الأوفق لظاهر قوله تعالى:

# لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك

# [الفتح: 18] الآية. وقرأ زيد بن علي { ينكث } بكسر الكاف.

# { ومن أوفى بما عهد عليه الله فسيؤتيه
~~أجرا عظيما } هو الجنة وما يكون فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت
~~ولا خطر على قلب بشر، ويقال: وفى بالعهد وأوفى به إذا تممه وأوفى لغة
~~تهامة، ومنه قوله تعالى:

# أوفوا بالعقود

# [المائدة: 1]

# والموفون بعهدهم

# [البقرة: 177] وقرىء { بما عهد } ثلاثيا. وقرأ الجمهور { عليه } بكسر
~~الهاء كما هو الشائع وضمها حفص هنا، قيل: وجه الضم أنها هاء هو وهي
~~مضمومة فاستصحب ذلك كما في له وضربه، ووجه الكسر رعاية الياء وكذا في
~~إليه وفيه وكذا فيما إذا كان قبلها كسرة نحو به ومررت بغلامه لثقل
~~الانتقال من الكسر إلى الضم، وحسن الضم في الآية التوصل به إلى تفخيم لفظ
~~الجلالة الملائم لتفخيم أمر العهد المشعر به الكلام، وأيضا إبقاء ما كان
~~على ما كان ملائم للوفاء بالعهد وإبقائه وعدم نقضه. وقد سألت كثيرا من
~~الأجلة - وأنا قريب عهد بفتح فمي للتكلم - عن وجه هذا الضم هنا فلم أجب
~~بما يسكن إليه قلبي ثم ظفرت بما سمعت والله تعالى الهادي إلى ما هو
~~خير منه. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وروح وزيد بن علي { فسنؤتيه }
~~بالنون.

### || [48.11]

# { سيقول لك المخلفون من الاعراب } قال مجاهد وغيره -
~~ودخل كلام بعضهم في بعض -: المخلفون من الأعراب هم جهينة ومزينة وغفار
~~وأشجع والديل وأسلم استنفرهم رسول الله / صلى الله عليه وسلم حين أراد
~~المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا ليخرجوا معه حذرا من قريش أن
~~يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت وأحرم هو صلى الله عليه وسلم وساق معه
~~الهدى ليعلم أنه ms09946 لا يريد حربا ورأى أولئك الأعراب أنه عليه الصلاة
~~والسلام يستقبل عددا عظيما من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورين
~~مكة وهم الأحابيش ولم يكن الإيمان تمكن من قلوبهم فقعدوا عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم وتخلفوا وقالوا: نذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره
~~بالمدينة وقتلوا أصحابه فنقاتلهم وقالوا: لن يرجع محمد عليه الصلاة
~~والسلام ولا أصحابه من هذه السفرة ففضحهم الله تعالى في هذه الآية وأعلم
~~رسوله صلى الله عليه وسلم بقولهم واعتذارهم قبل أن يصل إليهم فكان كذلك.

# و { المخلفون } جمع مخلف، قال الطبرسي: ((هو المتروك في المكان
~~خلف الخارجين من البلد مأخوذ من الخلف وضده المقدم)). و { الأعراب }
~~في المشهور سكان البادية من العرب لا واحد له أي سيقول لك المتروكون
~~الغير الخارجين معك معتذرين إليك:

# { شغلتنا } عن الذهاب معك { أمولنا وأهلونا } إذ لم يكن
~~لنا من يقوم بحفظ ذلك ويحميه عن الضياع. ولعل ذكر الأهل بعد الأموال من
~~باب الترقي لأن حفظ الأهل عند ذوي الغيرة أهم من حفظ الأموال. وقرأ
~~إبراهيم بن نوح بن باذان { شغلتنا } بتشديد الغين المعجمة للتكثير {
~~فاستغفر لنا } الله تعالى ليغفر لنا تخلفنا عنك حيث لم يكن عن
~~تكاسل في طاعتك بل لذلك الداعي.

# { يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم } أي إن
~~كلامهم من طرف اللسان غير مطابق لما في الجنان، وهو كناية عن كذبهم،
~~فالجملة استئناف لتكذيبهم وكونها بدلا من { سيقول } غير ظاهر،
~~والكذب راجع لما تضمنه الكلام من الخبر عن تخلفهم بأنه لضرورة داعية له
~~وهو القيام بمصالحهم التي لا بد منها وعدم من يقوم بها لو ذهبوا معه عليه
~~الصلاة والسلام، وكذا راجع لما تضمنه { استغفر } الإنشاء من
~~اعترافهم بأنهم مذنبون وأن دعاءه صلى الله عليه وسلم لهم يفيدهم فائدة
~~لازمة لهم، أو تسمية ذلك كذبا ليس لعدم مطابقة نسبة الاعتقاد على ما ذهب
~~إليه النظام بل لعدم مطابقته الواقع بحسب الاعتقاد وفرق بين الأمرين.

# { قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم
~~ضرا أو ms09947 أراد بكم نفعا } أمر له صلى الله عليه وسلم أن يرد
~~عليهم بذلك عند اعتذارهم بتلك الأباطيل، والملك إمساك بقوة لأنه بمعنى
~~الضبط وهو حفظ عن حزم، ومنه لا أملك رأس البعير وملكت العجين إذا شددت
~~عجنته، وملكت الشيء إذا دخل تحت ضبطك دخولا تاما، وإذا قلت: لا أملك
~~كان نفيا للاستطاعة والطاقة إمساكا ومنعا، فأصل المعنى هنا فمن يستطيع
~~لكم إمساك شيء من قدرة الله تعالى إن أراد بكم الخ.

# واللام من { لكم } إما للبيان أو من صلة الفعل لأن هذه الاستطاعة
~~مختصة بهم ولأجلهم، و { من الله } حال من النكرة أعني { شيئا }
~~مقدمة. وتفسير الملك بالمنع بيان لحاصل المعنى لأنه إذا لم يستطع أحد
~~الإمساك والدفع فلا يمكنه المنع وليس ذلك لجعله مجازا عنه أو مضمنا
~~إياه واللام زائدة كما في

# ردف لكم

# [النمل: 72] و { من } متعلقة بيملك كما قيل. والمراد بالضر والنفع ما
~~يضر وما ينفع فهما مصدران مراد بهما الحاصل بالمصدر أو مؤولان بالوصف.
~~وقرأ حمزة والكسائي { ضرا } بضم الضاد وهو لغة فيه. وحاصل معنى الآية قل
~~لهم إذ لا أحد يدفع ضره ولا نفعه تعالى فليس الشغل بالأهل والمال عذرا
~~فلا ذاك يدفع الضر إن أراده عز وجل ولا مغافصة العدو تمنع / النفع إن
~~أراد بكم نفعا، وهذا كلام جامع في الجواب فيه تعريض بغيرهم من المبطلين
~~وبجلالة محل المحقين ثم ترقى سبحانه منه إلى ما يتضمن تهديدا بقوله
~~تعالى: { بل كان الله بما تعملون } أي بكل ما تعملونه {
~~خبيرا } فيعلم سبحانه تخلفكم وقصدكم فيه ويجازيكم على ذلك، ثم ختم جل
~~وعلا بمكنون ضمائرهم ومخزون ما أعد لهم عنده تعالى بقوله سبحانه: { بل
~~ظننتم... }.

### || [48.12]

# { بل ظننتم } إلى قوله تعالى: { بورا } وفي «الانتصاف» أن في
~~قوله تعالى:

# فمن يملك

# [الفتح:11] الخ لفا ونشرا والأصل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد
~~بكم ضرا أو من يحرمكم النفع أن إراد بكم نفعا لأن من يملك يستعمل في
~~الضر كقوله تعالى:

# فمن يملك من الله شيئا ms09948 إن أراد أن يهلك
~~المسيح

# [المائدة: 17]

# ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله
~~شيئا

# [المائدة: 41]

# فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما
~~تفيضون فيه

# [الأحقاف: 8]، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في بعض الحديث:

# " إني لا أملك لكم شيئا "

# يخاطب عشيرته وأمثاله كثير. وسر اختصاصه بدفع المضرة أن الملك مضاف في
~~هذه المواضع باللام ودفع المضرة نفع يضاف للمدفوع عنه وليس كذلك حرمان
~~المنفعة فإنه ضرر عائد عليه لا له فإذا ظهر ذلك فإنما انتظمت الآية على
~~هذا الوجه كذلك لأن القسمين يشتركان في أن كل واحد منهما نفي لدفع
~~المقدور من خير وشر فلما تقاربا أدرجا في عبارة واحدة؛ وخص عبارة دفع
~~الضر لأنه هو المتوقع لهؤلاء إذ الآية في سياق التهديد والوعيد الشديد
~~وهي نظير قوله تعالى:

# قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم
~~سوءا أو أراد بكم رحمة

# [الأحزاب: 17] فإن العصمة إنما تكون من السوء لا من الرحمة، فهاتان
~~الآيتان توأمتان في التقرير المذكور انتهى، والوجه ما ذكرناه أولا في
~~الآية، وفي تسمية مثل هذا لفا ونشرا نظر.

# ثم إن الظاهر عموم الضر والنفع، وقال شيخ الإسلام أبو السعود: ((المراد
~~بالضر ما يضر من هلاك الأهل والمال وضياعهما وبالنفع ما ينفع من حفظ
~~المال والأهل وتعميمهما يرده قوله تعالى:

# بل كان الله بما تعملون خبيرا

# [الفتح: 11] فإنه إضراب عما قالوه وبيان لكذبه بعد بيان فساده على تقدير
~~صدقه)) انتهى، وهو كلام أوهى من بيت العنكبوت لأن في التعميم إفادة لما
~~ذكر وزيادة تفيد قوة وبلاغة. والظاهر أن كلا من الإضرابات الثلاثة
~~مقصودة، وقال شيخ الإسلام: إن قوله تعالى: { بل ظننتم } الخ بدل
~~من

# كان الله

# [الفتح: 11] الخ مفسر لما فيه من الإبهام. وفي «البحر» أنه بيان للعلة
~~في تخلفهم أي بل ظننتم { أن لن ينقلب } أي لن يرجع من ذلك السفر {
~~الرسول والمؤمنون إلى أهليهم } أي عشائرهم وذوي
~~قرباهم { أبدا } بأن يستأصلهم المشركون بالمرة فحسبتم أن كنتم معهم أن
~~يصيبكم ما ms09949 يصيبهم فلأجل ذلك تخلفتم لا لما ذكرتم من المعاذير الباطلة.

# والأهلون جمع أهل وجمعه جمع السلامة على خلاف القياس لأنه ليس بعلم ولا
~~صفة من صفات من يعقل ويجمع على أهلات بملاحظة تاء التأنيث في مفرده
~~تقديرا فيجمع كتمرة وتمرات ونحوه أرض وأرضات، وقد جاء على ما في
~~«الكشاف» أهلة بالتاء ويجوز تحريك عينه أيضا فيقال: أهلات بفتح الهاء،
~~وكذا يجمع على أهال كليال، وأطلق عليه الزمخشري اسم الجمع؛ وقيل: وهو
~~إطلاق منه في الجمع الوارد على خلاف القياس وإلا فاسم الجمع شرطه عند
~~النحاة أن يكون على وزن المفردات سواء كان له مفرد أم لا.

# وقرأ عبد الله { إلى أهلهم } بغير ياء.

# والآية ظاهرة في أن { لن } ليست للتأبيد ومن زعم إفادتها إياه جعل {
~~أبدا } للتأكيد.

# { وزين } أي حسن { ذلك } أي الظن المفهوم من ظننتم { في
~~قلوبكم } فلم تسعوا في إزالته فتمكن فيكم فاشتغلتم بشأن أنفسكم غير
~~مبالين بالرسول صلى الله عليه وسلم / والمؤمنين؛ وقيل: الإشارة إلى
~~المظنون وهو عدم انقلاب الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين إلى أهليهم
~~أبدا أي حسن ذلك في قلوبكم فأحببتموه والمراد من ذلك تقريعهم ببغضهم
~~الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين والمناسب للسياق ما تقدم. وقرىء {
~~زين } بالبناء للفاعل بإسناده إلى الله تعالى أو إلى الشيطان {
~~وظننتم ظن السوء } وهو ظنهم السابق فتعريفه للعهد الذكري
~~وأعيد لتشديد التوبيخ والتسجيل عليه بالسوء أو هو عام فيشمل ذلك الظن
~~وسائر ظنونهم الفاسدة التي من جملتها الظن بعدم [صحة] رسالته عليه الصلاة
~~والسلام فإن الجازم بصحتها لا يحوم فكره حول ما ذكر من الاستئصال فذكر
~~ذلك للتعميم بعد التخصيص.

# { وكنتم } في علم الله تعالى الأزلي { قوما بورا } أي هالكين
~~لفساد عقيدتكم وسوء نيتكم مستوجبين سخطه تعالى وعقابه جل شأنه، وقيل: أي
~~فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم لا خير فيكم، والظاهر على ما في
~~«البحر» أن بورا في الأصل مصدر كالهلك ولذا وصف به المفرد المذكر في قول
~~ابن الزبعرى:

# يا رسول المليك إن لساني

# راتق ما فتقت ms09950 إذ أنا بور

# والمؤنث حكى أبو عبيدة امرأة بور والمثنى والمجموع، وجوز أن يكون جمع
~~بائر كحائل وحول وعائذ وعوذ وبازل وبزل. وعلى المصدرية هو مؤول باسم
~~الفاعل، وجوز أن تكون كان بمعنى صار أي وصرتم بذلك الظن قوما هالكين
~~مستوجبين السخط والعقاب والظاهر إبقاؤها على بابها والمضي باعتبار العلم
~~كما أشرنا إليه، وقيل: أي كنتم قبل الظن فاسدين.

### || [48.13]

# وقوله تعالى: { ومن لم يؤمن بالله ورسوله } الخ كلام
~~مبتدأ من جهته عز وجل غير داخل في الكلام الملقن مقرر لبوارهم ومبين
~~لكيفيته أي ومن لم يصدق بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كدأب
~~هؤلاء المخلفين { فإنا أعتدنا } هيأنا { للكفرين
~~سعيرا } نارا مسعورة موقدة ملتهبة وكان الظاهر لهم فعدل عنه إلى ما
~~ذكر إيذانا بأن من لم يجمع بين الإيمان بالله تعالى ورسوله عليه الصلاة
~~والسلام فهو كافر وأنه مستوجب للسعير بكفره لمكان التعليق بالمشتق.
~~وتنكير (سعير) للتهويل لما فيه من الإشارة إلى أنها لا يمكن معرفتها
~~واكتناه كنهها، وقيل: لأنها نار مخصوصة فالتنكير للتنويع و { من }
~~يحتمل أن تكون موصولة وأن تكون شرطية والعائد من الخبر أو من جواب الشرط
~~هو الظاهر القائم مقام المضمر.

### || [48.14]

# { ولله ملك السموت والارض } فهو عز وجل المتصرف في
~~الكل كما يشاء { يغفر لمن يشاء } أن يغفر له { ويعذب من
~~يشاء } أن يعذبه من غير دخل لأحد في شيء من غفرانه تعالى وتعذيبه جل
~~وعلا وجودا وعدما { وكان الله غفورا رحيما } مبالغا في
~~المغفرة لمن يشاء ولا يشاء سبحانه إلا لمن تقتضي الحكمة المغفرة له ممن
~~يؤمن به سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم وأما من عداه من الكافرين
~~المجاهرين والمنافقين فهم بمعزل من ذلك قطعا.

# وفي تقديم المغفرة والتذييل بكونه تعالى غفورا بصيغة المبالغة وضم {
~~رحيما } إليه الدال على المبالغة أيضا دون التذييل بما يفيد كونه
~~سبحانه معذبا مما يدل على سبق الرحمة ما فيه. وفي الحديث

# " كتب ربكم على نفسه بيده قبل أن يخلق الخلق رحمتي سبقت غضبي "

# وهذا السبق ms09951 على ما أشار إليه في «أنوار التنزيل» ذاتي وذلك لأن الغفران
~~والرحمة بحسب الذات والتعذيب بالعرض وتبعيته للقضاء والعصيان المقتضي
~~لذلك وقد صرح غير واحد بأن الخير هو المقضي بالذات والشر بالعرض إذ لا
~~يوجد شر جزئي إلا وهو / متضمن لخير كلي، وفصل ذلك في «شرح الهياكل»، وقال
~~بعض الأجلة: المراد بالسبق في الحديث كثرة الرحمة وشمولها وكذا المراد
~~بالغلبة الواقعة في بعض الروايات، وذلك نظير ما يقال: غلب على فلان الكرم
~~ومن جعل الرحمة والغضب من صفات الأفعال لم يشكل عليه أمر السبق ولم يحتج
~~إلى جعله ذاتيا كما لا يخفى.

# والآية على ما قال أبو حيان لترجية أولئك المنافقين بعض الترجية إذا
~~آمنوا حقيقة، وقيل: لحسم أطماعهم الفارغة في استغفاره عليه الصلاة
~~والسلام لهم، وفسر الزمخشري { من يشآء } الأول بالتائب والثاني بالمصر
~~ثم قال: يكفر سبحانه السيآت باجتناب الكبائر ويغفر الكبائر بالتوبة وهو
~~اعتزال منه مخالف لظاهر الآية. وقال الطيبي يمكن أن يقال: إن قوله
~~تعالى: { ولله ملك السموات } الخ موقعه موقع التذييل لقوله
~~تعالى:

# ومن لم يؤمن بالله ورسوله

# [الفتح: 13] الآية على أن يقدر له ما يقابله من قوله ومن آمن بالله
~~ورسوله فإنا أعتدنا للمؤمنين الجنان مثلا فلا يقيد شيء مما قيده ليؤذن
~~بالتصرف التام والمشيئة النافذة والغفران الكامل والرحمة الشاملة فتأمل
~~ولا تغفل.

### || [48.15]

# { سيقول المخلفون } المذكورون من الأعراب فاللام للعهد وقوله
~~تعالى: { إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها } ظرف لما
~~قبله لا شرط لما بعده. والمراد بالمغانم مغانم خيبر كما عليه عامة
~~المفسرين ولم نقف على خلاف في ذلك، وأيد بأن السين تدل على القرب وخيبر
~~أقرب المغانم التي انطلقوا إليها من الحديبية كما علمت فإرادتها
~~كالمتعينة، وقد جاء في الأخبار الصحيحة أن الله تعالى وعد أهل الحديبية
~~أن يعوضهم من مغانم مكة خيبر إذا قفلوا موادعين لا يصيبون شيئا وخص
~~سبحانه ذلك بهم أي سيقولون عند انطلاقكم إلى مغانم خيبر لتأخذوها حسبما
~~وعدكم الله تعالى إياها وخصكم بها طمعا في عرض الدنيا لما أنهم ms09952 يرون ضعف
~~العدو ويتحققون النصرة { ذرونا نتبعكم } إلى خيبر ونشهد معكم
~~قتال أهلها.

# { يريدون أن يبدلوا كلم الله } بأن يشاركوا في
~~الغنائم التي خصها سبحانه بأهل الحديبية وحاصله يريدون الشركة التي لا
~~تحصل لهم دون نصرة الدين وإعلاء كلمة الله تعالى، والجملة استئناف لبيان
~~مرادهم بذلك القول، وقيل: يجوز أن تكون حالا من المخلفين وهو خلاف
~~الظاهر ولا ينافي خبر التخصيص إعطاؤه عليه الصلاة والسلام بعض مهاجري
~~الحبشة القادمين مع جعفر وبعض الدوسيين والأشعريين من ذلك وهم أصحاب
~~السفينة كما في البخاري فإنه كان استنزالا للمسلمين عن بعض حقوقهم لهم
~~أو أن بعضها فتح صلحا وما أعطاه عليه الصلاة والسلام فهو بعض مما صالح
~~عليه وكل هذا مذكور في السير لكن الذي صححه المحدثون أنه لا صلح فيها.

# وقال الكرماني: إنما أعطاهم صلى الله عليه وسلم برضا أصحاب الوقعة أو
~~أعطاهم من الخمس الذي هو حقه عليه الصلاة والسلام، وميل البخاري إلى
~~الثاني وحمل كلام الله تعالى على وعده بتلك الغنائم لهم خاصة هو الذي
~~عليه مجاهد وقتادة وعامة المفسرين، وقال ابن زيد: كلام الله قوله سبحانه
~~وتعالى:

# قل لن تخرجوا معي أبدا

# [التوبة: 83] ووافقه الجبائي على ذلك وشنع عليهما غير واحد بأن ذلك نازل
~~في المخلفين في غزوة تبوك من المنافقين وكانت تلك الغزوة يوم الخميس في
~~رجب سنة تسع بلا خلاف كما قال القسطلاني والحديبية في سنة ست كما قاله
~~ابن الجوزي وغيره وهذه إنما نزلت بعيد الانصراف من الحديبية كما علمت
~~وأيضا قال في «البحر»: قد غزت مزينة وجهينة من هؤلاء المخلفين بعد هذه
~~المدة معه عليه الصلاة والسلام وفضلهم صلى الله عليه وسلم بعد ذلك على
~~تميم وغطفان وغيرهم من العرب، وفي «الكشف» لعل القائل بذلك أراد أن هؤلاء
~~المخلفين لما كانوا منافقين مثل المخلفين عن تبوك كان / حكم الله تعالى
~~فيهم واحدا، ألا ترى أن المعنى الموجب مشترك وهو رضاهم بالقعود أول مرة،
~~فكلام الله تعالى أريد به حكمه السابق وهو أن المنافق لا يستصحب ms09953 في
~~الغزو، ولم يرد أن هذا الحكم منقاس على ذلك الأصل أو الآية نازلة فيهم
~~أيضا فهذا ما يمكن في تصحيحه انتهى، ويقال عما في «البحر»: إن الذين
~~غزوا بعد لم يغزوا حتى أخلصوا ولم يبقوا منافقين والله تعالى أعلم.

# وقرأ حمزة والكسائي { كلم الله } وهو اسم جنس جمعي واحده كلمة.

# { قل } إقناطا لهم { لن تتبعونا } أي لا تتبعونا فإنه نفي في
~~معنى النهي للمبالغة، والمراد نهيهم عن الاتباع فيما أرادوا الاتباع فيه
~~في قولهم: { ذرونا نتبعكم } وهو الانطلاق إلى خيبر كما نقل عن
~~محي السنة عليه الرحمة، وقيل: المراد ولا تتبعونا ما دمتم مرضى القلوب،
~~وعن مجاهد كان الموعد أي الموعد الذي تغييره تبديل كلام الله تعالى وهو
~~موعده سبحانه لأهل الحديبية أنهم لا يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم فكأنه قيل: لن تتبعونا إلا متطوعين،
~~وقيل: المراد التأبيد، وظاهر السياق الأول { كذلكم قال الله
~~من قبل } أي من قبل أن تهيأتم للخروج معنا وذلك عند الانصراف من
~~الحديبية.

# { فسيقولون } للمؤمنين عند سماع هذا النهي { بل تحسدوننا
~~} أن نشارككم في الغنائم، وهو إضراب عن كونه بحكم الله تعالى أي بل إنما
~~ذلك من عند أنفسكم حسدا. وقرأ أبو حيوة { تحسدوننا } بكسر السين { بل
~~كانوا لا يفقهون } لا يفهمون { إلا قليلا } أي إلا فهما
~~قليلا وهو فهمهم لأمور الدنيا، وهو رد لقولهم الباطل في المؤمنين ووصف
~~لهم بما هو أعظم من الحسد وأطم وهو الجهل المفرط وسوء الفهم في أمور
~~الدين، وفيه إشارة إلى ردهم حكم الله تعالى وإثباتهم الحسد لأولئك السادة
~~من الجهل وقلة التفكر.

### || [48.16]

# { قل للمخلفين من الأعراب } كرر ذكرهم بهذا العنوان
~~مبالغة في الذم وإشعارا بشناعة التخلف { ستدعون إلى قوم
~~أولي بأس شديد } ذوي نجدة وشدة قوية في الحرب، وهم على ما أخرج
~~ابن المنذر والطبراني عن الزهري بنو حنيفة، مسيلمة وقومه أهل اليمامة،
~~وعليه جماعة، وفي رواية عنه زيادة أهل الردة وروي ذلك عن الكلبي، وعن
~~رافع ms09954 بن خديج إنا كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ولا نعلم من هم حتى دعا
~~أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم أريدوا بها،
~~وعن عطاء بن أبي رباح ومجاهد في رواية وعطاء الخراساني وابن أبي ليلى
~~هم الفرس، وأخرجه ابن جرير والبيهقي في «الدلائل» وغيرهما عن ابن عباس،
~~وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال في الآية: دعا عمر بن الخطاب رضي
~~الله تعالى عنه لقتال فارس أعراب المدينة جهينة ومزينة الذين كان النبي
~~صلى الله عليه وسلم دعاهم للخروج إلى مكة، وقال عكرمة وابن جبير وقتادة:
~~هم هوازن ومن حارب الرسول صلى الله عليه وسلم في حنين، وفي رواية ابن
~~جرير وعبد بن حميد عن قتادة التصريح بثقيف مع هوازن، وفي رواية الفريابي
~~وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: هم هوازن وبنو حنيفة، وقال كعب: هم
~~الروم الذي خرج إليهم صلى الله عليه وسلم عام تبوك والذين بعث إليهم في
~~غزوة موتة، وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن الحسن قال: هم
~~فارس والروم، وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: البارز يعني
~~الأكراد كما في «الدر المنثور»، وأخرج ابن المنذر والطبراني في «الكبير»
~~عن مجاهد قال: أعراب فارس وأكراد العجم، وظاهر العطف أن أكراد العجم
~~ليسوا من أعراب فارس، وظاهر إضافة أكراد إلى العجم يشعر بأن من الأكراد
~~ما يقال لهم أكراد العرب، ولا نعرف هذا التقسيم وإنما نعرف جيلا من
~~الناس يقال لهم / أكراد من غير إضافة إلى عرب أو عجم.

# وللعلماء اختلاف في كونهم في الأصل عربا أو غيرهم فقيل: ليسوا من
~~العرب، وقيل منهم، قال القاضي شمس الدين أحمد بن محمد بن خلكان في ترجمة
~~المهلب بن أبي صفرة ما نصه: حكى أبو عمر بن عبد البر صاحب كتاب
~~«الاستيعاب» في كتابه «القصد والأمم في أنساب العرب والعجم» أن الأكراد
~~من نسل عمرو مزيقياء بن عامر بن ماء السماء وأنهم وقعوا إلى أرض العجم ms09955
~~فتناسلوا بها وكثر ولدهم فسموا الأكراد، وقال بعض الشعراء في ذلك وهو
~~يعضد ما قاله ابن عبد البر:

# لعمرك ما الأكراد أبناء فارس

# ولكنه كرد بن عمرو بن عامر

# انتهى، وفي «القاموس» الكرد بالضم جيل من الناس معروف والجمع أكراد
~~وجدهم كرد بن عمرو مزيقياء بن عامر [بن] ماء السماء انتهى، وعامر هذا من
~~العرب بلا شبهة فإنه ابن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة
~~بن مازن بن الأزد ويقال له الأسد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن
~~كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ويسمى عامرا وهو عند الأكثر ابن
~~شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وقيل: من ولد هود، وقيل: هو هود نفسه،
~~وقيل: ابن أخيه، وذهب الزبير بن بكار إلى أن قحطان من ذرية إسماعيل عليه
~~السلام وأنه قحطان بن الهميسع بن تيم بن نبت بن إسماعيل، والذي رجحه ابن
~~حجر أن قبائل اليمن كلها ومنها قبيلة عمرو مزيقياء من ولد إسماعيل عليه
~~السلام، ويدل له تبويب البخاري باب نسبة اليمن إلى إسماعيل عليه السلام
~~ذكر ذلك السيد نور الدين على السمهودي في «تاريخ المدينة»، وفيه أن
~~الأنصار الأوس والخزرج من أولاد ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقياء المذكور
~~وكان له ثلاثة عشر ولدا ذكورا منهم ثعلبة المذكور وحارثة والد خزاعة
~~وجفنة والد غسان ووداعة وأبو حارثة وعوف وكعب ومالك وعمران وكرد كما في
~~«القاموس» انتهى.

# وفائدة الخلاف تظهر في أمور منها الكفاءة في النكاح والعامة لا يعدونهم
~~من العرب فلا تغفل. والذي يغلب على ظني أن هؤلاء الجيل الذين يقال لهم
~~اليوم أكراد لا يبعد أن يكون فيهم من هو من أولاد عمرو مزيقياء وكذا لا
~~يبعد أن يكون فيهم من هو من العرب وليس من أولاد عمرو المذكور إلا أن
~~الكثير منهم ليسوا من العرب أصلا، وقد انتظم في سلك هذا الجيل أناس
~~يقال: إنهم من ذرية خالد بن الوليد، وآخرون يقال: إنهم من ذرية معاذ بن
~~جبل؛ ms09956 وآخرون يقال: إنهم من ذرية العباس بن عبد المطلب، وآخرون يقال: إنهم
~~من بني أمية ولا يصح عندي من ذلك شيء بيد أنه سكن مع الأكراد طائفة من
~~السادة أبناء الحسين رضي الله تعالى عنهم يقال لهم البرزنجية لا شك في
~~صحة نسبهم وكذا في جلالة حسبهم، وبالجملة الأكراد مشهور بالبأس وقد كان
~~منهم كثير من أهل الفضل بل ثبت لبعضهم الصحبة، قال الحافظ ابن حجر في
~~«الإصابة في تمييز الصحابة» في حرف الجيم: جابان والد ميمون روى ابن منده
~~من طريق أبي سعيد مولى بني هاشم عن أبي خلدة سمعت ميمون بن جابان
~~الكردي عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم غير مرة حتى بلغ عشرا
~~وذكر الحديث، وقد أخرج نحوه الطبراني في «المعجم الصغير» عن ميمون الكردي
~~عن أبيه أيضا وهو أتم منه ولفظه

# " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيما رجل تزوج امرأة على ما
~~قل من المهر أو كثر ليس في نفسه أن يؤدي إليها حقها خدعها فمات ولم يؤد
~~إليها حقها لقي الله يوم القيامة وهو زان وأيما رجل استدان / دينا لا
~~يريد أن يؤدي إلى صاحبه حقه خدعه حتى أخذ ماله فمات ولم يؤد إليه دينه
~~لقي الله وهو سارق "

# ويكنى ميمون هذا بأبي بصير بفتح الموحدة، وقيل: بالنون، وهو كما في
~~«التقريب» مقبول. هذا وأشهر الأقوال في تعيين هؤلاء القوم أنهم بنو
~~حنيفة. وقال أبو حيان: الذي أقوله إن هذه الأقوال تمثيلات من قائلها لا
~~تعيين القوم، وهذا وإن حصل به الجمع بين تلك الأقوال خلاف الظاهر.

# وقوله تعالى: { تقتلونهم أو يسلمون } على معنى يكون أحد
~~الأمرين إما المقاتلة أو الإسلام لا ثالث لهما، فأو للتنويع والحصر لا
~~للشك وهو كثير، ويدل لذلك قراءة أبي وزيد بن علي { أو يسلموا } بحذف
~~النون لأن ذلك للناصب وهو يقتضي أن أو بمعنى إلا أي إلا أن يسلموا فيفيد
~~الحصر أو بمعنى إلى أي إلى أن يسلموا، والغاية تقتضي أنه لا ينقطع ms09957 القتال
~~بغير الإسلام فيفيده أيضا كما قيل. والجملة مستأنفة للتعليل كما في
~~قولك: سيدعوك الأمير يكرمك أو يكبت عدوك، قال في «الكشف»: ولا يجوز أن
~~تكون صفة لقوم لأنهم دعوا إلى قتال القوم لا أنهم دعوا إلى قوم موصوف
~~بالمقاتلة أو الإسلام. وجوز بعضهم كونها حالية وحاله كحال الوصفية، وأصل
~~الكلام ستدعون إلى قوم أولي بأس لتقاتلوهم أو يسلموا فعدل إلى الاستئناف
~~لأنه أعظم الوصلين، ثم فيه أنهم فعلوا ذلك وحصلوا الغرض فهو يخبر عنه
~~واقعا. والاعتراض بأنه يلزم أن لا ينفك الوجود عن أحدهما لصدق إخباره
~~تعالى ونحن نرى الانفكاك بأن يتركوا سدى أو بالهدنة فينبغي أن يؤول بأنه
~~في معنى الأمر على ما في «أمالي ابن الحاجب» غير سديد لأن القوم مخصوصون
~~لا عموم فيهم، وكان الواقع أنهم قوتلوا إلى أن أسلموا سواء فسر القوم
~~ببني حنيفة أو بثقيف وهوازن أو فارس والروم على أن الإسلام الانقياد فما
~~انفك الوجود عن أحدهما بل وقعا، وأما امتناع الانفكاك فليس من مقتضى
~~الوضع ولا الاستعمال بل ذلك في الكلام الاستدلالي قد يتفق. وأطال الطيبي
~~الكلام في هذا المقام ثم قال: الذي يقتضيه المقام ما ذهب إليه صاحب
~~«التحبير» من أن { يسلمون } عطف على { تقتلونهم } إما على
~~الظاهر أو بتقديرهم يسلمون ليكون من عطف الاسمية على الفعلية وحينئذ
~~تكون المناسبة أكثر إذ تخرج الجملة إلى باب الكناية، والمعنى تقاتلونهم
~~أو لا تقاتلونهم لأنهم يسلمون، وقد وضع فيه { أو يسلمون } موضع أو
~~لا تقاتلونهم لأنهم إذا أسلموا سقط عنهم قتالهم ضرورة، والاستدعاء عليه
~~ليس إلا للاختبار، و { أو } للترديد على سبيل الاستعارة وفيه ما فيه.

# وشاع الاستدلال بالآية على صحة إمامة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ووجه
~~ذلك الإمام فقال: الداعي في قوله تعالى: { ستدعون } لا يخلو من أن
~~يكون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو الأئمة الأربعة أو من بعدهم
~~لا يجوز الأول لقوله سبحانه:

# قل لن تتبعونا

# [الفتح: 15] الخ ولا أن يكون عليا رضي الله تعالى عنه ms09958 وكرم وجهه لأنه
~~إنما قاتل البغاة والخوارج وتلك المقاتلة للإسلام لقوله عز وجل: { أو
~~يسلمون } ولا من ملك بعدهم لأنهم عندنا على الخطأ وعند الشيعة على
~~الكفر ولما بطلت الأقسام تعين أن يكون المراد بالداعي أبا بكر وعمر
~~وعثمان رضي الله تعالى عنهم، ثم إنه تعالى أوجب طاعته وأوعد على مخالفته
~~وذلك يقتضي إمامته وأي الثلاثة كان ثبت المطلوب، أما إذا كان أبا بكر
~~فظاهر، وأما إذا كان عمر أو عثمان فلأن إمامته فرع إمامته رضي الله تعالى
~~عنه. وتعقب بأن الداعي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشعر بذلك
~~السين، قوله: لا يجوز لقوله سبحانه: { لن تتبعونا } الخ فيه أن {
~~لن } لا تفيد التأبيد على الصحيح وظاهر السياق يدل على أن / المراد به
~~لن تتبعونا في الانطلاق إلى خيبر كما سمعت عن محي السنة أو هو مقيد بما
~~روي عن مجاهد أو بما حكي عن بعض، وقال أبو حيان: القول بأنهم لم يدعوا
~~إلى حرب في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بصحيح فقد حضر كثير منهم
~~مع جعفر في موتة وحضروا حرب هوازن معه عليه الصلاة والسلام وحضروا معه
~~صلى الله عليه وسلم أيضا في سفرة تبوك انتهى، ولا يخفى أن هذا إذا صح
~~ينفي حمل النفي على التأييد.

# ومن الشيعة من اقتصر في رد الاستدلال على الدعوة في تبوك. وتعقب بأنه لم
~~يقع فيها ما أخبر الله تعالى به في قوله سبحانه: { تقتلونهم
~~أو يسلمون } ومنهم من زعم أن الداعي علي كرم الله تعالى وجهه وزعم
~~كفر البغاة والخوارج عليه رضي الله تعالى عنه وأنه لو سلم إسلامهم يراد
~~بالإسلام في الآية الانقياد إلى الطاعة وموالاة الأمير، وفيه ما لا يخفى.
~~والإنصاف أن الآية لا تكاد تصح دليلا على إمامة الصديق رضي الله تعالى
~~عنه إلا إن صح خبر مرفوع في كون المراد بالقوم بني حنيفة ونحوهم ودون ذلك
~~خرط القتاد، ونفى بعضهم صحة كون المراد بالقوم فارسا والروم لأن المراد
~~في قوله تعالى: { تقتلونهم ms09959 أو يسلمون } على ما سمعت
~~وفارس مجوس والروم نصارى فلا يتعين فيهم أحد الأمرين من المقاتلة
~~والإسلام إذ يقبل منهم الجزية، وكذا اليهود ومشركو العجم والصابئة عند
~~أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وقال: يتعين كونهم مرتدين أو مشركي العرب
~~لأنهم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومثل مشركي العرب مشركو
~~العجم عند الشافعي رضي الله تعالى عنه فعنده لا تقبل إلا من أهل الكتاب
~~والمجوس، وأنت تعلم أن من فسر القوم بذلك يفسر الإسلام بالانقياد وهو
~~يكون بقبول الجزية فلا يتم له أمر النفي فلا تغفل.

# { فإن تطيعوا } الدعي فيما دعاكم إليه { يؤتكم الله
~~أجرا حسنا } هو على ما قيل الغنيمة في الدنيا والجنة في الأخرى {
~~وإن تتولوا } عن الدعوة { كما توليتم من قبل } في
~~الحديبية { يعذبكم عذابا أليما } لتضاعف جرمكم، وهذا التعذيب
~~قال في «البحر»: يحتمل أن يكون في الدنيا وأن يكون في الآخرة، ويحتمل
~~عندي وهو الأوفق بما قبله على ما قيل كونه فيهما ولا بأس بكون كل من
~~الإيتاء والتعذيب في الآخرة بل لعله المتبادر لكثرة استعمالهما في ذلك،
~~ولا يحسن كون الأمرين في الدنيا ولا كون الأول في الآخرة أو فيها وفي
~~الدنيا والثاني في الدنيا فقط.

### || [48.17]

# { ليس على الأعمى حرج } أي إثم { ولا على الأعرج
~~حرج ولا على المريض حرج } أي في التخلف عن الغزو لما بهم
~~من العذر والعاهة، وفي نفي الحرج عن كل من الطوائف المعدودة مزيد اعتناء
~~بأمرهم وتوسيع لدائرة الرخصة، وليس في نفي ذلك عنهم نهي لهم عن الغزو بل
~~قالوا: إن أجرهم مضاعف في الغزو، وقد غزا ابن أم مكتوم وكان أعمى رضي
~~الله تعالى عنه وحضر في بعض حروب القادسية وكان يمسك الراية. وفي «البحر»
~~لو حصر المسلمون فالفرض متوجه بحسب الوسع في الجهاد.

# { ومن يطع الله ورسوله } فيما ذكر من الأوامر والنواهي. {
~~يدخله جنت تجري من تحتها الأنهر ومن
~~يتول } عن الطاعة { يعذبه عذابا أليما } لا يقادر قدره،
~~والمعنى بالوعد والوعيد هنا أعم من ms09960 المعني بهما فيما سبق كما ينبىء عن
~~ذلك التعبير بمن هنا وبضمير الخطاب هناك، وقيل في الوعيد { يعذبه
~~} الخ دون يدخله نارا ونحوه مما هو أظهر في المقابلة لقوله تعالى: {
~~يدخله جنت } الخ اعتناء بأمره من حيث إن التعذيب يوم القيامة
~~عذابا أليما يستلزم إدخال النار وإدخالها لا يستلزم ذلك، واعتنى / به
~~لأن المقام يقتضيه ولذا جيء به كالمكرر مع الوعيد السابق، ويكفي في
~~الإشارة إلى سبق الرحمة إخراج الوعد ههنا كالتفصيل لما تقدم والتعبير
~~هناك بإيتاء الأجر الحسن الظاهر في الاستحقاق مع إسناد الايتاء إلى الاسم
~~الجليل نفسه فتأمل فلمسلك الذهن اتساع.

# وقرأ الحسن وقتادة وأبو جعفر والأعرج وشيبة وابن عامر ونافع { ندخله } و
~~{ نعذبه } بالنون فيهما.

# ولما ذكر سبحانه حال من تخلف عن السفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~ذكر عز وجل حال المؤمنين الخلص الذين سافروا معه عليه الصلاة والسلام
~~بقوله تعالى: { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ
~~يبايعونك تحت الشجرة... }.

### || [48.18]

# { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك
~~تحت الشجرة } وهم أهل الحديبية إلا جد بن قيس فإنه كان منافقا
~~ولم يبايع. وأصل هذه البيعة - وتسمى بيعة الرضوان لقول الله تعالى فيها:
~~{ لقد رضي } الخ - أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل الحديبية
~~بعث خراشا - بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء المهملة وألف بعدها شين
~~معجمة - ابن أمية الخزاعي رسولا إلى أهل مكة وحمله على جمل له يقال له:
~~الثعلب يعلمهم أنه جاء معتمرا لا يريد قتالا فلما أتاهم وكلمهم
~~عقروا جمله وأرادوا قتله فمنعه الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى الرسول صلى
~~الله عليه وسلم فدعا عمر رضي الله تعالى عنه ليبعثه فقال: يا رسول الله
~~إن القوم قد عرفوا عداوتي لهم وغلظي عليهم وإني لا آمن وليس بمكة أحد من
~~بني عدي يغضب لي إن أوذيت فأرسل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها وهم يحبونه
~~وأنه يبلغ ما أردت فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان فأرسله إلى
~~قريش وقال: أخبرهم أنا ms09961 لم نأت بقتال وإنما جئنا عمارا وادعهم إلى
~~الإسلام وأمره عليه الصلاة والسلام أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء
~~مؤمنات فيبشرهم بالفتح ويخبرهم أن الله تعالى قريبا يظهر دينه بمكة فذهب
~~عثمان رضي الله تعالى عنه إلى قريش وكان قد لقيه أبان بن سعيد بن العاص
~~فنزل عن دابته وحمله عليها وأجاره فأتى قريشا فأخبرهم فقالوا له إن شئت
~~فطف بالبيت وأما دخولكم علينا فلا سبيل إليه فقال رضي الله تعالى عنه: ما
~~كنت لأطوف به حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتبسوه فبلغ
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد قتل فقال عليه
~~الصلاة والسلام: لا نبرح حتى نناجز القوم ونادى مناديه عليه الصلاة
~~والسلام ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فأمره بالبيعة فأخرجوا على اسم الله تعالى فبايعوه فثار المسلمون إلى
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه، قال جابر كما في «صحيح مسلم»
~~وغيره: بايعناه صلى الله عليه وسلم على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت.
~~وأخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم تحت الشجرة، قيل: على أي شيء تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت، وأخرج
~~مسلم

# " عن معقل بن يسار أنه كان آخذا بأغصان الشجرة عن وجه رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم وهو يبايع الناس.

# وكان أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أبا سنان وهو وهب
~~بن محصن أخو عكاشة بن محصن، وقيل: سنان بن أبي سنان، وروى الأول البيهقي
~~في «الدلائل» عن الشعبي وأنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام: ابسط يدك
~~أبايعك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: علام تبايعني؟ قال: على ما في
~~نفسك "

# وفي حديث جابر الذي أخرجه مسلم أنه قال: بايعناه عليه الصلاة والسلام
~~وعمر رضي الله تعالى عنه آخد بيده، ولعل ذلك ليس في مبدأ البيعة وإلا ففي
~~«صحيح البخاري» عن نافع أن عمر رضي الله ms09962 تعالى عنه يوم الحديبية أرسل
~~ابنه عبد الله إلى / فرس له عند رجل من الأنصار أن يأتي به ليقاتل عليه
~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع عند الشجرة وعمر لا يدري بذلك
~~فبايعه عبد الله ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر وعمر رضي الله تعالى
~~عنه يستلئم للقتال فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع تحت
~~الشجرة فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

# " وصح أنه صلى الله عليه وسلم ضرب بيده اليمنى على يده الأخرى وقال: هذه
~~بيعة عثمان "

# ولما سمع المشركون بالبيعة خافوا لو بعثوا عثمان رضي الله تعالى عنه
~~وجماعة من المسلمين.

# وكانت عدة المؤمنين ألفا وأربعمائة على الأصح عند أكثر المحدثين ورواه
~~البخاري عن جابر، وروي عن سعيد بن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب بلغني
~~أن جابر بن عبد الله كان يقول: كانوا أربع عشرة مائة فقال لي سعيد: حدثني
~~جابر كانوا خمس عشرة مائة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وتابعه أبو داود. وروي أيضا عن عبد الله بن أوفى قال: كان أصحاب الشجرة
~~ألفا وثلثمائة، وعند أبي شيبة من حديث سلمة بن الأكوع أنهم كانوا ألفا
~~وسبعمائة، وجزم موسى بن عقبة بأنهم كانوا ألفا وستمائة، وحكى ابن سعد
~~أنهم ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون، وجمع بين الروايات بأنها بناء على عد
~~الجميع أو ترك الأصاغر والأتباع والأوساط أو نحو ذلك؛ وأما قول ابن
~~إسحق: إنهم كانوا سبعمائة فلم يوافقه أحد عليه لأنه قاله استنباطا من
~~قول جابر: تنحر البدنة عن عشرة وكانوا نحروا سبعين بدنة، وهذا لا يدل على
~~أنهم ما كانوا نحروا غير البدن مع أن بعضهم كأبي قتادة لم يكن أحرم
~~أصلا.

# والشجرة كانت سمرة، والمشهور أن الناس كانوا يأتونها فيصلون عندها فبلغ
~~ذلك عمر رضي الله تعالى عنه فأمر بقطعها خشية الفتنة بها لقرب الجاهلية
~~وعبادة غير الله تعالى فيهم. وفي «الصحيحين» من حديث طارق بن عبد الرحمن
~~قال: انطلقت ms09963 حاجا فمررت بقوم يصلون قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه
~~الشجرة حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان فأتيت سعيد
~~بن المسيب فأخبرته فقال: حدثني أبي أنه كان ممن بايع رسول الله عليه
~~الصلاة والسلام تحت الشجرة قال: فلما كان من العام المقبل نسيناها فلم
~~نقدر عليها ثم قال سعيد: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلموها
~~وعلمتموها أنتم فأيكم أعلم.

# والرضا يقابل السخط وقد يستعمل بعن والباء ويعدى بنفسه وهو مع عن إنما
~~يدخل على العين لا المعنى ولكن باعتبار صدور معنى منه يوجب الرضا وما في
~~الآية من هذا القسم، والمعنى الموجب للرضا فيها هو المبايعة، وإذا ذكر مع
~~العين معنى الباء فقيل رضيت عن زيد بإحسانه كانت الباء للسببية وجاز أن
~~تكون صلة وتتعين للسببية مع مقابله نحو سخطت عليه بإساءته وهو مع الباء
~~نحو رضيت به يجب دخوله على المعنى إلا إذا دخل على الذات تمهيدا للمعنى
~~ليكون أبلغ فتقول رضيت بقضاء الله تعالى ورضيت بالله تعالى ربا وقاضيا،
~~وإذا عدي بنفسه جاز دخوله على الذات نحو رضيت زيدا وإن كان باعتبار
~~المعنى تنبيها على أن كله مرضي بتلك الخصلة، وفيه مبالغة، وجاز دخوله
~~على المعنى كرضيت إمارة فلان، والأول أكثر استعمالا، وإذا استعمل مع
~~اللام تعدى بنفسه كقولك: رضيت لك التجارة، وفيه تجوز إما لجعل الرضا
~~مجازا عن الاستحماد وإما لأنك جعلت كونه مرضيا له بمنزلة كونه مرضيا
~~لك مبالغة في أنه في نفسه مرضي محمود وأنك تختار له ما تختار لنفسك وهذا
~~أبلغ.

# ثم هو في حق الحق تعالى شأنه محال عند الخلف قالوا: لأنه سبحانه لا تحدث
~~له صفة عقيب أمر البتة، فهو عندهم مجاز إما من أسماء الصفات إذا فسر
~~بإرادة أن يثيبهم إثابة من رضي عمن تحت يده، وأما من أسماء الأفعال إذا
~~فسر بالإثابة وكذا إذا أريد الاستحماد؛ وفي «البحر» أن العامل بإذ في
~~الآية هو { رضي } وهو / هنا بمعنى إظهار النعم عليهم فهو صفة ms09964 فعل لا
~~صفة ذات ليتقيد بالزمان، وأنت تعلم أن السلف لا يؤولون مثل ذلك ويثبتونه
~~له تعالى على الوجه اللائق به سبحانه ويصرفون الحدوث الذي يستدعيه
~~التقييد بالزمان إلى التعلق، ثم إن تقييد الرضا بزمان المبايعة يشعر
~~بعليتها له فلا حاجة إلى جعل (إذ) للتعليل.

# والتعبير بالمضارع لاستحضار صورة المبايعة. وقوله سبحانه: { تحت
~~الشجرة } إما متعلق بيبايعونك أو بمحذوف هو حال من مفعوله، وفي
~~التقييد بذلك إشارة إلى مزيد وقع تلك المبايعة وأنها لم تكن عن خوف منه
~~عليه الصلاة والسلام ولذا استوجبت رضا الله تعالى الذي لا يعادله شيء
~~ويستتبع ما لا يكاد يخطر على بال ويكفي فيما ترتب على ذلك ما أخرج أحمد
~~عن جابر ومسلم عن أم بشر عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة "

# وقد قال عليه الصلاة والسلام ذلك عند حفصة فقالت: بلى يا رسول الله
~~فانتهرها فقالت:

# وإن منكم إلا واردها

# [مريم: 71] فقال عليه الصلاة والسلام قد قال الله تعالى:

# ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظلمين فيها
~~جثيا

# [مريم: 72]. وصح برواية الشيخين وغيرهما في أولئك المؤمنين من حديث جابر
~~أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم:

# " أنتم خير أهل الأرض "

# فينبغي لكل من يدعي الإسلام حبهم وتعظيمهم والرضا عنهم وإن كان غير ذلك
~~لا يضرهم بعد رضا الله تعالى عنهم، وعثمان منهم بل كان يد رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم له رضي الله تعالى عنه  كما قال أنس  خيرا من أيديهم
~~أنفسهم.

# { فعلم ما في قلوبهم } أي من الصدق والإخلاص في مبايعتهم،
~~وروي نحو ذلك عن قتادة وابن جريج وعن الفراء، وقال الطبري ومنذر بن سعيد:
~~من الإيمان وصحته وحب الدين والحرص عليه، وقيل: من الهم والأنفة من لين
~~الجانب للمشركين وصلحهم، واستحسنه أبو حيان والأول عندي أحسن. وهو عطف
~~على { يبايعونك } لما عرفت من أنه بمعنى بايعوك، وجوز عطفه على {
~~رضي } بتأويله بظهر علمه فيصير مسببا عن الرضا مترتبا عليه {
~~فأنزل السكينة عليهم ms09965 } أي الطمأنينة والأمن وسكون النفس
~~والربط على قلوبهم بالتشجيع، وقيل: بالصلح وليس بذاك، والظاهر أنه عطف
~~على { علم }. وفي «الإرشاد» أنه عطف على { رضي } ، وظاهر كلام أبي
~~حيان الأول، وحيث استحسن تفسير ما في القلوب بما سمعت آنفا قال: إن
~~السكينة هنا تقرير قلوبهم وتذليلها لقبول أمر الله تعالى، وقال مقاتل:
~~فعلم الله ما في قلوبهم من كراهة البيعة على أن يقاتلوا معه صلى الله
~~عليه وسلم على الموت فأنزل السكينة عليهم حتى بايعوا وتفسر {
~~السكينة } بتذليل قلوبهم ورفع كراهة البيعة عنها، ولعمري إن الرجل
~~لم يعرف للصحابة رضي الله تعالى عنهم حقهم وحمل كلام الله تعالى على خلاف
~~ظاهره.

# { وأثبهم فتحا قريبا } قال ابن عباس وعكرمة وقتادة وابن
~~أبي ليلى وغيرهم: هو فتح خيبر وكان غب انصرافهم من الحديبية، وقال
~~الحسن: فتح هجر، والمراد هجر البحرين وكان فتح في زمانه صلى الله عليه
~~وسلم بدليل كتابه إلى عمرو بن حزم في الصدقات والديات. وفي «صحيح
~~البخاري»

# " أنه صلى الله عليه وسلم صالح أهل البحرين وأخذ الجزية من مجوس هجر "

# والفتح لا يستدعي سابقة الغزو كما علمت مما سبق في تفسيره فسقط قول
~~الطيبي معترضا على الحسن: إنه لم يذكر أحد من الأئمة أنه صلى الله عليه
~~وسلم غزا هجرا. نعم إطلاق الفتح على مثل ذلك قليل غير شائع بل قيل هو
~~معنى مجازي له، وقيل: هو فتح مكة والقرب أمر نسبي. وقرأ الحسن ونوح
~~القاري { وآتاهم } أي أعطاهم.

### || [48.19]

# { ومغانم كثيرة يأخذونها } هي مغانم خيبر كما قال غير
~~واحد، وقسمها عليه الصلاة والسلام كما / في حديث أحمد وأبي داود والحاكم
~~وصححه عن مجمع بن جارية الأنصاري فأعطى للفارس سهمين وكان منهم ثلثمائة
~~فارس وللراجل سهما، وقيل: مغانم هجر. وقرأ الأعمش وطلحة ورويس عن يعقوب،
~~ودلبة عن يونس عن ورش وأبو دحية وسقلاب عن نافع والأنطاكي عن أبي جعفر {
~~تأخذونها } بالتاء الفوقية والالتفات إلى الخطاب لتشريفهم في الامتنان.

# { وكان الله عزيزا } غالبا { حكيما } مراعيا لمقتضى
~~الحكمة في أحكامه تعالى وقضاياه ms09966 جل شأنه.

### || [48.20]

# { وعدكم الله مغانم كثيرة } هي - على ما قال ابن عباس
~~ومجاهد وجمهور المفسرين - ما وعد الله تعالى المؤمنين من المغانم إلى يوم
~~القيامة { تأخذونها } في أوقاتها المقدرة لكل واحدة منها {
~~فعجل لكم هذه } أي مغانم خيبر { وكف أيدي الناس
~~عنكم } أيدي أهل خيبر وحلفائهم من بني أسد وغطفان حين جاءوا لنصرتهم
~~فقذف الله تعالى في قلوبهم الرعب فنكصوا، وقال مجاهد: كف أيدي أهل مكة
~~بالصلح، وقال الطبري: كف اليهود عن المدينة بعد خروج الرسول صلى الله
~~عليه وسلم إلى الحديبية وإلى خيبر، وقال زيد بن أسلم وابنه: المغانم
~~الكثيرة الموعودة مغانم خيبر والمعجلة البيعة والتخلص من أمر قريش
~~بالصلح، والجمهور على ما قدمناه.

# والمناسبة لما مر من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بطريق الخطاب وغيره
~~بطريق الغيبة - كقوله تعالى:

# لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك

# [الفتح: 18] - تقتضي على ما نقل عن بعض الأفاضل أن هذا جار على نهج
~~التغليب وإن احتمل تلوين الخطاب فيه، وذكر الجلبي في قوله تعالى: {
~~فعجل لكم هذه } الخ أنه إن كان نزولها بعد فتح خيبر كما هو
~~الظاهر لا تكون السورة بتمامها نازلة في مرجعه صلى الله عليه وسلم من
~~الحديبية وإن كان قبله على أنها من الإخبار عن الغيب فالإشارة بهذه
~~لتنزيل المغانم منزلة الحاضرة المشاهدة والتعبير بالمضي للتحقق انتهى،
~~واختير الشق الأولى، وقولهم: نزلت في مرجعه عليه الصلاة والسلام من
~~الحديبية باعتبار الأكثر أو على ظاهره لكن يجعل المرجع اسم زمان ممتد.
~~وتعقب بأن ظاهر الأخبار يقتضي عدم الامتداد وأنها نزلت من أولها إلى
~~آخرها بين مكة والمدينة فلعل الأولى اختيار الشق الثاني، والإشارة ب {
~~هذه } إلى المغانم التي أثابهم إياها المذكورة في قوله تعالى:

# وأثبهم فتحا قريبا * ومغانم كثيرة
~~يأخذونها

# [الفتح: 18-19] وهي مغانم خيبر، وإذا جعلت الإشارة إلى البيعة كما سمعت
~~عن زيد وابنه وروي ذلك عن ابن عباس لم يحتج إلى تأويل نزولها في مرجعه
~~عليه الصلاة والسلام من الحديبية.

# { ولتكون ءاية للمؤمنين } الضمير المستتر ms09967 قيل: للكف المفهوم
~~من { كف } والتأنيث باعتبار الخبر، وقيل: للكفة فأمر التأنيث ظاهر.
~~وجوز أن يكون لمغانم خيبر المشار إليها بهذه. والآية الأمارة أي ولتكون
~~أمارة للمؤمنين يعرفون بها أنهم من الله تعالى بمكان أو يعرفون بها صدق
~~الرسول صلى الله عليه وسلم في وعده إياهم فتح خيبر وما ذكر من المغانم
~~وفتح مكة ودخول المسجد الحرام. واللام متعلقة إما بمحذوف مؤخر أي ولتكون
~~آية لهم فعل ما فعل أو بما تعلق به علة أخرى محذوفة من أحد الفعلين
~~السابقين أي فعجل لكم هذه أو كف أيدي الناس عنكم لتنتفعوا بذلك ولتكون
~~آية، فالواو  كما في «الإرشاد»  على الأول اعتراضية وعلى الثاني عاطفة،
~~وعند الكوفيين الواو زائدة واللام متعلقة بكف أو بعجل.

# { ويهديكم } بتلك الآية { صرطا مستقيما } هو الثقة بفضل
~~الله تعالى والتوكل عليه في كل ما تأتون وتذرون.

### || [48.21]

# { وأخرى } عطف على { هذه } في

# فعجل لكم هذه

# [الفتح: 20] فكأنه قيل فعجل لكم هذه المغانم وعجل لكم مغانم أخرى وهي
~~مغانم هوازن في غزوة حنين، والتعجيل بالنسبة إلى ما بعد فيجوز تعدد
~~المعجل كالابتداء بشيئين، وقوله تعالى: { لم تقدروا عليها }
~~في موضع الصفة ووصفها بعدم القدرة عليها لما كان فيها من الجولة قبل ذلك
~~لزيادة ترغيبهم فيها، وقوله تعالى: { قد أحاط الله بها } في
~~موضع صفة أخرى  لأخرى  مفيدة لسهولة تأتيها بالنسبة إلى قدرته عز وجل
~~بعد بيان صعوبة منالها بالنظر إلى قدرتهم. والإحاطة مجاز عن الاستيلاء
~~التام أي قد قدر الله تعالى عليها واستولى فهي في قبض قدرته تعالى يظهر
~~عليها من أراد، وقد أظهركم جل شأنه عليها وأظفركم بها، وقيل: مجاز عن
~~الحفظ أي قد حفظها لكم ومنعها من غيركم. والتذييل بقوله سبحانه: {
~~وكان الله على كل شيء قديرا } أوفق بالأول، وعموم قدرته
~~تعالى لكونها مقتضى الذات فلا يمكن أن تتغير ولا أن تتخلف وتزول عن الذات
~~بسبب ما كما تقرر في موضعه، فتكون نسبتها إلى جميع المقدورات على سواء من
~~غير اختصاص ببعض منها دون بعض وإلا ms09968 كانت متغايرة بل مختلفة.

# وجوز كون { أخرى } منصوبة بفعل يفسره { قد أحاط الله بها
~~} مثل قضى. وتعقب بأن الإخبار بقضاء الله تعالى بعد اندراجها في جملة
~~الغنائم الموعود بها بقوله تعالى:

# وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها

# [الفتح: 20] ليس فيه مزيد فائدة وإنما الفائدة في بيان تعجيلها. وأورد
~~عليه أن المغانم الكثيرة الموعودة ليست معينة ليدخل فيها الأخرى، ولو سلم
~~فليس المقصود بالإفادة كونها مقضية بل ما بعده فتدبر. وجوز كونها مرفوعة
~~بالابتداء والجملة بعدها صفة وجملة { قد أحاط } الخ خبرها، واستظهر
~~هذا الوجه أبو حيان، وقال بعض: الخبر محذوف تقديره ثمت أو نحوه، وجوز
~~الزمخشري كونها مجرورة بإضمار رب كما في قوله:

# وليل كموج البحر أرخى سدوله

# وتعقبه أبو حيان بأن فيه غرابة لأن رب لم تأت في القرآن العظيم جارة مع
~~كثرة ورود ذلك في كلام العرب فكيف تضمر هنا، وأنت تعلم أن مثل هذه
~~الغرابة لا تضر.

# هذا وتفسير الأخرى بمغانم هوازن قد أخرجه عبد بن حميد عن عكرمة عن ابن
~~عباس واختاره غير واحد، وقال قتادة والحسن: هي مكة وقد حاولوها عام
~~الحديبية ولم يدركوها فأخبروا بأن الله تعالى سيظفرهم بها ويظهرهم عليها،
~~وفي رواية أخرى عن ابن عباس والحسن، ورويت عن مقاتل أنها بلاد فارس
~~والروم وما فتحه المسلمون، وهو غير ظاهر على تفسير المغانم الكثيرة
~~الموعودة فيما سبق بما وعد الله تعالى به المسلمين من المغانم إلى يوم
~~القيامة، وأيضا تعقبه بعضهم بأن { لم تقدروا عليها } يشعر
~~بتقدم محاولة لتلك البلاد وفوات دركها المطلوب مع أنه لم تتقدم محاولة.
~~وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: هي خيبر، وروي ذلك عن
~~الضحاك وإسحق وابن زيد أيضا، وفيه خفاء فلا تغفل.

### || [48.22]

# { ولو قتلكم الذين كفروا } أي من أهل مكة ولم يصالحوكم
~~كما روي عن قتادة، وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنهم حليفا أهل خيبر أسد
~~وغطفان، وقيل: اليهود وليس بذاك { لولوا الأدبر } أي
~~لانهزموا فتولية الدبر كناية عن الهزيمة { ثم لا ms09969 يجدون وليا
~~} يحرسهم، وذكر الخفاجي أن الحارس أحد معاني الولي، وتفسيره هنا بذلك
~~لمناسبته للمنهزم، وقال الراغب: كل من ولي أمر آخر فهو وليه، وعليه
~~فالحارس ولي لأنه يلي أمر المحروس، والتنكير للتعميم أي لا يجدون فردا
~~ما من الأولياء { ولا نصيرا } ولا فردا ما من الناصرين ينصرهم،
~~وقال الإمام: أريد بالولي من ينفع باللطف وبالنصير / من ينفع بالعنف.

### || [48.23]

# { سنة الله التى قد خلت من قبل } نصب على المصدرية
~~بفعل محذوف أي سن سبحانه غلبة أنبيائه عليهم السلام سنة قديمة فيمن مضى
~~من الأمم كما قال سبحانه:

# لأغلبن أنا ورسلي

# [المجادلة: 21] على ما هو المتبادر من معناه، ولعل المراد أن سنته تعالى
~~أن تكون العاقبة لأنبيائه عليهم السلام لا أنهم كلما قاتلوا الكفار
~~غلبوهم وهزموهم { ولن تجد لسنة الله تبديلا } تغييرا.

### || [48.24]

# { وهو الذي كف أيديهم عنكم } أي أيدي كفار مكة، وفي
~~التعبير  بكف  دون منع ونحوه لطف لا يخفى { وأيديكم عنهم
~~ببطن مكة } يعني الحديبية كما أخرج ذلك عبد بن حميد وابن جرير عن
~~قتادة. وقد تقدم أن بعضها من حرم مكة، وأن لم يسلم فالقرب التام كاف
~~ويكون إطلاق { بطن مكة } عليها مبالغة { من بعد أن
~~أظفركم } مظهرا لكم { عليهم } فتعدية الفعل بعلى لتضمنه ما
~~يتعدى به وهو الإظهار والإعلاء أي جعلكم ذوي غلبة تامة.

# أخرج الإمام أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي
~~والنسائي في آخرين عن أنس قال: لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثمانون رجلا من أهل مكة في السلاح من قبل
~~جبل التنعيم يريدون غرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا عليهم فأخذوا
~~فعفا عنهم فنزلت هذه الآية { وهو الذي كف } الخ، وأخرج أحمد
~~والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في «الدلائل» عن عبد الله
~~بن مغفل قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصل الشجرة التي
~~قال الله تعالى في القرآن إلى أن قال: فبينا نحن ms09970 كذلك إذ خرج علينا
~~ثلاثون شابا عليهم السلاح فثاروا إلى وجوهنا فدعا عليهم رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فأخذ الله تعالى بأسماعهم  ولفظ الحاكم بأبصارهم  فقمنا
~~إليهم فأخذناهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل جئتم في عهد
~~أحد أو هل جعل لكم أحد أمانا؟ فقالوا: لا فخلى سبيلهم فأنزل الله تعالى:
~~{ وهو الذي كف أيديهم عنكم } الخ.

# وأخرج أحمد وغيره عن سلمة بن الأكوع قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم ونحن أربع عشرة مائة ثم إن المشركين من أهل مكة
~~راسلونا إلى الصلح فلما اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فاضطجعت في
~~ظلها فأتاني أربعة من مشركي أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فأبغضتهم وتحولت إلى شجرة أخرى فعلقوا سلاحهم واضطجعوا فبينما
~~هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل يا للمهاجرين قتل بن زنيم فاخترطت سيفي
~~فاشتددت على أولئك الأربعة وهم رقود فأخذت سلاحهم وجعلته في يدي ثم قلت:
~~والذي كرم وجه محمد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه ثم
~~جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء عمي عامر برجل
~~يقال له مكرز من المشركين يقوده حتى وقفنا بهم على رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم في سبعين من المشركين فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وقال: دعوهم يكون لهم بدء الفجور وثناه فعفا عنهم رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم وأنزل الله تعالى: { وهو الذي كف } الخ، وهذا كله
~~يؤيد ما قلناه.

# وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبزى قال: لما خرج
~~النبي صلى الله عليه وسلم بالهدي وانتهى إلى ذي الحليفة قال له عمي: يا
~~نبي الله تدخل على قوم لك حرب بغير سلاح ولا كراع فبعث إلى المدينة فلم
~~يدع فيها كراعا ولا سلاحا إلا حمله فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل فسار
~~حتى أتى منى فنزل بها فأتاه ms09971 عينه أن عكرمة ابن أبي جهل قد جمع عليك في /
~~خمسمائة فقال لخالد بن الوليد: يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل
~~فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله - فيومئذ سمي سيف الله - يا رسول
~~الله ارم بي إن شئت فبعثه على خيل فلقيه عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله
~~حيطان مكة فأنزل الله تعالى { وهو الذي } الآية. وفي «البحر» أن
~~خالدا هزمهم حتى دخلوا بيوت مكة وأسر منهم جملة فسيقوا إلى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فمن عليهم وأطلقهم، والخبر غير صحيح لأن إسلام خالد
~~رضي الله تعالى عنه بعد الحديبية قبل عمرة القضاء، وقيل بعدها وهي في
~~السنة السابعة.

# وروى ابن إسحق وغيره أن خالدا كان يوم الحديبية على خيل قريش في مائتي
~~فارس قدم بهم إلى كراع الغميم فدنا حتى نظر إلى أصحاب النبي صلى الله
~~عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عباد بن بشر فتقدم بخيله
~~فقام بإزائه وصف أصحابه وحانت صلاة الظهر فصلى رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم بأصحابه صلاة الخوف، وعن ابن عباس أن أهل مكة أرسلوا جملة من
~~الفوارس في الحديبية يريدون الوقيعة بالمسلمين فأظهرهم الله تعالى عليهم
~~بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت، وأنكر بعضهم ذلك والله تعالى أعلم بصحة
~~الخبر.

# وقيل: كان هذا الكف يوم فتح مكة، واستشهد الإمام أبو حنيفة بما في الآية
~~من قوله تعالى: { من بعد أن أظفركم } بناء على هذا القول
~~لفتح مكة عنوة. واعترض القول المذكور والاستشهاد بالآية بناء عليه، أما
~~الأول فلأن الآية نزلت قبل فتح مكة. وتعقب بأنه إن أريد أنها نزلت
~~بتمامها قبله فليس بثابت بل بعض الآثار يشعر بخلافه وإلا فلا يفيد مع أنه
~~يجوز أن يكون هذا إخبارا عن الغيب كما قيل ذلك في غيره من بعض آيات
~~السورة، وأما الثاني فلأن دلالتها على العنوة ممنوعة، فقد قال الزمخشري:
~~((الفتح هو الظفر بالشيء سواء كان عنوة أو صلحا))، والفرق بين الظفر على
~~الشيء والظفر به من ms09972 حيث الاستعلاء وهو كائن لأنهم اصطلحوا وهم مضطرون
~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه مختارون، وفيه دغدغة لا تخفى؛
~~وكذا فيما تعقب به الأول.

# وبالجملة هذا القول وكذا الاستشهاد بما في الآية بناء غير بعيد إلا أن
~~أكثر الأخبار الصحيحة وكذا ما بعد يؤيد ما قلناه أولا في تفسير الآية.

# { وكان الله بما تعملون } بعملكم أو بجميع ما تعملونه ومنه
~~العفو بعد الظفر. { بصيرا } فيجازيكم عليه. وقرأ أبو عمرو {
~~يعملون } بياء الغيبة فالكلام عليه تهديد للكفار.

### || [48.25]

# { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام }
~~أن تصلوا إليه وتطوفوا به { والهدي } بالنصب عطف على الضمير المنصوب
~~في { صدوكم } أي وصدوا الهدي وهو ما يهدى إلى البيت، قال الأخفش:
~~الواحدة هدية ويقال للأنثى هدي كأنه مصدر وصف به. وفي «البحر» ((إسكان
~~داله لغة قريش وبها قرأ الجمهور، وقرأ ابن هرمز والحسن وعصمة عن عاصم
~~واللؤلوي وخارجة عن أبي عمرو بكسر الدال وتشديد الياء وذلك لغة)). وهو
~~فعيل بمعنى مفعول على ما صرح به غير واحد. وكان هذا الهدي سبعين بدنة على
~~ما هو المشهور، وقال مقاتل: كان مائة بدنة. وقرأ الجعفي عن أبي عمرو {
~~الهدي } بالجر على أنه عطف على (المسجد الحرام) بحذف المضاف أي ونحر
~~الهدي. وقرىء بالرفع على إضمار وصد الهدي.

# وقوله سبحانه: { معكوفا } حال من { الهدي } على جميع القراآت،
~~وقيل: على قراءة الرفع يجوز أن يكون { الهدي } مبتدأ والكلام نحو
~~حكمك مسمطا وقوله تعالى:

# ونحن عصبة

# [يوسف: 8] على قراءة النصب وهو كما ترى. والمعكوف المحبوس يقال: عكفت
~~الرجل عن حاجته حبسته عنها، وأنكر أبو علي تعدية عكف وحكاها ابن سيده
~~والأزهري وغيرهما، وظاهر ما في الآية / معهم.

# وقوله تعالى: { أن يبلغ محله } بدل اشتمال من { الهدي }
~~كأنه قيل: وصدوا بلوغ الهدي محله أو صدوا عن بلوغ الهدي أو وصد بلوغ
~~الهدي حسب اختلاف القراآت، وجوز أن يكون مفعولا من أجله للصد أي كراهة
~~أن يبلغ محله، وأن يكون مفعولا من أجله مجرورا بلام مقدرة  لمعكوفا 
~~أي محبوسا ms09973 لأجل أن يبلغ محله ويكون الحبس من المسلمين، وأن يكون منصوبا
~~بنزع الخافض وهو من أو عن أي محبوسا من أو عن أن يبلغ محله فيكون الحبس
~~من المشركين على ما هو الظاهر.

# ومحل الهدي مكان يحل فيه نحره أي يسوغ أو مكان حلوله أي وجوبه
~~ووقوعه كما نقل عن الزمخشري، والمراد مكانه المعهود وهو منى، أما على رأي
~~الشافعي رضي الله تعالى عنه فلأن مكانه لمن منع حيث منع فيكون قد بلغ
~~محله بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه ولذا نحروا هناك
~~أعني في الحديبية، وأما على رأي أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه فلأن
~~مكانه الحرم مطلقا وبعض الحديبية حرم عنده؛ وقد رووا أن مضارب رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم كانت في الحل منها ومصلاه في الحرم والنحر قد وقع
~~فيما هو حرم فيكون الهدي بالغا محله غير معكوف عن بلوغه فلا بد من إرادة
~~المعهود ليتسنى ذلك. وزعم الزمخشري أن الآية دليل لأبي حنيفة على أن
~~الممنوع محل هديه الحرم ثم تكلم بما لا يخفى حاله على من راجعه.

# ومن الناس من قرر الاستدلال بأن المسجد الحرام يكون بمعنى الحرم وهم لما
~~صدوهم عنه ومنعوا هديهم أن يدخله فيصل إلى محله دل بحسب الظاهر على أنه
~~محله، ثم قال: ولا ينافيه أنه عليه الصلاة والسلام نحر في طرف منه كما لا
~~ينافي الصد عنه كون مصلاه عليه الصلاة والسلام فيه لأنهم منعوهم فلم
~~يمتنعوا بالكلية وهو كما ترى. والإنصاف أنه لا يتم الاستدلال بالآية على
~~هذا المطلب أصلا. وطعن بعض أجلة الشافعية في كون شيء من الحديبية من
~~الحرم فقال: إنه خلاف ما عليه الجمهور وحدود الحرم مشهورة من زمن إبراهيم
~~عليه السلام، ولا يعتد برواية شذ بها الواقدي كيف وقد صرح بخلافها
~~البخاري في «صحيحه» عن الثقات، والرواية عن الزهري ليست بثبت انتهى، ولعل
~~من قال: بأن بعضها من الحرم استند في ذلك إلى خبر صحيح. ومن قواعدهم أن
~~المثبت مقدم على ms09974 النافي والله تعالى أعلم.

# { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنت لم
~~تعلموهم } صفة رجال ونساء على تغليب المذكر على المؤنث. وكانوا -
~~على ما أخرج أبو نعيم بسند جيد وغيره عن أبي جمعة جنبذ بن سبع - تسعة
~~نفر سبعة رجال وهو منهم وامرأتين. وقوله تعالى: { أن تطئوهم } بدل
~~اشتمال منهم وجوز كونه بدلا من الضمير المنصوب في { تعلموهم }
~~واستبعده أبو حيان. والوطء الدوس واستعير هنا للإهلاك وهي استعارة حسنة
~~واردة في كلامهم قديما وحديثا، ومن ذلك قول الحرث بن وعلة الذهلي:

# ووطئتنا وطأ على حنق

# وطء المقيد نابت الهرم

# وقوله صلى الله عليه وسلم من حديث:

# " وإن آخر وطأة وطئها الله تعالى بوج "

# وقوله عليه الصلاة والسلام:

# " اللهم اشدد وطأتك على مضر "

# { فتصيبكم منهم } أي من جهتهم { معرة } أي مكروه ومشقة
~~مأخوذ من العر والعرة هو الجرب الصعب اللازم، وقال غير واحد: هي مفعلة من
~~عره إذا عراه ودهاه ما يكره، والمراد بها هنا على ما روي عن منذر بن سعيد
~~تعيير الكفار وقولهم في المؤمنين: إنهم قتلوا أهل دينهم، وقيل: التأسف
~~عليهم وتألم النفس مما أصابهم. وقال ابن زيد: المأثم بقتلهم. وقال ابن
~~إسحاق: الدية، قال ابن عطية: وكلا القولين ضعيف لأنه لا إثم ولا دية / في
~~قتل مؤمن مستور الإيمان بين أهل الحرب. وقال الطبري، هي الكفارة. وتعقب
~~بعضهم هذا أيضا بأن في وجوب الكفارة خلافا بين الأئمة.

# وفي «الفصول العمادية» ذكر في «تأسيس النظائر» في الفقه قال أصحابنا:
~~دار الحرب تمنع وجوب ما يندرىء بالشبهات لأن أحكامنا لا تجري في دارهم
~~وحكم دارهم لا يجري في دارنا، وعند الشافعي دار الحرب لا تمنع وجوب ما
~~يندرىء بالشبهات، بيان ذلك حربي أسلم في دار الحرب وقتل مسلما دخل
~~دارهم بأمان لا قصاص عليه عندنا ولا دية وعند الشافعي عليه القصاص وعلى
~~هذا لو أن مسلمين متسامنين دخلا دار الحرب وقتل أحدهما صاحبه لا قصاص
~~عليه عندنا وعند الشافعي عليه ذلك، ثم ذكر مسألة مختلفا فيها بين أبي
~~حنيفة وأبي يوسف ms09975 ومحمد فقال: إذا قتل أحد الأسيرين صاحبه في دار الحرب
~~لا شيء عليه عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلا الكفارة لأنه تبع لهم فصار
~~كواحد من أهل الحرب، وعند محمد تجب الدية لأن له حكم نفسه فاعتبر حكم
~~نفسه على حدة انتهى.

# ونقل عن «الكافي» أن من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا وقتله مسلم
~~عمدا أو خطأ وله ورثة مسلمون ثم لا يضمن شيئا إن كان عمدا وإن كان خطأ
~~ضمن الكفارة دون الدية انتهى وتمام الكلام في هذا المقام يطلب في محله.
~~والزمخشري فسر المعرة بوجوب الدية والكفارة وسوء قالة المشركين والمأثم
~~إذا جرى منهم بعض التقصير وهو كما ترى.

# { بغير علم } في موضع الحال من ضمير المخاطبين في { تطئوهم
~~} قيل ولا تكرار مع قوله تعالى: { لم تعلموهم } سواء كان {
~~أن تطئوهم } بدل اشتمال من رجال ونساء أو بدلا من المنصوب في {
~~لم تعلموهم } أما على الثاني فلأن حاصل المعنى ولولا مؤمنون لم
~~تعلموا وطأتهم وإهلاكهم وأنتم غير عالمين بإيمانهم لأن احتمال أنهم
~~يهلكون من غير شعور مع إيمانهم سبب الكف فيعتبر فيه العلمان فمتعلق العلم
~~في الأول: الوطأة وفي الثاني: أنفسهم باعتبار الإيمان، وأما على الأول
~~فلأن قوله تعالى: { بغير علم } لما كان حالا من فاعل { تطؤهم }
~~كان العلم بهم راجعا إلى العلم باعتبار الإهلاك كما تقول أهلكته من غير
~~علم فلا الإهلاك من غير شعور ولا العلم بإيمانهم حاصل والأمران لكونهما
~~مقصودين بالذات صرح بهما وإن تقاربا أو تلازما في الجملة. وجوز أن يجعل
~~{ لم تعلموهم } كناية عن الاختلاط كما يلوح إليه كلام «الكشاف»،
~~وفيه ما يدفع التكرار أيضا، وفي ذلك بحث يدفع بالتأمل.

# وجوز أن يكون حالا من ضمير { منهم } وأن يكون متعلقا  بتصيبكم 
~~أو صفة لمعرة قيل: وهو على معنى فتصيبكم منهم معرة بغير علم من الذي
~~يعركم ويعيب عليكم، يعني إن وطئتموهم غير عالمين لزمكم سبة من الكفار
~~بغير علم أي لا يعلمون أنكم معزورون فيه أو على معنى لم تعلموا أن ms09976 تطؤهم
~~فتصيبكم منهم معرة بغير علم منكم أي فتقتلوهم بغير علم منكم أو تؤذوهم
~~بغير علم فافهم ولا تغفل.

# وجواب { لولا } محذوف لدلالة الكلام عليه، والمعنى على ما سمعت أولا
~~لولا كراهة أن تهلكوا أناسا مؤمنين بين ظهراني الكفار جاهلين بهم
~~فيصيبكم بإهلاكهم مكروه لما كف أيديكم عنهم، وحاصله أنه تعالى ولو لم يكف
~~أيديكم عنهم لانجر الأمر إلى إهلاك مؤمنين بين ظهرانيهم فيصيبكم من ذلك
~~مكروه وهو عز وجل يكره ذلك.

# وقال ابن جريج: دفع الله تعالى عن المشركين يوم الحديبية بأناس من
~~المسلمين بين أظهرهم، وظاهر الأول على ما قيل أن علة الكف صون المخاطبين
~~عن إصابة المعرة، وظاهر هذا أن علته صون أولئك المؤمنين عن الوطء والأمر
~~فيه سهل.

# وقوله تعالى: { ليدخل الله في رحمته } علة لما يدل عليه
~~الجواب المحذوف على ما اختاره في «الإرشاد» كأنه قيل: لكنه سبحانه كفها
~~عنهم ليدخل بذلك الكف المؤدي إلى الفتح بلا محذور في رحمته / الواسعة {
~~من يشآء } وهم أولئك المؤمنون وذلك بأمنهم وإزالة استضعافهم تحت أيدي
~~المشركين وبتوفيقهم لإقامة مراسم العبادة على الوجه الأتم، والتعبير عنهم
~~بمن يشاء دون الضمير بأن يقال: ليدخلهم الله رحمته للإشارة إلى أن علة
~~الإدخال المشيئة المبنية على الحكم الجمة والمصالح، وجعله بعضهم علة لما
~~يفهم من صون من بمكة من المؤمنين والرحمة توفيقهم لزيادة الخير والطاعة
~~بإبقائهم على عملهم وطاعتهم، وجوز أن يراد  بمن يشاء  بعض المشركين
~~ويراد بالرحمة الإسلام فإن أولئك المؤمنين إذا صانهم الكف المذكور أظهروا
~~إيمانهم لمعاينة قوة الدين فيقتدي بهم الصائرون للإسلام، واستحسن بعضهم
~~كونه علة للكف المعلل بالصون.

# وجوز أن يراد  بمن يشاء  المؤمنون فيراد بالرحمة التوفيق لزيادة
~~الخير، والمشركون فيراد بها الإسلام، وبين وجه التعليل بأنهم إذا شاهدوا
~~منع تعذيبهم بعد الظفر عليهم لاختلاط المؤمنين بهم اعتناء بشأنهم رغبوا
~~في الإسلام والانخراط في سلك المرحومين وأن المؤمنين إذا علموا منع تعذيب
~~المشركين بعد الظفر عليهم لاختلاطهم بهم أظهروا إيمانهم فيقتدى بهم،
~~وقال: لا وجه لجعل اللام مستعارة ms09977 من معنى التعليل لما يترتب على الشيء
~~لأنه عدول عن الحقيقة المتبادرة من غير داع، وما يظن من أن تعليل الكف
~~بما ذكر مع أنه معلل بالصون فاسد لما فيه من اجتماع علتين على معلول واحد
~~شخصي فاسد لأن العلل إذا لم تكن تامة حقيقة لا يضر تعددها وما هنا كذلك.

# هذا وجعل ذلك علة لما دل عليه الجواب على ما سمعت أولا أولى عندي لما
~~فيه من شدة التحام النظم الجليل، وحمل { من يشآء } على المؤمنين
~~المستضعفين دون بعض المشركين أوفق بقوله تعالى: { لو تزيلوا
~~لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } والتزيل
~~التفرق والتميز، وجوز في ضمير { تزيلوا } كونه للمؤمنين المذكورين
~~فيما سبق أي لو تفرق أولئك المؤمنون والمؤمنات وتميزوا عن الكفار وخرجوا
~~من مكة ولم يبقوا بينهم لعذبنا الخ، وكونه للمؤمنين والكفار أي لو افترق
~~بعضهم من بعض ولم يبقوا مختلطين لعذبنا الخ.

# واختار غير واحد الأول  فمنهم  للبيان، والمراد تعذيبهم في الدنيا
~~بالقتل والسبي كما قال مجاهد وغيره وإلا لم يكن  للو  موقع. والجملة
~~مستأنفة مقررة لما قبلها، وجوز الزمخشري أن يكون قوله تعالى: { لو
~~تزيلوا } كالتكرار لقوله تعالى: { لولا رجال } لأن مرجعهما
~~في المعنى شيء واحد ويكون { لعذبنا } هو الجواب  للولا  السابقة.
~~واعترضه أبو حيان بأن التغاير ظاهر فلا يكون تكرارا ولا مشابها. وأجيب
~~بأن كراهة وطئهم لعدم تميزهم عن الكفار الذي هو مدلول الثاني فيكون كبدل
~~الاشتمال ويكفي ذلك في كونه كالتكرار.

# وقال ابن المنير: إنما كان مرجعهما واحدا وإن كانت { لولا } تدل على
~~امتناع لوجود و { لو } تدل على امتناع لامتناع وبين هذين تناف ظاهر لأن
~~{ لولا } ههنا دخلت على وجود ولو دخلت على { تزيلوا } وهو راجع
~~إلى عدم وجودهم وامتناع عدم الوجود ثبوت فآلا إلى آمر واحد من هذا الوجه
~~قال: وكان جدي يختار هذا الوجه ويسميه تطرية وأكثر ما يكون إذا تطاول
~~الكلام وبعد عهد أوله واحتيج إلى بناء الآخر على الأول فمرة يطري بلفظه
~~ومرة بلفظ آخر يؤدي مؤداه انتهى.

# وأنت ms09978 تعلم أن في حذف الجواب دليلا على شدة غضب الله تعالى وأنه لولا حق
~~المؤمنين لفعل بهم ما لا يدخل تحت الوصف ولا يقاس، ومنه يعلم أن ذلك
~~الوجه أرجح من جعل { لو تزيلوا } بمنزلة التكرار للتطرية فتطرية
~~الجواب وتقويته أولى وأوفق لمقتضى المقام، واختار الطيبي الأول أيضا
~~معللا له بأنه حينئذ يقرب من باب الطرد والعكس لأن التقدير لولا وجود
~~مؤمنين مختلطين بالمشركين غير متميزين منهم لوقع ما كان جزاء لكفرهم
~~وصدهم ولو حصل / التمييز وارتفع الاختلاط لحصل التعذيب، ثم إن تقدير
~~الجواب ما تقدم عند القائلين بالحذف هو الذي ذهب إليه كثير، وجوز بعضهم
~~تقديره لعجل لهم ما يستحقون وجعل قوله تعالى: { هم الذين كفروا
~~} الخ فكأنه قيل: هم الذين كفروا واستحقوا التعجيل في إهلاكهم ولولا رجال
~~مؤمنون الخ لعجل لهم ذلك وهو أيضا أولى من حديث التكرار، وقرأ ابن أبي
~~عبلة وابن مقسم وأبو حيوة وابن عون { لو تزايلوا } على وزن تفاعلوا.

# وفي الآية على ما قال إلكيا دليل على أنه لا يجوز خرق سفينة الكفار إذا
~~كان فيها أسرى من المسلمين وكذلك رمي الحصون إذا كانوا بها والكفار إذا
~~تترسوا بهم، وفيه كلام في كتب الفروع.

### || [48.26]

# { إذ جعل الذين كفروا } منصوب باذكر على المفعولية أو 
~~بعذبنا  على الظرفية أو  بصدوكم  كذلك، وقيل: بمضمر هو أحسن الله
~~تعالى إليكم. وأيا ما كان  فالذين  فاعل { جعل } ووضع الموصول موضع
~~ضميرهم لذمهم بما في حيز الصلة وتعليل الحكم به. والجعل إما بمعنى
~~الإلقاء فقوله تعالى: { في قلوبهم الحمية } متعلق به أو
~~بمعنى التصيير فهو متعلق بمحذوف هو مفعول ثان له أي جعلوا الحمية راسخة
~~في قلوبهم ولكونها مكتسبة لهم من وجه نسب جعلها إليهم. وقال النيسابوري:
~~يجوز أن يكون فاعل { جعل } ضمير الله تعالى و { في قلوبهم }
~~بيان لمكان الجعل ومآل المعنى إذ جعل الله في قلوب الذين كفروا الحمية
~~وهو كما ترى. والحمية الأنفة يقال: حميت عن كذا حمية إذا أنفت منه
~~وداخلك عار منه. وقال الراغب: ms09979 عبر عن القوة الغضبية إذا ثارت وكثرت
~~بالحمية فقيل: حميت على فلان أي غضبت عليه، وقوله تعالى: { حمية
~~الجهلية } بدل من الحمية أي حمية الملة الجاهلية أو الحمية
~~الناشئة من الجاهلية لأنها بغير حجة وفي غير موضعها.

# وقوله تعالى: { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى
~~المؤمنين } عطف على { جعل } على تقدير جعل { إذ } معمولا
~~لأذكر، والمراد تذكير حسن صنيع الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين
~~بتوفيق الله تعالى وسوء صنيع المشركين وعلى ما يدل عليه الجملة
~~الامتناعية على تقدير جعلها ظرفا  لعذبنا  كأنه قيل: فلم يتزيلوا فلم
~~نعذب فأنزل الخ، وعلى مضمر عامل فيها على الوجه الأخير المحكي ويكون هذا
~~كالتفسير لذاك، وأما على جعلها ظرفا  لصدوكم  فقيل: العطف على {
~~جعل } وقيل: على { صدوكم } وهو نظير الطائر فيغضب زيد الذباب؛
~~والأولى من هذه الأوجه لا يخفى.

# والسكينة الاطمئنان والوقار.

# " روى غير واحد أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بمن معه إلى الحديبية
~~حتى إذا كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث بين يديه
~~عينا من خزاعة يخبره عن قريش وسار عليه الصلاة والسلام حتى كان بغدير
~~الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عينه فقال: إن قريشا جمعوا لك جموعا وقد
~~جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فاستشار الناس في الإغارة
~~على ذراري من أعانهم فقال أبو بكر: الله تعالى ورسوله أعلم يا نبي الله
~~إنما جئنا معتمرين ولم نجىء لقتال أحد ولكن من حال بيننا وبين البيت
~~قاتلناه فقال صلى الله عليه وسلم: امضوا على اسم الله فسار حتى نزل بأقصى
~~الحديبية فجاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه فقال له إني قد
~~تركت كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي نزلوا قريبا معهم العوذ المطافيل وهم
~~مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال عليه الصلاة والسلام: إنا لم نجىء لقتال
~~أحد ولكن معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فماذا عليهم لو
~~خلوا بيني وبين سائر العرب فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا وإن
~~أظهرني ms09980 الله تعالى / عليهم دخلوا في الإسلام وافرين وإن لم يفعلوا
~~قاتلتهم وبهم قوة فما تظن قريش فوالله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني
~~الله تعالى به حتى يظهره الله تعالى أو تنفرد هذه السالفة فقال بديل:
~~سأبلغهم ما تقول فبلغهم فقال عروة بن مسعود الثقفي لهم: دعوني آته فأتاه
~~عليه الصلاة والسلام فقال له نحو ما قال لبديل وجرى من الكلام ما جرى
~~ورأى من احترام الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمهم إياه ما
~~رأى فرجع إلى أصحابه فأخبرهم بذلك وقال لهم: إنه قد عرض عليكم خطة رشد
~~فاقبلوها فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته فلما أشرف على النبي صلى
~~الله عليه وسلم وأصحابه قال عليه الصلاة والسلام: هذا فلان وهو من قوم
~~يعظمون البدن فابعثوها له فبعثت واستقبله القوم يلبون فلما رأى ذلك قال:
~~سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت فرجع وأخبر أصحابه فقال
~~رجل يقال له مكرز بن حفص: دعوني آته فلما أشرف قال عليه الصلاة والسلام:
~~هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو
~~يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو أخو بني عامر بن لؤي فقال صلى الله عليه وسلم:
~~قد سهل لكم من أمركم وكان قد بعثه قريش وقالوا له: ائت محمدا فصالحه ولا
~~يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها
~~علينا عنوة أبدا فلما انتهى إليه عليه الصلاة والسلام تكلم فأطال وانتهى
~~الأمر إلى الصلح وكتابة كتاب في ذلك فدعا النبي صلى الله عليه وسلم
~~عليا كرم الله تعالى وجهه فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل:
~~لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
~~اكتب باسمك اللهم فكتبها ثم قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله
~~سهيل بن عمرو فقال سهيل: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت
~~ولا قاتلناك ولكن اكتب ms09981 اسمك واسم أبيك فقال عليه الصلاة والسلام: والله
~~إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله
~~سهيل بن عمرو صلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس
~~ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده
~~عليهم ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة
~~وأنه لا إسلال ولا إغلال وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه
~~ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه وأن محمدا يرجع عن مكة عامه
~~هذا فلا يدخلها وأنه إذا كان عام قابل خرج أهل مكة فدخلها بأصحابه فأقام
~~بها ثلاثا معه سلاح الراكب السيوف في القرب لا يدخلها بغيرها "

# وظاهر هذا الخبر أن سهيلا لم يرض أن يكتب محمد رسول الله قبل أن يكتب؛

# " وجاء في رواية أنه كتب فلم يرض فقال النبي عليه الصلاة والسلام لعلي
~~كرم الله تعالى وجهه: امحه فقال: ما أنا بالذي أمحاه، وجاء هذا في رواية
~~للبخاري ولمسلم، وفي رواية للبخاري في المغازي فأخذ رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله
~~"

# ، وكذا أخرجه النسائي وأحمد ولفظه فأخذ الكتاب وليس يحسن أن يكتب فكتب
~~مكان رسول الله هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله.

# وتمسك بظاهر هذه الرواية كما في «فتح الباري» أبو الوليد الباجي على أن
~~النبي عليه الصلاة والسلام كتب بعد أن لم يكن يحسن أن يكتب ووافقه على
~~ذلك شيخه أبو ذر الهروي وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء إفريقية،
~~والجمهور على أنه عليه الصلاة والسلام لم يكتب، وأن قوله: وأخذ الكتاب
~~وليس يحسن أن يكتب لبيان أنه عليه الصلاة والسلام احتاج لأن يريه علي كرم
~~الله تعالى وجهه موضع الكلمة التي امتنع من محوها لكونه كان لا يحسن
~~الكتابة، وقوله: فكتب بتقدير فمحاها فأعاد الكتاب لعلي ms09982 فكتب أو أطلق فيه
~~كتب على أمر بالكتابة، وتمام الكلام / في محله فكانت حميتهم على ما في
~~«الدر المنثور» عن جماعة أنهم لم يقروا أنه صلى الله عليه وسلم رسول ولم
~~يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم وحالوا بين المسلمين والبيت وقد هم
~~المؤمنون لذلك أن يبطشوا بهم فأنزل الله تعالى سكينته عليهم فتوقروا
~~وحلموا.

# وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال في حمية الجاهلية: حمت قريش أن
~~يدخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لا يدخلها علينا أبدا.
~~وقال ابن بحر:  كما في «البحر»  حميتهم عصبيتهم لآلهتهم والأنفة أن
~~يعبدوا غيرها. وفي توسيط على بين الرسول والمؤمنين إيماء إلى أنه سبحانه
~~أنزل على كل سكينة لائقة به. ووجه تقديم الإنزال على الرسول عليه الصلاة
~~والسلام لا يخفى.

# وقال الإمام: في هذه الآية لطائف معنوية وهو أنه تعالى أبان غاية البون
~~بين المؤمنين والكافرين حيث باين بين الفاعلين إذ فاعل { جعل } هو
~~الكفار وفاعل { أنزل } هو الله تعالى، وبين المفعولين إذ تلك حمية
~~وهذه سكينة.

# وبين الإضافتين إضافة الحمية إلى الجاهلية وإضافة السكينة إليه تعالى،
~~وبين الفعلين { جعل } و { أنزل } فالحمية مجعولة في الحال كالعرض
~~الذي لا يبقى والسكينة كالمحفوظة في خزانة الرحمة فأنزلها والحمية قبيحة
~~مذمومة في نفسها وازدادت قبحا بالإضافة إلى الجاهلية والسكينة حسنة في
~~نفسها وازدادت حسنا بإضافتها إلى الله عز وجل، والعطف في { فأنزل }
~~بالفاء لا بالواو يدل على المقابلة والمجازاة تقول: أكرمني زيد فأكرمته
~~فيدل على أن إنزال السيكنة لجعلهم الحمية في قلوبهم حتى أن المؤمنين لم
~~يغضبوا ولم ينهزموا بل صبروا، وهو بعيد في العادة فهو من فضل الله تعالى
~~انتهى وهو مما لا بأس به.

# { وألزمهم كلمة التقوى } هي لا إله إلا الله كما أخرج
~~ذلك الترمذي وعبد الله بن أحمد والدارقطني وغيرهم عن أبي بن كعب مرفوعا
~~وكما أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة وسلمة بن الأكوع كذلك؛ وأخرج أحمد
~~وابن حبان والحاكم عن حمران أن عثمان بن عفان رضي ms09983 الله تعالى عنه قال:

# " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إني لأعلم كلمة لا يقولها
~~عبد حقا من قلبه إلا حرم على النار فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى
~~عنه: أنا أحدثكم ما هي كلمة الإخلاص التي ألزمها الله سبحانه محمدا
~~وأصحابه وهي كلمة التقوى التي ألاص عليها نبي الله صلى الله عليه وسلم
~~عمه أبا طالب عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله "

# وروي ذلك أيضا عن علي كرم الله تعالى وجهه على ما نقل أبو حيان وابن
~~عمر وابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة وسعيد بن جبير في آخرين،
~~وأخرج ذلك عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء الخراساني بزيادة محمد رسول
~~الله، وأضيفت إلى التقوى لأنها بها يتقى الشرك ومن هنا قال ابن عباس فيما
~~أخرجه ابن المنذر وغيره: هي رأس كل تقوى، وظاهر كلام عمر رضي الله تعالى
~~عنه أن ضمير  هم  في { ألزمهم } للرسول عليه الصلاة والسلام ومن
~~معه وإلزامهم إياها بالحكم والأمر بها.

# وأخرج عبد الرزاق والحاكم وصححه والبيهقي في «الأسماء والصفات» وجماعة
~~عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: هي لا إله إلا الله والله أكبر،
~~وروي عن ابن عمر أيضا نحوه؛ وأخرج ابن أبي حاتم والدارقطني في
~~«الأفراد» عن المسور بن مخرمة قال: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
~~وعن عطاء بن أبي رباح ومجاهد أيضا أنها لا إله إلا الله وحده لا شريك
~~له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير
~~وغيرهما عن الزهري قال: هي بسم الله الرحمن الرحيم، وضم بعضهم إلى هذا
~~محمد رسول الله.

# والمراد بإلزامهم إياها اختيارها لهم دون من عدل عنها إلى باسمك اللهم
~~ومحمد بن عبد الله، وقيل: هي الثبات والوفاء بالعهد، ونسبه الخفاجي إلى
~~الحسن، وإلزامهم إياه أمرهم به، وإطلاق الكلمة على الثبات على العهد
~~والوفاء به قيل: لما أن كلا يتوصل به إلى / الغرض وهو نظير ما ms09984 قيل في
~~إطلاق الكلمة على عيسى عليه السلام من أن ذلك لأن كلا منهما يهتدى به.
~~وجعلت الإضافة على كونها بمعنى الثبات من باب إضافة السبب إلى المسبب فهي
~~إضافة لأدنى ملابسة، وجوز أن تكون اختصاصية حقيقية بتقدير مضاف أي كلمة
~~أهل التقوى، وأريد بالعهد على ما يقتضيه ظاهر سبب النزول عهد الصلح الذي
~~وقع بينه صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة؛ وقيل: ما يعم ذلك وسائر
~~عهودهم معه عز وجل. وأنت تعلم أن الوجه المذكور في نفسه غير ظاهر، ومثله
~~ما قيل: المراد بالكلمة قولهم في الأصلاب:

# بلى

# [الأعراف: 172] مقرين بوحدانيته جل شأنه، وبالإلزام الأمر بالثبات
~~والوفاء بها، وقيل: هي قول المؤمنين سمعا وطاعة حين يؤمرون أو ينهون،
~~والظاهر عليه كون الضمير للمؤمنين، وأرجح الأقوال في هذه الكلمة ما روي
~~مرفوعا وذهب إليه الجم الغفير، ولعل ما ذكر في الأخبار السابقة من باب
~~الاكتفاء، والمراد لا إله إلا الله محمد رسول الله.

# { وكانوا } عطف على ما تقدم أو حال من المنصوب في { ألزمهم }
~~بتقدير قد أو بدونه والظاهر في الضمير عوده كسابقه كما اقتضاه كلام عمر
~~رضي الله تعالى عنه على الرسول والمؤمنين، واستظهر بعضهم عوده على
~~المؤمنين وكأنه اعتبر الأول عائدا عليهم أيضا وهو مما لا بأس فيه،
~~ولعله اعتبر الأقربية، فالمعنى وكان المؤمنون في علم الله تعالى {
~~أحق بها } أي بكلمة التقوى، وأفعل لزيادة الحقية في نفسها أي
~~متصفين بمزيد استحقاق لها أو على ما هو المشهور فيه والمفضل عليه محذوف
~~أي أحق بها من كفار مكة لأن الله تعالى اختارهم لدينه وصحبة نبيه صلى
~~الله عليه وسلم وقيل: من اليهود والنصارى، وقيل من جميع الأمم لأنهم خير
~~أمة أخرجت للناس.

# وحكى المبرد أن الذين كانوا قبلنا لم يكن لأحد منهم أن يقول: لا إله إلا
~~الله في اليوم والليلة إلا مرة واحدة لا يستطيع أن يقولها أكثر من ذلك،
~~وكان قائلها يمد بها صوته إلى أن ينقطع نفسه تبركا بذكر الله تعالى، وقد
~~جعل الله ms09985 عز وجل لهذه الأمة أن يقولوها متى شاءوا وهو قوله تعالى: {
~~وألزمهم كلمة التقوى } أي ندبهم إلى ذكرها ما استطاعوا
~~وكانوا أحق بها، وهذا مما لم يثبت.

# وجوز الإمام كون التفضيل بالنسبة إلى غير كلمة التقوى أي أحق بها من
~~كلمة غير كلمة تقوى وقال: وهذا كما تقول زيد أحق بالإكرام منه بالإهانة،
~~وقولك إذا سئل شخص عن زيد بالطب أعلم أو بالفقه: زيد أعلم بالفقه أي من
~~الطب، وفيه غفلة لا تخفى.

# { وأهلها } أي المستأهل لها وهو أبلغ من الأحق حتى قيل بينه وبين
~~الأحق كما بين الأحق والحق، وقيل: إن أحقيتهم بها من الكفار تفهم رجحانهم
~~رجحانا ما عليهم ولا تثبت الأهلية كما إذا اختار الملك اثنين لشغل وكل
~~واحد منهما غير صالح له لكن أحدهما أبعد عن الاستحقاق فيقال للأقرب إليه
~~إذا كان ولا بد فهذا أحق كما يقال: الحبس أهون من القتل، ولدفع توهم مثل
~~هذا فيما نحن فيه قال سبحانه: { وأهلها } وقيل: أريد أنهم أحق بها
~~في الدنيا وأهلها بالثواب في الآخرة، وقيل: في الآية تقديم وتأخير والأصل
~~وكانوا أهلها وأحق بها، وكذلك هي في مصحف الحرث بن سويد صاحب ابن مسعود
~~وهو الذي دفن مصحفه لمخالفته الإمام أيام الحجاج وكان من كبار تابعيي
~~الكوفة وثقاتهم.

# وقيل: ضمير { كانوا } عائد على كفار مكة أي وكان أولئك الكفار الذين
~~جعلوا في قلوبهم الحمية أحق بكلمة التقوى لأنهم أهل حرم الله تعالى ومنهم
~~رسوله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم إنذارهم لولا ما سلبوا من التوفيق،
~~وفيه ما فيه سواء رجع ضمير { ألزمهم } إلى كفار مكة أيضا أم لا،
~~وأظن في قائله نزغة رافضية دعته إلى ذلك لكنه لا يتم به غرضه، وقيل: ضمير
~~{ كانوا } للمؤمنين إلا أن ضميري / { بها وأهلها } للسكينة،
~~وفيه ارتكاب خلاف الظاهر من غير داع، وقيل: هما لمكة أي وكانوا أحق
~~بمكة أن يدخلوها وأهلها، وأشعر بذكر مكة ذكر المسجد الحرام في قوله
~~تعالى:

# وصدوكم عن المسجد الحرام

# [الفتح: 25] وكذا محل الهدي في ms09986 قوله سبحانه:

# والهدي معكوفا أن يبلغ محله

# [الفتح: 25] وفيه ما لا يخفى.

# { وكان الله بكل شيء عليما } فيعلم سبحانه حق كل شيء
~~واستئهاله لما يستأهله فيسوق عز وجل الحق إلى مستحقه والمستأهل إلى
~~مستأهله أو فيعلم هذا ويعلم ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من إنزال السكينة
~~والرضا بالصلح فيكون تذييلا لجميع ما تقدم.

### || [48.27]

# { لقد صدق الله رسوله الرءيا } رأى رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم في المنام قبل خروجه إلى الحديبية، وأخرج ابن المنذر
~~وغيره عن مجاهد أنه عليه الصلاة والسلام رأى وهو في الحديبية والأول أصح
~~أنه هو وأصحابه دخلوا مكة آمنين وقد حلقوا وقصروا فقص الرؤيا على أصحابه
~~ففرحوا واستبشروا وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم وقالوا: إن رؤيا رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم حق فلما تأخر ذلك قال على طريق الاعتراض عبد
~~الله بن أبي وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن الحرث: والله ما حلقنا ولا
~~قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام فنزلت. وقد روي عن عمر رضي الله تعالى عنه
~~أنه قال نحوه على طريق الاستكشاف ليزداد يقينه، وفي رواية أن رؤياه صلى
~~الله عليه وسلم إنما كانت أن ملكا جاءه فقال له: { لتدخلن } الخ،
~~والمعنى لقد صدقه سبحانه في رؤياه على أنه من باب الحذف والإيصال كما في
~~قولهم: صدقني سن بكره، وتحقيقه أنه تعالى أراه الرؤيا الصادقة. وقال
~~الراغب: ((الصدق يكون بالقول ويكون بالفعل وما في الآية صدق بالفعل وهو
~~التحقيق أي حقق سبحانه رؤيته)). وفي «شرح الكرماني» كذب يعتدى إلى
~~مفعولين يقال: كذبني الحديث وكذا صدق كما في الآية، وهو غريب لتعدي
~~المثقل لواحد والمخفف لمفعولين انتهى. وفي «البحر» صدق يتعدى إلى اثنين
~~الثاني منهما بنفسه وبحرف الجر تقول صدقت زيدا الحديث وصدقته في الحديث،
~~وقد عدها بعضهم في أخوات أستغفر وأمر والمشهور ما أشرنا إليه أولا.

# { بالحق } صفة لمصدر محذوف أي صدقا ملتبسا بالحق أي بالغرض الصحيح
~~والحكمة البالغة وهو ظهور حال المتزلزل في الإيمان والراسخ فيه، ولأجل
~~ذلك أخر وقوع الرؤيا إلى ms09987 العام القابل، أو حال من الرؤيا أي ملتبسة بالحق
~~ليست من قبيل أضغاث الأحلام، وجوز كونه حالا من الاسم الجليل وكونه
~~حالا من { رسوله } وكونه ظرفا لغوا  لصدق  وكونه قسما بالحق
~~الذي هو من أسمائه عز وجل أو بنقيض الباطل.

# وقوله تعالى: { لتدخلن المسجد الحرام } عليه جواب القسم
~~والوقف على { الرءيا } وهو على جميع ما تقدم جواب قسم مقدر والوقف
~~على { الحق } أي والله لتدخلن الخ، وقوله سبحانه: { إن شاء الله
~~} تعليق للعدة بالمشيئة لتعليم العباد، وبه ينحل ما يقال: إنه تعالى خالق
~~للأشياء كلها وعالم بها قبل وقوعها فكيف وقع التعليق منه سبحانه
~~بالمشيئة؟ وفي معنى ما ذكر قول ثعلب: استثنى سبحانه وتعالى فيما يعلم
~~ليستثني الخلق فيما لا يعلمون. وفيه تعريض بأن وقوع الدخول من مشيئته
~~تعالى لا من جلادتهم وتدبيرهم، وذكر الخفاجي أنه قد وضع فيه الظاهر موضع
~~الضمير وأصله لتدخلنه لا محالة إلا إن شاء عدم الدخول فهو وعد لهم عدل به
~~عن ظاهره لأجل التعريض بهم والإنكار على المعترضين على الرؤيا فيكون من
~~باب الكناية انتهى.

# وقد أجيب عن السؤال بغير ذلك فقيل: الشك راجع إلى المخاطبين، وفيه شيء
~~ستعلمه قريبا إن شاء الله تعالى؛ وقال الحسين بن الفضل: / إن التعليق
~~راجع إلى دخولهم جميعا وحكي ذلك عن الجبائي، وقيل: إنه ناظر إلى الأمن
~~فهو مقدم من تأخير أي لتدخلنه حال كونكم { ءامنين } من العدو إن شاء
~~الله.

# وردهما في «الكشف» فقال: أما جعله قيد دخولهم بالأسر أو الأمن ففيه أن
~~السؤال بعد باق لأن الدخول المخصوص أيضا خبر من الله تعالى وهو ينافي
~~الشك، وليس نظير قول يوسف عليه السلام:

# ادخلوا مصر إن شآء الله آمنين

# [يوسف: 99] إذ لا يبعد أن لا يعرف عليه السلام مستقر الأمر من الأمن أو
~~الخوف فإما أن يؤول بأن الشك راجع إلى المخاطبين أو بأنه تعليم، والثاني
~~أولى لأن تغليب الشاكين لا يناسب هذا المساق بل الأمر بالعكس. ودفع وروده
~~على الحسين بأن المراد أنه في معنى ليدخلنه ms09988 من شاء الله دخوله منكم فكيون
~~كناية عن أن منهم من لا يدخله لأن أجله يمنعه منه فلا يلزم الرجوع لما
~~ذكر.

# وقيل: هو حكاية لما قاله ملك الرؤيا له صلى الله عليه وسلم وإليه ذهب
~~ابن كيسان أو لما قاله هو عليه الصلاة والسلام لأصحابه. ورد صاحب
~~«التقريب» بأنه كيف يدخل في كلامه تعالى ما ليس منه بدون حكاية. ودفع بأن
~~المراد أن جواب القسم بيان للرؤيا وقائلها في المنام الملك وفي اليقظة
~~الرسول صلى الله عليه وسلم فهي في حكم المحكي في دقيق النظر كأنه قيل:
~~وهي قول الملك أو الرسول لتدخلن الخ، وأنت تعلم أن هذا وإن صحح النظم
~~الكريم لا يدفع البعد، وقد اعترض به على ذلك صاحب «الكشف» لكنه ادعى أن
~~كونه حكاية ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام أقل بعدا من جعله من قول
~~الملك، وقال أبو عبيدة وقوم من النحاة: { إن } بمعنى إذ وجعلوا من ذلك
~~قوله تعالى:

# وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين

# [آل عمران: 139] وقوله صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور:

# " أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون "

# والبصريون لا يرتضون ذلك.

# وقوله تعالى: { محلقين رءوسكم ومقصرين } حال كآمنين من
~~الواو المحذوفة لالتقاء الساكنين من قوله تعالى: { لتدخلن } إلا
~~أن آمنين حال مقارنة وهذا حال مقدرة لأن الدخول في حال الإحرام لا في حال
~~الحلق والتقصير، وجوز أن يكون حالا من ضمير { ءامنين } والمراد
~~محلقا بعضكم رأس بعض ومقصرا آخرون ففي الكلام تقدير أو فيه نسبة ما
~~للجزء إلى الكل، والقرينة عليه أنه لا يجتمع الحلق وهو معروف والتقصير
~~وهو أخذ بعض الشعر فلا بد من نسبة كل منهما لبعض منهم.

# وقوله تعالى: { لا تخفون } حال من فاعل { لتدخلن } أيضا
~~لبيان الأمن بعد تمام الحج و { ءامنين } فيما تقدم لبيان الأمن وقت
~~الدخول فلا تكرار أو حال من الضمير المستتر في { ءامنين } فإن أريد به
~~معنى آمنين كان حالا مؤكدة، وإن أريد لا تخافون تبعة في الحلق أو
~~التقصير ولا ms09989 نقص ثواب فهو حال مؤسسة، ولا يخفى الحال إذا جعل حالا من
~~الضمير في { محلقين } أو { مقصرين } ، وجوز أن يكون استئنافا
~~بيانيا في جواب سؤال مقدر كأنه قيل: فكيف الحال بعد الدخول؟ فقيل: لا
~~تخافون أي بعد الدخول.

# واستدل بالآية على أن الحلق غير متعين في النسك بل يجزىء عنه التقصير،
~~وظاهر تقديمه عليه أنه أفضل منه وهو الذي دلت عليه الأخبار في غير
~~النساء. أخرج الشيخان وأحمد وابن ماجه عن أبي هريرة قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اغفر للمحلقين قالوا: يا رسول
~~الله والمقصرين قال: اللهم اغفر للمحلقين ثلاثا قالوا: يا رسول الله
~~والمقصرين قال: والمقصرين "

# وأما في النساء فقد أخرج أبو داود والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس قال
~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " ليس على النساء حلق وإنما على النساء التقصير "

# والسنة في الحلق أن / يبدأ بالجانب الأيمن، فقد أخرج ابن أبي شيبة

# " عن أنس أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال للحلاق هكذا وأشار بيده
~~إلى جانب الأيمن وأن يبلغ به إلى العظمين "

# كما قال عطاء. وأخرج ابن أبي شيبة أيضا عن ابن عباس وابن عمر رضي الله
~~تعالى عنهم أنهما كانا يقولان للحلاق أبدأ بالأيمن وأبلغ بالحلق العظمين،
~~واستدل بالآية أيضا على أن التقصير بالرأس دون اللحية وسائر شعر البدن
~~إذ الظاهر أن المراد ومقصرين رؤسكم أي شعرها لظهور أن الرؤس أنفسها لا
~~تقصر.

# { فعلم ما لم تعلموا } الظاهر عطفه على { لقد صدق }
~~فالترتيب باعتبار التعلق الفعلي بالمعلوم أي فعلم عقيب ما أراه الرؤيا
~~الصادقة ما لم تعلموا من الحكمة الداعية لتقديم ما يشهد للصدق علما
~~فعليا، وقيل: الفاء للترتيب الذكري { فجعل } لأجل هذا العلم { من
~~دون ذلك } أي من دون تحقق مصداق ما أراه من دخول المسجد الحرام
~~آمنين الخ، وقيل: أي من دون فتح مكة، والأول أظهر، وهذا أنسب بقوله
~~تعالى: { فتحا قريبا } وهو فتح خيبر كما قال ابن زيد وغيره،
~~والمراد بجعله وعده تعالى وإنجازه ms09990 من غير تسويف ليستدل به على صدق الرؤيا
~~وتستروح قلوب المؤمنين إلى تيسر وقوعها.

# وقال في «الكشاف»: { ما لم تعلموا } أي من الحكمة في تأخير فتح
~~مكة إلى العام القابل. وفيه أمران: الأول: أن فتح مكة لم يقع في العام
~~الذي قاله بل في السنة الثامنة، والتجوز في العام القابل أو تأويل الفتح
~~بدخول المؤمنين مكة معتمرين لا يخفى حاله. الثاني: إباء الفاء عما ذكر
~~لأن علمه تعالى بذلك متقدم على إراءة الرؤيا قطعا. وأجيب عن هذا بالتزام
~~كون الفاء للترتيب الذكري أو كون المراد فأظهر معلومه لكم وهو الحكمة
~~فتدبر. ونقل عن كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن الفتح القريب في
~~الآية هو بيعة الرضوان، وقال مجاهد وابن إسحق: هو فتح الحديبية، ومن
~~الغريب ما قيل: إن المراد به فتح مكة مع أنه لم يكن دخول الرسول عليه
~~الصلاة والسلام وأصحابه دون مكة على أنه مناف للسياق كما لا يخفى.

### || [48.28]

# { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } أي ملتبسا به على أن
~~الباء للملابسة، والجار والمجرور في موضع الحال من المفعول، والتباسه
~~بالهدى بمعنى أنه هاد، وقيل: أي مصاحبا للهدى، والمراد به الدليل الواضح
~~والحجة الساطعة أو القرآن، وجوز أن تكون الباء للسببية أو للتعليل وهما
~~متقاربان. والجار والمجرور متعلق بأرسل أي أرسله بسبب الهدى أو لأجله {
~~ودين الحق } وبدين الإسلام. والظاهر أن المراد به ما يعم الأصول
~~والفروع، وجوز أن يراد بالهدى الأصول وبدين الحق الفروع فإن من الرسل
~~عليهم السلام من لم يرسل بالفروع وإنما أرسل بالأصول وتبيانها، والظاهر
~~أن المراد بالحق نقيض الباطل، وجوز أن يراد به ما هو من أسمائه تعالى أي
~~ودين الله الحق، وجوز الإمام غير ذلك أيضا.

# { ليظهره على الدين كله } ليعليه على جنس الدين بجميع
~~أفراده أي ما يدان به من الشرائع والملل فيشمل الحق والباطل. وأصل
~~الإظهار جعل الشيء على الظهر فلذا كني به عن الإعلاء وعن جعله باديا
~~للرائي ثم شاع في ذلك حتى صار حقيقة عرفية. وإظهاره ms09991 على الحق بنسخ بعض
~~أحكامه المتبدلة بتبدل الأعصار، وعلى الباطل ببيان بطلانه، وجوز غير واحد
~~ ولعله الأظهر بحسب المقام  أن يكون إظهاره على الدين بتسليط المسلمين
~~على جميع أهل الأديان / وقالوا: ما من أهل دين حاربوا المسلمين إلا وقد
~~قهرهم المسلمون، ويكفي في ذلك استمرار ما ذكر زمانا معتدا به كما لا
~~يخفى على الواقفين على كتب التواريخ والوقائع، وقيل: إن تمام هذا الإعلاء
~~عند نزول عيسى عليه السلام وخروج المهدي رضي الله تعالى عنه حيث لا يبقى
~~حينئذ دين سوى الإسلام، ووقوع خلاف ذلك بعد لا يضر إما لنحو ما سمعت وإما
~~لأن الباقي من الدنيا إذ ذاك كلا شيء. وفي الجملة فضل تأكيد لما وعد الله
~~تعالى به من الفتح وتوطين لنفوس المؤمنين على أنه تعالى سيفتح لهم من
~~البلاد ويتيح لهم من الغلبة على الأقاليم ما يستقلون بالنسبة إليه فتح
~~مكة.

# { وكفى بالله شهيدا } على أن ما عده عز وجل من إظهار دينه
~~على جميع الأديان أو الفتح كائن لا محالة أو كفى بالله شهيدا على رسالته
~~صلى الله عليه وسلم لأنه عليه الصلاة والسلام ادعاها وأظهر الله تعالى
~~المعجزة على يده وذلك شهادة منه تعالى عليها، واقتصر على هذا الوجه
~~الرازي وجعل ذلك تسلية عما وقع من سهيل بن عمرو إذ لم يرض بكتابة محمد
~~رسول الله وقال ما قال. وجعل بعض الأفاضل إظهار المعجزة شهادة منه تعالى
~~على تحقق وعده عز وجل أيضا ولا يظهر إلا بضم إخباره عليه الصلاة والسلام
~~به.

### || [48.29]

# { محمد رسول الله } أي هو أو ذلك الرسول المرسل بالهدي
~~ودين الحق محمد على أن الاسم الشريف خبر مبتدأ محذوف و { رسول الله
~~} عطف بيان أو نعت أو بدل، والجملة استئناف مبين لقوله تعالى:

# هو الذي أرسل رسوله

# [الفتح: 28] وهذا هو الوجه الأرجح الأنسب بالمساق كما في «الكشف» ويؤيده
~~نظرا إلى بعض ما يأتي من الأوجه إن شاء الله تعالى قراءة ابن عامر في
~~رواية { رسول } بالنصب على المدح. وقوله تعالى: { والذين ms09992 معه }
~~مبتدأ خبره قوله سبحانه: { أشداء على الكفار رحماء
~~بينهم } وقال أبو حيان: ((الظاهر أن { محمد رسول الله
~~} مبتدأ وخبر)) والجملة عليه مبنية للمشهود به، أما على كونه الرسالة
~~فظاهر، وأما على كونه محقق الوعد فقيل: لأن كينونة ما وعده لازمة لكونه
~~عليه الصلاة والسلام رسول الله إذ هو لا يوعد إلا بما هو محقق ولا يخبر
~~إلا عن كل صدق. وجوز كون { محمد } مبتدأ و { رسول } تابعا له {
~~والذين معه } عطفا عليه والخبر عنه وعنهم قوله تعالى: {
~~أشداء } الخ. وقرأ الحسن { أشداء }  { رحماء } بنصبهما فقيل على
~~المدح وقيل على الحال، والعامل فيهما العامل في { معه } فيكون الخبر
~~على هذا الوجه جملة { تراهم } الآتي وكذا خبر { الذين } على
~~الوجه الأول.

# والمراد بالذين معه عند ابن عباس من شهد الحديبية، وقال الجمهور: جميع
~~أصحابه صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم. و { أشداء } جمع
~~شديد و { رحماء } جمع رحيم، والمعنى أن فيهم غلظة وشدة على أعداء
~~الدين ورحمة ورقة على إخوانهم المؤمنين. وفي وصفهم بالرحمة بعد وصفهم
~~بالشدة تكميل واحتراس فإنه لو اكتفى بالوصف الأول لربما توهم أن مفهوم
~~القيد غير معتبر فيتوهم الفظاظة والغلظة مطلقا فدفع بأرداف الوصف
~~الثاني، ومآل ذلك أنهم مع كونهم أشداء على الأعداء رحماء على الإخوان،
~~ونحوه قوله تعالى:

# أذلة على المؤمنين أعزة على الكفرين

# [المائدة: 54] وعلى هذا قوله:

# حليم إذا ما الحلم زين أهله

# على أنه عند العدو مهيب

# وقد بلغ كما روى عن الحسن من تشددهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من
~~ثيابهم أن تلزق بثيابهم ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم وبلغ من ترحمهم فيما
~~بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه.

# والمصافحة لم يختلف فيها الفقهاء. أخرج أبو داود عن البراء قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا التقى المسلمان / فتصافحا
~~وحمدا الله واستغفراه غفر لهما "

# وفي رواية الترمذي

# " ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا "

# وفي «الأذكار النووية» ((أنها مستحبة عند كل ms09993 لقاء وأما ما اعتاده الناس
~~بعد صلاتي الصبح والعصر فلا أصل له ولكن لا بأس به، فإن أصل المصافحة سنة
~~وكونهم محافظين عليها في بعض الأحوال ومفرطين في كثير منها لا يخرج ذلك
~~البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها، وجعل ذلك العز بن عبد
~~السلام في «قواعده» من البدع المباحة))، وأطال الشيخ إبراهيم الكوراني
~~قدس سره الكلام في ذلك.

# وأما المعانقة فقال الزمخشري: ((كرهها أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه
~~وكذلك التقبيل قال: لا أحب أن يقبل الرجل من الرجل وجهه ولا يده ولا
~~شيئا من جسده، ورخص أبو يوسف عليه الرحمة المعانقة))؛ ويؤيد ما روى عن
~~الإمام ما أخرجه الترمذي عن أنس قال:

# " سمعت رجلا يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله الرجل
~~منا يلقى أخاه أينحني له؟ قال: لا قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا قال:
~~أياخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم "

# وفي «الأذكار» التقبيل وكذا المعانقة لا بأس به عند القدوم من سفر
~~ونحوه، ومكروه كراهة تنزيه في غيره، وللأمرد الحسن حرام بكل حال.

# أخرج الترمذي وحسنه عن عائشة قالت: قدم زيد بن خالد بن حارثة المدينة
~~ورسول الله في بيتي فقرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~يجر ثوبه فاعتنقه وقبله، وزاد رزين في حديث أنس السابق بعد قوله: ويقبله
~~قال: «لا إلا أن يأتي من سفره» وروى أبو داود سئل أبو ذر هل كان صلى الله
~~عليه وسلم يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قط إلا صافحني وبعث إلي
~~ذات يوم ولم أكن في أهلي فجئت فأخبرت أنه صلى الله عليه وسلم أرسل إلي
~~فأتيته وهو على سريره فالتزمني فكانت أجود أجود، وهذا يؤيد الإطلاق
~~المحكي عن أبي يوسف؛ وينبغي التأسي بهم رضي الله تعالى عنهم في التشدد
~~على أعداء الدين والرحمة على المؤمنين. وقد أخرج ابن أبي شيبة وأبو داود
~~عن عبد الله بن عمر مرفوعا

# " من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا "

# واخرجاهما وأحمد ms09994 وابن حبان والترمذي وحسنه عن أبي هريرة قال:

# " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تنزع الرحمة إلا من شقي "

# ولا بأس بالبر والإحسان على عدو الدين إذا تضمن مصلحة شرعية كما أفاد
~~ذلك ابن حجر في «فتاويه الحديثية» فليراجع.

# وقرأ يحيى بن يعمر { أشدا } بالقصر وهي قراءة شاذة لأن قصر الممدود في
~~الشعر نحو قوله:

# لا بد من صنعا وإن طال السفر

# وقوله تعالى: { تراهم ركعا سجدا } خبر آخر  للذين  أو
~~استئناف ويجوز فيه غير ذلك على ما لا يخفى.

# والرؤية بصرية. والخطاب لكل من تتأتى منه. و { ركعا سجدا } حال
~~من المفعول، والمراد تراهم مصلين، والتعبير بالركوع والسجود عن الصلاة
~~مجاز مرسل، والتعبير بالمضارع للاستمرار وهو استمرار عرفي، ومن هنا قال
~~في «البحر»: هذا دليل على كثرة الصلاة منهم { يبتغون فضلا من
~~الله ورضوانا } أي ثوابا ورضا، والجملة إما خبر آخر أو حال من
~~مفعول { تراهم } أو من المستتر في { ركعا سجدا } أو استئناف
~~مبني على سؤال نشأ من بيان مواظبتهم على الركوع والسجود كأنه قيل: ماذا
~~يريدون بذلك؟ فقيل: يبتغون فضلا الخ. وقرأ عمرو بن عبيد { ورضوانا }
~~بضم الراء.

# { سيمهم } أي علامتهم وقرىء { سيمياؤهم } بزيادة ياء بعد الميم
~~والمد وهي لغة فصيحة كثيرة في الشعر قال الشاعر:

# غلام رماه الله بالحسن يافعا

# له سيمياء لا تشق على البصر

# / وجاء سيماء بالمد واشتقاقها من السومة بالضم العلامة تجعل على الشاة
~~والياء مبدلة من الواو، وهي مبتدأ خبره قوله تعالى: { في وجوههم }
~~أي في جباههم أو هي على ظاهرها، وقوله سبحانه: { من أثر السجود
~~} حال من المستكن في الجار والمجرور الواقع خبرا لسيماهم أو بيان لها أي
~~سيماهم التي هي أثر السجود. ووجه إضافة الأثر إلى السجود أنه حادث من
~~التأثير الذي يؤثره السجود، وشاع تفسير ذلك بما يحدث في جبهة السجاد مما
~~يشبه أثر الكي وثفنة البعير وكان كل من العليين علي بن الحسين زين
~~العابدين وعلي بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك رضي الله ms09995 تعالى عنهما
~~يقال له ذو الثفنات لأن كثرة سجودهما أحدث في مواقعه منهما أشباه ثفنات
~~البعير وهي ما يقع على الأرض من أعضائه إذا غلظ، وما روي من قوله صلى
~~الله عليه وسلم:

# " لا تعلبوا صوركم "

# أي لا تسموها من العلب بفتح العين المهملة وسكون اللام الأثر، وقول
~~ابن عمر وقد رأى رجلا بأنفه أثر السجود: إن صورة وجهك أنفك فلا تعلب
~~وجهك ولا تشن صورتك فذلك إنما هو إذا اعتمد بجبهته وأنفه على الأرض لتحدث
~~تلك السمة وذاك محض رياء ونفاق يستعاذ بالله تعالى منه، والكلام فيما حدث
~~في وجه السجاد الذي لا يسجد إلا خالصا لوجه الله عز وجل.

# وأنكر بعضهم كون المراد بالسيما ذلك. أخرج الطبراني والبيهقي في «سننه»
~~عن حميد بن عبد الرحمن قال: كنت عند السائب بن يزيد إذ جاء رجل وفي وجهه
~~أثر السجود فقال: لقد أفسد هذا وجهه أما والله ما هي السيما التي سمى
~~الله تعالى ولقد صليت على وجهي منذ ثمانين سنة ما أثر السجود بين عيني،
~~وربما يحمل على أنه استشعر من الرجل تعمدا لذلك فنفى أن يكون ما حصل به
~~هو السيما التي سمى الله تعالى، ونظيره ما حكي عن بعض المتقدمين قال: كنا
~~نصلي فلا يرى بين أعيننا شيء ونرى أحدنا الآن يصلي فترى بين عينيه ركبة
~~البعير فما ندري أثقلت الأرؤس أم خشنت الأرض.

# وأخرج ابن جرير وجماعة عن سعيد بن جبير أنه قال: هذه السيما ندى الطهور
~~وتراب الأرض، وروي نحوه عن سعيد بن المسبب. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن
~~حميد وابن جرير عن مجاهد أنه قال: ليس له أثر في الوجه ولكنه الخشوع، وفي
~~رواية هي الخشوع والتواضع، وقال منصور: سألت مجاهدا أهذه السيما هي
~~الأثر يكون بين عيني الرجل قال: لا وقد يكون مثل ركبة البعير وهو أقسى
~~قلبا من الحجارة، وقيل: هي صفرة الوجه من سهر الليل وروي ذلك عن عكرمة
~~والضحاك، وروى السلمي عن عبد العزيز المكي ليس ذاك هو النحول ms09996 والصفرة
~~ولكنه نور يظهر على وجوه العابدين يبدو من باطنهم على ظاهرهم يتبين ذلك
~~للمؤمنين ولو كان في زنجي أو حبشي، وقال عطاء والربيع بن أنس: هو حسن
~~يعتري وجوه المصلين، وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي
~~في «سننه» عن ابن عباس قال: السمت الحسن، وعن بعضهم ترى على وجوههم هيبة
~~لقرب عهدهم بمناجاة سيدهم.

# والذاهبون إلى هذه الأقوال قائلون: إن المراد علامتهم في وجوههم وهم في
~~الدنيا، وقال غير واحد: هذه السيما في الآخرة، أخرج البخاري في «تاريخه»
~~وابن نصر عن ابن عباس أنه قال في الآية: بياض يغشى وجوههم يوم القيامة.
~~وأخرج ابن نصر وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن مثله، وأخرجوا عن عطية
~~العوفي قال: موضع السجود أشد وجوههم بياضا، وأخرج الطبراني في «الأوسط»
~~و«الصغير» وابن مردويه بسند حسن عن أبي بن كعب قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { سيمهم في
~~وجوههم من أثر السجود } النور يوم القيامة "

# ولا يبعد أن يكون النور علامة في وجوههم في الدنيا والآخرة / لكنه لما
~~كان في الآخرة أظهر وأتم خصه النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر، وإذا صح
~~الحديث فهو مذهبي.

# وقرأ ابن هرمز { إثر } بكسر الهمزة وسكون الثاء وهو لغة في أثر. وقرأ
~~قتادة { من آثار } بالجمع.

# { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من نعوتهم الجليلة؛ وما فيه من معنى البعد
~~مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان بعلو شأنه وبعد منزلته في الفضل،
~~وقيل: البعد باعتبار المبتدأ أعني { أشداء } ولو قيل هذا لتوهم أن
~~المشار إليه هو النعت الأخير  أعني { سيمهم في وجوههم من
~~أثر السجود }  وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: { مثلهم } أي
~~وصفهم العجيب الشأن الجاري في الغرابة مجرى الأمثال، وقوله سبحانه
~~وتعالى: { في التوراة } حال من { مثلهم } والعامل معنى
~~الإشارة؛ وقوله تعالى: { ومثلهم في الإنجيل } عطف على {
~~مثلهم } الأول كأنه قيل: ذلك مثلهم في التوراة والإنجيل.

# وتكرير { مثلهم } لتأكيد غرابته وزيادة تقريرها. وقرىء { الانجيل }
~~بفتح الهمزة.

# وقوله عز وجل: ms09997 { كزرع أخرج شطئه } الخ تمثيل مستأنف أي هم
~~أو مثلهم كزرع الخ فالوقف على { الإنجيل } وهذا مروي عن مجاهد، وقيل: {
~~مثلهم } الثاني مبتدأ وقوله تعالى: { كزرع } الخ خبره فالوقف
~~على { التوراة } وهذا مروي عن الضحاك وأبي حاتم وقتادة، وجوز أن
~~يكون { ذلك } إشارة مبهمة أوضحت بقوله تعالى: { كزرع } الخ كقوله
~~تعالى:

# وقضينآ إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلآء
~~مقطوع مصبحين

# [الحجر: 66] فعلى الأول والثالث { مثلهم في التوراة
~~ومثلهم في الإنجيل } شيء واحد إلا أنه على الأول { أشداء
~~على الكفار رحماء بينهم } الخ، وعلى الثالث { كزرع
~~أخرج شطأه } الخ وعلى الثاني { مثلهم في التوراة }
~~شيء وهو { أشداء } الخ ومثلهم في الإنجيل شيء آخر وهو { كزرع }
~~الخ. واعترض الوجه الثالث بأن الأصل في الإشارة أن تكون لمتقدم وإنما
~~يشار إلى المتأخر إذا كان نعتا لاسم الإشارة نحو

# ذلك الكتاب

# [البقرة: 2]، وفيه أن الحصر ممنوع.

# والشطء فروخ الزرع كما قال غير واحد وهو ما خرج منه وتفرع في شاطئيه أي
~~في جانبيه؛ وجمعه كما قال الراغب أشطاء، وقال قطرب: شوك السنبل يخرج من
~~الحبة عشر سنبلات وتسع وثمان، وقال الكسائي والأخفش: طرفه، وأنشدوا:

# أخرج الشطء على وجه الثرى

# ومن الأشجار أفنان الثمر

# وزعم أبو الفتح أن الشطء لا يكون إلا في البر والشعير، وقال صاحب
~~«اللوامح»: شطأ الزرع وأشطأ إذا أخرج فراخه وهو في الحنطة والشعير
~~وغيرهما، وفي «البحر» أشطأ الزرع أفرخ والشجرة أخرجت غصونها.

# وفي «القاموس» الشطء فراخ النخل والزرع أو ورقه جمعه شطوء، وشطأ كمنع
~~شطأ وشطوءا أخرجها، ومن الشجر ما خرج حول أصله وجمعه أشطاء، وأشطأ
~~أخرجها اه، وفيه ما يرد به على أبي الفتح مع زيادة لا تخفى فائدتها فلا
~~تغفل.

# وقرأ ابن كثير وابن ذكوان { شطأه } بفتح الطاء. وقرأ أبو حيوة وابن أبي
~~عبلة وعيسى الكوفي كذلك وبالمد. وقرأ زيد بن علي كذلك أيضا وبألف بدل
~~الهمزة فاحتمل أن يكون مقصورا وأن يكون أصله الهمز فنقل الحركة وأبدل
~~الهمزة ألفا كما قالوا في المرأة والكمأة المراة والكماة، وهو ms09998 تخفيف
~~مقيس عند الكوفيين وعند البصريين شاذ لا يقاس عليه، وقرأ أبوجعفر { شطه }
~~بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على الطاء، ورويت عن شيبة ونافع والجحدري، وعن
~~الجحدري أيضا { شطوه } بإسكان الطاء وواو بعدها، قال أبو الفتح: هي لغة
~~أو بدل من الهمزة.

# { فآزره } أي أعانه وقواه قاله الحسن وغيره، قال الراغب: وأصله من
~~شد الإزار / يقال: أزرته أي شددت إزاره ويقال: آزرت البناء وأزرته قويت
~~أسافله، وتأزر النبات طال وقوي. وذكر غير واحد أنه إما من المؤازرة بمعنى
~~المعاونة أو من الإيزار وهي الإعانة. وفي «البحر» { آزر } أفعل كما حكي
~~عن الأخفش، وقول مجاهد وغيره فاعل خطأ لأنه لم يسمع في مضارعه إلا يؤزر
~~على وزن يكرم دون يوازر. وتعقب بأن هذه شهادة نفي غير مسموعة على أنه
~~يجوز أن يكون ورد من بابين واستغنى بأحدهما عن الآخر ومثله كثير، مع أن
~~السرقسطي نقله عن المازني لكنه قال: يقال آزر الشيء غيره أي ساواه
~~وحاذاه، وأنشد لامرىء القيس:

# بمحنية قد آزر الضال نبتها

# مجر جيوش غانمين وخيب

# وجعل ما في الآية من ذلك، وهو مروي أيضا عن السدي قال: آزره صار مثل
~~الأصل في الطول، والجمهور على ما نقل أولا. والضمير المرفوع في {
~~آزره } للشطء والمنصوب للزرع أي فقوى ذلك الشطء الزرع، والظاهر أن
~~الإسناد في أخرج وآزر مجازي وكون ذلك من الإسناد إلى الموجب، وهو حقيقة
~~على ما ذهب إليه السيالكوتي في «حواشيه على المطول» حيث قال في قولهم:
~~سرتني رؤيتك: هذا القول مجاز إذا أريد منه حصول السرور عند الرؤية أما
~~إذا أريد منه أن الرؤية موجبة للسرور فهو حقيقة لا يخفى حاله. وقرأ ابن
~~ذكوان { فأزره } ثلاثيا. وقرىء { فأزره } بشد الزاي أي فشد أزره وقواه.

# { فاستغلظ } فصار من الدقة إلى الغلظ، وهو من باب استنوق الجمل،
~~ويحتمل أن يراد المبالغة في الغلظ كما في استعصم ونحوه، وأوثر الأول لأن
~~المساق ينبىء عن التدرج { فاستوى على سوقه } فاستقام على قصبه
~~وأصوله جمع ساق نحو لابة ولوب وقارة وقور. وقرأ ms09999 ابن كثير { سؤقه } بإبدال
~~الواو المضموم ما قبلها همزة، قيل: وهي لغة ضعيفة، ومن ذلك قوله:

# أحب المؤقدين إلى مؤسى

# { يعجب الزراع } بقوته وكثافته وغلظه وحسن منظره. والجملة في
~~موضع الحال أي معجبا لهم، وخصهم تعالى بالذكر لأنه إذا أعجب الزراع وهم
~~يعرفون عيوب الزرع فهو أحرى أن يعجب غيرهم، وهنا تم المثل وهو مثل ضربه
~~الله تعالى للصحابة رضي الله تعالى عنهم قلوا في بدء الإسلام ثم كثروا
~~واستحكموا فترقى أمرهم يوما فيوما بحيث أعجب الناس، وهذا ما اختاره
~~بعضهم وقد أخرجه ابن جرير وابن المنذر، عن الضحاك وابن جرير وعبد بن حميد
~~عن قتادة، وذكرا عنه قال أيضا: مكتوب في الإنجيل سيخرج قوم ينبتون نبات
~~الزرع يخرج منهم قوم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وفي «الكشاف»
~~((هو مثل ضربه الله تعالى لبدء ملة الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوي
~~واستحكم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام وحده ثم قواه الله تعالى بمن
~~معه كما يقوي الطاقة الأولى ما يحتف بها مما يتولد منها))، وظاهره أن
~~الزرع هو النبي صلى الله عليه وسلم والشطء أصحابه رضي الله تعالى عنهم
~~فيكون مثلا له عليه الصلاة والسلام وأصحابه لا لأصحابه فقط كما في الأول
~~ولكل وجهة، وروي الثاني عن الواقدي، وفي خبر أخرجه ابن جرير وابن مردويه
~~عن ابن عباس ما يقتضيه.

# وقوله تعالى: { ليغيظ بهم الكفر } علة لما يعرب عنه الكلام
~~من إيجاده تعالى لهم على الوجه الذي تضمنه التمثيل، وظاهر كلام بعضهم أنه
~~علة للتمثيل وليس بذاك، وقيل: علة لما بعده من قوله تعالى: { وعد
~~الله الذين ءامنوا وعملوا الصلحات منهم
~~مغفرة وأجرا عظيما } فإن الكفار إذا سمعوا بما أعد الله
~~تعالى للمؤمنين في الآخرة مع ما لهم في الدنيا من العزة غاظهم ذلك، وهو
~~مع توقف تماميته بحسب الظاهر على / كون الكفار مستيقنين بالآخرة ومتحققين
~~كون الوعد منه عز وجل بعيد. وضمير { منهم } لمن عاد عليه الضمائر
~~السابقة، و { من } للبيان مثلها في قوله تعالى:

# فاجتنبوا ms10000 الرجس من الأوثن

# [الحج: 30] وليس مجيئها كذلك مخصوصا بما إذا كانت داخلة على ظاهره كما
~~توهم صاحب «التحفة الإثني عشرية» في الكلام على قوله تعالى:

# وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا
~~الصلحات ليستخلفنهم في الأرض

# [النور: 55] فقال: حمل { من } للبيان إذا كان داخلا على الضمير مخالف
~~لاستعمال العرب، وأنكر ذلك عليه صاحب الترجمة لكن قال: لو ادعى هذا
~~الخلاف في ضميري الخطاب والتكلم لم يبعد.

# ومن مجيئها للبيان داخلة على ضمير الغائب قوله تعالى:

# لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم

# [الفتح: 25] عند القائلين بأن ضمير { تزيلوا } للمؤمنين لا
~~للتبعيض كما يقوله الشيعة الزاعمون ارتداد أكثر الصحابة رضي الله تعالى
~~عنهم من أهل بيعة الرضوان وغيرهم، فإن مدحهم السابق بما يدل على
~~الاستمرار التجددي كقوله تعالى: { تراهم ركعا سجدا } ووصفهم
~~بمايدل على الدوام والثبات كقوله سبحانه: { والذين معه أشداء
~~على الكفار } يأبى التبعيض والارتداد الذين زعموه عند من له أدنى
~~إنصاف وشمة من دين، ويزيد زعمهم هذا سقوطا عن درجة الاعتبار أن مدحهم
~~ذاك قد كتبه الله تعالى في التوراة قبل أن يخلق السموات والأرض، ولا
~~يكاد عاقل يقبل أنه تعالى أطلق المدح وكتبه لأناس لم يثبت على تلك الصفة
~~إلا قليل منهم، وإذا قلنا: إن هؤلاء الممدوحين هم أهل بيعة الرضوان الذين
~~بايعوه عليه الصلاة والسلام في الحديبية كما يشعر به { والذين
~~معه } لا سيما على القول بأن السورة بتمامها نزلت عند منصرفه عليه
~~الصلاة والسلام من الحديبية قبل أن يتفرقوا عنه صلى الله عليه وسلم كان
~~سقوط ذلك الزعم أبين وأبين لأن الارتداد الذي يزعمونه كان لترك مبايعة
~~علي كرم الله تعالى وجهه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العلم
~~بالنص على خلافته بزعمهم ومبايعة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وكيف يكون
~~ذاك ارتدادا والله عز وجل حين رضي عنهم علم أنهم يفعلونه، والقول بأنه
~~سبحانه إنما رضي عن مبايعتهم أو عنهم من حيث المبايعة ولم يرض سبحانه
~~عنهم مطلقا لأجلها خلاف ظاهر الآية، والظاهر ms10001 ما نفي، ولا يعكر عليه صدور
~~بعض المعاصي من بعضهم بعد وإنما يعكر صدور ما لا يجامع الرضا أصلا
~~كالارتداد والعياذ بالله تعالى، وبالجملة جعل { من } للتبعيض ليتم
~~للشيعة ما زعموه مما يأباه الكتاب والسنة وكلام العترة.

# وفي «التحفة الإثني عشرية» من ذلك ما تنشرح له الصدور وتزداد به قلوب
~~المؤمنين نورا على نور، ويا سبحان الله أين جعل { من } للتبعيض من
~~دعوى الارتداد، ولكن من يضلل الله فما له من هاد.

# وتأخير { منهم } هنا عن { عملوا الصلحات } وتقديم {
~~منكم } عليه في آية النور [55] التي ذكرناها آنفا لأن عمل الصالحات
~~لا ينفك عنهم، وذلك ثمت لبيان الخلفاء والعمل الصالح ليس موقوفا عليه
~~لاستمرار صحة خلافتهم حتى لا ينعزلوا بالفسق، وقال ابن جرير: «منهم» يعني
~~من الشطء الذي أخرجه الزرع وهم الداخلون في الإسلام إلى يوم القيامة
~~فأعاد الضمير على معنى الشطء وكذلك فعل البغوي ولا يخفى بعده.

# هذا وفي «المواهب» أن الإمام مالكا قد استنبط من هذه الآية تكفير
~~الروافض الذين يبغضون الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فإنهم يغيظونهم ومن
~~غاظه الصحابة فهو كافر، ووافقه كثير من العلماء انتهى. وفي «البحر» ((ذكر
~~عند مالك رجل ينتقص الصحابة فقرأ مالك هذه الآية فقال: من أصبح من الناس
~~في قلبه غيظ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه
~~الآية))، ويعلم تكفير الرافضة بخصوصهم، وفي كلام عائشة / رضي الله تعالى
~~عنها ما يشير إليه أيضا، فقد أخرج الحاكم وصححه عنها في قوله تعالى: {
~~ليغيظ بهم الكفار } قالت: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم
~~أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم.

# وعن بعض السلف جعل جمل الآية كل جملة مشيرة إلى معين من الصحابة رضي
~~الله تعالى عنهم، فعن عكرمة أنه قال: { أخرج شطأه } بأبي بكر {
~~فآزره } بعمر { فاستغلظ } بعثمان { فاستوى على سوقه
~~} بعلي رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وأخرج ابن مردويه والقاضي أحمد بن
~~محمد الزهري في «فضائل الخلفاء الأربعة» والشيرازي في «الألقاب» عن ابن
~~عباس { محمد رسول الله والذين معه } أبو ms10002 بكر {
~~أشداء على الكفار } عمر { رحماء بينهم } عثمان {
~~تراهم ركعا سجدا } علي كرم الله تعالى وجهه { يبتغون
~~فضلا من الله ورضوانا } طلحة والزبير { سيمهم في
~~وجوههم من أثر السجود } عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي
~~وقاص وأبو عبيدة بن الجراح { ومثلهم في الإنجيل كزرع
~~أخرج شطأه فآزره } بأبي بكر { فاستغلظ } بعمر {
~~فاستوى على سوقه } بعثمان { يعجب الزراع ليغيظ
~~بهم الكفار } بعلي كرم الله تعالى وجهه { وعد الله
~~الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } جميع أصحاب محمد صلى
~~الله عليه وسلم.

# وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عنه رضي الله تعالى عنه أيضا في
~~قوله تعالى: { كزرع } قال: أصل الزرع عبد المطلب { أخرج شطأه
~~} محمد صلى الله عليه وسلم { فآزره } بأبي بكر { فاستغلظ }
~~بعمر { فاستوى على سوقه } بعثمان { ليغيظ بهم
~~الكفار } بعلي رضي الله تعالى عنه، وكل هذه الأخبار لم تصح فيما أرى
~~ولا ينبغي تخريج ما في الآية عليها، وأعتقد أن لكل من الخلفاء رضي الله
~~تعالى عنهم الحظ الأوفى مما تضمنته، ومتى أريد بالزرع النبي عليه الصلاة
~~والسلام كان حظ علي كرم الله تعالى وجهه من شطأه أوفى من حظ سائر الخلفاء
~~رضي الله تعالى عنه، ولعل مؤازرته ومعاونته البدنية بقتل كثير من الكفرة
~~أعدائه عليه الصلاة والسلام أكثر من مؤازرة غيره من الخلفاء أيضا، ومع
~~هذا لا ينخدش ما ذهب إليه محققو أهل السنة والجماعة في مسألة التفضيل كما
~~لا يخفى على النبيه النبيل، فتأمل والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

# ومن باب الاشارة في بعض الآيات:

# إنا فتحنا لك فتحا مبينا

# [الفتح: 1] يشير عندهم إلى فتح مكة العماء بادخال الأعيان الثابتة ظاهره
~~بنور الوجود فيها أي إظهارها للعيان لأجله عليه الصلاة والسلام على أن
~~لام { لك } للتعليل، وحاصله أظهرنا العالم لأجلك وهو في معنى ما يروونه
~~من قوله سبحانه: " لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك " وقيل: يشير إلى فتح باب
~~قلبه عليه الصلاة والسلام إلى حضرة ربوبيته عز وجل بتجلي صفات جماله
~~وجلاله وفتح ما انغلق على جميع القلوب ms10003 من الأسرار وتفصيل شرائع الإسلام
~~وغير ذلك من فتوحات قلبه صلى الله عليه وسلم { ليغفر لك الله
~~ما تقدم من ذنبك وما تأخر } ليستر وجودك في جميع
~~الأزمنة بوجوده جل وعلا { ويتم نعمته عليك } بإثبات جميع
~~حسنات العالم في صحيفتك إذ كنت العلة في إظهاره

# ويهديك صرطا مستقيما

# [الفتح: 2] بدعوة الخلق على وجه الجمع والفرق { وينصرك الله }
~~على النفوس الأمارة ممن تدعوهم إلى الحق

# نصرا عزيزا

# [الفتح: 3] قلما يشبهه نصر، ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم أكثر
~~الأنبياء عليهم السلام تبعا، وكان علماء أمته كأنبياء بني إسرائيل إلى
~~غير ذلك مما حصل لأمته بواسطة تربيته على الصلاة والسلام لهم وإفاضة
~~الأنوار والأسرار على نفوسهم وأرواحهم، والمراد ليجمع لك هذه الأمور فلا
~~تغفل { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين }
~~فسروها بشيء يجمع نورا وقوة وروحا بحيث يسكن إليه ويتسلى به الحزين
~~والضجر ويحدث عنده القيام بالخدمة / ومحاسبة النفس وملاطفة الخلق ومراقبة
~~الحق والرضا بالقسم والمنع من الشطح الفاحش، وقالوا: لا تنزل السكينة إلا
~~في قلب نبي أو ولي

# ليزدادوا إيمنا مع إيمنهم

# [الفتح: 4] فيحصل لهم الإيمان العياني والإيمان الاستدلالي البرهاني {
~~إنا أرسلنك شاهدا } على جميع المخلوقات إذ كنت أول مخلوق،
~~ومن هنا أحاط صلى الله عليه وسلم علما بما لم يحط به غيره من المخلوقات
~~لأنه عليه الصلاة والسلام شاهد خلق جميعها، ومن هذا المقام قال عليه
~~الصلاة والسلام:

# " كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد "

# ومبشرا ونذيرا

# [الفتح: 8] إذ كنت أعلم الخلق بصفات الجمال والجلال { إن الذين
~~يبايعونك إنما يبايعون الله } يشير عندهم إلى كمال
~~فناء وجوده صلى الله عليه وسلم وبقائه بالله عز وجل، وأيد ذلك بقوله
~~سبحانه:

# يد الله فوق أيديهم

# [الفتح: 10] { سيقول لك المخلفون } المتخلفون عن السير إلى
~~قتال الأنفس الأمارة { من الأعراب } من سكان بوادي الطبيعة {
~~شغلتنا أمولنا وأهلونا } العوائق والعلائق {
~~فاستغفر لنا } اطلب من الله عز وجل ستر ذلك عنا ليتأتى لنا السير
~~{ يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم } لتمكن حب
~~ذلك في قلوبهم ms10004 وعدم استعدادهم لدخول غيره فيها:

# رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم

# وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوا

# { قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم
~~ضرا أو أراد بكم نفعا } أي إن هاتيك العوائق والعلائق لا
~~تجديكم شيئا

# بل كان الله بما تعلمون خبيرا

# [الفتح: 11] فيجازيكم عليها حسبما تقتضي الحكمة { بل ظننتم أن
~~لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم } بل
~~حسبتم أن لا يرجع العقل والقوى الروحانية من السالكين السائرين إلى جهاد
~~النفس وطلب مغانم التجليات والأنس إلى ما كانوا عليه من إدراك المصالح
~~وتدبير حال المعاش وما تقتضيه هذه النشأة { وظننتم ظن السوء }
~~بالله تعالى وشؤنه عز وجل { وكنتم } في نفس الأمر

# قوما بورا

# [الفتح: 12] هالكين في مهالك الطبيعة وسوء الاستعداد { سيقول
~~المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها }
~~وهي مغانم التجليات ومواهب الحق لأرباب الحضرات { ذرونا نتبعكم
~~} دعونا نسلك مسلككم لننال منالكم { يريدون أن يبدلوا كلم
~~الله } في حقهم من حرمانهم المغانم لسوء استعدادهم { قل لن
~~تتبعونا كذلكم قال الله } حكم وقضى { من قبل } إذ
~~كنتم في عالم الأعيان الثابتة { فسيقولون } منكرين لذلك { بل
~~تحسدوننا } ولهذا تمنعوننا عن الاتباع

# بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا

# [الفتح: 15] ولذلك نسبوا الحسد وهو من أقبح الصفات إلى ذوي النفوس
~~القدسية المطهرة عن جميع الصفات الردية { قل للمخلفين من
~~الأعراب ستدعون } ولا تتركون سدى { إلى قوم أولي
~~بأس شديد } وهم النفس وقواها { تقتلونهم أو يسلمون
~~} ينقادون لحكم رسول العقل المنزه عن شوائب الوهم { فإن تطيعوا }
~~الداعي { يؤتكم الله } تعالى: { أجرا حسنا } من أنواع
~~المعارف والتجليات

# وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم
~~عذابا أليما

# [الفتح: 16] وهو عذاب الحرمان والحجاب { ليس على الأعمى } وهو
~~من لم ير في الدار غيره ديارا { حرج } في ترك السلوك والجهاد المطلوب
~~منكم لأنه وراء ذلك { ولا على الأعرج } وهو من فقد شيخا كاملا
~~سالما عن عيب في كيفية التسليك والإيصال { حرج } في ترك السلوك
~~أيضا، وهو إشارة إلى ما قالوا من أن ترك السلوك خير من السلوك على ms10005 يد
~~ناقص { ولا على المريض } بمرض العشق والهيام

# حرج

# [الفتح: 17] في ذاك أيضا لأنه مجذوب والجذبة خير من السلوك { لقد
~~رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت
~~الشجرة } يشير إلى المعاهدين على القتل بسيف المجاهدة تحت سمرة
~~الانفراد عن الأهل والمال، ويقال في أكثر الآيات الآتية نحو هذا {
~~محمد رسول الله والذين معه أشداء على
~~الكفار } أعداء الله عز وجل في مقام الفرق { رحماء } فيما {
~~بينهم } لقوة مناسبة بعضهم / بعضا فهم جامعون لصفتي الجلال والجمال
~~{ سيمهم في وجوههم من أثر السجود } له عز وجل وعدم
~~السجود لشيء من الدنيا والأخرى وتلك السيما خلع الأنوار الإلهية، قال
~~عامر بن عبد قيس: كاد وجه المؤمن يخبر عن مكنون عمله وكذلك وجه الكافر {
~~وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصلحت منهم
~~مغفرة } سترا لصفاتهم بصفاته عز وجل { وأجرا عظيما }
~~[الفتح: 29] وهو أن يتجلى سبحانه لهم بأعظم تجلياته وإلا فكل شيء دونه جل
~~جلاله ليس بعظيم، وسبحانه من إله رحيم وملك كريم.

### | [49 - سورة الحجرات]

### || [49.1]

# { يأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدي
~~الله ورسوله } وتصدير الخطاب بالنداء لتنبيه المخاطبين على أن ما
~~في حيزه أمر خطير يستدعي مزيد اعتنائهم وفرط اهتمامهم بتلقيه ومراعاته،
~~ووصفهم بالإيمان لتنشيطهم والإيذان بأنه داع للمحافظة عليه ورادع عن
~~الإخلال به.

# و { تقدموا } من قدم المتعدي، ومعناه جعل الشيء قادما أي متقدما
~~على غيره، وكان مقتضاه أن يتعدى إلى مفعولين لكن الأكثر في الاستعمال
~~تعديته إلى الثاني بعلى تقول: قدمت فلانا على فلان، وهو هنا محتمل
~~احتمالين: الأول أن يكون مفعوله نسيا والقصد فيه إلى نفس الفعل وهو
~~التقديم من غير اعتبار تعلقه بأمر من الأمور ولا نظر إلى أن المقدم ماذا
~~هو على طريقة قوله تعالى:

# هو الذي يحيي ويميت

# [غافر: 68] وقولهم: يعطي ويمنع. فالمعنى لا تفعلوا التقديم ولا تتلبسوا
~~به ولا تجعلوه منكم بسبيل. والثاني أن يكون قد حذف مفعوله قصدا إلى
~~تعميمه لأنه لاحتماله لأمور لو قدر أحدها كان ترجيحا بلا مرجح يقدر
~~أمرا عاما لأنه أفيد ms10006 مع الاختصار، فالمعنى لا تقدموا أمرا من الأمور.
~~والأول قيل أوفى بحق المقام لإفادته النهي عن التلبس بنفس الفعل الموجب
~~لانتفائه بالكلية المستلزم لانتفاء تعلقه بمفعوله بالطريق البرهاني، ورجح
~~الثاني بأنه أكثر استعمالا، وبأن في الأول تنزيل المتعدي منزلة اللازم
~~وهو خلاف الأصل والثاني سالم منه، والحذف وإن كان خلاف الأصل أيضا أهون
~~من التنزيل المذكور لكثرته بالنسبة إليه، وبعضهم لم يفرق بينهما لتعارض
~~الترجيح عنده وكون مآل المعنى عليهما العموم المناسب للمقام.

# وذكر أن في الكلام تجوزين. أحدهما في / «بين» الخ فإن حقيقة قولهم بين
~~يدي فلان ما بين العضوين فتجوز بذلك عن الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله
~~قريبا منه باطلاق اليدين على ما يجاورهما ويحاذيهما فهو من المجاز
~~المرسل. ثانيهما استعارة الجملة وهي التقدم بين اليدين استعارة تمثيلية
~~للقطع بالحكم بلا اقتداء ومتابعة لمن يلزم متابعته تصويرا لهجنته
~~وشناعته بصورة المحسوس فيما نهوا عنه كتقدم الخادم بين يدي سيده في سيره
~~حيث لا مصلحة، فالمراد من { لا تقدموا بين يدي الله
~~ورسوله } لا تقطعوا أمرا وتجزموا به وتجترؤوا على ارتكابه قبل أن
~~يحكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم به ويأذنا فيه، وحاصله النهي
~~عن الأقدام على أمر من الأمور دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة.

# وجوز أن يكون { تقدموا } من قدم اللازم بمعنى تقدم كوجه وبين، ومنه
~~مقدمة الجيش خلاف ساقته وهي الجماعة المتقدمة منه، ويعضده قراءة ابن عباس
~~وأبي حيوة والضحاك ويعقوب وابن مقسم { لا تقدموا } بفتح التاء
~~والقاف والدال، وأصله تتقدموا فحذفت إحدى التاءين تخفيفا لأنه من التفعل
~~وهو المطاوع اللازم، ورجح ما تقدم بما سمعت وبأن فيه استعمال أعرف
~~اللغتين وأشهرهما.

# لا يقال: الظرف إذا تعلق به العامل قد ينزل منزلة المفعول فيفيد العموم
~~كما قرروه في

# ملك يوم الدين

# [الفاتحة: 4] فليكن الظرف ههنا بمنزلة مفعول التقدم مغنيا غناءه،
~~والتقدم بين يدي المرء خروج عن صفة المتابعة حسا فهو أوفق للاستعارة
~~التمثيلية المقصود منها تصوير هجنة الحكم بلا اقتداء ومتابعة لمن يلزم
~~متابعته بصورة ms10007 المحسوس، فتخريج { لا تقدموا } على اللزوم أبلغ ولا
~~يضره عدم الشهرة فإنه لا يقاوم الأبلغية المطابقة للمقام لما أشار إليه
~~في «الكشف» من أن المراد النهي عن مخالفة الكتاب والسنة، والتعدية تفيد
~~أن ذلك بجعل وقصد منه للمخالفة لأن التقديم بين يدي المرء أن تجعل أحدا
~~إما نفسك أو غيرك متقدما بين يديه وذلك أقوى في الذم وأكثر استهجانا
~~للدلالة على تعمد عدم المتابعة لا صدورها عنه كيفما اتفق فافهم ولا تغفل.

# وجوز أن يكون { بين يدي الله ورسوله } من باب أعجبني زيد
~~وكرمه فالنهي عن التقدم بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام فكأنه قيل:
~~لا تقدموا بين يدي رسول الله، وذكر الله تعالى لتعظيمه عليه الصلاة
~~والسلام والإيذان بجلالة محله عنده عز وجل ومزيد اختصاصه به سبحانه، وأمر
~~التجوز عليه على حاله، وهو كما قال في «الكشف» أوفق لما يجيء بعده، فإن
~~الكلام مسوق لإجلاله عليه الصلاة والسلام، وإذا كان استحقاق هذا الإجلال
~~لاختصاصه بالله جل وعلا ومنزلته منه سبحانه فالتقدم بين يدي الله عز شأنه
~~أدخل في النهي وأدخل. وإن جعل مقصودا بنفسه على ما مر فالنهي عن
~~الاستبداد بالعمل في أمر ديني لا مطلقا من غير مراجعة إلى الكتاب
~~والسنة، وعليه تفسير ابن عباس على ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن
~~أبي حاتم وأبو نعيم في «الحلية» عنه أنه قال: أي لا تقولوا خلاف الكتاب
~~والسنة، وكذا ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه قال:
~~نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه بل عليهم أن يصغوا ولا يتكلموا. ووجه
~~الدلالة على هذا أن كلامه عليه الصلاة والسلام أريد به ما ينقله عنه
~~تعالى ولفظه أيضا، وما اللفظ من الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان
~~المعنى من الوحي أو أراد كلام كل واحد من الله تعالى والرسول عليه الصلاة
~~والسلام.

# وما أخرج عبد بن حميد والبيهقي في «شعب الإيمان» وغيرهما عن مجاهد أنه
~~قال في ذلك: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه ms10008 وسلم بشيء حتى يقضي
~~الله تعالى على لسانه يخرج على نحو التخريج الأول لكلام ابن عباس ويكون
~~مؤيدا له، وبعضهم يروي أنه قال: لا تفتاتوا على الله تعالى / شيئا حتى
~~يقصه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل مؤيدا لكلام ابن عباس
~~أيضا، وفسر التقدم بين يدي الله تعالى لأن التقدم بين يدي الرسول عليه
~~الصلاة والسلام مكشوف المعنى، ثم إن كل ذلك من باب بيان حاصل المعنى في
~~الجملة.

# وفي «الدر المنثور» بعد ذكر المروي عن مجاهد حسبما ذكرنا قال الحفاظ:
~~هذا التفسير على قراءة { تقدموا } بفتح التاء والدال وهي قراءة لبعضهم
~~حكاها الزمخشري وأبو حيان وغيرهما، وكأن ذلك مبني على أن { تقدموا } على
~~هذه القراءة من قدم كعلم إذا مضى في الحرب ويأتي من باب نصر أيضا إذ
~~الافتيات وهو السبق دون ائتمار من يؤتمر أنسب بذلك. واختار بعض الأجلة
~~جعله من قدم من سفره من باب علم لا غير كما يقتضيه عبارة «القاموس»،
~~وعليه يكون قد شبه تعجيلهم في قطع الحكم في أمر من أمور الدين بقدوم
~~المسافر من سفره إيذانا بشدة رغبتهم فيه نحو

# وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء
~~منثورا

# [الفرقان: 23].

# واختلف في سبب النزول، فأخرج البخاري وابن المنذر وابن مردويه عن عبد
~~الله بن الزبير قال: «قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم
~~فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر رضي
~~الله تعالى عنه: بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر رضي الله تعالى
~~عنه: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: ما أردت خلافك
~~فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فأنزل الله تعالى: { يأيها الذين
~~ءامنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } حتى
~~انقضت الآية».

# وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن أن أناسا ذبحوا قبل
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فأمرهم عليه الصلاة والسلام أن
~~يعيدوا ذبحا فأنزل الله تعالى: ms10009 { يأيها الذين ءامنوا } الخ،
~~وفي «الكشاف» عنه أن أناسا ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة فنزلت وأمرهم
~~صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا ذبحا آخر، والأول ظاهر في أن النزول بعد
~~الأمر والذبح قبل الصلاة يستلزم الذبح قبل رسول الله عليه الصلاة والسلام
~~لأنه صلى الله عليه وسلم كان ينحر بعدها كما نطقت به الأخبار. وإلى عدم
~~الإجزاء قبل ذهب الإمام أبو حنيفة والأخبار تؤيده، أخرج الشيخان والترمذي
~~وأبو داود والنسائي عن البراء قال:

# " ذبح أبو بردة بن نيار قبل الصلاة فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
~~أبدلها فقال: يا رسول الله ليس عندي إلا جذعة فقال صلى الله عليه وسلم:
~~اجعلها مكانها ولن تجزي عن أحد بعدك "

# وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال:

# " أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب
~~سنتنا ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء "

# وكان أبو بردة بن نيار قد ذبح قبل الصلاة الحديث، وفي المسألة كلام طويل
~~محله كتب الفروع فراجعه إن أردته.

# وعن الحسن أيضا لما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أتته
~~الوفود من الآفاق فأكثروا عليه بالمسائل فنهوا أن يبتدءوه بالمسألة حتى
~~يكون عليه الصلاة والسلام هو المبتدىء، وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة
~~قال: ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا وكذا لكان كذا وكذا
~~فكره الله تعالى ذلك وقدم فيه. وقيل: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~إلى تهامة سرية سبعة وعشرين رجلا عليهم المنذر بن عمرو الساعدي فقتلهم
~~بنو عامر وعليهم عامر بن الطفيل إلا ثلاثة نفر نجوا فلقوا رجلين من بني
~~سليم قرب المدينة فاعتزيا لهم إلى بني عامر لأنهم أعز من سليم فقتلوهما
~~وسلبوهما ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بئسما صنعتم كانا
~~من سليم أي كانا من أهل العهد لأنهم كانوا معاهدين والسلب ما كسوتهما
~~فوداهما / رسول الله صلى الله ms10010 عليه وسلم فقال: ونزلت أي لا تعملوا شيئا
~~من ذات أنفسكم حتى تستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

# وأخرج الطبراني في «الأوسط» وابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها
~~قالت: إن ناسا كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قبل النبي صلى الله عليه
~~وسلم فأنزل الله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا
~~تقدموا بين يدي الله ورسوله } وفي رواية عن مسروق بن
~~الأجدع بن مالك الهمداني الكوفي دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها
~~وكانت قد تبنته في اليوم الذي يشك فيه فقالت للجارية: اسقيه عسلا فقلت:
~~إني صائم فقالت: قد نهى الله تعالى عن صوم هذا اليوم وفيه نزلت {
~~يأيها الذين ءامنوا لا تقدموا } الخ، فالمعنى كما في
~~«المعالم» لا تصوموا قبل صوم نبيكم، وأول هذا صاحب «الكشف» فقال:
~~الظاهر عندي أنها استدلت بالآية على أنه ينبغي أن يتمثل أمر النبي صلى
~~الله عليه وسلم ونهيه، وقد نهى عليه الصلاة والسلام وفيه نزلت أي في مثل
~~هذا لدلالتها على وجوب الاتباع والنهي عن الاستبداد إذ لا يلوح ذلك
~~التفسير على وجه ينطبق على يوم الشك وحده إلا بتكلف، وهذا نظير ما نقل عن
~~ابن مسعود في جواب المرأة التي اعترضت عليه أنها قرأت كتاب الله وما وجدت
~~اللعن على الواشمة كما ادعاه رضي الله تعالى عنه من قوله: لئن كنت قرأتيه
~~لقد وجدتيه أما رأيت

# وما ءاتكم الرسول فخذوه وما نهكم عنه
~~فانتهوا

# [الحشر: 7] قالت: بلى قال: فإنه نهى عنه.

# وأنت تعلم بعد الرواية الأولى عن هذا التأويل، ويعلم من هذه الروايات
~~وغيرها أنهم اختلفوا أيضا في تفسير التقدم، وفي كثير منها تفسيره بخاص،
~~وقال بعضهم: إن الآية عامة في كل قول وفعل ويدخل فيها أنه إذا جرت مسألة
~~في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسبقوه في الجواب، وأن لا يمشى
~~بين يديه إلا للحاجة، وأن يستأنى في الافتتاح بالطعام، ورجح بأنه الموافق
~~للسياق ولما عرف في الأصول من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وفي ms10011
~~الكلام عليه بناء على ما قاله الطيبي مجاز باعتبار القدر المشترك الصادق
~~على الحقيقة أيضا دون التمثيل وتشبيه المعقول بالمحسوس ويسمى في الأصول
~~بعموم المجاز وفي الصناعة بالكناية لأنها لا تنافي إرادة الحقيقة أيضا؛
~~ومن هنا يجوز إرادة لا تمشوا بين يديه صلى الله عليه وسلم؛ وذكر عليه
~~الرحمة أنه لا يقدر على هذا القول مفعول بل يتوجه النهي إلى نفس الفعل
~~فتأمل.

# ويحتج بالآية على اتباع الشرع في كل شيء وهو ظاهر مما تقدم. وربما احتج
~~بها نفاة القياس وهو كما قال إلكيا باطل منهم. نعم قال الجلال السيوطي:
~~يحتج بها على تقديم النص على القياس، ولعله مبني على أن العمل بالنص أبعد
~~من التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

# { واتقوا الله } أي في كل ما تأتون وتذرون من الأقوال والأفعال
~~التي من جملتها ما نحن فيه { إن الله سميع } لكل مسموع ومنه
~~أقوالكم { عليم } بكل المعلومات ومنها أفعالكم فمن حقه أن يتقى
~~ويراقب.

### || [49.2]

# { يأيها الذين ءامنوا لا ترفعوا أصوتكم فوق
~~صوت النبي } شروع في النهي عن التجاوز في كيفية القول عند النبي
~~صلى الله عليه وسلم بعد النهي عن التجاوز في نفس القول والفعل. وإعادة
~~النداء مع قرب العهد به للمبالغة في الإيقاظ والتنبيه والإشعار باستقلال
~~كل من الكلامين باستدعاء الاعتناء بشأنه أي لا تبلغوا بأصواتكم وراء حد
~~يبلغه عليه الصلاة والسلام بصوته.

# وقرأ ابن مسعود { لا ترفعوا بأصواتكم } بتشديد { ترفعوا } وزيادة
~~الباء وقد شدد الأعلم الهذلي في قوله:

# رفعت عيني بالحجا

# زإلى أناس بالمناقب

# / والتشديد فيه للمبالغة كزيادة الباء في القراءة إلا أن ليس المعنى
~~فيها أنهم نهوا عن الرفع الشديد تخيلا أن يكون ما دون الشديد مسوغا
~~لهم، ولكن المعنى نهيهم عما كانوا عليه من الجلبة واستجفاؤهم فيما كانوا
~~يفعلون، وهو نظير قوله تعالى:

# يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا الربا أضعفا
~~مضعفة

# [آل عمران: 130].

# { ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض }
~~أي جهرا كائنا كالجهر الجاري فيما بينكم، فالأول نهي عن ms10012 رفع الصوت فوق
~~صوته صلى الله عليه وسلم وهذا نهي عن مساواة جهرهم لجهره عليه الصلاة
~~والسلام فإنه المعتاد في مخاطبة الأقران والنظراء بعضهم لبعض، ويفهم من
~~ذلك وجوب الغض حتى تكون أصواتهم دون صوته صلى الله عليه وسلم، وقيل:
~~الأول مخصوص بمكالمته صلى الله عليه وسلم لهم وهذا بصمته عليه الصلاة
~~والسلام كأنه قيل: لا ترفعوا أصواتكم فوق صوته إذا نطق ونطقتم ولا تجهروا
~~له بالقول إذا سكت وتكلمتم، ويفهم أيضا وجوب كون أصواتهم دون صوته عليه
~~الصلاة والسلام، فأيا ما كان يكون المآل اجعلوا أصواتكم أخفض من صوته
~~صلى الله عليه وسلم وتعهدوا في مخاطبته اللين القريب من الهمس كما هو
~~الدأب عند مخاطبة المهيب المعظم وحافظوا على مراعاة أبهة النبوة وجلالة
~~مقدارها، ومن هنا قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بعد نزول الآية
~~كما أخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة:
~~«والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى
~~الله تعالى». وفي رواية أنه قال: يا رسول الله والله لا أكلمك إلا السرار
~~أو أخا السرار حتى ألقى الله تعالى، وكان إذا قدم على رسول الله عليه
~~الصلاة والسلام الوفود أرسل إليهم من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم بالسكينة
~~والوقار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عمر رضي الله تعالى عنه
~~كما في «صحيح البخاري» وغيره عن ابن الزبير إذا تكلم عند النبي صلى الله
~~عليه وسلم لم يسمع كلامه حتى يستفهمه.

# وقيل: معنى { ولا تجهروا له بالقول } الخ ولا تخاطبوه
~~باسمه وكنيته كما يخاطب بعضكم بعضا وخاطبوه بالنبي والرسول، والكلام
~~عليه أبعد عن توهم التكرار لكنه خلاف الظاهر لأن ذكر الجهر عليه لا يظهر
~~له وجه، وكان الظاهر أن يقال مثلا: ولا تجعلوا خطابه كخطاب بعضكم بعضا.

# { أن تحبط أعملكم } تعليل لما قبله من النهيين على طريق
~~التنازع بتقدير مضاف أي كراهة أن تحبط أعمالكم، والمعنى إني أنهاكم عما
~~ذكر لكراهة ms10013 حبوط أعمالكم بارتكابه أو تعليل للمنهي عنه، وهو الرفع والجهر
~~بتقدير اللام أي لأن تحبط، والمعنى فعلكم ما ذكر لأجل الحبوط منهي عنه،
~~ولام التعليل المقدرة مستعارة للعاقبة التي يؤدي إليها الفعل لأن الرفع
~~والجهر ليس لأجل الحبوط لكنهما يؤديان إليه على ما تعلمه إن شاء الله
~~تعالى، وفرق بينهما بما حاصله أن الفعل المنهي معلل في الأول والفعل
~~المعلل منهي في الثاني وأيهما كان فمرجع المعنى إلى أن الرفع والجهر
~~كلاهما منصوص الاداء إلى حبوط العمل، وقراءة ابن مسعود وزيد بن علي {
~~فتحبط } بالفاء أظهر في التنصيص على أدائه إلى الإحباط لأن ما بعد الفاء
~~لا يكون إلا مسببا عما قبلها. وقوله تعالى: { وأنتم لا تشعرون
~~} حال من فاعل { تحبط } ومفعول { تشعرون } محذوف بقرينة ما قبله
~~أي والحال أنتم لا تشعرون أنها محبطة.

# وظاهر الآية مشعر بأن الذنوب مطلقا قد تحبط الأعمال الصالحة؛ ومذهب أهل
~~السنة أن المحبط منها الكفر لا غير، والأول مذهب المعتزلة ولذا قال
~~الزمخشري: / قد دلت الآية على أمرين هائلين أحدهما أن فيما يرتكب من
~~الآثام ما يحبط عمل المؤمن. والثاني أن في أعماله ما لا يدري أنه محبط
~~ولعله عند الله تعالى محبط.

# وأجاب عن ذلك ابن المنير عليه الرحمة بأن المراد في الآية النهي عن رفع
~~الصوت على الإطلاق، ومعلوم أن حكم النهي الحذر مما يتوقع في ذلك من إيذاء
~~النبي صلى الله عليه وسلم، والقاعدة المختارة أن إيذاءه عليه الصلاة
~~والسلام يبلغ مبلغ الكفر المحبط للعمل باتفاق فورد النهي عما هو مظنة
~~لأذى النبي صلى الله عليه وسلم سواء وجد هذا المعنى أو لا حماية للذريعة
~~وحسما للمادة، ثم لما كان هذا المنهى عنه منقسما إلى ما يبلغ مبلغ
~~الكفر وهو المؤذي له عليه الصلاة والسلام وإلى ما لا يبلغ ذلك المبلغ ولا
~~دليل يميز أحد القسمين عن الآخر لزم المكلف أن يكف عن ذلك مطلقا خوف أن
~~يقع فيما هو محبط للعمل وهو البالغ حد الأذى اذ لا دليل ظاهرا يميزه، ms10014
~~وإن كان فلا يتفق تمييزه في كثير من الأحيان. وإلى التباس أحد القسمين
~~بالآخر وقعت الإشارة بقوله سبحانه: { أن تحبط أعملكم
~~وأنتم لا تشعرون } وإلا فلو كان الأمر على ما يعتقده الزمخشري
~~لم يكن لقوله سبحانه: { وأنتم لا تشعرون } موقع إذ الأمر منحصر
~~بين أن يكون رفع الصوت مؤذيا فيكون كفرا محبطا قطعا وبين أن يكون غير
~~مؤذ فيكون كبيرة محبطة على رأيه قطعا، فعلى كلا حاليه الإحباط به محقق
~~إذن فلا موقع لإدعام الكلام بعدم الشعور مع أن الشعور ثابت مطلقا، ثم
~~قال عليه الرحمة: وهذا التقدير يدور على مقدمتين كلتاهما صحيحة.

# إحداهما أن رفع الصوت من جنس ما يحصل به الأذى وهذا أمر يشهد به النقل
~~والمشاهدة حتى أن الشيخ ليتأذى برفع التلميذ صوته بين يديه فكيف برتبة
~~النبوة وما تستحقه من الإجلال والإعظام. ثانيتهما أن إيذاء النبي صلى
~~الله عليه وسلم كفر وهذا ثابت قد نص عليه أئمتنا وأفتوا بقتل من تعرض
~~لذلك كفرا ولا تقبل توبته فما أتاه أعظم عند الله تعالى وأكبر انتهى.

# وحاصل الجواب أنه لا دليل في الآية على ما ذهب إليه الزمخشري لأنه قد
~~يؤدي إلى الإحباط إذا كان على وجه الإيذاء أو الاستهانة فنهاهم عز وجل
~~عنه وعلله بأنه قد يحبط وهم لا يشعرون. وقيل: يمكن نظرا للمقام أن ينزل
~~إذا هم رسول الله صلى الله عليه وسلم برفع الصوت منزلة الكفر تغليظا
~~إجلالا لمجلسه صلوات الله تعالى عليه وسلامه ثم يرتب عليه ما يرتب على
~~الكفر الحقيقي من الإحباط كقوله تعالى: { ولله على الناس حج
~~البيت } إلى قوله سبحانه:

# ومن كفر فإن الله غني عن العلمين

# [آل عمران: 97] ومعنى { وأنتم لا تشعرون } عليه وأنتم لا
~~تشعرون أن ذلك بمنزلة الكفر المحبط وليس كسائر المعاصي، ولا يتم بدون
~~الأول. وجاز كما في «الكشف» أن يكون المراد ما فيه استهانة ويكون من باب

# فلا تكونن ظهيرا للكفرين

# [القصص: 86] مما الغرض منه التعريض كيف وهو قول منقول عن الحسن كما حكاه
~~في «الكشاف». ms10015

# وقال أبو حيان: ((إن كانت الآية بمن يفعل ذلك استخفافا فذلك كفر يحبط
~~معه العمل حقيقة، وإن كانت للمؤمن الذي يفعله غلبة وجريا على عادته
~~فإنما يحبط عمله البر في توقير النبي صلى الله عليه وسلم وغض الصوت عنده
~~أن لو فعل ذلك كأنه قيل: مخافة أن تحبط الأعمال التي هي معدة أن تعملوها
~~فتؤجروا عليها))، ولا يخفى ما في الشق الثاني من التكلف البارد. ((ثم إن
~~من الجهر ما لم يتناوله النهي بالاتفاق وهو ما كان منهم في حرب أو مجادلة
~~معاند أو إرهاب عدو أو ما أشبه ذلك مما لا يتخيل منه تأذ أو استهانة، ففي
~~الحديث

# " أنه عليه الصلاة والسلام قال للعباس بن عبد المطلب لما ولى المسلمون
~~يوم حنين: ناد أصحاب السمرة فنادى بأعلى صوته أين أصحاب السمرة، وكان
~~رجلا صيتا "

# يروى أن غارة أتتهم يوما فصاح العباس يا صباحاه / فأسقطت الحوامل لشدة
~~صوته، وفيه يقول نابغة بني جعدة:

# زجر أبي عروة السباع إذا

# أشفق أن يختلطن بالغنم

# زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيفتق مرارة السبع في جوفه))،
~~وذكروا أنه سئل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فكيف لا تفتق مرارة الغنم؟
~~فقال: لأنها ألفت صوته.

# وروى البخاري ومسلم

# " عن أنس لما نزلت هذه الآية جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل
~~النار واحتبس فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ فقال: يا أبا
~~عمرو ما شأن ثابت اشتكى؟ قال سعد: إنه جاري وما علمت له بشكوى فأتاه سعد
~~فقال: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني أرفعكم صوتا على رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فأنا من أهل النار فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه
~~وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل هو من أهل الجنة "

# ، وفي رواية

# " أنه لما نزلت دخل بيته وأغلق عليه بابه وطفق يبكي فافتقده رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فقال: ما شأن ثابت؟ قالوا: يا رسول الله ما ندري ms10016 ما
~~شأنه غير أنه أغلق باب بيته فهو يبكي فيه فأرسل رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم إليه فسأله ما شأنك؟ قال: يا رسول الله أنزل الله عليك هذه الآية
~~وأنا شديد الصوت فأخاف أن أكون قد حبط عملي فقال صلى الله عليه وسلم: لست
~~منهم بل تعيش بخير وتموت بخير "

# ، والظاهر أن ذلك منه رضي الله تعالى عنه كان من غلبة الخوف عليه وإلا
~~فلا حرمة قبل النهي، وهو أيضا أجل من أن يكون ممن كان يقصد الاستهانة
~~والإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم برفع الصوت وهم المنافقون الذين
~~نزلت فيهم الآية على ما روي عن الحسن وإنما كان الرفع منه طبيعة لما أنه
~~كان في أذنه صمم وعادة كثير ممن به ذلك رفع الصوت، والظاهر أنه بعد
~~نزولها ترك هذه العادة، فقد أخرج الطبراني والحاكم وصححه

# " أن عاصم بن عدي ابن العجلان أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بحاله
~~فأرسله إليه فلما جاء قال: ما يبكيك يا ثابت؟ فقال: أنا صيت وأتخوف أن
~~تكون هذه الآية نزلت في فقال له عليه الصلاة والسلام: أما ترضى أن تعيش
~~حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة؟ قال: رضيت ولا أرفع صوتي أبدا على صوت
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "

# واستدل العلماء بالآية على المنع من رفع الصوت عند قبره الشريف صلى الله
~~عليه وسلم، وعند قراءة حديثه عليه الصلاة والسلام لأن حرمته ميتا كحرمته
~~حيا. وذكر أبو حيان كراهة الرفع أيضا بحضرة العالم. وغير بعيد حرمته
~~بقصد الإيذاء والاستهانة لمن يحرم إيذاؤه والاستهانة به مطلقا لكن
~~للحرمة مراتب متفاوتة كما لا يخفى.

### || [49.3]

# وقوله تعالى: { إن الذين يغضون أصوتهم عند رسول
~~الله } الخ ترغيب في الانتهاء عما نهوا عنه بعد الترهيب عن الإخلال به
~~أي يحفظونها مراعاة للأدب أو خشية من مخالفة النهي { أولئك }
~~إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة، وما فيه من معنى
~~البعد مع قرب العهد بالمشار إليه لما مر مرارا من تفخيم شأنه؛ وهو ms10017 مبتدأ
~~خبره { الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } والجملة
~~خبر (إن)، وأصل معنى الامتحان التجربة والاختبار، والمراد به هنا
~~لاستحالة نسبته إليه تعالى التمرين بعلاقة اللزوم أي إنهم مرن الله تعالى
~~قلوبهم للتقوى. وفي «الكشف» الامتحان كناية تلويحية عن صبرهم على التقوى
~~وثباتهم عليها وعلى احتمال مشاقها لأن الممتحن جرب وعود منه الفعل مرة
~~بعد أخرى فهو دال على التمرن الموجب للاضطلاع، والإسناد إليه تعالى
~~للدلالة على التمكين، ففيه على ما قيل مع الكناية تجوز في الإسناد والأصل
~~امتحنوا قلوبهم للتقوى بتمكين الله تعالى لهم، وكأنه إنما / اعتبر ذلك
~~لأنه لا يجوز إرادة المعنى الموضوع له هنا فلا يصح كونه كناية عند من
~~يشترط فيها إرادة الحقيقة، ومن اكتفى فيها بجواز الإرادة وإن امتنعت في
~~محل الاستعمال لم يحتج إلى ذلك الاعتبار. واختار الشهاب كون الامتحان
~~مجازا عن الصبر بعلاقة اللزوم، وحاصل المعنى عليه كحاصله على الكناية أي
~~أنهم صبر على التقوى أقوياء على مشاقها أو المراد بالامتحان المعرفة كما
~~حكي عن الجبائي مجازا من باب إطلاق السبب وإرادة المسبب، والمعنى عرف
~~الله قلوبهم للتقوى، وإسناد المعرفة إليه عز وجل بغير لفظها غير ممتنع
~~وهو في القرآن الكريم شائع، على أن الصحيح جواز الإسناد مطلقا لما في
~~«نهج البلاغة» من إطلاق العارف عليه تعالى، وقد ورد في الحديث أيضا على
~~ما ادعاه بعض الأجلة. واللام صلة لمحذوف وقع حالا من { قلوبهم } أي
~~كائنة للتقوى مختصة بها، فهو نحو اللام في قوله:

# وقصيدة رائقة ضوعتها

# أنت لها أحمد من بين البشر

# وقوله:

# أعداء من لليعملات على الوجى

# وأضياف ليل بيتوا للنزول

# أو هي صلة  لامتحن  باعتبار معنى الاعتياد أو المراد ضرب الله تعالى
~~قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الشاقة لأجل التقوى أي لتظهر ويعلم أنهم
~~متقون إذ لا تعلم حقيقة التقوى إلا عند المحن والاصطبار عليها، وعلى هذا
~~فالامتحان هو الضرب بالمحن، واللام للتعليل على معنى أن ظهور التقوى وهو
~~الغرض والعلة وإلا فالصبر على المحنة مستفاد من التقوى لا العكس، أو
~~المراد ms10018 أخلصها للتقوى أي جعلها خالصة لأجل التقوى أو أخلصها لها فلم يبق
~~لغير التقوى فيها حق كأن القلوب خلصت ملكا للتقوى، وهذا أبلغ وهو
~~استعارة من امتحان الذهب وإذابته ليخلص إبريزه من خبثه وينقى أو تمثيل.

# وتفسير { امتحن } بأخلص رواه ابن جرير وجماعة عن مجاهد، وروي ذلك
~~أيضا عن الكعبي وأبي مسلم. وقال الواحدي: تقدير الكلام امتحن الله
~~قلوبهم فأخلصها للتقوى فحذف الإخلاص لدلالة الامتحان عليه وليس بذاك.
~~واختار صاحب «الكشف» ما نقل عنه أولا فقال: الأول أرجح الوجوه لكثرة
~~فائدته من الكناية والإسناد والدلالة على أن مثل هذا الغض لا يتأتى إلا
~~ممن هو مدرب للتقوى صبور عليها فتأمل.

# { لهم } في الآخرة { مغفرة } لذنوبهم { وأجر عظيم }
~~لغضهم أصواتهم عند النبي عليه الصلاة والسلام ولسائر طاعاتهم، وتنكير {
~~مغفرة وأجر } للتعظيم، ففي وصف أجر بعظيم مبالغة في عظمه فإنه
~~مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وجملة { لهم } الخ
~~مستأنفة لبيان جزاء الغاضين إحمادا لحالهم كما أخبر عنهم بجملة مؤلفة من
~~معرفتين، والمبتدأ اسم الإشارة المتضمن لما جعل عنوانا لهم، والخبر
~~الموصول بصلة دلت على بلوغهم أقصى الكمال مبالغة في الاعتداد بغضهم
~~والارتضاء له وتعريضا بشناعة الرفع والجهر وإن حال المرتكب لهما على
~~خلاف ذلك، وقيل الجملة خبر ثان لإن وليس بذاك.

# والآية قيل: أنزلت في الشيخين رضي الله تعالى عنهما لما كان منهما من غض
~~الصوت والبلوغ به أخا السرار بعد نزول الآية السابقة وفي حديث الحاكم
~~وغيره عن محمد بن ثابت بن قيس أنه قال بعد حكاية قصة أبيه وقوله: لا أرفع
~~صوتي أبدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله تعالى: { إن
~~الذين يغضون أصوتهم عند رسول الله } الآية. وأنت
~~تعلم أن حكمها عام ويدخل الشيخان في عمومها وكذا ثابت بن قيس. وقد أخرج
~~ابن مردويه

# " عن أبي هريرة قال: لما أنزل الله تعالى: { أولئك الذين
~~امتحن الله قلوبهم للتقوى } قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم: / منهم ثابت بن قيس ms10019 بن شماس ".

### || [49.4]

# { إن الذين ينادونك من وراء الحجرت } من خارجها،
~~خلفها أو قدامها على أن { وراء } من المواراة والاستتار فما استتر عنك
~~فهو وراء، خلفا كان أو قداما إذا لم تره فإذا رأيته لا يكون وراءك،
~~فالوراء بالنسبة إلى من في الحجرات ما كان خارجها لتواريه عمن فيها، وقال
~~بعض أهل اللغة إن وراء من الأضداد فهو مشترك لفظي عليه ومشترك معنوي على
~~الأول وهو الذي ذهب إليه الآمدي وجماعة.

# و { الحجرت } جمع حجرة على وزن فعلة بضم الفاء وسكون العين وهي
~~القطعة من الأرض المحجورة أي الممنوعة عن الدخول فيها بحائط، وتسمى حظيرة
~~الإبل وهي ما تجمع فيه وتكون محجورة بحطب ونحوه حجرة أيضا فهي بمعنى اسم
~~المفعول كالغرفة لما يغرف باليد من الماء، وفي جمعها هنا ثلاثة أوجه، ضم
~~العين اتباعا للفاء كقراءة الجمهور، وفتحها وبه قرأ أبو جعفر وشيبة،
~~وتسكينها للتخفيف وبه قرأ ابن أبي عبلة. وهذه الأوجه جائزة في جمع كل
~~اسم جامد جاء على هذا الوزن.

# والمراد حجرات نسائه عليه الصلاة والسلام وكانت تسعة لكل منهن حجرة،
~~وكانت كما أخرج ابن سعد عن عطاء الخراساني من جريد النخل على أبوابها
~~المسوح من شعر أسود. وأخرج البخاري في «الأدب» وابن أبي الدنيا والبيهقي
~~عن داود بن قيس قال: رأيت الحجرات من جريد النخل مغشي من خارج بمسوح
~~الشعر، وأظن عرض البيت من باب الحجرة إلى باب البيت ست أو سبع أذرع،
~~وأحرز البيت الداخل عشرة أذرع، وأظن السمك بين الثمان والسبع. وأخرجوا عن
~~الحسن أنه قال: كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة
~~عثمان بن عفان فأتناول سقفها بيدي، وقد أدخلت في عهد الوليد بن عبد الملك
~~بأمره في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام وبكى الناس لذلك، وقال سعيد بن
~~المسيب يومئذ: والله لوددت أنهم تركوها على حالها لينشو أناس من أهل
~~المدينة ويقدم القادم من أهل الآفاق فيرى ما اكتفى به رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم في حياته فيكون ms10020 ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر فيها،
~~وقال نحو ذلك أبو أمامة بن سهل بن حنيف.

# وفي ذكر { الحجرت } كناية عن خلوته عليه الصلاة والسلام بنسائه
~~لأنها معدة لها، ولم يقل: حجرات نسائك ولا حجراتك توقيرا له صلى الله
~~عليه وسلم وتحاشيا عما يوحشه عليه الصلاة والسلام. ومناداتهم من ورائها
~~إما بأنهم أتوها حجرة حجرة فنادوه من ورائها فيكون القصد إلى الاستغراق
~~العرفي أي جميع حجرات نسائه صلى الله عليه وسلم أو بأنهم تفرقوا على
~~الحجرات متطلبين له عليه الصلاة والسلام على أن الاستغراق إفرادي لا
~~شمولي مجموعي ولا أنه من مقابلة الجمع بالجمع المقتضية لانقسام الآحاد
~~على الآحاد لأن من ناداه صلى الله عليه وسلم من وراء حجرة منها فقد ناداه
~~من وراء الجميع على ما قيل، وعلى هذا يكون إسناد النداء من إسناد فعل
~~الأبعاض إلى الكل، وقيل: إن الذي نادى رجل واحد كما هو ظاهر خبر أخرجه
~~الترمذي وحسنه وجماعة عن البراء بن عازب، وما أخرجه أحمد وابن جرير وأبو
~~القاسم البغوي والطبراني وابن مردويه بسند صحيح من طريق أبي سلمة بن عبد
~~الرحمن

# " عن الأقرع بن حابس أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد
~~اخرج إلينا فلم يجبه عليه الصلاة والسلام فقال: يا محمد إن حمدي زين وإن
~~ذمي شين فقال: ذاك الله فأنزل الله تعالى { إن الذين ينادونك
~~} الخ "

# ، وعليه يكون الإسناد إلى الكل لأنهم رضوا بذلك وأمروا به أو لأنه وجد
~~فيما بينهم، وظاهر الآية أن المنادي جمع وكذا جمع من الأخبار، وسنذكر إن
~~شاء الله تعالى بعضا منها، وحمل / { الحجرت } على الجمع الحقيقي هو
~~الظاهر الذي عليه غير واحد من المفسرين، وجوز كون الحجرة واحدة وهي التي
~~كان فيها الرسول عليه الصلاة والسلام وجمعت إجلالا له صلى الله عليه
~~وسلم على أسلوب حرمت النساء سواكم، وأيضا لأن حجرته عليه الصلاة والسلام
~~لأنها أم الحجرات وأشرفها بمنزلة الكل على نحو أحد الوجهين في قوله
~~تعالى:

# ومن أظلم ممن منع مسجد ms10021 الله

# [البقرة: 114].

# وفرق الزمخشري بين { من وراء الحجرت } بإثبات { من } وراء
~~الحجرات بإسقاطها بأنه على الثاني يجوز أن يجمع المنادي والمنادي الوراء،
~~وعلى الأول لا يجوز ذلك، وعلله بأن الوراء يصير بدخول (من) مبتدأ الغاية
~~ولا يجتمع على الجهة الواحدة أن تكون مبتدأ ومنتهى لفعل واحد. واعترضه في
~~«البحر» ((بأنه قد صرح الأصحاب في معاني { من } أنها تكون لابتداء
~~الغاية وانتهائها في فعل واحد وأن الشيء الواحد يكون محلا لهما ونسبوا
~~ذلك إلى سيبويه وقالوا: إن منه قولهم: أخذت الدرهم من زيد فزيد محل
~~لابتداء الأخذ منه وانتهائه معا قالوا:  فمن  تكون في أكثر المواضع
~~لابتداء الغاية فقط، وفي بعض المواضع لابتداء الغاية وانتهائها معا)).

# وصاحب «التقريب» بقوله: فيه نظر لأن المبدأ والمنتهى إما المنادى
~~والمنادى على ما هو التحقيق أو الجهة، فإن كان الأول جاز أن يجمعها
~~الوراء في إثبات { من } وفي إسقاطها لتغاير المبدأ والمنتهى، وإن كان
~~الثاني فالجهة إما ذات أجزاء أو عديمتها، فإن كان الأول جاز أن يجمعهما
~~في إثبات (من) أيضا باعتبار أجزاء الجهة، وإن كان الثاني لم يجز أن
~~يجمعهما لا في إثبات (من) ولا في إسقاطها لاتحاد المورد.

# ورد الأول بأن محل الانتهاء هو المتكلم ليس إلا كما ذكره ابن هشام في
~~«المغني»، وذكر أن ابن مالك قال: إن { من } في المثال للمجاوزة،
~~والثاني غير قادح في الفرق على ما ذكره صاحب «الكشف» قال: الحاصل أن
~~المبدأ الجهة باعتبار تلبسها بالفاعل لأن حرف الابتداء دخل على الجهة
~~والفعل مما ليست المسافة داخلة في مفهومه فيعتبر الأمران تحقيقا لمقتضى
~~الفعل والحرف، ولما أوقع جميع الجهة مبدأ لم يجز أن يكون منتهى سواء كان
~~منقسما أو لا، ثم لما كان الوراء مبهما لم يكن مثل سرت من البصرة إلى
~~جامعها إذ لا يتعين بعضها مبدأ وبعضها منتهى، على أن ذلك أيضا إذا أطلق
~~يجب أن يحمل على أن المنتهى غير البصرة، أما إذا عينت فيجوز مع تجوز
~~والأصل عدمه إلا بدليل، ثم هذا الجواز فيما ms10022 كانت النهاية مكانا أيضا
~~أما إذا اعتبرت باعتبار التلبس بالمفعول فلا، وإذا لم يذكر حرف الابتداء
~~لم يؤد هذا المعنى. فهذا فرق محقق ومنه يظهر أن المذكور في «التقريب» من
~~النظر غير قادح، وما ذكر من أن التحقيق أن الفعل يبتدىء من الفاعل وينتهي
~~إلى المفعول ويقع في الظرف وأن { من وراء الحجرت } ووراءها
~~كلاهما ظرف كصليت من خلف الإمام وخلفه ومن قبل اليوم وقبله ومعنى
~~الابتداء غير محقق والفرق تعسف ظاهر في أن (من) زائدة لا فرق بين دخولها
~~وخروجها وهو خلاف الظاهر وإلا لما اختلفوا في زيادتها في الإثبات لشيوع
~~نحو هذا الكلام فيما بينهم، ومتى لم تكن زائدة فلا بد من الفرق بين
~~الكلامين لا سيما إذا كانا من كلامه عز وجل فتدبر.

# والتعبير عن النداء بصيغة المضارع مع تقدمه على النزول لاستحضار الصورة
~~الماضية لغرابتها. والموصول اسم (إن)، وجملة قوله تعالى: { أكثرهم
~~لا يعقلون } خبرها وتكرار الإسناد للمبالغة، والمراد أنهم لا يجرون
~~على مقتضى العقل من مراعاة الأدب لا سيما مع أجل خلق الله تعالى
~~وأعظمهم عنده سبحانه صلى الله عليه وسلم وكثيرا ما ينزل وجود الشيء
~~منزلة عدمه لمقتض، والحكم على الأكثر دون الكل بذلك لأن منهم من لم يقصد
~~ترك الأدب بل نادى لأمر ما على ما قيل، وجوز أن يكون المراد بالقلة التي
~~يدل عليها نفي الكثرة / العدم فإنه يكنى بها عنه، وتعقبه أبو حيان بأن
~~ذلك في صريح القلة لا في المفهوم من نفي الكثرة.

# وكان هؤلاء من بني تميم كما صرح به أكثر أهل السير. أخرج ابن إسحاق وابن
~~مردويه

# " عن ابن عباس قال: قدم وفد بني تميم وهم سبعون رجلا أو ثمانون رجلا
~~منهم الزبرقان بن بدر وعطارد بن حاجب بن زرارة وقيس بن عاصم وقيس بن
~~الحرث وعمرو بن الأهتم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق
~~معهم عيينة بن حصن بن بدر الفزاري وكان يكون في كل سوأة حتى أتوا منزل
~~رسول الله صلى الله عليه ms10023 وسلم فنادوه من وراء الحجرات بصوت جاف يا محمد
~~أخرج إلينا ثلاثا فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا
~~محمد إن مدحنا زين وإن شتمنا شين نحن أكرم العرب فقال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم: كذبتم بل مدح الله تعالى الزين وشتمه الشين وأكرم منكم يوسف
~~بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فقالوا: إنا أتيناك لنفاخرك فذكره بطوله "

# وقال في آخره: فقال التميميون والله إن هذا الرجل لمصنوع له لقد قام
~~خطيبه فكان أخطب من خطيبنا وفاه شاعره فكان أشعر من شاعرنا وفيهم أنزل
~~الله تعالى: { إن الذين ينادونك من وراء الحجرت } من
~~بني تميم { أكثرهم لا يعقلون } هذا في القراءة الأولى.

# وذكر ابن هشام في «سيرته» عن ابن إسحاق الخبر بطوله وعد منهم الأقرع بن
~~حابس وذكر أنه وعيينة شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة
~~وحنينا والطائف؛ وأن عمرو بن الأهتم خلفه القوم في ظهرهم وأن خطيبهم
~~عطارد بن حاجب وخطيبه صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس وشاعرهم
~~الزبرقان بن بدر وشاعره عليه الصلاة والسلام حسان بن ثابت وذكر الخطبتين
~~وما قيل من الشعر وأنه لما فرغ حسان قال الأقرع: وأبي إن هذا الرجل
~~لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا ولأصواتهم أعلى
~~من أصواتنا، وإنه لما فرغوا أسلموا وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فأحسن جوائزهم وأرسل لعمرو جائزته كالقوم، وتعقب ابن هشام الشعر بعض
~~التعقب.

# وفي «البحر» أيضا ذكر الخبر بطوله مع مخالفة كلية لما ذكره ابن إسحاق،
~~وفيه أن الأقرع قام بعد أن أنشد الزبرقان ما أنشد وأجابه حسان بما أجاب
~~فقال: إني والله لقد جئت لأمر وقد قلت شعرا فاسمعه فقال:

# أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا

# إذا خالفونا عند ذكر المكارم

# وانا رؤوس الناس من كل معشر

# وأن ليس في أرض الحجاز كدارم

# وأن لنا المرباع في كل غارة

# تكون بنجد أو بأرض التهائم

# فقال النبي صلى الله عليه وسلم ms10024 لحسان: قم فأجبه فقال:

# بني دارم لا تفخروا إن فخركم

# يصير وبالا عند ذكر المكارم

# هبلتم علينا تفخرون وأنتم

# لنا خول من بين ظئر وخادم

# فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد كنت يا أخا دارم غنيا أن يذكر منك
~~ما ظننت أن الناس قد نسوه فكان قوله عليه الصلاة والسلام أشد عليهم من
~~جميع ما قال حسان ثم رجع حسان إلى شعره فقال:

# فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم

# وأموالكم أن يقسموا في المقاسم

# فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا

# ولا تفخروا عند النبي بدارم

# وإلا ورب البيت قد مالت القنا

# على هامكم بالمرهفات الصوارم

# / فقال الأقرع بن حابس: والله ما أدري ما هذا الأمر تكلم خطيبنا فكان
~~خطيبهم أحسن قولا وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر وأحسن قولا، ثم دنا من
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول
~~الله فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما يضرك ما كان قبل هذا انتهى.

# وهذا ظاهر في أن إسلام الأقرع يومئذ، ومعلوم أن سنة الوفود سنة تسع
~~والطائف وحنين كانتا قبل ذلك، وتقدم عن ابن إسحاق أن الأقرع شهدهما مع
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتوهم منه أنه كان مسلما إذ ذاك فيتناقض
~~مع هذا بل في أول كلام ابن إسحاق وآخره ما يوهم التناقض، والمذكور في
~~«الصحاح» أنه وكذا عيينة كان إذ ذاك من المؤلفة قلوبهم. وقد روى ابن
~~إسحاق نفسه

# " عن محمد بن إبراهيم أن قائلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم من
~~أصحابه يوم قسمة ما أفاء الله تعالى عليه يوم حنين: يا رسول الله أعطيت
~~عيينة والأقرع مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري فقال: أما والذي نفس محمد
~~بيده لجعيل خير من طلاع الأرض كلهم مثل عيينة والأقرع ولكن تألفتهما
~~ليسلما ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه "

# ، وجاء ما يدل على أنهم من بني تميم مرفوعا. أخرج ابن مردويه من طريق
~~يعلى بن الأشدق

# " عن سعد بن عبد الله أن ms10025 النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى:
~~{ إن الذين ينادونك } الخ فقال: هم الجفاة من بني تميم لولا
~~أنهم من أشد الناس قتالا للأعور الدجال لدعوت الله تعالى عليهم أن
~~يهلكهم "

# ، وفي «الصحيحين» ما يشهد بأنهم من أشد الأمة على الدجال وجعله أبو
~~هريرة أحد أسباب حبهم.

# وظاهر كثير من الأخبار أن سبب وفودهم المفاخرة، وقال الواقدي  وهو حاطب
~~ليل : إن سببه هو أنهم كانوا قد جهروا السلاح على خزاعة فبعث إليهم رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن بدر في خمسين ليس فيهم أنصاري ولا
~~مهاجري فأسر منهم أحد عشر رجلا وإحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا فقدم
~~رؤساؤهم بسبب أسرائهم ويقال: قدم منهم سبعون أو ثمانون رجلا في ذلك منهم
~~عطارد والزبرقان وقيس بن عاصم وقيس بن الحرث ونعيم بن سعد والأقرع بن
~~حابس ورياح بن الحرث وعمرو بن الأهتم فدخلوا المسجد وقد أذن بلال
~~الظهر والناس ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج إليهم فعجل
~~هؤلاء فنادوه من وراء الحجرات فنزل فيهم ما نزل، ثم ذكر أنه صلى الله
~~عليه وسلم أجازهم كل رجل اثنتي عشرة أوقية وكساء ولعمرو بن الأهتم خمس
~~أواق لحداثة سنه انتهى، ولعل زيادة جائزته لما نيل منه أيضا فقد ذكر ابن
~~إسحاق أن عاصم بن قيس كان يبغض عمرا فقال: يا رسول الله إنه قد كان رجل
~~منا في رحالنا وهو غلام حدث وأزرى به فقال لما بلغه ذلك يخاطب قيسا:

# ظللت مفترش الهلباء تشتمني

# عند الرسول فلم تصدق ولم تصب

# سدناكم سؤددا رهوا وسؤددكم

# باد نواجذه مقع على الذنب

# وروي عن عكرمة عن ابن عباس أنهم ناس من بني العنبر أصاب النبي صلى الله
~~عليه وسلم من ذراريهم فأقبلوا في فدائهم فقدموا المدينة ودخلوا المسجد
~~وعجلوا أن يخرج إليهم النبي عليه الصلاة والسلام فجعلوا يقولون: يا محمد
~~اخرج إلينا، وذكر الخفاجي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى قوم من
~~العرب هم بنو العنبر سرية أميرها عيينة ms10026 بن حصن فهربوا وتركوا النساء
~~والذراري فسباهم وقدم بهم عليه عليه الصلاة والسلام فجاء رجالهم راجين
~~إطلاق الأسارى فنادوا من وراء الحجرات فخرج صلى الله عليه وسلم فأطلق
~~النصف وفادى / الباقي، وظاهر كلامه أنهم ليسوا من بني تميم وإن كانت هذه
~~السرية متحدة مع السرية التي أشار إليها الواقدي فيما تقدم، ويقال: إن
~~عيينة في الكلامين هو عيينة بن حصن بن بدر إلا أنه نسب هناك إلى جده وهنا
~~إلى أبيه كان ذلك الكلام ظاهرا في أن القوم كانوا من بني تميم لا أناسا
~~آخرين، وفي «القاموس» ((العنبر أبو حي من تميم)) فبنو العنبر عليه منهم
~~فلم يخرج الأمر عنهم.

### || [49.5]

# { ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان
~~خيرا لهم } أي ولو ثبت صبرهم وانتظارهم حتى تخرج لكان الصبر خيرا
~~لهم من الاستعجال لما فيه من حفظ الأدب وتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم
~~الموجبين للثناء والثواب أو لذلك والإسعاف بالمسؤول على أوفق وجه وأوقعه
~~عندهم بناء على حديث الأسارى بأن يطلق عليه الصلاة والسلام الجميع من
~~غير فداء، فأن المفتوحة المؤولة بالمصدر هنا فاعل فعل مقدر وهو ثبت كما
~~اختاره المبرد والقرينة عليه معنى الكلام، فإن (أن) تدل على الثبوت وهو
~~إنما يكون في الماضي حقيقة ولذا يقدر الفعل ماضيا.

# وضمير { كان } للمصدر الدال عليه { صبروا } كما في قولك: من كذب
~~كان شرا له أي الكذب ومذهب سيبويه أن المصدر في موضع المبتدأ فقيل: خبره
~~مقدر أي لو صبرهم ثابت وقيل: لا خبر له؛ وأنت تعلم أن في تقدير الفعل
~~إبقاء { لو } على ظاهرها من دخولها على الفعل فإنها في الأصل شرطية
~~مختصة به، وجوز كون ضمير { كان } لمصدر الفعل المقدر أي لكان ثبوت
~~صبرهم، وصنيع الزمخشري يقتضي أولويته.

# وأوثرت { حتى } هنا على إلى لأنها موضوعة لما هو غاية في نفس الأمر
~~ويقال له الغاية المضروبة أي المعينة وإلى لما هو غاية في نفس الأمر أو
~~بجعل الجاعل، وإليه يرجع قول المغاربة وغيرهم: إن مجرور حتى دون مجرور
~~إلى ms10027 لا بد من كونه آخر جزء نحو أكلت السمكة حتى رأسها أو ملاقيا له نحو

# سلم هي حتى مطلع الفجر

# [القدر: 5] ولا يجوز سهرت البارحة حتى ثلثيها أو نصفها فيفيد الكلام
~~معها أن انتظارهم إلى أن يخرج صلى الله عليه وسلم أمر لازم ليس لهم أن
~~يقطعوا أمرا دون الانتهاء إليه، فإن الخروج لما جعله الله تعالى غاية
~~كان كذلك في الواقع، وإلى هذا ذهب الزمخشري، وتوهم ابن مالك أنه لم يقل
~~به أحد غيره، واعترض عليه بقوله:

# عينت ليلة فما زلت حتى

# نصفها راجيا فعدت يؤسا

# وأجيب بأنه على تسليم أنه من كلام من يعتد به - مع أنه نادر شاذ لا يرد
~~مثله نقضا - مدفوع بأن معنى عينت ليلة عينت وقتا للزيارة وزيارة
~~الأحباب يتعارف فيها أن تقع في أول الليل فقوله: حتى نصفها بيان لغاية
~~الوقت المتعارف للزيارة الذي هو أول الليل والنصف ملاق له، وهو أولى من
~~قول ابن هشام في «المغني»: إن هذا ليس محل الاشتراط إذ لم يقل: فما زلت
~~في تلك الليلة حتى نصفها وإن كان المعنى عليه، وحاصله أن الاشتراط مخصوص
~~فيما إذا صرح بذي الغاية إذ لا دليل على هذا التخصيص، وخفاء عدم الاكتفاء
~~بتقديم ليلة في صدر البيت.

# نعم ما ذكر من أصله لا يخلو عن كلام كما يشير إليه كلام صاحب «الكشف»،
~~ولذا قال الأظهر: أنه أوثر حتى تخرج اختصارا لوجوب حذف أن ووجوب الإظهار
~~في إلى مع أن حتى أظهر دلالة على الغاية المناسبة للحكم وتخالف ما بعدها
~~وما قبلها ولهذا جاءت للتعليل دون إلى. وفي قوله تعالى: { إليهم }
~~إشعار بأنه عليه الصلاة والسلام لو خرج لا لأجلهم ينبغي أن يصبروا حتى
~~يفاتحهم بالكلام أو يتوجه إليهم فليس زائدا بل قيد لا بد منه.

# { والله غفور رحيم } بليغ المغفرة والرحمة فلذا اقتصر سبحانه
~~على / النصح والتقريع لهؤلاء المسيئين الأدب التاركين تعظيم رسوله صلى
~~الله عليه وسلم، وقد كان مقتضى ذلك أن يعذبهم أو يهلكهم أو فلم تضق ساحة
~~مغفرته ms10028 ورحمته عز وجل عن هؤلاء إن تابوا وأصلحوا، ويشير إلى هذا قوله صلى
~~الله عليه وسلم للأقرع بعد أن دنا منه عليه الصلاة والسلام وقال: أشهد أن
~~لا إله إلا الله وأنك رسول الله:

# " ما يضرك ما كان قبل هذا "

# وفي الآيات من الدلالة على قبح سوء الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم
~~ما لا يخفى، ومن هذا وأمثاله تقتطف ثمر الألباب وتقتبس محاسن الآداب كما
~~يحكى عن أبي عبيد وهو في الفضل هو أنه قال: ما دققت بابا على عالم حتى
~~يخرج في وقت خروجه، ونقله بعضهم عن القاسم بن سلام الكوفي، ورأيت في بعض
~~الكتب أن الحبر ابن عباس كان يذهب إلى أبي في بيته لأخذ القرآن العظيم
~~عنه فيقف عند الباب ولا يدق الباب عليه حتى يخرج فاستعظم ذلك أبي منه
~~فقال له يوما: هلا دققت الباب يا ابن عباس؟ فقال: العالم في قومه
~~كالنبي في أمته وقد قال الله تعالى في حق نبيه عليه الصلاة والسلام: {
~~ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا
~~لهم } وقد رأيت هذه القصة صغيرا فعملت بموجبها مع مشايخي والحمد لله
~~تعالى على ذلك.

### || [49.6]

# { يأيها الذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ
~~فتبينوا } أخرج أحمد وابن أبي الدنيا والطبراني وابن منده وابن
~~مردويه بسند جيد عن الحرث بن أبي ضرار الخزاعي قال: قدمت على رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به ودعاني إلى
~~الزكاة فأقررت بها وقلت: يا رسول الله أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام
~~وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته وترسل إلي يا رسول الله رسولا
~~لإبان كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة فلما جمع الحرث الزكاة ممن
~~استجاب له وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث
~~إليه احتبس الرسول فلم يأت فظن الحرث أن قد حدث فيه سخطة من الله تعالى
~~ورسوله عليه الصلاة والسلام فدعا سروات قومه فقال لهم: رسول الله صلى
~~الله ms10029 عليه وسلم كان وقت لي وقتا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندنا من
~~الزكاة وليس من رسول الله عليه الصلاة والسلام الخلف ولا أرى حبس رسوله
~~إلا من سخطة فانطلقوا بنا نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو أخو عثمان رضي
~~الله تعالى عنه لأمه إلى الحرث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة فلما
~~أن سار الوليد إلى أن بلغ بعض الطريق فرق فرجع فأتى رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فقال: إن الحرث منعني الزكاة وأراد قتلي فضرب رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم البعث إلى الحرث فأقبل الحرث بأصحابه حتى إذا استقبله
~~الحرث وقد فصل عن المدينة قالوا: هذا الحرث فلما غشيهم قال لهم: إلى من
~~بعثتم؟ قالوا: إليك قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله قال: لا والذي
~~بعث محمدا بالحق ما رأيته بتة ولا أتاني فلما دخل الحرث على رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟ قال: لا والذي
~~بعثك بالحق ما رأيته ولا رآني ولا أقبلت إلا حين احتبس علي رسول رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يكون سخطة من الله تعالى ورسوله صلى
~~الله عليه وسلم فنزل:

# يأيها الذين ءامنوا إن جاءكم

# [الحجرات: 6] إلى قوله سبحانه:

# حكيم

# [الحجرات: 8].

# وأخرج عبد بن حميد

# " عن الحسن قال: أتى / النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إن
~~بني فلان حيا من أحياء العرب وكان في نفسه عليهم شيء وكان حديث عهد
~~بالإسلام قد تركوا الصلاة وارتدوا وكفروا بالله تعالى فلم يعجل رسول الله
~~عليه الصلاة والسلام ودعا خالد بن الوليد فبعثه إليهم ثم قال: ارمقهم عند
~~الصلوات فإن كان القوم قد تركوا الصلاة فشأنك بهم وإلا فلا تعجل عليهم
~~فدنا منهم عند غروب الشمس فكمن حتى يسمع ms10030 الصلاة فرمقهم فإذا هو بالمؤذن
~~قد قام عند غروب الشمس فأذن ثم أقام الصلاة فصلوا صلاة المغرب فقال خالد:
~~ما أراهم إلا يصلون فلعلهم تركوا صلاة غير هذه ثم كمن حتى إذا جنح الليل
~~وغاب الشفق أذن مؤذنهم فصلوا فقال: لعلهم تركوا صلاة أخرى فكمن حتى إذا
~~كان في جوف الليل تقدم حتى أطل الخيل بدورهم فإذا القوم تعلموا شيئا من
~~القرآن فهم يتهجدون به من الليل ويقرؤنه ثم أتاهم عند الصبح فإذا المؤذن
~~حين طلع الفجر قد أذن وأقام فقاموا وصلوا فلما انصرفوا وأضاء لهم النهار
~~إذا هم بنواصي الخيل في ديارهم فقالوا: ما هذا؟ قالوا: خالد بن الوليد
~~قالوا: يا خالد ما شأنك؟ قال: أنتم والله شأني أتى النبي صلى الله عليه
~~وسلم فقيل له: إنكم تركتم الصلاة وكفرتم بالله تعالى فجثوا يبكون فقالوا:
~~نعوذ بالله تعالى أن نكفر أبدا فصرف الخيل وردها عنهم حتى أتى النبي
~~صلى الله عليه وسلم وأنزل الله تعالى { يأيها الذين آمنوا }
~~الآية "

# قال الحسن: فوالله لئن كانت نزلت في هؤلاء القوم خاصة إنها لمرسلة إلى
~~يوم القيامة ما نسخها شيء، والرواية السابقة أصح وأشهر، وكلام صاحب
~~«الكشف» مصرح بأن بعث خالد بن الوليد كان في قضية الوليد بن عقبة، وأن
~~النبي عليه الصلاة والسلام بعثه إلى أولئك الحي من خزاعة بعد رجوع
~~الوليد وقوله ما قال، والقائل بذلك قال: إنهم سلموا إليه الصدقات فرجع.

# والخطاب بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا } شامل للنبي
~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من أمته الكاملين منهم محاسن آداب وغيرهم،
~~وتخصيص الخطاب بحسب ما يقع من الأمر بعد إذ يليق بحال بعضهم لا يخرجه عن
~~العموم لوجوده فيما بينهم فلا تغفل.

# والفاسق الخارج عن حجر الشرع من قولهم: فسق الرطب إذا خرج عن قشره، قال
~~الراغب: ((والفسق أعم من الكفر ويقع بالقليل من الذنوب وبالكثير لكن
~~تعورف فيما كانت كثيرة، وأكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حكم الشرع وأقر
~~به ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضها، وإذا قيل ms10031 للكافر الأصلي فاسق فلأنه
~~أخل بحكم ما ألزمه العقل واقتضته الفطرة)). ووصف الإنسان به  على ما قال
~~ابن الأعرابي  لم يسمع في كلام العرب. والظاهر أن المراد به هنا المسلم
~~المخل بشيء من أحكام الشرع أو المروءة بناء على مقابلته بالعدل وقد
~~اعتبر في العدالة عدم الإخلال بالمروءة، والمشهور الاقتصار في تعريفه على
~~الإخلال بشيء من أحكام الشرع فلا تغفل.

# والتبين طلب البيان والتعرف؛ وقريب منه التثبت كما في قراءة ابن مسعود
~~وحمزة والكسائي { فتثبتوا } وهو طلب الثبات والتأني حتى يتضح الحال. وقد
~~أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة:

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم نزلت الآية: التثبت من الله
~~تعالى والعجلة من الشيطان "

# وتنكير { فاسق } للتعميم لأنه نكرة في سياق الشرط وهي كالنكرة في
~~سياق النفي تفيد العموم كما قرر في الأصول وكذا نبأ، وهو  كما في
~~«القاموس»  الخبر، وقال الراغب: ((لا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يكون
~~ذا فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن، وقوله تعالى: { إن جاءكم
~~فاسق بنبإ فتبينوا } تنبيه على أنه إذا كان الخبر شيئا
~~عظيما وماله قدر فحقه أن يتوقف فيه وإن علم أو غلب صحته على الظن حتى
~~يعاد النظر فيه ويتبين فضل تبين))، ولما كان رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم والذين معه بالمنزلة التي لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب وما كان يقع
~~مثل / ما فرط من الوليد إلا في الندرة قيل: { إن جاءكم } بحرف الشك.
~~وفي النداء بيا أيها الذين آمنوا دلالة على أن الإيمان إذا اقتضى التثبت
~~في نبأ الفاسق فأولى أن يقتضي عدم الفسق. وفي إخراج الفاسق عن الخطاب ما
~~يدل على تشديد الأمر عليه من باب

# " لا يزني الزاني وهو مؤمن "

# والمؤمن لا يكذب.

# واستدل بالآية على أن الفاسق أهل للشهادة وإلا لم يكن للأمر بالتبين
~~فائدة، ألا ترى أن العبد إذا شهد ترد شهادته ولا يتثبت فيها خلافا
~~للشافعي، وعلى جواز قبول خبر العدل الواحد، وقرره الأصوليون بوجهين.
~~أحدهما: ms10032 أنه لو لم يقبل خبره لما كان عدم قبوله معللا بالفسق، وذلك لأن
~~خبر الواحد على هذا التقدير يقتضي عدم القبول لذاته وهو كونه خبر واحد
~~فيمتنع تعليل عدم قبوله بغيره لأن الحكم المعلل بالذات لا يكون معللا
~~بالغير إذ لو كان معللا به اقتضى حصوله به مع أنه حاصل قبله لكونه
~~معللا بالذات وهو باطل لأنه تحصيل للحاصل أو يلزم توارد علتين على معلول
~~واحد في خبر الفاسق، وامتناع تعليله بالفسق باطل للآية فإن ترتب الحكم
~~على الوصف المناسب يغلب على الظن أنه علة له والظن كاف هنا لأن المقصود
~~هو العمل فثبت أن خبر الواحد ليس مردودا وإذا ثبت ذلك ثبت أنه مقبول
~~يعمل به.

# ثانيهما: أن الأمر بالتبين مشروط بمجىء الفاسق ومفهوم الشرط معتبر على
~~الصحيح فيجب العمل به إذا لم يكن فاسقا لأن الظن يعمل به هنا، والقول
~~بالواسطة منتف؛ والقول بأنه يجوز اشتراك أمور في لازم واحد فيعلق بكل
~~منهما بكلمة (إن) مع أنه لا يلزم من انتفاء ذلك الملزوم انتفاء اللازم
~~غير متوجه لأن الشرط مجموع تلك الأمور وكل واحد منها لا يعد شرطا على ما
~~قرر في الأصول.

# نعم قال ابن الحاجب وعضد الدين: قد استدل من قبلنا على وجوب العمل بخبر
~~الواحد بظواهر لا تفيد إلا الظن ولا يكفي في المسائل العلمية وذكرا من
~~ذلك الآية المذكورة. ثم إن للقائلين بوجوب العمل به اختلافا كثيرا
~~مذكورا في محله.

# واستدل الحنفية بها على قبول خبر المجهول الذي لا تعلم عدالته وعدم وجوب
~~التثبت لأنها دلت على أن الفسق شرط وجوب التثبت فإذا انتفى الفسق انتفى
~~وجوبه وههنا قد انتفى الفسق ظاهرا ونحن نحكم به فلا يجب التثبت. وتعقب
~~بأنا لا نسلم أنه ههنا انتفى الفسق بل انتفى العلم به ولا يلزم من عدم
~~العلم بالشيء عدمه والمطلوب العلم بانتفائه ولا يحصل إلا بالخبرة به أو
~~بتزكية خبير به له، قال العضد: إن هذا مبني على أن الأصل الفسق أو
~~العدالة والظاهر أنه الفسق ms10033 لأن العدالة طارئة ولأنه أكثر.

# واستدل بها على أن من الصحابة رضي الله تعالى عنهم من ليس بعدل لأن الله
~~تعالى أطلق الفاسق على الوليد بن عقبة فيها، فإن سبب النزول قطعي الدخول
~~وهو صحابي بالاتفاق فيرد بها على من قال: إنهم كلهم عدول ولا يبحث عن
~~عدالتهم في رواية ولا شهادة، وهذا أحد أقوال في المسألة وقد ذهب إليه
~~الأكثر من العلماء السلف والخلف. وثانيهما: أنهم كغيرهم فيبحث عن العدالة
~~فيهم في الرواية والشهادة إلا من يكون ظاهرها أو مقطوعها كالشيخين.
~~وثالثها: أنهم عدول إلى قتل عثمان رضي الله تعالى عنه ويبحث عن عدالتهم
~~من حين قتله لوقوع الفتن من حينئذ وفيهم الممسك عن خوضعها. ورابعها:
~~أنهم عدول إلا من قاتل عليا كرم الله تعالى وجهه لفسقه بالخروج على
~~الإمام الحق وإلى هذا ذهبت المعتزلة.

# والحق ما ذهب إليه الأكثرون وهم يقولون: إن من طرأ له منهم قادح ككذب أو
~~سرقة أو زنا عمل بمقتضاه في حقه إلا أنه لا يصر على ما يخل بالعدالة
~~بناء على ما جاء في مدحهم من الآيات والأخبار وتواتر من محاسن الآثار،
~~فلا يسوغ لنا الحكم على من ارتكب منهم مفسقا بأنه مات على الفسق، ولا
~~ننكر أن منهم من ارتكب في حياته مفسقا لعدم القول بعصمتهم وأنه كان يقال
~~له قبل توبته فاسق لكن لا يقال باستمرار هذا الوصف / فيه ثقة ببركة صحبة
~~النبي صلى الله عليه وسلم ومزيد ثناء الله عز وجل عليهم كقوله سبحانه:

# وكذلك جعلنكم أمة وسطا

# [البقرة: 143] أي عدولا وقوله سبحانه:

# كنتم خير أمة أخرجت للناس

# [آل عمران: 110] إلى غير ذلك، وحينئذ إن أريد بقوله: إن من الصحابة من
~~ليس بعدل ان منهم من ارتكب في وقت ما ما ينافي العدالة فدلالة الآية عليه
~~مسلمة لكن ذلك ليس محل النزاع، وإن أريد به أن منهم من استمر على ما
~~ينافي العدالة فدلالة الآية عليه غير مسلمة كما لا يخفى فتدبر فالمسألة
~~بعد تتحمل الكلام وربما تقبل زيادة قول ms10034 خامس فيها.

# هذا ثم اعلم أن الفاسق قسمان فاسق غير متأول وهو ظاهر ولا خلاف في أنه
~~لا يقبل خبره وفاسق متأول كالجبري والقدري ويقال له المبتدع بدعة واضحة،
~~فمن الأصوليين من رد شهادته وروايته للآية ومنهم الشافعي والقاضي، ومنهم
~~من قبلهما، أما الشهادة فلأن ردها لتهمة الكذب والفسق من حيث الاعتقاد لا
~~يدل عليه بل هو أمارة الصدق لأن موقعه فيه تعمقه في الدين، والكذب حرام
~~في كل الأديان لا سيما عند من يقول بكفر الكاذب أو خروجه من الإيمان وذلك
~~يصده عنه إلا من يدين بتصديق المدعي المتحلي بحليته كالخطابية، وكذا من
~~اعتقد بحجية الإلهام، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

# " نحن نحكم بالظاهر "

# وأما الرواية فلأن من احترز عن الكذب على غير الرسول صلى الله عليه وسلم
~~فاحترازه من الكذب عليه صلى الله عليه وسلم أولى إلا من يعتقد حل وضع
~~الأحاديث ترغيبا أو ترهيبا كالكرامية أو ترويجا لمذهبه كابن الراوندي،
~~وأصحابنا الحنفية قبلوا شهادتهم لما مر دون روايتهم إذا دعوا الناس إلى
~~هواهم، وعلى هذا جمهور أئمة الفقه والحديث لأن الدعوة إلى ذلك داعية إلى
~~النقول فلا يؤتمنون على الرواية ولا كذلك الشهادة. ورجح ما ذهب إليه
~~الشافعي والقاضي بأن الآية تقتضيه والعمل بها أولى من العمل بالحديث
~~لتواترها وخصوصها، والعام يحتمل التخصيص ولأنها لم تخصص إذ كل فاسق
~~مردود، والحديث خص منه خبر الكافر. وأجيب بأن مفهومها أن الفسق هو
~~المقتضي للتثبت فيراد به ما هو إمارة الكذب لا ما هو أمارة الصدق فافهم.

# وليس من الفسق نحو اللعب بالشطرنج من مجتهد يحله أو مقلد له، صوبنا أو
~~خطأنا، لوجوب العمل بموجب الظن ولا تفسيق بالواجب. وحد الشافعي عليه
~~الرحمة شارب النبيذ ليس لأنه فاسق بل لزجره لظهور التحريم عنده، ولذا
~~قال: أحده وأقبل شهادته، وكذا الحد في شهادة الزنا لعدم تمام النصاب لا
~~يدل على الفسق بخلافه في مقام القذف فليحفظ.

# { أن تصيبوا } تعليل للأمر بالتبين أي فتبينوا كراهة أن تصيبوا أو
~~لئلا تصيبوا { قوما ms10035 } أي قوم كانوا { بجهلة } ملتبسين بجهالة
~~لحالهم، ومآله جاهلين حالهم، { فتصبحوا } فتصيروا بعد ظهور براءتهم
~~عما رموا به { على ما فعلتم } في حقهم { ندمين } مغتمين
~~غما لازما متمنين أنه لم يقع، فإن الندم الغم على وقوع شيء مع تمني عدم
~~وقوعه، ويشعر باللزوم وكذا سائر تصاريف حروفه وتقاليبها كمدن بمعنى لزم
~~الإقامة ومنه المدينة وأدمن الشيء أدام فعله. وزعم بعضهم أن في الآية
~~إشارة إلى أنه يجب على الإنسان تجديد الندم كلما ذكر الذنب ونسب إلى
~~الزمخشري وليس بشيء، وفي «الكشف» التحقيق أن الندم غم خاص ولزومه قد يقع
~~لقوته في أول الأمر وقد يكون لعدم غيبة موجبه عن الخاطر، وقد يكون لكثرة
~~تذكره ولغير ذلك من الأسباب، وأن تجديد الندم لا يجب في التوبة لكن
~~التائب الصادق لا بد له من ذلك.

### || [49.7]

# { واعلموا أن فيكم رسول الله } عطف على ما قبله. و {
~~أن } بما في حيزها ساد مسد مفعولي { اعلموا } / باعتبار ما قيد به
~~من الحال وهو قوله عز وجل: { لو يطيعكم في كثير من الأمر
~~لعنتم } أي لوقعتم في الجهد والهلاك فإنه حال من أحد الضميرين في {
~~فيكم } الضمير المستتر المرفوع وهو ضمير الرسول أو البارز المجرور وهو
~~ضمير المخاطبين. وتقديم خبر (أن) للحصر المستتبع زيادة التوبيخ. وصيغة
~~المضارع للاستمرار  فلو  لامتناع استمرار طاعته عليه الصلاة والسلام
~~لهم في كثير مما يعن لهم من الأمور، وكون المراد استمرار الامتناع نظير
~~ما قيل في قوله تعالى:

# ولا هم يحزنون

# [البقرة: 38] من أن المراد استمرار النفي ليس بذاك.

# وفي الكلام إشعار بأنهم زينوا بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم
~~الإيقاع بالحرث وقومه وقد أريد أن ينعى عليهم ذلك بتنزيلهم منزلة من لا
~~يعلم أنه عليه الصلاة والسلام بين أظهرهم فقيل: واعلموا أنه فيكم لا في
~~غيركم كأنهم حسبوه لعدم تأدبهم وما بدر منهم الفرطة بين أظهر أقوام آخرين
~~كائنا على حال يجب عليكم تغييرها أو وأنتم على كذلك وهو ما تريدون من
~~استتباع رأيه لرأيكم وطاعته لكم مع ms10036 أن ذلك تعكيس وموجب لوقوعكم في العنت،
~~وفيه مبالغات من أوجه: أحدها: إيثار { لو } ليدل على الفرض والتقدير
~~وأن ما بدر من التزيين كان من حقه أن يفرض كما يفرض الممتنعات، والثاني:
~~ما في العدول إلى المضارع من تصوير ما كانوا عليه وتهجينه مع التوبيخ
~~بإرادة استمرار ما حقه أن يكون مفروضا فضلا عن الوقوع، والثالث: ما في
~~العنت من الدلالة على أشد المحذور فإنه الكسر بعد الجبر والرمز الخفي على
~~أنه ليس بأول بادرة. والرابع: ما في تعميم الخطاب والحري به غير الكمل من
~~التعريض ليكون أردع لمرتكبه وأزجر لغيره كأنه قيل: يا أيها الذين آمنوا
~~تبينوا إن جاءكم فاسق ولا تكونوا أمثال هؤلاء ممن استفزه النبأ قبل تعرف
~~صدقه ثم لا يقنعه ذلك حتى يريد أن يستتبع رأي من هو المتبوع على الإطلاق
~~فيقع هو ويقع غيره في العنت والإرهاق واعلموا جلالة رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم وتفادوا عن أشباه هذه الهنات.

# وقوله عز وجل: { ولكن الله حبب إليكم الإيمن
~~وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر
~~والفسوق والعصيان } استدراك على ما يقتضيه الكلام فإن { لو
~~يطيعكم } خطاب كما سمعت للبعض الغير الكمل عمم للفوائد المذكورة
~~والمحبب إليهم الإيمان هم الكمل فكأنه قيل: ولكن الله حبب إلى بعضكم
~~الإيمان وعدل عنه لنداء الصفة به، وعليه قول بعض المفسرين هم الذين امتحن
~~الله قلوبهم للتقوى، والإشارة بقوله تعالى: { أولئك هم
~~الراشدون } إليهم، وفيه نوع من الالتفات، والخطاب فيه للرسول صلى
~~الله عليه وسلم كأنه تعالى يبصره عليه الصلاة والسلام ما هم فيه من سبق
~~القدم في الرشاد أي إصابة الطريق السوي، فحاصل المعنى أنتم على الحال
~~التي ينبغي لكم تغييرها وقد بدر منكم ما بدر ولكن، ثم جمعا عما أنتم عليه
~~من تصديق الكاذب وتزيين الإيقاع بالبرىء وإرادة أن يتبع الحق أهواءكم
~~برآء لأن الله تعالى حبب إليهم الإيمان الخ، وهذا أولى من جعل { لو
~~يطيعكم } الخ في معنى ما حبب إليهم الإيمان تغليظا لأن من تصدى
~~للإيقاع بالبرىء ms10037 بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم وجسر على ارتكاب تلك
~~العظيمة لم يكن محبوبا إليه الإيمان وإن كان ذلك أيضا سديدا لشيوع
~~التصرف في الأواخر في مثله، وجعله بعضهم استدراكا ببيان عذرهم فيما بدر
~~منهم، ومآل المعنى لم يحملكم على ما كان منكم اتباع الهوى ومحبة متابعة
~~النبي صلى الله عليه وسلم لآرائكم بل محبة الإيمان وكراهة الكفر هي
~~الداعية لذلك، والمناسب لما بعد ما ذكرناه.

# / وجوز غير واحد من المعربين أن { لو يطيعكم } استئناف على معنى
~~أنه لما قيل { واعلموا أن فيكم رسول الله } دالا على
~~أنهم جاهلون بمكانه عليه الصلاة والسلام مفرطون فيما يجب من تعظيم شأنه -
~~أعلى الله تعالى شأنه - اتجه لهم أن يسألوا ماذا فعلوا حتى نسبوا إلى
~~التفريط وماذا ينتج من المضرة؟ فأجيبوا بما يصرح بالنتيجة لخفائها ويومىء
~~إلى ما فيها من المعرة من وقوعهم في العنت بسبب استتباع من هو في علو
~~المنصب اقتداء يتخطى أعلى المجرة، وهو حسن لولا أن { واعلموا } كلام
~~من تتمة الأول كما يؤذن به العطف لا وارد تقريعا على الاستقلال فيأبى
~~التقدير المذكور لتعين موجب التفريط، وأيضا يفوت التعريض وأن ذلك بادرة
~~من بعضهم في قصة ابن عقبة ويتنافر الكلام.

# هذا { وكره } يتعدى بنفسه إلى واحد وإذا شدد زاد له آخر لكنه ضمن
~~في الآية معنى التبغيض فعومل معاملته وحسنه مقابلته لحبب أو نزل {
~~إليكم } منزلة مفعول آخر، و { الكفر } تغطية نعم الله تعالى
~~بالجحود، و { الفسوق } الخروج عن القصد ومأخذه ما تقدم، {
~~والعصيان } الامتناع عن الانقياد، وأصله من اعتصت النواة صلبت
~~واشتدت، والكلام أعني قوله تعالى: { ولكن الله } الخ ثناء
~~عليهم بما يردف التحبيب المذكور والتكريه من فعل الأعمال المرضية
~~والطاعات والتجنب عن الأفعال القبيحة والسيآت على سبيل الكناية ليقع
~~التقابل موقعه على ما سلف آنفا، وقيل: الداعي لذلك ما يلزم على الظاهر
~~من المدح بفعل الغير مع أن الكلام مسوق للثناء عليهم وهو في إيثارهم
~~الإيمان وإعراضهم عن الكفر وأخويه لا في تحبيب الله تعالى الإيمان ms10038 لهم
~~وتكريهه سبحانه الكفر وما معه إليهم. وأنت تعلم أن الثناء على صفة الكمال
~~اختيارية كانت أو لا شائع في عرف العرب والعجم، والمنكر معاند على أن ذلك
~~واقع على الجماد أيضا، والمسلم الضروري أنه لا يمدح الرجل بما لم يفعله
~~على أنه فعله، وإليه الإشارة في قوله تعالى:

# ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا

# [آل عمران: 188] أما أنه لا يمدح به على أنه صفة له فليس بمسلم فلا
~~تغفل.

### || [49.8]

# { فضلا من الله ونعمة } تعليل للأفعال المستندة إليه عز
~~وجل في قوله سبحانه:

# ولكن الله حبب

# [الحجرات: 7] الخ وما في البين اعتراض؛ وجوز كونه تعليلا للراشدين، وصح
~~النصب على القول باشتراط اتحاد الفاعل أي من قام به الفعل وصدر عنه
~~موجدا له أو لا لما أن الرشد وقع عبارة عن التحبيب والتزيين والتكريه
~~مسندة إلى اسمه تبارك اسمه فإنه لو قيل مثلا حبب إليكم الإيمان فضلا
~~منه وجعل كناية عن الرشد لصح فيحسن أن يقال: أولئك هم الراشدون فضلا
~~ويكون في قوة أولئك هم المحببون فضلا أو لأن الرشد ههنا يستلزم كونه
~~تعالى شأنه مرشدا إذ هو مطاوع أرشد، وهذا نظير ما قالوا من أن الإراءة
~~تستلزم رؤية في قوله سبحانه:

# يريكم البرق خوفا وطمعا

# [الرعد: 12] فيتحد الفاعل ويصح النصب، وجوز كونه مصدرا لغير فعله فهو
~~منصوب إما بحبب أو بالراشدين فإن التحبيب والرشد من فضل الله تعالى
~~وإنعامه، وقيل: مفعول به لمحذوف أي يبتغون فضلا.

# { والله عليم } مبالغ في العلم فيعلم أحوال المؤمنين وما بينهم
~~من التفاضل { حكيم } يفعل كل ما يفعل من إفضال وإنعام وغيرهما بموجب
~~الحكمة.

### || [49.9]

# { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } أي تقاتلوا،
~~وكان الظاهر اقتتلتا بضمير التثنية كما في قوله تعالى: { فأصلحوا
~~بينهما } أي بالنصح وإزالة الشبهة إن كانت والدعاء إلى حكم الله عز
~~وجل. والعدول إلى ضمير الجمع لرعاية المعنى فإن كل طائفة من الطائفتين
~~جماعة فقد روعي في الطائفتين معناهما أولا ولفظهما ثانيا على / عكس
~~المشهور في الاستعمال، والنكتة في ذلك ما ms10039 قيل: إنهم أولا في حال القتال
~~مختلطون فلذا جمع أولا ضميرهم وفي حال الصلح متميزون متفارقون فلذا ثني
~~الضمير.

# وقرأ ابن أبي عبلة { اقتتلتا } بضمير التثنية والتأنيث كما هو الظاهر.
~~وقرأ زيد بن علي وعبيد بن عمير { اقتتلا } بالتثنية والتذكير باعتبار أن
~~الطائفتين فريقان.

# { فإن بغت إحداهما } تعدت وطلبت العلو بغير الحق { على
~~الأخرى } ولم تتأثر بالنصيحة { فقتلوا التي تبغي
~~حتى تفيء } أي ترجع { إلى أمر الله } أي إلى حكمه أو إلى
~~ما أمر سبحانه به وقرأ الزهري { حتى تفي } بغير همز وفتح الياء وهو شاذ
~~كما قالوا في مضارع جاء يجي بغير همز فإذا أدخلوا الناصب فتحوا الياء
~~أجروه مجرى يفي مضارع وفى شذوذا. وفي تعليق القتال بالموصول للإشارة إلى
~~علية ما في حيز الصلة أي فقاتلوها لبغيها { فإن فاءت } أي رجعت إلى
~~أمره تعالى وأقلعت عن القتال حذرا من قتالكم { فأصلحوا
~~بينهما بالعدل } بفصل ما بينهما على حكم الله تعالى ولا تكتفوا
~~بمجرد متاركتهما عسى أن يكون بينهما قتال في وقت آخر. وتقييد الإصلاح هنا
~~بالعدل لأنه مظنة الحيف لوقوعه بعد المقاتلة وقد أكد ذلك بقوله تعالى: {
~~وأقسطوا } أي اعدلوا في كل ما تأتون وما تذرون { إن الله
~~يحب المقسطين } فيجازيهم أحسن الجزاء.

# وفي «الكشاف» في الإصلاح بالعدل والقسط تفاصيل، إن كانت الباغية من قلة
~~العدد بحيث لا منعة لها ضمنت بعد الفيئة ما جنت، وإن كانت كثيرة ذات منعة
~~وشوكة لم تضمن إلا عند محمد بن الحسن فإنه كان يفتي بأن الضمان يلزمها
~~إذا فاءت، وأما قبل التجمع والتجند أو حين تتفرق عند وضع الحرب أوزارها
~~فما جنته ضمنته عند الجميع فمحمل الإصلاح بالعدل على مذهب محمد واضح
~~منطبق على لفظ التنزيل، وعلى قول غيره وجهه أن يحمل على كون الفئة قليلة
~~العدد، والذي ذكروا من أن الفرض إماتة الضغائن وسل الأحقاد دون ضمان
~~الجنايات ليس بحسن الطباق للمأمور به من إعمال العدل ومراعاة القسط.

# قال في «الكشف»، لأن ما ذكروه من إماتة الأضغان داخل في قوله ms10040 تعالى: {
~~فإن فاءت } لأنه من ضرورات التوبة، فإعمال العدل والقسط إنما يكون في
~~تدارك الفرطات ثم قال: والأولى على قول الجمهور أن يقال: الإصلاح بالعدل
~~أنه لا يضمن من الطرفين فإن الباغي معصوم الدم والمال مثل العادل لا سيما
~~وقد تاب فكما لا يضمن العادل المتلف لا يضمنه الباغي الفائي، هذا مقتضى
~~العدل لا تخصيص الضمان بطرف دون آخر.

# والآية نزلت في قتال وقع بين الأوس والخزرج. أخرج أحمد والبخاري ومسلم
~~وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في «سننه»

# " عن أنس قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لو أتيت عبد الله بن أبي
~~فانطلق إليه وركب حمارا وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة فلما انطلق
~~إليه قال: إليك عني فوالله لقد آذاني ريح حمارك فقال رجل من الأنصار:
~~والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك فغضب لعبد الله
~~رجال من قومه فغضب لكل منهما أصحابه فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي
~~والنعال فأنزل الله تعالى فيهم: { وإن طائفتان } الآية "

# ، وفي رواية

# " أن النبي عليه الصلاة والسلام كان متوجها إلى زيارة سعد بن عبادة في
~~مرضه فمر على عبد الله بن أبي بن سلول فقال ما قال فرد عليه عبد الله بن
~~رواحة رضي الله تعالى عنه فتعصب لكل أصحابه فتقاتلوا فنزلت فقرأها صلى
~~الله عليه وسلم عليهم فاصطلحوا وكان ابن روحة خزرجيا وابن أبي أوسيا "

# / وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: كان رجل من الأنصار يقال
~~له عمران تحته امرأة يقال لها أم زيد وأنها أرادت أن تزور أهلها فحبسها
~~زوجها وجعلها في علية له لا يدخل عليها أحد من أهلها وأن المرأة بعثت إلى
~~أهلها فجاء قومها فأنزلوها لينطلقوا بها وكان الرجل قد خرج فاستعان أهله
~~فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وأهلها فتدافعوا واجتلدوا بالنعال فنزلت
~~فيهم هذه الآية: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا
~~} فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم وفاءوا إلى أمر
~~الله عز وجل. ms10041

# والخطاب فيها على ما في «البحر» لمن له الأمر وروي ذلك عن ابن عباس وهو
~~للوجوب فيجب الإصلاح ويجب قتال الباغية ما قاتلت وإذا كفت وقبضت عن الحرب
~~تركت، وجاء في حديث رواه الحاكم وغيره حكمها إذا تولت قال عليه الصلاة
~~والسلام:

# " يا ابن أم عبد هل تدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ قال: الله
~~تعالى ورسوله أعلم قال: لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب
~~هاربها ولا يقسم فيؤها "

# وذكروا أن الفئتين من المسلمين إذا اقتتلا على سبيل البغي منهما جميعا
~~فالواجب أن يمشي بينهما بما يصلح ذات البين ويثمر المكافة والموادعة فإن
~~لم يتحاجزا ولم يصطلحا وأقاما على البغي صيرا إلى مقاتلتهما، وأنهما إذا
~~التحم بينهما القتال لشبهة دخلت عليهما وكلتاهما عند أنفسهما محقة
~~فالواجب إزالة الشبهة بالحجج النيرة والبراهين القاطعة وإطلاعهما على
~~مراشد الحق فإن ركبتا متن اللجاج ولم تعملا على شاكلة ما هديتا إليه
~~ونصحتا به من اتباع الحق بعد وضوحه فقد لحقتا باللتين اقتتلا على سبيل
~~البغي منهما جميعا، والتصدي لإزالة الشبهة في الفئة الباغية إن كانت
~~لازم قبل المقاتلة.

# وقيل: الخطاب لمن يتأتى منه الإصلاح ومقاتلة الباغي فمتى تحقق البغي من
~~طائفة كان حكم إعانة المبغي عليه حكم الجهاد، فقد أخرج الحاكم وصححه
~~والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ما وجدت في نفسي من
~~شيء ما وجدت في نفسي من هذه الآية يعني { وإن طائفتان } الخ إني
~~لم أقاتل هذه الفئة بالباغية كما أمرني الله تعالى  يعني بها معاوية ومن
~~معه الباغين على علي كرم الله تعالى وجهه -.

# وصرح بعض الحنابلة بأن قتال الباغين أفضل من الجهاد احتجاجا بأن عليا
~~كرم الله تعالى وجهه اشتغل في زمان خلافته بقتالهم دون الجهاد. والحق أن
~~ذلك ليس على إطلاقه بل إذا خشي من ترك قتالهم مفسدة عظيمة دفعها أعظم من
~~مصلحة الجهاد.

# وظاهر الآية أن الباغي مؤمن لجعل الطائفتين الباغية والمبغي عليها من
~~المؤمنين. نعم الباغي على ms10042 الإمام ولو جائرا فاسق مرتكب لكبيرة إن كان
~~بغيه بلا تأويل أو بتأويل قطعي البطلان. والمعتزلة يقولون في مثله: إنه
~~فاسق مخلد في النار إن مات بلا توبة، والخوارج يقولون: إنه كافر،
~~والإمامية أكفروا الباغي على علي كرم الله تعالى وجهه المقاتل له واحتجوا
~~بما روي من قوله صلى الله عليه وسلم له:

# " حربك حربي "

# وفيه بحث.

# وقرأ ابن مسعود { حتى يفيؤا إلى أمر الله فإن فاؤا فخذوا بينهم بالقسط
~~}.

### || [49.10]

# { إنما المؤمنون إخوة } استئناف مقرر لما قبله من الأمر
~~بالإصلاح، وإطلاق الأخوة على المؤمنين من باب التشبيه البليغ، وشبهوا
~~بالأخوة من حيث انتسابهم إلى أصل واحد وهو الإيمان الموجب للحياة
~~الأبدية، وجوز أن يكون هناك استعارة وتشبه المشاركة في الإيمان بالمشاركة
~~في أصل التوالد لأن كلا منهما أصل للبقاء إذ التوالد منشأ الحياة
~~والإيمان منشأ البقاء الأبدي في الجنان.

# والفاء في قوله تعالى: { فأصلحوا بين أخويكم } للإيذان
~~بأن الأخوة الدينية موجبة للإصلاح، ووضع الظاهر موضع الضمير مضافا
~~للمأمورين للمبالغة في تأكيد وجوب الإصلاح والتحضيض عليه، وتخصيص الاثنين
~~بالذكر لإثبات / وجوب الإصلاح فيما فوق ذلك بطريق الأولوية لتضاعف الفتنة
~~والفساد فيه، وقيل: المراد بالأخوين الأوس والخزرج اللتان نزلت فيهما
~~الآية سمي كلا منهما أخا لاجتماعهم في الجد الأعلى.

# وقرأ زيد بن ثابت وابن مسعود والحسن بخلاف عنه { إخوانكم } جمعا على
~~وزن غلمان. وقرأ ابن سيرين { إخوتكم } جمعا على وزن غلمة، وروى عبد
~~الوارث عن أبي عمرو القراآت الثلاث، قال أبو الفتح: وقراءة الجمع تدل
~~على أن قراءة الجمهور لفظها لفظ التثنية ومعناها الجماعة أي كل اثنين
~~فصاعدا من المسلمين اقتتلا، والإضافة لمعنى الجنس نحو «لبيك وسعديك»،
~~ويغلب الإخوان في الصداقة والأخوة في النسب وقد يستعمل كل منهما مكان
~~الآخر.

# { واتقوا الله } في كل ما تأتون وما تذرون من الأمور التي من
~~جملتها ما أمرتم به من الإصلاح. والظاهر أن هذا عطف على { فأصلحوا
~~} وقال الطيبي: هو تذييل للكلام كأنه قيل: هذا الإصلاح من جملة التقوى
~~فإذا فعلتم التقوى دخل فيه ms10043 هذا التواصل، ويجوز أن يكون عطفا على {
~~فأصلحوا } أي واصلوا بين أخويكم بالصلح واحذروا الله تعالى من أن
~~تتهاونوا فيه { لعلكم ترحمون } أي لأجل أن ترحموا على تقواكم
~~أو راجين أن ترحموا عليها.

### || [49.11]

# { يأيها الذين ءامنوا لا يسخر قوم } أي منكم { من
~~قوم } آخرين منكم أيضا، فالتنكير في الموضعين للتبعيض، والسخر الهزؤ
~~كما في «القاموس»، وفي «الزواجر» النظر إلى المسخور منه بعين النقص، وقال
~~القرطبي: ((السخرية الاستحقار والاستهانة والتنبيه على العيوب والنقائص
~~بوجه يضحك منه وقد تكون بالمحاكاة بالفعل والقول أو الإشارة أو الإيماء
~~أو الضحك على كلام المسخور منه إذا تخبط فيه أو غلط أو على صنعته أو قبح
~~صورته)). وقال بعض: هو ذكر الشخص بما يكره على وجه مضحك بحضرته، واختير
~~أنه احتقاره قولا أو فعلا بحضرته على الوجه المذكور، وعليه ما قيل:
~~المعنى لا يحتقر بعض المؤمنين بعضا.

# والآية على ما روي عن مقاتل نزلت في قوم من بني تميم سخروا من بلال
~~وسلمان وعمار وخباب وصهيب وابن نهيرة وسالم مولى أبي حذيفة رضي الله
~~تعالى عنهم، ولا يضر فيه اشتمالها على نهي النساء عن السخرية كما لا يضر
~~اشتمالها على نهي الرجال عنها فيما روي أن عائشة وحفصة رأتا أم سلمة ربطت
~~حقويها بثوب أبيض وسدلت طرفه خلفها فقالت عائشة لحفصة تشير إلى ما تجر
~~خلفها: كأنه لسان كلب فنزلت، وما روي عن عائشة أنها كانت تسخر من زينب
~~بنت خزيمة الهلالية وكانت قصيرة فنزلت، وقيل: نزلت بسبب عكرمة بن أبي
~~جهل كان يمشي بالمدينة فقال له قوم: هذا ابن فرعون هذه الأمة فعز ذلك
~~عليه وشكاهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، وقيل غير ذلك.

# وقوله عز وجل: { عسى أن يكونوا خيرا منهم } تعليل للنهي
~~أو لموجبه أي عسى أن يكون المسخور منهم خيرا عند الله تعالى من
~~الساخرين، فرب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله تعالى
~~لأبره. وجوز أن يكون المعنى لا يحتقر بعض بعضا عسى ms10044 أن يصير المحتقر 
~~اسم مفعول  عزيز أو يصير المحتقر ذليلا فينتقم منه، فهو نظير قوله:

# لا تهين الفقير علك أن

# تركع يوما والدهر قد رفعه

# والقوم جماعة الرجال ولذلك قال سبحانه: { ولا نساء } أي ولا يسخر
~~نساء من المؤمنات { من نساء } / منهن { عسى أن يكن } أي
~~المسخورات { خيرا منهن } أي من الساخرات، وعلى هذا جاء قول زهير:

# وما أدري وسوف إخال أدري

# أقوم آل حصن أم نساء

# وهو إما مصدر كما في قول بعض العرب: إذا أكلت طعاما أحببت نوما وأبغضت
~~قوما أي قياما نعت به فشاع في جماعة الرجال، وإما اسم جمع لقائم كصوم
~~لصائم وزور لزائر، وأطلق عليه بعضهم الجمع مريدا به المعنى اللغوي وإلا
~~ففعل ليس من أبنية الجموع لغلبته في المفردات.

# ووجه الاختصاص بالرجال أن القيام بالأمور وظيفتهم كما قال تعالى:

# الرجال قوامون على النساء

# [النساء: 34] وقد يراد به الرجال والنساء تغليبا كما قيل في قوم عاد
~~وقوم فرعون إن المراد بهم الذكور والإناث؛ وقيل: المراد بهم الذكور أيضا
~~ودل عليهن بالالتزام العادي لعدم الانفكاك عادة. والنساء على ما قال
~~الراغب وغيره وكذا النسوان والنسوة جمع المرأة من غير لفظها، وجيء بما
~~يدل على الجمع في الموضعين دون المفرد كأن يقال: لا يسخر رجل من رجل ولا
~~امرأة من امرأة مع أنه الأصل الأشمل الأعم قيل جريا على الأغلب من وقوع
~~السخرية في مجامع الناس فكم من متلذذ بها وكم من متألم منها فجعل ذلك
~~بمنزلة تعدد الساخر والمسخور منه، وقيل: لأن النهي ورد على الحالة
~~الواقعة بين الجماعة كقوله تعالى:

# لا تأكلوا الربا أضعفا مضعفة

# [آل عمران: 130] وعموم الحكم لعموم علته. و { عسى } في نحو هذا
~~التركيب من كل ما أسندت فيه إلى أن والفعل قيل تامة لا تحتاج إلى خبر وأن
~~وما بعدها في محل رفع على الفاعلية، وقيل: إنها ناقصة وسد ما بعدها مسد
~~الجزأين وله محلان باعتبارين أو محله الرفع، والتحكم مندفع بأنه الأصل في
~~منصوبها بناء على أنها من نواسخ المبتدأ ms10045 والخبر.

# وقرأ عبد الله وأبي { عسوا أن يكونوا } و { عسين عن أن يكن } فعسى
~~عليها ذات خبر على المشهور من أقوال النحاة، وفيه الإخبار عن الذات
~~بالمصدر أو يقدر مضاف مع الاسم أو الخبر، وقيل: هو في مثل ذلك بمعنى قارب
~~وأن وما معها مفعول أو قرب وهو منصوب على إسقاط الجار.

# { ولا تلمزوا أنفسكم } لا يعب بعضكم بعضا بقول أو إشارة
~~لأن المؤمنين كنفس واحدة فمتى عاب المؤمن المؤمن فكأنه عاب نفسه، فضمير {
~~تلمزوا } للجميع بتقدير مضاف. و { أنفسكم } عبارة عن بعض آخر
~~من جنس المخاطبين وهم المؤمنين جعل ما هو من جنسهم بمنزلة أنفسهم وأطلق
~~الأنفس على الجنس استعارة كما في قوله تعالى:

# لقد جاءكم رسول من أنفسكم

# [التوبة: 128] وقوله سبحانه:

# ولا تقتلوا أنفسكم

# [النساء: 29] وهذا غير النهي السابق وإن كان كل منهما مخصوصا بالمؤمنين
~~بناء على أن السخرية احتقار الشخص مطلقا على وجه مضحك بحضرته.

# واللمز التنبيه على معايبه سواء كان على مضحك أم لا. وسواء كان بحضرته
~~أم لا كما قيل في تفيسره، وجعل عطفه عليه من قبيل عطف العام على الخاص
~~لإفادة الشمول كشارب الخمر وكل فاسق مذموم، ولا يتم إلا إذا كان التنبيه
~~المذكور احتقارا، ومنهم من يقول: السخرية الاحتقار واللمز التنبيه على
~~المعايب أو تتبعها والعطف من قبيل عطف العلة على المعلول وقيل: اللمز
~~مخصوص بما كان من السخرية على وجه الخفية كالإشارة فهو من قبيل عطف الخاص
~~على العام لجعل الخاص كجنس آخر مبالغة، واختار الزمخشري أن المعنى وخصوا
~~أنفسكم أيها المؤمنون بالانتهاء عن عيبها والطعن فيها ولا عليكم أن
~~تعيبوا غيركم ممن لا يدين بدينكم ولا يسير بسيرتكم، ففي الحديث

# " اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس "

# وتعقب بأنه لا دليل على الاختصاص.

# / وقال الطيبي: هو من دليل الخطاب لكن إن في هذا الوجه تعسفا والوجه
~~الآخر  يعني ما تقدم  أوجه لموافقته { لا يسخر قوم من قوم
~~} و

# إنما المؤمنون إخوة

# [الحجرات: 10] و

# ولا يغتب بعضكم بعضا

# [الحجرات: 12] وفي «الكشف» أخذ الاختصاص ms10046 من العدول عن الأصل وهو لا يلمز
~~بعضكم بعضا كأنه قيل: ولا تلمزوا من هو على صفتكم من الإيمان والطاعة
~~فيكون من باب ترتب الحكم على الوصف، وتعقب قول الطيبي بأن الكلام عليه
~~يفيد العلية والاختصاص معا فيوافق ما سبق ويؤذن بالفرق بين السخرية
~~واللمز وهو مطلوب في نفسه وكأنه قيل: لا تلمزوا المؤمنين لأنهم أنفسكم
~~ولا تعسف فيه بوجه إلى آخر ما قال فليتأمل، والإنصاف أن المتبادر ما
~~تقدم.

# وقيل: المعنى لا تفعلوا ما تلمزون به فإن من فعل ما يستحق به اللمز فقد
~~لمز نفسه فأنفسكم على ظاهره والتجوز في { تلمزوا } أطلق فيه المسبب
~~على السبب والمراد لا ترتكبوا أمرا تعابون به، وهو بعيد عن السياق وغير
~~مناسب لقوله تعالى: { ولا تنابزوا } وكونه من التجوز في الإسناد
~~إذا أسند فيه ما للمسبب إلى السبب تكلف ظاهر، وكذا كونه كالتعليل للنهي
~~السابق لا يدفع كونه مخالفا للظاهر، وكذا كون المراد به لا تتسببوا إلى
~~الطعن فيكم بالطعن على غيركم كما في الحديث

# " من الكبائر أن يشتم الرجل والديه "

# وفسر بأنه إن شتم والدي غيره شتم الغير والديه أيضا.

# وقرأ الحسن والأعرج وعبيد عن أبي عمرو { لا تلمزوا } بضم الميم.

# { ولا تنابزوا بالألقب } أي لا يدع بعضكم بعضا باللقب،
~~قال في «القاموس»: ((التنابز التعاير والتداعي بالألقاب ويقال نبزه
~~ينبزه نبزا بالفتح والسكون لقبه كنبزه والنبز بالتحريك
~~وكذا النزب اللقب)) وخص عرفا بما يكرهه الشخص من الألقاب. وعن الرضي
~~أن لفظ اللقب في القديم كان في الذم أشهر منه في المدح، والنبز في الذم
~~خاصة، وظاهر تفسير التنابز بالتداعي بالألقاب اعتبار التجريد في الآية
~~لئلا يستدرك ذكر الألقاب، ومن الغريب ما قيل: التنابز الترامي أي لا
~~تتراموا بالألقاب ويراد به ما تقدم، والمنهي عنه هو التلقيب بما يتداخل
~~المدعو به كراهة لكونه تقصيرا به وذما له وشينا.

# قال النووي: ((اتفق العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكره سواء كان
~~صفة له أو لأبيه أو لأمه أو غيرهما)) فقد روي أن الآية ms10047 نزلت في ثابت بن
~~قيس وكان به وقر فكانوا يوسعون له في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~ليسمع فأتى يوما وهو يقول: تفسحوا حتى انتهى إلى رسول الله عليه الصلاة
~~والسلام فقال لرجل: تنح فلم يفعل فقال: من هذا؟ فقال الرجل: أنا فلان
~~فقال: بل أنت ابن فلانة يريد أما كان يعير بها في الجاهلية فخجل الرجل
~~فنزلت فقال ثابت: لا أفخر على أحد في الحسب بعدها أبدا.

# وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وجماعة عن ابن
~~جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سلمة { ولا تنابزوا
~~بالألقب } قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس فينا
~~رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة فكان إذا دعا أحدا منهم باسم من تلك الأسماء
~~قالوا: يا رسول الله إنه يكرهه فنزلت { ولا تنابزوا
~~بالألقب } وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال: التنابز بالألقاب
~~أن يكون الرجل عمل السيآت ثم تاب منها وراجع الحق فنهى الله تعالى أن
~~يعير بما سلف من عمله، وعن ابن مسعود هو أن يقال لليهودي أو النصراني أو
~~المجوسي إذا أسلم يا يهودي أو يا نصراني أو يا مجوسي، وعن الحسن نحوه،
~~ولعل مأخذه ما روي أنها نزلت في صفية بنت حيي أتت النبي صلى الله عليه
~~وسلم فقالت: إن النساء يقلن لي / يا يهودية بنت يهوديين فقال لها: هلا
~~قلت: إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد صلى الله عليه وسلم. وأنت تعلم
~~أن النهي عما ذكر داخل في عموم { لا تنابزوا بالألقب } على
~~ما سمعت فلا يختص التنابز بقول يا يهودي ويافاسق ونحوهما.

# ومعنى قوله تعالى: { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } بئس
~~الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب التنابز أن يذكروا بالفسق بعد
~~اتصافهم بالإيمان، وهو ذم على اجتماع الفسق وهو ارتكاب التنابز والإيمان
~~على معنى لا ينبغي أن يجتمعا فإن الإيمان يأبى الفسق كقولهم: بئس الشأن
~~بعد الكبرة الصبوة يريدون استقباح الجمع بين الصبوة وما يكون في حال
~~الشباب ms10048 من الميل إلى الجهل وكبر السن.

# و { الاسم } هنا بمعنى الذكر من قولهم: طار اسمه في الناس بالكرم أو
~~اللؤم فلا تأبى هذه الآية حمل ما تقدم على النهي عن التنابز مطلقا،
~~وفيها تسميته فسوقا، وقيل: { بعد الإيمان } أي بدله كما في قولك
~~للمتحول عن التجارة إلى الفلاحة: بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة، وفيه
~~تغليظ يجعل التنابز فسقا مخرجا عن الإيمان، وهذا خلاف الظاهر. وذكر
~~الزمخشري له مبني على مذهبه من أن مرتكب الكبيرة فاسق غير مؤمن حقيقة،
~~وقيل: معنى النهي السابق لا ينسبن أحدكم غيره إلى فسق كان فيه بعد اتصافه
~~بضده، ومعنى هذا بئس تشهير الناس وذكرهم بفسق كانوا فيه بعدما اتصفوا
~~بضده، فيكون الكلام نهيا عن أن يقال ليهودي أسلم يا يهودي أو نحو ذلك،
~~والأول أظهر لفظا وسياقا ومبالغة، والجملة على كل متعلقة بالنهي عن
~~التنابز على ما هو الظاهر، وقيل: هي على الوجه السابق متعلقة بقوله
~~تعالى: { ولا تلمزوا أنفسكم } أو بجميع ما تقدم من النهي،
~~وعلى هذا اقتصر ابن حجر في «الزواجر».

# ويستثنى من النهي الأخير دعاء الرجل الرجل بلقب قبيح في نفسه لا على قصد
~~الاستخفاف به والإيذاء له كما إذا دعت له الضرورة لتوقف معرفته كقول
~~المحدثين: سليمان الأعمش وواصل الأحدب، وما نقل عن ابن مسعود أنه قال
~~لعلقمة: تقول أنت ذلك يا أعور، ظاهر في أن الاستثناء لا يتوقف على دعاء
~~الضرورة، ضرورة أنه لا ضرورة في حال مخاطبته علقمة لقوله يا أعور، ولعل
~~الشهرة مع عدم التأذي وعدم قصد الاستخفاف كافية في الجواز، ويقال ما كان
~~من ابن مسعود من ذلك، والأولى أن يقال في الرواية عمن اشتهر بذلك كسليمان
~~المتقدم روى عن سليمان الذي يقال له الأعمش.

# هذا وغوير بين صيغتي تلمزوا وتنابزوا لأن الملموز قد لا يقدر في الحال
~~على عيب يلمز به لامزه فحيتاج إلى تتبع أحواله حتى يظفر ببعض عيوبه بخلاف
~~النبز فإن من لقب بما يكره قادر على تلقيب الآخر بنظير ذلك حالا فوقع
~~التفاعل ms10049 كذا في «الزواجر»، وقيل: قيل { تنابزوا } لأن النهي ورد على
~~الحالة الواقعة بين القوم.

# ويعلم من الآية أن التلقيب ليس محرما على الإطلاق بل المحرم ما كان
~~بلقب السوء، وقد صرحوا بأن التلقيب بالألقاب الحسنة مما لا خلاف في
~~جوازه، وقد لقب أبو بكر رضي الله تعالى عنه بالعتيق لقوله عليه الصلاة
~~والسلام له:

# " أنت عتيق الله من النار "

# وعمر رضي الله تعالى عنه بالفاروق لظهور الإسلام يوم إسلامه، وحمزة رضي
~~الله تعالى عنه بأسد الله لما أن إسلامه كان حمية فاعتز الإسلام به،
~~وخالد بسيف الله لقوله صلى الله عليه وسلم:

# " نعم عبد الله خالد بن الوليد سيف من سيوف الله "

# إلى غير ذلك من الألقاب الحسنة، وألقاب علي كرم الله تعالى وجهه أشهر من
~~أن تذكر، وما زالت الألقاب الحسنة في الأمم كلها من العرب والعجم تجري في
~~مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير. ولا فرق بين اللقب والكنية في أن
~~الدعاء بالقبيح المكروه منها حرام، وربما يشعر به قول الراغب: ((اللقب
~~اسم يسمى به الإنسان سوى اسمه الأول / ويراعى فيه المعنى بخلاف العلم،
~~ولذلك قال الشاعر:

# وقلما أبصرت عيناك ذا لقب

# إلا ومعناه إن فتشت في لقبه))

# بدخولها في مفهومه لكن الشائع غير ذلك، وفي الحديث

# " كنوا أولادكم "

# قال عطاء: مخافة الألقاب وقال عمر رضي الله تعالى عنه: أشيعوا الكنى
~~فإنها سنة، ولنا في الكنى كلام نفيس ذكرناه في «الطراز المذهب» فمن أراده
~~فليرجع إليه.

# { ومن لم يتب } عما نهي عنه من التنابز أو من الأمور الثلاثة
~~السابقة أو مطلقا ويدخل ما ذكر { فأولئك هم الظلمون }
~~بوضع العصيان موضع الطاعة وتعريض النفس للعذاب. والإفراد أولا والجمع
~~ثانيا مراعاة للفظ ومراعاة للمعنى.

### || [49.12]

# { يأيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من الظن }
~~أي تباعدوا منه، وأصل اجتنبه كان على جانب منه ثم شاع في التباعد اللازم
~~له. وتنكير { كثيرا } ليحتاط في كل ظن ويتأمل حتى يعلم أنه من أي
~~القبيل، فإن من الظن ما يباح اتباعه كالظن في الأمور المعاشية، ومنه ms10050 ما
~~يجب كالظن حيث لا قاطع فيه من العمليات كالواجبات الثابتة بغير دليل قطعي
~~وحسن الظن بالله عز وجل، ومنه ما يحرم كالظن في الإلهيات والنبوات وحيث
~~يخالفه قاطع وظن السوء بالمؤمنين، ففي الحديث

# " إن الله تعالى حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء "

# وعن عائشة مرفوعا

# " من أساء بأخيه الظن فقد أساء بربه الظن إن الله تعالى يقول: {
~~اجتنبوا كثيرا من الظن } "

# ويشترط في حرمة هذا أن يكون المظنون به ممن شوهد منه التستر والصلاح
~~وأونست منه الأمانة، وأما من يتعاطى الريب والمجاهرة بالخبائث كالدخول
~~والخروج إلى حانات الخمر وصحبة الغواني الفاجرات وإدمان النظر إلى المرد
~~فلا يحرم ظن السوء فيه وإن كان الظان لم يره يشرب الخمر ولا يزني ولايعبث
~~بالشباب.

# أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن سعيد بن المسيب قال: كتب إلي بعض
~~إخواني من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ضع أمر أخيك على أحسنه
~~ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرىء مسلم شرا وأنت تجد
~~لها في الخير محملا، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه، ومن كتم
~~سره كانت الخيرة في يده، وما كافيت من عصى الله تعالى فيك بمثل أن تطيع
~~الله تعالى فيه، وعليك بإخوان الصدق فكن في اكتسابهم فإنهم زينة في
~~الرخاء وعدة عند عظيم البلاء، ولا تهاون بالحلف فيهينك الله تعالى، ولا
~~تسألن عما لم يكن حتى يكون؛ ولا تضع حديثك إلا عند من تشتهيه، وعليك
~~بالصدق وإن قتلك، واعتزل عدوك واحذر صديقك إلا الأمين ولا أمين إلا من
~~خشي الله تعالى، وشاور في أمرك الذين يخشون ربهم بالغيب. وعن الحسن كنا
~~في زمان الظن بالناس حرام وأنت اليوم في زمان اعمل واسكت وظن بالناس ما
~~شئت.

# واعلم أن ظن السوء إن كان اختياريا فالأمر واضح، وإذا لم يكن اختياريا
~~فالمنهي عنه العمل بموجبه من احتقار المظنون به وتنقيصه وذكره بما ظن
~~فيه، وقد قيل نظير ذلك في الحسد على ms10051 تقدير كونه غير اختياري، ولا يضر
~~العمل بموجبه بالنسبة إلى الظان نفسه كما إذا ظن بشخص أنه يريد به سوءا
~~فتحفظ من أن يلحقه منه أذى على وجه لا يلحق ذلك الشخص به نقص، وهو محمل
~~خبر

# " إن من الحزم سوء الظن "

# وخبر الطبراني

# " احترسوا من الناس بسوء الظن "

# ، وقيل: المنهي عنه الاسترسال معه وترك إزالته بنحو تأويل سببه من خبر
~~ونحوه، وإلا فالأمر الغير الاختياري نفسه لا يكون مورد التكليف، وفي
~~الحديث

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث لازمات أمتي الطيرة والحسد
~~وسوء الظن فقال رجل: ما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟ قال: إذا حسدت
~~فاستغفر الله وإذا ظننت / فلا تحقق وإذا تطيرت فامض "

# أخرجه الطبراني عن حارثة بن النعمان.

# { إن بعض الظن إثم } تعليل بالأمر بالاجتناب أو لموجبه
~~بطريق الاستئناف التحقيقي. والإثم الذنب الذي يستحق العقوبة عليه، ومنه
~~قيل لعقوبته الأثام فعال منه كالنكال، قال الشاعر:

# لقد فعلت هذي النوى بي فعلة

# أصاب النوى قبل الممات أثامها

# والهمزة فيه على ما قال الزمخشري بدل من الواو كأنه يثم الأعمال أي
~~يكسرها لكونه يضربها في الجملة وإن لم يحبطها قطعا. وتعقب بأن الهمزة
~~ملتزمة في تصاريفه تقول: أثم يأثم فهو آثم وهذا إثم وتلك آثام، وإن أثم
~~من باب علم، ووثم من باب ضرب، وأنه ذكره في باب الهمزة في «الأساس»،
~~والواوي متعد وهذا لازم.

# { ولا تجسسوا } ولا تبحثوا عن عورات المسلمين ومعايبهم
~~وتستكشفوا عما ستروه، تفعل من الجس باعتبار ما فيه من معنى الطلب كاللمس
~~فإن من يطلب الشيء يجسه ويلمسه فأريد به ما يلزمه، واستعمال التفعل
~~للمبالغة.

# وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن سيرين { ولا تحسسوا } بالحاء من الحس الذي هو
~~أثر الجس وغايته، ولهذا يقال لمشاعر الإنسان الحواس والجواس بالحاء
~~والجيم، وقيل التجسس والتحسس متحدان ومعناهما معرفة الأخبار، وقيل:
~~التجسس بالجيم تتبع الظواهر وبالحاء تتبع البواطن، وقيل: الأول أن تفحص
~~بغيرك والثاني أن تفحص بنفسك، وقيل: الأول في الشر والثاني في الخير،
~~وهذا ms10052 بفرض صحته غير مراد هنا والذي عليه الجمهور أن المراد على القراءتين
~~النهي عن تتبع العورات مطلقا وعدوه من الكبائر.

# أخرج أبو داود وابن المنذر وابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي قال: خطبنا
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

# " يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تتبعوا عورات
~~المسلمين فإن من تتبع عورات المسلمين فضحه الله تعالى في قعر بيته "

# وفي رواية البيهقي

# " عن البراء بن عازب أنه صلى الله عليه وسلم نادى بذلك حتى أسمع العواتق
~~في الخدر "

# وأخرج أبو داود وجماعة عن زيد بن وهب قلنا لابن مسعود: هل لك في الوليد
~~بن عقبة بن معيط تقطر لحيته خمرا؟ فقال ابن مسعود: قد نهينا عن التجسس
~~فإن ظهر لنا شيء أخذنا به.

# وقد يحمل مزيد حب النهي عن المنكر على التجسس وينسى النهي فيعذر مرتكبه
~~كما وقع ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. أخرج الخرائطي في «مكارم
~~الأخلاق» عن ثور الكندي أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يعس بالمدينة فسمع
~~صوت رجل في بيت يتغنى فتسور عليه فوجد عنده امرأة وعنده خمر فقال: يا عدو
~~الله أظننت أن الله تعالى يسترك وأنت على معصية؟ فقال: وأنت يا أمير
~~المؤمنين لا تعجل علي إن كنت عصيت الله تعالى واحدة فقد عصيت الله تعالى
~~في ثلاث قال سبحانه: { ولا تجسسوا } وقد تجسست وقال الله تعالى:

# وأتوا البيوت من أبوبها

# [البقرة: 189] وقد تسورت وقال جل شأنه:

# لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا
~~وتسلموا على أهلها

# [النور: 27] ودخلت علي بغير إذن قال عمر رضي الله تعالى عنه: فهل عندك
~~من خير إن عفوت عنك؟ قال: نعم فعفا عنه وخرج وتركه.

# وفي رواية سعيد بن منصور عن الحسن أنه قال رجل لعمر رضي الله تعالى عنه:
~~إن فلانا لا يصحوا فقال: انظر الساعة التي يضع فيها شرابه فأتني فأتاه
~~فقال: قد وضع شرابه فانطلقا حتى استأذنا عليه فعزل شرابه ثم دخلا فقال
~~عمر: والله إني ms10053 لأجد ريح شراب يا فلان أنت بهذا فقال: يا ابن الخطاب وأنت
~~بهذا ألم ينهك الله تعالى أن تتجسس؟ فعرفها عمر فانطلق وتركه.

# وذكر بعضهم أن انزجار شربة الخمر ونحوهم إذا توقف على التسور عليهم جاز
~~احتجاجا / بفعل عمر رضي الله تعالى عنه السابق وفيه نظر. وقد جاء في بعض
~~الروايات عنه ما يخالف ذلك. أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والخرائطي
~~أيضا عن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف عن المسور بن مخرمة عن عبد
~~الرحمن بن عوف أنه حرس مع عمر رضي الله تعالى عنه ليلة المدينة فبينما هم
~~يمشون شب لهم سراج في بيت فانطلقوا يؤمونه فلما دنوا منه إذا باب مجاف
~~على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط فقال عمر: وأخذ بيد عبد الرحمن أتدري
~~بيت من هذا؟ [قال] هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف [وهم] الآن شرب قال: أرى
~~أن قد أتينا ما نهى الله تعالى عنه قال الله تعالى: { ولا تجسسوا
~~} فقد تجسسنا فانصرف عمر رضي الله تعالى عنه عنهم وتركهم، ولعل القصة إن
~~صحت غير واحدة. ومن التجسس على ما قال الأوزاعي الاستماع إلى حديث القوم
~~وهم له كارهون فهو حرام أيضا.

# { ولا يغتب بعضكم بعضا } أي لا يذكر بعضكم بعضا بما يكره
~~في غيبته فقد قال صلى الله عليه وسلم:

# " أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: ذكرك أخاك بما يكره
~~قيل: أفرأيت لو كان في أخي ما أقول قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته
~~وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته "

# رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم. والمراد بالذكر الذكر
~~صريحا أو كناية ويدخل في الأخير الرمز والإشارة ونحوهما إذاأدت مؤدى
~~النطق فإن علة النهي عن الغيبة الإيذاء بتفهيم الغير نقصان المغتاب وهو
~~موجود حيث أفهمت الغير ما يكرهه المغتاب بأي وجه كان من طرق الإفهام، وهي
~~بالفعل كأن تمشي مشية أعظم الأنواع كما قاله الغزالي. والمراد بما يكره
~~أعم من أن يكون ms10054 في دينه أو دنياه أو خلقه أو خلقه أو ماله أو ولده أو
~~زوجته أو مملوكه أو خادمه أو لباسه أو غير ذلك مما يتعلق به، وخصه القفال
~~بالصفات التي لا تذم شرعا فذكر الشخص بما يكره مما يذم شرعا ليس بغيبة
~~عنده ولا يحرم، واحتج على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:

# " اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس "

# وما ذكره لا يعول عليه، والحديث ضعيف وقال أحمد منكر، وقال البيهقي: ليس
~~بشيء ولو صح فهو محمول على فاجر معلن بفجوره. والمراد بقولنا: غيبته
~~غيبته عن ذلك الذكر سواء كان حاضرا في مجلس الذكر أو لا، وفي «الزواجر»
~~لا فرق في الغيبة بين أن تكون في غيبة المغتاب أو بحضرته هو المعتمد. وقد
~~يقال: شمول الغيبة للذكر بالحضور على نحو شمول سجود السهود لما كان عن
~~ترك ما يسجد له عمدا.

# { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا } تثميل
~~لما يصدر عن المغتاب من حيث صدوره عنه ومن حيث تعلقه بصاحبه على أفحش وجه
~~وأشنعه طبعا وعقلا وشرعا مع مبالغات من فنون شتى: الاستفهام التقريري
~~من حيث أنه لا يقع إلا في كلام هو مسلم عند كل سامع حقيقة أو ادعاء،
~~وإسناد الفعل إلى  أحد  إيذانا بأن أحدا من الأحدين لا يفعل ذلك
~~وتعليق المحبة بما هو في غاية الكراهة، وتمثيل الاغتياب بأكل لحم
~~الإنسان، وجعل المأكول أخا للآكل وميتا، وتعقيب ذلك بقوله تعالى: {
~~فكرهتموه } حملا على الإقرار وتحقيقا لعدم محبة ذلك أو لمحبته
~~التي لا ينبغي مثلها. وفي «المثل السائر» كنى عن الغيبة بأكل الإنسان
~~للحم مثله لأنها ذكر المثالب وتمزيق الأعراض المماثل لأكل اللحم بعد
~~تمزيقه في استكراه العقل والشرع له، وجعله ميتا لأن المغتاب لا يشعر
~~بغيبته، ووصله بالمحبة لما جبلت عليه النفوس من الميل إليها مع العلم
~~بقبحها، وقال أبو زيد السهيلي: ضرب المثل لأخذ العرض بأكل اللحم لأن
~~اللحم ستر على العظم والشاتم لأخيه كأنه يقشر ويكشف ما عليه وكأنه أولى
~~مما في «المثل»، والفاء ms10055 في { فكرهتموه } فصيحة في جواب شرط مقدر
~~ويقدر معه قد أي إن صح ذلك أو عرض عليكم هذا فقد كرهتموه ولا يمكنكم
~~إنكار كراهته، والجزائية باعتبار التبين، والضمير المنصوب للأكل / وقيل:
~~للحم، وقيل: للميت وليس بذاك، وجوز كونه للاغتياب المفهوم مما قبل،
~~والمعنى فاكرهوه كراهيتكم لذلك الأكل، وعبر بالماضي للمبالغة، وإذا أول
~~بما ذكر يكون إنشاء غير محتاج لتقدير قد.

# وانتصاب (ميتا) على الحال من اللحم أو الأخ لأن المضاف جزء من المضاف
~~إليه والحال في مثل ذلك جائز خلافا لأبي حيان.

# وقرأ أبو سعيد الخدري والجحدري وأبو حيوة { فكرهتموه } بضم الكاف
~~وشد الراء، ورواها الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم.

# وقوله تعالى: { واتقوا الله } قيل عطف على محذوف كأنه قيل:
~~امتثلوا ما قيل لكم واتقوا الله. وقال الفراء: التقدير إن صح ذلك فقد
~~كرهتموه فلا تفعلوه واتقوا الله فهو عطف على النهي المقدر، وقال أبو علي
~~الفارسي: لما قيل لهم { أيحب أحدكم } الخ كان الجواب بلا
~~متعينا فكأنهم قالوا: لا نحب فقيل لهم { فكرهتموه } ويقدر فكذلك
~~فاكرهوا الغيبة التي هي نظيره واتقوا الله فيكون عطفا على فاكرهوا
~~المقدر، وقيل: هو عطف على فكرهتموه بناء على أنه خبر لفظا أمر معنى
~~كما أشير إليه سابقا ولا يخفى الأولى من ذلك.

# وقوله سبحانه: { إن الله تواب رحيم } تعليل للأمر أي لأنه
~~تعالى تواب رحيم لمن اتقى واجتنب ما نهى عنه وتاب مما فرط منه، وتواب أي
~~مبالغ في قبول التوبة والمبالغة إما باعتبار الكيف إذ يجعل سبحانه التائب
~~كمن لم يذنب أو باعتبار الكم لكثرة المتوب عليهم أو لكثرة ذنوبهم.

# أخرج ابن أبي حاتم

# " عن السدي أن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه كان مع رجلين في سفر
~~يخدمهما وينال من طعامهما وأنه نام يوما فطلبه صاحباه فلم يجداه فضربا
~~الخباء وقالا: ما يريد سلمان شيئا غير هذا أن يجيء إلى طعام معدود وخباء
~~مضروب فلما جاء سلمان أرسلاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب لهما
~~إداما فانطلق ms10056 فأتاه فقال: يا رسول الله بعثني أصحابي لتؤدمهم إن كان
~~عندك قال: ما يصنع أصحابك بالإدام؟ قد ائتدموا فرجع رضي الله تعالى عنه
~~فخبرهما فانطلقا فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: والذي بعثك
~~بالحق ما أصبنا طعاما منذ نزلنا قال: إنكما قد ائتدمتما بسلمان فنزلت.
~~وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال: زعموا أنها نزلت في سلمان الفارسي
~~أكل ثم رقد فنفخ فذكر رجلان أكله ورقاده فنزلت "

# وأخرج الضياء المقدسي في «المختارة»

# " عن أنس قال: كانت العرب تخدم بعضها بعضا في الأسفار وكان مع أبي بكر
~~وعمر رضي الله تعالى عنهما رجل يخدمهما فناما فاستيقظا ولم يهييء لهما
~~طعاما فقالا: إن هذا لنئوم فأيقظاه فقالا: ائت رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فقل له أن أبا بكر وعمر يقرآنك السلام ويستأدمانك فقال: إنهما
~~ائتدما فجاءا فقالا: يا رسول الله بأي شيء ائتدمنا قال بلحم أخيكما والذي
~~نفسي بيده إني لأرى لحمه بين ثناياكما فقالا: استغفر لنا يا رسول الله
~~قال: مراه فليستغفر لكما "

# هذا خبر صحيح ولا طعن فيه على الشيخين سواء كان ما وقع منهما قبل النزول
~~أو بعده حيث لم يظنا بناء على حسن الظن فيهما إن تلك الكلمة مما يكرهها
~~ذلك الرجل.

# هذا والآية دالة على حرمة الغيبة. وقد نقل القرطبي وغيره الإجماع على
~~أنها من الكبائر، وعن الغزالي وصاحب «العدة» أنهما صرحا بأنها من الصغائر
~~وهو عجيب منهما لكثرة ما يدل على أنها من الكبائر، وقصارى ما قيل في وجه
~~القول بأنها صغيرة أنه لو لم تكن كذلك يلزم فسق الناس كلهم إلا الفذ
~~النادر منهم وهذا حرج عظيم. وتعقب بأن فشوا المعصية وارتكاب جميع الناس
~~لها فضلا عن الأكثر لا يوجب أن تكون صغيرة، وهذا الذي دل عليه الكلام من
~~ارتكاب أكثر الناس لها لم يكن قبل. على أن الإصرار / عليها قريب منها في
~~كثرة الفشو في الناس وهو كبيرة بالإجماع ويلزم عليه الحرج العظيم وإن لم
~~يكن في عظم الحرج السابق، ms10057 مع أن هذا الدليل لا يقاوم تلك الدلائل
~~الكثيرة، ولعل الأولى في الاستدلال على ذلك ما رواه أحمد وغيره بسند صحيح
~~عن أبي بكرة قال:

# " بينما أنا أماشي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيدي ورجل عن
~~يساري فإذا نحن بقبرين أمامنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهما
~~ليعذبان وما يعذبان بكبير وبكى إلى أن قال: وما يعذبان إلا في الغيبة
~~والبول "

# ولا يتم أيضا، فقد قال ابن الأثير: ((المعنى وما يعذبان في أمر كان
~~يكبر عليهما ويشق فعله لو أراداه لا أنه في نفسه غير كبير، وكيف لا يكون
~~كبيرا وهما يعذبان فيه))، فالحق أنها من الكبائر. نعم لا يبعد أن يكون
~~منها ما هو من الصغائر كالغيبة التي لا يتأذى بها كثيرا نحو عيب الملبوس
~~والدابة، ومنها ما لا ينبغي أن يشك في أنه من أكبر الكبائر كغيبة
~~الأولياء والعلماء بألفاظ الفسق والفجور ونحوها من الألفاظ الشديدة
~~الإيذاء، والأشبه أن يكون حكم السكوت عليها مع القدرة على دفعها حكمها.

# ويجب على المغتاب أن يبادر إلى التوبة بشروطها فيقلع ويندم خوفا من
~~الله تعالى ليخرج من حقه ثم يستحل المغتاب خوفا ليحله فيخرج عن مظلمته،
~~وقال الحسن: يكفيه الاستغفار عن الاستحلال، واحتج بخبر

# " كفارة من اغتبته أن تستغفر له "

# ، وأفتى الخياطي بأنها إذا لم تبلغ المغتاب كفاه الندم والاستغفار، وجزم
~~ابن الصباغ بذلك وقال: نعم إذا كان تنقصه عند قوم رجع إليهم وأعلمهم أن
~~ذلك لم يكن حقيقة وتبعهما كثيرون منهم النووي، واختاره ابن الصلاح في
~~«فتاويه» وغيره، وقال الزركشي: هو المختار وحكاه ابن عبد البر عن ابن
~~المبارك وأنه ناظر سفيان فيه، وما يستدل به على لزوم التحليل محمول على
~~أنه أمر بالأفضل أو بما يمحو أثر الذنب بالكلية على الفور.

# وما ذكر في غير الغائب والميت أما فيهما فينبغي أن يكثر لهما الاستغفار،
~~ولا اعتبار بتحليل الورثة على ما صرح به الخياطي وغيره، وكذا الصبي
~~والمجنون بناء على الصحيح من القول بحرمة غيبتهما. ms10058 قال في «الخادم»:
~~الوجه أن يقال يبقى حق مطالبتهما إلى يوم القيامة أي إن تعذر الاستحلال
~~والتحليل في الدنيا بأن مات الصبي صبيا والمجنون مجنونا ويسقط حق الله
~~تعالى بالندم، وهل يكفي الاستحلال من الغيبة المجهولة أم لا؟ وجهان،
~~والذي رجحه في «الأذكار» أنه لا بد من معرفتها لأن الإنسان قد يسمح عن
~~غيبة دون غيبة، وكلام الحليمي وغيره يقتضي الجزم بالصحة لأن من سمح
~~بالعفو من غير كشف فقد وطن نفسه عليه مهما كانت الغيبة. ويندب لمن سئل
~~التحليل أن يحلل ولا يلزمه لأن ذلك تبرع منه وفضل، وكان جمع من السلف
~~واقتدى بهم والدي عليه الرحمة والرضوان يمتنعون من التحليل مخافة التهاون
~~بأمر الغيبة، ويؤيد الأول خبر

# " أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال: إني تصدقت
~~بعرضي على الناس "

# ومعناه لا أطلب مظلمة منهم ولا أخاصمهم لا أن الغيبة تصير حلالا لأن
~~فيها حقا لله تعالى ولأنه عفو وإباحة للشيء قبل وجوبه.

# وسئل الغزالي عن غيبة الكافر فقال: هي في حق المسلم محذورة لثلاث علل
~~الإيذاء وتنقيص خلق الله تعالى وتضييع الوقت بما لا يعني، والأولى تقتضي
~~التحريم، والثانية الكراهة، والثالثة خلاف الأولى. وأما الذمي فكالمسلم
~~فيما يرجع إلى المنع عن الإيذاء لأن الشرع عصم عرضه ودمه وماله. وقد روى
~~ابن حبان في «صحيحه» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " من سمع يهوديا أو نصرانيا فله النار "

# ومعنى سمعه أسمعه ما يؤذيه ولا كلام بعد هذا في الحرمة. وأما الحربي
~~فغيبته ليست بحرام على الأولى / وتكره على الثانية وخلاف الأولى على
~~الثالثة، وأما المبتدع فإن كفر فكالحربي وإلا فكالمسلم؛ وأما ذكره
~~ببدعته فليس مكروها. وقال ابن المنذر في قوله صلى الله عليه وسلم في
~~تفسير الغيبة:

# " ذكرك أخاك بما يكره "

# فيه دليل على أن من ليس أخا لك من اليهود والنصارى وسائر أهل الملل ومن
~~أخرجته بدعته إلى غير دين الإسلام لا غيبة له ويجري نحوه في الآية،
~~والوجه تحريم غيبة الذمي ms10059 كما تقرر وهو وإن لم يعلم من الآية ولا من الخبر
~~المذكور معلوم بدليل آخر ولا معارضة بين ما ذكر وذلك الدليل كما لا يخفى.

# وقد تجب الغيبة لغرض صحيح شرعي لا يتوصل إليه إلا بها وتنحصر في ستة
~~أسباب. الأول: التظلم فلمن ظلم أن يشكو لمن يظن له قدرة على إزالة ظلمه
~~أو تخفيفه. الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على
~~إزالته. الثالث: الاستفتاء فيجوز للمستفتي أن يقول للمفتي: ظلمني فلان
~~بكذا فهل يجوز له أو ما طريق تحصيل حقي أو نحو ذلك؛ والأفضل أن يبهمه.
~~الرابع: تحذير المسلمين من الشر كجرح الشهود والرواة والمصنفين والمتصدين
~~لإفتاء أو إقراء مع عدم أهلية فتجوز إجماعا بل تجب، وكأن يشير وإن لم
~~يستشر على مريد تزوج أو مخالطة لغيره في أمر ديني أو دنيوي ويقتصر على ما
~~يكفي فإن كفى نحو لا يصلح لك فذاك وإن احتاج إلى ذكر عيب ذكره أو عيبين
~~فكذلك وهكذا ولا يجوز الزيادة على ما يكفي، ومن ذلك أن يعلم من ذي ولاية
~~قادحا فيها كفسق أو تغفل فيجب ذكر ذلك لمن له قدرة على عزله وتولية غيره
~~الخالي من ذلك أو على نصحه وحثه للاستقامة، والخامس: أن يتجاهر بفسقه
~~كالمكاسين وشربة الخمر ظاهرا فيجوز ذكرهم بما تجاهروا فيه دون غيره إلا
~~أن يكون له سبب آخر مما مر. السادس: للتعريف بنحو لقب كالأعور والأعمش،
~~فيجوز وإن أمكن تعريفه بغيره. نعم الأولى ذلك إن سهل ويقصد التعريف لا
~~التنقيص. وأكثر هذه الستة مجمع عليه ويدل لها من السنة أحاديث صحيحة
~~مذكورة في محلها كالأحاديث الدالة على قبح الغيبة وعظم آثامها وأكثر
~~الناس بها مولعون ويقولون: هي صابون القلوب وإن لها حلاوة كحلاوة التمر
~~وضراوة كضراوة الخمر وهي في الحقيقة كما قال ابن عباس وعلي بن الحسين رضي
~~الله تعالى عنهم: الغيبة إدام كلاب الناس نسأل الله تعالى التوفيق لما
~~يحب ويرضى.

# وما أحسن ما جاء الترتيب في هذه الآية أعني قوله تعالى: { يأيها ms10060
~~الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من الظن } الخ كما قال
~~أبو حيان وفصله بقوله: ((جاء الأمر أولا باجتناب الطريق التي لا تؤدي
~~إلى العلم وهو الظن ثم نهى ثانيا عن طلب تحقيق ذلك الظن ليصير علما
~~بقوله سبحانه: { ولا تجسسوا } ثم نهى ثالثا عن ذكر ذلك إذا علم
~~فهذه أمور ثلاثة مترتبة: ظن فعلم بالتجسس فاغتياب)). وقال ابن حجر عليه
~~الرحمة: ((إنه تعالى ختم كلا من الآيتين بذكر التوبة رحمة بعباده
~~وتعطفا عليهم لكن لما بدئت الأولى بالنهي ختمت بالنفي في

# ومن لم يتب

# [الحجرات: 11] لتقاربهما ولما بدئت الثانية بالأمر في { اجتنبوا }
~~ختمت به في { واتقوا الله } الخ وكأن حكمة ذكر التهديد الشديد في
~~الأولى فقط بقوله تعالى: { ومن لم يتب } الخ أن ما فيها أفحش
~~لأنه إيذاء في الحضرة بالسخرية أو اللمز أو النبز بخلافه في الآية
~~الثانية فإنه أمر خفي إذ كل من الظن والتجسس والغيبة يقتضي الإخفاء وعدم
~~العلم به غالبا)) انتهى فلا تغفل.

### || [49.13]

# { يأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى } من
~~آدم وحواء عليهما السلام فالكل سواء في ذلك فلا وجه للتفاخر بالنسب ومن
~~هذا قوله:

# / الناس في عالم التمثيل أكفاء

# أبوهم آدم والأم حواء

# وجوز أن يكون المراد هنا: إنا خلقنا كل واحد منكم من أب وأم، ويبعده عدم
~~ظهور ترتب ذم التفاخر بالنسب عليه والكلام مساق له كما ينبىء عنه ما
~~بعد، وقيل: هو تقرير للأخوة المانعة عن الاغتياب وعدم ظهور الترتب عليه
~~على حاله مع أن ملاءمة ما بعد له دون ملاءمته للوجه السابق لكن وجه
~~تقريره للأخوة ظاهر.

# { وجعلنكم شعوبا وقبائل } الشعوب جمع شعب بفتح الشين
~~وسكون العين وهم الجمع العظيم المنتسبون إلى أصل واحد، وهو يجمع القبائل،
~~والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة - بفتح العين وقد تكسر - تجمع البطون،
~~والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، فخزيمة شعب وكنانة قبيلة
~~وقريش عمارة وقصى بطن وهاشم فخذ والعباس فصيلة؛ وسميت الشعوب لأن القبائل
~~تشعبت منها، وهذا هو الذي عليه أكثر أهل النسب واللغة، ونظم ذلك ms10061 بعض
~~الأدباء فقال:

# قبيلة فوقها شعب وبعدهما

# عمارة ثم بطن تلوه فخذ

# وليس يؤوي الفتى إلا فصيلته

# ولا سداد لسهم ماله قذذ

# وذكر بعضهم العشيرة بعد الفصيلة فقال:

# اقصد الشعب فهو أكثر حي

# عددا في الحساب ثم القبيلة

# ثم يتلوهما العمارة ثم البطن

# ثم الفخذ وبعد الفصيله

# ثم من بعدها العشيرة لكن

# هي في جنب ما ذكرنا قليله

# وحكى أبو عبيد عن ابن الكلبي عن أبيه تقديم الشعب ثم القبيلة ثم
~~الفصيلة ثم العمارة ثم الفخذ فأقام الفصيلة مقام العمارة والعمارة مقام
~~الفصيلة في ذكرها قبل الفخذ ولم يذكر ما يخالفه، وقيل: الشعوب في العجم
~~والقبائل في العرب والأسباط في بني إسرائيل، وأيد كون الشعوب في العجم ما
~~في حديث مسروق أن رجلا من الشعوب أسلم فكانت تؤخذ منه الجزية؛ فإن
~~الشعوب فيه فسرت بالعجم لكن قيل: وجهه على ما تقدم أن الشعب ما تشعب منه
~~قبائل العرب والعجم فخص بأحدهما، ويجوز أن يكون جمع الشعوبي وهو الذي
~~يصغر شأن العرب ولا يرى لهم فضلا على غيرهم كيهود ومجوس في جمع المجوسي
~~واليهودي، ومنهم أبو عبيدة وكان خارجيا وقد ألف كتابا في «مثالب
~~العرب»، وابن غرسية وله «رسالة فصيحة في تفضيل العجم على العرب»، وقد رد
~~عليه علماء الأندلس برسائل عديدة. وقيل: الشعوب عرب اليمن من قحطان
~~والقبائل ربيعة ومضر وسائر عدنان، وقال قتادة ومجاهد والضحاك: الشعب
~~النسب الأبعد والقبيلة الأقرب، وقيل: الشعوب الموالي والقبائل العرب،
~~وقال أبو روق: الشعوب الذين ينتسبون إلى المدائن والقرى والقبائل العرب
~~الذين ينتسبون إلى آبائهم.

# { لتعرفوا } علة للجعل أي جعلناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضا
~~فتصلوا الأرحام وتبينوا الأنساب والتوارث لا لتفاخروا بالآباء والقبائل،
~~والحصر مأخوذ من التخصيص بالذكر والسكوت في معرض البيان. وقرأ الأعمش {
~~لتتعارفوا } بتاءين على الأصل، ومجاهد وابن كثير في رواية وابن محيصن
~~بإدغام التاء في التاء، وابن عباس وأبان عن عاصم { لتعرفوا } بكسر الراء
~~مضارع عرف، قال ابن جني: والمفعول محذوف أي لتعرفوا ما أنتم محتاجون إليه
~~كقوله:

# وما علم الإنسان ms10062 إلا ليعلما

# أي ليعلم ما علمه وما أعذب هذا الحذف وما أغربه لمن يعرف مذهبه. /
~~واختير في المفعول المقدر قرابة بعضكم من بعض.

# وقوله تعالى: { إن أكرمكم عند الله أتقكم } تعليل
~~للنهي عن التفاخر بالأنساب المستفاد من الكلام بطريق الاستئناف الحقيقي
~~كأنه قيل: إن الأكرم عند الله تعالى والأرفع منزلة لديه عز وجل في الآخرة
~~والدنيا هو الأتقى فإن فاخرتم ففاخروا بالتقوى. وقرأ ابن عباس { أن }
~~بفتح الهمزة على حذف لام التعليل كأنه قيل: لم لا تتفاخروا بالأنساب؟
~~فقيل: لأن أكرمكم عند الله تعالى أتقاكم لا أنسبكم فإن مدار كمال النفوس
~~وتفاوت الأشخاص هو التقوى فمن رام نيل الدرجات العلا فعليه بها. وفي
~~«البحر» أن ابن عباس قرأ { لتعرفوا أن أكرمكم } بفتح الهمزة فاحتمل أن
~~يكون { أن أكرمكم } الخ معمولا { لتعرفوا } وتكون اللام في {
~~لتعرفوا } لام الأمر وهو أجود من حيث المعنى، وأما إن كانت لام كي فلا
~~يظهر المعنى إذ ليس جعلهم شعوبا وقبائل لأن يعرفوا أن أكرمهم عند الله
~~تعالى أتقاهم فإن جعلت مفعولا { لتعرفوا } محذوفا أي لتعرفوا
~~الحق لأن أكرمكم عند الله أتقاكم ساغ في اللام أن تكون لام كي اه وهو
~~كما ترى.

# { إن الله عليم } بكم وبأعمالكم { خبير } بباطن أحوالكم.

# روي أنه لما كان يوم فتح مكة أذن بلال على الكعبة فغضب الحرث بن هشام
~~وعتاب بن أسيد وقالا: أهذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة فنزلت.

# " وعن ابن عباس سبب نزولها قول ثابت بن قيس لرجل لم يفسح له عند النبي
~~صلى الله تعالى عليه وسلم يا ابن فلانة فوبخه النبي عليه الصلاة والسلام
~~وقال: إنك لا تفضل أحدا إلا في الدين والتقوى ونزلت ".

# وأخرج أبو داود في «مراسيله» وابن مردويه والبيهقي في «سننه»

# " عن الزهري قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني بياضة أن يزوجوا
~~أبا هند امرأة منهم فقالوا: يا رسول الله أنزوج بناتنا موالينا؟ فأنزل
~~الله تعالى: { يأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر
~~وأنثى } الآية "

# قال الزهري: نزلت في ms10063 أبي هند خاصة وكان حجام النبي صلى الله عليه
~~وسلم، وفي رواية ابن مردويه من طريق الزهري عن عروة

# " عن عائشة أنه عليه الصلاة والسلام قال: أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه
~~ونزلت: { يا أيها الناس } الآية في ذلك "

# " وعن يزيد بن شجرة مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق المدينة
~~فرأى غلاما أسود يقول: من اشتراني فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس
~~خلف رسول الله عليه الصلاة والسلام فاشتراه رجل فكان رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم يراه عند كل صلاة ففقده فسأل عنه صاحبه فقال: محموم فعاده ثم
~~سأل عنه بعد أيام فقال: هو لما به فجاءه وهو في ذمائه فتولى غسله ودفنه
~~فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم فنزلت "

# وفي القلب من صحة هذا شيء والله تعالى أعلم.

# وقد دلت على أنه لا ينبغي التفاخر بالأنساب وبذلك نطقت الأخبار. أخرج
~~ابن مردويه والبيهقي في «شعب الإيمان» وعبد بن حميد والترمذي وغيرهم

# " عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته
~~يستلم الأركان بمحجنه فلما خرج لم يجد مناخا فنزل على أيدي الرجال
~~فخطبهم فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال: الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية
~~الجاهلية وتكبرها يا أيها الناس الناس رجلان بر تقي كريم على الله وفاجر
~~شقي هين على الله الناس كلهم بنو آدم وخلق الله آدم من تراب قال الله
~~تعالى: { يأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى
~~} إلى قوله تعالى: { خبير } ثم قال: أقول قولي هذا وأستغفر الله لي
~~ولكم "

# وأخرج البيهقي وابن مردويه

# " عن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط
~~أيام التشريق خطبة الوداع فقال: يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد لا فضل
~~لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على
~~أسود إلا بالتقوى { إن أكرمكم عند الله أتقكم } ألا
~~هل بلغت؟ قالوا: / بلى يا رسول الله قال: فليبلغ الشاهد ms10064 الغائب. "

# وأخرج البيهقي عن أبي أمامة قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها
~~بآبائها كلكم لآدم وحواء كطف الصاع بالصاع وإن أكرمكم عند الله أتقاكم
~~فمن أتاكم ترضون دينه وأمانته فزوجوه "

# وأخرج أحمد وجماعة نحوه لكن ليس فيه «فمن أتاكم» الخ.

# وأخرج البزار عن حذيفة قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب
~~ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان "

# وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " يقول الله يوم القيامة أيها الناس إني جعلت نسبا وجعلتم نسبا فجعلت
~~أكرمكم عند الله أتقاكم فأبيتم إلا أن تقولوا: فلان بن فلان وفلان أكرم
~~من فلان وإني اليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم ألا إن أوليائي المتقون "

# وأخرج الخطيب عن علي كرم الله تعالى وجهه نحوه مرفوعا.

# وأخرج أحمد والبخاري في «تاريخه» وأبو يعلى والبغوي وابن قانع والطبراني
~~والبيهقي في «شعب الإيمان» عن أبي ريحانة أن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم قال:

# " من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزا وكبرا فهو عاشرهم في
~~النار "

# وأخرج البخاري والنسائي عن أبي هريرة قال:

# " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند
~~الله أتقاهم قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله
~~ابن نبي الله ابن خليل الله قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: فعن معادن
~~العرب تسألوني؟ قالوا: نعم قال: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام
~~إذا فقهوا "

# والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصى.

# وفي الآية إشارة إلى وجه رد التفاخر بالنسب حيث أفادت أن شرف النسب غير
~~مكتسب

# وأن ليس للإنسن إلا ما سعى

# [النجم: 39] وأنه لا فرق بين النسيب وغيره من جهة المادة لاتحاد ما خلقا
~~منه، ولا من جهة الفاعل لأنه هو الله تعالى الواحد، فليس للنسب شرف يعول
~~عليه ويكون مدارا للثواب عند ms10065 الله عز وجل، ولا أحد أكرم من أحد عنده
~~سبحانه إلا بالتقوى وبها تكمل النفس وتتفاضل الأشخاص، وهذا لا ينافي كون
~~العرب أشرف من العجم وتفاوت كل من العرب والعجم في الشرف، فقد ذكروا أن
~~الفرس أشرف من النبط، وبنو إسرائيل أفضل من القبط. وأخرج مسلم وغيره عن
~~واثلة بن الأسقع قال:

# " قال صلى الله عليه وسلم إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى
~~قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم "

# لأن ذلك ليس إلا باعتبار الخصال الحميدة، فشرف العرب على العجم مثلا
~~ليس إلا باعتبار أن الله تعالى امتازهم على من سواهم بفضائل جمة وخصال
~~حميدة كما صحت به الأحاديث، وقد جمع الكثير منها العلامة ابن حجر الهيتمي
~~في كتابه «مبلغ الأرب في فضائل العرب»، ولا نعني بذلك أن كل عربي ممتاز
~~على كل عجمي بالخصال الحميدة بل إن المجموع ممتاز على المجموع، ثم إن
~~أشرف العرب نسبا أولاد فاطمة رضي الله تعالى عنها لأنهم ينسبون إلى
~~النبي صلى الله عليه وسلم كما صرح به جمع من الفقهاء. وأخرج الطبراني عن
~~فاطمة رضي الله تعالى عنها قالت:

# " قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كل بني آدم ينتمون إلى عصبة
~~إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا عصبتهم "

# وفي رواية له عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه «كل ابن أنثى كان
~~عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فأنا عصبتهم وأنا أبوهم» ونوزع في صحة
~~ذلك، ورمز الجلال السيوطي للأول بأنه حسن، وتعقب وليس الأمر موقوفا على
~~ما ذكر لظهور دليله. وقد أخرج أحمد والحاكم في «المستدرك» عن المسور بن
~~مخرمة  ولا كلام فيه  قال:

# " قال صلى الله عليه وسلم فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما
~~يبسطها وإن الأنساب كلها تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري "

# وحديث بضعية فاطمة رضي الله تعالى عنها / مخرج في «صحيح البخاري» أيضا،
~~قال الشريف السمهودي: ومعلوم أن أولادها بضعة منها فيكونون بواسطتها بضعة ms10066
~~منه صلى الله عليه وسلم، وهذا غاية الشرف لأولادها، وعدم انقطاع نسبه صلى
~~الله عليه وسلم جاء أيضا في حديث أخرجه ابن عساكر عن عمر رضي الله تعالى
~~عنه مرفوعا بلفظ

# " كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري "

# والذهبي وإن تعقبه بقوله: فيه ابن وكيع لا يعتمد لكن استدرك ذلك بأنه
~~ورد فيه مرسل حسن، ويعلم مما ذكر ونحوه  كما قال المناوي  عظيم نفع
~~الانتساب إليه صلى الله عليه وسلم، ولا يعارضه ما في أخبار أخر من حثه
~~عليه الصلاة والسلام لأهل بيته على خشية الله تعالى واتقائه سبحانه وأنه
~~عليه الصلاة والسلام لا يغني عنهم من الله تعالى شيئا حرصا على إرشادهم
~~وتحذيرا لهم من أن يتكلوا على النسب فتقصر خطاهم عن اللحوق بالسابقين من
~~المتقين، وليجتمع لهم الشرفان شرف التقوى وشرف النسب، ورعاية لمقام
~~التخويف خاطبهم عليه الصلاة والسلام بقوله:

# " لا أغني عنكم من الله شيئا "

# والمراد لا أغني عنكم شيئا بمجرد نفسي من غير ما يكرمني الله تعالى به
~~من نحو شفاعة فيكم ومغفرة منه تعالى لكم، وهو عليه الصلاة والسلام لا
~~يملك لأحد نفعا ولا ضرا إلا بتمليك الله تعالى، والله سبحانه يملكه نفع
~~أمته والأقربون أولى بالمعروف. فعلى هذا لا بأس بقول الرجل: أنا من ذرية
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه التحدث بالنعمة أو نحو ذلك من
~~المقاصد الشرعية.

# وقد نقل المناوي عن ابن حجر أنه قال نهيه صلى الله عليه وسلم عن التفاخر
~~بالأنساب موضعه مفاخرة تقتضي تكبرا واحتقار مسلم، وعلى ما ذكرناه أولا
~~جاء قوله عليه الصلاة والسلام:

# " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل "

# الحديث، وقوله صلى الله عليه وسلم:

# " أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب "

# إلى غير ذلك، ومع شرف الانتساب إليه عليه الصلاة والسلام لا ينبغي لمن
~~رزقه أن يجعله عاطلا عن التقوى ويدنسه بمتابعة الهوى، فالحسنة في نفسها
~~حسنة وهي من بيت النبوة أحسن، والسيئة في نفسها سيئة وهي من أهل بيت ms10067
~~النبوة أسوأ، وقد يبلغ اتباع الهوى بذلك النسيب الشريف إلى حيث يستحي أن
~~ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وربما ينكر نسبه. وعليه قيل لشريف
~~سيء الأفعال:

# قال النبي مقال صدق لم يزل

# يحلو لدى الأسماع والأفواه

# إن فاتكم أصل امرىء ففعاله

# تنبيكم عن أصله المتناهي

# وأراك تسفر عن فعال لم تزل

# بين الأنام عديمة الأشباه

# وتقول إني من سلالة أحمد

# أفأنت تصدق أم رسول الله

# ولا يلومن الشريف إلا نفسه إذا عومل حينئذ بما يكره وقدم عليه من هو
~~دونه في النسب بمراحل، كما يحكي أن بعض الشرفاء في بلاد خراسان كان أقرب
~~الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أنه كان فاسقا ظاهر الفسق
~~وكان هناك مولى أسود تقدم في العلم والعمل فأكب الناس على تعظيمه فاتفق
~~أن خرج يوما من بيته يقصد المسجد فاتبعه خلق كثير يتبركون به فلقيه
~~الشريف سكران فكان الناس يطردونه عن طريقه فغلبهم وتعلق بأطراف الشيخ
~~وقال: يا أسود الحوافر والمشافر يا كافر ابن كافر أنا ابن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم أذل وأنت تجل وأهان وأنت تعان فهم الناس بضربه فقال
~~الشيخ: لا تفعلوا هذا محتمل منه لجده ومعفو عنه وإن خرج عن حده، ولكن
~~أيها الشريف بيضت باطني وسودت باطنك فرؤي بياض قلبي فوق سواد وجهي فحسنت
~~وسواد قلبك فوق بياض وجهك فقبحت؛ وأخذت سيرة أبيك وأخذت سيرة أبي فرآني
~~الخلق في سيرة أبيك ورأوك / في سيرة أبي فظنوني ابن أبيك وظنوك ابن أبي
~~فعملوا معك ما يعمل مع أبي وعملوا معي ما يعمل مع أبيك، ولهذا ونحوه
~~قيل:

# ولا ينفع الأصل من هاشم

# إذا كانت النفس من باهلة

# أي لا ينفع في الامتياز على ذوي الخصال السنية إذا كانت النفس في حد
~~ذاتها باهلية ردية ومن الكمالات عرية، فإن باهلة في الأصل اسم امرأة من
~~همدان كانت تحت معن بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان فنسب ولده إليها، وقيل:
~~بنو باهلة وهم قوم معروفون ms10068 بالخساسة، قيل: كانوا يأكلون بقية الطعام مرة
~~ثانية وكانوا يأخذون عظام الميتة يطبخونها ويأخذون دسوماتها فاستنقصتهم
~~العرب جدا حتى قيل لعربي أترضى أن تكون باهليا وتدخل الجنة فقال: لا
~~إلا بشرط أن لا يعلم أهل الجنة أني باهلي، وقيل:

# إذا قيل للكلب يا باهلي

# عوى الكلب من شؤم هذا النسب

# ولم يجعلهم الفقهاء لذلك أكفاء لغيرهم من العرب لكن لا يخلو ذلك من
~~نظر، فإن النص أعني

# " إن العرب بعضهم أكفاء لبعض "

# لم يفصل مع أنه صلى الله عليه وسلم كان أعلم بقبائل العرب وأخلاقهم وقد
~~أطلق؛ وليس كل باهلي كما يقولون بل فيهم الأجواد، وكون فصيلة منهم أو بطن
~~صعاليك فعلوا ما فعلوا لا يسري في حق الكل اللهم إلا أن يقال: مدار
~~الكفاءة وعدمها على العار وعدمه في المعروف بين الناس فمتى عدوا الباهلية
~~عارا وشاع استنقاصها فيما بينهم وأبتها نفوسهم اعتبر ذلك وإن لم يكن عن
~~أصل أصيل، وهذا نظير ما ذكروا فيما إذا اشترى الشخص دارا فتبين أن الناس
~~يستشئمونها أنه بالخيار مع قول الجل من العلماء بنفي الشؤم المتعارف بين
~~الناس اعتبارا لكون ذلك مما ينقص الثمن بين الناس وإن لم يكن له أصل
~~فتأمله.

# وبالجملة شرف النسب مما اعتبر جاهلية وإسلاما، أما جاهلية فأظهر من أن
~~يبرهن عليه، وأما إسلاما فيدل عليه اعتبار الكفاءة في النسب في باب
~~النكاح على الوجه المفصل في كتب الفقه، ولم يخالف في ذلك فيما نعلم إلا
~~الإمام مالك والثوري والكرخي من الحنفية، وبعض ما تقدم من الأخبار يؤيد
~~كلامهم لكن أجيب عنه في محله، وكذا يدل عليه ما ذكروه في بيان شرائط
~~الإمامة العظمى من أنه يشترط فيها كون الإمام قرشيا، وقد أجمعوا على ذلك
~~كما قال الماوردي، ولا اعتبار بضرار وأبي بكر الباقلاني حيث شذا فجوزاها
~~في جميع الناس، وقال الشافعية: فإن لم يوجد قرشي أي مستجمع لشروط الإمامة
~~اعتبر كون الإمام كنانيا من ولد كنانة بن خزيمة، فإن تعذر اعتبر كونه من
~~بني إسماعيل عليه السلام، ms10069 فإن تعذر اعتبر كونه من جرهم لشرفهم بصهارة
~~إسماعيل عليه السلام إلى غير ذلك، ومع هذا كله فالتقوى التقوى فالاتكال
~~على النسب وترك النفس وهواها من ضعف الرأي وقلة العقل، ويكفي في هذا
~~الفصل قوله تعالى لنوح عليه السلام في ابنه كنعان:

# إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صلح

# [هود: 46] وقوله عليه الصلاة والسلام:

# " سلمان منا أهل البيت "

# فالحزم اللائق بالنسيب أن يتقي الله تعالى ويكتسب من الخصال الحميدة ما
~~لو كانت في غير نسيب لكفته ليكون قد زاد على الزبد شهدا وعلق على جيد
~~الحسناء عقدا؛ ولا يكتفي بمجرد الانتساب إلى جدود سلفوا ليقال له: نعم
~~الجدود ولكن بئس ما خلفوا، وقد ابتلي كثير من الناس بذلك فترى أحدهم
~~يفتخر بعظم بال وهو عري كالإبرة من كل كمال ويقول: كان أبي كذا وكذا
~~وذاك وصف أبيه فافتخاره به نحو افتخار الكوسج بلحية أخيه، ومن هنا قيل:

# وأعجب شيء إلى عاقل

# أناس عن الفضل مستأخره

# / إذا سئلوا ما لهم من علا

# أشاروا إلى أعظم ناخره

# وقال الفاضل السري عبد الباقي أفندي العمري:

# أقول لمن غدا في كل وقت

# يباهينا بأسلاف عظام

# أتقنع بالعظام وأنت تدري

# بأن الكلب يقنع بالعظام

# وما ألطف قوله:

# لم يجدك الحسب العالي بغير تقى

# مولاك شيئا فحاذر واتق الله

# وابغ الكرامة في نيل الفخار به

# فأكرم الناس عند الله أتقاها

# وأكثر ما رأينا ذلك الافتخار البارد عند أولاد مشايخ الزوايا الصوفية
~~فإنهم ارتكبوا كل رذيلة وتعروا عن كل فضيلة ومع ذلك استطالوا بآبائهم على
~~فضلاء البرية واحتقروا أناسا فاقوهم حسبا ونسبا وشرفوهم أما وأبا
~~وهذا هو الضلال البعيد والحمق الذي ليس عليه مزيد، ولولا خشية السأم
~~لأطلقنا في هذا الميدان عنان كميت القلم على أن فيما ذكرنا كفاية لمن
~~أخذت بيده العناية والله تعالى أعلم.

### || [49.14]

# { قالت الأعراب ءامنا } قال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة
~~قبيلة تجاور المدينة أظهروا الإسلام وقلوبهم دغلة إنما يحبون المغانم
~~وعرض الدنيا، ويروى أنهم قدموا المدينة في سنة ms10070 جدبة فأظهروا الشهادتين
~~وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئناك بالأثقال والعيال
~~ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان يريدون بذكر ذلك الصدقة ويمنون به على
~~النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل: هم مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار
~~قالوا: آمنا فاستحقينا الكرامة فرد الله تعالى عليهم، وأيا ما كان فليس
~~المراد بالأعراب العموم كما قد صرح به قتادة وغيره، وإلحاق الفعل علامة
~~التأنيث لشيوع اعتبار التأنيث في الجموع حتى قيل:

# لا تبالي بجمعهم

# كل جمع مؤنث

# والنكتة في اعتباره ههنا الإشارة على قلة عقولهم على عكس ما روعي في
~~قوله تعالى:

# وقال نسوة

# [يوسف: 30] { قل لم تؤمنوا } إكذاب لهم بدعوى الإيمان إذ هو
~~تصديق مع الثقة وطمأنينة القلب ولم يحصل لهم وإلا لما منوا على الرسول
~~صلى الله عليه وسلم بترك المقاتلة كما دل عليه آخر السورة { ولكن
~~قولوا أسلمنا } فإن الإسلام انقياد ودخول في السلم وهو ضد الحرب
~~وما كان من هؤلاء مشعر به، وكان الظاهر لم تؤمنوا ولكن أسلمتم أو لا
~~تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا لتحصل المطابقة لكن عدل عن الظاهر اكتفاء
~~بحصولها من حيث المعنى مع إدماج فوائد زوائد، بيان ذلك أن الغرض المسوق
~~له الكلام توبيخ هؤلاء في منهم بإيمانهم بأنهم خلوا عنه أولا وبأنهم
~~الممتنون إن صدقوا ثانيا، فالأصل في الإرشاد إلى جوابهم قل كذبتم ولكن
~~أخرج إلى ما هو عليه المنزل ليفيد عدم المكافحة بنسبة الكذب، وفيه حمل له
~~عليه الصلاة والسلام على الأدب في شأن الكل ليصير ملكة لأتباعه وأن لا
~~يلبسوا جلد النمر لمن يخاطبهم به وتلخيص ما كذبوا فيه. ومن الدليل على
~~أنه الأصل قوله تعالى في الآية التالية:

# أولئك هم الصدقون

# [الحجرات: 15] تعريضا بأن الكذب منحصر فيهم.

# وأوثر على لا تقولوا آمنا لاستهجان ذلك لا سيما من النبي صلى الله عليه
~~وسلم المبعوث / للدعوة إلى الإيمان، على أن إفادة { لم تؤمنوا }
~~لمعنى كذبتم أظهر من إفادة لا تقولوا آمنا كما لا يخفى، ثم قوبل بقوله
~~سبحانه: { ولكن قولوا أسلمنا ms10071 } كأنه قيل: قل لم تؤمنوا فلا
~~تكذبوا ولكن قولوا أسلمنا لتفوزوا بالصدق إن فاتكم الإيمان والتصديق ولو
~~قيل: ولكن أسلمتم لم يؤد هذا المعنى، وفيه تلويح بأن إسلامهم وهو خلو عن
~~التصديق غير معتد به ولو قيل ولكن أسلمتم لكان ذلك موهما أن ذلك معتد به
~~والمطلوب كماله بالإيمان ولا يحتاج هذا إلى أن يقال: القول في المنزل
~~مستعمل في معنى الزعم، وقيل: في الآية احتباك والأصل لم تؤمنوا فلا
~~تقولوا آمنا ولكن أسلمتم فقولوا أسلمنا فحذف من كل من الجملتين ما أثبت
~~في الأخرى والأول أبلغ وألطف.

# { ولما يدخل الإيمن في قلوبكم } حال من ضمير {
~~قولوا } كأنه قيل: قولوا أسلمنا ما دمتم على هذه الصفة، وفيه إشارة
~~إلى توقع دخول الإيمان في قلوبهم بعد فليس هذا النفي مكررا مع قوله
~~تعالى: { لم تؤمنوا } وقيل: الجملة مستأنفة ولا تكرار أيضا لأن
~~{ لما } تفيد النفي الماضي المستمر إلى زمن الحال بالإجماع وتفيد أن
~~منفيها متوقع خلافا لأبي حيان و  لم  لا تفيد شيئا من ذلك بلا خلاف
~~فلا حاجة في دفع التكرار إلى القول بالحالية وجعل الجملة توقيتا للقول
~~المأمور به.

# { وإن تطيعوا الله ورسوله } بالإخلاص وترك النفاق { لا
~~يلتكم من أعملكم } لا ينقصكم { شيئا } من أجورها أو
~~شيئا من النقص يقال لاته يليته ليتا إذا نقصه، ومنه ما حكى الأصمعي عن
~~أم هشام السلولية الحمد لله الذي لا يفات ولا يلات ولا تصمه الأصوات.

# وقرأ الحسن والأعرج وأبو عمرو { لا يألتكم } من ألت يألت بضم اللام
~~وكسرها ألتا وهي لغة أسد وغطفان، قال الحطيئة:

# أبلغ سراة بني سعد مغلغلة

# جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا

# والأولى لغة الحجاز والفعل عليها أجوف وعلى الثانية مهموز الفاء، وحكى
~~أبو عبيدة ألات يليت.

# { إن الله غفور } لما فرط من المطيعين { رحيم } بالتفضل
~~عليهم.

### || [49.15]

# { إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله
~~ثم لم يرتابوا } لم يشكوا من ارتاب مطاوع رابه إذا أوقعه في
~~الشك مع التهمة. وجعل عدم الارتياب متراخيا عن الإيمان مع أنه ms10072 لا ينفك
~~عنه لإفادة نفي الشك فيما بعد عند اعتراء شبهة كأنه قيل: آمنوا ثم لم
~~يعترهم ما يعتري الضعفاء بعد حين، وهذا لا يدل على أنهم كانوا مرتابين
~~أولا بل يدل على أنهم كما لم يرتابوا أولا لم يحدث لهم ارتياب ثانيا،
~~والحاصل آمنوا ثم لم يحدث لهم ريبة فالتراخي زماني. وقال بعض الأجلة: عطف
~~عدم الارتياب على الإيمان من باب

# ملائكته... وجبريل

# [البقرة: 98] تنبيها على أنه الأصل في الإيمان فكأنه شيء آخر أعلى منه
~~كائن فيه. وأوثر { ثم } على الواو للدلالة على أن هذا الأصل حديث
~~وقديمه سواء في القوة والثبات فهو أبدا على طراوته لا أنه شيء واحد
~~مستمر فيكون كالشيء الخلق بل هو متجدد طري حينا بعد حين، ولا بأس بأن
~~يجعل ترشيحا لما دل عليه معنى العطف لما جعل مغايرا نبه على أنه ليس
~~تغاير ما بين الاستمرار والحدوث بل تغاير شيئين مختلفين ليدل على المعنى
~~المذكور وأنهم في زيادة اليقين آنا فآنا، أما عند من يقول فيه بالقوة
~~والضعف فظاهر، وأما من لم يقل به فلانضمام العيان إلى البيان، والفرق بين
~~الاستمرارين أن الاستمرار على الأول استمرار المجموع نحو قوله تعالى:

# قالوا ربنا الله ثم استقموا

# [فصلت: 30] أي استمر بذلك إيمانهم مع عدم الارتياب، وعلى الثاني
~~الاستمرار معتبر في الجزء الأخير، وهذا الوجه أوجه، وأيا ما كان ففي
~~الكلام تعريض بأولئك الأعراب.

# / { وجهدوا بأمولهم وأنفسهم في سبيل الله }
~~في طاعته عز وجل على تكثر فنونها من العبادات البدنية المحضة والمالية
~~الصرفة والمشتملة عليهما معا كالحج والجهاد. وتقديم الأموال على الأنفس
~~من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى، ويجوز بأن يقال: قدم الأموال لحرص
~~الكثير عليها حتى إنهم يهلكون أنفسهم بسببها مع أنه أوفق نظرا إلى
~~التعريض بأولئك حيث إنهم لم يكفهم أنهم لم يجاهدوا بأموالهم حتى جاؤا
~~وأظهروا الإسلام حبا للمغانم وعرض الدنيا ومعنى { جهدوا } بذلوا
~~الجهد أو مفعوله مقدر أي العدو أو النفس والهوى.

# { أولئك } الموصفون بما ذكر من الأوصاف الجميلة { هم
~~الصدقون ms10073 } أي الذين صدقوا في دعوى الإيمان لا أولئك الأعراب. روي
~~أنه لما نزلت الآية جاؤا وحلفوا أنهم مؤمنون صادقون فنزل لتكذيبهم قوله
~~تعالى: { قل أتعلمون الله بدينكم... }.

### || [49.16]

# { قل أتعلمون الله بدينكم } أي أتخبرونه سبحانه وتعالى
~~بذلك بقولكم

# آمنا

# [الحجرات: 14]  فتعلمون  من علمت به فلذا تعدى بالتضعيف لواحد بنفسه
~~وإلى الثاني بحرف الجر، وقيل: إنه تعدى به لتضمين معنى الإحاطة أو الشعور
~~فيفيد مبالغة من حيث إنه جار مجرى المحسوس وقوله تعالى: { والله
~~يعلم ما في السموات وما في الأرض } حال من مفعول {
~~تعلمون } وفيه من تجهيلهم ما لا يخفى. وقوله سبحانه: { والله
~~بكل شيء عليم } تذييل مقرر لما قبله أي مبالغ في العلم بجميع
~~الأشياء التي من جملتها ما أخفوه من الكفر عند إظهارهم الإيمان.

### || [49.17]

# { يمنون عليك أن أسلموا } أي يعتدون إسلامهم منة عليك
~~وهي النعمة التي لا يطلب موليها ثوابا ممن أنعم بها عليه من المن بمعنى
~~القطع لأن المقصود بها قطع حاجته، وقال الراغب: هي النعمة الثقيلة من
~~المن الذي يوزن به وثقلها عظمها أو المشقة في تحملها. و { أن
~~أسلموا } في موضع المفعول  ليمنون  لتضمينه معنى الاعتداد أو هو
~~بتقدير حرف الجر فيكون المصدر منصوبا بنزع الخافض أو مجرورا بالحرف
~~المقدر أي يمنون عليك بإسلامهم، ويقال نحو ذلك في قوله تعالى: { قل لا
~~تمنوا علي إسلمكم } فهو إما على معنى لا تعتدوا إسلامكم
~~منة علي أو لا تمنوا علي بإسلامكم. وجوز أبو حيان أن يكون { أن
~~أسلموا } مفعولا من أجله أي يتفضلون عليك لأجل إسلامهم.

# { بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان } أي ما
~~زعمتم في قولكم

# آمنا

# [الحجرات: 14] فلا ينافي هذا قوله تعالى:

# قل لم تؤمنوا

# [الحجرات: 14] أو الهداية مطلق الدلالة فلا يلزم إيمانهم وينافي نفي
~~الإيمان السابق. وقرأ عبد الله وزيد بن علي { إذ هداكم } بإذ
~~التعليلية، وقرىء { إن هداكم } بإن الشرطية.

# { إن كنتم صدقين } أي في ادعاء الإيمان فهو متعلق الصدق لا
~~الهداية فلا تغفل؛ وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله ms10074 أي فلله المنة
~~عليكم. ولا يخفى ما في سياق الآية من اللطف والرشاقة، وذلك أن الكائن من
~~أولئك الأعراب قد سماه الله تعالى إسلاما إظهارا لكذبهم في قولهم: {
~~آمنا } أي أحدثنا الإيمان في معرض الامتنان ونفى سبحانه أن يكون كما
~~زعموا إيمانا فلما منوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان منهم
~~قال سبحانه لرسوله عليه الصلاة والسلام: يعتدون عليك بما ليس جديرا
~~بالاعتداد به من حدثهم الذي حق تسميته أن يقال له إسلام فقل لهم: لا
~~تعتدوا علي إسلامكم أي حدثكم المسمى إسلاما عندي لا إيمانا، ثم قال
~~تعالى: بل الله يعتد عليكم أن أمدكم بتوفيقه حيث هداكم للإيمان على ما
~~زعمتم. وفي قوله تعالى: { إسلمكم } بالإضافة ما يدل على أن ذلك
~~غير معتد به / وأنه شيء يليق بأمثالهم فأنى يخلق بالمنة، وللتنبيه على أن
~~المراد بالإيمان الإيمان المعتد به لم يضفه عز وجل، ونبه سبحانه بقوله جل
~~وعلا: { إن كنتم صدقين } على أن ذلك كذب منهم، واللطف في
~~تقديم التكذيب ثم الجواب عن المن مع رعاية النكت في كل من ذلك، وتمام
~~الحسن في التذييل بقوله تعالى: { إن الله يعلم غيب
~~السموات والأرض }.

### || [49.18]

# { إن الله يعلم غيب السموات والأرض } أي ما غاب
~~فيهما { والله بصير بما تعملون } أي في سركم وعلانيتكم
~~فكيف يخفى عليه سبحانه ما في ضمائركم، وذلك ليدل على كذبهم وعلى اطلاعه
~~عز وجل خواص عباده من النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه رضي الله تعالى
~~عنهم. وقرأ ابن كثير وأبان عن عاصم { يعملون } بياء الغيبة والله تعالى
~~أعلم.

# ومن باب الإشارة في بعض الآيات:

# يأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدي الله
~~ورسوله

# [الحجرات: 1] الخ إشارة إلى لزوم العمل بالشرع ورعاية الأدب وترك
~~مقتضيات الطبع، وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إن
~~جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا } يشير إلى أنه إن سولت النفس
~~الأمارة بالسوء وجاءت بنبأ شهوة من شهوات الدنيا ينبغي التثبت للوقوف على
~~ربحها وخسرانها { أن تصبوا قوما } من القلوب وصفاتها {
~~بجهالة ms10075 فتصبحوا } صباح يوم القيامة

# على ما فعلتم ندمين

# [الحجرات: 6] فإن ما فيه شفاء النفوس وحياتها فيه مرض القلوب ومماتها

# واعلموا أن فيكم رسول الله

# [الحجرات: 7] الخ يشير إلى رسول الإلهام الرباني في الأنفس بلهم فجورها
~~وتقواها، ويشير قوله تعالى:

# فإن بغت إحداهما على الأخرى فقتلوا التي
~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله

# [الحجرات: 9] إلى أن النفس إذا ظلمت القلب باستيلاء شهواتها يجب أن
~~تقاتل حتى تثخن بالجراحة بسيوف المجاهدة فإن استجابت بالطاعة عفى عنها
~~لأنها هي المطية إلى باب الله عز وجل:

# إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم

# [الحجرات: 10] إشارة إلى رعاية حق الأخوة الدينية ومنشأ نطفها صلب
~~النبوة وحقيقتها نور الله تعالى فإصلاح ذات بينهم برفع حجب أستار البشرية
~~عن وجوه القلوب ليتصل النور بالنور من روزنة القلب فيصيروا كنفس واحدة

# يأيها الذين ءامنوا لا يسخر قوم من قوم عسى
~~أن يكونوا خيرا منهم

# [الحجرات: 11] يشير إلى ترك الإعجاب بالنفس والنظر إلى أحد بعين
~~الاحتقار فإن الظاهر لا يعبأ به والباطن لا يطلع عليه فرب أشعث أغبر ذي
~~طمرين لو أقسم على الله تعالى لأبره

# قالت الأعراب ءامنا

# [الحجرات: 14] إلى آخره فيه إشارة إلى أنه ينبغي ترك رؤية الأعمال
~~والعلم بأن المنة في الهداية لله الملك المتعال، وفيه إرشاد إلى كيفية
~~مخاطبة الجاهلين والرد على المحجوبين كما سلفت الإشارة إليه. هذا ونسأل
~~الله تعالى التوفيق لما يرضاه يوم العرض عليه.

### | [50 - سورة ق]

### || [50.1]

# ذي المجد والشرف من باب النسب كلابن وتامر وإلا فالمعروف وصف الذات
~~الشريفة به، وصنيع بعضهم ظاهر في اختيار هذا الوجه، وأورد عليه أن ذلك
~~غير معروف في فعيل كما قاله ابن هشام في

# إن رحمت الله قريب

# [الأعراف: 56] وأنت تعلم أن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وشرفه على هذا
~~بالنسبة لسائر الكتب، أما غير الإلهية فظاهر، وأما الإلهية فلإعجازه
~~وكونه غير منسوخ بغيره واشتماله مع إيجازه على أسرار يضيق عنها كل واحد
~~منها. وقال الراغب: المجد السعة في الكرم وأصله مجدت الإبل ms10076 إذا وقعت في
~~مرعى كثير واسع، ووصف القرآن به لكثرة ما يتضمن من المكارم الدنيوية
~~والأخروية، ويجوز أن يكون وصفه بذلك لأنه كلام المجيد فهو وصف بصفة
~~قائله، فالإسناد مجازي كما في القرآن الحكيم أو لأن من علم معانيه وعمل
~~بما فيه مجد عند الله تعالى وعند الناس، فالكلام بتقدير مضاف حذف فارتفع
~~الضمير المضاف إليه، أو فعيل فيه بمعنى مفعل كبديع بمعنى مبدع لكن في
~~مجىء فعيل وصفا من الإفعال كلام، وأكثر أهل اللغة والعربية لم يثبته،
~~وأكثر ما تقدم في قوله تعالى:

# ص والقرآن ذي الذكر

# [ص: 1] يجري ههنا حتى إنه قيل: يجوز أن يكون { ق } أمرا من مفاعلة
~~قفا أثره أي تبعه، والمعنى اتبع القرآن واعمل بما فيه، ولم يسمع مأثورا،
~~ومثله ما قيل: إنه أمر بمعنى قف أي قف عندما شرع لك ولا تجاوزه.

# وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: خلق الله تعالى من وراء
~~هذه الأرض بحرا محيطا بها ومن وراء ذلك جبلا يقال له قاف، السماء
~~الدنيا مترفرفة عليه ثم خلق من وراء ذلك الجبل أرضا مثل تلك الأرض سبع
~~مرات ثم خلق من وراء ذلك بحرا محيطا بها ثم خلق وراء ذلك جبلا يقال له
~~قاف، السماء الثانية مترفرفة عليه حتى عد سبع أرضين وسبعة أبحر وسبعة
~~أجبل ثم قال: وذلك قوله تعالى:

# والبحر يمده من بعده سبعة أبحر

# [لقمان: 27] وأخرج ابن أبي الدنيا في «العقوبات» وأبو الشيخ عنه أيضا
~~أنه قال: خلق الله تعالى جبلا يقال له قاف محيطا بالعالم وعروقه إلى
~~الصخرة التي عليها الأرض فإذا أراد الله تعالى أن يزلزل قرية أمر ذلك
~~الجبل فحرك العرق الذي يلي تلك القرية فيزلزلها ويحركها فمن ثم تحرك
~~القرية دون القرية. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في «العظمة» والحاكم
~~وابن مردويه عن عبد الله بن بريدة أنه قال في الآية: قاف جبل من زمرد
~~محيط بالدنيا عليه كنفا السماء. وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد أنه أيضا
~~قال: هو جبل محيط ms10077 بالأرض.

# وذهب القرافي إلى أن جبل قاف لا وجود له وبرهن عليه بما برهن ثم قال:
~~ولا يجوز اعتقاد ما لا دليل عليه. وتعقبه ابن حجر الهيتمي فقال: يرد ذلك
~~ما جاء عن ابن عباس من طرق خرجها الحفاظ وجماعة منهم ممن التزموا تخريج
~~الصحيح، وقول الصحابي ذلك ونحوه مما لا مجال للرأي فيه حكمه حكم المرفوع
~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن وراء أرضنا بحرا محيطا ثم جبلا يقال
~~له قاف إلى آخر ما تقدم، ثم قال: وكما يندفع بذلك قوله: لا وجود له يندفع
~~قوله: ولا يجوز اعتقاد الخ لأنه إن أراد بالدليل مطلق الأمارة فهذه عليه
~~أدلة أو الأمارة القطعية فهذا مما يكفي فيه الظن كما هو جلي انتهى.

# والذي أذهب / إليه ما ذهب إليه القرافي من أنه لا وجود لهذا الجبل
~~بشهادة الحس فقد قطعوا هذه الأرض برها وبحرها على مدار السرطان مرات فلم
~~يشاهدوا ذلك، والطعن في صحة هذه الأخبار - وإن كان جماعة من رواتها ممن
~~التزم تخريج الصحيح - أهون من تكذيب الحس، وليس ذلك من باب نفي الوجود
~~لعدم الوجدان كما لا يخفى على ذوي العرفان، وأمر الزلزلة لا يتوقف على
~~ذلك الجبل بل هي من الأبخرة وطلبها الخروج مع صلابة الأرض، وإنكار ذلك
~~مكابرة عند من له أدنى عرق من الإنصاف والله تعالى أعلم.

# واختلف في جواب القسم فقيل: محذوف يشعر به الكلام كأنه قيل: والقرآن
~~المجيد إنا أنزلناه لتنذر به الناس، وقدره أبو حيان إنك جئتهم منذرا
~~بالبعث ونحو ما قيل: هو إنك لمنذر؛ وقيل: ما ردوا أمرك بحجة. وقال الأخفش
~~والمبرد والزجاج: تقديره لتبعثن. وقيل: هو مذكور، فعن الأخفش

# قد علمنا ما تنقص الأرض منهم

# [ق: 4] وحذفت اللام لطول الكلام، وعنه أيضا وعن ابن كيسان

# ما يلفظ من قول

# [ق: 18] وقيل:

# إن في ذلك لذكرى

# [ق: 37] وهو اختيار محمد بن علي الترمذي، وقيل:

# ما يبدل القول لدي

# [ق: 29] وعن نحاة الكوفة هو قوله تعالى: { بل عجبوا أن جاءهم
~~منذر منهم... ms10078 }.

### || [50.2]

# { بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم } وما ذكر أولا هو
~~المعول عليه. و { بل } للإضراب عما ينبىء عنه جواب القسم المحذوف
~~فكأنه قيل: إنا أنزلناه لتنذر به الناس فلم يؤمنوا به بل جعلوا كلا من
~~المنذر والمنذر به عرضة للنكير والتعجب مع كونهما أوفق شيء لقضية العقول
~~وأقربه إلى التلقي بالقبول، وقيل: التقدير إنك جئتهم منذرا بالبعث فلم
~~يقبلوا بل عجبوا أو فشكوا فيه بل عجبوا على معنى لم يكتفوا بالشك والرد
~~بل جزموا بالخلاف حتى جعلوا ذلك من الأمور العجيبة، وقيل: هو إضراب عما
~~يفهم من وصف القرآن بالمجيد كأنه قيل: ليس سبب امتناعهم من الإيمان
~~بالقرآن أن لا مجد له ولكن لجهلهم، ونبه بقوله تعالى: { بل عجبوا }
~~عليه لأن التعجب من الشيء يقتضي الجهل بسببه. قال في «الكشف»: وهو وجه
~~حسن. و { أن جاءهم } بتقدير لأن جاءهم، ومعنى { منهم } من جنسهم
~~أي من جنس البشر أو من العرب، وضمير الجمع في الآية عائد على الكفار،
~~وقيل: عائد على الناس وليس بذاك.

# وقوله تعالى: { فقال الكفرون هذا شيء عجيب } تفسير
~~لتعجبهم وبيان لكونه مقارنا لغاية الإنكار مع زيادة تفصيل لمحل التعجب.
~~و(هذا) إشارة إلى كونه عليه الصلاة والسلام منذرا بالقرآن، وإضمارهم
~~أولا للإشعار بتعينهم بما أسند إليهم، وإظهارهم ثانيا للتسجيل عليهم
~~بالكفر بموجبه أو عطف لتعجبهم من البعث على تعجبهم من البعثة، وعطفه
~~بالفاء لوقوعه بعده وتفرعه عليه لأنه إذا أنكر المبعوث أنكر ما بعث به
~~أيضا، على أن (هذا) إشارة إلى مبهم وهو البعث يفسره ما بعده من الجملة
~~الإنكارية، ودل عليه السياق أيضا لأنه دل على أن ثم منذرا به، ومعلوم
~~أن إنذار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أول كل شيء بالبعث وما يتبعه.
~~ووضع المظهر موضع المضمر إما لسبق اتصافهم بما يوجب كفرهم؛ واما للإيذان
~~بأن تعجبهم من البعث لدلالته على استقصارهم لقدرة الله سبحانه عنه مع
~~معاينتهم لقدرته عز وجل على ما هو أشق منه في قياس العقل من مصنوعاته
~~البديعة أشنع من الأول وأعرق ms10079 في كونه كفرا.

### || [50.3]

# وقوله تعالى: { أءذا متنا وكنا ترابا } تقرير للتعجب وتأكيد
~~للإنكار أو بيان لموضع تعجبهم، والعامل في { إذا } مضمر غني عن البيان
~~لغاية شهرته مع دلالة ما بعده عليه أي أحين نموت ونصير ترابا نرجع كما
~~ينطق به النذير والمنذر به مع كمال التباين بيننا وبين / الحياة حينئذ.
~~وقوله سبحانه: { ذلك } إشارة إلى محل النزاع وهو الرجع والبعث بعد
~~الموت أي ذلك الرجع { رجع بعيد } أي عن الأوهام أو العادة أو
~~الإمكان، وقيل: الرجع بمعنى المرجوع أي الجواب يقال هذا رجع رسالتك
~~ومرجوعها ومرجوعتها أي جوابها، والإشارة عليه إلى { أءذا متنا }
~~الخ، والجملة من كلام الله تعالى، والمعنى ذلك جواب بعيد منهم لمنذرهم،
~~وناصب { إذا } حينئذ ما ينبىء عنه المنذر من المنذر به وهو البعث أي
~~أئذا متنا وكنا ترابا بعثنا. وقد يقال: إنه لما تقرر أن ذلك جواب منهم
~~لمنذرهم فقد علم أنه أنذرهم بالبعث ليصلح ذلك جوابا له فهو دليل أيضا
~~على المقدر، فالقول بأنه إذا كان الرجع بمعنى المرجوع وهو الجواب لا يكون
~~في الكلام دليل على ناصب { إذا } مندفع. نعم هذا الوجه في نفسه بعيد بل
~~قال أبو حيان: ((إنه مفهوم عجيب ينبو عن إدراكه فهم العرب. وقرأ الأعرج
~~وشيبة وأبو جعفر وابن وثاب والأعمش وابن عتبة عن ابن عامر { إذا }
~~بهمزة واحدة على صورة الخبر فجاز أن يكون استفهاما حذفت منه الهمزة وجاز
~~أن يكون خبرا. قال في «البحر»: وأضمر جواب { إذا } أي إذا متنا وكنا
~~ترابا رجعنا، وأجاز صاحب «اللوامح» أن يكون الجواب { ذلك رجع
~~بعيد } على تقدير حذف الفاء، وقد أجاز ذلك بعضهم في جواب الشرط مطلقا
~~إذا كان جملة اسمية، وقصره أصحابنا على الشعر في الضرورة)).

### || [50.4]

# { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } أي ما تأكل من لحوم
~~موتاهم وعظامهم وأشعارهم، وهو رد لاستبعادهم بإزاحة ما هو الأصل فيه وهو
~~أن أجزاءهم تفرقت فلا تعلم حتى تعاد بزعمهم الفاسد، وقيل: { ما تنقص
~~الأرض منهم } من يموت فيدفن في الأرض ms10080 منهم، ووجه التعبير بما ظاهر
~~والأول أظهر وهو المأثور عن ابن عباس وقتادة.

# وقوله تعالى: { وعندنا كتب حفيظ } تعميم لعلمه تعالى أي
~~وعندنا كتاب حافظ لتفاصيل الأشياء كلها ويدخل فيها أعمالهم، أو محفوظ عن
~~التغير؛ والمراد إما تمثيل علمه تعالى بكليات الأشياء وجزئياتها بعلم من
~~عنده كتاب حفيظ يتلقى منه كل شيء، أو تأكيد لعلمه تعالى [بها] بثبوتها في
~~اللوح المحفوظ عنده سبحانه.

# هذا وفي الآية إشارة إلى رد شبهة تمسك بها من يرى استحالة إعادة المعدوم
~~ونفى البعث لذلك بناء على أن أجزاء الميت تعدم ولا تتفرق فقط، وحاصلها
~~أن الشيء إذا عدم ولم يستمر وجوده في الزمان الثاني ثم أعيد في الزمان
~~الثالث لزم التحكم الباطل في الحكم بأن هذا الموجود المتأخر هو بعينه
~~الموجود السابق لا موجود آخر مثله مستأنف إذ لما فقد هوية الموجود الأول
~~لم يبق منه شيء من الموضوع والعوارض الشخصية حتى يكون الموجود الثاني
~~مشتملا عليه ويكون مرجحا للحكم المذكور ويندفع التحكم.

# وحاصل الرد أن الله تعالى عليم بتفاصيل الأشياء كلها يعلم كلياتها
~~وجزئياتها على أتم وجه وأكمله. فللمعدوم صورة جزئية عنده سبحانه فهو
~~محفوظ بعوارضه الشخصية في علمه تعالى البليغ على وجه يتميز به عن
~~المستأنف فلا يلزم التحكم، ويكون ذلك نظير انخفاظ وحدة الصورة الخيالية
~~فينا بعد غيبة المحسوس عن الحس كما إذا رأينا شخصا فغاب عن بصرنا ثم
~~رأيناه ثانيا فإنا نحكم بأن هذا الشخص هو من رأيناه سابقا وهو حكم
~~مطابق للواقع مبني على انحفاظ وحدة الصورة الخيالية قطعا ولا ينكره إلا
~~مكابر.

# وقال بعض الأشاعرة: إن للمعدوم صورة جزئية حاصلة بتعلق صفة البصر من /
~~الموجد وهو الله تعالى، وليست تلك الصورة للمستأنف وجوده فإن صورته وإن
~~كانت جزئية حقيقية أيضا إلا أنها لم تترتب على تعلق صفة البصر ولا شك أن
~~المترتب على تعلق صفة البصر أكمل من غير المترتب عليه فبين الصورتين
~~تمايز واضح، وإذا انحفظ وحدة الموجود الخارجي بالصور الجزئية الخيالية
~~لنا فانحفاظها بالصورة الجزئية الحاصلة ms10081 له تعالى بواسطة تعلق صفة البصر
~~بالطريق الأولى انتهى، وهو حسن لكن لا تشير الآية إليه.

# وأيضا لا يتم عند القائلين بعدم رؤية الله سبحانه المعدومات مطلقا إلا
~~أن أولئك قائلون بثبوت هويات المعدومات متمايزة تمايزا ذاتيا حال العدم
~~فلا ترد عليهم الشبهة السابقة.

# وقد يقال: إن صفة البصر ترجع إلى صفة العلم وتعلقاته مختلفة فيجوز أن
~~يكون لعلمه تعالى تعلقا خاصا بالموجود الذي عدم غير تعلقه بالمستأنف في
~~حال عدمه وبذلك يحصل الامتياز ويندفع التحكم. ويقال على مذهب الحكماء: إن
~~صورة المعدوم السابق مرتسمة في القوى المنطبعة للأفلاك بناء على أن صور
~~جميع الحوادث الجسمانية منطبعة فيها عندهم فله صورة خيالية جزئية محفوظة
~~الوحدة الشخصية بعد فنائه بخلاف المستأنف إذ ليس تلك الصورة قبل وجوده
~~وإنما له الصور الكلية في الأذهان العالية والسافلة فإذا أوجدت تلك
~~الصورة الجزئية كان معادا وإذا أوجدت هذه الصورة الكلية كان مستأنفا
~~وربما يدعي الإسلامي المتفلسف أن في قوله تعالى: { وعندنا كتب
~~حفيظ } رمزا إلى ذلك. وللجلال الدواني كلام في هذا المقام لا يخلو عن
~~نظر عند ذوي الأفهام.

# ثم إن البعث لا يتوقف على صحة إعادة المعدوم عند الأكثرين لأنهم لا
~~يقولون إلا بتفرق أجزاء الميت دون انعدامها بالكلية، ولعل في قوله تعالى
~~حكاية عن منكريه:

# أءذا متنا وكنا ترابا

# [ق: 3] إشارة إلى ذلك. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي
~~هريرة قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس من الإنسان شيء لا يبلى إلا عظم
~~واحد وهو عجب الذنب منه يركب الخلق يوم القيامة "

# وليس نصا في انعدام ما عدا العجب بالمرة لاحتمال أن يراد ببلا غيره من
~~الأجزاء انحلالها إلى ما تركبت منه من العناصر وأما هو فيبقى على العظمية
~~وهو جزء صغير في العظم الذي في أسفل الصلب، ومن كلام الزمخشري العجب أمره
~~عجب هو أول ما يخلق وآخر ما يخلق.

### || [50.5]

# { بل كذبوا بالحق لما جاءهم } إضراب أتبع الإضراب
~~الأول للدلالة على أنهم جاءوا بما هو ms10082 أفظع من تعجبهم وهو التكذيب بالحق
~~الذي هو النبوة الثابتة بالمعجزات في أول وهلة من غير تفكر ولا تدبر
~~فكأنه بدل بداء من الأول فلا حاجة إلى تقدير ما أجادوا النظر بل كذبوا أو
~~لم يكذب المنذر بل كذبوا. وكون التكذيب المذكور أفظع قيل: من حيث إن
~~تكذيبهم بالنبوة تكذيب بالمنبأ به أيضا وهو البعث وغيره، وقيل: لأن
~~إنكار النبوة في نفسه أفظع من إنكار البعث، وربما لا يتم عند القائلين
~~بأن العقل مستقل بإثبات أصل الجزاء، على أن من الجائز أن يكونوا قد سمعوا
~~بالبعث من أصحاب ملل أخرى بخلاف نبوته عليه الصلاة والسلام خاصة. وقيل:
~~المراد بالحق الإخبار بالبعث ولا شك أن التكذيب أسوأ من التعجب وأفظع فهو
~~إضراب عن تعجبهم بالمنذر والمنذر به إلى تكذيبهم، وقيل: المراد به القرآن
~~والمضروب عنه عليه على ما قال الطيبي قوله تعالى:

# ق والقرآن المجيد

# [ق: 1] وجعل كبدل البداء من الإضراب الأول على أنه إضراب عن حديث القرآن
~~ومجده إلى التعجب من مجىء من أنذرهم بالبعث الذي تضمنه وأن هذا إضراب إلى
~~التصريح بالتكذيب به ويتضمن ذلك إنكار جميع ما تضمنه كذا قيل فتأمل.

# وقرأ الجحدري { لما } بكسر اللام وتخفيف الميم فاللام توقيتية بمعنى عند
~~نحوها في قولك: كتبه لخمس خلون مثلا، و { ما } مصدرية أي / بل كذبوا
~~بالحق عند مجيئه إياهم.

# { فهم في أمر مريج } مضطرب من مرج الخاتم في إصبعه إذا قلق
~~من الهزال، والإسناد مجازي كما

# في عيشة راضية

# [الحاقة: 21] مبالغة بجعل المضطرب الأمر نفسه وهو في الحقيقة صاحبه،
~~وذلك نفيهم النبوة عن البشر بالكلية تارة وزعمهم أن اللائق بها أهل الجاه
~~والمال كما ينبىء عنه قولهم:

# لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين
~~عظيم

# [الزخرف: 31] تارة أخرى وزعمهم أن النبوة سحر مرة وأنها كهانة أخرى حيث
~~قالوا في النبي عليه الصلاة والسلام مرة ساحر ومرة كاهن أو هو اختلاف
~~حالهم ما بين تعجب من البعث واستبعاد له وتكذيب وتردد فيه أو قولهم في
~~القرآن هو شعر ms10083 تارة وهو سحر أخرى إلى غير ذلك.

### || [50.6]

# { أفلم ينظروا } أي أغفلوا أو عموا فلم ينظروا حين كفروا بالبعث
~~{ إلى السماء فوقهم } بحيث يشاهدونها كل وقت. قيل: وهذا ظاهر
~~على ما هو المعروف بين الناس من أن المشاهد هو السماء التي هي الجرم
~~المخصوص الذي يطوى يوم القيامة وقد وصف في الآيات والأحاديث بما وصف.
~~وأما على ما ذهب إليه الفلاسفة من أن المشاهد إنما هو كرة البخار أو هواء
~~ظهر بهذا اللون ولا لون له حقيقة ودون ذلك الجرم ففيه خفاء. وقال بعض
~~الأفاضل في هذا المقام: إن ظواهر الآيات والأخبار ناطقة بأن السماء
~~مرئية، وما ذكره الفلاسفة المتقدمون من أن الأفلاك أجرام صلبة شفافة لا
~~ترى غير مسلم أصلا، وكذا كون السموات السبع هي الأفلاك السبعة غير مسلم
~~عند المحققين، وكذا وجود كرة البخار وأن ما بين السماء والأرض هواء مختلف
~~الأجزاء في اللطافة فكلما علا كان ألطف حتى أنه ربما لا يصلح للتعيش ولا
~~يمنع خروج الدم من المسام الدقيقة جدا لمن وصل إليه، وان رؤية الجو بهذا
~~اللون لا ينافي رؤية السماء حقيقة وإن لم تكن في نفسها ملونة به ويكون
~~ذلك كرؤية قعر البحر أخضر من وراء مائة ونحو ذلك مما يرى بواسطة شيء على
~~لون وهو في نفسه على غير ذلك اللون، بل قيل: إن رؤية السماء مع وجود كرة
~~البخار على نحو رؤية الأجرام المضيئة كالقمر وغيره. وأنت تعلم أن الأصحاب
~~مع الظواهر حتى يظهر دليل على امتناع ما يدل عليه وحينئذ يؤولونها، وأن
~~التزام التطبيق بين ما نطقت به الشريعة وما قاله الفلاسفة مع إكذاب بعضه
~~بعضا أصعب من المشي على الماء أو العروج إلى السماء، وأنا أقول: لا بأس
~~بتأويل ظاهر تأويلا قريبا لشيء من الفلسفة إذا تضمن مصلحة شرعية ولم
~~يستلزم مفسدة دينية، وأرى الإنصاف من الدين، ورد القول احتقارا لقائله
~~غير لائق بالعلماء المحققين. هذا وحمل بعض { السماء } ههنا على جنس
~~الأجرام العلوية وهو كما ترى، والظاهر أنها الجرم ms10084 المخصوص وأنها السماء
~~الدنيا أي أفلم ينظروا إلى السماء الدنيا.

# { كيف بنينها } أحكمناها ورفعناها بغير عمد { وزينها
~~} للناظرين بالكواكب المرتبة على أبدع نظام { وما لها من فروج }
~~أي من فتوق وشقوق، والمراد سلامتها من كل عيب وخلل فلا ينافي القول بأن
~~لها أبوابا، وزعم بعضهم أن المراد متلاصقة الطباق وهو ينافي ما ورد في
~~الحديث من أن

# " بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام "

# ولعل تأخير هذا لمراعاة الفواصل.

# ((وقيل ههنا { أفلم ينظروا } بالفاء وفي موضع آخر

# أو لم ينظروا

# [الأعراف: 185] بالواو لسبق إنكار الرجع فناسب التعقيب بما يشعر
~~بالاستدلال عليه. وجىء بالنظر دون الرؤية كما في الأحقاف استبعادا
~~لاستبعادهم فكأنه قيل: النظر كاف في حصول العلم بإمكان الرجع ولا حاجة
~~إلى الرؤية)) قاله الإمام. واحتج بقوله سبحانه: { ما لها من
~~فروج } للفلاسفة على امتناع الخرق، وأنت تعلم أن نفي الشيء لا يدل على
~~امتناعه، على أنك قد سمعت المراد بذلك، ولا يضر كونه ليس معنى / حقيقيا
~~لشيوعه.

### || [50.7]

# { والأرض مددنها } بسطناها وهو لا ينافي كريتها التامة أو
~~الناقصة من جهة القطبين لمكان العظم { وألقينا فيها روسي }
~~جبالا ثوابت تمنعها من الميد كما يدل عليه قوله تعالى في آية أخرى:

# رواسي أن تميد بكم

# [النحل: 15] وهو ظاهر في عدم حركة الأرض، وخالف في ذلك بعض الفلاسفة
~~المتقدمين وكل الفلاسفة الموجودين اليوم، ووافقهم بعض المغاربة من
~~المسلمين فزعموا أنها تتحرك بالحركة اليومية بما فيها من العناصر وأبطلوا
~~أدلة المتقدمين العقلية على عدم حركتها، وهل يكفر القائل بذلك؟ الذي يغلب
~~على الظن لا { وأنبتنا فيها من كل زوج } صنف { بهيج }
~~حسن يبهج ويسر من نظر إليه.

### || [50.8]

# راجع إلى ربه، وهو مجاز عن التفكر في بدائع صنعه سبحانه بتنزيل التفكر
~~في المصنوعات منزلة الرجوع إلى صانعها، و { تبصرة وذكرى }
~~علتان للأفعال السابقة معنى وإن انتصبا بالفعل الأخير أو لفعل مقدر بطريق
~~الاستئناف أي فعلنا ما فعلنا تبصيرا وتذكيرا، وقال أبو حيان: منصوبان
~~على المصدرية لفعل مقدر من لفظهما أي بصرنا وذكرنا والأول ms10085 أولى.

# وقرأ زيد بن علي { تبصرة وذكرى } بالرفع على معنى خلقهما
~~تبصرة وذكرى.

### || [50.9]

# قوله تعالى: { ونزلنا من السماء ماء مبركا } أي
~~كثير المنافع. شروع في بيان كيفية ما ذكر من إنبات كل زوج بهيج، وهو عطف
~~على

# أنبتنا

# [ق: 7] وما بينهما على الوجهين الأخيرين اعتراض مقرر لما قبله ومنبه على
~~ما بعده { فأنبتنا به } أي بذلك الماء { جنت } كثيرة كما
~~يقتضيه المقام أي أشجارا ذات ثمار { وحب الحصيد } أي حب الزرع
~~الذي من شأنه أن يحصد من البر والشعير وأمثالهما، فالإضافة لما بينهما من
~~الملابسة. و { الحصيد } بمعنى المحصود صفة لموصوف مقدر كما أشرنا
~~إليه فليس من قبيل مسجد الجامع ولا من مجاز الأول كما توهم. وتخصيص إنبات
~~حبه بالذكر لأنه المقصود بالذات.

### || [50.10]

# { والنخل } عطف على

# جنت

# [ق: 9] وهي اسم جنس تؤنث وتذكر وتجمع. وتخصيصها بالذكر مع اندراجها في
~~الجنات لبيان فضلها على سائر الأشجار، وتوسيط الحب بينهما لتأكيد
~~استقلالها وامتيازها عن البقية مع ما فيه من مراعاة الفواصل {
~~بسقت } أي طوالا أو حوامل من أبسقت الشاة إذا حملت فيكون على
~~هذا من أفعل فهو فاعل، والقياس مفعل فهو من النوادر كالطوائح واللواقح في
~~أخوات لها شاذة ويافع من أيفع وباقل من أبقل. ونصبه على أنه حال مقدرة.
~~وروى قطبة بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ { باصقات }
~~بالصاد وهي لغة لبني العنبر يبدلون من السين صادا إذا وليتها أو فصل
~~بحرف أو حرفين خاء معجمة أو عين مهملة أو طاء كذلك أو قاف.

# { لها طلع نضيد } منضود بعضه فوق بعض، والمراد تراكم الطلع أو
~~كثرة ما فيه من مادة الثمر. والجملة حال من (النخل) كباسقات بطريق
~~الترادف أو من ضميرها في { بسقت } على التداخل، وجوز أن يكون
~~الحال هو الجار والمجرور و { طلع } مرتفع به على الفاعلية.

### || [50.11]

# وقوله تعالى: { رزقا للعباد } أي ليرزقهم علة لقوله تعالى:

# فأنبتنا

# [ق: 9] وفي تعليله بذلك بعد تعليل

# أنبتنا

# [ق: 7] الأول بالتبصير والتذكير تنبيه على أن اللائق بالعبد ms10086 أن يكون
~~انتفاعه بذلك من حيث التذكر والاستبصار أقدم وأهم من تمتعه به من حيث
~~الرزق. وجوز أن يكون { رزقا } مصدرا من معنى { أنبتنا } لأن
~~الإنبات رزق فهو من قبيل قعدت جلوسا، وأن يكون حالا بمعنى مرزوقا {
~~وأحيينا به } أي بذلك الماء { بلدة ميتا } أرضا جدبة لا
~~نماء فيها بأن جعلناها بحيث ربت وأنبتت وتذكير { ميتا } لأن البلدة
~~بمعنى البلد والمكان. وقرأ أبو جعفر وخالد { ميتا } بالتثقيل.

# { كذلك الخروج } جملة / قدم فيها الخبر للقصد إلى القصر و(ذلك)
~~إشارة إلى الحياة المستفادة من الإحياء، وما فيه من معنى البعد إشعار
~~ببعد الرتبة أي مثل تلك الحياة البديعة حياتكم بالبعث من القبور لا كشيء
~~مخالف لها. وفي التعبير عن إخراج النبات من الأرض بالإحياء وعن إحياء
~~الموتى بالخروج تفخيم لشأن الإنبات وتهوين لأمر البعث وتحقيق للمماثلة
~~بين إخراج النبات وإحياء الموتى لتوضيح منهاج القياس وتقريبه إلى أفهام
~~الناس، وجوز أن يكون الكاف في محل رفع على الابتداء و { الخروج }
~~خبر، ونقل عن الزمخشري أنه قال: { كذلك } الخبر وهو الظاهر، ولكونه
~~مبتدأ وجه وهو أن يقال: ذلك الخروج مبتدأ وخبر على نحو أبو يوسف أبو
~~حنيفة، والكاف واقع موقع مثل في قولك: مثل زيد أخوك ولا يخفى أنه تكلف.

### || [50.12-13]

# وقوله تعالى: { كذبت قبلهم قوم نوح } إلى آخره استئناف
~~وارد لتقرير حقية البعث ببيان اتفاق كافة الرسل عليهم الصلاة والسلام
~~عليها وتكذيب منكريها، وفي ذلك أيضا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم
~~وتهديد للكفرة { وأصحب الرس } هو البئر التي لم تبن، وقيل: هو
~~واد، وأصحابه قيل: هم ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام، وقيل: قوم حنظلة
~~بن صفوان { وثمود * وعاد وفرعون } أريد هو وقومه ليلائم ما
~~قبله وما بعده، وهذا كما تسمى القبيلة تميما مثلا باسم أبيها {
~~وإخون لوط } قيل: كانوا من أصهاره عليه السلام فليس المراد الأخوة
~~الحقيقية من النسب.

### || [50.14]

# { وأصحب الأيكة } قيل: هم قوم بعث إليهم شعيب عليه السلام
~~غير أهل مدين كانوا يسكنون أيكة وهي الغيطة فسموا بها { وقوم ms10087
~~تبع } الحميري وكان مؤمنا وقومه كفرة ولذا لم يذم هو وذم قومه، وقد
~~سبق في الحجر والدخان والفرقان تمام الكلام فيما يتعلق بما في هذه الآية.

# { كل كذب الرسل } أي فيما أرسلوا به من الشرائع التي من
~~جملتها البعث الذي أجمعوا عليه قاطبة أي كل قوم من الأقوام المذكورين
~~كذبوا رسولهم أو كذب كل هؤلاء جميع رسلهم. وإفراد الضمير باعتبار لفظ
~~الكل أو كل واحد منهم كذب جميع الرسل لاتفاقهم على الدعوة إلى التوحيد
~~والإنذار بالبعث والحشر فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل. والمراد بالكلية
~~التكثير كما في قوله تعالى:

# وأوتيت من كل شيء

# [النمل: 23] وإلا فقد آمن من آمن من قوم نوح وكذا من غيرهم. ثم ما ذكر
~~على تقدير رسالة تبع ظاهر ثم على تقدير عدمها وعليه الأكثر فمعنى تكذيب
~~قومه الرسل عليهم السلام تكذيبهم بما قبل من الرسل المجتمعين على التوحيد
~~والبعث، وإلى ذلك كان يدعوهم تبع. { فحق وعيد } أي فوجب وحل عليهم
~~وعيدي وهي كلمة العذاب.

### || [50.15]

# { أفعيينا بالخلق الأول } استئناف مقرر لصحة البعث الذي
~~حكيت أحوال المنكرين له من الأمم المهلكة. والعي بالأمر العجز عنه لا
~~التعب، وقال الكسائي: تقول أعييت من التعب وعييت من انقطاع الحيلة والعجز
~~عن الأمر، وهذا هو المعروف والأفصح وإن لم يفرق بينهما كثير. والهمزة
~~للإنكار والفاء للعطف على مقدر ينبىء عنه العي من القصد والمباشرة كأنه
~~قيل: أقصدنا الخلق الأول وهو الإبداء فعجزنا عنه حتى يتوهم عجزنا عن
~~الإعادة. وجوز الإمام أن يكون المراد بالخلق الأول خلق السماء والأرض
~~ويدل عليه قوله سبحانه:

# أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات
~~والأرض ولم يعي بخلقهن

# [الأحقاف: 33] ويؤيده قوله تعالى بعد:

# ولقد خلقنا الإنسن

# [ق: 16] الخ وهو كما ترى. وعن الحسن الخلق / الأول آدم عليه السلام
~~وليس بالحسن.

# وقرأ ابن أبي عبلة. والوليد بن مسلم والقورصي عن أبي جعفر والسمسار عن
~~شيبة وأبو بحر عن نافع { أفعينا } بتشديد الياء وخرجت على لغة من أدغم
~~الياء في الياء في الماضي فقال: عي ms10088 في عيي وحي في حيي فلما أدغم ألحقه
~~ضمير المتكلم المعظم نفسه ولم يفك الإدغام فقال: عينا وهي لغة لبعض بكر
~~بن وائل في رددت ورددنا ردت وردنا فلا يكفون، وعلى هذه اللغة تكون الياء
~~المشددة مفتوحة ولو كانت { نا } ضمير نصب فالعرب جميعهم على الإدغام نحو
~~ردنا زيد.

# { بل هم في لبس من خلق جديد } عطف على مقدر يدل عليه ما
~~قبله كأنه قيل: إنهم معترفون بالأول غير منكرين قدرتنا عليه فلا وجه
~~لإنكارهم الثاني بل هم في خلط وشبهة في خلق مستأنف. وإنما نكر الخلق ووصف
~~بجديد ولم يقل: من الخلق الثاني تنبيها على مكان شبهتهم واستبعادهم
~~العادي بقوله سبحانه: { جديد } وأنه خلق عظيم يجب أن يهتم بشأنه فله
~~نبأ أي نبأ، والتعظيم ليس راجعا إلى الخلق من حيث هو هو حتى يقال: إنه
~~أهون من الخلق الأول بل إلى ما يتعلق بشأن المكلف وما يلاقيه بعده وهو هو
~~وقال بعض المحققين: نكر لأنه لاستعباده عندهم كان أمرا عظيما، وجوز أن
~~يكون التنكير للإبهام إشارة إلى أنه خلق على وجه لا يعرفه الناس.

# وأورد الشيخ الأكبر قدس سره هذه الآية في معرض الاستدلال على تجدد
~~الجواهر كالتجدد الذي يقوله الأشعري في الأعراض فكل منهما عند الشيخ لا
~~يبقى زمانين، ويفهم من كلامه قدس سره أن ذلك مبني على القول بالوحدة وأنه
~~سبحانه كل يوم هو في شأن، ولعمري إن الآية بمعزل عما يقول.

### || [50.16]

# { ولقد خلقنا الإنسن ونعلم ما توسوس به
~~نفسه } أي ما تحدثه به وهو ما يخطر بالبال. والوسوسة الصوت الخفي
~~ومنه وسواس الحلي. وضمير { به } لما وهي موصولة والباء صلة {
~~توسوس } وجوز أن تكون للملابسة أو زائدة وليس بذاك، ويجوز أن تكون {
~~ما } مصدرية والضمير للإنسان والباء للتعدية على معنى أن النفس تجعل
~~الإنسان قائما به الوسوسة فالمحدث هو الإنسان لأن الوسوسة بمنزلة الحديث
~~فيكون نظير حدث نفسه بكذا وهم يقولون ذلك كما يقولون حدثته نفسه بكذا قال
~~لبيد:

# واكذب النفس إذا حدثتها

# إن صدق ms10089 النفس يزري بالأمل

# { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } أي نعلم به
~~وبأحواله لا يخفى علينا شيء من خفياته، على أنه أطلق السبب وأريد المسبب
~~لأن القرب من الشيء في العادة سبب العلم به وبأحواله أو الكلام من باب
~~التمثيل؛ ولا مجال لحمله على القرب المكاني لتنزهه سبحانه عن ذلك، وكلام
~~أهل الوحدة مما يشق فهمه على غير ذوي الأحوال. و { حبل الوريد }
~~مثل في فرط القرب كقولهم: مقعد القابلة ومعقد الإزار قال ذو الرمة على ما
~~في «الكشاف»:

# والموت أدنى لي من حبل الوريد

# والحبل معروف والمراد به هنا العرق لشبهه به، وإضافته إلى الوريد - وهو
~~عرق مخصوص كما ستعرفه - للبيان كشجر الأراك أو لامية كما في غيره - من
~~إضافة العام إلى الخاص فإن أبقي الحبل على حقيقته فإضافته كما في لجين
~~الماء. و { الوريد } عرق كبير في العنق وعن الأثرم أنه نهر الجسد
~~ويقال له في العنق الوريد وفي القلب الوتين وفي الظهر الأبهر وفي الذراع
~~والفخر الأكحل والنسا وفي الخنصر الأسلم. والمشهور أن في كل صفحة من
~~العنق عرقا يقال له وريد. ففي «الكشاف» الوريدان عرقان مكتنفان لصفحتي
~~العنق في مقدمها متصلان بالوتين يردان بحسب المشاهدة من الرأس إليه
~~فالوريد فعيل بمعنى فاعل، وقيل: هو بمعنى مفعول لأن الروح الحيواني يرده
~~ويشير إلى هذا قول الراغب: ((الوريد عرق متصل بالكبد والقلب / وفيه مجاري
~~الروح، وقال في الآية: أي نحن أقرب إليه من روحه))، وحكي ذلك عن بعضهم
~~أيضا.

### || [50.17]

# { إذ يتلقى المتلقيان } هما الملكان الموكلان بكل إنسان
~~يكتبان أعماله. والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة. و { إذ } قيل: ظرف 
~~لأقرب  وأفعل التفضيل يعمل في الظروف لأنه يكفيها رائحة الفعل وإن لم
~~يكن عاملا في غيرها فاعلا أو مفعولا به أي هو سبحانه أعلم بحال
~~الإنسان من كل قريب حين يتلقى المتلقيان الحفيظان ما يتلفظ به. وفيه
~~إيذان بأنه عز وجل غني عن استحفاظ الملكين فإنه تعالى شأنه أعلم منهما
~~ومطلع على ما يخفى عليهما لكن الحكمة اقتضته، وهو ما ms10090 في كتبة الملكين
~~وحفظهما وعرض صحائفهما يوم يقوم الأشهاد، وعلم العبد بذلك مع علمه بإحاطة
~~الله تعالى بعمله من زيادة لطف في الانتهاء عن السيئات والرغبة في
~~الحسنات. وجوز أن تكون { إذ } لتعليل القرب، وفيه أن تعليل قربه عز وجل
~~العلمي بإطلاع الحفظة الكتبة بعيد. واختار بعضهم كونها مفعولا به لاذكر
~~مقدرا لبقاء الأقربية على إطلاقها ولأن أفعل التفضيل ضعيف في العمل وإن
~~كان لا مانع من عمله في الظرف؛ والكلام مسوق لتقرير قدرته عز وجل وإحاطة
~~علمه سبحانه وتعالى فتأمل.

# { عن اليمين وعن الشمال قعيد } أي عن اليمين قعيد وعن
~~الشمال قعيد فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، ومنه قوله:

# رماني بأمر كنت منه ووالدي

# بريئا ومن أجل الطوى رماني

# وقال المبرد: إن التقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال فأخر قعيد عن موضعه.
~~والقعيد عليهما فعيل بمعنى مفاعل كجليس بمعنى مجالس ونديم بمعنى منادم،
~~وذهب الفراء إلى أن قعيدا يدل على الإثنين والجمع، وقد أريد منه هنا
~~الإثنان فلا حذف ولا تقديم ولا تأخير. واعترض بأن فعيلا يستوي فيه ذلك
~~إذا كان بمعنى مفعول وهذا بمعنى فاعل ولا يصح فيه ذلك إلا بطريق الحمل
~~على فعيل بمعنى مفعول.

# واختلف في تعيين محل قعودهما فقيل: هما على الناجذين، فقد أخرج أبو نعيم
~~والديلمي عن معاذ بن جبل مرفوعا

# " إن الله لطف بالملكين الحافظين حتى أجلسهما على الناجذين وجعل لسانه
~~قلمهما وريقه مدادهما "

# ، وقيل: على العاتقين، وقيل: على طرفي الحنك عند العنفقة وفي «البحر»
~~أنهم اختلفوا في ذلك ولا يصح فيه شيء. وأنا أقول أيضا: لم يصح عندي أكثر
~~مما أخبر الله تعالى به من أنهما عن اليمين وعن الشمال قعيدان، وكذا لم
~~يصح خبر قلمهما ومدادهما وأقول كما قال اللقاني بعد أن استظهر أن الكتب
~~حقيقي: علم ذلك مفوض إلى الله عز وجل، وأقول الظاهر أنهما في سائر أحوال
~~الإنسان عن يمينه وعن شماله. وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس أنه
~~قال: إن قعد فأحدهما عن يمينه والآخر عن ms10091 يساره وإن مشى فأحدهما امامه
~~والآخر خلفه وإن رقد فأحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه.

### || [50.18]

# { ما يلفظ من قول } ما يرمي به من فيه، خيرا كان أو شرا.
~~وقرأ محمد بن أبي معدان { ما يلفظ } بفتح الفاء { إلا لديه
~~رقيب } ملك يرقب قوله ويكتبه فإن كان خيرا فهو صاحب اليمين وإن كان
~~شرا فهو صاحب الشمال { عتيد } معد مهيأ لكتابة ما أمر به من الخير أو
~~الشر. وتخصيص القول بالذكر لإثبات الحكم في الفعل بدلالة النص.

# واختلف فيما يكتبانه فقال الإمام مالك وجماعة: يكتبان كل شيء حتى الأنين
~~في المرض، وفي «شرح الجوهرة» للقاني مما يجب اعتقاده أن لله تعالى ملائكة
~~يكتبون أفعال العباد من خير أو شر أو غيرهما قولا كانت أو عملا
~~اعتقادا، هما كانت أو عزما أو تقريرا اختارهم سبحانه لذلك فهم لا
~~يهملون من شأنهم شيئا فعلوه قصدا وتعمدا أو ذهولا ونسيانا صدر /
~~منهم في الصحة أو في المرض كما رواه علماء النقل والرواية انتهى.

# وفي بعض الآثار ما يدل على أن الكلام النفسي لا يكتب، أخرج البيهقي في
~~«الشعب» عن حذيفة بن اليمان أن للكلام سبعة أغلاق إذا خرج منها كتب وإن
~~لم يخرج لم يكتب القلب واللها واللسان والحنكان والشفتان، وذهب بعضهم إلى
~~أن المباح لا يكتبه أحد منهما لأنه لا ثواب فيه ولا عقاب والكتابة للجزاء
~~فيكون مستثنى حكما من عموم الآية وروي ذلك عن عكرمة. وأخرج ابن أبي
~~شيبة وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه من طريقه عن ابن عباس أنه
~~قال: إنما يكتب الخير والشر لا يكتب يا غلام أسرج الفرس ويا غلام اسقني
~~الماء، وقال بعضهم: يكتب كل ما صدر من العبد حتى المباحات فإذا عرضت
~~أعمال يومه محى منها المباحات وكتب ثانيا ما له ثواب أو عقاب وهو معنى
~~قوله تعالى:

# يمحو الله ما يشاء ويثبت

# [الرعد: 39] وقد أشار السيوطي إلى ذلك في بعض رسائله وجعل وجها للجمع
~~بين القولين بكتابة المباح والقول بعدمها وقد روي نحوه عن ms10092 ابن عباس. أخرج
~~ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أنه قال في الآية: يكتب كل ما تكلم به من
~~خير أو شر حتى إنه ليكتب قوله: أكلت وشربت ذهبت جئت رأيت حتى إذا كان يوم
~~الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان من خير أو شر وألقي سائره فذلك
~~قوله تعالى:

# يمحو الله ما يشاء ويثبت

# [الرعد: 39].

# ثم إن المباح على القول بكتابته يكتبه ملك الشمال على ما يشعر به ما
~~أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي في «شعب الإيمان» من طريق الأوزاعي عن حسان
~~بن عطية أن رجلا كان على حمار فعثر به فقال: تعست فقال صاحب اليمين: ما
~~هي بحسنة فاكتبها وقال صاحب الشمال ما هي بسيئة فاكتبها فنودي صاحب
~~الشمال إن ما تركه صاحب اليمين فاكتبه، وجاء في بعض الأخبار أن صاحب
~~اليمين أمين على صاحب الشمال، وقد أخرج ذلك الطبراني وابن مردويه
~~والبيهقي في «الشعب» من حديث أبي أمامة مرفوعا، وفيه

# " فإذا عمل العبد حسنة كتبت له بعشر أمثالها وإذا عمل سيئة وأراد صاحب
~~الشمال أن يكتبها قال صاحب اليمين أمسك فيمسك ست ساعات أو سبع ساعات فإن
~~استغفر الله تعالى منها لم يكتب عليه منها شيئا وإن لم يستغفر الله
~~تعالى كتبت عليه سيئة واحدة "

# ومثل الاستغفار كما نص عليه فعل طاعة مكفرة في حديث آخر أن صاحب اليمين
~~يقول: دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر.

# وظاهر الآية عموم الحكم للكافر فمعه أيضا ملكان يكتبان ما له وما عليه
~~من أعماله وقد صرح بذلك غير واحد وذكروا أن ماله الطاعات التي لا تتوقف
~~على نية كالصدقة وصلة الرحم وما عليه كثير لا سيما على القول بتكليفه
~~بفروع الشريعة.

# وفي «شرح الجوهرة» الصحيح كتب حسنات الصبي وإن كان المجنون لا حفظة
~~عليه لأن حاله ليست متوجهة للتكليف بخلاف الصبي وظاهر الآية شمول الحكم
~~له وتردد الجزولي في الجن والملائكة أعليهم حفظة أم لا ثم جزم بأن على
~~الجن حفظة وأتبعه القول بذلك في الملائكة عليهم ms10093 السلام، قال اللقاني بعد
~~نقله: ولم أقف عليه في الجن لغيره ويفهم منه أنه وقف عليه في الملائكة
~~لغيره ولعله ما حكي عن بعضهم أن المراد بالروح في قوله تعالى:

# تنزل الملئكة والروح

# [القدر: 4] الحفظة على الملائكة، ويحتاج دعوى ذلك فيهم وفي الجن إلى
~~نقل. وأما اعتراض القول به في الملائكة بلزوم التسلسل فمدفوع بما لا يخفى
~~على المتأمل.

# ثم إن بعضهم استظهر في الملكين اللذين مع الإنسان كونهما ملكين بالشخص
~~لا بالنوع لكل إنسان يلزمانه إلى مماته فيقومان عند قبره يسبحان الله
~~تعالى ويحمدانه ويكبرانه ويكتبان ثواب ذلك لصاحبهما إن كان مؤمنا. /
~~أخرج أبو الشيخ في «العظمة» والبيهقي في «شعب الإيمان» عن أنس أن النبي
~~صلى الله عليه وسلم قال:

# " إن الله تعالى وكل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله فإذا مات قال
~~الملكان اللذان وكلا به: قد مات فأذن لنا أن نصعد إلى السماء فيقول الله
~~تعالى: سمائي مملوءة من ملائكتي يسبحوني فيقولان: أنقيم في الأرض؟ فيقول
~~الله تعالى: أرضي مملوءة من خلقي يسبحوني فيقولان فأين؟ فيقول: قوما على
~~قبر عبدي فسبحاني واحمداني وكبراني واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة،
~~وجاء أنهما يلعنانه إلى يوم القيامة إن كان كافرا "

# وقال الحسن: الحفظة أربعة اثنان بالنهار واثنان بالليل وهو يحتمل التبدل
~~بأن يكون في كل يوم وليلة أربعة غير الأربعة التي في اليوم والليلة
~~قبلهما وعدمه.

# وقال بعضهم: إن ملك الحسنات يتبدل تنويها بشأن الطائع وملك السيآت لا
~~يتبدل سترا على العاصي في الجملة.

# والظاهر أنهما لا يفارقان الشخص وقالوا: يفارقانه عند الجماع ودخول
~~الخلاء، ولا يمنع ذلك من كتبهما ما يصدر عنه في تلك الحال، ولهما علامة
~~للحسنة والسيئة بدنيتين كانتا أو قلبيتين. وبعض الأخبار ظاهرة في أن ما
~~في النفس لا يكتب، أخرج ابن المبارك وابن أبي الدنيا في «الإخلاص» وأبو
~~الشيخ في «العظمة» عن ضمرة بن حبيب قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الملائكة يصعدون بعمل العبد من
~~عباد الله تعالى فيكثرونه ويزكونه حتى ms10094 ينتهوا به حيث شاء الله تعالى من
~~سلطانه فيوحي الله تعالى إليهم إنكم حفظة على عمل عبدي وأنا رقيب على ما
~~في نفسه إن عبدي هذا لم يخلص لي عمله فاجعلوه في سجين قال: ويصعدون بعمل
~~العبد من عباد الله تعالى فيستقلونه ويحتقرونه حتى ينتهوا به حيث شاء
~~الله تعالى من سلطانه فيوحي الله تعالى إليهم إنكم حفظة على عمل عبدي
~~وأنا رقيب على ما في نفسه فضاعفوه له واجعلوه في عليين "

# وجاء من حديث عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» عن أبي عمران الجوني
~~أنه ينادي الملك اكتب لفلان بن فلان كذا وكذا أي من العمل الصالح فيقول:
~~يا رب إنه لم يعمله فيقول: سبحانه وتعالى إنه نواه، وقد يقال: إنهما
~~يكتبان ما في النفس ما عدا الرياء والطاعات المنوية جمعا بين الأخبار.

# وجاء أن يكتب للمريض والمسافر مثل ما كان يعمل في الصحة والإقامة من
~~الحسنات. أخرج ابن أبي شيبة والدارقطني في «الأفراد» والطبراني والبيهقي
~~في «الشعب» عن عبد الله بن عمرو قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من أحد من المسلمين يبتلى ببلاء
~~في جسده إلا أمر الله تعالى الحفظة فقال: اكتبوا لعبدي ما كان يعمل وهو
~~صحيح ما دام مشدودا في وثاقي "

# وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مرض أو سافر كتب الله تعالى له
~~ما كان يعمل صحيحا مقيما "

# وفي بعض الآثار ما يدل على أن بعض الطاعات يكتبها غير هذين الملكين.

# ثم إن الملائكة الذين مع الإنسان ليسوا محصورين بالملكين الكاتبين،

# " فعن عثمان أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم كم ملك على الإنسان؟
~~فذكر عشرين ملكا "

# قاله المهدوي في «الفيصل»، وذكر بعضهم أن المعقبات في قوله تعالى:

# له معقبت من بين يديه ومن خلفه يحفظونه
~~من أمر الله

# [الرعد: 11] غير الكاتبين بلا خلاف، وحكى اللقاني عن ابن عطية أن كل
~~آدمي يوكل به من حين وقوعه نطفة في الرحم ms10095 إلى موته أربعمائة ملك، والله
~~تعالى أعلم بصحة ذلك. وروى ابن المنذر وأبو الشيخ في «العظمة» عن ابن
~~المبارك أنه قال: وكل بالعبد خمسة أملاك ملكان بالليل وملكان بالنهار
~~يجيئان ويذهبان وملك خامس لا يفارقه لا ليلا ولا نهارا.

### || [50.19]

# وقوله تعالى: { وجاءت سكرة الموت بالحق } إلى آخره كلام
~~وارد بعد تتميم الغرض من إثبات ما أنكروه من البعث بأبين دليل وأوضحه دال
~~على أن هذا المنكر أنتم لاقوه فخذوا حذركم. والتعبير بالماضي هنا وفيما
~~بعد لتحقق الوقوع، و { سكرة الموت } شدته مستعارة من الحالة التي
~~تعرض بين المرء وعقله بجامع أن كلا منهما يصيب العقل بما يصيب، وجوز أن
~~يشبه الموت بالشراب على طريق الاستعارة المكنية ويجعل إثبات السكرة له
~~تخييلا، وليس بذاك. والباء إما للتعدية كما في قولك: جاء الرسول بالخبر،
~~والمعنى أحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر الذي نطقت به كتب الله تعالى
~~ورسوله عليهم الصلاة والسلام، وقيل: حقيقة الأمر وجلية الحال من سعادة
~~الميت وشقاوته، وقيل: بالحق الذي ينبغي أن يكون من الموت والجزاء فإن
~~الإنسان خلق له، وإما للملابسة كما في قوله تعالى:

# تنبت بالدهن

# [المؤمنون: 20] أي ملتبسة بالحق أي بحقيقة الأمر، وقيل: بالحكمة والغاية
~~الجميلة.

# وقرىء { سكرة الحق بالموت } والمعنى أنها السكرة التي كتبت على الإنسان
~~بموجب الحكمة وانها لشدتها توجب زهوق الروح أو تستعقبه، وقيل: الباء
~~بمعنى مع، وقيل: سكرة الحق سكرة الله تعالى على أن الحق من أسمائه عز
~~وجل، والإضافة للتهويل لأن ما يجيء من العظيم عظيم. وقرأ ابن مسعود {
~~سكرات الموت } جمعا، ويوافق ذلك ما أخرج البخاري والترمذي والنسائي وابن
~~ماجه عن عائشة

# " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء
~~فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: لا إله إلا الله إن
~~للموت سكرات "

# وجاء في حديث صححه الحاكم عن القاسم بن محمد عن عائشة أيضا قالت:

# " لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء ms10096
~~وهو يدخل يده القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: اللهم أعني على سكرات
~~الموت "

# { ذلك } أي الحق { ما كنت منه تحيد } أي تميل وتعدل،
~~فالإشارة إلى الحق والخطاب للفاجر لا للإنسان مطلقا والإشارة إلى الموت
~~لأن الكلام في الكفرة، وإنما جيء بقوله تعالى:

# ولقد خلقنا الإنسن

# [ق: 16] لإثبات العلم بجزئيات أحواله وتضمين شبه وعيد لهؤلاء إدماجا
~~والتخلص منه إلى بيان أحواله في الآخرة ولأن قوله سبحانه وتعالى:

# لقد كنت في غفلة

# [ق: 22] الخ يناسب خطاب هؤلاء، وكذلك ما يعقبه على ما لا يخفى. وأما
~~حديث مقابليهم فقد أخذ فيه حيث قال عز وجل:

# وأزلفت الجنة

# [ق: 31] الآيات. وقال بعض الأجلة: الإشارة إلى الموت والخطاب للإنسان
~~الشامل للبر والفاجر والنفرة عن الموت شاملة لكل من أفراده طبعا.

# وقال الطيبي: إن كان قوله تعالى: { وجاءت سكرة الموت }
~~متصلا بقوله سبحانه:

# بل هم في لبس من خلق جديد

# [ق: 15] وقوله تعالى:

# كذبت قبلهم قوم نوح

# [ق: 12] فالمناسب أن يكون المشار إليه الحق والخطاب للفاجر، وإن كان
~~متصلا بقوله تعالى:

# ولقد خلقنا الإنسن

# [ق: 16] فالمناسب أن يكون المشار إليه الموت والخطاب للجنس وفيه البر
~~والفاجر، والالتفات لا يفارق الوجهين، والثاني هو الوجه لقوله تعالى بعد
~~ذلك:

# وجاءت كل نفس

# [ق: 21] الخ، وتفصيله بقوله تعالى:

# ألقيا في جهنم كل كفار عنيد

# [ق: 24]

# وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد

# [ق: 31] وفيه ما يعلم مما قدمنا.

# وحكى في «الكشاف» ((عن بعضهم أنه سأل زيد بن أسلم عن ذلك فقال: الخطاب
~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فحكاه لصالح بن كيسان فقال: والله ما من
~~عالية ولا لسان فصيح ولا معرفة بكلام العرب هو للكافر، ثم حكاهما للحسين
~~بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس فقال: أخالفهما جميعا / هو للبر
~~والفاجر))، وكأن هذه المخالفة لنحو ما سمعت عن الطيبي. وفي بعض الآثار
~~ما يؤيد القول بالعموم أخرج ابن سعد

# " عن عروة قال: لما مات الوليد بكت أم سلمة فقالت: "

# يا عين فأبكي للوليد بن الوليد بن المغيرة ms10097

# كان الوليد بن الوليد أبو الوليد فتى العشيره

# " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقولي هكذا يا أم سلمة ولكن
~~قولي: { وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت
~~منه تحيد } "

# وأخرج أحمد وابن جرير عن عبد الله مولى الزبير بن العوام قال: لما حضر
~~أبو بكر الوفاة تمثلت عائشة بهذا البيت:

# أعاذل ما يغني الحذار عن الفتى

# إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر

# فقال أبو بكر: ليس كذلك يا بنية ولكن قولي: { وجاءت سكرة
~~الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد } وفي رواية لابن
~~المنذر وأبي عبيد أنها قالت:

# وأبيض يستسقى الغمام بوجهه

# ثمال اليتامى عصمة للأرامل

# فقال رضي الله تعالى عنه: بل جاءت سكرة الموت الخ إذ التمثل بالآية على
~~تقدير العموم أوفق بالحال كما لا يخفى.

### || [50.20]

# { ونفخ في الصور } أي نفخة البعث { ذلك } إشارة إلى النفخ
~~المفهوم من { نفخ } والكلام على حذف مضاف أي وقت ذلك النفخ { يوم
~~الوعيد } أي يوم إنجاز الوعيد الواقع في الدنيا أو يوم وقوع الوعيد
~~على أنه عبارة عن العذاب الموعود، وجوز أن تكون الإشارة إلى الزمان
~~المفهوم من { نفخ } فإن الفعل كما يدل على الحدث يدل على الزمان،
~~وعليه لا حاجة إلى تقدير شيء، لكن قيل عليه: إن الإشارة إلى زمان الفعل
~~مما لا نظير له. وتخصيص الوعيد بالذكر على تقدير كون الخطاب للإنسان
~~مطلقا مع أنه يوم الوعد أيضا بالنسبة إليه للتهويل.

### || [50.21]

# { وجاءت كل نفس } من النفوس البرة والفاجرة كما هو الظاهر {
~~معها سائق وشهيد } وإن اختلفت كيفية السوق والشهادة حسب اختلاف
~~النفوس عملا أي معها ملكان أحدهما يسوقها إلى المحشر والآخر يشهد
~~بعملها، وروي ذلك عن عثمان رضي الله تعالى عنه وغيره، وفي حديث أخرجه أبو
~~نعيم في «الحلية» عن جابر مرفوعا تصريح بأن ملك الحسنات وملك السيئات
~~أحدهما سائق والآخر شهيد، وعن أبي هريرة السائق ملك الموت والشهيد
~~النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية أخرى عنه السائق ملك والشهيد العمل
~~وكلاهما كما ترى، وقيل: ms10098 الشهيد الكتاب الذي يلقاه منشورا، وعن ابن عباس
~~والضحاك السائق ملك والشهيد جوارح الإنسان، وتعقبه ابن عطية بقوله: وهذا
~~بعيد عن ابن عباس لأن الجوارح إنما تشهد بالمعاصي، وقوله تعالى: { كل
~~نفس } يعم الصالحين. وقيل: السائق والشهيد ملك واحد والعطف لمغايرة
~~الوصفين أي معها ملك يسوقها ويشهد عليها، وقيل: السائق نفس الجائي
~~والشهيد جوارحه. وتعقب بأن المعية تأباه والتجريد بعيد، وفيه أيضا ما
~~تقدم آنفا عن ابن عطية، وقال أبو مسلم: السائق شيطان كان في الدنيا مع
~~الشخص وهو قول ضعيف. وقال أبو حيان: ((الظاهر أن { سائق وشهيد }
~~اسما جنس فالسائق ملائكة موكلون بذلك والشهيد الحفظة وكل من يشهد، ثم ذكر
~~أنه يشهد بالخير الملائكة والبقاع، وفي الحديث

# " لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة "

# )).

# و { معها } صفة { نفس } أو { كل } وما بعده / فاعل به
~~لاعتماده أو { معها } خبر مقدم وما بعده مبتدأ. والجملة في موضع
~~الصفة، واختير كونها مستأنفة استئنافا بيانيا لأن الأخبار بعد العلم
~~بها أوصاف ومضمون هذه الجملة غير معلوم فلا تكون صفة إلا أن يدعي العلم
~~به. وأنت تعلم أن ما ذكر غير مسلم. وقال الزمخشري: ((محل { معها
~~سائق } النصب على الحال من { كل } لتعرفه بالإضافة إلى ما هو في
~~حكم المعرفة))، فإن أصل (كل) أن يضاف إلى الجمع كأفعل التفضيل فكأنه قيل:
~~كل النفوس يعني أن هذا أصله وقد عدل عنه في الاستعمال للتفرقة بين كل
~~الإفرادي والمجموعي، ولا يخفى أن ما ذكره تكلف لا تساعده قواعد العربية،
~~وقد قال عليه في «البحر»: إنه كلام ساقط لا يصدر عن مبتدئ في النحو. ثم
~~إنه لا يحتاج إليه فإن الإضافة للنكرة تسوغ مجيء الحال منها، وأيضا {
~~كل } تفيد العموم وهو من المسوغات كما في «شرح التسهيل». وقرأ طلحة {
~~محا سائق } بالحاء مثقلة أدغم العين في الهاء فانقلبتا حاء كما قالوا:
~~ذهب محم يريدون معهم.

### || [50.22]

# وقوله تعالى: { لقد كنت في غفلة من هذا } محكي بإضمار
~~قول، والجملة استئناف ms10099 مبني على سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل: فماذا يكون
~~بعد النفخ ومجيء كل نفس معها سائق وشهيد؟ فقيل: يقال للكافر الغافل إذا
~~عاين الحقائق التي لم يصدق بها في الدنيا من البعث وغيره لقد كنت في غفلة
~~من هذا الذي تعاينه، فالخطاب للكافر كما قال ابن عباس وصالح بن كيسان.
~~وتنكير الغفلة وجعله فيها وهي فيه يدل على أنها غفلة تامة، وهكذا غفلة
~~الكفرة عن الآخرة وما فيها. وقيل: الجملة محكية بإضمار قول هو صفة  لنفس
~~ أو حال والخطاب عام أي يقال لكل نفس أو قد قيل لها: لقد كنت، والمراد
~~بالغفلة الذهول مطلقا سواء كان بعد العلم أم لا، وما من أحد إلا وله
~~غفلة ما من الآخرة وما فيها، وجوز الاستئناف على عموم الخطاب أيضا.

# وقرأ الجحدري { لقد كنت } بكسر التاء على مخاطبة النفس وهي مؤنثة
~~وتذكيرها في قوله:

# يا نفس إنك باللذات مسرور

# على تأويلها بالشخص، ولا يلزم في قراءة الجمهور لأن التعبير بالنفس في
~~الحكاية لا يستدعي اعتباره في المحكي كما لا يخفى.

# { فكشفنا عنك غطاءك } الغطاء الحجاب المغطي لأمور المعاد وهو
~~الغفلة والانهماك في المحسوسات والإلف بها وقصر النظر عليها، وجعل ذلك
~~غطاء مجازا، وهو إما غطاء الجسد كله أو العينين، وعلى كليهما يصح قوله
~~تعالى: { فبصرك اليوم حديد } أي نافذ لزوال المانع للإبصار،
~~أما على الثاني فظاهر، وأما على الأول فلأن غطاء الجسد كله غطاء للعينين
~~أيضا فكشفه عنه يستدعي كشفه عنهما. وزعم بعضهم أن الخطاب للنبي صلى
~~الله عليه وسلم، والمعنى كنت في غفلة من هذا الذي ذكرناه من أمر النفخ
~~والبعث ومجيء كل نفس معها سائق وشهيد وغير ذلك فكشفنا عنك غطاء الغفلة
~~بالوحي وتعليم القرآن فبصرك اليوم حديد ترى ما لا يرون وتعلم ما لا
~~يعلمون. ولعمري إنه زعم ساقط لا يوافق السباق ولا السياق. وفي «البحر»
~~وعن زيد بن أسلم قول في هذه الآية يحرم نقله وهو في «كتاب ابن عطية»
~~انتهى، ولعله أراد به هذا لكن في دعوى ms10100 حرمة النقل بحث.

# وقرأ الجحدري وطلحة بن مصرف بكسر الكافات الثلاثة أعني كاف { عنك }
~~وما بعده على خطاب النفس، ولم ينقل صاحب «اللوامح» الكسر في الكاف إلا عن
~~طلحة وقال: لم أجد عنه في { لقد كنت } الكسر فإن كسر فيه أيضا فذاك وإن
~~فتح يكون قد حمل ذلك على لفظ { كل } وحمل الكسر فيما بعده على معناه
~~لإضافته إلى { نفس } وهو مثل قوله تعالى:

# فله أجره

# [البقرة: 112] وقوله سبحانه بعده

# فلا خوف عليهم

# [البقرة: 112] انتهى.

### || [50.23]

# { وقال قرينه } / أي شيطانه المقيض له في الدنيا كما قال مجاهد،
~~وفي الحديث

# " ما من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن قالوا: ولا أنت يا رسول الله
~~قال: ولا أنا إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير "

# { هذا ما لدي عتيد } إشارة إلى الشخص الكافر نفسه أي هذا ما
~~عندي وفي ملكتي عتيد لجهنم قد هيأته لها بإغوائي وإضلالي، ولا ينافي هذا
~~ما حكاه سبحانه عن القرين في قوله تعالى الآتي:

# قال قرينه ربنا ما أطغيته

# [ق: 27] لأن هذا نظير قول الشيطان:

# ولأضلنهم

# [النساء: 119] وقوله:

# ووعدتكم فأخلفتكم

# [إبراهيم: 22] وذاك نظير قوله:

# وما كان لي عليكم من سلطن إلا أن دعوتكم

# [إبراهيم: 22]. وقال قتادة وابن زيد: قرينه الملك الموكل بسوقه يقول
~~مشيرا إليه: هذا ما لدي حاضر، وقال الحسن: هو كاتب سيئاته يقول مشيرا
~~إلى ما في صحيفته أي هذا مكتوب عندي عتيد مهيأ للعرض، وقيل: قرينه هنا
~~عمله قلبا وجوارح وليس بشيء. و { ما } نكرة موصوفة بالظرف وبعتيد
~~أوموصولة والظرف صلتها و { عتيد } خبر بعد خبر لاسم الإشارة أو خبر
~~لمبتدأ محذوف، وجوز أن يكون بدلا من { ما } بناء على أنه يجوز إبدال
~~النكرة من المعرفة وإن لم توصف إذا حصلت الفائدة بإبدالها، وأما تقديره
~~بشيء عتيد على أن البدل هو الموصوف المحذوف الذي قامت صفته مقامه أو إن {
~~ما } الموصولة لإبهامها أشبهت النكرة فجاز إبدالها منها فقيل عليه إنه
~~ضعيف لما يلزم الأول من حذف البدل وقد ms10101 أباه النحاة، والثاني لا يقول به
~~من يشترط النعت فهو صلح من غير تراضي الخصمين. وقرأ عبد الله { عتيدا }
~~بالنصب على الحال.

### || [50.24]

# { ألقيا في جهنم كل كفار } خطاب من الله تعالى للسائق
~~والشهيد بناء على أنهما اثنان لا واحد جامع للوصفين أو للملكين من خزنة
~~النار أو لواحد على أن الألف بدل من نون التوكيد على إجراء الوصل مجرى
~~الوقف، وأيد بقراءة الحسن { ألقين } بنون التوكيد الخفيفة، وقيل: إن
~~العرب كثيرا ما يرافق الرجل منهم اثنين فكثر على ألسنتهم أن يقولوا
~~خليلي وصاحبي وقفا واسعدا حتى خاطبوا الواحد خطاب الإثنين، وما في الآية
~~محمول على ذلك كما حكي عن الفراء أو على تنزيل تثنية الفاعل منزلة تثنية
~~الفعل بأن يكون أصله ألق ألق ثم حذف الفعل الثاني وأبقي ضميره مع الفعل
~~الأول فثني الضمير للدلالة على ما ذكر كما في قوله:

# فإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر

# وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا

# وحكي ذلك عن المازني والمبرد ولا يخفى بعده. ولينظر هل هو حقيقة أو
~~مجاز؟ والأظهر أنه خطاب لإثنين وهو المروي عن مجاهد وجماعة، وأيا ما كان
~~فالكلام على تقدير القول كما مر. والإلقاء طرح الشيء حيث تلقاه أي تراه
~~ثم صار في التعارف اسما لكل طرح أي اطرحا في جهنم كل مبالغ في الكفر
~~للمنعم والنعمة { عنيد } مبالغ في العناد وترك الانقياد للحق، وقريب
~~منه قول الحسن: جاحد متمرد، وقال قتادة: أي منحرف عن الطاعة يقال: عند عن
~~الطريق عدل عنه، وقال السدي: المساق من العند وهو عظم يعرض في الحلق،
~~وقال ابن بحر: المعجب بما عنده.

### || [50.25]

# { مناع للخير } مبالغ في المنع للمال عن حقوقه المفروضة، قال
~~قتادة ومجاهد وعكرمة: يعني الزكاة، وقيل: المراد بالخير الإسلام فإن
~~الآية نزلت في الوليد بن المغيرة كان يقول لبني أخيه: من دخل منكم في
~~الإسلام لم أنفعه بشيء ما عشت، والمبالغة باعتبار كثرة بني أخيه أو
~~باعتبار تكرر منعه لهم. وضعف بأنه لو كان المراد ذلك كان مقتضى الظاهر ms10102
~~مناع عن الخير، وفي «البحر» الأحسن عموم الخير في المال / وغيره {
~~معتد } ظالم متخط للحق متجاوز له { مريب } شاك في الله تعالى
~~ودينه، وقيل: في البعث.

### || [50.26]

# { الذي جعل مع الله إلها ءاخر } مبتدأ متضمن لمعنى
~~الشرط خبره { فألقيه في العذاب الشديد } بتأويل فيقال
~~في حقه ألقياه أو لكونه في معنى جواب الشرط لا يحتاج للتأويل أو بدل من

# كل كفار

# [ق: 24] أو من { كفار } وقوله تعالى: { فألقيه } تكرير
~~للتوكيد فهو نظير { فلا تحسبنهم } بعد قوله تعالى:

# ولا تحسبن الذين يفرحون

# [آل عمران: 188] والفاء ههنا للإشعار بأن الإلقاء للصفات المذكورة أو
~~من باب وحقك ثم حقك ينزل التغاير بين المؤكد والمؤكد والمفسر وللمفسر
~~منزلة التغاير بين الذاتين بوجه خطابي، ولا يدعي التغاير الحقيقي لأن
~~التأكيد يأباه، وقول أهل المعاني: أن بين المؤكد والمؤكد شدة اتصال تمنع
~~من العطف ليس على إطلاقه بسديد، والنحويون على خلافه، فقد قال ابن مالك
~~في «التسهيل»: فصل الجملتين في التأكيد بثم إن أمن اللبس أجود من وصلهما،
~~وذكر بعض النحاة الفاء؛ والزمخشري في الجاثية الواو أيضا، وجعلوا ذلك من
~~التأكيد الاصطلاحي، ولو جعل { العذاب الشديد } نوعا من عذاب
~~جهنم ومن أهوله فكان من باب

# وملائكته... وجبريل

# [البقرة: 98] دون تكرير لكان كما قال صاحب «الكشف» حسنا. وجوز أن يكون
~~مفعولا بمضمر يفسره { فألقيه } وقال ابن عطية: أن يكون صفة {
~~كفار } وجاز وصفه بالمعرفة لتخصصه بالأوصاف المذكورة. وتعقبه أبو
~~حيان بأنه لا يجوز وصفه النكرة بالمعرفة ولو وصفت بأوصاف كثيرة.

### || [50.27]

# { قال قرينه } أي الشيطان المقيض له. وإنما استؤنفت هذه الجملة
~~استئناف الجمل الواقعة في حكاية المقاولة لما أنها جواب لمحذوف دل عليه
~~قوله تعالى: { ربنا ما أطغيته } فإنه مبني على سابقة كلام
~~اعتذر به الكافر كأنه قال: هو أطغاني فأجاب قرينه بتكذيبه وإسناد الطغيان
~~إليه بخلاف الجملة الأولى فإنها واجبة العطف على ما قبلها دلالة على أن
~~الجمع بين مفهوميهما في الحصول أعني مجيء كل نفس مع الملكين، وقول قرينه:
~~{ ولكن كان } هو بالذات { في ضلل ms10103 بعيد } من الحق فأعنته
~~عليه بالإغواء والدعوة إليه من غير قسر ولا الجاء، فهو كما قدمنا نظير

# وما كان لي عليكم من سلطن

# [إبراهيم: 22] الخ.

### || [50.28]

# { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ مما قبله كأن قيل: فماذا قال الله
~~تعالى؟ فقيل: قال عز وجل: { لا تختصموا لدي } أي في موقف
~~الحساب والجزاء إذ لا فائدة في ذلك { وقد قدمت إليكم
~~بالوعيد } على الطغيان في دار الكسب في كتبي وعلى ألسنة رسلي فلا
~~تطمعوا في الخلاص عنه بما أنتم فيه من التعلل بالمعاذير الباطلة. والجملة
~~حال فيها تعليل للنهي ويلاحظ معنى العلم لتحصل المقارنة التي تقتضيها
~~الحالية أي لا تختصموا لدي عالمين أني قدمت إليكم بالوعيد حيث قلت
~~لإبليس:

# لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم

# [ص: 85] فاتبعتموه معرضين عن الحق؛ والباء مزيدة أو معدية على أن قدم
~~بمعنى تقدم وهو لازم يعدى بالباء، وجوز أن يكون { قدمت } واقعا على
~~قوله تعالى: { ما يبدل القول لدي }.

### || [50.29]

# { ما يبدل القول لدي } الخ ويكون

# بالوعيد

# [ق: 28] متعلقا بمحذوف هو حال من المفعول قدم عليه أو الفاعل أي وقد
~~قدمت إليكم هذا القول ملتبسا بالوعيد مقترنا به أو قدمته إليكم موعدا
~~لكم فلا تطمعوا أن أبدل وعيدي، والأظهر استئناف هذه الجملة ((وفي {
~~لدي } على ما قال الإمام وجهان. الأول: أن يكون متعلقا بالقول أي ما
~~يبدل القول الذي عندي. الثاني: أن يكون متعلقا بالفعل قبل أي لا يقع
~~التبديل عندي، قال: وعلى الأول في القول الذي لديه تعالى وجوه. أحدها:
~~قوله تعالى:

# ألقيا

# [ق: 24] أرادوا باعتذارهم أن يبدل ويقول سبحانه: لا تلقيا فرد عليهم. /
~~ثانيا: قوله سبحانه لإبليس: { لأملأن } [ص: 85] الخ. ثالثها:
~~الإيعاد مطلقا. رابعها: القول السابق يوم خلق العباد هذا سعيد وهذا شقي.
~~وعلى الثاني في معنى الآية وجوه أيضا. أحدها: لا يكذب لدي فإني عالم
~~علمت من طغى ومن أطغى فلا يفيد قولكم أطغاني شيطاني وقول الشيطان:

# ربنا ما أطغيته

# [ق: 27] ثانيها: لو أردتم أن لا أقول:

# فألقيه

# [ق: 26] كنتم أبدلتم الكفر ms10104 بالإيمان قبل أن تقفوا بين يدي وأما الآن
~~فما يبدل القول لدى. ثالثها: لا يبدل القول الكفر بالإيمان لدي فإن
~~الإيمان عند اليأس غير مقبول فقولكم: ربنا وإلهنا لا يفيدكم فمن تكلم
~~بكلمة الكفر لا يفيده قوله: ربنا ما أشركنا وقوله: ربنا آمنا)). والمشهور
~~أن { لدي } متعلق بالفعل على أنا المراد بالقول ما يشمل الوعد
~~والوعيد.

# واستدل به بعض من قال بعدم جواز تخلفهما مطلقا. وأجاب من قال بجواز
~~العفو عن بعض المذنبين بأن ذلك العفو ليس بتبديل فإن دلائل العفو تدل على
~~تخصيص الوعيد وقال بعض المحققين: المراد نفي أن يوقع أحد التبديل لديه
~~تعالى أي في علمه سبحانه أو يبدل القول الذي علمه عز وجل، فإن ما عنده
~~تبارك وتعالى هو ما في نفس الأمر وهو لا يقبل التبديل أصلا، وأكثر
~~الوعيدات معلقة بشرط المشيئة على ما يقتضيه الكرم وإن لم يذكر على ما
~~يقتضيه الترهيب، فمتى حصل العفو لعدم مشيئة التعذيب لم يكن هناك تبديل ما
~~في نفس الأمر فتدبره فإنه دقيق.

# { وما أنا بظلم للعبيد } وارد لتحقيق الحق على أبلغ
~~وجه، وفيه إشارة إلى أن تعذيب من يعذب من العبيد إنما هو عن استحقاق في
~~نفس الأمر، وقد تقدم تمام الكلام في هذه الجملة فتذكر.

### || [50.30]

# أي اذكر أو أنذر يوم الخ  فيوم  مفعول به لمقدر، وقيل: هو ظرف  لظلام
~~. وقال الزمخشري: يجوز أن ينتصب ب

# نفخ

# [ق: 20] كأنه قيل: ونفخ في الصور يوم، وعليه يشار ب

# ذلك

# [ق: 20] إلى { يوم نقول } لأن الإشارة إلى ما بعد جائزة لا سيما
~~إذا كانت رتبته التقديم فكأنه قيل: ذلك اليوم أي يوم القول يوم الوعيد،
~~ولا يحتاج إلى حذف على ما مر في الوجه الذي أشير به إلى النفخ. وهذا
~~الوجه كما قال في «الكشف»: فيه بعد لبعده عن العامل وتخلل ما لا يصلح
~~اعتراضا على أن زمان النفخ ليس يوم القول إلا على سبيل فرضه ممتدا
~~واقعا ذلك في جزء منه وهذا في جزء وكل خلاف الظاهر ms10105 فكيف إذا اجتمعت.
~~وقال أبو حيان: ((هو بعيد جدا قد فصل عليه بين العامل والمعمول بجمل
~~كثيرة فلا يناسب فصاحة القرآن الكريم وبلاغته)).

# والظاهر إبقاء السؤال والجواب على حقيقتهما، وكذا في نظير ذلك من اشتكاء
~~النار والإذن لها بنفسين وتحاج النار والجنة، ونحن متعبدون باعتقاد
~~الظاهر ما لم لا يمنع مانع ولا مانع ههنا، فإن القدرة صالحة والعقل مجوز
~~والظواهر قاضية بوقوع ماجوزه العقل، وأمور الآخرة لا ينبغي أن تقاس على
~~أمور الدنيا.

# وقال الرماني: الكلام على حذف مضاف أي نقول لخزنة جهنم، وليس بشي. وقال
~~غير واحد: هو من باب التمثيل والمعنى أنها مع اتساعها وتباعد أقطارها
~~نطرح فيها من الجنة والناس فوجا بعد فوج حتى تمتلىء ولا تقبل الزيادة،
~~فالاستفهام للإنكار أي لا مزيد على امتلائها وروي هذا عن ابن عباس ومجاهد
~~والحسن، وجوز في نفي الزيادة أن يكون على ظاهره وأن يكون كناية أو مجازا
~~عن الاستكثار، وقيل: المعنى أنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها وفيها
~~فراغ وخلو، فالاستفهام للتقرير أي فيها موضع للمزيد لسعتها، وجوز أن يكون
~~ذلك كناية عن شدة غيظها على العصاة كأنها طالبة لزيادتهم.

# واستشكل دعوى أن فيها فراغا بأنه مناف لصريح قوله تعالى:

# لأملأن جهنم

# [ص: 85] الآية. وأجيب بأنه / لا منافاة لأن الامتلاء قد يراد به أنه لا
~~يخلو طبقة منها عمن يسكنها وإن كان فيها فراغ كثير كما يقال: إن البلدة
~~ممتلئة بأهلها ليس فيها دار خالية مع ما بينها من الأبنية والأفضية أو إن
~~ذلك باعتبار حالين فالفراغ في أول الدخول فيها ثم يساق إليها الشياطين
~~ونحوهم فتمتلىء.

# هذا ويدل غير ما حديث أنها تطلب الزيادة حقيقة إلا أنه لا يدري حقيقة ما
~~يوضع فيها حتى تمتلىء إذ الأحاديث في ذلك من المتشابهات التي لا يراد بها
~~ظواهرها عند الأكثرين.

# أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن أنس قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من
~~مزيد حتى يضع رب ms10106 العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط وعزتك
~~وكرمك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشيء الله لها خلقا آخر فيسكنهم في
~~فضول الجنة "

# وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحاجت الجنة والنار فقالت النار:
~~أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء
~~الناس وسقطهم فقال الله تعالى للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من
~~عبادي وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة
~~منكما ملؤها فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول قط قط فهناك تمتلىء
~~ويزوي بعضها إلى بعض ولا يظلم الله من خلقه أحدا وأما الجنة فإن الله
~~تعالى ينشئ لها خلقا "

# وأول أهل التأويل ذلك، فقال النضر بن شميل: إن القدم الكفار الذين سبق
~~في علمه تعالى دخولهم النار والقدم تكون بمعنى المتقدم كقوله تعالى:

# قدم صدق

# [يونس: 2] وظاهر الحديث عليه يستدعي دخول غير الكفار قبلهم وهو في غاية
~~البعد؛ ولعل في الأخبار ما ينافيه. وقال ابن الأثير: ((قدمه أي الذين
~~قدمهم لها من شرار خلقه فهم قدم الله تعالى للنار كما أن المسلمين قدمه
~~للجنة والقدم كل ما قدمت من خير أو شر)) وهو كما ترى، ويبعده مافي حديث
~~أحمد وعبد بن حميد وابن مردويه عن أبي سعيد مرفوعا

# " فيلقى فيها  أي النار  أهلها فتقول: هل من مزيد ويلقى فيها وتقول هل
~~من مزيد حتى يأتيها عز وجل فيضع قدمه عليها فتنزوي وتقول: قدني قدني "

# وأولوا الرجل بالجماعة ومنه ما جاء في أيوب عليه السلام أنه كان يغتسل
~~عريانا فخر عليه رجل من جراد، والإضافة إلى ضميره تعالى تبعد ذلك. وقيل:
~~وضع القدم أو الرجل على الشيء مثل للردع والقمع فكأنه قيل: يأتيها أمر
~~الله تعالى فيكفها من طلب المزيد. وقريب منه ما ذهب إليه بعض الصوفية أن
~~القدم يكنى بها عن صفة الجلال كما يكنى بها عن صفة الجمال، وقيل: أريد
~~بذلك تسكين ms10107 فورتها كما يقال للأمر تريد إبطاله: وضعته تحت قدمي أو تحت
~~رجلي، وهذان القولان أولى مما تقدم والله تعالى أعلم. والمزيد إما مصدر
~~ميمي كالمحيد أو اسم مفعول أعل إعلال المبيع.

# وقرأ الأعرج وشيبة ونافع وأبو بكر والحسن وأبو رجاء وأبو جعفر والأعمش {
~~يوم يقول } بياء الغيبة. وقرأ عبد الله والحسن والأعمش أيضا { يقال }
~~مبنيا للمفعول.

### || [50.31]

# { وأزلفت الجنة للمتقين } أخذ في بيان حال المؤمنين
~~بعد بيان حال الكافرين. وهو عطف على

# نفخ

# [ق: 20] أي قربت للمتقين عن الكفر والمعاصي { غير بعيد } أي في
~~مكان غير بعيد بمرأى منهم بين يديهم وفيه مبالغة ليست في التخلية عن
~~الظرف  فغير بعيد  صفة لظرف متعلق بأزلفت حذف فقام مقامه وانتصب
~~انتصابه، ولذلك لم يقل غير بعيدة، وجوز أن يكون منصوبا على المصدرية
~~والأصل وأزلفت إزلافا غير بعيد، قال الإمام: أي / عن قدرتنا وأن يكون
~~حالا من الجنة قصد به التوكيد كما تقول: عزيز غير ذليل لأن العزة تنافي
~~الذل ونفي مضاد الشيء تأكيد إثباته، وفيه دفع توهم أن ثم تجوزا أو شوبا
~~من الضد ولم يقل: غير بعيدة عليه قيل: لتأويل الجنة بالبستان، وقيل: لأن
~~البعيد على زنة المصدر الذي من شأنه أن يستوي فيه المؤنث والمذكر كالزئير
~~والصليل فعومل معاملته وأجري مجراه، وقيل: لأن فعيلا بمعنى فاعل قد يجري
~~مجرى فعيل بمعنى مفعول فيستوي فيه الأمران.

# وللإمام في تقريب الجنة أوجه. منها طي المسافة التي بينها وبين المتقين
~~مع بقاء كل في مكانه وعدم انتقاله عنه ولكرامة المتقين قيل: { أزلفت
~~الجنة للمتقين } دون وأزلف المتقون للجنة، ومنها أن المراد
~~تقريب حصولها والدخول فيها دون التقريب المكاني، وفيه ما فيه، ومنها أن
~~التقريب على ظاهره والله عز وجل قادر على نقل الجنة من السماء إلى الأرض
~~أي إلى جهة السفل أو الأرض المعروفة بعد مدها، وقول بعض: إن المراد
~~إظهارها قريبة منها على نحو إظهارها للنبي صلى الله عليه وسلم في عرض
~~حائط مسجده الشريف على ما فيه منزع صوفي.

### || [50.32]

# { هذا ms10108 ما توعدون } إشارة إلى الجنة، والتذكير لما أن المشار
~~إليه هو المسمى من غير قصد لفظ يدل عليه فضلا عن تذكيره وتأنيثه فإنهما
~~من أحكام اللفظ العربي كما في قوله تعالى:

# فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي

# [الأنعام: 78] وقوله سبحانه:

# ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما
~~وعدنا الله ورسوله

# [الأحزاب: 22]؛ ويجوز أن يكون ذلك لتذكير الخبر، وقيل: هو إشارة إلى
~~الثواب. وقيل: إلى مصدر

# أزلفت

# [ق: 31] والجملة بتقدير قول وقع حالا من المتقين أو من الجنة والعامل
~~{ أزلفت } أي مقولا لهم أو مقولا في حقها هذا ما توعدون، أو
~~اعتراض بين المبدل منه أعني { للمتقين } والبدل أعني الجار
~~والمجرور وفيه بعد. وصيغة المضارع لاستحضار الصورة الماضية. وقرأ ابن
~~كثير وأبو عمرو { يوعدون } بياء الغيبة، والجملة على هذه القراءة قيل:
~~اعتراض أو حال من الجنة؛ وقال أبو حيان: هي اعتراض، والمراد هذا القول هو
~~الذي وقع الوعد به وهو كما ترى.

# وقوله تعالى: { لكل أواب } أي رجاع إلى الله تعالى بدل من
~~المتقين بإعادة الجار أومن

# للمتقين

# [ق: 31] على أن يكون الجار والمجرور بدلا من الجار والمجرور { حفيظ
~~} حفظ ذنوبه حتى رجع عنها كما روي عن ابن عباس وسعيد بن سنان، وقريب منه
~~ما أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر عن يونس بن خباب قال:
~~قال لي مجاهد: ألا أنبئك بالأواب الحفيظ؟ هو الرجل يذكر ذنبه إذا خلا
~~فيستغفر الله تعالى منه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن
~~قتادة قال: أي حفيظ لما استودعه الله تعالى من حقه ونعمته. وأخرج ابن
~~أبي شيبة وابن المنذر عن عبيد بن عمير: كنا نعد الأواب الحفيظ الذي يكون
~~في المجلس فإذا أراد أن يقوم قال: اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي. هذا
~~وقيل: هو الحافظ لتوبته من النقض ولا ينافيه صيغة { أواب } كما لا
~~يخفى. وقوله تعالى شأنه: { من خشى الرحمن بالغيب
~~وجاء بقلب منيب }.

### || [50.33]

# بدل من { كل } [ق: 32] المبدل من { المتقين } [ق: 31] أو ms10109 بدل ثان من {
~~المتقين } بناء على جواز تعدد البدل والمبدل منه واحد. وقول أبي حيان:
~~تكرر البدل والمبدل منه واحد لا يجوز في غير بدل البداء، وسره أنه في نية
~~الطرح فلا يبدل منه مرة أخرى غير مسلم، وقد جوزه ابن الحاجب في «أماليه»،
~~ونقله الدماميني في أول «شرحه للخزرجية» وأطال فيه، وكون المبدل منه في
~~نية الطرح ليس على ظاهره، أو بدل من موصوف

# أواب

# [ق: 32] أي لكل شخص أواب بناء على جواز / حذف المبدل منه، وقد جوزه ابن
~~هشام في «المغني» لا سيما وقد قامت صفته مقامه حتى كأنه لم يحذف ولم يبدل
~~من { أواب } نفسه لأن أوابا صفة لمحذوف كما سمعت فلو أبدل منه كان
~~للبدل حكمه فيكون صفة مثله. و { من } اسم موصول والأسماء الموصولة لا
~~يقع منها صفة إلا الذي على الأصح، وجوز بعض الوصف بمن أيضا لكنه قول
~~ضعيف أو مبتدأ خبره.

### || [50.34]

# { ادخلوها } بتأويل يقال لهم ادخلوها لمكان الإنشائية والجمع
~~باعتبار معنى

# من

# [ق: 33] وقوله تعالى

# بالغيب

# [ق: 33] متعلق بمحذوف هو حال من فاعل

# خشي

# [ق: 33] أو من مفعوله أو صفة لمصدره أي خشية ملتبسة بالغيب حيث خشي
~~عقابه سبحانه وهو غائب عنه أو هو غائب عن الأعين لا يراه أحد. وقيل:
~~الباء للآلة. والمراد بالغيب القلب لأنه مستور أي من خشي الرحمن بقلبه
~~دون جوارحه بأن يظهر الخشية وليس في قلبه منها شيء وليس بشيء. والتعرض
~~لعنوان الرحمانية للإشعار بأنهم مع خشيتهم عقابه عز وجل راجون رحمته
~~سبحانه أو بأن علمهم بسعة رحمته تبارك وتعالى لا يصدهم عن خشيته جل شأنه.
~~وقال الإمام: يجوز أن يكون لفظ

# الرحمن

# [ق: 33] إشارة إلى مقتضى الخشية لأن معنى الرحمن واهب الوجود بالخلق
~~والرحيم واهب البقاء بالرزق وهو سبحانه في الدنيا رحمن حيث أوجدنا ورحيم
~~حيث أبقانا بالرزق فمن يكون منه الوجود ينبغي أن يكون هو المخشي وما تقدم
~~أولى. والباء في قوله تعالى:

# بقلب

# [ق: 33] للمصاحبة، وجوز أن تكون للتعدية أي أحضر قلبا منيبا، ووصف ms10110
~~القلب بالإنابة مع أنها يوصف بها صاحبه لما أن العبرة رجوعه إلى الله
~~تعالى. وأغرب الإمام فجوز كون الباء للسببية فكأنه قيل: ما جاء إلا بسبب
~~آثار العلم في قلبه أن لا مرجع إلا الله تعالى فجاء بسبب قلبه المنيب وهو
~~كما ترى.

# وقوله تعالى: { بسلام } متعلق بمحذوف هو حال من فاعل { ادخلوها }
~~والباء للملابسة. والسلام إما من السلامة أو من التسليم أي ادخلوها
~~ملتبسين بسلامة من العذاب وزوال النعم أو بتسليم وتحية من الله تعالى
~~وملائكته.

# { ذلك } إشارة إلى الزمان الممتد الذي وقع في بعض منه ما ذكر من
~~الأمور { يوم الخلود } البقاء الذي لا انتهاء له أبدا أو إشارة
~~إلى وقت الدخول بتقدير مضاف أي ذلك يوم ابتداء الخلود وتحققه أو يوم
~~تقدير الخلود أو إشارة إلى وقت السلام بتقدير مضاف أيضا أي ذلك يوم
~~إعلام الخلود أي الإعلام به.

### || [50.35]

# { لهم ما يشاءون } من فنون المطالب كائنا ما كان { فيها }
~~متعلق بيشاؤن، وقيل: بمحذوف هو حال من الموصول أو من عائدة المحذوف من
~~صلته { ولدينا مزيد } هو ما لا يخطر ببالهم ولا يندرج تحت
~~مشيئتهم من معالي الكرامات التي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب
~~بشر، ومنه كما أخرجه ابن أبي حاتم عن كثير بن مرة أن تمر السحابة بهم
~~فتقول: ماذا تريدون فأمطره عليكم؟ فلا يريدون شيئا إلا أمطرته عليهم.
~~وأخرج البيهقي في «الرؤية» والديلمي عن علي كرم الله تعالى وجهه عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { ولدينا مزيد } قال:

# " يتجلى لهم الرب عز وجل "

# وأخرج ابن المنذر وجماعة عن أنس أنه قال في ذلك أيضا: يتجلى لهم الرب
~~تبارك وتعالى في كل جمعة، وجاء في حديث أخرجه الشافعي في «الأم» وغيره

# " أن يوم الجمعة يدعى يوم المزيد "

# ، وقيل: المزيد أزواج من الحور العين عليهن تيجان أدنى لؤلؤة منها تضيء
~~ما بين المشرق والمغرب وعلى كل سبعون حلة وإن الناظر لينفذ بصره حتى يرى
~~مخ ساقها من وراء ذلك، ms10111 وقيل: هو مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها.

### || [50.36]

# { وكم أهلكنا قبلهم } أي كثيرا / أهلكنا قبل قومك { من
~~قرن } قوما مقترنين في زمن واحد { هم أشد منهم بطشا } أي
~~قوة كما قيل أو أخذا شديدا في كل شيء كعاد وقوم فرعون { فنقبوا
~~في البلد } ساروا في الأرض وطوفوا فيها حذار الموت، فالتنقيب
~~السير وقطع المسافة كما ذكره الراغب وغيره، وأنشدوا للحرث بن حلزة:

# نقبوا في البلاد من حذر المو

# ت وجالوا في الأرض كل مجال

# ولامرىء القيس:

# وقد نقبت في الآفاق حتى

# رضيت من الغنيمة بالإياب

# وروي وقد طوفت. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن ذلك
~~فقال: هو هربوا بلغة اليمن، وأنشد له بيت الحرث المذكور لكنه نسبه لعدي
~~بن زيد، وفسر التنقيب في البلاد بالتصرف فيها بملكها ونحوه، وشاع التنقيب
~~في العرف بمعنى التنقير عن الشيء والبحث عن أحواله، ومنه قوله تعالى:

# وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا

# [المائدة: 12] وأما قولهم: كلب نقيب فهو بمعنى منقوب أي نقبت غلصمته
~~ليضعف صوته. والفاء على تفسير التنقيب بالسير ونحوه المروي عن ابن عباس
~~لمجرد التعقيب، وعلى تفسيره بالتصرف للسببية لأن تصرفهم في البلاد مسبب
~~عن اشتداد بطشهم، وهي على الوجهين عاطفة على معنى ما قبلها كأنه قيل:
~~اشتد بطشهم فنقبوا وقيل: هي على ما تقدم أيضا للسببية والعطف على {
~~أهلكنا } على أن المراد أخذنا في إهلاكهم فنقبوا في البلاد.

# { هل من محيص } على إضمار قول هو حال من واو { نقبوا } أي
~~قائلين هل لنا مخلص من الله تعالى أو من الموت؟ أو على إجراء التنقيب لما
~~فيه من معنى التتبع والتفتيش مجرى القول على ما قيل أو هو كلام مستأنف
~~لنفي أن يكون لهم محيص أي هل لهم مخلص من الله عز وجل أو من الموت. وقيل:
~~ضمير { نقبوا } لأهل مكة أي ساروا في مسايرهم وأسفارهم في بلاد
~~القرون المهلكة فهل رأوا لهم محيصا حتى يؤملوا مثله لأنفسهم. وأيد
~~بقراءة ابن عباس وابن يعمر وأبي العالية ونصر بن سيار ms10112 وأبي حيوة
~~والأصمعي عن أبي عمرو { فنقبوا } على صيغة الأمر لأن الأمر للحاضر وقت
~~النزول من الكفار وهم أهل مكة لا غير والأصل توافق القرائتين، وفيه على
~~هذه القراءة التفات من الغيبة إلى الخطاب. وقرأ ابن عباس أيضا وعبيد عن
~~أبي عمرو { فنقبوا } بفتح القاف مخففة، والمعنى كما في المشددة، وقرىء
~~بكسر القاف خفيفة من النقب محركا، وهو أن ينتقب خف البعير ويرق من كثرة
~~السير، قال الراجز:

# أقسم بالله أبو حفص عمر

# ما مسها من نقب ولا دبر

# والكلام بتقدير مضاف أي نقبت أقدامهم، ونقب الأقدام كناية مشهورة عن
~~كثرة السير فيؤل المعنى إلى أنهم أكثروا السير في البلاد أونقبت أخفاف
~~مراكبهم والمراد كثرة السير أيضا، وقد يستغنى عن التقدير بجعل الإسناد
~~مجازيا.

### || [50.37]

# { إن في ذلك } أي الإهلاك أو ما ذكر في السورة { لذكرى }
~~لتذكرة وعظة { لمن كان له قلب } أي قلب واع يدرك الحقائق فإن
~~الذي لا يعي ولا يفهم بمنزلة العدم. وفي «الكشف» { لمن كان } الخ
~~تمثيل { أو ألقى السمع } أي أصغى إلى ما يتلى عليه من الوحي {
~~وهو شهيد } أي حاضر على أنه من الشهود بمعنى الحضور، والمراد به
~~المتفطن لأن غير المتفطن منزل منزلة الغائب فهو إما / استعارة أو
~~مجاز مرسل والأول أولى، وجوز أن يكون من الشهادة وصفا للمؤمن للأنه شاهد
~~على صحة المنزل وكونه وحيا من الله تعالى فيبعثه على حسن الإصغاء أو
~~وصفا له من قوله تعالى:

# لتكونوا شهداء على الناس

# [البقرة: 143] كأنه قيل: وهو من جملة الشهداء أي المؤمنين من هذه الأمة
~~فهو كناية على الوجهين، وجوز على الأول منهما أن لا يكون كناية على أن
~~المراد وهو شاهد شهادة عن إيقان لا كشهادة أهل الكتاب. وعن قتادة المعنى
~~لمن سمع القرآن من أهل الكتاب وهو شاهد على صدقه لما يجده في كتابه من
~~نعته، والأنسب بالمساق والأملأ بالفائدة الأخذ من الشهود، والوجه جعل {
~~وهو شهيد } حالا من ضمير الملقى لا عطفا على { ألقى } كما لا
~~يخفى على من له ms10113 قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، والمراد أن فيما فعل بسوالف
~~الأمم أو في المذكور إماما من الآيات لذكرى لإحدى طائفتين من له قلب
~~يفقه عن الله عز وجل ومن له سمع مصغ مع ذهن حاضر أي لمن له استعداد
~~القبول عن الفقيه إن لم يكن فقيها في نفسه. و { أو } لمنع الخلو من
~~حيث إنه يجوز أن يكون الشخص فقيها ومستعدا للقبول من الفقيه، وذكر
~~بعضهم أنها لتقسيم المتذكر إلى تال وسامع أو إلى فقيه ومتعلم أو إلى عالم
~~كامل الاستعداد لا يحتاج لغير التأمل فيما عنده وقاصر محتاج للتعلم
~~فيتذكر إذا أقبل بكليته وأزال الموانع بأسرها فتأمل.

# وقرأ السلمي وطلحة والسدي وأبو البرهسم { أو ألقي } مبنيا للمفعول
~~{ السمع } بالرفع على النيابة عن الفاعل؛ والفاعل المحذوف إما المعبر
~~عنه بالموصول أو لا، وعلى الثاني معناه لمن ألقى غيره السمع وفتح أذنه
~~ولم يحضر ذهنه، وأما هو فقد ألقى وهو شاهد متفطن محضر ذهنه، فالوصف أعني
~~الشهود معتمد الكلام، وإنما أخرج في الآية بهذه العبارة للمبالغة في
~~تفطنه وحضوره، وعلى الأول معناه لمن ألقى سمعه وهو حاضر متفطن، ثم لو قدر
~~موصول آخر بعد { أو } فذو القلب والملقى غير أن شخصا ولو لم يقدر جاز
~~أن يكونا شخصين وأن يكونا شخصا باعتبار حالين حال تفطنه بنفسه وحال
~~إلقائه السمع عن حضور إلى متفطن بنفسه لأن { من } عام يتناول كل واحد
~~واحد.

### || [50.38]

# { ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما } من
~~أصناف المخلوقات { في ستة أيام } تقدم الكلام فيها { وما
~~مسنا } وما أصابنا بذلك مع كونه مما لا تفي به القوى والقدر { من
~~لغوب } تعب ما فالتنوين للتحقير، وهذا كما قال قتادة وغيره رد على
~~جهلة اليهود زعموا أنه تعالى شأنه بدأ خلق العالم يوم الأحد وفرغ منه يوم
~~الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش سبحانه وتعالى عما يقولون
~~علوا كبيرا. وعن الضحاك أن الآية نزلت لما قالوا ذلك، ويحكى أنهم
~~يزعمون أنه مذكور في التوراة. وجملة { وما مسنا } الخ تحتمل ms10114 أن
~~تكون حالية وأن تكون استئنافية.

# وقرأ السلمي وطلحة ويعقوب { لغوب } بفتح اللام بزنة القبول والولوع وهو
~~مصدر غير مقيس بخلاف مضموم اللام.

### || [50.39]

# { فاصبر على ما يقولون } أي ما يقول المشركون في شأن البعث
~~من الأباطيل المبنية على الاستبعاد والإنكار فإن من قدر على خلق العالم
~~في تلك المدة اليسيرة بلا إعياء قادر على بعثهم والانتقام منهم، أو على
~~ما يقول اليهود من مقالة الكفر والتشبيه. والكلام متعلق بقوله تعالى:

# ولقد خلقنا

# [ق: 38] الخ على الوجهين. وفي «الكشف» أنه على الأول متعلق بأول /
~~السورة إلى هذا الموضع وأنه أنسب من تعلقه  بلقد خلقنا  الآية لأن
~~الكلام مرتبط بعضه ببعض إلى ههنا على ما لا يخفى على المسترشد. وأنت
~~تعلم أن الأقرب تعلقه على الوجهين بما ذكرنا.

# { وسبح بحمد ربك } أي نزهه تعالى عن العجز عما يمكن وعن وقوع
~~الخلف في أخباره التي من جملتها الإخبار بوقوع البعث وعن وصفه عز وجل بما
~~يوجب التشبيه، أو نزهه عن كل نقص ومنه ما ذكر حامدا له تعالى على ما
~~أنعم به عليك من إصابة الحق وغيرها. { قبل طلوع الشمس وقبل
~~الغروب } هما وقتا الفجر والعصر وفضيلتهما مشهورة.

### || [50.40]

# { ومن اليل } مفعول لفعل محذوف يفسره { فسبحه } باعتبار
~~الاتحاد النوعي، والعطف للتغاير الشخصي أي وسبحه بعض الليل فسبحه أو
~~مفعول لقوله تعالى: { سبحه } على أن الفاء جزائية والتقدير مهما يكن
~~من شيء فسبحه بعض الليل، وقدم المفعول للاهتمام به وليكون كالعوض عن
~~المحذوف ولتتوسط الفاء الجزائية كما هو حقها. ولعل المراد بهذا البعض
~~السحر فإن فضله مشهور.

# { وأدبر السجود } وأعقاب الصلاة جمع دبر بضم فسكون أو دبر
~~بضمتين. وقرأ ابن عباس وأبو جعفر وشيبة وعيسى والأعمش وطلحة وشبل
~~والحرميان (إدبار) بكسر الهمزة وهو مصدر تقول: أدبرت الصلاة إدبارا
~~انقضت وتمت، والمعنى ووقت انقضاء السجود كقولهم: آتيك خفوق النجم. وذهب
~~غير واحد إلى أن المراد بالتسبيح الصلاة على أنه من إطلاق الجزء أو
~~اللازم على الكل أو الملزوم، وعليه فالصلاة قبل الطلوع الصبح وقبل ms10115 الغروب
~~العصر، قاله قتادة وابن زيد والجمهور، وأخرجه الطبراني في «الأوسط» وابن
~~عساكر عن جرير بن عبد الله مرفوعا، ومن الليل صلاة العتمة وادبار السجود
~~النوافل بعد المكتوبات أخرجه ابن جرير عن ابن زيد، وقال ابن عباس: الصلاة
~~قبل الطلوع الفجر وقبل الغروب الظهر والعصر ومن الليل العشاءان وادبار
~~السجود النوافل بعد الفرائض، وفي روية أخرى عنه الوتر بعد العشاء، وفي
~~أخرى عنه أيضا. وعن عمر وعلي وابنه الحسن وأبي هريرة رضي الله تعالى
~~عنهم والشعبي وإبراهيم ومجاهد والأوزاعي ركعتان بعد المغرب، وأخرجه مسدد
~~في «مسنده» وابن المنذر وابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعا،
~~وقال مقاتل: ركعتان بعد العشاء يقرأ في الأولى

# قل يأيها الكفرون

# [الكافرون: 1] وفي الثانية

# قل هو الله أحد

# [الإخلاص: 1]، وقيل: من الليل صلاة العشاءين والتهجد، وعن مجاهد صلاة
~~الليل، وفيه احتمال العموم لصلاة العشاءين والخصوص بالتهجد وهو الأظهر.

### || [50.41]

# { واستمع } أمر بالاستماع، والظاهر أنه أريد به حقيقته، والمستمع
~~له محذوف تقديره واستمع لما أخبره به من أهوال يوم القيامة، وبين ذلك
~~بقوله تعالى: { يوم يناد المناد } إلى آخره، وسلك هذا لما في
~~الإبهام ثم التفسير من التهويل والتعظيم لشأن المخبر به. وانتصب { يوم
~~} بما دل عليه

# ذلك يوم الخروج

# [ق: 42] أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور، وقيل: المفعول محذوف
~~تقديره نداء المنادي، وقيل: تقديره نداء الكافرين بالويل والثبور و {
~~يوم } ظرف لذلك المحذوف، وقيل: لا يحتاج ذلك إلى مفعول والمعنى كن
~~مستمعا ولا تكن غافلا، وقيل: معنى استمع انتظر، والخطاب لكل / سامع،
~~وقيل: للرسول عليه الصلاة والسلام و { يوم } منتصب على أنه مفعول به
~~لاستمع أي انتظر يوم ينادي المنادي فإن فيه تبين صحة ما قلته كما تقول
~~لمن تعده بورود فتح: استمع كذا وكذا.

# والمنادي على ما في بعض الآثار جبريل عليه السلام بنفخ إسرافيل في الصور
~~وينادي جبريل يا أيتها العظام النخرة والجلود المتمزقة والشعور المتقطعة
~~إن الله يأمرك أن تجتمعي لفصل الحساب. وأخرج ابن عساكر والواسطي في
~~«فضائل بيت ms10116 المقدس» عن يزيد بن جابر أن إسرافيل عليه السلام ينفخ في
~~الصور فيقول: يا أيتها العظام النخرة إلى آخره فيكون المراد بالمنادي هو
~~عليه السلام. وفي «الحواشي الشهابية» الأول هو الأصح.

# { من مكان قريب } هو صخرة بيت المقدس على ما روي عن يزيد بن
~~جابر وكعب وابن عباس وبريدة وقتادة، وهي على ما روي عن كعب أقرب الأرض
~~إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وفي «الكشاف» أنها أقرب إليها باثني عشر
~~ميلا وهي وسط الأرض. وأنت تعلم أن مثل هذا لا يقبل إلا بوحي، ثم إن
~~كونها وسط الأرض مما تأباه القواعد في معرفة العروض والأطوال، ومن هنا
~~قيل: المراد قريب ممن يناديهم فقيل: ينادي من تحت أقدامهم، وقيل: من
~~منابت شعورهم فيسمع من كل شعرة يا أيتها العظام النخرة الخ، ومن الناس من
~~قال: المراد بقربه كون النداء منه لا يخفى على أحد بل يستوي في سماعه كل
~~أحد، والنداء في كل ذلك على حقيقته، وجوز أن يكون في الإعادة نظير كن في
~~الابتداء على المشهور فهو تمثيل لإحياء الموتى بمجرد الإرادة ولا نداء
~~ولا صوت حقيقة.

# ثم إن ما ذكرناه من أن المنادي ملك وأنه ينادي بما سمعت هو المأثور،
~~وجوز أن يكون نداؤه بقوله للنفس: ارجعي إلى ربك لتدخلن مكانك من الجنة أو
~~النار أو هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار، وأن يكون المنادي هو الله تعالى
~~ينادي

# احشروا الذين ظلموا وأزوجهم

# [الصافات: 22] أو

# ألقيا في جهنم كل كفار عنيد

# [ق: 24] مع قوله تعالى:

# ادخلوها بسلام

# [ق: 34] أو

# خذوه فغلوه

# [الحاقة: 30] أو

# أين شركائي

# [النحل: 27] أو غير ذلك، وأن يكون غيره تعالى وغير الملك من المكلفين
~~ينادي

# يملك ليقض علينا ربك

# [الزخرف: 77] أو

# أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله

# [الأعراف: 50] أو غير ذلك، والمعول عليه ما تقدم.

### || [50.42]

# { يوم يسمعون الصيحة } وهي النفخة الثانية. و { يوم }
~~بدل من

# يوم يناد

# [ق: 41] الخ، والعامل فيهما ما دل عليه { ذلك يوم الخروج }
~~كما تقدم، وجوز أن يكون ظرفا لما دل ms10117 عليه { ذلك } و { يوم يناد
~~} غير معمول له بل لغيره على ما مر، وأن يكون ظرفا لينادي، وقوله تعالى:
~~{ بالحق } في موضع الحال من { الصيحة } أي يسمعونها ملتبسة
~~بالحق الذي هو البعث، وجوز أن يكون { الحق } بمعنى اليقين والكلام
~~نظير صاح بيقين أي وجد منه الصياح يقينا لا كالصدى وغيره فكأنه قيل:
~~الصيحة المحققة، وجوز أن يكون الجار متعلقا بيسمعون على أن المعنى
~~يسمعون بيقين، وأن يكون الباء للقسم و { الحق } هو الله تعالى أي
~~يسمعون الصيحة أقسم بالله وهو كما ترى.

# { ذلك } أي اليوم { يوم الخروج } من القبور وهو من أسماء يوم
~~القيامة. وقيل: الإشارة إلى النداء واتسع في الظرف فجعل خبرا عن المصدر،
~~أو الكلام على حذف مضاف أي ذلك النداء نداء يوم الخروج أو وقت ذلك النداء
~~يوم الخروج.

### || [50.43]

# { إنا نحن نحي ونميت } في الدنيا من غير أن يشاركنا في ذلك
~~أحد { وإلينا المصير } الرجوع للجزاء في الآخرة لا إلى غيرنا لا
~~استقلالا ولا اشتراكا.

### || [50.44]

# { يوم تشقق الأرض عنهم } بدل بعد بدل، ويحتمل أن يكون
~~ظرفا للمصير أي إلينا مصيرهم في ذلك اليوم / أو لما دل عليه { ذلك
~~حشر } أي يحشرون يوم تشقق. وقرأ نافع وابن عامر { تشقق } بشد الشين
~~وقرىء { تشقق } بضم التاء مضارع شققت على البناء للمفعول و { تنشق }
~~مضارع انشقت. وقرأ زيد بن علي { تتشقق } بتاءين. وقوله تعالى: { سراعا
~~} مصدر وقع حالا من الضمير في { عنهم } بتأويل مسرعين والعامل
~~«تشقق» وقيل: التقدير يخرجون سراعا فتكون حالا من الواو والعامل يخرج،
~~وحكاه أبو حيان عن الحوفي ثم قال: ويجوز أن يكون هذا المقدر عاملا في {
~~يوم تشقق } أخرج ابن المنذر عن مجاهد أنه قال في الآية: تمطر
~~السماء عليهم حتى تنشق الأرض عنهم. وجاء أن أول من تنشق عنه الأرض رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم، أخرج الترمذي وحسنه والطبراني والحاكم واللفظ
~~له عن ابن عمر قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو
~~بكر ms10118 وعمر ثم أهل البقيع فيحشرون معي ثم أنتظر أهل مكة وتلا ابن عمر {
~~يوم تشقق الأرض عنهم سراعا } "

# { ذلك حشر } بعث وجمع { علينا يسير } أي هين. وتقديم الجار
~~والمجرور لتخصيص اليسر به عز وجل فإنه سبحانه العالم القادر لذاته الذي
~~لا يشغله شأن عن شأن.

### || [50.45]

# { نحن أعلم بما يقولون } من نفي البعث وتكذيب الآيات
~~الناطقة وغير ذلك مما لا خير فيه. وهذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم
~~وتهديد لهم.

# { وما أنت عليهم بجبار } أي ما أنت مسلط عليهم تقسرهم على
~~الإيمان أو تفعل بهم ما تريد وإنما أنت منذر، فالباء زائدة في الخبر و {
~~عليهم } متعلق به. ويفهم من كلام بعض الأجلة جواز كون { جبار }
~~من جبره على الأمر قهره عليه بمعنى أجبره لا من أجبره إذ لم يجيء فعال
~~بمعنى مفعل من أفعل إلا فيما قل كدراك وسراع، وقال علي بن عيسى: لم يسمع
~~ذلك إلا في دراك. وقيل: جبار من جبر بمعنى أجبر لغة كنانة وإن {
~~عليهم } متعلق بمحذوف وقع حالا، أي ما أنت جبار تجبرهم على الإيمان
~~واليا عليهم، وهو محتمل للتضمين وعدمه فلا تغفل. وقيل: أريد التحلم عنهم
~~وترك الغلظة عليهم، وعليه قيل: الآية منسوخة، وقيل: هي منسوخة على غيره
~~أيضا بآية السيف.

# { فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } فإنه لا ينتفع به غيره.
~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: «قالوا يا رسول الله لوخوفتنا فنزلت {
~~فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } » وما أنسب هذا الاختتام
~~بالافتتاح بقوله سبحانه:

# ق والقرآن المجيد

# [ق: 1].

# هذا وللشيخ الأكبر قدس سره في قوله تعالى:

# بل هم في لبس من خلق جديد

# [ق: 15] ولغير واحد من الصوفية في قوله سبحانه:

# ونحن أقرب إليه من حبل الوريد

# [ق: 16] كلام أشرنا إليه فيما سبق. ومنهم من يجعل { ق } إشارة إلى
~~الوجود الحق المحيط بجميع الموجودات

# والله من ورآئهم محيط

# [البروج: 20] وقيل: هو إشارة إلى مقامات القرب، وقيل: غير ذلك. وطبق
~~بعضهم سائر آيات السورة على ما في الأنفس وهو مما يعلم ms10119 بأدنى التفات ممن
~~له أدنى ممارسة لكلامهم والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

### | [51 - سورة الذاريات]

### || [51.1-4]

# أي الرياح التي تذرو التراب وغيره من ذرا المعتل بمعنى فرق وبدد ما رفعه
~~عن مكانه.

# { فالحملت وقرا } أي حملا وهي السحب الحاملة للمطر.

# { فالجريت يسرا } أي جريا سهلا إلى حيث سيرت وهي السفن.

# { فالمقسمت أمرا } هي الملائكة الذين يقسمون الأمور بين
~~الخلق على ما أمروا به.

# وتفسير كل بما فسر به قد صح روايته من طرق عن علي كرم الله تعالى وجهه،
~~وفي بعض الروايات أن ابن الكواء سأله عن ذلك وهو رضي الله تعالى عنه يخطب
~~على المنبر فأجاب بما ذكر، وفي بعض الأخبار ما يدل على أنه تفسير مأثور
~~عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.

# أخرج البزار والدارقطني في «الأفراد» وابن مردويه وابن عساكر عن سعيد بن
~~المسيب قال: «جاء صبيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه
~~فقال: أخبرني عن { والذريت ذروا } قال: هي الرياح، ولولا أني
~~سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن
~~{ الحاملات وقرا } قال: هي السحاب ولولا أني سمعت رسول الله صلى
~~الله تعالى عليه وسلم يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن { الجاريات
~~يسرا } قال: هي السفن ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه
~~وسلم يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن { المقسمات أمرا } قال:
~~هي الملائكة ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقوله ما
~~قلته ثم أمر به فضرب مائة وجعل في بيت فلما برأ دعاه فضربه مائة أخرى
~~وحمله على قتب وكتب إلى أبي موسى الأشعري امنع الناس من مجالسته فلم
~~يزالوا كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف له بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه
~~مما كان يجد شيئا فكتب إلى عمر رضي الله تعالى عنه ما إخاله إلا قد صدق
~~فخلى بينه وبين مجالسة الناس». ويدل هذا أن الرجل لم يكن سليم القلب وأن
~~سؤاله لم يكن ms10120 طلبا للعلم وإلا لم يصنع به عمر رضي الله تعالى عنه ما
~~صنع.

# وفي رواية عن ابن عباس أن الحاملات هي السفن الموقرة بالناس وأمتعتهم،
~~وقيل: هي الحوامل من جميع الحيوانات، وقيل: الجاريات السحب تجري وتسير
~~إلى حيث شاء الله عز وجل، وقيل: هي الكواكب / التي تجري في منازلها وكلها
~~لها حركة وإن اختلفت سرعة وبطأ كما بين في موضعه، وقيل: هي الكواكب
~~السبعة الشهيرة وتسمى السيارة.

# وقيل: { الذاريات } النساء الولود فإنهن يذرين الأولاد كأنه شبه
~~تتابع الأولاد بما يتطاير من الرياح، وباقي المتعاطفات على ما سمعت
~~أولا، وقيل: { الذاريات } هي الأسباب التي تذري الخلائق على تشبيه
~~الأسباب المعدة للبروز من العدم بالرياح المفرقة للحبوب ونحوها، وقيل:
~~الحاملات الرياح الحاملة للسحاب، وقيل: هي الأسباب الحاملة لمسبباتها
~~مجازا، وقيل: الجاريات الرياح تجري في مهابها، وقيل: المقسمات السحب
~~يقسم الله تعالى بها أرزاق العباد.

# وقيل: هي الكواكب السبعة السيارة وقول باطل لا يقول به إلا من زعم أنها
~~مدبرة لعالم الكون والفساد، وفي «صحيح البخاري» عن قتادة

# " خلق الله تعالى هذه النجوم لثلاث جعلها زينة للسماء ورجوما للشياطين
~~وعلامات يهتدى بها فمن تأول فيها بغير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف
~~ما لا يعلم "

# وزاد رزين

# " وما لا علم له به وما عجز عن علمه الأنبياء والملائكة "

# وعن الربيع مثله وزاد

# " والله ما جعل الله تعالى في نجم حياة أحد ولا رزقه ولا موته وإنما
~~يفترون على الله تعالى الكذب ويتعللون بالنجوم "

# ذكره صاحب «جامع الأصول»، وقد مر الكلام في إبطال ما قاله المنجمون
~~مفصلا فتذكر، ولعله سيأتي إن شاء الله تعالى شيء من ذلك.

# وجوز أن يراد بالجميع الرياح فإنها كما تذر وما تذروه تثير السحاب
~~وتحمله، وتجري في الجو جريا سهلا وتقسم الأمطار بتصريف السحاب في
~~الأقطار، والمعول عليه ما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه سامعا له من
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاله باب مدينة العلم كرم الله تعالى وجهه
~~على المنبر، وإليه كما نقل عن ms10121 الزجاج ذهب جميع المفسرين أي المعتبرين،
~~وقول الإمام بعد نقله له عن الأمير: الأقرب أن تحمل هذه الصفات الأربع
~~على الرياح جسارة عظيمة على ما لا يسلم له، وجهل منه بما رواه ابن المسيب
~~من الخبر الدال على أن ذلك تفسير النبي صلى الله عليه وسلم فأين منه
~~الإمام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وقول صاحب «الكشف»: إنه شديد
~~الطباق للمقام ولذا آثره الإمام لا أسلمه له أيضا إذا صح الحديث

# ثم إذا حملت هذه الصفات على أمور مختلفة متغايرة بالذات كما في المعول
~~عليه فالفاء للترتيب في الأقسام ذكرا ورتبة باعتبار تفاوت مراتبها في
~~الدلالة على كمال قدرته عز وجل، وهذا التفاوت إما على الترقي أو التنزل
~~لما في كل منها من الصفات التي تجعلها أعلى من وجه وأدنى من آخر إذا نظر
~~لها ذو نظر صحيح، وقيل: الترتيب بالنظر إلى الأقرب فالأقرب منا، وإن حملت
~~على واحد وهو الرياح فهي لترتيب الأفعال والصفات إذ الريح تذر الأبخرة
~~إلى الجو أولا حتى تنعقد سحابا فتحمله ثانيا وتجري به ثالثا ناشرة
~~وسائقة له إلى حيث أمرها الله تعالى ثم تقسم أمطاره، وقيل: إذا حملت
~~الذاريات والحاملات على النساء، فالظاهر أنها للتفاوت في الدلالة على
~~كمال القدرة فتدبر.

# ونصب { ذروا } على أنه مفعول مطلق، و { وقرا } على أنه مفعول به،
~~وجوز الإمام أن يكون من باب ضربته سوطا، و { يسرا } على أنه صفة مصدر
~~محذوف بتقدير مضاف أي جريا ذا يسر، أو على أنه حال أي ميسرة كما نقل عن
~~سيبويه، و { أمرا } على أنه مفعول به وهو واحد الأمور، وقد أريد به
~~الجمع ولم يعبر به لأن الفرد أنسب برؤوس الآي مع ظهور الأمر، وقيل: على
~~أنه حال أي مأمورة، والمفعول به محذوف أو الوصف منزل منزلة اللازم أي
~~تفعل التقسيم مأمورة.

# وقرأ أبو عمرو وحمزة { والذريت ذروا } بإدغام التاء في الذال،
~~وقرىء { وقرا } بفتح الواو على أنه مصدر وقره إذا حمله كما أفاده كلام
~~الزمخشري وناهيك / به ms10122 إماما في اللغة، وعلى هذا هو منصوب على أنه مفعول
~~به أيضا على تسمية المحمول بالمصدر أو على أنه مفعول مطلق  لحاملات 
~~من معناها كأنه قيل: فالحاملات حملا. وقوله تعالى شأنه: { إنما
~~توعدون لصدق }

### || [51.5-6]

# جواب للقسم. و { ما } موصولة والعائد محذوف أي إن الذي توعدونه، أو
~~توعدون به، ويحتمل أن تكون مصدرية أي إن وعدكم، أو وعيدكم إذ توعدون
~~يحتمل أن يكون مضارع وعد، وأن يكون مضارع أوعد، ولعل الثاني أنسب لقوله
~~تعالى:

# فذكر بالقرءان من يخاف وعيد

# [ق: 45] ولأن المقصود التخويف والتهويل وعن مجاهد أن الآية في الكفار
~~وهو يؤيد الوعيد ومعنى صدقه تحقق وقوعه، وفي «الكشاف» ((وعد صادق كعيشة
~~راضية و { الدين } الجزاء ووقوعه حصوله)). والأكثرون على أن الموعود هو
~~البعث. وفي تخصيص المذكورات بالإقسام بها رمز إلى شهادتها بتحقق الجملة
~~المقسم عليها من حيث إنها أمور بديعة فمن قدر عليها فهو قادر على تحقيق
~~البعث الموعود.

### || [51.7]

# أي الطرق جمع حبيكة كطريقة، أو حباك كمثال ومثل، ويقال: حبك الماء
~~للتكسر الجاري فيه إذ مرت عليه الريح، وعليه قول زهير يصف غديرا:

# مكلل بأصول النجم تنسجه

# ريح خريق لضاحي مائه حبك

# وحبك الشعر لآثار تثنيه وتكسره، وتفسيرها بذلك مروي عن مقاتل والكلبي
~~والضحاك، والمراد بها إما الطرق المحسوسة التي تسير فيها الكواكب، أو
~~المعقولة التي تدرك بالبصيرة وهي ما تدل على وحدة الصانع وقدرته وعلمه
~~وحكمته جل شأنه إذا تأملها الناظر، وقال ابن عباس وقتادة وعكرمة ومجاهد
~~والربيع: ذات الخلق المستوي الجيد، وفي رواية أخرى عن مجاهد المتقنة
~~البنيان، وقيل: ذات الصفاقة وهي أقوال متقاربة وكأن الحبك عليها من
~~قولهم: حبكت الشيء أحكمته وأحسنت عمله وحبكت العقدة أوثقتها، وفرس محبوك
~~المعاقم  وهي المفاصل  أي محكمها. وفي «الكشف» أصل الحباكة الصفاقة
~~وجودة الأثر، وعن الحسن حبكها نجومها. والظاهر أن إطلاق الحبك على النجوم
~~مجاز لأنها تزين السماء كما يزين الثوب الموشى حبكه وطرائق وشيه فكأنه
~~قيل: ذات النجوم التي هي كالحبك أي الطرائق في التزيين، واستظهر في
~~السماء ms10123 أنه جنس أريد به جميع السموات وكون كل واحدة منها ذات حبك بمعنى
~~مستوية الخلق جيدته، أو متقنة البنيان أو صفيقة، أو ذات طرق معقولة ظاهر،
~~وأما كون كل منها كذلك بمعنى ذات طرق محسوسة فباعتبار أن الكواكب في أي
~~سماء كانت تسير مسامتة لسائر السموات، فممراتها باعتبار المسامتة طرق،
~~وبمعنى ذات النجوم فباعتبار أن النجوم في أي سماء كانت تشاهد في سائر
~~السموات بناءا على أن السموات شفافة لا يحجب كل منها إدراك ما وراءه،
~~وأخرج ابن منيع عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: هي السماء السابعة،
~~وعن عبد الله بن عمرو مثله فتدبر ولا تغفل.

# وقرأ ابن عباس والحسن بخلاف عنه وأبو مالك الغفاري وأبو حيوة وابن أبي
~~عبلة وأبو السمال / ونعيم عن أبي عمرو  الحبك  بإسكان الباء على زنة
~~القفل، وعكرمة بفتحها جمع حبكة مثل طرفة وطرف وبرقة وبرق، وأبو مالك
~~الغفاري والحسن بخلاف عنه أيضا بكسر الحاء والباء  كالإبل  وهو على ما
~~ذكر الخفاجي اسم مفرد ورد على هذا الوزن شذوذا وليس جمعا، وأبو مالك
~~والحسن وأبو حيوة أيضا بكسر الحاء وإسكان الباء كالسلك  وهو تخفيف فعل
~~مكسور الفاء والعين وهو اسم مفرد لا جمع لأن فعلا ليس من أبنية الجموع 
~~قاله في «البحر»  وابن عباس وأبو مالك أيضا بفتحهما كالجبل، قال أبو
~~الفضل الرازي: فهو جمع حبكة مثل عقبة وعقب، والحسن أيضا بكسر الحاء وفتح
~~الباء كالنعم، وأبو مالك أيضا بكسر الحاء وضم الباء وذكرها ابن عطية عن
~~الحسن أيضا ثم قال: هي قراءة شاذة غير متوجهة وكأن بعد أن كسر الحاء
~~توهم قراءة الجمهور فضم الباء وهذا من تداخل اللغات وليس في كلام العرب
~~هذا البناء أي لأن فيه الانتقال من خفة إلى ثقل على عكس ضرب مبنيا
~~للمفعول، وقال صاحب «اللوامح»: هو عديم النظير في العربية في أبنيتها
~~وأوزانها ولا أدري ما وراءه انتهى.

# وعلى التداخل تأول النحاة هذه القراءة، وقال أبو حيان: ((الأحسن عندي أن
~~يكون ذلك مما أتبع فيه ms10124 حركة الحاء لحركة تاء { ذات } في الكسر ولم
~~يعتد باللام الساكنة لأن الساكن حاجز غير حصين)).

### || [51.8]

# أي متخالف متناقض في أمر الله عز وجل حيث تقولون: إنه جل شأنه خالق
~~السماوات والأرض وتقولون بصحة عبادة الأصنام معه سبحانه، وفي أمر الرسول
~~صلى الله عليه وسلم فتقولون: تارة إنه مجنون، وأخرى إنه ساحر ولا يكون
~~الساحر إلا عاقلا، وفي أمر الحشر فتقولون: تارة لا حشر ولا حياة بعد
~~الموت أصلا، وتزعمون أخرى أن أصنامكم شفعاؤكم عند الله تعالى يوم
~~القيامة إلى غير ذلك من الأقوال المتخالفة فيما كلفوا بالايمان به،
~~واقتصر بعضهم على كون القول المختلف في أمره صلى الله عليه وسلم. والجملة
~~جواب القسم ولعل النكتة في ذلك القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها وتنافي
~~أغراضها بطرائق السموات في تباعدها واختلاف هيآتها، أو الإشارة إلى أنها
~~ليست مستوية جيدة، أو ليست قوية محكمة، أو ليس فيها ما يزينها بل فيها ما
~~يشينها من التناقض.

### || [51.9]

# أي يصرف عن الإيمان بما كلفوا الإيمان به لدلالة الكلام السابق عليه،
~~وقال الحسن وقتادة: عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال غير واحد: عن
~~القرآن، والكلام السابق مشعر بكل من صرف الصرف الذي لا أشد منه وأعظم؛
~~ووجه المبالغة من إسناد الفعل إلى من وصف به فلولا غرض المبالغة لكان من
~~توضيح الواضح فكأنه أثبت للمصروف صرف آخر حيث قيل: يصرف عنه المصروف
~~فجاءت المبالغة من المضاعفة ثم الإطلاق في المقام الخطابي له مدخل في
~~تقوية أمر المضاعفة وكذلك الإبهام الذي في الموصول، وهو قريب من قوله
~~تعالى:

# فغشيهم من اليم ما غشيهم

# [طه: 87] وقيل: المراد يصرف عنه في الوجود الخارجي من صرف عنه في علم
~~الله تعالى وقضائه سبحانه، وتعقب بأنه ليس فيه كثير فائدة لأن كل ما هو
~~كائن معلوم أنه ثابت في سابق علمه تعالى الأزلي وليس فيه المبالغة
~~السابقة، وأجيب عن الأول بأن فيه الإشارة إلى أن الحجة البالغة لله عز
~~وجل في صرفه وكفى بذلك فائدة وهو مبني أن ms10125 العلم تابع للمعلوم فافهمه.

# وحكى الزهراوي أنه يجوز أن يكون الضمير ل

# ما توعدون

# [الذاريات: 5] أو  للدين  أقسم سبحانه بالذاريات على أن وقوع أمر
~~القيامة حق ثم أقسم بالسماء على أنهم في قول مختلف في وقوعه، فمنهم شاك /
~~ومنهم جاحد ثم قال جل وعلا: يؤفك عن الإقرار بأمر القيامة من هو المأفوك،
~~وذكر ذلك الزمخشري ولم يعزه، وادعى صاحب «الكشف» أنه أوجه لتلاؤم الكلام،
~~وقيل: يجوز أن يكون الضمير  لقول مختلف  و(عن) للتعليل كما في قوله
~~تعالى:

# وما نحن بتاركى ءالهتنا عن قولك

# [هود: 53]

# ينهون عن أكل وعن شرب

# مثل المها يرتعن في خصب

# أي يصرف بسبب ذلك القول المختلف من أراد الإسلام، وقال الزمخشري: حقيقته
~~يصدر إفكهم عن القول المختلف، وهذا محتمل لبقاء  عن  على أصلها من
~~المجاوزة واعتبار التضمين، وفيه ارتكاب خلاف الظاهر من غير داع مع ذهاب
~~تلك المبالغة، وجوز ابن عطية رجوع الضمير إلى القول إلا أنه قال: المعنى
~~يصرف عن ذلك القول المختلف بتوفيق الله تعالى للإسلام من غلبت سعادته،
~~وتعقبه بأن فيه مخالفة للعرف فإن عرف الاستعمال في الإفك الصرف من خير
~~إلى شر فلذلك لا تجده إلا في المذمومين، ثم إن ذلك على كون الخطاب في

# إنكم

# [الذاريات: 8] للكفار  وهو الذي ذهب إليه ابن زيد وغيره  واستظهر أبو
~~حيان كونه عاما للمسلم والكافر، واستظهر العموم فيما سبق أيضا، والقول
~~المختلف حينئذ قول المسلمين بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وقول
~~الكفار بنقيض ذلك.

# وقرأ ابن جبير وقتادة { من أفك } مبنيا للفاعل أي من أفك الناس
~~عنه وهم قريش، وقرأ زيد بن علي  يأفك عنه من أفك  أي يصرف الناس عنه من
~~هو أفاك كذاب، وقرىء  يؤفن عنه من أفن  بالنون فيهما أي يحرمه من حرم
~~من أفن الضرع إذا أنهكه حلبا.

### || [51.10]

# أي الكذابون من أصحاب القول المختلف. وأصل الخرص الظن والتخمين ثم تجوز
~~به عن الكذب لأنه في الغالب يكون منشأ له، وقال الراغب: حقيقة ذلك أن كل
~~قول مقول عن ظن وتخمين ms10126 يقال له: خرص سواء كان مطابقا للشيء أو مخالفا
~~له من حيث إن صاحبه لم يقله عن علم ولا غلبة ظن ولاسماع بل اعتمد فيه على
~~الظن والتخمين كفعل خارص الثمرة في خرصه، وكل من قال قولا على هذا النحو
~~قد يسمى كاذبا وإن كان قوله مطابقا للمقول المخبر به كما في قوله
~~تعالى:

# إذا جاءك المنفقون

# [المنافقون: 1] الآية انتهى. وفيه بحث. وحقيقة القتل معروفة. والمراد
~~بقتل الدعاء عليهم مع قطع النظر عن المعنى الحقيقي. وعن ابن عباس تفسيره
~~باللعن قال ابن الأنباري: وإنما كان القتل بمعنى اللعن هنا لأن من لعنه
~~الله تعالى بمنزلة المقتول الهالك. وقرىء  قتل الخراصين  أي قتل الله
~~الخراصين.

### || [51.11]

# { الذين هم فى غمرة } في جهل عظيم يغمرهم ويشملهم شمول الماء
~~الغامر لما فيه { سهون } غافلون عما أمروا به، فالمراد بالسهو مطلق
~~الغفلة.

### || [51.12]

# { يسألون } أي بطريق الاستعجال استهزاءا { أيان يوم
~~الدين } معمول ليسألون على أنه جار مجرى يقولون لما فيه من معنى القول،
~~أو لقول مقدر أي فيقولون متى وقوع يوم الجزاء وقدر الوقوع ليكون السؤال
~~عن الحدث كما هو المعروف في { أيان } ولا ضير في جعل الزمان زمانيا
~~فإن اليوم لما جعل موعودا ومنتظرا في نحو قوله تعالى:

# فارتقب يوم تأتى السماء

# [الدخان: 10] صار ملحقا بالزمانيات وكذلك  كل يوم له شأن مثل يوم
~~العيد والنيروز  وهذا / جار في عرفي العرب والعجم على أنه يجوز عند
~~الأشاعرة أن يكون للزمان زمان على ما فصل في مكانه. وقرىء { إيان } بكسر
~~الهمزة وهي لغة.

### || [51.13]

# أي يحرقون، وأصل الفتن إذابة الجوهر ليظهر غشه ثم استعمل في الإحراق
~~والتعذيب ونحو ذلك. و { يوم } نصب على الظرفية لمحذوف دل عليه وقوع
~~الكلام جوابا للسؤال مضاف للجملة الاسمية بعده أي يقع يوم الدين يوم هم
~~على النار الخ، وقال الزجاج: ظرف لمحذوف وقع خبرا لمبتدأ كذلك أي هو
~~واقع، أو كائن يوم الخ، وجوز أن يكون هو نفسه خبر مبتدأ محذوف، والفتحة
~~فتحة بناء لإضافته إلى غير، وهي الجملة ms10127 الاسمية فإن الجمل بحسب الأصل
~~كذلك على كلام فيه بين البصريين والكوفيين مفصل في «شرح التسهيل» أي هو
~~يوم هم الخ، والضمير قيل: راجع إلى وقت الوقوع فيكون هذا الكلام قائما
~~مقام الجواب على نحو

# سيقولون لله

# [المؤمنون: 87] في جواب

# من رب السموات السبع

# [المؤمنون: 86] لأن تقدير السؤال في أي وقت يقع، وجوابه الأصلي في يوم
~~كذا، وإذا قلت: وقت وقوعه يوم كذا كان قائما مقامه، ويجوز أن يكون
~~الضمير لليوم والكلام جواب بحسب المعنى، فالتقدير يوم الجزاء يوم تعذيب
~~الكفار. ويؤيد كونه مرفوع المحل خبرا لمبتدأ محذوف قراءة ابن أبي عبلة
~~والزعفراني (يوم هم) بالرفع، وزعم بعض النحاة أن  يوم  بدل من

# يوم الدين

# [الذاريات: 12] وفتحته على قراءة الجمهور فتحة بناء، و { يوم } وما في
~~حيزه من جملة كلام السائلين قالوه استهزاءا، وحكي على المعنى، ولو حكي
~~على اللفظ لقيل: يوم نحن على النار نفتن، وهو في غاية البعد كما لا يخفى.

### || [51.14]

# قوله تعالى: { ذوقوا فتنتكم } بتقدير قول وقع حالا من ضمير

# يفتنون

# [الذاريات: 13] أي مقولا لهم ذوقوا فتنتكم أي عذابكم المعد لكم، وقد
~~يسمى مايحصل عنه العذاب كالكفر فتنة، وجوز أن يكون منه ما هنا كأنه قيل:
~~ذوقوا كفركم أي جزاء كفركم أو بجعل الكفر نفس العذاب مجازا وهو كما ترى.

# { هذا الذى كنتم به تستعجلون } جملة من مبتدأ وخبر
~~داخلة تحت القول المضمر أي هذا العذاب الذي كنتم تستعجلون به بطريق
~~الاستهزاء وجوز أن يكون { هذا } بدلا من { فتنتكم } بتأويل
~~العذاب، وفيه بعد.

### || [51.15-17]

# لا يبلغ كنهها ولا يقادر قدرها.

# { ءاخذين ما ءاتهم ربهم } أي قابلين لكل ما أعطاهم عز وجل
~~راضين به على معنى أن كل ما آتاهم حسن مرضي يتلقى بحسن القبول، والعموم
~~مأخوذ من شيوع (ما) وإطلاقه في معرض المدح وإظهار منه تعالى عليهم،
~~واعتبار الرضا لأن الأخذ قبول عن قصد. ونصب { ءاخذين } على الحال من
~~الضمير في الظرف { إنهم كانوا قبل ذلك } في الدنيا {
~~محسنين } أي لأعمالهم الصالحة آتين بها على ما ms10128 ينبغي فلذلك استحقوا
~~ما استحقوا من الفوز العظيم، وفسر إحسانهم بقوله تعالى: { كانوا
~~قليلا من اليل ما يهجعون } الخ على أن الجملة في محل رفع
~~بدل من قوله تعالى: { كانوا قبل ذلك محسنين } [الذاريات:
~~16] حصل بها تفيسره، أو أنها جملة لا محل لها من الإعراب مفسرة كسائر
~~الجمل التفسيرية، وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم
~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية: { ءاخذين ما
~~ءاتهم ربهم } من الفرائض { إنهم كانوا قبل ذلك
~~محسنين } [الذاريات: 16] أي كانوا قبل تنزل الفرائض يعملون، ولا أظن
~~صحة نسبته لذلك الحبر، ولا يكاد تجعل جملة { كانوا } الخ عليه تفسيرا
~~إذا صح ما نقل عنه في تفسيرها، وسيأتي إن شاء الله تعالى.

# و  الهجوع  النوم، وقيده الراغب بقوله: ليلا، وغيره بالقليل. و { ما
~~} إما مزيدة  فقليلا  / معمول الفعل صفة لمصدر محذوف أي هجوعا قليلا
~~و { من اليل } صفة، أو لغو متعلق  بيهجعون  و { من }
~~للابتداء، وجملة { يهجعون } خبر  كان  أو { قليلا } صفة لظرف
~~محذوف أي زمانا قليلا و { من اليل } صفة على نحو  قليل من
~~المال عندي  وإما موصولة عائدها محذوف فهي فاعل { قليلا } وهو خبر 
~~كان  و { من اليل } حال من الموصول مقدم كأنه قيل: كانوا قد قل
~~المقدار الذي يهجعون فيه كائنا ذلك المقدار من الليل وإما مصدرية
~~فالمصدر فاعل { قليلا } وهو خبر كان أيضا، و { من اليل } بيان
~~لا متعلق بما بعده لأن معمول المصدر لا يتقدم، أو حال من المصدر، و {
~~من } للابتداء كذا في «الكشف» فهما من «الكشاف»، وذهب بعضهم إلى أن {
~~من } على زيادة  ما  بمعنى في كما في قوله تعالى:

# إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة

# [الجمعة: 9] واعترض ابن المنير احتمال مصدريتها بأن لا يجوز في { من
~~اليل } كونه صفة، أو بيانا  للقليل  لأنه فيه واقع على الهجوع ولا
~~صلة المصدر لتقدمه، وأجيب بأنه بيان للزمان المبهم؛ وحكى الطيبي أنه إما
~~منصوب على التبيين أو متعلق بفعل يفسره { يهجعون } وجوز أن يكون ms10129 {
~~ما يهجعون } على ذلك الاحتمال بدلا من اسم كان فكأنه قيل: كان
~~هجوعهم قليلا وهو بعيد، وجوز في { ما } أن تكون نافية، و { قليلا }
~~منصوب  بيهجعون  والمعنى كانوا لا يهجعون من الليل قليلا ويحيونه كله
~~ورواه ابن أبي شيبة وأبو نصر عن مجاهد، ورده الزمخشري بأن { ما }
~~النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها لأن لها صدر الكلام وليس فيها
~~التصرف الذي في أخواتها كلا فإنها قد تكون كجزء مما دخلت عليه نحو  عوتب
~~بلا جرم  ولم ولن  لاختصاصهما بالفعل كالجزء منه، وأنت تعلم أن منع
~~العمل هو مذهب البصريين، وفي «شرح الهادي» أن بعض النحاة أجازه مطلقا،
~~وبعضهم أجازه في الظرف خاصة للتوسع فيه، واستدل عليه بقوله:

# ونحن عن فضلك ما استغنينا

# نعم يرد على ذلك أن فيه كما في «الانتصاف» خللا من حيث المعنى فإن طلب
~~قيام الليل غير مستثنى منه جزء للهجوع وإن قل غير ثابت في الشرع ولا
~~معهود اللهم إلا أن يدعى أن من ذهب إلى ذلك يقول: بأنه كان ثابتا في
~~الشرع، فقد أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عطاء أنه قال في الآية:
~~كان ذلك إذ أمروا بقيام الليل كله فكان أبو ذر يعتمد على العصا فمكثوا
~~شهرين ثم نزلت الرخصة

# فاقرءوا ما تيسر منه

# [المزمل: 20] وقال الضحاك: { كانوا قليلا } في عددهم، وتم الكلام
~~عند { قليلا } ثم ابتدأ { من اليل ما يهجعون } على أن {
~~ما } نافية؛ وفيه ما تقدم مع زيادة تفكيك للكلام، ولعل أظهر الأوجه
~~زيادة { ما } ونصب { قليلا } على الظرفية، و { من اليل } صفة
~~قيل: وفي الكلام مبالغات لفظ الهجوع بناءا على أنه القليل من النوم،
~~وقوله تعالى: { قليلا } و { من اليل } لأن الليل وقت السبات
~~والراحة وزيادة { ما } لأنها تؤكد مضمون الجملة فتؤكد القلة وتحققها
~~باعتبار كونها قيدا فيها.

# والغرض من الآية أنهم يكابدون العبادة في أوقات الراحة وسكون النفس ولا
~~يستريحون من مشاق النهار إلا قليلا، قال الحسن: كابدوا قيام الليل لا
~~ينامون منه إلا قليلا، وعن عبد ms10130 الله بن رواحة هجعوا قليلا ثم قاموا،
~~وفسر أنس بن مالك الآية  كما رواه جماعة عنه وصححه الحاكم - فقال: كانوا
~~يصلون بين المغرب والعشاء وهي لا تدل على الاقتصار على ذلك.

### || [51.18]

# أي هم مع قلة هجوعهم وكثرة تهجدهم يداومون على الاستغفار في الأسحار
~~كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم ولم يتفرغوا فيه للعبادة. وفي بناء الفعل
~~على الضمير إشعار بأنهم الأحقاء بأن يوصفوا بالاستغفار كأنهم المختصون به
~~لاستدامتهم له وإطنابهم فيه.

# وفي الآية من الإشارة إلى مزيد خشيتهم وعدم اغترارهم بعبادتهم ما لا
~~يخفى، وحمل الاستغفار على حقيقته المشهورة هو الظاهر وبه قال الحسن. /
~~أخرج عنه ابن جرير وغيره أنه قال: صلوا فلما كان السحر استغفروا، وقيل:
~~المراد طلبهم المغفرة بالصلاة، وعليه ما أخرج ابن المنذر وجماعة عن ابن
~~عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: { يستغفرون } يصلون، وأخرج ابن
~~مردويه عنه ذلك مرفوعا ولا أراه يصح، وأخرج أيضا عن أنس قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم:

# " إن آخر الليل في التهجد أحب إلي من أوله لأن الله تعالى يقول: {
~~وبالاسحر هم يستغفرون } "

# وهو محتمل لذلك التفسير والظاهر.

### || [51.19]

# { وفى أمولهم حق } أي نصيب وافر يستوجبونه على أنفسهم تقربا
~~إلى الله عز وجل وإشفاقا على الناس، فهو غير الزكاة كما قال ابن عباس
~~ومجاهد وغيرهما. { للسائل } الطالب منهم { والمحروم } وهو
~~المتعفف الذي يحسبه الجاهل غنيا فيحرم الصدقة من أكثر الناس. أخرج ابن
~~جرير وابن حبان وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان والأكلة والأكلتان قيل: فمن
~~المسكين؟ قال: الذي ليس له ما يغنيه ولا يعلم مكانه فيتصدق عليه فذلك
~~المحروم "

# وفسره ابن عباس بالمحارف الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه ولا يسأل الناس،
~~وقيل: هو الذي يبعد منه ممكنات الرزق بعد قربها منه فيناله الحرمان، وقال
~~زيد بن أسلم: هو الذي اجتيحت ثمرته، وقيل: من ماتت ماشيته، وقيل: من ليس
~~له سهم في الإسلام، وقيل: الذي لا ms10131 ينمو له مال، وقيل: غير ذلك قال في
~~«البحر»: ((وكل ذلك على سبيل التمثيل ويجمع الأقوال أنه الذي لا مال له
~~لحرمان أصابه)) وأنا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أقول  وقال منذر
~~بن سعيد هذا الحق هو الزكاة. المفروضة، وتعقب بأن السورة مكية وفرض
~~الزكاة بالمدينة، وقيل: أصل فريضة الزكاة كان بمكة والذي كان بالمدينة
~~القدر المعروف اليوم، وعن ابن عمر أن رجلا سأله عن هذا الحق فقال الزكاة
~~وسوى ذلك حقوق فعمم، والجمهور على الأول.

### || [51.20]

# { وفى الأرض ءايت } دلائل من أنواع المعادن والنباتات
~~والحيوانات، أو وجوه دلالات من الدحو وارتفاع بعضها عن الماء، واختلاف
~~أجزائها في الكيفيات والخواص، فالدليل على الأول ما في الأرض من
~~الموجودات والظرفية حقيقية والجمع على ظاهره، وعلى الثاني الدليل نفس
~~الأرض، والجمعية باعتبار وجوه الدلالة وأحوالها، والظرفية من ظرفية الصفة
~~في الموصوف والدلالة على وجود الصانع جل شأنه وعلمه وقدرته وإرادته
~~ووحدته وفرط رحمته عز وجل.

# { للموقنين } للموحدين الذين سلكوا الطريق السوي البرهاني الموصل
~~إلى المعرفة فهم نظارون بعيون باصرة وأفهام نافذة. وقرأ قتادة  آية 
~~بالإفراد.

### || [51.21]

# { وفى أنفسكم } أي في ذواتكم آيات إذ ليس في العالم شيء إلا وفي
~~ذات الإنسان له نظير يدل مثل دلالته على ما انفرد به من الهيآت النافعة
~~والمناظرة البهية والتركيبات العجيبة والتمكن من الأفعال البديعة
~~واستنباط الصنائع المختلفة واستجماع الكمالات المتنوعة، وآيات الأنفس
~~أكثر من أن تحصى، وقيل: أريد بذلك اختلاف الألسنة والصور والألوان
~~والطبائع، ورواه عطاء عن ابن عباس، وقيل: سبيل الطعام وسبيل الشراب والحق
~~أن لا حصر.

# { أفلا تبصرون } أي ألا تنظرون فلا تبصرون بعين البصيرة، وهو
~~تعنيف على ترك النظر في الآيات الأرضية والنفسية، وقيل: في الأخير.

### || [51.22]

# { وفى السماء رزقكم } أي تقديره وتعيينه، أو أسباب رزقكم من
~~النيرين والكواكب والمطالع / والمغارب التي تختلف بها الفصول التي هي
~~مبادي الرزق إلى غير ذلك، فالكلام على تقدير مضاف أو التجوز بجعل وجود
~~الأسباب فيها كوجود المسبب، وذهب غير واحد إلى أن السماء ms10132 السحاب وهي سماء
~~لغة، والمراد بالرزق المطر فإنه سبب الأقوات وروي تفسيره بذلك مرفوعا
~~وقرأ ابن محيصن  أرزاقكم  على الجمع.

# { وما توعدون } عطف على { رزقكم } أي والذي توعدونه من خير
~~وشر كما روي عن مجاهد، وفي رواية أخرى عنه وعن الضحاك  ما توعدون 
~~الجنة والنار وهو ظاهر في أن النار في السماء وفيه خلاف، وقال بعضهم: هو
~~الجنة وهي على ظهر السماء السابعة تحت العرش، وقيل: أمر الساعة، وقيل:
~~الثواب والعقاب فإنهما مقدران معينان فيها، وقيل: إنه مستأنف خبره: {
~~فورب السماء والأرض إنه لحق }

### || [51.23]

# { فورب السماء والأرض إنه لحق } على أن ضمير {
~~إنه } لما وعلى ما تقدم، فإما له أو للرزق، أو لله تعالى، أو للنبي
~~صلى الله عليه وسلم، أو للقرآن، أو للدين في

# إن الدين لواقع

# [الذاريات: 6] أو لليوم المذكور في

# أيان يوم الدين

# [الذاريات: 12] أو لجميع المذكور أما ما أقوال، واستظهر أبو حيان الأخير
~~منها وهو مروي عن ابن جريج أي إن جميع ما ذكرناه من أول السورة إلى هنا
~~لحق { مثل ما أنكم تنطقون } أي مثل نطقكم كما أنه لا شك لكم
~~في أنكم تنطقون ينبغي أن لا تشكوا في حقية ذلك وهذا كقول الناس: إن هذا
~~لحق كما أنك ترى وتسمع. ونصب { مثل } على الحالية من المستكن في {
~~لحق } وهو لا يتعرف بالإضافة لتوغله في التنكير، أو على الوصف لمصدر
~~محذوف أي إنه لحق حقا مثل نطقكم، وقيل: إنه مبني على الفتح فقال
~~المازني: لتركبه مع { ما } حتى صارا شيئا واحدا نحو  ويحما  وأنشدوا
~~لبناء الاسم معها قول الشاعر:

# أثور ما أصيدكم أم ثورين

# أم هذه الجماء ذات القرنين

# وقال غيره: لإضافته إلى غير متمكن وهو { ما } إن كانت نكرة موصوفة
~~بمعنى شيء، أو موصولة بمعنى الذي و { أنكم } الخ خبر مبتدأ محذوف أي
~~هو أنكم الخ، والجملة صفة، أو صلة، أو هو أن بما في حيزها إن جعلت { ما
~~} زائدة، وهو نص الخليل ومحله على البناء للرفع على أنه صفة { لحق }
~~أو خبر ms10133 ثان ويؤيده قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر والحسن وابن أبي إسحاق
~~والأعمش بخلاف عن ثلاثتهم { مثل } بالرفع، وفي «البحر» ((أن الكوفيين
~~يجعلون  مثلا  ظرفا فينصبونه على الظرفية ويجيزون زيد مثلك بالنصب،
~~وعليه يجوز أن يكون في قراءة الجمهور منصوبا على الظرفية واستدلالهم،
~~والرد عليهم مذكور في النحو)).

# وفي الآية من تأكيد حقية المذكور ما لا يخفى، وأخرج ابن جرير وابن أبي
~~حاتم عن الحسن أنه قال فيها: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " قاتل الله قوما أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا "

# وعن الأصمعي أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود فقال: ممن
~~الرجل؟ قلت: من بني أصمع قال: من أين أقبلت: من موضع يتلى فيه كلام
~~الرحمن قال: اتل علي فتلوت

# والذريت

# [الذاريات: 1] فلما بلغت

# وفى السماء رزقكم

# [الذاريات: 22] قال: حسبك فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها وعمد إلى سيفه
~~وقوسه فكسرهما وولى فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي
~~بصوت رقيق فالتفت فإذا بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم علي واستقرأ السورة
~~فلما بلغت الآية صاح وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ثم قال: وهل غير
~~هذا؟ فقرأت { فورب السماء والأرض إنه لحق } فصاح
~~وقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف، لم يصدقوه بقوله
~~حتى ألجأوه إلى اليمين قالها / ثلاثا وخرجت معها نفسه.

### || [51.24]

# { هل أتاك حديث ضيف إبرهيم } فيه تفخيم لشأن الحديث
~~وتنبيه على أنه ليس مما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير طريق
~~الوحي قاله غير واحد، وفي «الكشف» فيه رمز إلى أنه لما فرغ من إثبات
~~الجزاء لفظا بالقسم ومعنى بما في المقسم به من التلويح إلى القدرة
~~البالغة مدمجا فيه صدق المبلغ، وقضى الوطر من تفصيله مهد لإثبات
~~النبوة وأن هذا الآتي الصادق حقيق بالاتباع لما معه من المعجزات الباهرة
~~فقال سبحانه: { هل أتاك } الخ، وضمن فيه تسليته عليه الصلاة والسلام
~~بتكذيب قومه فله بسائر آبائه وإخوانه من الأنبياء عليهم السلام ms10134 أسوة
~~حسنة، هذا إذا لم يجعل قوله تعالى:

# وفى موسى

# [الذاريات: 38] عطفا على قوله سبحانه:

# وفى الأرض ءايت

# [الذاريات: 20] وأما على ذلك التقدير فوجهه أن يكون قصة الخليل ولوط
~~عليهما السلام معترضة للتسلي بإبعاد مكذبيه وأنه مرحوم منجى مكرم
~~بالاصطفاء مثل أبيه إبراهيم صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعليهم 
~~والترجيح مع الأول انتهى  وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلق بقوله
~~سبحانه:

# وفى موسى

# [الذاريات: 38].

# والضيف في الأصل مصدر بمعنى الميل ولذلك يطلق على الواحد والمتعدد، قيل:
~~كانوا اثني عشر ملكا، وقيل: ثلاثة: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل عليهم
~~السلام، وسموا ضيفا لأنهم كانوا في صورة الضيف ولأن إبراهيم عليه السلام
~~حسبهم كذلك، فالتسمية على مقتضى الظاهر والحسبان، وبدأ بقصة إبراهيم وإن
~~كانت متأخرة عن قصة عاد لأنها أقوى في غرض التسلية.

# { المكرمين } أي عند الله عز وجل كما قال الحسن فهو كقوله تعالى
~~في الملائكة عليهم السلام:

# بل عباد مكرمون

# [الأنبياء: 26]، أو عند إبراهيم عليه السلام إذ خدمهم بنفسه وزوجته وعجل
~~لهم القرى ورفع مجالسهم كما في بعض الآثار. وقرأ عكرمة { المكرمين
~~} بالتشديد.

### || [51.25]

# { إذ دخلوا عليه } ظرف للحديث لأنه صفة في الأصل، أو للضيف،
~~أو لمكرمين إن أريد إكرام إبراهيم، لأن إكرام الله تعالى إياهم لا يتقيد،
~~أو منصوب بإضمار اذكر { فقالوا سلما } أي نسلم عليك سلاما،
~~وأوجب في «البحر» حذف الفعل لأن المصدر ساد مسده فهو من المصادر التي
~~يجب حذف أفعالها، وقال ابن عطية: يتجه أن يعمل في { سلاما } قالوا على
~~أن يجعل في معنى قولا ويكون المعنى حينئذ أنهم قالوا: تحية وقولا
~~معناه سلام ونسب إلى مجاهد وليس بذاك.

# { قال سلم } أي عليكم سلام عدل به إلى الرفع بالابتداء لقصد
~~الثبات حتى يكون تحيته أحسن من تحيتهم أخذا بمزيد الأدب والإكرام، وقيل:
~~سلام خبر مبتدأ محذوف أي أمري سلام وقرئا مرفوعين، وقرىء (سلاما قال
~~سلما) بكسر السين وإسكان اللام والنصب، والسلم السلام، وقرأ ابن وثاب
~~والنخعي وابن جبير وطلحة (سلاما قال سلم) بالكسر والإسكان والرفع، وجعله
~~في ms10135 «البحر» على معنى نحن أو أنتم سلم.

# { قوم منكرون } أنكرهم عليه السلام للسلام الذي هو علم الإسلام،
~~أو لأنهم عليهم السلام ليسوا ممن عهدهم من الناس، أو لأن أوضاعهم
~~وأشكالهم خلاف ما عليه الناس. و { قوم } خبر مبتدأ محذوف والأكثر على
~~أن التقدير أنتم قوم منكرون وأنه عليه السلام قاله لهم للتعرف كقولك لمن
~~لقيته: أنا لا أعرفك تريد عرف لي نفسك وصفها، وذهب بعض المحققين إلى أن
~~الذي يظهر أن التقدير: هؤلاء قوم منكرون وأنه عليه السلام قاله في نفسه،
~~أو لمن كان معه من أتباعه وغلمانه من غير أن يشعرهم بذلك فإنه الأنسب
~~بحاله / عليه السلام لأن في خطاب الضيف بنحو ذلك إيحاشا ما، وطلبه به
~~أن يعرفوه حالهم لعله لا يزيل ذلك. وأيضا لو كان مراده ذلك لكشفوا
~~أحوالهم عند القول المذكور ولم يتصد عليه السلام لمقدمات الضيافة.

### || [51.26]

# { فراغ إلى أهله } أي ذهب إليهم على خفية من ضيفه، نقل أبو
~~عبيدة أنه لا يقال: راغ إلا إذا ذهب على خفية، وقال: يقال روغ اللقمة إذا
~~غمسها في السمن حتى تروى، قال ابن المنير: وهو من هذا المعنى لأنها تذهب
~~مغموسة في السمن حتى تخفى، ومن مقلوب الروغ غور الأرض والجرح لخفائه
~~وسائر مقلوباته قريبة من هذا المعنى، وقال الراغب: ((الروغ الميل على
~~سبيل الاحتيال، ومنه راغ الثعلب، وراغ فلان إلى فلان مال نحوه لأمر يريده
~~منه بالاحتيال))، ويعلم منه أن لاعتبار قيد الخفية وجها وهو أمر
~~يقتضيه المقام أيضا لأن من يذهب إلى أهله لتدارك الطعام يذهب كذلك
~~غالبا، وتشعر الفاء بأنه عليه السلام بادر بالذهاب ولم يمهل وقد ذكروا
~~أن من أدب المضيف أن يبادر بالقرى من غير أن يشعر به الضيف حذرا من أن
~~يمنعه الضيف، أو يصير منتظرا.

# { فجاء بعجل } هو ولد البقرة كأنه سمي بذلك لتصور عجلته التي تعدم
~~منه إذا صار ثورا { سمين } ممتلىء الجسد بالشحم واللحم يقال: سمن 
~~كسمع  سمانة بالفتح وسمنا  كعنب  فهو سامن وسمين، وكحسن السمين خلقة
~~كذا ms10136 في «القاموس»، وفي «البحر» يقال: سمن سمنا فهو سمين شذوذا في
~~المصدر، واسم الفاعل والقياس سمن وسمن، وقالوا: سامن إذا حدث له السمن
~~انتهى. والفاء فصيحة أفصحت عن جمل قد حذفت ثقة بدلالة الحال عليها،
~~وإيذانا بكمال سرعة المجىء بالطعام أي فذبح عجلا فحنذه فجاء به، وقال
~~بعضهم إنه كان معدا عنده حنيذا قبل مجيئهم لمن يرد عليه من الضيوف فلا
~~حاجة إلى تقدير ما ذكر، والمشهور اليوم أن الذبح للضيف إذا ورد أبلغ في
~~إكرامه من الإتيان بما هىء من الطعام قبل وروده. وكان كما روي عن قتادة
~~عامة ماله عليه السلام البقر ولو كان عنده أطيب لحما منها لأكرمهم به.

### || [51.27]

# { فقربه إليهم } بأن وضعه لديهم، وفيه دليل على أن من إكرام
~~الضيف أن يقدم له أكثر مما يأكل وأن لا يوضع الطعام بموضع ويدعى الضيف
~~إليه { قال ألا تأكلون } قيل: عرض للأكل فإن في ذلك تأنيسا
~~للضيف، وقيل: إنكار لعدم تعرضهم للأكل، وفي بعض الآثار أنهم قالوا: إنا
~~لا نأكل إلا ما أدينا ثمنه فقال عليه السلام: إني لا أبيحه لكم إلا بثمن
~~قالوا: وما هو؟ قال: أن تسموا الله تعالى عند الابتداء وتحمدوه عز وجل
~~عند الفراغ فقال بعضهم لبعض: بحق اتخذه الله تعالى خليلا.

### || [51.28]

# { فأوجس منهم خيفة } فأضمر في نفسه منهم خوفا لما رأى عليه
~~الصلاة والسلام إعراضهم عن طعامه وظن أن ذلك لشر يريدونه فإن أكل الضيف
~~أمنة؛ ودليل على انبساط نفسه وللطعام حرمة وذمام والامتناع منه وحشة
~~موجبة لظن الشر. وعن ابن عباس أنه عليه السلام وقع في نفسه أنهم ملائكة
~~أرسلوا للعذاب فخاف { قالوا لا تخف } إنا رسل الله تعالى، عن
~~يحيى بن شداد مسح جبريل عليه السلام العجل بجناحه فقام يدرج حتى لحق
~~بأمه فعرفهم وأمن منهم، وعلى ما روي عن الحبر أن هذا لمجرد تأمينه عليه
~~السلام، وقيل: مع تحقيق أنهم ملائكة وعلمهم بما أضمر في نفسه إما بإطلاع
~~الله تعالى إياهم عليه، أو إطلاع ملائكته الكرام الكاتبين عليه ms10137 وإخبارهم
~~به، أو بظهور أمارته في وجهه الشريف فاستدلوا بذلك على الباطن.

# { وبشروه } وفي سورة الصافات [112]

# وبشرنه

# أي بواسطتهم { بغلم } / هو عند الجمهور إسحاق بن سارة وهو الحق
~~للتنصيص على أنه المبشر به في سورة هود والقصة واحدة، وقال مجاهد:
~~إسماعيل ابن هاجر كما رواه عنه ابن جرير وغيره ولا يكاد يصح { عليم }
~~عند بلوغه واستوائه، وفيه تبشير بحياته وكانت البشارة بذكر لأنه أسر
~~للنفس وأبهج، ووصفه بالعلم لأنها الصفة التي يختص بها الإنسان الكامل لا
~~الصورة الجميلة والقوة ونحوهما، وهذا عند غير الأكثرين من أهل هذا الزمان
~~فإن العلم عندهم لا سيما العلم الشرعي رذيلة لا تعادلها رذيلة والجهل
~~فضيلة لا توازنها فضيلة. وفي صيغة المبالغة مع حذف المعمول ما لا يخفى
~~مما يوجب السرور، وعن الحسن { عليم } نبي ووقعت البشارة بعد التأنيس،
~~وفي ذلك إشارة إلى أن درء المفسدة أهم من جلب المصلحة، وذكر بعضهم أن
~~علمه عليه السلام بأنهم ملائكة من حيث بشروه بغيب.

### || [51.29]

# { فأقبلت امرأته } سارة لما سمعت بشارتهم إلى بيتها وكانت
~~في زاوية تنظر إليهم، وفي «التفسير الكبير» أنها كانت في خدمتهم فلما
~~تكلموا مع زوجها بولادتها استحيت وأعرضت عنهم فذكر الله تعالى ذلك بلفظ
~~الإقبال على الأهل دون الإدبار عن الملائكة، وهو إن صح مثله عن نقل وأثر
~~لا يأباه الخطاب الآتي لأنه يقتضي الإقبال دون الإدبار إذ يكفي لصحته أن
~~يكون بمسمع منها وإن كانت مدبرة، نعم في الكلام عليه استعارة ضدية ولا
~~قرينة ههنا تصححها، وقيل: أقبلت بمعنى أخذت كما تقول أخذ يشتمني.

# { فى صرة } في صيحة من الصرير قاله ابن عباس، وقال قتادة وعكرمة:
~~صرتها رنتها، وقيل: قولها أوه، وقيل: يا ويلتى، وقيل: في شدة، وقيل:
~~الصرة الجماعة المنضم بعضهم إلى بعض كأنهم صروا أي جمعوا في وعاء وإلى
~~هذا ذهب ابن بحر قال: أي أقبلت في صرة من نسوة تبادرن نظرا إلى الملائكة
~~عليهم السلام. والجار والمجرور في موضع الحال، أو المفعول به إن فسر {
~~أقبلت } بأخذت قيل: إن ms10138 { فى } عليه زائدة كما في قوله:

# يجرح في عراقيبها نصلي

# والتقدير أخذت صيحة، وقيل: بل الجار والمجرور في موضع الخبر لأن الفعل
~~حينئذ من أفعال المقاربة.

# { فصكت وجهها } قال مجاهد: ضربت بيدها على جبهتها وقالت: يا
~~ويلتاه، وقيل: إنها وجدت حرارة الدم فلطمت وجهها من الحياء، وقيل: إنها
~~لطمته تعجبا وهو فعل النساء إذا تعجبن من شيء { وقالت عجوز } أي
~~أنا عجوز { عقيم } عاقر فكيف ألد، وعقيم فعيل قيل: بمعنى فاعل أو
~~مفعول وأصل معنى العقم اليبس.

### || [51.30]

# { قالوا كذلك } أي مثل ذلك القول الكريم الذي أخبرنا به { قال
~~ربك } وإنما نحن معبرون نخبرك به عنه عز وجل لا أنا نقوله من تلقاء
~~أنفسنا، وروي أن جبريل عليه السلام قال لها: انظري إلى سقف بيتك فنظرت
~~فإذا جذوعه مورقة مثمرة { إنه هو الحكيم العليم } فيكون
~~قوله عز وجل حقا وفعله سبحانه متقنا لا محالة. وهذه المفاوضة لم تكن مع
~~سارة فقط بل كانت مع إبراهيم أيضا حسبما تقدم في سورة الحجر، وإنما لم
~~يذكر ههنا اكتفاءا بما ذكر هناك كما أنه لم يذكر هناك سارة اكتفاءا
~~بما ذكر ههنا وفي سورة هود.

### || [51.31]

# { قال } أي إبراهيم عليه السلام لما علم أنهم ملائكة أرسلوا لأمر {
~~فما خطبكم } أي شأنكم الخطير الذي لأجله أرسلتم سوى البشارة {
~~أيها المرسلون }.

### || [51.32-33]

# يعنون قوم لوط عليه السلام.

# { لنرسل عليهم } أي بعد قلب قراهم عاليها سافلها حسبما فصل في
~~سائر السور الكريمة / { حجارة من طين } أي طين متحجر وهو السجيل.
~~وفي تقييد كونها من طين رفع توهم كونها بردا فإن بعض الناس يسمى البرد
~~حجارة.

### || [51.34]

# { مسومة } معلمة من السومة وهي العلامة على كل واحدة منها اسم من
~~يهلك بها؛ وقيل: أعلمت بأنها من حجارة العذاب، وقيل: بعلامة تدل على أنها
~~ليست من حجارة الدنيا، وقيل: مسومة مرسلة من أسمت الإبل في المرعى، ومنه
~~قوله تعالى:

# ومنه شجر فيه تسيمون

# [النحل: 10] { عند ربك } أي في محل ظهور قدرته سبحانه وعظمته عز
~~وجل، والمراد إنها معلمة في ms10139 أول خلقها، وقيل: المعنى إنها في علم الله
~~تعالى معدة { للمسرفين } المجاوزين الحد في الفجور. و  أل  عند
~~الإمام للعهد أي لهؤلاء المسرفين. ووضع الظاهر موضع الضمير ذما لهم
~~بالإسراف بعد ذمهم بالإجرام، وإشارة إلى علة الحكم.

### || [51.35]

# قوله تعالى: { فأخرجنا } إلى آخره حكاية من جهته تعالى لما جرى
~~على قوم لوط عليه السلام بطريق الإجمال بعد حكاية ما جرى بين الملائكة
~~وبين إبراهيم عليه السلام من الكلام. والفاء فصيحة مفصحة عن جمل قد حذفت
~~ثقة بذكرها في موضع آخر كأنه قيل: فقاموا منه وجاءوا لوطا فجرى بينهم
~~وبينه ما جرى فباشروا ما أمروا به فأخرجنا بقولنا:

# فأسر بأهلك

# [هود: 81] الخ { من كان فيها } أي في قرى قوم لوط وإضمارها بغير
~~ذكر لشهرتها. { من المؤمنين } ممن آمن بلوط عليه السلام.

### || [51.36]

# { فما وجدنا فيها غير بيت } أي غير أهل بيت للبيان بقوله
~~تعالى: { من المسلمين } فالكلام بتقدير مضاف، وجوز أن يراد
~~بالبيت نفسه الجماعة مجازا، والمراد بهم كما أخرج ابن المنذر وابن أبي
~~حاتم عن مجاهد لوط وابنتاه، وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه
~~قال: كانوا ثلاثة عشر.

# واستدل بالآية على اتحاد الإيمان والإسلام للاستثناء المعنوي فإن المعنى
~~فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فلم يكن المخرج إلا أهل بيت واحد وإلا
~~لم يستقم الكلام، وأنت تعلم أن هذا يدل على أنهما صادقان على الأمر
~~الواحد لا ينفك أحدهما عن الآخر كالناطق والإنسان، أما على الاتحاد في
~~المفهوم وهو المختلف فيه عند أهل الأصول والحديث فلا، فالاستدلال بها على
~~اتحادهما فيه ضعيف، نعم تدل على أنهما صفتا مدح من أوجه عديدة: استحقاق
~~الإخراج واختلاف الوصفين وجعل كل مستقلا بأن يجعل سبب النجاة وما في
~~قوله تعالى:

# من كان

# [الذاريات: 35] أولا، و { غير بيت } ثانيا من الدلالة على
~~المبالغة فإن صاحبهما محفوظ من كان وأين كان إلى غير ذلك، ومعنى الوجدان
~~منسوبا إليه تعالى العلم على ما قاله الراغب، وذهب بعض الأجلة إلى أنه
~~لا يقال: ما وجدت ms10140 كذا إلا بعد الفحص والتفتيش، وجعل عليه معنى الآية
~~فأخرج ملائكتنا من كان فيها من المؤمنين فما وجد ملائكتنا فيها غير بيت
~~من المسلمين أو في الكلام ضرب آخر من المجاز فلا تغفل.

### || [51.37]

# { وتركنا فيها } أي في القرى { ءاية } علامة دالة على ما
~~أصابهم من العذاب، قال ابن جريج: هي أحجار كثيرة منضودة، وقيل: تلك
~~الأحجار التي أهلكوا بها، وقيل: ماء منتن قال الشهاب: كأنه بحيرة طبرية،
~~وجوز أبو حيان كون ضمير { فيها } عائدا على الإهلاكة التي أهلكوها
~~فإنها من أعاجيب الإهلاك بجعل أعالي القرية أسافل، وإمطار الحجارة،
~~والظاهر هو الأول { للذين يخافون العذاب الأليم } أي من
~~شأنهم أن يخافوه لسلامة فطرتهم ورقة قلوبهم دون من عداهم من ذوي القلوب
~~القاسية فإنهم لا يعتدون بها / ولا يعدونها آية.

### || [51.38]

# { وفى موسى } عطف على

# وتركنا فيها

# [الذاريات: 37] بتقدير عامل له أي وجعلنا في موسى. والجملة معطوفة على
~~الجملة، أو هو عطف على { فيها } بتغليب معنى عامل الآية، أو سلوك طريق
~~المشاكلة في عطفه على الأوجه التي ذكرها النحاة في نحو:

# علفتها تبنا وماءا باردا

# لا يصح تسليط الترك بمعنى الإبقاء على قوله سبحانه: { وفى موسى }
~~فقول أبي حيان: لا حاجة إلى إضمار تركنا لأنه قد أمكن العامل في المجرور

# تركنا

# [الذاريات: 37] الأول فيه بحث، وقيل: { فى موسى } خبر لمبتدأ محذوف
~~أي وفي موسى آية، وجوز ابن عطية وغيره أن يكون معطوفا على قوله تعالى:

# وفى الأرض

# [الذاريات: 20] وما بينهما اعتراض لتسليته عليه الصلاة والسلام على ما
~~مر، وتعقبه في «البحر» بأنه بعيد جدا ينزه القرآن الكريم عن مثله.

# { إذ أرسلنه } قيل: بدل من { موسى } ، وقيل: هو منصوب
~~بآية، وقيل: بمحذوف أي كائنة وقت إرسالنا، وقيل: بتركنا. { إلى
~~فرعون بسلطن مبين } هو ما ظهر على يديه من المعجزات
~~الباهرة، والسلطان يطلق على ذلك مع شموله للواحد والمتعدد لأنه في الأصل
~~مصدر.

### || [51.39]

# { فتولى بركنه } فأعرض عن الإيمان بموسى عليه السلام على أن
~~ركنه جانب بدنه وعطفه، والتولي به كناية عن الإعراض، ms10141 والباء للتعدية لأن
~~معناه ثني عطفه، أو للملابسة، وقال قتادة: تولى بقومه على أن الركن بمعنى
~~القوم لأنه يركن إليهم ويتقوى بهم، والباء للمصاحبة أو الملابسة وكونها
~~للسببية غير وجيه، وقيل: تولى بقوته وسلطانه، والركن يستعار للقوة  كما
~~قال الراغب  وقرىء (بركنه) بضم الكاف اتباعا للراء.

# { وقال سحر } أي هو ساحر { أو مجنون } كأن اللعين جعل ما
~~ظهر على يديه عليه السلام من الخوارق العجيبة منسوبة إلى الجن وتردد في
~~أنه حصل باختياره فيكون سحرا، أو بغير اختياره فيكون جنونا، وهذا مبني
~~على زعمه الفاسد وإلا فالسحر ليس من الجن كما بين في محله  فأو  للشك،
~~وقيل: للإبهام، وقال أبو عبيدة: هي بمعنى الواو لأن اللعين قال الأمرين
~~قال:

# إن هذا لسحر عليم

# [الشعراء: 34] وقال:

# إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون

# [الشعراء: 27] وأنت تعلم أن اللعين يتلون تلون الحرباء فلا ضرورة تدعو
~~إلى جعلها بمعنى الواو.

### || [51.40]

# { فأخذنه وجنوده فنبذنهم } طرحناهم غير معتدين
~~بهم { في اليم } في البحر، والمراد فأغرقناهم فيه. وفي الكلام من
~~الدلالة على غاية عظم شأن القدرة الربانية ونهاية قمأة فرعون وقومه ما لا
~~يخفى { وهو مليم } أي آت بما يلام عليه من الكفر والطغيان فالأفعال
~~هنا للإتيان بما يقتضي معنى ثلاثية كأغرب إذا أتى أمرا غريبا، وقيل:
~~الصيغة للنسب، أو الإسناد للسبب  وهو كما ترى  وكون الملام عليه هنا
~~الكفر والطغيان هو الذي يقتضيه حال فرعون وهو مما يختلف باعتبار من وصف
~~به فلا يتوهم أنه كيف وصف اللعين بما وصف به ذو النون عليه السلام.

### || [51.41]

# { وفى عاد إذ أرسلنا } على طرز ما تقدم { عليهم الريح
~~العقيم } الشديد التي لا تلقح شيئا كما أخرجه جماعة عن ابن عباس
~~وصححه الحاكم، وفي لفظ هي ريح لا بركة فيها ولا منفعة ولا ينزل منها غيث
~~ولا يلقح بها شجر كأنه شبه عدم تضمن المنفعة بعقم المرأة فعيل بمعنى فاعل
~~من اللازم وكون هذا المعنى لا يصح هنا مكابرة، وقال بعضهم وهو حسن: سميت
~~عقيما لأنها أهلكتهم وقطعت ms10142 دابرهم على أن هناك استعارة تبعية شبه
~~إهلاكهم وقطع دابرهم بعقم النساء وعدم / حملهن لما فيه من إذهاب النسل ثم
~~أطلق المشبه به على المشبه واشتق منه العقيم، وفعيل قيل: بمعنى فاعل أو
~~مفعول.

# وهذه الريح كانت الدبور لما صح من قوله صلى الله عليه وسلم:

# " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور "

# وأخرج الفريابي وابن المنذر عن علي كرم الله تعالى وجهه أنها النكباء،
~~وأخرج ابن جرير وجماعة عن ابن المسيب أنها الجنوب، وأخرج ابن المنذر عن
~~مجاهد أنها الصبا، والمعول عليه ما ذكرنا أولا، ولعل الخبر عن الأمير
~~كرم الله تعالى وجهه غير صحيح.

### || [51.42]

# { ما تذر من شىء } ما تدع شيئا { أتت عليه } جرت عليه {
~~إلا جعلته كالرميم } الشيء البالي من عظم أو نبات أو غير
~~ذلك من رم الشيء بلي، ويقال للبالي: رمام كغراب، وأرم أيضا لكن قال
~~الراغب: ((يختص الرم بالفتات من الخشب والتبن، والرمة بالكسر تختص بالعظم
~~البالي، والرمة بالضم بالحبل البالي))، وفسره السدي هنا بالتراب، وقتادة
~~بالهشيم، وقطرب بالرماد، وفسره ابن عيسى بالمنسحق الذي لا يرم أي لا يصلح
~~كأنه جعل الهمزة في أرم للسلب، والجملة بعد { إلا } حالية، والشيء هنا
~~عام مخصوص أي من شيء أراد الله تعالى تدميره وإهلاكه من ناس أو ديار أو
~~شجر أو غير ذلك، روي أن الريح كانت تمر بالناس فيهم الرجل من عاد فتنتزعه
~~من بينهم وتهلكه.

### || [51.43]

# أخرج البيهقي في «سننه» عن قتادة أنه ثلاثة أيام وإليه ذهب الفراء
~~وجماعة قال: تفسيره قوله تعالى:

# تمتعوا فى داركم ثلثة أيام

# [هود: 65] واستشكل بأن هذا التمتع مؤخر عن العتو لقوله تعالى: {
~~فعقروها فقال تمتعوا } الخ.

### || [51.44]

# قوله تعالى: { فعتوا عن أمر ربهم } يدل على أن العتو
~~مؤخر، وأجيب بأن هذا مرتب على تمام القصة كأنه قيل: وجعلنا في زمان قولنا
~~ذلك لثمود آية أو وفي زمان قولنا ذلك لثمود آية، ثم أخذ في بيان كونه آية
~~فقيل: { فعتوا عن أمر ربهم } أي فاستكبروا عن الامتثال به
~~إلى الآخر، فالفاء ms10143 للتفصيل قال في «الكشف»: وهو الظاهر من هذا المساق،
~~وكذلك قوله تعالى:

# فتولى بركنه

# [الذاريات: 39] مرتب على القصة زمان إرسال موسى عليه السلام بالسلطان،
~~وإن كان هناك لا مانع من الترتب على الإرسال وذلك لأنه جىء بالظرف مجىء
~~الفضلة حيث جعل فيه الآية، والقصة من توليهم إلى هلاكهم انتهى.

# وقال الحسن: هذا  أي القول لهم

# تمتعوا حتى حين

# [الذاريات: 43]  كان حين بعث إليهم صالح أمروا بالإيمان بما جاء به،
~~والتمتع إلى أن تأتي آجالهم  ثم عتوا بعد ذلك  قال في «البحر»: ولذلك
~~جاء العطف بالفاء المقتضية تأخر العتو عما أمروا به فهو مطابق لفظا
~~ووجودا واختاره الإمام فقال: قال بعض المفسرين: المراد بالحين الأيام
~~الثلاثة التي أمهلوها بعد عقر الناقة وهو ضعيف لأن ترتب { فعتوا }
~~بالفاء دليل على أن العتو كان بعد القول المذكور، فالظاهر أنه ما قدر
~~الله تعالى من الآجال فما من أحد إلا وهو ممهل مدة الأجل كأنه يقول له:
~~تمتع إلى آخر أجلك فإن أحسنت فقد حصل لك التمتع في الدارين وإلا فمالك في
~~الآخرة من نصيب انتهى، وما تقدم أبعد مغزى.

# { فأخذتهم الصعقة } أي أهلكتهم، روي أن صالحا عليه
~~السلام وعدهم الهلاك بعد ثلاثة أيام، وقال لهم: تصبح وجوهكم غدا مصفرة
~~وبعد غد محمرة واليوم الثالث مسودة ثم يصبحكم العذاب، ولما رأوا الآيات
~~التي بينها عليه السلام عمدوا إلى قتله فنجاه الله تعالى فذهب إلى أرض
~~فلسطين ولما كان ضحوة اليوم الرابع تحنطوا وتكفنوا بالأنطاع فأتتهم
~~الصاعقة وهي نار من السماء، وقيل: صيحة منها فهلكوا. وقرأ عمر وعثمان رضي
~~الله تعالى عنهما والكسائي (الصعقة) / وهي المرة من الصعق بمعنى الصاعقة
~~أيضا، أو الصيحة { وهم ينظرون } إليها ويعاينونها ويحتاج إلى
~~تنزيل المسموع منزلة المبصر على القول بأن الصاعقة الصيحة وأن المراد
~~ينظرون إليها، وقال مجاهد: { ينظرون } بمعنى ينتظرون أي وهم ينتظرون
~~الأخذ والعذاب في تلك الأيام الثلاثة التي رأوا فيها علاماته وانتظار
~~العذاب أشد من العذاب.

### || [51.45]

# { فما استطعوا من قيام } كقوله تعالى:

# فأصبحوا في دارهم ms10144 جثمين

# [الأعراف: 78] وقيل: هو من قولهم: ما يقوم فلان بكذا إذا عجز عن دفعه،
~~وروي ذلك عن قتادة فهو معنى مجازي، أو كناية شاعت حتى التحقت بالحقيقة {
~~وما كانوا منتصرين } بغيرهم كما لم يمتنعوا بأنفسهم.

### || [51.46]

# { وقوم نوح } أي وأهلكنا قوم [نوح]، فإن ما قبله يدل عليه، أو
~~واذكر، وقيل: عطف على الضمير في

# فأخذتهم

# [الذاريات: 44]، وقيل: في

# فنبذنهم

# [الذاريات: 40] لأن معنى كل فأهلكناهم هو كما ترى. وجوز أن يكون عطفا
~~على محل

# وفى عاد

# [الذاريات: 41] أو

# وفى ثمود

# [الذاريات: 43] وأيد بقراءة عبد الله وأبي عمرو وحمزة والكسائي (وقوم)
~~بالجر، وقرأ عبد الوارث ومحبوب والأصمعي عن أبي عمرو وأبو السمال وابن
~~مقسم (وقوم) بالرفع، والظاهر أنه على الابتداء، والخبر محذوف أي أهلكناهم
~~{ من قبل } أي من قبل هؤلاء المهلكين { إنهم كانوا قوما
~~فسقين } خارجين عن الحدود فيما كانوا فيه من الكفر والمعاصي.

### || [51.47]

# { والسماء } أي وبنينا السماء { بنينها بأييد } أي بقوة
~~قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، ومثله  الآد  وليس جمع يد، وجوزه الإمام
~~وإن صحت التورية به { وإنا لموسعون } أي لقادرون من الوسع بمعنى
~~الطاقة، فالجملة تذييل إثباتا لسعة قدرته عز وجل كل شيء فضلا عن
~~السماء، وفيه رمز إلى التعريض الذي في قوله تعالى:

# وما مسنا من لغوب

# [ق: 38]، وعن الحسن لموسعون الرزق بالمطر وكأنه أخذه من أن المساق مساق
~~الامتنان بذلك على العباد لا إظهار القدرة فكأنه أشير في قوله تعالى: {
~~والسمآء بنيناها بأييد } إلى ما تقدم من قوله سبحانه:

# وفى السماء رزقكم

# [الذاريات: 22] على بعض الأقوال فناسب أن يتمم بقوله تعالى: { وإنا
~~لموسعون } مبالغة في المن ولا يحتاج أن يفسر الأيد بالإنعام على
~~هذا القول لأنه يتم المقصود دونه، واليد بمعنى النعمة لا الإنعام، وقيل:
~~أي لموسعوها بحيث إن الأرض وما يحيط بها من الماء والهواء بالنسبة إليها
~~كحلقة في فلاة، وقيل: أي لجاعلون، بينها وبين الأرض سعة، والمراد السعة
~~المكانية، وفيه على القولين تتميم أيضا.

### || [51.48]

# { والأرض } أي وفرشنا الأرض { فرشنها } أي مهدناها وبسطناها
~~لتستقروا عليها ms10145 ولا ينافي ذلك شبهها للكرة على ما يزعمه فلاسفة العصر {
~~فنعم المهدون } أي نحن. وقرأ أبو السمال ومجاهد وابن مقسم
~~برفع (السماء) ورفع (الأرض) على أنهما مبتدآن وما بعدهما خبر لهما.

### || [51.49]

# { ومن كل شىء } أي من كل جنس من الحيوان { خلقنا زوجين }
~~نوعين ذكرا وأنثى قاله ابن زيد وغيره وقال مجاهد: هذا إشارة إلى
~~المتضادات والمتقابلات كالليل والنهار والشقوة والسعادة والهدى والضلال
~~والسماء والأرض والسواد والبياض والصحة والمرض إلى غير ذلك، ورجحه الطبري
~~بأنه أدل على القدرة، وقيل: أريد بالجنس / المنطقي، وأقل ما يكون تحته
~~نوعان فخلق سبحانه من الجوهر مثلا المادي والمجرد، ومن المادي النامي
~~والجامد، ومن النامي المدرك والنبات، ومن المدرك الصامت والناطق وهو كما
~~ترى.

# { لعلكم تذكرون } أي فعلنا ذلك كله كي تتذكروا فتعرفوا أنه
~~عز وجل الرب القادر الذي لا يعجزه شيء فتعملوا بمقتضاه ولا تعبدوا ما
~~سواه، وقيل: خلقنا ذلك كي تتذكروا فتعلموا أن التعدد من خواص الممكنات
~~وأن الواجب بالذات سبحانه لا يقبل التعدد والانقسام، وقيل: المراد التذكر
~~بجميع ما ذكر لأمر الحشر والنشر لأن من قدر على إيجاد ذلك فهو قادر على
~~إعادة الأموات يوم القيامة وله وجه. وقرأ أبي (تتذكرون) بتاءين وتخفيف
~~الذال.

### || [51.50]

# { ففروا إلى الله } تفريع على قوله سبحانه:

# لعلكم تذكرون

# [الذاريات: 49] وهو تمثيل للاعتصام به سبحانه وتعالى وبتوحيده عز وجل،
~~والمعنى: قل يا محمد: ففروا إلى الله لمكان { إنى لكم منه } أي
~~من عقابه تعالى المعد لمن لم يفر إليه سبحانه ولم يوحده { نذير
~~مبين } بين كونه منذرا من الله سبحانه بالمعجزات، أو مبين ما يجب أن
~~يحذر عنه.

### || [51.51]

# { ولا تجعلوا مع الله إلها ءاخر } عطف على الأمر،
~~وهو نهي عن الإشراك صريحا على نحو وحدوه ولا تشركوا، ومن الأذكار
~~المأثورة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، وكرر قوله تعالى: { إنى
~~لكم منه نذير مبين } لاتصال الأول بالأمر واتصال هذا بالنهي
~~والغرض من كل ذلك الحث على التوحيد والمبالغة في النصيحة، وقيل: إن
~~المراد بقوله ms10146 تعالى:

# ففروا إلى الله

# [الذاريات: 50] الأمر بالإيمان وملازمة الطاعة، وذكر { ولا
~~تجعلوا } الخ، إفرادا لأعظم ما يجب أن يفر منه، و { إني لكم
~~} الخ، الأول مرتب على ترك الإيمان والطاعة، والثاني على الإشراك فهما
~~متغايران لتغاير ما ترتب كل منهما عليه ووقع تعليلا له ولا يخلو عن كدر.

# وقال الزمخشري: في الآية: فروا إلى طاعته وثوابه من معصيته وعقابه
~~ووحدوه ولا تشركوا به، وكرر { إني لكم } الخ عند الأمر بالطاعة
~~والنهي عن الشرك ليعلم أن الإيمان لا ينفع إلا مع العمل كما أن العمل لا
~~ينفع إلا مع الإيمان وأنه لا يفوز عند الله تعالى إلا الجامع بينهما
~~انتهى وفيه أنه لا دلالة في الآية على ذلك بوجه ثم تفسير الفرار إلى الله
~~بما فسره أيضا لينطبق على العمل وحده غير مسلم على أنه لو سلم الإنذار
~~بترك العمل فمن أين يلزم عدم النفع، وأهل السنة لا ينازعون في وقوع
~~الإنذار بارتكاب المعصية، فالمنساق إلى الذهن على تقدير كون المراد
~~بالفرار إلى الله تعالى العبادة أنه تعالى أمر بها أولا وتوعد تاركها
~~بالوعيد المعروف له في الشرع وهو العذاب دون خلود، ونهى جل شأنه ثانيا
~~أن يشرك بعبادته سبحانه غيره وتوعد المشرك بالوعيد المعروف له وهو
~~الخلود، وعلى هذا يكون الوعيدان متغايرين وتكون الآية في تقديم الأمر على
~~النهي فيها نظير قوله تعالى:

# فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صلحا
~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا

# [الكهف: 110]، وقوله سبحانه:

# واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا

# [النساء: 36] وأين هذا مما ذكره الزمخشري عامله الله تعالى بعدله.

### || [51.52]

# { كذلك } أي الأمر مثل ذلك. تقرير وتوكيد على ما مر غير مرة. و {
~~من } فصل الخطاب لأنه لما أراد سبحانه أن يستأنف قصة قولهم المختلف في
~~الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن تقدمت عموما أو خصوصا في قوله
~~تعالى:

# إنكم لفى قول مختلف

# [الذاريات: 8] وكان قد توسط ما توسط قال سبحانه: الأمر كذلك أي مثل ما
~~يذكر ويأتيك / خبره إشارة إلى الكلام ms10147 الذي يتلوه أعني قوله عز وجل: { مآ
~~أتى الذين من قبلهم } إلى آخره فهو تفسير ما أجمل وهو مراد
~~من قال: الإشارة إلى تكذيبهم الرسول عليه الصلاة والسلام وتسميتهم إياه -
~~وحاشاه - ساحرا ومجنونا، ويعلم مما ذكر أن { كذلك } خبر مبتدأ
~~محذوف ولا يجوز نصبه بأتى على أنه صفة لمصدره، والإشارة إلى الإتيان أي:
~~ما أتى الذين من قبلهم من رسول إتيانا مثل إتيانهم إلا قالوا: الخ لأن
~~ما بعد { مآ } النافية لا يعمل فيما قبلها على المشهور، ولا يأتي مقدرا
~~على شريطة التفسير لأن ما لا يعمل لا يفسر عاملا في مثل ذلك كما صرح به
~~النحاة، وجعله معمولا لقالوا، والإشارة للقول أي إلا قالوا ساحر أو
~~مجنون قولا مثل ذلك القول لا يجوز أيضا على تعسفه لمكان { ما } وضمير
~~{ قبلهم } لقريش أي ما أتى الذين من قبل قريش { من رسول } أي
~~رسول من رسل الله تعالى { إلا قالوا } في حقه { سحر أو
~~مجنون } خبر مبتدأ محذوف أي هو ساحر، و { أو } قيل: من الحكاية أي:
~~إلا قالوا ساحر أو قالوا مجنون وهي لمنع الخلو وليست من المحكي ليكون
~~مقول كل مجموع { سحر أو مجنون } وفي «البحر» هي للتفصيل أي
~~قال بعض: ساحر وقال بعض: مجنون وقال بعض: ساحر ومجنون فجمع القائلون في
~~الضمير ودلت  أو  على التفصيل انتهى فلا تغفل.

# واستشكلت الآية بأنها تدل على أنه ما من رسول إلا كذب مع أن الرسل
~~المقررين شريعة من قبلهم كيوشع عليه السلام لم يكذبوا وكذا آدم عليه
~~السلام أرسل ولم يكذب. وأجاب الإمام بقوله: لا نسلم أن المقرر رسول بل
~~هو نبي على دين رسول ومن كذب رسوله فهو يكذبه أيضا وتعقب بأن الأخبار
~~وكذا الآيات دالة على أن المقررين رسل، وأيضا يبقى الاستشكال بآدم عليه
~~السلام وقد اعترف هو بأنه أرسل ولم يكذب. وأجاب بعض عن الاستشكال
~~بالمقررين بأن الآية إنما تدل على أن الرسل الذين أتوا من قبلهم كلهم قد
~~قيل في حقهم ما قيل، ولا يدخل في ms10148 عموم ذلك المقررون لأن المتبادر من
~~إتيان الرسول قوما مجيئه إياهم مع عدم تبليغ غيره إياهم ما أتى به من
~~قبله وذلك لم يحصل للمقرر شرع من قبله كما لا يخفى، وعن الاستشكال بآدم
~~عليه السلام بأن المراد ما أتى الذين من قبلهم من الأمم الذين كانوا
~~موجودين على نحو وجود هؤلاء رسول إلا قالوا الخ، وآدم عليه السلام لم يأت
~~أمة كذلك إذ لم يكن حين أرسل إلا زوجته حواء، ولعله أولى مما قيل: إن
~~المراد من (رسول) من بني آدم فلا يدخل هو عليه السلام في ذلك، واستشكل
~~أيضا بأن { إلا قالوا } يدل على أنهم كلهم كذبوا مع أنه ما من
~~رسول إلا آمن به قوم، وأجاب الإمام بأن إسناد القول إلى ضمير الجمع على
~~إرادة الكثير بل الأكثر، وذكر المكذب فقط لأنه الأوفق بغرض التسلية، وأخذ
~~منه بعضهم الجواب عن الاستشكال السابق فقال: الحكم باعتبار الغالب لا أن
~~كل أمة من الأمم أتاها رسول فكذبته ليرد آدم والمقررون حيث لم يكذبوا 
~~وفيه ما فيه  وحمل بعضهم { الذين من قبلهم } على الكفار ودفع
~~به الاستشكالين  وفيه ما لا يخفى  فتأمل جميع ذلك ولا تظن انحصار
~~الجواب فيما سمعت فأمعن النظر والله تعالى الهادي لأحسن المسالك.

### || [51.53]

# { أتواصوا به } تعجيب من إجماعهم على تلك الكلمة الشنيعة أي كأن
~~الأولين والآخرين منهم أوصى بعضهم بعضا بهذا القول حتى قالوه جميعا،
~~وقيل: إنكار للتواصي أي ما تواصوا به. / { بل هم قوم طغون }
~~إضراب عن أن التواصي جامعهم إلى أن الجامع لهم على ذلك القول مشاركتهم في
~~الطغيان الحامل عليه.

### || [51.54]

# { فتول عنهم } فأعرض عن جدالهم فقد كررت عليهم الدعوة ولم تأل
~~جهدا في البيان فأبوا إلا إباءا وعنادا { فما أنت بملوم } على
~~التولي بعد ما بذلت المجهود وجاوزت في الإبلاغ كل حد معهود.

### || [51.55]

# { وذكر } أدم على فعل التذكير والموعظة ولا تدع ذلك؛ فالأمر
~~بالتذكير للدوام عليه والفعل منزل منزلة اللازم، وجوز أن يكون المفعول
~~محذوفا أي فذكرهم وحذف لظهور الأمر ms10149 { فإن الذكرى تنفع
~~المؤمنين } أي الذين قدر الله تعالى إيمانهم، أو المؤمنين بالفعل
~~فإنها تزيدهم بصيرة وقوة في اليقين. وفي " البحر ": يدل ظاهر الآية على
~~الموادعة وهي منسوخة بآية السيف. وأخرج أبو داود في «ناسخه»، وابن المنذر
~~عن ابن عباس في قوله تعالى:

# فتول عنهم

# [الذاريات: 54] الخ، قال: أمره الله تعالى أن يتولى عنهم ليعذبهم وعذر
~~محمدا صلى الله عليه وسلم ثم قال سبحانه: { وذكر } الخ فنسختها.
~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في «الشعب» والضياء في «المختارة»
~~وجماعة من طريق مجاهد عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: لما نزلت

# فتول عنهم فمآ أنت بملوم

# [الذاريات: 54] لم يبق منا أحد إلا أيقن بالهلكة إذ أمر النبي صلى الله
~~عليه وسلم أن يتولى عنا فنزلت { وذكر فإن الذكرى تنفع
~~المؤمنين } فطابت أنفسنا، وعن قتادة أنهم ظنوا أن الوحي قد انقطع
~~وأن العذاب قد حضر فأنزل الله تعالى { وذكر } الخ.

### || [51.56]

# استئناف مؤكد للأمر مقرر لمضمون تعليله فإن خلقهم لما ذكر سبحانه وتعالى
~~مما يدعوه صلى الله عليه وسلم إلى تذكيرهم ويوجب عليهم التذكر والاتعاظ.
~~ولعل تقديم الجن في الذكر لتقدم خلقهم على خلق الإنس في الوجود، والظاهر
~~أن المراد من يقابلون بهم وبالملائكة عليهم السلام ولم يذكر هؤلاء قيل:
~~لأن الأمر فيهم مسلم، أو لأن الآية سيقت لبيان صنيع المكذبين حيث تركوا
~~عبادة الله تعالى وقد خلقوا لها؛ وهذا الترك مما لا يكون فيهم بل هم عباد
~~مكرمون لا يستكبرون عن عبادته عز وجل، وقيل: لأنه صلى الله عليه وسلم ليس
~~مبعوثا إليهم فليس ذكرهم في هذا الحكم مما يدعوه عليه الصلاة والسلام
~~إلى تذكيرهم، وأنت تعلم أن الأصح عموم البعثة فالأولى ما قيل بدله
~~لاستغنائهم عن التذكير والموعظة، وقيل: المراد بالجن ما يتناولهم من
~~الاستتار وهم مستترون عن الإنس، وقيل: لا يصح ذكرهم في حيز الخلق لأنهم
~~كالأرواح من عالم الأمر المقابل لعالم الخلق، وقد أشير إليهما بقوله
~~تعالى:

# له الخلق والأمر

# [الأعراف: 54] ورد بقوله سبحانه:

# خلق كل ms10150 شىء

# [الأنعام: 102] و { له الخلق والأمر } ليس كما ظن. والعبادة
~~غاية التذلل، والظاهر أن المراد بها ما كانت بالاختيار دون التي بالتسخير
~~الثابتة لجميع المخلوقات وهي الدلالة المنبهة على كونها مخلوقة وأنها خلق
~~فاعل حكيم، ويعبر عنها بالسجود كما في قوله تعالى:

# والنجم والشجر يسجدان

# [الرحمن: 6].

# وأل في الجن والإنس على المشهور للاستغراق، واللام قيل: للغاية والعبادة
~~وإن لم تكن غاية مطلوبة من الخلق لقيام الدليل على أنه عز وجل لم يخلق
~~الجن والإنس لأجلها أي لإرادتها منهم إذ لو أرادها سبحانه منهم لم يتخلف
~~ذلك لاستلزام / الإرادة الإلهية للمراد كما بين في الأصول مع أن التخلف
~~محقق بالمشاهدة، وأيضا ظاهر قوله تعالى:

# ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس

# [الأعراف: 179] يدل على إرادة المعاصي من الكثير ليستحقوا بها جهنم
~~فينافي إرادة العبادة لكن لما كان خلقهم على حالة صالحة للعبادة مستعدة
~~لها حيث ركب سبحانه فيهم عقولا وجعل لهم حواس ظاهرة وباطنة إلى غير ذلك
~~من وجوه الاستعداد جعل خلقهم مغيا بها مبالغة بتشبيه المعد له الشيء
~~بالغاية ومثله شائع في العرف، ألا تراهم يقولون للقوي جسمه: هو مخلوق
~~للمصارعة، وللبقر: هي مخلوقة للحرث. وفي «الكشف» أن أفعاله تعالى تنساق
~~إلى الغايات الكمالية واللام فيها موضوعها ذلك، وأما الإرادة فليست من
~~مقتضى اللام إلا إذا علم أن الباعث مطلوب في نفسه وعلى هذا لا يحتاج إلى
~~تأويل فإنهم خلقوا بحيث يتأتى منهم العبادة وهدوا إليها وجعلت تلك غاية
~~كمالية لخلقهم، وتعوق بعضهم عن الوصول إليها لا يمنع كون الغاية غاية،
~~وهذا معنى مكشوف انتهى.

# فتأمل.

# وقيل: المراد بالعبادة التذلل والخضوع بالتسخير، وظاهر أن الكل عابدون
~~إياه تعالى بذلك المعنى لا فرق بين مؤمن، وكافر، وبر، وفاجر، ونحوه ما
~~قيل: المعنى ما خلقت الجن والإنس إلا ليذلوا لقضائي، وقيل: المعنى ما
~~خلقتهم إلا ليكونوا عبادا لي، ويراد بالعبد العبد بالإيجاد وعموم الوصف
~~عليه ظاهر لقوله تعالى:

# إن كل من فى السموات والأرض إلا أتى
~~الرحمن عبدا

# [مريم: 93] لكن قيل عليه: ms10151 إن عبد بمعنى صار عبدا ليس من اللغة في شيء،
~~وقيل: العبادة بمعنى التوحيد بناءا على ما روي عن ابن عباس أن كل عبادة
~~في القرآن فهو توحيد فالكل يوحدونه تعالى في الآخرة أما توحيد المؤمن في
~~الدنيا هناك فظاهر، وأما توحيد المشرك فيدل عليه قوله تعالى:

# ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا
~~ما كنا مشركين

# [الأنعام: 23] وعليه قول من قال: لا يدخل النار كافر، أو المراد كما قال
~~الكلبي: إن المؤمن يوحده في الشدة والرخاء والكافر يوحده سبحانه في
~~الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، كما قال عز وجل:

# فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له
~~الدين

# [العنكبوت: 65] ولا يخفى بعد ذلك عن الظاهر والسياق.

# ونقل عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما
~~خلقتهم إلا لآمرهم وأدعوهم للعبادة فهو كقوله تعالى:

# وما أمروا إلا ليعبدوا الله

# [البينة: 5] فذكر العبادة المسببة شرعا عن الأمر أو اللازمة له، وأريد
~~سببها أو ملزومها فهو مجاز مرسل، وأنت تعلم أن أمر كل من أفراد الجن وكل
~~من أفراد الإنس غير متحقق لا سيما إذا كان غير المكلفين كالأطفال الذين
~~يموتون قبل زمان التكليف داخلين في العموم.

# وقال مجاهد: إن معنى { ليعبدون } ليعرفون وهو مجاز مرسل أيضا من
~~إطلاق اسم السبب على المسبب على ما في «الإرشاد»، ولعل السر فيه التنبية
~~على أن المعتبر هي المعرفة الحاصلة بعبادته تعالى لا ما يحصل بغيرها
~~كمعرفة الفلاسفة قيل: وهو حسن لأنهم لو لم يخلقهم عز وجل لم يعرف وجوده
~~وتوحيده سبحانه وتعالى، وقد جاء

# " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف "

# وتعقب بأن المعرفة الصحيحة لم تتحقق في كل بل بعض قد أنكر وجوده عز وجل
~~كالطبيعيين اليوم فلا بد من القول السابق في توجيه التعليل، ثم الخبر
~~بهذا اللفظ ذكره سعد الدين سعيد الفرغاني في «منتهى المدارك»، وذكر غيره
~~كالشيخ الأكبر في الباب المائة والثمانية والتسعين من «الفتوحات» بلفظ
~~آخر وتعقبه الحفاظ فقال ابن ms10152 تيمية: إنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه
~~وسلم ولا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف، وكذا قال الزركشي والحافظ ابن حجر
~~وغيرهما. ومن / يرويه من الصوفية معترف بعدم ثبوته نقلا لكن يقول: إنه
~~ثابت كشفا، وقد نص على ذلك الشيخ الأكبر قدس سره في الباب المذكور،
~~والتصحيح الكشفي شنشنة لهم، ومع ذلك فيه إشكال معنى إلا أنه أجيب عنه
~~ثلاث أجوبة ستأتي إن شاء الله تعالى.

# وقيل: أل في { الجن والإنس } للعهد، والمراد بهم المؤمنون لقوله
~~تعالى:

# ولقد ذرأنا

# [الأعراف: 179] الآية أي بناءا على أن اللام فيها ليست للعاقبة، ونسب
~~هذا القول لزيد بن أسلم وسفيان، وأيد بقوله تعالى قبل:

# فإن الذكرى تنفع المؤمنين

# [الذاريات: 55] وأيده في «البحر» برواية ابن عباس عن رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين "

# ورواها بعضهم قراءة لابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومن الناس من جعلها
~~للجنس، وقال: يكفي في ثبوت الحكم له ثبوته لبعض أفراده وهو هنا المؤمنون
~~الطائعون وهو في المآل متحد مع سابقه، ولا إشكال على ذلك في جعل اللام
~~للغاية المطلوبة حقيقة وكذا في جعلها للغرض عند من يجوز تعليل أفعاله
~~تعالى بالأغراض مع بقاء الغنى الذاتي وعدم الاستكمال بالغير كما ذهب إليه
~~كثير من السلف والمحدثين، وقد سمعت أن منهم من يقسم الإرادة إلى شرعية
~~تتعلق بالطاعات وتكوينية تتعلق بالمعاصي وغيرها، وعليه يجوز أن يبقي {
~~الجن والإنس } على شمولها للعاصين، ويقال: إن العبادة مرادة منهم
~~أيضا لكن بالإرادة الشرعية إلا أنه لا يتم إلا إذا كانت هذه الإرادة لا
~~تستلزم وقوع المراد كالإرادة التفويضية القائل بها المعتزلة.

# هذا وإذا أحطت خبرا بالأقوال في تفسير هذه الآية هان عليك دفع ما
~~يتراءى من المنافاة بينها وبين قوله تعالى:

# ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك
~~ولذلك خلقهم

# [هود: 118-119] على تقدير كون الإشارة إلى الاختلاف بالتزام بعض هاتيك
~~الأقوال فيها، ودفعه بعضهم بكون اللام في تلك الآية للعاقبة والذي ينساق
~~إلى الذهن أن ms10153 الحصر إضافي أي خلقتهم للعبادة دون ضدها أو دون طلب الرزق
~~والإطعام على ما يشير إليه كلام بعضهم أخذا من تعقيب ذلك بقوله سبحانه:
~~{ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون }.

### || [51.57]

# وهو لبيان أن شأنه - تعالى شأنه - مع عباده ليس كشأن السادة مع عبيدهم
~~لأنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم وأرزاقهم، ومالك
~~ملاك العبيد نفي عز وجل أن يكون ملكه إياهم لذلك فكأنه قال سبحانه: ما
~~أريد أن أستعين بهم كما يستعين ملاك العبيد بعبيدهم فليشتغلوا بما خلقوا
~~له من عبادتي. وذكر الإمام فيه وجهين: الأول أن يكون لدفع توهم الحاجة من
~~خلقهم للعبادة، والثاني أن يكون لتقرير كونهم مخلوقين لها، وبين هذا بأن
~~الفعل في العرف لا بد له من منفعة لكن العبيد على قسمين: قسم يتخذون
~~لإظهار العظمة بالمثول بين أيادي ساداتهم وتعظيمهم إياهم كعبيد الملوك،
~~وقسم يتخذون للانتفاع بهم في تحصيل الأرزاق أو لإصلاحها، فكأنه قال
~~سبحانه: إني خلقتهم ولا بد فيهم من منفعة فليتفكروا في أنفسهم هل هم من
~~قبيل أن يطلب منهم تحصيل رزق وليسوا كذلك فما أريد منهم من رزق، وهل هم
~~ممن يطلب منهم إصلاح قوت كالطباخ ومن يقرب الطعام؟ وليسوا كذلك فما أريد
~~أن يطعمون فإذا هم عبيد من القسم الأول، فينبغي أن لا يتركوا التعظيم.

# والظاهر أن المعنى ما أريد منهم من رزق لي لمكان قوله سبحانه: { وما
~~أريد أن يطعمون } وإليه ذهب الإمام، وذكر في الآية لطائف:
~~الأولى أنه سبحانه كرر نفي الإرادتين لأن السيد قد يطلب من العبد التكسب
~~له وهو طلب الرزق وقد لا يطلب حيث كان له مال وافر لكنه يطلب قضاء /
~~حواجه من حفظ المال وإحضار الطعام من ماله بين يديه، فنفي الإرادة الأولى
~~لا يستلزم نفي الإرادة الثانية فكرر النهي على معنى لا أريد هذا ولا أريد
~~ذلك، الثانية أن ترتيب النفيين كما تضمنه النظم الجليل من باب الترقي في
~~بيان غناه عز وجل كأنه قال سبحانه: لا أطلب منهم ms10154 رزقا ولا ما هو دون ذلك
~~وهو تقديم الطعام بين يدي السيد فإن ذلك أمر كثيرا ما يطلب من العبيد
~~إذا كان التكسب لا يطلب منهم، الثالثة أنه سبحانه قال: { مآ أريد
~~منهم من رزق } دون ما أريد منهم أن يرزقون لأن التكسب لطلب
~~العين لا الفعل، وقال سبحانه: { ما أريد أن يطعمون } دون ما
~~أريد من طعام لأن ذلك للإشارة إلى الاستغناء عما يفعله العبد الغير
~~المأمور بالتكسب كعبد وافر المال والحاجة إليه للفعل نفسه، الرابعة، أنه
~~جل وعلا خص الإطعام بالذكر لأن أدنى درجات الاستعانة أن يستعين السيد
~~بعبده في تهيئة أمر الطعام ونفي الأدنى يتبعه نفي الأعلى بطريق الأولى
~~فكأنه قيل: ما أريد منهم من عين ولا عمل، الخامسة أن { ما } لنفي الحال
~~إلا أن المراد به الدنيا وتعرض له دون نفي الاستقبال لأن من المعلوم
~~البين أن العبد بعد موته لا يصلح أن يطلب منه رزق أو إطعام انتهى فتأمله.

# ويفهم من ظاهر كلام الزمخشري أن المعنى ما أريد منهم من رزق لي ولهم،
~~وفي «البحر» { مآ أريد منهم من رزق } أي أن يرزقوا أنفسهم
~~ولا غيرهم { وما أريد أن يطعمون } أي أن يطعموا خلقي فهو على
~~حذف مضاف قاله ابن عباس انتهى، ونحوه ما قيل: المعنى ما أريد أن يرزقوا
~~أحدا من خلقي ولا أريد أن يطعموه، وأسند الإطعام إلى نفسه سبحانه لأن
~~الخلق كلهم عيال الله تعالى. ومن أطعم عيال أحد فكأنما أطعمه، وفي الحديث

# " يا عبدي مرضت فلم تعدني وجعت فلم تطعمني "

# فإنه كما يدل عليه آخره على معنى مرض عبدي فلم تعده وجاع فلم تطعمه؛
~~وقيل: الآية مقدرة بقل فتكون بمعنى قوله سبحانه:

# قل لا أسألكم عليه أجرا

# [الأنعام: 90] والغيبة فيها رعاية للحكاية إذ في مثل ذلك يجوز الأمران
~~الغيبة والخطاب، وقد قرىء بهما في قوله تعالى:

# قل للذين كفروا ستغلبون

# [آل عمران: 12]، وقيل: المراد قل لهم وفي حقهم فتلائمه الغيبة في {
~~منهم } و { يطعمون } ولا ينافي ذلك قراءة  إني أنا الرزاق ms10155 
~~فيما بعد لأنه حينئذ تعليل للأمر بالقول، أو الائتمار لا لعدم الإرادة،
~~نعم لا شك في أنه قول بعيد جدا.

### || [51.58]

# { إن الله هو الرزاق } الذي يرزق كل مفتقر إلى الرزق لا
~~غيره سبحانه، استقلالا أو اشتراكا، ويفهم من ذلك استغناؤه عز وجل عن
~~الرزق { ذو القوة } أي القدرة { المتين } شديد القوة. والجملة
~~تعليل لعدم الإرادة قال الإمام: كونه تعالى هو الرزاق ناظر إلى عدم طلب
~~الرزق لأن من يطلبه يكون فقيرا محتاجا؛ وكونه عز وجل هو ذو القوة
~~المتين ناظر إلى عدم طلب العمل المراد من قوله سبحانه:

# وما أريد أن يطعمون

# [الذاريات: 57] لأن من يطلبه يكون عاجزا لا قوة له فكأنه قيل: ما أريد
~~منهم من رزق لأني أنا الرزاق وما أريد منهم من عمل لأني قوي متين، وكان
~~الظاهر (إني أنا الرزاق) كما جاء في قراءة له صلى الله عليه وسلم لكن
~~التفت إلى الغيبة.

# والتعبير بالاسم الجليل لاشتهاره بمعنى المعبودية فيكون في ذلك إشعار
~~بعلة الحكم ولتخرج الآية مخرج المثل كما قيل ذلك في قوله تعالى:

# إن البطل كان زهوقا

# [الإسراء: 81] والتعبير به على القول بتقدير قل فيما تقدم هو الظاهر،
~~وتحتاج القراءة الأخرى إلى ما ذكرناه آنفا. وآثر سبحانه ذو القوة على
~~القوي قيل: لأن في { ذو } كما قال ابن حجر الهيتمي وغيره تعظيم ما أضيفت
~~إليه، والموصوف بها والمقام يقتضيه ولذا جيء / بالمتين بعد ولم يكتف به
~~عن الوصف بالقوة.

# وقال الإمام: لما كان المقصود تقرير ما تقدم من عدم إرادة الرزق وعدم
~~الاستعانة بالغير جيء بوصف الرزق على صيغة المبالغة لأنه بدونها لا يكفي
~~في تقرير عدم إرادة الرزق وبوصف القوة بما لا مبالغة فيه لكفايته في
~~تقرير عدم الاستعانة فإن من له قوة دون الغاية لا يستعين بغيره لكن لما
~~لم يدل { ذو القوة } على أكثر من أن له تعالى قوة ما زيد الوصف
~~بالمتين وهو الذي له ثبات لا يتزلزل، ثم قال: إن القوي أبلغ من ذي القوة
~~والعزة أكمل من ms10156 المتانة وقد قرن الأكمل بالأكمل وما دونه بما دونه في
~~قوله تعالى:

# ليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله
~~قوى عزيز

# [الحديد: 25] وفي قوله تعالى: { إن الله هو الرزاق } الخ
~~لما اقتضى المقام ذلك، وقد أطال الكلام في هذا المقام وما أظنه يصفو عن
~~كدر.

# وقرأ ابن محيصن  الرازق  بزنة الفاعل، وقرأ الأعمش وابن وثاب  المتين
~~ بالجر، وخرج على أنه صفة (القوة)، وجاز ذلك مع تذكيره لتأويلها
~~بالاقتدار أو لكونه على زنة المصادر التي يستوي فيها المذكر والمؤنث، أو
~~لإجرائه مجرى فعيل بمعنى مفعول، وأجاز أبو الفتح أن يكون صفة  لذو  وجر
~~على الجوار  كقولهم هذا جحر ضب خرب وضعف.

### || [51.59]

# { فإن للذين ظلموا } أي إذا ثبت أن الله تعالى ما خلق الجن
~~والإنس إلا ليعبدوه وأنه سبحانه ما يريد منهم من رزق إلى آخر ما تقدم فإن
~~للذين ظلموا أنفسهم باشتغالهم بغير ما خلقوا له من العبادة وإشراكهم
~~بالله عز وجل وتكذيبهم رسوله عليه الصلاة والسلام وهم أهل مكة وأضرابهم
~~من كفار العرب { ذنوبا } أي نصيبا من العذاب { مثل ذنوب } أي
~~نصيب { أصحبهم } أي نظرائهم من الأمم السالفة، وأصل الذنوب الدلو
~~العظيمة الممتلئة ماءا، أو القريبة من الامتلاء، قال الجوهري: ولا يقال
~~لها ذنوب وهي فارغة، وهي تذكر وتؤنث وجمعها أذنبة وذنائب فاستعيرت للنصيب
~~مطلقا، شرا كان النصيب من العذاب في الآية، أو خيرا كما في العطاء في
~~قول علقمة بن عبدة التميمي يمدح الحرث بن أبي شمر الغساني وكان أسر أخاه
~~شأسا يوم عين أباغ:

# وفي كل حي قد خبطت بنعمة

# فحق لشأس من نداك (ذنوب)

# يروى أن الحرث لما سمع هذا البيت قال نعم وأذنبة ومن استعمالها في
~~النصيب قول الآخر:

# لعمرك والمنايا طارقات

# لكل بني أب منها (ذنوب)

# وهو استعمال شائع، وفي «الكشاف» هذا تمثيل أصله في السقاة يقتسمون الماء
~~فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب قال الراجز:

# إنا إذا نازلنا غريب

# له (ذنوب) ولنا (ذنوب)

# وإن أبيتم فلنا القليب

# { فلا يستعجلون } أي لا يطلبوا مني ms10157 أن أعجل في الإتيان به،
~~يقال: استعجله أي حثه على العجلة وطلبها منه، ويقال: استعجلت كذا إن طلبت
~~وقوعه بالعجلة، ومنه قوله تعالى:

# أتى أمر الله فلا تستعجلوه

# [النحل: 1] وهو على ما في «الإرشاد» جواب لقولهم:

# متى هذا الوعد إن كنتم صادقين

# [يونس: 48].

### || [51.60]

# { فويل للذين كفروا } / أي فويل لهم. ووضع الموصول موضع
~~ضميرهم تسجيلا عليهم بما في حيز الصلة من الكفر وإشعارا بعلة الحكم.
~~والفاء لترتيب ثبوت الويل لهم على أن لهم عذابا عظيما كما أن الفاء
~~التي قبلها لترتيب النهي عن الاستعجال على ذلك. و { من } في قوله
~~سبحانه: { من يومهم الذى يوعدون } للتعليل؛ والعائد على
~~الموصول محذوف أي يوعدونه أو يوعدون به على قول. والمراد بذلك اليوم قيل:
~~يوم بدر، ورجح بأنه الأوفق لما قبله من حيث إنه ذنوب من العذاب الدنيوي،
~~وقيل: يوم القيامة، ورجح بأنه الأنسب لما في صدر السورة الكريمة الآتية،
~~والله تعالى أعلم.

# ومما قاله بعض أهل الإشارة في بعض الآيات:

# والذريت ذروا

# [الذاريات: 1] إشارة إلى الرياح التي تحمل أنين المشتاقين المتعرضين
~~لنفحات الألطاف إلى ساحات العزة، ثم تأتي بنسيم نفحات الحق إلى مشام
~~المحبين فيجدون راحة ما من غلبات اللوعة

# فالحملت وقرا

# [الذاريات: 2] إشارة إلى سحائب ألطاف الألوهية تحمل أمطار مراحم
~~الربوبية فتمطر على قلوب الصديقين

# فالجريت يسرا

# [الذاريات: 3] إشارة إلى سفن أفئدة المحبين تجري برياح العناية في بحر
~~التوحيد على أيسر حال

# فالمقسمت أمرا

# [الذاريات: 4] إشارة إلى الملائكة النازلين من حظائر القدس بالبشائر
~~والمعارف على قلوب أهل الاستقامة، وإن شئت جعلت الكل إشارة إلى أنواع
~~رياح العناية فمنها ما يطير بالقلوب في جو الغيوب، وقد قال العاشق
~~المجازي:

# خذا من صبا نجد أمانا لقلبه

# فقد كاد رياها يطير بلبه

# وإيا كما ذاك النسيم فإنه

# متى هب كان الوجد أيسر خطبه

# ومنها: الحاملات وقرا دواء قلوب العاشقين كما قيل:

# أيا جبلى نعمان بالله خليا

# نسيم الصبا يخلص إلى نسيمها

# أجد بردها أو تشف مني حرارة

# على كبد لم يبق إلا صميمها

# فإن ms10158 الصبا ريح إذا ما تنسمت

# على نفس مهموم تجلت همومها

# ومنها { الجاريات } من مهاب حضرات القدس إلى أفئدة أهل الأنس
~~بسهولة لتنعش قلوبهم، ومنها { المقسمات } ما جاءت به مما عبق بها
~~من آثار الحضرة الإلهية على نفوس المستعدين حسب استعداداتهم وإن شئت
~~قلت غير ذلك فالباب واسع

# والسماء ذات الحبك

# [الذاريات: 7] إشارة إلى سماء القلب فإنها ذات طرائق إلى الله عز وجل

# إن المتقين فى جنت وعيون

# [الذاريات: 15] إشارة إلى جنات الوصال وعيون الحكمة

# وبالأسحر هم يستغفرون

# [الذاريات: 18] يطلبون غفر أي ستر وجودهم بوجود محبوبهم، أو يطلبون
~~غفران ذنب رؤية عبادتهم من أول الليل إلى السحر

# ومن كل شىء خلقنا زوجين

# [الذاريات: 49] إشارة إلى أن جميع ما يرى بارزا من الموجودات ليس
~~واحدا وحدة حقيقية بل هو مركب ولا أقل من كونه مركبا من الإمكان، وشيء
~~آخر فليس الواحد الحقيقي إلا الله تعالى الذي حقيقته سبحانه إنيته

# ففروا إلى الله

# [الذاريات: 50] بترك ما سواه عز وجل.

# وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

# [الذاريات: 56] أي ليعرفون، وهو عندهم إشارة إلى ما صححوه كشفا من
~~روايته صلى الله عليه وسلم عن ربه سبحانه أنه قال:

# " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف "

# وفي كتاب «الأنوار السنية» للسيد نور الدين السمهودي بلفظ

# " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت هذا الخلق ليعرفوني فبي عرفوني
~~"

# وفي «المقاصد الحسنة» للسخاوي بلفظ:

# " كنت كنزا لا أعرف فخلقت خلقا فعرفتهم بي / فعرفوني "

# إلى غير ذلك، وهو مشكل لأن الخفاء أمر نسبي فلا بد فيه من مخفي ومخفي
~~عنه فحيث لم يكن خلق لم يكن مخفي عنه فلا يتحقق الخفاء، وأجيب أولا: بأن
~~الخفاء عن الأعيان الثابتة لأن الأشياء في ثبوتها لا إدراك لها وجوديا
~~فكان الله سبحانه مخفيا عنها غير معروف لها معرفة وجودية فأحب أن يعرف
~~معرفة حادثة من موجود حادث فخلق الخلق لأن معرفتهم الوجودية فرع وجودهم
~~فتعرف سبحانه إليهم بأنواع التجليات على حسب تفاوت الاستعدادات
~~فعرفوا أنفسهم بالتجليات فعرفوا الله تعالى من ms10159 ذلك فبه سبحانه عرفوه،
~~وثانيا: بأن المراد بالخفاء لازمه وهو عدم معرفة أحد به جل وعلا، ويؤيده
~~ما في لفظ السخاوي من قوله: لا أعرف بدل مخفيا، وثالثا: بأن مخفيا
~~بمعنى ظاهرا من أخفاه أي أظهره على أن الهمزة للإزالة أي أزال خفاءه،
~~وترتيب قوله سبحانه: «فأحببت أن أعرف» الخ عليه باعتبار أن الظهور متى
~~كان قويا أوجب الجهالة بحال الظاهر فخلق سبحانه الخلق ليكونوا كالحجاب
~~فيتمكن معه من المعرفة، ألا يرى أن الشمس لشدة ظهورها لا تستطيع أكثر
~~الأبصار الوقوف على حالها إلا بواسطة وضع بعض الحجب بينها وبينها وهو كما
~~ترى لا يخلو عن بحث، وأما إطلاق الكنز عليه عز وجل فقد ورد، روى الديلمي
~~في «مسنده» عن أنس مرفوعا

# " كنز المؤمن ربه "

# أي فإن منه سبحانه كل ما يناله من أمر نفيس في الدارين، والشيخ محي
~~الدين قدس سره ذكر في معنى  الكنز غير ذلك فقال في الباب الثلثمائة
~~والثمانية والخمسين من «فتوحاته»: لو لم يكن في العالم من هو على صورة
~~الحق ما حصل المقصود من العلم بالحق أعني العلم الحادث في قوله: «كنت
~~كنزا» الخ فجعل نفسه كنزا، والكنز لا يكون إلا مكتنزا في شيء فلم يكن
~~كنز الحق نفسه إلا في صورة الإنسان الكامل في شيئية ثبوته هناك كان الحق
~~مكنوزا فلما ألبس الحق الإنسان ثوب شيئية الوجود ظهر الكنز بظهوره فعرفه
~~الإنسان الكامل بوجوده وعلم أنه سبحانه كان مكنوزا فيه في شيئية ثبوته
~~وو لا يشعر به انتهى، وهو منطق الطير الذي لا نعرفه نسأل الله تعالى
~~التوفيق لما يحب ويرضى بمنه وكرمه.

### | [52 - سورة الطور]

### || [52.1]

# الطور اسم لكل جبل على ما قيل في اللغة العربية عند الجمهور، وفي اللغة
~~السريانية عند بعض، ورواه ابن المنذر وابن جرير عن مجاهد، والمراد به هنا
~~طور سينين الذي كلم الله تعالى موسى عليه السلام عنده، ويقال له: طور
~~سيناء أيضا، والمعروف اليوم بذلك ما هو بقرب التيه بين مصر والعقبة،
~~وقال أبو حيان في ms10160 تفسير سورة

# والتين

# [التين: 1]: لم يختلف في طور سيناء أنه جبل بالشام وهو الذي كلم الله
~~تعالى عليه موسى عليه الصلاة والسلام، وقال في تفسيره هذه السورة في
~~الشام جبل يسمى الطور وهو طور سيناء فقال نوف البكالي: إنه الذي أقسم
~~الله سبحانه به لفضله على الجبال، قيل: وهو الذي كلم الله تعالى عليه
~~موسى عليه السلام انتهى فلا تغفل، وحكى الراغب أنه جبل محيط بالأرض ولا
~~يصح عندي، وقيل: جبل من جبال / الجنة، وروى فيه ابن مردويه عن أبي
~~هريرة، وعن كثير بن عبد الله حديثا مرفوعا ولا أظن صحته، واستظهر أبو
~~حيان أن المراد الجنس لا جبل معين، وروي ذلك عن مجاهد والكلبي، والذي
~~أعول عليه ما قدمته.

### || [52.2]

# مكتوب على وجه الانتظام فإن السطر ترتيب الحروف المكتوبة، والمراد به
~~على ما قال الفراء الكتاب الذي يكتب فيه الأعمال ويعطاه العبد يوم
~~القيامة بيمينه أو بشماله وهو المذكور في قوله تعالى:

# ونخرج له يوم القيمة كتابا يلقه منشورا

# [الإسراء: 13]، وقال الكلبي: هو التوراة، وقيل: هي والإنجيل والزبور
~~وقيل: القرآن، وقيل: اللوح المحفوظ، وفي «البحر» لا ينبغي أن يحمل شيء من
~~هذه الأقوال على التعيين وإنما تورد، على الاحتمال. والتنكير قيل:
~~للإفراد نوعا، وذلك على القول بتعدده، أو للإفراد شخصا، وذلك على القول
~~المقابل، وفائدته الدلالة على اختصاصه من جنس الكتب بأمر يتميز به عن
~~سائرها، والأولى على وجهي التنكير إذا حمل على أحد الكتابين أعني القرآن
~~والتوراة أن يكون من باب

# ليجزى قوما

# [الجاثية: 14] ففي التنكير كمال التعريف، والتنبيه على أن ذلك الكتاب لا
~~يخفى، نكر أو عرف، ومن هذا القبيل التنكير في قوله تعالى: { فى
~~رق منشور }.

### || [52.3]

# والرق - بالفتح ويكسر، وبه قرأ أبو السمال - جلد رقيق يكتب فيه وجمعه
~~رقوق، وأصله على ما في «مجمع البيان» من اللمعان يقال: ترقرق الشيء إذا
~~لمع، أو من الرقة ضد الصفاقة على ما قيل، وقد تجوز فيه عما يكتب فيه
~~الكتاب من ألواح وغيرها. والمنشور المبسوط والوصف به قيل: ms10161 للإشارة إلى
~~صحة الكتاب وسلامته من الخطأ حيث جعل معرضا لنظر كل ناظر آمنا عليه من
~~الاعتراض لسلامته عما يوجبه، وقيل: هو لبيان حاله التي تضمنتها الآية
~~المذكورة آنفا بناءا على أن المراد به صحائف الأعمال ولبيان أنه ظاهر
~~للملائكة عليهم السلام يرجعون إليه بسهولة في أمورهم بناءا على أنه
~~اللوح، أو للناس لا يمنعهم مانع عن مطالعته والاهتداء بهديه بناءا على
~~الأقوال الأخر، وفي «البحر» { منشور } منسوخ ما بين المشرق والمغرب.

### || [52.4]

# هو بيت في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه
~~حتى تقوم الساعة كما أخرج ذلك ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن
~~مردويه والبيهقي في «الشعب» عن أنس مرفوعا. وأخرج عبد الرزاق وجماعة عن
~~أبي الطفيل أن ابن الكواء سأل عليا كرم الله تعالى وجهه فقال: ذلك
~~الضراح بيت فوق سبع سموات تحت العرش يدخله كل يوم سبعون ألف ملك الخ،
~~وجاء في رواية عنه كرم الله تعالى وجهه، وعن ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما أنه حيال الكعبة بحيث لو سقط سقط عليها.

# وروي عن مجاهد وقتادة وابن زيد أن في كل سماء بحيال الكعبة بيتا حرمته
~~كحرمتها وعمارته بكثرة الواردين عليه من الملائكة عليهم السلام كما سمعت،
~~وقال الحسن: هو الكعبة يعمره الله تعالى كل سنة بستمائة ألف من الناس فإن
~~نقصوا أتم سبحانه العدد من الملائكة، وأنت تعلم أن من المجاز المشهور
~~مكان معمور بمعنى مأهول مسكون تحل الناس في محل هو فيه، فعمارة الكعبة
~~بالمجاورين عندها وبحجاجها صح خبر الحسن المذكور أم لا.

### || [52.5]

# أي السماء كما رواه جماعة وصححه الحاكم عن الأمير كرم الله تعالى وجهه،
~~وعن ابن عباس هو العرش وهو سقف الجنة، وأخرجه أبو الشيخ عن الربيع بن
~~أنس، وعليه لا بأس في تفسير البيت المعمور بالسماء كما روي عن مجاهد،
~~وعمارتها بالملائكة أيضا فما فيها موضع إهاب إلا وعليه ملك ساجد / أو
~~قائم.

### || [52.6]

# أي الموقد نارا. أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ms10162 حاتم وأبو الشيخ
~~في «العظمة» عن سعيد بن المسيب قال: قال علي كرم الله تعالى وجهه لرجل من
~~اليهود: أين موضع النار في كتابكم؟ قال: البحر فقال كرم الله تعالى وجهه:
~~ما أراه إلا صادقا، وقرأ { والبحر المسجور }

# وإذا البحار سجرت

# [التكوير: 6] وبذلك قال مجاهد وشمر بن عطية والضحاك ومحمد بن كعب
~~والأخفش، وقال قتادة: المسجور المملوء يقال: سجره أي ملأه، والمراد به
~~عند جمع البحر المحيط، وقيل: بحر في السماء تحت العرش، وأخرج ذلك ابن
~~أبي حاتم وغيره عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن جرير عن ابن عمر رضي
~~الله تعالى عنهما وفي «البحر» إنهما قالا: فيه ماء غليظ، ويقال له: بحر
~~الحياة يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحا فينبتون في
~~قبورهم، وأخرج أبو الشيخ عن الربيع أنه الملأ الأعلى الذي تحت العرش
~~وكأنه أراد به الفضاء الواسع المملوء ملائكة.

# وعن ابن عباس { المسجور } الذي ذهب ماؤه، وروى ذو الرمة الشاعر -
~~وليس له كما قيل حديث غير هذا - عن الحبر قال: خرجت أمة لتستقي فقالت: إن
~~الحوض مسجور أي فارغ فيكون من الأضداد، وحمل كلامه رضي الله تعالى عنه
~~على إرادة البحر المعروف، وأن ذهاب مائه يوم القيامة، وفي رواية عنه أنه
~~فسره بالمحبوس، ومنه ساجور الكلب وهي القلادة التي تمسكه وكأنه عنى
~~المحبوس من أن يفيض فيغرق جميع الأرض، أو يغيض فتبقى الأرض خالية منه.

# وقيل: { المسجور } المختلط، وهو نحو قولهم للخليل المخالط: سجير،
~~وجعله الراغب من سجرت التنور لأنه سجير في مودة صاحبه، والمراد بهذا
~~الاختلاط تلاقي البحار بمياهها واختلاط بعضها ببعض، وعن الربيع اختلاط
~~عذبها بملحها، وقيل: احتلاطها بحيوانات الماء، وقيل: المفجور أخذا من
~~قوله تعالى:

# وإذا البحار فجرت

# [الانفطار: 3] ويحتمله ما أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس من تفسيره
~~بالمرسل، وإذا اعتبر هذا مع ما تقدم عنه آنفا من تفسيره بالمحبوس يكون
~~من الأضداد أيضا، وقال منبه بن سعيد: هو جهنم سميت بحرا لسعتها
~~وتموجها.

# والجمهور على أن المراد به بحر الدنيا ms10163  وبه أقول  وبأن المسجور بمعنى
~~الموقد، ووجه التناسب بين القرائن بعد تعين ما سيق له الكلام لائح، وهو
~~ههنا إثبات تأكيد عذاب الآخرة وتحقيق كينونته ووقوعه، فأقسم سبحانه له
~~بأمور كلها دالة على كمال قدرته عز وجل مع كونها متعلقة بالمبدأ والمعاد،
~~فالطور لأنه محل مكالمة موسى عليه السلام، ومهبط آيات المبدأ والمعاد
~~يناسب حديث إثبات المعاد وكتاب الأعمال كذلك مع الايماء إلى أن إيقاع
~~العذاب عدل منه تعالى فقد تحقق ودون في { الكتب } ما يجر إليه
~~قبل، { والبيت المعمور } لأنه مطاف الرسل السماوية، ومظهر
~~لعظمته تعالى، ومحل لتقديسهم وتسبيحهم إياه جل وعلا، { والسقف
~~المرفوع } لأنه مستقرهم ومنه تنزل الآيات، وفيه الجنة.

# { والبحر المسجور } لأنه محل النار، وإذا حمل الكتاب على
~~التوراة كان التناسب مع ما قبله حسب النظر الجليل أظهر ولم يحمله عليها
~~كثير لزعم أن الرق المنشور لا يناسبها لأنها كانت في الألواح، ولا يخفى
~~عليك أن شيوع الرق فيما يكتب فيه الكتاب مطلقا يضعف هذا الزعم في
~~الجملة، ثم إن المعروف أن التوراة لا يكتبها اليهود اليوم إلا في رق
~~وكأنهم أخذوا ذلك من أسلافهم.

# وقال الإمام: يحتمل أن تكون الحكمة في القسم بالطور والبيت المعمور
~~والبحر المسجور أنها أماكن خلوة لثلاثة أنبياء مع ربهم سبحانه، أما الطور
~~فلموسى عليه السلام وقد خاطب عنده ربه عز وجل بما خاطب، وأما البيت
~~المعمور فلرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال عنده:

# " سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين لا أحصي / ثناءا عليك أنت كما
~~أثنيت على نفسك "

# ؛ وأما البحر: فليونس عليه السلام قال فيه:

# لا إله إلا أنت سبحنك إنى كنت من
~~الظالمين

# [الأنبياء: 87] فلشرفها بذلك أقسم الله تعالى بها، وأما ذكر الكتاب فلأن
~~الأنبياء كان لهم في هذه الأماكن كلام والكلام في الكتاب، وأما ذكر السقف
~~المرفوع فلبيان رفعة البيت المعمور ليعلم عظمة شأن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، ثم ذكر وجها آخر، ولعمري إنه لم يأت بشيء فيهما. والواو الأولى
~~للقسم وما بعدها على ما قال ms10164 أبو حيان للعطف، والجملة المقسم عليها قوله
~~تعالى: { إن عذاب ربك لواقع }.

### || [52.7]

# أي لكائن على شدة كأنه مهيأ في مكان مرتفع فيقع على من يحل به من
~~الكفار. وفي إضافته إلى الرب مع إضافة الرب إلى ضميره عليه الصلاة
~~والسلام أمان له صلى الله عليه وسلم وإشارة إلى أن العذاب واقع بمن كذبه.
~~وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما  واقع  بدون لام.

### || [52.8]

# قوله تعالى: { ما له من دافع } خبر ثان لإن أو صفة { لواقع
~~} أو هو جملة معترضة، و { من دافع } إما مبتدأ للظرف أو مرتفع به على
~~الفاعلية، و { من } مزيدة للتأكيد ولا يخفى ما في الكلام من تأكيد
~~الحكم وتقريره؛ وقد روي أن عمر رضي الله تعالى عنه قرأ من أول السورة إلى
~~هنا فبكى ثم بكى حتى عيد من وجعه وكان عشرين يوما، وأخرج أحمد وسعيد بن
~~منصور وابن سعد عن جبير بن مطعم قال: قدمت المدينة على رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم لأكلمه في أساري بدر فدفعت إليه وهو يصلي بأصحابه صلاة
~~المغرب فسمعته يقرأ

# والطور

# [الطور: 1] إلى { إن عذاب ربك لواقع * ما له من
~~دافع } [الطور: 7-8] فكأنما صدع قلبي، وفي رواية فأسلمت خوفا من
~~نزول العذاب وما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب، وهو لا
~~يأبى أن يكون المراد الوقوع يوم القيامة.

# ومن غريب ما يحكى أن شخصا رأى مكتوبا في كفه خمس واوات فعبرت له بخير
~~فسأل ابن سيرين فقال: تهيأ لما لايسر فقال له: من أين أخذت هذا؟ فقال: من
~~قوله عز وجل:

# والطور

# [الطور: 1] إلى

# إن عذاب ربك لواقع

# [الطور: 7] فما مضى يومان أو ثلاثة حتى أحيط بذلك الشخص.

### || [52.9]

# قوله سبحانه: { يوم تمور السماء مورا } منصوب على الظرفية
~~وناصبه { واقع } أو { دافع } أو معنى النفي وإيهام أنه لا ينتفي دفعه في
~~غير ذلك اليوم بناءا على اعتبار المفهوم لا ضير فيه لعدم مخالفته للواقع
~~لأنه تعالى أمهلهم في الدنيا وما أهملهم، ms10165 ومنع مكي أن يعمل فيه { واقع }
~~ولم يذكر دليل المنع ولا دليل له فيما يظهر. ومعنى { تمور } تضطرب كما
~~قال ابن عباس أي ترتج وهي في مكانها، وفي رواية عنه تشقق، وقال مجاهد:
~~تدور، وأصل المور التردد في المجيء والذهاب، وقيل: التحرك في تموج، وقيل:
~~الجريان السريع، ويقال للجري مطلقا وأنشدوا للأعشى:

# كأن مشيتها من بيت جارتها

# مور السحابة لا ريث ولا عجل

### || [52.10]

# عن وجه الأرض فتكون هباءا منبثا، والإتيان بالمصدرين للإيذان
~~بغرابتهما وخروجهما عن الحدود المعهودة أي مورا عجيبا وسيرا بديعا لا
~~يدرك كنههما.

### || [52.11-12]

# { فويل يومئذ } أي إذا وقع ذلك أو إذا كان الأمر كما ذكر فويل
~~يوم إذ يقع ذلك { للمكذبين }.

# { الذين هم فى خوض يلعبون } أي في اندفاع عجيب في
~~الأباطيل والأكاذيب يلهون. وأصل الخوض المشي في الماء ثم تجوز فيه عن
~~الشروع / في كل شيء وغلب في الخوض في الباطل كالإحضار عام في كل شيء ثم
~~غلب استعماله في الإحضار للعذاب.

### || [52.13]

# أي يدفعون دفعا عنيفا شديدا بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم وتجمع
~~نواصيهم إلى أقدامهم فيدفعون إلى النار ويطرحون فيها. وقرأ زيد بن علي
~~والسلمي وأبو رجاء { يدعون } بسكون الدال وفتح العين من الدعاء فيكون {
~~دعا } حالا أي ينادون إليها مدعوعين و { يوم } إما بدل من

# يوم تمور

# [الطور: 9] أو ظرف لقول مقدر محكي به قوله تعالى: { هذه النار
~~التى كنتم بها تكذبون }.

### || [52.14-15]

# أي فيقال لهم ذلك يوم الخ، ومعنى التكذيب بها تكذيبهم بالوحي الناطق
~~بها.

# وقوله تعالى: { أفسحر هذا } توبيخ وتقريع لهم حيث كانوا يسمونه
~~سحرا كأنه قيل: كنتم تقولون للوحي الذي أنذركم بهذا سحرا أفهذا المصدق
~~له سحر أيضا، وتقديم الخبر لأنه المقصود بالإنكار والمدار للتوبيخ.

# { أم أنتم لا تبصرون } أي أم أنتم عمي عن المخبر به كما كنتم
~~في الدنيا عميا عن الخبر، والفاء مؤذنة بما ذكر وذلك لأنها لما كانت
~~تقتضي معطوفا عليه يصح ترتب الجملة أعني { سحر هذا } عليه وكانت
~~هذه جملة واردة تقريعا مثل

# هذه النار ms10166

# [الطور: 14] الخ لم يكن بد من تقدير ذلك على وجه يصح الترتب ويكون
~~مدلولا عليه من السياق فقدر كنتم تقولون إلى آخره، ودل عليه قوله
~~تعالى:

# فى خوض يلعبون

# [الطور: 12] وقوله سبحانه:

# هذه النار التى كنتم بها تكذبون

# [الطور: 14] وفي «الكشف» إن هذا نظير ما تستدل بحجة فيقول الخصم: هذا
~~باطل فتأتى بحجة أوضح من الأولى مسكتة وتقول: أفباطل هذا؟! تعيره
~~بالإلزام بأن مقالته الأولى كانت باطلة، وفي مثله جاز أن يقدر القول على
~~معنى أفتقول باطل هذا وأن لا يقدر لابتنائه على كلام الخصم وهذا أبلغ.

# و { أم } كما هو الظاهر منقطعة. وفي «البحر» لما قيل لهم: { هذه
~~النار } وقفوا على الجهتين اللتين يمكن منهما دخول الشك في أنها النار
~~وهي إما أن يكون ثم سحر يلبس ذات المرأى، وإما أن يكون في نظر الناظر
~~اختلال، والظاهر أنه جعل { أم } معادلة والأول أبعد مغزى.

### || [52.16]

# { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا } أي ادخلوها وقاسوا
~~شدائدها فافعلوا ما شئتم من الصبر وعدمه. { سواء عليكم } أي
~~الأمران سواء عليكم في عدم النفع إذ كل لا يدفع العذاب ولا يخففه  فسواء
~~ خبر مبتدأ محذوف وصح الإخبار به عن المثنى لأنه مصدر في الأصل، وجوز
~~كونه مبتدأ محذوف الخبر وليس بذاك، وقوله تعالى: { إنما تجزون
~~ما كنتم تعملون } تعليل للاستواء فإن الجزاء حيث كان متحتم
~~الوقوع لسبق الوعيد به وقضائه سبحانه إياه بمقتضى عدله كان الصبر وعدمه
~~مستويين في عدم النفع.

### || [52.17]

# شروع في ذكر حال المؤمنين بعد ذكر حال الكافرين كما هو عادة القرآن
~~الجليل في الترهيب والترغيب، وجوز أن يكون من جملة المقول للكفار إذ ذاك
~~زيادة في غمهم وتنكيدهم والأول أظهر. والتنوين في الموضعين للتعظيم أي في
~~جنات عظيمة ونعيم عظيم، وجوز أن يكون للنوعية أي نوع من الجنات، ونوع من
~~النعيم مخصوصين بهم وكونه عوضا عن المضاف إليه أي جناتهم ونعيمهم ليس
~~بالقوي كما لا يخفى.

### || [52.18]

# { فكهين } متلذذين { بما ءاتهم ربهم } من الإحسان،
~~وقرىء  فكهين  بلا ألف، ونصبه في ms10167 القراءتين على الحال من الضمير
~~المستتر في الجار والمجرور أعني

# في جنت

# [الطور: 17] الواقع خبرا لإن، وقرأ خالد  فاكهون  بالرفع على أنه /
~~الخبر، و { في جنت } متعلق به لكنه قدم عليه للاهتمام، ومن أجاز
~~تعدد الخبر أجاز أن يكون خبرا بعد خبر.

# { ووقهم ربهم عذاب الجحيم } عطف على

# في جنت

# [الطور: 17] على تقدير كونه خبرا كأنه قيل: استقروا في جنات ووقاهم
~~ربهم الخ، أو على { ءاتهم } إن جعلت { ما } مصدرية أي فاكهين
~~بإيتائهم ربهم ووقايتهم عذاب الجحيم، ولم يجوز كثير عطفه عليه إن جعلت
~~موصولة إذ يكون التقدير فاكهين بالذي وقاهم ربهم فلا يكون راجعا إلى
~~الموصول، وجوزه بعض بتقدير الراجع أي وقاهم به على أن الباء للملابسة،
~~وفي «الكشف» لم يحمل على حذف الراجع لكثرة الحذف ولو درج لصا، والفعل من
~~المتعدي إلى ثلاثة مفاعيل وهو مسموع عند بعضهم، ولا يخفى أنه وجه سديد
~~أيضا، والمعنى عليه أسد لأن الفكاهة تلذذ يشتغل به صاحبه والتلذذ
~~بالإيتاء يحتمل التجدد باعتبار تعدد المؤتى أما بالوقاية أي على تقدير
~~المصدرية فلا، وأقول لعله هو المنساق إلى الذهن، وجوز أن يكون حالا
~~بتقدير قد أو بدونه إما من المستكن في الخبر أو في الحال، وإما من فاعل
~~آتى أو من مفعوله أو منهما. وإظهار الرب في موقع الإضمار مضافا إلى
~~ضميرهم للتشريف والتعليل. وقرأ أبو حيوة { وقاهم } بتشديد القاف.

### || [52.19]

# { كلوا واشربوا هنيئا } أي: يقال لهم كلوا واشربوا أكلا
~~وشربا هنيئا، أو طعاما وشرابا هنيئا، فالكلام بتقدير القول، و {
~~هنيئا } نصب على المصدرية لأنه صفة مصدر، أو على أنه مفعول به، وأيا
~~ما كان فقد تنازعه الفعلان، والهنيء كل ما لا يلحق فيه مشقة ولا يعقب
~~وخامة { بما كنتم تعملون } أي بسببه أو بمقابلته والباء
~~عليهما متعلق  بكلوا واشربوا  على التنازع، وجوز الزمخشري كونها زائدة
~~و(ما) فاعل { هنيئا } كما في قول كثير:

# هنيئا مريئا غير داء مخامر

# لعزة من أعراضنا ما استحلت

# فإن ما فيه فاعل هنيئا على أنه صفة في الأصل بمعنى ms10168 المصدر المحذوف فعله
~~وجوبا لكثرة الاستعمال كأنه قيل: هنؤ لعزة المستحل من أعراضنا، وحينئذ
~~كما يجوز أن يجعل (ما) هنا فاعلا على زيادة الباء على معنى هنأكم ما
~~كنتم تعملون يجوز أن يجعل الفاعل مضمرا راجعا إلى الأكل أو الشرب
~~المدلول عليه بفعله، وفيه أن الزيادة في الفاعل لم تثبت سماعا في السعة
~~في غير فاعل

# وكفى

# [النساء: 6] على خلاف ولا هي قياسية في مثل هذا ومع ذلك يحتاج الكلام
~~إلى تقدير مضاف أي جزاء ما كنتم الخ، وفيه نوع تكلف.

### || [52.20]

# { متكئين } نصب على الحال قال أبو البقاء: من الضمير في

# كلوا

# [الطور: 19] أو في

# وقاهم

# [الطور: 18] أو في { ءاتهم } أو في { فكهين } أو في الظرف
~~يعني

# في جنت

# [الطور: 17]، واستظهر أبو حيان الأخير { على سرر } جمع سرير
~~معروف، ويجمع على أسرة وهو من السرور إذ كان لأولي النعمة، وتسمية سرير
~~الميت به للتفاؤل بالسرور الذي يلحق الميت برجوعه إلى جوار الله تعالى
~~وخلاصه من سجن الدنيا. وقرأ أبو السمال (سرر) بفتح الراء وهي لغة لكلب في
~~المضعف فرارا من توالي ضمتين مع التضعيف./ { مصفوفة } مجعولة على
~~صف وخط مستو.

# { وزوجنهم بحور عين } أي قرناهم بهن  قاله الراغب  ثم
~~قال: ولم يجىء في القرآن زوجناهم حورا كما يقال زوجته امرأة تنبيها على
~~أن ذلك لا يكون على حسب المتعارف فيما بيننا من المناكحة، وقال الفراء:
~~تزوجت بامرأة لغة أزد شنوءة، والمشهور أن التزوج متعد إلى مفعول واحد
~~بنفسه والتزويج متعد بنفسه إلى مفعولين، وقيل: فيما هنا: إن الباء لتضمين
~~الفعل معنى القران أو الإلصاق، واعترض بأنه يقتضي معنى التزويج بالعقد
~~وهو لا يناسب المقام إذ العقد لا يكون في الجنة لأنها ليست دار تكليف أو
~~أنها للسببية والتزويج ليس بمعنى الإنكاح بل بمعنى تصييرهم زوجين زوجين
~~أي صيرناهم كذلك بسبب حور عين. وقرأ عكرمة (بحور عين) على إضافة الموصوف
~~إلى صفته بالتأويل المشهور.

### || [52.21]

# وقوله تعالى: { والذين ءامنوا } الخ كلام مستأنف مسوق لبيان حال
~~طائفة من أهل الجنة إثر ms10169 بيان حال الكل وهم الذي شاركتهم ذريتهم في
~~الإيمان، والموصول مبتدأ خبره { ألحقنا بهم } ، وقوله تعالى: {
~~واتبعتهم ذريتهم } عطف على { ءامنوا } ، وقيل اعتراض
~~للتعليل، وقوله تعالى: { بإيمن } متعلق بالاتباع أي أتبعتهم ذريتهم
~~بإيمان في الجملة قاصر عن رتبة إيمان الآباء إما بنفسه بناءا على تفاوت
~~مراتب نفس الإيمان، وإما باعتبار عدم انضمام أعمال مثل أعمال الآباء
~~إليه، واعتبار هذا القيد للإيذان بثبوت الحكم في الإيمان الكامل أصالة لا
~~إلحاقا قيل: هو حال من الذرية، وقيل: من الضمير وتنوينه للتعظيم، وقيل:
~~منهما وتنوينه للتنكير والمعول عليه ما قدمنا.

# { ألحقنا بهم ذريتهم } في الدرجة. أخرج سعيد بن منصور
~~وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في «سننه»
~~عن ابن عباس قال: «إن الله تعالى ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في
~~الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه ثم قرأ الآية» وأخرجه
~~البزار وابن مردويه عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي
~~رواية ابن مردويه والطبراني عنه أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده فيقال له: إنهم لم
~~يبلغوا درجتك وعملك فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم به "

# وقرأ ابن عباس الآية.

# وظاهر الأخبار أن المراد بإلحاقهم بهم إسكانهم معهم لا مجرد رفعهم إليهم
~~واتصالهم بهم أحيانا ولو للزيارة، وثبوت ذلك على العموم لا يبعد من فضل
~~الله عز وجل، وما قيل: لعله مخصوص ببعض دون بعض تحجير لإحسانه الواسع جل
~~شأنه، وقد يستأنس للتخصيص بما روى عن ابن عباس أن الذين آمنوا المهاجرون
~~والأنصار، والذرية التابعون لكن لا أظن صحته.

# { وما ألتنهم } أي وما نقنصا الآباء بهذا الإلحاق { من
~~عملهم } أي من ثواب عملهم { من شىء } أي شيئا بأن أعطينا بعض
~~مثوباتهم أبناءهم فتنقص مثوباتهم وتنحط درجتهم وإنما رفعناهم إلى منزلتهم
~~بمحض التفضل والإحسان، وقال ابن زيد: الضمير عائد على الأبناء أي وما
~~نقصنا الأبناء الملحقين من جزاء عملهم الحسن ms10170 والقبيح شيئا بل فعلنا ذلك
~~بهم بعد مجازاتهم بأعمالهم كملا  وليس بشيء وإن قال أبو حيان: يحسن هذا
~~الاحتمال قوله تعالى: { كل امرىء بما كسب رهين } وإلى الأول
~~ذهب ابن عباس وابن جبير والجمهور.

# والآية على ما ذهب إليه المعظم في الكبار من الذرية، وقال منذر بن سعيد:
~~هي في الصغار. وروى عن الحبر والضحاك أنهما قالا: إن الله تعالى يلحق
~~الأبناء الصغار وإن لم يبلغوا زمن الإيمان بآبائهم / المؤمنين، وجعل {
~~بإيمان } عليه متعلقا بألحقنا أي ألحقنا بسبب إيمان الآباء بهم
~~ذريتهم الصغار الذين ماتوا ولم يبلغوا التكليف فهم في الجنة مع آبائهم
~~قيل: وكأن من يقول بذلك يفسر { اتبعتهم ذريتهم } بماتوا
~~ودرجوا على أثرهم قبل أن يبلغوا الحلم، وجوز أن يتعلق { بإيمان }
~~باتبعتهم على معنى اتبعوهم بهذا الوصف بأن حكم لهم به تبعا لآبائهم
~~فكانوا مؤمنين حكما لصغرهم وإيمان آبائهم، والصغير يحكم بإيمانه تبعا
~~لأحد أبويه المؤمن والكل كما ترى.

# وقيل: الموصول معطوف على

# حور

# [الطور: 20]، والمعنى قرناهم بالحور وبالذين آمنوا أي بالرفقاء والجلساء
~~منهم فيتمتعون تارة بملاعبة الحور؛ وأخرى بمؤانسة الإخوان المؤمنين،
~~وقوله تعالى: { واتبعتهم } عطف على

# زوجناهم

# [الطور: 20]، وقوله سبحانه: { بإيمان } متعلق بما بعده أي بسبب
~~إيمان عظيم رفيع المحل، وهو إيمان الآباء ألحقنا بدرجاتهم ذريتهم وإن
~~كانوا لا يستأهلونها تفضلا عليهم وعلى آبائهم ليتم سرورهم ويكمل نعيمهم،
~~أو بسبب إيمان داني المنزلة وهو إيمان الذرية كأنه قيل: بشيء من الإيمان
~~لا يؤهلهم لدرجة الآباء ألحقناهم بهم، وصنيع الزمخشري ظاهر في اختيار
~~العطف على { حور } فقد ذكره وجها أول، وتعقبه أبو حيان بأنه ((لا
~~يتخيل ذلك أحد غير هذا الرجل، وهو تخيل أعجمي مخالف لفهم العربي القح
~~كابن عباس وغيره))، وقيل عليه: إنه تعصب منه، والإنصاف أن المتبادر
~~الاستئناف، وإن أحسن الأوجه في الآية وأوفقه للمقام ما تقدم.

# وقرأ أبو عمرو { وأتبعنهم } بقطع الهمزة وفتحها وإسكان التاء،
~~ونون بعد العين وألف بعدها أي جعلناهم تابعين لهم في الإيمان، وقرأ أيضا
~~(ذرياتهم) جمعا نصبا، وابن عامر كذلك رفعا، ms10171 وقرأ (ذرياتهم) بكسر الذال
~~{ واتبعتهم ذريتهم } بتاء الفاعل، ونصب (ذريتهم) على
~~المفعولية، وقرأ الحسن وابن كثير  ألتناهم  بكسر اللام من ألت يألت
~~كعلم يعلم، وعلى قراءة الجمهور من باب ضرب يضرب، وابن هرمز (آلتناهم)
~~بالمد من آلت يؤلت، وابن مسعود وأبي (لتناهم) من لات يليت وهي قراءة
~~طلحة والأعمش، ورويت عن شبل وابن كثير، وعن طلحة والأعمش أيضا  لتناهم
~~ بفتح اللام، قال سهل: لا يجوز فتح اللام من غير ألف بحال وأنكر أيضا
~~(آلتناهم) بالمد، وقال: لا يروى عن أحد ولا يدل عليه تفسير ولا عربية
~~وليس كما قال بل نقل أهل اللغة آلت بالمد كما قرأ هرمز، وقرىء (وما
~~ولتناهم) من ولت يلت، ومعنى الكل واحد، وجاء ألت بمعنى غلظ يروى أن رجلا
~~قام إلى عمر رضي الله تعالى عنه فوعظه فقال: لا تألت على أمير المؤمنين
~~أي لا تغلظ عليه.

# { كل امرىء بما كسب } أي بكسبه وعمله { رهين } أي مرهون
~~عند الله كأن الكسب بمنزلة الدين ونفس العبد بمنزلة الرهن ولا ينفك الرهن
~~ما لم يؤد الدين فإن كان العمل صالحا فقد أدى لأن العمل الصالح يقبله
~~ربه سبحانه ويصعد إليه عز وجل وإن كان غير ذلك فلا أداء فلا خلاص إذ لا
~~يصعد إليه سبحانه غير الطيب، ولذا قال جل وعلا:

# كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحب اليمين

# [المدثر: 38-39] فإن المراد كل نفس رهن بكسبها عند الله تعالى غير مفكوك
~~إلا أصحاب اليمين فإنهم فكوا عنه رقابهم بما أطابوه من كسبهم.

# ووجه الاتصال على هذا أنه سبحانه لما ذكر حال المتقين وأنه عز وجل وفر
~~عليهم ما أعده لهم من الثواب والتفضل عقب بذلك الكلام ليدل على أنهم فكوا
~~رقابهم وخلصوها وغيرهم بقي معذبا لأنه لم يفك رقبته، وكان موضعه من حيث
~~الظاهر أن يكون عقيب قوله تعالى:

# هو البر الرحيم

# [الطور: 28] ليكون كلاما راجعا إلى حال الفريقين  المدعوعين والمتقين
~~ وإنما جعل متخللا بين أجزية المتقين عقيب ذكر توفير ما أعد لهم، قال
~~في «الكشف»: ms10172 / ليدل على أن الخلاص من بعض أجزيتهم أيضا ويلزم أن عدم
~~الخلاص جزاء المقابلين من طريق الإيماء وموقعه موقع الاعتراض تحقيقا
~~لتوفير ما عدد لأنه إنما يكون بعد الخلاص، وفيه إيماء إلى أن إلحاق
~~الأبناء إنما كان تفضلا على الآباء لا على الأبناء ابتداءا لأن التفضل
~~فرع الفك وهؤلاء هم الذين فكوا فاستحقوا التفضل، وجعله استئنافا بيانيا
~~لهذا المعنى كما فعل الطيبي بعيد.

# وقيل: { رهين } فعيل بمعنى الفاعل والمعنى كل امرىء بما كسب راهن أي
~~دائم ثابت، وفي «الإرشاد» ((أنه أنسب بالمقام فإن الدوام يقتضي عدم
~~المفارقة بين المرء وعمله، ومن ضرورته أن لا ينقص من ثواب الآباء شيء،
~~فالجملة تعليل لما قبلها))، وأنت تعلم أن فعيلا بمعنى المفعول أسرع
~~تبادرا إلى الذهن فاعتباره أولى ووجه الاتصال عليه أوفق وألطف كما لا
~~يخفى.

### || [52.22]

# أي وزدناهم على ما كان لهم من مبادي التنعم وقتا فوقتا مما يشتهون من
~~فنون النعماء وألوان الآلاء، وأصل المد الجر، ومنه المدة للوقت الممتد
~~ثم شاع في الزيادة، وغلب الإمداد في المحبوب، والمد في المكروه وكونه
~~وقتا بعد وقت مفهوم المد نفسه.

### || [52.23]

# { يتنزعون فيها كأسا } أي يتجاذبونها في الجنة هم وجلساؤهم
~~تجاذب ملاعبة كما يفعل ذلك الندامى بينهم في الدنيا لشدة سرورهم قال
~~الأخطل:

# نازعته طيب الراح الشمول وقد

# صاح الدجاج وحانت وقعة الساري

# وقيل: التنازع مجاز عن التعاطي، والكأس مؤنث سماعي كالخمر، ولا تسمى
~~كأسا على المشهور إلا إذا امتلأت خمرا أو كانت قريبة من الامتلاء، وقد
~~تطلق على الخمر نفسها مجازا لعلاقة المجاورة، وقال الراغب: الكأس الإناء
~~بما فيه من الشراب ويسمى كل واحد منهما بانفراده كأسا، وفسرها بعضهم هنا
~~بالإناء بما فيه من الخمر، وبعضهم بالخمر، والأول أوفق بالتجاذب، والثاني
~~بقوله سبحانه: { لا لغو فيها } أي في شربها حيث لا يتكلمون في
~~أثناء الشرب بلغو الحديث وسقط الكلام { ولا تأثيم } ولا يفعلون ما
~~يؤثم به فاعله أي ينسب إلى الإثم لو فعله في دار التكليف كما هو ديدن
~~الندامى في الدنيا ms10173 وإنما يتكلمون بالحكم وأحاسن الكلام ويفعلون ما يفعله
~~الكرام. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { لا لغو }  { ولا تأثيم }
~~بفتحهما.

### || [52.24]

# { ويطوف عليهم } أي بالكأس { غلمان لهم } أي مماليك
~~مختصون بهم كما يؤذن به اللام، ولم يقل غلمانهم بالإضافة لئلا يتوهم أنهم
~~الذين كانوا يخدمونهم في الدنيا فيشفق كل من خدم أحدا في الدنيا أن يكون
~~خادما له في الجنة فيحزن بكونه لا يزال تابعا، وقيل: أولادهم الذين
~~سبقوهم، فالاختصاص بالولادة لا بالملك، وفيه أن التعبير عنهم بالغلمان
~~غير مناسب وكذا نسبة الخدمة إلى الأولاد لا تناسب مقام الامتنان {
~~كأنهم لؤلؤ مكنون } مصون في الصدف لم تنله الأيدي، كما
~~قال ابن جبير، ووجه الشبه البياض والصفاء، وجوز أن يراد بمكنون مخزون
~~لأنه لا يخزن إلا الحسن الغالي الثمن، أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن
~~المنذر عن قتادة قال: بلغني أنه قيل:

# " يا رسول الله هذا الخادم مثل اللؤلؤ فكيف بالمخدوم؟ فقال عليه الصلاة
~~والسلام: والذي نفسي بيده إن فضل ما بينهم كفضل القمر ليلة البدر على
~~سائر الكواكب "

# وروي

# " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجىء ألف ببابه
~~لبيك لبيك ".

### || [52.25]

# { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } أي يسأل كل بعض
~~منهم بعضا آخر عن أحواله وأعماله فيكون / كل بعض سائلا ومسؤولا لا أنه
~~يسأل بعض معين منهم بعضا آخر معينا. ثم هذا التساؤل في الجنة كما هو
~~الظاهر، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه إذا بعثوا في النفخة الثانية، ولا
~~أراه يصح عنه لبعده جدا.

### || [52.26]

# { قالوا } أي المسؤولون وهم كل واحد منهم في الحقيقة { إنا كنا
~~قبل } أي قبل هذا الحال { فى أهلنا مشفقين } أرقاء القلوب
~~خائفين من عصيان الله عز وجل معتنين بطاعته سبحانه، أو وجلين من العاقبة.
~~و { فى أهلنا } قيل: يحتمل أنه كناية عن كون ذلك في الدنيا، ويحتمل
~~أن يكون بيانا لكون إشفاقهم كان فيهم وفي أهلهم لتبعيتهم لهم في العادة
~~ويكون قوله تعالى: { فمن الله علينا }.

### || [52.27]

# { فمن الله علينا } أي ms10174 بالرحمة والتوفيق { ووقنا
~~عذاب السموم } أي عذاب النار النافذة في المسام نفوذ السموم وهو
~~الريح الحارة المعروفة، ووجه الشبه وإن كان في النار أقوى لكنه في ريح
~~السموم لمشاهدته في الدنيا أعرف فلذا جعل مشبها به، وقال الحسن: السموم
~~اسم من أسماء جهنم عاما لهم ولأهلهم، فالمراد بيان ما من الله تعالى به
~~عليهم من اتباع أهلهم لهم، وقيل: ذكر

# فى أهلنا

# [الطور: 26] لإثبات خوفهم في سائر الأوقات والأحوال بطريق الأولى فإن
~~كونهم بين أهليهم مظنة الأمن ولا أرى فيه بأسا، نعم كون ذلك لأن السؤال
~~عما اختصوا به من الكرامة دون أهليهم ليس بشيء، وقيل: لعل الأولى أن يجعل
~~ذلك إشارة إلى الشفقة على خلق الله تعالى كما أن قوله عز وجل: { إنا
~~كنا من قبل ندعوه }.

### || [52.28]

# { إنا كنا من قبل ندعوه } إلى آخره إشارة إلى التعظيم
~~لأمر الله تعالى وترك العاطف بجعل الثاني بيانا للأول ادعاءا للمبالغة
~~في وجوب عدم انفكاك كل منهما للآخر ولا يخفى ما فيه، والذي يظهر أن هذا
~~إشارة إلى الرجاء وترك العطف لقصد تعداد ما كانوا عليه أي إنا كنا من قبل
~~ذلك نعبده تعالى ونسأله الوقاية.

# { إنه هو البر } أي المحسن كما يدل عليه اشتقاقه من البر
~~بسائر مواده لأنها ترجع إلى الإحسان كبر في يمينه أي صدق لأن الصدق
~~إحسان في ذاته ويلزمه الإحسان للغير، وأبر الله تعالى حجة أي قبله لأن
~~القبول إحسان وزيادة، وأبر فلان على أصحابه أي علاهم لأنه غالبا ينشأ
~~عن الإحسان لهم فتفسيره باللطيف كما روي عن ابن عباس، أو العالي في
~~صفاته، أو خالق البر، أو الصادق فيما وعد أولياءه كما روي عن ابن جريج
~~بعيد إلا أن يراد بعض ما صدقات، أو غايات ذلك البر. { الرحيم }
~~الكثير الرحمة الذي إذا عبد أثاب وإذا سئل أجاب.

# وقرأ أبو حيوة { ووقنا } [الطور: 27] بتشديد القاف، والحسن وأبو جعفر
~~ونافع والكسائي { أنه } بفتح الهمزة لتقدير لام الجر التعليلية قبلها
~~أي لأنه.

### || [52.29]

# { فذكر } فاثبت على ما أنت ms10175 عليه من التذكير بما أنزل عليك من الآيات
~~والذكر الحكيم ولا تكترث بما يقولون مما لا خير فيه من الأباطيل. { فما
~~أنت بنعمت ربك بكهن } هو الذي يخبر بالغيب بضرب من الظن،
~~وخص الراغب الكاهن بمن يخبر بالأخبار الماضية الخفية كذلك، والعراف بمن
~~يخبر بالأخبار المستقبلة كذلك، والمشهور في الكهانة الاستمداد من الجن في
~~الإخبار عن الغيب. والباء في { بكهن } مزيدة للتأكيد أي ما أنت
~~كاهن { ولا مجنون } واختلف في باء { بنعمة } فقال أبو البقاء:
~~للملابسة؛ والجار والمجرور في موضع الحال والعامل فيه (كاهن) أو (مجنون)،
~~والتقدير ما أنت كاهن ولا مجنون ملتبسا بنعمة ربك وهي حال لازمة لأنه
~~عليه الصلاة والسلام ما زال ملتبسا بنعمة ربه عز وجل، وقيل: للقسم فنعمة
~~ربك مقسم به، وجواب القسم ما علم من الكلام وهو  ما أنت بكاهن ولا مجنون
~~ وهذا كما تقول: ما زيد والله بقائم وهو بعيد، والأقرب عندي أن الباء
~~للسببية / وهو متعلق بمضمون الكلام، والمعنى انتفى عنك الكهانة والجنون
~~بسبب نعمة الله تعالى عليك، وهذا كما تقول ما أنا معسر بحمد الله تعالى
~~وإغنائه، والمراد الرد على قائل ذلك، وإبطال مقالتهم فيه عليه الصلاة
~~والسلام وإلا فلا امتنان عليه صلى الله عليه وسلم بانتفاء ما ذكر مع
~~انتفائه عن أكثر الناس، وقيل: الامتنان بانتفاء ذلك بسبب النعمة المراد
~~بها ما أوتيه صلى الله عليه وسلم من صدق النبوة ورجاحة العقل التي لم
~~يؤتها أحد قبله، والقائلون بذلك هم الكفرة قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون،
~~وممن قال كاهن: شيبة بن ربيعة، وممن قال مجنون: عقبة بن أبي معيط.

### || [52.30]

# { أم يقولون } أي بل أيقولون { شاعر } أي هو شاعر {
~~نتربص } أي ننتظر { به ريب المنون } أي الدهر، وهو فعول
~~من المن بمعنى القطع لأنه يقطع الأعمار وغيرها، ومنه حبل منين أي مقطوع.
~~والريب مصدر رابه إذا أقلقه أريد به حوادث الدهر وصروفه لأنها تقلق
~~النفوس وعبر عنها بالمصدر مبالغة، وجوز أن يكون من راب عليه الدهر أي
~~نزل، والمراد بنزوله إهلاكه، ms10176 وتفسير المنون بالدهر مروي عن مجاهد، وعليه
~~قول الشاعر:

# تربص بها ريب المنون لعلها

# تطلق يوما أو يموت حليلها

# وبيت أبي ذؤيب:

# أمن المنون وريبة يتوجع

# والدهر ليس بمعتب من يجزع

# قيل: ظاهره ذلك؛ وكذلك قول الأعشى:

# أأن رأت رجلا أعشى أضر به

# ريب المنون ودهر متبل خبل

# ولهذا أنشده الجوهري شاهدا له. وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس
~~تفسيره بالموت وهو مشترك بين المعنيين فقد قال المرزوقي في شرح بيت أبي
~~ذؤيب المار آنفا: المنون قد يراد به الدهر فيذكر وتكون الرواية ريبه،
~~وقد يراد به المنية فيؤنث، وقد روي ريبها، وقد يرجع له ضمير الجمع لقصد
~~أنواع المنايا وريبها نزولها انتهى فلا تغفل، وهو أيضا من المن بمعنى
~~القطع فإنها قاطعة الأماني واللذات، ولذا قيل: المنية تقطع الأمنية، وريب
~~المنون عليه نزول المنية، وجوز أن يكون بمعنى حادث الموت على أن الإضافة
~~بيانية. روي أن قريشا اجتمعت في دار الندوة وكثرت آراؤهم فيه عليه
~~الصلاة والسلام حتى قال قائل منهم وهم بنو عبد الدار  كما قال الضحاك 
~~تربصوا به ريب المنون فإنه شاعر سيهلك كما هلك زهير والنابغة والأعشى
~~فافترقوا على هذه المقالة فنزلت. وقرأ زيد بن علي { يتربص } بالياء
~~مبنيا للمفعول، وقرىء { ريب } بالرفع على النيابة.

### || [52.31-32]

# { قل تربصوا } تهكم بهم وتهديد لهم { فإنى معكم من
~~المتربصين } أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي، وفيه عدة كريمة
~~بإهلاكهم.

# { أم تأمرهم أحلمهم } أي عقولهم وكانت قريش يدعون أهل
~~الأحلام والنهى وذلك على ما قال الجاحظ لأن جميع العالم يأتونهم
~~ويخالطونهم وبذلك يكمل العقل وهو يكمل بالمسافرة وزيادة رؤية البلاد
~~المختلفة والأماكن المتباينة ومصاحبة ذوي الأخلاق المتفاوتة وقد حصل لهم
~~الغرض بدون مشقة، وقيل لعمرو بن العاص: ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم
~~الله تعالى بالعقل؟! فقال: تلك عقول كادها الله عز وجل أي لم يصحبها
~~التوفيق فلذا لم يؤمنوا وكفروا. وأنا لا أرى في الآية دلالة على رجحان
~~عقولهم / ولعلها تدل على ضد ذلك.

# { بهذا } التناقص في المقال ms10177 فإن الكاهن والشاعر يكونان ذا عقل تام
~~وفطنة وقادة والمجنون مغطى عقله مختل فكره وهذا يعرب عن أن القوم لتحيرهم
~~وعصبيتهم وقعوا في حيص بيص حتى اضطربت عقولهم وتناقضت أقوالهم وكذبوا
~~أنفسهم من حيث لا يشعرون. وأمر الأحلام بذلك مجاز عن التأدية إليه بعلاقة
~~السببية كما قيل، وقيل: جعلت الأحلام آمرة على الاستعارة المكنية فتشبه
~~الأحلام بسلطان مطاع تشبيها مضمرا في النفس، وتثبت له الأمر على طريق
~~التخييل.

# { أم هم قوم طاغون } مجاوزون الحدود في المكابرة والعناد لا
~~يحومون حول الرشد والسداد ولذلك يقولون ما يقولون من الأكاذيب المحضة
~~الخارجة عن دائرة العقول. وقرأ مجاهد { بل هم }.

### || [52.33]

# { أم يقولون تقوله } أي اختلقه من تلقاء نفسه. وقال ابن
~~عطية: معناه قال عن الغير أنه قاله فهو عبارة عن كذب مخصوص. وضمير
~~المفعول للقرآن { بل لا يؤمنون } فلكفرهم وعنادهم يرمون بهذه
~~الأباطيل، كيف لا وما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا واحد من العرب
~~فكيف أتى بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم.

### || [52.34]

# { فليأتوا بحديث مثله } مماثل القرآن في النعوت التي
~~استقل بها من حيث النظم ومن حيث المعنى { إن كانوا صدقين }
~~فيما زعموا فإن صدقهم في ذلك يستدعي قدرتهم على الإتيان بمثله بقضية
~~مشاركتهم له عليه الصلاة والسلام في البشرية والعربية مع ما بهم من طول
~~الممارسة للخطب والأشعار، وكثرة المزاولة لأساليب النظم والنثر،
~~والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام؛ ولا ريب في أن القدرة على الشيء من
~~موجبات الإتيان به ودواعي الأمر بذلك، فالكلام رد للأقوال المذكورة في
~~حقه عليه الصلاة والسلام، والقرآن بالتحدي فإذا تحدوا وعجزوا علم رد ما
~~قالوه وصحة المدعى، وجوز أن يكون ردا لزعمهم التقول خاصة فإن غيره مما
~~تقدم حتى الكهانة كما لا يخفى أظهر فسادا منه ومع ذلك إذا ظهر فساد زعم
~~التقول ظهر فساد غيره بطريق اللزوم.

# وقرأ الجحدري وأبو السمال (بحديث مثله) على الإضافة أي بحديث رجل مثل
~~الرسول صلى الله عليه وسلم في كونه أميا لم يصحب أهل ms10178 العلم ولا رحل عن
~~بلده، أو مثله في كونه واحدا منهم فلا يعوز أن يكون في العرب مثله في
~~الفصاحة فليأت بمثل ما أتى به ولن يقدر على ذلك أبدا.

### || [52.35-36]

# { أم خلقوا من غير شىء } أي أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير
~~البديع من غير مقدر وخالق، وقال الطبري: المراد أم خلقوا من غير شيء حي
~~فهم لا يؤمرون ولا ينهون كالجمادات، وقيل: المعنى أم خلقوا من غير علة
~~ولا لغاية ثواب وعقاب فهم لذلك لا يسمعون، و { من } عليه للسببية، وعلى
~~ما تقدم لابتداء الغاية والمعول عليه من الأقوال ما قدمنا، وسيأتي إن شاء
~~الله تعالى زيادة إيضاح له، ويؤيده قوله سبحانه: { أم هم
~~الخلقون } أي الذين خلقوا أنفسهم فلذلك لا يعبدون الله عز وجل ولا
~~يلتفتون إلى رسوله صلى الله عليه وسلم إذ على القولين لا يظهر حسن
~~المقابلة، وإرادة خلقوا أنفسهم يشعر به قوله تعالى: { أم خلقوا
~~السموات والأرض } إذ لو أريد العموم لعدم ذكر المفعول لم يظهر
~~حسن المقابلة أيضا، وقال ابن عطية: المراد أهم الذين خلقوا الأشياء فهم
~~لذلك يتكبرون ثم خص من تلك الأشياء السموات والأرض لعظمهما وشرفهما في
~~المخلوقات وفيه ما سمعته.

# { بل لا يوقنون } أي إذا سئلوا من خلقكم وخلق السموات والأرض؟
~~قالوا: الله وهم غير موقنين بما قالوا إذ لو كانوا موقنين لما أعرضوا عن
~~عبادته تعالى فإن من عرف خالقه وأيقن به امتثل أمره وانقاد له.

### || [52.37]

# { أم عندهم خزائن ربك } أي خزائن رزقه تعالى ورحمته حتى
~~يرزقوا النبوة من شاءوا ويمسكوها عمن شاءوا، وقال الرماني: خزائنه تعالى
~~مقدوراته سبحانه، وقال ابن عطية: المعنى أم عندهم الاستغناء عن الله
~~تعالى في جميع الأمور لأن المال والصحة والعزة وغير ذلك من الأشياء من
~~خزائن الله تعالى، وقال الزهري: يريد بالخزائن العلم واستحسنه أبو حيان،
~~وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يعلم حاله منه.

# { أم هم المصيطرون } الأرباب الغالبون حتى يدبروا أمر
~~الربوبية ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم فالمسيطر الغالب، وفي معناه ms10179
~~قول ابن عباس: المسلط القاهر وهو من سيطر على كذا إذا راقبه وأقام عليه
~~وليس مصغرا كما يتوهم ولم يأت على هذه الزنة إلا خمسة ألفاظ أربعة من
~~الصفات، وهي مهيمن ومسيطر ومبيقر، ومبيطر، وواحد من الأسماء، وهو مجيمر
~~اسم جبل.

# وقرأ الأكثر { المصيطرون } بالصاد لمكان حرف الاستعلاء وهو الطاء، وأشم
~~خلف عن حمزة وخلاد عنه بخلاف الزاي.

### || [52.38]

# { أم لهم سلم } هو ما يتوصل به إلى الأمكنة العالية فيرجى به
~~السلامة ثم جعل اسما لكل ما يتوصل به إلى شيء رفيع كالسبب أي أم لهم سلم
~~منصوب إلى السماء. { يستمعون فيه } أي صاعدين فيه على أن الجار
~~والمجرور متعلق بكون خاص محذوف وقع حالا والظرفية على حقيقتها، وقيل: هو
~~متعلق بيستمعون على تضمينه معنى الصعود. وقال أبو حيان: أي يستمعون عليه
~~أو منه إذ حروف الجر قد يسد بعضها مسد بعض ومفعول { يستمعون }
~~محذوف أي كلام الله تعالى، قيل: ولو نزل منزلة اللازم جاز { فليأت
~~مستمعهم بسلطن مبين } أي بحجة واضحة تصدق استماعه.

### || [52.39]

# تسفيه لهم وتركيك لعقولهم، وفيه إيذان بأن من هذا رأيه لا يكاد يعد من
~~العقلاء فضلا عن الترقي إلى عالم الملكوت وسماع كلام ذي العزة والجبروت
~~والالتفات إلى الخطاب لتشديد الإنكار والتوبيخ.

### || [52.40]

# { أم تسئلهم أجرا } أي على تبليغ الرسالة وهو رجوع إلى
~~خطابه صلى الله عليه وسلم وإعراض عنهم { فهم } لأجل ذلك { من
~~مغرم } مصدر ميمي من الغرم والغرامة وهو  كما قال الراغب  ما ينوب
~~الإنسان في ماله من ضرر لغير جناية منه، فالكلام بتقدير مضاف أي من
~~التزام مغرم، وفسره الزمخشري بالتزام الإنسان ما ليس عليه فلا حاجة إلى
~~تقدير لكن الذي تقتضيه اللغة هو الأول { مثقلون } أي محمولون الثقل
~~فلذلك لا يتبعونك.

### || [52.41]

# { أم عندهم الغيب } أي اللوح المحفوظ المثبت فيه الغيوب {
~~فهم يكتبون } منه ويخبرون به الناس قاله ابن عباس وقال ابن عطية:
~~أم عندهم علم الغيب فهم يثبتون ما يزعمون للناس شرعا، وذلك عبادة
~~الأوثان وتسييب السوائب وغير ذلك من ms10180 سيرهم، وقال قتادة: أم عندهم الغيب
~~فهم يعلمون متى يموت محمد صلى الله عليه وسلم الذي يتربصون به، وفسر
~~بعضهم { يكتبون } بيحكمون.

### || [52.42]

# { أم يريدون كيدا } بك وبشرعك وهو ما كان منهم في حقه صلى الله
~~عليه وسلم بدار الندوة مما هو معلوم من السير، وهذا من الإخبار بالغيب
~~فإن قصة دار الندوة وقعت في وقت الهجرة وكان نزول السورة قبلها كما تدل
~~عليه الآثار { فالذين كفروا } هم المذكورون المريدون كيده عليه
~~الصلاة والسلام. / ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بما في حيز
~~الصلة من الكفر وتعليل الحكم به، وجوز أن يراد جميع الكفرة وهم داخلون
~~فيه دخولا أوليا { هم المكيدون } أي الذين يحيق بهم كيدهم ويعود
~~عليهم وباله لا من أرادوا أن يكيدوه وكان وباله في حق أولئك قتلهم يوم
~~بدر في السنة الخامسة عشر من النبوة قيل: ولذا وقعت كلمة { أم } مكررة
~~هنا خمس عشرة مرة للإشارة لما ذكر، ومثله على ما قال الشهاب: لا يستبعد
~~من المعجزات القرآنية وإن كان الانتقال لمثله خفي ومناسبته أخفى، وجوز أن
~~يكون المعنى هم المغلوبون في الكيد من كايدته فكدته.

### || [52.43]

# { أم لهم إله غير الله } يعينهم ويحرسهم من عذابه عز
~~وجل. { سبحن الله عما يشركون } أي عن إشراكهم على أن
~~(ما) مصدرية، أو عن شركة الذي يشركونه على أنها موصولة وقبلها مضاف مقدر
~~والعائد محذوف.

### || [52.44]

# { وإن يروا كسفا } قطعة فهو مفرد وقد قرىء في جميع القرآن
~~كسفا وكسفا جمعا وإفرادا إلا هنا فإنه على الإفراد وحده، وتنوينه
~~للتفخيم أي وإن يروا كسفا عظيما { من السماء سقطا } لتعذيبهم
~~{ يقولوا } من فرط طغيانهم وعنادهم { سحاب } أي هو سحاب {
~~مركوم } متراكم ملقى بعضه على بعض أي هم في الطغيان بحيث لو أسقطناه
~~عليهم حسبما قالوا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا لقالوا هو سحاب
~~متراكم يمطرنا ولم يصدقوا أنه كسف ساقط لعذابهم.

### || [52.45]

# { فذرهم } فدعهم غير مكترث بهم وهو على ما في «البحر» أمر موادعة
~~منسوخ بآية السيف { حتى يلقوا } وقرأ ms10181 أبو حيوة (يلقوا) مضارع
~~لقي { يومهم الذى فيه يصعقون } على البناء للمفعول وهي
~~قراءة عاصم وابن عامر وزيد بن علي وأهل مكة في قول شبل بن عباد، من صعقته
~~الصاعقة أو من أصعقته، وقرأ الجمهور وأهل مكة في قول إسماعيل: (يصعقون)
~~بفتح الياء والعين، والسلمي بضم الياء وكسر العين من أصعق رباعيا.
~~والمراد بذلك اليوم يوم بدر، وقيل: وقت النفخة الأولى فإنه يصعق فيه من
~~في السموات ومن في الأرض، وتعقب بأنه لا يصعق فيه إلا من كان حيا
~~حينئذ وهؤلاء ليسوا كذلك وبأن قوله تعالى: { يوم لا يغنى
~~عنهم كيدهم شيئا }.

### || [52.46]

# { يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا } أي شيئا من
~~الإغناء بدل من

# يومهم

# [الطور: 45]، ولا يخفى أن التعرض لبيان عدم نفع كيدهم يستدعي استعمالهم
~~له طمعا بالانتفاع به وليس ذلك إلا ما دبروه في أمره صلى الله عليه وسلم
~~من الكيد الذي من جملته مناصبتهم يوم بدر، وأما النفخة الأولى فليست مما
~~يجري في مدافعته الكيد والحيل، وأجيب عن الأول بمنع اختصاص الصعق بالحي
~~فالموتى أيضا يصعقون وهم داخلون في عموم

# من

# [الزمر: 68] وإن لم يكن صعقهم مثل صعق الأحياء من كل وجه وهو خلاف
~~الظاهر فيحتاج إلى نقل صحيح، وعن الثاني بأن الكلام على نهج قوله:

# على لاحب لا يهتدي بمناره

# فالمعنى يوم لا يكون لهم كيد ولا إغناء وهو كثير في القرآن وباب من
~~أبواب البلاغة والإحسان. وقيل: هو يوم القيامة وعليه الجمهور وفي بحث،
~~وقيل: هو يوم موتهم، وتعقب بأن فيه ما فيه مع أنه تأباه الإضافة المنبئة
~~عن اختصاصه بهم فلا تغفل { ولا هم ينصرون } من جهة الغير في دفع
~~العذاب عنهم.

### || [52.47]

# { وإن للذين ظلموا } أي لهم، ووضع الموصول موضع الضمير لما
~~ذكر قبل، وجوز العموم وهم داخلون دخولا أوليا { عذابا } آخر { دون
~~ذلك } دون ما لاقوه من القتل أي قبله وهو كما قال مجاهد / القحط الذي
~~أصابهم سبع سنين. وعن ابن عباس هو ما كان عليهم يوم بدر والفتح، وفسر {
~~دون ms10182 ذلك } بقبل يوم القيامة بناءا على كون يومهم الذي فيه يصعقون
~~ذلك، وعنه أيضا وعن البراء بن عازب أنه عذاب القبر وهو مبني على نحو ذلك
~~التفسير، وذهب إليه بعضهم بناءا على أن { دون ذلك } بمعنى وراء ذلك
~~كما في قوله:

# يريك القذى من دونها وهو دونها

# وإذا فسر اليوم بيوم القيامة ونحوه، و { دون ذلك } بقبله، وأريد
~~العموم من الموصول فهذا العذاب عذاب القبر، أو المصائب الدنيوية، وفي
~~مصحف عبد الله (دون ذلك قريبا).

# { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ان الأمر كما ذكر، وفيه
~~إشارة إلى أن فيهم من يعلم ذلك وانما يصر على الكفر عنادا، أو لا يعلمون
~~شيئا.

### || [52.48]

# { واصبر لحكم ربك } بإمهالهم إلى يومهم الموعود وإبقائك فيما
~~بينهم مع مقاساة الأحزان ومعاناة الهموم { فإنك بأعيننا } أي
~~في حفظنا وحراستنا، فالعين مجاز عن الحفظ، ويتجوز بها أيضا عن الحافظ
~~وهو مجاز مشهور، وفي «الكشاف» هو مثل أي بحيث نراك ونكلؤك، وجمع العين
~~هنا لإضافته إلى ضمير الجمع ووحد في طه لإضافته إلى ضمير الواحد، ولوح
~~الزمخشري في سورة المؤمنين إلى أن فائدة الجمع الدلالة على المبالغة في
~~الحفظ كأن معه من الله تعالى حفاظا يكلؤونه بأعينهم، وقال العلامة
~~الطيبي: إنه أفرد هنالك لإفراد الفعل وهو كلاءة موسى عليه السلام،
~~وههنا لما كان لتصبير الحبيب على المكايد ومشاق التكاليف والطاعات ناسب
~~الجمع لأنها أفعال كثيرة كل منها يحتاج إلى حراسة منه عز وجل انتهى. ومن
~~نظر بعين بصيرته علم من الآيتين الفرق بين الحبيب والكليم عليهما أفضل
~~الصلاة وأكمل التسليم. ثم إن الكلام في نظير هذا على مذهب السلف مشهور.
~~وقرأ أبو السمال  بأعينا  بنون مشددة.

# { وسبح بحمد ربك } أي قل سبحان الله ملتبسا بحمده تعالى على
~~نعمائه الفائتة الحصر، والمراد سبحه تعالى واحمده { حين تقوم } من
~~كل مجلس قاله عطاء ومجاهد وابن جبير، وقد صح من رواية أبي داود والنسائي
~~وغيرهما عن أبي برزة الأسلمي

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا أراد أن يقوم ms10183 من
~~المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
~~فسئل عن ذلك فقال: كفارة لما يكون في المجلس "

# والآثار في ذلك كثيرة، وقيل: حين تقوم إلى الصلاة، أخرج أبو عبيد وابن
~~المنذر عن سعيد بن المسيب قال: " حق على كل مسلم حين يقوم إلى الصلاة أن
~~يقول: سبحان الله وبحمده لأن الله تعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم:
~~{ وسبح بحمد ربك حين تقوم } " وأخرج سعيد بن منصور وغيره
~~عن الضحاك أنه قال في الآية: حين تقوم إلى صلاة تقول هؤلاء الكلمات
~~«سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك» وحكاه في
~~«البحر» عن ابن عباس؛ وأخرج عنه ابن مردويه أنه قال: «سبح بحمد ربك حين
~~تقوم من فراشك إلى أن تدخل في الصلاة» وروي نحوه عن ابن السائب، وقال زيد
~~أسلم: حين تقوم من القائلة والتسبيح إذ ذاك هو صلاة الظهر.

### || [52.49]

# وقوله تعالى: { ومن اليل فسبحه } إفراد لبعض الليل بالتسبيح
~~لما أن العبادة فيه أشق على النفس وأبعد عن الرياء كما يلوح به تقديمه
~~على الفعل { وإدبر النجوم } أي وقت إدبارها من آخر الليل أي
~~غيبتها بضوء الصباح، وقيل: التسبيح من الليل صلاة المغرب والعشاء، وإدبار
~~النجوم ركعتا الفجر، وعن عمر رضي الله تعالى عنه / وعلي كرم الله تعالى
~~وجهه وأبي هريرة والحسن رضي الله تعالى عنهما التسبيح من الليل النوافل،
~~وإدبار النجوم ركعتا الفجر، وقرأ سالم بن أبي الجعد والمنهال بن عمرو
~~ويعقوب  أدبار  بفتح الهمزة جمع دبر بمعنى عقب أي في أعقابها إذا غربت
~~أو خفيت بشعاع الشمس.

# هذا ونظم الآيات من قوله تعالى:

# أم يقولون شاعر

# [الطور: 30] إلى قوله سبحانه:

# أم لهم إله غير الله

# [الطور: 43] الخ فيه غرابة ولم أر أحدا كشف عن لثامه كصاحب «الكشف»
~~جزاه الله تعالى خيرا، ولغاية حسنه وكونه مما لا مزيد عليه أحببت نقله
~~بحذافيره لكن مع اختصار ما، فأقول: قال: أومأ الزمخشري إلى وجهين في ذلك
~~في قوله تعالى:

# بل قالوا ms10184 أضغث أحلام بل افتراه بل هو شاعر

# [الأنبياء: 5] أحدهما: أنه حكاية قولهم المضطرب على وجهه، والثاني: أنه
~~تدرج منه سبحانه في حكاية ما قالوه من المنكر إلى ما هو أدخل فيه، والأول
~~ضعيف فيما نحن فيه لأن ما سيق له الكلام ليس اضطراب أقوالهم فتحكى على ما
~~هي عليه بل تسليته عليه الصلاة والسلام وأنه لا محالة ينتقم له منهم وأن
~~العذاب المكذب به واقع بهم جزاءا لتكذيبهم بالمنبىء والنبأ والمنبأ به،
~~فالمتعين هو الثاني، ووجهه  والله تعالى أعلم  أن قوله:

# فذكر

# [الطور: 29] معناه إذ ثبت كون العذاب واقعا وكون الفريقين المصدقين
~~والمكذبين مجزيين بأعمالهم، وأنك على الحق المبين الذي من كذب به استحق
~~الهوان، ومن صدق استحق الرضوان فدم على التذكير ولا تبال بما تكايد فإنك
~~أنت الغالب حجة وسيفا في هذه الدار، ومنزلة ورفعة في دار القرار، ومن
~~قوله تعالى:

# فما أنت

# [الطور: 29] إلى قوله سبحانه:

# هم المكيدون

# [الطور: 42] تفصيل هذا المجمل مع التعريض بفساد مقالاتهم الحمقاء وأنهم
~~بمرأى من الله تعالى ومسمع فلا محالة ينتقم لنبيه عليه الصلاة والسلام
~~منهم، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى بمكان لا يقادر
~~قدره فهو شد من عضد التسلي، وقوله سبحانه:

# فما أنت بنعمة ربك

# [الطور: 29] الخ فيه أن من أنعم عليه بالنبوة يستحيل أن يكون أحد هذين،
~~وبدأ بقولهم المتناقض لينبه أولا على فساد آرائهم ويجعله دستورا في
~~إعراضهم عن الحق وإيثار اتباع أهوائهم فما أبعد حال من كان أتقنهم رأيا
~~وأرجحهم عقلا وأبينهم آيا منذ ترعرع إلى أن بلغ الأشد عن الجنون
~~والكهانة على أنهما متناقضان لأن الكهان كانوا عندهم من كامليهم وكان
~~قولهم إماما متبعا عندهم فأين الكهانة من الجنون، ثم ترقى مضربا إلى
~~قولهم فيه وحاشاه صلى الله عليه وسلم أنه شاعر لأنه أدخل في الكذب من
~~الكاهن والمجنون وقديما قيل: أحسن الشعر أكذبه ليبين حال تلجلجهم
~~واضطرابهم، وقوله تعالى:

# قل تربصوا

# [الطور: 31] من باب المجازاة بمثل صنيعهم وفيه تتميم للوعيد، فهذا باب ms10185
~~من إنكارهم هدمه سبحانه أولا تلويحا بقوله تعالى: { بنعمة ربك
~~} وثانيا تصريحا بقوله جل وعلا

# أم تأمرهم أحلمهم

# [الطور: 32] كأنه قيل دعهم وتلك المقالة وما فيها من الاضطراب ففيها
~~عبرة، ثم قيل: لا بل ذلك من طغيانهم لأنه أدخل في الذم من نقصان العقل
~~وأبلغ في التسلية لأن من طغى على الله عز وجل فقد باء بغضبه، ثم أخذ في
~~باب أوغل في الإنكار وهو نسبة الافتراء إليه صلى الله عليه وسلم وذلك لأن
~~الافتراء أبعد شيء من حاله لاشتهاره بالصدق على أن كونه افتراءا وعجزهم
~~عن الإتيان بأقصر سورة من هذا المفترى متنافيان لدلالته على الصدق على ما
~~مر في الأحقاف ولأن الشاعر لا يتعمد الكذب لذاته، ثم قد يكون شعره
~~حكما ومواعظ وهو لا ينسب فيه إلى عار، والتدرج عن الشعر ههنا عكس
~~التدرج إليه في الأنبياء لأن بناء الكلام ههنا على التدرج في المناقضة
~~والتوغل في القدح فيه عليه الصلاة والسلام ونفي رسالته، وهنالك عن القدح
~~في بعض من الذكر متجدد النزول فقيل: إن افتراءه لا يبعد ممن هو شاعر ذو
~~افتراءات كثيرة، وأين هذا من ذاك؟ وللتنبيه على التوغل / جيء بصريح حرف
~~الإضراب في الرد فقيل:

# بل لا يؤمنون

# [الطور: 33] وعقب بقوله تعالى:

# فليأتوا

# [الطور: 34] ثم من لا يؤمن أشد إنكارا له من الطاغي كما أن المفتري
~~أدخل في الكذب من الشاعر، ثم أخذ في أسلوب أبلغ في الرد على مقالاتهم
~~الجنون والكهانة لتقاربهما، ثم الشعر، ثم الافتراء حيث نزل القائلين
~~منزلة من يدعي أنه خلق من غير شيء أي مقدر وخالق وإلا لأهمهم البحث عن
~~صفاته وأفعاله فلم ينكروا منك ما أنكروا، ومن حسب أنه مستغن عن الموجد
~~نسب رسوله إلى الجنون والكهانة لا بل كمن يدعي أنه خالق نفسه فلا خالق له
~~ليبحث عن صفاته فهو ينسبه إلى الشعر إذ لا يرسل إليه البتة، والشعر أدخل
~~في الكذب لا بل كمن يدعي أنه خلق السموات والأرض وما بينهما فهو ينسبه
~~إلى الافتراء حيث لم ms10186 يرسله، ثم أضرب صريحا عنه بقوله تعالى:

# بل لا يوقنون

# [الطور: 36] ومن لا إيقان له بمثل هذا البديهي لا يبعد أن يزنك بما زن،
~~فكأنه قيل: مقالتهم تلك تؤدي إلى هذه لا أنهم كانوا قائلين بها إظهارا
~~لتماديهم في العناد، ثم بولغ فيه فجيء بما يدل على أن الرسول لا بد أن
~~يكون مفتريا غير صالح للنبوة في زعمهم، فالأول: لما لم يمنع تعدد الآلهة
~~إنما يدل على افترائه من حيث إن أحد الخالقين لا يدعو الآخر إلى عبادته،
~~والثاني: يمنعه بالكلية لأنه إذا كان عندهم جميع خزائن ربه وهم ما أرسلوه
~~لزم أن يكون مفتريا البتة، وأدمج فيه إنكارهم للمعاد، ونسبتهم إياه صلى
~~الله عليه وسلم في ذلك أيضا خاصة إلى الافتراء، والحمل على خزائن القدرة
~~أظهر لأن

# أم عندهم الغيب

# [الطور: 41] إشارة إلى خزائن العلم ولما كان المقصود هنالك أمر البعث
~~على ما سيحقق إن شاء الله تعالى كان هذا القول أيضا من القبول بمكان ولا
~~يخفى ما في قوله تعالى:

# أم هم المسيطرون

# [الطور: 37] من الترقي ثم لما فرغ من ذلك وبين فساد ما بنوا عليه أمر
~~الإنكار بدليل العقل قيل: لم يبق إلا المشاهدة والسماع منه تعالى وهو
~~أظهر استحالة فتهكم بهم، وقيل:

# أم لهم سلم يستمعون

# [الطور: 38] وذيل بقوله تعالى:

# أم له البنت

# [الطور: 39] إشعارا بأن من جعل خالقه أدون حالا منه لم يستبعد منه تلك
~~المقالات الخرقاء كأنه سلى صلى الله عليه وسلم؛ وقيل: ناهيك بتساوي
~~الطعنين في البطلان وبما يلقون من سوء مغبتهما، ثم قيل:

# أم تسألهم أجرا

# [الطور: 40] أي إن القوم أرباب ألباب وليسوا من تلك الأوصاف في شيء بل
~~الذي زهدهم فيك أنك تسألهم أجرا مالا أو جاها أو ذكرا، وفيه تهكم بهم
~~وذم لهم بالحسد واللؤم وأنهم مع قصور نظرهم عن أمر الميعاد لا يبنون
~~الأمر على المتعارف المعتاد إذ لا أحد من أهل الدنيا وذوي الأخطار يجبه
~~الناصح المبرأ ساحته عن لوث الطمع بتلك المقالات على أنه حسد لا ms10187 موقع له
~~عند ذويه فليسوا في أن يحصل لهم نعمة النبوة ولا هو ممن يطمع في نعمهم
~~إحدى الثلاث، ثم قيل:

# أم عندهم الغيب

# [الطور: 41] على معنى بل أعندهم اللوح فيعلمون كل ما هو كائن ويكتبون
~~فيه تلك المعلومات وقد علموا أن ما تدعيه من المعاد ليس من الكائن
~~المكتوب، والمقصود من هذا نفي المنبأ به أعني البعث على وجه يتضمن دفع
~~النبوة أيضا إدماجا عكس الأول ولهذا أخره عن قوله تعالى:

# أم لهم سلم

# [الطور: 38] فقد سلف أن مصب الغرض حديث النبأ والمنبأ والمنبأ به فقضى
~~الوطر من الأولين مع الرمز إلى الأخير، ثم أخذ فيه مع الرمز إليهما
~~قضاءا لحق الإعجاز، ففي الغيب إشارة إلى الغيب أعني الساعة أول كل شيء
~~وفيه ترق في الدفع من وجه أيضا لأن العلم أشمل موردا من القدرة ولأن
~~الأول إنكار من حيث إنهم لم يرسلوه، وهذا من تلك الحيثية، ومن حيث أنهم
~~ما علموا بإرسال غيره إياه أيضا مع إحاطة علمهم لكنه غير مقصود قصدا
~~أوليا، ثم ختم الكلام بالإضراب عن الإنكار إلى الإخبار عن حالهم بأنهم
~~يريدون بك كيدا فهم ينصبون لك الحبائل قولا وفعلا / لا يقفون على هذه
~~المقالة وحدها وهم المكيدون لا أنت قولا وفعلا وحجة وسيفا، وحقق ما
~~ضمنه من الوعيد بقوله سبحانه:

# أم لهم إله غير الله

# [الطور: 43] فينجيهم من كيده وعذابه لا والله سبحان الله عن أن يكون
~~إليه غيره، ومنه يظهر أن حمل

# الذين كفروا

# [الطور: 42] على المريدين به كيدا أظهر في هذا المساق انتهى، وكأن ما
~~بعد تأكيدا لأمر طغيانهم ومزيد تحقيق للوعيد ومبالغة في التسلية، ويعلم
~~مما ذكره  لا زالت رحمة الله تعالى عليه متصلة  أن { أم } في كل ذلك
~~منقطعة وهي مقدرة ببل الإضرابية، والإضراب ههنا واقع على سبيل الترقي
~~وبالهمزة وهي للإنكار وهو ما اختاره أبو البقاء، وكثير من المفسرين، وحكى
~~الثعلبي عن الخليل أنها متصلة والمراد بها الاستفهام، وعليك بما أفاده
~~كلام ذلك الهمام والله تعالى أعلم.

# ومما ذكروه ms10188 من باب الإشارة في بعض الآيات:

# والطور

# [الطور: 1] إشارة إلى قالب الإنسان

# وكتب مسطور

# [الطور: 2] إشارة إلى سره

# فى رق منشور

# [الطور: 3] إشارة إلى قلبه

# والبيت المعمور

# [الطور: 4] إشارة إلى روحه

# والسقف المرفوع

# [الطور: 5] إشارة إلى صفته

# والبحر المسجور

# [الطور: 6] إشارة إلى نفسه المسجورة بنيران الشهوة والغضب والكبر، وقيل:
~~الطور إشارة إلى ما طار من الأرواح من عالم القدس والملكوت حتى وقع في
~~شباك عالم الملك، والكتاب المسطور في الرق المنشور إشارة إلى النقوش
~~الإلهية المدركة بأبصار البصائر القدسية المكتوبة في صحائف الآفاق {
~~والبيت المعمور } إشارة إلى قلب المؤمن المعمور بالمعرفة
~~والإخلاص { والسقف المرفوع } إشارة إلى العالم العلوي المرفوع
~~عن أرض الطبيعة { والبحر المسجور } إشارة إلى بحث القدرة
~~المملوء من أنواع المقدورات التي لا تتناهى، وقيل: إشارة إلى الفضاء الذي
~~فيه الملائكة المهيمون، ووصفه بالمسجور إما لأنه مملوء منهم، وإما لأنه
~~سجر بنيران الهيام ولذا لا يعلم أحدهم بسوى الله عز وجل، وقيل غير ذلك

# فويل يومئذ للمكذبين * الذين هم في خوض
~~يلعبون

# [الطور: 11-12] أي يخوضون في غمرات البحر اللجي الدنيوي ويلعبون فيها
~~بزبدها الباطل ومتاعها القليل ويكذبون المستخلصين عن الأكدار المتحلين
~~بالأنوار إذ أنذروهم أن المتقين هم أضداد أولئك { فكهين بما
~~ءاتهم ربهم } مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر

# ووقهم ربهم عذاب الجحيم

# [الطور: 18] وهو عذاب الحجاب { كلوا } من ثمرات المعارف المختصة
~~باللطيفة النفسية

# واشربوا

# [الطور: 19] من مياه العيون المختصة باللطيفة القلبية

# وسبح بحمد ربك حين تقوم

# [الطور: 48] أي مقام العبودية { ومن اليل فسبحه } أي عند
~~نزول السكينة عليك { وإدبر النجوم } [الطور: 49] أي عند ظهور
~~نور شمس الوجه، وتسبيحه سبحانه عند ذلك بالاحتراز عن إثبات وجود غير
~~وجوده تعالى الحق فإن إثبات ذلك شرك مطلق في ذلك المقام أعاذنا الله
~~تعالى وإياكم من الشرك بحرمة الحبيب عليه الصلاة والسلام.

### | [53 - سورة النجم]

### || [53.1]

# أقسم سبحانه بجنس النجم المعروف على ما روي عن الحسن ومعمر بن المثنى،
~~ومنه قوله:

# فباتت تعد النجم في ms10189 مستحيرة

# سريع بأيدي الآكلين جمودها

# ومعنى { هوى } غرب، وقيل: طلع يقال هوى يهوي كرمى يرمي هويا بالفتح
~~في السقوط والغروب لمشابهته له؛ وهويا بالضم للعلو والطلوع، وقيل:
~~الهوي بالفتح للإصعاد والهوى بالضم للانحدار؛ وقيل: الهوي بالفتح والضم
~~السقوط ويقال أهوى بمعنى هوى، وفرق بعض اللغويين بينهما بأن هوى إذا انقض
~~لغير صيد، وأهوى / إذا انقض له، وقال الحسن وأبو حمزة الثمالي: أقسم
~~سبحانه بالنجوم إذا انتثرت في القيامة، وعن ابن عباس في رواية أقسم عز
~~وجل بالنجوم إذا انقضت في إثر الشياطين.

# وقيل: المراد بالنجم معين فقال مجاهد وسفيان: هو الثريا فإن النجم صار
~~علما بالغلبة لها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:

# " إذا طلع النجم صباحا ارتفعت العاهة "

# وقول العرب: طلع النجم عشاءا فابتغى الراعي كساء، طلع النجم غدية
~~فابتغي الراعي كسية، وفسر هويها بسقوطها مع الفجر، وقيل: هو الشعرى
~~المرادة بقوله تعالى:

# وأنه هو رب الشعرى

# [النجم: 49] والكهان يتكلمون على المغيبات عند طلوعها، وقيل: الزهرة
~~وكانت تعبد، وقال ابن عباس ومجاهد والفراء ومنذر بن سعيد: { النجم }
~~المقدار النازل من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم، { وإذا
~~هوى } بمعنى إذا نزل عليه مع ملك الوحي جبريل عليه والسلام، وقال جعفر
~~الصادق رضي الله تعالى عنه: هو النبي صلى الله عليه وسلم وهويه نزوله من
~~السماء ليلة المعراج، وجوز على هذا أن يراد بهويه صعوده وعروجه عليه
~~الصلاة والسلام إلى منقطع الأين، وقيل: هو الصحابة رضي الله تعالى عنهم،
~~وقيل: العلماء على إرادة الجنس، والمراد بهويهم قيل: عروجهم في معارج
~~التوفيق إلى حضائر التحقيق، وقيل: غوصهم في بحار الأفكار لاستخراج درر
~~الأسرار.

# وأظهر الأقوال القول بأن المراد بالنجم جنس النجم المعروف فإن أصله اسم
~~جنس لكل كوكب، وعلى القول بالتعيين فالأظهر القول بأنه الثريا، ووراء
~~هذين القولين القول بأن المراد به المقدار النازل من القرآن. وفي الإقسام
~~بذلك على نزاهته عليه الصلاة والسلام عن شائبة الضلال والغواية من
~~البراعة البديعة وحسن الموقع ما لا غاية وراءه، أما على الأولين ms10190 فلأن
~~النجم شأنه أن يهتدي به الساري إلى مسالك الدنيا كأنه قيل: والنجم الذي
~~تهتدي به السابلة إلى سواء السبيل.

### || [53.2]

# { ما ضل صحبكم } أي ما عدل عن طريق الحق الذي هو مسلك الآخرة
~~فهو استعارة وتمثيل لكونه عليه الصلاة والسلام على الصواب في أقواله
~~وأفعاله { وما غوى } أي وما اعتقد باطلا قط لأن الغي الجهل مع
~~اعتقاد فاسد وهو خلاف الرشد فيكون عطف هذا على { ما ضل } من عطف
~~الخاص على العام اعتناءا بالاعتقاد، وإشارة إلى أنه المدار. وأما على
~~الثالث فلأنه تنويه بشأن القرآن وتنبيه على مناط اهتدائه عليه الصلاة
~~والسلام ومدار رشاده كأنه قيل: وما أنزل عليك من القرآن الذي هو علم في
~~الهداية إلى مناهج الدين ومسالك الحق واليقين ما ضل عنها محمد صلى الله
~~عليه وسلم وما غوى، فهو من باب:

# وثناياك أنها إغريض

# والخطاب لقريش وإيراده عليه الصلاة والسلام بعنوان المصاحبة لهم للإيذان
~~بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة وإحاطتهم خبرا ببراءته صلى الله عليه
~~وسلم مما نفى عنه بالكلية وباتصافه عليه الصلاة والسلام بغاية الهدى
~~والرشاد فإن طول صحبتهم له عليه الصلاة والسلام ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه
~~العظيمة مقتضية لذلك حتما ففي ذلك تأكيد لإقامة الحجة عليهم.

# واختلف في متعلق { إذا } قال بعضهم: فاوضت جار الله في قوله تعالى:

# والنجم إذا هوى

# [النجم: 1] فقال: العامل فيه ما تعلق به الواو فقلت: كيف يعمل فعل الحال
~~في المستقبل؟! وهذا لأن معناه أقسم الآن لا أقسم بعد هذا، فرجع وقال:
~~العامل فيه مصدر محذوف، والتقدير وهوي النجم إذا هوى فعرضته على بعض
~~المشايخ فلم يستحسن قوله الثاني، والوجه تعلقه بأقسم وهو قد انسلخ عنه
~~معنى الاستقبال وصار للوقت المجرد ونحوه آتيك إذا احمر البسر أي وقت
~~احمراره، وقال عبد القاهر: إخبار الله تعالى بالمتوقع يقام مقام الإخبار
~~بالواقع / إذ لا خلف فيه فيجري المستقبل مجرى المحقق الماضي، وقيل: إنه
~~متعلق بعامل هو حال من النجم، وأورد عليه أن الزمان لا يكون خبرا ولا
~~حالا عن جثة كما ms10191 هنا، وأن { إذا } للمستقبل فكيف يكون حالا إلا أن
~~تكون حالا مقدرة أو تجرد { إذا } لمطلق الوقت كما يقال بصحية الحالية
~~إذا أفادت معنى معتدا به، فمجيء الزمان خبرا أو حالا عن جثة ليس
~~ممنوعا على الإطلاق كما ذكره النحاة، أو النجم لتغيره طلوعا وغروبا
~~أشبه الحدث، والإنصاف أن جعله حالا كتعلقه بمصدر محذوف ليس بالوجه،
~~وإنما الوجه على ما قيل ما سمعت من تعلقه بأقسم منسلخا عنه معنى
~~الاستقبال وهو الذي اختاره في «المغني».

# وتخصيص القسم بوقت الهوي ظاهر على الأخير من الأقوال الثلاثة، وأما على
~~الأولين فقيل: لأن النجم لا يهتدي به الساري عند كونه في وسط السماء
~~ولايعلم المشرق من المغرب ولا الشمال من الجنوب، وإنما يهتدي به عند
~~هبوطه أو صعوده مع ما فيه من كمال المناسبة لما سيحكي من التدلي والدنو،
~~وقيل: لدلالته على حدوثه الدال على الصانع وعظيم قدرته عز وجل كما قال
~~الخليل على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأكمل السلام

# لا أحب الأفلين

# [الأنعام: 76] وسيأتي إن شاء الله تعالى آخر الكتاب تمام الكلام في
~~تحقيق إعراب مثل هذا التركيب فلا تغفل.

### || [53.3]

# { وما ينطق } أي النبي صلى الله عليه وسلم لتقدم ذكره في قوله
~~سبحانه:

# صحبكم

# [النجم: 2] والنطق مضمن معنى الصدور فلذا عدي بعن في قوله تعالى: { عن
~~الهوى } وقيل: هي بمعنى الباء وليس بذاك أي ما يصدر نطقه فيما آتاكم
~~به من جهته عز وجل كالقرآن، أو من القرآن عن هوى نفسه ورأيه أصلا فإن
~~المراد استمرار النفي كما مر مرارا في نظائره.

### || [53.4]

# { إن هو } أي ما الذي ينطق به من ذلك أو القرآن وكل ذلك مفهوم من
~~السياق { إلا وحى } من الله عز وجل { يوحى } يوحيه سبحانه إليه.
~~والجملة صفة مؤكدة لوحي رافعة لاحتمال المجاز مفيدة للاستمرار التجددي.
~~وقيل: ضمير { ينطق } للقرآن فالآية كقوله تعالى:

# هذا كتبنا ينطق عليكم بالحق

# [الجاثية: 29] وهو خلاف الظاهر، وقيل: المراد ما يصدر نطقه عليه الصلاة
~~والسلام مطلقا عن هوى وهو عائد لما ينطق به ms10192 مطلقا أيضا.

# واحتج بالآية على هذا التفسير من لم ير الاجتهاد له عليه الصلاة والسلام
~~كأبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم، ووجه الاحتجاج أن الله تعالى أخبر
~~بأن جميع ما ينطق به وحي وما كان عن اجتهاد ليس بوحي فليس مما ينطق،
~~وأجيب بأن الله تعالى إذا سوغ له عليه الصلاة والسلام الاجتهاد كان
~~الاجتهاد وما يستند إليه وحيا لا نطقا عن الهوى، وحاصله منع كبر
~~القياس، واعترض عليه بأنه يلزم أن تكون الأحكام التي تستنبطها المجتهدون
~~بالقياس وحيا، وأجيب بأن النبي عليه الصلاة والسلام أوحي إليه أن يجتهد
~~بخلاف غيره من المجتهدين، وقال القاضي البيضاوي: إنه حينئذ بالوحي لا
~~وحي، وتعقبه صاحب «الكشف» بأنه غير قادح لأنه بمنزلة أن يقول الله تعالى
~~لنبيه عليه الصلاة والسلام: متى ما ظننت بكذا فهو حكمي أي كل ما ألقيته
~~في قلبك فهو مرادي فيكون وحيا حقيقة، والظاهر أن الآية واردة في أمر
~~التنزيل بخصوصه وإن كان مثله الأحاديث القدسية والاستدلال بها على أنه
~~عليه الصلاة والسلام غير متعبد بالوحي محوج لارتكاب خلاف الظاهر وتكلف في
~~دفع نظر البيضاوي عليه الرحمة كما لا يخفى على المنصف، ولا يبعد عندي أن
~~يحمل قوله تعالى: { وما ينطق عن الهوى } على العموم فإن من
~~يرى الاجتهاد له عليه الصلاة والسلام كالإمام أحمد وأبي يوسف عليهما
~~الرحمة / لا يقول بأن ما ينطق به صلى الله عليه وسلم مما أدى إليه
~~اجتهاده صادر عن هوى النفس وشهوتها - حاشا حضرة الرسالة عن ذلك - وإنما
~~يقول هو واسطة بين ذلك وبين الوحي ويجعل الضمير في قوله سبحانه: { إن
~~هو إلا وحى } للقرآن على أن الكلام جواب سؤال مقدر كأنه قيل: إذا
~~كان شأنه عليه الصلاة والسلام أنه ما ينطق عن الهوى فما هذا القرآن الذي
~~جاء به وخالف فيه ما عليه قومه واستمال به قلوب كثير من الناس وكثرت فيه
~~الأقاويل؟ فقيل: ما هو إلا وحي يوحيه الله عز وجل إليه صلى الله عليه
~~وسلم فتأمل.

# وفي «الكشف» أن في ms10193 قوله تعالى: { ما ينطق } مضارعا مع قوله سبحانه:
~~{ ما ضل... وما غوى } ما يدل على أنه عليه الصلاة والسلام حيث
~~لم يكن له سابقة غواية وضلال منذ تميز وقبل تحنكه واستنبائه لم يكن له
~~نطق عن الهوى، كيف وقد تحنك ونبىء، وفيه حث لهم على أن يشاهدوا منطقه
~~الحكيم.

### || [53.5]

# { علمه } الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم والمفعول الثاني محذوف
~~أي القرآن أو الوحي، وجوز أبو حيان كون الضمير للقرآن، وأن المفعول الأول
~~محذوف أي علمه الرسول عليه الصلاة والسلام { شديد القوى } هو
~~جبريل عليه السلام كما قال ابن عباس وقتادة والربيع، فإنه الواسطة في
~~إبداء الخوارق وناهيك دليلا على شدة قوته أنه قلع قرى قوم لوط من الماء
~~الأسود الذي تحت الثرى وحملها على جناحه ورفعها إلى السماء ثم قلبها،
~~وصاح بثمود صيحة فأصبحوا جاثمين وكان هبوطه على الأنبياء عليهم السلام
~~وصعوده في أسرع من رجعة الطرف، فهو لعمري أسرع من حركة ضياء الشمس على ما
~~قرروه في الحكمة الجديدة.

### || [53.6]

# { ذو مرة } ذو حصافة واستحاكم في العقل كما قال بعضهم، فكأن الأول
~~وصف بقوة الفعل، وهذا وصف بقوة النظر والعقل لكن قيل: إن ذاك بيان لما
~~وضع له اللفظ فإن العرب تقول لكل قوي العقل والرأي: ذو مرة من أمررت
~~الحبل إذا أحكمت فتله، وإلا فوصف الملك بمثله غير ظاهر فهو كناية عن ظهور
~~الآثار البديعة، وعن سعيد بن المسيب: ذو حكمة لأن كلام الحكماء متين،
~~وروى الطستي أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عنه فقال: ذو شدة في أمر
~~الله عز وجل واستشهد له، وحكى الطيبي عنه أنه قال: ذو منظر حسن واستصوبه
~~الطبري، وفي معناه قول مجاهد: ذو خلق حسن، وهو في قوله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي "

# بمعنى ذي قوة، وفي «الكشف» إن المرة لأنها في الأصل تدل على المرة بعد
~~المرة تدل على زيادة القوة فلا تغفل.

# { فاستوى } أي فاستقام على صورته الحقيقية التي خلقه الله ms10194 تعالى
~~عليها وذلك عند حراء في مبادي النبوة

# " وكان له عليه الصلاة والسلام  كما في حديث أخرجه الإمام أحمد وعبد بن
~~حميد وجماعة عن ابن مسعود  ستمائة جناح كل جناح منها يسد الأفق "

# فالاستواء ههنا بمعنى اعتدال الشيء في ذاته كما قال الراغب، وهو المراد
~~بالاستقامة لا ضد الاعوجاج، ومنه استوى الثمر إذا نضج.

# وفي الكلام على ما قال الخفاجي: طي لأن وصفه عليه السلام بالقوة وبعض
~~صفات البشر يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه في غير هيئته
~~الحقيقية وهذا تفصيل لجواب سؤال مقدر كأنه قيل: فهل رآه على صورته
~~الحقيقية؟ فقيل: نعم رآه فاستوى الخ. وفي «الإرشاد» أنه عطف على {
~~علمه } بطريق التفسير فإنه إلى قوله تعالى:

# ما أوحى

# [النجم: 10] بيان لكيفية التعليم، وتعقب بأن الكيفية غير منحصرة فيما
~~ذكر، ومن هنا قيل: إن الفاء للسببية فإن تشكله عليه السلام بشكله يتسبب
~~عن قوته وقدرته على الخوارق أو عاطفة على { علمه } على معنى علمه
~~على غير صورته الأصلية، ثم استوى على صورته الأصلية وتعقب بأنه لا يتم به
~~التئام الكلام ويحسن به النظام، وقيل: / استوى بمعنى ارتفع والعطف على
~~علم، والمعنى ارتفع إلى السماء بعد أن علمه وأكثر الآثار تقتضي ما
~~تقدم.

### || [53.7]

# أي الجهة العليا من السماء المقابلة للناظر، وأصله الناحية وما ذكره أهل
~~الهيئة معنى اصطلاحي وينقسم عندهم إلى حقيقي وغيره كما فصل في محله.
~~وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس أن المراد به هنا مطلع الشمس وفي معناه قول
~~الحسن: هو أفق المشرق. والجملة في موضع الحال من فاعل

# فاستوى

# [النجم: 6]، وقال الفراء والطبري: إن { هو } عطف على الضمير المستتر في
~~{ فاستوى } وهو عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما أن ذلك عائد
~~لجبريل عليه السلام، وجوز العكس، والجار متعلق باستوى وفيه العطف على
~~الضمير المرفوع من غير فصل، وهو مذهب الكوفيين مع أن المعنى ليس عليه عند
~~الأكثرين.

### || [53.8]

# { ثم دنا } أي ثم قرب جبريل عليه السلام من النبي صلى الله ms10195 عليه
~~وسلم { فتدلى } فتعلق جبريل عليه عليه الصلاة والسلام في الهواء،
~~ومنه تدلت الثمرة ودلى رجليه من السرير، والدوالي الثمر المعلق كعناقيد
~~العنب وأنشدوا لأبي ذؤيب يصف مشتار عسل:

# تدلى عليها بين سب وخيطة

# بجرداء مثل الوكف يكبو غرابها

# ومن أسجاع ابنة الخس  كن حذرا كالقرلى إن رأى خيرا تدلى وإن رأى شرا
~~تولى  فالمراد بالتدلي دنو خاص فلا قلب ولا تأويل بإرادة الدنو كما في
~~«الإيضاح»، نعم إن جعل بمعنى التنزل من علو كما يرشد إليه الاشتقاق كان
~~له وجه.

### || [53.9]

# { فكان } أي جبريل عليه السلام من النبي صلى الله عليه وسلم { قاب
~~قوسين } أي من قسي العرب لأن الإطلاق ينصرف إلى متعارفهم، والقاب
~~وكذا القيب والقاد والقيد والقيس المقدار. وقرأ زيد بن علي (قاد)، وقرىء
~~(قيد) و(قدر)، وقد جاء التقدير بالقوس كالرمح والذراع وغيرهما، ويقال على
~~ما بين مقبض القوس وسيتها، وهي ما عطف من طرفيها فلكل قوس قابان، وفسر به
~~هنا قيل: وفي الكلام عليه قلب أي فكان قابي قوس، وفي «الكشف» لك أن تقول
~~قابا قوس وقاب قوسين واحد دون قلب، وعن مجاهد والحسن أن قاب القوس ما بين
~~وترها ومقبضها ولا حاجة إلى القلب عليه أيضا فإن هذا على ما قال الخفاجي
~~إشارة إلى ما كانت العرب في الجاهلية تفعله إذا تحالفوا فإنهم كانوا
~~يخرجون قوسين ويلصقون إحداهما بالأخرى فيكون القاب ملاصقا للآخر حتى
~~كأنهما ذا قاب واحد ثم ينزعونهما معا ويرمون بهما سهما واحدا فيكون
~~ذلك إشارة إلى أن رضا أحدهم رضا الآخر وسخطه سخطه لا يمكن خلافه، وعن ابن
~~عباس القوس هنا ذراع يقاس به الأطوال وإليه ذهب أبو رزين، وذكر الثعلبي
~~أنه من لغة الحجاز، وأيا ما كان فالمعنى على حذف مضاف أي فكان ذا قاب
~~قوسين ونحوه قوله:

# فأدرك إبقاء لعرادة ظلعها

# وقد جعلتني من (خزيمة أصبعا)

# فإنه على معنى: ذا مقدار أصبع وهو القرب فكأنه قيل فكان قريبا منه،
~~وجوز أن يكون ضمير (كان) للمسافة بتأويلها بالبعد ونحوه فلا حاجة ms10196 إلى
~~اعتبار الحذف وليس بذاك.

# { أو أدنى } أي أو أقرب من ذلك، و { أو } للشك من جهة العباد
~~على معنى إذا رآه الرائي يقول: هو قاب قوسين أو أدنى، والمراد إفادة شدة
~~القرب.

### || [53.10]

# { فأوحى } أي جبريل عليه السلام { إلى عبده } أي عبد الله
~~وهو النبي صلى الله عليه وسلم، والإضمار ولم يجر له تعالى ذكر لكونه في
~~غاية الظهور ومثله كثير في الكلام، ومنه

# ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على
~~ظهرها من دابة

# [فاطر: 45] / وقوله سبحانه:

# إنا أنزلنه فى ليلة القدر

# [القدر: 1].

# { ما أوحى } أي الذي أوحاه والضمير المستتر لجبريل عليه السلام
~~أيضا، وإبهام الموحى به للتفخيم فهذا نظير قوله تعالى:

# فغشيهم من اليم ما غشيهم

# [طه: 78] وقال أبو زيد: الضمير المستتر لله عز وجل أي أوحى جبريل إلى
~~عبد الله ما أوحاه الله إلى جبريل، والأول مروي عن الحسن وهو الأحسن،
~~وقيل: ضمير { أوحى } الأول والثاني لله تعالى، والمراد بالعبد جبريل
~~عليه السلام وهو كما ترى.

### || [53.11]

# { ما كذب الفؤاد } أي فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم { ما
~~رأى } ما رآه ببصره من صورة جبريل عليه السلام أي ما قال فؤاده صلى
~~الله عليه وسلم لما رآه لم أعرفك ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه
~~بقلبه كما رآه ببصره فهو من قولهم كذب إذا قال كذبا فما كذب بمعنى ما
~~قال الكذب، وقيل: أي ما كذب الفؤاد البصر فيما حكاه له من صورة جبريل
~~عليه السلام وما في عالم الملكوت تدرك أولا بالقلب ثم تنتقل منه إلى
~~البصر.

# قرأ أبو رجاء وأبو جعفر وقتادة والجحدري وخالد بن إلياس وهشام عن ابن
~~عامر { ما كذب } مشددا أي صدقه ولم يشك أنه جبريل عليه السلام
~~بصورته.

# وفي الآيات من تحقيق أمر الوحي ما فيها. وفي «الكشف» أنه لما قال
~~سبحانه:

# إن هو إلا وحى

# [النجم: 4] أي من عند الله تعالى { يوحى } ذكر جل وعلا ما يصور هذا
~~المعنى ويفصله ليتأكد أنه وحي وأنه ليس من الشعر ms10197 وحديث الكهان في شيء
~~فقال تعالى: علم صاحبكم هذا الوحي من هو على هذه الصفات، وقوله تعالى: {
~~فاستوى } وحديث قيامه بصورته الحقيقية ليؤكد أن ما يأتيه في صورة
~~دحية هو هو فقد رآه بصورة نفسه وعرفه حق معرفته فلا يشتبه عليه بوجه،
~~وقوله تعالى: { ثم دنا فتدلى } تتميم لحديث نزوله إليه عليه
~~الصلاة والسلام وإتيانه بالمنزل، وقوله سبحانه: { فأوحى } أي جبريل
~~ذلك الوحي الذي مر أنه من عند الله تعالى إلى عبد الله وإنما قال سبحانه:
~~{ مآ أوحى } ولم يأت بالضمير تفخيما لشأن المنزل وأنه شيء يجل عن
~~الوصف فأنى يستجيز أحد من نفسه أن يقول إنه شعر أو حديث كاهن، وإيثار {
~~عبده } بدل إليه أي إلى صاحبكم لإضافة الاختصاص وإيثار الضمير على
~~الاسم العلم في هذا المقام لترشيحه وأنه ليس عبدا إلا له عز وجل فلا لبس
~~لشهرته بأنه عبد الله لا غير، وجاز أن يكون التقدير: فأوحى الله تعالى
~~بسببه أي بسبب هذا المعلم إلى عبده، ففي الفاء دلالة على هذا المعنى وهذا
~~وجه أيضا سديد، ثم قال سبحانه: { ما كذب الفؤاد ما رأى }
~~على معنى أنه لما عرفه وحققه لم يكذبه فؤاده بعد ذلك ولو تصور بغير تلك
~~الصورة إنه جبريل، فهذا نظم سرى مرعى فيه النكت حق الرعاية مطابق للوجود
~~لم يعدل به عن واجب الوفاق بين البداية والنهاية انتهى. وهو كلام نفيس
~~يرجح به ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها وسيأتي ذلك إن شاء الله عز
~~وجل بما له وعليه.

### || [53.12]

# أي أتكذبونه فتجادلونه على ما يراه معاينة فتمارونه عطف على محذوف على
~~ما ذهب إليه الزمخشري من المراء وهو المجادلة واشتقاقه من مرى الناقة إذا
~~مسح ظهرها وضرعها ليخرج لبنها وتدر به فشبه به الجدال لأن كلا من
~~المتجادلين يطلب الوقوف على ما عند الآخر ليلزمه الحجة فكأنه يستخرج
~~دره.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وعبد الله وابن عباس والجحدري ويعقوب وابن
~~سعدان وحمزة والكسائي وخلف { أفتمرونه } بفتح التاء وسكون الميم ms10198
~~مضارع مريت أي جحدت يقال: مريته حقه إذا جحدته، وأنشدوا لذلك قول الشاعر:

# لئن هجرت أخا صدق ومكرمة

# لقد (مريت) أخا ما كان يمريكا

# / أو مضارع مريته إذا غلبته في المراء على أنه من باب المغالبة، ويجوز
~~حمل ما في البيت عليه. وعدي الفعل بعلى وكان حقه أن يعدى بفي لتضمينه
~~معنى المغالبة فإن المجادل والجاحد يقصدان بفعلهما غلبة الخصم. وقرأ عبد
~~الله فيما حكى ابن خالويه والشعبي فيما ذكر شعبة { أفتمرونه } بضم التاء
~~وسكون الميم مضارع أمريت قال أبو حاتم: وهو غلط.

# والمراد بما يرى ما رآه من صورة جبريل عليه السلام، وعبر بالمضارع
~~استحضارا للصورة الماضية لما فيها من الغرابة، وفي «البحر» ((جيء بصيغة
~~المضارع وإن كانت الرؤية قد مضت إشارة إلى ما يمكن حدوثه بعد))، وقيل:
~~المراد: أفتمارونه على ما يرى من الصور التي يظهر بها جبريل عليه السلام
~~بعد ما رآه قبل وحققه بحيث لا يشتبه عليه بأي صورة ظهر فالتعبير بالمضارع
~~على ظاهره.

### || [53.13]

# { ولقد رءاه } أي رأى النبي جبريل صلى الله عليه وسلم في صورته
~~التي خلقه الله تعالى عليها { نزلة أخرى } أي مرة أخرى من النزول
~~وهي فعلة من النزول أقيمت مقام المرة ونصبت نصبها على الظرفية لأن أصل
~~المرة مصدر مر يمر ولشدة اتصال الفعل بالزمان يعبر به عنه ولم يقل مرة
~~بدلها ليفيد أن الرؤية في هذه المرة كانت بنزول ودنو كالرؤية في المرة
~~الأولى الدال عليها ما مر. وقال الحوفي وابن عطية: إن (نزلة) منصوب على
~~المصدرية للحال المقدرة أي نازلا نزلة، وجوز أبو البقاء كونه منصوبا
~~على المصدرية  لرأى  من معناه أي رؤية أخرى وفيه نظر، والمراد من
~~الجملة القسمية نفي الريبة والشك عن المرة الأخيرة وكانت ليلة الإسراء.

### || [53.14]

# هي شجرة نبق عن يمين العرش في السماء السابعة على المشهور، وفي حديث
~~أخرجه أحمد ومسلم والترمذي وغيرهم في السماء السادسة نبقها كقلال هجر
~~وأوراقها مثل آذان الفيلة يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها،
~~وأخرج الحاكم وصححه ms10199 عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما مرفوعا

# " يسير الراكب في الفنن منها مائة سنة "

# والأحاديث ظاهرة في أنها شجرة نبق حقيقة. والنبات في الشاهد يكون
~~ترابيا ومائيا وهوائيا؛ ولا يبعد من الله تعالى أن يخلقه في أي مكان
~~شاء وقد أخبر سبحانه عن شجرة الزقوم أنها تنبت في أصل الجحيم، وقيل:
~~إطلاق السدرة عليها مجاز لأنها تجتمع عندها الملائكة عليهم السلام كما
~~يجتمع الناس في ظل السدرة، و { المنتهى } اسم مكان وجوز كونه مصدرا
~~ميميا، وقيل لها { سدرة المنتهى } لأنها كما أخرج عبد بن حميد
~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس إليها ينتهي علم كل عالم وما وراءها لا يعلمه
~~إلا الله تعالى، أو لأنها ينتهي إليها علم الأنبياء عليهم السلام ويعزب
~~علمهم عما وراءها، أو لأنها تنتهي إليها أعمال الخلائق بأن تعرض على الله
~~تعالى عندها؛ أو لأنها ينتهي إليها ما ينزل من فوقها وما يصعد من تحتها،
~~أو لأنها تنتهي إليها أرواح الشهداء أو أرواح المؤمنين مطلقا، أو
~~لانتهاء من رفع إليها في الكرامة. وفي «الكشاف» كأنها منتهى الجنة
~~وآخرها. وإضافة سدرة إلى المنتهى من إضافة الشيء لمحله كما في أشجار
~~البستان، وجوز أن تكون من إضافة المحل إلى الحال كما في قولك كتاب الفقه،
~~وقيل: يجوز أن يكون المراد بالمنتهى الله عز وجل فالإضافة من إضافة الملك
~~إلى المالك أي سدرة الله الذي إليه المنتهى كما قال سبحانه:

# وأن إلى ربك المنتهى

# [النجم: 42] وعد ذلك من باب الحذف والإيصال ولا يخفى أن هذا القول يكاد
~~يكون المنتهى في البعد.

### || [53.15]

# { عندها } أي عند السدرة، وجوز أن يكون الضمير للنزلة وهو نازل عن
~~رتبة القبول { جنة المأوى } التي يأوي إليها المتقون يوم
~~القيامة كما روي عن الحسن، واستدل به على أن الجنة في السماء، وقال ابن
~~عباس بخلاف عنه وقتادة: / هي جنة تأوي إليها أرواح الشهداء وليست بالتي
~~وعد المتقون، وقيل: هي جنة تأوي إليها الملائكة عليهم السلام والأول
~~أظهر. والمأوى على ما نص عليه ms10200 الجمهور اسم مكان وإضافة الجنة إليه
~~بيانية، وقيل: من إضافة الموصوف إلى الصفة كما في مسجد الجامع، وتعقب بأن
~~اسم المكان لا يوصف به. والجملة حالية، وقيل: الحال هو الظرف، و {
~~جنة } مرتفع به على الفاعلية.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وأبو الدرداء وأبو هريرة وابن الزبير وأنس
~~وزر ومحمد بن كعب وقتادة: { جنه } بها الضمير وهو ضمير النبي صلى الله
~~عليه وسلم، وجن فعل ماض أي عندها ستره إيواء الله تعالى وجميل صنعه به،
~~أو ستره المأوى بظلاله ودخل فيه على أن { المأوى } مصدر ميمي أو اسم
~~مكان، وجنه بمعنى ستره، قال أبو البقاء: شاذ والمستعمل أجنه، ولهذا
~~قالت عائشة رضي الله تعالى عنها وكذا جمع من الصحابة رضوان الله تعالى
~~عليهم أجمعين: من قرأ به فأجنه الله تعالى أي جعله مجنونا أو أدخله
~~الجنن وهو القبر، وأنت تعلم أنه إذا صح أنه قرأ به الأمير كرم الله تعالى
~~وجهه ومن معه من أكابر الصحابة فليس لأحد رده من حيث الشذوذ في
~~الاستعمال، وعائشة قد حكي عنها الإجازة أيضا.

### || [53.16]

# متعلق برآه، وقيل: بما بعد من الجملة المنفية ولا يضر التقدم على { ما
~~} النافية للتوسع في الظرف. والغشيان بمعنى التغطية والستر، ومنه الغواشي
~~أو بمعنى الإتيان يقال فلان يغشى زيدا كل حين أي يأتيه، والأول هو
~~الأليق بالمقام. وفي إبهام { ما يغشى } من التفخيم ما لا يخفى فكأن
~~الغاشي أمر لا يحيط به نطاق البيان ولا تسعه أردان الأذهان. وصيغة
~~المضارع لحكاية الحالة الماضية استحضارا لصورتها البديعة، وجوز أن يكون
~~للإيذان باستمرار الغشيان بطريق التجدد. وورد في بعض الأخبار تعيين هذا
~~الغاشي، فعن الحسن غشيها نور رب العزة جل شأنه فاستنارت، ونحوه ما روي عن
~~أبي هريرة يغشاها نور الخلاق سبحانه، وعن ابن عباس غشيها رب العزة عز
~~وجل وهو من التشابه، وقال ابن مسعود ومجاهد وإبراهيم: يغشاها جراد من
~~ذهب، وروي عن مجاهد أن ذلك تبدل أغصانها لؤلؤا وياقوتا وزبرجدا. وأخرج
~~عبد بن حميد عن سلمة قال: ms10201 استأذنت الملائكة الرب تبارك وتعالى أن ينظروا
~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأذن لهم فغشيت الملائكة السدرة لينظروا
~~إليه عليه الصلاة والسلام، وفي حديث

# " رأيت على كل ورقة من ورقها ملكا "

# قائما يسبح الله تعالى وقيل: يغشاها رفرف من طير خضر، والإبهام على هذا
~~كله على نحو ما تقدم.

### || [53.17]

# { ما زاغ البصر } أي ما مال بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~عما رآه { وما طغى } وما تجاوزه بل أثبته إثباتا صحيحا مستيقنا،
~~وهذا تحقيق للأمر ونفي للريب عنه، أو ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر
~~برؤيتها وما جاوزها إلى ما لم يؤمر برؤيته.

### || [53.18]

# أي والله لقد رأى الآيات الكبرى من آياته تعالى وعجائبه الملكية
~~والملكوتية ليلة المعراج  فالكبرى  صفة موصوف محذوف مفعول لرأى أقيمت
~~مقامه بعد حذفه وقدر مجموعا ليطابق الواقع، وجوز أن تكون { الكبرى
~~} صفة المذكور على معنى: ولقد رأى بعضا من الآيات الكبرى، ورجح الأول
~~بأن المقام يقتضي التعظيم والمبالغة فينبغي أن يصرح بأن المرأي الآيات
~~الكبرى وجوزت الوصفية المذكورة مع كون (من) مزيدة، وأنت تعلم أن زيادة
~~(من) في الإثبات ليس مجمعا على جوازه، وجاء في بعض الأخبار تعيين ما رأى
~~عليه الصلاة والسلام، أخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وجماعة عن ابن
~~مسعود أنه قال في / الآية رأى رفرفا أخضر من الجنة قد سد الأفق. وعن ابن
~~زيد رأى جبريل عليه السلام في الصورة التي هو بها، والذي ينبغي أن لا
~~يحمل ذلك على الحصر كما لا يخفى فقد رأى عليه الصلاة والسلام آيات كبرى
~~ليلة المعراج لا تحصى ولا تكاد تستقصى.

# هذا وفي الآيات أقوال غير ما تقدم، فعن الحسن أن

# شديد القوى

# [النجم: 5] هو الله تعالى، وجمع { القوى } للتعظيم ويفسر { ذو
~~مرة } عليه بذي حكمة ونحوه مما يليق أن يكون وصفا له عز وجل، وجعل
~~أبو حيان الضميرين في قوله تعالى:

# فاستوى * وهو بالأفق الأعلى

# [النجم: 6-7] عليه له سبحانه أيضا. وقال: إن ذلك على معنى العظمة
~~والقدرة والسلطان، ms10202 ولعل الحسن يجعل الضمائر في قوله سبحانه:

# ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى *
~~فأوحى إلى عبده ما أوحى

# [النجم: 810] له عز وجل أيضا، وكذا الضمير المنصوب في قوله تعالى:

# ولقد رءاه نزلة أخرى

# [النجم: 13] فقد كان عليه الرحمة يحلف بالله تعالى لقد رأى محمد صلى
~~الله عليه وسلم ربه وفسر دنوه تعالى من النبي صلى الله عليه وسلم برفع
~~مكانته صلى الله عليه وسلم عنده سبحانه وتدليه جل وعلا بجذبه بشراشره إلى
~~جانب القدس، ويقال لهذا الجذب: الفناء في الله تعالى عند المتأهلين،
~~وأريد بنزوله سبحانه نوع من دنوه المعنوي جل شأنه. ومذهب السلف في مثل
~~ذلك إرجاع علمه إلى الله تعالى بعد نفي التشبيه، وجوز أن تكون الضمائر في

# دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى

# [النجم: 8-9] على ما روي عن الحسن للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد
~~ثم دنا النبي عليه الصلاة والسلام من ربه سبحانه فكان منه عز وجل قاب
~~قوسين أو أدنى والضمائر في { فأوحى } الخ لله تعالى، وقيل: { إلى
~~عبده } ولم يقل إليه للتفخيم، وأمر المتشابه قد علم.

# وذهب غير واحد في وقوله تعالى:

# علمه شديد القوى

# [النجم: 5] إلى قوله سبحانه:

# وهو بالأفق الأعلى

# [النجم: 7] إلى أنه في أمر الوحي وتلقيه من جبريل عليه السلام على ما
~~سمعت فيما تقدم، وفي قوله تعالى: { ثم دنا فتدلى } الخ إلى
~~أنه في أمر العروج إلى الجناب الأقدس ودنوه سبحانه منه صلى الله عليه
~~وسلم ورؤيته عليه السلام إياه جل وعلا فالضمائر في { دنا } ، و {
~~تدلى } وكان و { أوحى } وكذا الضمير المنصوب في { رءاه } لله عز
~~وجل، ويشهد لهذا ما في حديث أنس عند البخاري من طريق شريك بن عبد الله

# " ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى ودنا
~~الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى إليه فيما
~~أوحى خمسين صلاة "

# الحديث، فأنه ظاهر فيما ذكر.

# واستدل بذلك مثبتو الرؤية كحبر الأمة ابن ms10203 عباس رضي الله تعالى عنهما
~~وغيره، وادعت عائشة رضي الله تعالى عنها خلاف ذلك، أخرج مسلم

# " عن مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة ثلاث من تكلم
~~بواحدة منهن فقد أعظم على الله تعالى الفرية قلت ما هن؟ قالت: من زعم أن
~~محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنت متكئا فجلست فقلت:
~~يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله تعالى: { ولقد
~~رءاه بالأفق المبين } [التكوير: 23] { ولقد رءاه
~~نزلة أخرى } [النجم: 13]؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا إنما هو جبريل لم أره على صورته
~~الذي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم
~~خلقه ما بين السماء إلى الأرض "

# الحديث، وفي رواية ابن مردويه من طريق أخرى عن داود بن أبي هند عن
~~الشعبي عن مسروق

# " فقالت: أنا أول من سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا فقلت: يا
~~رسول الله هل رأيت ربك؟ فقال: إنما رأيت جبريل منهبطا "

# ولا يخفى أن جواب رسول الله عليه الصلاة والسلام ظاهر في أن الضمير
~~المنصوب في { رءاه } ليس راجعا إليه تعالى بل إلى جبريل عليه السلام،
~~وشاع أنها تنفي أن يكون صلى الله عليه وسلم رأى ربه سبحانه مطلقا،
~~وتستدل لذلك بقوله تعالى:

# لا تدركه الأبصر وهو يدرك الأبصر

# [الأنعام: 103] وقوله / سبحانه:

# وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من
~~وراء حجاب أو يرسل رسولا

# [الشورى: 51] وهو ظاهر ما ذكره البخاري في «صحيحه» في تفسير هذه السورة،
~~وقال بعضهم: إنها إنما تنفي رؤية تدل عليها الآية التي نحن فيها وهي التي
~~احتج بها مسروق. وحاصل ما روي عنها نفي صحة الاحتجاج بالآية المذكورة على
~~رؤيته عليه الصلاة والسلام ربه سبحانه ببيان أن مرجع الضمير فيها إنما هو
~~جبريل عليه السلام على ما يدل عليه جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~إياها، وحمل قوله صلى الله عليه وسلم ms10204 في جوابها «لا» على أنه نفي للرؤية
~~المخصوصة وهي التي يظن دلالة الآية عليها ويرجع إلى نفي الدلالة ولا يلزم
~~من انتفاء الخاص انتفاء المطلق، والإنصاف أن الأخبار ظاهرة في أنها تنفي
~~الرؤية مطلقا، وتستدل عليه بالآيتين السابقتين، وقد أجاب عنهما مثبتو
~~الرؤية بما هو مذكور في محله.

# والظاهر أن ابن عباس لم يقل بالرؤية إلا عن سماع، وقد أخرج عنه أحمد أنه
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " رأيت ربي "

# ذكره الشيخ محمد الصالحي الشامي تلميذ الحافظ السيوطي في «الآيات
~~البينات» وصححه، وجمع بعضهم بين قولي ابن عباس وعائشة بأن قول عائشة
~~محمول على نفي رؤيته تعالى في نوره الذي هو نوره المنعوت بأنه لا يقوم له
~~بصر، وقول ابن عباس محمول على ثبوت رؤيته تعالى في نوره الذي لا يذهب
~~بالأبصار بقرينة قوله في جواب عكرمة عن قوله تعالى:

# لا تدركه الأبصر

# [الأنعام: 103] ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وبه يظهر الجمع
~~بين حديثي أبي ذر، أخرج مسلم من طريق يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن عبد
~~الله بن شقيق عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت
~~ربك؟ قال:

# " نور أنى أراه "

# ومن طريق هشام وهمام كلاهما عن قتادة

# " عن عبد الله قال: قلت لأبي ذر لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~لسألته فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله هل رأيت ربك؟ فقال أبو
~~ذر: قد سألته فقال: رأيت نورا "

# فيحمل النور في الحديث الأول على النور القاهر للأبصار بجعل التنوين
~~للنوعية أو للتعظيم، والنور في الثاني على ما لا يقوم له البصر والتنوين
~~للنوعية، وإن صحت رواية الأول كما حكاه أبو عبد الله المازري بلفظ
~~«نوراني» بفتح الراء وكسر النون وتشديد الياء لم يكن اختلاف بين
~~الحديثين ويكون نوراني بمعنى المنسوب إلى النور على خلاف القياس ويكون
~~المنسوب إليه هو نوره الذي هو نوره، والمنسوب هو النور المحمول على
~~الحجاب حمل مواطأة ms10205 في حديث السبحات في قوله عليه الصلاة والسلام:

# " حجابه النور "

# وهو النور المانع من الإحراق الذي يقوم له البصر.

# ثم إن القائلين بالرؤية اختلفوا، فمنهم من قال: إنه عليه الصلاة والسلام
~~رأى ربه سبحانه بعينه، وروي ذلك ابن مردويه عن ابن عباس، وهو مروي أيضا
~~عن ابن مسعود وأبي هريرة وأحمد بن حنبل، ومنهم من قال: رآه عز وجل
~~بقلبه، وروي ذلك عن أبي ذر، أخرج النسائي عنه أنه قال:

# " رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه ولم يره ببصره "

# وكذا روي عن محمد بن كعب القرظي بل أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن
~~أبي حاتم عنه أنه قال:

# " قالوا: يا رسول الله رأيت ربك؟ قال: رأيته بفؤادي مرتين ولم أره بعيني
~~ثم قرأ { ما كذب الفؤاد ما رأى } [النجم: 11] "

# وفي حديث عن ابن عباس يرفعه

# " فجعل نور بصري في فؤادي فنظرت إليه بفؤادي "

# وكأن التقدير في الآية على هذا ما كذب الفؤاد فيما رأى، ومنهم من ذهب
~~إلى أن إحدى الرؤيتين كانت بالعين والأخرى الفؤاد وهي رواية عن ابن عباس،
~~أخرج الطبراني وابن مردويه عنه أنه قال: إن محمدا صلى الله عليه وسلم
~~رأى ربه عز وجل مرتين مرة ببصره ومرة بفؤاده؛ ونقل القاضي عياض عن بعض
~~مشايخه أنه توقف أي / في الرؤية بالعين، وقال: إنه ليس عليه دليل واضح
~~قال في «الكشف»: لأن الروايات مصرحة بالرؤية أما أنها بالعين فلا، وعن
~~الإمام أحمد أنه كان يقول: إذا سئل عن الرؤية رآه رآه حتى ينقطع نفسه ولا
~~يزيد على ذلك وكأنه لم يثبت عنده ما ذكرناه.

# واختلف فيما يقتضيه ظاهر النظم الجليل فجزم صاحب «الكشف» بأنه ما عليه
~~الأكثرون من أن الدنو والتدلي مقسم ما بين النبي وجبريل صلاة الله تعالى
~~وسلامه عليهما أي وأن المرئي هو جبريل عليه السلام، وإذا صح خبر جوابه
~~عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله تعالى عنها لم يكن لأحد محيص عن
~~القول به، وقال العلامة الطيبي: الذي يقتضيه النظم إجراء ms10206 الكلام إلى
~~قوله تعالى:

# وهو بالأفق الأعلى

# [النجم: 7] على أمر الوحي وتلقيه من الملك ورفع شبه الخصوم، ومن قوله
~~سبحانه:

# ثم دنا فتدلى

# [النجم: 8] إلى قوله سبحانه: { من ءايت ربه الكبرى }
~~[النجم: 18] على أمر العروج إلى الجناب الأقدس، ثم قال: ولا يخفى على كل
~~ذي لب إباء مقام { فأوحى } الحمل على أن جبريل أوحى إلى عبد الله ما
~~أوحى إذ لا يذوق منه أرباب القلوب إلا معنى المناغاة بين المتسارين وما
~~يضيق عنه بساط الوهم ولا يطيقه نطاق الفهم، وكلمة { ثم } على هذا
~~للتراخي الرتبي والفرق بين الوحيين أن أحدهما وحي بواسطة وتعليم، والآخر
~~بغير واسطة بجهة التكريم فيحصل عنه عنده الترقي من مقام

# وما منا إلا له مقام معلوم

# [الصافات: 164] إلى مخدع

# قاب قوسين أو أدنى

# [النجم: 9].

# وعن جعفر الصادق عليه الرضا أنه قال: لما قرب الحبيب غاية القرب نالته
~~غاية الهيبة فلاطفه الحق سبحانه بغاية اللطف لأنه لا تتحمل غاية الهيبة
~~إلا بغاية اللطف، وذلك قوله تعالى:

# فأوحى إلى عبده ما أوحى

# [النجم: 10] أي كان ما كان وجرى ما جرى قال الحبيب للحبيب ما يقول
~~الحبيب لحبيبه وألطف به إلطاف الحبيب بحبيبه وأسر إليه ما يسر الحبيب إلى
~~حبيبه فأخفيا ولم يطلعا على سرهما أحدا، وإلى نحو هذا يشير ابن الفارض
~~بقوله:

# ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا

# سر أرق من النسيم إذا سرى

# ومعظم الصوفية على هذا فيقولون بدنو الله عز وجل من النبي صلى الله
~~عليه وسلم ودنوه منه سبحانه على الوجه اللائق وكذا يقولون بالرؤية كذلك،
~~وقال بعضهم في قوله تعالى:

# ما زاغ البصر وما طغى

# [النجم: 17] ما زاغ بصر النبي صلى الله عليه وسلم وما التفت إلى الجنة
~~ومزخرفاتها ولا إلى الجحيم وزفراتها بل كان شاخصا إلى الحق وما طغى عن
~~الصراط المستقيم.

# وقال أبو حفص السهروردي: ما زاغ البصر حيث لم يتخلف عن البصيرة ولم
~~يتقاصر وما طغى لم يسبق البصر البصيرة ويتعدى مقامه، وقال سهل بن عبد
~~الله التستري: لم يرجع رسول الله ms10207 عليه الصلاة والسلام إلى شاهد نفسه وإلى
~~مشاهدتها وإنما كان مشاهدا لربه تعالى يشاهد ما يظهر عليه من الصفات
~~التي أوجبت الثبوت في ذلك المحل، وأرجع بعضهم الضمير في قوله تعالى:

# وهو بالأفق الأعلى

# [النجم: 7] إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو منتهى وصول اللطائف،
~~وفسر

# سدرة المنتهى

# [النجم: 14] بما يكون منتهى سير السالكين إليه ولا يمكن لهم مجاوزته إلا
~~بجذبة من جذبات الحق، وقالوا في { قاب قوسين } ما قالوا وأنا أقول
~~برؤيته صلى الله عليه وسلم ربه سبحانه وبدنوه منه سبحانه على الوجه
~~اللائق ذهبت فيما اقتضاه ظاهر النظم الجليل إلى ما قاله صاحب «الكشف» أم
~~ذهبت فيه إلى ما قاله الطيبي فتأمل والله تعالى الموفق.

### || [53.19-20]

# هي أصنام كانت لهم، فاللات كما قال قتادة: لثقيف بالطائف، وأنشدوا:

# وفرت ثقيف إلى (لاتها)

# بمنقلب الخائب الخاسر

# / وقال أبو عبيدة وغيره: كان بالكعبة، وقال ابن زيد: كان بنخلة عند سوق
~~عكاظ يعبده قريش، ورجح ابن عطية قول قتادة، وقال أبو حيان: يمكن الجمع
~~بأن يكون المسمى بذلك أصناما فأخبر عن كل صنم بمكانه. والتاء فيه قيل:
~~أصلية وهي لام الكلمة كالباء في باب، وألفه منقلبة فيما يظهر من ياء لأن
~~مادة (ل ي ت) موجودة فإن وجدت مادة (ل و ت) جاز أن تكون منقلبة من واو،
~~وقيل: تاء العوض، والأصل لوية بزنة فعلة من لوى لأنهم كانوا يلوون عليه
~~ويعتكفون للعبادة، أو يلتوون عليه أي يطوفون فخفف بحذف الياء وأبدلت واوه
~~ألفا، وعوض عن الياء تاءا فصارت كتاء أخت وبنت، ولذا وقف عليها بالتاء.

# وقرأ ابن عباس ومجاهد ومنصور بن المعتمر وأبو صالح وطلحة وأبو الجوزاء
~~ويعقوب وابن كثير في رواية بتشديد التاء على أنه اسم فاعل من لت يلت إذا
~~عجن قيل: كان رجل يلت السويق للحاج على حجر فلما مات عبدوا ذلك الحجر
~~إجلالا له وسموه بذلك، وعن مجاهد أنه كان على صخرة في الطائف يصنع حيسا
~~ويطعم من يمر من الناس فلما مات عبدوه، وأخرج ابن أبي حاتم ms10208 وابن مردويه
~~عن ابن عباس أنه كان يلت السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن
~~فعبدوه، وأخرج الفاكهي عنه أنه لما مات قال لهم عمرو بن حلي: إنه لم يمت
~~ولكنه دخل الصخرة فعبدوها وبنوا عليها بيتا، وأخرج ابن المنذر عن ابن
~~جريج أنه قال: كان رجل من ثقيف يلت السويق بالزيت فلما توفي جعلوا قبره
~~وثنا، وزعم الناس أنه عامر بن الظرب أحد عدوان، وقيل: غير ذلك.

# والعزى لغطفان وهي على المشهور سمرة بنخلة كما قال قتادة وأصلها تأنيث
~~الأعز، وأخرج النسائي وابن مردويه عن أبي الطفيل قال:

# " لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى
~~نخلة وكانت بها العزى فأتاها خالد وكانت ثلاث سمرات فقطع السمرات وهدم
~~البيت الذي كان عليها ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال:
~~ارجع فإنك لم تصنع شيئا فرجع خالد فلما أبصرته السدنة مضوا وهم يقولون
~~يا عزي يا عزي فأتاها فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على
~~رأسها فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فأخبره فقال عليه الصلاة والسلام: تلك العزى "

# وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم بعث إليها خالدا فقطعها فخرجت منها
~~شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها واضعة يدها على رأسها فضربها بالسيف حتى
~~قتلها وهو يقول:

# يا عز كفرانك لا سبحانك

# إني رأيت الله قد أهانك

# ورجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام:

# " تلك العزى ولن تعبد أبدا "

# وقال ابن زيد: كانت العزى بالطائف، وقال أبو عبيدة: كانت بالكعبة، وأيده
~~في «البحر» بقول أبي سفيان في بعض الحروب للمسلمين لنا العزى ولا عزى
~~لكم؛ وذكر فيه أنه صنم وجمع بمثل ما تقدم. ومناة قيل: صخرة كانت لهذيل
~~وخزاعة، وعن ابن عباس لثقيف، وعن قتادة للأنصار بقديد، وقال أبو عبيدة:
~~كانت بالكعبة أيضا، واستظهر أبو حيان أنها ثلاثتها كانت فيها قال: لأن
~~المخاطب في قوله تعالى: ms10209 { أفرءيتم } قريش. وفيه بحث. ومناة مقصورة
~~قيل: وزنها فعلة، وسميت بذلك لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها أي تراق.

# وقرأ ابن كثير على ما في «البحر» مناءة بالمد والهمز كما في قوله:

# ألا هل أتى تيم بن عبد (مناءة)

# على النأى فيما بيننا ابن تميم

# ووزنها مفعلة فالألف منقلبة عن واو كما في مقالة، والهمزة أصل وهي مشتقة
~~من النوء كأنهم كانوا / يستمطرون عندها الأنوار تبركا بها. والظاهر أن
~~(الثالثة الأخرى) صفتان لمناة وهما على ما قيل: للتأكيد فإن كونها ثالثة
~~وأخرى مغايرة لما تقدمها معلوم غير محتاج للبيان، وقال بعض الأجلة:
~~(الثالثة) للتأكيد، و (الأخرى) للذم بأنها متأخرة في الرتبة وضيعة
~~المقدار، وتعقبه أبو حيان بأن آخر ومؤنثه أخرى لم يوضعا لذم ولا لمدح
~~وإنما يدلان على معنى غير، والحق أن ذلك باعتبار المفهوم الأصلي وهي تدل
~~على ذم السابقتين أيضا قال في «الكشف»: هي اسم ذم يدل على وضاعة
~~السابقتين بوجه أيضا لأن { أخرى } تأنيث آخر تستدعي المشاركة مع
~~السابق فإذا أتى بها لقصد التأخر في الرتبة عملا بمفهومها الأصلي إذ لا
~~يمكن العمل بالمفهوم العرفي لأن السابقتين ليستا ثالثة أيضا استدعت
~~المشاركة قضاءا لحق التفضيل، وكأنه قيل: الأخرى في التأخر انتهى وهو
~~حسن.

# وذكر في نكتة ذم مناة بهذا الذم أن الكفرة كانوا يزعمون أنها أعظم
~~الثلاثة فأكذبهم الله تعالى بذلك. وقال الإمام: (الأخرى) صفة ذم كأنه قال
~~سبحانه: ومناة الثالثة الذليلة وذلك لأن اللات كان على صورة آدمي والعزة
~~صورة نبات ومناة صورة صخرة، فالآدمي أشرف من النبات، والنبات أشرف من
~~الجماد فالجماد متأخر ومناة جماد فهي في أخريات المراتب، وأنت تعلم أنه
~~لا يتأتى على كل الأقوال، وقيل: (الأخرى) صفة للعزى لأنها ثانية اللات،
~~والثانية يقال لها الأخرى وأخرت لموافقة رؤوس الآي، وقال الحسن ابن
~~المفضل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير والعزى الأخرى ومناة الثالثة
~~ولعمري إنه ليس بشيء.

# والكلام خطاب لعبدة هذه المذكورات وقد كانوا مع عبادتهم لها يقولون: إن
~~الملائكة عليهم السلام وتلك ms10210 المعبودات الباطلة بنات الله، تعالى الله عن
~~ذلك علوا كبيرا فقيل لهم توبيخا وتبكيتا: { أفرءيتم } الخ
~~والهمزة للإنكار والفاء لتوجيهه إلى ترتيب الرؤية على ما ذكر من شؤون
~~الله تعالى المنافية لها غاية المنافاة وهي علمية عند كثير، ومفعولها
~~الثاني على ما اختاره بعضهم محذوف لدلالة الحال عليه، فالمعنى أعقيب ما
~~سمعتم من آثار كمال عظمة الله عز وجل في ملكه وملكوته وجلاله وجبروته
~~وإحكام قدرته ونفاذ أمره رأيتم هذه الأصنام مع غاية حقارتها بنات الله
~~سبحانه وتعالى.

### || [53.21]

# وقوله تعالى: { ألكم الذكر وله الأنثى } توبيخ مبني على
~~ذلك التوبيخ، ومداره تفضيل جانب أنفسهم على جنابه عز وجل حيث جعلوا له
~~تعالى الإناث واختاروا لأنفسهم الذكور، ومناط الأول نفس تلك النسبة،
~~وقيل: المعنى: أفرأيتم هذه الأصنام مع حقارتها وذلتها شركاء لله سبحانه
~~مع ما تقدم من عظمته، وقيل: المعنى اخبروني عن آلهتكم هل لها شيء من
~~القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة في الآي السابقة، وقيل: المعنى
~~أظننتم أن هذه الأصنام التي تعبدونها تنفعكم؛ وقيل المعنى: أفرأيتم هذه
~~الأصنام إن عبدتموها لا تنفعكم وإن تركتموها لا تضركم، ولا يخفى أن قوله
~~تعالى: { ألكم } الخ لا يلتئم مع ما قبله على جميع هذه الأقوال
~~التئامة على القول السابق، وقيل: إن قوله سبحانه: { ألكم } الخ في
~~موضع المفعول الثاني للرؤية وخلوها عن العائد إلى المفعول الأول لما أن
~~الأصل أخبروني أن اللات والعزى ومناة ألكم الذكر وله هن أي تلك الأصنام
~~فوضع موضعها الأنثى لمراعاة الفواصل وتحقيق مناط التوبيخ وهو على تكلفه
~~يقتضي اقتصار التوبيخ على ترجيح جانبهم الحقير الذليل على جناب الله
~~تعالى العزيز الجليل من غير تعرض للتوبيخ على نسبة الولد إليه سبحانه.

# وفي «الكشف» وجه النظم الجليل أنه بعدما صور أمر الوحي تصويرا تاما
~~وحققه بأن ما يستمعه وحي لا شبهة فيه لأنه رأى الآتي به وعرفه حق المعرفة
~~قال سبحانه:

# أفتمرونه على ما يرى

# [النجم: 12] على معنى أتلاحونه بعد هذه البيانات على ما يرى من الآيات
~~المحقق ms10211 لأنه على بينة من ربه سبحانه هاديا مهديا، وأنى يبقى للمراء
~~مجال وقد رآه نزلة أخرى / وعرفه حق المعرفة، ثم قيل:

# لقد رأى من ءايت

# [النجم: 18] الخ تنبيها على أن ما عد منها فهو أيضا نفي للضلالة
~~والغواية وتحقيق للدراية والهداية. وقوله تعالى:

# أفرءيتم

# [النجم: 19] عطف على { تمرونه } وإدخال الهمزة لزيادة الإنكار
~~والفاء لأن القول بأمثاله مسبب عن الطبع والعناد وعدم الإصغاء لداعي
~~الحق، والمعنى أبعد هذا البيان تستمرون على ما أنتم عليه من المراء فترون
~~اللات والعزى ومناة أولادا له تعالى ثم أخسها. وسد مسد المفعول الثاني
~~قوله تعالى: { ألكم } الخ زيادة للإنكار فعلى هذا ليس {
~~أفرءيتم } في معنى الاستخبار وجاز أن يكون في معناه على معنى:
~~أفتمارونه فأخبروني هل لكم الذكر وله الأنثى؟ والقول مقدر أي فقل لهم
~~أخبروني والمعنى هو كذا تهكما وتنبيها على أنه نتيجة مرائهم وأن من كان
~~هذا معتقده فهو على الضلال الذي لا ضلال بعده ولا يبعد عن أمثاله نسبة
~~الهادين المهديين إلى ما هو فيه من النقص انتهى، وما ذكره أولا أولى وهو
~~ليس بالبعيد عما ذكرنا.

### || [53.22]

# { تلك } إشارة إلى القسمة المنفهمة من الجملة الاستفهامية { إذا
~~قسمة ضيزى } أي جائرة حيث جعلتم له سبحانه ما تستنكفون منه وبذلك
~~فسر ضيزى ابن عباس وقتادة، وفي معناه قول سفيان منقوصة، وابن زيد مخالفة،
~~ومجاهد ومقاتل عوجاء، والحسن غير معتدلة. والظاهر أنه صفة. واختلف في
~~يائه فقيل: منقلبة عن واو، وقيل: أصلية، ووزنه فعلى بضم الفاء كحبلى
~~وأنثى، ثم كسرت لتسلم الياء كما فعل ذلك في بيض جمع أبيض فإن وزنه فعل
~~بضم الفاء كحمر ثم كسرت الفاء لما ذكر ومثله شائع، ولم يجعل وزنه فعلى
~~بالكسر ابتداءا لما ذهب إليه سيبويه من أن فعلى بالكسر لم يجىء عن
~~العرب في الصفات وجعله بعضهم كذلك متمسكا بورود ذلك. فقد حكى ثعلب مشية
~~حيكى، ورجل كيصى، وغيره امرأة عزهى وامرأة سعلى، ورد بأنه من النوادر
~~والحمل على الكثير المطرد في بابه أولى، وأيضا يمكن أن ms10212 يقال في حيكى
~~وكيصى ما قيل في ضيزى؛ ويمنع ورود عزهى وسعلى فإن المعروف عزهاة وسعلاة،
~~وجوز أن يكون ضيزى فعلى بالكسر ابتداءا على أنه مصدر كذكرى ووصف به
~~مبالغة، ومجىء هذا الوصف في المصادر كما ذكر، والأسماء الجامدة كدفلى
~~وشعرى، والجموع كحجلى كثير.

# وقرأ ابن كثير (ضئزى) بالهمز على أنه مصدر وصف به، وجوز أن يكون وصفا
~~وهو مضموم عومل معاملة المعتل لأنه يؤول إليه. وقرأ ابن زيد (ضيزى) بفتح
~~الضاد وبالياء على أنه كدعوى أو كسكرى، ويقال ضؤزى بالواو والهمز وضم
~~الفاء؛ وقد حكى الكسائي ضأز يضأز ضأزا بالهمز وأنشد الأخفش:

# فإن تنأ عنها ننتقصك وإن تغب

# فسهمك (مضؤز) وأنفك راغم

# والأكثر ضاز بلا همز كما في قول امرىء القيس:

# (ضازت) بنو أسد بحكمهم

# إذ يجعلون الرأس كالذنب

# وأنشده ابن عباس على تفسيره السابق.

### || [53.23]

# { إن هى } الضمير للأصنام أي ما الأصنام باعتبار الألوهية التي
~~تدعونها { إلا أسماء } محضة ليس فيها شيء ما أصلا من معنى
~~الألوهية؛ وقوله تعالى: { سميتموها } صفة للأسماء وضميرها لها لا
~~للأصنام، والمعنى جعلتموها أسماء فإن التسمية نسبة بين الاسم والمسمى
~~فإذا قيست إلى الاسم فمعناها جعله اسما للمسمى وإن قيست إلى المسمى
~~فمعناها جعله مسمى للاسم وإنما اختير ههنا / المعنى الأول من غير تعرض
~~للمسمى لتحقيق أن تلك الأصنام التي يسمونها آلهة أسماء مجردة ليس لها
~~مسميات قطعا كما في قوله سبحانه:

# ما تعبدون من دونه إلا أسماء

# [يوسف: 40] الآية لا أن هناك مسميات لكنها لا تستحق التسمية، وقيل: هي
~~للأسماء الثلاثة المذكورة حيث كانوا يطلقونها على تلك الأصنام لاعتقادهم
~~أنها تستحق العكوف على عبادتها والإعزاز والتقرب إليها بالقرابين. وتعقب
~~بأنه لو سلم دلالة الأسماء المذكورة على ثبوت تلك المعاني الخاصة للأصنام
~~فليس في سلبها عنها مزيد فائدة بل إنما هي في سلب الألوهية عنها كما هو
~~زعمهم المشهور في حق جميع الأصنام على وجه برهاني فإن انتفاء الوصف بطريق
~~الأولوية أي ما هي شيء من الأشياء إلا أسماء خالية عن المسميات وضعتموها ms10213
~~{ أنتم وءاباؤكم } بمقتضى الأهواء الباطلة { ما أنزل
~~الله بها من سلطن } برهان يتعلقون به.

# { إن يتبعون } أي ما يتبعون فيما ذكر من التسمية والعمل بها {
~~إلا الظن } إلا توهم أن ما هم عليه حق توهما باطلا، فالظن هنا
~~مراد به التوهم وشاع استعماله فيه، ويفهم من كلام الراغب أن التوهم من
~~أفراد الظن { وما تهوى الأنفس } أي والذي تشتهيه أنفسهم الأمارة
~~بالسوء على أن { ما } موصولة وعائدها مقدر  وأل  في الأنفس للعهد، أو
~~عوض عن المضاف إليه، وجوز كون { ما } مصدرية وكذا جوز كون  أل  للجنس
~~والنفس من حيث هي إنما تهوى غير الأفضل لأنها مجبولة على حب الملاذ وإنما
~~يسوقها إلى حسن العاقبة العقل. والالتفات في { يتبعون } إلى الغيبة
~~للإيذان بأن تعداد قبائحهم اقتضى الإعراض عنهم، وحكاية جناياتهم لغيرهم.

# وقرأ ابن عباس وابن مسعود وابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى بن عمر 
~~تتبعون  بتاء الخطاب.

# { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } حال من ضمير {
~~يتبعون } مقررة لبطلان ما هم عليه من اتباع الظن والهوى. والمراد
~~بالهدى الرسول صلى الله عليه وسلم أو القرآن العظيم على أنه بمعنى الهادي
~~أو جعله هدى مبالغة أي ما يتبعون إلا ذلك، والحال لقد جاءهم من ربهم جل
~~شأنه ما ينبغي لهم معه تركه واتباع سبيل الحق. وحاصله: يتبعون ذلك في حال
~~ينافيه، وجوز أن تكون الجملة معترضة وهي أيضا مؤكدة لبطلان ذلك.

### || [53.24]

# { أم } منقطعة مقدرة ببل وهي للانتقال من بيان أن ما هم عليه غير
~~مستند إلا إلى توهمهم وهوى أنفسهم إلى بيان أن ذلك مما لا يجدي نفعا
~~أصلا. والهمزة وهي للإنكار والنفي أي بل ليس للإنسان كل ما يتمناه
~~وتشتهيه نفسه، ومفاده قيل: رفع الإيجاب الكلي ومرجعه إلى سالبة جزئية،
~~وإليه يشير قول بعضهم: المراد نفي أن يكون للكفرة ما كانوا يطمعون فيه من
~~شفاعة الآلهة والظفر بالحسنى عند الله تعالى يوم القيامة وما كانوا
~~يشتهونه من نزول القرآن على رجل من إحدى القريتين عظيم ونحو ذلك، ويفهم
~~من كلام بعض المحققين ms10214 أن المراد السلب الكلي، والمعنى لا شيء مما يتمناه
~~الإنسان مملوكا له مختصا به يتصرف فيه حسب إرادته ويتضمن ذلك نفي أن
~~يكون للكفرة ما ذكر وليس الإنسان خاصا بهم كما قيل. وقوله تعالى:

### || [53.25]

# تعليل لانتفاء ذلك فإن اختصاص ملك أمور الآخرة والأولى جميعا به تعالى
~~مقتض لانتفاء أن يكون للإنسان أمر من الأمور بل ما شاء الله تعالى له كان
~~وما لم يشأ لم يكن. وقدمت الآخرة اهتماما برد ما هو أهم أطماعهم عندهم
~~من الفوز فيها، ولذا أردف ذلك بقوله تعالى: { وكم من ملك فى
~~السموت لا تغنى شفعتهم شيئا }.

### || [53.26]

# / { وكم من ملك فى السموت لا تغنى شفعتهم
~~شيئا } وإقناطهم عما طمعوا به من شفاعة الملائكة عليهم السلام موجب
~~لإقناطهم عن شفاعة الأصنام بطريق الأولوية { وكم } خبرية مفيدة
~~للتكثير محلها الرفع على الابتداء، والخير الجملة المنفية، وجمع الضمير
~~في (شفاعتهم) مع إفراد الملك باعتبار المعنى أي وكثير من الملائكة لا
~~تغني شفاعتهم عند الله تعالى شيئا من الإغناء في وقت من الأوقات.

# { إلا من بعد أن يأذن الله } لهم في الشفاعة { لمن
~~يشاء } أن يشفعوا له { ويرضى } ويراه سبحانه أهلا للشفاعة من أهل
~~التوحيد والإيمان، وأما من عداهم من أهل الكفر والطغيان فهم من إذن الله
~~تعالى بمعزل وعنه بألف ألف منزل، وجوز أن يكون المراد إلا من بعد أن يأذن
~~الله لمن يشاء من الملائكة بالشفاعة ويراه عز وجل أهلا لها، وأيا ما
~~كان فالمعنى على أنه إذا كان حال الملائكة في باب الشفاعة كما ذكر فما
~~ظنهم بحال الأصنام، والكلام قيل من باب:

# على لاحب لا يهتدى بمناره

# فحاصله لا شفاعة لهم ولا غناء بدون أن يأذن الله سبحانه الخ، وقيل: هو
~~وارد على سبيل الفرض فلا يخالف قوله تعالى:

# من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه

# [البقرة: 255].

# وقرأ زيد بن علي (شفاعته) بإفراد الشفاعة والضمير، وابن مقسم (شفاعاتهم)
~~بجمعهما وهو اختيار صاحب «الكامل» أبي القاسم الهذلي، وأفردت الشفاعة في
~~قراءة الجمهور قال أبو ms10215 حيان: لأنها مصدر ولأنهم لو شفع جميعهم لواحد لم
~~تغن شفاعتهم عنه شيئا.

### || [53.27]

# { إن الذين لا يؤمنون بالأخرة } وبما فيها من العقاب
~~على ما يتعاطونه من الكفر والمعاصي { ليسمون الملئكة }
~~المنزهين عن سمات النقصان على الإطلاق { تسمية الأنثى } فإنهم
~~كانوا يقولون الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى عما يقولون، والملائكة في
~~معنى استغراق المفرد فيكون التقدير ليسمون كل واحد من الملائكة تسمية
~~الأنثى أي يسمونه بنتا، لأنهم إذا قالوا ذلك فقد جعلوا كل واحد منهم
~~بنتا، فالكلام على وزان كسانا الأمير حلة أي كسا كل واحد منا حلة.
~~والإفراد لعدم اللبس، ولذا لم يقل تسمية الإناث فلا حاجة إلى تأويل
~~الأنثى بالإناث ولا إلى كون المراد الطائفة الأنثى، وما ذكر أولا قيل:
~~مبني على أن تسمية الأنثى في النظم الجليل ليس نصبا على التشبيه وإلا
~~فلا حاجة إليه أيضا. وفي تعليق التسمية بعدم الإيمان بالآخرة إشعار
~~بأنها في الشناعة والفظاعة واستتباع العقوبة في الآخرة بحيث لا يجترىء
~~عليها إلا من لا يؤمن بها رأسا.

### || [53.28]

# وقوله تعالى: { وما لهم به من علم } حال من فاعل

# ليسمون

# [النجم: 27] وضمير { به } للمذكور من التسمية وبهذا الاعتبار ذكر، أو
~~باعتبار القول أي يسمونهم إناثا، والحال أنهم لا علم لهم بما يقولون
~~أصلا. وقرأ أبي (بها) أي بالتسمية أو بالملائكة { إن يتبعون }
~~أي ما يتبعون في ذلك { إلا الظن } أي التوهم الباطل { وإن
~~الظن } أي جنس الظن كما يلوح به الإظهار في موقع الإضمار، وقيل:
~~الإظهار ليستقل الكلام استقلال المثل { لا يغنى من الحق شيئا
~~} من الإغناء فإن الحق الذي هو عبارة عن حقيقة الشيء وما هو عليه إنما
~~يدرك إدراكا معتدا به إذا كان عن يقين لا عن ظن وتوهم فلا يعتد بالظن
~~في شأن المعارف الحقيقية أعني المطالب الاعتقادية التي يلزم فيها الجزم
~~ولو لم يكن عن دليل، وإنما يعتد به في العمليات وما يؤدي إليها. وفسر
~~بعضهم الحق بالله عز وجل لقوله سبحانه:

# ذلك بأن الله هو الحق

# [الحج: 6].

# واستدل بالآية ms10216 من لم يعتبر / التقليد في الاعتقاديات  وفيه بحث 
~~والظاهرية على إبطاله مطلقا وإبطال القياس، ورده على أتم وجه في
~~الأصول. وما أخرج ابن أبي حاتم عن أيوب قال: قال عمر بن الخطاب: احذروا
~~هذا الرأي على الدين فإنما كان الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~مصيبا لأن الله تعالى كان يريه وإنما هو منا تكلف وظن { وإن
~~الظن لا يغنى من الحق شيئا } هو أحد أدلتهم على إبطال
~~القياس أيضا، وقد حكى الآمدي في «الأحكام» نحوه عن ابن عمر رضي الله
~~تعالى عنهما فقال: قال ابن عمر: اتهموا الرأي عن الدين فإن الرأي منا
~~تكلف وظن { وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا } وأجاب
~~عنه بأن غايته الدلالة على احتمال الخطأ فيه وليس فيه ما يدل على إبطاله،
~~وأن المراد بقوله: { إن الظن } الخ استعمال الظن في مواضع اليقين
~~وليس المراد به إبطال الظن بدليل صحة العمل بظواهر الكتاب والسنة، ويقال
~~نحو هذا في كلام عمر رضي الله تعالى عنه، وقد ذكر جملة من الآثار استدل
~~بها المبطل على ما زعمه وردها كلها فمن أراد ذلك فليراجعه.

### || [53.29]

# { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا } أي عنهم. ووضع الموصول
~~موضع ضميرهم للتوسل به إلى وصفهم بما في حيز صلته من الأوصاف القبيحة،
~~وتعليل الحكم بها أي فأعرض عمن أعرض عن ذكرنا المفيد للعلم الحق وهو
~~القرآن العظيم، المنطوي على بيان الاعتقادات الحقة، المشتمل على علوم
~~الأولين والآخرين، المذكر للآخرة وما فيها من الأمور المرغوب فيها
~~والمرهوب عنها، والمراد بالإعراض عنه ترك الأخذ بما فيه وعدم الاعتناء
~~به، وقيل: المراد بالذكر الرسول صلى الله عليه وسلم وبالإعراض عنه ترك
~~الأخذ بما جاء به، وقيل: المراد به الإيمان، وقيل: هو على ظاهره والإعراض
~~عنه كناية عن الغفلة عنه عز وجل.

# { ولم يرد إلا الحيوة الدنيا } راضيا بها قاصرا
~~نظره عليها جاهدا فيما يصلحها كالنضر بن الحرث والوليد بن المغيرة،
~~والمراد من الأمر المذكور النهي عن المبالغة في الحرص على هداهم كأنه ms10217
~~قيل: لا تبالغ في الحرص على هدي من تولى عن ذكرنا وانهمك في الدنيا بحيث
~~كانت منتهى همته وقصارى سعيه.

### || [53.30]

# قوله تعالى: { ذلك } أي أمر الحياة الدنيا المفهوم من الكلام ولذا
~~ذكر اسم الإشارة، وقيل: أي ما أداهم إلى ما هم فيه من التولي وقصر
~~الإرادة على الحياة الدنيا، وقيل: { ذلك } إشارة إلى الظن الذي
~~يتبعونه، وقيل: إلى جعلهم الملائكة بنات الله سبحانه وكلا القولين كما
~~ترى { مبلغهم من العلم } أي منتهى علمهم لا علم لهم فوقه،
~~اعتراض مقرر لمضمون ما قبلها من قصر الإرادة على الحياة الدنيا. والمراد
~~بالعلم مطلق الإدراك المنتظم للظن الفاسد، وضمير { مبلغهم }  لمن
~~ وجمع باعتبار معناه كما أن إفراده قبل باعتبار لفظه.

# وقوله سبحانه: { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله
~~وهو أعلم بمن اهتدى } تعليل للأمر بالإعراض. وتكرير قوله
~~تعالى: { هو أعلم } لزيادة التقرير والإيذان بكمال تباين
~~المعلومين، والمراد بمن ضل من أصر على الضلال ولم يرجع إلى الهدى أصلا،
~~وبمن اهتدى من شأنه الاهتداء في الجملة، أي هو جل شأنه المبالغ في العلم
~~بمن لا يرعوي عن الضلال أبدا، وبمن يقبل الاهتداء في الجملة لا غيره
~~سبحانه فلا تتعب نفسك في دعوتهم ولا تبالغ في الحرص عليها فإنهم من
~~القبيل الأول.

### || [53.31-32]

# وقوله تعالى: { ولله ما فى السموت وما في الأرض } أي
~~له ذلك على الوجه الأتم أي خلقا وملكا لا لغيره عز وجل أصلا لا
~~استقلالا ولا اشتراكا، ويشعر بفعل يتعلق به / قوله تعالى: { ليجزي
~~الذين أساءوا بما عملوا } أي خلق ما فيهما ليجزي الضالين
~~بعقاب ما عملوا من الضلال الذي عبر عنه بالإساءة بيانا لحاله؛ أو بمثل
~~ما عملوا، أو بسبب ما عملوا على أن الباء صلة الجزاء بتقدير مضاف أو
~~للسببية بلا تقدير.

# { ويجزى الذين أحسنوا } أي اهتدوا { بالحسنى } أي
~~بالمثوبة الحسنى التي هي الجنة، أو بأحسن من أعمالهم أو بسبب الأعمال
~~الحسنى تكميل لما قبل لأنه سبحانه لما أمره عليه الصلاة والسلام بالإعراض
~~نفى توهم أن ذلك ms10218 لأنهم يتركون سدى.

# وفي العدول عن ضمير ربك إلى الاسم الجامع ما ينبىء عن زيادة القدرة وأن
~~الكلام مسوق لوعيد المعرضين وأن تسوية هذا الملك العظيم لهذه الحكمة فلا
~~بد من ضال ومهتد، ومن أن يلقى كل ما يستحقه، وفيه أنه صلى الله عليه
~~وسلم يلقى الحسنى جزاءا لتبليغه وهم يلقون السوأى جزاءا لتكذيبهم. وكرر
~~فعل الجزاء لإبراز كمال الاعتناء به والتنبيه على تباين الجزاءين.

# وجوز أن يكون معنى

# فأعرض

# [النجم: 29] الخ لا تقابلهم بصنيعهم وكلهم إلى ربك إنه أعلم بك وبهم
~~فيجزي كلا ما يستحقه، ولا يخفى ما في العدول عن الضميرين في { بمن
~~ضل }

# بمن اهتدى

# [النجم: 30] وجعل قوله تعالى: { ليجزى } على هذا متعلقا بما يدل
~~عليه قوله تعالى: { إن ربك هو أعلم } الخ أي ميز الضال عن
~~المهتدي وحفظ أحوالهم ليجزي الخ، وقوله سبحانه: { ولله ملك
~~السموات } جملة معترضة تؤكد حديث أنهم يجزون البتة ولا يهملون
~~كأنه قيل: هو سبحانه أعلم بهم وهم تحت ملكه وقدرته، وجوز على ذلك المعنى
~~أن يتعلق { ليجزى } بقوله تعالى: { ولله ما فى السموات
~~} كما تقدم على تأكيد أمر الوعيد، أي هو أعلم بهم وإنما سوى هذا الملك
~~للجزاء، ورجح بعضهم ذلك المعنى بالوجهين المذكورين على ما مر. وجوز في
~~جملة { لله ما فى السموات } كونها حالا من فاعل { أعلم
~~} سواء كان بمعنى عالم أو لا، وفي { ليجزى } تعلقه بضل واهتدى على
~~أن اللام للعاقبة أي هو تعالى أعلم بمن ضل ليؤول أمره إلى أن يجزيه الله
~~تعالى بعمله، وبمن اهتدى ليؤول أمره إلى أن يجزيه بالحسنى، ولا يخفى
~~بعده، وأبعد منه بمراحل تعلقه بقوله سبحانه:

# لا تغنى شفعتهم

# [النجم: 26] كما ذكره مكي.

# وقرأ زيد بن علي  (لنجزي)  (ونجزي) بالنون فيهما.

# { الذين يجتنبون كبئر الإثم } بدل من الموصول الثاني.

# وصيغة الاستقبال في صلته للدلالة على تجدد الاجتناب واستمراره أو بيان
~~أو نعت أو منصوب على المدح أو مرفوع على أنه خبر محذوف. و { الإثم }
~~الفعل المبطىء عن الثواب وهو الذنب، وكبائره ما ms10219 يكبر عقابه، وقرأ حمزة
~~والكسائي وخلف (كبير الإثم) على إرادة الجنس أو الشرك { والفوحش }
~~ما عظم قبحه من الكبائر فعطفه على ما تقدم من عطف الخاص على العام، وقيل:
~~الفواحش والكبائر مترادفان { إلا اللمم } ما صغر من الذنوب وأصله
~~ما قل قدره، ومنه لمة الشعر لأنها دون الوفرة، وفسره أبو سعيد الخدري
~~بالنظرة والغمزة والقبلة وهو من باب التمثيل، وقيل: معناه الدنو من الشيء
~~دون ارتكاب له من ألممت بكذا أي نزلت به وقاربته من غير مواقعة وعليه قول
~~الرماني هو الهم بالذنب وحديث النفس دون أن يواقع، وقول ابن المسيب: ما
~~خطر على القلب، وعن ابن عباس وابن زيد هو ما ألموا به من الشرك والمعاصي
~~في الجاهلية قبل الإسلام. والآية نزلت لقول الكفار للمسلمين قد كنتم
~~بالأمس تعملون أعمالنا فهي مثل قوله تعالى:

# وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف

# [النساء: 23] على ما في «البحر»، وقيل: هو مطلق الذنب. / وفي رواية عن
~~ابن عباس أنه ما يلم به المرء في الحين من الذنوب ثم يتوب، والمعظم على
~~تفسيره بالصغائر.

# والاستثناء منقطع، وقيل: إنه لا استثناء فيه أصلا، و { إلا } صفة
~~بمعنى غير إما لجعل المضاف إلى المعرف باللام الجنسية أعني { كبئر
~~الإثم } في حكم النكرة، أو لأن غير وإلا التي بمعناها قد يتعرفان
~~بالإضافة كما في

# غير المغضوب

# [الفاتحة: 7] وتعقبه بعضهم بأن شرط جواز وقوع إلا صفة كونها تابعة لجمع
~~منكر غير محصور ولم يوجد هنا، ورد بأن هذا ما ذهب إليه ابن الحاجب،
~~وسيبويه يرى جواز وقوعها صفة مع جواز الاستثناء فهو لا يشترط ذلك، وتبعه
~~أكثر المتأخرين، نعم كونها هنا صفة خلاف الظاهر ولا داعي إلى ارتكابه.

# والآية عند الأكثرين دليل على أن المعاصي منها كبائر ومنها صغائر، وأنكر
~~جماعة من الأئمة هذا الانقسام وقالوا: سائر المعاصي كبائر، منهم الأستاذ
~~أبو إسحاق الإسفرايني، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين في
~~«الإرشاد»، وتقي الدين السبكي وابن القشيري في «المرشد» بل حكاه ابن فورك
~~عن الأشاعرة، واختاره ms10220 في «تفسيره» فقال: معاصي الله تعالى كلها عندنا
~~كبائر وإنما يقال لبعضها صغيرة وكبيرة بالإضافة، وحكى الانقسام عند
~~المعتزلة، وقال: إنه ليس بصحيح، وقال القاضي عبد الوهاب: لا يمكن أن يقال
~~في معصية إنها صغيرة إلا على معنى أنها تصغر باجتناب الكبائر ويوافق ذلك
~~ما رواه الطبراني عن ابن عباس لكنه منقطع أنه ذكر عنده الكبائر فقال: كل
~~ما نهى الله تعالى عنه فهو كبيرة، وفي رواية كل شيء عصي الله تعالى فيه
~~فهو كبيرة، والجمهور على الانقسام قيل: ولا خلاف في المعنى، وإنما الخلاف
~~في التسمية، والإطلاق لإجماع الكل على أن من المعاصي ما يقدح في العدالة
~~ومنها ما لا يقدح فيها وإنما الأولون فروا من التسمية فكرهوا تسمية معصية
~~الله تعالى صغيرة نظرا إلى عظمة الله عز وجل وشدة عقابه سبحانه وإجلالا
~~له جل شأنه عن تسمية معصيته صغيرة لأنها بالنظر إلى باهر عظمته كبيرة
~~وأي كبيرة، ولم ينظر الجمهور إلى ذلك لأنه معلوم؛ وقسموها إلى ما ذكر
~~لظواهر الآيات والأحاديث ولذلك قال الغزالي: لا يليق إنكار الفرق بين
~~الكبائر والصغائر وقد عرفنا من مدارك الشرع.

# ثم القائلون بالفرق اختلفوا في حد الكبيرة فقيل: هي ما لحق صاحبها عليها
~~بخصوصها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة وهي عبارة كثير من الفقهاء، وقيل: كل
~~معصية أوجبت الحد  وبه قال البغوي وغيره، والأول أوفق لما ذكروه في
~~تفصيل الكبائر إذ عدوا الغيبة والنميمة والعقوق وغير ذلك منها ولا حد
~~فيه فهو أصح من الثاني وإن قال الرافعي: إنهم إلى ترجيحه أميل، وقد يقال:
~~يرد على الأول أيضا أنهم عدوا من الكبائر ما لم يرد فيه بخصوصه وعيد
~~شديد. وقيل: هي كل ما نص الكتاب على تحريمه أو وجب في جنسه حد، وترك
~~فريضة تجب فورا والكذب في الشهادة والرواية واليمين، زاد الهروي وشريح
~~وكل قول خالف الإجماع العام، وقيل: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها
~~بالدين ورقة الديانة وهو المحكي عن إمام الحرمين، ورجحه جمع لما فيه من
~~حسن الضبط، ms10221 وتعقب بأنه بظاهره يتناول صغيرة الخسة، والإمام  كما قال
~~الأذرعي  إنما ضبط به ما يبطل العدالة من المعاصي الشاملة لذلك لا
~~الكبيرة فقط، نعم هو أشمل من التعريفين الأولين، وقيل: هي ما أوجب الحد
~~أو توجه إليه الوعيد ذكره الماوردي في «فتاويه»، وقيل: كل محرم لعينه
~~منهي عنه لمعنى في نفسه فإن فعله على وجه يجمع وجهين أو وجوها من
~~التحريم كان فاحشة، فالزنا كبيرة وبحليلة الجار فاحشة والصغيرة تعاطي ما
~~تنقص رتبته عن رتبته المنصوص عليه أو تعاطيه على وجه دون المنصوص عليه
~~فإن تعاطاه على وجه يجمع وجهين أو أكثر من التحريم / كان كبيرة، فالقبلة
~~واللمس والمفاخذة صغيرة، ومع حليلة الجار كبيرة كذا نقله ابن الرفعة
~~وغيره عن القاضي حسين عن الحليمي، وقيل: هي كل فعل نص الكتاب على تحريمه
~~أي بلفظ التحريم وهو أربعة أشياء، أكل الميتة، ولحم الخنزير، ومال
~~اليتيم، والفرار من الزحف ورد بمنع الحصر، وقيل: إنها كل ذنب قرن به
~~حد أو وعيد أو لعن بنص كتاب أو سنة أو علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به
~~ذلك أو أكثر أو أشعر بتهاون مرتكبه في دينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص
~~عليها بذلك كما لو قتل من يعتقده معصوما فظهر أنه مستحق لدمه أو وطىء
~~امرأة ظانا أنه زان بها فإذا هي زوجته أو أمته، وإليه ذهب شيخ الإسلام
~~البارزي وقال: هو التحقيق؛ وقيل: غير ذلك.

# واعتمد الواحدي أنها لا حد لها يحصرها فقال: الصحيح أن الكبيرة ليس لها
~~حد يعرفها العباد به وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها ولكن الله
~~تعالى أخفى ذلك عنهم ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه رجاء أن تجتنب
~~الكبائر، ونظير ذلك إخفاء الاسم الأعظم والصلاة الوسطى وليلة القدر وساعة
~~الإجابة، وقال العلامة ابن حجر الهيتمي: كل ما ذكر من الحدود إنما قصد به
~~التقريب فقط وإلا فهي ليست بحدود جامعة، وكيف يمكن ضبط ما لا مطمع في
~~ضبطه؟

# وذهب جمع إلى تعريفها بالعد، فعن ابن عباس أنها ما ذكره الله تعالى ms10222 في
~~أول سورة النساء إلى قوله سبحانه:

# إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه

# [النساء: 31]. وقيل: هي سبع وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه وعطاء
~~وعبيد بن عمير، واستدل له بما في «الصحيحين»

# " اجتنبوا السبع الموبقات: الإشراك بالله تعالى والسحر وقتل النفس التي
~~حرم الله تعالى إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف
~~وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات "

# وقيل: خمس عشرة، وقيل: أربع عشرة، وقيل: أربع، وعن ابن مسعود ثلاث، وفي
~~رواية أخرى عشرة، وقال شيخ الإسلام العلائي: المنصوص عليه في الأحاديث
~~أنه كبيرة خمس وعشرون، وتعقبه ابن حجر بزيادة على ذلك، وقال أبو طالب
~~المكي: هي سبع عشرة أربع في القلب: الشرك والإصرار على المعصية والقنوط
~~والأمن من المكر، وأربع في اللسان: القذف وشهادة الزور والسحر، وهو كل
~~كلام يغير الإنسان أو شيئا من أعضائه، واليمين الغموس وهي التي تبطل بها
~~حقا أو تثبت بها باطلا، وثلاث في البطن: أكل مال اليتيم ظلما وأكل
~~الربا وشرب كل مسكر، واثنان في الفرج: الزنا واللواط، واثنتان في اليد
~~القتلة والسرقة، وواحدة في الرجل الفرار من الزحف، وواحدة في جميع الجسد
~~عقوق الوالدين، وفيه ما فيه. وروى الطبراني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس
~~أن رجلا قال له: كم الكبائر سبع هي؟ فقال هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى
~~سبع غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار. وقد ألف فيها
~~غير واحد من العلماء، وفي كتاب «الزواجر» تأليف العلامة ابن حجر ما فيه
~~كفاية فليراجع، والله تعالى الموفق وإنا لنستغفره ونتوب إليه.

# { إن ربك وسع المغفرة } حيث يغفر الصغائر باجتناب
~~الكبائر، فالجملة تعليل لاستثناء اللمم، وتنبيه على أن إخراجه عن حكم
~~المؤاخذة ليس لخلوه عن الذنب في نفسه بل لسعة المغفرة الربانية، وجوز أن
~~يكون المعنى له سبحانه أن يغفر لمن يشاء من المؤمنين ما يشاء من الذنوب
~~صغيرها وكبيرها، ولعل تعقيب وعيد المسيئين ووعد المحسنين بذلك حينئذ
~~لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمته تعالى ms10223 ولا يتوهم وجوب العقاب عليه عز
~~وجل.

# وزعم بعض جواز كون الموصول مبتدأ وهذه الجملة خبره والرابط محذوف أي:
~~واسع المغفرة لهم ليس بشيء كما لا يخفى.

# { هو أعلم بكم } أي بأحوالكم من كل أحد { إذ أنشأكم }
~~في ضمن إنشاء أبيكم آدم عليه السلام / { من الأرض } إنشاءا
~~إجماليا حسبما مر تحقيقه، وقيل: إنشاؤهم من الأرض باعتبار أن المني الذي
~~يتكونون منه من الأغذية التي منشؤها من الأرض، وأيا ما كان  فإذا ظرف
~~ لأعلم  وهو على بابه من التفضيل. وقال مكي: هو بمعنى عالم إذ تعلق
~~علمه تعالى بأحوالهم في ذلك الوقت لا مشارك له تعالى فيه. وتعقب بأنه قد
~~يتعلق علم من أطلعه الله تعالى من الملائكة عليه، وقيل: { إذ } منصوب
~~بمحذوف، والتقدير اذكروا إذ أنشأكم وهو كما ترى { وإذ أنتم
~~أجنة } ووقت كونكم أجنة { فى بطون أمهتكم } على أطوار
~~مختلفة مترتبة لا يخفى عليه سبحانه حال من أحوالكم وعمل من أعمالكم التي
~~من جملتها اللمم الذي لولا المغفرة الواسعة لأصابكم وباله، فالجملة
~~استئناف مقرر لما قبلها وذكر { فى بطون أمهتكم } مع أن
~~الجنين ما كان في البطن للإشارة إلى الأطوار كما أشرنا إليه، وقيل:
~~لتأكيد شأن العلم لما أن بطن الأم في غاية الظلمة.

# ((والفاء في قوله تعالى: { فلا تزكوا أنفسكم } لترتيب النهي
~~عن تزكية النفس على ما سبق من أن عدم المؤاخذة باللمم ليس لعدم كونه من
~~قبيل الذنوب بل لمحض مغفرته تعالى مع علمه سبحانه بصدوره عنكم أي إذا كان
~~الأمر كذلك فلا تثنوا على أنفسكم بالطهارة عن المعاصي بالكلية أو بزكاء
~~العمل وزيادة الخير بل اشكروا الله تعالى على فضله ومغفرته جل شأنه {
~~هو أعلم بمن اتقى } المعاصي جميعا وهو استئناف مقرر للنهي
~~ومشعر بأن فيهم من يتقيها بأسرها)) كذا في «الإرشاد»، وقيل: اتقى الشرك،
~~وقيل: اتقى شيئا من المعاصي.

# والآية نزلت على ما قيل: في قوم من المؤمنين كانوا يعملون أعمالا حسنة
~~ثم يقولون صلاتنا وصيامنا وحجنا وهذا مذموم منهي عنه إذا كان بطريق
~~الإعجاب ms10224 أو الرياء، أما إذا لم يكن كذلك فلا بأس به ولا يعد فاعله من
~~المزكين أنفسهم، ولذا قيل: المسرة بالطاعة طاعة وذكرها شكر، ولا فرق في
~~التزكية بين أن تكون عبارة وأن تكون إشارة وعد منها التسمية بنحو برة،
~~أخرج أحمد ومسلم وأبو داود وابن مردويه وابن سعد

# " عن زينب بنت أبي سلمة أنها سميت برة فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم سموها زينب "

# وكذا غير عليه الصلاة والسلام إلى ذلك اسم برة بنت جحش، وتغيير مثل
~~ذلك مستحب وكذا ما يوقع نفيه بعض الناس في شيء من الطيرة كبركة ويسار،
~~والنهي عن التسمية به للتنزيه وقوله صلى الله عليه وسلم كما روى جابر:

# " إن عشت إن شاء الله أنهى أمتي أن يسموا نافعا وأفلح وبركة "

# محمول كما قال النووي على إرادة أنهى نهي تحريم، والظاهر أن كراهة ما
~~يشعر بالتزكية مخصوصة بما إذا كان الإشعار قويا كما إذا كان الاسم قبل
~~النقل ظاهر الدلالة على التزكية مستعملا فيها فلا كراهة في التسمية بما
~~يشعر بالمدح إذا لم يكن كذلك كسعيد وحسن، وقد كان لعمر رضي الله تعالى
~~عنه ابنة يقال لها: عاصية فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جميلة كذا
~~قيل، والمقام بعد لا يخلو عن بحث فليراجع، وقيل: معنى لا تزكوا أنفسكم:
~~لا يزكي بعضكم بعضا، والمراد النهي عن تزكية السمعة أو المدح للدنيا، أو
~~تزكية على سبيل القطع، وأما التزكية لإثبات الحقوق ونحوه فهي جائزة.

# وذهب بعضهم إلى أن الآية نزلت في اليهود. أخرج الواحدي وابن المنذر
~~وغيرهما عن ثابت بن الحرث الأنصاري قال:

# " كانت اليهود إذا هلك لهم صبي صغير قالوا: هو صديق فبلغ ذلك النبي
~~صلى الله عليه وسلم فقال: كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله تعالى في بطن
~~أمها إلا يعلم سعادتها أو شقاوتها "

# فأنزل الله سبحانه عند ذلك { هو أعلم بكم } الآية.

### || [53.33-34]

# أي عن اتباع الحق والثبات عليه.

# { وأعطى قليلا } أي ms10225 شيئا قليلا، أو إعطاءا قليلا {
~~وأكدى } أي قطع العطاء من قولهم حفر فأكدى إذا بلغ إلى كدية أي
~~صلابة في الأرض فلم يمكنه الحفر، قال مجاهد وابن زيد: نزلت في الوليد بن
~~المغيرة كان قد سمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس إليه ووعظه
~~فقرب من الإسلام وطمع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إنه عاتبه رجل
~~من المشركين وقال له: أتترك ملة آبائك؟! ارجع إلى دينك واثبت عليه وأنا
~~أتحمل عنك كل شيء تخافه في الآخرة لكن على أن تعطيني كذا وكذا من المال
~~فوافقه الوليد على ذلك ورجع عما هم به من الإسلام وضل ضلالا بعيدا،
~~وأعطى بعض المال لذلك الرجل ثم أمسك عنه وشح، وقال الضحاك: هو النضر بن
~~الحرث أعطى خمس قلائص لفقير من المهاجرين حتى ارتد عن دينه وضمن له أن
~~يحمل عنه مأثم رجوعه، وقال السدي: نزلت في العاص بن وائل السهمي كان
~~يوافق النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور، وقال محمد بن كعب: في
~~أبي جهل قال: والله ما يأمر محمد إلا بمكارم الأخلاق، والأول هو الأشهر
~~الأنسب لما بعده من قوله سبحانه: { أعنده علم الغيب }.

### || [53.35]

# { أعنده علم الغيب } إلى آخره، وأما ما في «الكشاف» من أنها
~~نزلت في عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه كان يعطي ماله في الخير فقال
~~له عبد الله بن سعيد بن أبي سرح: يوشك أن لا يبقى لك شيء فقال عثمان: إن
~~لي ذنوبا وخطايا وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه فقال عبد
~~الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أحمل عنك ذنوبك كلها فأعطاه وأشهد عليه
~~وأمسك عن العطاء فباطل كما قال ابن عطية ولا أصل له، وعثمان رضي الله
~~تعالى عنه منزه عن مثل ذلك. و

# أفرأيت

# [النجم: 33] هنا على ما في «البحر» بمعنى أخبرني ومفعولها الأول
~~الموصول، والثاني: الجملة الاستفهامية.

# والفاء في قوله تعالى: { فهو يرى } للتسبب عما قبله أي أعنده علم
~~بالأمور الغيبية فهو ms10226 بسبب ذلك يعلم أن صاحبه يتحمل عنه يوم القيامة ما
~~يخافه، وقيل: يرى أن ما سمعه من القرآن باطل، وقال الكلبي: المعنى أأنزل
~~عليه قرآن فرأى أن ما صنعه حق، وأيا ما كان  فيرى  من الرؤية
~~القلبية، وجوز أن تكون من الرؤية البصرية أي فهو يبصر ما خفي عن غيره مما
~~هو غيب.

### || [53.36-37]

# { أم لم ينبأ } أي بل ألم يخبر. { بما فى صحف موسى }
~~وهي التوراة.

# { وإبرهيم } وبما في صحف إبراهيم التي نزلت عليه { الذى
~~وفى } أي وفر وأتم ما أمر به، أو بالغ في الوفاء بما عاهد عليه الله
~~تعالى، وقال ابن عباس: وفي بسهام الإسلام كلها ولم يوفها أحد غيره وهي
~~ثلاثون سهما منها عشرة في براءة [111]

# إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم
~~وأمولهم

# الآيات، وعشرة في الأحزاب: [35]

# إن المسلمين والمسلمت

# الآيات، وست في  قد أفلح المؤمنون  الآيات التي في أولها، وأربع في {
~~سأل سآئل }

# والذين يصدقون بيوم الدين

# [المعارج: 26] الآيات، وفي حديث ضعيف عن أبي أمامة يرفعه:

# " وفى بأربع ركعات كان يصليهن في كل يوم "

# ، وفي رواية

# " يصليهن أول النهار "

# وأخرج أحمد من حديث معاذ بن أنس مرفوعا أيضا

# " ألا أخبركم لم سمى الله تعالى إبراهيم خليله الذي وفى: إنه كان يقول:
~~كلما أصبح وأمسى { سبحان الله حين تمسون وحين
~~تصبحون } [الروم: 17] الآية "

# وقال عكرمة: وفى بتبليغ هذه العشرة

# ألا تزر

# [النجم: 38] إلى آخره وقيل وقيل. والأولى العموم وهو مروي عن الحسن قال:
~~ما أمره الله تعالى بشيء إلا وفى به. وتخصيصه عليه السلام بهذا الوصف
~~لاحتماله ما لا يحتمله غيره، وفي قصة الذبح ما فيه كفاية / وخص هذان
~~النبيان عليهما السلام بالذكر قيل: لأنه فيما بين نوح وإبراهيم كانوا
~~يأخذون الرجل بابنه وبأبيه وعمه وخاله، والزوج بامرأته، والعبد بسيده
~~فأول من خالفهم إبراهيم وقرر ذلك موسى ولم يأت قبله مقرر مثله عليه
~~السلام. وتقديمه لما أن صحفه أشهر عندهم وأكثر. وقرأ أبو أمامة الباهلي.
~~وسعيد بن جبير وأبو مالك الغفاري وابن السميقع وزيد بن علي ms10227 { وفى }
~~بتخفيف الفاء.

### || [53.38]

# أي أنه لا تحمل نفس من شأنها الحمل حمل نفس أخرى على أن { أن } هي
~~المخففة من الثقيلة وضمير الشأن الذي هو اسمها محذوف، والجملة المنفية
~~خبرها ومحل الجملة الجر على أنها بدل مما

# فى صحف موسى

# [النجم: 36]، أو الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف والاستئناف بياني كأنه
~~قيل: ما في صحفهما؟ فقيل: هو { ألا تزر } الخ، والمعنى أنه لا يؤاخذ
~~أحد بذنب غيره ليتخلص الثاني عن عقابه، ولا يقدح في ذلك قوله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة "

# فإن ذلك وزر الإضلال الذي هو وزره لا وزر غيره.

### || [53.39]

# وقوله تعالى: { وأن ليس للإنسن إلا ما سعى } بيان
~~لعدم إثابة الإنسان بعمل غيره إثر بيان عدم مؤاخذته بذنب غيره { وأن }
~~كأختها السابقة، و { ما } مصدرية وجوز كونها موصولة أي ليس له إلا سعيه،
~~أو إلا الذي سعى به وفعله، واستشكل بأنه وردت أخبار صحيحة بنفع الصدقة عن
~~الميت، منها ما أخرجه مسلم والبخاري وأبو داود والنسائي عن عائشة

# " أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها
~~وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم "

# وكذا بنفع الحج. أخرج البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس قال:

# " أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أختي نذرت لأن تحج وإنها
~~ماتت فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟
~~قال: نعم قال: فحق الله أحق بالقضاء "

# وأجيب بأن الغير لما نوى ذلك الفعل له صار بمنزلة الوكيل عنه القائم
~~مقامه شرعا فكأنه بسعيه، وهذا لا يتأتى إلا بطريق عموم المجاز، أو الجمع
~~بين الحقيقة والمجاز عند من يجوزه، وأجيب أيضا بأن سعي غيره لما لم
~~ينفعه إلا مبنيا على سعي نفسه من الإيمان فكأنه سعيه، ودل على بنائه على
~~ذلك ما أخرجه أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده

# " أن العاص ms10228 بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة وأن هشاما ابنه
~~نحر حصته خمسين وأن عمرا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال:
~~أما أبوك فلو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك "

# وأجيب بهذا عما قيل: إن تضعيف الثواب الوارد في الآيات ينافي أيضا
~~القصر على سعيه وحده، وأنت تعلم ما في الجواب من النظر.

# وقال بعض أجلة المحققين: إنه ورد في الكتاب والسنة ما هو قطعي في حصول
~~الانتفاع بعمل الغير وهو ينافي ظاهر الآية فتقيد بما لا يهبه العامل.
~~وسأل والي خراسان عبد الله بن طاهر الحسين بن الفضل عن هذه الآية مع
~~قوله تعالى:

# والله يضعف لمن يشاء

# [البقرة: 261] فقال: ليس له بالعدل إلا ما سعى وله بالفضل ما شاء الله
~~تعالى فقبل عبد الله رأس الحسين. وقال عكرمة: كان هذا الحكم في قوم
~~إبراهيم وموسى عليهما السلام، وأما هذه الأمة فللإنسان منها سعي غيره يدل
~~عليه حديث سعد بن عبادة

# " هل لأمي إذا تطوعت عنها؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم "

# وقال الربيع: الإنسان هنا الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له
~~غيره، وعن ابن عباس أن الآية منسوخة بقوله تعالى:

# والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان
~~ألحقنا بهم ذريتهم

# [الطور: 21] وقد أخرج عنه ما يشعر به أبو داود / والنحاس كلاهما في
~~«الناسخ»، وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، وتعقب أبو حيان رواية
~~النسخ بأنها لا تصح لأن الآية خبر لم تتضمن تكليفا ولا نسخ في الأخبار.
~~وما يتوهم جوابا من أنه تعالى أخبر في شريعة موسى وإبراهيم عليهما
~~السلام أن لا يجعل الثواب لغير العامل ثم جعله لمن بعدهم من أهل شريعتنا
~~مرجعه إلى تقييد الأخبار لا إلى النسخ إذ حقيقته أن يراد المعنى، ثم من
~~بعد ذلك ترتفع إرادته، وهذا تخصيص الإرادة بالنسبة إلى أهل الشرائع
~~فافهمه.

# وقيل: اللام بمعنى على أي ليس على الإنسان غير سعيه، وهو بعيد من ظاهرها
~~ومن سياق الآية أيضا فإنها وعظ للذي ms10229 تولى وأعطى قليلا وأكدى، والذي
~~أميل إليه كلام الحسين، ونحوه كلام ابن عطية قال: والتحرير عندي في هذه
~~الآية أن ملاك المعنى هو اللام من قوله سبحانه: { للإنسن } فإذا
~~حققت الشيء الذي حق الإنسان أن يقول فيه لي كذا لم تجده إلا سعيه وما
~~يكون من رحمة بشفاعة، أو رعاية أب صالح، أو ابن صالح، أو تضعيف حسنات، أو
~~نحو ذلك فليس هو للإنسان ولا يسعه أن يقول لي كذا وكذا إلا على تجوز،
~~وإلحاق بما هو حقيقة انتهى.

# ويعلم من مجموع ما تقدم أن استدلال المعتزلة بالآية على أن العبد إذا
~~جعل ثواب عمله أي عمل كان لغيره لا يجعل ويلغو جعله غير تام؛ وكذا
~~استدلال الإمام الشافعي بها على أن ثواب القراءة لا تلحق الأموات وهو
~~مذهب الإمام مالك بل قال الإمام ابن الهمام: إن مالكا والشافعي لا
~~يقولان بوصول العبادات البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة بل غيرها كالصدقة
~~والحج. وفي «الأذكار» للنووي عليه الرحمة: المشهور من مذهب الشافعي رضي
~~الله تعالى عنه وجماعة أنها لا تصل، وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء
~~ومن أصحاب الشافعي إلى أنها تصل، فالاختيار أن يقول القارىء بعد فراغه
~~اللهم أوصل ثواب ما قرأته إلى فلان، والظاهر أنه إذا قال ذلك ونحوه كوهبت
~~ثواب ما قرأته لفلان بقلبه كفى، وعن بعضهم اشتراط نية النيابة أول
~~القراءة وفي القلب منه شيء، ثم الظاهر أن ذلك إذا لم تكن القراءة بأجرة
~~أما إذا كانت بها كما يفعله أكثر الناس اليوم فإنهم يعطون حفظة القرآن
~~أجرة ليقرءوا لموتاهم فيقرءون لتلك الأجرة فلا يصل ثوابها إذ لا ثواب لها
~~ليصل، لحرمة أخذ الأجرة على قراءة القرآن وإن لم يحرم على تعليمه كما
~~حققه خاتمة الفقهاء المحققين الشيخ محمد الأمين بن عابدين الدمشقي رحمه
~~الله تعالى، وفي «الهداية» من كتاب الحج عن الغير إطلاق صحة جعل الإنسان
~~عمله لغيره ولو صلاة وصوما عند أهل السنة والجماعة، وفيه ما علمت ما مر
~~آنفا.

# وقال الخفاجي: هو محتاج إلى ms10230 التحرير، وتحريره أن محل الخلاف العبادة
~~البدنية هل تقبل النيابة فتسقط عمن لزمته بفعل غيره سواء كان بإذنه أم لا
~~بعد حياته أم لا فهذا وقع في الحج كما ورد في الأحاديث الصحيحة، أما
~~الصوم فلا، وما ورد في حديث

# " من مات وعليه صيام صام عنه وليه "

# وكذا غيره من العبادات فقال الطحاوي: إنه كان في صدر الإسلام ثم نسخ
~~وليس الكلام في الفدية وإطعام الطعام فإنه بدل وكذا إهداء الثواب سواء
~~كان بعينه أو مثله فإنه دعاء وقبوله بفضله عز وجل كالصدقة عن الغير
~~فاعرفه انتهى فلا تغفل.

### || [53.40]

# أي يعرض عليه ويكشف له يوم القيامة في صحيفته وميزانه من أريته الشيء،
~~وفي «البحر» يراه حاضرو القيامة ويطلعون عليه تشريفا للمحسن وتوبيخا
~~للمسيء.

### || [53.41]

# { ثم يجزاه } أي يجرى الإنسان سعيه، يقال: جزاه الله عز وجل
~~بعمله وجزاه على عمله وجزاه عمله بحذف الجار وإيصال الفعل، وقوله تعالى:
~~/ { الجزاء الأوفى } مصدر مبين للنوع وإذا جاز وصف المجزي به
~~بالأوفى جاز وصف الحدث عن الجزاء لملابسته له، وجوز كونه مفعولا به
~~بمعنى المجزي به وحينئذ يكون الفعل في حكم المتعدي إلى ثلاثة مفاعيل، ولا
~~بأس لأن الثاني بالحذف والإيصال لا التوسع فيجيء فيه الخلاف، وبعضهم يجعل
~~الجزاء منصوبا بنزع الخافض، وجوز أن يكون الضمير المنصوب في { يجزاه
~~} للجزاء لا للسعي، و { الجزاء الأوفى } عليه عطف بيان، أو بدل
~~كما في قوله تعالى:

# وأسروا النجوى الذين ظلموا

# [الأنبياء: 3] وتعقبه أبو حيان بأن فيه إبدال الظاهر من الضمير وهي
~~مسألة خلافية والصحيح المنع.

### || [53.42]

# أي إن انتهاء الخلق ورجوعهم إليه تعالى لا إلى غيره سبحانه استقلالا
~~ولا اشتراكا، والمراد بذلك رجوعهم إليه سبحانه يوم القيامة حين يحشرون
~~ولهذا قال غير واحد: أي إلى حساب ربك أو إلى ثوابه تعالى من الجنة وعقابه
~~من النار الانتهاء، وقيل: المعنى أنه عز وجل منتهى الأفكار فلا تزال
~~الأفكار تسير في بيداء حقائق الأشياء وماهياتها والإحاطة بما فيها حتى
~~إذا وجهت إلى حرم ذات الله عز وجل ms10231 وحقائق صفاته سبحانه وقفت وحرنت وانتهى
~~سيرها، وأيد بما أخرجه البغوي عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم أنه قال في الآية:

# " لا فكرة في الرب "

# وأخرجه أبو الشيخ في «العظمة» عن سفيان الثوري، وروي عنه عليه الصلاة
~~والسلام:

# " إذا ذكر الرب فانتهوا "

# ، وأخرج ابن ماجه عن ابن عباس قال:

# " مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون في الله فقال: تفكروا
~~في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنكم لن تقدروه "

# وأخرج أبو الشيخ عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فتهلكوا "

# واستدل بذلك من قال باستحالة معرفته عز وجل بالكنه، والبحث في ذلك طويل،
~~وأكثر الأدلة النقلية على عدم الوقوع.

# وقرأ أبو السمال، { وإن } بالكسر هنا وفيما بعد على أن الجمل منقطعة عما
~~قبلها فلا تكون مما في الصحف.

### || [53.43]

# خلق فعلي الضحك والبكاء، وقال الزمخشري: خلق قوتي الضحك والبكاء، وفيه
~~دسيسة اعتزال، وقال الطيبي: المراد خلق السرور والحزن أو ما يسر ويحزن
~~من الأعمال الصالحة والطالحة، ولذا قرن بقوله تعالى: { وأنه هو
~~أمات وأحيا }.

### || [53.44]

# وعليه فهو مجاز ولا يخفى أن الحقيقة أيضا تناسب الإماتة والإحياء لا
~~سيما والموت يعقبه البكاء غالبا والإحياء عند الولاد الضحك وما أحسن
~~قوله:

# ولدتك أمك يا ابن آدم باكيا

# والناس حولك يضحكون سرورا

# فاجهد لنفسك أن تكون إذا بكوا

# في يوم موتك ضاحكا مسرورا

# وقال مجاهد والكلبي: { أضحك } أهل الجنة { وأبكى } أهل النار،
~~وقيل: { أضحك } الأرض بالنبات { وأبكى } السماء بالمطر. وتقديم
~~الضمير وتكرير الإسناد للحصر أي إنه تعالى فعل ذلك لا غيره سبحانه، وكذا
~~في أنه هو أمات وأحيا فلا يقدر على الإماتة والإحياء غيره عز وجل،
~~والقاتل إنما ينقض البنية الإنسانية ويفرق أجزاءها والموت الحاصل بذلك
~~فعل الله تعالى على سبيل العادة في مثله فلا إشكال في الحصر.

### || [53.45]

# من نوع الإنسان وغيره من أنواع الحيوانات ولم يذكر الضمير على طرز ما
~~تقدم لأنه لا ms10232 يتوهم نسبة خلق الزوجين إلى غيره عز وجل.

### || [53.46]

# أي تدفق في الرحم / يقال: أمنى الرجل ومنى بمعنى، وقال الأخفش: أي تقدر
~~يقال منى لك الماني أي قدر لك المقدر، ومنه المنا الذي يوزن به فيما قيل،
~~والمنية وهي الأجل المقدر للحيوان.

### || [53.47]

# أي الإحياء بعد الإماتة وفاءا بوعده جل شأنه، وفي «البحر» لما كانت هذه
~~النشأة ينكرها الكفار بولغ بقوله تعالى كأنه تعالى أوجب ذلك على نفسه،
~~وفي «الكشاف» قال سبحانه: { عليه } لأنها واجبة في الحكمة ليجازي على
~~الإحسان والإساءة وفيه مع كونه على طريق الاعتزال نظر. وقرأ ابن كثير
~~وأبو عمرو  النشاءة  بالمد وهي أيضا مصدر نشأة الثلاثي.

### || [53.48]

# وأعطى القنية وهو ما يبقى ويدوم من الأموال ببقاء نفسه أو أصله كالرياض
~~والحيوان والبناء. وإفراد ذلك بالذكر مع دخوله في قوله تعالى: { أغنى
~~} لأن القنية أنفس الأموال وأشرفها، وفي «البحر» ((يقال: قنيت المال أي
~~كسبته ويعدى أيضا بالهمزة والتضعيف فيقال: أقناه الله تعالى مالا وقناه
~~الله تعالى مالا، وقال الشاعر:

# كم من غني أصاب الدهر ثرواته

# ومن فقير (يقني) بعد إقلال

# أي يقني المال))، وعن ابن عباس { أغنى } مول و { أقنى } أرضى. وهو
~~بهذا المعنى مجاز من القنية قتل الراغب: وتحقيق ذلك أنه جعل له قنية من
~~الرضا والطاعة وذلك أعظم القنائن، ولله تعالى در من قال:

# هل هي إلا مدة وتنقضي

# ما يغلب الأيام إلا من رضي

# وعن ابن زيد والأخفش { أقنى } أفقر، ووجه بأنهما جعلا الهمزة فيه للسلب
~~والإزالة كما في أشكى، وقيل: إنهما جعلا { أقنى } بمعنى جعل له الرضا
~~والصبر قنية كناية عن ذلك ليظهر فيه الطباق كما في

# أمات وأحيا

# [النجم: 44] و

# أضحك وأبكى

# [النجم: 43] وفسره بأفقر أيضا الحضرمي إلا أنه كما أخرج عنه ابن جرير
~~وأبو الشيخ قال { أغنى } نفسه سبحانه و { أفقر } الخلائق إليه عز
~~وجل، والظاهر على تقدير اعتبار المفعول في جميع الأفعال المتقدمة أن يكون
~~من المحدثات الصالحة لتعلق الفعل، وعندي أن { أغنى } سبحانه نفسه
~~كأوجد جل شأنه نفسه لا ms10233 يخلو عن سماجة وإيهام محذور، وإنما لم يذكر مفعول
~~لأن القصد إلى الفعل نفسه.

### || [53.49]

# هي { الشعرى } العبور بفتح العين المهملة والباء الموحدة والراء
~~المهملة بعد الواو، وتقال { الشعرى } أيضا على الغميصاء بغين معجمة
~~مضمومة وميم مفتوحة بعدها ياء مثناة تحتية وصاد مهملة ومد، والأولى: في
~~الجوزاء، وإنما قيل لها العبور لأنها عبرت المجرة فلقيت سهيلا ولأنها
~~تراه إذا طلع كأنها ستعبر وتسمى أيضا كلب الجبار لأنها تتبع الجوزاء
~~المسماة بالجبار كما يتبع الكلب الصائد أو الصيد، والثانية: في ذراع
~~الأسد المبسوطة، وإنما قيل لها الغميصاء لأنها بكت من فراق سهيل فغمصت
~~عينها، والغمص ما سال من الرمص وهو وسخ أبيض يجتمع في الموق، وذلك من زعم
~~العرب أنهما أختا سهيل، وفي «القاموس» من أحاديثهم أن الشعرى العبور قطعت
~~المجرة فسميت عبورا وبكت الأخرى على أثرها حتى غمصت ويقال لها الغموص
~~أيضا، وقيل: زعموا أن سهيلا و الشعرى كانا زوجين فانحدر سهيل وصار
~~يمانيا فاتبعه الشعرى فعبرت المجرة فسميت العبور وأقامت الغميصاء وسميت
~~بذلك لأنها دون الأولى ضياءا، وكل ذلك من تخيلاتهم الكاذبة التي لا
~~حقيقة لها، والمتبادر عند الإطلاق وعدم الوصف العبور لأنها أكبر جرما
~~وأكثر ضياءا وهي التي عبدت من دون الله سبحانه في الجاهلية. قال السدي:
~~عبدتها حمير وخزاعة، وقال غيره: أول من عبدها أبو كبشة رجل من خزاعة، أو
~~هو سيدهم / واسمه وخز بن غالب وكان المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه
~~وسلم: ابن أبي كبشة شبهوه به لمخالفته قومه في عبادة الأصنام، وذكر
~~بعضهم أنه أحد أجداده عليه الصلاة والسلام من قبل أمه وأنهم كانوا يزعمون
~~أن كل صفة في المرء تسري إليه من أحد أصوله فيقولون نزع إليه عرق كذا،
~~وعرق الخال نزاع، وقيل: هو كنية وهب بن عبد مناف جده صلى الله عليه وسلم
~~من قبل أمه، وقولهم له عليه الصلاة والسلام ذلك على ما يقتضيه ظاهر
~~«القاموس» لأنه صلى الله عليه وسلم في الشبه الخلقي دون المخالفة، وقيل:
~~كنية زوج حليمة السعدية ms10234 مرضعته عليه الصلاة والسلام، وقيل: كنية عم ولدها
~~ولكونها عبدت من دونه عز وجل خصت بالذكر ليكون ذلك تجهيلا لهم بجعل
~~المربوب ربا، ولمزيد الاعتناء بذلك جيء بالجملة على ما نطق به النظم
~~الجليل. ومن العرب من كان يعظمها ويعتقد تأثيرها في العالم ويزعمون أنها
~~تقطع السماء عرضا وسائر النجوم تقطعها طولا ويتكلمون على المغيبات عند
~~طلوعها ففي قوله تعالى: { وأنه هو رب الشعرى } إشارة إلى
~~نفي تأثيرها.

### || [53.50]

# أي القدماء لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح كما قاله ابن زيد
~~والجمهور، وقال الطبري: وصفت بالأولى لأن في القبائل عادا أخرى، وهي
~~قبيلة كانت بمكة مع العماليق وهم بنو لقيم بن هزال، وقال المبرد: عاد
~~الأخرى هي ثمود، وقيل: الجبارون، وقيل: عاد الأولى ولد عاد بن إرم بن عوف
~~بن سام بن نوح، وعاد الأخرى من ولد عاد الأولى، وفي «الكشاف» الأولى قوم
~~هود والأخرى إرم. والله تعالى أعلم. وجوز أن يراد بالأولى المتقدمون
~~الأشراف. وقرأ قوم (عاد الولى) بحذف الهمزة ونقل ضمتها إلى اللام قبلها،
~~وقرأ نافع وأبو عمرو  عادا لولى  بإدغام التنوين في اللام المنقول
~~إليها حركة الهمزة المحذوفة، وعاب هذه القراءة المازني والمبرد، وقالت
~~العرب: في الابتداء بعد النقل  الحمر ولحمر  فهذه القراءة جاءت على
~~لحمر فلا عيب فيها، وأتى قالون بعد ضمة اللام بهمزة ساكنة في موضع الواو
~~كما في قوله:

# أحب المؤقدين إلى مؤسى

# وكما قرأ بعضهم { على سؤقه } [الفتح: 29] وفيه شذوذ، وفي حرف أبي
~~(عاد) غير مصروف للعلمية والتأنيث ومن صرفه فباعتبار الحي، أو عامله
~~معاملة هند لكونه ثلاثيا ساكن الوسط.

### || [53.51]

# { وثمودا } عطف على

# عادا

# [النجم: 50] ولا يجوز أن يكون مفعولا  لأبقى  في قوله تعالى: { فما
~~أبقى } لأن  ما  النافية لها صدر الكلام والفاء على ما قيل مانعة
~~أيضا فلا يتقدم معمول مابعدها، وقيل: هو معمول لأهلك مقدر ولا حاجة
~~إليه. وقرأ عاصم وحمزة  ثمود  بلا تنوين ويقفان بغير ألف، والباقون
~~بالتنوين ويقفون بالألف. والظاهر أن متعلق { أبقى } يرجع إلى عاد
~~وثمود ms10235 معا أي فما أبقى عليهم، أي أخذهم بذنوبهم، وقيل: أي ما أبقى منهم
~~أحدا، والمراد ما أبقى من كفارهم.

### || [53.52]

# { وقوم نوح } عطف على

# عادا

# [النجم: 50] أيضا { من قبل } أي من قبل إهلاك عاد وثمود، وصرح
~~بالقبلية لأن نوحا عليه السلام آدم الثاني وقومه أول الطاغين والهالكين.

# { إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } أي من الفريقين حيث
~~كانوا يؤذونه ويضربونه حتى لا يكاد يتحرك وكان الرجل منهم يأخذ بيد ابنه
~~يتمشى به إليه يحذره منه ويقول: يا بني إن أبي مشى بي إلى هذا وأنا
~~مثلك يومئذ فإياك أن تصدقه فيموت الكبير على الكفر وينشأ الصغير على وصية
~~أبيه ولم يتأثروا من دعائه وقد دعاهم ألف سنة إلا خمسين عاما. وقيل:
~~ضمير { إنهم } يعود على جميع من تقدم عاد وثمود وقوم نوح أي كانوا
~~أظلم من قريش وأطغى منهم، وفيه من التسلية للنبي عليه الصلاة والسلام /
~~ما لا يخفى. و { هم } يجوز أن يكون تأكيدا للضمير المنصوب ويجوز أن
~~يكون فصلا لأنه واقع بين معرفة وأفعل التفضيل، وحذف المفضول مع الواقع
~~خبرا لكان لأنه جار مجرى خبر المبتدأ وحذفه فصيح فيه فكذلك في خبر كان.

### || [53.53]

# { والمؤتفكة } هي قرى قوم لوط سميت بذلك لأنها ائتفكت بأهلها أي
~~انقلبت بهم، ومنه الإفك لأنه قلب الحق، وجوز أن يراد بالمؤتفكة كل ما
~~انقلبت مساكنه ودثرت أماكنه. وقرأ الحسن  والمؤتفكات  جمعا { أهوى
~~} أي أسقطها إلى الأرض بعد أن رفعها على جناح جبريل عليه السلام إلى
~~السماء، وقال المبرد: جعلها تهوى. والظاهر أن { أهوى } ناصب للمؤتفكة
~~وأخر العامل لكونه فاصلة، وجوز أن يكون  المؤتفكة  معطوفا على ما قبله
~~و { أهوى } مع فاعله جملة في موضع الحال بتقدير قد، أو بدونه توضح
~~كيفية إهلاكهم.

### || [53.54]

# فيه تهويل للعذاب وتعميم لما أصابهم منه لأن الموصول من صيغ العموم
~~والتضعيف في (غشاها) يحتمل أن يكون للتعدية فيكون { ما } مفعولا ثانيا
~~والفاعل ضميره تعالى، ويحتمل أن يكون للتكثير والمبالغة ف { ما } هي
~~الفاعل.

### || [53.55]

# { فبأى ءالاء ربك تتمارى } تتشكك ms10236 والتفاعل هنا مجرد عن
~~التعدد في الفاعل والمفعول للمبالغة في الفعل، وقيل: إن فعل التماري
~~للواحد باعتبار تعدد متعلقه وهو الآلاء المتمارى فيها. والخطاب قيل:
~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه من باب الإلهاب والتعريض بالغير،
~~وقيل: للإنسان على الإطلاق وهو أظهر. والاستفهام للإنكار. والآلاء - جمع
~~إلى - النعم، والمراد بها ما عد في الآيات قبل وسمى الكل بذلك مع أن منه
~~نقما لما في النقم من العبر والمواعظ للمعتبرين والانتفاع للأنبياء
~~والمؤمنين فهي نعم بذلك الاعتبار أيضا، وقيل: التعبير بالآلاء للتغليب
~~وتعقب بأن المقام غير مناسب له. وقرأ يعقوب وابن محيصن  ربك تمارى 
~~بتاء مشددة.

### || [53.56]

# الإشارة إلى القرآن، وقال أبو مالك: إلى الإخبار عن الأمم، أو الإشارة
~~إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والنذير يجيء مصدرا ووصفا، والنذر جمعه
~~مطلقا وكل من الأمرين محتمل هنا، ووصف { النذر } جمعا للوصف
~~بالأولى على تأويل الفرقة، أو الجماعة، واختير على غيره رعاية للفاصلة،
~~وأيا ما كان فالمراد هذا نذير من جنس النذر الأولى. وفي «الكشف» أن
~~قوله تعالى: { هذا نذير } الخ فذلكة للكلام إما لما عدد من
~~المشتمل عليه الصحف وإما لجميع الكلام من مفتتح السورة فتدبر ولا تغفل.

### || [53.57]

# أي قربت الساعة الموصوفة بالقرب في غير آية من القرآن، فأل في {
~~الأزفة } للعهد لا للجنس، وقيل: { الأزفة } علم بالغلبة للساعة
~~هنا، وقيل: لا بأس بإرادة الجنس ووصف القريب بالقرب للمبالغة.

### || [53.58]

# أي غير الله تعالى أو إلا الله عز وجل { كاشفة } نفس قادرة على
~~كشفها إذا وقعت لكنه سبحانه لا يكشفها؛ والمراد بالكشف الإزالة، وقريب من
~~هذا ما روي عن قتادة وعطاء والضحاك أي إذا غشيت الخلق أهوالها وشدائدها
~~لم يكشفها ولم يردها عنهم أحد، أو ليس لها الآن نفس كاشفة أي مزيلة للخوف
~~منها فإنه باق إلى أن يأتي الله سبحانه بها وهو مراد الزمخشري بقوله:
~~أوليس لها الآن نفس كاشفة بالتأخير، وقيل: معناه لو وقعت الآن لم يردها
~~إلى وقتها أحد إلا الله تعالى، فالكشف بمعنى التأخير ms10237 وهو إزالة مخصوصة،
~~وقال الطبري والزجاج: المعنى / ليس لها من دون الله تعالى نفس كاشفة تكشف
~~وقت وقوعها وتبينه لأنها من أخفى المغيبات، فالكشف بمعنى التبيين والآية
~~كقوله تعالى:

# لا يجليها لوقتها إلا هو

# [الأعراف: 187] والتاء في { كاشفة } على جميع الأوجه للتأنيث، وهو
~~لتأنيث الموصوف المحذوف كما سمعت، وبعضهم يقدر الموصوف حالا، والأول
~~أولى؛ وجوز أن تكون للمبالغة مثلها في علامة، وتعقب بأن المقام يأباه
~~لإيهامه ثبوت أصل الكشف لغيره عز وجل وفيه نظر، وقال الرماني وجماعة:
~~يحتمل أن يكون { كاشفة } مصدرا كالعافية، وخائنة الأعين أي ليس لها
~~كشف من دون الله تعالى.

### || [53.59-60]

# { أفمن هذا الحديث } أي القرآن { تعجبون } إنكارا.

# { وتضحكون } استهزاءا مع كونه أبعد شيء من ذلك { ولا تبكون
~~} حزنا على ما فرطتم في شأنه وخوفا من أن يحيق بكم ما حاق بالأمم
~~المذكورة.

### || [53.61]

# أي لاهون كما روي عن ابن عباس جوابا لنافع بن الأزرق، وأنشد عليه قول
~~هزيلة بنت بكر وهي تبكي قوم عاد:

# ليت (عادا) قبلوا الحق

# ولم يبدوا جحودا

# قيل: قم فانظر إليهم

# ثم دع عنك (السمودا)

# وفي رواية أنه رضي الله تعالى عنه سئل عن السمود، فقال: البرطمة وهي رفع
~~الرأس تكبرا أي وأنتم رافعون رؤوسكم تكبرا، وروي تفسيره بالبرطمة عن
~~مجاهد أيضا، وقال الراغب: ((السامد اللاهي الرافع رأسه من سمد البعير في
~~سيره إذا رفع رأسه))، وقال أبو عبيدة: السمود الغناء بلغة حمير يقولون:
~~يا جارية اسمدي لنا أي غني لنا، وروي نحوه عن عكرمة، وأخرج عبد الرزاق
~~والبزار وابن جرير والبيهقي في «سننه» وجماعة عن ابن عباس أنه قال: هو
~~الغناء باليمانية وكانوا إذا سمعوا القرآن غنوا تشاغلا عنه، وقيل:
~~يفعلون ذلك ليشغلوا الناس عن استماعه، والجملة الاسمية على جميع ذلك حال
~~من فاعل  لا تبكون  ومضمونها قيد للنفي والإنكار متوجه إلى نفي البكاء
~~ووجود السمود، وقال المبرد: السمود الجمود والخشوع كما في قوله:

# رمى الحدثان نسوة آل سعد

# بمقدار سمدن له (سمودا)

# فرد شعورهن السود بيضا

# ورد وجوههن البيض سودا ms10238

# والجملة عليه حال من فاعل

# تبكون

# [النجم: 60] أيضا إلا أن مضمونها قيد للمنفي، والإنكار وارد على نفي
~~البكاء والسمود معا فلا تغفل. وفي حرف أبي. وعبد الله  تضحكون  بغير
~~واو، وقرأ الحسن  تعجبون تضحكون  بغير واو وضم التاءين وكسر الجيم
~~والحاء.

# واستدل بالآية كما في «أحكام القرآن» على استحباب البكاء عند سماع
~~القرآن وقراءته، أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن أبي هريرة قال: «لما
~~نزلت

# أفمن هذا الحديث

# [النجم: 59] الآية بكى أصحاب الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم فلما سمع
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينهم بكى معهم فبكينا ببكائه فقال عليه
~~الصلاة والسلام:

# " لا يلج النار من بكى من خشية الله تعالى ولا يدخل الجنة مصر على
~~معصيته ولو لم تذنبوا لجاء الله تعالى بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم "

# وأخرج أحمد في «الزهد» وابن أبي شيبة وهناد وغيرهم عن صالح أبي الخليل
~~قال: لما نزلت هذه الآية

# أفمن هذا الحديث تعجبون * وتضحكون ولا
~~تبكون

# [النجم: 59-60] ما ضحك النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلا أن يتبسم»
~~ولفظ عبد بن حميد

# " فما رؤي النبي عليه الصلاة والسلام ضاحكا ولا متبسما حتى ذهب من
~~الدنيا "

# وفيه سد باب الضحك عند قراءة القرآن ولو لم يكن استهزاءا والعياذ بالله
~~عز وجل.

### || [53.62]

# الفاء لترتيب الأمر أو موجبه على ما تقرر من بطلان مقابلة القرآن
~~بالتعجب والضحك وحقية مقابلته بما يليق به، ويدل على عظم شأنه أي وإذا
~~كان الأمر كذلك فاسجدوا لله تعالى الذي أنزله واعبدوه جل جلاله.

# وهذه آية سجدة عند أكثر أهل العلم، وقد سجد النبي صلى الله عليه وسلم
~~عندها. أخرج الشيخان وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن ابن مسعود قال:

# " أول سورة أنزلت فيها سجدة { والنجم } فسجد رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم وسجد الناس كلهم إلا رجلا "

# الحديث. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في «السنن»

# " عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: صلى بنا رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فقرأ النجم فسجد بنا ms10239 فأطال السجود "

# وكذا عمر رضي الله تعالى عنه، أخرج سعيد بن منصوب عن سبرة قال: صلى بنا
~~عمر بن الخطاب الفجر فقرأ في الركعة الأولى سورة يوسف، ثم قرأ في الثانية
~~سورة النجم فسجد، ثم قام فقرأ إذا زلزلت ثم ركع.

# ولا يرى مالك السجود هنا، واستدل له بما أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود
~~والترمذي والنسائي والطبراني وغيرهم عن زيد بن ثابت قال: قرأت النجم عند
~~النبي صلى الله عليه وسلم فلم يسجد فيها. وأجيب بأن الترك إنما ينافي
~~وجوب السجود وليس بمجمع عليه وهو عند القائل به على التراخي في مثل ذلك
~~على المختار وليس في الحديث ما يدل على نفيه بالكلية فيحتمل أنه عليه
~~الصلاة والسلام سجد بعد، وكذا زيد رضي الله تعالى عنه، نعم التأخير مكروه
~~تنزيها ولعله فعل لبيان الجواز، أو لعذر لم نطلع عليه، وما أخرجه ابن
~~مردويه عن ابن عباس من قوله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسجد في
~~شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة» ناف وضعيف، وكذا قوله فيما رواه
~~أيضا عنه

# " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد في النجم بمكة فلما هاجر إلى
~~المدينة تركها "

# على أن الترك إنما ينافي  كما سمعت  الوجوب، والله تعالى أعلم.

### | [54 - سورة القمر]

### || [54.1]

# { اقتربت الساعة } أي قربت جدا { وانشق القمر } انفصل
~~بعضه عن بعض وصار فرقتين وذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل
~~الهجرة بنحو خمس سنين فقد صح من رواية الشيخين وابن جرير عن أنس أن أهل
~~مكة سألوه عليه الصلاة والسلام أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا
~~حراء بينهما، وخبر أبي نعيم من طريق الضحاك عن ابن عباس  أن أحبار
~~اليهود سألوا آية فأراهم الله تعالى القمر قد انشق  لا يعول عليه، وفي
~~«الصحيحين» وغيرهما من حديث ابن مسعود

# " انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين فرقة على
~~الجبل وفرقة دونه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms10240 اشهدوا "

# ومن حديثه أيضا

# " انشق القمر على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام فقالت قريش: هذا
~~سحر ابن أبي كبشة فقال رجل: انتظروا ما يأتيكم به السفار فإن محمدا لا
~~يستطيع أن يسحر الناس كلهم فجاء السفار فأخبروهم بذلك "

# رواه أبو داود والطيالسي، وفي رواية البيهقي «فسألوا السفار وقد قدموا
~~من كل وجه فقالوا: رأيناه» فأنزل الله تعالى: { اقتربت الساعة
~~وانشق القمر }.

# وأخرج أبو نعيم في «الدلائل» عن ابن عباس من وجه ضعيف قال: «اجتمع
~~المشركون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الوليد بن المغيرة
~~وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل والعاص بن هشام والأسود بن عبد يغوث
~~والأسود بن المطلب وربيعة بن الأسود والنضر بن الحرث فقالوا للنبي صلى
~~الله عليه وسلم: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين نصفا على أبي قبيس
~~ونصفا على قعيقعان فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:

# " إن فعلت تؤمنوا؟ قالوا: نعم وكانت ليلة بدر فسأل رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم ربه عز وجل أن يعطيه ما سألوا فأمسى القمر قد مثل نصفا على
~~أبي قبيس ونصفا على قعيقعان ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي يا
~~أبا سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن الأرقم اشهدوا "

# والأحاديث الصحيحة في الانشقاق كثيرة. واختلف في تواتره فقيل: هو غير
~~متواتر، وفي «شرح المواقف الشريفي» أنه متواتر وهو الذي اختاره العلامة
~~ابن السبكي، قال في «شرحه لمختصر ابن الحاجب»: الصحيح عندي أن انشقاق
~~القمر متواتر منصوص عليه في القرآن مروي في «الصحيحين» وغيرهما من طرق
~~شتى بحيث لا يمترى في تواتره انتهى باختصار، وقد جاءت أحاديثه في روايات
~~صحيحة عن جماعة من الصحابة منهم علي كرم الله تعالى وجهه وأنس وابن مسعود
~~وابن عباس وحذيفة وجبير بن مطعم وابن عمر وغيرهم، نعم إن منهم من لم يحضر
~~ذلك كابن عباس فإنه لم يكن مولودا إذ ذاك وكأنس فإنه كان ابن أربع أو
~~خمس بالمدينة، وهذا لا يطعن في صحة الخبر كما ms10241 لا يخفى، ووقع في رواية
~~البخاري وغيره

# " عن ابن مسعود كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى فانشق القمر "

# ولا يعارض ما صح عن أنس أن ذلك كان بمكة لأنه لم يصرح بأنه عليه الصلاة
~~والسلام كان ليلتئذ بمكة، فالمراد أن الانشقاق كان والنبي صلى الله
~~عليه وسلم إذ ذاك مقيم بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة.

# ووقع في «نظم السيرة» للحافظ أبي الفضل العراقي ما هو نص في وقوع
~~الانشقاق مرتين، وظاهر في أنه مجمع على وقوعه كذلك حيث قال: وانشق مرتين
~~بالإجماع، وكأن مستند الأول ما أخرجه / عبد بن حميد والحاكم وصححه وابن
~~مردويه والبيهقي في «الدلائل» من طريق مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود
~~قال: رأيت القمر منشقا شقتين مرتين بمكة قبل مخرج النبي صلى الله عليه
~~وسلم الحديث، وأما الإجماع فغير مسلم، وفي «المواهب» قال الحافظ ابن حجر:
~~أظن أن قوله: بالإجماع يتعلق بانشق لا بمرتين فإني لا أعلم من جزم من
~~علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه صلى الله عليه وسلم، ولعل قائل
~~مرتين أراد فرقتين، وهذا الذي لا يتجه غيره جمعا بين الروايات انتهى،
~~ولا يخفى أن هذا التأويل مع بعده لا يتسنى في خبر ابن مسعود المذكور
~~آنفا لمكان شقتين وهي بمعنى فرقتين ومرتين معا، والذي عندي في تأويل
~~ذلك أن مرتين في كلام ابن مسعود قيد للرؤية، وتعددها لا يقتضي تعدد
~~الانشقاق بأن يكون رآه منشقا فصرف نظره عنه ثم أعاده فرآه كذلك لم يتغير
~~ففيه إشارة إلى أنها رؤية لا شبهة فيها وقد فعل نحو ذلك الكفرة، أخرج أبو
~~نعيم من طريق عطاء عن ابن عباس قال:

# " انتهى أهل مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل من آية نعرف
~~بها أنك رسول الله؟ فهبط جبريل عليه السلام فقال: يا محمد قل لأهل مكة أن
~~يجتمعوا هذه الليلة يروا آية فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~بمقالة جبريل عليه السلام فخرجوا ليلة أربع عشرة فانشق القمر ms10242 نصفين نصفا
~~على الصفا ونصفا على المروة فنظروا ثم قالوا بأبصارهم فمسحوها ثم أعادوا
~~النظر فنظروا ثم مسحوا أعينهم ثم نظروا فقالوا ما هذا إلا سحر فأنزل الله
~~تعالى: { اقتربت الساعة وانشق القمر } "

# فلو قال أحد [من] هؤلاء رأيت القمر منشقا ثلاث مرات على معنى تعدد
~~الرؤية صح بلا غبار ولم يقتض تعدد الانشقاق فليخرج كلام ابن مسعود على
~~هذا الطرز ليجمع بين الروايات.

# ثم هذا الحديث إن صح كان دليلا لما أشار إليه البوصيري في قوله:

# شق عن صدره وشق له البد

# ر ومن شرط كل شرط جزاء

# من أن الشق كان ليلة أربع عشرة لأن البدر هو القمر ليلة أربع عشرة ويعلم
~~من ذلك ما في قول العلامة ابن حجر الهيتمي في «شرحه»: ظاهر التعبير
~~بالبدر دون القمر أن الشق كان ليلة أربع عشرة ولم أر له في ذلك سلفا،
~~ولعله أراد بالبدر مطلق القمر، ويؤيد كونه ليلة البدر ما أخرجه الطبراني
~~وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: كسف القمر على عهد رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فقالوا: سحر القمر فنزلت { اقتربت الساعة }
~~إلى

# مستمر

# [القمر: 2] فإن الكسوف وإن جاز عادة أن يكون ليلة الثالث عشر وليلة
~~الخامس عشر إلا أن الأغلب كونه ليلة الرابع عشر ولا ضرورة إلى حمل الكسوف
~~في هذا الخبر على الانشقاق إذ لا مانع كما في «البداية والنهاية» أن يكون
~~قد حصل للقمر مع انشقاقه كسوف، نعم ذكر فيها أن سياق الخبر غريب.

# ثم إن القمر بعد انشقاقه لم تفارق قطعتاه السماء بل بقيتا فيها
~~متباعدتين تباعدا ما لحظة ثم اتصلتا، وما يذكره بعض القصاص من أنه دخل
~~في جيب النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من كمه فباطل لا أصل له كما حكاه
~~الشيخ بدر الدين الزركشي عن شيخه العماد بن كثير ولعنة الله تعالى على من
~~وضعه. وما في خبر أبي نعيم  الذي أخرجه من طريق الضحاك عن ابن عباس من
~~أنه انشق فصار قمرين أحدهما على ms10243 الصفا والآخر على المروة قدر ما بين
~~العصر إلى الليل ينظرون إليه ثم غاب  لا يعول عليه، كيف وقد تضمن ذلك
~~الخبر أن الانشقاق وقع لطلب أحبار اليهود وأن القائل:

# سحر مستمر

# [القمر: 2] هم، وهو مخالف لما نطقت به الأخبار الصحيحة الكثيرة كما لا
~~يخفى على المتتبع، وقد شاع

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى القمر بسبابته الشريفة فانشق "

# ولم أره في خبر صحيح والله تعالى أعلم.

# / وأنكر الفلاسفة أصل الانشقاق بناءا على زعمهم استحالة الخرق
~~والالتئام على الأجرام العلوية، ودليلهم على ذلك أوهن من بيت العنكبوت
~~وقد خرق بأدنى نسمة من نسمات أفكار أهل الحق العلويين خرقا لا يقبل
~~الالتئام كما بين في موضعه، وقال بعض الملاحدة: لو وقع لنقل متواترا
~~واشترك أهل الأرض كلهم في معرفته ولم يختص بها أهل مكة لأنه أمر محسوس
~~مشاهد والناس فيه شركاء والطباع حريصة على رواية الغريب ونقل ما لم يعهد،
~~ولا أغرب من انشقاق هذا الجرم العظيم ولم يعهد أصلا في الزمن القديم ولو
~~كان له أصل لخلد أيضا في كتب التسيير والتنجيم ولذكره أهل الأرصاد فقد
~~كانت موجودة قبل البعثة بكثير وإطباقهم على تركه وإغفاله مع جلالة شأنه
~~ووضوح أمره مما لا تجوزه العادة، وأيضا لا يعقل سبب لخرق هذا الجرم
~~العظيم وأيضا خرقه يوجب صوتا هائلا أشد من أصوات الصواعق المهلكة
~~بأضعاف مضاعفة لا يبعد هلاك أكثر أهل الأرض منه، وأيضا متى خرق وصار
~~قطعتين ذهبت منه قوة التجاذب كالجبل إذا انشق فيلزم بقاؤه منشقا ولا أقل
~~من أن يبقى كذلك سنين كثيرة.

# والجواب عن ذلك أنه وقع في الليل وزمان الغفلة وكان في زمان قليل ورؤية
~~القمر في بلد لا تستلزم رؤيته في جميع البلاد ضرورة اختلاف المطالع فقد
~~يكون القمر طالعا على قوم غائبا عن آخرين ومكسوفا عند قوم غير مكسوف
~~عند آخرين والاعتناء بأمر الأرصاد لم يكن بمثابته اليوم وغفلة أهلها لحظة
~~غير مستبعد والانشقاق لا تختلف به منازله ولا يتغير به سيره غاية ms10244 ما في
~~الباب أن يحدث في القطعة الشرقية قوة سير لتلحق أختها الغربية، وأي مانع
~~من أن يخلق الله تعالى فيها من السرعة نحو ما خلق الله سبحانه في ضوء
~~الشمس فقد قال أهل الحكمة الجديدة: إن بين الأرض والشمس ثلثمائة ألف فرسخ
~~وأربعون ألف فرسخ وإن ضوءها ليصل إلى الأرض في مدة ثمان دقائق وثلاث عشرة
~~ثانية فيقطع الضوء في كل ثانية سبعين ألف فرسخ ولا يلزم أن يعلم سبب كل
~~حادث بل كثير من الحوادث المتكررة المشاهدة لم يوقف على أسبابها كرؤية
~~الكواكب قريبة مع بعدها المفرط فقد ذكروا أنهم لم يقفوا على سببه ويكفي
~~في ذلك عدم وقوفهم على سبب الإبصار بالعين على الحقيقة ولو أخبرهم مخبر
~~بفرض إن لم يكن لهم إبصار بخواص البصر مع كونه قطعة شحم صغيرة معروفة
~~أحوالها عند أهل التشريح لأنكروا عليه غاية الإنكار وكذبوه غاية التكذيب
~~ونسبوه إلى الجنون.

# ومن سلم تأثير النفوس إلى حد أن يصرع الشخص آخر بمجرد النظر إليه
~~وتوجيه نفسه نحوه لم يستبعد أن يكون هناك سبب نحو ذلك، وقد صح في إصابة
~~العين أن بعض الأعراب ممن له عين صائبة يفلق سنام الناقة فلقتين، وربما
~~تصور له من رمل فينظر إليه ويفلقه فينفلق سنامها مع عدم رؤيته لها نفسها،
~~وهذا كله من باب المماشاة وإلا فإرادة الله تعالى كافية في الانشقاق وكذا
~~في كل المعجزات وخوارق العادات ولو كان لكل حادث سبب لزم التسلسل وقد
~~قامت الأدلة على بطلانه، وكون الخرق يوجب صوتا هائلا ممنوع فيما نحن
~~فيه ومثله ذهاب التجاذب والأجسام مختلفة من حيث الخواص فلا يلزم اتحاد
~~جرم القمر والأرض فيها ويمكن أن يكون إحدى القطعتين كالجبل العظيم
~~بالنسبة إلى الأرض إذا ارتفع عنها بقاسر مثلا جذبته إليه إذا لم يخرج عن
~~حد جذبها على ما زعموه ويلتزم في تلك القطعة عدم الخروج عن حد الجذب
~~على أنا في غنى عن كل ذلك أيضا بعد إثبات الإمكان وشمول قدرته عز وجل
~~وأنه سبحانه فعال ms10245 لما يريد.

# والحاصل أنه ليس عند المنكر سوى الاستبعاد ولا يستطيع أن يأتي بدليل على
~~الاستحالة الذاتية ولو انشق، والاستبعاد في مثل هذه المقامات قريب من
~~الجنون عند من له عقل سليم، وروي عن الحسن أنه قال: هذا / الانشقاق بعد
~~النفخة الثانية، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع، وروي ذلك عن عطاء أيضا،
~~ويؤيد ما تقدم الذي عليه الأكثرون قراءة حذيفة (وقد انشق القمر) فإن
~~الجملة عليها حالية فتقتضي المقارنة لاقتراب الساعة ووقوع الانشقاق قبل
~~يوم القيامة.

### || [54.2]

# وكذا قوله تعالى: { وإن يروا ءاية يعرضوا } فإنه يقتضي أن
~~الانشقاق آية رأوها وأعرضوا عنها، وزعم بعضهم أن انشقاق القمر عبارة عن
~~انشقاق الظلمة عند طلوعه وهذا كما يسمى الصبح فلقا عند انفلاق الظلمة
~~عنه وقد يعبر عن الانفلاق بالانشقاق كما في قول النابغة:

# فلما أدبروا ولهم دوي

# دعانا عند شق الصبح داعي

# وزعم آخر أن معنى انشق القمر وضح الأمر وظهر وكلا الزعمين مما لا يعول
~~عليه ولا يلتفت إليه ولا أظن الداعي إليهما عند من يقر بالساعة التي هي
~~أعظم من الانشقاق ويعترف بالعقائد الإسلامية التي وقع عليها الاتفاق سوى
~~عدم ثبوت الأخبار في وقوع ذلك على عهده عليه الصلاة والسلام عنده؛ ومنشأ
~~ذلك القصور التام والتمسك بشبه هي على طرف الثمام، ومع هذا لا يكفر
~~المنكر بناءا على عدم الاتفاق على تواتر ذلك وعدم كون الآية نصا فيه،
~~والإخراج من الدين أمر عظيم فيحتاط فيه ما لا يحتاط في غيره والله تعالى
~~الموفق.

# والظاهر أن المراد باقتراب الساعة القرب الشديد الزماني، وكل آت قريب،
~~وزمان العالم مديد، والباقي بالنسبة إلى الماضي شيء يسير. ومال الإمام
~~إلى أن المراد به قربها في العقول والأذهان، وحاصله أنها ممكنة إمكانا
~~قريبا لا ينبغي لأحد إنكارها، واستعمال الاقتراب مع أنه أمر مقطوع به
~~كاستعمال لعل في قوله تعالى:

# لعل الساعة تكون قريبا

# [الأحزاب: 63] مع أن الأمر معلوم عند الله تعالى وانشقاق القمر آية
~~ظاهرة على هذا القرب، وعلى الأول قيل: هو آية لأصل الإمكان الذي ms10246 يقتضيه
~~قرب الوقوع، وقيل: هو آية لقرب الوقوع ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم
~~باعتبار أن الله تعالى مخبر في كتبه السالفة بأنه إذا قربت الساعة انشق
~~القمر معجزة وكلاهما كما ترى، واختار بعضهم أنه آية لصدق النبي عليه
~~الصلاة والسلام في جميع ما يقول ويبلغ ربه سبحانه لأنه معجزة له صلى الله
~~عليه وسلم ومنه دعوى الرسالة والإخبار باقتراب الساعة وغير ذلك، و {
~~ءاية } نكرة في سياق الشرط فتعم، فالمعنى: وإن يروا كل آية يعرضوا عن
~~التأمل فيها ليقفوا على وجه دلالتها وعلو طبقتها.

# { ويقولوا سحر } أي هذا أو هو أي ما نراه سحر { مستمر }
~~أي مطرد دائم يأتي به محمد صلى الله عليه وسلم على مر الزمان وهو ظاهر في
~~ترادف الآيات وتتابع المعجزات. وقال أبو العالية والضحاك: { مستمر
~~} محكم موثق من المرة - بالفتح أو الكسر - بمعنى القوة وهو في الأصل مصدر
~~مررت الحبل مرة إذا فتلته فتلا محكما فأريد به مطلق المحكم مجازا
~~مرسلا، وقال أنس ويمان ومجاهد والكسائي والفراء واختاره النحاس مستمر أي
~~مار ذاهب زائل عن قريب عللوا بذلك أنفسهم ومنوها بالأماني الفارغة كأنهم
~~قالوا: إن حاله عليه الصلاة والسلام وما ظهر من معجزاته سبحانه:

# سحابة صيف عن قريب تقشع

# ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره
~~الكفرون

# [التوبة: 32] وقيل: { مستمر } مشتد المرارة أي مستبشع عندنا
~~منفور عنه لشدة مرارته يقال: مر الشيء وأمر إذا صار مرا وأمر غيره
~~ومره يكون لازما ومتعديا، وقيل: { مستمر } يشبه بعضه بعضا أي
~~استمرت أفعاله على هذا الوجه من التخييلات، وقيل: { مستمر } مار
~~من الأرض إلى السماء أي بلغ من سحره أنه سحر القمر وهذا ليس بشيء، ولعل
~~الأنسب / بغلوهم في العناد والمكابرة ما روي عن أنس ومن معه. وقرىء  وإن
~~يروا  بالبناء للمفعول من الإراءة.

### || [54.3]

# { وكذبوا } النبي صلى الله عليه وسلم وبما أظهره الله تعالى على
~~يده من الآيات { واتبعوا أهواءهم } التي زينها الشيطان لهم،
~~وقيل: كذبوا الآية التي هي انشقاق القمر واتبعوا أهواءهم وقالوا سحر ms10247
~~القمر أو سحرت أعيننا والقمر بحاله. والعطف على الجزاء السابق. وصيغة
~~الماضي للدلالة على التحقق، وقيل: العطف على

# اقتربت

# [القمر: 1] والجملة الشرطية اعتراض لبيان عادتهم إذا شاهدوا الآيات.

# وقوله تعالى: { وكل أمر مستقر } استئناف مسوق للرد على
~~الكفار في تكذيبهم ببيان أنه لا فائدة لهم فيه ولا يمنع علو شأنه صلى
~~الله عليه وسلم، أو لإقناطهم عما علقوا به أمانيهم الفارغة من عدم
~~استقرار أمره عليه الصلاة والسلام حسبما قالوا:

# سحر مستمر

# [القمر: 2] ببيان ثبوته ورسوخه أي وكل أمر من الأمور منته إلى غاية
~~يستقر عليها لا محالة ومن جملتها أمر النبي صلى الله عليه وسلم فسيصير
~~إلى غاية يتبين عندها حقيته وعلو شأنه، وللإشارة إلى ظهور هذه الغاية
~~لأمره عليه الصلاة والسلام لم يصرح بالمستقر عليه.

# وفي «الكشاف» أي كل أمر لا بد أن يصير إلى غاية يستقر عليها وأن أمره
~~صلى الله عليه وسلم سيصير إلى غاية يتبين عندها أنه حق أو باطل وسيظهر له
~~عاقبتهم أو وكل أمر من أمره عليه الصلاة والسلام، وأمرهم مستقر أي سيثبت
~~ويستقر على حالة نصرة أو خذلان في الدنيا أو سعادة وشقاوة في الآخرة، قال
~~في «الكشف»: والكلام على الأول تذييل جار مجرى المثل وعلى الثاني تذييل
~~غير مستقل.

# وقرأ شيبة { مستقر } بفتح القاف ورويت عن نافع، وزعم أبو حاتم أنها لا
~~وجه لها وخرجت على أن مستقرا مصدر بمعنى استقرار، وحمله على { كل
~~أمر } بتقدير مضاف أي ذو مستقر ولو لم يقدر وقصد المبالغة صح، وجوز
~~كونه اسم زمان أو مكان بتقدير مضاف أيضا أي ذو زمان استقرار، أو ذو موضع
~~استقرار، وتعقب بأن كون كل أمر لا بد له من زمان أو مكان أمر معلوم لا
~~فائدة في الإخبار به، وأجيب بأن فيه إثبات الاستقرار له بطريق الكناية
~~وهي أبلغ من التصريح.

# وقرأ زيد بن علي { مستقر } بكسر القاف والجر، وخرج على أنه صفة {
~~أمر } وأن { كل } معطوف على

# الساعة

# [القمر: 1] أي اقتربت الساعة واقترب كل أمر يستقر ويتبين ms10248 حاله أي
~~بقربها، قال في «الكشف»: وفيه شمة من التجريد وتهويل عظيم حيث جعل في
~~اقترابها اقتراب كل أمر يكون له قرار وتبين حال مما له وقع، وقوله تعالى:
~~{ وانشق القمر } على هذا إما على تقدير قد وينصره القراءة بها،
~~وإما منزل منزلة الإعراض لكونه مؤكدا لقرب الساعة، وقوله سبحانه:

# وإن يروا ءاية

# [القمر: 2] الخ مستطرد عند ذكر انشقاق القمر.

# واعترض ذلك أبو حيان بأنه بعيد لكثرة الفواصل بين المعطوف والمعطوف عليه
~~وجعل الكلام عليه نظير أكلت خبزا وضربت خالدا، وإن يجىء زيد أكرمه،
~~ورحل إلى بني فلان، ولحما بعطف لحما على خبزا ثم قال بل لا يوجد مثله
~~في كلام العرب. وتعقب بأنه ليس بشيء لأنه إذا دل على العطف الدليل لا يعد
~~ذلك مانعا منه على أن بين الآية والمثال فرقا لا يخفى. وقال صاحب
~~«اللوامح» إن { مستقر } خبر { كل } والجر للجوار، واعترضه أبو
~~حيان أيضا بأنه ليس بجيد لأن الجر على الجوار في غاية الشذوذ في مثله إذ
~~لم يعهد في خبر المبتدأ، وإنما عهد في الصفة على اختلاف النحاة في وجوده،
~~واستظهر كون { كل } مبتدأ وخبره مقدر كآت، أو معمول به ونحوه مما يشعر
~~به الكلام أو مذكور بعد وهو قوله تعالى:

# حكمة بلغة

# [القمر: 5] وقد اعترض بينهما بقوله سبحانه: { ولقد جاءهم... }.

### || [54.4]

# { ولقد جاءهم } في القرآن { من الأنباء } أي أخبار القرون
~~الخالية، أو أخبار الآخرة، والجار والمجرور / في موضع الحال من { ما }
~~في قوله عز وجل: { ما فيه مزدجر } قدم عليه رعاية للفاصلة
~~وتتويقا إليه و { من } للتبعيض، أو للتبيين بناءا على المختار من
~~جواز تقديمه على المبين، قال الرضي: إنما جاز تقديم { من } المبينة على
~~المبهم في نحو  عندي من المال ما يكفي  لأنه في الأصل صفة لمقدر أي شيء
~~من المال، والمذكور عطف بيان للمبين المقدر قبلها ليحصل البيان بعد
~~الإبهام أي بالله لقد جاءهم كائنا من الأنباء ما فيه ازدجار لهم ومنع
~~عما هم فيه من القبائح، أو موضع ازدجار ومنع، وهي ms10249 أنباء التعذيب، أو
~~أنباء الوعيد. وأصل { مزدجر } مزتجر بالتاء موضع الدال وتاء
~~الافتعال تقلب دالا مع الدال والذال والراء للتناسب، وقرىء (مزجر)
~~بقلبها زايا وإدغام الزاي فيها، وقرأ زيد بن علي (مزجر) اسم فاعل من
~~أزجر أي صار ذا زجر كأعشب صار ذا عشب.

### || [54.5]

# { حكمة بلغة } أي واصلة غاية الإحكام لا خلل فيها، ورفع {
~~حكمة } على أنها بدل كل، أو اشتمال من { ما } ، وقيل: من

# مزدجر

# [القمر: 4] أو خبر مبتدأ محذوف أي هي أو هذه، على أن الإشارة لما يشعر
~~به الكلام من إرسال الرسل وإيضاح الدليل والإنذار لمن مضى، أو إلى ما في
~~الأنباء، أو إلى الساعة المقتربة، والآية الدالة عليها  كما قاله الإمام
~~وتقدم آنفا  احتمال كونها خبرا عن كل في قراءة زيد، وقرأ اليماني {
~~حكمة بلغة } بالنصب حالا من { ما } فإنها موصولة أو نكرة
~~موصوفة، ويجوز مجىء الحال منها مع تأخرها أو هو بتقدير أعني.

# { فما تغنى النذر } نفي للإغناء أو استفهام إنكاري والفاء
~~لترتيب عدم الإغناء على مجىء الحكمة البالغة مع كونه مظنة للإغناء وصيغة
~~المضارع للدلالة على التجدد والاستمرار، و { ما } على الوجه الثاني في
~~محل نصب على أنها مفعول مطلق أي فأي إغناء تغني النذر، وجوز أن تكون في
~~محل رفع على الابتداء، والجملة بعدها خبر، والعائد مقدر أي فما تغنيه
~~النذر وهو جمع نذير بمعنى المنذر، وجوز أن يكون جمع نذير بمعنى الإنذار،
~~وتعقب بأن حق المصدر أن لا يثنى ولا يجمع وأن يكون مصدرا كالإنذار،
~~وتعقب بأنه يأباه تأنيث الفعل المسند إليه وكونه باعتبار أنه بمعنى
~~النذارة لا يخفى حاله.

### || [54.6]

# { فتول عنهم } الفاء للسببية والمسبب التولي أو الأمر به
~~والسبب عدم الإغناء أو العلم به. والمراد بالتولي إما عدم القتال، فالآية
~~منسوخة، وإما ترك الجدال للجلاد فهي محكمة، والظاهر الأول.

# { يوم يدع الداع } ظرف  ليخرجون  أو مفعول به لاذكر مقدرا،
~~وقيل: لانتظر، وجوز أن يكون ظرفا لتغني، أو لمستقر وما بينهما اعتراض،
~~أو ظرفا  ليقول الكافر  أو  لتول  أي تول ms10250 عن الشفاعة لهم يوم
~~القيامة، أو هو معمول له بتقدير إلى، وعليه قول الحسن فتول عنهم إلى يوم.
~~والمراد استمرار التولي والكل كما ترى. والداعي إسرافيل عليه السلام،
~~وقيل: جبرائيل عليه السلام، وقيل: ملك غيرهما موكل بذلك، وجوز أن يكون
~~الدعاء للإعادة في ذلك اليوم كالأمر في

# كن فيكون

# [يس: 82] على القول بأنه تمثيل، فالداعي حينئذ هو الله عز وجل. وحذفت
~~الواو من { يدع } لفظا لالتقاء الساكنين ورسما اتباعا للفظ، والياء
~~من { الداع } تخفيفا، وإجراءا لال مجرى التنوين لأنها تعاقبه،
~~والشيء يحمل على ضده كما يحمل على نظيره.

# { إلى شىء نكر } أي فظيع تنكره النفوس لعدم العهد بمثله وهو
~~هول القيامة ويكنى بالنكر عن الفظيع لأنه في الغالب منكر غير معهود، وجوز
~~أن يكون من الإنكار ضد الإقرار وأيا ما كان فهو وصف على فعل بضمتين وهو
~~قليل في الصفات، ومنه روضة أنف لم ترع، ورجل شلل خفيف في الحاجة سريع حسن
~~الصحبة / طيب النفس، وسجح لين سهل.

# وقرأ الحسن وابن كثير وشبل { نكر } بإسكان الكاف كما قالوا: شغل وشغل،
~~وعسر وعسر وهو إسكان تخفيف، أو السكون هو الأصل والضم للاتباع، وقرأ
~~مجاهد وأبو قلابة والجحدري وزيد بن علي { نكر } فعلا ماضيا مبنيا
~~للمفعول بمعنى أنكر.

### || [54.7]

# { خشعا أبصرهم } حال من فاعل { يخرجون } أي يخرجون {
~~من الأجداث } أي القبور، أذلة أبصارهم من شدة الهول أي أذلاء من
~~ذلك. وقدم الحال لتصرف العامل والاهتمام، وفيه دليل على بطلان مذهب
~~الجرمي من عدم تجويز تقدم الحال على الفعل وإن كان متصرفا، ويرده أيضا
~~قولهم: شتى تؤب الحلبة، وقوله:

# سريعا يهون الصعب عند أولي النهى

# إذا بر جاء صادق قابلوا البأسا

# وجعل حالا من ذلك لقوله تعالى:

# يوم يخرجون من الأجداث سراعا

# [المعارج: 43] إلى قوله تعالى:

# خشعة أبصرهم

# [المعارج: 44]. وقيل: هو حال من الضمير المفعول المحذوف في

# يدع الداع

# [القمر: 6] أي يدعوهم الداع. وتعقب بأنه لا يطابق المنزل وأيضا يصير
~~حالا مقدرة لأن الدعاء ليس حال خشوع البصر وليست في الكثرة كغيرها وكذلك ms10251
~~جعله مفعول  يدعو  على معنى يدعو فريقا خاشعا أبصارهم أي سيخشع وإن
~~كان هذا أقرب مما قبل، وقيل: هو حال من الضمير المجرور في قوله تعالى:

# فتولى عنهم

# [القمر: 6] وفيه ما لا يخفى، و(أبصارهم) فاعل (خشعا) وطابقه الوصف في
~~الجمع لأنه إذا كسر لم يشبه الفعل لفظا فتحسن فيه المطابقة وهذا بخلاف
~~ما إذا جمع جمع مذكر سالم فإنه لم يتغير زنته وشبهه للفعل فينبغي أن لا
~~يجمع إذا رفع الظاهر المجموع على اللغة الفصيحة دون لغة أكلوني البراغيث،
~~لكن الجمع حينئذ في الاسم أخف منه في الفعل كما قال الرضي، ووجهه ظاهر،
~~وفي «التسهيل» إذا رفعت الصفة اسما ظاهرا مجموعا فإن أمكن تكسيرها 
~~كمررت برجل قيام غلمانه  فهو أولى من إفرادها  كمررت برجل قائم غلمانه
~~ وهذا قول المبرد ومن تبعه والسماع شاهد له كقوله:

# وقوفا بها صحبي على مطيهم

# يقولون لا تهلك أسى وتجملي

# وقوله:

# بمطرد لدن صحاح كعوبه

# وذي رونق عضب يقد القوانسا

# وقال الجمهور: الإفراد أولى والقياس معهم، وعليه قوله:

# ورجال حسن أوجههم

# من إياد بن نزار بن معد

# وقيل: إن تبع مفردا فالإفراد أولى  كرجل قائم غلمانه  وإن تبع جمعا
~~فالجمع أولى  كرجال قيام غلمانهم  وأما التثنية والجمع السالم فعلى لغة
~~أكلوني البراغيث؛ وجوز أن يكون في { خشعا } ضمير مستتر، و {
~~أبصرهم } بدلا منه.

# وقرأ ابن عباس وابن جبير ومجاهد والجحدري وأبو عمرو وحمزة والكسائي 
~~خاشعا  بالإفراد، وقرأ أبي وابن مسعود  خاشعة  وقرىء  خشع  على
~~أنه خبر مقدم، و { أبصرهم } مبتدأ، والجملة في موضع الحال.

# وقوله تعالى: { كأنهم جراد منتشر } حال أيضا وتشبيههم
~~بالجراد المنتشر في الكثرة والتموج والانتشار في الأقطار، وجاء تشبيههم
~~بالفراش المبثوث ولهم يوم الخروج سهم من الشبه لكل، وقيل: يكونون أولا
~~كالفراش حين يموجون فزعين لا يهتدون أين يتوجهون لأن الفراش لا جهة لها
~~تقصدها، ثم كالجراد المنتشر إذا توجهوا إلى المحشر فهما تشبيهان باعتبار
~~وقتين، وحكي ذلك عن مكي بن أبي طالب.

### || [54.8]

# { مهطعين إلى الداع } مسرعين إليه قاله أبو عبيدة. ms10252 وزاد
~~بعضهم مادي أعناقهم، وآخر مع هز ورهق ومد بصر. / وقال عكرمة: فاتحين
~~آذانهم إلى الصوت، وعن ابن عباس ناظرين إليه لا تقلع أبصارهم عنه وأنشد
~~قول تبع:

# تعبدني نمر بن سعد وقد أرى

# ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع

# وفي رواية أنه فسره بخاضعين وأنشد البيت، وقيل: خافضين ما بين أعينهم،
~~وقال سفيان: شاخصة أبصارهم إلى السماء، وقيل: أصل الهطع مد العنق أو مد
~~البصر، ثم يكنى به عن الإسراع، أو عن النظر والتأمل فلا تغفل.

# { يقول الكفرون هذا يوم عسر } صعب شديد لما يشاهدون
~~من مخايل هوله وما يرتقبون من سوء منقلبهم فيه. وفي إسناد القول المذكور
~~إلى الكفار تلويح بأنه على المؤمنين ليس كذلك.

### || [54.9]

# { كذبت قبلهم قوم نوح } شروع في تعداد بعض ما ذكر من
~~الأنباء الموجبة للازدجار؛ ونوع تفصيل لها وبيان لعدم تأثرهم بها تقريرا
~~لفحوى قوله تعالى:

# فما تغنى النذر

# [القمر: 5] والفعل منزل منزلة اللازم أي فعلت التكذيب قبل تكذيب قومك
~~قوم نوح، وقوله تعالى: { فكذبوا عبدنا } تفسير لذلك التكذيب
~~المبهم كما في قوله تعالى:

# ونادى نوح ربه فقال

# [هود: 45] الخ، وفيه مزيد تحقيق وتقرير للتكذيب، وجوز أن يكون المعنى
~~كذبوا تكذيبا إثر تكذيب كلما خلا منهم قرن مكذب جاء عقيبه قرن آخر مكذب
~~مثله، أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا - أي لما كانوا مكذبين للرسل
~~جاحدين للنبوة رأسا كذبوا نوحا - لأنه من جملة الرسل، والفاء عليه
~~سببية، وقيل: معنى كذبت قصدت التكذيب وابتدأته، ومعنى { فكذبوا }
~~أتموه وبلغوا نهايته كما قيل في قوله:

# قد جبر الدين الإله فجبر

# وفي ذكره عليه السلام بعنوان العبودية مع الإضافة إلى نون العظمة تفخيم
~~له عليه السلام ورفع لمحله وتشنيع لمكذبيه.

# { وقالوا مجنون } أي لم يقتصروا على مجرد التكذيب بل نسبوه إلى
~~الجنون فقالوا هو مجنون { وازدجر } عطف على  قالوا  وهو إخبار منه
~~عز وجل أي وزجر عن التبليغ بأنواع الأذية والتخويف قاله ابن زيد، وقرأ

# لئن لم تنته ينوح * لتكونن من المرجومين

# [الشعراء: 116] وقال مجاهد: هو ms10253 من تمام قولهم أي هو مجنون، وقد ازدجرته
~~الجن وذهبت بلبه وتخبطته، والأول أظهر وأبلغ، وجعل مبنيا للمفعول لغرض
~~الفاصلة، وطهر الألسنة عن ذكرهم دلالة على أن فعلهم أسوأ من قولهم.

### || [54.10]

# { فدعا ربه أنى } أي بأني. وقرأ ابن أبي إسحق وعيسى والأعمش
~~وزيد بن علي ورويت عن عاصم { إنى } بكسر الهمزة على إضمار القول عند
~~البصريين، وعلى إجراء الدعاء مجرى القول عند الكوفيين { مغلوب } من
~~جهة قومي مالي قدرة على الانتقام منهم { فانتصر } فانتقم لي منهم،
~~وقيل: فانتصر لنفسك إذ كذبوا رسولك، وقيل: المراد  بمغلوب  غلبتني نفسي
~~حتى دعوت عليهم بالهلاك وهو خلاف الظاهر وما دعا عليه السلام عليهم إلا
~~بعد اليأس من إيمانهم. والتأكيد لمزيد الاعتناء بأمر الترحم المقصود من
~~الإخبار.

### || [54.11]

# أي منصب، وقيل: كثير قال الشاعر:

# أعيناي جودا بالدموع (الهوامر)

# على خير باد من معد وحاضر

# والباء للآلة مثلها في فتحت الباب بالمفتاح، وجوز أن تكون للملابسة
~~والأول أبلغ. وفي الكلام استعارة تمثيلية بتشبيه تدفق المطر من السحاب
~~بانصباب أنهار انفتحت بها أبواب السماء وانشق أديم الخضراء، وهو الذي ذهب
~~إليه الجمهور، وذهب قوم إلى أنه على حقيقته وهو ظاهر كلام ابن عباس. /
~~أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أنه قال: لم تمطر السماء قبل ذلك
~~اليوم ولا بعده إلا من السحاب، وفتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب
~~ذلك اليوم فالتقى الماآن، وفي رواية لم تقلع أربعين يوما، وعن النقاش
~~أنه أريد بالأبواب المجرة وهي شرج السماء كشرج العيبة، والمعروف من
~~الأرصاد أن المجرة كواكب صغار متقاربة جدا، والله تعالى أعلم. ومن
~~العجيب أنهم كانوا يطلبون المطر سنين فأهلكهم الله تعالى بمطلوبهم.

# وقرأ ابن عامر وأبو جعفر والأعرج ويعقوب { ففتحنا } بالتشديد لكثرة
~~الأبواب، والظاهر أن جمع القلة هنا للكثرة.

### || [54.12]

# { وفجرنا الأرض عيونا } وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون
~~متفجرة وأصله فجرنا عيون الأرض فغير إلى التمييز للمبالغة بجعل الأرض
~~كلها متفجرة مع الإبهام والتفسير، فالتمييز محول عن المفعول، وجعله بعضهم
~~محولا عن الفاعل بناءا ms10254 على أنه الأكثر، والأصل انفجرت عيون الأرض
~~وتحويله كما يكون عن فاعل الفعل المذكور يكون عن فاعل فعل آخر يلاقيه في
~~الاشتقاق وهذا منه وهو تكلف لا حاجة إليه، ومنع بعضهم مجيء التمييز من
~~المفعول فأعرب { عيونا } حالا مقدرة، وجوز عليه أن يكون مفعولا
~~ثانيا لفجرنا على تضمينه ما يتعدى إليه أي صيرنا بالتفجير الأرض عيونا
~~وكان ذلك على ما في بعض الروايات أربعين يوما. وقرأ عبد الله وأصحابه
~~وأبو حيوة والمفضل عن عاصم { فجرنا } بالتخفيف.

# { فالتقى الماء } أي ماء السماء وماء الأرض، والإفراد لتحقيق أن
~~التقاء الماءين لم يكن بطريق المجاورة بل بطريق الاختلاط والاتحاد. وقرأ
~~علي كرم الله تعالى وجهه والحسن ومحمد بن كعب والجحدري  الماآن 
~~والتثنية لقصد بيان اختلاف النوعين وإلا فالماء شامل لماء السماء وماء
~~الأرض، ونحوه قوله:

# لنا (إبلان) فيهما ما علمتم

# فعن (أيها) ما شئتم فتنكبوا

# وقيل: فيها إشارة إلى أن ماء الأرض فار بقوة وارتفع حتى لاقى ماء السماء
~~وفي ذلك مبالغة لا تفهم من الأفراد.

# وقرأ الحسن أيضا  ما وان  بقلب الهمزة واوا كقولهم: علباوان كما قال
~~الزمخشري، ولم يرد أنه نظيره بل أراد كما أن هنالك إبدالا بعلة أنها غير
~~أصلية لأنها زائدة للإلحاق كذلك ههنا لأنها مبدلة والبدل وإن كان من
~~الهاء لكنها أجريت مجرى البدل عن الواو فقيل في النسبة فيه: ماوي، وجاء
~~في جمعه أمواء كما جاء أمواه، ولا يبعد أن يكون من ثناه بالواو قاسه على
~~النسبة كذا في «الكشف»، وعنه أيضا المايان بقلب الهمزة ياءا.

# { على أمر قد قدر } أي كائنا على حال قد قدرها الله تعالى
~~في الأزل من غير تفاوت أو على حال قدرت وسويت وهي أن ما نزل على قدر ما
~~خرج. وقيل: إن ماء الأرض علا سبعة عشر ذراعا ونزل ماء السماء مكملا
~~أربعين، وقيل: ماء الأرض كان أكثر وله مقدار معين عند الله عز وجل، أو
~~على أمر قدره الله تعالى وكتبه في اللوح المحفوظ وهو هلاك قوم نوح
~~بالطوفان، ورجحه ms10255 أبو حيان بأن كل قصة ذكرت بعد ذكر الله تعالى فيها هلاك
~~المكذبين فيكون هذا كناية عن هلاك هؤلاء. و { على } عليه للتعليل،
~~ويحتمل تعلقها بالتقى. وفيه رد على أهل الأحكام النجومية حيث زعموا أن
~~الطوفان لاجتماع الكواكب السبعة ما عدا الزهرة في برج مائي.

# وقرأ أبو حيوة وابن مقسم { قدر } بتشديد الدال.

### || [54.13]

# { وحملناه } أي نوحا عليه السلام { على ذات ألوح }
~~أخشاب عريضة { ودسر } أي مسامير كما قاله الجمهور وابن عباس في رواية
~~ابن جرير وابن المنذر، جمع دسار ككتاب وكتب، وقيل: / (دسر) كسقف وسقف.
~~وأصل الدسر الدفع الشديد بقهر فسمي به المسمار لأنه يدق فيدفع بشدة.
~~وقيل: حبال من ليف تشد بها السفن. وقال الليث: خيوط تشد بها ألواحها،
~~وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة والحسن أنها مقاديم السفينة وصدرها الذي تضرب
~~به الموج وتدفعه. وروي عن ابن عباس نحوه. وأخرج عن مجاهد أنها عوارض
~~السفينة أي الخشبات التي تعرض في وسطها. وفي رواية عنه هي أضلاع السفينة.
~~وأيا ما كان فقوله تعالى: { ذات ألوح ودسر } من الصفات التي
~~تقوم مقام الموصوفات على سبيل الكناية كقولهم: حي مستوي القامة عريض
~~الأظفار في الكناية عن الإنسان وهو من فصيح الكلام وبديعه. ونظير الآية
~~قول الشاعر:

# مفرشي صهوة الحصان ولكن

# (قميصي) مسرودة من حديد

# فإنه أراد قميصي درع. وقوله يصف هزال الإبل:

# تراءى الهافي كل عين مقابل

# ولو في (عيون النازيات بأكرع)

# فإنه أراد في عيون الجراد لأن النزو بالأكرع يختص بها. وأما كونه على
~~حذف الموصوف لدلالة الصفة عليه على ما في «المفصل» وغيره فكلام نحوي.

### || [54.14]

# { تجرى بأعيننا } بمرأى منا، وكنى به عن الحفظ، أي تجري في ذلك
~~الماء بحفظنا وكلاءتنا، وقيل: بأوليائنا يعني نوحا عليه السلام ومن آمن
~~معه يقال: مات عين من عيون الله تعالى أي ولي من أوليائه سبحانه، وقيل:
~~بأعين الماء التي فجرناها، وقيل: بالحفظة من الملائكة عليهم السلام سماهم
~~أعينا وأضافهم إليه جل شأنه والأول أظهر. وقرأ زيد بن علي وأبو السمال 
~~بأعينا ms10256  بالإدغام.

# { جزاء لمن كان كفر } أي فعلنا ذلك جزاءا لنوح عليه السلام
~~فإنه كان نعمة أنعمها الله تعالى على قومه فكفروها وكذا كل نبي نعمة من
~~الله تعالى على أمته، وجوز أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل إلى
~~الضمير واستتاره في الفعل بعد انقلابه مرفوعا أي لمن كفر به وهو نوح
~~عليه السلام أيضا أي جحدت نبوته، فالكفر عليه ضد الإيمان، وعلى الأول
~~كفران النعمة، وعن ابن عباس ومجاهد من يراد به الله تعالى كأنه قيل:
~~غضبا وانتصارا لله عز وجل وهو كما ترى. وقرأ مسلمة بن محارب  كفر 
~~بإسكان الفاء خفف فعل كما في قوله:

# لو عصر منه البان والمسك (انعصر)

# وقرأ يزيد بن رومان وقتادة وعيسى { كفر } مبنيا للفاعل فمن يراد
~~بها قوم نوح عليه السلام لا غير. وفي هذه القراءة دليل على وقوع الماضي
~~بغير قد خبرا لكان وهو مذهب البصريين، وغيرهم يقول لا بد من وقوع قد
~~ظاهرة أو مقدرة، وجوز أن تكون { كان } زائدة كأنه قيل: جزءا لمن كفر
~~ولم يؤمن.

### || [54.15]

# { ولقد تركنها } أي أبقينا السفينة { ءاية } بناءا على
~~ما روي عن قتادة والنقاش أنه بقي خشبها على الجودي حتى رآه بعض أوائل هذه
~~الأمة، أو أبقينا خبرها، أو أبقينا جنسها وذلك بإبقاء السفن، أو  تركنا
~~ بمعنى جعلنا، وجوز كون الضمير للفعلة وهي إنجاء نوح عليه السلام ومن
~~معه وإغراق الكافرين { فهل من مدكر } أي معتبر بتلك الآية
~~الحرية بالاعتبار.

# وقرأ قتادة على ما نقل ابن عطية  مذكر  بالذال المعجمة على قلب تاء
~~الافتعال ذالا وإدغام الذال في الذال، وقال صاحب «اللوامح»: قرأ قتادة
~~(فهل من مذكر) بتشديد الكاف من التذكير أي من يذكر نفسه أو غيره بها.
~~وقرىء (مذتكر) بذال معجمة بعدها تاء الافتعال كما هو الأصل.

### || [54.16]

# استفهام تعظيم وتعجيب أي كانا على كيفية هائلة / لا يحيط بها الوصف. و 
~~النذر  مصدر كالإنذار، وقيل: جمع نذير بمعنى الإنذار، وجعله بعضهم بمعنى
~~المنذر منه وليس بشيء، وكذا جعله بمعنى المنذر. و(كان) يحتمل ms10257 أن تكون
~~ناقصة (فكيف) في موضع الخبر وتامة (فكيف) في موضع الحال.

### || [54.17]

# { ولقد يسرنا القرءان } الخ جملة قسمية وردت في آخر القصص
~~الأربع تقريرا لمضمون ما سبق من قوله تعالى:

# ولقد جاءهم

# [القمر: 4] الخ وتنبيها على أن كل قصة منها مستقلة بإيجاب الادكار
~~كافية في الازدجار، ومع ذلك لم يحصل فيها اعتبار، أي وبالله لقد سهلنا
~~القرآن لقومك بأن أنزلناه على لغتهم وشحناه بأنواع المواعظ والعبر وصرفنا
~~فيه من الوعيد والوعد { للذكر } أي للتذكر والاتعاظ { فهل من
~~مدكر } إنكار ونفي للمتعظ على أبلغ وجه وآكده يدل على أنه لا يقدر
~~أحد أن يجيب المستفهم بنعم، وقيل: المعنى سهلنا القرآن للحفظ لما اشتمل
~~عليه من حسن النظم وسلاسة اللفظ وشرف المعاني وصحتها وعروه عن الحشو
~~ونحوه فله تعلق بالقلوب وحلاوة في السمع فهل من طالب لحفظه ليعان عليه؟
~~ومن هنا قال ابن جبير: لم يستظهر شيء من الكتب الإلهية غير القرآن،
~~وأخرج ابن المنذر وجماعة عن مجاهد أنه قال: يسرنا القرآن: هونا قراءته.
~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: لولا أن الله تعالى يسره على لسان
~~الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله تعالى. وأخرج
~~الديلمي عن أنس مرفوعا مثله. وأخرج ابن المنذر عن ابن سيرين أنه مر
~~برجل يقول سورة خفيفة فقال: لا تقل ذلك ولكن قل سورة يسيرة لأن الله
~~تعالى يقول: { ولقد يسرنا القرءان للذكر } والمعنى الذي
~~ذكر أولا أنسب بالمقام، ولعل خبر أنس إن صح ليس تفسيرا للآية، وجوز
~~تفسير { يسرنا } بهيأنا من قولهم: يسر ناقته للسفر إذا رحلها، ويسر
~~فرسه للغزو إذا أسرجه وألجمه قال الشاعر:

# وقمت إليه باللجام (ميسرا)

# هنالك يجزيني الذي كنت أصنع

### || [54.18]

# { كذبت عاد } شروع في قصة أخرى ولم تعطف وكذا ما بعدها من القصص
~~إشارة إلى أن كل قصة مستقلة في القصد والاتعاظ. ولما لم يكن لقوم نوح اسم
~~علم ذكروا بعنوان الإضافة، ولما كان لقوم هود علم وهو عاد ذكروا به لأنه
~~أبلغ في التعريف. ms10258 والمراد كذبت عاد هودا عليه السلام ولم يتعرض لكيفية
~~تكذيبهم له عليه السلام روما للاختصار ومسارعة إلى بيان ما فيه الازدجار
~~من العذاب.

# وقوله: { فكيف كان عذابى ونذر } لتوجيه قلوب السامعين نحو
~~الإصغاء إلى ما يلقى إليهم قبل ذكره لا لتهويله وتعظيمه وتعجيبهم من حاله
~~بعد بيانه كما قبله وما بعده كأنه قيل: كذبت عاد فهل سمعتم، أو فاسمعوا
~~كيف عذابي وإنذاري لهم، وقيل: هو للتهويل أيضا لغرابة ما عذبوا به من
~~الريح وانفراده بهذا النوع من العذاب، وفيه بحث.

### || [54.19]

# وقوله تعالى: { إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا }
~~استئناف لبيان ما أجمل أولا، والصرصر الباردة على ما روي عن ابن عباس
~~وقتادة والضحاك، وقيل: شديدة الصوت وتمام الكلام قد مر في فصلت [16].

# { فى يوم نحس } شؤم عليهم { مستمر } ذلك الشؤم لأنهم بعد
~~أن أهلكوا لم يزالوا معذبين في البرزخ حتى يدخلوا جهنم يوم القيامة،
~~والمراد باليوم مطلق الزمان لقوله تعالى:

# فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا فى أيام نحسات

# [فصلت: 16] وقوله سبحانه:

# سخرها عليهم سبع ليال وثمنية أيام حسوما

# [الحاقة: 7] والمشهور أنه يوم الأربعاء / وكان آخر شوال على معنى أن
~~ابتداء إرسال الريح كان فيه فلا ينافي آيتي فصلت والحاقة. وجوز كون {
~~مستمر } صفة { يوم } أي في يوم استمر عليهم حتى أهلكهم، أو شمل
~~كبيرهم وصغيرهم حتى لم تبق منهم نسمة على أن الاستمرار بحسب الزمان أو
~~بحسب الأشخاص والأفراد لكن على الأول لا بد من تجوز بإرادة استمرار نحسه،
~~أو بجعل اليوم بمعنى مطلق الزمان لأن اليوم الواحد لم يستمر فتدبر، وجوز
~~كون { مستمر } بمعنى محكم وكونه بمعنى شديد المرارة وهو مجاز عن
~~بشاعته وشدة هوله إذ لا طعم له، وجوز كونه بدلا، أو عطف بيان وهو كما
~~ترى. وقرأ الحسن { يوم نحس } بتنوين (يوم) وكسر حاء (نحس)، وجعله
~~صفة ليوم فيتعين كون { مستمر } صفة ثانية له.

# وأيد بعضهم بالآية ما أخرجه وكيع في «الغرر» وابن مردويه والخطيب
~~البغدادي عن ابن عباس مرفوعا «آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر» وأخذ ms10259
~~بذلك كثير من الناس فتطيروا منه وتركوا السعي لمصالحهم فيه ويقولون له:
~~أربعاء لا تدور، وعليه قوله:

# لقاؤك للمبكر فأل سوء

# ووجهك  أربعاء لا تدور 

# وذلك مما لا ينبغي، والحديث المذكور في سنده مسلمة بن الصلت قال أبو
~~حاتم: متروك، وجزم ابن الجوزي بوضعه؛ وقال ابن رجب: حديث لا يصح ورفعه
~~غير متفق عليه فقد رواه الطيوري من طريق آخر موقوفا على ابن عباس، وقال
~~السخاوي: طرقه كلها واهية، وضعفوا أيضا خبر الطبراني «يوم الأربعاء يوم
~~نحس مستمر»، والآية قد علمت معناها.

# وجاء في الأخبار والآثار ما يشعر بمدحه ففي «منهاج الحليمي»، و«شعب
~~البيهقي» أن الدعاء يستجاب يوم الأربعاء بعيد الزوال، وذكر برهان الإسلام
~~في «تعليم المتعلم» عن صاحب «الهداية» أنه ما بدىء شيء يوم الأربعاء إلا
~~وتم وهو يوم خلق الله تعالى فيه النور فلذلك كان جمع من المشايخ يتحرون
~~ابتداء الجلوس للتدريس فيه، واستحب بعضهم غرس الأشجار فيه لخبر ابن حبان
~~والديلمي عن جابر مرفوعا

# " من غرس الأشجار يوم الأربعاء وقال: سبحان الباعث الوارث أتته أكلها "

# نعم جاءت أخبار وآثار تشعر بخلاف ذلك، ففي «الفردوس» عن عائشة مرفوعا

# " لولا أن تكره أمتي لأمرتها أن لا يسافروا يوم الأربعاء، وأحب الأيام
~~إلى الشخوص فيها يوم الخميس "

# وهو غير معلوم الصحة عندي. وأخرج أبو يعلى عن ابن عباس وابن عدي وتمام
~~في «فوائده» عن أبي سعيد مرفوعا

# " يوم السبت يوم مكر وخديعة ويوم الأحد يوم غرس وبناء ويوم الاثنين يوم
~~سفر وطلب رزق ويوم الثلاثاء يوم حديد وبأس ويوم الأربعاء لا أخذ ولا عطاء
~~ويوم الخميس يوم طلب الحوائج والدخول على السلطان والجمعة يوم خطبة ونكاح
~~"

# ، وتعقبه السخاوي بأن سنده ضعيف، وروى ابن ماجه عن ابن عمر مرفوعا،
~~وخرجه الحاكم من طريقين آخرين

# " لا يبدو جذام ولا برص إلا يوم الأربعاء "

# وفي بعض الآثار النهي عن قص الأظفار يوم الأربعاء وأنه يورث البرص، وكره
~~بعضهم عيادة المرضى فيه، وعليه قيل:

# لم يؤت في الأربعاء مريض

# إلا دفناه في الخميس

# وحكي ms10260 عن بعضهم أنه قال لأخيه: اخرج معي في حاجة فقال: هو الأربعاء قال:
~~فيه ولد يونس قال: لا جرم قد بانت له بركته في اتساع موضعه وحسن كسوته
~~حتى خلصه الله تعالى قال: وفيه ولد يوسف عليه السلام قال: فما أحسن ما
~~فعل إخوته حتى طال حبسه وغربته قال: وفيه نصر المصطفى صلى الله عليه وسلم
~~يوم الأحزاب قال: أجل لكن بعد أن زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر.

# ونقل المناوي عن «البحر» أن / أخباره عليه الصلاة والسلام عن نحوسة آخر
~~أربعاء في الشهر من باب التطير ضرورة أنه ليس من الدين بل فعل الجاهلية
~~ولا مبني على قول المنجمين أنه يوم عطارد وهو نحس مع النحوس سعد مع
~~السعود فإنه قول باطل، ويجوز أن يكون من باب التخويف والتحذير أي احذروا
~~ذلك اليوم لما نزل فيه من العذاب وكان فيه من الهلاك وجددوا فيه لله
~~تعالى توبة خوفا أن يلحقكم فيه بؤس كما وقع لمن قبلهم، وهذا كما قال حين
~~أتى الحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين» إلى غير
~~ذلك، وحكي أيضا عن بعضهم أنه قال: التطير مكروه كراهية شرعية إلا أن
~~الشرع أباح لمن أصابه في آخر أربعاء شيء في مصالحه أن يدع التصرف فيه لا
~~على جهة التطير واعتقاد أنه يضر أو ينفع بغير إذن الله تعالى بل على جهة
~~اعتقاد إباحة الإمساك فيه لما كرهته النفس لا اقتفاء للتطير ولكن
~~إثباتا للرخصة في التوقي فيه لمن يشاء مع وجوب اعتقاد أن شيئا لا يضر
~~شيئا؛ ونقل عن الحليمي أنه قال: علمنا ببيان الشريعة أن من الأيام
~~نحسا، ويقابل النحس السعد وإذا ثبت الأول ثبت الثاني أيضا، فالأيام
~~منها نحس ومنها سعد كالأشخاص منهم شقي ومنهم سعيد، لكن زعم أن الأيام
~~والكواكب تنحس أو تسعد باختيارها أوقاتا وأشخاصا باطل، والقول  إن
~~الكواكب قد تكون أسبابا للحسن والقبيح والخير والشر والكل فعل الله
~~تعالى وحده  مما لا بأس به، ثم قال المناوي: والحاصل أن توقي ms10261 الأربعاء
~~على جهة الطيرة وظن اعتقاد المنجمين حرام شديد التحريم إذ الأيام كلها
~~لله تعالى لا تنفع ولا تضر بذاتها وبدون ذلك لا ضير ولا محذور فيه؛ ومن
~~تطير حاقت به نحوسته، ومن أيقن بأنه لا يضر ولا ينفع إلا الله عز وجل لم
~~يؤثر فيه شيء من ذلك كما قيل:

# تعلم أنه لا طير إلا

# على (متطير) وهو الثبور

# انتهى، وأقول كل الأيام سواء ولا اختصاص لذلك بيوم الأربعاء وما من ساعة
~~من الساعات إلا وهي سعد على شخص نحس على آخر باعتبار ما يحدث الله تعالى
~~فيها من الملائم والمنافر والخير والشر، فكل يوم من الأيام يتصف بالأمرين
~~لاختلاف الاعتبار وإن استنحس يوم الأربعاء لوقوع حادث فيه فليستنحس كل
~~يوم فما أولج الليل في النهار والنهار في الليل إلا لإيلاد الحوادث، وقد
~~قيل:

# ألا إنما الأيام أبناء واحد

# وهذي الليالي كلها أخوات

# وقد حكي أنه صبح ثمود العذاب يوم الأحد، وورد في الأثر ولا أظنه يصح

# " نعوذ بالله تعالى من يوم الأحد فإن له حدا أحد من السيف "

# ولو صح فلعله في أحد مخصوص علم بالوحي ما يحدث فيه، وزعم بعضهم  أن من
~~المجرب الذي لم يخط قط أنه متى كان اليوم الرابع عشر من الشهر القمري
~~الأحد وفعل فيه شيء لم يتم  غير مسلم، وورد في «الفردوس» من حديث ابن
~~مسعود  خلق الله تعالى الأمراض يوم الثلاثاء، وفيه أنزل إبليس إلى
~~الأرض، وفيه خلق جهنم، وفيه سلط الله تعالى ملك الموت على أرواح بني آدم،
~~وفيه قتل قابيل هابيل، وفيه توفي موسى وهرون عليهم السلام، وفيه ابتلي
~~أيوب  الحديث، وهو إن صح لا يدل على نحوسته غايته أنه وقع فيه ما وقع
~~وقد وقع فيه غير ذلك مما هو خير، ففي رواية مسلم «خلق المنفق أي ما يقوم
~~به المعاش يوم الثلاثاء» وإذا تتبعت التواريخ وقفت على حوادث عظيمة في
~~سائر الأيام، ويكفي في هذا الباب أن حادثة عاد استوعبت أيام الأسبوع فقد
~~قال سبحانه:

# سخرها عليهم ms10262 سبع ليال وثمنية أيام حسوما

# [الحاقة: 7] فإن كانت النحوسة لذلك فقل لي أي يوم من الأسبوع خلا منها؟!
~~ومثل أمر النحوسة فيما أرى أمر تخصيص كل يوم بعمل كما / يزعمه كثير من
~~الناس، ويذكرون في ذلك أبياتا نسبها الحافظ الدمياطي لعلي كرم الله
~~تعالى وجهه وهي:

# فنعم اليوم (يوم السبت) حقا

# لصيد إن أردت بلا امتراء

# وفي (الأحد) البناء لأن فيه

# تبدى الله في خلق السماء

# وفي (الاثنين) إن سافرت فيه

# سترجع بالنجاح وبالثراء

# ومن يرد الحجامة (فالثلاثا)

# ففي ساعاته هرق الدماء

# وإن شرب امرؤ يوما دواءا

# فنعم اليوم يوم (الأربعاء)

# وفي (يوم الخميس) قضاء حاج

# فإن الله يأذن بالقضاء

# وفي (الجمعات) تزويج وعرس

# ولذات الرجال مع النساء

# وهذا العلم لا يدريه إلا

# نبي أو وصي الأنبياء

# ولا أظنها تصح، وقصارى ما أقول: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن لا
~~دخل في ذلك لوقت ولا لغيره، نعم لبعض الأوقات شرف لا ينكر كيوم الجمعة
~~وشهر رمضان وغير ذلك، ولبعضها عكس ذلك كالأوقات التي تكره فيها الصلاة
~~لكن هذا أمر ومحل النزاع أمر فاحفظ ذاك، والله تعالى يتولى هداك.

### || [54.20]

# وقوله تعالى: { تنزع الناس } يجوز أن يكون صفة للريح وأن يكون
~~حالا منها لأنها وصفت فقربت من المعرفة، وجوز أن يكون مستأنفا. وجيء 
~~بالناس  دون ضمير عادقيل: ليشمل ذكورهم وإناثهم  والنزع  القلع، روي
~~أنهم دخلوا الشعاب والحفر وتمسك بعضهم ببعض فقلعتهم الريح وصرعتهم موتى.

# { كأنهم أعجاز نخل منقعر } أي منقلع عن مغارسه ساقط
~~على الأرض، وقيل: شبهوا بأعجاز النخل وهي أصولها بلا فروع لأن الريح كانت
~~تقلع رؤوسهم فتبقى أجسادا وجثثا بلا رؤوس، ويزيد هذا التشبيه حسنا
~~أنهم كانوا ذوي جثث عظام طوال. والنخل اسم جنس يذكر نظرا للفظ كما هنا
~~ويؤنث نظرا للمعنى كما في قوله تعالى:

# أعجاز نخل خاوية

# [الحاقة: 7] واعتبار كل في كل من الموضعين للفاصلة. والجملة التشبيهية
~~حال من (الناس) وهي حال مقدرة، وقال الطبري: في الكلام حذف والتقدير
~~فتركتهم كأنهم الخ، فالكاف على ms10263 ما في البحر في موضع نصب بالمحذوف وليس
~~بذاك. وقرأ أبو نهيك (أعجز) على وزن أفعل نحو ضبع وأضبع. وقوله تعالى: {
~~فكيف كان عذابى ونذر }

### || [54.21]

# تهويل لهما وتعجيب من أمرهما بعد بيانهما فليس فيه شائبة تكرار مع ما
~~تقدم، وقيل: إن الأول لما حاق بهم في الدنيا والثاني لما يحيق بهم في
~~الآخرة، و { كان } للمشاكلة، أو للدلالة على تحققه على عادته سبحانه في
~~إخباره، وتعقب بأنه يأباه ترتيب الثاني على العذاب الدنيوي.

### || [54.22-23]

# الكلام فيه كالذي مر.

# { كذبت ثمود بالنذر } بالرسل عليهم الصلاة والسلام فإن
~~تكذيب أحدهم وهو صالح عليه السلام هنا تكذيب للكل لاتفاقهم على أصول
~~الشرائع، وجوز أن يكون مصدرا، أو جمعا له وأن يكون جمع نذير بمعنى
~~المنذر منه فلا تغفل.

### || [54.24]

# { فقالوا أبشرا منا } أي كائنا من جنسنا على أن الجار
~~والمجرور في موضع الصفة  لبشرا  وانتصابه بفعل يفسره  نتبع  بعد أي
~~أنتبع بشرا { وحدا } أي منفردا لاتبع له، أو واحدا من آحادهم لا من
~~أشرافهم كما يفهم من التنكير / الدال على عدم التعيين وهو صفة أخرى لبشر
~~وتأخيره مع إفراده عن الصفة الأولى مع كونها شبه الجملة للتنبيه على أن
~~كلا من الجنسية والوحدة مما يمنع الاتباع ولو قدم عليها لفات هذا
~~التنبيه.

# وقرأ أبو السمال فيما ذكر الهذلي في كتابه «الكامل» وأبو عمرو الداني 
~~أبشر منا واحد  برفعهما على أن  بشر  مبتدأ وما بعد صفته، وقوله
~~تعالى: { نتبعه } خبره. ونقل ابن خالويه وصاحب «اللوامح» وابن
~~عطية عن أبي السمال رفع  بشر  ونصب { وحدا } وخرج ذلك ابن عطية على
~~أن رفع  بشر  إما على إضمار فعل مبني للمفعول والتقدير أينبأ بشر، وإما
~~على الابتداء والخبر جملة { نتبعه } ، ونصب { وحدا } على الحال
~~إما من ضمير النصب في { نتبعه } وإما من الضمير المستقر في {
~~منا } وخرج صاحب «اللوامح» نصب { وحدا } على هذا أيضا، وأما رفع
~~(بشر) فخرجه على الابتداء وإضمار الخبر أي أبشر منا يبعث إلينا أو يرسل
~~أو نحوهما، وتقدم الاستفهام يرجح تقدير فعل ms10264 يرفع به.

# { إنا إذا } أي إذا اتبعنا بشرا منا واحدا { لفى ضلل }
~~عظيم عن الحق { وسعر } أي نيران جمع سعير. وروي أن صالحا عليه
~~السلام كان يقول لهم: إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق وسعر، فعكسوا
~~عليه لغاية عتوهم فقالوا: إن اتبعناك كنا إذا كما تقول، فالكلام من باب
~~التعكيس والقول بالموجب، وجمع السعير باعتبار الدركات، أو للمبالغة، وروي
~~عن ابن عباس ما يحتمل ما قلنا فإنه قال: أي لفي بعد عن الحق وعذاب، وفي
~~رواية أخرى عنه تفسير السعر بالجنون على أنه اسم مفرد بمعنى ذلك يقال
~~ناقة مسعورة إذا كانت تفرط في سيرها كأنها مجنونة قال الشاعر:

# كأن بها (سعرا) إذا العيس هزها

# ذميل وإرخاء من السير متعب

# والأول أوجه وأفصح.

### || [54.25]

# { أءلقى الذكر عليه من بيننا } أي أأنزل عليه الوحي من
~~بيننا وفينا من هو أحق منه بذلك، والتعبير بألقي دون أنزل قيل: لأنه
~~يتضمن العجلة في الفعل { بل هو كذاب أشر } أي شديد البطر وهو
~~على ما قال الراغب: دهش يعتري من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها
~~ووضعها إلى غير وجهها، ويقاربه الطرب وهو خفة أكثر ما تعتري من الفرح،
~~ومرادهم ليس الأمر كذلك بل هو كذا وكذا حمله شدة بطره وطلبه التعظيم
~~علينا على ادعاء ذلك.

# وقرأ قتادة وأبو قلابة  بل هو الكذب الأشر  بلام التعريف فيهما وبفتح
~~الشين وشد الراء، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبا ما في ذلك. وقوله
~~تعالى: { سيعلمون غدا من الكذاب الأشر }

### || [54.26]

# حكاية لما قاله سبحانه وتعالى لصالح عليه السلام وعدا له ووعيدا
~~لقومه. والسين لتقريب مضمون الجملة وتأكيده، والمراد بالغد وقت نزول
~~العذاب الدنيوي بهم، وقيل: يوم القيامة فهو لمطلق الزمان المستقبل وعبر
~~به لتقريبه، وعليه قول الطرماح:

# ألا عللاني قبل نوح النوائح

# وقبل اضطراب النفس بين الجوانح

# وقبل (غد) يا لهف نفسي على غد

# إذا راح أصحابي ولست برائح

# أي سيعلمون البتة عن قريب من الكذاب الأشر الذي حمله أشره وبطره على ما
~~حمله ms10265 أصالح أم من كذبه، والمراد سيعلمون أنهم هم الكذابون الأشرون لكن
~~أورد ذلك مورد الإبهام إيماءا إلى أنه مما لا يكاد يخفى، ونحوه قول
~~الشاعر:

# / فلئن لقيتك خاليين لتعلمن

# (أيي وأيك) فارس الأحزاب

# وقرأ ابن عامر وحمزة وطلحة وابن وثاب والأعمش  ستعلمون  بتاء الخطاب
~~على حكاية ما قال لهم صالح مجيبا لهم، وفي «الكشاف» أو هو كلام على سبيل
~~الالتفات، قال صاحب «الكشف»: أي هو كلام الله تعالى لقوم ثمود على سبيل
~~الالتفات إليهم إما في خطابه تعالى لرسولنا صلى الله عليه وسلم وهو نظير
~~ما حكاه سبحانه عن شعيب

# فتولى عنهم وقال يقوم لقد أبلغتكم

# [الأعراف: 79] بعد ما استؤصلوا هلاكا وهو من بليغ الكلام فيه دلالة على
~~أنهم أحقاء بهذا الوعيد وكأنهم حضور في المجلس حول إليهم الوجه لينعى
~~عليهم جناياتهم، وإما في خطابه عز وجل لصالح عليه السلام والمنزل حكاية
~~ذلك الكلام المشتمل على الالتفات. وعلى التقديرين لا إشكال فيه كما توهم.
~~ولفظ الزمخشري على الأول أدل وهو أبلغ انتهى، ومن التفت إلى ما قاله
~~الجمهور في الالتفات لا أظنه تسكن نفسه بما ذكر فتأمل.

# وقرأ مجاهد فيما ذكره صاحب «اللوامح» وأبو قيس الأودي { الأشر }
~~بثلاث ضمات وتخفيف الراء. ويقال: أشر وأشر كحذر وحذر فضمة الشين لغة وضم
~~الهمزة تبع لها. وحكى الكسائي عن مجاهد ضم الشين دون الهمزة فهو كندس.
~~وقرأ أبو حيوة { الأشر } أفعل تفضيل أي الأبلغ في الشرارة وكذا قرأ
~~قتادة وأبو قلابة أيضا وهو قليل الاستعمال وإن كان على الأصل كالأخير في
~~قول رؤبة:

# بلال خير الناس وابن الأخير

# وقال أبو حاتم: لا تكاد العرب تتكلم بالأخير والأشر إلا في ضرورة الشعر
~~وأنشد البيت، وقال الجوهري: لا يقال: الأشر إلا في لغة رديئة.

### || [54.27]

# وقوله تعالى: { إنا مرسلوا الناقة } الخ استئناف مسوق لبيان
~~مبادي الموعود على ما هو الظاهر، وبه يتعين كون المراد بالغد وقت نزول
~~العذاب الدنيوي بهم دون يوم القيامة، والإرسال حقيقة في البعث وقد جعل
~~هنا كناية عن الإخراج، وأريد المعنى ms10266 الحقيقي معه كما أومأ إليه بعض
~~الأجلة أي إنا مخرجوا الناقة التي سألوها من الهضبة وباعثوها { فتنة
~~لهم } امتحانا، وجوز إبقاؤها على معناها المعروف { فارتقبهم
~~} فانتظرهم وتبصر ما هم فاعلون { واصطبر } على أذاهم ولا تعجل حتى
~~يأتي أمر الله تعالى.

### || [54.28]

# { ونبئهم أن الماء } وأخبرهم بأن ماء البئر التي لهم {
~~قسمة بينهم } مقسوم، لها يوم ولهم يوم، و { بينهم } لتغليب
~~العقلاء. وقرأ معاذ عن أبي عمرو { قسمة } بفتح القاف { كل شرب }
~~نصيب وحصة منه { محتضر } يحضره صاحبه في نوبته فتحضر الناقة تارة
~~ويحضرونه أخرى، وقيل: يتحول عنه غير صاحبه من حضر عن كذا تحول عنه وقيل:
~~يمنع عنه غير صاحبه مجاز عن الحظر بالظاء بمعنى المنع بعلاقة السببية
~~فإنه مسبب عن حضور صاحبه في نوبته وهو كما ترى، وقيل: يحضرون الماء في
~~نوبتهم واللبن في نوبتها، والمعنى كل شرب من الماء واللبن تحضرونه أنتم.

### || [54.29-30]

# { فنادوا } أي فأرسلنا الناقة وكانوا على هذه الوتيرة من القسمة
~~فملوا ذلك وعزموا على عقر الناقة فنادوا لعقرها { صحبهم } وهو
~~قدار بن سالف أحيمر ثمود وكان أجرأهم { فتعاطى } العقر أي فاجترأ
~~على تعاطيه مع عظمه غير مكترث به. { فعقر } فأحدث العقر بالناقة،
~~وجوز أن يكون المراد فتعاطى الناقة فعقرها، أو فتعاطى السيف فقتلها، وعلى
~~كل فمفعول (تعاطى) محذوف والتفريع لا غبار عليه، وقيل: تعاطى منزل منزلة
~~اللازم على أن معناه أحدث / ماهية التعاطي، وقوله تعالى: { فعقر }
~~تفسير له لا متفرع عليه ولا يخفى ركاكته. والتعاطي التناول مطلقا على ما
~~يفهم من كلام غير واحد، وزاد بعضهم قيد بتكلف. ونسبة العقر إليهم في قوله
~~تعالى:

# فعقروا الناقة

# [الأعراف: 77] لأنهم كانوا راضين به.

# { فكيف كان عذابي ونذر }: الكلام فيه كالذي تقدم.

### || [54.31-33]

# { إنا أرسلنا عليهم صيحة وحدة } هي صيحة جبريل
~~عليه السلام صاح صباح يوم الأحد - كما حكى المناوي عن الزمخشري - في طرف
~~منازلهم { فكانوا } أي فصاروا { كهشيم المحتظر } أي كالشجر
~~اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في الشتاء. وفي «البحر» ((الهشيم
~~ما تفتت من الشجر، والمحتظر ms10267 الذي يعمل الحظيرة فإنه يتفتت منه حالة العمل
~~ويتساقط أجزاء مما يعمل به، أو يكون الهشيم ما يبس من الحظيرة بطول
~~الزمان تطؤه البهائم فيتهشم))، وتعقب هذا بأن الأظهر عليه كهشيم الحظيرة.
~~والحظيرة الزريبة التي تصنعها العرب وأهل البوادي للمواشي والسكنى من
~~الأغصان والشجر المورق والقصب من الحظر وهو المنع.

# وقرأ الحسن وأبو حيوة وأبو السمال وأبو رجاء وعمرو بن عبيد {
~~المحتظر } بفتح الظاء على أنه اسم مكان. والمراد به الحظيرة نفسها
~~أو هو اسم مفعول قيل: ويقدر له موصوف أي كهشيم الحائط المحتظر أو لا
~~يقدر، على أن المحتظر الزريبة نفسها كما سمعت. وجوز أن يكون مصدرا أي
~~كهشيم الاحتظار أي ما تفتت حالة الاحتظار.

# { ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر }
~~كما مر.

# { كذبت قوم لوط بالنذر } على قياس النظير السابق.

### || [54.34]

# { إنا أرسلنا عليهم حصبا } ملكا على ما قيل، يحصبهم
~~أي يرميهم بالحصباء والحجارة أو هم اسم للريح التي تحصب ولم يرد بها
~~الحدوث كما في ناقة ضامر وهو وجه التذكير، وقال ابن عباس: هو ما حصبوا به
~~من السماء من الحجارة في الريح، وعليه قول الفرزدق:

# مستقبلين شمال الشام تضربنا

# (بحاصب) كنديف القطن منثور

# { إلا ءال لوط } خاصته المؤمنين به، وقيل: آله ابنتاه {
~~نجينهم بسحر } أي في سحر وهو آخر الليل، وقيل: السدس الأخير
~~منه، وقال الراغب: السحر والسحرة اختلاط ظلام آخر الليل بصفاء النهار
~~وجعل اسما لذلك الوقت، ويجوز كون الباء للملابسة والجار والمجرور في
~~موضع الحال أي ملتبسين بسحر داخلين فيه.

### || [54.35]

# { نعمة من عندنا } أي إنعاما منا وهو علة لنجينا، ويجوز نصبه
~~بفعل مقدر من لفظه، أو بنجينا لأن التنجية إنعام فهو كقعدت جلوسا {
~~كذلك } أي مثل ذلك الجزاء العجيب { نجزى من شكر } نعمتنا
~~بالإيمان والطاعة.

### || [54.36]

# { ولقد أنذرهم } لوط عليه السلام { بطشتنا } أخذتنا
~~الشديدة بالعذاب. وجوز أن يراد بها نفس العذاب { فتماروا } فكذبوا
~~{ بالنذر } متشاكين، فالفعل مضمن معنى التكذيب ولولاه تعدى بفي.

### || [54.37]

# { ولقد راودوه عن ضيفه } صرفوه عن رأيه فيهم وطلبوا ms10268 الفجور
~~بهم وهذا من إسناد ما للبعض للجميع لرضاهم به { فطمسنا أعينهم
~~} أي أزلنا أثرها وذلك بمسحها وتسويتها كسائر الوجه، وهو كما قال أبو
~~عبيدة، وروي أن جبريل عليه السلام استأذن ربه سبحانه في عقوبتهم ليلة
~~جاءوا وعالجوا الباب ليدخلوا عليهم فصفقهم بجناحه فتركهم عميانا يترددون
~~لا يهتدون إلى طريق خروجهم حتى أخرجهم لوط عليه السلام / وقال ابن عباس
~~والضحاك: إنما حجب إدراكهم فدخلوا المنزل ولم يروا شيئا فجعل ذلك كالطمس
~~فعبر به عنه.

# وقرأ ابن مقسم { فطمسنا } بتشديد الميم للتكثير في المفعول.

# { فذوقوا عذابى ونذر } أي فقلنا لهم ذلك على ألسنة الملائكة
~~عليهم السلام، فالقول في الحقيقة لهم وأسند إليه تعالى مجازا لأنه
~~سبحانه الآمر أو القائل ظاهر الحال فلا قول وإنما هو تمثيل، والمراد
~~بالعذاب الطمس وهو من جملة ما أنذروه.

### || [54.38]

# { ولقد صبحهم بكرة } أول النهار وهي أخص من الصباح فليس في
~~ذكرها بعده زيادة وكان ذلك أول شروق الشمس. وقرأ زيد بن علي { بكرة }
~~غير مصروفة للعلمية والتأنيث على أن المراد بها أول نهار مخصوص. {
~~عذاب مستقر } يستقر بهم ويدوم حتى يسلمهم إلى النار، أو لا
~~يدفع عنهم، أو يبلغ غايته.

### || [54.39-40]

# حكاية لما قيل لهم بعد التصحيح من جهته تعالى تشديدا للعذاب، أو هو
~~تمثيل.

# { ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر }
~~تقدم ما فيه من الكلام.

### || [54.41]

# صدرت قصتهم بالتوكيد القسمي لإبراز كمال الاعتناء بشأنها لغاية عظم ما
~~فيها من الآيات وكثرتها وهول ما لاقوه من العذاب وقوة إيجابها للاتعاظ
~~والاكتفاء بذكر آل فرعون للعلم بأن نفسه أولى بذلك فإنه رأس الطغيان
~~ومدعي الألوهية، والقول: بأنه إشارة إلى إسلامه مما لا يلتفت إليه. و {
~~النذر } إن كان جمع نذير بمعنى الإنذار فالأمر ظاهر وكذا إن كان
~~مصدرا، وأما إن كان جمع نذير بمعنى المنذر فالمراد به موسى وهرون
~~وغيرهما لأنهما عرضا عليهم ما أنذر به المرسلون أي وبالله تعالى لقد
~~جاءهم المنذرون، أو الإنذارات، أو الإنذار.

### || [54.42]

# وقوله تعالى: { كذبوا بئايتنا كلها } استئناف مبني ms10269 على
~~سؤال نشأ من حكاية مجيء النذر كأنه قيل: فماذا فعل آل فرعون حينئذ؟ فقيل:
~~كذبوا بجميع آياتنا وهي آيات الأنبياء كلهم عليهم السلام فإن تكذيب البعض
~~تكذيب للكل، أو هي الآيات التسع. وجوز الواحدي أن يراد بالنذر نفس الآيات
~~فقوله سبحانه: { بئايتنا } من إقامة الظاهر مقام الضمير والأصل
~~كذبوا بها، وزعم بعض غلاة الشيعة وهم المسمون بالكشفية في زماننا أن
~~المراد بالآيات كلها علي كرم الله تعالى وجهه فإنه الإمام المبين المذكور
~~في قوله تعالى:

# وكل شىء أحصينه فى إمام مبين

# [يس: 12] وأنه كرم الله تعالى وجهه ظهر مع موسى عليه السلام لفرعون
~~وقومه فلم يؤمنوا وهذا من الهذيان بمكان نسأل الله تعالى العفو والعافية.

# { فأخذنهم } أي آل فرعون، وزعم بعض أن ضمير { كذبوا }
~~وضمير (أخذناهم) عائدان على جميع من تقدم ذكره من الأمم وتم الكلام عند
~~قوله تعالى:

# النذر

# [القمر: 41] وليس بشيء. والفاء للتفريع أي فأخذناهم وقهرناهم لأجل
~~تكذيبهم { أخذ عزيز } لا يغالب { مقتدر }. لا يعجزه شيء.
~~ونصب { أخذ } على المصدرية لا على قصد التشبيه.

### || [54.43]

# { أكفركم خير من أولئكم } أي الكفار المعدودين قوم
~~نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون، والمراد الخيرية باعتبار الدنيا وزينتها
~~ككثرة القوة والشدة ووفور العدد والعدة، أو باعتبار لين الشكيمة في الكفر
~~بأن يكون الكفار المحدث عنهم بالخيرية أقل عنادا وأقرب طاعة وانقيادا.
~~وظاهر كلام كثير أن الخطاب هنا عام للمسلمين وغيرهم حيث قالوا: أكفاركم
~~يا معشر العرب خير الخ والاستفهام إنكاري في معنى النفي فكأنه قيل: ما
~~كفاركم خير من أولئكم الكفار المعدودين بأن يكونوا أكثر منهم قوة وشدة
~~وأوفر عددا وعدة، أو بأن يكونوا ألين شكيمة في الكفر والعصيان / والضلال
~~والطغيان بل هم دونهم في القوة وما أشبهها من زينة الدنيا، أو أسوأ حالا
~~منهم في الكفر، وقد أصاب من هو خير ما أصاب فكيف يطمعون هم في أن لا
~~يصيبهم نحو ذلك، وكذا قيل في الخطاب في قوله تعالى:

# { أم لكم براءة فى الزبر } وجعل بتقدير أم لكفاركم وهو
~~إضراب ms10270 وانتقال إلى تبكيت آخر فكأنه قيل: بل ألكفاركم براءة وأمن من تبعات
~~ما يعملون من الكفر والمعاصي وغوائلها في الكتب السماوية فلذلك يصرون على
~~ما هم عليه ولا يخافون، واختار بعضهم في هذا أنه خاص بالكفار.

### || [54.44]

# وقالوا في قوله تعالى: { أم يقولون نحن جميع منتصر }
~~إنه إضراب من التبكيت المذكور إلى تبكيت آخر بطريق الالتفات للإيذان
~~بإفضاء حالهم إلى الإعراض عنهم وإسقاطهم عن رتبة الخطاب وحكاية قبائحهم
~~لغيرهم، أي بل أيقولون واثقين بشوكتهم نحن جماعة أمرنا مجتمع لا يرام ولا
~~يضام، أو منتصر من الأعداء لا يغلب، أو متناصر ينصر بعضنا بعضا.

# والذي يترجح في نظر الفقير أن الخطاب في الموضعين خاص على ما يقتضيه
~~السياق بكفار أهل مكة أو العرب وهو ظاهر في الموضع الثاني لا يحتاج إلى
~~شيء، وأما في الموضع الأول فوجهه أن تكون الإضافة مثلها في الدراهم كلها
~~كذا، وطور سيناء، ويوم الأحد ولم يقل أأنتم للتنصيص على كفرهم المقتضي
~~لهلاكهم، ويجوز أن يعتبر في

# أكفركم

# [القمر: 43] ضرب من التجريد الذي ذكروه في نحو

# لهم فيها دار الخلد

# [فصلت: 28] فكأنه جرد منهم كفار وأضيفوا إليهم، وفي ذلك من المبالغة ما
~~فيه، ويجوز أن يكون هذا وجها للعدول عن أأنتم، وربما يترجح به كون
~~الخيرية المنفية باعتبار لين الشكيمة في الكفر، وكأنه لما خوف سبحانه
~~الكفار الذين كذبوا الآيات وأعرضوا عنها وقالوا هي سحر مستمر بذكر ما حل
~~بالأمم السالفة مما تبرق وترعد منه أسارير الوعيد قال عز وجل لهم: لم لا
~~تخافون أن يحل بكم مثل ما حل بهم أأنتم أقل كفرا وعنادا منهم ليكون ذلك
~~سببا للأمن من حلول نحو عذابهم بكم أم أعطاكم الله عز وجل براءة من
~~عذابه أم أنتم أعز منهم منتصرون على جنود الله تعالى؟ وعدل سبحانه عن أم
~~أنتم جميع منتصر إلى ما في النظم الجليل للإشارة إلى أن ذلك مما لا تحقق
~~له أصلا إلا باللفظ ومحض الدعوى التي لا يوافق عليها، فتأمل فأسرار كلام
~~الله تعالى لا ms10271 تتناهى، ثم لا تعجل بالاعتراض على ما قلناه وإن لم يكن لنا
~~سلف فيه حسبما تتبعنا.

# ثم إن { جميع } على ما أشير إليه بمعنى الجماعة التي أمرها مجتمع
~~وليس من التأكيد في شيء بل هو خبر { نحن } ، وجوز أن يكون بمعنى مجتمع
~~خبر مبتدأ محذوف وهو أمرنا والجملة خبر { نحن } وأن يكون هو الخبر
~~والإسناد مجازي، و { منتصر } على ما سمعت إما بمعنى ممتنع يقال:
~~نصره فانتصر إذا منعه فامتنع. والمراد بالامتناع عدم المغلوبية أو هو
~~بمعنى منتقم من الأعداء أو هو من النصر بمعنى العون؛ والافتعال بمعنى
~~التفاعل كالاختصام والتخاصم. وكان الظاهر منتصرون إلا أنه أفرد باعتبار
~~لفظ الجميع فإنه مفرد لفظا، جمع معنى، ورجح هناجانب اللفظ عكس

# بل أنتم قوم تجهلون

# [النمل: 55] لخفة الإفراد مع رعاية الفاصلة وليس في الآية رعاية جانب
~~المعنى أولا، ثم رعاية جانب اللفظ ثانيا على عكس المشهور، وإن كان ذلك
~~جائزا على الصحيح كما لا يخفى على الخبير.

# وقرأ أبو حيوة وموسى الأسواري وأبو البرهسم  أم تقولون  بتاء الخطاب.

### || [54.45]

# وقوله تعالى: { سيهزم الجمع } رد لقولهم ذلك، والسين للتأكيد
~~أي يهزم جمعهم البتة { ويولون الدبر } أي الأدبار، وقد قرىء
~~كذلك، والإفراد لإرادة الجنس الصادق على الكثير مع رعاية الفواصل ومشاكلة
~~القرائن، أو لأنه في تأويل يولي كل واحد منهم دبره على حد كسانا الأمير
~~حلة مع الرعاية المذكورة أيضا. وقد كان هذا يوم بدر وهو من دلائل النبوة
~~لأن الآية مكية، وقد نزلت حيث لم يفرض جهاد ولا كان قتال ولذا قال عمر /
~~رضي الله تعالى عنه يوم نزلت: أي جمع يهزم. أي من جموع الكفار ولم يتعرض
~~لقتال أحد منهم، وقد تقدم الخبر. ومما أشرنا إليه يعلم أن قول الطيبي في
~~هذه الرواية نظر لأن همزة الإنكار في

# أم يقولون

# [القمر: 44] الخ دلت على أن المنهزمين من هم ناشيء عن الغفلة عن مراد
~~عمر رضي الله تعالى عنه.

# وقرأ أبو حيوة وموسى الأسواري وأبو البرهسم  ستهزم الجمع  بفتح
~~التاء وكسر الزاي خطابا ms10272 لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونصب الجمع على
~~المفعولية، وقرأ أبو حيوة أيضا ويعقوب  سنهزم  بالنون مفتوحة وكسر
~~الزاي على إسناد الفعل إلى ضمير العظمة، وعن أبي حيوة وابن أبي عبلة {
~~سيهزم } الجمع بفتح الياء مبنيا للفاعل ونصب الجمع أي سيهزم الله
~~تعالى الجمع، وقرأ أبو حيوة وداود بن أبي سالم عن أبي عمرو  وتولون 
~~بتاء الخطاب.

### || [54.46]

# { بل الساعة موعدهم } أي ليس هذا تمام عقوبتهم بل الساعة
~~موعد عذابهم وهذا من طلائعه { والساعة أدهى } أي أعظم داهية،
~~وهي الأمر المنكر الفظيع الذي لا يهتدى إلى الخلاص عنه { وأمر }
~~وأشد مرارة في الذوق وهو استعارة لصعوبتها على النفس، وقيل: أقوى وليس
~~بذاك. وإظهار الساعة في موضع إضمارها لتربية تهويلها.

### || [54.47]

# { إن المجرمين } من الأولين والآخرين { في ضلل } في هلاك
~~{ وسعر } ونيران مسعرة، أو في ضلال عن الحق [في الدنيا] ونيران في
~~الآخرة، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: في خسران وجنون.

### || [54.48]

# وقوله تعالى: { يوم يسحبون } أي يجرون { فى النار على
~~وجوههم } متعلق بقول مقدر بعده أي يوم يسحبون يقال لهم { ذوقوا
~~مس سقر } وجوز أن يكون متعلقا بمقدر يفهم مما قبل أي يعذبون، أو
~~يهانون أو نحوه، وجملة القول عليه حال من ضمير { يسحبون } وجوز كونه
~~متعلقا  بذوقوا  على أن الخطاب للمكذبين المخاطبين في قوله تعالى:

# أكفركم

# [القمر: 43] الخ أي ذوقوا أيها المكذبون محمدا صلى الله عليه وسلم يوم
~~يسحب المجرمون المتقدمون، والمراد حشرهم معهم والتسوية بينهم في الآخرة
~~كما ساووهم في الدنيا وهو كما ترى. والمراد  بمس سقر  ألمها على أنه
~~مجاز مرسل عنه بعلاقة السببية فإن مسها سبب للتألم بها وتعلق الذوق بمثل
~~ذلك شائع في الاستعمال، وفي «الكشاف» { مس سقر } كقولك وجد مس
~~الحمى وذاق طعم الضرب لأن النار إذا أصابتهم بحرها ولفحتهم بإيلامها
~~فكأنها تمسهم مسا بذلك كما يمس الحيوان ويباشر بما يؤذي ويؤلم وهو مشعر
~~بأن في الكلام استعارة مكنية نحو

# ينقضون عهد الله

# [البقرة: 27] ويحتمل غير ذلك.

# { وسقر } علم لجهنم  أعاذنا ms10273 الله تعالى منها ببركة كلامه العظيم وحرمة
~~حبيبه عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم  من سقرته للنار وصقرته  بإبدال
~~السين صادا لأجل القاف  إذا لوحته وغيرت لونه قال ذو الرمة يصف ثور
~~الوحش:

# إذا ذابت الشمس اتقى صقراتها

# بأفنان مربوع الصريمة معبل

# وعدم الصرف للعلمية والتأنيث.

# وقرأ عبد الله (إلى النار)، وقرأ محبوب عن أبي عمرو (مسقر) بإدغام
~~السين في السين، وتعقب ذلك ابن مجاهد بأن إدغامه خطأ لأنه مشدد، والظن
~~بأبي عمرو أنه لم يدغم حتى حذف إحدى السينين لاجتماع الأمثال ثم أدغم.

### || [54.49]

# { إنا كل شىء } من الأشياء { خلقنه بقدر } أي مقدرا
~~مكتوبا في اللوح قبل وقوعه، فالقدر بالمعنى المشهور الذي يقابل القضاء،
~~وحمل الآية على ذلك هو المأثور عن كثير من السلف، وروى الإمام أحمد ومسلم
~~والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: «جاء مشركو قريش يخاصمون / رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم في القدر فنزلت { يوم يسحبون فى
~~النار على وجوههم ذوقوا مس سقر * إنا كل شىء
~~خلقنه بقدر } [القمر: 48-49]» وأخرج البخاري في «تاريخه»
~~والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن عدي وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية "

# أنزلت فيهم آية في كتاب الله

# إن المجرمين فى ضلل وسعر

# [القمر: 47] إلى آخر الآيات. وكان ابن عباس يكره القدرية جدا، أخرج عبد
~~بن حميد عن أبي يحيى الأعرج قال سمعت ابن عباس وقد ذكر القدرية يقول:
~~لو أدركت بعضهم لفعلت به كذا وكذا ثم قال: الزنا بقدر والسرقة بقدر وشرب
~~الخمر بقدر. وأخرج عن مجاهد أنه قال: قلت لابن عباس: ما تقول فيمن يكذب
~~بالقدر؟ قال: اجمع بيني وبينه قلت: ما تصنع به؟ قال: أخنقه حتى أقتله.
~~وقد جاء ذمهم في أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني
~~عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " لكل أمة مجوس ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر إن مرضوا ms10274 فلا تعودوهم
~~وإن ماتوا فلا تشهدوهم "

# وجوز كون المعنى إنا كل شيء خلقناه مقدرا محكما مستوفى فيه مقتضى
~~الحكمة التي يدور عليها أمر التكوين، فالآية من باب

# وخلق كل شىء فقدره تقديرا

# [الفرقان: 2] ونصب { كل } بفعل يفسره ما بعده أي إنا خلقنا كل شيء
~~خلقناه.

# وقرأ أبو السمال - قال ابن عطية: وقوم من أهل السنة - برفع (كل) وهو على
~~الابتداء، وجملة { خلقنه } هو الخبر، و { بقدر } متعلق به كما
~~في القراءة المتواترة، فتدل الآية أيضا على أن كل شيء مخلوق بقدر ولا
~~ينبغي أن تجعل جملة { خلقنه } صفة، ويجعل الخبر { بقدر }
~~لاختلاف القراءتين معنى حينئذ، والأصل توافق القراآت، وقال الرضي: لا
~~يتفاوت المعنى لأن مراده تعالى بكل شيء كل مخلوق سواء نصب { كل } أو
~~رفعته وسواء جعلت { خلقنه } صفة مع الرفع، أو خبرا عنه، وذلك إن
~~خلقنا كل شيء بقدر لا يريد سبحانه به خلقنا كل ما يقع عليه اسم شيء لأنه
~~تعالى لم يخلق جميع الممكنات غير المتناهية واسم الشيء يقع على كل منها،
~~وحينئذ نقول: إن معنى { كل شىء خلقنه بقدر } على أن {
~~خلقنه } هو الخبر كل مخلوق مخلوق بقدر وعلى أن { خلقنه }
~~صفة كل شيء مخلوق كائن بقدر والمعنيان واحد إذ لفظ { كل } في الآية
~~مختص بالمخلوقات سواء كان { خلقنه } صفة له أو خبرا.

# وتعقبه السيد السند قدس سره بأنه لقائل أن يقول: إذا جعلنا {
~~خلقنه } صفة كان المعنى كل مخلوق متصف بأنه مخلوقنا كائن بقدر،
~~وعلى هذا لا يمتنع نظرا إلى هذا المعنى أن يكون هناك مخلوقات غير متصفة
~~بتلك الصفة فلا تندرج تحت الحكم، وأما إذا جعلناه خبرا أو نصبنا { كل
~~شىء } فلا مجال لهذا الاحتمال نظرا إلى نفس المعنى المفهوم من الكلام
~~فقد اختلف المعنيان قطعا ولا يجديه نفعا أن كل مخلوق متصف بتلك الصفة
~~في الواقع لأنه إنما يفهم من خارج الكلام ولا شك أن المقصود ذلك المعنى
~~الذي لا احتمال فيه. وذكر نحوه الشهاب الخفاجي ولكون النصب نصا في
~~المقصود اتفقت القراآت ms10275 المتواترة عليه مع احتياجه إلى التقدير وبذلك
~~يترجح على الرفع الموهم لخلافه وإن لم يحتج إليه.

### || [54.50]

# { وما أمرنا إلا وحدة } أي ما شأننا إلا فعلة واحدة على
~~نهج لا يختلف ووتيرة لا تتعدد وهي الإيجاد بلا معالجة ومشقة، أو ما أمرنا
~~إلا كلمة واحدة، وهي قوله تعالى: { كن } فالأمر مقابل النهي وواحد
~~الأمور، فإذا أراد عز وجل شيئا قال له: كن فيكون { كلمح بالبصر
~~} أي في اليسر والسرعة، وقيل: هذا في قيام الساعة فهو كقوله تعالى:

# وما أمر الساعة إلا كلمح البصر

# [النحل: 77].

### || [54.51]

# { ولقد أهلكنا أشيعكم } أي أشباهكم في الكفر / من
~~الأمم السالفة، وأصله جمع شيعة وهم من يتقوى بهم المرء من الأتباع ولما
~~كانوا في الغالب من جنس واحد أريد به ما ذكر إما باستعماله في لازمه، أو
~~بطريق الاستعارة، والحال قرينة على ذلك، وقيل: هو باق على حقيقته أي
~~أتباعكم { فهل من مدكر } متعظ بذلك.

### || [54.52]

# { وكل شىء فعلوه } من الكفر والمعاصي، والضمير المرفوع
~~للأشياع كما روي عن ابن عباس والضحاك وقتادة وابن زيد، وجملة { فعلوه
~~} صفة { شىء } والرابط ضمير النصب. وقوله تعالى: { فى الزبر }
~~متعلق بكون خاص خبر المبتدأ أي كل شيء فعلوه في الدنيا مكتوب في كتب
~~الحفظة غير مغفول عنه، وتفسير الزبر باللوح المحفوظ كما حكاه الطبرسي ليس
~~بشيء.

# ولم يختلف القراء في رفع { كل } وليست الآية من باب الاشتغال فلا يجوز
~~النصب لعدم بقاء المعنى الحاصل بالرفع لو عمل المشتغل بالضمير في الاسم
~~السابق كما هو اللازم في ذلك الباب إذ يصير المعنى ههنا حينئذ فعلوا في
~~الزبر كل شيء إن علقنا الجار بفعلوا وهم لم يفعلوا شيئا من أفعالهم في
~~الكتب بل فعلوها في أماكنهم والملائكة عليهم السلام كتبوها عليهم في
~~الكتب، أو فعلوا كل شيء مكتوب في الزبر إن جعلنا الجار نعتا لكل شيء،
~~وهذا وإن كان معنى مستقيما إلا أنه خلاف المعنى المقصود حالة الرفع وهو
~~ما تقدم آنفا.

### || [54.53]

# { وكل صغير وكبير } من الأعمال كما روي عن ابن ms10276 عباس ومجاهد
~~وغيرهما، وقيل: منها ومن كل ما هو كائن إلى يوم القيامة { مستطر }
~~مسطور مكتتب في اللوح بتفاصيله وهو من السطر بمعنى الكتب، ويقال: سطرت
~~واستطرت بمعنى.

# وقرأ الأعمش وعمران وعصمة عن أبي بكر عن عاصم { مستطر } بتشديد الراء،
~~قال صاحب «اللوامح»: ((يجوز أن يكون من طر النبات والشارب إذا ظهر،
~~والمعنى: كل صغير وكبير ظاهر في اللوح مثبت فيه ويجوز أن يكون من
~~الاستطار لكن شدد الراء للوقف على لغة من يقول جعفر ويفعل بالتشديد
~~وقفا)) أي ثم أجري الوصل مجرى الوقف ووزنه على التوجيه الأول مستفعل
~~وعلى الثاني مفتعل.

# ولما كان بيان سوء حال الكفرة بقوله تعالى:

# إن المجرمين

# [القمر: 47] الخ مما يستدعي بيان حسن حال المؤمنين ليتكافأ الترهيب
~~والترغيب بين سبحانه ما لهم من حسن الحال بطريق الإجمال فقال عز قائلا:
~~{ إن المتقين... }.

### || [54.54]

# { إن المتقين } أي من الكفر والمعاصي، وقيل: من الكفر. { في
~~جنت } عظيمة الشأن { ونهر } أي أنهار كذلك، والإفراد للاكتفاء
~~باسم الجنس مراعاة للفواصل، وعن ابن عباس تفسيره بالسعة، وأنشد عليه قول
~~لبيد بن ربيعة  كما في «الدر المنثور»  أو قيس بن الخطيم  كما في
~~«البحر»  يصف طعنة:

# ملكت بها كفي (فأنهرت) فتقها

# يرى قائم من دونها ما وراءها

# أي أوسعت فتقها. والمراد بالسعة سعة المنازل على ما هو الظاهر، وقيل:
~~سعة الرزق والمعيشة، وقيل: ما يعمهما. وأخرج الحكيم والترمذي في «نوادر
~~الأصول» عن محمد بن كعب قال: { ونهر } أي في نور وضياء وهو على
~~الاستعارة بتشبيه الضياء المنتشر بالماء المتدفق من منبعه، وجوز أن يكون
~~بمعنى النهار على الحقيقة، والمراد أنهم لا ظلمة ولا ليل عندهم في
~~الجنات.

# وقرأ الأعرج ومجاهد وحميد وأبو السمال والفياض بن غزوان { ونهر }
~~بسكون الهاء، وهو بمعنى { نهر } مفتوحها، وقرأ الأعمش وأبو نهيك وأبو
~~مجلز واليمانى { ونهر } بضم النون والهاء، وهو جمع نهر المفتوح أو الساكن
~~ كأسد وأسد، ورهن ورهن  وقيل: جمع نهار، والمراد أنهم لا ظلمة ولا ليل
~~/ عندهم كما حكى فيما مر، وقيل: قرىء بضم ms10277 النون وسكون الهاء.

### || [54.55]

# { فى مقعد صدق } في مكان مرضي على أن الصدق مجاز مرسل في لازمه
~~أو استعارة، وقيل: المراد صدق المبشر به وهو الله تعالى ورسوله صلى الله
~~عليه وسلم، أو المراد أنه ناله من ناله بصدقه وتصديقه للرسل عليهم
~~السلام، فالإضافة لأدنى ملابسة، وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه:
~~مدح المكان بالصدق فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق، وهو المقعد الذي يصدق
~~الله تعالى فيه مواعيد أوليائه بأنه يبيح عز وجل لهم النظر إلى وجهه
~~الكريم. وإفراد المقعد على إرادة الجنس. وقرأ عثمان البتي  في مقاعد 
~~على الجمع وهي توضح أن المراد بالمقعد المقاعد.

# { عند مليك } أي ملك عظيم الملك، وهو صيغة مبالغة وليست الياء من
~~الإشباع { مقتدر } قادر عظيم القدرة، والظرف في موضع الحال من
~~الضمير المستقر في الجار والمجرور، أو خبر بعد خبر، أو صفة لمقعد صدق، أو
~~بدل منه، والعندية للقرب الرتبي وذكر بعضهم أنه سبحانه أبهم العندية
~~والقرب ونكر مليكا، ومقتدرا للإشارة إلى أن ملكه تعالى وقدرته عز وجل
~~لا تدري الأفهام كنههما وأن قربهم منه سبحانه بمنزلة من السعادة والكرامة
~~بحيث لا عين رأيت ولا أذن سمعت مما يجل عن البيان وتكل دونه الأذهان.

# وأخرج الحكيم الترمذي عن بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله
~~تعالى:

# إن المتقين

# [القمر: 54] الخ قال: إن أهل الجنة يدخلون على الجبار كل يوم مرتين
~~فيقرأ عليهم القرآن وقد جلس كل امرىء منهم مجلسه الذي هو مجلسه على منابر
~~الدر والياقوت والزمرد والذهب والفضة بالأعمال فلا تقر أعينهم قط كما
~~تقر بذلك ولم يسمعوا شيئا أعظم منه ولا أحسن منه ثم ينصرفون إلى رحالهم
~~قريرة أعينهم ناعمين إلى مثلها من الغد  وإذا صح هذا فهو من المتشابه
~~كالآية فلا تغفل.

# ولهذين الاسمين الجليلين شأن في استجابة الدعاء على ما في بعض الآثار.
~~أخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: دخلت المسجد وأنا أرى أني
~~أصبحت فإذا علي ليل طويل وليس فيه ms10278 أحد غيري فنمت فسمعت حركة خلفي ففزعت
~~فقال: أيها الممتلىء قلبه فرقا لا تفرق أو لا تفزع وقل: اللهم إنك مليك
~~مقتدر، ما تشاء من أمر يكون، ثم سل ما بدا لك قال: فما سألت الله تعالى
~~شيئا إلا استجاب لي وأنا أقول: اللهم إنك مليك مقتدر ما تشاء من أمر
~~يكون فأسعدني في الدارين وكن لي ولا تكن علي وانصرني على من بغى علي
~~وأعذني من هم الدين وقهر الرجال وشماتة الأعداء، وصل اللهم وسلم على
~~سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.

### | [55 - سورة الرحمن]

### || [55.1-2]

# لأنه أعظم النعم شأنا وأرفعها مكانا كيف لا وهو مدار للسعادة الدينية
~~والدنيوية وعيار على الكتب السماوية ما من مرصد ترنو إليه أحداق الأمم
~~إلا وهو منشؤه ومناطه، ولا مقصد تمتد نحوه أعناق الهمم إلا وهو منهجه
~~وصراطه. ونصبه على أنه مفعول ثان  لعلم  ومفعوله الأول محذوف لدلالة
~~المعنى عليه  أي علم الإنسان القرآن  وهذا المفعول هو الذي كان
~~فاعلا قبل نقل فعل الثلاثي إلى فعل المضعف، وسها الإمام فحسب أن المحذوف
~~المفعول الثاني حيث قال: علم لا بد له من مفعول ثان وترك للإشارة إلى
~~أن النعمة في التعليم لا في تعليم شخص دون شخص. ويمكن أن يقال: أراد أنه
~~لا بد له من مفعول آخر مع هذا المفعول فلا جزم بسهوه، وقيل: المقدر جبريل
~~عليه السلام أو الملائكة المقربين عليهم السلام، وقيل: محمد صلى الله
~~عليه وسلم، وعلى القولين يتضمن ذلك الإشارة إلى القرآن كلام الله عز وجل،
~~والقول الأول أظهر وأنسب بالمقام، ولي في تعليم غير جبريل عليه السلام من
~~الملائكة الكرام تردد ما بناءا على ما في «الإتقان» نقلا عن ابن
~~الصلاح من أن قراءة القرآن كرامة أكرم الله تعالى بها البشر فقد ورد أن
~~الملائكة لم يعطوا ذلك وأنهم حريصون لذلك على استماعه من الإنس، وإنما لم
~~أعتبر عمومه للنصوص الدالة على أن جبريل عليه السلام كان يقرأ القرآن
~~وكأني بك لا تسلم صحة ما ms10279 ذكر وإن استثني منه جبريل عليه السلام.

# وقيل: { علم } من العلامة ولا تقدير أي جعل القرآن علامة وآية لمن
~~اعتبر، أو علامة للنبوة ومعجزة، وهذا على ما قيل يناسب ما ذكر في مفتتح
~~السورة السابقة من قوله تعالى:

# وانشق القمر

# [القمر: 1] وتتناسب السورتان في المفتتح حيث افتتحت الأولى بمعجزة من
~~باب الهيبة وهذه بمعجزة من باب الرحمة. وقد أبعد القائل ولو أبدى ألف
~~مناسبة، فالذي ينبغي أن يعلم أنه من التعليم، والمراد بتعليم القرآن قيل:
~~إفادة العلم به لا بمعنى إفادة العلم بألفاظه فقط بل بمعنى إفادة ذلك
~~والعلم بمعانيه على وجه يعتد به وهو متفاوت وقد يصل إلى العلم بالحوادث
~~الكونية من إشاراته ورموزه إلى غير ذلك فإن الله تعالى لم يغفل شيئا
~~فيه.

# أخرج أبو الشيخ في كتاب «العظمة» عن أبي هريرة مرفوعا

# " إن الله لو أغفل شيئا لأغفل الذرة والخردلة والبعوضة "

# وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود: أنزل في هذا القرآن علم كل
~~شيء وبين لنا فيه كل شيء ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن، وقال
~~ابن عباس: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى؛ وقال المرسي:
~~جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علما حقيقة إلا
~~المتكلم به، ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا ما استأثر به سبحانه،
~~ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم كالخلفاء الأربعة، ثم ورث
~~عنهم التابعون لهم بإحسان، ثم تقاصرت الهمم وفترت العزائم وتضاءل أهل
~~العلم وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه،
~~وفسر بعضهم التعليم بتنبيه النفس لتصور المعاني، وجوز الإمام أن يراد به
~~هنا جعل الشخص بحيث يعلم القرآن فالآية كقوله تعالى:

# ولقد يسرنا القرءان للذكر

# [القمر: 17] وهو بهذا المعنى مجاز كما لا يخفى.

# و { الرحمن } مبتدأ، والجملة بعده خبره كما هو الظاهر. وإسناد /
~~تعليمه إلى اسم { الرحمن } للإيذان بأنه من آثار الرحمة الواسعة
~~وأحكامها. وتقديم المسند إليه إما للتأكيد أو للحصر، ms10280 وفيه من تعظيم شأن
~~القرآن ما فيه، وقيل: { الرحمن } خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره
~~محذوف أي الله الرحمن، أو الرحمن ربنا وما بعد مستأنف لتعديد نعمه عز وجل
~~وهو خلاف الظاهر. ثم أتبع سبحانه نعمة تعليم القرآن بخلق الإنسان فقال
~~تعالى: { خلق الإنسن }.

### || [55.3]

# لأن أصل النعم عليه، وإنما قدم ما قدم منها لأنه أعظمها، وقيل: لأنه
~~مشير إلى الغاية من خلق الإنسان وهو كماله في قوة العلم والغاية متقدمة
~~على ذي الغاية ذهنا وإن كان الأمر بالعكس خارجا. والمراد بالإنسان
~~الجنس وبخلقه إنشاؤه على ما هو عليه من القوى الظاهرة والباطنة، ثم أتبع
~~عز وجل ذلك بنعمة تعليم البيان فقال سبحانه: { علمه البيان }.

### || [55.4]

# { علمه البيان } لأن البيان هو الذي به يتمكن عادة من تعلم
~~القرآن وتعليمه، والمراد به المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير. والمراد
~~بتعليمه نحو ما مر. وفي «الإرشاد» أن قوله تعالى:

# خلق الإنسن

# [الرحمن: 3] تعيين للمتعلم، وقوله سبحانه: { علمه البيان }
~~تبيين لكيفية التعليم. والمراد بتعليم البيان تمكين الإنسان من بيان
~~نفسه، ومن فهم بيان غيره إذ هو الذي يدور عليه تعليم القرآن. وقيل: -
~~بناءا على تقدير المفعول المحذوف الملائكة المقربين - إن تقديم تعليم
~~القرآن لتقدمه وقوعا فهم قد علموه قبل خلق الإنسان وربما يرمز إليه قوله
~~تعالى:

# إنه لقرءان كريم * فى كتب مكنون * لا يمسه
~~إلا المطهرون

# [الواقعة: 7779] وفي النظم الجليل عليه حسن زائد حيث إنه تعالى ذكر
~~أمورا علوية وأمورا سفلية وكل علوي قابله بسفلي ويأتي هذا على تقدير
~~المفعول جبريل عليه السلام أيضا. وقال الضحاك: { البيان } الخير
~~والشر، وقال ابن جريج: سبيل الهدى وسبيل الضلالة، وقال يمان: الكتابة
~~والكل كما ترى، وجوز أن يراد به القرآن وقد سماه الله تعالى بيانا في
~~قوله سبحانه:

# هذا بيان

# [آل عمران: 138] وأعيد ليكون الكلام تفصيلا لإجمال

# علم القرءان

# [الرحمن: 2] وهذا في غاية البعد.

# وقال قتادة: { الإنسن } آدم و { البيان } علم الدنيا والآخرة،
~~وقيل: { البيان } أسماء الأشياء كلها. وقيل: التكلم بلغات كثيرة،
~~وقيل: الاسم الأعظم الذي ms10281 علم به كل شيء، ونسب هذا إلى جعفر الصادق رضي
~~الله تعالى عنه. وقال ابن كيسان: { الإنسن } محمد صلى الله عليه
~~وسلم، وعليه قيل: المراد بالبيان بيان المنزل والكشف عن المراد به كما
~~قال تعالى:

# وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل
~~إليهم

# [النحل: 44] أو الكلام الذي يشرح به المجمل والمبهم في القرآن أو القرآن
~~نفسه على ما سمعت آنفا، أو نحو ذلك مما يناسبه عليه الصلاة والسلام
~~ويليق به من المعاني السابقة، ولعل ابن كيسان يقدر مفعول علم الإنسان
~~مرادا به النبي صلى الله عليه وسلم أيضا، وهذه أقوال بين يديك،
~~والمتبادر من الآيات الكريمة لا يخفى عليك ولا أظنك في مرية من تبادر ما
~~ذكرناه فيها أولا.

# ثم إن كلا من الجملتين الأخيرتين خبر عن المبتدأ كجملة

# علم القرءان

# [الرحمن: 2] وكذا قوله تعالى: { الشمس والقمر بحسبان }.

### || [55.5]

# والجار والمجرور فيه خبر بتقدير مضاف أي: جري الشمس والقمر كائن أو
~~مستقر بحسبان أو الخبر محذوف. والجار متعلق به أي يجريان بحسبان وهو مصدر
~~كالغفران بمعنى الحساب  كما قال قتادة وغيره  أي هما يجريان بحسبان
~~مقدر في بروجهما ومنازلهما بحيث ينتظم بذلك أمور الكائنات السفلية وتختلف
~~الفصول والأوقات ويعلم السنون والحساب، وقال الضحاك وأبو عبيدة: هو جمع
~~حساب كشهاب وشهبان أي هما يجريان بحسابات شتى في بروجهما ومنازلهما، وقال
~~مجاهد: الحسبان الفلك المستدير من حسبان الرحا وهو ما أحاط بها من
~~أطرافها المستديرة، وعليه فالباء للظرفية، والجار والمجرور في موضع /
~~الخبر من غير احتياج إلى ما تقدم، والمراد: كل من الشمس والقمر في فلك،
~~والجمهور على الأول وجريان الشمس والقمر مما لا ينبغي أن يشك فيه.
~~وفلاسفة العصر كانوا يزعمون أن الشمس لا تجري أصلا، وأن القمر يجري على
~~الأرض والأرض تجري على الشمس، وقد سمعنا أنهم عدلوا منذ أعوام عن ذلك،
~~فزعموا أن للشمس حركة على كوكب آخر وهذا يدل على أنهم لم يكن عندهم برهان
~~على دعواهم الأولى كما كان يقوله من كان ينتصر لهم، والظاهر أن حالهم ms10282
~~اليوم بل وغدا مثل حالهم بالأمس، ونحن مع الظواهر حتى يقوم الدليل
~~القطعي على خلافها وحينئذ نميل إلى التأويل وبابه واسع. ومثل هذه الجملة
~~قوله تعالى: { والنجم والشجر يسجدان }.

### || [55.6]

# فإن المعطوف على الخبر خبر، والمراد بالنجم النبات الذي ينجم أي يظهر
~~ويطلع من الأرض ولا ساق له، وبالشجر النبات الذي له ساق، وهو المروي عن
~~ابن عباس وابن جبير وأبي رزين. والمراد بسجودهما انقيادهما له تعالى
~~فيما يريد بهما طبعا، شبه جريهما على مقتضى طبيعتيهما بانقياد الساجد
~~لخالقه وتعظيمه له، ثم استعمل اسم المشبه به في المشبه فهناك استعارة
~~مصرحة تبعية، وقال مجاهد وقتادة والحسن  النجم  نجم السماء وسجوده
~~بالغروب ونحوه، وسجود الشجر بالظل واستدارته عند مجاهد والحسن وفي رواية
~~أخرى عن مجاهد أن سجودهما عبارة عن انقيادهما لما يريد سبحانه بهما
~~طبعا، والجمهور على تفسير النجم بما سمعت أولا قبل لأن اقترانه بالشجر
~~يدل عليه، وإن كان تقدم الشمس والقمر يتوهم منه أنه بمعناه المعروف ففيه
~~تورية ظاهرة، وإخلاء الجمل الثانية والثالثة والرابعة عن العاطف لورودها
~~على نهج التعديد مع الإشارة إلى أن كلا مما تضمنته نعمة مستقلة تقتضي
~~الشكر، وقد قصروا في أدائه ولو عطفت مع شدة اتصالها وتناسبها ربما توهم
~~أن الكل نعمة واحدة. وتوسيط العاطف بين الرابعة والخامسة رعاية لتناسبهما
~~من حيث التقابل لما أن الشمس والقمر علويان والنجم والشجر سفليان، ومن
~~حيث إن كلا من حال العلويين وحال السفليين من باب الانقياد لأمر الله عز
~~وجل، وخلوهما عن الرابط اللفظي مع كونهما خبرين للتعويل على كمال قوة
~~الارتباط المعنوي إذ لا يتوهم ذهاب الوهم إلى كون حال الشمس والقمر
~~بتسخير غيره تعالى، ولا إلى كون سجود النجم والشجر لسواه سبحانه فكأنه
~~قيل: الشمس والقمر بحسبانه والنجم والشجر يسجدان له كذا قالوه.

# وفي «الكشف» تبيينا لما ذكره صاحب «الكشاف» في هذا المقام: أخلى الجمل
~~أي التي قبل

# الشمس والقمر بحسبان

# [الرحمن: 5] عن العاطف لأن الغرض تعديد النعم وتبكيت المنكر كما يقال:
~~زيد أغناك بعد فقر، ms10283 أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد
~~بأحد فما تنكر من إحسانه كأنه لما عد نعمة حرك منه حتى يتأمل هل شكرها حق
~~شكرها أم لا؟، ثم يأخذ في أخرى، ولو جىء بالعاطف صارت كواحدة ولم يكن من
~~التحريك في شيء، ولما قضى الوطر من التعديد المحرك والتبكيت بذكر ما هو
~~أصل النعم على نمط رد الكلام على منهاجه الأصلي من تعداد النعم واحدة بعد
~~أخرى على التناسب والتقارب بحرف النسق، وفيه تنبيه على أن النعم لا تحصى
~~فليكتف بتعديد أجلها رتبة للغرض المذكور. وجملة

# الشمس والقمر بحسبان

# [الرحمن: 5] ليست من أخبار المبتدأ، والزمخشري إنما سأل عن وجه الربط،
~~وأجاب بأن الربط حاصل بالوصل المعنوي كأنه بعد ما بكت ونبه أخذ يعد عليه
~~أصول النعم ليثبت على ما طلب منه من الشكر، وهذا كما تقول في المثال
~~السابق بعد قولك: فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد دانت له أقرانك وأطاعته
~~إخوانك وبسط نواله فيمن تحت ملكته ولم يخرج أحد من حياطة عدله ونصفته،
~~فلا يشك ذو أرب أنها جمل / منقطعة عن الأولى إعرابا متصلة بها اتصالا
~~معنويا أورثها قطعها لأنها سيقت لغرض وهذه لآخر، وقريب من هذا الاتصال
~~اتصال قوله تعالى:

# إن الذين كفروا سواء عليهم

# [البقرة: 6] الآية بقوله تعالى:

# الذين يؤمنون بالغيب

# [البقرة: 3] الآية انتهى. وقد أبعد المغزى فيما أرى إلا أن ظاهر كلام
~~«الكشاف» يقتضي كون قوله تعالى:

# الشمس والقمر بحسبان

# [الرحمن: 5] من الأخبار فتأمل.

### || [55.7]

# { والسماء رفعها } أي خلقها مرفوعة ابتداءا لا أنها كانت
~~مخفوضة ورفعها، والظاهر أن المراد برفعها الرفع الصوري الحسي، ويجوز أن
~~يكون المراد به ما يشمل الصوري والمعنوي بطريق عموم المجاز أو الجمع بين
~~الحقيقة والمجاز عند من يرى جوازه. ورفعها المعنوي الرتبي لأنها منشأ
~~أحكامه تعالى وقضاياه ومتنزل أوامره سبحانه ومحل ملائكته عز وجل.

# وقرأ أبو السمال { والسماء } بالرفع على الابتداء، ولا إشكال فيه
~~لأن الجملة عليه اسمية معطوفة على مثلها، وإنما الإشكال في النصب لأنه ms10284
~~بفعل مضمر على شريطة التفسير أي ورفع السماء فتكون الجملة فعلية فإن عطفت
~~على جملة 

# والنجم والشجر يسجدان

# [الرحمن: 6] الكبرى لزم تخالف الجملتين المعطوفة والمعطوف عليها
~~بالاسمية والفعلية وهو خلاف الأولى، وإن عطفت على جملة { يسجدان }
~~الصغرى لزم أن تكون خبرا  للنجم والشجر  مثلها، وذلك لا يصح إذ لا
~~عائد فيها إليهما، وكذا يقال في العطف على كبرى وصغرى

# الشمس والقمر بحسبان

# [الرحمن: 5] وأجاب أبو علي باختيار الثاني، وقال: لا يلزم في المعطوف
~~على الشيء أن يعتبر فيه حال ذلك الشيء، وتلا باب قولهم متقلدا سيفا
~~ورمحا، وبعضهم باختيار الأول ويحسن التخالف إذا تضمن نكتة، قال الطيبي:
~~الظاهر أن يعطف على جملة { الشمس والقمر بحسبان } ليؤذن
~~بأن الأصل أجرى الشمس والقمر، وأسجد النجم والشجر، فعدل إلى معنى دوام
~~التسخير والانقياد في الجملتين الأوليين، ومعنى التوكيد في الأخيرة
~~والكلام فيما يتعلق بالرفع والنصب فيما إذا ولي العاطف جملة ذات وجهين
~~مفصل في كتب النحو.

# { ووضع الميزان } أي شرع العدل وأمر به بأن وفر على كل مستعد
~~مستحقه، ووفى كل ذي حق حقه حتى انتظم أمر العالم واستقام كما قال عليه
~~الصلاة والسلام:

# " بالعدل قامت السماوات والأرض "

# أي بقيتا على أبلغ نظام وأتقن إحكام، وقال بعضهم: المراد بقاء من فيهما
~~من الثقلين إذ لولا العدل أهلك أهل الأرض بعضهم بعضا، وأما الملأ الأعلى
~~فلا يقع بينهم ما يحتاج للحكم والعدل، فذكرهم للمبالغة، والذي أختاره أن
~~المراد بالسموات والأرض العالم جميعه ولا شك أنه لولا العدل لم يكن
~~العالم منتظما. ومنشأ ما ذكره القائل ظن أن المراد بالعدل في الحديث
~~العدل في الحكم لفصل الخصومات ونحوه وليس كما ظن بل المراد به عدل الله
~~عز وجل وإعطاؤه سبحانه كل شيء خلقه.

# وتفسير الميزان بما ذكر هو المروي عن مجاهد والطبري والأكثرين، وهو
~~مستعار للعدل استعارة تصريحية؛ وعن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك أن
~~المراد به ما يعرف به مقادير الأشياء من الآلة المعروفة والمكيال المعروف
~~ونحوهما، فالمعنى خلقه موضوعا مخفوضا على الأرض حيث ms10285 علق به أحكام عباده
~~وقضاياهم المنزلة من السماء وما تعبدهم به من التسوية والتعديل في أخذهم
~~وإعطائهم، والمشهور أنه بهذا المعنى مجاز أيضا من استعمال المقيد في
~~المطلق، وقيل: هو حقيقة، فالواضع لم يضعه إلا لما يعرف به المقادير على
~~أي هيئة ومن أي جنس كان، والناس لما ألفوا المعروف لا يكاد يتبادر إلى
~~أذهانهم من لفظ الميزان سواه، وقيل: المراد به المعروف واللفظ فيه حقيقة
~~ولا يسلم الوضع للعام.

# / ورجح القولان الأخيران بأن ما بعد أشد ملاءمة لهما وبين الوضع والرفع
~~عليهما تقابل، وقد قرأ عبد الله  وخفض الميزان  والأول بأنه أتم فائدة
~~فزن ذلك بميزان ذهنك.

### || [55.8]

# أي لئلا تطغوا فيه، أي حقه وشأنه بأن تعتدوا وتتجاوزوا ما ينبغي فيه على
~~أن { أن } ناصبة و { لا } نافية ولام العلة مقدرة متعلقة بقوله تعالى:

# ووضع الميزان

# [الرحمن: 7] وجوز ابن عطية والزمخشري كون { أن } تفسيرية، و { لا }
~~ناهية. واعترضه أبو حيان بأنه لم يتقدم جملة فيها معنى القول وهو شرط في
~~صحة جعل { أن } مفسرة، وأجيب بأن وضع الميزان فيه ذلك لأنه بالوحي وإعلام
~~الرسل عليهم السلام، وزعم بعضهم أن التفسير متعين لأنه لا معنى لوضع
~~الميزان لئلا تطغوا في الميزان إذ المناسب الموزون ونحوه، وفيه ما لا
~~يخفى.

# وفي «البحر» قرأ إبراهيم { ووضع الميزان } بإسكان الضاد، وخفض
~~الميزان على أن { وضع } مصدر مضاف إلى ما بعده ولم يبين هل { وضع }
~~مرفوع أو منصوب، فإن كان مرفوعا فالظاهر أنه مبتدأ { وألا
~~تطغوا } بتقدير الجار في موضع الخبر. وإن كان منصوبا فالظاهر أن
~~عامله مقدر أي وفعل وضع الميزان أو ووضع وضع الميزان ألا تطغوا
~~الخ، وقرأ عبد الله  لا تطغوا  بغير { أن } على إرادة القول أي قائلا
~~أو نحوه لأقل كما قيل و { لا } ناهية بدليل الجزم.

### || [55.9]

# { وأقيموا الوزن بالقسط } قوموا وزنكم بالعدل، وقال
~~الراغب: هذا إشارة إلى مراعاة المعدلة في جميع ما يتحراه الإنسان من
~~الأفعال والأقوال، وعن مجاهد أن المعنى أقيموا لسان الميزان بالعدل إذا
~~أردتم الأخذ ms10286 والإعطاء، وقال سفيان بن عيينة: الإقامة باليد والقسط
~~بالقلب، والظاهر أن الجملة عطف على الجملة المنفية قبلها ولا يضر في ذلك
~~كونها إنشائية، وتلك خبرية لأنها لتأويلها بالمفرد تجردت عن معنى الطلب،
~~وجعل بعضهم { لا } في الأولى مطلقا ناهية حرصا على التوافق.

# { ولا تخسروا الميزان } أي لا تنقصوه فإن من حقه أن يسوى
~~لأنه المقصود من وضعه. وكرر لفظ { الميزان } بدون إضماره كما هو
~~مقتضى الظاهر تشديدا للتوصية وتأكيدا للأمر باستعماله والحث عليه، بل
~~في الجمل الثلاث تكرار ما معنى لذلك.

# وقرىء { ولا تخسروا } بفتح التاء وضم السين، وقرأ زيد بن علي وبلال بن
~~أبي بردة بفتح التاء وكسر السين. وحكى ابن جني وصاحب «اللوامح» عن بلال
~~أنه قرأ بفتحهما، وخرج ذلك الزمخشري على أن الأصل ولا تخسروا في الميزان
~~فحذف الجار، وأوصل الفعل بناءا على أنه لم يجىء إلا لازما، وتعقبه أبو
~~حيان بأن خسر قد جاء متعديا كقوله تعالى:

# خسروا أنفسهم

# [الأنعام: 12] و

# خسر الدنيا والأخرة

# [الحج: 11] فلا حاجة إلى دعوى الحذف والإيصال.

# وأجيب بأنه على تقدير أن يكون متعديا هنا لا بد من القول بالحذف
~~والإيصال لأن المعنى على حذف المفعول به أي لا تخسروا أنفسكم في الميزان
~~أي لا تكونوا خاسريها يوم القيامة بسبب الميزان بأن لا تراعوا ما ينبغي
~~فيه، والراغب جوز حمل الآية على القراءة المشهورة على نحو هذا فقال: إن
~~قوله تعالى: { وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا
~~الميزان } يجوز أن يكون إشارة إلى تحري العدالة في الوزن وترك الحيف
~~فيما يعاطاه فيه، ويجوز أن يكون إشارة إلى تعاطي ما لا يكون به في
~~القيامة خاسرا فيكون ممن قال سبحانه فيه:

# من خفت موزينه

# [القارعة: 8] وكلا المعنيين متلازمان، وقيل: المعنى على التعدي بتقدير
~~مضاف أي موزون الميزان، أو جعل الميزان مجازا عن الموزون فيه فتأمل ولا
~~تغفل.

### || [55.10]

# { والأرض وضعها } خلقها موضوعة مخفوضة عن السماء حسبما يشاهد،
~~وقال الراغب: الوضع هنا الإيجاد والخلق وكأن مراده ما ذكر، وقيل: أي
~~خفضها مدحوة على الماء، / والظاهر ms10287 على تقدير اعتبار الدحو أنه لا حاجة
~~إلى اعتبار أنه سبحانه خلقها كذلك بل لا يصح لأنها لم تخلق مدحوة وإنما
~~دحيت بعد على ما روي عن ابن عباس، ثم إن كونها على الماء مبني على ما
~~اشتهر أنه عز وجل خلق الماء قبلها وخلقها سبحانه من زبده.

# { للأنام } قال ابن عباس وقتادة وابن زيد والشعبي ومجاهد على ما في
~~«مجمع البحرين»: الحيوان كله، وقال الحسن: الإنس والجن. وفي رواية أخرى
~~عن ابن عباس هم بنو آدم فقط ولم أر هذا التخصيص لغيره رضي الله تعالى
~~عنه، ففي «القاموس» الأنام الخلق أو الجن والإنس، أو جميع ما على وجه
~~الأرض، ويحتمل أنه أراد أن المراد به هنا ذلك بناءا على أن اللام
~~للانتفاع وأنه محمول على الانتفاع التام وهو للإنس أتم منه لغيرهم،
~~والأولى عندي ما حكى عنه أولا. وقرأ أبو السمال { والأرض } بالرفع.

### || [55.11]

# وقوله تعالى: { فيها فكهة } الخ استئناف مسوق لتقرير ما أفادته
~~الجملة السابقة من كون الأرض موضوعة لنفع الأنام، وقيل: حال مقدرة من

# الأرض

# [الرحمن: 10]، أو من ضميرها، فالأحسن حينئذ أن يكون الحال هو الجار
~~والمجرور، و { فكهة } رفع على الفاعلية والتنوين بمعونة المقام
~~للتكثير أي فيها ضروب كثيرة مما يتفكه به.

# { والنخل ذات الأكمام } هي أوعية الثمر أعني الطلع على ما
~~روي عن ابن عباس جمع  كم  بكسر الكاف وقد تضم، وهذا في  كم  الثمر،
~~وأما  كم  القميص فهو بالضم لا غير، أو كل ما يكم ويغطى من ليف وسعف
~~وطلع فإنه مما ينتفع به كالمكموم من الثمر والجمار مثلا، واختاره من
~~اختاره، ومما ذكر يعلم فائدة التوصيف.

### || [55.12]

# { والحب } هو ما يتغذى به كالحنطة والشعير { ذو العصف } قيل:
~~هو ورق الزرع، وقيده بعضهم باليابس، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن
~~ابن عباس أنه التبن، وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك أنه القشر
~~الذي يكون على الحب؛ وعن السدي والفراء أنه بقل الزرع وهو أول ما ينبت،
~~وأخرجه غير واحد عن الحبر أيضا، ms10288 واختار جمع ما روي عنه أولا. وفي توصيف
~~الحب بما ذكر تنبيه على أنه سبحانه كما أنعم عليهم بما يقوتهم من الحب
~~أنعم عليهم بما يقوت بهائمهم من العصف.

# { والريحان } هو كل مشموم طيب الريح من النبات على ما أخرجه ابن
~~جرير عن ابن زيد، وأخرج عن الحسن أنه قال: هو ريحانكم هذا أي الريحان
~~المعروف؛ وأخرج عن مجاهد أنه الرزق بل قال ابن عباس: كما أخرج هو أيضا
~~عنه كل ريحان في القرآن فهو رزق، وزعم الطبرسي أنه قول الأكثر، وعليه قول
~~بعض الأعراب، وقد قيل له: إلى أين أطلب من ريحان الله؟ فإنه أراد من رزقه
~~عز وجل، ووجه إطلاقه عليه أنه يرتاح له، وظاهر كلام «الكشاف» أنه أطلق
~~وأريد منه اللب ليطابق العصف ويوافق المراد منه في قراءة حمزة والكسائي
~~والأصمعي عن أبي عمرو { والريحان } بالجر عطفا على { العصف }
~~إذ يبعد عليها حمله على المشموم، والقريب حمله على اللب فكأنه قيل: والحب
~~ذو العصف الذي هو رزق دوابكم، وذو اللب الذي هو رزق لكم، وجوز أن يكون
~~الريحان في هذه القراءة عطفا على

# فكهة

# [الرحمن: 11] كما في قراءة الرفع، والجر للمجاورة وهو كما ترى.
~~والزمخشري بعد أن فسر

# الأكمام

# [الرحمن: 11] بما ذكرناه ثانيا فيها { والريحان } باللب قال:
~~((أراد سبحانه فيها ما يتلذذ به من الفواكه، والجامع بين التغذي والتلذذ
~~وهو ثمر النخل وما يتغذى به وهو الحب)) وهو على ما في «الكشف» بيان
~~لإظهار وجه الامتنان وأنه مستوعب لأقسام ما يتناول في حال الرفاهية لأنه
~~إما للتلذذ الخالص وهو الفاكهة؛ أو له وللتغذي أيضا / وهو ثمر النخل، أو
~~للتغذي وحده وهو الحب، ولما كان الأخيران أدخل في الامتنان شفع كلا
~~بعلاوة فيها منة أيضا، وأنت تعلم أنه إذا كان المقصود من النخل ثمره
~~المعروف فالعطف على أسلوب

# وملائكته ورسله وجبريل

# [البقرة: 98] كما قيل به في قوله تعالى:

# فيها فكهة ونخل ورمان

# [الرحمن: 68] وإذا كان ما يعمه وسائر ما ينتفع به منه كالجمار
~~والكفرى، فالعطف ليس على ذلك، ms10289 وجعل صاحب «الكشف» قول الزمخشري بعد
~~تفسير { الأكمام } بالمعنى الأعم وكله منتفع به كالمكموم إشارة إلى
~~هذا، ثم قال: ولا ينافي جعله منه في قوله تعالى:

# فيها فكهة

# [الرحمن: 11] الخ نظرا إلى أن الجنة دار تخلص للتلذذ فالنظر هنالك إلى
~~المقصود وهو الثمر فقط فتأمل.

# وقرأ ابن عامر وأبو حيوة وابن أبي عبلة  والحب ذا العصف والريحان 
~~بنصب الجميع، وخرج على أنه بتقدير وخلق الحب الخ، وقيل: يجوز تقدير
~~أخص، وفيه دغدغة. وجوزوا أن يكون الريحان بمعنى اللب حالة الرفع وحالة
~~النصب على حذف مضاف. والأصل وذو أو وذا الريحان فحذف المضاف وأقيم المضاف
~~إليه مقامه.

# و { الريحان } فيعلان من الروح، فأصله ريوحان قلبت الواو ياءا
~~لاجتماعها مع ياء ساكنة قبلها وأدغمت في الياء فصار ريحان بالتشديد ثم
~~حذفت الياء الثانية التي هي عين الكلمة فقيل: ريحان كما قيل: ميت
~~وهين بسكون الياء. وعن أبي علي الفارسي أنه فعلان وأصله روحان -
~~بفتح الراء وسكون الواو - قلبت واوه ياءا للتخفيف وللفرق بينه وبين
~~الروحان بمعنى ماله روح.

### || [55.13]

# الخطاب للثقلين لأنهما داخلان في { الأنام } [الرحمن:10] على ما
~~اخترناه، أو لأن الأنام عبارة عنهما على ما روي عن الحسن، وسينطق بهما في
~~قوله تعالى:

# سنفرغ لكم أيه الثقلان

# [الرحمن: 31] وفي الأخبار كما ستعلمه إن شاء الله تعالى قريبا ما
~~يؤيده، وقد أبعد من ذهب إلى أنه خطاب للذكر والأنثى من بني آدم، وأبعد
~~أكثر منه من قال: إنه خطاب على حد

# ألقيا فى جهنم

# [ق: 24] ويا شرطي أضربا عنقه، يعني أنه خطاب للواحد بصورة الاثنين.

# والفاء لترتيب الإنكار. والتوبيخ على ما فصل من فنون النعماء وصنوف
~~الآلاء الموجبة للإيمان والشكر حتما. والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة
~~عن المالكية الكلية والتربية مع الإضافة إلى ضميرهم لتأكيد النكير وتشديد
~~التوبيخ. ومعنى تكذيبهم بشيء من آلائه تعالى كفرهم به إما بإنكار كونه
~~منه عز وجل مع عدم الاعتراف بكونه نعمة في نفسه كتعليم القرآن وما يستند
~~إليه من النعم الدينية، وإما بإنكار كونه منه تعالى مع ms10290 الاعتراف بكونه
~~نعمة في نفسه كالنعم الدنيوية الواصلة إليهم بإسناده إلى غيره سبحانه
~~استقلالا، أو اشتراكا صريحا، أو دلالة فإنه إشراكهم لآلهتهم به تعالى
~~في العبادة من دواعي إشراكهم لها به تعالى فيما يوجبها، والتعبير عن
~~كفرهم المذكور بالتكذيب لما أن دلالة الآلاء المذكورة على وجوب الإيمان
~~والشكر شهادة منها بذلك فكفرهم بها تكذيب لا محالة أي فإذا كان الأمر كما
~~فصل فبأي فرد من أفراد نعم مالككما ومربيكما بتلك النعم تكذبان مع أن
~~كلا منها ناطق بالحق شاهد بالصدق.

# ويندب أن يقول سامع هذه الآية: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد،
~~فقد أخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والدارقطني في «الافراد» وابن
~~مردويه والخطيب في «تاريخه» بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة { الرحمن } على
~~أصحابه فسكتوا فقال: مالي أسمع الجن أحسن جوابا لربها منكم ما أتيت على
~~قول الله تعالى: { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } إلا قالوا: لا
~~بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد ".

# وأخرج الترمذي وجماعة وصححه الحاكم عن جابر بن عبد الله نحوه. وقرىء {
~~فبأى } بالتنوين في جميع السورة / كأنه حذف منه المضاف إليه وأبدل منه
~~{ ءالاء ربكما } بدل معرفة من نكرة.

### || [55.14]

# تمهيد للتوبيخ على إخلالهم بمواجب شكر النعمة المتعلقة بذاتي كل واحد من
~~الثقلين. والمراد بالإنسان آدم عند الجمهور، وقيل: الجنس وساغ ذلك لأن
~~أباهم مخلوق مما ذكر. والصلصال الطين اليابس الذي له صلصلة، وأصله  كما
~~قال الراغب  تردد الصوت من الشيء اليابس، ومنه قيل: صل المسمار، وقيل:
~~هو المنتن من الطين من قولهم: صل اللحم، وكأن أصله صلال فقلبت إحدى
~~اللامين صادا ويبعد ذلك قوله سبحانه: { كالفخار } وهو الخذف أعني
~~ما أحرق من الطين حتى تحجر وسمي بذلك لصوته إذا نقر كأنه تصور بصورة من
~~يكثر التفاخر. وقد خلق الله تعالى آدم عليه السلام من تراب جعله طينا ثم
~~حمأ مسنونا ثم صلصالا فلا تنافي بين الآية الناطقة بأحدها وبين ms10291 ما نطق
~~بأحد الآخرين.

### || [55.15]

# { وخلق الجان } هو أبو الجن وهو إبليس قاله الحسن، وقال مجاهد:
~~هو أبو الجن وليس بإبليس، وقيل: هو اسم جنس شامل للجن كلهم. { من
~~مارج } من لهب خالص لا دخان فيه كما هو رواية عن ابن عباس وقيل: هو
~~اللهب المختلط بسواد النار، أو بخضرة وصفرة وحمرة كما روي عن مجاهد من
~~مرج الشيء إذا اضطرب واختلط. و { من } لابتداء الغاية، وقوله تعالى: {
~~من نار } بيان لمارج والتنكير للمطابقة ولأن التعريف لكنه عليه فكأنه
~~قيل: خلق من نار خالصة، أو مختلطة على التفسيرين، وجوز جعل { من } فيه
~~ابتدائية فالتنكير لأنه أريد نار مخصوصة متميزة من بين النيران لا هذه
~~المعروفة، وأيا ما كان فالمارج بالنسبة إلى الجان كالتراب بالنسبة إلى
~~الإنسان. وفي الآية رد على من يزعم أن الجن نفوس مجردة.

### || [55.16]

# مما أفاض عليكم في تضاعيف خلقكما من سوابغ النعم.

### || [55.17]

# خبر مبتدأ محذوف أي هو رب الخ، أو الذي فعل ما ذكر من الأفاعيل البديعة
~~رب مشرقي الشمس صيفا وشتاءا ومغربيها كذلك على ما أخرجه جماعة عن ابن
~~عباس، وروي عن مجاهد وقتادة وعكرمة أن { المشرقين } مشرقا الشتاء
~~ومشرق الصيف، و { المغربين } مغرب الشتاء ومغرب الصيف بدون ذكر
~~الشمس، وقيل: المشرقان مشرقا الشمس والقمر، والمغربان مغرباهما. وأخرج
~~ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن { المشرقين } مشرق الفجر ومشرق
~~الشفق، و { المغربين } مغرب الشمس ومغرب الشفق، وحكى أبو حيان في
~~المغربين نحو هذا، وفي المشرقين أنهما مطلع الفجر ومطلع الشمس والمعول ما
~~عليه الأكثرون من مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما، ومن قضية ذلك أن يكون
~~سبحانه رب ما بينهما من الموجودات، وقيل: { رب } مبتدأ والخبر قوله
~~تعالى:

# مرج

# [الرحمن: 19] الخ، وليس بذاك.

# وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة { رب } بالجر على أنه بدل من

# ربكما

# [الرحمن: 16].

### || [55.18]

# مما في ذلك من فوائد لا تحصى كاعتدال الهواء واختلاف الفصول وحدوث ما
~~يناسب كل فصل في وقته.

### || [55.19]

# { مرج البحرين } أي أرسلهما وأجراهما من مرجت الدابة في ms10292 المرعى
~~أرسلتها فيه، والمعنى أرسل البحر الملح والبحر العذب { يلتقيان }
~~أي يتجاوران وتتماس سطوحهما لا فصل بينهما في مرأى العين، وقيل: أرسل
~~بحري فارس والروم يلتقيان في المحيط لأنهما خليجان يتشعبان منه، وروي هذا
~~عن قتادة لكنه / أورد عليه أنه لا يوافق قوله تعالى:

# مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج

# [الفرقان: 53] والقرآن يفسر بعضه بعضا، وعليه قيل: جملة {
~~يلتقيان } حال مقدرة إن كان المراد إرسالهما إلى المحيط، أو المعنى
~~اتحاد أصليهما إن كان المراد إرسالهما إليه.

### || [55.20]

# { بينهما برزخ } أي حاجز من قدرة الله تعالى، أو من أجرام
~~الأرض كما قال قتادة { لا يبغيان } أي لا يبغي أحدهما على الآخر
~~بالممازجة وإبطال الخاصية بالكلية بناءا على الوجه الأول فيما سبق، أو
~~لا يتجاوزان حديهما بإغراق ما بينهما بناءا على الوجه الثاني، وروي هذا
~~عن قتادة أيضا، وفي معناه ماأخرجه عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن لا
~~يبغيان عليكم فيغرقانكم، وقيل: المعنى لا يطلبان حالا غير الحال التي
~~خلقا عليها وسخرا لها.

### || [55.21]

# مما لكما في ذلك من المنافع.

### || [55.22]

# { يخرج منهما اللؤلؤ } صغار الدر { والمرجان } كباره
~~كما أخرج ذلك عبد بن حميد وابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه ومجاهد،
~~وأخرجه عبد عن الربيع وجماعة منهم المذكوران وابن المنذر وابن أبي حاتم
~~من طرق عن ابن عباس، وأخرج ابن جرير عنه أنه قال: { اللؤلؤ } ما عظم
~~منه { والمرجان } اللؤلؤ الصغار. وأخرج هو وعبد الرزاق وعبد بن حميد
~~عن قتادة نحوه، وكذا أخرج ابن الأنباري في «الوقف والابتداء» عن مجاهد،
~~وأظن أنه إن اعتبر في اللؤلؤ معنى التلألؤ واللمعان وفي المرجان معنى
~~المرج والاختلاط فالأوفق لذلك ما قيل ثانيا فيهما، وأخرج عبد الرزاق
~~والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبري عن ابن مسعود أنه
~~قال:  المرجان  الخرز الأحمر أعني البسذ وهو المشهور المتعارف، و {
~~اللؤلؤ } عليه شامل للكبار والصغار.

# ثم إن اللؤلؤ بناء غريب قيل: لا يحفظ منه في كلام العرب أكثر من خمسة،
~~هو والجؤجؤ ms10293 الصدر وقرية بالبحرين، والدؤدؤ آخر الشهر أو ليلة خمس وست
~~وسبع وعشرين أو ثمان وتسع وعشرين أو ثلاث ليال من آخره، والبؤبؤ بالباء
~~الموحدة الأصل والسيد الظريف ورأس المكحلة وإنسان العين ووسط الشيء،
~~واليؤيؤ بالياء آخر الحروف طائر كالباشق، ورأيت في كتب اللغة على هذا
~~البناء غيرها وهو الضؤضؤ الأخيل للطائر، والنؤنؤ بالنون المكثر تقليب
~~الحدقة والعاجز الجبان، ومن ذلك شؤشؤ دعاء الحمار إلى الماء وزجر الغنم
~~والحمار للمضي، أو هو دعاء للغنم لتأكل أو تشرب.

# وأما المرجان فقد ذكره صاحب «القاموس» في مادة  مرج  ولم يذكر ما يفهم
~~منه أنه معرب، وقال أبو حيان في «البحر»: هو اسم أعجمي معرب. وقال ابن
~~دريد: لم أسمع فيه بفعل متصرف.

# وقرأ طلحة  اللؤلئ  بكسر اللام الأخيرة. وقرء (اللؤلى) بقلب الهمزة
~~المتطرفة ياءا ساكنة بعد كسر ما قبلها وكل من ذلك لغة. وقرأ نافع وأبو
~~عمرو { يخرج } مبنيا للمفعول من الإخراج، وقرىء { يخرج } مبنيا للفاعل
~~منه ونصب { اللؤلؤ والمرجان } أي يخرج الله تعالى.

# واستشكلت الآية على تفسير البحرين بالعذب والملح دون بحري فارس والروم
~~بأن المشاهد خروج اللؤلؤ والمرجان من أحدهما وهو الملح، فكيف قال سبحانه:
~~{ منهما }؟ وأجيب بأنهما لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن
~~يقال: يخرجان منهما كما يقال يخرجان من البحر ولا يخرجان من جميعه ولكن
~~من بعضه، وكما تقول خرجت من البلد وإنما خرجت من محلة من محاله بل من دار
~~واحدة من دوره، وقد ينسب إلى الإثنين ما هو لأحدهما كما يسند إلى الجماعة
~~ما صدر من واحد منهم.

# ومثله على ما في «الانتصاف»

# على رجل من القريتين عظيم

# [الزخرف: 31] وعلى ما نقل عن الزجاج /

# سبع سموات طباقا * وجعل القمر فيهن نورا

# [نوح: 15-16]، وقيل: إنهما لا يخرجان إلا من ملتقى العذب والملح ويرده
~~المشاهدة، وكأن من ذكره مع ما تقدم لم يذكره لكونه قولا آخر بل ذكره
~~لتقوية الاتحاد فحينئذ تكون علاقة التجوز أقوى.

# وقال أبو علي الفارسي: هذا من باب حذف المضاف، والتقدير: يخرج من ms10294 أحدهما
~~وجعل { من القريتين } من ذلك. وهو عندي تقدير معنى لا تقدير
~~إعراب. وقال الرماني: العذب منهما كاللقاح للملح فهو كما يقال الولد يخرج
~~من الذكر والانثى أي بواسطتهما، وقال ابن عباس وعكرمة: تكون هذه الأشياء
~~في البحر بنزول المطر لأن الأصداف في شهر نيسان تتلقى ماء المطر بأفواهها
~~فتتكون منه، ولذا تقل في الجدب، وجعل عليه ضمير { منهما } للبحرين
~~باعتبار الجنس ولا يحتاج إليه بناءا على ما أخرجه ابن جرير عنه أن
~~المراد بالبحرين بحر السماء وبحر الأرض.

# وأخرج هو وابن المنذر عن ابن جبير نحوه إلا أن في تكون المرجان بناءا
~~على تفسيره بالبسذ من ماء المطر كاللؤلؤ ترددا وإن قالوا: إنه يتكون في
~~نيسان، وقال بعض الأئمة: ظاهر كلام الله تعالى أولى بالاعتبار من كلام
~~الناس، ومن علم أن اللؤلؤ لا يخرج من الماء العذب وهب أن الغواصين ما
~~أخرجوه إلا من الملح، ولكن لم قلتم إن الصدف لا يخرج بأمر الله تعالى من
~~الماء العذب إلى الماء الملح فإن خروجه محتمل تلذذا بالملوحة كما تلتذ
~~المتوحمة بها في أوائل حملها حتى إذا خرج لم يمكنه العود، وكيف يمكن
~~الجزم بما قلتم وكثير من الأمور الأرضية الظاهرة خفيت عن التجار الذين
~~قطعوا المفاوز وداروا البلاد فكيف لا يخفى أمر ما في قعر البحر عليهم،
~~والله تعالى أعلم.

# ومن غريب التفسير: ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس قال:

# مرج البحرين يلتقيان

# [الرحمن: 19] علي وفاطمة رضي الله تعالى عنهما { بينهما برزخ
~~لا يبغيان } النبي صلى الله عليه وسلم { يخرج منهما
~~اللؤلؤ والمرجان } الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما. وأخرج
~~عن إياس بن مالك نحوه لكن لم يذكر فيه البرزخ، وذكر الطبرسي من الإمامية
~~في تفسيره«مجمع البيان» الأول بعينه عن سلمان الفارسي وسعيد بن جبير
~~وسفيان الثوري، والذي أراه أن هذا إن صح ليس من التفسير في شيء بل هو
~~تأويل كتأويل المتصوفة لكثير من الآيات، وكل من علي وفاطمة رضي الله
~~تعالى عنهما عندي أعظم من البحر المحيط ms10295 علما وفضلا، وكذا كل من الحسنين
~~رضي الله تعالى عنهما أبهى وأبهج من اللؤلؤ والمرجان بمراتب جاوزت حد
~~الحسبان.

### || [55.23]

# مما في ذلك من الزينة والمنافع الجليلة، فقد ذكر الأطباء أن اللؤلؤ يمنع
~~الخفقان والبحر وضعف الكبد والكلى والحصى وحرقة البول والسدد واليرقان
~~وأمراض القلب والسموم والوسواس والجنون والتوحش والربو شربا والجذام
~~والبرص والبهق والآثار مطلقا بالطلي إلى غير ذلك، وأن المرجان أعني
~~البسذ يفرح ويزيل فساد الشهوة ولو تعليقا ونفث الدم والطحال شربا
~~والدمعة والبياض والسلاق والجرب كحلا إلى غير ذلك مما هو مذكور في
~~كتبهم.

### || [55.24]

# { وله الجوار } السفن جمع جارية وخصها سبحانه بأنها له وهو تعالى
~~له ملك السموات والأرض وما فيهن للإشارة إلى أن كونهم هم منشئيها لا
~~يخرجها من ملكه عز وجل حيث كان تمام منفعتها إنما هو منه عز وجل.

# وقرأ عبد الله والحسن وعبد الوارث عن أبي عمرو  الجوار  / بإظهار
~~الرفع على الراء لأن المحذوف لما تناسوه أعطوا ما قبل الآخر حكمه كما في
~~قوله:

# لها ثنايا أربع حسان

# وأربع فكلها (ثمان)

# { المنشئات } أي المرفوعات الشرع كما قال مجاهد من أنشأه بمعنى
~~رفعه، وقيل: المرفوعات على الماء وليس بذاك، وكذا ما قيل المصنوعات.

# وقرأ الأعمش وحمزة وزيد بن علي وطلحة وأبو بكر بخلاف عنه { المنشآت }
~~بكسر الشين أي الرافعات الشرع، أو اللاتي ينشئن الأمواج بجريهن، أو
~~اللاتي ينشئن السير إقبالا وإدبارا، وفي الكل مجاز، وشدد الشين ابن
~~أبي عبلة، وقرأ الحسن { المنشآت } وحد الصفة ودل على الجمع الموصوف
~~كقوله تعالى:

# أزوج مطهرة

# [البقرة: 25] وقلب الهمزة ألفا على حد قوله:

# إن السباع (لتهدا) في مرابضها

# يريد لتهدأ والتاء لتأنيث الصفة كتبت تاءا على لفظها في الأصل.

# { فى البحر كالأعلم } كالجبال الشاهقة جمع علم وهو الجبل
~~الطويل.

### || [55.25]

# من خلق مواد السفن والإرشاد إلى أخذها وكيفية تركيبها وإجرائها في البحر
~~بأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها وترتيبها غيره سبحانه وتعالى.

### || [55.26]

# { كل من عليها } أي على الأرض التي وضعت للأنام من الحيوانات
~~والمركبات و { من ms10296 } للتغليب أو للثقلين { فان } هالك.

### || [55.27]

# { ويبقى وجه ربك } أي ذاته عز وجل، والمراد هو سبحانه
~~وتعالى، فالإضافة بيانية وحقيقة الوجه في الشاهد الجارحة واستعماله في
~~الذات مجاز مرسل كاستعمال الأيدي في الأنفس، وهو مجاز شائع، وقيل: أصله
~~الجهة واستعماله في الذات من باب الكناية وتفسيره بالذات هنا مبني على
~~مذهب الخلف القائلين بالتأويل، وتعيين المراد في مثل ذلك دون مذهب السلف،
~~وقد قررناه لك غير مرة فتذكره وعض عليه بالنواجذ. والظاهر أن الخطاب في 
~~ربك  للرسول صلى الله عليه وسلم وفيه تشريف عظيم له عليه الصلاة
~~والسلام، وقيل: هو للصالح له لعظم الأمر وفخامته.

# وفي الآية عند المؤولين كلام كثير منه ما سمعت، ومنه ما قيل: الوجه
~~بمعنى القصد ويراد به المقصود، أي ويبقى ما يقصد به ربك عز وجل من
~~الأعمال، وحمل كلام من فسره بالعمل الصالح على ذلك وفيه ما فيه، وأقرب
~~منه ما قيل: وجهه تعالى الجهة التي أمرنا عز وجل بالتوجه إليها والتقرب
~~بها إليه سبحانه، ومرجع ذلك العمل الصالح أيضا والله جل شأنه يبقيه
~~للعبد إلى أن يجازيه عليه ولذا وصف بالبقاء؛ أو لأنه بالقبول صار غير
~~قابل للفناء لما أن الجزاء عليه قام مقامه وهو باق، ولا يخفى أن كلا
~~القولين غير مناسب للتعليم في

# كل من عليها

# [الرحمن: 26] وقيل: وجهه سبحانه الجهة التي يليها الحق أي يتولاها بفضله
~~ويفيضها على الشيء من عنده أي إن ذلك باق دون الشيء في حد ذاته فإنه فان
~~في كل وقت، وقيل: المراد بوجهه سبحانه وجهه الممكن وهي جهة حيثية ارتباطه
~~وانتسابه إليه تعالى، والإضافة لأدنى ملابسة فالممكن في حد ذاته أي إذا
~~اعتبر مستقلا غير مرتبط بعلته أعني الوجود الحق كان معدوما لأن ظهوره
~~إنما نشأ من العلة ولولاها لم يك شيئا مذكورا، وقول العلامة البيضاوي:
~~- لو استقريت جهات الموجودات وتفحصت وجوهها وجدتها بأسرها فانية في حد
~~ذاتها إلا وجه الله تعالى أي الوجه الذي يلي جهته سبحانه - محمول على ذلك
~~عند بعض المحققين وإن ms10297 كان قد فسر الوجه قبل بالذات، وللعلماء في تقرير
~~كلامه اختلاف، فمنهم من يجعل قوله: لو استقريت الخ تتمة لتفسيره الأول، /
~~ومنهم من يجعله وجها آخر، وهو على الأول أخذ بالحاصل، وعلى الثاني قيل:
~~يحتمل التطبيق على كل من مذاهب في الممكنات الموجودة، وذلك أنها إما
~~موجودة حقيقة بمعنى أنها متصفة بالوجود اتصافا حقيقيا بأن يكون الوجود
~~زائدا عليها قائما بها، وهو مذهب جمهور الحكماء والمتكلمين، وإما
~~موجودة مجازا وليس لها اتصاف حقيقي بالوجود بأن يكون الوجود قائما بها
~~بل إطلاق الموجود عليها كإطلاق الشمس على الماء، وإليه ذهب المتألهون من
~~الحكماء والمحققون من الصوفية إلا أن ذوق المتألهين أن علاقة المجاز أن
~~لها نسبة مخصوصة إلى حضرة الوجود الواجبي على وجوه مختلفة وأنحاء شتى،
~~والطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق، فالوجود عندهم جزئي حقيقي
~~قائم بذاته لا يتصور عروضه لشيء ولا قيامه به ومعنى كون الممكن موجودا
~~أنه مظهر له ومجلى ينجلي فيه نوره فالله نور السموات والأرض والممكنات
~~بمنزلة المرايا المختلفة التي تنعكس إليها أشعة الشمس وينصبغ كل منها
~~بصبغ يناسبه، ومذاق المحققين من الصوفية أن علاقة المجاز أنها بمنزلة
~~صفات قائمة بذات الواجب سبحانه إذ ليس في الوجود على مذاقهم ذوات متعددة
~~بعضها واجب وبعضها ممكن بل ذات واحدة لها صفات متكثرة وشؤونات متعددة
~~وتجليات متجددة

# قل الله ثم ذرهم

# [الأنعام: 91] والمشهور أنه لا فرق بين المذاقين.

# ووجه التطبيق على الأول أن يقال: المراد من الوجه الذي يلي جهته تعالى
~~هو الوجوب بالغير إذ الممكن وإن كان موجودا حقيقة عند الجمهور لكن وجوده
~~مستفاد من الواجب بالذات، وجهة الاستفادة ليست هي الذات ولا شيئا آخر من
~~الجهات والوجوه كالإمكان والمعلولية والجوهرية والعرضية والبساطة
~~والتركيب وسائر الأمور العامة لأن كلا منها جهته الخسة، ومقتضى الفطرة
~~الإمكانية البعيدة بمراحل عن الوجوب الذاتي المنافية له، وإنما جهة الشرف
~~القريبة المناسبة للوجوب الذاتي جهة الوجوب بالغير فهو وجه يلي جهة
~~الواجب ويناسبه في كونه وجوبا وإن كان بالغير، ولذا يعقبه ms10298 فيضان الوجود،
~~ولذا تسمعهم يقولون: الممكن ما لم يجب لم يوجد.

# ووجه التطبيق على الثاني أن يقال: الوجه الذي يلي جهته تعالى هو تلك
~~النسبة المخصوصة المصححة لإطلاق لفظ الموجود عليها ولو مجازا، فالمعنى:
~~كل من عليها فان معدوم لا يصح أن يطلق لفظ الموجود عليه ولو مجازا إلا
~~باعتبار الوجه الذي يلي جهته تعالى أي النسبة المخصوصة إلى حضرته تعالى
~~وهي كونه مظهرا له سبحانه.

# ووجه التطبيق على الثالث أن يقال: الوجه الذي يلي جهته تعالى كونها
~~شؤونات واعتبارات له تعالى. فالمعنى كل من عليها معدوم من جميع الوجوه
~~والاعتبارات إلا من الوجه الذي يلي جهته سبحانه والاعتبار الذي يحصل
~~مقيسا إليه عز وجل، وهو كونه شأنا من شؤونه واعتبارا من اعتباراته جل
~~شأنه فتأمل مستعينا بالله عز وجل.

# { ذو الجلل والإكرام } أي يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه
~~ويثبتون له ما يليق بشأنه - تعالى شأنه - فهذا راجع إلى ما له سبحانه من
~~التعظيم في قلوب من عرفه عز وجل أو الذي يقال في شأنه: ما أجلك وما أكرمك
~~أي هو سبحانه من يستحق أن يقال في شأنه ذلك قيل أو لم يقل فهو راجع إلى
~~ما له تعالى من الكمال في نفسه باعتبار قصور الإدراك عن شأوه، أو من عنده
~~الجلال والإكرام للموحدين فهو راجع إلى الفعل أي يجل الموحدين ويكرمهم،
~~وفسر بعض المحققين { الجلل } بالاستغناء المطلق { والإكرام }
~~بالفضل التام وهذا ظاهر، ووجه الأول بأن الجلال العظمة وهي تقتضي ترفعه
~~تعالى عن الموجودات ويستلزم أنه سبحانه غني عنها، ثم ألحق بالحقيقة، ولذا
~~قال الجوهري: عظمة الشيء الاستغناء عن غيره وكل محتاج حقير، وقال
~~الكرماني: / إنه تعالى له صفات عدمية مثل

# لا شريك له

# [الأنعام: 163] وتسمى صفات الجلال لما أنها تؤدي بجل عن كذا جل عن كذا
~~وصفات وجودية كالحياة والعلم وتسمى صفات الإكرام، وفيه تأمل.

# والظاهر أن { ذو } صفة للوجه، ويتضمن الوصف بما ذكر على ما ذكره البعض
~~الإشارة إلى أن فناء من عليها لا يخل بشأنه عز وجل ms10299 لأنه الغني المطلق،
~~والإشارة إلى أنه تعالى بعد فنائهم يفيض على الثقلين من آثار كرمه ما
~~يفيض وذلك يوم القيامة، ووصف الوجه بما وصف يبعد كونه عبارة عن العمل
~~الصالح أو الجهة على ما سمعت آنفا وكأن من يقول بذلك يقول: { ذو } خبر
~~مبتدأ محذوف هو ضمير راجع إلى الرب وهو في الأصل صفة له، ثم قطعت عن
~~التبعية، ويؤيده قراءة أبي وعبد الله  ذي الجلال  بالياء على أنه صفة
~~تابعة للرب، وذكر الراغب أن هذا الوصف قد خص به عز وجل ولم يستعمل في
~~غيره، فهو من أجل أوصافه سبحانه، ويشهد له ما رواه الترمذي عن أنس
~~والإمام أحمد عن ربيعة بن عامر مرفوعا

# " ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام "

# أي الزموه واثبتوا عليه وأكثروا من قوله والتلفظ به في دعائكم، وروى
~~الترمذي وأبو داود والنسائي عن أنس

# " أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجل يصلي ثم دعا فقال:
~~اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات
~~والأرض ذو الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، فقال صلى الله عليه وسلم:
~~لأصحابه أتدرون بما دعا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: والذي نفسي بيده
~~لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى ".

### || [55.28]

# مما يتضمنه ما ذكر فإن الفناء باب للبقاء والحياة الأبدية والإثابة
~~بالنعمة السرمدية، وقال الطيبي: المراد من الآية السابقة ملزوم معناها
~~لأنها كناية عن مجيء وقت الجزاء وهو من أجل النعم، ولذلك خص {
~~الجلل والإكرام } بالذكر لأنهما يدلان على الإثابة والعقاب
~~المراد منها تخويف العباد وتحذيرهم من ارتكاب ما يترتب عليه العقاب،
~~والتحذير من مثل ذلك نعمة، فلذا رتبت عليها بالفاء قوله تعالى: {
~~فبأى الاء } الخ، وليس بذاك.

### || [55.29]

# { يسأله من في السماوات والأرض } قاطبة ما يحتاجون إليه
~~في ذواتهم حدوثا وبقاءا وفي سائر أحوالهم سؤالا مستمرا بلسان المقال
~~أو بلسان الحال فإنهم كافة من حيث حقائقهم الممكنة بمعزل من استحقاق
~~الوجود وما يتفرع عليه ms10300 من الكمالات بالمرة بحيث لو انقطع ما بينهم وبين
~~العناية الإلهية من العلاقة لم يشموا رائحة الوجود أصلا فهم في كل آن
~~سائلون. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح: يسأله من في
~~السموات الرحمة ومن في الأرض المغفرة والرزق، وأخرج ابن المنذر عن ابن
~~جريج { يسأله } الملائكة عليهم السلام الرزق لأهل الأرض والمغفرة،
~~وأهل الأرض يسألونهما جميعا وما تقدم أولى، ولا دليل على التخصيص.
~~والظاهر أن الجملة استئناف. وقيل: هي حال من  الوجه  والعامل فيها

# يبقى

# [الرحمن: 27] أي هو سبحانه دائم في هذه الحال، ولا يخفى حاله على ذي
~~تمييز.

# { كل يوم } كل وقت من الأوقات ولحظة من اللحظات. { هو فى
~~شأن } من الشؤون التي من جملتها إعطاء ما سألوا فإنه تعالى لا يزال
~~ينشىء أشخاصا، ويفني آخرين ويأتي بأحوال ويذهب بأحوال حسبما تقتضيه
~~مشيئته عز وجل المبنية على الحكم البالغة، وأخرج البخاري في «تاريخه»
~~وابن ماجه وابن حبان وجماعة عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم أنه قال في هذه الآية:

# " من شأنه / أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين "

# زاد البزار

# " ويجيب داعيا "

# ، وقيل: إن لله تعالى في كل يوم ثلاث عساكر: عسكر من الأصلاب إلى
~~الأرحام وعسكر من الأرحام إلى الدنيا وعسكر من الدنيا إلى القبور،
~~والظاهر أن المراد بيان كثرة شؤونه تعالى في الدنيا فكل يوم على معنى كل
~~وقت من أوقات الدنيا. وقال ابن عيينة: الدهر عند الله تعالى يومان،
~~أحدهما: اليوم الذي هو مدة الدنيا فشأنه فيه الأمر والنهي والإماتة
~~والإحياء. وثانيهما: اليوم الذي هو يوم القيامة فشأنه سبحانه فيه الجزاء
~~والحساب، وعن مقاتل أن الآية نزلت في اليهود قالوا: إن الله تعالى لا
~~يقضي يوم السبت شيئا فرد عز وجل عليهم بذلك، وسأل عبد الله بن طاهر
~~الحسين بن الفضل عن الجمع بين هذه الآية وما صح من أن القلم جف بما هو
~~كائن إلى يوم القيامة فقال: شؤون يبديها لا شؤون يبتديها. وانتصب { كل
~~يوم ms10301 } على الظرف، والعامل فيه هو العامل في قوله تعالى: { فى شأن
~~} ، و { هو } ثابت المحذوف، فكأنه قيل هو ثابت في شأن كل يوم.

### || [55.30]

# مما يسعف به سؤالكما وما يخرج لكما بيديه من مكمن العدم حينا فحينا.

### || [55.31]

# { سنفرغ لكم } الفراغ في اللعنة يقتضي سابقة شغل والفراغ للشيء
~~يقتضي لاحقيته أيضا، والله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن فجعل انتهاء
~~الشؤون المشار إليها بقوله تعالى:

# كل يوم هو في شأن

# [الرحمن: 29] يوم القيامة إلى واحد هو جزاء المكلفين فراغا لهم على
~~سبيل التمثيل لأن من ترك أشغاله إلى شغل واحد يقال: فرغ له وإليه فشبه
~~حال هؤلاء  وأخذه تعالى في جزائهم فحسب  بحال من فرغ له، وجازت
~~الاستعارة التصريحية التبعية في { سنفرغ } بأن يكون المراد سنأخذ في
~~جزائكم فقط الاشتراك الأخذ في الجزاء فقط، والفراغ عن جميع المهام إلى
~~واحد في أن المعنى به ذلك الواحد، وقيل: المراد التوفر في الانتقام
~~والنكاية، وذلك أن الفراغ للشيء يستعمل في التهديد كثيرا كأنه فرغ عن كل
~~شيء لأجله فلم يبق له شغل غيره فيدل على التوفر المذكور، وهو كناية فيمن
~~يصح عليه، ومجاز في غير كالذي نحن فيه، ولعل مراد ابن عباس والضحاك
~~بقولهما  كما أخرج ابن جرير عنهما  هذا وعيد من الله تعالى لعباده ما
~~ذكر، والخطاب عليه قيل: للمجرمين، وتعقب بأن النداء الآتي يأباه، نعم
~~المقصود بالتهديد هم، وقيل: لا مانع من تهديد الجميع، ثم إن هذا التهديد
~~إنما هو بما يكون يوم القيامة، وقول ابن عطية: يحتمل أن يكون ذلك توعدا
~~بعذاب الدنيا مما لا يكاد يلتفت إليه، وقيل: إن فرغ يكون بمعنى قصد،
~~واستدل عليه بما أنشده ابن الأنباري لجرير:

# ألان وقد (فرغت) إلى نمير

# فهذا حين كنت لهم عذابا

# أي قصدت، وأنشد النحاس:

# فرغت إلى العبد المقيد في الحجل

# وفي الحديث

# " لأتفرغن لك يا خبيث "

# قال صلى الله عليه وسلم مخاطبا به أزب العقبة يوم بيعتها أي لأقصدن
~~إبطال أمرك، ونقل هذا عن الخليل والكسائي والفراء. والظاهر ms10302 أنهم حملوا ما
~~في الآية على ذلك، فالمراد حينئذ تعلق الإرادة تعلقا تنجيزيا بجزائهم.

# وقرأ حمزة والكسائي وأبو حيوة وزيد بن علي  سيفرغ  بياء الغيبة، وقرأ
~~قتادة والأعرج { سنفرغ } بنون العظمة وفتح الراء مضارع فرغ بكسرها وهو
~~لغة تميم كما أن { سنفرغ } في قراءة الجمهور مضارع فرغ بفتحها لغة
~~الحجاز، وقرأ أبو السمال وعيسى { سنفرغ } بكسر النون وفتح الراء وهي على
~~ما قال أبو حاتم لغة سفلى مضر، وقرأ الأعمش وأبو حيوة بخلاف عنهما وابن
~~أبي عبلة والزعفراني /  سيفرغ  بضم الياء وفتح الراء مبنيا للمفعول؛
~~وقرأ عيسى أيضا { سنفرغ } بفتح النون وكسر الراء، والأعرج أيضا  سيفرغ
~~ بفتح الياء والراء وهي لغة، وقرىء (سأفرغ) بهمزة المتكلم وحده، وقرأ
~~أبي { سنفرغ إليكم } عداه بإلى فقيل: للحمل على القصد، أو لتضمينه
~~معناه أي: سنفرغ قاصدين إليكم.

# { أيه الثقلان } هما الإنس والجن من ثقل الدابة وهو ما يحمل
~~عليها جعلت الأرض كالحمولة والإنس والجن ثقلاها، وما سواهما على هذا
~~كالعلاوة، وقال غير واحد: سميا بذلك لثقلهما على الأرض، أو لرزانة رأيهما
~~وقدرهما وعظم شأنهما. ويقال لكل عظيم القدر مما يتنافس فيه: ثقل، ومنه
~~قوله صلى الله عليه وسلم:

# " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي "

# وقيل: سميا بذلك لأنهما مثقلان بالتكليف، وعن الحسن لثقلهما بالذنوب.

### || [55.32]

# التي من جملتها التنبيه على ما ستلقونه يوم القيامة للتحذير عما يؤدي
~~إلى سوء الحساب.

### || [55.33]

# { يمعشر الجن والإنس } هما الثقلان خوطبا باسم جنسيهما
~~لزيادة التقرير ولأن الجن مشهورون بالقدرة على الأفاعيل الشاقة بما ينبىء
~~عن ذلك لبيان أن قدرتهم لا تفي بما كلفوه وكأنه لما ذكر سبحانه أنه مجاز
~~للعباد لا محالة عقب عز وجل ذلك ببيان أنهم لا يقدرون على الخلاص من
~~جزائه وعقابه إذا أراده فقال سبحانه: { وما خلقت الجن
~~والإنس }  { إن استطعتم } إن قدرتم، وأصل الاستطاعة طلب
~~طواعية الفعل وتأتيه. { أن تنفذوا من أقطر السموات
~~والأرض } أن تخرجوا من جوانب السموات والأرض هاربين من الله تعالى
~~فارين من قضائه سبحانه: { فانفذوا } فاخرجوا منها وخلصوا ms10303 أنفسكم من
~~عقابه عز وجل. والأمر للتعجيز { لا تنفذون } لا تقدرون على النفوذ {
~~إلا بسلطن } أي بقوة وقهر وأنتم عن ذلك بمعزل وألف ألف منزل.

# روي أن الملائكة عليهم السلام ينزلون يوم القيامة فيحيطون بجميع الخلائق
~~فإذا رآهم الجن والإنس هربوا فلا يأتون وجها إلا وجدوا الملائكة أحاطت
~~به، وقيل: هذا أمر يكون في الدنيا، قال الضحاك: بينما الناس في أسواقهم
~~انفتحت السماء ونزلت الملائكة فتهرب الجن والإنس فتحدق بهم الملائكة وذلك
~~قبيل قيام الساعة، وقيل: المراد إن استطعتم الفرار من الموت ففروا، وقيل:
~~المعنى إن قدرتم أن تنفذوا لتعلموا بما في السم وات والأرض فانفذوا
~~لتعلموا لكن لا تنفذون ولا تعلمون إلا ببينة وحجة نصبها الله تعالى
~~فتعرجون عليها بأفكاركم، وروي ما يقاربه عن ابن عباس، والأنسب بالمقام لا
~~يخفى.

# وقرأ زيد بن علي (إن استطعتما) رعاية للنوعين وإن كان تحت كل أفراد
~~كثيرة والجمع لرعاية تلك الكثرة وقد جاء كل في الفصيح نحو قوله تعالى:

# وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا
~~بينهما

# [الحجرات: 9].

### || [55.34]

# أي من التنبيه والتحذير والمساهلة والعفو مع كمال القدرة على العقوبة،
~~وقيل: على الوجه الأخير فيما تقدم أي مما نصب سبحانه من المصاعد العقلية
~~والمعارج النقلية فتنفذون بها إلى ما فوق السموات العلا.

### || [55.35]

# { يرسل عليكما } استئناف في جواب سؤال مقدر عن الداعي للفرار
~~أو عما يصيبهم أي يصب عليكما { شواظ } هو اللهب الخالص كما روي عن ابن
~~عباس، وأنشد عليه أبو حيان قول حسان:

# هجوتك فاختضعت لنا بذل

# بقافية تأجج (كالشواظ)

# / وقيل: اللهب المختلط بالدخان، وقال مجاهد: اللهب الأحمر المنقطع،
~~وقيل: اللهب الأخضر، وقال الضحاك: الدخان الذي يخرج من اللهب، وقيل: هو
~~النار والدخان جميعا، وقرأ عيسى وابن كثير وشبل { شواظ } بكسر الشين {
~~من نار } متعلق  بيرسل  أو يمضمر هو صفة  لشواظ  و { من }
~~ابتدائية أي كائن من نار والتنوين للتفخيم { ونحاس } هو الدخان الذي
~~لا لهب فيه كما قاله ابن عباس لنافع بن الأزرق وأنشد له قول الأعشى، أو
~~النابغة الجعدي:

# تضيء ms10304 كضوء السراج السلي

# ط لم يجعل الله فيه (نحاسا)

# وروي عنه أيضا، وعن مجاهد أنه الصفر المعروف أي يصب على رؤوسكما صفر
~~مذاب، والراغب فسره باللهب بلا دخان ثم قال: وذلك لشبهه في اللون
~~بالنحاس.

# وقرأ ابن أبي إسحق والنخعي وابن كثير وأبو عمرو { ونحاس } بالجر
~~على أنه عطف على { نار } ، وقيل: على { شواظ } وجر للجوار فلا
~~تغفل. وقرأ الكلبي وطلحة ومجاهد بالجر أيضا لكنهم كسروا النون وهو لغة
~~فيه، وقرأ ابن جبير  ونحس  كما تقول يوم نحس، وقرأ عبد الرحمن بن أبي
~~بكرة وابن أبي إسحق أيضا  ونحس  مضارعا، وماضيه حسه أي قتله أي
~~ونقتل بالعذاب، وعن ابن أبي إسحق أيضا  ونحس  بالحركات الثلاث في
~~الحاء على التخيير. وحنظلة بن نعمان  ونحس  بفتح النون وكسر السين،
~~والحسن وإسمعيل  ونحس  بضمتين والكسر، وهو جمع  نحاس  كلحاف ولحف،
~~وقرأ زيد بن علي  نرسل  بالنون  شواظا  بالنصب  ونحاسا  كذلك
~~عطفا على شواظا.

# { فلا تنتصران } فلا تمتنعان وهذا عند الضحاك في الدنيا أيضا.
~~أخرج ابن أبي شيبة عنه أنه قال في الآية: تخرج نار من قبل المغرب تحشر
~~الناس حتى إنها لتحشر القردة والخنازير تبيت معهم حيث باتوا وتقيل حيث
~~قالوا، وقال في «البحر»: المراد تعجيز الجن والإنس أي أنتما بحال من يرسل
~~عليه هذا فلا يقدر على الامتناع مما يرسل عليه.

### || [55.36]

# فإن التهديد لطف والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء والانتقام من
~~الكفار من عداد الآلاء.

### || [55.37]

# { فإذا انشقت السماء } أي انصدعت يوم القيامة، وحديث امتناع
~~الخرق حديث خرافة، ومثله ما يقوله أهل الهيئة اليوم في السماء على أن
~~الانشقاق فيها على زعمهم أيضا متصور { فكانت وردة } أي كالوردة
~~في الحمرة، والمراد بها النور المعروف قاله الزجاج وقتادة، وقال ابن عباس
~~وأبو صالح: كانت مثل لون الفرس الورد، والظاهر أن مرادهما كانت حمراء.
~~وقال الفراء: أريد لون الفرس الورد يكون في الربيع إلى الصفرة، وفي
~~الشتاء إلى الحمرة، وفي اشتداد البرد إلى الغبرة فشبه تلون السماء بتلون
~~الورد من الخيل، وروي هذا ms10305 عن الكلبي أيضا، وقال أبو الجوزاء: وردة
~~صفراء والمعول عليه إرادة الحمرة.

# ونصب { وردة } على أنه خبر  كان  وفي الكلام تشبيه بليغ. وقرأ
~~عبيد بن عمير { وردة } بالرفع على أن  كان  تامة أي فحصلت سماء
~~وردة فيكون من باب التجريد لأنه بمعنى كانت منها، أو فيها سماء وردة مع
~~أن المقصود أنها نفسها كذلك فهو كقول قتادة بن مسلمة:

# فلئن بقيت لأرحلن بغزوة

# تحوي المغانم أو يموت كريم

# حيث عنى بالكريم نفسه. وقوله تعالى: { كالدهان } خبر ثان لكانت أو
~~نعت لوردة أو حال / من اسم  كانت  على رأي من أجازه أي كدهن الزيت كما
~~قال تعالى:

# كالمهل

# [الكهف: 29] وهو دردي الزيت، وهو إما جمع دهن كقرط وقراط، أو اسم لما
~~يدهن به كالحزام والإدام، وعليه قوله في وصف عينين كثيرتي التذارف:

# كأنهما مزادتا متعجل

# فريان لما تدهنا (بدهان)

# وهو الدهن أيضا إلا أنه أخص لأنه الدهن باعتبار إشرابه الشيء، ووجه
~~الشبه الذوبان وهو في السماء على ما قيل من حرارة جهنم وكذا الحمرة،
~~وقيل: اللمعان، وقال الحسن: أي كالدهان المختلفة لأنها تتلون ألوانا؛
~~وقال ابن عباس: الدهان الأديم الأحمر؛ ومنه قول الأعشى:

# وأجرد من كرام الخيل طرف

# كأن على شواكله (دهانا)

# وهو مفرد، أو جمع، واستدل للثاني بقوله:

# تبعن (الدهان) الحمر كل عشية

# بموسم بدر أو بسوق عكاظ

# و(إذا) شرطية جوابها مقدر أي كان ما كان مما لا تطيقه قوة البيان، أو
~~وجدت أمرا هائلا، أو رأيت ما يذهل الناظرين وهو الناصب لإذا، ولهذا كان
~~مفرعا ومسببا عما قبله لأن في إرسال الشواظ ما هو سبب لحدوث أمر هائل،
~~أو رؤيته في ذلك الوقت.

### || [55.38]

# فإن الإخبار بنحو ما ذكر مما يزجر عن الشر فهو لطف أي لطف ونعمة أي
~~نعمة.

### || [55.39]

# { فيومئذ } أي يوم إذ تنشق السماء حسبما ما ذكر { لا يسئل
~~عن ذنبه إنس ولا جان } لأنهم يعرفون بسيماهم وهذا في موقف،
~~وما دل على السؤال من نحو قوله تعالى:

# فوربك لنسئلنهم أجمعين

# [الحجر: 92] في موقف آخر قاله ms10306 عكرمة وقتادة وموقف السؤال على ما قيل:
~~عند الحساب، وترك السؤال عند الخروج من القبور، وقال ابن عباس: حيث ذكر
~~السؤال فهو سؤال توبيخ وتقرير، وحيث نفي فهو استخبار محض عن الذنب، وقيل:
~~المنفي هو السؤال عن الذنب نفسه والمثبت هو السؤال عن الباعث عليه، وأنت
~~تعلم أن في الآيات ما يدل على السؤال عن نفس الذنب. وحكى الطبرسي عن
~~الرضا رضي الله تعالى عنه أن من اعتقد الحق ثم أذنب ولم يتب عذب في
~~البرزخ ويخرج يوم القيامة وليس له ذنب يسأل عنه، ولعمري إن الرضا لم يقل
~~ذلك، وحمل الآية عليه مما لا يلتفت إليه بعين الرضا كما لا يخفى. وضمير {
~~ذنبه } للإنس وهو متقدم رتبة لأنه نائب عن الفاعل، وإفراده باعتبار
~~اللفظ، وقيل: لما أن المراد فرد من الإنس كأنه قيل: لا يسأل عن ذنبه إنسي
~~ولا جني.

# وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد  ولا جأن  بالهمزة فرارا من التقاء
~~الساكنين وإن كان على حده

### || [55.40]

# يقال فيه نحو ما سمعت في سابقه.

### || [55.41]

# { يعرف المجرمون بسيماهم } استئناف يجري مجرى التعليل
~~لانتفاء السؤال. و { المجرمون } قيل: من وضع الظاهر موضع الضمير
~~للإشارة إلى أن المراد بعض من الإنس وبعض من الجن وهو المجرمون فيكون ذلك
~~كقوله تعالى:

# ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون

# [القصص: 78]. و  سيماهم  على ما روي عن الحسن سواد الوجوه وزرقة
~~العيون، وقيل: ما يعلوهم من الكآبة والحزن، وجوز أن تكون أمورا أخر
~~كالعمى والبكم والصمم.

# وقرأ حماد بن سليمان (بسيمائهم).

# { فيؤخذ بالنواصى } جمع ناصية وهي مقدم الرأس { والأقدام
~~} جمع قدم وهي قدم الرجل المعروفة والباء للآلة مثلها في أخذت بخطام
~~الدابة، والجار والمجرور نائب الفاعل، / وقال أبو حيان: إن الباء للتعدية
~~والفعل مضمن معنى ما يعدى بها أي فيسحب بالنواصي الخ، وفيه بحث. وظاهر
~~كلام غير واحد أن  أل  عوض عن المضاف إليه الضمير أي بنواصيهم
~~وأقدامهم، ونص عليه أبو حيان فقال:  أل  فيهما عوض عن الضمير على مذهب
~~الكوفيين، والضمير محذوف على مذهب البصريين ms10307 أي بالنواصي والأقدام منهم،
~~وأنت تعلم أن الخلاف بين أهل البلدين فيما إذا احتيج إلى الضمير للربط
~~ولا احتياج إليه هنا، نعم المعنى على الضمير وكيفية هذا الأخذ على ما روي
~~عن الضحاك أن يجمع الملك بين ناصية أحدهم وقدميه في سلسلة من وراء ظهره
~~ثم يكسر ظهره ويلقيه في النار، وقيل: تأخذ الملائكة عليهم السلام بعضهم
~~سحبا بالناصية وبعضهم سحبا بالقدم، وقيل: تسحبهم الملائكة عليهم السلام
~~تارة بأخذ النواصي وتارة بأخذ الأقدام، فالواو بمعنى أو التي للتقسيم وهو
~~خلاف الظاهر، وإبهام الفاعل لأنه كالمتعين، وقيل: للرمز إلى عظمته فقد
~~أخرج ابن مردويه والضياء المقدسي في «صفة النار» عن أنس قال: سمعت رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " والذي نفسي بيده لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام فهم
~~كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم حتى يقبضوا على من قبضوا بالنواصي والأقدام
~~"

### || [55.42]

# يقال فيه نحو ما تقدم.

### || [55.43]

# مقول قول مقدر معطوف على قوله تعالى:

# يؤخذ

# [الرحمن: 41] الخ أي ويقال هذه الخ. أو مستأنف في جواب ماذا يقال لهم
~~لأنه مظنة للتوبيخ والتقريع، أو حال من أصحاب النواصي بناءا على أن
~~التقدير نواصيهم أو النواصي منهم، وما في البين اعتراض على الأول والأخير
~~وكان أصل { التى يكذب بها المجرمون } التي كذبتم بها فعدل
~~عنه لما ذكر للدلالة على استمرار ذلك وبيان لوجه توبيخهم وعلته.

### || [55.44]

# { يطوفون بينها } أي يترددون بين نارها { وبين حميم }
~~ماء حار { ءان } متناه إناه وطبخه بالغ في الحرارة أقصاها، قال قتادة:
~~الحميم يغلي منذ خلق الله تعالى جهنم والمجرم ويعاقب بين تصلية النار
~~وشرب الحميم، وقيل: يحرقون في النار ويصب على رؤوسهم الحميم، وقيل: إذا
~~استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم، وقيل: يغمسون في واد في جهنم يجتمع
~~فيه صديد أهل النار فتنخلع أوصالهم ثم يخرجون منه وقد أحدث الله تعالى
~~لهم خلقا جديدا، وعن الحسن أنه قال: { حميم ءان } النحاس انتهى
~~حره، وقيل: { ءان } حاضر.

# وقرأ السلمي (يطافون)، والأعمش وطلحة ms10308 وابن مقسم { يطوفون } بضم
~~الياء وفتح الطاء وكسر الواو مشددة، وقرىء { يطوفون } أي يتطوفون.

### || [55.45]

# هو أيضا كما تقدم.

### || [55.46]

# { ولمن خاف مقام ربه } الخ شروع في تعديد الآلاء التي تفاض
~~في الآخرة. و { مقام } مصدر ميمي بمعنى القيام مضاف إلى الفاعل أي
~~ولمن خاف قيام ربه وكونه مهيمنا عليه مراقبا له حافظا لأحواله،
~~فالقيام هنا مثله في قوله تعالى:

# أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت

# [الرعد: 33] وهذا مروي عن مجاهد وقتادة، أو هو اسم مكان، والمراد به
~~مكان وقوف الخلق في يوم القيامة للحساب، والإضافة إليه تعالى لامية
~~اختصاصية لأن الملك له عز وجل وحده فيه بحسب نفس الأمر، والظاهر والخلق
~~قائمون له كما قال سبحانه:

# يقوم الناس لرب العلمين

# [المطففين: 6] منتظرون ما يحل عليهم من قبله جل شأنه، وزعم بعضهم أن
~~الإضافة على هذا الوجه لأدنى ملابسة وليس بشيء، وقيل: المعنى ولمن خاف
~~مقامه عند ربه على أن المقام مصدر أو اسم مكان وهو للخائف نفسه، وإضافته
~~/ للرب لأنه عنده تعالى فهي مثلها في قولهم: شاة رقود الحلب، وهي بمعنى 
~~عند  عند الكوفيين أي رقود عند الحلب، وبمعنى اللام عند الجمهور كما صرح
~~به شراح «التسهيل» وليست لأدنى ملابسة كما زعم أيضا، ثم إن المراد
~~بالعندية هنا مما لا يخفى، وجوز أن يكون مقحما على سبيل الكناية،
~~فالمراد ولمن خاف ربه لكن بطريق برهاني بليغ، ومثله قول الشماخ:

# ذعرت به القطا ونفيت عنه

# (مقام الذئب) كالرجل اللعين

# وهو الأظهر على ما ذكره صاحب «الكشف»، والظاهر أن المراد ولكل فرد فرد
~~من الخائفين:

# { جنتان } فقيل: إحداهما منزله ومحل زيارة أحبابه له، والأخرى منزل
~~أزواجه وخدمه، وإليه ذهب الجبائي، وقيل: بستانان بستان داخل قصره وبستان
~~خارجه، وقيل: منزلان ينتقل من أحدهما إلى الآخر لتتوفر دواعي لذته وتظهر
~~ثمار كرامته، وأين هذا ممن يطوف بين النار وبين حميم آن؟ وجوز أن يقال:
~~جنة لعقيدته وجنة لعمله، أو جنة لفعل الطاعات وجنة لترك المعاصي، أو جنة
~~يثاب بها وأخرى يتفضل ms10309 بها عليه، أو إحداهما روحانية والأخرى جسمانية، ولا
~~يخفى أن الصفات الآتية ظاهرة في الجسمانية. وقال مقاتل: جنة عدن وجنة
~~نعيم، وقيل: المراد لكل خائفين منكما جنتان جنة للخائف الإنسي وجنة
~~للخائف الجني، فإن الخطاب للفريقين، وهذا عندي خلاف الظاهر، وفي الآثار
~~ما يبعده، فقد أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن الحسن أنه كان شاب على
~~عهد [عمر بن الخطاب] رضي الله تعالى عنه ملازم للمسجد والعبادة فعشقته
~~جارية فأتته في خلوة فكلمته فحدثته نفسه بذلك فشهق شهقة فغشي عليه فجاء
~~عم له فحمله إلى بيته فلما أفاق قال: يا عم انطلق إلى عمر فأقرئه مني
~~السلام وقل له ما جزاء من خاف مقام ربه؟ فانطلق فأخبر عمر وقد شهق الفتى
~~شهقة أخرى فمات [منها] فوقف عليه عمر رضي الله تعالى عنه فقال: لك جنتان
~~لك جنتان.

# ((والخوف في الأصل توقع مكروه عند أمارة مظنونة أو معلومة ويضاده الأمن
~~قال الراغب: والخوف من الله تعالى لا يراد به ما يخطر بالبال من الرعب
~~كاستشعار الخوف من الأسد بل إنما يراد به الكف عن المعاصي وتحري الطاعات،
~~ولذلك قيل: لا يعد خائفا من لم يكن للذنوب تاركا))، ويؤيد هذا تفسير
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الخائف هنا كما أخرج ابن جرير عنه بمن ركب
~~طاعة الله تعالى وترك معصيته.

# وقول مجاهد: هو الرجل يريد الذنب فيذكر الله تعالى فيدع الذنب، والذي
~~يظهر أن ذلك تفسير باللازم، وقد يقال: إن ارتكاب الذنب قد يجامع الخوف من
~~الله تعالى وذلك كما إذا غلبته نفسه ففعله خائفا من عقابه تعالى عليه،
~~وأيد ذلك بما أخرجه أحمد والنسائي والطبراني والحكيم الترمذي في «نوادر
~~الأصول» وابن أبي شيبة وجماعة عن أبي الدرداء

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية { ولمن خاف مقام
~~ربه جنتان } فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال النبي
~~عليه الصلاة والسلام: الثانية { ولمن خاف مقام ربه
~~جنتان } فقلت: وإن زني وإن سرق؟ فقال الثالثة: { ولمن خاف
~~مقام ms10310 ربه جنتان } فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: نعم وإن رغم
~~أنف أبي الدرداء "

# وأخرج الطبراني وابن مردويه من طريق الجريري عن أخيه قال: سمعت محمد بن
~~سعد يقرأ  ولمن خاف مقام ربه جنتان وإن زنى وإن سرق  فقلت: ليس فيه وإن
~~زنى وإن سرق / فقال: سمعت أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه يقرؤها كذلك
~~فأنا أقرؤها كذلك حتى أموت، وصرح بعضهم أن المراد بالخوف في الآية أشده
~~فتأمل.

# وجاء في شأن هاتين الجنتين من حديث عياض بن غنم مرفوعا

# " إن عرض كل واحدة منهما مسيرة مائة عام "

# والآية على ما روي عن ابن الزبير وابن شوذب نزلت في أبي بكر.

# وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في «العظمة» عن عطاء أن أبا بكر الصديق
~~رضي الله تعالى عنه ذكر ذات يوم وفكر في القيامة والموازين والجنة والنار
~~وصفوف الملائكة وطي السموات ونسف الجبال وتكوير الشمس وانتثار الكواكب
~~فقال: وددت أني كنت خضرا من هذه الخضر تأتي علي بهيمة فتأكلني وأني لم
~~أخلق فنزلت: { ولمن خاف مقام ربه جنتان }.

### || [55.47-48]

# صفة لجنتان وما بينهما اعتراض وسط بينهما تنبيها على أن تكذيب كل من
~~الموصوف والصفة موجب للإنكار والتوبيخ، وجوز أن يكون خبر مبتدأ مقدر أي
~~هما ذواتا، وأيا ما كان فهو تثنية  ذات  بمعنى صاحبة فإنه إذا ثني
~~فيه لغتان ذاتا على لفظه وهو الأقيس كما يثنى مذكره ذوا، والأخرى ذواتا
~~برده إلى أصله فإن التثنية ترد الأشياء إلى أصولها، وقد قالوا: أصل ذات
~~ذوات لكن حذفت الواو تخفيفا؛ وفرقا بين الواحد والجمع ودلت التثنية
~~ورجوع الواو فيها على أصل الواحد وليس هو تثنية الجمع كما يتوهم وتفصيله
~~في باب التثنية من «شرح التسهيل».

# والأفنان إما جمع فن بمعنى النوع ولذا استعمل في العرف بمعنى العلم أي
~~ذواتا أنواع من الأشجار والثمار، وروي ذلك عن ابن عباس وابن جبير
~~والضحاك، وعليه قول الشاعر:

# ومن كل (أفنان) اللذاذة والصبا

# لهوت به والعيش أخضر ناضر

# وإما جمع فنن وهو ما دق ولان ms10311 من الأغصان كما قال ابن الجوزي، وقد يفسر
~~بالغصن، وحمل على التسامح. وتخصيصها بالذكر مع أنها ذواتا قصب وأوراق
~~وثمار أيضا لأنها هي التي تورق وتثمر، فمنها تمتد الظلال ومنها تجنى
~~الثمار ففي الوصف تذكير لهما فكأنه قيل: ذواتا ثمار وظلال لكن على سبيل
~~الكناية وهي أخصر وأبلغ، وتفسيره بالأغصان على أنه جمع فنن مروي عن ابن
~~عباس أيضا، وأخرجه ابن جرير عن مجاهد قال أبو حيان: وهو أولى لأن
~~أفعالا في فعل أكثر منه في فعل بسكون العين كفن، ويجمع هو على فنون.

### || [55.49-50]

# صفة أخرى لجنتان أو خبر ثان للمبتدأ المقدر أي في كل منهما عين تجري
~~بالماء الزلال تسمى إحدى العينين بالتسنيم، والأخرى بالسلسبيل، وروي هذا
~~عن الحسن، وقال عطية العوفي: { عينان } إحداهما من ماء غير آسن،
~~والأخرى من خمر لذة للشاربين، وقيل: { عينان } من الماء {
~~تجريان } حيث شاء صاحبهما من الأعالي والأسافل من جبل من مسك، وعن
~~ابن عباس { عينان } مثل الدنيا أضعافا مضاعفة { تجريان }
~~بالزيادة والكرامة على أهل الجنة.

### || [55.51-52]

# صنفان، معروف وغريب لم يعرفوه في الدنيا، أو رطب ويابس ولا يقصر يابسه
~~عن رطبه في الفضل والطيب، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم
~~عن عكرمة قال: قال ابن عباس في هذه الآية: ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا
~~مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل، ونقل هذا في «البحر» عن ابن عباس أيضا
~~بزيادة إلا أنه حلو. والجملة كالجملة التي قبلها.

### || [55.53-54]

# { متكئين } حال من قوله تعالى:

# ولمن خاف

# [الرحمن: 46] وجمع رعاية للمعنى بعد الإفراد / رعاية للفظ، وقيل: العامل
~~محذوف أي يتنعمون متكئين، وقيل: مفعول به بتقدير أعني، والاتكاء من صفات
~~المتنعم الدالة على صحة الجسم وفراغ القلب، والمعنى متكئين في منازلهم {
~~على فرش بطآئنها من إستبرق } من ديباج ثخين قال ابن
~~مسعود  كما رواه عنه جمع وصححه الحاكم  أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهائر،
~~وقيل: ظهائرها من سندس، وعن ابن جبير من نور جامد، وفي حديث «من نور
~~يتلألأ» وهو إن صح ms10312 وقف عنده. وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أنه قيل
~~له: { بطائنها من إستبرق } فماذا الظواهر؟ قال: ذلك مما قال
~~الله تعالى:

# فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين

# [السجدة: 17] وقال الحسن: البطائن هي الظهائر وروي عن قتادة وقال
~~الفراء: قد تكون البطانة الظهارة والظهارة البطانة لأن كلا منهما يكون
~~وجها والعرب تقول: هذا ظهر السماء وهذا بطن السماء، والحق أن البطائن
~~هنا مقابل الظهائر على الوجه المعروف.

# وقرأ أبو حيوة { فرش } بسكون الراء، وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال:
~~قرأ عبد الله على { سرر وفرش بطائنها من إستبرق }.

# { وجنى الجنتين } أي ما يجنى ويؤخذ من أشجارهما من الثمار،
~~فجنى اسم أو صفة مشبهة بمعنى المجني { دان } قريب يناله القائم والقاعد
~~والمضطجع، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: تدنو الشجرة حتى يجتنيها
~~ولي الله تعالى إن شاء قائما وإن شاء قاعدا وإن شاء مضطجعا، وعن مجاهد
~~ثمار الجنتين دانية إلى أفواه أربابها فيتناولونها متكئين فإذا اضطجعوا
~~نزلت بإزاء أفواههم فيتناولونها مضطجعين لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك.

# وقرأ عيسى { وجنى } بفتح الجيم وكسر النون كأنه أمال النون وإن كانت
~~الألف قد حذفت في اللفظ كما أمال أبو عمرو

# حتى نرى الله جهرة

# [البقرة: 55] وقرىء { وجنى } بكسر الجيم وهو لغة فيه.

### || [55.55-56]

# { فيهن } أي الجنان المدلول عليها بقوله تعالى:

# ولمن خاف مقام ربه جنتان

# [الرحمن: 46] فإنه يلزم من أنه لكل خائف جنتان تعدد الجنان، وكذا على
~~تقدير أن يكون المراد لكل خائفين من الثقلين جنتان لا سيما وقد تقدم
~~اعتبار الجمعية في قوله تعالى:

# متكئين

# [الرحمن: 54] وقال الفراء: الضمير لجنتان، والعرب توقع ضمير الجمع على
~~المثنى ولا حاجة إليه بعدما سمعت، وقيل: الضمير للبيوت والقصور المفهومة
~~من الجنتين أو للجنتين باعتبار ما فيهما مما ذكر، وقيل: يعود على الفرش،
~~قال أبو حيان: وهذا قول حسن قريب المأخذ. وتعقب بأن المناسب للفرش  على
~~ وأجيب بأنه شبه تمكنهن على الفرش بتمكن المظروف في الظرف وإيثاره
~~للإشعار بأن ms10313 أكثر حالهن الاستقرار عليها، ويجوز أن يقال: الظرفية للإشارة
~~إلى أن الفرش إذا جلس عليها ينزل مكان الجالس منها ويرتفع ما أحاط به حتى
~~يكاد يغيب فيها كما يشاهد في فرش الملوك المترفهين التي حشوها ريش النعام
~~ونحوه، وقيل: الضمير للآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة
~~والفرش والجنى والمراد معهن.

# { قصرت الطرف } أي نساء يقصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن
~~إلى غيرهم، أو يقصرن طرف الناظر إليهن عن التجاوز إلى غيرهن، قال ابن
~~رشيق في قول امرىء القيس:

# من (القاصرات الطرف) لو (دب محول

# من الذر فوق الأنف منها لأثرا)

# أراد بالقاصرات الطرف أنها منكسرة الجفن خافضة النظر غير متطلعة لما بعد
~~ولا ناظرة لغير زوجها، ويجوز أن يكون معناه أن طرف الناظر لا يتجاوزها
~~كقول المتنبي:

# / وخصر تثبت الأبصار فيه

# كأن عليه من حدق نطاقا

# انتهى فلا تغفل. والأكثرون على أول المعنيين اللذين ذكرناهما بل في بعض
~~الأخبار ما يدل على أنه تفسير نبوي. أخرج ابن مردويه عن جعفر بن محمد عن
~~أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ذلك

# " لا ينظرن إلا إلى أزواجهن "

# ومتى صح هذا ينبغي قصر الطرف عليه، وفي بعض الآثار تقول الواحدة منهن
~~لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة أحسن منك فالحمد لله الذي جعلني زوجك
~~وجعلك زوجي. و { الطرف } في الأصل مصدر فلذلك وحد. { لم
~~يطمثهن إنس قبلهم ولا جان } قال ابن عباس: لم يفتضهن
~~قبل أزواجهن إنس ولا جان، وفيه إشارة إلى أن ضمير (قبلهم) للأزواج، ويدل
~~عليه { قصرت الطرف } وفي «البحر» هو عائد على من عاد عليه
~~الضمير في

# متكئين

# [الرحمن: 54]. وأصل الطمث خروج الدم ولذلك يقال للحيض طمث، ثم أطلق على
~~جماع الأبكار لما فيه من خروج الدم، وقيل: ثم عمم لكل جماع، وهو المروي
~~هنا عن عكرمة، وإلى الأول ذهب الكثير، وقيل: إن التعبير به للإشارة إلى
~~أنهن يوجدن أبكارا كلما جومعن.

# ونفي طمثهن عن الإنس ظاهر، وأما عن الجن فقال مجاهد والحسن: ms10314 قد تجامع
~~الجن نساء البشر مع أزواجهن إذا لم يذكر الزوج اسم الله تعالى فنفى هنا
~~جميع المجامعين وقيل: لا حاجة إلى ذلك إذ يكفي في نفي الطمث عن الجن
~~إمكانه منهم، ولا شك في إمكان جماع الجني إنسية بدون أن يكون مع زوجها
~~الغير الذاكر اسم الله تعالى، ويدل على ذلك ما رواه أبو عثمان سعيد بن
~~دواد الزبيدي قال: كتب قوم من أهل اليمن إلى مالك يسألونه عن نكاح الجن
~~وقالوا: إن ههنا رجلا من الجن يزعم أنه يريد الحلال فقال ما أرى بذلك
~~بأسا في الدين ولكن أكره إذا وجدت امرأة حامل قيل: من زوجك؟ قالت: من
~~الجن فيكثر الفساد في الإسلام. ثم إن دعوى أن الجن تجامع نساء البشر
~~جماعا حقيقيا مع أزواجهن إذا لم يذكروا اسم الله تعالى غير مسلمة عند
~~جميع العلماء، وقوله تعالى:

# وشاركهم فى الأمول والأولد

# [الإسراء: 64] غير نص في المراد كما لا يخفى. وقال ضمرة بن حبيب: الجن
~~في الجنة لهم قاصرات الطرف من الجن نوعهم، فالمعنى لم يطمث الإنسيات أحد
~~من الإنس، ولا الجنيات أحد من الجن قبل أزواجهن، وقد أخرج نحو هذا عنه
~~ابن أبي حاتم، وظاهره أن ما للجن لسن من الحور.

# ونقل الطبرسي عنه أنهن من الحور وكذا الإنسيات، ولا مانع من أن يخلق
~~الله تعالى في الجنة حورا للإنس يشاكلنهم يقال لهن لذلك إنسيات، وحورا
~~للجن يشاكلنهم يقال لهن لذلك جنيات، ويجوز أن تكون الحور كلهن نوعا
~~واحدا ويعطى الجني منهن لكنه في تلك النشأة غيره في هذه النشأة، ويقال:
~~ما يعطاه الإنسي منهن لم يطمثها إنسي قبله، وما يعطاه الجني لم يطمثها
~~جني قبله وبهذا فسر البلخي الآية، وقال الشعبي والكلبي: تلك القاصرات
~~الطرف من نساء الدنيا لم يمسسهن منذ أنشئن النشأة الآخرة خلق قبل، والذي
~~يعطاه الإنسي زوجته المؤمنة التي كانت له في الدنيا ويعطى غيرها من
~~نسائها المؤمنات أيضا، وكذا الجني يعطي زوجته المؤمنة التي كانت له في
~~الدنيا من الجن ويعطى غيرها ms10315 من نساء الجن المؤمنات أيضا، ويبعد أن يعطي
~~الجني من نساء الدنيا الإنسيات في الآخرة. والذي يغلب على الظن أن الإنسي
~~يعطي من الإنسيات والحور، والجني يعطي من الجنيات والحور، ولا يعطي إنسى
~~جنية، ولا جني إنسية وما يعطاه المؤمن إنسيا كان أو جنيا من الحور شيء
~~يليق به وتشتهيه نفسه، وحقيقة تلك النشأة وراء ما يخطر بالبال.

# واستدل بالآية على أن الجن يدخلون الجنة ويجامعون فيها كالإنس فهم باقون
~~فيها منعمين كبقاء المعذبين منهم في النار، وهو مقتضى ظاهر ما ذهب إليه
~~أبو يوسف ومحمد وابن أبي ليلى / والأوزاعي، وعليه الأكثر كما ذكره
~~العيني في «شرح البخاري» من أنهم يثابون على الطاعة ويعاقبون على
~~المعصية، ويدخلون الجنة فإن ظاهره أنهم كالإنس يوم القيامة، وعن الإمام
~~أبي حنيفة ثلاث روايات الأولى أنهم لا ثواب لهم إلا النجاة من النار ثم
~~يقال لهم كونوا ترابا كسائر الحيوانات، والثانية أنهم من أهل الجنة ولا
~~ثواب لهم أي زائد على دخولها، الثالثة التوقف قال الكردري: وهو في أكثر
~~الروايات، وفي «فتاوى أبي إسحق بن الصفار» أن الإمام يقول: لا يكونون
~~في الجنة ولا في النار ولكن في معلوم الله تعالى.

# ونقل عن مالك وطائفة أنهم يكونون في ربض الجنة، وقيل: هم أصحاب الأعراف،
~~وعن الضحاك أنهم يلهمون التسبيح والذكر فيصيبون من لذته ما يصيبه بنو آدم
~~من نعيم الجنة.

# وعلى القول بدخولهم الجنة قيل: نراهم ولا يرونا عكس ما كانوا عليه في
~~الدنيا، وإليه ذهب الحرث المحاسبي، وفي «اليواقيت» الخواص منهم يرونا
~~كما أن الخواص منا يرونهم في الدنيا، وعلى القول بأنهم يتنعمون في الجنة
~~قيل: إن تنعمهم بغير رؤيته عز وجل فإنهم لا يرونه، وكذا الملائكة عليهم
~~السلام ما عدا جبريل عليه السلام فإنه يراه سبحانه مرة ولا يرى بعدها على
~~ما حكاه أبو إسحق إبراهيم بن الصفار في «فتاويه» عن أبيه، والأصح ما
~~عليه الأكثر مما قدمناه وأنهم لا فرق بينهم وبين البشر في الرؤية وتمامه
~~في محله.

# وقرأ طلحة وعيسى ms10316 وأصحاب عبد الله { يطمثهن } بضم الميم هنا وفيما بعد،
~~وقرأ أناس بضمه في الأول وكسره في الثاني، وناس بالعكس، وناس بالتخيير،
~~والجحدري بفتح الميم فيهما. والجملة صفة  لقاصرات الطرف  لأن إضافتها
~~لفظية أو حال منها لتخصيصها بالإضافة.

### || [55.57-58]

# وقوله تعالى: { كأنهن الياقوت والمرجان } إما صفة
~~لقاصرات الطرف، أو حال منها كالتي قبل، أي مشبهات بالياقوت والمرجان،
~~وقول النحاس: إن الكاف في موضع رفع على الابتداء ليس بشيء كما لا يخفى،
~~أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أنه قال في الآية: في
~~صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ، وعن الحسن نحوه، وفي «البحر» عن قتادة في
~~صفاء الياقوت وحمرة المرجان، فحمل المرجان على ما هو المعروف، وقيل:
~~مشبهات بالياقوت في حمرة الوجه وبالمرجان أي صغار الدر في بياض البشرة
~~وصفائها وتخصيص الصغار على ما في «الكشاف» لأنه أنصع بياضا من الكبار،
~~وقيل: يحسن هنا إرادة الكبار كما قيل في معناه لأنه أوفق بقوله تعالى:

# كأنهن بيض مكنون

# [الصافات: 49] فلا تغفل. وأخرج أحمد وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي
~~في «البعث والنشور» عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله
~~تعالى: { كأنهن } الخ قال: ينظر إلى وجهها في خدرها أصفى من
~~المرآة وإن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب وأنه يكون عليها
~~سبعون ثوبا ينفذها بصره حتى يوضح سوقها من وراء ذلك. وأخرج عبد بن حميد
~~والطبراني والبيهقي في «البعث» عن ابن مسعود قال: إن المرأة من الحور
~~العين يرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم من تحت سبعين حلة كما يرى
~~الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء.

### || [55.59-60]

# وقوله تعالى: { هل جزآء الإحسان إلا الإحسان } استئناف
~~مقرر لمضمون ما قبله، أي ما جزاء الإحسان في العمل إلا الإحسان في
~~الثواب، وقيل: المراد ما جزاء التوحيد إلا الجنة، وأيد بظواهر كثير من
~~الآثار، أخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» والبغوي في «تفسيره»
~~والديلمي في «مسند الفردوس» وابن النجار في «تاريخه» عن أنس قال:

# " قرأ رسول الله صلى ms10317 الله عليه وسلم / { هل جزاء الإحسن إلا
~~الإحسن } فقال: وهل تدرون ما قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم
~~قال: يقول: «هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة» "

# وأخرج ابن النجار في «تاريخه» عن علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعا بلفظ:

# " قال الله عز وجل هل جزاء من أنعمت عليه "

# الخ ووراء ذلك أقوال تقرب من مائة قول، واختير العموم ويدخل التوحيد
~~دخولا أوليا، والصوفية أوردوا الآية في باب الإحسان وفسروه بما في
~~الحديث

# " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "

# قالوا: فهو اسم يجمع أبواب الحقائق.

# وقرأ ابن أبي إسحاق (إلا الحسان) يعني بالحسان قاصرات الطرف اللاتي
~~تقدم ذكرهن.

### || [55.61-62]

# وقوله تعالى: { ومن دونهما جنتان } مبتدأ وخبر أي ومن دون
~~تينك الجنتين في المنزلة والقدر جنتان أخريان، قال ابن زيد والأكثرون:
~~الأوليان للسابقين وهاتان لأصحاب اليمين، وقد أخرج ابن جرير وابن أبي
~~حاتم وابن مردويه عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله
~~تعالى:

# ولمن خاف مقام ربه جنتان

# [الرحمن: 46] وقوله سبحانه: { ومن دونهما جنتان } قال:
~~جنتان من ذهب للمقربين وجنتان من ورق لأصحاب اليمين وقال الحسن: الأوليان
~~للسابقين والأخريان للتابعين، وروي موقوفا وصححه الحاكم عن أبي موسى،
~~وزعم بعضهم أن الأوليين للخائفين والأخريين لذرياتهم الذين ألحقوا بهم
~~ولم أجد له مستندا من الآثار، وحكى في «البحر» عن ابن عباس أنه قال: {
~~ومن دونهما } في القرب للمنعمين، والمؤخرتا الذكر أفضل من
~~الأوليين، وادعى أن الصفات الآتية أمدح من الصفات السابقة ووافقه من
~~وافقه، وسيأتي تمام الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.

### || [55.63-64]

# وقوله تعالى: { مدهامتان } صفة لجنتان وسط بينها الاعتراض لما
~~تقدم من التنبيه على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة حقيق بالإنكار
~~والتوبيخ أو خبر مبتدأ محذوف أي هما مدهامتان من الدهمة وهي في الأصل على
~~ما قال الراغب سواد الليل ويعبر عن سواد الفرس وقد يعبر بها عن الخضرة
~~الكاملة اللون كما يعبر عنها بالخضرة إذا لم تكن كاملة ms10318 وذلك لتقاربهما في
~~اللون، ويقال: ادهام ادهيماما فهو مدهام على وزن مفعال إذا اسود أو
~~اشتدت خضرته، وفسرها هنا ابن عباس ومجاهد وابن جبير وعكرمة وعطاء بن أبي
~~رباح وجماعة بخضراوان، بل أخرج الطبراني وابن مردويه

# " عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم
~~عن قوله تعالى: { مدهامتان } فقال عليه الصلاة والسلام: خضراوان "

# والمراد أنهما شديدتا الخضرة والخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد وذلك من
~~الري من الماء كما روي عن ابن عباس وابن الزبير وأبي صالح قيل: إن في
~~وصف هاتين الجنتين بما ذكر إشعارا بأن الغالب عليهما النبات والرياحين
~~المنبسطة على وجه الأرض كما أن في وصف السابقتين بذواتا أفنان إشعارا
~~بأن الغالب عليهما الأشجار فإن الأشجار توصف بأنها ذوات أفنان والنبات
~~يوصف بالخضرة الشديدة فالاقتصار في كل منهما على أحد الأمرين مشعر بما
~~ذكر وبني على هذا كون هاتين الجنتين دون الأوليين في المنزلة والقدر كيف
~~لا والجنة الكثيرة الظلال والثمار أعلى وأغلى من الجنة القليلة الظلال
~~والثمار، ومن ذهب إلى تفضيل هاتين الجنتين مع اختصاص الوصف بالخضرة
~~بالنبات وكذا كونه أغلب من وصف الأشجار به فكثيرا ما تسمع الناس يقولون
~~إذا مدحوا بستانا أشجاره خضر يانعة وهو أظهر في مدحه بأنه ذو ثمار من ذي
~~أفنان، وهو يشعر أيضا بكثرة مائه والاعتناء بشأنه وبعده عن التصوح
~~والهلاك.

### || [55.65-66]

# فوارتان بالماء على ما هو الظاهر، وفي «البحر» النضح فوران الماء، وفي
~~«الكشاف» وغيره النضخ أكثر من النضح بالحاء المهملة لأنه مثل الرش وهو
~~عند من فضل الجنتين الأوليين دون الجري، فالمدح به دون المدح به، وعليه
~~قول البراء بن عازب فيما أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم العينان اللتان
~~تجريان خير من النضاختين، ومن ذهب إلى تفضيل هاتين يقول في الفوران جري
~~مع زيادة حسن فإن الماء إذا فار وارتفع وقع متناثر القطرات كحبات اللؤلؤ
~~المتناثرة كما يشاهد في الفوارات المعروفة، أو يقول بما أخرجه ابن أبي
~~شيبة وابن أبي حاتم ms10319 عن أنس: نضاختان بالمسك والعنبر تنضخان على دور
~~الجنة كما ينضخ المطر على دور أهل الدنيا، أو بما أخرجه ابن أبي شيبة
~~وعبد بن حميد عن مجاهد: نضاختان بالخير، ولفظ ابن أبي شيبة بكل خير.

### || [55.67-68]

# عطف الأخيرين على الفاكهة عطف جبريل وميكال عليهما السلام على الملائكة
~~بيانا لفضلهما، وقيل: إنهما في الدنيا لما لم يخلصا للتفكه فإن النخل
~~ثمرة فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء عدا جنسا آخر فعطفا على الفاكهة
~~وإن كان كل ما في الجنة للتفكه لأنه تلذذ خالص، ومنه قال الإمام أبو
~~حنيفة رضي الله تعالى عنه: إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا
~~لم يحنث، وخالفه صاحباه.

# ثم إن نخل الجنة ورمانها وراء ما نعرفه. أخرج ابن المبارك وابن أبي
~~شيبة وهناد وابن أبي الدنيا وابن المنذر والحاكم وصححه وآخرون عن ابن
~~عباس نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر وكرانيفها ذهب أحمر وسعفها كسوة أهل
~~الجنة منها مقطعاتهم وحللهم وثمرها أمثال القلال أشد بياضا من اللبن
~~وأحلى من العسل وألين من الزبد وليس له عجم. وحكمه حكم المرفوع. وفي حديث
~~أبي سعيد الخدري مرفوعا «أصوله فضة وجذوعه فضة وسعفه حلل وحمله الرطب»
~~الخ. وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر

# " عن أبي سعيد مرفوعا قال عليه الصلاة والسلام: «نظرت إلى الجنة فإذا
~~الرمانة من رمانها كمثل البعير المقتب "

# وهذا المدح بحسب الظاهر دون المدح في قوله تعالى في الجنتين السابقتين:

# فيهما من كل فكهة زوجان

# [الرحمن: 52] ومن ذهب إلى تفضيلهما يقول إن التنوين في (فاكهة) للتعميم
~~بقرينة المقام نظير ما قيل في قوله تعالى:

# علمت نفس ما أحضرت

# [التكوير: 14] فيكون في قوة فيها كل فاكهة ويزيد ما في النظم الجليل على
~~ما ذكر بتضمنه الإشارة إلى مدح بعض أنواعها. وقال الإمام الرازي: إن {
~~ما } هنا كقوله تعالى: { فيهما من كل فكهة زوجان } وذلك
~~لأن الفاكهة أنواع أرضية وشجرية كالبطيخ وغيره من الأرضيات المزروعات
~~والنخل وغيرها من الشجريات فقال تعالى:

# مدهامتان

# [الرحمن: 64] لأنواع الخضر التي فيها الفواكه ms10320 الأرضية، وفيها أيضا
~~الفواكه الشجرية وذكر سبحانه منها نوعين الرطب والرمان لأنهما متقابلان
~~أحدهما حلو والآخر فيه حامض، وأحدهما حار والآخر بارد، وأحدهما فاكهة
~~وغذاء والآخر فاكهة، واحدهما من فواكه البلاد الحارة والآخر من فواكه
~~البلاد الباردة، وأحدهما أشجاره تكون في غاية الطول والآخر ليس كذلك،
~~وأحدهما ما يؤكل منه بارز وما لا يؤكل كامن والآخر بالعكس فهما كالضدين،
~~والإشارة إلى الطرفين تتناول الإشارة إلى ما بينهما كما في قوله تعالى:

# رب المشرقين ورب المغربين

# [الرحمن: 17] انتهى، ولعل الأول أولى.

### || [55.69-70]

# وقوله تعالى: { فيهن خيرت } صفة أخرى لجنتان، أو خبر بعد خبر
~~للمبتدأ المحذوف كالجملة التي قبلها، / ويجوز أن تكون مستأنفة والكلام في
~~ضمير الجمع هنا كالكلام فيه في قوله تعالى:

# فيهن قصرت الطرف

# [الرحمن: 56] و { خيرت } قال أبو حيان: جمع خيرة وصف بني على فعلة
~~من الخير كما بنوا من الشر فقالوا شرة. وقال الزمخشري: أصله خيرات
~~بالتشديد فخفف كقوله عليه الصلاة والسلام:

# " هينون لينون "

# وليس جمع خير بمعنى أخير فإنه لا يقال فيه خيرون ولا خيرات. ولعله لأن
~~أصل اسم التفضيل أن لا يجمع خصوصا إذا نكر.

# وقرأ بكر بن حبيب وأبو عثمان النهدي وابن مقسم { خيرت } بتشديد الياء
~~وهو يؤيد أن أصله كذلك، وروي عن أبي عمرو { خيرت } بفتح الياء كأنه جمع
~~خائرة جمع على فعلة.

# { حسان } قيل: أي حسان الخلق والخلق. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن
~~حميد وابن جرير عن قتادة أنه قال في الآية: { خيرت } الأخلاق {
~~حسان } الوجوه، وأخرج ذلك ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة
~~مرفوعا.

### || [55.71-72]

# وقوله تعالى: { حور } بدل من

# خيرت

# [الرحمن: 70] وهو جمع حوراء وكذا جمع أحور، والمراد بيض كما أخرجه ابن
~~المنذر وغيره عن ابن عباس وروته أم سلمة أيضا عن رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم، وقال ابن الأثير: الحوراء هي الشديدة بياض العين الشديدة
~~سوادها، وفي «القاموس» الحور بالتحريك أن يشتد بياض بياض العين وسواد
~~سوادها وتستدير حدقتها وترق جفونها ويبيض ما حواليها، أو شدة بياضها ms10321
~~وسوادها في بياض الجسد، أو اسوداد العين كلها مثل الظباء ولا يكون في بني
~~آدم بل يستعار لها، وإذا صح حديث أم سلمة لم يعدل في القرآن عن تفسير
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم.

# { مقصورت فى الخيام } أي مخدرات يقال: امرأة قصيرة ومقصورة
~~أي مخدرة ملازمة لبيتها لا تطوف في الطرق، قال كثير عزة:

# وأنت التي حببت كل قصيرة

# إلي ولم تشعر بذاك القصائر

# عنيت (قصيرات الحجال) ولم أرد

# قصار الخطا شر النساء البحاتر

# والنساء يمدحن بملازمتهن البيوت لدلالتها على صيانتهن كما قال قيس بن
~~الأسلت:

# وتكسل عن جاراتها فيزرنها

# وتغفل عن أبياتهن فتعذر

# وهذا التفسير مأثور عن ابن عباس والحسن والضحاك وهو رواية عن مجاهد،
~~وأخرج ابن أبي شيبة وهناد بن السري وابن جرير عنه أنه قال: مقصورات
~~قلوبهن وأبصارهن ونفوسهن على أزواجهن، والأول أظهر. و { فى الخيام }
~~عليه متعلق بمقصورات، وعلى الثاني يحتمل ذلك، ويحتمل كونه صفة ثانية لحور
~~فلا تغفل.

# والخيام جمع خيمة وهي على ما في «البحر» بيت من خشب وثمام وسائر الحشيش،
~~وإذا كان من شعر فهو بيت ولا يقال له خيمة. وقال غير واحد: هي كل بيت
~~مستدير أو ثلاثة أعواد أو أربعة يلقى عليها الثمام ويستظل بها في الحر أو
~~كل بيت يبنى من عيدان الشجر وتجمع أيضا على خيمات وخيم بفتح فسكون وخيم
~~بالفتح وكعنب.

# والخيام هنا بيوت من لؤلؤ. أخرج ابن أبي شيبة وجماعة عن ابن عباس أنه
~~قال: الخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة أربعة فراسخ لها أربعة آلاف مصراع من
~~ذهب، وأخرج جماعة عن أبي الدرداء أنه قال: الخيمة لؤلؤة واحدة لها سبعون
~~بابا من در، وأخرج البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم

# " عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الخيمة
~~درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا في كل زاوية منها للمؤمن / أهل لا
~~يراهم الآخرون يطوف عليهم المؤمن "

# ، إلى غير ذلك من الأخبار.

# وقوله سبحانه:

# فيهن

# [الرحمن: 70] الخ دون ما تقدم في الجنتين السابقتين ms10322 أعني قوله عز وجل:

# فيهن قصرت الطرف

# [الرحمن: 56] إلى قوله تعالى:

# كأنهن الياقوت والمرجان

# [الرحمن: 58] في المدح عند من فضلهما على الأخيرتين قيل لما في {
~~مقصورت } على التفسير الثاني من الإشعار بالقسر في القصر، وأما على
~~تفسيره الأول فكونه دونه ظاهر وإن لم يلاحظ كونها مخدرة فيما تقدم، أو
~~يجعل قوله تعالى: { كأنهن الياقوت والمرجان } كناية عنه
~~لأنهما مما يصان كما قيل:

# جوهرة أحقاقها الخدور

# ومن ذهب إلى تفضيل الأخيرتين يقول: هذا أمدح لعموم

# خيرت حسان

# [الرحمن: 70] الصفات الحسنة خلقا وخلقا ويدخل في ذلك قصر الطرف
~~وغيره مما يدل عليه التشبيه بالياقوت والمرجان، والمراد بالقاصر على
~~التفسير الثاني لمقصورات القاصر الطبيعي بقرينة المقام فيكون فيه إشارة
~~إلى تعذر ترك القصر منهن، و { قصرت الطرف } ربما يوهم أن القصر
~~باختيارهن فمتى شئن قصرن ومتى لم يشأن لم يقصرن.

### || [55.73-74]

# وقوله تعالى: { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان }
~~الكلام فيه كالكلام في نظيره.

### || [55.75-76]

# وقوله سبحانه: { متكئين } قيل: بتقدير يتنعمون متكئين أو أعني
~~متكئين، والضمير لأهل الجنتين المدلول عليهم بذكرهما { على رفرف }
~~اسم جنس أو اسم جمع واحده رفرفة، وعلى الوجهين يصح وصفه بقوله تعالى: {
~~خضر } وجعله بعضهم جمعا لهذا الوصف ولا يخفى أن أمر الوصفية لا يتوقف
~~على ذلك الجعل، وفسره في الآية علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس
~~والضحاك بفضول المحابس وهي ما يطرح على ظهر الفراش للنوم عليه، وقال
~~الجوهري: الرفرف ثياب خضر تتخذ منها المحابس واشتقاقه من رف إذا ارتفع،
~~وقال الحسن  فيما أخرجه ابن المنذر وغيره عنه  هي البسط. وأخرج عن عاصم
~~الجحدري أنها الوسائد، وروي ذلك عن الحسن أيضا وابن كيسان وقال الجبائي:
~~الفرش المرتفعة، وقيل: ما تدلى من الأسرة من غالي الثياب، وقال الراغب:
~~ضرب من الثياب مشبهة بالرياض، وأخرج ابن جرير وجماعة عن سعيد بن جبير أنه
~~قال: الرفرف رياض الجنة، وأخرج عبد بن حميد نحوه عن ابن عباس وهو عليه 
~~كما في «البحر»  من رف النبت نعم وحسن، ويقال الرفرف لكل ثوب ms10323 عريض
~~وللرقيق من ثياب الديباج ولأطراف الفسطاط والخباء الواقعة على الأرض دون
~~الأطناب والأوتاد، وظاهر كلام بعضهم أنه قيل بهذا المعنى هنا وفيه شيء.

# { وعبقرى } هو منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه اسم بلد الجن
~~فينسبون إليه كل عجيب غريب من الفرش وغيرها فمعناه الشيء العجيب النادر،
~~ومنه ما جاء في عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه فلم أرى عبقريا يفري
~~فريه، ولتناسي تلك النسبة قيل: إنه ليس بمنسوب بل هو مثل كرسي وبختي كما
~~نقل عن قطرب، والمراد الجنس ولذلك وصف بالجمع وهو قوله تعالى: { حسان
~~} حملا على المعنى، وقيل: هو اسم جمع أو جمع واحده عبقرية، وفسره
~~الأكثرون بعتاق الزرابي، وعن أبي عبيدة هو ما كله وشي من البسط. وروى
~~غير واحد عن مجاهد أنه الديباج الغليظ، وعن الحسن أنها بسط فيها صور وقد
~~سمعت ما نقل عنه في الرفرف فلا تغفل عما يقتضيه العطف.

# وقرأ عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ونصر بن عاصم الجحدري ومالك بن
~~دينار وابن محيصن / وزهير الفرقبي وغيرهم رفارف جمع لا ينصرف { حضر }
~~بسكون الضاد، وعباقري بكسر القاف وفتح الياء مشددة، وعنهم أيضا ضم
~~الضاد، وعنهم أيضا فتح القاف قاله صاحب «اللوامح»، ثم قال أما منع الصرف
~~من عباقري فلمجاورته لرفارف يعني للمشاكلة وإلا فلا وجه لمنع الصرف مع
~~ياءي النسب إلا في ضرورة الشعر انتهى.

# وقال ابن خالويه: قرأ  على رفارف خضر وعباقري  النبي صلى الله عليه
~~وسلم، والجحدري وابن محيصن، وقد روي عمن ذكرنا  على رفارف خضر وعباقري 
~~بالصرف، وكذلك روي عن مالك بن دينار، وقرأ أبو محمد المروزي وكان نحويا
~~ على رفارف خضار  بوزن فعال، وقال صاحب «الكامل»: قرأ رفارف بالجمع ابن
~~مصرف وابن مقسم وابن محيصن، واختاره شبل وأبو حيوة والجحدري والزعفراني
~~وهو الاختيار لقوله تعالى: { خضر } ، وعباقري بالجمع وبكسر القاف من
~~غير تنوين ابن مقسم وابن محيصن، وروي عنهما التنوين.

# وقال ابن عطية: قرأ زهير القرقبي رفارف بالجمع وترك الصرف، وأبو طعمة
~~المدني وعاصم فيما روي ms10324 عنه رفارف بالصرف. وعثمان رضي الله تعالى عنه
~~كذلك، وعباقري بالجمع والصرف، وعنه وعباقري بفتح القاف والياء على أن اسم
~~الموضع عباقر بفتح القاف، والصحيح فيه عبقر، وقال الزمخشري: قرىء عباقري
~~كمدايني. وروى أبو حاتم عباقري بفتح القاف ومنع الصرف وهذا لا وجه لصحته،
~~وقال الزجاج: هذه القراءة لا مخرج لها لأن ما جاوز الثلاثة لا يجمع بياء
~~النسب فلو جمعت عبقري قلت: عباقرة نحو مهلبى ومهالبة ولا تقول مهالبي.

# وقال ابن جني: أما ترك صرف عباقري فشاذ في القياس ولا يستنكر شذوذه مع
~~استعماله، وقال ابن هشام: كونه من النسبة إلى الجمع كمدايني باطل فإن من
~~قرأ بذلك قرأ رفارف خضر بقصد المجانسة ولو كان كما ذكر كان مفردا ولا
~~يصح منع صرفه كمدايني وقد صحت الرواية بمنعه الصرف عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم فهو من باب كرسي وكراسي وهو من صيغة منتهى الجموع لكنها خالفت
~~القياس في زيادة ما بعد الألف على المعروف كما ذكره السهيلي، وقال صاحب
~~«الكشف»: فتح القاف لا وجه له بوجه والمذكور في «المنتقى» عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم الكسر. وأما منع الصرف فليس بمتعين ليرد بل وجهه أنه نصب
~~على محل رفرف على حد يذهبن في نجد وغورا. وإضافته إلى { حسان } مثل
~~إضافة { حور } إلى

# عين

# [الواقعة: 22] في قراءة عكرمة كأنه قيل: عباقري مفارش، أو نمارق حسان
~~فهو من باب أخلاق ثياب لأن أحد الوصفين قائم مقام الموصوف، ولعل عبقر
~~وعباقر مثل عرفة وعرفات انتهى، فأحط بجوانب الكلام ولا تغفل. وقرأ ابن
~~هرمز { خضر } بضم الضاد وهي لغة قليلة ومن ذلك قول طرفة:

# أيها القينات في مجلسنا

# جردوا منها ورادا وشقر

# وقول الآخر:

# وما انتميت إلى خود ولا كشف

# ولا لئام غداة الروع أو زاع

# فشقر جمع أشقر، وكشف جمع أكشف وهو من ينهزم في الحرب.

# هذا والوصف بقوله تعالى: { متكئين على رفرف } الخ دون
~~الوصف بقوله سبحانه:

# متكئين على فرش بطائنها من إستبرق

# [الرحمن: 54] عند القائل بتفضيل الجنتين السابقتين لما ms10325 في هذا الوصف من
~~الإشارة إلى أن الظهائر مما يعجز عنها الوصف.

# ومن ذهب إلى تفضيل الأخيرتين يقول: الرفرف ما يطرح على ظهر الفراش وليست
~~الفرش التي يطرح عليها الرفرف مذكورة فيجوز أن يكون ترك ذكرها للإشارة
~~إلى عدم إحاطة الوصف بها ظهارة وبطانة وهو أبلغ من الأول، ولا يسلم أن
~~تلك الفرش هي العبقري، أو يقول الرفرف الفرش المرتفعة وترك التعرض لسوى
~~لونها وهو الخضرة التي ميل الطباع / إليها أشد وهي جامعة لأصول الألوان
~~الثلاثة على ما بينه الإمام يشير إلى أنها مما لا تكاد تحيط بحقيقتها
~~العبارات، وقد يقال غير ذلك فتأمل.

# وينبغي على القول بتفضيل الأخيرتين وكونهما لطائفة غير الطائفة المشار
~~إليهم بمن خاف أن لا يفسر { من خاف } [الرحمن: 46] بمن له شدة الخوف
~~بحيث يختص بأفضل المؤمنين وأجلهم، أو يقال إنهما مع الأوليين لمن خاف
~~مقام ربه ويكون المعنى: ولمن خاف مقام ربه أيضا جنتان صفتهما كيت وكيت
~~من دون تينك الجنتين، وعليه قيل:

# جنتان

# [الرحمن: 62] عطف على

# جنتان

# [الرحمن: 46] قبله { ومن دونهما } في موضع الحال، وذهب بعضهم إلى
~~أن هاتين الجنتين سواء كانتا أفضل من الأوليين أم لا لمن خاف مقام ربه عز
~~وجل فله يوم القيامة أربع جنان. قال الطبرسي: والأخيرتان دون الأوليين أي
~~أقرب إلى قصره ومجالسه ليتضاعف له السرور بالتنقل من جنة إلى جنة على ما
~~هو معروف من طبع البشر من شهوة مثل ذلك وهو أبعد عن الملل الذي طبع عليه
~~البشر، وأنت تعلم أن الآية تحتمل ذلك احتمالا ظاهرا لكن ما تقدم من
~~حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه يأباه فإذا صح ولو موقوفا  إذ حكم
~~مثله حكم المرفوع  لم يكن لنا العدول عما يقتضيه، وقد روي عنه أيضا
~~حديث مرفوع ذكره الجلال السيوطي في «الدر المنثور» يشعر بأن الجنان
~~الأربع هي جنان الفردوس. وأخرج عنه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي
~~والنسائي وابن ماجه وغيرهم أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~قال:

# " جنان الفردوس أربع جنتان من ms10326 ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وجنتان
~~من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى
~~ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن "

# والظاهر على هذا أنه يشترك الألوف في الجنة الواحدة من هذه الجنان،
~~ومعنى قوله تعالى:

# ولمن خاف

# [الرحمن: 46] الخ عليه مما لا يخفى.

# ثم إن قاصرات الطرف إن كن من الإنس فهن أجل قدرا وأحسن منظرا من
~~الحور المقصورات في الخيام بناءا على أنهن النساء المخلوقات في الجنة.
~~فقد جاء من حديث أم سلمة

# " قلت يا رسول الله: أنساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: نساء
~~الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة، قلت: يا رسول الله
~~وبم ذاك؟ قال: بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن ألبس الله وجوههن النور وأجسادهن
~~الحرير بيض الوجوه خضر الثياب صفر الحلي مجامرهن الدر وأمشاطهن الذهب
~~يقلن ألا نحن الخالدات فلا نموت أبدا ألا ونحن الناعمات فلا نبأس أبدا
~~طوبى لمن كنا له وكان لنا "

# إلى غيره من الأخبار ويكون هذا مؤيدا للقول بتفضيل الجنتين الأوليين
~~على الأخيرتين، ولعله إنما قدم سبحانه ذكر الاتكاء أولا على ذكر النساء
~~لأنه عز وجل ذكر في صدر الآية الخوف حيث قال سبحانه:

# ولمن خاف مقام ربه جنتان

# [الرحمن: 46] فناسب التعجيل بذكر ما يشعر بزواله إشعارا ظاهرا وهو
~~الاتكاء فإنه من شأن الآمنين، وأخر سبحانه ذكره ثانيا عن ذكرهن لعدم ما
~~يستدعي التقديم وكونه مما يكون للرجل عادة بعد فراغ ذهنه عما يحتاجه
~~المنزل من طعام وشراب وقينة تكون فيه، وإذا قلنا: إن الحور كالجواري في
~~المنزل كان أمر التقديم والتأخير أوقع، وقال الإمام في ذلك: إن أهل الجنة
~~ليس عليهم تعب وحركة فهم متنعمون دائما لكن الناس في الدنيا على أقسام
~~منهم من يجتمع مع أهله اجتماع مستوفز وعند قضاء وطره يغتسل وينتشر في
~~الأرض للكسب، ومنهم من يكون مترددا في طلب الكسب وعند تحصيله يرجع إلى
~~أهله ويستريح عما لحقه من تعب قبل قضاء الوطر أو بعده فالله عز ms10327 وجل قال
~~في أهل الجنة: متكئون قبل اجتماعهم بأهاليهم متكئون بعد الاجتماع ليعلم
~~أنهم دائمون على السكون، ولا يخفى أن هذا على ما فيه لا يحسم السؤال إذ
~~لقائل / أن يقول لم لم يعكس أمر التقديم والتأخير في الموضعين مع أنه
~~يتضمن الإشارة إلى ذلك أيضا؟ ثم ذكر في ذلك وجها ثانيا وهو على ما فيه
~~مبني على ما لا مستند له فيه من الآثار فتدبر.

### || [55.77-78]

# وقوله عز وجل: { تبرك اسم ربك } تنزيه وتقديس له تعالى، فيه
~~تقرير لما ذكر في هذه السورة الكريمة من آلائه جل شأنه الفائضة على
~~الأنام،  فتبارك  بمعنى تعالى لأنه يكون بمعناه وهو أنسب بالوصف الآتي،
~~وقد ورد في الأحاديث

# " تعالى اسمه "

# أي تعالى اسمه الجليل الذي من جملته ما صدرت به السورة من اسم الرحمن
~~المنبىء عن إفاضة الآلاء المفصلة، وارتفع مما لا يليق بشأنه من الأمور
~~التي من جملتها جحود نعمائه وتكذيبها، وإذا كان حال اسمه تعالى بملابسة
~~دلالته عليه سبحانه كذلك فما ظنك بذاته الأقدس الأعلى؟ وقيل: الاسم بمعنى
~~الصفة لأنها علامة على موصوفها، وقيل: هو مقحم كما في قول من قال:

# ثم اسم السلام عليكما

# وقيل: هو بمعنى المسمى، وزعم بعضهم أن الأنسب بما قصد من هذه السورة
~~الكريمة وهو تعدد الآلاء والنعم تفسير { تبرك } بكثرت خيراته ثم
~~إنه لا بعد في إسناده بهذا المعنى لاسمه تعالى إذ به يستمطر فيغاث
~~ويستنصر فيعان.

# وقوله سبحانه: { ذى الجلل والإكرام } صفة للرب ووصف جل وعلا
~~بذلك تكميلا لما ذكر من التنزيه والتقرير. وقرأ ابن عامر وأهل الشام 
~~ذو  بالرفع على أنه وصف للاسم، ووصفه بالجلال والإكرام بمعنى التكريم
~~واضح.

# هذا ومن باب الإشارة في بعض الآيات

# الرحمن * علم القرءان

# [الرحمن: 1-2] إشارة إلى ما أودعه سبحانه في الأرواح الطيبة القدسية من
~~العلوم الحقانية الإجمالية عند استوائه عز وجل على عرش الرحمانية

# خلق الإنسن

# [الرحمن: 3] الكامل الجامع { علمه البيان } وهو تفصيل تلك
~~العلوم الإجمالية

# فإذا قرأنه فاتبع قرءانه * ثم إن علينا
~~بيانه

# [القيامة: ms10328 18-19]

# الشمس والقمر بحسبان

# [الرحمن: 5] يشير إلى شمس النبوة وقمر الولاية الدائرتين في فلك وجود
~~الإنسان بحساب التجليات ومراتب الاستعدادات، { والنجم } القوى
~~السفلية { والشجر } الاستعدادات العلوية

# يسجدان

# [الرحمن: 6] يتذللان بين يديه تعالى عند الرجوع إليه سبحانه {
~~والسماء } سماء القوى الإلهية القدسية { رفعها } فوق أرض
~~البشرية

# ووضع الميزان

# [الرحمن: 7] القوة المميزة

# ألا تطغوا فى الميزان

# [الرحمن: 8] لا تتجاوزوا عند أخذ الحظوظ السفلية وإعطاء الحقوق
~~العلوية. وجوز أن يكون الميزان الشريعة المطهرة فإنها ميزان يعرف به
~~الكامل من الناقص { والأرض } أرض البشرية { وضعها } بسطها وفرشها

# للأنام

# [الرحمن: 10] للقوى الإنسانية { فيها فكهة } من فواكه معرفة
~~الصفات الفعلية

# والنخل ذات الأكمام

# [الرحمن: 11] وهي الشجرة الإنسانية التي هي المظهر الأعظم وذات أطوار
~~كل طور مستور بطور آخر { والحب } هو حب الحب المبذور في مزارع
~~القلوب السليمة من الدغل { ذو العصف } أوراق المكاشفات

# والريحان

# [الرحمن: 12] ريحان المشاهدة

# رب المشرقين ورب المغربين

# [الرحمن: 17] رب مشرق شمس النبوة ومشرق قمر الولاية في العالم الجسماني
~~ورب مغربهما في العالم الروحاني { مرج البحرين } بحر سماء القوى
~~العلوية وبحر أرض القوى السفلية

# يلتقيان * بينهما برزخ

# [الرحمن: 19-20] حاجز القلب

# يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان

# [الرحمن: 22] أنواع أنوار الأسرار ونيران الأشواق

# وله الجوار المنشئات

# [الرحمن: 24] سفن الخواطر المسخرة في بحر الإنسان

# كل من عليها فان

# [الرحمن: 26] ما شم رائحة الوجود { ويبقى وجه ربك } الجهة
~~التي تليه سبحانه وهي شؤوناته عز وجل { ذو الجلل } أي الاستغناء
~~التام عن جميع المظاهر

# والإكرام

# [الرحمن: 27] الفيض العام يفيض على القوابل حسبما استعدت له وسألته
~~بلسان حالها، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { يسأله من فى
~~السموات والأرض } الخ، واستدل الشيخ الأكبر محي الدين قدس سره
~~بقوله سبحانه:

# كل يوم هو فى شأن

# [الرحمن: 29] على شرف التلون، وكذا استدل به على عدم بقاء الجوهر آنين،
~~وعلى هذا الطرز ما قيل في الآيات بعد، وذكر بعض أهل العلم أن قوله تعالى:

# فبأى ءالاء ربكما تكذبان

# [الرحمن: 13] قد ذكر إحدى وثلاثين مرة، ثمانية منها عقيب تعداد عجائب
~~خلقه تعالى وذكر المبدأ والمعاد، ms10329 وسبعة عقيب ذكر ما يشعر بالنار وأهوالها
~~على عدد أبواب جهنم، وثمانية في وصف الجنتين الأوليين ومثلها في وصف
~~الجنتين اللتين دونهما على عدد أبواب الجنة فكأنه أشير بذلك إلى أن من
~~اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق كلتا الجنتين من الله تعالى
~~ووقاه جهنم ذات الأبواب السبعة؛ والله تعالى أعلم بإشارات كتابه وحقائق
~~خطابه ودقائق كلامه التي لا تحيط بها الأفهام وتبارك اسم ربك ذو الجلال
~~والإكرام.

### | [56 - سورة الواقعة]

### || [56.1]

# أي إذا حدثت القيامة على أن { وقعت } بمعنى حدثت. و { الواقعة
~~} علم - بالغلبة أو منقول - للقيامة، وصرح ابن عباس بأنها من أسمائها.
~~وسميت بذلك للإيذان بتحقق وقوعها لا محالة كأنها واقعة في نفسها مع قطع
~~النظر عن الوقوع الواقع في حيز الشرط، فليس الإسناد كما في  جاءني جاء 
~~فإنه لغو لدلالة كل فعل على فاعل له غير معين، وقال الضحاك: {
~~الواقعة } الصيحة وهي النفخة في الصور، وقيل: { الواقعة } صخرة
~~بيت المقدس تقع يوم القيامة وليس بشيء.

# و { إذا } ظرف متضمن معنى الشرط على ما هو الظاهر، والعامل فيها عند
~~أبي حيان الفعل بعدها فهي عنده في موضع نصب  بوقعت  كسائر أسماء الشرط
~~وليست مضافة إلى الجملة، والجمهور على إضافتها فقيل: هي هنا قد سلبت
~~الظرفية ووقعت مفعولا به لاذكر محذوفا، وقيل: لم تسلب ذلك وهي منصوبة
~~بليس، وصنيع الزمخشري يشعر باختياره. وقيل: بمحذوف وهو الجواب أي إذا
~~وقعت الواقعة كان كيت وكيت، قال في «الكشف» هذا الوجه العربي الجزل
~~فالنصب بإضمار اذكر إنما كثر في إذ، وبليس إنما يصح إذا جعلت لمجرد
~~الظرفية وإلا لوجب الفاء في ليس، وأبو حيان تعقب النصب بليس بأنه ((لا
~~يذهب إليه نحوي لأن ليس في النفي ك (ما) وهي لا تعمل، فكذا ليس فإنها
~~مسلوبة الدلالة على الحدث والزمان، والقول: بأنها فعل على سبيل المجاز،
~~والعامل في الظرف إنما هو ما يقع فيه من الحدث فحيث لا حدث فيها لا عمل
~~لها فيه))، ثم ذكر نحو ما ذكر صاحب «الكشف» من وجوب ms10330 الفاء في ليس إذا لم
~~تجرد عن الشرطية؛ واعترض دعواه أن (ما) لا تعمل بأنهم صرحوا بجواز تعلق
~~الظرف بها لتأويلها بانتفى وأنه يكفي له رائحة الفعل، ويقال عليها في ذلك
~~ليس، وكذا دعوى وجوب الفاء في ليس إذا لم تجرد { إذا } عن الشرطية بأن
~~لزوم الفاء مع الأفعال الجامدة إنما هو في جواب إن الشرطية لعملها كما
~~صرحوا به. وأما { إذا } فدخول الفاء في جوابها على خلاف الأصل. وسيأتي
~~إن شاء الله تعالى فيها قولان آخران. وبعد القيل والقال الأولى كون
~~العامل محذوفا وهو الجواب كما سمعت. وفي إبهامه تهويل وتفخيم لأمر
~~الواقعة.

### || [56.2]

# قوله تعالى: { ليس لوقعتها كاذبة } إما اعتراض يؤكد تحقيق
~~الوقوع. أو حال من الواقعة كما قال ابن عطية، و { كاذبة } اسم فاعل
~~وقع صفة لموصوف محذوف أي نفس، وقيل: مقالة والأول أولى لأن وصف الشخص
~~بالكذب أكثر من وصف الخبر به. و { الواقعة } السقطة القوية وشاعت في
~~وقوع الأمر العظيم وقد تخص بالحرب ولذا عبر بها هنا واللام للتوقيت مثلها
~~في قولك: كتبته لخمس خلون أي لا يكون حين وقوعها نفس كاذبة على معنى تكذب
~~على الله تعالى وتكذب في تكذيبه سبحانه وتعالى في خبره بها، وإيضاحه أن
~~منكر الساعة الآن مكذب له تعالى في أنها تقع وهو كاذب في تكذيبه سبحانه
~~لأنه خبر على خلاف الواقع وحين تقع لا يبقى كاذبا مكذبا، بل صادقا
~~مصدقا، وقيل: على معنى ليس في وقت وقوعها نفس كاذبة في شيء من الأشياء،
~~ولا يخفى أن صحته مبنية على القول بأنه لا يصدر من أحد كذب يوم القيامة؛
~~وأن قولهم:

# والله ربنا ما كنا مشركين

# [الأنعام: 23] مجاب عنه بما هو مذكور في محله أو اللام على حقيقتها، و {
~~كاذبة } صفة لذلك المحذوف أيضا أي { ليس لوقعتها } نفس
~~كاذبة بمعنى لا ينكر وقوعها أحد ولا يقول للساعة لم تكوني لأن الكون قد
~~تحقق كما يقول لها في الدنيا بلسان القول أو الفعل لأن من اغتر بزخارف
~~الدنيا فقد كذب الساعة ms10331 في وقعتها بلسان الحال لن تكوني، وهذا كما تقول
~~لمخاطبك ليس لنا ملك ولمعروفك كاذب أي لا يكذبك أحد فيقول: إنه غير واقع،
~~وفيه استعارة تمثيلية لأن الساعة لا تصلح مخاطبا إلا على ذلك إما على
~~سبيل التخييل من باب لو قيل: للشحم أين تذهب، وهو الأظهر وإما على
~~التحقيق، وجوز كون { كاذبة } من قولهم كذبت نفسه وكذبته إذا منته
~~الأماني وقربت له الأمور البعيدة وشجعته على مباشرة الخطب العظيم، واللام
~~قيل: على حقيقتها أيضا أي ليس لها إذا وقعت نفس تحدث صاحبها باطاقة
~~شدتها واحتمالها وتغريه عليها.

# وفي «الكشف» إن اللام على هذا الوجه للتوقيت كما على الوجه الأول، وجوز
~~أيضا كون { كاذبة } مصدرا بمعنى التكذيب وهو التثبيط وأمر اللام
~~ظاهر أي ليس لوقعتها ارتداد ورجعة كالحملة الصادقة من ذي سطوة قاهرة؛
~~وروى نحوه عن الحسن. وقتادة، وذكر أن حقيقة التكذيب بهذا المعنى راجعة
~~إلى تكذيب النفس إلى كذبها وإغرائها وتشجيعها وأنشد على ذلك لزهير:

# ليث بعثر يصطاد الرجال إذا

# ما الليث (كذب عن أقرانه) صدقا

# ويجوز جعل الكاذبة بمعنى الكذب على معنى ليس للوقعة كذب بل هي وقعة
~~صادقة لا تطاق على نحو  حملة صادقة، وحملة لها صادق  أو على معنى ليس
~~هي في وقت وقوعها كذب لأنه حق لا شبهة فيه، ولعل ما ذكر أظهر مما تقدم
~~وإن روي نحوه عمن سمعت. نعم قيل: عليهما أن مجيء المصدر على زنة الفاعل
~~نادر.

### || [56.3]

# وقوله عز وجل: { خافضة رافعة } خبر مبتدأ محذوف أي هي خافضة
~~لأقوام رافعة لآخرين كما قال ابن عباس وأخرجه عنه جماعة. والجملة تقرير
~~لعظمتها وتهويل لأمرها فإن الوقائع العظام شأنها الخفض والرفع كما يشاهد
~~في تبدل الدول وظهور الفتن من ذل الأعزة وعز الأذلة، وتقديم الخفض على
~~الرفع لتشديد التهويل، أو بيان لما يكون يومئذ من حط الأشقياء إلى
~~الدركات ورفع السعداء إلى درجات الجنات، وعلى هذا قول عمر رضي الله تعالى
~~عنه: خفضت أعداء الله تعالى إلى النار ورفعت أولياءه إلى الجنة، أو ms10332 بيان
~~لما يكون من ذلك ومن إزالة الأجرام عن مقارها ونثر الكواكب وتسيير الجبال
~~في الجو كالسحاب، والضحاك بعد أن فسر الواقعة بالصيحة قال: خافضة تخفض
~~قوتها لتسمع الأدنى رافعة ترفعها لتسمع الأقصى، وروي ذلك أيضا عن ابن
~~عباس وعكرمة، وقدر أبو علي المبتدأ مقرونا بالفاء أي فهي خافضة وجعل
~~الجملة جواب { إذا } فكأنه قيل: إذا وقعت الواقعة خفضت قوما ورفعت
~~آخرين.

# وقرأ زيد بن علي والحسن وعيسى وأبو حيوة وابن أبي عبلة وابن مقسم
~~والزعفراني واليزيدي في اختياره { خافضة رافعة } بنصبهما، ووجه
~~أن يجعلا حالين عن { الواقعة } على أن

# ليس لوقعتها كاذبة

# [الواقعة: 2] اعتراض أو حالين عن وقعتها.

### || [56.4]

# وقوله سبحانه: { إذا رجت الأرض رجا } أي زلزلت وحركت
~~تحريكا شديدا بحيث ينهدم ما فوقها من بناء وجبل، متعلق بخافضة أو
~~برافعة، على أنه من باب الإعمال، أو بدل من

# إذا وقعت

# [الواقعة: 1] كما قال به غير واحد، وقال ابن جني وأبو الفضل الرازي: {
~~إذا رجت } في موضع رفع على أنه خبر للمبتدأ الذي هو { إذا
~~وقعت } وليست واحدة منهما شرطية بل هي بمعنى وقت أي وقت وقوعها وقت
~~رج الأرض، وادعى ابن مالك أن { إذا } تكون مبتدأ، واستدل بهذه الآية،
~~وقال أبو حيان: هو بدل من { إذا وقعت } وجواب الشرط عندي ملفوظ به
~~وهو قوله تعالى:

# فأصحب الميمنة

# [الواقعة: 8] والمعنى إذا كان كذا وكذا، فأصحاب الميمنة ما أسعدهم وما
~~أعظم ما يجازون به، أي إن سعادتهم وعظم رتبهم / عند الله عز وجل تظهر في
~~ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم، وفيه بعد.

### || [56.5]

# أي فتت كما قال ابن عباس ومجاهد حتى صارت كالسويق الملتوت من بس السويق
~~إذا لته، وقيل: سيقت وسيرت من أماكنها من بس الغنم إذا ساقها فهو كقوله
~~تعالى:

# وسيرت الجبال

# [النبأ: 20].

# وقرأ زيد بن علي { رجت } و { بست } بالبناء للفاعل أي ارتجت وتفتتت، وفي
~~كلام هند بنت الخس تصف ناقة بما يستدل به على حملها  عينها هاج وصلاها
~~راج، وهي تمشي وتفاج .

### || [56.6]

# { فكانت } فصارت ms10333 بسبب ذلك { هباء } غبارا { منبثا }
~~متفرقا، والمراد مطلق الغبار عند الأكثرين، وقال ابن عباس: هو ما يثور
~~مع شعاع الشمس إذا دخلت من كوة، وفي رواية أخرى عنه أنه الذي يطير من
~~النار إذا اضطرمت.

# وقرأ النخعي  منبتا  بالتاء المنطوقة بنقطتين من فوق من البت بمعنى
~~القطع، والمراد به ما ذكر من البث بالمثلثة.

### || [56.7]

# { وكنتم } خطاب للأمة الحاضرة والأمم السالفة تغليبا كما ذهب إليه
~~الكثير، وقال بعضهم: خطاب للأمة الحاضرة فقط، والظاهر أن  كان  أيضا
~~بمعنى صار أي وصرتم { أزوجا } أي أصنافا { ثلثة } وكل صنف
~~يكون مع صنف آخر في الوجود أو في الذكر فهو زوج، قال الراغب: الزوج يكون
~~لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة ولكل
~~قرينين فيها، وفي غيرها كالخف والنعل، ولكل ما يقترن بآخر مماثلا له أو
~~مضادا.

### || [56.8-9]

# وقوله تعالى: { فأصحب الميمنة ما أصحب
~~الميمنة * وأصحب المشئمة ما أصحب
~~المشئمة } تفصيل للأزواج الثلاثة مع الإشارة الاجمالية إلى
~~أحوالهم قبل تفصيلها، والدائر على ألسنتهم أن { أصحب الميمنة
~~} مبتدأ، وقوله تعالى: { ما أصحب الميمنة }  { ما } فيه
~~استفهامية مبتدأ ثان و { أصحب } خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول
~~والرابط الظاهر القائم مقام الضمير، وكذا يقال في قوله تعالى: {
~~وأصحب المشئمة } الخ، والأصل في الموضعين ما هم؟ أي أي
~~شيء هم في حالهم وصفتهم فإن { ما } وإن شاعت في طلب مفهوم الاسم
~~والحقيقة لكنها قد تطلب بها الصفة والحال كما تقول ما زيد؟ فيقال: عالم،
~~أو طبيب فوضع الظاهر موضع الضمير لكونه أدخل في المقصود وهو التفخيم في
~~الأول والتفظيع في الثاني، والمراد تعجيب السامع من شأن الفريقين في
~~الفخامة والفظاعة كأنه قيل: فأصحاب الميمنة في غاية حسن الحال وأصحاب
~~المشأمة في نهاية سوء الحال، وقيل: جملة { ما أصحب } خبر بتقدير
~~القول على ما عرف في الجملة الإنشائية إذا وقعت خبرا أي مقول في حقهم {
~~ما أصحب } الخ فلا حاجة إلى جعله من إقامة الظاهر مقام الضمير
~~وفيه نظر.

# و { الميمنة } ناحية اليمين، أو اليمن والبركة، ms10334 { والمشأمة }
~~ناحية الشمال من اليد الشؤمى وهي الشمال، أو هي من الشؤم مقابل اليمن،
~~ورجح إرادة الناحية فيهما بأنها أوفق بما يأتي في التفصيل. واختلفوا في
~~الفريقين فقيل: أصحاب الميمنة أصحاب المنزلة السنية، وأصحاب المشأمة
~~أصحاب المنزلة الدنية أخذا من تيمنهم بالميامن وتشؤمهم بالشمائل كما
~~تسمع في السانح والبارح، وهو مجاز شائع، وجوز أن يكون كناية، وقيل: الذين
~~يؤتون صحائفهم بأيمانهم والذين يؤتونها بشمائلهم، وقيل: الذين يؤخذ بهم
~~ذات اليمين إلى الجنة والذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار، وقيل: أصحاب
~~اليمن وأصحاب الشؤم، فإن السعداء ميامين على أنفسهم بطاعتهم والأشقياء
~~مشائيم على أنفسهم / بمعاصيهم، وروي هذا عن الحسن والربيع.

### || [56.10]

# وقوله تعالى: { والسبقون السبقون } هو الصنف الثالث من
~~الأزواج الثلاثة، ولعل تأخير ذكرهم مع كونهم أسبق الأصناف وأقدمهم في
~~الفضل ليردف ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم على أن إيرادهم بعنوان السبق
~~مطلقا معرب عن إحرازهم قصب السبق من جميع الوجوه.

# واختلف في تعيينهم فقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة عند ظهور
~~الحق من غير تلعثم وتوان، وروي هذا عن عكرمة ومقاتل، وأخرج ابن مردويه عن
~~ابن عباس قال: نزلت في حزقيل مؤمن آل فرعون وحبيب النجار الذي ذكر في يس
~~وعلي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه وكل رجل منهم سابق أمته وعلي
~~أفضلهم، وقيل: هم الذين سبقوا في حيازة الكمالات من العلوم اليقينية
~~ومراتب التقوى الواقعة بعد الإيمان، وقيل: هم الأنبياء عليهم السلام
~~لأنهم مقدموا أهل الأديان، وقال ابن سيرين: هم الذين صلوا إلى القبلتين
~~كما قال تعالى:

# والسبقون الأولون من المهجرين والأنصر

# [التوبة: 100] وعن ابن عباس هم السابقون إلى الهجرة، وعن علي كرم الله
~~تعالى وجهه هم السابقون إلى الصلوات الخمس، وأخرج أبو نعيم والديلمي عن
~~ابن عباس مرفوعا «أول من يهجر إلى المسجد وآخر من يخرج منه».

# وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عبادة بن أبي سودة مولى عبادة بن
~~الصامت قال: بلغنا أنهم السابقون إلى المساجد والخروج في سبيل الله عز
~~وجل، وعن ms10335 الضحاك هم السابقون إلى الجهاد، وعن ابن جبير هم السابقون إلى
~~التوبة وأعمال البر، وقال كعب: هم أهل القرآن، وفي «البحر» في الحديث

# " سئل عن السابقين فقال: هم الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوه
~~بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم "

# ، وقيل: الناس ثلاثة فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه ثم دام عليه حتى خرج
~~من الدنيا فهذا هو السابق، ورجل ابتكر عمره بالذنب وطول الغفلة ثم تراجع
~~بتوبته فهذا صاحب اليمين، ورجل ابتكر الشر في حداثة سنه ثم لم يزل عليه
~~حتى خرج من الدنيا فهذا صاحب الشمال، وعن ابن كيسان أنهم المسارعون إلى
~~كل ما دعا الله تعالى إليه ورجحه بعضهم بالعموم، وجعل ما ذكر في أكثر
~~الأقوال من باب التمثيل. وأيا ما كان فالشائع أن الجملة مبتدأ وخبر
~~والمعنى والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم وعرفت فخامتهم كقوله:

# أنا أبو النجم وشعري شعري

# وفيه من تفخيم شأنهم والإيذان بشيوع فضلهم ما لا يخفى، وقيل: متعلق
~~السبق مخالف لمتعلق السبق الثاني أي السابقون إلى طاعة الله تعالى
~~السابقون إلى رحمته سبحانه، أو السابقون إلى الخير السابقون إلى الجنة،
~~والتقدير الأول محكي عن صاحب «المرشد». وأنت تعلم أن الحمل مفيد بدون ذلك
~~كما سمعت بل هو أبلغ وأنسب بالمقام وأيا ما كان فقوله تعالى: {
~~أولئك المقربون }.

### || [56.11]

# مبتدأ وخبر والجملة استئناف بياني، وقيل:

# السبقون

# [الواقعة: 10] السابق مبتدأ و { السبقون } اللاحق تأكيد له وما
~~بعد خبر وليس بذاك أيضا لفوات مقابلة ما ذكر لقوله تعالى:

# فأصحب

# [الواقعة: 8] الخ ولأن القسمة لا تكون مستوفاة حينئذ، ولفوات المبالغة
~~المفهومة من نحو هذا التركيب على ما سمعت مع أنهم أعني السابقين أحق
~~بالمدح والتعجيب من حالهم من السابقين ولفوات ما في الاستئناف بأولئك
~~المقربون من الفخامة وإنما لم يقل والسابقون ما السابقون على منوال
~~الأولين لأنه جعل أمرا مفروغا مسلما مستقلا في المدح والتعجيب،
~~والإشارة بأولئك إلى السابقين ومافيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار
~~إليه للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل، / و { المقربون } من ms10336 القربة
~~بمعنى الحظوة أي أولئك الموصوفون بذلك النعت الجليل الذين أنيلوا حظوة
~~ومكانة عند الله تعالى، وقال غير واحد: المراد الذين قربت إلى العرش
~~العظيم درجاتهم.

# هذا وفي «الارشاد»: الذي تقتضيه جزالة التنزيل أن قوله تعالى:

# فأصحب الميمنة

# [الواقعة: 8] خبر مبتدأ محذوف وكذا قوله سبحانه:

# وأصحب المشئمة

# [الواقعة: 9] وقوله جل شأنه: { والسبقون } فإن المترقب عند بيان
~~انقسام الناس إلى الأقسام الثلاثة بيان أنفس الأقسام. وأما أوصافها
~~وأحوالها فحقها أن تبين بعد ذلك بإسنادها إليها، والتقدير فأحدها أصحاب
~~الميمنة والآخر أصحاب المشأمة، والثالث السابقون خلا أنه لما أخر بيان
~~أحوال القسمين الأولين عقب كلا منهما بجملة معترضة بين القسمين منبئة عن
~~ترامي أحوالهما في الخير والشر إنباءا إجماليا مشعرا بأن لأحوال كل
~~منهما تفصيلا مترقبا لكن لا على أن { ما } الاستفهامية مبتدأ وما
~~بعدها خبر على مارآه سيبويه في أمثاله بل على أنها خبر لما بعدها فإن
~~مناط الإفادة بيان أن أصحاب الميمنة أمر بديع كما يفيده كون { ما }
~~خبرا لا بيان أن أمرا بديعا أصحاب الميمنة كما يفيده كونها مبتدأ وكذا
~~الحال في

# ما أصحب المشئمة

# [الواقعة: 9] وأما القسم الأخير فحيث قرن به بيان محاسن أحواله لم يحتج
~~فيه إلى تقديم الأنموذج فقوله تعالى: { السبقون } مبتدأ والإظهار
~~في مقام الإضمار للتفخيم و { أولئك } مبتدأ ثان، أو بدل من الأول
~~وما بعده خبر له، أو للثاني، والجملة خبر للأول انتهى.

# وقيل عليه: إنه ليس في جعل جملتي الاستفهام وقوله سبحانه: {
~~السبقون } إخبارا لما قبلها بيان لأوصاف الأقسام وأحوالها
~~تفصيلا حتى يقال: حقها أن تبين بعد أنفس الأقسام بل فيه بيان الأقسام مع
~~إشارة إلى ترامي أحوالها في الخير والشر والتعجيب من ذلك. وأيضا مقتضى
~~ما ذكره أن لا يذكر

# ما أصحب اليمين

# [الواقعة: 27] و

# ما أصحب الشمال

# [الواقعة: 41] في التفصيل. وتعقب هذا بأن الذكر محتاج إلى بيان نكتة على
~~الوجه الدائر على ألسنتهم كاحتياجه إليه على هذا الوجه، ولعلها عليه أنه
~~لما عقب الأولين بما يشعر بأن لأحوال كل تفاصيل مترقبة ms10337 أعيد ذلك للإعلام
~~بأن الأحوال العجيبة هي هذه فلتسمع.

# والذي يتبادر للنظر الجليل ما في «الإرشاد» من كون أصحاب الميمنة وكذا
~~كل من الأخيرين خبر مبتدأ محذوف كما سمعت لأن المتبادر بعد بيان الانقسام
~~ذكر نفس الأقسام على أن تكون هي المقصودة أولا وبالذات دون الحكم عليها
~~وبيان أحوالها مطلقا وإن تضمن ذلك ذكرها لكن ما ذكروه أبعد مغزى ومع هذا
~~لا يتعين على ما ذكر كون تينك الجملتين الاستفهاميتين معترضتين بل يجوز
~~أن يكون كل منهما صفة لما قبلها بتقدير القول كأنه قيل: فأحدها أصحاب
~~الميمنة المقول فيهم

# ما أصحب الميمنة

# [الواقعة: 8] وكذا يقال في

# وأصحب المشئمة

# [الواقعة: 9] الخ، ويجعل أيضا { السبقون } صفة  للسابقون 
~~قبله، والتأويل في الوصفية كالتأويل في الخبرية ويكون الوصف بذلك قائما
~~مقام تينك الجملتين في المدح، والجملة بعد مستأنفة استئنافا بيانيا كما
~~في الوجه الشائع، وما يقال: إن في هذا الوجه حذف الموصول مع بعض أجزاء
~~الصلة يجاب عنه بمنع كون  أل  في الوصف حيث لم يرد منه الحدوث موصولة
~~فتأمل ولا تغفل.

### || [56.12]

# وقوله تعالى: { في جنت النعيم } متعلق بالمقربون، أو بمضمر
~~هو حال من ضميره أي كائنين في جنات النعيم، وعلى الوجهين فيه إشارة إلى
~~أن قربهم محض لذة وراحة لا كقرب خواص الملك القائمين بأشغاله عنده بل
~~كقرب جلسائه وندمائه الذين لا شغل لهم ولا يرد عليهم أمر، أو نهي ولذا
~~قيل: { في جنت النعيم } دون جنات الخلود ونحوه، وقيل: خبر ثان
~~لاسم الإشارة وتعقب بأن الإخبار / بكونهم فيها بعد الإخبار بكونهم مقربين
~~ليس فيه مزيد مزية، وأجيب بأن الإخبار الأول للإشارة إلى اللذة الروحانية
~~والإخبار الثاني للإشارة إلى اللذة الجسمانية.

# وقرأ طلحة (في جنة النعيم) بالإفراد.

### || [56.13]

# وقوله تعالى: { ثلة من الأولين } خبر مبتدأ مقدر أي هم ثلة
~~الخ، وجوز كونه مبتدأ خبره محذوف أي منهم، أو خبرا أولا أو ثانيا 
~~لأولئك  وجوز أبو البقاء كونه مبتدأ والخبر

# على سرر

# [الواقعة: 15]. والثلة في المشهور الجماعة كثرت أو قلت، وقال الزمخشري:
~~الأمة ms10338 من الناس الكثيرة وأنشد قوله:

# وجاءت إليهم (ثلة) خندفية

# بجيش كتيار من السيل مزبد

# وقوله تعالى بعد:

# وقليل

# [الواقعة: 14] الخ كفى به دليلا على الكثرة انتهى. والظاهر أنه أنشد
~~البيت شاهدا لمعنى الكثرة في الثلة فإن كانت الباء تجريدية وهو الظاهر
~~فنص وإلا فالاستدلال عليها من أن المقام مقام مبالغة ومدح، وأما استدلاله
~~بما بعد فذلك لأن التقابل مطلوب لأن الثلة لم توضع للقليل بالإجماع حتى
~~يحمل ما بعد على التفنن بل هي إما للكثرة والاشتقاق عليها أدل لأن الثل
~~بمعنى الصب وبمعنى الهدم بالكلية، والثلة بالكسر الضأن الكثيرة وإما
~~لمطلق الجماعة كالفرقة والقطعة من الثل بمعنى الكسر كأنها جماعة كسرت من
~~الناس وقطعت منهم إلا أن الاستعمال غلب على الكثير فيها فالمعنى جماعة
~~كثيرة من الأولين وهم الناس المتقدمون من لدن آدم إلى نبينا عليهما
~~الصلاة والسلام وعلى من بينهما من الأنبياء العظام.

### || [56.14]

# وهم الناس من لدن نبينا صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، ولا يخالفه
~~قوله عليه الصلاة والسلام:

# " إن أمتي يكثرون سائر الأمم "

# أي يغلبونهم في الكثرة لأن أكثرية سابقي المتقدمين من سابقي هذه الأمة
~~لا تمنع أكثرية تابعي هؤلاء من تابعي أولئك. وحاصل ذلك غلبة مجموع هذه
~~الأمة كثرة على من سواها كقرية فيها عشرة من العلماء ومائة من العوام
~~وأخرى فيها خمسة من العلماء وألف من العوام فخواص الأولى أكثر من خواص
~~الثانية وعوام الثانية ومجموع أهلها أضعاف أولئك. لا يقال يأبى أكثرية
~~تابعي هؤلاء قوله تعالى:

# ثلة من الأولين * وثلة من الأخرين

# [الواقعة: 39-40] فإنه في حق أصحاب اليمين وهم التابعون، وقد عبر في كل
~~بالثلة أي الجماعة الكثيرة لأنا نقول لا دلالة في الآية على أكثر من وصف
~~كل من الفريقين بالكثرة وذلك لا ينافي أكثرية أحدهما فتحصل أن سابقي
~~الأمم السوالف أكثر من سابقي أمتنا، وتابعي أمتنا أكثر من تابعي الأمم،
~~والمراد بالأمم ما يدخل فيه الأنبياء وحينئذ لا يبعد أن يقال: إن كثرة
~~سابقي الأولين ليس إلا بأنبيائهم فما ms10339 على سابقي هذه الأمة بأس إذ أكثرهم
~~سابقو الأمم بضم الأنبياء عليهم السلام، وأخرج الإمام أحمد وابن المنذر
~~وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: لما نزلت { ثلة من
~~الأولين * وقليل من الأخرين } شق ذلك على أصحاب رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فنزلت

# ثلة من الأولين * وثلة من الأخرين

# [الواقعة: 39-40] فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

# " إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة بل أنتم نصف أهل الجنة  أو شطر
~~أهل الجنة  وتقاسمونهم النصف الثاني "

# وظاهره أنه شق عليهم قلة من وصف بها وأن الآية الثانية أزالت ذلك ورفعته
~~وأبدلته بالكثرة، ويدل على ذلك ما أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال:
~~لما نزلت { ثلة من الأولين * وقليل من الأخرين }
~~حزن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم / وقالوا إذا لا يكون من أمة
~~محمد صلى الله عليه وسلم إلا قليل فنزلت نصف النهار

# ثلة من الأولين * وثلة من الأخرين

# [الواقعة: 39-40] فنسخت { وقليل من الأخرين }.

# وأبى ذلك الزمخشري فقال: إن الرواية غير صحيحة لأمرين: أحدهما: أن
~~الآية الأولى واردة في السابقين، والثانية: في أصحاب اليمين، والثاني أن
~~النسخ في الأخبار غير جائز فإذا أخبر تعالى عنهم بالقلة لم يجز أن يخبر
~~عنهم بالكثرة من ذلك الوجه، وما ذكر من عدم جواز النسخ في الأخبار أي
~~في مدلولها مطلقا هو المختار. وقيل: يجوز النسخ في المتغير إن كان عن
~~مستقبل لجواز المحو لله تعالى فيما يقدره والاخبار يتبعه، وعلى هذا
~~البيضاوي، وقيل: يجوز عن الماضي أيضا وعليه الإمام الرازي والآمدي، وأما
~~نسخ مدلول الخبر إذا كان مما لا يتغير كوجود الصانع وحدوث العالم فلا
~~يجوز اتفاقا، فإن كان ما نحن فيه مما يتغير فنسخه جائز عند البيضاوي
~~ويوافقه ظاهر خبر أبي هريرة الثاني، ولا يجوز على المختار الذي عليه
~~الشافعي وغيره فقول صاحب «الكشف»: لا خلاف في عدم جواز النسخ في مثل ما
~~ذكر من الخبر إذ لا يتضمن حكما شرعيا لا يخلو عن شيء.

# وأقول: ms10340 قد يتعقب ما ذكره الزمخشري بأن الحديث قد صح، وورود الآية الأولى
~~في السابقين والثانية في أصحاب اليمين لا يرد مقتضاه فإنه يجوز أن يقال:
~~إن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما سمعوا الآية الأولى حسبوا أن الأمر
~~في هذه الأمة يذهب على هذا النهج فيكون أصحاب اليمين ثلة من الأولين
~~وقليلا منهم فيكثرهم الفائزون بالجنة من الأمم السوالف فحزنوا لذلك فنزل
~~قوله تعالى في أصحاب اليمين: { ثلة من الأولين * وثلة
~~من الأخرين } وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ما قال مما أذهب
~~به حزنهم وليس في هذا نسخ للخبر كما لا يخفى. وقول أبي هريرة فنسخت {
~~وقليل من الأخرين } إن صح عنه ينبغي تأويله بأن يقال أراد به
~~فأزالت حسبان أن يذكر نحوه في الفائزين بالجنة من هذه الأمة غير السابقين
~~فتدبر.

# وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: الفرقتان أي في قوله تعالى: { ثلة
~~من الأولين * وقليل من الأخرين } في أمة كل نبي في
~~صدرها ثلة وفي آخرها قليل، وقيل: هما من الأنبياء عليهم السلام كانوا في
~~صدر الدنيا كثيرين وفي آخرها قليلين. وقال أبو حيان: جاء في الحديث

# " الفرقتان في أمتي فسابق أول الأمة ثلة وسابق سائرها إلى يوم القيامة
~~قليل "

# انتهى، وجاء في فرقتي أصحاب اليمين نحو ذلك، أخرج مسدد في «مسنده» وابن
~~المنذر والطبراني وابن مردويه بسند حسن عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه: { ثلة من
~~الأولين * وثلة من الأخرين } قال: هما جميعا من هذه
~~الأمة، وأخرج جماعة بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعا ما لفظه هما جميعا من
~~أمتي؛ وعلى هذا يكون الخطاب في قوله عز وجل:

# وكنتم أزواجا ثلثة

# [الواقعة: 7] لهذه الأمة فقط.

### || [56.15]

# حال من المقربين أو من ضميرهم في قوله تعالى:

# في جنت النعيم

# [الواقعة: 12] بناءا على أنه في موضع الحال كما تقدم، وقيل: هو خبر آخر
~~للضمير المحذوف المخبر عنه أولا  بثلة  وفيه وجه آخر أشرنا إليه فيما
~~مر. و ms10341 { موضونة } من الوضن وهو نسج الدرع قال الأعشى:

# ومن نسج داود موضونة

# تسير مع الحي عيرا فعيرا

# واستعير لمطلق النسخ أو لنسج محكم مخصوص، ومن ذلك وضين الناقة وهو
~~حزامها لأنه موضون أي مفتول؛ والمراد هنا على ما أخرجه ابن جرير وغيره عن
~~ابن عباس مرمولة أي منسوجة بالذهب، وفي رواية عنه بقضبان الفضة، وقال
~~عكرمة: مشبكة بالدر والياقوت، وقيل: { موضونة } متصل بعضها ببعض
~~كحلق الدرع، والمراد متقاربة.

# وقرأ زيد بن علي وأبو السمال { سرر } بفتح الراء وهي لغة لبعض تميم،
~~وكلب يفتحون / عين فعل جمع فعيل المضعف نحو سرير.

### || [56.16]

# { متكئين عليها } حال من الضمير المستقر في الجار والمجرور
~~أعني

# على سرر

# [الواقعة: 15]، وقوله تعالى: { متقبلين } حال منه أيضا ولك أن
~~تعتبر الحالين متداخلين. والمراد كما قال مجاهد: لا ينظر أحدهم في قفا
~~صاحبه وهو وصف لهم بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق ورعاية الآداب وصفاء
~~البواطن.

### || [56.17]

# وقوله تعالى: { يطوف عليهم } حال أخرى أو استئناف أي يدور حولهم
~~للخدمة { ولدن مخلدون } أي مبقون أبدا على شكل الولدان وحد
~~الوصافة لا يتحولون عن ذلك، وإلا فكل أهل الجنة مخلد لا يموت، وقال
~~الفراء وابن جبير: مقرطون بخلدة وهي ضرب من الأقراط قيل: هم أولاد أهل
~~الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيآت فيعاقبوا عليها، وروى
~~هذا أمير المؤمنين على كرم الله تعالى وجهه، وعن الحسن البصري  واشتهر
~~أنه عليه الصلاة والسلام  قال:

# " أولاد الكفار خدم أهل الجنة "

# وذكر الطيبي أنه لم يصح بل صح ما يدفعه؛ أخرج البخاري وأبو داود
~~والنسائي

# " عن عائشة قالت: توفي صبي فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة فقال
~~صلى الله عليه وسلم: أو لا تدرين أن الله تعالى خلق الجنة وخلق النار
~~فخلق لهذه أهلا ولهذه أهلا، وفي رواية خلقهم لهما وهم في أصلاب آبائهم
~~"

# وأخرج أبو داود

# " عنها أنها قالت: قلت: يا رسول الله ذراري المؤمنين فقال من آبائهم
~~فقلت: يا رسول الله بلا عمل قال: الله أعلم بما كانوا عاملين قلت: ms10342 يا
~~رسول الله فذراري المشركين قال: من آبائهم فقلت: بلا عمل قال: الله أعلم
~~بما كانوا عاملين "

# وقيل: إنهم يمتحنون يوم القيامة فتخرج لهم نار ويؤمرون بالدخول فيها فمن
~~دخلها وجدها بردا وسلاما وأدخل الجنة، ومن أبى أدخل النار مع سائر
~~الكفار ويروون في ذلك أثرا. ومن الغريب ما قيل: إنهم بعد الإعادة يكونون
~~ترابا كالبهائم، وفي «الكشف» الأحاديث متعارضة في المسألة وكذلك
~~المذاهب، والمسألة ظنية والعلم عند الله تعالى وهو عز وجل أعلم انتهى.
~~والأكثر على دخولهم الجنة بفضل الله تعالى ومزيد رحمته تبارك وتعالى،
~~وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في ذلك.

### || [56.18]

# { بأكواب } بآنية لا عرا لها ولا خراطيم، والظاهر أنها الأقداح
~~وبذلك فسرها عكرمة، وهي جمع كوب { وأباريق } جمع إبريق وهو إناء له
~~خرطوم قيل: وعروة، وفي «البحر» أنه من أواني الخمر، وأنشد قول عدي بن
~~زيد:

# ودعوا بالصبوح يوما فجاءت

# في قينة يمينها إبريق

# وفيه أيضا أنه إفعيل من البريق، وذكر غير واحد أنه معرب  آب ريزاي 
~~صاب الماء وهو أنسب مما في بعض نسخ «القاموس» أنه معرب  آب ري  بلا
~~زاي، وأيا ما كان فهو ليس مأخوذا من البريق، نعم الإبريق بمعنى المرأة
~~الحسنة البراقة والسيف البراق والقوس فيها تلاميع مأخوذ من ذلك، ولعله
~~يقول بأنه عربي لا معرب، وأن البريق مما فيه من الخمر والشعراء يصفونها
~~بذلك كقوله:

# (مشعشعة) كأن الحص فيها

# إذا ما الماء خالطها سخينا

# أو لأنه غالبا يتخذ مما له نوع برق كالبلور والفضة.

# { وكأس من معين } أي خمر جارية من العيون كما قال ابن عباس
~~وقتادة أي لم يعصر كخمر الدنيا، وقيل: خمر ظاهرة للعيون مرئية بها لأنها
~~كذلك أهنأ. وأفرد الكأس على ما قيل لأنها لا تسمى كأسا إلا إذا كانت
~~مملوءة.

### || [56.19]

# { لا يصدعون عنها } أي بسببها وحقيقته / لا يصدر صداعهم
~~عنها، والمراد أنهم لا يلحق رؤوسهم صداع لأجل خمار يحصل منها كما في خمور
~~الدنيا، وقيل: لا يفرقون عنها بمعنى لا تقطع عنهم لذتهم بسبب ms10343 من الأسباب
~~كما تفرق أهل خمر الدنيا بأنواع من التفريق.

# وقرأ مجاهد (لا يصدعون) بفتح الياء وشد الصاد على أن أصله يتصدعون فأدغم
~~التاء في الصاد أي لا يتفرقون كقوله تعالى:

# يومئذ يصدعون

# [الروم: 43]، وقرىء { لا يصدعون } بفتح الياء والتخفيف أي لا يصدع بعضهم
~~بعضا ولا يفرقونهم أي لا يجلس داخل منهم بين اثنين فيفرق بين المتقاربين
~~فإنه سوء الأدب وليس من حسن العشرة.

# { ولا ينزفون } قال مجاهد وقتادة والضحاك: لا تذهب عقولهم بسكرها
~~من نزف الشارب كعني إذا ذهب عقله، ويقال للسكران نزيف ومنزوف، قيل:
~~وهو من نزف الماء نزحه من البئر شيئا فشيئا فكأن الكلام على تقدير
~~مضاف.

# وقرأ ابن أبي إسحق وعبد الله والسلمي والجحدري والأعمش وطلحة وعيسى
~~وعاصم كما أخرج عنه عبد بن حميد { ولا ينزفون } بضم الياء وكسر الزاي من
~~أنزف الشارب إذا ذهب عقله أو شرابه، ومعناه صار ذا نزف؛ ونظيره أقشع
~~السراب وقشعته الريح وحقيقته دخل في القشع، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضا {
~~ولا ينزفون } بفتح الياء وكسر الزاي قال: في «المجمع» وهو محمول على
~~أنه لا يفنى خمرهم، والتناسب بين الجملتين على ما سمعت فيهما أولا على
~~قراءة الجمهور أن الأولى لبيان نفي الضرر عن الأجسام، والثانية لبيان نفي
~~الضرر عن العقول وتأمل لتعرفه إن شاء الله تعالى على ما عدا ذلك.

### || [56.20]

# أي يأخذون خيره وأفضله والمراد مما يرضونه.

### || [56.21]

# مما تميل نفوسهم إليه وترغب فيه. والظاهر أن { فاكهة } و { لحم }
~~معطوفان على { أكواب } [الواقعة: 18] فتفيد الآية أن الولدان يطوفون بهما
~~عليهم. واستشكل بأنه قد جاء في الآثار أن فاكهة الجنة وثمارها ينالها
~~القائم والقاعد والنائم، وعن مجاهد أنها دانية من أربابها فيتناولونها
~~متكئين فإذا اضطجعوا نزلت بإزاء أفواههم فيتناولونها مضطجعين، وأن الرجل
~~من أهل الجنة يشتهي الطير من طيور الجنة فيقع في يده مقليا نضجا، وقد
~~أخرج هذا ابن أبي الدنيا عن أبي أمامة. وأخرج عن ميمونة مرفوعا

# " إن الرجل ليشتهي الطير في الجنة فيجيء مثل البختي حتى يقع على ms10344 خوانه
~~لم يصبه دخان ولم تمسه نار فيأكل منه حتى يشبع ثم يطير "

# إلى غير ذلك، وإذا كان الأمر كما ذكر استغنى عن طوافهم بالفاكهة واللحم.
~~وأجيب بأن ذلك  والله تعالى أعلم  حالة الاجتماع والشرب، ويفعلون ذلك
~~للإكرام ومزيد المحبة والتعظيم والاحترام، وهذا كما يناول أحد الجلساء
~~على خوان الآخر بعض ما عليه من الفواكه ونحوها وإن كان ذلك قريبا منه
~~اعتناءا بشأنه وإظهارا لمحبته والاحتفال به. وجوز أن يكون العطف على

# جنت النعيم

# [الواقعة: 12] وهو من باب  متقلدا سيفا ورمحا  أو من بابه المعروف.

# وتقديم الفاكهة على اللحم للإشارة إلى أنهم ليسوا بحالة تقتضي تقديم
~~اللحم كما في الجائع فإن حاجته إلى اللحم أشد من حاجته إلى الفاكهة بل هم
~~بحالة تقتضي تقديم الفاكهة واختيارها كما في الشبعان فإنه إلى الفاكهة
~~أميل منه إلى اللحم، وجوز أن يكون ذلك لأن عادة أهل الدنيا لا سيما أهل
~~الشرب منهم تقديم الفاكهة في الأكل وهو طبا مستحسن لأنها ألطف وأسرع
~~انحدارا وأقل احتياجا إلى المكث في المعدة للهضم، وقد ذكروا أن أحد
~~أسباب الهيضة إدخال اللطيف من الطعام على الكثيف منه ولأن الفاكهة تحرك
~~الشهوة للأكل واللحم يدفعها غالبا. ويعلم من الوجه الأول وجه تخصيص
~~التخير بالفاكهة والاشتهاء باللحم.

# وفيه إشارة إلى أن الفاكهة / لم تزل حاضرة عندهم وبمرأى منهم دون اللحم
~~ووجه ذلك أنها مما تلذه الأعين دونه. وقيل: وجه التخصيص كثرة أنواع
~~الفاكهة واختلاف طعومها وألوانها وأشكالها وعدم كون اللحم كذلك. وفي
~~التعبير بيتخيرون دون يختارون وإن تقاربا معنى إشارة لمكان صيغة التفعل
~~إلى أنهم يأخذون ما يكون منها في نهاية الكمال وأنهم في غاية الغنى عنها،
~~والله تعالى أعلم بأسرار كلامه.

### || [56.22]

# عطف على

# ولدن

# [الواقعة: 17] أو على الضمير المستكن في

# متكئين

# [الواقعة: 16] أو على مبتدأ حذف هو وخبره أي لهم هذا كل وحور أو مبتدأ
~~حذف خبره أي لهم، أو فيها حور، وتعقب الوجه الأول بأن الطواف لا يناسب
~~حالهن، وأجيب بأنه لا يبعد أن يكون من ms10345 الحور ما ليس بمقصورات في الخيام
~~ولا مخدرات، هن كالخدم لهن لا يبالى بطوافهن ولا ينكر ذلك عليهن، وأن
~~الطواف في الخيام أنفسها وهو لا ينافي كونهن مقصورات فيها، أو أن العطف
~~على معنى لهم ولدان وحور والثاني بأنه خلاف الظاهر جدا، والثالث بكثرة
~~الحذف.

# و { عين } جمع عيناء وأصله عين على فعل كما تقول حمراء وحمر فكسرت
~~العين لئلا تنقلب الياء واوا، وليس في كلام العرب ياءا ساكنة قبلها ضمة
~~كما أنه ليس فيه واو ساكنة قبلها كسرة.

# وقرأ السلمي والحسن وعمرو بن عبيد وأبو جعفر وشيبة والأعمش وطلحة
~~والمفضل وأبان وعصمة عن عاصم وحمزة والكسائي { وحور عين } بالجر.
~~وقرأ النخعي كذلك إلا أنه قلب الواو ياءا والضمة قبلها كسرة في { حور
~~} فقال: وحير على الاتباع  لعين  وخرج على العطف على

# جنت النعيم

# [الواقعة: 12] وفيه مضاف محذوف كأنه قيل: هم في جنات وفاكهة ولحم،
~~ومصاحبة حور على تشبيه مصاحبة الحور بالظرف على نهج الاستعارة المكنية،
~~وقرينتها التخييلية إثبات معنى الظرفية بكلمة { فى } فهي باقية على
~~معناها الحقيقي ولا جمع بين الحقيقة والمجاز، وذهب إلى العطف المذكور
~~الزمخشري، وتعقبه أبو حيان فقال: ((فيه بعد وتفكيك كلام مرتبط بعضه ببعض،
~~وهو فهم أعجمي))  وليس كما قال كما لا يخفي  أو على

# بأكواب

# [الواقعة: 18] ويجعل من باب  متقلدا سفيا ورمحا  كما سمعت آنفا
~~فكأنه قيل: ينعمون بأكواب وبحور، وجوز أن يبقى على ظاهره المعروف، وأن
~~الولدان يطوفون عليهم بالحور أيضا لعرض أنواع اللذات عليهم من المأكول
~~والمشروب والمنكوح كما تأتي الخدام بالسراري للملوك ويعرضوهن عليهم، وإلى
~~هذا ذهب أبو عمر وقطرب، وأبى ذلك صاحب «الكشف» فقال: أما العطف على

# ولدان

# [الواقعة: 17] على الظاهر فلا لأن الولدان لا يطوفون بهن طوافهم
~~بالأكواب، والقلب إلى هذا أميل إلا أن يكون هناك أثر يدل على خلافه، وكون
~~الجر للجوار يأباه الفصل أو يضعفه.

# وقرأ أبي وعبد الله  وحورا عينا  بالنصب، وخرج على العطف على محل
~~{ بأكواب } لأن المعنى يعطون أكوابا وحورا على أنه مفعول به ms10346
~~لمحذوف أي ويعطون حورا أو على العطف على محذوف وقع مفعولا به لمحذوف
~~أيضا أي يعطون هذا كله وحورا، وقرأ قتادة { وحور } بالرفع مضافا إلى {
~~عين } ، وابن مقسم { وحور } بالنصب مضافا، وعكرمة  وحوراء عيناء  على
~~التوحيد اسم جنس وبفتح الهمزة فيهما فاحتمل الجر والنصب.

### || [56.23]

# أي في الصفاء، وقيد بالمكنون أي المستور بما يحفظه لأنه أصفى وأبعد من
~~التغير، وفي الحديث

# " صفاؤهن كصفاء الدر الذي لا تمسه الأيدي "

# ، ووصف الحسنات بذلك شائع في العرب، ومنه قوله:

# قامت تراءى بين سجفي كلة

# كالشمس يوم طلوعها بالأسعد

# / أو درة صدفية غواصها

# بهج متى يرها يهل ويسجد

# والجار والمجرور في موضع الصفة لحور، أو الحال، والإتيان بالكاف
~~للمبالغة في التشبيه، ولعل الأمر عليه نحو زيد قمر.

### || [56.24]

# مفعول له لفعل محذوف أي يفعل بهم ذلك كله جزاءا بأعمالهم أو بالذي
~~استمروا على عمله أو هو مصدر مؤكد أي يجزون جزاء.

### || [56.25]

# { لا يسمعون فيها لغوا } ما لا يعتد به من الكلام وهو الذي
~~يورد لا عن روية وفكر فيجري مجرى اللغا وهو صوت العصافير ونحوها من الطير
~~وقد يسمى كل كلام قبيح لغوا { ولا تأثيما } أي ولا نسبة إلى الإثم
~~أي لا يقال لهم أثمتم، وعن ابن عباس كما أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم
~~تفسيره بالكذب، وأخرجه هناد عن الضحاك وهو من المجاز كما لا يخفى والكلام
~~من باب:

# ولا ترى الضب بها ينجحر

### || [56.26]

# { إلا قيلا } أي قولا فهو مصدر مثله { سلما سلما } بدل
~~من { قيلا } كقوله تعالى:

# لا يسمعون فيها لغوا إلا سلما

# [مريم: 62] وقال الزجاج: هو صفة له بتأويله بالمشتق أي سالما من هذه
~~العيوب، أو مفعوله، والمراد لفظه فلذا جاز وقوعه مفعولا للقول مع
~~إفراده، والمعنى إلا أن يقول بعضهم لبعض سلاما، وقيل: هو مصدر لفعل مقدر
~~من لفظه وهو مقول القول ومفعوله حينئذ أي نسلم سلاما، والتكرير للدلالة
~~على فشو السلام وكثرته فيما بينهم لأن المراد سلاما بعد سلام،
~~والاستثناء منقطع وهو من تأكيد المدح بما يشبه ms10347 الذم محتمل لأن يكون من
~~الضرب الأول منه، وهو أن يستثنى من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح له
~~بتقدير دخولها فيها بأن يقدر السلام هنا داخلا فيما قبل فيفيد التأكيد
~~من وجهين، وأن يكون من الضرب الثاني منه وهو أن يثبت لشيء صفة مدح ويعقب
~~بأداة استثناء يليها صفة مدح أخرى بأن لا يقدر ذلك، ويجعل الاستثناء من
~~أصله منقطعا فيفيد التأكيد من وجه، ولولا ذكر التأثيم  على ما قاله
~~السعد  جاز جعل الاستثناء متصلا حقيقية لأن معنى السلام الدعاء
~~بالسلامة وأهل الجنة أغنياء عن ذلك فكان ظاهره من قبيل اللغو وفضول
~~الكلام لولا ما فيه من فائدة الإكرام، وإنما منع التأثيم الذي هو النسبة
~~إلى الإثم لأنه لا يمكن جعل السلام من قبيله وليس لك في الكلام أن تذكر
~~متعددين ثم تأتي بالاستثناء المتصل من الأول مثل أن تقول: ما جاء من رجل
~~ولا امرأة إلا زيدا ولو قصدت ذلك كان الواجب أن تؤخر ذكر الرجل. وقرىء 
~~سلام سلام  بالرفع على الحكاية.

### || [56.27]

# وقوله تعالى: { وأصحب اليمين } الخ شروع في بيان تفاصيل
~~شؤونهم بعد بيان تفاصيل شؤون السابقين { وأصحب } مبتدأ وقوله: {
~~ما أصحب اليمين } جملة استفهامية مشعرة بتفخيمهم والتعجيب من
~~حالهم وهي على ما قالوا: إما خبر للمبتدأ.

### || [56.28]

# وقوله سبحانه: { فى سدر مخضود } خبر ثان له، أو خبر لمبتدأ
~~محذوف أي هم في سدر. والجملة استئناف لبيان ما أبهم في قوله عز وجل:

# ما أصحب اليمين

# [الواقعة: 27] من علو الشأن، وإما معترضة والخبر هو قوله تعالى شأنه: {
~~فى سدر } وجوز أن تكون تلك الجملة في موضع الصفة والخبر هو هذا الجار
~~والمجرور، والجملة عطف على قوله تبارك وتعالى في شرح أحوال السابقين:

# أولئك المقربون * في جنت النعيم

# [الواقعة: 11-12] أي { وأصحب اليمين } المقول فيهم ما أصحاب
~~اليمين كائنون في سدر الخ، والظاهر أن التعبير بالميمنة فيما مر،
~~وباليمين هنا للتفنن وكذا يقال في المشأمة والشمال فيما بعد، وقال
~~الإمام: الحكم في ذلك أن في الميمنة وكذا ms10348 المشأمة / دلالة على الموضع
~~والمكان والأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميز بعضهم عن بعض ويتفرقون
~~بالمكان فلذا جيء أولا بلفظ يدل على المكان وفيما بعد يكون التميز
~~والتفرق بأمر فيهم فلذا لم يؤت بذلك اللفظ ثانيا.

# والسدر شجر النبق، والمخضود الذي خضد أي قطع شوكه، أخرج الحاكم وصححه
~~والبيهقي عن أبي أمامة قال:

# " كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون إن الله تعالى ينفعنا
~~بالأعراب ومسائلهم أقبل أعرابي يوما فقال: يا رسول الله لقد ذكر الله
~~تعالى في القرآن شجرة مؤذية وما كنت أرى أن في الجنة شجرة تؤذي صاحبها
~~قال: وما هي؟ قال: السدر فإن له شوكا فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: أليس الله يقول: { فى سدر مخضود } خضد الله شوكه فجعل
~~مكان كل شوكة ثمرة وأن الثمرة من ثمره تفتق عن اثنين وسبعين لونا من
~~الطعام ما فيها لون يشبه الآخر "

# وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس وقتادة وعكرمة والضحاك أنه الموقر حملا
~~على أنه من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب فمخضود مثنى الأغصان كنى به عن
~~كثير الحمل. وقد أخرج ابن المنذر عن يزيد الرقاشي أن النبقة أعظم من
~~القلال. والظرفية مجازية للمبالغة في تمكنهم من التنعم والانتفاع بما
~~ذكر.

### || [56.29]

# قد نضد حمله من أسفله إلى أعلاه ليست له ساق بارزة. وهو شجر الموز كما
~~أخرج ذلك عبد الرزاق وهناد وعبد بن حميد ابن جرير وابن مردويه عن علي كرم
~~الله تعالى وجهه، وأخرجه جماعة من طرق عن ابن عباس ورواه ابن المنذر عن
~~أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري وعبد بن حميد عن الحسن ومجاهد وقتادة، وعن
~~الحسن أنه قال: ليس بالموز ولكنه شجر ظله بارد رطب، وقال السدى: شجر يشبه
~~طلح الدنيا ولكن له ثمر أحلى من العسل، وقيل: هو شجر من عظام العضاه،
~~وقيل: شجر أم غيلان وله نوار كثير طيب الرائحة.

### || [56.30]

# ممتد منبسط لا يتقلص ولا يتفاوت كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس.
~~وظاهر الآثار ms10349 يقتضي أنه ظل الأشجار. أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي
~~وابن ماجه وغيرهم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها اقرؤوا إن
~~شئتم { وظل ممدود } "

# وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن مردويه عن أبي سعيد قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها
~~مائة عام لا يقطعها وذلك الظل الممدود "

# وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
~~الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق ظلها قدر ما يسير الراكب في كل
~~نواحيها مائة عام يخرج إليها أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في
~~ظلها فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا فيرسل الله تعالى ريحا من الجنة
~~فتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا؛ وعن مجاهد أنه قال: هذا الظل من
~~سدرها وطلحها، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عمرو بن ميمون
~~أنه قال: الظل الممدود مسيرة سبعين ألف سنة.

### || [56.31]

# قال سفيان وغيره: جار من غير أخاديد، وقيل: منساب حيث شاؤوا لا يحتاجون
~~فيه إلى سانية ولا رشاء، وذكر هذه الأشياء لما أن كثيرا من المؤمنين
~~لبداوتهم تمنوها، أخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن مجاهد قال:
~~كانوا يعجبون بوج وظلاله من طلحة وسدره فأنزل الله تعالى:

# وأصحب اليمين ما أصحب اليمين * فى سدر
~~مخضود

# [الواقعة: 2728] الخ، وفي رواية عن الضحاك «نظر المسلمون إلى وج
~~فأعجبهم سدره وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا فنزلت هذه الآية». / وقيل: كأنه
~~لما شبه حال السابقين بأقصى ما يتصور لأهل المدن من كونهم على سرر تطوف
~~عليهم خدامهم بأنواع الملاذ شبه حال أصحاب اليمين بأكمل ما يتصور لأهل
~~البوادي من نزولهم في أماكن مخصبة فيها مياه وأشجار وظلال إيذانا بأن
~~التفاوت بين الفريقين كالتفاوت بين أهل المدن والبوادي، وذكر الإمام
~~مدعيا أنه مما وفق له أن قوله تعالى:

# فى سدر مخضود * وطلح منضود ms10350

# [الواقعة: 28-29] من باب قوله سبحانه:

# رب المشرق والمغرب

# [الشعراء: 28] لأن السدر أوراقه في غاية الصغر والطلح يعني الموز أوراقه
~~في غاية الكبر فوقعت الإشارة إلى الطرفين فيراد جميع الأشجار لأنها نظرا
~~إلى أوراقها محصورة بينهما وهو مما لا بأس به.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه، وجعفر بن محمد وعبد الله رضي الله تعالى
~~عنهم  وطلع  بالعين بدل { وطلح } بالحاء، وأخرج ابن الأنباري في
~~«المصاحف» وابن جرير عن قيس بن عباد قال: قرأت على علي كرم الله تعالى
~~وجهه { وطلح منضود } فقال: ما بال الطلح؟ أما تقرأ وطلع، ثم قرأ
~~قوله تعالى:

# لها طلع نضيد

# [ق: 10] فقيل له: يا أمير المؤمنين أنحكها من المصحف؟ فقال: لا يهاج
~~القرآن اليوم وهي رواية غير صحيحة كما نبه على ذلك الطيبي، وكيف يقرأ
~~أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه تحريفا في كتاب الله تعالى المتداول
~~بين الناس؟ أو كيف يظن بأن نقلة القرآن ورواته وكتابه من قبل تعمدوا ذلك
~~أو غفلوا عنه؟ هذا والله تعالى قد تكفل بحفظه سبحانك هذا بهتان عظيم.

# ثم إن الذي يقتضيه النظم الجليل كما قال الطيبي: حمل

# فى سدر مخضود

# [الواقعة: 28] الخ على معنى التظليل، وتكاثف الأشجار على سبيل الترقي
~~لأن الفواكه مستغنى عنها بما بعد وليقابل قوله تعالى:

# وأصحب الشمال ما أصحب الشمال * فى سموم
~~وحميم * وظل من يحموم

# [الواقعة: 4143] قوله سبحانه:

# وأصحب اليمين

# [الواقعة: 27] الخ فإذن لا مدخل لحديث الطلع في معنى الظل وما يتصل به
~~لكن قال صاحب «الكشف»: إن وصف الطلح بكونه منضودا لا يظهر له كثير
~~ملاءمة لكون المقصود منفعة التظليل وينبغي أن يحمل الطلح على أنه من عظام
~~العضاه على ما ذكره في «الصحاح» فشجر أم غيلان والموز لا ظل لهما يعتد
~~به، ثم قال: ولو حمل الطلح على المشموم لكان وجها انتهى، وقد قدمنا لك
~~خبر سبب النزول فلا تغفل.

### || [56.32]

# أي بحسب الأنواع والأجناس على ما يقتضيه المقام.

### || [56.33]

# { لا مقطوعة } في وقت من الأوقات كفواكه الدنيا { ولا
~~ممنوعة ms10351 } عمن يريد تناولها بوجه من الوجوه ولا يحظر عليها كما يحظر
~~على بساتين الدنيا، وقرىء { وفكهة كثيرة * لا مقطوعة
~~ولا ممنوعة } بالرفع في الجميع على تقدير وهناك فاكهة الخ.

### || [56.34]

# { وفرش } جمع فراش كسراج وسرج. وقرأ أبو حيوة بسكون الراء {
~~مرفوعة } منضدة مرتفعة أو مرفوعة على الأسرة فالرفع حسي كما هو
~~الظاهر، وقد أخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وجماعة عن أبي سعيد
~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ارتفاعها كما بين السماء
~~والأرض ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام ولا تستبعد ذلك من حيث العروج
~~والنزول ونحوهما فالعالم عالم آخر وراء طور عقلك. وأخرج هناد عن الحسن أن
~~ارتفاعها مسيرة ثمانين سنة وليس بمثابة الخبر السابق، وقال بعضهم: أي
~~رفيعة القدر على أن رفعها معنوي بمعنى شرفها وأيا ما كان فالمراد
~~بالفرش ما يفرش للجلوس عليه. وقال أبو عبيدة: المراد بها النساء لأن
~~المرأة يكنى عنها بالفراش كما يكنى عنها باللباس ورفعهن في الأقدار
~~والمنازل. وقيل: على الأرائك، وأيد إرادة النساء بقوله تعالى: { إنا
~~أنشأنهن إنشاء }.

### || [56.35]

# لأن الضمير في الأغلب / يعود على مذكور متقدم وليس إلا الفرش ولا يناسب
~~العود إليه إلا بهذا المعنى والاستخدام بعيد هنا، وعلى القول في الفرش
~~الضمير للنساء وإن لم يجر لها ذكر لتقدم ما يدل عليها فهو تتميم بيانا
~~لمقدر يدل عليه السياق كأنه قيل وفرش مرفوعة ونساء أو وحور عين، ثم
~~استؤنف وصفهن بقوله سبحانه: { إنا أنشأنهن } تتميما للبيان
~~زيادة للترغيب لا لتعليل الرفع، وقيل: إن المرجع مضمر وتقدير المنزل وفرش
~~مرفوعة لأزواجهم أو لنسائهم فإنا الخ استئناف علة للرفع أي وفرش مرفوعة
~~لأزواجهم لأنا أنشأناهن، والأول أوفق لبلاغة القرآن العظيم.

# والمراد بأنشأناهن أعدنا إنشاءهن من غير ولادة لأن المخبر عنهن بذلك
~~نساء كن في الدنيا. فقد أخرج ابن جرير وعبد بن حميد والترمذي وآخرون عن
~~أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " في الآية إن المنشآت اللاتي كن في الدنيا عجائز عمشا رمصا "

# وأخرج الطبراني وابن أبي ms10352 حاتم وجماعة

# " عن سلمة بن مرثد الجعفي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في
~~قوله تعالى: { إنا أنشأنهن إنشاء } الثيب والأبكار اللاتي
~~كن في الدنيا "

# وأخرج الترمذي في «الشمائل» وابن المنذر وغيرهما عن الحسن قال:

# " أتت عجوز فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة فقال: يا أم
~~فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز فولت تبكي قال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي
~~عجوز إن الله تعالى يقول: { إنا أنشأنهن إنشاء } "

# الخ، وقال أبو حيان: الظاهر أن الإنشاء هو الاختراع الذي لم يسبق بخلق
~~ويكون ذلك مخصوصا بالحور العين فالمعنى إنا ابتدأناهن ابتداءا جديدا
~~من غير ولادة ولا خلق أول.

### || [56.36]

# تفسير لما تقدم. والجعل إما بمعنى التصيير و { أبكرا } مفعول ثان،
~~أو بمعنى الخلق و { أبكرا } حال أو مفعول ثان، والكلام من قبيل ضيق
~~فم الركية، وفي الحديث

# " إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكارا "

# أخرجه الطبراني في «الصغير» والبزار عن أبي سعيد مرفوعا.

### || [56.37]

# { عربا } متحببات إلى أزواجهن جمع عروب كصبور وصبر، وروي هذا عن
~~جماعة من السلف وفسرها جماعة أخرى بغنجات، ولا يخفى أن الغنج ألطف أسباب
~~التحبب، وعن زيد بن أسلم العروب الحسنة الكلام، وفي رواية عن ابن عباس
~~والحسن وابن جبير ومجاهد هن العواشق لأزواجهن، ومنه على ما قيل قول لبيد:

# وفي الخدور (عروب غير فاحشة)

# ريا الروادف يعشى دونها البصر

# وفي رواية أخرى عن مجاهد أنهن الغلمات اللاتي يشتهين أزواجهن، وأخرج ابن
~~عدي بسند ضعيف عن أنس مرفوعا 

# " خير نسائكم العفيفة الغلمة "

#  وقال إسحق بن عبد الله بن الحرث النوافلي: العروب الخفرة المتبذلة
~~لزوجها، وأنشد:

# (يعرين عند بعولهن) إذا خلوا

# وإذا (هم خرجوا فهن خفار)

# ويرجع هذا إلى التحبب، وأخرج ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { عربا }
~~كلامهن عربي، ولا أظن لهذا صحة؛ والتفسير بالمتحببات هو الذي عليه
~~الأكثر.

# وقرأ حمزة وجماعة  منها عباس والأصمعي  عن أبي ms10353 عمرو، وأخرى  منها
~~خارجة وكردم  عن نافع، وأخرى منها حماد وأبو بكر وأبان  عن عاصم {
~~عربا } بسكون الراء وهي لغة تميم، وقال غير واحد: هي للتخفيف كما في عنق
~~وعنق.

# { أترابا } مستويات في سن واحد كما قال أنس وابن عباس ومجاهد والحسن
~~وعكرمة / وقتادة وغيرهم كأنهن شبهن في التساوي بالترائب التي هي ضلوع
~~الصدر، أو كأنهن وقعن معا على التراب أي الأرض وهن بنات ثلاث وثلاثين
~~سنة وكذا أزواجهن.

# وأخرج الترمذي عن معاذ مرفوعا

# " يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا مكحلين أبناء ثلاثين أو ثلاث
~~وثلاثين "

# والمراد بذلك كمال الشباب.

### || [56.38]

# وقوله تعالى: { لأصحب اليمين } متعلق  بأنشانا  أو بجعلنا،
~~وقيل: متعلق  بأترابا  كقولك فلان ترب لفلان أي مساو له فهو محتاج
~~إلى التأويل، وتعقب بأنه مع هذا ليس فيه كثير فائدة وفيه نظر، وقيل:
~~بمحذوف هو صفة  لأبكارا  أي كائنات لأصحاب اليمين، وفيه إقامة الظاهر
~~مقام الضمير لطول العهد أو للتأكيد والتحقيق.

### || [56.39-40]

# وقوله تعالى: { ثلة من الأولين * وثلة من الأخرين
~~} خبر مبتدأ محذوف أي هم ثلة، أو خبر ثان لهم المقدر مبتدأ مع

# فى سدر

# [الواقعة: 28] أو لأصحاب اليمين في قوله تعالى:

# وأصحب اليمين ما أصحب اليمين

# [الواقعة: 27] أو مبتدأ خبره محذوف أي منهم، أو مبتدأ خبره الجار
~~والمجرور قبله، احتمالات اعترض الأخير منها بأن المعنى عليه غير ظاهر ولا
~~طلاوة فيه، وجعل اللام بمعنى من كما في قوله:

# ونحن لكم يوم القيامة أفضل

# لا يخفى حاله  والأولون والآخرون  المتقدمون والمتأخرون إما من الأمم
~~وهذه الأمة، أو من هذه الأمة فقط على ما سمعت فيما تقدم.

# هذا ولم يقل سبحانه في حق أصحاب اليمين جزاءا بما كانوا يعملون كما
~~قاله عز وجل في حق السابقين رمزا إلى أن الفضل في حقهم متمحض كأن عملهم
~~لقصوره من عمل السابقين لم يعتبر اعتباره. ثم الظاهر أن ما ذكر من حال
~~أصحاب اليمين هو حالهم الذي ينتهون إليه فلا ينافي أن يكون منهم من يعذب
~~لمعاص فعلها ومات غير تائب عنها ثم ms10354 يدخل الجنة، ولا يمكن أن يقال: إن
~~المؤمن العاصي من أصحاب الشمال لأن صريح أوصافهم الآتية يقتضي أنهم كانوا
~~كافرين ويلزم من جعل هذا قسما على حدة كون القسمة غير مستوفاة فليتأمل.
~~والله تعالى أعلم.

### || [56.41-42]

# والكلام في قوله تعالى: { وأصحب الشمال ما أصحب
~~الشمال * فى سموم } على نمط ما سلف في نظيره، والسموم قال الراغب:
~~الريح الحارة التي تؤثر تأثير السم، وفي «الكشاف» حر نار ينفذ في
~~المسام، والتنوين للتعظيم وكذا في قوله تعالى: { وحميم } وهو الماء
~~الشديد الحرارة.

### || [56.43]

# أي دخان أسود كما قال ابن عباس وأبو مالك وابن زيد والجمهور، وهي على
~~وزن يفعول، وله نظائر قليلة من الحممة القطعة من الفحم وتسميته ظلا على
~~التشبيه التهكمي، وعن ابن عباس أيضا أنه سرادق النار المحيط بأهلها
~~يرتفع من كل ناحية حتى يظلهم، وقال ابن كيسان: هو من أسماء جهنم فإنها
~~سوداء وكذا كل ما فيها أسود بهيم نعوذ بالله تعالى منها. وقال ابن بريدة
~~وابن زيد أيضا: هو جبل في النار أسود يفزع أهل النار إلى ذراه فيجدونه
~~أشد شيء، والجار والمجرور في موضع الصفة  لظل  وكذا قوله سبحانه: {
~~لا بارد ولا كريم }.

### || [56.44]

# صفتان له، وتقديم الصفة الجار والمجرور على الصفة المفردة جائز كما صرح
~~به الرضي وغيره أي لا بارد كسائر الظلال، ولا نافع لمن يأوى إليه من أذى
~~الحر وذلك كرمه فهناك استعارة، ونفي ذلك ليمحق توهم ما في الظل من
~~الاسترواح إليه وإن وصف أولا بقوله تعالى: { من يحموم } والمعنى
~~أنه ظل حار ضار إلا أن للنفي شأنا ليس للإثبات ومن ذلك جاء التهكم
~~والتعريض بأن الذي يستأهل الظل الذي فيه برد وإكرام غير هؤلاء فيكون /
~~أشجى لحلوقهم وأشد لتحسرهم، وقيل: الكرم باعتبار أنه مرضي في بابه، فالظل
~~الكريم هو المرضي في برده وروحه، وفيه أنه لا يلائم ما هنا لقوله تعالى:
~~{ لا بارد } وجوز أن يكون ذلك نفيا لكرامة من يستروح إليه ونسب إلى
~~الظل مجازا، والمراد أنهم يستظلون به وهم مهانون، ms10355 وقد يحتمل المجلس
~~الرديء لنيل الكرامة، وفي «البحر» يجوز أن يكونا صفتين  ليحموم  ويلزم
~~منه وصف الظل بهما. وتعقب بأن وصف اليحموم وهو الدخان بذلك ليس فيه كبير
~~فائدة.

# وقرأ ابن أبي عبلة { لا بارد ولا كريم } برفعهما أي لا هو
~~بارد ولا كريم على حد قوله:

# فأبيت لا حرج ولا محروم

# أي لا أنا حرج ولا محروم.

### || [56.45]

# وقوله تعالى: { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } تعليل
~~لابتلائهم بما ذكر من العذاب، وسلك هذا المسلك في تعليل الابتداء بالعذاب
~~اهتماما بدفع توهم الظلم في التعذيب، ولما كان إيصال الثواب مما ليس فيه
~~توهم نقص أصلا لم يسلك فيه نحو هذا. والمترف هنا بقرينة المقام هو
~~المتروك يصنع ما يشاء لا يمنع، والمعنى أنهم عذبوا لأنهم كانوا قبل ما
~~ذكر من العذاب في الدنيا متبعين هوى أنفسهم وليس لهم رادع منها يردعهم عن
~~مخالفة أوامره عز وجل وارتكاب نواهيه سبحانه كذا قيل، وقيل: هو العاتي
~~المستكبر عن قبول الحق والإذعان له، والمعنى أنهم عذبوا لأنهم كانوا في
~~الدنيا مستكبرين عن قبول ما جاءتهم به رسلهم من الإيمان بالله عز وجل وما
~~جاء منه سبحانه، وقيل: هو الذي أترفته النعمة أي أبطرته وأطغته، وقريب
~~منه ما قيل: هو المنعم المنهمك في الشهوات، وعليه قول أبي السعود ((أي
~~أنهم كانوا قبل ما ذكر من سوء العذاب في الدنيا منعمين بأنواع النعم من
~~المآكل والمشارب والمساكن الطيبة والمقامات الكريمة منهمكين في الشهوات
~~فلا جرم عذبوا بنقائضها))، وتعقب بأن كثيرا من أهل الشمال ليسوا مترفين
~~بالمعنى الذي اعتبره فكيف يصح تعليل عذاب الكل بذلك؟ ولا يرد هذا على ما
~~قدمناه من القولين كما لا يخفى.

# ومن الناس من فسر المترف بما ذكر، وتفصى عن الاعتراض بأن تعليل عذاب
~~الكل بما ذكر في حيز العلة لا يستدعي أن يكون كل من المذكورات موجودا في
~~كل من أصحاب الشمال بل وجود المجموع في المجموع وهذا لا يضر فيه اختصاص
~~البعض بالبعض فتأمله، وقيل: المترف المجعول ذا ترفة ms10356 أي نعمة واسعة والكل
~~مترفون بالنسبة إلى الحالة التي يكونون عليها يوم القيامة، وهو على ما
~~فيه لا يظهر أمر التعليل عليه.

### || [56.46]

# { وكانوا يصرون } يتشددون ويمتنعون من الإقلاع ويداومون {
~~على الحنث } أي الذنب { العظيم } وفسر بعضهم الحنث بالذنب
~~العظيم لا بمطلق الذنب وأيد بأنه في الأصل العدل العظيم فوصفه بالعظيم
~~للمبالغة في وصفه بالعظم كما وصف الطود وهو الجبل العظيم به أيضا.
~~والمراد به كما روي عن قتادة والضحاك وابن زيد الشرك وهو الظاهر. وأخرج
~~عبد بن حميد عن الشعبي أن المراد به الكبائر وكأنه جعل المعنى وكانوا
~~يصرون على كل حنث عظيم وفي رواية أخرى عنه أنه اليمين الغموس وظاهره
~~الإطلاق، وقال التاج السبكي في طبقاته: سألت الشيخ  يعني والده تقي
~~الدين  ما الحنث العظيم؟ فقال: هو القسم على إنكار البعث المشار إليه
~~بقوله تعالى:

# وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا يبعث الله
~~من يموت

# [النحل: 38] وهو تفسير حسن لأن الحنث وإن فسر بالذنب مطلقا أو العظيم
~~فالمشهور استعماله في عدم البر في القسم، وتعقب بأنه يأباه قوله تعالى: {
~~وكانوا يقولون أءذا متنا وكنا ترابا وعظما }.

### || [56.47]

# { وكانوا يقولون أءذا متنا وكنا ترابا وعظما
~~} إلى آخره للزوم التكرار، وأجيب بأن المراد بالأول / وصفهم بالثبات على
~~القسم الكاذب وبالثاني وصفهم بالاستمرار على الإنكار والرمز إلى استدلال
~~ظاهر الفساد مع أنه لا محذور في تكرار ما يدل على الإنكار وهو توطئة
~~وتمهيد لبيان فساده. والمراد بقولهم: { كنا ترابا وعظما }
~~كان بعض أجزائنا من اللحم والجلد ونحوهما ترابا وبعضها عظاما نخرة.
~~وتقديم التراب لأنه أبعد عن الحياة التي يقتضيها ما هم بصدد إنكاره من
~~البعث.  وإذا  متمحضة للظرفية والعامل فيها ما يدل عليه قوله تعالى:

# { أءنا لمبعوثون } لا مبعوثون نفسه لتعدد ما يمنع من عمل ما
~~بعده فيما قبله  وهو نبعث  وهو المرجع للإنكار وتقييده بالوقت المذكور
~~ليس لتخصيص إنكاره به فإنهم منكرون للإحياء بعد الموت وإن كان البدن على
~~حاله [بل] لتقوية الإنكار للبعث بتوجيهه إليه في حالة منافية له بالكلية ms10357
~~وهذا كالاستدلال على ما يزعمونه. وتكرير الهمزة لتأكيد النكير وتحلية
~~الجملة بإن لتأكيد الإنكار لا لإنكار التأكيد.

### || [56.48]

# وقوله سبحانه: { أو ءاباؤنا الأولون } عطف على محل  إن 
~~واسمها، أو على الضمير المستتر في

# مبعوثون

# [الواقعة: 47] وحسن للفصل بالهمزة إن كانت حرفا واحدا  كما قال
~~الزمخشري  ولا يضر عمل ما قبل هذه الهمزة في المعطوف بعدها لأنها مكررة
~~للتأكيد وقد زحلقت عن مكانها، وقولهم: الحرف إذا كرر للتأكيد فلا بد أن
~~يعاد معه ما اتصل به أولا أو ضمير لا يسلم اطراده لورود:

# ولا  للما  بهم أبدا دواء

# وأمثاله. وجوز أن يكون { ءاباؤنا } مبتدأ وخبره محذوف دل عليه ما قبل
~~أي مبعوثون، والجملة عطف على الجملة السابقة وهو تكلف يغني عنه العطف
~~المذكور والمعنى  أيبعث  أيضا آباؤنا  على زيادة الاستبعاد يعنون
~~أنهم أقدم فبعثهم أبعد وأبطل.

# وقرأ قالون وابن عامر { أو ءاباؤنا } بإسكان الواو وعلى هذه القراءة لا
~~يعطف على الضمير إذ لا فاصل.

### || [56.49]

# { قل } ردا لإنكارهم وتحقيقا للحق { إن الأولين
~~والأخرين } من الأمم الذين من جملتهم أنتم وآباؤكم. وتقديم الأولين
~~للمبالغة في الرد حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد من إنكارهم لبعثهم مع
~~مراعاة الترتيب الوجودي.

### || [56.50]

# { لمجموعون } بعد البعث، وقرىء { لمجمعون }  { إلى ميقت
~~يوم معلوم } وهو يوم القيامة ومعنى كونه معلوما كونه معينا عند
~~الله عز وجل. والميقات ما وقت به الشيء أي حد، ومنه مواقيت الإحرام وهي
~~الحدود التي لا يتجاوزها من يريد دخول مكة إلا محرما، وإضافته إلى { 
~~يوم } بيانية كما في خاتم فضة، وكون يوم القيامة ميقاتا لأنه وقتت به
~~الدنيا، و { إلى } للغاية والانتهاء، وقيل: والمعنى لمجموعون منتهين
~~إلى ذلك اليوم، وقيل: ضمن معنى السوق فلذا تعدى بها.

### || [56.51]

# { ثم إنكم أيها الضالون } عطف على

# إن الأولين

# [الواقعة: 49] داخل في حيز القول، و { ثم } للتراخي الزماني أو
~~الرتبي { المكذبون } بالبعث، أو بما يعمه وغيره ويدخل هو دخولا
~~أوليا للسياق على ما قيل. والخطاب لأهل مكة وأضرابهم.

### || [56.52]

# { لأكلون } بعد البعث والجمع ودخولهم جهنم { من ms10358 شجر من
~~زقوم }  { من } الأولى لابتداء الغاية والثانية لبيان الشجر
~~وتفسيره، أي مبتدءون للأكل من شجر هو زقوم، وجوز كون الأولى تبعيضية و {
~~من } الثانية على حالها، وجوز كون { من زقوم } بدلا من قوله
~~تعالى: { من شجر } فمن تحتمل الوجهين، وقيل: الأولى زائدة. وقرأ عبد
~~الله (من شجرة) فوجه التأنيث ظاهر في قوله تعالى: { فمالئون منها
~~البطون }.

### || [56.53]

# أي بطونكم من شدة الجوع فإنه الذي اضطرهم وقسرهم على أكل مثلها مما / لا
~~يؤكل، وأما على قراءة الجمهور فوجهه الحمل على المعنى لأنه بمعنى الشجرة،
~~أو الأشجار إذا نظر لصدقه على المتعدد. وأما التذكير على هذه القراءة في
~~قوله سبحانه: { فشربون عليه... }.

### || [56.54]

# { فشربون عليه } أي عقيب ذلك بلا ريث. { من الحميم }
~~أي الماء الحار في الغاية لغلبة العطش فظاهر لا يحتاج إلى تأويل، وقال
~~بعضهم: التأنيث أولا باعتبار المعنى والتذكير ثانيا باعتبار اللفظ،
~~فقيل عليه: إن فيه اعتبار اللفظ بعد اعتبار المعنى على خلاف المتعارف فلو
~~أعيد الضمير المذكر على الشجر باعتبار كونه مأكولا ليكون التذكير
~~والتأنيث باعتبار المعنى كان أولى وفيه بحث، ووجهه على القراءة الثانية
~~أن الضمير عائد على الزقوم أو على الشجر باعتبار أنها زقوم أو باعتبار
~~أنها مأكول، وقيل: هو مطلقا عائد على الأكل، وتعقب بأنه بعيد لأن الشرب
~~عليه لا على تناوله مع ما فيه من تفكيك الضمائر وكونه مجازا شائعا وغير
~~ملبس لا يدفع البعد فتأمل.

### || [56.55]

# قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك: جمع أهيم وهو الجمل الذي أصابه
~~الهيام بضم الهاء وهو داء يشبه الاستسقاء يصيب الإبل فتشرب حتى تموت، أو
~~تسقم سقما شديدا، ويقال إبل هيماء وناقة هيماء كما يقال: جمل أهيم قال
~~الشاعر:

# فأصبحت (كالهيماء لا الماء مبرد

# صداها) ولا يقضي عليها هيامها

# وجعل بعضهم الهيم هنا جمع الهيماء، وقيل: هو جمع هائم أو هائمة، وجمع
~~فاعل على فعل كبازل وبزل شاذ، وعن ابن عباس أيضا وسفيان { الهيم }
~~الرمال التي لا تروى من الماء لتخلخلها ومفرده هيام بفتح الهاء على
~~المشهور ms10359 كسحاب وسحب ثم خفف وفعل به ما فعل بجمع أبيض من قلب الضمة كسرة
~~لتسلم الياء ويخف اللفظ فكسرت الهاء لأجل الياء وهو قياس مطرد في بابه،
~~وقال ثعلب: هو بالضم كقراد وقرد ثم خفف وفعل به ما فعل مما سمعت والعطف
~~بالفاء قيل: لأن الإفراط بعد الأصلي، وقيل: لأن كلا من المتعاطفين أخص
~~من الآخر فإن شارب الحميم قد لا يكون به داء الهيام ومن به داء الهيام قد
~~يشرب غير الحميم، والشرب الذي لا يحصل الري ناشيء عن شرب الحميم لأنه لا
~~يبل الغليل، والذي أختاره ما قاله مفتي الديار الرومية: إن ذلك كالتفسير
~~لما قبله أي لا يكون شربكم شربا معتادا بل يكون مثل شرب الهيم.

# والشرب بالضم مصدر، وقيل: اسم لما يشرب. وقرأ رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم  كما روى جماعة منهم الحاكم وصححه  عن ابن عمر رضي الله تعالى
~~عنهما { شرب } بفتح الشين وهو مصدر شرب المقيس، وبذلك قرأ جمع من السبعة
~~والأعرج وابن المسيب وشعيب ومالك بن دينار وابن جريج، وقرأ مجاهد وأبو
~~عثمان النهدي بكسر الشين وهو اسم بمعنى المشروب لا مصدر كالطحن والرعي.

### || [56.56]

# { هذا } الذي ذكر من ألوان العذاب { نزلهم يوم الدين }
~~يوم الجزاء فإذا كان ذلك نزلهم وهو ما يقدم للنازل مما حضر فما ظنك بما
~~لهم بعدما استقر لهم القرار واطمأنت لهم الدار في النار، وفي جعله نزلا
~~مع أنه مما يكرم به النازل من التهكم ما لا يخفى، ونظير ذلك قوله:

# وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا

# جعلنا القنا والمرهفات له نزلا

# وقرأ ابن محيصن وخارجة عن نافع ونعيم ومحبوب وأبو زيد وهرون وعصمة
~~وعباس كلهم عن أبي عمرو (نزلهم) بتسكين الزاي المضمومة للتخفيف كما في
~~البيت. والجملة مسوقة من جهته سبحانه وتعالى بطريق الفذلكة مقررة لمضمون
~~الكلام الملقن غير داخلة تحت القول.

### || [56.57]

# وقوله تعالى: { نحن خلقنكم فلولا تصدقون } تلوين
~~للخطاب وتوجيه له إلى الكفرة بطريق الإلزام والتبكيت، والفاء لترتيب
~~التحضيض على ما قبلها أي فهلا تصدقون ms10360 بالخلق بقرينة { نحن
~~خلقنكم } ولما لم يحقق تصديقهم المشعر به قوله تعالى:

# ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض
~~ليقولن الله

# [لقمان: 25] عملهم حيث لم يقترن بالطاعة والأعمال الصالحة بل اقترن بما
~~ينبىء عن خلافه من الشرك والعصيان نزل منزلة العدم والإنكار فحضوا على
~~التصديق بذلك، وقيل: المراد فهلا تصدقون بالبعث لتقدمه وتقدم إنكاره في
~~قولهم:

# أءنا لمبعوثون

# [الواقعة: 47] فيكون الكلام إشارة إلى الاستدلال بالإبداء على الإعادة
~~فإن من قدر عليه قدر عليها حتما، والأول هو الوجه كما يظهر مما بعد إن
~~شاء الله تعالى.

### || [56.58]

# أي ما تقذفونه في الأرحام من النطف. وقرأ ابن عباس وأبو السمال { تمنون
~~} بفتح التاء من مني النطقة بمعنى أمناها أي أزالها بدفع الطبيعة.

### || [56.59]

# { ءأنتم تخلقونه } أي تقدرونه وتصورونه بشرا سويا تام
~~الخلقة، فالمراد خلق ما يحصل منه على أن في الكلام تقديرا أو تجوزا،
~~وجوز إبقاء ذلك على ظاهره أي: أأنتم تخلقونه وتنشئون نفس ذات ما تمنونه {
~~أم نحن الخلقون } له من غير دخل شيء فيه  وأرأيتم  قد مر
~~الكلام غير مرة فيه. ويقال هنا: إن اسم الموصول مفعوله الأول والجملة
~~الاستفهامية مفعوله الثاني، وكذا يقال فيم بعد من نظائره وما يعتبر فيه
~~الرؤية بصرية تكون الجملة الاستفهامية فيه مستأنفة لا محل لها من
~~الإعراب. وجوز في  أنتم  أن يكون مبتدأ، والجملة بعده خبره، وأن يكون
~~فاعلا لفعل محذوف والأصل أتخلقون فلما حذف الفعل انفصل الضمير، واختاره
~~أبو حيان. و { أم } قيل: منقطعة لأن ما بعدها جملة فالمعنى  بل أنحن
~~الخالقون  على أن الاستفهام للتقرير، وقال قوم من النحاة: متصلة معادلة
~~للهمزة كأنه قيل: أأنتم تخلقونه أم نحن ثم جيء  بالخالقون  بعد بطريق
~~التأكيد لا بطريق الخبرية أصالة.

### || [56.60]

# { نحن قدرنا بينكم الموت } قسمناه عليكم ووقتنا موت كل
~~أحد بوقت معين حسبما تقتضيه مشيئتنا المبنية على الحكم البالغة. وقرأ ابن
~~كثير { قدرنا } بالتخفيف { وما نحن بمسبوقين } أي
~~لايغلبنا أحد.

### || [56.61]

# { على أن نبدل أمثلكم } أي على أن نذهبكم ونأتي مكانكم
~~أشباهكم من الخلق، ms10361 فالسبق مجاز عن الغلبة استعارة تصريحية أو مجاز مرسل
~~عن لازمه، وظاهر كلام بعض الأجلة أنه حقيقة في ذلك إذا تعدى بعلى،
~~والجملة في وضع الحال من ضمير

# قدرنا

# [الواقعة:60] وكأن المراد قدرنا ذلك ونحن قادرون على أن نميتكم دفعة
~~واحدة ونخلق أشباهكم.

# { وننشئكم فى ما لا تعلمون } من الخلق والأطوار التي لا
~~تعهدونها، وقال الحسن: من كونكم قردة وخنازير، ولعل اختيار ذلك لأن الآية
~~تنحو إلى الوعيد، والمراد ونحن قادرون على هذا أيضا، وجوز أن يكون
~~(أمثالكم) جمع مثل بفتحتين بمعنى الصفة لا جمع مثل بالسكون بمعنى الشبه
~~كما في الوجه الأول أي ونحن نقدر على أن نغير صفاتكم التي أنتم عليها
~~خلقا وخلقا وننشئكم في صفات لا تعلمونها، وقيل: المعنى وننشئكم في
~~البعث على غير صوركم في الدنيا، وقيل: المعنى وما يسبقنا أحد فيهرب من
~~الموت أو يغير وقته الذي وقتناه، على أن المراد تمثيل حال من سلم من
~~الموت أو تأخر أجله عن الوقت المعين له بحال من طلبه طالب فلم يلحقه
~~وسبقه.

# وقوله تعالى: { على أن نبدل } الخ في موضع الحال من الضمير
~~المستتر في { بمسبوقين } أي حال كوننا قادرين / أو عازمين على
~~تبديل أمثالكم، والجملة السابقة على حالها، وقال الطبري: { على أن
~~نبدل } متعلق  بقدرنا  وعلة له وجملة { وما نحن
~~بمسبوقين } اعتراض، والمعنى نحن قدرنا بينكم الموت لأن نبدل
~~أمثالكم أي نميت طائفة ونبدلها بطائفة هكذا قرنا بعد قرن.

### || [56.62]

# { ولقد علمتم النشأة الأولى } من خلقكم من نطفة ثم من
~~علقة ثم من مضغة؛ وقال قتادة: هي فطرة آدم عليه السلام من التراب ولا
~~ينكرها أحد من ولده { فلولا تذكرون } فهلا تتذكرون أن من قدر
~~عليها فهو على النشأة الأخرى أقدر وأقدر فإنها أقل صنعا لحصول المواد
~~وتخصيص الأجزاء وسبق المثال. وهذا  على ما قالوا  دليل على صحة القياس
~~لكن قيل: لا يدل إلا على قياس الأولى لأنه الذي في الآية. وفي الخبر

# " عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى، وعجبا
~~للمصدق ms10362 بالنشأة الآخرة وهو يسعى لدار الغرور "

# وقرأ طلحة (تذكرون) بالتخفيف وضم الكاف.

### || [56.63]

# ما تبذرون حبه وتعملون في أرضه.

### || [56.64]

# { ءأنتم تزرعونه } تنبتونه وتردونه نباتا يرف وينمي إلى أن
~~يبلغ الغاية { أم نحن الزرعون } أي المنبتون لا أنتم والكلام في
~~ أنتم  و { أم } كما مر آنفا. وأخرج البزار وابن جرير وابن مردويه
~~وأبو نعيم والبيهقي في «شعب الإيمان» وضعفه وابن حبان  كما قال الخفاجي
~~ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " لا يقولن أحدكم زرعت ولكن ليقل حرثت، ثم قال أبو هريرة رضي الله تعالى
~~عنه ألم تسمعوا الله تعالى يقول: { أفرءيتم ما تحرثون *
~~ءأنتم تزرعونه أم نحن الزرعون } "

# يشير رضي الله تعالى عنه إلى أنه عليه الصلاة والسلام أخذ النهي من هذه
~~الآية فإنه أسند الحرث إلى المخاطبين دون الزرع، وقال القرطبي: إنه
~~يستحب للزارع أن يقول بعد الاستعاذة وتلاوة هذه الآية الله تعالى الزارع
~~والمنبت والمبلغ اللهم صل على محمد وارزقنا ثمره وجنبنا ضرره واجعلنا
~~لأنعمك من الشاكرين، قيل: وقد جرب هذا الدعاء لدفع آفات الزرع كلها
~~وإنتاجه.

### || [56.65]

# { لو نشاء لجعلنه حطما } هشيما متكسرا متفتتا
~~لشدة يبسه بعدما أنبتناه وصار بحيث طمعتم في حيازة غلاله { فظلتم }
~~بسبب ذلك { تفكهون } تتعجبون من سوء حاله إثر ما شاهدتموه على أحسن
~~ما يكون من الحال على ما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وقال الحسن:
~~تندمون أي على ما تعبتم فيه وأنفقتم عليه من غير حصول نفع، أو على ما
~~اقترفتم لأجله من المعاصي، وقال عكرمة: تلاومون على ما فعلتم. وأصل
~~التفكه التنقل بصنوف الفاكهة واستعير للتنقل بالحديث وهو هنا ما يكون بعد
~~هلاك الزرع وقد كنى به في الآية عن التعجب، أو الندم أو التلاوم على
~~اختلاف التفاسير، وفي «البحر» ((كل ذلك تفسير باللازم، ومعنى {
~~تفكهون } تطرحون الفكاهة عن أنفسكم وهي المسرة، ورجل فكه منبسط
~~النفس غير مكترث بشيء، وتفكه من أخوات تحرج وتحوب)) أي إن التفعل فيه
~~للسلب.

# وقرأ أبو حيوة وأبو بكر في ms10363 رواية العتكي عنه { فظلتم } بكسر الظاء كما
~~قالوا: مست بالكسر ومست بالفتح، وحكاها الثوري عن ابن مسعود وجاءت عن
~~الأعمش، وقرأ عبد الله والجحدري  فظللتم  بلامين أولاهما مكسورة، وقرأ
~~الجحدري أيضا كذلك مع فتح اللام والمشهور ظللت بالكسر، وقرأ أبو حزام
~~(تفكنون) بالنون بدل الهاء، قال ابن خالويه: تفكه بالهاء تعجب، وتفكن
~~بالنون تندم.

### || [56.66]

# أي معذبون / مهلكون من الغرام وهو الهلاك قال الشاعر:

# إن يعذب يكن (غراما) وإن يع

# ط جزيلا فإنه لا يبالي

# والمراد مهلكون بهلاك رزقنا، وقيل: بالمعاصي أو ملزمون غرامة بنقص
~~رزقنا. وقرأ الأعمش والجحدري وأبو بكر  أئنا بالاستفهام والتحقيق،
~~والجملة على القراءتين بتقدير قول هو في حيز النصب على الحالية من فاعل

# تفكهون

# [الواقعة: 65] أي قائلين، أو تقولون ذلك.

### || [56.67]

# محدودون لا مجدودون أو محرومون الرزق كأنهم لما قالوا إنا مهلكون لهلاك
~~رزقنا أضربوا عنه وقالوا: بل هذا أمر قدر علينا لنحوسة طالعنا وعدم
~~بختنا، أو لما قالوا: إنا ملزمون غرامة بنقص أرزاقنا أضربوا فقالوا: بل
~~نحن محرومون الرزق بالكلية.

### || [56.68]

# عذبا فراتا، وتخصيص هذا الوصف بالذكر مع كثرة منافعه لأن الشرب أهم
~~المقاصد المنوطة به.

### || [56.69]

# { ءأنتم أنزلتموه من المزن } أي السحاب واحدته مزنة، قال
~~الشاعر:

# فلا مزنة ودقت ودقها

# ولا أرض أبقل إبقالها

# وقيل: هو السحاب الأبيض وماؤه أعذب { أم نحن المنزلون } له
~~بقدرتنا.

### || [56.70]

# { لو نشاء جعلنه أجاجا } ملحا ذعاقا لا يمكن شربه من
~~الأجيج وهو تلهب النار، وقيل: الأجاج كل ما يلذع الفم ولا يمكن شربه
~~فيشمل الملح والمر والحار، فإما أن يراد ذلك، أو الملح بقرينة المقام
~~وحذفت اللام من جواب لو ههنا للقرينة اللفظية والحالية ومتى جاز حذف 
~~لم أر  في قول أوس:

# حتى إذا الكلاب قال لها

# (...) كاليوم مطلوبا ولا طلبا

# والقرينة حالية فأولى أن يجوز حذفها وحدها لذلك على ما قرره الزمخشري،
~~وقرر وجها آخر حاصله ((أن اللام لمجرد التأكيد فتناسب مقام التأكيد
~~فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب للدلالة على أن أمره مقدم على أمره،
~~وأن ms10364 الوعيد بفقده أشد وأصعب من قبل أن المشروب تبع له ألا يرى أن الضيف
~~يسقي بعد أن يطعم))، وقد ذكر الأطباء أن الماء مبذرق، ويؤيد ذلك تقديمه
~~على المشروب في النظم الجليل، وللإمام في هذا المقام كلام طويل اعترض به
~~على الزمخشري وبين فيه وجه الذكر أولا والحذف ثانيا، ولم أره أتى بما
~~يشرح الصدر، وخير منه عندي قول ابن الأثير في «المثل السائل»: إن اللام
~~أدخلت في المطعوم دون المشروب لأن جعل الماء العذب ملحا أسهل إمكانا في
~~العرف والعادة والموجود من الماء الملح أكثر من الماء العذب، وكثيرا ما
~~إذا جرت المياه العذبة على الأراضي المتغيرة التربة أحالتها إلى الملوحة
~~فلم يحتج في جعل الماء العذب ملحا إلى زيادة تأكيد فلذا لم تدخل لام
~~التأكيد المفيدة لزيادة التحقيق، وأما المطعوم فإن جعله حطاما من
~~الأشياء الخارجة عن المعتاد وإذا وقع يكون عن سخط شديد، فلذا قرن باللام
~~لتقرير إيجاده وتحقيق أمره انتهى.

# { فلولا تشكرون } تحضيض على شكر الكل لأنه أفيد دون عذوبة
~~الماء فقط كما ذهب إليه البعض. نعم أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر رضي
~~الله تعالى عنه

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا شرب الماء قال: الحمد لله الذي
~~سقانا عذبا فراتا برحمته ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا ".

### || [56.71]

# أي تقدحونها وتستخرجونها من الزناد.

### || [56.72]

# { ءأنتم أنشأتم شجرتها } التي منها الزناد وهي المرخ
~~والعفار، وقيل: / المراد بالشجرة نفس النار كأنه قيل: نوعها أو جنسها
~~فاستعير الشجرة لذلك وهو قول متكلف بلا حاجة. { أم نحن
~~المنشئون } لها بقدرتنا. والتعبير عن خلقها بالإنشاء المنبىء عن
~~بديع الصنع المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة
~~بينها وبين سائر الأشجار التي لا تخلو عن النار حتى قيل  في كل شجر نار
~~واستمجد المرخ والعفار  كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله
~~تعالى:

# ثم أنشأنه خلقا آخر

# [المؤمنون: 14] لذلك.

### || [56.73]

# { نحن جعلنها تذكرة } استئناف مبين لمنافعها أي جعلناها
~~تذكيرا لنار جهنم حيث علقنا ms10365 بها أسباب المعاش لينظروا إليها ويذكروا بها
~~ما أوعدوا به، أو جعلناها تذكرة وأنموذجا من جهنم لما في «الصحيحين»
~~وغيرهما عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم:

# " ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم "

# وعلى الوجهين التذكرة من الذكر المقابل للنسيان ولم ينظر في الأول إلى
~~أنها من جنس نار جهنم أولا وفي الثاني نظر إلى ذلك. وقيل: تبصرة في أمر
~~البعث لأن من أخرج النار من الشجر الأخضر المضاد لها قادر على إعادة ما
~~تفرقت مواده، وقيل: تبصرة في الظلام يبصر بضوئها، وفيه أن التذكرة لا
~~تكون بمعنى التبصرة المأخوذة من البصر وكون المراد تذكرة لنار جهنم هو
~~المأثور عن الكثيرين، ومنهم ابن عباس ومجاهد وقتادة. { ومتعا }
~~ومنفعة { للمقوين } للذين ينزلون القواء وهي القفر من أقوى دخل
~~القواء كأصحر دخل الصحراء. وتخصيص المقوين بذلك لأنهم أحوج إليها فإن
~~المقيمين أو النازلين بقرب منهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد.
~~وقيل: { للمقوين } أي المسافرين، ورواه جمع عن ابن عباس وعبد بن
~~حميد عن الحسن، وهو وابن جرير وعبد الرزاق عن قتادة بزيادة كم من قوم قد
~~سافروا ثم أرملوا فأججوا نارا فاستدفئوا وانتفعوا بها، وكان إطلاق
~~المقوين على المسافرين لأنهم كثيرا ما يسلكون القفراء والمفاوز، وقيل: {
~~للمقوين } للفقراء يستضيئون بها في الظلمة ويصطلون من البرد كأنه
~~تصور من حال الحاصل في القفر الفقر، فقيل: أقوى فلان أي افتقر كقولهم
~~أترب وأرمل، وقال ابن زيد: للجائعين لأنهم أقوت أي خلت بطونهم ومزاودهم
~~من الطعام فهم يحتاجون إليها لطبخ ما يأكلون. وخصوا  على ما قيل  لأن
~~غيرهم يتنعم بها لا يجعلها متاعا، وتعقب بأنه بعيد لعدم انحصار ما يهمهم
~~ويسد خلتهم فيما لا يؤكل إلا بالطبخ. وقال عكرمة ومجاهد: المقوين
~~المستمتعين بها من الناس أجمعين المسافرين والحاضرين يستضيئون بها
~~ويصطلون من البرد وينتفعون بها في الطبخ والخبز، قال العلامة الطيبي
~~والطبرسي: وعلى هذا القول  المقوى  من الأضداد يقال للفقير: مقو لخلوه
~~من المال، وللغني مقو لقوته على ما ms10366 يريد يقال: أقوى الرجل إذا صار إلى
~~حال القوة والمعنى متاعا للأغنياء والفقراء لأنه لا غنى لأحد عنها
~~انتهى. وفيه بحث لا يخفى، ولعل الأقرب عليه أنه أريد بالاقواء الاحتياج
~~والمستمتع بها محتاج إليها فتدبر.

# وتأخير هذه المنفعة للتنبيه على أن الأهم هو النفع الأخروي. وتقديم أمر
~~الماء على أمر النار لأن الاحتياج إليه أشد وأكثر والانتفاع به أعم
~~وأوفر، وقال بعضهم: قدم أمر خلق الإنسان من نطفة لأن النعمة في ذلك قبل
~~النعمة في الثلاثة بعد، ثم ذكر بعده ما به قوام الإنسان من فائدة الحرث
~~وهو الطعام الذي لا يستغنى عنه الجسد الحي وذلك الحب الذي يختبز فيحتاج
~~بعد حصوله إلى حصول الماء ليعجن به فلذا ذكر بعده ثم إلى النار لتصيره
~~خبزا فلذا ذكرت بعد الماء وهو كما ترى.

# واستحسن بعضهم من القارىء أن يقول بعد كل جملة استفهامية من الجمل
~~السابقة: بل أنت يا رب، فقد أخرج عبد الرزاق وابن المنذر والحاكم
~~والبيهقي في «سننه» عن حجر المدري / قال: بت عند علي كرم الله
~~تعالى وجهه فسمعته وهو يصلي بالليل يقرأ فمر بهذه الآية

# أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن
~~الخالقون

# [الواقعة: 58-59] فقال: بل أنت يا رب ثلاثا، ثم قرأ

# أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون

# [الواقعة: 64] فقال: بل أنت يا رب ثلاثا، ثم قرأ

# أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون

# [الواقعة: 69] فقال: بل أنت يا رب ثلاثا، ثم قرأ

# أأنتم أنشأتم شجرتهآ أم نحن المنشئون

# [الواقعة: 72] فقال: بل أنت يا رب ثلاثا، وأنت تعلم أن في استحسان قول
~~مثل ذلك في الصلاة اختلافا بين العلماء.

### || [56.74]

# مرتب على ما عدد من بدائع صنعه عز وجل وروائع نعمه سبحانه وتعالى،
~~والمراد على ما قيل: أحدث التسبيح تنزيلا للفعل المتعدي منزلة اللازم،
~~وأريد من إحداثه استمراره لا إيجاده لأنه عليه الصلاة والسلام غير معرض
~~عنه، وتعقبه الطيبي بأن هذا عكس ما يقتضيه لفظ الإحداث، فالمراد تجديد
~~التسبيح، وفي الكلام إضمار أي سبح بذكر اسم ربك، ms10367 أو الاسم مجاز عن الذكر
~~فإن إطلاق الاسم للشيء ذكره، والباء للاستعانة أو الملابسة وكونها
~~للتعدية كما هو ظاهر كلام أبي حيان ليس بشيء. والعظيم صفة للاسم أو
~~للرب. وتعقيب الأمر بالتسبيح لما عدد إما لتنزيهه تعالى عما يقوله
~~الجاحدون لوحدانيته عز وجل الكافرون بنعمه سبحانه مع عظمها وكثرتها، أو
~~للشكر على تلك النعم السابقة لأن تنزيهه تعالى وتعظيمه جل وعلا بعد ذكر
~~نعمه سبحانه مدح عليها فهو شكر للمنعم في الحقيقة، أو للتعجب من أمر
~~الكفرة في غمط تلك النعم الباهرة مع جلالة قدرها وظهور أمرها؛ وسبحان ترد
~~للتعجب مجازا مشهورا فسبح بمعنى تعجب، وأصله فقل سبحان الله للتعجب
~~وفيه بعد وما تقدم أظهر.

# هذا وجوز أن لا يكون في { باسم ربك } إضمار ولا مجاز بل يبقى على
~~ظاهره فقد قالوا في قوله تعالى:

# سبح اسم ربك الأعلى

# [الأعلى: 1] كما يجب تنزيه ذاته تعالى وصفاته سبحانه عن النقائص يجب
~~تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن سوء الأدب وهو أبلغ لأنه يلزمه تقديس ذاته
~~عز وجل بالطريق الأولى على طريق الكناية الرمزية، وفيه أنه إنما يتأتى لو
~~لم تذكر الباء، وجعلها زائدة خلاف الظاهر، وحال كونها للتعدية قد سمعته،
~~وجعل بعضهم على هذا الخطاب لغير معين فقال: إنه تعالى لما ذكر ما ذكر من
~~الأمور وكان الكل معترفين بأنها من الله تعالى وكان الكفار إذا طولبوا
~~بالوحدانية قالوا: نحن لا نشرك في المعنى وإنما نتخذ أصناما آلهة وذلك
~~إشراك في الاسم، والذي خلقنا وخلق السموات والأرض هو الله تعالى فنحن
~~ننزهه في الحقيقة قال سبحانه: { فسبح باسم ربك } على معنى كما
~~أنك أيها الغافل اعترفت بعدم اشتراكها في الحقيقة اعترف بعدم اشتراكها في
~~الاسم ولا تقل لغيره تعالى إلها فإن الاسم يتبع المعنى والحقيقة،
~~فالخطاب كالخطاب في قول الواعظ يا مسكين أفنيت عمرك وما أصلحت أمرك لا
~~يريد به أحدا بعينه، وإنما يريد أيها المسكين السامع وهو كما ترى، نعم
~~احتمال عموم الخطاب مما لا ينكر لكن لا يتعين عليه هذا ms10368 التقرير.

# ثم الظاهر أن المراد بذكر الرب أو ذكر اسمه سبحانه على ما تقرر سابقا
~~ما هو المتبادر المعروف. وفي «الكشف» إن المراد بذلك تلاوته صلى الله
~~عليه وسلم للقرآن أو لهذه السورة الكريمة المتضمنة لإثبات البعث والجزاء
~~ومراتب أهله لينطبق عليه قوله تعالى بعد:

# فلا أقسم

# [الواقعة: 57] وعلى الأول لا بد من إضمار أي فسبح باسم ربك وامتثل ما
~~أمرت به فأقسم أنه لقرآن، والغرض تأكيد الأمر بالتسبيح، وأنا أقول يتأتى
~~الانطباق على الظاهر أيضا سوى أنه يعتبر في الكلام إضمار ولا بأس بأن
~~يقال: إنه تعالى لما ذكر ما ذكر من النعم الجليلة الداعية لتوحيده سبحانه
~~ووصفه بما يليق به عز وجل قال سبحانه: { فسبح باسم ربك } أي
~~فنزهه تعالى عما يقولون في وصفه سبحانه، وأقبل على إنذارهم بالقرآن
~~والاحتجاج عليهم به بعد الاحتجاج بما ذكرنا فأقسم أنه لقرآن كيت وكيت /
~~فلا في قوله عز وجل: { فلا أقسم }.

### || [56.75]

# { فلا أقسم } مزيدة للتأكيد مثلها في قوله تعالى:

# لئلا يعلم أهل الكتب

# [الحديد: 29] أو هي لام القسم أشبعت فتحتها فتولدت منها ألف نظير ما في
~~قوله:

# أعوذ بالله من العقراب

# واختاره أبو حيان ثم قال: وهو وإن كان قليلا فقد جاء نظيره في قوله
~~تعالى:

# فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم

# [إبراهيم: 37] بياء بعد الهمزة وذلك في قراءة هشام. ويؤيد قراءة الحسن
~~وعيسى فلأقسم. وهو مبني على ما ذهب إليه تبعا لبعض النحويين من أن فعل
~~الحال يجوز القسم عليه فيقال: والله تعالى ليخرج زيد وعليه قول الشاعر:

# ليعلم ربي أن بيتي واسع

# وحينئذ لا يصح أن يقرن الفعل بالنون المؤكدة لأنها تخلصه للاستقبال وهو
~~خلاف المراد، والذي اختاره ابن عصفور والبصريون أن فعل الحال كما هنا لا
~~يجوز أن يقسم عليه ومتى أريد من الفعل الاستقبال لزمت فيه النون المؤكدة
~~فقيل: لأقسمن وحذفها ضعيف جدا، ومن هنا خرجوا قراءة الحسن وعيسى على أن
~~اللام لام الابتداء والمبتدأ محذوف لأنها لا تدخل على الفعل والتقدير
~~فلأنا أقسم، وقيل: نحوه ms10369 في قراءة الجمهور على أن الألف قد تولدت من
~~الإشباع، وتعقب بأن المبتدأ إذا دخل عليه لام الابتداء يمتنع أو يقبح
~~حذفه لأن دخولها لتأكيده وهو يقتضي الاعتناء به وحذفه يدل على خلافه.
~~وقال سعيد بن جبير وبعض النحاة:  لا  نفي ورد لما يقوله الكفار في
~~القرآن من أنه سحر وشعر وكهانة كأنه قيل: فلا صحة لما يقولون فيه ثم
~~استؤنف فقيل: { أقسم } الخ، وتعقبه أبو حيان بأنه ((لا يجوز لما فيه
~~من حذف اسم  لا  وخبرها في غير جواب سؤال نحو  لا  في جواب هل من رجل
~~في الدار))، وقيل: الأولى فيما إذا قصد بلا نفي لمحذوف واستئناف لما
~~بعدها في اللفظ الإتيان بالواو نحو  لا  وأطال الله تعالى بقاءك، وقال
~~بعضهم إن  لا  كثيرا ما يؤتى بها قبل القسم على نحو الاستفتاح كما في
~~قوله:

# (لا وأبيك) ابنة العامري

# لا يدعي القوم إني أفر

# وقال أبو مسلم وجمع: إن الكلام على ظاهره المتبادر منه، والمعنى لا أقسم
~~إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم أي لا يحتاج إلى قسم ما فضلا عن أن
~~هذا القسم العظيم، فقول مفتي الديار الرومية انه يأباه تعيين المقسم به
~~وتفخيمه ناشيء عن الغفلة على ما لا يخفى على فطن.

# { بموقع النجوم } أي بمساقط كواكب السماء ومغاربها كما جاء في
~~رواية عن قتادة والحسن على أن الوقوع بمعنى السقوط والغروب. وتخصيصها
~~بالقسم لما في غروبها من زوال أثرها، والدلالة على وجود مؤثر دائم لا
~~يتغير، ولذا استدل الخليل عليه السلام بالأفول على وجود الصانع جل وعلا،
~~أو لأن ذلك وقت قيام المتهجدين والمبتهلين إليه تعالى وأوان نزول الرحمة
~~والرضوان عليهم.

# وقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعا

# " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من
~~يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له "

# وعن الحسن أيضا المراد مواقعها عند الانكدار يوم القيامة قيل: وموقع
~~عليه مصدر ميمي أو اسم زمان ولعل وقوعها ذلك ms10370 اليوم ليس دفعة واحدة
~~والتخصيص لما في ذلك من ظهور عظمته عز وجل وتحقق ما ينكره الكفار من
~~البعث، وعن أبي جعفر وأبي عبد الله على آبائهما وعليهما السلام المراد
~~مواقعها عند الانقضاض إثر المسترقين السمع من الشياطين، وقد مر لك تحقيق
~~أمر هذا الانقضاض فلا تغفل.

# وقيل: مواقع النجوم هي الأنواء التي يزعم الجاهلية / أنهم يمطرون بها،
~~ولعله مأخوذ من بعض الآثار الواردة في سبب النزول وسنذكره إن شاء الله
~~تعالى وليس نصا في إرادة الأنواء بل يجوز عليه أن يراد المغارب مطلقا.
~~وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة أنها منازلها ومجاريها على أن
~~الوقوع النزول كما يقال: على الخبير سقطت وهو شائع والتخصيص لأن له تعالى
~~في ذلك من الدليل على عظيم قدرته وكمال حكمته ما لا يحيط به نطاق البيان.

# وقال جماعة منهم ابن عباس: النجوم نجوم القرآن ومواقعها أوقات نزولها.
~~وأخرج النسائي وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في «الشعب» عنه أن قال:
~~«أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة
~~واحدة ثم فرق في السنين» وفي لفظ «ثم نزل من السماء الدنيا إلى الأرض
~~نجوما ثم قرأ { فلا أقسم بمواقع النجوم } » وأيد هذا
~~القول بأن الضمير في قوله تعالى بعد:

# إنه لقرءان

# [الواقعة: 77] يعود حينئذ على ما يفهم من مواقع النجوم حتى يكاد يعد
~~كالمذكور صريحا ولا يحتاج إلى أن يقال يفسره السياق كما في سائر
~~الأقوال، ووجه التخصيص أظهر من أن يخفى، ولعل الكلام عليه من باب:

# وثناياك إنها إغريض

# وقرأ ابن عباس وأهل المدينة وحمزة والكسائي { بموقع } مفردا مرادا به
~~الجمع.

### || [56.76]

# مشتمل على اعتراض في ضمن آخر فقوله تعالى: { إنه لقسم... عظيم
~~} معترض بين القسم والمقسم عليه وهو قوله سبحانه: { إنه لقرءان
~~كريم }.

### || [56.77]

# وهو تعظيم للقسم مقرر مؤكد له، وقوله عز وجل: { لو تعلمون }
~~معترض بين الصفة والموصوف وهو تأكيد لذلك التعظيم. وجواب { لو } إما
~~متروك أريد به نفي علمهم أو محذوف ثقة بظهوره أي لعظمتموه أو ms10371 لعملتم
~~بموجبه، ووجه كون ذلك القسم عظيما قد أشير إليه فيما مر، أو هو ظاهر
~~بناءا على أن المراد

# بموقع النجوم

# [الواقعة: 75] ما روي عن ابن عباس والجماعة، ومعنى كون القرآن كريما
~~أنه حسن مرضي في جنسه من الكتب أو نفاع جم المنافع، وكيف لا وقد اشتمل
~~على أصول العلوم المهمة في إصلاح المعاش، والمعاد، والكرم على هذا مستعار
~~ كما قال الطيبي  من الكرم المعروف. وقيل: الكرم أعم من كثرة البذل
~~والإحسان والاتصاف بما يحمد من الأوصاف ككثرة النفع فإنه وصف محمود فكونه
~~كرما حقيقة، وجوز أن يراد كريم على الله تعالى قيل: وهو يرجع لما تقدم،
~~وفيه تقدير من غير حاجة وأيا ما كان فمحط الفائدة الوصف المذكور قيل:
~~إن مرجع الضمير هو القرآن لا من حيث عنوان كونه قرآنا فبمجرد الإخبار
~~عنه بأنه قرآن تحصل الفائدة أي إنه لمقروء على النبي صلى الله عليه وسلم
~~لا أنه أنشأه كما زعمه الكفار.

### || [56.78]

# وقوله تعالى: { في كتب مكنون } وصف آخر للقرآن، أي كائن في
~~كتاب مصون عن غير المقربين من الملائكة عليهم السلام لا يطلع عليه من
~~سواهم، فالمراد به اللوح المحفوظ كما روي عن الربيع بن أنس وغيره، وقيل:
~~أي في كتاب مصون عن التبديل والتغيير وهو المصحف الذي بأيدي المسلمين
~~ويتضمن ذلك الإخبار بالغيب لأنه لم يكن إذ ذاك مصاحف، وأخرج عبد بن حميد
~~وابن جرير عن عكرمة أنه قال: في كتاب أي التوراة والإنجيل، وحكى ذلك في
~~«البحر» ثم قال: كأنه قال: ذكر في كتاب مكنون كرمه وشرفه، فالمعنى على
~~هذا الاستشهاد بالكتب المنزلة انتهى.

# والظاهر أنه أريد على هذا بالكتاب الجنس لتصح إرادة التوراة والإنجيل،
~~وفي وصف ذلك بالمكنون خفاء ولعله أريد به جليل الشأن عظيم القدر فإن
~~الستر كاللازم للشيء الجليل، وجوز إرادة هذا المعنى المجازي / على غير
~~هذا القول من الأقوال، وقيل: الكتاب المكنون قلب المؤمن وهو كما ترى.
~~وقيل: المراد من كونه في كتاب مكنون كونه محفوظا من التغيير والتبديل
~~ليس إلا ms10372 كما قال تعالى:

# وإنا له لحفظون

# [الحجر: 9] والمعول عليه ما تقدم، وجوز تعلق الجار بكريم كما يقال زيد
~~كريم في نفسه، والمعنى إنه كريم في اللوح المحفوظ وإن لم يكن كريما عند
~~الكفار، والوصفية أبلغ كما لا يخفى.

### || [56.79]

# وقوله تعالى: { لا يمسه إلا المطهرون } إما صفة بعد
~~صفة لكتاب مرادا به اللوح، فالمراد بالمطهرون الملائكة عليهم السلام أي
~~المطهرون المنزهون عن كدر الطبيعة ودنس الحظوظ النفسية، وقيل: عن كدر
~~الأجسام ودنس الهيولى والطهارة عليهما طهارة معنوية، ونفي مسه كناية عن
~~لازمه وهو نفي الاطلاع عليه وعلى ما فيه، وإما صفة أخرى لقرآن. والمراد
~~بالمطهرون المطهرون عن الحدث الأصغر والحدث الأكبر بحمل الطهارة على
~~الشرعية، والمعنى لا ينبغي أن يمس القرآن إلا من هو على طهارة من الناس،
~~فالنفي هنا نظير ما في قوله تعالى:

# الزانى لا ينكح إلا زانية

# [النور: 3] وقوله صلى الله عليه وسلم:

# " المسلم أخو المسلم لا يظلمه "

# الحديث وهو بمعنى النهي بل أبلغ من النهي الصريح، وهذا أحد أوجه ذكروها
~~للعدول عن جعل  لا  ناهية، وثانيها: أن المتبادر كون الجملة صفة والأصل
~~فيها أن تكون خبرية ولا داعي لاعتبار الإنشائية وارتكاب التأويل،
~~وثالثها: أن المتبادر من الضمة أنها إعراب فالحمل على غيره فيه إلباس،
~~ورابعها: أن عبد الله قرأ (ما يمسه) وهي تؤيد أن لا نافية، وكون المراد
~~بالمطهرين الملائكة عليهم السلام مروي من عدة طرق عن ابن عباس، وكذا
~~أخرجه جماعة عن أنس وقتادة وابن جبير ومجاهد وأبي العالية وغيرهم إلا أن
~~في بعض الآثار عن بعض هؤلاء ما هو ظاهر في أن الضمير في { لا يمسه
~~} مع كون المراد بالمطهرين الملائكة عليهم السلام راجع إلى القرآن. أخرج
~~عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أنه قال في الآية: ذاك عند رب العالمين
~~لا يمسه إلا المطهرون من الملائكة فأما عندكم فيمسه المشرك والنجس،
~~والمنافق الرجس، وأخرجاهما وابن المنذر والبيهقي في «المعرفة» عن الحبر
~~قال: في الآية الكتاب المنزل في السماء لا يمسه إلا الملائكة، ms10373 ويشير إليه
~~ما أخرج ابن المنذر عن النعيمي قال: قال مالك: أحسن ما سمعت في هذه الآية
~~{ لا يمسه إلا المطهرون } أنها بمنزلة الآية التي في
~~عبس

# كلا إنها تذكرة * فمن شاء ذكره * فى صحف
~~مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدى سفرة *
~~كرام بررة

# [عبس: 1116] وكون المراد بهم المطهرين من الأحداث مروي عن محمد الباقر
~~- على آبائه وعليه السلام - وعطاء وطاوس وسالم. وأخرج سعيد بن منصور وابن
~~أبي شيبة في «المصنف» وابن المنذر والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن زيد
~~قال: كنا مع سلمان  يعني الفارسي  رضي الله تعالى عنه فانطلق إلى حاجة
~~فتوارى عنا فخرج إلينا فقلنا لو توضأت فسألناك عن أشياء من القرآن؟ فقال:
~~سلوني فإني لست أمسه إنما يمسه المطهرون ثم تلا { لا يمسه إلا
~~المطهرون } ، وقيل: الجملة صفة لقرآن، والمراد  بالمطهرون 
~~المطهرون من الكفر، والمس مجاز عن الطلب كاللمس في قوله تعالى:

# أنا لمسنا السماء

# [الجن: 8] أي لا يطلبه إلا المطهرون من الكفر، ولم أر هذا مرويا عن أحد
~~من السلف، والنفي عليه على ظاهره، ورجح جمع جعل الجملة وصفا للقرآن لأن
~~الكلام مسوق لحرمته وتعظيمه لا لشأن الكتاب المكنون، وإن كان في تعظيمه
~~تعظيمه. وصحح الإمام جعلها وصفا للكتاب  وفيه نظر  وعلى الوصفية
~~للقرآن ذهب من ذهب إلى اختيار تفسير المطهرين بالمطهرين عن الحدث الأكبر
~~والأصغر.

# وفي «الأحكام» للجلال السيوطي استدل الشافعي بالآية على منع المحدث من
~~مس المصحف وهو ظاهر في / اختيار ذلك، والاحتمال جعل الجملة صفة للكتاب
~~المكنون أو للقرآن، وكون المراد بالمطهرين الملائكة المقربين عليهم
~~السلام على ما سمعت عن ابن عباس وقتادة عدل الأكثرون عن الاستدلال بها
~~على ذلك إلى الاستدلال بالأخبار، فقد أخرج الإمام مالك وعبد الرزاق وابن
~~أبي داود وابن المنذر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه قال في كتاب
~~النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم

# " ولا تمس القرآن إلا على طهور "

# وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال
~~رسول الله ms10374 صلى الله عليه وسلم:

# " لا يمس القرآن إلا طاهر "

# إلى غير ذلك، وقال بعضهم: يجوز أن يؤخذ منع مس غير الطاهر القرآن من
~~الآية على الاحتمالين الآخرين أيضا، وذلك لأنها أفادت تعظيم شأن القرآن
~~وكونه كريما، والمس بغير طهر مخل بتعظيمه فتأباه الآية وهو كما ترى،
~~وأطال الإمام الكلام في هذا المقام بما لا يخفى حاله على من راجعه، نعم
~~لا شك في دلالة الآية على عظم شأن القرآن ومقتضى ذلك الاعتناء بشأنه ولا
~~ينحصر الاعتناء بمنع غير الطاهر عن مسه بل يكون بأشياء كثيرة كالإكثار من
~~تلاوته والوضوء لها وأن لا يقرأه الشخص وهو متنجس الفم فإنه مكروه. وقيل:
~~حرام كالمس باليد المتنجسة، وكون القراءة في مكان نظيف، والقارىء مستقبل
~~القبلة متخشعا بسكينة ووقار مطرقا رأسه، والاستياك لقراءته، والترتيل،
~~والتدبر، والبكاء، أو التباكي، وتحسين الصوت بالقراءة وأن لا يتخذه
~~معيشة، وأن يحافظ على أن لا ينسى آية أوتيها منه، فقد أخرج أبو داود
~~وغيره

# " عرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية
~~أوتيها رجل ثم نسيها "

# ، وأن لا يجامع بحضرته فإن أراد ستره، وأن لا يضع غيره من الكتب
~~السماوية وغيرها فوقه، وأن لا يقلب أوراقه بأصبع عليها بزاق ينفصل منه
~~شيء فقد قيل بكفر من يفعل ذلك، إلى أمور أخر مذكورة في محالها.

# وفي وجوب كون القارىء طاهرا من الأحداث خلاف، فعن ابن عباس في رواية
~~أنه يجوز للجنب قراءة القرآن، وروي ذلك أيضا عن الإمام أبي حنيفة، وعن
~~ابن عمر أحب إلي أن لا يقرأ إلا طاهر وكأنهم اعتبروه كسائر الأذكار
~~والفرق مثل الشمس ظاهر.

# وقرأ عيسى { المطهرون } اسم مفعول مخففا من أطهر، ورويت عن نافع
~~وأبي عمرو، وقرأ سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه { المطهرون }
~~بتخفيف الطاء وتشديد الهاء وكسرها اسم فاعل من طهر أي { المطهرون
~~} أنفسهم أو غيرهم بالاستغفار لهم والإلهام، وعنه أيضا {
~~المطهرون } بتشديدهما وأصله المتطهرون فأدغم التاء بعد إبدالها في
~~الطاء؛ ورويت عن الحسن وعبد الله بن ms10375 عون، وقرىء { المطهرون } على
~~الأصل.

### || [56.80]

# صفة أخرى للقرآن أي منزل، أو وصف بالمصدر لأنه ينزل نجوما من بين سائر
~~كتب الله تعالى فكأنه في نفسه تنزيل ولذلك أجري مجرى بعض أسمائه فقيل جاء
~~في التنزيل كذا ونطق به التنزيل. وجوز كونه خبر مبتدأ محذوف أي هو تنزيل
~~على الاستئناف. وقرىء (تنزيلا) بالنصب على نزل تنزيلا.

### || [56.81]

# { أفبهذا الحديث } أي أتعرضون فبهذا الحديث الذي ذكرت نعوته
~~الجليلة الموجبة لإعظامه وإجلاله والإيمان بما تضمنه وأرشد إليه وهو
~~القرآن الكريم { أنتم مدهنون } متهاونون به كمن يدهن في الأمر
~~أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاونا به، وأصل الادهان كما قيل: جعل
~~الأديم ونحوه مدهونا بشيء من الدهن ولما كان ذلك ملينا لينا محسوسا
~~يراد به اللين المعنوي على أنه تجوز به عن مطلق اللين أو استعير له، ولذا
~~سميت المداراة مداهنة وهذا مجاز معروف ولشهرته صار حقيقة عرفية، ولذا
~~تجوز به هنا عن التهاون أيضا لأن المتهاون بالأمر / لا يتصلب فيه، وعن
~~ابن عباس والزجاج { مدهنون } أي مكذبون، وتفسيره بذلك لأن التكذيب
~~من فروع التهاون. وعن مجاهد أي منافقون في التصديق به تقولون للمؤمنين
~~آمنا به وإذا خلوتم إلى إخوانكم قلتم إنا معكم والخطاب عليه للمنافقين
~~وما قدمناه أولى، والخطاب عليه للكفار كما يقتضيه السياق. وجوز أن يراد
~~بهذا الحديث ما تحدثوا به من قبل في قوله سبحانه:

# وكانوا يقولون أءذا متنا وكنا ترابا وعظما
~~أءنا لمبعوثون * أو ءاباؤنا الأولون

# [الواقعة: 47-48] فالكلام عود إلى ذلك بعد رده كأنه قيل: أفبهذا الحديث
~~الذي تتحدثون به في إنكار البعث أنتم مدهنون أصحابكم أي تعلمون خلافه
~~وتقولونه مداهنة أم أنتم به جازمون وعلى الإصرار عليه عازمون، ولا يخفى
~~بعده، وفيه مخالفة لسبب النزول وستعلمه قريبا إن شاء الله تعالى.

### || [56.82]

# { وتجعلون رزقكم } شكركم { أنكم تكذبون } تقولون
~~مطرنا بنوء كذا وكذا وبنجم كذا وكذا، أخرج ذلك الإمام أحمد والترمذي
~~وحسنه والضياء في «المختارة» وجماعة عن علي كرم الله تعالى وجهه عن
~~النبي صلى الله عليه ms10376 وسلم وهو إما إشارة منه عليه الصلاة والسلام إلى أن
~~في الكلام مضافا مقدرا أي شكر رزقكم أو إشارة إلى أن الرزق مجاز عن
~~لازمه وهو الشكر، وحكى الهيثم بن عدي أن من لغة أزدشنوءة ما رزق فلان
~~فلانا بمعنى شكره، ونقل عن الكرماني أنه نقل في «شرح البخاري» أن الرزق
~~من أسماء الشكر واستبعد ذلك ولعله هو ما حكاه الهيثم، وفي «البحر» وغيره
~~أن عليا كرم الله تعالى وجهه وابن عباس قرآ  شكركم  بدل { رزقكم
~~} وحمله بعض شراح البخاري على التفسير من غير قصد للتلاوة وهو خلاف
~~الظاهر، وقد أخرج ابن مردويه عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قرأ علي كرم
~~الله تعالى وجهه الواقعة في الفجر فقال: (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون)
~~فلما انصرف قال: إني قد عرفت أنه سيقول قائل لم قرأها هكذا؟ إني سمعت
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ كذلك كانوا إذا أمطروا قالوا: أمطرنا
~~بنوء كذا وكذا فأنزل الله تعالى (وتجعلون شكركم أنكم إذا مطرتم تكذبون)
~~ومعنى جعل شكرهم التكذيب جعل التكذيب مكان الشكر فكأنه عينه عندهم فهو من
~~باب:

# تحية بينهم ضرب وجيع

# ومنه قول الراجز:

# وكان شكر القوم عند المنن

# (كي الصحيحات وفقء الأعين)

# وأكثر الروايات أن قوله تعالى: { وتجعلون } الخ نزل في القائلين:
~~مطرنا بنوء كذا من غير تعرض لما قبل. وأخرج مسلم وابن المنذر وابن مردويه
~~عن ابن عباس قال:

# " مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي عليه
~~الصلاة والسلام: أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر قالوا: هذه رحمة وضعها
~~الله وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا فنزلت هذه الآية { فلا أقسم
~~بموقع النجوم } حتى بلغ { وتجعلون رزقكم أنكم
~~تكذبون } [الواقعة: 7582] "

# وأخرج نحوه ابن عساكر في «تاريخه» عن عائشة رضي الله تعالى عنها وكان
~~ذلك على ما أخرج ابن أبي حاتم عن أبي عروة رضي الله تعالى عنه في غزوة
~~تبوك نزلوا الحجر فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن لا يحملوا من مائه شيئا
~~ثم ms10377 ارتحلوا ونزلوا منزلا آخر وليس معهم ماء فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فقام عليه الصلاة والسلام فصلى ركعتين ثم دعا فأمطروا
~~وسقوا فقال رجل من الأنصار يتهم بالنفاق: إنما مطرنا بنوء كذا فنزل ما
~~نزل، ولعل جمعا من الكفار قالوا نحو ذلك أيضا بل هم لم يزالوا يقولون
~~ذلك، والأخبار متضافرة على أن الآية في القائلين بالأنواء، بل قال ابن
~~عطية: أجمع المفسرون على أنها توبيخ لأولئك.

# وظاهر مقابلة الشكر بالكفر في الحديث السابق أن المراد بالكفر كفران
~~النعمة إذا أضيفت لغير موجدها جل جلاله؛ / وقد صح ذكره مع الإيمان، أخرج
~~البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم عن زيد بن خالد الجهني قال:

# " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بالحديبية في إثر سماء
~~(أي مطر) كانت من الليل فلما سلم أقبل علينا فقال: هل تدرون ما قال ربكم
~~في هذه الليلة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم فقال: قال: ما أنعمت على عبادي
~~نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين فأما من آمن بي وحمدني على سقياي
~~فذلك الذي آمن بي وكفر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك
~~الذي آمن بالكوكب وكفر بي "

# والآية على القول بنزولها في قائلي ذلك ظاهرة في كفرهم المقابل للإيمان
~~فكأنهم كانوا يقولونه عن اعتقاد أن الكواكب مؤثرة حقيقة موجدة للمطر وهو
~~كفر بلا ريب بخلاف قوله مع اعتقاد أنه من فضل الله تعالى، والنوء ميقات
~~وعلامة له فإنه ليس بكفر، وقيل: تسميته كفرا لأنه يفضي إليه إذا اعتقد
~~أنه مؤثر حقيقة.

# هذا وقيل: معنى الآية: وتجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به،
~~ويشير إلى ذلك ما رواه قتادة عن الحسن بئس ما أخذ القوم لأنفسهم لم
~~يرزقوا من كتاب الله تعالى إلا التكذيب. وفي «الإرشاد» أنه الأوفق لسياق
~~النظم الكريم وسباقه، وأقول ما قدمناه تفسير مأثور نطقت به السنة
~~المقبولة، وذهب إليه الجمهور وليس فيه ما يأبى إرادة معنى مطابق لسبب
~~النزول وموافق لسياق النظم الكريم ms10378 وسباقه، وذلك بأن يقال: إنه عز وجل بعد
~~أن وصف القرآن بما دل على جلالة شأنه وعزة مكانه وأشعر باشتماله على ما
~~فيه تزكية النفوس وتحليتها بما يوجب كمالها من العقائد الحقة ونحوها حيث
~~قال سبحانه:

# تنزيل من رب العلمين

# [الواقعة: 80] فعبر جل وعلا عن ذاته سبحانه بلفظ الرب الدال على التربية
~~وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا.

# وقد يستفاد ذلك من وصفه بكريم بناءا على أن المراد به نفاع جم المنافع
~~فإنه لا منفعة أجل مما ذكر وكان قد ذكر عز وجل غير بعيد ما يدل على أنه
~~تعالى هو المنزل لماء المطر لا غيره سبحانه استقلالا ولا اشتراكا قال
~~عز قائلا: أفبهذا القرآن الجليل الشأن المشتمل على العقائد الحقة المرشد
~~إلى ما فيه نفعكم أنتم متهاونون فلا تشكرون الله تعالى عليه وتجعلون بدل
~~شكركم أنكم تكذبون به، ومن ذلك أنكم تقولون إذا مطرتم مطرنا بنوء كذا
~~وكذا فتسندون إنزال المطر إلى الكواكب وقد أرشدكم غير مرة إلى ما يأبى
~~ذلك من العقائد وهداكم إلى أنه تعالى هو المنزل للمطر لا الكواكب ولا
~~غيرها أصلا  فما جاء من تفسير { تكذبون } بتقولون مطرنا بنوء كذا
~~وكذا ليس المراد منه إلا بيان نوع اقتضاه الحال من التكذيب بالقرآن
~~المنعوت بتلك النعوت الجليلة وكون ذلك على الوجه الذي يزعمه الكفار
~~تكذيبا به مما لا ينتطح فيه كبشان، وهذا لا تمحل فيه، وقد يقال على
~~تقدير أن يراد بالرزق المطر وكون { تكذبون } على معنى تكذبون بكونه
~~ أي المطر  من الله تعالى حيث تنسبونه إلى الأنواء وإن لم أقف على
~~التصريح به في أثر يعول عليه، المعنى أفبهذا القرآن الجليل المرشد إلى أن
~~كل نعمة منه تعالى لا غير المصرح عن قريب بأنه المنزل للمطر وحده أنتم
~~مدهنون أي تكذبون على ما سمعت عن ابن عباس والزجاج ومن ذلك أنكم تجعلون
~~موضع شكر ما يرزقكم من المطر وينزله لكم أنكم تكذبون بكونه من الله تعالى
~~وتنسبونه إلى الأنواء، والتبكيت الآتي مبني على تكذيبهم ms10379 بالقرآن المفهوم
~~من { تكذبون } أو من قوله سبحانه:

# أنتم مدهنون

# [الواقعة: 81] لكن التكذيب به باعتبار التكذيب ببعض ما نطق به بما سبق
~~وتوقف المراد بالآية على الخبر غير بدع في القرآن الكريم، وحال عطف {
~~وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } على ما قبله لا يخفى
~~على نبيه، فتأمل والله تعالى الموفق لفهم كتابه الكريم.

# / وقرأ المفضل عن عاصم { تكذبون } بالتخفيف من الكذب وهو قولهم في
~~القرآن إنه  وحاشاه  افتراء ويرجع إلى هذا قولهم في المطر: إنه من
~~الأنواء لأن القرآن ناطق بخلافه.

### || [56.83]

# وقوله تعالى: { فلولا إذا بلغت الحلقوم } الخ تبكيت كما
~~سمعت وذلك باعتبار تكذيبهم بما نطق به قوله تعالى:

# نحن خلقنكم

# [الواقعة: 57] الخ أعني الآيات الدالة على كونهم تحت ملكوته تعالى من
~~حيث ذواتهم ومن حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معايشهم  ولولا 
~~للتحضيض بإظهار عجزهم، و { إذا } ظرفية، و { الحلقوم } مجرى
~~الطعام؛ وضمير { بلغت } للنفس لانفهامها من الكلام وإن لم يجر لها
~~ذكر قبل، والمراد بها الروح بمعنى البخار المنبعث عن القلب دون النفس
~~الناطقة فإنها لا توصف بما ذكر وكأنه مبني على القول بتجرد النفس الناطقة
~~وهي المسماة بالروح الأمرية، وأنها لا داخل البدن ولا خارجه ولا تتصف
~~بصفات الأجسام كالصعود والنزول وغيرهما على ما اختاره حجة الإسلام
~~الغزالي وجماعة من المحققين، ومذهب السلف أن النفس الناطقة وهي الروح
~~المشار إليها بقوله تعالى:

# ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى

# [الإسراء: 85] جسم لطيف جدا سار في البدن سريان ماء الورد في الورد وهو
~~حي بنفسه يتصف بالخروج والدخول وغيرهما من صفات الأجسام، وقد رد العلامة
~~ابن القيم قول الغزالي ومن وافقه بأدلة كثيرة ذكرها في كتابه «الروح»،
~~ووصفها ببلوغ الحلقوم عليه ظاهر. وأما على القول بالتجرد وعدم التحيز
~~فقيل: المراد به ضعف التعلق بالبدن وقرب انقطاعه عنه فكأنه قيل: فلولا
~~إذا حان انقطاع تعلق الروح بالبدن.

### || [56.84]

# { وأنتم } أيها الحاضرون حول صاحبها { حينئذ } أي حين إذ بلغت
~~الحلقوم ووصلت إليه أو حان انقطاع تعلقها { تنظرون } إلى ما يقاسيه ms10380
~~من الغمرات، وقيل: تنظرون حالكم ووجهه أنهم يعلمون أن ما جرى عليه يجري
~~عليهم فكأنهم شاهدوا حال أنفسهم وليس بذاك.

# وقرأ عيسى (حينئذ) بكسر النون اتباعا لحركة الهمزة في إذ.

### || [56.85]

# { ونحن أقرب إليه } أي المحتضر المفهوم من الكلام { منكم
~~} والمراد بالقرب العلم وهو من إطلاق السبب وإرادة المسبب فإن القرب أقوى
~~سبب للاطلاع والعلم، وقال غير واحد: المراد القرب علما وقدرة أي نحن
~~أقرب إليه في كل ذلك منكم حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدونه من آثار
~~الشدة من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها الحقيقية ولا أن
~~تقدروا على مباشرة دفعها إلا بما لا ينجع شيئا ونحن المتولون لتفاصيل
~~أحواله بعلمنا وقدرتنا أو بملائكة الموت.

# { ولكن لا تبصرون } لا تدركون كوننا أقرب إليه منكم لجهلكم
~~بشؤوننا وقد علمت أن الخطاب للكفار، وقيل: لا تدركون كنه ما يجري عليه
~~على أن الاستدراك من

# تنظرون

# [الواقعة: 84]. والإبصار من البصر بالعين تجوز به عن الإدراك أو هو من
~~البصيرة بالقلب، وقيل: أريد بأقربيته تعالى إليه منهم أقربية رسله عز وجل
~~أي ورسلنا الذين يقبضون روحه ويعالجون إخراجها أقرب إليه منكم ولكن لا
~~تبصرونهم.

### || [56.86]

# أي غير مربوبين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم وتعبدهم، ومنه قيل
~~للعبد: مدين وللأمة مدينة قال الأخطل:

# ربت وربا في حجرها ابن مدينة

# تراه على مسحاته يتركل

# والكلام ناظر إلى قوله تعالى:

# نحن خلقنكم فلولا تصدقون

# [الواقعة: 57]، وقيل: هو من دان بمعنى انقاد وخضع، وتجوز به عن الجزاء
~~كما في قولهم  كما تدين تدان  أي فلولا إن كنتم غير مجزيين وجعل ناظرا
~~لإنكارهم البعث وليس بشيء.

### || [56.87]

# { ترجعونها } أي الروح إلى مقرها والقائلون بالتجرد يقولون أي
~~ترجعون تعلقها كما كان أولا. / { إن كنتم صدقين } في اعتقادكم
~~عدم خالقيته تعالى فإن عدم تصديقهم بخالقيته سبحانه لهم عبارة عن تصديقهم
~~بعدمها على مذهبهم، وفي «البحر» وغيره إن كنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم
~~بالمحي والمميت المبدىء المعيد ونسبتكم إنزال المطر إلى الأنواء دونه عز
~~وجل. و ms10381 { ترجعون } المذكور هو العامل  بإذا  الظرفية في

# إذا بلغت الحلقوم

# [الواقعة: 83] وهو المحضض عليه  بلولا  الأولى، و { لولا } الثانية
~~تكرير للتأكيد، و { لولا } الأولى مع ما في حيزها دليل جواب الشرط
~~الأول أعني

# إن كنتم غير مدينين

# [الواقعة: 86] والشرط الثاني مؤكد للأول مبين له، وقدم أحد الشرطين على
~~{ ترجعونها } للاهتمام والتقدير  فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم
~~إن كنتم غير مربوبين صادقين فيما تزعمونه من الاعتقاد الباطل فلولا
~~ترجعونها إذا بلغت الحلقوم  وحاصل المعنى أنكم إن كنتم غير مربوبين كما
~~تقتضيه أقوالكم وأفعالكم فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغت
~~الحلقوم وتردونها كما كانت بقدرتكم أو بواسطة علاج للطبيعة، وقوله تعالى:

# وأنتم حينئذ تنظرون

# [الواقعة: 84] جملة حالية من فاعل

# بلغت

# [الواقعة: 83] والاسمية المقترنة بالواو لا تحتاج في الربط للضمير
~~لكفاية الواو فلا حاجة إلى القول بأن العائد ما تضمنه حينئذ لأن التنوين
~~عوض عن جملة أي فلولا ترجعونها زمان بلوغها الحلقوم حال نظركم إليه وما
~~يقاسيه من هول النزع مع تعطفكم عليه وتوفركم على إنجائه من المهالك،
~~وقوله سبحانه:

# ونحن أقرب

# [الواقعة: 85] الخ اعتراض يؤكد ما سيق له الكلام من توبيخهم على صدور ما
~~يدل على سوء اعتقادهم بربهم سبحانه منهم، وفي جواز جعله حالا مقال.

# وقال أبو البقاء: { ترجعونها } جواب { لولا } الأولى، وأغنى
~~ذلك عن جواب الثانية، وقيل: عكس ذلك. وقيل: { إن كنتم } شرط دخل على
~~شرط فيكون الثاني مقدما في التقدير  أي إن كنتم صادقين إن كنتم غير
~~مربوبين فارجعوا الأرواح إلى الأبدان  وما ذكرناه سابقا اختيار جار
~~الله وأيا ما كان.

### || [56.88]

# قوله تعالى: { فأما إن كان من المقربين } إلى آخره شروع
~~في بيان حال المتوفى بعد الممات إثر بيان حاله عند الوفاة وضمير { كان
~~} للمتوفى المفهوم مما مر أي فأما إن كان المتوفى الذي بين حاله من
~~السابقين من الأزواج الثلاثة عبر عنهم بأجل أوصافهم.

### || [56.89]

# { فروح } أي فله روح، على أنه مبتدأ خبره محذوف مقدم عليه لأنه
~~نكرة، وقيل: خبر مبتدأ محذوف أي فجزاؤه ms10382 روح أي استراحة، والفاء واقعة في
~~جواب { أما } ، قال بعض الأجلة: تقدير هذا الكلام مهما يكن من شيء فروح
~~الخ إن كان من المقربين فحذف مهما يكن من شيء، وأقيم (أما) مقامه ولم
~~يحسن أن يلي الفاء أما، فأوقع الفصل بين أما والفاء بقوله سبحانه:

# إن كان من المقربين

# [الواقعة: 88] لتحسين اللفظ كما يقع الفصل بينهما بالظرف والمفعول،
~~والفاء في { فروح } وأخويه جواب (أما) دون { إن } ، وقال أبو
~~البقاء: جواب (أما) { فروح } ، وأما { إن } فاستغنى بجواب (أما) عن
~~جوابها لأنه يحذف كثيرا، وفي «البحر» أنه إذا اجتمع شرطان فالجواب
~~للسابق منهما، وجواب الثاني محذوف، فالجواب ههنا لأما، وهذا مذهب
~~سيبويه. وذهب الفارسي إلى أن المذكور جواب { إن } وجواب (أما) محذوف،
~~وله قول آخر موافق لمذهب سيبويه. وذهب الأخفش إلى أن المذكور جواب لهما
~~معا، وقد أبطلنا المذهبين في «شرح التسهيل» انتهى. والمشهور أنه لا بد
~~من لصوق الاسم  لأما  وهو عند الرضي وجماعة أكثري لهذه الآية،
~~والذاهبون إلى الأول قالوا: هي بتقدير فأما المتوفى إن كان وتعقب بأنه لا
~~يخفى أن التقدير مستغنى عنه ولا دليل عليه إلا اطراد الحكم، ثم إن كون 
~~أما  قائمة مقام مهما يكن أغلبي إذ لا يطرد في نحو أما قريشا فأنا
~~أفضلها إذ التقدير مهما ذكرت قريشا / فأنا أفضلها، وتمام الكلام في هذا
~~المقام يطلب من كتب العربية.

# وأخرج الإمام أحمد والبخاري في «تاريخه» وأبو داود والنسائي والترمذي
~~وحسنه والحاكم وصححه وآخرون عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سمعت رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم يقرأ { فروح } بضم الراء، وبه قرأ ابن عباس
~~وقتادة ونوح القارىء والضحاك والأشهب وشعيب وسليمان التيمي والربيع بن
~~خيثم ومحمد بن علي وأبو عمران الجوني والكلبي وفياض وعبيد وعبد الوارث
~~عن أبي عمرو ويعقوب بن حسان وزيد ورويس عنه والحسن وقال: { الروح }
~~الرحمة لأنها كالحياة للمرحوم، أو سبب لحياته الدائمة فإطلاقه عليها من
~~باب الاستعارة أو المجاز المرسل، وروي هذا عن قتادة أيضا، وقال ابن جني:
~~معنى هذه ms10383 القراءة يرجع إلى معنى الروح فكأنه قيل: فله ممسك روح وممسكها
~~هو الروح كما تقول: الهواء هو الحياة وهذا السماع هو العيش، وفسر بعضهم
~~الروح بالفتح الرحمة أيضا كما في قوله تعالى:

# ولا تيأسوا من روح الله

# [يوسف: 87] وقيل: هو بالضم البقاء.

# { وريحان } أي ورزق كما روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك، وفي رواية
~~أخرى عن الضحاك أنه الاستراحة، وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قال: هو
~~هذا الريحان أي المعروف.

# وأخرج ابن جرير عنه أنه قال: تخرج روح المؤمن من جسده في ريحانة ثم قرأ

# فأما إن كان

# [الواقعة: 88] الخ. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال:
~~لم يكن أحد من المقربين يفارق الدنيا حتى يؤتى بغصنين من ريحان الجنة
~~فيشمهما ثم يقبض.

# { وجنت نعيم } أي ذات تنعم فالإضافة لامية أو لأدنى ملابسة،
~~وهذا إشارة إلى مكان المقربين بحيث يلزم منه أن يكونوا أصحاب نعيم. وأخرج
~~الإمام أحمد في «الزهد» وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن
~~الربيع بن خيثم قال في قوله تعالى: { فأما إن كان من
~~المقربين * فروح وريحان }: هذا له عند الموت، وفي قوله
~~تعالى: { وجنت نعيم } تخبأ له الجنة إلى يوم يبعث ولينظر ما
~~المراد بالريحان على هذا، وعن بعض السلف ما يقتضي أن يكون الكل في
~~الآخرة.

### || [56.90]

# عبر عنهم بالعنوان السابق إذ لم يذكر لهم فيما سبق وصف ينبىء عن شأنهم
~~سواه كما ذكر للفريقين الأخيرين.

### || [56.91]

# قيل: هو على تقدير القول أي فيقال لذلك المتوفى منهم سلام لك يا صاحب
~~اليمين من إخوانك أصحاب اليمين أي يسلمون عليك كقوله تعالى:

# لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا
~~سلما سلما

# [الواقعة: 25-26] فالخطاب لصاحب اليمين ولا التفات فيه مع تقدير القول.
~~و { من } للابتداء كما تقول سلام من فلان على فلان وسلام لفلان منه.
~~وقال الطبري: معناه فسلام لك أنت من أصحاب اليمين، فمن أصحاب اليمين خبر
~~مبتدأ محذوف والكلام بتقدير القول أيضا، وكأن هذا التفسير ms10384 مأخوذ من كلام
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. أخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أنه قال
~~في ذلك: تأتيه الملائكة من قبل الله تعالى تسلم عليه وتخبره أنه من أصحاب
~~اليمين، والظاهر أن هذا على هذا المعنى عند الموت، وأنه على المعنى
~~السابق في الجنة. وجوز أن يكون المعنى فسلامة لك عما يشغل القلب من جهتهم
~~فإنهم في خير أي كن فارغ البال عنهم لا يهمك أمرهم، وهذا كما تقول لمن
~~علق قلبه بولده الغائب وتشوش فكره لا يدري ما حاله كن فارغ البال من ولدك
~~فإنه في راحة ودعة. والخطاب لمن يصلح له أو لسيد المخاطبين صلى الله عليه
~~وسلم، وعليه قيل: يجوز أن يكون / ذلك تسلية له عليه الصلاة والسلام على
~~معنى أنهم غير محتاجين إلى شفاعة وغيرها، ولا يخفى أن كون جميع أصحاب
~~اليمين غير محتاجين إلى ما ذكر غير مسلم فالشفاعة لأهل الكبائر أمر ثابت
~~عند أهل السنة ولا جائز أن يكونوا من أصحاب الشمال فصرائح الآيات أنهم
~~كفار وما لهم من ولي ولا شفيع يطاع وكونهم من أصحاب اليمين أقرب من كونهم
~~من السابقين وجعلهم قسما على حدة قد علمت حاله فتذكر فما في العهد من
~~قدم. وذكر بعض الأجلة أن هذه الجملة كلام يفيد عظمة حالهم كما يقال فلان
~~ناهيك به وحسبك أنه فلان إشارة إلى أنه ممدوح فوق حد التفصيل، وكأني بك
~~تختار ذلك فإنه حسن لطيف.

### || [56.92]

# وهم أصحاب الشمال عبر عنهم بذلك حسبما وصفوا به عند بيان أحوالهم بقوله
~~تعالى:

# ثم إنكم أيها الضالون المكذبون

# [الواقعة: 51] ذما لهم بذلك وإشعارا بسبب ما ابتلوا به من العذاب.
~~ولما وقع هذا الكلام بعد تحقق تكذيبهم ورده على أتم وجه ولم يقع الكلام
~~السابق كذلك، قدم وصف التكذيب هنا على عكس ما تقدم، ويجوز أن يقال في ذلك
~~- على تقدير عموم متعلق التكذيب بحيث يشمل تكذيبه صلى الله عليه وسلم في
~~دعوى الرسالة - إن هذا الكلام إخبار من جهته سبحانه بأحوال الأزواج
~~الثلاثة ms10385 لم يؤمر عليه الصلاة والسلام بأن يشافه بكل جملة منه من هي فيه
~~فقدم فيه وصف التكذيب الشامل لتكذيبه عليه الصلاة والسلام المشعر بسبب
~~الابتلاء بالعذاب كرامة له صلى الله عليه وسلم وتنويها بعلو شأنه، ولما
~~كان الكلام السابق داخلا في حيز القول المأمور عليه الصلاة والسلام بأن
~~يشافه به أولئك الكفرة لم يحسن التقديم للكرامة إذ يكون حينئذ من باب
~~مادح نفسه يقرئك السلام، ويجوز أن يقال أيضا إن الكلام في حال الكافر
~~المحتضر والتكذيب لكونه مقابل التصديق لا يكون إلا بالقلب وهو لم يتعطل
~~منه تعطل سائر أعضائه فلذا قدم هنا، ويرشد إلى هذا ما قالوه في دعاء صلاة
~~الجنازة اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على
~~الإيمان من وجه تخصيص الإسلام بالإحياء والإيمان بالإماتة.

# وقال الإمام في ذلك: إن المراد من الضلال هناك ما صدر عنهم من الإصرار
~~على الحنث العظيم فضلوا عن سبيل الله تعالى ولم يصلوا إليه ثم كذبوا
~~رسله، وقالوا أئذا متنا الخ فكذبوا بالحشر فقال تعالى: أيها الضالون
~~الذين أشركتم المكذبون الذين أنكرتم الحشر لآكلون ما تكرهون، وأما هنا
~~فقال سبحانه لهم: أيها المكذبون الذين كذبتم بالحشر الضالون من طريق
~~الخلاص الذين لا يهتدون إلى النعيم، وفيه وجه آخر وهو أن الخطاب هناك مع
~~الكفار فقال سبحانه: أيها الذين أشركتم أولا وكذبتم ثانيا، والخطاب هنا
~~مع النبي صلى الله عليه وسلم يبين له عليه الصلاة والسلام حال الأزواج
~~الثلاثة كما يدل عليه. فسلام لك فقال سبحانه: المقربون في روح وريحان
~~وجنة ونعيم وأصحاب اليمين في سلامة، وأما المكذبون الذين كذبوك وضلوا
~~فقدم تكذيبهم إشارة إلى كرامته صلى الله عليه وسلم حيث بين أن أقوى سبب
~~في عقابهم تكذيبهم انتهى. وعليك بالتأمل والإنصاف والنظر لما قال دون
~~النظر لمن قال.

### || [56.93]

# قوله تعالى: { فنزل } بتقدير فله نزل أو فجزاؤه نزل كائن { من
~~حميم } قيل: يشرب بعد أكل الزقوم كما فصل فيما قبل.

### || [56.94]

# أي إدخال في النار، وقيل: إقامة ms10386 فيها ومقاساة لألوان عذابها، وكل ذلك
~~مبني على أن المراد بيان ما لهم يوم القيامة، وقيل: هذا محمول على ما
~~يجده في القبر من حرارة النار ودخانها لأن الكلام في حال التوفي وعقب قبض
~~الأرواح والأنسب بذلك كون ما ذكر في البرزخ، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن
~~عباس أنه قال في الآية: لا يخرج / الكافر حتى يشرب كأسا من حميم.

# وقرأ أحمد بن موسى والمنقري واللؤلؤي عن أبي عمرو { وتصلية } بالجر
~~عطفا على

# حميم

# [الواقعة: 93].

### || [56.95]

# { إن هذا } أي الذي ذكر في السورة الكريمة كما أخرج ابن أبي حاتم
~~عن ابن عباس { لهو حق اليقين } اليقين على ما يفهم من كلام
~~الزمخشري في الجاثية اسم للعلم الذي زال عنه اللبس وبذلك صرح صاحب
~~«المطلع» وذكر أنه تفسير بحسب المعنى وهو مأخوذ من المقام وإلا فهو العلم
~~المتيقن مطلقا والإضافة بمعنى اللام والمعنى  لهو عين اليقين  فهو على
~~نحو عين الشيء ونفسه ولا يخفى أن الإضافة من إضافة العام إلى الخاص
~~وكونها بمعنى اللام قول لبعضهم، وقال بعض آخر: إنها بيانية على معنى من،
~~وقدر بعضهم هنا موصوفا أي لهو حق الخبر اليقين وكونه لا يناسب المقام
~~غير متوجه، وفي «البحر» قيل: إن الإضافة من إضافة المترادفين على سبيل
~~المبالغة كما تقول هذا يقين اليقين وصواب الصواب بمعنى أنه نهاية في ذلك
~~فهما بمعنى، أضيف أحدهما إلى الآخر للمبالغة وفيه نظر. والفاء في قوله
~~تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم }.

### || [56.96]

# والفاء في قوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } لترتيب
~~التسبيح أو الأمر به، فإن حقية ما فصل في تضاعيف السورة الكريمة مما يوجب
~~التسبيح عما لا يليق مما ينسبه الكفرة إليه سبحانه قالا أو حالا، تعالى
~~عن ذلك علوا كبيرا. وأخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان
~~والحاكم وصححه وغيرهم عن عقبة بن عامر الجهني قال:

# " لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { فسبح باسم ربك
~~العظيم } قال: اجعلوها في ركوعكم ولما نزلت { سبح اسم ربك ms10387
~~الأعلى } [الأعلى: 1] قال: اجعلوها في سجودكم "

# ومما قاله السادة أرباب الإشارة: متعلقا ببعض هذه السورة الكريمة أن
~~الواقعة اسم لقيامة الروح كما أن الآزفة اسم لقيامة الخفي، والحاقة اسم
~~لقيامة السر، و الساعة اسم لقيامة القلب، وقالوا: إن الواقعة إذا وقعت
~~ترفع صاحبها طورا وتخفضه طورا وتشعل نيران الغيرة وتفجر أنهار المعرفة
~~وتحصل للسالك إذا اشتغل بالسلوك والتصفية ووصل ذكره إلى الروح وهي في
~~البداية مثل ستر أسود يجىء من فوق الرأس عند غلبة الذكر وكلما زاد في
~~النزول يقع على الذاكر هيبة وسكينة وربما يغمى عليه في البداية ويشاهد
~~إذا وقع على عينيه عوالم الغيب فيرى ما شاء الله تعالى أن يرى وتكشف له
~~العلوم الروحانية ويرى عجائب وغرائب لا تحصى، وإذا أفاق فليعرض ما حصل له
~~لمسلكه ليرشده إلى ما فيه مصلحة وقته ويعبر له ما هو مناسب لحوصلته ويقوي
~~قلبه ويأمره بالذكر والتوجه الكلي حتى يكمل بصفو سر الواقعة فيكون سرا
~~منورا فربما يصير السالك بحيث إذا فتح عينيه بعد نزولها في عالم الشهادة
~~يشاهد ما كان مشاهدا له فيها وهي حالة سنية معتبرة عند أرباب السلوك 
~~فليس لوقعتها كاذبة  بل هي صادقة لأن الشيطان يفر عندها والنفس لا تقدر
~~أن تلبس على صاحبها وهي اليقظة الحقيقية وما يعده الناس يقظة هو النوم
~~كما يشير إليه قول أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه: الناس نيام
~~فإذا ماتوا انتبهوا.

# ثم إنهم تكلموا على أكثر ما في السورة الجليلة بما يتعلق بالأنفس،
~~وقالوا في مواقع النجوم: إنها إشارة إلى اللطائف المطهرة لأنها مواقع
~~نجوم الواردات القدسية الخفية من السماء الجبروتية اللاهوتية، وقيل: في
~~قوله تعالى:

# لا يمسه إلا المطهرون

# [الواقعة: 79] إن فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي لمن لم يكن طاهر النفس من
~~حدث الميل إلى صغائر الشهوات  وهو الحدث الأصغر  ومن حدث الميل إلى
~~كبائر الشهوات  وهو الحدث الأكبر  أن يمس بيد نفسه وفكره معاني القرآن
~~الكريم كما لا ينبغي لمن لم يكن طاهر البدن من الحدثين ms10388 المعروفين في
~~البدن أن يمس بيد بدنه وجسده ألفاظه المكتوبة، وقيل: أيضا يجوز أن يقال
~~المعنى / لا يصل إلى أدنى حقائق أسرار القرآن الكريم إلا المطهرون من
~~أرجاس الشهوات وأنجاس المخالفات.

# وإذا كانت هذه الجملة صفة للكتاب المكنون المراد منه اللوح المحفوظ
~~وأريد بالمطهرين الملائكة عليهم السلام، وكان المعنى لا يطلع عليه إلا
~~الملائكة عليهم السلام كان في ذلك رد على من يزعم أن الأولياء يرون
~~اللوح المحفوظ ويطلعون على ما فيه، وحمل المطهرين على ما يعم الملائكة
~~والأولياء الذين طهرت نفوسهم وقدست ذواتهم حتى التحقوا بالملائكة عليهم
~~السلام لا ينفع في البحث مع أهل الشرع فإن مدار استدلالاتهم على الأحكام
~~الشرعية الظواهر على أنه لم يسمع عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو هو
~~أنه نظر يوما وهو بين أصحابه إلى اللوح المحفوظ واطلع على شيء مما فيه،
~~وقال لهم: إني رأيت اللوح المحفوظ واطلعت على كذا وكذا فيه، وكذلك لم
~~يسمع عن أجلة أصحابه الخلفاء الراشدين أنه وقع لهم ذلك، وقد وقعت بينهم
~~مسائل اختلفوا فيها وطال نزاعهم في تحقيقها إلى أن كاد يغم هلال الحق
~~فيها ولم يراجع أحد منهم لكشفها اللوح المحفوظ.

# وذكر بعض العلماء أن سدرة المنتهى ينتهي علم من تحتها إليها وأن اللوح
~~فوقها بكثير، وبكل من ذلك نطقت الآثار، وهو يشعر بعدم اطلاع الأولياء على
~~اللوح، ومع هذا كله من ادعى وقوع الاطلاع فعليه البيان وأنى به، وهذا
~~الذي سمعت مبني على ما نطقت به الأخبار في صفة اللوح المحفوظ وأنه جسم
~~كتب فيه ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، وأما إذا قيل فيه غير ذلك
~~انجر البحث إلى وراء ما سمعت واتسعت الدائرة. ومن ذلك قولهم: إن الألواح
~~أربعة، لوح القضاء السابق على المحو والإثبات وهو لوح العقل الأول، ولوح
~~القدر أي لوح النفس الناطقة الكلية التي يفصل فيها كليات اللوح الأول وهو
~~المسمى باللوح المحفوظ، ولوح النفس الجزئية السماوية التي ينتقش فيها كل
~~ما في هذا العالم شكله وهيئته ms10389 ومقداره وهو المسمى بالسماء الدنيا وهو
~~بمثابة خيال العالم كما أن الأول بمثابة روحه، والثاني بمثابة قلبه، ولوح
~~الهيولى القابل للصورة في عالم الشهادة ويقولون أيضا ما يقولون وينشد
~~المنتصر له قوله:

# وإذا لم تر الهلال فسلم

# لأناس رأوه بالأبصار

# هذا ولا تظنن أن نفي رؤيتهم للوح المحفوظ نفي لكراماتهم الكشفية
~~وإلهاماتهم الغيبية معاذ الله تعالى من ذلك، وطرق إطلاع الله تعالى من
~~شاء من أوليائه على من شاء من علمه غير منحصر بإراءته اللوح المحفوظ ثم
~~إن الإمكان مما لا نزاع فيه وليس الكلام إلا في الوقوع، وورود ذلك عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم وأجلة أصحابه كالصديق والفاروق وذي النورين
~~وباب مدينة العلم والنقطة التي تحت الباء رضي الله تعالى عنهم أجمعين،
~~والله تعالى أعلم.

# وقالوا في قوله تعالى:

# ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون

# [الواقعة: 85] ما بنوه على القول بوحدة الوجود والكلام فيها شائع  وقد
~~أشرنا إليه في هذا الكتاب غير مرة  ولهم في اليقين وعين اليقين وحق
~~اليقين عبارات شتى، منها اليقين رؤية العيان بقوة الإيمان لا بالحجة
~~والبرهان، وقيل: مشاهدة الغيوب بصفاء القلوب وملاحظة الأسرار بمحافظة
~~الأفكار، وقيل: طمأنينة القلب على حقيقة الشيء من يقن الماء في الحوض إذا
~~استقر، وحق اليقين فناء العبد في الحق والبقاء به علما وشهودا وحالا
~~لا علما فقط فعلم كل عاقل الموت علم اليقين فإذا عاين الملائكة فهو عين
~~اليقين، وإذا ذاق الموت فهو حق اليقين، وقيل: علم اليقين ظاهر الشريعة،
~~وعين اليقين الإخلاص فيها، وحق اليقين المشاهدة فيها، وقيل وقيل ونحن
~~نسأل الله تعالى الهداية إلى أقوم سبيل، وأن يشرح صدورنا بأنوار علوم
~~كتابه الكريم الجليل وهو سبحانه حسبنا في الدارين ونعم الوكيل.

### | [57 - سورة الحديد]

### || [57.1]

# { سبح لله ما فى السموت والأرض } التسبيح على
~~المشهور تنزيه الله تعالى اعتقادا وقولا وعملا عما لا يليق بجنابه
~~سبحانه من سبح في الأرض والماء إذا ذهب وأبعد فيهما، وحيث أسند ههنا
~~إلى غير العقلاء أيضا فإن { ما فى السموت ms10390 والأرض } يعم
~~جميع ما فيهما سواء كان مستقرا فيهما أو جزءا منهما بل المراد بما
~~فيهما الموجودات فيكون أظهر في تناول السماوات والأرض ويتناول أيضا
~~الموجودات المجردة عند القائل بها، قال الجمهور: المراد به معنى عام
~~مجازي شامل لما نطق به لسان المقال كتسبيح الملائكة والمؤمنين من
~~الثقلين، ولسان الحال كتسبيح غيرهم فإن كل فرد من أفراد الموجودات يدل
~~بإمكانه وحدوثه على الصانع القديم الواجب الوجود المتصف بكل كمال المنزه
~~عن كل نقص، وذهب بعض إلى أن التسبيح على حقيقته المعروفة في الجميع وهو
~~مبني على ثبوت النفوس الناطقة والإدراك لسائر الحيوانات والجمادات على ما
~~يليق بكل، وقد صرح به جمع من الصوفية فتسبيح كل شيء عندهم قالي وإن تفاوت
~~الأمر، وقيل: معنى سبح حمل رائيه العاقل على قول سبحان الله تعالى ونبهه
~~عليه وهو كما ترى، ومن يجوز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معا لا
~~يحتاج إلى / عموم المجاز.

# وجوز الطبرسي كون { ما } للعالم فقط مثلها في قول أهل الحجاز كما حكى
~~أبو زيد عند سماع الرعد  سبحان ما سبحت له  ولا يخفى أن عمومها العالم
~~وغيره أولى، والظاهر أنها في الوجهين موصولة، وقال بعضهم: إنها نكرة
~~موصوفة وأن أصل الكلام ما في السماوات وما في الأرض ثم حذفت ما الثانية
~~وأقيمت صفتها مقامها، ولا يحسن أن تكون موصولة لأن الصلة لا تقوم مقام
~~الموصول عند البصريين وتقوم الصفة مقام الموصوف عند الجميع، والحمل على
~~المتفق عليه أولى من الحمل على المختلف فيه وكون المذكورة موصولة
~~والمحذوفة نكرة موصوفة مما لا وجه له انتهى. وأنت تعلم أن حذف الموصول
~~الصريح في مثل ذلك أكثر من أن يحصى.

# وجيء باللام مع أن التسبيح متعد بنفسه كما في قوله تعالى:

# وتسبحوه

# [الفتح: 9] للتأكيد فهي مزيدة لذلك كما في نصحت له وشكرت له، وقيل:
~~للتعليل والفعل منزل منزلة اللازم أي فعل التسبيح وأوقعه لأجل الله تعالى
~~وخالصا لوجهه سبحانه، وفيه شيء لا يخفى.

# وعبر بالماضي هنا وفي بعض الأخوات وبالمضارع في البعض ms10391 الآخر إيذانا
~~بتحقق التسبيح في جميع الأوقات، وفي كل دلالة على أن من شأن ما أسند إليه
~~التسبيح أن يسبحه وذلك هجيراه وديدنه، أما دلالة المضارع عليه فللدلالة
~~على الاستمرار إلى زمان الإخبار وكذلك فيما يأتي من الزمان لعموم المعنى
~~المقتضي للتسبيح وصلوح اللفظ لذلك حيث جرد عن الدلالة على الزمان وأوثر
~~على الاسم دلالة على تجدد تسبيح غب تسبيح، وأما دلالة الماضي فللتجرد عن
~~الزمان أيضا مع التحقيق الذي هو مقتضاه فيشمل الماضي من الزمان ومستقبله
~~كذلك، وقيل: الإيذان والدلالة على الاستمرار مستفادان من مجموعي الماضي
~~والمضارع حيث دل الماضي على الاستمرار إلى زمان الإخبار والمضارع على
~~الاستمرار في الحال والاستقبال فشملا معا جميع الأزمنة، وقال الطيبي:
~~افتتحت بعض السور بلفظ المصدر وبعض بالماضي وبعض بالمضارع وبعض بالأمر
~~فاستوعب جميع جهات هذه الكلمة إعلاما بأن المكونات من لدن إخراجها من
~~العدم إلى الوجود إلى الأبد مسبحة مقدسة لذاته سبحانه وتعالى قولا
~~وفعلا طوعا وكرها

# وإن من شىء إلا يسبح بحمده

# [الاسراء: 44].

# { وهو العزيز } القادر الغالب الذي لا ينازعه ولا يمانعه شيء {
~~الحكيم } الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة. والجملة
~~اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله مشعر بعلة الحكم، وكذا قوله تعالى: {
~~له ملك السموت والأرض... }.

### || [57.2]

# وكذا قوله تعالى: { له ملك السموت والأرض } أي التصرف
~~الكلي فيهما وفيما فيهما من الموجودات من حيث الإيجاد والإعدام وسائر
~~التصرفات، وقوله سبحانه: { يحيي ويميت } أي يفعل الإحياء
~~والإماتة، استئناف مبين لبعض أحكام الملك، وإذا جعل خبر مبتدأ محذوف أي
~~هو يحي ويميت كانت تلك الجملة كذلك وجعله حالا من ضمير { له } يوهم
~~تقييد اختصاص الملك بهذه الحال، وقوله تعالى: { وهو على كل شىء
~~} من الأشياء التي من جملتها ما ذكر من الإحياء والإماتة { قدير }
~~مبالغ في القدرة تذييل وتكميل لما قبله.

### || [57.3]

# { هو الأول } السابق على جميع الموجودات فهو سبحانه موجود قبل كل
~~شيء حتى الزمان لأنه جل وعلا الموجد والمحدث للموجودات { والأخر }
~~الباقي بعد فنائها حقيقة أو نظرا إلى ms10392 ذاتها مع قطع النظر عن مبقيها فإن
~~جميع الموجودات الممكنة إذا قطع النظر عن علتها فهي فانية. ومن هنا قال
~~ابن سينا: الممكن في حد ذاته ليس وهو عن علته أيس فلا ينافي هذا كون بعض
~~/ الموجودات الممكنة لا تفنى كالجنة والنار ومن فيهما كما هو مقرر مبين
~~بالآيات والأحاديث لأن فناءها في حد ذاتها أمر لا ينفك عنها، وقد يقال:
~~فناء كل ممكن بالفعل ليس بمشاهد، والذي يدل عليه الدليل إنما هو إمكانه
~~فالبعدية في مثله بحسب التصور والتقدير، وقيل: هو الأول الذي تبتدىء منه
~~الأسباب إذ هو سبحانه مسببها والآخر الذي تنتهي إليه المسببات فالأولية
~~ذاتية والآخرية بمعنى أنه تعالى إليه المرجع والمصير بقطع النظر عن
~~البقاء الثابت بالأدلة، وقيل: الأول خارجا لأنه تعالى أوجد الأشياء فهو
~~سبحانه متقدم عليها في نفس الأمر الخارجي والآخر ذهنا وبحسب التعلق لأنه
~~عز شأنه يستدل عليه بالموجودات الدالة على الصانع القديم كما قيل: ما
~~رأيت شيئا إلا رأيت الله تعالى بعده، وقال حجة الإسلام الغزالي: إن
~~الأول يكون أولا بالإضافة إلى شيء، والآخر يكون آخرا بالإضافة إلى شيء،
~~وهما متناقضان فلا يتصور أن يكون الشيء الواحد من وجه واحد بالإضافة إلى
~~شيء واحد أولا وآخرا جميعا بل إذا نظرت إلى ترتيب الوجود ولاحظت سلسلة
~~الموجودات المترتبة فالله تعالى بالإضافة إليها أول إذ كلها استفادت
~~الوجود منه سبحانه وأما هو عز وجل فموجود بذاته وما استفاد الوجود من
~~غيره سبحانه وتعالى عن ذلك، ومهما نظرت إلى ترتيب السلوك ولاحظت منازل
~~السالكين فهو تعالى آخر إذ هو آخر ما ترتقي إليه درجات العارفين وكل
~~معرفة تحصل قبل معرفته تعالى فهي مرقاة إلى معرفته جل وعلا، والمنزل
~~الأقصى هو معرفة الله جل جلاله فهو سبحانه بالإضافة إلى السلوك آخر
~~وبالإضافة إلى الوجود أول فمنه عز شأنه المبدأ أولا وإليه سبحانه
~~والمرجع والمصير آخرا انتهى. والظاهر أن كونه تعالى أولا وآخرا
~~بالنسبة إلى الموجودات أولى ولعل ما ذكره أوفق بمشرب القوم.

# { والظهر } أي بوجوده لأن ms10393 كل الموجودات بظهوره تعالى ظاهر {
~~والبطن } بكنهه سبحانه فلا تحوم حوله العقول، وقال حجة الإسلام:
~~هذان الوصفان من المضافات فلا يكون الشيء ظاهرا لشيء وباطنا له من وجه
~~واحد بل يكون ظاهرا من وجه بالإضافة إلى إدراك وباطنا من وجه آخر فإن
~~الظهور والبطون إنما يكون بالإضافة إلى الإدراكات والله تعالى باطن إن
~~طلب من إدراك الحواس وخزانة الخيال ظاهر إن طلب من خزانة العقل
~~بالاستدلال والريب من شدة الظهور وكل ما جاوز الحد انعكس إلى الضد.

# وإلى تفسير الباطن بغير المدرك بالحواس ذهب الزمخشري، ثم قال: ((إن
~~الواو الأولى لعطف المفرد على المفرد فتفيد أنه تعالى الجامع بين الصفتين
~~الأولية والآخرية والأخيرة أيضا كذلك فتفيد أنه تعالى الجامع بين الظهور
~~والخفاء، وأما الوسطى فلعطف المركب على المركب فتفيد أنه جل وعلا الجامع
~~بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الأخريين فهو تعالى المستمر
~~الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية وهو تعالى في جميعها ظاهر وباطن
~~جامع للظهور بالأدلة والخفاء فلا يدرك بالحواس، وفي هذا حجة على من جوز
~~إدراكه سبحانه في الآخرة بالحاسة)) أي وذلك لأنه تعالى ما من وقت يصح
~~اتصافه بالأولية والآخرية إلا ويصح اتصافه بالظاهرية والباطنية معا،
~~فإذا جوز إدراكه سبحانه بالحاسة في الآخرة فقد نفى كونه سبحانه باطنا
~~وهو خلاف ما تدل عليه الآية.

# وأجاب عن ذلك صاحب «الكشف» فقال: إن تفسير الباطن بأنه غير مدرك بالحواس
~~تفسير بحسب التشهي فإن بطونه تعالى عن إدراك العقول كبطونه عن إدراك
~~الحواس لأن حقيقة الذات غير مدركة لا عقلا ولا حسا باتفاق بين المحققين
~~من الطائفتين، والزمخشري ممن سلم فهو الظاهر بوجوده والباطن بكنهه وهو
~~سبحانه الجامع بين الوصفين أزلا / وأبدا، وهذا لا ينافي الرؤية لأنها
~~لا تفيد ذلك عند مثبتها انتهى، وهو حسن فلا تغفل.

# وعليه فالتذييل بقوله تعالى: { وهو بكل شىء عليم } لئلا
~~يتوهم أن بطونه تعالى عن الأشياء يستلزم بطونها عنه عز وجل كما في
~~الشاهد، وقال الأزهري: قد يكون الظاهر والباطن بمعنى العالم لما ms10394 ظهر
~~وبطن؛ وذلك أن من كان ظاهرا احتجب عنه الباطن ومن كان باطنا احتجب عنه
~~الظاهر فإن أردت أن تصفه بالعلم قلت هو ظاهر باطن مثله قوله تعالى:

# لا شرقية ولا غربية

# [النور: 35] أي لا شرقية فقط ولا غربية فقط ولكنها شرقية غربية، وفي
~~التذييل المذكور حينئذ خفاء، وقريب منه من وجه ما نقل أن الظاهر بمعنى
~~العالي على كل شيء الغالب له من قولهم: ظهر عليهم إذا علاهم وغلبهم،
~~والباطن الذي بطن كل شيء أي علم باطنه، وتعقب بفوات المطابقة بين الظاهر
~~والباطن عليه وأن بطنه بمعنى علم باطنه غير ثابت في اللغة، لكن قيل: في
~~الآثار ما ينصر تفسير الظاهر بما فسر. أخرج مسلم والترمذي وابن أبي شيبة
~~والبيهقي عن أبي هريرة قال:

# " جاءت فاطمة رضي الله تعالى عنها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~تسأله خادما فقال لها: قولي اللهم رب السماوات السبع ورب العرش الكريم
~~العظيم ربنا ورب كل شيء منزل التوراة والإنجيل والفرقان فالق الحب والنوى
~~أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت
~~الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك
~~شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر ".

# وقال الطيبي: المعني بالظاهر في التفسير النبوي الغالب الذي يغلب ولا
~~يغلب فيتصرف في المكونات على سبيل الغلبة والاستيلاء إذ ليس فوقه أحد
~~يمنعه، وبالباطن من لا ملجأ ولا منجى دونه يلتجىء إليه ملتجىء، وبحث فيه
~~بجواز أن يكون المراد أنت الظاهر فليس فوقك شيء في الظهور أي أنت أظهر من
~~كل شيء إذ ظهور كل شيء بك وأنت الباطن فليس دونك في البطون شيء أي أنت
~~أبطن من كل شيء إذ كل شيء يعلم حقيقته غيره وهو أنت وأنت لا يعلم حقيقتك
~~غيرك، أو لأن كل شيء يمكن معرفة حقيقته وأنت لا يمكن أصلا معرفة حقيقتك،
~~وأيضا في دلالة الباطن على ما قال: خفاء جدا على أنه لو كان الأمر كما
~~ذكر ms10395 ما عدل عنه أجلة العلماء فإن الخبر صحيح، وقد جاء نحوه من رواية
~~الإمام أحمد وأبي داود وابن ماجه؛ ويبعد عدم وقوف أولئك الأجلة عليه،
~~وأبعد من ذلك أن يكون ما ذكره صلى الله عليه وسلم من أسمائه تعالى غير ما
~~في الآية، ويحتمل أنه عليه الصلاة والسلام أراد بقوله:

# " فليس دونك شيء "

# ليس أقرب منك شيء، ويؤيده ما أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» عن
~~مقاتل قال: بلغنا في قوله تعالى: { هو الأول } الخ هو الأول قبل كل
~~شيء والآخر بعد كل شيء والظاهر فوق كل شيء والباطن أقرب من كل شيء، وإنما
~~يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه والذي يترجح عندي ما ذكر أولا.

# وعن بعض المتصوفة أهل وحدة الوجود أن المراد بقوله سبحانه: { هو
~~الأول } الخ أنه لا موجود غيره تعالى إذ كل ما يتصور موجودا فهو إما
~~أول أو آخر أو ظاهر أو باطن فإذا كان الله تعالى هو الأول والآخر والظاهر
~~والباطن لا غيره كان كل ما يتصور موجودا هو سبحانه لا غيره، وأيدوه بما
~~في حديث مرفوع أخرجه الإمام أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن المنذر
~~وجماعة عن أبي هريرة

# " والذي نفسي بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله "

# قال أبو هريرة، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: { هو الأول
~~والأخر والظهر والبطن وهو بكل شىء عليم }
~~وحال القول بوحدة الوجود مشهور، وأما الخبر فمن المتشابه، وقد قال فيه
~~الترمذي: فسر أهل العلم / الحديث فقالوا: أي لهبط على علم الله تعالى
~~وقدرته وسلطانه، ويؤيد هذا ذكر التذييل وعدم اقتصاره عليه الصلاة والسلام
~~على ما قبله.

# وهذه الآية ينبغي لمن وجد في نفسه وسوسة فيما يتعلق بالله تعالى أن
~~يقرأها، فقد أخرج أبو داود عن أبي زميل أن ابن عباس قال له - وقد أعلمه
~~أن عنده وسوسة في ذلك - إذا وجدت في نفسك شيئا فقل { هو الأول }
~~الآية. وأخرج أبو الشيخ في «العظمة» عن ابن عمر وأبي سعيد رضي الله ms10396
~~تعالى عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " لا يزال الناس يسألون عن كل شيء حتى يقولوا هذا الله كان قبل كل شيء
~~فماذا كان قبل الله فإن قالوا لكم ذلك فقولوا { هو الأول والآخر
~~والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم } ".

### || [57.4]

# { هو الذى خلق السموت والأرض في ستة أيام
~~ثم استوى على العرش } بيان لبعض أحكام ملكهما وقد مر تفسيره
~~مرارا { يعلم ما يلج فى الأرض وما يخرج منها وما
~~ينزل من السماء وما يعرج فيها } مر بيانه في سورة سبأ
~~[2]

# وهو معكم أين ما كنتم

# تمثيل لإحاطة علمه تعالى بهم وتصوير لعدم خروجهم عنه أينما كانوا، وقيل:
~~المعية مجاز مرسل عن العلم بعلاقة السببية والقرينة السابق واللحاق مع
~~استحالة الحقيقة، وقد أول السلف هذه الآية بذلك، أخرج البيهقي في
~~«الأسماء والصفات» عن ابن عباس أنه قال فيها: عالم بكم أينما كنتم. وأخرج
~~أيضا عن سفيان الثوري أنه سئل عنها فقال: علمه معكم، وفي «البحر» أنه
~~اجتمعت الأمة على هذا التأويل فيها وأنها لا تحمل على ظاهرها من المعية
~~بالذات وهي حجة على منع التأويل في غيرها مما يجري مجراها في استحالة
~~الحمل على الظاهر، وقد تأول هذه الآية وتأول «الحجر الأسود يمين الله في
~~الأرض»، ولو اتسع عقله لتأول غير ذلك مما هو في معناه انتهى.

# وأنت تعلم أن الأسلم ترك التأويل فإنه قول على الله تعالى من غير علم
~~ولا نؤول إلا ما أوله السلف ونتبعهم فيما كانوا عليه فإن أولوا أولنا
~~وإن فوضوا فوضنا ولا نأخذ تأويلهم لشيء سلما لتأويل غيره، وقد رأيت بعض
~~الزنادقة الخارجين من ربقة الإسلام يضحكون من هذه الآية مع قوله تعالى: {
~~ثم استوى على العرش } , ويسخرون من القرآن الكريم لذلك، وهو
~~جهل فظيع وكفر شنيع نسأل الله تعالى العصمة والتوفيق.

# { والله بما تعملون بصير } عبارة عن إحاطته بأعمالهم
~~وتأخير صفة العلم الذي هو من صفات الذات عن الخلق الذي هو من صفات
~~الأفعال مع أن صفات الذات متقدمة على صفات ms10397 الأفعال لما أن المراد الإشارة
~~إلى ما يدور عليه الجزاء من العلم التابع للمعلوم، وقيل: إن الخلق دليل
~~العلم إذ يستدل بخلقه تعالى وإيجاده سبحانه لمصنوعاته المتقنة على أنه عز
~~وجل عالم ومن شأن المدلول التأخر عن الدليل لتوقفه عليه.

### || [57.5]

# وقوله تعالى: { له ملك السموت والأرض } تكرير للتأكيد
~~وتمهيد لقوله سبحانه المشعر بالإعادة. { وإلى الله ترجع
~~الأمور } أي إليه تعالى وحده لا إلى غيره سبحانه استقلالا أو
~~اشتراكا ترجع جميع الأمور أعراضها وجواهرها. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق
~~والأعرج { ترجع } مبنيا للفاعل من رجع رجوعا، وعلى البناء للمفعول
~~كما في قراءة الجمهور: هو من رجع رجعا.

### || [57.6]

# { يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل }
~~مر تفسيره مرارا. وقوله تعالى: { وهو عليم } أي مبالغ في العلم {
~~بذات الصدور } أي بمكنوناتها / اللازمة لها. بيان لإحاطة علمه
~~تعالى بما يضمرونه من نياتهم بعد بيان إحاطته بأعمالهم التي يظهرونها،
~~وجوز أن يراد { بذات الصدور } نفسها وحقيقتها على أن الإحاطة بما
~~فيها تعلم بالأولى.

### || [57.7]

# { ءامنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم
~~مستخلفين فيه } أي جعلكم سبحانه خلفاء عنه عز وجل في التصرف
~~فيه من غير أن تملكوه حقيقة، عبر جل شأنه عما بأيديهم من الأموال بذلك
~~تحقيقا للحق وترغيبا في الإنفاق فإن من علم أنها لله تعالى وإنما هو
~~بمنزلة الوكيل يصرفها إلى ما عينه الله تعالى من المصارف هان عليه
~~الإنفاق، أو جعلكم خلفاء عمن كان قبلكم فيما كان بأيديهم فانتقل لكم،
~~وفيه أيضا ترغيب في الإنفاق وتسهيل له لأن من علم أنه لم يبق لمن قبله
~~وانتقل إليه علم أنه لا يدوم له وينتقل لغيره فيسهل عليه إخراجه ويرغب في
~~كسب الأجر بإنفاقه ويكفيك قول الناس فيما ملكته لقد كان هذا مرة لفلان،
~~وفي الحديث

# " يقول ابن آدم: مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست
~~فأبليت أو تصدقت فأمضيت "

# والمعنى الأول هو المناسب لقوله تعالى:

# له ملك السموات والأرض

# [الحديد: 5] وعليه ما حكي أنه قيل لأعرابي: ms10398 لمن هذه الإبل؟ فقال: هي
~~لله تعالى عندي، ويميل إليه قول القائل:

# وما المال والأهلون (إلا ودائع)

# ولا بد يوما أن ترد الودائع

# والآية على ما روي عن الضحاك نزلت في تبوك فلا تغفل.

# { فالذين ءامنوا منكم وأنفقوا } حسبما أمروا به {
~~لهم } بسبب ذلك { أجر كبير } وعد. فيه من المبالغات ما لا يخفى
~~حيث جعل الجملة اسمية وكان الظاهر أن تكون فعلية في جواب الأمر بأن يقال
~~مثلا آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا تعطوا أجرا كبيرا. وأعيد ذكر الإيمان
~~والإنفاق دون أن يقال فمن يفعل ذلك فله أجر كبير وعدل عن فللذين آمنوا
~~منكم وأنفقوا أجر، إلى ما في النظم الكريم وفخم الأجر بالتنكير، ووصف
~~بالكبير.

### || [57.8]

# وقوله عز وجل: { وما لكم لا تؤمنون بالله } استئناف قيل:
~~مسوق لتوبيخهم على ترك الإيمان حسبما أمروا به بإنكار أن يكون لهم في ذلك
~~عذر ما في الجملة على أن { لا تؤمنون } حال من ضمير { لكم }
~~والعامل ما فيه من معنى الاستقرار أي أي شيء حصل لكم غير مؤمنين على
~~توجيه الإنكار والنفي إلى السبب فقط مع تحقق المسبب وهو مضمون الجملة
~~الحالية أعني عدم الإيمان فأي لإنكار سبب الواقع ونفيه فقط، ونظيره قوله
~~تعالى:

# ما لكم لا ترجون لله وقارا

# [نوح: 13] وقد يتوجه الإنكار والنفي في مثل هذا التركيب لسبب الوقوع
~~فيسريان إلى المسبب أيضا كما في قوله تعالى:

# وما لى لا أعبد

# [يس: 22] الخ ولا يمكن إجراء ذلك هنا لتحقق عدم الإيمان وهذا المعنى
~~مما لا غبار عليه.

# وقوله تعالى: { والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم }
~~حال من ضمير { لا تؤمنون } مفيدة على ما قيل: لتوبيخهم على الكفر
~~مع تحقق ما يوجب عدمه بعد توبيخهم عليه مع عدم ما يوجبه. ولام {
~~لتؤمنوا } صلة  يدعو  وهو يتعدى بها وبإلى، أي وأي عذر في ترك
~~الإيمان والرسول يدعوكم إليه وينبهكم عليه، وجوز أن تكون اللام تعليلية
~~وقوله سبحانه: { وقد أخذ ميثقكم } حال من فاعل {
~~يدعوكم } أو من مفعوله، أي وقد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان من قبل ms10399
~~كما يشعر به تخالف الفعلين مضارعا وماضيا، وجوز كونه حالا معطوفة على
~~الحال قبلها فالجملة حال بعد حال من ضمير { تؤمنون } والتخالف
~~بالاسمية والفعلية يبعد ذلك في الجملة، وأيا ما كان فأخذ الميثاق إشارة
~~إلى ما كان منه تعالى من نصب الأدلة الآفاقية والأنفسية / والتمكين من
~~النظر فقوله تعالى: { والرسول يدعوكم } إشارة إلى الدليل
~~السمعي وهذا إشارة إلى الدليل العقلي وفي التقديم والتأخير ما يؤيد القول
~~بشرف السمعي على العقلي.

# وقال البغوي: هو ما كان حين أخرجهم من ظهر آدم وأشهدهم بأنه سبحانه ربهم
~~فشهدوا وعليه لا مجاز والأول اختيار الزمخشري، وتعقبه ابن المنير فقال:
~~((لا عليه أن يحمل العهد على حقيقته وهو المأخوذ يوم الذر وكل ما أجازه
~~العقل وورد به الشرع وجب الإيمان به))، وروى ذلك عن مجاهد وعطاء والكلبي
~~ومقاتل، وضعفه الإمام بأن المراد إلزام المخاطبين الإيمان ونفي أن يكون
~~لهم عذر في تركه وهم لا يعلمون هذا العهد إلا من جهة الرسول فقبل التصديق
~~بالرسول لا يكون سببا لإلزامهم الإيمان به، وقال الطيبي: يمكن أن يقال:
~~إن الضمير في { أخذ } إن كان لله تعالى فالمناسب أن يراد بالميثاق ما
~~دل عليه قوله تعالى:

# قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى
~~هدى فمن تبع هداي

# [البقرة: 38] الخ لأن المعنى: فإما يأتينكم مني هدى برسول أبعثه إليكم
~~وكتاب أنزله عليكم، ويدل على الأول قوله سبحانه: { والرسول
~~يدعوكم لتؤمنوا } وعلى الثاني

# هو الذى ينزل على عبده ءايت

# [الحديد: 9] الخ، وإن كان للرسول صلى الله عليه وسلم فالظاهر أن يراد به
~~ما في قوله تعالى:

# وإذ أخذ الله ميثق النبيين لما ءاتيتكم من
~~كتب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم
~~لتؤمنن به ولتنصرنه

# [آل عمران: 81] على أن يضاف الميثاق إلى النبيين إضافته إلى الموثق لا
~~الموثق عليه أي الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم، وهو الوجه لأن
~~الخطاب مع الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما يدل عليه ما بعد، ولعل
~~الميثاق نحو ما روينا عن الإمام أحمد عن عبادة ms10400 بن الصامت بايعنا رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى
~~النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن
~~نقول في الله تعالى ولا نخاف لومة لائم انتهى. ويضعف الأول بنحو ما ضعف
~~به الإمام حمل العهد على ما كان يوم الذر، وضعف الثاني أظهر من أن ينبه
~~عليه.

# والخطاب قال صاحب «الكشف»: عام يوبخ من لم يؤمن منهم بعدم الإيمان ثم من
~~آمن بعدم الإنفاق في سبيله. وكلام أبي حيان ظاهر في أنه للمؤمنين، وجعل

# آمنوا

# [الحديد: 7] أمرا بالثبات على الإيمان ودوامه { وما لكم لا
~~تؤمنون } الخ على معنى كيف لا تثبتون على الإيمان ودواعي ذلك
~~موجودة. وظاهر كلام بعضهم كونه للكفرة وهو الذي أشرنا إليه من قبل، ولعل
~~ما ذكره صاحب «الكشف» أولى إلا أنه قيل عليه: إن { آمنوا } إذا كان
~~خطابا للمتصفين بالإيمان ولغير المتصفين به يلزم استعمال الأمر في طلب
~~أصل الفعل نظرا لغير المتصفين وفي طلب الثبات نظرا للمتصفين وفيه
~~مافيه، ويحتاج في التفصي عن ذلك إلى إرادة معنى عام للأمرين، وقد يقال
~~أراد أنه عمد إلى جماعة مختلفين في الأحوال فأمروا بأوامر شتى وخوطبوا
~~بخطابات متعددة فتوجه كل أمر وكل خطاب إلى من يليق به وهذا كما يقول
~~الوالي لأهل بلده: أذنوا وصلوا ودرسوا وأنفقوا على الفقراء وأوفوا الكيل
~~والميزان إلى غير ذلك، فإن كل أمر ينصرف إلى من يليق به منهم فتأمل.

# وقرىء { وما لكم لا تؤمنون بالله ورسوله } ، وقرأ أبو عمرو { وقد أخذ
~~ميثقكم } بالبناء للمفعول ورفع { ميثقكم }.

# { إن كنتم مؤمنين } شرط جوابه محذوف دل عليه ما قبل، والمعنى
~~إن كنتم مؤمنين لموجب ما فهذا موجب لا موجب وراءه، وجوز أن يكون المراد
~~إن كنتم ممن يؤمن فما لكم لا تؤمنون والحالة هذه، وقال الواحدي: أي إن
~~كنتم مؤمنين بدليل عقلي أو نقلي فقد بان وظهر لكم على يدي محمد صلى الله
~~عليه وسلم ببعثته وإنزال القرآن عليه؛ وأيا ما كان فلا تناقض ms10401 بين هذا
~~وقوله تعالى: { وما لكم لا تؤمنون } وقال الطبري / في ذلك:
~~المراد إن كنتم مؤمنين في حال من الأحوال فآمنوا الآن؛ وقيل: المراد إن
~~كنتم مؤمنين بموسى وعيسى عليهما السلام فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم
~~فإن شريعتهما تقتضي الإيمان به عليه الصلاة والسلام أو إن كنتم مؤمنين
~~بالميثاق المأخوذ عليكم في عالم الذر فآمنوا الآن، وقيل: المراد إن دمتم
~~على الإيمان فأنتم في رتب شريفة وأقدار رفيعة، والكل كما ترى.

# وظاهر الأخير أن الخطاب مع المؤمنين وهو الذي اختاره الطيبي، وقال في
~~هذا الشرط: يمكن أن يجري على التعليل كما في قوله تعالى:

# يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقى
~~من الربوا إن كنتم مؤمنين

# [البقرة: 278] لأن الكلام مع المؤمنين على سبيل التوبيخ والتقريع يدل
~~عليه ما بعد.

### || [57.9]

# { هو الذى ينزل على عبده } حسبما يعن لكم من المصالح {
~~ءايت بينت } واضحات. والظاهر أن المراد بها آيات القرآن، وقيل:
~~المعجزات { ليخرجكم } أي الله تعالى إذ هو سبحانه المخبر عنه، أو
~~العبد لقرب الذكر والمراد ليخرجكم بها { من الظلمت إلى
~~النور } من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.

# وقرىء في السبعة (ينزل) مضارعا فبعض ثقل وبعض خفف. وقرأ الحسن
~~بالوجهين، وقرأ زيد بن علي والأعمش (أنزل) ماضيا.

# { وإن الله بكم لرءوف رحيم } مبالغ في الرأفة والرحمة
~~حيث أزال عنكم موانع سعادة الدارين وهداكم إليها على أتم وجه. وقرىء في
~~السبعة { لرؤوف } بواوين.

### || [57.10]

# وقوله عز وجل: { وما لكم ألا تنفقوا } توبيخ على ترك
~~الإنفاق إما للمؤمنين الغير المنفقين أو لأولئك الموبخين أولا على ترك
~~الإيمان، وبخهم سبحانه على ذلك بعد توبيخهم على ترك الإيمان بإنكار أن
~~يكون لهم في ذلك أيضا عذر من الأعذار. و { أن } مصدرية لا زائدة كما
~~قيل، واقتضاه كلام الأخفش، والكلام على تقدير حرف الجر، فالمصدر المؤل في
~~محل نصب أو جر على القولين، وحذف مفعول الإنفاق للعلم به مما تقدم.

# وقوله تعالى: { فى سبيل الله } لتشديد التوبيخ، والمراد به كل
~~خير يقربهم إليه تعالى ms10402 على سبيل الاستعارة التصريحية أي أي شيء لكم في
~~أن لا تنفقوا فيما هو قربة إلى الله تعالى ما هو له في الحقيقة وإنما
~~أنتم خلفاؤه سبحانه في صرفه إلى ما عينه عز وجل من المصارف، أو ما انتقل
~~إليكم من غيركم وسينتقل منكم إلى الغير.

# { ولله ميراث السموات والأرض } أي يرث كل شيء فيهما
~~ولا يبقى لأحد مال، على أن ميراثهما مجاز أو كناية عن ميراث ما فيهما لأن
~~أخذ الظرف يلزمه أخذ المظروف. وجوز أن يراد يرثهما وما فيهما، واختير
~~الأول أنه يكفي لتوبيخهم إذ لا علاقة لأخذ السماوات والأرض هنا. والجملة
~~حال من فاعل { ألا تنفقوا } أو مفعوله مؤكدة للتوبيخ، فإن ترك
~~الإنفاق بغير سبب قبيح منكر ومع تحقق ما يوجب الإنفاق أشد في القبح وأدخل
~~في الإنكار فإن بيان بقاء جميع ما في السماوات والأرض من الأموال بالآخرة
~~لله عز وجل من غير أن يبقى لأحد من أصحابها شيء أقوى في إيجاب الإنفاق
~~عليهم من بيان أنها لله تعالى في الحقيقة، أو أنها انتقلت إليهم من غيرهم
~~كأنه قيل: وما لكم في ترك إنفاقها في سبيل تعالى، والحال أنه لا يبقى لكم
~~ولا لغيركم منها شيء بل تبقى كلها لله عز وجل. وإظهار الاسم الجليل في
~~موقع الإضمار لزيادة التقرير وتربية المهابة.

# وقوله تعالى: { لا يستوى منكم من أنفق من قبل
~~الفتح وقتل } بيان لتفاوت درجات المنفقين حسب تفاوت أحوالهم في
~~الإنفاق بعد بيان أن لهم أجرا كبيرا على الإطلاق حثا لهم على تحري
~~الأفضل، / وعطف القتال على الإنفاق للإيذان بأنه من أهم مواد الإنفاق مع
~~كونه في نفسه من أفضل العبادات وأنه لا يخلو من الإنفاق أصلا وقسيم {
~~من أنفق } محذوف أي لا يستوي ذلك وغيره، وحذف لظهوره ودلالة ما بعد
~~عليه.

# والفتح فتح مكة على ما روي عن قتادة وزيد بن أسلم ومجاهد وهو المشهور
~~فتعريفه للعهد أو للجنس ادعاءا، وقال الشعبي: هو فتح الحديبية وقد مر
~~وجه تسميته فتحا في سورة الفتح، وفي ms10403 بعض الآثار ما يدل عليه.

# أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في «الدلائل» من
~~طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار

# " عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام
~~الحديبية حتى إذا كان بعسفان قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: يوشك أن
~~يأتي قوم يحتقرون أعمالكم مع أعمالهم قلنا: من هم يا رسول الله أقريش؟
~~قال: لا ولكن هم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا، فقلنا: أهم خير
~~منا يا رسول الله؟ قال: لو كان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مد
~~أحدكم ولا نصيفه ألا إن هذا فصل ما بيننا وبين الناس { لا يستوى
~~منكم من أنفق من قبل الفتح } الآية "

# وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { قبل } بغير { من }.

# { أولئك } إشارة إلى { من أنفق } ، والجمع بالنظر إلى معنى
~~{ من } كما أن إفراد الضميرين السابقين بالنظر إلى لفظها، ووضع اسم
~~الإشارة البعيد موضع الضمير للتعظيم والإشعار بأن مدار الحكم هو إنفاقهم
~~قبل الفتح وقتالهم، ومحله الرفع على الابتداء؛ والخبر قوله تعالى: {
~~أعظم درجة } أي أولئك المنعوتون بذينك النعتين الجليلين أرفع
~~منزلة وأجل قدرا. { من الذين أنفقوا من بعد } بعد الفتح {
~~وقتلوا } وذهب بعضهم إلى أن فاعل { لا يستوى } ضمير يعود على
~~الإنفاق أي لا يستوي هو أي الإنفاق أي جنسه إذ منه ما هو قبل الفتح ومنه
~~ما هو بعده، و { من أنفق } مبتدأ، وجملة { أولئك أعظم }
~~خبره وفيه تفكيك الكلام وخروج عن الظاهر لغير موجب فالوجه ما تقدم، ويعلم
~~منه التزاما التفاوت بين الإنفاق قبل الفتح والإنفاق بعده، وإنما كان
~~أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا بعد لأنهم إنما فعلوا ما فعلوا عند كمال
~~الحاجة إلى النصرة بالنفس والمال لقلة المسلمين وكثرة أعدائهم وعدم ما
~~ترغب فيه النفوس طبعا من كثرة الغنائم فكان ذلك أنفع وأشد على النفس
~~وفاعله أقوى يقينا بما عند الله تعالى وأعظم رغبة فيه، ولا كذلك الذين
~~أنفقوا بعد. ms10404

# { وكلا } أي كل واحد من الفريقين لا الأولين فقط { وعد الله
~~الحسنى } أي المثوبة الحسنى وهي الجنة على ما روي عن مجاهد وقتادة،
~~وقيل: أعم من ذلك والنصر والغنيمة في الدنيا.

# وقرأ ابن عامر وعبد الوارث  وكل  بالرفع، والظاهر أنه مبتدأ والجملة
~~بعده خبر والعائد محذوف أي وعده كما في قوله:

# وخالد (يحمد) ساداتنا

# بالحق لا يحمد بالباطل

# يريد يحمده، والجملة عطف على { أولئك أعظم درجة } وبينهما
~~من التطابق ما ليس على قراءة الجمهور، ومنع البصريون حذف العائد من خبر
~~المبتدا، وقالوا: لا يجوز إلا في الشعر بخلاف حذفه من جملة الصفة وهم
~~محجوجون بهذه القراءة، وقول بعضهم فيها: إن كل خبر مبتدأ تقديره: وأولئك
~~كل، وجملة { وعد الله } صفة  كل  تأويل ركيك، وفيه زيادة حذف،
~~على أن بعض النحاة منع وصف  كل  بالجملة لأنه معرفة بتقدير وكلهم، وقال
~~الشهاب: الصحيح ما ذهب إليه ابن مالك من أن عدم جواز حذف العائد من جملة
~~الخبر / في غير  كل  وما ضاهاها في الافتقار والعموم فإنه في ذلك مطرد
~~لكن ادعى فيه الإجماع وهو محل نزاع.

# { والله بما تعملون خبير } عالم بظاهره وباطنه ويجازيكم
~~على حسبه فالكلام وعد ووعيد.

# وفي الآيات من الدلالة على فضل السابقين المهاجرين والأنصار ما لا يخفى،
~~والمراد بهم المؤمنون المنفقون المقاتلون قبل فتح مكة أو قبل الحديبية
~~بناءا على الخلاف السابق، والآية على ما ذكره الواحدي عن الكلبي نزلت
~~في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أي بسببه، وأنت تعلم أن خصوص
~~السبب لا يدل على تخصيص الحكم، فلذلك قال: { أولئك } ليشمل غيره
~~رضي الله تعالى عنه ممن اتصف بذلك، نعم هو أكمل الأفراد فإنه أنفق قبل
~~الفتح وقبل الهجرة جميع ماله وبذل نفسه معه عليه الصلاة والسلام ولذا قال
~~صلى الله عليه وسلم:

# " ليس أحد أمن علي بصحبته من أبي بكر "

# وذلك يكفي لنزولها فيه.

# وفي «الكشاف» إن { أولئك } هم السابقون الأولون من المهاجرين
~~والأنصار الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم:

# " ولو أنفق ms10405 أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه "

# قال الطيبي: الحديث من رواية البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي عن
~~أبي سعيد الخدري قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدا
~~أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه "

# ، وتعقبه في «الكشف» بأنه على هذا لا يختص بالسابقين الأولين كما أشار
~~في «الكشاف» إليه وهو مبني على أن الخطاب في «لا تسبوا» ليس للحاضرين ولا
~~للموجودين في عصره صلى الله عليه وسلم بل لكل من يصلح للخطاب كما في قوله
~~تعالى:

# ولو ترى إذ وقفوا

# [الأنعام: 30] الآية وإلا فقد قيل: إن الخطاب يقتضي الحضور والوجود ولا
~~بد من مغايرة المخاطبين بالنهي عن سبهم فهم السابقون الكاملون في الصحبة.

# وأقول شاع الاستدلال بهذا الحديث على فضل الصحابة مطلقا بناءا على ما
~~قالوا: إن إضافة الجمع تفيد الاستغراق وعليه صاحب «الكشف»، واستشكل أمر
~~الخطاب، وأجيب عنه بما سمعت وبأنه على حد خطاب الله تعالى الأزلي لكن في
~~بعض الأخبار ما يؤيد أن المخاطبين بعض من الصحابة والممدوحين بعض آخر
~~منهم فتكون الإضافة للعهد أو بحمل الأصحاب على الكاملين في الصحبة.

# أخرج أحمد عن أنس قال:

# " كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام فقال خالد لعبد
~~الرحمن بن عوف: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها فبلغ النبي صلى الله
~~عليه وسلم فقال: دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد 
~~أو مثل الجبال  ذهبا ما بلغتم أعمالهم "

# ثم في هذا الحديث تأييد ما لكون أولئك هم الذين أنفقوا قبل الحديبية
~~لأن إسلامه رضي الله تعالى عنه كان بين الحديبية وفتح مكة كما في
~~«التقريب» وغيره، والزمخشري فسر الفتح بفتح مكة فلا تغفل، قال الجلال
~~المحلي: كون الخطاب في «لا تسبوا» للصحابة السابين، وقال: نزلهم صلى الله
~~عليه وسلم بسبهم الذي لا يليق بهم منزلة غيرهم حيث علل بما ذكره وهو وجه
~~حسن فتدبر.

### || [57.11]

# وقوله تعالى: { من ذا الذى ms10406 يقرض الله قرضا حسنا }
~~ندب بليغ من الله تعالى إلى الإنفاق في سبيله مؤكد للأمر السابق به
~~وللتوبيخ على تركه، فالاستفهام ليس على حقيقته بل للحث. والقرض الحسن
~~الإنفاق بالإخلاص وتحري أكرم المال وأفضل الجهات، وذكر بعضهم أن القرض
~~الحسن ما يجمع عشر صفات. أن يكون من الحلال فإن الله تعالى طيب لا يقبل
~~إلا طيبا، وأن يكون من أكرم ما يملكه المرء، وأن يكون والمرء صحيح شحيح
~~يأمل العيش ويخشى الفقر. وأن يضعه في الأحوج الأولى، وأن يكتم ذلك، وأن
~~لا يتبعه بالمن / والأذى، وأن يقصد به وجه الله تعالى، وأن يستحقر ما
~~يعطي وإن كثر، وأن يكون من أحب أمواله إليه. وأن يتوخى في إيصاله للفقير
~~ما هو أسر لديه من الوجوه كحمله إلى بيته، ولا يخفى أنه يمكن الزيادة
~~والنقص فيما ذكر. وأيما كان فالكلام إما على التجوز في الفعل فيكون
~~استعارة تبعية تصريحية، أو التجوز في مجموع الجملة فيكون استعارة تمثيلية
~~وهو الأبلغ أي من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله تعالى مخلصا متحريا
~~أكرمه وأفضل الجهات رجاء أن يعوضه سبحانه بدله كمن يقرضه.

# { فيضاعفه له } فيعطيه أجره على إنفاقه مضاعفا أضعافا كثيرة
~~من فضله { وله أجر كريم } أي وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف
~~كريم مرضي في نفسه حقيق بأن يتنافس فيه المتنافسون، ففيه إشارة إلى أن
~~الأجر كما أنه زائد في الكم بالغ في الكيف فالجملة حالية لا عطف على {
~~فيضاعفه } ، وجوز العطف والمغايرة ثابتة بين الضعف والأجر نفسه فإن
~~الاضعاف من محض الفضل والمثل فضل هو أجر، ونصب { يضاعفه } على جواب
~~الاستفهام بحسب المعنى كأنه قيل: أيقرض الله تعالى أحد فيضاعفه له؟ فإن
~~المسؤول عنه بحسب اللفظ وإن كان هو الفاعل لكنه في المعنى هو الفعل إذ
~~ليس المراد أن الفعل قد وقع السؤال عن تعيين فاعله كقولك: من جاءك اليوم؟
~~إذا علمت أنه جاءه جاء لم تعرفه بعينه. وإنما أورد على هذا الأسلوب
~~للمبالغة في الطلب حتى كأن الفعل لكثرة دواعيه قد ms10407 وقع وإنما يسأل عن
~~فاعله ليجازي ولم يعتبر الظاهر لأنه يشترط بلا خلاف في النصب بعد الفاء
~~أن لا يتضمن ما قبل وقوع الفعل نحو لم ضربت زيدا فيجازيك؟ فإنه حينئذ
~~لا يتضمن سبق مصدر مستقبل وعلى هذا يؤل كل ما فيه نصب وما قبل متضمن
~~للوقوع.

# وقرأ غير واحد { فيضاعفه } بالرفع على القياس نظرا للظاهر
~~المتضمن للوقوع، وهو إما عطف على { يقرض } أو على فهو يضاعفه وقرىء {
~~فيضعفه } بالرفع والنصب.

### || [57.12]

# { يوم ترى المؤمنين والمؤمنت } ظرف لما تعلق به

# له

# [الحديد: 11] أوله أو لقوله تعالى:

# فيضاعفه

# [الحديد: 11] أو منصوب بإضمار اذكر تفخيما لذلك اليوم. والرؤية بصرية
~~والخطاب لكل من تتأتى منه أو لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم، وقوله
~~عز وجل: { يسعى نورهم } حال من مفعول { ترى } والمراد بالنور
~~حقيقته على ما ظهر من شموس الأخبار وإليه ذهب الجمهور والمعنى يسعى نورهم
~~إذا سعوا { بين أيديهم وبأيمنهم } أخرج ابن أبي شيبة
~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن
~~مسعود أنه قال: «يؤتون نورهم على قدر أعمالهم يمرون على الصراط منهم من
~~نوره مثل الجبل ومنهم من نوره مثل النخلة وأدناهم نورا من نوره على
~~إبهامه يطفأ مرة ويقد أخرى» وظاهره أن هذا النور يكون عند المرور على
~~الصراط، وقال بعضهم: يكون قبل ذلك ويستمر معهم إذا مروا على الصراط، وفي
~~الأخبار ما يقتضيه كما ستسمعه قريبا إن شاء الله تعالى، والمراد أنه
~~يكون لهم في جهتين جهة الأمام وجهة اليمين وخصا لأن السعداء يؤتون صحائف
~~أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء
~~ظهورهم.

# وفي «البحر» الظاهر أن النور قسمان: نور بين أيديهم يضيء الجهة التي
~~يؤمونها، ونور بأيمانهم يضيء ما حواليهم من الجهات، وقال الجمهور: إن
~~النور أصله بأيمانهم والذي بين أيديهم هو الضوء المنبسط من ذلك، وقيل:
~~الباء بمعنى عن أي وعن أيمانهم والمعنى في جميع جهاتهم، وذكر الأيمان
~~لشرفها انتهى، ويشهد لهذا المعنى / ما أخرج ابن أبي ms10408 حاتم والحاكم وصححه
~~وابن مردويه عن عبد الرحمن بن جبير بن نضير أنه سمع أبا ذر وأبا الدرداء
~~قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة وأول من يؤذن له فيرفع رأسه
~~فأرفع رأسي فأنظر بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي فأعرف أمتي بين
~~الأمم فقيل: يا رسول الله وكيف تعرفهم من بين الأمم ما بين نوح عليه
~~السلام إلى أمتك؟ قال: غر محجلون من أثر الوضوء ولا يكون لأحد غيرهم
~~وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر
~~السجود وأعرفهم بنورهم الذي يسعى بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم "

# وظاهر هذا الخبر اختصاص النور بمؤمني هذه الأمة وكذا إيتاء الكتب
~~بالأيمان وبعض الأخبار يقتضي كونه لكل مؤمن، أخرج ابن أبي حاتم عن أبي
~~أمامة قال: «تبعث ظلمة يوم القيامة فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه حتى
~~يبعث الله تعالى بالنور للمؤمنين بقدر أعمالهم» الخبر، وأخرج عنه الحاكم
~~وصححه وابن أبي حاتم من وجه آخر وابن المبارك والبيهقي في «الأسماء
~~والصفات» خبرا طويلا فيه أيضا ما هو ظاهر في العموم وكذا ما أخرج ابن
~~جرير والبيهقي في «البعث» عن ابن عباس قال: بينما الناس في ظلمة إذ بعث
~~الله تعالى نورا فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه وكان النور دليلا
~~لهم من الله عز وجل إلى الجنة، ولا ينافي هذا الخبر كونهم يمرون بنورهم
~~على الصراط كما لا يخفى، وكذا إيتاء الكتب بالأيمان، ففي «هداية المريد
~~لجوهرة التوحيد» ظاهر الآيات والأحاديث عدم اختصاصه يعني أخذ الصحف بهذه
~~الأمة وإن تردد فيه بعض العلماء انتهى.

# ويمكن أن يقال: إن ما يكون من النور لهذه الأمة أجلى من النور الذي يكون
~~لغيرها أو هو ممتاز بنوع آخر من الامتياز، وأما إيتاء الكتب بالأيمان
~~فعله لكثرته فيها بالنسبة إلى سائر الأمم تعرف به، وفي هذا المطلب أبحاث
~~أخر تذكر إن شاء الله تعالى في محلها، وقيل: أريد بالنور ms10409 القرآن، وقال
~~الضحاك: النور استعارة عن الهدى والرضوان الذي هم فيه.

# وقرأ سهل بن شعيب السهمي وأبو حيوة { وبإيمنهم } بكسر الهمزة، وخرج
~~ذلك أبو حيان على أن الظرف يعني { بين أيديهم } متعلق بمحذوف
~~والعطف عليه بذلك الاعتبار أي كائنا بين أيديهم وكائنا بسبب إيمانهم
~~وهو كما ترى، ولعله متعلق بالقول المقدر في قوله تعالى:

# { بشراكم اليوم جنت } أي وبسبب إيمانهم يقال لهم ذلك،
~~وجملة القول إما معطوفة على ما قبل أو استئناف أو حال ويجوز على الحالية
~~تقدير الوصف منه أي مقولا لهم، والقائل الملائكة الذين يتلقونهم.
~~والمراد بالبشرى مايبشر به دون التبشير، والكلام على حذف مضاف أي ما
~~تبشرون به دخول جنات يصح بدونه أي ما تبشرون به جنات، ويصح بدونه أي ما
~~تبشرون به جنات، وما قيل: البشارة لاتكون بالأعيان فيه نظر، وتقدير
~~المضاف لا يغني عن تأويل البشرى لأن التبشير ليس عين الدخول، وجملة قوله
~~تعالى: { تجري من تحتها الأنهر } في موضع الصفة لجنات،
~~وقوله سبحانه: { خلدين فيها } حال من { جنت } ، قال أبو
~~حيان: وفي الكلام التفات من ضمير الخطاب في { بشراكم } إلى ضمير
~~الغائب في { خلدين } ولو أجري على الخطاب لكان التركيب خالدا أنتم
~~فيها.

# { ذلك هو الفوز العظيم } يحتمل أن يكون من كلامه تعالى
~~فالإشارة إلى ما ذكر من النور والبشرى بالجنات، ويحتمل أن يكون من كلام
~~الملائكة عليهم السلام المتلقين لهم، فالإشارة إلى ما هم فيه من النور
~~وغيره أو إلى الجنات بتأويل ما ذكر أو لكونها فوزا على ما قيل. وقرىء
~~(ذلك الفوز) بدون { هو }.

### || [57.13]

# / { يوم يقول المنفقون والمنفقت } بدل من

# يوم ترى

# [الحديد: 12]، وجوز أن يكون معمولا لاذكر. وقال ابن عطية: يظهر لي أن
~~العامل فيه

# ذلك هو الفوز العظيم

# [الحديد: 12]، ويكون معنى الفوز عليه أعظم كأنه قيل: إن المؤمنين يفوزون
~~يوم يعتري المنافقين والمنافقات كذا وكذا لأن ظهور المرء يوم خمول عدوه
~~مضادة أبدع وأفخم، وتعقبه في «البحر» بأن ظاهره تقريره أن { يوم }
~~منصوب بالفوز وهو لا يجوز لأنه مصدر ms10410 قد وصف قبل أخذ متعلقاته فلا يجوز
~~إعماله ولو أعمل وصفه وهو { العظيم } لجاز أي الفوز الذي عظم أي قدره
~~يوم انتهى، وفي عدم جواز إعمال مثل هذا المصدر في مثل هذا المعمول خلاف،
~~ثم إن تعلق هذا الظرف بشيء من تلك الجملة خلاف الظاهر.

# { للذين ءامنوا انظرونا } أي انتظرونا { نقتبس من
~~نوركم } نصب منه وذلك أن يلحقوا بهم فيستنيروا به. وقيل: فيأخذوا
~~شيئا منه يكون معهم، تخيلوا تأتي ذلك فقالوه، وأصل الاقتباس طلب القبس
~~أي الجذوة من النار، وجوز أن يكون المعنى انظروا إلينا نقتبس الخ لأنهم
~~إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به
~~فانظرونا على الحذف والإيصال لأن النظر بمعنى مجرد الرؤية يتعدى بإلى فإن
~~أريد التأمل تعدى بفي لكن حمل الآية على ذلك خلاف الظاهر؛ وقولهم:
~~للمؤمنين ذلك لأنهم في ظلمة لا يدرون كيف يمشون فيها، وروي أنه يكون ذلك
~~على الصراط.

# وفي الآثار دلالة على أنهم يكون لهم نور فيطفأ فيقولون ذلك، أخرج
~~الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " إن الله يدعو الناس يوم القيامة بأمهاتهم سترا منه على عباده وأما
~~عند الصراط فإن الله تعالى يعطي كل مؤمن نورا وكل منافق نورا فإذا
~~استووا على الصراط أطفأ الله نور المنافقين والمنافقات فقال المنافقون: {
~~انظرونا نقتبس من نوركم } ، وقال المؤمنون: { أتمم
~~لنا نورنا } [التحريم: 8] فلا يذكر عند ذلك أحد أحدا "

# وفي حديث آخر مرفوع عنه أيضا

# " إن نور المنافق يطفأ قبل أن يأتي الصراط "

# ، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي فاختة يجمع الله تعالى الخلائق
~~يوم القيامة ويرسل الله سبحانه على الناس ظلمة فيستغيثون ربهم فيؤتي الله
~~تعالى كل مؤمن منهم نورا ويؤتي المنافقين نورا فينطلقون جميعا متوجهين
~~إلى الجنة معهم نورهم فبينما هم كذلك إذ أطفأ الله تعالى نور المنافقين
~~فيترددون في الظلمة ويسبقهم المؤمنون بنورهم بين أيديهم فيقولون: {
~~انظرونا نقتبس من نوركم } الخبر، والأخبار في إيتاء
~~المنافق نورا ثم إطفائه كثيرة ms10411 وليس في الآية ما يأباه.

# وقرأ زيد بن علي وابن وثاب والأعمش وطلحة وحمزة { أنظرونا } بقطع الهمزة
~~وفتحها وكسر الظاء من النظرة وهي الإمهال يقال أنظر المديون أي أمهله،
~~وضع { انظرونا } بمعنى المهلة وإنظار الدائن المديون موضع اتئاد
~~الرفيق ومشيه الهوينا ليلحقه رفيقه على سبيل الاستعارة بعد سبق تشبيه
~~الحالة بالحالة مبالغة في العجز وإظهار الافتقار، وقيل: هو من أنظر أي
~~أخر، والمراد اجعلونا في آخركم ولا تسبقونا بحيث تفوتونا ولا نلحق بكم.

# وقال المهدوي: أنظرونا وانظرونا بمعنى وهما من الانتظار تقول العرب:
~~أنظرته بكذا وانتظرته بمعنى واحد والمعنى امهلونا.

# { قيل } القائلون على ما روي عن ابن عباس المؤمنون، وعلى ما روي عن
~~مقاتل الملائكة عليهم السلام. { ارجعوا وراءكم } قال ابن عباس:
~~أي من حيث جئتم من الظلمة أو إلى المكان الذي قسم فيه النور على ما صح عن
~~أبي أمامة { فالتمسوا نورا } هناك، قال مقاتل: هذا من الاستهزاء
~~بهم كما استهزءوا بالمؤمنين / في الدنيا حين قالوا

# آمنا

# [البقرة: 14] وليسوا بمؤمنين، وذلك قوله تعالى:

# الله يستهزىء بهم

# [البقرة: 15] أي حين يقال لهم { ارجعوا ورآءكم فالتمسوا
~~نورا } ، وقال أبو أمامة: يرجعون حين يقال لهم ذلك إلى المكان الذي قسم
~~فيه النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور وهي خدعة
~~الله تعالى التي خدع بها المنافقين حيث قال سبحانه:

# يخدعون الله وهو خادعهم

# [النساء: 142]، وقيل: المراد ارجعوا إلى الدنيا والتمسوا نورا أي
~~بتحصيل سببه وهو الإيمان أو تنحوا عنا والتمسوا نورا غير هذا فلا سبيل
~~لكم إلى الاقتباس منه، والغرض التهكم والاستهزاء أيضا. وقيل أرادوا
~~بالنور ما وراءهم من الظلمة الكثيفة تهكما بهم وهو خلاف الظاهر، وأيا
~~ما كان فالظاهر أن { ورآءكم } معمول لارجعوا. وقيل: لا محل له من
~~الإعراب لأنه بمعنى ارجعوا فكأنه قيل: ارجعوا ارجعوا كقولهم: وراءك أوسع
~~لك أي ارجع تجد مكانا أوسع لك.

# { فضرب بينهم } أي بين الفريقين، وقرأ زيد بن علي وعبيد بن عمير
~~{ فضرب } مبنيا للفاعل أي فضرب هو أي الله عز وجل ms10412 { بسور } أي
~~بحاجز، قال ابن زيد: هو الأعراف، وقال غير واحد: حاجز غيره والباء مزيدة
~~{ له باب باطنه } أي الباب كما روي عن مقاتل أو السور وهو
~~الجانب الذي يلي مكان المؤمنين أعني الجنة { فيه الرحمة } الثواب
~~والنعيم الذي لا يكتنه { وظهره } الجانب الذي يلي مكان المنافقين
~~أعني النار { من قبله } أي من جهته { العذاب } وهذا السور قيل:
~~يكون في تلك النشأة وتبدل هذا العالم واختلاف أوضاعه في موضع الجدار
~~الشرقي من مسجد بيت المقدس. أخرج عبد بن حميد عن أبي سنان قال: كنت مع
~~علي بن عبد الله بن عباس عند وادي جهنم يعني المكان المعروف عند بيت
~~المقدس فحدث عن أبيه أنه قال: وقد تلا قوله تعالى: { فضرب بينهم
~~بسور } هذا موضع السور عند وادي جهنم، وأخرج هو وابن جرير وابن المنذر
~~والحاكم وصححه وغيرهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن السور الذي
~~ذكره الله تعالى في القرآن { فضرب بينهم بسور } هو سور بيت
~~المقدس الشرقي { باطنه فيه الرحمة } المسجد { وظهره
~~من قبله العذاب } يعني وادي جهنم وما يليه.

# وأخرج عن عبادة بن الصامت أنه كان على سور بيت المقدس الشرقي فبكى فقيل:
~~ما يبكيك؟ فقال: ههنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم
~~ولا يخفى أن هذا ونظائره أمور مبنية على اختلاف العالمين وتغاير النشأتين
~~على وجه لاتصل العقول إلى إدراك كيفيته والوقوف على تفاصيله، فإن صح
~~الخبر لم يسعنا إلا الإيمان لعدم خروج الأمر عن دائرة الإمكان، وأبو حيان
~~حكى عمن سمعت. وعن كعب الأحبار أنه الجدار الشرقي من مسجد بيت المقدس
~~واستبعده ثم قال: ولعله لا يصح عنهم.

### || [57.14]

# { يندونهم } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا يفعلون
~~بعد ضرب السور ومشاهدة العذاب؟ فقيل: ينادي المنافقون والمنافقات
~~المؤمينن والمؤمنات { ألم نكن } في الدنيا { معكم } يريدون به
~~موافقتهم لهم في الظاهر { قالوا بلى } كنتم معنا كما تقولون {
~~ولكنكم فتنتم أنفسكم } محنتموها بالنفاق وأهلكتموها {
~~وتربصتم } بالمؤمنين الدوائر { وارتبتم } وشككتم في أمور ms10413
~~الدين { وغرتكم الأمانى } الفارغة التي من جملتها الطمع في
~~انتكاس الإسلام، / وقال ابن عباس: { فتنتم أنفسكم } بالشهوات
~~واللذات { وتربصتم } بالتوبة { وارتبتم } قال محبوب
~~الليثي: شككتم في الله { وغرتكم الأمانى } طول الآمال، وقال
~~أبو سنان: قلتم سيغفر لنا { حتى جاء أمر الله } أي الموت {
~~وغركم بالله الغرور } الشيطان قال لكم: إن الله عفو كريم لا
~~يعذبكم. وعن قتادة كانوا على خدعة من الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى
~~قذفهم الله تعالى في النار.

# وقرأ سماك بن حرب (الغرور) بالضم، قال ابن جني: وهو كقوله: وغركم بالله
~~تعالى الاغترار، وتقديره على حذف المضاف أي وغركم بالله تعالى سلامة
~~الاغترار ومعناه سلامتكم منه اغتراركم.

### || [57.15]

# { فاليوم لا يؤخذ منكم } أيها المنافقون { فدية } فداء
~~وهو ما يبذل لحفظ النفس عن النائبة، والناصب ليوم الفعل المنفي بلا، وفيه
~~حجة على من منع ذلك. وقرأ أبو جعفر والحسن وابن أبي إسحق والأعرج وابن
~~عامر وهرون عن أبي عمرو { لا تؤخذ } بالتاء الفوقية { ولا من
~~الذين كفروا } أي ظاهرا وباطنا فيغاير المخاطبين المنافقين، ثم
~~الظاهر إن المراد بالفدية ما هو من جنس المال ونحوه، وجوز أن يراد بها ما
~~يعم الإيمان والتوبة فتدل الآية على أنه لا يقبل إيمانهم وتوبتهم يوم
~~القيامة وفيه بعد، وفي الحديث

# " إن الله تعالى يقول للكافر: أرأيتك لو كان لك أضعاف الدنيا أكنت تفتدي
~~بجميع ذلك من عذاب النار؟ فيقول: نعم يا رب فيقول الله تبارك وتعالى: قد
~~سألتك ما هو أيسر من ذلك وأنت في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي فأبيت إلا
~~الشرك "

# { مأواكم النار } محل أويكم { هى مولكم } أي ناصركم من
~~باب  تحية بينهم ضرب وجيع  والمراد نفي الناصر على البتات بعد نفي أخذ
~~الفدية وخلاصهم بها عن العذاب، ونحوه قولهم: أصيب بكذا فاستنصر الجزع،
~~ومنه قوله تعالى:

# يغاثوا بماء كالمهل

# [الكهف: 29] وقال الكلبي والزجاج والفراء وأبو عبيدة: أي أولى بكم كما
~~في قول لبيد يصف بقرة وحشية نفرت من صوت الصائد:

# فغدت كلا الفرجين تحسب أنه

# مولى ms10414 المخافة خلفها وأمامها

# أي فغدت كلا جانبيها الخلف والأمام تحسب أنه أولى بأن يكون فيه الخوف،
~~قال الزمخشري: ((وحقيقة مولاكم هي على هذا محراكم ومقمنكم أي المكان الذي
~~يقال فيه هو أولى بكم كما قيل: هو مئنة للكرم أي مكان لقول القائل: إنه
~~لكريم)) فأولى نوع من اسم المكان لوحظ فيه معنى أولى إلا أنه مشتق منه
~~كما أن المؤنة ليست مشتقة من إن التحقيقية.

# وفي «التفسير الكبير» ((أن قولهم ذلك بيان لحاصل المعنى وليس بتفسير
~~اللفظ لأنه لو كان مولى وأولى بمعنى واحد في اللغة لصح استعمال كل منهما
~~في مكان الآخر وكان يجب أن يصح هذا أولى فلان كما يقال: هذا مولى فلان،
~~ولما بطل ذلك علمنا أن الذي قالوه معنى وليس بتفسير، ثم صرح بأنه أراد
~~بذلك رد استدلال الشريف المرتضى بحديث الغدير

# " من كنت مولاه "

# فعلي مولاه على إمامة الأمير كرم الله تعالى وجهه حيث قال: أحد معاني
~~المولى الأولى. وحمله في الخبر عليه متعين لأن إرادة غيره يجعل الإخبار
~~عبثا كإرادة الناصر والصاحب وابن العم، أو يجعله كذبا كالمعتق
~~والمعتق)) ولا يخفى على المنصف أنه إن أراد بكونه معنى لا تفسير ما أشار
~~إليه الزمخشري من التحقيق / فهو لا يرد الاستدلال إذ يكفي للمرتضى أن
~~يقول: المولى في الخبر بمعنى المكان الذي يقال فيه أولى إذ يلزم على غيره
~~العبث أو الكذب وإن أراد أن ذلك معنى لازم لما هو تفسير له كأن يكون
~~تفسيره القائم بمصالحكم ونحوه مما يكون ذلك لازما له ففي رده الاستدلال
~~أيضا تردد، وإن أراد شيئا آخر فنحن لا ندري ما هو  وهو لم يبينه 
~~والحق أنه ولو جعل المولى بمعنى الأولى أو المكان الذي يقال فيه الأولى
~~لا يتم الاستدلال بالخبر على الإمامة التي تدعيها الإمامية للأمير كرم
~~الله تعالى وجهه لما بين في موضعه، وفي «التحفة الاثنى عشرية» ما فيه
~~كفاية لطالب الحق.

# وقال ابن عباس أي مصيركم وتحقيقه على ما قال الإمام: إن المولى بمعنى
~~موضع الولي ms10415 وهو القرب والمعنى هي موضعكم الذي تقربون منه وتصلون إليه،
~~وأنت تعلم أن الإخبار بذلك بعد الإخبار بأنها مأواهم ليس فيه كثير جدوى
~~على أن وضع اسم المكان للموضع الذي يتصف صاحبه بالمأخذ حال كونه فيه
~~والقرب من النار وصف لأولئك قبل الدخول فيها ولا يحسن وصفهم به بعد
~~الدخول ولو اعتبر مجاز الكون كما لا يخفى، وجوز بعضهم اعتبار كونه اسم
~~مكان من الولي بمعنى القرب لكن على أن المعنى هي مكان قربكم من الله
~~سبحانه ورضوانه على التهكم بهم؛ وقيل: أي متوليكم أي المتصرفة فيكم
~~كتصرفكم فيما أوجبها واقتضاها في الدنيا من المعاصي، والتصرف استعارة
~~للإحراق والتعذيب، وقيل: مشاكلة تقديرية.

# { وبئس المصير } أي النار وهي المخصوص بالذم المحذوف لدلالة
~~السياق.

### || [57.16]

# { ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم
~~لذكر الله } استئناف لعتاب المؤمنين على الفتور والتكاسل فيما
~~ندبوا إليه. والمعاتب على ما قاله الزجاج طائفة من المؤمنين وإلا فمنهم
~~من لم يزل خاشعا منذ أسلم إلى أن ذهب إلى ربه، وما نقل عن الكلبي
~~ومقاتل أن الآية نزلت في المنافقين فهم المراد بالذين آمنوا مما لا يكاد
~~يصح، وقد سمعت صدر السورة الكريمة ما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى
~~عنه. وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق وابن المنذر عن الأعمش قال: لما قدم
~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأصابوا من لين العيش ما
~~أصابوا بعد ما كان لهم من الجهد فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه
~~فعوتبوا فنزلت { ألم يأن } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه
~~عن ابن عباس قال: إن الله تعالى استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس
~~ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن فقال سبحانه: { ألم يأن } الآية، وفي
~~خبر ابن مردويه عن أنس بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن. وأخرج

# " عن عائشة قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفر من أصحابه
~~في المسجد وهم يضحكون فسحب رداءه محمرا وجهه فقال: أتضحكون ولم يأتكم
~~أمان من ms10416 ربكم بأنه قد غفر لكم وقد نزل علي في ضحككم آية { ألم يأن
~~للذين } الخ قالوا: يا رسول الله فما كفارة ذلك؟ قال: تبكون بقدر ما
~~ضحكتم "

# ، وفي خبر أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام قد ظهر فيهم المزاح
~~والضحك فنزلت، وحديث مسلم ومن معه السابق مقدم على هذه الآثار على ما
~~يقتضيه كلام أهل الحديث. و { يأن } مضارع أنى الأمر أنيا وأناءا
~~وإناءا بالكسر إذا جاء أناه أي وقته، أي ألم يجيء وقت أن تخشع قلوبهم
~~لذكره عز وجل.

# وقرأ الحسن وأبو السمال  ألما  بالهمزة ولما النافية الجازمة كلم إلا
~~أن فيه أن المنفى متوقع. / وقرأ الحسن (يئن) مضارع آن أينا بمعنى أنى
~~السابق، وقال أبو العباس: قال قوم: آن يئين إينا الهمزة مقلوبة فيه عن
~~الحاء وأصله حان يحين حينا وأصل الكلمة من الحين.

# { وما نزل من الحق } أي القرآن وهو عطف على (ذكر الله) فإن
~~كان هو المراد به أيضا فالعطف لتغاير العنوانين نحو:

# هو الملك القرم وابن الهمام

# فإنه ذكر وموعظة كما أنه حق نازل من السماء وإلا - بأن كان المراد به
~~تذكير الله تعالى إياهم - فالعطف لتغاير الذاتين على ما هو الشائع في
~~العطف وكذا إذا أريد به ذكرهم الله تعالى بالمعنى المعروف، وجوز العطف
~~على الاسم الجليل إذا أريد بالذكر التذكير وهو كما ترى.

# وقال الطيبي: يمكن أن يحمل الذكر على القرآن وما نزل من الحق على نزول
~~السكينة معه أي الواردات الإلهية ويعضده ما روينا عن البخاري ومسلم
~~والترمذي عن البراء

# " كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط بشطنين فغشيته سحابة فجعلت
~~تدنو وجعل فرسه ينفر منها فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر
~~له ذلك فقال: تلك السكينة تنزل للقرآن "

# وفي رواية

# " اقرأ فلان فإنها السكينة تنزل عند القرآن أو للقرآن "

# انتهى، ولا يخفى بعد ذلك جدا، ولعلك تختار حمل الذكر وما نزل على
~~القرءان لما يحس مما بعد من نوع تأييد له.

# وفسر الخشوع للقرآن بالانقياد التام لأوامره ms10417 ونواهيه والعكوف على العمل
~~بما فيه من الأحكام من غير توان ولا فتور، والظاهر أنه اعتبر كون اللام
~~صلة الخشوع، وجوز كونها للتعليل على أوجه الذكر فالمعنى ألم يأن لهم أن
~~ترق قلوبهم لأجل ذكر الله تعالى وكتابه الحق النازل فيسارعوا إلى الطاعة
~~على أكمل وجوهها.

# وفي الآية حض على الخشوع، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كما أخرج
~~عنه ابن المنذر إذا تلاها بكى ثم قال: بلى يا رب بلى يا رب، وعن الحسن
~~أما والله لقد استبطأهم وهم يقرؤون من القرآن أقل مما تقرؤون فانظروا في
~~طول ما قرأتم وما ظهر فيكم من الفسق، وروى السلمي عن أحمد بن أبي
~~الحواري قال بينا أنا في بعض طرقات البصرة إذ سمعت صعقة فأقبلت نحوها
~~فرأيت رجلا قد خر مغشيا عليه فقلت: ما هذا؟ فقالوا: كان رجلا حاضر
~~القلب فسمع آية من كتاب الله فخر مغشيا عليه فقلت: ما هي؟ فقيل: قوله
~~تعالى: { ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم
~~لذكر الله } فأفاق الرجل عند سماع كلامنا فأنشأ يقول:

# أما آن للهجران أن يتصرما

# وللغصن غصن البان أن يتبسما

# وللعاشق الصب الذي ذاب وانحنى

# ألم يأن أن يبكي عليه ويرحما

# كتبت بماء الشوق بين جوانحي

# كتابا حكى نقش الوشى المنمنما

# ثم قال: إشكال إشكال إشكال فخر مغشيا عليه فحركناه فإذا هو ميت. وعن
~~أبي بكر رضي الله تعالى عنه أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من
~~أهل اليمامة فبكوا بكاءا شديدا فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست
~~القلوب، ولعله أراد رضي الله تعالى عنه أن الطراز الأول كان كذلك حتى قست
~~قلوب كثير من الناس ولم يتأسوا بالسابقين، وغرضه مدح أولئك القوم بما كان
~~هو ونظراؤه عليه رضي الله تعالى عنهم، ويحتمل أن يكون قد أراد ما هو
~~الظاهر، والكلام من باب هضم النفس كقوله رضي الله تعالى عنه: أقيلوني
~~فلست بخيركم، وقال شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي قدس سره: معناه تصلبت
~~وأدمنت سماع القرآن وألفت ms10418 أنواره فما تستغر به حتى تتغير كما تغير هؤلاء
~~السامعون انتهى وهو خلاف الظاهر، وفيه نوع انتقاص للقوم ورمز إلى أن
~~البكاء عند سماع القرآن لا يكون من كامل كما يزعمه بعض جهلة الصوفية
~~القائلين: إن ذلك لا يكون إلا لضعف القلب عن تحمل الواردات الإلهية
~~النورانية ويجل عن ذلك كلام الصديق رضي الله تعالى عنه.

# وقرأ غير واحد / من السبعة { وما نزل } بالتشديد، والجحدري وأبو
~~جعفر والأعمش وأبو عمرو في رواية يونس وعباس عنه { نزل } مبنيا
~~للمفعول مشددا، وعبد الله  أنزل  بهمزة النقل مبنيا للفاعل.

# { ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتب من قبل }  {
~~لا } نافية وما بعدها منصوب معطوف على { تخشع }. وجوز أن تكون ناهية
~~وما بعدها مجزوم بها ويكون ذلك انتقالا إلى نهي أولئك المؤمنين عن
~~مماثلة أهل الكتاب بعد أن عوتبوا بما سمعت وعلى النفي هو في المعنى نهي
~~أيضا، وقرأ أبو بحرية وأبو حيوة وابن أبي عبلة وإسماعيل عن أبي جعفر،
~~وعن شيبة ويعقوب وحمزة في رواية عن سليم عنه { ولا تكونوا } بالتاء
~~الفوقية على سبيل الالتفات للاعتناء بالتحذير، وفي { لا } ما تقدم،
~~والنهي مع الخطاب أظهر منه مع الغيبة.

# { فطال عليهم الأمد } أي الأجل بطول أعمارهم وآمالهم، أو طال
~~أمد ما بينهم وبين أنبيائهم عليهم السلام وبعد العهد بهم، وقيل: أمد
~~انتظار القيامة والجزاء، وقيل: أمد انتظار الفتح، وفرقوا بين الأمد
~~والزمان بأن الأمد يقال باعتبار الغاية والزمان عام في المبدأ والغاية،
~~وقرأ ابن كثير في رواية (الأمد) بتشديد الدال أي الوقت الأطول {
~~فقست قلوبهم } صلبت فهي كالحجارة أو أشد قسوة.

# { وكثير منهم فسقون } خارجون عن حدود دينهم رافضون لما
~~في كتابهم بالكلية، قيل: من فرط القسوة وذكر أنه مأخوذ من كون الجملة
~~حال، وفيه خفاء والأظهر أنه من السياق. والمراد بالكتاب الجنس فالموصول
~~يعم اليهود والنصارى وكانوا كلهم في أوائل أمرهم يحول الحق بينهم وبين
~~كثير من شهواتهم وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا لله تعالى ورقت
~~قلوبهم فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة وزالت ms10419 عنهم الروعة
~~التي كانت يجدونها عند سماع الكتابين وأحدثوا ما أحدثوا واتبعوا الأهواء
~~وتفرقت بهم السبل، والقسوة مبدأ الشرور وتنشأ من طول الغفلة عن الله
~~تعالى، وعن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى
~~فتقسوا قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله عز وجل ولا تنظروا إلى ذنوب
~~العباد كأنكم أرباب وانظروا في ذنوبكم كأنكم عباد والناس رجلان مبتلى
~~ومعافى فارحموا أهل البلاء واحمدوا على العافية ومن أحس بقسوة في قلبه
~~فليهرع إلى ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه يرجع إليه حاله كما أشار إليه
~~قوله عز وجل: { اعلموا أن الله يحى الأرض بعد
~~موتها }.

### || [57.17]

# { اعلموا أن الله يحى الأرض بعد موتها } فهو
~~تمثيل ذكر استطرادا لإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة بإحياء الأرض
~~الميتة بالغيث للترغيب في الخشوع والتحذير عن القساوة { قد بينا
~~لكم الأيت } التي من جملتها هذه الآيات { لعلكم
~~تعقلون } كي تعقلوا ما فيها وتعملوا بموجبها فتفوزوا بسعادة
~~الدارين.

### || [57.18]

# { إن المصدقين والمصدقت } أي المتصدقين والمتصدقات،
~~وقد قرأ أبي كذلك، وقرأ ابن كثير، وأبو بكر والمفضل وأبان وأبو عمرو في
~~رواية هارون بتخفيف الصاد من التصديق - لا من الصدقة كما في قراءة
~~الجمهور - أي الذين صدقوا واللاتي صدقن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه
~~وسلم، والقرءاة الأولى أنسب بقوله تعالى: { وأقرضوا الله
~~قرضا حسنا } وقيل: الثانية أرجح لأن الإقراض يغني عن ذكر التصدق،
~~وأنت ستعلم إن شاء الله تعالى فائدته. وعطف { أقرضوا } على معنى
~~الفعل من { المصدقين } على ما اختاره أبو علي والزمخشري لأن أل
~~بمعنى الذين، واسم الفاعل بمعنى الفعل فكأنه قيل: إن الذين اصدقوا أو
~~صدقوا على القراءتين وأقرضوا / وتعقبه أبو حيان وغيره بأن فيه الفصل بين
~~أجزاء الصلة إذ المعطوف على الصلة صلة بأجنبي وهو { المصدقين } ،
~~وذلك لا يجوز، وقال صاحب «التقريب»: هو محمول على المعنى كأنه قيل: إن
~~الناس الذين تصدقوا وتصدقن وأقرضوا فهو عطف على الصلة من حيث المعنى بلا
~~فصل، وتعقب بأنه لا محصل له إلا إذا قيل: ms10420 إن أل الثانية زائدة لئلا يعطف
~~على صورة جزء الكلمة، وفيه بعد، ولا يخفى أن حديث اعتبار المعنى يدفع ما
~~ذكر، ومن هنا قيل: إنه قريب ولا يبعد تنزيل ما تقدم عن أبي علي
~~والزمخشري عليه.

# وقيل: العطف على صلة أل في { المصدقين } واختلاف الضمائر تأنيثا
~~وتذكيرا لا يضر لأن أل تصلح للجميع فيراد بها معنى اللاتي عند عود ضمير
~~جمع الإناث عليها ومعنى الذين عند عود ضمير جمع الذكور عليها وهو كما
~~ترى، ومثله ما قيل: هو من باب كل رجل وضيعته أي إن المصدقين مقرونون مع
~~المصدقات في الثواب والمنزلة، أو يقدر خبر أي إن المصدقين والمصدقات
~~يفلحون { وأقرضوا } في الوجهين ليس عطفا على الصلة بل مستأنف و {
~~يضاعف } بعد صفة { قرضا } أو استئناف ومن أنصف لم ير ذلك مما
~~ينبغي أن يخرج عليه كلام أدنى الفصحاء فضلا عن كلام رب العالمين، واختار
~~أبو حيان تخريج ذلك على حذف الموصول لدلالة ما قبله عليه كأنه قيل:
~~والذين أقرضوا فيكون مثل قوله:

# فمن يهجو رسول الله منكم

# (ويمدحه وينصره) سواء

# وهو مقبول على رأي الكوفيين دون رأي البصريين فإنهم لا يجوزون حذف
~~الموصول في مثله، وبعض أئمة المحققين بعد أن استقرب توجيه «التقريب» ولم
~~يستبعد تنزيل ما سمعت عن الزمخشري وأبي علي عليه قال: وأقرب منه أن
~~يقال: إن المصدقات منصوب على التخصيص كأنه قيل: إن المتصدقين عاما على
~~التغليب وأخص المتصدقات منهم كما تقول: إن الذين آمنوا ولا سيما العلماء
~~منهم وعملوا الصالحات لهم كذا.

# ووجه التخصيص ما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار "

# يحضهن على الصدقة بأنهن إذا فعلن ذلك كان له تعالى أقبل وجزاؤه عنه
~~سبحانه أوفر وأفضل، ثم قال: ولما لم يكن الإقراض غير ذلك التصدق قيل:
~~وأقرضوا أي بذلك التصدق تحقيقا لكينونته وأنهم مثل ذلك ممثلون عند الله
~~تعالى بمن يعامل مع أجود الأجودين معاملة برضاه، ولو قيل: والمقرضين
~~لفاتت هذه النكتة انتهى.

# ولا ms10421 يخفى أن نصب { المصدقت } على التخصيص خلاف الظاهر، وأما ما
~~ذكره في نكتة العدول عن المقروضين فحسن وهو متأت على تخريج أبي علي
~~والزمخشري، وعلى تخريج أبي حيان، وقال الخفاجي: القول  أي قول أبي
~~البقاء  بأن { أقرضوا } الخ معترض بين اسم { إن } وخبرها أظهر
~~وأسهل، وكأن النكتة فيه تأكيد الحكم بالمضاعفة، وزعم أن الجملة حال
~~بتقدير قد أو بدونها من ضميري { المصدقين والمصدقت } لا
~~يخفى معنى وعربية فتدبر.

# { يضاعف لهم } الضمير لجميع المتقدمين الذكور والإناث على
~~التغليب كضمير { أقرضوا } ، والجار والمجرور نائب الفاعل، وقيل: هو
~~ضمير التصدق أو ضمير القرض على حذف مضاف أي يضاعف ثواب التصدق أو ثواب
~~القرض لهم. وقرأ ابن كثير وابن عامر  يضعف  بتشديد العين، وقرىء
~~(يضاعف) بالبناء للفاعل أي يضاعف الله عز وجل لهم ثواب ذلك { ولهم
~~أجر كريم } قد مر الكلام فيه.

### || [57.19]

# { والذين ءامنوا بالله ورسله } قد بين كيفية إيمانهم
~~في خاتمة سورة البقرة، والموصول مبتدأ أول، وقوله تعالى: { أولئك }
~~مبتدأ ثان، وهو إشارة إلى الموصول، وما فيه من معنى البعد لما مر مرارا،
~~وقوله سبحانه: / { هم } مبتدأ ثالث، وقوله عز وجل: { الصديقون
~~والشهداء } خبر الثالث، والجملة خبر الثاني وهو مع خبره خبر الأول
~~أو { هم } ضمير فصل وما بعده خبر الثاني، وقوله تعالى: { عند ربهم
~~} متعلق على ما قيل: بالثبوت الذي تقتضيه الجملة أي أولئك عند ربهم عز
~~وجل وفي حكمه وعلمه سبحانه هم الصديقون والشهداء. والمراد أولئك في حكم
~~الله تعالى بمنزلة الصديقين والشهداء المشهورين بعلو الرتبة ورفعة المحل
~~وهم الذين سبقوا إلى التصديق ورسخوا فيه واستشهدوا في سبيل الله جل
~~جلاله، وسمي من قتل مجاهدا في سبيله تعالى شهيدا لأن الله سبحانه
~~وملائكته عليهم السلام شهود له بالجنة، وقيل: لأنه حي لم يمت كأنه شاهد
~~أي حاضر، وقيل: لأن ملائكة الرحمة تشهده، وقيل: لأنه شهد ما أعد الله
~~تعالى له من الكرامة، وقيل: غير ذلك فهو إما فعيل بمعنى فاعل أو بمعنى
~~مفعول على اختلاف التأويل.

# وقوله تعالى: { لهم أجرهم ms10422 ونورهم } خبر ثان للموصول، على
~~أنه جملة من مبتدأ وخبر، أو { لهم } الخبر وما بعده مرتفع به على
~~الفاعلية وضمير { لهم } للموصول، والضميران الأخيران للصديقين
~~والشهداء، والغرض بيان ثمرات ما وصفوا به من نعوت الكمال أي أولئك لهم
~~مثل أجر الصديقين والشهداء ونورهم المعروفين بغاية الكمال وعزة المنال،
~~وقد حذف أداة التشبيه تنبيها على قوة المماثلة وبلوغها حد الاتحاد كما
~~فعل ذلك أولا حيث قيل: { أولئك هم الصديقون
~~والشهدآء } وليست المماثلة بين ما للفريق الأول من الأجر والنور
~~وبين تمام ما للفريقين الأخيرين، بل بين تمام ما للأول من الأصل والإضعاف
~~وبين ما للأخيرين من الأصل بدون الإضعاف، فالإضعاف هو الذي امتاز به
~~الفريقان الأخيران على الفريق الأول وقد لا يعتبر تشبيه بليغ في الكلام
~~أصلا ويبقى على ظاهره والضمائر كلها للموصول أي أولئك هم المبالغون في
~~الصدق حيث آمنوا وصدقوا جميع أخبار الله تعالى وأخبار رسله عليهم الصلاة
~~والسلام والقائمون بالشهادة لله سبحانه بالوحدانية وسائر صفات الكمال
~~ولهم بما يليق بهم من ذلك لهم الأجر والنور الموعودان لهم، وقال بعضهم:
~~وصفهم بالشهادة لكونهم شهداء على الناس كما نطق به قوله تعالى:

# وكذلك جعلنكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على
~~الناس

# [البقرة: 143] فعند ربهم متعلق بالشهداء، والمراد والشهداء على الناس
~~يوم القيامة، وجوز تعلقه بالشهداء أيضا على الوجه الأول على معنى الذين
~~شهدوا مزيد الكرامة بالقتل في سبيل الله تعالى يوم القيامة أو في حظيرة
~~رحمته عز وجل أو نحو ذلك.

# ويشهد لكون الشهداء معطوفا على الصديقين آثار كثيرة. أخرج ابن جرير عن
~~البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " إن مؤمني أمتي شهداء "

# ، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم: { والذين ءامنوا بالله
~~ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم
~~} ، وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أنه قال يوما لقوم عنده: كلكم
~~صديق وشهيد قيل له: ما تقول يا أبا هريرة؟ قال: اقرءوا { والذين
~~ءامنوا بالله ورسله } الآية، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ms10423
~~عن مجاهد قال: كل مؤمن صديق وشهيد ثم تلا الآية، وأخرج عبد بن حميد نحوه
~~عن عمرو بن ميمون، وأخرج ابن حبان عن عمرو بن مرة الجهني قال:

# " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن
~~شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات الخمس وأديت
~~الزكاة وصمت رمضان وقمته فممن أنا؟ قال: من الصديقين والشهداء ".

# وينبغي أن يحمل { الذين ءامنوا } على من لهم كمال في ذلك يعتد
~~به ولا يتحقق إلا بفعل طاعات يعتد بها وإلا فيبعد أن يكون المؤمن
~~المنهمك في الشهوات الغافل عن الطاعات صديقا شهيدا، / ويستأنس لذلك بما
~~جاء من حديث عمر رضي الله تعالى عنه:

# " ما لكم إذا رأيتم الرجل يخرق أعراض الناس أن لا تعيبوا عليه؟ قالوا:
~~نخاف لسانه قال: ذلك أحرى أن لا تكونوا شهداء "

# ، قال ابن الأثير: أي إذا لم تفعلوا ذلك لم تكونوا في جملة الشهداء
~~الذين يستشهدون يوم القيامة على الأمم التي كذبت أنبياءها، وكذا بقوله
~~عليه الصلاة والسلام:

# " اللعانون لا يكونون شهداء "

# بناءا على أحد قولين فيه.

# وفي بعض الأخبار ما ظاهره إرادة طائفة من خواص المؤمنين، أخرج ابن
~~مردويه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " من فر بدينه من أرض إلى أرض مخافة الفتنة على نفسه ودينه كتب عند
~~الله صديقا فإذا مات قبضه الله شهيدا وتلا هذه الآية: { والذين
~~ءامنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون
~~والشهداء } ثم قال: هذه فيهم ثم قال: والفرارون بدينهم من أرض إلى
~~أرض يوم القيامة مع عيسى ابن مريم في درجته في الجنة "

# ويجوز أن يراد من قوله:

# " هذه فيهم "

# أنها صادقة عليهم وهم داخلون فيها دخولا أوليا، ويقال: في قوله عليه
~~الصلاة والسلام:

# " مع عيسى في درجته "

# المراد معه في مثل درجته وتوجه المماثلة بما مر والخبر إذا صح يؤيد
~~الوجه الأول في الآية.

# وروي عن الضحاك أنها نزلت في ثمانية نفر سبقوا أهل الأرض في زمانهم ms10424 إلى
~~الإسلام وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وحمزة وطلحة والزبير وسعد وزيد رضي
~~الله تعالى عنهم أجمعين، وهذا لا يضر في العموم كما لا يخفى، وقيل:
~~الشهداء مبتدأ و { عند ربهم } خبره، وقيل: الخبر { لهم
~~أجرهم } والكلام عليهما قد تم عند قوله تعالى: { الصديقون } ،
~~وأخرج هذا ابن جرير عن ابن عباس والضحاك قالا: { والذين ءامنوا
~~بالله ورسله أولئك هم الصديقون } هذه مفصولة سماهم
~~صديقين، ثم قال: والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم.

# وروى جماعة عن مسروق ما يوافقه، واختلفوا في المراد بالشهداء على هذا
~~فقيل: الشهداء في سبيل الله تعالى. وحكي ذلك عن مقاتل بن سليمان، وقيل:
~~الأنبياء عليهم السلام الذين يشهدون للأمم عليهم، وحكي ذلك عن مسروق
~~ومقاتل بن حيان واختاره الفراء والزجاج، وزعم أبو حيان أن الظاهر كون
~~الشهداء مبتدأ وما بعده خبر، ومن أنصف يعلم أنه ليس كما قال، وأن الذي
~~تقتضيه جزالة النظم الكريم هو ما تقدم. ثم النور على الجميع الأوجه على
~~حقيقته، وعن مجاهد وغيره أنه عبارة عن الهدى والكرامة والبشرى.

# { والذين كفروا وكذبوا بآيتنا } أي بجميعها على
~~اختلاف أنواعها وهو إشارة إلى كفرهم بالرسل عليهم السلام جميعهم {
~~أولئك } الموصوفون بتلك الصفة القبيحة { أصحب الجحيم }
~~بحيث لا يفارقونها أبدا.

### || [57.20]

# { اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو
~~وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر فى الأمول
~~والأولد } بعدما بين حال الفريقين في الآخرة شرح حال الحياة التي
~~اطمأن بها الفريق الثاني، وأشير إلى أنها من محقرات الأمور التي لا يركن
~~إليها العقلاء فضلا عن الاطمئنان بها بأنها لعب لا ثمرة فيها سوى التعب
~~ولهو تشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه وزينة لا يحصل منها شرف ذاتي كالملابس
~~الحسنة والمراكب البهية والمنازل الرفيعة { وتفاخر } بالأنساب
~~والعظام البالية وتكاثر بالعدد والعدد. وقرأ السلمي { وتفاخر بينكم }
~~بالإضافة، ثم أشير إلى أنها مع ذلك سريعة الزوال وشيكة الاضمحلال بقوله
~~سبحانه: { كمثل غيث } مطر { أعجب الكفار } أي راقهم {
~~نباته } أي النبات الحاصل به، والمراد بالكفار إما الحراث على ما روي
~~عن ابن مسعود ms10425 لأنهم يكفرون أي يسترون / البذر في الأرض ووجه تخصيصهم
~~بالذكر ظاهر، وأما الكافرون بالله سبحانه ووجه تخصيصهم أنهم أشد إعجابا
~~بزينة الدنيا فإن المؤمن إذا رأى معجبا انتقل فكره إلى قدرة موجده عز
~~وجل فأعجب بها، ولذا قال أبو نواس في النرجس:

# عيون من لجين شاخصات

# على أطرافها ذهب سبيك

# على قضب الزبرجد شاهدات

# (بأن الله ليس له شريك)

# والكافر لا يتخطى فكره عما أحس به فيستغرق إعجابا { ثم يهيج }
~~يتحرك إلى أقصى ما يتأتى له، وقيل: أي يجف بعد خضرته ونضارته { فتره
~~} يا من تصح منه الرؤية { مصفرا } بعد ما رأيته ناضرا مونقا،
~~وقرىء { مصفارا } وإنما لم يقل فيصفر قيل: إيذانا بأن اصفراره غير
~~مقارن لهيجانه وإنما المترتب عليه رؤيته كذلك، وقيل: للإشارة إلى ظهور
~~ذلك لكل أحد { ثم يكون حطاما } هشيما متكسرا من اليبس، ومحل
~~الكاف قيل: النصب على الحالية من الضمير في { لعب } لأنه في معنى
~~الوصف، وقيل: الرفع على أنه خبر بعد خبر للحياة الدنيا بتقدير المضاف
~~إليه أي مثل الحياة كمثل الخ، ولتضمن ذلك تشبيه جميع ما فيها من السنين
~~الكثيرة بمدة نبات غيث واحد يفنى ويضمحل في أقل من سنة جاءت الإشارة إلى
~~سرعة زوالها وقرب اضمحلالها.

# وبعد ما بين حقارة أمر الدنيا تزهيدا فيها وتنفيرا عن العكوف عليها
~~أشير إلى فخامة شأن الآخرة وعظم ما فيها من اللذات والآلام ترغيبا في
~~تحصيل نعيمها المقيم وتحذيرا من عذابها الأليم، وقدم سبحانه ذكر العذاب
~~فقال جل وعلا: { وفى الأخرة عذاب شديد } لأنه من نتائج
~~الانهماك فيما فصل من أحوال الحياة الدنيا { ومغفرة } عظيمة { من
~~الله ورضوان } عظيم لا يقادر قدره. وفي مقابلة العذاب الشديد
~~بشيئين إشارة إلى غلبة الرحمة وأنه من باب «لن يغلب عسر يسرين». وفي ترك
~~وصف العذاب بكونه من الله تعالى مع وصف ما بعده بذلك إشارة إلى غلبتها
~~أيضا ورمز إلى أن الخير هو المقصود بالقصد الأولي.

# { وما الحيوة الدنيا إلا متع الغرور } لمن اطمأن
~~بها ولم يجعلها ذريعة للآخرة ومطية ms10426 لنعيمها، روي عن سعيد بن جبير الدنيا
~~متاع الغرور إن ألهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله
~~تعالى وطلب الآخرة فنعم المتاع ونعم الوسيلة.

### || [57.21]

# { سابقوا إلى مغفرة } أي سارعوا مسارعة السابقين لأقرانهم
~~في المضمار إلى أسباب مغفرة عظيمة كائنة { من ربكم } والكلام على
~~الاستعارة أو المجاز المرسل واستعمال اللفظ في لازم معناه، وإنما لزم ذلك
~~لأن اللازم أن يبادر من يعمل ما يكون سببا للمغفرة ودخول الجنة لا أن
~~يعمله أو يتصف بذلك سابقا على آخر؛ وقيل: المراد سابقوا ملك الموت قبل
~~أن يقطعكم بالموت عن الأعمال الموصلة لما ذكر؛ وقيل: سابقوا إبليس قبل أن
~~يصدكم بغروره وخداعه عن ذلك وهو كما ترى. والمراد بتلك الأسباب الأعمال
~~الصالحة على اختلاف أنواعها، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في
~~الآية: كن أول داخل المسجد وآخر خارج، وقال عبد الله: كونوا في أول صف
~~القتال، وقال أنس: اشهدوا تكبيرة الإحرام مع الإمام وكل ذلك من باب
~~التمثيل، واستدل بهذا الأمر على أن الصلاة بأول وقتها أفضل من التأخير.

# { وجنة عرضها كعرض السماء والأرض } أي كعرضهما
~~جميعا لو ألصق أحدهما بالآخر، وإذا / كان العرض وهو أقصر الامتدادين
~~موصوفا بالسعة دل على سعة الطول بالطريق الأولى فالاقتصار عليه أبلغ من
~~ذكر الطول معه، وقيل: المراد بالعرض البسطة ولذا وصف به الدعاء ونحوه مما
~~ليس من ذوي الأبعاد وتقدم قول آخر في تفسير نظير الآية من سورة آل عمران
~~[133] وتقديم المغفرة على الجنة لتقدم التخلية على التحلية.

# { أعدت للذين ءامنوا بالله ورسله } أي هيئت لهم،
~~واستدل بذلك على أن الجنة موجودة الآن لقوله تعالى: { أعدت } بصيغة
~~الماضي والتأويل خلاف الظاهر، وقد صرح بخلافه في الأحاديث الصحيحة وتمام
~~الكلام في علم الكلام، وعلى أن الإيمان وحده كاف في استحقاق الجنة لذكره
~~وحده فيما في حيز ما يشعر بعلة الإعداد وإدخال العمل في الإيمان المعدى
~~بالباء غير مسلم كذا قالوا، ومتى أريد بالذين آمنوا المذكورين من لهم
~~درجة في الإيمان ms10427 يعتد بها، وقيل: بأنها لا تحصل بدون الأعمال الصالحة على
~~ما سمعته منا قريبا انخدش الاستدلال الثاني في الجملة كما لا يخفى. وذكر
~~النيسابوري في وجه التعبير هنا  بسابقوا  وفي آية آل عمران  بسارعوا 
~~وبالسماء هنا، بالسماوات هناك  وبكعرض  هنا  وبعرض  بدون أداة تشبيه
~~ثم كلاما مبنيا على أن المراد بالمتقين هناك السابقون المقربون،
~~وبالذين آمنوا هنا من هم دون أولئك حالا فتأمل.

# { ذلك } أي الذي وعد من المغفرة والجنة { فضل الله } عطاؤه
~~الغير الواجب عليه { يؤتيه من يشاء } إيتاءه { والله ذو
~~الفضل العظيم } فلا يبعد منه عز وجل التفضل بذلك على من يشاء وإن
~~عظم قدره، فالجملة تذييل لإثبات ما ذيل بها.

### || [57.22]

# { ما أصاب من مصيبة } أي نائبة أي نائبة وأصلها في الرمية
~~وهي من أصاب السهم إذا وصل إلى المرمى بالصواب ثم خصت بها. وزعم بعضهم
~~أنها لغة عامة في الشر والخير وعرفا خاصة بالشر. و { من } مزيدة
~~للتأكيد، وأصاب جاء في الشر كما هنا، وفي الخير كقوله تعالى:

# ولئن أصبكم فضل من الله

# [النساء: 73] وذكر بعضهم أنه يستعمل في الخير اعتبارا بالصوب أي بالمطر
~~وفي الشر اعتبارا بإصابة السهم، وكلاهما يرجعان إلى أصل وتذكير الفعل في
~~مثل ذلك جائز كتأنيثه، وعليه قوله تعالى:

# ما تسبق من أمة أجلها

# [الحجر: 5] والكلام على العموم لجميع الشرور أي مصيبة أي مصيبة { فى
~~الأرض } كجدب وعاهة في الزرع والثمار وزلزلة وغيرها { ولا فى
~~أنفسكم } كمرض وآفة كالجرح والكسر { إلا فى كتب } أي إلا
~~مكتوبة مثبتة في اللوح المحفوظ، وقيل: في علم الله عز وجل. { من قبل
~~أن نبرأها } أي نخلقها، والضمير على ما روي عن ابن عباس وقتادة
~~والحسن وجماعة للأنفس، وقيل: للأرض، واستظهر أبو حيان كونه للمصيبة لأنها
~~هي المحدث عنها، وذكر الأرض والأنفس إنما هو على سبيل ذكر محلها، وذكر
~~المهدوي جواز عوده على جميع ما ذكر، وقال جماعة: يعود على المخلوقات وإن
~~لم يجر لها ذكر.

# وقيل: المراد بالمصيبة هنا الحوادث من خير وشر وهو خلاف الظاهر ms10428 من
~~استعمال المصيبة إلا أن فيما بعد نوع تأييد له وأيا ما كان ففي الأرض
~~متعلق بمحذوف مرفوع أو مجرور صفة لمصيبة على الموضع أو على اللفظ، وجوز
~~أن يكون ظرفا لأصاب أو للمصيبة، قيل: وإنما قيدت المصيبة بكونها في
~~الأرض والأنفس لأن الحوادث المطلقة كلها ليست مكتوبة في اللوح لأنها غير
~~متناهية، واللوح متناه وهو لا يكون / ظرفا لغير المتناهي ولذا جاء

# " جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ".

# وفي الآية تخصيص آخر وهو أنه سبحانه لم يذكر أحوال أهل السماوات لعدم
~~تعلق الغرض بذلك مع قلة المصائب في أهلها بل لا يكاد يصيبهم سوى مصيبة
~~الموت، وما ذكره في وجه التخصيص الأول لا يتم إذا أريد بالكتاب علمه
~~سبحانه، وقيل: بأن كتابة الحوادث فيه على نحو كتابتها في القرآن العظيم
~~بناءا على ما يقولون: إنه ما من شيء إلا ويمكن استخراجه منه حتى أسماء
~~الملوك ومددهم وما يقع منهم ولو قيل في وجهه  إن الأوفق بما تقدم من شرح
~~حال الحياة الدنيا إنما هو ذكر المصائب الدنيوية فلذا خصت بالذكر  لكان
~~تاما مطلقا.

# { إن ذلك } أي إثباتها في كتاب { على الله } لا غيره سبحانه
~~{ يسير } لاستغنائه تعالى فيه عن العدة والمدة، وإن أريد بذلك تحققها
~~في علمه جل شأنه فيسره لأنه من مقتضيات ذاته عز وجل.

# وفي الآية رد على هشام بن الحكم الزاعم أنه سبحانه لا يعلم الحوادث قبل
~~وقوعها. وفي «الإكليل» أن فيها ردا على القدرية، وجاء ذلك في خبر مرفوع،
~~أخرج الديلمي عن سليم بن جابر الجهيمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " سيفتح على أمتي باب من القدر في آخر الزمان لا يسده شيء يكفيكم منه
~~أن تلقوه بهذه الآية { ما أصاب من مصيبة } "

# وأخرج الإمام أحمد والحاكم وصححه عن أبي حسان

# " أن رجلين دخلا على عائشة رضي الله تعالى عنها فقالا: إن أبا هريرة
~~يحدث أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: إنما الطيرة في المرأة
~~والدابة والدار ms10429 فقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم صلى الله عليه
~~وسلم ما هكذا كان يقول، ولكن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كان
~~أهل الجاهلية يقولون: إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار "

# ، ثم قرأت { ما أصاب من مصيبة } الآية.

### || [57.23]

# { لكيلا تأسوا } أي أخبرناكم بذلك لئلا تحزنوا { على ما
~~فاتكم } من نعم الدنيا { ولا تفرحوا بما ءاتكم } أي
~~أعطاكموه الله تعالى منها فإن من علم أن الكل مقدر يفوت ما قدر فواته
~~ويأتي ما قدر إتيانه لا محالة لا يعظم جزعه على ما فات ولا فرحه بما هو
~~آت. وعلم كون الكل مقدرا مع أن المذكور سابقا المصائب دون النعم وغيرها
~~لأنه لا قائل بالفرق وليس في النظم الجليل اكتفاء كما توهم، نعم إن حملت
~~المصيبة على الحوادث من خير وشر كان أمر العلم أوضح كما لا يخفى، وترك
~~التعادل بين الفعلين في الصلتين حيث لم يسندا إلى شيء واحد بل أسند الأول
~~إلى ضمير الموصول والثاني إلى ضميره تعالى، لأن الفوات والعدم ذاتي
~~للأشياء فلو خليت ونفسها لم تبق بخلاف حصولها وبقائها فإنه لا بد من
~~استنادهما إليه عز وجل كما حقق في موضعه، وعليه قول الشاعر:

# فلا تتبع الماضي سؤالك لم مضى

# وعرج على الباقي وسائله لم بقي

# ومثل هذه القراءة قراءة عبد الله  أوتيتم  مبنيا للمفعول أي أعطيتم،
~~وقرأ أبو عمرو  أتاكم  من الإتيان أي جاءكم وعليها بين الفعلين تعادل،
~~والمراد نفي الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله
~~تعالى ورجاء ثواب الصابرين ونفي الفرح المطغي الملهي عن الشكر، وأما
~~الحزن الذي لا يكاد الإنسان يخلو منه مع الاستسلام والسرور بنعمة الله
~~تعالى والاعتداد بها مع الشكر فلا بأس بهما. أخرج جماعة منهم الحاكم
~~وصححه عن ابن عباس أنه قال في الآية: ليس أحد إلا وهو يحزن ويفرح ولكن من
~~أصابته مصيبة جعلها صبرا ومن أصابه خير جعله شكرا.

# وقوله تعالى: / { والله لا يحب كل مختال فخور }
~~تذييل يفيد أن الفرح ms10430 المذموم هو الموجب للبطر والاختيال، والمختال
~~المتكبر عن تخيل فضيلة تراءت له من نفسه، والفخور المباهي في الأشياء
~~الخارجة عن المرء كالمال والجاه. وذكر بعضهم أن الاختيال في الفعل،
~~والفخر فيه وفي غيره، والمراد من لا يحب يبغض إذ لا واسطة بين الحب
~~والبغض في حقه عز وجل وأولا بالإثابة والتعذيب، ومذهب السلف ترك
~~التأويل مع التنزيه، ومن لا يحب كل مختال لا يحب كل فرد فرد من ذلك لا
~~أنه لا يحب البعض دون البعض ويرد بذلك على الشيخ عبد القاهر في قوله: إذا
~~تأملنا وجدنا إدخال كل في حيز النفي لا يصلح إلا حيث يراد أن بعضا كان
~~وبعضا لم يكن، نعم إن هذا الحكم أكثري لا كلي.

### || [57.24]

# وقوله تعالى: { الذين يبخلون ويأمرون الناس
~~بالبخل } بدل من

# كل مختال

# [الحديد: 23] بدل كل من كل، فإن المختال بالمال يضن به غالبا ويأمر
~~غيره بذلك، والظاهر أن المراد أنهم يأمرون حقيقة، وقيل: كانوا قدوة
~~فكأنهم يأمرون أو هو خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين الخ، أو مبتدأ خبره
~~محذوف تقديره يعرضون عن الإنفاق الغني عنه الله عز وجل، ويدل عليه قوله
~~تعالى: { ومن يتول فإن الله هو الغنى الحميد }
~~فإن معناه ومن يعرض عن الإنفاق فإن الله سبحانه غني عنه وعن إنفاقه محمود
~~في ذاته لا يضره الإعراض عن شكره بالتقرب إليه بشيء من نعمه جل جلاله،
~~وقيل: تقديره مستغني عنهم، أو موعودون بالعذاب أو مذمومون. وجوز أن يكون
~~في موضع نصب على إضمار أعني أو على أنه نعت  لكل مختال  فإنه مخصص
~~نوعا ما من التخصيص فساغ وصفه بالمعرفة وهذا ليس بشيء، وقال ابن عطية:
~~جواز مثل ذلك مذهب الأخفش. ولا يخفى ما في الجملة من الإشعار بالتهديد
~~لمن تولى.

# وقرأ نافع وابن عامر  فإن الله الغني بإسقاط هو وكذا في مصاحف المدينة
~~والشام وهو في القراءة الأخرى ضمير فصل، قال أبو علي: ولا يحسن أن يكون
~~مبتدأ وإلا لم يجز حذفه في القراءة الثانية لأن ما بعده ms10431 صالح لأن يكون
~~خبرا فلا يكون هناك دليل على الحذف وهذا مبني على وجوب توافق القراءتين
~~إعرابا وليس بلازم.

### || [57.25]

# { لقد أرسلنا رسلنا } أي من بني آدم كما هو الظاهر {
~~بالبينت } أي الحجج والمعجزات { وأنزلنا معهم
~~الكتب } أي جنس الكتاب الشامل للكل، والظرف حال مقدرة منه على ما
~~قال أبو حيان، وقيل: مقارنة بتنزيل الاتصال منزلة المقارنة {
~~والميزان } الآلة المعروفة بين الناس كما قال ابن زيد وغيره،
~~وإنزاله إنزال أسبابه، ولو بعيدة، وأمر الناس باتخاذه مع تعليم كيفيته. {
~~ليقوم الناس بالقسط } علة لإنزال الكتاب والميزان، والقيام
~~بالقسط أي بالعدل يشمل التسوية في أمور التعامل باستعمال الميزان، وفي
~~أمور المعاد باحتذاء الكتاب وهو لفظ جامع مشتمل على جميع ما ينبغي
~~الاتصاف به معاشا ومعادا.

# { وأنزلنا الحديد } قال الحسن: أي خلقناه كقوله تعالى:

# وأنزل لكم من الأنعم ثمنية أزوج

# [الزمر: 6] وهو تفسير بلازم الشيء فإن كل مخلوق منزل باعتبار ثبوته في
~~اللوح وتقديره موجودا حيث ما ثبت فيه. وقال قطرب: هيأناه لكم وأنعمنا به
~~عليكم من نزل الضيف { فيه بأس } أي عذاب { شديد } لأن آلات الحرب
~~تتخذ منه، وهذا إشارة إلى احتياج الكتاب والميزان إلى القائم بالسيف
~~ليحصل القيام بالقسط فإن الظلم من شيم النفوس، وقوله تعالى: {
~~ومنفع للناس } أي في معايشهم ومصالحهم إذ ما من صنعة إلا /
~~والحديد أو ما يعمل به آلتها للإيماء إلى أن القيام بالقسط كما يحتاج إلى
~~الوازع وهو القائم بالسيف يحتاج إلى ما به قوام التعايش، ومن يقوم بذلك
~~أيضا ليتم التمدن المحتاج إليه النوع، وليتم القيام بالقسط، كيف وهو
~~شامل أيضا لما يخص المرء وحده. والجملة الظرفية في موضع الحال.

# وقوله سبحانه: { وليعلم الله من ينصره ورسله } عطف
~~على محذوف يدل عليه السياق أو الحال لأنها متضمنة للتعليل أي لينفعهم
~~وليعلم الله علما يتعلق به الجزاء من ينصره ورسله باستعمال آلات الحرب
~~من الحديد في مجاهدة أعدائه، والحذف للإشعار بأن الثاني هو المطلوب لذاته
~~وأن الأول مقدمة له، وجوز تعلقه بمحذوف مؤخر والواو اعتراضية أي ms10432 وليعلم
~~الخ أنزله أو مقدم والواو عاطفة والجملة معطوفة على ما قبلها وقد حذف
~~المعطوف وأقيم متعلقه مقامه، وقوله تعالى: { بالغيب } حال من فاعل
~~(ينصر)، أو من مفعوله أي غائبا منهم أو غائبين منه.

# وقوله عز وجل: { إن الله قوى عزيز } اعتراض تذييلي جىء به
~~تحقيقا للحق وتنبيها على أن تكليفهم الجهاد وتعريضهم للقتال ليس لحاجته
~~سبحانه في إعلاء كلمته وإظهار دينه إلى نصرتهم بل إنما هو لينتفعوا به
~~ويصلوا بامتثال الأمر فيه إلى الثواب وإلا فهو جل وعلا غني بقدرته وعزته
~~عنهم في كل ما يريد.

# هذا وذهب الزمخشري إلى أن المراد بالرسل رسل الملائكة عليهم السلام أي
~~أرسلناهم إلى الأنبياء عليهم السلام، وفسر  البينات  كما فسرنا بناءا
~~على أن الملائكة ترسل بالمعجزات كإرسالها بالحجج لتخبر بأنها معجزات وإلا
~~فكان الظاهر الاقتصار على الحجج وإنزال الكتاب أي الوحي مع أولئك الرسل
~~ظاهر، وإنزال الميزان بمعنى الآلة عنده على حقيقته، قال: روي أن جبريل
~~عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح عليه السلام، وقال: مر قومك
~~يزنوا به، وفسره كثير بالعدل، وعن ابن عباس في إنزال الحديد: نزل مع آدم
~~عليه السلام الميقعة والسندان والكلبتان، وروي أنه نزل ومعه المر
~~والمسحاة، وقيل: نزل ومعه خمسة أشياء من الحديد: السندان والكلبتان
~~والإبرة والمطرقة والميقعة، وفسرت بالمسن، وتجىء بمعنى المطرقة أو
~~العظيمة منها، وقيل: ما تحد به الرحى، وفي حديث ابن عباس نزل آدم عليه
~~السلام من الجنة بالباسنة وهي آلات الصناع، وقيل: سكة الحرث وليس بعربي
~~محض والله تعالى أعلم.

# واستظهر أبو حيان كون  ليقوم الناس بالقسط  علة لإنزال الميزان فقط
~~وجوز ما ذكرناه وهو الأولى فيما أرى.

### || [57.26]

# وقوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا وإبرهيم } نوع تفصيل
~~لما أجمل في قوله تعالى:

# لقد أرسلنا رسلنا

# [الحديد: 25] وتكرير القسم لإظهار مزيد الاعتناء بالأمر أي وبالله لقد
~~أرسلنا نوحا وإبراهيم. { وجعلنا فى ذريتهما النبوة
~~والكتب } بأن استنبأناهم وأوحينا إليهم الكتب، وقال ابن عباس:
~~الكتاب الخط بالقلم، وفي مصحف عبد الله  والنبية  مكتوبة بالياء ms10433 عوض
~~الواو { فمنهم } أي من الذرية؛ وقيل: أي من المرسل إليهم المدلول
~~عليهم بذكر الإرسال والمرسلين { مهتد وكثير منهم
~~فسقون } خارجون عن الطريق المستقيم، ولم يقل ومنهم ضال مع أنه أظهر
~~في المقابلة لأن ما عليه النظم الكريم أبلغ في الذم لأن الخروج عن الطريق
~~المستقيم بعد الوصول بالتمكن منه، ومعرفته أبلغ من الضلال عنه ولإيذانه
~~بغلبة أهل الضلال على غيرهم.

### || [57.27]

# { ثم قفينا على ءاثرهم برسلنا } أي أرسلنا بعدهم
~~رسولا بعد رسول، وأصل التقفية جعل / الشيء خلف القفا، وضمير { آثارهم }
~~لنوح وإبراهيم ومن أرسلا إليهم من قومهما، وقيل: لمن عاصرهما من الرسل
~~عليهم السلام. واعترض بأنه لو عاصر رسول نوحا فإما أن يرسل إلى قومه
~~كهارون مع موسى عليهما السلام أو إلى غيرهم كلوط مع إبراهيم عليهما
~~السلام ولا مجال للأول لمخالفته للواقع ولا إلى الثاني إذ ليس على الأرض
~~قوم غيره، وأجيب بأن ذاك توجيه لجمع الضمير وكون لوط مع إبراهيم كاف فيه،
~~وقيل: للذرية، وفيه أن الرسل المقفى بهم من الذرية فلو عاد الضمير عليهم
~~لزم أنهم غيرهم أو اتحاد المقفى والمقفى به وتخصيص الذرية مرجع الضمير
~~بالأوائل منهم خلاف الظاهر من غير قرينة تدل عليه.

# { وقفينا بعيسى ابن مريم } جعلناه بعد. وحاصل المعنى
~~أرسلنا رسولا بعد رسول حتى انتهى الإرسال إلى عيسى عليه الصلاة والسلام
~~{ وآتيناه الإنجيل } بأن أوحيناه إليه وليس هو الذي بين أيدي
~~النصارى اليوم أعني المشتمل على قصة ولادته وقصة صلبه المفتراة. وقرأ
~~الحسن { الأنجيل } بفتح الهمزة، قال أبو الفتح: وهو مثال لا نظير له،
~~قال الزمخشري: ((وأمره أهون من أمر البرطيل)) بفتح الباء، والكسر أشهر
~~وهو حجر مستطيل واستعماله في الرشوة مولد مأخوذ منه بنوع تجوز لأنه عجمي
~~وهذا عربي وهم يتلاعبون بالعجمي ولا يلتزمون فيه أوزانهم، وزعم بعض أن
~~لفظ الإنجيل عربي من نجلت بمعنى استخرجت لاستخراج الأحكام منه.

# { وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة }
~~أي خلقنا أو صيرنا  ففي قلوب  في موضع المفعول الثاني وأيا ما كان
~~فالمراد جعلنا ms10434 ذلك في قلوبهم فهم يرأف بعضهم ببعض ويرحم بعضهم بعضا،
~~ونظيره في شأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

# رحماء بينهم

# [الفتح: 29] والرأفة في المشهور الرحمة لكن قال بعض الأفاضل: إنها إذا
~~ذكرت معها يراد بالرأفة ما فيه درء الشر ورأب الصدع، وبالرحمة ما فيه جلب
~~الخير ولذا ترى في الأغلب تقديم الرأفة على الرحمة وذلك لأن درء المفاسد
~~أهم من جلب المصالح وقرىء (رآفة) على فعالة كشجاعة.

# { ورهبانية } منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر أي وابتدعوا رهبانية
~~{ ابتدعوها } فهو من باب الاشتغال، واعترض بأنه يشترط فيه  كما قال
~~ابن الشجري وأبو حيان  أن يكون الاسم السابق مختصا يجوز وقوعه مبتدأ
~~والمذكور نكرة لا مسوغ لها من مسوغات الابتداء، ورد بأنه على فرض تسليم
~~هذا الشرط، الاسم هنا موصوف معنى بما يؤخذ من تنوين التعظيم كما قيل في
~~قولهم: شر أهر ذا ناب. ومما يدل عليه من النسبة كما ستسمعه إن شاء الله
~~تعالى، أو منصوب بالعطف على ما قبل، وجملة { ابتدعوها } في موضع
~~الصفة والكلام على حذف مضاف أي وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة وحب رهبانية
~~مبتدعة لهم، وبعضهم جعله معطوفا على ما ذكر ولم يتعرض للحذف، وقال:
~~الرهبانية من أفعال العباد لأنها المبالغة في العبادة بالرياضة والانقطاع
~~عن الناس، وأصل معناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو الخائف، فعلان من
~~رهب كخشيان من خشي، وأفعال العباد يتعلق بها جعل الله تعالى عند أهل الحق
~~وهي في عين كونها مخلوقة له تعالى مكتسبة للعبد، والزمخشري جوز العطف
~~المذكور وفسر الجعل بالتوفيق كأنه قيل: وفقناهم للتراحم بينهم ولابتداع
~~الرهبانية واستحداثها بناءا على مذهبه أن الرهبانية فعل العبد المخلوق
~~له باختياره، وفائدة { فى قلوب } على هذا التصوير على ما قيل، ولا
~~يخفى ما في هذا التفسير من العدول عن الظاهر لكن الإنصاف أنه لا يحسن
~~العطف بدون هذا / التأويل أو اعتبار حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه
~~على ما تقدم أو تفسير الرهبانية بما هو من أفعال القلوب كالخوف المفرط
~~المقتضي للغلو في ms10435 التعبد ويرتكب نوع تجوز في { ابتدعوها } وما بعده
~~كأن يكون المراد ابتداع أعمالها وآثارها أو ارتكاب استخدام في الكلام بأن
~~يعتبر للرهبانية معنيان الخوف المفرط مثلا، ويراد في جعلنا في قلوبهم
~~رهبانية والأعمال التعبدية الشاقة كرفض الدنيا وشهواتها من النساء
~~وغيرهن، ويراد في { ابتدعوها } وما بعده وليس الداعي للتأويل
~~الاعتزال بل كون الرهبانية بمعنى الأعمال البدنية ليست مما تجعل في القلب
~~كالرأفة والرحمة فتأمل.

# وقرىء { رهبانية } بضم الراء وهي منسوبة إلى الرهبان بالضم وهو كما
~~قال الراغب: يكون واحدا وجمعا فالنسبة إليه باعتبار كونه واحدا ومن ظن
~~اختصاص المضموم بالجمع قال: إنه لما اختص بطائفة مخصوصة أعطي حكم العلم
~~فنسبته إليه كما قالوا في أنصار وأنصاري أو أن النسبة إلى رهبان المفتوح
~~وضم الراء في المنسوب من تغييرات النسب كما في دهري بضم الدال. وقوله
~~تعالى: { ما كتبنها عليهم }. جملة مستأنفة، وقوله سبحانه:

# { إلا ابتغاء رضون الله } استثناء منقطع أي ما فرضناها نحن
~~عليهم رأسا ولكن ابتدعوها وألزموا أنفسهم بها ابتغاء رضوان الله تعالى،
~~وقوله تعالى: { فما رعوها حق رعايتها } أي ما حافظوا عليها
~~حق المحافظة، ذم لهم من حيث إن ذلك كالنذر وهو عهد مع الله تعالى يجب
~~رعايته لا سيما إذا قصد به رضاه عز وجل. واستدل بذلك على أن من اعتاد
~~تطوعا كره له تركه، وجوز أن يكون قوله تعالى: { ما كتبنها } الخ
~~صفة أخرى لرهبانية والنفي متوجه إلى قيد الفعل لا نفسه كما في الوجه
~~الأول، وقوله سبحانه: { إلا ابتغاء }  الخ استثناء متصل من أعم
~~العلل أي ما قضيناها عليهم بأن جعلناهم يبتدعونها لشيء من الأشياء إلا
~~ليبتغوا بها رضوان الله تعالى ويستحقوا بها الثواب، ومن ضرورة ذلك أن
~~يحافظوا عليها ويراعوها حق رعايتها فما رعوها كذلك والوجه الأول مروي عن
~~قتادة وجماعة، وهذا مروي عن مجاهد ولا مخالفة عليه بين { ابتدعوها }
~~و { ما كتبنها عليهم } الخ حيث إن الأول يقتضي أنهم لم
~~يؤمروا بها أصلا والثاني يقتضي أنهم أمروا بها لابتغاء رضوان الله تعالى
~~لما ms10436 أشرنا إليه من معنى { ما كتبنها عليهم إلا ابتغاء
~~} الخ، ودفع بعضهم المخالفة بأن يقال: الأمر وقع بعد ابتداعها أو يؤل
~~ابتدعوها بأنهم أول من فعلها بعد الأمر ويؤيد ما ذكره في الدفع أولا ما
~~أخرجه أبو داود وأبو يعلى والضياء عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم قال:

# " لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد
~~عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ما ابتدعوها ما كتبناها
~~عليهم "

# يعني الآية.

# والظاهر أن ضمير { فما رعوها } لأولئك الذين ابتدعوا الرهبانية،
~~والمراد نفي وقوع الرعاية من كلهم على أن المعنى فما رعاها كلهم بل
~~بعضهم، وليس المراد بالموصول فيما سبق أشخاصا بأعيانهم بل المراد به ما
~~يعم النصارى إلى زمان الإسلام ولا يضر في ذلك أن أصل الابتداع كان من قوم
~~مخصوصين لأن إسناده على نحو الإسناد في  بنو تميم قتلوا زيدا  والقاتل
~~بعضهم. وقال الضحاك وغيره: الضمير في { فما رعوها } للأخلاف الذين
~~جاءوا بعد المبتدعين، والأول أوفق بالصناعة.

# والمراد بالذين آمنوا في قوله تعالى: { فآتينا الذين آمنوا
~~منهم } الذين آمنوا إيمانا صحيحا وهو لمن أدرك وقت النبي صلى الله
~~عليه وسلم الإيمان به عليه الصلاة والسلام أي فآتينا الذين آمنوا منهم /
~~إيمانا صحيحا بعد رعاية رهبانيتهم { أجرهم } أي ما يختص بهم من
~~الأجر وهو الأجر على ما سلف منهم والأجر على الإيمان به عليه الصلاة
~~والسلام، وليس المراد بهم الذين بقوا على رعاية الرهبانية إلى زمان
~~البعثة ولم يؤمنوا لأن رعايتها لغو محض وكفر بحت وإنما لها استتباع
~~الأجر، ويجوز أن يقال: إن الذين لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها هم الذين
~~كذبوه عليه الصلاة والسلام.

# قال الزجاج: قوله تعالى: { فما رعوها حق رعايتها } على
~~ضربين: أحدهما: أن يكونوا قصروا فيما ألزموه أنفسهم، والآخر: وهو الأجود
~~أن يكونوا حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمنوا فكانوا تاركين
~~لطاعة الله تعالى فما رعوا تلك الرهبانية، ودليل ذلك قوله تعالى: {
~~فآتينا الذين آمنوا منهم } الخ ms10437 انتهى، فحمل { الذين
~~آمنوا } على من أدرك وقته عليه الصلاة والسلام منهم وآمن به صلى الله
~~عليه وسلم والفاسقين في قوله تعالى: { وكثير منهم فسقون }
~~على الذين لم يؤمنوا به صلى الله عليه وسلم، ومقتضى حمل { الذين
~~آمنوا } على ما سمعت أولا حمله على الأعم الشامل لمن خرج عن اتباع
~~عيسى عليه السلام من قبل.

# وحمل الفريقين على من مضى من المراعين لحقوق الرهبانية قبل النسخ
~~والمخلين بها إذ ذاك بالتثليث والقول بالاتحاد وقصد السمعة ونحو ذلك من
~~غير تعرض لإيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وكفرهم به مما لا
~~يساعده المقام.

# وفي الآثار ما يأباه ففي حديث طويل أخرجه جماعة منهم الحاكم وصححه
~~والبيهقي في «شعب الإيمان» من طرق عن ابن مسعود

# " اختلف من كان قبلنا على ثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاث وهلك سائرها
~~فرقة وازت الملوك وقاتلتهم على دين الله وعيسى ابن مريم، وفرقة لم تكن
~~لهم طاقة بموازاة الملوك فأقاموا بين ظهراني قومهم فدعوهم إلى دين الله
~~ودين عيسى فقتلتهم الملوك ونشرتهم بالمناشر، وفرقة لم تكن لهم طاقة
~~بموازاة الملوك ولا بالمقام معهم فساحوا في الجبال وترهبوا فيها وهم
~~الذين قال الله: { ورهبانية ابتدعوها ما كتبنها
~~عليهم إلا ابتغاء رضون الله فما رعوها حق
~~رعايتها فئاتينا الذين ءامنوا منهم أجرهم }
~~الذين آمنوا بي وصدقوني { وكثير منهم فسقون } الذين
~~حجدوا بي وكفروا بي "

# وهذا الخبر يؤيد ما استجوده الزجاج، ويعلم منه أيضا سبب ابتداع
~~الرهبانية.

# وليس في الآية ما يدل على ذم البدعة مطلقا، والذي تدل عليه ظاهرا ذم
~~عدم رعاية ما التزموه، وتفصيل الكلام في البدعة ما ذكره الإمام محي الدين
~~النووي في «شرح صحيح مسلم» ((قال العلماء: البدعة خمسة أقسام واجبة
~~ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة فمن الواجبة تعلم أدلة المتكلمين للرد على
~~الملاحدة والمبتدعين وشبه ذلك، ومن المندوبة تصنيف كتب العلم وبناء
~~المدارس والربط وغير ذلك، ومن المباحة التبسط في ألوان الأطعمة وغير ذلك،
~~والحرام والمكروه ظاهران، فعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم ms10438

# " كل بدعة ضلالة "

# من العام المخصوص)).

# وقال صاحب «جامع الأصول»: الابتداع من المخلوقين إن كان في خلاف ما أمر
~~الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز الذم والإنكار وإن
~~كان واقعا تحت عموم ما ندب الله تعالى إليه وحض عليه أو رسوله صلى الله
~~عليه وسلم فهو في حيز المدح وإن لم يكن مثاله موجودا كنوع من الجود
~~والسخاء / وفعل المعروف، ويعضد ذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه
~~في صلاة التراويح: «نعمت البدعة هذه».

### || [57.28]

# { يأيها الذين آمنوا } استظهر أبو حيان كون الخطاب لمن آمن
~~من أمته صلى الله عليه وسلم غير أهل الكتاب، والآثار تؤيد ذلك، أخرج
~~الطبراني في «الأوسط» عن ابن عباس وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قالا:
~~إن أربعين من أصحاب النجاشي قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فشهدوا
~~معه أحدا فكانت فيهم جراحات ولم يقتل منهم أحد فلما رأوا ما
~~بالمؤمنين من الحاجة قالوا: يا رسول الله إنا أهل ميسرة فأذن لنا نجيء
~~بأموالنا نواسي بها المسلمين فأنزل الله تعالى فيهم:

# الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون

# [القصص: 52] إلى قوله سبحانه:

# أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا

# [القصص: 54] فجعل لهم أجرين فلما نزلت هذه الآية قالوا: يا معشر
~~المسلمين أما من آمن منا بكتابكم فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر
~~كأجوركم فأنزل الله تعالى { يأيها الذين آمنوا } الآية أي
~~رادا عليهم قولهم: ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم. وفي «الكشاف»
~~إن قائل ذلك من لم يكن آمن من أهل الكتاب قالوه حين سمعوا تلك الآية
~~يفخرون به على المسلمين، والمعنى يا أيها الذين اتصفوا بالإيمان.

# { اتقوا الله } أثبتوا على تقواه عز وجل فيما نهاكم عنه. {
~~وءامنوا برسوله } واثبتوا على الإيمان برسوله الذي أرسله إليكم
~~وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وفي التعبير عنه بذلك ما لا يخفى من
~~الدلالة على جلالة قدره عليه الصلاة والسلام { يؤتكم } بسبب ذلك. {
~~كفلين من رحمته ms10439 } قال أبو موسى الأشعري: ضعفين بلسان الحبشة،
~~وقال غير واحد: نصيبين، والمراد إيتاؤهم أجرين كمؤمني أهل الكتاب كأنه
~~قيل: يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الأجرين لأنكم مثلهم في
~~الإيمان بالرسل المتقدمين وبخاتمهم صلى الله عليه وسلم عليهم أجمعين لا
~~تفرقون بين أحد من رسله. وقال الراغب: الكفل الحظ الذي فيه الكفاية كأنه
~~تكفل بأمره، والكفلان هما المرغوب فيهما بقوله تعالى:

# ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الأخرة حسنة

# [البقرة: 201] ولا دلالة على تخصيص { ويجعل لكم نورا
~~تمشون به } يوم القيامة وهو النور المذكور في قوله تعالى:

# يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمنهم

# [الحديد: 12] { ويغفر لكم } ما سلف منكم { والله غفور
~~رحيم } أي مبالغ في المغفرة والرحمة فلا بدع إذا فعل سبحانه ما فعل.

### || [57.29]

# وقوله تعالى: { لئلا يعلم أهل الكتب ألا
~~يقدرون على شىء من فضل الله } قيل: متعلق بمضمون الجملة
~~الطلبية المتضمنة لمعنى الشرط إذ التقدير إن تتقوا الله وتؤمنوا برسوله
~~يؤتكم كذا وكذا لئلا الخ، وقيل: متعلق بالأفعال الثلاثة قبله على
~~التنازع، أو بمقدر كفعل ذلك وأعلمهم ونحوه و { لا } مزيدة مثلها في قوله
~~تعالى:

# ما منعك ألا تسجد

# [الأعراف: 12] ويجوز زيادتها مع القرينة كثيرا و { أن } مخففة من
~~الثقيلة واسمها المحذوف ضمير أهل الكتاب أي أنهم، وقيل: ضمير الشأن وما
~~بعد خبرها والجملة في حيز النصب على أنها مفعول { يعلم } أي ليعلم
~~أهل الكتاب القائلون من آمن بكتابكم منا فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم
~~فله أجر كأجوركم أنهم لا ينالون شيئا من فضل الله من الأجرين وغيرهما
~~ولا يتمكنون من نيله ما لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وحاصله
~~الإعلام بأن إيمانهم بنبيهم لا ينفعهم شيئا ما لم يؤمنوا بالنبي عليه
~~الصلاة والسلام فقولهم: من لم يؤمن بكتابكم فله أجر باطل.

# / وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: لما نزلت

# أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا

# [القصص: 54] فخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
~~فقالوا: لنا ms10440 أجران ولكم أجر فاشتد ذلك على أصحابه عليه الصلاة والسلام
~~فأنزل الله تعالى:

# يأيها الذين آمنوا

# [الحديد: 28] الخ فجعل لهم سبحانه أجرين مثل ما لمؤمني أهل الكتاب، وقال
~~الثعلبي: فأنزل الله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا اتقوا
~~الله } الآية فجعل لهم أجرين وزادهم النور ثم قال سبحانه: { لئلا
~~يعلم } الخ، وحاصله على هذا ليعلموا أنهم ليسوا ملاك فضله عز وجل
~~فيزووه عن المؤمنين ويستبدوا به دونهم.

# وقوله تعالى: { وأن الفضل بيد الله } عطف على { ألا
~~يقدرون } داخل معه في حيز العلم، وقوله سبحانه: { يؤتيه من
~~يشاء } خبر ثان لأن أو هو الخبر وما قبله على ما قيل: حال لازمة أو
~~استئناف، وقوله عز وجل: { والله ذو الفضل العظيم } اعتراض
~~تذييلي مقرر لمضمون ما قبله. وذهب بعض إلى أن الخطاب لمن آمن من أهل
~~الكتاب اليهود والنصارى أو لمن يؤمن منهم بعد، فالمعنى يا أيها الذين
~~آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم أي
~~أثبتوا على الإيمان به أو أحدثوا الإيمان به عليه الصلاة والسلام يؤتكم
~~نصيبين من رحمته نصيبا على إيمانكم بمن آمنتم به أولا ونصيبا على
~~إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم آخرا ليعلم الذين لم يؤمنوا من أهل
~~الكتاب أنهم لا ينالون شيئا مما يناله المؤمنون منهم ولا يتمكنون من
~~نيله حيث لم يأتوا بشرطه الذي هو الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم،
~~وأيد ذلك بما في «صحيح البخاري»

# " من كانت له أمة علمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها وأعتقها
~~وتزوجها فله أجران، وأيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله
~~أجران، وأيما مملوك أدى حق الله تعالى وحق مواليه فله أجران "

# ولا إشكال في ذلك بالنسبة إلى النصارى، ولذا قيل: الخطاب لهم لأن ملتهم
~~غير منسوخة قيل ظهور الملة المحمدية ومعرفتهم بها فيثابون على العمل بها
~~حتى يجب عليهم الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم فإذا آمنوا أثيبوا
~~أيضا فكان لهم ثوابان، نعم قد يستشكل بالنسبة إلى غيرهم لأن مللهم
~~منسوخة بملة ms10441 عيسى عليه السلام والمنسوخ لا ثواب في العمل به، ويجاب بأنه
~~لا يبعد أن يثابوا على العمل بملتهم السابقة وإن كانت منسوخة ببركة
~~الإسلام. وأجاب بعضهم أن الإثابة على نفس إيمان ذلك الكتابي بنبيه وإن
~~كان منسوخ الشريعة فإن الإيمان بكل نبي فرض سواء كان منسوخ الشريعة أم
~~لا، وقيل: إن { لا } في { لئلا يعلم } غير مزيدة وضمير (لا
~~يقدرون) للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أي فعلنا ما فعلنا لئلا
~~يعتقد أهل الكتاب أن الشأن لا يقدر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون
~~به على شيء من فضل الله تعالى الذي هو عبارة عما أوتوه من سعادة الدارين
~~ولا ينالونه، أو أنهم أي النبي عليه الصلاة والسلام والمؤمنون لا يقدرون
~~الخ، على أن عدم علمهم بعدم قدرتهم على ذلك كناية عن علمهم بقدرتهم عليه
~~فيكون قوله سبحانه: { وأن الفضل } الخ معطوفا على  أن لا يعلم
~~ داخلا معه في حيز التعليل دون أن لا يقدر فكأنه قيل: فعلنا لئلا
~~يعتقدوا كذا ولأن الفضل بيد الله فيكون من عطف الغاية على الغاية بناءا
~~على المشهور ولتكلف هذا القيل مع مخالفته لبعض القراءات لم يذهب إليه
~~معظم المفسرين.

# وقرأ خطاب بن عبد الله  لأن لا يعلم  بالإظهار، وعبد الله بن مسعود
~~وابن عباس وعكرمة والجحدري وعبد الله بن سلمة على اختلاف (ليعلم)، وقرأ
~~الجحدري أيضا  ولييعلم  على أن أصله لئن يعلم فقلبت الهمزة ياءا /
~~لكسرة ما قبلها وأدغمت النون في الياء بغير غنة، وروى ابن مجاهد عن الحسن
~~ ليلا  مثل ليلى اسم المرأة { يعلم } بالرفع، ووجه بأن أصله  لأن لا 
~~بفتح لام الجر وهي لغة وعليه قوله:

# أريد لأنسى ذكرها فكأنما

# تمثل لي ليلى بكل سبيل

# فحذفت الهمزة اعتباطا وأدغمت النون في اللام فصار  للا  فاجتمعت
~~الأمثال وثقل النطق بها فأبدلوا من اللام المدغمة ياءا نظير ما فعلوا في
~~قيراط ودينار حيث إن الأصل قراط ودنار فأبدلوا أحد المثلين فيهما ياءا
~~للتخفيف فصار  ليلا  ورفع الفعل لأن أن هي المخففة من الثقيلة ms10442 لا
~~الناصبة للمضارع، وروى قطرب عن الحسن أيضا  ليلا  بكسر اللام ووجهه
~~كالذي قبله إلا أن كسر اللام على اللغة الشهيرة في لام الجر؛ وعن ابن
~~عباس (كي يعلم)، وعنه أيضا (لكيلا يعلم)، وعن عبد الله وابن جبير وعكرمة
~~(لكي يعلم).

# وقرأ عبد الله (أن لا يقدروا) بحذف النون على أن إن هي الناصبة للمضارع،
~~والله تعالى أعلم.

# ومما ذكره المتصوفة قدست أسرارهم في بعض آياتها:

# هو الأول والأخر والظهر والبطن

# [الحديد: 3] قالوا: هو إشارة إلى وحدانية ذاته سبحانه المحيطة بالكل،
~~وقالوا في قوله تعالى:

# وهو معكم أين ما كنتم

# [الحديد: 4] إشارة إلى أنهم لا وجود لهم في جميع مراتبهم بدون وجوده عز
~~وجل، وقوله تعالى:

# يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل

# [الحديد: 6] إشارة إلى ظهور تجلي الجلال في تجلي الجمال وبالعكس

# وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه

# [الحديد: 7] إشارة للمشايخ الكاملين إلى تربية المريدين بإفاضة ما يقوي
~~استعدادهم مما جعلهم الله تعالى متمكنين فيه من الأحوال والملكات. وقال
~~سبحانه:

# اعلموا أن الله يحى الأرض بعد موتها

# [الحديد: 17] لئلا يقنط القاسي من رحمته تعالى ويترك الاشتغال بمداواة
~~القلب الميت

# فما رعوها حق رعايتها

# [الحديد: 27] أوردها الصوفية في باب الرعاية وقسموها إلى رعاية الأعمال
~~والأحوال والأوقات  ويرجع ما قالوه فيها  على ما قيل  إلى حفظها عن
~~إيقاع خلل فيها { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله
~~وءامنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته } أي
~~نصيبين نصيبا من معارف الصفات الفعلية ونصيبا من معارف الصفات الذاتية
~~{ ويجعل لكم نورا } من نور ذاته عز وجل وهو على ما قيل: إشارة
~~إلى البقاء بعد الفناء، وقيل: هذا النور إشارة إلى نور الكشف والمشاهدة
~~رتب سبحانه جعله للمؤمن على تقواه وإيمانه برسوله الأعظم صلى الله عليه
~~وسلم، وقيل: هو نور العلم النافع الذي يتمكن معه من السير في الحضرات
~~الإلهية كما يشير إليه وصفه بقوله عز وجل:

# تمشون به

# [الحديد: 28]؛ وفي بعض الآثار

# " من عمل بما علم علمه الله تعالى علم ما لم يعلم "

# وقال سبحانه:

# واتقوا ms10443 الله ويعلمكم الله

# [البقرة: 282] وكل ذلك في الحقيقة فضل الله تعالى والله عز وجل ذو الفضل
~~العظيم نسأله سبحانه أن لا يحرمنا من فضله العظيم ولطفه العميم وأن
~~يثبتنا على متابعة حبيبه الكريم عليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأكمل
~~التسليم.

### | [58 - سورة المجادلة]

### || [58.1]

# { قد سمع الله } بإظهار الدال، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي
~~وابن محيصن بإدغامها في السين، قال خلف بن هشام البزار: سمعت الكسائي
~~يقول: من قرأ { قد سمع } فبين الدال فلسانه أعجمي ليس بعربي، ولا
~~يلتفت إلى هذا فكلا الأمرين فصيح متواتر بل الجمهور على البيان { قول
~~التى تجادلك فى زوجها } أي تراجعك الكلام في شأنه وفيما صدر
~~عنه في حقها من الظهار. وقرئ  تحاورك  والمعنى على ما تقدم، و(تحاولك)
~~أي تسائلك { وتشتكى إلى الله } عطف على { تجادلك } فلا
~~محل للجملة من الإعراب، وجوز كونها حالا أي تجادلك شاكية حالها إلى الله
~~تعالى، وفيه بعد معنى، ومع هذا يقدر معها مبتدأ أي وهي تشتكي لأن
~~المضارعية لا تقترن بالواو في الفصيح فيقدر معها المبتدأ لتكون اسمية.
~~واشتكاؤها إليه تعالى إظهار بثها وما انطوت عليه من الغم والهم وتضرعها
~~إليه عز وجل وهو من الشكو، وأصله فتح الشكوة وإظهار ما فيها، وهي سقاء
~~صغير يجعل فيه الماء ثم شاع في ذلك.

# وهي امرأة صحابية من الأنصار اختلف في اسمها واسم أبيها، / فقيل: خولة
~~بنت ثعلبة بن مالك، وقيل: بنت خويلد، وقيل: بنت حكيم، وقيل: بنت الصامت،
~~وقيل: خويلة بالتصغير بنت ثعلبة، وقيل: بنت مالك بن ثعلبة، وقيل: جميلة
~~بنت الصامت، وقيل: غير ذلك، والأكثرون على أنها خولة بنت ثعلبة بن مالك
~~الخزرجية، وأكثر الرواة على أن الزوج في هذه النازلة أوس بن الصامت أخو
~~عبادة بن الصامت، وقيل: هو سلمة بن صخر الأنصاري، والحق أن لهذا قصة
~~أخرى.

# " والآية نزلت في خولة وزوجها أوس، وذلك أن زوجها أوسا كان شيخا
~~كبيرا قد ساء خلقه فدخل عليها يوما فراجعته بشيء فغضب، فقال: أنت علي
~~كظهر أمي، وكان الرجل ms10444 في الجاهلية إذا قال ذلك لامرأته حرمت عليه وكان
~~هذا أول ظهار في الإسلام فندم من ساعته فدعاها فأبت، وقالت: والذي نفس
~~خولة بيده لا تصل إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله صلى الله
~~عليه وسلم فينا، فأتت رسول الله عليه الصلاة والسلام فقالت: يا رسول الله
~~إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب في فلما خلا سني ونثرت بطني  أي كثر
~~ولدي  جعلني عليه كأمه وتركني إلى غير أحد فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول
~~الله تنعشني بها وإياه فحدثني بها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «والله ما
~~أمرت في شأنك بشيء حتى الآن»، وفي رواية «ما أراك إلا قد حرمت عليه»
~~قالت: ما ذكر طلاقا، وجادلت رسول الله عليه الصلاة والسلام مرارا ثم
~~قالت: اللهم إني أشكو إليك شدة وحدتي وما يشق علي من فراقه، وفي رواية
~~قالت: أشكو إلى الله تعالى فاقتي وشدة حالي وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم
~~إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول:
~~اللهم إني أشكو إليك اللهم فأنزل علي لسان نبيك وما برحت حتى نزل القرآن
~~فيها، فقال صلى الله عليه وسلم: يا خولة أبشري قالت: خيرا؟ فقرأ عليه
~~الصلاة والسلام عليها { قد سمع الله } الآيات ".

# وكان عمر رضي الله تعالى عنه يكرمها إذا دخلت عليه ويقول: قد سمع الله
~~تعالى لها. وروى ابن أبي حاتم والبيهقي في «الأسماء والصفات» أنها لقيته
~~رضي الله تعالى عنه وهو يسير مع الناس فاستوقفته فوقف لها ودنا منها
~~وأصغى إليها ووضع يده على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل:
~~يا أمير المؤمنين حبست رجال قريش على هذه العجوز قال: ويحك أتدري من هذه؟
~~قال: لا قال: هذه امرأة سمع الله تعالى شكواها من فوق سبع سموات هذه
~~خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف حتى أتى الليل ما انصرفت حتى تقضى
~~حاجتها، وفي رواية للبخاري في «تاريخه» أنها قالت له: قف يا عمر فوقف
~~فأغلظت له ms10445 القول، فقال رجل: يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم فقال رضي
~~الله تعالى عنه: وما يمنعني أن أستمع إليها وهي التي استمع الله تعالى
~~لها فأنزل فيها ما أنزل { قد سمع الله } الآيات.

# والسماع مجاز عن القبول والإجابة بعلاقة السببية أو كناية عن ذلك. و {
~~قد } للتحقيق أو للتوقع، وهو مصروف إلى تفريج الكرب لا إلى السمع لأنه
~~محقق أو إلى السمع لأنه مجاز أو كناية عن القبول، والمراد توقع المخاطب
~~ذلك، وقد كان صلى الله عليه وسلم يتوقع أن ينزل الله تعالى حكم الحادثة
~~ويفرج عن المجادلة كربها، وفي الأخبار ما يشعر بذلك.

# والسمع في قوله تعالى: { والله يسمع تحاوركما } على ما هو
~~المعروف فيه من كونه صفة يدرك بها الأصوات غير صفة العلم، أو كونه راجعا
~~إلى صفة العلم. والتحاور المرادة في الكلام، وجوز أن يراد به الكلام
~~المردد، ويقال: كلمته فما رجع إلي حوارا وحويرا ومحورة أي مارد علي
~~بشيء. وصيغة المضارع للدلالة على استمرار السمع حسب استمرار التحاور
~~وتجدده، وفي نظمها في سلك الخطاب تغليبا تشريف لها من جهتين. والجملة
~~استئناف / جار مجرى التعليل لما قبله فإن إلحافها في المسألة ومبالغتها
~~في التضرع إلى الله تعالى ومدافعته عليه الصلاة والسلام إياها وعلمه عز
~~وجل بحالهما من دواعي الإجابة، وقيل: هي حال كالجملة السابقة، وفيه أيضا
~~بعد.

# وقوله تعالى: { إن الله سميع بصير } تعليل لما قبله بطريق
~~التحقيق أي إنه تعالى يسمع كل المسموعات ويبصر كل المبصرات على أتم وجه
~~وأكمله ومن قضية ذلك أن يسمع سبحانه تحاورهما، ويرى ما يقارنه من الهيئات
~~التي من جملتها رفع رأسها إلى السماء وسائر آثار التضرع. و[إظهار] الاسم
~~الجليل في الموضعين لتربية المهابة وتعليل الحكم بما اشتهر به الاسم
~~الجليل من وصف الألوهية وتأكيد استقلال الجملتين.

### || [58.2]

# وقوله عز وجل: { الذين يظهرون منكم من نسائهم }
~~شروع في بيان شأن الظهار في نفسه وحكمه المترتب عليه شرعا، وفي ذلك
~~تحقيق قبول تضرع تلك المرأة وإشكاؤها بطريق الاستئناف.

# والظهار لغة مصدر ظاهر ms10446 وهو مفاعلة من الظهر، ويراد به معان مختلفة راجعة
~~إلى الظهر معنى ولفظا باختلاف الأغراض، فيقال: ظاهر زيد عمرا أي قابل
~~ظهره بظهره حقيقة وكذا إذا غايظه، وإن لم يقابل حقيقة باعتبار أن
~~المغايظة تقتضي هذه المقابلة، وظاهره إذا نصره باعتبار أنه يقال: قوي
~~ظهره إذا نصره، وظاهر بين ثوبين إذا لبس أحدهما فوق الآخر باعتبار جعل ما
~~يلي به كل منهما الآخر ظهرا للثوب. وظاهر من امرأته إذا قال لها: أنت
~~علي كظهر أمي، وغاية ما يلزم كون لفظ الظهر في بعض هذه التراكيب مجازا،
~~وهو لا يمنع الاشتقاق منه ويكون المشتق مجازا أيضا، وهذا الأخير هو
~~المعنى الذي نزلت فيه الآيات.

# وعرفه الحنفية شرعا بأنه تشبيه المنكوحة أو عضوا منها يعبر به عن الكل
~~كالرأس أو جزء شائع منها كالثلث بقريب محرم عليه على التأبيد أو بعضو منه
~~يحرم عليه النظر إليه. وحكي عن الشافعية أن تشبيهها أو عضو منها بمحرم من
~~نسب أو رضاع أو مصاهرة أو عضو منه لا يذكر للكرامة كاليد والصدر، وكذا
~~العضو الذي يذكر لها كالعين والرأس إن قصد معنى الظهار، وهو التشبيه
~~بتحريم نحو الأم لا إن قصد الكرامة أو أطلق في الأصح، وتخصيص المحرم
~~بالأم قول قديم للشافعي عليه الرحمة، وتفصيل ذلك في كتب الفقه للفريقين.

# وكان الظهار بالمعنى السابق طلاقا في الجاهلية قيل: وأول الإسلام. وحكى
~~بعضهم أنه كان طلاقا يوجب حرمة مؤبدة لا رجعة فيه، وقيل: لم يكن طلاقا
~~من كل وجه بل لتبقى معلقة لا ذات زوج ولا خلية تنكح غيره. وذكر بعض
~~الأجلة أنهم كانوا يعدونه طلاقا مؤكدا باليمين على الاجتناب، ولذا قال
~~الشافعية: إن فيه الشائبتين، وسيأتي إن شاء الله تعالى الإشارة إلى حكمه
~~الشرعي.

# وعدي بمن مع أنه يتعدى بنفسه لتضمنه معنى التبعيد ولما سمعت أنه كان
~~طلاقا وهو مبعد، والظهر في قولهم: أنت علي كظهر أمي قيل: مجاز عن البطن
~~لأنه إنما يركب البطن  فكظهر أمي  أي كبطنها بعلاقة المجاورة، ولأنه
~~عموده لكن لا ms10447 يظهر ما هو الصارف عن الحقيقة من النكات، وقيل: خص الظهر
~~لأنه محل الركوب والمرأة مركوب الزوج، ومن ثم سمي المركوب ظهرا،
~~وقيل: خص ذلك لأن إتيان المرأة من ظهرها في قبلها كان حراما فإتيانه أمه
~~من ظهرها أحرم فكثر التغليظ.

# وإقحام { منكم } في الآية للتصوير والتهجين لأن الظهار كان مخصوصا
~~بالعرب، ومنه يعلم أنه ليس من مفهوم الصفة ليستدل به على عدم صحة ظهار
~~الذمي كما حكي عن المالكية، ومن هنا قال الشافعية: «يصح من الذمي
~~والحربي لعموم الآية»، وكذا الحنابلة، والحنفية / يقولون: لا يصح منهما،
~~وفي رواية عن أبي حنيفة صحته من الذمي، والرواية المعول عليها عدم الصحة
~~لأنه ليس من أهل الكفارة، وشنع على الشافعية في قولهم بصحته منه مع
~~اشتراطهم النية في الكفارة والإيمان في الرقبة، وتعذر ملكه لها لأن
~~الكافر لا يملك المؤمن.

# وقال بعض أجلتهم «إن في الكفارة شائبة الغرامات ونيتها في كافر كفر
~~بالإعتاق للتمييز كما في قضاء الديون لا الصوم لأنه لا يصح منه لأنه
~~عبادة بدنية ولا ينتقل عنه للإطعام لقدرته عليه بالإسلام فإن عجز انتقل
~~ونوى للتمييز أيضا، ويتصور ملكه للمسلم بنحو إرث أو إسلام قنه، أو يقول
~~لمسلم: أعتق قنك عن كفارتي، فيجيب فإن لم يمكنه شيء من ذلك وهو مظاهر
~~موسر منع من الوطء لقدرته على ملكه بأن يسلم فيشتريه» انتهى. وفي كتب بعض
~~الأصحاب «كالبحر» وغيره كلام مع الشافعية في هذه المسألة فيه نقض وإبرام
~~لا يخلو عن شيء والسبب في ذلك قلة تتبع معتبرات كتبهم.

# وقرأ الحرميان وأبو عمرو  يظهرون  بشد الظاء والهاء، والأخوان وابن
~~عامر { يظاهرون } مضارع اظاهر، وأبي  يتظاهرون  مضارع تظاهر، وعنه
~~أيضا  يتظهرون  مضارع تظهر.

# والموصول مبتدأ خبره محذوف أي مخطئون، وأقيم دليله وهو قوله تعالى: {
~~ما هن أمهتهم } مقامه أو هو الخبر نفسه أي ما نساؤهم
~~أمهاتهم على الحقيقة فهو كذب بحت. وقرأ المفضل عن عاصم { أمهتهم
~~} بالرفع على لغة تميم، وقرأ ابن مسعود  بأمهاتهم  بزيادة الباء، قال
~~الزمخشري: في لغة من ms10448 ينصب أي بما الخبر  وهم الحجازيون  يعني أنهم
~~الذين يزيدون الباء دون التميميين وقد تبع في ذلك أبا علي الفارسي، ورد
~~بأنه سمع خلافه كقول الفرزدق وهو تميمي:

# لعمرك ما معن بتارك حقه

# ولا منسيء معن ولا متيسر

# { إن أمهتهم } أي ما أمهاتهم على الحقيقة { إلا اللائي
~~ولدنهم } فلا يشبه بهن في الحرمة إلا من ألحقها الله تعالى بهن
~~كالمرضعات ومنكوحات الرسول صلى الله عليه وسلم فدخلن في حكم الأمهات،
~~وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة.

# { وإنهم ليقولون منكرا من القول } ينكره الشرع
~~والعقل والطبع أيضا كما يشعر به التنكير. ومناط التأكيد كونه منكرا،
~~وإلا فصدور القول عنهم أمر محقق { وزورا } أي وكذبا باطلا منحرفا
~~عن الحق، ووجه كون الظهار كذلك عند من جعله إخبارا كاذبا  علق عليه
~~الشارع الحرمة والكفارة  ظاهر، وأما عند من جعله إنشاء لتحريم الاستمتاع
~~في الشرع  كالطلاق على ما هو الظاهر  فوجهه أن ذلك باعتبار ما تضمنه من
~~إلحاق الزوجة بالأم المنافي لمقتضى الزوجية { وإن الله لعفو
~~غفور } أي مبالغ في العفو والمغفرة فيغفر ما سلف منه ويعفو عمن ارتكبه
~~مطلقا أو بالتوبة.

# ويعلم من الآيات أن الظهار حرام بل قالوا: «إنه كبيرة لأن فيه إقداما
~~على إحالة حكم الله تعالى وتبديله بدون إذنه، وهذا أخطر من كثير من
~~الكبائر إذ قضيته الكفر لولا خلو الاعتقاد عن ذلك، واحتمال التشبيه لذلك
~~وغيره، ومن ثم سماه عز وجل { منكرا من القول وزورا } ، وإنما
~~كره على ما ذكره بعض الشافعية أنت علي حرام لأن الزوجية ومطلق الحرمة
~~يجتمعان بخلافها مع التحريم المشابه لتحريم نحو الأم، ومن ثم وجب هنا
~~الكفارة العظمى وثم على ما قالوا: كفارة يمين».

### || [58.3]

# وقوله تعالى: { والذين يظهرون من نسائهم ثم
~~يعودون لما قالوا } الخ تفصيل لحكم الظهار بعد بيان كونه أمرا
~~منكرا / بطريق التشريع الكلي المنتظم لحكم الحادثة انتظاما أوليا.
~~والموصول مبتدأ، وقوله تعالى: { فتحرير رقبة } مبتدأ آخر خبره
~~مقدر أي فعليهم تحرير رقبة، أو فاعل فعل مقدر أي فيلزمهم تحرير، أو ms10449 خبر
~~مبتدأ مقدر أي فالواجب عليهم تحرير، وعلى التقادير الثلاثة الجملة خبر
~~الموصول ودخلته الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، و  ما  موصولة أو
~~مصدرية، واللام متعلقة ب { يعودون } وهو يتعدى بها كما يتعدى بإلى
~~وبفي فلا حاجة إلى تأويله بأحدهما كما فعل البعض. والعود لما قالوا على
~~المشهور عند الحنفية العزم على الوطء كأنه حمل العود على التدارك مجازا
~~لأن التدارك من أسباب العود إلى الشيء، ومنه المثل عاد غيث على ما أفسد
~~أي تداركه بالإصلاح، فالمعنى والذين يقولون ذلك القول المنكر ثم
~~يتداركونه بنقضه وهو العزم على الوطء فالواجب عليهم إعتاق رقبة:

# { من قبل أن يتماسا } أي كل من المظاهر والمظاهر منها 
~~والتماس  قيل: كناية عن الجماع فيحرم قبل التكفير على ما تدل عليه
~~الآية، وكذا دواعيه من التقبيل ونحوه عندنا، قيل: وهو قول مالك والزهري
~~والأوزاعي والنخعي، ورواية عن أحمد فإن الأصل أنه إذا حرم حرم بدواعيه إذ
~~طريق المحرم محرم، وعدم اطراد ذلك في الصوم والحيض لكثرة وجودهما فتحريم
~~الدواعي يفضي إلى مزيد الحرج. وقال العلامة ابن الهمام: التحقيق أن
~~الدواعي منصوص على منعها في الظهار فإنه لا موجب لحمل التماس في الآية
~~على المجاز لإمكان الحقيقة، ويحرم الجماع لأنه من أفراد التماس كالمس
~~والقبلة، وقال غيره: تحرم أقسام الاستمتاع قبل التكفير لعموم لفظ التماس
~~فيشملها بدلالة النص، ومقتضى التشبيه في قوله: كظهر أمي فإن المشبه به لا
~~يحل الاستمتاع به بوجه من الوجوه فكذا المشبه. «ويحرم عند الشافعية أيضا
~~الجماع قبله، وكذا يحرم لمس ونحوه من كل مباشرة لا نظر بشهوة في الأظهر»
~~كما في «المحرر»، وقال الإمام النووي عليه الرحمة: «الأظهر الجواز لأن
~~الحرمة ليست لمعنى يخل بالنكاح فأشبه الحيض، ومن ثم حرم الاستمتاع فيه
~~فيما بين السرة والركبة»، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في هذا
~~المقام.

# وحكى البيضاوي عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أن نقض القول
~~المراد بالعود بإباحة التمتع بها ولو بنظرة بشهوة، وحمل ذلك على استباحة
~~التمتع ms10450 بمباشرته بوجه ما دون عده مباحا من غير مباشرة. ولعله أريد
~~بالمباشرة بوجه ما مباشرة ليست من التماس الذي قالوا بحرمته قبل التكفير،
~~وأيا ما كان فظاهر تعليق الحكم بالموصول يدل على علية ما في حيز الصلة
~~- أعني الظهار والعود له - فهما سببان للكفارة وهذا أحد أقوال في
~~المسألة.

# قال العلامة ابن الهمام اختلف في سبب وجوبها، فقال في «المنافع»: تجب
~~بالظهار والعود لأن الظهار كبيرة فلا يصلح سببا للكفارة لأنها عبادة، أو
~~المغلب فيها معنى العبادة ولا يكون المحظور سببا للعبادة فعلق وجوبها
~~بهما ليخف معنى الحرمة باعتبار العود الذي هو إمساك (بمعروف) فيكون
~~دائرا بين الحظر والإباحة، وعليه فيصلح سببا للكفارة الدائرة بين
~~العبادة والعقوبة، وقيل: سبب وجوبها العود والظهار شرطه، ولفظ الآية أي
~~المذكورة يحتملهما فيمكن كون ترتيبها عليهما، أو على الأخير لكن إذا أمكن
~~البساطة صير إليها لأنها الأصل بالنسبة إلى التركيب فلهذا قال في
~~«المحيط»: سبب وجوبها العزم على الوطء والظهار شرطه، وهو بناء على أن
~~المراد من العود في الآية العزم على الوطء. واعترض بأن الحكم يتكرر بتكرر
~~سببه لا شرطه والكفارة متكررة بتكرر الظهار لا العزم، وكثير من مشايخنا
~~على أنه العزم على إباحة الوطء بناءا على إرادة المضاف في الآية أي
~~يعودون لضد ما قالوا أو لتداركه، ويرد عليه ما يرد على ما قبله، ونص صاحب
~~«المبسوط» على أن بمجرد / العزم لا تتقرر الكفارة حتى لو أبانها أو ماتت
~~من بعد العزم فلا كفارة فهذا دليل على أنها غير واجبة لا بالظهار ولا
~~بالعود إذ لو وجبت لما سقطت بل موجب الظهار ثبوت التحريم، فإذا أراد رفعه
~~وجب عليه في رفعه الكفارة [عندنا] كما تقول لمن أراد الصلاة النافلة: يجب
~~عليك إن صليتها أن تقدم الوضوء انتهى.

# ولا يخفى أن إرادة المضاف غير متعين بناءا على ما نقل عن الكثير من
~~المشايخ، وأن ظاهر الآية يفيد السببية كما ذكرنا آنفا، ويكون الموجب
~~للكفارة الأمران، وبه صرح بعض الشافعية وجعل ذلك قياس كفارة ms10451 اليمين، ثم
~~قال: «ولا ينافي ذلك وجوبها فورا مع أن أحد سببيها  وهو العود  غير
~~معصية لأنه إذا اجتمع حلال وحرام ولم يكن تميز أحدهما عن الآخر غلب
~~الحرام»، وظاهر كلام الإمام النووي عليه الرحمة أن موجبها الظهار، والعود
~~شرط فيه وهو بعكس ما نقل عن «المحيط».

# ثم إن من جعل السبب العزم أراد به العزم المؤكد حتى لو عزم ثم بدا له أن
~~لا يطأها لا كفارة عليه لعدم العزم المؤكد لا أنها وجبت بنفس العزم ثم
~~سقطت  كما قال بعضهم  لأنها بعد سقوطها لا تعود إلا بسبب جديد كذا في
~~«البدائع»، وذكر ابن نجيم في «البحر» عن «التنقيح» أن سبب الكفارة ما
~~نسيت إليه من أمر دائر بين الحظر والإباحة، ثم قال: إن كون كفارة الظهار
~~كذلك على قول من جعل السبب مركبا من الظهار والعود ظاهر لكون الظهار
~~محظورا والعود مباحا لكونه إمساكا بالمعروف ونقضا للزور.

# وأما على القول بأن المضاف إليه - وهو الظهار  سبب وهو قول الأصوليين
~~فكونه دائرا بين الحظر والإباحة مع أنه منكر من القول وزور باعتبار أن
~~التشبيه يحتمل أن يكون للكرامة فلم يتمحض كونه جناية، واستظهر بعد أنه لا
~~ثمرة للاختلاف في سببها معللا بأنهم اتفقوا على أنه لو عجلها بعد الظهار
~~قبل العود جاز ولو كرر الظهار تكررت الكفارة وإن لم يتكرر العزم، ولو عزم
~~ثم ترك فلا وجوب، ولو عزم ثم أبانها سقطت ولو عجلها قبل الظهار لم يصح،
~~ثم إنه لا استحالة في جعل المعصية سببا للعبادة التي حكمها أن تكفر
~~المعصية وتذهب السيئة خصوصا إذا صار معنى الزجر فيها مقصودا وإنما
~~المحال أن تجعل سببا للعبادة الموصلة إلى الجنة انتهى، ولا يخلو عن حسن
~~ما عدا توجيه كون الظهار دائرا بين الحظر والإباحة فإنه كما ترى.

# وفسر بعضهم العود بالرجوع واللام بعن كما نقل عن الفراء أي ثم يرجعون
~~عما قالوا فيريدون الوطء، قال الزيلعي: وهذا تأويل حسن لأن الظهار موجبه
~~التحريم المؤبد فإذا قصد وطأها وعزم عليه ms10452 فقد رجع عما قال، ولا يخفى أن
~~جعل اللام بمعنى عن خلاف الظاهر، وقيل: العود الرجوع، والمراد بما قالوا
~~ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار وهو التماس تنزيلا للقول منزلة المقول
~~فيه نحو ما ذكر في قوله تعالى:

# ونرثه ما يقول

# [مريم:80] والمعنى ثم يريدون العود للتماس، وفيه تجوزان، وعن ابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهما أن معنى { ثم يعودون } ثم يندمون ويتوبون أي
~~يعزمون على التوبة، كأنه حمل العود على التدارك والتائب متدارك لما صدر
~~عنه بالتوبة. واعترض بأنه يقتضي أنه إذا لم يندم لا تلزمه الكفارة وإذا
~~جعلت الكفارة نفس التوبة فأين معنى العود؟ وأيضا لا معنى لقول القائل ثم
~~يعزمون على الكفارة فتحرير الخ.

# «والعود عند الشافعية يتحقق في غير مؤقت ورجعية بأن يمسكها على الزوجية
~~ولو جهلا ونحوه بعد فراغ ظهاره ولو مكررا للتأكيد وبعد علمه بوجود
~~الصفة في المعلق وإن نسي أو جن عند وجودها زمن إمكان فرقة شرعا فلا عود
~~في نحو حائض إلا بالإمساك بعد انقطاع دمها لأن تشبيهها بالمحرم يقتضي
~~فراقها فبعدم فعله صار ناقضا له متداركا لما قال، فلو اتصل بلفظ الظهار
~~فرقة بموت أو فسخ أو انفساخ بنحو ردة قبل وطء أو طلاق بائن أو رجعي، ولم
~~يراجع / أو جن أو أغمي عليه عقب اللفظ ولم يمسكها بعد الإفاقة فلا عود
~~للفرقة أو تعذرها أو لا عنها في الأصح بشرط سبق القذف، والرفع للقاضي
~~ظهاره في الأصح ولو راجع من ظاهر منها رجعية أو من طلقها رجعيا عقب
~~الظهار أو ارتد متصلا وهي موطوءة ثم أسلم، فالمذهب أنه عائد بالرجعة لأن
~~المقصود بها استباحة الوطء لا بالإسلام لأن المقصود به العود للدين الحق
~~والاستباحة أمر يترتب عليه إلا إذا أمسكها بعده زمنا يسع الفرقة، وفي
~~الظهار المؤقت الواقع كما التزم على الصحيح لخبر صحيح فيه الأصح أن العود
~~لا يحصل بإمساك بل بوطء مشتمل على تغييب الحشفة أو قدرها من مقطوعها في
~~المدة للخبر أيضا ولأن الحل منتظر بعدها، فالإمساك ms10453 يحتمل كونه لانتظاره
~~أو للوطء فيها فلم يتحقق الإمساك لأجل الوطء إلا بالوطء فيها فكان المحصل
~~للعود».

# واعترض ما قالوه بأن { ثم } تدل على التراخي الزماني، والإمساك
~~المذكور معقب لا متراخ فلا يعطف  بثم  بل بالفاء، ورد بأن مدة الإمساك
~~ممتدة، ومثله يجوز فيه العطف  بثم  والعطف بالفاء باعتبار ابتدائه
~~وانتهائه، وعلى هذا لا حاجة إلى القول بأنها للدلالة على أن العود أشد
~~تبعة وأقوى إثما من نفس الظهار حتى يقال عليه: إنه غير مسلم، ولا إلى
~~قول الإمام أن مشترك الإلزام بين الشافعية والحنفية القائلين: بأن العود
~~استباحة الاستمتاع فيمنع أيضا لأن الاستباحة المذكورة عقب الظهار 
~~قولا  نادرة فلا يتوجه ذلك على الحنفية. واعترض أيضا بأن الظهار لم
~~يوجب تحريم العقد حتى يكون العود إمساكها، ومن تعليل الشافعية السابق
~~يعلم ما فيه.

# وفي «التفريع» لابن الجلاب المالكي أنه روي عن الإمام مالك في المراد
~~بالعود روايتان: إحداهما أنه العزم على إمساكها بعد الظهار منها،
~~والرواية الأخرى أنه العزم على وطئها، ثم قال: ومن أصحابنا من قال: العود
~~في إحدى الروايتين عن مالك هو الوطء نفسه، والصحيح عندي ما قدمته انتهى
~~من مدونه.

# وابن حجر نسب القول: بأنه العزم على الوطء إلى الإمام مالك والإمام
~~أحمد، والقول بأنه الوطء نفسه إلى الإمام أبي حنيفة، وذكر أنهما قولان
~~للإمام الشافعي في القديم، وما حكاه عن الإمام أبي حنيفة لم يحكه عنه
~~فيما نعلم أحد من أصحابه، وحكاه الزيلعي عن الإمام مالك، ولم يحك عنه
~~غيره، وحكاه أبو حيان في «البحر» عن الحسن وقتادة وطاوس والزهري وجماعة،
~~وأفاد أنه إحدى روايتين عن مالك وثانيتهما أنه العزم على الإمساك والوطء

# واعترض القول به ممن كان وكذا القول بأنه العزم على الوطء «بأن الآية
~~لما نزلت، وأمر صلى الله عليه وسلم المظاهر بالكفارة لم يسأله هل وطىء
~~أو عزم على الوطء؟ والأصل عدم ذلك، والوقائع القولية كهذه يعممها
~~الاحتمال، وأنها ناصة على وجوب الكفارة قبل الوطء فيكون العود سابقا
~~عليه»، فكيف يكون هو الوطء؟! ms10454

# وأجاب القائل بأنه العزم على الوطء عن ترك السؤال بأن ذلك لعلمه عليه
~~الصلاة والسلام به من خولة، فقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن المنذر
~~والطبراني وابن مردويه والبيهقي من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام قال:
~~حدثتني خولة بنت ثعلبة قالت: في وفي أوس بن الصامت أنزل الله تعالى صدر
~~سورة المجادلة كنت عنده وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه فدخل علي يوما
~~فراجعته بشيء فغضب فقال: أنت علي كظهر أمي، ثم رجع فجلس في نادي قومه
~~ساعة ثم دخل علي فإذا هو يريدني عن نفسي قلت: كلا والذي نفس خولة بيده لا
~~تصل إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه
~~وسلم فينا، ثم جئت إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فذكرت له ذلك فما
~~برحت حتى نزل القرآن الخبر، فإن ظاهر قولها: فذكرت له ذلك أنها ذكرت كل
~~ما وقع، / ومنه طلب أوس وطأها المكنى عنه بيريدني عن نفسي، وذكر ذلك له
~~عليه الصلاة والسلام أهم لها من ذكرها إياه ليوسف بن عبد الله بن سلام.

# وأجيب من جهة القائل بأنه الوطء عن الأخير بأن المراد من الآية عند ذلك
~~القائل من قبل أن يباح التماس شرعا، والوطء أولا حرام موجب للتكفير 
~~وهو كما ترى ونقل عن الثوري ومجاهد أن معنى الآية والذين كانت عادتهم أن
~~يقولوا هذا القول المنكر فقطعوه بالإسلام، ثم يعودون لمثله فكفارة من عاد
~~أن يحرر رقبة ثم يماس المظاهر منها، فحملا العود والقول على حقيقتهما،
~~وفي اعتبار العادة دلالة على أن العدول إلى المضارع في الآية للاستمرار
~~فيما مضى وقتا فوقتا، وأخذ القطع من دلالة { ثم } على التراخي؛
~~وليصح على وجه لا يلزم تعليق وجوب الكفارة بتكرار لفظ الظهار كما سيأتي
~~إن شاء الله تعالى حكايته.

# وتعقب ذلك بأن فيه أن الاستمرار ينافي القطع، ثم إنهم ما كانوا قطعوه
~~بالإسلام لأن الشرع لم يكن ورد بعد بتحريمه، وظاهر النظم الجليل أنه
~~مظاهرة بعد الإسلام لأنه ms10455 مسوق لبيان حكمه فيه، وعليه ينطبق سبب النزول
~~وهو يقتضي أن يكون مجرد الظهار من غير عود موجبا للكفارة، وهو خلاف ما
~~عليه علماء الأمصار. وأجيب عن هذا الأخير بأنهما إن نقل عنهما ذلك
~~اجتهادا فلا يلزمهما موافقة غيرهما وهو المصرح به في كتاب «الاحكام»
~~وغيره، وإن لم ينقل عنهما غير تفسير العود في الآية بما أشير إليه، فيجوز
~~أن يشترطا لوجوب الكفارة شيئا مما مر لكن لا يقولان: إنه المراد بالعود
~~فيها.

# وقال أهل الظاهر: المعنى الذين يقولون هذا القول المنكر ثم يعودون له
~~فيكررونه بأن يقول أحدهم: أنت علي كظهر أمي ثم يعود له ويقوله ثانيا
~~فكفارته تحرير رقبة الخ فحملوا العود والقول على حقيقتهما أيضا.

# وروي ذلك عن أبي العالية وبكير بن عبد الله بن الأشج والفراء أيضا،
~~وحكاه أبو حيان رواية عن الإمام أبي حنيفة، ولا نعلم أحدا من أصحابه
~~رواه عنه، وتعقب بأنه لو أريد ذلك لقيل: يعودون له فإنه أخصر ولا يبقى
~~لكلمة { ثم } حسن موقع، هذا ولا فقه فيه من حيث المعنى، والمنزل فيه 
~~أعني قصة خولة  يدفعه إذ لم ينقل التكرار، ولا سأل عنه صلى الله عليه
~~وسلم، وهذا الدفع قوي، وأما ما قيل: فقد أجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون
~~الفقه فيه أنه ليس صريحا في التحريم فلعله يسبق لفظه به من غير قصد
~~لمعناه، فإذا كرره تعين أنه قصده وأن العدول عن له إلى { لما قالوا
~~} لقصد التأكيد بالإظهار، وأن العطف  بثم  لتراخي رتبة الثاني وبعده عن
~~الأول لأنه الذي تحقق به الظهار، وقول الزيلعي في الاعتراض عليه: إن
~~اللفظ لا يحتمله  لأنه لو أريد ذلك لقيل: يعيدون القول الأول بضم الياء
~~وكسر العين من الإعادة لا من العود  جهل ناشىء من قلة العود لكلام
~~الفصحاء والرجوع إلى محاوراتهم.

# وقال أبو مسلم الأصفهاني: معنى العود أن يحلف أولا على ما قال من
~~الظهار بأن يقول: والله أنت علي كظهر أمي وهو عود لما قال وتكرار له معنى
~~لأن القسم لكونه ms10456 مؤكدا للمقسم عليه يفيد ذلك فلا تلزم الكفارة في الظهار
~~من غير قسم عنده، وهذا القول إلغاء للظهار معنى لأن الكفارة لحلفه على
~~أمر كذب فيه، وأيضا المنزل فيه يدفعه إذ لم ينقل الحلف ولا سأل عنه رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم والأصل عدمه، وقيل: عوده تكراره الظهار معنى بأن
~~يقول: أنت علي كظهر أمي إن فعلت كذا ثم يفعله فإنه يحنث وتلزمه الكفارة،
~~وتعد مباشرته ذلك تكريرا للظهار وليس بشيء كما لا يخفى.

# وأما تعليق الظهار فقد ذكر الشافعية «أنه يصح لأنه لاقتضاء التحريم
~~كالطلاق والكفارة كاليمين وكلاهما يصح تعليقه، فإذا قال: إن دخلت الدار
~~فأنت علي كظهر أمي فدخلت ولو في حال جنونه أو نسيانه صح لكن لا عود
~~عندهم في الصورة المفروضة حتى يمسكها عقب الإفاقة أو تذكره وعلمه بوجود
~~الصفة قدر إمكان طلاقها ولم يطلقها»، وقد أطالوا في تفاريع التعليق
~~الكلام بما لا يسعه هذا المقام. وعندنا أيضا يصح تعليقه وكذا تقييده
~~بيوم أو شهر، ولا يبقى بعد مضي المدة، نعم لو ظاهر واستثنى يوم الجمعة
~~مثلا لم يجز ولو علق الظهار بشرط ثم أبانها ثم وجد الشرط في العدة لا
~~يصير مظاهرا بخلاف الإبانة المعلقة كما بين في محله، وقال الأخفش: في
~~الآية تقديم وتأخير وتقديرها  والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة لما
~~قالوا: ثم يعودون إلى نسائهم  ولا يذهب إليه إلا أخفش أو أعشى أو أعمش.

# وفي قوله تعالى: { من نسائهم } دليل لنا وكذا للشافعي وأحمد وجمع
~~كثير من الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عليهم أجمعين على أنه لو ظاهر
~~من أمته الموطوأة أو غيرها لا يصح، وبيان ذلك أنه يتناول نساءنا والأمة،
~~وإن صح إطلاق لفظ نسائنا عليها لغة لكن صحة الإطلاق لا تستلزم الحقيقة
~~لأن حقيقة إضافة النساء إلى رجل أو رجال إنما تتحقق مع الزوجات دون
~~الإماء لأنه المتبادر حتى يصح أن يقال: هؤلاء جواريه لا نساؤه، وحرمة بنت
~~الأمة ليس لأن أمها من نسائنا مرادة بالنص بل لأنها موطوءة ms10457 وطءا حلالا
~~عند الجمهور، وبلا هذا القيد عندنا، على أنه لو أريد بالنساء هناك ما تصح
~~به الإضافة حتى يشمل المعنى الحقيقي - وهن الزوجات - والمجازي  أعني
~~الإماء بعموم المجاز  لأمكن للاتفاق على ثبوت ذلك الحكم في الإماء
~~كثبوته في الزوجات أما هنا فلا اتفاق ولا لزوم عندنا أيضا ليثبت بطريق
~~الدلالة لأن الإماء لسن في معنى الزوجات لأن الحل فيهن تابع غير مقصود من
~~العقد ولا من الملك حتى يثبتا مع عدمه في الأمة المجوسية والمراضعة بخلاف
~~عقد النكاح لا يصح في موضع لا يحتمل الحل، واستدل أيضا بأن القياس شأنه
~~أن لا يوجب هذا التشبيه الذي في الظهار سوى التوبة، وورد الشرع بثبوت
~~التحريم فيه في حق من لها حق الاستمتاع ولا حق للأمة فيه فيبقى في حقها
~~على أصل القياس، وبأن الظهار كان طلاقا فنقل عنه إلى تحريم مغيا
~~بالكفارة ولا طلاق في الأمة، وهذا ليس بشيء للمتأمل. ونقل عن مالك
~~والثوري صحة الظهار في الأمة مطلقا، وعن سعيد بن جبير وعكرمة وطاوس
~~والزهري صحته في الموطوءة.

# ثم إن الشرط كونها زوجة في الابتداء فلو ظاهر من زوجته الأمة ثم ملكها
~~بقي الظهار فلا يجوز له وطؤها حتى يكفر كما صرحوا به، والمراد بالزوجة
~~المنكوحة التي يصح إضافة الطلاق إليها فلا فرق بين مدخول بها وغيرها فلا
~~يصح الظهار من مبانة، ومنه ما سمعت آنفا ولا من أجنبية إلا إذا أضافه
~~إلى التزوج كأن قال لها: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي ثم تزوجها فإنه
~~يكون مظاهرا، نعم في «التاتارخانية»: لو قال: إذا تزوجتك فأنت طالق، ثم
~~قال: إذا تزوجتك فأنت علي كظهر أمي فتزوجها يقع الطلاق، ولا يلزم الظهار
~~في قول أبي حنيفة، وقال صاحباه: لزماه جميعا، وعن مالك أنه إذا ظاهر من
~~أجنبية ثم نكحها لزم الظهار أضافه إلى التزوج أم لا. وقال بعض العلماء
~~لا يصح ظهار غير المدخول بها، وقال المزني: لا يصح ظهار المطلقة الرجعية.

# وظاهر { الذين يظهرون } يشمل العبد فيصح ظهاره، وقد ms10458 ذكر
~~أصحابنا أنه يصح ظهار الزوج البالغ العاقل المسلم ويكفر العبد بالصوم،
~~ولا ينصف لما فيه من معنى العبادة كصوم رمضان، ومثله المحجور عليه بالسفه
~~على قولهما المفتى به. / وحكى الثعلبي عن مالك أنه لا يصح ظهار العبد،
~~ولا تدخل المرأة في هذا الحكم فلو ظاهرت من زوجها لم يلزم شيء كما نقل
~~ذلك في «التاتارخانية» عن أبي يوسف، وقال أبو حيان: قال الحسن بن زياد:
~~تكون مظاهرة، وقال الأوزاعي وعطاء وإسحاق وأبو يوسف: إذا قالت المرأة
~~لزوجها: أنت علي كظهر فلانة فهي يمين تكفرها، وقال الزهري: أرى أن تكفر
~~كفارة الظهار ولا يحول قولها هذا بينها وبين زوجها أن يصيبها انتهى.

# والرقبة من الحيوان معروفة، وتطلق على المملوك، وذلك من تسمية الكل باسم
~~الجزء كما في «المغرب»، وهو المراد هنا. وفي «الهداية» هي عبارة عن الذات
~~المرقوق من كل وجه فيجزىء في الكفارة إعتاق الرقبة الكافرة والمؤمنة
~~والذكر والأنثى والكبير والصغير ولو رضيعا لأن الاسم ينطلق على كل ذلك،
~~ومقتضى ذلك إجزاء إعتاق المرتد والمرتدة والمستأمن والحربي، وفي
~~«التاتارخانية» أن المرتد يجوز عند بعض المشايخ، وعند بعضهم لا يجوز،
~~والمرتدة تجوز بلا خلاف أي لأنها لا تقتل، وفي «الفتح» إعتاق الحربي في
~~دار الحرب لا يجزيه في الكفارة، وإعتاق المستأمن يجزيه، وفي
~~«التاتارخانية» لو أعتق عبدا حربيا في دار الحرب إن لم يخل سبيله لا
~~يجوز وإن خلى سبيله ففيه اختلاف المشايخ، فبعضهم قالوا: لا يجوز.

# وشمل الرقبة الصحيح والمريض فيجزي كل منهما  واستثنى في «الخانية»
~~مريضا لا يرجى برؤه فإنه لا يجوز لأنه ميت حكما، وفي جواز إعتاق حلال
~~الدم كلام، فحكى في «البحر» أنه إذا أعتق عبدا حلال الدم قد قضى بدمه ثم
~~عفي عنه فلو كان أبيض العينين فزال البياض أو كان مرتدا فأسلم لا يجوز.
~~وفي «جامع الفقه» جاز المديون والمرهون ومباح الدم، ويجوز إعتاق الآبق
~~إذا علم أنه حي، ولا بد أن تكون الرقبة غير المرأة المظاهر منها لما في
~~«الظهيرية» و«التاتارخانية» أمة تحت ms10459 رجل ظاهر منها ثم اشتراها وأعتقها
~~كفارة ظهارها قيل: تجزي، وقيل: لا تجزي في قول أبي حنيفة ومحمد خلافا
~~لأبي يوسف، ويجوز الأصم استحسانا إذا كان بحيث إذا صيح عليه يسمع، وفي
~~رواية «النوادر» لا يجوز ولا تجزي العمياء ولا المقطوعة اليدين أو
~~الرجلين، وكذا مقطوع إبهام اليدين ومقطوع إحدى اليدين وإحدى الرجلين من
~~جانب واحد والمجنون الذي لا يعقل، ولا يجوز إعتاق المدبر وأم الولد، وكذا
~~المكاتب الذي أدى بعض المال وإن اشترى أباه أو ابنه ينوي بالشراء الكفارة
~~جاز عنها، وإن أعتق نصف عبد مشترك وهو موسر فضمن قيمة باقيه لم يجز عند
~~الإمام، وجاز عند صاحبيه، وإن أعتق نصف عبده عن كفارته ثم جامع ثم أعتق
~~باقيه لم يجزه عنده لأن الإعتاق يتجزأ عنده، وشرط الإعتاق أن يكون قبل
~~المسيس بالنص؛ وإعتاق النصف حصل بعده، وعندهما إعتاق النصف إعتاق الكل
~~فحصل الكل قبل المسيس.

# واشترط الشافعي عليه الرحمة كون الرقبة مؤمنة ولو تبعا لأصل أو دار أو
~~ساب حملا للمطلق في هذه الآية على المقيد في آية القتل بجامع عدم الإذن
~~في السبب. وقال الحنفية: لا يحمل المطلق على المقيد إلا في حكم واحد في
~~حادثة واحدة لأنه حينئذ يلزم ذلك لزوما عقليا إذ الشيء لا يكون نفسه
~~مطلوبا إدخاله في الوجود مطلقا ومقيدا كالصوم في كفارة اليمين، ورد
~~مطلقا ومقيدا بالتتابع في القراءة المشهورة التي تجوز القراءة بمثلها،
~~والكلام في تحقيق هذا الأصل في الأصول.

# وقالوا على تقدر التنزل إلى أصل الشافعية من الحمل مطلقا: إنه لا يلزم
~~من التضييق في كفارة الأمر الأعظم / وهو القتل ثبوت مثله فيما هو أخف منه
~~ليكون التقييد فيه بيانا في المطلق، وما ذكروه من «الجامع» لا يكفي،
~~ووافقوا في كثير مما عدا ذلك، وخالفوا أيضا في كثير فقالوا: «يشترط في
~~الرقبة أن تكون بلا عيب يخل بالعمل والكسب فيجزىء صغير ولو عقب ولادته
~~وأقرع وأعرج يمكنه من غير مشقة لا تحتمل عادة تتابع المشي وأعور لم يضعف
~~نظر سليمته ms10460 حتى أخل بالعمل إخلالا بينا وأصم وأخرس يفهم إشارة غيره
~~ويفهم غيره إشارته مما يحتاج إليه وأخشم وفاقد أنفه وأذنيه وأصابع رجليه
~~وأسنانه وعنين ومجبوب ورتقاء وقرناء وأبرص ومجذوم وضعيف بطش ومن لا يحسن
~~صنعة وولد زنا وأحمق  وهو من يضع الشيء في غير محله مع علمه بقبحه 
~~وآبق ومغصوب وغائب علمت حياته أو بانت، وإن جهلت حالة العتق لا زمن وجنين
~~وإن انفصل لدون ستة أشهر من الإعتاق أو فاقد يد أو رجل أو أشل أحدهما أو
~~فاقد خنصر وبنصر معا من يد أو أنملتين من غيرهما أو أنملة إبهام  كما
~~قال النووي عليه الرحمة  ولا هرم عاجز؛ ولا من هو في أكثر وقته مجنون
~~ولا مريض لا يرجى عند العتق برء مرضه كسلال فإن برأ بعد إعتاقه بان
~~الإجزاء في الأصح، ولا من قدم لقتل بخلاف من تحتم قتله في المحاربة قبل
~~الرفع للإمام، ولا يجزي شراء أو تملك قريب أصل أو فرع بنية كفارة ولا عتق
~~أم ولد ولا ذو كتابة صحيحة قبل تعجيزه، ويجزي مدبر ومعلق عتقه بصفة غير
~~التدبير، وقالوا: لو أعتق معسر نصفين له من عبدين عن كفارة فالأصح
~~الإجزاء إن كان باقيهما أو باقي أحدهما حرا إلى غير ذلك».

# وفي الإتيان بالفاء في قوله تعالى: { فتحرير } الخ دلالة على ما
~~قال بعض الأجلة: على تكرر وجوب التحرير بتكرر الظهار، فإذا كان له زوجتان
~~مثلا فظاهر من كل منهما على حدة لزمه كفارتان. وفي «التلويح» لو ظاهر من
~~امرأته مرتين أو ثلاثا في مجلس واحد أو مجالس متفرقة لزمه بكل ظهار
~~كفارة، وفي إطلاقه بحث، فقد ذكر بعضهم أنه لو قصد التأكيد في المجلس
~~الواحد لم تتعدد، وفي «شرح الوجيز» للغزالي ما محصله: لو قال لأربع
~~زوجات: أنتن علي كظهر أمي فإن كان دفعة واحدة ففيه قولان، وإن كان بأربع
~~كلمات فأربع كفارات، ولو كررها والمرأة واحدة فإما أن يأتي بها متوالية
~~أو لا، فعلى الأول: إن قصد التأكيد فواحدة وإلا ففيه قولان: القديم ms10461 - وبه
~~قال أحمد  واحدة كما لو كرر اليمين على شيء واحد، والقول الجديد التعدد
~~ وبه قال أبو حنيفة ومالك  وإذا لم تتوال أو قصد بكل واحدة ظهارا أو
~~أطلق ولم ينو التأكيد فكل مرة ظهار برأسه، وفيه قول: إنه لا يكون الثاني
~~ظهارا إن لم يكفر عن الأول، وإن قال: أردت إعادة الأول ففيه اختلاف
~~بناءا على أن الغالب في الظهار أن معنى الطلاق أو اليمين لما فيه من
~~الشبهين انتهى. وظاهر بعض عبارات أصحابنا أنه لو قيد الظهار بعدد اعتبر
~~ذلك العدد؛ ففي «التتارخانية» لو قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت علي كظهر
~~أمي مائة مرة فعليه  أي إذا تزوجها  لكل كفارة.

# وتدل الآية على أن الكفارة المذكورة قبل المسيس فإن مس أثم ولا يعاود
~~حتى يكفر، فقد روى أصحاب «السنن الأربعة» عن ابن عباس

# " أن رجلا  وهو سلمة بن صخر الأنصاري كما في حديث أبي داود والترمذي
~~وغيرهما  ظاهر من امرأته فوقع عليها قبل أن يكفر فقال صلى الله عليه
~~وسلم: ما حملك على ذلك؟! فقال: رأيت خلخالها في ضوء القمر  وفي لفظ بياض
~~ساقها  قال عليه الصلاة والسلام: فاعتزلها حتى تكفر» ولفظ ابن ماجه
~~«فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن لا يقربها حتى يكفر "

# قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، ونفي كونه صحيحا رده المنذري في
~~«مختصره» بأنه صححه الترمذي ورجاله ثقات، مشهور سماع بعضهم من بعض.

# / وروى الترمذي وقال: حسن غريب عن ابن إسحاق بالسند إلى سلمة المذكور

# " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المظاهر يواقع قبل أن يكفر:
~~«كفارة واحدة تلزمه» "

# ويرد به على مجاهد في قوله: يلزمه كفارة أخرى، ونقل هذا عن عمرو بن
~~العاص وقبيصة وسعيد بن جبير والزهري وقتادة، وعلى من قال تلزمه ثلاث
~~كفارات، ونقل ذلك عن الحسن والنخعي، وبه وبما تقدم يرد على ما قيل: من
~~أنه تسقط الكفارة الواجبة عليه ولا يلزمه شيء ولا ترتفع حرمة المسيس إلا
~~بها لا بملك ولا بزوج ثان ms10462 حتى لو طلقها من بعد الظهار ثلاثا فعادت إليه
~~من بعد زوج آخر أو كانت أمة فملكها بعد ما ظاهر منها لا يحل قربانها حتى
~~يكفر، وهو واجب على التراخي  على الصحيح  لكون الأمر الدالة عليه الآية
~~مطلقا حتى لا يأثم بالتأخير عن أول أوقات الإمكان، ويكون مؤديا لا
~~قاضيا، ويتعين في آخر عمره، ويأثم بموته قبل الأداء، ولا تؤخذ من تركته
~~إن لم يوص ولو تبرع الورثة في الإعتاق، وكذا في الصوم لا يجوز  كذا في
~~«البدائع»  فإن أوصى كان من الثلث، وفي «التاتارخانية» لو كان مريد
~~التكفير مريضا فأعتق عبده عن كفارته وهو لا يخرج من ثلث ماله فمات من
~~ذلك المرض لا يجوز عن كفارته وإن أجازت الورثة، ولو أنه برىء من مرضه
~~جاز، وللمرأة مطالبته بالوطء والتكفير؛ وعليها أن تمنعه من الاستمتاع بها
~~حتى يكفر، وعلى القاضي أن يجبره على التكفير دفعا للضرر عنها بحبس فإن
~~أبى ضربه؛ ولو قال: قد كفرت صدق ما لم يكن معروفا عند الناس بالكذب.

# هذا وبقيت مسائل أخر مذكورة في كتب الفقه.

# { ذلكم } الإشارة إلى الحكم بالكفارة، والخطاب للمؤمنين الموجودين
~~عند النزول أو لهم ولغيرهم من الأمة { توعظون به } أي تزجرون به عن
~~ارتكاب المنكر، فإن الغرامات مزاجر عن تعاطي الجنايات. والمراد بيان أن
~~المقصود من شرع هذا الحكم ليس تعريضكم للثواب بمباشرتكم لتحرير الرقبة
~~الذي هو علم في استتباع الثواب العظيم بل هو ردعكم وزجركم عن مباشرة ما
~~يوجبه كذا في «الإرشاد»، وهو ظاهر في كون الكفارة عقوبة محضة، وقد تقدم
~~القول بأنها دائرة بين العبادة والعقوبة، وكلام الزيلعي يدل على أن جهة
~~العبادة فيها أغلب.

# وفي «شرح منهاج النووي» لابن حجر في كتاب كفارة الظهار «الكفارة من
~~الكفر وهو الستر لسترها الذنب بمحوه أو تخفيف إثمه بناءا على أن
~~الكفارات زواجر كالتعازير أو جوابر للخلل، ورجح ابن عبد السلام الثاني
~~لأنها عبادة لافتقارها للنية أي فهي كسجود السهو. والفرق بينها  على
~~الثاني  وبين الدفن الكفارة للبصق على ما ms10463 هو المقرر فيه أنه يقطع دوام
~~الإثم أن الدفن مزيل لعين ما به المعصية فلم يبق بعده شيء يدوم إثمه
~~بخلافها هنا فإنها ليست كذلك، وعلى الأول الممحو هو حق الله تعالى من حيث
~~هو حقه، وأما بالنظر لنحو الفسق بموجبها فلا بد فيه من التوبة نظير نحو
~~الحد» انتهى. ومتى قيل: بأن الإعتاق المذكور كفارة وأن الكفارة تستر
~~الذنب بمحوه أو تخفيف إثمه لم يكن بد من استتباعه الثواب وكون ذلك لا
~~يعد ثوابا لا يخلو عن نظر؛ ولعل المراد أن المقصود الأعظم من شرع هذا
~~الحكم الردع والزجر عن مباشرة ما يوجبه دون التعريض للثواب، وإن تضمنه في
~~الجملة فتأمل.

# { والله بما تعملون } من الأعمال كالتفكير وما يوجبه من
~~جناية الظهار { خبير } أي عالم بظواهرها وبواطنها ومجازيكم بها
~~فحافظوا على حدود ما شرع لكم ولا تخلوا بشيء منها.

### || [58.4]

# { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل
~~أن يتماسا } / أي فمن لم يجد رقبة فالواجب عليه صيام شهرين
~~متتابعين من قبل التماس، والمراد بمن لم يجد من لم يملك رقبة ولا ثمنها
~~فاضلا عن قدر كفايته لأن قدرها مستحق الصرف فصار كالعدم، وقدر الكفاية
~~من القوت للمحترف قوت يوم، وللذي يعمل قوت شهر  على ما في «البحر»  ومن
~~له عبد يحتاج لخدمته واجد فلا يجزئه الصوم، وهذا بخلاف من له مسكن لأنه
~~كلباسه ولباس أهله.

# وعند الشافعية المراد به «من لم يملك رقبة أو ثمنها فاضلا كل منهما عن
~~كفاية نفسه وعياله العمر الغالب نفقة وكسوة وسكنى وأثاثا لا بد منه، وعن
~~دينه ولو مؤجلا. وقالوا: إذا لم يفضل القن أو ثمنه عما ذكر لاحتياجه
~~لخدمته لمنصب يأبى خدمته بنفسه أو ضخامة كذلك بحيث يحصل له بعتقه مشقة
~~شديدة لا تحتمل عادة ولا أثر لفوات رفاهية أو مرض به أو بممونه فلا عتق
~~عليه لأنه فاقد شرعا كمن وجد ماءا وهو يحتاجه لعطش». وإلى اعتبار كون
~~ذلك فاقدا  كواجد الماء المذكور  ذهب الليث أيضا. والفرق عندنا على
~~ما ms10464 ذكره الرازي في «أحكام القرآن» أن الماء مأمور بإمساكه لعطشه،
~~واستعماله محظور عليه بخلاف الخادم. واليسار والإعسار معتبران وقت
~~التكفير والأداء، وبه قال مالك، وعن الشافعي أقوال في وقتهما أظهرها كما
~~هو عندنا، قالوا: «لأن الكفارة أعني الإعتاق عبادة لها بدل من غير جنسها
~~كوضوء وتيمم وقيام صلاة وقعودها فاعتبر وقت أدائها، وغلب الثاني - كمذهب
~~أحمد والظاهرية - شائبة العقوبة فاعتبر وقت الوجوب  كما لو زنى قن ثم
~~عتق فإنه يحد حد القن  والثالث الأغلظ من الوجوب إلى الأداء، والرابع
~~الأغلظ منهما، وأعرض عما بينهما».

# ومن يملك ثمن رقبة إلا أنه دين على الناس فإن لم يقدر على أخذه من
~~مديونه فهو فاقد فيجزئه الصوم وإن قدر فواجد فلا يجزئه وإن كان له مال
~~ووجب عليه دين مثله فهو فاقد بعد قضاء الدين، وأما قبله فقيل فاقد أيضا
~~بناءا على قول محمد إنه تحل له الصدقة المشير إلى أن ماله لكونه مستحقا
~~الصرف إلى الدين ملحق بالعدم حكما، وقيل: واجد لأن ملك المديون في ماله
~~كامل بدليل أنه يملك جميع التصرفات فيه. وفي «البدائع» «لو كان في ملكه
~~رقبة صالحة للتكفير فعليه تحريرها سواء كان عليه دين أو لم يكن لأنه واحد
~~حقيقة»، وحاصله أن الدين لا يمنع تحرير الرقبة الموجودة، ويمنع وجوب
~~شرائها بما عنده من مثل الدين على أحد القولين، والظاهر أن الشراء متى
~~وجب يعتبر فيه ثمن المثل، وصرح بذلك النووي وغيره من الشافعية فقالوا:
~~«لا يجب شراء الرقبة بغبن أي زيادة على ثمن مثلها نظير ما يذكر في شراء
~~الماء للطهارة، والفرق بينهما بتكرر ذلك ضعيف، وعلى الأول  كما قال
~~الأذرعي وغيره نقلا عن الماوردي واعتمدوه  لا يجوز العدول للصوم بل
~~يلزمه الصبر إلى الوجود بثمن المثل، وكذا لو غاب ماله فيكلف الصبر إلى
~~وصوله أيضا، ولا نظر إلى تضررهما بفوات التمتع مدة الصبر لأنه الذي ورط
~~نفسه فيه» انتهى.

# وما ذكروه فيما لو غاب ماله موافق لمذهبنا فيه.

# ولو كان عليه كفارتا ظهار لامرأتين وفي ملكه ms10465 رقبة فقط فصام عن ظهار
~~إحداهما، ثم أعتق عن ظهار الأخرى، ففي «المحيط» في نظير المسألة ما يقتضي
~~عدم إجزاء الصوم عن الأولى قال: عليه كفارتا يمين، وعنده طعام يكفي
~~لإحداهما فصام عن إحداهما ثم أطعم عن الأخرى لا يجوز صومه لأنه صام وهو
~~قادر على التكفير بالمال فلا يجزئه.

# ويعتبر الشهر بالهلال فلا فرق بين التام والناقص / فمن صام بالأهلة
~~واتفق أن كل شهر تسعة وعشرون حتى صار مجموع الشهرين ثمانية وخمسين أجزأه
~~ذلك وإن غم الهلال اعتبر  كما في «المحيط»  كل شهر ثلاثين وإن صام بغير
~~الأهلة فلا بد من ستين يوما كما في «فتح القدير»، ويعتبر الشهر بالهلال
~~عند الشافعية أيضا، وقالوا: «إن بدأ في أثناء شهر حسب الشهر بعده
~~بالهلال لتمامه وأتم الأول من الثالث ثلاثين لتعذر [اعتبار] الهلال فيه
~~بتلفقه من شهرين»، وعلى هذا يتفق كون صيامه ستين وكونه تسعة وخمسين، ولا
~~يتعين الأول كما لا يخفى فلا تغفل.

# وإن أفطر يوما من الشهرين ولو الأخير بعذر من مرض أو سفر لزم الاستئناف
~~لزوال التتابع وهو قادر عليه عادة، وقال أبو حيان: إن أفطر بعذر كسفر
~~فقال ابن المسيب والحسن وعطاء وعمرو بن دينار والشعبي ومالك والشافعي في
~~أحد قوليه: يبني اه.

# وإن جامع التي ظاهر منها في خلال الشهرين ليلا عامدا أو نهارا ناسيا
~~استأنف الصوم عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يستأنف لأنه لا
~~يمنع التتابع إذ لا يفسد به الصوم وهو الشرط، ولهما أن المأمور به صيام
~~شهرين متتابعين لا مسيس فيهما فإذا جامعها في خلالها لم يأت بالمأمور به،
~~وإن جامع زوجة أخرى غير المظاهر منها ناسيا لا يستأنف عند الإمام أيضا
~~كما لو أكل ناسيا لأن حرمة الأكل والجماع إنما هو للصوم لئلا ينقطع
~~التتابع ولا ينقطع بالنسيان فلا استئناف بخلاف حرمة جماع المظاهرة فإنه
~~ليس للصوم بل لوقوعه قبل الكفارة، وتقدمها على المسيس شرط حلها، فبالجماع
~~ناسيا في أثنائه يبطل حكم الصوم المتقدم في حق الكفارة.

# ثم ms10466 إنه يلزم في الشهرين أن لا يكون فيهما صوم رمضان لأن التتابع منصوص
~~عليه وشهر رمضان لا يقع عن الظهار لما فيه من إبطال ما أوجب الله تعالى،
~~وأن لا يكون فيهما الأيام التي نهي عن الصوم فيها وهي يوما العيدين وأيام
~~التشريق لأن الصوم فيها ناقص بسبب النهي عنه فلا ينوب عن الواجب الكامل.

# وفي «البحر»: المسافر في رمضان له أن يصومه عن واجب آخر، وفي المريض
~~روايتان، وصوم أيام نذر معينة في أثناء الشهرين بنية الكفارة لا يقطع
~~التتابع، ومن قدر على الإعتاق في اليوم الأخير من الشهرين قبل غروب الشمس
~~وجب عليه الإعتاق لأن المراد استمرار عدم الوجود إلى فراغ صومهما وكان
~~صومه حينئذ تطوعا، والأفضل إتمام ذلك اليوم وإن أفطر لا قضاء عليه لأنه
~~شرع فيه مسقطا لا ملتزما خلافا لزفر.

# وفي «تحفة الشافعية» «لو بان بعد صومهما أن له مالا ورثه ولم يكن
~~عالما به لم يعتد بصومه على الأوجه اعتبارا بما في نفس الأمر» أي وهو
~~واجد بذلك الاعتبار، وليس في بالي حكم ذلك عند أصحابنا، ومقتضى ظاهر ما
~~ذكروه فيمن تيمم وفي رحله ماء وضعه غيره ولم يعلم به من صحة تيممه
~~الاعتداد بالصوم ههنا، وقد صرح الشافعية فيمن أدرج في رحله ماءا ولم
~~يقصر في طلبه أو كان بقربه بئر خفية الآثار بعدم بطلان تيممه فلينظر
~~الفرق بين ما هنا وما هناك، ولعله التغليظ في أمر الكفارة دون التيمم
~~فليراجع.

# { فمن لم يستطع } أي صيام شهرين متتابعين، وذلك بأن لم يستطع
~~أصل الصيام أو بأن لم يستطع تتابعه لسبب من الأسباب ككبر أو مرض لا يرجى
~~زواله كما قيده بذلك ابن الهمام وغيره  وعليه أكثر الشافعية  وقال
~~الأقلون منهم  كالإمام ومن تبعه  وصححه في «الروضة»: يعتبر دوامه في
~~ظنه مدة شهرين بالعادة الغالبة في مثله أو بقول الأطباء، قال ابن حجر:
~~ويظهر الاكتفاء بقول عدل منهم، وصرح الشافعية بأن من تلحقه بالصيام أو
~~تتابعه مشقة شديدة لا تحتمل عادة وإن لم تبح ms10467 التيمم فيما يظهر غير
~~مستطيع، وكذا من خاف زيادة مرض،

# " وفي حديث أوس على ما ذكر أبو حيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ فقال: والله يا رسول الله / إني
~~إذا لم آكل في اليوم والليلة ثلاث مرات كل بصري وخشيت أن تعشو عيني "

# الخبر.

# وعدوا من أسباب عدم الاستطاعة الشبق وهو شدة الغلمة. واستدل له بما أخرج
~~الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وغيرهم

# " عن سلمة بن صخر قال: كنت رجلا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت
~~غيري فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان فرقا من أن أصيب
~~منها في ليلي فأتتابع في ذلك ولا أستطيع أن أنزع حتى يدركني الصبح فبينما
~~هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فوثبت عليها  إلى أن قال 
~~فخرجت فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بخبري فقال:أنت بذاك؟
~~قلت: أنا بذاك، فقال: أنت بذاك؟ قلت: أنا بذاك وها أنا ذا فامض في حكم
~~الله تعالى فإني صابر لذلك قال: أعتق رقبة فضربت صفحة عنقي بيدي فقلت: لا
~~والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها، قال: فصم شهرين متتابعين، فقلت:
~~وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام، قال: فأطعم ستين مسكينا "

# الحديث فإنه أشار بقوله:

# " وهل أصابني "

# الخ إلى شدة شبقه الذي لا يستطيع معه صيام شهرين متتابعين، وإنما لم يكن
~~عذرا في صوم رمضان قال ابن حجر: لأنه لا بدل له، وذكر [أي ابن حجر]
~~أن غلبة الجوع ليست عذرا ابتداءا لفقده حينئذ فيلزمه الشروع في الصيام
~~فإذا عجز عنه أفطر وانتقل عنه للإطعام بخلاف الشبق لوجوده عند الشروع
~~فيدخل صاحبه في عموم قوله تعالى: { فمن لم يستطع }.

# { فإطعام ستين مسكينا } لكل مسكين نصف صاع من بر أو صاع من
~~تمر أو شعير، ودقيق كل كأصله، وكذا السويق، وذلك لأخبار ذكرها ابن الهمام
~~في «فتح القدير»، والصاع أربعة أمداد. وقال الشافعية: لكل ms10468 مسكين مد لأنه
~~صح في رواية، وصح في الأخرى صاع، وهي محمولة على بيان الجواز الصادق
~~بالندب لتعذر النسخ فتعين الجمع بما ذكر مما يكون فطرة بأن يكون من غالب
~~قوت محل المكفر في غالب السنة كالأقط ولو للبلدي فلا يجزىء نحو دقيق مما
~~لا يجزي في الفطرة عندهم. ومذهب مالك كما قال أبو حيان مد وثلث بالمد
~~النبوي. وروى عنه ابن وهب مدان. وقيل: مد وثلثا مد، وقيل: ما يشبع من
~~غير تحديد، ولا فرق بين التمليك والإباحة عندنا فإن غدى الستين وعشاهم أو
~~غداهم مرتين أو عشاهم كذلك أو غداهم وسحرهم أو سحرهم مرتين وأشبعهم بخبز
~~بر أو شعير أو نحوه كذرة بإدام أجزأه، وإن لم يبلغ ما شبعوا به المقدار
~~المعتبر في التمليك، ويعتبر اتحاد الستين فلو غدى مثلا ستين مسكينا
~~وعشى ستين غيرهم لم يجز إلا أن يعيد على إحدى الطائفتين غداء أو عشاء،
~~ولو أطعم مائة وعشرين مسكينا في يوم واحد أكلة واحدة مشبعة لم يجز إلا
~~عن نصف الإطعام فإن أعاده على ستين منهم أجزأه.

# واشترط الشافعية التمليك اعتبارا بالزكاة وصدقة الفطر، وهذا لأن
~~التمليك أدفع للحاجة فلا ينوب منابه الإباحة، ونحن نقول: المنصوص عليه
~~هنا هو الإطعام وهو حقيقة في التمكين من الطعم، وفي الإباحة ذلك كما في
~~التمليك، وفي الزكاة الإيتاء، وفي صدقة الفطر الأداء، وهما للتمليك حقيقة
~~ كذا في «الهداية»  قال العلامة ابن الهمام: «لا يقال: اتفقوا على جواز
~~التمليك فلو كان حقيقة الإطعام ما ذكر كان مشتركا معمما أو في حقيقته
~~ومجازه لأنا نقول: جواز التمليك عندنا بدلالة النص، والدلالة لا تمنع
~~العمل بالحقيقة كما في حرمة الشتم والضرب مع التأفيف / فكذا هذا فلما نص
~~على دفع حاجة الأكل فالتمليك الذي هو سبب لدفع كل الحاجات التي من جملتها
~~الأكل أجوز فإنه حينئذ دافع لحاجة الأكل وغيره»، وذكر الواني أن الإطعام
~~جعل الغير طاعما أي آكلا لأن حقيقة طعمت الطعام أكلته، والهمزة تعديه
~~إلى المفعول الثاني أي جعلته آكلا، وأما ms10469 نحو أطعمتك هذا الطعام فيكون
~~هبة وتمليكا بقرينة الحال، قالوا: والضابط أنه إذا ذكر المفعول الثاني
~~فهو للتمليك وإلا فللإباحة، هذا والمذكور في كتب اللغة أن الإطعام إعطاء
~~الطعام وهو أعم من أن يكون تمليكا أو إباحة انتهى فلا تغفل.

# ويجوز الجمع بين الإباحة والتمليك لبعض المساكين دون البعض كما إذا ملك
~~ثلاثين وأطعم ثلاثين غداءا وعشاءا وكذا لرجل واحد في إحدى روايتين كأن
~~غداه مثلا وأعطاه مدا وإن أعطى مسكينا واحدا ستين يوما أجزأه وإن
~~أعطاه في يوم واحد لم يجزه إلا عن يومه لأن المقصود سد خلة المحتاج،
~~والحاجة تتجدد في كل يوم، فالدفع إليه في اليوم الثاني كالدفع إليه في
~~غيره، وهذا في الإباحة من غير خلاف، وأما التمليك من مسكين واحد بدفعات
~~فقد قيل: لا يجزيه، وقيل: يجزيه لأن الحاجة إلى التمليك قد تتجدد في يوم
~~واحد بخلاف ما إذا دفع بدفعة لأن التفريق واجب بالنص، وخالف الشافعية
~~فقالوا: لا بد من الدفع إلى ستين مسكينا حقيقة فلا يجزي الدفع لواحد في
~~ستين يوما، وهو مذهب مالك والصحيح من مذهب أحمد وبه قال أكثر العلماء
~~لأنه تعالى نص على ستين مسكينا، وبتكرر الحاجة في مسكين واحد لا يصير هو
~~ستين فكان التعليل بأن المقصود سد خلة المحتاج الخ مبطلا لمقتضى النص
~~فلا يجوز، وأصحابنا أشد موافقة لهذا الأصل، ولذا قالوا: لا يجزىء الدفع
~~لمسكين واحد وظيفة ستين بدفعة واحدة معللين له بأن التفريق واجب بالنص مع
~~أن تفريق الدفع غير مصرح به، وإنما هو مدلول التزامي لعدد المساكين فالنص
~~على العدد أولى لأنه المستلزم، وغاية ما يعطيه كلامهم أنه بتكرر الحاجة
~~يتكرر المسكين حكما فكان تعددا حكما، وتمامه موقوف على أن ستين
~~مسكينا في الآية مراد به الأعم من الستين حقيقة أو حكما. ولا يخفى أنه
~~مجاز فلا مصير إليه بموجبه، فإن قلت: المعنى الذي باعتباره يصير اللفظ
~~مجازا ويندرج فيه التعدد الحكمي ما هو؟ قلت: هو الحاجة فيكون ستين
~~مسكينا مجازا عن ستين حاجة، وهو ms10470 أعم من كونها حاجات ستين أو حاجات واحد
~~إذا تحقق تكررها إلا أن الظاهر إنما هو عدد معدوده ذوات المساكين مع
~~عقلية أن العدد مما يقصد لما في تعميم الجميع من بركة الجماعة وشمول
~~المنفعة واجتماع القلوب على المحبة والدعاء  قاله في «فتح القدير»  وهو
~~كلام متين يظهر منه ترجيح مذهب الجمهور.

# وذهب الأصحاب إلى أنه لا يشترط اتحاد نوع المدفوع لكل من المساكين فلو
~~دفع لواحد بعضا من الحنطة وبعضا من الشعير مثلا جاز إذا كان المجموع
~~قدر الواجب كأن دفع ربع صاع من بر ونصف صاع من شعير، وجاز نحو هذا
~~التكميل لاتحاد المقصود  وهو الإطعام  ولا يجوز دفع قيمة القدر الواجب
~~من منصوص عليه، وهو البر والشعير ودقيق كل وسويقه والزبيب والتمر إذا
~~كانت من منصوص عليه آخر إلا أن يبلغ المدفوع الكمية المقدرة شرعا فلو
~~دفع نصف صاع تمر يبلغ قيمة نصف صاع بر لا يجوز، فالواجب عليه أن يتم
~~للذين أعطاهم القدر المقدر من ذلك الجنس الذي دفعه إليهم فإن لم يجدهم
~~بأعيانهم استأنف في غيرهم، ومن غير المنصوص كالأرز والعدس يجوز كما إذا
~~دفع ربع صاع من أرز يساوي قيمة نصف صاع من بر مثلا، وذلك لأنه لا اعتبار
~~لمعنى النص في المنصوص عليه وإنما الاعتبار في غير المنصوص عليه، ونقل في
~~ذلك خلاف الشافعي رحمه الله تعالى فلا يجوز دفع القيمة عنده مطلقا.

# / ولا يجوز في الكفارة إعطاء المسكين أقل من نصف صاع من البر مثلا فقط،
~~ففي «التاتار خانية» لو أعطى ستين مسكينا كل مسكين مدا من الحنطة لم
~~يجز، وعليه أن يعيد مدا آخر على كل فإن لم يجد الأولين فأعطى ستين
~~آخرين كلا مدا لم يجز، ولو أعطى كلا من المساكين مدا ثم استغنوا ثم
~~افتقروا فأعاد على كل مدا لم يجز، وكذا لو أعطى المكاتبين مدا مدا
~~ثم ردوا إلى الرق ومواليهم أغنياء ثم كوتبوا ثانيا ثم أعاد عليهم لم يجز
~~لأنهم صاروا بحال لا يجوز دفع الكفارة إليهم ms10471 فصاروا كجنس آخر، وعليه
~~فالمراد بستين مسكينا ستون مسكينا لم يعرض لهم في أثناء الإطعام ما
~~ينافي ذلك، والظاهر أن فاعل إطعام هو المظاهر الغير المستطيع للصيام، ولا
~~فرق بين أن يباشر ذلك أو يأمر به غيره، فإن أمر غيره فأطعم أجزأ لأنه
~~استقراض معنى، فالفقير قابض له أولا ثم يتحقق تملكه ثم تمليكه، والمراد
~~بالمسكين ما يعم الفقير، وقد قالوا: المسكين والفقير إذا اجتمعا افترقا
~~وإذا اقترفا اجتمعا.

# ويشترط أن لا يكون المطعم أصله أو فرعه أو زوجته أو مملوكه أو هاشميا
~~لمزيد شرفه فيجل عن هذه الغسالة، ولا حربيا ولو مستأمنا لمزيد خسته
~~فليس أهلا لأدنى منفعة، ويجوز أن يكون ذميا ولو دفع بتحر فبان أنه ليس
~~بمصرف أجزأه عندهما خلافا لأبي يوسف كما في «البدائع».

# واستنبط الشافعية من التعبير بعدم الوجود عند الانتقال إلى الصوم، وبعدم
~~الاستطاعة عند الانتقال إلى الإطعام أنه لو كان له مال غائب ينتظره ولا
~~يصوم ولو كان مريضا يرجى برؤه يطعم ولا ينتظر الصحة ليصوم، وهو موافق
~~لمذهبنا في الصوم لا في الإطعام كما سمعت، ثم هذا الحكم في الأحرار أما
~~العبد فلا يجوز له إلا الصوم لأنه لا يملك وإن ملك والإعتاق والإطعام
~~شرطهما الملك فإن أعتق عنه المولى أو أطعم لم يجز ولو بأمره، ويجب تقديم
~~الإطعام على المسيس فإن قرب المظاهر المظاهرة في خلاله أثم، ولم يستأنف
~~لأنه عز وجل ما شرط فيه أن يكون قبل المسيس كما شرط فيما قبل، ونحن لا
~~نحمل المطلق على المقيد وإن كانا في حادثة واحدة بعد أن يكونا حكمين،
~~والوجوب قيل: لم يثبت إلا لتوهم وقوع الكفارة بعد التماس، بيانه أنه لو
~~قدر على العتق أو الصيام في خلال الإطعام أو قبله يلزمه التكفير بالمقدور
~~عليه فلو جوز للعاجز عنهم القربان قبل الإطعام، ثم اتفق قدرته فلزم
~~التكفير به لزم أن يقع العتق بعد التماس، والمفضي إلى الممتنع ممتنع.

# وتعقب بأن فيه نظرا فإن القدرة حال قيام العجز بالفقر والكبر والمرض
~~الذي ms10472 لا يرجى زواله أمر موهوم، وباعتبار الأمور الموهومة لا تثبت الأحكام
~~ابتداءا بل يثبت الاستحباب ورعا فالأولى الاستدلال على حرمة المسيس قبل
~~الإطعام لمن يتعين كفارة له بما ورد من حديث

# " اعتزلها حتى تكفر "

# ونحوه، وما ذكر من أنه لو قدر على العتق مثلا خلال الإطعام لزم التكفير
~~به خالف فيه الشافعية. قال ابن حجر عليه الرحمة: لا أثر لقدرته على صوم
~~أو عتق بعد الإطعام ولو لمد كما لو شرع في صوم يوم من الشهرين فقدر على
~~العتق، وأجاز بعض المسيس في خلال الإطعام من غير إثم، ونقل ذلك عن أبي
~~حنيفة رضي الله تعالى عنه وهو توهم نشأ من عدم إيجابه الاستئناف، وقد صرح
~~في «الكشاف» بأنه لا فرق عند أبي حنيفة بين الكفارات الثلاث في وجوب
~~تقديمها على المساس وإن ترك ذكره عند الإطعام للدلالة على أنه إذا وجد في
~~خلال الإطعام لم يستأنف كما يستأنف الصوم. وجعل بعضهم ذكر القيد فيما قبل
~~وتركه في الإطعام دليلا لأبي حنيفة في قوله بعدم الاستئناف أي مع
~~الإثم.

# وتعقبه ابن المنير في «الانتصاف» بأن لقائل أن يقول لأبي حنيفة: إذا
~~جعلت الفائدة في ذكر عدم التماس / في بعضها وإسقاطه من بعضها الفرق بين
~~أنواعها فلم جعلته مؤثرا في أحد الحكمين دون الآخر؟ وهل التخصيص إلا نوع
~~من التحكم؟ ثم قال: وله أن يقول: اتفقنا على التسوية بين الثلاث في هذا
~~الحكم أعني حرمة المساس قبل التكفير، وقد نطقت الآية بالتفرقة فلم يمكن
~~صرفها إلى ما وقع الاتفاق على التسوية فيه فتعين صرفه إلى الآخر، هذا
~~منتهى النظر مع أبي حنيفة؛ وأطال الكلام في هذا المقام بما لا يخلو عن
~~بحث على أصول الإمام.

# وإذا عجز المظاهر عن الجميع قال الشافعية: استقرت في ذمته فإذا قدر على
~~خصلة فعلها ولا أثر لقدرته على بعض عتق أو صوم بخلاف بعض الطعام ولو بعض
~~ما يجب لواحد من المساكين فيخرجه، ثم الباقي إذا أيسر.

# والظاهر بقاء حرمة المسيس إلى أن يؤدي الكفارة ms10473 تماما ولم يبال بإضرار
~~المرأة بذلك لأن الإيسار مترقب كزوال المرض المانع من الجماع، ولم أراجع
~~حكم المسألة في الظهار عند الحنفية، وأما في الجماع في نهار رمضان الموجب
~~للكفارة فقد

# " قال ابن الهمام بعد نقل حديث الأعرابي الواقع على امرأته فيه العاجر
~~عن الخصال الثلاثة، وفيه: فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر
~~فقال: تصدق به، فقال: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها
~~أفقر مني ولا أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك صلى الله عليه وسلم حتى بدت
~~نواجذه ثم قال: خذه فأطعمه أهلك "

# في لفظ لأبي داود  زاد الزهري  وإنما كان هذا رخصة له خاصة، ولو أن
~~رجلا فعل ذلك اليوم لم يكن له بد من التكفير، وجمهور العلماء على قوله،
~~وذكر النووي في «شرح صحيح مسلم» أن للشافعي في هذا العاجز قولين: أحدهما
~~لا شيء عليه  واحتج له بحديث الأعرابي المذكور لأنه عليه الصلاة
~~والسلام لم يقل له: إن الكفارة ثابتة في ذمته بل أذن له في إطعام عياله 
~~والثاني  وهو الصحيح عند أصحابنا وهو المختار  أن الكفارة لا تسقط بل
~~تستقر في ذمته حتى يتمكن قياسا على سائر الديون والحقوق والمؤاخذات
~~كجزاء الصيد وغيره، وأما الحديث فليس فيه نفي استقرار الكفارة بل فيه
~~دليل لاستقرارها لأنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالعجز عن الخصال
~~ثم أتى عليه الصلاة والسلام بعرق التمر فأمره بإخراجه في الكفارة فلو
~~كانت تسقط بالعجز لم يكن عليه شيء فلم يأمره بالإخراج فدل على ثبوتها في
~~ذمته، وإنما أذن له في إطعام عياله لأنه محتاج إلى الإنفاق عليهم في
~~الحال والكفارة واجبة على التراخي، وإنما لم يبين عليه الصلاة والسلام
~~بقاءها في ذمته لأن تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز عند جماهير
~~الأصوليين فهذا هو الصواب في معنى الحديث وحكم المسألة، وفيها أقوال
~~وتأويلات أخر ضعيفة انتهى.

# ومن الناس من قال: لم يكن هناك تأخير بيان وإنما اكتفى صلى الله عليه
~~وسلم بفهم الأعرابي ms10474 عن التصريح له بالاستقرار، والاخبار في وقوع مثل ذلك
~~للمظاهر مضطربة كما لا يخفى على من راجع «الدر المنثور» للسيوطي.

# ومسائل الظاهر كثيرة والمذاهب في ذلك مختلفة، ومن أراد كمال الاطلاع
~~فليرجع إلى كتب الفروع، ولولا التأسي ببعض الأجلة لما ذكرنا شيئا منها،
~~ومع هذا لا يخلو أكثره عن تعلق بتفسير الآية والله تعالى أعلم.

# { ذلك } إشارة إلى ما مر من البيان والتعليم. ومحله إما الرفع على
~~الابتداء أو النصب بمضمر معلل بما بعده أي ذلك واقع أو فعلنا ذلك {
~~لتؤمنوا بالله ورسوله } وتعملوا بشرائعه التي شرعها لكم
~~وترفضوا ما كنتم / عليه في جاهليتكم { وتلك } الأحكام المذكورة {
~~حدود الله } التي لا يجوز تعديها فالزموها وقفوا عندها {
~~وللكفرين } أي الذين يتعدونها ولا يعملون بها { عذاب أليم
~~} على كفرهم وأطلق الكافر على متعدي الحدود تغليظا لزجره، ونظير ذلك
~~قوله تعالى:

# ومن كفر فإن الله غنى عن العلمين

# [آل عمران: 97].

### || [58.5]

# { إن الذين يحادون الله ورسوله } أي يعادونهما
~~ويشاقونهما لأن كلا من المتعاديين في حد وجهة غير حد الآخر وجهته كما
~~أن كلا منهما في عدوة وشق غير عدوة الآخر وشقه، وقيل: إطلاق ذلك على
~~المتعاديين باعتبار استعمال الحديد لكثرة ما يقع بينهما من المحاربة
~~بالحديد كالسيوف والنصال وغيرها، والأول أظهر. وفي ذكر المحادة في أثناء
~~ذكر حدود الله تعالى دون المعاداة والمشاقة حسن موقع جاوز الحد، وقال
~~ناصر الدين البيضاوي: أو يضعون أو يختارون حدودا غير حدود الله تعالى
~~ورسوله صلى الله عليه وسلم. ومناسبته لما قبله في غاية الظهور.

# قال الملوى شيخ الإسلام سعد الله جلبي: وعلى هذا ففيه وعيد عظيم للملوك
~~وأمراء السوء الذين وضعوا أمورا خلاف ما حده الشرع وسموها اليسا
~~والقانون، والله تعالى المستعان على ما يصفون اه. وقال شهاب الدين
~~الخفاجي بعد نقله: وقد صنف العارف بالله الشيخ بهاء الدين قدس الله تعالى
~~روحه «رسالة» في كفر من يقول: يعمل بالقانون والشرع إذا قابل بينهما، وقد
~~قال الله تعالى:

# اليوم أكملت لكم دينكم

# [المائدة: 3] وقد وصل الدين ms10475 إلى مرتبة من الكمال لا يقبل التكميل، وإذا
~~جاء نهر الله بطل نهر معقل، ولكن أين من يعقل؟! انتهى.

# وليتني رأيت هذه الرسالة وقفت على ما فيها فإن إطلاق القول بالكفر مشكل
~~عندي فتأمل، ثم إنه لا شبهة في أنه لا بأس بالقوانين السياسية إذا وقعت
~~باتفاق ذوي الآراء من أهل الحل والعقد على وجه يحسن به / الانتظام ويصلح
~~أمر الخاص والعام، ومنها تعيين مراتب التأديب، والزجر على معاص وجنايات
~~لم ينص الشارع فيها على حد معين بل فوض الأمر في ذلك الرأي الإمام فليس
~~ذلك من المحادة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في شيء بل فيه
~~استيفاء حقه تعالى على أتم وجه لما فيه من الزجر عن المعاصي وهو أمر مهم
~~للشارع عليه الصلاة والسلام، ويرشد إليه ما في «تحفة المحتاج» أن للإمام
~~أن يستوفي التعزير إذا عفى صاحب الحق لأن الساقط بالعفو هو حق الآدمي،
~~والذي يستوفيه الإمام هو حق الله تعالى للمصلحة. وفي كتاب «الخراج»
~~للإمام أبي يوسف عليه الرحمة إشارة إلى ذلك أيضا؛ ولا يعكر على ذلك
~~ونحوه قوله تعالى:

# اليوم أكملت لكم دينكم

# [المائدة: 3] لأن المراد إكماله من حيث تضمنه ما يدل على حكمه تعالى
~~خصوصا أو عموما، ويرشد إلى هذا عدم النكير على أحد من المجتهدين إذا
~~قال بشيء لم يكن منصوصا عليه بخصوصه، ومن ذلك ما ثبت بالقياس بأقسامه.
~~نعم القانون الذي يكون وراء ذلك بأن كان مصادما لما نطقت به الشريعة
~~الغراء زائغا عن سنن المحجة البيضاء فيه ما فيه كما لا يخفى على العارف
~~النبيه.

# وقد يقال في الآية على المعنى الذي ذكره البيضاوي: إن المراد بالموصول
~~الواضعون لحدود الكفر وقوانينه كأئمة الكفر أو المختارون لها العاملون
~~بها كأتباعهم. ثم إن الآية  على ما في «البحر»  نزلت في كفار قريش.

# { كبتوا } أي أخزوا كما قال قتادة، أو غيظوا كما قال الفراء أو
~~ردوا مخذولين كما قال ابن زيد أو أهلكوا كما قال أبو عبيدة والأخفش. وعن
~~أبي عبيدة أن ms10476 تاءه بدل من الدال، والأصل  كبدوا  أي أصابهم داء في
~~أكبادهم، وقال السدي: لعنوا، وقيل: الكبت الكب وهو الإلقاء على الوجه،
~~وفسره الراغب هنا بالرد بعنف وتذليل، وذلك إشارة عند الأكثرين إلى ما كان
~~يوم الخندق، وقيل: إلى ما كان يوم بدر. وقيل: معنى { كبتوا } سيكبتون
~~على طريقة قوله تعالى:

# اتى أمر الله

# [النحل: 1] وهو بشارة للمؤمنين بالنصر على الكفار وتحقق كبتهم. { كما
~~كبت الذين من قبلهم } من كفار الأمم الماضية المحادين لله
~~عز وجل ورسله عليهم الصلاة والسلام { وقد أنزلنا ءايت
~~بينت } حال من واو { كبتوا } أي كبتوا لمحادتهم، والحال أنا
~~قد أنزلنا آيات واضحات فيمن حاد الله تعالى ورسوله من قبلهم من الأمم
~~وفيما فعلنا بهم، وقيل: آيات تدل على صدق الرسول وصحة ما جاء به {
~~وللكفرين } أي بتلك الآيات أو بكل ما يجب الإيمان به فتدخل فيه
~~تلك الآيات دخولا أوليا { عذاب مهين } يذهب بعزهم وكبرهم.

### || [58.6]

# { يوم يبعثهم الله } منصوب بما تعلق به اللام من الاستقرار،
~~/ أو  بمهين  أو بإضمار اذكر أي اذكر ذلك اليوم تعظيما له وتهويلا،
~~وقيل: منصوب بيكون مضمرا على أنه جواب لمن سأل متى يكون عذاب هؤلاء؟
~~فقيل له: { يوم يبعثهم } أي يكون يوم الخ، وقيل: بالكافرين وليس
~~بشيء. وقوله تعالى: { جميعا } حال جيء به للتأكيد، والمعنى يبعثهم
~~الله تعالى كلهم بحيث لا يبقى منهم أحد غير مبعوث، ويجوز أن يكون حالا
~~غير مؤكدة أي يبعثهم مجتمعين في صعيد واحد.

# { فينبئهم بما عملوا } من القبائح ببيان صدورها عنهم أو
~~بتصويرها في تلك النشأة بمايليق بها من الصور الهائلة على رؤوس الأشهاد
~~تخجيلا لهم وتشهيرا بحالهم وزيادة في خزيهم ونكالهم.

# وقوله تعالى: { أحصه الله } استئناف وقع جوابا عما نشأ مما
~~قبله من السؤال إما عن كيفية التنبئة أو عن سببها كأنه قيل: كيف ينبئهم
~~بأعمالهم وهي أعراض متقضية متلاشية؟ فقيل: أحصاه الله تعالى عددا ولم
~~يفته سبحانه منه شيء، وقوله تعالى: { ونسوه } حينئذ حال من مفعول 
~~أحصى  بإضمار قد أو بدونه، أو قيل: ms10477 لم ينبئهم بذلك؟ فقيل: أحصاه الله
~~تعالى ونسوه فينبئهم به ليعرفوا أن ما عاينوه من العذاب إنما حاق بهم
~~لأجله، وفيه مزيد توبيخ وتنديم لهم غير التخجيل والتشهير.

# { والله على كل شىء شهيد } لا يغيب عنه أمر من الأمور
~~أصلا، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لإحصائه تعالى أعمالهم.

### || [58.7]

# قوله تعالى: { ألم تر أن الله يعلم ما في
~~السموت وما في الأرض } استشهاد على شمول شهادته تعالى أي
~~ألم تعلم أنه عز وجل يعلم ما فيهما من الموجودات سواء كان ذلك بالاستقرار
~~فيهما أو بالجزئية منهما.

# وقوله تعالى: { ما يكون من نجوى ثلثة } الخ استئناف
~~مقرر لما قبله من سعة علمه تعالى. و { يكون } من كان التامة، و { من
~~} مزيدة، و { نجوى } فاعل وهي مصدر بمعنى التناجي وهو المسارة مأخوذة
~~من النجوة وهي ما ارتفع من الأرض لأن المتسارين يخلوان وحدهما بنجوة من
~~الأرض، أو لأن السر يصان فكأنه رفع من حضيض الظهور إلى أوج الخفاء، وقيل:
~~أصل ناجيته من النجاة وهو أن تعاونه على ما فيه خلاصه أو أن تنجو بسرك من
~~أن يطلع عليه وهي مضافة إلى { ثلثة } أي ما يقع من تناجي ثلاثة نفر
~~وقد يقدر مضاف أي من ذوي نجوى، أو يؤول نجوى بمتناجين  فثلاثة  صفة
~~للمضاف المقدر، أو لنجوى المؤول بما ذكر. وجوز أن يكون بدلا أيضا
~~والتأويل والتقدير المذكوران ليتأتى الاستثناء الآتي من غير تكلف، وفي
~~«القاموس» النجوى السر والمسارون اسم مصدر، وظاهره أن استعماله في كل
~~حقيقة فإذا أريد المسارون لم يحتج إلى تقدير أو تأويل لكن قال الراغب: إن
~~النجوى أصله المصدر كما في الآيات بعد، وقد يوصف به فيقال: هو نجوى وهم
~~نجوى، قال تعالى:

# وإذ هم نجوى

# [الإسراء: 47] وعليه يحتمل أن يكون من باب زيد عدل.

# وقرأ أبو جعفر وأبو حيوة وشيبة  ما تكون  بالتاء الفوقية لتأنيث
~~الفاعل، والقراءة بالياء التحتية قال الزمخشري: ((على أن النجوى تأنيثها
~~غير حقيقي، و { من } فاصلة أو على أن المعنى ما يكون شيء من النجوى))، ms10478
~~واختار في «الكشف» الثاني، فقال: هو الوجه لأن المؤنث وحده لم يجعل
~~فاعلا لفظا لوجود { من } ولا معنى لأن المعنى شيء منها، فالتذكير هو
~~الوجه لفظا ومعنى، وهو قراءة العامة انتهى، وإلى نحوه يشير كلام صاحب
~~«اللوامح»، وصرح بأن الأكثر في هذا الباب التذكير، وتعقبه أبو حيان
~~بالمنع وأن الأكثر التأنيث وأنه القياس / قال تعالى:

# وما تأتيهم من ءاية من ءايت ربهم

# [الأنعام: 4]

# ما تسبق من أمة أجلها

# [الحجر: 5] فتأمل.

# وقوله سبحانه: { إلا هو رابعهم } استثناء مفرغ من أعم
~~الأحوال، والرابع لإضافته إلى غير مماثله هنا بمعنى الجاعل المصير لهم
~~أربعة أي ما يكونون في حال من الأحوال إلا في حال تصيير الله تعالى لهم
~~أربعة حيث إنه عز وجل يطلع أيضا على نجواهم، وكذا قوله تعالى: { ولا
~~خمسة } أي ولا نجوى خمسة { إلا هو سادسهم ولا أدنى }
~~أي ولا نجوى أدنى { من ذلك } أي مما ذكر كالاثنين والأربعة { ولا
~~أكثر } كالستة وما فوقها { إلا هو معهم } يعلم ما يجري
~~بينهم { أين ما كانوا } من الأماكن، ولو كانوا في بطن الأرض فإن
~~علمه تعالى بالأشياء ليس لقرب مكاني حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة قربا
~~وبعدا.

# وفي الداعي إلى تخصيص الثلاثة والخمسة وجهان: أحدهما أن قوما من
~~المنافقين تخلقوا للتناجي مغايظة للمؤمنين على هذين العددين ثلاثة وخمسة،
~~فقيل: ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة كما ترونهم يتناجون كذلك ولا أدنى
~~من عدديهم ولا أكثر إلا والله تعالى معهم يعلم ما يقولون، فالآية تعريض
~~بالواقع على هذا، وقد روي عن ابن عباس أنها نزلت في ربيعة وحبيب ابني
~~عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوما يتحدثون فقال: أحدهم أترى أن الله يعلم
~~ما نقول؟ فقال الآخر: يعلم بعضا ولا يعلم بعضا، وقال الثالث: إن كان
~~يعلم بعضا فهو يعلمه كله أي لأن من علم بعض الأشياء بغير سبب فقد علمها
~~كلها لأن كونه عالما بغير سبب ثابت له مع كل معلوم، والثاني أنه قصد أن
~~يذكر ما جرت عليه العادة من أعداد أهل النجوى ms10479 والجالسين في خلوة للشورى
~~والمنتدبون لذلك إنما هم طائفة مجتباة من أولي الأحلام والنهي، وأول
~~عددهم الاثنان فصاعدا إلى خمسة إلى ستة إلى ما اقتضته الحال وحكم به
~~الاستصواب، فذكر عز وجل الثلاثة والخمسة، وقال سبحانه: { ولا أدنى
~~من ذلك } فدل على الاثنين والأربعة، وقال تعالى: { ولا أكثر }
~~فدل على ما يلي هذا العدد ويقاربه كذا في «الكشاف».

# وفي «الكشف» في خلاصة الوجه الثاني أنه خص العددان على المعتاد من عدد
~~أهل النجوى فإنهم قليلو العدد غالبا فلزم أن يخص بالذكر نحو الثلاثة
~~والأربعة إلى الثمانية والتسعة فأوثر الثلاثة ليكون قوله تعالى: { ولا
~~أدنى من ذلك } دالا على ما تحتها إذ لو أوثر الأربعة والستة
~~مثلا كان الأدنى الثلاثة دون الاثنين إلا على التوسع ولما أوثرت جيء
~~بالخمسة لتناسب الوترين وكان الأمر دائرا بين الثلاثة والخمسة والأربعة
~~والستة فأوثرا بالتصريح لذلك، ولأنه تعالى وتر يحب الوتر انتهى.

# وقد يقال: إن التناجي يكون في الغالب للشورى وهي لا تكون إلا بين عدد،
~~وأهلها قليلو العدد غالبا، والأليق أن يكون وترا من الأعداد كالثلاثة
~~والخمسة والسبعة والتسعة ليتحقق عند الاختلاف طرف يترجح بالزيادة على
~~الطرف الآخر فيرجع إليه دونه كما هو العادة اليوم عند اختلاف أهل الشورى.
~~وجعل عمر رضي الله تعالى عنه الشورى في ستة لانحصار الأمر فيهم كما يدل
~~عليه قوله لهم: نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر
~~إلا فيكم، وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنكم راض، ومع هذا
~~أمر ابنه عبد الله رضي الله تعالى عنه أن يحضر معهم وإن لم يكن له من أمر
~~الخلافة شيء، فدار الأمر بعد اعتبار ما ذكر من وترية العدد وقلته بين
~~الثلاثة والخمسة والسبعة والتسعة فاختيرت الثلاثة لأنها أول الأوتار
~~العددية وإذا ضربت في نفسها حصل منتهاها من الآحاد ولا يخلو منها اعتبار
~~كل ممكن حتى / أن المطالب الفكرية للمتناجين مثلا لا تتم بدون ثلاثة
~~أشياء: الموضوع والمحمول والحد الأوسط بل القضية التي يتناجى لها ms10480 لا بد
~~فيها من ثلاثة أجزاء، والخمسة لأنها عدد دائر لا تنعدم بالضرب في نفسها،
~~وكذا بضرب الحاصل في نفسه إلى ما لا يتناهى فلها شبه بالثلاثة من حيث
~~إنها دائرة مع مراتب الضرب لا تنعدم أصلا كما أن الثلاثة دائرة مع
~~اعتبارات الممكن لا تنعدم أصلا، ومع ذلك هي عدد المشاعر التي يحتاج
~~إليها في التناجي، وكذا عدد الحواس الظاهرة، ويدخل ما عداهما في عموم
~~قوله تعالى: { ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو
~~معهم } ولا يدخل في العموم الواحد لأن التناجي للمشاورة لا بد فيه من
~~اثنين فأكثر، ومن أدخله لم يعتبر التناجي لها ولا يضر دخول الأشفاع فيه
~~لأن أليقية كون المتناجين وترا إنما كانت نكتة للتصريح بالعددين
~~السابقين ولا تأبى تحقق النجوى في الأشفاع كما لا يخفى.

# وادعى ابن سراقة أن النجوى مختصة بما كان بين أكثر من اثنين وأن ما يكون
~~بين اثنين يسمى سرارا، وقال ابن عيسى: كل سرار نجوى. وفي الآية لطائف
~~وأسرار لا يعقلها إلا العالمون فليتأمل.

# وقرأ ابن أبي عبلة { ثلثة } و { خمسة } بالنصب على الحال
~~بإضمار يتناجون يدل عليه (نجوى)، أو على تأويل (نجوى) بمتناجين ونصبهما
~~من المستكن فيه، وفي مصحف عبد الله  إلا الله رابعهم ولا أربعة إلا الله
~~خامسهم ولا خمسة إلا الله سادسهم ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا الله معهم
~~إذا انتجوا  وقرأ الحسن وابن أبي إسحق والأعمش وأبو حيوة وسلام ويعقوب
~~{ ولا أكثر } بالرفع قال الزمخشري: على أنه معطوف على محل  لا
~~أدنى  كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله بفتح الحول ورفع القوة، ويجوز أن
~~يعتبر { أدنى } مرفوعا على هذه القراءة ورفعهما على الابتداء،
~~والجملة التي بعد { إلا } هي الخبر، أو على العطف على محل { من
~~نجوى } كأنه قيل: ما يكون أدنى ولا أكثر إلا هو معهم، و { أكثر
~~} على قراءة الجمهور يحتمل أن يكون مجرورا بالفتح معطوفا على لفظ {
~~نجوى } كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم، ms10481 وأن يكون
~~مفتوحا لأن { لا } لنفي الجنس، وقرأ كل من الحسن ويعقوب أيضا ومجاهد
~~والخليل بن أحمد  ولا أكبر  بالباء الموحدة والرفع وهو على ما سمعت.

# { ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيمة } تفضيحا
~~لهم وإظهارا لما يوجب عذابهم. وقرىء { ينبئهم } بالتخفيف والهمز،
~~وقرأ زيد بن علي بالتخفيف وترك الهمز وكسر الهاء. { إن الله بكل
~~شىء عليم } لأن نسبة ذاته المقتضي للعلم إلى الكل على السواء.

# وقد بدأ الله تعالى في هذه الآيات بالعلم حيث قال سبحانه: { ألم تر
~~أن الله يعلم } الخ، وختم جل وعلا بالعلم أيضا حيث قال الله
~~تعالى: { إن الله } الخ، ومن هنا قال معظم السلف فيما ذكر في البين
~~من قوله عز وجل: { رابعهم } و { سادسهم } و { معهم } أن
~~المراد به كونه تعالى كذلك بحسب العلم مع أنهم الذين لا يؤولون، وكأنهم
~~لم يعدوا ذلك تأويلا لغاية ظهوره واحتفافه بما يدل عليه دلالة لا خفاء
~~فيها، ويعلم من هذا أن ما شاع من أن السلف لا يؤولون ليس على إطلاقه.

### || [58.8]

# { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم
~~يعودون لما نهوا عنه } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:
~~نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون دون المؤمنين وينظرون إليهم
~~ويتغامزون بأعينهم يوهمونهم عن أقاربهم أنهم أصابهم شر فلا يزالون كذلك
~~حتى تقدم أقاربهم فلما كثر ذلك منهم شكا المؤمنون إلى الرسول صلى الله
~~عليه وسلم فنهاهم أن يتناجوا دون المؤمنين فعادوا لمثل فعلهم، وقال مجاهد
~~نزلت في اليهود. / وقال ابن السائب: في المنافقين، والخطاب للرسول عليه
~~الصلاة والسلام والهمزة للتعجيب من حالهم، وصيغة المضارع للدلالة على
~~تكرر عودهم وتجدده واستحضار صورته العجيبة.

# وقوله تعالى: { ويتنجون بالإثم والعدوان ومعصيت
~~الرسول } عطف عليه داخل في حكمه أي ويتناجون بما هو إثم في نفسه
~~ووبال عليهم وتعد على المؤمنين وتواص بمخالفة الرسول صلى الله عليه
~~وسلم، وذكره عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة بين الخطابين المتوجهين
~~وإليه صلى الله عليه وسلم  لزيادة تشنيعهم واستعظام معصيتهم.

# وقرأ حمزة وطلحة والأعمش ms10482 ويحيى بن وثاب ورويس  وينتجون  بنون ساكنة
~~بعد الياء وضم الجيم مضارع انتجى، وقرأ أبو حيوة  العدوان  بكسر العين
~~حيث وقع، وقرىء  معصيات  بالجمع ونسبت فيما بعد إلى الضحاك.

# { وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله } صح من
~~رواية البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة

# " أن ناسا من اليهود دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:
~~السام عليك يا أبا القاسم فقال عليه الصلاة والسلام: وعليكم، قالت عائشة:
~~وقلت: عليكم السام ولعنكم الله وغضب عليكم وفي رواية «عليكم السام والذام
~~واللعنة، فقال عليه الصلاة والسلام: يا عائشة إن الله لا يحب الفاحش ولا
~~المتفحش، فقلت: ألا تسمعهم يقولون: السام؟! فقال صلى الله عليه وسلم: أو
~~ما سمعت أقول: وعليكم؟! فأنزل الله تعالى { وإذا جاؤك } "

# الآية.

# وأخرج أحمد والبيهقي في «شعب الإيمان» بسند جيد عن عبد الله بن عمر رضي
~~الله تعالى عنهما أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم
~~سام عليك يريدون بذلك شتمه ثم يقولون في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما
~~نقول فنزلت هذه الآية { وإذا جآءوك } الخ. والسام قال ابن الأثير:
~~المشهور فيه ترك الهمز ويعنون به الموت، وجاء في رواية مهموزا ومعناه
~~أنكم تسأمون دينكم، وصرح الخفاجي بأنه بمعنى الموت عبراني، ولم يذكر فيه
~~الهمز وتركه. وقال الطبرسي: من قال: السام الموت فهو من سأم الحياة
~~بذهابها وهذا إرجاع له إلى المهموز، وجعل البيضاوي من التحية التي لم
~~يحيه بها الله تعالى تحيتهم له عليه الصلاة والسلام بأنعم صباحا وهي
~~تحية الجاهلية كعم صباحا ولم نقف على أثر في ذلك.

# وقوله تعالى: { ويقولون فى أنفسهم } أي فيما بينهم، وجوز
~~إبقاؤه على ظاهره { لولا يعذبنا الله بما نقول } أي هلا
~~يعذبنا الله تعالى بسبب ذلك لو كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيا  أي
~~لو كان نبيا عذبنا الله تعالى بسبب ما نقول من التحية  أوفق بالأول لأن
~~أنعم صباحا دعاء بخير والعدول إليه عن تحية الإسلام التي حيا الله تعالى
~~بها رسوله ms10483 صلى الله عليه وسلم، وأشير إليها بقوله تعالى:

# وسلم على المرسلين

# [الصافات: 181]

# وسلم على عباده الذين اصطفى

# [النمل: 59] وما جاء في التشهد «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
~~وبركاته» ليس فيه كثير إثم يتوقع معه التعذيب الدنيوي حتى إنهم يقولون
~~ذلك إذا لم يعذبوا، اللهم إلا إذا انضم إليه أنهم قصدوا بذلك تحقيرا
~~وإعلانا بعدم الاكتراث، ولعل قائل ذلك هم المنافقون من المشركين وهو
~~أظهر من كون قائله اليهود، وحكم التحية به اليوم أنها خلاف السنة، والقول
~~بالكراهة غير بعيد. وفي «تحفة المحتاج» لا يستحق مبتدي بنحو صبحك الله
~~بالخير أو قواك الله جوابا ودعاؤه له في نظيره حسن إلا أن يقصد بإهماله
~~له تأديبه لتركه سنة السلام انتهى، وأنعم صباحا نحو صبحك الله بالخير،
~~غاية ما في الباب أنه / دعاء كان يستعمل تحية في الجاهلية، نعم تحيتهم به
~~له عليه الصلاة والسلام على الوجه الذي قصدوه حرام بلا خلاف.

# { حسبهم جهنم } عذابا { يصلونها } يدخلونها أو يقاسون
~~حرها أو يصطلون بها. { فبئس المصير } أي جهنم.

### || [58.9]

# { يأيها الذين ءامنوا إذا تناجيتم } في أنديتكم وفي
~~خلواتكم. { فلا تتنجوا بالإثم والعدوان ومعصيت
~~الرسول } كما يفعله المنافقون، فالخطاب للخلص تعريضا بالمنافقين،
~~وجوز جعله لهم وسموا مؤمنين باعتبار ظاهر أحوالهم.

# وقرأ الكوفيون والأعمش وأبو حيوة ورويس  فلا تنتجوا  مضارع انتجى.
~~وقرأ ابن محيصن  فلا تناجوا  بإدغام التاء في التاء، وقرىء بحذف
~~إحداهما.

# { وتنجوا بالبر والتقوى } بما يتضمن خير المؤمنين
~~والاتقاء عن معصية الرسول صلى الله عليه وسلم { واتقوا } فيما
~~تأتون وما تذرون { الله الذى إليه } وحده لا إلى غيره سبحانه
~~استقلالا أو اشتراكا { تحشرون } فيجازيكم على ذلك.

### || [58.10]

# { إنما النجوى } المعهودة التي هي التناجي بالإثم والعدوان
~~والمعصية { من الشيطن } لا من غيره باعتبار أنه هو المزين لها
~~والحامل عليها، وقوله تعالى: { ليحزن الذين ءامنوا } خبر آخر
~~أي إنما هي ليحزن المؤمنين بتوهمهم أنها في نكبة أصابتهم. وقرىء { ليحزن
~~} بفتح الياء والزاي  فالذين  فاعل { وليس بضآرهم } أي ليس
~~الشيطان أو التناجي بضار المؤمنين { شيئا } من ms10484 الأشياء أو شيئا من
~~الضرر { إلا بإذن الله } أي إلا بإرادته ومشيئته عز وجل، وذلك
~~بأن يقضي سبحانه الموت أو الغلبة على أقاربهم.

# { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } ولا يبالوا
~~بنجواهم. وحاصله أن ما يتناجى المنافقون به مما يحزن المؤمنين إن وقع
~~فبإرادة الله تعالى ومشيئته لا دخل لهم فيه فلا يكترث المؤمنون بتناجيهم
~~وليتوكلوا على الله عز وجل ولا يحزنوا منه، فهذا الكلام لإزالة حزنهم،
~~ومنه ضعف ما أشار إليه الزمخشري من جواز أن يرجع ضمير  ليس بضارهم 
~~للحزن، وأجيب بأن المقصود يحصل عليه أيضا فإنه إذا قيل: إن هذا الحزن لا
~~يضرهم إلا بإرادة الله تعالى اندفع حزنهم.

# هذا ومن الغريب ما قيل: إن الآية نازلة في المنامات التي يراها المؤمن
~~في النوم تسوؤه ويحزن منها فكأنها نجوى يناجي بها، وهذا على ما فيه لا
~~يناسب السباق والسياق كما لا يخفى. ثم إن التناجي بين المؤمنين قد يكون
~~منهيا عنه، فقد أخرج البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن ابن مسعود أن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل
~~أن ذلك يحزنه "

# ومثل التناجي في ذلك أن يتكلم اثنان بحضور ثالث بلغة لا يفهمها الثالث
~~إن كان يحزنه ذلك.

# ولما نهى سبحانه عن التناجي والسرار علم منه الجلوس مع الملأ فذكر جل
~~وعلا آدابه بعده بقوله عز من قائل: { يأيها الذين ءامنوا
~~إذا قيل لكم تفسحوا فى المجلس... }.

### || [58.11]

# { يأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا فى
~~المجلس } الخ أو لما نهى عز وجل عما هو سبب للتباغض والتنافر أمر
~~سبحانه بما هو سبب للتواد والتوافق أي إذا قال لكم قائل كائنا من كان:
~~توسعوا فليفسح بعضكم عن بعض في المجالس ولا تتضاموا فيها، من قولهم: افسح
~~عني أي تنح. والظاهر تعلق { في المجلس } بتفسحوا، وقيل: متعلق 
~~بقيل .

# وقرأ الحسن وداود بن أبي هند وقتادة وعيسى  تفاسحوا  وقرأ الأخيران
~~وعاصم (في المجالس)، والجمهور (في المجلس) بالإفراد، فقيل: ms10485 على إرادة
~~الجنس لقراءة الجمع، وقيل: على إرادة العهد.

# والمراد به / مجلسه صلى الله عليه وسلم، والجمع لتعدده باعتبار من يجلس
~~معه عليه الصلاة والسلام فإن لكل أحد منهم مجلسا، وفي أخبار سبب النزول
~~ما يؤيد كلا، أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان

# " كان صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة في الصفة وفي المكان ضيق وكان عليه
~~الصلاة والسلام يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء ناس من أهل بدر
~~منهم ثابت بن قيس بن شماس وقد سبقوا إلى المجالس فقاموا حيال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته
~~فرد النبي صلى الله عليه وسلم ثم سلموا على القوم فردوا عليهم فقاموا
~~على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا لهم فشق ذلك على رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فقال لبعض من حوله: قم يا فلان ويا فلان فأقام نفرا
~~مقدار من قدم فشق ذلك عليهم وعرفت كراهيته وفي جوههم، وقال المنافقون: ما
~~عدل بإقامة من أخد مجلسه وأحب قربه لمن تأخر عن الحضور فأنزل الله تعالى
~~هذه الآية { يأيها الذين ءامنوا } "

# الخ، وكان ذلك ممن لم يفسح تنافسا في القرب من رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم ورغبة فيه ولا تكاد نفس تؤثر غيرها بذلك.

# وقال الحسن ويزيد بن أبي حبيب: كان الصحابة يتشاحون في مجالس القتال
~~إذا اصطفوا للحرب فلا يوسع بعضهم لبعض رغبة في الشهادة فنزلت {
~~يأيها الذين ءامنوا } الخ، والأكثرون على أنها نزلت لما كان
~~عليه المؤمنون من التضام في مجلسه صلى الله عليه وسلم والضنة بالقرب منه
~~وترك التفسح لمقبل؛ وأيا ما كان فالحكم مطرد في مجلسه عليه الصلاة
~~والسلام ومصاف القتال وغير ذلك.

# وقرىء (في المجلس) بفتح اللام، فإما أن يراد به ما أريد بالمكسور والفتح
~~شاذ في الاستعمال، وإما أن يراد به المصدر، والجار متعلق  بتفسحوا  أي
~~إذا قيل لكم توسعوا في جلوسكم ولا تضايقوا فيه { فافسحوا يفسح
~~الله لكم } أي في رحمته، ms10486 أو في منازلكم في الجنة، أو في قبوركم، أو
~~في صدوركم، أو في رزقكم أقوال.

# وقال بعضهم: المراد يفسح سبحانه لكم في كل ما تريدون الفسح فيه أي مما
~~ذكر وغيره، وأنت تعلم أن الفسح يختلف المراد منه باختلاف متعلقاته
~~كالمنازل والرزق والصدر فلا تغفل.

# { وإذا قيل انشزوا } أي انهضوا للتوسعة على المقبلين {
~~فانشزوا } فانهضوا ولا تتثبطوا، وأصله من النشز وهو المرتفع من الأرض
~~فإن مريد التوسعة على المقبل يرتفع إلى فوق فيتسع الموضع، أو لأن النهوض
~~نفسه ارتفاع قال الحسن وقتادة والضحاك: المعنى إذا دعيتم إلى قتال أو
~~صلاة أو طاعة فأجيبوا، وقيل: إذا دعيتم إلى القيام عن مجلس النبي صلى
~~الله عليه وسلم فقوموا، وهذا لأنه عليه الصلاة والسلام كان يؤثر أحيانا
~~الانفراد في أمر الإسلام أو لأداء وظائف تخصه صلى الله عليه وسلم لا
~~تتأتى أو لا تكمل بدون الانفراد، وعمم الحكم فقيل: إذا قال صاحب مجلس لمن
~~في مجلسه: قوموا ينبغي أن يجاب، وفعل ذلك لحاجة إذا لم يترتب عليه
~~مفسدة أعظم منها مما لا نزاع في جوازه، نعم لا ينبغي لقادم أن يقيم أحدا
~~ليجلس في مجلسه، فقد أخرج مالك والبخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمر رضي
~~الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

# " لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ولكن تفسحوا وتوسعوا "

# وقرأ الحسن والأعمش وطلحة وجمع من السبعة  انشزوا فانشزوا  بكسر
~~الشين منهما.

# { يرفع الله الذين ءامنوا منكم } جواب الأمر كأنه قيل:
~~إن تنشزوا يرفع عز وجل المؤمنين منكم في الآخرة / جزاءا للامتثال {
~~والذين أوتوا العلم } الشرعي { درجت } أي كثيرة جليلة
~~كما يشعر به المقام. وعطف  الذين أوتوا العلم  على { الذين
~~ءامنوا } من عطف الخاص على العام تعظيما لهم بعدهم كأنهم جنس آخر،
~~ولذا أعيد الموصول في النظم الكريم، وقد أخرج الترمذي وأبو داود والدارمي
~~عن أبي الدرداء مرفوعا

# " فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب "

# وأخرج الدارمي عن عمر بن كثير عن الحسن قال: ms10487 قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم:

# " من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحي به الإسلام فبينه وبين النبيين
~~درجة "

# وعنه صلى الله عليه وسلم:

# " بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين
~~سنة "

# وعنه عليه الصلاة والسلام

# " يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء "

# فأعظم بمرتبة بين النبوة والشهادة بشهادة الصادق المصدوق صلى الله عليه
~~وسلم، وعن ابن عباس

# " خير سليمان عليه السلام بين العلم والملك والمال فاختار العلم
~~فأعطاه الله تعالى الملك والمال تبعا له "

# وعن الأحنف: كاد العلماء يكونوا أربابا وكل عز لم يوطد بعلم فإلى ذل ما
~~يصير، وعن بعض الحكماء: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم؟ وأي شيء
~~فاته من أدرك العلم؟ والدال على فضل العلم والعلماء أكثر من أن يحصى،
~~وأرجى حديث عندي في فضلهم ما رواه الإمام أبو حنيفة في «مسنده» عن ابن
~~مسعود قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " يجمع الله العلماء يوم القيامة فيقول: إني لم أجعل حكمتي في قلوبكم
~~إلا وأنا أريد بكم الخير اذهبوا إلى الجنة فقد غفرت لكم على ما كان منكم
~~"

# وذكر العارف إلياس الكوراني أنه أحد الأحاديث المسلسلة بالأولية. ودلالة
~~الآية على فضلهم ظاهرة بل أخرج ابن المنذر عن ابن مسعود أنه قال: ما خص
~~الله تعالى العلماء في شيء من القرآن ما خصهم في هذه الآية فضل الله
~~الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم بدرجات وجعل
~~بعضهم العطف عليه للتغاير بالذات بحمل { الذين ءامنوا } على الذين
~~آمنوا ولم يؤتوا العلم، وفي رواية أخرى عنه يا أيها الذين آمنوا افهموا
~~معنى هذه الآية ولترغبكم في العلم فإن الله تعالى يرفع المؤمن العالم فوق
~~الذي لا يعلم. وادعى بعضهم أن في كلامه رضي الله تعالى عنه إشارة إلى أن
~~ الذين أوتوا  معمول لفعل محذوف والعطف من عطف الجمل أي ويرفع الله
~~تعالى الذي أوتوا العلم خاصة درجات، ونحوه كلام ابن عباس، فقد أخرج عنه ms10488
~~ابن المنذر والبيهقي في «المدخل» والحاكم وصححه أنه قال في الآية: يرفع
~~الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات. وقال بعض
~~المحققين: لا حاجة إلى تقدير العامل، والمعنى على ذلك من غير تقدير،
~~واختار الطيبي التقدير وجعل الدرجات معمولا لذلك المقدر، وقال: يضمر
~~للمذكور أحط منه مما يناسب المقام نحو أن يقال: يرفع الله الذين آمنوا في
~~الدنيا بالنصر وحسن الذكر أو يرفعهم في الآخرة بالإيواء إلى ما لا يليق
~~بهم من غرف الجنات، ويرفع الذين أوتوا العلم درجات تعظيما لهم، وجوز كون
~~المراد بالموصولين واحدا والعطف لتنزيل تغاير الصفات بمنزلة تغاير
~~الذات، فالمعنى يرفع الله المؤمنين العالمين درجات، وكون العطف من عطف
~~الخاص على العام هو الأظهر، وفي «الانتصاف» ((في الجزاء برفع الدرجات
~~مناسبة للعمل المأمور به وهو التفسح في المجالس وترك ما تنافسوا فيه من
~~الجلوس في أرفعها وأقربها من النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان الممتثل
~~لذلك / يخفض نفسه عما يتنافس فيه من الرفعة امتثالا وتواضعا جوزي على
~~تواضعه برفع الدرجات كقوله:

# " من تواضع لله تعالى رفعه الله تعالى "

# ، ثم لما علم سبحانه أن أهل العلم بحيث يستوجبون عند أنفسهم وعند الناس
~~ارتفاع مجالسهم خصهم بالذكر عند الجزاء ليسهل عليهم ترك ما لهم من الرفعة
~~في المجلس تواضعا لله عز وجل)).

# وقيل: إنه تعالى خص أهل العلم ليسهل عليهم ترك ما عرفوا بالحرص عليه من
~~رفعة المجالس وحبهم للتصدير، وهذا من مغيبات القرآن لما ظهر من هؤلاء في
~~سائر الاعصار من التنافس في ذلك. والخفاجي أدرج هذا في نقل كلام صاحب
~~«الانتصاف»، وكلامه على ما سمعته أوفق بالأدب مع أهل العلم، ولا أظن 
~~بالذين أوتوا العلم  المذكورين في الآية أنهم كالعلماء الذين عرض بهم
~~الخفاجي، نعم إنه عليه الرحمة صادق فيما قال بالنسبة إلى كثير من علماء
~~آخر الزمان كعلماء زمانه وكعلماء زماننا لكن كثير من هؤلاء إطلاق اسم
~~العالم على أحدهم مجاز لا تعرف علاقته، ومع ذلك قد امتلأ قلبه من ms10489 حب
~~الصدر وجعل يزاحم العلماء حقيقة عليه ولم يدر أن محله لو أنصف العجز.

# هذا واستدل غير واحد بالآية على تقديم العالم ولو باهليا شابا على
~~الجاهل ولو هاشميا شيخا، وهو بناء على ما تقدم من معناها لدلالتها على
~~فضل العالم على غيره من المؤمنين وأن الله تعالى يرفعه يوم القيامة عليه،
~~ويجعل منزلته فوق منزلته فينبغي أن يكون محله في مجالس الدنيا فوق محل
~~الجاهل. وقال الجلال السيوطي في كتاب «الأحكام» قال قوم: معنى الآية يرفع
~~الله تعالى المؤمنين العلماء منكم درجات على غيرهم فلذلك أمر بالتفسح من
~~أجلهم، ففيه دليل على رفع العلماء في المجالس والتفسح لهم عن المجالس
~~الرفيعة انتهى. وهذا المعنى الذي نقله ظاهر في أن المتعاطفين متحدان
~~بالذات والعطف لجعل تغاير الصفات بمنزلة تغاير الذات وهو احتمال بعيد،
~~ويظهر منه أيضا أنه ظن رفع { يرفع } على أن الجملة استئناف وقع جوابا
~~عن السؤال عن علة الأمر السابق مع أن الأمر ليس كذلك، ويحتمل أنه علم أنه
~~مجزوم في جواب الأمر لكن لم يعتبر كون الرفع درجات جزاءه الامتثال على
~~نحو كون الفسح قبله جزاءه فتأمله.

# { والله بما تعملون خبير } تهديد لمن لم يمتثل بالأمر
~~واستكره. وقرىء (بما يعملون) بالياء التحتانية.

### || [58.12]

# { يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول } أي إذا
~~أردتم المناجاة معه عليه الصلاة والسلام لأمر ما من الأمور {
~~فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } أي فتصدقوا قبلها.
~~وفي الكلام استعارة تمثيلية، وأصل التركيب يستعمل فيمن له يدان أو مكنية
~~بتشبية النجوى بالإنسان، وإثبات اليدين تخييل، وفي { بين } ترشيح على
~~ما قيل، ومعناه قبل. وفي هذا الأمر تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ونفع
~~للفقراء وتمييز بين المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا ودفع
~~للتكاثر عليه صلى الله عليه وسلم من غير حاجة مهمة، فقد روي عن ابن عباس
~~وقتادة أن قوما من المسلمين كثرت مناجاتهم للرسول عليه الصلاة والسلام
~~في غير حاجة إلا لتظهر منزلتهم وكان صلى الله عليه وسلم سمحا لا يرد
~~أحدا فنزلت ms10490 هذه الآية. وعن مقاتل أن الأغنياء كانوا يأتون النبي صلى
~~الله عليه وسلم فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على المجالس حتى كره
~~عليه الصلاة والسلام طول جلوسهم ومناجاتهم فنزلت.

# واختلف في أن الأمر للندب أو للوجوب لكنه نسخ بقوله تعالى:

# ءأشفقتم

# [المجادلة: 13] الخ، وهو وإن كان متصلا به تلاوة لكنه غير متصل به
~~نزولا، وقيل: نسخ بآية / الزكاة والمعول عليه الأول. ولم يعين مقدار
~~الصدقة ليجزي الكثير والقليل، أخرج الترمذي وحسنه وجماعة

# " عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: لما نزلت { يأيها الذين
~~آمنوا إذا ناجيتم } الخ قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ما
~~ترى في دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: نصف دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال:
~~فكم؟ قلت: شعيرة، قال: فإنك لزهيد» فلما نزلت { ءأشفقتم }
~~[المجادلة: 13] الآية قال صلى الله عليه وسلم: «خفف الله عن هذه الأمة» "

# ولم يعمل بها على المشهور غيره كرم الله تعالى وجهه، أخرج الحاكم وصححه
~~وابن المنذر وعبد بن حميد وغيرهم عنه كرم الله تعالى وجهه أنه قال: إن في
~~كتاب الله تعالى لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي آية
~~النجوى { يأيها الذين ءامنوا إذا نجيتم الرسول
~~} الخ كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم فكنت كلما ناجيت النبي صلى الله
~~عليه وسلم قدمت بين يدي نجواي درهما ثم نسخت فلم يعمل بها أحد فنزلت {
~~ءأشفقتم } الآية، قيل: وهذا على القول بالوجوب محمول على أنه لم
~~يتفق للأغنياء مناجاة في مدة بقاء الحكم. واختلف في مدة بقائه، فعن مقاتل
~~أنها عشرة ليال، وقال قتادة: ساعة من نهار، وقيل: إنه نسخ قبل العمل به
~~ولا يصح لما صح آنفا.

# وقرئ  صدقات  بالجمع لجمع المخاطبين.

# { ذلك } أي تقديم الصدقات { خير لكم } لما فيه من الثواب {
~~وأطهر } وأزكى لأنفسكم لما فيه من تعويدها على عدم الاكتراث بالمال
~~وإضعاف علاقة حبه المدنس لها، وفيه إشارة إلى أن في ذلك إعداد النفس
~~لمزيد الاستفاضة من رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المناجاة. وفي
~~الكلام ms10491 إشعار بندب تقديم الصدقة لكن قوله تعالى: { فإن لم تجدوا
~~فإن الله غفور رحيم } أي لمن لم يجد حيث رخص سبحانه له في
~~المناجاة بلا تقديم صدقة أظهر إشعارا بالوجوب.

### || [58.13]

# { ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات
~~} أي أخفتم الفقر لأجل تقديم الصدقات فمفعول { أشفقتم } محذوف، و { أن }
~~على إضمار حرف التعليل، ويجوز أن يكون المفعول { أن تقدموا } فلا
~~حذف أي أخفتم تقديم الصدقات لتوهم ترتب الفقر عليه. وجمع الصدقات لما أن
~~الخوف لم يكن في الحقيقة من تقديم صدقة واحدة لأنه ليس مظنة الفقر بل من
~~استمرار الأمر، وتقديم { صدقت } وهذا أولى مما قيل: إن الجمع لجمع
~~المخاطبين إذ يعلم منه وجه إفراد الصدقة فيما تقدم على قراءة الجمهور.

# { فإذ لم تفعلوا } ما أمرتم به وشق عليكم ذلك { وتاب
~~الله عليكم } بأن رخص لكم المناجاة من غير تقديم صدقة، وفيه على
~~ما قيل: إشعار بأن إشفاقهم ذنب تجاوز الله تعالى عنه لما رؤي منهم من
~~الانقياد وعدم خوف الفقر بعد ما قام مقام توبتهم { وإذ } على بابها
~~أعني أنها ظرف لما مضى، وقيل: إنها بمعنى إذ الظرفية للمستقبل كما في
~~قوله تعالى:

# إذ الأغلل فى أعنقهم

# [غافر: 71]. وقيل: بمعنى إن الشرطية كأنه قيل: فإن لم تفعلوا {
~~فأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة } والمعنى على الأول إنكم
~~تركتم ذلك فيما مضى فتداركوه بالمثابرة على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة،
~~واعتبرت المثابرة لأن المأمورين مقيمون للصلاة ومؤتون للزكاة، وعدل عن
~~فصلوا إلى { فأقيموا الصلوة } ليكون المراد المثابرة على توفية
~~حقوق الصلاة ورعاية ما فيه كمالها لا على أصل فعلها فقط، ولما عدل عن ذلك
~~لما ذكر جيء بما بعده على وزانه؛ ولم يقل وزكوا لئلا يتوهم أن المراد
~~الأمر بتزكية النفس كذا قيل فتدبر { وأطيعوا الله ورسوله }
~~أي في سائر الأوامر، ومنها ما تقدم في ضمن قوله تعالى:

# يأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا فى
~~المجلس فافسحوا

# [المجادلة: 11] الآيات وغير ذلك. / { والله خبير بما
~~تعملون } ظاهرا وباطنا. وعن أبي عمرو  يعملون  بالتحتية. ms10492

### || [58.14]

# { ألم تر } تعجيب من حال المنافقين الذين كانوا يتخذون اليهود
~~أولياء ويناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين، وفيه على ما قال
~~الخفاجي: تلوين للخطاب بصرفه عن المؤمنين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
~~أي ألم تنظر { إلى الذين تولوا } أي والوا { قوما غضب
~~الله عليهم } وهم اليهود { ما هم } أي الذين تولوا { منكم
~~} معشر المؤمنين { ولا منهم } أي من أولئك القوم المغضوب عليهم
~~أعني اليهود لأنهم منافقون مذبذبون بين ذلك، وفي الحديث

# " مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين غنمين  أي المترددة بين قطيعين 
~~لا تدري أيهما تتبع» "

# وجوز ابن عطية أن يكون { هم } للقوم، وضمير { منهم } للذين تولوا،
~~ثم قال: فيكون فعل المنافقين على هذا أخس لأنهم تولوا [قوما] مغضوبا
~~عليهم ليسوا من أنفسهم فيلزمهم ذمامهم ولا من القوم المحقين فتكون
~~الموالاة صوابا. والأول هو الظاهر والجملة عليه مستأنفة، وجوز كونها
~~حالا من فاعل { تولوا } ورد بعدم الواو، وأجيب بأنهم صرحوا بأن
~~الجملة الاسمية المثبتة أو المنفية إذا وقعت حالا تأتي بالواو فقط
~~وبالضمير فقط وبهما معا، وما ههنا أتت بالضمير أعني هم، وعلى ما قال
~~ابن عطية في موضع الصفة لقوم. وذكر المولى سعد الله أن في { منكم }
~~التفاتا، وتعقب بأنه إن غلب فيه خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم فظاهر
~~أنه لا التفات فيه وإن لم يغلب فكذلك لا التفات فيه إذ ليس فيه مخالفة
~~لمقتضى الظاهر لسبق خطابهم قبله، وفي جعله التفاتا على رأي السكاكي نظر.

# { ويحلفون على الكذب } عطف على { تولوا } داخل في حيز
~~التعجيب، وجوز عطفه على جملة { ما هم منكم } وصيغة المضارع للدلالة
~~على تكرر الحلف، وقوله تعالى: { وهم يعلمون } حال من فاعل 
~~يحلفون  مفيدة لكمال شناعة ما فعلوا فإن الحلف على ما يعلم أنه كذب في
~~غاية القبح. واستدل به على أن الكذب يعم مايعلم المخبر مطابقته للواقع
~~وما لا يعلم مطابقته له فيرد به على مذهبي النظام والجاحظ إذ عليهما لا
~~حاجة إليه، وبحث فيه أنه يجوز أن يراد بالكذب ما خالف ms10493 اعتقادهم { وهم
~~يعلمون } بمعنى يعلمون خلافه فيكون جملة حالية مؤكدة لا مقيدة، نعم
~~التأسيس هو الأصل لكنه غير متعين، والاحتمال يبطل الاستدلال والكذب الذي
~~حلفوا عليه دعواهم الإسلام حقيقة، وقيل: إنهم ما شتموا النبي صلى الله
~~عليه وسلم بناءا على ما روي

# " أنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل حجرة من حجره
~~وعنده نفر من المسلمين، فقال: إنكم سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان
~~فإذا جاءكم فلا تكلموه فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق فقال عليه
~~الصلاة والسلام حين رآه: علام تشتمني أنت وأصحابك فقال: ذرني آتك بهم
~~فانطلق فدعاهم فحلفوا» فنزلت "

# ، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم
~~والبيهقي في «الدلائل» وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عباس إلا أن
~~آخره «فأنزل الله

# يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما
~~يحلفون لكم

# [المجادلة: 18]» الآية والتي بعدها، ولعله يؤيد أيضا اعتبار كون الكذب
~~دعواهم أنهم ما شتموا.

# وفي «البحر» رواية نحو ذلك عن السدي ومقاتل، وهو  أنه عليه الصلاة
~~والسلام 

# " قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان فدخل
~~عبد الله بن نبتل وكان أزرق أسمر قصيرا خفيف اللحية فقال صلى الله عليه
~~وسلم: علام تشتمني أنت وأصحابك فحلف بالله ما فعل فقال له: فعلت فجاء
~~بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه  فنزلت "

# ، والله تعالى أعلم بصحته.

# وعبد الله هذا هو الرجل المبهم في الخبر الأول، وهو ابن نبتل - بفتح
~~النون وسكون الباء الموحدة وبعدها تاء مثناة من فوق ولام - ابن الحرث بن
~~قيس الأنصاري الأوسي ذكره ابن الكلبي والبلاذري في المنافقين، وذكره أبو
~~عبيدة في الصحابة فيحتمل كما قال ابن حجر: إنه اطلع على أنه تاب، وأما
~~قوله في «القاموس»: عبد الله بن نبيل  كأمير  من المنافقين فيحتمل أنه
~~هو هذا، واختلف في ضبط اسم أبيه ويحتمل أنه غيره.

### || [58.15]

# { أعد الله لهم } بسبب ذلك { عذابا شديدا } نوعا من
~~العذاب متفاقما { إنهم ساء ما كانوا يعملون } ما اعتادوا ms10494
~~عمله وتمرنوا عليه.

### || [58.16]

# { اتخذوا أيمنهم } الفاجرة التي يحلفون بها عند الحاجة {
~~جنة } وقاية وسترة عن المؤاخذة. وقرأ الحسن  إيمانهم  بكسر الهمزة
~~أي إيمانهم الذي أظهروه للنبي صلى الله عليه وسلم وخلص المؤمنين؛ قال في
~~«الإرشاد»: ((والاتخاذ على هذا عبارة عن التستر بالفعل كأنه قيل: تستروا
~~بما أظهروه من الإيمان عن أن تستباح دماؤهم وأموالهم، وعلى قراءة الجمهور
~~عبارة عن إعدادهم لأيمانهم الكاذبة وتهيئتهم لها إلى وقت الحاجة ليحلفوا
~~بها ويخلصوا عن المؤاخذة لا عن استعمالها بالفعل فإن ذلك متأخر عن
~~المؤاخذة المسبوقة بوقوع الجناية، وعن سببها أيضا كما يعرب عنه الفاء في
~~قوله تعالى: { فصدوا } أي الناس { عن سبيل الله } في خلال
~~أمنهم بتثبيط من لقوا عن الدخول في الإسلام وتضعيف أمر المسلمين عندهم))،
~~وقيل: فصدوا المسلمين عن قتلهم فإنه سبيل الله تعالى فيهم. وقيل: { صدوا
~~} لازم، والمراد فأعرضوا عن الإسلام حقيقة وهو كما ترى { فلهم
~~عذاب مهين } وعيد ثان بوصف آخر لعذابهم، وقيل: الأول عذاب القبر
~~وهذا عذاب الآخرة، ويشعر به وصفه بالإهانة المقتضية للظهور فلا تكرار.

### || [58.17]

# قد سبق مثله في سورة آل عمران، وسبق الكلام فيه فمن أراده فليرجع إليه.

### || [58.18]

# { يوم يبعثهم الله جميعا } تقدم الكلام في نظيره غير
~~بعيد { فيحلفون له } أي لله تعالى يومئذ قائلين:

# والله ربنا ما كنا مشركين

# [الأنعام: 23] { كما يحلفون لكم } في الدنيا أنهم مسلمون
~~مثلكم. والتشبيه بمجرد الحلف لهم في الدنيا وإن اختلف المحلوف عليه
~~بناءا على ما قدمنا من سبب النزول { ويحسبون } في الآخرة {
~~أنهم } بتلك الأيمان الفاجرة { على شىء } من جلب منفعة أو دفع
~~مضرة كما كانوا عليه في الدنيا حيث كانوا يدفعون بها عن أرواحهم وأموالهم
~~ويستجرون بها فوائد دنيوية { ألا إنهم هم الكذبون }
~~البالغون في الكذب إلى غاية ليس وراءها غاية حيث تجاسروا على الكذب بين
~~يدي علام الغيوب، وزعموا أن أيمانهم الفاجرة تروج الكذب لديه عز وجل كما
~~تروجه عند المؤمنين.

### || [58.19]

# { استحوذ عليهم الشيطن } أي غلب على عقولهم بوسوسته
~~وتزيينه حتى اتبعوه فكان ms10495 مستوليا عليهم، وقال الراغب: الحوذ أن يتبع
~~السائق حاذي البعير أي أدبار فخذيه فيعنف في سوقه يقال: حاذ الإبل
~~يحوذها أي ساقها / سوقا عنيفا، وقوله تعالى: { استحوذ عليهم
~~الشيطن } أي استقاهم مستوليا عليهم، أو من قولهم: استحوذ العير
~~على الأتان أي استولى على حاذيها أي جانبي ظهرها اه.

# وصرح بعض الأجلة أن الحوذ في الأصل السوق والجمع، وفي «القاموس»
~~تقييد السوق بالسريع ثم أطلق على الاستيلاء، ومثله الإحواذ والأحوذي، وهو
~~كما قال الأصمعي: المشمر في الأمور القاهر لها الذي لا يشذ عنه منها شيء،
~~ومنه قول عائشة في عمر رضي الله تعالى عنهما كان أحوذيا نسيج وحده مأخوذ
~~من ذلك، واستحوذ مما جاء على الأصل في عدم إعلاله على القياس إذ قياسه
~~استحاذ بقلب الواو ألفا كما سمع فيه قليلا، وقرأ به هنا أبو عمرو فجاء
~~مخالفا للقياس كاستنوق واستصوب وإن وافق الاستعمال المشهور فيه، ولذا لم
~~يخل استعماله بالفصاحة، وفي استفعل هنا من المبالغة ما ليس في فعل.

# { فأنسهم ذكر الله } في معنى لم يمكنهم من ذكره عز وجل بما
~~زين لهم من الشهوات فهم لا يذكرونه أصلا لا بقلوبهم ولا بألسنتهم {
~~أولئك } الموصوفون بما ذكر من القبائح { حزب الشيطن }
~~أي جنوده وأتباعه.

# { ألا إن حزب الشيطن هم الخسرون } أي الموصوفون
~~بالخسران الذي لا غاية وراءه حيث فوتوا على أنفسهم النعيم المقيم وأخذوا
~~بدله العذاب الأليم. وفي تصدير الجملة بحرفي التنبيه والتحقيق وإظهار
~~المتضايفين معا في موقع الإضمار بأحد الوجهين، وتوسيط ضمير الفصل من
~~فنون التأكيد ما لا يخفى.

### || [58.20]

# { إن الذين يحادون الله ورسوله } استئناف مسوق
~~لتعليل ما قبله من خسران حزب الشيطان، عبر عنهم بالموصول ذما لهم بما في
~~حيز الصلة وإشعارا بعلة الحكم { أولئك } الموصوفون بما ذكر { فى
~~الأذلين } أي في جملة من هو أذل خلق الله عز وجل من الأولين والآخرين
~~معدودون في عدادهم لأن ذلة أحد المتخاصمين على مقدار عزة الآخر وحيث كانت
~~عزة الله عز وجل غير متناهية كانت ذلة من حادة كذلك. ms10496

### || [58.21]

# { كتب الله } استئناف وارد لتعليل كونهم في الأذلين أي أثبت في
~~اللوح المحفوظ أو قضى وحكم، وعن قتادة قال: وأيا ما كان فهو جار مجرى
~~القسم فلذا قال سبحانه: { لأغلبن أنا ورسلى } أي بالحجة
~~والسيف وما يجري مجراه أو بأحدهما، ويكفي في الغلبة بما عدا الحجة تحققها
~~للرسل عليهم السلام في أزمنتهم غالبا، فقد أهلك سبحانه الكثير من
~~أعدائهم بأنواع العذاب كقوم نوح وقوم صالح وقوم لوط وغيرهم، والحرب بين
~~نبينا صلى الله عليه وسلم وبين المشركين وإن كان سجالا إلا أن العاقبة
~~كانت له عليه الصلاة والسلام وكذا لأتباعهم بعدهم لكن إذا كان جهادهم
~~لأعداء الدين على نحو جهاد الرسل لهم بأن يكون خالصا لله عز وجل لا لطلب
~~ملك وسلطنة وأغراض دنيوية فلا تكاد تجد مجاهدا كذلك إلا منصورا غالبا،
~~وخص بعضهم الغلبة بالحجة لاطرادها وهو خلاف الظاهر، ويبعده سبب النزول،
~~فعن مقاتل لما فتح الله تعالى مكة للمؤمنين والطائف وخيبر وما حولها
~~قالوا: نرجوا أن يظهرنا الله تعالى على فارس والروم فقال عبد الله بن
~~أبي: أتظنون الروم وفارس كبعض القرى التي غلبتم عليها، والله أنهم
~~لأكثر عددا وأشد بطشا من أن تظنوا فيهم ذلك فنزلت { كتب الله
~~لأغلبن أنا ورسلى }  { إن الله قوى } على نصر
~~رسله { عزيز } لا يغلب على مراده عز وجل.

# / وقرأ نافع وابن عامر { ورسلي } بفتح الياء.

### || [58.22]

# { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الأخر
~~يوادون من حاد الله ورسوله } خطاب للنبي صلى الله
~~عليه وسلم أو لكل أحد يصلح له. و { تجد } إما متعد إلى اثنين فقوله
~~تعالى: { يوادون } الخ مفعوله الثاني، وإما متعد إلى واحد فهو حال
~~من مفعوله لتخصصه بالصفة، وقيل: صفة أخرى له أي قوما جامعين بين الإيمان
~~بالله تعالى واليوم الآخر وبين موادة أعداء الله تعالى ورسوله صلى الله
~~عليه وسلم وليس بذاك. والكلام على ما في «الكشاف» ((من باب التخييل خيل
~~أن من الممتنع المحال أن تجد قوما مؤمنين يوادون المشركين، والغرض منه
~~أنه لا ينبغي ms10497 أن يكون ذلك وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال مبالغة في النهي
~~عنه والزجر عن ملابسته والتصلب في مجانبة أعداء الله تعالى))، وحاصل هذا
~~على ما في «الكشف» أنه من فرض غير الواقع واقعا محسوسا حيث نفى الوجدان
~~على الصفة، وأريد نفي انبغاء الوجدان على تلك الصفة فجعل الواقع نفي
~~الوجدان، وإنما الواقع نفي الانبغاء فخيل أنه هو فالتصوير في جعل ما لا
~~يمتنع ممتنعا، وقيل: المراد لا تجد قوما كاملي الإيمان على هذه الحال،
~~فالنفي باق على حقيقته.

# والمراد بموادة المحادين موالاتهم ومظاهرتهم، والمضارع قيل: لحكاية
~~الحال الماضية، و { من حاد الله ورسوله } ظاهر في الكافر؛
~~وبعض الآثار ظاهر في شموله للفاسق، والأخبار مصرحة بالنهي عن موالاة
~~الفاسقين كالمشركين بل قال سفيان: يرون أن الآية المذكورة نزلت فيمن
~~يخالط السلطان، وفي حديث طويل أخرجه الطبراني والحاكم والترمذي عن واثلة
~~بن الأسقع مرفوعا

# " يقول الله تبارك وتعالى: وعزتي لا ينال رحمتي من لم يوال أوليائي
~~ويعاد أعدائي "

# وأخرج أحمد وغيره عن البراء بن عازب مرفوعا

# " أوثق الإيمان الحب في الله والبغض في الله "

# وأخرج الديلمي من طريق الحسن عن معاذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " اللهم لا تجعل لفاجر  وفي رواية  ولا لفاسق علي يدا ولا نعمة
~~فيوده قلبي فإني وجدت فيما أوحيت إلي { لا تجد قوما
~~يؤمنون بالله واليوم الأخر يوادون من حاد
~~الله ورسوله } "

# وحكى الكواشي عن سهل أنه قال: من صحح إيمانه وأخلص توحيده فإنه لا يأنس
~~إلى مبتدع ولا يجالسه ولا يؤاكله ولا يشاربه ولا يصاحبه ويظهر له من نفسه
~~العداوة والبغضاء، ومن داهن مبتدعا سلبه الله تعالى حلاوة السنن، ومن
~~تحبب إلى مبتدع يطلب عز الدنيا أو عرضا منها أذله الله تعالى بذلك العز
~~وأفقره بذلك الغنى، ومن ضحك إلى مبتدع نزع الله تعالى نور الإيمان من
~~قلبه، ومن لم يصدق فليجرب انتهى.

# ومن العجيب أن بعض المنتسبين إلى المتصوفة  وليس منهم ولا قلامة ظفر 
~~يوالي الظلمة بل من لا علاقة له ms10498 بالدين منهم وينصرهم بالباطل ويظهر من
~~محبتهم ما يضيق عن شرحه صدر القرطاس، وإذا تليت عليه آيات الله تعالى
~~وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم الزاجرة عن مثل ذلك يقول: سأعالج قلبي
~~بقراءة نحو ورقتين من كتاب «المثنوي» الشريف لمولانا جلال الدين القونوي
~~قدس سره وأذهب ظلمته  إن كانت  بما يحصل لي من الأنوار حال قراءته،
~~وهذا لعمري هو الضلال البعيد، وينبغي للمؤمنين اجتناب مثل هؤلاء.

# { ولو كانوا } أي من حاد الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام،
~~والجمع باعتبار معنى (من) كما أن الإفراد فيما قبل باعتبار لفظها {
~~ءاباءهم } أي الموادين { أو أبناءهم أو إخونهم أو
~~عشيرتهم } فإن قضية الإيمان بالله تعالى / واليوم الآخر - الذي
~~يحشر المرء فيه مع من أحب - أن يهجروا الجميع بالمرة، وليس المراد بمن
~~ذكر خصوصهم وإنما المراد الأقارب مطلقا. وقدم الآباء لأنه يجب على
~~أبنائهم طاعتهم ومصاحبتهم في الدنيا بالمعروف، وثنى بالأبناء لأنهم أعلق
~~بهم لكونهم أكبادهم، وثلث بالإخوان لأنهم الناصرون لهم:

# أخاك أخاك إن من لا أخا له

# كساع إلى الهيجاء بغير سلاح

# وختم بالعشيرة لأن الاعتماد عليهم والتناصر بهم بعد الإخوان غالبا:

# لو كنت من مازن لم تستبح إبلي

# بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا

# إذا لقام بنصري معشر خشن

# عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا

# لا يسألون أخاهم حين يندبهم

# في النائبات على ما قال برهانا

# وقرأ أبو رجاء  وعشائرهم  بالجمع.

# { أولئك } إشارة إلى الذين لا يوادونهم وإن كانوا أقرب الناس
~~إليهم وأمسهم رحما بهم، وما فيه من معنى البعد لرفعة درجتهم في الفضل.
~~وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: { كتب فى قلوبهم } أي أثبته الله
~~تعالى فيها ولما كان الشيء يراد أولا ثم يقال ثم يكتب عبر عن المبدأ
~~بالمنتهى للتأكيد والمبالغة. وفيه دليل على خروج العمل من مفهوم الإيمان،
~~فإن جزء الثابت في القلب ثابت فيه قطعا، ولا شيء من أعمال الجوارح يثبت
~~فيه.

# وقرأ أبو حيوة والمفضل عن عاصم { كتب } مبنيا للمفعول {
~~الايمن } بالرفع على النيابة عن الفاعل.

# { وأيدهم } أي ms10499 قواهم { بروح منه } أي من عنده عز وجل على
~~أن (من) ابتدائية، والمراد بالروح نور القلب وهو نور يقذفه الله تعالى في
~~قلب من يشاء من عباده تحصل به الطمأنينة والعروج على معارج التحقيق،
~~وتسميته روحا مجاز مرسل لأنه سبب للحياة الطيبة الأبدية، وجوز كونه
~~استعارة، وقول بعض الأجلة: إن نور القلب ما سماه الأطباء روحا - وهو
~~الشعاع اللطيف المتكون في القلب وبه الإدراك فالروح على حقيقته  ليس
~~بشيء كما لا يخفى، أو المراد به القرآن على الاحتمالين السابقين، واختيرت
~~الاستعارة، أو جبريل عليه السلام وذلك يوم بدر، وإطلاق الروح عليه شائع
~~أقوال.

# وقيل: ضمير { منه } للإيمان، والمراد بالروح الإيمان أيضا، والكلام
~~على التجريد البديعي  فمن  بيانية أو ابتدائية على الخلاف فيها، وإطلاق
~~الروح على الإيمان على ما مر.

# وقوله تعالى: { ويدخلهم } الخ بيان لآثار رحمته تعالى الأخروية
~~إثر بيان ألطافه سبحانه الدنيوية أي ويدخلهم في الآخرة. { جنت
~~تجري من تحتها الأنهر خلدين فيها } أبد الآبدين.
~~وقوله تعالى: { رضى الله عنهم } استئناف جار مجرى التعليل لما
~~أفاض سبحانه عليهم من آثار رحمته عز وجل العاجلة والآجلة. وقوله تعالى: {
~~ورضوا عنه } بيان لابتهاجهم بما أوتوه عاجلا وآجلا. وقوله
~~تعالى: { أولئك حزب الله } تشريف لهم ببيان اختصاصهم به
~~تعالى. وقوله سبحانه: { ألا إن حزب الله هم المفلحون
~~} بيان لاختصاصهم بسعادة الدارين، والكلام في تحلية الجملة  بألا وإن 
~~على ما مر في أمثالها.

# والآية قيل: نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه. أخرج ابن المنذر عن
~~ابن جريج قال: حدثت

# " أن أبا قحافة سب النبي صلى الله عليه وسلم فصكه / أبو بكر صكة فسقط؛
~~فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفعلت يا أبا بكر؟ قال: نعم،
~~قال: لا تعد، قال: والله لو كان السيف قريبا مني لضربته  وفي رواية 
~~لقتلته فنزلت { لا تجد قوما } الآيات "

# وقيل: في أبي عبيدة بن عبد الله بن الجراح، أخرج ابن أبي حاتم
~~والطبراني وأبو نعيم في «الحلية» والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس عن ms10500 عبد
~~الله بن شوذب قال: جعل والد أبي عبيدة يتصدى له يوم بدر وجعل أبو عبيدة
~~يحيد عنه فلما أكثر قصده أبو عبيدة فقتله فنزلت { لا تجد } الخ.
~~وفي «الكشاف» أن أبا عبيدة قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد. وقال
~~الواقدي في قصة قتله إياه: كذلك يقول أهل الشام، وقد سألت رجالا من بني
~~فهر فقالوا: توفي أبوه قبل الإسلام أي في الجاهلية قبل ظهور الإسلام
~~انتهى. والحق أنه قتله في بدر، أخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: كان  أي
~~أبو عبيدة  قتل أباه وهو من جملة أسارى بدر بيده لما سمع منه في رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم ما يكره ونهاه فلم ينته، وقيل: نزلت فيه حيث قتل
~~أباه وفي أبي بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، وقال لرسول الله صلى
~~الله عليه وسلم: دعني أكون في الرعلة الأولى  وهي القطعة من الخيل 
~~قال:

# " متعنا بنفسك يا أبا بكر ما تعلم أنك عندي بمنزلة سمعي وبصري "

# وفي مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد، وفي عمر قتل خاله
~~العاص بن هشام يوم بدر وفي علي كرم الله تعالى وجهه وحمزة وعبيدة بن
~~الحرث قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر. وتفصيل ذلك
~~ما رواه أبو داود

# " عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: لما كان يوم بدر تقدم عتبة ابن ربيعة
~~ومعه ابنه وأخوه فنادى من يبارز  إلى قوله  فقال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم: قم يا حمزة قم يا علي قم يا عبيدة بن الحرث فأقبل حمزة إلى
~~عتبة وأقبلت إلى شيبة واختلفت بين عبيدة والوليد ضربتان فأثخن كل منهما
~~صاحبه ثم ملنا على الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة "

# هذا ورتب بعض المفسرين { ولو كانوا ءاباءهم أو أبناءهم
~~أو إخونهم أو عشيرتهم } على قصة أبي عبيدة وأبي بكر
~~ومصعب وعلي كرم الله تعالى وجهه ومن معه، وقيل: إن قوله تعالى: { لا
~~تجد قوما } الخ نزل في حاطب بن ms10501 أبي بلتعة. والظاهر على ما قيل:
~~إنه متصل بالآي التي في المنافقين الموالين لليهود؛ وأيا ما كان فحكم
~~الآيات عام وإن نزلت في أناس مخصوصين كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.

### | [59 - سورة الحشر]

### || [59.1]

# { سبح لله ما فى السموت وما في الأرض وهو
~~العزيز الحكيم } إلى قوله تعالى:

# والله على كل شيء قدير

# [الحشر: 6] وتقدم الكلام على نظير هذه الجملة في صدر سورة الحديد. وكرر
~~الموصول ههنا لزيادة التقرير والتنبيه على استقلال كل من الفريقين
~~بالتسبيح.

### || [59.2]

# وقوله تعالى: { هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل
~~الكتب من ديرهم } بيان لبعض آثار عزته تعالى وأحكام حكمته
~~عز وجل إثر وصفه تعالى بالعزة القاهرة والحكمة الباهرة على الإطلاق.
~~والمراد بالذين كفروا بنو النضير  بوزن الأمير  وهم قبيلة عظيمة من
~~يهود خيبر كبني قريظة، ويقال للحيين: الكاهنان لأنهما من ولد الكاهن بن
~~هارون كما في «البحر»، ويقال: إنهم نزلوا قريبا من المدينة في فئة من
~~بني إسرائيل انتظارا لخروج الرسول صلى الله عليه وسلم فكان من أمرهم ما
~~قصه الله تعالى. وقيل: إن موسى عليه السلام كان قد أرسلهم إلى قتل
~~العماليق وقال لهم: لا تستحيوا منهم أحدا فذهبوا ولم يفعلوا وعصوا موسى
~~عليه السلام فلما رجعوا إلى الشام وجدوه قد مات عليه السلام فقال لهم بنو
~~إسرائيل: أنتم عصاة الله تعالى والله لادخلتم علينا بلادنا فانصرفوا إلى
~~الحجاز إلى أن كان ماكان. وروي عن الحسن أنهم بنو قريظة وهو وهم كما لا
~~يخفى.

# والجار الأول: متعلق بمحذوف أي كائنين من أهل الكتاب، والثاني متعلق 
~~بأخرج  وصحت إضافة الديار إليهم لأنهم كانوا نزلوا برية لا عمران فيها
~~فبنوا فيها وسكنوا. وضمير { هو } راجع إليه تعالى بعنوان العزة والحكمة
~~إما بناءا على كمال ظهور اتصافه تعالى بهما مع مساعدة تامة من المقام،
~~أو على جعله مستعارا لاسم الإشارة كما في قوله تعالى:

# قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصركم
~~وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم
~~به

# [الأنعام: 46] أي بذلك فكأنه ms10502 قيل: ذلك المنعوت بالعزة والحكمة الذي أخرج
~~الخ، ففيه إشعار بأن في الإخراج حكمة باهرة.

# وقوله تعالى: { لأول الحشر } متعلق  بأخرج  واللام لام
~~التوقيت كالتي في قولهم: كتبته لعشر خلون، ومآلها إلى معنى  في 
~~الظرفية، ولذا قالوا هنا: أي في أول الحشر لكنهم لم يقولوا: إنها بمعنى 
~~في  إشارة إلى أنها لم تخرج عن أصل معناها وأنها للاختصاص لأن ما وقع في
~~وقت اختص به دون غيره من الأوقات، وقيل: إنها للتعليل وليس بذاك.

# ومعنى أول الحشر أن هذا أول حشرهم إلى الشام أي أول ما حشروا وأخرجوا،
~~ونبه بالأولية على أنهم لم يصبهم جلاء قبل ولم يجلهم بختنصر حين أجلى
~~اليهود بناءا على أنهم لم يكونوا معهم إذ ذاك وأن نقلهم من بلاد الشام
~~إلى أرض العرب كان باختيارهم، أو لم يصبهم ذلك في الإسلام، أو على أنهم
~~أول محشورين من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام، ولا نظر في ذلك إلى
~~مقابلة الأول بالآخر، وبعضهم يعتبرها فمعنى أول الحشر أن هذا أول حشرهم
~~وآخر حشرهم إجلاء عمر رضي الله تعالى عنه إياهم من خيبر إلى الشام، وقيل:
~~آخر حشرهم حشرهم يوم القيامة لأن المحشر يكون بالشام.

# وعن عكرمة من شك أن المحشر ههنا يعني الشام فليقرأ هذه الآية، وكأنه
~~أخذ ذلك من أن المعنى لأول حشرهم / إلى الشام فيكون لهم آخر حشر إليه
~~أيضا ليتم التقابل، وهو يوم القيامة من القبور، ولا يخفى أنه ضعيف
~~الدلالة؛ وفي «البحر» عن عكرمة والزهري أنهما قالا: المعنى الأول موضع
~~الحشر وهو الشام، وفي الحديث

# " أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم: «اخرجوا قالوا: إلى أين؟ قال: إلى
~~أرض المحشر» "

# ولا يخفى ضعف هذا المعنى أيضا، وقيل: آخر حشرهم أن نارا تخرج قبل
~~الساعة فتحشرهم كسائر الناس من المشرق إلى المغرب، وعن الحسن أنه أريد
~~حشر القيامة أي هذا أوله والقيام من القبور آخره، وهو كما ترى، وقيل:
~~المعنى أخرجهم من ديارهم لأول جمع حشره النبي صلى الله عليه وسلم أو ms10503
~~حشره الله عز وجل لقتالهم لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن قبل قصد
~~قتالهم، وفيه من المناسبة لوصف العزة ما لا يخفى، ولذا قيل: إنه الظاهر؛
~~وتعقب بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن جمع المسلمين لقتالهم في هذه
~~المرة أيضا ولذا ركب عليه الصلاة والسلام حمارا مخطوما بليف لعدم
~~المبالاة بهم وفيه نظر، وقيل: لأول جمعهم للمقاتلة مع المسلمين لأنهم لم
~~يجتمعوا لها قبل، والحشر إخراج جمع سواء كان من الناس لحرب أو لا، نعم
~~يشترط فيه كون المحشور جمعا من ذوي الأرواح لا غير، ومشروعية الإجلاء
~~كانت في ابتداء الإسلام، وأما الآن فقد نسخت، ولا يجوز إلا القتل أو
~~السبي أو ضرب الجزية.

# { ما ظننتم } أيها المسلمون { أن يخرجوا } لشدة بأسهم
~~ومنعتهم ووثاقة حصونهم وكثرة عددهم وعدتهم. { وظنوا أنهم
~~مانعتهم حصونهم من الله } أي ظنوا أن حصونهم مانعتهم أو
~~تمنعهم من بأس الله تعالى  فحصونهم  مبتدأ و { مانعتهم } خبر مقدم،
~~والجملة خبر { أن } وكان الظاهر لمقابلة { ما ظننتم أن يخرجوا
~~} وظنوا أن لا يخرجوا، والعدول إلى ما في النظم الجليل للإشعار بتفاوت
~~الظنين، وأن ظنهم قارب اليقين فناسب أن يؤتى بما يدل على فرط وثوقهم بما
~~هم فيه فجىء  بمانعتهم وحصونهم  مقدما فيه الخبر على المبتدأ؛ ومدار
~~الدلالة التقديم لما فيه من الاختصاص فكأنه لا حصن أمنع من حصونهم، وبما
~~يدل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالي معهما بأحد يتعرض
~~لهم أو يطمع في معازتهم، فجىء بضمير  هم  وصير اسما  لأن  وأخبر عنه
~~بالجملة لما في ذلك من التقوي على ما في «الكشف» و«شرح الطيبي»، وفي
~~كون ذلك من باب التقوي بحث، ومنع بعضهم جواز الإعراب السابق بناءا على
~~أن تقديم الخبر المشتق على المبتدأ المحتمل للفاعلية لا يجوز كتقديم
~~الخبر إذا كان فعلا، وصحح الجواز في المشتق دون الفعل، نعم اختار صاحب
~~«الفرائد» أن يكون { حصونهم } فاعلا  لمانعتهم  لاعتماده على
~~المبتدأ وجوز كون { مانعتهم } مبتدأ خبره { حصونهم }.

# وتعقب بأن فيه الإخبار ms10504 عن النكرة بالمعرفة إن كانت إضافة مانعة لفظية،
~~وعدم كون المعنى على ذلك إن كانت معنوية بأن قصد استمرار المنع فتأمل.
~~وكانت حصونهم على ما قيل: أربعة الكتيبة والوطيح والسلالم والنطاة، وزاد
~~بعضهم الوخدة وبعضهم شقا، والذي في «القاموس» أنه موضع بخيبر أو واد به.

# { فأتهم الله } أي أمره سبحانه، وقدره عز وجل المتاح لهم {
~~من حيث لم يحتسبوا } ولم يخطر ببالهم؛ وهو على ما روي عن
~~السدي وأبي صالح وابن جريج / قتل رئيسهم كعب بن الأشرف فإنه مما أضعف
~~قوتهم وفل شوكتهم وسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة، وقيل: ضمير {
~~أتهم } و { لم يحتسبوا } للمؤمنين أي فأتاهم نصر الله من
~~حيث لم يحتسبوا، وفيه تفكيك الضمائر. وقرىء (فآتاهم الله)، وهو حينئذ
~~متعد لمفعولين، ثانيهما محذوف أي فآتاهم الله العذاب أو النصر {
~~وقذف فى قلوبهم الرعب } أي الخوف الشديد من رعبت الحوض إذا
~~ملأته لأنه يتصور فيه أنه ملأ القلب، وأصل القذف الرمي بقوة أو من بعيد،
~~والمراد به هنا للعرف إثبات ذلك وركزه في قلوبهم.

# { يخربون بيوتهم بأيديهم } ليسدوا بما نقضوا منها من
~~الخشب والحجارة أفواه الأزقة، ولئلا تبقى صالحة لسكنى المسلمين بعد
~~جلائهم ولينقلوا بعض آلاتها المرغوب فيها مما يقبل النقل كالخشب والعمد
~~والأبواب { وأيدى المؤمنين } حيث كانوا يخربونها من خارج
~~ليدخلوها عليهم وليزيلوا تحصنهم بها وليتسع مجال القتال ولتزداد نكايتهم،
~~ولما كان تخريب أيدي المؤمنين بسبب أمر أولئك اليهود كان التخريب بأيدي
~~المؤمنين كأنه صادر عنهم، وبهذا الاعتبار عطفت { أيدى المؤمنين
~~} على  أيديهم  وجعلت آلة لتخريبهم مع أن الآلة هي أيديهم أنفسهم 
~~فيخربون  على هذا إما من الجمع بين الحقيقة والمجاز أو من عموم المجاز،
~~والجملة إما في محل نصب على الحالية من ضمير { قلوبهم } أو لا محل
~~لها من الإعراب، وهي إما مستأنفة جواب عن سؤال تقديره فما حالهم بعد
~~الرعب؟ أو معه أو تفسير للرعب بادعاء الاتحاد لأن ما فعلوه يدل على رعبهم
~~إذ لولاه ما خربوها.

# وقرأ قتادة والجحدري ومجاهد وأبو حيوة وعيسى وأبو عمرو { يخربون ms10505 }
~~بالتشديد وهو للتكثير في الفعل أو في المفعول، وجوز أن يكون في الفاعل،
~~وقال أبو عمرو بن العلاء: خرب بمعنى هدم وأفسد، وأخرب ترك الموضع خرابا
~~وذهب عنه، فالإخراب يكون أثر التخريب، وقيل: هما بمعنى عدى خرب اللازم
~~بالتضعيف تارة وبالهمزة أخرى.

# { فاعتبروا يأولى الأبصر } فاتعظوا بما جرى عليهم من
~~الأمور الهائلة على وجه لا تكاد تهتدي إليه الأفكار، واتقوا مباشرة ما
~~أداهم إليه من الكفر والمعاصي، واعبروا من حالهم في غدرهم واعتمادهم على
~~غير الله تعالى  الصائرة سببا لتخريب بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم
~~ومفارقة أوطانهم مكرهين  إلى حال أنفسكم فلا تعولوا على تعاضد الأسباب
~~وتعتمدوا على غيره عز وجل بل توكلوا عليه سبحانه.

# واشتهر الاستدلال بالآية على مشروعية العمل بالقياس الشرعي، قالوا:
~~((إنه تعالى أمر فيها بالاعتبار وهو العبور والانتقال من الشيء إلى غيره،
~~وذلك متحقق في القياس إذ فيه نقل الحكم من الأصل إلى الفرع، ولذا قال ابن
~~عباس في الأسنان: اعتبر حكمها بالأصابع في أن ديتها متساوية، والأصل في
~~الإطلاق الحقيقة وإذ ثبت الأمر  وهو ظاهر في الطلب الغير الخارج عن
~~اقتضاء الوجوب أو الندب  ثبتت مشروعية العمل بالقياس.

# واعترض بعد تسليم ظهور الأمر في الطلب بأنا لا نسلم أن الاعتبار ما ذكر
~~بل هو عبارة عن الاتعاظ لأنه المتبادر حيث أطلق، ويقتضيه في الآية ترتيبه
~~بالفاء على ما قبله كما في قوله تعالى:

# إن فى ذلك لعبرة لأولى الأبصر

# [آل عمران: 13]

# وإن لكم فى الأنعم لعبرة

# [النحل: 66] ولأن القائس في الفرع إذا أقدم على المعاصي ولم يتفكر في
~~أمر آخرته يقال: إنه غير معتبر، ولو كان القياس هو الاعتبار لم يصح هذا
~~السلب، سلمنا لكن ليس في الآية صيغة عموم تقتضي العمل بكل قياس بل هي
~~مطلقة  فيكفي في العمل بها العمل بالقياس العقلي  سلمنا لكن العام مخصص
~~بالاتفاق إذ قلتم: إنه إذا قال لوكيله: أعتق غانما لسواده لا يجوز تعدية
~~ذلك إلى سالم، وإن كان أسود، / وهو بعد التخصيص لا يبقى حجة فيما عدا محل ms10506
~~التخصيص سلمنا غير أن الخطاب مع الموجودين وقته فيختص بهم.

# وأجيب بأنه لو كان الاعتبار بمعنى الاتعاظ حيث أطلق لما حسن قولهم:
~~اعتبر فاتعظ لما يلزم فيه حينئذ من ترتب الشيء على نفسه، وترتيبه في
~~الآية على ما قبله لا يمنع كونه بمعنى الانتقال المذكور لأنه متحقق في
~~الاتعاظ إذ المتعظ بغيره منتقل من العلم بحال ذلك الغير إلى العلم بحال
~~نفسه فكان مأمورا به من جهة ما فيه من الانتقال  وهو القياس والآيتان
~~على ذلك  ولا يصح غير معتبر في القائس العاصي نظرا إلى كونه قائسا،
~~وإنما صح ذلك نظرا إلى أمر الآخرة، وأطلق النفي نظرا إلى أنه أعظم
~~المقاصد وقد أخل به، والآية إن دلت على العموم فذاك وإن دلت على الإطلاق
~~وجب الحمل على القياس الشرعي لأن الغالب من الشارع مخاطبتنا بالأمور
~~الشرعية دون غيرها، وقد برهن على أن العام بعد التخصيص حجة، وشمول حكم
~~خطاب الموجودين لغيرهم إلى يوم القيامة قد انعقد الإجماع عليه، ولا يضر
~~الخلاف في شمول اللفظ وعدمه على أنه إن عم أو لم يعم هو حجة على الخصوم
~~في بعض محل النزاع، ويلزم من ذلك الحكم في الباقي ضرورة أنه لا يقول
~~بالفرق)).

# هذا وقال الخفاجي في وجه الاستدلال: قالوا: إنا أمرنا في هذه الآية
~~بالاعتبار وهو رد الشيء إلى نظيره بأن يحكم عليه بحكمه، وهذا يشمل
~~الاتعاظ والقياس العقلي والشرعي، وسوق الآية للاتعاظ فتدل عليه عبارة
~~وعلى القياس إشارة. وتمام الكلام على ذلك في الكتب الأصولية.

### || [59.3]

# { ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء } أي الإخراج أو
~~الخروج عن أوطانهم على ذلك الوجه الفظيع { لعذبهم فى الدنيا
~~} بالقتل كأهل بدر وغيرهم أو كما فعل سبحانه ببني قريظة في سنة خمس إذ
~~الحكمة تقتضيه لو لم يكتب الجلاء عليهم. وجاء أجليت القوم عن منازلهم أي
~~أخرجتهم عنها وأبرزتهم، وجلوا عنها خرجوا وبرزوا، ويقال أيضا: جلاهم؛
~~وفرق بعضهم بين الجلاء والإخراج بأن الجلاء ما كان مع الأهل والولد،
~~والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل ms10507 والولد. وقال الماوردي: الجلاء لا يكون
~~إلا لجماعة، والإخراج قد يكون لواحد ولجماعة. ويقال فيه: الجلأ مهموزا
~~من غير ألف كالنبأ، وبذلك قرأ الحسن بن صالح وأخوه علي بن صالح وطلحة.
~~و(أن) مصدرية لا مخففة واسمها ضمير شأن كما توهمه عبارة «الكشاف»، وقد
~~صرح بذلك الرضي.

# وقوله تعالى: { ولهم فى الأخرة عذاب النار } استئناف غير
~~متعلق بجواب { لولا } أي إنهم إن نجوا من عذاب الدنيا وهو القتل لأمر
~~أشق عليهم وهو الجلاء لم ينجوا من عذاب الآخرة؛ فليس تمتعهم أياما قلائل
~~بالحياة وتهوين أمر الجلاء على أنفسهم بنافع، وفيه إشارة إلى أن القتل
~~أشد من الجلاء لا لذاته بل لأنهم يصلون عنده إلى عذاب النار، وإنما أوثر
~~الجلاء لأنه أشق عندهم وأنهم غير معتقدين لما أمامهم من عذاب النار أو
~~معتقدون ولكن لا يبالون به بالة، ولم تجعل حالية لاحتياجها للتأويل لعدم
~~المقارنة.

### || [59.4]

# { ذلك } أي ما نزل بهم وما سينزل { بأنهم } بسبب أنهم {
~~شاقوا الله ورسوله } وفعلوا ما فعلوا من القبائح { ومن
~~يشاق الله } وقرأ طلحة (يشاقق) بالفك كما في الأنفال، والاقتصار
~~على ذكر مشاقته عز وجل لتضمنها مشاقته عليه الصلاة والسلام، وفيه من
~~تهويل أمرها ما فيه، وليوافق قوله تعالى: { فإن الله شديد
~~العقاب } / وهذه الجملة إما نفس الجزاء، وقد حذف منه العائد إلى من
~~عند من يلتزمه أي شديد العقاب له أو تعليل للجزاء المحذوف أي يعاقبه الله
~~فإن الله شديد العقاب، وأيا ما كان فالشرطية تكملة لما قبلها وتقرير
~~لمضمونه وتحقيق للسببية بالطريق البرهاني كأنه قيل: ذلك الذي نزل وسينزل
~~بهم من العقاب بسبب مشاقتهم لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكل من
~~يشاق الله تعالى كائنا من كان فله بسبب ذلك عقاب شديد فإذا لهم عقاب
~~شديد.

### || [59.5]

# { ما قطعتم من لينة } هي النخلة مطلقا على ما قال الحسن
~~ومجاهد وابن زيد وعمرو بن ميمون والراغب. وهي فعلة من اللون وياؤها
~~مقلوبة من واو لكسر ما قبلها كديمة، وتجمع على ألوان، وقال ابن عباس ms10508
~~وجماعة من أهل اللغة: هي النخلة ما لم تكن عجوة، وقال أبو عبيدة وسفيان:
~~ما تمرها لون وهو نوع من التمر، قال سفيان: شديد الصفرة يشف عن نواه فيرى
~~من خارج، وقال أبو عبيدة أيضا: هي ألوان النخل المختلطة التي ليس فيها
~~عجوة ولا برني، وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: هي العجوة، وقال
~~الأصمعي: هي الدقل، وقيل: هي النخلة القصيرة، وقال الثوري: الكريمة من
~~النخل كأنهم اشتقوها من اللين فتجمع على لين، وجاء جمعها ليانا كما في
~~قول أمرىء القيس:

# وسالفة كسحوق الليا

# ن أضرم فيه القوي السعر

# وقيل: هي أغصان الأشجار للينها، وهو قول شاذ، وأنشدوا على كونها بمعنى
~~النخلة سواء كانت من اللون أو من اللين قول ذي الرمة:

# كأن قتودي فوقها عش طائر

# على لينة سوقاء تهفو جنوبها

# ويمكن أن يقال: أراد باللينة النخلة الكريمة لأنه يصف الناقة بالعراقة
~~في الكرم فينبغي أن يرمز في المشبه به إلى ذلك المعنى. و { ما } شرطية
~~منصوبة  بقطعتم  و { من لينة } بيان لها، ولذا أنث الضمير في قوله
~~تعالى: { أو تركتموها قائمة على أصولها } أي
~~أبقيتموها كما كانت ولم تتعرضوا لها بشيء ما، وجواب الشرط قوله سبحانه:
~~{ فبإذن الله } أي فذلك أي قطعها أو تركها بأمر الله تعالى
~~الواصل إليكم بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم أو بإرادته سبحانه ومشيئته
~~عز وجل.

# وقرأ عبد الله والأعمش وزيد بن علي  قوما  على وزن فعل كضرب جمع
~~قائم، وقرىء  قائما  اسم فاعل مذكر على لفظ ما، وأبقى أصولها على
~~التأنيث، وقرىء  أصلها  بضمتين، وأصله أصولها فحذفت الواو اكتفاءا
~~بالضمة أو هو كرهن بضمتين من غير حذف وتخفيف.

# { وليخزى الفسقين } متعلق بمقدر على أنه علة له وذلك
~~المقدر عطف على مقدر آخر أي ليعز المؤمنين وليخزي الفاسقين أي ليذلهم أذن
~~عز وجل في القطع والترك، وجوز فيه أن يكون معطوفا على قوله تعالى: {
~~بإذن الله } وتعطف العلة على السبب فلا حاجة إلى التقدير فيه.
~~والمراد  بالفاسقين  أولئك الذين كفروا من أهل ms10509 الكتاب. ووضع الظاهر
~~موضع المضمر إشعارا بعلة الحكم، واعتبار القطع والترك في المعلل هو
~~الظاهر وإخزاؤهم بقطع اللينة لحسرتهم على ذهابها بأيدي أعدائهم المسلمين
~~وبتركها لحسرتهم على بقائها في أيدي أولئك الأعداء كذا في «الانتصاف».

# قال بعضهم: وهاتان الحسرتان تتحققان كيفما كانت، المقطوعة والمتروكة لأن
~~النخل مطلقا مما يعز على أصحابه فلا تكاد تسمح أنفسهم بتصرف أعدائهم فيه
~~حسبما شاؤوا، وعزته على صاحبه الغارس له أعظم من عزته / على صاحبه غير
~~الغارس له، وقد سمعت بعض الغارسين يقول: السعفة عندي كأصبع من أصابع يدي،
~~وتحقق الحسرة على الذهاب إن كانت المقطوعة النخلة الكريمة أظهر، وكذا
~~تحققها على البقاء في أيدي أعدائهم المسلمين إن كانت هي المتروكة، والذي
~~تدل عليه بعض الآثار أن بعض الصحابة كان يقطع الكريمة وبعضهم يقطع غيرها
~~وأقرهما النبي صلى الله عليه وسلم لما أفصح الأول بأن غرضه إغاظة
~~الكفار، والثاني بأنه استبقاء الكريمة للمسلمين، وكان ذلك أول نزول
~~المسلمين على أولئك الكفرة ومحاصرتهم لهم، فقد روي أنه عليه الصلاة
~~والسلام أمر في صدر الحرب بقطع نخيلهم فقالوا: يا محمد قد كنت تنهى عن
~~الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها؟! فنزلت الآية { ما
~~قطعتم من لينة } الخ، ولم يتعرض فيها للتحريق لأنه في معنى
~~القطع فاكتفى به عنه، وأما التعرض للترك مع أنه ليس بفساد عندهم أيضا
~~فلتقرير عدم كون القطع فسادا لنظمه في سلك ما ليس بفساد إيذنا
~~بتساويهما في ذلك.

# واستدل بالآية على جواز هدم ديار الكفرة وقطع أشجارهم وإحراق زروعهم
~~زيادة لغيظهم، وحاصل ما ذكره الفقهاء في المسألة أنه إن علم بقاء ذلك في
~~أيدي الكفرة فالتخريب والتحريق أولى، وإلا فالإبقاء أولى ما لم يتضمن ذلك
~~مصلحة.

### || [59.6]

# وقوله تعالى: { وما أفاء الله على رسوله منهم } شروع
~~في بيان حال ما أخذ من أموالهم بعد بيان ما حل بأنفسهم من العذاب العاجل
~~والآجل وما فعل بديارهم ونخيلهم من التخريب والقطع أي ما أعاده الله
~~تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من ms10510 أولئك الكفرة  وهم بنو النضير 
~~و { ما } موصولة مبتدأ، والجملة بعدها صلة، والعائد محذوف كما أشرنا
~~إليه، والجملة المقترنة بالفاء بعد خبر، ويجوز كونها شرطية، والجملة بعد
~~جواب. والمراد بما أفاء سبحانه عليه صلى الله عليه وسلم منهم أموالهم
~~التي بقيت بعد جلائهم، والمراد بإعادتها عليه عليه الصلاة والسلام
~~تحويلها إليه، وهو إن لم يقتض سبق حصولها له صلى الله عليه وسلم - نظير
~~ما قيل في قوله تعالى:

# أو لتعودن فى ملتنا

# [الأعراف: 88] - ظاهر وإن اقتضى سبق الحصول كان فيما ذكر مجازا، وفيه
~~إشعار بأنها كانت حرية بأن تكون له صلى الله عليه وسلم وإنما وقعت في
~~أيديهم بغير حق فأرجعها الله تعالى إلى مستحقها، وكذا شأن جميع أموال
~~الكفرة التي تكون فيئا للمؤمنين لأن الله عز وجل خلق الناس لعبادته وخلق
~~ما خلق من الأموال ليتوسلوا به إلى طاعته فهو جدير بأن يكون للمطيعين،
~~ولذا قيل للغنيمة التي لا تلحق فيها مشقة: فيء مع أنه من فاء الظل إذا
~~رجع، ونقل الراغب عن بعضهم أنه سمي بذلك تشبيها بالفيء الذي هو الظل
~~تنبيها على أن أشرف أعراض الدنيا يجري مجرى ظل زائل. و { أفاء } على
~~ما في «البحر» بمعنى المضارع أما إذا كانت { ما } شرطية فظاهر، وأما إذا
~~كانت موصولة فلأنها إذا كانت الفاء في خبرها تكون مشبهة باسم الشرط، فإن
~~كانت الآية نازلة قبل جلائهم كانت مخبرة بغيب، وإن كانت نزلت بعد جلائهم
~~وحصول أموالهم في يد الرسول صلى الله عليه وسلم كانت بيانا لما يستقبل،
~~وحكم الماضي حكمه، والذي يدل عليه الأخبار أنها نزلت بعد. روي أن بني
~~النضير لما أجلوا عن أوطانهم وتركوا رباعهم وأموالهم طلب المسلمون
~~تخميسها كغنائم بدر فنزل { ما أفاء الله على رسوله
~~منهم }.

# { فما أوجفتم عليه } الخ فكانت لرسول الله صلى الله عليه
~~وسلم خاصة، فقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم
~~عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: «كانت أموال بني النضير مما
~~أفاء الله تعالى على ms10511 رسوله صلى الله عليه وسلم مما لم يوجف المسلمون عليه
~~بخيل ولا ركاب وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة فكان ينفق على
~~أهله منها نفقة سنة ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله
~~تعالى».

# / وقال الضحاك: كانت له صلى الله عليه وسلم خاصة فآثر بها المهاجرين
~~وقسمها عليهم ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا أبا دجانة سماك بن خرشة
~~وسهل بن حنيف والحرث بن الصمة أعطاهم لفقرهم، وذكر نحوه ابن هشام إلا أنه
~~ذكر الأولين ولم يذكر الحرث، وكذا لم يذكره ابن سيد الناس، وذكر أنه أعطى
~~سعد بن معاذ سيفا لابن أبي الحقيق كان له ذكر عندهم، ومعنى { ما
~~أوجفتم عليه } ما أجريتم على تحصيله من الوجيف وهو سرعة السير،
~~وأنشد عليه أبو حيان قول نصيب:

# ألا رب ركب قد قطعت وجيفهم

# إليك ولولا أنت لم توجف الركب

# وقال ابن هشام: { أوجفتم } حركتم وأتعبتم في السير، وأنشد قول
~~تميم بن مقبل:

# مذ أويد بالبيض الحديث صقالها

# عن الركب أحيانا إذا الركب أوجفوا

# والمآل واحد.

# و { من } في قوله تعالى: { من خيل } زائدة في المفعول للتنصيص
~~على الاستغراق كأنه قيل: فما أوجفتم عليه فردا من أفراد الخيل أصلا {
~~ولا ركاب } ولا ما يركب من الإبل، غلب فيه كما غلب الراكب على راكبه
~~فلا يقال في الأكثر الفصيح: راكب لمن كان على فرس أو حمار ونحوه بل يقال:
~~فارس ونحوه، وإن كان ذلك عاما لغيره وضعا، وإنما لم يعملوا الخيل ولا
~~الركاب بل مشوا إلى حصون بن النضير رجالا إلا رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فإنه كان على حمار أو على جمل  كما تقدم  لأنها قريبة على نحو
~~ميلين من المدينة فهي قريبة جدا منها، وكأن المراد أن ما حصل لم يحصل
~~بمشقة عليكم وقتال يعتد به منكم، ولهذا لم يعط صلى الله عليه وسلم
~~الأنصار إلا من سمعت، وأما إعطاؤه المهاجرين فلعله لكونهم غرباء فنزلت
~~غربتهم منزلة السفر والجهاد، ولما أشير إلى نفي ms10512 كون حصول ذلك بعملهم أشير
~~إلى علة حصوله بقوله عز وجل: { ولكن الله يسلط رسله
~~على من يشاء } أي ولكن سنته عز وجل جارية على أن يسلط رسله على من
~~يشاء من أعدائهم تسليطا خاصا، وقد سلط رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم
~~على هؤلاء تسليطا غير معتاد من غير أن تقتحموا مضايق الخطوب وتقاسوا
~~شدائد الحروب فلا حق لكم في أموالهم، ويكون أمرها مفوضا إليه صلى الله
~~عليه وسلم.

# { والله على كل شيء قدير } فيفعل ما يشاء كما يشاء تارة
~~على الوجوه المعهودة، وأخرى على غيرها. وقيل: الآية في فدك لأن بني
~~النضير حوصروا وقوتلوا دون أهل فدك وهو خلاف ما صحت به الأخبار، والواقع
~~من القتال شيء لا يعتد به.

### || [59.7]

# { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى
~~فلله وللرسول ولذى القربى واليتمى
~~والمسكين وابن السبيل } بيان لحكم ما أفاءه الله تعالى
~~على رسوله صلى الله عليه وسلم من قرى الكفار على العموم بعد بيان حكم ما
~~أفاءه من بني النضير كما رواه القاضي أبو يوسف في كتاب «الخراج» عن محمد
~~بن إسحق الزهري عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ويشعر به كلامه
~~رضي الله تعالى عنه في حديث طويل - فيه مرافعة علي كرم الله تعالى وجهه
~~والعباس في أمر فدك - أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
~~وغيرهم، فالجملة جواب سؤال مقدر ناشىء مما فهم من الكلام السابق فكأن
~~قائلا يقول: قد علمنا حكم ما أفاء الله تعالى من بني النضير فما حكم ما
~~أفاء عز وجل من غيرهم؟ فقيل: { ما أفاء الله على رسوله
~~من أهل القرى } الخ، ولذا لم يعطف على ما تقدم، ولم يذكر في
~~الآية قيد الإيجاف ولا عدمه. والذي يفهم من كتب بعض الشافعية أن ما
~~تضمنته حكم / الفيء لا الغنيمة ولا الأعم، وفرقوا بينهما قالوا: ((الفيء
~~مال حصل من الكفار بلا قتال وإيجاف خيل وركاب كجزية وعشر تجارة، وما
~~صولحوا عليه من غير نحو قتال وما جلوا عنه ms10513 خوفا قبل تقابل الجيشين أما
~~بعده فغنيمة، ومال مرتد قتل أو مات على ردته، وذمي أو معاهد أو مستأمن
~~مات بلا وارث مستغرق، والغنيمة مال حصل من كفار أصليين حربيين بقتال -
~~وفي حكمه تقابل الجيشين - أو إيجاف منا لا من ذميين فإنه لهم ولا يخمس))
~~وحكمها مشهور.

# وصرح غير واحد من أصحابنا بالفرق أيضا نقلا عن «المغرب» وغيره فقالوا:
~~الغنيمة ما نيل من الكفار عنوة والحرب قائمة وحكمها أن تخمس، وباقيها
~~للغانمين خاصة، والفيء ما نيل منهم بعد وضع الحرب أوزارها وصيرورة الدار
~~دار إسلام، وحكمه أن يكون لكافة المسلمين ولا يخمس أي يصرف جميعه
~~لمصالحهم؛ ونقل هذا الحكم ابن حجر عمن عدا الشافعي رضي الله تعالى
~~عنه من الأئمة الثلاثة، والتخميس عنه استدلالا بالقياس على الغنيمة
~~المخمسة بالنص بجامع أن كلا راجع إلينا من الكفار، واختلاف السبب
~~بالقتال وعدمه لا يؤثر، والذي نطقت به الأخبار الصحيحة أن عمر رضي الله
~~تعالى عنه صنع في سواد العراق ما تضمنته الآية، واعتبرها عامة للمسلمين
~~محتجا بها على الزبير وبلال وسلمان الفارسي وغيرهم حيث طلبوا منه قسمته
~~على الغانمين بعقاره وعلوجه، ووافقه على ما أراد علي وعثمان وطلحة
~~والأكثرون بل المخالفون أيضا بعد أن قال خاطبا: اللهم اكفني بلالا
~~وأصحابه مع أن المشهور في كتب المغازي أن السواد فتح عنوة، وهو يقتضي
~~كونه غنيمة فيقسم بين الغانمين، ولذا قال بعض الشافعية: إن عمر رضي الله
~~تعالى عنه استطاب قلوب الغانمين حتى تركوا حقهم فاسترد السواد على أهله
~~بخراج يؤدونه في كل سنة فليراجع وليحقق.

# وما جعله الله تعالى من ذلك لمن تضمنه قوله تعالى: { فلله
~~وللرسول } إلى { ابن السبيل } هو خمس الفيء على ما نص عليه
~~بعض الشافعية، ويقسم هذا الخمس خمسة أسهم، لمن ذكر الله عز وجل وسهمه
~~سبحانه وسهم رسوله واحد، وذكره تعالى  كما روي عن ابن عباس والحسن بن
~~محمد بن الحنفية  افتتاح كلام للتيمن والتبرك فإن لله ما في السماوات
~~وما في الأرض، وفيه تعظيم لشأن الرسول عليه ms10514 الصلاة والسلام. وقال أبو
~~العالية: سهم الله تعالى ثابت يصرف إلى بناء بيته وهو الكعبة المشرفة إن
~~كانت قريبة وإلا فإلى مسجد كل بلدة ثبت فيها الخمس، ويلزمه أن السهام
~~كانت ستة وهو خلاف المعروف عن السلف في تفسير ذلك.

# وسهم الرسول صلى الله عليه وسلم قد كان له في حياته بالإجماع  وهو خمس
~~الخمس  وكان ينفق منه على نفسه وعياله ويدخر منه مؤنة سنة أي لبعض
~~زوجاته - ويصرف الباقي في مصالح المسلمين، وسقط عندنا بعد وفاته عليه
~~الصلاة والسلام قالوا: لأن عمل الخلفاء الراشدين على ذلك  وهم أمناء
~~الله تعالى على دينه  ولأن الحكم معلق بوصف مشتق  وهو الرسول  فيكون
~~مبدأ الاشتقاق  وهو الرسالة  علة ولم توجد في أحد بعده، وهذا كما سقط
~~الصفي. ونقل عن الشافعي أنه يصرف للخليفة بعده لأنه عليه الصلاة والسلام
~~كان يستحقه لإمامته دون رسالته ليكون ذلك أبعد عن توهم الأجر على
~~الإبلاغ. والأكثرون من الشافعية أن ما كان له صلى الله عليه وسلم من خمس
~~الخمس يصرف لمصالح المسلمين كالثغور، وقضاة البلاد والعلماء المشتغلين
~~بعلوم الشرع وآلاتها ولو مبتدئين، والأئمة والمؤذنين ولو أغنياء، وسائر
~~من يشتغل عن نحو كسبه بمصالح المسلمين لعموم نفعهم، وألحق بهم العاجزون
~~عن الكسب والعطاء إلى رأي الإمام معتبرا سعة المال وضيقه، ويقدم الأهم
~~فالأهم وجوبا، / وأهمها سد الثغور، ورد سهمه صلى الله عليه وسلم بعد
~~وفاته للمسلمين الدال عليه قوله عليه الصلاة والسلام في الخبر الصحيح:

# " مالي مما أفاء الله تعالى عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم "

# صادق بصرفه لمصالح المسلمين كما أنه صادق بضمه إلى السهام الباقية فيقسم
~~معها على سائر الأصناف، ولا يسلم ظهوره في هذا دون ذاك.

# وسهم لذي القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل فهذه
~~خمسة أسهم الخمس. والمراد بذي القربى قرابته صلى الله عليه وسلم،
~~والمراد بهم بنو هاشم وبنو المطلب لأنه صلى الله عليه وسلم وضع السهم
~~فيهم دون بني أخيهما شقيقهما عبد شمس، ومن ذريته عثمان وأخيهما لأبيهما
~~نوفل ms10515 مجيبا عن ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:

# " نحن وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه "

# رواه البخاري أي لم يفارقوا بني هاشم في نصرته صلى الله عليه وسلم
~~جاهلية ولا إسلاما، وكأنه لمزيد تعصبهم وتواقفهم  حتى كأنهم على قلب
~~رجل واحد  قيل: لذي القربى دون لذوي بالجمع.

# قال الشافعية: يشترك في هذا السهم الغني والفقير لإطلاق الآية ولإعطائه
~~صلى الله عليه وسلم العباس وكان غنيا، بل قيل: كان له عشرون عبدا
~~يتجرون له، والنساء لأن فاطمة وصفية عمة أبيها رضي الله تعالى عنهما كانا
~~يأخذان منه، ويفضل الذكر كالإرث بجامع أنه استحقاق بقرابة الأب فله مثل
~~حظي الأنثى، ويستوي فيه العالم والصغير وضدهما، ولو أعرضوا عنه لم يسقط
~~كالإرث، ويثبت كون الرجل هاشميا أو مطلبيا بالبينة، وذكر جمع أنه لا بد
~~معها من الاستفاضة، وبقول الشافعي قال أحمد، وعند مالك الأمر مفوض إلى
~~الإمام إن شاء قسم بينهم وإن شاء أعطى بعضهم دون بعض وإن شاء أعطى غيرهم
~~إن كان أمره أهم من أمرهم.

# وقال المزني والثوري: يستوي الذكر والأنثى ويدفع للقاصي والداني ممن له
~~قرابة، والغني والفقير سواء لإطلاق النص، ولأن الحكم المعلق بوصف مشتق
~~معلل بمبدأ الاشتقاق، وعندنا ذو القربى مخصوص ببني هاشم وبني المطلب
~~للحديث إلا أنهم ليس لهم سهم مستقل ولا يعطون مطلقا، وإنما يعطى مسكينهم
~~ويتيمهم وابن سبيلهم لاندراجه في اليتامى والمساكين وابن السبيل لكن
~~يقدمون على غيرهم من هذه الأصناف لأن الخلفاء الثلاثة لم يخرجوا لهم
~~سهما مخصوصا، وإنما قسموا الخمس ثلاثة أسهم: سهم لليتامى وسهم للمساكين
~~وسهم لابن السبيل، وعلي كرم الله تعالى وجهه في خلافته لم يخالفهم في ذلك
~~مع مخالفته لهم في مسائل، ويحمل على الرجوع إلى رأيهم إن صح عنه أنه كان
~~يقول: سهم ذوي القربى على ما حكي عن الشافعي، وفائدة ذكرهم على القول
~~بأن استحقاقهم لوصف آخر غير القرابة كالفقر دفع توهم أن الفقير منهم
~~مثلا لا يستحق شيئا لأنه من قبيل الصدقة ولا تحل لهم، ومن ms10516 تتبع الأخبار
~~وجد فيها اختلافا كثيرا؛ ومنها ما يدل على أن الخلفاء كانوا يسهمونهم
~~مطلقا، وهو رأي علماء أهل البيت. واختار بعض أصحابنا أن المذكور في
~~الآية مصارف الخمس على معنى أن كلا يجوز أن يصرف له لا المستحقين فيجوز
~~الاقتصار عندنا على صنف واحد كأن يعطى تمام الخمس لابن السبيل وحده
~~مثلا. والكلام مستوفى في «شروح الهداية».

# والمراد باليتامى الفقراء منهم، قال الشافعية: اليتيم هو صغير لا أب له
~~وإن كان له جد، ويشترط إسلامه وفقره أو مسكنته، على المشهور أن لفظ اليتم
~~يشعر بالحاجة.

# وفائدة ذكرهم مع شمول المساكين لهم عدم حرمانهم - لتوهم أنهم لا يصلحون
~~للجهاد - وإفرادهم بخمس كامل، ويدخل فيهم ولد الزنا، والمنفي لا اللقيط
~~على الأوجه لأنا لم نتحقق فقد أبيه، على أنه غني بنفقته في بيت المال،
~~ولا بد في ثبوت اليتيم / والإسلام والفقر هنا من البينة، ويكفي في
~~المسكين وابن السبيل قولهما ولو بلا يمين، وإن اتهما، نعم يظهر في مدعي
~~تلف مال له عرف أو عيال أنه يكلف بينة انتهى. واشتراط الفقر في اليتيم
~~مصرح به عندنا في أكثر الكتب وليراجع الباقي.

# هذا والأربعة الأخماس الباقية مصرفها على ما قال صاحب «الكشف»  وهو
~~شافعي  بعد أن اختار جعل { للفقراء } بدلا من { ذي القربى }
~~وما عطف عليه من تضمنه قوله تعالى:

# والذين تبؤوا

# [الحشر: 9] إلى قوله سبحانه:

# والذين جاءوا من بعدهم

# [الحشر: 10] على معنى أن له عليه الصلاة والسلام أن يعم الناس بها حسب
~~اختياره، وقال: إنها للمقاتلين الآن على الأصح، وفي «تحفة ابن حجر» أنها
~~على الأظهر للمرتزقة وقضاتهم وأئمتهم ومؤذنيهم وعمالهم ما لم يوجد متبرع،
~~والمرتزقة الأجناد المرصودون في الديوان للجهاد لحصول النصرة بهم بعده
~~صلى الله عليه وسلم. وصرح في «التحفة» ((بأن الأكثرين على أن هذه الأخماس
~~الأربعة كانت له عليه الصلاة والسلام مع خمس الخمس، فجملة ما كان يأخذه
~~صلى الله عليه وسلم من الفيء أحد وعشرون سهما من خمسة وعشرين، وكان على
~~ما قال الروياني: يصرف العشرين التي ms10517 له عليه الصلاة والسلام يعني الأربعة
~~الأخماس للمصالح وجوبا في قول وندبا في آخر، وقال الغزالي: كان الفيء
~~كله له صلى الله عليه وسلم في حياته، وإنما خمس بعد وفاته. وقال
~~الماوردي: كان له صلى الله عليه وسلم في أول حياته ثم نسخ في آخرها)).

# وقال الزمخشري: ((إن قوله تعالى: { ما أفاء الله } الخ بيان
~~للجملة الأولى يعني قوله تعالى:

# وما أفاء الله على رسوله منهم

# [الحشر: 6] ولذا لم يدخل العاطف عليها بين فيها لرسول الله صلى الله
~~عليه وسلم ما يصنع بما أفاء الله تعالى عليه وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس
~~من الغنائم مقسوما على الأقسام الخمسة))، وظاهره أن الجملة استئناف
~~بياني، والسؤال عن مصارف ما أفاء الله تعالى على رسوله صلى الله عليه
~~وسلم من بني النضير الذي أفادت الجملة الأولى أن أمره مفوض إليه صلى الله
~~عليه وسلم لا يلزم أن يقسم قسمة الغنائم التي قوتل عليها قتالا معتدا
~~به، وأخذت عنوة وقهرا كما طلب الغزاة لتكون أربعة أخماسها لهم وأن ما
~~يوضع موضع الخمس من الغنائم هو الكل لا أن خمسه كذلك والباقي  وهو أربعة
~~أخماسه  لمن تضمنه قوله تعالى:

# والذين تبؤوا

# [الحشر: 9] إلى قوله سبحانه:

# والذين جاؤا من بعدهم

# [الحشر: 10] على ما سمعت سابقا، وأن المراد بأهل القرى هو المراد
~~بالضمير في

# منهم

# [الحشر: 6] أعني بني النضير. وعدل عن الضمير إلى ذلك  على ما في
~~«الإرشاد»  إشعارا بشمول ما في { ما أفاء الله } لعقاراتهم
~~أيضا. واعترض صاحب «الكشف» ما يشعر به الظاهر من أن الآية دالة على أمره
~~صلى الله عليه وسلم بأن يضع الجميع حيث يضع الخمس من الغنائم، ووجه الآية
~~بما أيد به مذهبه، ودقق الكلام في ذلك فليراجع وليتدبر.

# وقال ابن عطية { أهل القرى } المذكورون في الآية هم أهل الصفراء
~~وينبع ووادي القرى وما هنالك من قرى العرب التي تسمى قرى عرينة، وحكمها
~~مخالف لحكم أموال بني النضير فإن تلك كلها له صلى الله عليه وسلم خاصة،
~~وهذه قسمها كغيرها. وقيل: ms10518 المراد بما أفاء الله على رسوله خيبر، وكان
~~نصفها لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ونصفها الآخر للمسلمين فكان
~~الذي لله سبحانه ورسوله عليه الصلاة والسلام من ذلك الكتيبة والوطيح
~~وسلالم ووخدة، وكان الذي للمسلمين الشق، وكان ثلاثة عشر سهما ونطاة
~~وكانت خمسة أسهم، ولم يقسم عليه الصلاة والسلام من خيبر لأحد من المسلمين
~~إلا لمن شهد الحديبية، ولم يأذن صلى الله عليه وسلم لأحد تخلف عنه عند
~~مخرجه إلى الحديبية أن يشهد معه خيبر إلا جابر بن عبد الله / ابن عمرو
~~الأنصاري، وروي هذا عن ابن عباس، وخص بعضهم ما أفاء الله تعالى بالجزية
~~والخراج. وعن الزهري أنه قال: بلغني أنه ذلك، وأنت قد سمعت أن عمر رضي
~~الله تعالى عنه إنما احتج بهذه الآية على إبقاء سواد العراق بأيادي أهله،
~~وضرب الخراج والجزية عليهم ردا على من طلب قسمته على الغزاة بعلوجه لكن
~~ليس ذلك إلا لأن وصول نفع ما أفاء الله تعالى إلى عامة المسلمين كان بما
~~ذكر دون القسمة فافهم.

# وفي إعادة اللام في الرسول وذي القربى مع العاطف ما لا يخفى من
~~الاعتناء. وفيه على ما قيل: تأييد ما لمن يذهب إلى عدم سقوط سهميهما.
~~ووجه إفراد ذي القربى قد ذكرناه غير بعيد - ولما كان أبناء السبيل بمنزلة
~~الأقارب قيل: { وابن السبيل } بالإفراد كما قيل: { ولذى
~~القربى } وعلى ذلك قوله:

# أيا جارتا إنا غريبان ههنا

# وكل غريب للغريب نسيب

# { كى لا يكون } تعليل للتقسيم. وضمير { يكون } لما أفاء الله
~~تعالى أي كي لا يكون الفيء { دولة } هي بالضم، وكذا بالفتح ما يدول أي
~~ما يدور للإنسان من الغناء والجد والغلبة، وقال الكسائي وحذاق البصرة: 
~~الدولة  بالفتح في الملك بالضم، و  الدولة  بالضم في الملك
~~بالكسر، أو بالضم في المال وبالفتح في النصرة قيل: وفي الجاه، وقيل: هي
~~بالضم ما يتداول كالغرفة اسم ما يغترف، وبالفتح مصدر بمعنى التداول،
~~والراغب وعيسى بن عمر وكثير أنهما بمعنى واحد.

# وجمهور القراء قرأوا بضم الدال والنصب، وبالياء التحتية ms10519 في { يكون }
~~على أن اسم { يكون } الضمير، و { دولة } الخبر أي كي لا يكون الفيء
~~جدا { بين الأغنياء منكم } أي بينهم خاصة يتكاثرون به، أو كي
~~لا يكون دولة وغلبة جاهلية بينكم فإن الرؤساء منهم كانوا يستأثرون
~~بالغنيمة ويقولون من عز بز، وقيل: المعنى كي لا يكون شيئا يتداوله
~~الأغنياء خاصة بينهم ويتعاورونه فلا يصيب أحدا من الفقراء.

# وقرأ عبد الله  تكون  بالتاء الفوقية على أن الضمير على (ما) باعتبار
~~المعنى إذ المراد بها الأموال، وقرأ أبو جعفر وهشام كذلك؛ ورفع { دولة }
~~بضم الدال على أن كان تامة، و { دولة } فاعل أي كي لا يقع دولة، وقرأ
~~علي والسلمي كذلك أيضا، ونصب { دولة } بفتح الدال على أن كان ناقصا
~~اسمها ما سمعت، و { دولة } خبرها، ويقدر مضاف على القول بأنها مصدر إن لم
~~يتجوز فيه، ولم يقصد المبالغة أي كي لا تكون ذات تداول بين الأغنياء لا
~~يخرجونها إلى الفقراء.

# وظاهر التعليل بما ذكر اعتبار الفقر فيمن ذكر وعدم اتصافه تعالى به
~~ضروري مع أن ذكره سبحانه كان للتيمن عند الأكثرين لا لأن له عز وجل
~~سهما، وكذا يجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يسمى فقيرا، وما
~~اشتهر من قوله عليه الصلاة والسلام:

# " الفقر فخري "

# لا أصل له، وكيف يتوهم مثله والدنيا كلها لا تساوي عند الله تعالى جناح
~~بعوضة، وهو صلى الله عليه وسلم أحب خلقه إليه سبحانه حتى قال بعض
~~العارفين: لا يقال له صلى الله عليه وسلم زاهد لأنه التارك للدنيا وهو
~~عليه الصلاة والسلام لا يتوجه إليها فضلا عن طلبها اللازم للترك، وقيل:
~~إن الخبر لو صح يكون المراد بالفقر فيه الانقطاع عن السوى بالمرة إلى
~~الله عز وجل وهو غير الفقر الذي الكلام فيه واعتباره فيمن بعد لا محذور
~~فيه حتى أنه ربما يكون دليلا على القول بأنه لا يعطى أغنياء ذوي
~~القربى، وإنما يعطى فقراؤهم، وإذا حمل الكلام على ما حملناه عليه كفى في
~~التعليل أن يكون فيمن يدفع إليه شيء ms10520 من الفيء فقر، ولا يلزم أن كل من
~~يدفع إليه / شيء منه فقيرا.

# { وما ءاتكم الرسول } أي ما أعطاكم من الفيء { فخذوه }
~~لأنه حقكم الذي أحله الله تعالى لكم { وما نهكم عنه } أي عن
~~أخذه منه { فانتهوا } عنه { واتقوا الله } في مخالفته عليه
~~الصلاة والسلام { إن الله شديد العقاب } فيعاقب من يخالفه
~~صلى الله عليه وسلم.

# وحمل الآية على خصوص الفيء مروي عن الحسن وكان لذلك لقرينة المقام. وفي
~~«الكشاف» ((الأجود أن تكون عامة في كل ما أمر به صلى الله عليه وسلم ونهى
~~عنه، وأمر الفيء داخل في العموم))، وذلك لعموم لفظ { ما } على أن الواو
~~لا تصح عاطفة فهي اعتراض على سبيل التذييل، ولذلك عقب بقوله تعالى: {
~~واتقوا الله } تعميما على تعميم فيتناول كل ما يجب أن يتقى؛
~~ويدخل ما سيق له الكلام دخولا أوليا كدخوله في العموم الأول، وروي ذلك
~~عن ابن جريج.

# وأخرج الشيخان وأبو داود والترمذي وغيرهم عن ابن مسعود أنه قال:

# " لعن الله تعالى الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن
~~المغيرات لخلق الله تعالى "

# فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن، فأتته
~~فقالت: بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: ما لي لا ألعن من لعن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله عز وجل، فقالت: لقد قرأت ما بين
~~لوحي المصحف فما وجدته، قال: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، أما قرأت قوله
~~تعالى: { وما ءاتكم الرسول فخذوه وما نهكم عنه
~~فانتهوا }؟ قالت: بلى، قال: فإنه صلى الله عليه وسلم قد نهى عنه.

# وعن الشافعي أنه قال: سلوني عما شئتم أخبركم به من كتاب الله تعالى وسنة
~~نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله بن محمد بن هرون: ما تقول في
~~المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: قال الله تعالى: { وأما الرسول
~~فخذوه وما نهكم عنه فانتهوا }. وحدثنا سفيان بن عيينة
~~عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن خراش عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول
~~الله ms10521 صلى الله عليه وسلم:

# " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر "

# وحدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر بن كدام عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب
~~عن عمر بن الخطاب أنه أمر بقتل الزنبور. وهذا من غريب الاستدلال، وفيه
~~على علاته  ككلام ابن مسعود  حمل ما في الآية على العموم، وعن ابن عباس
~~ما يدل على ذلك أيضا، قيل: والمعنى حينئذ ما آتاكم الرسول من الأمر
~~فتمسكوا به وما نهاكم عن تعاطيه فانتهوا عنه. والأمر جوز أن يكون واحد
~~الأمور وأن يكون واحد الأوامر لمقابلة { نهكم } له، قيل: والأول
~~أقرب لأنه لا يقال: أعطاه الأمر بمعنى أمره إلا بتكلف كما لا يخفى.

# واستنبط من الآية أن وجوب الترك يتوقف على تحقق النهي ولا يكفي فيه عدم
~~الأمر فما لم يتعرض له أمرا ولا نهيا لا يجب تركه.

### || [59.8]

# { للفقراء المهجرين } قال الزمخشري: بدل من قوله تعالى:

# ولذى القربى

# [الحشر: 7] والمعطوف عليه، والذي منع الإبدال من { لله
~~وللرسول } وما بعد وإن كان المعنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم
~~أن الله عز وجل أخرج رسوله عليه الصلاة والسلام من الفقراء في قوله
~~سبحانه: { وينصرون الله ورسوله } وأنه يترفع برسول الله
~~عليه الصلاة والسلام عن التسمية بالفقير، وأن الإبدال على ظاهر اللفظ من
~~خلاف الواجب في تعظيم الله عز وجل، (وهذا كما لا يجوز أن يوصف سبحانه
~~بعلامة لأجل التأنيث لفظا لأن فيه سوء أدب) انتهى.

# وعنى أنه بدل كل من كل لاعتبار المبدل منه مجموع ما ذكر، قال الإمام:
~~فكأنه قيل: أعني بأولئك الأربعة هؤلاء الفقراء والمهاجرين، وما ذكر من
~~الإبدال من { لذي القربى } وما بعده مبني على قول الحنفية إنه لا
~~يعطى الغني من ذوي القربى وإنما يعطي الفقير، ومن يرى كالشافعي أنه يعطي
~~غنيهم كما يعطي فقيرهم خص / الإبدال باليتامى وما بعده، وقيل: يجوز ذلك
~~أيضا إلا أنه يقول بتخصيص اعتبار الفقر بفيء بني النضير فإنه عليه
~~الصلاة والسلام لم يعط غنيا شيئا منه، والآية نازلة فيه وفيه ms10522 تعسف
~~ظاهر.

# وفي «الكشف» أن { للفقراء } ليس للقيد بل بيانا للواقع من حال
~~المهاجرين وإثباتا لمزيد اختصاصهم كأنه قيل: لله وللرسول وللمهاجرين،
~~وقال ابن عطية: { للفقراء } الخ بيان لقوله تعالى:

# اليتمى والمسكين وابن السبيل

# [الحشر: 7] وكررت لام الجر لما كان ما تقدم مجرورا بها لتبيين أن البدل
~~هو منها. وقيل: اللام متعلقة بما دل عليه قوله تعالى:

# كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم

# [الحشر: 7] كأنه قيل: ولكن يكون للفقراء المهاجرين. وسيأتي إن شاء الله
~~تعالى ما خطر لنا في ذلك من الاحتمال بناءا على ما يفهم من ظاهر كلام
~~عمر بن الخطاب بمحضر جمع من الأصحاب.

# { الذين أخرجوا من ديرهم وأمولهم } حيث اضطرهم
~~كفار مكة وأحوجوهم إلى الخروج فخرجوا منها، وهذا وصف باعتبار الغالب،
~~وقيل: كان هؤلاء مائة رجل { يبتغون فضلا من الله
~~ورضوانا } أي طالبين منه تعالى رزقا في الدنيا ومرضاة في الآخرة،
~~وصفوا أولا بما يدل على استحقاقهم للفيء من الإخراج من الديار والأموال،
~~وقيد ذلك ثانيا بما يوجب تفخيم شأنهم ويؤكده مما يدل على توكلهم التام
~~ورضاهم بما قدره المليك العلام { وينصرون الله ورسوله } عطف
~~على { يبتغون } فهي حال مقدرة أي ناوين لنصرة الله تعالى ورسوله صلى
~~الله عليه وسلم أو مقارنة فإن خروجهم من بين الكفار مراغمين لهم مهاجرين
~~إلى المدينة نصرة وأي نصرة.

# { أولئك } الموصوفون بما ذكر من الصفات الجليلة { هم
~~الصدقون } أي الكاملون في الصدق في دعواهم الإيمان حيث فعلوا ما
~~يدل أقوى دلالة عليه مع إخراجهم من أوطانهم وأموالهم لأجله لا غيرهم ممن
~~آمن في مكة ولم يخرج من داره وماله، ولم يثبت منه نحو ما ثبت منهم لنحو
~~لين منه مع المشركين، فالحصر إضافي ووجه بغير ذلك.

# وحمل بعضهم الكلام على العموم لحذف متعلق الصدق، وتمسك به لذلك فيه
~~الاستدلال على صحة إمامة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لأن هؤلاء
~~المهاجرين كانوا يدعونه بخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله
~~تعالى قد شهد بصدقهم فلا بد أن تكون ms10523 إمامته رضي الله تعالى عنه صحيحة
~~ثابتة في نفس الأمر، وهو تمسك ضعيف مستغنية عن مثله دعوى صحة خلافة
~~الصديق رضي الله تعالى عنه بإجماع الصحابة، ومنهم علي كرم الله تعالى
~~وجهه، ونسبة التقية إليه بالموافقة لا يوافق الشيعة عليها متق كدعوى
~~الإكراه، بل مستغنية بغير ذلك أيضا.

### || [59.9]

# { والذين تبوءوا الدار والإيمن } الأكثرون على أنه
~~معطوف على

# المهاجرين

# [الحشر: 8] والمراد بهم الأنصار. والتبوؤ النزول في المكان، ومنه
~~المباءة للمنزل؛ ونسبته إلى الدار - والمراد بها المدينة - ظاهر، وأما
~~نسبته إلى الإيمان فباعتبار جعله مستقرا ومتوطنا على سبيل الاستعارة
~~المكنية التخييلية. والتعريف في (الدار) للتنويه كأنها الدار التي تستحق
~~أن تسمى دارا وهي التي أعدها الله تعالى لهم ليكون تبوؤهم إياها مدحا
~~لهم. وقال غير واحد: الكلام من باب:

# علفتها تبنا وماءا باردا

# أي تبوأوا الدار وأخلصوا الإيمان، وقيل: التبوؤ مجاز مرسل عن اللزوم وهو
~~لازم معناه فكأنه قيل: لزموا الدار والإيمان، وقيل في توجيه ذلك: إن أل
~~في (الدار) للعهد، والمراد دار الهجرة وهي تغني غناء الإضافة وفي {
~~والإيمن } حذف مضاف أي ودار الإيمان / فكأنه قيل تبوأوا دار الهجرة
~~ودار الإيمان على أن المراد بالدارين المدنية، والعطف كما في قولك: رأيت
~~الغيث والليث وأنت تريد زيدا، ولا يخفى ما فيه من التكلف والتعسف، وقيل:
~~إن الإيمان مجاز عن المدينة سمي محل ظهور الشيء باسمه مبالغة وهو كما
~~ترى، وقيل: الواو للمعية والمراد تبوأوا الدار مع إيمانهم أي تبوأوها
~~مؤمنين، وهو أيضا ليس بشيء، وأحسن الأوجه ما ذكرناه أولا، وذكر بعضهم
~~أن الدار علم بالغلبة على المدينة كالمدينة، وأنه أحد أسماء لها منها
~~طيبة وطابة ويثرب وجابرة إلى غير ذلك. وأخرج الزبير بن بكار عن زيد بن
~~أسلم حديثا مرفوعا يدل على ذلك.

# { من قبلهم } أي من قبل المهاجرين، والجار متعلق بتبوأوا، والكلام
~~بتقدير مضاف أي من قبل هجرتهم فنهاية ما يلزم سبق الإيمان الأنصار على
~~هجرة المهاجرين، ولا يلزم منه سبق إيمانهم على إيمانهم ليقال: إن الأمر
~~بالعكس، وجوز أن ms10524 لا يقدر مضاف، ويقال: ليس المراد سبق الأنصار لهم في أصل
~~الإيمان بل سبقهم إياهم في التمكن فيه لأنهم لم ينازعوا فيه لما أظهروه.
~~وقيل: الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير تبوأوا الدار من قبلهم
~~والإيمان فيفيد سبقهم إياهم في تبوىء الدار فقط وهو خلاف الظاهر على أن
~~مثله لا يقبل ما لم يتضمن نكتة سرية وهي غير ظاهرة ههنا؛ وقيل: لا حاجة
~~إلى شيء مما ذكر، وقصارى ما تدل الآية عليه تقدم مجموع تبوىء الأنصاري
~~وإيمانهم على تبوىء المهاجرين وإيمانهم، ويكفي في تقدم المجموع تقدم بعض
~~أجزائه وهو ههنا تبوؤ الدار، وتعقب بمنع الكفاية ولو سلمت لصح أن يقال:
~~بتقدم تبوىء المهاجرين وإيمانهم على تبوىء الأنصار وإيمانهم لتقدم إيمان
~~المهاجرين.

# { يحبون من هاجر إليهم } في موضع الحال من الموصول،
~~وقيل: استئناف، والكلام قيل: كناية عن مواساتهم المهاجرين وعدم الاستثقال
~~والتبرم منهم إذا احتاجوا إليهم، وقيل: على ظاهره أي يحبون المهاجر إليهم
~~من حيث مهاجرته إليهم لحبهم الإيمان { ولا يجدون فى صدورهم }
~~أي ولا يعلمون في أنفسهم { حاجة } أي طلب محتاج إليه { مما
~~أوتوا } أي مما أعطي المهاجرون من الفيء وغيره، وحاصله أن نفوسهم لم
~~تتبع ما أعطي المهاجرون ولم تطمح إلى شيء منه تحتاج إليه، فالوجدان إدراك
~~علمي وكونه في الصدر من باب المجاز.

#  والحاجة  بمعنى المحتاج إليه، وهو استعمال شائع يقال: خذ منه حاجتك
~~وأعطاه من ماله حاجته. و { من } تبعيضية، وجوز كونها بيانية والكلام
~~على حذف مضاف وهو طلب، وفيه فائدة جليلة كأنهم لم يتصوروا ذلك ولا مر في
~~خاطرهم أن ذلك محتاج إليه حتى تطمح إليه النفس. ويجوز أن يكون المعنى 
~~لا يجدون في أنفسهم مايحمل عليه الحاجة كالحزازة والغيظ والحسد والغبطة
~~لأجل ما أعطي المهاجرون  على أن الحاجة مجاز عما يتسبب عنها، وقيل: على
~~أنها كناية عما ذكر لأنه لا ينفك عن الحاجة فأطلق اسم اللازم على
~~الملزوم، وما تقدم أولى، وقول بعضهم: أي أثر حاجة تقدير معنى لا إعراب. و
~~{ من } في قوله تعالى: { مما ms10525 أوتوا } تعليلية.

# { ويؤثرون } أي يقدمون المهاجرين { على أنفسهم } في كل شيء
~~من الطيبات حتى أن من كان عنده امرأتان كان ينزل عن إحداهما ويزوجها
~~واحدا منهم، ويجوز أن لا يعتبر مفعول  يؤثرون  خصوص المهاجرين، أخرج
~~البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن / أبي هريرة قال:

# " أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصابني
~~الجهد فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا فقال عليه الصلاة والسلام:
~~ألا رجل يضيف هذا الرجل الليلة رحمه الله؟ فقام رجل من الأنصار  وفي
~~رواية  فقال أبو طلحة: أنا يا رسول الله فذهب به إلى أهله فقال لامرأته:
~~أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: والله ما عندي إلا قوت
~~الصبية قال: إذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج
~~ونطوي [بطوننا] الليلة لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلت ثم غدا
~~الضيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لقد عجب الله الليلة من
~~فلان وفلانة وأنزل الله تعالى فيهما { ويؤثرون } "

# الخ. وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في «الشعب» عن ابن عمر
~~رضي الله تعالى عنهما، قال: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم رأس شاة فقال: إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا فبعث به إليه
~~فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداوله أهل سبعة أبيات حتى رجع إلى
~~الأول فنزلت { ويؤثرون على أنفسهم }  { ولو كان
~~بهم خصاصة } أي حاجة من خصاص البيت وهو ما يبقي بين عيدانه من
~~الفرج والفتوح.

# والجملة في موضع الحال، وقد تقدم وجه ذلك مرارا

# { ومن يوق شح نفسه } الشح اللؤم وهو أن تكون النفس كزة حريصة
~~على المنع كما قال:

# يمارس نفسا بين جنبيه كزة

# إذا هم بالمعروف قالت له مهلا

# وأضيف إلى النفس لأنه غريزة فيها، وأما البخل فهو المنع نفسه، وقال
~~الراغب: الشح بخل مع حرص؛ وذلك فيما كان عادة. وأخرج ابن المنذر عن الحسن
~~أنه قال: البخل أن يبخل الإنسان ms10526 بما في يده، والشح أن يشح على ما في أيدي
~~الناس، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم
~~والبيهقي في «الشعب» والحاكم وصححه وجماعة عن ابن مسعود أن رجلا قال له:
~~إني أخاف أن أكون قد هلكت قال: وما ذاك؟ قال: إني سمعت الله تعالى يقول:
~~{ ومن يوق شح نفسه } الآية وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج مني
~~شيء فقال له ابن مسعود: ليس ذاك بالشح ولكنه البخل ولا خير في البخل، وإن
~~الشح الذي ذكره الله تعالى أن تأكل مال أخيك ظلما، وأخرج ابن المنذر
~~وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ليس الشح أن يمنع
~~الرجل ماله ولكنه البخل إنما الشح أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له، ولم
~~أر لأحد من اللغويين شيئا من هذه التفاسير للشح، ولعل المراد أنه البخل
~~المتناهي بحيث يبخل المتصف به بمال غيره أي لا يود جود الغير به وتنقبض
~~نفسه منه ويسعى في أن لا يكون، أو بحيث يبلغ به الحرص إلى أن يأكل مال
~~أخيه ظلما أو تطمح عينه إلى ما ليس له ولا تسمح نفسه بأن يكون لغيره
~~فتأمل.

# وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة { ومن يوق } بشد القاف، وقرأ ابن
~~عمر وابن أبي عبلة { شح } بكسر الشين، وجاء في لغة الفتح أيضا، ومعنى
~~الكل واحد. ومعنى الآية ومن يوق بتوفيق الله تعالى ومعونته شح نفسه حتى
~~يخالفها فيما يغلب عليها من حب المال وبغض الإنفاق { فأولئك هم
~~المفلحون } الفائزون بكل مطلوب الناجون من كل مكروه، والجملة
~~الشرطية تذييل حسن ومدح للأنصار بما هو غاية لتناوله إياهم تناولا
~~أوليا، وفي الإفراد أولا والجمع ثانيا رعاية للفظ من ومعناها وإيماء
~~إلى قلة المتصفين بذلك في الواقع عددا وكثرتهم معنى:

# / والناس ألف منهم كواحد

# وواحد كالألف إن أمر عنا

# ويفهم من الآية ذم الشح جدا، وقد وردت أخبار كثيرة بذمه، أخرج الحكيم
~~الترمذي وأبو يعلى وابن مردويه عن أنس مرفوعا

# " ما ms10527 محق الإسلام محق الشح شيء قط "

# ، وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والبيهقي في «الشعب» والحاكم وصححه عن
~~أبي هريرة مرفوعا

# " لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان نار جهنم في جوف عبد أبدا ولا
~~يجتمع الإيمان والشح في قلب عبد أبدا "

# وأخرج أبو داود والترمذي  وقال غريب  والبخاري في «الأدب» وغيرهم عن
~~أبي سعيد الخدري مرفوعا

# " خصلتان لا يجتمعان في جوف مسلم البخل وسوء الخلق "

# وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عدي والحاكم والخطيب عن أنس قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم:

# " خلق الله تعالى جنة عدن وغرس أشجارها بيده ثم قال لها: انطقي فقالت:
~~قد أفلح المؤمنون فقال الله عز وجل: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل ثم
~~تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { ومن يوق شح نفسه
~~فأولئك هم المفلحون } "

# وأخرج أحمد والبخاري في «الأدب» ومسلم والبيهقي عن جابر بن عبد الله أن
~~رسول الله عليه الصلاة والسلام قال:

# " اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح قد
~~أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم "

# إلى غير ذلك من الأخبار، لكن ينبغي أن يعلم أن تقوى الشح لا تتوقف على
~~أن يكون الرجل جوادا بكل شيء، فقد أخرج عبد بن حميد وأبو يعلى والطبراني
~~والضياء عن مجمع بن يحيى مرفوعا

# " برىء من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأدى في النائبة "

# وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله ما يقرب منه، وكذا ابن جرير
~~والبيهقي عن أنس، وأخرج ابن المنذر عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: من
~~أدى زكاة ماله فقد وقى شح نفسه.

### || [59.10]

# وقوله تعالى: { والذين جاءوا من بعدهم } عطف عند الأكثرين
~~أيضا على

# المهجرين

# [الحشر: 8]، والمراد بهؤلاء قيل: الذين هاجروا حين قوي الإسلام، فالمجيء
~~حسي وهو مجيئهم إلى المدينة، وضمير { من بعدهم } للمهاجرين
~~الأولين، وقيل: هم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة، فالمجيء إما
~~إلى الوجود أو إلى الإيمان وضمير { من بعدهم } للفريقين المهاجرين ms10528
~~والأنصار، وهذا هو الذي يدل عليه كلام عمر رضي الله تعالى عنه وكلام كثير
~~من السلف كالصريح فيه، فالآية قد استوعبت جميع المؤمنين.

# وجملة قوله تعالى: { يقولون } الخ حالية، وقيل: استئناف. { ربنا
~~اغفر لنا ولإخوننا } أي في الدين الذي هو أعز وأشرف عندهم من
~~النسب { الذين سبقونا بالإيمن } وصفوهم بذلك اعترافا
~~بفضلهم { ولا تجعل فى قلوبنا غلا } أي حقدا، وقرىء غمرا
~~{ للذين ءامنوا } على الإطلاق { ربنا إنك رءوف
~~رحيم } أي مبالغ في الرأفة والرحمة، فحقيق بأن تجيب دعاءنا.

# وفي الآية حث على الدعاء للصحابة وتصفية القلوب من بغض أحد منهم، وأخرج
~~عبد بن حميد وابن المنذر وجماعة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
~~أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم ثم قرأت هذه
~~الآية { والذين جاءوا } الخ. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله
~~تعالى عنهما أنه سمع رجلا وهو يتناول بعض المهاجرين فدعاه / فقرأ عليه

# للفقراء المهجرين

# [الحشر: 8] الآية، ثم قال: هؤلاء المهاجرون أفمنهم أنت؟ قال: لا، ثم قرأ
~~عليه

# والذين تبوءوا الدار والإيمن

# [الحشر: 9] الآية، ثم قال: هؤلاء الأنصار أفمنهم أنت؟ قال: لا. ثم قرأ
~~عليه { والذين جاءوا من بعدهم } الآية، ثم قال: أفمن هؤلاء
~~أنت؟ قال: أرجو، قال: لا والله ليس من هؤلاء من سب هؤلاء. وفي رواية أن
~~ابن عمر رضي الله تعالى عنه بلغه أن رجلا نال من عثمان رضي الله تعالى
~~عنه فدعاه فقرأ عليه الآيات وقال له ما قال. وقال الإمام مالك: من كان له
~~في أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم قول سيء أو بغض فلا حظ له في
~~الفىء أخذا من هذه الآية.

# وفيها ما يدل على ذم الغل لأحد من المؤمنين، وفي حديث أخرجه الحكيم
~~الترمذي والنسائي عن أنس رضي الله تعالى عنه

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في أيام ثلاثة يطلع عليكم الآن رجل
~~من أهل الجنة فطلع فيها رجل من الأنصار فبات معه عبد الله بن عمرو بن
~~العاص ثلاث ms10529 ليال مستكشفا حاله فلم ير له كثير عمل فأخبره الخبر فقال له:
~~ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي غلا لأحد من المسلمين ولا
~~أحسده على خير أعطاه الله تعالى إياه فقال له عبد الله: هذه التي بلغت بك
~~وهي التي لا نطيق  وفي رواية  أنه قال: لو كانت الدنيا لي فأخذت مني لم
~~أحزن عليها ولو أعطيتها لم أفرح بها وأبيت وليس في قلبي غل على أحد فقال
~~عبد الله: لكني أقوم الليل وأصوم النهار ولو وهبت لي شاة لفرحت بها ولو
~~ذهبت لحزنت عليها والله لقد فضلك الله تعالى علينا فضلا بينا "

# هذا وذهب بعضهم إلى أن قوله تعالى:

# والذين تبوءوا

# [الحشر: 9] الخ مبتدأ، وجملة { يحبون } الخ خبره، والكلام استئناف
~~مسوق لمدح الأنصار، وجوز كون ذلك معطوفا على { أولئك } فيفيد
~~شركة الأنصار للمهاجرين في الصدق، وجملة { يحبون } الخ إما استئناف
~~مقرر لصدقهم أو حال من ضمير { تبوأوا } وإلى أن قوله تعالى: {
~~والذين جاءوا } الخ مبتدأ؛ وجملة { يقولون } الخ خبره، والجملة
~~معطوفة على الجملة السابقة مسوقة لمدح هؤلاء بمحبتهم من تقدمهم من
~~المؤمنين ومراعاتهم لحقوق الأخوة في الدين والسبق بالإيمان كما أن ما
~~عطفت عليه من الجملة السابقة لمدح الأنصار.

# واستدل لعدم عطف

# الذين تبوءوا

# [الحشر: 9] على

# المهجرين

# [الحشر: 8] بما روى

# " أن النبي عليه الصلاة والسلام قسم أموال بني النضير على المهاجرين
~~ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة كما تقدم، وقال عليه الصلاة والسلام لهم:إن
~~شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم من هذه الغنيمة وإن
~~شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة فقالوا: بل
~~نقسم لهم  أي للمهاجرين  من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا
~~نشاركهم فيها "

# فنزلت الآية { والذين تبوءوا الدار والإيمن } إلى
~~آخره، وبعض القائلين بالعطف يقولون: إن قوله تعالى: { والذين
~~تبوءوا } الخ بيان لحكم الأخماس الأربعة على معنى أن له عليه الصلاة
~~والسلام أن يعم الناس بها حسن اختياره وأن الأنصار مصرف من المصارف، ولكن
~~قد اختار صلى الله ms10530 عليه وسلم أن يكون إعطاؤهم بالشرط الذي ذكره عليه
~~الصلاة والسلام لهم، وهم اختاروا ما اختاروا إيثارا منهم، وذلك لا
~~يخرجهم عن كونهم مصرفا بل في قوله تعالى:

# ويؤثرون على أنفسهم

# [الحشر: 9] رمز إليه على أن في الأخبار ما هو أصح وأصرح في الدلالة على
~~عطفهم على ما تقدم، وأنهم يعطون من الفيء، وكذا عطف { الذين جاءوا
~~من بعدهم } فقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
~~وابن حبان وغيرهم عن مالك بن أوس بن الحدثان في حديث طويل أن عمر رضي
~~الله تعالى عنه قال  أي في قضاء بين علي كرم الله تعالى وجهه وعمه
~~العباس رضي الله تعالى عنه في فدك، وقد كان عمر دفعها إليهما وأخذ عليهما
~~عهد الله تعالى على أن / يعملا فيها بما كان رسول الله عليه الصلاة
~~والسلام يعمل به فيها فتنازعا  إن الله تعالى قال:

# وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم
~~عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط
~~رسله على من يشاء والله على كل شىء

# [الحشر: 6] فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، ثم قال سبحانه:

# ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فالله
~~وللرسول ولذى القربى

# [الحشر: 7] إلى آخر الآية، ثم والله ما أعطاها هؤلاء وحدهم حتى قال
~~تعالى:

# للفقراء المهجرين الذين أخرجوا من ديرهم
~~وأمولهم يبتغون فضلا من الله ورضونا
~~وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصدقون

# [الحشر: 8]، ثم والله ما جعلها لهؤلاء وحدهم حتى قال سبحانه: {
~~والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا }
~~إلى قوله تعالى: { رحيم } فقسمها هذا القسم على هؤلاء الذين ذكر،
~~ولئن بقيت ليأتين الرويعي بصنعاء حقه ودمه في وجهه. وظاهر هذا الخبر
~~يقتضي أن للمهاجرين سهما غير السهام السابقة، فلا يكون { للفقراء }
~~بدل من { لذى القربى } وما بعده ولا مما بعده دونه، وكذا ظاهر ما
~~في مصحف عبد الله وزيد بن ثابت كما أخرجه ابن الأنباري في «المصاحف» عن
~~الأعمش  ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فالله وللرسول ms10531 ولذي
~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والمهاجرين في سبيل الله  على أن
~~الإبدال يقتضي ظاهرا كون اليتامى مهاجرين أخرجوا من ديارهم وأموالهم إلى
~~آخر الصفات، وفي صدق ذلك عليهم بعد، وكذا يقتضي كون ابن السبيل كذلك،
~~وفيه نوع بعد أيضا كما لا يخفى فلعله اعتبر تعلقه بفعل محذوف والجملة
~~استئناف بياني، وذلك أنهم كانوا يعلمون أن الخمس يصرف لمن تضمنه قوله
~~تعالى:

# فالله وللرسول ولذى القربى واليتمى
~~والمسكين وابن السبيل

# [الحشر: 7] فلما ذكر ذلك انقدح في أذهانهم أن المذكورين مصرف الخمس ولم
~~يعلموا مصرف الأخماس الأربعة الباقية فكأنهم قالوا: فلمن تكون الأخماس
~~الأربعة الباقية، أو فلمن يكون الباقي؟ فقيل: تكون الأخماس الأربعة
~~الباقية أو يكون الباقي للفقراء المهاجرين إلى آخره، ولم أر من تعرض لذلك
~~فتأمل، والله تعالى الهادي إلى أحسن المسالك.

### || [59.11]

# { ألم تر إلى الذين نفقوا } حكاية لما جرى بين الكفرة
~~والمنافقين من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة، وتعجيب منها بعد حكاية
~~محاسن أحوال المؤمنين على اختلاف طبقاتهم. والخطاب لرسول الله عليه
~~الصلاة والسلام أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب. والآية كما أخرج ابن إسحق
~~وابن المنذر وأبو نعيم عن ابن عباس نزلت في رهط من بني عوف منهم عبد الله
~~بن أبي سلول ووديعة بن مالك وسويد وداعس، بعثوا إلى بني النضير بما
~~تضمنته الجمل المحكية بقوله تعالى: { يقولون } الخ. وقال السدي: أسلم
~~ناس من بني قريظة والنضير وكان فيهم منافقون فبعثوا إلى بني النضير ما قص
~~الله تعالى، والمعول عليه الأول. وقوله سبحانه: { يقولون } استئناف
~~لبيان المتعجب منه، وصيغة المضارع للدلالة على استمرار قولهم، أو
~~لاستحضار صورته.

# واللام في قوله عز وجل: { لإخوانهم الذين كفروا من
~~أهل الكتب } للتبليغ؛ والمراد بأخوتهم الأخوة في الدين واعتقاد
~~الكفرة أو الصداقة، وكثر جمع الأخ مرادا به ما ذكر على إخوان، ومرادا
~~به الأخوة في النسب على أخوة، وقل خلاف ذلك. واللام في قوله تعالى: {
~~لئن أخرجتم } موطئة للقسم؛ وقوله سبحانه: { لنخرجن
~~معكم } جواب القسم أي والله لئن أخرجتم من دياركم ms10532 قسرا لنخرجن من
~~ديارنا معكم البتة ونذهبن في صحبتكم أينما ذهبتم / { ولا نطيع
~~فيكم } في شأنكم { أحدا } يمنعنا من الخروج معكم وهو لدفع أن يكونوا
~~وعدوهم الخروج بشرط أن يمنعوا منه { أبدا } وإن طال الزمان، وقيل: لا
~~نطيع في قتالكم أو خذلانكم، قال في «الإرشاد»: ((وليس بذاك لأن تقدير
~~القتال مترقب بعد، ولأن وعدهم لهم على ذلك التقدير ليس مجرد عدم طاعتهم
~~لمن يدعوهم إلى قتالهم بل نصرتهم عليه كما ينطق به قوله تعالى: { وإن
~~قوتلتم لننصرنكم } أي لنعاوننكم على عدوكم على أن دعوتهم
~~إلى خذلان اليهود مما لا يمكن صدوره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~والمؤمنين حتى يدعوا عدم طاعتهم فيها ضرورة أنها لو كانت لكانت عند
~~استعدادهم لنصرتهم وإظهار كفرهم، ولا ريب في أن ما يفعله عليه الصلاة
~~والسلام عند ذلك قتلهم لا دعوتهم إلى ترك نصرتهم، وأما الخروج معهم فليس
~~بهذه المرتبة من إظهار الكفر لجواز أن يدعوا أن خروجهم معهم لما بينهم
~~من الصداقة الدنيوية لا للموافقة في الدين))، ونوقش في ذلك. وجواب { إن
~~} محذوف، و { لننصرنكم } جواب قسم محذوف قبل { إن } الشرطية،
~~وكذا يقال فيما بعد على ما هو القاعدة المشهورة فيما إذا تقدم القسم على
~~الشرط { والله يشهد إنهم لكذبون } في مواعيدهم
~~المؤكدة بالأيمان.

### || [59.12]

# وقوله تعالى: { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم } إلى
~~آخره، تكذيب لهم في كل واحد من أقوالهم على التفصيل بعد تكذيبهم في الكل
~~على الإجمال { ولئن قوتلوا لا ينصرونهم } وكان الأمر كذلك،
~~والإخبار عن خلفهم في الميعاد قيل: من الإخبار بالغيب وهو من أدلة النبوة
~~وأحد وجوه الإعجاز، وهذا مبني على أن السورة نزلت قبل وقعة بني النضير،
~~وكلام أهل الحديث والسير على ما قيل: يدل على خلافه. وقال بعض الأجلة: إن
~~قوله تعالى:

# يقولون... لئن أخرجتم

# [الحشر: 11] الخ من باب الإخبار بالغيب بناءا على ما روي أن عبد الله
~~بن أبي دس إليهم لا يخرجوا فأطلع الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام
~~على ما دسه.

# { ولئن نصروهم ms10533 } على سبيل الفرض والتقدير { ليولن } أي
~~المنافقون { الأدبر } فرارا { ثم لا ينصرون } بعد ذلك أي
~~يهلكهم الله تعالى ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم، أو { ليولن }
~~أي اليهود المفروضة نصرة المنافقين إياهم ولينهزمن، ثم لا ينفعهم نصرة
~~المنافقين، وقيل: الضمير المرفوع في { نصروهم } لليهود، والمنصوب
~~للمنافقين أي ولئن نصر اليهود المنافقين ليولي اليهود الأدبار وليس بشيء،
~~وكأنه دعا قائله إليه دفع ما يتوهم من المنافاة بين { لا ينصرونهم
~~ولئن نصروهم } على الوجه السابق، وقد أشرنا إلى دفع ذلك من غير
~~حاجة إلى هذا التوجيه الذي لا يخفى حاله.

### || [59.13]

# { لأنتم أشد رهبة } أي أشد مرهوبية على أن { رهبة }
~~مصدر من المبني للمفعول، لأن المخاطبين وهم المؤمنون مرهوب منهم لا
~~راهبون { فى صدورهم من الله } أي رهبتهم منكم في السر أشد مما
~~يظهرونه لكم من رهبة الله عز وجل، وكانوا يظهرون لهم رهبة شديدة من الله
~~عز وجل، ويجوز أن يراد أنهم يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم من الله
~~تعالى ولشدة البأس والتشجع ما كانوا يظهرون ذلك، قيل: إن { فى
~~صدورهم } على الوجه الأول مبالغة وتصوير على نحو رأيته بعيني.

# { ذلك } أي ما ذكر من كونكم أشد رهبة في صدورهم من الله تعالى {
~~بأنهم } بسبب أنهم { قوم لا يفقهون } شيئا حتى يعلموا
~~عظمة الله عز وجل فيخشوه حق خشيته سبحانه وتعالى، والمراد بهؤلاء اليهود،
~~وقيل: المنافقون؛ وقيل: الفريقان.

### || [59.14]

# { لا يقتلونكم } / أي اليهود والمنافقون، وقيل: اليهود، يعني
~~لا يقتدرون على قتالكم { جميعا } أي مجتمعين متفقين في موطن من
~~المواطن { إلا فى قرى محصنة } بالدروب والخنادق ونحوها {
~~أو من وراء جدر } يتسترون بها دون أن يصحروا لكم ويبارزوكم لقذف
~~الله تعالى الرعب في قلوبهم ومزيد رهبتهم منكم.

# وقرأ أبو رجاء والحسن وابن وثاب { جدر } بإسكان الدال تخفيفا، ورويت عن
~~ابن كثير وعاصم والأعمش، وقرأ أبو عمرو وابن كثير في الرواية المشهورة
~~وكثير من المكيين (جدار) بكسر الجيم وألف بعد الدال وهي مفرد الجدر،
~~والقصد فيه إلى الجنس، أو المراد به السور الجامع ms10534 للجدر والحيطان. وقرأ
~~جمع من المكيين وهارون عن ابن كثير { جدر } بفتح الجيم وسكون الدال،
~~قال صاحب «اللوامح»: وهو الجدار بلغة اليمن، وقال ابن عطية: معناه أصل
~~بنيان كسور وغيره، ثم قال: ويحتمل أن يكون من جدر النخل أي من وراء
~~نخلهم إذ هي مما يتقى به عند المصافة.

# { بأسهم بينهم شديد } استئناف سيق لبيان أن ما ذكر من
~~رهبتهم ليس لضعفهم وجبنهم في أنفسهم فإن بأسهم إذا اقتتلوا شديد وإنما
~~ضعفهم وجبنهم بالنسبة إليكم بما قذف الله تعالى في قلوبهم من الرعب.

# { تحسبهم جميعا } أي مجتمعين ذوي ألفة واتحاد { وقلوبهم
~~شتى } جمع شتيت أي متفرقة لا ألفة بينها يعني أن بينهم إحنا وعداوات
~~فلا يتعاضدون حق التعاضد ولا يرمون عن قوس واحدة، وهذا تجسير للمؤمنين
~~وتشجيع لقلوبهم على قتالهم.

# وقرأ مبشر بن عبيد { شتى } بالتنوين جعل الألف ألف الإلحاق، وعبد الله
~~ وقلوبهم أشت  أي أكثر أو أشد تفرقا.

# { ذلك بأنهم } أي ما ذكر من تشتت قلوبهم بسبب أنهم { قوم
~~لا يعقلون } شيئا حتى يعلموا طرق الألفة وأسباب الاتفاق، وقيل:
~~لا يعقلون أن تشتت القلوب مما يوهن قواهم المركوزة فيهم بحسب الخلقة
~~ويعين على تدميرهم واضمحلالهم وليس بذاك.

### || [59.15]

# وقوله تعالى: { كمثل الذين من قبلهم } خبر مبتدأ محذوف
~~تقديره مثلهم أي مثل المذكورين من اليهود بني النضير، أو منهم ومن
~~المنافقين كمثل أهل بدر كما قال مجاهد أو كبني قينقاع كما قال ابن عباس
~~وهم شعب من اليهود الذين كانوا حوالي المدينة غزاهم النبي صلى الله عليه
~~وسلم يوم السبت على رأس عشرين شهرا من الهجرة في شوال قبل غزوة بني
~~النضير حيث كانت في ربيع سنة أربع وأجلاهم عليه الصلاة والسلام إلى
~~أذرعات على ما فصل في كتب السير. وقيل: أي مثل هؤلاء المنافقين كمثل
~~منافقي الأمم الماضية.

# { قريبا } ظرف لقوله تعالى: { ذاقوا وبال أمرهم } أي
~~ذاقوا سوء عاقبة كفرهم في زمن قريب من عصيانهم أي لم تتأخر عقوبتهم
~~وعوقبوا في الدنيا إثر عصيانهم. وقيل: انتصاب { قريبا }  بمثل  إذ ms10535
~~التقدير كوقوع مثل الذين. وتعقب بأن الظاهر أنه أريد أن في الكلام مضافا
~~هو العامل حقيقة في الظرف إلا أنه لما حذف عمل المضاف إليه فيه لقيامه
~~مقامه، ولا يخفى أن المعنى ليس عليه لأن المراد تشبيه المثل بالمثل أي
~~الصفة الغريبة لهؤلاء بالصفة الغريبة للذين من قبلهم دون تشبيه المثل
~~بوقوع المثل. وأجيب بأن الإضافة من إضافة الصفة إلى موصوفها فيرجع
~~التشبيه إلى تشبيه المثل بالمثل فكأنه قيل: مثلهم كمثل الذين من قبلهم
~~الواقع قريبا، وفيه أن ذلك التقدير ركيك وما ذكر لا يدفع الركاكة،
~~والقول بتقدير مضاف في جانب المبتدأ أيضا أي وقوع مثلهم كوقوع مثل الذين
~~من قبلهم قريبا فيكون قد / شبه وقوع المثل بوقوع المثل تعسف لا ينبغي أن
~~يرتكب في الفصيح. وقيل: إن العامل فيه التشبيه أي يشبونهم في زمن قريب،
~~وقيل: متعلق الكاف لأنه يدل على الوقوع، وكلا القولين كما ترى، ولا يبعد
~~تعلقه بما تعلقت به الصلة أعني { من قبلهم } أي الذين كانوا من
~~قبلهم في زمن قريب فيفيد أن قبليتهم قبلية قريبة، ويلزم من ذلك قرب ما
~~فعل بهم وهو المثل، ويكون هذا مطمح النظر في الإفادة ويتضمن تعييرهم
~~بأنهم كانت لهم في أهل بدر أو بني قينقاع أسوة فبعد لم ينطمس آثار ما وقع
~~بهم وهو كذلك على تقدير الوقوع ونحوه. وجملة { ذاقوا } مفسرة للمثل لا
~~محل لها من الإعراب، ويتعين تعلق { قريبا } بما بعد على تقدير أن يراد
~~بمن قبل منافقو الأمم الماضية فتدبر.

# { ولهم } في الآخرة { عذاب أليم } لا يقادر قدره. والجملة
~~قيل: عطف على الجملة السابقة وإن اختلفتا فعلية واسمية، وقيل: حال مقدرة
~~من ضمير { ذاقوا } وأيا ما كان فهو داخل في حيز المثل، وقيل: عطف
~~على جملة  { كمثل الذين من قبلهم } - ولا يخفى بعده.

### || [59.16]

# وقوله تعالى: { كمثل الشيطن } جعله غير واحد خبر مبتدأ محذوف
~~أيضا أي مثلهم كمثل الشيطان على أن ضمير  مثلهم  ههنا للمنافقين وفيما
~~تقدم لبني النضير، وقال بعضهم: ضمير  مثلهم  المقدر في الموضعين ms10536
~~للفريقين، وجعله بعض المحققين خبرا ثانيا للمبتدأ المحذوف في قوله
~~تعالى:

# كمثل الذين

# [الحشر: 15] على أن الضمير هناك للفريقين إلا أن المثل الأول: يخص بني
~~النضير، والثاني: يخص المنافقين، وأسند كل من الخبرين إلى ذلك المقدر
~~المضاف إلى ضميرهما من غير تعيين ما أسند إليه بخصوصه ثقة بأن السامع يرد
~~كلا إلى ما يليق به ويماثله كأنه قيل: مثل أولئك الذين كفروا من أهل
~~الكتاب في حلول العذاب بهم كمثل الذين من قبلهم، ومثل المنافقين في
~~إغرائهم إياهم على القتال حسبما نقل عنهم كمثل الشيطان.

# { إذ قال للإنسن اكفر } أي أغراه على الكفر إغراء الآمر
~~للمأمور به فهو تمثيل واستعارة { فلما كفر قال إنى برىء
~~منك إنى أخاف الله رب العلمين } تبرأ منه مخافة أن
~~يشاركه في العذاب ولم ينفعه ذلك كما قال سبحانه: { فكان
~~عاقبتهمآ أنهما في النار خالدين فيها... }.

### || [59.17]

# { فكان عاقبتهمآ أنهما في النار خالدين فيها }
~~أبد الآبدين { وذلك } أي الخلود في النار { جزآء الظالمين }
~~على الإطلاق دون المذكورين خاصة، والجمهور على أن المراد بالشيطان
~~والإنسان الجنس فيكون التبري يوم القيامة وهو الأوفق بظاهر قوله:

# إنى أخاف

# [الحشر: 16] الخ. وذهب بعضهم إلى أن المراد بالشيطان إبليس، وبالإنسان
~~أبو جهل عليهما اللعنة قال له يوم بدر: { لا غالب لكم اليوم
~~من الناس وإني جار لكم } فلما وقعوا فيما وقعوا قال:

# إني برىء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله

# [الأنفال: 48] الآية، وفي الآية عليه - مع ما تقدم عن مجاهد - لطيفة؛
~~وذلك أنه لما شبه أولا حال إخوان المنافقين من أهل الكتاب بحال أهل بدر
~~شبه هنا حال المنافقين بحال الشيطان في قصة أهل بدر، ومعنى { اكفر }
~~على تخصيص الإنسان بأبي جهل دم على الكفر عند بعض، وقال الخفاجي: لا
~~حاجة لتأويله بذلك لأنه تمثيل.

# وأخرج أحمد في «الزهد» والبخاري في «تاريخه» والبيهقي في «الشعب»
~~والحاكم وصححه وغيرهم عن علي كرم الله تعالى وجهه أن رجلا كان يتعبد في
~~صومعته وأن امرأة كانت لها إخوة فعرض لها ms10537 شيء فأتوه بها فزينت له نفسه
~~فوقع عليها فحملت فجاءه الشيطان فقال: اقتلها فإنهم إن ظهروا عليك افتضحت
~~فقتلها ودفنها فجاءوه فأخذوه فذهبوا به فبينما هم يمشون إذ جاءه الشيطان
~~فقال: أنا الذي زينت لك فاسجد لي سجدة أنجيك فسجد له أي ثم / تبرأ منه
~~وقال له ما قال، فذلك قوله تعالى:

# كمثل الشيطن إذ قال للإنسن اكفر

# [الحشر: 16] الآية. وهذا الرجل هو برصيصا الراهب، وقد رويت قصته على وجه
~~أكثر تفصيلا مما ذكر وهي مشهورة في القصص. وفي «البحر» إن قول الشيطان:

# إنى أخاف الله

# [الحشر: 16] كان رياءا وهو لا يمنعه الخوف عن سوء يوقع فيه ابن آدم.

# وقرىء (أنا برىء). وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وسليم بن أرقم  فكان
~~عاقبتهما  بالرفع على أنه اسم كان، وأنهما الخ في تأويل مصدر خبرها على
~~عكس قراءة الجمهور. وقرأ عبد الله وزيد بن علي والأعمش وابن أبي عبلة 
~~خالدان  بالألف على أنه خبر إن، و { فى النار } متعلق به، وقدم
~~للاختصاص، وفيها تأكيد له وإعادة بضميره، وجوز أن يكون  في النار  خبر
~~إن، و  خالدان  خبر ثانيا وهو في قراءة الجمهور حال من الضمير في
~~الجار والمجرور.

### || [59.18]

# { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله } في كل ما تأتون
~~وتذرون { ولتنظر نفس ما قدمت لغد } أي أي شيء قدمت من
~~الأعمال ليوم القيامة عبر عنه بذلك لدنوه دنو الغد من أمسه، أو لأن
~~الدنيا كيوم والآخرة غده يكون فيها أحوال غير الأحوال السابقة. وتنكيره
~~لتفخيمه وتهويله كأنه قيل: لغد لا يعرف كنهه لغاية عظمه، وأما تنكير {
~~نفس } فلاستقلال الأنفس النواظر كأنه قيل: ولتنظر نفس واحدة في ذلك،
~~وفيه حث عظيم على النظر وتعيير بالترك وبأن الغفلة قد عمت الكل فلا أحد
~~خلص منها، ومنه ظهر  كما في «الكشف»  أن جعله من قبيل قوله تعالى:

# علمت نفس ما أحضرت

# [التكوير: 14] غير مطابق للمقام أي فهو كما في الحديث

# " الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة "

# لأن الأمر بالنظر وإن عم لكن المؤتمر الناظر أقل ms10538 من القليل، والمقصود
~~بالتقليل هو هذا لأن المأمور لا ينظر إليه ما لم يأتمر، وجوز ابن عطية أن
~~يراد بغد يوم الموت، وليس بذاك.

# وقرأ أبو حيوة ويحيى بن الحرث  ولتنظر  بكسر اللام، وروي ذلك عن حفص
~~عن عاصم، وقرأ الحسن بكسرها وفتح الراء جعلها لام كي. وكان المعنى ولكي
~~تنظر نفس ما قدمت لغد أمرنا بالتقوى.

# { واتقوا الله } تكرير للتأكيد، أو الأول في أداء الواجبات كما
~~يشعر به ما بعده من الأمر بالعمل وهذا في ترك المحارم كما يؤذن به الوعيد
~~بقوله سبحانه: { إن الله خبير بما تعملون } أي من
~~المعاصي، وهذا الوجه الثاني أرجح لفضل التأسيس على التأكيد، وفي ورود
~~الأمرين مطلقين من الفخامة ما لا يخفى، وقيل: إن التقوى شاملة لترك ما
~~يؤثم ولا وجه وجيه للتوزيع والمقام مقام الاهتمام بأمرها، فالتأكيد أولى
~~وأقوى، وفيه منع ظاهر، وكيف لا والمتبادر مما قدمت أعمال الخير كذا قيل،
~~ولعل من يقول بالتأكيد يقول: إن قوله سبحانه: { إن الله خبير }
~~الخ يتضمن الوعد والوعيد ويعمم ما قدمت أيضا، ولعلك مع هذا تميل
~~للتأسيس.

### || [59.19]

# { ولا تكونوا كالذين نسوا الله } أي نسوا حقوقه تعالى
~~شأنه، وما قدروا الله حق قدره ولم يراعوا مواجب أمره سبحانه ونواهيه عز
~~وجل حق رعايتها { فأنسهم } الله تعالى بسبب ذلك { أنفسهم }
~~أي جعلهم سبحانه ناسين لها حتى لم يسعوا بما ينفعها ولم يفعلوا ما
~~يخلصها، أو أراهم جل جلاله يوم القيامة من الأهوال ما أنساهم أنفسهم أي
~~أراهم أمرا هائلا وعذابا أليما، ونسيان النفس حقيقة قيل: مما لا يكون
~~لأن العلم بها حضوري، وفيه نظر وإن نص عليه ابن سينا وأشياعه {
~~أولئك هم الفسقون } الكاملون في الفسوق.

# وقرأ أبو حيوة  ولا يكونوا  بياء الغيبة على سبيل الالتفات، وقال ابن
~~عطية: كناية عن نفس المراد بها الجنس.

### || [59.20]

# { لا يستوى أصحب النار } الذين نسوا الله تعالى فاستحقوا
~~الخلود في النار { وأصحب الجنة } الذين اتقوا الله فاستحقوا
~~الخلود في الجنة. ولعل تقديم أصحاب النار في الذكر للإيذان من ms10539 أول الأمر
~~بأن القصور الذي ينبىء عنه عدم الاستواء من جهتهم لا من جهة مقابليهم
~~فإن مفهوم عدم الاستواء بين الشيئين المتفاوتين زيادة ونقصانا وإن جاز
~~اعتباره بحسب زيادة الزائد لكن المتبادر اعتباره بحسب نقصان الناقص؛
~~وعليه قوله تعالى:

# هل يستوى الأعمى والبصير أم هل تستوى
~~الظلمت والنور

# [الرعد: 16] إلى غير ذلك. ولعل تقديم الفاضل في قوله تعالى:

# هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون

# [الزمر: 9] لأن صفته ملكة لصفة المفضول والأعدام مسبوقة بملكاتها.
~~والمراد بعدم الاستواء عدم الاستواء في الأحوال الأخروية كما ينبىء عنه
~~التعبير عن الفريقين بصاحبية النار وصاحبية الجنة، وكذا قوله تعالى: {
~~أصحب الجنة هم الفائزون } فإنه استئناف مبين لكيفية
~~عدم الاستواء بينهما أي هم الفائزون في الآخرة بكل مطلوب الناجون عن كل
~~مكروه.

# والآية تنبيه للناس وإيذان بأنهم لفرط غفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة
~~وتهالكهم على إيثار العاجلة واتباع الشهوات الزائلة كأنهم لا يعرفون
~~الفرق بين الجنة والنار والبون العظيم بين أصحابهما وأن الفوز مع أصحاب
~~الجنة فمن حقهم أن يعلموا ذلك وينبهوا عليه، وهذا كما تقول لمن عق أباه:
~~هو أبوك تجعله بمنزلة من لا يعرفه فتنبهه على حق الأبوة الذي يقتضي البر
~~والتعطف.

# ومما ذكر يعلم ضعف استدلال أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه بالآية على
~~أن المسلم لا يقتل بالكافر، وأن الكفار لا يملكون أموال المسلمين بالقهر.
~~وانتصر لهم بأن لهم أن يقولوا: لما حث سبحانه على التقوى فعلا وتركا
~~وزجر عز وجل عن الغفلة التي تضادها غاية المضادة بذكر غايتها - أعني
~~نسيان الله تعالى ترشيحا للتقريع - أردفه سبحانه بأن أصحاب التقوى
~~وأصحاب هذه الغفلة لا يستوون في شيء ما، وعبر عنهم بأصحاب الجنة وأصحاب
~~النار زيادة تصوير وتبيين، فالمقام يقتضي التباين في حكمي الدارين وإن
~~كان المقصود بالقصد الأول تباينهم في الدار التي هي المدار، وأنت تعلم أن
~~بيان اقتضاء المقام ذلك في مقابلة قول أصحاب أبي حنيفة: إن المقام يقتضي
~~التخصيص وإلا فالشافعية يقولون: إن العموم مدلول نفي المساواة لغة لأن ms10540
~~النفي داخل على مسمى المساواة فلا بد من انتفائها من جميع الوجوه إذ لو
~~وجدت من وجه لما كان مسماها منتفيا هو خلاف مقتضى اللفظ، وقول الحنفية:
~~إن الاستواء مطلقا أعم من الاستواء من كل وجه ومن وجه دون وجه، والنفي
~~إنما دخل على الاستواء الأعم فلا يكون مشعرا بأحد القسمين الخاصين.
~~وحاصله أن الأعم لا يشعر بالأخص فيه إن ذلك في الإثبات مسلم وفي النفي
~~ممنوع، ألا ترى أن من قال: ما رأيت حيوانا وكان قد رأى إنسانا مثلا عد
~~كاذبا؟ وتمام ذلك في كتب الأصول، والإنصاف أن كون المراد هنا نفي
~~الاستواء في الأمور الأخروية ظاهر جدا فلا ينبغي الاستدلال بها على ما
~~ذكر.

### || [59.21]

# { لو أنزلنا هذا القرءان } العظيم الشأن المنطوي على فنون
~~القوارع { على جبل } من الجبال أو جبل عظيم { لرأيته } مع
~~كونه علما في القسوة وعدم التأثر مما يصادمه { خشعا متصدعا
~~من خشية الله } أي متشققا منها. وقرأ أبو طلحة (مصدعا) بإدغام
~~التاء في الصاد. وهذا تمثيل وتخييل لعلو شأن القرآن وقوة تأثير ما فيه من
~~المواعظ والزواجر، والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلة تخشعه عند
~~تلاوة القرآن وتدبر ما فيه من القوارع وهو الذي لو أنزل على جبل وقد ركب
~~فيه العقل لخشع وتصدع، ويشير إلى كونه تمثيلا قوله تعالى: / { وتلك
~~الأمثل نضربها للناس لعلهم يتفكرون } فإن
~~الإشارة فيه إلى قوله تعالى: { لو أنزلنا } الخ وإلى أمثاله،
~~فالكلام بتقدير وقوع تلك، أو المراد تلك وأشباهها والأمثال في الأغلب
~~تمثيلات متخيلة.

### || [59.22]

# { هو الله الذى لا إله إلا هو } وحده سبحانه {
~~علم الغيب } وهو ما لم يتعلق به علم مخلوق وإحساسه أصلا وهو
~~الغيب المطلق { والشهدة } وهو ما يشاهده مخلوق. قال الراغب:
~~((الشهود والشهادة الحضور مع المشاهدة إما بالبصر أو بالبصيرة، وقد يعتبر
~~الحضور مفردا لكن الشهود بالحضور المجرد أولى والشهادة مع المشاهدة
~~أولى))، وحمل الغيب على المطلق هو المتبادر، وأل فيه للاستغراق إذ لا
~~قرينة للعهد، ومقام المدح يقتضيه مع قوله تعالى:

# علم ms10541 الغيوب

# [المائدة: 109] فيشمل كل غيب واجبا كان أو ممكنا موجودا أو معدوما
~~أو ممتنعا لم يتعلق به علم مخلوق، ويطلق الغيب على ما لم يتعلق به علم
~~مخلوق معين وهو الغيب المضاف أي الغيب بالنسبة إلى ذلك المخلوق وهو على
~~ما قيل: مراد الفقهاء في قولهم: مدعي علم الغيب كافر، وهذا قد يكون من
~~عالم الشهادة كما لا يخفى. وذكر الشهادة مع أنه إذا كان كل غيب معلوما
~~له تعالى كان كل شهادة معلوما له سبحانه بالطريق الأولى من باب قوله عز
~~وجل:

# لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها

# [الكهف: 49].

# وقيل: الغيب ما لا يقع عليه الحس من المعدوم أو الموجود الذي لا يدرك،
~~والشهادة ما يقع عليه الإدراك بالحس. وقال الإمام أبو جعفر رضي الله
~~تعالى عنه: الغيب ما لم يكن والشهادة ما كان، وقال الحسن: الغيب السر
~~والشهادة العلانية، وقيل: الأول: الدنيا بما فيها. والثاني: الآخرة بما
~~فيها، وقيل: الأول: الجواهر المجردة وأحوالها. والثاني: الأجرام والأجسام
~~وأعراضها، وفيه أن في ثبوت المجردات خلافا قويا، وأكثر السلف على
~~نفيها.

# وتقديم الغيب لأن العلم به كالدليل على العلم بالشهادة، وقيل: لتقدمه
~~على الشهادة فإن كل شهادة كان غيبا وما برز ما برز إلا من خزائن الغيب،
~~وصاحب القيل الأخير يقول: إن تقديم الغيب لتقدمه في الوجود وتعلق العلم
~~القديم به.

# واستدل بالآية على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، ووجهه ما أشرنا
~~إليه، وتتضمن على ما قيل: دليلا آخر عليه لأنها تدل على أنه لا معبود
~~إلا هو ويلزمه أن يكون سبحانه خالقا لكل شيء بالاختيار كما هو الواقع في
~~نفس الأمر، والخلق بالاختيار يستحيل بدون العلم، ومن هنا قيل: الاستدلال
~~بها على هذا المطلب أولى من الاستدلال بقوله تعالى:

# والله بكل شيء عليم

# [البقرة: 282].

# { هو الرحمن الرحيم } برحمة تليق بذاته سبحانه، والتأويل
~~وإن ذكره علماء أجلاء من الماتريدية والأشاعرة لا يحتاج إليه سلفي كما
~~حقق في «التمييز» وغيره.

### || [59.23]

# { هو الله الذى لا إله إلا هو } كرر لإبراز كمال ms10542
~~الاعتناء بأمر التوحيد { الملك } المتصرف بالأمر والنهي، أو المالك
~~لجميع الأشياء الذي له التصرف فيها، أو الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء
~~ويستحيل عليه الإذلال، أو الذي يولي ويعزل ولا يتصور عليه تولية ولا عزل،
~~أو المنفرد بالعز والسلطان، أو ذو الملك والملك خلقه، أو القادر، أقوال
~~حكاها الآمدي، وحكي الأخير عن القاضي أبي بكر { القدوس } البليغ في
~~النزاهة عما يوجب نقصانا، أو الذي له الكمال في كل وصف اختص به، أو الذي
~~لا يحد ولا يتصور.

# وقرأ أبو السمال وأبو دينار الأعرابي { القدوس } بفتح القاف وهو لغة
~~فيه لكنها نادرة، فقد قالوا: فعول بالضم كثير، وأما بالفتح فيأتي / في
~~الأسماء كسمور وتنور وهبود اسم جبل باليمامة، وأما في الصفات فنادر جدا،
~~ومنه سبوح بفتح السين.

# { السلم } ذو السلامة من كل نقص وآفة، مصدر وصف به للمبالغة، وعن
~~الجبائي هو الذي ترجى منه السلامة، وقيل: أي الذي يسلم على أوليائه
~~فيسلمون من كل مخوف { المؤمن } قيل: المصدق لنفسه ولرسله عليهم
~~السلام فيما بلغوه عنه سبحانه إما بالقول أو بخلق المعجزة، أو واهب عباده
~~الأمن من الفزع الأكبر أو مؤمنهم منه إما بخلق الطمأنينة في قلوبهم أو
~~بإخبارهم أن لا خوف عليهم، وقيل: مؤمن الخلق من ظلمه، وقال ثعلب: المصدق
~~المؤمنين في أنهم آمنوا، وقال النحاس: في شهادتهم على الناس يوم القيامة؛
~~وقيل: ذو الأمن من الزوال لاستحالته عليه سبحانه، وقيل: غير ذلك.

# وقرأ الإمام أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم  وقيل
~~ أبو جعفر المدني { المؤمن } بفتح الميم على الحذف والإيصال كما في
~~قوله تعالى:

# واختار موسى قومه

# [الأعراف: 155] أي المؤمن به. وقال أبو حاتم: لا يجوز إطلاق ذلك عليه
~~تعالى لإيهامه ما لا يليق به سبحانه إذ المؤمن المطلق من كان خائفا
~~وآمنه غيره، وفيه أنه متى كان ذلك قراءة ولو شاذة لا يصح هذا لأن القراءة
~~ليست بالرأي. { المهيمن } الرقيب الحافظ لكل شيء مفيعل من الأمن
~~بقلب همزته هاءا، وإليه ذهب غير واحد، ms10543 وتحقيقه كما في «الكشف» أن أيمن
~~على فيعل مبالغة أمن العدو للزيادة في البناء، وإذا قلت: أمن الراعي
~~الذئب على الغنم مثلا دل على كمال حفظه ورقبته، فالله تعالى أمن كل شيء
~~سواه سبحانه على خلقه وملكه لإحاطة علمه وكمال قدرته عز وجل، ثم استعمل
~~مجرد الدلالة بمعنى الرقيب والحفيظ على الشيء من غير ذكر المفعول بلا
~~واسطة للمبالغة في كمال الحفظ كما قال تعالى:

# ومهيمنا عليه

# [المائدة: 48] وجعله من ذاك أولى من جعله من الأمانة نظرا إلى أن
~~الأمين على الشيء حافظ له إذ لا ينبىء عن المبالغة ولا عن شمول العلم
~~والقدرة. وجعله في «الصحاح» اسم فاعل من آمنه الخوف على الأصل فأبدلت
~~الهمزة الأصلية ياءا كراهة اجتماع الهمزتين وقلبت الأولى هاءا كما في
~~هراق الماء، وقولهم في

# إياك

# [الفاتحة: 5]: هياك كأنه تعالى بحفظه المخلوقين صيرهم آمنين، وحرف
~~الاستعلاء  كمهيمنا عليه  لتضمين معنى الاطلاع ونحوه، وأنت تعلم أن
~~الاشتقاق على ما سمعت أولا أدل والخروج عن القياس فيه أقل، وظاهر كلام
~~«الكشف» أنه ليس من التصغير في شيء. وقال المبرد: إنه مصغر، وخطىء في ذلك
~~فإنه لا يجوز تصغير أسمائه عز وجل.

# { العزيز } الغالب، وقيل: الذي لا مثل له، وقيل: الذي يعذب من أراد،
~~وقيل: الذي عليه ثواب العاملين، وقيل: الذي لا يحط عن منزلته، وقيل: غير
~~ذلك { الجبار } الذي جبر خلقه على ما أراد وقسرهم عليه: ويقال في
~~فعله: أجبر، وأمثلة المبالغة تصاغ من غير الثلاثي لكن بقلة، وقيل: إنه من
~~جبره بمعنى أصلحه، ومنه جبرت العظم فانجبر فهو الذي جبر أحوال خلقه أي
~~أصلحها، وقيل: هو المنيع الذي لا ينال يقال للنخلة إذا طالت وقصرت عنها
~~الأيدي: جبارة، وقيل: هو الذي لا ينافس في فعله ولا يطالب بعلة ولا يحجر
~~عليه في مقدوره. وقال ابن عباس: هو العظيم، وقيل: غير ذلك.

# { المتكبر } البليغ الكبرياء والعظمة لأنه سبحانه برىء من التكلف
~~الذي تؤذن به الصيغة فيرجع إلى لازمه من أن الفعل الصادر عن تأنق أقوى
~~وأبلغ، أو ms10544 الذي / تكبر عن كل ما يوجب حاجة أو نقصانا.

# { سبحن الله عما يشركون } تنزيه لله تعالى عما يشركون
~~به سبحانه، أو عن إشراكهم به عز وجل إثر تعداد صفاته تعالى التي لا يمكن
~~أن يشارك سبحانه في شيء منها أصلا.

### || [59.24]

# { هو الله الخلق } المقدر للأشياء على مقتضى الحكمة، أو مبدع
~~الأشياء من غير أصل ولا احتذاء، ويفسر الخلق بإيجاد الشيء من الشيء {
~~البارىء } الموجد لها بريئة من تفاوت ما تقتضيه بحسب الحكمة والجبلة،
~~وقيل: المميز بعضها عن بعض بالأشكال المختلفة { المصور } الموجد
~~لصورها وكيفياتها كما أراد. وقال الراغب: الصورة ما تنتقش بها الأعيان
~~وتتميز بها عن غيرها، وهي ضربان: محسوسة تدركها العامة والخاصة بل
~~الإنسان وكثير من الحيوانات كصورة الفرس المشاهدة، ومعقولة تدركها الخاصة
~~دون العامة كالصورة التي اختص الإنسان بها من العقل والروية والمعاني
~~التي خص بها شيء بشيء، وإلى الصورتين أشار بقوله سبحانه:

# خلقنكم ثم صورنكم

# [الأعراف: 11] إلى آيات أخر انتهى فلا تغفل.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وحاطب بن أبي بلتعة والحسن وابن السميقع
~~{ المصور } بفتح الواو والنصب على أنه مفعول للبارىء، وأريد به جنس
~~المصور، وعن علي كرم الله تعالى وجهه فتح الواو وكسر الراء على إضافة اسم
~~الفاعل إلى المفعول نحو الضارب الغلام. وفي «الخانية» إن قراءة {
~~المصور } بفتح الواو هنا تفسد الصلاة؛ ولعله أراد إذا أجراه حينئذ
~~على الله سبحانه، وإلا ففي دعوى الفساد بعد ما سمعت نظر.

# { له الأسماء الحسنى } الدالة على محاسن المعاني { يسبح
~~له ما فى السموت والأرض } من الموجودات بلسان الحال لما
~~تضمنته من الحكم والمصالح التي يضيق عن حصرها نطاق البيان، أو بلسان
~~المقال الذي أوتيه كل منها حسبما يليق به على ما قاله كثير من العارفين،
~~وقد تقدم الكلام فيه.

# { وهو العزيز الحكيم } الجامع للكمالات كافة فإنها مع تكثرها
~~وتشعبها راجعة إلى كمال القدرة المؤذن به { العزيز } بناءا على
~~تفسيره بالغالب وإلى كمال العلم المؤذن به { الحكيم } بناءا على
~~تفسيره بالفاعل بمقتضى الحكمة، وفي ذلك إشارة ms10545 إلى التحلية بعد التخلية
~~كما في قوله تعالى:

# ليس كمثله شىء وهو السميع البصير

# [الشورى: 11] فتأمل ولا تغفل.

# ولهذه الآيات فضل عظيم كما دلت عليه عدة روايات، وأخرج الإمام أحمد
~~والدارمي والترمذي وحسنه والطبراني وابن الضريس والبيهقي في «الشعب» عن
~~معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " من قال: حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان
~~الرجيم ثم قرأ الثلاث آيات من آخر سورة الحشر وكل الله به سبعين ألف ملك
~~يصلون عليه حتى يمسي وإن مات ذلك اليوم مات شهيدا، ومن قالها حين يمسي
~~كان بتلك المنزلة "

# وأخرج الديلمي عن ابن عباس مرفوعا

# " اسم الله الأعظم في ست آيات من آخر سورة الحشر "

# وأخرج أبو علي عبد الرحمن بن محمد النيسابوري في «فوائده» عن محمد بن
~~الحنفية أن البراء بن عازب قال لعلي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه:
~~أسألك بالله إلا ما خصصتني بأفضل ما خصك به رسول الله عليه الصلاة
~~والسلام مما خصه به جبريل مما بعث به الرحمن عز وجل، قال: يا براء إذا
~~أردت أن تدعو الله باسمه الأعظم فاقرأ من أول الحديد عشر آيات وآخر
~~الحشر، ثم قال: يا من هو هكذا وليس شيء هكذا غيره، أسألك أن تفعل لي كذا
~~وكذا فوالله يا براء لو دعوت علي لخسف بي.

# / وأخرج الديلمي

# " عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعا
~~إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال في قوله تعالى: { لو
~~أنزلنا } [الحشر: 21] إلى آخر السورة هي رقية الصداع "

# ، وأخرج الخطيب البغدادي في «تاريخه» قال: أنبأنا أبو عبيد الحافظ أنبأ
~~أبو الطيب محمد بن أحمد بن يوسف بن جعفر المقري البغدادي  يعرف بغلام
~~ابن شنبوذ  أنبأ إدريس بن عبد الكريم الحداد قال: قرأت على خلف فلما
~~بلغت هذه الآية

# لو أنزلنا هذا القرءان على جبل

# [الحشر: 21] قال: ضع يدك على رأسك فإني قرأت على حمزة فلما بلغت هذه
~~الآية قال: ضع ms10546 يدك على رأسك فإني قرأت على الأعمش فلما بلغت هذه الآية
~~قال: ضع يدك على رأسك فإني قرأت على يحيى بن وثاب فلما بلغت هذه الآية
~~قال: ضع يدك على رأسك فإني قرأت على علقمة والأسود فلما بلغت هذه الآية
~~قالا ضع يدك على رأسك فإنا قرأنا على عبد الله رضي الله تعالى عنه فلما
~~بلغنا هذه الآية قال ضعا أيديكما على رءوسكما فإني قرأت على النبي صلى
~~الله عليه وسلم فلما بلغت هذه الآية قال لي:

# " ضع يدك على رأسك فإن جبريل عليه السلام لما نزل بها إلي قال: ضع يدك
~~على رأسك فإنها شفاء من كل داء إلا السام والسام الموت "

# إلى غير ذلك من الآثار، والله تعالى أعلم.

### | [60 - سورة الممتحنة]

### || [60.1]

# { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى
~~وعدوكم أولياء } نزلت في حاطب بن عمرو أبي بلتعة  وهو مولى
~~عبد الله بن حميد بن زهير بن أسد بن عبد العزى  أخرج الإمام أحمد
~~والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان وجماعة

# " عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~أنا والزبير والمقداد فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة
~~معها كتاب فخذوه منها فأتوا به فخرجنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن
~~بالظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب قالت: ما معي من كتاب قلنا: لتخرجن الكتاب
~~أو لتلقين الثياب فأخرجته من عقاصها فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم
~~فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض
~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي عليه الصلاة والسلام ما هذا
~~يا حاطب؟! قال: لا تعجل علي يا رسول الله إني كنت امرءا ملصقا في قريش
~~ولم أكن من أنفسها وكان / من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها
~~أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أصطنع إليهم
~~يدا يحمون بها قرابتي وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني [فقال
~~النبي ms10547 صلى الله عليه وسلم صدق] فقال عمر رضي الله تعالى عنه: دعني يا
~~رسول الله أضرب عنقه فقال عليه الصلاة والسلام: إنه شهد بدرا وما يدريك
~~لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فنزلت {
~~يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم
~~أولياء } "

# الخ.

# وفي رواية ابن مردويه عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام بعث عمر وعليا
~~رضي الله تعالى عنهما في أثر تلك المرأة فلحقاها في الطريق فلم يقدرا على
~~شيء معها فأقبلا راجعين ثم قال أحدهما لصاحبه: والله ما كذبنا ولا كذبنا
~~ارجع بنا إليها فرجعا فسلا سيفيهما وقالا: والله لنذيقنك الموت أو لتدفعن
~~الكتاب فأنكرت ثم قالت: أدفعه إليكما على أن لا ترداني إلى رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فقبلا ذلك فأخرجته لهما من قرون رأسها، وفيه  على ما في
~~«الدر المنثور»  أن المرأة تدعى أم سارة كانت مولاة لقريش، وفي «الكشاف»
~~يقال لها: سارة مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هاشم. وفي صحة خبر أنس تردد،
~~وما تضمنه من رجوع الإمامين رضي الله تعالى عنهما بعيد، وقيل: إن
~~المبعوثين في أثرها عمر وعلي وطلحة والزبير وعمار والمقداد وأبو مرثد
~~وكانوا فرسانا، والمعول عليه ما قدمنا، والذين كانوا له في مكة بنوه
~~وإخوته على ما روي عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن حاطب المذكور، وفي
~~رواية لأحمد عن جابر أن حاطبا قال: كانت والدتي معهم فيحتمل أنها مع
~~بنيه وإخوته.

# وصورة الكتاب  على ما في بعض الروايات  أن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده
~~لنصره الله عليكم فإنه منجز له ما وعده. وفي الخبر السابق على ما قيل:
~~دليل على جواز قتل الجاسوس لتعليله صلى الله عليه وسلم المنع عن قتله
~~بشهوده بدرا  وفيه بحث  وفي التعبير عن المشركين بالعدو مع الإضافة
~~إلى ضميره عز وجل تغليظ لأمر اتخاذهم أولياء وإشارة إلى حلول عقاب الله
~~تعالى بهم، ms10548 وفيه رمز إلى معنى قوله:

# إذا صافى صديقك من تعادى

# فقد عاداك وانقطع الكلام

# والعدو فعول من عدا كعفو من عفا، ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجمع
~~إيقاعه على الواحد. ونصب { أولياء } على أنه مفعول ثان  لتتخذوا .

# وقوله تعالى: { تلقون إليهم بالمودة } تفسير للموالاة
~~أو لاتخاذها أو استئناف فلا محل لها من الإعراب. والباء زائدة في المفعول
~~كما في قوله تعالى:

# ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة

# [البقرة: 195] وإلقاء المودة مجاز عن إظهارها، وتفسيره بالإيصال أي
~~توصلون إليهم المودة لا يقطع التجوز. وقيل: الباء للتعدية لكون المعنى
~~تفضون إليهم بالمودة. وأفضى يتعدى بالباء كما في «الأساس»، وقيل: هي
~~للسببية والإلقاء مجاز عن الإرسال أي ترسلون إليهم أخبار النبي صلى الله
~~عليه وسلم بسبب المودة التي بينكم، وعن البصريين أن الجار متعلق بالمصدر
~~الدال عليه الفعل، وفيه حذف المصدر مع بقاء معموله، وجوز كون الجملة
~~حالا من فاعل { لا تتخذوا } أو صفة  لأولياء  ولم يقل  تلقون
~~إليهم أنتم  بناءا على أنه لا يجب مثل هذا الضمير مع الصفة الجارية على
~~غير من هي له، أو الحال، أو الخبر، أو الصلة سواء في ذلك الاسم والفعل
~~كما في «شرح التسهيل» لابن مالك إذا لم يحصل إلباس نحو زيد هند ضاربها أو
~~يضربها بخلاف زيد عمرو ضاربه أو يضربه فإنه يجب معه هو لمكان الإلباس. /
~~وزعم بعضهم أن الإبراز في الصفات الجارية على غير من هي له إنما يشترط في
~~الاسم دون الفعل كما هنا ومنع ذلك، وتعقب الوجهان بأنهما يوهمان أنه تجوز
~~الموالاة عند عدم الإلقاء فيحتاج إلى القول بأنه لا اعتبار للمفهوم للنهي
~~عن الموالاة مطلقا في غير هذه الآية، أو يقال: إن الحال والصفة لازمة
~~ولذا كانت الجملة مفسرة وقوله تعالى: { وقد كفروا بما جاءكم
~~من الحق } حال من فاعل { لا تتخذوا } وهي حال مترادفة إن
~~كانت جملة { تلقون } حالية أيضا أو من فاعل { تلقون } وهي
~~متداخلة على تقدير حاليتها، وجوز كونه حالا من المفعول وكونه مستأنفا.

# وقرأ الجحدري والمعلى ms10549 عن عاصم  لما  باللام أي لأجل ما جاءكم بمعنى
~~جعل ما هو سبب للإيمان سبب الكفر.

# { يخرجون الرسول وإيكم } أي من مكة { أن تؤمنوا
~~بالله ربكم } أي لإيمانكم أو كراهة إيمانكم بالله عز وجل. والجار
~~متعلق  بيخرجون  والجملة قيل: حال من فاعل { كفروا } أو استئناف
~~كالتفسير لكفرهم كأنه قيل: كيف كفروا؟ وأجيب بأنهم كفروا أشد الكفر
~~بإخراج الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين لإيمانهم خاصة لا لغرض آخر،
~~وهذا أرجح من الوجه الأول لطباقه للمقام وكثرة فوائده. والمضارع لاستحضار
~~الحال الماضية لما فيها من مزيد الشناعة، والاستمرار غير مناسب للمعنى.
~~وفي { تؤمنوا } قيل: تغليب للمؤمنين. والالتفات عن ضمير المتكلم بأن
~~يقال: بي إلى ما في النظم الجليل للإشعار بما يوجب الإيمان من الألوهية
~~والربوبية.

# { إن كنتم خرجتم جهادا فى سبيلى وابتغاء مرضاتى
~~} متعلق بقوله تعالى: { لا تتخذوا } الخ كأنه قيل: لا تتولوا
~~أعدائي إن كنتم أوليائي فجواب الشرط محذوف دل عليه ما تقدم، وجعله
~~الزمخشري حالا من فاعل { لا تتخذوا } ولم يقدر له جوابا أي لا
~~تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء والحال أنكم خرجتم لأجل الجهاد وطلب مرضاتي.
~~واعترض بأن الشرط لا يقع حالا بدون جواب في غير إن الوصلية، ولا بد فيها
~~من الواو وأن ترد حيث يكون ضد المذكور أولى  كأحسن إلى زيد وإن أساء
~~إليك  وما هنا ليس كذلك. وأجيب بأن ابن جني جوزه، وارتضاه جار الله هنا
~~لأن البلاغة وسوق الكلام يقتضيانه فيقال لمن تحققت صداقته من غير قصد
~~للتعليق والشك: لا تخذلني إن كنت صديقي تهييجا للحمية، وفيه من الحسن ما
~~فيه فلا يضر إذا خالف المشهور. ونصب المصدرين على ما أشرنا إليه على
~~التعليل، وجوز كونهما حالين أي مجاهدين ومبتغين. والمراد بالخروج إما
~~الخروج للغزو وإما الهجرة، فالخطاب للمهاجرين خاصة لأن القصة صدرت منهم
~~كما سمعت في سبب النزول.

# وقوله تعالى: { تسرون إليهم بالمودة } استئناف بياني
~~كأنهم لما استشعروا العتاب مما تقدم سألوا ما صدر عنا حتى عوتبنا؟ فقيل:
~~{ تسرون } الخ، وجوز أن يكون بدلا من ms10550 { تلقون } بدل كل من كل
~~إن أريد بالإلقاء خفية، أو بدل بعض إن أريد الأعم لأن منه السر والجهر.
~~وقال أبو حيان: هو شبيه ببدل الاشتمال، وجوز ابن عطية كونه خبر مبتدأ
~~محذوف أي أنتم { تسرون } والكلام استئناف للإنكار عليهم، وأنت تعلم
~~أن الاستئناف لذلك حسن لكنه لا يحتاج إلى حذف، والكلام في الباء هنا على
~~ما يقتضيه ظاهر كلامهم كالباء فيما تقدم.

# وقوله تعالى: { وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم
~~} / في موضع الحال. و { أعلم } أفعل تفضيل، والمفضل عليه محذوف أي
~~منكم، وأجاز ابن عطية كونه مضارعا، والعلم قد يتعدى بالباء أو هي زائدة،
~~و { ما } موصولة أو مصدرية، وذكر { ما أعلنتم } مع الاستغناء عنه
~~للإشارة إلى تساوي العلمين في علمه عز وجل، ولذا قدم { ما أخفيتم
~~} وفي هذه الحال إشارة إلى أنه لا طائل لهم في إسرار المودة إليهم كأنه
~~قيل: تسرون إليهم بالمودة والحال أني أعلم ما أخفيتم وما أعلنتم ومطلع
~~رسولي على ما تسرون فأي فائدة وجدوى لكم في الإسرار؟

# { ومن يفعله } أي الإسرار. وقال ابن عطية وجمع: أي الاتخاذ {
~~منكم فقد ضل سواء السبيل } أي الطريق المستوي والصراط
~~الحق فإضافة { سوآء } من إضافة الصفة إلى الموصوف، ونصبه على المفعول
~~به  لضل  وهو يتعدى كأضل، وقيل: لا يتعدى. و { سوآء } ظرف كقوله:

# كما عسل الطريق الثعلب

### || [60.2]

# { إن يثقفوكم } أي إن يظفروا بكم، وأصل الثقف الحذق في إدراك
~~الشيء وفعله، ومنه رجل ثقف لقف، وتجوز به عن الظفر والإدراك مطلقا {
~~يكونوا لكم أعداء } أي عداوة يترتب عليها ضرر بالفعل بدليل
~~قوله تعالى: { ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم
~~بالسوء } أي بما يسوءكم من القتل والأسر والشتم فكأنه عطف تفسيري،
~~فوقوع { يكونوا } الخ جواب الشرط بالاعتبار الذي أشرنا إليه وإلا
~~فكونهم أعداء للمخاطبين أمر متحقق قبل الشرط بدليل ما في صدر السورة،
~~ومثله قول بعضهم: أي يظهروا ما في قلوبهم من العدواة ويرتبوا عليها
~~أحكامها، وقيل: المراد بذلك لازم العداوة وثمرتها وهو ظهور عدم نفع
~~التودد فكأنه قيل: إن ms10551 يثقفوكم يظهر لكم عدم نفع إلقاء المودة إليهم
~~والتودد لهم.

# وقوله تعالى: { وودوا لو تكفرون } عطف على الجواب وهو
~~مستقبل معنى كما هو شأن الجواب، ويؤول كما أول سابقه بأن يقال  على ما
~~في «الكشف»  المراد ودادة يترتب عليها القدرة على الرد إلى الكفر، أو
~~يقال  على ما قال البعض  المراد إظهار الودادة وإجراء ما تقتضيه.
~~والتعبير بالماضي وإن كان المعنى على الاستقبال للإشعار بأن ودادتهم
~~كفرهم قبل كل شيء وأنها حاصلة وإن لم يثقفوهم. وتحقيق ذلك أن الودادة
~~سابقة بالنوع متأخرة باعتبار بعض الأفراد، فعبر بالماضي نظرا للأول
~~وجعلت جوابا متأخرا نظرا للثاني. وآثر الخطيب الدمشقي العطف على مجموع
~~الجملة الشرطية كقوله تعالى:

# ثم لا ينصرون

# [الحشر: 12] في السورة قبل

# إذا جآء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا
~~يستقدمون

# [يونس: 49] عند جمع قال: لأن ودادتهم أن يرتدوا كفارا حاصلة وإن لم
~~يظفروا بهم فلا يكون في التقييد بالشرط فائدة، وإلى ذلك ذهب أبو حيان،
~~وجوابه يعلم مما ذكرنا، وقريب منه ما قيل: إن ودادة كفرهم بعد الظفر لما
~~كانت غير ظاهرة لأنهم حينئذ سبي وخدم لا يعتد بهم فيجوز أن لا يتمنى
~~كفرهم فيحتاج إلى الإخبار عنه بخلاف الودادة قبل الظفر فيكون للتقييد
~~فائدة لأنها ودادة أخرى متأخرة.

# وقال بعض الأفاضل: إن المعطوف على الجزاء في كلام العرب على أنحاء:
~~الأول: أن يكون كل منهما جزاء وعلة نحو إن تأتني آتك وأعطك. الثاني: أن
~~يكون الجزاء أحدهما وإنما ذكر الآخر لشدة ارتباطه به لكونه مسببا له
~~مثلا نحو إذا جاء الأمير استأذنت وخرجت لاستقباله ونحو حبست غريمي
~~لأستوفي حقي وأخليه. الثالث: أن يكون المقصود جمع أمرين وحينئذ لا ينافي
~~تقدم أحدهما نحو كخرجت مع الحجاج لأرافقهم في الذهاب ولا أرافقهم في
~~الإياب، ومنه قوله تعالى:

# إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما
~~تقدم من ذنبك وما تأخر

# [الفتح: 1-2] الآية، وما في النظم الجليل هنا قيل: محتمل للأول لاستقبال
~~الودادة من بعض الاعتبارات كما تقدم، وعبر بالماضي اعتبارا ms10552 للتقدم
~~الرتبي من حيث أن الرد عند الكفرة أشق المضار لعلمهم أن الدين أعز على
~~المؤمنين من أرواحهم لأنهم باذلون لها دونه، وأهم شيء عند العدو أن يقصد
~~أهم شيء عند صاحبه؛ ومحتمل للثالث بأن يكون المراد المجموع بتأويل يريدون
~~لكم مضار الدنيا والآخرة، قيل: وللثاني أيضا بأن يكون الجزاء هو 
~~يبسطوا  وذكرت عدواتهم وودادتهم الرد لشدة الارتباط لما هناك من السببية
~~والمسببية وهو كما ترى. وجعل الطيبي المجموع مجازا من إطلاق السبب
~~وإرادة المسبب وهو مضار الدارين، وذكر أن الجواب في الحقيقة مقدر أي
~~يريدوا لكم مضار الدنيا والدين، وما ذكر دليله أقيم مقامه. وقيل: عبر في
~~الودادة بالماضي لتحققها عند المؤمنين أتم من تحقق ما قبلها، وحمل عليه
~~كلام لصاحب «المفتاح». وعن بعضهم أن الواو واو الحال لا واو العطف،
~~والجملة في موضع الحال بتقدير قد أو بدونه، ولا يخفى أن العطف هو
~~المتبادر، وكونه على الجزاء أبعد مغزى، وإخراج الشرط والجزاء على نحو ذلك
~~أكثر من أن يحصى.

### || [60.3]

# { لن تنفعكم أرحمكم } دفع لما عسى أن يتخيلوا كونه عذرا
~~نافعا من أن الداعي للاتخاذ وإلقاء المودة صيانة الأرحام والأولاد من
~~أذى أولئك، والرحم في الأصل رحم المرأة، واشتهر في القرابة حتى صار
~~كالحقيقة فيها، فإما أن يراد به ذلك أو يجعل مجازا عن القريب، أو يعتبر
~~معه مضاف أي ذوو أرحامكم، ويؤيد التأويل عطف قوله تعالى: { ولا
~~أولدكم } أي لن ينفعكم قراباتكم أو أقاربكم ولا أولادكم الذين
~~توالون المشركين لأجلهم وتتقربون إليهم محاماة عليهم.

# { يوم القيمة } بدفع ضر أو جلب نفع { يفصل بينكم }
~~استئناف لبيان عدم نفع الأرحام والأولاد يومئذ أي يفرق الله تعالى بينكم
~~بما يكون من الهول الموجب لفرار كل منكم من الآخر حسبما نطق به قوله
~~تعالى:

# يوم يفر المرء من أخيه

# [عبس: 34] الآية فلا ينبغي أن يرفض حق الله تعالى وتوالى أعداؤه سبحانه
~~لمن هذا شأنه، وما أشرنا إليه من تعلق يوم القيامة بالفعل قبله هو
~~الظاهر، وجوز تعلقه  بيفصل  بعده.

# وقرأ حمزة ms10553 والكسائي وابن وثاب  يفصل  بضم الياء وتشديد الصاد مبنيا
~~للفاعل، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة كذلك إلا أنهما خففا، وطلحة
~~والنخعي  نفصل  بالنون مضمومة والتشديد والبناء للفاعل، وهما أيضا
~~وزيد بن علي بالنون مفتوحة مخففا مبنيا للفاعل، وأبو حيوة أيضا بالنون
~~مضمومة. وقرأ الأعرج وعيسى وابن عامر  يفصل  بالياء والتشديد والبناء
~~للمفعول، وجمهور القراء كذلك إلا أنهم خففوا، ونائب الفعل إما {
~~بينكم } وهو مبني على الفتح لإضافته إلى متوغل في البناء كما قيل،
~~وإما ضمير المصدر المفهوم من الفاعل أي يفصل هو أي الفصل.

# { والله بما تعملون بصير } فيجازيكم به.

### || [60.4]

# { قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبرهيم والذين
~~معه } تأكيد لأمر الإنكار عليهم والتخطئة في موالاة الكفار بقصة
~~إبراهيم عليه السلام ومن معه ليعلم أن الحب في الله تعالى والبغض فيه
~~سبحانه من أوثق عرا الإيمان فلا ينبغي أن يغفل عنهما. والأسوة بضم الهمزة
~~وكسرها وهما لغتان، وبالكسر قرأ جميع القراء إلا عاصما وهي بمعنى
~~الائتساء والاقتداء، وتطلق على الخصلة التي من حقها أن يؤتسى ويقتدى بها،
~~وعلى نفس الشخص المؤتسى به، / ففي زيد أسوة من باب التجريد نحو:

# وللضعفاء في الرحمن كاف

# وفي البيضة عشرون منا حديد وكل من ذلك قيل: محتمل في الآية، ورجح إرادة
~~الخصلة لأن الاستثناء الآتي عليها أظهر. و { لكم } للبيان متعلق
~~بمحذوف كما في سقيا لك، أو هو متعلق بكان على رأي من يجوز تعلق الظرف
~~بها، { وأسوة } اسمها و { حسنة } صفته، و { فى إبرهيم } خبرها،
~~أو { لكم } هو الخبر، و { فى إبرهيم } صفة بعد صفة  لأسوة  أو
~~خبر بعد خبر  لكان  أو حال من المستكن في { لكم } على ما قيل، أو في
~~{ حسنة } ولم يجوز كونه صلة { أسوة } بناءا على أنها مصدر، أو
~~اسمه وهو إذا وصف لا يعمل مطلقا لضعف شبهه بالفعل، قيل: وإذا قلنا: إنها
~~ليست مصدرا ولا اسمه، أو قلنا: إنه يغتفر عمله وإن وصف قبل العمل في
~~الظرف للاتساع فيه جاز ذلك.

# والظاهر أن المراد  بالذين معه ms10554  عليه السلام أتباعه المؤمنون لكن قال
~~الطبري وجماعة: المراد بهم الأنبياء الذين كانوا قريبا من عصره عليه
~~وعليهم الصلاة والسلام لأنه عليه السلام لم يكن معه وقت مكافحته قومه
~~وبراءته منهم أتباع مؤمنون كافحوهم معه وتبرءوا منهم، فقد روي أنه قال
~~لسارة حين رحل إلى الشام مهاجرا من بلد نمروذ: ما على الأرض من يعبد
~~الله تعالى غيري وغيرك، وأنت تعلم أنه لا يلزم وجود الأتباع المؤمنين في
~~أول وقت المكافحة بل اللازم وجودهم ولو بعد، ولا شك في أنهم وجدوا بعد
~~فليحمل من معه عليهم، ويكون التبري المحكي في قوله تعالى: { إذ
~~قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم } الخ وقت وجودهم. و {
~~إذ } قيل: ظرف لخبر { كان } والعامل الجار والمجرور أو المتعلق، أو 
~~لكان  نفسها على ما مر، أو بدل من { أسوة } و { برآء } جمع بريء
~~كظريف وظرفاء.

# وقرأ الجحدري { براء } كظراف جمع ظريف أيضا، وقرأ أبو جعفر { براء }
~~بضم الباء كتؤام وظؤار، وهو اسم جمع، الواحد بريء وتوام وظئر، وقال
~~الزمخشري: إن ذلك على إبدال الضم من الكسر كرخال بضم الراء جمع رخل،
~~وتعقب بأنه ضم أصلي، والصيغة من أوزان أسماء الجموع، وليس ذلك جمع تكسير
~~فتكون الضمة بدلا من الكسرة.

# ورويت هذه القراءة عن عيسى، قال أبو حاتم: زعموا أنه عيسى الهمداني وعنه
~~{ براء } على فعال كالذي في قوله تعالى:

# إننى براء مما تعبدون

# في [الزخرف: 26]، وهو مصدر على فعال يوصف به المفرد وغيره، وتأكيد
~~الجملة لمزيد الاعتناء بشأنها، أو لأن قومهم المشركين مستبعدون ذلك شاكون
~~فيه حيث يحسبون أنفسهم على شيء وكأنهم استشعروا ذلك منهم فقالوا لهم: {
~~إنا برءؤا منكم }.

# { ومما تعبدون من دون الله } من الأصنام والكواكب وغيرها
~~{ كفرنا بكم } بيان لقوله سبحانه: { إنا برءؤا براء } إلى
~~آخره فهو على معنى كفرنا بكم وبما تعبدون من دون الله، ويكون المراد {
~~بكم } القوم ومعبوديهم بتغليب المخاطبين، والكفر بذلك مجاز أو كناية
~~عن عدم الاعتداد فكأنه قيل: إنا لا نعتد بشأنكم ولا بشأن آلهتكم وما أنتم
~~عندنا على ms10555 شيء.

# وفي «الكشف» أن الأصل كفرنا بما تعبدون ثم كفرنا بكم وبما تعبدون لأن من
~~كفر بما أتى به الشخص فقد كفر به، ثم اكتفى  بكفرنا بكم  لتضمنه الكفر
~~بجميع ما أتوا به وما تلبسوا به لا سيما وقد تقدمه { إنا برءؤا }
~~فسر بأنا لا نعتد الخ تنبيها على أنه تهكم بهم فإن ذلك لا يسمى كفرا
~~لغة وعرفا وإنما هو اسم يقع على أدخل الأشياء في الاستهجان والذم، وما
~~ذكرناه أقرب، وهو معنى ما في «الكشاف» دونه، وأما ما قيل: إن في الكلام
~~معطوفا / على الجار والمجرور محذوفا أي بكم وبما تعبدون، وحذف اكتفاءا
~~بدلالة السياق فليس بشيء.

# { وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا }
~~أي هذا دأبنا معكم لا نتركه { حتى تؤمنوا بالله وحده }
~~وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك فتنقلب العداوة ولاية والبغضاء محبة. وفسر
~~الفيروزابادي البغضاء بشدة البغض ضد الحب، وأفاد أن العداوة ضد الصداقة،
~~وفسر الصداقة بالمحبة، فالعداوة والبغضاء على هذا متقاربان، وأفاد الراغب
~~أن العداوة منافاة الالتئام قلبا، وقال: البغض نفار النفس عن الشيء الذي
~~ترغب عنه وهو ضد الحب، ثم قال: يقال: بغض الشيء بغضا وبغضة وبغضاء، وهو
~~نحو كلام الفيروزابادي، والذي يفهم من كلام غير واحد أنه كثيرا ما يعتبر
~~في العداوة التخاذل دون البغضاء فليراجع هذا المطلب.

# { إلا قول إبرهيم لأبيه لأستغفرن لك } استثناء
~~من قوله تعالى: { أسوة حسنة } كما قاله قتادة وجماعة وهو على
~~تقدير التجريد أو تفسيرا  لأسوة  بالاقتداء منقطع بلا ريب، وأما على
~~تقدير أن يراد بها ما يؤتسى به فقيل: هو متصل؛ وقيل: منقطع، وإليه ذهب
~~الأكثر، وتوجيه الاستثناء إلى العدة بالاستغفار لا إلى نفس الاستغفار
~~المحكي عنه عليه السلام بقوله تعالى:

# واغفر لأبى

# [الشعراء: 86] الآية مع أنه المراد قيل: لأنها كانت هي الحاملة له عليه
~~السلام عليه، ويعلم من ذلك استثناء نفس الاستغفار بطريق الأولى، وجعلها
~~بعضهم كناية عن الاستغفار لأن عدة الكريم - خصوصا مثل إبراهيم عليه
~~السلام لا سيما إذا أكدت بالقسم - يلازمها الإنجاز وليس بلازم ms10556 كما لا
~~يخفى، وكأن هذه العدة غير العدة السابقة في سورة مريم [47] في قوله تعالى
~~حكاية عنه عليه السلام:

# سأستغفر لك ربي

# الآية ولعلها وقعت منه عليه السلام بعد تلك تأكيدا لها وحكيت ههنا على
~~سبيل الاستثناء.

# وفي «الإرشاد» تخصيصها بالذكر دون ما وقع في سورة مريم لورودها على طريق
~~التوكيد القسمي. واستثناء ذلك من الأسوة الحسنة قيل: لأن استغفاره عليه
~~السلام لأبيه الكافر بمعنى أن يوفقه الله تعالى للتوبة ويهديه سبحانه
~~للإيمان وإن كان جائزا عقلا وشرعا لوقوعه قبل تبين أنه من أصحاب
~~الجحيم وأنه يموت على الكفر كما دل عليه ما في سورة التوبة لكنه ليس مما
~~ينبغي أن يؤتسى به أصلا إذ المراد به ما يجب الائتساء به حتما لورود
~~الوعيد على الإعراض عنه بقوله تعالى بعد:

# ومن يتول فإن الله هو الغنى الحميد

# [الممتحنة: 6] فاستثناؤه عما سبق إنما يفيد عدم وجوب استدعاء الإيمان
~~والمغفرة للكافر المرجو إيمانه، وذلك مما لا يرتاب فيه عاقل، وأما عدم
~~جوازه فلا دلالة للاستثناء عليه قطعا، وزعم الإمام على ما نقل عنه دلالة
~~الآية على ذلك، ولا يلزم أن يكون الاستغفار منه عليه السلام معصية لأن
~~كثيرا من خواص الأنبياء عليهم السلام لا يجوز التأسي به لأنه أبيح لهم
~~خاصة وهو كما ترى إذ هو ظاهر في أن ذلك الاستغفار الذي وقع منه عليه
~~السلام لو فرض واقعا من غيره لكان معصية وليس كذلك بل هو مباح ممن وقع.

# وعن الطيبي ما حاصله: إن إبراهيم عليه السلام لما أجاب قول أبيه:

# لأرجمنك واهجرنى مليا

# [مريم: 46] بقوله:

# سأستغفر لك ربي

# [مريم: 47] رحمة ورأفة به، ولم يكن عارفا بإصراره على الكفر وفى بوعده
~~وقال:

# واغفر لأبى

# [الشعراء: 86] فلما تبين إصراره ترك الدعاء وتبرأ منه، فظهر أن استغفاره
~~لم يكن منكرا، وهو في حياته بخلاف ما نحن فيه فإنه فصل عداوتهم وحرصهم
~~على قطع أرحامهم بقوله تعالى:

# لن تنفعكم

# [الممتحنة: 3] الخ وسلاهم عن القطيعة بقصة إبراهيم عليه السلام ثم
~~استثنى منها ما ذكر كأنه ms10557 قيل: لا تجاملوهم ولا تبدوا لهم الرأفة كما فعل
~~إبراهيم لأنه لم يتبين / له كما تبين لكم انتهى، وفيه رمز إلى احتمال أن
~~يكون المستثنى نفس العدة من حيث دلالتها على الرأفة والرحمة، ومآل ذلك
~~استثناء الرأفة والرحمة.

# وعلل بعض الأجلة عدم كون استغفاره عليه السلام لأبيه الكافر مما لا
~~ينبغي أن يؤتسى به بأنه كان قبل النهي أو لموعدة وعدها إياه؛ وتعقب
~~الثاني بأن الوعد بالمحظور لا يرفع حظره، والأول بأنه مبني على تناول
~~النهي لاستغفاره عليه السلام له مع أن النهي إنما ورد في شأن الاستغفار
~~بعد تبين الأمر، وقد كان استغفاره عليه السلام قبله، ومنبىء عن كون
~~الاستغفار مؤتسى به لو لم ينه عنه مع أن ما يؤتسى به ما يجب الائتساء به
~~لا ما يجوز فعله في الجملة.

# وأجيب بما لا يرفع القال والقيل؛ فالأولى التعليل بما سبق.

# واستظهر أبو حيان أن الاستثناء من مضاف لإبراهيم مقدر في نظم الآية
~~الكريمة أي لقد كان لكم أسوة حسنة في مقالات إبراهيم ومحاوراته لقومه إلا
~~قول إبراهيم الخ، وجزم باتصال الاستثناء عليه، وكذا جزم الطيبي باتصاله
~~على قول البغوي أي لكم أسوة حسنة في إبراهيم وأموره إلا في استغفاره
~~لأبيه المشرك، ولا يخفى أن التقدير خلاف الظاهر، ومتى ارتكب فالأولى
~~تقدير أمور.

# بقي أنه قيل: إن الآية تدل على منع التأسي بإبراهيم عليه السلام في
~~الاستغفار للكافر الحي مع أنه بالمعنى السابق - أعني طلب الإيمان له - لا
~~منع عنه. وأجيب بأنه إنما منع من التأسي بظاهره وظن أنه جائز مطلقا كما
~~وقع لبعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وفيه أنه قد تقدم أن دلالة الآية
~~على أن الاستغفار ليس مما يجب الائتساء به حتما لا على منعه وحرمته، ثم
~~إنه ينبغي أن يعلم أن تبين كون أبيه من أصحاب الجحيم الذي كان الاستغفار
~~قبله كان في الدنيا وكذا التبري منه بعده، وقد تقدم في سورة التوبة قول
~~بكون ذلك في الآخرة لدلالة ظواهر بعض الأخبار الصحيحة عليه فإنها ms10558 دالة
~~على أنه عليه السلام يشفع لأبيه يوم القيامة، وهي استغفار أي استغفار
~~فيه، ولو كان تبين أنه يموت كافرا في الدنيا لم يكن ليشفع، ويطلب على
~~أتم وجه المغفرة له ضرورة أنه عليه السلام عالم أن الله تعالى لا يغفر أن
~~يشرك به، وإنكار ذلك مما لا يكاد يقدم عليه عاقل، والذاهبون إلى أن لتبين
~~كان في الدنيا كما عليه سلف الأمة  وهو الصحيح الذي أجزم به اليوم 
~~أشكلت عليهم تلك الظواهر من حيث دلالتها على الشفاعة التي هي في ذلك
~~اليوم استغفار، وأتهموا وأنجدوا في الجواب عنها، وقد تقدم جميع ما وجدته
~~لهم فارجع إليه واختر لنفسك ما يحلو.

# ثم إني أقول: الذي يغلب على ظني أن الاستغفار الذي كان منه عليه السلام
~~قبل التبين بالمعنى المشهور لا بمعنى التوفيق للإيمان، والآيات التي في
~~سورة التوبة وما ورد في سبب نزولها تؤيد ظواهرها ذلك. والتزم أن امتناع
~~جواز الاستغفار إنما علم بالوحي لا بالعقل لأنه يجوز أن يغفر الله تعالى
~~للكافر وهو سبحانه الغفور الرحيم، وأنه عليه السلام لم يكن إذ استغفر
~~عالما بالوحي امتناعه، ومعنى الآية  والله تعالى أعلم  إن لكم
~~الاقتداء بإبراهيم عليه السلام والذين معه في البراءة من الكفرة لكن
~~استغفاره للكافر ليس لكم الاقتداء به فيه ومآله يجب عليكم البراءة ويحرم
~~عليكم الاستغفار وإبداء الرأفة، فليس لكم الذي اعتبرناه في الاستثناء من
~~باب قوله تعالى:

# ما كان للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا
~~للمشركين

# [التوبة: 113] الخ، ودلالة ذلك على المنع ظاهرة فتأمل جميع ما قدمناه،
~~ووراءه كلام مبني على قول من قال: ليس لله عز وجل قضاء مبرم، ونقل ذلك عن
~~القطب الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره، وشيد بعض الأجلة أركانه في
~~«رسالة» مستقلة بسط فيها الأدلة على ذلك لكنها لا تخلو عن بحث والله
~~تعالى أعلم.

# وقوله سبحانه: { وما أملك لك من الله من شىء } من تمام
~~القول المستثنى، محله النصب على أنه حال من فاعل { لأستغفرن }
~~ومورد الاستثناء نفس الاستغفار لا قيده ms10559 فإنه في نفسه / من خصال الخير
~~لكونه إظهارا للعجز وتفويضا للأمر إلى الله تعالى، فالكلام من قبيل ما
~~رجع فيه النفي للمقيد دون القيد.

# وفي «الكشف» أنه وإن كان في نفسه كلاما مطابقا للواقع حسنا أن يجعل
~~أسوة إلا أنه شفع بقوله: { لأستغفرن لك } تحقيقا للوعد كأنه
~~قيل: لأستغفرن لك وما في طاقتي إلا هذا فهو مبذول لا محالة، وفيه أنه لو
~~ملك أكثر من ذلك لفعل، وعلى هذا فهو حقيق بالاستثناء.

# وقوله عز وجل:

# { ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك
~~المصير } إلى آخره جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب متصلة معنى
~~بقصة إبراهيم عليه السلام ومن معه على أنها بيان لحالهم في المجاهدة
~~لأعداء الله عز وجل وقشر العصا، ثم اللجأ إلى الله تعالى في كفاية شرهم
~~وأن تلك منهم له عز وجل لا لحظ نفسي. وقيل: اتصالها بما تقدم لفظي على
~~أنها بتقدير قول معطوف على { قالوا إنا برءؤا } أي وقالوا ربنا
~~الخ، وجوز أن يكون المعنى قولوا ربنا أمرا منه تعالى للمؤمنين بأن
~~يقولوه، وتعليما منه عز وجل لهم وتتميما لما وصاهم سبحانه به من قطع
~~العلائق بينهم وبين الكفار والائتساء بإبراهيم عليه السلام وقومه في
~~البراءة منهم وتنبيها على الإنابة إلى الله تعالى والاستعاذة به من فتنة
~~أهل الكفر والاستغفار مما فرط منهم وهو كما قيل: وجه حسن لا يأباه النظم
~~الكريم، وفيه شمة من أسلوب

# انتهوا خيرا لكم

# [النساء: 171] لأنه سبحانه لما حثهم على الائتساء بمن سمعت في الانتهاء
~~عن الكفر وموالاة أهله، ثم قال سبحانه ما يدل على اللجأ إليه تعالى يكون
~~في المعنى نهيا عن الأول وأمرا بالثاني. وجعل بعضهم القول على هذا
~~الوجه معطوفا على

# لا تتخذوا

# [الممتحنة: 1] أي وقولوا ربنا الخ. وأيا ما كان فتقديم الجار والمجرور
~~في المواضع الثلاثة للقصر كأنه قيل: ربنا عليك توكلنا لا على غيرك وإليك
~~أنبنا لا إلى غيرك وإليك المصير لا إلى غيرك.

### || [60.5]

# { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا } أي لا
~~تسلطهم علينا ms10560 فيسبوننا ويعذبوننا  قاله ابن عباس  فالفتنة مصدر بمعنى
~~المفتون أي المعذب، من فتن الفضة إذا أذابها فكأنه قيل: ربنا لا تجعلنا
~~معذبين للذين كفروا، وقال مجاهد: أي لا تعذبنا بأيديهم، أو بعذاب من عندك
~~فيظنوا أنهم محقون وأنا مبطلون فيفتنوا لذلك. وقال قريبا منه قتادة وأبو
~~مجلز، والأول أرجح. ولم تعطف هذه الجملة الدعائية على التي قبلها سلوكا
~~بهما مسلك الجمل المعدودة، وكذا الجملة الآتية، وقيل: إن هذه الجملة بدل
~~مما قبلها، ورد بعدم اتحاد المعنيين كلا وجزءا ولا مناسبة بينهما سوى
~~الدعاء { واغفر لنا } ما فرط منا { ربنا إنك أنت
~~العزيز } الغالب الذي لا يذل من التجأ إليه ولا يخيب رجاء من توكل
~~عليه { الحكيم } الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة.

### || [60.6]

# { لقد كان لكم فيهم } أي في إبراهيم عليه السلام ومن معه {
~~أسوة حسنة } الكلام فيه نحو ما تقدم. وقوله تعالى: { لمن كان
~~يرجو الله واليوم الأخر } أي ثوابه تعالى أو لقاءه سبحانه
~~ونعيم الآخرة أو أيام الله تعالى واليوم الآخر خصوصا، والرجاء يحتمل
~~الأمل والخوف صلة  لحسنة  أو صفة، وجوز كونه بدلا من { لكم }
~~بناءا على ما ذهب إليه الأخفش من جواز أن يبدل الظاهر من ضمير المخاطب 
~~وكذا من ضمير المتكلم  بدل الكل كما يجوز أن يبدل من ضمير الغائب، وأن
~~يبدل من الكل بدل البعض وبدل الاشتمال وبدل الغلط. ونقل جواز ذلك الإبدال
~~عن سيبويه أيضا، والجمهور على منعه وتخصيص الجواز ببدل البعض والاشتمال
~~والغلط. / وذكر بعض الأجلة أنه لا خلاف في جواز أن يبدل من ضمير المخاطب
~~بدل الكل فيما يفيد إحاطة كما في قوله تعالى:

# تكون لنا عيدا لأولنا وءاخرنا

# [المائدة: 114] وجعل ما هنا من ذلك وفيه خفاء. وجملة { لقد كان }
~~الخ قيل: تكرير لما تقدم من المبالغة في الحث على الائتساء بإبراهيم عليه
~~السلام ومن معه، ولذلك صدرت بالقسم وهو على ما قال الخفاجي: إن لم ينظر
~~لقوله تعالى:

# إذ قالوا

# [الممتحنة: 4] فإنه قيد مخصص فإن نظر له كان ذلك ms10561 تعميما بعد تخصيص، وهو
~~مأخوذ من كلام الطيبي في تحقيق أمر هذا التكرير. والظاهر أن هذا مقيد
~~بنحو ما تقدم كأنه قيل: لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة إذ قالوا الخ. وفي
~~قوله سبحانه: { لمن كان } الخ إشارة إلى أن من كان يرجو الله تعالى
~~واليوم الآخر لا يترك الاقتداء بهم وأن تركه من مخايل عدم رجاء الله
~~سبحانه واليوم الآخر الذي هو من شأن الكفرة بل مما يؤذن بالكفر كما
~~ينبىء عن ذلك قوله تعالى: { ومن يتول فإن الله هو
~~الغنى الحميد } فإنه مما يوعد بأمثاله الكفرة.

### || [60.7]

# { عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم
~~منهم } أي من أقاربكم المشركين { مودة } بأن يوافقوكم في الدين،
~~وعدهم الله تعالى بذلك لما رأى منهم التصلب في الدين والتشدد في معاداة
~~آبائهم وأبنائهم وسائر أقربائهم ومقاطعتهم إياهم بالكلية تطييبا
~~لقلوبهم، ولقد أنجز الله سبحانه وعده الكريم حين أتاح لهم الفتح فأسلم
~~قومهم فتم بينهم من التحاب والتصافي ما تم، ويدخل في ذلك أبو سفيان
~~وأضرابه من مسلمة الفتح من أقاربهم المشركين. وأخرج عبد بن حميد وابن
~~المنذر وابن عدي وابن مردويه والبيهقي في «الدلائل» وابن عساكر من طريق
~~الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كانت
~~المودة التي جعل الله تعالى بينهم تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم
~~حبيبة بنت أبي سفيان فصارت أم المؤمنين وصار معاوية خال المؤمنين، وأنت
~~تعلم أن تزوجها كان وقت هجرة الحبشة، ونزول هذه الآيات سنة ست من الهجرة
~~فما ذكر لا يكاد يصح بظاهره، وفي ثبوته عن ابن عباس مقال.

# { والله قدير } مبالغ في القدرة فيقدر سبحانه على تقليب القلوب
~~وتغيير الأحوال وتسهيل أسباب المودة { والله غفور } مبالغ في
~~المغفرة فيغفر جل شأنه لما فرط منكم في موالاتهم { رحيم } مبالغ في
~~الرحمة فيرحمكم عز وجل بضم الشمل واستحالة الخيانة ثقة وانقلاب المقت
~~مقة، وقيل: يغفر سبحانه لمن أسلم من المشركين ويرحمهم، والأول أفيد وأنسب
~~بالمقام.

### || [60.8]

# { لا ينهكم ms10562 الله عن الذين لم يقتلوكم فى
~~الدين ولم يخرجوكم من ديركم أن تبروهم } أي لا
~~ينهاكم سبحانه وتعالى عن البر بهؤلاء كما يقتضيه كون { أن تبروهم
~~} بدل اشتمال من الموصول { وتقسطوا إليهم } أي تفضوا إليهم
~~بالقسط أي العدل، فالفعل مضمن معنى الإفضاء ولذا عدي بإلى { إن
~~الله يحب المقسطين } أي العادلين.

# أخرج البخاري وغيره

# " عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: أتتني أمي راغبة
~~وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألت
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أأصلها؟ فأنزل الله تعالى: { لا
~~ينهكم الله } الخ، فقال عليه الصلاة والسلام: نعم صلي أمك "

# وفي رواية الإمام أحمد وجماعة عن عبد الله بن الزبير قال: قدمت قتيلة
~~بنت عبد العزى على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا: / صناب وأقط وسمن
~~وهي مشركة فأبت أسماء أن تقبل هديتها أو تدخلها بيتها حتى أرسلت إلى
~~عائشة رضي الله تعالى عنها أن تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا
~~فسألته فأنزل الله تعالى: { لا ينهكم الله } الآية فأمرها أن
~~تقبل هديتها وتدخلها بيتها. وقتيلة هذه  على ما في «التحرير»  كانت
~~امرأة أبي بكر رضي الله تعالى عنه فطلقها في الجاهلية وهي أم أسماء
~~حقيقة، وعن ابن عطية أنها خالتها وسمتها أما مجازا، والأول هو المعول
~~عليه.

# وقال الحسن وأبو صالح: نزلت الآية في خزاعة وبني الحرث بن كعب وكنانة
~~ومزينة وقبائل من العرب كانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على
~~أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه، وقال قرة الهمداني وعطية العوفي: نزلت في
~~قوم من بني هاشم منهم العباس. وعن عبد الله بن الزبير أنها نزلت في
~~النساء والصبيان من الكفرة، وقال مجاهد: في قوم بمكة آمنوا ولم يهاجروا
~~فكان المهاجرون والأنصار يتحرجون من برهم لتركهم فرض الهجرة، وقيل: في
~~مؤمنين من أهل مكة وغيرها أقاموا بين الكفرة وتركوا الهجرة  أي مع
~~القدرة عليها  وقال النحاس والثعلبي: نزلت في المستضعفين من ms10563 المؤمنين
~~الذين لم يستطيعوا الهجرة، والأكثرون على أنها في كفرة اتصفوا بما في حيز
~~الصلة، وعلى ذلك قال إلكيا: فيها دليل على جواز التصدق على أهل الذمة دون
~~أهل الحرب وعلى وجوب النفقة للأب الذمي دون الحربي لوجوب قتله.

# ويخطر لي أني رأيت في «الفتاوى الحديثية» لابن حجر عليه الرحمة
~~الاستدلال بها على جواز القيام لأهل الذمة لأنه من البر والإحسان إليهم
~~ولم ننه عنه، لكن راجعت تلك «الفتاوى» عند كتابتي هذا البحث فلم أظفر
~~بذلك، ومع هذا وجدته نقل في آخر «الفتاوى الكبرى» في باب السير عن العز
~~بن عبد السلام أنه ((لا يفعل القيام لكافر لأنا مأمورون بإهانته وإظهار
~~صغاره فإن خيف من شره ضرر عظيم جاز لأن التلفظ بكلمة الكفر جائز للإكراه
~~فهذا أولى))، ولم يتعقبه بشيء، ثم إن في كون القيام من البر مطلقا
~~ترددا، وتخصيص العز جواز القيام للكافر بما إذا خيف ضرر عظيم مخالف لقول
~~ابن وهبان من الحنفية:

# وللميل أو للمال يخدم كافر

# وللميل للإسلام لو قام يغفر

# ومن الناس من يجعل كل مصلحة دينية كالميل للإسلام لكن بشرط أن لا يقصد
~~القائم تعظيما، والله تعالى أعلم. ونقل الخفاجي عن «الدر المنثور» أن
~~هذه الآية منسوخة بقوله تعالى:

# فاقتلوا المشركين

# [التوبة: 5] الآية، والاستدلال بها على ما سمعت بتقدير عدم النسخ إن تم
~~إنما يتم على بعض الأقوال فيها.

### || [60.9]

# { إنما ينهكم الله عن الذين قتلوكم فى
~~الدين وأخرجوكم من ديركم وظهروا على
~~إخرجكم } كمشركي مكة، فإن بعضهم سعوا في إخراج المؤمنين وبعضهم
~~أعانوا المخرجين { أن تولوهم } بدل من الموصول بدل اشتمال أيضا
~~أي إنما ينهاكم سبحانه عن أن تتولوهم { ومن يتولهم
~~فأولئك هم الظلمون } لوضعهم الولاية موضع العداوة؛ أو هم
~~الظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب. وفي الحصر من المبالغة ما لا يخفى.

### || [60.10]

# { يأيها الذين ءامنوا } بيان لحكم من يظهر الإيمان بعد
~~بيان حكم فريقي الكافرين { إذا جاءكم المؤمنت } أي بحسب
~~الظاهر { مهجرت } من بين الكفار، وقرىء (مهاجرات) بالرفع على
~~البدل من { المؤمنت } فكأنه ms10564 قيل: إذا جاءكم مهاجرات {
~~فامتحنوهن } فاختبروهن بما يغلب على ظنكم موافقة قلوبهم لألسنتهن
~~في الإيمان. / أخرج ابن المنذر والطبراني في «الكبير» وابن مردويه بسند
~~حسن وجماعة عن ابن عباس أنه قال في كيفية امتحانهن: كانت المرأة إذا جاءت
~~النبي صلى الله عليه وسلم حلفها عمر رضي الله تعالى عنه بالله ما خرجت
~~رغبة بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت التماس
~~دنيا، وبالله ما خرجت إلا حبا لله ورسوله، وفي رواية عنه أيضا كانت
~~محنة النساء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب فقال: قل
~~لهن إن رسول الله عليه الصلاة والسلام بايعكن على أن لا تشركن بالله
~~شيئا الخ.

# { الله أعلم } من كل أحد أو منكم { بإيمنهن } فإنه
~~سبحانه هو المطلع على ما في قلوبهن، والجملة اعتراض { فإن
~~علمتموهن } أي ظننتموهن ظنا قويا يشبه العلم بعد الامتحان {
~~مؤمنت } في نفس الأمر { فلا ترجعوهن إلى الكفار }
~~أي إلى أزواجهن الكفرة لقوله تعالى: { لا هن حل لهم ولا
~~هم يحلون لهن } فإنه تعليل للنهي عن رجعهن إليهم، والجملة
~~الأولى: لبيان الفرقة الثابتة وتحقق زوال النكاح الأول، والثانية: لبيان
~~امتناع ما يستأنف ويستقبل من النكاح، ويشعر بذلك التعبير بالاسم في
~~الأولى والفعل في الثانية.

# وقال الطيبي في وجه اختلاف التعبيرين: إنه أسندت الصفة المشبهة إلى
~~ضمير { المؤمنت } في الجملة الأولى إعلاما بأن هذا الحكم يعني
~~نفي الحل ثابت فيهن لا يجوز فيه الإخلال والتغيير من جانبهن، وأسند الفعل
~~إلى ضمير الكفار إيذانا بأن ذلك الحكم مستمر الامتناع في الأزمنة
~~المستقبلة لكنه قابل للتغيير باستبدال الهدى بالضلال، وجوز أن يكون ذلك
~~تكريرا للتأكيد والمبالغة في الحرمة وقطع العلاقة، وفيه من أنواع البديع
~~ما سماه بعضهم بالعكس والتبديل كالذي في قوله تعالى:

# هن لباس لكم وأنتم لباس لهن

# [البقرة: 187] ولعل الأول أولى.

# واستدل بالآية على أن الكفار مخاطبون بالفروع كما في «الانتصاف»،
~~والقول: بأن المخاطب في حق المؤمنة هي وفي حق الكافر الأئمة، بمعنى أنهم ms10565
~~مخاطبون بأن يمنعوا ذلك الفعل من الوقوع لا يخفى حاله.

# وقرأ طلحة  لا هن يحللن لهم .

# { وءاتوهم ما أنفقوا } أي وأعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن
~~من المهور قيل: وجوبا، وقيل: ندبا. روي أنه صلى الله عليه وسلم عام
~~الحديبية أمر عليا كرم الله تعالى وجهه أن يكتب بالصلح فكتب: باسمك
~~اللهم هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو اصطلحا على وضع
~~الحرب عن الناس عشر سنين تأمن فيه الناس ويكف بعضهم عن بعض على أن من أتى
~~محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليه، ومن جاء قريشا من محمد لم
~~يردوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأن لا إسلال ولا إغلال، وأنه من أحب
~~أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم
~~دخل فيه، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جندل بن سهيل ولم يأت
~~رسول الله عليه الصلاة والسلام أحد من الرجال إلا رده في مدة العهد وإن
~~كان مسلما، ثم جاء المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي
~~معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت أول المهاجرات،
~~فخرج أخواها عمار والوليد حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فكلماه في أمرها ليردها عليه الصلاة والسلام إلى قريش فنزلت الآية فلم
~~يردها عليه الصلاة والسلام ثم أنكحها صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة
~~رضي الله تعالى عنه.

# وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل أنه جاءت امرأة تسمى سبيعة بنت الحرث
~~الأسلمية مؤمنة، وكانت تحت صيفي بن الراهب وهو مشرك من أهل مكة فطلبوا
~~ردها فأنزل الله تعالى الآية، وروي أنها كانت تحت / مسافر المخزومي وأنه
~~أعطى ما أنفق، وتزوجها عمر رضي الله تعالى عنه، وفي رواية أنها نزلت في
~~أميمة بنت بشر امرأة من بني عمرو بن عون كانت تحت أبي حسان بن الدحداحة
~~هاجرت مؤمنة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبوا ms10566 ردها فنزلت الآية
~~فلم يردها عليه الصلاة والسلام، وتزوجها سهيل بن صيف فولدت له عبد الله
~~بن سهيل، ولعل سبب النزول متعدد.

# وأيا ما كان فالآية على ما قيل: نزلت بيانا لأن الشرط في كتاب
~~المصالحة إنما كان في الرجال دون النساء، وتراخي المخصص عن العام جائز
~~عند الجبائي ومن وافقه، ونسب للزمخشري أن ذلك من تأخير بيان المجمل لأنه
~~لا يقول بعموم تلك الألفاظ بل يجعلها مطلقات، والحمل على العموم والخصوص
~~بحسب المقام، والحنفية يجوزونه لا يقال: إنه شبه التأخير عن وقت الحاجة
~~وهو غير جائز عند الجميع لأن وقت الحاجة أي العمل بالخطاب كان بعد مجىء
~~المهاجرات وطلب ردهن لا حين جرت المهادنة مع قريش، وهذا ذهب إليه بعض
~~الشافعية أيضا، ومنهم من زعم أن التعميم كان منه صلى الله عليه وسلم عن
~~اجتهاد أثيب عليه بأجر واحد ولم يقر عليه، ومنهم من وافق جمهور الحنفية
~~على النسخ لا التخصيص، فمن جوز منهم نسخ السنة بالكتاب قال: نسخ بالآية،
~~ومن لم يجوز قال: بالسنة أي امتناعه صلى الله عليه وسلم من الرد ووردت
~~الآية مقررة لفعله عليه الصلاة والسلام.

# وعن الضحاك كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين عهد أن
~~لا تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا فإن دخلت في دينك
~~ولها زوج أن ترد على زوجها الذي أنفق عليها، وللنبي صلى الله عليه وسلم
~~من الشرط مثل ذلك، وعليه فالآية موافقة لما وقع عليه العهد لكن أخرج أبو
~~داود في «ناسخه» وابن جرير وغيرهما عن قتادة أنه نسخ هذا العهد وهذا
~~الحكم يعني إيتاء الأزواج ما أنفقوا براءة، أما نسخ العهد فلما أمر فيها
~~من النبذ، وأما نسخ الحكم فلأن الحكم فرع العهد فإذا نسخ نسخ، والذي عليه
~~معظم الشافعية أن الغرامة لأزواجهن غير ثابتة، وبين ذلك في «الكشف» على
~~القول بنسخ رد المرأة، والقول بالتخصيص، والقول: بأن التعميم كان عن
~~اجتهاد لم يقر عليه صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ms10567 وأما على قول الضحاك 
~~أي السابق  فهو مشكل، ووجهه أنه حكم في مخصوصين فلا يعم غير تلك الوقعة
~~على أنه عز وجل خص الحكم بالمهاجرين ولم يبق بعد الفتح هجرة كما ثبت في
~~«الصحيح» فلا يبقى الحكم.

# { ولا جناح عليكم أن تنكحوهن } أي في نكاحهن حيث حال
~~إسلامهن بينهن وبين أزواجهن الكفار { إذا ءاتيتموهن
~~أجورهن } أي وقت إيتائكم إياهن مهورهن  فإذا  لمجرد الظرفية،
~~ويجوز كونها شرطية وجوابها مقدر بدليل ما قبل، وعلى التقديرين يفهم
~~اشتراط إيتاء المهور في نفي الجناح في نكاحهن، وليس المراد بإيتاء الأجور
~~إعطاءها بالفعل بل التزامها والتعهد بها، وظاهر هذا مع ما تقدم من قوله
~~تعالى: { وآتوهم مآ أنفقوا } أن هناك إيتاء إلى الأزواج وإيتاء
~~إليهن فلا يقوم ما أوتي إلى الأزواج مقام مهورهن بل لا بد مع ذلك من
~~إصداقهن، وقيل: لا يخلو إما أن يراد بالأجور ما كان يدفع إليهن ليدفعنه
~~إلى أزواجهن فيشترط في إباحة تزويجهن تقديم أدائه، وإما أن يراد أن ذلك
~~إذا دفع إليهن على سبيل القرض ثم تزوجن على ذلك لم يكن به بأس، وإما أن
~~يبين إليهم أن ما أعطي لأزواجهن لا يقوم مقام المهر، وهذا ما ذكرناه
~~أولا من الظاهر وهو الأصح في الحكم، والوجهان الآخران ضعيفان فقها
~~ولفظا.

# واحتج أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه بالآية على أن أحد الزوجين إذا خرج
~~من دار الحرب مسلما أو بذمة / وبقي الآخر حربيا وقعت الفرقة، ولا يرى
~~العدة على المهاجرة ويبيح نكاحها من غير عدة إلا أن تكون حاملا، وهذا
~~للحديث المشهور الذي تجوز بمثله الزيادة على النص

# " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره "

# ومذهب الشافعي - على ما قيل -: أنه لا تقع الفرقة إلا بإسلامها، وأما
~~بمجرد الخروج فلا فإن أسلمت قبل الدخول تنجزت الفرقة وبعد الدخول توقفت
~~إلى انقضاء العدة. وتعقب الاحتجاج بأن الآية لا تدل على مجموع ما ذكر،
~~نعم قد احتج بها على عدم العدة في الفرقة بخروج المرأة إلينا من ms10568 دار
~~الحرب مسلمة، ووجه بأنه سبحانه نفى الجناح من كل وجه في نكاح المهاجرات
~~بعد إيتاء المهر، ولم يقيد جل شأنه بمضي العدة فلولا أن الفرقة بمجرد
~~الوصول إلى دار الإسلام لكان الجناح ثابتا، ومع هذا فقد قيل: الجواب على
~~أصل الشافعية أن رفع الإطلاق ليس بنسخ ظاهر لأن عدم التعرض ليس تعرضا
~~للعدم، وأما على أصل الحنفية فكسائر الموانع، وكونها حاملا بالاتفاق
~~فتأمل.

# { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } جمع كافرة، وجمع فاعلة على
~~فواعل مطرد وهو وصف جماعة الإناث، وقال الكرخي: { الكوافر } يشمل
~~الإناث والذكور، فقال له الفارسي: النحويون لا يرون هذا إلا في الإناث
~~جمع كافرة؟ فقال: أليس يقال: طائفة كافرة وفرقة كافرة، قال الفارسي:
~~فبهت، وفيه أنه لا يقال: كافرة في وصف الذكور إلا تابعا للموصوف، أو
~~يكون محذوفا مرادا أما بغير ذلك فلا تجمع فاعلة على فواعل إلا ويكون
~~للمؤنث قاله أبو حيان. و  عصم  جمع عصمة وهي ما يعتصم به من عقد وسبب،
~~والمراد نهي المؤمنين عن أن يكون بينهم وبين الزوجات المشركات الباقية في
~~دار الحرب علقة من علق الزوجية أصلا حتى لا يمنع إحداهن نكاح خامسة أو
~~نكاح أختها في العدة بناءا على أنه لا عدة لهن؛ قال ابن عباس: من كانت
~~له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدن بها من نسائه لأن اختلاف الدارين قطع
~~عصمتها منه، وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن إبراهيم النخعي أنه قال:
~~نزل قوله تعالى: { ولا تمسكوا } الخ في المرأة من المسلمين تلحق
~~بالمشركين فلا يمسك زوجها بعصمتها قد برىء منها. وأخرج ابن أبي شيبة عن
~~مجاهد وسعيد بن جبير نحوه، وفي رواية أخرى عن مجاهد أنه قال: أمرهم
~~سبحانه بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن، ويروى أن عمر رضي الله تعالى
~~عنه طلق لذلك امرأته فاطمة أخت أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة
~~المخزومي فتزوجها معاوية بن أبي سفيان وامرأته كلثوم بنت جرول الخزاعي
~~فتزوجها أبو جهم بن حذيفة العدوي، وكذا طلق طلحة زوجته أروى بنت ربيعة. ms10569
~~وتعقب ذلك بأنه بظاهره مخالف لمذهب الحنفية والشافعية، أما عند الحنفية
~~فلأن الفرقة بنفس الوصول إلى دار الإسلام، وأما عند الشافعية فلأن الطلاق
~~موقوف إن جمعتهما العدة تبين وقوعه من حين اللفظ، وإلا فالبينونة بواسطة
~~بقاء المرأة في الكفر، فظاهر الآية لا يدل على ما في هذه الرواية.

# وقرأ أبو عمرو ومجاهد بخلاف عنه وابن جبير والحسن والأعرج { تمسكوا }
~~مضارع مسك مشددا، والحسن أيضا وابن أبي ليلى وابن عامر في رواية عبد
~~الحميد وأبو عمرو في رواية معاذ { تمسكوا } مضارع تمسك محذوف إحدى
~~التاءين، والأصل تتمسكوا. وقرأ الحسن أيضا { تمسكوا } بكسر السين مضارع
~~مسك ثلاثيا.

# { واسألوا مآ أنفقتم } أي واسألوا الكفار مهور نسائكم
~~اللاحقات بهم { وليسئلوا ما أنفقوا } أي وليسألكم الكفار
~~مهور نسائهم المهاجرات إليكم، وظاهره أمر الكفار، وهو من باب

# وليجدوا فيكم غلظة

# [التوبة: 123] فهو أمر للمؤمنين بالأداء مجازا، وقيل: المراد /
~~التسوية.

# { ذلكم } الذي ذكر { حكم الله } أي فاتبعوه، وقوله عز وجل: {
~~يحكم بينكم } كلام مستأنف أو حال من { حكم } بحذف الضمير
~~العائد إليه، وهو مفعول مطلق أي يحكمه الله تعالى بينكم، أو العائد إليه
~~الضمير المستتر في { يحكم } بجعل الحكم حاكما مبالغة كأن الحكم
~~لقوته وظهوره غير محتاج لحاكم آخر { والله عليم حكيم } يشرع ما
~~تقتضيه الحكمة البالغة.

# روي أنه لما تقرر هذا الحكم أدى المؤمنون مما أمروا به من مهور
~~المهاجرات إلى أزواجهن، وأبى المشركون أن يؤدوا شيئا من مهور الكوافر
~~إلى أزواجهن المؤمنين فنزل قوله تعالى: { وإن فاتكم }.

### || [60.11]

# { وإن فاتكم } أي سبقكم وانفلت منكم { شىء من أزوجكم
~~إلى الكفر } أي أحد من أزواجكم، وقرىء كذلك. وإيقاع { شىء }
~~موقعه لزيادة التعميم وشمول محقر الجنس نصا، وفي «الكشف» لك أن تقول:
~~أريد التحقير والتهوين على المسلمين لأن من فات من أزواجهم إلى الكفار
~~يستحق الهون والهوان. وكانت الفائتات ستا على ما نقله في «الكشاف»
~~وفصله، أو إن فاتكم شيء من مهور أزواجكم على أن { شىء } مستعمل في غير
~~العقلاء حقيقة، و { من } ابتدائية لا بيانية كما في ms10570 الوجه الأول.

# { فعقبتم } من العقبة لا من العقاب، وهي في الأصل النوبة في
~~ركوب أحد الرفيقين على دابة لهما والآخر بعده أي فجاءت عقبتكم أي نوبتكم
~~من أداء المهر شبه ما حكم به على المسلمين والكافرين من أداء هؤلاء مهور
~~نساء أولئك تارة، وأداء أولئك مهور نساء هؤلاء أخرى، أو شبه الحكم
~~بالأداء المذكور، بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب، وحاصل المعنى:
~~إن لحق أحد من أزواجكم بالكفار أو فاتكم شيء من مهورهن ولزمكم أداء المهر
~~كما لزم الكفار:

# { فأتوا الذين ذهبت أزوجهم مثل ما أنفقوا } من
~~مهر المهاجرة التي تزوجتموها ولا تؤتوه زوجها الكافر ليكون قصاصا، ويعلم
~~مما ذكرنا أن عاقب لا يقتضي المشاركة، وهذا كما تقول: إبل معاقبة ترعى
~~الحمض تارة وغيره أخرى ولا تريد أنها تعاقب غيرها من الإبل في ذلك، وحمل
~~الآية على هذا المعنى يوافق ما روي عن الزهري أنه قال: يعطي من لحقت
~~زوجته بالكفار من صداق من لحق بالمسلمين من زوجاتهم. وعن الزجاج أن معنى
~~{ فعقبتم } فغنمتم، وحقيقته فأصبتم في القتال بعقوبة حتى غنمتم
~~فكأنه قيل: وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ولم يؤدوا إليكم مهورهن
~~فغنمتم منهم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الغنيمة وهذا هو
~~الوجه دون ما سبق، وقد كان صلى الله عليه وسلم  كما روي عن ابن عباس 
~~يعطي الذي ذهبت زوجته من الغنيمة قبل أن تخمس المهر ولا ينقص من حقه
~~شيئا، وقال ابن جني: روينا عن قطرب أنه قال: { فعقبتم } فأصبتم
~~عقبا منهم يقال: عاقب الرجل شيئا إذا أخذ شيئا وهو في المعنى كالوجه
~~قبله.

# وقرأ مجاهد والزهري والأعرج وعكرمة وحميد وأبو حيوة والزعفراني 
~~فعقبتم  بتشديد القاف من عقبه إذا قفاه لأن كل واحد من المتعاقبين
~~يقفي صاحبه، والزهري والأعرج وأبو حيوة أيضا والنخعي وابن وثاب بخلاف
~~عنه  فعقبتم  بفتح القاف وتخفيفها، والزهري والنخعي أيضا بالكسر
~~والتخفيف، ومجاهد أيضا  فأعقبتم  أي دخلتم في العقبة؛ وفسر الزجاج هذه
~~القراآت الأربعة بأن المعنى فكانت العقبى ms10571 لكم أي الغلبة والنصر حتى
~~غنمتم لأنها العاقبة التي تستحق أن تسمى عاقبة.

# { واتقوا الله الذى أنتم به مؤمنون } فإن الإيمان
~~به عز وجل يقتضي التقوى منه سبحانه وتعالى.

### || [60.12]

# { يأيها النبى إذا جاءك المؤمنت يبايعنك }
~~/ أي مبايعات لك أي قاصدات للمبايعة { على أن لا يشركن
~~بالله شيئا } أي شيئا من الأشياء أو شيئا من الإشراك { ولا
~~يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولدهن } أريد به
~~على ما قال غير واحد: وأد البنات بالقرينة الخارجية، وإن كان الأولاد أعم
~~منهن، وجوز إبقاءه على ظاهره فإن العرب كانت تفعل ذلك من أجل الفقر
~~والفاقة. وانظر هل يجوز حمل هذا النهي على ما يعم ذلك وإسقاط الحمل بعد
~~أن ينفخ فيه الروح؟ وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والحسن والسلمي { ولا
~~يقتلن } بالتشديد.

# { ولا يأتين ببهتن يفترينه بين أيديهن
~~وأرجلهن }. قال الفراء: كانت المرأة في الجاهلية تلتقط المولود
~~فتقول: هذا ولدي منك فذلك البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن، وذلك أن
~~الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها، وفي «الكشاف» ((كنى
~~بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذبا
~~لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين وفرجها الذي تلده به بين الرجلين))،
~~وقيل: كنى بذلك عن الولد الدعي لأن اللواتي كن يظهرن البطون لأزواجهن في
~~بدء الحال إنما فعلن ذلك امتنانا عليهم، وكن يبدين في ثاني الحال عند
~~الطلق حين يضعن الحمل بين أرجلهن أنهن ولدن لهم فنهين عن ذلك الذي هو من
~~شعار الجاهلية المنافي لشعار المسلمات تصويرا لتينك الحالتين وتهجينا
~~لما كن يفعلنه، وأيا ما كان فحمل الآية على ما ذكر هو الذي ذهب إليه
~~الأكثرون، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال بعض الأجلة:
~~معناه لا يأتين ببهتان من قبل أنفسهن، واليد والرجل كناية عن الذات لأن
~~معظم الأفعال بهما، ولذا قيل للمعاقب بجناية قولية: هذا ما كسبت يداك، أو
~~معناه لا يأتين ببهتان ينشئنه في ضمائرهن وقلوبهن، والقلب مقره بين
~~الأيدي والأرجل، والكلام ms10572 على الأول: كناية عن إلقاء البهتان من تلقاء
~~أنفسهن، وعلى الثاني: كناية عن كون البهتان من دخيلة قلوبهن المبنية على
~~الخبث الباطني.

# وقال الخطابي: معناه لا يبهتن الناس كفاحا ومواجهة كما يقال للأمر
~~بحضرتك: إنه بين يديك، ورد بأنهم وإن كنوا عن الحاضر بما ذكر لكن لا يقال
~~فيه: هو بين رجليك، وهو وارد لو ذكرت الأرجل وحدها أما إذا ذكرت مع
~~الأيدي تبعا فلا، والكلام قيل: كناية عن خرق جلباب الحياء، والمراد
~~النهي عن القذف، ويدخل فيه الكذب والغيبة، وروي عن الضحاك حمل ذلك على
~~القذف، وقيل: بين أيديهن قبلة أو جسة وأرجلهن الجماع، وقيل: بين أيديهن
~~ألسنتهن بالنميمة، وأرجلهن فروجهن بالجماع، وهو وكذا ما قبله كما ترى.

# وقيل: البهتان السحر، وللنساء ميل إليه جدا فنهين عنه وليس بشيء.

# { ولا يعصينك فى معروف } أي فيما تأمرهن به من معروف
~~وتنهاهن عنه من منكر، والتقييد بالمعروف مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم
~~لا يأمر إلا به للتنبيه على أنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق،
~~ويرد به على من زعم من الجهلة أن طاعة أولي الأمر لازمة مطلقا، وخص
~~بعضهم هذا المعروف بترك النياحة لما أخرج الإمام أحمد والترمذي وحسنه
~~وابن ماجه وغيرهم عن أم سلمة الأنصارية قالت امرأة من هذه النسوة: ما هذا
~~المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ فقال صلى الله عليه وسلم:

# " لا تنحن "

# الحديث، ونحوه من الأخبار الظاهرة في تخصيصه بما ذكر كثير، والحق
~~العموم، وما ذكر في الأخبار من باب الاقتصار على بعض أفراد العام لنكتة،
~~ويشهد للعموم قول ابن عباس وأنس وزيد بن أسلم: هو النوح وشق الجيوب ووشم
~~الوجوه ووصل الشعر وغير ذلك من أوامر الشريعة فرضها وندبها، وتخصيص
~~الأمور المعدودة بالذكر في حقهن لكثرة / وقوعها فيما بينهن مع اختصاص
~~بعضها بهن على ما سمعت أولا.

# { فبايعهن } بضمان الثواب على الوفاء بهذه الأشياء. وتقييد
~~مبايعتهن بما ذكر من مجيئهن لحثهن على المسارعة إليها مع كما الرغبة فيها
~~من غير ms10573 دعوة لهن إليها { واستغفر لهن الله } زيادة على ما
~~في ضمن المبايعة من ضمان الثواب { إن الله غفور رحيم } أي
~~مبالغ جل شأنه في المغفرة والرحمة فيغفر عز وجل لهن ويرحمهن إذا وفين بما
~~بايعن عليه.

# وهذه الآية نزلت  على ما أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل  يوم الفتح
~~فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال على الصفا وعمر رضي الله
~~تعالى عنه يبايع النساء تحتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء أنه
~~عليه الصلاة والسلام بايع النساء أيضا بنفسه الكريمة. أخرج الإمام أحمد
~~والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه وغيرهم

# " عن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم [في
~~النساء] لنبايعه فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئا حتى بلغ
~~{ ولا يعصينك فى معروف } فقال: فيما استطعتن وأطقتن قلنا:
~~الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، يا رسول الله ألا تصافحنا؟ قال: إني لا
~~أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة "

# وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد عن الشعبي قال: كان رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم إذا بايع النساء وضع على يده ثوبا؛ وفي بعض الروايات أنه صلى
~~الله عليه وسلم يبايعهن وبين يديه وأيديهن ثوب قطري، ومن يثبت ذلك يقول
~~بالمصافحة وقت المبايعة، والأشهر المعول عليه أن لا مصافحة، أخرج ابن سعد
~~وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه ثم يغمسن أيديهن
~~فيه؛ وكأن هذا بدل المصافحة والله تعالى أعلم بصحته.

# والمبايعة وقعت غير مرة ووقعت في مكة بعد الفتح وفي المدينة؛ وممن
~~بايعنه عليه الصلاة والسلام في مكة هند بنت عتبة زوج أبي سفيان، ففي
~~حديث أسماء بنت يزيد بن السكن كنت في النسوة المبايعات وكانت هند بنت
~~عتبة في النساء فقرأ صلى الله عليه وسلم عليهن الآية فلما قال: { على
~~أن لا يشركن بالله شيئا ms10574 } قالت هند: وكيف نطمع أن يقبل
~~منا ما لم يقبله من الرجال؟ يعني أن هذا بين لزومه فلما قال { ولا
~~يسرقن } قالت: والله إني لأصيب الهنة من مال أبي سفيان لا يدري
~~أيحل لي ذلك؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر هو لك
~~حلال؛ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال لها: وإنك لهند بنت
~~عتبة؟ قالت: نعم فاعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك، فقال: ولا {
~~يزنين } فقالت: أو تزني الحرة؟ - تريد أن الزنا في الإماء بناءا على
~~ما كان في الجاهلية من أن الحرة لا تزني غالبا وإنما يزني في الغالب
~~الإماء، وإنما قيد بالغالب لما قيل: إن ذوات الرايات كن حرائر -، فقال: {
~~ولا يقتلن أولدهن } فقالت: ربيناهم صغارا وقتلتهم
~~كبارا  تعني ما كان من أمر ابنها حنظلة بن أبي سفيان فإنه قتل يوم بدر
~~ فضحك عمر حتى استلقى وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية
~~أنها قالت: قتلت الآباء وتوصينا بالأولاد؟! فضحك صلى الله عليه وسلم،
~~فقال: { ولا يأتين ببهتن } فقالت: والله إن البهتان لأمر
~~قبيح ولا يأمر الله تعالى إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فقال: { ولا
~~يعصينك فى معروف } فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي
~~أنفسنا أن نعصيك في شيء، وكأن هذا منها دون غيرها من النساء لمكان أم
~~حبيبة رضي الله تعالى عنها من رسول الله / صلى الله عليه وسلم مع أنها
~~حديثة عهد بجاهلية، ويروى أن أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم من
~~النساء أم سعد بن معاذ وكبشة بنت رافع مع نسوة أخر رضي الله تعالى عنهن.

### || [60.13]

# { يأيها الذين ءامنوا لا تتولوا قوما غضب
~~الله عليهم } عن الحسن وابن زيد ومنذر بن سعيد أنهم اليهود لأنه
~~عز وجل قد عبر عنهم في غير هذه الآية بالمغضوب عليهم، وروي أن قوما من
~~فقراء المؤمنين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم فنزلت، وقيل: هم
~~اليهود والنصارى، وفي رواية عن ابن عباس ms10575 أنهم كفار قريش، وقال غير واحد:
~~هم عامة الكفرة. وهذه الآية على ما قال الطيبي: متصلة بخاتمة قصة
~~المشركين الذين نهي المؤمنون عن اتخاذهم أولياء بقوله تعالى:

# لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء

# [الممتحنة: 1] وهي قوله سبحانه:

# ومن يتولهم فأولئك هم الظلمون

# [الممتحنة: 9] وقوله تعالى:

# يأيها الذين ءامنوا إذا جاءكم المؤمنت

# [الممتحنة: 10] الخ مستطرد فإنه لما جرى حديث المعاملة مع الذين لا
~~يقاتلون المسلمين والذين يقاتلونهم وقد أخرجوهم من ديارهم من الأمر بمبرة
~~أولئك والنهي عن مبرة هؤلاء أتى بحديث المعاملة مع نسائهم، ولما فرغ من
~~ذلك أوصل الخاتمة بالفاتحة على منوال رد العجز على الصدر من حيث المعنى،
~~وفي «الانتصاف» جعل هذه الآية نفسها من باب الاستطراد وهو ظاهر على
~~القول: بأن المراد بالقوم اليهود أو أهل الكتاب مطلقا.

# وقوله تعالى: { قد يئسوا من الأخرة } استئناف، والمراد قد
~~يئسوا من خير الآخرة وثوابها لعنادهم الرسول صلى الله عليه وسلم المنعوت
~~في كتابهم المؤيد بالآيات البينات والمعجزات الباهرات، وإذا أريد بالقوم
~~الكفرة فيأسهم من الآخرة لكفرهم بها.

# { كما يئس الكفر من أصحب القبور } أي الذين هم
~~أصحاب القبور أي الكفار الموتى على أن { من } بيانية، والمعنى أن يأس
~~هؤلاء من الآخرة كيأس الكفار الذين ماتوا وسكنوا القبور وتبينوا حرمانهم
~~من نعيمها المقيم، وقيل: كيأسهم من أن ينالهم خير من هؤلاء الأحياء،
~~والمراد وصفهم بكمال اليأس من الآخرة، وكون { من } بيانية مروي عن
~~مجاهد وابن جبير وابن زيد، وهو اختيار ابن عطية وجماعة، واختار أبو حيان
~~كونها لابتداء الغاية، والمعنى أن هؤلاء القوم المغضوب عليهم قد يئسوا من
~~الآخرة كما يئسوا من موتاهم أن يبعثوا ويلقوهم في دار الدنيا، وهو مروي
~~عن ابن عباس والحسن وقتادة، فالمراد بالكفار أولئك القوم، ووضع الظاهر
~~موضع ضميرهم تسجيلا لكفرهم وإشعارا بعلة يأسهم.

# وقرأ ابن أبي الزناد (كما يئس الكافر) بالإفراد على إرادة الجنس.

# هذا ومن باب الإشارة في بعض الآيات: ما قيل: إن قوله تعالى:

# يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم
~~أولياء

# [الممتحنة: 1] الخ ms10576 إشارة للسالك إلى ترك موالاة النفس الأمارة وإلقاء
~~المودة إليها فإنها العدو الأكبر كما قيل: «أعدى أعدائك نفسك التي بين
~~جنبيك» وهي لا تزال كارهة للحق ومعارضة لرسول العقل نافرة له ولا تنفك عن
~~ذلك حتى تكون مطمئنة راضية مرضية، وإليه الإشارة بقوله تعالى:

# عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم
~~منهم مودة

# [الممتحنة: 7] وقوله سبحانه:

# لا ينهكم الله

# [الممتحنة: 8] الخ إشارة إلى أنه متى أطاعت النفس وأمن جماحها جاز
~~إعطاؤها حظوظها المباحة، وإليه الإشارة بما روي

# " إن لنفسك عليك حقا "

# وفي قوله سبحانه:

# يأيها النبى إذا جاءك المؤمنت يبايعنك

# [الممتحنة: 12] الخ إشارة إلى مبايعة المرشد المريد الصادق ذا النفس
~~المؤمنة وذلك أن يبايعه على ترك الاختيار وتفويض الأمور إلى الله عز وجل
~~وأن لا يرغب فيما ليس له بأهل، وأن لا يلج في شهوات النفس، وأن لا يئد
~~الوارد الإلهامي تحت تراب الطبيعة، وأن لا يفتري فيزعم أن الخاطر السري
~~خاطر / الروح وخاطر الروح خاطر الحق إلى غير ذلك، وأن لا يعصي في معروف
~~يفيده معرفة الله عز وجل، وأن يطلب من الله سبحانه في ضمن المبالغة أن
~~يستر صفاته بصفاته ووجوده بوجوده، وحاصله أن يطلب له البقاء بعد الفناء
~~وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

### | [61 - سورة الصف]

### || [61.1]

# الكلام فيه كالكلام المار في نظيره. والنداء بوصف الإيمان في قوله
~~تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لم تقولون ما لا
~~تفعلون }.

### || [61.2]

# على ما عدا القول الأخير في سبب النزول ظاهر، وعليه قيل: هو للتهكم
~~بأولئك المنافقين وبإيمانهم. و { لم } مركبة من اللام الجارة و(ما)
~~الاستفهامية قد حذف ألفها  على ما قال النحاة  للفرق بين الخبر
~~والاستفهام ولم يعكس حرصا على الجواب، وقيل: لكثرة استعمالهما معا
~~فاستحق التخفيف وإثبات الكثرة المذكورة أمر عسير، وقيل: لاعتناقهما في
~~الدلالة على المستفهم عنه، وبين بأن قولك: لم فعلت؟ مثلا المستفهم عنه
~~علة الفعل فهو كالمركب من العلة والفعل والعلة مدلول اللام والفعل مدلول
~~ ما  لأنها بمعنى أي شيء، والمفيد لذلك المجموع، وعند ms10577 عدم الحرف
~~المسؤول عنه الفعل وحده وهو كما ترى، والمعنى لأي شيء تقولون ما لا
~~تفعلونه من الخير والمعروف؟! على أن مدار التوبيخ في الحقيقة عدم فعلهم،
~~وإنما وجه إلى قولهم تنبيها على تضاعف معصيتهم ببيان أن المنكر ليس ترك
~~الخير الموعود فقط بل الوعد أيضا، وقد كانوا يحسبونه معروفا، ولو قيل:
~~لم لا تفعلوا ما تقولون لفهم منه أن المنكر هو ترك الموعود.

### || [61.3]

# بيان / لغاية قبح ما فعلوه. و { كبر } من باب بئس فيه ضمير مبهم مفسر
~~بالنكرة بعده، و { أن تقولوا } هو المخصوص بالذم، وجوز أن يكون في {
~~كبر } ضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله سبحانه:

# لم تقولون

# [الصف: 2] أي كبر هو أي القول مقتا؛ و { أن تقولوا } بدل من
~~المضمر أو خبر مبتدأ محذوف، وقيل: قصد فيه كثر التعجب من غير لفظه كما في
~~قوله:

# وجارة جساس أبأنا بنابها

# كليبا غلت ناب كليب بواؤها

# ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين. وأسند إلى { أن تقولوا
~~} ونصب { مقتا } على تفسيره دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص
~~لا شوب فيه لفرط تمكن المقت منه، واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض
~~وأبلغه، ومنه نكاح المقت لتزوج الرجل امرأة أبيه، ولم يقتصر على أن جعل
~~البغض كبيرا حتى جعل أشده وأفحشه، و { عند الله } أبلغ من ذلك لأنه
~~إذا ثبت كبر مقته عند الله تعالى الذي يحقر دونه سبحانه كل عظيم فقد تم
~~كبره وشدته وانزاحت عنه الشكوك. وتفسير المقت بما سمعت ذهب إليه غير واحد
~~من أهل اللغة، وقال ابن عطية: المقت البغض من أجل ذنب أو ريبة أو دناءة
~~يصنعها الممقوت، وقال المبرد: رجل ممقوت ومقيت إذا كان يبغضه كل واحد.

# واستدل بالآية على وجوب الوفاء بالنذر؛ وعن بعض السلف أنه قيل له: حدثنا
~~فسكت، فقيل له: حدثنا فقال: وما تأمرونني أن أقول ما لا أفعل، فأستعجل
~~مقت الله عز وجل.

### || [61.4]

# وقوله سبحانه: { إن الله يحب الذين يقتلون فى
~~سبيله كأنهم بنين مرصوص ms10578 } بيان لما هو مرضي عنده
~~سبحانه وتعالى بعد بيان ما هو ممقوت عنده جل شأنه، وظاهره يرجح أن ما
~~قالوه عبارة عن الوعد بالقتال دون ما يقتضيه ما روي عن الضحاك أو عن ابن
~~زيد في سبب النزول، ويقتضي أن مناط التوبيخ هو إخلافهم لا وعدهم. وصف
~~مصدر وقع موقع اسم الفاعل أو اسم المفعول، ونصبه على الحال من ضمير {
~~يقتلون } أي صافين أنفسهم أو مصفوفين، و { كأنهم } الخ حال
~~من المستكن في الحال الأولى أي مشبهين في تلاصقهم ببنيان الخ، وهذا ما
~~عناه الزمخشري بقوله: هما أي { صفا } و { كأنهم } الخ حالان
~~متداخلان، وقول ابن المنير إن معنى التداخل أن الحال الأولى مشتملة على
~~الحال الثانية فإن هيئة الاتصاف هي هيئة الارتصاص خلاف المعروف من
~~التداخل في اصطلاح النحاة، وجوز أن يكون حالا ثانية من الضمير. وقال
~~الحوفي: هو في موضع النعت  لصفا  وهو كما ترى. والمرصوص على ما قال
~~الفراء ومنذر بن سعيد هو المعقود بالرصاص، ويراد به المحكم، وقال المبرد:
~~رصصت البناء لاءمت بين أجزائه وقاربته حتى يصير كقطعة واحدة، ومنه
~~الرصيص وهو انضمام الأسنان. والظاهر أن المراد تشبيههم في التحام بعضهم
~~ببعض بالبنيان المرصوص من حيث إنهم لا فرجة بينهم ولا خلل، وقيل: المراد
~~استواء نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص،
~~والأكثرون على الأول.

# وفي «أحكام القرآن» فيه استحباب قيام المجاهدين في القتال صفوفا كصفوف
~~الصلاة وأنه يستحب سد الفرج والخلل في الصفوف، وإتمام الصف الأول
~~فالأول، وتسوية الصفوف عدم تقدم بعض على بعض فيها. وقال ابن الفرس: استدل
~~به بعضهم على أن قتال الرجالة أفضل من قتال الفرسان لأن التراص إنما يمكن
~~منهم، ثم قال: وهو ممنوع انتهى. ثم إن القتال على هذه الهيئة اليوم من
~~أصول العساكر المحمدية النظامية لا زالت منصورة مؤيدة بالتأييدات
~~الربانية، وأنت تعلم أن للوسائل حكم المقاصد فما يتوصل به إلى تحصيل
~~الاتصاف بذلك مما لا ينبغي أن يتكاسل في تحصيله.

# وقرأ زيد بن علي / { يقتلون ms10579 } بفتح التاء، وقرىء  يقتلون .

### || [61.5]

# وقوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه يقوم لم
~~تؤذوننى } كلام مستأنف مقرر لما قبله من شناعة ترك القتال { وإذ
~~} منصوب على المفعولية بمضمر خوطب به سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم
~~بطريق التلوين، أي اذكر لهؤلاء المعرضين عن القتال وقت قول موسى عليه
~~السلام لبني إسرائيل حين ندبهم إلى قتال الجبابرة بقوله:

# يقوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله
~~لكم ولا ترتدوا على أدبركم فتنقلبوا
~~خسرين

# [المائدة: 21] فلم يمتثلوا لأمره عليه السلام وعصوه أشد عصيان حيث
~~قالوا:

# يموسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها
~~حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا
~~دخلون

# [المائدة: 22] إلى قوله تعالى:

# فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قعدون

# [المائدة: 24] وأصروا على ذلك كل الإصرار وآذوه عليه السلام كل الأذية
~~فوبخهم على ذلك بقوله: { يقوم لم تؤذوننى } بالمخالفة
~~والعصيان فيما أمرتكم به.

# { وقد تعلمون أنى رسول الله إليكم } جملة حالية
~~مؤكدة لإنكار الإيذاء ونفي سببه { وقد } لتحقيق العلم لا للتقليل ولا
~~للتقريب لعدم مناسبة ذلك للمقام. وصيغة المضارغ للدلالة على الاستمرار أي
~~والحال أنكم تعلمون علما قطعيا مستمرا - بمشاهدة ما ظهر على يدي من
~~المعجزات الباهرة التي معظمها إهلاك عدوكم وإنجاؤكم من ملكته - أني رسول
~~الله إليكم لأرشدكم إلى خيري الدنيا والآخرة، ومن قضية علمكم بذلك أن
~~تبالغوا في تعظيمي وتسارعوا إلى طاعتي.

# { فلما زاغوا } أي أصروا على الزيغ والانحراف عن الحق الذي جاء
~~به عليه السلام واستمروا عليه { أزاغ الله قلوبهم } أي صرفها
~~عن قبول الحق والميل إلى الصواب لصرف اختيارهم نحو العمى والضلال، وقيل:
~~أي فلما زاغوا في نفس الأمر وبمقتضى ما هم عليه فيها أزاغ الله تعالى في
~~الخارج قلوبهم إذ الإيجاد على حسب الإرادة والإرادة على حسب العلم والعلم
~~على حسب ما عليه الشيء في نفس الأمر، وعلى الوجهين لا إشكال في الترتيب.
~~وقوله تعالى: { والله لا يهدي القوم الفسقين } اعتراض
~~تذييلي مقرر لمضمون ما قبله من الإزاغة ومؤذن بعلته أي لا يهدي القوم
~~الخارجين عن ms10580 الطاعة ومنهاج الحق، المصرين على الغواية هداية موصلة إلى
~~البغية، وإلا فالهداية إلى ما يوصل إليها شاملة للكل، والمراد بهم إما
~~المذكورون خاصة - والإظهار في مقام الإضمار لذمهم بالفسق وتعليل عدم
~~الهداية به - أو جنس الفاسقين وهم داخلون في حكمهم دخولا أوليا، قيل:
~~وأيا ما كان فهو ناظر إلى ما في قوله تعالى:

# فافرق بيننا وبين القوم الفسقين

# [المائدة: 25] وقوله سبحانه:

# فلا تأس على القوم الفسقين

# [المائدة: 26].

# هذا وقيل: (إذ) ظرف متعلق بفعل مقدر يدل عليه ما بعده كزاغوا ونحوه،
~~والجملة معطوفة على ما قبلها عطف القصة على القصة.

# وذهب بعضهم إلى أن إيذاءهم إياه عليه السلام بما كان من انتقاصه وعيبه
~~في نفسه وجحود آياته وعصيانه فيما تعود إليهم منافعه وعبادتهم البقر
~~وطلبهم رؤية الله سبحانه جهرة والتكذيب الذي هو [تضييع] حق الله تعالى
~~وحقه عليه السلام. وما ذكر أولا هو الذي تقتضيه جزالة النظم الكريم
~~ويرتضيه الذوق السليم.

### || [61.6]

# { وإذ قال عيسى ابن مريم } إما معطوف على

# إذ

# [الصف: 5] الأولى معمول لعاملها، وإما معمول لمضمر معطوف على عاملها {
~~يبنى إسرءيل } ولعله عليه السلام لم يقل يا قومي كما قال موسى
~~عليه السلام بل قال: { يبنى إسرءيل } لأنه ليس له النسب المعتاد
~~وهو ما كان من قبل الأب فيهم، أو إشارة إلى أنه عامل بالتوراة وأنه مثلهم
~~في أنه من قوم موسى عليه السلام هضما لنفسه بأنه لا أتباع له ولا قوم،
~~وفيه من الاستعطاف ما فيه، وقيل: إن الاستعطاف / بما ذكر لما فيه من
~~التعظيم، وقد كانوا يفتخرون بنسبتهم إلى إسرائيل عليه السلام.

# { إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي
~~من التوراة } أي مرسل منه تعالى إليكم حال كوني مصدقا، فنصب {
~~مصدقا } على الحال من الضمير المستتر في { رسول } وهو العامل
~~فيه، و { إليكم } متعلق به، وهو ظرف لغو لا ضمير فيه ليكون صاحب
~~حال، وذكر هذا الحال لأنه من أقوى الدواعي إلى تصديقهم إياه عليه السلام.

# وقوله تعالى: { ومبشرا برسول يأتى من بعدى } معطوف على
~~{ مصدقا ms10581 } ، وهو داع أيضا إلى تصديقه عليه السلام من حيث إن البشارة
~~بهذا الرسول صلى الله عليه وسلم واقعة في التوراة كقوله تعالى في الفصل
~~العشرين من السفر الخامس منها: أقبل الله من سينا وتجلى من ساعير وظهر من
~~جبال فاران معه الربوات الأطهار عن يمينه، وقوله سبحانه في الفصل الحادي
~~عشر من هذا السفر: يا موسى إني سأقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم مثلك
~~أجعل كلامي في فيه، ويقول لهم ما آمره فيه، والذي لا يقبل قول ذلك النبي
~~الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه إلى غير ذلك، ويتضمن كلامه عليه
~~السلام أن دينه التصديق بكتب الله تعالى وأنبيائه عليهم السلام جيمعا من
~~تقدم ومن تأخر. وجملة { يأتى } الخ في موضع الصفة  لرسول  وكذا
~~جملة قوله تعالى: { اسمه أحمد } وهذا الاسم الجليل علم لنبينا
~~محمد صلى الله عليه وسلم، وعليه قول حسان:

# صلى الإله ومن يحف بعرشه

# والطيبون على المبارك أحمد

# وصح من رواية مالك والبخاري ومسلم والدارمي والترمذي والنسائي عن جبير
~~بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي
~~وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا العاقب "

# والعاقب الذي ليس بعده نبي وهو منقول من المضارع للمتكلم أو من أفعل
~~التفضيل من الحامدية، وجوز أن يكون من المحمودية بناءا على أنه قد سمع
~~أحمد اسم تفضيل منها نحو العود أحمد، وإلا فأفعل من المبني للمفعول ليس
~~بقياسي.

# وقرىء { من بعدى } بفتح الياء.

# هذا وبشارته عليه السلام بنبينا صلى الله عليه وسلم مما نطق به القرآن
~~المعجز، فإنكار النصارى ذلك ضرب من الهذيان، وقولهم: لو وقعت لذكرت في
~~الإنجيل الملازمة فيه ممنوعة، وإذا سلمت قلنا: بوقوعها في الإنجيل إلا أن
~~جامعيه بعد رفع عيسى عليه السلام أهملوها اكتفاءا بما في التوراة
~~ومزامير داود عليه السلام وكتب شعياء وحبقوق وأرمياء وغيرهم من الأنبياء
~~عليهم السلام. ويجوز أن يكونوا قد ذكروها إلا أن ms10582 علماء النصارى بعد 
~~حبا لدينهم أو لأمر ما غير ذلك  أسقطوها كذا قيل. وأنا أقول: الأناجيل
~~التي عند النصارى أربعة: إنجيل متى من الاثني عشر الحواريين جمعه باللغة
~~السريانية بأرض فلسطين بعد رفع عيسى عليه السلام بثماني سنين وعدة
~~إصحاحاته ثمانية وستون إصحاحا، وإنجيل مرقص وهو من السبعين جمعه باللغة
~~الفرنجية بمدينة رومية بعد الرفع باثنتي عشرة سنة وعدة إصحاحاته ثمانية
~~وأربعون إصحاحا، وإنجيل لوقا وهو من السبعين أيضا جمعه بالإسكندرية
~~باللغة اليونانية وعدة إصحاحاته ثلاثة وثمانون إصحاحا، وإنجيل يوحنا وهو
~~حبيب المسيح جمعه بمدينة إفسس من بلاد رومية بعد الرفع بثلاثين سنة وعدة
~~إصحاحاته في النسخ القبطية ثلاثة وثلاثون إصحاحا وهي مختلفة، وفيها ما
~~يشهد الإنصاف بأنه ليس كلام الله عز وجل ولا كلام عيسى عليه السلام كقصة
~~صلبه الذي يزعمونه ودفنه ورفعه من قبره إلى السماء فما هي / إلا كتواريخ
~~وتراجم فيها شرح بعض أحوال عيسى عليه السلام ولادة ورفعا ونحو ذلك، وبعض
~~كلمات له عليه السلام على نحو بعض الكتب المؤلفة في بعض الأكابر
~~والصالحين فلا يضر إهمالها بعض الأحوال، والكلمات التي نطق القرآن العظيم
~~بها ككلامه عليه السلام في المهد وبشارته بنبينا صلى الله عليه وسلم على
~~أن في إنجيل يوحنا ما هو بشارة بذلك عند من أنصف وسلك الصراط السوي وما
~~تعسف، ففي الفصل الخامس عشر منه قال يسوع المسيح: إن الفارقليط روح الحق
~~الذي يرسله أبي يعلمكم كل شيء، وقال يوحنا أيضا: قال المسيح: من يحبني
~~يحفظ كلمتي وأبي يحبه وإليه يأتي وعنده يتخذ المنزلة كلمتكم بهذا لأني
~~لست عندكم بمقيم، والفارقليط روح القدس الذي يرسله أبي هو يعلمكم كل شيء
~~وهو يذكركم كل ما قلت لكم أستودعكم سلامي لا تقلق قلوبكم ولا تجزع فإني
~~منطلق وعائد إليكم لو كنتم تحبوني كنتم تفرحون بمضيى إلى الأب، وقال
~~أيضا: إن خيرا لكم أن أنطلق لأبي إن لم أذهب لم يأتكم الفارقليط فإذا
~~انطلقت أرسلته إليكم فإذا جاء فهو يوبخ العالم على الخطيئة وإن لي كلاما ms10583
~~كثيرا أريد قوله ولكنكم لا تستطيعون حمله لكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي
~~يرشدكم إلى جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم
~~بكل ما يأتي ويعرفكم جميع ما للأب، وقال أيضا: إن كنتم تحبوني فاحفظوا
~~وصاياي وأنا أطلب من الأب أن يعطيكم فارقليطا آخر يثبت معكم إلى الأبد
~~روح الحق الذي لم يطق العالم أن يقبلوه لأنهم لم يعرفوه ولست أدعكم
~~أيتاما لأني سآتيكم من قريب.

# والفارقليط لفظ يؤذن بالحمد، وتعين إرادته صلى الله عليه وسلم من كلامه
~~عليه السلام مما لا غبار عليه لمن كشف الله تعالى غشاوة التعصب عن عينيه،
~~وقد فسره بعض النصارى بالحماد، وبعضهم بالحامد فيكون في مدلوله إشارة إلى
~~اسمه عليه الصلاة والسلام أحمد، وفسره بعضهم بالمخلص لقوله عيسى عليه
~~السلام: فالله يرسل مخلصا آخر فلا يكون ما ذكر بشارة به صلى الله عليه
~~وسلم بعنوان الحمد لكنه بشارة به صلى الله عليه وسلم بعنوان التخليص،
~~فيستدل به على ثبوت رسالته صلى الله عليه وسلم، وإن لم يستدل به على ما
~~في الآية هنا، وزعم بعضهم أن الفارقليط إشارة إلى ألسن نارية نزلت من
~~السماء على التلاميذ ففعلوا الآيات والعجائب، ولا يخفى أن وصفه بآخر
~~يأبى ذلك إذ لم يتقدم لهم غيره.

# { فلما جاءهم } أي عيسى عليه السلام { بالبينات } أي
~~بالمعجزات الظاهرة. { قالوا هذا سحر مبين } مشيرين إلى ما جاء
~~به عليه السلام، فالتذكير بهذا الاعتبار، وقيل: مشيرين إليه عليه السلام
~~وتسميته سحرا للمبالغة، ويؤيده قراءة عبد الله وطلحة والأعمش وابن وثاب
~~ هذا ساحر  وكون فاعل { جاءهم } ضمير عيسى عليه السلام هو الظاهر لأنه
~~المحدث عنه، وقيل: هو ضمير { أحمد } عليه الصلاة والسلام لما فرغ من كلام
~~عيسى تطرق إلى الإخبار عن أحمد صلى الله عليه وسلم أي فلما جاء أحمد
~~هؤلاء الكفار بالبينات قالوا الخ.

### || [61.7]

# { ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى
~~إلى الإسلام } أي أي الناس أشد ظلما ممن يدعى إلى الإسلام الذي
~~يوصله ms10584 إلى سعادة الدارين فيضع موضع الإجابة الافتراء على الله عز وجل
~~بتكذيب رسوله وتسمية آياته سحرا فإن الافتراء على الله تعالى يعم نفي
~~الثابت وإثبات المنفي، أي لا أظلم من ذلك، والمراد أنه أظلم من كل ظالم.
~~وقرأ طلحة { يدعي } مضارع  ادعى  مبنيا للفاعل وهو ضميره تعالى، و {
~~يدعي } بمعنى / يدعو يقال: دعاه وادعاه نحو لمسه والتمسه، وقيل: الفاعل
~~ضمير المفتري، وادعى يتعدى بنفسه إلى المفعول به لكنه لما ضمن معنى
~~الانتماء والانتساب عدي بإلى أي وهو ينتسب إلى الإسلام مدعيا أنه مسلم
~~وليس بذاك، وعنه { يدعي } مضارع ادعى أيضا لكنه مبني للمفعول، ومعناه
~~كما سبق. والآية فيمن كذب من هذه الأمة على ما يقتضيه ما بعد، وهي إن
~~كانت في بني إسرائيل الذين جاءهم عيسى عليه السلام ففيها تأييد لمن ذهب
~~إلى عدم اختصاص الإسلام بالدين الحق الذي جاء به نبينا صلى الله عليه
~~وسلم.

# { والله لا يهدي القوم الظلمين } أي لا يرشدهم إلى ما
~~فيه فلاحهم لسوء استعدادهم وعدم توجههم إليه.

### || [61.8]

# { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم } تمثيل لحالهم في
~~اجتهادهم في إبطال الحق بحالة من ينفخ الشمس بفيه ليطفئها تهكما وسخرية
~~بهم كما تقول الناس: هو يطفىء عين الشمس، وذهب بعض الأجلة إلى أن المراد
~~بنور الله دينه تعالى الحق - كما روي عن السدي على سبيل الاستعارة
~~التصريحية، وكذا في قوله سبحانه: { والله متم نوره } و { متم }
~~تجريد، وفي قوله تعالى: { بأفواههم } تورية، وعن ابن عباس وابن زيد:
~~يريدون إبطال القرآن وتكذيبه بالقول، وقال ابن بحر: يريدون إبطال حجج
~~الله تعالى بتكذيبهم، وقال الضحاك: يريدون هلاك الرسول صلى الله عليه
~~وسلم بالأراجيف، وقيل: يريدون إبطال شأن النبي صلى الله عليه وسلم
~~وإخفاء ظهوره بكلامهم وأكاذيبهم، فقد روي عن ابن عباس أن الوحي أبطأ
~~أربعين يوما فقال كعب بن الأشرف: يا معشر يهود أبشروا أطفأ الله تعالى
~~نور محمد فيما كان ينزل عليه، وما كان ليتم نوره فحزن الرسول صلى الله
~~عليه وسلم فنزلت { يريدون } إلى آخره.

# وفي ms10585 { يريدون ليطفئوا } مذاهب: أحدها أن اللام زائدة والفعل منصوب بأن
~~مقدرة بعدها، وزيدت لتأكيد معنى الإرادة لما في لام العلة من الإشعار
~~بالإرادة والقصد كما زيدت اللام في: لا أبا لك لتأكيد معنى الإضافة؛
~~ثانيها أنها غير زائدة للتعليل، ومفعول { يريدون } محذوف أي يريدون
~~الافتراء لأن يطفئوا، ثالثها أن الفعل أعني { يريدون } حال محل المصدر
~~مبتدأ واللام للتعليل والمجرور بها خبر أي إرادتهم كائنة للإطفاء،
~~والكلام نظير  تسمع بالمعيدي خير من أن تراه  من وجه، رابعها أن اللام
~~مصدرية بمعنى أن من غير تقدير والمصدر مفعول به ويكثر ذلك بعد فعل
~~الإرادة والأمر، خامسها أن { يريدون } منزل منزلة اللازم لتأويله بيوقعون
~~الإرادة، قيل: وفيه مبالغة لجعل كل إرادة لهم للإطفاء وفيه كلام في «شرح
~~المغني» وغيره.

# وقرأ العربيان ونافع وأبو بكر والحسن وطلحة والأعرج وابن محيصن { متم }
~~بالتنوين { نوره } بالنصب على المفعولية لمتم.

# { ولو كره الكفرون } حال من المستكن في { متم } وفيه إشارة
~~إلى أنه عز وجل متم ذلك إرغاما لهم.

### || [61.9]

# { هو الذي أرسل رسوله } محمدا صلى الله عليه وسلم {
~~بالهدى } بالقرآن، أو بالمعجزة بجعل ذلك نفس الهدى مبالغة { ودين
~~الحق } والملة الحنيفية { ليظهره على الدين كله } ليعليه على
~~جميع الأديان المخالفة له، ولقد أنجز الله عز وجل وعده حيث جعله بحيث لم
~~يبق دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام. وعن مجاهد إذا نزل
~~عيسى عليه السلام لم يكن في الأرض إلا دين الإسلام، ولا يضر في ذلك ما
~~ورد من أنه يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه من الإسلام إلا اسمه إذ لا
~~دلالة في الآية على الاستمرار، وقيل: المراد بالإظهار الإعلاء من حيث
~~وضوح الأدلة وسطوع البراهين وذلك أمر مستمر أبدا { ولو كره
~~المشركون } / ذلك لما فيه من محض التوحيد وإبطال الشرك. وقرىء (هو
~~الذي أرسل نبيه).

### || [61.10]

# { يا أيها الذين ءامنوا هل أدلكم على تجارة }
~~جليلة الشأن { تنجيكم من عذاب أليم } يوم القيامة. وقرأ الحسن
~~وابن أبي إسحق والأعرج وابن عامر { تنجيكم ms10586 } بالتشديد.

### || [61.11]

# وقوله تعالى: { تؤمنون بالله ورسوله وتجهدون في سبيل
~~الله بأموالكم وأنفسكم } استئناف بياني كأنه قيل: ما هذه
~~التجارة؟ دلنا عليها: فقيل: { تؤمنون } الخ، والمضارع في الموضعين
~~كما قال المبرد وجماعة خبر بمعنى الأمر أي آمنوا وجاهدوا، ويؤيده قراءة
~~عبد الله كذلك، والتعبير به للإيذان بوجوب الامتثال كأن الإيمان والجهاد
~~قد وقعا فأخبر بوقوعهما، والخطاب إذا كان للمؤمنين الخلص فالمراد تثبتون
~~وتدومون على الإيمان أو تجمعون بين الإيمان والجهاد أي بين تكميل النفس
~~وتكميل الغير وإن كان للمؤمنين ظاهرا فالمراد تخلصون الإيمان، وأيا ما
~~كان فلا إشكال في الأمر، وقال الأخفش: { تؤمنون } الخ عطف بيان على

# تجارة

# [الصف: 10]، وتعقب بأنه لا يتخيل إلا على تقدير أن يكون الأصل أن تؤمنوا
~~حتى يتقدر بمصدر، ثم حذف أن فارتفع الفعل كما في قوله:

# ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى

# يريد أن أحضر فلما حذف أن ارتفع الفعل وهو قليل، وقال ابن عطية: {
~~تؤمنون } فعل مرفوع بتقدير: ذلك أنه تؤمنون، وفيه حذف المبتدأ وأن
~~واسمها وإبقاء خبرها، وذلك على ما قال أبو حيان: لا يجوز. وقرأ زيد بن
~~علي  تؤمنوا وتجاهدوا  بحذف نون الرفع فيهما على إضمار لام الأمر أي
~~لتؤمنوا وتجاهدوا، أو ولتجاهدوا كما في قوله:

# قلت لبواب على بابها

# تأذن لنا إني من أحمائها

# وكذا قوله:

# محمد تفد نفسك كل نفس

# إذا ما خفت من أمر تبالا

# وجوز الاستئناف، والنون حذفت تخفيفا كما في قراءة { ساحران يظاهرا }
~~[القصص: 48] وقوله:

# ونقري ما شئت أن تنقري

# قد رفع الفخ فماذا تحذري

# وكذا قوله:

# أبيت أسري وتبيتي تدلكي

# وجهك بالعنبر والمسك الذكي

# وأنت تعلم أن الحذف شاذ.

# { ذلكم } أي ما ذكر من الإيمان والجهاد { خير لكم } على
~~الإطلاق أو من أموالكم وأنفسكم { إن كنتم تعلمون } أي إن كنتم
~~من أهل العلم إذ الجهلة لا يعتد بأفعالهم حتى توصف بالخيرية، وقيل: أي
~~إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيرا لكم حينئذ لأنكم إذا علمتم ذلك
~~واعتقدتم أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أموالكم وأنفسكم ms10587 فتخلصون
~~وتفلحون.

### || [61.12]

# { يغفر لكم ذنوبكم } جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر كما
~~في قولهم: اتقى الله تعالى امرؤ وفعل خيرا يثب عليه؛ أو جواب لشرط، أو
~~استفهام دل عليه الكلام، والتقدير إن تؤمنوا وتجاهدوا يغفر لكم، أو هل
~~تقبلون أن أدلكم؟ أو هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم؟ وقال الفراء:
~~جواب للاستفهام المذكور أي هل أدلكم؟ وتعقب بأن مجرد الدلالة لا يوجب
~~المغفرة، وأجيب بأنه كقوله تعالى:

# قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة

# [إبراهيم: 31] وقد قالوا فيه: إن القول لما كان للمؤمن الراسخ الإيمان
~~كان مظنة لحصول الامتثال فجعل كالمحقق وقوعه فيقال ههنا: لما كانت
~~الدلالة مظنة لذلك نزلت منزلة المحقق، ويؤيده

# إن كنتم تعلمون

# [الصف: 11] لأن من له عقل إذا دله سيده على ما هو خير له لا يتركه،
~~وادعاء الفرق بما ثمة من الإضافة التشريفية وما هنا من المعاتبة قيل: غير
~~ظاهر فتدبر، والإنصاف أن تخريج الفراء لا يخلو / عن بعد، وأما ما قيل: من
~~أن الجملة مستأنفة لبيان أن ذلك خير لهم، و { يغفر } مرفوع سكن آخره كما
~~سكن آخر أشرب في قوله:

# فاليوم (أشرب) غير مستحقب

# إثما من الله ولا واغل

# فليس بشيء لما صرحوا به من أن ذلك ضرورة.

# { ويدخلكم حنت تجري من تحتها الأنهر ومسكن
~~طيبة } أي طاهرة زكية مستلذة، وهذا إشارة إلى حسنها بذاتها، وقوله
~~تعالى: { في جنت عدن } إشارة إلى حسنها باعتبار محلها { ذلك }
~~أي ما ذكر من المغفرة وما عطف عليها { الفوز العظيم } الذي لا فوز
~~وراءه.

### || [61.13]

# { وأخرى } أي ولكم إلى ما ذكر من النعم نعمة أخرى، فأخرى مبتدأ، وهي
~~في الحقيقة صفة للمبتدأ المحذوف أقيمت مقامه بعد حذفه، والخبر محذوف قاله
~~الفراء، وقوله تعالى: { تحبونها } في موضع الصفة، وقوله سبحانه: {
~~نصر من الله وفتح قريب } أي عاجل بدل أو عطف بيان، وجملة
~~المبتدأ وخبره قيل: حالية؛ وفي «الكشف» انها عطف على جواب الأمر أعني

# يغفر

# [الصف: 12] من حيث المعنى كما تقول: جاهدوا تؤجروا ولكم الغنيمة وفي {
~~تحبونها } تعبير ms10588 لهم وكذلك في إيثار الاسمية على الفعلية وعطفها
~~عليها كأن هذه عندهم أثبت وأمكن ونفوسهم إلى نيلها والفوز أسكن. وقيل: {
~~أخرى } مبتدأ خبره { نصر } وقال قوم: هي في موضع نصب باضمار فعل أي
~~ويعطكم أخرى، وجعل ذلك من باب:

# علفتها تبنا وماءا باردا

# ومنهم من قدر تحبون أخرى على أنه من باب الاشتغال، و { نصر } على
~~التقديرين خبر مبتدأ محذوف أي ذلك أو هو نصر، أو مبتدأ خبره محذوف أي نصر
~~وفتح قريب عنده، وقال الأخفش: هي في موضع جر بالعطف على

# تجارة

# [الصف: 10] وهو كما ترى.

# وقرأ ابن أبي عبلة (نصرا وفتحا قريبا) بالنصب بأعني مقدرا، أو على
~~المصدر أي تنصرون نصرا ويفتح لكم فتحا، أو على البدلية من { أخرى }
~~على تقدير نصبها.

# { وبشر المؤمنين } عطف على قل مقدرا قبل قوله تعالى:

# يا أيها الذين ءامنوا

# [الصف: 10] وقيل: على أبشر مقدرا أيضا، والتقدير فأبشر يا محمد وبشر.
~~وقال الزمخشري: هو عطف على

# تؤمنون

# [الصف: 11] لأنه في معنى الأمر كأنه قيل: آمنوا وجاهدوا يثبكم الله
~~تعالى وينصركم وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك. وتعقبه في «الإيضاح» بأن
~~فيه نظرا لأن المخاطبين في { تؤمنون } هم المؤمنون، وفي { بشر }
~~هو النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قوله تعالى: { تؤمنون } بيان لما
~~قبله على طريق الاستئناف فكيف يصح عطف { بشر المؤمنين } عليه؟
~~وأجيب بما خلاصته أن قوله سبحانه: { يأيها الذين آمنوا }
~~للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته كما تقرر في أصول الفقه، وإذا فسر
~~بآمنوا وبشر دل على تجارته عليه الصلاة والسلام الرابحة وتجارتهم
~~الصالحة، وقدم { آمنوا } لأنه فاتحة الكل، ثم لو سلم فلا مانع من
~~العطف على جواب السائل بما لا يكون جوابا إذا ناسبه فيكون جوابا للسؤال
~~وزيادة كيف وهو داخل فيه؟ كأنهم قالوا: دلنا يا ربنا فقيل: آمنوا يكن لكم
~~كذا وبشرهم يا محمد بثبوته لهم، وفيه من إقامة الظاهر مقام المضمر وتنويع
~~الخطاب ما لا يخفى نبل موقعه، واختاره صاحب «الكشف» فقال: إن هذا الوجه
~~من وجه العطف على ms10589 قل ووجه العطف على فأبشر لخلوهما عن الفوائد المذكورة
~~يعني ما تضمنه الجواب.

### || [61.14]

# { يا أيها الذين ءامنوا كونوا أنصار الله } / أي نصرة
~~دينه سبحانه وعونة رسوله عليه الصلاة والسلام. وقرأ الأعرج وعيسى وأبو
~~عمرو والحرميان  أنصارا لله  بالتنوين وهو للتبعيض فالمعنى كونوا بعض
~~أنصاره عز وجل. وقرأ ابن مسعود  على ما في «الكشاف»  (كونوا أنتم أنصار
~~الله)، وفي «موضح الأهوازي» والكواشي  أنتم  دون { كونوا }  { كما
~~قال عيسى ابن مريم للحوارين من أنصارى إلى الله
~~} أي من جندي متوجها إلى نصرة الله تعالى ليطابق قوله سبحانه: { قال
~~الحواريون نحن أنصار الله } وقيل: { إلى } بمعنى مع و {
~~نحن أنصار الله } بتقدير نحن أنصار نبي الله فيحصل التطابق،
~~والأول أولى. والإضافة في { أنصارى } إضافة أحد المتشاركين إلى الآخر
~~لأنهما لما اشتركا في نصرة الله عز وجل كان بينهما ملابسة تصحح إضافة
~~أحدهما للآخر والإضافة في { أنصار الله } إضافة الفاعل إلى المفعول
~~والتشبيه باعتبار المعنى إذ المراد قل لهم ذلك كما قال عيسى، وقال أبو
~~حيان: هو على معنى قلنا لكم كما قال عيسى.

# وقال الزمخشري: هو على معنى كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار
~~عيسى حين قال لهم: { من أنصارى إلى الله } وخلاصته على ما قيل: إن
~~ما مصدرية وهي مع صلتها ظرف أي كونوا أنصار الله وقت قولي لكم ككون
~~الحواريين أنصاره وقت قول عيسى، ثم قيل: كونوا أنصاره كوقت قول عيسى هذه
~~المقالة، وجيء بحديث سؤاله عن الناصر وجوابهم فهو نظير كاليوم في قولهم:
~~كاليوم رجل أي كرجل رأيته اليوم فحذف الموصوف مع صفته، واكتفي بالظرف
~~عنهما لدلالته على الفعل الدال على موصوفه، وهذا من توسعاتهم في الظروف،
~~وقد جعلت الآية من الاحتباك، والأصل كونوا أنصار الله حين قال لكم النبي
~~صلى الله عليه وسلم: { من أنصارى إلى الله } كما كان الحواريون
~~أنصار الله حين قال لهم عيسى عليه السلام { من أنصارى إلى الله }
~~فحذف من كل منهما ما دل عليه المذكور في الآخر، وهو لا يخلو عن حسن. ms10590

# و { الحواريون } أصفياؤه عليه السلام، والعدول عن ضميرهم إلى
~~الظاهر للاعتناء بشأنهم، وهم أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلا
~~فرقهم  على ما في «البحر»  عيسى عليه السلام في البلاد، فمنهم من
~~أرسله إلى رومية، ومنهم من أرسله إلى بابل، ومنهم من أرسله إلى أفريقية،
~~ومنهم من أرسله إلى أفسس، ومنهم من أرسله إلى بيت المقدس، ومنهم من أرسله
~~إلى الحجاز، ومنهم من أرسله إلى أرض البربر وما حولها وتعيين المرسل إلى
~~كل فيه، ولست على ثقة من صحة ذلك ولا من ضبط أسمائهم، وقد ذكرها السيوطي
~~أيضا في «الإتقان» فليلتمس ضبط ذلك من مظانه.

# واشتقاق الحواريين من الحور  وهو البياض  وسموا بذلك لأنهم كانوا
~~قصارين، وقيل: للبسهم البياض، وقيل: لنقاء ظاهرهم وباطنهم، وزعم بعضهم أن
~~ما قيل: من أنهم كانوا قصارين إشارة إلى أنهم كانوا يطهرون نفوس الناس
~~بإفادتهم الدين والعلم، وما قيل: من أنهم كانوا صيادين إشارة إلى أنهم
~~كانوا يصطادون نفوس الناس من الحيرة ويقودونهم إلى الحق. وقيل: الحواريون
~~المجاهدون، وفي الحديث

# " لكل نبي حواري وحواريي الزبير "

# وفسر بالخاصة من الأصحاب والناصر، وقال الأزهري: الذي أخلص ونقي من كل
~~عيب، وعن قتادة إطلاق الحواري على غيره رضي الله تعالى عنه أيضا، فقد
~~قال: إن الحواريين كلهم من قريش أبو بكر وعمر وعلي وحمزة وجعفر وأبو
~~عبيدة بن الجراح وعثمان بن مظعون وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص
~~وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله تعالى
~~عنهم أجمعين.

# / { فئامنت طائفة من بني إسراءيل } أي بعيسى عليه السلام
~~{ وكفرت طائفة } أخرى. { فأيدنا الذين ءامنوا على
~~عدوهم } وهم الذين كفروا { فأصبحوا ظهرين } فصاروا غالبين؛
~~قال زيد بن علي وقتادة: بالحجة والبرهان، وقيل: إن عيسى عليه السلام حين
~~رفع إلى السماء قالت طائفة من قومه: إنه الله سبحانه، وقالت أخرى: إنه
~~ابن الله  تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا  رفعه الله عز وجل إليه،
~~وقالت طائفة: إنه عبد الله ورسوله فاقتتلوا فظهرت الفرقتان ms10591 الكافرتان على
~~الفرقة المؤمنة حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم فظهرت المؤمنة على
~~الكافرتين، وروي ذلك عن ابن عباس، وقيل: اقتتل المؤمنون والكفرة بعد رفعه
~~عليه السلام فظهر المؤمنون على الكفرة بالسيف، والمشهور أن القتال ليس من
~~شريعته عليه السلام، وقيل: المراد فآمنت طائفة من بني إسرائيل بمحمد عليه
~~الصلاة والسلام وكفرت أخرى به صلى الله عليه وسلم فأيدنا المؤمنين على
~~الكفرة فصاروا غالبين، وهو خلاف الظاهر، والله تعالى أعلم.

### | [62 - سورة الجمعة]

### || [62.1]

# { يسبح لله ما فى السموات وما في الأرض }
~~تسبيحا متجددا على سبيل الاستمرار / { الملك القدوس
~~العزيز الحكيم } صفات للاسم الجليل، وقد تقدم معناها. وقرأ أبو
~~وائل ومسلمة بن محارب ورؤبة وأبو الدينار والأعرابي برفعها على المدح،
~~وحسن ذلك الفصل الذي فيه نوع طول بين الصفة والموصوف، وجاء كذلك عن
~~يعقوب، وقرأ أبو الدينار وزيد بن علي { القدوس } بفتح القاف.

### || [62.2]

# { هو الذى بعث فى الأميين } يعني سبحانه العرب لأن أكثرهم
~~لا يكتبون ولا يقرأون. وقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن
~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب "

# وأريد بذلك أنهم على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتابة والحساب فهم على
~~جبلتهم الأولى، فالأمي نسبة إلى الأم التي ولدته، وقيل: نسبة إلى أمة
~~العرب، وقيل: إلى أم القرى، والأول أشهر، واقتصر بعضهم في تفسيره على أنه
~~الذي لا يكتب. والكتابة على ما قيل: بدئت بالطائف أخذوها من أهل الحيرة
~~وهم من أهل الأنبار. وقرىء (الأمين) بحذف ياء النسب.

# { رسولا منهم } أي كائنا من جملتهم، فمن تبعيضية، والبعضية: إما
~~باعتبار الجنس فلا تدل على أنه عليه الصلاة والسلام أمي، أو باعتبار
~~الخاصة المشتركة في الأكثر فتدل، واختار هذا جمع، فالمعنى رسولا من
~~جملتهم أميا مثلهم.

# { يتلو عليهم ءايته } مع كونه أميا مثلهم لم يعهد منه
~~قراءة ولا تعلم { ويزكيهم } عطف على { يتلو } فهو صفة أيضا 
~~لرسولا  أي يحملهم على ما يصيرون به أزكياء طاهرين من خبائث ms10592 العقائد
~~والأعمال.

# { ويعلمهم الكتب والحكمة } ((صفة أيضا  لرسولا 
~~مترتبة في الوجود على التلاوة، وإنما وسط بينهم التزكية التي هي عبارة عن
~~تكميل النفس بحسب قوتها العملية وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب القوة
~~النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على التلاوة للإيذان بأن كلا من الأمور
~~المترتبة نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر، ولو روعي ترتيب الوجود
~~لربما يتبادل إلى الفهم كون الكل نعمة واحدة كما مر في سورة البقرة،
~~وهو السر في التعبير عن القرآن تارة بالآيات وأخرى بالكتاب والحكمة رمزا
~~إلى أنه باعتبار كل عنوان نعمة على حدة، ولا يقدح فيه شمول الحكمة لما في
~~تضاعيف الأحاديث النبوية من الأحكام والشرائع)) قاله بعض الأجلة. وجوز
~~كون { الكتب والحكمة } كناية عن جميع النقليات والعقليات
~~كالسماوات والأرض بجميع الموجودات، والأنصار والمهاجرين بجميع الصحابة
~~رضي الله تعالى عنهم. وفيه من الدلالة على مزيد علمه صلى الله عليه وسلم
~~ما فيه؛ ولو لم يكن له عليه الصلاة والسلام سوى ذلك معجزة لكفاه كما أشار
~~إليه البوصيري بقوله:

# كفاك بالعلم في الأمي معجزة

# في الجاهلية والتأديب في اليتم

# { وإن كانوا من قبل لفى ضلل مبين } من الشرك وخبث
~~الجاهلية، وهو بيان لشدة افتقارهم إلى من يرشدهم وإن كان نسبة الضلال
~~إليهم باعتبار الأكثر إذ منهم مهتد كورقة وأضرابه. وفي الكلام إزاحة لما
~~عسى أن يتوهم من تعلمه عليه الصلاة والسلام من الغير { وإن } هي
~~المخففة واللام هي الفارقة.

### || [62.3]

# { وءاخرين } جمع آخر بمعنى الغير. وهو عطف على

# الأميين

# [الجمعة: 2] أي وفي آخرين { منهم } أي من الأميين. و  من  للتبيين
~~{ لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم } أي لم
~~يلحقوا بهم بعد وسيلحقون، وهم الذين جاءوا بعد / الصحابة إلى يوم الدين.
~~وجوز أن يكون عطفا على المنصوب في

# ويعلمهم

# [الجمعة: 2] أي ويعلمهم ويعلم آخرين فإن التعليم إذا تناسق إلى آخر
~~الزمان كان كله مستندا إلى أوله فكأنه عليه الصلاة والسلام هو الذي تولى
~~كل ما وجد منه، واستظهر الأول. والمذكور في الآية قومه صلى الله عليه
~~وسلم وجنس ms10593 الذين بعث فيهم، وأما المبعوث إليهم فلم يتعرض له فيها نفيا
~~أو إثباتا، وقد تعرض لإثباته في آيات أخر، وخصوص القوم لا ينافي عموم
~~ذلك فلا إشكال في تخصيص الآخرين بكونهم من الأميين أي العرب في النسب.

# وقيل: المراد من الأميين في الأمية فيشمل العجم، وبهم فسره مجاهد  كما
~~رواه عنه ابن جرير وغيره  وتعقب بأن العجم لم يكونوا أميين. وقيل:
~~المراد { منهم } في كونهم منسوبين إلى أمة مطلقا لا في كونهم لا
~~يقرأون ولا يكتبون، وهو كما ترى إلا أنه لا يشكل عليه  وكذا على ما قبله
~~ ما أخرجه البخاري والترمذي والنسائي وجماعة عن أبي هريرة قال:

# " كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم حين أنزلت سورة الجمعة
~~فتلاها فلما بلغ { وءاخرين منهم لما يلحقوا بهم } قال
~~له رجل: يا رسول الله من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟ فوضع يده على سلمان
~~الفارسي رضي الله تعالى عنه، وقال: والذي نفسي بيده لو كان الإيمان
~~بالثريا لناله رجال من هؤلاء "

# فإنه صلى الله عليه وسلم أشار بذلك إلى أنهم فارس، ومن المعلوم أنهم
~~ليسوا من الأميين المراد بهم العرب في النسب.

# وقال بعض أهل العلم: المراد بالأميين مقابل أهل الكتاب لعدم اعتناء
~~أكثرهم بالقراءة والكتابة لعدم كتاب لهم سماوي تدعوهم معرفته إلى ذلك
~~فيشمل الفرس إذ لا كتاب لهم كالعرب، وعلى ذلك يخرج ما أشار إليه الحديث
~~من تفسير الآخرين بالفرس وهو مع ذلك من باب التمثيل، والاقتصار على بعض
~~الأنواع بناءا على أن بعض الأمم لا كتاب لهم أيضا، وربما يقال: إن  من
~~ في { منهم } اسمية بمعنى بعض مبتدأ كما قيل في قوله تعالى:

# ومن الناس من يقول

# [البقرة: 8] وضمير الجمع  لآخرين  وجملة { لما يلحقوا بهم
~~} خبر فيشمل { ءاخرين } طوائف الناس الذين يلحقون إلى يوم القيامة من
~~العرب والروم والعجم وغيرهم؛ وبذلك فسره الضحاك وابن حيان ومجاهد في
~~رواية، ويكون الحديث من باب الاقتصار والتمثيل كقول ابن عمر: هم أهل
~~اليمن، وابن جبير هم الروم والعجم فتدبر.

# وزعم ms10594 بعضهم أن المراد بقوله تعالى: { لما يلحقوا بهم } أنهم
~~لم يلحقوا بهم في الفضل لفضل الصحابة على التابعين ومن بعدهم. وفيه أن {
~~لما } منفيها مستمر إلى الحال ويتوقع وقوعه بعده فتفيد أن لحوق
~~التابعين ومن بعدهم في الفضل للصحابة متوقع الوقوع مع أنه ليس كذلك، وقد
~~صرحوا أنه لا يبلغ تابعي وإن جل قدرا في الفضل مرتبة صحابي وإن لم يكن
~~من كبار الصحابة. وقد سئل عبد الله بن المبارك عن معاوية وعمر بن عبد
~~العزيز أيهما أفضل؟ فقال: الغبار الذي دخل أنف فرس معاوية أفضل عند الله
~~من مائة عمر بن عبد العزيز فقد صلى معاوية خلف رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فقرأ

# اهدنا الصراط المستقيم

# [الفاتحة: 6] الخ فقال معاوية: آمين. واستدل على عدم اللحوق بما صح من
~~قوله عليه الصلاة والسلام فيهم:

# " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه "

# على القول بأن الخطاب لسائر الأمة، وأما قوله صلى الله عليه وسلم:

# " أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره "

# فمبالغة في خيريتهم كقول القائل في ثوب حسن البطانة: لا يدرى ظهارته خير
~~أم بطانته.

### || [62.4]

# { ذلك } إشارة إلى ما تقدم من كونه عليه الصلاة والسلام رسولا في
~~الأميين ومن / بعدهم معلما مزكيا وما فيه من معنى البعد للتعظيم أي ذلك
~~الفضل العظيم { فضل الله } وإحسانه جل شأنه { يؤتيه من
~~يشاء } من عباده تفضلا، ولا يشاء سبحانه إيتاءه لا حد بعده صلى الله
~~عليه وسلم.

# { والله ذو الفضل العظيم } الذي يستحقر دونه نعم الدنيا
~~والآخرة.

### || [62.5]

# { مثل الذين حملوا التوراة } أي علموها وكلفوا العمل
~~بما فيها، والتحميل في هذا شائع يلحق بالحقيقة، والمراد بهم اليهود {
~~ثم لم يحملوها } أي لم يعملوا بما في تضاعيفها التي من جملتها
~~الآيات الناطقة بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. { كمثل
~~الحمار يحمل أسفارا } أي كتبا كبارا على ما يشعر به
~~التنكير، وإيثار لفظ السفر وما فيه من معنى الكشف من العلم يتعب بحملها
~~ولا ينتفع بها. ms10595 و { يحمل } إما حال من  الحمار  لكونه معرفة لفظا
~~والعامل فيه معنى المثل، أو صفة له لأن تعريفه ذهني فهو معنى نكرة فيوصف
~~بما توصف به على الأصح. ونسب أبو حيان للمحققين تعين الحالية في مثل ذلك.

# ووجه ارتباط الآية بما قبلها تضمنها الإشارة إلى أن ذلك الرسول المبعوث
~~قد بعثه الله تعالى بما نعته به في التوراة وعلى ألسنة أنبياء بني
~~إسرائيل كأنه قيل: هو الذي بعث المبشر به في التوراة المنعوت فيها
~~بالنبي الأمي المبعوث إلى أمة أميين؛ مثل من جاءه نعته فيها وعلمه ثم لم
~~يؤمن به مثل الحمار.

# وفي الآية دليل على سوء حال العالم الذي لا يعمل بعلمه، وتخصيص الحمار
~~بالتشبيه به لأنه كالعلم في الجهل، ومن ذلك قول الشاعر:

# ذوامل للأسفار لا علم عندهم

# بجيدها إلا كعلم الأباعر

# لعمرك ما يدري البعير إذا غدا

# بأوساقه أوراح ما في الغرائر

# بناءا على نقل عن ابن خالويه أن البعير اسم من أسماء الحمار كالجمل
~~البازل.

# وقرأ يحيى بن يعمر وزيد بن علي { حملوا } مبنيا للفاعل، وقرأ عبد
~~الله  حمار  بالتنكير، وقرىء { يحمل } بشد الميم مبنيا للمفعول.

# { بئس مثل القوم الذين كذبوا بئايت الله }
~~أي بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا، فحذف المضاف وهو المخصوص بالذم وأقيم
~~المضاف إليه مقامه، ويجوز أن يكون { الذين } صفة { القوم } ،
~~والمخصوص محذوف أي بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله هو، والضمير
~~راجع إلى { مثل الذين حملوا التوراة } ، وظاهر كلام
~~«الكشاف» أن المخصوص هو { مثل } المذكور، والفاعل مستتر يفسره تمييز
~~محذوف، والتقدير بئس مثلا مثل القوم الخ. وتعقب بأن سيبويه نص على أن
~~التمييز الذي يفسر الضمير المستتر في باب نعم لا يجوز حذفه ولو سلم جوازه
~~فهو قليل. وأجيب بأن ذاك تقرير لحاصل المعنى وهو أقرب لاعتبار الوجه
~~الأول، وكان قول ابن عطية التقدير بئس المثل مثل القوم من ذلك الباب،
~~وإلا ففيه حذف الفاعل، وقد قالوا بعدم جوازه إلا في مواضع ليس هذا منها.

# { والله لا يهدى القوم الظلمين ms10596 } أي الواضعين
~~للتكذيب في موضع التصديق، أو الظالمين لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد
~~بسبب التكذيب.

### || [62.6]

# { قل يأيها الذين هادوا } أي تهودوا أي صاروا يهودا {
~~إن زعمتم أنكم أولياء لله } أي أحباء له سبحانه ولم
~~يضف أولياء إليه تعالى كما في قوله سبحانه:

# ألا إن أولياء الله

# [يونس: 62] قال الطيبي: ليؤذن بالفرق بين مدعي الولاية ومن يخصه عز وجل
~~بها { من دون الناس } حال من الضمير الراجع إلى اسم { إن } أي /
~~متجاوزين عن الناس { فتمنوا الموت } أي فتمنوا من الله تعالى
~~أن يميتكم وينقلكم من دار البلية إلى محل الكرامة { إن كنتم
~~صدقين } جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي إن كنتم صادقين في
~~زعمكم واثقين بأنه حق فتمنوا الموت فإن من أيقن أنه من أهل الجنة أحب أن
~~يتخلص إليها من هذه الدار التي هي قرارة الأنكاد والأكدار، وأمر صلى الله
~~عليه وسلم أن يقول لهم ذلك إظهارا لكذبهم فإنهم كانوا يقولون:

# نحن أبناء الله وأحباؤه

# [المائدة: 18] ويدعون أن الآخرة لهم عند الله خالصة ويقولون:

# لن يدخل الجنة إلا من كان هودا

# [البقرة: 111] وروي أنه لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبت يهود
~~المدينة ليهود خيبر: إن اتبعتم محمدا أطعناه وإن خالفتموه خالفناه،
~~فقالوا نحن أبناء خليل الرحمن ومنا عزيز ابن الله والأنبياء ومتى كانت
~~النبوة في العرب نحن أحق بها من محمد ولا سبيل إلى اتباعه فنزلت { قل
~~يأيها الذين هادوا } الآية، واستعمال { إن } التي للشك
~~مع الزعم وهو محقق للإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يجزم به لوجود ما يكذبه.

# وقرأ ابن يعمر وابن أبي إسحق وابن السميقع { فتمنوا الموت
~~} بكسر الواو تشبيها ب

# لو استطعنا

# [التوبة: 42]، وعن ابن السميقع أيضا فتحها، وحكى الكسائي عن بعض
~~الأعراب أنه قرأ بالهمزة مضمومة بدل الواو.

### || [62.7]

# { ولا يتمنونه أبدا } إخبار بحالهم المستقبلة وهو عدم
~~تمنيهم الموت، وذلك خاص على ما صرح به جمع بأولئك المخاطبين، وروي أن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم:

# " والذي نفسي بيده ms10597 لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه "

# فلم يتمنه أحد منهم وما ذلك إلا لأنهم كانوا موقنين بصدقه عليه الصلاة
~~والسلام فعلموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم ولحقهم الوعيد، وهذه إحدى
~~المعجزات، وجاء نفي هذا التمني في آية أخرى  بلن  وهو من باب التفنن
~~على القول المشهور في أن كلا من  لا  و  لن  لنفي المستقبل من غير
~~تأكيد، ومن قال: بإفادة  لن  التأكيد فوجه اختصاص التوكيد عنده بذلك
~~الموضع أنهم ادعوا الاختصاص دون الناس في الموضعين، وزادوا هنالك أنه أمر
~~مكشوف لا شبهة فيه محققة عند الله فناسب أن يؤكد ما ينفيه.

# والباء في قوله سبحانه: { بما قدمت أيديهم } سببية متعلقة
~~بما يدل عليه النفي أي يأبون التمني بسبب ما قدمت، وجوز تعلقه بالانتفاء
~~كأنه قيل: انتفى تمنيهم بسبب ما قدمت كما قيل ذلك في قوله تعالى:

# ما أنت بنعمة ربك بمجنون

# [القلم: 2] والمراد بما قدمته أيديهم الكفر والمعاصي الموجبة لدخول
~~النار، ولما كانت اليد من بين جوارح الإنسان مناط عامة أفعاله عبر بها
~~تارة عن النفس وأخرى عن القدرة.

# { والله عليم بالظلمين } أي بهم وإيثار الإظهار على
~~الإضمار لذمهم والتسجيل عليهم بأنهم ظالمون في كل ما يأتون ويذرون من
~~الأمور التي من جملتها ادعاء ما هم عنه بمعزل. والجملة تذييل لما قبلها
~~مقررة لما أشار إليه من سوء أفعالهم واقتضائها العذاب، أي والله تعالى
~~عليم بما صدر منهم من فنون الظلم والمعاصي وبما سيكون منهم فيجازيهم على
~~ذلك.

### || [62.8]

# { قل إن الموت الذى تفرون منه } ولا تجسرون على أن
~~تمنوه مخافة أن تؤخذوا بوبال أفعالكم. { فإنه ملقيكم } البتة
~~من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه والجملة خبر { إن } والفاء لتضمن
~~الاسم معنى الشرط باعتبار وصفه بالموصول، فإن الصفة والموصوف كالشيء
~~الواحد، فلا يقال: إن الفاء إنما تدخل الخبر / إذا تضمن المبتدأ معنى
~~الشرط، والمتضمن له الموصول وليس بمبتدأ، ودخولها في مثل ذلك ليس بلازم
~~كدخولها في الجواب الحقيقي، وإنما يكون لنكتة تليق بالمقام وهي ههنا
~~المبالغة في ms10598 عدم الفوت، وذلك أن الفرار من الشيء في مجرى العادة سبب
~~الفوت عليه فجىء بالفاء لإفادة أن الفرار سبب الملاقاة مبالغة فيما ذكر
~~وتعكيسا للحال. وقيل: ما في حيزها جواب من حيث المعنى على معنى الإعلام
~~فتفيد أن الفرار المظنون سببا للنجاة سبب للإعلام بملاقاته كما في قوله
~~تعالى:

# وما بكم من نعمة فمن الله

# [النحل: 53] وهو وجه ضعيف فيما نحن فيه لا مبالغة فيه من حيث المعنى.
~~ومنع قوم منهم الفراء دخول الفاء في نحو هذا، وقالوا: هي ههنا زائدة،
~~وجوز أن يكون الموصول خبر { إن } والفاء عاطفة كأنه قيل: إن الموت هو
~~الشيء الذي تفرون منه فيلاقيكم.

# وقرأ زيد بن علي  إنه ملاقيكم  بدون فاء، وخرج على أن الخبر هو
~~الموصول وهذه الجملة مستأنفة أو هي الخبر والموصول صفة كما في قراءة
~~الجمهور، وجوز أن يكون الخبر { ملقيكم } و  إنه  توكيدا لإن
~~الموت، وذلك أنه لما طال الكلام أكد الحرف مصحوبا بضمير الاسم الذي لإن،
~~وقرأ ابن مسعود  تفرون منه ملاقيكم  بدون الفاء ولا  إنه  وهي ظاهرة.

# { ثم تردون إلى علم الغيب والشهدة } الذي
~~لا يخفى عليه خافية. { فينبئكم بما كنتم تعملون } من
~~الكفر والمعاصي بأن يجازيكم بها.

# واستشعر غير واحد من الآية ذم الفرار من الطاعون، والكلام في ذلك طويل،
~~فمنهم من حرمه كابن خزيمة فإنه ترجم في «صحيحه»: باب الفرار من الطاعون
~~من الكبائر وأن الله تعالى يعاقب من وقع منه ذلك ما لم يعف عنه، واستدل
~~بحديث عائشة

# " الفرار من الطاعون كالفرار من الزحف "

# رواه الإمام أحمد والطبراني وابن عدي وغيرهم، وسنده حسن. وذكر التاج
~~السبكي أن الأكثر على تحريمه، ومنهم من قال بكراهته كالإمام مالك، ونقل
~~القاضي عياض وغيره جواز الخروج عن الأرض التي يقع بها عن جماعة من
~~الصحابة منهم أبو موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة، وعن التابعين منهم
~~الأسود بن هلال ومسروق، وروى الإمام أحمد والطبراني أن عمرو بن العاص قال
~~في الطاعون في آخر خطبته: إن هذا رجز مثل السيل من ms10599 تنكبه أخطأه ومثل
~~النار من تنكبها أخطأها ومن أقام أحرقته، وفي لفظ إن هذا الطاعون رجس
~~فتفرقوا منه في الشعاب وهذه الأودية فتفرقوا فبلغ ذلك عمر رضي الله تعالى
~~عنه فلم ينكره ولم يكرهه، وعن طارق بن شهاب قال: كنا نتحدث إلى أبي موسى
~~الأشعري وهو في داره بالكوفة فقال لنا وقد وقع الطاعون: لا عليكم أن
~~تنزحوا عن هذه القرية فتخرجوا في فسيح بلادكم حتى يرفع هذا الوباء فإني
~~سأخبركم بما يكره من ذلك أن يظن من خرج أنه لو أقام فأصابه ذلك أنه لو
~~خرج لم يصبه فإذا لم يظن هذا فلا عليه أن يخرج ويتنزه عنه.

# وأخرج البيهقي وغيره عنه بسند حسن أنه قال: إن هذا الطاعون قد وقع فمن
~~أراد أن يتنزه عنه فليفعل واحذروا اثنتين أن يقول قائل: خرج خارج فسلم
~~وجلس جالس فأصيب، فلو كنت خرجت لسلمت كما سلم فلان ولو كنت جلست أصبت كما
~~أصيب فلان، ويفهم أنه لا بأس بالخروج مع اعتقاد أن كل مقدر كائن، وكأني
~~بك تختار ذلك، لكن في «فتاوى العلامة ابن حجر» أن محل النزاع فيما إذا
~~خرج فارا منه مع اعتقاد أنه لو قدر عليه لأصابه وأن فراره لا ينجيه لكن
~~يخرج مؤملا أن ينجو أما الخروج من محله بقصد / أن له قدرة على التخلص من
~~قضاء الله تعالى وأن فعله هو المنجي له فواضح أنه حرام بل كفر اتفاقا.
~~وأما الخروج لعارض شغل أو للتداوي من علة طعن فيه أو غير ذلك فهو مما لا
~~ينبغي أن يختلف في جوازه كما صرح به بعض المحققين، ومن ذلك فيما أرى عروض
~~وسوسة طبيعية له لا يقدر على دفعها تضر به ضررا بينا وغلبة ظن عدم دفنه
~~أو تغسيله إذا مات في ذلك المحل، قيل: ولا يقاس على الفرار من الطاعون
~~الفرار من غيره من المهالك فإنه مأمور به؛ وقد قال الجلال السيوطي:
~~الفرار من الوباء كالحمى ومن سائر أسباب الهلاك جائز بالإجماع، والطاعون
~~مستثنى من عموم المهالك ms10600 المأمور بالفرار منها للنهي التحريمي أو التنزيهي
~~عن الفرار منه.

# واختلفوا في علة النهي فقيل: هي أن الطاعون إذا وقع في بلد مثلا عم
~~جميع من فيه بمداخلة سببه فلا يفيد الفرار منه بل إن كان أجله قد حضر فهو
~~ميت وإن رحل وإلا فلا، وإن أقام فتعينت الإقامة لما في الخروج من العبث
~~الذي لا يليق بالعقلاء. واعترض بمنع عمومه إذا وقع في بلد جميع من فيه
~~بمداخلة سببه ولو سلم فالوباء مثله في أن الشخص الذي في بلده إن كان أجله
~~قد حضر فهو ميت وإن رحل وإلا فلا وإن أقام مع أنهم جوزوا الفرار منه،
~~وقيل: هي أن الناس لو تواردوا على الخروج لضاعت المرضى العاجزون عن
~~الخروج لفقد من يتعهدهم والموتى لفقد من يجهزهم، وأيضا في خروج الأقوياء
~~كسرا لقلوب الضعفاء عن الخروج، وأيضا إن الخارج يقول: لو لم أخرج لمت،
~~والمقيم: لو خرجت لسلمت فيقعان في اللو المنهي عنه.

# واعترض كل ذلك بأنه موجود في الفرار عن الوباء أيضا، وكذا الداء الحادث
~~ظهوره المعروف بين الناس بأبي زوعة الذي أعيا الأطباء علاجه ولم ينفع
~~فيه التحفظ والعزلة على الوجه المعروف في الطاعون، وقيل: هي إن للميت به
~~وكذا للصابر المحتسب المقيم في محله وإن لم يمت به أجر شهيد، وفي الفرار
~~إعراض عن الشهادة وهو محل التشبيه في حديث عائشة عند بعض، واعترض بأنه قد
~~صح أنه صلى الله عليه وسلم مر بحائط مائل فأسرع ولم يمنع أحد من ذلك،
~~وكذا من الفرار من الحريق مع أن الميت بذلك شهيد أيضا، وذهب بعض العلماء
~~إلى أن النهي تعبدي، وكأنه لما رأى أنه لا تسلم علة له عن الطعن قال ذلك.
~~ولهم في هذه المسألة رسائل عديدة فمن أراد استيفاء الكلام فيها فليرجع
~~إليها.

### || [62.9]

# { يأيها الذين ءامنوا إذا نودى للصلوة } أي فعل
~~النداء لها أي الأذان، ((والمراد به على ما حكاه في «الكشاف» الأذان عند
~~قعود الإمام على المنبر. وقد كان لرسول الله صلى الله ms10601 عليه وسلم مؤذن
~~واحد فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل عليه الصلاة
~~والسلام أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر على ذلك حتى إذا كان عثمان
~~وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد مؤذنا آخر فأمر بالتأذين الأول على داره
~~التي تسمى زوراء فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن الثاني فإذا نزل أقام
~~الصلاة فلم يعب ذلك عليه)). وفي حديث الجماعة  إلا مسلما  فلما كان
~~عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء، وفي رواية للبخاري
~~ومسلم زاد النداء الثاني، والكل بمعنى، وتسمية ما يفعل من الأذان أولا
~~ثانيا باعتبار أنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما
~~كان بعد، وتسميته ثالثا لأن الإقامة تسمى أذانا كما في الحديث

# " بين كل أذانين صلاة "

# وقال مفتي الحنفية في دار السلطنة السنية الفاضل سعد الله جلبي:
~~المعتبر في تعلق الأمر يعني قوله تعالى الآتي: { فاسعوا } هو الأذان
~~الأول في الأصح عندنا لأن حصول الإعلام به، لا الأذان بين يدي المنبر،
~~ورد بأن الأول لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما سمعت فكيف
~~يقال: المراد / الأول في الأصح؟ وأما كون الثاني لا إعلام فيه فلا يضر
~~لأن وقته معلوم تخمينا ولو أريد ما ذكر وجب بالأول السعي وحرم البيع
~~وليس كذلك. وفي كتاب «الأحكام» روي عن ابن عمر والحسن في قوله تعالى: {
~~إذا نودى } الخ قال: إذا خرج الإمام وأذن المؤذن فقد نودي للصلاة
~~انتهى، وهو التفسير المأثور فلا عبرة بغيره كذا قال الخفاجي. وفي كتب
~~الحنفية خلافه ففي «الكنز» و«شرحه»: ويجب السعي وترك البيع بالأذان الأول
~~لقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إذا نودى
~~للصلوة } الآية وإنما اعتبر لحصول الإعلام به، وهذا القول هو
~~الصحيح في المذهب، وقيل: العبرة للأذان الثاني الذي يكون بين يدي المنبر
~~لأنه لم يكن في زمنه إلا هو  وهو ضعيف  لأنه لو اعتبر في وجوب السعي لم
~~يتمكن من السنة القبلية ومن الاستماع بل ربما يخشى عليه فوات ms10602 الجمعة
~~انتهى، ونحوه كثير لكن الاعتراض عليه قوي فتدبر.

# { من يوم الجمعة } أي فيه كما في قوله تعالى:

# أرونى ماذا خلقوا من الأرض

# [فاطر: 40] أي فيها، وجوز أبو البقاء أيضا كون { من } للتبعيض، وفي
~~«الكشاف» هي بيان  لإذا  وتفسير له.

# والظاهر أنه أراد البيان المشهور فأورد عليه أن شرط (من) البيانية أن
~~يصح حمل ما بعدها على المبين قبلها وهو منتف هنا لأن الكل لا يحمل على
~~الجزء واليوم لا يصح أن يراد به هنا مطلق الوقت لأن يوم الجمعة علم لليوم
~~المعروف لا يطلق على غيره في العرف ولا قرينة عليه هنا؛ وقيل: أراد
~~البيان اللغوي أي لبيان أن ذلك الوقت في أي يوم من الأيام إذ فيه إبهام
~~فيجامع كونها بمعنى في، وكونها للتبعيض وهو كما ترى.

# والجمعة بضم الميم وهو الأفصح والأكثر الشائع، وبه قرأ الجمهور. وقرأ
~~ابن الزبير وأبو حيوة وابن أبي عبلة وزيد بن علي والأعمش بسكونها، وروي
~~عن أبي عمرو  وهو لغة تميم  وجاء فتحها ولم يقرأ به، ونقل بعضهم الكسر
~~أيضا، وذكروا أن الجمعة بالضم مثل الجمعة بالإسكان، ومعناه المجموع أي
~~يوم الفوج المجموع كقولهم: ضحكة للمضحوك منه، وأما الجمعة بالفتح فمعناه
~~الجامع أي يوم الوقت الجامع كقولهم: ضحكة لكثير الضحك. وقال أبو البقاء:
~~الجمعة بضمتين وبإسكان الميم مصدر بمعنى الاجتماع. وقيل: في المسكن هو
~~بمعنى المجتمع فيه كرجل ضحكة أي كثير الضحك منه انتهى.

# وقد صار يوم الجمعة علما على اليوم المعروف من أيام الأسبوع، وظاهر
~~عبارة أكثر اللغويين أن الجمعة وحدها من غير يوم صارت علما له ولا مانع
~~منه، وإضافة العام المطلق إلى الخاص جائزة مستحسنة فيما إذا خفي الثاني
~~كما هنا لأن التسمية حادثة كما ستعلمه إن شاء الله تعالى فليست قبيحة
~~كالإضافة في إنسان زيد. وكانت العرب  على ما قال غير واحد  تسمي يوم
~~الجمعة عروبة. قيل: وهو علم جنس يستعمل بأل وبدونها؛ وقيل: أل لازمة، قال
~~الخفاجي: والأول أصح.

# وفي «النهاية» لابن الأثير: عروبة اسم قديم للجمعة، ms10603 وكأنه ليس بعربي
~~يقال: يوم عروبة ويوم العروبة، والأفصح أن لا يدخلها الألف واللام انتهى،
~~وما ظنه من أنه ليس بعربي جزم به مختصر كتاب «التذييل والتكميل مما
~~استعمل من اللفظ الدخيل» لجمال الدين عبد الله بن أحمد الشهير بالشيشي
~~فقال: عروبة منكرا ومعرفا هو يوم الجمعة اسم سرياني معرب، ثم قال: قال
~~السهيلي: ومعنى العروبة الرحمة فيما بلغنا عن بعض أهل العلم انتهى وهو
~~غريب فليحفظ.

# وأول من سماه جمعة قيل: كعب بن لؤي، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن
~~المنذر عن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي صلى الله
~~عليه وسلم وقبل أن تنزل الجمعة قالت الأنصار: لليهود يوم يجتمعون فيه /
~~بكل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك فهلم فلنجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر
~~الله تعالى ونشكره، فقالوا: يوم السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه
~~يوم العروبة، وكانوا يسمون يوم الجمعة بذلك فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة
~~فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسموه الجمعة حين اجتمعوا إليه فذبح لهم
~~شاة فتغذوا وتعشوا منها وذلك لعامتهم؛ فأنزل الله تعالى في ذلك بعد {
~~يأيها الذين ءامنوا إذا نودى للصلوة } الآية.

# وكون أسعد هذا أول من جمع مروى عن غير ابن سيرين أيضا، أخرج أبو داود
~~وابن ماجه وابن حبان والبيهقي عن عبد الرحمن بن كعب [بن مالك] أن أباه
~~كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة فقلت: يا أبتاه
~~أرأيت استغفارك لأسعد بن زرارة كلما سمعت الأذان للجمعة ما هو؟ قال: لأنه
~~أول من جمع بنا في نقيع الخضمات من حرة بني بياضة قلت: كم كنتم يومئذ؟
~~قال: أربعون رجلا، وظاهر قول ابن سيرين: فأنزل الله تعالى في ذلك بعد {
~~يأيها الذين ءامنوا } الخ أن أسعد أقام الجمعة قبل أن تفرض،
~~وكذا قوله: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم وقبل
~~أن تنزل الجمعة، وفي «فتح القدير» التصريح بذلك، وقال العلامة ابن حجر في
~~«تحفة المحتاج» فرضت ms10604  يعني صلاة الجمعة  بمكة ولم نقم بها لفقد العدد،
~~أو لأن شعارها الإظهار، وكان صلى الله عليه وسلم بها مستخفيا، وأول من
~~أقامها بالمدينة قبل الهجرة أسعد بن زرارة بقرية على ميل من المدينة
~~انتهى، فلعلها فرضت ثم نزلت الآية كالوضوء للصلاة فإنه فرض أولا بمكة مع
~~الصلاة ثم نزلت آيته. لكن يعكر على هذا ما أخرجه ابن ماجه عن جابر أن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال:

# " إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا في
~~عامي هذا إلى يوم القيامة فمن تركها استخفافا بها أو جحودا بها فلا جمع
~~الله شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا صلاة له ولا زكاة له ولا حج له
~~ولا صوم له ولا بر له حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه "

# فإن الظاهر أن هذه الخطبة كانت في المدينة بل ظاهر الخبر أنها بعد
~~الهجرة بكثير إذ ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام فيه:

# " لا حج له "

# أن الحج كان مفروضا إذا ذاك، وهو وإن اختلف في وقت فرضه فقيل: فرض قبل
~~الهجرة، وقيل: أول سنيها، وقيل: ثانيها، وهكذا إلى العاشرة لكن قالوا: إن
~~الأصح أنه فرض في السنة السادسة فإما أن يقدح في صحة الحديث، وإما أن
~~يقال: مفاده افتراض الجمعة إلى يوم القيامة أي بهذا القيد، ويقال: إن
~~الحاصل قبل افتراضها غير مقيد بهذا القيد ثم ما تقدم من كون أسعد أول من
~~جمع بالمدينة يخالفه ما أخرج الطبراني عن أبي مسعود الأنصاري قال: أول
~~من قدم من المهاجرين المدينة مصعب بن عمير، وهو أول من جمع بها يوم
~~الجمعة جمع بهم قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم اثنا عشر
~~رجلا.

# وأخرج البخاري على ما نقله السيوطي نحوه، وكان ذلك بأمره عليه الصلاة
~~والسلام، فقد أخرج الدارقطني عن ابن عباس قال: أذن النبي عليه الصلاة
~~والسلام بالجمعة قبل أن يهاجر ولم يستطع أن يجمع بمكة فكتب إلى ms10605 مصعب بن
~~عمير: أما بعد فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور فاجمعوا نساءكم
~~وأبناءكم فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى
~~الله تعالى بركعتين قال: فهو أول من جمع، حتى قدم النبي صلى الله عليه
~~وسلم المدينة فجمع عند الزوال من الظهر وأظهر ذلك فلعل ما يدل على كون
~~أسعد أول من جمع أثبت من هذه الأخبار أو يجمع بأن أسعد أول من أقامها
~~بغير أمر منه صلى الله عليه وسلم كما يدل عليه خبر ابن سيرين، وصرح به
~~ابن الهمام ومصعبا أول من أقامها بأمره عليه الصلاة والسلام، أو بأن
~~مصعبا أول من أقامها في المدينة نفسها وأسعد أول من أقامها في قرية قرب
~~المدينة، وقولهم: في المدينة تسامح، وقال الحافظ ابن حجر: يجمع / بين
~~الحديثين بأن أسعد كان أميرا، ومصعبا كان إماما وهو كما ترى. ولم يصرح
~~في شيء من الأخبار التي وقفت عليها فيمن أقامها قبل الهجرة بالمدينة
~~بالخطبة التي هي أحد شروطها، وكأن في خبر ابن سيرين رمزا إليها بقوله:
~~وذكرهم، وقد يقال: إن صلاة الجمعة حقيقة شرعية في الصلاة المستوفية
~~للشروط، فمتى قيل: إن فلانا أول من صلى الجمعة كان متضمنا لتحقق الشروط
~~لكن يبعد كل البعد كون ما وقع من أسعد رضي الله تعالى عنه إن كان قبل
~~فرضيتها مستوفيا لما هو معروف اليوم من الشروط، ثم إني لا أدري هل صلى
~~أسعد الظهر ذلك اليوم أم اكتفى بالركعتين اللتين صلاهما عنها؟ وعلى تقدير
~~الاكتفاء كيف ساغ له ذلك بدون أمره عليه الصلاة والسلام؟! وقصارى ما يظن
~~أن الأنصار علموا فرضية الجمعة بمكة وعلموا شروطها وإغناءها عن صلاة
~~الظهر فأرادوا أن يفعلوها قبل أن يؤمروا بخصوصهم فرغب خواصهم عوامهم على
~~أحسن وجه وجاءوا إلى أسعد فصلى بهم وهو خلاف الظاهر جدا فتدبر والله
~~تعالى الموفق.

# وأما ما كان من صلاته عليه الصلاة والسلام إياها فقد روي أنه عليه
~~الصلاة والسلام لما قدم المدينة مهاجرا نزل قبا على بني ms10606 عمرو بن عوف
~~وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم ثم خرج
~~يوم الجمعة إلى المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن
~~واد لهم فخطب وصلى الجمعة وهو أول جمعة صلاها عليه الصلاة والسلام.

# وقال بعضهم: إنما سمي هذا اليوم يوم الجمعة لأن آدم عليه السلام اجتمع
~~فيه مع حواء في الأرض، وقيل: لأن خلق آدم عليه السلام جمع فيه وهو نحو ما
~~أخرجه سعيد بن منصور وابن مردويه

# " عن أبي هريرة قال: قلت: يا نبي الله لأي شيء سمي يوم الجمعة؟ فقال:
~~لأن فيها جمعت طينة أبيكم آدم عليه السلام "

# الخبر، ويشعر ذلك بأن التسمية كانت قبل كعب بن لؤي ويسميه الملائكة يوم
~~القيامة يوم المزيد لما أن الله تعالى يتجلى فيه لأهل الجنة فيعطيهم ما
~~لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر كما في حديث رواه ابن أبي
~~شيبة عن أنس مرفوعا.

# وهو من أفضل الأيام، وفي خبر رواه كثيرون منهم الإمام أحمد وابن ماجه عن
~~أبي لبابة بن عبد المنذر مرفوعا

# " يوم الجمعة سيد الأيام وأعظم عند الله تعالى من يوم الفطر ويوم الأضحى
~~"

# وفيه أن فيه خلق آدم وإهباطه إلى الأرض وموته وساعة الإجابة  أي للدعاء
~~ما لم يكن سؤال حرام - وقيام الساعة، وفي خبر الطبراني

# " وفيه دخل الجنة وفيه خرج "

# وصحح ابن حبان خبر

# " لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة "

# وفي خبر مسلم

# " فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها وفيه تقوم الساعة وأنه
~~خير يوم طلعت عليه الشمس "

# وصح خبر

# " وفيه تيب عليه وفيه مات "

# وأخذ أحمد من خبري مسلم وابن حبان أنه أفضل حتى من يوم عرفة، وفضل كثير
~~من الحنابلة ليلته على ليلة القدر، قيل: ويردهما أن لذينك دلائل خاصة
~~فقدمت.

# واختلف في تعيين ساعة الإجابة فيه، فعن أبي بردة: هي حين يقوم الإمام
~~في الصلاة حتى ينصرف عنها، وعن الحسن: هي عند زوال الشمس، ms10607 وعن الشعبي:
~~هي ما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل، وعن عائشة: هي حين ينادي المنادي
~~بالصلاة، وفي حديث مرفوع أخرجه ابن أبي شيبة عن كثير بن عبد الله
~~المزني: هي حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها، وعن أبي أمامة إني
~~لأرجو أن تكون الساعة التي في الجمعة إحدى هذه الساعات: إذا أذن المؤذن
~~أو جلس الإمام على المنبر أو عند الإقامة، وعن طاوس ومجاهد: هي بعد
~~العصر، وقيل غير ذلك، ولم يصح تعيين الأكثرين، وقد أخفاها الله تعالى كما
~~أخفى سبحانه الاسم الأعظم وليلة القدر وغيرهما لحكمة لا تخفى.

# / { فاسعوا إلى ذكر الله } أي امشوا إليه بدون إفراط في
~~السرعة، وجاء في الحديث مقابلة السعي بالمشي، وجعل ذلك من خصائص الجمعة،
~~فقد أخرج الستة في «كتبهم» عن أبي سلمة من حديث أبي هريرة قال: قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون وعليكم
~~السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا "

# والمراد بذكر الله الخطبة والصلاة، واستظهر أن المراد به الصلاة، وجوز
~~كون المراد به الخطبة وهو على ما قيل مجاز من إطلاق البعض على الكل
~~كإطلاقه على الصلاة، أو لأنها كالمحل له، وقيل: الذكر عام يشمل الخطبة
~~المعروفة ونحو التسبيحة.

# واستدلوا بالآية لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه على أنه يكفي في خطبة
~~الجمعة التي هي شرط لصحتها الذكر مطلقا، ولا يشترط الطويل وأقله قدر
~~التشهد كما اشترطه صاحباه، وبينوا ذلك بأنه تعالى ذكر الذكر من غير فصل
~~بين كونه ذكرا طويلا يسمى خطبة أو ذكرا لا يسمى خطبة فكان الشرط هو
~~الذكر الأعم بالقاطع غير أن المأثور عنه صلى الله عليه وسلم اختيار أحد
~~الفردين وهو الذكر المسمى بالخطبة والمواظبة عليه فكان ذلك واجبا أو سنة
~~لا أنه الشرط الذي لا يجزىء غيره إذ لا يكون بيانا لعدم الإجمال في لفظ
~~الذكر، والشافعية يشترطون خطبتين، ولهما أركان عندهم، واستدلوا على ذلك
~~بالآثار، وأيا ما كان فالأمر بالسعي للوجوب. ms10608

# واستدل بذلك على فرضية الجمعة حيث رتب فيها الأمر بالسعي لذكر الله
~~تعالى على النداء للصلاة فإن أريد به الصلاة أو هي والخطبة فظاهر، وكذلك
~~إن أريد به الخطبة لأن افتراض السعي إلى الشرط  وهو المقصود لغيره  فرع
~~افتراض ذلك الغير، ألا ترى أن من لم تجب عليه الصلاة لا يجب عليه السعي
~~إلى الجمعة بالإجماع. وكذا ثبتت فرضيتها بالسنة والإجماع، وقد صرح بعض
~~الحنفية بأنها آكد فرضية من الظهر وبإكفار جاحدها وهي فرض عين، وقيل:
~~كفاية وهو شاذ، وفي حديث رواه أبو داود - وقال النووي: على شرط الشيخين -

# " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: مملوك، أو امرأة أو
~~صبي أو مريض "

# وأجمعوا على اشتراط العدد فيها لهذا الخبر وغيره، وقول القاشاني: تصح
~~بواحد لا يعتد به كما في «شرح المهذب» لكنهم اختلفوا في مقداره على
~~أقوال: أحدها: أنه اثنان أحدهما الإمام  وهو قول النخعي والحسن بن صالح
~~وداود  الثاني: ثلاثة أحدهم الإمام  وحكي عن الأوزاعي وأبي ثور وعن
~~أبي يوسف ومحمد وحكاه الرافعي وغيره عن قول الشافعي القديم  الثالث:
~~أربعة أحدهم الإمام  وبه قال أبو حنيفة والثوري والليث وحكاه ابن المنذر
~~عن الأوزاعي وأبي ثور واختاره، وحكاه في «شرح المهذب» عن محمد، وحكاه
~~صاحب «التلخيص» قولا للشافعي في القديم  الرابع: سبعة  حكي عن عكرمة 
~~الخامس: تسعة  حكي عن ربيعة  السادس: اثني عشر  في رواية عن ربيعة
~~وحكاه الماوردي عن محمد والزهري والأوزاعي  السابع: ثلاثة عشر أحدهم
~~الإمام  حكي عن إسحاق بن راهويه  الثامن: عشرون  رواه ابن حبيب عن
~~مالك  التاسع: ثلاثون  في رواية عن مالك  العاشر: أربعون أحدهم الإمام
~~ وبه قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة والإمام الشافعي في الجديد، وهو
~~المشهور عن الإمام أحمد، وأحد القولين المرويين عن عمر بن عبد العزيز 
~~الحادي عشر: خمسون  في الرواية الأخرى عنه  الثاني عشر: ثمانون  حكاه
~~المازري  الثالث عشر: جمع كثير بغير قيد  وهو مذهب مالك  فقد اشتهر
~~أنه قال: لا يشترط عدد معين بل ms10609 تشترط جماعة تسكن بهم قرية ويقع بينهم
~~البيع، ولا تنعقد بالثلاثة والأربعة ونحوهم.

# / قال الحافظ ابن حجر في «شرح البخاري»: ولعل هذا المذهب أرجح المذاهب
~~من حيث الدليل. وأنا أقول أرجحها مذهب الإمام أبي حنيفة، وقد رجحه
~~المزني  وهو من كبار الآخذين عن الشافعي  وهو اختيار الجلال السيوطي،
~~ووجه اختياره مع ذكر أدلة أكثر الأقوال بما لها وعليها مذكور في رسالة له
~~سماها «ضوء الشمعة في عدد الجمعة»، ولولا مزيد التطويل لذكرنا خلاصتها،
~~ومن أراد ذلك فليرجع إليها ليظهر له بنورها حقيقة الحال.

# وقرأ كثير من الصحابة والتابعين  فامضوا  وحملت على التفسير بناءا
~~على أنه لا يراد بالسعي الإسراع في المشي ولم تجعل قرآنا لمخالفتها سواد
~~المصحف المجمع عليه.

# { وذروا البيع } أي واتركوا المعاملة على أن البيع مجاز عن ذلك
~~فيعم البيع والشراء والإجارة وغيرها من المعاملات، أو هو دال على ما عداه
~~بدلالة النص ولعله الأولى، والأمر للوجوب فيحرم كل ذلك بل روي عن عطاء
~~حرمة اللهو المباح وأن يأتي الرجل أهله وأن يكتب كتابا أيضا. وعبر
~~بعضهم بالكراهة وحملت على كراهة التحريم، وقول الأكمل في «شرح المنار»:
~~إن الكراهة تنزيهية مردود وكأنه مأخوذ من زعم القاضي الإسبيجابي أن
~~الأمر في الآية للندب وهو زعم باطل عند أكثر الأئمة.

# وعامة العلماء على صحة البيع، وإن حرم نظير ما قالوا في الصلاة بالثوب
~~المغصوب أو في الأرض المغصوبة. وقال ابن العربي: هو فاسد، وعبر مجاهد
~~بقوله: مردود. ويستمر زمن الحرمة إلى فراغ الإمام من الصلاة، وأوله إما
~~وقت أذان الخطبة  وروي عن الزهري، وقال به جمع  وأما أول وقت الزوال 
~~وروي ذلك عن عطاء والضحاك والحسن.

# والظاهر أن المأمورين بترك البيع هم المأمورون بالسعي إلى الصلاة.

# وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن القاسم أن القاسم دخل على أهله يوم
~~الجمعة وعندهم عطار يبايعونه فاشتروا منه وخرج القاسم إلى الجمعة فوجد
~~الإمام قد خرج فلما رجع أمرهم أن يناقضوه البيع، وظاهره حرمة البيع إذا
~~نودي للصلاة على غير من ms10610 تجب عليه أيضا، والظاهر حرمة البيع والشراء حالة
~~السعي. وصرح في «السراج الوهاج» بعدمها إذا لم يشغله ذلك.

# { ذلكم } أي المذكور من السعي إلى ذكر الله تعالى وترك البيع {
~~خير لكم } أنفع من مباشرة البيع فإن نفع الآخرة أجل وأبقى، وقيل:
~~أنفع من ذلك ومن ترك السعي، وثبوت أصل النفع للمفضل عليه باعتبار أنه نفع
~~دنيوي لا يدل على كون الأمر للندب والاستحباب دون الحتم والإيجاب كما لا
~~يخفى { إن كنتم تعلمون } الخير والشر الحقيقيين، أو إن كنتم من
~~أهل العلم على تنزيل الفعل منزلة اللازم.

### || [62.10]

# { فإذا قضيت الصلوة } أي أديت وفرغ منها { فانتشروا
~~فى الأرض } لإقامة مصالحكم { وابتغوا من فضل الله } أي
~~الربح على ما قيل، وقال مكحول والحسن وابن المسيب: المأمور بابتغائه هو
~~العلم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: لم يؤمروا بشيء من طلب
~~الدنيا إنما هو عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله تعالى، وأخرج
~~نحوه ابن جرير عن أنس مرفوعا. والأمر للإباحة على الأصح فيباح بعد قضاء
~~الصلاة الجلوس في المسجد ولا يجب الخروج، وروي ذلك عن الضحاك ومجاهد.
~~وحكى الكرماني في «شرح البخاري» الاتفاق على ذلك وفيه نظر، فقد حكى
~~السرخسي القول بأنه للوجوب، / وقيل: هو للندب، وأخرج أبو عبيد وابن
~~المنذر والطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن بسر الحبراني قال: رأيت
~~عبد الله بن بسر المازني صاحب النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الجمعة
~~خرج فدار في السوق ساعة ثم رجع إلى المسجد فصلى ما شاء الله تعالى أن
~~يصلي، فقيل له: لأي شيء تصنع هذا؟ قال: إني رأيت سيد المرسلين صلى الله
~~عليه وسلم هكذا يصنع وتلا هذه الآية { فإذا قضيت الصلوة }
~~الخ. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: إذا انصرفت يوم الجمعة فاخرج
~~إلى باب المسجد فساوم بالشيء وإن لم تشتره، ونقل عنه القول بالندبية وهو
~~الأقرب والأوفق بقوله تعالى: { واذكروا الله كثيرا } أي ذكرا
~~كثيرا ولا تخصوا ذكره عز وجل بالصلاة { لعلكم ms10611 تفلحون } كي
~~تفوزوا بخير الدارين، ومما ذكرنا يعلم ضعف الاستدلال بما هنا على أن
~~الأمر الوارد بعد الحظر للإباحة.

# واستدل بالآية على تقديم الخطبة على الصلاة وكذا على عدم ندب صلاة سنتها
~~البعدية في المسجد، ولا دلالة فيها على نفي سنة بعدية لها، وظاهر كلام
~~بعض الأجلة أن من الناس من نفى أن للجمعة سنة مطلقا فيحتمل على بعد أن
~~يكون استشعر نفي السنة البعدية من الأمر بالانتشار وابتغاء الفضل، وأما
~~نفي القبلية فقد استند فيه إلى ما روي في «الصحيح» وقد تقدم من أن النداء
~~كان على عهده عليه الصلاة والسلام إذا جلس على المنبر إذ من المعلوم أنه
~~عليه الصلاة والسلام إذا كمل الأذان أخذ في الخطبة وإذا أتمها أخذ في
~~الصلاة، فمتى كانوا يصلون السنة؟ وأجيب عن هذا بأن خروجه عليه الصلاة
~~والسلام كان بعد الزوال بالضرورة فيجوز كونه بعد ما كان يصلي الأربع،
~~ويجب الحكم بوقوع الحكم بهذا المجوز لعموم ما صح من أنه صلى الله عليه
~~وسلم كان يصلي إذا زالت الشمس أربعا، وكذا يجب في حقهم لأنهم أيضا
~~يعلمون الزوال كالمؤذن بل ربما يعلمونه بدخول الوقت ليؤذن.

# واستدل بقوله تعالى:

# إذا نودى

# [الجمعة: 9] الخ من قال: إنما يجب إتيان الجمعة من مكان يسمع فيه
~~النداء، والمسألة خلافية فقال ابن عمر وأبو هريرة ويونس والزهري: يجب
~~إتيانها من ستة أميال، وقيل: من خمسة، وقال ربيعة: من أربعة، وروي ذلك عن
~~الزهري وابن المنكدر. وقال مالك والليث: من ثلاثة، وفي «بحر أبي حيان»:
~~((وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجب الإتيان على من في المصر سمع النداء أو لم
~~يسمع لا على من هو خارج المصر وإن سمع النداء؛ وعن ابن عمر وابن المسيب
~~والزهري وأحمد وإسحاق على من سمع النداء، وعن ربيعة على من إذا سمع وخرج
~~من بيته ماشيا أدرك الصلاة))، وكذا استدل بذلك من قال بوجوب الإتيان
~~إليها سواء كان إذن عام أم لا، وسواء أقامها سلطان أو نائبه أو غيرهما أم
~~لا لأنه تعالى ms10612 إنما رتب وجوب السعي على النداء مطلقا كذا قيل، وتحقيق
~~الكلام على ذلك كله في كتب الفروع المطولة.

### || [62.11]

# { وإذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا إليها }
~~أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وجماعة عن جابر بن عبد الله
~~قال: «بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائما إذ قدمت
~~عير المدينة فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق
~~منهم إلا اثنا عشر رجلا أنا فيهم وأبو بكر وعمر فأنزل الله تعالى: {
~~وإذا رأوا تجرة } إلى آخر السورة، وفي رواية ابن مردويه

# " عن ابن عباس أنه بقي في المسجد اثنا عشر رجلا وسبع نسوة فقال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: لو خرجوا كلهم لاضطرم المسجد عليهم نارا "

# وفي رواية عن قتادة

# " والذي نفس محمد بيده لو اتبع آخركم / أولكم لالتهب الوادي عليكم نارا
~~"

# ، وقيل: لم يبق إلا أحد عشر رجلا، وهم - على ما قال أبو بكر غالب بن
~~عطية - العشرة المبشرة وعمار في رواية وابن مسعود في أخرى، وعلى الرواية
~~السابقة عدوا العشرة أيضا منهم وعدوا بلالا وجابرا لكلامه السابق،
~~ومنهم من لم يذكر جابرا وذكر بلالا وابن مسعود، ومنهم من ذكر عمارا
~~بدل ابن مسعود، وقيل: لم يبق إلا ثمانية، وقيل: بقي أربعون، وكانت العير
~~لعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى تحمل طعاما، وكان قد أصاب أهل
~~المدينة جوع وغلاء سعر.

# وأخرج أبو داود في «مراسيله» عن مقاتل بن حيان قال: كان رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين حتى كان يوم جمعة
~~والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب وقد صلى الجمعة فدخل رجل فقال: إن دحية
~~بن خليفة قدم بتجارة وكان إذا قدم تلقاه أهله بالدفاف فخرج الناس ولم
~~يظنوا إلا أنه ليس في ترك حضور الخطبة شيء فأنزل الله تعالى: { وإذا
~~رأوا } الخ فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة
~~وأخر الصلاة، ولا أظن صحة هذا الخبر، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم ms10613
~~لم يزل مقدما خطبتها عليها، وقد ذكروا أنها شرط صحتها وشرط الشيء سابق
~~عليه، ولم أر أحدا من الفقهاء ذكر أن الأمر كان كما تضمنه ولم أظفر بشيء
~~من الأحاديث مستوف لشروط القبول متضمن ذلك، نعم ذكر العلامة ابن حجر
~~الهيتمي أن بعضهم شذ عن الإجماع على كون الخطبة قبلها والله تعالى أعلم.

# والآية لما كانت في أولئك المنفضين وقد نزلت بعد وقوع ذلك منهم قالوا:
~~إن { إذا } فيها قد خرجت عن الاستقبال واستعملت للماضي كما في قوله:

# وندمان تزيد الكأس طيبا

# سقيت (إذا) تغورت النجوم

# ووحد الضمير لأن العطف بأو واختير ضمير التجارة دون اللهو لأنها الأهم
~~المقصود، فإن المراد باللهو ما استقبلوا به العير من الدف ونحوه، أو لأن
~~الانفضاض للتجارة مع الحاجة إليها والانتفاع بها إذا كان مذموما فما ظنك
~~بالانفضاض إلى اللهو وهو مذموم في نفسه؟! وقيل: الضمير للرؤية المفهومة
~~من { رأوا } وهو خلاف الظاهر المتبادر، وقيل: في الكلام تقدير،
~~والأصل إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه فحذف الثاني
~~لدلالة الأول عليه، وتعقب بأنه بعد العطف بأو لا يحتاج إلى الضير لكل
~~منهما بل يكفي الرجوع لأحدهما فالتقدير من غير حاجة، وقال الطيبي: يمكن
~~أن يقال: إن { أو } في { أو لهوا } مثلها في قوله:

# بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى

# وصورتها أو أنت في العين أملح

# فقال الجوهري: يريد بل أنت فالضمير في { إليها } راجع إلى اللهو
~~باعتبار المعنى، والسر فيه أن التجارة إذا شغلت المكلف عن ذكر الله تعالى
~~عدت لهوا، وتعد فضلا إن لم تشغله كما في قوله تعالى:

# فإذا قضيت الصلوة فانتشروا فى الأرض وابتغوا
~~من فضل الله

# [الجمعة: 10] انتهى وليس بشيء كما لا يخفى.

# وقرأ ابن أبي عبلة  إليه  بضمير اللهو، وقرىء  إليهما  بضمير
~~الاثنين كما في قوله تعالى:

# إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما

# [النساء: 135] وهو متأول لأنه بعد العطف بأو لكونها لأحد الشيئين لا
~~يثنى الضمير وكذا الخبر والحال والوصف، فهي على هذه القراءة ms10614 بمعنى الواو
~~كما قيل به في الآية التي ذكرناها.

# { وتركوك قائما } أي على المنبر. واستدل به على مشروعية القيام
~~في الخطبة وهو عند الحنفية أحد سننها، وعند الشافعية هو شرط في الخطبتين
~~إن قدر عليه، وأخرج ابن ماجه وغيره عن ابن مسعود أنه سئل أكان النبي صلى
~~الله عليه وسلم يخطب قائما أو قاعدا؟ / فقال: أما تقرأ { وتركوك
~~قائما }؟ وكذا سئل ابن سيرين وأبو عبيدة، وأجابا بذلك، وأول من خطب
~~جالسا معاوية. ولعل ذلك لعجزه عن القيام، وإلا فقد خالف ما كان عليه
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي
~~وابن ماجه عن ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخطب خطبتين
~~يجلس بينهما، وذكر أبو حيان أن أول من استراح في الخطبة عثمان رضي الله
~~تعالى عنه، وكأنه أراد بالاستراحة غير الجلوس بين الخطبتين، إذ ذاك ما
~~كان عليه صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما.

# { قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجرة }
~~فإن ذلك نفع محقق مخلد بخلاف ما فيهما من النفع، فإن نفع اللهو ليس بمحقق
~~بل هو متوهم، ونفع التجارة ليس بمخلد.

# وتقديم اللهو ليس من تقديم العدم على الملكة كما توهم بل لأنه أقوى
~~مذمة، فناسب تقديمه في مقام الذم، وقال ابن عطية: قدمت التجارة على اللهو
~~في الرؤية لأنها أهم، وأخرت مع التفضيل لتقع النفس أولا على الأبين، وهو
~~قريب مما ذكرنا.

# وقال الطيبي: قدم ما كان مؤخرا وكرر الجار لإرادة الإطلاق في كل واحد،
~~واستقلاله فيما قصد منه ليخالف السابق في اتحاد المعنى لأن ذلك في قصة
~~مخصوصة.

# واستدل الشيخ عبد الغني النابلسي عفا الله تعالى عنه على حل الملاهي
~~بهذه الآية لمكان أفعل التفضيل المقتضي لإثبات أصل الخيرية للهو
~~كالتجارة، وأنت تعلم أن ذلك مبني على الزعم والتوهم، وأعجب منه استدلاله
~~على ذلك بعطف التجارة المباحة على اللهو في صدر الآية، والأعجب الأعجب
~~أنه ألف رسائل في إباحة ذلك مما ms10615 يستعمله الطائفة المنسوبة إلى مولانا
~~جلال الدين الرومي دائرة على أدلة أضعف من خصر شادن يدور على محور الغنج
~~في مقابلتهم، ومنها أكاذيب لا أصل لها لن يرتضيها عاقل ولن يقبلها، ولا
~~أظن ما يفعلونه إلا شبكة لاصطياد طائر الرزق والجهلة يظنونه مخلصا من
~~ربقة الرق، فإياك أن تميل إلى ذلك وتوكل على الله تعالى المالك {
~~والله خير الرزقين } فإليه سبحانه اسعوا ومنه عز وجل اطلبوا
~~الرزق.

# واستدل بما وقع في القصة على أقل العدد المعتبر في جماعة الجمعة بأنه
~~اثنا عشر بناءا على ما في أكثر الروايات من أن الباقين بعد الانفضاض
~~كانوا كذلك، ووجه الدلالة منه أن العدد المعتبر في الابتداء يعتبر في
~~الدوام فلما لم تبطل الجمعة بانفضاض الزائد على اثني عشر دل على أن هذا
~~العدد كاف، وفيه أن ذلك وإن كان دالا على صحتها باثني عشر رجلا بلا
~~شبهة لكن ليس فيه دلالة على اشتراط اثني عشر، وأنها لا تصح بأقل من هذا
~~العدد، فإن هذه واقعة عين أكثر ما فيها أنهم انفضوا وبقي اثنا عشر رجلا
~~وتمت بهم الجمعة، وليس فيها أنه لو بقي أقل من هذا العدد لم تتم بهم.
~~وفيما يصنع الإمام إن اتفق تفرق الناس عنه في صلاة الجمعة خلاف: فعند
~~أبي حنيفة إن بقي وحده، أو مع أقل من ثلاثة رجال يستأنف الظهر إذا نفروا
~~عنه قبل الركوع، وعند صاحبيه إذا كبر وهم معه مضى فيها، وعند زفر إذا
~~نفروا قبل القعدة بطلت لأن العدد شرط ابتداءا فلا بد من دوامه كالوقت،
~~ولهما أنه شرط الانعقاد فلا يشترط دوامه كالخطبة، وللإمام أن الانعقاد
~~بالشروع في الصلاة ولا يتم ذلك إلا بتمام الركعة لأن ما دونها ليس بصلاة
~~فلا بد من دوامه إلى ذلك بخلاف الخطبة لأنها تنافي الصلاة فلا يشترط
~~دوامها. وقال جمهور الشافعية: إن انفض الأربعون أو بعضهم في الصلاة ولم
~~يحرم عقب انفضاضهم في الركعة الأولى عدد نحوهم سمع الخطبة بطلت الجمعة
~~فيتمونها ظهرا لنحو ما قال زفر، ms10616 وفي قول: لا يضر إن بقي إثنان مع الإمام
~~لوجود مسمى الجماعة إذ يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء وتمام
~~ذلك في محله.

# / وطعن الشيعة لهذه الآية في الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأنهم آثروا
~~دنياهم على آخرتهم حيث انفضوا إلى اللهو والتجارة ورغبوا عن الصلاة التي
~~هي عماد الدين وأفضل [من] كثير من العبادات لا سيما مع رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم، وروي أن ذلك قد وقع مرارا منهم، وفيه ان كبار الصحابة
~~كأبي بكر وعمر وسائر العشرة المبشرة لم ينفضوا، والقصة كانت في أوائل
~~زمن الهجرة، ولم يكن أكثر القوم تام التحلي بحلية آداب الشريعة بعد، وكان
~~قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فخاف أولئك المنفضون اشتداد الأمر
~~عليهم بشراء غيرهم ما يقتات به لو لم ينفضوا، ولذا لم يتوعدهم الله تعالى
~~على ذلك بالنار أو نحوها بل قصارى ما فعل سبحانه أنه عاتبهم ووعظهم
~~ونصحهم، ورواية أن ذلك وقع منهم مرارا إن أريد بها رواية البيهقي في
~~«شعب الإيمان» عن مقاتل بن حيان أنه قال: بلغني  والله تعالى أعلم 
~~أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات فمثل ذلك لا يلتفت إليه ولا يعول عند المحدثين
~~عليه، وإن أريد بها غيرها فليبين ولتثبت صحته، وأنى بذلك؟! وبالجملة
~~الطعن بجميع الصحابة لهذه القصة التي كانت من بعضهم في أوائل أمرهم وقد
~~عقبها منهم عبادات لا تحصى سفه ظاهر وجهل وافر.

# هذا ومن باب الإشارة على ما قيل في الآيات:

# هو الذى بعث فى الأمين رسولا منهم يتلوا
~~عليهم ءايته ويزكيهم ويعلمهم الكتب
~~والحكمة

# [الجمعة: 2] إشارة إلى عظيم قدرته عز وجل وأن إفاضة العلوم لا تتوقف على
~~الأسباب العادية، ومنه قالوا: إن الولي يجوز أن يكون أميا كالشيخ معروف
~~الكرخي  على ما قال ابن الجوزي  وعنده من العلوم اللدنية ما تقصر عنها
~~العقول، وقال العز بن عبد السلام: قد يكون الإنسان عالما بالله تعالى ذا
~~يقين وليس عنده علم من فروض الكفايات، وقد كان الصحابة أعلم من علماء ms10617
~~التابعين بحقائق اليقين ودقائق المعرفة مع أن في علماء التابعين من هو
~~أقوم بعلم الفقه من بعض الصحابة، ومن انقطع إلى الله عز وجل وخلصت روحه
~~أفيض على قلبه أنوار إلهية تهيأت بها لإدراك العلوم الربانية والمعارف
~~اللدنية، فالولاية لا تتوقف قطعا على معرفة العلوم الرسمية كالنحو
~~والمعاني والبيان وغير ذلك، ولا على معرفة الفقه مثلا على الوجه
~~المعروف، بل على تعلم ما يلزم الشخص من فروض العين على أي وجه كان من
~~قراءة أو سماع من عالم أو نحو ذلك، ولا يتصور ولاية شخص لا يعرف ما يلزمه
~~من الأمور الشرعية كأكثر من تقبل يده في زماننا، وقد رأيت منهم من
~~يقول  وقد بلغ من العمر نحو سبعين سنة  إذا تشهد لا إله أن الله بأن
~~بدل إلا فقلت له: منذ كم تقول هكذا؟ فقال: من صغري إلى اليوم فكررت عليه
~~الكلمة الطيبة فما قالها على الوجه الصحيح إلا بجهد، ولا أظن ثباته على
~~ذلك، وخبر

# " لا يتخذ الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه "

# ليس من كلامه عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك لا يفيد في دعوى ولاية من
~~ذكرنا. وذكر بعضهم أن قوله تعالى: { ويزكيهم } بعد قوله سبحانه: {
~~يتلو عليهم ءايته } إشارة إلى الإفاضة القلبية بعد الإشارة
~~إلى الإفادة القالية اللسانية، وقال بحصولها للأولياء المرشدين: فيزكون
~~مريديهم بإفاضة الأنوار على قلوبهم حتى تخلص قلوبهم وتزكو نفوسهم، وهو سر
~~ما يقال له التوجه عند السادة النقشبندية، وقالوا بالرابطة ليتهيأ
~~ببركتها القلب لما يفاض عليه، ولا أعلم لثبوت ذلك دليلا يعول عليه عن
~~الشارع الأعظم صلى الله عليه وسلم، ولا عن خلفائه رضي الله تعالى عنهم،
~~وكل ما يذكرونه في هذه المسألة ويعدونه دليلا لا يخلو عن قادح بل أكثر
~~تمسكاتهم فيها تشبه التمسك بحبال القمر، ولولا خوف الإطناب لذكرتها مع ما
~~فيها، ومع هذا لا أنكر بركة كل من الأمرين: التوجه والرابطة، وقد شاهدت
~~ذلك من فضل الله عز وجل، / وأيضا لا أدعي الجزم بعدم دليل في نفس الأمر،
~~وفوق ms10618 كل ذي علم عليم، ولعل أول من أرشد إليهما من السادة وجد فيهما ما
~~يعول عليه، أو يقال: يكفي للعمل بمثل ذلك نحو ما تمسك به بعض أجلة
~~متأخريهم وإن كان للبحث فيه مجال ولأرباب القال في أمره مقال. وفي قوله
~~تعالى:

# وءاخرين

# [الجمعة: 3] الخ بناءا على عطفه على الضمير المنصوب قيل: إشارة إلى عدم
~~انقطاع فيضه صلى الله عليه وسلم عن أمته إلى يوم القيامة؛ وقد قالوا بعدم
~~انقطاع فيض الولي أيضا بعد انتقاله من دار الكثافة والفناء إلى دار
~~التجرد والبقاء. وفي قوله تعالى:

# مثل الذين حملوا التوراة

# [الجمعة: 5] الخ إشارة إلى سوء حال المنكرين مع علمهم، وفي قوله تعالى:

# قل يأيها الذين هادوا

# [الجمعة: 6] الآية إشارة إلى جواز امتحان مدعي الولاية ليظهر حاله
~~بالامتحان فعند ذلك يكرم أو يهان، وفي عتاب الله تعالى المنفضين إشارة
~~إلى نوع من كيفيات تربية المريد إذا صدر منه نوع خلاف ليسلك الصراط السوي
~~ولا يرتكب الاعتساف، وفي الآيات بعد إشارات، يضيق عنها نطاق العبارات،و

# " من عمل بما علم أورثه الله عز وجل علم ما لم يعلم ".

### | [63 - سورة المنافقون]

### || [63.1]

# { إذا جاءك المنفقون } أي حضروا مجلسك، والمراد بهم عبد
~~الله بن أبي وأصحابه { قالوا نشهد إنك لرسول الله }
~~التأكيد بإن واللام للازم فائدة الخبر وهو علمهم بهذا الخبر المشهود به
~~فيفيد تأكيد الشهادة، ويدل على ادعائهم فيها المواطأة وإن كانت في نفسها
~~تقع على الحق والزور. والتأكيد في قوله تعالى: { والله يعلم
~~إنك لرسوله } لمزيد الاعتناء حقيقة بشأن الخبر، أو ليس إلا
~~ليوافق صنيعهم، وجيء بالجملة اعتراضا لإماطة ما عسى أن يتوهم من قوله عز
~~وجل: { والله يشهد إن المنفقين لكذبون } من
~~رجوع التكذيب إلى نفس الخبر المشهود به من أول الأمر، وذكر الطيبي أن
~~هذا نوع من التتميم لطيف المسلك، ونظيره قول أبي الطيب:

# وتحتقر الدنيا احتقار مجرب

# ترى كل ما فيها وحاشاك فانيا

# فالتكذيب راجع إلى { نشهد } باعتبار الخبر الضمني الذي دل عليه
~~التأكيد وهو دعوى المواطأة في الشهادة ms10619 أي والله يشهد إنهم لكاذبون فيما
~~ضمنوا قولهم: { نشهد } من دعوى المواطأة وتوافق اللسان والقلب في هذه
~~/ الشهادة. وقد يقال: الشهادة خبر خاص وهو ما وافق فيه اللسان القلب،
~~وأما شهادة الزور فتجوز كإطلاق البيع على غير الصحيح فهم كاذبون في
~~قولهم: { نشهد } المتفرع على تسمية قولهم ذلك شهادة، وهو مراد من
~~قال: أي لكاذبون في تسميتهم ذلك شهادة فلا تغفل. وعلى هذا لا يحتاج في
~~تحقق كذبهم إلى ادعائهم المواطأة ضمنا لأن اللفظ موضوع للمواطىء.

# وجوز أن يكون التكذيب راجعا إلى قولهم: { إنك لرسول الله }
~~باعتبار لازم فائدة الخبر وهو بمعنى رجوعه إلى الخبر الضمني، وأن يكون
~~راجعا إليه باعتبار ما عندهم أي لكاذبون في قولهم: { إنك لرسول
~~الله } عند أنفسهم لأنهم كانوا يعتقدون أنه كذب وخبر على خلاف ما عليه
~~حال المخبر عنه، قيل: وعلى هذا الكذب هو الشرعي اللاحق به الذم، ألا ترى
~~أن المجتهدين لا ينسبون إلى الكذب وإن نسبوا إلى الخطأ.

# وجوز العلامة الثاني أن يكون التكذيب راجعا إلى حلف المنافقين، وزعموا
~~أنهم لم يقولوا لاتنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ولئن
~~رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل لما ذكر في «صحيح البخاري»

# " عن زيد بن أرقم أنه قال: كنت في غزاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فسمعت عبد الله بن أبي بن سلول يقول: لا تنفقوا على من عند رسول
~~الله حتى ينفضوا من حوله ولو رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل
~~فذكرت ذلك لعمي فذكره لنبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم فدعاني
~~فحدثته فأرسل رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى عبد الله بن أبي
~~وأصحابه فحلفوا أنهم ما قالوا: فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وصدقه فأصابني هم لم يصبني مثله قط فجلست في البيت فقال لي عمي: ما أردت
~~إلى أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك فأنزل الله { إذا
~~جاءك المنفقون } فبعث إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ ms10620
~~فقال: إن الله صدقك يا زيد "

# وجوز بعض الأفاضل أن يكون المعنى: إن المنافقين شأنهم الكذب وإن صدقوا
~~في هذا الخبر. وأيا ما كان فلا يتم للنظام الاستدلال بالآية على أن
~~صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر ولو كان ذلك الاعتقاد خطأ وكذبه عدمها.
~~وإظهار المنافقين في موقع الإضمار لذمهم والإشعار بعلة الحكم والكلام في
~~{ إذا } على نحو ما مر آنفا.

### || [63.2]

# { اتخذوا أيمنهم } أي الكاذبة على ما يشير إليه الإضافة {
~~جنة } أي وقاية عما يتوجه إليهم من المؤاخذة بالقتل أو السبي أو غير
~~ذلك، قال قتادة: كلما ظهر على شيء منهم يوجب مؤاخذتهم حلفوا كاذبين عصمة
~~لأموالهم ودمائهم، وهذا كلام مستقل تعدادا لقبائحهم وأنهم من عادتهم
~~الاستجنان بالأيمان الكاذبة كما استجنوا بالشهادة الكاذبة، ويجوز أن يراد
~~بأيمانهم شهادتهم السابقة؛ والشهادة وأفعال العلم واليقين أجرتها العرب
~~مجرى القسم وتلقتها بما يتلقى القسم، ويؤكد بها الكلام كما يؤكد به،
~~فلهذا يطلق عليها اليمين، وبهذا استشهد أبو حنيفة على أن أشهد يمين،
~~واعترضه ابن المنير ((بأن غاية ما في الآية أنه سمي يمينا، والكلام في
~~وجوب الكفارة بذلك لا في إطلاق الاسم، وليس كل ما يسمى يمينا تجب فيه
~~الكفارة، فلو قال: أحلف على كذا لا تجب عليه الكفارة وإن كان حلفا)).
~~والجمع باعتبار تعدد القائلين، والكلام على هذا استئناف يدل على فائدة
~~قولهم ذلك عندهم مع الذم البالغ بما عقبه. وقيل: إن { اتخذوا } جواب
~~{ إذا } وجملة

# قالوا

# [المنافقون: 1] السابقة في موضع الحال بتقدير قد أو بدونه وهو خلاف
~~الظاهر، وأبعد منه جعل الجملة حالا وتقدير جواب  لإذا  وقال الضحاك:
~~أي اتخذوا حلفهم بالله إنهم لمنكم جنة عن القتل أو السبي أو نحوهما مما
~~يعامل به / الكفار ومن هنا أخذ الشاعر قوله:

# وما انتسبوا إلى الإسلام إلا

# لصون دمائهم أن لا تسالا

# وعن السدي أنهم اتخذوا ذلك جنة من ترك الصلاة عليهم إذا ماتوا، وهو كما
~~ترى وكذا ما قبله.

# { فصدوا عن سبيل الله } أي من أراد الدخول في دين الإسلام؛
~~أو من ms10621 أراد فعل طاعة مطلقا على أن الفعل متعد، والمفعول محذوف، أو
~~أعرضوا عن الإسلام حقيقة على أن الفعل لازم. وأيا ما كان فالمراد على
~~ما قيل: استمرارهم على ذلك. وحمل بعض الأجلة الأيمان على ما يعم ما حكى
~~عنهم من الشهادة، ثم قال: واتخاذها جنة عبارة عن إعدادهم وتهيئتهم لها
~~إلى وقت الحاجة ليحلفوا بها ويتخلصوا عن المؤاخدة لا عن استعمالها بالفعل
~~فإن ذلك متأخر عن المؤاخذة المسبوقة بوقوع الجناية واتخاذ الجنة لا بد أن
~~يكون قبل المؤاخذة، وعن سببها أيضا كما يفصح عنه الفاء في { فصدوا
~~} أي من أراد الإسلام أو الإنفاق كما سيحكي عنهم، ولا ريب في أن هذا الصد
~~متقدم على حلفهم، وقرىء  أي قرأ الحسن  { إيمانهم } بكسر الهمزة أي
~~الذي أظهروه على ألسنتهم فاتخاذه جنة عبارة عن استعماله بالفعل فإنه
~~وقاية دون دمائهم وأموالهم، فمعنى قوله تعالى: { فصدوا } فاستمروا
~~على ما كانوا عليه من الصدود والإعراض عن سبيله تعالى انتهى، وفيه ما
~~يعرف بالتأمل فتأمل.

# { إنهم ساء ما كانوا يعملون } من النفاق وما يتبعه. وقد
~~مر الكلام في { ساء } غير مرة.

### || [63.3]

# { ذلك } إشارة إلى ما تقدم من القول الناعي عليهم أنهم أسوأ الناس
~~أعمالا، أو إلى ما ذكر من حالهم في النفاق والكذب والاستجنان بالأيمان
~~الفاجرة أو الإيمان الصوري، وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار
~~إليه لما مر مرارا من الإشعار في مثل هذا المقام ببعد منزلته في الشر.
~~وجوز ابن عطية كونه إشارة إلى سوء ما عملوا، فالمعنى ساء عملهم {
~~بأنهم } أي بسبب أنهم { ءامنوا } أي نطقوا بكلمة الشهادة كسائر
~~من يدخل في الإسلام { ثم كفروا } ظهر كفرهم وتبين بما اطلع عليه
~~من قولهم: إن كان ما يقوله محمد حقا فنحن حمير، وقولهم في غزوة تبوك:
~~أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر هيهات، وغير ذلك. و { ثم
~~} على ظاهرها، أو لاستبعاد ما بين الحالين أو ثم أسروا الكفر  فثم 
~~للاستبعاد لا غير، أو نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ثم ms10622 نطقوا بالكفر عند
~~شياطينهم استهزاءا بالإسلام. وقيل: الآية في أهل الردة منهم. { فطبع
~~على قلوبهم } حتى يموتوا على الكفر { فهم لا يفقهون }
~~حقيقة الإيمان أصلا.

# وقرأ زيد بن علي { فطبع } بالبناء للفاعل وهو ضميره تعالى، وجوز أن
~~يكون ضميرا يعود على المصدرالمفهوم مما قبل  أي فطبع هو  أي تلعابهم
~~بالدين، وفي رواية أنه قرأ (فطبع الله) مصرحا بالاسم الجليل، وكذا قرأ
~~الأعمش.

### || [63.4]

# { وإذا رأيتهم تعجبك أجسمهم } لصباحتها وتناسب
~~أعضائها { وإن يقولوا تسمع لقولهم } لفصاحتهم وذلاقة
~~ألسنتهم وحلاوة كلامهم، وكان ابن أبي جسيما فصيحا يحضر مجلس رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أمثاله كالجد بن قيس ومعتب بن قشير
~~فكان عليه الصلاة والسلام ومن معه يعجبون من هياكلهم ويسمعون لكلامهم.
~~والخطاب قيل: لكل من يصلح له وأيد بقراءة عكرمة وعطية العوفي  يسمع 
~~بالياء / التحتية والبناء للمفعول، وقيل: لسيد المخاطبين عليه الصلاة
~~والسلام، وهذا أبلغ على ما في «الكشف» لأن أجسامهم إذا أعجبته صلى الله
~~عليه وسلم فأولى أن تعجب غيره؛ وكذا السماع لقولهم، وليوافق قوله تعالى:

# إذا جاءك

# [المنافقون: 1] والسماع مضمن معنى الإصغاء فليست اللام زائدة. وقوله
~~تعالى: { كأنهم خشب مسندة } كلام مستأنف لذمهم لا محل له
~~من الإعراب؛ وجوز أن يكون في حيز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم
~~كأنهم الخ؛ والكلام مستأنف أيضا، وأنت تعلم أن الكلام صالح للاستئناف من
~~غير تقدير فلا حاجة إليه، وقيل: هو في حيز النصب على الحال من الضمير
~~المجرور في { لقولهم } أي تسمع لما يقولون مشبهين بخشب مسندة كما
~~في قوله:

# فقلت: عسى أن تبصريني كأنما

# بنى حوالي الأسود الحوادر

# وتعقب بأن الحالية تفيد أن السماع لقولهم لأنهم كالخشب المسندة وليس
~~كذلك. و { خشب } جمع خشبة كثمرة وثمر. والمراد به ما هو المعروف شبهوا
~~في جلوسهم مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم مستندين فيها وما هم إلا
~~أجرام خالية عن الإيمان والخير بخشب منصوبة مسندة إلى الحائط في كونهم
~~أشباحا خالية عن الفائدة لأن الخشب تكون ms10623 مسندة إذا لم تكن في بناء أو
~~دعامة بشيء آخر، وجوز أن يراد بالخشب المسندة الأصنام المنحوتة من الخشب
~~المسندة إلى الحيطان شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم، وفي مثلهم قال
~~الشاعر:

# لا يخدعنك اللحى ولا الصور

# تسعة أعشار من ترى بقر

# تراهم كالسحاب منتشرا

# وليس فيها لطالب مطر

# في شجر السرو منهم شبه

# له رواء وماله ثمر

# وقرأ البراء بن عازب والنحويان وابن كثير { خشب } بإسكان الشين تخفيف
~~خشب المضموم، ونظيره بدنة وبدن. وقيل: جمع خشباء كحمر وحمراء، وهي الخشبة
~~التي نخر جوفها شبهوا بها في فساد بواطنهم لنفاقهم، وعن اليزيدي حمل
~~قراءة الجمهور بالضم على ذلك، وتعقب بأن فعلاء لا يجمع على فعل بضمتين،
~~ومنه يعلم ضعف القيل إذ الأصل توافق القراآت. وقرأ ابن عباس وابن المسيب
~~وابن جبير { خشب } بفتحتين كمدرة ومدر وهو اسم جنس على ما في «البحر»،
~~ووصفه بالمؤنث كما في قوله تعالى:

# أعجاز نخل خاوية

# [الحاقة: 7].

# { يحسبون كل صيحة عليهم } أي واقعة عليهم ضارة لهم
~~لجبنهم وهلعهم فكانوا كما قال مقاتل: متى سمعوا بنشدان ضالة أو صياحا
~~بأي وجه كان طارت عقولهم وظنوا ذلك إيقاعا بهم، وقيل: كانوا على وجل من
~~أن ينزل الله عز وجل فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم؛ ومنه
~~أخذ جرير قوله يخاطب الأخطل:

# مازلت تحسب كل شيء بعدهم

# خيلا تكر عليهم ورجالا

# وكذا المتنبي قوله:

# وضاقت الأرض حتى ظن هاربهم

# إذا رأى غير شيء ظنه رجلا

# والوقف على { عليهم } الواقع مفعولا ثانيا  ليحسبون  وهو وقف
~~تام كما في الكواشي، وعليه كلام الواحدي.

# / وقوله تعالى: { هم العدو } استئناف أي هم الكاملون في العداوة
~~والراسخون فيها فإن أعدى الأعادي العدو المداجي الذي يكاشرك وتحت ضلوعه
~~الداء الدوي ككثير من أبناء الزمان { فاحذرهم } لكونهم أعدى
~~الأعادي ولا تغترن بظاهرهم. وجوز الزمخشري كون { عليهم } صلة {
~~صيحة } و { هم العدو } والمفعول الثاني  ليحسبون  كما لو
~~طرح الضمير على معنى أنهم يحسبون الصيحة نفس العدو، وكان الظاهر عليه هو
~~أو هي العدو لكنه ms10624 أتى بضمير العقلاء المجموع لمراعاة معنى الخبر - أعني
~~العدو - بناءا على أنه يكون جمعا ومفردا وهو هنا جمع، وفيه أنه تخريج
~~متكلف بعيد جدا لا حاجة إليه وإن كان المعنى عليه لا يخلو عن بلاغة
~~ولطف، ومع ذلك لا يساعد عليه ترتب { فاحذرهم } لأن التحذير منهم
~~يقتضي وصفهم بالعداوة لا بالجبن.

# { قتلهم الله } أي لعنهم وطردهم فإن القتل قصارى شدائد الدنيا
~~وفظائعها، وكذلك الطرد عن رحمة الله تعالى والبعد عن جنابه الأقدس منتهى
~~عذابه عز وجل وغاية نكاله جل وعلا في الدنيا والآخرة. والكلام دعاء وطلب
~~من ذاته سبحانه أن يلعنهم ويطردهم من رحمته تعالى، وهو من أسلوب التجريد
~~فلا يكون من إقامة الظاهر مقام الضمير لأنه يقوت به نضارة الكلام، أو
~~تعليم للمؤمنين أن يدعو عليهم بذلك فهو على معنى قولوا: قاتلهم الله،
~~وجوز أن لا يكونوا من الطلب في شيء بأن يكون المراد أن وقوع اللعن بهم
~~مقرر لا بد منه. وذكر بعضهم أن قاتله الله كلمة ذم وتوبيخ، وتستعملها
~~العرب في موضع التعجب من غير قصد إلى لعن، والمشهور تعقيبها بالتعجب نحو
~~قاتله الله ما أشعره، وكذا قوله سبحانه هنا: { قتلهم الله }.

# { أنى يؤفكون } وهذا تعجيب من حالهم، أي كيف يصرفون عن الحق إلى
~~ما هم عليه من الكفر والضلال؟ فأنى ظرف متضمن للاستفهام معمول لما بعده،
~~وجوز ابن عطية كونه ظرفا  لقاتلهم  وليس هناك استفهام، وتعقبه أبو
~~حيان بأن { أنى } لا تكون لمجرد الظرفية أصلا، فالقول بذلك باطل.

### || [63.5]

# { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول
~~الله لووا رءوسهم } أي عطفوها وهو كناية عن التكبر والإعراض
~~على ما قيل؛ وقيل: هو على حقيقته أي حركوها استهزاءا، وأخرجه ابن المنذر
~~عن ابن جريج { ورأيتهم يصدون } يعرضون عن القائل أو عن
~~الاستغفار { وهم مستكبرون } عن ذلك.

# روي أنه لما صدق الله تعالى زيد بن أرقم فيما أخبر به عن ابن أبي، مقت
~~الناس ابن أبي ولامه المؤمنون من قومه، وقال بعضهم له: امض إلى رسول
~~الله صلى الله ms10625 عليه وسلم واعترف بذنبك يستغفر لك فلوى رأسه إنكارا لهذا
~~الرأي، وقال لهم: لقد أشرتم علي بالإيمان فآمنت، وأشرتم علي بأن أعطي
~~زكاة مالي ففعلت، ولم يبق لكم إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد صلى الله
~~عليه وسلم. وفي حديث أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم

# " عن ابن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «تب» فجعل يلوي
~~رأسه فأنزل الله تعالى: { وإذا قيل لهم } "

# الخ، وفي حديث أخرجه الإمام أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وغيرهم عن
~~زيد بعد نقل القصة إلى أن قال: حتى أنزل الله تعالى تصديقي في

# إذا جاءك المنفقون

# [المنافقون: 1] ما نصه فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم
~~فلووا رؤوسهم، فجمع الضمائر: إما على ظاهره، وإما من باب بنو تميم قتلوا
~~فلانا، و(إذا) على ما مر، و { يستغفر } مجزوم في جواب الأمر، و {
~~رسول الله } / فاعل له، ((والكلام على ما في «البحر» من باب
~~الإعمال لأن { رسول الله } يطلبه عاملان: { يستغفر } و {
~~تعالوا } فأعمل الثاني على المختار عند أهل البصرة ولو أعمل الأول
~~لكان التركيب تعالوا يستغفر لكم إلى رسول الله، وجملة { يصدون } في
~~موضع الحال، وأتت بالمضارع ليدل على الاستمرار التجددي، ومثلها في
~~الحالية جملة { هم مستكبرون } )).

# وقرأ مجاهد ونافع وأهل المدينة وأبو حيوة وابن أبي عبلة والمفضل وأبان
~~عن عاصم والحسن ويعقوب  بخلاف عنهما  { لووا } بتخفيف الواو، والتشديد
~~في قراءة باقي السبعة للتكثير.

# ولما نعى سبحانه عليهم إباءهم عن الإتيان ليستغفر لهم رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم وإعراضهم واستكبارهم أشار عز وجل إلى عدم فائدة الاستغفار
~~لهم لما علم سبحانه من سوء استعدادهم واختيارهم بقوله تعالى: { سواء
~~عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم }.

### || [63.6]

# { سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر
~~لهم } فهو للتسوية بين الأمرين: الاستغفار لهم وعدمه، والمراد الإخبار
~~بعدم الفائدة كما يفصح عنه قوله جل شأنه: { لن يغفر الله لهم
~~} وتعليله بقوله تعالى: { إن الله لا يهدى القوم
~~الفسقين } أي الكاملين في الفسق الخارجين ms10626 عن دائرة الاستصلاح
~~المنهمكين لسوء استعدادهم بأنواع القبائح، فإن المغفرة فرع الهداية.
~~والمراد بهؤلاء القوم إما المحدث عنهم بأعيانهم والإظهار في مقام الإضمار
~~لبيان غلوهم في الفسق؛ والإشارة إلى علة الحكم أو الجنس وهم داخلون
~~دخولا أوليا، والآية في ابن أبي كسوابقها  كما سمعت  ولواحقها  كما
~~صح  وستسمعه قريبا إن شاء الله تعالى. والاستغفار لهم قيل: على تقدير
~~مجيئهم تائبين معتذرين من جناياتهم، وكان ذلك قد اعتبر في جانب الأمر
~~الذي جزم في جوابه الفعل وإلا فمجرد الإتيان لا يظهر كونه سببا
~~للاستغفار، ويومىء إليه

# " قوله صلى الله عليه وسلم في خبر ابن جبير لابن أبي: «تب» "

# وترك الاستغفار على تقدير الإصرار على القبائح والاستكبار وترك الاعتذار
~~وحيث لم يكن منهم توبة لم يكن منه عليه الصلاة والسلام استغفار لهم.

# وحكى مكي أنه صلى الله عليه وسلم استغفر لهم لأنهم أظهروا له الإسلام أي
~~بعدما صدر منهم ما صدر بالتوبة، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما
~~نزلت آية براءة

# استغفر لهم أو لا تستغفر

# [التوبة: 80] الخ قال النبي صلى الله عليه وسلم:

# " أسمع ربي قد رخص لي فيهم فوالله لأستغفرن لهم أكثر من سبعين مرة لعل
~~الله أن يغفر لهم "

# فنزلت هذه الآية { سواء عليهم أستغفرت لهم } الخ.
~~وأخرج أيضا عن عروة نحوه، وإذا صح هذا لم يتأت القول بأن براءة بأسرها
~~آخر ما نزل ولا ضرورة تدعو لالتزامه إلا إن صح نقل غير قابل للتأويل،
~~ولعل هذه الآية إشارة منه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم إلى أن المراد
~~بالعدد هناك التكثير دون التحديد ليكون حكم الزائد مخالفا لحكم المذكور
~~فيكون المراد بالآيتين عند الله تعالى واحدا وهو عدم المغفرة لهم
~~مطلقا، والآية الأولى  فيما اختار  نزلت في اللامزين كما سمعت هناك عن
~~ابن عباس وهو الأوفق بالسباق، وهذه نزلت في ابن أبي وأصحابه كما نطقت به
~~الأخبار الصحيحة، ويجمع الطائفتين النفاق، ولذا قال صلى الله عليه وسلم
~~ما قال مع اختلاف أعيان الذين نزلتا فيهم.

# ثم ms10627 إني لم أقف في شيء مما أعول عليه على أن ابن أبي كان مريضا إذ ذاك،
~~ورأيت في خبر أخرجه عبد بن حميد عن ابن سيرين ما يشعر بأنه بعد قوله:
~~والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل بأيام قلائل اشتكى
~~واشتد وجعه، وفيه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم وقد ذهب إليه بشفاعة
~~ولده: حاجتي إذا / أنا مت أن تشهد غسلي وتكفنني في ثلاثة أثواب من أثوابك
~~وتمشي مع جنازتي وتصلي علي ففعل صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية

# ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على
~~قبره

# [التوبة: 84] ولا يشكل الاستغفار إن كان قد وقع لأحد من المنافقين بعد
~~نزول ما يفيد كونه تعالى لا يهدي القوم الفاسقين إذ لا يتعين اندراج كل
~~منهم إلا بتبين أنه بخصوصه من أصحاب الجحيم، كأن يموت على ما هو عليه من
~~الكفر والنفاق، وهذا الذي ذكرته هنا هو الذي ظهر لي بعد كتابة ما كتبت في
~~آية براءة، والمقام بعد محتاج إلى تحقيق فراجع وتأمل والله تعالى ولي
~~التوفيق.

# وقرأ أبو جعفر  آستغفرت  بمدة على الهمزة فقيل: هي عوض من همزة الوصل،
~~وهي مثل المدة في قوله تعالى:

# قل ءآلذكرين حرم

# [الأنعام: 143] لكن هذه المدة في الاسم لئلا يلتبس الاستفهام بالخبر ولا
~~يحتاج ذلك في الفعل لأن همزة الوصل فيه مكسورة، وعنه أيضا ضم ميم {
~~عليهم } إذ أصلها الضم ووصل الهمزة. وروى معاذ بن معاذ العنبري عن أبي
~~عمرو كسر الميم على أصل التقاء الساكنين، ووصل الهمزة فتسقط في القراءتين
~~واللفظ خبر والمعنى على الاستفهام، وجاز حذف الهمزة ثقة بدلالة { أم }
~~عليها كما في قوله:

# بسبع رمين الجمر أم بثمان

# وقال الزمخشري: ((قرأ أبو جعفر  آستغفرت  إشباعا لهمزة الاستفهام
~~للإظهار والبيان لا قلبا لهمزة الوصل ألفا كما في آلسحر وآلله)) وقال
~~أبو جعفر بن القعقاع: بمدة على الهمزة وهي ألف التسوية. وقرأ أيضا بوصل
~~الألف دون همزة على الخبر، وفي ذلك ضعف لأنه في الأولى ms10628 أثبت همزة الوصل
~~وقد أغنت عنها همزة الاستفهام، وفي الثانية حذف همزة الاستفهام وهو
~~يريدها، وهذا مما لا يستعمل إلا في الشعر.

### || [63.7]

# وقوله تعالى: { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من
~~عند رسول الله حتى ينفضوا } استئناف مبين لبعض ما يدل
~~على فسقهم، وجوز أن يكون جاريا مجرى التعليل لعدم مغفرته تعالى لهم،
~~وليس بشيء لأن ذاك معلل بما قبل، والقائل رأس المنافقين ابن أبي وسائرهم
~~راضون بذلك. أخرج الترمذي وصححه وجماعة عن زيد بن أرقم قال: غزونا مع
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا ناس من الأعراب فكنا نبتدر الماء
~~وكان الأعراب يسبقونا إليه فيسبق الأعرابي أصحابه فيملأ الحوض ويجعل
~~حوله حجارة ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه فأتى رجل من الأنصار
~~أعرابيا فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه فانتزع حجرا ففاض فرفع
~~الأعرابي خشبة فضرب رأس الأنصاري فشجه فأتى عبد الله بن أبي رأس
~~المنافقين فأخبره وكان من أصحابه فغضب، وقال: { لا تنفقوا على
~~من عند رسول الله حتى ينفضوا من حولهم } يعني
~~الأعراب، ثم قال لأصحابه: إذا رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعز منها
~~الأذل، قال زيد: وأنا ردف عمي فسمعت عبد الله فأخبرت عمي فأخبر رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه رسول الله عليه الصلاة والسلام فحلف وجحد
~~وصدقه صلى الله عليه وسلم وكذبني فجاء عمي إلي فقال: ما أردت إلي أن
~~مقتك وكذبك المسلمون فوقع علي من الهم ما لم يقع على أحد قط فبينا أنا
~~أسير وقد خفضت رأسي من الهم إذا أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك
~~أذني وضحك في وجهي ثم إن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لحقني فقال: ما قال
~~لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: ما قال لي شيئا إلا أنه عرك أذني
~~وضحك في وجهي فقال: أبشر فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم /

# إذا جاءك المنفقون قالوا نشهد إنك لرسول
~~الله

# [المنافقون: 1] حتى بلغ

# ليخرجن الأعز ms10629 منها الأذل

# [المنافقون: 8] وقد تقدم عن البخاري ما يدل على أنه قائل ذلك أيضا.
~~وأخرج الإمام أحمد ومسلم والنسائي نحو ذلك، والأخبار فيه أكثر من أن
~~تحصى؛ وتلك الغزاة التي أشار إليها زيد قال سفيان: يرون أنها غزاة بني
~~المصطلق، وفي «الكشاف» خبر طويل في القصة يفهم منه أنهم عنوا بمن عند
~~رسول الله فقراء المهاجرين، والظاهر أن التعبير برسول الله صلى الله عليه
~~وسلم  أي بهذا اللفظ - وقع منهم ولا يأباه كفرهم لأنهم منافقون مقرون
~~برسالته عليه الصلاة والسلام ظاهرا. وجوز أن يكونوا قالوه تهكما أو
~~لغلبته عليه صلى الله عليه وسلم حتى صار كالعلم لم يقصد منه إلا الذات،
~~ويحتمل أنهم عبروا بغير هذه العبارة فغيرها الله عز وجل إجلالا لنبيه
~~عليه الصلاة والسلام وإكراما، والانفضاض التفرق، و { حتى } للتعليل
~~أي لا تنفقوا عليهم كي يتفرقوا عنه عليه الصلاة والسلام ولا يصحبوه.

# وقرأ الفضل بن عيسى الرقاشي  ينفضوا  من أنفض القوم فني طعامهم فنفض
~~الرجل وعاءه، والفعل مما يتعدى بغير الهمزة وبالهمزة لا يتعدى، قال في
~~«الكشاف»: وحقيقته حان لهم أن ينفضوا مزاودهم.

# وقوله تعالى: { ولله خزآئن السماوات والأرض } رد
~~وإبطال لما زعموا من أن عدم إنفاقهم على من عند رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم يؤدي إلى انفضاضهم عنه عليه الصلاة والسلام ببيان أن خزائن الأرزاق
~~بيد الله تعالى خاصة يعطي منها من يشاء ويمنع من يشاء { ولكن
~~المنفقين لا يفقهون } ذلك لجهلهم بالله تعالى وبشؤنه عز
~~وجل، ولذلك يقولون من مقالات الكفرة ما يقولون.

### || [63.8]

# { يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن
~~الأعز منها الأذل } قائله كما سمعت ابن أبي، وعنى بالأعز
~~نفسه أو ومن يلوذ به، وبالأذل من أعزه الله عز وجل وهو الرسول صلى الله
~~عليه وسلم أو هو عليه الصلاة والسلام والمؤمنون. وإسناد القول المذكور
~~إلى جميعهم لرضائهم به كما في سابقه.

# وقرأ الحسن وابن أبي عبلة والسبتي في اختياره  لنخرجن  بالنون، ونصب
~~الأعز والأذل على أن { الأعز } مفعول به، و { الأذل } إما حال ms10630
~~بناءا على جواز تعريف الحال، أو زيادة أل فيه نحو أرسلها العراك،
~~وأدخلوا الأول فالأول وهو المشهور في تخريج ذلك، أو حال بتقدير مثل وهو
~~لا يتعرف بالإضافة أي مثل الأذل، أو مفعول به لحال محذوفة أي مشبها
~~الأذل، أو مفعول مطلق على أن الأصل إخراج الأذل فحذف المصدر المضاف وأقيم
~~المضاف إليه مقامه فانتصب انتصابه.

# وحكى الكسائي والفراء أن قوما قرأوا  ليخرجن  بالياء مفتوحة وضم
~~الراء ورفع { الأعز } على الفاعلية ونصب { الأذل } على ما تقدم،
~~بيد أنك تقدر على تقدير النصب على المصدرية خروج، وقرىء  ليخرجن 
~~بالياء مبنيا للمفعول، ورفع { الأعز } على النيابة عن الفاعل، ونصب
~~{ الأذل } على ما مر.

# وقرأ الحسن فيما ذكر أبو عمرو الداني  لنخرجن  بنون الجماعة مفتوحة
~~وضم الراء، ونصب الأعز والأذل، وحكى هذه القراءة أبو حاتم، وخرجت على أن
~~نصب { الأعز } على الاختصاص كما في قولهم: نحن العرب أقرى الناس
~~للضيف، ونصب { الأذل } على أحد الأوجه المارة فيما حكاه الكسائي
~~والفراء، والمقصود إظهار التضجر من المؤمنين وأنهم لا يمكنهم أن يساكنوهم
~~في دار كذا قيل، وهو كما ترى، ولعل هذه القراءة / غير ثابتة عن الحسن.

# وقوله تعالى: { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين }
~~رد لما زعموه ضمنا من عزتهم وذل من نسبوا إليه الذل، وحاشاه منه أي ولله
~~تعالى الغلبة والقوة ولمن أعزه الله تعالى من رسوله صلى الله عليه وسلم
~~والمؤمنين لا للغير، ويعلم مما أشرنا إليه توجيه الحصر المستفاد من تقديم
~~الخبر، وقيل: إن العطف معتبر قبل نسبة الإسناد فلا ينافي ذلك ولا يضر
~~إعادة الجار لأنها ليست لإفادة الاستقلال في النسبة بل لإفادة تفاوت ثبوت
~~العزة فإن ثبوتها لله تعالى ذاتي وللرسول صلى الله عليه وسلم بواسطة
~~الرسالة وللمؤمنين بواسطة الإيمان.

# وجاء من عدة طرق أن عبد الله بن أبي  وكان مخلصا  سل سيفه على أبيه
~~عندما أشرفوا على المدينة فقال: والله على أن لا أغمده حتى تقول: محمد
~~الأعز وأنا الأذل فلم يبرح حتى قال ذلك، وفي رواية أنه رضي الله تعالى ms10631
~~عنه وقف والناس يدخلون حتى جاء أبوه فقال: وراءك، قال: ما لك ويلك؟! قال:
~~والله لا تدخلها أبدا إلا أن يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولتعلمن
~~اليوم الأعز من الأذل فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا
~~إليه ما صنع ابنه فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن خل عنه يدخل
~~ففعل؛ وصح من رواية الشيخين والترمذي وغيرهم عن جابر بن عبد الله

# " أنه لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال ابن أبي قام عمر
~~رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال
~~النبي صلى الله عليه وسلم: دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه "

# وفي رواية عن قتادة أنه قال له عليه الصلاة والسلام: يا نبي الله مر
~~معاذا أن يضرب عنق هذا المنافق، فقال صلى الله عليه وسلم ذلك.

# وفي الآية من الدلالة على شرف المؤمنين ما فيها، ومن هنا قالت بعض
~~الصالحات وكانت في هيئة رثة: ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه
~~والغنى الذي لا فقر معه. وعن الحسن بن علي على رسول الله وعليهما الصلاة
~~والسلام أن رجلا قال له: إن الناس يزعمون أن فيك تيها قال: ليس بتيه
~~ولكنه عزة وتلا هذه الآية. وأريد بالتيه الكبر، وأشار العز إلى أن العزة
~~غير الكبر، وقد نص على ذلك أبو حفص السهروردي قدس سره فقال: العزة غير
~~الكبر لأن العزة معرفة الإنسان بحقيقة نفسه وإكرامها أن لا يضعها لأقسام
~~عاجلة كما أن الكبر جهل الإنسان بنفسه وإنزالها فوق منزلتها، فالعزة ضد
~~الذلة كما أن الكبر ضد التواضع. وفسر الراغب العزة بحالة مانعة للإنسان
~~من أن يغلب، من قولهم: أرض عزاز أي صلبة وتعزز اللحم اشتد كأنه حصل في
~~عزاز يصعب الوصول إليه، وقد تستعار للحمية والأنفة المذمومة وهي بهذا
~~المعنى تثبت للكفرة، وتفسيرها بالقوة والغلبة كما سمعت شائع ولك أن تريد
~~بها هنا الحالة المانعة من المغلوبية فأنها ms10632 أيضا ثابتة لله تعالى
~~ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين على الوجه اللائق بكل.

# { ولكن المنفقين لا يعلمون } من فرط جهلهم وغرورهم
~~فيهذون ما يهذون والفعل هنا منزل منزلة اللازم فلذا لم يقدر له مفعول ولا
~~كذلك الفعل فيما تقدم، وهو ما اختاره غير واحد من الأجلة. وقيل في وجهه:
~~إن كون العزة لله عز وجل مستلزم لكون الأرزاق بيده دون العكس فناسب أن
~~يعتبر الأخلاق في الجملة المذيلة لما يفيد كون العزة له سبحانه قصدا
~~للمبالغة والتقييد للجملة المذيلة لما يفيد كون الأرزاق بيده تعالى، ثم
~~قيل: خص الجملة الأولى ب

# لا يفقهون

# [المنافقون: 7] والثانية ب { لا يعلمون } لأن إثبات الفقه
~~للإنسان أبلغ من إثبات العلم له فيكون نفي العلم أبلغ من نفي الفقه فأوثر
~~ما هو أبلغ لما هو أدعى له.

# وعن الراغب معنى قوله تعالى:

# هم الذين يقولون لا تنفقوا

# [المنافقون: 7] الخ أنهم يأمرون بالإضرار بالمؤمنين وحبس / النفقات عنهم
~~ولا يفطنون أنهم إذا فعلوا ذلك أضروا بأنفسهم فهم لا يفقهون ذلك ولا
~~يفطنون له، ومعنى الثاني إيعادهم بإخراج الأعز للأذل، وعندهم أن الأعز من
~~له القوة والغلبة على ما كانوا عليه في الجاهلية فهم لا يعلمون أن هذه
~~القدرة التي يفضل بها الإنسان غيره إنما هي من الله تعالى فهي له سبحانه
~~ولمن يخصه بها من عباده، ولا يعلمون أن الذل لمن يقدرون فيه العزة وأن
~~الله تعالى معز أوليائه بطاعتهم له ومذل أعدائه بمخالفتهم أمره عز وجل،
~~فقد اختص كل آية بما اقتضاه معناها فتدبر. والإظهار في مقام الإضمار
~~لزيادة الذم مع الإشارة إلى علة الحكم في الموضعين.

### || [63.9]

# { يأيها الذين ءامنوا لا تلهكم أمولكم ولا
~~أولدكم عن ذكر الله } أي لا يشغلكم الاهتمام بتدبير
~~أمورها والاعتناء بمصالحها والتمتع بها عن الاشتغال بذكر الله عز وجل من
~~الصلاة وسائر العبادات المذكرة للمعبود الحق جل شأنه، فذكر الله تعالى
~~مجاز عن مطلق العبادة كما يقتضيه كلام الحسن وجماعة، والعلاقة السببية
~~لأن العبادة سبب لذكره سبحانه وهو المقصود ms10633 في الحقيقة منها. وفي رواية عن
~~الحسن أن المراد به جميع الفرائض، وقال الضحاك وعطاء: الذكر هنا الصلاة
~~المكتوبة، وقال الكلبي: الجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل:
~~القرآن، والعموم أولى، ويفهم كلام «الكشاف» أن المراد بالأموال والأولاد
~~الدنيا، وعبر بهما عنها لكونهما أرغب الأشياء منها قال الله تعالى:

# المال والبنون زينة الحيوة الدنيا

# [الكهف: 46] فإذا أريد بذكر الله العموم يؤول المعنى إلى لا تشغلنكم
~~الدنيا عن الدين، والمراد بنهي الأموال وما بعدها نهي المخاطبين وإنما
~~وجه إليها للمبالغة لأنها لقوة تسببها للهو وشدة مدخليتها فيه جعلت كأنها
~~لاهية، وقد نهيت عن اللهو، فالأصل لا تلهوا بأموالكم الخ، فالتجوز في
~~الإسناد، وقيل: إنه تجوز بالسبب عن المسبب كقوله تعالى:

# فلا يكن فى صدرك حرج

# [الأعراف: 2] أي لا تكونوا بحيث تلهيكم أموالكم الخ.

# { ومن يفعل ذلك } أي اللهو بها وهو الشغل، وهذا أبلغ مما لو
~~قيل: ومن تلهه تلك { فأولئك هم الخسرون } حيث باعوا
~~العظيم الباقي بالحقير الفاني. وفي التعريف بالإشارة والحصر للخسران
~~فيهم، وفي تكرير الإسناد وتوسيط ضمير الفصل ما لا يخفى من المبالغة.
~~وكأنه لما نهي المنافقون عن الإنفاق على من عند رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وأريد الحث على الإنفاق جعل قوله تعالى: { يأيها الذين
~~ءامنوا } الخ تمهيدا وتوطئة للأمر بالإنفاق لكن على وجه العموم في
~~قوله سبحانه: { وأنفقوا من ما رزقنكم }.

### || [63.10]

# { وأنفقوا من ما رزقنكم } أي بعض ما أعطيناكم وتفضلنا
~~به عليكم من الأموال ادخارا للآخرة { من قبل أن يأتى
~~أحدكم الموت } أي أماراته ومقدماته، فالكلام على تقدير مضاف،
~~ولذا فرع على ذلك قوله تعالى: { فيقول رب لولا أخرتنى } أي
~~أمهلتني { إلى أجل قريب } أي أمد قصير { فأصدق } أي
~~فأتصدق، وبذلك قرأ أبي وعبد الله وابن جبير. ونصب الفعل في جواب التمني
~~والجزم في قوله سبحانه: { وأكن من الصلحين } بالعطف على موضع
~~{ فأصدق } كأنه قيل: إن أخرتني أصدق وأكن، وإلى هذا ذهب أبو علي
~~الفارسي والزجاج، وحكى سيبويه عن الخليل أنه على توهم الشرط ms10634 الذي يدل
~~عليه التمني لأن الشرط غير ظاهر ولا يقدر حتى يعتبر العطف على الموضع كما
~~في قوله تعالى:

# من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم

# [الأعراف: 186] فيمن قرأ بالجزم وهو حسن بيد أن التعبير بالتوهم هنا
~~ينشأ منه توهم قبيح، والفرق بين العطف / على الموضع والعطف على التوهم أن
~~العامل في العطف على الموضع موجود وأثره مفقود، والعامل في العطف على
~~التوهم مفقود وأثره موجود. واستظهر أن الخلاف لفظي فمراد أبي علي
~~والزجاج العطف على الموضع المتوهم أي المقدر إذ لا موضع هنا في التحقيق
~~لكنهما فرا من قبح التعبير.

# وقرأ الحسن وابن جبير وأبو رجاء وابن أبي إسحق. ومالك بن دينار
~~والأعمش وابن محيصن وعبد الله بن الحسن العنبري وأبو عمرو { وأكون }
~~بالنصب وهو ظاهر، وقرأ عبيد بن عمير { وأكون } بالرفع على الاستئناف،
~~والنحويون وأهل المعاني قدروا المبتدأ في أمثال ذلك من أفعال المستأنفة،
~~فيقال هنا: أي وأنا أكون ولا تراهم يهملون ذلك، ووجه بأن ذلك لأن الفعل
~~لا يصلح للاستئناف مع الواو الاستئنافية كما هنا ولا بدونها، وتعقب بأنه
~~لم يذهب إلى عدم صلاحيته لذلك أحد من النحاة وكأنه لهذا صرح العلامة
~~التفتازاني بأن التزام التقدير مما لم يظهر له وجهه، وقيل: وجهه أن
~~الاستئناف بالاسمية أظهر وهو كما ترى. وجوز كون الفعل على هذه القراءة
~~مرفوعا بالعطف على  أصدق  على نحو القولين السابقين في الجزم.

# هذا وعن الضحاك أنه قال في قوله تعالى: { وأنفقوا مما
~~رزقنكم } يعني الزكاة والنفقة في الحج، وعليه قول ابن عباس فيما
~~أخرج عنه ابن المنذر: { فأصدق } أزكى { وأكن من
~~الصلحين } أحج، وأخرج الترمذي وابن جرير والطبراني وغيرهم عنه
~~أيضا أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " من كان له مال يبلغه حج بيت ربه أو تجب عليه فيه الزكاة فلم يفعل سأل
~~الرجعة عند الموت "

# فقال له رجل: يا ابن عباس اتق الله تعالى فإنما يسأل الرجعة الكفار
~~فقال: سأتلو عليكم بذلك قرآنا

# يأيها الذين ءامنوا لا تلهكم أمولكم ms10635 ولا
~~أولدكم عن ذكر الله

# [المنافقون: 9] إلى آخر السورة كذا في «الدر المنثور». وفي «أحكام
~~القرآن» [لابن العربي] رواية الترمذي عنه ذلك موقوفا عليه، وحكى عنه في
~~«البحر» وغيره أنه قال: إن الآية نزلت في مانع الزكاة، ووالله لو رأى
~~خيرا لما سأل الرجعة، فقيل له: أما تتقي الله تعالى يسأل المؤمنون
~~الكرة؟! فأجاب بنحو ما ذكر. ولا يخفى أن الاعتراض عليه وكذا الجواب أوفق
~~بكونه نفسه ادعى سؤال الرجعة ولم يرفع الحديث بذلك، وإذا كان قوله
~~تعالى: { لولا أخرتنى } الخ سؤالا للرجعة بمعنى الرجوع إلى
~~الدنيا بعد الموت لم يحتج قوله تعالى: { من قبل أن يأتى
~~أحدكم الموت } إلى تقدير مضاف كما سمعت آنفا.

### || [63.11]

# { ولن يؤخر الله نفسا } أي ولن يمهلها { إذا جاء
~~أجلها } أي آخر عمرها أو انتهى الزمان الممتد لها من أول العمر إلى
~~آخره على تفسير الأجل به { والله خبير بما تعملون } فمجاز
~~عليه. وقرأ أبو بكر بالياء آخر الحروف ليوافق ما قبله في الغيبة و(نفسا)
~~لكونها نكرة في سياق النفي في معنى الجمع.

# واستدل إلكيا بقوله تعالى:

# وأنفقوا

# [المنافقون: 10] الخ على وجوب إخراج الزكاة على الفور ومنع تأخيرها.
~~ونسب للزمخشري أنه قال: ليس في الزجر عن التفريط في هذه الحقوق أعظم من
~~ذلك فلا أحد يؤخر ذلك إلا ويجوز أن يأتيه الموت عن قريب فيلزمه التحرز
~~الشديد عن هذا التفريط في كل وقت.

# وقد أبطل الله تعالى قول المجبرة من جهات: منها قوله تعالى:

# وأنفقوا

# [المنافقون: 10]، ومنها أنه إن كان قبل حضور الموت لم يقدر على الإنفاق
~~فكيف يتمنى تأخير الأجل، ومنها قوله تعالى مؤيسا له في الجواب: { ولن
~~يؤخر الله } ولولا أنه مختار لأجيب باستواء التأخير والموت حين
~~التمني. وأجيب بأن أهل الحق لا يقولون بالجبر فالبحث ساقط عنهم على أنه
~~لا دلالة في الأول كما في سائر الأوامر كما حقق في موضعه، والتمني  وهو
~~متمسك الفريق  لا يصح الاستدلال به، والقول المؤيس إبطال لتمنيهم لا
~~جواب عنه إذ لا استحقاق لوضوح البطلان، ms10636 والله تعالى أعلم.

### | [64 - سورة التغابن]

### || [64.1]

# { يسبح لله ما فى السموات وما في الأرض } أي
~~ينزهه سبحانه وتعالى جميع المخلوقات عما لا يليق بجناب كبريائه سبحانه
~~تسبيحا مستمرا، وذلك بدلالتها على كمال عز وجل واستغنائه تعالى،
~~والتجدد باعتبار تجدد النظر في وجوه الدلالة على ذلك.

# { له الملك وله الحمد } لا لغيره تعالى إذ هو جل شأنه
~~المبدىء لكل شيء وهو القائم به والمهيمن عليه وهو عز وجل المولي لأصول
~~النعم وفروعها وأما ملك غيره سبحانه فاسترعاء منه تعالى وتسليط، وأما حمد
~~غيره تبارك وتعالى فلجريان إنعامه تعالى على يده فكلا الأمرين له تعالى
~~في الحقيقة ولغيره بحسب الصورة، وتقديم { له الملك } لأنه كالدليل
~~لما بعده.

# { وهو على كل شىء قدير } لأن نسبة ذاته جل شأنه المقتضية
~~للقدرة إلى الكل سواء فلا يتصور كون بعض مقدورا دون بعض.

### || [64.2]

# وقوله تعالى: { هو الذى خلقكم } الخ بيان لبعض قدرته تعالى
~~العامة، والمراد: هو الذي أوجدكم كما شاء وقوله تعالى: { فمنكم
~~كافر ومنكم مؤمن } أي فبعضكم كافر به تعالى وبعضكم مؤمن به
~~عز وجل، أو فبعض منكم كافر به سبحانه وبعض منكم مؤمن به تعالى، تفصيل لما
~~في { خلقكم } من الإجمال لأن كون بعضهم أو بعض منهم كافرا، وكون
~~بعضهم أو بعض منهم مؤمنا مراد منه، فالفاء مثلها في قوله تعالى:

# والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى
~~على بطنه

# [النور: 45] الخ فيكون الكفر والإيمان في ضمن الخلق وهو الذي تؤيده
~~الأخبار الصحيحة كخبر البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود عن ابن مسعود
~~قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق

# " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك
~~ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات: يكتب رزقه
~~وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح الحديث "

# وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي ذر
~~قال: قال رسول الله ms10637 صلى الله عليه وسلم:

# " إذا مكث المني في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس فعرج به إلى الرب
~~فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله ما هو قاض فيقول: أشقي أم سعيد؟
~~فيكتب ما هو لاق "

# وقرأ أبو ذر من فاتحة التغابن خمس آيات إلى قوله تعالى:

# وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير

# [التغابن: 3] والجمع بين الخبرين مما لا يخفى على من أوتي نصيبا من
~~العلم. وتقديم الكفر لأنه الأغلب.

# / واختار بعضهم كون المعنى ((هو الذي خلقكم خلقا بديعا حاويا لجميع
~~مبادي الكمالات العلمية والعملية، ومع ذلك فمنكم مختار للكفر كاسب له على
~~خلاف ما تستدعيه خلقته، ومنكم مختار للإيمان كاسب له حسبما تقتضيه خلقته،
~~وكان الواجب عليكم جميعا أن تكونوا مختارين للإيمان شاكرين لنعمة الخلق
~~والإيجاد وما يتفرع عليهما من سائر النعم، فما فعلتم ذلك مع تمام تمكنكم
~~منه بل تشعبتم شعبا وتفرقتم فرقا))، وهو الذي ذهب إليه الزمشخري، بيد
~~أنه فسر الكافر بالآتي بالكفر والفاعل له، والمؤمن بالآتي بالإيمان
~~والفاعل له لأنه الأوفق بمذهبه من أن العبد خالق لأفعاله، وأن الآية
~~لبيان إخلالهم بما يقتضيه التفضل عليهم بأصل النعم الذي هو الخلق
~~والإيجاد من النعم، وأن الآيات بعد في معنى الوعيد على الكفر وإنكار أن
~~يعصى الخالق ولا تشكر نعمته. ثم قال: فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق
~~ويجعله من جملته، والخلق أعظم نعمة من الله تعالى على عباده، والكفر أعظم
~~كفران من العباد لربهم سبحانه.

# وجعل الطيبي الفاء على هذا للترتيب والفرض على سبيل الاستعارة كاللام
~~في قوله تعالى:

# فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا

# [القصص: 8] وهي كالفاء في قوله تعالى:

# وجعلنا فى ذريتهما النبوة والكتب فمنهم
~~مهتد وكثير منهم فسقون

# [الحديد: 26] ولم يجعلها للتفصيل كما قيل. واختار في الآية المعنى
~~السابق مؤيدا له بالأحاديث الصحيحة، وبأن السياق عليه، مدعيا أن الآيات
~~كلها واردة لبيان عظمة الله تعالى في ملكه وملكوته واستبداده فيهما، وفي
~~شمول علمه تعالى كلها وفي إنشائه تعالى المكونات ذواتها وأعراضها، ووافقه
~~في ms10638 اختيار ذلك تلميذه المدقق صاحب «الكشف»، واعترض قول الزمخشري: فما
~~أجهل الخ بقوله فيه ما مر مرارا كأنه يعني مخالفة النصوص في عدم كون
~~الكفر مخلوقا كغيره على أن خلق الكفر أيضا من النعم العظام فلولا خلقه
~~وتبيين ما فيه من المضار ما ظهر مقدار الإنعام بالإيمان وما فيه من
~~المنافع، ثم إن كونه كفرا باعتبار قيامه بالعبد ومنه جاء القبح لا
~~باعتبار كونه خلقه تعالى على ما حقق في موضعه، ثم قال: ومنه يظهر أن
~~تكلفه في قوله تعالى: { فمنكم } الخ ليخرجه عن تفصيل المجمل في {
~~خلقكم } تحريف لكتاب الله تعالى انتهى.

# ويرجح التفصيل عندي في الجملة قوله تعالى: { كافر....ومؤمن } دون من
~~يكفر ومن يؤمن. نعم عدم دخول الكفر والإيمان في الخلق أوفق بقوله تعالى:

# فطرة الله التى فطر الناس عليها

# [الروم: 30] وقوله صلى الله عليه وسلم:

# " كل مولود يولد على الفطرة "

# والإنصاف أن الآية تحتمل كلا من المعنيين: المعنى الذي ذكر أولا،
~~والمعنى الذي اختاره البعض، والسياق يحتمل أن يحمل على ما يناسب كلا
~~وليس نصا في أحد الأمرين اللذين سمعتهما حتى قيل: إن الآيات واردة لبيان
~~ما يتوقف عليه الوعد والوعيد بعد من القدرة التامة والعلم المحيط
~~بالنشأتين.

# وقوله تعالى: { والله بما تعملون بصير } أي فيجازيكم بما
~~يناسب ذلك لا ينافي خلق الكفر والإيمان لأنهما مكسوبان للعبد، وخلق
~~الله تعالى إياهما لا ينافي كونهما مكسوبين للعبد كما بين في الكلام على
~~قوله تعالى:

# والله خلقكم وما تعملون

# [الصافات: 96] لكن أكثر الأحاديث تؤيد المعنى الأول، وكأني بك تختار
~~الثاني لأن كون المقام للتوبيخ على الكفر أظهر وهو أوفق به.

# وعن عطاء بن أبي رباح { فمنكم كافر } أي بالله تعالى مؤمن
~~بالكوكب { ومنكم مؤمن } بالله تعالى كافر بالكوكب، وقيل: {
~~فمنكم كافر } بالخلق وهم الدهرية { ومنكم مؤمن } به، وعن
~~الحسن أن في الكلام حذفا والتقدير ومنكم فاسق، ولا أراه يصح، وكأنه من
~~كذب المعتزلة عليه.

# والجملة  على ما استطهر بعض الأفاضل  معطوفة على الصلة، ولا يضره عدم
~~العائد لأن / المعطوف ms10639 بالفاء يكفيه وجود العائد في إحدى الجملتين كما
~~قرروه في نحو الذي يطير فيغضب زيد الذباب، أو يقال: فيها رابط بالتأويل
~~أي فمنكم من قدر كفره ومنكم من قدر إيمانه، أو { فمنكم كافر } به
~~{ ومنكم مؤمن } به، ويقدر الحذف تدريجا، وجوز أن يكون العطف
~~على جملة { هو الذى خلقكم }.

### || [64.3]

# { خلق السموت والأرض بالحق } بالحكمة البالغة المتضمنة
~~للمصالح الدينية والدنيوية، قيل: وأصل الحق مقابل الباطل فأريد به الغرض
~~الصحيح الواقع على أتم الوجوه وهو الحكمة العظيمة. { وصوركم
~~فأحسن صوركم } حيث برأكم سبحانه في أحسن تقويم وأودع فيكم من
~~القوى والمشاعر الظاهرة والباطنة ما نيط بها جميع الكمالات البارزة
~~والكامنة وزينكم بصفوة صفات مصنوعاته وخصكم بخلاصة خصائص مبدعاته وجعلكم
~~أنموذج جميع مخلوقاته في هذه النشأة. وقد ذكر بعض المحققين أن الإنسان
~~جامع بين العالم العلوي والسفلي، وذلك لروحه التي هي من عالم المجردات
~~وبدنه الذي هو من عالم الماديات وأنشدوا:

# وتزعم أنك جرم صغير

# وفيك انطوى العالم الأكبر

# ولعمري أن الإنسان أعجب نسخة في هذا العالم قد اشتملت على دقائق أسرار
~~شهدت ببعضها الآثار وعلم ما علم منها ذوو الأبصار. وخص بعضهم الصورة
~~بالشكل المدرك بالعين كما هو المعروف، وكل ما يشاهد من الصور الإنسانية
~~حسن ((لكن الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب فلانحطاط بعضها عن
~~مراتب ما فوقها انحطاطا بينا وإضافتها إلى الموفى عليها لا تستملح وإلا
~~فهي داخلة في حيز الحسن غير خارجة من حده؛ ألا ترى أنك قد تعجب بصورة
~~وتستملحها ولا ترى الدنيا بها ثم ترى أملح وأعلى في مراتب الحسن [منها]
~~فينبو عن الأولى طرفك وتستثقل النظر إليها بعد افتتانك بها وتهالكك
~~عليها، وقالت الحكماء: شيآن لا غاية لهما: الجمال والبيان)).

# وقرأ زيد بن علي وأبو رزين { صوركم } بكسر الصاد والقياس الضم كما في
~~قراءة الجمهور.

# { وإليه المصير } في النشأة الأخرى لا إلى غيره استقلالا أو
~~اشتراكا فاصرفوا ما خلق لكم فيما خلق له لئلا يمسخ ما يشاهد من حسنكم
~~بالعذاب.

### || [64.4]

# { يعلم ما فى ms10640 السموات والأرض } من الأمور الكلية
~~والجزئية والأحوال الجلية والخفية { ويعلم ما تسرون وما
~~تعلنون } أي ما تسرونه فيما بينكم وما تظهرونه من الأمور والتصريح
~~به مع اندراجه فيما قبله للاعتناء بشأنه لأنه الذي يدور عليه الجزاء.
~~وقوله تعالى: { والله عليم بذات الصدور } اعتراض تذييلي
~~مقرر لما قبله من شمول علمه تعالى لسرهم وعلنهم أي هو عز وجل محيط بجميع
~~المضمرات المستكنة في صدور الناس بحيث لا تفارقها أصلا فكيف يخفى عليه
~~تعالى ما يسرونه وما يعلنونه. وإظهار الجلالة للإشعار بعلة الحكم وتأكيد
~~استقلال الجملة، قيل: تقديم تقرير القدرة على العلم لأن دلالة المخلوقات
~~على قدرته تعالى بالذات وعلى علمه سبحانه لما فيها من الإتقان والاختصاص
~~ببعض الأنحاء.

# / وقرأ عبيد عن أبي عمرو وأبان عن عاصم  ما يسرون وما يعلنون  بياء
~~الغيبة.

### || [64.5]

# { ألم يأتكم } أي أيها الكفرة لدلالة ما بعد على تخصيص الخطاب
~~بهم، وظاهر كلام بعض الأجلة أن المراد بهم أهل مكة فكأنه قيل: ألم يأتكم
~~يا أهل مكة { نبؤا الذين كفروا من قبل } كقوم نوح وهود
~~وصالح وغيرهم من الأمم المصرة على الكفر { فذاقوا وبال أمرهم
~~} أي ضرر كفرهم في الدنيا من غير مهلة. وأصل الوبال الثقل والشدة
~~المترتبة على أمر من الأمور، ومنه الوبيل لطعام يثقل على المعدة، والوابل
~~للمطر الثقيل القطار، واستعمل للضرر لأنه يثقل على الإنسان ثقلا
~~معنويا. وعبر عن كفرهم بالأمر للإيذان بأنه أمر هائل وجناية عظيمة {
~~ولهم } في الآخرة { عذاب أليم } لا يقادر قدره.

### || [64.6]

# { ذلك } أي ما ذكر من العذاب الذي ذاقوه في الدنيا وما سيذوقونه في
~~الآخرة { بأنه } أي بسبب أن الشأن. { كانت تأتيهم رسلهم
~~بالبينت } بالمعجزات الظاهرة { فقالوا } عطف على { كانت }
~~{ أبشر يهدوننا } أي قال كل قوم من أولئك الأقوام الذين كفروا
~~في حق رسولهم الذي أتاهم بالمعجزات منكرين لكون الرسول من جنس البشر، أو
~~متعجبين من ذلك أبشر يهدينا كما قالت ثمود:

# أبشرا منا وحدا نتبعه

# [القمر: 24]، وقد أجمل في الحكاية فأسند القول إلى جميع الأقوام، وأريد
~~بالبشر الجنس، ms10641 فوصف بالجمع كما أجمل الخطاب، والأمر في قوله تعالى:

# يأيها الرسل كلوا من الطيبت واعملوا
~~صلحا

# [المؤمنون: 51] وارتفاع { بشر } على الابتداء، وجملة { يهدوننا
~~} هو الخبر عند الحوفي وابن عطية، والأحسن أن يكون مرفوعا على الفاعلية
~~بفعل محذوف يفسره المذكور لأن همزة الاستفهام أميل إلى الفعل والمادة من
~~باب الاشتغال.

# { فكفروا } بالرسل عليهم السلام { وتولوا } عن التأمل فيما
~~أتوا به من البينات؛ وعن الإيمان بهم { واستغنى الله } أي أظهر
~~سبحانه غناه عن إيمانهم وعن طاعتهم حيث أهلكهم وقطع دابرهم، ولولا غناه
~~عز وجل عنهما لما فعل ذلك. والجملة عطف على ما قبلها، وقيل: في موضع
~~الحال على أن المعنى: فكفروا وتولوا وقد استغنى الله تعالى عن كل شيء،
~~والأول هو الوجه.

# { والله غنى } عن العالمين فضلا عن إيمانهم وطاعتهم { حميد
~~} يحمده كل مخلوق بلسان الحال الذي هو أفصح من لسان المقال، أو مستحق جل
~~شأنه للحمد بذاته وإن لم يحمده سبحانه حامد.

### || [64.7]

# { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا } الزعم ادعاء
~~العلم، وأكثر ما يستعمل للادعاء الباطل. وعن ابن عمر وابن شريح إنه كنية
~~الكذب، واشتهر أنه مطية الكذب، ولما فيه من معنى العلم يتعدى إلى
~~مفعولين، وقد قام مقامهما هنا { أن } المخففة وما في حيزها. والمراد
~~بالموصول على ما في «الكشاف» أهل مكة فهو على ما سمعت في الخطاب من إقامة
~~الظاهر مقام المضمر، ويؤيده ظاهرا قوله تعالى: { قل بلى وربى
~~لتبعثن } قال في «الكشف»: ويحتمل التعميم فيتناولهم وأضرابهم
~~لتقدم كفار مكة في الذكر وغيرهم ممن حملوا على الاعتبار بحالهم، وهذا
~~أبلغ، أي: زعموا أن الشأن لن يبعثوا بعد موتهم قل ردا عليهم وإظهارا
~~لبطلان زعمهم بإثبات ما نفوه بلى تبعثون، وأكد ذلك بالجملة القسمية فهي
~~داخلة / في حيز الأمر، وكذا قوله تعالى: { ثم لتنبؤن بما
~~عملتم } أي لتحاسبن وتجزون بأعمالكم، وزيد ذلك لبيان تحقق أمر آخر
~~متفرع على البعث منوط به ففيه أيضا تأكيد له { وذلك } أي ما ذكر من
~~البعث والجزاء { على الله يسير } لتحقق القدرة التامة، وقبول ms10642
~~المادة.

### || [64.8]

# الفاء في قوله تعالى: { فآمنوا } مفصحة بشرط قد حذف ثقة بغاية
~~ظهوره أي إذا كان الأمر كذلك فآمنوا { بالله } الذي سمعتم ما سمعتم
~~من شؤونه عز وجل { ورسوله } محمد صلى الله عليه وسلم { والنور
~~الذى أنزلنا } وهو القرآن، فإنه بإعجازه بين بنفسه مبين لغيره كما
~~أن النور كذلك. والالتفات إلى نون العظمة لإبراز العناية بأمر الإنزال،
~~وفي ذلك من تعظيم شأن القرآن ما فيه { والله بما تعملون } من
~~الامتثال بالأمر وتركه { خبير } عالم بباطنه. والمراد كمال علمه تعالى
~~بذلك، وقيل: عالم بأخباره.

### || [64.9]

# { يوم يجمعكم } ظرف

# لتنبؤن

# [التغابن: 7] وقوله تعالى:

# وذلك على الله يسير

# [التغابن: 7] وقوله سبحانه: { فآمنوا } إلى

# خبير

# [التغابن: 8] من الاعتراض، فالأول: يحقق القدرة على البعث، والثاني:
~~يؤكد ما سيق له الكلام من الحث على الإيمان به وبما تضمنه من الكتاب وبمن
~~جاء به، وبالحقيقة هو نتيجة قوله تعالى: { لتبعثن ثم
~~لتنبؤن } قدم على معموله للاهتمام فجرى مجرى الاعتراض، وقوله
~~سبحانه: { والله بما تعملون خبير } اعتراض في اعتراض لأنه
~~من تتمة الحث على الإيمان كما تقول: اعمل إني غير غافل عنك، وقال الحوفي:
~~ظرف  لخبير  وهو عند غير واحد من الأجلة بمعنى مجازيكم فيتضمن الوعد
~~والوعيد. وجعله الزمخشري بمعنى معاقبكم، ثم جوز هذا الوجه، وتعقب بأنه
~~يرد عليه أنه ليس لمجرد الوعيد بل للحث كيف لا والوعيد قد تم بقوله
~~تعالى:

# لتنبؤن بما عملتم

# [التغابن: 7] فلم يحسن جعله بمعنى معاقبكم فتدبر. وجوز كونه منصوبا
~~بإضمار اذكر مقدرا، وتعقب بأنه وإن كان حسنا إلا أنه حذف لا قرينة
~~ظاهرة عليه، وجوز كونه ظرفا لمحذوف بقرينة السياق أي يكون من الأحوال
~~والأهوال ما لا يحيط به نطاق المقال يوم يجمعكم. وتعقب بأن فيه ارتكاب
~~حذف لا يحتاج إليه، فالأرجح الوجه الأول.

# وقرىء { يجمعكم } بسكون العين، وقد يسكن الفعل المضارع المرفوع مع ضمير
~~جمع المخاطبين المنصوب، وروي إشمامها الضم، وقرأ سلام ويعقوب وزيد بن علي
~~والشعبي  نجمعكم  بالنون.

# { ليوم الجمع } ليوم يجمع فيه الأولون والآخرون، وقيل: الملائكة
~~عليهم السلام ms10643 والثقلان، وقيل، غير ذلك، والأول أظهر. واللام قيل:
~~للتعليل، وفي الكلام مضاف مقدر أي لأجل ما في يوم الجمع من الحساب، وقيل:
~~بمعنى في فلا تقدير.

# { ذلك يوم التغابن } أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ومجاهد
~~وقتادة أنهم قالوا: يوم غبن فيه أهل الجنة أهل النار فالتفاعل فيه ليس
~~على ظاهره كما في التواضع والتحامل لوقوعه من جانب واحد، واختير
~~للمبالغة، وإلى هذا ذهب الواحدي. وقال غير واحد: أي يوم غبن فيه بعض
~~الناس بعضا بنزول السعداء منازل الأشقياء لو كانوا سعداء وبالعكس، ففي
~~«الصحيح»

# " ما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا،
~~وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة "

# وهو مستعار من تغابن القوم في التجارة، وفيه تهكم بالأشقياء لأنهم لا
~~يغبنون حقيقة السعداء بنزولهم في منازلهم من النار، أو جعل ذلك تغابنا
~~مبالغة على طريق المشاكلة، فالتفاعل على هذا / القول على ظاهره وهو حسن
~~إلا أن التغابن فيه تغابن السعداء والأشقياء على التقابل، والأحسن
~~الإطلاق، وتغابن السعداء على الزيادة ثبت في «الصحاح»، واختار ذلك محي
~~السنة حيث قال: التغابن تفاعل من الغبن وهو فوت الحظ، والمراد بالمغبون
~~من غبن في أهله ومنازله في الجنة فيظهر يومئذ غبن كل كافر بترك الإيمان
~~وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان، قال الطيبي: وعلى هذا الراغب حيث قال:
~~الغبن أن يبخس صاحبك في معاملة بينك وبينه بضرب من الإخفاء فإن كان ذلك
~~في مال يقال: غبن فلان بضم الغين وكسر الباء، وإن كان في رأي يقال: غبن
~~بفتح الغين وكسر الباء.

# و { يوم التغابن } يوم القيامة لظهور الغبن في المبايعة المشار
~~إليها بقوله تعالى:

# ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله

# [البقرة: 207] وقوله سبحانه:

# إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم

# [التوبة: 111] وقوله عز وجل:

# الذين يشترون بعهد الله وأيمنهم ثمنا
~~قليلا

# [آل عمران: 77] فعلم أنهم قد غبنوا فيما تركوا من المبايعة وفيما تعاطوه
~~من ذلك جميعا انتهى. ms10644 والجملة مبتدأ وخبر. والتعريف للجنس. وفيها دلالة
~~على استعظام ذلك اليوم وأن تغابنه هو التغابن في الحقيقة لا التغابن في
~~أمور الدنيا وإن جلت وعظمت.

# { ومن يؤمن بالله ويعمل صلحا } أي عملا صالحا {
~~يكفر } أي الله تعالى { عنه سيئته } في ذلك اليوم {
~~ويدخله جنت تجري من تحتها الأنهر خلدين
~~فيها أبدا } أي مقدرين الخلود فيها. والجمع باعتبار معنى { من }
~~كما أن الإفراد باعتبار لفظه. وقرأ الأعرج وشيبة وأبو جعفر وطلحة ونافع
~~وابن عامر والمفضل عن عاصم وزيد بن علي والحسن بخلاف عنه  نكفر وندخله 
~~بنون العظمة فيهما.

# { ذلك } أي ما ذكر من تكفير السيآت وإدخال الجنات { الفوز
~~العظيم } الذي لا فوز وراءه لانطوائه على النجاة من أعظم الهلكات
~~والظفر بأجل الطلبات.

### || [64.10]

# أي النار. وكأن هذه الآية والتي قبلها لاحتوائهما على منازل السعداء
~~والأشقياء بيان للتغابن على تفسيره بتغابن الفريقين على التقابل ولما فيه
~~من التفصيل نزل منزلة المغاير فعطف بالواو وكذا على الإطلاق لكنه عليه
~~بيان في الجملة.

### || [64.11]

# { ما أصاب من مصيبة } أي ما أصاب أحدا مصيبة، على أن المفعول
~~محذوف، و { من } زائدة، و { مصيبة } فاعل، وعدم إلحاق التاء في
~~مثل ذلك فصيح لكن الإلحاق أكثر كقوله تعالى:

# ما تسبق من أمة أجلها

# [الحجر: 5]

# وما تأتيهم من ءاية

# [الأنعام: 4] والمراد  بالمصيبة  الرزية وما يسوء العبد في نفس أو مال
~~أو ولد أو قول أو فعل أي ما أصاب أحدا من رزايا الدنيا أي رزية كانت {
~~إلا بإذن الله } أي بإرادته سبحانه وتمكينه عز وجل كأن الرزية
~~بذاتها متوجهة إلى العبد متوقفة على إرادته تعالى وتمكينه جل وعلا، وجوز
~~أن يراد  بالمصيبة  الحادثة من شر أو خير، وقد نصوا على أنها تستعمل
~~فيما يصيب العبد من الخير وفيما يصيبه من الشر لكن قيل: إنها في الأول:
~~من الصوب أي المطر، وفي الثاني: من إصابة السهم، والأول هو الظاهر، وإن
~~كان الحكم بالتوقف على الإذن عاما.

# { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } عند إصابتها، للصبر
~~والاسترجاع على ما قيل، وعن ms10645 علقمة للعلم بأنها من عند الله تعالى فيسلم
~~لأمر الله تعالى ويرضى بها، وعن ابن مسعود قريب منه، وقال ابن عباس: {
~~يهد قلبه } لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم
~~يكن ليصيبه، وقيل: { يهد قلبه } أي يلطف به ويشرحه لازدياد /
~~الخير والطاعة.

# وقرأ ابن جبير وطلحة وابن هرمز والأزرق عن حمزة  نهد  بنون العظمة.
~~وقرأ السلمي والضحاك وأبو جعفر { يهد } بالياء مبنيا للمفعول { قلبه
~~} بالرفع على النيابة عن الفاعل، وقرىء كذلك لكن بنصب { قلبه } ، وخرج
~~على أن نائب الفاعل ضمير { من } و { قلبه } منصوب بنزع الخافض أي يهد
~~في قلبه، أو يهد إلى قلبه على معنى أن الكافر ضال عن قلبه بعيد منه،
~~والمؤمن واجد له مهتد إليه كقوله تعالى:

# لمن كان له قلب

# [ق: 37] فالكلام من الحذف والإيصال نحو

# اهدنا الصراط المستقيم

# [الفاتحة: 6]، وفيه جعل القلب بمنزلة المقصد فمن ضل فقد منع منه ومن وصل
~~فقد هدي إليه، وجوز أن يكون نصبه على التمييز بناءا على أنه يجوز
~~تعريفه.

# وقرأ عكرمة وعمرو بن دينار ومالك بن دينار  يهدأ  بهمزة ساكنة { قلبه
~~} بالرفع أي يطمئن قلبه ويسكن بالإيمان ولا يكون فيه قلق واضطراب، وقرأ
~~عمرو بن فايد  يهدا  بألف بدلا من الهمزة الساكنة، وعكرمة ومالك بن
~~دينار أيضا { يهد } بحذف الألف بعد إبدالها من الهمزة، وإبدال الهمزة في
~~مثل ذلك ليس بقياس على ما قال أبو حيان، وأجاز ذلك بعضهم قياسا، وبني
~~عليه جواز حذف تلك الألف للجازم، وخرج عليه قول زهير بن أبي سلمى:

# جرى متى يظلم يعاقب بظلمه

# سريعا وأن لا يبد بالظلم يظلم

# أصله يبدأ فأبدلت الهمزة ألفا ثم حذفت للجازم تشبيها بألف  يخشى 
~~إذا دخل عليه الجازم.

# وقوله تعالى: { والله بكل شيء } من الأشياء التي من جملتها
~~القلوب وأحوالها { عليم } فيعلم إيمان المؤمن ويهدي قلبه عند إصابة
~~المصيبة؛ فالجملة متعلقة بقوله تعالى: { ومن يؤمن } الخ، وجوز أن
~~تكون متعلقة بقوله سبحانه: { ما أصاب } الخ على أنها تذييل له
~~للتقرير والتأكيد، وذكر الطيبي ms10646 أن في كلام «الكشاف» رمزا إلى أن في
~~الآية حذفا أي فمن لم يؤمن لم يلطف به أو لم يهد قلبه، ومن يؤمن بالله
~~يهد قلبه، وبنى عليه أن المصيبة تشمل الكفر والمعاصي أيضا لورودها عقيب
~~جزاء المؤمن والكافر وإردافها بالأمر الآتي، وأي مصيبة أعظم منهما؟ وهو
~~كما أشار إليه يدفع في نحر المعتزلة.

### || [64.12]

# { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } كرر الأمر للتأكيد
~~والإيذان بالفرق بين الإطاعتين في الكيفية، وتوضيح مورد التولي في قوله
~~تعالى: { فإن توليتم } أي عن إطاعة الرسول، وقوله تعالى: {
~~فإنما على رسولنا البلغ المبين } تعليل للجواب
~~المحذوف أقيم مقامه أي فلا بأس عليه إذ ما عليه إلا التبليغ المبين وقد
~~فعل ذلك بما لا مزيد عليه. وإظهار (الرسول) مضافا إلى نون العظمة في
~~مقام إضماره لتشريفه عليه الصلاة والسلام، والإشعار بمدار الحكم الذي هو
~~كون وظيفته صلى الله عليه وسلم محض البلاغ ولزيادة تشنيع التولي عنه.
~~والحصر في الكلام إضافي.

### || [64.13]

# { الله لا إله إلا هو } الكلام فيها كالكلام في كلمة
~~التوحيد، وقد مر وحلا { وعلى الله } أي عليه تعالى خاصة دون غيره
~~لا استقلالا ولا اشتراكا { فليتوكل المؤمنون } وإظهار
~~الجلالة في موقع الإضمار للإشعار بعلة التوكل، أو الأمر به فإن الألوهية
~~مقتضية للتبتل إليه تعالى بالكلية، وقطع التعلق بالمرة عما سواه من
~~البرية. وذكر بعض الأجلة أن تخصيص المؤمنين بالأمر بالتوكل لأن الإيمان
~~بأن الكل منه تعالى يقتضي التوكل، ومن هنا قيل: ليس في الآيات لمن تأمل
~~في الحث على التوكل أعظم / من هذه الآية لإيمائها إلى أن من لا يتوكل على
~~الله تعالى ليس بمؤمن. وهي - على ما قال الطيبي: - كالخاتمة والفذلكة
~~لما تقدم، وكالمخلص إلى مشرع آخر.

### || [64.14]

# { يأيها الذين ءامنوا إن من أزوجكم
~~وأولدكم عدوا لكم } أي إن بعضهم كذلك فمن الأزواج
~~أزواجا يعادين بعولتهن ويخاصمنهم ويجلبن عليهم، ومن الأولاد أولادا
~~يعادون آباءهم ويعقونهم ويجرعونهم الغصص والأذى، وقد شاهدنا من الأزواج
~~من قتلت زوجها، ومن أفسدت عقله بإطعام بعض المفسدات للعقل، ومن كسرت ms10647
~~قارورة عرضه، ومن مزقت كيس ماله  ومن ومن  وكذا من الأولاد من فعل نحو
~~ذلك { فاحذروهم } أي كونوا منهم على حذر ولا تأمنوا غوائلهم وشرهم.
~~والضمير للعدو - فإنه يطلق على الجمع نحو قوله تعالى:

# فإنهم عدو لى

# [الشعراء: 77] فالمأمور به الحذر عن الكل - أو للأزواج والأولاد جميعا،
~~فالمأمور به إما الحذر عن البعض لأن منهم من ليس بعدو، وإما الحذر عن
~~مجموع الفريقين لاشتمالهم على العدو.

# { وإن تعفوا } عن ذنوبهم القابلة للعفو بأن تكون متعلقة بأمور
~~الدنيا، أو بأمور الدين لكن مقارنة للتوبة بأن لم تعاقبوهم عليها {
~~وتصفحوا } تعرضوا بترك التثريب والتعيير { وتغفروا } تستروها
~~بإخفائها وتمهيد معذرتهم فيها { فإن الله غفور رحيم } قائم
~~مقام الجواب، والمراد يعاملكم بمثل ما عملتم، ويتفضل عليكم فإنه عز وجل
~~غفور رحيم.

# ولما كان التكليف ههنا شاقا لأن الأذى الصادر ممن أحسنت إليه أشد
~~نكاية وأبعث على الانتقام ناسب التأكيد في قوله سبحانه: { وإن
~~تعفوا } الخ، وقال غير واحد: إن عداوتهم من حيث إنهم يحولون بينهم
~~وبين الطاعات والأمور النافعة لهم في آخرتهم، وقد يحملونهم على السعي في
~~اكتساب الحرام وارتكاب الآثام لمنفعة أنفسهم كما روي عنه صلى الله عليه
~~وسلم:

# " يأتي زمان على أمتي يكون فيه هلاك الرجل على يد زوجه وولده يعيرانه
~~بالفقر فيركب مراكب السوء فيهلك "

# ومن الناس من يحمله حبهم والشفقة عليهم على أن يكونوا في عيش رغد في
~~حياته وبعد مماته فيرتكب المحظورات لتحصيل ما يكون سببا لذلك وإن لم
~~يطلبوه منه فيهلك، وسبب النزول أوفق بهذا القول. أخرج الترمذي والحاكم
~~وصححاه وابن جرير وغيرهم عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية { يأيها
~~الذين ءامنوا إن من أزوجكم } الخ في قوم من أهل مكة
~~أسلموا وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم
~~وأولادهم أن يدعوهم فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا الناس
~~قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم فأنزل الله تعالى الآية؛ وفي رواية
~~أخرى عنه أنه قال: كان الرجل يريد الهجرة فيحبسه ms10648 امرأته وولده فيقول: أما
~~والله لئن جمع الله تعالى بيني وبينكم في دار الهجرة لأفعلن ولأفعلن
~~فجمع الله عز وجل بينهم في دار الهجرة فأنزل الله تعالى: { يأيها
~~الذين ءامنوا إن من أزوجكم } الآية. وقيل: إنهم قالوا
~~لهم لئن جمعنا الله تعالى في دار الهجرة لم نصبكم بخير فلما هاجروا
~~منعوهم الخير فنزلت. وعن عطاء بن أبي رباح أن عوف بن مالك الأشجعي أراد
~~الغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم فاجتمع أهله أولاده فثبطوه وشكوا
~~إليه فراقه فرق ولم يغز، ثم إنه ندم فهم بمعاقبتهم فنزلت. واستدل بها
~~على أنه لا ينبغي للرجل أن يحقد على زوجه وولده إذا جنوا معه جناية وأن
~~لا يدعو عليهم.

### || [64.15]

# { إنما أمولكم وأولدكم فتنة } أي بلاء / ومحنة
~~لأنهم يترتب عليهم الوقوع في الإثم والشدائد الدنيوية وغير ذلك، وفي
~~الحديث

# " يؤتى برجل يوم القيامة فيقال: أكل عياله حسناته "

# ، وعن بعض السلف العيال سوس الطاعات. وأخرج الإمام أحمد وأبو داود
~~والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه عن بريدة قال:

# " كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فأقبل الحسن والحسين عليهما
~~قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله عليه الصلاة والسلام من
~~المنبر فحملهما واحدا من ذا الشق وواحدا من ذا الشق، ثم صعد المنبر
~~فقال: صدق الله { إنما أمولكم وأولدكم فتنة } إني
~~لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران لم أصبر أن قطعت كلامي ونزلت
~~إليهما "

# ، وفي رواية ابن مردويه عن عبد الله بن عمر

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب الناس على المنبر خرج
~~حسين بن علي على رسول الله عليهما الصلاة والسلام فوطىء في ثوب كان عليه
~~فسقط فبكى فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر فلما رآه الناس
~~سعوا إلى حسين يتعاطونه يعطيه بعضهم بعضا حتى وقع في يد رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فقال: قاتل الله الشيطان إن الولد لفتنة، والذي نفسي بيده
~~ما دريت أني نزلت عن منبري» "

# وقيل: إذا أمكنكم الجهاد ms10649 والهجرة فلا يفتنكم الميل إلى الأموال والأولاد
~~عنهما، قال في «الكشف»: الفتنة على هذا الميل إلى الأموال والأولاد دون
~~العقوبة والإثم. وقدمت الأموال قيل: لأنها أعظم فتنة

# كلا إن الإنسن ليطغى * أن رءاه استغنى

# [العلق: 6-7]، وأخرج أحمد والطبراني والحاكم والترمذي وصححه عن كعب بن
~~عياض سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " إن لكل أمة فتنة وإن فتنة أمتي المال "

# وأخرج نحوه ابن مردويه عن عبد الله بن أوفى مرفوعا؛ وكأنه لغلبة الفتنة
~~في الأموال والأولاد لم تذكر من التبعيضية كما ذكرت فيما تقدم.

# { والله عنده أجر عظيم } لمن آثر محبة الله تعالى وطاعته
~~على محبة الأموال والأولاد والسعي في مصالحهم على وجه يخل بذلك.

### || [64.16]

# { فاتقوا الله ما استطعتم } أي ابذلوا في تقواه عز وجل
~~جهدكم وطاقتكم كما أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس، وحكي
~~عن أبي العالية. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت

# اتقوا الله حق تقاته

# [آل عمران: 102] اشتد على القوم العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت
~~جباههم فأنزل الله تعالى تخفيفا على المسلمين { فاتقوا الله ما
~~استطعتم } فنسخت الآية الأولى، وجاء عن قتادة نحو منه، وعن مجاهد
~~المراد أن يطاع سبحانه فلا يعصى، والكثير على أن هذا هو المراد في الآية
~~التي ذكرناها.

# { واسمعوا } مواعظه تعالى { وأطيعوا } أوامره عز وجل ونواهيه
~~سبحانه { وأنفقوا } مما رزقكم في الوجوه التي أمركم بالإنفاق فيها
~~خالصا لوجهه جل شأنه كما يؤذن به قوله تعالى: { خيرا لأنفسكم }
~~وذكر ذلك تخصيص بعد تعميم، ونصب { خيرا } عند سيبويه على أنه مفعول به
~~لفعل محذوف أي وأتوا خيرا لأنفسكم أي افعلوا ما هو خير لها وأنفع، وهذا
~~تأكيد للحث على امتثال هذه الأوامر / وبيان لكون الأمور خيرا لأنفسهم من
~~الأموال والأولاد، وفيه شمة من التجريد، وعند أبي عبيد على أنه خبر ليكن
~~مقدرا جوابا للأمر أي يكن خيرا، وعند الفراء والكسائي على أنه نعت
~~لمصدر محذوف أي إنفاقا خيرا، وقيل: هو نصب  بأنفقوا ms10650  والخير المال،
~~وفيه بعد من حيث المعنى، وقال بعض الكوفيين: هو نصب على الحال وهو بعيد
~~في المعنى والإعراب.

# { ومن يوق شح نفسه } وهو البخل مع الحرص. { فأولئك
~~هم المفلحون } الفائزون بكل مرام.

### || [64.17]

# { إن تقرضوا الله } تصرفوا المال إلى المصارف التي عينها عز
~~وجل. وفي الكلام استعارة تمثيلية { قرضا حسنا } مقرونا بالإخلاص
~~وطيب النفس. { يضعفه لكم } يجعل لكم جل شأنه بالواحد عشرا إلى
~~سبعمائة وأكثر. وقرىء  يضعفه  { ويغفر لكم } ببركة الإنفاق ما
~~فرط منكم من بعض الذنوب { والله شكور } يعطي الجزيل بمقابلة النزر
~~القليل { حليم } لا يعاجل بالعقوبة مع كثرة الذنوب.

### || [64.18]

# { عالم الغيب والشهدة } لا يخفى عليه سبحانه شيء {
~~العزيز الحكيم } المبالغ في القدرة والحكمة. وفي الآية من الترغيب
~~بالإنفاق ما فيها لكن اختلف في المراد به فقيل: الإنفاق المفروض يعني
~~الزكاة المفروضة وقد صرح به، وقيل: الإنفاق المندوب، وقيل: ما يعم الكل،
~~والله تعالى أعلم.

### | [65 - سورة الطلاق]

### || [65.1]

# { يأيها النبى إذا طلقتم النساء } خص النداء به صلى
~~الله عليه وسلم وعم الخطاب بالحكم لأن النبي عليه الصلاة والسلام إمام
~~أمته كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت - إظهارا
~~لتقدمه واعتبارا لترؤسه، وأنه المتكلم عنهم والذي يصدرون عن رأيه ولا
~~يستبدون بأمر دونه فكان هو وحده في حكمهم كلهم وسادا مسد جميعهم، وفي
~~ذلك من إظهار جلالة منصبه عليه الصلاة والسلام ما فيه، ولذلك اختير لفظ {
~~النبى } لما فيه من الدلالة على علو مرتبته صلى الله عليه وسلم،
~~وقيل: الخطاب كالنداء له صلى الله عليه وسلم إلا أنه اختير ضمير الجمع
~~للتعظيم نظير ما في قوله:

# ألا فارحموني يا إله محمد

# وقيل: إنه بعد ما خاطبه عليه الصلاة والسلام بالنداء صرف سبحانه الخطاب
~~عنه لأمته تكريما له صلى الله عليه وسلم لما في الطلاق من الكراهة فلم
~~يخاطب به تعظيما، وجعل بعضهم الكلام على هذا بتقدير القول أي قل لأمتك:
~~إذا طلقتم، وقيل: حذف نداء الأمة، والتقدير يا أيها النبي / وأمة النبي
~~إذا طلقتم. ms10651 وأيا ما كان فالمعنى إذا أردتم تطليقهن على تنزيل المشارف
~~للفعل منزلة الشارع فيه، واتفقوا على أنه لولا هذا التجوز لم يستقم
~~الكلام لما فيه من تحصيل الحاصل، أو كون المعنى إذا طلقتم فطلقوهن مرة
~~أخرى وهو غير مراد، وقال بعض المحققين: لك أن تقول: لا حاجة إلى ذلك بل
~~هو من تعليق الخاص بالعام وهو أبلغ في الدلالة على اللزوم كما يقال: إن
~~ضربت زيدا فاضربه ضربا مبرحا، لأن المعنى إن يصدر منك ضرب فليكن ضربا
~~شديدا، وهو أحسن من تأويله بالإرادة فتدبر انتهى، وأنت تعلم أن المتبادر
~~فيما ذكره كونه على معنى الإرادة أيضا.

# { فطلقوهن لعدتهن } أي لاستقبال عدتهن، واللام للتوقيت
~~نحو كتبته لأربع ليال يقين من جمادى الأولى، أو مستقبلات لها على ما قدره
~~الزمخشري، وتعقبه أبو حيان بما فيه نظر.

# واعتبار الاستقبال رأي من يرى أن العدة بالحيض - وهي القروء في آية
~~البقرة كالإمام أبي حنيفة  ليكون الطلاق في الطهر وهو الطلاق المأمور
~~به، والمراد بالأمر بإيقاعه في ذلك، النهي عن إيقاعه في الحيض. وقد
~~صرحوا جميعا بأن ذلك طلاق بدعي حرام، وقيد الطهر بكونه لم يجامعن فيه،
~~واستدل لذلك، ولاعتبار الاستقبال بما أخرجه الإمامان: مالك والشافعي
~~والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وآخرون

# " عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر رضي الله تعالى عنه
~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~ثم قال: ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فإن بدا له أن يطلقها
~~فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق
~~لها النساء "

# وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم  يا أيها النبي إذا طلقتم النساء
~~فطلقوهن في قبل عدتهن  وكان ابن عمر كما أخرج عنه ابن المنذر وغيره
~~يقرأ كذلك وكذلك ابن عباس، وفي رواية عنهما أنهما قرآ (لقبل عدتهن).

# ومن يرى أن العدة بالاطهار  وهي القروء  في تلك الآية كالإمام الشافعي
~~- يعلق لام التوقيت ms10652 بالفعل ولا يعتبر الاستقبال، واعترض على التأويل
~~بمستقبلات لعدتهن بأنه إن أريد التلبس بأولها فهو للشافعي، ومن يرى رأيه
~~لا عليه وعلى الخالف لا له، وإن أريد المشارفة عادة فخلاف مقتضى اللفظ
~~لأن اللام إذا دخلت الوقت أفادت معنى التأقيت والاختصاص بذلك الوقت لا
~~استقبال الوقت، وعلى الاستدلال بقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~حسبما تضمنه الحديث السابق بأن قبل الشيء أوله نقيض دبره فهي مؤكدة
~~لمذهب الشافعي لا دافعة له، ويشهد لكون العدة بالأطهار قراءة ابن مسعود 
~~لقبل طهرهن  ومنهم من قال: التقدير لأطهار عدتهن، وتعقب بأنه إن جعلت
~~الإضافة بمعنى  من  دل على أن القرء هو الحيض والطهر معا، وإن جعلت
~~بمعنى اللام فيكفي ما في قولك لأطهار الحيض من التنافر ردا مع ما فيه من
~~الإضمار من غير دليل.

# وفي «الكشاف» ((المراد  أي من الآية  أن يطلقن في طهر لم يجامعن فيه،
~~ثم يخلين حتى تنقضي عدتهن وهو أحسن الطلاق وأدخله في السنة وأبعد من
~~الندم، ويدل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي أن أصحاب رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم كانوا يستحبون أن لا يطلقها للسنة إلا واحدة ثم لا يطلقوا غير
~~ذلك حتى تنقضي العدة، وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثا في ثلاثة
~~أطهار، وقال مالك: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة وكان يكره الثلاث،
~~مجموعة كانت أو مفروقة، وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على
~~الواحدة في طهر واحد / فأما مفروقا في الأطهار فلا لما روي

# " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي
~~حائض: ما هكذا أمرك الله إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالا وتطلقها
~~لكل قرء تطليقة "

# وروي

# " أنه عليه الصلاة والسلام قال لعمر: مر ابنك فليراجعها ثم ليدعها حتى
~~تحيض ثم تطهر ثم ليطلقها إن شاء "

# وعند الشافعي لا بأس بإرسال الثلاث، وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة
~~ولا بدعة وهو مباح، فمالك يراعي في طلاق السنة الواحدة والوقت، ms10653 وأبو
~~حنيفة يراعي التفريق والوقت، والشافعي يراعي الوقت)) انتهى.

# وفي «فتح القدير» في الاحتجاج على عدم كراهة التفريق على الأطهار وكونه
~~من الطلاق السني رواية غير ما ذكر عن ابن عمر أيضا، وقد قال فيها ما قال
~~إلا أنه في الآخرة رجح قبولها.

# والمراد بإرسال الثلاث دفعة ما يعم كونها بألفاظ متعددة كأن يقال: أنت
~~طالق أنت طالق أنت طالق، أو بلفظ واحد كأن يقال: أنت طالق ثلاثا، وفي
~~وقوع هذا ثلاثا خلاف، وكذا في وقوع الطلاق مطلقا في الحيض، فعند
~~الإمامية لا يقع الطلاق بلفظ الثلاث ولا في حالة الحيض لأنه بدعة محرمة،
~~وقد قال صلى الله عليه وسلم:

# " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد "

# ، ونقله غير واحد عن ابن المسيب وجماعة من التابعين، وقال قوم منهم 
~~فيما قيل  طاوس وعكرمة: الطلاق الثلاث بفم واحد يقع به واحدة، وروى هذا
~~أبو داود عن ابن عباس  وهو اختيار ابن تيمية من الحنابلة  وفي
~~«الصحيحين» أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل
~~واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر
~~قال: نعم، وفي رواية لمسلم أن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث
~~واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة فلو
~~أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم، ومنهم من قال في المدخول بها: يقع ثلاث، وفي
~~الغير واحدة لما في مسلم وأبي داود والنسائي أن أبا الصهباء كان كثير
~~السؤال من ابن عباس قال: أما علمت أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن
~~يدخل بها جعلوها واحدة؟ فقال ابن عباس: بلى كان الرجل إذا طلق امرأته
~~ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوا ذلك واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر الحديث.

# والذي ذهب إليه جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم من ms10654 أئمة المسلمين 
~~ومنهم الأئمة الأربعة  وقوع الثلاث بفم واحد بل ذكر الإمام ابن الهمام
~~وقوع الإجماع السكوتي من الصحابة على الوقوع. ونقل عن أكثر مجتهديهم كعلي
~~كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وابن مسعود وأبي هريرة وعثمان بن عفان
~~وعبد الله بن عمرو بن العاص الإفتاء الصريح بذلك، وذكر أيضا أن إمضاء
~~عمر الثلاث عليهم مع عدم مخالفة الصحابة له مع علمهم بأنها كانت واحدة لا
~~يمكن إلا لأنهم قد اطلعوا في الزمان المتأخر على وجود ناسخ، أو لعلمهم
~~بانتهاء الحكم لعلمهم بإناطته بمعان علموا انتهاءها في الزمان المتأخر،
~~واستحسن ابن حجر في «التحفة» الجواب بالاطلاع على ناسخ بعد نقله جوابين
~~سواه وتزييفه لهما، وسيأتي قريبا إن شاء الله تعالى بعض أخبار مرفوعة
~~يستدل بها على وقوع الثلاث، لكن قيل: إن الثلاث فيها يحتمل أن تكون
~~بألفاظ ثلاثة كأنت طالق أنت طالق أنت طالق، ولعله هو الظاهر لا بلفظ واحد
~~كأنت طالق ثلاثا، وحينئذ لا يصلح ذلك للرد على من لم يوقع الثلاث بهذا
~~اللفظ، لكن إذا صح الإجماع ولو سكوتيا على الوقوع لا ينبغي إلا الموافقة
~~والسكوت وتأويل ما روي عن عمر، ولذا قال بعض الأئمة: لو حكم قاض بأن
~~الثلاث بفم واحد واحدة لم ينفذ حكمه / لأنه لا يسوغ الاجتهاد فيه لإجماع
~~الأئمة المعتبرين عليه، وإن اختلفوا في معصية من يوقعه كذلك، ومن قال:
~~بمعصيته استدل بما روى النسائي عن محمود بن لبيد قال:

# " أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاثا جميعا
~~فقام غضبان فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! حتى قام رجل فقال:
~~يا رسول الله ألا أقتله "

# وبما أخرجه عبد الرزاق عن عبادة بن الصامت أن أباه طلق امرأة له ألف
~~تطليقة فانطلق عبادة فسأله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام:

# " بانت بثلاث في معصية الله وبقي تسعمائة وسبعة وتسعون عدوان وظلم إن
~~شاء الله تعالى عذبه وإن شاء غفر له "

# ((ويفهم من هذا حرمة إيقاع الزائد أيضا ms10655 وهو ظاهر كلام ابن الرفعة،
~~ومقتضى قول الروياني  واعتمده الزركشي وغيره  أنه يعزر فاعله، ووجه
~~بأنه تعاطي نحو عقد فاسد وهو حرام، ونوزع في ذلك بما فيه نظر))، وبما في
~~«سنن أبي داود» عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق
~~زوجته ثلاثا فقال له: عصيت ربك وبانت منك امرأتك إلى غير ذلك.

# ((ومن قال بعدمها استدل بما رواه الشيخان من أن عويمرا العجلاني لما
~~لاعن امرأته طلقها ثلاثا قبل أن يخبره صلى الله عليه وسلم بحرمتها عليه،
~~وقال: إنه لو كان معصية لنهاه عنه لأنه أوقعه معتقدا بقاء الزوجية، ومع
~~اعتقادها يحرم الجمع عند المخالف، ومع الحرمة يجب الإنكار على العالم
~~وتعليم الجاهل ولم يوجدا، فدل على أن لا حرمة وبأنه قد فعله جماعة من
~~الصحابة)) منهم عبد الرحمن بن عوف طلق زوجته تماضر ثلاثا في موضعه،
~~والحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما طلق زوجته شهبانوا ثلاثا لما هنته
~~بالخلافة بعد وفاة علي كرم الله تعالى وجهه، وقال بعض الحنفية في ذلك:
~~إنه محمول على أنهم قالوا: ثلاثا للسنة، وهو أبعد من قول بعض الشافعية -
~~فيما روي من الأدلة الدالة على العصيان فيه - إنه محمول على أنه كان في
~~الحيض فالمعصية فيه من تلك الحيثية.

# واستدل على كونه معصية إذا كان في الحيض بما هو أظهر من ذلك كالروايتين
~~السابقتين فيما نقل عن «الكشاف»، وفي الاستدلال بهما على حرمة إرسال
~~الثلاث بحث، وربما يستدل بالثانية على وجوب الرجعة لكن قد ذكر بعض أجلة
~~الشافعية أنها لا تجب بل تندب في الطلاق البدعي، وإنما لم تجب لأن الأمر
~~بالأمر بالشيء ليس أمرا بذلك الشيء، وليس في  فليراجعها  أمر لابن عمر
~~لأنه تفريع على أمر عمر، فالمعنى فليراجعها لأجل أمرك لكونك والده،
~~واستفادة الندب منه حينئذ إنما هي من القرينة، وإذا راجع ارتفع الإثم
~~المتعلق بحق الزوجة لا في الرجعة قاطعة للضرر من أصله فكانت بمنزلة
~~التوبة ترفع أصل المعصية، وبه فارق دفن البصاق في المسجد ms10656 فإنه قاطع لدوام
~~ضرره لا لأصله لأن تلويث المسجد به قد حصل، ويندفع بما ذكر ما قيل: رفع
~~الرجعة للتحريم كالتوبة يدل على وجوبها إذ كون الشيء بمنزلة الواجب في
~~خصوصية من خصوصياته لا يقتضي وجوبه، ولا يستدل بما اقتضته الآية من النهي
~~عن إيقاع الطلاق في الحيض على فساد الطلاق فيه إذ النهي عند أبي حنيفة
~~لا يستلزم الفساد مطلقا، وعند الشافعي يدل على الفساد في العبادات وفي
~~المعاملات إذا رجع إلى نفس العقد أو إلى أمر داخل فيه أو لازم له فإن رجع
~~إلى أمر مقارن كالبيع وقت النداء فلا، وما نحن فيه لأمر مقارن وهو زمان
~~الحيض فهو عنده لا يستلزم الفساد هنا أيضا، وأيد ذلك بأمر ابن عمر
~~بالرجعة إذ لو لم يقع الطلاق لم يؤمر بها.

# قيل: وما كان منه من التطليق في الحيض سبب نزول هذه الآية، والذي رواه
~~ابن مردويه من طريق أبي الزبير عنه وحكى عن السدي. / وأخرج ابن أبي
~~حاتم عن مقاتل قال: بلغنا أن قوله تعالى: { يأيها النبى إذا
~~طلقتم } الآية نزل في عبد الله بن عمرو بن العاص وطفيل بن الحرث
~~وعمرو بن سعيد بن العاص، وقال بعضهم: فعله ناس منهم ابن عمرو بن العاص
~~وعتبة بن غزوان فنزلت الآية، وأخرج ابن المنذر عن ابن سيرين أنها نزلت في
~~حفصة بنت عمر طلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة فنزلت إلى قوله
~~تعالى: { يحدث بعد ذلك أمرا } فراجعها عليه الصلاة والسلام،
~~ورواه قتادة عن أنس، وقال القرطبي نقلا عن علماء الحديث: إن الأصح أنها
~~نزلت ابتداءا لبيان حكم شرعي، وكل ما ذكر من أسباب النزول لها لم يصح،
~~وحكى أبو حيان نحوه عن الحافظ أبي بكر بن العربي.

# وظاهرها أن نفس الطلاق مباح، واستدل له أيضا بما رواه أبو داود وابن
~~ماجه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " إن من أبغض المباحات عند الله عز وجل الطلاق "

# وفي لفظ

# " أبغض الحلال إلى الله الطلاق "

# لوصفه بالإباحة والحل ms10657 لأن أفعل بعض ما يضاف إليه، والمراد من كونه
~~مبغوضا التنفير عنه أو كونه كذلك من حيث إنه يؤدي إلى قطع الوصلة وحل
~~قيد العصمة لا من حيث حقيقته في نفسه. وقال البيهقي: البغض على إيقاعه كل
~~وقت من غير رعاية لوقته المسنون، وبطلاقه صلى الله عليه وسلم حفصة ثم
~~أمره تعالى إياه أن يراجعها فإنها صوامة قوامة.

# وقال غير واحد: هو محظور لما فيه من كفران نعمة النكاح، ولقوله عليه
~~الصلاة والسلام:

# " لعن الله كل مذواق مطلاق "

# وإنما أبيح للحاجة، قال ابن الهمام: وهذا هو الأصح فيكره إذا لم يكن
~~حاجة، ويحمل لفظ المباح على أما أبيح في بعض الأوقات أعني أوقات تحقق
~~الحاجة المبيحة وهو ظاهر في رواية لأبي داود «ما أحل الله تعالى شيئا
~~أبغض إليه من الطلاق» فإن الفعل لا عموم له في الأزمان، ومن الحاجة الكبر
~~وعدم اشتهائه جماعها بحيث يعجز أو يتضرر بإكراهه نفسه عليه وهي لا ترضى
~~بترك ذلك، وما روي عن الحسن  وكان قيل له في كثرة تزوجه وطلاقه - من
~~قوله: أحب الغني قال الله سبحانه:

# وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته

# [النساء: 130] فهو رأي منه إن كان على ظاهره، وكل ما نقل من طلاق
~~الصحابة  كطلاق المغيرة بن شعبة الزوجات الأربعة دفعة  فقد قال لهن:
~~أنتن حسنات الأخلاق ناعمات الأطواق طويلات الأعناق اذهبن فأنتن طلاق
~~فمحمله وجود الحاجة وإن لم يصرح بها.

# وقال ابن حجر: ((هو إما واجب كطلاق مول لم يرد الوطء وحكمين رأياه، أو
~~مندوب كأن يعجز عن القيام بحقوقها ولو لعدم الميل إليها، أو تكون غير
~~عفيفة ما لم يخش الفجور بها، ومن ثم أمر صلى الله عليه وسلم من قال: «إن
~~زوجتي لا ترد يد لامس» - أي لا تمنع من يريد الفجور بها على أحد أقوال في
~~معناه - بإمساكها خشية من ذلك. ويلحق بخشية الفجور بها حصول مشقة له
~~بفراقها تؤدي إلى مبيح تيمم، وكون مقامها عنده أمنع لفجورها فيما يظهر
~~فيهما، أو سيئة الخلق أي ms10658 بحيث لا يصبر على عشرتها عادة فيما يظهر، وإلا
~~فغير سيئة الخلق كالغراب الأعصم أو يأمره به أحد والديه أي من غير تعنت
~~كما هو شأن الحمقى من الآباء والأمهات، ومع عدم خوف فتنة أو مشقة بطلاقها
~~فيما يظهر، أو حرام كالبدعي، أو مكروه بأن سلم الحال عن ذلك كله للخبر
~~الصحيح

# " ليس شيء من الحلال أبغض إلى الله من الطلاق "

# ولدلالته على زيادة التنفير عنه قالوا: ليس فيه مباح لكن صورة الإمام
~~بما إذا لم يشتهها أي شهوة كاملة ولا تسمح نفسه بمؤنتها من غير تمتع
~~بها)) اه.

# والآية على ما لا يخفى على المنصف - لا تدل على أكثر من حرمته في الحيض.
~~والمراد بالنساء فيها المدخول بهن من المعتدات بالحيض على ما في
~~«الكشاف»، وغيره لمكان قوله سبحانه: { فطلقوهن لعدتهن }.

# / { وأحصوا العدة } واضبطوها وأكملوها ثلاثة قروء كوامل، وأصل
~~معنى الإحصاء العد بالحصى كما كان معتادا قديما ثم صار حقيقة فيما ذكر
~~{ واتقوا الله ربكم } في تطويل العدة عليهن والإضرار بهن،
~~وفي وصفه تعالى بربوبيته عز وجل لهم تأكيد للأمر ومبالغة في إيجاب
~~الاتقاء.

# { لا تخرجوهن من بيوتهن } من مساكنهن عند الطلاق إلى أن
~~تنقضي عدتهن، وإضافتها إليهن وهي لأزواجهن لتأكيد النهي ببيان كمال
~~استحقاقهن لسكناها كأنها أملاكهن، وعدم العطف للإيذان باستقلاله بالطلب
~~اعتناءا به، والنهي عن الإخراج يتناول عدم إخراجهن غضبا عليهن أو كراهة
~~لمساكنتهن أو لحاجة لهم إلى المساكن أو محض سفه بمنطوقه، ويتناول عدم
~~الإذن لهن في الخروج بإشارته لأن خروجهن محرم بقوله تعالى: { ولا
~~يخرجن } أما إذا كانت لا ناهية كالتي قبلها فظاهر، وأما إذا كانت
~~نافية فلأن المراد به النهي، وهو أبلغ من النهي الصريح كما لا يخفى،
~~والإذن في فعل المحرم محرم فكأنه قيل: { لا تخرجوهن } ولا تأذنوا لهن في
~~الخروج إذا طلبن ذلك ولا يخرجن بأنفسهن إن أردن، فهناك دلالة على أن
~~سكونهن في البيوت حق للشرع مؤكد فلا يسقط بالإذن، وهذا على ما ذكره
~~الجلبي مذهب الحنفية، ومذهب الشافعية أنهما لو ms10659 اتفقا على الانتقال جاز
~~إذ الحق لا يعدوهما، فالمعنى لا تخرجوهن ولا يخرجن باستبدادهن؛ وتعقب
~~الشهاب كون ذلك مذهب الحنفية بقوله: فيه نظر، وقد ذكر الرازي في
~~«الأحكام» ما يدل على خلافه وأن السكنى كالنفقة تسقط بالإسقاط انتهى.
~~والذي يظهر من كلامهم ما ذكره الجلبي، وقد نص عليه الحصكفي في «الدر
~~المختار»، وعلله بأن ذلك حق الله تعالى فلا يسقط بالإذن، وفي «الفتح» لو
~~اختلعت على أن لا سكنى لها تبطل مؤنة السكنى عن الزوج ويلزمها أن تكتري
~~بيته، وأما أن يحل لها الخروج فلا.

# { إلا أن يأتين بفحشة مبينة } أي ظاهرة هي نفس
~~الخروج قبل انقضاء العدة كما أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر
~~والبيهقي في «سننه» وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عمر، وروي عن السدي
~~وابن السائب والنخعي  وبه أخذ أبو حنيفة  والاستثناء عليه راجع إلى {
~~لا يخرجن } والمعنى لا يطلق لهن في الخروج إلا في الخروج الذي هو
~~فاحشة، ومن المعلوم أنه لا يطلق لهن فيه فيكون ذلك منعا عن الخروج على
~~أبلغ وجه.

# وقال الإمام ابن الهمام: هذا كما يقال في الخطابية: لا تزن إلا أن تكون
~~فاسقا، ولا تشتم أمك إلا أن تكون قاطع رحم، ونحو ذلك وهو بديع وبليغ
~~جدا، والزنا على ما روي عن قتادة والحسن والشعبي وزيد بن أسلم والضحاك
~~وعكرمة وحماد والليث، وهو قول ابن مسعود وقول ابن عباس؛ وبه أخذ أبو
~~يوسف، والاستثناء عليه راجع إلى { لا تخرجوهن } على ما يقتضيه
~~ظاهر كلام جمع أي لا تخرجوهن إلا إن زنين فأخرجوهن لإقامة الحد عليهن،
~~وقال بعض المحققين: هو راجع إلى الكل وما يوجب حدا من زنا أو سرقة أو
~~غيرهما  كما أخرجه عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب  واختاره الطبري،
~~والبذاء على الأحماء أي أو على الزوج  كما أخرجه جماعة من طرق عن ابن
~~عباس  والاستثناء راجع إلى الأول أي لا تخرجوهن إلا إذا طالت ألسنتهن
~~وتكلمن بالكلام الفاحش القبيح على أزواجهن أو أحمائهن، وأيد بقراءة ms10660 أبي
~~ إلا أن يفحشن عليكم  بفتح الياء وضم الحاء، وفي «موضح الأهوازي» 
~~يفحشن  من أفحش، قال الجوهري: أفحش عليه في النطق أي أتى بالفحش، وفي
~~حرف ابن مسعود  إلا أن يفحشن بدون عليكم والنشوز، والمراد إلا أن /
~~يطلقن على النشوز على ما روي عن قتادة أيضا، والاستثناء عليه قيل: راجع
~~إلى الأول أيضا، وفي «الكشف» هو راجع إلى الكل لأنه إذا سقط حقها في
~~السكنى حل الإخراج والخروج أيضا، وأيا ما كان فليس في الآية حصر
~~المبيح لفعل المنهي عنه بالإتيان بالفاحشة، وقد بينت المبيحات في كتب
~~الفروع فليراجعها من أراد ذلك.

# وقرأ ابن كثير وأبو بكر { مبينة } بالفتح.

# { وتلك } إشارة إلى ما ذكر من الأحكام أي تلك الأحكام الجليلة الشأن
~~{ حدود الله } التي عينها لعباده عز وجل { ومن يتعد حدود
~~الله } أي حدوده تعالى المذكورة بأن أخل بشيء منها على أن الإظهار في
~~موضع الإضمار لتهويل أمر التعدي والإشعار بعلة الحكم في قوله تعالى: {
~~فقد ظلم نفسه } ((أي أضر بها كما قال شيخ الإسلام، ونقل عن
~~بعض تفسير الظلم بتعريضها للعقاب، وتعقبه بأنه يأباه قوله سبحانه: { لا
~~تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } فإنه استئناف
~~مسوق لتعليل مضمون الشرطية؛ وقد قالوا: إن الأمر الذي يحدثه الله تعالى
~~أن يقلب قلبه عما فعله بالتعدي إلى خلافه فلا بد أن يكون الظلم [عبارة]
~~عن ضرر دنيوي يلحقه بسبب تعديه ولا يمكنه تداركه، أو عن مطلق الضرر
~~الشامل للدنيوي والأخروي، وخص التعليل بالدنيوي لكون احتراز أكثر الناس
~~منه أشد واهتمامهم بدفعه أقوى)).

# ورد بأن الضرر الدنيوي غير محقق فلا ينبغي تفسير الظلم ههنا به، وأن
~~قوله تعالى: { لا تدرى } الخ ليس تعليلا لما ذكر بل هو ترغيب
~~للمحافظة على الحدود بعد الترهيب، وفيه أنه بالترهيب أشبه منه بالترغيب،
~~ولعل المراد من أضر بها عرضها للضرر، فالظلم هو ذلك التعريض ولا محذور في
~~تفسيره به فيما يظهر، وجملة الترجي في موضع النصب ب { لا تدرى } ،
~~وعد أبو حيان { لعل } من المعلقات. والخطاب ms10661 في { لا تدرى }
~~للمتعدي بطريق الالتفات لمزيد الاهتمام بالزجر عن التعدي لا للنبي صلى
~~الله عليه وسلم كما قيل، فالمعنى من يتعدى حدود الله تعالى فقد عرض نفسه
~~للضرر فإنك لا تدري أيها المتعدي عاقبة الأمر لعل الله تعالى يحدث في
~~قلبك بعد ذلك الذي فعلت من التعدي أمرا يقتضي خلاف ما فعلته فيكون بدل
~~بغضها محبة وبدل الإعراض عنها إقبالا إليها، ولا يتسنى تلافيه برجعة أو
~~استئناف نكاح.

### || [65.2]

# { فإذا بلغن أجلهن } شارفن آخر عدتهن. { فأمسكوهن
~~} فراجعوهن { بمعروف } بحسن معاشرة وإنفاق مناسب للحال من الجانبين.
~~{ أو فارقوهن بمعروف } بإيفاء الحق واتقاء الضرار مثل أن
~~يراجعها ثم يطلقها تطويلا للعدة.

# { وأشهدوا ذوى عدل منكم } عند الرجعة إن اخترتموها أو
~~الفرقة إن اخترتموها تبريا عن الريبة وقطعا للنزاع، وهذا أمر ندب كما
~~في قوله تعالى:

# وأشهدوا إذا تبايعتم

# [البقرة: 282]، وقال الشافعي في القديم: إنه للوجوب في الرجعة، وزعم
~~الطبرسي أن الظاهر أنه أمر بالإشهاد على الطلاق وأنه مروي عن أئمة أهل
~~البيت رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وأنه للوجوب وشرط في صحة الطلاق.

# { وأقيموا الشهدة } أي أيها الشهود عند الحاجة { لله }
~~خالصا لوجهه تعالى. وفي الآية دليل على بطلان قول من قال: إنه إذا تعاطف
~~أمران لمأمورين يلزم ذكر النداء أو يقبح تركه نحو اضرب يا زيد وقم يا
~~عمرو، ومن خص جواز الترك بلا قبح باختلافهما كما في قوله تعالى:

# يوسف أعرض عن هذا واستغفرى لذنبك

# [يوسف: 29] فإن المأمور بقوله تعالى: / { اشهدوا } للمطلقين؛ وبقوله
~~سبحانه: { أقيموا الشهدة } كما أشرنا إليه، وقد تعاطف من غير
~~اختلاف في أفصح الكلام.

# { ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم
~~الأخر } أي لأنه المنتفع بذلك، والإشارة على ما اختاره صاحب «الكشاف»
~~إلى الحث على إقامة الشهادة لله تعالى، والأولى كما في «الكشف» أن يكون
~~إشارة إلى جميع ما مر من إيقاع الطلاق على وجه السنة وإحصاء العدة والكف
~~عن الإخراج والخروج وإقامة الشهادة للرجعة أو المفارقة ليكون أشد ملاءمة
~~لقوله عز وجل: { ومن يتق ms10662 الله يجعل له مخرجا }.

### || [65.3]

# { ويرزقه من حيث لا يحتسب } فإنه اعتراض بين
~~المتعاطفين جيء به لتأكيد ما سبق من الأحكام بالوعد على اتقاء الله تعالى
~~فيها، فالمعنى ومن يتق الله تعالى فطلق للسنة، ولم يضار المعتدة ولم
~~يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد يجعل له سبحانه مخرجا مما عسى أن يقع في
~~شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق؛ ويفرج عنه ما يعتريه من
~~الكروب، ويرزقه من وجه لا يخطر بباله ولا يحتسبه، وفي الأخبار عن بعض
~~أجلة الصحابة  كعلي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس في بعض الروايات عنه
~~ ما يؤيد بظاهره هذا الوجه، وجوز أن يكون اعتراضا جيء به على نهج
~~الاستطراد عند ذكر قوله تعالى:

# ذلك يوعظ به

# [الطلاق: 2] الخ، فالمعنى ومن يتق الله تعالى في كل ما يأتي وما يذر
~~يجعل له مخرجا من غموم الدنيا والآخرة وهو أولى لعموم الفائدة وتناوله
~~لما نحن فيه تناولا أوليا، ولاقتضاء أخبار في سبب النزول وغيره له، فقد
~~أخرج أبو يعلى وأبو نعيم والديلمي من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس قال:

# " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: { ومن يتق } الخ
~~فقال: مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة "

# ، وأخرج أحمد والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم «في المعرفة»
~~والبيهقي

# " عن أبي ذر قال: «جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو هذه الآية {
~~ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من
~~حيث لا يحتسب } [الطلاق: 2-3] فجعل يرددها حتى نعست ثم قال: يا
~~أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم "

# وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال:

# " جاء عوف بن مالك الأشجعي فقال: يا رسول الله إن ابني أسره العدو وجزعت
~~أمه فما تأمرني؟ قال: آمرك وإياها أن تستكثرا من قول لا حول ولا قوة إلا
~~بالله فقالت المرأة: نعم ما أمرك فجعلا يكثران منها فتغفل العدو
~~فاستاق غنمهم فجاء بها إلى ms10663 أبيه فنزلت { ومن يتق الله } » "

# الآية، وفي رواية ابن أبي حاتم عن محمد بن إسحق مولى آل قيس قال:

# " جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أسر
~~ابن عوف فقال له عليه الصلاة والسلام: أرسل إليه أن رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم يأمرك أن تكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله وكانوا قد شدوه
~~بالقد فسقط القد عنه فخرج فإذا هو بناقة لهم فركبها فإذا سرح للقوم
~~الذين كانوا شدوه فصاح بها فاتبع آخرها أولها فلم يفجأ أبويه إلا وهو
~~ينادي بالباب فأتى أبوه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فنزلت: {
~~ومن يتق الله } "

# الخ. وفي بعض الروايات أنه أصابه جهد وبلاء فشكا إلى رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فقال:

# " اتق الله واصبر فرجع ابنه وقد أصاب أعنزا فذكر ذلك للنبي عليه
~~الصلاة والسلام فنزلت فقال: هي لك "

# إلى غير ذلك مما هو مضطرب على ما لا يخفى على المتتبع، وعلى القول
~~بالاستطراد قيل: المعنى من يتق الحرام / يجعل له مخرجا إلى الحلال،
~~وقيل: { مخرجا } من الشدة إلى الرخاء، وقيل: من النار إلى الجنة.
~~وقيل: { مخرجا } من العقوبة { ويرزقه من حيث لا
~~يحتسب } من الثواب، وقال الكلبي: { من يتق الله } عند
~~المصيبة { يجعل له مخرجا } إلى الجنة، والكل كما ترى، والمعول
~~عليه العموم الذي سمعته.

# وفي «الكشف» إن تنويع الوعد للمتقي وتكرير الحث عليه بعد الدلالة على أن
~~التقوى ملاك الأمر عند الله تعالى ناط به سبحانه سعادة الدارين يدل على
~~أن أمر الطلاق والعدة من الأمور التي تحتاج إلى فضل تقوى لأنه أبغض
~~المباح إلى الله عز وجل لما يتضمن من الإيحاش وقطع الألفة الممهدة، ثم
~~الاحتياط في أمر النسب الذي هو من جلة المقاصد يؤذن بالتشديد في أمر
~~العدة فلا بد من التقوى ليقع الطلاق على وجه يحمد عليه، ويحتاط في العدة
~~ما يجب فهنالك يحصل للزوجين المخرج في الدنيا والآخرة، وعليه فالزوجة
~~داخلة في العموم كالزوج. ms10664

# { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } أي كافيه عز وجل
~~في جميع أموره. وأخرج أحمد في «الزهد» عن وهب قال:

# " يقول الرب تبارك وتعالى: إذا توكل علي عبدي لو كادته السماوات والأرض
~~جعلت له من بين ذلك المخرج "

# { إن الله بلغ أمره } بإضافة الوصف إلى مفعوله والأصل
~~بالغ أمره بالنصب  كما قرأ به الأكثرون  أي يبلغ ما يريده عز وجل ولا
~~يفوته مراد.

# وقرأ ابن أبي عبلة في رواية وداود بن أبي هند وعصمة عن أبي عمرو 
~~بالغ  بالرفع منونا { أمره } بالرفع على أنه فاعل  بالغ  الخبر  لإن
~~ أو مبتدأ، و { بلغ } خبر مقدم له، والجملة خبر { إن } أي نافذ
~~أمره عز وجل، وقرأ المفضل في رواية أيضا (بالغا) بالنصب { أمره }
~~بالرفع، وخرج ذلك على أن بالغا حال من فاعل { جعل } في قوله تعالى: {
~~قد جعل الله لكل شىء قدرا } لا من المبتدأ لأنهم لا
~~يرتضون مجيء الحال منه، وجملة { قد جعل } الخ خبر { إن } ، وجوز أن
~~يكون بالغا هو الخبر على لغة من ينصب الجزأين  بإن  كما في قوله:

# إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن

# خطاك خفافا (إن) حراسنا أسدا

# وتعقب بأنها لغة ضعيفة. ومعنى { قدرا } تقديرا، والمراد تقديره قبل
~~وجوده، أو مقدارا من الزمان، وهذا بيان لوجوب التوكل عليه تعالى وتفويض
~~الأمر إليه عز وجل لأنه إذا علم أن كل شيء من الرزق وغيره لا يكون إلا
~~بتقديره تعالى لا يبقى إلا التسليم للقدر. وفيه على ما قيل: تقرير لما
~~تقدم من تأقيت الطلاق والأمر بإحصاء العدة وتمهيد لما سيأتي إن شاء الله
~~تعالى من مقاديرها.

# وقرأ جناح بن حبيش { قدرا } بفتح الدال.

### || [65.4]

# { واللائى يئسن من المحيض } أي المحيض وقرىء  ييأسن 
~~مضارعا { من نسائكم } لكبرهن، وقد قدر بعضهم سن اليأس بستين سنة،
~~وبعضهم بخمس وخمسين، وقيل: هو غالب سن يأس عشيرة المرأة، وقيل غالب سن
~~يأس النساء في مكانها التي هي فيه فإن المكان إذا كان طيب الهواء والماء
~~ كبعض الصحاري  يبطىء فيه سن اليأس، وقيل: أقصى ms10665 عادة امرأة في العالم،
~~وهذا القول بالغ درجة اليأس من أن يقبل.

# { إن ارتبتم } أي إن شككتم وترددتم في عدتهن، أو إن جهلتم عدتهن
~~{ فعدتهن ثلثة أشهر } أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في
~~«سننه» وجماعة عن أبي بن كعب / أن ناسا من أهل المدينة لما نزلت هذه
~~الآية التي في البقرة في عدة النساء قالوا: لقد بقي من عدة النساء عدد لم
~~تذكر في القرآن: الصغار والكبار اللاتي قد انقطع عنهن الحيض وذوات الحمل،
~~فأنزل الله تعالى في سورة النساء القصرى { واللائى يئسن } الآية،
~~وفي رواية أن قوما منهم أبي بن كعب وخلاد بن النعمان لما سمعوا قوله
~~تعالى:

# والمطلقت يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء

# [البقرة: 228] قالوا: يا رسول الله فما عدة من لا قرء لها من صغر أو
~~كبر؟ فنزل { واللائى يئسن } الخ، فقال قائل: فما عدة الحامل؟
~~فنزل { وأولت الأحمال } الخ. ويعلم مما ذكر أن الشرط هنا لا
~~مفهوم له عند القائلين بالمفهوم، لأنه بيان للواقعة التي نزل فيها من غير
~~قصد للتقييد، وتقدير متعلق الارتياب ما سمعت هو ما أشار إليه الطبري
~~وغيره، وقيل: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض أو استحاضة
~~فعدتهن الخ، وإذا كانت هذه عدة المرتاب بها فغير المرتاب بها أولى بذلك،
~~وقال الزجاج: المعنى إن ارتبتم في حيضهن وقد انقطع عنهن الدم وكن ممن
~~يحيض مثلهن، وقال مجاهد: الآية واردة في المستحاضة أطبق بها الدم لا تدري
~~أهو دم حيض أو دم علة، وقيل: { إن ارتبتم } أي إن تيقنتم إياسهن،
~~والارتياب من الأضداد والكل كما ترى.

# والموصول قالوا: إنه مبتدأ خبره جملة { فعدتهن } الخ، { وإن
~~ارتبتم } شرط جوابه محذوف تقديره فاعلموا أنها ثلاثة أشهر، والشرط
~~وجوابه جملة معترضة، وجوز كون { فعدتهن } الخ جواب الشرط باعتبار
~~الإعلام والإخبار كما في قوله تعالى:

# وما بكم من نعمة فمن الله

# [النحل: 53] والجملة الشرطية خبر من غير حذف وتقدير.

# وقوله تعالى: { واللتي لم يحضن } مبتدأ خبره محذوف أي
~~واللائي لم يحضن كذلك أو عدتهن ثلاثة ms10666 أشهر، والجملة معطوفة على ما قبلها،
~~وجوز عطف هذا الموصول على الموصول السابق وجعل الخبر لهما من غير تقدير،
~~والمراد  باللائي لم يحضن  الصغار اللائي لم يبلغن سن الحيض.

# واستظهر أبو حيان شموله من لم يحضن لصغر ومن لا يكون لهن حيض البتة كبعض
~~النساء يعشن إلى أن يمتن ولا يحضن، ومن أتى عليها زمان الحيض وما بلغت به
~~ولم تحض، ثم قال: وقيل: هذه تعتد سنة.

# { وأولت الأحمال أجلهن } أي منتهى عدتهن { أن
~~يضعن حملهن } ولو نحو مضغة وعلقة، ولا فرق في ذلك بين أن يكن
~~مطلقات أو متوفى عنهن أزواجهن كما روي عن عمر وابنه، فقد أخرج مالك
~~والشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عمر أنه سئل عن
~~المرأة يتوفى عنها زوجها وهي حامل فقال: إذا وضعت حملها فقد حلت فأخبره
~~رجل من الأنصار أن عمر بن الخطاب قال: لو ولدت وزوجها على سريره لم يدفن
~~لحلت، وعن ابن مسعود فقد أخرج عنه أبو داود والنسائي وابن ماجه أنه قال:
~~من شاء لاعنته أن الآية التي في سورة النساء القصرى { وأولت
~~الأحمال } الخ نزلت بعد سورة البقرة بكذا وكذا شهرا وكل مطلقة أو
~~متوفى عنها زوجها فأجلها أن تضع حملها، وفي رواية ابن مردويه عن أبي
~~سعيد الخدري بسبع سنين ولعله لا يصح، وعن أبي هريرة وأبي مسعود البدري
~~وعائشة وإليه ذهب فقهاء الأمصار وروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم، أخرج عبد بن حميد في «زوائد المسند» وأبو يعلى والضياء في
~~«المختارة» وابن مردويه عن أبي بن كعب قال: قلت للنبي صلى الله عليه
~~وسلم: { وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن
~~} أهي المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها؟ قال:

# " هي المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها "

# وروى جماعة نحوه / عنه من وجه آخر، وصح أن سبيعة بنت الحرث الأسلمية
~~كانت تحت سعد بن خولة فتوفى عنها في حجة الوداع وهي حامل فوضعت بعد وفاته
~~بثلاثة وعشرين يوما، وفي رواية بخمس وعشرين ليلة، وفي أخرى بأربعين ms10667 ليلة
~~فاختضبت وتكحلت وتزينت تريد النكاح فأنكر ذلك عليها فسئل النبي صلى الله
~~عليه وسلم فقال:

# " إن تفعل فقد خلا أجلها "

# وذهب علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلى أن
~~الآية في المطلقات، وأما المتوفى عنها زوجها فعدتها آخر الأجلين، وهو
~~مذهب الإمامية كما في «مجمع البيان». وعلى ما تقدم فالآية ناسخة لقوله
~~تعالى:

# والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا يتربصن

# [البقرة: 234] الآية على رأي أصحاب أبي حنيفة ومن وافقهم من الشافعية
~~لأن العام المطلق المتأخر ناسخ عندهم فأولى أن يكون العام من وجه كذلك،
~~وأما من لم يذهب إليه فمن لم يجوز تأخير بيان العام قال بالنسخ أيضا لأن
~~العام الأول حينئذ مراد تناوله لأفراده، وفي مثله لا خلاف في أن الخاص
~~المتراخي ناسخ بقدره لا مخصص، ومن جوز ذهب إلى التخصيص بناءا على أن
~~التي في القصرى أخص مطلقا، ووجهه أنه ذكر في البقرة حكم المطلقات من
~~النساء وحكم المتوفى عنهن الأزواج على التفريق، ثم وردت هذه مخصصة في
~~البابين لشمول لفظ الأجل العدتين، وخصوص  أولات الأحمال  مطلقا
~~بالنسبة إلى الأزواج، وهذا كما يقول القائل: هندية الموالي لهم كذا
~~وتركيتهم لهم كذا لجنس آخر، ثم يقول: والكهول منهم لهم دون ذلك أو فوقه
~~أو كذا مريدا صنفا آخر يكون الأخير مخصصا للحكمين، ولا نظر إلى اختلاف
~~العطايا لشمول اللفظ الدال على الاختصاص وخصوص الكهول من الموالي مطلقا
~~كذلك فيما نحن فيه لا نظر إلى اختلاف العدتين لشمول لفظ الأجل، وخصوص 
~~أولات الأحمال  بالنسبة إلى الأزواج مطلقا، وإن شئت فقل: بالنسبة إلى
~~المطلقات والمتوفى عنهن رجالهن مطلقا فلا فرق  قاله في «الكشف»  ثم
~~قال: ومن ذهب إلى أبعد الأجلين احتج بأن النصين متعاضدان لأن بينهما
~~عموما وخصوصا من وجه ولا وجه للإلغاء فيلزم الجمع، وفي القول بذلك يحصل
~~الجمع لأن مدة الحمل إذا زادت فقد تربصت أربعة أشهر وعشرا مع الزيادة
~~وإن قصرت وتربصت المدة فقد وضعت وتربصت فيحصل العمل بمقتضى الآيتين،
~~والجواب أنه إلغاء ms10668 للنصين لا جمع إذ المعتبر الجمع بين النصين لا بين
~~المدتين وذلك لفوات الحصر والتوقيت الذي هو مقتضى الآيتين اه فتدبر.

# وقرأ الضحاك  أحمالهن  جمعا.

# { ومن يتق الله } في شأن أحكامه تعالى ومراعاة حقوقها {
~~يجعل له من أمره يسرا } بأن يسهل عز وجل أمره عليه، وقيل:
~~اليسر الثواب { ومن } قيل: للبيان قدم على المبين للفاصلة، وقيل:
~~بمعنى في، وقيل: تعليلية.

### || [65.5]

# { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من الأحكام، وما فيه من معنى البعد للإيذان
~~ببعد المنزلة في الفضل. وإفراد الكاف  مع أن الخطاب للجمع كما يفصح عنه
~~قوله تعالى: { أمر الله أنزله إليكم }  لما أنها لمجرد
~~الفرق بين الحاضر والمنقضي لا لتعيين خصوصية المخاطبين.

# { ومن يتق الله } بالمحافظة على أحكامه عز وجل { يكفر
~~عنه سيئته } فإن الحسنات يذهبن السيآت { ويعظم له
~~أجرا } بالمضاعفة. وقرأ الأعمش  نعظم  بالنون التفاتا من الغيبة
~~إلى التكلم، وقرأ ابن مقسم  يعظم  بالياء والتشديد مضارع عظم مشددا.

### || [65.6]

# وقوله تعالى: { أسكنوهن من حيث سكنتم } استئناف وقع
~~جوابا عن سؤال نشأ / مما قبله من الحث على التقوى كأنه قيل: كيف نعمل
~~بالتقوى في شأن المعتدات؟ فقيل: { أسكنوهن } الخ. و { من }
~~للتبعيض أي أسكنوهن بعض مكان سكناكم، ولتسكن إذا لم يكن إلا بيت واحد في
~~بعض نواحيه كما روي عن قتادة، وقال الحوفي وأبو البقاء: هي لابتداء
~~الغاية. وقوله تعالى: { من وجدكم } أي من وسعكم أي مما تطيقونه عطف
~~بيان لقوله تعالى: { من حيث سكنتم } على ما قاله الزمخشري، ورده
~~أبو حيان بأن لا يعرف عطف بيان يعاد فيه العامل إنما هذا طريقة البدل مع
~~حرف الجر ولذلك أعربه أبو البقاء بدلا. وتعقب بأن المراد أن الجار
~~والمجرور عطف بيان للجار والمجرور لا المجرور فقط حتى يقال ذلك مع أنه لا
~~يبرد له بسلامة الأمير وأنه لا فرق بين عطف البيان والبدل إلا في أمر
~~يسير، ولا يخفى قوة كلام أبي حيان.

# وقرأ الحسن والأعرج وابن أبي عبلة وأبو حيوة { من وجدكم } بفتح الواو،
~~وقرأ الفياض بن غزوان ms10669 وعمرو بن ميمون ويعقوب بكسرها  وذكرها المهدوي عن
~~الأعرج  والمعنى في الكل الوسع.

# { ولا تضاروهن } ولا تستعملوا معهن الضرار في السكنى {
~~لتضيقوا عليهن } فتلجئوهن إلى الخروج بشغل المكان أو بإسكان
~~من لا يردن السكنى معه ونحو ذلك.

# { وإن كن } أي المطلقات { أولت حمل فأنفقوا
~~عليهن حتى يضعن حملهن } فيخرجن عن العدة، وأما
~~المتوفى عنهن أزواجهن فلا نفقة لهن عند أكثر العلماء، وعن علي كرم الله
~~تعالى وجهه وابن مسعود تجب نفقتهن في التركة، ولا خلاف في وجوب سكنى
~~المطلقات أولات الحمل ونفقتهن بت الطلاق أو لم يبت. واختلف في المطلقات
~~اللاتي لسن أولات حمل بعد الاتفاق على وجوب السكنى لهن إذا لم يكن
~~مبتوتات، فقال ابن المسيب وسليمان بن يسار وعطاء والشعبي والحسن ومالك
~~والأوزاعي وابن أبي ليلى والشافعي وأبو عبيدة: للمطلقة الحائل المبتوتة
~~السكنى ولا نفقة لها، وقال الحسن وحماد وأحمد وإسحاق وأبو ثور والإمامية:
~~لا سكنى لها ولا نفقة لحديث فاطمة بنت قيس قالت: طلقني زوجي أبو عمرو بن
~~حفص بن المغيرة المخزومي البتة فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~في السكنى والنفقة فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة وأمرني أن أعتد في بيت ابن
~~أم مكتوم ثم أنكحني أسامة بن زيد، وقال أبو حنيفة والثوري: لها السكنى
~~والنفقة فهما عنده لكل مطلقة لم تكن ذات حمل، ودليله

# " أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~يقول في المبتوتة: «لها النفقة والسكنى» "

# مع أن ذلك جزاء الاحتباس وهو مشترك بين الحائل والحامل، ولو كان جزاءا
~~للحمل لوجب في ماله إذا كان له مال ولم يقولوا به. ويؤيد ذلك قراءة ابن
~~مسعود  أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم  ومن خص الإنفاق
~~بالمعتدات أولات الحمل استدل بهذه الآية لمكان الشرط فيها وهو لا يتم على
~~النافين لمفهوم المخالفة مع أن فائدة الشرط ههنا أن الحامل قد يتوهم
~~أنها لا نفقة لها لطول مدة الحمل فأثبت لها النفقة ليعلم غيرها بالطريق ms10670
~~الأولى  كما في «الكشاف»  فهو من مفهوم الموافقة، وحديث فاطمة بنت قيس
~~قد طعن فيه عمر وعائشة وسليمان بن يسار والأسود بن يزيد وأبو سلمة بن عبد
~~الرحمن وغيرهم.

# { فإن أرضعن لكم } أي بعد أن يضعن حملهن { فئاتوهن
~~أجورهن } على الإرضاع { وأتمروا بينكم بمعروف }
~~خطاب للآباء والأمهات، والافتعال بمعنى التفاعل، يقال: ائتمر القوم
~~وتآمروا بمعنى، قال الكسائي: والمعنى تشاوروا. وحقيقته / ليأمر بعضكم
~~بعضا بمعروف أي جميل في الأجرة والإرضاع ولا يكن من الأب مماكسة ولا من
~~الأم معاسرة، وقيل: المعروف الكسوة والدثار.

# { وإن تعاسرتم } أي تضايقتم أي ضيق بعضكم على الآخر بالمشاحة في
~~الأجرة أو طلب الزيادة أو نحو ذلك { فسترضع له أخرى } أي
~~فستوجد ولا تعوز مرضعة أخرى. وفيه على ما قيل: معاتبة للأم لأنه كقولك
~~لمن تستقضيه حاجة فتتعذر منه: سيقضيها غيرك أي ستقضي وأنت ملوم. ((وخص
~~الأم بالمعاتبة - على ما قال ابن المنير لأن المبذول من جهتها هو لبنها
~~لولدها وهو غير متمول ولا مضمون به في العرف وخصوصا من الأم على الولد،
~~ولا كذلك المبذول من جهة الأب فإنه المال المضنون به عادة، فالأم إذن
~~أجدر باللوم وأحق بالعتب))، والكلام على معنى فليطلب له الأب مرضعة أخرى
~~فيظهر الارتباط بين الشرط والجزاء. وقال بعض الأجلة: إن الكلام لا يخلو
~~عن معاتبة الأب أيضا حيث أسقط في الجواب عن حيز شرف الخطاب مع الإشارة
~~إلى أنه إذا ضايق الأم في الأجر فامتنعت من الإرضاع لذلك فلا بد من إرضاع
~~امرأة أخرى، وهي أيضا تطلب الأجر في الأغلب والأم أشفق فهي به أولى،
~~وبذلك يظهر كمال الارتباط، والأول أظهر فتدبر. وقيل: { فسترضع }
~~خبر بمعنى الأمر أي فلترضع، وليس بذاك، وهذا الحكم إذا قبل الرضيع ثدي
~~أخرى أما إذا لم يقبل إلا ثدي أمه فقد قالوا: تجبر على الإرضاع بأجرة
~~مثلها.

### || [65.7]

# { لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر } أي ضيق {
~~فلينفق ممآ آتاه الله } وإن قل، والمراد لينفق كل واحد من
~~الموسر والمعسر ما يبلغه وسعه. والظاهر أن ms10671 المأمور بالإنفاق الآباء، ومن
~~هنا قال ابن العربي: ((هذه الآية أصل في وجوب النفقة على الأب، وخالف في
~~ذلك محمد بن المواز فقال بوجوبها على الأبوين على قدر الميراث))، وحكى
~~أبو معاذ أنه قرىء { لينفق } بلام كي ونصب القاف على أن التقدير
~~شرعنا ذلك لينفق. وقرأ ابن أبي عبلة { قدر } مشدد الدال.

# { لا يكلف الله نفسا إلا ما ما ءاتها } أي إلا بقدر ما
~~أعطاها من الطاقة، وقيل: ما أعطاها من الأرزاق قل أو جل، وفيه تطييب
~~واستمالة لقلب المعسر لمكان عبارة { ءاتها } الخاصة بالإعسار قبل وذكر
~~العسر بعد. واستدل بالآية من قال لا فسخ بالعجز عن الإنفاق على الزوجة،
~~وهو ما ذهب إليه عمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة وجماعة، وعن أبي هريرة
~~والحسن وابن المسيب ومالك والشافعي وأحمد وإسحق يفسخ النكاح بالعجز عن
~~الإنفاق ويفرق بين الزوجين. وفيها على ما قال السيوطي: استحباب مراعاة
~~الإنسان حال نفسه في النفقة والصدقة، ففي الحديث

# " إن المؤمن أخذ عن الله تعالى أدبا حسنا إذا هو سبحانه وسع عليه وسع
~~وإذا هو عز وجل قتر عليه قتر "

# وقوله تعالى: { سيجعل الله بعد عسر يسرا } موعد لفقراء
~~ذلك الوقت بفتح أبواب الرزق عليهم، أو لفقراء الأزواج إن أنفقوا ما قدروا
~~عليه ولم يقصروا، وهو على الوجهين تذييل إلا أنه على الأول مستقل، وعلى
~~الثاني غير مستقل.

### || [65.8]

# { وكأين من قرية } أي كثير من أهل قرية. وقرأ ابن كثير  وكائن
~~ بالمد والهمزة، وتفصيل الكلام فيها قد مر { عتت } تجبرت وتكبرت
~~معرضة { عن أمر ربها ورسله } فلم تمتثل ذلك {
~~فحاسبنها حسابا شديدا } بالاستقصاء والتنقير والمناقشة /
~~في كل نقير من الذنوب وقطمير { وعذبنها عذابا نكرا } أي
~~منكرا عظيما، والمراد حساب الآخرة وعذابها، والتعبير عنهما بلفظ الماضي
~~للدلالة على تحققهما كما في قوله تعالى:

# ونفخ فى الصور

# [الكهف: 99]. وقرأ غير واحد { نكرا } بضمتين.

### || [65.9]

# { فذاقت وبال أمرها } عقوبة عتوها { وكان عقبة
~~أمرها خسرا } هائلا لا خسر وراءه.

### || [65.10]

# { أعد الله لهم عذابا شديدا } تكرير للوعيد وبيان لما ms10672
~~يوجب التقوى المأمور بها بقوله تعالى: { فاتقوا الله يأولى
~~الألبب } كأنه قيل: أعد الله تعالى لهم هذا العذاب فليكن لكم ذلك
~~يا أولى الألباب داعيا لتقوى الله تعالى وحذر عقابه، وقال الكلبي:
~~الكلام على التقديم والتأخير، والمراد فعذبناها عذابا نكرا في الدنيا
~~بالجوع والقحط والسيف وسائر المصائب والبلايا وحاسبناها حسابا شديدا في
~~الآخرة. والظاهر أن قوله تعالى: { أعد } الخ عليه تكرير للوعيد
~~أيضا، وجوز أن يراد بالحساب الشديد استقصاء ذنوبهم وإثباتها في صحائف
~~الحفظة، وبالعذاب النكر ما أصابهم عاجلا، وتجعل جملة

# عتت

# [الطلاق: 8] الخ صفة لقرية، والماضي في { فحاسبنها } و {
~~عذبنها } على الحقيقة، وخبر { كأين } جملة { أعد الله }
~~الخ، أو تجعل جملة { عتت } الخ هي الخبر، وجملة { أعد الله }
~~الخ استئناف لبيان أن عذابهم غير منحصر فيما ذكر بل لهم بعده عذاب شديد.

# وقوله تعالى: { الذين ءامنوا } منصوب بإضمار أعني بيانا للمنادى
~~السابق أو نعت له أو عطف بيان، وفي إبداله منه ضعف لعدم صحة حلوله محله.

# { قد أنزل الله إليكم ذكرا } هو النبي صلى الله عليه
~~وسلم عبر به عنه لمواظبته عليه الصلاة والسلام على تلاوة القرآن الذي هو
~~ذكر، أو تبليغه والتذكير به.

### || [65.11]

# وقوله تعالى: { رسولا } بدلا منه؛ وعبر عن إرساله بالإنزال ترشيحا
~~للمجاز، أو لأن الإرسال مسبب عنه فيكون

# أنزل

# [الطلاق: 10] مجازا مرسلا، وقال أبو حيان: الظاهر أن الذكر هو القرآن،
~~والرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم فإما أن يجعل نفس الذكر مجازا أو
~~يكون بدلا على حذف مضاف أي ذكر رسول، وقيل: هو نعت على حذف ذلك أي ذا
~~رسول، وقيل: المضاف محذوف من الأول أي ذا ذكر رسولا فيكون { رسولا }
~~نعتا لذلك المحذوف أو بدلا، وقيل: { رسولا } منصوب بمقدر مثل أرسل
~~رسولا دل عليه { أنزل } ، ونحا إلى هذا السدي واختاره ابن عطية، وقال
~~الزجاج وأبو علي: يجوز أن يكون معمولا للمصدر الذي هو ذكر كما في قوله
~~تعالى:

# أو إطعام فى يوم ذى مسغبة * يتيما

# [البلد: 14-15]، وقول الشاعر:

# بضرب بالسيوف رؤوس قوم ms10673

# أزلنا هامهن عن المقيل

# أي أنزل الله تعالى ذكره رسولا على معنى أنزل الله عز وجل ما يدل على
~~كرامته عنده وزلفاه. ويراد به على ما قيل: القرآن وفيه تعسف، ومثله جعل {
~~رسولا } بدلا منه على أنه بمعنى الرسالة، وقال الكلبي: الرسول ههنا
~~جبريل عليه السلام، وجعل بدلا أيضا من

# ذكرا

# [الطلاق: 10] وإطلاق الذكر عليه لكثرة ذكره فهو من الوصف بالمصدر مبالغة
~~ كرجل عدل  أو لنزوله بالذكر وهو القرآن، فبينهما ملابسة نحو الحلول،
~~أو لأنه عليه السلام مذكور في السماوات وفي الأمم، فالمصدر بمعنى المفعول
~~كما في درهم ضرب الأمير، وقد يفسر الذكر حينئذ بالشرف كما في قوله تعالى:

# وإنه لذكر لك ولقومك

# [الزخرف: 44] فيكون كأنه في نفسه شرف إما لأنه شرف للمنزل عليه، وإما
~~لأنه ذو مجد وشرف عند الله عز وجل كقوله تعالى:

# عند ذى العرش مكين

# [التكوير: 20] / وفي «الكشف» إذا أريد بالذكر القرآن وبالرسول جبريل
~~عليه السلام يكون البدل بدل اشتمال، وإذا أريد بالذكر الشرف وغيره يكون
~~من بدل الكل فتدبر.

# وقرىء (رسول) على إضمار هو.

# وقوله تعالى: { يتلوا عليكم ءايت الله مبينت }
~~نعت  لرسولا  وهو الظاهر، وقيل: حال من اسم { الله } تعالى، ونسبة
~~التلاوة إليه سبحانه مجازية كبني الأمير المدينة، و { ءايت الله }
~~القرآن، وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر على أحد الأوجه، و { مبينت
~~} حال منها أي حال كونها مبينات لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام. وقرىء {
~~مبينت } أي بينها الله تعالى كقوله سبحانه:

# قد بينا لكم الأيت

# [آل عمران: 118].

# واللام في قوله تعالى: { ليخرج الذين ءامنوا وعملوا
~~الصلحت من الظلمت إلى النور } متعلق  بأنزل  أو
~~ بيتلو  وفاعل يخرج على الثاني ضمير الرسول عليه الصلاة والسلام أو
~~ضميره عز وجل.

# والمراد بالموصول المؤمنون بعد إنزال الذكر وقبل نزول هذه الآية؛ أو من
~~علم سبحانه وقدر أنه سيؤمن أي ليحصل لهم الرسول أو الله عز وجل ماهم عليه
~~الآن من الإيمان والعمل الصالح، أو ليخرج من علم وقدر أنه يؤمن من أنواع
~~الضلالات إلى الهدى، فالمضي إما ms10674 بالنظر لنزول هذه الآية أو باعتبار علمه
~~تعالى وتقديره سبحانه الأزلي.

# { ومن يؤمن بالله ويعمل صلحا } حسبما بين في تضاعيف
~~ما أنزل من الآيات المبينات { يدخله جنت تجري من
~~تحتها الأنهر } وقرأ نافع وابن عامر  ندخله  بنون العظمة.
~~وقوله تعالى: { خلدين فيها أبدا } حال من مفعول { يدخله
~~} والجمع باعتبار معنى من كما أن الإفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار
~~لفظها، وقوله تعالى: { قد أحسن الله له رزقا } حال أخرى
~~منه أو من الضمير في { خلدين } بطريق التداخل، وإفراد ضمير { له
~~} باعتبار اللفظ أيضا، وفيه معنى التعجيب والتعظيم لما رزقه الله تعالى
~~المؤمنين من الثواب وإلا لم يكن في الإخبار بما ذكر ههنا كثير فائدة كما
~~لا يخفى.

# واستدل أكثر النحويين بهذه الآية على جواز مراعاة اللفظ أولا ثم مراعات
~~المعنى ثم مراعات اللفظ، وزعم بعضهم أن ما فيها ليس كما ذكر لأن الضمير
~~في { خلدين } ليس عائدا على (من) كالضمائر قبل، وإنما هو عائد على
~~مفعول  يدخل  و { خلدين } حال منه، والعامل فيها  يدخل  لا فعل
~~الشرط وهو كما ترى.

### || [65.12]

# { الله الذى خلق سبع سموات } مبتدأ وخبر { ومن
~~الأرض مثلهن } أي وخلق من الأرض مثلهن، على أن { مثلهن }
~~مفعول لفعل محذوف، والجملة عطف على الجملة قبلها، وقيل: { مثلهن }
~~عطف على { سبع سموات } ، وإليه ذهب الزمخشري، وفيه الفصل بالجار
~~والمجرور بين حرف العطف والمعطوف وهو مختص بالضرورة عند أبي علي
~~الفارسي. وقرأ المفضل عن عاصم وعصمة عن أبي بكر { مثلهن } بالرفع
~~على الابتداء { ومن الأرض } الخبر.

# والمثلية تصدق بالاشتراك في بعض الأوصاف، فقال الجمهور: هي ههنا في
~~كونها سبعا وكونها طباقا بعضها فوق بعض بين كل أرض وأرض مسافة كما بين
~~السماء والأرض وفي كل أرض سكان من خلق الله عز وجل لا يعلم حقيقتهم إلا
~~الله تعالى، وعن ابن عباس أنهم إما ملائكة أو جن، وأخرج ابن جرير وابن
~~أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في «شعب الإيمان» وفي «الأسماء
~~والصفات» من طريق أبي الضحى / عنه أنه قال في الآية: سبع ms10675 أرضين في كل
~~أرض نبي كنبيكم وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى، قال
~~الذهبي: إسناده صحيح ولكنه شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعا.
~~وذكر أبو حيان في «البحر» نحوه عن الحبر وقال: هذا حديث لا شك في وضعه
~~وهو من رواية الواقدي الكذاب. وأقول لا مانع عقلا ولا شرعا من صحته،
~~والمراد أن في كل أرض خلقا يرجعون إلى أصل واحد رجوع بني آدم في أرضنا
~~إلى آدم عليه السلام، وفيه أفراد ممتازون على سائرهم كنوح وإبراهيم
~~وغيرهما فينا.

# وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عمر مرفوعا

# " إن بين كل أرض والتي تليها خمسمائة عام والعليا منها على ظهر حوت قد
~~التقى طرفاه في السماء والحوت على صخرة والصخرة بيد ملك والثانية مسجن
~~الريح والثالثة فيها حجارة جهنم والرابعة فيها كبريتها والخامسة فيها
~~حياتها والسادسة فيها عقاربها والسابعة فيها سقر وفيها إبليس مصفد
~~بالحديد يد أمامه ويد خلفه يطلقه الله تعالى لمن يشاء "

# ، وهو حديث منكر كما قال الذهبي لا يعول عليه أصلا فلا تغتر بتصحيح
~~الحاكم، ومثله في ذلك أخبار كثيرة في هذا الباب لولا خوف الملل لذكرناها
~~لك، لكن كون ما بين كل أرضين خمسمائة سنة كما بين كل سماءين جاء في أخبار
~~معتبرة كما روى الإمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة قال:

# " بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه قال: هل تدرون ما
~~فوقكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف،
~~قال: هل تدرون ما بينكم وبينها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: بينكم
~~وبينها خمسمائة عام، ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله
~~أعلم، قال: سماء وإن بعد ما بينهما خمسمائة سنة؛ ثم قال كذلك حتى عد
~~سبع سموات ما بين كل سماءين ما بين السماء والأرض، ثم قال: هل تدرون ما
~~فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: وإن فوق ذلك العرش بينه وبين
~~السماء بعد ما بين السماءين، ثم قال: هل ms10676 تدرون ما تحتكم؟ قالوا: الله
~~ورسوله أعلم، قال: إنها الأرض، ثم قال: هل تدرون ما تحت ذلك؟ قالوا: الله
~~ورسوله أعلم، قال: إن تحتها أرضا أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عد
~~صلى الله عليه وسلم سبع أرضين ما بين كل أرضين خمسمائة سنة "

# والأخبار في تقدير المسافة بما ذكر بين كل سماءين أكثر من الأخبار في
~~تقديرها بين كل أرضين وأصح، ومنها ما هو مذكور في «صحيح البخاري» وغيره
~~من «الصحاح»، وفيها أيضا أن ثخن كل سماء خمسمائة عام فقول الرازي في ذلك
~~إنه غير معتبر عند أهل التحقيق كلام لا يخفى بشاعته على من سلك من السنة
~~أقوم طريق، نعم ما حكاه من أن السماء الأولى موج مكفوف والثانية صخر
~~والثالثة حديد والرابعة نحاس والخامسة فضة والسادسة ذهب والسابعة ياقوت
~~ليس بمعتبر أصلا ولم يرد بما تضمنه من التفصيل خبر صحيح لكن في قوله:
~~إنه مما يأباه العقل إن أراد به نفي الإمكان عقلا منع ظاهر.

# وقال الضحاك: هي في كونها سبعا بعضها فوق بعض لا في كونها كذلك مع وجود
~~مسافة بين أرض وأرض، واختاره بعضهم زاعما أن المراد بهاتيك السبع طبقة
~~التراب الصرفة المجاورة للمركز والطبقة الطينية والطبقة المعدنية التي
~~يتكون فيها المعادن والطبقة الممتزجة بغيرها المنكشفة التي هي مسكن
~~الإنسان ونحوه من الحيوان وفيها ينبت النبات وطبقة الأدخنة والطبقة
~~الزمهريرية وطبقة النسيم الرقيق جدا، ولا يخفى أنه أشبه شيء بالهذيان،
~~ومثله ما يزعمه بعض الناظرين في كتب العلوم المسماة بالحكمة الجديدة من
~~أن الأرض انفصلت بسبب بعض الحوادث / من بعض الأجرام العلوية صغيرة ثم
~~تكونت فوقها طبقة وهكذا حتى صار المجموع سبعا، وزعم أنهم شاهدوا بين كل
~~طبقة وطبقة آثارا من مخلوقات مختلفة.

# وقال أبو صالح: هي في كونها سبعا لا غير فهي سبع أرضين منبسطة ليس
~~بعضها فوق بعض يفرق بينها البحار، ويظل جميعها السماء، وروي ذلك عن ابن
~~عباس، فالنسبة بين أرض وأرض على هذا نحو نسبة أمريقا إلى آسيا أو أوروبا
~~أو ms10677 أفريقيا لكن قيل: إن تلك البحار الفارقة لا يمكن قطعها. وقيل: من
~~الأقاليم السبعة وهي مختلفة الحرارة والبرودة والليل والنهار إلى أمور
~~أخر، واختاره بعضهم ولا أظنه شيئا لأن المتبادر اعتبار انفصال أرض عن
~~أرض انفصالا حقيقيا في المثلية، وقيل: المثلية في الخلق لا في العدد
~~ولا في غيره فهي أرض واحدة مخلوفة كالسماوات السبع، وأيد بأن الأرض لم
~~تذكر في القرآن إلا موحدة، ورد بأنه قد صح من رواية البخاري وغيره

# " اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن "

# الحديث، وكذا صح

# " من غصب قيد شبر من أرض طوقه من سبع أرضين "

# وأصح الأقوال  كما قال القرطبي  قول الجمهور السابق، وعليه اختلف في
~~مشاهدة أهل ما عدا هذه الأرض السماء واستمدادهم الضوء منها فقيل: إنهم
~~يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم ويستمدون الضياء منها. وقيل: إنهم لا
~~يشاهدون السماء وإن الله عز وجل خلق لهم ضياءا يشاهدونه، وروى الإمامية
~~عن بعض الأئمة نحوا مما قاله الجمهور، أخرج العياشي بإسناده عن الحسين
~~بن خالد عن أبي الحسن الرضا رضي الله تعالى عنه قال: بسط كفه اليسرى ثم
~~وضع اليمنى عليها فقال: هذه الأرض الدنيا والسماء الدنيا عليها قبة،
~~والأرض الثانية فوق السماء الدنيا والسماء الثانية فوقها قبة، والأرض
~~الثالثة فوق السماء الثانية والسماء الثالثة فوقها قبة حتى ذكر الرابعة
~~والخامسة والسادسة فقال: والأرض السابعة فوق السماء السادسة والسماء
~~السابعة فوقها قبة وعرش الرحمن فوق السماء السابعة، وهو قوله تعالى: {
~~سبع سموات ومن الأرض مثلهن } الخ.

# وأنا أقول بنحو ما قاله الجمهور راجيا العصمة ممن على محور إرادته تدور
~~أفلاك الأمور: هي سبع أرضين بين كل أرض وأرض منها مسافة عظيمة، وفي كل
~~أرض خلق لا يعلم حقيقتهم إلا الله عز وجل ولهم ضياء يستضيئون به، ويجوز
~~أن يكون عندهم ليل ونهار ولا يتعين أن يكون ضياؤهم من هذه الشمس ولا من
~~هذا القمر، وقد غلب على ظن أكثر أهل الحكمة الجديدة أن القمر عالم كعالم
~~أرضنا ms10678 هذه وفيه جبال وبحار يزعمون أنهم يحسون بها بواسطة أرصادهم وهم
~~مهتمون بالسعي في تحقيق الأمر فيه، فليكن ما نقول به من الأرضين على هذا
~~النحو.

# وقد قالوا أيضا: إن هذه الشمس في عالم هي مركز دائرته وبلقيس مملكته
~~بمعنى أن جميع ما فيه من كواكبهم السيارة تدور عليها فيه على وجه مخصوص
~~ونمط مضبوط، وقد تقرب إليها فيه وتبعد عنها إلى غاية لا يعلمها إلا الله
~~تعالى كواكب ذوات الأذناب، وهي عندهم كثيرة جدا تتحرك على شكل بيضي وإن
~~الشمس بعالمها من توابع كوكب آخر تدور عليه دوران توابعها من السيارات
~~عليها هو فيما نسمع أحد كواكب النجم، ولهم ظن في أن ذلك أيضا من توابع
~~كوكب آخر وهكذا، وملك الله تعالى العظيم عظيم لا تكاد تحيط به منطقة
~~الفكر ويضيق عنه نطاق الحصر، وسماء كل عالم كالقمر عندهم ما انتهى إليه
~~هواؤه حتى صار ذلك الجرم في نحو خلاء فيه لا يعارضه ولا يضعف حركته شيء،
~~والجسم متى تحرك في خلاء لا يسكن لعدم المعارض فليكن كل أرض من هذه
~~الأرضين محمولة بين القدرة بين كل سماءين على نحو ما سمعت عن الرضا على
~~آبائه وعليه السلام، / وهناك ما يستضىء به أهلها سابحا في فلك بحر قدرة
~~الله عز وجل ونسبة كل أرض إلى سمائها نسبة الحلقة إلى الفلاة وكذا نسبة
~~السماء إلى السماء التي فوقها.

# ويمكن أن تكون الأرضون وكذا السماوات أكثر من سبع، والاقتصار على العدد
~~المذكور الذي هو عدد تام لا يستدعي نفي الزائد فقد صرحوا بأن العدد لا
~~مفهوم له والسماء الدنيا منتهى دائرة يتحرك فيها أعلى كوكب من السيارات
~~وبينها وبين هذه الأرض بعد بعيد. وقوله صلى الله عليه وسلم:

# " خمسمائة عام "

# من باب التقريب للافهام، ويقرب الأمر إذا اعتبر ذلك بالنسبة إلى الراكب
~~المجد كما وقع في كثير من أخبار فيها تقدير مسافة،

# " وقوله عليه الصلاة والسلام في السماء الدنيا: موج مكفوف "

# يمكن أن يكون من التشبيه البليغ في اللطافة ونحوها أو ms10679 هو على حقيقته
~~والتنوين فيه للنوعية حتى يقوم الدليل العقلي الصحيح على امتناعها،
~~وتزيين هذه السماء بالكواكب لظهورها فيها على ما يشاهد فلا يضر في ذلك
~~كونها كلا أو بعضا فوقها أو تحتها، ولم يقم دليل على أن شيئا من
~~الكواكب مغروز في شيء من السماوات كالفص في الخاتم والمسمار في اللوح، بل
~~في بعض الأخبار ما يدل على خلافه، نعم أكثر الأخبار في أمر السماوات
~~والأرض والكواكب لا يعول عليها كما أشار إليه النسفي في «بحر الكلام»،
~~وكذا ما قاله قدماء أهل الهيئة ومحدثوهم، وفي كل مما ذهب الفريقان إليه
~~ما يوافق أصولنا وما يخالفه وما شريعتنا ساكتة عنه لم تتعرض له بنفي أو
~~إثبات، وحيث كان من أصولنا أنه متى عارض الدليل العقلي الدليل السمعي وجب
~~تأويل الدليل السمعي للدليل العقلي لأنه أصله ولو أبطل به لزم بطلانه
~~نفسه فالأمر سهل لأن باب التأويل أوسع من فلك الثوابت ولا أرى بأسا في
~~ارتكاب تأويل بعض الظواهر المستبعدة بما لا يستبعد وإن لم يصل الاستبعاد
~~إلى حد الامتناع إذا تضمن ذلك مصلحة دينية ولم يستلزم مصادمة معلوم من
~~الدين بالضرورة، وقد يلتزم الإبقاء على الظاهر وتفويض الأمر إلى قدرة
~~الله تعالى التي لا يتعاصاها شيء رعاية لأذهان العوام المقيدين بالظواهر
~~الذين يعدون الخروج عنها لا سيما إلى ما يوافق الحكمة الجديدة ضلالا
~~محضا وكفرا صرفا؛ ورحم الله تعالى امرءا جب الغيبة عن نفسه.

# وقد أخرج عبد بن حميد وابن الضريس وابن جرير من طريق مجاهد عن ابن عباس
~~في هذه الآية قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم بتكذيبكم بها، وبالجملة من
~~صدق بسعة ملك الله تعالى وعظيم قدرته عز وجل لا ينبغي أن يتوقف في وجود
~~سبع أرضين على الوجه الذي قدمناه، ويحمل السبع على الأقاليم أو على
~~الطبقات المعدنية والطينية ونحوهما مما تقدم، وليس في ذلك ما يصادم
~~ضروريا من الدين أو يخالف قطعيا من أدلة المسلمين، ولعل القول بذلك
~~التعدد هو المتبادر من الآية وتقتضيه الأخبار، ومع هذا ms10680 هو ليس من ضروريات
~~الدين فلا يكفر منكره أو المتردد فيه لكن لا أرى ذلك إلا عن جهل بما هو
~~الأليق بالقدرة والأحرى بالعظمة، والله تعالى الموفق للصواب.

# { يتنزل الأمر بينهن } أي يجري أمر الله تعالى وقضاؤه
~~وقدره عز وجل بينهن وينفذ ملكه فيهن. وأخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة
~~قال: في كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه تعالى وأمر من أمره وقضاء من
~~قضائه عز وجل، وقيل: { يتنزل الأمر بينهن } بحياة وموت
~~وغنى وفقر، وقيل: هو ما يدبره سبحانه فيهن من عجيب تدبيره جل شأنه، وقال
~~مقاتل وغيره: { الأمر } هنا الوحي، و { بينهن } إشارة إلى بين
~~هذه الأرض التي هي أدناها وبين السماء السابعة، والأكثرون على أنه القضاء
~~والقدر كما سبق، وأن { بينهن } إشارة / إلى بين الأرض السفلى التي
~~هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها. وقرأ عيسى وأبو عمرو في
~~رواية  ينزل  مضارع نزل مشددا { الأمر } بالنصب أي ينزل الله
~~الأمر.

# { لتعلموا أن الله على كل شىء قدير } متعلق 
~~بخلق  أو  بيتنزل  أو بمضمر يعمهما أي فعل ذلك لتعلموا أن من قدر على
~~ما ذكر قادر على كل شيء، وقيل: التقدير أخبرتكم أو أعلمتكم بذلك لتعلموا.
~~وقرىء  ليعلموا  بياء الغيبة. { وأن الله قد أحاط بكل
~~شىء علما } لاستحالة صدور هذه الأفاعيل ممن ليس كذلك.

### | [66 - سورة التحريم]

### || [66.1]

# { يأيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك } روى
~~البخاري وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه

# " عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش
~~ويشرب عندها عسلا فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله
~~عليه وسلم فلتقل إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما
~~فقالت ذلك له، فقال: لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود وفي
~~رواية «وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدا» فنزلت { يأيها النبى
~~لم تحرم } "

# الخ، وفي رواية

# " قالت سودة: أكلت مغافير؟ قال: لا قالت: ms10681 فما هذه الريح التي أجد منك؟
~~قال: سقتني حفصة شربة عسل، فقالت: جرست نحلة العرفط "

# فحرم العسل فنزلت، وفي حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن
~~عائشة شرب العسل في بيت حفصة، والقائلة سودة وصفية. وأخرج ابن المنذر
~~وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه - قال الحافظ السيوطي: بسند صحيح
~~عن ابن عباس قال:

# " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب من شراب عند سودة من العسل فدخل
~~على عائشة فقالت: إني أجد منك ريحا فدخل على حفصة فقالت: إني أجد منك
~~ريحا فقال: أراه من شراب شربته عند سودة والله لا أشربه "

# فنزلت.

# وأخرج النسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه
~~حراما فأنزل الله تعالى هذه الآية: { يأيها النبى لم
~~تحرم } الخ، ويوافقه ما أخرجه البزار والطبراني بسند حسن صحيح عن ابن
~~عباس قال: نزلت { يأيها النبى لم تحرم } الآية في سريته.
~~والمشهور أنها مارية وأنه عليه الصلاة والسلام وطئها في بيت حفصة في
~~يومها فوجدت وعاتبته فقال / صلى الله عليه وسلم: ألا ترضين أن أحرمها فلا
~~أقربها؟ قالت: بلى فحرمها، وفي رواية أن ذلك كان في بيت حفصة في يوم
~~عائشة، وفي «الكشاف» روي

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت بذلك
~~حفصة فقال لها: اكتمي علي وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر
~~وعمر يملكان بعدي أمر أمتي فأخبرت عائشة وكانتا متصادقتين "

# وبالجملة الأخبار متعارضة، وقد سمعت ما قيل فيها لكن قال الخفاجي: قال
~~النووي في «شرح مسلم»: ((الصحيح أن الآية في قصة العسل لا في قصة مارية
~~المروية في غير «الصحيحين»، ولم تأت قصة مارية في طريق صحيح ثم قال
~~الخفاجي نقلا عنه أيضا: الصواب أن شرب العسل كان عند زينب رضي الله
~~تعالى عنها)).

# وقال الطيبي فيما نقلناه عن «الكشاف» ما وجدته في الكتب المشهورة والله ms10682
~~تعالى أعلم.

# والمغافير: بفتح الميم والغين المعجمة وبياء بعد الفاء  على ما صوبه
~~القاضي عياض  جمع مغفور بضم الميم شيء له رائحة كريهة ينضحه العرفط
~~وهو شجر أو نبات له ورق عريض، وعن «المطلع» أن العرفط هو الصمغ، والمغفور
~~شوك له نور يأكل منه النحل يظهر العرفط عليه، وكان صلى الله عليه وسلم
~~يحب الطيب جدا ويكره الرائحة الكريهة للطافة نفسه الشريفة ولأن الملك
~~يأتيه وهو يكرهها فشق عليه صلى الله عليه وسلم ما قيل فجرى ما جرى.

# وفي ندائه صلى الله عليه وسلم  بيا أيها النبي  في مفتتح العتاب من
~~حسن التلطف به والتنويه بشأنه عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى، ونظير ذلك
~~قوله تعالى:

# عفا الله عنك لم أذنت لهم

# [التوبة: 43] والمراد بالتحريم الامتناع، وبما أحل الله العسل على ما
~~صححه النووي رحمه الله تعالى، أو وطء سريته على ما في بعض الروايات. ووجه
~~التعبير  بما  على هذين التفسيرين ظاهر. وفسر بعضهم { ما } بمارية؛
~~والتعبير عنها  بما  على ما هو الشائع في التعبير بها عن ملك اليمين،
~~والنكتة فيه لا تخفى.

# وقوله تعالى: { تبتغى مرضت أزوجك } حال من فاعل {
~~تحرم } ، واختاره أبو حيان فيكون هو محل العتاب على ما قيل، وكأن
~~وجهه أن الكلام الذي فيه قيد، المقصود فيه القيد إثباتا أو نفيا، أو
~~يكون التقييد على نحو

# أضعفا مضعفة

# [آل عمران: 130] على أن التحريم في نفسه محل عتب؛ والباعث عليه كذلك كما
~~في «الكشف»، أو استئناف نحوي أو بياني، وهو الأولى، ووجهه أن الاستفهام
~~ليس على الحقيقة بل هو معاتبة، على أن التحريم لم يكن عن باعث مرضي فاتجه
~~أن يسأل ما ينكر منه وقد فعله غيره من الأنبياء عليهم السلام ألا ترى
~~إلى قوله تعالى:

# إلا ما حرم إسرءيل على نفسه

# [آل عمران: 93] فقيل: تبتغي مرضات أزواجك ومثلك من أجل أن تطلب مرضاتهن
~~بمثل ذلك، وجوز أن يكون تفسيرا  لتحرم  بجعل ابتغاء مرضاتهن عين
~~التحريم مبالغة في كونه سببا له، وفيه من تفخيم الأمر ما فيه. ms10683 والإضافة
~~في { أزوجك } للجنس لا للاستغراق.

# { والله غفور رحيم } فيه تعظيم شأنه صلى الله عليه وسلم بأن
~~ترك الأولى بالنسبة إلى مقامه السامي الكريم يعد كالذنب وإن لم يكن في
~~نفسه كذلك، وأن عتابه صلى الله عليه وسلم ليس إلا لمزيد الاعتناء به. وقد
~~زل الزمخشري ههنا كعادته فزعم أن ما وقع من تحريم الحلال المحظور لكنه
~~غفر له عليه الصلاة والسلام، وقد شن ابن المنير في «الانتصاف» الغارة في
~~التشنيع عليه فقال ما حاصله: ((إن ما أطلقه في حقه صلى الله عليه وسلم
~~تقول وافتراء والنبي عليه الصلاة والسلام منه براء، وذلك أن تحريم
~~الحلال / على وجهين: الأول: اعتقاد ثبوت حكم التحريم فيه وهو كاعتقاد
~~ثبوت حكم التحليل في الحرام محظور يوجب الكفر فلا يمكن صدوره من المعصوم
~~أصلا، والثاني: الامتناع من الحلال مطلقا أو مؤكدا باليمين مع اعتقاد
~~حله وهذا مباح صرف وحلال محض، ولو كان ترك المباح والامتناع منه غير مباح
~~لاستحالت حقيقة الحلال، وما وقع منه صلى الله عليه وسلم كان من هذا النوع
~~وإنما عاتبه الله تعالى عليه رفقا به وتنويها بقدره وإجلالا لمنصبه
~~عليه الصلاة والسلام أن يراعي مرضاة أزواجه بما يشق عليه جريا على ما
~~ألف من لطف الله تعالى به))، وتأول بعضهم كلام الزمخشري، وفيه ما ينبو عن
~~ذلك.

# وقيل: نسبة التحريم إليه صلى الله عليه وسلم مجاز، والمراد لم تكون
~~سببا لتحريم الله تعالى عليك ما أحل لك بحلفك على تركه؟ وهذا لا يحتاج
~~إليه، وفي وقوع الحلف خلاف، ومن قال به احتج ببعض الأخبار، وبظاهر قوله
~~تعالى: { قد فرض الله لكم تحلة أيمنكم }.

### || [66.2]

# { قد فرض الله لكم تحلة أيمنكم } أي قد شرع لكم
~~تحليلها، وهو حل ما عقدته الأيمان بالكفارة، فالتحلة مصدر حلل كتكرمة من
~~كرم، وليس مصدر مقيسا، والمقيس التحليل والتكريم لأن قياس فعل الصحيح
~~العين غير المهموز هو التفعيل، وأصله تحللة فأدغم، وهو من الحل ضد العقد
~~فكأنه باليمين على الشيء لالتزامه عقد عليه وبالكفارة يحل ذلك، ms10684 ويحل
~~أيضا بتصديق اليمين كما في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " لا يموت لرجل ثلاثة أولاد فتمسه النار إلا تحلة القسم "

# يعني

# وإن منكم إلا واردها

# [مريم: 71] الخ، وتحليله بأقل ما يقع عليه الاسم كمن حلف أن ينزل يكفي
~~فيه إلمام خفيف، فالكلام كناية عن التقليل أي قدر الاجتياز اليسير، وكذا
~~يحل بالاستثناء أي بقول الحالف: إن شاء الله تعالى بشرطه المعروف في
~~الفقه. ويفهم من كلام «الكشاف» أن التحليل يكون بمعنى الاستثناء ومعناه
~~كما في «الكشف» تعقيب اليمين عند الإطلاق بالاستثناء حتى لا تنعقد، ومنه
~~حلا أبيت اللعن.

# وعلى القول بأنه كان منه عليه الصلاة والسلام يمين - كما جاء في بعض
~~الروايات وهو ظاهر الآية - اختلف هل أعطى صلى الله عليه وسلم الكفارة أم
~~لا؟ فعن الحسن أنه عليه الصلاة والسلام لم يعط لأنه كان مغفورا له ما
~~تقدم من ذنبه وما تأخر وإنما هو تعليم للمؤمنين، وفيه أن غفران الذنب لا
~~يصلح دليلا لأن ترتب الأحكام الدنيوية على فعله عليه الصلاة والسلام ليس
~~من المؤاخذة على الذنب، كيف وغير مسلم أنه ذنب؟ وعن مقاتل أنه صلى الله
~~عليه وسلم أعتق رقبة في تحريم مارية، وقد نقل مالك في «المدونة» عن زيد
~~بن أسلم أنه عليه الصلاة والسلام أعطى الكفارة في تحريمه أم ولده حيث حلف
~~أن لا يقربها، ومثله عن الشعبي.

# ((واختلف العلماء في حكم قول الرجل لزوجته: أنت علي حرام، أو الحلال علي
~~حرام ولم يستثن زوجته فقيل: قال جماعة منهم مسروق وربيعة وأبو سلمة
~~والشعبي وأصبغ: هو كتحريم الماء والطعام لا يلزمه شيء، وقال أبو بكر
~~وعمر وزيد وابن مسعود وابن عباس وعائشة وابن المسيب وعطاء وطاوس وسليمان
~~بن يسار وابن جبير وقتادة والحسن والأوزاعي وأبو ثور وجماعة: هو يمين
~~يكفرها، وابن عباس أيضا في رواية والشافعي في قول في أحد قوليه: فيه
~~تكفير يمين وليس بيمين))، ((وأبو حنيفة يرى تحريم الحلال يمينا في كل
~~شيء، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرمه، فإذا حرم طعاما فقد حلف ms10685 على
~~عدم أكله أو أمة فعلى وطئها أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم / تكن له
~~نية فإن نوى الظهار فظهار وإن نوى الطلاق فطلاق بائن، وكذلك إن نوى
~~اثنتين وإن نوى ثلاثا فكما نوى، وإن قال: نويت الكذب دين بينه وبين الله
~~تعالى، ولكن لا يدين في قضاء الحاكم بإبطال الإيلاء)) لأن اللفظ إنشاء في
~~العرف.

# ((وقال جماعة: إن لم يرد شيئا فهو يمين، وفي «التحرير» قال أبو حنيفة
~~وأصحابه: إن نوى الطلاق فواحدة بائنة أو اثنتين فواحدة أو ثلاثا فثلاث
~~أو لم ينو شيئا فمول أو الظهار فظهار، وقال ابن القاسم: لا تنفعه نية
~~الظهار ويكون طلاقا، وقال يحيى بن عمر: يكون كذلك فإن ارتجعها فلا يجوز
~~له وطؤها حتى يكفر كفارة الظهار، ويقع ما أراد من أعداده فإن نوى واحدة
~~فرجعية وهو قول للشافعي، وقال الأوزاعي وسفيان وأبو ثور: أي شيء نوى به
~~من الطلاق وقع وإن لم ينو شيئا فقال سفيان: لا شيء عليه، وقال الأوزاعي
~~وأبو ثور: تقع واحدة، وقال ابن جبير: عليه عتق رقبة وإن لم يكن ظهارا،
~~وقال أبو قلابة وعثمان وأحمد وإسحاق: التحريم ظهار ففيه كفارته، وعن
~~الشافعي إن نوى أنها محرمة كظهر أمه فظهار، أو تحريم عينها بغير طلاق، أو
~~لم ينو فكفارة يمين، وقال مالك: يقع ثلاث في المدخول بها وما أراد من
~~واحدة أو ثنتين أو ثلاث في غير المدخول بها، وقال ابن أبي ليلى وعبد
~~الملك بن الماجشون: تقع ثلاث في الوجهين، وروى ابن خويزمنداد عن مالك -
~~وقاله زيد وحماد بن أبي سليمان -: تقع واحدة بائنة فيهما، وقال الزهري
~~وعبد العزيز بن الماجشون: واحدة رجعية، وقال أبو مصعب ومحمد بن عبد
~~الحكم: يقع في التي لم يدخل بها واحدة وفي المدخول بها ثلاث)) وفي
~~«الكشاف» ((لا يراه الشافعي يمينا ولكن سببا في الكفارة في النساء
~~وحدهن، وأما الطلاق فرجعي عنده، وعن علي كرم الله تعالى وجهه ثلاث، وعن
~~زيد واحدة بائنة، وعن عثمان ظهار))، وأخرج البخاري ومسلم وابن ms10686 ماجه
~~والنسائي عن ابن عباس أنه قال: من حرم امرأته فليس بشيء. وقرأ

# لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة

# [الأحزاب: 21] وللنسائي أنه أتاه رجل فقال: جعلت امرأتي علي حراما قال:
~~كذبت ليست عليك بحرام ثم تلا هذه الآية { يأيها النبى لم
~~تحرم ما أحل الله لك } عليك أغلظ الكفارة عتق رقبة إلى غير
~~ذلك من الأقوال، وهي في هذه المسألة كثيرة جدا، وفي نقل الأقوال عن
~~أصحابها اختلاف كثير أيضا.

# واحتج بما في هذه الآية من فرض تحليلها بالكفارة إن لم يستثن من رأي
~~التحريم مطلقا، أو تحريم المرأة يمينا لأنه لو لم يكن يمينا لم يوجب
~~الله تعالى فيه كفارة اليمين هنا. وأجيب بأنه لا يلزم من وجوب الكفارة
~~كونه يمينا لجواز اشتراك الأمرين المتغايرين في حكم واحد، فيجوز أن تثبت
~~الكفارة فيه لمعنى آخر، ولو سلم أن هذه الكفارة لا تكون إلا مع اليمين
~~فيجوز أن يكون صلى الله عليه وسلم أقسم مع التحريم فقال في مارية:

# " والله لا أطؤها "

# أو في العسل

# " والله لا أشربه "

# وقد رواه بعضهم فالكفارة لذلك اليمين لا للتحريم وحده، والله تعالى
~~أعلم.

# { والله مولكم } سيدكم ومتولي أموركم { وهو العليم }
~~فيعلم ما يصلحكم فيشرعه سبحانه لكم { الحكيم } المتقن أفعاله وأحكامه
~~فلا يأمركم ولا ينهاكم إلا حسبما تقتضيه الحكمة.

### || [66.3]

# { وإذ أسر } / أي واذكر إذ أسر { النبى إلى بعض
~~أزوجه } هي حفصة على ما عليه عامة المفسرين، وزعم بعض الشيعة أنها
~~عائشة وليس له في ذلك شيعة، نعم رواه ابن مردويه عن ابن عباس وهو شاذ {
~~حديثا } هو قوله عليه الصلاة والسلام على ما في بعض الروايات:

# " لكني كنت أشرب عسلا عند زينب ابنة جحش فلن أعود له وقد حلفت لا تخبري
~~بذلك أحدا "

# { فلما نبأت } أي أخبرت. وقرأ طلحة  أنبأت  { به } أي
~~بالحديث عائشة لأنهما كانتا متصادقتين. وتضمن الحديث نقصان حظ ضرتهما
~~زينب من حبيبهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث إنه عليه الصلاة
~~والسلام  كما في البخاري وغيره  كان ms10687 يمكث عندها لشرب ذلك وقد اتخذ ذلك
~~عادة، كما يشعر به لفظ  كان  فاستخفها السرور فنبأت بذلك {
~~وأظهره الله عليه } أي جعل الله تعالى النبي صلى الله عليه
~~وسلم ظاهرا على الحديث مطلعا عليه من قوله تعالى:

# ليظهره على الدين كله

# [التوبة: 33] والكلام على ما قيل: على التجوز، أو تقدير مضاف أي على
~~إفشائه، وجوز كون الضمير لمصدر { نبأت } وفيه تفكيك الضمائر، أو جعل
~~الله تعالى الحديث ظاهرا على النبي صلى الله عليه وسلم فهو نظير ظهر لي
~~هذه المسألة وظهرت علي إذا كان فيه مزيد كلفة واهتمام بشأن الظاهر فلا
~~تغفل.

# { عرف } أي النبي صلى الله عليه وسلم حفصة { بعضه } أي الحديث
~~أي أعلمها وأخبرها ببعض الحديث الذي أفشته. والمراد أنه صلى الله عليه
~~وسلم قال لها: قلت كذا لبعض ما أسره إليها قيل: هو قوله لها:

# " كنت شربت عسلا عند زينب ابنة جحش فلن أعود "

# { وأعرض عن بعض } هو على ما قيل قوله عليه الصلاة والسلام:

# " وقد حلفت "

# فلم يخبرها به تكرما لما فيه من مزيد خجلتها حيث إنه يفيد مزيد اهتمامه
~~صلى الله عليه وسلم بمرضاة أزواجه وهو لا يحب شيوع ذلك، وهذا من مزيد
~~كرمه صلى الله عليه وسلم. وقد أخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى
~~وجهه: ما استقصى كريم قط، وقال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام،
~~وقال الشاعر:

# ليس الغبي بسيد في قومه

# لكن سيد قومه المتغابي

# وجوز أن يكون { عرف } بمعنى جازى أي جازاها على بعض بالعتب واللوم
~~أو بتطليقه عليه الصلاة والسلام إياها، وتجاوز عن بعض، وأيد بقراءة
~~السلمي والحسن وقتادة وطلحة والكسائي وأبي عمرو في رواية هارون عنه {
~~عرف } بالتخفيف لأنه على هذه القراءة لا يحتمل معنى العلم لأن العلم تعلق
~~به كله بدليل قوله تعالى: { أظهره الله عليه } مع أن الإعراض
~~عن الباقي يدل على العلم فتعين أن يكون بمعنى المجازاة.

# قال الأزهري في «التهذيب»: من قرأ { عرف } بالتخفيف أراد معنى غضب وجازى
~~عليه كما تقول للرجل ms10688 يسىء إليك: والله لأعرفن لك ذلك، واستحسنه الفراء،
~~وقول «القاموس»: هو بمعنى الإقرار لا وجه له ههنا، وجعل المشدد من باب
~~إطلاق المسبب على السبب والمخفف بالعكس، ويجوز أن تكون العلاقة بين
~~المجازاة والتعريف اللزوم، وأيد المعنى الأول بقوله تعالى: { فلما
~~نبأها به قالت } لتعرف هل فضحتها عائشة أم لا؟ { من
~~أنبأك هذا قال نبأنى العليم الخبير } الذي لا
~~تخفى عليه خافية فإنه أوفق للإعلام. و(هذا) على ما في «البحر» / على معنى
~~بهذا. وقرأ ابن المسيب وعكرمة  عراف بعضه  بألف بعد الراء وهي إشباع،
~~وقال ابن خالويه: ويقال إنها لغة يمانية.

# وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن أبي حاتم عن مجاهد أن النبي صلى
~~الله عليه وسلم أسر إلى حفصة تحريم مارية وأن أبا بكر وعمر يليان الناس
~~بعده فأسرت ذلك إلى عائشة فعرف بعضه وهو أمر مارية وأعرض عن بعض وهو أن
~~أبا بكر وعمر يليان بعده مخافة أن يفشو، وقيل: بالعكس. وقد جاء إسرار أمر
~~الخلافة في عدة أخبار؛ فقد أخرج ابن عدي وأبو نعيم في «فضائل الصديق»،
~~وابن مردويه من طرق

# " عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس قالا: إن إمارة أبي بكر وعمر
~~لفي كتاب الله { وإذ أسر النبى إلى بعض أزوجه
~~حديثا } قال لحفصة: أبوك وأبو عائشة واليا الناس بعدي فإياك أن تخبري
~~أحدا "

# وأخرج أبو نعيم في «فضائل الصحابة» عن الضحاك أنه قال في الآية: أسر صلى
~~الله عليه وسلم إلى حفصة أن الخليفة من بعده أبو بكر ومن بعد أبي بكر
~~عمر، وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران نحوه.

# وفي «مجمع البيان» للطبرسي من أجل الشيعة ((عن الزجاج قال: لما حرم عليه
~~الصلاة والسلام مارية القبطية أخبر [حفصة] أنه يملك من بعده أبو بكر وعمر
~~فعرفها بعض ما أفشت من الخبر وأعرض عن بعض أن أبا بكر وعمر يملكان من
~~بعدي، وقريب من ذلك ما رواه العياشي بالإسناد عن عبد الله بن عطاء المكي
~~عن أبي جعفر الباقر رضي ms10689 الله تعالى عنه إلا أنه زاد في ذلك أن كل واحدة
~~منهما حدثت أباها بذلك فعاتبهما في أمر مارية وما أفشتا عليه من ذلك،
~~وأعرض أن يعاتبهما في الأمر الآخر)) انتهى.

# وإذا سلم الشيعة صحة هذا لزمهم أن يقولوا بصحة خلافة الشيخين لظهوره
~~فيها كما لا يخفى.

# ثم إن تفسير الآية على هذه الأخبار أظهر من تفسيرها على حديث العسل، لكن
~~حديثه أصح، والجمع بين الأخبار مما لا يكاد يتأتى. وقصارى ما يمكن أن
~~يقال: يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد شرب عسلا عند زينب
~~كما هو عادته، وجاء إلى حفصة فقالت له ما قالت فحرم العسل، واتفق له عليه
~~الصلاة والسلام قبيل ذلك أو بعيده أن وطىء جاريته مارية في بيتها في
~~يومها على فراشها فوجدت فحرم صلى الله عليه وسلم مارية، وقال لحفصة ما
~~قال تطييبا لخاطرها واستكتمها ذلك فكان منها ما كان، ونزلت الآية بعد
~~القصتين فاقتصر بعض الرواة على إحداهما والبعض الآخر على نقل الأخرى،
~~وقال كل: فأنزل الله تعالى

# يأيها النبى

# [التحريم: 1] الخ، وهو كلام صادق إذ ليس فيه دعوى كل حصر علة النزول
~~فيما نقله فإن صح هذا هان أمر الاختلاف وإلا فاطلب لك غيره، والله تعالى
~~أعلم.

# واستدل بالآية على أنه لا بأس بإسرار بعض الحديث إلى من يركن إليه من
~~زوجة أو صديق، وأنه يلزمه كتمه، وفيها على ما قيل: دلالة على أنه يحسن
~~حسن العشرة مع الزوجات والتلطف في العتب والإعراض عن استقصاء الذنب، وقد
~~روي أن عبد الله بن رواحة  وكان من النقباء  كانت له جارية فاتهمته
~~زوجته ليلة، فقال قولا بالتعريض، فقالت: إن كنت لم تقربها فاقرأ القرآن
~~فأنشد:

# شهدت فلم أكذب بأن محمدا

# رسول الذي فوق السماوات من عل

# وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما

# له عمل في دينه متقبل

# وأن التي بالجزع من بطن نخلة

# ومن دانها كل عن الخير معزل

# / فقالت: زدني، فأنشد:

# وفينا رسول الله يتلو كتابه

# كما لاح معروف من الصبح ساطع ms10690

# أتى بالهدى بعد العمى فنفوسنا

# به موقنات أن ما قال واقع

# يبيت يجافي جنبه عن فراشه

# إذا رقدت بالكافرين المضاجع

# فقالت: زدني فأنشد:

# شهدت بأن وعد الله حق

# وأن النار مثوى الكافرينا

# وأن محمدا يدعو بحق

# وأن الله مولى المؤمنينا

# وأن العرش فوق الماء طاف

# وفوق العرش رب العالمينا

# ويحمله ملائكة شداد

# ملائكة الإله مسومينا

# فقالت: أما إذ قرأت القرآن فقد صدقتك، وفي رواية أنها قالت  وقد كانت
~~رأته على ما تكره  إذن صدق الله وكذب بصري، فأخبر النبي صلى الله عليه
~~وسلم فتبسم، وقال:

# " خيركم خيركم لنسائه ".

### || [66.4]

# { إن تتوبا إلى الله } خطاب لحفصة وعائشة رضي الله تعالى عنهما
~~على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب للمبالغة في المعاتبة فإن المبالغ في
~~العتاب يصير المعاتب أولا بعيدا عن ساحة الحضور، ثم إذا اشتد غضبه توجه
~~إليه وعاتبه بما يريد. وكون الخطاب لهما لما أخرج أحمد والبخاري ومسلم
~~والترمذي وابن حبان وغيره عن ابن عباس قال: «لم أزل حريصا أن أسأل عمر
~~رضي الله تعالى عنه عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
~~اللتين قال الله تعالى: { إن تتوبا } الخ حتى حج عمر وحججت معه فلما
~~كنا ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة (فنزل ثم أني صببت) على
~~يديه فتوضأ فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي صلى الله
~~عليه وسلم اللتان قال الله تعالى: { إن تتوبا } الخ؟ فقال: واعجبا
~~لك يا ابن عباس هما عائشة وحفصة ثم أنشأ يحدثني الحديث» الحديث بطوله.

# ومعنى قوله تعالى: { فقد صغت قلوبكما } مالت عن الواجب من
~~مخالفته صلى الله عليه وسلم بحب ما يحبه وكراهة ما يكرهه إلى مخالفته،
~~والجملة قائمة مقام جواب الشرط بعد حذفه، والتقدير إن تتوبا فلتوبتكما
~~موجب وسبب فقد صغت قلوبكما أو فحق لكما ذلك فقد صدر ما يقتضيها وهو على
~~معنى فقد ظهر أن ذلك حق كما قيل في قوله:

# إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة

# من أنه بتأويل تبين أني لم تلدني لئيمة، ms10691 وجعلها ابن الحاجب جوابا من
~~حيث الإعلام كما قيل في: إن تكرمني اليوم فقد أكرمتك أمس، وقيل: الجواب
~~محذوف تقديره يمح إثمكما، وقوله تعالى: { فقد صغت } الخ بيان لسبب
~~التوبة، وقيل: التقدير فقد أديتما ما يجب عليكما أو أتيتما بما يحق لكما،
~~وما ذكر دليل على ذلك، قيل: وإنما لم يفسروا { فقد صغت
~~قلوبكما } بمالت إلى الواجب أو الحق أو الخير حتى يصح جعله جوابا
~~من غير احتياج إلى نحو ما تقدم لأن صيغة الماضي  وقد وقراءة ابن مسعود
~~(فقد زاغت قلوبكما)  وتكثير المعنى مع تقليل اللفظ تقتضي ما سلف، وتعقب
~~بأنه إنما يتمشى على ما ذهب إليه ابن مالك من أن الجواب يكون ماضيا وإن
~~لم يكن لفظ كان، وفيه نظر. والجمع في { قلوبكما } دون التثنية
~~لكراهة اجتماع تثنيتين مع ظهور المراد، وهو في مثل ذلك أكثر استعمالا من
~~التثنية والإفراد، قال أبو حيان: لا يجوز عند أصحابنا إلا في الشعر
~~كقوله:

# / حمامة بطن الواديين ترنمي

# وغلط رحمه الله تعالى ابن مالك في قوله في «التسهيل»: ويختار لفظ
~~الإفراد على لفظ التثنية.

# { وإن تظهرا عليه } بحذف إحدى التاءين وتخفيف الظاء، وهي
~~قراءة عاصم ونافع في رواية، وطلحة والحسن وأبو رجاء، وقرأ الجمهور 
~~تظاهرا  بتشديد الظاء، وأصله تتظاهرا فأدغمت التاء في الظاء، وبالأصل
~~قرأ عكرمة، وقرأ أبو عمرو في رواية أخرى  تظهرا  بتشديد الظاء والهاء
~~دون ألف، والمعنى فإن تتعاونا عليه صلى الله عليه وسلم بما يسوؤه من
~~الإفراط في الغيرة وإفشاء سره.

# { فإن الله هو موله } أي ناصره؛ والوقف على ما في
~~«البحر» وغيره هنا أحسن، وجعلوا قوله تعالى: { وجبريل } مبتدأ،
~~وقوله سبحانه: { وصلح المؤمنين والملئكة } معطوفا
~~عليه، وقوله عز وجل: { بعد ذلك } أي بعد نصرة الله تعالى متعلقا
~~بقوله جل شأنه: { ظهير } وجعلوه الخبر عن الجميع، وهو بمعنى الجمع أي
~~مظاهرون، واختير الإفراد لجعلهم كشيء واحد، وجوز أن يكون خبرا عن {
~~جبريل } وخبر ما بعده مقدر نظير ما قالوا في قوله:

# ومن يك أمسى بالمدينة رحله

# فإني وقيار ms10692 بها لغريب

# وجوز أن يكون الوقف على { جبريل } أي وجبريل مولاه { وصلح
~~المؤمنين } مبتدأ، وما بعده معطوف عليه، والخبر { ظهير } ،
~~وظاهر كلام «الكشاف» اختيار الوقف على { المؤمنين } فظهير خبر
~~الملائكة، وعليه غالب مختصريه، وظاهر كلامهم التقدير لكل من جبريل وصالح
~~المؤمنين خبرا وهو إما لفظ مولى مرادا به مع كل معنى من معانيه
~~المناسبة أي وجبريل مولاه أي قرينه وصالح المؤمنين مولاه أي تابعه، أو
~~لفظ آخر بذلك المعنى المناسب وهو قرينه في الأول وتابعه في تابعه، ولا
~~مانع من أن يكون المولى في الجميع بمعنى الناصر كما لا يخفى. وزيادة {
~~هو } على ما في «الكشاف» للإيذان بأن نصرته تعالى عزيمة من عزائمه وأنه
~~عز وجل متولي ذلك بذاته تعالى، وهو تصريح بأن الضمير ليس من الفصل في
~~شيء، وأنه للتقوي لا للحصر، والحصر أكثري في المعرفتين على ما نقله في
~~«الإيضاح»، وإن كان كلام السكاكي موهما الوجوب؛ هذا والمبالغة محققة على
~~ما نص عليه سيبويه وحقق في الأصول، وأما الحصر فليس من مقتضى اللفظ فلا
~~يرد أن الأولى أن يكون { وجبريل } وما بعده مخبرا عنه  بظهير 
~~وإن سلم فلا ينافيه لأن نصرتهم نصرته تعالى فليس من الممتنع على نحو زيد
~~المنطلق وعمرو، كذا في «الكشف».

# ووجه تخصيص جبريل عليه السلام بالذكر مزيد فضله بل هو رأس الكروبيين،
~~والمراد بالصالح عند كثير الجنس الشامل للقليل والكثير، وأريد به الجمع
~~هنا، ومثله قولك: كنت في السامر والحاضر، ولذا عم بالإضافة، وجوز أن يكون
~~اللفظ جمعا، وكان القياس أن يكتب  وصالحو  بالواو إلا أنها حذفت خطا
~~تبعا لحذفها لفظا، وقد جاءت أشياء في المصحف تبع فيها حكم اللفظ دون
~~وضع الخط نحو

# ويدع الإنسان

# [الإسراء: 11] و

# يدع الداع

# [القمر: 6] و

# سندع الزبانية

# [العلق: 18] و

# هل أتاك نبؤا الخصم

# [ص: 21] إلى غير ذلك.

# وذهب غير واحد إلى أن الإضافة للعهد فقيل: المراد به الأنبياء عليهم
~~السلام. وروي عن ابن زيد وقتادة والعلاء بن زياد. ومظاهرتهم له قيل: تضمن
~~كلامهم ذم المتظاهرين على نبي ms10693 من الأنبياء عليهم السلام وفيه من الخفاء
~~ما فيه؛ وقيل: علي كرم الله تعالى وجهه، وأخرجه ابن مردويه وابن عساكر عن
~~ابن عباس، وأخرج ابن مردويه

# " عن أسماء بنت عميس قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول {
~~وصلح المؤمنين } علي بن أبي طالب "

# ؛وروى الإمامية عن أبي جعفر

# " أن النبي / صلى الله عليه وسلم حين نزلت أخذ بيد علي كرم الله تعالى
~~وجهه فقال: يا أيها الناس هذا صالح المؤمنين "

# وأخرج ابن عساكر عن الحسن البصري أنه قال: هو عمر بن الخطاب، وأخرج هو
~~وجماعة عن سعيد بن جبير قال: { وصلح المؤمنين } نزل في عمر
~~بن الخطاب خاصة، وأخرج ابن عساكر عن مقاتل بن سليمان أنه قال: {
~~وصلح المؤمنين } أبو بكر وعمر وعلي رضي الله تعالى عنهم،
~~وقيل: الخلفاء الأربعة. وأخرج الطبراني في «الأوسط» وابن مردويه عن ابن
~~عمر وابن عباس قالا: نزلت { وصلح المؤمنين } في أبي بكر
~~وعمر، وذهب إلى تفسيره بهما عكرمة وميمون بن مهران وغيرهما، وأخرج الحاكم
~~عن أبي أمامة والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في «فضائل الصحابة» عن
~~ابن مسعود

# " عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: { وصلح المؤمنين
~~} أبو بكر وعمر "

# ، وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان
~~أبي يقرؤها (وصالح المؤمنين أبو بكر وعمر)، ورجح إرادة ذلك بأنه اللائق
~~بتوسيطه بين جبريل والملائكة عليهم السلام فإنه جمع بين الظهير المعنوي
~~والظهير الصوري، كيف لا وأن جبريل عليه السلام ظهير له صلى الله عليه
~~وسلم يؤيده بالتأييدات الإلهية وهما وزيراه وظهيراه في تدبير أمور
~~الرسالة وتمشية أحكامها الظاهرة مع أن بيان مظاهرتهما له عليه السلام أشد
~~تأثيرا في قلوب بنتيهما وتوهينا لأمرهما. وأنا أقول العموم أولى، وهما
~~ وكذا علي كرم الله تعالى وجهه  يدخلان دخولا أوليا، والتنصيص على
~~بعض في الأخبار المرفوعة إذا صحت لنكتة اقتضت ذلك لا لإرادة الحصر، ويؤيد
~~ذلك ما أخرجه ابن عساكر عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ms10694 أنه
~~قال في ذلك:

# " من صالح المؤمنين أبو بكر وعمر "

# وفائدة { بعد ذلك } التنبيه على أن نصرة الملائكة عليهم السلام
~~أقوى وجوه نصرته عز وجل وإن تنوعت، ثم لا خفاء في أن نصرة جميع الملائكة
~~ وفيهم جبريل  أقوى من نصرة جبريل عليه السلام وحده.

# وقيل: الإشارة إلى مظاهرة صالح المؤمنين خاصة فالتعظيم بالنسبة إليها،
~~وفي التنبيه على هذا دفع توهم ما يوهمه الترتيب الذكري من أعظمية مظاهرة
~~المتقدم، وبالجملة فائدة { بعد ذلك } نحو فائدة  ثم  في قوله
~~تعالى:

# ثم كان من الذين ءامنوا

# [البلد: 17] وهو التفاوت الرتبي أي أعظمية رتبة ما بعدها بالنسبة إلى
~~ما قبلها وهذا لا يتسنى على ما نقل عن «البحر» بل ذلك للإشارة إلى تبعية
~~المذكورين في النصرة والإعانة عز وجل، وأيا ما كان فإن شرطية و(تظاهرا)
~~فعل الشرط، والجملة المقرونة بالفاء دليل الجواب وسبب أقيم مقامه، والأصل
~~فإن تظاهرا عليه فلن يعدم من يظاهره فإن الله مولاه، وجوز أن تكون هي
~~بنفسه الجواب على أنها مجاز أو كناية عن ذلك.

# وأعظم جل جلاله شأن النصرة لنبيه صلى الله عليه وسلم على هاتين
~~الضعيفتين إما للإشارة إلى عظم مكر النساء أو للمبالغة في قطع حبال
~~طمعهما لعظم مكانتهما عند رسول الله عليه الصلاة والسلام وعند المؤمنين
~~لأمومتهما لهم وكرامة له صلى الله عليه وسلم ورعاية لأبويهما في أن
~~تظاهرهما يجديهما نفعا. وقيل: المراد المبالغة في توهين أمر تظاهرهما
~~ودفع ما عسى أن يتوهمه المنافقون من ضرره في أمر النبوة والتبليغ وقهر
~~أعداء الدين لما أن العادة قاضية باشتغال بال الرجل بسبب تظاهر أزواجه
~~عليه، وفيه أيضا مزيد إغاظة للمنافقين وحسم لأطماعهم الفارغة فكأنه قيل:
~~فإن تظاهرا عليه لا يضر ذلك في أمره فإن الله تعالى هو مولاه وناصره في
~~أمر دينه وسائر شؤونه على كل من يتصدى لما يكرهه وجبريل وصالح المؤمنين
~~والملائكة بعد ذلك مظاهرون له ومعينون إياه كذلك، ويلائم هذا ترك ذكر
~~المعان عليه حيث / لم يقل ظهير له عليكما مثلا، وكذا ترك ذكر ms10695 المعان فيه
~~وتخصيص  صالح المؤمنين  بالذكر، وتقوي هذه الملاءمة على ما روي عن ابن
~~جبير من تفسير  صالح المؤمنين  بمن برىء من النفاق فتأمل.

### || [66.5]

# { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله } أي أن يعطيه عليه
~~الصلاة والسلام بدلكن { أزوجا خيرا منكن } والخطاب لجميع
~~زوجاته صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين على سبيل الالتفات، وخوطبن
~~لأنهن في مهبط الوحي وساحة العز والحضور، ويرشد إلى هذا ماأخرج البخاري
~~عن أنس قال: قال عمر:«اجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة
~~عليه فقلت [لهن]: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله خيرا منكن فنزلت هذه
~~الآية»، وليس فيها أنه عليه الصلاة والسلام لم يطلق حفصة وأن في النساء
~~خيرا منهن مع أن المذهب على ما قيل أنه ليس على وجه الأرض خير منهن لأن
~~تعليق طلاق الكل لا ينافي تطليق واحدة، والمعلق بما لم يقع لا يجب وقوعه.

# وجوز أن يكون الخطاب للجميع على التغليب، وأصل الخطاب لاثنتين منهن وهما
~~المخاطبتان أولا بقوله تعالى:

# إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما

# [التحريم: 4] الخ فكأنه قيل: عسى ربه إن طلقكما وغيركما أن يبدله خيرا
~~منكما ومن غيركما من الأزواج. والظاهر أن عدم دلالة الآية على أنه عليه
~~الصلاة والسلام لم يطلق حفصة وأن في النساء خيرا من أزواجه صلى الله
~~عليه وسلم على حاله لأن التعليق على طلاق الاثنتين ولم يقع فلا يجب وقوع
~~المعلق ولا ينافي تطليق واحدة. وقال الخفاجي التغليب في خطاب الكل مع أن
~~المخاطب أولا اثنتان، وفي لفظة { إن } الشرطية أيضا الدالة على عدم
~~وقوع الطلاق. وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم طلق حفصة فغلب ما لم يقع من
~~الطلاق على الواقع وعلى التعميم لا تغليب في الخطاب ولا في { إن }
~~انتهى، وفيه بحث.

# ثم إن المشهور أن { عسى } في كلامه تعالى للوجوب، وأن الوجوب هنا إنما
~~هو بعد تحقق الشرط، وقيل: هي كذلك إلا هنا، والشرط معترض بين اسم { عسى
~~} وخبرها، والجواب محذوف أي إن طلقكن فعسى الخ، ms10696 و { أزوجا } مفعول
~~ثان  ليبدل  و { خيرا } صفته وكذا ما بعد.

# وقرأ أبو عمرو في رواية عياش { طلقكن } بإدغام القاف في الكاف.
~~وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير { يبدله } بالتشديد للتكثير.

# { مسلمت } مقرات { مؤمنت } مخلصات لأنه يعتبر في الإيمان
~~تصديق القلب، وهو لا يكون إلا مخلصا، أو منقادات، على أن الإسلام بمعناه
~~اللغوي مصدقات { قنتت } مصليات أو مواظبات على الطاعة مطلقا {
~~تئبت } مقلعات عن الذنب { عبدات } متعبدات أو متذللات لأمر
~~الرسول صلى الله عليه وسلم { عبدت سئحت } صائمات كما قال
~~ابن عباس وأبو هريرة وقتادة والضحاك والحسن وابن جبير وزيد بن أسلم وابنه
~~عبد الرحمن، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال الفراء: وسمي
~~الصائم سائحا لأن السائح لا زاد معه، وإنما يأكل من حيث يجد الطعام، وعن
~~زيد بن أسلم ويمان مهاجرات، وقال ابن زيد: ليس في الإسلام سياحة إلا
~~الهجرة، وقيل: ذاهبات في طاعة الله تعالى أي مذهب.

# وقرأ عمرو بن قائد  سيحات  { ثيبت } جمع ثيب من ثاب يثوب ثوبا،
~~وزنه فيعل كسيد، وهي التي تثوب أي ترجع عن الزوج أي بعد زوال عذرتها {
~~وأبكارا } جمع بكر من بكر إذا خرج بكرة وهي أول النهار، وفيها معنى
~~التقدم سميت بها التي لم تفتض اعتبارا بالثيب لتقدمها عليها فيما يراد
~~له النساء.

# وترك العطف / في الصفات السابقة لأنها صفات تجتمع في شيء واحد وبينها
~~شدة اتصال يقتضي ترك العطف ووسط العاطف هنا للدلالة على تغاير الصفتين
~~وعدم اجتماعهما في ذات واحدة. ولم يؤت  بأو  قيل: ليكون المعنى أزواجا
~~بعضهن ثيبات وبعضهن أبكار، وقريب منه ما قيل: وسط العاطف بين الصفتين
~~لأنهما في حكم صفة واحدة إذ المعنى مشتملات على الثيبات والأبكار فتدبر.

# وفي «الانتصاف» لابن المنير ذكر لي الشيخ ابن الحاجب أن القاضي الفاضل
~~عبد الرحيم البيساني الكاتب كان يعتقد أن الواو في الآية هي الواو التي
~~سماها بعض ضعفة النحاة واو الثمانية لأنها ذكرت مع الصفة الثامنة، وكان
~~الفاضل يتبجح باستخراجها زائدة على المواضع الثلاثة المشهورة قبله: ms10697 أحدها
~~في التوبة 

# التئبون العبدون

# [التوبة: 112]  إلى قوله سبحانه:

# والناهون عن المنكر

# [التوبة: 112] والثاني في قوله تعالى:

# وثامنهم كلبهم

# [الكهف: 22]، والثالث في قوله تعالى:

# وفتحت أبوبها

# [الزمر: 73] إلى أن ذكر ذلك يوما بحضرة أبي الجود النحوي المقري فبين
~~له أنه واهم في عدها من ذلك القبيل، وأحال [البيان] على المعنى الذي ذكره
~~الزمخشري من دعاء الضرورة إلى الإتيان بها ههنا لامتناع اجتماع الصفتين
~~في موصوف واحد وواو الثمانية إن ثبتت فإنما ترد بحيث لا حاجة إليها إلا
~~الإشعار بتمام نهاية العدد الذي هو السبعة فأنصفه الفاضل واستحسن ذلك
~~منه، وقال: أرشدتنا يا أبا الجود انتهى.

# وذكر الجنسان لأن في أزواجه صلى الله عليه وسلم من تزوجها ثيبا وفيهن
~~من تزوجها بكرا، وجاء أنه عليه الصلاة والسلام لم يتزوج بكرا إلا عائشة
~~رضي الله تعالى عنها وكانت تفتخر بذلك على صواحباتها، وردت عليها الزهراء
~~- على أبيها وعليها الصلاة والسلام - بتعليم النبي صلى الله عليه وسلم
~~إياها حين افتخرت على أمها خديجة رضي الله تعالى عنه بقولها: إن أمي تزوج
~~بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بكر لم يره أحد من النساء غيرها
~~ولا كذلك أنتن فسكتت.

### || [66.6]

# { يأيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم
~~نارا } أي نوعا من النار { وقودها الناس والحجارة } تتقد
~~بهما اتقاد غيرها بالحطب، ووقاية النفس عن النار بترك المعاصي وفعل
~~الطاعات، ووقاية الأهل بحملهم على ذلك بالنصح والتأديب، وروي

# " أن عمر قال حين نزلت: يا رسول الله نقي أنفسنا فكيف لنا بأهلينا؟ فقال
~~عليه الصلاة والسلام: تنهوهن عما نهاكم الله عنه وتأمروهن بما أمركم الله
~~به فيكون ذلك وقاية بينهن وبين النار "

# وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه وجماعة عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه
~~قال في الآية: علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم. والمراد بالأهل على
~~ما قيل: ما يشمل الزوجة والولد والعبد والأمة.

# واستدل بها على أنه يجب على الرجل تعلم ما يجب من الفرائض وتعليمه
~~لهؤلاء، وأدخل بعضهم الأولاد في الأنفس لأن الولد بعض ms10698 من أبيه، وفي
~~الحديث

# " رحم الله رجلا قال: يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم
~~جيرانكم لعل الله يجمعكم معه في الجنة "

# ، وقيل: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة من جهل أهله.

# وقرىء  وأهلوكم  بالواو وهو عطف على الضمير في { قوا } وحسن العطف
~~للفصل بالمفعول، والتقدير عند بعض: وليق أهلوكم أنفسهم ولم يرتضه
~~الزمخشري، وذكر ما حاصله أن الأصل: قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم وأنفسهم بأن
~~يقي ويحفظ كل منكم ومنهم نفسه عما يوبقها، فقدم أنفسكم، وجعل الضمير
~~المضاف إليه الأنفس مشتملا على الأهلين تغليبا فشملهم الخطاب، وكذا
~~اعتبر التغليب في { قوا } ، وفيه / تقليل للحذف وإيثار العطف المفرد
~~الذي هو الأصل والتغليب الذي نكتته الدلالة على الأصالة والتبعية. وقرأ
~~الحسن ومجاهد { وقودها } بضم الواو أي ذو وقودها، وتمام الكلام في هذه
~~الآية يعلم مما مر في سورة البقرة { عليها ملئكة } أي إنهم
~~موكلون عليها يلون أمرها وتعذيب أهلها وهم الزبانية التسعة عشر قيل:
~~وأعوانهم { غلاظ شداد } غلاظ الأقوال شداد الأفعال، أو غلاظ الخلق
~~شداد الخلق أقوياء على الأفعال الشديدة، أخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد
~~الزهد» عن أبي عمران الجوني قال: بلغنا أن خزنة النار تسعة عشر ما بين
~~منكبي أحدهم مسيرة مائة خريف ليس في قلوبهم رحمة إنما خلقوا للعذاب يضرب
~~الملك منهم الرجل من أهل النار الضربة فيتركه طحنا من لدن قرنه إلى
~~قدمه.

# { لا يعصون الله ما أمرهم } صفة أخرى  لملائكة  و {
~~ما } في محل النصب على البدل أي لا يعصون ما أمر الله أي أمره تعالى
~~كقوله تعالى:

# أفعصيت أمرى

# [طه: 93] أو على إسقاط الجار أي لا يعصون فيما أمرهم به { ويفعلون
~~ما يؤمرون } أي الذي يأمرهم عز وجل به.

# والجملة الأولى لنفي المعاندة والاستكبار عنهم صلوات الله تعالى عليهم
~~فهي كقوله تعالى:

# لا يستكبرون عن عبادته

# [الأنبياء: 19]، والثانية لإثبات الكياسة لهم ونفي الكسل عنهم فهي كقوله
~~تعالى:

# ولا يستحسرون

# [الأنبياء: 19] إلى

# لا يفترون

# [الأنبياء: 20]، وبعبارة أخرى إن الأولى لبيان القبول باطنا فإن
~~العصيان أصله المنع ms10699 والإباء، وعصيان الأمر صفة الباطن بالحقيقة لأن
~~الإتيان بالمأمور إنما يعد طاعة إذا كان بقصد الامتثال فإذا نفي العصيان
~~عنهم دل على قبولهم وعدم إبائهم باطنا، والثانية لأداء المأمور به من
~~غير تثاقل وتوان على ما يشعر به الاستمرار المستفاد من { يفعلون }
~~فلا تكرار، وفي «المحصول» { لا يعصون } فيما مضى - على أن المضارع
~~لحكاية الحال الماضية - { ويفعلون ما يؤمرون } في الآتي.
~~وجوز أن يكون ذلك من باب الطرد والعكس وهو كل كلامين يقرر الأول بمنطوقه
~~مفهوم الثاني وبالعكس مبالغة في أنهم لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله
~~عز وجل والغضب له سبحانه.

### || [66.7]

# { يأيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم } مقول
~~لقول قد حذف ثقة بدلالة الحال عليه، يقال لهم ذلك عند إدخال الملائكة
~~إياهم النار حسبما أمروا به، فتعريف اليوم للعهد ونهيهم عن الاعتذار
~~لأنهم لا عذر لهم أو لأن العذر لا ينفعهم { إنما تجزون ما
~~كنتم تعملون } في الدنيا من الكفر والمعاصي بعد ما نهيتهم عنهما
~~أشد النهي وأمرتم بالإيمان والطاعة على أتم وجه.

### || [66.8]

# { يأيها الذين ءامنوا توبوا إلى الله } من الذنوب {
~~توبة نصوحا } أي بالغة في النصح فهو من أمثلة المبالغة كضروب،
~~وصفت التوبة به على الإسناد المجازي وهو وصف التائبين، وهو أن ينصحوا
~~بالتوبة أنفسهم فيأتوا بها على طريقها، ولعله ما تضمنه ما أخرجه ابن
~~مردويه عن ابن عباس قال:

# " قال معاذ بن جبل: يا رسول الله ما التوبة النصوح؟ قال: أن يندم العبد
~~على الذنب الذي أصاب فيعتذر إلى الله تعالى ثم لا يعود إليه كما لا يعود
~~اللبن إلى الضرع "

# وروي تفسيرها بما ذكر عن عمر وابن مسعود وأبي والحسن ومجاهد وغيرهم،
~~وقيل: نصوحا من نصاحة الثوب أي خياطته أي توبة ترفو خروقك في دينك وترم
~~خلك، وقيل: خالصته من قولهم: عسل ناصح إذا خلص من الشمع، وجوز أن يراد
~~توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها، واستعمال
~~الجد والعزيمة في العمل بمقتضياتها، وفي المراد بها أقوال كثيرة أوصلها ms10700
~~بعضهم إلى نيف وعشرين قولا: منها ما سمعت.

# وقرأ زيد بن علي  توبا  بغير تاء، وقرأ الحسن. والأعرج. وعيسى. وأبو
~~بكر عن عاصم. وخارجة عن نافع { نصوحا } بضم النون وهو مصدر نصح فإن
~~النصح والنصوح كالشكر والشكور والكفر والكفور أي ذات نصح أو تنصح نصوحا
~~أو توبوا لنصح أنفسكم على أنه مفعول له.

# هذا والكلام في التوبة كثير، وحيث كانت أهم الأوامر الإسلامية وأول
~~المقامات الإيمانية ومبدأ طريق السالكين ومفتاح باب الواصلين، لا بأس في
~~ذكر شيء مما يتعلق بها فنقول: هي لغة الرجوع، وشرعا وصفا لنا على ما
~~قال السعد: الندم على المعصية لكونها معصية، لأن الندم عليها بإضرارها
~~بالبدن أو إخلالها بالعرض أو المال مثلا لا يكون توبة، وأما الندم لخوف
~~النار أو للطمع في الجنة ففي كونه توبة تردد، ومبناه على أن ذلك هل يكون
~~ندما عليها لقبحها ولكونها معصية أم لا؟ وكذا الندم عليها لقبحها مع غرض
~~آخر، والحق أن جهة القبح إن كانت بحيث لو انفردت لتحقق الندم فتوبة وإلا
~~فلا كما إذا كان الغرض مجموع الأمرين لا كل واحد منهما، وكذا في التوبة
~~عند مرض مخوف بناءا على أن ذلك الندم هل يكون لقبح المعصية بل للخوف.

# وظاهر الأخبار قبول التوبة ما لم تظهر علامات الموت ويتحقق أمره عادة،
~~ومعنى الندم تحزن وتوجع على أن فعل وتمني كونه لم يفعل ولا بد من هذا
~~للقطع بأن مجرد الترك - كالماجن إذا مل مجونه فاستروح إلى بعض المباحات -
~~ليس بتوبة، ولقوله عليه الصلاة والسلام:

# " الندم توبة "

# وقد يزاد قيد العزم على ترك المعاودة. واعترض بأن فعل المعصية في
~~المستقبل قد لا يخطر بالبال لذهول أو جنون أو نحوه، وقد لا يقدر عليه
~~لعارض آفة كخرس في القذف مثلا أو جب في الزنا فلا يتصور العزم على
~~الترك لما فيه من الإشعار بالقدرة والاختيار. وأجيب بأن المراد العزم على
~~الترك على تقدير الخطور والاقتدار حتى لو سلب القدرة لم يشترط العزم على
~~الترك، وبذلك يشعر كلام إمام ms10701 الحرمين حيث قال: إن العزم على ترك المعاودة
~~إنما يقارن التوبة في بعض الأحوال ولا يطرد في كل حال إذ العزم إنما يصح
~~ممن يتمكن من مثل ما قدمه، ولا يصح من المجبوب العزم على ترك الزنا ومن
~~الأخرس العزم على ترك القذف.

# وقال بعض الأجلة: التحقيق أن ذكر العزم إنما هو للبيان والتقرير لا
~~للتقييد والاحتراز إذ النادم على المعصية لقبحها لا يخلو عن ذلك العزم
~~البتة على تقدير الخطور والاقتدار، وعلامة الندم طول الحسرة والخوف
~~وانسكاب الدمع، ومن الغريب ما قيل: إن علامة صدق الندم عن ذنب كالزنا أن
~~لا يرى في المنام أنه يفعله اختيارا إذ يشعر ذلك ببقاء حبه وإياه وعدم
~~انقلاع أصوله من قلبه بالكلية وهو ينافي صدق الندم، وقال المعتزلة: يكفي
~~في التوبة أن يعتقد أنه أساء وأنه لو أمكنه رد تلك المعصية لردها ولاحاجة
~~إلى الأسف والحزن لإفضائه إلى التكليف بما لا يطاق.

# وقال الإمام النووي: التوبة ما استجمعت ثلاثة أمور: أن يقلع عن المعصية
~~وأن يندم على فعلها وأن يعزم عزما جازما على أن لا يعود إلى مثلها
~~أبدا فإن كانت تتعلق بآدمي لزم رد الظلامة إلى صاحبها أو وارثه أو تحصيل
~~البراءة منه، وركنها الأعظم الندم.

# وفي «شرح المقاصد» قالوا: إن كانت المعصية في خالص حق الله تعالى فقد
~~يكفي الندم كما في ارتكاب الفرار من الزحف وترك الأمر بالمعروف، وقد
~~تفتقر إلى أمر زائد كتسليم النفس للحد في الشرب / وتسليم ما وجب في ترك
~~الزكاة ومثله في ترك الصلاة، وإن تعلقت بحقوق العباد لزم مع الندم والعزم
~~إيصال حق العبد أو بدله إليه إن كان الذنب ظلما كما في الغصب والقتل
~~العمد، ولزم إرشاده إن كان الذنب إضلالا له، والاعتذار إليه إن كان
~~إيذاءا كما في الغيبة إذا بلغته ولا يلزم تفصيل ما اغتابه به إلا إذا
~~بلغه على وجه أفحش، والتحقيق أن هذا الزائد واجب آخر خارج عن التوبة 
~~على ما قاله إمام الحرمين  من أن القاتل إذا ندم ms10702 من غير تسليم نفسه
~~للقصاص صحت توبته في حق الله تعالى وكان منعه القصاص من مستحقه معصية
~~متجددة تستدعي توبة ولا يقدح في التوبة عن القتل، ثم قال: وربما لا تصح
~~التوبة بدون الخروج من حق العبد كما في الغصب، ففرق بين القتل والغصب،
~~ووجهه لا يخفى على المتأمل.

# ولم يختلف أهل السنة وغيرهم في وجوب التوبة على أرباب الكبائر، واختلف
~~في الدليل، فعندنا السمع كهذه الآية وغيرها وحمل الأمر فيها على
~~الرخصة والإيذان بقولها ودفع القنوط  كما جوزه الآمدي احتمالا وبنى
~~عليه عدم الإثابة عليها مما لا يكاد يقبل، وعند المعتزلة العقل، وأوجبت
~~الجهمية التوبة عن الصغائر سمعا لا عقلا، وأهل السنة على ذلك، ومقتضى
~~كلام النووي والمازري وغيرهما وجوبها حال التلبس بالمعصية، وعبارة
~~المازري اتفقوا على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة، وأنها واجبة على
~~الفور، ولا يجوز تأخيرها سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة. وفي «شرح
~~الجوهرة» أن التمادي على الذنب بتأخير التوبة منه معصية واحدة ما لم
~~يعتقد معاودته، وصرحت المعتزلة بأنها واجبة على الفور حتى يلزم بتأخيرها
~~ساعة إثم آخر تجب التوبة عنه، وساعتين إثمان وهلم جرا، بل ذكروا أن
~~بتأخير التوبة عن الكبيرة ساعة واحدة يكون له كبيرتان: المعصية وترك
~~التوبة، وساعتين أربع: الأوليان وترك التوبة على كل منهما، وثلاث ساعات
~~ثمان وهكذا.

# وتصح عن ذنب دون ذنب لتحقق الندم والعزم على عدم العود، وخالف أبو هاشم
~~محتجا بأن الندم على المعصية يجب أن يكون لقبحها وهو شامل لها كلها فلا
~~يتحقق الندم على قبيح مع الإصرار على آخر. وأجيب بأن الشامل للكل هو
~~القبح لا خصوص قبح تلك المعصية. وهذا الخلاف في غير الكافر إذا أسلم وتاب
~~من كفره مع استدامته بعض المعاصي، أما هو فتوبته صحيحة وإسلامه كذلك
~~بالإجماع ولا يعاقب إلا عقوبة تلك المعصية، نعم اختلف في أن مجرد إيمانه
~~هل يعد توبة أم لا بد من الندم على سالف كفره؟ فعند الجمهور مجرد إيمانه
~~توبة، وقال الإمام والقرطبي: لا بد ms10703 من الندم على سالف الكفر.

# وعدم اشتراط العمل الصالح مجمع عليه عند الأئمة خلافا لابن حزم، وكذا
~~تصح التوبة عن المعاصي إجمالا من غير تعيين المتوب عنه ولو لم يشق عليه
~~تعيينه، وخالف بعض المالكية فقال: إنما تصح إجمالا مما علم إجمالا،
~~وأما ما علم تفصيلا فلا بد من التوبة منه تفصيلا ولا تنتقض التوبة
~~الشرعية بالعود فلا تعود عليه ذنوبه التي تاب منها بل العود والنقض معصية
~~أخرى يجب عليه أن يتوب منها. وقالت المعتزلة: من شروط صحتها أن لا يعاود
~~الذنب فإن عاوده انتقضت توبته وعادت ذنوبه لأن الندم المعتبر فيها لا
~~يتحقق إلا بالاستمرار، ووافقهم القاضي أبو بكر والجمهور على أن استدامة
~~الندم غير واجبة بل الشرط أن لا يطرأ عليه ما ينافيه ويدفعه لأنه حينئذ
~~دائم حكما كالإيمان حال النوم، ويلزم من اشتراط الاستدامة مزيد الحرج
~~والمشقة، وقال الآمدي: يلزم أيضا اختلال الصلوات وسائر العبادات، ويلزم
~~أيضا / أن لا يكون بتقدير عدم استدامة الندم وتذكره تائبا، وأن يجب
~~عليه إعادة التوبة وهو خلاف الإجماع، نعم اختلف العلماء فيمن تذكر
~~المعصية بعد التوبة منها، هل يجب عليه أن يجدد الندم؟ وإليه ذهب القاضي
~~منا وأبو علي من المعتزلة زعما منهما أنه لو لم يندم كلما ذكرها لكان
~~مشتهيا لها فرحا بها، وذلك إبطال للندم ورجوع إلى الإصرار، والجواب
~~المنع إذ ربما يضرب عنها صفحا من غير ندم عليها ولا اشتهاء لها وابتهاج
~~بها، ولو كان الأمر كما ذكر للزم أن لا تكون التوبة السابقة صحيحة، وقد
~~قال القاضي نفسه: إنه إذا لم يجدد ندما كان ذلك معصية جديدة يجب الندم
~~عليها والتوبة الأولى مضت على صحتها إذ العبادة الماضية لا ينقضها شيء
~~بعد ثبوتها انتهى.

# وبعدم وجوب التجديد عند ذكر المعصية صرح إمام الحرمين، ويفهم من كلامهم
~~أن محل الخلاف إذا لم يبتهج عند ذكر الذنب به ويفرح ويتلذذ بذكره أو
~~سماعه، وإلا وجب التجديد اتفاقا، وظاهر كلامهم أن المعاودة غير مبطلة
~~ولو كانت في مجلس التوبة ms10704 بل ولو تكررت تكرارا يلتحق بالتلاعب، وفي هذا
~~الأخير نظر فقد قال القاضي عياض: إن الواقع في حق الله تعالى بما هو كفر
~~تنفعه توبته مع شديد العقاب ليكون ذلك زجرا له ولمثله إلا من تكرر ذلك
~~منه وعرف استهانته بما أتى به فهو دليل على سوء طويته وكذب توبته انتهى.
~~وينبغي عليه أن يقيد ذلك بأن لا تكثر كثرة تشعر بالاستهانة وتدخل صاحبها
~~في دائرة الجنون.

# واختلف في صحة التوبة الموقتة بلا إصرار كأن لا يلابس الذنوب أو ذنب كذا
~~سنة فقيل: تصح، وقيل: لا، وفي «شرح الجوهرة» قياس صحتها من بعض الذنوب
~~دون بعض صحتها فيما ذكر.

# ثم إن للتوبة مراتب من أعلاها ما روي عن يعسوب المؤمنين كرم الله تعالى
~~وجهه أنه سمع أعرابيا يقول: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك فقال: يا هذا
~~إن سرعة اللسان بالتوبة توبة الكذابين، فقال الأعرابي: وما التوبة؟ قال
~~كرم الله تعالى وجهه: يجمعها ستة أشياء: على الماضي من الذنوب الندامة
~~وللفرائض الإعادة ورد المظالم واستحلال الخصوم وأن تعزم على أن لا تعود
~~وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية وأن تذيقها مرارة
~~الطاعة كما أذقتها حلاوة المعاصي. وأريد بإعادة الفرائض أن يقضي منها ما
~~وقع في زمان معصيته كشارب الخمر يعيد صلاته قبل التوبة لمخامرته للنجاسة
~~غالبا، وهذه توبة نحو الخواص فلا مستند في هذا الأثر لابن حزم وأضرابه
~~كما لا يخفى.

# ثم إنه تعالى بين فائدة التوبة بقوله سبحانه: { عسى ربكم أن
~~يكفر عنكم سيئتكم ويدخلكم جنت تجري من
~~تحتها الأنهر } قيل: المراد أنه عز وجل يفعل ذلك لكن جيء بصيغة
~~الإطماع للجري على عادة الملوك فإنهم إذا أرادوا فعلا قالوا: عسى أن
~~نفعل كذا، والإشعار بأن ذلك تفضل منه سبحانه والتوبة غير موجبة له، وأن
~~العبد ينبغي أن يكون بين خوف ورجاء وإن بالغ في إقامة وظائف العبادة.

# واستدل بالآية على عدم وجوب قبول التوبة لأن التكفير أثر القبول، وقد
~~جيء معه بصيغة الإطماع دون القطع، ms10705 وهذه المسألة خلافية فذهب المعتزلة إلى
~~أنه يجب على الله تعالى قبولها عقلا وأتوا في ذلك بمقدمات مزخرفات، وقال
~~إمام الحرمين والقاضي أبو بكر: يجب قبولها سمعا ووعدا لكن بدليل ظني إذ
~~لم يثبت في ذلك نص قاطع لا يحتمل التأويل، وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري:
~~بل بدليل قطعي ومحل النزاع بين الأشعري وتلميذيه ما عدا توبة الكافر أما
~~هي فالإجماع على قبولها قطعا بالسمع لوجود النص المتواتر بذلك كقوله
~~تعالى:

# قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد
~~سلف

# [الأنفال: 38] بخلاف ما جاء في توبة / غيره فإنه ظاهر، وليس بنص في
~~غفران ذنوب المسلم بالتوبة كقوله تعالى:

# قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا
~~تقنطوا من رحمة الله

# [الزمر:53]، وأما حديث

# " التوبة تجب ما قبلها "

# فليس بمتواتر ولأنه إذا قطع بقبول توبة الكافر كان ذلك فتحا لباب
~~الإيمان وسوقا إليه، وإذا لم يقطع بتوبة المؤمن كان ذلك سدا لباب
~~العصيان ومنعا منه، وهذا وما قبله ذكرهما القاضي لما قيل له: إن الدلائل
~~مع الشيخ أبي الحسن.

# وقال ابن عطية: إن جمهور أهل السنة على قول القاضي، والدليل على ذلك
~~دعاء كل أحد من التائبين بقبول توبته ولو كان مقطوعا به لما كان للدعاء
~~معنى، ومثل ذلك وجوب الشكر على القبول فإنه لو كان واجبا لما وجب الشكر
~~عليه. وتعقب ذلك السعد بأنه ربما يدفع بأن المسؤول في الدعاء هو
~~استجماعها لشرائط القبول فإن الأمر فيه خطير، ووجوب القبول لا ينافي وجوب
~~الشكر لكونه إحسانا في نفسه كتربية الوالد لولده؛ وقال الإمام النووي:
~~لا يجب على الله تعالى قبول التوبة إذا وجدت بشروطها عند أهل السنة لكنه
~~سبحانه يقبلها كرما منه وتفضلا، وعرفنا قبولها بالشرع والإجماع فلا
~~تغفل.

# وقرىء { يدخلكم } بسكون اللام، وخرجه أبو حيان على أن يكون حذف الحركة
~~تخفيفا وتشبيها لما هو في كلمتين بالكلمة الواحدة فإنه يقال في قمع:
~~قمع، وفي نطع: نطع، وقال: إنه أولى من كونه للعطف على محل { عسى
~~ربكم أن يكفر } ، واختاره ms10706 الزمخشري كأنه قيل: توبوا يرج تكفير
~~أو يوجب تكفير سيآتكم ويدخلكم.

# { يوم لا يخزى الله النبى } ظرف  ليدخلكم  وتعريف {
~~النبى } للعهد، والمراد به سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم،
~~والمراد بنفي الإخزاء إثبات أنواع الكرامة والعز.

# وفي «القاموس» يقال: أخزى الله تعالى فلانا فضحه، وقال الراغب ((يقال:
~~خزي الرجل لحقه انكسار إما من نفسه وهو الحياء المفرط ومصدره الخزاية،
~~وإما من غيره وهو ضرب من الاستخفاف، ومصدره الخزي، و { يوم لا
~~يخزى الله النبى } هو من الخزي أقرب، ويجوز أن يكون منهما
~~جميعا)) { والذين ءامنوا معه } عطف عليه عليه الصلاة
~~والسلام، وفيه تعريض بمن أخزاهم الله تعالى من أهل الكفر والفسوق،
~~واستحماد على المؤمنين على أن عصمهم من مثل حالهم، والمراد بالإيمان هنا
~~فرده الكامل على ما ذكره الخفاجي.

# وقوله تعالى: { نورهم يسعى بين أيديهم
~~وبأيمنهم } أي على الصراط كما قيل، ومر الكلام فيه جملة
~~مستأنفة، وكذا قوله سبحانه: { يقولون } الخ، وجوز أن تكون الجملتان
~~في موضع الحال من الموصول، وأن تكون الأولى حالا منه والثانية حالا من
~~الضمير في { يسعى } ، وأن تكون الأولى مستأنفة والثانية من الضمير،
~~وأن تكون الأولى حالا من الموصول والثانية مستأنفة أو حالا من الضمير،
~~وجوز أن يكون الموصول مبتدأ خبره { معه } والجملتان خبران آخران أو
~~مستأنفتان أو حالان من الموصول، أو الأولى حال منه والثانية حال من
~~الضمير، أو الأولى مستأنفة والثانية حال من الضمير، أو الأولى حال
~~والثانية مستأنفة، أو الأولى خبر بعد خبر والثانية حال من الضمير أو
~~مستأنفة، وجوز أن يكون الموصول مبتدأ خبره قوله تعالى: { نورهم
~~يسعى } الخ، والجملة الأخرى مستأنفة أو حال أو خبر بعد خبر فهذه عدة
~~احتمالات لا يخفى ما هو الأظهر منها.

# والقول - على ما روي عن ابن عباس والحسن - يكون إذا طفىء نور المنافقين
~~أي يقولون إذا طفىء نور المنافقين { ربنا أتمم لنا نورنا
~~واغفر لنا إنك على كل شىء قدير } وفي رواية أخرى عن
~~الحسن يدعون تقربا إلى الله تعالى مع تمام نورهم، ms10707 وقيل: يقول ذلك من يمر
~~على الصراط زحفا وحبوا.

# / وقيل: من يعطى من النور بقدر ما يبصر به موضع قدمه، ويعلم منه عدم
~~تعين حمل الإيمان على فرده الكامل كما سمعت عن الخفاجي. وقرأ سهل بن شعيب
~~السهمي وأبو حيوة { وبإيمنهم } بكسر الهمزة على أنه مصدر معطوف على
~~الظرف أي كائنا بين أيديهم وكائنا بسبب إيمانهم.

### || [66.9]

# { يأيها النبى جهد الكفار } بالسيف {
~~والمنفقين } بالحجة { واغلظ عليهم } واستعمل الخشونة
~~على الفريقين فيما تجاهدهم به إذا بلغ الرفق مداه. وعن الحسن أكثر ما كان
~~يصيب الحدود في ذلك الزمان المنافقين فأمر عليه الصلاة والسلام أن يغلظ
~~عليهم في إقامة الحدود، وحكى الطبرسي عن الباقر أنه قرأ  جاهد الكفار
~~بالمنافقين  وأظن ذلك من كذب الإمامية عاملهم الله تعالى بعدله {
~~ومأواهم جهنم } أي وسيرون فيها عذابا غليظا { وبئس
~~المصير } أي جهنم أو مأواهم. والعطف قيل: من عطف القصة على القصة.

### || [66.10]

# { ضرب الله مثلا للذين كفروا } ضرب المثل في مثل
~~هذا الموقع عبارة عن إيراد حالة غريبة لتعرف بها حالة أخرى مشاكلة لها في
~~الغرابة، أي جعل الله تعالى مثلا لحال الكفرة حالا ومآلا على أن
~~(مثلا) مفعول ثان لضرب، واللام متعلقة به، وقوله تعالى: { امرأت
~~نوح } واسمها قيل: والعة { وامرأت لوط } واسمها قيل: واهلة،
~~وقيل: والهة، وعن مقاتل اسم امرأة نوح والهة واسم امرأة لوط والعة -
~~مفعوله الأول؛ وأخر عنه ليتصل به ما هو شرح وتفسير لحالهما، ويتضح بذلك
~~حال الكفرة، والمراد ضرب الله تعالى مثلا لحال أولئك حال امرأة الخ،
~~فقوله تعالى: { كانتا تحت عبدين من عبادنا صلحين
~~} بيانا لحالهما الداعية لهما إلى الخير والصلاح، ولم يقل: تحتهما
~~للتعظيم أي كانتا في عصمة نبيين عظيمي الشأن متمكنين من تحصيل خير الدنيا
~~والآخرة وحيازة سعادتهما.

# وقوله تعالى: { فخانتاهما } بيان لما صدر عنهما من الخيانة
~~العظيمة مع تحقق ما ينافيها من مرافقة النبي عليه الصلاة والسلام، أما
~~خيانة امرأة نوح عليه السلام فكانت تقول للناس: إنه مجنون، وأما خيانة
~~امرأة لوط فكانت تدل على ms10708 الضيف، رواه جمع وصححه الحاكم عن ابن عباس.
~~وأخرج ابن عدي والبيهقي في «شعب الإيمان» وابن عساكر عن الضحاك أنه قال:
~~خيانتهما النميمة، وتمامه في رواية: كانتا إذا أوحى الله تعالى بشيء
~~أفشتاه للمشركين، وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال: خيانتهما أنهما
~~كانتا كافرتين مخالفتين، وقيل: كانتا منافقتين، والخيانة والنفاق قال
~~الراغب: ((واحد إلا أن الخيانة تقال اعتبارا بالعهد والأمانة، والنفاق
~~يقال اعتبارا بالدين ثم يتداخلان، فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في
~~السر ونقيضها الأمانة، وحمل ما في الآية على هذا))، ولا تفسر ههنا
~~بالفجور لما أخرج غير واحد عن ابن عباس «ما زنت امرأة نبي قط» ورفعه
~~أشرس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي «الكشاف» لا يجوز أن يراد بها
~~الفجور لأنه سمج في الطبع نقيصة عند كل أحد بخلاف الكفر فإن الكفر لا
~~يستسمجونه ويسمونه حقا. ونقل ابن عطية عن بعض تفسيرها بالكفر والزنا
~~وغيره، ولعمري لا يكاد يقول بذلك إلا ابن زنا، فالحق عندي أن عهر الزوجات
~~كعهر الأمهات من المنفرات التي قال السعد: إن الحق منعها في حق الأنبياء
~~عليهم السلام، وما ينسب للشيعة مما يخالف ذلك في حق سيد الأنبياء صلى
~~الله عليه وسلم كذب عليهم فلا تعول عليه وإن كان شائعا. وفي هذا على ما
~~قيل: تصوير لحال المرأتين المحاكية لحال الكفرة في خيانتهم لرسول الله
~~صلى الله عليه وسلم بالكفر والعصيان مع تمكنهم التام من الإيمان والطاعة.

# وقوله تعالى / { فلم يغنيا } الخ بيان لما أدى إليه خيانتهما أي
~~فلم يغن ذانك العبدان الصالحان والنبيان العظيمان { عنهما } بحق
~~الزواج { من الله } أي من عذابه عز وجل { شيئا } أي شيئا من
~~الإغناء، أو شيئا من العذاب. { وقيل } لهما عند موتهما أو يوم
~~القيامة، وعبر بالماضي لتحقق الوقوع { ادخلا النار مع
~~الدخلين } أي مع سائر الداخلين من الكفرة الذي لا وصلة بينهم وبين
~~الأنبياء عليهم السلام. وذكر غير واحد أن المقصود الإشارة إلى أن الكفرة
~~يعاقبون بكفرهم ولا يراعون بما بينهم وبين النبي ms10709 صلى الله عليه وسلم من
~~الوصلة. وفيه تعريض لأمهات المؤمنين وتخويف لهن بأنه لا يفيدهن إن أتين
~~بما حظر عليهن كونهن تحت نكاح النبي صلى الله عليه وسلم، وليس في ذلك ما
~~يدل على أن فيهن كافرة أو منافقة كما زعمه يوسف الأوالي من متأخري
~~الإمامية، سبحانك هذا بهتان عظيم.

# وقرأ مبشر بن عبيد  تغنيا  بالتاء المثناة من فوق، و { عنهما }
~~عليه بتقدير عن نفسهما قال أبو حيان: ولا بد من هذا المضاف إلا أن يجعل 
~~عن  اسما كهي في: دع عنك لأنها إن كانت حرفا كان في ذلك تعدية الفعل
~~الرافع للضمير المتصل إلى ضميره المجرور وهو يجري مجرى الضمير المنصوب
~~وذلك لا يجوز. وفيه بحث.

### || [66.11]

# { وضرب الله مثلا للذين ءامنوا امرأت فرعون
~~} أي جعل حالها مثلا لحال المؤمنين في أن وصلة الكفرة لا تضرهم حيث كانت
~~في الدنيا تحت أعدى أعداء الله عز وجل وهي في أعلى غرف الجنة واسمها آسية
~~بنت مزاحم. وقوله تعالى: { إذ قالت } ظرف لمحذوف أي وضرب الله مثلا
~~للذين آمنوا حال امرأة فرعون إذ قالت { رب ابن لى عندك } قيل: أي
~~قريبا من رحمتك لتنزهه سبحانه عن المكان.

# وجوز في { عندك } كونه حالا من ضمير المتكلم وكونه حالا من قوله
~~تعالى: { بيتا } لتقدمه عليه وكان صفة لو تأخر، وقوله تعالى: { فى
~~الجنة } بدل أو عطف بيان لقوله تعالى: { عندك } أو متعلق بقوله
~~تعالى: { ابن } وقدم { عندك } لنكتة، وهي كما في «الفصوص» الإشارة
~~إلى قولهم: الجار قبل الدار. وجوز أن يكون المراد  بعندك  أعلى درجات
~~المقربين لأن ما عند الله تعالى خير، ولأن المراد القرب من العرش، و {
~~عندك } بمعنى عند عرشك ومقر عزك وهو على ما قيل: على الاحتمالات في
~~إعرابه ولا يلزم كونه ظرفا للفعل.

# { ونجنى من فرعون } أي من نفس فرعون الخبيثة وسلطانه الغشوم {
~~وعمله } أي وخصوصا من عمله وهو الكفر وعبادة غير الله تعالى
~~والتعذيب بغير جرم إلى غير ذلك من القبائح؛ والكلام على أسلوب

# ملئكته... وجبريل

# [البقرة: 98]، وجوز ms10710 أن يكون المراد: نجني من عمل فرعون فهو من أسلوب
~~أعجبني زيد وكرمه، والأول أبلغ لدلالته على طلب البعد من نفسه الخبيثة
~~كأنه بجوهره عذاب ودمار يطلب الخلاص منه، ثم طلب النجاة من عمله ثانيا
~~تنبيها على أنه الطامة العظمى، وخص بعضهم عمله بتعذيبه، وعن ابن عباس
~~أنه الجماع، وما تقدم أولى { ونجنى من القوم الظلمين }
~~من القبط التابعين له في الظلم قاله مقاتل، وقال الكلبي: من أهل مصر.
~~وكأنه أراد بهم القبط أيضا.

# والآية ظاهرة في أنها كانت مؤمنة مصدقة بالبعث. وذكر بعضهم أنها عمة
~~موسى عليه السلام آمنت حين سمعت بتلقف العصا الإفك فعذبها فرعون. وأخرج
~~أبو يعلى والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة
~~أوتاد في يديها ورجليها فكانت إذا تفرقوا عنها أظلتها الملائكة عليهم
~~السلام فقالت: { رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة } / فكشف
~~لها عن بيتها في الجنة وهو على ما قيل: من درة، وفي رواية عبد بن حميد
~~عنه أنه وتد لها أربعة أوتاد وأضجعها على ظهرها وجعل على صدرها رحى
~~واستقبل بها عين الشمس فرفعت رأسها إلى السماء فقالت { رب ابن لى }
~~إلى { الظلمين } ففرج الله تعالى عن بيتها في الجنة فرأته، وقيل:
~~أمر بأن تلقى عليها صخرة عظيمة فدعت الله تعالى فرقى بروحها فألقيت
~~الصخرة على جسد لا روح فيه، وعن الحسن فنجاها الله تعالى أكرم نجاة
~~فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتتنعم فيها، وظاهره أنها رفعت بجسدها
~~وهو لا يصح.

# وفي الآية دليل على أن الاستعاذة بالله تعالى والالتجاء إليه عز وجل
~~ومسألة الخلاص منه تعالى عند المحن والنوازل من سير الصالحين وسنن
~~الأنبياء، وهو في القرآن كثير.

### || [66.12]

# وقوله تعالى: { ومريم ابنة عمران } عطف على

# امرأت فرعون

# [التحريم: 11] أي وضرب مثلا للذين آمنوا حالتها وما أوتيت من كرامة
~~الدنيا والآخرة والاصطفاء مع كون أكثر قومها كفارا، وجمع في التمثيل بين
~~من لها زوج ومن لا زوج لها تسلية للأرامل وتطييبا لقلوبهن على ما قيل،
~~وهو ms10711 من بدع التفاسير كما في «الكشاف». وقرأ السختياني  ابنه  بسكون
~~الهاء وصلا أجراه مجرى الوقف { التى أحصنت فرجها } صانته
~~ومنعته من الرجال؛ وقيل: منعته عن دنس المعصية. والفرج ما بين الرجلين
~~وكني به عن السوءة؛ وكثر حتى صار كالصريح، ومنه ما هنا عند الأكثرين {
~~فنفخنا فيه } النافخ رسوله تعالى وهو جبريل عليه السلام فالإسناد
~~مجازي، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي فنفخ رسولنا، وضمير { فيه }
~~للفرج، واشتهر أن جبريل عليه السلام نفخ في جيبها فوصل أثر ذلك إلى
~~الفرج. وروي ذلك عن قتادة، وقال الفراء: ذكر المفسرون أن الفرج جيب درعها
~~وهو محتمل لأن الفرج معناه في اللغة كل فرجة بين الشيئين، وموضع جيب درع
~~المرأة مشقوق فهو فرج، وهذا أبلغ في الثناء عليها لأنها إذا منعت جيب
~~درعها فهي للنفس أمنع، وفي «مجمع البيان» عن الفراء أن المراد منعت جيب
~~درعها عن جبريل عليه السلام، وكان ذلك على ما قيل: قولها

# إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا

# [مريم: 18] وأفاد كلام البعض أن { أحصنت فرجها } على ما نقل
~~أولا عن الفراء كناية عن العفة نحو قولهم: هو نقي الجيب طاهر الذيل.
~~وجوز في ضمير { فيه } رجوعه إلى الحمل، وهو عيسى عليه السلام المشعر به
~~الكلام، وقرأ عبد الله  فيها  كما في الأنبياء [91] فالضمير لمريم.

# والإضافة في قوله تعالى: { من روحنا } للتشريف، والمراد من روح
~~خلقناه بلا توسط أصل، وقيل: لأدنى ملابسة وليس بذاك { وصدقت } آمنت
~~{ بكلمت ربها } بصحفه عز وجل المنزلة على إدريس عليه السلام
~~وغيره، وسماها سبحانه كلمات لقصرها { وكتبه } بجميع كتبه والمراد
~~بها ما عدا الصحف مما فيه طول، أو التوراة والإنجيل والزبور، وعد المصحف
~~من ذلك وإيمانها به ولم يكن منزلا بعد كالإيمان بالنبي الموعود عليه
~~الصلاة والسلام فقد كان صلى الله عليه وسلم مذكورا بكتابه في الكتب
~~الثلاث، وتفسير الكلمات والكتب بذلك هو ما اختاره جمع، وجوز غير واحد أن
~~يراد بالكلمات ما أوحاه الله تعالى إلى أنبيائه عليهم السلام، وبالكتب ما
~~عرف فيها مما ms10712 يشمل الصحف وغيرها، وقيل: جميع ما كتب مما يشمل اللوح
~~وغيره، وأن يراد بالكلمات وعده تعالى ووعيده أو ذلك وأمره عز وجل ونهيه
~~سبحانه، وبالكتب أحد الأوجه السابقة، وإرادة كلامه تعالى القديم القائم
~~بذاته سبحانه من الكلمات بعيد جدا.

# وقرأ يعقوب وأبو مجلز وقتادة وعصمة عن عاصم { صدقت } بالتخفيف، ويرجع
~~إلى معنى / المشدد؛ وفي «البحر» أي كانت صادقة بما أخبرت به من أمر عيسى
~~وما أظهره الله تعالى لها من الكرامات. وفيه قصور لا يخفى. وقرأ الحسن
~~ومجاهد والجحدري  بكلمة  على التوحيد فاحتمل أن يكون اسم جنس، وأن يكون
~~عبارة عن كلمة التوحيد، وأن يكون عبارة عن عيسى عليه السلام فقد أطلق
~~عليه عليه السلام أنه كلمة الله ألقاها إلى مريم، وقد مر شرح ذلك، وقرأ
~~غير واحد من السبعة  وكتابه  على الإفراد فاحتمل أن يراد به الجنس وأن
~~يراد به الإنجيل لا سيما إن فسرت الكلمة بعيسى عليه السلام، وقرأ أبو
~~رجاء { وكتبه } بسكون التاء على ما قال ابن عطية، وبه وبفتح الكاف على
~~أنه مصدر أقيم مقام الاسم على ما قال صاحب «اللوامح».

# { وكانت من القنتين } أي من عداد المواظبين على الطاعة 
~~فمن  للتبعيض، والتذكير للتغليب، والإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة
~~الرجال حتى عدت من جملتهم فهو أبلغ من قولنا: وكانت من القانتات أو
~~قانتة، وقيل: { من } لابتداء الغاية، والمراد كانت من نسل القانتين
~~لأنها من أعقاب هارون أخي موسى عليهما السلام، ومدحها بذلك لما أن الغالب
~~أن الفرع تابع لأصله

# والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذى
~~خبث لا يخرج إلا نكدا

# [الأعراف: 58].

# وهي على ما في بعض الأخبار سيدة النساء ومن أكملهن، روى أحمد في
~~«مسنده»:

# " سيدة نساء أهل الجنة مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية ثم عائشة "

# وفي «الصحيح»

# " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم
~~امرأة فرعون ومريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد صلى الله
~~عليه وسلم وفضل عائشة على النساء كفضل ms10713 الثريد على سائر الطعام "

# وخص الثريد - وهو خبز يجعل في مرق وعليه لحم كما قيل:

# إذا ما الخبز تأدمه بلحم

# فذاك أمانة الله الثريد

# لا اللحم فقط كما قيل - لأن العرب لا يؤثرون عليه شيئا حتى سموه بحبوحة
~~الجنة، والسر فيه على ما قال الطيبي: أن الثريد مع اللحم جامع بين
~~الغذاء واللذة والقوة وسهولة التناول وقلة المؤنة في المضغ وسرعة المرور
~~في المرىء، فضرب به مثلا ليؤذن بأنها رضي الله تعالى عنها أعطيت مع حسن
~~الخلق حلاوة المنطق وفصاحة اللهجة وجودة القريحة ورزانة الرأي ورصانة
~~العقل والتحبب للبعل فهي تصلح للبعل والتحدث والاستئناس بها والإصغاء
~~إليها، وحسبك أنها عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يعقل غيرها
~~من النساء وروت ما لم يرو مثلها من الرجال، وعلى مزيد فضلها في هذه
~~السورة الكريمة من عتابها وعتاب صاحبتها حفصة رضي الله تعالى عنهما ما لا
~~يخفى، ثم لا يخفى أن فاطمة رضي الله تعالى عنها من حيث البضعية لا يعدلها
~~في الفضل أحد، وتمام الكلام في ذلك في محله.

# وجاء في بعض الآثار أن مريم وآسية زوجا رسول الله صلى الله عليه وسلم في
~~الجنة، أخرج الطبراني عن سعد بن جنادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم:

# " إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى عليه
~~السلام "

# وزعم نبوتها - كزعم نبوة غيرهما من النساء كهاجر وسارة - غير صحيح
~~لاشتراط الذكورة في النبوة على الصحيح خلافا للأشعري، وقد نبه على هذا
~~الزعم العلامة ابن قاسم في «الآيات البينات» وهو غريب فليحفظ، والله
~~تعالى أعلم.

### | [67 - سورة الملك]

### || [67.1]

# { تبارك الذى بيده الملك } البركة النماء والزيادة حسية
~~كانت أو عقلية وكثرة الخير ودوامه، ونسبتها إلى الله عز وجل على المعنى
~~الأول وهو الأليق بالمقام باعتبار تعاليه جل وعلا عما سواه في ذاته
~~وصفاته وأفعاله، وصيغة التفاعل للمبالغة في ذلك كما في نظائره مما لا
~~يتصور نسبته إليه تعالى من الصيغ كالتكبر، وعلى الثاني باعتبار ms10714 كثرة ما
~~يفيض منه سبحانه على مخلوقاته من فنون الخيرات، والصيغة حينئذ يجوز أن
~~تكون لإفادة نماء تلك الخيرات وازديادها شيئا فشيئا وآنا فآنا بحسب
~~حدوثها أو حدوث متعلقاتها، قيل: ولاستقلالها بالدلالة على غاية الكمال
~~وإنبائها عن نهاية التعظيم لم يجز استعمالها في حق غيره سبحانه ولا
~~استعمال غيرها من الصيغ في حقه تبارك وتعالى، وقد مر تمام الكلام في هذا
~~المقام.

# وإسنادها إلى الموصول للاستشهاد بما في حيز الصلة على تحقق مضمونها لأن
~~المراد بذلك أنه سبحانه كامل الإحاطة والاستيلاء بناء على أن { بيده
~~الملك } استعارة تمثيلة لذلك ولا تجوز في شيء من مفرداته، أو أن
~~(الملك) على حقيقته واليد مجاز عن الإحاطة والاستيلاء كما قيل، ولاستدعاء
~~ذلك استغناء المتصف به مع افتقار الغير إليه في وجوده وكمالات وجوده كان
~~له اختصاص بالموجود، وكذلك في العرف العامي لا يطلق الملك على ما ليس
~~كذلك فلذا قيل هنا في بيان معنى الآية: تعالى وتعاظم بالذات عن كل ما
~~سواه ذاتا وصفة وفعلا الكامل الإحاطة والاستيلاء على كل موجود.

# وقوله تعالى: { وهو على كل شىء قدير } تكميل لذلك لأن
~~القرينة الأولى تدل على التصرف التام في الموجودات على مقتضى إرادته
~~سبحانه ومشيئته من غير منازع ولا مدافع لا متصرف فيها غيره عز وجل كما
~~يؤذن به تقديم الظرف، وهذه تدل على القدرة الكاملة الشاملة ولو اقتصر على
~~الأولى لأوهم أن تصرفه تعالى مقصور على تغيير أحوال الملك كما يشاهد من
~~تصرف الملاك المجازي فقرنت بالثانية ليؤذن بأنه عز سلطانه قادر على
~~التصرف وعلى إيجاد الأعيان المتصرف فيها وعلى إيجاد عوارضها الذاتية
~~وغيرها، ومن ثم عقب ذلك بالوصف المتضمن للعوارض، وهذا ما اختاره العلامة
~~الطيبي.

# وصاحب «الكشاف» اختار في القرينة الأولى ما ذكرناه فيها من التخصيص
~~بالموجود فقال ((أي تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين الذي بيده الملك على
~~كل موجود لما سمعت، وفي الثانية التخصيص بالمعدوم فقال وهو على كل ما لم
~~يوجد مما يدخل تحت القدرة قدير)) ووجهه على ما في ms10715 «الكشف» أن الشيء وإن
~~كان عاما في كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه لكن لما قرن بالقدرة اختص
~~بالمعدوم لاستغناء الموجود عن الفاعل عند جمهور المتكلمين القائلين بأن
~~علة الاحتياج الحدوث، وعليه الزمخشري وأصحابه، وأما عند / القائلين بأن
~~علة الاحتياج الإمكان كالمحققين فلأن الاختيار يستدعي سبق العدم، وجيء
~~بالقرينة الثانية عليه تكميلا أيضا لأن الاختصاص بالموجود فيه إيهام
~~نقص.

# واختار صاحب «التقريب» أن قوله تعالى { الذي بيده الملك }
~~مطلق وقوله سبحانه { وهو على كل شيء قدير } عام لما وضع
~~له الشيء فيكون قد قصد بيان القدرة أولا وعمومها ثانيا ولم يرتض صنيع
~~الزمخشري ونظر فيه بأن الشيء إما أن يختص بالموجود أو يشمل الموجود
~~والمعدوم وعلى المذهبين فلا وجه لتخصيصه بما لم يوجد مع انضمام كل إليه
~~اللهم إلا أن يقال خصصه به ليغاير ما قبله إذ خصصه بالموجود وفيه أيضا
~~نظر إذ لو عمم الثاني لتحقق التغاير أيضا مع أن اليد مجاز عن القدرة فإن
~~تخصصت به كما هو مذهبه تخصص الأول بالمعدوم وإن لم تتخصص لم يتخصص الثاني
~~بالمعدوم، وادعى صاحب «الكشف» سقوطه بما نقلناه عنه واعترض عليه وأجيب
~~بما لا يخلو عن نظر فليتأمل.

# ومن الناس من حمل (الملك) على الموجودات وجعل إليه مجازا عن القدرة
~~فيكون المعنى في قدرته الموجودة وتعقبه بعضهم بأن فيه ركاكة وأشار إلى أن
~~الخلاص منها إما بجعل اليد مجازا عن التصرف أو بتفسير الملك بالتصرف.
~~وقيل المراد من كون الملك بيده تعالى أنه عز وجل مالكه فمعنى { بيده
~~الملك } مالك الملك وفسر الراغب الملك في مثل ذلك ((بضبط الشيء
~~المتصرف فيه بالحكم)) وشاع تخصيصه بعالم الشهادة ويقابله حينئذ الملكوت
~~وليس بمراد هنا كما لا يخفى.

### || [67.2]

# وقوله تعالى: { الذى خلق الموت والحيوة } شروع في تفصيل
~~بعض أحكام الملك وآثار القدرة وبيان ابتنائهما على قوانين الحكم
~~والمصالح واستتباعهما لغايات جليلة. والموصول بدل من الموصول الأول،
~~وصلته كصلته في الشهادة بتعاليه عز وجل وجوز الطبرسي كونه خبر مبتدأ
~~محذوف أي هو الذي ms10716 الخ.

# والموت على ما ذهب الكثير من أهل السنة صفة وجودية تضاد الحياة واستدل
~~على وجوديته بتعلق الخلق به وهو لا يتعلق بالعدمي لأزلية الأعدام. وأما
~~ما روي عن ابن عباس من أنه تعالى: خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر
~~بشيء إلا مات وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء لا تمر بشيء ولا يجد رائحتها
~~شيء إلا حيي فهو أشبه شيء بكلام الصوفية لا يعقل ظاهره، وقيل هو وارد
~~على منهاج التمثيل والتصوير. وذهب القدرية وبعض أهل السنة إلى أنه أمر
~~عدمي هو عدم الحياة عما هي من شأنه وهو المتبادر الأقرب.

# وأجيب عن الاستدلال بالآية بأن الخلق فيها بمعنى التقدير وهو يتعلق
~~بالعدمي كما يتعلق بالوجودي أو أن الموت ليس عدما مطلقا صرفا بل هو
~~عدم شيء مخصوص ومثله يتعلق به الخلق والإيجاد بناء على أنه إعطاء الوجود
~~ولو للغير دون إعطاء الوجود للشيء في نفسه، أو أن الخلق بمعنى الإنشاء
~~والإثبات دون الإيجاد، وهو بهذا المعنى يجري في العدميات، أو أن الكلام
~~على تقدير مضاف أي خلق أسباب الموت، أو أن المراد بخلق الموت والحياة خلق
~~زمان ومدة معينة لهما لا يعلمها إلا الله تعالى، فإيجادهما عبارة عن
~~إيجاد زمانهما مجازا، ولا يخفى الحال في هذه الاحتمالات.

# ومن الغريب ما قيل إنه كنى بالموت عن الدنيا إذ هو واقع فيها وبالحياة
~~عن الآخرة من حيث لا موت فيها فكأنه قيل: الذي خلق الدنيا والآخرة، والحق
~~أنهما بمعناهما الحقيقي والموت - على ما سمعت - والحياة صفة وجودية بلا
~~خلاف وهي ما يصح بوجوده الإحساس أو معنى زائد على العلم والقدرة يوجب
~~للموصوف به حالا لم يكن قبله من صحة العلم والقدرة.

# وتقديم الموت - على تقدير كونه عدما مطلقا أعني عدم الحياة عما هي من
~~شأنه - ظاهر لسبقه على الوجود، وعلى تقدير كونه العدم اللاحق كما هو
~~الأنسب بالإرادة هنا أعني عدم الحياة عما اتصف بها فلأن فيه مزيد عظة
~~وتذكرة وزجر عن ارتكاب المعاصي وحث على حسن العمل ms10717 ولذا ورد

# " أكثروا من ذكرها ذم اللذات "

# والحياة وإن كانت داعية لذلك ضرورة أن من عرف أنها نعمة عظيمة وكان ذا
~~بصيرة عمل شكرا لله تعالى عليها لكنها ليست بمثابة الموت في ذلك، فمن
~~زعم أنها لا داعية فيها أصلا وإنما / ذكرت باعتبار توقف العمل عليها لم
~~يدقق النظر.

# وأل في الموضعين عوض عن المضاف إليه أي الذي خلق موتكم الطارىء وحياتكم
~~أيها المكلفون:

# { ليبلوكم } أي ليعاملكم معاملة من يختبركم { أيكم أحسن
~~عملا } أي أصوبه وأخلصه فيجازيكم على مراتب متفاوتة حسب تفاوت مراتب
~~أعمالكم، وأصل البلاء الاختبار، ولأنه يقتضي عدم العلم بما اختبره - وهو
~~غير صحيح في حقه عز وجل - حمل الكلام على ما ذكر، ويرجع ذلك إلى
~~الاستعارة التمثيلية واعتبار الاستعارة التبعية فيه دونها دون في
~~البلاغة.

# والمراد بالعمل ما يشمل عمل القلب وعمل الجوارح ولذا قال صلى الله عليه
~~وسلم في الآية

# " أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله تعالى وأسرع في طاعة الله عز وجل
~~"

# أي أيكم أتم فهما لما يصدر عن جناب الله تعالى وأكمل ضبطا لما يؤخذ من
~~خطابه سبحانه.

# وايراد صيغة التفضيل مع أن الابتلاء شامل للمكلفين باعتبار أعمالهم
~~المنقسمة إلى الحسن والقبيح أيضا لا إلى الحسن والأحسن فقط للإيذان بأن
~~المراد بالذات والمقصد الأصلي من الابتلاء هو ظهور كمال إحسان المحسنين
~~مع تحقق أصل الإيمان والطاعة في الباقين أيضا لكمال تعاضد الموجبات له،
~~وأما الإعراض عن ذلك فبمعزل من الاندراج تحت الوقوع فضلا عن الانتظام في
~~سلك الغاية أو الغرض عند من يراه لأفعال الله عز وجل، وإنما هو عمل يصدر
~~عن عامله لسوء اختياره من غير مصحح له ولا تقريب. وفيه من الترغيب في
~~الترقي إلى معارج العلوم ومدارج الطاعات والزجر عن مباشرة نقائضها ما لا
~~يخفى، وجعل ذلك من باب الزيادة المطلقة أو من باب

# أي الفريقين خير مقاما

# [مريم: 73] ليس بذاك.

# و { أيكم أحسن } مبتدأ وخبر والجملة في محل نصب على أنها مفعول
~~ثان ليبلوكم وذلك على ما في «الكشاف» ms10718 لتضمنه معنى العلم. وهل يسمى نحو
~~هذا تعليقا أم لا؟ قيل: فيه خلاف ففي «البحر» لأبي حيان نقلا عن
~~أصحابه أنه يسمى بذلك، قال: إذا عدى الفعل إلى اثنين ونصب الأول وجاءت
~~بعده جملة استفهامية أو مقرونة بلام الابتداء أو بحرف نفي كانت الجملة
~~معلقا عنها الفعل وكانت في موضع نصب كما لو وقعت في موضع المفعولين
~~وفيها ما يعلق الفعل عن العمل. وفي «الكشاف» هنا لا يسمى تعليقا إنما
~~التعليق أن يوقع بعد الفعل الذي يعلق ما يسد مسد المفعولين جميعا كقولك
~~علمت أيهما زيد وعلمت أزيد منطلق. وأما إذا ذكر بعده أحد المفعولين نحو
~~علمت القوم أيهم أفضل فلا يكون تعليقا والآية من هذا القبيل.

# واعترضه صاحب «التقريب» بأن العلم مضمر وهو المعلق كما قال الفراء
~~والزجاج ولا يلزم ذكر المفعول معه بل التقدير: ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن،
~~وأيضا لا تقع الجملة الاستفهامية مفعولا ثانيا لعلمت وإنما تقع موقع
~~المفعولين في علمت أيهم خرج لأن المعنى علمت جواب هذا الاستفهام ولا معنى
~~لتقدير مثله في علمته أيهم خرج.

# وأجيب بأن التضمين يغني عن الإضمار وكون الجملة الاستفهامية لا تقع
~~مفعولا ثانيا ضعيف لأنها إذا وقعت مفعولا أولا في نحو

# ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد

# [مريم: 69] على معنى لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد كما قال الخليل
~~فلم يمتنع وقوعها مفعولا ثانيا بتأويل ليعلمكم الذين يقال في حقهم أيهم
~~أحسن، وإليه ذهب الطيبي ثم قال وقد أنصف صاحب «الانتصاف» حيث قال
~~التعليق عن أحد المفعولين فيه خلاف والأصح هو الذي اختاره الزمخشري وهذا
~~النحو عشه فيه يدرج ويدري كيف يدخل ويخرج انتهى.

# والذي ذكره في سورة هود أن في الآية تعليقا لما في الاختبار من معنى
~~العلم لأنه طريق إليه ومثله بقوله انظر أيهم أحسن وجها فجعلوا بين
~~كلاميه تنافيا وفي «الكشف» أن كلامه هناك صريح بأن التعليق فيه بمعنى
~~تعليق فعل القلب على ما فيه استفهام، وهو بهذا المعنى خاص بفعل القلب من
~~غير تخصيص بالسبعة ms10719 المتعدية إلى مفعولين وفي الاستفهام خاصة دون ما فيه
~~لام الابتداء، ونحوها صرح به الشيخ ابن الحاجب نصا فلا ينافي ما ذكر في
~~هذه السورة من أنه ليس بتعليق فإنما نفى التعليق بالمعنى المشهور وأما /
~~الحمل عن الإضمار في آية هود والتضمين في آية الملك للتفنن فلا وجه له
~~بعد تصريحه بأنه استعارة انتهى وكذا على هذا لا وجه لكون ما هناك
~~اختيارا لمذهب الفراء والزجاج وما هنا اختيار لمذهب آخر فتدبر وتذكر
~~فإنه كثيرا ما يسئل عن ذلك قديما وحديثا والله تعالى الموفق.

# { وهو العزيز } أي الغالب الذي لا يعجزه عقاب من أساء {
~~الغفور } لمن شاء منهم أو لمن تاب على ما اختاره بعضهم لأنه أنسب
~~بالمقام.

### || [67.3]

# { الذي خلق سبع سموت } قيل هو نعت للعزيز الغفور أو بيان
~~أو بدل، واختار شيخ الإسلام أنه نصب أو رفع على المدح متعلق بالموصولين
~~السابقين معنى وإن كان منقطعا عنهما إعرابا منتظم معهما في سلك الشهادة
~~بتعاليه [إليه] سبحانه وتعالى، ومع الموصول الثاني في كونه مدارا للبلاء
~~كما نطق به قوله تعالى:

# وهو الذي خلق السموت والأرض في ستة أيام
~~وكان عرشه على المآء ليبلوكم أيكم أحسن
~~عملا

# [هود: 7].

# وقوله تعالى: { طباقا } صفة لسبع وكون الوصف للمضاف إليه العدد ليس
~~بلازم بل أكثري، وهو مصدر طابقت النعل بالنعل إذا خصفتها وصف به للمبالغة
~~أو على حذف مضاف أي ذات طباق أو بتأويل اسم المفعول أي مطابقة. وجوز أن
~~يكون مفعولا مطلقا مؤكدا لمحذوف أي طوبقت طباقا. والجملة في موضع
~~الصفة، وأن يكون جمع طبق كجمل وجمال أو جمع طبقة كرحبة بفتح الحاء ورحاب.
~~والكلام بتقدير مضاف لأنه اسم جامد لا يوصف به أي ذات طباق، وقيل يجوز
~~كونه حالا من { سبع سموت } لقربه من المعرفة بشموله الكل وعدم
~~فرد وراء ذلك. وتعقب بأن قصارى ذلك بعد القيل والقال أن يكون نحو شمس مما
~~انحصر في فرد وهو لا تجىء الحال المتأخرة منه فلا يقال طلعت علينا شمس
~~مشرقة. وأيا ما كان ms10720 فالمراد كما أخرج عبد بن حميد بعضها فوق بعض، ولا
~~دليل في ذلك على تلاصقها كما زعمه متقدمو الفلاسفة ومن وافقهم من
~~الإسلاميين مخالفين لما نطقت به الأحاديث الصحيحة وإن لم يكفر منكر ذلك
~~فيما أرى.

# واختلف في موادها فقيل الأولى من موج مكفوف والثانية من درة بيضاء
~~والثالثة من حديد والرابعة من نحاس والخامسة من فضة والسادسة من ذهب
~~والسابعة من زمردة بيضاء وقيل غير ذلك ولا أظنك تجد خبرا يعول عليه فيما
~~قيل ولو طرت إلى السماء وأظنك لو وجدت لأولت مع اعتقاد أن الله عز وجل
~~على كل شيء قدير.

# وقوله تعالى: { ما ترى فى خلق الرحمن من تفوت }
~~صفة أخرى على ما في «الكشاف» لسبع سموات وضع فيها { خلق
~~الرحمن } موضع الضمير الرابط للتعظيم والإشعار بعلة الحكم بحيث
~~يمكن أن يترتب قياس من الشكل الأول ينتج نفي رؤية تفاوت فيها، وبأنه عز
~~وجل خلقها بقدرته القاهرة رحمة وتفضلا وبأن في إبداعها نعما جليلة. وما
~~ذكره ابن هشام في الباب الرابع من «المغني» من أن الجملة الموصوف بها لا
~~يربطها إلا الضمير إما مذكورا وإما مقدرا ليس بحجة على جار الله،
~~والتوفيق بأن ذلك إذا لم يقصد التعظيم ليس بشيء لأنه لا بد له من نكتة
~~سواء كانت التعظيم أو غيره.

# واستظهر أبو حيان أنه استئناف وأن { خلق الرحمن } عام
~~للسموات وغيرها.

# والخطاب لكل أحد ممن يصلح للخطاب، وجوز أن يكون لسيد المخاطبين صلى الله
~~عليه وسلم ولعل الأول أولى و { من } لتأكيد النفي أي ما ترى فيه شيئا
~~من تفاوت أي اختلاف وعدم تناسب كما قال قتادة وغيره من الفوت فإن كلا من
~~المتفاوتين يفوت منه بعض ما في الآخر وفسر بعضهم التفاوت بتجاوز الشيء
~~الحد الذي يجب له زيادة أو نقصا وهو المعني بالاختلاف وعلى ذلك قول بعض
~~الأدباء:

# تناسبت الأعضاء فيه فلا ترى

# بهن اختلافا بل أتين على قدر

# وقال السدي أي من عيب وإليه يرجع قول من قال أي من تفاوت يورث نقصا، ms10721
~~وقال عطاء بن يسار / أي من عدم استواء وقيل أي من اضطراب وقيل أي من
~~اعوجاج وقيل أي من تناقض، ومآل الكل ما ذكرنا.

# ومن الغريب ما قاله شيخ الطائفة الكشفية في زماننا من أن بين الأشياء
~~جميعها ربطا وهو نوع من التجاذب لا يفوت بسببه بعضها عن بعض وحمل
~~الآية على ذلك، وإلى نحو هذا ذهب الفلاسفة اليوم فزعموا أن بين الأجرام
~~علويها وسفليها تجاذبا على مقادير مخصوصة به حفظت أوضاعها وارتبط بعضها
~~ببعض، لكن ذهب بعضهم إلى أن ما به التجاذب والارتباط يضعف قليلا قليلا
~~على وجه لا يظهر له أثر إلا في مدد طويلة جدا، واستشعروا من ذلك إلى أنه
~~لا بد من خروج هذا العالم المشاهد عن هذا النظام المحسوس فيحصل التصادم
~~ونحوه بين الأجرام وقالوا إن كان قيامة فهو ذاك ولا يخفى حال ما قاله وما
~~قالوه وان الآية على ما سمعت بمعزل عن ذلك.

# وقرأ عبد الله وعلقمة والأسود وابن جبير وطلحة والأعمش (من تفوت) بشد
~~الواو مصدر تفوت وحكى أبو زيد عن العرب في تفاوت فتح الواو وضمها وكسرها
~~والفتح والكسر شاذان كما في «البحر».

# وقوله تعالى: { فارجع البصر هل ترى من فطور } متعلق
~~بما قبله على معنى التسبب أي عن الإخبار بذلك فإنه سبب للأمر بالرجوع
~~دفعا لما يتوهم من الشبهة فهو في المعنى جواب شرط مقدر أي إن كنت في ريب
~~من ذلك فارجع البصر حتى يتضح الحال ولا يبقى لك ريب وشبهة في تحقق ما
~~تضمنه ذلك المقال من تناسب خلق الرحمن واستجماعه ما ينبغي له.

# والفطور قال مجاهد الشقوق جمع فطر وهو الشق يقال فطره فانفطر، والظاهر
~~أن المراد الشق مطلقا لا الشق طولا على ما هو أصله كما قال الراغب، وفي
~~معناه قول أبي عبيدة الصدوع وأنشدوا قول عبيد الله بن عقبة بن مسعود:

# شققت القلب ثم ذررت فيه

# هواك فليط فالتأم الفطور

# وقول السدي الخروق وأريد بكل ذلك على ما يفهم من كلام بعض الأجلة الخلل
~~وبه ms10722 فسره قتادة وفسره ابن عباس بالوهن وجملة { هل ترى } الخ قال أبو
~~حيان في موضع نصب بفعل معلق محذوف أي فانظر هل ترى أو ضمن { فارجع
~~البصر } معنى فانظر ببصرك.

### || [67.4]

# { ثم ارجع البصر كرتين } أي رجعتين أخريين في ارتياد
~~الخلل، والمراد بالتثنية التكرير والتكثير كما قالوا في «لبيك وسعديك» أي
~~رجعة بعد رجعة أي رجعات كثيرة بعضها في أثر بعض، وهذا كما أريد بأصل
~~المثنى التكثير في قوله:

# لوعد قبر وقبر كان أكرمهم

# بيتا وأبعدهم عن منزل الذام

# فإنه يريد لوعدت قبور كثيرة، وقيل هو على ظاهره. وأمر برجع البصر إلى
~~السماء مرتين إذ يمكن غلط في الأولى فيستدرك بالثانية أو الأولى ليرى
~~حسنها واستواءها والثانية ليبصر كواكبها في سيرها وانتهائها وليس بشيء.
~~ويؤيد الأول قوله تعالى { ينقلب إليك البصر خاسئا } فإنه
~~جواب الأمر والجوابية تقتضي الملازمة وما تضمنه لا يلزم من المرتين
~~غالبا، والمعنى يعد إليك البصر محروما من إصابة ما التمسه من إصابة
~~العيب والخلل كأنه طرد عنه طردا بالصغار بناء على ما قيل إنه مأخوذ من
~~خسأ الكلب المتعدي أي طرده على أنه استعارة لكن في «الصحاح» يقال خسأ
~~بصره خسأ وخسوءا أي سدر والسدر تحير النظر فكأن تفسير خاسئا بمتحيرا
~~أخذا له من ذلك أقرب وكأنهم اختاروا ما تقدم لأن فيه مبالغة وبلاغة
~~ظاهرة مع كونه أبعد عن التكرار مآلا مع قوله تعالى: { وهو حسير }
~~أي كليل من طول المعاودة وكثرة المراجعة، يقال حسر بعيره يحسر حسورا
~~أي كل وانقطع فهو حسير ومحسور وقال الراغب: ((الحسر كشف الملبس عما
~~عليه يقال حسرت عن الذراع أي كشفت والحاسر من لا درع عليه ولا مغفر وناقة
~~حسير انحسر عنها اللحم والقوة ونوق حسرى والحاسر أيضا المعيى لانكشاف
~~قواه ويقال له أيضا [حاسر و] محسور أما الحاسر فتصور أنه قد حسر بنفسه
~~قواه وأما المحسور فتصور أن التعب قد / حسره وحسير في الآية يصح أن يكون
~~بمعنى حاسر وأن يكون بمعنى محسور)).

# والجملة في موضع الحال كالوصف السابق ms10723 من البصر ويحتمل أن تكون حالا من
~~الضمير فيه. وقرأ الخوارزمي عن الكسائي (ينقلب) بالرفع وخرج على أن
~~الجملة في موضع حال مقدرة.

### || [67.5]

# وقوله تعالى: { ولقد زينا السماء } الخ كلام مسوق للحث على
~~النظر قدرة وامتنانا. وفي «الإرشاد» بيان لكون خلق السماوات في غاية
~~الحسن والبهاء إثر بيان خلوها عن شائبة العيب والقصور. وتصدير الجملة
~~بالقسم لإبراز كمال العناية بمضمونها أي وبالله لقد زينا السماء {
~~الدنيا } منكم أي التي هي أتم دنوا منكم من غيرها فدنوها بالنسبة
~~إلى ما تحت، وأما بالنسبة إلى من حول العرش فبالعكس { بمصبيح }
~~جمع مصباح وهو السراج وتجوز به عن الكوكب ثم جمع أو تجوز بالمصابيح
~~ابتداء عن الكواكب، وفسره بعض اللغويين بمقر السراج فيكون حينئذ تجوزا
~~على تجوز ولا حاجة إليه مع تصريحهم بأن المصباح نفس السراج أيضا.
~~وتنكيرها للتعظيم أي بمصابيح عظيمة ليست كمصابيحكم التي تعرفونها وقيل
~~للتنويع والأول أولى.

# والظاهر أن المراد الكواكب المضيئة بالليل إضاءة السراج من السيارات
~~والثوابت بناء على أنها كلها في أفلاك ومجار متفاوتة قربا وبعدا في ثخن
~~السماء الدنيا. وكون السماء هي الفلك خلاف المعروف عن السلف وإنما هو قول
~~قاله من أراد الجمع بين كلام الفلاسفة الأولى وكلام الشريعة فشاع فيما
~~بين الإسلام واعتقده من اعتقده وعن عطاء أن الكواكب في قناديل معلقة بين
~~السماء والأرض بسلاسل من نور في أيدي ملائكة، وعليه فزينا السماء بمصابيح
~~كقول القائل:

# زينت السقف بالقناديل

# وهو ظاهر لكن الخبر لا يكاد يصح. ومن اعتقد أن السماء الدنيا فلك القمر
~~والست الباقية أفلاك السيارات الباقية على الترتيب المشهور وأن للثوابت
~~فلكا مخصوصا يسمى بلسان الشرع بالكرسي، أو جوز أن تكون هذه في فلك زحل
~~وهو السماء السابعة أو يكون بعضها في فلك وبعضها الآخر في آخر فوقه، أو
~~كل منها في فلك وسماء غير السبع والاقتصار على العدد القليل لا ينفي
~~الكثير قال إن تخصيص السماء بالتزيين بها لأنها إنما ترى عليها ولا ترى
~~جرم ما فوقها أو رعاية لمقتضى ms10724 أفهام العامة لتعذر التمييز بين سماء وسماء
~~عليهم، فهم يرون الكواكب كجواهر متلألئة على بساط الفلك الأزرق الأقرب.

# ومن اعتبر ما عليه أهل الهيئة اليوم من أن الكواكب فلك عجائب القدرة
~~مواخر في بحر جو الفضاء على وجه مخصوص تقتضيه الحكمة، ومجاريها فيه هي
~~أفلاكها وقد تحركت إذ تحركت في خلاء أو ما يشبهه مع قوى بها تجاذبت
~~وارتبطت ولها حركات على أنفسها وحركات غير ذلك وليست مركوزة كما اشتهر في
~~أجرام صلبة شفافة لا ثقيلة ولا خفيفة تسمى أفلاكا أو سماء وهي متفاوتة
~~قربا وبعدا تفاوتا كليا وإن رؤيت كلها قريبة لسبب خفي إلى الآن عليهم
~~حتى أن منها ما لا يصل شعاعه إلينا إلا في عدة سنين مع أن شعاع الشمس
~~وبيننا وبينها أربعة وثلاثون مليونا من الفراسخ والمليون ألف ألف يصل
~~إلينا في ثمان دقائق وثلاث عشرة ثانية إلى آخر ما زعموا فيها قال يجوز أن
~~يراد بالسماء الدنيا طبقة مخصوصة في هذا الفضاء وبالمصابيح كواكب فيها
~~نفسها قد زينت تلك الطبقة بها تزيين فضاء دار بطيور يطرن وحائمات فيه
~~مثلا أو جميع ما يرى من الكواكب وإن كان فوقها وتزيينها بذلك بإظهاره
~~فيها كما مر.

# وأنت تعلم أن من تصدى لتطبيق الآيات والأخبار على ما قاله الفلاسفة
~~مطلقا فقد تصدى لأمر لا يكاد يتم له والله تعالى ورسوله صلى الله عليه
~~وسلم أحق بالاتباع نعم تأويل النقلي إنما ينبغي إذا قام الدليل العقلي
~~على خلاف ما دل عليه، وأكثر أدلة الفلاسفة قاعدة على العجز عن إثباتها
~~إثباتا صحيحا ما يخالف أدلة أهل الشرع كما لا يخفى على من استضاء
~~بمصابيحه.

# { وجعلنها رجوما للشيطين } الضمير للمصابيح على ما
~~هو الظاهر لا للسماء الدنيا على معنى جعلنا منها أي من جهتها كما قيل.
~~والرجوم جمع / رجم بالفتح وهو مصدر سمي به ما يرجم به أي يرمى فصار له
~~حكم الأسماء الجامدة ولذا جمع وإن كان الأصل في المصادر أنها لا تجمع،
~~وقيل إنه هنا مصدر بمعنى الرجم أيضا. ms10725 والمراد بالشياطين مسترقو السمع،
~~ورجمهم على ما اشتهر بانقضاض الشهب المسببة عن الكواكب، وإليه ذهب غير
~~واحد من المفسرين وهو مبني على ما قرره الفلاسفة المتقدمون من أن الكواكب
~~نفسها غير منقضة وإنما المنقض شعل نارية تحدث من أجزاء متصاعدة لكرة
~~النار لكنها بواسطة تسخين الكواكب للأرض، فالتجوز في إسناد الجعل إليها
~~أو في لفظها وهو مجاز بوسايط. وقال الشهاب لا مانع من جعل المنقض نفسه من
~~جنس الكواكب وإن خالف اعتقاد الفلاسفة وأهل الهيئة ولكن في النصوص
~~الإلهية ما فيه رجوم للشياطين انتهى.

# وأقول: لا يخفى أن ذلك المبنى لا يتم أيضا إلا بثبوت كرة النار الذي لا
~~تراهم يستدلون عليه إلا بحدوث هذه الشهب وسلف الأمة لا يقولون بذلك وكذا
~~أهل الفلسفة الجديدة وهؤلاء لم يحققوا إلى الآن أمر هذه الشهب لكن يميلون
~~إلى أنها أجسام انفصلت عن الكواكب التي يزعمونها عوالم مشتملة على جبال
~~ونحوها اشتمال الأرض على ذلك وخرجت لبعض الحوادث عن حد القوى الجاذبة لها
~~إلى ما انفصلت عنه ولم تصل إلى حد جذب قوة الأرض لها فبقيت تدور عند
~~منتهى كرة الأرض وما يحيط بها من الهواء فإذا عرض لها الدخول في هواء
~~الأرض أثناء حركتها احترقت كلا أو بعضا كما تحترق بعض الأجسام المحفوظة
~~عن الهواء إذا صادمها الهواء وربما تصل في بعض حركاتها إلى حد جذب الأرض
~~فتقع عليها، وبعضهم يزعم في الحجارة الساقطة من الجو التي تسمى عندهم
~~بالابروليت يعنون حجارة الهواء أنها من تلك الأجسام، وكل ذلك حديث خرافة
~~ورجم بظنون فاسدة.

# وقصارى ما يقال في هذه الشهب أنها تحتمل أن تكون ناشئة من أجرام من جنس
~~الكواكب فيها قوة الإحراق سواء كان كل مضىء محرقا أم لا متكونة في جو
~~هذا الفضاء المشاهد إلا أنها لغاية صغرها لا تشاهد ولو بالنظارات حتى إذا
~~قربت بانقضاضها شوهدت وقد تصادف في انقضاضها أجساما متصاعدة من الأرض
~~فتحرقها وربما يتصل الحريق إلى ما يقرب من الأرض جدا وربما تكونت
~~الحجارة من ذلك. ms10726 ثم إن العقل يجوز أن يكون لها دوران على شكل من الأشكال
~~فترجع بعد ما يشاهد لها من الانقضاض وأن تتلاشى بعد انقضاضها ويخلق الله
~~تعالى غيرها من مادة لا يعلمها إلا هو عز وجل.

# والضمير المنصوب في { جعلنها } وإن عاد على (المصابيح) لكن لم
~~يعد عليها إلا باعتبار الجنس دون خصوصية كونها مزينة بها السماء الدنيا
~~نظير

# وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره

# [فاطر: 11] وعندي درهم ونصفه، لما أن التزيين باعتبار الظهور ولا ظهور
~~لهذه الأجرام قبل انقضاضها وإن اعتبر في كونها مصابيح أو كواكب أو نجوما
~~ظهورها في نفسها ولمن يقرب منها دون خصوصية ظهورها لنا وفي كونها زينة
~~للسماء كونها زينة لها في الجملة فالأمر ظاهر جدا، ويحتمل أن تكون ناشئة
~~من المصابيح المشاهدة المزين بها بأن ينفصل عنها وهي في محلها شعل هي
~~الشهب وما ذاك إلا كقبس يؤخذ من نار والنار ثابتة وإليه ذهب الجبائي
~~وكثير وهو محتمل لأن يكون لكل منها قابلية أن ينفصل عنه ذلك وأن يكون
~~القابلية لبعضها دون بعض وهذا لعدم الاطلاع على حقائق الأجرام العلوية
~~وأحوالها في أنفسها، والكلام نحو قولك أسكن الأمير قبيلة كذا في ثغر
~~كذا وجعلها ترمى بالبنادق من يقرب منه فإنه لا يلزم أن يكون لكل واحد
~~منها قابلية الرمي ثم لا يلزم أن يكون كل ما يشاهد من الشهب قبسا من
~~المصابيح بل يجوز أن يكون بعضه وهو الذي ترمى به الشياطين منها وبعضه من
~~أمور تحدث في الجو من اصطكاك أو نحوه وتفاوت الشهب قلة وكثرة يحتمل أن
~~يكون لتفاوت حوادث الجو وأن يكون لتفاوت الاستراق وليس في الآيات
~~والأخبار ما هو نص في أن الشهب لا تكون إلا لرمي الشياطين فيحتمل / أن
~~يكون أكثر الشهب من الحوادث الجوية وذوات الأذناب منها في رأي المتقدمين
~~- وهي في أنفسها دون أذنابها - نجوم كثيرة جدا تدور لا كما يدور غيرها
~~من النجوم فتقرب تارة وتبعد أخرى فتخرج عن مدارات السيارات إلى حيث لا
~~تشاهد ms10727 أصلا عند فلاسفة العصر، ولهم فيها كلام أطول من أذنابها.

# وقد أورد الإمام الرازي في هذا الفصل أسئلة وشبها أجاب عنها بما أجاب
~~ونحن فعلنا نحو ذلك فيما تقدم على وجه أتم فليتذكر، وقد أطنبنا هناك
~~الكلام فيما يتعلق بهذا المقام إلا أن بعضا مما ذكرناه هناك فخذ من
~~الموضعين ما صفا ودع ما كدر بعد أن تتأمل حق التأمل وتتدبر.

# وقيل معنى الآية وجعلناها ظنونا ورجوما بالغيب لشياطين الإنس وهم
~~المنجمون المعتقدون تأثير النجوم في السعادة والشقاوة ونحوهما وقد رددنا
~~عليهم أي رد فيما تقدم فارجع إليه إن أردته فإنه نفيس جدا.

# { وأعتدنا لهم } وهيأنا للشياطين { عذاب السعير } عذاب
~~النار المسعرة المشعلة في الآخرة بعد الإحراق في الدنيا بالشهب. ولا يمنع
~~من ذلك أنهم خلقوا من نار لأنهم ليسوا نارا فقط بل هي أغلب عناصرهم فهي
~~منهم كالتراب من بني آدم فيتأثرون من ذلك، على أنه تكون نارا أقوى من
~~نار. واستدل بالآية على أن النار مخلوقة الآن، وعلى أن الشياطين مكلفون.

### || [67.6]

# { وللذين كفروا بربهم } من غير الشياطين أو منهم ومن
~~غيرهم، على أنه تعميم بعد التخصيص لدفع إيهام اختصاص العذاب بهم. والجار
~~والمجرور خبر مقدم وقوله تعالى: { عذاب جهنم } مبتدأ مؤخر،
~~والحصر إضافي بقرينة النصوص الواردة في تعذيب العصاة، فلا حجة فيه لمن
~~قال من المرجئة لا يعذب غير الكفرة. وقرأ الضحاك والأعرج وأسيد بن أسيد
~~المزني وحسن في رواية هارون عنه (عذاب) بالنصب عطفا على

# عذاب السعير

# [الملك: 5] أي وأعتدنا للذين كفروا عذاب جهنم { وبئس المصير }
~~أي جهنم.

### || [67.7]

# { إذا ألقوا فيها } أي طرحوا فيها كما يطرح الحطب في النار
~~العظيمة { سمعوا لها } أي لجهنم نفسها كما هو الظاهر ويؤيده ما بعد
~~والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالا من قوله تعالى: { شهيقا }
~~لأنه في الأصل صفته فلما قدمت صارت حالا أي سمعوا كائنا لها شهيقا أي
~~صوتا كصوت الحمير وهو حسيسها المنكر الفظيع ففي ذلك استعارة تصريحية.
~~وجوز أن يكون الشهيق لأهلها ممن تقدم طرحهم فيها ms10728 ومن أنفسهم كقوله تعالى

# لهم فيها زفير وشهيق

# [هود: 106] والكلام على حذف مضاف، أو تجوز في النسبة. واعترض بأن ذلك
~~إنما يكون لهم بعد القرار في النار وبعد ما يقال لهم

# اخسئوا فيها

# [المؤمنون: 108] وهو بعد ستة آلاف سنة من دخولهم كما في بعض الآثار. ورد
~~بأن ذلك إنما يدل على انحصار حالهم حينئذ في الزفير والشهيق لا على عدم
~~وقوعهما منهم قبل { وهى تفور } أي والحال أنها تغلى بهم غليان
~~المرجل بما فيه.

### || [67.8]

# { تكاد تميز } أي ينفصل بعضها من بعض { من الغيظ } من شدة
~~الغضب عليهم. قال الراغب ((الغيظ أشد الغضب)) وقال المرزوقي في «الفصيح»
~~إنه الغضب أو أسوءه. وقد شبه اشتعال النار بهم في قوة تأثيرها فيهم
~~وإيصال الضرر إليهم باغتياظ المغتاظ على غيره المبالغ في إيصال الضرر
~~إليه على سبيل الاستعارة التصريحية، ويجوز أن تكون هنا تخييلية تابعة
~~للمكنية بأن تشبه جهنم في شدة غليانها وقوة تأثيرها في أهلها بإنسان شديد
~~الغيظ على غيره مبالغ في إيصال الضرر إليه فتوهم لها صورة كصورة الحالة
~~المحققة الوجدانية وهي الغضب الباعث على ذلك، واستعير لتلك الحالة
~~المتوهمة للغيظ. وجوز أن يكون الإسناد في { تكاد تميز } إلى جهنم
~~مجازا وإنما الإسناد الحقيقي إلى الزبانية وأن يكون الكلام على تقدير
~~مضاف أي تميز زبانيتهم من الغيظ وقيل إن الله تعالى يخلق فيها إدراكا
~~فنغتاظ عليهم فلا مجاز بوجه من الوجوه وورد في بعض الأخبار ما يؤيد ذلك
~~وزعم بعضهم أنه لا حاجة لشيء مما ذكر لمكان { تكاد } كما في قوله
~~تعالى

# يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار

# [النور: 35] وفيه ما فيه والجملة / اما حال من فاعل

# تفور

# [الملك: 7] أو خبر آخر.

# وقرأ طلحة (تتميز) بتاءين وأبو عمرو (تكاد تميز) بإدغام الدال في التاء
~~والضحاك (تمايز) على وزن تفاعل وأصله تتمايز بتاءين وزيد بن علي وابن
~~أبي عبلة (تميز) من ماز.

# { كلما ألقى فيها فوج } استئناف مسوق لبيان حال أهلها بعد
~~بيان نفسها وقيل لبيان حال آخر من أحوال أهلها. ms10729 وجوز أن تكون الجملة
~~حالا من ضميرها أي كلما ألقي فيها جماعة من الكفرة { سألهم
~~خزنتها } وهم مالك وأعوانه عليهم السلام. والسائل يحتمل أن يكون
~~واحدا وأن يكون متعددا وليس السؤال سؤال استعلام بل هو سؤال توبيخ
~~وتقريع، وفيه عذاب روحاني لهم منضم إلى عذابهم الجسماني { ألم
~~يأتكم نذير } يتلو عليكم آيات الله وينذركم لقاء يومكم هذا.

### || [67.9]

# { قالوا } اعترافا بأنه عز وجل قد أزاح عللهم بالكلية { بلى قد
~~جاءنا نذير } وجمعوا بين حرف الجواب ونفس الجملة المجاب بها مبالغة
~~في الاعتراف بمجىء النذير وتحسرا على ما فاتهم من السعادة في تصديقهم
~~وتمهيدا لما وقع منهم من التفريط تندما واغتماما على ذلك، أي قال كل
~~فوج من تلك الأفواج: قد جاءنا نذير - أي واحد حقيقة أو حكما كنذر بني
~~إسرائيل فإنهم في حكم نذير واحد - فأنذرنا وتلا علينا ما أنزل الله تعالى
~~من آياته { فكذبنا } ذلك النذير في كونه نذيرا من جهته تعالى {
~~وقلنا } في حق ما تلاه من الآيات إفراطا في التكذيب وتماديا في
~~النكير { ما نزل الله } على أحد { من شىء } من الأشياء فضلا
~~عن تنزيل الآيات على بشر مثلكم { إن أنتم } أي ما أنتم في ادعاء ما
~~تدعونه { إلا فى ضلل كبير } بعيد عن الحق والصواب. وجمع ضمير
~~الخطاب مع أن مخاطب كل فوج نذيره لتغليبه على أمثاله - ولو فرضا ليشمل
~~أول فوج أنذرهم نذير والأصل أنت وأمثالك ممن ادعى أو يدعي دعواك - مبالغة
~~في التكذيب وتماديا في التضليل كما ينبىء عنه تعميم المنزل مع ترك ذكر
~~المنزل عليه فإنه ملوح بعمومه حتما، وأما إقامة تكذيب الواحد مقام تكذيب
~~الكل فقيل أمر تحقيقي يصار إليه لتهويل ما ارتكبوه من الجناية لكن لا
~~مساغ لاعتباره من جهتهم ولا لإدراجه تحت عبارتهم، كيف لا وهو منوط
~~بملاحظة اجتماع النذر على ما لا يختلف من الشرائع والأحكام باختلاف
~~العصور والأعوام وأين هم من ذلك وقد حال الجريض دون القريض.

# هذا إذا جعل ما ذكر حكاية عن كل واحد من الأفواج ms10730 كما هو الظاهر، وأما
~~إذا جعل حكاية عن الكل فالنذير إما بمعنى الجمع لأنه فعيل وهو يستوي فيه
~~الواحد وغيره أو مصدر مقدر بمضاف عام أي أهل نذير أو منعوت به للمبالغة
~~فيتفق كلا طرفي الخطاب في الجمعية. ويستشعر من بعض العبارات جواز اعتبار
~~الجمعية بأحد الأوجه المذكورة على الوجه الأول أيضا وفيه بحث.

# وجوز أن يكون الخطاب من كلام الخزنة للكفار على إرادة القول، على أن
~~مرادهم بالضلال ما كانوا عليه في الدنيا أو هلاكهم أو عقاب ضلالهم تسمية
~~له باسم سببه وهو خلاف الظاهر كما لا يخفى، وكذا ما قيل من جواز كونه من
~~كلام النذير للكفرة حكوه للخزنة. وفي «الكشف» هذا الوجه فيه تكلف بين
~~فإما أن يكون مقول قول محذوف يستدعيه { قد جاءنا نذير } كأنه قيل:
~~بلى قد جاءنا نذير قال إن أنتم إلا في ضلال كبير فكذبنا وقلنا، وقدم {
~~فكذبنا وقلنا } تنبيها على أن التكذيب لم يكن مقصورا على
~~قولهم هذا، وإما أن يكون التكذيب واقعا على الجملة أعني { إن أنتم
~~} وقوله سبحانه { وقلنا ما نزل الله من شيء } عطف على {
~~كذبنا } قدم على صلته ليجري مجرى الاعتراض مؤكدا لحكم التكذيب
~~ودالا على عدم القصر أيضا والأول أولى انتهى.

# واستدل بالآية على أنه لا تكليف قبل البعثة. وحمل النذير على ما في
~~العقول من الأدلة مما لا يقبله منصف ذوي العقول.

### || [67.10]

# { وقالوا } أيضا معترفين بأنهم لم يكونوا ممن يسمع أو يعقل، كأن
~~الخزنة قالوا لهم في تضاعيف التوبيخ: ألم تسمعوا آيات ربكم ولم تعقلوا
~~معانيها فأجابوهم بقولهم: { لو كنا نسمع } كلاما { أو
~~نعقل } / شيئا { ما كنا فى أصحب السعير } أي في
~~عدادهم ومن جملتهم، والمراد بهم قيل الشياطين لقوله تعالى:

# وأعتدنا لهم عذاب السعير

# [الملك: 5] وقيل الكفار مطلقا. واختصاص إعداد السعير بالشياطين ممنوع
~~لقوله تعالى:

# إنآ أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا

# [الإنسان: 4] والآية لا تدل على الاختصاص وفيه دغدغة لعلك تعرفها مما
~~يأتي إن شاء الله تعالى قريبا فلا تغفل.

# ونفيهم السماع والعقل لتنزيلهم ms10731 ما عندهم منهما - لعدم انتفاعهم به -
~~منزلة العدم، وفي ذلك مع اعتبار عموم المسموع والمعقول ما لا يخفى من
~~المبالغة، واعتبرهما بعض الأجلة خاصين قال أي لو كنا نسمع كلام النذير
~~فنقبله جملة من غير بحث وتفتيش اعتمادا على ما لاح من صدقه بالمعجز، أو
~~نعقل فنفكر في حكمه ومعانيه تفكر المستبصرين ما كنا الخ وفيه إشارة إلى
~~أن السماع والعقل هنا بمعنى القبول والتفكر و { أو } للترديد لأنه يكفي
~~انتفاء كل منهما لخلاصهم من السعير أو للتنويع فلا ينافي الجمع. وقيل
~~أشير فيه إلى قسمي الإيمان التقليدي والتحقيقي أو إلى الأحكام التعبدية
~~وغيرها.

# واستدل بالآية كما قال ابن السمعاني في «القواطع» من قال بتحكيم
~~العقل، وأنت تعلم أن قصارى ما تشعر به أن العقل يرشد إلى العقائد الصحيحة
~~التي بها النجاة من السعير، وأما أنها تدل على أن العقل حاكم كما يقول
~~المعتزلة فلا.

# واستدل بها أيضا كما نقل عن ابن المنير على أن السمع أفضل من البصر.
~~ومن العجيب استدلال بعضهم بها على أنه لا يقال للكافر عاقل.

### || [67.11]

# { فاعترفوا بذنبهم } الذي هو كفرهم وتكذيبهم بآيات الله
~~تعالى ونذره عز وجل { فسحقا لاصحب السعير } أي فبعدا لهم
~~من رحمته تعالى وهو دعاء عليهم. وقرأ أبو جعفر والكسائي (فسحقا) بضم
~~الحاء. والسحق مطلقا البعد، وانتصابه على أنه مصدر مؤكد أي سحقهم الله
~~تعالى سحقا قال الشاعر:

# يجول بأطراف البلاد مغربا

# وتسحقه ريح الصبا كل مسحق

# وقيل هو مصدر إما لفعل متعد من المزيد بحذف الزوائد كما في قوله:

# وإن أهلك فذلك كان قدري

# أي تقديري والتقدير فأسحقهم الله سحقا أي إسحاقا، أو بفعل مرتب على
~~ذلك الفعل أي فأسحقهم الله تعالى فسحقوا سحقا كما في قوله:

# وعضة دهريا ابن مروان لم تدع

# من المال إلا مسحت أو مجلف

# أي لم تدع فلم يبق إلا مسحت وإلى أول الوجهين ذهب أبو علي الفارسي
~~والزجاج، وبعد ثبوت الفعل الثلاثي المتعدي كما في البيت وبه قال أبو حيان
~~لا يحتاج إلى ما ms10732 ذكر. واللام في { لاصحب } للتبيين كما في

# هيت لك

# [يوسف: 23] وسقيا لك.

# وفي الآية على ما قيل تغليب ولعل وجهه عند القائل وهو أن السوق يقتضي أن
~~يقال فسحقا لهم ولأصحاب السعير فإنه تعالى بين أولا أحوال الشياطين حيث
~~قال سبحانه

# وأعتدنا لهم عذاب السعير

# [الملك: 5] ثم بين أحوال الكفار حيث قال عز وجل

# وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم

# [الملك: 6] والأوفق بقراءة النصب والأبعد من شبهة التكرار أن يراد
~~بالموصول غير الشياطين ثم قال تعالى شأنه { فسحقا لاصحب
~~السعير } فكأن السوق يقتضي فسحقا لهم ولأصحاب السعير لكن لم يقل
~~كذلك لأجل التغليب حيث أطلق أصحاب السعير على الشياطين والكفار جميعا
~~ولا يضر في هذا دلالة غير آية على عدم اختصاص أصحاب السعير بالشياطين بل
~~يطلق على سائر الكفرة أيضا لأنه يكفي في التغليب الاختصاص المتبادر من
~~السوق هنا ولا توقف له على عدم جواز إطلاق ذلك على غير الشياطين في شيء
~~من المواضع على أنه يمكن أن يقال لا حاجة إلى التزام اختصاص أصحاب السعير
~~بالشياطين أصلا ولو بحسب السوق بل يكفي لصحة التوجيه كونهم أصيلا في
~~دخول السعير والكفار ملحقين بهم كما يشعر به قوله تعالى

# ما كنا في أصحاب السعير

# [الملك: 10] بمعنى في عدادهم وجملتهم فحينئذ يكون الداخل في السعير
~~قسمين وكان مقتضى الظاهر ذكرهما معا في الدعاء عليهم بالسحق كما يشهد به
~~سياق الآية لكنه عدل وغلب / أصحاب السعير الدال على الأصالة على غيره من
~~التوابع وذكر أن في هذا التغلب إيجازا وهو ظاهر ومبالغة أي في الإبعاد
~~إذ لو أفرد كل من الفريقين بالذكر لأمكن أن يتوهم تفاوت الإبعادين بأن
~~يكون إبعاد الكفرة دون إبعاد الشياطين على ما يشعر به جعلهم الشياطين
~~أصيلا وأنفسهم ملحقة بهم فلما ضموا إليهم في الحكم به دل على أن إبعادهم
~~لم يقصر عن إبعاد أولئك وأيضا لما غلب سبحانه وتعالى أصحاب السعير وهم
~~الشياطين على الكفار فقد جعل الكفار من قبيل الشياطين فكأنهم هم بأعيانهم
~~وفيه من المبالغة ما لا ms10733 يخفى وتعليلا فإن ترتب الحكم على الوصف وكذا
~~تعلقه به يشعر بعليته له فيشعر ذلك بأن الإبعاد حصل لهم لأجل كونهم أصحاب
~~السعير وقيل في توجيه التغليب وما فيه من الأمور الثلاثة غير هذا وقد عد
~~ذلك من المشكلات وغدا معتركا لعلماء الروم وغيرهم من العلماء الأعلام
~~ولعل ما ذكرناه أقرب إلى الأفهام وأبعد عن النزاع والخصام فتأمل والله
~~تعالى ولي الأفهام.

### || [67.12]

# { إن الذين يخشون ربهم بالغيب } أي يخافون عذابه
~~غائبا عنهم أو غائبين عنه أو عن أعين الناس غير مرائين أو بما خفي منهم
~~وهو قلوبهم { لهم مغفرة } عظيمة لذنوبهم { وأجر كبير } لا
~~يقادر قدره. وتقديم المغفرة على الأجر لأن درء المضار أهم من جلب
~~المنافع. والجملة المذكورة قيل استئناف بياني.

### || [67.13]

# وقوله تعالى: { وأسروا قولكم أو اجهروا به } خطاب
~~عام للمكلفين كما في قوله تعالى أولا

# ليبلوكم

# [الملك: 2] عطف على مقدر. قال في «الكشف» أصل الكلام وللذين كفروا منكم
~~أيها المكلفون المبتلون وللذين يخشون منكم فقطع هذا الثاني جوابا عن
~~السؤال الذي يقطر من بيان حال الكافرين مع أن ذكرهم بالعرض وهو ماذا حال
~~من أحسن عملا ومن خرج ممحصا عند الابتلاء؟ فأجيب بقوله تعالى:

# إن الذين يخشون

# [الملك: 12] الخ فأثبت لهم كمال العلم

# إنما يخشى الله من عباده العلماء

# [فاطر: 28] وكمال التقوى لقوله تعالى { بالغيب } وفي هذا القطع
~~ترشيح للمعنى المرموز إليه في قوله تعالى

# أيكم أحسن عملا

# [الملك: 2] أي ليبلوكم أيكم المتقي تخصيصا لهم بأنهم المقصودون، ولو
~~عطف لدل على التساوي. ثم قيل فاتقوه في السر والعلن ودوموا أنتم أيها
~~الخاشعون على خشيتكم وأنيبوا إلى الخشية والتقوى أيها المغترون واعتقدوا
~~استواء إسراركم وجهركم في علم ربكم فكونوا على حذر واخشوه حق الخشية
~~فقوله تعالى ذلك عطف على هذا المضمر، وجوز أن يجعل قوله تعالى: { إن
~~الذين } الخ استطرادا عقيب ذكر الكفار وجزائهم وقوله سبحانه {
~~وأسروا... أو اجهروا } على سبيل الالتفات إلى

# أصحاب السعير

# [الملك: 11] لبعد العهد وزيادة الاختصاص عطفا على قوله تعالى

# وللذين كفروا

# [الملك: ms10734 6] كأنه قيل وللكافرين بربهم عذاب جهنم ثم قيل من صفتها كيت
~~وكيت، وإسراركم بالقول وجهركم به أيها الكافرون سيان فلا تفوتوننا جهرتم
~~بالكفر والبغضاء أو أبطنتموهما فهو من تتمة الوعيد ثم قال والأول أملأ
~~بالقبول انتهى. ويظهر لي بعد الأول ويؤيد الثاني ما روي عن ابن عباس
~~أنه قال نزلت { وأسروا } الخ في المشركين كانوا ينالون من النبي
~~صلى الله عليه وسلم فيوحى إليه عليه الصلاة والسلام فقال بعضهم لبعض
~~أسروا قولكم كيلا يسمع رب محمد فقيل لهم أسروا ذلك أو اجهروا به فإن الله
~~تعالى يعلمه.

# وتقديم السر على الجهر للإيذان بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه من أول الأمر
~~والمبالغة في شمول علمه عز وجل المحيط بجميع المعلومات كأن علمه تعالى
~~بما يسرونه أقدم منه بما يجهرون به مع كونهما في الحقيقة على السوية أو
~~لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة الجهر إذ ما من شيء يجهر به إلا وهو أو
~~مباديه مضمر في القلب غالبا فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على
~~تعلقه بحالته الثانية.

# وقوله تعالى: { إنه عليم بذات الصدور } تعليل لما قبله
~~وتقرير له. وفي صيغة الفعيل وتحلية (الصدور) بلام الاستغراق ووصف الضمائر
~~بصاحبتها من الجزالة ما لا يخفى، كأنه قيل إنه عز وجل مبالغ في الإحاطة
~~بمضمرات جميع الناس وأسرارهم الخفية المستكنة في صدورهم / بحيث لا تكاد
~~تفارقها أصلا فكيف لا يعلم ما تسرونه وتجهرون به. ويجوز أن يراد بذات
~~الصدور القلوب التي في الصدور والمعنى إنه تعالى عليم بالقلوب وأحوالها
~~فلا يخفى عليه سر من أسرارها.

### || [67.14]

# وقوله تعالى: { ألا يعلم من خلق } إنكار ونفي لعدم إحاطة
~~علمه جل شأنه، و { من } فاعل { يعلم } أي ألا يعلم السر والجهر من
~~أوجد بموجب حكمته جميع الأشياء التي هما من جملتها. وقوله تعالى: {
~~وهو اللطيف الخبير } حال من فاعل { يعلم } مؤكدة للإنكار
~~والنفي أي ألا يعلم ذلك والحال أنه تعالى المتوصل علمه إلى ما ظهر من
~~خلقه وما بطن. وقيل حال من فاعل { خلق } والأول أظهر. وقدر ms10735 مفعول {
~~يعلم } بما سمعت ولم يجعل الفعل من باب يعطي ويمنع لمكان هذه الحال
~~على ما قيل إذ لو قلت ألا يكون عالما من هو خالق وهو اللطيف الخبير؟ لم
~~يكن معنى صحيحا لاعتماد { ألا يعلم } على الحال والشيء لا يوقت
~~بنفسه فلا يقال ألا يعلم وهو عالم ولكن ألا يعلم كذا وهو عالم كل شيء.

# وأورد عليه أن اللطيف هو العالم بالخفيات فيكون المعنى ألا يكون عالما
~~وهو عالم بالخفيات وهو مستقيم وأجيب بأن (لا يعلم) من ذلك الباب وهو على
~~ما قرره السكاكي مستغرق في المقام الخطابي، و(اللطيف الخبير) من يوصل
~~علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن فهما سواء في الاستغراق والإطلاق. وتعقب
~~بأن الاستغراق غير لازم كما ذكره الزمخشري في قوله تعالى

# ولما ورد مآء مدين

# [القصص: 23] الآية ولو سلم فالوجه مختلف لأن العموم المستفاد من الثاني
~~ليس العموم المستفاد من الأول فإن اللطف للعلم بالخفايا خاصة ويلزم العلم
~~بالجلايا من طريق الدلالة ثم إن الغزالي اعتبر في مفهوم اللطيف مع العلم
~~بخفايا الأمور سلوك سبيل الرفق في إيصال ما يصلحها فلا يتكرر مع الخبير
~~بناء على أنه العالم بالخفايا أيضا والوجه في الحاجة إلى التقدير كما
~~قال بعض الأئمة أن قوله تعالى { ألا يعلم } تذييل بعد التعليل
~~بقوله سبحانه

# إنه عليم بذات الصدور

# [الملك: 13] فربط المعنى أن يقال: ألا يعلم هذا الخفي أعني قولكم
~~المسر به أو ألا يعلم سركم وجهركم من يعلم دقائق الخفايا وجلائلها جملها
~~وتفاصيلها، ولو قيل ألا يكون عالما بليغ العلم من هو كذا لم يرتبط ولكان
~~فيه عي وقصور. وجوز كون { من } مفعول { خلق } واستظهره أبو حيان أي
~~ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله. ورجح الأول بأن فيه إقامة الظاهر مقام
~~الضمير الراجع إلى الرب وهو أدل على المحذوف أعني السر والجهر، وتعميم
~~المخلوق المتناول لهما تناولا أوليا، ولهذا قدروا من خلق الأشياء دلالة
~~على أن حذف المفعول للتعميم.

### || [67.15]

# { هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا } غير صعبة يسهل جدا ms10736
~~عليكم السلوك فيها، فهو فعول للمبالغة في الذل من ذل بالضم ويكسر ضد
~~الصعوبة، ويستعمل المضموم فيما يقابل العز كما يقتضيه كلام «القاموس».
~~وقال ابن عطية الذلول فعول بمعنى مفعول أي مذلولة كركوب وحلوب انتهى
~~وتعقب بأن فعله قاصر وإنما يعدى بالهمزة أو التضعيف فلا يكون بمعنى
~~المفعول. واستظهر أن مذلولة خطأ وقال بعضهم يقولون للدابة إذا كانت
~~منقادة غير صعبة ذلول من الذل بالكسر وهو سهولة الانقياد وفي الكلام
~~استعارة وقيل تشبيه بليغ. وتقديم { لكم } على مفعولي الجعل مع أن حقه
~~التأخر عنهما للاهتمام بما قدم والتشويق إلى ما أخر فإن ما حقه التقديم
~~إذا أخر لا سيما عند كون المقدم مما يدل على كون المؤخر من منافع
~~المخاطبين تبقى النفس مترقبة لوروده فيتمكن لديها عند ذكره فضل تمكن.

# والفاء في قوله تعالى: { فامشوا فى مناكبها } لترتيب الأمر
~~على الجعل المذكور، وزعم بعضهم أنها فصيحة. والمراد بمناكبها على ما روي
~~عن ابن عباس وقتادة وغيرهما جبالها، وقال الحسن طرقها وفجاجها. وأصل
~~المنكب مجتمع ما بين العضد والكتف واستعماله فيما ذكر على سبيل الاستعارة
~~التصريحية التحقيقية وهي قرينة المكنية في الأرض حيث شبهت بالبعير كما
~~ذكره الخفاجي ثم قال فإن قلت كيف تكون مكنية وقد ذكر طرفها الآخر في قوله
~~تعالى: { ذلولا } قلت هو بتقدير أرضا ذلولا فالمذكور جنس الأرض
~~المطلق والمشبه هو / الفرد الخارجي وهو غير مذكور فيجوز كون ذلولا
~~استعارة والمكنية حينئذ هي مدلول الضمير لا المصرح بها في النظم الكريم
~~والمانع من الاستعارة ذكر المشبه بعينه لا بما يصدق عليه فتأمل ولا تغفل.

# وفي «الكشاف» ((المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل ومجاوزته الغاية لأن
~~المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير وأنباه عن أن يطأه
~~الراكب بقدمه ويعتمد عليه لم يترك بقية من التذليل))، والمراد إنه ليس
~~هنا أمر بالمشي حقيقة وإنما القصد به إلى جعله مثلا لفرط التذليل سواء
~~كانت المناكب مفسرة بالجبال أو غيرها وسواء كان ما قبل استعارة أو
~~تشبيها.

# { وكلوا من رزقه ms10737 } انتفعوا بما أنعم جل شأنه وكثيرا ما يعبر
~~عن وجوه الانتفاع بالأكل لأنه الأهم الأعم. وفي «أنوار التنزيل» أي
~~التمسوا من نعم الله سبحانه وتعالى، على أن الأكل مجاز عن الالتماس من
~~قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم قيل وهو المناسب لقوله تعالى { امشوا
~~} وجوز بعض إبقاءه على ظاهره على أن ذلك من قبيل الاكتفاء وليس بذاك.

# واستدل بالآية على ندب التسبب والكسب وفي الحديث «إن الله تعالى يحب
~~العبد المؤمن المحترف» وهذا لا ينافي التوكل بل أخرج الحكيم الترمذي عن
~~معاوية بن قرة قال: مر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بقوم فقال: من
~~أنتم فقالوا: المتوكلون قال: أنتم المتأكلون إنما المتوكل رجل ألقى حبه
~~في بطن الأرض وتوكل على ربه عز وجل.

# وتمام الكلام في هذا الفصل في محله.

# والمشهور أن الأمر في الموضعين للإباحة، وجوز كونه لمطلق الطلب لأن من
~~المشي وما عطف عليه ما هو واجب كما لا يخفى.

# { وإليه النشور } أي المرجع بعد البعث لا إلى غيره عز وجل،
~~فبالغوا في شكر نعمه التي منها تذليل الأرض وتمكينكم منها وبث الرزق
~~فيها.

# ومما يقضي منه العجب جواز عود ضمير { رزقه } على { الأرض }
~~باعتبار أنها مبدأ أو عنصر من العناصر أو ذلول وهو يستوي فيه المذكر
~~والمؤنث، والإضافة لأدنى ملابسة أي من الرزق الذي خلق عليها وكذا ضمير {
~~إليه } أي وإلى الأرض نشوركم ورجوعكم فتخرجون من بيوتكم وقصوركم إلى
~~قبوركم. وجملة { إليه النشور } قيل عطف على الصلة بعد ملاحظة ما ترتب
~~عليها وقيل حال مقدرة من ضمير المخاطبين المرفوع فتدبر.

### || [67.16]

# { ءأمنتم من فى السماء } وهو الله عز وجل كما ذهب إليه غير
~~واحد، فقيل على تأويل من في السماء أمره سبحانه وقضاؤه يعني أنه من
~~التجوز في الإسناد أو أن فيه مضافا مقدرا وأصله من في السماء أمره فلما
~~حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ارتفع واستتر. وقيل على تقدير خالق
~~من في السماء وقيل في بمعنى على ويراد العلو بالقهر والقدرة، وقيل هو
~~مبني ms10738 على زعم العرب حيث كانوا يزعمون أنه سبحانه في السماء فكأنه قيل
~~أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو متعال عن المكان، وهذا في غاية
~~السخافة فكيف يناسب بناء الكلام في مثل هذا المقام على زعم بعض زعم
~~الجهلة كما لا يخفى على المنصف، أو هو غيره عز شأنه وإليه ذهب بعضهم فقيل
~~أريد بالموصول الملائكة عليهم السلام الموكلون بتدبير هذا العالم، وقيل
~~جبريل عليه السلام وهو الملك الموكل بالخسف. وأئمة السلف لم يذهبوا إلى
~~غيره تعالى والآية عندهم من المتشابه وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم:

# " آمنوا بمتشابهه "

# ولم يقل أولوه فهم مؤمنون بأنه عز وجل في السماء على المعنى الذي أراده
~~سبحانه مع كمال التنزيه وحديث الجارية من أقوى الأدلة لهم في هذا الباب
~~وتأويله بما أول به الخلف خروج عن دائرة الإنصاف عند أولي الألباب.

# وفي «فتح الباري» للحافظ ابن حجر أسند اللالكائي عن محمد بن الحسن
~~الشيباني قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان
~~بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~في صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير. وأسند البيهقي بسند صحيح عن أحمد بن
~~أبي الحواري عن سفيان بن عيينة كل ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه
~~فتفسيره تلاوته والسكوت عنه، وهذه طريقة / الشافعي وأحمد بن حنبل. وقال
~~إمام الحرمين في «الرسالة النظامية» اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر
~~فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن، وذهب أئمة
~~السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض
~~معانيها إلى الله عز وجل. والذي نرتضيه رأيا وندين الله تعالى به عقيدة
~~اتباع سلف الأمة للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة، فلو كان تأويل
~~هذه الظواهر حتما لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع
~~الشريعة، وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان
~~ذلك هو الوجه المتبع انتهى كلام الإمام. وقد تقدم النقل في ms10739 ذلك عن أهل
~~العصر الثالث وهم فقهاء الأمصار كالثوري والأوزاعي ومالك والليث ومن
~~عاصرهم وكذا من أخذ عنهم من الأئمة فكيف لا يوثق بما اتفق عليه أهل
~~القرون الثلاثة وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة عليه الصلاة والسلام
~~انتهى كلام الحافظ على وجه الاختصار.

# ونقل نصوص الأئمة في إجراء ذلك على الظاهر مع التنزيه من غير تأويل يفضي
~~إلى مزيد بسط وتطويل وقد ألفت فيه كتب معتبرة مطولة ومختصرة.

# وفي «تنبيه العقول» لشيخ مشايخنا إبراهيم الكوراني أن إجماع القرون
~~الثلاثة على إجراء المتشابهات على مواردها مع التنزيه بليس كمثله شيء
~~دليل على أن الشارع صلوات الله تعالى وسلامه عليه أراد بها ظواهرها
~~والجزم بصدقه صلى الله عليه وسلم دليل على عدم المعارض العقلي الدال على
~~نقيض ما دل عليه الدليل النقلي في نفس الأمر وإن توهمه العاقل في طور
~~النظر والفكر فمعرفة الله تعالى بهذا النحو من الصفات طور وراء ذلك
~~انتهى.

# وأنا أقول: في التأويل اتباع الظن وقول في الله عز وجل بغير علم وإلا
~~لاتحد ما يذكرونه من المعنى فيه مع أن الأمر ليس كذلك حيث يذكرون في
~~تأويل شيء واحد وجوها من الاحتمالات وفيما عليه السلف سلامة من ذلك
~~ويكفي هذا في كونه أحسن المسالك:

# وما علي إذا ما قلت معتقدي

# دع الجهول يظن الجهل عدوانا

# وقرأ نافع (أأمنتم) بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية، وأدخل أبو
~~عمرو وقالون بينهما ألفا. وقرأ قنبل بإبدال الأولى واوا لضم ما قبلها
~~وهو راء

# النشور

# [الملك: 15] وعنه وعن ورش غير ذلك أيضا.

# وقوله تعالى: { أن يخسف بكم الأرض } بدل اشتمال من (من)
~~وجوز أن يكون على حذف الجار أي من أن يخسف ومحله حينئذ النصب أو الجر
~~والباء للملابسة و(الأرض) مفعول به ليخسف والخسف قد يتعدى قال الراغب
~~((يقال خسفه الله تعالى وخسف هو قال تعالى: { فخسفنا به
~~وبداره الارض } [القصص: 81])) أي أأمنتم من أن يذهب الأرض إلى
~~سفل ملتبسة بكم. وزعم بعضهم لزوم لزومه وأن الأرض نصب بنزع الخافض أي ms10740 أن
~~يخسف بكم في الأرض وليس كذلك.

# { فإذا هى } حين الخسف { تمور } ترتج وتهتز اهتزازا شديدا،
~~وأصل المور التردد في المجىء والذهاب.

### || [67.17]

# { أم أمنتم من فى السماء أن يرسل عليكم حصبا
~~} إضراب عن الوعيد بما تقدم إلى الوعيد بوجه آخر أي بل أأمنتم من في
~~السماء أن يرسل الخ. وقد تقدم الكلام في الحاصب. والوعيد بالخسف أولا
~~لمناسبة ذكر الأرض في قوله تعالى

# هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا

# [الملك: 15] وقد ذكر المنة في تسهيل المشي في مناكبها وذكر إرسال الحاصب
~~ثانيا وهذا في مقابلة الامتنان بقوله تعالى:

# وكلوا من رزقه

# [الملك: 15] ألا ترى إلى قوله تعالى:

# وفى السماء رزقكم

# [الذاريات: 22] قاله في «الكشف».

# وفي «غرة التنزيل» للراغب في وجه تقديم الوعيد بالخسف على التوعد
~~بالحاصب أنه لما كانت الأرض التي مهدها سبحانه وتعالى لهم لاستقرارهم
~~يعبدون فيها خالقها فعبدوا الأصنام التي هي شجرها أو حجرها خوفوا بما هو
~~أقرب إليهم والتخويف بالحاصب من السماء التي هي مصاعد كلمهم الطيبة
~~ومعارج أعمالهم الصالحة لأجل أنهم بدلوهما بسيئات كفرهم وقبائح أعمالهم
~~ولعل ما أشير إليه أولا أولى.

# { فستعلمون كيف نذير } أي إنذاري فنذير مصدر مثله في قول
~~حسان:

# / فأنذر مثلها نصحا قريشا

# من الرحمن إن قبلت نذيري

# وهو مضاف إلى ياء الضمير، والقراء مختلفون فيها فمنهم من حذفها وصلا
~~وأثبتها وقفا، ومنهم من حذفها في الحالين اكتفاء بالكسرة، والمعنى
~~فستعلمون ما حال إنذاري وقدرتي على إيقاعه عند مشاهدتكم للمنذر به ولكن
~~لا ينفعكم العلم حينئذ. وقرىء شاذا (فسيعلمون) بالياء التحتانية.

### || [67.18]

# { ولقد كذب الذين من قبلهم } أي من قبل كفار مكة من
~~كفار الأمم السالفة قوم نوح وعاد وأضرابهم. والالتفات إلى الغيبة لإبراز
~~الإعراض عنهم { فكيف كان نكير } أي إنكاري عليهم بإنزال العذاب
~~أي كان على غاية الهول والفظاعة وهذا هو مورد التأكيد القسمي لا تكذيبهم
~~فقط [و] الكلام في { نكير } كالكلام في

# نذير

# [الملك: 17]. وفي الكلام من المبالغة في تسلية رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وتشديد التهديد لقومه ms10741 ما لا يخفى.

### || [67.19]

# { أو لم يروا } أغفلوا ولم ينظروا { إلى الطير فوقهم
~~صفت } باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها فإنهن إذا بسطنها صففن
~~قوادمها - أعني ما تقدم من ريشها - صفا. ونصب { صفت } على الحال
~~من (الطير) أو من ضميرها في { فوقهم } وهو في موضع الحال فتكون
~~الحال متداخلة، وجوز أن يكون ظرفا لصافات أو ليروا ومفعول { صفت
~~} على الاحتمالات محذوف كما أشرنا إليه. وناسب ذكر الاعتبار بالطير ذكر
~~التوعد بالحاصب لا سيما إذا فسر بالحجارة إذ قد أهلك الله تعالى بذلك
~~أصحاب الفيل حينما رمتهم به الطير ففي ذلك إذكار قريش بتلك القصة.

# { ويقبضن } ويضممن أجنحتهن إذا ضربن بها جنوبهن، والعطف على {
~~صفت } لأن المعنى يصففن ويقبضن أو صافات وقابضات. وعطف الفعل على
~~الاسم في مثله فصيح شائع وعكسه جائز حسن إلا عند السهيلي فإنه عنده قبيح
~~نحو قوله:

# بات يعشيها بعضب باتر

# يقصد في أسوقها وجائر

# فإنه أراد قاصد وجائر. ولما كان أصل الطيران هو صف الأجنحة لأن الطيران
~~في الهواء كالسباحة في الماء والأصل فيها مد الأطراف وبسطها وكان القبض
~~طارئا على البسط للاستظهار به على التحرك جيء بما هو طار غير أصل بلفظ
~~الفعل وبما هو أصل بلفظ الاسم على معنى أنهن صافات ويكون منهن القبض تارة
~~بعد تارة ويتجدد حينا إثر حين كما يكون من السابح.

# { ما يمسكهن } في الجو عند الصف والقبض على خلاف مقتضى طبيعة
~~الأجسام الثقيلة من النزول إلى الأرض والانجذاب إليها { إلا
~~الرحمن } الواسع رحمته كل شيء حيث برأهن عز وجل على أشكال
~~وخصائص وألهمهن حركات قد تأتي منها الجري في الهواء. والجملة مستأنفة أو
~~حال من الضمير في { يقبضن }. وقرأ الزهري (ما يمسكهن) بالتشديد.

# { إنه بكل شىء بصير } دقيق العلم فيعلم سبحانه وتعالى كيفية
~~إبداع المبدعات وتدبير المصنوعات، ومن هذا خلقه عز وجل للطير على وجه
~~تأتى به جريه في الجو مع قدرته تعالى أن يجريه فيه بدون ذلك إلا أن
~~الحكمة اقتضت ربط المسببات بأسبابها. وليس فيما ذكرنا نزوع ms10742 إلى ما يضر من
~~أقوال أهل الطبيعة لأن كون طبيعة الأجسام الثقيلة ما سمعت أمر محسوس لا
~~ينكره إلا من كابر حسه ومثله كون الإمساك بالسبب السابق وكونه سببا من
~~آثار رحمته تعالى الواسعة. وأبى ذلك أبو حيان توهما منه أنه نزوع إلى ما
~~يضر من أقوال أهل الطبيعة وقال ((نحن نقول إن أثقل الأشياء إذا أراد الله
~~سبحانه إمساكه في الهواء واستعلاءه إلى العرش كان ذلك، وإذا أراد جل شأنه
~~إنزال ما هو أخف سفلا إلى منتهى ما ينزل كان أيضا، وليس ذلك لشكل أو
~~ثقل أو خفة)) ونحن لا ننكر أن الله تعالى على كل شيء قدير وأنه سبحانه
~~فعال لما يريد وأنه لا يتوقف فعله عز وجل على السبب عقلا بيد أنا نقول
~~إنه تعالى اقتضت حكمته في هذا العالم ذلك الربط وهو أمر عادي اختاره
~~تعالى حكمة وتفضلا ولو / شاء جل وعلا غيره لكان كما شاء. وتقديم { بكل
~~شيء } على { بصير } للفاصلة أو للحصر ردا على من يزعم عدم شمول علمه
~~تعالى شأنه.

### || [67.20]

# { أمن هذا الذى هو جند لكم ينصركم من دون
~~الرحمن } متعلق عند كثير بقوله سبحانه

# أولم يروا إلى الطير

# [الملك: 19] فقال في «الإرشاد» ((هو تبكيت لهم بنفي أن يكون لهم ناصر
~~غير الله تعالى كما يلوح به التعرض لعنوان الرحمانية، ويعضده قوله تعالى
~~{ ما يمسكهن إلا الرحمن } أو ناصر من عذابه تعالى كما
~~هو الأنسب بقوله تعالى بعد

# إن أمسك رزقه

# [الملك: 21] كقوله تعالى

# أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا

# [الأنبياء: 43] في المعنيين معا خلا أن الاستفهام هناك متوجه إلى نفس
~~المانع وتحققه وهنا متوجه إلى تعيين الناصر لتبكيتهم بإظهار عجزهم عن
~~تعيينه)).

# و { أم } منقطعة مقدرة ببل [المفيدة] للانتقال من توبيخهم على ترك
~~التأمل فيما يشاهدونه من أحوال الطير، المنبئة عن تعاجيب آثار قدرة الله
~~عز وجل إلى التبكيت بما ذكر، والالتفات للتشديد في ذلك، ولا سبيل إلى
~~تقدير الهمزة معها لأن [ما] بعدها من الاستفهامية والاستفهام لا يدخل على
~~الاستفهام ms10743 في المعروف عندهم. وهي مبتدأ و { هذا } خبره. وفي الموصول
~~هنا الاحتمالات المشهورة في مثله وجملة { ينصركم } صفة لجند باعتبار
~~لفظه و { من دون الرحمن } على الوجه الأول إما حال من فاعل {
~~ينصركم } أو نعت لمصدره وعلى الثاني متعلق بينصركم كما في قوله
~~تعالى

# من ينصرني من الله

# [هود: 30] فالمعنى من هذا الحقير الذي هو في زعمكم جند لكم ينصركم
~~متجاوزا نصر الرحمن، أو ينصركم نصرا كائنا من دون نصره تعالى أو
~~ينصركم من عذاب كائن من عند الله عز وجل.

# وقوله تعالى: { إن الكفرون إلا فى غرور } اعتراض مقرر
~~لما قبله ناع عليهم ما هم فيه من غاية الضلال أي ما هم في زعمهم - أنهم
~~محفوظون من النوائب بحفظ آلهتهم لا بحفظه تعالى فقط أو أن آلهتهم تحفظهم
~~من بأس الله تعالى - إلا في غرور عظيم وضلال فاحش من جهة الشيطان ليس لهم
~~في ذلك شيء يعتد به في الجملة. والالتفات إلى الغيبة للإيذان باقتضاء
~~حالهم للإعراض عنهم وبيان قبائحهم للغير. والإظهار في موضع الإضمار لذمهم
~~بالكفر وتعليل غرورهم به.

### || [67.21]

# والكلام في قوله تعالى: { أمن هذا الذى يرزقكم إن
~~أمسك } أي الله عز وجل { رزقه } بإمساك المطر وسائر مباديه كالذي
~~مر. وقوله تعالى: { بل لجوا } الخ منبىء عن مقدر يستدعيه المقام
~~كأنه قيل إثر التبكيت والتعجيز لم يتأثروا بذلك ولم يذعنوا للحق بل لجوا
~~وتمادوا { فى عتو } في عناد واستكبار وطغيان { ونفور } شراد عن
~~الحق لثقله عليهم.

# وجعل ناصر الدين

# أمن هذا الذي هو

# [الملك: 20] الخ عديلا لقوله تعالى

# أو لم يروا

# [الملك: 19] على معنى ألم ينظروا في أمثال هذه الصنائع من القبض والبسط
~~والإمساك وما شاكل ذلك مما يدل على كمال القدرة فلم يعلموا قدرتنا على
~~تعذيبهم بنحو خسف وإرسال حاصب أم لكم جند ينصركم من دون الله إن أرسل
~~عليكم عذابه، وقال إنه كقوله تعالى

# أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا

# [الأنبياء: 43] إلا أنه أخرج مخرج الاستفهام عن تعيين من ينصرهم إشعارا
~~بأنهم اعتقدوا هذا القسم، ms10744 وجعل قوله تعالى { أمن هذا الذى
~~يرزقكم } الخ على معنى أم من يشار إليه ويقال هذا الذي يرزقكم فقيل
~~إنه عليه الرحمة جعل في الأولى أم متصلة ومن استفهامية وجعل في الثانية
~~أم منقطعة ومن موصولة و { هذا الذي } مبتدأ وخبر واقع صلة على
~~تقدير القول وقدر لاستهجان أن يقال الذي هذا الذي يرزقكم ويجعل هذا
~~قائما مقام الضمير الراجع إلى الموصول الأول ومن قيل مبتدأ خبره محذوف
~~أي رازق لكم وكأنه أشار بذلك إلى صحة كل من الأمرين في الوضعين وحديث
~~لزوم اجتماع الاستفهامين في بعض الصور ودخول الاستفهام على الاستفهام قيل
~~عليه إنه ليس بضائر إذ لا مانع من اجتماع الاستفهامين إذا قصد التأكيد.

# وقد نقل ابن الشجري عن جميع البصريين أن أم المنقطعة أبدا بمعنى بل
~~والهمزة أي ولو دخلت على استفهام نحو

# أم هل تستوي الظلمات

# [الرعد: 16] و

# أما ذا كنتم تعملون

# [النمل: 84] ومذهب غيرهم أنها قد تأتي بمعنى الاستفهام المجرد، وروي ذلك
~~عن أبي عبيدة وأنها قد تأتي للإضراب المجرد وقد تتضمنه والاستفهام
~~الإنكاري أو الطلبي والزمخشري قال في الموضعين أم من يشار إليه ويقال
~~هذا الذي، وجوز في { هذا } أن يكون إشارة إلى مفروض وأن يكون إشارة إلى
~~جميع الأوثان لاعتقادهم أنهم يحفظون من النوائب ويرزقون ببركة آلهتهم
~~فكأنهم الجند والناصر والرازق.

# والآية على هذا ليست متعلقة بقوله تعالى

# أو لم يروا

# [الملك: 19] على ما حققه صاحب «الكشف» قال بعد أن أوضح كلامه: إذا تقرر
~~ذلك فاعلم أن الذي يقتضيه النظم على هذا التفسير أن يكون قوله تعالى

# أمن هذا الذي هو جند

# [الملك: 20] متعلقا بحديث الخسف وقوله سبحانه { أمن هذا
~~الذى يرزقكم } بحديث إرسال الحاصب على سبيل النشر كأنه لما قيل
~~أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فتضطرب نافرة بعدما كانت في غاية
~~الذلة عقب بقول أم آمنكم الفوج الذي هو في زعمكم هو جند لكم يمنعكم من
~~عذاب الله تعالى وبأسه، على أن أم منقطعة والاستفهام تهكم.

# وكذلك لما قيل ms10745 أأمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا بدل ما يرسل
~~عليكم رحمته ذنب بقول أم آمنكم الذي تتوهمون أنه يرزقكم. وأما قوله تعالى

# ولقد كذب الذين من قبلهم

# [الملك: 18] فاعتراض يشد من عضد التحذير وأن في الأمم الماضين المخسوف
~~بهم والمرسل عليهم الحواصب إلى غير ذلك من أنواع عذابه عز وجل ما يسلبهم
~~الطمأنينة والوقار لو اعتبروا وكذلك قوله سبحانه

# أو لم يروا

# [الملك: 19] تصوير لقدرته تعالى الباهرة وأن من قدر على ذلك كان الخسف
~~وإرسال الحاصب عليه أهون شيء وفيه كما أنه بعظيم قدرته وشمول رحمته أمسك
~~الطير كذلك إمساكه العذاب وإلا فهؤلاء يستحقون كل نكال وفي الإتيان بهذا
~~من التحقير الدال على تسفيه رأيهم وتقدير القول الدال على الزعم والتأكيد
~~بالموصولين الدال على تأكد اعتقادهم في ذلك الباطل إن كان إشارة إلى
~~الأصنام أو كمال التهكم بهم كأنهم محققون معلومون إن كان إشارة إلى فوج
~~مفروض لأن حالهم في الأمن يقتضي ذلك وهذا أبلغ ولذا قدمه الزمخشري ما
~~يقضي منه العجب ويلوح الإعجاز التنزيلي كأنه رأي العين ثم قال فهذا ما
~~هديت إليه مع الاعتراف بأن الاغتراف من تيار كلام الله تعالى له رجال ما
~~أبعد مثلي عنهم ولكن أتسلى بقول إمامنا الشافعي:

# أحب الصالحين ولست منهم

# انتهى. ولعمري لقد أبدع وتبوأ ما قاله من القبول عند ذوي العقول المحل
~~الأرفع:

# ويعجبني طرف تدر دموعه

# على فضله العالي فلله دره

# وظاهره أن من في الموضعين فاعل لفعل محذوف دل عليه السياق أعني أمنكم لا
~~مبتدأ خبره محذوف كما قيل فيما سبق. وقد جوز في الآية غير ما تقدم من
~~أوجه الإعراب وهو أن يكون من خبرا مقدما و { هذا } مبتدأ ورجح على
~~ما مر من عكسه بأنه سالم عما فيه من الإخبار بالمعرفة عن النكرة فإنه غير
~~جائز عند الجمهور وجوازه مذهب سيبويه إذا كان المبتدأ اسم استفهام أو
~~أفعل تفضيل.

# وقرأ طلحة في الأولى

# أمن

# [الملك: 20] بتخفيف الميم وشدد في الثانية كالجماعة.

### || [67.22]

# وقوله تعالى: { أفمن ms10746 يمشى مكبا على وجهه أهدى
~~أمن يمشى سويا على صرط مستقيم } مثل ضرب للمشرك
~~والموحد توضيحا لحاليهما في الدنيا وتحقيقا لشأن مذهبيهما. والفاء
~~لترتيب ذلك على ما ظهر من سوء حال الكفرة وخرورهم في مهاوي الغرور
~~وركوبهم متن عشواء العتو والنفور، فإن تقدم الهمزة عليها صورة إنما هو
~~لاقتضاء الصدارة وأما بحسب المعنى فالمعنى بالعكس على ماهو المشهور حتى
~~لو كان مكان الهمزة هل لقيل فهل من يمشي الخ.

# و(من) موصولة مبتدأ و { يمشى } صلته و { مكبا } حال من الضمير
~~المستتر فيه و { على وجهه } ظرف لغو متعلق بمكبا أو مستقر حال
~~والأول أولى و { أهدى } خبر (من) و (من) الثانية عطف على الأولى وهو
~~من عطف المفرد على المفرد كما في قولك أزيد أفضل أم عمرو؟ وقيل مبتدأ
~~خبره محذوف لدلالة خبر الأولى عليه ولا حاجة إلى ذلك لما سمعت.

# والمكب الساقط على وجهه يقال أكب خر على / وجهه وهو من باب الإفعال.
~~والمشهور أنه لازم وثلاثيه متعد فيقال كبه الله تعالى فأكب، وقد جاء ذلك
~~على خلاف القياس وله نظائر يسيرة كأمرت الناقة درت ومرتيها
~~وأشنق البعير رفع رأسه وشنقته وأقشع الغيم وقشعته الريح أي أزالته وكشفته
~~وأنزفت البئر ونزفتها أخرجت ماءها وأنسل ريش الطائر ونسلته. وقال بعضهم
~~التحقيق أن الهمزة فيه للصيرورة، فمعنى أكب صار ذا كب ودخل فيه كما في
~~ألأم إذا صار لئيما وأنفض إذا صار نافضا لما في مزودته وليست للمطاوعة
~~ومطاوع كب إنما هو انكب وقد ذهب إلى ذلك ابن سيده في «المحكم» تبعا
~~للجوهري وغيره وتبعه ابن الحاجب وأكثر شراح «المفصل» إلا أن كلام بعض
~~الأجلة ظاهر في التسوية بين المطاوعة والصيرورة. وحكى ابن الأعرابي كبه
~~الله تعالى وأكبه بالتعدية وفي «القاموس» ما هو نص فيه وعليه لا مخالفة
~~للقياس.

# والمعنى أفمن يمشي وهو يعثر في كل ساعة ويخر على وجهه في كل خطوة لتوعر
~~طريقه واختلاف أجزائه بانخفاض بعض وارتفاع بعض آخر أهدى وأرشد إلى المقصد
~~الذي يؤمه أم من يمشي ms10747 قائما سالما من الخبط والعثار على طريق مستوي
~~الأجزاء لا اعواج فيه ولا انحراف. ولم يصرح بطريق الكافر بل أشير إليه
~~بما دل على توعره وعدم استقامته أعني { مكبا } للإشعار بأن ما عليه
~~لا يليق أن يسمى طريقا.

# وفسر بعضهم السوي بمستوي الجهة قليل الانحراف على أن المكب المتعسف الذي
~~ينحرف هكذا وهكذا وهو غير مناسب هنا لأن قوله تعالى { على صرط
~~مستقيم } يصير كالمكرر وأفعل هنا مثله على ما في «البحر» في قولك
~~العسل أحلى من الخل.

# والآية على ما روي عن ابن عباس نزلت في أبي جهل عليه اللعنة وحمزة رضي
~~الله تعالى عنه والمراد العموم كما روي عن ابن عباس أيضا ومجاهد
~~والضحاك.

# وقال قتادة نزلت مخبرة عن حال الكافر والمؤمن في الآخرة فالكفار يمشون
~~فيها على وجوههم والمؤمنون يمشون على استقامة. وروي أنه قيل للنبي صلى
~~الله عليه وسلم كيف يمشي الكافر على وجهه فقال عليه الصلاة والسلام «إن
~~الذي أمشاه في الدنيا على رجليه قادر على أن يمشيه في الآخرة على وجهه»
~~وعليه فلا تمثيل.

# وقيل المراد بالمكب الأعمى وبالسوي البصير وذلك إما من باب الكناية أو
~~من باب المجاز المرسل وهو لا يأبى جعله بعد تمثيلا لمن سمعت كما هو
~~معلوم في محله.

### || [67.23]

# { قل هو الذى أنشأكم وجعل لكم السمع
~~والابصر والافئدة } أي القلوب { قليلا ما تشكرون
~~} أي تلك النعم، كأن تستعملون السمع في سماع الآيات التنزيلية على وجه
~~الانتفاع بها والأبصار في النظر بها إلى الآيات التكوينية الشاهدة بشؤون
~~الله عز وجل والأفئدة بالتفكر بها فيما تسمعونه وتشاهدونه. ونصب {
~~قليلا } على أنه صفة مصدر مقدر أي شكرا قليلا و(ما) مزيدة لتأكيد
~~التقليل. والجملة حال مقدرة، والقلة على ظاهرها أو بمعنى النفي إن كان
~~الخطاب للكفرة، وجوز في الجملة أن تكون مستأنفة والأول أولى.

### || [67.24]

# { قل هو الذى ذرأكم فى الارض } أي خلقكم وكثركم فيها لا
~~غيره عز وجل { وإليه تحشرون } للجزاء لا إلى غيره سبحانه
~~اشتراكا أو استقلالا فابنوا أمركم على ذلك. ms10748

### || [67.25]

# { ويقولون } من فرط عتوهم ونفورهم { متى هذا الوعد } أي
~~الحشر الموعود كما ينبىء عنه قوله تعالى

# وإليه تحشرون

# [الملك: 24] { إن كنتم صدقين } يخاطبون به النبي صلى الله
~~عليه وسلم والمؤمنين حيث كانوا مشاركين له عليه الصلاة والسلام في الوعد
~~وتلاوة الآيات المتضمنة له، وجواب الشرط محذوف أي إن كنتم صادقين فيما
~~تخبرونه من مجيء الساعة والحشر فبينوا وقته.

### || [67.26]

# { قل إنما العلم } أي العلم بوقته { عند الله } عز وجل
~~لا يطلع عليه غيره عز وجل كقوله تعالى

# قل إنما علمها عند ربي

# [الأعراف: 187] { وإنما أنا نذير مبين } أنذركم وقوع
~~الموعود لا محالة وأما العلم بوقت وقوعه فليس من وظائف الإنذار.

### || [67.27]

# والفاء في قوله تعالى: { فلما رأوه } فصيحة معربة عن تقدير
~~جملتين وترتيب الشرطية عليهما، كأنه قيل وقد أتاهم الموعود فرأوه فلما
~~رأوه الخ وهذا / نظير قوله تعالى

# فلما رآه مستقرا عنده

# [النمل: 40] إلا أن المقدر هناك أمر واقع مرتب على ما قبله بالفاء
~~وههنا أمر منزل منزلة الواقع وارد على طريقة الاستئناف. وقوله تعالى: {
~~زلفة } حال من مفعول { رأوه } اما بتقدير المضاف أي ذا زلفة وقرب
~~أو على أنه مصدر بمعنى الفاعل أي مزدلفا أو على أنه مصدر نعت به مبالغة
~~أو ظرف أي رأوه في مكان ذي زلفة. وفسر بعضهم الزلفة بالقريب والأمر عليه
~~ظاهر وكذا على ما روي عن ابن زيد من تفسيره بالحاضر. وقال الراغب الزلفة
~~المنزلة والحظوة وما في الآية قيل معناه زلفة المؤمنين وقيل زلفة لهم
~~واستعمل الزلفة في منزلة العذاب كما استعملت البشارة ونحوها من الألفاظ
~~انتهى ولا زلفة في كلا القولين.

# { سيئت وجوه الذين كفروا } ساءتها رؤيته بأن غشيتها
~~بسببها الكآبة ورهقها القتر والذلة. ووضع الموصول موضع ضميرهم لذمهم
~~بالكفر وتعليل المساءة به. وأشم أبو جعفر والحسن وأبو رجاء وشيبة وابن
~~وثاب وطلحة وابن عامر ونافع والكسائي كسر سين { سيئت } الضم.

# { وقيل } توبيخا لهم وتشديدا لعذابهم { هذا الذى كنتم
~~به تدعون } أي تطلبونه في الدنيا وتستعجلونه إنكارا واستهزاء على
~~أنه تفتعلون ms10749 من الدعاء والباء صلة الفعل. وقيل هو من الدعوى أي تدعون أن
~~لا بعث ولا حشر فالباء سببية أو للملابسة باعتبار الذكر وأيد التفسير
~~الأول بقراءة أبي رجاء والضحاك والحسن وقتادة وابن يسار وعبد الله بن
~~مسلم وسلام ويعقوب (تدعون) بسكون الدال وهي قراءة ابن أبي عبلة وأبي
~~زيد وعصمة عن أبي بكر والأصمعي عن نافع. وذكر الزمخشري في سورة المعارج
~~أن (يدعون) مخففا من قولهم دعا بكذا إذا استدعاه، وعن الفراء أنه من
~~دعوت أدعو والمعنى هذا الذي كنتم به تستعجلون وتدعون الله تعالى بتعجيله
~~يعني قولهم

# إن كان هذا هو الحق من عندك

# [الأنفال: 32] الخ.

# وروي عن مجاهد أن الموعود عذاب يوم بدر وهو بعيد. وأما ما قيل من أن
~~الموعود الخسف والحاصب وقد وقعا لأن المراد بالخسف الذل كما في قوله:

# ولا يقيم على خسف يراد به

# إلا الأذلان عير الحي والوتد

# وبالحاصب الحصى وقد رمى صلى الله عليه وسلم به في وجوههم كما في الخبر
~~المشهور، أو لم يقعا بناء على ما عرف أولا من المراد بهما، ولا يضر ذلك
~~إذ تخلف الوعيد لا ضير فيه فليس بشيء كما لا يخفى. وكان كفار مكة يدعون
~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين بالهلاك فقال سبحانه له
~~عليه الصلاة والسلام.

### || [67.28]

# { قل أرءيتم } أي أروني كما هو المشهور وقد مر تحقيقه { إن
~~أهلكنى الله ومن معى } أي من المؤمنين { أو رحمنا }
~~أي بالنصرة عليكم { فمن يجير الكفرين من عذاب أليم }
~~أي فمن يجيركم من عذاب النار، وأقيم الظاهر مقام المضمر المخاطب دلالة
~~على أن موجب البوار محقق فأنى لهم الإجارة، والظاهر أن جواب الشرط
~~والمعطوف عليه شيء واحد وحاصل المعنى: لا مجير لكم من عذاب النار لكفركم
~~الموجب له انقلبنا إلى رحمة الله تعالى بالهلاك كما تمنون لأن فيه الفوز
~~بنعيم الآخرة أو بالنصرة عليكم والأدلة للإسلام كما نرجو لأن في ذلك
~~الظفر بالبغيتين ويتضمن ذلك حثهم على طلب الخلاص بالإيمان وأن فيما هم
~~فيه ms10750 شغلا شاغلا عن تمني هلاك النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه من
~~المؤمنين، وهذا أوجه أوجه ثلاثة ذكرها الزمخشري ثانيها أن المعنى
~~إن أهلكنا الله تعالى بالموت ونحن هداتكم والآخذون بحجزكم فمن يجيركم من
~~النار، وإن رحمنا بالغلبة عليكم وقتلكم عكس ما تمنون فمن يجيركم لأن
~~المقتول على أيدينا هالك في الدنيا والآخرة وعلى هذا، الجواب متعدد
~~لتعدد موجبه. ورجح الأول بأن فيه تسفيها لرأيهم لطلبهم ما هو سعادة
~~أعدائهم ثم الحث على ما هو أحرى وهو الخلاص مما هم فيه من موجب الهلاك /
~~وهذا فيه الأول من حيث إنهم لم يتمنون هلاك من يجيرهم من العذاب بإرشاده
~~والسياق أدعى للأول وثالثها أن المعنى إن أهلكنا الله تعالى في الآخرة
~~بذنوبنا ونحن مسلمون فمن يجير الكافرين وهم أولى بالهلاك لكفرهم، وإن
~~رحمنا بالإيمان فمن يجير من لا إيمان له وعلى هذا، الجواب متعدد أيضا
~~والهلاك فيه محمول على المجاز دون الحقيقة كما في سابقه والغرض الجزم
~~بأنهم لا مجير لهم وإن حالهم إذا ترددت بين الهلاك بالذنب والرحمة
~~بالإيمان وهم مؤمنون فما ذا يكون حال من لا إيمان له وهذا فيه بعد.

### || [67.29]

# { قل } أي لهم جوابا عن تمنيهم ما لا يجديهم بل يرديهم معرضا بسوء
~~ما هم عليه { هو الرحمن } أي الله الرحمن { ءامنا به } أي
~~فيجيرنا برحمته عز وجل من عذاب الآخرة ولم نكفر مثلكم حتى لا نجار البتة.
~~ولما جعل الكفر سبب الإساءة في الآية الأولى جعل الإيمان سبب الإجارة في
~~هذه ليتم التقابل ويقع التعريض موقعه ولم يقدم مفعول { ءامنا } لأنه
~~لو قيل به آمنا كان ذهابا إلى التعريض بإيمانهم بالأصنام وكان خروجا
~~عما سيق له الكلام.

# وحسن التقديم في قوله تعالى: { وعليه توكلنا } لاقتضاء
~~التعريض بهم في أمر التوكل ذلك، أي وعليه توكلنا ونعم الوكيل فنصرنا لا
~~على العدد والعدد كما أنتم عليه، والحاصل أنه لما ذكر فيما قبل الإهلاك
~~والرحمة وفسر برحمة الدنيا والآخرة أكد ههنا بحصولها لهم في الدارين
~~لايمانهم وتوكلهم عليه تعالى ms10751 خاصة، وفي ذلك تحقيق عدم حصولها للكافرين
~~لانتفاء الموجبين. ثم في الآية خاتمة على منوال السابقة وتبيين أن أحسن
~~العمل الإيمان والتوكل على الله تعالى وحده وهو حقيقة التقوى.

# وقوله تعالى: { فستعلمون من هو فى ضلل مبين } أي
~~في الدارين وعيد بعد تلخيص الموجب لكنه أخرج مخرج الكلام المنصف أي من هو
~~منا ومنكم في الخ.

# وقرأ الكسائي (فسيعلمون) بياء الغيبة نظرا إلى قوله تعالى

# فمن يجير الكفرين

# [الملك: 28].

### || [67.30]

# { قل أرءيتم } أي أخبروني { إن أصبح ماؤكم غورا }
~~أي غائرا ذاهبا في الأرض بالكلية، وعن الكلبي لا تناله الدلاء، وهو
~~مصدر وصف به للمبالغة أو مؤل باسم الفاعل، وأيا ما كان فليس المراد
~~بالماء ماء معينا وإن كانت الآية كما روى ابن المنذر والفاكهي عن ابن
~~الكلبي نازلة في بئر زمزم وبئر ميمون بن الحضرمي { فمن يأتيكم
~~بماء معين } أي جار أو ظاهر سهل المأخذ لوصول الأيدي إليه، وهو
~~فعيل من معن أو مفعول من عين وعيد في الدنيا خاصة وأردف الوعيد السابق به
~~تنبيها بالأدنى على الأعلى وانكم إذا لم تعبدوه عز وجل للحياة الباقية
~~فاعبدوه للفانية.

# وتليت هذه الآية عند بعض المستهزئين فلما سمع { فمن يأتيكم } الخ
~~قال تجيء به الفؤس والمعاول فذهب ماء عينيه نعوذ بالله تعالى من الجراءة
~~على الله جل جلاله وآياته. وتفسير الآيات على هذا الطرز هو ما اختاره
~~بعض الأئمة وهو أبعد مغزى من غيره والله تعالى أعلم بأسرار كلامه.

### | [68 - سورة القلم]

### || [68.1]

# { ن } بالسكون على الوقف. وقرأ الأكثرون بسكون النون وإدغامها في واو {
~~والقلم } بغنة عند بعض وبدونها عند آخرين، وقرىء بكسر النون، وقرأ
~~ابن عباس وابن أبي إسحق وعيسى بخلاف عنه بفتحها، وكل لالتقاء الساكنين،
~~وجوز أن يكون الفتح بإضمار حرف القسم في موضع الجر كقولهم: الله لأفعلن
~~بالجر وأن يكون ذلك نصبا بإضمار اذكر ونحوه لا فتحا، وامتناع الصرف
~~للتعريف والتأنيث على أنه علم للسورة ثم إن جعل اسما للحرف مسرودا على
~~نمط التعديد للتحدي على ما اشتهر وبين ms10752 في موضعه، أو اسما للسورة،
~~منصوبا على الوجه المذكور أو مرفوعا على أنه خبر مبتدأ محذوف فالواو في
~~قوله تعالى { والقلم } للقسم وإن جعل مقسما به فهي للعطف عليه على
~~الشائع.

# واختار السلف أن { ن } من المتشابه وغير واحد من الخلف أنه هنا من
~~أسماء الحروف، وقالوا يؤيد ذلك أنه لو كان اسم جنس أو علما لأعرب منونا
~~أو ممنوعا من الصرف ولكتب كما يتلفظ به، وكون كتابته كما ترى لنية الوقف
~~وإجراء الوصل مجراه خلاف الأصل وكون خط المصحف لا يقاس مسلم إلا أن الأصل
~~إجراؤه على القياس ما أمكن.

# وقيل هو اسم لحوت عليه الأرض يقال له اليهموت بفتح الياء المثناة
~~التحتية وسكون الهاء ففي حديث رواه الضياء في «المختارة» والحاكم وصححه
~~وجمع عن ابن عباس: خلق الله تعالى النون فبسطت الأرض عليه فاضطرب النون
~~فمادت الأرض فأثبتت بالحبال ثم قرأ { ن والقلم } الخ وروي ذلك عن
~~مجاهد، وروي عن ابن عباس أيضا والحسن وقتادة والضحاك أنه اسم للدواة
~~وأنكر الزمخشري ورود النون بمعنى الدواة في اللغة أو في الاستعمال المعتد
~~به. وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون لغة لبعض العرب أو لفظة أعجمية عربت
~~وأنشد قول الشاعر:

# إذا ما الشوق برح بي إليهم

# ألقت النون بالدمع السجوم

# والأولون، منهم من فسر القلم بالذي خط في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى
~~يوم القيامة، ومنهم من فسره بقلم الملائكة الكرام الكاتبين، وال فيه على
~~التفسيرين للعهد، والآخرون، منهم من فسره بالجنس على أن التعريف فيه
~~جنسي، ومنهم وهم قليل من فسره بما تقدم أيضا، لكن الظاهر من كلامهم أن
~~الدواة ليست عبارة عن الدواة المعروفة بل هي دواة خلقت يوم خلق ذلك
~~القلم. وعن معاوية بن قرة يرفعه أن ن لوح من نور والقلم قلم من نور يجري
~~بما هو كائن إلى يوم القيامة. وعن جعفر الصادق أنه نهر من أنهار الجنة
~~وفي «البحر» لعله لا يصح شيء من ذلك أي من جميع ما ذكر في ن ما ms10753 عدا كونه
~~اسما من أسماء الحروف وكأنه إن كان مطلعا على الروايات التي ذكرناها لم
~~يعتبر تصحيح الحاكم فيما روى أولا عن ابن عباس ولا كون أحد رواته الضياء
~~في «المختارة» التي هي في الاعتبار قرينة من «الصحاح» ولا كثرة راويه عنه
~~وهو الذي يغلب على الظن لكثرة الاختلاف فيما روي عنه في تعيين المراد به
~~حتى أنه روي عنه أنه آخر حرف من حروف الرحمن وأن هذا الاسم الجليل فرق في
~~الر وحم ون ولا يخفى أنه إن أريد الحوت أو نهر في الجنة يصير الكلام
~~من باب كم الخليفة وألف بادنجانة، وأما إن أريد الدواة فالتنكير آب عن
~~ذلك أشد الإباء على أنه كما سمعت / عن الزمخشري لغة لم تثبت والرد عليه
~~إنما يتأتى بإثبات ذلك عن الثقات وأنى به وذكر صاحب «القاموس» لا
~~ينتهض حجة على أنه معنى لغوي وفي صحة الروايات كلام والبيت الذي أنشده
~~ابن عطية لم يثبت عربيا وكونه بمعنى الحوت أطلق على الدواة مجازا
~~بعلاقة المشابهة فإن بعض الحيتان يستخرج منه شيء أشد سوادا من النقس
~~يكتب به لا يخفى ما فيه من السماجة فإن ذلك البعض لم يشتهر حتى يصح جعله
~~مشبها به مع أنه لا دلالة للمنكر على ذلك الصنف بعينه وكونه بمعنى الحرف
~~مجازا عنها أدهى وأمر كذا قيل، وللبحث في البعض مجال وللقصاص [في] هذا
~~الفصل روايات لا يعول عليها ولا ينبغي الإصغاء إليها.

# ثم إن استحقاق القلم للإعظام بالإقسام به إذا أريد به قلم اللوح الذي
~~جاء في الأخبار أنه أول شيء خلقه الله تعالى أو قلم الكرام الكاتبين
~~ظاهر، وأما استحقاق ما في أيدي الناس إذا أريد به الجنس لذلك فلكثرة
~~منافعه ولو لم يكن له مزية سوى كونه آلة لتحرير كتب الله عز وجل لكفى به
~~فضلا موجبا لتعظيمه.

# والضمير في قوله سبحانه: { وما يسطرون } أي يكتبون إما للقلم
~~مرادا به قلم اللوح وعبر عنه بضمير الجمع تعظيما له، أو له مرادا به
~~جنس ما به ms10754 الخط فضمير الجمع لتعدده لكنه ليس بكاتب حقيقة بل هو آلة
~~للكاتب فالإسناد إليه إسناد إلى الآلة مجازا والتعبير عنه بضمير العقلاء
~~لقيامه مقامهم وجعله فاعلا أو للكتبة أو الحفظة المفهومين من القلم أو
~~لهم باعتبار أنه أريد بالقلم أصحابه تجوزا أو بتقدير مضاف معه ولا يخفى
~~ما هو الأوجه من ذلك وأما كونه لما وهي بمعنى من فتكلف بارد والظاهر فيها
~~أنها إما موصولة أي والذي يسطرونه أو مصدرية أي وسطرهم.

### || [68.2]

# جواب القسم والباء الثانية مزيدة لتأكيد النفي و { بمجنون } خبر
~~(ما) والباء الأولى للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال من الضمير في
~~الخبر والعامل فيها معنى النفي والمعنى انتفى عنك الجنون في حال كونك
~~ملتبسا بنعمة ربك أي منعما عليك بما أنعم من حصافة الرأي والنبوة
~~والشهامة، واختاره ناصر الدين، وقريب منه جعل الباء للسببية، والجار
~~والمجرور متعلقا بالنفي كالظرف اللغو كأنه قيل انتفى عنك الجنون بسبب
~~نعمة ربك عليك. وجوز أن تكون الباء للملابسة في موضع الحال والعامل {
~~مجنون } وباؤه لا تمنع العمل لأنها مزيدة. وتعقبه ناصر الدين بأن فيه
~~نظرا من حيث المعنى. ووجه بأن محصله على هذا التقدير أنه انتفى عنك
~~الجنون وقت التباسك بنعمة ربك ولا يفهم منه انتفاء مطلق الجنون عنه صلى
~~الله عليه وسلم وهل المراد إلا هذا، وقيل عليه لا يخفى أنه وارد على ما
~~اختاره هو أيضا أي وذلك لأن المعنى حينئذ انتفى عنك ملتبسا بنعمة ربك
~~الجنون ولا يفهم منه انتفاؤه عنه عليه الصلاة والسلام في جميع الأوقات
~~وهو المراد. وأجيب بأن تلك الحالة لازمة له صلى الله عليه وسلم غير منفكة
~~عنه فنفيه عنه فيها مستلزم لنفيه عنه دائما وسائر الحالات. وتعقب بأن
~~هذا متأت على كلا التقديرين لا اختصاص له بأحدهما دون الآخر. وأنت خبير
~~بأنه فرق بينهما إذ يصير المعنى على تقدير كون العامل مجنون كما أشير
~~إليه أنه انتفى عنك الجنون الواقع عليك حالة الالتباس المذكور وهذا يدل
~~على إمكان وقوعه في تلك الحالة ms10755 بل على تحققه أيضا وهو معنى لاغ إذ كيف
~~يتصور وجود الجنون ووقوعه وقت التباسه صلى الله عليه وسلم بالنعمة ومن
~~جملتها الحصافة، ولا يرد هذا على التقدير المختار إذ الانتفاء المفهوم
~~حينئذ لا يكون واردا على الجنون المقيد بما ذكر وهو وإن كان مقيدا فيه
~~أيضا لا ضير به لكون قيده لازما لذات المنفي عنه كما عرفت هذا وقيل إذا
~~حمل الباء على السببية واعتبر الظرف لغوا يظهر عدم جواز تعلقه بما بعده
~~من حيث المعنى:

# ظهور نار القرى ليلا على علم

# ولهم في الجملة الحالية والحال إذا وقعت بعد النفي كلام ذكره الخفاجي
~~وحقق أنه حينئذ إنما يلزم انتفاء مقارنة الحال لذي الحال لا نفيها نفسها
~~فتدبر ولا تغفل.

# وجوز كون { بنعمة ربك } قسما متوسطا في الكلام لتأكيده من
~~غير تقدير جواب / أو يقدر له جواب يدل عليه الكلام المذكور واستظهر هذا
~~الوجه أبو حيان. والتعرض لوصف الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى معارج
~~الكمال مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه
~~وسلم والإيذان بأنه تعالى يتم نعمته عليه ويبلغه في العلو إلى غاية لا
~~غاية وراءها والمراد تنزيهه صلى الله عليه وسلم عما كانوا ينسبونه إليه
~~صلى الله عليه وسلم من الجنون حسدا وعداوة ومكابرة فحاصل الكلام أنت
~~منزه عما يقولون.

### || [68.3]

# { وإن لك } بمقابلة مقاساتك ألوان الشدائد من جهتهم وتحملك أعباء
~~الرسالة { لأجرا } لثوابا عظيما لا يقادر قدره { غير ممنون }
~~أي مقطوع مع عظمه أو غير ممنون عليك من جهة الناس فإنه عطاؤه تعالى بلا
~~واسطة أو من جهته تعالى لأنك حبيب الله تعالى وهو عز وجل أكرم الأكرمين
~~ومن شيمة الأكارم أن لا تمنوا بإنعامهم لا سيما إذا كان على أحبابهم كما
~~قال:

# سأشكر عمرا إن تراخت منيتي

# أيادي لم تمنن وإن هي جلت

### || [68.4]

# لا يدرك شأوه أحد من الخلق ولذلك تحتمل من جهتهم ما لا يحتمله أمثالك من
~~أولي العزم. وفي حديث مسلم وأبي داود والإمام أحمد والدارمي وابن ماجة ms10756
~~والنسائي عن سعد بن هشام قال «قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها يا أم
~~المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ألست تقرأ
~~القرآن قلت بلى قالت فإن خلق نبي الله كان القرآن» وأرادت بذلك على ما
~~قيل إن ما فيه من المكارم كله كان فيه صلى الله عليه وسلم وما فيه من
~~الزجر عن سفساف الأخلاق كان منزجرا به عليه الصلاة والسلام لأنه المقصود
~~بالخطاب بالقصد الأول

# كذلك لنثبت به فؤادك

# [الفرقان: 32] وربما يرجع إلى هذا قولها كما في رواية ابن المنذر وغيره
~~عن أبي الدرداء أنه سألها عن خلقه عليه الصلاة والسلام فقالت «كان خلقه
~~القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه». وقال العارف بالله تعالى المرصفي أرادت
~~بقولها «كان خلقه القرآن» تخلقه بأخلاق الله تعالى لكنها لم تصرح به
~~تأدبا منها. وفي «الكشف» أنه أدمج في هذه الجملة أنه صلى الله عليه وسلم
~~متخلق بأخلاق الله عز وجل بقوله سبحانه { عظيم } وزعم بعضهم أن في
~~الآية رمزا إلى أن الأخلاق الحسنة مما لا تجامع الجنون وأنه كلما كان
~~الإنسان أحسن أخلاقا كان أبعد عن الجنون ويلزم من ذلك أن سوء الأخلاق
~~قريب من الجنون.

### || [68.5-6]

# أي المجنون كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وابن المنذر عن ابن جبير
~~وعبد بن حميد عن مجاهد وأطلق على المجنون لأنه فتن أي محن بالجنون، وقيل
~~لأن العرب يزعمون أن الجنون من تخبيل الجن وهم الفتان للفتاك منهم.
~~والباء مزيدة في المبتدأ وجوز ذلك سيبويه، أو الفتنة، فالمفتون مصدر
~~كالمعقول والمجلود أي الجنون كما أخرجه عبد بن حميد عن الحسن وأبي
~~الجوزاء وهو بناء على أن المصدر يكون على وزن المفعول كما جوزه بعضهم،
~~والباء عليه للملابسة، أو بأي الفريقين منكم الجنون أبفريق المؤمنين أم
~~بفريق الكافرين أي في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم؟ وهو تعريض بأبي
~~جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهما، والباء على هذا بمعنى في وقدر بأي
~~الفريقين منكم دفعا لما قيل من أن الخطاب ms10757 لرسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وجماعة قريش ولا يصح أن يقال لجماعة وواحد في أيكم زيد. وأيد الاعتراض
~~بأن قوله تعالى { فستبصر ويبصرون } خطاب له عليه الصلاة
~~والسلام خاصة، وجواب التأييد أن الخطاب بظاهره خص برسول الله صلى الله
~~عليه وسلم ليجري الكلام على نهج السوابق ولا يتنافر لكنه ليس كالسوابق في
~~الاختصاص حقيقة لدخول الأمة فيه أيضا فيصح تقدير بأي الفريقين. وادعى
~~صاحب «الكشف» أن هذا أوجه الأوجه لإفادته التعريض وسلامته عن استعمال
~~النادر يعني زيادة الباء في المبتدأ وكون المصدر على زنة المفعول وإليه
~~ذهب الفراء، ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة (في أيكم) وأيا ما كان فالظاهر
~~أن { بأييكم المفتون } معمول لما قبله على سبيل التنازع،
~~والمراد فستعلم / ويعلمون ذلك يوم القيامة حين يتبين الحق من الباطل وروي
~~ذلك عن ابن عباس، وقيل فستبصر ويبصرون في الدنيا بظهور عاقبة الأمر بغلبة
~~الإسلام واستيلائك عليهم بالقتل والنهب وصيرورتك مهيبا معظما في قلوب
~~العالمين وكونهم أذلة صاغرين ويشمل هذا ما كان يوم بدر وعن مقاتل أن ذلك
~~وعيد بعذاب يوم بدر. وقال أبو عثمان المازني إن الكلام قد تم عند قوله
~~تعالى { ويبصرون } ثم استأنف قوله سبحانه { بأييكم
~~المفتون } على أنه استفهام يراد به الترداد بين أمرين معلوم نفي
~~الحكم عن أحدهما وتعين وجوده للآخر وهو كما ترى.

### || [68.7]

# استئناف لبيان ما قبله وتأكيد لما تضمنه من الوعد والوعيد، أي هو سبحانه
~~أعلم بمن ضل عن سبيله المؤدي إلى سعادة الدارين وهام في تيه الضلال
~~متوجها إلى ما يقتضيه من الشقاوة الأبدية ومزيد النكال، وهذا هو المجنون
~~الذي لا يفرق بين النفع والضر بل يحسب الضرر نفعا فيؤثره والنفع ضررا
~~فيهجره، وهو عز وجل أعلم بالمهتدين إلى سبيله الفائزين بكل مطلوب الناجين
~~عن كل محذور وهم العقلاء المراجيح فيجزي كلا من الفريقين حسبما يستحقه
~~من العقاب والثواب.

# وفي «الكشاف» أن ربك هو أعلم بالمجانين على الحقيقة وهم الذين ضلوا عن
~~سبيله وهو أعلم بالعقلاء وهم المهتدون أو يكون وعيدا ms10758 ووعدا وأنه سبحانه
~~أعلم بجزاء الفريقين. قال في «الكشف» هو على الأول تذييل مؤكد لما رمز
~~إليه في السابق من أن المفتون من قرفك به، جار على أسلوب المؤكد في عدم
~~التصريح ولكن على وجه أوضح، فإن قوله تعالى

# بأييكم المفتون

# [القلم: 6] لا تعيين فيه بوجه وهذا بدل هو أعلم بالمجنون وبالعاقل يدل
~~على أن الجنون بهذا الاعتبار لا بما توهموه وثبت لهم صرف الضلال في عين
~~هذا الزعم، وعلى الثاني هو تذييل أيضا ولكن على سبيل التصريح لأن بمن ضل
~~أقيم مقام بهم، وبالمهتدين أقيم مقام بكم، ولعل ما اعتبرناه أملأ
~~بالفائدة وكأن تقديم الوعيد ليتصل بما أشعر به أولا والتعبير في جانب
~~الضلال بالفعل للإيماء بأنه خلاف ما تقتضيه الفطرة. وزيادة { هو
~~أعلم } لزيادة التقرير مع الإيذان باختلاف الجزاء.

### || [68.8]

# والفاء في قوله تعالى: { فلا تطع المكذبين } لترتيب النهي
~~على ما ينبىء عنه ما قبله من اهتدائه صلى الله عليه وسلم وضلالهم، أو على
~~جميع ما فصل من أول السورة وهذا تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم أي دم
~~على ما أنت عليه من عدم طاعتهم وتصلب في ذلك. وجوز أن يكون نهيا عن
~~مداهنتهم ومداراتهم بإظهار خلاف ما في ضميره صلى الله عليه وسلم
~~استجلابا لقلوبهم لا عن طاعتهم حقيقة وينبىء عنه قوله تعالى: { ودوا
~~لو تدهن }.

### || [68.9]

# { ودوا لو تدهن } لأنه تعليل للنهي أو للانتهاء، وإنما عبر
~~عنها بالطاعة للمبالغة في التنفير، أي أحبوا لو تلاينهم وتسامحهم
~~في بعض الأمور { فيدهنون } أي فهم يدهنون حينئذ أو فهم الآن يدهنون
~~طعما في ادهانك، فالفاء للسببية داخلة على جملة مسببة عما قبلها وقدر
~~المبتدأ لمكان رفع بالفعل والفرق بين الوجهين أن المعنى على أنهم تمنوا
~~لو تدهن فتترتب مداهنتهم على مداهنتك ففيه ترتب إحدى المداهنتين على
~~الأخرى في الخارج و(لو) فيه غير مصدرية وعلى الثاني هي مصدرية والترتب
~~ذهني على ودادتهم وتمنيهم. وجوز أن تكون الفاء لعطف (يدهنون) على (تدهن)
~~على أنه داخل معه في حيز (لو) متمنى مثله ms10759 والمعنى ودوا لو يدهنون عقيب
~~ادهانك. وما تقدم أبعد عن القيل والقال وأيا ما كان فالمعتبر في جانبهم
~~حقيقة الادهان الذي هو إظهار الملاينة وإضمار خلافها وأما في جانبه عليه
~~الصلاة والسلام فالمعتبر بالنسبة إلى ودادتهم هو إظهار الملاينة فقط وأما
~~إضمار خلافها فليس في حيز الاعتبار بل هم في غاية الكراهة له وإنما
~~اعتباره بالنسبة إليه عليه الصلاة والسلام. وفي بعض المصاحف كما قال
~~هرون (فيدهنوا) بدون نون الرفع فقيل هو منصوب في جواب التمني المفهوم من
~~{ ودوا } ، وقيل إنه عطف على { تدهن } بناء على أن (لو) بمنزلة
~~أن الناصبة فلا يكون لها جواب وينسبك منها ومما بعدها مصدر يقع مفعولا
~~لودوا / كأنه قيل ودوا أن تدهن فيدهنوا ولعل هذا مراد من قال إنه عطف على
~~توهم أن، وجمهور النحاة على أن (لو) على حقيقتها وجوابها محذوف وكذا
~~مفعول { ودوا } أي ودوا ادهانك لو تدهن فيدهنون لسروا بذلك.

### || [68.10]

# { ولا تطع كل حلاف } كثير الحلف في الحق والباطل، وكفى بهذا
~~مزجرة لمن اعتاد الحلف لأنه جعل فاتحة المثالب وأساس الباقي وهو يدل على
~~عدم استشعار عظمة الله عز وجل وهو أم كل شر عقدا وعملا. وذكر بعضهم أن
~~كثرة الحلف مذمومة ولو في الحق لما فيها من الجرأة على اسمه جل شأنه.
~~وهذا النهي للتهييج والإلهاب أيضا أي دم على ما أنت عليه من عدم طاعة كل
~~حلاف.

# { مهين } حقير الرأي والتدبير وقال الرماني: المهين الوضيع لإكثاره
~~من القبيح من المهانة وهي القلة وأخرج ابن المنذر وعبد بن حميد عن قتادة
~~أنه قال: هو المكثار في الشر. وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أنه
~~الكذاب.

### || [68.11]

# { هماز } عياب طعان. قال أبو حيان: هو من الهمز وأصله في اللغة
~~الضرب طعنا باليد أو بالعصا ونحوها ثم استعير للذي ينال بلسانه، قال
~~منذر بن سعيد وبعينه وإشارته { مشاء بنميم } نقال للحديث من قوم
~~إلى قوم على وجه الإفساد بينهم فإن النميم والنميمة مصدران بمعنى السعاية
~~والإفساد، وقيل النميم جمع نميمة ms10760 يريدون به الجنس. وأصل النميمة الهمس
~~والحركة الخفيفة ومنه اسكت الله تعالى نامته أي ما ينم عليه من حركته.

### || [68.12]

# { مناع للخير } أي بخيل ممسك من منع معروفه عنه إذا أمسكه،
~~فاللام للتقوية. والخير على ما قيل المال، أو مناع الناس الخير وهو
~~الإسلام من منعت زيدا من الكفر إذا حملته على الكف، فذكر الممنوع منه
~~كأنه قيل مناع من الخير دون الممنوع وهو الناس عكس وجه الأول والتعميم
~~هنا لك وعدم ذكر الممنوع منه أوقع { معتد } مجاوز في الظلم حده {
~~أثيم } كثير الآثام وهي الأفعال البطئة عن الثواب والمراد بها المعاصي
~~والذنوب.

### || [68.13]

# { عتل } قال ابن عباس: الشديد الفاتك، وقال الكلبي: الشديد الخصومة
~~بالباطل، وقال معمر وقتادة الفاحش اللئيم. وقيل هو الذي يعتل الناس أي
~~يجرهم إلى حبس أو عذاب بعنف وغلظة ويقال عتنه بالنون كما يقال عتله
~~باللام كما قال ابن السكيت. وقرأ الحسن (عتل) بالرفع على الذم { بعد
~~ذلك } أي المذكور من مثالبه وقبائحه و { بعد } هنا كثم الدالة على
~~التفاوت الرتبي فتدل على أن ما بعد أعظم في القباحة. وفي «الكشف» أشعر
~~كلام الزمخشري أنه متعلق بعتل فلزم تباينه من الصفات السابقة وتباين ما
~~بعده أيضا لأنه في سلكه.

# { زنيم } دعي ملحق بقوم ليس منهم كما قال ابن عباس، والمراد به ولد
~~الزنا كما جاء بهذا اللفظ عنه رضي الله تعالى عنه وأنشد الحسان:

# زنيم تداعته الرجال زيادة

# كما زيد في عرض الأديم الأكارع

# وكذا جاء عن عكرمة وأنشد:

# زنيم ليس يعرف من أبوه

# بغي الأم ذو حسب لئيم

# من الزنمة بفتحات وهي ما يتدلى من الجلد في حلق المعز والفلقة من أذنه
~~تشق فتترك معلقة. وإنما كان هذا أشد المعايب لأن الغالب أن النطفة إذا
~~خبثت خبث الناشىء منها ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم

# " فرخ الزنا أي ولده لا يدخل الجنة "

# فهو محمول على الغالب فإنه في الغالب لخباثة نطفته يكون خبيثا لا خير
~~فيه أصلا فلا يعمل عملا يدخل به الجنة. وقال ms10761 بعض الأجلة: هذا خارج مخرج
~~التهديد والتعريض بالزاني وحمل على أنه لا يدخل الجنة مع السابقين لحديث
~~الدارمي عن عبد الله بن عمر مرفوعا

# " لا يدخل الجنة عاق ولا ولد زنية ولا منان ولا مدمن خمر "

# فإنه سلك في قرن العاق والمنان ومدمن الخمر ولا ارتياب أنهم عند أهل
~~السنة ليسوا من زمرة من لا يدخل الجنة أبدا، وقيل المراد أنه لا يدخل
~~الجنة بعمل أبويه إذا مات صغيرا بل يدخلها بمحض فضل الله تعالى / ورحمته
~~سبحانه كأطفال الكفار عند الجمهور، وروى ابن جبير عن ابن عباس أن الزنيم
~~هو الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بالزنمة، وفي رواية ابن أبي حاتم عنه
~~هو الرجل يمر على القوم فيقولون رجل سوء والمآل واحد، وعنه أيضا أنه
~~المعروف بالأبنة ولا يخفى أن المأبون معدن الشرور بل من لم يصل في ذلك
~~الأمر الشنيع إلى تلك المرتبة كذلك في الأغلب، ولا حاجة إلى كثرة
~~الاستشهاد في هذا الباب وفي قول الشاعر الاكتفاء وهو:

# ولكم بذلت لك المودة ناصحا

# فغدوت تسلك في الطريق الأعوج

# ولكم رجوتك للجميل وفعله

# يوما فناداني النهي لا ترتج

# وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه أنه قال: نزل عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم

# ولا تطع كل حلاف

# [القلم: 10] الخ فلم يعرف حتى نزل عليه الصلاة والسلام بعد ذلك {
~~زنيم } فعرفناه له زنمة في عنقه كزنمة الشاة.

# واستشكل هذا بأن الزنيم عليه ليس صفة ذم فضلا عن كونه أعظم فيه من
~~الصفات التي قبل ذلك على ما يفيده { بعد ذلك } ولا يكاد يحسن تعليل
~~النهي به على أن من المعلوم أن ليس المراد بالموصوف بهذه الصفات شخصا
~~بعينه لمكان { كل } ويحمل ما جاء في الروايات من أنه الوليد بن
~~المغيرة المخزومي وكان دعيا في قريش ليس من سنخهم ادعاه أبوه بعد ثماني
~~عشرة من مولده أو الحكم طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الأخنس بن
~~شريق وكان أصله من ثقيف وعداده في زهرة أو الأسود بن عبد ms10762 يغوث أو أبو جهل
~~على بيان سبب النزول وقيل في ذلك أن المراد ذمه بقبح الخلق بعد ذمه بما
~~تقدم وهو كما ترى فتأمل فلعلك تظفر بما يريح البال ويزيح الإشكال.

### || [68.14]

# بتقدير لام التعليل وهو متعلق بقوله سبحانه

# لا تطع

# [القلم: 10] أي لا تطع من هذه مثالبه لأن كان متمولا متقويا بالبنين.

### || [68.15]

# وقوله سبحانه: { إذا تتلى عليه ءايتنا قال أسطير
~~الأولين } استئناف جار مجرى التعليل للنهي، وجوز أن يكون لأن
~~متعلقا بنحو كذب ويدل عليه الجملة الشرطية ويقدر مقدما دفعا لتوهم
~~الحصر كأنه قيل كذب لأن كان الخ والمراد أنه بطر نعمة الله تعالى ولم
~~يعرف حقها ولم يجوز تعلقه بقال المذكور بعد لأن ما بعد الشرط لا يعمل
~~فيما قبله، ولعل من يقول باطراد التوسع في الظرف يجوز ذلك وكذا من يجعل {
~~إذا } هنا ظرفية. وقال أبو علي الفارسي: يجوز تعلقه بعتل وإن كان قد
~~وصف وتعقبه أبو حيان بأنه قول كوفي ولا يجوز ذلك عند البصريين. وقيل
~~متعلق بزنيم ويحسن ذلك إذا فسر بقبيح الأفعال.

# وقرأ الحسن وابن أبي اسحق وأبو جعفر وأبو بكر وحمزة وابن عامر (أأن
~~كان) على الاستفهام، وحقق الهمزتين حمزة وسهل الثانية باقيهم على ما في
~~«البحر». وقال بعض: قرأ أبو بكر وحمزة بهمزتين وابن عامر بهمزة ومدة
~~والمعنى أكذب بها لأن كان ذا مال أو أطيعه لأن كان إلخ. وقرأ نافع في
~~رواية اليزيدي عنه (إن كان) بالكسر على أن شرط الغنى في النهي عن الطاعة
~~كالتعليل بالفقر في النهي عن قتل الأولاد بمعنى النهي في غير ذلك يعلم
~~بالطريق الأولى فيثبت بدلالة النص والشرط والعلة في مثله مما لا مفهوم
~~له، أو على أن الشرط للمخاطب، وحاصل المعنى لا تطع كل حلاف الخ شارطا
~~يساره لأن إطاعة الكافر لغناه بمنزلة اشتراط غناه في الطاعة. وفيه تنزيل
~~المخاطب منزلة من شرط ذلك وحققه زيادة للإلهاب والثبات وتعريضا بمن يحسب
~~الغنى مكرمة. والظاهر أن الجملة الشرطية بعد استئناف. وقيل هذا مما اجتمع ms10763
~~فيه شرطان وليسا من الشروط المترتبة الوقوع فالمتأخر لفظا هو المتقدم
~~والمتقدم لفظا هو شرط في الثاني فهو كقوله:

# فإن عثرت بعدها ان وألت

# نفسي من هاتا فقولا لالعا

# وقرأ الحسن (أئذا) على الاستفهام وهو استفهام تقريع وتوبيخ على قوله {
~~أسطير الأولين }.

### || [68.16]

# { سنسمه } سنجعل له سمة وعلامة { على الخرطوم } أي على
~~الأنف، وهو من باب إطلاق مشفر على شفة غليظة لإنسان كما سنشير إليه / إن
~~شاء الله تعالى. وعبر بذلك عن غاية الإذلال لأن السمة على الوجه شين حتى
~~أنه صلى الله عليه وسلم نهى عنه في الحيونات ولعن فاعله، فكيف على أكرم
~~موضع منه وهو الأنف لتقدمه، وقد قيل الجمال في الأنف وعليه قول بعض
~~الأدباء:

# وحسن الفتى في الأنف والأنف عاطل

# فكيف إذاما الخال كان له حليا

# وجعلوه مكان العزة والحمية واشتقوا منه الأنفة وقالوا الأنف في الأنف
~~وحمي أنفه وفلان شامخ العرنين وقالوا في الذليل جدع أنفه ورغم أنفه ومنه
~~قول جرير:

# لما وضعت على الفرزدق ميسمي

# وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل

# وفي لفظ الخرطوم استهانة لأنه لا يستعمل إلا في الفيل والخنزير، ففي
~~التعبير عن الأنف بهذا الاسم ترشيح لما دل عليه الوسم على العضو المخصوص
~~من الإذلال والمراد سنهينه في الدنيا ونذله غاية الإذلال. وكون الوعيد
~~المذكور في الدنيا هو المروي عن قتادة وذهب إليه جمع، إلا أنهم قالوا
~~المعنى سنفعل به في الدنيا من الذم والمقت والاشتهار بالشر ما يبقى فيه
~~ولا يخفى فيكون ذلك كالوسم على الأنف ثابتا بينا كما تقول سأطوقك طوق
~~الحمامة أي أثبت لك الأمر بينا فيك، وزاد ذلك حسنا ذكر الخرطوم انتهى
~~وبينه وبين ما تقدم فرق لا يخفى.

# وقال بعض: هو في الآخرة ومن القائلين بأن هذا وعيد بأمر يكون فيها من
~~قال هو تعذيب بنار على أنفه في جهنم وحكي ذلك عن المبرد، وقال آخرون منهم
~~يوسم يوم القيامة على أنفه بسمة يعرف بها كفره وانحطاط قدره، وقال أبو
~~العالية ومقاتل واختاره الفراء: المراد يسود وجهه ms10764 يوم القيامة قبل دخول
~~النار، وذكر الخرطوم والمراد الوجه مجازا. ومن القائلين بأنه يكون في
~~الدنيا من قال هو وعيد بما أصابه يوم بدر فإنه خطم فيه بالسيف فبقيت سمة
~~على خرطومه، وروي هذا عن ابن عباس. والمعروف في كتب السير والأحاديث أن
~~أبا جهل قتل يوم بدر والباقين ما عدا الحكم ماتوا قبله فلم يسم أحد منهم
~~بذلك الوسم وكذا الحكم لم يعلم أنه وسم بذلك وإن كان لم يمت قبل. وعن
~~النضر بن شميل أن الخرطوم الخمر وأنشد:

# تظل يومك في لهو وفي لعب

# وأنت بالليل شراب الخراطيم

# وأن المعنى سنحده على شربها. وتعقب بأنه تنفيه الرواية بأن أولئك الكفرة
~~هلكوا قبل تحريم الخمر ما عدا الحكم وهو لم يثبت أنه حد، على أنهم لم
~~يكونوا ملتزمي الأحكام والدراية أيضا لتعقيد اللفظ وفوات فخامة المعنى.

### || [68.17]

# { إنا بلونهم } أي أصبنا أهل مكة ببلية وهي القحط بدعوة رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم وقوله

# " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف "

# { كما بلونا } أي مثل ما بلونا فالكاف في محل نصب صفة مصدر مقدر
~~و(ما) مصدرية، وقيل بمعنى الذي أي كالبلاء الذي بلوناه { أصحب
~~الجنة } المعروف خيرها عندهم كانت بأرض اليمن بالقرب منهم قريبا من
~~صنعاء لرجل كان يؤدي حق الله تعالى منها فمات فصارت إلى ولده فمنعوا
~~الناس خيرها وبخلوا بحق الله تعالى منها فكان ما ذكره الله تعالى. وكانت
~~على ما أخرج ابن المنذر وغيره عن ابن جرير بأرض في اليمن يقال لها صوران
~~بينها وبين صنعاء ستة أميال. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس هم ناس من
~~الحبشة كانت لأبيهم جنة وكان يطعم منها المساكين فمات فقال بنوه إن كان
~~أبونا لأحمق حين يطعم المساكين فأقسموا على أن لا يطعموا منها مسكينا.
~~وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه قال كانت لشيخ من بني إسرائيل وكان يمسك
~~قوت سنته ويتصدق بالفضل وكان بنوه ينهونه عن الصدقة فلما مات أقسموا على
~~منع المساكين ms10765 وفي رواية أنها كانت لرجل صالح على فرسخين من صنعاء وكان
~~يترك للمساكين ما أخطأه المنجل وما في أسفل الأكداس وما أخطأه القطاف من
~~العنب وما بقي على البساط تحت النخلة إذا صرمت فكان يجتمع لهم شيء كثير
~~فلما مات قال بنوه إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر ونحن أولو
~~عيال فحلفوا ليصرمنها وقت الصباح / خفية عن المساكين كما قال عز وجل: {
~~إذ أقسموا } معمول لبلونا { ليصرمنها } ليقطع من ثمارها
~~بعد استوائها { مصبحين } داخلين في الصباح، وهذا حكاية لقسمهم لا
~~على منطوقهم وإلا لقيل لنصرمنها بنون المتكلمين وكلا الأمرين جائز في
~~مثله.

### || [68.18]

# قيل أي ولا يقولون إن شاء الله تعالى وتسميته استثناء مع أنه شرط من حيث
~~إن مؤاده مؤدى الاستثناء فإن قولك لأخرجن إن شاء الله تعالى ولا أخرج إلا
~~أن يشاء الله تعالى بمعنى واحد. وقال الإمام: أصل الاستثناء من الثني وهو
~~الكف والرد، وفي التقييد بالشرط رد لانعقاد ذلك اليمين فإطلاقه عليه
~~حقيقة، وقيل أي ولا ينثنون عما هموا به من منع المساكين. والظاهر على
~~القولين عطفه على { أقسموا } فمقتضى الظاهر وما استثنوا وكأنه إنما
~~عدل عنه إليه استحضارا للصورة لما فيها من نوع غرابة لأن اللائق في
~~الحلف على ما يلزم منه ترك طاعة الاستثناء. وفي «الكشف» هو حال أي غير
~~مستثنين. وفي العدول إلى المضارع نوع تعبير وتنبيه على مكان خطئهم وفيه
~~رمز إلى ما ذكرنا. وقيل المعنى ولا يستثنون حصة المساكين كما كان يخرج
~~أبوهم، وعليه هو معطوف على قوله تعالى

# ليصرمنها

# [القلم: 17] ومقسم عليه أو على قوله سبحانه

# مصبحين

# [القلم: 17] الحال وهو معنى لا غبار عليه.

### || [68.19]

# { فطاف عليها } أي أحاط نازلا على الجنة { طآئف } أي بلاء
~~محيط فهو صفة لمحذوف، وقول قتادة طائف أي عذاب بيان لحاصل المعنى ونحوه
~~قول ابن عباس أي أمر، وعن الفراء تخصيص الطائف بالأمر الذي يأتي بالليل.
~~وكان ذلك على ما قال ابن جريج عنقا من نار خرج من وادي جنتهم. وقيل
~~الطائف ms10766 هو جبريل عليه السلام اقتلعها وطاف بها حول البلد ثم وضعها قرب
~~مكة حيث مدينة الطائف اليوم ولذلك سميت بالطائف وليس في أرض الحجاز بلدة
~~فيها الماء والشجر والأعناب غيرها، ولا يصح هذا عندي كالقول بأن الطائف
~~المدينة المذكورة كانت بالشام فنقلها الله تعالى إلى الحجاز بدعوة
~~إبراهيم عليه السلام، وكذا القول بأنها طافت على الماء في الطوفان، ولو
~~قيل كل ذلك على ظاهره حديث خرافة لا يعد حديث خرافة. وقرأ النخعي (طيف).

# { من ربك } مبتدىء من جهته عز وجل { وهم نائمون } في موضع
~~الحال والمراد أتاها ليلا كما روي عن قتادة. وقيل المراد وهم غافلون
~~غفلة تامة عما جرت به المقادير، والأول أظهر من جهة السباق واللحاق.

### || [68.20]

# كالبستان الذي صرمت ثماره بحيث لم يبق فيها شيء، ففعيل بمعنى مفعول.
~~وقال ابن عباس كالرماد الأسود وهو بهذا المعنى لغة خزيمة، وعنه أيضا
~~الصريم رملة باليمن معروفة لا تنبت شيئا. وقال مؤرج كالرملة انصرمت من
~~معظم الرمل وهي لا تنبت شيئا ينفع. وقال منذر والفراء وجماعة الصريم
~~الليل والمراد أصبحت محترقة تشبه الليل في السواد. وقال الثوري كالصبح من
~~حيث ابيضت كالزرع المحصود. وقال بعضهم يسمى كل من الليل والنهار صريما
~~لانصرام كل عن صاحبه وانقطاعه عنه.

### || [68.21]

# { فتنادوا } نادى بعضهم بعضا { مصبحين } لقسمهم السابق.

### || [68.22]

# { أن اغدوا } أي اخرجوا، على أن (أن) تفسيرية واغدوا بمعنى اخرجوا،
~~أو بأن اغدوا على أن (أن) مصدرية وقبلهما حرف جر مقدر وهي يجوز أن توصل
~~بالأمر على الأصح { على حرثكم } أي بستانكم { إن كنتم
~~صرمين } أي قاصدين للصرم وقطع الثمار فاغدوا. وقيل يحتمل أن يكون
~~المراد إن كنتم أهل عزم وإقدام على رأيكم من قولهم سيف صارم وليس بذاك.
~~وظاهر كلام جار الله أن غدا بمعنى بكر يتعدى بإلى وعدي ههنا بعلى لتضمين
~~الغدو معنى الإقبال كما في قولهم يغدي عليه بالجفنة ويراح أي فأقبلوا على
~~حرثكم باكرين. ويجوز أن يكون من غدا عليه إذا غار بأن يكون قد شبه غدوهم
~~لقطع الثمار ms10767 بغدو الجيش على شيء لأن معنى الاستعلاء والاستيلاء موجود فيه
~~وهو الصرم والقطع / ويكون هناك استعارة تبعية، وجوز أن تعتبر الاستعارة
~~تمثيلية. وقال أبو حيان الذي في حفظي أن غدا يتعدى بعلى كما في قوله:

# وقد غدو على ثبة كرام

# نشاوى واجدين لما نشاء

# وكذا بكر مرادفه كما في قوله:

# بكرت عليهم غدوة فرأيته

# قعودا لديه بالصريم عواذله

### || [68.23]

# أي يتشاورون فيما بينهم بطريق المخافتة، وخفى بفتح الفاء وخفت وخفد
~~ثلاثتها في معنى الكتم ومنه الخفدود للخفاش والخفود للناقة التي تلقى
~~ولدها قبل أن يستبين خلقه.

### || [68.24]

# { أن لا يدخلنها اليوم } أي الجنة { عليكم مسكين
~~}  { أن } مفسرة لما في التخافت من معنى القول أو مصدرية والتقدير بأن
~~ويؤيد الأول قراءة عبد الله وابن أبي عبلة بإسقاطها وعليه قيل هو بتقدير
~~القول وقيل العامل فيه يتخافتون لتضمنه معنى القول وهو المذهب الكوفي فيه
~~وفي أمثاله، وأيا ما كان فالمراد بنهي المسكين عن الدخول المبالغة في
~~النهي عن تمكينه منه كقولهم لا أرينك ههنا.

### || [68.25]

# { وغدوا على حرد } أي منع كما قال أبو عبيد وغيره، من قولهم
~~حاردت الإبل إذا قلت ألبانها وحاردت السنة قل مطرها وخيرها. والجار
~~متعلق بقوله تعالى: { قدرين } قدم للحصر ورعاية الفواصل أي وغدوا
~~قادرين على منع لا غير، والمعنى أنهم عزموا على منع المساكين وطلبوا
~~حرمانهم و نكدهم وهم قادرون على نفعهم فغدوا بحال لا يقدرون فيها إلا على
~~المنع والحرمان وذلك أنهم طلبوا حرمان المساكين فتعجلوا الحرمان أو غدوا
~~على محاردة جنتهم وذهاب خيرها [قادرين] بدل كونهم قادرين على إصابة خيرها
~~ومنافعها، أي غدوا حاصلين على حرمان أنفسهم مكان كونهم قادرين على
~~الانتفاع. والحصر على الأول حقيقي وعلى هذا إضافي بالنسبة إلى انتفاعهم
~~من جنتهم والحرمان عليه خاص بهم، وجوز أن يكون { على حرد } متعلقا
~~بغدوا والمراد بالحرد حرد الجنة جيء به مشاكلة للحرث كأنه لما قالوا
~~اغدوا على حرثكم وقد خبثت نيتهم عاقبهم الله تعالى بأن حاردت جنتهم
~~وحرموا خيرها فلم يغدوا على حرث وإنما ms10768 غدوا على حرد و { قدرين } من
~~عكس الكلام للتهكم أي قادرين على ما عزموا عليه من الصرام وحرمان
~~المساكين. وقيل الحرد الحرد بفتح الراء وقد قرىء به وهو بمعنى الغيظ
~~والغضب كما قال أبو نصر أحمد بن حاتم صاحب الأصمعي وأنشد:

# إذا جياد الخيل جاءت تردى

# مملوءة من غضب وحرد

# أي لم يقدروا إلا على إغضاب بعضهم لبعض كقوله تعالى

# فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون

# [القلم: 30] وروي هذا عن سفيان والسدي والحصر حقيقي ادعائي أو إضافي
~~وقيل بمعنى القصد والسرعة وأنشد:

# أقبل سيل جاء من أمر الله

# يحرد حرد الجنة المغلة

# أي غدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة قادرين عند أنفسهم على صرامها وروي هذا
~~عن ابن عباس، فعلى حرد ظرف مستقر حال من ضمير (غدوا) و(قادرين) حال أيضا
~~إلا أنها حال مقدرة على ما قيل، وقيل حال حقيقية بناء على القيد بعند
~~أنفسهم وإنما قيد به لأن ثمار جنتهم هالكة فلا قدرة لهم على صرامها وقد
~~فنيت. وقال الأزهري حرد اسم قريتهم وفي رواية عن السدي اسم جنتهم ولا أظن
~~ذلك مرادا. وقيل الحرد الانفراد يقال حرد عن قومه إذا تنحى عنهم ونزل
~~منفردا وكوكب حرود معتزل عن الكواكب والمعنى وغدوا إلى جنتهم منفردين عن
~~المساكين ليس أحد منهم معهم قادرين على صرامها وهو من باب التهكم. وقيل {
~~قدرين } على هذا القول من التقدير بمعنى التضييق أي مضيقين على
~~المساكين إذ حرموهم ما / كان أبوهم ينيلهم منها وهو حال مقدرة.

### || [68.26]

# { فلما رأوها } أول ما وقع نظرهم عليها { قالوا إنا
~~لضالون } طريق جنتنا وما هي بها، قاله قتادة. وقيل لضالون عن الصواب
~~في غدونا على نية منع المساكين وليس بذاك.

### || [68.27]

# قالوه بعدما تأملوا ووقفوا على حقيقة الأمر مضربين عن قولهم الأول، أي
~~لسنا ضالين بل نحن محرومون حرمنا خيرها بجنايتنا على أنفسنا.

### || [68.28]

# { قال أوسطهم } أي أحسنهم وأرجحهم عقلا ورأيا أو أوسطهم سنا
~~{ ألم أقل لكم لولا تسبحون } أي لو لا تذكرون الله
~~تعالى وتتوبون إليه من خبث نيتكم. ms10769 وقد كان قال لهم حين عزموا على ذلك
~~اذكروا الله تعالى وتوبوا إليه عن هذه النية الخبيثة من فوركم وسارعوا
~~إلى حسم شرها قبل حلول النقمة فعصوه فعيرهم ويدل على هذا المعنى قوله
~~تعالى: { قالوا سبحن ربنا إنا كنا ظلمين }.

### || [68.29]

# { قالوا سبحن ربنا إنا كنا ظلمين } لأن التسبيح
~~ذكر لله تعالى و { إنا كنا } الخ ندامة واعتراف بالذنب فهو توبة.
~~والظاهر أنهم إنما تكلموا بما كان يدعوهم إلى التكلم به على أثر مقارفة
~~الخطيئة ولكن بعد خراب البصرة. وقيل المراد بالتسبيح الاستثناء
~~لالتقائهما في معنى التعظيم لله عز وجل لأن الاستثناء تفويض إليه سبحانه
~~والتسبيح تنزيه له تعالى وكل واحد من التفويض والتنزيه تعظيم فكأنه قيل
~~ألم أقل لكم لولا تستثنون أي تقولون إن شاء الله تعالى. وأخرج ابن أبي
~~حاتم عن السدي وابن المنذر عن ابن جريج وحكاه في «البحر» عن مجاهد وأبي
~~صالح أنهما قالا: كان استثناؤهم في ذلك الزمان التسبيح كما نقول نحن إن
~~شاء الله تعالى. وجعله بعض الحنفية استثناء اليوم فعنده لو قال لزوجته
~~أنت طالق سبحان الله لا تطلق، ونسب إلى الإمام ابن الهمام وادعى أنه قاله
~~في «فتاويه» ووجه بأن المراد بسبحان الله فيما ذكر أنزه الله عز وجل من
~~أن يخلق البغيض إليه وهو الطلاق فإنه قد ورد

# " أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق "

# وأنكر بعض المتأخرين نسبته إلى ذلك الإمام المتقدم ونفى أن يكون له
~~فتاوى واعترض التوجيه المذكور بما اعترض وهو لعمري أدنى من أن يعترض
~~عليه. وأنا أقول أولى منه قول النحاس في توجيه جعل التسبيح موضع
~~الاستثناء أن المعنى تنزيه الله تعالى أن يكون شيء إلا بمشيئته وقد يقال
~~لعل من قال ذلك بنى الأمر على صحة ما روي وأن شرع من قبلنا شرع لنا إذا
~~قصه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم علينا من غير نكير وهذا على
~~علاته أحسن مما قيل في توجيهه كما لا يخفى. وقيل المعنى لولا تستغفرون
~~ووجه التجوز يعلم مما ms10770 تقدم.

### || [68.30]

# { فأقبل بعضهم على بعض يتلومون } يلوم بعضهم
~~بعضا، فإن منهم على ما قيل من أشار بذلك ومنهم من استصوبه ومنهم من سكت
~~راضيا به ومنهم من أنكره ولا يأبى ذلك إسناد الأفعال فيما سبق إلى
~~جميعهم لما علم في غير موضع.

### || [68.31]

# متجاوزين حدود الله تعالى.

### || [68.32]

# { عسى ربنا أن يبدلنا } أي يعطينا بدلا منها ببركة التوبة
~~والاعتراف بالخطيئة { خيرا منها } أي من تلك الجنة { إنا إلى
~~ربنا } لا إلى غيره سبحانه { رغبون } راجون العفو طالبون الخير
~~و(إلى) لانتهاء الرغبة أو لتضمنها معنى الرجوع. وعن مجاهد أنهم تابوا
~~فأبدلوا خيرا منها وروي أنهم تعاقدوا وقالوا إن أبدلنا الله تعالى خيرا
~~منها لنصنعن كما صنع أبونا فدعوا الله عز وجل وتضرعوا إليه سبحانه
~~فأبدلهم الله تعالى من ليلتهم ما هو خير منها. وقال ابن مسعود: بلغني أن
~~القوم دعوا الله تعالى وأخلصوا وعلم الله تعالى منهم الصدق فأبدلهم بها
~~جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل على البغل منها عنقود. وقال أبو خالد
~~اليماني: رأيت تلك الجنة وكل عنقود منها كالرجل الأسود القائم.

# واستظهر أبو حيان أنهم كانوا مؤمنين أصابوا معصية وتابوا. وحكي عن بعض
~~أنهم كانوا من أهل الكتاب. وعن التستري أن المعظم يقولون انهم تابوا
~~وأخلصوا، وتوقف الحسن في إيمانهم فقال لا أدري أكان قولهم { إنا
~~إلى ربنا رغبون } إيمانا أو على حد ما يكون من المشركين إذا
~~أصابتهم الشدة. وسئل قتادة عنهم أهم من / أهل الجنة أم من أهل النار؟
~~فقال للسائل لقد كلفتني تعبا وقرأ نافع وأبو عمرو (يبدلنا) مشددا.

### || [68.33]

# { كذلك العذاب } جملة من مبتدأ وخبر مقدم لإفادة القصر، وال
~~للعهد أي مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة من الجدب الشديد وأصحاب
~~الجنة مما قص عذاب الدنيا. والكلام قيل وارد تحذيرا لهم كأنه لما نهاه
~~سبحانه عن طاعة الكفار وخاصة رؤسائهم ذكر عز وجل أن تمردهم لما أتوه من
~~المال والبنين. وعقب جل وعلا بأنهما إذا لم يشكرا المنعم عليهما يؤل حال ms10771
~~صاحبهما إلى حال أصحاب الجنة مدمجا فيه أن خبث النية والزوى عن المساكين
~~إذا أفضى بهم إلى ما ذكر فمعاندة الحق تعالى بعناد من هو على خلقه وأشرف
~~الموجودات وقطع رحمه أولى بأن يفضي بأهل مكة إلى البوار.

# وقوله تعالى: { ولعذاب الاخرة أكبر } أي أعظم وأشد تحذير
~~عن العناد بوجه أبلغ. وقوله سبحانه: { لو كانوا يعلمون } نعي
~~عليهم بالغفلة أي لو كانوا من أهل العلم لعلموا أنه أكبر ولأخذوا منه
~~حذرهم.

### || [68.34]

# { إن للمتقين } أي من الكفر كما في «البحر» أو منه ومن
~~المعاصي كما في «الإرشاد» { عند ربهم } أي في الآخرة فإنها مختصة
~~به عز وجل إذ لا يتصرف فيها غيره جل جلاله أو في جوار قدسه { جنت
~~النعيم } جنات ليس فيها إلا النعيم الخالص عن شائبة ما ينغصه من
~~الكدورات وخوف الزوال. وأخذ الحصر من الإضافة إلى النعيم لإفادتها التميز
~~من جنات الدنيا والتعريض بأن جنات الدنيا لغالب عليها النغص:

# طبعت على كدر وأنت تريدها

# صفوا من الأقذار والأكدار

### || [68.35]

# قوله تعالى: { أفنجعل المسلمين كالمجرمين } تقرير
~~لما قبله من فوز المتقين ورد لما يقوله الكفرة عند سماعهم بحديث الآخرة
~~وما وعد الله تعالى إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد صلى الله عليه وسلم ومن
~~معه لم يكن حالنا وحالهم إلا مثل ما هي في الدنيا والإ لم يزيدوا علينا
~~ولم يفضلونا، وأقصى أمرهم أن يساوونا. والهمزة للإنكار، والفاء للعطف
~~والعطف على مقدر يقتضيه المقال، أي فيحيف في الحكم فيجعل المسلمين
~~كالكافرين. ثم قيل لهم بطريق الالتفات لتأكيد الرد وتشديده.

### || [68.36]

# تعجبا من حكمهم واستبعادا له وإيذانا بأنه لا يصدر من عاقل، إذ معنى
~~{ ما لكم } أي شيء حصل لكم من خلل الفكر وفساد الرأي.

### || [68.37]

# { أم لكم كتب } نازل من السماء { فيه } أي في الكتاب.
~~والجار متعلق بقوله تعالى: { تدرسون } أي تقرؤن فيه. والجملة صفة {
~~كتب } وجوز أن يكون { فيه } متعلقا بمتعلق الخبر أو هو الصفة
~~والضمير للحكم أو الأمر و { تدرسون } مستأنف أو حال من ضمير ms10772 الخطاب.

### || [68.38]

# قوله تعالى: { إن لكم فيه لما تخيرون } أي للذي
~~تختارونه وتشتهونه، يقال تخير الشيء واختاره أخذ خيره، وشاع في أخذ ما
~~يريده مطلقا مفعول

# تدرسون

# [القلم: 37] إذ هو المدروس فهو واقع موقع المفرد وأصله أن لكم فيه ما
~~تخيرون بفتح همزة (أن) وترك اللام في خبرها فلما جىء باللام كسرت الهمزة
~~وعلق الفعل عن العمل ومن هنا قيل إنه لا بد من تضمين

# تدرسون

# [القلم: 37] معنى العلم ليجري فيه العمل في الجمل والتعليق. وجوز أن
~~يكون هذا حكاية للمدروس كما هو عليه فيكون بعينه لفظ الكتاب من غير تحويل
~~من الفتح للكسر. وضمير { فيه } على الأول للكتاب وأعيد للتأكيد وعلى
~~هذا يعود لأمرهم أو للحكم فيكون محصل ما خط في الكتاب أن الحكم أو الأمر
~~مفوض لهم فسقط قول صاحب «التقريب» أن لفظ { فيه } لا يساعده للاستغناء
~~بفيه أولا من غير حاجة إلى جعل ضمير { فيه } ليوم القيامة بقرينة
~~المقام أو للمكان المدلول عليه بقوله تعالى

# عند ربهم

# [القلم: 34] وعلى الاستئناف هو للحكم أيضا وجوز الوقف على {
~~تدرسون } على أن قوله تعالى: { إن لكم } الخ استئناف على معنى
~~إن كان لكم كتاب فلكم فيه ما تتخيرون وهو كما ترى والظاهر ان

# أم لكم

# [القلم: 37] الخ مقابل لما قبله نظرا لحاصل المعنى إذ محصله أفسد عقلكم
~~حتى حكمتكم بهذا أم جاءكم كتاب / فيه تخييركم وتفويض الأمر إليكم.

# وقرأ طلحة والضحاك { أن لكم } بفتح الهمزة واللام في (لما) زائدة
~~كقراءة من قرأ { إلا أنهم ليأكلون الطعام } [الفرقان:
~~20] بفتح همزة { أنهم } وقرأ الأعرج { آن لكم } بالاستفهام على
~~الاستئناف.

### || [68.39]

# { أم لكم أيمن علينا } أي أقسام وفسرت بالعهود وإطلاق
~~الأيمان عليها من إطلاق الجزء على الكل أو اللازم على الملزوم {
~~بلغة } أي أقصى ما يمكن، والمراد متناهية في التوكيد. وقرأ الحسن
~~وزيد بن علي (بالغة) بالنصب على الحال من الضمير المستتر في { علينا
~~} أو { لكم } وقال ابن عطية من { أيمان } لتخصيصها بالوصف وفيه بعد.

# { إلى يوم القيمة } متعلق بالمقدر في { لكم } أي ms10773 ثابتة
~~لكم إلى يوم القيامة لا نخرج عن عهدتها إلا يومئذ إذا حكمناكم وأعطيناكم
~~ما تحكمون، أو متعلق ببالغة أي أيمان تبلغ ذلك اليوم وتنتهي إليه وافرة
~~لم يبطل منها يمين فإلى على الأول: لغاية الثبوت المقدر في الظرف فهو
~~كأجل الدين وعلى الثاني: لغاية البلوغ فهي قيد اليمين أي يمينا مؤكدا
~~لا ينحل إلى ذلك اليوم وليس من تأجيل المقسم عليه في شيء إذ لا مدخل
~~لبالغة في المقسم عليه فتأمل.

# وقوله تعالى: { إن لكم لما تحكمون } جواب القسم لأن معنى {
~~أم لكم أيمن علينا } أم أقسمنا لكم وهو جار على تفسير
~~الأيمان بمعنى العهود لأن العهد كاليمين من غير فرق فيجاب بما يجاب به
~~القسم وقرأ الأعرج (آن لكم) بالاستفهام أيضا.

### || [68.40]

# { سلهم } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~بإسقاطهم عن رتبة الخطاب، أي سلهم مبكتا لهم { أيهم بذلك }
~~الحكم الخارج عن دائرة العقول { زعيم } قائم يتصدى لتصحيحه. والجملة
~~الاستفهامية في موضع المعمول الثاني لسل. والفعل عند أبي حيان وجماعة
~~معلق عنها لمكان الاستفهام، وكون السؤال منزلا منزلة العلم لكونه سببا
~~لحصوله.

### || [68.41]

# { أم لهم شركاء } يشاركونهم في هذا القول ويذهبون مذهبهم {
~~فليأتوا بشركائهم إن كانوا صدقين } في دعواهم إذ
~~لا أقل من التقليد.

# وقد نبه سبحانه وتعالى في هذه الآيات على نفي جميع ما يمكن أن يتعلقوا
~~به في تحقيق دعواهم حيث نبه جل شأنه على نفي الدليل العقلي بقوله تعالى

# ما لكم كيف تحكمون

# [القلم: 36] وعلى نفي الدليل النقلي بقوله سبحانه:

# أم لكم كتب

# [القلم: 37] الخ وعلى نفي أن يكون الله تعالى وعدهم بذلك ووعد الكريم
~~دين بقوله سبحانه:

# أم لكم أيمن علينا

# [القلم: 39] إلخ، وعلى نفي التقليد الذي هو أوهن من حبال القمر بقوله عز
~~وجل: { أم لهم شركاء } وقيل المعنى أم لهم آلهة عدوها شركاء في
~~الألوهية تجعلهم كالمسلمين في الآخرة.

# وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة (فليأتوا بشركهم) والمراد به ما أريد
~~بشركائهم.

### || [68.42]

# { يوم يكشف عن ساق ms10774 } متعلق بقوله تعالى

# فليأتوا

# [القلم: 41] على الوجهين، ويجوز تعلقه بمقدر كاذكر أو يكون كيت وكيت
~~وقيل بخاشعة وقيل ب

# ترهقهم

# [القلم: 43] وأيا ما كان فالمراد بذلك اليوم عند الجمهور يوم القيامة.
~~والساق ما فوق القدم وكشفها والتشمير عنها مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب
~~حتى إنه يستعمل بحيث لا يتصور ساق بوجه كما في قول حاتم:

# أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها

# وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا

# وقول الراجز:

# عجبت من نفسي ومن إشفاقها

# ومن طواء الخيل عن أرزاقها

# في سنة قد كشفت عن ساقها

# حمراء تبرى اللحم عن عراقها

# وأصله تشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب فإنهن لا يفعلن ذلك إلا إذا عظم
~~الخطب واشتد الأمر فيذهلن عن الستر بذيل الصيانة، وإلى نحو هذا ذهب مجاهد
~~وإبراهيم النخعي وعكرمة وجماعة، وقد روي أيضا عن ابن عباس. أخرج عبد بن
~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في «الأسماء
~~والصفات» من طريق عكرمة عنه أنه سئل عن ذلك فقال: إذا خفي عليكم شيء من
~~القرآن فابتغوه في / الشعر فإنه ديوان العرب أما سمعتم قول الشاعر:

# صبرا عناق أنه شر باق

# قد سن لي قومك ضرب الأعناق

# وقامت الحرب بنا على ساق

# والروايات عنه رضي الله تعالى عنه بهذا المعنى كثيرة. وقيل ساق الشيء
~~أصله الذي به قوامه كساق الشجر وساق الإنسان، والمراد يوم يكشف عن أصل
~~الأمر فتظهر حقائق الأمور وأصولها بحيث تصير عيانا وإليه يشير كلام
~~الربيع بن أنس، فقد أخرج عبد بن حميد عنه أنه قال في ذلك: يوم يكشف
~~الغطاء، وكذا ما أخرجه البيهقي على ابن عباس أيضا قال: حين يكشف الأمر
~~وتبدو الأعمال، وفي الساق على هذا المعنى استعارة تصريحية وفي الكشف تجوز
~~آخر أو هو ترشيح للاستعارة باق على حقيقته. وتنكير { ساق } قيل للتهويل
~~على الأول وللتعظيم على الثاني وقيل لا ينظر إلى شيء منهما على الأول لأن
~~الكلام عليه تمثيل وهو لا ينظر فيه للمفردات أصلا.

# وذهب بعضهم إلى أن ms10775 المراد بالساق ساقه سبحانه وتعالى وأن الآية من
~~المتشابه، واستدل على ذلك بما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن المنذر
~~وابن مردويه

# " عن أبي سعيد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يكشف ربنا عن
~~ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة
~~فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا "

# وأنكر ذلك سعيد بن جبير، أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أنه سئل عن
~~الآية فغضب غضبا شديدا وقال: إن أقواما يزعمون أن الله سبحانه يكشف عن
~~ساقه وإنما يكشف عن الأمر الشديد وعليه يحمل ما في الحديث على الأمر
~~الشديد أيضا.

# وإضافته إليه عز وجل لتهويل أمره وأنه أمر لا يقدر عليه سواه عز وجل.
~~وأرباب الباطن من الصوفية يقولون بالظاهر ويدعون أن ذلك عند التجلي
~~الصوري وعليه حملوا أيضا ما أخرجه إسحاق بن راهويه في «مسنده» والطبراني
~~والدارقطني في «الرؤية» والحاكم وصححه وابن مردويه وغيرهم عن ابن مسعود
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " يجمع الله الناس يوم القيامة وينزل الله في ظلل من الغمام فينادي مناد
~~يا أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم وصوركم ورزقكم أن يولي كل
~~إنسان منكم ما كان يعبد في الدنيا ويتولى أليس ذلك عدلا من ربكم قالوا
~~بلى قال فلينطلق كل إنسان منكم إلى ما كان يتولى في الدنيا ويتمثل لهم ما
~~كانوا يعبدون في الدنيا ويمثل لمن كان يعبد عيسى عليه السلام شيطان عيسى
~~وكذا يمثل لمن كان يعبد عزيرا حتى تمثل لهم الشجرة والعود والحجر ويبقى
~~أهل الإسلام جثوما فيتمثل لهم الرب عز وجل فيقال لهم ما لكم لم تنطلقوا
~~كما انطلق الناس فيقولون إن لنا ربا ما رأيناه بعد، فيقول فبم تعرفون
~~ربكم إن رأيتموه؟ قالوا بيننا وبينه علامة إن رأيناه عرفناه قال وما هي؟
~~قالوا: يكشف عن ساق فيكشف عند ذلك "

# الحديث وهو ونظائره من المتشابه عند السلف. وقرأ ابن مسعود وابن أبي
~~عبلة (يكشف) بفتح الياء مبنيا للفاعل ms10776 وهي رواية عن ابن عباس، وقرأ ابن
~~هرمز(نكشف) بالنون وقرىء (يكشف) بالياء التحتية مضمومة وكسر الشين من
~~أكشف إذا دخل في الكشف ومنه أكشف الرجل فهو مكشف انقلبت شفته العليا
~~وقرىء (تكشف) بالتاء الفوقية والبناء للفاعل وهو ضمير الساعة المعلومة من
~~ذكر يوم القيامة أو الحال المعلومة من دلالة الحال وبها، والبناء للمفعول
~~وجعل الضمير للساعة أو الحال أيضا. وتعقب بأنه يكون الأصل حينئذ يكشف
~~الله الساعة عن ساقها مثلا ولو قيل ذلك لم يستقم لاستدعائه إبداء الساق
~~وإذهاب الساعة كما تقول كشفت عن وجهها القناع والساعة ليست سترا على
~~الساق حتى تكشف. وأجيب أنها جعلت سترا مبالغة لأن المخدرة تبالغ في
~~الستر جهدها فكأنها نفس الستر فقيل تكشف الساعة وهذا كما تقول كشفت زيدا
~~عن جهله إذا بالغت في إظهار جهله لأنه كان سترا على جهله يستر معايبه
~~فأبنته وأظهرته إظهارا لم يخف على أحد وقيل عليه إن الإذهاب حينئذ
~~ادعائي / ولا يخفى ما فيه من التكلف ولا عبرة بما ذكر من المثال المصنوع
~~وأقل تكلفا منه جعل { عن ساق } بدل اشتمال من الضمير المستتر في
~~الفعل بعد نزع الخافض منه، والأصل يكشف عنها أي عن الساعة أو الحال فنزع
~~الخافض واستتر الضمير.

# وتعقب بأن إبدال الجار والمجرور من الضمير المرفوع لا يصح بحسب قواعد
~~العربية فهو ضغث على إبالة وتكلف على تكلف. وقيل أن { عن ساق } نائب
~~الفاعل وتعقب بأن حق الفعل التذكير كصرف عن هند ومر بدعد.

# { ويدعون إلى السجود } توبيخا وتعنيفا على تركهم إياه في
~~الدنيا وتحسيرا لهم على تفريطهم في ذلك { فلا يستطيعون } لزوال
~~القدرة عليه. وفيه دلالة على أنهم يقصدونه فلا يتأتى منهم، وعن ابن مسعود
~~تعقم أصلابهم أي ترد عظاما بلا مفاصل لا تنثني عند الرفع والخفض. وتقدم
~~في حديث البخاري ومن معه ما سمعت. وفي حديث

# " تصير أصلاب المنافقين والكفار كصياصي البقر عظما واحدا "

# والظاهر أن الداعي الله تعالى أو الملك وقيل هو ما يرونه من سجود
~~المؤمنين.

# واستدل أبو مسلم بهذه ms10777 الآية على أن يوم الكشف في الدنيا قال لأنه تعالى
~~قال: { ويدعون إلى السجود } ويوم القيامة ليس فيه تعبد ولا
~~تكليف فيراد منه إما آخر أيام الشخص في دنياه حين يرى الملائكة وإما وقت
~~المرض والهرم والمعجزة، ويدفع بما أشرنا إليه.

### || [68.43]

# { خشعة أبصرهم } حال من مرفوع

# يدعون

# [القلم: 42] على أن (أبصارهم) مرتفع به على الفاعلية، ونسبة الخشوع إلى
~~الأبصار لظهور أثره فيها { ترهقهم } تلحقهم وتغشاهم { ذلة }
~~شديدة { وقد كانوا يدعون إلى السجود } في الدنيا.
~~والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقرير أو لأن المراد به الصلوات
~~المكتوبة كما قال النخعي والشعبي، أو جميع الطاعات كما قيل. والدعوة
~~دعوة التكليف. وقال ابن عباس وابن جبير كانوا يسمعون الأذان والنداء
~~للصلاة فلا يجيبون { وهم سلمون } متمكنون منه أقوى تمكن أي فلا
~~يجيبون إليه ويأبونه، وترك ذكر هذا ثقة بظهوره.

### || [68.44]

# { فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث } أي إذا كان حالهم ما
~~سمعت فكل من يكذب بالقرآن إلي واستكفنيه فإن في ما يفرغ بالك
~~ويخلي همك، وهو من بليغ الكلام يفيد أن المتكلم واثق بأنه يتمكن من
~~الوفاء بأقصى ما يدور حول أمنية المخاطب وبما يزيد عليه، وقد حققه جار
~~الله بما حاصله أن من استكفى أحدا ترك الأمر إليه وإلا كان استعانة لا
~~استكفاء فأقيم الرادف أعني التخلية وأن يذره وإياه مقام الاستكفاء مبالغة
~~وإنباء عن الكفاية البالغة كيف وهذا الكافي طلب الاستكفاء بقوله {
~~ذرنى } وأبرز ترك الاستكفاء في صورة المنع مبالغة على مبالغة فلو لم
~~يكن شديد الوثوق بتمكنه من الوفاء أقصى التمكن وفوق ما يحوم حول خاطر
~~المستكفي لما كان للطلب على هذا الوجه الأبلغ وجه و(من) في موضع نصب
~~إما عطفا على المنصوب في { ذرنى } أو على أنه مفعول معه.

# وقوله تعالى: { سنستدرجهم } استئناف مسوق لبيان كيفية التعذيب
~~المستفاد من الكلام السابق إجمالا، والضمير لمن والجمع باعتبار معناها
~~كما أن الإفراد في { يكذب } باعتبار لفظها، أي سنستنزلهم إلى العذاب درجة
~~فدرجة بالإمهال وإدامة الصحة وازدياد النعمة { من حيث لا
~~يعلمون ms10778 } أنه استدراج بل يزعمون أن ذلك إيثار لهم وتفضيل على
~~المؤمنين مع أنه سبب لهلاكهم.

### || [68.45]

# { وأملى لهم } وأمهلهم ليزدادوا إثما وهم يزعمون أن ذلك لإرادة
~~الخير بهم { إن كيدى متين } لا يدفع بشيء، وتسمية ذلك كيدا وهو
~~ضرب من الاحتيال لكونه في صورته حيث إنه سبحانه يفعل معهم ما هو نفع لهم
~~ظاهرا ومراده عز وجل به الضرر لما علم من خبث جبلتهم وتماديهم في الكفر
~~والكفران.

### || [68.46]

# { أم تسئلهم } على الإبلاغ والإرشاد { أجرا } دنيويا {
~~فهم } لأجل ذلك { من مغرم } أي غرامة مالية { مثقلون }
~~مكلفون حملا ثقيلا فيعرضون عنك. وهذه الجملة على ما قاله / ابن الشيخ
~~معطوفة على قوله تعالى

# أم لهم شركاء

# [القلم: 41].

### || [68.47]

# { أم عندهم الغيب } أي المغيبات أو اللوح، وأطلق الغيب عليه
~~مجازا لأنه محل لكتابة المغيبات، أو لظهور صورها بناء على الخلاف
~~المعروف فيه والقرينة { فهم يكتبون } ما يحكمون به ويستغنون بذلك
~~عن علمك.

### || [68.48]

# { فاصبر لحكم ربك } وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم. روي أنه
~~صلى الله عليه وسلم أراد أن يدعو على ثقيف لما آذوه حين عرض عليه الصلاة
~~والسلام نفسه على القبائل بمكة فنزلت. وقيل أراد عليه الصلاة والسلام أن
~~يدعو على الذين انهزموا بأحد حين اشتد بالمسلمين الأمر فنزلت، وعليه تكون
~~الآية مدنية.

# { ولا تكن كصحب الحوت } هو يونس عليه السلام كما أنه
~~المراد من ذي النون إلا أنه فرق بين ذي وصاحب بأن أبلغ من صاحب قال ابن
~~حجر لاقتضائها تعظيم المضاف إليها والموصوف بها بخلافه ومن ثم قال سبحانه
~~في معرض مدح يونس عليه السلام

# وذا النون

# [الأنبياء: 87] والنهي عن اتباعه { ولا تكن كصحب الحوت }
~~إذ النون لكونه جعل فاتحة سورة أفخم وأشرف من لفظ الحوت ونقل مثل ذلك
~~السرميني عن العلامة السهيلي وفرق بعضهم بغير ذلك مما هو مذكور في
~~«حواشينا على رسالة ابن عصام» في علم البيان.

# { إذ نادى } في بطن الحوت { وهو مكظوم } أي مملوء غيظا على
~~قومه إذ لم يؤمنوا لما دعاهم إلى الإيمان وهو من ms10779 كظم السقاء إذا ملأه ومن
~~استعماله بهذا المعنى قول ذي الرمة:

# وأنت من حب مي مضمر حزنا

# عانى الفؤاد قريح القلب مكظوم

# والجملة حال من ضمير { نادى } وعليها يدور النهي لا على النداء فإنه
~~أمر مستحسن ولذا لم يذكر المنادي و(إذ) منصوب بمضاف محذوف أي لا يكن حالك
~~كحاله وقت ندائه أي لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة فتبتلى
~~بنحو بلائه عليه السلام.

### || [68.49]

# { لولا أن تداركه نعمة من ربه } وهو توفيقه للتوبة
~~وقبولها منه، وقرىء (رحمة). وتذكير الفعل على القراءتين لأن الفاعل مؤنث
~~مجازي مع الفصل بالضمير. وقرأ عبد الله وابن عباس (تداركته) بتاء
~~التأنيث، وقرأ ابن هرمز والحسن والأعمش (تداركه) بتشديد الدال وأصله
~~تتداركه فأبدل التاء دالا وأدغمت الدال في الدال، والمراد حكاية الحال
~~الماضية على معنى لولا أن كان يقال فيه تتداركه { لنبذ بالعراء }
~~بالأرض الخالية من الأشجار أي في الدنيا وقيل بعراء القيامة لقوله تعالى

# فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه
~~إلى يوم يبعثون

# [الصافات: 143144] ولا يخفى بعده { وهو مذموم } في موضع الحال
~~من مرفوع (نبذ) وعليها يعتمد جواب (لولا) لأن المقصود امتناع نبذه
~~مذموما وإلا فقد حصل النبذ فدل على أن حاله كانت على خلاف الذم والغرض
~~أن حالة النبذ والانتهاء كانت مخالفة لحالة إلا لامة والابتداء لقوله
~~سبحانه

# فالتقمه الحوت وهو مليم

# [الصافات: 142] وفي «الإرشاد» أن الجملة الشرطية استئناف وارد لبيان كون
~~المنهي عنه أمرا محذورا مستتبعا للغائلة.

### || [68.50]

# وقوله سبحانه { فاجتباه ربه } عطف على مقدر أي فتداركته نعمة
~~من ربه فاجتباه أي اصطفاه بأن رد عز وجل إليه الوحي وأرسله إلى مائة ألف
~~أو يزيدون، وقيل استنبأه، إن صح أنه لم يكن نبيا قبل هذه الواقعة وإنما
~~كان رسولا لبعض المرسلين في أرض الشام { فجعله من الصلحين
~~} من الكاملين في الصلاح بأن عصمه سبحانه من أن يفعل فعلا يكون تركه
~~أولى. وظاهر كلام بعضهم أن الجعل من الصالحين تفسير للاجتباء. قيل وفسر
~~الصالحين بالأنبياء وهو مبني على أنه ms10780 لم يكن قبل الواقعة نبيا.

# واستدل بالآية على خلق الأفعال لأن جعله صالحا بجعل صلاحه وخلقه فيه
~~وهو من جملة الأفعال ولا قائل بالفرق، والمعتزلة يؤولون ذلك تارة
~~بالإخبار بصلاحه وأخرى باللطف به حتى صلح، على أنه يحتمل أن يراد
~~بالصالحين الأنبياء كما قيل فلا تفيد الآية أكثر من كون النبوة مجعولة
~~وهو مما اتفق / عليه الفريقان فتدبر.

### || [68.51]

# { وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصرهم
~~} (إن) هي المخففة واللام دليلها لأنها لا تدخل بعد النافية ولذا تسمى
~~الفارقة على عرف عند النحاة، والمعنى أنهم لشدة عداوتهم ينظرون إليك
~~شزرا بحيث يكادون يزلون قدمك فيرمونك، من قولهم: نظر إلي نظرا يكاد
~~يصرعني أو يكاد يأكلني أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله، وجعل
~~مبالغة في عداوتهم حتى كأنها سرت من القلب والجوارح إلى النظر فعاد يعمل
~~عمل الجوارح، وأنشدوا قول الشاعر:

# يتقارضون إذا التقوا في موطن

# نظرا يزل مواطىء الأقدام

# أو أنهم يكادون يصيبونك بالعين إذ روي أنه كان في بني أسد عيانون فأراد
~~بعضهم أن يعين رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، وقال الكلبي: كان
~~رجل من العرب يمكث يومين أو ثلاثة لا يأكل ثم يرفع جانب خبائه فيقول لم
~~أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه فتسقط طائفة منها وتهلك فاقترح
~~الكفار منه أن يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابهم وأنشد:

# قد كان قومك يحسبونك سيدا

# وإخال أنك سيد معيون

# فعصم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه هذه الآية. وقد قيل
~~إن قراءتها تدفع ضرر العين، وروي ذلك عن الحسن. وفي كتاب «الأحكام» أنها
~~أصل في أن العين حق. والأولى الاستدلال على ذلك بما ورد وصح من عدة طرق

# " إن العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر "

# وبما أخرجه أحمد بسند رجاله كما قال الهيثمي ثقات عن أبي ذر مرفوعا

# " إن العين لتولع بالرجل بإذن الله تعالى حتى يصعد حالقا ثم يتردى منه
~~"

# إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة، وذلك من خصائص ms10781 بعض النفوس، ولله تعالى
~~أن يخص ما شاء منها بما شاء. وإضافته إلى العين باعتبار أن النفس تؤثر
~~بواسطتها غالبا وقد يكون التأثير بلا واسطتها بأن يوصف للعائن شيء
~~فتتوجه إليه نفسه فتفسده، ومن قال إن الله تعالى أجرى العادة بخلق ما شاء
~~عند مقابلة عين العائن من غير تأثير أصلا فقد سد على نفسه باب العلل
~~والتأثيرات والأسباب والمسببات وخالف جميع العقلاء، قاله ابن القيم. وقال
~~بعض أصحاب الطبائع إنه ينبعث من العين قوة سمية تؤثر فيما نظره كما فصل
~~في «شرح مسلم» وهذا لا يتم عندي فيما لم يره ولا في نحو ما تضمنه حديث
~~أبي ذر المتقدم آنفا ولا في إصابة الإنسان عين نفسه كما حكاه المناوي
~~فإنه لا يقتل الصل سمه، ومن ذلك ما حكاه الغساني قال: نظر سليمان بن عبد
~~الملك في المرآة فأعجبته نفسه فقال كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيا
~~وكان أبو بكر صديقا وكان عمر فاروقا وعثمان حييا ومعاوية حليما ويزيد
~~صبورا وعبد الملك سائسا والوليد جبارا وأنا الملك الشاب وأنا الملك
~~الشاب فما دار عليه الشهر حتى مات.

# ومثل ذلك ما قيل إنه من باب التأثير في القوة المعروفة اليوم بالقوة
~~الكهربائية عند الطباعيين المحدثين، فقد صح أن بعض الناس يكرر النظر إلى
~~بعض الأشخاص من فوقه إلى قدمه فيصرعه كالمغشي عليه، وربما يقف وراءه
~~جاعلا أصابعه حذاء نقرة رأسه ويوجه نفسه إليه حتى تضعف قواه فيغشاه نحو
~~النوم ويتكلم إذ ذاك بما لا يتكلم به في وقت آخر، وأنا لا أزيد على القول
~~بأنه من تأثيرات النفوس ولا أكيف ذلك فالنفس الإنسانية من أعجب مخلوقات
~~الله عز وجل وكم طوي فيه أسرار وعجائب تتحير فيها العقول ولا ينكرها إلا
~~مجنون أو جهول، ولا يسعني أن أنكر العين لكثرة الأحاديث الواردة فيها
~~ومشاهدة آثارها على اختلاف الأعصار، ولا أخص ذلك بالنفوس الخبيثة كما قيل
~~فقد يكون من النفوس الزكية، والمشهور أن الإصابة لا تكون مع كراهة الشيء
~~وبغضه وإنما تكون ms10782 مع استحسانه، وإلى ذلك ذهب القشيري وكأنه يشير بذلك إلى
~~الطعن في صحة الرواية ههنا لأن الكفار كانوا يبغضونه عليه الصلاة
~~والسلام فلا تتأتى لهم إصابته بالعين، وفيه / نظر وحكم العائن على ما قال
~~القاضي عياض أن يجتنب وينبغي للإمام حبسه ومنعه عن مخالطة الناس كفا
~~لضرره ما أمكن ويرزقه حينئذ من بيت المال.

# هذا وقرأ نافع (ليزلقونك) بفتح الياء من زلقه بمعنى أزلقه، وقرأ عبد
~~الله وابن عباس والأعمش وعيسى (ليزهقونك) بالهاء بدل اللام أي ليهلكونك.

# { لما سمعوا الذكر } أي وقت سماعهم القرآن وذلك لاشتداد بغضهم
~~وحسدهم عند سماعه و(لما) كما أشرنا إليه ظرفية متعلقة بيزلقونك، ومن قال
~~إنها حرف وجوب لوجوب ذهب إلى أن جوابها محذوف لدلالة ما قبل عليه، أي لما
~~سمعوا الذكر كادوا يزلقونك { ويقولون } لغاية حيرتهم في أمره عليه
~~الصلاة والسلام ونهاية جهلهم بما في تضاعيف القرآن من عجائب الحكم وبدائع
~~العلوم ولتنفير الناس عنه { إنه لمجنون } وحيث كان مدار حكمهم
~~الباطل ما سمعوا منه صلى الله عليه وسلم رد ذلك ببيان علو شأنه وسطوع
~~برهانه فقيل: { وما هو إلا ذكر للعالمين }.

### || [68.52]

# على أنه حال من فاعل

# يقولون

# [القلم: 51] والرابط الواو فقط أو مع عموم (العالمين) كما قيل مفيد
~~لغاية بطلان قولهم وتعجيب للسامعين من جراءتهم على التفوه بتلك العظيمة
~~أي يقولون ذلك والحال أنه ذكر للعالمين أي تذكير وبيان لجميع ما يحتاجون
~~إليه من أمور دينهم فأين من أنزل عليه ذلك وهو مطلع على أسراره طرا
~~ومحيط بجميع حقائقه خبرا مما قالوه، وقيل معناه شرف وفضل لقوله تعالى

# وإنه لذكر لك ولقومك

# [الزخرف: 44] وعموم (العالمين) لما فيه من الاعتناء بما ينفعهم، وقيل
~~الضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكونه مذكرا وشرفا للعالمين لا
~~ريب فيه، ورجح بأن الجملة عليه تكون صريحة في رد دعواهم الباطلة، وأنت
~~تعلم أن الأول أولى والله تعالى أعلم.

### | [69 - سورة الحاقة]

### || [69.1]

# أي الساعة أو الحالة التي يحق ويجب وقوعها أو التي تحقق وتثبت فيها
~~الأمور الحقة ms10783 من الحساب والثواب والعقاب أو التي تحق فيها الأمور أي تعرف
~~على الحقيقة من حقه يحقه إذا عرف حقيقته وروي هذا عن ابن عباس وغيره،
~~وإسناد الفعل لها على وجهين الأخيرين مجاز وهو حقيقة لما فيها من الأمور
~~أو لمن فيها من أولي العلم. وفي «الكشف» كون الإسناد مجازيا إنما هو على
~~الوجه الأخير، وأما على الوجه الثاني فيحتمل الإسناد المجازي أيضا لأن
~~الثبوت والوجوب لما فيها، ويحتمل أن يراد ذو الحاقة من باب تسمية الشيء
~~باسم ما يلابسه وهذا أرجح لأن الساعة وما فيها سواء في وجوب الثبوت فيضعف
~~قرينة الإسناد المجازي والتجوز فيه تصوير ومبالغة انتهى وبحث فيه الجلبي
~~بما فيه بحث فارجع إليه وتدبر.

# وقال الأزهري: الحاقة القيامة من حاققته فحققته أي غالبته فغلبته فهي
~~حاقة لأنها تحق كل محاق في دين الله تعالى بالباطل أي كل مخاصم فتغلبه.
~~وظاهر كلامهم أنها على جميع ذلك وصف حذف موصوفه للإيذان بكمال ظهور
~~اتصافه بهذه الصفة وجريانه مجرى الاسم. وقيل إنها على ما روي عن / ابن
~~عباس من كونها من أسماء يوم القيامة اسم جامد لا يعتبر موصوف محذوف، وقيل
~~هي مصدر كالعاقبة والعافية. وأيا ما كان فهي مبتدأ خبرها جملة: { ما
~~الحاقة }

### || [69.2]

# على أن مبتدأ و { الحاقة } خبر أو بالعكس ورجح معنى، والأول هو
~~المشهور، والرابط إعادة المبتدأ بلفظه، والأصل ما هي؟ أي أي شيء هي في
~~حالها وصفتها؟ فإن (ما) قد يطلب بها الصفة والحال فوضع الظاهر موضع
~~المضمر تعظيما لشأنها وتهويلا لأمرها.

### || [69.3]

# وقوله تعالى: { ومآ أدراك ما الحاقة } أي أي شيء أعلمك ما
~~هي؟ تأكيد لهولها وفظاعتها ببيان خروجها عن دائرة علوم المخلوقات على
~~معنى أن عظم شأنها ومدى هولها وشدتها بحيث لا يكاد تبلغه دراية أحد ولا
~~وهمه وكيفما قدرت حالها فهي وراء ذلك وأعظم وأعظم فلا يتسنى الإعلام،
~~ومنه يعلم أن الاستفهام كني به عن لازمه من أنها لا تعلم ولا يصل إليها
~~دراية دار ولا تبلغها الأوهام والأفكار.

# و(ما) في موضع ms10784 الرفع على الابتداء و(أدراك) خبره ولا مساغ ههنا للعكس
~~و { ما الحاقة } جملة محلها النصب على إسقاط الخافض لأن أدرى يتعدى
~~إلى المفعول الثاني بالباء كما في قوله تعالى:

# ولا أدراكم به

# [يونس: 16] فلما وقعت جملة الاستفهام معلقة له كانت في موضع المفعول
~~الثاني. وتعليق هذا الفعل على ما قيل لما فيه من معنى العلم. والجملة
~~أعني { ما أدراك } الخ معطوفة على ما قبلها من الجملة الصغرى.

### || [69.4]

# بالقيامة التي تقرع الناس بالإفزاع والأهوال، والسماء بالانشقاق
~~والانفطار، والأرض والجبال بالدك والنسف، والنجوم بالطمس والانكدار.
~~ووضعها موضع ضمير { الحاقة } للدلالة على معنى القرع وهو ضرب شيء
~~بشيء فيها تشديدا لهولها. والجملة استئناف مسوق لبيان بعض أحوال الحاقة
~~له عليه الصلاة والسلام إثر تقرير أنه ما أدراه صلى الله عليه وسلم بها
~~أحد، والمبين كونها بحيث يحق إهلاك من يكذب بها كأنه قيل وما أدراك ما
~~الحاقة كذبت بها ثمود وعاد فأهلكوا.

### || [69.5]

# { فأما ثمود فأهلكوا } أي أهلكهم الله تعالى. وقرأ زيد بن
~~علي (فهلكوا) بالبناء للفاعل { بالطاغية } أي الواقعة المجاوزة
~~للحد وهي الصيحة لقوله تعالى في هود [67]

# وأخذ الذين ظلموا الصيحة

# وبها فسرت الصاعقة في حم السجدة أو الرجفة لقوله سبحانه في الأعراف
~~[78]:

# فأخذتهم الرجفة

# وفي الزلزلة المسببة عن الصيحة فلا تعارض بين الآيات لأن الإسناد في بعض
~~إلى السبب القريب وفي بعض آخر إلى البعيد، والأول مروي عن قتادة قال أي
~~بالصيحة التي خرجت عن حد كل صيحة. وقال ابن عباس وأبو عبيدة وابن زيد ما
~~معناه الطاغية مصدر فكأنه قيل بطغيانهم وأيد بقوله تعالى

# كذبت ثمود بطغواهآ

# [الشمس: 11] والمعول عليه الأول لمكان قوله تعالى: { وأما عاد
~~فأهلكوا بريح صرصر }.

### || [69.6]

# { وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر } وإيضاح ذلك أن الآية
~~فيها جمع وتفريق، فلو قيل أهلك هؤلاء بالطغيان على أن ذلك سبب جالب
~~وهؤلاء بالريح على أنه سبب آلي لم يكن طباق إذا جاز أن يكون هؤلاء أيضا
~~هلكوا بسبب الطغيان، وهذا معنى قول الزمخشري في تضعيف الثاني لعدم الطباق ms10785
~~بينها وبين { بريح } لا أن ذلك لأن أحدهما عين والآخر حدث وما ذكر من
~~التأييد لا يخفى حاله وكذا يرجح الأول على قول مجاهد وابن زيد أيضا أي
~~بسبب الفعلة الطاغية التي فعلوها وهي عقر الناقة وعلى ما قيل الطاغية
~~عاقر الناقة والهاء فيها للمبالغة كما في رجل راوية وأهلكوا كلهم بسببه
~~لرضاهم بفعله وما قيل أيضا بسبب الفئة الطاغية ووجه الرجحان يعلم مما
~~ذكر. ومر الكلام في الصرصر فتذكر. وهو صفة ريح وكذا قوله تعالى: {
~~عاتية } أي شديدة العصف أو عتت على عاد فما قدروا على ردها والخلاص
~~منها بحيلة من استتار ببناء أو لياذ بجبل أو اختفاء في حفرة فإنها كانت
~~تنزعهم من مكامنهم وتهلكهم. والعتو عليهما استعارة وأصله تجاوز الحد وهو
~~قد يكون بالنسبة إلى الغير وقد لا يكون ومنه يعلم الفرق / بين الوجهين.
~~وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه أنه قال: لم
~~تنزل قطرة إلا بمكيال على يدي ملك إلا يوم نوح فإنه أذن للماء دون الخزان
~~فطغى الماء على الخزان فخرج فذلك قوله تعالى

# إنا لما طغا المآء

# [الحاقة: 11] ولم ينزل شيء من الريح إلا بمكيال على يدي ملك إلا يوم عاد
~~فإنه أذن لها دون الخزان فخرجت فذلك قوله تعالى { بريح صرصر
~~عاتية } عتت على الخزان وفي «صحيحي البخاري ومسلم» وغيرهما ما يوافقه
~~فهو تفسير مأثور وقد حكى ذلك في «الكشاف» ثم قال ولعلها عبارة عن الشدة
~~والإفراط فيها وخرج ذلك في «الكشف» على الاستعارة التمثيلية ثم قال إن
~~المثل إذا صار بحيث يفهم منه المقصود من دون نظر إلى أصل القصة جاز أن
~~يقال إنه كناية عنه كما فيما نحن فيه. وجوز أن يكون هناك تشبيه بليغ من
~~العتو وهو الخروج عن الطاعة.

### || [69.7]

# وقوله تعالى: { سخرها عليهم } الخ استئناف جيء به بيانا
~~لكيفية إهلاكهم بالريح وجوز أن يكون صفة أخرى وأنه جيء به لنفي ما يتوهم
~~من أنها كانت من اقترانات بعض الكواكب ببعض ونزولها في ms10786 بعض المنازل، إذ
~~لو وجدت الاقترانات المقتضية لبعض الحوادث كان ذلك بتقديره تعالى وتسببه
~~عز وجل لا من ذاتها استقلالا، والسبب الذي يذكره الطبائعيون للريح تكاثف
~~الهواء في الجهة التي يتوجه إليها وتراكم بعضه على بعض بانخفاض درجة
~~حرارته فيقل تمدده ويتكاثف ويترك أكثر المحل الذي كان مشغولا به خاليا،
~~أو بتجمع فجائي يحصل في الأبخرة المنتشرة في الهواء فتخلو محالها وعلى
~~التقديرين يجري إلى ذلك المحل الهواء المجاور بقوة ليشغله فيحدث ويستمر
~~حتى يمتلىء ذلك الفضاء ويتعادل فيه الهواء فيسكن عند ذلك ويتفاوت سيرها
~~سرعة وبطأ فتقطع الريح المعتدلة على ما قيل في الساعة الواحدة نحو فرسخ
~~والمتوسط فيها نحو أربعة فراسخ والقوية نحو ثمانية فراسخ وما هي أقوى
~~منها نحو ستة عشر فرسخا وما هي أقوى ويسمى العاصف نحو سبعة عشر فرسخا
~~وما هي أقوى وتسمى المؤتفكة نحو تسعة وعشرين فرسخا وقد تقطع في ساعة نحو
~~ستة وثلاثين فرسخا وهذا أكثر ما قيل في سرعة الريح. وقد عملوا آلة
~~يزعمون أنها مقياس يستعلم بها قوة هبوب الريح وضعفه، وهذا غير بعيد من
~~النوع الإنساني. ويقال فيما ذكروه من السبب نحو ما سمعت آنفا. ومعنى {
~~سخرها عليهم } سلطها عز وجل بقدرته عليهم.

# { سبع ليال وثمنية أيام حسوما } أي متتابعات كما
~~قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وأبو عبيدة جمع حاسم كشهود جمع شاهد
~~من حسمت الدابة إذا تابعت كيها على الداء كرة بعد أخرى حتى ينحسم، فهي
~~مجاز مرسل من استعمال المقيد وهو الحسم الذي هو تتابع الكي في مطلق
~~التتابع. وفي «الكشف» هو مستعار من الحسم بمعنى الكي شبه الأيام بالحاسم
~~والريح لملابستها بها وهبوبها فيها واستمرار وصفها أبو صفها في قولهم يوم
~~بارد وحار إلى غير ذلك بفعل الأيام كل هبة منها كية وتتابعها بتتابع
~~الكيات حتى يحصل الانحسام أي استئصال الداء الذي هو المقصود، والمعنى بعد
~~التلخيص متتابعة هبوب الرياح حتى أتت عليهم واستأصلتهم، أو نحسات مشؤمات
~~كما قال الخليل، قيل والمعنى قاطعات الخير بنحوستها وشؤمها ms10787 فمعمول {
~~حسوما } محذوف، أو قاطعات قطعت دابرهم وأهلكتهم عن آخرهم كما قال ابن
~~زيد. وقال الراغب ((الحسم إزالة أثر الشيء يقال قطعه فحسمه أي أزال مادته
~~وبه سمي السيف حساما وحسم الداء إزالة أثره بالكي وقيل للشؤم المزيل
~~لأثر ما ناله حسوم و(حسوما) في الآية قيل حاسما أثرهم وقيل حاسما
~~خبرهم وقيل قاطعا لعمرهم وكل ذلك داخل في عمومه)) فلا تغفل.

# وجوز أن يكون (حسوما) مصدرا لا جمع حاسم، وانتصابه إما بفعله المقدر
~~حالا أي بحسمهم حسوما بمعنى تستأصلهم استئصالا أو على العلة أي سخرها
~~عليهم لأجل الاستئصال أو على أنه صفة أي ذات حسوم، وأيدت المصدرية بقراءة
~~السدي { حسوما } بفتح الحاء على أنه حال من الريح / أي سخرها مستأصلة
~~لتعين كونه مفردا على ذلك. وهي كانت أيام العجوز من صبح الأربعاء لثمان
~~بقين من شوال إلى غروب الأربعاء الآخر، وإنما سميت أيام العجوز لأن
~~عجوزا من عاد توارت في سرب فانتزعتها الريح في اليوم الثامن وأهلكتها،
~~أو لأنها عجز الشتاء فالعجوز بمعنى العجز. وأسماؤها الصن والصنبر والوبر
~~والآمر والمؤتمر والمعلل ومطفىء الجمر ومكفىء الظعن ولم يذكر هذا الثامن
~~من قال إنها سبعة لا ثمانية كما هو المختار.

# { فترى القوم } أي إن كنت حاضرا حينئذ، فالخطاب فيه فرضي {
~~فيها } أي في الأيام والليالي، وقيل في مهاب الريح وقيل في ديارهم
~~والأول أظهر { صرعى } أي هلكى جمع صريع { كأنهم أعجاز
~~نخل } أي أصول نخيل وقرأ أبو نهيك (أعجز) على وزن أفعل كضبع وأضبع،
~~وحكى الأخفش أنه قرىء (نخيل) بالياء { خاوية } خلت أجوافها بلى
~~وفسادا، وقال ابن شجرة كانت تدخل من أفواههم فتخرج ما في أجوافهم من
~~الحشو من أدبارهم فصاروا كأعجاز النخل الخاوية. وقال يحيى بن سلام خلت
~~أبدانهم من أرواحهم فكانوا كذلك. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال:
~~كانوا في سبعة أيام في عذاب ثم في الثامن ماتوا وألقتهم الريح في البحر
~~فذلك قوله تعالى: { فهل ترى لهم من باقية }.

### || [69.8]

# أي بقية، على أن الباقية اسم كالبقية لا ms10788 وصف، والتاء للنقل إلى الاسمية،
~~أو نفس باقية على أن الموصوف مقدر والتاء للتأنيث، وقال ابن الأنباري أي
~~باق والهاء للمبالغة، وجوز أن يكون مصدرا كالطاغية والكاذبة أي بقاء
~~والتاء للوحدة.

### || [69.9]

# { وجاء فرعون ومن قبله } ومن تقدمه من الأمم الكافرة كقوم
~~نوح عليه السلام، وفيه تعميم بعد التخصيص فإن منهم عادا وثمودا. وقرأ
~~أبو رجاء وطلحة والجحدري والحسن بخلاف عنه وعاصم في رواية أبان والنحويان
~~وأبان (ومن قبله) بكسر القاف وفتح الباء أي ومن في جهته وجانبه
~~والمراد ومن عنده من أتباعه وأهل طاعته، ويؤيده قراءة أبي وابن مسعود
~~(ومن معه).

# { والمؤتفكت } أي قرى قوم لوط عليه السلام والمراد أهلها
~~مجازا بإطلاق المحل على الحال أو بتقدير مضاف وعلى الإسناد المجازي
~~والقرينة العطف على من يتصف بالمجيء. وقرأ الحسن هنا (والمؤتفكة) على
~~الإفراد { بالخاطئة } أي بالخطأ على أنه مصدر على زنة فاعلة أو
~~بالفعلة أو الأفعال ذات الخطأ العظيم على أن الإسناد مجازي وهو حقيقة
~~لأصحابها واعتبار العظم لأنه لا يجعل الفعل خاطئا إلا إذا كان صاحبه
~~بليغ الخطأ ويجوز أن تكون الصيغة للنسبة.

### || [69.10]

# { فعصوا رسول ربهم } أي فعصى كل أمة رسولها حين نهاها عما
~~كانت تتعاطاه من القبائح، فإفراد الرسول على ظاهره، وجوز أن يكون جمعا
~~أو مما يستوي فيه الواحد وغيره لأنه مصدر في الأصل وأريد منه التكثير
~~لاقتضاء السياق له فهو من مقابلة الجمع المقتضي لانقسام الآحاد، أو أطلق
~~الفرد عليهم لاتحادهم معنى فيما أرسلوا به، والظاهر أن هذا بيان لمجيئهم
~~بالخاطئة { فأخذهم } أي الله عز وجل { أخذة رابية } أي
~~زائدة في الشدة كما زادت قبائحهم في القبح من ربا الشيء إذا زاد.

### || [69.11]

# { إنا لما طغا الماء } جاوز حده المعتاد حتى أنه علا على أعلى
~~جبل خمس عشرة ذراعا، أو طغى على خزانه على ما سمعت قبيل هذا وذلك بسبب
~~إصرار قوم نوح عليه السلام على فنون الكفر والمعاصي ومبالغتهم في تكذيبه
~~عليه السلام فيما أوحي إليه من الأحكام التي من جملتها أحوال القيامة ms10789 {
~~حملنكم } أي في أصلاب آبائكم، أو حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم
~~على أنه بتقدير مضاف، وقيل على التجوز في المخاطبين بإرادة أبائهم
~~المحمولين بعلاقة الحلول وهو بعيد { فى الجارية } في سفينة نوح
~~عليه السلام، والمراد بحملهم فيها رفعهم فوق الماء إلى انقضاء أيام
~~الطوفان لا مجرد رفعهم إلى السفينة كما يعرب عنه كلمة (في) فإنها ليست
~~بصلة للحمل بل متعلقة بمحذوف هو حال من مفعوله، أي رفعناكم فوق الماء
~~وحفظناكم حال كونكم في السفينة الجارية بأمرنا وحفظنا. وفيه / تنبيه على
~~أن مدار نجاتهم محض عصمته عز وجل وإنما السفينة سبب صوري. وكثر استعمال
~~الجارية في السفينة وعليه:

# تسعون جارية في بطن جارية

### || [69.12]

# { لنجعلها } أي الفعلة التي هي عبارة عن إنجاء المؤمنين وإغراق
~~الكافرين { لكم تذكرة } عبرة ودلالة على كمال قدرة الصانع وحكمته
~~وقوة قهره وسعة رحمته { وتعيها } أي تحفظها، والوعي أن تحفظ الشيء
~~في نفسك والإيعاء أن تحفظه في غير نفسك من وعاء { أذن وعية } أي
~~من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه بتذكره وإشاعته والتفكر فيه ولا تضيعه بترك
~~العمل به. وعن قتادة الواعية هي التي عقلت عن الله تعالى وانتفعت بما
~~سمعت من كتاب الله تعالى

# " وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي كرم الله تعالى وجهه
~~إني دعوت الله تعالى أن يجعلها أذنك يا علي "

# قال علي كرم الله تعالى وجهه فما سمعت شيئا فنسيته وما كان لي أن أنسى
~~وفي جعل الأذن واعية وكذا جعلها حافظة ومتذكرة ونحو ذلك تجوز،
~~والفاعل لذلك إنما هو صاحبها ولا ينسب لها حقيقة إلا السمع.

# والتنكير للدلالة على قلتها وأن من هذا شأنه مع قلته يتسبب لنجاة الجم
~~الغفير وإدامة نسلهم. وقيل ضمير (نجعلها) للجارية وجعلها تذكرة لما أنه
~~على ما قال قتادة أدركها أوائل هذه الأمة أي أدركوا ألواحها على الجودي
~~كما قال ابن جريج، بل قيل إن بعض الناس وجد شيئا من أجزائها بعد الإسلام
~~بكثير، والله تعالى أعلم بصحته، ولا يخفى أن المعول ms10790 عليه ما قدمناه.

# وقرأ ابن مصرف وأبو عمرو في رواية هرون وخارجة عنه وقنبل بخلاف عنه
~~(وتعيها) بإسكان العين على التشبيه بكتف وكبد كما قيل. وقرأ حمزة بإخفاء
~~الكسرة، وروى عن عاصم أنه قرأ بتشديد الياء قال في «البحر» ((قيل هو خطأ
~~وينبغي أن يتأول على أنه أريد به شد بيان الياء احترازا ممن سكنها لا
~~إدغام حرف في حرف ولا ينبغي أن يجعل ذلك من التضعيف في الوقف ثم أجري
~~الوصل مجرى الوقف وإن كان قد ذهب إليه بعضهم وروي عن حمزة وموسى بن عبد
~~الله العبسي (وتعيها) بإسكان الياء فاحتمل الاستئناف وهو الظاهر واحتمل
~~أن يكون مثل قراءة (من أوسط ما تطعمون أهاليكم) [المائدة: 89] بسكون
~~الياء)) وقرأ نافع (أذن) بإسكان الذال للتخفيف.

### || [69.13]

# شروع في بيان نفس الحاقة وكيفية وقوعها إثر بيان عظم شأنها بإهلاك
~~مكذبيها. والمراد بالنفخة الواحدة النفخة الأولى التي عندها خراب العالم
~~كما قال ابن عباس، وقال ابن المسيب ومقاتل هي النفخة الآخرة، والأول أولى
~~لأنه المناسب لما بعد وإن كانت الواو لا تدل على الترتيب لكن مخالفة
~~الظاهر من غير داع مما لا حاجة إليه. والنفخة قال جار الله في «حواشي
~~كشافه» المرة ودلالتها على النفخ اتفاقية غير مقصودة وحدوث الأمر العظيم
~~بها وعلى عقبها إنما استعظم من حيث وقوع النفخ مرة واحدة لا من حيث إنه
~~نفخ فنبه على ذلك بقوله سبحانه { واحدة } وعن ابن الحاجب أن (نفخة)
~~لم يوضع للدلالة على الوحدة على حيالها وإنما وضع للدلالة على النفخ
~~والدلالة على الوحدة اتفاقية غير مقصودة. وتعقب بأن هذا بعد التسليم لا
~~يضر لأن الكلام في مقتضى المقام لا أصل الوضع، وقد تقرر أن الذي سيق له
~~الكلام يجعل معتمدا حتى كأن غيره مطروح فالمرة هي المعتمدة نظرا للمقام
~~دون النفخ نفسه وإن كان النظر إلى ظاهر اللفظ يقتضي العكس فافهم. وأيا
~~ما كان فإسناد الفعل إلى نفخة ليس من إسناد الفعل إلى المصدر المؤكد كضرب
~~ضرب وإن لم يلاحظ ما بعده من ms10791 قوله سبحانه { واحدة } وحسن تذكير الفعل
~~للفصل، وكون المرفوع غير حقيقي التأنيث، وكونه مصدرا فقد ذكر الجاربردي
~~في «شرح الشافية» أن تأنيثه غير معتبر لتأويله بأن والفعل والمشهور أن
~~(واحدة) صفة مؤكدة وأطلق عليها بعضهم التوكيد وبعضهم البيان، وذكر
~~الطيبي أن التوابع كالبدل، وعطف البيان والصفة بيان من وجه للمتبوع عند
~~أرباب المعاني وتمام الكلام في ذلك في «المطول».

# وقرأ أبو السمال (نفخة واحدة) بنصبهما على إقامة الجار والمجرور /
~~مقام الفاعل.

### || [69.14]

# { وحملت الأرض والجبال } رفعتا من أحيازهما بمجرد القدرة
~~الإلهية من غير واسطة مخلوق، أو بتوسط نحو ريح أو ملك، قيل أو بتوسط
~~الزلزلة أي بأن يكون لها مدخل في الرفع لا أنها رافعة لهما حاملة إياهما
~~ليقال إنها ليس فيها حمل وإنما هي اضطراب، وقيل يجوز أن يخلق الله تعالى
~~من الأجرام العلوية ما فيه قوة جذب الجبال ورفعها عن أماكنها، أو أن يكون
~~في الأجرام الموجودة اليوم ما فيه قوة ذلك إلا أن في البين مانعا من
~~الجذب والرفع وأنه يزول بعد فيحصل الرفع، وكذا يجوز أن يعتبر مثل ذلك
~~بالنسبة إلى الأرض وأن تكون قوتا الجاذبين مختلفتين فإذا حصل رفع كل إلى
~~غاية يريدها الله تعالى حدث في ذلك الجاذب ما لم يبق معه ذلك الجذب من
~~زوال مسامته ونحوه وحصل بين الجبال والأرض ما يوجب التصادم، ويجوز أيضا
~~أن يحدث في الأرض من القوى ما يوجب قذفها للجبال ويحدث للأرض نفسها ما
~~يوجب رفعها عن حيزها، وكون القوي منها ما هو متنافر ومنها ما هو متحاب
~~مما لا يكاد ينكر، وقيل يمكن أن يكون رفعهما بمصادمة بعض الأجرام كذوات
~~الأذناب على ما قيل فيها جديدا للأرض فتنفصل الجبال وترتفع من شدة
~~المصادمة ورفع الأرض من حيزها، ولا يخفى أن كل هذا على ما فيه لا يحتاج
~~إليه ويكفينا القول بأن الرفع بالقدرة الإلهية التي لا يتعاصاها شيء.

# وقرأ ابن أبي عبلة وابن مقسم والأعمش وابن عامر في رواية يحيى (وحملت)
~~بتشديد الميم وحمل على التكثير، ms10792 وجوز أن يكون تضعيفا للنقل فيكون (الأرض
~~والجبال) المفعول الأول أقيم مقام الفاعل والمفعول الثاني محذوف أي قدرة
~~أو ريحا أو ملائكة أو يكون المفعول الثاني أقيم مقام الفاعل والأول
~~محذوف وهو أحد المذكورات.

# { فدكتا دكة وحدة } فضربت الجملتان إثر رفعهما بعضها ببعض
~~ضربة واحدة حتى تفتت وترجع كما قال سبحانه

# كثيبا مهيلا

# [المزمل: 14] وقيل تتفرق أجزاؤها كما قال سبحانه

# هبآء منبثا

# [الواقعة: 6] وفرقوا بين الدك والدق بأن في الأول تفرق الأجزاء وفي
~~الثاني اختلافها. وقال بعض الأجلة أصل الدك الضرب على ما ارتفع لينخفض
~~ويلزمه التسوية غالبا فلذا شاع فيها حتى صار حقيقة، ومنه أرض دكاء
~~للمتسعة المستوية وبعيرا دك وناقة دكاء إذا ضعفا فلم يرتفع سناماهما
~~واستوت خدجتهما مع ظهريهما، فالمراد ههنا فبسطتا بسطة واحدة وسويتا
~~فصارتا أرضا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، ولعل التفتت مقدمة للتسوية
~~أيضا. وقال الراغب ((الدك الأرض اللينة السهلة وقوله تعالى { فدكتا
~~} أي جعلتا بمنزلة الأرض اللينة)) وهذا أيضا يرجع إلى التسوية كما لا
~~يخفى. وحكى في «مجمع البيان» ((أنهما إذا دكتا تتفتت الجبال وتنسفها
~~الريح وتبقى الأرض مستوية)) وثنى الضمير لإرادة الجملتين كما أشرنا إليه.

### || [69.15]

# { فيومئذ } أي فحينئذ، على أن المراد باليوم مطلق الوقت وهو ههنا
~~متسع يقع فيه ما يقع. والتنوين عوض عن المضاف إليه، أي فيوم إذ نفخ في
~~الصور وكان كيت وكيت { وقعت الواقعة } أي قامت القيامة. وتفسير
~~الواقعة بصخرة بيت المقدس واقع عن درجة القبول.

### || [69.16]

# { وانشقت السماء } تفطرت وتميز بعضها عن بعض، ولعله إشارة إلى
~~ما تضمنه قوله تعالى

# يوم تشقق السمآء بالغمام ونزل الملائكة
~~تنزيلا

# [الفرقان: 25] وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال: ذلك قوله تعالى:

# وفتحت السمآء فكانت أبوابا

# [النبأ: 19] ولا منافاة بينهما وكذا لا منافاة بين كون الانشقاق لنزول
~~الملائكة وكونه لهول يوم القيامة لأن الأمر قد يكون له علل شتى مثل هذه
~~العلل. والمراد بالسماء جنسها وقيل السماوات السبع، وأيما كان فلا يشترط
~~لصحة الانشقاق كونها أجساما صلبة إذ يتصف ms10793 بنحو ذلك ما ليس بصلب أيضا
~~فقد وصف البحر بالانفلاق.

# { فهى } أي السماء { يومئذ واهية } ضعيفة من وهى الشيء ضعف
~~وتداعى للسقوط، وقال ابن شجرة من قولهم / وهي السقاء إذا انخرق ومن
~~أمثالهم قول الراجز:

# خل سبيل من وهي سقاؤه

# ومن هريق بالفلاة ماؤه

### || [69.17]

# { والملك } أي الجنس المتعارف بالملك وهو أعم من الملائكة عند
~~الزمخشري وجماعة، وقد ذكره الجوهري أيضا. وقال أبو حيان: الملك اسم جنس
~~يراد به الملائكة ولا يظهر أنه أعم من الملائكة. وتحقيق هذا المقام بما
~~لا مزيد عليه في «شرح التلخيص» للعلامة الثاني «وحواشيه» فارجع إن أردت
~~إليه { على أرجائها } أي جوانبها جمع رجى بالقصر وهو من ذوات
~~الواو ولذا برزت في التثنية قال الشاعر:

# كأن لم ترى قبلي أسيرا مقيدا

# ولا رجلا يرمي به الرجوان

# والضمير للسماء، والمراد بجوانبها أطرافها التي لم تنشق. أخرج ابن
~~المنذر عن ابن جبير والضحاك قال إنهما قالا { والملك على
~~أرجائها } أي على ما لم ينشق منها ولعل ذلك التجاء منهم للأطراف مما
~~داخلهم من ملاحظة عظمة الله عز وجل أو اجتماع هناك للنزول. وأخرج ابن
~~المنذر وعبد بن حميد عن الربيع بن أنس قال { والملك على
~~أرجائها } أي الملائكة على شقها ينظرون إلى شق الأرض وما أتاهم من
~~الفزع. والأول أظهر.

# ولعل هذا الانشقاق بعد موت الملائكة عند النفخة الأولى وإحيائهم، وهم
~~يحيون قبل الناس كما تقتضيه الأخبار ويجوز أن يكون ذلك بعد النفخة
~~الثانية والناس في المحشر ففي بعض الآثار ما يشعر بانشقاق كل سماء يومئذ
~~ونزول ملائكتها واليوم متسع كما أشرنا إليه. وقال الإمام يحتمل أنهم
~~يقفون على الأرجاء لحظة ثم يموتون ويحتمل أن يكون المراد بهم الذين
~~استثناهم الله تعالى في قوله سبحانه

# إلا من شآء الله

# [الزمر: 68] وعلى الوجهين ينحل ما يقال الملائكة يموتون في الصعقة
~~الأولى لقوله تعالى

# فصعق من في السماوات ومن في الأرض

# [الزمر: 68] فكيف يقال إنهم يقفون على أرجاء السماء وفي «أنوار التنزيل»
~~لعل قوله تعالى:

# وانشقت السمآء

# [الحاقة: 16] الخ ms10794 تمثيل لخراب العالم بخراب المبنيات وانضواء أهلها إلى
~~أطرافها وإن كان على ظاهره فلعل موت الملائكة إثر ذلك انتهى وأنا لا أقول
~~باحتمال التمثيل. وفي «البحر» عن ابن جبير والضحاك أن ضمير {
~~أرجائها } للأرض وإن بعد ذكرها قالا إنهم ينزلون إليها يحفظون
~~أطرافها كما روى أن الله تعالى يأمر ملائكة السماء الدنيا فيقفون صفا
~~على حافات الأرض ثم ملائكة الثانية فيصفون حولهم ثم ملائكة كل سماء فكلما
~~ند أحد من الجن والإنس وجد الأرض أحيط بها ولعل ما نقلناه عنهما أولى
~~بالاعتماد.

# { ويحمل عرش ربك فوقهم } أي فوق الملائكة الذين على
~~الأرجاء المدلول عليهم بالملك، وقيل فوق العالم كلهم، وقيل الضمير يعود
~~على الملائكة الحاملين أي يحمل عرش ربك فوق ظهورهم أو رؤسهم { يومئذ
~~ثمنية } والمرجع وإن تأخر لفظا لكنه متقدم رتبة.

# وفائدة (فوقهم) الدلالة على أنه ليس محمولا بأيديهم كالمعلق مثلا،
~~وأيد هذا واعتبار الظهور بما أخرج الترمذي وأبو داود وابن ماجه عن العباس
~~بن عبد المطلب في حديث وفوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهن وركهن ما بين
~~سماء إلى سماء ثم فوق ظهورهن العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين السماء
~~إلى السماء والمراد بالأوعال فيه ملائكة على صورة الأوعال كما قال ابن
~~الأثير وغيره، وهي جمع وعل بكسر العين تيس الجبل.

# واستدل به على أن المراد ثمانية أشخاص، والأخبار الدالة على ذلك كثيرة
~~إلا أن فيها تدافعا من حيث دلالة بعضها، على أن بعضهم على صورة الإنسان
~~وبعضهم على صورة الأسد وبعضهم على صورة الثور وبعضهم على صورة النسر،
~~ودلالة بعض آخر على أن لكل واحد منهم أربعة أوجه وجه ثور ووجه نسر ووجه
~~أسد ووجه إنسان، وفيه لكل واحد منهم أربعة أجنحة أما جناحان فعلى وجهه
~~مخافة من أن ينظر إلى العرش فيصعق وأما جناحان فيطير بهما، وأبو حيان لم
~~يقل بصحة شيء من ذلك حيث قال ((ذكروا في صفات هؤلاء الثمانية أشكالا
~~متكاذبة ضربنا عن ذكرها صفحا)).

# وأخرج عبد بن حميد / عن ابن زيد عن ms10795 النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال

# " يحمله اليوم أربعة ويوم القيامة ثمانية "

# وأخرج عنه ابن أبي حاتم أنه لم يسم من حملة العرش إلا إسرافيل عليه
~~السلام قال وميكائيل عليه السلام ليس من حملة العرش وعليه فمن زعم أنهما
~~وجبرائيل وعزرائيل عليهم السلام من جملة حملته يلزمه إثبات ذلك بخبر يعول
~~عليه. وعن شهر بن حوشب أربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد
~~على عفوك بعد قدرتك وأربعة يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك
~~بعد علمك. وفي خبر عن وهب بن منبه ليس لهم كلام إلا قولهم قدسوا الله
~~القوي الذي ملأت عظمته السماوات. وأكثر الأخبار في هذا الباب لا يعول
~~عليه.

# وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك أنه قال يقال ثمانية صفوف لا يعلم عدتهم
~~إلا الله عز وجل وأخرج هذا القول ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من
~~طرق عن ابن عباس. وقال الحسن الله تعالى أعلم كم هم أثمانية أصناف أم
~~ثمانية أشخاص، وأنت تعلم أن الظاهر المؤيد ببعض الأخبار المصححة أنهم
~~ثمانية أشخاص وأيا كان فالظاهر أن هناك حملا على الحقيقة وإليه ذهب محي
~~الدين قدس سره قال إن لله تعالى ملائكة يحملون العرش الذي هو السرير على
~~كواهلهم هم اليوم أربعة وغدا يكونون ثمانية لأجل الحمل على أرض المحشر
~~وله قدس سره في الباب الثالث عشر من «فتوحاته» كلام واسع في حملة العرش
~~لا سيما إلى تفسيره بالملك فليرجع إليه من اتسع كرسي ذهنه لفهم كلامه.
~~وجوز أن يكون ذلك تمثيلا لعظمته عز وجل بما يشاهد من أحوال السلاطين يوم
~~خروجهم على الناس للقضاء العام، فالمراد تجليه عز وجل بصفة العظمة.

### || [69.18]

# وجعل العرض في قوله تعالى: { يومئذ تعرضون } مجازا عن
~~الحساب، والمراد يومئذ تحاسبون لكنه شبه ذلك بعرض السلطان العسكر ليعرف
~~أحوالهم فعبر عنه به. وأخرج الإمام أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجه
~~وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله
~~عليه ms10796 وسلم

# " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان فجدال ومعاذير وأما
~~الثالثة فعند ذلك تطاير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله "

# والجملة المعوض عنها التنوين على ما يدل عليه كلامهم

# نفخ في الصور

# [الحاقة: 13] وجعل { يومئذ تعرضون } بدلا من

# فيومئذ

# [الحاقة: 15] الخ وقد سمعت أن الزمان متسع لجميع ما ذكر وغيره.

# وقوله تعالى: { لا تخفى منكم خافية } حال من مرفوع {
~~تعرضون } أي تعرضون غير خاف عليه عز وجل سر من أسراركم قبل ذلك
~~أيضا وإنما العرض لإفشاء الحال وإقامة الحجة والمبالغة في العدل، أو غير
~~خاف يومئذ على الناس كقوله تعالى

# يوم تبلى السرآئر

# [الطارق: 9] وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب وطلحة والأعمش وابن مقسم عن
~~عاصم وغيرهم { لا يخفى } بالياء التحتانية.

### || [69.19]

# { فأما من أوتى كتبه بيمينه } تفصيل لأحكام العرض.
~~والمراد بكتابه ما كتب الملائكة فيه ما فعله في الدنيا. وقد ذكروا أن
~~أعمال كل يوم وليلة تكتب في صحيفة فتتعدد صحف العبد الواحد، فقيل توصل له
~~فيؤتاها موصولة وقيل ينسخ ما في جميعها في صحيفة واحدة، وهذا ما جزم به
~~الغزالي عليه الرحمة، وعلى القولين يصدق على ما يؤتاه العبد كتاب. وقيل
~~إن العبد يكتب في قبره أعماله في كتاب وهو الذي يؤتاه يوم القيامة وهذا
~~قول ضعيف لا يعول عليه وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان كيف يؤتى العبد
~~ذلك.

# { فيقول } تبجحا وافتخارا { هاؤم اقرؤا كتبيه } قال
~~الرضي: ها اسم لخذ وفيه ثمان لغات الأولى بالألف مفردة ساكنة للواحد
~~والإثنين والجمع، مذكرا كان أو مؤنثا الثانية أن تلحق هذه الألف
~~المفردة كاف الخطاب الحرفية كما في ذلك وتصرفها نحو هاك هاكما هاكم هاكن
~~الثالثة أن تلحق الألف همزة مكان الكاف وتصريفها تصريف الكاف نحوها هاؤما
~~هاؤم هاء هاؤما هاؤن الرابعة أن تلحق الألف همزة مفتوحة قبل كاف الخطاب
~~وتصرف الكاف الخامسة هأ بهمزة / ساكنة بعد الهاء للكل السادسة أن تصرف
~~هذه الجملة تصريف دع السابعة أن تصرفها تصريف خف ومن ذلك ما حكى الكسائي
~~من قول ms10797 من قيل له هاء بالفتح الأم إهاء وإهاء بفتح همزة المتكلم وكسرها
~~الثامنة أن تلحق الألف همزة وتصرفها تصريف ناد والثلاثة الأخيرة أفعال
~~غير متصرفة لا مضي لها ولا مضارع وليست بأسماء أفعال قال الجوهري هاء
~~بكسرة الهمزة بمعنى هات وبفتحها بمعنى خذ وإذا قيل لك هاء بالفتح قلت ما
~~أهاء أي ما آخذ وما أهاء على مالم يسم فاعله أي ما أعطي وهذا الذي قال
~~مبني على السابعة نحو ما أخاف وما أخاف انتهى.

# وقال أبو القاسم فيها لغات أجودها ما حكاه سيبويه في «كتابه» فقال العرب
~~تقول هاء يا رجل بفتح الهمزة وهاء يا امرأة بكسرها وهاؤما يا رجلان أو
~~امرأتان وهاؤم يا رجال وهاؤن يا نسوة فالميم في هاؤم كالميم في أنتم
~~وضمها كضمها في بعض الأحيان وفسر ههنا بخذوا وهو متعد بنفسه إلى المفعول
~~تعديته والمفعول محذوف دل عليه المذكور أعني { كتبيه } وهو مفعول {
~~اقرؤا } واختير هذا دون العكس لأنه لو كان مفعول (هاؤم) لقيل اقرؤه
~~إذ الأولى إضمار الضمير إذا أمكن كما هنا وإنما لم يظهر في الأول لئلا
~~يعود على متأخر لفظا ورتبة وهو منصوب مع أن العامل على اللغة الجيدة اسم
~~فعل فلا يتصل به الضمير.

# وقيل { هاؤم } بمعنى تعالوا فيتعدى بإلى وزعم القتبي أن الهمزة بدل
~~من الكاف قيل وهو ضعيف إلا إن كان قد عنى أنها تحل محلها في لغة كما سمعت
~~فيمكن لا أنه بدل صناعي لأن الكاف لا تبدل من الهمزة ولا الهمزة منها.

# وقيل { هاؤم } كلمة وضعت لإجابة الداعي عند الفرح والنشاط

# " وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام ناداه أعرابي بصوت عال فجاوبه
~~صلى الله عليه وسلم هاؤم "

# بصولة صوته وجوز إرادة هذا المعنى هنا فإنه يحتمل أن ينادي ذلك المؤتى
~~كتابه بيمينه أقرباؤه وأصحابه مثلا ليقرؤا كتابه فيجيبهم لمزيد فرحه
~~ونشاطه بقوله { هاؤم } وزعم قوم أنها مركبة في الأصل ها أموا أي
~~اقصدوا ثم نقله التخفيف والاستعمال إلى ما ذكر. وزعم آخرون أن الميم ضمير
~~جماعة الذكور. ms10798

# والهاء في { كتبيه } وكذا في { حسابيه } [الحاقة: 20] و {
~~ماليه } [الحاقة: 28] و { سلطانيه } [الحاقة: 29] وكذا { ما
~~هيه } في القارعة [10] للسكت لا ضمير غيبة فحقها أن تحذف وصلا وتثبت
~~وقفا لتصان حركة الموقوف عليه فإذا وصل استغنى عنها، ومنهم من أثبتها في
~~الوصل لإجرائه مجرى الوقف أو لأنه وصل بنية الوقف والقراآت مختلفة فقرأ
~~الجمهور بإثباتها وصلا ووقفا قال الزمخشري اتباعا للمصحف الإمام
~~وتعقبه ابن المنير فقال تقليل القراءة باتباع المصحف عجيب مع أن المعتقد
~~الحق أن القراآت بتفاصيلها منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأطال في
~~التشنيع عليه وهو كما قال. وقرأ ابن محيصن بحذفها وصلا ووقفا وإسكان
~~الياء فيما ذكر ولم ينقل ذلك في { ما هيه } فيما وقفت عليه وابن أبي
~~إسحق والأعمش بطرح الهاء فيهن في الوصل لا في الوقف وطرحها حمزة في مالي
~~وسلطاني وما هي في الوصل لا في الوقف وفتح الياء فيهن وما قاله الزهراوي
~~من أن إثبات الهاء في الوصل لحن لا يجوز عند أحد علمته ليس بشيء فإن ذلك
~~متواتر فوجب قبوله.

### || [69.20]

# { إني ظننت أنى ملق حسابيه } أي علمت ذلك كما قاله
~~الأكثرون بناء على أن الظاهر من حال المؤمن تيقن أمور الآخرة كالحساب،
~~فالمنقول عنه ينبغي أن يكون كذلك، لكن الأمور النظرية لكون تفاصيلها لا
~~تخلو عن تردد ما في بعضها مما لا يفوت اليقين فيه كسهولة الحساب وشدته
~~مثلا عبر عن العلم بالظن مجازا للإشعار بذلك. وقيل لما كان الاعتقاد
~~بأمور الآخرة مطلقا مما لا ينفك عن الهواجس والخطرات النفسية كسائر
~~العلوم النظرية نزل منزلة الظن فعبر عنه به لذلك، وفيه إشارة إلى أن ذلك
~~غير قادح في الإيمان. وجوز أن يكون الظن على حقيقته على أن يكون المراد
~~من حسابه ما حصل له من الحساب اليسير فإن ذلك مما لا يقين له به وإنما
~~ظنه ورجحه لمزيد وثوقه برحمة الله تعالى عز وجل، ولعل / ذلك عند الموت
~~فقد دلت الأخبار على أن اللائق بحال المؤمن حينئذ غلبة الرجاء وحسن ms10799 الظن
~~وأما قبله فاستواء الرجاء والخوف وعليه يظهر جدا وقوع هذه الجملة موقع
~~التعليل لما تشعر به الجملة الأولى من حسن الحال، فكأنه قيل: إني على ما
~~يحسن من الأحوال أو إني فرح مسرور لأني ظننت بربي سبحانه أن يحاسبني
~~حسابا يسيرا وقد حاسبني كذلك فالله تعالى عند ظن عبده به، وهذا أولى
~~مما قيل: يجوز أن يكون المراد إني ظننت أني ملاق حسابي على الشدة
~~والمناقشة لما سلف مني من الهفوات والآن أزال الله تعالى عني ذلك وفرج
~~همي. وقيل يطلق الظن على العلم حقيقة وهو ظاهر كلام الرضي في أفعال
~~القلوب وفيه نظر.

### || [69.21]

# { فهو فى عيشة راضية } قال أبو عبيدة والفراء: أي مرضية،
~~وقال غير واحد: أي ذات رضى على أنه من باب النسبة بالصيغة كلابن وتامر،
~~ومعنى ذات رضى ملتبسة بالرضا فيكون بمعنى مرضية أيضا وأورد عليه أن ما
~~أريد به النسبة لا يؤنث كما صرح به الرضي وغيره وهو هنا مؤنث فلا يصح هذا
~~التأويل إلا أن يقال التاء فيه للمبالغة وفيه بحث. وقال بعض المحققين
~~الحق أن مرادهم أن ما قصد به النسبة لا يلزم تأنيثه وإن جاء فيه على خلاف
~~الأصل الغالب أحيانا والمشهور حمل ما ذكر على أنه مجاز في الإسناد
~~والأصل في عيشة راض صاحبها فأسند الرضا إليها لجعلها لخلوصها دائما عن
~~الشوائب كأنها نفسها راضية. وجوز أن يكون فيه استعارة مكنية وتخييلية كما
~~فصل في مطول كتب المعاني.

### || [69.22]

# مرتفعة المكان لأنها في السماء فنسبة العلو إليها حقيقة ويجوز أن تكون
~~مجازا وهي حقيقة لدرجاتها وما فيها من بناء ونحوه، أو يكون هناك مضاف
~~محذوف أي عالية درجاتها أو بناؤها أو أشجارها، وفي «البحر» عالية مكانا
~~وقدرا ولا يخفى ما في استعمال العلو فيهما من الكلام.

### || [69.23]

# { قطوفها } جمع قطف بكسر القاف وهو ما يجتنى من الثمر زاد بعضهم
~~بسرعة، وكأن ذلك لأنها من شأن القطف بفتح القاف وهو مصدر قطف ولم يجعلوا
~~قطوفها جمعا له لأن المصدر لا يطرد ms10800 جمعه ولقوله تعالى: { دانية } أي
~~قريبة يتناول الرجل منها وهو قائم كما قال البراء بن عازب رضي الله تعالى
~~عنه، وقال بعضهم يدركها القائم والقاعد والمضطجع بفيه من شجرتها، وعليه
~~يجوز أن يكون مراد البراء التمثيل. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه قال:
~~دنت فلا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك وفسر الدنو عليه بسهولة التناول.

### || [69.24]

# { كلوا واشربوا } بإضمار القول أي يقال فيها ذلك، وجمع الضمير
~~رعاية للمعنى { هنيئا } صفة لمحذوف وقع مفعولا به والأصل أكلا
~~وشربا هنيئا أي غير منغصين فحذف المفعول به وأقيمت صفته مقامه وصح جعله
~~صفة لذلك مع تعدده لأن فعيلا يستوي فيه الواحد فما فوقه وجعل بعضهم
~~المحذوف مصدرا وكذا صفته أعني هنيئا ووجه عدم تثنيته بأن المصدر يتناول
~~المثنى أيضا فلا تغفل. وجوز أن يكون نصبا على المصدرية لفعل من لفظه
~~وفعيل من صيغ المصادر كما أنه من صيغ الصفات أي هنئتم هنيئا والجملة في
~~موضع الحال والكلام في مثلها مشهور.

# { بما أسلفتم } بمقابلة ما قدمتم من الأعمال الصالحة { فى
~~الأيام الخالية } أي الماضية وهي أيام الدنيا وقيل أي الخالية
~~من اللذائذ أي الحقيقية وهي أيام الدنيا أيضا وقيل أي التي أخليتموها من
~~الشهوات النفسانية وحمل عليه ما روي عن مجاهد وابن جبير ووكيع من تفسير
~~هذه الأيام بأيام الصيام، وأخرج ابن المنذر عن يعقوب الحنفي قال بلغني
~~أنه إذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى: يا أوليائي طالما نظرت إليكم
~~في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة وغارت أعينكم وخمصت بطونكم فكونوا
~~اليوم في نعيمكم وكلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية،
~~والظاهر أن (ما) على تفسير الأيام الخالية بأيام الصيام غير محمولة على
~~العموم والعموم في الآية هو الظاهر.

### || [69.25-26]

# / لما يرى من قبح العمل وانجلاء الحساب عما يسوءه.

### || [69.27]

# { يليتها } أي الموتة التي متها في الدنيا { كانت القاضية
~~} أي القاطعة لأمري ولم أبعث بعدها ولم ألق ما ألقى فالضمير للموتة الدال
~~عليها المقام وإن لم يسبق لها ذكر، ms10801 ويجوز أن يكون لما شاهده من الحالة أي
~~ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت علي لما أنه وجدها أمر من الموت
~~فتمناه عندها وقد قيل أشد من الموت ما يتمنى الموت عنده، وقد جوز أن يكون
~~للحياة الدنيا المفهومة من السياق أيضا والمراد بالقاضية الموتة فقد
~~اشتهرت في ذلك أي يا ليت الحياة الدنيا كانت الموتة ولم أخلق حيا
~~وبتفسير القاضية بما ذكر اندفع ما قيل إنها تقتضي تجدد أمر ولا تجدد في
~~الاستمرار على العدم نعم هذا الوجه لا يخلو عن بعد.

### || [69.28]

# أي ما أغنى عني شيئا الذي كان لي في الدنيا من المال ونحوه كالأتباع،
~~على أن ما في { مآ أغنى } نافية وما في { ماليه } موصولة فاعل {
~~أغنى } ومفعوله محذوف وليه جار ومجرور في موضع الصلة، ويجوز أن يجعل
~~{ ماليه } عبارة عن مال مضاف إلى ياء المتكلم، والأول أظهر شمولا
~~للأتباع ونحوها إذ لا يتأتى اعتبار ذلك على الثاني إلا باعتبار اللزوم،
~~ويجوز أن تكون ما في { مآ أغنى } استفهامية للإنكار و { ماليه }
~~على احتمالية أي أي شيء أغنى عني مالي.

### || [69.29]

# أي بطلت حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا، وبه فسره ابن عباس ومجاهد
~~والضحاك وعكرمة والسدي وأكثر السلف، أو ملكي وتسلطي على الناس وبقيت
~~فقيرا ذليلا، أو تسلطي على القوى والآلات التي خلقت لي فعجزت عن
~~استعمالها في الطاعات يقول ذلك تحسرا وتأسفا وإلى هذا ذهب قتادة مشيرا
~~إلى وجه اختياره دون الثاني. أخرج عبد بن حميد عنه أنه قال أما والله ما
~~كل من دخل النار كان أمير قرية ولكن الله تعالى خلقهم وسلطهم على أبدانهم
~~وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته، وبما أشار إليه رجح الأول على الثاني
~~أيضا لكن قيل ما بعد أشد مناسبة له وستطلع إن شاء الله تعالى على ذلك.
~~وعن ابن عباس أنها نزلت في الأسود بن عبد الأشد ويحكى عن فناخسرو
~~الملقب بعضد الدولة ابن بويه أنه لما أنشد قوله:

# ليس شرب الكاس إلا في المطر

# وغناء ms10802 من جوار في سحر

# غانيات سالبات للنهى

# ناعمات في تضاعيف الوتر

# مبرزات الكأس من مطلعها

# ساقيات الراح من فاق البشر

# عضد الدولة وابن ركنها

# ملك الأملاك غلاب القدر

# لم يفلح بعده وجن وكان لا ينطلق لسانه إلا بهذه الآية. وفي «يتيمة
~~الثعالبي» أنه لما احتضر لم ينطلق لسانه إلا بتلاوة { مآ أغنى
~~عني ماليه * هلك عني سلطانيه } نسأل الله تعالى
~~العفو والعافية. وروي عن أبي عمرو أنه أدغم هاء السكت من

# ماليه

# [الحاقة: 28] في هاء { هلك } وهو ضعيف قياسا لأن هاء السكت لا تدغم
~~لكون الوقف عليها محققا أو مقدرا كما في «شرح التوضيح» وفيه رواية
~~الإدغام فيما ذكر عن ورش وتعقب بأن المروي عنه إنما هو النقل في كتابيه
~~إني والله تعالى أعلم.

### || [69.30]

# { خذوه } بتقدير القول أي فيقول الله تعالى للزبانية خذوه {
~~فغلوه } أي شدوه بالأغلال.

### || [69.31]

# { ثم الجحيم صلوه } أي لا تصلوه إلا الجحيم وهي النار
~~العظيمة الشديدة التأجج لعظم ما أوتي به من المعصية وهي الكفر بالله
~~تعالى العظيم، وقيل حيث كان يتعظم على الناس وهو مبني على اختصاص ما قبل
~~بالسلاطين بقرينة تعظيم أمره وتنصيص الله تعالى على تعذيبه وأجيب عما
~~يخدشه مما يفهم من كلام قتادة بأنه لا ضير في كونه بيانا لحال بعض من
~~أوتي / كتابه بشماله ومثله ما يأتي إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه:

# ولا يحض

# [الحاقة: 34] الخ فكم من أهل الشمال من لا يكون كذلك وأيضا قد ذكروا أن
~~الجحيم اسم لطبقة من النار فتأمل.

### || [69.32]

# أي قياسها ومقدار طولها { سبعون ذراعا } يجوز أن يراد ظاهره من
~~العدد المعروف والله تعالى أعلم بحكمة كونها على هذا العدد، ويجوز أن
~~يراد به التكثير فقد كثر السبعة والسبعون في التكثير والمبالغة، ورجح
~~بأنه أبلغ من إبقائه على ظاهره. والذراع مؤنث قال ابن الشحنة وقد ذكره
~~بعض عكل فيقال الثوب خمس أذرع وخمسة أذرع والمراد بها المعروفة عند العرب
~~وهي ذراع اليد لأن الله سبحانه إنما خاطبهم بما يعرفون، وقال ابن عباس ms10803
~~وابن جريج ومحمد بن المنكدر ذراع الملك. وأخرج ابن المبارك وجماعة عن نوف
~~البكالي أنه قال وهو يومئذ بالكوفة الذراع سبعون باعا والباع ما بينك
~~وبين مكة ويحتاج إلى نقل صحيح وقال الحسن الله تعالى أعلم بأي ذراع هي.
~~والسلسلة حلق تدخل في حلق على سبيل الطول كأنها من تسلسل الشيء اضطرب
~~وتنوينها للتفخيم وروي عن ابن عباس أنه قال لو وضع منها حلقة على جبل
~~لذاب كالرصاص.

# { فاسلكوه } أي فأدخلوه كما في قوله تعالى

# فسلكه ينابيع في الأرض

# [الزمر: 21] وإدخاله فيها بأن تلف على جسده وتلوى عليه من جميع جهاته
~~فيبقى مرهقا فيما بينها لا يستطيع حراكا ما وعن ابن عباس أن أهل النار
~~يكونون فيها كالثعلب في الجبة والثعلب طرف خشبة الرمح والجبة الزج وأخرج
~~ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال قال ابن عباس إن السلسلة تدخل
~~في إسته ثم تخرج من فيه ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود ثم يشوى
~~وفي رواية أخرى عنهم أنها تسلك في دبره حتى تخرج من منخريه ومن هنا قيل
~~إن في الآية قلبا والأصل فاسكلوها فيه والجمهور على الظاهر.

# والفاء جزائية كما في قوله تعالى:

# وربك فكبر

# [المدثر: 3] والتقدير مهما يكن من شيء فاسلكوه في سلسلة الخ فقدم الظرف
~~وما معه عوضا عن المحذوف ولتتوسط الفاء كما هو حقها وليدل على التخصيص
~~كأنه قيل لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة كأنها أفظع من سائر مواضع الإرهاق
~~من الجحيم، ويجوز أن يكون التقدير هكذا ثم مهما يكن من شيء ففي سلسلة
~~ذرعها سبعون ذراعا اسلكوه ففيه تقديمان تقديم الظرف على الفعل للدلالة
~~على التخصيص وتقديمه على الفاء بعد حذف حرف الشرط للتعويض وتوسيط الفاء
~~و(ثم) في الموضعين لتفاوت ما بين أنواع ما يعذبون به من الغل والتصلية
~~والسلك على ما اختاره جمع. وجوز بعضهم كونها على ظاهرها من الدلالة على
~~المهلة ورجح الأول بأنه أنسب بمقام التهديد وزعم بعض أن ثم الثانية لعطف
~~قول مضمر على ما ms10804 أضمر قبل { خذوه } إشعارا بتفاوت ما بين الأمرين
~~وفاء { فاسلكوه } لعطف المقول على المقول لئلا يتوارد حرفا عطف على
~~معطوف واحد ويلزمه أن يكون تقديم السلسلة على الفاء بعد حذف القول لئلا
~~يلزم التوارد المذكور ومبنى هذا التكلف البادر الغفلة عما ذكرناه فلا
~~تغفل. ويعلم منه وكل ما قيل أنه ليس في الآية ما يفيد التخصيص لأن { في
~~سلسلة } ليس معمولا لاسلكوه لئلا يلزم الجمع بين حرفي عطف بل هو
~~معمول لمحذوف فيقدر مقدما على الأصل على أن تقديم الجحيم كالقرينة على
~~كون { في سلسلة } مقدما على عامله.

### || [69.33]

# تعليل على طريقة الاستئناف للمبالغة كأنه قيل لم أستحق هذا فقيل لأنه
~~كان في الدنيا مستمرا على الكفر بالله تعالى العظيم وقيل أي كان في علم
~~الله تعالى المتعلق بالأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر أنه لا يتصف
~~بالإيمان به عز وجل والأول هو الظاهر. وذكر العظيم للإشارة إلى وجه عظم
~~عذابه وقيل للإشعار بأنه عز وجل المستحق للعظمة فحسب فمن نسبها إلى نفسه
~~استحق أعظم العقوبات.

### || [69.34]

# أي ولا يحث على بذل طعامه الذي يستحقه في مال الموسر ففيه مضاف مقدر لأن
~~الحث إنما يكون على الفعل والطعام ليس / به ويجوز أن يكون الطعام بمعنى
~~الإطعام بوضع الاسم موضع المصدر كالعطاء بمعنى الإعطاء أي ولا يحث على
~~إطعام المسكين فضلا عن أن يبذل ماله فليس هناك مضاف محذوف وقيل ذكر الحض
~~للإشعار بأن تارك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل وما أحسن قول زينب
~~الطثرية ترثي أخاها يزيد:

# إذا نزل الأضياف كان عذورا

# على الحي حتى تستقل مراجله

# تريد حضهم على القرى واستعجالهم وتشاكس عليهم وفيه أوجه من المدح وكان
~~أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه يحض امرأته على تكثير المرق لأجل
~~المساكين ويقول خلعنا نصف السلسلة بالإيمان أفلا نخلع نصفها [الآخر]
~~اقتبس ذلك من الآية فإنه جعل استحقاق السلسلة معللا بعدم الإيمان وعدم
~~الحض وتخصيص الأمرين بالذكر قيل لما أن أقبح العقائد الكفر وأشنع الرذائل
~~البخل وقسوة ms10805 القلب.

# وفي الآية دلالة على أن الكفار مخاطبون بالفروع كالأصول وإلا لم يعاقبوا
~~على ترك الحض على طعام المسكين.

### || [69.35]

# قريب مشفق يحميه ويدفع عنه لأن أولياءه يتحامونه ويفرون منه.

### || [69.36]

# قال اللغويون: هو ما يجري من الجراح إذا غسلت، فعلين من الغسل، وقال
~~ابن عباس في رواية ابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق عكرمة عنه أنه الدم
~~والماء الذي يسيل من لحوم أهل النار، وفي معناه قوله في روايتهما من طريق
~~علي بن أبي طلحة عنه هو صديد أهل النار. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق
~~مجاهد عنه أنه قال ما أدري ما الغسلين ولكني أظنه الزقوم والأكثرون على
~~الأول. وأخرج الحاكم وصححه

# " عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم لو أن دلوا من
~~غسلين يهراق في الدنيا لأنتن بأهل الدنيا "

# وجعله بعضهم متحدا مع الضريع وقال بعضهم هما متباينان وسيأتي الكلام في
~~ذلك إن شاء الله تعالى و { له } خبر { ليس } قال المهدوي ولا يصح أن
~~يكون { ههنا } ولم يبين ما المانع من ذلك وتبعه القرطبي في ذلك وقال
~~لأن المعنى يصير ليس { ههنا } طعام إلا من غسلين ولا يصح ذلك لأن ثم
~~طعاما غيره و { ههنا } متعلق بما في { له } من معنى الفعل انتهى.
~~وتعقب ذلك أبو حيان فقال ((إذا كان ثم غيره من الطعام وكان الأكل أكلا
~~آخر صح الحصر بالنسبة إلى اختلاف الأكلين وأما إن كان الضريع هو الغسلين
~~كما قال بعضهم فلا تناقض بين هذا الحصر والحصر في قوله تعالى

# ليس لهم طعام إلا من ضريع

# [الغاشية: 6] إذ المحصور في الآيتين هو من شيء واحد وإنما يمتنع ذلك من
~~وجه غير ما ذكره وهو أنه إذا جعلنا { ههنا } الخبر كان { له } و {
~~اليوم } متعلقين بما تعلق به الخبر وهو العامل في { ههنا } وهو عامل
~~معنوي فلا يتقدم معموله عليه فلو كان العامل لفظيا جاز كقوله تعالى

# ولم يكن له كفوا أحد

# [الإخلاص: 4] فله متعلق بكفوا وهو خبر ليكن)) اه وفي ms10806 إطلاق العامل
~~المعنوي على متعلق الجار والمجرور المحذوف بحث.

### || [69.37]

# أصحاب الخطايا من خطىء الرجل إذا تعمد الذنب [لا] من الخطأ المقابل
~~للصواب دون المقابل للعمد. والمراد بهم على ما روي عن ابن عباس المشركون.

# وقرأ الحسن والزهري والعتكي وطلحة في رواية (الخاطيون) بياء مضمومة
~~بدلا من الهمزة وقرأ أبو جعفر وشيبة وطلحة في رواية أخرى ونافع بخلاف
~~عنه (الخاطون) بطرح الهمزة بعد إبدالها تخفيفا على أنه من خطىء كقراءة
~~من همز وعن ابن عباس ما يشعر بإنكار ذلك. أخرج الحاكم وصححه من طريق أبي
~~الأسود الدؤلي ويحيى بن يعمر عنه أنه قال ما الخاطون إنما هو الخاطؤن ما
~~الصابون إنما هو الصابئون وفي رواية ما الخاطون كلنا نخطو كأنه يريد أن
~~التخفيف هكذا ليس قياسا وهو ملبس مع ذلك فلا يرتكب. وقيل هو من خطا يخطو
~~فالمراد بهم الذين يتخطون من الطاعة إلى العصيان ومن الحق إلى الباطل
~~ويتعدون حدود الله عز وجل فيكون كناية عن المذنبين أيضا.

# هذا وظواهر هذه الآيات أن المؤمن الطائع يؤتى كتابه بيمينه والكافر يؤتى
~~كتابه بشماله ولم يعلم منها حال الفاسق الذي مات على فسقه من غير توبة بل
~~قيل ليس في القرآن بيان حاله / صريحا وقد اختلف في أمره فجزم الماوردي
~~بأن المشهور أنه يؤتى كتابه بيمينه ثم حكى قولا بالوقف وقال لا قائل
~~بأنه يؤتاه بشماله وقال يوسف بن عمر اختلف في عصاة المؤمنين فقيل يأخذون
~~كتبهم بأيمانهم وقيل بشمالهم واختلف الأولون فقيل يأخذونها قبل الدخول في
~~النار ويكون ذلك علامة على عدم خلودهم فيها وقيل يأخذونها بعد الخروج
~~منها ومن أهل العلم من توقف لتعارض النصوص ومن حفظ حجة على من لم يحفظ
~~والمثبت مقدم على النافي.

# ثم إنه ليس في هذه الآيات تصريح بقراءة العبد كتابه والوارد في ذلك
~~مختلف والذي يجمع الآيات والأحاديث على ما قال اللقاني أن من الآخذين من
~~لم يقرأ كتابه لاشتماله على المخازي والقبائح والجرائم والفضائح فيأخذه
~~بسبب ذلك الدهش والرعب حتى لا يميز ms10807 شيئا كالكافر ومنهم من يقرؤه بنفسه
~~ومنهم من يدعو أهل حاضره لقراءته إعجابا بما فيه وظواهر النصوص أن
~~القراءة حقيقية وقيل مجازية عبر بها عن العلم وليس بشيء ولفظ الحسن يقرأ
~~كل إنسان كتابه أميا كان أو غير أمي.

# وظواهر الآثار أن الحسنات تكتب متميزة من السيئات فقيل إن سيئات المؤمن
~~أول كتابه وآخره هذه ذنوبك قد سترتها وغفرتها وإن حسنات الكافر أول كتابه
~~وآخره هذه حسناتك قد رددتها عليك وما قبلتها وقيل يقرأ المؤمن سيآت نفسه
~~ويقرأ الناس حسناته حتى يقولوا ما لهذا العبد سيئة ويقول مالي حسنة وقيل
~~كل يقرأ حسناته وسيآته وأول سطر من كتاب المؤمن أبيض فإذا قرأه ابيض وجهه
~~والكافر على ضد ذلك.

# وظواهر الآيات والأحاديث عدم اختصاص إيتاء الكتب بهذه الأمة وإن تردد
~~فيه بعض العلماء لما في بعضها مما يشعر بالاختصاص ففي حديث رواه أحمد

# " عن أبي الدرداء أنه عليه الصلاة والسلام قال - وقد قال له رجل كيف
~~تعرف أمتك من بين الأمم فيما بين نوح عليه السلام إلى أمتك يا رسول الله
~~- هم غر محجلون من أثر الوضوء ليس أحد كذلك غيرهم وأعرفهم أنهم يؤتون
~~كتبهم بأيمانهم "

# الحديث وقد تقدم فتذكر.

# والحق أن الجن في هذه الأمور حكمهم حكم الإنس على ما بحثه القرطبي وصرح
~~به غيره. نعم الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام لا يأخذون كتابا
~~بل إن السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ومنهم أبو بكر رضي
~~الله تعالى عنه لا يأخذون أيضا كتابا.

# وأول من يؤتى كتابه بيمينه فله شعاع كشعاع الشمس عمر بن الخطاب رضي الله
~~تعالى عنه كما في الحديث وبعده أبو سلمة بن عبد الأشد وأول من يأخذ كتابه
~~بشماله أخوه الأسود بن عبد الأشد الذي مر ذكره غير بعيد.

# والآثار في كيفية وصول الكتب إلى أيدي أصحابها مختلفة فقد ورد أن الريح
~~تطيرها من خزانة تحت العرش فلا تخطىء صحيفة عنق صاحبها وورد أن كل أحد
~~يدعى فيعطى كتابه وجمع بأخذ الملائكة عليهم السلام إياها ms10808 من أعناقهم
~~ووضعهم لها في أيديهم والله تعالى أعلم وتمام الكلام في هذا المقام يطلب
~~من محله.

### || [69.38-39]

# قد تقدم الكلام في

# فلا أقسم بمواقع النجوم

# [الواقعة: 75] وما تبصرون وما لا تبصرون - المشاهدات والمغيبات وإليه
~~يرجع قول قتادة - هو عام في جميع مخلوقاته عز وجل، وقال عطاء: ما تبصرون
~~من آثار القدرة، وما لا تبصرون من أسرار القدرة وقيل الأجسام والأرواح،
~~وقيل الدنيا والآخرة، وقيل الإنس والجن والملائكة، وقيل الخلق والخالق،
~~وقيل النعم الظاهرة والباطنة والأول شامل لجميع ما ذكر. وسبب النزول -
~~على ما قال مقاتل: ان الوليد قال - ان محمدا صلى الله عليه وسلم ساحر
~~وقال أبو جهل شاعر وقال عتبة كاهن فرد الله تعالى عليهم بقوله سبحانه: {
~~فلا أقسم } الخ.

### || [69.40]

# { إنه } أي القرآن { لقول رسول } يبلغه عن الله تعالى فإن
~~الرسول لا يقول عن نفسه { كريم } على الله عز وجل وهو النبي صلى الله
~~عليه وسلم في قول الأكثرين، وقال ابن السائب ومقاتل وابن قتيبة: هو جبريل
~~عليه السلام.

### || [69.41]

# قوله تعالى: { وما هو بقول شاعر } الخ قيل دليل لما قاله
~~الأكثرون لأن المعنى على إثبات أنه / عليه الصلاة والسلام رسول لا شاعر
~~ولا كاهن كما يشعر بذلك سبب النزول وتوضيح ذلك أنهم ما كانوا يقولون في
~~جبريل عليه السلام أنه كذا وكذا وإنما كانوا يقولونه في النبي صلى الله
~~عليه وسلم فلو أريد برسول كريم جبريل عليه السلام لفات التقابل ولم يحسن
~~العطف كما تقول إنه لقول عالم وما هو بقول جاهل ولو قلت وما هو بقول شجاع
~~نسبت إلى ما تكره. وتعقبه بعض الأئمة بأن هذا صحيح إن سلم أن المعنى على
~~إثبات رسول لا شاعر ويكون قوله تعالى: إنه لقول رسول لا قول شاعر إثباتا
~~للرسالة على طريق الكناية، أما إذا جعل المقصود من السياق إثبات حقية
~~المنزل وأنه من الله عز وجل فإنه تذكرة لهؤلاء وحسرة لمقابليهم وهو في
~~نفسه صدق ويقين لا يحوم حوله شك كما يدل عليه ما بعد فللقول الثاني ms10809 أيضا
~~موقع حسن، وكأنه قيل إن هذا القرآن لقول جبريل الرسول الكريم وما هو من
~~تلقاء محمد صلى الله عليه وسلم كما تزعمون وتدعون أنه شاعر وكاهن ويكون
~~قد نفى عنه صلى الله عليه وسلم الشعر والكهانة على سبيل الإدماج انتهى
~~وهو تحقيق حسن.

# { قليلا ما تؤمنون } أي تصدقون تصديقا قليلا على أن {
~~قليلا } صفة للمفعول المطلق لتؤمنون و(ما) مزيدة للتأكيد. والقلة
~~بمعناها الظاهر لأنهم لظهور صدقه صلى الله عليه وسلم لزم تصديقهم له عليه
~~الصلاة والسلام في الجملة وإن أظهروا خلافه عنادا وأبوه تمردا
~~بألسنتهم. وحمل الزمخشري القلة على العدم والنفي أي لا تؤمنون البتة ولا
~~كلام فيه سوى أنه دون الأول في الظهور. وقال أبو حيان لا يراد بقليلا
~~هنا النفي المحض كما زعم فذلك لا يكون إلا في أقل نحو أقل رجل يقول
~~كذا إلا زيد وفي قل نحو قل رجل يقول كذا إلا زيد، وقد يكون في قليل
~~وقليلة إذا كانا مرفوعين نحو ما جوزوا في قوله:

# أنيخت فالقت بلدة فوق بلدة

# قليل بها الأصوات الابغامها

# أما إذا كان منصوبا نحو قليلا ضربت أو قليلا ما ضربت على أن تكون
~~(ما) مصدرية فإن ذلك لا يجوز لأنه في قليلا ضربت منصوب بضربت ولم تستعمل
~~العرب قليلا إذا انتصب بالفعل نفيا بل مقابلا للكثير وأما في قليلا
~~ما ضربت على أن تكون (ما) مصدرية فيحتاج إلى رفع قليل لأن (ما) المصدرية
~~في موضع رفع على الابتداء اه. وأنت تعلم أن مثل ذلك لا يسمع على مثل
~~الزمخشري بغير دليل فإن الظاهر أنه ما قال ما قال إلا عن وقوف وهو فارس
~~ميدان العربية.

# وجوز كونه صفة لزمان محذوف أي زمانا قليلا تؤمنون وذلك على ما قيل إذا
~~سئلوا من خلقهم أو من خلق السموات والأرض فإنهم يقولون حينئذ الله
~~تعالى. وقال ابن عطية نصب { قليلا } بفعل مضمر يدل عليه { تؤمنون
~~} ويحتمل أن تكون (ما) نافية فينتفي إيمانهم البتة، ويحتمل أن تكون
~~مصدرية وما يتصف بالقلة هو الإيمان ms10810 اللغوي وقد صدقوا بأشياء يسيرة لا
~~تغني عنهم شيئا ككون الصلة والعفاف اللذين كانا يأمر بهما عليه الصلاة
~~والسلام حقا وصوابا اه. وتعقب بأنه لا يصح نصب { قليلا } بفعل مضمر
~~دال عليه { تؤمنون } لأنه إما أن تكون (ما) المقدرة معه نافية
~~فالفعل المنفي بما لا يجوز حذفه وكذا حذف (ما) فلا يجوز زيدا ما أضربه
~~على تقدير ما أضرب زيدا ما أضربه، وإن كانت مصدرية كانت إما في موضع رفع
~~على الفاعلية بقليلا أي قليلا إيمانكم ويرد عليه لزوم عمله من غير تقدم
~~ما يعتمد عليه ونصبه لا ناصب له وإما في موضع رفع على الابتداء ويرد عليه
~~لزوم كونه مبتدأ بلا خبر لأن ما قبله منصوب لا مرفوع فتأمل.

# وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بخلاف عنهما والحسن والجحدري {
~~يؤمنون } بالياء التحتية على الالتفات.

### || [69.42]

# { ولا بقول كاهن } كما تدعون مرة أخرى { قليلا ما
~~تذكرون } أي تذكرون تذكرا قليلا فلذلك يلتبس الأمر عليكم. وتمام
~~الكلام فيه إعرابا كالكلام فيما قبله وكذا القراءة. وذكر الإيمان مع نفي
~~الشاعرية والتذكر مع نفي الكاهنية قيل لما أن عدم مشابهة القرآن الشعر
~~أمر بين لا ينكره إلا معاند فلا / عذر لمدعيها في ترك الإيمان وهو أكفر
~~من حمار بخلاف مباينته للكهانة فإنها تتوقف على تذكر أحواله صلى الله
~~عليه وسلم ومعاني القرآن المنافية لطريق الكهنة ومعاني أقوالهم. وتعقب
~~بأن ذلك أيضا مما يتوقف على تأمل قطعا. وأجيب بأنه يكفي في الغرض الفرق
~~بينهما أن توقف الأول دون توقف الثاني.

### || [69.43]

# { تنزيل } أي هو تنزيل { من رب العلمين } نزله سبحانه على
~~لسان جبريل عليه السلام. وقرأ أبو السمال (تنزيلا) بالنصب بتقدير نزله
~~تنزيلا.

### || [69.44]

# التقول الافتراء وسمي تقولا لأنه قول متكلف، والأقاويل الأقوال
~~المفتراة وهي جمع قول على غير القياس أو جمع أقوال فهو جمع الجمع كأناعيم
~~جمع أنعام وأبابيت جمع أبيات. وفي «الكشاف» سمي الأقوال المتقولة أقاويل
~~تصغيرا لها وتحقيرا كقولك الأعاجيب والأضاحيك كأنها جمع أفعولة من
~~القول. وتعقبه ابن المنير بأن ms10811 أفعولة من القول غريب عن القياس التصريفي.
~~وأجيب بأنه غير وارد لأن مراده أنه جمع لمفرد غير مستعمل لأنه لا وجه
~~لاختصاصه بالافتراء غير ما ذكر والأحسن أن يقال بمنع اختصاصه وضعا وأنه
~~جمع على ما سمعت والتحقير جاء من السياق والمراد لو ادعى علينا شيئا لم
~~نقله.

### || [69.45]

# { لأخذنا منه } أي لأمسكناه وقوله تعالى: { باليمين } أي
~~بيان بيمينه بعد الإبهام كما في قوله سبحانه:

# ألم نشرح لك صدرك

# [الشرح: 1].

### || [69.46]

# أي وتينه وهو كما قال ابن عباس نياط القلب الذي إذا انقطع مات صاحبه وعن
~~مجاهد أنه الحبل الذي في الظهر وهو النخاع وقال الكلبي هو عرق بين
~~العلباء وهي عصب العنق والحلقوم وقيل عرق غليظ تصادفه شفرة الناحر ومنه
~~قول الشماخ بن ضرار:

# إذا بلغتني وحملت رحلي

# عرابة فاشرقي بدم الوتين

# وهذا تصوير للإهلاك بأفظع ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه وهو أن يأخذ
~~القتال بيمينه ويكفحه بالسيف ويضرب عنقه. وعن الحسن أن المعنى لقطعنا
~~يمينه ثم لقطعنا وتينه عبرة ونكالا والباء عليه زائدة وعن ابن عباس أن
~~اليمين بمعنى القوة والمراد أخذ بعنف وشدة. وضعف بأن فيه ارتكاب مجاز من
~~غير فائدة وأنه يفوت فيه التصوير والتفصيل والإجمال ويصير { منه }
~~زائدا فلا فائدة فيه.

# وقرأ ذكوان وابنه محمد { ولو يقول } [الحاقة: 44] مضارع قال وقرىء
~~(ولو تقول) مبنيا للمفعول فنائب الفاعل { بعض } إن كان قد قرىء مرفوعا
~~وإن كان قد قرىء منصوبا فهو { علينا }.

### || [69.47]

# { فما منكم } أيها الناس { من أحد عنه } أي عن هذا الفعل
~~وهو القتل { حجزين } أي مانعين يعني فما يمنع أحد عن قتله واستظهر
~~عود ضمير (عنه) لمن عاد عليه ضمير

# تقول

# [الحاقة: 44] والمعنى فما يحول أحد بيننا وبينه والظاهر في (حاجزين) أن
~~يكون خبرا لما على لغة الحجازيين لأنه هو محط الفائدة و(من) زائدة
~~و(أحد) اسمها و(منكم) قيل في موضع الحال منه لأنه لو تأخر لكان صفة له
~~فلما تقدم أعرب حالا كما هو الشائع في نعت النكرة إذا تقدم عليها ونظر
~~في ms10812 ذلك، وقيل للبيان أو متعلق بحاجزين كما تقول ما فيك زيد راغبا ولا
~~يمنع هذا الفصل من انتصاب خبر (ما) وقال الحوفي وغيره: إن (حاجزين) نعت
~~لأحد وجمع على المعنى لأنه في معنى الجماعة يقع في النفي العام للواحد
~~والجمع والمذكر والمؤنث ومنه

# لا نفرق بين أحد من رسله

# [البقرة: 285] و

# لستن كأحد من النسآء

# [الأحزاب: 32] فأحد مبتدأ والخبر (منكم) وضعف هذا القول بأن النفي يتسلط
~~على الخبر وهو كينونته منكم فلا يتسلط على الحجز مع أنه الحقيق بتسلطه
~~عليه.

### || [69.48]

# { وإنه } أي القرآن { لتذكرة للمتقين } لأنهم
~~المنتفعون به.

### || [69.49]

# فنجازيهم على تكذيبهم، وقيل الخطاب للمسلمين والمعنى إن منهم ناسا
~~سيكفرون بالقرآن.

### || [69.50]

# { وإنه } أي القرآن { لحسرة } عظيمة { على الكفرين }
~~عند مشاهدتهم لثواب المؤمنين وقال مقاتل وان تكذيبهم بالقرآن لحسرة عليهم
~~فأعاد الضمير للمصدر المفهوم من قوله تعالى

# مكذبين

# [الحاقة: 49] والأول أظهر.

### || [69.51]

# { وإنه } أي القرآن { لحق اليقين } أي لليقين حق اليقين
~~والمعنى لعين اليقين فهو على نحو عين الشيء ونفسه والإضافة بمعنى اللام
~~على ما صرح به في «الكشف» وجوز أن تكون الإضافة فيه على معنى من أي الحق
~~الثابت من اليقين وقد تقدم في الواقعة ما ينفعك هنا فتذكره. وذكر بعض
~~الصوفية قدست أسرارهم أن أعلى مراتب العلم حق اليقين ودونه عين اليقين
~~ودونه علم اليقين فالأول كعلم العاقل بالموت إذا ذاقه والثاني كعلمه به
~~عند معاينة ملائكته عليهم السلام والثالث كعلمه به في سائر أوقاته وتمام
~~الكلام في ذلك يطلب من كتبهم.

### || [69.52]

# أي فسبح الله تعالى بذكر اسمه العظيم تنزيها له عن الرضا بالتقول عليه
~~وشكرا على ما أوحي إليك من هذا القرآن الجليل الشأن وقد مر نحو هذا في
~~الواقعة أيضا فارجع إليه إن أردت والله تعالى الموفق.

### | [70 - سورة المعارج]

### || [70.1]

# أي دعا داع به فالسؤال بمعنى الدعاء ولذا عدي بالباء تعديته بها في قوله
~~تعالى:

# يدعون فيها بكل فكهة

# [الدخان: 55] والمراد استدعاء العذاب وطلبه وليس من التضمين في شيء،
~~وقيل الفعل مضمن معنى ms10813 الاهتمام والاعتناء أو هو مجاز عن ذلك فلذا عدي
~~بالباء، وقيل إن الباء زائدة وقيل إنها بمعنى عن كما في قوله تعالى:

# فاسأل به خبيرا

# [الفرقان: 59] والسائل هو النضر بن الحرث كما روى النسائي وجماعة وصححه
~~الحاكم عن ابن عباس وروي ذلك عن ابن جريج والسدي والجمهور حيث قال
~~إنكارا واستهزاء

# اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر
~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم

# [الأنفال: 32] وقيل هو أبو جهل حيث قال

# فأسقط علينا كسفا من السمآء

# [الشعراء: 187] وقيل هو الحرث بن النعمان الفهري وذلك أنه لما بلغه قول
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي كرم الله تعالى وجهه «من كنت مولاه
~~فعلي مولاه» قال اللهم إن كان ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم حقا
~~فأمطر علينا حجارة من السماء فما لبث حتى رماه الله تعالى بحجر فوقع على
~~دماغه فخرج من أسفله فهلك من ساعته. وأنت تعلم أن ذلك القول منه عليه
~~الصلاة والسلام في أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه كان في غدير خم
~~وذلك في أواخر سني الهجرة فلا يكون ما نزل مكيا على المشهور في تفسيره
~~وقد سمعت ما قيل في مكية هذه السورة. وقيل هو الرسول صلى الله عليه وسلم
~~استعجل عذابهم وقيل هو نوح عليه السلام سأل عذاب قومه.

# وقرأ نافع وابن عامر (سال) بألف كقال (سايل) بياء بعد الألف فقيل يجوز
~~أن يكون قد أبدلت همزة الفعل ألفا وهو بدل على غير قياس وإنما قياس هذا
~~بين بين ويجوز أن يكون على لغة من قال سلت أسال حكاها سيبويه. وفي
~~«الكشاف» هو من السؤال وهو لغة قريش يقولون سلت تسال وهم يتسايلان وأراد
~~أنه من السؤال المهموز معنى لاشتقاقا بدليل وهما يتسايلان وفيه دلالة
~~على أنه أجوف يائي وليس من تخفيف الهمزة في شيء. وقيل السوال بالواو
~~الصريحة مع ضم السين وكسرها وقوله يتسايلان صوابه يتساولان فتكون ألفه
~~منقلبة عن واو كما في قال وخاف وهو الذي ms10814 ذهب إليه أبو علي في «الحجة»
~~وذكر فيها أن أبا عثمان حكى عن أبي زيد أنه سمع من / العرب من يقول هما
~~يتساولان ثم إن في دعوى كون سلت تسال لغة قريش ترددا والظاهر خلاف ذلك
~~وأنشدوا لورود سال قول حسان يهجو هذيلا لما سألوا النبي صلى الله عليه
~~وسلم أن يبيح لهم الزنا:

# سالت هذيل رسول الله فاحشة

# ضلت هذيل بما قالت ولم تصب

# وقول آخر:

# سالتاني الطلاق أن رأتاني

# قل مالي قد جئتماني بنكر

# وجوز أن يكون سال من السيلان وأيد بقراءة ابن عباس (سال سيل) فقد قال
~~ابن جني السيل ههنا الماء السائل وأصله المصدر من قولك سال الماء سيلا
~~إلا أنه أوقع على الفاعل كما في قوله تعالى:

# إن أصبح ماؤكم غورا

# [الملك: 30] أي غائرا وقد تسومح في التعبير عن ذلك بالوادي فقيل المعنى
~~اندفع واد بعذاب واقع والتعبير بالماضي قيل للدلالة على تحقق وقوع العذاب
~~إما في الدنيا وهو عذاب يوم بدر وقد قتل يومئذ النضر وأبو جهل واما في
~~الآخرة وهو عذاب النار وعن زيد بن ثابت أن سائلا اسم واد في جهنم وأخرج
~~ابن المنذر وعبد بن حميد عن ابن عباس ما يحتمله.

### || [70.2]

# { للكفرين } صفة أخرى لعذاب أي كائن للكافرين أو صلة لواقع
~~واللام للتعليل أو بمعنى على ويؤيده قراءة أبي (على الكافرين) وإن صح ما
~~روي عن الحسن وقتادة أن أهل مكة لما خوفهم النبي صلى الله عليه وسلم
~~بعذاب سألوا عنه على من ينزل وبمن يقع فنزلت كان هذا ابتداء كلام جوابا
~~للسائل أي هو للكافرين وقوله تعالى: { ليس له دافع } صفة أخرى
~~لعذاب أو حال منه لتخصيصه بالصفة أو بالعمل أو من الضمير في {
~~للكفرين } على تقدير كونه صفة لعذاب على ما قيل أو استئناف أو
~~جملة مؤكدة لهو للكافرين على ما سمعت آنفا فلا تغفل.

### || [70.3]

# وقوله تعالى: { من الله } متعلق بدافع و(من) ابتدائية، أي ليس له
~~دافع يرده من جهته عز وجل لتعلق إرادته سبحانه به، وقيل ms10815 متعلق بواقع فقيل
~~إنما يصح على غير قول الحسن وقتادة وعليه يلزم الفصل بالأجنبي لأن

# للكفرين

# [المعارج: 2] على ذلك جواب سؤال ثم إن التعلق بواقع على ما عدا قولهما
~~إن جعل { للكفرين } من صلته أيضا كان أظهر وإلا لزم الفصل بين
~~المعمول وعامله بما ليس من تتمته لكن ليس أجنبيا من كل وجه.

# { ذي المعارج } هي لغة الدرجات والمراد بها على ما روي عن ابن
~~عباس السماوات تعرج فيها الملائكة من سماء إلى سماء ولم يعينها بعضهم
~~فقال أي ذي المصاعد التي تصعد فيها الملائكة بالأوامر والنواهي. وقيل هي
~~مقامات معنوية تكون فيها الأعمال والأذكار أو مراتب في السلوك كذلك يترقى
~~فيها المؤمنون السالكون أو مراتب الملائكة عليهم السلام. وأخرج عبد بن
~~حميد عن قتادة تفسيرها بالفضائل والنعم. وروى نحوه ابن المنذر وابن أبي
~~حاتم عن ابن عباس. وقيل هي الغرف التي جعلها الله تعالى لأوليائه في
~~الجنة والأنسب بما يقتضيه المقام من التهويل ما هو أدل على عزه عز وجل
~~وعظم ملكوته تعالى شأنه.

### || [70.4]

# { تعرج الملئكة والروح } أي جبريل عليه السلام كما ذهب
~~إليه الجمهور أفرد بالذكر لتميزه وفضله بناء على المشهور من أنه عليه
~~السلام أفضل الملائكة، وقيل لمجرد التشريف وإن لم يكن عليه السلام أفضلهم
~~بناء على ما قيل من أن إسرافيل عليه السلام أفضل منه. وقال مجاهد الروح
~~ملائكة حفظة للملائكة الحافظين لبني آدم لا تراهم الحفظة كما لا نرى نحن
~~حفظتنا، وقيل خلق هم حفظة الملائكة مطلقا كما أن الملائكة حفظة الناس،
~~وقيل ملك عظيم الخلقة يقوم وحده يوم القيامة صفا ويقوم الملائكة كلهم
~~صفا، وقال أبو صالح خلق كهيئة الناس وليسوا بالناس، وقال قبيصة بن ذؤيب
~~روح الميت حين تقبض ولعله أراد الميت المؤمن.

# وقرأ عبد الله والكسائي وابن مقسم وزائدة عن الأعمش (يعرج) بالياء
~~التحتية.

# { إليه } قيل أي إلى عرشه تعالى وحيث يهبط منه أوامره سبحانه وقيل
~~هو من قبيل قول إبراهيم عليه السلام

# إني ذاهب إلى ربي

# [الصافات: 99] أي إلى / حيث ms10816 أمرني عز وجل به وقيل المراد إلى محل بره
~~وكرامته جل وعلا على أن الكلام على حذف مضاف وقيل إلى المكان المنتهي
~~إليه الدال عليه السياق وفسر بمحل الملائكة عليهم السلام من السماء ومعظم
~~السلف يعدون ذلك من المتشابه مع تنزيهه عز وجل عن المكان والجسمية
~~واللوازم التي لا تليق بشأن الألوهية. وقوله تعالى: { فى يوم كان
~~مقداره خمسين ألف سنة } أي من سنينكم. الظاهر تعلقه
~~بتعرج، واليوم بمعنى الوقت والمراد به مقدار ما يقوم الناس فيه لرب
~~العالمين إلى أن يستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار من اليوم
~~الآخر والذي لا نهاية له ويشير إلى هذا ما أخرج الإمام أحمد وابن حبان
~~وأبو يعلى وابن جرير والبيهقي في «البعث»

# " عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال سئل رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم عن يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ما أطول هذا اليوم فقال عليه
~~الصلاة والسلام والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون عليه
~~من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا "

# واختلف في المراد بهذا التقدير على هذا الوجه فقيل الإشارة إلى استطالة
~~ذلك اليوم لشدته لا أنه بهذا المقدار من العدد حقيقة وروي هذا عن ابن
~~عباس، والعرب تصف أوقات الشدة والحزن بالطول وأوقات الرخاء والفرح بالقصر
~~ومن ذلك قول الشاعر:

# من قصر الليل إذا زرتني

# أشكو وتشكين من الطول

# وقوله:

# ليلى وليلى نفي نومي اختلافهما

# بالطول والطول يا طوبى لو اعتدلا

# يجود بالطول ليلي كلما بخلت

# بالطول ليلى وإن جادت به بخلا

# وقوله:

# ويوم كظل الرمح قصر طوله

# دم الزق عنا واصطفاق المزاهر

# إلى ما لا يكاد يحصى وفي قوله عليه الصلاة والسلام في الخبر السابق «إنه
~~ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من صلاة مكتوبة» إشارة إلى هذا وكذا
~~ما روي عن عبد الله بن عمر من قول يوضع للمؤمنين يومئذ كراسي من ذهب
~~ويظلل عليهم الغمام ويقصر عليهم ذلك اليوم ويهون حتى يكون كيوم من ms10817 أيامكم
~~هذه، ولينظر على هذا القول ما حكمة التنصيص على العدد المذكور. وقيل هو
~~على ظاهره وحقيقته وإن في ذلك اليوم خمسين موطنا كل موطن ألف سنة من سني
~~الدنيا أي حقيقة. وقيل الخمسون على حقيقتها إلا أن المعنى مقدار ما يقضي
~~فيه من الحساب قدر ما يقضى بالعدل في خمسين ألف سنة من أيام الدنيا وهو
~~مروي عن عكرمة وأشار بعضهم إلى أن المقدار المذكور عليه مجاز عما يلزمه
~~من كثرة ما يقع فيه من المحاسبات أو كناية فكأنه قيل في يوم يكثر فيه
~~الحساب ويطول بحيث لو وقع من غير أسرع الحاسبين وفي الدنيا طال إلى خمسين
~~ألف سنة.

# وتخصيص عروج الملائكة والروح بذلك اليوم مع أن عروجهم متحقق في غيره
~~أيضا للإشارة إلى عظم هوله وانقطاع الخلق فيه إلى الله عز وجل وانتظارهم
~~أمره سبحانه فيهم أو للإشارة إلى عظم الهول على وجه آخر وأيا ما كان
~~فالجملة استئناف مؤكد لما سيق له الكلام، وقيل هو متعلق بواقع وقيل بدافع
~~وقيل بسال إذا جعل من السيلان لا به من السؤال لأنه لم يقع فيه.

# والمراد باليوم على هذه الأقوال ما أريد به فيما سبق و { تعرج
~~الملئكة والروح إليه } مستطرد عند وصفه عز وجل بذي
~~المعارج. وقيل هو متعلق بتعرج كما هو الظاهر إلا أن العروج في الدنيا
~~والمعنى تعرج الملائكة والروح إلى عرشه تعالى ويقطعون في يوم من أيامكم
~~ما يقطعه الإنسان في خمسين ألف سنة لو فرض سيره فيه وروي عن ابن إسحق
~~ومنذر بن سعيد ومجاهد وجماعة وهو رواية عن ابن عباس أيضا.

# واختلف في تحديد المسافة فقيل هي من وجه الأرض إلى منتهى العرش وقيل من
~~قعر الأرض السابعة السفلى إلى العرش وفصل بأن / ثخن كل أرض خمسمائة عام
~~وبين كل أرضين خمسمائة عام وبين الأرض العليا والسماء الدنيا خمسمائة عام
~~وثخن كل سماء كذلك وما بين كل سماءين كذلك وما بين السماء العليا ومقعر
~~الكرسي كذلك ومجموع ذلك أربعة عشر ألف عام ms10818 ومن مقعر الكرسي إلى العرش
~~مسيرة ست وثلاثين ألف عام فالمجموع خمسون ألف سنة. وفي خبر أخرجه ابن
~~أبي حاتم عن ابن عباس نحوه ولعله لا يصح وإن لم تبعد هذه السرعة من
~~الملائكة عليهم السلام عند من وقف على سرعة حركة الأضواء وعلم أن الله عز
~~وجل على كل شيء قدير.

# ومن الناس من اعتبر هذه المدة من الأرض إلى العرش عروجا وهبوطا
~~واعتبرها كذلك من الأرض إلى مقعر السماء الدنيا في قوله سبحانه

# يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج
~~إليه في يوم كان مقداره ألف سنة

# [السجدة: 5] ومن يعتبر أحد الأمرين يعتبر هنا محدب السماء الدنيا والأرض
~~وسيأتي إن شاء الله تعالى ما للمتصوفة في ذلك.

# وقيل الكلام بيان لغاية ارتفاع تلك المعارج وبعد مداها على سبيل التمثيل
~~والتخييل والمراد أنها في غاية البعد والارتفاع المعنوي على بعض الأوجه
~~في المعارج أو الحسي كما في بعض آخر وليس المراد التحديد وعن عكرمة أن
~~تلك المدة هي مدة الدنيا منذ خلقت إلى أن تقوم الساعة إلا أنه لا يدري
~~أحد ما مضى منها وما بقي أي تعرج الملائكة إليه في مدة الدنيا وبقاء هذه
~~البنية وهذا يحتاج إلى نقل صحيح والظاهر أنه أراد بالدنيا ما يقابل
~~الأخرى ويشمل العرش ونحوه ويرد عليه أن ما ورد عن علي كرم الله تعالى
~~وجهه جوابا لمن سأله متى خلق الله تعالى العرش؟ يكذبه فإنه يدل على أن
~~ما مضى من أول زمن خلقه إلى اليوم يزيد على خمسين ألف سنة بألوف ألوف
~~سنين لا يحصيها إلا الله عز وجل ولعله أولى بالقبول مما قاله عكرمة والحق
~~أنه لا يعلم مبدأ الخلق ولا مدة بقاء هذه البنية إلا الله عز وجل بيد أنا
~~نعلم بتوفيق الله تعالى أن هذا العالم حادث حدوثا زمانيا وأنه ستبدل
~~الأرض غير الأرض والسماوات وتبرز الخلائق لله تعالى الواحد القهار.

### || [70.5]

# متفرع على قوله تعالى

# سأل سآئل

# [المعارج: 1] ومتعلق به تعلقا معنويا لأن السؤال كان عن ms10819 استهزاء وتعنت
~~وتكذيب بناء على أن السائل النضر وأضرابه وذلك مما يضجره عليه الصلاة
~~والسلام أو كان عن تضجر واستبطاء للنصر بناء على أنه صلى الله عليه وسلم
~~هو السائل فكأنه قيل فاصبر ولا تستعجل فإن الموعود كائن لا محالة والمعنى
~~على هذا أيضا على قراءة من قرأ (سال سائل) من السيلان كقراءة (سال سيل)
~~ولا يظهر تفرعه على سأل من السؤال إن كان السائل نوحا عليه السلام.
~~والصبر الجميل على ما أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» عن ابن
~~عباس ما لا شكوى فيه إلى أحد غير الله تعالى. وأخرج عن عبد الأعلى بن
~~الحجاج أنه ما يكون معه صاحب المصيبة في القوم بحيث لا يدري من هو.

### || [70.6]

# { إنهم يرونه } أي العذاب الواقع أو اليوم المذكور في قوله
~~تعالى

# في يوم كان مقداره

# [المعارج: 4] الخ بناء على أن المراد به يوم الحساب متعلقا بتعرج على
~~ما سمعت أولا أو بدافع أو بواقع أو بسال من السيلان أو يوم القيامة
~~المدلول عليه بواقع على وجه فما يدل عليه كلام «الكشاف» من تخصيص عود
~~الضمير إلى يوم القيامة بما إذا كان

# في يوم

# [المعارج: 4] متعلقا بواقع فيه بحث. ومعنى { يرونه } يعتقدونه {
~~بعيدا } أي من الإمكان والمراد أنهم يعتقدون أنه محال أو من الوقوع
~~والمراد أنهم يعتقدون أنه لا يقع أصلا وإن كان ممكنا ذاتا وكلام كفار
~~أهل مكة بالنسبة إلى يوم القيامة والحساب محتمل للأمرين بل ربما تسمعهم
~~يتكلمون بما يكاد يشعر بوقوعه حيث يزعمون أن آلهتهم تشفع لهم فهم متلونون
~~في أمره تلون الحرباء. والعذاب إن أريد به عذاب يوم القيامة فهو كيوم
~~القيامة عندهم أو أنه لا يقع بالنسبة إليهم مطلقا لزعمهم دفع آلهتهم
~~إياه عنهم وإن أريد به عذاب الدنيا فالظاهر أنهم لا ينفون إمكانه وإنما
~~ينفون وقوعه ولا تكاد تتم دعوى أنهم ينفون إمكانه الذاتي.

### || [70.7]

# أي من الإمكان والتعبير به للمشاكلة كما قيل / بها في نراه إذ هو ممكن
~~ولا معنى لوصف الممكن بالقرب من ms10820 الإمكان لدخوله في حيزه، والمراد وصفه
~~بالإمكان أي ونراه ممكنا وهذا على التقدير الأول في

# يرونه بعيدا

# [المعارج: 6] أو نراه قريبا من الوقوع وهذا على التقدير الثاني فيه وقد
~~يقال كذلك على الأول أيضا على معنى أنهم يرونه بعيدا من الإمكان ونحن
~~نراه قريبا من الوقوع فضلا عن الإمكان ولعله أولى من تقدير الإمكان في
~~الجملتين وجملة { إنهم } الخ تعليل للأمر بالصبر وقيل إن كان
~~المستعجل هو النضر وأضرابه فهي مستأنفة بيانا لشبهة استهزائهم وجوابا
~~عنه وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم فهي تعليل لما ضمن الأمر بالصبر
~~من ترك الاستعجال بأن رؤيتنا ذلك قريبا توجب الوثوق وترك الاستعجال.

### || [70.8]

# وقوله سبحانه: { يوم تكون السماء كالمهل } قيل متعلق
~~بقريبا أو بمضمر يدل عليه

# واقع

# [المعارج: 1] وهو يقع أو بدل عن

# في يوم

# [المعارج: 4] إن علل به دون { تعرج } والنصب باعتبار أن محل الجار
~~والمجرور ذلك إذ ليس بدلا عن المجرور وحده فاشتراط أبي حيان لمراعاة
~~المحل كون الجار زائدا أو شبهه كرب غير صحيح ولا يحتاج تصحيح البدلية
~~إلى التزام كون حركة { يوم } بنائية بناء على مذهب الكوفيين المجوزين
~~لذلك وإن أضيف لمعرب وذكر أنه على هذه التقادير الثلاث المراد بالعذاب
~~عذاب القيامة وأما إذا أريد عذاب الدنيا فيتعين أن يكون التقدير يوم تكون
~~السماء يكون كيت وكيت وكأنهم لما استعجلوا العذاب أجيبوا بأزف الوقوع ثم
~~قيل ليهن ذلك في جنب ما أعد لكم يوم تكون السماء كالمهل فحينئذ يكون
~~العذاب الذي هو العذاب ثم لا يخفى أن البدلية ممكنة على تقدير تعلق { في
~~يوم } بتعرج أيضا بناء على أن المراد به يوم القيامة أيضا كما قدمنا
~~وأن الأولى عند تعلقه بقريبا أن لا يراد من القرب من الإمكان الإمكان
~~الذاتي لما في تقييده باليوم نوع إيهام وأن ضميري { يرونه } و {
~~نراه } إذا كانا ليوم القيامة يلزم وقوع الزمان في الزمان في قولنا
~~يقع يوم القيامة يوم تكون كالمهل ويجاب بما لا يخفى وجوز في «البحر» كونه
~~بدلا من ms10821 ضمير { نراه } إذا كان عائدا على يوم القيامة وفي «الارشاد»
~~كونه متعلقا بليس له دافع وبعضهم كونه مفعولا به لاذكر محذوفا وتعلقه
~~بنراه كما قاله مكي لا نراه وكذا تعلقه بيبصرونهم كما حكاه ومثله ما عسى
~~أن يقال متعلقه بيود الآتي بعد فتأمل.

# والمهل أخرج أحمد والضياء في «المختارة» وغيرهما عن ابن عباس أنه دردي
~~الزيت وهو ما يكون في قعره وقال غير واحد المهل ما أذيب على مهل من
~~الفلزات والمراد يوم تكون السماء واهية وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في
~~الآية أن السماء الآن خضراء وأنها تحول يوم القيامة لونا آخر إلى
~~الحمرة.

### || [70.9]

# كالصوف دون تقييد أو الأحمر أو المصبوغ ألوانا، أقوال واختار جمع
~~الأخير وذلك لاختلاف ألوان الجبال فمنها جدد بيض وحمر وغرابيب سود فإذا
~~بست وطيرت في الجو أشبهت العهن أي المنفوش كما في القارعة إذا طيرته
~~الريح، وعن الحسن تسير الجبال مع الرياح ثم ينهد ثم تصير كالعهن ثم تنسف
~~فتصير هباء.

### || [70.10]

# أي لا يسأل قريب مشفق قريبا مشفقا عن حاله ولا يكلمه لابتلاء كل منهم
~~بما يشغله عن ذلك أخرجه ابن المنذر وعبد بن حميد عن قتادة وفي رواية أخرى
~~عنه لا يسأله عن حاله لأنها ظاهرة وقيل لا يسأله أن يحمل عنه من أوزاره
~~شيئا ليأسه عن ذلك وقيل لا يسأله شفاعة وفي «البحر» لا يسأله نصره ولا
~~منفعته لعلمه أنه لا يجد ذلك عنده ولعل الأول أبلغ في التهويل وأيا ما
~~كان فمفعول { يسأل } الثاني محذوف وقيل { حميما } منصوب بنزع
~~الخافض أي لا يسأل حميم عن حميم.

# وقرأ أبو حيوة وشيبة وأبو جعفر والبزي بخلاف عن ثلاثتهم (ولا يسأل)
~~مبنيا للمفعول أي لا يطلب من حميم حميم ولا يكلف إحضاره أو لا يسأل منه
~~حاله وقيل لا يسئل ذنوب حميمه ليؤخذ بها.

### || [70.11]

# { يبصرونهم } أي يبصر الأحماء الأحماء فلا يخفون عليهم وما
~~يمنعهم من التساؤل إلا اشتغالهم بحال أنفسهم، وقيل ما يغني عنه من مشاهدة
~~/ الحال كبياض الوجه وسواده ms10822 ولا يخفى حاله ويبصرونهم قيل من بصرته بالشيء
~~إذا أوضحته له حتى يبصره ثم ضمن معنى التعريف أو حذف الصلة إيصالا. وجمع
~~الضميرين لعموم الحميم. والجملة استئناف كأنه لما قيل لا يسأل الخ قيل
~~لعله لا يبصره فقيل يبصرونهم. وجوز أن تكون صفة أي حميما مبصرين معرفين
~~إياهم وأن تكون حالا إما من الفاعل أو من المفعول أو من كليهما ولا يضر
~~التنكير لمكان العموم وهو مسوغ للحالية ورجحت على الوصفية بأن التقييد
~~بالوصف في مقام الإطلاق والتعميم غير مناسب وليس فيها ذلك فلا تغفل.

# وقرأ قتادة (يبصرونهم) مخففا مع كسر الصاد أي يشاهدونهم.

# { يود المجرم } أي يتمنى الكافر وقيل كل مذنب وقوله تعالى: {
~~لو يفتدي من عذاب يومئذ } أي العذاب الذي ابتلي به يومئذ
~~{ ببنيه }.

### || [70.12]

# حكاية لودادتهم و(لو) في معنى التمني، وقيل هي بمنزلة أن الناصبة فلا
~~يكون لها جواب وينسبك منها ومما بعدها مصدر يقع مفعولا ليود والتقدير
~~يود افتداءه ببنيه الخ والجملة استئناف لبيان أن اشتغال كل مجرم بنفسه
~~بلغ إلى حيث يتمنى أن يفتدي بأقرب الناس إليه وأعلقهم بقلبه فضلا أن
~~يهتم بحاله ويسأل عنها وجوز أن تكون حالا من ضمير الفاعل على فرض أن
~~يكون هو السائل فإن فرض أن السائل المفعول فهي حال من ضميره وقيل الظاهر
~~جعلها حالا من ضمير الفاعل لأنه المتمني وأيا ما كان فالمراد يود
~~المجرم منهم.

# وقرأ نافع والكسائي كما في «أنوار التنزيل» والأعرج (يومئذ) بالفتح على
~~البناء للإضافة إلى غير متمكن. وقرأ أبو حيوة كذلك وبتنوين (عذاب) فيومئذ
~~حينئذ منصوب بعذاب لأنه في معنى تعذيب.

### || [70.13]

# { وفصيلته } أي عشيرته الأقربين الذين فصل عنهم كما ذكره غير
~~واحد، ولعله أولى من قول الراغب عشيرته المنفصلة عنه. وقال ثعلب فصيلته
~~آباؤه الأدنون، وفسر أبو عبيدة الفصيلة بالفخذ { التي تؤويه } أي
~~تضمه انتماء إليها أو لياذا بها في النوائب.

### || [70.14]

# { ومن فى الأرض جميعا } من الثقلين الإنس والجن أو الخلائق
~~الشاملة لهم ولغيرهم و(من) للتغليب { ثم ينجيه } عطف على

# يفتدي ms10823

# [المعارج: 11] والضمير المرفوع للمصدر الذي في ضمن الفعل أي يود لو
~~يفتدي ثم لو ينجيه الافتداء وجوز أبو حيان عود الضمير إلى المذكور
~~والزمخشري عوده إلى { من في الأرض } و (ثم) لاستبعاد الإنجاء يعني
~~يتمنى لو كان هؤلاء جميعا تحت يده وبذلهم في فداء نفسه ثم ينجيه ذلك
~~وهيهات. وقرأ الزهري (تؤويه) و(ينجيه) بضم الهائين.

### || [70.15]

# { كلا } ردع للمجرم عن الودادة وتصريح بامتناع الإنجاء. وضمير {
~~إنها } للنار المدلول عليها بذكر العذاب وقوله تعالى: { لظى } خبر
~~إن وهي علم لجهنم أو للدركة الثانية من دركاتها منقول من اللظى بمعنى
~~اللهب الخالص ومنع الصرف للعلمية والتأنيث، وجوز أن يراد اللهب على
~~المبالغة كأن كلها لهب خالص. وحذف التنوين إما لإجراء الوصل مجرى الوقف
~~أو لأنه علم جنس معدول عما فيه اللام كسحر إذا أردت سحرا بعينه.

### || [70.16]

# وقوله تعالى: { نزاعة للشوى } أي الأطراف كاليد والرجل كما
~~أخرجه ابن المنذر وابن حميد عن مجاهد وأبي صالح وقاله الراغب وغيره،
~~وقيل الأعضاء التي ليست بمقتل ولذا يقال رمى فأشوى إذا لم يقتل أو جمع
~~شواة وهي جلدة الرأس وأنشدوا قول الأعشى:

# قالت قتيلة ماله

# قد جللت شيبا شواته

# وروي هذا عن ابن عباس وقتادة وقرة بن خالد وابن جبير وأخرجه ابن أبي
~~شيبة عن مجاهد، وأخرج هو عن أبي صالح والسدي تفسيرها بلحم الساقين، وعن
~~ابن جبير العصب والعقب وعن أبي العالية محاسن الوجه وفسر نزعها لذلك
~~بأكلها له فتأكله ثم يعود وهكذا نصب بتقدير أعني أو أخص وهو مراد من قال
~~نصب على الاختصاص للتهويل. وجوز أن يكون حالا والعامل فيها (لظى) وإن
~~كان علما لما فيه من / معنى التلظي كما عمل العلم في الظرف في قوله:

# أنا أبو المنهال بعض الأحيان

# أي المشهور بعض الأحيان قاله أبو حيان وإليه يشير كلام «الكشف». وقال
~~الخفاجي لظى بمعنى متلظية والحال من الضمير المستتر فيها لا منها بالمعنى
~~السابق لأنها نكرة أو خبر وفي مجيء الحال من مثله ما فيه وقيل هو حال
~~مؤكدة كما ms10824 في قوله:

# أنا ابن دارة معروفا بها نسبي

# وهل بدارة يا للناس من عار

# والعامل أحقه أو الخبر لتأويله بمسمى أو المبتدأ لتضمنه معنى التنبيه أو
~~معنى الجملة وارتضاء الرضي، وقيل حال من ضمير

# تدعوا

# [المعارج: 17] قدم عليه. وجوز الزمخشري أن يكون ضمير { إنها }
~~مبهما ترجم عنه الخبر أعني { لظى } وبحث فيه بما رده المحققون.

# وقرأ الأكثرون { نزاعة } بالرفع على أنه خبر ثان { لإن } أو صفة ل {
~~لظى } وهو ظاهر على اعتبار كونها نكرة وكذا على كونها علم جنس لأنه
~~كالمعرف بلام الجنس في إجرائه مجرى النكرة أو هو الخبر و { لظى } بدل
~~من الضمير وإن اعتبرت نكرة بناء على أن إبدال النكرة غير منعوتة من
~~المعرفة قد أجازه أبو علي وغيره من النحاة إذا تضمن فائدة كما هنا، وجوز
~~على هذه القراءة أن يكون ضمير { إنها } للقصة و { لظى } مبتدأ بناء
~~على أنه معرفة و { نزاعة } خبره.

### || [70.17]

# وقوله تعالى: { تدعوا } خبر مبتدأ مقدر أو حال متداخلة أو مترادفة
~~أو مفردة أو خبر بعد خبر على قراءة الرفع فلا تغفل. والدعاء على حقيقته
~~وذلك كما روي عن ابن عباس وغيره يخلق الله تعالى فيها القدرة على الكلام
~~كما يخلقه في جلودهم وأيديهم وأرجلهم فتناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم
~~وروي أنها تقول لهم إلي إلي يا كافر يا منافق وجوز أن يراد به الجذب
~~والإحضار كما في قول ذي الرمة يصف الثور الوحشي:

# أمسى بوهبين مجتازا لمرتعة

# من ذي الفوارس تدعو أنفه الربب

# ونحوه قوله أيضا:

# ليالي اللهو يطيبني فأتبعه

# كأنني ضارب في غمرة لعب

# ولا يبعد أن يقال شبه لياقتها لهم أو استحقاقهم لها على ما قيل بدعائها
~~لهم فعبر عن ذلك بالدعاء على سبيل الاستعارة. وقال ثعلب تدعو تهلك من قول
~~العرب دعاك الله تعالى أي أهلكك وحكاه الخليل عنهم وفي «الأساس» ((دعاه
~~الله تعالى بما يكره أنزله به وأصابتهم دواعي الدهر صروفه ومن ذلك قوله:

# دعاك الله من رجل بأفعى

# إذا نام العيون سرت عليكا))

# واستظهر أنه معنى ms10825 حقيقي للدعاء لكنه غير مشهور وفيه تردد. وجوز أن يكون
~~الدعاء لزبانيتها وأسند إليها مجازا أو الكلام على تقدير مضاف أي تدعو
~~زبانينها.

# { من أدبر } في الدنيا عن الحق { وتولى } أعرض عن الطاعة.

### || [70.18]

# أي جمع المال فجعله في وعاء وكنزه ولم يؤد حقوقه وتشاغل به عن الدين [و]
~~زها باقتنائه حرصا وتأميلا وهذا إشارة إلى كفار أغنياء وما أخوف عبد
~~الله بن عكيم فقد أخرج ابن سعيد عن الحكم أنه قال كان عبد الله بن عكيم
~~لا يربط كيسه ويقول سمعت الله تعالى يقول (وجمع فأوعى).

### || [70.19]

# الهلع سرعة الجزع عند مس المكروه وسرعة المنع عند مس الخير من قولهم
~~ناقة هلوع سريعة السير. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وغيرهما عن عكرمة
~~قال سئل ابن عباس عن الهلوع فقال هو كما قال الله تعالى: { إذا مسه
~~الشر... }.

### || [70.20]

# { إذا مسه الشر } الخ وأخرج ابن المنذر عن الحسن أنه سئل عن
~~ذلك أيضا فقرأ الآية وحكى نحوه عن ثعلب قال قال لي محمد بن عبد الله بن
~~طاهر ما الهلع فقلت قد فسره الله تعالى ولا يكون تفسير أبين من تفسيره
~~سبحانه يعني قوله تعالى { إذا مسه } الآية ونظير ذلك قوله:

# الألمعي الذي يظن بك الظ

# ن كأن قد رأى وقد سمعا

# والجملة مؤكدة في موضع التعليل لما قبلها. والإنسان الجنس أو الكافر
~~قولان أيد ثانيهما بما روى / الطستي عن ابن عباس أن الآية في أبي جهل بن
~~هشام ولا يأبى ذلك إرادة الجنس. والشر الفقر والمرض ونحوهما وأل للجنس أي
~~إذا مسه جنس الشر.

# { جزوعا } أي مبالغا في الجزع مكثرا منه والجزع قال الراغب ((أبلغ
~~من الحزن فإن الحزن عام والجزع حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده ويقطعه عنه
~~وأصله قطع الحبل من نصفه يقال جزعه فانجزع ولتصور الانقطاع فيه قيل جزع
~~الوادي لمنقطعه والانقطاع اللون بتغيره قيل للخرز المتلون جزع وعنه
~~استعير قولهم لحم مجزع إذا كان ذا لونين وقيل للبسرة إذا بلغ الإرطاب
~~نصفها مجزعة)).

### || [70.21] ms10826

# { وإذا مسه الخير } المال والغنى أو الصحة { منوعا }
~~مبالغا في المنع والإمساك. و(إذا) الأولى ظرف لجزوعا والثانية ظرف
~~لمنوعا. والوصفان على ما اختاره بعض الأجلة صفتان كاشفتان لهلوعا
~~الواقع حالا كما هو الأنسب بما سمعت عن ابن عباس وغيره، وقال غير واحد
~~الأوصاف الثلاثة أحوال فقيل مقدرة إن أريد اتصاف الإنسان بذلك بالفعل
~~فإنه في حال الخلق لم يكن كذلك وإنما حصل له ذلك بعد تمام عقله ودخوله
~~تحت التكليف ومحققه إن أريد اتصافه بمبدأ هذه الأمور من الأمور الجبلية
~~والطبائع الكلية المندرجة فيها تلك الصفات بالقوة ولا مانع عند أهل الحق
~~من خلقه تعالى الإنسان وطبعه سبحانه إياه على ذلك. وفي زوالها بعد خلاف
~~فقيل إنها تزول بالمعالجة ولولاه لم يكن للمنع منها والنهي عنها فائدة
~~وهي ليست من لوازم الماهية فالله تعالى كما خلقها يزيلها وقيل إنها لا
~~تزول وإنما تستر ويمنع المرء عن آثارها الظاهرة كما قيل:

# والطبع في الإنسان لا يتغير

# وهذا الخلاف جار في جميع الأمور الطبيعية، وقال بعضهم الأمور التابعة
~~منها لأصل المزاج لا تتغير والتابعة لعرضه قد تتغير. وذهب الزمخشري إلى
~~أن في الكلام استعارة فقال: المعنى إن الإنسان لإيثاره الجزع والمنع
~~وتمكنهما منه ورسوخهما فيه كأنه مجبول عليهما مطبوع وكأنه أمر خلقي
~~وضروري غير اختياري كقوله تعالى:

# خلق الإنسان من عجل

# [الأنبياء: 37] لأنه في البطن والمهد لم يكن به هلع ولأنه ذم والله
~~تعالى لا يذم فعله سبحانه والدليل عليه استثناء المؤمنين الذين جاهدوا
~~أنفسهم وحملوها على المكاره وظلفوها من الشهوات حتى لم يكونوا جازعين ولا
~~مانعين.

# وتعقب بأنه في المهد أهلع وأهلع فيسرع إلى الثدي ويحرص على الرضاع وإن
~~مسه ألم جزع وبكى وإن تمسك بشيء فزوحم عليه منع بما في قدرته من اضطراب
~~وبكاء، وفي البطن لا يعلم حاله وأيضا الاسم يقع عليه بعد الوضع فما بعده
~~هو المعتبر وإن الذم من حيث القيام بالعبد كما حقق في موضعه وإن
~~الاستثناء إما منقطع لأنه لما وصف سبحانه من أدبر وتولى ms10827 معللا بهلعه
~~وجزعه قال تعالى لكن المصلين في مقابلتهم أولئك في جنات ثم كر على السابق
~~وقال

# فمال الذين كفروا

# [المعارج: 36] بالفاء تخصيصا بعد تعميم ورجعا إلى بدء لأنهم من
~~المستهزئين الذين افتتح السورة بذكر سؤالهم أو متصل على أنهم لم يستمر
~~خلقهم على الهلع فإن الأول لما كان تعليلا كان معناه خلقا مستمرا على
~~الهلع والجزع إلا المصلين فإنهم لم يستمر خلقهم على ذلك فلا يرد أن الهلع
~~الذي في المهد لو كان مرادا لما صح استثناء المصلين لأنهم كغيرهم في حال
~~الطفولية انتهى وهذا الاستثناء هو ما تضمنه قوله تعالى: { إلا
~~المصلين }.

### || [70.22]

# الخ وقد وصفهم سبحانه بما ينبىء عن كمال تنزههم عن الهلع من الاستغراق
~~في طاعة الحق عز وجل والإشفاق على الخلق والإيمان بالجزاء والخوف من
~~العقوبة وكسر الشهوة وإيثار الآجل على العاجل فقال عز من قائل: {
~~الذين هم على صلاتهم دائمون }.

### || [70.23]

# أي مواظبون على أدائها لا يخلون بها ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل.
~~وفيه إشارة إلى فضل المداومة على العبادة. وقد أخرج ابن حبان عن أبي
~~سلمة قال حدثتني عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " خذوا من العمل ما تطيقون فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا قالت فكان
~~أحب الأعمال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دام عليه وإن قل وكان
~~إذا صلى صلاة دام عليها "

# / وقرأ أبو سلمة { الذين هم على صلاتهم دائمون } وأخرج أحمد في «مسنده»
~~عنها أنها قالت

# " كان عمله صلى الله عليه وسلم ديمة "

# قال جار الله أي ما فعل من أفعال الخير إلا وقد اعتاد ذلك ويفعله كلما
~~جاء وقته، ووجه بأن الفعلة للحالة التي يستمر عليها الشخص ثم في جعله نفس
~~الحالة ما لا يخفى من المبالغة والدلالة على أنه كان ملكة له عليه الصلاة
~~والسلام.

# وقيل دائمون أي لا يلتفتون فيها ومنه الماء الدائم وروي ذلك عن عمران بن
~~حصين وكذا عن عقبة بن عامر. أخرج ابن المنذر عن أبي ms10828 الخير أن عقبة قال
~~لهم من الذين هم على صلاتهم دائمون. قال قلنا الذين لا يزالون يصلون فقال
~~لا ولكن الذين إذا صلوا لم يلتفتوا عن يمين ولا شمال وإليه ذهب الزجاج،
~~فتشعر الآية بذم الالتفات في الصلاة وقد نطقت الأخبار بذلك واستدل بعضهم
~~بها على أنه كبيرة وتحقيقه في «الزواجر» وعن ابن مسعود ومسروق أن دوامها
~~أداؤها في مواقيتها وهو كما ترى ولعل ترك الالتفات والأداء في الوقت
~~يتضمنه ما يأتي من المحافظة إن شاء الله تعالى.

# والمراد بالصلاة على ما أخرج عبد بن حميد عن إبراهيم التيمي الصلاة
~~المكتوبة. وعن الإمام أبي جعفر رضي الله تعالى عنه أن المراد بها
~~النافلة وقيل ما أمروا به مطلقا منها. وقرأ الحسن (صلواتهم) بالجمع.

### || [70.24]

# أي نصيب معين يستوجبونه على أنفسهم تقربا إلى الله تعالى وإشفاقا على
~~الناس، وهو على ما روي عن الإمام أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه ما
~~يوظفه الرجل على نفسه يؤديه في كل جمعة أو كل شهر مثلا وقيل هو الزكاة
~~لأنها مقدرة معلومة. وتعقب بأن السورة مكية والزكاة إنما فرضت وعين
~~مقدارها في المدينة وقبل ذلك كانت مفروضة من غير تعيين.

### || [70.25]

# { للسائل } الذي يسأل { والمحروم } الذي لا يسأل فيظن أنه
~~غني فيحرم، واستعماله في ذلك على سبيل الكناية ولا يصح أن تراد به من
~~يحرمونه بأنفسهم للزوم التناقض كما لا يخفى.

### || [70.26]

# المراد التصديق به بالأعمال حيث يتعبون أنفسهم في الطاعات البدنية طمعا
~~في المثوبة الأخروية لأن التصديق القلبي عام لجميع المسلمين لا امتياز
~~فيه لأحد منهم. وفي التعبير بالمضارع دلالة على أن التصديق والأعمال
~~تتجدد منهم آنا فآنا.

### || [70.27]

# خائفون على أنفسهم مع ما لهم من الأعمال الفاضلة استقصارا لها
~~واستعظاما لجنابه عز وجل كقوله تعالى:

# والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة أنهم
~~إلى ربهم راجعون

# [المؤمنون: 60].

### || [70.28]

# وقوله سبحانه: { إن عذاب ربهم غير مأمون } اعتراض مؤذن
~~بأنه لا ينبغي لأحد أن يأمن عذابه عز وجل وإن بالغ في الطاعة كهؤلاء ولذا ms10829
~~كان السلف الصالح وهم هم خائفين وجلين حتى قال بعضهم يا ليتني كنت شجرة
~~تعضد وآخر ليت أمي لم تلدني إلى غير ذلك.

### || [70.29-31]

# سبق تفسيره في سورة المؤمنين على وجه مستوفى فتذكره.

### || [70.32]

# لا يخلون بشيء من حقوقها وكأنه لكثرة الأمانة جمعت ولم يجمع العهد قبل
~~إيذانا بأنه ليس كالأمانة كثرة، وقيل لأنه مصدر ويدل على كثرة الأمانة
~~ما روى الكلبي كل أحد مؤتمن على ما اقترض عليه من العقائد والأقوال
~~والأحوال والأفعال ومن الحقوق في الأموال وحقوق الأهل والعيال وسائر
~~الأقارب والمملوكين والجار وسائر المسلمين وقال السدي إن حقوق الشرع كلها
~~أمانات قد قبلها المؤمن وضمن أداءها بقبول الإيمان وقيل كل ما أعطاه الله
~~تعالى للعبد من الأعضاء وغيرها أمانة عنده فمن استعمل ذلك في غير ما
~~أعطاه لأجله وأذن سبحانه له به فقد خان الأمانة والخيانة فيها، وكذا
~~الغدر بالعهد من الكبائر على ما نص غير واحد وقد روى البخاري ومسلم عن
~~عبد الله بن عمر مرفوعا

# " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه /
~~خصلة من النفاق حتى يدعها إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا
~~خاصم فجر "

# وأخرج البيهقي في «شعب الايمان» عن أنس قال ما خطبنا رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم إلا قال

# " لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له "

# وقرأ ابن كثير (لأمانتهم) بالإفراد على إرادة الجنس.

### || [70.33]

# مقيمون لها بالعدل غير منكرين لها أو لشيء منها ولا مخفين إحياء لحقوق
~~الناس فيما يتعلق بها وتعظيما لأمر الله عز وجل فيما يتعلق بحقوقه
~~سبحانه. وخص بعضهم الشهادة بما يتعلق بحقوق العباد وذكر أنها مندرجة في
~~الأمانات إلا أنها خصت بالذكر لإبانة فضلها وجمعها لاختلاف الأنواع ولو
~~لم يعتبر ذلك أفرد على ما قيل لأنها مصدر شامل للقليل والكثير.

# وقرأ الجمهور بالإفراد على ما سمعت آنفا.

### || [70.34]

# أي يراعون شرائطها ويكملون فرائضها وسننها ومستحباتها باستعارة الحفظ من
~~الضياع للإتمام ms10830 والتكميل وهذا غير الدوام فإنه يرجع إلى أنفس الصلوات
~~وهذا يرجع إلى أحوالها فلا يتكرر مع ما سبق من قوله تعالى

# الذين هم على صلاتهم دآئمون

# [المعارج: 23] وكأنه لما كان ما يراعى في إتمام الصلاة وتكميلها مما
~~يتفاوت بحسب الأوقات جيء بالمضارع الدال على التجدد كذا قيل وقيل: إن
~~الإتيان به مع تقديم (هم) لمزيد الاعتناء بهذا الحكم لما أن أمر التقوى
~~في مثل ذلك أقوى منه في مثل هم محافظون واعتبر هذا هنا دون ما في الصدر
~~لأن المراعاة المذكورة كثيرا ما يغفل عنها.

# وفي افتتاح الأوصاف بما يتعلق بالصلاة واختتامها به دلالة على شرفها
~~وعلو قدرها لأنها معراج المؤمنين ومناجاة رب العالمين ولذا جعلت قرة عين
~~سيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وتكرير
~~الموصولات لتنزيل اختلاف الصفات منزلة اختلاف الذوات إيذانا بأن كل واحد
~~من الأوصاف المذكورة نعت جليل على حياله له شأن خطير مستتبع لأحكام جمة
~~حقيق بأن يفرد له موصوف مستقل ولا يجعل شيء منها تتمة للآخر.

### || [70.35]

# { أولئك } إشارة إلى الموصوفين بما ذكر من الصفات وما فيه من
~~معنى البعد لبعد المشار إليهم إما في الفضل أو في الذكر باعتبار مبدأ
~~الأوصاف المذكورة، وهو مبتدأ خبره { في جنت } أي مستقرون في جنات
~~لا يقادر قدرها ولا يدرك كنهها، وقوله تعالى: { مكرمون } خبر آخر
~~أو هو الخبر و { في جنات } متعلق به قدم عليه للاهتمام مع مراعاة
~~الفواصل أو بمضمر هو حال من الضمير في الخبر أي مكرمون كائنين في جنات.

### || [70.36]

# { فمال الذين كفروا قبلك } أي في الجهة التي تليك {
~~مهطعين } مسرعين نحوك مادي أعناقهم إليك مقبلين بأبصارهم عليك
~~ليظفروا بما يجعلونه هزؤا.

### || [70.37]

# جماعات في تفرقة كما قال أبو عبيدة وأنشدوا قول عبيد بن الأبرص:

# فجاؤا يهرعون إليه حتى

# يكونوا حول منبره عزينا

# وخص بعضهم كل جماعة بنحو ثلاثة أشخاص أو أربعة، جمع عزة وأصلها عزوة من
~~العز ولأن كل فرقة تعتزي وتنتسب إلى غير من تعتزي إليه الأخرى فلامها ms10831
~~واو، وقيل لامها هاء والأصل عزهة وجمعت بالواو والنون كما جمعت سنة
~~وأخواتها وتكسر العين في الجمع وتضم وقالوا عزى على فعل ولم يقولوا عزات
~~ونصب (عزين) على أنه حال من

# الذين كفروا

# [المعارج: 36] أو من الضمير في

# مهطعين

# [المعارج: 36] على التداخل و { عن اليمين } إما متعلق به لأنه
~~بمعنى متفرقين أو ب { مهطعين } أي مسرعين عن الجهتين أو هو حال أي
~~كائنين عن اليمين. روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي عند الكعبة
~~ويقرأ القرآن فكان المشركون يجتمعون حوله حلقا حلقا وفرقا يستمعون
~~ويستهزؤن بكلامه عليه الصلاة والسلام ويقولون إن دخل هؤلاء الجنة كما
~~يقول محمد صلى الله عليه وسلم، فلندخلها قبلهم فنزلت. وفي بعض الآثار ما
~~يشعر بأن الأولى أن / لا يجلس المؤمنون عزين لأنه من عادة الجاهلية.

### || [70.38]

# أي بلا إيمان وهو إنكار لقولهم إن دخل هؤلاء الجنة الخ وقرأ ابن يعمر
~~والحسن وأبو رجاء وزيد بن علي وطلحة والمفضل عن عاصم (يدخل) بالبناء
~~للفاعل.

### || [70.39]

# { كلا } ردع لهم عن ذلك الطمع الفارغ { إنا خلقنهم مما
~~يعلمون } قيل هو تعليل للردع. و(من) أجلية والمعنى إنا خلقناهم من
~~أجل ما يعلمون وهو تكميل النفس بالإيمان والطاعة فمن لم يستكملها بذلك
~~فهو بمعزل من أن يتبوأ متبوأ الكاملين فمن أين لهم أن يطعموا في دخول
~~الجنة وهم مكبون على الكفر والفسوق وإنكار البعث وكون ذلك معلوما لهم
~~باعتبار سماعهم إياه من النبي صلى الله عليه وسلم وقيل (من) ابتدائية
~~والمعنى أنهم مخلوقون من نطفة قذرة لا تناسب عالم القدس فمتى لم تستكمل
~~بالإيمان والطاعة ولم تتخلق بأخلاق الملائكة عليهم السلام لم تستعد
~~لدخولها وكلا القولين كما ترى. وقال مفتي الديار الرومية ((إن الأقرب
~~كونه كلاما مستأنفا قد سيق تمهيدا لما بعده من بيان قدرته عز وجل على
~~أن يهلكهم لكفرهم بالبعث والجزاء واستهزائهم برسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وبما نزل عليه عليه الصلاة والسلام من الوحي وادعائهم دخول الجنة
~~بطريق السخرية وينشىء بدلهم قوما آخرين فإن قدرته سبحانه ms10832 على ما يعلمون
~~من النشأة الأولى حجة بينة على قدرته عز وجل على ذلك كما يفصح عنه الفاء
~~الفصيحة في قوله تعالى: { فلا أقسم برب المشرق
~~والمغرب }.

### || [70.40]

# { فلا أقسم برب المشرق والمغرب } أي إذا كان
~~الأمر كما ذكرنا من أنا خلقناهم مما يعلمون وهو النطفة القذرة فلا أقسم
~~برب المشارق والمغارب { إنا لقدرون }.

### || [70.41]

# { على أن نبدل خيرا منهم } أي نهلكهم بالمرة حسبما
~~تقتضيه جناياتهم ونأتي بدلهم بخلق آخرين ليسوا على صفتهم. { وما نحن
~~بمسبوقين } أي بمغلوبين إن أردنا ذلك لكن مشيئتنا المبنية على
~~الحكم البالغة اقتضت تأخير عقوباتهم)) وفيه نوع بعد ولعل الأقرب كونه في
~~معنى التعليل لكن على وجه قرر به صاحب «الكشف» كلام «الكشاف» فقال أراد
~~أنه ردع عن الطمع معلل بإنكارهم البعث من حيث إن ذكر دليله إنما يكون مع
~~المنكر فأقيم علة العلة مقام العلة مبالغة لما حكى عنهم طمع دخول الجنة
~~ومن البديهي أنه ينافي حال من لا يثبتها فكأنه قيل إنه ينكر البعث فأنى
~~يتجه طمعه واحتج عليهم بخلقهم أولا وبقدرته سبحانه على خلق مثلهم ثانيا
~~وفيه تهكم بهم وتنبيه على مكان مناقضتهم فإن الاستهزاء بالساعة والطمع في
~~دخول الجنة مما يتنافيان ووجه أقربيته قوة الارتباط بما سبق عليه وهو في
~~الحقيقة أبعد مغزى ومنه يعلم أن ما قيل في قوله سبحانه { إنا
~~لقادرون * على أن نبدل } الخ أن معناه إنا لقادرون على أن
~~نعطي محمدا صلى الله عليه وسلم من هو خير منهم وهم الأنصار ليس بذاك وفي
~~التعبير عن مادة خلقهم بما يعلمون مما يكسر سورة المتكبرين ما لا يخفى.

# والمراد بالمشارق والمغارب مشارق الشمس المائة والثمانون ومغاربها كذلك
~~أو مشارق ومغارب الشمس والقمر على ما روي عن عكرمة أو مشارق الكواكب
~~ومغاربها مطلقا كما قيل وذهب بعضهم إلى أن المراد رب المخلوقات بأسرها
~~والكلام في { فلا أقسم } قد تقدم.

# وقرأ قوم (فلأقسم) بلاء دون ألف وعبد الله بن مسلم وابن محيصن والجحدري
~~(المشرق والمغرب) مفردين.

### || [70.42]

# { فذرهم } فخلهم غير ms10833 مكترث بهم { يخوضوا } في باطلهم الذي من
~~جملته ما حكى عنهم { ويلعبوا } في دنياهم { حتى يلقوا
~~يومهم الذى يوعدون } هو يوم البعث عند النفخة الثانية لقوله
~~سبحانه: { يوم يخرجون من الأجداث }.

### || [70.43]

# { يوم يخرجون من الأجداث } أي القبور فإنه بدل من

# يومهم

# [المعارج: 42] وهو مفعول به ليلاقوا وتفسيره بيوم موتهم أو يوم بدر أو
~~يوم النفخة الأولى وجعل { يوم } مفعولا به لمحذوف كاذكر أو متعلقا
~~بترهقهم ذلة مما لا ينبغي أن يذهب إليه. وما في الآية من معنى المهادنة
~~منسوخ بآية السيف.

# وقرأ أبو جعفر وابن محيصن (يلقوا) مضارع / لقي وروى أبو بكر عن عاصم أنه
~~قرأ (يخرجون) على البناء للمفعول من الإخراج.

# { سراعا } أي مسرعين وهو حال من مرفوع (يخرجون) وهو جمع سريع كظريف
~~وظراف { كأنهم إلى نصب } وهو ما نصب فعبد من دون الله عز وجل
~~وعده غير واحد مفردا وأنشد قول الأعشى:

# وذا النصب المنصوب لا تنسكنه

# لعاقبة والله ربك فاعبدا

# وقال بعضهم هو جمع نصاب ككتاب وكتب، وقال الأخفش جمع نصب كرهن ورهن،
~~والأنصاب جمع الجمع.

# وقرأ الجمهور (نصب) بفتح النون وسكون الصاد وهو اسم مفرد فقيل الصنم
~~المنصوب للعبادة أو العلم المنصوب على الطريق ليهتدي به السالك وقال أبو
~~عمرو هو شبكة يقع فيها الصيد، فيسارع إليها صاحبها مخافة أن يتفلت الصيد
~~وقيل ما ينصب علامة لنزول الملك وسيره وقرأ أبو عمران الجوني ومجاهد
~~(نصب) بفتح النون والصاد فعل بمعنى مفعول، وقرأ الحسن وقتادة (نصب) بضم
~~النون وسكون الصاد على أنه تخفيف نصب بضمتين أو جمع نصب بفتحتين كولد
~~وولد.

# { يوفضون } أي يسرعون وأصل الإيفاض كما قال الراغب أن يعدو من عليه
~~الوفضة وهي الكنانة فتتخشخش عليه ثم استعمل في الإسراع وقيل هو مطلق
~~الانطلاق وروي عن الضحاك والأكثرون على الأول والمراد أنهم يخرجون
~~مسارعين إلى الداعي يسبق بعضهم بعضا والإسراع في السير إلى المعبودات
~~الباطلة كان عادة للمشركين وقد رأينا كثيرا من إخوانهم الذين يعبدون
~~توابيت الأئمة ونحوهم رضي الله تعالى عنهم كذلك وكذا ms10834 عادة من ضل الطريق
~~أن يسرع إلى أعلامها وعادة الجند أن يسرعوا نحو منزل الملك.

### || [70.44]

# { خشعة أبصرهم } لعظم ما تحققوه ووصفت أبصارهم بالخشوع مع
~~أنه وصف الكل لغاية ظهور آثاره فيها { ترهقهم } تغشاهم { ذلة }
~~شديدة { ذلك } الذي ذكر ما سيقع فيه من الأحوال الهائلة { اليوم
~~الذى كانوا يوعدون } أي في الدنيا واسم الإشارة مبتدأ و(اليوم)
~~خبر والموصول صفته والجملة بعده صلته والعائد محذوف أي يوعدونه.

# وقرأ عبد الرحمن بن خلاد عن داود بن سالم عن يعقوب والحسن بن عبد الرحمن
~~عن التمار (ذلة) بغير تنوين مضافا إلى { ذلك اليوم } بالجر.

# هذا واعلم أن بعض المتصوفة في هذا الزمان ذكر في شأن هذا اليوم الذي
~~أخبر الله تعالى أن مقداره خمسون ألف سنة أن المراتب أربع الملك والملكوت
~~والجبروت واللاهوت وكل مرتبة عليا محيطة بالسفلى وأعلى منها بعشر درجات
~~لأنها تمام المرتبة لأن الله تعالى خلق الأشياء من عشر قبضات يعني من سر
~~عشر مراتب الأفلاك التسعة والعناصر في كل عالم بحسبه ولذا ترتبت مراتب
~~الأعداد على الأربع والألف منتهى المراتب وأقصى الغايات ولما كانت النسبة
~~إلى الرب أي إلى وجهة الحق هي الغاية القصوى بالنسبة إلى ما عداها

# أن إلى ربك المنتهى

# [النجم: 42] كان اليوم الواحد المنسوب إليه ألفا ولذا كان اليوم
~~الربوبي ألف سنة كما قال سبحانه

# وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون

# [الحج: 47] فإذا ترقى الكون واقتضت الحكمة ظهور النشأة الأخرى وبروز
~~آثار الاسم الأعظم في مقام الألوهية في رتبة الجامع ظهر الكون والأكوان
~~والمكونات في محشر واحد على مراتبها في الأعيان فظهر سر النون من كلمة {
~~كن } [يس: 82] لظهور { فيكون } فظهر الخمسون في العود كما نزل في
~~البدء وهو قوله سبحانه

# كما بدأكم تعودون

# [الأعراف: 69] فكان اليوم الواحد عند ظهور الاسم الأعظم في الجهة
~~الجامعة خمسين ألف سنة فالألف لترقي الواحد ولما كانت المراتب خمسين كان
~~خمسين ألفا والخمسون تفاصيل ظهور اسم الرب عند ظهور اسم الله في عالم
~~الأمر الذي هو أول مراتب ms10835 التفصيل في قوله تعالى { كن } وكان أول ظهور
~~التفصيل خمسين لأن التوحيد الظاهر في النقطة والألف والحروف والكلمة
~~التامة والدلالة التي هي تمام الخمسة إنما كانت / في عشرة عوالم المراتب
~~التعينات أو لأن الطبائع الأربعة مع حصول المزاج بظهور طبيعة خامسة وبها
~~تمام الخمسة إنما كانت في عشرة عوالم بحسبها فكان المجموع خمسين والعوالم
~~العشرة هي عالم الإمكان وعالم الفؤاد وعالم القلب وعالم العقل وعالم
~~الروح وعالم النفس وعالم الطبيعة وعالم المادة وعالم المثال وعالم
~~الأجسام والخمسون في وجه الرب ووجهة الحق في العالم الأول الذي هو الآخر
~~تكون خمسين ألف سنة انتهى فإن فهمت منه معنى صحيحا تقبله ذوو العقول ولا
~~يأباه المنقول فذاك وإلا فاحمد الله تعالى على العافية واسأله عز وجل
~~التوفيق للوصول إلى معالم التحقيق. وللشيخ الأكبر قدس سره أيضا كلام في
~~هذا المقام فمن أراده فليتتبع كتبه وليسأل الله تعالى الفتوحات وهو
~~سبحانه ولي الهبات.

### | [71 - سورة نوح]

### || [71.1]

# { إنا أرسلنا نوحا } هو اسم أعجمي زاد الجواليقي معرب
~~والكرماني معناه بالسريانية الساكن، وصرف لعدم زيادته على الثلاثة مع
~~سكون وسطه، وليس بعربي أصلا وقول الحاكم في «المستدرك» إنما سمي نوحا
~~لكثرة نوحه وبكائه على نفسه واسمه عبد الغفار لا أظنه يصح وكذا ما ينقل
~~في سبب بكائه من أنه عليه السلام رأى كلبا أجرب قذرا فبصق عليه فأنطقه
~~الله تعالى فقال أتعيبني أم تعيب خالقي فندم وناح لذلك. والمشهور أنه
~~عليه السلام ابن لمك بفتح اللام وسكون الميم بعدها كاف ابن متوشلخ بفتح
~~الميم وتشديد المثناة المضمومة بعدها واو ساكنة وفتح الشين المعجمة
~~واللام والخاء المعجمة / ابن خنوخ بفتح الخاء المعجمة وضم النون الخفيفة
~~وبعدها واو ساكنة ثم خاء معجمة، وشاع أخنوخ بهمزة أوله وهو ادريس عليه
~~السلام بن يرد بمثناة من تحت مفتوحة ثم راء ساكنة مهملة ابن مهلاييل بن
~~قينان بن أنوش بالنون والشين المعجمة ابن شيث بن آدم عليه السلام وهذا
~~يدل على أنه عليه السلام بعد إدريس عليه السلام. وفي «المستدرك» ms10836 أن أكثر
~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم على أنه قبل إدريس وفيه عن ابن عباس كان بين
~~آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون وفيه أيضا مرفوعا «بعث الله تعالى
~~نوحا لأربعين سنة فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم وعاش بعد
~~الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا» وذكر ابن جرير أن مولده كان بعد
~~وفاة آدم عليه السلام بمائة وستة وعشرين عاما وفي «التهذيب» للنووي رحمه
~~الله تعالى أنه أطول الأنبياء عليهم السلام عمرا وقيل إنه أطول الناس
~~مطلقا عمرا فقد عاش على ما قال شداد ألفا وأربعمائة وثمانين سنة ولم
~~يسمع عن أحد أنه عاش كذلك يعني بالاتفاق لئلا يرد الخضر عليه السلام وقد
~~يجاب بغير ذلك.

# وهو على ما قيل أول من شرعت له الشرائع وسنت له السنن وأول رسول أنذر
~~على الشرك وأهلكت أمته. والحق أن آدم عليه السلام كان رسولا قبله أرسل
~~إلى زوجته حواء ثم إلى بنيه وكان في شريعته وما نسخ بشريعة نوح في قول،
~~وفي آخر لم يكن في شريعته إلا الدعوة إلى الإيمان، ويقال لنوح عليه
~~السلام شيخ المرسلين وآدم الثاني. وكان دقيق الوجه في رأسه طول عظيم
~~العينين غليظ العضدين كثير لحم الفخذين ضخم السرة طويل اللحية والقامة
~~جسيما. واختلف في مكان قبره فقيل بمسجد الكوفة وقيل بالجبل الأحمر وقيل
~~بذيل جبل لبنان بمدينة الكرك.

# وفي إسناد الفعل إلى ضمير العظمة مع تأكيد الجملة ما لا يخفى من
~~الاعتناء بأمر إرساله عليه السلام.

# { إلى قومه } قيل هم سكان جزيرة العرب ومن قرب منهم لأهل الأرض
~~كافة لاختصاص نبينا صلى الله عليه وسلم بعموم البعثة من بين المرسلين
~~عليهم السلام وما كان لنوح بعد قصة الغرق على القول بعمومه أمر اتفاقي.
~~واشتهر أنه عليه الصلاة والسلام كان يسكن أرض الكوفة وهناك أرسل.

# { أن أنذر قومك } أي أي أنذر قومك على أن (أن) تفسيرية لما في
~~الإرسال من معنى القول دون حروفه فلا محل للجملة من الإعراب أو بإنذارهم
~~أي ms10837 بإنذارهم أو لإنذارهم على أن (أن) مصدرية وقبلها حرف جر مقدر هو الباء
~~أو اللام وفي المحل بعد الحذف من الجر والنصب قولان مشهوران ونص أبو حيان
~~على جواز هذا الوجه في «بحره» هنا ومنعه في موضع آخر وحكى المنع عنه ابن
~~هشام في «المغني» وقال: زعم أبو حيان أنها لا توصل بالأمر وأن كل شيء سمع
~~من ذلك فأن فيه تفسيرية واستدل بدليلين أحدهما أنهما إذا قدرا بالمصدر
~~فات معنى الأمر الثاني أنهما لم يقعا فاعلا ولا مفعولا لا يصح أعجبني
~~أن قم ولا كرهت أن قم كما يصح ذلك مع الماضي والمضارع.

# والجواب عن الأول أن فوات معنى الأمرية عند التقدير بالمصدر كفوات معنى
~~المضي والاستقبال في الموصولة بالمضارع والماضي عند التقدير المذكور ثم
~~إنه يسلم مصدرية المخففة مع لزوم نحو ذلك فيها في نحو قوله تعالى

# والخامسة أن غضب الله عليهآ

# [النور: 9] إذ لا يفهم الدعاء من المصدر إلا إذا كان مفعولا مطلقا نحو
~~سقيا ورعيا وعن الثاني أنه إنما منع ما ذكره لأنه لا معنى لتعليق الإعجاب
~~والكراهية بالإنشاء لا لما ذكره ثم ينبغي له أن لا يسلم مصدرية كي لأنها
~~لا تقع فاعلا ولا مفعولا وإنما تقع مخفوضة بلام التعليل ثم مما يقطع به
~~على قوله بالبطلان حكاية سيبويه كتبت إليه بأن قم واحتمال زيادة الباء
~~كما يقول وهم فاحش لأن حروف الجر مطلقا لا تدخل إلا على الاسم أو ما في
~~تأويله انتهى.

# وأجاب بعضهم عن الأول أيضا بأنه عند التقدير يقدر الأمر فيقال فيما نحن
~~فيه مثلا إنا أرسلنا نوحا إلى قومه بالأمر بإنذارهم. وتعقب بأنه ليس
~~هناك فعل يكون الأمر مصدره كأمرنا أو نأمر ثم إنه يكون المعنى في / نحو
~~أمرته بأن قم أمرته بالأمر بالقيام وأشار الزمخشري إلى جواب ذلك هو أنه
~~إذا لم يسبق لفظ الأمر أو ما في معناه من نحو رسمت فلا بد من تقدير القول
~~لئلا يبطل الطلب فيقال هنا أرسلناه بأن قلنا له أنذر أي بالأمر ms10838 بالإنذار
~~وإذا سبقه ذلك لا يحتاج إلا تقديره لأن مآل العبارات أعنى أمرته بالقيام
~~وأمرته بأنه قم وإن قم بدون الباء على أنها مفسرة إلى واحد.

# وفي «الكشف» لو قيل إن التقدير وأرسلناه بالأمر بالإنذار من دون إضمار
~~القول لأن الأمرية ليست مدلول جوهر الكلمة بل من متعلق الأداة فيقدر
~~بالمصدر تبعا وفي أمر المخاطب اكتفى بالصيغة تحقيقا لكان حسنا وهذا
~~كما أن التقدير في أن لا يزني خير له عدم الزنا فيقدر النفي بالمصدر على
~~سبيل التبعية وأما إذا صرح بالأمر فلا يحتاج إلى تقدير مصدر للطلب أيضا
~~هذا ولو قدر أمرته بالأمر بالقيام أي بأن يأمر نفسه به مبالغة في الطلب
~~لم يبعد عن الصواب ولما فهم منه ما فهم من الأول وأبلغ استعمل استعماله
~~من غير ملاحظة الأصل وادعى بعضهم أن تقدير القول هنا ليس لئلا يفوت معنى
~~الطلب بل لأن الباء المحذوفة للملابسة وإرسال نوح عليه السلام لم يكن
~~ملتبسا بإنذاره لتأخره عنه وإنما هو ملتبس بقول الله تعالى له عليه
~~السلام { أنذر } ولما كان هذا القول منه تعالى لطلب الإنذار قيل
~~المعنى أرسلناه بالأمر بالإنذار وكأن هذا القائل لا يبالي بفوات معنى
~~الطلب كما يقتضيه كلام ابن هشام المتقدم آنفا. وبحث الخفاجي فيما ذكروه
~~من الفوات فقال كيف يفوت معنى الطلب وهو مذكور صريحا في { أنذر }
~~ونحوه وتأويله بالمصدر المسبوك تأويل لا ينافيه لأنه مفهوم أخذوه من
~~موارد استعماله فكيف يبطل صريح منطوقه فما ذكروه مما لا وجه له وإن
~~اتفقوا عليه فاعرفه انتهى.

# وأقول لعلهم أرادوا بفوات معنى الطلب فواته عند ذكر المصدر الحاصل من
~~التأويل بالفعل على معنى أنه إذا ذكر بالفعل لا يتحقق معنى الطلب ولا
~~يتحد الكلامان ولم يريدوا أنه يفوت مطلقا كيف وتحققه في المنطوق الصريح
~~كنار على علم ويؤيد هذا منعهم بطلان اللازم المشار إليه بقول ابن هشام إن
~~فوات معنى الأمرية عند التقدير بالمصدر كفوات المضي والاستقبال الخ فكأنه
~~قيل لا نسلم أن هذا الفوات باطل لم لا ms10839 يجوز أن يكون كفوات معنى المضي
~~والاستقبال وفوات معنى الدعاء في نحو

# أن غضب

# [النور: 9] وقد أجمعوا أن ذلك ليس بباطل لأنه فوات عند الذكر بالفعل
~~وليس بلازم وليس بفوات مطلقا لظهور أن المنطوق الصريح متكفل به فتدبر.

# وقرأ ابن مسعود (أنذر) بغير أن على إرادة القول أي قائلين أنذر.

# { من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } عاجل وهو ما حل بهم من
~~الطوفان كما قال الكلبي أو آجل وهو عذاب النار كما قال ابن عباس،
~~والمراد أنذرهم من قبل ذلك لئلا يبقى لهم عذر ما أصلا.

### || [71.2]

# { قال } استئناف بياني كأنه قيل فما فعل عليه الصلاة والسلام بعد هذا
~~الإرسال فقيل قال لهم { يقوم إنى لكم نذير مبين } منذر
~~موضح لحقيقة الأمر. واللام في { لكم } للتقوية أو للتعليل أي لأجل
~~نفعكم من غير أن أسألكم أجرا.

### || [71.3]

# قوله تعالى: { أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون }
~~متعلق بنذير على مصدرية (أن) وتفسيريتها، ومر نظيره في الشعراء.

### || [71.4]

# وقوله تعالى: { يغفر لكم من ذنوبكم } مجزوم في جواب الأمر.
~~واختلف في (من) فقيل ابتدائية وإن لم تصلح هنا لمقارنة { إلى } وابتداء
~~الفعل من جانبه تعالى على معنى أنه سبحانه يبتدءهم بعد إيمانهم بمغفرة
~~ذنوبهم إحسانا منه عز وجل وتفضلا، وجوز أن يكون من جانبهم على معنى أول
~~ما يحصل لهم بسبب إيمانهم مغفرة ذنوبهم وليس بذاك وقيل بيانية ورجوعها
~~إلى معنى الابتدائية استبعده الرضي ويقدر قبلها مبهم يفسر بمدخولها أي
~~يغفر لكم أفعالكم التي هي الذنوب. وقيل زائدة على رأي الأخفش المجوز
~~لزيادتها مطلقا وجزم بذلك هنا. وقيل تبعيضية أي يغفر لكم بعض ذنوبكم
~~واختاره بعض.

# واختلف في البعض المغفور فذهب قوم إلى أنه حقوق الله تعالى فقط السابقة
~~على الإيمان، وآخرون إلى أنه ما اقترفوه قبل / الإيمان مطلقا الظاهر ما
~~ورد من أن الإيمان يجب ما قبله واستشكل ذلك العز بن عبد السلام في
~~«الفوائد المنتثرة» وأجاب عنه فقال كيف يصح هذا على رأي سيبويه الذي لا
~~يرى كالأخفش زيادتها في الموجب بل ms10840 يقول إنها للتبعيض مع أن الإسلام يجب
~~ما قبله بحيث لا يبقى منه شيء؟ والجواب أن إضافة الذنوب إليهم إنما تصدق
~~حقيقة فيما وقع إذ ما لم يقع لا يكون ذنبا لهم، وإضافة ما لم يقع على
~~طريق التجوز كما في

# واحفظوا أيمانكم

# [المائدة: 89] إذ المراد بها الأيمان المستقبلة، وإذا كانت الإضافة تارة
~~تكون حقيقة وتارة تكون مجازا فسيبويه يجمع بين الحقيقة والمجاز فيها وهو
~~جائز - يعني عند أصحابه الشافعية - ويكون المراد من بعض ذنوبكم البعض
~~الذي وقع انتهى ولا يحتاج إلى حديث الجمع من خص الذنوب المغفورة بحقوق
~~الله عز وجل وههنا بحث وهو أن الحمل على التبعيض يأباه

# يغفر لكم ذنوبكم

# [الصف: 12] و

# إن الله يغفر الذنوب جميعا

# [الزمر: 53] وقد نص البعلي في «شرح الجمل» على أن ذلك هو الذي دعا
~~الأخفش للجزم بالزيادة هنا، وجعله ابن الحاجب حجة له ورده بعض الأجلة بأن
~~الموجبة الجزئية من لوازم الموجبة الكلية ولا تناقض بين اللازم والملزوم
~~ومبناه الغفلة عن كون مدلول (من) التبعيضية هي البعضية المجردة عن الكلية
~~المنافية لها لا الشاملة لما في ضمنها المجتمعة معها وإلا لما تحقق الفرق
~~بينها وبين (من) البيانية من جهة الحكم ولما تيسر تمشية الخلاف بين
~~الإمام أبي حنيفة وصاحبيه فيما إذا قال طلقي نفسك من ثلاث ما شئت بناء
~~على أن (من) للتبعيض عنده وللبيان عندهما. قال في «الهداية» وإن قال لها
~~طلقي نفسك من ثلاث ما شئت فلها أن تطلق نفسها واحدة وثنتين ولا تطلق
~~ثلاثا عند أبي حنيفة وقالا تطلق ثلاثا إن شاءت لأن كلمة ما محكمة في
~~التعميم وكلمة (من) قد تستعمل للتمييز فتحمل على تمييز الجنس ولأبي
~~حنيفة أن كلمة (من) حقيقة في التبعيض وما للتعميم فيعمل بهما انتهى.

# ولا خفاء في أن بناء الجواب المذكور على كون (من) للتبعيض إنما يصح إذا
~~كان مدلولها حينئذ البعضية المجردة المنافية للكلية ومن هنا تعجب من صاحب
~~«التوضيح» في تقرير الخلاف المذكور حيث استدل على أولوية التبعيض بتيقنه
~~ولم ms10841 يدر أن البعض المراد قطعا على تقدير البيان البعض العام الشامل لما
~~في ضمن الكل لا البعض المجرد المراد هنا فبالتعليل على الوجه المذكور لا
~~يتم التقريب بل لا انطباق بين التعليل والمعلل على ما قيل. وصوب العلامة
~~التفتازاني حيث قال فيما علقه على «التلويح» مستدلا على أن البعضية التي
~~تدل عليها من التبعيضية هي البعضية المجردة المنافية للكلية لا البعضية
~~التي هي أعم من أن تكون في ضمن الكل أو بدونه لاتفاق النحاة على ذلك حيث
~~احتاجوا إلى التوفيق بين قوله تعالى { يغفر لكم من ذنوبكم }
~~وقوله تعالى

# إن الله يغفر الذنوب جميعا

# [الزمر: 53] فقالوا لا يبعد أن يغفر سبحانه الذنوب لقوم وبعضها لآخرين
~~أو خطاب البعض لقوم نوح عليه السلام وخطاب الكل لهذه الأمة ولم يذهب أحد
~~إلى أن التبعيض لا ينافي الكلية ولم يصوب الشريف في رده عليه قائلا وفيه
~~بحث إذ الرضي صرح بعدم المنافاة بينهما حيث قال ولو كان أيضا خطابا
~~لأمة واحدة فغفران بعض الذنوب لا يناقض غفران كلها بل عدم غفران بعضها
~~يناقض غفران كلها لأن قول الرضي غير مرتضى لما عرفت من أن مدلول
~~التبعيضية البعضية المجردة واعترض قول النحاة أو خطاب البعض لقوم نوح
~~عليه السلام وخطاب الكل لهذه الأمة بأن الاخبار عن مغفرة البعض ورد في
~~مواضع منها قوله تعالى في سورة إبراهيم [10]

# يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم

# ومنها في سورة الأحقاف [31]

# يقومنآ أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر
~~لكم من ذنوبكم

# ومنها ما هنا وهو الذي ورد في قوم نوح عليه السلام وأما ما ذكر في
~~الأحقاف فقد ورد في الجن وما ورد في إبراهيم فقد ورد في قوم نوح وعاد،
~~وثمود على ما أفصح به السياق فكيف يصح ما ذكروه. وقيل جيء بمن في خطاب
~~الكفرة دون المؤمنين في جميع / القرآن تفرقة بين الخطابين ووجه بأن
~~المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفار مرتبة على الإيمان وحيث جاءت في خطاب
~~المؤمنين مشفوعة بالطاعة والتجنب عن المعاصي ونحو ذلك فيتناول ms10842 الخروج عن
~~المظالم. واعترض بأن التفرقة المذكورة إنما تتم لو لم يجىء الخطاب للكفرة
~~على العموم وقد جاء كذلك كما في سورة الأنفال [38]

# قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد
~~سلف

# وقد أسلفنا ما يتعلق بهذا المقام أيضا فتذكر وتأمل.

# { ويؤخركم إلى أجل مسمى } هو الأمد الأقصى الذي قدره
~~الله تعالى لهم بشرط الإيمان والطاعة وراء ما قدره عز وجل لهم على تقدير
~~بقائهم على الكفر والعصيان فإن وصف الأجل بالمسمى وتعليق تأخيرهم إليه
~~بالإيمان والطاعة صريح في أن لهم أجلا آخر لا يجاوزونه إن لم يؤمنوا وهو
~~المراد بقوله تعالى: { إن أجل الله } أي ما قدره عز وجل لكم على
~~تقدير بقائكم على ما أنتم عليه { إذا جاء } وأنتم على ما أنتم { لا
~~يؤخر } فبادروا إلى الإيمان والطاعة قبل مجيئه حتى لا يتحقق شرطه
~~الذي هو بقاؤكم على الكفر والعصيان فلا يجىء ويتحقق شرط التأخير إلى
~~الأجل المسمى فتؤخروا إليه. وجوز أن يراد به وقت إتيان العذاب المذكور في
~~قوله سبحانه

# من قبل أن يأتيهم عذاب أليم

# [نوح: 1] فإنه أجل مؤقت له حتما وأيا كان لا تناقض بين { يؤخركم
~~} و { إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر } كما يتوهم. وقال
~~الزمخشري في ذلك ما حاصله إن الأجل أجلان وأجل الله حكمه حكم المعهود
~~والمراد منه الأجل المسمى الذي هو آخر الآجال. والجملة عنده تعليل لما
~~فهم عن تعليقه سبحانه التأخير بالأجل المسمى وهو عدم تجاوز التأخير عنه،
~~والأول هو المعول عليه فإن الظاهر أن الجملة تعليل للأمر بالعبادة
~~المستتبعة للمغفرة والتأخير إلى الأجل المسمى فلا بد أن يكون المنفي عند
~~مجيء الأجل هو التأخير الموعود فكيف يتصور أن يكون ما فرض مجيئه هو الأجل
~~المسمى الذي هو آخر الآجال.

# { لو كنتم تعلمون } أي لو كنتم من أهل العلم لسارعتم لما
~~أمركم به لكنكم لستم من أهله في شيء فلذا لم تسارعوا فجواب لو مما يتعلق
~~بأول الكلام، ويجوز أن يكون مما يتعلق بآخره أي لو كنتم من ms10843 أهل العلم
~~لعلمتم ذلك أي عدم تأخير الأجل إذا جاء وقته المقدر له، والفعل في
~~الوجهين منزل منزلة اللازم يجوز أن يكون محذوفا لقصد التعميم أي لو كنتم
~~تعلمون شيئا ورجح الأول بعدم احتياجه للتقدير. والجمع بين صيغتي الماضي
~~والمضارع للدلالة على استمرار النفي المفهوم من لو وجعل العلم المنفي هو
~~العلم النظري لا الضروري ولا ما يعمه فإنه مما لا ينفى اللهم إلا على
~~سبيل المبالغة.

### || [71.5]

# { قال } أي نوح عليه السلام مناجيا ربه عز وجل وحاكيا له سبحانه
~~بقصد الشكوى وهو سبحانه أعلم بحاله ما جرى بينه وبين قومه من القيل
~~والقال في تلك المدد الأطوال بعد ما بذل في الدعوة غاية المجهود وجاز في
~~الإنذار كل حد معهود وضاقت عليه الحيل وعيت به العلل { رب إنى
~~دعوت قومى } إلى الإيمان والطاعة { ليلا ونهارا } أي
~~دائما من غير فتور ولا توان.

### || [71.6]

# مما دعوتهم إليه. وإسناد الزيادة إلى الدعاء من باب الإسناد إلى السبب
~~على حد الإسناد في سرتني رؤيتك و { فرارا } قيل تمييز وقيل مفعول ثان
~~بناء على تعدي الزيادة والنقص إلى مفعولين، وقد قيل إنه لم يثبت وإن ذكره
~~بعضهم. وفي الآية مبالغات بليغة وكان الأصل فلم يجيبوني ونحوه فعبر عن
~~ذلك بزيادة الفرار المسندة للدعاء وأوقعت عليهم من الإتيان بالنفي
~~والإثبات.

### || [71.7]

# { وإنى كلما دعوتهم } أي إلى الإيمان، فمتعلق الفعل محذوف،
~~وجوز جعله منزلا منزلة اللازم. والجملة عطف على ما قبلها وليس ذلك من
~~عطف المفصل على المجمل كما توهم حتى يقال إن الواو من الحكاية لا من
~~المحكي { لتغفر لهم } أي بسبب الإيمان { جعلوا
~~أصبعهم فى ءاذنهم } / أي سدوا مسامعهم عن استماع الدعوة فهو
~~كناية عما ذكر ولا منع من الحمل على الحقيقة. وفي نسبة الجعل إلى الأصابع
~~وهو منسوب إلى بعضها وإيثار الجعل على الإدخال ما لا يخفى {
~~واستغشوا ثيابهم } أي بالغوا في التغطي بها كأنهم طلبوا من
~~ثيابهم أن تغشاهم لئلا يروه كراهة النظر إليه من فرط كرهة الدعوة، ففي
~~التعبير بصيغة ms10844 الاستفعال ما لا يخفى من المبالغة وكذا في تعميم آلة
~~الإبصار وغيرها من البدن بالستر مبالغة في إظهار الكراهة، ففي الآية
~~مبالغة بحسب الكيف والكم. وقيل بالغوا في ذلك لئلا يعرفهم عليه السلام
~~فيدعوهم وفيه ضعف فإنه قيل عليه إنه يأباه ترتبه على قوله { كلما
~~دعوتهم } اللهم إلا أن يجعل مجازا عن إرادة الدعوة وهو تعكيس
~~للأمر وتخريب للنظم.

# { وأصروا } أي أكبوا على الكفر والمعاصي وانهمكوا وجدوا فيها،
~~مستعار من أصر الحمار على العانة إذا أصر أذنيه أي رفعهما ونصبهما
~~مستويين وأقبل عليها يكدمها ويطردها، وفي ذلك غاية الذم لهم. وعن جار
~~الله لو لم يكن في ارتكاب المعاصي إلا التشبيه بالحمار لكفى به مزجرة كيف
~~والتشبيه في أسوء أحواله وهو حال الكدم والسفاد. وما ذكر من الاستعارة
~~قيل في أصل اللغة وقد صار الإصرار حقيقة عرفية في الملازمة والانهماك في
~~الأمر. وقال الراغب ((الإصرار التعقد في الذنب والتشديد فيه والامتناع من
~~الإقلاع عنه وأصله من الصر أي الشد)) ولعله لا يأبى ما تقدم بناء على أن
~~الأصل الأول الشد والأصل الثاني ما سمعت أولا.

# { واستكبروا } من اتباعي وطاعتي { استكبارا } عظيما وقيل
~~نوعا من الاستكبار غير معهود. والاستكبار طلب الكبر من غير استحقاق له.

### || [71.8-9]

# أي دعوتهم مرة بعد مرة وكرة غب كرة على وجوه متخالفة وأساليب متفاوتة
~~وهو تعميم لوجوه الدعوة بعد تعميم الأوقات وقوله { ثم إني
~~دعوتهم جهارا } يشعر بمسبوقية الجهر بالسر وهو الأليق بمن همه
~~الإجابة لأنه أقرب إليها لما فيه من اللطف بالمدعو فثم لتفاوت الوجوه وإن
~~الجهار أشد من الإسرار والجمع بينهما أغلظ من الإفراد. وقال بعض الأجلة
~~ليس في النظم الجليل ما يقتضي أن الدعوة الأولى كانت سرا فقط فكأنه أخذ
~~ذلك من المقابلة ومن تقديم قوله

# ليلا

# [نوح: 5] وذكرهم بعنوان قومه وقوله

# فرارا

# [نوح: 6] فإن القرب ملائم له. وجوز كون (ثم) على معناها الحقيقي وهو
~~التراخي الزماني لكنه باعتبار مبدأ كل من الإسرار والجهار ومنتهاه
~~وباعتبار منتهى الجمع بينهما لئلا ينافي عموم الأوقات ms10845 السابق ويحسن
~~اعتبار ذلك وإن اعتبر عمومها عرفيا كما في «لا يضع العصا عن عاتقه».

# و { جهارا } منصوب بدعوتهم على المصدرية لأنه أحد نوعي الدعاء كما
~~نصب القرفصاء في قعدت القرفصاء عليها لأنها أحد أنواع القعود أو أريد
~~بدعوتهم جاهرتهم أو صفة لمصدر محذوف أي دعوتهم دعاء جهارا أي مجاهرا -
~~بفتح الهاء - به أو مصدر في موقع الحال أي مجاهرا بزنة اسم الفاعل.

### || [71.10]

# { فقلت استغفروا ربكم } بالتوبة عن الكفر والمعاصي فإنه
~~سبحانه لا يغفر أن يشرك به وقال ربكم تحريكا لداعي الاستغفار { إنه
~~كان غفارا } دائم المغفرة كثيرها للتائبين كأنهم تعللوا وقالوا إن
~~كنا على الحق فكيف نتركه وإن كنا على الباطل فكيف يقبلنا ويلطف بنا جل
~~وعلا بعد ما عكفنا عليه دهرا طويلا، فأمرهم بما يمحق ما سلف منهم من
~~المعاصي ويجلب إليهم المنافع ولذلك وعدهم على الاستغفار بأمور هي أحب
~~إليهم وأوقع في قلوبهم من الأمور الأخروية أعني ما تضمنه

# يرسل السمآء

# [نوح: 11] الخ وأحبيتهم لذلك لما جبلوا عليه من محبة الأمور الدنيوية:

# والنفس مولعة بحب العاجل

# قال قتادة: كانوا أهل حب للدنيا فاستدعاهم إلى الآخرة من الطريق التي
~~يحبونها وقيل لما كذبوه عليه الصلاة والسلام بعد تكرير الدعوة حبس الله
~~تعالى عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة وقيل سبعين سنة فوعدهم
~~أنهم إن آمنوا يرزقهم الله تعالى الخصب ويدفع عنهم ما هم فيه وهو قوله: {
~~يرسل السماء عليكم مدرارا }.

### || [71.11]

# / أي كثير الدرور أي السيلان. والسماء السحاب أو المطر ومن إطلاقها على
~~المطر وكذا على النبات أيضا قوله:

# إذا نزل السماء بأرض قوم

# رعيناه وإن كانوا غضابا

# وجوز أن يراد بها المظلة على ما سمعت غير مرة، وهي تذكر وتؤنث ولا يأبى
~~تأنيثها وصفها بمدرار إلا أن صيغ المبالغة كلها كما صرح به سيبويه يشترك
~~فيها المذكر والمؤنث، وفي «البحر» أن مفعالا لا تلحقه التاء إلا نادرا.

### || [71.12]

# { ويمددكم بأمول وبنين ويجعل لكم جنت }
~~أي بساتين { ويجعل لكم } فيها أو مطلقا { أنهارا } جارية
~~وأعاد فعل ms10846 الجعل دون أن يقول يجعل لكم جنات وأنهارا لتغايرهما فإن الأول
~~مما لفعلهم مدخل فيه بخلاف الثاني ولذا قال { ويمددكم بأمول
~~وبنين } ولم يعد العامل كذا قيل وهو كما ترى، ولعل الأولى أن يقال إن
~~الإعادة للاعتناء بأمر الأنهار لما أن لها مدخلا عاديا أكثريا في وجود
~~الجنات وفي بقائها مع منافع أخر لا تخفى ورعاية لمدخليتها في بقائها الذي
~~هو أهم من أصل وجودها مع قوة هذه المدخلية أخرت عنها وإن ترك إعادة
~~العامل مع البنين لأنه الأصل أو لأنه لما كان الإمداد أكثر ما جاء في
~~المحبوب ولا تكمل محبوبية كل من الأموال والبنين بدون الآخر ترك إعادة
~~العامل بينهما للإشارة إلى أن التفضل بكل غير منغص بفقد الآخر وتأخير
~~البنين قيل لأن بقاء الأموال غالبا بهم لا سيما عند أهل البادية مع رمز
~~إلى أن الأموال تصل إليهم آخر الأمر وهو مما يسر المتمول كما لا يخفى
~~فتأمل وقال البقاعي: المراد بالجنات والأنهار ما في الآخرة والجمهور على
~~الأول.

# وروي عن الربيع بن صبيح أن رجلا أتى الحسن وشكا إليه الجدب فقال له
~~استغفر الله تعالى وأتاه آخر فشكا إليه الفقر فقال له استغفر الله تعالى
~~وأتاه آخر فقال ادع الله سبحانه أن يرزقني ابنا فقال له استغفر الله
~~تعالى وأتاه آخر فشكا إليه جفاف بساتينه فقال له استغفر الله تعالى فقلنا
~~أتاك رجال يشكون ألوانا ويسألون أنواعا فأمرتهم كلهم بالاستغفار فقال
~~ما قلت من نفسي شيئا إنما اعتبرت قول الله عز وجل حكاية عن نبيه نوح
~~عليه الصلاة والسلام أنه قال لقومه

# استغفروا ربكم

# [نوح: 10] الآية.

### || [71.13]

# إنكار لأن يكون لهم سبب ما في عدم رجائهم لله تعالى وقارا، على أن
~~الرجاء بمعنى الخوف كما أخرجه الطستي عن ابن عباس مجيبا به سؤال نافع بن
~~الأزرق منشدا قول أبي ذؤيب:

# إذا لسعته النحل لم يرج لسعها

# وحالفها في بيت نوب عواسل

# أو على أنه بمعنى الاعتقاد كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ
~~وجماعة، وعبر ms10847 به بالرجاء التابع لأدنى الظن مبالغة و { لا ترجون }
~~حال من ضمير المخاطبين والعامل فيها معنى الاستقرار في { لكم } على أن
~~الإنكار متوجه إلى السبب فقط مع تحقق مضمون الجملة الحالية لا إليهما
~~معا و { لله } متعلق بمضمر وقع حالا من { وقارا } ولو تأخر لكان
~~صفة له.

# والوقار كما رواه جماعة عن الحبر بمعنى العظمة لأنه على ما نقل الخفاجي
~~عن «الانتصاف» ورد في صفاته تعالى بهذا المعنى ابتداء أو لأنه بمعنى
~~التؤدة لكنها غير مناسبة له سبحانه فأطلقت باعتبار غايتها وما يتسبب عنها
~~من العظمة في نفس الأمر أو في نفوس الناس، أي أي سبب حصل لكم حال كونكم
~~غير خائفين أو غير معتقدين لله تعالى عظمة موجبة لتعظيمه سبحانه بالإيمان
~~به جل شأنه والطاعة له تعالى.

### || [71.14]

# أي والحال أنكم على حال منافية لما أنتم عليه بالكلية وهو أنكم تعلمون
~~أنه عز وجل خلقكم مدرجا لكم في حالات عناصر ثم أغذية ثم أخلاطا ثم
~~نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما ولحوما ثم خلقا آخر، فإن التقصير في
~~توقير من هذا شأنه في القدرة القاهرة والإحسان التام مع العلم بذلك مما
~~لا يكاد يصدر عن العاقل، فالجملة حال من فاعل

# لا ترجون

# [نوح: 13] مقررة للإنكار.

# والأطوار الأحوال المختلفة وأنشدوا قوله:

# فإن أفاق فقد طارت عمايته

# والمرء يخلق طورا بعد أطوار

# / وحملها على ما سمعت من الأحوال مما ذهب إليه جمع وعن ابن عباس ومجاهد
~~ما يقتضيه وإن اقتصرا على ذكر النطفة والعلقة والمضغة. وقيل المراد بها
~~الأحوال المختلفة بعد الولادة إلى الموت من الصبا والشباب والكهولة
~~والشيوخة والقوة والضعف. وقيل من الألوان والهيآت والأخلاق والملل
~~المختلفة. وقيل من الصحة والسقم وكمال الأعضاء ونقصانها والغنى والفقر
~~ونحوها.

# هذا وقيل الرجاء بمعنى الأمل كما هو الأصل المعروف فيه، والوقار بمعنى
~~التوقير كالسلام بمعنى التسليم وأريد به التعظيم و

# لله

# [نوح: 13] بيان للموقر المعظم فهو خبر مبتدأ محذوف أي إرادتي لله أو
~~متعلق بمحذوف يفسره المذكور أي وقارا لله ولم يعلق ms10848 بالمذكور بناء على
~~ما صحح على ما فيه من أن معمول المصدر مطلقا لا يتقدم عليه ولو تأخر
~~لكان صلة له على ما في «الكشاف» وفيه ((أن المعنى ما لكم لا تكونون على
~~حال تأملون فيها تعظيم الله تعالى إياكم في دار الثواب))، وحاصله ما لكم
~~لا ترجون أن توقروا وتعظموا على البناء للمفعول فكأنه قيل لمن التوقير أي
~~من الذي يعظمنا ويختص به إعظامه إيانا فقيل لله وفسره بقوله على حال الخ
~~إشارة إلى أنه ينعي عليهم اغترارهم كأنه قيل ما لكم مغترين غير راجين.
~~وجعل الحث على الرجاء كناية عن الحث على الإيمان والعمل الصالح لاقتضائه
~~انعقاد الأسباب بخلاف الغرور وهي كناية إيمائية إذ لا واسطة ولو جعلت
~~رمزية لخفاء الفرق بين الرجاء والغرور على الأكثر لكان وجها قاله في
~~«الكشف».

# وتعقب ذلك مفتي الديار الرومية عليه الرحمة بأن عدم رجاء الكفرة لتعظيم
~~الله تعالى إياهم في دار الثواب ليس في حيز الاستبعاد والإنكار مع أن في
~~جعل الوقار بمعنى التوقير من التعسف وفي جعل

# لله

# [نوح: 13] بيانا للموقر ودعوى أنه لو تأخر لكان صلة للوقار من التناقض
~~ما لا يخفى فإن كونه بيانا للموقر يقتضي أن يكون التوقير صادرا عنه
~~تعالى والوقار وصفا للمخاطبين وكونه صلة للوقار يوجب كون التوقير صادرا
~~عنهم والوقار وصفا له عز وجل انتهى.

# وأجيب عن أمر التناقض بأنك إذا قلت ضرب لزيد جاز أن يكون زيد فاعلا وأن
~~يكون مفعولا وكفى شاهدا صحة الإضافتين فعند التأخر يحتمل أن يكون
~~الوقار بمعنى التوقير صادرا منه تعالى فيكون الوقار وصفا للمخاطبين
~~ويحتمل أن يكون متعلقا به فيكون التوقير صادرا عنهم والوقار وصفا له
~~تعالى. غاية ما في الباب أنه لما قدم { لله } وامتنع تعلقه بالمصدر
~~المتأخر صار بيانا وعينت القرينة إرادة صدور التوقير عنه عز وجل وأين
~~هذا من التناقض؟ نعم يبقى الكلام في القرينة ولعلها السياق بناء على أن
~~القوم استبعدوا أن يقبلوا ويلطف الله تعالى بهم إن هم تركوا باطلهم فيكون
~~هذا ms10849 من تتمة إزالة الشبهة فيما سمعت من قولهم كيف يقبلنا ويلطف بنا الخ
~~ويعلم من هذا الجواب عن قوله إن عدم رجاء الكفرة لتعظيم الله تعالى ليس
~~في حيز الاستبعاد كما لا يخفى وعليه قيل يكون قوله تعالى { وقد
~~خلقكم } إلى قوله سبحانه:

# فجاجا

# [نوح: 20] للدلالة على أنه جل شأنه لا يزال ينعم عليكم مع كفركم فكيف لا
~~يلطف بكم ويوقركم إذا آمنتم؟ وتفسر الأطوار بما يعتري الإنسان في أسنانه
~~من الأمور المختلفة كالصبا والشباب والكهولة وغيرها مما يكون بعضه في حال
~~الكفر ويصلح لأن يمتن به ويلتزم كون الإعادة في الأرض من النعم عندهم
~~بناء على أن فيها ستر فظاعة الأبدان على أسهل وجه بعد حلول الموت
~~الضروري في هذه النشأة. والإنصاف بعد هذا كله تم أم لم يتم أن الوجه
~~المذكور متكلف بعيد عن الظاهر بمراحل.

# وقيل المعنى ما لكم لا تخافوا الله تعالى حلما وترك معاجلة بالعقاب
~~فتؤمنوا فالرجاء بمعنى الخوف والوقار بمعنى الحلم حقيقة كما هو ظاهر كلام
~~الراغب أو استعارة له لاشتراكهما في الثاني أو مجازا إذ لا يتخلف الحلم
~~عن الوقار عادة. وفي رواية عن ابن عباس تفسيره بالعاقبة حيث قال أي لا
~~تخافون لله عاقبة وهو من الكناية حينئذ أخذا من الوقار بمعنى الثبات.
~~وعن مجاهد والضحاك أن المعنى ما لكم لا تبالون لله تعالى عظمة، قال قطرب
~~/ هذه لغة أهل الحجاز وهذيل وخزاعة ومضر يقولون لم أرج أي لم أبال. وأظهر
~~المعاني ما ذكرناه أولا.

# ولما ذكر من آيات الأنفس ما ذكر أتبعه بشيء من آيات الآفاق ولبعد أحد
~~الأمرين عن الآخر رتبة لم يأت بالعطف بل قطع فقال: { ألم تروا
~~كيف خلق الله سبع سموات طباقا }.

### || [71.15]

# أي متطابقة بعضها فوق بعض، وتفسير التطابق بالتوافق في الحسن والاشتمال
~~على الحكم وجودة الصنع

# ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت

# [الملك: 3] عدول عن الظاهر الذي تطابقت عليه الأخبار من غير داع إليه.

### || [71.16]

# { وجعل القمر فيهن نورا } منورا الوجه الأرض في ظلمة ms10850
~~الليل. وجعله فيهن مع أنه في إحداهن وهي السماء الدنيا كما يقال زيد في
~~بغداد وهو في بقعة منها، والمرجح له الإيجاز والملابسة بالكلية والجزئية
~~وكونها طباقا شفافة.

# { وجعل الشمس سراجا } يزيل ظلمة الليل ويبصر أهل الدنيا في
~~ضوئها وجه الأرض ويشاهدون الآفاق كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما
~~يحتاجون إلى إبصاره. وتنوينه للتعظيم. وفي الكلام تشبيه بليغ ولكون
~~السراج أعرف وأقرب جعل مشبها به ولاعتبار التعدي إلى الغير في مفهومه
~~بخلاف النور كان أبلغ منه ولعل في تشبيهها بالسراج القائم ضياءه لا بطريق
~~الانعكاس رمزا إلى أن ضياءها ليس منعكسا إليها من كوكب آخر كما أن نور
~~القمر منعكس عليه من الشمس لاختلاف تشكلاته بالقرب والبعد منها مع خسوفه
~~بحيلولة الأرض بينه وبينها وجزم أهل الهيئة القديمة بذلك وفي رواية لا
~~أظنها تصح أن ضياء الشمس مفاض عليها من العرش وأظن أن من يقول إنها تدور
~~على كوكب آخر من أهل الهيئة الجديدة يقول باستفادتها النور من غيرها.

# ثم الظاهر أن المراد وجعل الشمس فيهن، فقيل هي في السماء الدنيا في فلك
~~في ثخنها، وقيل في السماء الرابعة وهو المشهور عند متقدمي أهل الهيئة
~~واستدلوا عليه بما هو مذكور في كتبهم، وفي «البحر» حكاية قول إنها في
~~الخامسة ولا يكاد يصح. ومما يضحك الصبيان فضلا عن فحول ذوي العرفان ما
~~حكي فيه أيضا أنها في الشتاء في الرابعة وفي الصيف في السابعة. وذهب
~~متأخرو أهل الهيئة إلى أنها مركز للسيارات وعدوا الأرض منها ولم يعدوا
~~القمر لدورانه على الأرض وهو بينها وبين الشمس عندهم، وسنعمل إن شاء الله
~~تعالى رسالة في تحقيق الحق، والحق عند ذويه أظهر من الشمس.

### || [71.17]

# أي أنشأكم منها فاستعير الإنبات للإنشاء لكونه أدل على الحدوث والتكون
~~من الأرض لكونه محسوسا وقد تكرر إحساسه وهم وإن لم ينكروا الحدوث جعلوا
~~بإنكار البعث كمن أنكره ففي الكلام استعارة مصرحة تبعية. و(من) ابتدائية
~~داخلة على المبدأ البعيد. و { نباتا } قال أبو حيان وجماعة مصدر مؤكد ms10851
~~لأنبتكم بحذف الزوائد والأصل إنباتا أو نصب بإضمار فعل أي فنبتم نباتا.
~~وفي «الكشف» أن الإنبات والنبات من الفعل والانفعال وهما واحد في الحقيقة
~~والاختلاف بالنسبة إلى القيام بالفاعل والقابل فلا حاجة إلى تضمين فعل
~~آخر ولا تقديره ثم إن الإنبات إن حمل على معناه الوضعي فلا احتياج إلى
~~التقدير إذ هو في نفسه متضمن للنبات كما أشرنا إليه فيكون { نباتا }
~~نصبا بأنبتكم لهذا التضمن، وإن حمل على المتعارف من إطلاقه على مقدمة
~~الإنبات من إخفاء الحب في الأرض مثلا فالوجه الحمل على أن المراد أنبتكم
~~فنبتم نباتا ليكون فيه إشعار بنحو النكتة التي جرت في قوله تعالى

# فانبجست

# [الأعراف: 160] من الدلالة على القدرة وسرعة نفاذ حكمها. وجوز أن يكون
~~الأصل أنبتكم من الأرض إنباتا فنبتم نباتا فحذف من الجملة الأولى
~~المصدر ومن الثانية الفعل اكتفاء بما ذكر في الأخرى على أنه من الاحتباك.
~~وقال القاضي اختصر اكتفاء بالدلالة الالتزامية وفيه على ما قال الخفاجي
~~الإشعار المذكورة فتأمل.

### || [71.18]

# { ثم يعيدكم فيها } أي في الأرض بالدفن عند موتكم / {
~~ويخرجكم } منها عند البعث والحشر { إخراجا } محققا لا ريب
~~فيه وعطف { يعيدكم } بثم لما بين الإنشاء والإعادة من الزمان
~~المتراخي الواقع فيه التكليف الذي به استحقوا الجزاء بعد الإعادة وعطف {
~~يخرجكم } بالواو دون ثم مع أن الإخراج كذلك لأن أحوال البرزخ
~~والآخرة في حكم شيء واحد فكأنه قضية واحدة ولا يجوز أن يكون بعضها محقق
~~الوقوع دون بعض بل لابد أن تقع الجملة لا محالة وإن تأخرت عن الإبتداء.

### || [71.19]

# تتقلبون عليها كالبساط، وليس فيه دلالة على أن الأرض مبسوطة غير كرية
~~كما في «البحر» وغيره لأن الكرة العظيمة يرى كل من عليها ما يليه مسطحا
~~ثم إن اعتقاد الكرية أو عدمها ليس بأمر لازم في الشريعة لكن كريتها
~~كالأمر اليقيني وإن لم تكن حقيقية ووجه توسيط { لكم } بين الجعل
~~ومفعوله الصريح يعلم مما مر غير مرة.

### || [71.20]

# { لتسلكوا منها سبلا } طرقا { فجاجا } واسعات جمع فج
~~فهو صفة مشبهة نعت لسبلا. وقال ms10852 غير واحد هو اسم للطريق الواسعة وقيل اسم
~~للمسلك بين الجبلين فيكون بدلا أو عطف بيان و(من) متعلقة بما قبلها
~~لتضمنه معنى الاتخاذ وإلا فهو يتعدى بفي أو بمضمر هو حال من { سبلا } أي
~~سبلا كائنة من الأرض ولو تأخر لكان صفة لها.

### || [71.21]

# { قال نوح } أعيد لفظ الحكاية لطول العهد بحكاية مناجاته لربه عز
~~وجل أي قال عليه السلام مناجيا له تعالى شاكيا إليه عز وجل { رب
~~إنهم عصونى } أي داموا على عصياني فيما أمرتهم به مع ما بالغت
~~في إرشادهم بالعظة والتذكير { واتبعوا من لم يزده ماله
~~وولده إلا خسارا } أي واستمروا على اتباع رؤسائهم الذين
~~أبطرتهم أموالهم وغرتهم أولادهم وصار ذلك سببا لزيادة خسارهم في الآخرة
~~فصاروا أسوة لهم في الخسار. والظاهر أن اتباع عامتهم وسفلتهم لأولئك
~~الرؤساء وفي وصفهم بذلك إشعار بأنهم اتبعوهم لوجاهتهم الحاصلة لهم بسبب
~~الأموال والأولاد لا لما شاهدوا فيهم من شبهة مصححة للاتباع في الجملة.

# وقرأ ابن الزبير والحسن والنخعي والأعرج ومجاهد والأخوان وابن كثير أبو
~~عمرو ونافع في رواية خارجة عنه (وولده) بضم الواو وسكون اللام فقيل هو
~~مفرد لغة في ولد بفتحهما كالحزن والحزن وقيل جمع له كالأسد والأسد وفي
~~«القاموس» الولد محركة وبالضم والكسر والفتح واحد وجمع وقد يجمع على
~~أولاد وولدة وإلدة بكسرها وولد بالضم انتهى. وقرأ بالكسر والسكون
~~الحسن أيضا والجحدري وقتادة وزر وطلحة وابن أبي إسحاق وأبو عمرو في
~~رواية.

### || [71.22]

# { ومكروا } عطف على صلة

# من

# [نوح: 21] والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد في الضمائر الأول
~~باعتبار لفظها، وكأن فيه إشارة إلى اجتماعهم في المكر ليكون أشد وأعظم.
~~وقيل عطف على

# عصوني

# [نوح: 21] والأول أنسب لدلالته على أن المتبوعين ضموا إلى الضلال
~~الإضلال وهو الأوفق بالسياق فإن المتبادر أن ما بعده من صفة الرؤساء
~~أيضا واعتبار ذلك العطف على أن المعنى مكر بعضهم ببعض وقال بعضهم لبعض
~~خلاف المتبادر.

# { مكرا كبارا } أي كبيرا في الغاية فهو من صيغ المبالغة، قال
~~عيسى بن عمر هي لغة يمانية ms10853 وعليها قول الشاعر:

# بيضاء تصطاد القلوب وتستبي

# بالحسن قلب المسلم القراء

# وقوله:

# والمرء يلحقه بفتيان الندى

# خلق الكريم وليس بالوضاء

# وقد سمع بعض الأعراب الجفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه
~~الآية فقال ما أفصح ربك يا محمد. وإذا اعتبر التنوين في { مكرا }
~~للتفخيم زاد أمر المبالغة في مكرهم أي كبيرا في الغاية وذلك احتيالهم في
~~الدين وصدهم للناس عنه وإغراءهم وتحريضهم على أذية نوح عليه السلام.

# وقرأ عيسى وابن محيصن وأبو السمال (كبارا) بتخفيف الباء وهو بناء
~~مبالغة أيضا إلا أنها دون / المبالغة في المشدد ومثل كبار في ذلك حسان
~~وطوال وعجاب وجمال إلى ألفاظ كثيرة. وقرأ زيد بن علي وابن محيصن فيما روى
~~عنه وهب بن واضح (كبارا) بكسر الكاف وفتح الباء قال ابن الأنباري: هو
~~جمع كبير كأنه جعل مكرا مكان ذنوب أو أفاعيل يعني فلذلك وصف بالجمع.

### || [71.23]

# { وقالوا لا تذرن ءالهتكم } أي لا تتركوا عبادتها على
~~الإطلاق إلى عبادة رب نوح عليه السلام { ولا تذرن ودا ولا
~~سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا } أي ولا تتركوا عبادة هؤلاء
~~خصوها بالذكر مع اندراجها فيما سبق لأنها كانت أكبر أصنامهم ومعبوداتهم
~~الباطلة وأعظمها عندهم وإن كانت متفاوتة في العظم فيما بينها بزعمهم كما
~~يومىء إليه إعادة لا مع بعض وتركها مع آخر. وقيل أفرد يعوق ونسر عن النفي
~~لكثرة تكرار لا وعدم اللبس.

# وقد انتقلت هذه الأصنام إلى العرب. أخرج البخاري وابن المنذر وابن
~~مردويه عن ابن عباس قال «صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح عليه السلام
~~في العرب بعد أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل وأما سواع فكانت لهذيل وأما
~~يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف عند سبأ وأما يعوق فكانت لهمدان وأما نسر
~~فكانت لحمير لآل ذي الكلاع وكانت هذه الأسماء أسماء رجال صالحين من قوم
~~نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إليهم أن انصبوا في مجالسهم التي كانوا
~~يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فعلم تعبد حتى إذا هلك أولئك
~~ودرس العلم عبدت». ms10854

# وأخرج أبو الشيخ في «العظمة» عن محمد بن كعب القرظي أنه قال كان لآدم
~~عليه السلام خمسة بنين ود وسواع الخ فكانوا عبادا فمات رجل منهم فحزنوا
~~عليه حزنا شديدا فجاءهم الشيطان فقال حزنتم على صاحبكم هذا قالوا نعم
~~قال هل لكم أن أصور لكم مثله في قبلتكم إذا نظرتم إليه ذكرتموه قالوا
~~نكره أن تجعل لنا في قبلتنا شيئا نصلي عليه قال فأجعله في مؤخر المسجد
~~قالوا نعم فصوره لهم حتى مات خمستهم فصور صورهم في مؤخر المسجد فنقصت
~~الأشياء حتى تركوا عبادة الله تعالى وعبدوا هؤلاء فبعث الله تعالى نوحا
~~عليه السلام فدعاهم إلى عبادة الله تعالى وحده وترك عبادتها فقالوا ما
~~قالوا.

# وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير أن ودا كان أكبرهم وأبرهم
~~وكانوا كلهم أبناء آدم عليه السلام وروي أن ودا أول معبود من دون الله
~~سبحانه وتعالى. أخرج عبد بن حميد عن أبي مطهر قال ذكروا عند أبي جعفر
~~رضي الله تعالى عنه يزيد بن المهلب فقال أما إنه قتل في أول أرض عبد فيها
~~غير الله تعالى ثم ذكر ودا وقال كان رجلا مسلما وكان محببا في قومه
~~فلما مات عسكروا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه فلما رأى إبليس جزعهم
~~تشبه في صورة إنسان ثم قال أرى جزعكم على هذا فهل لكم أن أصور لكم مثله
~~فيكون في ناديكم فتذكرونه به قالوا نعم فصور لهم مثله فوضعوه في ناديهم
~~فجعلوا يذكرونه به فلما رأى ما بهم من ذكره قال هل لكم أن أجعل لكم في
~~منزل كل رجل منكم تمثالا مثله فيكون في بيته فيذكر به فقالوا نعم ففعل
~~فأقبلوا يذكرونه به وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به وتناسلوا
~~ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلها يعبدونه من دون الله تعالى فكان
~~أول من عبد غير الله تعالى في الأرض ودا.

# وأخرج ابن المنذر وغيره عن أبي عثمان النهدي أنه قال رأيت يغوث وكان من
~~رصاص يحمل على جمل ms10855 أجرد ويسيرون معه لا يهيجونه حتى يكون هو الذي يبرك
~~فإذا برك نزلوا وقالوا قد رضي لكم المنزل فينزلون حوله ويضربون عليه
~~بناء. وقيل يبعد بقاء أعيان تلك الأصنام وانتقالها إلى العرب فالظاهر
~~أنه لم يبق إلا الأسماء فاتخذت العرب أصناما وسموها بها وقالوا أيضا
~~عبد ود وعبد يغوث يعنون أصنامهم وما رآه أبو عثمان منها مسمى باسم ما سلف
~~ويحكى أن / ودا كان على صورة رجل وسواعا كان على صورة امرأة ويغوث كان
~~على صورة أسد ويعوق كان على صورة فرس ونسرا كان على صورة نسر وهو مناف
~~لما تقدم أنهم كانوا على صور أناس صالحين وهو الأصح.

# وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة بخلاف عنهم (ودا) بضم الواو وقرأ الأشهب
~~العقيلي (ولا يغوثا ويعوقا) بتنوينهما قال صاحب «اللوامح» جعلهما
~~فعولا فلذلك صرفهما وهما في قراءة الجمهور صفتان من الغوث والعوق يفعل
~~منهما وهما معرفتان فلذلك منعا الصرف لاجتماع الثقيلين اللذين هما
~~التعريف ومشابهة الفعل المستقبل. وتعقبه أبو حيان فقال هذا تخبيط أما
~~أولا فلا يمكن أن يكونا فعولا لأن مادة يغث مفقودة وكذلك يعق وأما
~~ثانيا فليسا بصفتين لأن يفعلا لم يجىء اسما ولا صفة وإنما امتنعا من
~~الصرف للعلمية ووزن الفعل إن كانا عربيين وللعلمية والعجمة إن كانا
~~عجميين.

# وقال ابن عطية قرأ الأعمش (ولا يغوثا ويعوقا) بالصرف وهو وهم لأن
~~التعريف لازم وكذا وزن الفعل وأنت تعلم أن الأعمش لم ينفرد بذلك وليس
~~بوهم فقد خرجوه على أحد وجهين أحدهما: أن الصرف للتناسب كما قالوا في

# سلاسلا وأغلالا

# [الإنسان: 4] وهو نوع من المشاكلة ومعدود من المحسنات وثانيهما: أنه جاء
~~على لغة من يصرف جميع ما لا ينصرف عند عامة العرب وذلك لغة حكاها الكسائي
~~وغيره لكن يرد على هذا أنها لغة غير فصيحة لا ينبغي التخريج عليها.

### || [71.24]

# { وقد أضلوا } أي الرؤساء { كثيرا } خلقا كثيرا أي قبل
~~هؤلاء الموصين بأن يتمسكوا بعبادة الأصنام فهم ليسوا بأول من أضلوهم
~~ويشعر بذلك المضي والاقتران بقد حيث أشعر ذلك بأن ms10856 الإضلال استمر منهم إلى
~~زمن الإخبار بإضلال الطائفة الأخيرة. وجوز أن يراد بالكثير هؤلاء الموصين
~~وكان الظاهر وقد أضل الرؤساء إياهم أي الموصين المخاطبين بقوله

# لا تذرن آلهتكم

# [نوح: 23] فوضع { كثيرا } موضع ذلك على سبيل التجريد. وقال الحسن {
~~وقد أضلوا } أي الأصنام فهو كقوله تعالى:

# رب إنهن أضللن كثيرا من الناس

# [إبراهيم: 36] وضمير العقلاء لتنزيلها منزلتهم عندهم وعلى زعمهم ويحسنه
~~على ما في «البحر» عود الضمير على أقرب مذكور ولا يخفى أن عوده على
~~الرؤساء أظهر إذ هم المحدث عنهم والمعنى فيهم أمكن. والجملة قيل حالية أو
~~معطوفة على ما قبلها.

# وقوله تعالى: { ولا تزد الظلمين إلا ضلالا } قيل عطف
~~على

# رب إنهم عصوني

# [نوح: 21] على حكاية كلام نوح عليه السلام بعد { قال } والواو النائبة
~~عنه ومعناه قال: رب إنهم عصوني وقال لا تزد الخ أي قال هذين القولين على
~~أن الواو من كلام الله تعالى لأنها داخلة في الحكاية وما بعدها هو المحكي
~~وإليه ذهب الزمخشري وإنما ارتكب ذلك فرارا من عطف الإنشاء على الخبر.

# وقيل عطف عليه والواو من المحكي والتناسب إنشائية وخبرية غير لازم في
~~العطف كما قاله أبو حيان وغيره وفيه خلاف. وفي «الكشف» لك أن تجعله من
~~باب

# واهجرني مليا

# [مريم: 46] أي فاخذلهم ولا تزدهم. وفي العدول إلى (الظالمين) إشعار
~~باستحقاقهم الدعاء عليهم وإبداء لعذره عليه السلام وتحذير ولطف لغيرهم،
~~وفيه أنه بعض ما يتسبب من مساويهم وهو معنى حسن فعنده العطف على محذوف
~~إنشائي ولعل الأولى أن يقال إن العطف على { رب إنهم عصوني }
~~والواو من المحكي والتناسب حاصل.

# وقال الخفاجي ((الظاهر أن الغرض من قول: { رب إنهم } الخ
~~الشكاية وإبداء العجز واليأس منهم فهو طلب للنصرة عليهم كقوله

# رب انصرني بما كذبون

# [المؤمنون: 26] ولو لم يقصد ذلك تكرر مع ما مر منه عليه السلام فحينئذ
~~يكون كناية عن قوله اخذلهم أو انصرني و اظهر دينك أو نحوه فهو من عطف
~~الإنشاء على الإنشاء من غير تقدير، ويشهد له أن الله تعالى سمى مثله ms10857 دعاء
~~حيث قال سبحانه

# فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون

# [الدخان: 22] فتدبر)) وهو حسن خال عن التكلف وارتكاب المختلف فيه إلا أن
~~في الشهادة دغدغة.

# والمراد بالضلال المدعو بزيادته إما الضلال في ترويج مكرهم ومصالح
~~دنياهم فيكون ذلك دعاء عليهم بعدم تيسير أمورهم وإما الضلال بمعنى الهلاك
~~كما في قوله تعالى:

# إن المجرمين فى ضلل وسعر

# [القمر: 47] وهو مأخوذ من الضلال في الطريق لأن من ضل فيها هلك فيكون
~~المعنى أهلكهم. وفسره ابن بحر بالعذاب وهو قريب مما ذكر. وقيل هو على
~~ظاهره أعني الضلال في الدين والدعاء بزيادته إنما كان بعد ما أوحي إليه
~~عليه السلام أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ومآله الدعاء عليهم
~~بزيادة عذابهم ويحتاج إلى دليل وبما سمعت ينحل ما يقال إن طلب الضلال
~~ونحوه إما غير جائز مطلقا أو إذا دعي به على وجه الاستحسان وبدونه وإن
~~كان جائزا لكنه غير ممدوح ولا مرضي فكيف دعا بذلك نوح عليه السلام
~~عليهم.

### || [71.25]

# { مما خطيئتهم } أي من أجل خطيآتهم { أغرقوا } بالطوفان
~~لا من أجل أمر آخر فمن تعليلية وما زائدة بين الجار والمجرور لتعظيم
~~الخطايا في كونها من كبائر ما ينهى عنه ومن لم ير زيادتها جعلها نكرة
~~وجعل خطيآتهم بدلا منها وزعم ابن عطية أن من لابتداء الغاية وهو كما
~~ترى.

# وقرأ أبو رجاء (خطياتهم) بإبدال الهمزة ياء وإدغامها في الياء، وقرأ
~~الجحدري وعبيد عن أبي عمرو (خطيئتهم) على الإفراد مهموزا، وقرأ الحسن
~~وعيسى والأعرج بخلاف عنهم وأبو عمرو (خطاياهم) جمع تكسير، وقرأ عبد الله
~~(من خطيآتهم ما أغرقوا) بزيادة ما بين خطيآتهم وأغرقوا وخرج على أنها
~~مصدرية أي بسبب خطيآتهم إغراقهم، وقرأ زيد بن علي (غرقوا) بالتشديد بدل
~~الهمزة وكلاهما للنقل.

# { فأدخلوا نارا } هي نار البرزخ والمراد عذاب القبر ومن مات في
~~ماء أو نار أو أكلته السباع أو الطير مثلا أصابه ما يصيب المقبور من
~~العذاب وقال الضحاك كانوا يغرقون من جانب ويحرقون بالنار من جانب وأنشد
~~ابن الأنباري: ms10858

# الخلق مجتمع طورا ومفترق

# والحادثات فنون ذات أطوار

# لا تعجبن لأضداد إذا اجتمعت

# فالله يجمع بين الماء والنار

# ويجوز أن يراد بها نار الآخرة والتعقيب على الأول ظاهر وهو على هذا لعدم
~~الاعتداد بما بين الإغراق والإدخال فكأنه شبه تخلل ما لا يعتد به بعدم
~~تخلل شيء أصلا وجوز أن تكون فاء التعقيب مستعارة للسببية لأن المسبب
~~كالمتعقب للسبب وإن تراخى عنه لفقد شرط أو وجود مانع وتنكير (النار) إما
~~لتعظيمها وتهويلها أو لأنه عز وجل أعد لهم على حسب خطيآتهم نوعا من
~~النار ولا يخفى ما في { أغرقوا فأدخلوا نارا } من الحسن
~~الذي لا يجارى ولله تعالى در التنزيل.

# { فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } أي فلم يجد
~~أحد منهم واحدا من الأنصار وفيه تعريض لاتخاذهم آلهة من دونه سبحانه
~~وتعالى وبأنها غير قادرة على نصرهم وتهكم بهم.

### || [71.26]

# ((عطف على نظيره السابق، وقوله تعالى:

# مما خطيئتهم

# [نوح: 25] الخ اعتراض وسط بين دعائه عليه السلام للإيذان من أول الأمر
~~بأن ما أصابهم من الإغراق والإحراق لم يصبهم إلا لأجل خطيآتهم التي عدها
~~نوح عليه السلام وأشار إلى استحقاقهم للهلاك لأجلها، لا أنه حكاية لنفس
~~الإغراق والإحراق على طريقة حكاية ما جرى بينه عليه السلام وبينهم من
~~الأحوال والأقوال، وإلا لأخر عن حكاية دعائه هذا)) قاله مفتي الديار
~~الرومية عليه الرحمة. وما قيل إنه عطف على

# فلم يجدوا

# [نوح: 25] أو على جملة { مما خطيئتهم } الخ وليس المراد
~~حقيقة الدعاء بل التشفي وإظهار الرضا بما كان من هلاكهم، بعيد غاية البعد
~~والمعروف أن هذا الدعاء كان قبل هلاكهم. والديار من الأسماء التي لا
~~تستعمل إلا في النفي العام يقال ما بالدار ديار أو ديور كقيام وقيوم أي
~~ما بها أحد، وهو فيعال من الدار أو من الدور كأنه قيل لا تذر على الأرض
~~من الكافرين من يسكن دارا أو لا تذر عليها منهم من يدور ويتحرك، وأصله
~~ديوار اجتمعت الواو والياء وسبقت أحدهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت
~~الياء في ms10859 الياء وليس بفعال وإلا لكان دوارا إذ لا داعي للقلب حينئذ و {
~~من الكافرين } حال منه ولو أخر كان صفة له.

# والمراد بالكافرين قومه الذين دعاهم إلى الإيمان والطاعة فلم يجيبوا فإن
~~/ كان الناس منتشرين في مشارق الأرض ومغاربها نحو انتشارهم اليوم وكانت
~~بعثته لبعض منهم كسكان جزيرة العرب ومن يقرب منهم فذاك، وإن كانوا غير
~~منتشرين كذلك بل كانوا في الجزيرة وقريبا منها، فإن كانت البعثة لبعضهم
~~أيضا فكذلك وإن كانت لكلهم فقد استشكل بأنه يلزم عموم البعثة وقد قالوا
~~بأنه مخصوص بنبينا صلى الله عليه وسلم. وأجيب بأن ذلك العموم ليس كعموم
~~بعثته صلى الله عليه وسلم بل لانحصار أهل الأرض في قطعة منها فهو انحصار
~~ضروري وليس عموما من كل وجه، وهذا نحو ما يقال في بعثة آدم عليه السلام
~~إلى زوجته وأولاده فإنهم حينئذ ليسوا إلا كأهل بيت واحد، على أنه قيل لا
~~إشكال ولو قلنا بانتشار الناس إذ ذاك كانتشارهم اليوم وإرساله إليهم
~~جميعا لأن العموم المخصوص بنبينا عليه الصلاة والسلام هو العموم المندرج
~~فيه الإنس والجن إلى يوم القيامة بل الملائكة عليهم السلام بل وبل.

# والمشهور أنه عليه السلام كان مبعوثا لجميع أهل الأرض وأنه ما آمن منهم
~~إلا قليل واستدل عليه بهذا الدعاء وعموم الطوفان. وتعقب بأن الأرض كثيرا
~~ما تطلق على قطعة منها فيحتمل أن تكون هنا كذلك. سلمنا إرادة الجميع لكن
~~الدعاء على الكافرين وهم من بعث إليهم فدعاهم ولم يجيبوه وكونهم من عدا
~~أهل السفينة أول المسألة والطوفان لا نسلم عمومه وإن سلم لا يقتضي أن
~~يكون كل من غرق به مكلفا بالإيمان به عليه السلام عاصيا بتركه فالبلاء
~~قد يعم الصالح والطالح لكن يصدرون مصادر شتى كما ورد في حديث خسف
~~البيداء، ويرشد إلى هذا أن أولادهم قد أغرقوا على ما قيل معهم وقد سئل
~~الحسن عن ذلك فقال علم الله تعالى براءتهم فأهلكهم بغير عذاب.

# نعم الحكمة في إهلاك هؤلاء زيادة عذاب في آبائهم وأمهاتهم إذا أبصروا
~~أطفالهم ms10860 يغرقون. وزعم بعضهم أن الله تعالى أعقم أرحام نسائهم وأيبس أصلاب
~~رجالهم قبل الطوفان بأربعين أو سبعين سنة فلم يكن معهم صبي حين أغرقوا
~~ويحتاج إلى نقل صحيح وحكم الله عز وجل لا تحصى فافهم.

### || [71.27]

# { إنك إن تذرهم } أي على الأرض كلا أو بعضا { يضلوا
~~عبادك } عن طريق الحق. ولعل المراد بهم من آمن به عليه السلام
~~وبإضلالهم إياهم ردهم إلى الكفر بنوع من المكر، أو المراد بهم من ولد
~~منهم ولم يبلغ زمن التكليف أو من يولد من أولئك المؤمنين ويدعى إلى
~~الإيمان، وبإضلالهم إياهم صدهم عن الإيمان. وفي بعض الأخبار أن الرجل
~~منهم كان يأتي بابنه إليه عليه السلام ويقول احذر هذا فإنه كذاب وإن أبي
~~أوصاني بمثل هذه الوصية فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك، قيل ومن هنا
~~قال عليه السلام: { ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } أي من
~~سيفجر ويكفر فوصفهم بما يصيرون إليه لاستحكام علمه بذلك بما حصل له من
~~التجربة ألف سنة إلا خمسين عاما، ومثله قوله عليه السلام { إن
~~تذرهم يضلوا عبادك } وقيل أراد من جبل على الفجور
~~والكفر، وقد علم كل ذلك بوحي كقوله سبحانه:

# لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن

# [هود: 36] وعن قتادة ومحمد بن كعب والربيع وابن زيد أنه عليه السلام ما
~~دعا عليهم إلا بعد أن أخرج الله تعالى كل مؤمن من الأصلاب وأعقم أرحام
~~نسائهم. وأيا ما كان فقوله: { إنك } الخ اعتذار مما عسى أن يقال من
~~أن الدعاء بالاستئصال مع احتمال أن يكون من أخلافهم من يؤمن مما لا يليق
~~بشأن الأنبياء عليهم السلام.

### || [71.28]

# { رب اغفر لى ولولدى } أراد أباه لمك بن متوشلخ وقد تقدم
~~ضبط ذلك. وأمه شمخى - بالشين والخاء المعجمتين بوزن سكرى - بنت أنوش
~~بالإعجام بوزن أصول. وكانا مؤمنين ولولا ذلك لم يجز الدعاء لهما بالمغفرة
~~وقيل أراد بهما آدم وحواء.

# وقرأ ابن جبير والجحدري (ولوالدي) بكسر الدال وإسكان الياء فإما أن يكون
~~قد خص أباه الأقرب أو أراد جميع من ولدوه ms10861 / إلى آدم عليه السلام، ولم
~~يكفر كما قال ابن عباس لنوح أب ما بينه وبين آدم عليه السلام. وقرأ
~~الحسين بن علي كرم الله تعالى وجههما ورضي عنهما وزيد بن علي بن الحسين
~~رضي الله تعالى عنهم ويحيى بن يعمر والنخعي والزهري (ولولدي) تثنية ولد
~~يعني ساما وحاما على ما قيل وفي رواية أن ساما كان نبيا.

# { ولمن دخل بيتى } قيل أراد منزله وقيل سفينته، وقال الجمهور
~~وابن عباس أراد مسجده وفي رواية عن الحبر أنه أراد شريعته استعار لها اسم
~~البيت كما قالوا قبة الإسلام وفسطاط الدين والمتبادر المنزل وتخرج امرأته
~~وابنه كنعان بقوله: { مؤمنا } وقيل يمكن أنه لم يجزم بخروج كنعان إلا
~~بعد ما قيل له

# إنه ليس من أهلك

# [هود: 46] { وللمؤمنين والمؤمنت } أي من كل أمة إلى
~~يوم القيامة وهو تعميم بعد التخصيص. واستغفر ربه عز وجل إظهارا لمزيد
~~الافتقار إليه سبحانه وحبا للمستغفر لهم من والديه والمؤمنين، وقيل إنه
~~استغفر لما دعا على الكافرين لأنه انتقام منهم، ولا يخفى أن السياق يأباه
~~وكذا قوله: { ولا تزد الظلمين إلا تبارا } أي هلاكا
~~وقال مجاهد خسارا والأول أظهر وقد دعا عليه السلام دعوتين دعوة على
~~الكافرين ودعوة للمؤمنين وحيث استجيبت له الأولى فلا يبعد أن تستجاب له
~~الثانية والله تعالى أكرم الأكرمين.

# ومعظم آيات هذه السورة الكريمة وغيرها نص في أن القوم كفرة هالكون يوم
~~القيامة فالحكم بنجاتهم كما يقتضيه كلام الشيخ الأكبر قدس سره في «فصوصه»
~~مما يبرأ إلى الله تعالى منهم كزعم أن نوحا عليه السلام لم يدعهم على
~~وجه يقتضي إيمانهم مع قوله سبحانه

# الله أعلم حيث يجعل رسالته

# [الأنعام: 124] وقصارى ما أقول رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا
~~وللمؤمنين والمؤمنات.

### | [72 - سورة الجن]

### || [72.1]

# { قل أوحى إلى } وقرأ ابن أبي عبلة والعتكي عن أبي عمرو
~~وجوية بن عائذ الأسدي (وحى) بلا همزة وهو بمعنى أوحى بالهمز ومنه قول
~~العجاج:

# وحى لها القرار / فاستقرت

# وقرأ زيد بن علي وجوية فيما روى عنه الكسائي ms10862 وابن أبي عبلة في رواية
~~(أحي) بإبدال واو وحى همزة كما قالوا في وعد أعد، قال الزمخشري ((وهو من
~~القلب المطلق جوازه في كل واو مضمومة، وقد أطلقه المازني في المكسورة
~~أيضا كإشاح وإعاء وإسادة)) وهذا أحد قولين للمازني والقول الآخر قصر ذلك
~~على السماع وما ذكره من إطلاق الجواز في المضمومة تعقب بأن المضمومة قد
~~تكون أولا وحشوا وآخرا ولكل منها أحكام وفي بعضها خلاف وتفصيل مذكور في
~~كتب النحو فليراجع. وزاد بعض الأجلة قلب الواو المضموم ما قبلها فقال إنه
~~أيضا مقيس مطرد وأنه قد يرد ذلك في المفتوحة كأحد وعلى جميع القراآت
~~الجار متعلق بما عنده ونائب الفاعل { أنه } الخ على أنه في تأويل
~~المصدر والضمير للشأن.

# { استمع } أي القرآن كما ذكر في الاحقاف وقد حذف لدلالة ما بعده
~~عليه { نفر من الجن } النفر في المشهور ما بين الثلاثة والعشرة.
~~وقال الحريري في «درته» إن النفر إنما يقع على الثلاثة من الرجال إلى
~~العشرة وقد وهم في ذلك فقد يطلق على ما فوق العشرة في الفصيح وقد ذكره
~~غير واحد من أهل اللغة وفي كلام الشعبي حدثني بضعة عشر نفرا ولا يختص
~~بالرجال بل ولا بالناس لإطلاقه على الجن هنا. وفي «المجمل» الرهط والنفر
~~يستعمل إلى الأربعين والفرق بينهما أن الرهط يرجعون إلى أب واحد بخلاف
~~النفر وقد يطلق على القوم ومنه قوله تعالى

# وأعز نفرا

# [الكهف: 34] وقول امرىء القيس:

# فهو لا تنمى رميته

# ماله لا عد من نفره

# وقال الإمام الكرماني للنفر معنى آخر في العرف وهو الرجل، وأراد بالعرف
~~عرف اللغة لأنه فسر به الحديث الصحيح فليحفظ.

# والجن واحده جني كروم ورومي وهم أجسام عاقلة تغلب عليها النارية كما
~~يشهد له قوله تعالى:

# وخلق الجآن من مارج من نار

# [الرحمن: 15] وقيل الهوائية قابلة جميعها أو صنف منها للتشكل بالأشكال
~~المختلفة من شأنها الخفاء وقد ترى بصور غير صورها الأصلية بل وبصورها
~~الأصلية التي خلقت عليها كالملائكة عليهم السلام وهذا للأنبياء صلوات
~~الله تعالى وسلامه عليهم ms10863 ومن شاء الله تعالى من خواص عباده عز وجل، ولها
~~قوة على الأعمال الشاقة ولا مانع عقلا من أن تكون بعض الأجسام اللطيفة
~~النارية مخالفة لسائر أنواع الجسم اللطيف في الماهية ولها قبول لإفاضة
~~الحياة والقدرة على أفعال عجيبة مثلا، وقد قال أهل الحكمة الجديدة
~~بأجسام لطيفة أثبتوا لها من الخواص ما يبهر العقول فلتكن أجسام الجن على
~~ذلك النحو من الأجسام، وعالم الطبيعة أوسع من أن تحيط بحصر ما أودع فيه
~~الأفهام.

# وأكثر الفلاسفة على إنكار الجن وفي «رسالة الحدود» لابن سينا الجني
~~حيوان هوائي متشكل بأشكال مختلفة، وهذا شرح الاسم وظاهره نفي أن يكون
~~لهذه الحقيقة وجود في الخارج ونفي ذلك كفر صريح كما لا يخفى. واعترف جمع
~~عظيم من قدماء الفلاسفة وأصحاب الروحانيات بوجودهم ويسمونهم بالأرواح
~~السفلية، والمشهور أنهم زعموا أنها جواهر قائمة بأنفسها ليست أجساما ولا
~~جسمانية، وهي أنواع مختلفة بالماهية كاختلاف ماهيات الأعراض فبعضها خيرة
~~وبعضها شريرة ولا يعرف عدد أنواعها وأصنافها إلا الله عز وجل ولا يبعد
~~على هذا أن يكون في أنواعها ما يقدر على أفعال شاقة عظيمة يعجز عنها
~~البشر بل لا يبعد أيضا على ما قيل أن يكون لكل نوع منها تعلق بنوع مخصوص
~~من أجسام هذا العالم. ومن الناس من زعم أن الأرواح البشرية والنفوس
~~الناطقة إذا فارقت أبدانها ازدادت قوة وكمالا بسبب ما في ذلك العالم
~~الروحاني من انكشاف الأسرار الروحانية فإذا اتفق حدوث بدن آخر مشابه لما
~~كان لتلك النفس المفارقة من البدن تعلقت تلك النفس به تعلقا ما، وتصير
~~كالمعاونة لنفس ذلك البدن في أفعالها وتدبيرها لذلك البدن، فإن اتفقت هذه
~~الحالة في النفوس الخيرة / سمي ذلك المعين ملكا وتلك الإعانة إلهاما،
~~وإن اتفقت في النفوس الشريرة سمي ذلك المعين شيطانا وتلك الإعانة وسوسة،
~~والكل مخالف لأقوال السلف. وظاهر الآيات والأحاديث وجمهور أرباب الملل
~~معترفون بوجودهم كالمسلمين وإن اختلفوا في حقيقتهم وتمام الكلام في هذا
~~المقام يطلب من «آكام المرجان» وفي «التفسير الكبير» طرف مما يتعلق بذلك ms10864
~~فارجع إليه إن أردته.

# واختلف في عدد المستمعين فقيل سبعة فعن زر ثلاثة من أهل حران وأربعة من
~~أهل نصيبين قرية باليمن غير القرية التي بالعراق وعن عكرمة أنهم كانوا
~~اثني عشر ألفا من جزيرة الموصل وأين سبعة أو تسعة من اثني عشر ألفا
~~ولعل النفر عليه القوم وفي «الكشاف» ((كانوا من الشيصبان وهم أكثر الجن
~~عددا وعامة جنود إبليس منهم)).

# والآية ظاهرة في أنه صلى الله عليه وسلم علم استماعهم له بالوحي لا
~~بالمشاهدة وقد وقع في الأحاديث أنه عليه الصلاة والسلام رآهم وجمع ذلك
~~بتعدد القصة قال في «آكام المرجان» ما محصله في «الصحيحين» في حديث ابن
~~عباس «»ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم وإنما
~~انطلق بطائفة من الصحابة لسوق عكاظ وقد حيل بين الجن والسماء بالشهب
~~فقالوا ما ذاك إلا لشيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فمر من ذهب
~~لتهامة منهم به عليه الصلاة والسلام وهو يصلي الفجر بأصحابه بنخلة فلما
~~استمعوا له قالوا هذا الذي حال بيننا وبين السماء ورجعوا إلى قومهم
~~وقالوا

# يقومنآ

# [الأحقاف: 30] الخ فأنزل الله تعالى عليه { قل أوحي } الخ ثم قال
~~ونفي ابن عباس إنما هو في هذه القصة واستماعهم تلاوته صلى الله عليه وسلم
~~في الفجر في هذه القصة لا مطلقا ويدل عليه قوله تعالى

# وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن

# [الأحقاف: 29] الخ فإنها تدل على أنه عليه الصلاة والسلام كلمهم ودعاهم
~~وجعلهم رسلا لمن عداهم كما قاله البيهقي. وروى أبو داود عن علقمة عن ابن
~~مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " أتاني داعي الجن فذهبت معه وقرأت عليهم القرآن قال وانطلق بنا وأرانا
~~آثارهم وآثار نيرانهم "

# الخ.

# وقد دلت الأحاديث على أن وفادة الجن كانت ست مرات وقال ابن تيمية إن ابن
~~عباس علم ما دل عليه القرآن ولم يعلم ما علمه ابن مسعود وأبو هريرة من
~~إتيان الجن له صلى الله عليه وسلم ومكالمتهم إياه عليه الصلاة والسلام.
~~وقصة الجن كانت ms10865 قبل الهجرة بثلاث سنين، وقال الواقدي كانت سنة إحدى عشرة
~~من النبوة وابن عباس ناهز الحلم في حجة الوداع فقد علمت أن قصة الجن وقعت
~~ست مرات وفي «شرح البيهقي» من طرق شتى عن ابن مسعود «أن النبي صلى الله
~~عليه وسلم صلى العشاء ثم انصرف فأخذ بيدي حتى أتينا مكان كذا فأجلسني وخط
~~علي خطا ثم قال لا تبرحن خطك فبينما أنا جالس إذ أتاني رجال منهم كأنهم
~~الزط فذكر حديثا طويلا وأنه صلى الله عليه وسلم ما جاءه إلى السحر قال
~~وجعلت أسمع الأصوات ثم جاء عليه الصلاة والسلام فقلت أين كنت يا رسول
~~الله فقال أرسلت إلى الجن فقلت ما هذه الأصوات التي سمعت قال هي أصواتهم
~~حين ودعوني وسلموا علي» وقد يجمع الاختلاف في القلة والكثرة بأن ذلك
~~لتعدد القصة أيضا والله تعالى أعلم. واختلف فيما استمعوه فقال عكرمة

# اقرأ باسم ربك

# [العلق: 1] وقيل سورة الرحمن.

# { فقالوا } أي لقومهم عند رجوعهم إليهم { إنا سمعنا قرآنا
~~} أي كتابا مقروءا على ما فسره به بعض الأجلة وفسر بذلك للإشارة إلى أن
~~ما ذكروه في وصفه مما يأتي وصف له كله دون المقروء منه فقط والمراد أنه
~~من الكتب السماوية، والتنوين للتفخيم أي قرآنا جليل الشأن { عجبا }
~~بديعا مباينا لكلام الناس في حسن النظم ودقة المعنى وهو مصدر وصف به
~~للمبالغة.

### || [72.2]

# { يهدى إلى الرشد } إلى الحق والصواب، وقيل إلى التوحيد
~~والإيمان. وقرأ عيسى { الرشد } بضمتين وعنه أيضا فتحهما { فآمنا
~~به } أي بذلك القرآن من غير ريث { ولن نشرك بربنا أحدا }
~~حسبما نطق به ما فيه من دلائل التوحيد أو حسبما نطق به الدلائل العقلية
~~على التوحيد. ولم تعطف هذه الجملة / بالفاء قال الخفاجي لأن نفيهم
~~للإشراك أما لما قام عندهم من الدليل العقلي فحينئذ لا يترتب على
~~الإيمان بالقرآن، وإما لما سمعوه من القرآن فحينئذ يكفي في ترتبها عليه
~~عطف الأول بالفاء خصوصا. والباء في { به } تحتمل السببية فيعم الإيمان
~~به الإيمان بما فيه فإنك إذا قلت ضربته ms10866 فتأدب وانقاد لي فهم ترتب
~~الانقياد على الضرب، ولو قلت فانقاد لم يترتب على الأول بل على ما قبله.
~~وقيل عطفت بالواو ولتفويض الترتب إلى ذهن السامع وقد يقال أن مجموع {
~~فآمنا به ولن نشرك } مسبب عن مجموع

# إنا سمعنا قرآنا

# [الجن: 1] الخ فكونه قرآنا معجزا يوجب الإيمان به وكونه يهدي إلى
~~الرشد ويوجب قلع الشرك من أصله، والأول أولى. وجوز أن يكون ضمير { به }
~~لله عز وجل لأن قوله سبحانه { بربنا } يفسره فلا تغفل.

### || [72.3]

# { وأنه تعلى جد ربنا } اختلفوا في قراءة (أن) هذه وما
~~بعدها إلى

# وأنا منا المسلمون

# [الجن: 14] وتلك اثنتا عشرة، فقرأها ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف وحفص
~~بفتح الهمزة فيهن ووافقهم أبو جعفر في ثلاثة: ما هنا

# وأنه كان يقول

# [الجن: 4]

# وأنه كان رجال

# [الجن: 6] وقرأ الباقون بكسرها في الجميع. واتفقوا على الفتح في

# أنه استمع

# [الجن: 1]

# وأن المساجد

# [الجن: 18] لأن ذلك لا يصح أن يكون من قول الجن بل هو مما أوحى بخلاف
~~الباقي فإنه يصح أن يكون من قولهم ومما أوحي. واختلفوا في

# أنه لما قام

# [الجن: 19] فقرأ نافع وأبو بكر بكسر الهمزة والباقون بفتحها كذا فصله
~~بعض الأجلة وهو المعول عليه. ووجه الكسر في (أن) هذه وما بعدها إلى

# وأنا منا المسلمون

# [الجن: 14] ظاهر كالكسر في

# إنا سمعنا قرآنا

# [الجن: 1] لظهور عطف الجمل على المحكي بعد القول ووضوح اندراجها تحته،
~~وأما وجه الفتح ففيه خفاء ولذا اختلف فيه فقال الفراء والزجاج والزمخشري:
~~هو العطف على محل الجار والمجرور فى

# فآمنا به

# [الجن: 2] كأنه قيل صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا وأنه كان يقول
~~سفيهنا وكذلك البواقي ويكفي في إظهاره المحل إظهار مع المرادف وليس من
~~العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار الممنوع عند البصريين في شيء
~~وإن قيل به هنا بناء على مذهب الكوفيين المجوزين له ولو قيل إنه بتقدير
~~الجار لاطراد حذفه قبل أن وإن لكان سديدا كما في «الكشف».

# وضعف مكي العطف على ما في حيز { آمنا } فقال: فيه ms10867 بعد في المعنى
~~لأنهم لم يخبروا أنهم آمنوا بأنهم لما سمعوا الهدى آمنوا به ولا أنهم
~~آمنوا بأنه كان رجال إنما حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا ذلك مخبرين عن
~~أنفسهم لأصحابهم. وأجيب عن الذاهبين إليه بأن الإيمان والتصديق يحسن في
~~بعض تلك المعطوفات بلا شبهة فيمضي في البواقي ويحمل على المعنى على حد
~~قوله:

# وزججن الحواجب والعيونا

# فيخرج على ما خرج عليه أمثاله فيؤول صدقنا بما يشمل الجميع أو يقدر مع
~~كل ما يناسبه. وقال أبو حاتم هو العطف على نائب فاعل { أوحي } أعني {
~~أنه استمع } كما في { أن المساجد } على أن الموحى عين
~~عبارة الجن بطريق الحكاية كأنه قيل قل أوحي إلي كيت وكيت وهذه
~~العبارات. وتعقب بأن حكاية عباراتهم تقتضي أن تكون (أن) في كلامهم مفتوحة
~~الهمزة ولا يظهر ذلك إلا أن يكون في كلامهم ما يقتضي الفتح كاسمعوا أو
~~اعلموا أو نخبركم لكنه أسقط وقت الحكاية، ولا يظهر لإسقاطه وجه وعلى
~~تقدير الظهور فالفتح ليس لأجل العطف فإن النائب عن الفاعل عليه مجموع كل
~~جملة على إرادة اللفظ دون المنسبك من (أن) وما بعدها وإلا لما صح أن يقال
~~الموحى كيت وكيت وهذه العبارات فإن كانت (أن) في كلامهم مكسورة الهمزة
~~وصحت دعوى أن الحكاية اقتضت فتحها مع صحة إرادة هذه العبارات معه فذاك
~~وإلا فالأمر كما ترى فافهم وتأمل.

# والجد العظمة والجلال يقال جد في عيني أي عظم وجل أي وصدقنا أن الشأن
~~ارتفع عظمة وجلال ربنا أي عظمت عظمته عز وجل، وفيه من المبالغة ما لا
~~يخفى. وقال أبو عبيدة والأخفش الملك والسلطان، وقيل الغنى وهو مروي عن
~~أنس والحسن في الآية والأول مروي عن الجمهور. والجد على جميع هذه الأوجه
~~مستعار من الجد الذي هو البخت.

# وقوله عز وجل: { ما اتخذ صحبة ولا ولدا } عليها تفسير
~~للجملة / وبيان لحكمها ولذا لم يعطف عليها فالمراد وصفه عز وجل بالتعالي
~~عن الصاحبة والولد لعظمته أو لسلطانه أو لغناه سبحانه وتعالى وكأنهم
~~سمعوا من القرآن ما ms10868 نبههم على خطأ ما اعتقده كفرة الجن من تشبيهه سبحانه
~~بخلقه في اتخاذ الصاحبة والولد فاستعظموه ونزهوه تعالى عنه.

# وقرأ حميد بن قيس (جد) بضم الجيم قال في «البحر» ومعناه العظيم حكاه
~~سيبويه وإضافته إلى (ربنا) من إضافة الصفة إلى الموصوف والمعنى تعالى
~~ربنا العظيم. وقرأ عكرمة (جد) منونا مرفوعا (ربنا) بالرفع وخرج على أن
~~الجد بمعنى العظيم أيضا و(ربنا) خبر مبتدأ محذوف أي هو ربنا أو بدل من
~~(جد). وقرأ أيضا (جدا) منونا منصوبا على أنه تمييز محول عن الفاعل.
~~وقرأ هو أيضا وقتادة (جدا) بكسر الجيم والتنوين والنصب (ربنا) بالرفع
~~قال ابن عطية نصب (جدا) على الحال والمعنى تعالى ربنا حقيقة ومتمكنا
~~وقال غيره هو صفة لمصدر محذوف أي تعاليا جدا. وقرأ ابن السميفع (جدا
~~ربنا) أي جدواه ونفعه سبحانه، وكأن المراد بذلك الغنى فلا تغفل.

### || [72.4]

# { وأنه كان يقول سفيهنا } هو إبليس عند الجمهور وقيل مردة
~~الجن، والإضافة للجنس والمراد سفهاؤنا { على الله شططا } أي
~~قولا ذا شطط أي بعد عن القصد ومجاوزة الحد أو هو في نفسه شطط لفرط بعده
~~عن الحق وهو نسبة الصاحبة والولد إليه عز وجل. وتعلق الإيمان والتصديق
~~بهذا القول بناء على ما يقتضيه العطف على ما في حيز

# فآمنا

# [الجن: 2] ليس باعتبار نفسه فإنهم كانوا عالمين بقول سفيههم من قبل، بل
~~باعتبار كونه شططا كأنه قيل وصدقنا أن ما كان يقول سفيهنا في حقه سبحانه
~~كان شططا.

### || [72.5]

# اعتذار منهم عن تقليدهم لسفيههم أي كنا نظن أن لن يكذب على الله تعالى
~~أحد فينسب إليه سبحانه الصاحبة والولد ولذلك اعتقدنا صحة قول السفيه،
~~ولعل الإيمان متعلق بما يشعر به كلامهم هذا وينساق إليه من خطئهم في
~~ظنهم، كأنه قيل وصدقنا بخطئنا في ظننا الذي لأجله اعتقدنا ما اعتقدنا. و
~~{ كذبا } مصدر مؤكد لتقول لأنه نوع من القول كما في قعدت القرفصاء أو وصف
~~لمصدر محذوف أي قولا كذبا أي مكذوبا فيه لأنه لا يتصور صدور الكذب منه
~~وإن اشتهر توصيفه به ms10869 كالقائل. وجوز أن يكون من الوصف بالمصدر مبالغة وهي
~~راجعة للنفي دون المنفي.

# وقرأ الحسن والجحدري وعبد الرحمن بن أبي بكرة ويعقوب وابن مقسم (تقول)
~~مضارع (تقول) وأصله تتقول بتاءين فحذفت إحداهما فكذبا مصدر مؤكد لأن
~~الكذب هو التقول.

### || [72.6]

# كان الرجل من العرب إذا أمسى في واد قفر وخاف على نفسه نادى بأعلى صوته
~~يا عزيز هذا الوادي أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك يريد الجن وكبيرهم
~~فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا سدنا الجن والإنس وذلك قوله تعالى: {
~~فزادوهم } أي زاد الرجال العائذون الجن { رهقا } أي تكبرا
~~وعتوا فالضمير المرفوع لرجال الإنس إذ هم المحدث عنهم والمنصوب لرجال
~~الجن وهو قول مجاهد والنخعي وعبيد بن عمير وجماعة إلا أن منهم من فسر
~~الرهق بالإثم وأنشد الطبري لذلك قول الأعشى:

# لا شيء ينفعني من دون رؤيتها

# لا يشتفي وامق ما لم يصب رهقا

# فإنه أراد ما لم يغش محرما فالمعنى هنا فزادت الإنس الجن مأثما لأنهم
~~عظموهم فزادوهم استحلالا لمحارم الله تعالى أو فزاد الجن العائذين غيا
~~بأن أضلوهم حتى استعاذوا بهم، فالضميران على عكس ما تقدم وهو قول قتادة
~~وأبي العالية والربيع وابن زيد. والفاء على الأول للتعقيب وعلى هذا قيل
~~للترتيب الإخباري. وذهب الفراء إلا أن ما بعد الفاء قد يتقدم إذا دل عليه
~~الدليل كقوله تعالى

# وكم من قرية أهلكناها فجآءها بأسنا

# [الأعراف: 4] وجمهور النحاة على خلافه. وقيل في الكلام حذف أي فاتبعوهم
~~فزادوهم.

# والآية ظاهرة في أن لفظ الرجال يطلق على ذكور الجن كما يطلق على ذكور
~~الإنس، وقيل لا يطلق على ذكور الجن / و { من الجن } في الآية
~~متعلق بيعوذون ومعناها أنه كان رجال من الإنس يعوذون من شر الجن برجال من
~~الإنس وكان الرجل يقول مثلا أعوذ بحذيفة بن بدر من جن هذا الوادي، وهو
~~قول غريب مخالف لما عليه الجمهور المؤيد بالآثار. ولعل تعلق الإيمان بهذا
~~باعتبار ما يشعر به من كون ذلك ضلالا موجبا لزيادة الرهق. وقد جاء في
~~بعض الأخبار ms10870 ما يقال بدل هذه الاستعاذة ففي حديث طويل أخرجه أبو نصر
~~السجزي في «الإبانة» من طريق مجاهد عن ابن عباس وقال غريب جدا أنه صلى
~~الله عليه وسلم قال:

# " إذا أصاب أحدا منكم وحشة أو نزل بأرض مجنة فليقل أعوذ بكلمات الله
~~التامات التي لا يجاوزها بر ولا فاجر من شر ما يلج في الأرض وما يخرج
~~منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن فتن النهار ومن طوارق الليل
~~إلا طارقا يطرق بخير "

### || [72.7]

# { وأنهم ظنوا } أي الإنس { كما ظننتم } أيها الجن على
~~أنه كلام بعضهم لبعض { أن لن يبعث الله أحدا } أي من الرسل
~~إلى أحد من العباد وقيل أن لن يبعث سبحانه أحدا بعد الموت، وأيا ما كان
~~فالمراد وقد أخطؤا وأخطأتم ولعله متعلق الإيمان، وقيل المعنى إن الجن
~~ظنوا كما ظننتم أيها الكفرة أن لن الخ فتكون هذه الآية من جملة الكلام
~~الموحى به معطوفة على قوله تعالى

# أنه استمع

# [الجن: 1] وعلى قراءة الكسر تكون استئنافا من كلامه تعالى وكذا ما
~~قبلها على ما قيل.

# وفي «الكشاف» قيل الآيتان يعني هذه وقوله تعالى

# وأنه كان رجال

# [الجن: 6] الخ من جملة الموحى. وتعقب ذلك في «الكشف» بأن فيه ضعفا لأن
~~قوله سبحانه

# وأنا لمسنا السمآء

# [الجن: 8] الخ من كلام الجن أو مما صدقوه على القراءتين لا من الموحى
~~إليه فتخلل ما تخلل وليس اعتراضا غير جائز إلا أن يؤول بأنه يجري مجراه
~~لكونه يؤكد ما حدث عنهم في تماديهم في الكفر أولا ولا يخفى ما فيه من
~~التكلف انتهى. وأبو السعود اختار في جميع الجمل المصدرة بأنا العطف على {
~~أنه استمع } على نحو ما سمعت عن أبي حاتم وقد سمعت ما فيه
~~آنفا.

# وأن مخففة من الثقيلة اسمها ضمير الشأن والجملة بعدها خبر وجملة { أن
~~لن يبعث } الخ قيل سادة مسد مفعولي { ظنوا } وجوز أن تكون سادة
~~مسد مفعولي { ظننتم } ويكون الساد مسد مفعولي الأول محذوفا كما هو
~~المختار في أمثال ذلك ورجح الأول في الآية ms10871 بأن { ظنوا } هو المقصود
~~فيها فجعل المعمول المذكور له أحسن وأما { كما ظننتم } فمذكور
~~بالتبع ومنه يعلم أن كون المختار إعمال الثاني في باب التنازع ليس على
~~إطلاقه.

### || [72.8]

# { وأنا لمسنا السماء } أي طلبنا بلوغها لاستماع كلام أهلها
~~أو طلبنا خبرها. واللمس قيل مستعار من المس للطلب كالجس يقال لمسه
~~والتمسه وتلمسه كطلبه وأطلبه وتطلبه، والظاهر أن الاستعارة هنا لغوية
~~لأنه مجاز مرسل لاستعماله في لازم معناه والسماع على ظاهرها {
~~فوجدنها } أي صادفناها وأصبناها فوجد متعد لواحد وقوله تعالى: {
~~ملئت } في موضع الحال بتقدير قد أو بدونه وإن كانت وجد من أفعال
~~القلوب فهذه الجملة في موضع المفعول الثاني. وقرأ الأعرج (مليت) بالياء
~~دون همز { حرسا } أي حراسا اسم جمع كخدم كما ذهب إليه جمع لأنه على
~~وزن يغلب في المفردات كبصر وقمر ولذا نسب إليه فقيل حرسي، وذهب بعض إلى
~~أنه جمع والصحيح الأول ولذا وصف بالمفرد فقيل { شديدا } أي قويا نحوه
~~قوله:

# بنيته بعصبة من ماليا

# أخشى رجيلا وركيبا عاديا

# ولو روعي معناه جمع بأن يقال شدادا إلا أن ينظر لظاهر وزن فعيل فإنه
~~يستوي فيه الواحد والجمع. والمراد بالحرس الملائكة عليهم السلام الذين
~~يمنعونهم عن قرب السماء { وشهبا } جمع شهاب وقد مر الكلام فيه. وجوز
~~بعضهم أن يكون المراد بالحرس الشهب والعطف مثله في قوله:

# وهند أتى من دونها النأي والبعد

# وهو خلاف الظاهر ودخول { أنا لمسنا } الخ في حيز الإيمان وكذا
~~أكثر الجمل الآتية في غاية الخفاء. والظاهر تقدير / نحو نخبركم فيما لا
~~يظهر دخوله في ذلك أو تأويل

# آمنا

# [الجن: 2] من أول الأمر بما ينسحب على الجميع.

### || [72.9]

# { وأنا كنا نقعد } قبل هذا { منها } أي من السماء {
~~مقعد للسمع } أي مقاعد كائنة للسمع خالية عن الحرس والشهب، أو
~~صالحة للترصد والاستماع و { للسمع } متعلق بنقعد أي لأجل السمع، أو بمضمر
~~هو صفة لمقاعد. وكيفية قعودهم على ما قيل ركوب بعضهم فوق بعض وروي في ذلك
~~خبر مرفوع، وقيل لا مانع من أن يكون بعروج من ms10872 شاء منهم بنفسه إلى حيث
~~يسمع منه الكلام.

# { فمن يستمع الآن } قال في «شرح التسهيل» الآن معناه هنا القرب
~~مجازا فيصح مع الماضي والمستقبل، وفي «البحر» أنه ظرف زمان للحال و {
~~يستمع } مستقبل فاتسع في الظرف واستعمل للاستقبال كما قال:

# سأسعى الآن إذ بلغت أناها

# فالمعنى فمن يقع منه استماع في الزمان الآتي { يجد له شهابا
~~رصدا } أي يجد شهابا راصدا له ولأجله يصده عن الاستماع بالرجم فرصد
~~صفة { شهابا } فإن كان مفردا فالأمر ظاهر وإن كان اسم جمع للراصد
~~كحرس فوصف المفرد به لأن الشهاب لشدة منعه وإحراقه جعل كأنه شهب ونظير
~~ذلك وصف المعا وهو واحد الإمعاء بجياع في قول القتامي:

# كأن قتود رحلي حين ضمت

# حوالب غرزاو معا جياعا

# وجوز كونه مفعولا له أي لأجل الرصد. وقيل يجوز أن يكون اسم جمع صفة لما
~~قبله بتقدير ذوي شهاب فكأنه قيل يجد له ذوي شهاب راصدين بالرجم وهم
~~الملائكة عليهم السلام الذين يرجمونهم بالشهب ويمنعونهم من الاستماع وفيه
~~بعد.

# وفي الآية رد على من زعم أن الرجم حدث بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم وهو إحدى آياته عليه الصلاة والسلام حيث قيل فيها

# ملئت

# [الجن: 8] وهو كما قال الجاحظ ظاهر في أن الحادث هو الملء والكثرة وكذا
~~قوله سبحانه نقعد منها مقاعد على ما في «الكشاف» فكأنه قيل كنا نجد فيها
~~بعض المقاعد خالية من الحرس والشهب والآن ملئت المقاعد كلها فمن يستمع
~~الخ ويدل على وجود الشهب قبل ذكرها في شعر الجاهلية قال بشر بن أبي
~~خازم:

# والعير يرهقها الغبار وجحشها

# ينقض خلفهما انقضاض الكوكب

# وقال أوس بن حجر:

# وانقض كالدري يتبعه

# نقع يثور تخاله طنبا

# وقال عوف بن الخرع يصف فرسا:

# يرد علينا العير من دون إلفه

# أو الثور كالدري يتبعه الدم

# فإن هؤلاء الشعراء كلهم كما قال التبريزي جاهليون ليس فيهم مخضرم. وما
~~رواه الزهري عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما عن ابن عباس: بينا
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms10873 جالس في نفر من الأنصار إذ رمى بنجم
~~فاستنار فقال ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية قالوا كنا نقول يموت
~~عظيم أو يولد عظيم.

# وروي عن معمر قلت للزهري أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية قال نعم قلت
~~أرأيت قوله تعالى: { وأنا كنا نقعد } فقال غلظت وشدد أمرها
~~حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه أخذ ذلك من الآية أيضا. وقال
~~بعضهم إن الرمي لم يكن أولا ثم حدث للمنع عن بعض السموات ثم كثر ومنع
~~به الشياطين عن جميعها يوم تنبأ النبي عليه الصلاة والسلام.

# وجوز أن تكون الشهب من قبل لحوادث كونية لا لمنع الشياطين أصلا والحادث
~~بعد البعثة رمي الشياطين بها على معنى أنهم إذا عرجوا للاستماع رموا بها
~~فلا يلزم أيضا أن يكون كل ما يحدث من الشهب اليوم للرمي بل يجوز أن يكون
~~لأمور أخر بأسباب يعلمها الله تعالى ويجاب بهذا عن حدوث الشهب في شهر
~~رمضان مع ما جاء من أنه تصفد مردة الشياطين فيه ولمن يقول إن الشهب لا
~~تكون إلا للرمي جواب آخر مذكور / في موضعه وذكروا وجدانهم المقاعد مملوءة
~~من الحراس ومنع الاستراق بالكلية قيل بيان لما حملهم على الضرب في البلاد
~~حتى عثروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمعوا قراءته عليه الصلاة
~~والسلام.

# وقولهم: { وأنا لا ندرى أشر أريد بمن فى الأرض }.

### || [72.10]

# وقولهم: { وأنا لا ندرى أشر أريد بمن فى الأرض }
~~بحراسة السماء { أم أراد بهم ربهم رشدا } أي خيرا
~~كالتتمة لذلك فالحامل في الحقيقة تغير الحال عما كانوا ألفوه والاستشعار
~~أنه لأمر خطير والتشوق إلى الإحاطة به خبرا ولا يخفى ما في قولهم {
~~أشر أريد } الخ من الأدب حيث لم يصرحوا بنسبة الشر إلى الله عز
~~وجل كما صرحوا به في الخير وإن كان فاعل الكل هو الله تعالى ولقد جمعوا
~~بين الأدب وحسن الاعتقاد.

### || [72.11]

# { وأنا منا الصلحون } أي الموصوفون بصلاح الحال في شأن
~~أنفسهم وفي معاملتهم مع غيرهم، المائلون إلى الخير والصلاح ms10874 حسبما تقتضيه
~~الفطرة السليمة لا إلى الشر والفساد كما هو مقتضى النفوس الشريرة {
~~ومنا دون ذلك } أي قوم دون ذلك المذكور، ويطرد حذف الموصوف إذا
~~كان بعض اسم مجرور بمن مقدم عليه. والصفة ظرف كما هنا أو جملة كما في
~~قوله منا أقام ومنا ظعن. وأرادوا بهؤلاء القوم المقتصدين في صلاح الحال
~~على الوجه السابق لا في الإيمان والتقوى كما قيل فإن هذا بيان لحالهم قبل
~~استماع القرآن كما يعرب عنه قوله تعالى: { كنا طرائق قددا }
~~وأما حالهم بعد استماعه فستحكى بقوله تعالى

# وأنا لما سمعنا الهدى

# [الجن: 13] إلى قوله تعالى:

# وأنا منا المسلمون

# [الجن: 14].

# وجوز بعضهم كون { دون } بمعنى غير فيكون { دون ذلك } شاملا
~~للشرير المحض وأيا ما كان فجملة { كنا } الخ تفسير للقسمة المتقدمة
~~لكن قيل الأنسب عليه كون { دون } بمعنى غير والكلام على حذف مضاف أي
~~كنا ذوي طرائق أي مذاهب أو مثل طرائق في اختلاف الأحوال أو كانت طرائقنا
~~طرائق قددا وكون هذا من تلقي الركبان لا يلتفت إليه وعدم اعتبار التشبيه
~~البليغ ليستغنى عن تقدير مثل قيل لأن المحل ليس محل المبالغة. وجوز
~~الزمخشري كون (طرائق) منصوبا على الظرفية بتقدير في أي كنا في طرائق.
~~وتعقب بأن الطريق اسم خاص لموضع يستطرق فيه فلا يقال للبيت أو المسجد
~~طريق على الإطلاق وإنما يقال جعلت للمسجد طريقا فلا ينتصب مثله على
~~الظرفية إلا في الضرورة، وقد نص سيبويه على أن قوله:

# كما عسل الطريق الثعلب

# شاذ فلا يخرج القرآن الكريم على ذلك. وقال بعض النحاة هو ظرف عام لأن كل
~~موضع يستطرق طريق. والقدد المتفرقة المختلفة قال الشاعر:

# القابض الباسط الهادي بطاعته

# في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد

# جمع قدة من قد إذا قطع كأن كل طريق لامتيازها مقطوعة من غيرها.

### || [72.12]

# { وأنا ظننا } أي علمنا الآن { أن لن نعجز الله } أي
~~أن الشأن لن نعجز الله تعالى كائنين { فى الأرض } أي أينما كنا من
~~أقطارها { ولن نعجزه هربا } أي هاربين منها إلى السماء،
~~فالأرض محمولة ms10875 على الجملة ولما كان { ولن } الخ في مقابلة ما قبل لزم أن
~~يكون الهرب إلى السماء، وفيه ترق ومبالغة كأنه قيل لن نعجزه سبحانه في
~~الأرض ولا في السماء. وجوز أن لا ينظر إلى عموم ولا خصوص كما في أرسلها
~~العراك ويجعل الفوت على قسمين أخذا من لفظ الهرب، والمعنى لن نعجزه
~~سبحانه في الأرض إن أراد بنا أمرا ولن نعجزه عز وجل هربا إن طلبنا
~~وحاصله إن طلبنا لم نفته وإن هربنا لم نخلص منه سبحانه. وفائدة ذكر الأرض
~~تصوير أنها مع هذه البسطة والعراضة ليس فيها منجا منه تعالى ولا مهرب
~~لشدة قدرته سبحانه وزيادة تمكنه جل وعلا، ونحوه قول القائل:

# وإنك كالليل الذي هو مدركي

# وإن خلت إن المنتأى عنك واسع

# وقيل فائدة ذكر الأرض تصوير تمكنهم عليها وغاية بعدها عن محل استوائه
~~سبحانه وتعالى، وليس بذاك. وكون { في الأرض } / و { هربا } حالين
~~كما أشرنا إليه هو الذي عليه الجمهور، وجوز في { هربا } كونه تمييزا
~~محولا عن الفاعل أي لن يعجزه سبحانه هربنا.

### || [72.13]

# أي القرآن الذي هو الهدى بعينه { ءامنا به } من غير تلعثم وتردد {
~~فمن يؤمن بربه } وبما أنزله عز وجل { فلا يخاف } جواب
~~الشرط ومثله من المنفي بلا يصح فيه دخول الفاء وتركها كما صرح به في «شرح
~~التسهيل» إلا أن الأحسن تركها ولذا قدر ههنا مبتدأ لتكون الجملة اسمية
~~ولزم اقترانها بالفاء إذا وقعت جوابا إلا فيما شذ من نحو:

# من يفعل الحسنات الله يشكرها

# معلوم وبعضهم أوجب التقدير لزعمه عدم صحة دخول الفاء في ذلك أي فهو لا
~~يخاف { بخسا } أي نقصا في الجزاء، وقال الراغب البخس نقص الشيء على
~~سبيل الظلم { ولا رهقا } أي غشيان ذلة من قوله تعالى

# وترهقهم ذلة

# [يونس: 27] وأصله مطلق الغشيان. وقال الراغب رهقه الأمر أي غشيه بقهر
~~وفي «الأساس» رهقه دنا منه وصبي مراهق مدان للحلم وفي «النهاية» يقال
~~رجل فيه رهق إذا كان يخف إلى الشر ويغشاه. وحاصل المعنى فلا يخاف أن يبخس
~~حقه ولا ms10876 أن ترهقه ذلة فالمصدر أعني { بخسا } مقدر باعتبار المفعول. وليس
~~المعنى على أن غير المؤمن يبخس حقه بل النظر إلى تأكيد ما ثبت له من
~~الجزاء وتوفيره كملا، وأما غيره فلا نصيب له فضلا عن الكمال. وفيه أن
~~ما يجزى به غير المؤمن مبخوس في نفسه وبالنسبة إلى هذا الحق فيه كل البخس
~~وإن لم يكن هناك بخس حق كذا في «الكشف» أو فلا يخاف بخسا ولا رهقا لأنه
~~لم يبخس أحدا حقا ولا رهقه ظلما فلا يخاف جزاءهما وليس من إضمار مضاف
~~أعني الجزاء بل ذلك بيان لحاصل المعنى وأن ما ذكر في نفسه مخوف فإنه يصح
~~أن يقال خفت الذنب وخفت جزاءه لأن ما يتولد منه المحذور محذور. وفيه
~~دلالة على أن المؤمن لاجتنابه البخس والرهق لا يخافهما فإن عدم الخوف من
~~المحذور إنما يكون لانتفاء المحذور وجاز أن يحمل على الإضمار وأصل الكلام
~~فمن لا يبخس أحدا ولا يرهق ظلمه فلا يخاف جزاءهما فوضع ما في النظم
~~الجليل موضعه تنبيها بالسبب على المسبب، والأول كما قيل أظهر وأقرب
~~مأخذا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في الآية
~~لا يخاف نقصا من حسناته ولا زيادة في سيئاته. وأخرج عبد بن حميد عن
~~قتادة أنه قال فلا يخاف بخسا ظلما بأن يظلم من حسناته فينتقص منها شيء
~~ولا رهقا ولا أن يحمل عليه ذنب غيره. وأخرج نحوه عن الحسن، ولعل المعنى
~~الأول أنسب بالترغيب بالإيمان وبلفظ الرهق أيضا نظرا إلى ما سمعت من
~~قوله تعالى

# وترهقهم ذلة

# [يونس: 27].

# وقرأ ابن وثاب والأعمش (فلا يخف) بالجزم على أن (لا) ناهية لا نافية لأن
~~الجواب المقترن بالفاء لا يصح جزمه. وقيل الفاء زائدة و(لا) للنفي وليس
~~بشيء. وأيا ما كان فالقراءة الأولى أدل على تحقق أن المؤمن ناج لا محالة
~~وأنه هو المختص بذلك دون غيره وذلك لتقدير هو عليها وبناء الفعل عليه نحو
~~هو عرف ويجتمع فيه التقوى والاختصاص إذا اقتضاهما المقام. وقرأ ابن وثاب ms10877
~~(بخسا) بفتح الخاء المعجمة.

### || [72.14]

# { وأنا منا المسلمون ومنا القسطون } الجائرون
~~عن طريق الحق الذي هو الإيمان والطاعة، يقال قسط الرجل إذا جار وأنشدوا:

# قوم هم قتلوا ابن هند عنوة

# عمرا وهم قسطوا على النعمان

# { فمن أسلم فأولئك } الإشارة إلى من أسلم والجمع باعتبار
~~المعنى { تحروا } توخوا وقصدوا { رشدا } عظيما مبلغهم إلى
~~الدار للثواب. وقرأ الأعرج (رشدا) بضم الراء وسكون الشين.

### || [72.15]

# { وأما القسطون } الجائرون عن سنن الإسلام { فكانوا
~~لجهنم حطبا } توقد بهم كما توقد بكفرة الإنس. واستظهر أن

# فمن أسلم

# [الجن: 14] الخ من كلام الجن، وقال ابن عطية الوجه أن يكون مخاطبة من
~~الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ويؤيده ما بعد من الآيات. وفي
~~«الكشاف» زعم من لا يرى / للجن ثوابا أن الله تعالى أوعد قاسطيهم وما
~~وعد مسلميهم وكفى به وعدا أن قال سبحانه

# فأولئك تحروا رشدا

# [الجن: 14] فذكر سبب الثواب والله عز وجل أعدل من أن يعاقب القاسط ولا
~~يثيب الراشد وهو ظاهر في أنه من كلامه عز وجل.

### || [72.16]

# قوله تعالى: { وألو استقاموا } الخ معطوف قطعا على قوله
~~سبحانه

# أنه استمع

# [الجن: 1] ولا يضر تقدم المعطوف على غيره على القول به لظهور الحال وعدم
~~الالتباس. و(أن) مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وقرأ الأعمش وابن
~~وثاب بضم واو لو والمعنى وأوحي إلي أن الشأن لو استقام الإنس والجن أو
~~كلاهما { على الطريقة } التي هي ملة الإسلام { لاسقينهم
~~ماء غدقا } أي كثيرا. وقرأ عاصم في رواية الأعمش بكسر الدال
~~والمراد لوسعنا عليهم الرزق. وتخصيص الماء الغدق بالذكر لأنه أصل المعاش
~~وكثرته أصل السعة فقد قيل المال حيث الماء ولعزة وجوده بين العرب.

### || [72.17]

# { لنفتنهم فيه } أي لنختبرهم كيف يشكرونه أي لنعاملهم معاملة
~~المختبر، وقيل لو استقام الجن على الطريقة المثلى أي لو ثبت أبوهم الجان
~~على ما كان عليه من عبادة الله تعالى وطاعته سبحانه ولم يتكبر عن السجود
~~لآدم ولم يكفر وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم ووسعنا رزقهم
~~لنختبرهم، ويجوز على هذا رجوع ms10878 الضمير إلى القاسطين وهو المروي عن ابن
~~عباس وقتادة ومجاهد وابن جبير. واعتبار المثلى قيل لأن التعريف للعهد
~~والمعهود طريقة الجن المفضلة على غيرها، وقيل لأن جعلها طريقة وما عداها
~~ليس بطريقة يفهم منه كونها مفضلة، وقيل المعنى أنه لو استقام الجن على
~~طريقتهم وهي الكفر ولم يسلموا باستماع القرآن لوسعنا عليهم الرزق
~~استدراجا لنوقعهم في الفتنة ونعذبهم في كفران النعمة، وروي نحو هذا عن
~~الضحاك والربيع بن أنس وزيد بن أسلم وأبي مجلز، بيد أنهم أعادوا الضمير
~~على

# فمن أسلم

# [الجن: 14] وقالوا أي لو كفر من أسلم من الناس لأسقيناهم الخ وهو مخالف
~~للظاهر لاستعمال الاستقامة على الطريق في الاستقامة على الكفر وكون
~~النعمة المذكورة استدراجا من غير قرينة عليه مع أن قوله تعالى

# ولو أن أهل القرى آمنوا

# [الأعراف: 96] الخ يؤيد الأول وزعم الطيبي أن التذييل بقوله عز وجل: {
~~ومن يعرض عن ذكر ربه } الخ ينصر ما قيل قال لأنه توكيد
~~لمضمون السابق من الوعيد أي لنستدرجهم فيتبعوا الشهوات التي هي موجبة
~~للبطر والإعراض عن ذكر الله تعالى وفيه نظر. والذكر مصدر مضاف لمفعوله
~~تجوز به عن العبادة أو هو بمعنى التذكير مضاف لفاعله ويفسر بالموعظة.
~~وقال بعضهم المراد بالذكر الوحي أي ومن يعرض عن عبادة ربه تعالى أو عن
~~موعظته سبحانه أو عن وحيه عز وجل { يسلكه } مضمن معنى ندخله ولذا
~~تعدى إلى المفعول الثاني أعني قوله تعالى: { عذابا صعدا } بنفسه
~~دون في أو هو من باب الحذف والإيصال. والصعد مصدر وصف به مبالغة أو
~~تأويلا أي ندخله عذابا يعلو المعذب ويغلبه، وفسر بشاق يقال فلان في صعد
~~من أمره أي في مشقة ومنه قول عمر رضي الله تعالى عنه ما تصعدني شيء كما
~~تصعدني خطبة النكاح أي ما شق علي وكأنه إنما قال ذلك لأنه كان من عادتهم
~~أن يذكروا جميع ما كان في الخاطب من الأوصاف الموروثة والمكتسبة فكان يشق
~~عليه ارتجالا أو كان يشق أن يقول الصدق في وجه الخاطب وعشيرته، وقيل
~~إنما شق ms10879 من الوجوه ونظر بعضهم إلى بعض. وقال أبو سعيد الخدري وابن عباس:
~~صعد جبل في النار قال الخدري كلما وضعوا أيديهم عليه ذابت وقال عكرمة هو
~~صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها فإذا انتهى إلى أعلاها حدر إلى جهنم،
~~فعلى هذا قال أبو حيان يجوز أن يكون بدلا من عذاب على حذف مضاف أي عذاب
~~صعد ويجوز أن يكون مفعول { نسلكه } و { عذابا } مفعول من أجله.

# وقرأ الكوفيون (يسلكه) بالياء وباقي السبعة بالنون وابن جندب بالنون من
~~أسلك وبعض التابعين بالياء كذلك وهما لغتان سلك وأسلك قال الشاعر يصف
~~جيشا مهزومين:

# / حتى إذا أسلكوهم في قتائدة

# شلا كما تطرد الجمالة الشردا

# وقرأ قوم (صعدا) بضمتين وابن عباس والحسن بضم الصاد وفتح العين قال
~~الحسن معناه لا راحة فيه.

### || [72.18]

# { وأن المسجد لله } عطف على

# أنه استمع

# [الجن: 1] فهو من جملة الموحى. والظاهر أن المراد بالمساجد المواضع
~~المعدة للصلاة والعبادة أبي وأوحي إلي أن المساجد مختصة بالله تعالى
~~شأنه { فلا تدعوا } أي فلا تعبدوا فيها { مع الله أحدا }
~~غيره سبحانه. وقال الحسن المراد كل موضع سجد فيه من الأرض سواء أعد لذلك
~~أم لا إذا الأرض كلها مسجد لهذه الأمة، وكأنه أخذ ذلك مما في الحديث
~~الصحيح

# " جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا "

# و اشتهر أن هذا من خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم أي شريعته فيكون له
~~ولأمته عليه الصلاة والسلام وكان من قبل إنما تباح لهم الصلاة في البيع
~~والكنائس. واستشكل بأن عيسى عليه السلام كان يكثر السياحة وغيره من
~~الأنبياء عليهم السلام يسافرون فإذا لم تجز لهم الصلاة في غير ما ذكر لزم
~~ترك الصلاة في كثير من الأوقات، وهو بعيد لا سيما في الخضر عليه السلام
~~ولذا قيل المخصوص كونها مسجدا وطهورا أي المجموع ويكفي في اختصاصه
~~اختصاص التيمم. وأجيب بأن المراد الاختصاص بالنسبة إلى الأمم السالفة دون
~~أنبيائها عليهم السلام والخضر إن كان حيا اليوم فهو من هذه الأمة سواء
~~كان نبيا أم لا لخبر

# " لو ms10880 كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي "

# وحكمه فيه نبيا ظاهر والأمر فيه غير نبي سهل.

# وقيل المراد بها المسجد الحرام أي الكعبة نفسها أو الحرم كله على ما قيل
~~والجمع لأن كل ناحية منه مسجد له قبلة مخصوصة أو لأنه لما كان قبلة
~~المساجد فإن كل قبلة متوجهة نحوه جعل كأنه جميع المساجد مجازا. وقيل
~~المراد هو وبيت المقدس فقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس لم يكن يوم
~~نزلت { وأن المسجد لله } الخ في الأرض مسجدا إلا المسجد
~~الحرام ومسجد أيليا بيت المقدس وأمر الجمع عليه أظهر منه على الأول لا
~~أنه كالأول خلاف الظاهر وما ذكر لا يتم دليلا له.

# وقال ابن عطاء وابن جبير والزجاج والفراء المراد بها الأعضاء السبعة
~~التي يسجد عليها واحدها مسجد بفتح الجيم وهي القدمان والركبتان والكفان
~~والوجه أي الجبهة والأنف. وروي أن المعتصم سأل أبا جعفر محمد بن علي بن
~~موسى الكاظم رضي الله تعالى عنهم عن ذلك فأجاب بما ذكر. وقيل السجدات على
~~أن المسجد بفتح الجيم مصدر ميمي.

# ونقل عن الخليل بن أحمد أن قوله تعالى { وأن المسجد } بتقدير
~~لام التعليل وهو متعلق بما بعد والمساجد بمعناها المعروف أي لأن المساجد
~~لله فلا تدعوا مع الله أحدا ولما لم تكن الفاء في جواب شرط محقق كانت في
~~الحقيقة زائدة فلا يمتنع تقديم معمول ما بعدها عليها نعم قال غير واحد
~~جيء بها لتضمن الكلام معنى الشرط والمعنى إن الله تعالى يحب أن يوحد ولا
~~يشرك به أحد فإن لم يوحدوه في سائر المواضع فلا تدعوا معه أحدا في
~~المساجد لأن المساجد له سبحانه مختصة به عز وجل فالإشراك فيها أقبح وأقبح
~~ونظير هذا قوله تعالى

# لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف *
~~فليعبدوا

# [قريش: 13] على وجه ولا يعد ذلك من الشرط المحقق ويندفع بما ذكر لزوم
~~جعل الفاء لغوا لأنها للسببية ومعناها مستفاد من اللام المقدرة. وقيل في
~~دفعه أيضا أنها تأكيد للام أو زائدة جيء بها للإشعار بمعناها ms10881 وأنها
~~مقدرة.

# والخطاب في { تدعوا } قيل للجن وأيد بما روي عن ابن جبير قال إن
~~الجن قالوا يا رسول الله كيف نشهد الصلاة معك على نأينا عنك فنزلت الآية
~~ليخاطبهم على معنى أن عبادتكم حيث كانت مقبولة إذا لم تشركوا فيها. وقيل
~~هو خطاب عام وعن قتادة كان اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم
~~أشركوا بالله عز وجل فأمرنا أن نخلص لله تعالى الدعوة إذا دخلنا المساجد
~~يعني بهذه الآية وعن ابن جريج بدل فأمرنا الخ فأمرهم أن يوحدوه وسيأتي إن
~~شاء الله تعالى ما يتعلق بذلك أيضا.

# وقرأ / كما في «البحر» ابن هرمز وطلحة { وأن المسجد } بكسر
~~همزة (إن) وحمل ذلك على الاستئناف.

### || [72.19]

# { وأنه } بفتح الهمزة عند الجمهور على أنه عطف على

# أنه استمع

# [الجن: 1] كالذي قبله فهو من كلامه تعالى أي وأوحي إلي أن الشأن {
~~لما قام عبد الله } أي النبي صلى الله عليه وسلم وقوله
~~تعالى: { يدعوه } حال من { عبد } أي لما قام عابدا له عز وجل
~~وذلك قيامه عليه الصلاة والسلام لصلاة الفجر بنخلة كما مر { كادوا }
~~أي الجن كما قال ابن عباس والضحاك { يكونون عليه لبدا }
~~متراكمين من ازدحامهم عليه تعجبا مما شاهدوا من عبادته وسمعوا من قراءته
~~واقتداء أصحابه به قياما وركوعا وسجودا لأنهم رأوا ما لم يروا مثله
~~وسمعوا ما لم يسمعوا نظيره. وهذا كالظاهر في أنهم كانوا كثيرين لا تسعة
~~ونحوها.

# وإيراده عليه الصلاة والسلام بلفظ العبد دون لفظ النبي أو الرسول أو
~~الضمير إما لأنه مقول على لسانه صلى الله عليه وسلم لأنه أمر أن يقول
~~أوحي كذا فجيء به على ما يقتضيه مقام العبودية والتواضع أو لأنه تعالى
~~عدل عن ذلك تنبيها على أن العبادة من العبد لا تستبعد. ونقل عليه الصلاة
~~والسلام كلامه سبحانه كما هو رفعا لنفسه عن البين فلا وجود للأثر بعد
~~العين. وحيث كان هذا العدول منه جل وعلا إما لكذا أو لكذا لا أنه تصرف من
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمتنع ms10882 كما قال بعض الأجلة الجمع بين
~~الحسنيين.

# وقال الحسن وقتادة ضمير (كادوا) لكفار قريش والعرب فيراد بالقيام القيام
~~بالرسالة وبالتلبد التلبد للعداوة والمعنى وأنه لما قام عبد الله
~~بالرسالة يدعو الله تعالى وحده ويذر ما كانوا يدعون من دونه كادوا
~~لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته يزدحمون عليه متراكمين. وجوز أن يكون
~~الضمير على هذا للجن والإنس، وعن قتادة أيضا ما يقتضيه قال تلبدت الإنس
~~والجن على هذا الأمر ليطفؤه فأبى الله تعالى إلا أن ينصره ويظهره على من
~~ناوأه. وفي «البحر» أبعد من قال عبد الله هنا نوح عليه السلام كاد قومه
~~يقتلونه حتى استنقذه الله تعالى منهم قاله الحسن، وأبعد منه قول من قال
~~إنه عبد الله بن سلام اه ولعمري إنه لا ينبغي القول بذلك ولا أظن له صحة
~~بوجه من الوجوه.

# وقرأ نافع وأبو بكر كما قدمنا وابن هرمز وطلحة كما في «البحر» { وإنه }
~~بكسر الهمزة وحمل على أن الجملة استئنافية من كلامه عز وجل، وجوز أن تكون
~~من كلام الجن معطوفة على جملة

# إنا سمعنا

# [الجن: 1] حكوا فيها لقومهم لما رجعوا إليهم ما رأوا من صلاته صلى الله
~~عليه وسلم وازدحام أصحابه عليه في ائتمامهم به، وحكي ذلك عن ابن جبير،
~~وجوز نحو هذا على قراءة الفتح بناء على ما سمعت عن أبي حاتم أو بتقدير
~~ونخبركم بأنه أو نحوه هذا.

# وفي «الكشف» الوجه على تقدير أن يكون { وأن المساجد } من جملة
~~الموحى أن يكون

# فلا تدعوا

# [الجن: 18] خطابا للجن محكيا إن جعل قوله تعالى { وإن لما قام } على
~~قراءة الكسر من مقول الجن لئلا ينفك النظم لو جعل ابتداء قصة ووحيا آخر
~~منقطعا عن حكاية الجن، وكذلك لو جعل ضمير { كادوا } للجن على قراءة
~~الفتح أيضا، والأصل أن المساجد لله فلا تدعوا أيها الجن مع الله أحدا
~~فقيل قل يا محمد لمشركي مكة أوحي إلي كذا وإذا كان كذلك فيجىء في ضمن
~~الحكاية إثبات هذا الحكم بالنسبة إلى المخاطبين أيضا لاتحاد العلة وأما
~~لو جعل ms10883 خطابا عاما فالوجه أن يكون ضمير { كادوا } راجعا إلى
~~المشركين أو إلى الجن والإنس وأن يكون على قراءة الكسر جملة استئنافية
~~ابتداء قصة منه جل شأنه في الإخبار عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وهو تمهيد لما يأتي من بعد وتوكيد لما ذكر من قبل فكأنه قيل قل لمشركي
~~مكة ما كان من حديث الجن وإيمان بعضهم وكفر آخرين منهم ليكون حكاية ذلك
~~لطفا لهم في الانتهاء عما كانوا فيه وحثا على الإيمان ثم قيل وأنه لما
~~قام عبد الله يدعوه ويوحده كاد الفريقان من كفرة الجن والإنس يكونون عليه
~~لبدا دلالة على عدم ارتداعهم مع هذه الدلائل الباهرة والآيات النيرة وما
~~أحسن التقابل بين قوله تعالى

# وأن المساجد لله

# [الجن: 18] وبين هذا القول كأنهم نهوا كلهم عن الإشراك ودعوا إلى
~~التوحيد فقابلوا ذلك بعداوة من يوحد الله / سبحانه ويدعوه ولم يرضوا
~~بالاباء وحده وهذا من خواص الكتاب الكريم وبديع أسلوبه إذا أخذ في قصة غب
~~قصة جعلهما متناصفتين فيما سيق له الكلام وزاد عليه التآخي بينهما في
~~تناسب خاتمة الأولى وفاتحة الثانية ولعل هذا الوجه من الوجاهة بمكان،
~~وأما لو فسر بما حكي عن الخليل ولأن المساجد لله فلا تدعوا الخ فالوجه أن
~~يكون استطرادا ذكر عقيب وعيد المعرض والحمل على هذا على الأعضاء السبعة
~~أظهر لأن فيه تذكيرا لكونه تعالى المنع بها عليهم وتنبيها على أن
~~الحكمة في خلقها خدمة المعبود من حيث العدول عن لفظ الأعضاء وأسمائها
~~الخاصة إلى المساجد ودلالة على أن ذلك ينافي الإشراك وحينئذ لا يبقى
~~إشكال في ارتباط ما بعده بما قبله على القراءتين والأوجه والله تعالى
~~أعلم اه فتأمل.

# واللبد بكسر اللام وفتح الباء كما قرأ الجمهور جمع لبدة بالكسر نحو كسرة
~~وكسر وهي الجماعات شبهت بالشيء المتلبد بعضه فوق بعض ويقال للجراد ومنه
~~كما قال الجبائي قول عبد مناف بن ربع الهذلي:

# صافوا بستة أبيات وأربعة

# حتى كأن عليهم جابيا لبدا

# وقرأ مجاهد وابن محيصن وابن عامر بخلاف عنه ms10884 (لبدا) بضم اللام جمع لبدة
~~كزبرة وزبر، وعن ابن محيصن أيضا تسكين الباء وضم اللام. وقرأ الحسن
~~والجحدري وأبو حيوة وجماعة عن أبي عمرو بضمتين جمع لبد كرهن ورهن أو جمع
~~لبود كصبور وصبر. وقرأ الحسن والجحدري أيضا بخلاف عنهما (لبدا) بضم
~~اللام وتشديد الباء جمع لا بد وأبو رجاء بكسرها وشد الباء المفتوحة.

### || [72.20]

# { قل إنما ادعوا } أعبد { ربي ولا أشرك به } في
~~العبادة { أحدا } فليس ذلك ببدع ولا مستنكر يوجب التعجب أو الإطباق
~~على عداوتي. وقرأ الأكثرون (قال) على أنه حكاية منه تعالى لقوله صلى الله
~~عليه وسلم للمتراكمين عليه أو حكاية من الجن له عند رجوعهم إلى قومهم فلا
~~تغفل. وقراءة الأمر وهي قراءة عاصم وحمزة وأبي عمرو بخلاف عنه أظهر
~~وأوفق لقوله سبحانه: { قل إنى لا أملك لكم ضرا ولا
~~رشدا }.

### || [72.21]

# { قل إنى لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } أي ولا نفعا
~~تعبيرا باسم السبب عن المسبب والمعنى لا أستطيع أن أضركم ولا أنفعكم
~~إنما الضار والنافع هو الله عز وجل أولا أملك لكم غيا ولا رشدا على أن
~~الضر مراد به الغي تعبير باسم السبب عن المسبب ويدل عليه قراءة أبي
~~(غيا) بدل (ضرا) والمعنى لا أستطيع أن أقسركم على الغي والرشد إنما
~~القادر على ذلك هو الله سبحانه وتعالى. وجوز أن يكون في الآية الاحتباك
~~والأصل لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ولا غيا ولا رشدا فترك من كلا
~~المتقابلين ما ذكر في الآخر. وقرأ الأعرج (رشدا) بضمتين.

### || [72.22]

# { قل إنى لن يجيرنى من الله أحد } إن أرادني سبحانه
~~بسوء { ولن أجد من دونه ملتحدا } أي معدلا و منحرفا
~~وقال الكلبي مدخلا في الأرض وقال السدي حرزا وأصله المدخل من اللحد
~~والمراد ملجأ يركن إليه وأنشدوا:

# يا لهف نفسي ونفسي غبر مجدية

# عني وما من قضاء الله ملتحد

# وجوز فيه الراغب كونه اسم مكان وكونه مصدرا. وهذا على ما قيل بيان
~~لعجزه عليه الصلاة والسلام عن شؤون نفسه بعد بيان عجزه صلى الله ms10885 عليه
~~وسلم عن شؤون غيره. وقيل في الكلام حذف وهو قالوا اترك ما تدعوا إليه
~~ونحن نجيرك فقيل له قل إني لن يجيرني الخ. وقيل هو جواب لقول وردان سيد
~~الجن وقد ازدحموا عليه أنا أرحلهم عنك فقال إني لن يجيرني الخ ذكره
~~الماوردي والقولان ليسا بشيء.

### || [72.23]

# وقوله تعالى: { إلا بلاغا من الله } استثناء من مفعول

# لا أملك

# [الجن: 21] كما يشير إليه كلام قتادة، وما بينهما اعتراض مؤكد لنفي
~~الاستطاعة فلا اعتراض بكثرة الفصل المبعدة لذلك، فإن كان المعنى لا أملك
~~أن أضركم ولا أنفعكم كان استثناء متصلا كأنه قيل لا أملك شيئا إلا
~~بلاغا وإن كان المعنى لا أملك أن أقسركم على الغي والرشد كان منقطعا أو
~~من باب:

# لا عيب فيهم/

# غير أن سيوفهم

# كما في «الكشف». وظاهر كلام بعض الأجلة أنه إما استثناء متصل من

# رشدا

# [الجن: 21] فإن الإبلاغ إرشاد ونفع والاستثناء من المعطوف دون المعطوف
~~عليه جائز وإما استثناء منقطع من

# ملتحدا

# [الجن: 22] قال الرازي: لأن البلاغ من الله تعالى لا يكون داخلا تحت
~~قوله سبحانه { من دونه ملتحدا } لأنه لا يكون من دون الله
~~سبحانه بل منه جل وعلا وبإعانته وتوفيقه. وفي «البحر» قال الحسن هو
~~استثناء منقطع أي لن يجيرني أحد لكن إن بلغت رحمني بذلك. والإجارة
~~مستعارة للبلاغ اذ هو سبب إجارة الله تعالى ورحمته سبحانه. وقيل هو على
~~هذا المعنى استثناء متصل والمعنى لن أجد شيئا أميل إليه وأعتصم به إلا
~~أن أبلغ وأطيع فيجيرني فيجوز نصبه على الاستثناء من { ملتحدا } أو
~~على البدل وهو الوجه لأن قبله نفيا وعلى البدل خرجه الزجاج انتهى
~~والأظهر ما تقدم وقيل أن (إلا) مركبة من إن الشرطية و(لا) النافية
~~والمعنى أن لا أبلغ بلاغا وما قبله دليل الجواب فهو كقولك إلا قياما
~~فقعودا وظاهره ان المصدر سد مسد الشرط كمعمول كان، ولهم في حذف جملة
~~الشرط مع بقاء الأداة كلام والظاهر أن اطراد حذفه مشروط ببقاء لا كما في
~~قوله:

# فطلقها فلست لها بكفء ms10886

# وإلا يعل مفرقك الحسام

# ما لم يسد مسده شيء من معمول أو مفسر ك

# وإن أحد من المشركين استجارك

# [التوبة: 6] والناس مجزيون بأعمالهم إن خيرا فخير وهذا الوجه خلاف
~~المتبادر كما لا يخفى.

# وقوله تعالى: { ورسلته } عطف على { بلاغا } و { من
~~الله } متعلق بمحذوف وقع صفة له أي بلاغا كائنا من الله وليس بصلة
~~له لأنه يستعمل بعن كما في قوله صلى الله عليه وسلم:

# " بلغوا عني ولو آية "

# والمعنى على ما علمت أولا في الاستثناء لا أملك لكم إلا تبليغا كائنا
~~منه تعالى ورسالاته التي أرسلني عز وجل بها. وفي «الكشف» في الكلام إضمار
~~أي بلاغ رسالاته، وأصل الكلام الإ بلاغ رسالات الله فعدل إلى المنزل ليدل
~~على التبليغين مبالغة وأن كلا من المعنيين أعني كونه من الله تعالى
~~وكونه بلاغ رسالاته يقتضي التشمر لذلك انتهى. وفي عبارة «الكشاف» رمز ما
~~إليه لكن قيل عليه لا ينبغي تقدير المضاف فيه أعني بلاغ فإنه يكون العطف
~~حينئذ من عطف الشيء على نفسه إلا أن يوجه بأن البلاغ من الله تعالى فيما
~~أخذه عنه سبحانه بغير واسطة والبلاغ للرسالات فيما هو بها وهو بعيد غاية
~~البعد فافهم.

# واستظهر أبو حيان عطفه على الاسم الجليل فقال الظاهر عطف {
~~رسلته } على { الله } أي إلا أن أبلغ عن الله وعن رسالاته.
~~وظاهره جعل (من) بمعنى عن وقد تقدم منه أنها لابتداء الغاية.

# وقرىء (قال لا أملك) أي قال عبد الله للمشركين أو للجن وجوز أن يكون من
~~حكاية الجن لقومهم.

# هذا ووجه ارتباط الآية بما قبلها قيل بناء على أن التلبد للعداوة أنهم
~~لما تلبدوا عليه صلى الله عليه وسلم متظاهرين للعداوة قيل له عليه الصلاة
~~والسلام

# قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا

# [الجن: 21] أي ما أردت إلا نفعكم وقابلتموني بالإساءة وليس في استطاعتي
~~النفع الذي أردت ولا الضر الذي أكافؤكم به إنما ذاك إلى الله تعالى، وفيه
~~تهديد عظيم وتوكيل إلى الله جل وعلا وأنه سبحانه هو الذي يجزيه بحسن
~~صنيعه ms10887 وسوء صنيعهم ثم فيه مبالغة من حيث إنه لا يدع التبليغ لتظاهرهم هذا
~~فإن الذي يستطيعه عليه الصلاة والسلام هو التبليغ ولا يدع المستطاع ولهذا
~~قال { إلا بلاغا } وجعله بدلا من

# ملتحدا

# [الجن: 22] شديد الطباق على هذا والشرط قريب منه وأما إن كان الخطاب
~~للجن والتلبد للتعجب فالوجه أنهم لما تلبدوا لذلك قيل له عليه الصلاة
~~والسلام قل لهم ما لكم ازدحمتم علي متعجبين مني ومن تطامن أصحابي على
~~العبادة اني ليس إلي النفع والضر إنما أنا مبلغ عن الضار النافع
~~فأقبلوا أنتم مثلنا على العبادة ولا تقبلوا على التعجب فإن العجب ممن
~~يعرض عن المنعم المنتقم الضار النافع ولعل اعتبار قوة الارتباط يقتضي
~~أولوية كون التلبد كان للعداوة ومعصية الرسول عليه الصلاة والسلام.

# { ومن يعص الله ورسوله } أي في الأمر بالتوحيد إذ الكلام
~~فيه فلا يصح استدلال المعتزلة ونحوهم بالآية / على تخليد العصاة في
~~النار. وجوز أن يراد بالرسول رسول الملائكة عليهم السلام دون رسول البشر
~~فالمراد بعصيانه أن لا يبلغ المرسل إليه ما وصل إليه كما وصل وهو خلاف
~~الظاهر.

# { فإن له نار جهنم خلدين فيها } أي في النار أو في
~~جهنم وجمع (خالدين) باعتبار معنى (من) كما أن الإفراد قبل باعتبار لفظها
~~ولو روعي هنا أيضا لقيل خالدا. { أبدا } بلا نهاية.

# وقرأ طلحة (فأن) بفتح الهمزة على أن التقدير كما قال ابن الأنباري وغيره
~~فجزاءه أن له الخ وقد نص النحاة على أن أن بعد فاء الشرط يجوز فيها الفتح
~~والكسر فقول ابن مجاهد ما قرأ به أحد وهو لحن لأنه بعد فاء الشرط ناشىء
~~من قلة تتبعه وضعفه في النحو.

### || [72.24]

# جملة شرطية مقرونة بحتى الابتدائية وهي وإن لم تكن جارة فيها معنى
~~الغاية فمدخولها غاية لمحذوف دلت عليه الحال من استضعاف الكفار لأنصاره
~~عليه الصلاة والسلام واستقلالهم لعدده كأنه قيل لا يزالون يستضعفون
~~ويستهزؤون حتى إذا رأوا ما يوعدون من فنون العذاب في الآخرة تبين لهم أن
~~المستضعف من هو ويدل على ذلك أيضا جواب ms10888 الشرط وكذا ما قيل على ما قيل
~~لأن قوله سبحانه

# قل إنمآ أدعو ربي

# [الجن: 20] تعريض بالمشركين كيفما قدر بل السورة الكريمة من مفتتحها
~~مسوقة للتعريض بحال مشركي مكة وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وتسرية عنه عليه الصلاة والسلام وتعبير لهم بقصور نظرهم من الجن مع
~~ادعائهم الفطانة وقلة إنصافهم ومبادهتهم بالتكذيب والاستهزاء بدل مبادهة
~~الجن بالتصديق والاستهداء ويجوز جعل ذلك غاية لقوله تعالى

# يكونون عليه لبدا

# [الجن: 19] إن فسر بالتلبد على العداوة ولا مانع من تخلل أمور غير
~~أجنبية بين الغاية والمغيا فقول أبي حيان إنه بعيد جدا لطول الفصل
~~بينهما بالجمل الكثيرة ليس بشيء كجعله إياه غاية لما تضمنته الجملة قبل
~~يعني

# فإن له نار جهنم

# [الجن: 23] من الحكم بكينونة النار له ومثل ذلك ما قيل من أنه غاية
~~لمحذوف والتقدير دعهم حتى إذا رأوا الخ.

# والظاهر أن (من) استفهامية كما أشرنا إليه وهي مبتدأ و { أضعف }
~~خبر والجملة في موضع نصب بما قلبها وقد علق عن العمل لمكان الاستفهام.
~~وجوز كونها موصولة في موضع نصب بيعلمون و { أضعف } خبر مبتدأ محذوف,
~~والجملة صلة لمن والتقدير فسيعرفون الذي هو أضعف وحسن حذف صدر الصلة
~~طولها بالتمييز. وجوز تفسير { ما يوعدون } بيوم بدر ورجح الأول بأن
~~الظاهر أن قوله سبحانه: { قل إن أدرى أقريب ما توعدون
~~أم يجعل له ربى أمدا }.

### || [72.25]

# { قل إن أدرى } أي ما أدري { أقريب ما توعدون أم
~~يجعل له ربى أمدا } رد لما قاله المشركون عند سماعهم ذلك،
~~ومقتضى حالهم أنهم قالوا إنكارا واستهزاء متى يكون ذلك الموعود، بل روي
~~عن مقاتل أن النضر بن الحرث قال ذلك فقيل قل إنه كائن لا محالة وأما وقته
~~فما أدري متى يكون، والأحرى بسؤالهم وهذا الجواب إرادة ما في يوم القيامة
~~المنكرين له أشد الإنكار والخفي وقته عن الخلائق غاية الخفاء. والمراد
~~بالأمد الزمان البعيد بقرينة المقابلة بالقريب وإلا فهو وضعا شامل لهما
~~ولذا وصف ببعيدا في قوله تعالى:

# تود لو أن بينها وبينه ms10889 أمدا بعيدا

# [آل عمران: 30] وقيل إن معنى القرب ينبىء عن مشارفة النهاية فكأنه قيل
~~لا أدري أهو حال متوقع في كل ساعة أم هو مؤجل ضرب له غاية والأول أولى
~~وأقرب.

### || [72.26]

# { علم الغيب } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو سبحانه
~~عالم الغيب، وجوز أبو حيان كونه بدلا من

# ربي

# [الجن: 25] وغيره أيضا كونه بيانا له ويأبى الوجهين الفاء في قوله
~~تعالى: { فلا يظهر على غيبه أحدا } إذ يكون النظم حينئذ
~~أم يجعل له عالم الغيب أمدا فلا يظهر على غيبه أحدا، وفيه من الاختلال
~~ما لا يخفى. وإضافة (عالم) إلى (الغيب) محضة لقصد الثبات فيه، فيفيد
~~تعريف الطرفين التخصيص وتعريف الغيب للاستغراق. وفي الرضي أن اسم الجنس
~~أعني الذي يقع على القليل والكثير بلفظ الواحد إذا استعمل ولم تقم قرينة
~~تخصصه ببعض ما يصدق عليه فهو في الظاهر لاستغراق الجنس / أخذا من
~~استقراء كلامهم، فمعنى التراب يابس والماء بارد كل ما فيه هاتان
~~الماهيتان حاله كذا، فلو قلت في قولهم النوم ينقض الطهارة، النوم مع
~~الجلوس لا ينقضها لكان مناقضا لذلك اللفظ انتهى وهو يؤيد إرادة ذلك هنا
~~لأن الغيب كالماء يقع على القليل والكثير بلفظ واحد، ولا يضر في ذلك جمعه
~~على غيوب كما لا يضر فيه جمع الماء على مياه وكذا المراد بغيبه جميع
~~غيبه، وقد نص عليه عزمي زاده معللا له بكون اسم الجنس المضاف بمنزلة
~~المعرف باللام سيما إذا كان في الأصل مصدرا وعزى إلى «شرح المقاصد» ما
~~يقتضيه، وربما يقال يفهم ذلك أيضا من اعتبار كون الإضافة للعهد وأن
~~المعهود هو الغيب المستغرق أو من اعتبارها للاختصاص وأن الغيب المختص به
~~تعالى بمعنى المختص علمه سبحانه به هو كل غيب، واعتناء بشأن الاختصاص جيء
~~بالمظهر موضع المضمر.

# والجملة استئناف لدفع توهم نقص من نفي الدراية. والفاء لترتيب عدم
~~الإظهار على تفرده تعالى بعلم الغيب. والمراد بالإظهار المنفي الاطلاع
~~الكامل الذي تنكشف به جلية الحال على أتم وجه كما يرشد إليه حرف
~~الاستعلاء ms10890 فكأنه قيل ما علي إذا قلت ما أدري قرب ذلك الموعد الغيب ولا
~~بعده فالله سبحانه وتعالى عالم كل غيب وحده فلا يطلع على ذلك المختص علمه
~~به تعالى إطلاعا كاملا أحدا من خلقه ليكون أليق بالتفرد وأبعد عن توهم
~~مساواة علم خلقه لعلمه سبحانه وإنما يطلع جل وعلا إذا أطلع من شاء على
~~بعضه مما تقتضيه الحكمة التي هي مدار سائر أفعاله عز وجل وما نفيت عني
~~العلم به مما لم يطلعني الله تعالى عليه لما أن الإطلاع عليه مما لا
~~تقتضيه الحكمة التشريعية التي يدور عليها فلك الرسالة بل هو مخل بها، وإن
~~شئت فاعتبر الجملة واقعة موقع التعليل لنفي الدراية السابقة.

# ولما كان مساق الكلام ما قد يتوهمون منه أنه عليه الصلاة والسلام لم
~~يطلع على شيء من الغيب، عقب عز وجل الكلام بالاستثناء المنقطع كما
~~روي في «البحر» عن ابن عباس الذي هو بمعنى الاستدراك لدفع ذلك على أبلغ
~~وجه حيث عمم الأمر في الرسل المرتضين وأقام كيفية الإظهار مقام الإظهار
~~مع الإشارة إلى البعض الذي أطلعوا عليه المناسب لمقام الدعوة فقال عز من
~~قائل: { إلا من ارتضى من رسول... }.

### || [72.27]

# أي لكن الرسول المرتضى يظهره جل وعلا على بعض الغيوب المتعلقة برسالته
~~كما يعرب عنه بيان من ارتضى بالرسول تعلقا ما إما لكونه من مباديها بأن
~~يكون معجزة وإما لكونه من أركانها وأحكامها كعامة التكاليف الشرعية
~~وكيفيات الأعمال وأجزيتها ونحو ذلك من الأمور الغيبية التي بيانها من
~~وظائف الرسالة بأن يسلك من جميع جوانبه عند إطلاعه على ذلك حرسا من
~~الملائكة عليهم السلام يحرسونه من تعرض الشياطين لما أريد إطلاعه عليه
~~اختطافا أو تخليطا.

### || [72.28]

# { ليعلم } متعلق بيسلك وعلة له، والضمير لمن أي لأجل أن يعلم ذلك
~~المرتضى الرسول ويصدق تصديقا جازما ثابتا مطابقا للواقع { أن قد
~~أبلغوا } أي الشأن قد أبلغ إليه الرصد وهو من قبيل بنوا تميم قتلوا
~~زيدا فإن المبلغ في الحقيقة واحد معهم وهو جبريل عليه السلام كما هو
~~المشهور من ms10891 أنه المبلغ من بين الملائكة عليهم السلام إلى الأنبياء {
~~رسلت ربهم } وهي الغيوب المظهر عليها كما هي من غير اختطاف
~~ولا تخليط وعلى هذا فليكن

# من

# [الجن: 27] مبتدأ وجملة { إنه يسلك } خبره وجىء بالفاء لكونه
~~اسم موصول وقوله تعالى: { وأحاط بما لديهم } أي بما عند الرصد
~~{ وأحصى كل شىء } أي مما كان ومما سيكون { عددا } أي فردا
~~فردا حال من فاعل { يسلك } بتقدير قد أو بدونه جىء به لمزيد
~~الاعتناء بأمر علمه تعالى بجميع الأشياء وتفرده سبحانه بذلك على أتم وجه
~~بحيث لا يشاركه سبحانه في ذلك الملائكة الذين هم وسائط العلم، فكأنه قيل
~~لكن المرتضى الرسول يعلمه الله تعالى بواسطة الملائكة بعض الغيوب مما له
~~تعلق ما برسالته والحال أنه تعالى قد أحاط علما بجميع أحوال أولئك /
~~الوسائط وعلم جل وعلا جميع الأشياء بوجه جزئي تفصيلي فأين الوسائط منه
~~تعالى أو حال من فاعل { أبلغوا } جىء به للإشارة إلى أن الرصد
~~أنفسهم لم يزيدوا ولم ينقصوا فيما بلغوا كأنه قيل ليعلم الرسول أن قد
~~أبلغ الرصد إليه رسالات ربه في حال أن الله تعالى قد علم جميع أحوالهم
~~وعلم كل شيء فلو أنهم زادوا أو نقصوا عند الإبلاغ لعلمه سبحانه فما كان
~~يختارهم للرصدية والحفظ.

# هذا ما سنح لذهني القاصر في تفسير هذه الآيات الكريمة ولست على يقين من
~~أمره بيد أن الاستدلال بقوله سبحانه

# فلا يظهر

# [الجن: 26] الخ على نفي كرامة الأولياء بالإطلاع على بعض الغيوب لا يتم
~~عليه لأن قوله تعالى: { فلا يظهر على غيبه أحدا } في قوة
~~قضية سالبة جزئية لدخول ما يفيد العموم في حيز السلب - وأكثر استعمالاته
~~لسلب العموم وصرح به فيما هنا في «شرح المقاصد» - لا لعموم السلب وهو سلب
~~جزئي فلا ينافي الإيجاب الجزئي، كأن يظهر بعض الغيب على ولي على نحو ما
~~قال بعض أهل السنة في قوله تعالى

# لا تدركه الأبصار

# [الأنعام: 103] ولا يرد أن الاستثناء يقتضي أن يكون المرتضى الرسول
~~مظهرا على جميع غيبه تعالى بناء على أن الاستثناء ms10892 من النفي يقتضي إيجاب
~~نقيضه للمستثنى ونقيض السالبة الجزئية الموجبة الكلية مع أنه سبحانه لا
~~يظهر أحدا كائنا من كان على جميع ما يعلمه عز وجل من الغيب وذلك
~~لانقطاع الاستثناء المصرح به ابن عباس، وكذا لا يرد أن الله تعالى نفي
~~إظهار شيء من غيبه على أحد إلا على الرسول فيلزم أن لا يظهر سبحانه أحدا
~~من الملائكة على شيء منه لأن الرسول هنا ظاهر في الرسول البشري لقوله
~~تعالى:

# فإنه يسلك

# [الجن: 27] الخ وذلك ليس إلا فيه كما لا يخفى على من علم حكمة ذلك،
~~ويلزم أن لا يظهر أيضا أحدا من الأنبياء الذين ليسوا برسل بناء على
~~إرادة المعنى الخاص من الرسول هنا وذلك لما ذكرنا أولا، وكذا لا يرد أنه
~~يلزم أن لا يظهر المرتضى الرسول على شيء من الغيوب التي لا تتعلق برسالته
~~ولا يخل الإظهار عليها بالحكمة التشريعية إذ لا حصر للبعض المظهر فيما
~~يتعلق بالرسالة، وإنما أشير إلى المتعلق بها لاقتضاء المقام لذلك، وكون
~~كل غيب يظهر عليه الرسول لا يكون إلا متعلقا برسالته محل توقف.

# وللمفسرين ههنا كلام لا بأس بذكره بما له وما عليه حسب الإمكان ثم
~~الأمر بعد ذلك إليك فنقول: لما كان مذهب أكثر أهل السنة القول بكرامة
~~الولي بالإطلاع على الغيب وكان ظاهر قوله تعالى

# عالم الغيب فلا يظهر

# [الجن: 26] الخ دالا على نفيها ولذا قال الزمخشري: إن في هذا إبطال
~~الكرامات أي في الجملة وهي ما كان من الإظهار على الغيب لأن الذين تضاف
~~إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل وقد خص الله تعالى الرسل من
~~بين المرتضين بالإطلاع على الغيب وإبطال الكهانة والتنجيم لأن أصحابهما
~~أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط انتهى أنجدوا وأتهموا وأيمنوا
~~وأشأموا في تفسير الآية على وجه لا ينافي مذهبهم ولا يتم عليه استدلال
~~المعتزلي على مذهبه فقال الإمام: ليس في قوله تعالى { على غيبه }
~~صيغة عموم فيكفي العمل بمقتضاه أن لا يظهر تعالى خلقه على غيب واحد من
~~غيوبه ms10893 فنحمله على وقت وقوع القيامة، فيكون المراد من الآية أنه تعالى لا
~~يظهر هذا الغيب لأحد، فلا يبقى في الآية دلالة على أنه سبحانه لا يظهر
~~شيئا من الغيوب لأحد، ويؤكد ذلك وقوع الآية بعد قوله تعالى:

# قل إن أدرى أقريب ما توعدون

# [الجن: 25] والمراد به وقوع يوم القيامة ثم قال: فإن قيل إذا حملتم ذلك
~~على القيامة فكيف قال سبحانه { إلا من ارتضى من رسول } مع
~~أنه لا يظهر هذا الغيب لأحد من رسله، قلنا بل يظهره عند القرب من إقامة
~~القيامة وكيف لا وقد قال تعالى

# ويوم تشقق السمآء بالغمام ونزل الملائكة
~~تنزيلا

# [الفرقان: 25] ولا شك أن الملائكة يعلمون في ذلك الوقت، وأيضا يحتمل أن
~~يكون هذا الاستثناء منقطعا كأنه قيل عالم الغيب فلا يظهر على غيبه
~~المخصوص وهو قيام القيامة أحدا، ثم قيل إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك
~~من بين يديه ومن خلفه حفظة يحفظونه من شر مردة الإنس والجن انتهى.

# وتعقب بأن في غيبه / ما يدل على العموم كما سمعت أولا، والسياق لا
~~يأباه اللهم إلا أن يطعن في ذلك، وأيضا ظاهر جوابه الأول عن القيل كون
~~المراد بالرسول في الآية الرسول الملكي ويأباه ما بعد من قوله تعالى:

# فإنه يسلك

# [الجن: 27] الخ على أن علم الملائكة بوقت الساعة يوم تشقق السماء ليس من
~~الإظهار على الغيب بل هو من إظهار الغيب وإبرازه للشهادة كإظهار المطر
~~عند نزوله وما في الأرحام عند وضعه إلى غير ذلك، وأيضا الانقطاع على
~~الوجه الذي ذكره بعيد جدا إذ فيه قطع المناسبة بين السابق واللاحق
~~بالكلية اللهم إلا أن يقال مثله لا يضر في المنقطع.

# وقيل إن الإظهار على الغيب بمعنى الإطلاع عليه على أتم وجه بحيث يحصل به
~~أعلى مراتب العلم، والمراد عموم السلب ولا يضر في ذلك دخول ما يفيد
~~العموم في حيز النفي لأن القاعدة أكثرية لا مطردة لقوله تعالى:

# والله لا يحب كل مختال فخور

# [الحديد: 23] وقوله سبحانه:

# والله لا يحب كل كفار أثيم ms10894

# [البقرة: 276] وقد نص على ذلك العلامة التفتازاني، فيكون المعنى فلا
~~يظهر على شيء من غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه سبحانه يظهره على
~~شيء من غيبه بأن يسلك الخ ولا يرد كرامة الولي إذ ليست من الإظهار
~~المذكور إذ لا يحصل له أعلى مراتب العلم بالغيب الذي يخبر به وإنما يحصل
~~له ظنون صادقة أو نحوها وكذا شأن غيره من أرباب الرياضات من الكفرة
~~وغيرهم.

# وتعقب بأن من الصوفية من قال كالشيخ محي الدين قدس سره بنزول الملك على
~~الولي وإخباره إياه ببعض المغيبات أحيانا ويرشد إلى نزوله عليه قوله
~~تعالى:

# إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقموا

# [الأحقاف: 13] الآية وكون ما يحصل له إذ ذاك ظن أو نحوه لا علم كالعلم
~~الحاصل للرسول بواسطة الملك لا يخلو عن بحث، بل قد يحصل له بواسطة
~~الإلهام والنفث في الروع نحو ما يحصل للرسول، وأيضا يلزم أن لا يظهر
~~الملك على الغيب إذ الرسول المستثنى رسول البشر على ما هو الظاهر،
~~والتزام أنه لا يظهر بالمعنى السابق ويظهر بواسطته مما لا وجه له أصلا،
~~وأيضا يلزم أن ما يحصل للنبي غير الرسول بالمعنى الأخص المتبادر هنا
~~ليس بعلم بالمعنى المذكور وهو كما ترى. وقيل المراد بالغيب في الموضعين
~~الجنس والإظهار عليه على ما سمعت وكذا عدم ورود الكرامة والبحث فيه
~~كالبحث في سابقه وزيادة.

# وقال صاحب «الكشف» في الرد على الزمخشري الغيب إن كان مفسرا بما فسره
~~في قوله تعالى

# يؤمنون بالغيب

# [البقرة: 3] فالآية حجة عليه لأنه جوز هنالك أن يعلم بإعلامه تعالى أو
~~بنصبه الدليل وهذا الثاني أعني القسم العقلي تنفيه الآية وترشد إلى أن
~~تهذيب طرق الأدلة أيضا بواسطة الأنبياء عليهم السلام والعقل غير مستقل،
~~وأهل السنة عن آخرهم على أن الغيب بذلك المعنى لا يطلع عليه إلا رسول أو
~~آخذ منهم وليس فيه نفي الكرامة أصلا، وإن أراد الغائب عن الحس في الحال
~~مطلقا فلا بد من التخصيص بالاتفاق فليس فيه ما ينفيها أيضا، وإن فسر ms10895
~~بالمعدوم كما ذكره في قوله تعالى

# عالم الغيب والشهادة

# [الأنعام: 73] فلا بد أيضا من التخصيص، وكذلك لو فسر بما غاب عن العباد
~~أو بالسر على أن ظاهر الآية أنه تعالى عالم كل غيب وحده لا يظهر على غيبه
~~المختص به وهو ما يتعلق بذاته تعالى وصفاته عز وجل بدلالة الإضافة إلا
~~رسولا وهو كذلك فإن غيبه تعالى لا يطلع عليه إلا بالإعلام من رسول ملكي
~~أو بشري ولا كل غيبه تعالى الخاص مطلع عليه بل بعضه وأقل القليل منه فدل
~~المفهوم على أن غير هذا النوع الخاص من الغيب لا منع من إطلاع الله تعالى
~~غير الرسول عليه فهذا ظاهر الآية دون تعسف. ثم لو سلم فالثاني، إما
~~مستغرق وإذا قال سبحانه لا يطلع على جميعه أحدا إلا من ارتضى من رسول لم
~~يدل على أنه لا يجوز إطلاع غير الرسول على البعض، وأما مطلق ينزل على
~~الكامل منه فيرجع إلى ما اخترناه وتعاضد دلالتا تشريف الإضافة والإطلاق
~~فلا وجه لتعليقه بهذه الآية، ومنه يظهر أن الاستدلال من الآية على إبطال
~~الكهانة والتنجيم غير ناهض وإن كان إبطالهما حقا لانكره فضلا عن تكفير
~~من قال بدلالته على حياة أو موت لأنه كفر بهذه الآية كما نقله شيخنا
~~الطيبي عن الواحدي / والزجاج وصاحب «المطلع» انتهى وبحث فيه بأن حمل
~~(غيبه) على الغيب الخاص بمعنى ما يتعلق بذاته تعالى وصفاته عز وجل مما لا
~~يناسب السياق، وبأن ظاهر ما قرره على احتمال الاستغراق يقتضي على تقدير
~~اتصال الاستثناء وإيجاب ضد ما نفى للمستثنى أن يظهر الرسول على جميع غيبه
~~تعالى إلى ما يظهر بالتأمل.

# وذكر العلامة البيضاوي أولا ما يفهم منه على ما قيل حمل (غيبه) على
~~العموم مع الاختصاص أي عموم الغيب المخصوص به علمه تعالى وحمل

# فلا يظهر

# [الجن: 26] على سلب العموم وحمل الرسول على الرسول البشري واعتبار
~~الاستثناء منقطعا على أن المعنى: فلا يظهر على جميع غيبه المختص به علمه
~~تعالى أحدا إلا من ارتضى من رسول فيظهره على ms10896 بعض غيبه حتى يكون إخباره
~~به معجزة، فلا يتم الاستدلال بالآية على نفي الكرامة. وفسر الاختصاص بأنه
~~لا يعلمه بالذات ولكنه علما حقيقيا يقينيا بغير سبب كاطلاع الغير إلا
~~هو سبحانه، وأما علم غيره سبحانه لبعضه فليس علما للغيب إلا بحسب الظاهر
~~وبالنسبة لبعض البشر.

# وقيل أراد بالغيب المخصوص به تعالى ما لم ينصب عليه دليل ولا يقدح في
~~الاختصاص علم الغير به بإعلامه تعالى إذ هو إضافي بالنسبة إلى من لم
~~يعلم.

# وقال ثانيا في الجواب عن الاستدلال: ولعله أراد الجواب عند القوم ما
~~نصه وجوابه تخصيص الرسول بالملك والإظهار بما يكون بغير توسط وكرامات
~~الأولياء على المغيبات إنما تكون تلقيا من الملائكة أي بالنفث في الروع
~~ونحوه، وحاصله أن الاستدلال إنما يتم أن لو تحقق كون المراد بالرسول رسول
~~البشر والملك جميعا أو رسول البشر فقط وبالإظهار الإظهار بواسطة أولا
~~والكل ممنوع إذ يجوز أن يخص الرسول برسول الملك وأن يراد بالإظهار
~~الإظهار بلا واسطة ويكون المعنى فلا يظهر بلا واسطة على غيبه إلا رسل
~~الملائكة ولا ينافي ذلك إظهار الأولياء على غيبه لأنه لا يكون إلا
~~بالواسطة، وهو جواب بمنع المقدمتين وإن كان يكفي فيه منع أحدهما كما فعل
~~الإمام والتفتازاني في «شرح المقاصد». وتعقب بأن رسل البشر قد يطلعون
~~بغير واسطة أيضا، وفي قصة المعراج وتكليم موسى عليه السلام ما يكفي في
~~ذلك على أنه قد قيل عليه بعد ما قيل. وأغرب ما قيل في هذا المقام كون
~~(إلا) في قوله تعالى:

# إلا من ارتضى

# [الجن: 27] للعطف والمعنى فلا يظهر على غيبه أحد ولا من ارتضى من رسول
~~وحاله لا يخفى.

# ثم إن تفسير قوله تعالى: { فإنه يسلك } الخ بما سمعت هو الذي
~~عليه جمهور المفسرين وكانت الحفظة الذين ينزلون مع جبريل عليه السلام على
~~نبينا صلى الله عليه وسلم على ما أخرج ابن المنذر وجماعة عن ابن جبير
~~أربعة وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال ما أنزل الله تعالى على نبيه صلى
~~الله عليه ms10897 وسلم آية من القرآن إلا ومعها أربعة من الملائكة يحفظونها حتى
~~يؤدونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم قرأ { عالم الغيب }
~~الآية وقد يكون مع الوحي أكثر من ذلك ففي بعض الأخبار أنه نزل مع سورة
~~الأنعام سبعون ألف ملك وجاء في شأن آية الكرسي ما جاء.

# وقال ابن كمال: لاحت دقيقة بخاطري الفاتر قلما يوجد مثلها في بطون
~~الدفاتر وهي أن المراد

# من بين يديه

# [الجن: 27] في الآية القوى الظاهرة { ومن خلفه } القوى الباطنة
~~ولذلك قال سبحانه: { يسلك } الخ أي يدخل حفظة من الملائكة يحفظون
~~قواه الظاهرة والباطنة من الشياطين ويعصمونه من وساوسهم من تينك الجهتين
~~ولو كان المراد حفظة من الجوانب كي لا يقربه الشياطين عند إنزال الوحي
~~فتلقى غير الوحي أو تسمعه فتلقيه إلى الكهنة فتخبر به قبل إخبار الرسول
~~كما ذهب إليه صاحب «التيسير» وغيره لما كان نظم الكلام على الوجه المذكور
~~فإن عبارة { يسلك } وتخصيص الجهتين المذكورتين إنما يناسب ما ذكرناه
~~لا ما ذكروه انتهى ولا يخفى أنه نحو من الإشارة ولعل التعبير بيسلك على
~~تفسير الجمهور لتصوير الجهات التي تأتي منها الشياطين بالثغور الضيقة
~~والمسالك الدقيقة وفي ذلك من الحسن ما فيه.

# وذهب كثير إلى أن ضمير { ليعلم } لله تعالى وضمير { أبلغوا }
~~/ إما للرصد أو لمن ارتضى والجمع باعتبار معنى { من } كما أن الإفراد في
~~الضميرين قبل باعتبار لفظها والمعنى أنه تعالى يسلكهم ليعلم أن الشأن قد
~~أبلغوا رسالات ربهم علما مستتبعا للجزاء وهو أن يعلمه تعالى موجودا
~~حاصلا بالفعل كما في قوله تعالى

# حتى نعلم المجاهدين

# [محمد: 31] فالغاية في الحقيقة هو الإبلاغ والجهاد، وإيراد علمه تعالى
~~لإبراز اعتنائه تعالى بأمرهما والإشعار بترتب الجزاء عليهما والمبالغة في
~~الحث عليهما والتحذير عن التفريط فيهما. وقوله تعالى: { وأحاط } الخ
~~إما عطف على

# لا يظهر

# [الجن: 26] أو حال من فاعل { يسلك } جىء به لدفع التوهم وتحقيق
~~استغنائه تعالى في العلم بالإبلاغ عما ذكر من سلك الرصد على الوجه
~~المذكور، أو عطف كما زعم بعض على مضمر ms10898 لأن { ليعلم } متضمن معنى
~~علم فصار المعنى قد علم ذلك وأحاط الخ.

# وجوز أن يكون ضمير (يعلم) للرسول الموحى إليه وضمير { أبلغوا }
~~للرصد النازلين إليه بالوحي، وروي عن ابن جبير ما يؤيده أو للرسل سواه و
~~{ أحاط } الخ عطف على { أبلغوا } أو على { لا يظهر } وعن
~~مجاهد ليعلم من كذب وأشرك أن الرسل قد أبلغوا، وفيه من البعد ما فيه
~~وعليه لا يقع هذا العلم على ما في «البحر» إلا في الآخرة. وقيل ليعلم
~~إبليس أن الرسل قد أبلغوا، وقيل ليعلم الجن أن الرسل قد أبلغوا ما أنزل
~~إليهم ولم يكونوا هم المتلقين باستراق السمع، وكلا القولين كما ترى.

# ونصب { عددا } عند جمع على أنه تمييز محول عن المفعول به والأصل أحصى
~~عدد كل شيء إلا أنه قال أبو حيان في كونه ثابتا من لسان العرب خلاف،
~~وأنت تعلم أن التحويل في مثله تقديري وجوز أن يكون حالا أي معدودا
~~محصورا ولا يضر تنكير صاحبها للعموم وأن يكون نصبا على المصدر بمعنى
~~إحصاء فتأمل جميع ذلك والله تعالى الموفق لسلوك أحسن المسالك.

# وقرىء { عالم } بالنصب على المدح و { علم } فعلا ماضيا { الغيب }
~~بالنصب وقرأ ابن عباس وزيد بن علي { ليعلم } بالبناء للمفعول والزهري
~~وابن أبي عبلة { ليعلم } بضم الياء وكسر اللام من الإعلام أي ليعلم الله
~~تعالى من شاء أن يعلمه أن قد أبلغوا الخ وقرأ أبو حيوة (رسالة) بالإفراد
~~وقرأ ابن أبي عبلة { وأحيط... وأحصى كل } بالبناء للمفعول في الفعلين
~~ورفع { كل } على النيابة والفاعل هو الله عز وجل فهو سبحانه المحيط
~~بالأحوال علما والمحصي لكل شيء عددا.

### | [73 - سورة المزمل]

### || [73.1]

# { يأيها المزمل } أي المتزمل من تزمل بثيابه إذا تلفف بها
~~فأدغم التاء في الزاي. وقد قرأ أبي على الأصل، وعكرمة (المزمل) بتخفيف
~~الزاي وكسر الميم أي المزمل جسمه أو نفسه وبعض السلف (المزمل) بالتخفيف
~~وفتح الميم اسم مفعول، ولا تدافع بين القراآت فإنه عليه الصلاة والسلام
~~هو زمل نفسه الكريمة من غير شبهة لكن إذا نظر إلى ms10899 أن كل أفعاله من الله
~~تعالى فقد زمله / غيره ولا حاجة إلى أن يقال أنه صلى الله عليه وسلم زمل
~~نفسه أولا ثم نام فزمله غيره أو أنه زمله غيره أولا ثم سقط عنه ما زمل
~~به فزمل هو نفسه.

# والجمهور على أنه صلى الله عليه وسلم لما جاءه الملك في غار حراء وحاوره
~~بما حاوره رجع إلى خديجة رضي الله تعالى عنها فقال

# " زملوني زملوني "

# فنزلت

# يأيها المدثر

# [المدثر: 1] وعلى أثرها نزلت { يأيها المزمل } وأخرج البزار
~~والطبراني في «الأوسط» وأبو نعيم في «الدلائل» عن جابر رضي الله تعالى
~~عنه قال لما اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا سموا هذا الرجل اسما تصدر
~~الناس عنه فقالوا كاهن قالوا ليس بكاهن قالوا مجنون قالوا ليس بمجنون
~~قالوا ساحر قالوا ليس بساحر قالوا يفرق بين الحبيب وحبيبه فتفرق المشركون
~~على ذلك فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فتزمل في ثيابه وتدثر فيها
~~فأتاه جبريل عليه السلام فقال { يأيها المزمل }  {
~~يأيها المدثر } ونداؤه عليه الصلاة والسلام بذلك تأنيس له
~~وملاطفة على عادة العرب في اشتقاق اسم للمخاطب من صفته التي هو عليها

# " كقوله صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله تعالى وجهه حين غاضب فاطمة
~~رضي الله تعالى عنها فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب قم أبا تراب "

# قصدا لرفع الحجاب وطي بساط العتاب وتنشيطا له ليتلقى ما يرد عليه بلا
~~كسل:

# وكل ما يفعل المحبوب محبوب

# وزعم الزمخشري أنه عليه الصلاة والسلام نودي بذلك تهجينا للحالة التي
~~عليها من التزمل في قطيفة واستعداده للاستثقال في النوم كما يفعل من لا
~~يهمه أمر ولا يعنيه شأن إلى آخر ما قال مما ينادي عليه كما قال الأكثرون
~~بسوء الأدب ووافقه في بعضه من وافقه. وقال صاحب «الكشف» أراد أنه عليه
~~الصلاة والسلام وصف بما هو ملتبس به يذكره تقاعده فهو من لطيف العتاب
~~الممزوج بمحض الرأفة ولينشطه ويجعله مستعدا لما وعده تعالى بقوله
~~سبحانه:

# إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا

# [المزمل: 5] ولا يربأ ms10900 برسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا النداء
~~فقد خوطب بما هو أشد في قوله تعالى:

# عبس وتولى

# [عبس: 1] ومثل هذا من خطاب الإدلال والترؤف لا يتقاعد ما في ضمنه من
~~البر والتقريب عما في ضمن { يأيها النبي }  { يأيها
~~الرسول } من التعظيم والترحيب انتهى ولا يخفى أنه لا يندفع به سوء
~~أدب الزمخشري في تعبيره فإنه تعالى وإن كان له أن يخاطب حبيبه بما شاء
~~لكنا نحن لا نجري على ما عامله سبحانه به بل يلزمنا الأدب والتعظيم
~~لجنابه الكريم، ولو خاطب بعض الرعايا الوزير بما خاطبه به السلطان طرده
~~الحجاب وربما كان العقاب هو الجواب.

# وقيل كان صلى الله عليه وسلم متزملا بمرط لعائشة رضي الله تعالى عنها
~~يصلي فنودي بذلك ثناء عليه وتحسينا لحاله التي كان عليها،ولا يأباه
~~الأمر بالقيام بعد، إما لأنه أمر بالمداومة على ذلك والمواظبة عليه أو
~~تعليم له عليه الصلاة والسلام وبيان لمقدار ما يقوم على ما قيل. نعم أورد
~~عليه أن السورة من أوائل ما نزل بمكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنما
~~بنى على عائشة رضي الله تعالى عنها، بالمدينة مع أن الأخبار الصحيحة
~~متضافرة بأن النداء المذكور كان وهو عليه الصلاة والسلام في بيت خديجة
~~رضي الله تعالى عنها ويعلم منه حال ما روي عن عائشة أنها سئلت ما كان
~~تزميله صلى الله عليه وسلم قالت كان مرطا طوله أربع عشرة ذراعا نصفه
~~علي وأنا نائمة ونصفه عليه وهو يصلي وكان سداه شعرا ولحمته وبرا.

# وتكلف صاحب «الكشف» فقال الجواب: أنه عليه الصلاة والسلام عقد في مكة
~~فلعل المرط بعد العقد صار إليه صلى الله عليه وسلم، نعم دل على أنه بعد
~~وفاة خديجة إنما إشكال في قول عائشة نصفه علي الخ وجوابه أنه يمكن أن
~~يكون قد بات صلى الله عليه وسلم في بيت الصديق رضي الله تعالى عنه ذات
~~ليلة وكان المرط على عائشة وهي طفلة والباقي لطوله على النبي عليه
~~الصلاة والسلام فحكت ذلك أم ms10901 المؤمنين إذ لا دلالة على أنها حكاية ما بعد
~~البناء، فهذا ما يتكلف لصحة هذا القول انتهى وأنت تعلم أن هذا الحديث لم
~~يقع في الكتب الصحيحة / كما قاله ابن حجر بل هو مخالف لها، ومثل هذه
~~الاحتمالات لا يكتفى بها بل قال أبو حيان إنه كذب صريح.

# وعن قتادة كان صلى الله عليه وسلم قد تزمل في ثيابه للصلاة واستعد لها
~~فنودي بيا أيها المزمل على معنى يا أيها المستعد للعبادة. وقال عكرمة
~~المعنى يا أيها المزمل للنبوة وأعبائها، والزمل كالحمل لفظا ومعنى،
~~ويقال ازدمله أي احتمله وفيه تشبيه أجراه مراسم النبوة بتحمل الحمل
~~الثقيل لما فيهما من المشقة. وجوز أن يكون كناية عن المتثاقل لعدم
~~التمرن. وأورد عليه نحو ما أورد على وجه الزمخشري، ومع صحة المعنى
~~الحقيقي واعتضاده بالأحاديث الصحيحة لا حاجة إلى غيره كما قيل.

### || [73.2]

# { قم اليل } أي قم إلى الصلاة، وقيل داوم عليها، وأيا ما كان
~~فمعمول { قم } مقدر و { اليل } منصوب على الظرفية. وجوز أن يكون
~~منصوبا على التوسع والإسناد المجازي ونسب هذا إلى الكوفيين وما قيل إلى
~~البصريين. وقيل القيام مستعار للصلاة ومعنى { قم } صل فلا تقدير. وقرأ
~~أبو السمال بضم الميم اتباعا لحركة القاف وقرىء بفتحها طلبا للتخفيف،
~~والكسر في قراءة الجمهور على أصل التقاء الساكنين { إلا قليلا }
~~استثناء من { اليل }.

### || [73.3]

# وقوله تعالى: { نصفه } بدل من { قليلا } بدل الكل والضمير لليل
~~وفي هذا الإبدال رفع الإبهام وفي الإتيان بقليل ما يدل على أن النصف
~~المغمور بذكر الله تعالى بمنزلة الكل والنصف الفارغ وإن ساواه في الكمية
~~لا يساويه في التحقيق { أو انقص منه } عطف على الأمر السابق
~~والضمير المجرور لليل أيضا مقيدا بالاستثناء لأنه الذي سيق له الكلام
~~وقيل للنصف لقربه { قليلا } أي نقصا قليلا أو مقدارا قليلا بحيث
~~لا ينحط عن نصف النصف.

### || [73.4]

# { أو زد عليه } عطف كما سبق وكذا الكلام في الضمير ولا يختلف
~~المعنى على القولين فيه وهو تخييره صلى الله عليه وسلم بين أن يقوم ms10902 نصف
~~الليل أو أقل من النصف أو أكثر، بيد أنه رجح الأول بأن فيه جعل معيار
~~النقص والزيادة النصف المقارن للقيام وهو أولى من جعله النصف العاري منه
~~بالكلية وإن تساويا كمية. وجعل بعضهم الإبدال من { الليل } الباقي
~~بعد الثنيا والضميرين له، وقال في الإبدال من قليل ليس بسديد لهذا ولأن
~~الحقيق بالاعتناء الذي ينبىء عنه الإبدال هو الجزء الباقي بعد الثنيا
~~المقارن للقيام لا للجزء المخرج العاري عنه، ولا يخفى أنه على طرف الثمام
~~وكذا اعترض أبو حيان ذلك الإبدال بقوله ((إن ضمير { نصفه } حينئذ
~~إما أن يعود على المبدل منه أو على المستثنى منه وهو { الليل } لا
~~جائز أن يعود على المبدل منه لأنه يكون استثناء مجهول من مجهول، إذ
~~التقدير إلا قليلا نصف القليل وهذا لا يصح له معنى البتة، ولا جائز أن
~~يعود على المستثنى منه لأنه يلغو فيه الاستثناء إذ لو قيل قم الليل نصفه
~~أو انقص منه قليلا أو زد عليه أفاد معناه على وجه أخصر وأوضح وأبعد عن
~~الإلباس))، وفيه أنا نختار الثاني وما زعمه من اللغوية قد أشرنا إلى
~~دفعه، وأوضحه بعض الأجلة بقوله إن فيه تنبيها على تخفيف القيام وتسهيله
~~لأن قلة أحد النصفين تلازم قلة الآخر وتنبيها على تفاوت ما شغل بالطاعة
~~وما خلا منها الإشعار بأن البعض المشغول بمنزلة الكل مع ما في ذلك من
~~البيان بعد الإبهام الداعي للتمكن في الذهن وزيادة التشويق.

# وتعقب السمين الشق الأول أيضا بأن قوله استثناء مجهول من مجهول غير
~~صحيح لأن الليل معلوم وكذا بعضه من النصف وما دونه وما فوقه ولا ضير في
~~استثناء المجهول من المعلوم نحو

# فشربوا منه إلا قليلا

# [البقرة: 249] بل لا ضير في إبدال مجهول من مجهول كجاءني جماعة بعضهم
~~مشاة، ومع هذا المعول عليه ما سلف.

# وجوز أن يكون { نصفه } بدلا من { الليل } بدل بعض من كل
~~والاستثناء منه والكلام على نية التقديم والتأخير، والأصل قم نصف الليل
~~إلا قليلا وضمير { منه } و { عليه } للأقل من ms10903 النصف المفهوم من
~~مجموع المستثنى منه فكأنه قيل قم أقل من نصف الليل بأن تقوم ثلث الليل أو
~~انقص من ذلك الأقل قليلا بأن تقوم ربع الليل أو زد على ذلك الأقل بأن
~~تقوم النصف فالتخيير على هذا بين الأقل من النصف والأقل من الأقل والأزيد
~~منه وهو النصف / بعينه ومآله إلى التخيير بين النصف والثلث والربع فالفرق
~~بين هذا الوجه وما ذكر قيل مثل الصبح ظاهر.

# وفي «الكشاف» ما يفهم منه على ما قيل أن التخيير فيما وراء النصف أي
~~فيما يقل عن النصف ويزيد على الثلث فلا يبلغ بالزيادة النصف ولا بالنقصان
~~الثلث. قال في «الكشف» وإنما جعل الزيادة دون النصف والنقصان فوق الثلث
~~لأنهما لو بلغا إلى الكسر الصحيح لكان الأشبه أن يذكر بصريح اسميهما
~~وأيضا إيثار القلة ثانيا دليل على التقريب من ذلك الأقل وما انتهى إلى
~~كسر صحيح فليس بناقص قليل في ذوق هذا المقام وكذا القول في جانب الزيادة،
~~كيف وقد بني الأمر على كونه أقل من النصف انتهى وهو وجه متكلف ونحوه فيما
~~أرى ما سمعت قبيله.

# وظاهر كلام بعضهم أن ذكر الثلث والربع والنصف فيه على سبيل التمثيل لا
~~أن الأقل والأنقص والأزيد محصورات فيما ذكر. وجوز أيضا كون الكلام على
~~نية التقديم والتأخير كما مر آنفا لكن مع جعل الضميرين للنصف لا للأقل
~~منه كما في ذلك والمعنى التخيير بين أمرين بين أن يقوم عليه الصلاة
~~والسلام أقل من نصف الليل على البت وبين أن يختار أحد الأمرين وهما
~~النقصان من النصف والزيادة عليه فكأنه قيل قم أقل من نصف الليل على البت
~~أو انقص من النصف أو زد عليه تخييرا. قيل وللاعتناء بشأن الأقل لأنه
~~الأصل الواجب كرر على نحو أكرم إما زيدا وإما زيدا أو عمرا. وتعقب بأن
~~فيه تكلفا لأن تقديم الاستثناء على البدل ظاهر في أن البدل من الحاصل
~~بعد الاستثناء لأن في تقدير تأخير الاستثناء عدولا عن الأصل من غير دليل
~~ولأن الظاهر على هذا رجوع ms10904 الضميرين إلى النصف بعد الاستثناء لأنه السابق
~~لا النصف المطلق، وأيضا الظاهر أن النقصان رخصة لأن الزيادة نفل
~~والاعتناء بشأن العزيمة أولى، ثم فيه أنه لا يجوز قيام النصف ويرده
~~القراءة الثابتة في السبعة { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل
~~ونصفه وثلثه } [المزمل: 20] بالجر فإن استدل من جواز الأقل على جوازه
~~لمفهوم الموافقة لزم أن يلغوا التعرض للزيادة على النصف لذلك أيضا ولا
~~يخفى أن بعض هذا يرد على الوجه المار آنفا. واعترض قوله الظاهر أن
~~النقصان رخصة بأنه محل نظر إذ الظاهر أنه من قبيل

# فإن أتممت عشرا فمن عندك

# [القصص: 27] فالتخيير ليس على حقيقته وفيه بحث.

# وجوز أيضا كون الإبدال من { قليلا } كما قدمنا أولا لكن مع جعل {
~~قليلا } الثاني بمعنى نصف النصف وهو الربع وضمير { عليه } لهذا
~~القليل وجعل المزيد على هذا القليل أعني الربع نصف الربع كأنه قيل قم نصف
~~الليل أو انقص من النصف قليلا نصفه أو زد على هذا القليل قليلا نصفه
~~ومآله قم نصف الليل أو نصف نصفه أو زد على نصف النصف نصف نصف النصف فيكون
~~التخيير فيما إذا كان الليل ست عشرة ساعة مثلا بين قيام ثماني ساعات
~~وأربع وست ولا يخفى أن الإطلاق في { أو زد عليه } ظاهر الإشعار
~~بأنه غير مقيد بقليلا إذ لو كان للاستغناء لاكتفى في { أو انقص }
~~الخ بالأول أيضا ومن هنا قيل يجوز أن تجعل الزيادة لكونها مطلقة تتمة
~~للثلث فيكون التخيير بين النصف والثلث والربع وفيه أن جعلها تتمة الثلث
~~لا دليل عليه سوى موافقة القراءة بالجر في { ونصفه وثلثه }
~~بعد.

# وجوز الإمام أن يراد بقليلا في قوله تعالى { إلا قليلا } الثلث
~~وقال إن نصفه على حذف حرف العطف فكأنه قيل ثلثي الليل أو قم نصفه أو انقص
~~من النصف أو زد عليه، وأطال في بيان ذلك والذب عنه ومع ذلك لا يخفى حاله.
~~وذكر أيضا وجها ثانيا لا يخفى أمره على من أحاط بما تقدم خبرا. نعم
~~تفسيره القليل بالثلث ms10905 مروي عن الكلبي ومقاتل، وعن وهب بن منبه تفسيره
~~بما دون المعشار والسدس وهو على ما قدمنا نصف، واستدل به من قال بجواز
~~استثناء النصف وما فوقه على ما فصل في الأصول. وقال التبريزي الأمر
~~بالقيام والتخيير في الزيادة والنقصان وقع على الثلثين من آخر الليل لأن
~~الثلث الأول وقت العتمة والاستثناء وارد على المأمور به فكأنه قيل قم
~~ثلثي الليل إلا قليلا ثم جعل (نصفه) / بدلا من (قليلا) فصار القليل
~~مفسرا بالنصف من الثلثين وهو قليل على ما تقدم أو انقص منه أي من
~~المأمور به وهو قيام الثلثين قليلا أي ما دون نصفه أو زد عليه فكان
~~التخيير في الزيادة والنقصان واقعا على الثلثين انتهى وهو كما ترى.

# وقيل الاستثناء من أعداد الليل لا من أجزائه فإن تعريفه للاستغراق إذ لا
~~عهد فيه، والضمير راجع إليه باعتبار الأجزاء على أن هناك استخداما أو
~~شبهه والتخيير بين قيام النصف والناقص عنه والزائد عليه وهو بمكان من
~~البعد.

# وبالجملة قد أكثر المفسرون الكلام في هذه الآية حتى ذكروا ما لا ينبغي
~~تخريج كلام الله تعالى العزيز عليه، وأظهر الوجوه عندي وأبعدها عن التكلف
~~وأليقها بجزالة التنزيل هو ما ذكرناه أولا والله تعالى أعلم بما في
~~كتابه الجليل الجزيل، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلق بالأمر في قوله
~~سبحانه

# قم الليل

# [المزمل: 2] الخ.

# { ورتل القرءان } أي في أثناء ما ذكر من القيام أي اقرأه على
~~تؤدة وتمهل وتبيين حروف { ترتيلا } بليغا بحيث يتمكن السامع من عدها
~~من قولهم ثغر رتل بسكون التاء ورتل بكسرها إذا كان مفلجا لم تتصل أسنانه
~~بعضها ببعض. وأخرج العسكري في «المواعظ» عن علي كرم الله تعالى وجهه أن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية فقال:

# " بينه تبيينا ولا تنثره نثر الدقل ولا تهذه هذا الشعر قفوا عند عجائبه
~~وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة ".

### || [73.5]

# { إنا سنلقى عليك } أي سنوحي إليك، وإيثار الإلقاء عليه
~~لقوله تعالى: { قولا ثقيلا ms10906 } وهو القرآن العظيم فإنه لما فيه من
~~التكاليف الشاقة ثقيل على المكلفين سيما على الرسول صلى الله عليه وسلم
~~فإنه عليه الصلاة والسلام مأمور بتحملها وتحميلها للأمة. وهذه الجملة
~~المؤكدة معترضة بين الأمر بالقيام وتعليله الآتي لتسهيل ما كلفه عليه
~~الصلاة والسلام من القيام كأنه قيل إنه سيرد عليك في الوحي المنزل تكاليف
~~شاقة هذا بالنسبة إليها سهل فلا تبال بهذه المشقة وتمرن بها لما بعدها.
~~وأدخل بعضهم في الاعتراض جملة

# ورتل

# [المزمل: 4] الخ وتعقب بأنه لا وجه له.

# وقيل معنى كونه ثقيلا أنه رصين لإحكام مبانيه ومتانة معانيه والمراد
~~أنه راجح على ما عداه لفظا ومعنى لكن تجوز بالثقيل عن الراجح لأن الراجح
~~من شأنه أن يكون كذلك، وفي معناه ما قيل المراد كلام له وزن ورجحان ليس
~~بالسفساف، وقيل معناه أنه ثقيل على المتأمل فيه لافتقاره إلى مزيد تصفية
~~للسر وتجريد للنظر فالثقيل مجاز عن الشاق، وقيل ثقيل في الميزان والثقل
~~إما حقيقة أو مجاز عن كثرة ثواب قارئه. وقال أبو العالية والقرطبي ثقله
~~على الكفار والمنافقين بإعجازه ووعيده، وقيل ثقيل تلقيه يعني يثقل عليه
~~صلى الله عليه وسلم والوحي به بواسطة الملك فإنه كان يوحى إليه عليه
~~الصلاة والسلام على أنحاء منها أن لا يتمثل له الملك ويخاطبه بل يعرض له
~~عليه الصلاة والسلام كالغشي لشدة انجذاب روحه الشريفة للملأ الأعلى بحيث
~~يسمع ما يوحى به إليه ويشاهده ويحسه هو عليه الصلاة والسلام دون من معه،
~~وفي هذه الحالة كان يحس في بدنه ثقلا حتى كادت فخذه صلى الله عليه وسلم
~~أن ترض فخذ زيد بن ثابت وقد كانت عليها وهو يوحى إليه. وأخرج أحمد وعبد
~~بن حميد وابن جرير وابن نصر والحاكم وصححه عن عائشة أن النبي صلى الله
~~عليه وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها فما تستطيع أن
~~تتحرك حتى يسرى عنه وتلت { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا }
~~وروى الشيخان ومالك والترمذي والنسائي عنها أنها قالت «ولقد رأيته ينزل
~~عليه الوحي ms10907 في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا»
~~وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون { ثقيلا } صفة لمصدر حذف فأقيم مقامه
~~وانتصب انتصابه أي إلقاء ثقيلا وليس صفة { قولا } وقيل ذلك كناية عن
~~بقائه على وجه الدهر لأن الثقيل من شأنه أن يبقى في مكانه، وقيل ثقلة
~~باعتبار ثقل حروفه حقيقة في اللوح المحفوظ فعن بعضهم أن كل حرف من القرآن
~~في اللوح أعظم من جبل / قاف وإن الملائكة لو اجتمعت على الحرف أن يقلوه
~~ما أطاقوه حتى يأتي إسرافيل عليه السلام وهو ملك اللوح فيرفعه ويقله بإذن
~~الله تعالى لا بقوته ولكن الله عز وجل طوقه ذلك، وهذا مما يحتاج إلى نقل
~~صحيح عن الصادق عليه الصلاة والسلام ولا أظن وجوده. والجملة قيل على معظم
~~هذه الأوجه مستأنفة للتعليل فإن التهجد يعد النفس لأن تعالج ثقله فتأمل.

# واستدل بالآية على أنه لا ينبغي أن يقال سورة خفيفة لما أن الله تعالى
~~سمى فيها القرآن كله قولا ثقيلا، وهذا من باب الاحتياط كما لا يخفى.

### || [73.6]

# { إن ناشئة اليل } أي إن النفس التي تنشأ من مضجعها إلى
~~العبادة أي تنهض، من نشأ من مكانه ونشر إذا نهض وأنشد قوله:

# نشأنا إلى خوص بري نيها السرى

# وأشرف منها مشرفات القماحد

# وظاهر كلام اللغويين أن نشأ بهذا المعنى لغة عربية، وقال الكرماني في
~~«شرح البخاري» هي لغة حبشية عربوها، وأخرج جماعة نحوه عن ابن عباس وابن
~~مسعود وحكاه أبو حيان عن ابن جبير وابن زيد، وجعل ناشئة جمع ناشيء فكأنه
~~أراد النفوس الناشئة أي القائمة ووجه الإفراد ظاهر. والإضافة إما بمعنى
~~في أو على نحو سيد غضي وهذا أبلغ أو أن قيام الليل على أن الناشئة مصدر
~~نشأ بمعنى قام كالعاقبة وإسنادها إلى الليل مجاز كما يقال قام ليله وصام
~~نهاره، وخص مجاهد هذا القيام بالقيام من النوم وكذا عائشة ومنعت أن يراد
~~مطلق القيام، وكأن ذلك بسبب أن الإضافة إلى الليل في قولهم قيام الليل
~~تفهم القيام من النوم فيه، ms10908 أو القيام وقت النوم لمن قال الليل كله أو أن
~~العبادة التي تنشأ أي تحدث بالليل على أن الإضافة اختصاصية، أو بمعنى في
~~أو على نحو مكر الليل. وقال ابن جبير وابن زيد وجماعة ناشئة الليل ساعاته
~~لأنها تنشأ أي تحدث واحدة بعد واحدة أي متعاقبة والإضافة عليه اختصاصية،
~~أو ساعاته الأول من نشأ إذا ابتدأ، وقال الكسائي ناشئته أوله وقريب منه
~~ما روي عن ابن عمر وأنس بن مالك وعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم هي
~~ما بين المغرب والعشاء.

# { هى أشد وطأ } أي هي خاصة دون ناشئة النهار أشد مواطأة يواطىء
~~قلبها لسانها إن أريد بالناشئة النفس المتهجدة أو يواطىء فيها قلب القائم
~~لسانه إن أريد بها القيام أو العبادة أو الساعات، والإسناد على الأول
~~حقيقي وعلى هذا مجازي واعتبار الاستعارة المكنية ليس بذاك، أو أشد موافقة
~~لما يراد من الإخلاص فلا مجاز على جميع المعاني.

# وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد والعربيان (وطاء) بكسر الواو وفتح
~~الطاء ممدودا على أنه مصدر واطأ وطاء كقاتل قتالا، وقرأ قتادة وشبل عن
~~أهل مكة بكسر الواو وسكون الطاء والهمز مقصورا، وقرأ ابن محيصن بفتح
~~الواو ممدودا.

# { وأقوم قيلا } أي وأسد مقالا أو أثبت قراءة لحضور القلب وهدو
~~الأصوات و { قيلا } عليهما مصدر لكنه على الأول عام للأذكار والأدعية
~~وعلى الثاني مخصوص بالقراءة ونصبه ونصب { وطأ } على التمييز وأخرج ابن
~~جرير وغيره عن أنس بن مالك أنه قرأ (وأصوب قيلا) فقال له رجل إنا نقرؤها
~~{ وأقوم قيلا } فقال إن أصوب وأقوم وأهيأ وأشباه هذا واحد.

### || [73.7]

# أي تقلبا وتصرفا في مهماتك واشتغالا بشواغلك فلا تستطيع أن تتفرغ
~~للعبادة فعليك بها في الليل، واصل السبح المر السريع في الماء فاستعير
~~للذهاب مطلقا كما قاله الراغب وأنشدوا قول الشاعر:

# أباحوا لكم شرق البلاد وغربها

# ففيها لكم يا صاح سبح من السبح

# وهذا بيان للداعي الخارجي إلى قيام الليل بعد بيان ما في نفسه من
~~الداعي. وقيل أي إن لك في النهار فراغا ms10909 وسعة لنومك وتصرفك في حوائجك.
~~وقيل إن فاتك من الليل شيء فلك في النهار فراغ تقدر على تداركه فيه
~~فالسبح لفراغ وهو مستعمل في ذلك لغة أيضا لكن الأول أوفق لمعنى قولهم
~~سبح في الماء وأنسب للمقام. ثم إن / الكلام على هذا إما تتميم للعلة يهون
~~عليه أن النهار يصلح للاستراحة فليغتنم الليل للعبادة وليشكر إن لم يكلف
~~استيعابهما بالعبادة، أو تأكيد للاحتفاظ به بأنه إن فات لا بد من تداركه
~~بالنهار ففيه متسع لذلك وفيه تلويح إلى معنى جعل الليل والنهار خلفة.

# وقرأ ابن يعمر وعكرمة وابن أبي عبلة (سبخا) بالخاء المعجمة أي تفرق
~~قلب بالشواغل مستعار من سبخ الصوف وهو نقشه ونشر أجزائه وقال غير واحد
~~خفة من التكاليف قال الأصمعي يقال سبخ الله تعالى عنك الحمى خففها وفي
~~الحديث لا تسبخي بدعائك أي لا تخففي ومنه قوله:

# فسبخ عليك الهم واعلم بأنه

# إذا قدر الرحمن شيئا فكائن

# وقيل السبخ المد يقال سبخي قطنك أي مديه ويقال لقطع القطن سبائخ الواحدة
~~سبخة ومنه قول الأخطل يصف قناصا وكلابا:

# فأرسلوهن يذرين التراب كما

# يذري سبائخ قطن ندف أوتار

# وقال صاحب «اللوامح» إن ابن يعمر وعكرمة فسرا سبخا بالمعجمة بعد أن قرآ
~~به فقالا معناه نوما أي ينام بالنهار ليستعين به على قيام الليل، وقد
~~يحتمل هذه القراءة غير هذا المعنى لكنهما فسراها فلا نتجاوز عنه اه ولعل
~~ذلك تفسير باللازم.

### || [73.8]

# { واذكر اسم ربك } أي ودم على ذكره تعالى ليلا ونهارا على أي
~~وجه كان من تسبيح وتهليل وتحميد وصلاة وقراءة قرآن وغير ذلك. وفسر الأمر
~~بالدوام لأنه عليه الصلاة والسلام لم ينسه تعالى حتى يؤمر بذكره سبحانه،
~~والمراد الدوام العرفي لا الحقيقي لعدم إمكانه ولأن مقتضى السياق أن هذا
~~تعميم بعد التخصيص كان المعنى على ما سمعت من اعتبار ليلا ونهارا.

# { وتبتل إليه } أي وانقطع إليه تعالى بالعبادة وجرد نفسك عما
~~سواه عز وجل واستغرق في مراقبته سبحانه وكان هذا أمر بما يتعلق بالباطن
~~بعد الأمر بما يتعلق ms10910 بالظاهر ولتأكيد ذلك قال سبحانه: { تبتيلا }
~~ونصبه بتبتل لتضمنه معنى بتل على ما قيل وقد تقدم الكلام في تحقيق ذلك
~~عند قوله تعالى

# والله أنبتكم من الأرض نباتا

# [نوح: 17] فتذكر فما في العهد من قدم وكيفما كان الأمر ففيه مراعاة
~~الفواصل.

### || [73.9]

# { رب المشرق والمغرب } مرفوع على المدح وقيل على
~~الابتداء خبره { لا إله إلا هو } وقرأ زيد بن علي رضي الله
~~تعالى عنهما (رب) بالنصب على الاختصاص والمدح وهو يؤيد الأول. وقرأ
~~الأخوان وابن عامر وأبو بكر ويعقوب (رب) بالجر على أنه بدل من

# ربك

# [المزمل: 8] وقيل على إضمار حرف القسم وجوابه { لا إله إلا
~~هو } وفيه حذف حرف القسم من غير ما يسد مسده وإبقاء عمله وهو ضعيف جدا
~~كما بين في العربية، وقد نقل هذا عن ابن عباس وتعقبه أبو حيان بقوله لعله
~~لا يصح عنه إذ فيه إضمار الجار في القسم ولا يجوز عند البصريين إلا في
~~لفظة الجلالة الكريمة نحو الله لأفعلن كذا ولا قياس عليه، ولأن الجملة
~~المنفية في جواب القسم إذا كانت اسمية تنفى بما لا غير ولا تنفى بلا إلا
~~الجملة المصدرة بمضارع كثيرا وبماض في معناه قليلا انتهى وظاهر كلام
~~ابن مالك في «التسهيل» إطلاق وقوع الجملة المنفية جوابا للقسم. وقال في
~~«شرح الكافية» إن الجملة الإسمية تقع جوابا للقسم مصدرة بلا النافية لكن
~~يجب تكرارها إذا تقدم خبرها أو كان المبتدا معرفة نحو والله لا في الدار
~~رجل ولا امرأة ووالله لا زيد في الدار ولا عمرو ومنه يعلم أن المسألة
~~خلافية بين هذين الإمامين.

# وقرأ ابن عباس وعبد الله وأصحابه (رب المشارق والمغارب) وبجمعهما وقد
~~تقدم الكلام في وجه الإفراد والجمع.

# والفاء في قوله تعالى: { فاتخذه وكيلا } لترتيب الأمر وموجبه
~~على اختصاص الألوهية والربوبية به عز وجل ووكيل فعيل بمعنى مفعول أي
~~موكول إليه والمراد من اتخاذه سبحانه وكيلا أن يعتمد عليه سبحانه ويفوض
~~كل أمر / إليه عز وجل وذكر أن مقام التوكل فوق مقام التبتل لما فيه من ms10911
~~رفع الاختيار وفيه دلالة على غاية الحب له تعالى وأنشدوا:

# هواي له فرض تعطف أم جفا

# ومنهله عذب تكدر أم صفا

# وكلت إلى المعشوق أمري كله

# فإن شاء أحياني وإن شاء أتلفا

# ومن كلام بعض السادة: من رضي بالله تعالى وكيلا وجد إلى كل خير سبيلا.

### || [73.10]

# { واصبر على ما يقولون } مما يؤلمك من الخرافات كقولهم يفرق
~~بين الحبيب وحبيبه على ما سمعت في بعض روايات أسباب النزول {
~~واهجرهم هجرا جميلا } بأن تجانبهم وتداريهم ولا تكافئهم وتكل
~~أمورهم إلى ربهم كما يعرب عنه قوله تعالى: { وذرنى والمكذبين
~~}.

### || [73.11]

# { وذرنى والمكذبين } أي خل بيني وبينهم وكل أمرهم إلي فان
~~في ما يفرغ بالك ويجلي همك ومر في أن تمام الكلام في ذلك. وجوز في
~~المكذبين هنا أن يكونوا هم القائلين ففيه وضع الظاهر موضع المضمر وسما
~~لهم بميسم الذم مع الإشارة إلى علة الوعيد. وجوز أن يكونوا بعض القائلين
~~فهو على معنى ذرني والمكذبين منهم. والآية قيل نزلت في صناديد قريش
~~المستهزئين وقيل في المطعمين يوم بدر.

# { أولى النعمة } أرباب التنعم وغضارة العيش وكثرة المال والولد
~~فالنعمة بالفتح التنعم وأما بالكسر فهي الإنعام وما ينعم به وأما بالضم
~~فهي المسرة.

# { ومهلهم قليلا } أي زمانا قليلا وهو مدة الحياة الدنيا وقيل
~~المدة الباقية إلى يوم بدر، وأيا ما كان فقليلا نصب على الظرفية وجوز
~~أن يكون نصبا على المصدرية أي إمهالا قليلا. والتفعيل لتكثير المفعول.

### || [73.12]

# { إن لدينا أنكالا } جمع نكل بكسر النون وفتحها وهو القيد
~~الثقيل وقيل الشديد وقال الكلبي الأنكال الأغلال والأول أعرف في اللغة
~~وعن الشعبي لم تجعل الأنكال في أرجلهم خوفا من هربهم ولكن إذا أرادوا
~~أن يرتفعوا استفلت بهم والجملة تعليل لقوله تعالى

# ذرني

# [المزمل: 11] وما عطف عليه فكأنه قيل كل أمرهم إلي ومهلهم قليلا لأن
~~عندي ما أنتقم به منهم أشد الانتقام أنكالا { وجحيما } نارا شديدة
~~الإيقاد.

### || [73.13]

# { وطعاما ذا غصة } ينشب في الحلوق ولا يكاد يساغ كالضريع
~~والزقوم، وعن ابن عباس شوك من نار يعترض ms10912 في حلوقهم لا يخرج ولا ينزل {
~~وعذابا أليما } ونوعا آخر من العذاب مؤلما لا يقادر قدره ولا
~~يعرف كنهه إلا الله عز وجل كما يشعر بذلك المقابلة والتنكير.

# وما أعظم هذه الآية فقد أخرج الإمام أحمد في «الزهد» وابن أبي داود في
~~«الشريعة» وابن عدي في «الكامل» والبيهقي في «الشعب» من طريق حمران بن
~~أعين عن أبي حرب بن الأسود أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقرأ
~~{ إن لدينا أنكالا } الخ فصعق وفي رواية أنه عليه الصلاة والسلام نفسه
~~قرأ { إن لدينآ أنكالا } فلما بلغ { أليما } صعق وقال خالد
~~بن حسان أمسى عندنا الحسن وهو صائم فأتيته بطعام فعرضت له هذه الآية {
~~إن لدينآ } الخ فقال ارفعه فلما كانت الليلة الثانية أتيته بطعام
~~فعرضت له أيضا فقال ارفعه وكذلك الليلة الثالثة فانطلق ابنه إلى ثابت
~~البناني ويزيد الضبي ويحيى البكاء فحدثهم بحديثه فجاؤا معه فلم يزالوا
~~به حتى شرب شربة من سويق.

# وفي الحديث السابق إذا صح ما يقيم العذر للصوفية ونحوهم الذين يصعقون
~~عند سماع بعض الآيات ويقعد إنكار عائشة رضي الله تعالى عنها ومن وافقها
~~عليهم اللهم إلا أن يقال إن الإنكار ليس إلا على من يصدر منه ذلك
~~اختيارا وهو أهل لأن ينكر عليه كما لا يخفى، أو يقال صعق من الصعق بسكون
~~العين وقد يحرك غشي عليه لا من الصعق بالتحريك شدة الصوت وذلك مما لم
~~تنكره عائشة رضي الله تعالى عنها ولا غيرها.

# وللإمام في الآية كلام على نحو كلام الصوفية قال: اعلم أنه يمكن حمل هذه
~~المراتب الأربعة على العقوبة الروحانية أما الأنكال فهي عبارة عن بقاء
~~النفس في قيد التعلقات الجسمانية واللذات البدنية فإنها في الدنيا لما
~~اكتسبت ملكة تلك المحبة والرغبة فبعد البدن يشتد الحنين مع أن آلات الكسب
~~/ قد بطلت فصارت تلك كالأنكال والقيود المانعة له من التخلص إلى عالم
~~الروح والصفاء ثم يتولد من تلك القيود الروحانية نيران روحانية فإن شدة
~~ميلها إلى الأحوال البدنية وعدم تمكنها من ms10913 الوصول إليها توجب حرقة شديدة
~~روحانية كمن تشتد رغبته في وجدان شيء ثم إنه لا يجده فإنه يحترق قلبه
~~عليه فذاك هو الجحيم ثم إنه يتجرع غصة الحرمان وألم الفراق فذاك هو
~~المراد من قوله سبحانه { وطعاما ذا غصة } ثم إنه بسبب هذه
~~الأحوال بقي محروما عن تجلي نور الله تعالى والانخراط في سلك القدسيين
~~وذلك هو المراد بقوله عز وجل { وعذابا أليما } وتنكير { عذابا
~~} يدل على أنه أشد مما تقدم وأكمل. واعلم أني لا أقول المراد بالآية ما
~~ذكرته فقط بل أقول إنها تفيد حصول المراتب الأربعة الجسمانية وحصول
~~المراتب الأربعة الروحانية ولا يمتنع الحمل عليهما وإن كان اللفظ بالنسبة
~~إلى المراتب الجسمانية حقيقة وبالنسبة إلى المراتب الروحانية مجازا لكنه
~~مجاز متعارف مشهور انتهى وتعقب بأنه بالحمل عليهما يلزم الجمع بين
~~الحقيقة والمجاز أو عموم المجاز من غير قرينة وليس في الكلام ما يدل عليه
~~بوجه من الوجوه. وأنت تعلم أن أكثر باب الإشارة عند الصوفية من هذا
~~القبيل.

### || [73.14]

# وقوله تعالى: { ترجف الارض والجبال } قيل متعلق بذرني وقيل
~~صفة

# عذابا

# [المزمل: 13] وقيل متعلق بأليما، واختار جمع أنه متعلق بالاستقرار الذي
~~تعلق به

# لدينآ

# [المزمل: 12] أي استقر ذلك العذاب لدينا وظهر يوم تضطرب الأرض والجبال
~~وتتزلزل. وقرأ زيد بن علي (ترجف) مبنيا للمفعول.

# { وكانت الجبال } مع صلابتها وارتفاعها { كثيبا } رملا
~~مجتمعا من كثب الشيء إذا جمعه فكأنه في الأصل فعيل بمعنى مفعول ثم غلب
~~حتى صار له حكم الجوامد. والكلام على التشبيه البليغ. وقيل لا مانع من أن
~~تكون رملا حقيقة { مهيلا } قيل أي رخوا لينا إذا وطئته القدم زل
~~من تحتها وقيل منثورا من هيل هيلا إذا نثر وأسيل كونه كثيبا باعتبار
~~ما كان عليه قبل النثر فلا تنافي بين كونه مجتمعا ومنثورا وليس المراد
~~أنه في قوة ذلك وصدده كما قيل.

### || [73.15]

# { إنا أرسلنا إليكم } خطاب للمكذبين أولي النعمة سواء
~~جعلوا القائلين أو بعضهم، ففيه التفات من الغيبة وهو التفات جليل الموقع
~~أي إنا أرسلنا إليكم أيها ms10914 المكذبون من أهل مكة { رسولا شهدا
~~عليكم } يشهد يوم القيامة بما صدر عنكم من الكفر والعصيان { كما
~~أرسلنا إلى فرعون رسولا } هو موسى عليه السلام وعدم
~~تعيينه لعدم دخله في التشبيه أو لأنه معلوم غني عن البيان.

### || [73.16]

# { فعصى فرعون الرسول } المذكور الذي أرسلناه إليه،
~~فالتعريف للعهد الذكري، والكاف في محل النصب على أنها صفة لمصدر محذوف
~~على تقدير اسميتها أي إرسالا مثل إرسالنا أو الجار والمجرور في موضع
~~الصفة على تقدير حرفيتها أي إرسالا كائنا كما، والمعنى أرسلنا إليكم
~~رسولا شاهدا عليكم فعصيتموه كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصاه. وفي
~~إعادة فرعون والرسول مظهرين تفظيع لشأن عصيانه وأن ذلك لكونه عصيان
~~الرسول لا لكونه عصيان موسى. وفيه أن عصيان المخاطبين أفظع وأدخل في الذم
~~إذ زاد جل وعلا لهذا الرسول وصفا آخر أعني

# شاهدا عليكم

# [المزمل: 15] وأدمج فيه أنهم لو آمنوا كانت الشهادة لهم.

# وقوله تعالى: { فأخذنه أخذا وبيلا } أي ثقيلا رديء
~~العقبى من قولهم كلأ وبيل وخيم لا يستمرأ لثقله، والوبيل أيضا العصا
~~الضخمة ومنه الوابل للمطر العظيم قطره خارج عن التشبيه جيء به لإيذان
~~المخاطبين بأنهم مأخوذون بمثل ذلك وأشد وأشد.

### || [73.17]

# وقوله تعالى: { فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل
~~الولدن شيبا } مراتب على الإرسال، فالعصيان و { يوما } مفعول
~~به لتتقون ما بتقدير مضاف أي عذاب أو هول يوم أبو بدونه إلا أن المعنى
~~عليه وضمير { يجعل } لليوم والجملة صفته والإسناد مجازي. وقال بعض
~~الضمير لله تعالى والإسناد حقيقي والجملة صفة محذوفة الرابط أي يجعل فيه
~~كما في قوله / تعالى:

# واتقوا يوما لا تجزي نفس

# [البقرة: 48] وكان ظاهر الترتيب أن يقدم على قوله تعالى:

# كمآ أرسلنآ

# [المزمل: 15] إلا أنه أخر إلى هنا زيادة على زيادة في التهويل فكأنه قيل
~~هبوا أنكم لا تؤخذون في الدنيا أخذة فرعون وأضرابه فكيف تقون أنفسكم هول
~~القيامة وما أعد لكم من الأنكال إن دمتم على ما أنتم عليه ومتم في الكفر
~~وفي قوله سبحانه { إن كفرتم } وتقديره تقدير مشكوك في وجوده ms10915 ما
~~ينبه على أنه لا ينبغي أن يبقى مع إرسال هذا الرسول لأحد شبهة تقيه في
~~الكفر فهو النور المبين. وجوز أن يكون { يوما } ظرفا لتتقون على معنى
~~فكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا والكلام حينئذ للحث
~~على الإقلاع من الكفر والتحذير عن مثل عاقبة آل فرعون قبل أن لا ينفع
~~الندم. وجوز أيضا أن ينتصب بكفرتم على تأويل جحدتم والمعنى فكيف يرجى
~~إقلاعكم عن الكفر واتقاء الله تعالى وخشيته وأنتم جاحدون يوم الجزاء كأنه
~~لما قيل

# يوم ترجف

# [المزمل: 14] عقب بقوله تعالى فكيف تتقون الله إن كفرتم به فأعيد ذكر
~~اليوم بصفة أخرى زيادة في التهويل، والوجه الأول أولى قاله في «الكشف».

# وقال العلامة الطيبي في الوجه الأخير أعني انتصاب { يوما } بكفرتم
~~إنه أوفق للتأليف يعني خوفناكم بالأنكال والجحيم وأرسلنا إليكم رسولا
~~شاهدا يوم القيامة بكفركم وتكذيبكم وأنذرناكم بما فعلنا بفرعون من
~~العذاب الوبيل والأخذ الثقيل فما نجع فيكم ذلك كله ولا اتقيتم الله تعالى
~~فكيف تتقونه وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة والجزاء، وفيه أن ملاك التقوى
~~والخشية الإيمان بيوم القيامة انتهى. ولا يخفى أن جزالة المعنى ترجح
~~الأول.

# وذهب جمع إلى أن الخطاب في

# إنآ أرسلنآ إليكم

# [المزمل: 15] عام للأسود والأحمر فالظاهر أنه ليس من الالتفات في شيء.
~~وأيا ما كان فجعل الولدان شيبا أي شيوخا جمع أشيب قيل حقيقة فتشيب
~~الصبيان وتبيض شعورهم من شدة يوم القيامة وذلك على ما أخرج ابن المنذر عن
~~ابن مسعود حين يقول الله تعالى لآدم عليه السلام «قم فأخرج من ذريتك بعث
~~النار فيقول يا رب لا علم لي إلا ما علمتني فيقول الله عز وجل أخرج بعث
~~النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فيخرجون ويساقون إلى النار سوقا
~~مقرنين زرقا كالحين قال ابن مسعود فإذا خرج بعث النار شاب كل وليد» وفي
~~حديث الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس نحو ذلك.

# وقيل مثل في شدة الهول من غير أن يكون هناك شيب بالفعل فإنهم يقولون ms10916 في
~~اليوم الشديد يوم يشيب نواصي الأطفال، والأصل في ذلك أن الهموم إذا
~~تفاقمت على المرء أضعفت قواه وأسرعت فيه الشيب ومن هنا قيل الشيب نوار
~~الهموم وحديث البعث لا يأبى.

# هذا وجوز الزمخشري أن يكون ذلك وصفا لليوم بالطول وأن الأطفال يبلغون
~~فيه أوان الشيخوخة والشيب وليس المراد به التقدير الحقيقي بل وصف بالطول
~~فقط على ما تعارفوه وإلا فهو أطول من ذاك وأطول فلا اعتراض لكنه مع هذا
~~ليس بذاك. والظاهر عموم الولدان وقال السدي هم هنا أولاد الزنا وقيل هم
~~أولاد المشركين.

# وقرأ زيد بن علي { يوما } بغير تنوين { نجعل } بالنون فالظرف مضاف
~~إلى جملة { نجعل } الخ.

### || [73.18]

# { السماء منفطر } أي منشق وقرىء (متفطر) أي متشقق { به } أي
~~بذلك اليوم، والباء للآلة مثلها في قولك فطرت العود بالقدوم فانفطر به،
~~يعني أن السماء على عظمها وإحكامها تنفطر بشدة ذلك اليوم وهو له كما
~~ينفطر الشيء بما يفطر به فما ظنك بغيرها من الخلائق. وجوز أن يراد السماء
~~مثقلة به الآن اثقالا يؤدي إلى انفطارها لعظمه عليها وخشيتها من وقوعه
~~كقوله تعالى

# ثقلت فى السموات

# [الأعراف: 187] فالكلام من باب التخييل، والانفطار كناية عن المبالغة في
~~ثقل ذلك اليوم والمراد إفادة أنه الآن على هذا الوصف، والأول أظهر وأوفق
~~لأكثر الآيات وكان الظاهر السماء منفطرة بتأنيث الخبر لأن المشهور أن
~~السماء مؤنثة لكن اعتبر إجراء ذلك على موصوف مذكر فذكر أي شيء منفطر به
~~والنكتة فيه التنبيه على أنه تبدلت حقيقتها وزال عنها اسمها ورسمها ولم
~~يبق منها إلا / ما يعبر عنه بالشيء. وقال أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة
~~والكسائي وتبعهم منذر بن سعيد التذكير لتأويل السماء بالسقف وكأن النكتة
~~فيه تذكير معنى السقفية والإضلال ليكون أمر الانفطار أدهش وأهول. وقال
~~أبو علي الفارسي التقدير ذات انفطار كقولهم امرأة مرضع أي ذات رضاع فجرى
~~على طريق النسب وحكي عنه أيضا أن هذا من باب الجراد المنتشر والشجر
~~الأخضر وأعجاز نخل منقعر يعني أن السماء من باب اسم الجنس ms10917 الذي بينه وبين
~~مفرده تاء التأنيث وأن مفرده سماءة واسم الجنس يجوز فيه التذكير والتأنيث
~~فجاء منفطر على التذكير. وقال الفراء السماء يعني المظلة تذكر وتؤنث فجاء
~~منفطر على التذكير ومنه قوله الشاعر:

# فلو رفع السماء إليه قوما

# لحقنا بالسماء وبالسحاب

# وعليه لا حاجة إلى التأويل وإنما تطلب نكتة اعتبار التذكير مع أن الأكثر
~~في الاستعمال اعتبار التأنيث ولعلها ظاهرة لمن له أدنى فهم. وحمل الباء
~~في { به } على الآلة هو الأوفق لتهويل أمر ذلك اليوم، وجوز حملها على
~~الظرفية أي السماء منفطر فيه وعود الضمير المجرور على اليوم هو الظاهر
~~الذي عليه الجمهور وقال مجاهد يعود على الله تعالى أي بأمره سبحانه
~~وسلطانه عز وجل فهو عنده كالضمير في قوله تعالى: { كان وعده
~~مفعولا } فإنه له تعالى لعلمه من السباق والمصدر مضاف إلى فاعله
~~ويجوز أن يكون لليوم كضمير (به) عند الجمهور والمصدر مضاف إلى مفعوله.

### || [73.19]

# { إن هذه } إشارة إلى الآيات المنطوية على القوارع المذكورة {
~~تذكرة } أي موعظة { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا }
~~بالتقرب إليه تعالى بالايمان والطاعة فإنه المنهاج الموصل إلى مرضاته عز
~~وجل. ومفعول { شاء } محذوف والمعروف في مثله أن يقدر من جنس الجواب أي
~~فمن شاء اتخاذ سبيل إلى ربه تعالى اتخذ الخ وبعض قدره الاتعاظ لمناسبة ما
~~قبل أي فمن شاء الاتعاظ اتخذ إلى ربه سبيلا والمراد من نوى أن يحصل له
~~الاتعاظ تقرب إليه تعالى لكن ذكر السبب وأريد مسببه فهو الجزاء في
~~الحقيقة واختار في «البحر» ما هو المعروف وقال إن الكلام على معنى الوعد
~~والوعيد.

### || [73.20]

# { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى
~~اليل } أي زمانا أقل منهما استعمل فيه الأدنى وهو اسم تفضيل من دنا
~~إذا قرب لما أن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز فهو
~~فيه مجاز مرسل لأن القرب يقتضي قلة الأحياز بين الشيئين فاستعمل في لازمه
~~أو في مطلق القلة، وجوز اعتبار التشبيه بين القرب والقلة ليكون هناك
~~استعارة والإرسال أقرب. ms10918

# وقرأ الحسن وشيبة وأبو حيوة وابن السميفع وهشام وابن مجاهد عن قنبل فيما
~~ذكر صاحب «الكامل» (ثلثي) بإسكان اللام وجاء ذلك عن نافع وابن عامر فيما
~~ذكر صاحب «اللوامح».

# { ونصفه وثلثه } بالنصب عطفا على (أدنى) كأنه قيل يعلم أنك
~~تقوم من الليل أقل من ثلثيه وتقوم نصفه وتقوم ثلثه. وقرأ العربيان ونافع
~~(ونصفه وثلثه) بالجر عطفا على (ثلثي الليل) أي تقوم أقل من الثلثين وأقل
~~من النصف وأقل من الثلث، والأول مطابق لكون التخيير فيما مر بين قيام
~~النصف بتمامه وبين قيام الناقص منه وهو الثلث وبين قيام الزائد عليه وهو
~~الأدنى من الثلثين، والثاني مطابق لكون التخيير بين النصف وهو أدنى من
~~الثلثين وبين الثلث وهو أدنى من النصف وبين الربع وهو أدنى من الثلث، كذا
~~قال غير واحد فلا تغفل.

# واستشكل الأمر بأن التفاوت بين القراءتين ظاهر فكيف وجه صحة علم الله
~~تعالى لمدلولهما وهما لا يجتمعان؟ وأجيب بأن ذلك بحسب الأوقات فوقع كل في
~~وقت فكانا معلومين له تعالى واستشكل أيضا هذا المقام على تقدير كون
~~الأمر واردا بالأكثر بأنه يلزم إما مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم
~~لما أمر به أو اجتهاده والخطأ / في موافقة الأمر وكلاهما غير صحيح أما
~~الأول فظاهر لا سيما على كون الأمر للوجوب وأما الثاني فلأن من جوز
~~اجتهاده عليه الصلاة والسلام والخطأ فيه يقول إنه لا يقر عليه الصلاة
~~والسلام على الخطأ. وأجيب بالتزام أن الأمر وارد بالأقل لكنهم زادوا
~~حذرا من الوقوع في المخالفة وكان يشق عليهم وعلم الله سبحانه أنهم لو لم
~~يأخذوا بالأشق وقعوا في المخالفة فنسخ سبحانه الأمر كذا قيل فتأمل
~~فالمقام بعد محتاج إليه. وقرأ ابن كثير في رواية شبل (وثلثه) بإسكان
~~اللام.

# { وطائفة من الذين معك } عطف على الضمير المستتر في {
~~تقوم } وحسنه الفصل بينهما أي وتقوم معك طائفة من أصحابك { والله
~~يقدر اليل والنهار } لا يعلم مقادير ساعاتهما كما هي إلا
~~الله تعالى فإن تقديم اسمه تعالى مبتدأ مبنيا عليه { يقدر } دال على ms10919
~~الاختصاص على ما ذهب إليه جار الله، ويؤيده قوله تعالى: { علم أن
~~لن تحصوه } فإن الضمير لمصدر { يقدر } لا للقيام المفهوم من
~~الكلام، والمعنى علم أن الشأن لن تقدروا على تقدير الأوقات ولن تستطيعوا
~~ضبط الساعات ولا يتأتى لكم حسابها بالتعديل والتسوية إلا أن تأخذوا
~~بالأوسع للاحتياط وذلك شاق عليكم بالغ منكم.

# { فتاب عليكم } أي بالترخيص في ترك القيام المقدر ورفع التبعة
~~عنكم في تركه، فالكلام على الاستعارة حيث شبه الترخيص بقبول التوبة في
~~رفع التبعة واستعمل اللفظ الشائع في المشبه به في المشبه كما في قوله
~~تعالى

# فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن

# [البقرة: 187] وزعم بعضهم أنه على ما يتبادر منه فقال فيه دليل على أنه
~~كان فيهم من ترك بعض ما أمر به وليس بشيء.

# { فاقرءوا ما تيسر من القرءان } أي فصلوا ما تيسر لكم
~~من صلاة الليل، عبر عن الصلاة بالقراءة كما عبر عنها بسائر أركانها، وقيل
~~الكلام على حقيقته من طلب قراءة القرآن بعينها وفيه بعد عن مقتضى السياق،
~~ومن ذهب إلى الأول قال إن الله تعالى افترض قيام مقدار معين من الليل في
~~قوله سبحانه:

# قم اليل

# [المزمل: 2] الخ ثم نسخ بقيام مقدار ما منه في قوله سبحانه: { فتاب
~~عليكم فاقرؤا } الآية فالأمر في الموضعين للوجوب إلا أن الواجب
~~أولا كان معينا من معينات وثانيا كان بعضا مطلقا ثم نسخ وجوب القيام
~~على الأمة مطلقا بالصلوات الخمس، ومن ذهب إلى الثاني قال إن الله تعالى
~~رخص لهم في ترك جميع القيام وأمر بقراءة شيء من القرآن ليلا فكأنه قيل
~~فتاب عليكم ورخص في الترك فاقرؤا ما تيسر من القرآن إن شق عليكم القيام
~~فإن هذا لا يشق وتنالون بهذه القراءة ثواب القيام وصرح جمع أن { فاقرؤا }
~~على هذا أمر ندب بخلافه على الأول.

# هذا واعلم أنهم اختلفوا في أمر التهجد فعن مقاتل وابن كيسان أنه كان
~~فرضا بمكة قبل أن تفرض الصلوات الخمس ثم نسخ بهن إلا ما تطوعوا به ورواه
~~البخاري ومسلم في حديث ms10920 جابر. وروى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والدارمي
~~وابن ماجه والنسائي عن سعد بن هشام قال «قلت لعائشة يا أم المؤمنين
~~أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ألست تقرأ القرآن قلت
~~بلى قالت فإن خلق نبي الله تعالى القرآن قال فهممت أن أقوم ولا أسأل
~~أحدا عن شيء حتى أموت ثم بدا لي فقلت أنبئيني عن قيام رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم فقالت ألست تقرأ

# يأيها المزمل

# [المزمل: 1] قلت بلى قالت: فإن الله تعالى افترض قيام الليل في أول هذه
~~السورة فقام نبي الله وأصحابه حولا وأمسك الله تعالى خاتمتها اثني عشر
~~شهرا في السماء حتى أنزل الله تعالى في آخر السورة التخفيف وصار قيام
~~الليل تطوعا» وفي رواية عنها أنه دام ذلك ثمانية أشهر، وعن قتادة دام
~~عاما أو عامين وعن بعضهم أنه كان واجبا وإنما وقع التخيير في المقدار
~~ثم نسخ بعد عشر سنين وكان الرجل كما قال الكلبي يقوم حتى يصبح مخافة أن
~~لا يحفظ ما بين النصف والثلث والثلثين.

# وقيل كان نفلا بدليل التخيير في المقدار وقوله تعالى:

# ومن الليل فتهجد به نافلة لك

# [الإسراء: 79] حكاه غير واحد وبحثوا فيه لكن قال الإمام صاحب «الكشف» لم
~~يرد هذا القائل أن التخيير ينافي الوجوب بل استدل بالاستقراء وأن الفرائض
~~لها أوقات محدودة / متسعة كانت أو ضيقة لم يفوض التحديد إلى رأي الفاعل،
~~وهو دليل حسن وأما القائل بالفرضية فقد نظر إلى اللفظ دون الدليل الخارجي
~~ولكل وجه. وأما قوله ولقوله تعالى:

# ومن اليل

# [الإسراء: 79] الخ فالاستدلال بأنه فسر

# نافلة لك

# [الإسراء: 79] بأن معناه زائدة على الفرائض لك خاصة دون غيرك لأنها تطوع
~~لهم وهذا القائل لا يمنع الوجوب في حقه عليه الصلاة والسلام وإنما يمنعه
~~في حق غيره صلى الله عليه وسلم والآية تدل عليه فلا نظر فيه. ثم إنه لما
~~ذكر سبحانه في تلك السورة { ومن الليل } أي خص بعض الليل دون
~~توقيت وههنا وقت جل وعلا ودل على مشاركة الأمة ms10921 له عليه الصلاة
~~والسلام قوله تعالى: { وطائفة من الذين معك } نزل ما
~~ثم على الوجوب عليه صلى الله عليه وسلم خاصة وههنا على التنفل في حقه
~~وحق الأمة وهذا قول سديد إلا أن قوله تعالى { علم أن لن تحصوه
~~فتاب عليكم } يؤيد الأول انتهى وعنى بالأول القول بالفرضية عليه
~~عليه الصلاة والسلام وعلى الأمة وظواهر الآثار الكثيرة تشهد له لكن في
~~«البحر» أن قوله تعالى: { وطائفة من الذين معك } دليل على
~~أنه لم يكن فرضا على الجميع إذ لو كان فرضا عليهم لكان التركيب والذين
~~معك إلا إن اعتقد أنه كان منهم من يقوم في بيته ومنهم من يقوم معه فيمكن
~~إذ ذاك الفرضية في حق الجميع انتهى وأنت تعلم أنه لا يتعين كون (من)
~~تبعيضية بل تحتمل أن تكون بيانية ومن يقول بالفرضية على الكل صدر الإسلام
~~يحملها على ذلك دون البعضية باعتبار المعية فإنها ليست بذاك والله تعالى
~~أعلم.

# وأفادت الآية على القول الأخير في قوله سبحانه: { فاقرؤا } الخ ندب
~~قراءة شيء من القرآن ليلا وفي بعض الآثار «من قرأ مائة آية في ليلة لم
~~يحاجه القرآن» وفي بعضها «من قرأ مائة آية كتب من القانتين» وفي بعض
~~خمسين آية والمعول عليه من القولين فيه القول الأول وقد سمعت أن الأمر
~~عليه للإيجاب وأنه كان يجب قيام شيء من الليل ثم نسخ وجوبه عن الأمة
~~بوجوب الصلوات الخمس فهو اليوم في حق الأمة سنة.

# وفي «البحر» بعد تفسير { فاقرؤا } يصلوا وحكاية ما قيل من النسخ وهذا
~~الأمر عند الجمهور أمر إباحة وقال الحسن وابن سيرين قيام الليل فرض ولو
~~قدر حلب شاة وقال بن جبير وجماعة هو فرض لا بد منه ولو بمقدار خمسين آية
~~انتهى وظاهر سياقه أن هؤلاء قائلون بوجوبه اليوم وأنه لم ينسخ الوجوب
~~مطلقا وإنما نسخ وجوب معين وهذا خلاف المعروف فعن ابن عباس سقط قيام
~~الليل عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصار تطوعا وبقي ذلك فرضا
~~على رسول الله عليه ms10922 الصلاة والسلام وأظن الأمر غنيا عن الاستدلال فلنطو
~~بساط القيل والقال. نعم كان السلف الصالح يثابرون على القيام مثابرتهم
~~على فرائض الإسلام لما في ذلك من الخلوة بالحبيب والأنس به وهو القريب من
~~غير رقيب، نسأل الله تعالى أن يوفقنا كما وفقهم ويمن علينا كما من عليهم.

# بقي ههنا بحث وهو أن الإمام أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه استدل بقوله
~~تعالى: { فاقرءوا ما تيسر من القرءان } على أن الفرض في
~~الصلاة مطلق القراءة لا الفاتحة بخصوصها وهو ظاهر على القول بأنه عبر فيه
~~عن الصلاة بركنها وهو القراءة كما عبر عنها بالسجود والقيام والركوع في
~~مواضع. وقدر ما تيسر بآية على ما حكاه عنه الماوردي وبثلاث على ما حكاه
~~عنه ابن العربي والمسألة مقررة في الفروع. وخص الشافعي ومالك ما تيسر
~~بالفاتحة واحتجوا على وجوب قراءتها في الصلاة بحجج كثيرة منها ما نقل أبو
~~حامد الإسفرايني عن ابن المنذر بإسناده عن أبي هريرة عنه عليه الصلاة
~~والسلام

# " لا تجزى صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب "

# ومنها ما روي أيضا عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم

# " كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج فهي خداج "

# أي نقصان للمبالغة أو ذو نقصان. واعترض بأن النقصان لا يدل على عدم
~~الجواز. وأجيب بأنه يدل لأن التكليف بالصلاة قائم والأصل في الثابت
~~البقاء خالفناه عند الإتيان بها على صفة الكمال فعند النقصان وجب أن يبقى
~~على الأصل ولا يخرج عن العهدة / وأكد بقول أبي حنيفة بعدم جواز صوم يوم
~~العيد قضاء عن رمضان مع صحة الصوم فيه عنده مستدلا عليه بأن الواجب عليه
~~الصوم الكامل والصوم في هذا اليوم ناقص فلا يفيد الخروج عن العهدة.

# ومنها قوله صلى الله عليه وسلم

# " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب "

# وهو ظاهر في المقصود إذ التقدير لا صلاة صحيحة إلا بها. واعترض بجواز أن
~~يكون التقدير لا صلاة كاملة فإنه لما امتنع نفي مسمى الصلاة لثبوته دون
~~الفاتحة لم يكن بد من صرفه ms10923 إلى حكم من أحكامها، وليس الصرف إلى الصحة
~~أولى من الصرف إلى الكمال.

# وأجيب بأنا لا نسلم امتناع دخول النفي على مسماها لأن الفاتحة إذا كانت
~~جزءا من ماهية الصلاة تنتفي الماهية عند عدم قراءتها فيصح دخوله على
~~مسماها وإنما يمتنع لو ثبت أنها ليست جزءا منها وهو أول المسألة، سلمناه
~~لكن لا نسلم أن صرفه إلى الصحة ليس أولى من صرفه إلى الكمال بل هو أولى
~~لأن الحمل على المجاز الأقرب عند تعذر الحمل على الحقيقة أولى بل واجب
~~بالإجماع ولا شك أن الموجود الذي لا يكون صحيحا أقرب إلى المعدوم من
~~الموجود الذي لا يكون كاملا ولأن الأصل بقاء ما كان، وهو التكليف على ما
~~كان ولأن جانب الحرمة أرجح لأنه أحوط.

# ومنها أن الصلاة بدون الفاتحة توجب فوات الفضيلة الزائدة من غير ضرورة
~~للإجماع على أن الصلاة معها أفضل فلا يجوز المصير إليه لأنه قبيح عرفا
~~فيكون قبيحا شرعا لقوله عليه الصلاة والسلام

# " ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو
~~عند الله قبيح "

# ومنها أن قراءتها توجب الخروج عن العهدة بيقين فتكون أحوط فوجب القول
~~بوجوبها لنص

# " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "

# وللمعقول وهو دفع ضرر الخوف عن النفس فإنه واجب. وكون اعتقاد الوجوب
~~يورث الخوف لجواز كوننا مخطئين معارض باعتقاد عدمه فيتقابلان وأما في
~~العمل فالقراءة لا توجب الخوف وتركها يوجبه فالأحوط القراءة إلى غير ذلك.

# وأجاب ساداتنا الحنفية بما أجابوا واستدلوا على أن الواجب ما تيسر من
~~القرآن لا الفاتحة بخصوصها بأمور منها ما روى أبو عثمان النهدي عن أبي
~~هريرة أنه قال

# " أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرج وأنادي لا صلاة إلا
~~بقراءة ولو بفاتحة الكتاب "

# ودفع بأنه معارض بما نقل

# " عن أبي هريرة أنه قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرج
~~وأنادي لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب "

# وبأنه يجوز أن يكون المراد من قوله «ولو بفاتحة الكتاب» هو أنه ms10924 لو اقتصر
~~على الفاتحة لكفى ويجب الحمل عليه جمعا بين الأدلة، وفيه تعسف ولعل
~~الأولى في الجواب جواز كون المراد ولو بفاتحة الكتاب ما هو السابق إلى
~~الفهم من قول القائل لا حياة إلا بقوت ولو الخبز كل يوم أوقية وهو أن هذا
~~القدر لا بد منه وعليه يصير الحديث من أدلة الوجوب.

# ومنها أنه لو وجبت الفاتحة لصدق قولنا كلما وجبت القراءة وجبت الفاتحة
~~ومعناه مقدمة صادقة وهي أنه لو لم تجب الفاتحة لوجبت القراءة لوجوب مطلق
~~القراءة بالإجماع فتنتج المقدمتان لو لم تجب الفاتحة لوجبت الفاتحة وهو
~~باطل. وأجيب بمنع الصغرى أي لا نسلم صدق قولنا لو لم تجب الفاتحة لوجبت
~~القراءة لأن عدم وجوب الفاتحة محال والمحال جاز أن يستلزم المحال وهو رفع
~~وجوب مطلق القراءة الثابت بالإجماع.

# سلمناها لكن لا نسلم استحالة قولنا لو لم تجب الفاتحة لوجبت الفاتحة لما
~~ذكر آنفا. وجعل بعض القياس حجة على الحنفية لأن كل ما استلزم عدمه وجوده
~~ثبت وجوده ضرورة. ورد بأن هذا إنما يلزم لو كانت الملازمة وهي قولنا لو
~~لم تجب الفاتحة لوجبت ثابتة في نفس الأمر وليس كذلك بل هي ثابتة على
~~تقدير وجوب قراءة الفاتحة فلهذا لا يصير حجة عليهم. وتمام الكلام على ذلك
~~في موضعه. وأنت تعلم أنه على القول الثاني في الآية لا يظهر الاستدلال
~~بها على فرضية مطلق القراءة في الصلاة إذ ليس فيها عليه أكثر من الأمر
~~بقراءة شيء من القرآن قل أو أكثر بدل ما افترض / عليهم من صلاة الليل
~~فليتنبه.

# وقوله تعالى: { علم أن سيكون منكم مرضى } استئناف مبين
~~لحكمة أخرى غير ما تقدم من عسر إحصاء تقدير الأوقات مقتضية للترخيص
~~والتخفيف، أي علم أن الشأن سيكون منكم مرضى { وآخرون يضربون في
~~الأرض } يسافرون فيها للتجارة { يبتغون من فضل الله } وهو
~~الربح وقد عمم ابتغاء الفضل لتحصيل العلم. والجملة في موضع الحال {
~~وآخرون يقاتلون في سبيل الله } يعني المجاهدين. وفي قرن
~~المسافرين لابتغاء فضل الله تعالى بهم إشارة إلى ms10925 أنهم نحوهم في الأجر.
~~أخرج سعيد بن منصور والبيهقي في «شعب الإيمان» وغيرهما عن عمر رضي الله
~~تعالى عنه قال ما من حال يأتيني عليه الموت بعد الجهاد في سبيل الله أحب
~~إلي من أن يأتيني وأنا بين شعبتي جبل ألتمس من فضل الله تعالى وتلا هذه
~~الآية: { وآخرون يضربون } الخ وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود
~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " ما من جالب يجلب طعاما إلى بلد من بلدان المسلمين فيبيعه لسعر يومه
~~إلا كانت منزلته عند الله ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {
~~وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله
~~وآخرون يقاتلون في سبيل الله } "

# والمراد أنه عز وجل علم أن سيكون من المؤمنين من يشق عليه القيام كما
~~علم سبحانه عسر إحصاء تقدير الأوقات.

# وإذا كان الأمر كما ذكر وتعاضدت مقتضيات الترخيص { فاقرءوا ما
~~تيسر منه } أي من القرآن من غير تحمل المشاق { وأقيموا
~~الصلوة } أي المفروضة { وآتوا الزكاة } كذلك وعلى هذا أكثر
~~المفسرين. والظاهر أنهم عنوا بالصلاة المفروضة الصلوات الخمس وبالزكاة
~~المفروضة أختها المعروفة. واستشكل بأن السورة من أوائل ما نزل بمكة ولم
~~تفرض الصلوات الخمس إلا بعد الإسراء والزكاة إنما فرضت بالمدينة وأجيب
~~بأن الذاهب إلى ذلك يجعل هذه الآيات مدنية.

# وقيل أن الزكاة فرضت بمكة من غير تعيين للأنصباء والذي فرض بالمدينة
~~تعيين الأنصباء فيمكن أن يراد بالزكاة الزكاة المفروضة في الجملة فلا
~~مانع عن كون الآيات مكية لكن يلتزم لكونها نزلت بعد الإسراء وحملها على
~~صلاة الليل السابقة حيث كانت مفروضة ينافي الترخيص. وقيل يجوز أن تكون
~~الآية مما تأخر حكمه عن نزوله وليس بذاك { وأقرضوا الله قرضا
~~حسنا } أريد به الإنفاقات في سبل الخيرات أو أداء الزكاة على أحسن
~~الوجوه وأنفعها للفقراء.

# { وما تقدموا لانفسكم من خير } أي خير كان مما ذكر ومما
~~لم يذكر { تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا } أي
~~من الذي تؤخرونه إلى الوصية عند الموت و { خيرا } ثاني مفعولي {
~~تجدوه ms10926 } وهو تأكيد لضمير { تجدوه } وإن كان بصورة المرفوع
~~والمؤكد منصوب لأن هو يستعار لتأكيد المجرور والمنصوب كما ذكره الرضي، أو
~~ضمير فصل وإن لم يقع بين معرفتين فإن أفعل من في حكم المعرفة ولذا يمتنع
~~من حرف التعريف كالعلم. وجوز أبو البقاء البدلية من ضمير { تجدوه }
~~ووهمه أبو حيان بأن الواجب عليها إياه.

# وقرأ أبو السمال باللام العدوي وأبو السماك بالكاف الغنوي وابن السميفع
~~{ هو خيرا وأعظم } برفعهما على الابتداء والخبر، وجعل الجملة
~~في موضع المفعول الثاني قال أبو زيد هي لغة بني تميم يرفعون مابعد
~~الفاصلة يقولون كان زيد هو العاقل بالرفع وعليه قول قيس بن ذريح:

# تحن إلى لبنى وأنت تركتها

# وكنت عليها بالملا أنت أقدر

# فقد قال أبو عمرو الجرمي أنشده سيبويه شاهدا للرفع والقوافي مرفوعة
~~ويروى أقدرا.

# { واستغفروا الله } في كافة أحوالكم فإن الإنسان قلما يخلو
~~مما يعد تفريطا بالنسبة إليه وعد من ذلك الصوفية رؤية العابد عبادته قيل
~~ولهذه الإشارة أمر بالاستغفار بعد الأوامر السابقة بإقامة الصلاة وإيتاء
~~الزكاة والإقراض / الحسن { إن الله غفور رحيم } فيغفر
~~سبحانه ذنب من استغفره ويرحمه عز وجل. وفي حذف المعمول دلالة على العموم
~~وتفصيل الكلام فيه معلوم نسأل الله تعالى عظيم مغفرته ورحمته لنا
~~ولوالدينا ولكافة مؤمني بريته بحرمة سيد خليقته وسند أهل صفوته صلى الله
~~عليه وسلم وعلى آله وصحبه وشيعته.

### | [74 - سورة المدثر]

### || [74.1]

# أصله المتدثر فأدغم وهو على الأصل في حرف أبي من تدثر لبس الدثار بكسر
~~الدال وهو ما فوق القميص الذي يلي البدن ويسمى شعارا لاتصاله بالبشرة
~~والشعر ومنه قوله عليه الصلاة والسلام

# " الأنصار شعار والناس دثار "

# والتركيب على ما قيل دائر مع معنى الستر على سبيل الشمول، كان الدثار
~~ستر بالغ مكشوف نودي صلى الله عليه وسلم / باسم مشتق من صفته التي كان
~~عليها تأنيسا له وملاطفة كما سمعت في

# يأيها المزمل

# [المزمل: 1] وتدثره عليه الصلاة والسلام لما سمعت آنفا. وأخرج الطبراني
~~وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة ms10927 صنع لقريش
~~طعاما فلما أكلوا قال ما تقولون في هذا الرجل؟ فاختلفوا ثم اجتمع رأيهم
~~على أنه سحر يؤثر فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحزن وقنع رأسه
~~وتدثر أي كما يفعل المغموم فأنزل الله تعالى: { يأيها المدثر
~~} [المدثر: 1] إلى قوله تعالى:

# ولربك فاصبر

# [المدثر: 7].

# وقيل المراد بالمدثر المتدثر بالنبوة والكمالات النفسانية على معنى
~~المتحلي بها والمتزين بآثارها. وقيل أطلق المدثر وأريد به الغائب عن
~~النظر على الاستعارة والتشبيه فهو نداء له بما كان عليه في غار حراء.
~~وقيل الظاهر أن يراد بالمدثر وكذا بالمزمل الكناية عن المستريح الفارغ
~~لأنه في أول البعثة، فكأنه قيل له عليه الصلاة والسلام قد مضى زمن الراحة
~~وجاءتك المتاعب من التكاليف وهداية الناس، وأنت تعلم أنه لا ينافي إرادة
~~الحقيقة وأمر التلطيف على حاله. وقال بعض السادة أي يا أيها الساتر
~~للحقيقة المحمدية بدثار الصورة الآدمية، أو يا أيها الغائب عن أنظار
~~الخليقة فلا يعرفك سوى الله تعالى على الحقيقة، إلى غير ذلك من العبارات
~~والكل إشارة إلى ما قالوا في الحقيقة المحمدية من أنها حقيقة الحقائق
~~التي لا يقف على كنهها أحد من الخلائق وعلى لسانها قال من قال:

# وإني وإن كنت ابن آدم صورة

# فلي فيه معنى شاهد بأبوتي

# وإنها التعين الأول وخازن السر المقفل وإنها وإنها إلى أمور هيهات أن
~~يكون للعقل إليها منتهى:

# أعيا الورى فهم معناه فليس يرى

# في القرب والبعد منه غير منفحم

# كالشمس تظهر للعينين من بعد

# صغيرة وتكل الطرف من أمم

# وكيف يدرك في الدنيا حقيقته

# قوم نيام تسلوا عنه بالحلم

# فمبلغ العلم فيه أنه بشر

# وأنه خير خلق الله كلهم

# وقرأ عكرمة (المدثر) بتخفيف الدال وتشديد الثاء المكسورة على زنة
~~الفاعل، وعنه أيضا (المدثر) بالتخفيف والتشديد على زنة المفعول من دثره،
~~وقال دثرت هذا الأمر وعصب بك أي شد والمعنى أنه المعول عليه فالعظائم به
~~منوطة وأمور حلها وعقدها به مربوطة فكأنه قيل يا من توقف أمور الناس عليه
~~لأنه وسيلتهم عند الله عز ms10928 وجل.

### || [74.2]

# { قم } من مضجعك أو قم قيام عزم وتصميم، وجعله أبو حيان على هذا
~~المعنى من أفعال الشروع كقولهم قام زيد يفعل كذا وقوله:

# على ما قام يشتمني لئيم

# وقام بهذا المعنى من أخوات كاد. وتعقب بأنه لا يخفى بعده هنا لأنه
~~استعمال غير مألوف وورود الأمر منه غير معروف مع احتياجه إلى تقدير الخبر
~~فيه وكله تعسف.

# { فأنذر } أي فافعل الإنذار أو أحدثه فلا يقصد منذر مخصوص، وقيل
~~يقدر المفعول خاصا أي فأنذر عشيرتك الأقربين لمناسبته لابتداء الدعوة في
~~الواقع، وقيل يقدر عاما أي فأنذر جميع الناس لقوله تعالى:

# وما أرسلنك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا

# [سبأ: 28] ولم يقل هنا وبشر لأنه كان في ابتداء النبوة والإنذار هو
~~الغالب إذ ذاك أو هو اكتفاء لأن الإنذار يلزمه التبشير. وفي هذا الأمر
~~بعد ذلك النداء إشارة عند بعض السادة إلى مقام الجلوة بعد الخلوة، قالوا
~~وإليهما الإشارة أيضا في حديث

# " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف "

# الخ.

### || [74.3]

# واخصص ربك بالتكبير وهو وصفه تعالى بالكبرياء والعظمة اعتقادا وقولا.
~~ويروى أنه لما نزل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر فكبرت
~~خديجة وفرحت وأيقنت أنه الوحي، وذلك لأن الشيطان لا يأمر بذلك والأمر
~~بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم غني عن الاستدلال. وجوز أن يحمل على
~~تكبير الصلاة فقد أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال قلنا: يا رسول الله
~~كيف نقول إذا دخلنا في / الصلاة فأنزل الله تعالى: { وربك فكبر
~~} فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نفتح الصلاة بالتكبير، وأنت
~~تعلم أن نزول هذه الآية كان حيث لا صلاة أصلا فهذا الخبر إن صح مؤول.

# والفاء هنا وفيما بعد لإفادة معنى الشرط فكأنه قيل وما كان، أي أي شيء
~~حدث فلا تدع تكبيره عز وجل، فالفاء جزائية وهي لكونها على ما قيل مزحلقة
~~لا يضر عمل ما بعدها فيما قبلها. وقيل إنها دخلت في كلامهم على توهم شرط
~~فلما لم تكن في جواب شرط محقق ms10929 كانت في الحقيقة زائدة فلم يمتنع تقديم
~~معمول ما بعدها عليها لذلك.

# ثم إن في ذكر هذه الجملة بعد الأمر السابق مقدمة على سائر الجمل إشارة
~~إلى مزيد الاهتمام بأمر التكبير وإيماء على ما قيل إلى أن المقصود الأولي
~~من الأمر بالقيام أن يكبر ربه عز وجل وينزهه من الشرك فإن أول ما يجب
~~معرفة الله تعالى ثم تنزيهه عما لا يليق بجنابه، والكلام عليه من باب
~~إياك أعني واسمعي يا جاره، وقد يقال لعل ذكر هذه الجملة كذلك مسارعة
~~لتشجيعه عليه الصلاة والسلام على الإنذار وعدم مبالاته بما سواه عز وجل
~~حيث تضمنت الإشارة إلى أن نواصي الخلائق بيده تعالى وكل ما سواه مقهور
~~تحت كبريائه تعالى وعظمته فلا ينبغي أن يرهب إلا منه ولا يرغب إلا فيه،
~~فكأنه قيل قم فأنذر واخصص ربك بالتكبير فلا يصدنك شيء عن الإنذار فتدبر.

### || [74.4]

# تطهير الثياب كناية عن تطهير النفس عما تذم به من الأفعال وتهذيبها عما
~~يستهجن من الأحوال لأن من لا يرضى بنجاسة ما يماسه كيف يرضى بنجاسة نفسه،
~~يقال فلان طاهر الثياب نقي الذيل والأردان إذا وصف بالنقاء من المعايب
~~ومدانس الأخلاق، ويقال فلان دنس الثياب وكذا دسم الثياب للغادر ولمن قبح
~~فعله، ومن الأول قول الشاعر:

# ويحيى ما يلام بسوء خلق

# ويحيى طاهر الأثواب حر

# ومن الثاني قوله:

# لا هم إن عامر بن جهم

# أوذم حجا في ثياب دسم

# وكلمات جمهور السلف دائرة على نحو هذا المعنى في هذه الآية الكريمة.
~~أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أنه قال فيها يقول طهرها من المعاصي وهي
~~كلمة عربية كانت العرب إذا نكث الرجل ولم يف بعهد قالوا إن فلانا لدنس
~~الثياب وإذا وفى وأصلح قالوا إن فلانا لطاهر الثياب. وأخرج ابن المنذر
~~عن أبي مالك أنه قال فيها عنى نفسه. وأخرج هو وجماعة عن مجاهد أنه قال
~~أي وعملك فأصلح ونحوه عن أبي رزين والسدي. وأخرج هو أيضا وجماعة منهم
~~الحاكم وصححه عن ابن عباس أنه قال { وثيابك ms10930 فطهر } أي من الإثم
~~وفي رواية من الغدر أي لا تكن غدارا، وفي رواية جماعة عن عكرمة أن ابن
~~عباس سئل عن قوله تعالى { وثيابك فطهر } فقال لا تلبسها على
~~غدرة ولا فجرة ثم قال ألا تسمعون قول غيلان بن سلمة:

# فإني بحمد الله لا ثوب فاجر

# لبست ولا من غدرة أتقنع

# ونحوه عن الضحاك وابن جبير وعن الحسن والقرطبي أي وخلقك فحسن وأنشدوا
~~للكناية عن النفس بالثياب قول عنترة:

# فشككت بالرمح الطويل ثيابه

# ليس الكريم على القنا بمحرم

# وفي رواية عن الحبر وابن جبير أنه كنى بالثياب عن القلب كما في قول
~~امرىء القيس:

# فإن تك قد ساءتك مني خليقة

# فسلي ثيابي من ثيابك تنسل

# وقيل كني بها عن الجسم كما في قول ليلى وقد ذكرت إبلا ركبها قوم وذهبوا
~~بها:

# رموها بأثواب خفاف فلا ترى

# لها شبها إلا النعام المنفرا

# وطهارة الجسم قد يراد بها أيضا نحو ما تقدم. ومناسبة هذه المعاني لمقام
~~الدعوة مما لا غبار عليه. وقيل على كون تطهير الثياب كناية عما مر يكون
~~ذلك أمرا باستكمال القوة العلمية / بعد الأمر باستكمال القوة النظرية
~~والدعاء إليه. وقيل إنه أمر له صلى الله عليه وسلم بالتخلق بالأخلاق
~~الحسنة الموجبة لقبول الإنذار بعد أمره عليه الصلاة والسلام بتخصيصه ربه
~~عز وجل بالتكبير الذي ربما يوهم إباءه خفض الجناح لما سواه عز وجل
~~واقتضاءه عدم المبالاة والاكتراث بمن كان فضلا عن أعداء الله جل وعلا
~~فكان ذكره لدفع ذلك التوهم.

# وقيل على تفسير المدثر بالتدثر بالنبوة والكمالات النفسانية المعنى طهر
~~دثارات النبوة وآثارها وأنوارها الساطعة من مشكاة ذاتك عما يدنسها من
~~الحقد والضجر وقلة الصبر. وقيل الثياب كناية عن النساء كما قال تعالى

# هن لباس لكم

# [البقرة: 187] وتطهيرهن من الخطايا والمعايب بالوعظ والتأديب كما قال
~~سبحانه:

# قوا أنفسكم وأهليكم نارا

# [التحريم: 6] وقيل تطهيرهن اختيار المؤمنات العفائف منهن وقيل وطؤهن في
~~القبل لا في الدبر وفي الطهر لا في الحيض حكاه ابن بحر، وأصل القول فيما
~~أرى بعيد عن ms10931 السياق ثم رأيت الفخر صرح بذلك.

# وذهب جمع إلى أن الثياب على حقيقتها فقال محمد بن سيرين أي اغسلها
~~بالماء إن كانت متنجسة وروي نحوه عن ابن زيد وهو قول الشافعي رضي الله
~~تعالى عنه ومن هنا ذهب غير واحد إلى وجوب غسل النجاسة من ثياب المصلي،
~~وأمر صلى الله عليه وسلم بذلك على ما روي عن ابن زيد مخالفة للمشركين
~~لأنهم ما كانوا يصونون ثيابهم عن النجاسات. وقيل ألقي عليه صلى الله عليه
~~وسلم سلا شاة فشق عليه فرجع إلى بيته حزينا فتدثر فقيل له: يا أيها
~~المدثر قم فأنذر ولا تمنعنك تلك السفاهة عن الإنذار وربك فكبر عن أن لا
~~ينتقم منهم وثيابك فطهر عن تلك النجاسات والقاذورات. وإرادة التطهير من
~~النجاسة للصلاة بدون ملاحظة قصة قيل خلاف الظاهر ولا تناسب الجملة عليها
~~ما قبلها إلا على تقدير أن يراد بالتكبير التكبير للصلاة. وبعض من فسر
~~الثياب بالجسم جوز إبقاء التطهير على حقيقته وقال أمر عليه الصلاة
~~والسلام بالتنظيف وقت الاستنجاء لأن العرب ما كانوا ينظفون أجسامهم أيضا
~~عن النجاسة وكان كثير منهم يبول على عقبه. وقال بعض الأمر لمطلق الطلب
~~فإن تطهير ما ليس بطاهر من الثياب واجب في الصلاة ومحبوب في غيرها. وقيل
~~تطهيرها تقصيرها وهو أيضا أمر له عليه الصلاة والسلام برفض عادات العرب
~~المذمومة فقد كانت عادتهم تطويل الثياب وجرهم الذيول على سبيل الفخر
~~والتكبر قال الشاعر:

# ثم راحوا عبق المسك بهم

# يلحفون الأرض هداب الأزر

# وفي الحديث

# " أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين
~~وما كان أسفل من ذلك ففي النار "

# واستعمال التطهير في التقصير مجاز للزومه له فكثيرا ما يفضي تطويلها
~~إلى جر ذيولها على القاذورات. ومن الناس من جعل التقصير بعد إرادته من
~~التطهير كناية عن عدم التكبر والخيلاء ويكون ذلك أمرا له صلى الله عليه
~~وسلم بالتواضع والمداومة على ترك جر ذيول التكبر والخيلاء بعد أمره
~~بتخصيص الكبرياء والعظمة به تعالى قولا واعتقادا فكأنه قيل ms10932 وربك فكبر
~~وأنت لا تتكبر ليتسنى لك أمر الإنذار. وبعض من يرى جواز الجمع بين
~~الحقيقة والمجاز حمل التطهير على حقيقته ومجازه أعني التقصير والتوصل إلى
~~إرادة مثل ذلك عند من لا يرى جواز الجمع سهل وجوز أن يراد بالتطهير إزالة
~~ما يستقذر مطلقا سواء النجس أو غيره من المستقذر الطاهر ومنه الأوساخ
~~فيكون ذلك أمرا له صلى الله عليه وسلم بتنظيف ثيابه وإزالة ما يكون فيها
~~من وسخ وغيره من كل ما يستقذر فإنه منفر لا يليق بمقام البعثة ويستلزم
~~هذا بالأولى تنظيف البدن من ذلك ولذا كان صلى الله عليه وسلم أنظف الناس
~~ثوبا وبدنا، وربما يقال باستلزام ذلك بالأولى أيضا الأمر بالتنزه عن
~~المنفر القولي والفعلي كالفحش والفظاظة والغلظة إلى غير ذلك فلا تغفل.

### || [74.5]

# قال القتبي الرجز / العذاب وأصله الاضطراب وقد أقيم مقام سببه المؤدي
~~إليه من المآثم فكأنه قيل اهجر المآثم والمعاصي المؤدية إلى العذاب، أو
~~الكلام بتقدير مضاف أي أسباب الرجز أو التجوز في النسبة على ما قيل ونحو
~~هذا قول ابن عباس الرجز السخط وفسر الحسن الرجز بالمعصية والنخعي بالإثم
~~وهو بيان للمراد ولما كان المخاطب بهذا الأمر هو النبي صلى الله عليه
~~وسلم وهو البرىء عن ذلك كان من باب إياك أعني واسمعي أو المراد الدوام
~~والثبات على هجر ذلك. وقيل الرجز اسم لصنمين إساف ونائلة وقيل للأصنام
~~عموما وروي ذلك عن مجاهد وعكرمة والزهري والكلام على ما سمعت آنفا.
~~وقيل الرجز اسم للقبيح المستقذر { والرجز فاهجر } كلام جامع في
~~مكارم الأخلاق كأنه قيل اهجر الجفاء والسفه وكل شيء يقبح ولا تتخلق
~~بأخلاق هؤلاء المشركين وعليه يحتمل أن يكون هذا أمرا بالثبات على تطهير
~~الباطن بعد الأمر بالثبات على تطهير الظاهر بقوله سبحانه

# وثيابك فطهر

# [المدثر: 4].

# وقرأ الأكثرون (الرجز) بكسر الراء وهي لغة قريش ومعنى المكسور والمضموم
~~واحد عند جمع، وعن مجاهد أن المضموم بمعنى الصنم والمكسور بمعنى العذاب
~~وقيل المكسور النقائص والفجور والمضموم إساف ونائلة وفي «كتاب الخليل»
~~الرجز بضم الراء ms10933 عبادة الأوثان وبكسرها العذاب.

# ومن كلام السادة أي الدنيا فاترك وهو مبني على أنه أريد بالرجز الصنم
~~والدنيا من أعظم الأصنام التي حبها بين العبد وبين مولاه وعبدتها أكثر من
~~عبدتها فإنها تعبد في البيع والكنائس والصوامع والمساجد وغير ذلك، أو
~~أريد بالرجز القبيح المستقذر والدنيا عند العارف في غاية القبح والقذارة
~~فعن الأمير كرم الله تعالى وجهه أنه قال الدنيا أحقر من ذراع خنزير ميت
~~بال عليها كلب في يد مجذوم وقال الشافعي:

# وما هي إلا جيفة مستحيلة

# عليها كلاب همهن اجتذابها

# فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها

# وإن تجتذبها نازعتك كلابها

# ويقال كل ما ألهى عن الله عز وجل فهو رجز يجب على طالب الله تعالى هجره
~~إذ بهذا الهجر ينال الوصال وبذلك القطع يحصل الاتصال ومن أعظم لاه عن
~~الله تعالى النفس ومن هنا قيل أي نفسك فخالفها والكلام في كل ذلك من باب
~~إياك أعني أو القصد فيه إلى الدوام والثبات كما تقدم.

### || [74.6]

# أي ولا تعط مستكثرا أي طالبا للكثير ممن تعطيه قاله ابن عباس فهو نهي
~~عن الاستغزار وهو أن يهب شيئا وهو يطمع أن يتعوض من الموهوب له أكثر من
~~الموهوب وهذا جائز ومنه الحديث الذي رواه ابن أبي شيبة موقوفا على شريح
~~المستغزر يثاب من هبته، والأصح عند الشافعية أن النهي للتحريم وأنه من
~~خواصه عليه الصلاة والسلام لأن الله تعالى اختار له عليه الصلاة والسلام
~~أكمل الصفات وأشرف الأخلاق فامتنع عليه أن يهب لعوض أكثر وقيل هو نهي
~~تنزيه للكل، أو ولا تعط مستكثرا أي رائيا لما تعطيه كثيرا فالسين
~~للوجدان لا للطلب كما في الوجه الأول الظاهر والنهي عن ذلك لأنه نوع
~~إعجاب وفيه بخل خفي. وعن الحسن والربيع لا تمنن بحسناتك على الله تعالى
~~مستكثرا لها أي رائيا إياها كثيرة فتنقص عند الله عز وجل. وعد من
~~استكثار الحسنات بعض السادة رؤية أنها حسنات وعدم خشية الرد والغفلة عن
~~كونها منه تعالى حقيقة. وعن ابن زيد لا تمنن بما أعطاك ms10934 الله تعالى من
~~النبوة والقرآن مستكثرا به أي طالبا كثير الأجر من الناس. وعن مجاهد لا
~~تضعف عن عملك مستكثرا لطاعتك فتمنن من قولهم حبل منين أي ضعيف، ويتضمن
~~هذا المعنى ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال أي لا تقل قد دعوتهم
~~فلم يقبل مني عد فادعهم.

# وقرأ الحسن وابن أبي عبلة (تستكثر) بسكون الراء وخرج على أنه جزم
~~والفعل بدل من { تمنن } المجزوم بلا الناهية كأنه قيل ولا تمنن لا تستكثر
~~لأن من شأن المان بما يعطي أن يستكثره أي يراه كثيرا ويعتد به، وهو بدل
~~اشتمال وقيل بدل كل من كل على دعاء الاتحاد وفي / «الكشف» الإبدال من {
~~تمنن } على أن المن هو الاعتداد بما أعطى لا الإعطاء نفسه فيه لطيفة لأن
~~الاستكثار مقدمة المن فكأنه قيل لا تستكثر فضلا عن المن. وجوز أن يكون
~~سكون وقف حقيقة أو بإجراء الوصل مجراه أو سكون تخفيف على أن شبه ثرو بعضد
~~فسكن الراء الواقعة بين الثاء وواو

# ولربك

# [المدثر: 7] كما سكنت الضاد وليس بذاك والجملة عليه في موضع الحال.

# وقرأ الحسن أيضا والأعمش { تستكثر } بالنصب على إضمار أن كقولهم مره
~~يحفرها أي أن يحفرها وقوله:

# ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى

# وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

# في رواية نصب أحضر. وقرأ ابن مسعود (أن تستكثر) بإظهار أن فالمن بمعنى
~~الإعطاء والكلام على إرادة التعليل أي ولا تعط لأجل أن تستكثر أي تطلب
~~الكثير ممن تعطيه وأيد به إرادة المعنى الأول في قراءة الرفع وجوز
~~الزمخشري في تلك القراءة أن يكون الرفع لحذف أن وإبطال عملها كما روي
~~أحضر الوغى بالرفع فالجملة حينئذ ليست حالية. وتعقبه أبو حيان بأنه لا
~~يجوز حمل القرآن على ذلك إذ لا يجوز ما ذكر إلا في الشعر ولنا مندوحة عنه
~~مع صحة معنى الحال. ورد بأن المخالف للقياس بقاء عملها بعد حذفها وأما
~~الحذف والرفع فلا محذور فيه وقد أجازه النحاة ومنه تسمع بالمعيدي خير من
~~أن تراه.

### || [74.7]

# قيل على ms10935 أذى المشركين وقيل على أداء الفرائض وقال ابن زيد على حرب
~~الأحمر والأسود وفيه بعد إذ لم يكن جهاد يوم نزولها وعن النخعي على عطيتك
~~كأنه وصله بما قبله وجعله صبرا على العطاء من غير استكثار، والوجه كما
~~قال جار الله أن يكون أمرا بنفس الفعل والمعنى لقصد جهته تعالى وجانبه
~~عز وجل فاستعمل الصبر فيتناول لعدم تقدير المتعلق المفيد للعموم كل مصبور
~~عليه ومصبور عنه ويراد الصبر على أذى المشركين لأنه فرد من أفراد العام
~~لا لأنه وحده هو المراد.

# وعن ابن عباس الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه صبر على أداء الفرائض وله
~~ثلثمائة درجة وصبر عن محارم الله تعالى وله ستمائة درجة وصبر على المصائب
~~عند الصدمة الأولى وله تسعمائة درجة وذلك لشدته على النفس وعدم التمكن
~~منه إلا بمزيد اليقين ولذلك قال صلى الله عليه وسلم

# " أسألك من اليقين ما تهون به على مصائب الدنيا "

# وذكروا أن للصبر باعتبار حكمه أربعة أقسام فرض كالصبر عن المحظورات وعلى
~~أداء الواجبات ونقل كالصبر عن المكروهات والصبر على المسنونات ومكروه
~~كالصبر عن أداء المسنونات والصبر على فعل المكروهات وحرام كالصبر على من
~~يقصد حريمه بمحرم وترك التعرض له مع القدرة إلى غير ذلك وتمام الكلام
~~عليه في محله.

# وفضائل الصبر الشرعي المحمود مما لا تحصى ويكفي في ذلك قوله تعالى

# إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب

# [الزمر: 10] وقوله صلى الله عليه وسلم

# " قال الله تعالى إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو
~~ولده ثم استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له
~~ميزانا أو أنشر له ديوانا "

### || [74.8-10]

# { فإذا نقر } أي نفخ { فى الناقور } في الصور وهو فاعول من
~~النقر بمعنى التصويت وأصله القرع الذي هو سببه ومنه منقار الطائر لأنه
~~يقرع به ولهذه السببية تجوز به عنه وشاع ذلك، وأريد به النفخ لأنه نوع
~~منه. والفاء للسببية كأنه قيل اصبر على أذاهم فبين أيديهم يوم هائل يلقون
~~فيه عاقبة أذاهم ms10936 وتلقى عاقبة صبرك عليه.

# والعامل في { إذا } ما دل عليه قوله تعالى: { فذلك يومئذ
~~يوم عسير * على الكفرين } فالمعنى إذا نقر في الناقور عسر
~~الأمر على الكافرين، والفاء في هذا للجزاء و(ذلك) إشارة إلى وقت النقر
~~المفهوم من { فإذا نقر } وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد لفظا
~~بالمشار إليه للإيذان ببعد منزلته في الهول والفظاعة ومحله الرفع على
~~الابتداء و { يومئذ } قيل بدل منه مبني على الفتح لإضافته إلى غير
~~متمكن والخبر { يوم عسير } فكأنه قيل فيوم النقر يوم عسير. وجوز أن
~~يكون { يومئذ } ظرفا مستقرا ليوم عسير أي صفة له فلما تقدم عليه
~~صار / حالا منه والذي أجاز ذلك على ما في «الكشاف» ((أن المعنى فذلك وقت
~~النقر وقوع يوم عسير لأن يوم القيامة يأتي ويقع حين ينقر في الناقور))
~~فهو على منوال زمن الربيع العيد فيه أي وقوع العيد فيه ومآله فذلك الوقوع
~~وقوع يوم الخ ومما ذكر يعلم اندفاع ما يتوهم من تقديم معمول المصدر أو
~~معمول ما في صلته على المصدر إن جعل ظرف الوقوع المقدر أو ظرف { عسير
~~} والتصريح بلفظ وقوع إبراز للمعنى وتفص عن جعل الزمان مظروف الزمان
~~برجوعه إلى الحدث فتدبر. وظاهر صنيع «الكشاف» اختيار هذا الوجه وكذا كلام
~~صاحب «الكشف» إذ قرره على أتم وجه وادعى فيما سبق تعسفا نعم جوز عليه
~~الرحمة أن يكون { يومئذ } معمول ما دل عليه الجزاء أيضا كأنه قيل
~~فإذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين يومئذ وأيا ما كان فعلى
~~الكافرين متعلق بعسير وقيل بمحذوف هو صفة لعسير أو حال من المستكن فيه.
~~وأجاز أبو البقاء تعلقه بيسير في قوله تعالى: { غير يسير } وهو
~~الذي يقتضيه كلام قتادة وتعقبه أبو حيان بأنه ينبغي أن لا يجوز لأن فيه
~~تقديم معمول المضاف إليه على المضاف وهو ممنوع على الصحيح وقد أجازه
~~بعضهم في (غير) حملا لها على لا فيقول أنا بزيد غير راض.

# وزعم الحوفي أن { إذا } متعلقة ب

# فأنذر

# [المدثر: 2] والفاء زائدة وأراد ms10937 أنها مفعول به لأنذر كأنه قيل قم
~~فأنذرهم وقت النقر في الناقور وقوله تعالى { فذلك } الخ جملة مستأنفة
~~في موضع التعليل وهو كما ترى.

# وجوز أبو البقاء تخريج الآية على قول الأخفش بأن تكون { إذا } مبتدأ
~~والخبر { فذلك } والفاء زائدة وجعل { يومئذ } ظرفا لذلك ولا
~~أظنك في مرية من أنه كلام أخفش. وقال بعض الأجلة إن (ذلك) مبتدأ وهو
~~إشارة إلى المصدر أي فذلك النقر وهو العامل في { يومئذ } و { يوم
~~عسير } خبر المبتدأ والمضاف مقدر أي فذلك النقر في ذلك اليوم نقر يوم
~~وفيه تكلف وعدول عن الظاهر مع أن عسر اليوم غير مقصود بالإفادة عليه
~~وظاهر السياق قصده بالإفادة.

# وجعل العلامة الطيبي هذه الآية من قبيل ما اتحد فيه الشرط والجزاء نحو

# " من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله "

# إذ جعل الإشارة إلى وقت النقر وقال إن في ذلك مع ضم التكرير دلالة على
~~التنبيه على الخطب الجليل والأمر العظيم وفيه نظر وفائدة قوله سبحانه {
~~غير يسير } أي سهل بعد قوله تعالى { عسير } تأكيد عسره على
~~الكافرين فهو يمنع أن يكون عسيرا عليهم من وجه دون وجه ويشعر بتيسره على
~~المؤمنين كأنه قيل عسير على الكافرين غير يسير عليهم كما هو يسير على
~~أضدادهم المؤمنين ففيه جمع بين وعيد الكافرين وزيادة غيظهم وبشارة
~~المؤمنين وتسليتهم ولا يتوقف هذا على تعلق { على الكفرين }
~~بيسير نعم الأمر عليه أظهر كما لا يخفى.

# ثم مع هذا لا يخلو قلب المؤمن من الخوف أخرج ابن سعيد والحاكم عن بهز بن
~~حكيم قال أمنا زرارة بن أوفى فقرأ المدثر فلما بلغ { فإذا نقر فى
~~الناقور } خر ميتا فكنت فيمن حمله. وأخرج ابن أبي شيبة
~~والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال لما نزلت { فإذا نقر فى
~~الناقور } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته يستمع متى يؤمر قالوا
~~كيف نقول يا رسول الله قال قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل وعلى الله ms10938
~~توكلنا "

# واختلف في أن المراد بذلك الوقت يوم النفخة الأولى أو يوم النفخة
~~الثانية ورجح أنه يوم الثانية لأنه الذي يختص عسره بالكافرين وأما وقت
~~النفخة الأولى فحكمه الذي هو الإصعاق يعم البر والفاجر وهو على المشهور
~~مختص بمن كان حيا عند وقوع النفخة.

### || [74.11]

# نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي كما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة
~~وغيرهم بل قيل كونها فيه متفق عليه وهو يقتضي أن هذه السورة لم تنزل جملة
~~إذ لم يكن أمر الوليد وما اقتضى نزول الآية فيه في بدء البعثة فلا تغفل.
~~و { وحيدا } حال إما من الياء في { ذرني } وهو المروي عن مجاهد أي
~~ذرني وحدي معه فأنا أغنيك في الانتقام عن كل منتقم، أو من التاء في {
~~خلقت } أي خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد فأنا أهلكه لا أحتاج إلى
~~ناصر في إهلاكه /، أو من الضمير المحذوف العائد على { من } على ما
~~استظهره أبو حيان أي ومن خلقته وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد. وجوز أن
~~يكون منصوبا بأذم ونحوه، فقد كان الوليد يلقب في قومه بالوحيد فتهكم
~~الله تعالى به وبلقبه و صرفه عن الغرض الذي كانوا يؤمونه من مدحه والثناء
~~عليه إلى جهة ذمه وعيبه فأراد سبحانه وحيدا في الخبث والشرارة، أو
~~وحيدا عن أبيه لأنه كان دعيا لم يعرف نسبه للمغيرة حقيقة كما مر في
~~سورة نون.

### || [74.12]

# مبسوطا كثيرا أو ممدودا بالنماء من مد النهر ومده نهر آخر، وقيل كان
~~له الضرع والزرع والتجارة وعن ابن عباس هو ما كان له بين مكة والطائف من
~~الإبل والنعم والجنان والعبيد، وقيل كان له بستان بالطائف لا تنقطع ثماره
~~صيفا وشتاء وقال النعمان بن بشير المال الممدود هو الأرض لأنها مدت وعن
~~عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه المستغل الذي يجبى شهرا بعد شهر
~~فهو ممدود لا ينقطع وعن ابن عباس ومجاهد وابن جبير كان له ألف دينار وعن
~~قتادة ستة آلاف دينار وقيل تسعة آلاف ms10939 دينار وعن سفيان الثوري روايتان
~~أربعة آلاف دينار وألف ألف دينار. وهذه الأقوال إن صحت ليس المراد بها
~~تعيين المال الممدود وأنه متى أطلق يراد به ذلك بل بيان أنه كان بالنسبة
~~إلى المحدث عنه كذا.

### || [74.13]

# حضورا معه بمكة يتمتع بمشاهدتهم لا يفارقونه للتصرف في عمل أو تجارة
~~لكونهم مكفيين لوفور نعمهم وكثرة خدمهم أو حضورا في الأندية والمحافل
~~لوجاهتهم واعتبارهم أو تسمع شهاداتهم فيما يتحاكم فيه. واختلف في عددهم
~~فعن مجاهد أنهم عشرة وقيل ثلاثة عشر وقيل سبعة كلهم رجال الوليد بن
~~الوليد وخالد وهشام وقد أسلم هؤلاء الثلاثة والعاص وقيس وعبد شمس وعمارة
~~واختلفت الرواية فيه أنه قتل يوم بدر أو قتله النجاشي لجناية نسبت إليه
~~في حرم الملك والروايتان متفقتان على أنه قتل كافرا ورواية الثعلبي عن
~~مقاتل إسلامه لا تصح ونص ابن حجر على أن ذلك غلط وقد وقع في هذا الغلط
~~صاحب «الكشاف» وتبعه فيه من تبعه والعجب أيضا أنهم لم يذكروا الوليد بن
~~الوليد فيمن أسلم مع أن المحدثين عن آخرهم أطبقوا على إسلامه.

### || [74.14]

# بسطت له الرياسة والجاه العريض فأتممت عليه نعمتي الجاه والمال
~~واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا. وأصل التمهيد التسوية والتهيئة
~~وتجوز به عن بسطة المال والجاه وكان لكثرة غناه ونضارة حاله الرائقة في
~~الأعين منظرا ومخبرا يلقب ريحانة قريش وكذا كانوا يلقبونه بالوحيد
~~بمعنى المنفرد باستحقاق الرياسة. وعن ابن عباس وسعت له ما بين اليمن إلى
~~الشام وعن مجاهد مهدت له المال بعضه فوق بعض كما يمهد الفراش.

### || [74.15]

# على ما أديته وهو استبعاد واستنكار لطمعه وحرصه إما لأنه في غنى تام لا
~~مزيد على ما أوتي سعة وكثرة أو لأنه مناف لما هو عليه من كفران النعم
~~ومعاندة المنعم، وعن الحسن وغيره أنه كان يقول إن كان محمد صادقا فما
~~خلقت الجنة إلا لي. واستعمال ثم للاستبعاد كثير قيل وهو غير التفاوت
~~الرتبي بل عد الشيء بعيدا غير مناسب لما عطف عليه كما تقول تسيء إلي
~~ثم ms10940 ترجو إحساني وكأن ذلك لتنزيل البعد المعنوي منزلة البعد الزماني.

### || [74.16]

# { كلا } ردع وزجر له عن طمعه الفارغ وقطع لرجائه الخائب وقوله
~~سبحانه: { إنه كان لايتنا عنيدا } جملة مستأنفة استئنافا
~~بيانيا لتعليل ما قبل كأنه قيل لم زجر عن طلب المزيد وما وجه عدم لياقته
~~فقيل إنه كان معاندا لآيات المنعم وهي دلائل توحيده أو الآيات القرآنية
~~حيث قال فيها ما قال والمعاندة تناسب الإزالة وتمنع من الزيادة قال مقاتل
~~ما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقص من ماله وولده حتى هلك.

### || [74.17]

# سأغشيه عقبة شاقة المصعد وهو مثل لما يلقى من العذاب الشاق الصعب الذي
~~لا يطاق شبه ما يسوقه الله تعالى له من المصائب وأنواع المشاق بتكليف
~~الصعود في الجبال الوعرة / الشاقة، وأطلق لفظه عليه على سبيل الاستعارة
~~التمثيلية. وروى أحمد والترمذي والحاكم وصححه وجماعة عن أبي سعيد الخدري
~~مرفوعا

# " الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوى فيه كذلك أبدا "

# وعنه صلى الله عليه وسلم

# " يكلف أن يصعد عقبة في النار كلما وضع عليها يده ذابت وإذا رفعها عادت
~~وإذا وضع رجله ذابت فإذا رفعها عادت "

### || [74.18]

# تعليل للوعيد واستحقاقه له أو بيان لعناده لآياته عز وجل فيكون جملة
~~مفسرة لذلك لا محل لها من الإعراب وما بينهما اعتراض. وقيل الجملة عليه
~~بدل من قوله تعالى

# إنه كان لآياتنا عنيدا

# [المدثر: 16] أي إنه فكر ماذا يقول في شأن القرآن وقدر في نفسه ما يقول.

### || [74.19]

# تعجيب من تقديره وإصابته فيه المحز ورميه الغرض الذي كان ينتحيه قريش
~~فهو نظير

# قاتلهم الله أنى يؤفكون

# [التوبة: 30] أو ثناء عليه تهكما على نحو قاتله الله ما أشجعه أو حكاية
~~لما كرروه على سبيل الدعاء عند سماع كلمته الحمقاء فالعرب تقول قتله الله
~~ما أشجعه وأخزاه الله ما أشعره يريدون أنه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق
~~بأن يحسد ويدعو عليه حاسده بذلك. ومآله على ما قيل إلى الأول وإن اختلف
~~الوجه.

# روي أن الوليد بن المغيرة ms10941 جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه
~~القرآن فكأن رق له فبلغ ذلك أبا جهل فقال يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا
~~لك مالا فيعطوكه فإنك أتيت محمدا لتصيب مما عنده قال قد علمت قريش أني
~~من أكثرها مالا قال فقل فيه قولا يبلغ قومك إنك منكر له وأنك كاره له
~~قال وماذا أقول فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني لا برجزه ولا بقصيده
~~ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ووالله إن لقوله
~~الذي يقوله حلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه
~~ليعلو ولا يعلى وإنه ليحطم ما تحته قال لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه
~~قال دعني حتى أفكر فلما فكر قال ما هو إلا سحر يؤثر فعجبوا بذلك.

# وقال محي السنة لما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم

# حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم

# [غافر: 1-2] إلى قوله تعالى

# المصير

# [غافر: 3] قام النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد والوليد قريب منه
~~يسمع قراءته فلما فطن النبي عليه الصلاة والسلام لاستماعه أعاد القراءة
~~فانطلق الوليد إلى مجلس قومه بني مخزوم فقال والله لقد سمعت من محمد
~~آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن إن له لحلاوة وإن
~~عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه ليعلو وما يعلى فقال
~~قريش صبأ والله الوليد والله لتصبأن قريش كلهم فقال أبو جهل أنا أكفيكموه
~~فقعد إليه حزينا وكلمه بما أحماه فقام فأتاهم فقال تزعمون أن محمدا
~~مجنون فهل رأيتموه يخنق وتقولون إنه كاهن فهل رأيتموه قط يتكهن وتزعمون
~~أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا وتزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه
~~شيئا من الكذب فقالوا في كل ذلك اللهم لا ثم قالوا فما هو؟ ففكر فقال ما
~~هو إلا ساحر أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه وما الذي
~~يقوله إلا سحر يأثره عن مسيلمة وعن أهل بابل فارتج النادي ms10942 فرحا وتفرقوا
~~معجبين بقوله متعجبين منه.

### || [74.20]

# تكرير للمبالغة كما هو معتاد من أعجب غاية الإعجاب. والعطف بثم للدلالة
~~على تفاوت الرتبة وإن الثانية أبلغ من الأولى فكأنه قيل قتل بنوع ما من
~~القتل لا بل قتل بأشده وأشده ولذا ساغ العطف فيه مع أنه تأكيد ونحوه ما
~~في قوله:

# ومالي من ذنب إليهم علمته

# سوى أنني قد قلت يا سرحة أسلمي

# ألا يا أسلمي ثم أسلمي ثمت أسلمي

# ثلاث تحيات وإن لم تكلمي

# والإطراء في الإعجاب بتقديره يدل على غاية التهكم به وبمن فرح بمحصول
~~تفكيره. وقال الراغب في «غرة التنزيل» كان الوليد بن المغيرة لما سئل عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قدر ما أتي به من القرآن فقال إن قلنا شاعر
~~كذبتنا العرب إذا عرضت ما أتى به على الشعر وكان يقصد بهذا التقدير تكذيب
~~الرسول صلى الله عليه وسلم / بضرب من الاحتيال فلذلك كان كل تقدير
~~مستحقا لعقوبة من الله تعالى هي كالقتل إهلاكا له فالأول لتقديره على
~~الشعر أي أهلك إهلاك المقتول كيف قدر وقوله تعالى { ثم قتل كيف
~~قدر } لتقديره الآخر فإنه قدر أيضا وقال فإن ادعينا أن ما أتي به من
~~كلام الكهنة كذبتنا العرب إذا رأوا هذا الكلام مخالفا لكلام الكهان فهو
~~في تقديره له على كلام الكهنة مستحق من العقوبة لما هو كالقتل إهلاكا له
~~فجاء ذلك لهذا فلم يكن في الإعادة تكرار، والأول هو ما ذهب إليه جار الله
~~وجعل الدعاء اعتراضا وقال عليه الطيبي إنه ليس من الاعتراض المتعارف
~~الذي ينحل لتزيين الكلام وتقريره لأن الفاء مانعة من ذلك بل هو من كلام
~~الغير ووقع الفاء في تضاعيف كلامه فأدخل بين الكلامين المتصلين على سبيل
~~الحكاية ثم قال وهو متعسف وإنما سلكه لأنه جعل الدعاءين من كلام الغير
~~وأما إذا جعلا من كلام الله تعالى استهزاء كما ذكر هو أو دعاء عليه كما
~~ذهب إليه الراغب وعليه «تفسير الواحدي» على ما قال. ونقل عن صاحب «النظم»

# فقتل كيف

# [المدثر: ms10943 19] أي عذب ولعن كيف قدر كما يقال لأضربنه كيف صنع أي على أي
~~حال كانت منه لتكون الأفعال كلها متناسقة مرتبة على التفاوت في التعقيب
~~والتراخي زمانا ورتبة كما يقتضيه المقام كان أحسن وجاء النظم على السنن
~~المألوف من التنزيل إلى آخر ما قال وما تقدم أبعد مغزى والاعتراض من
~~المتعارف وهو يؤكد ما سيق له الكلام أحسن تأكيد والفار غير مانعة على ما
~~نص عليه جار الله وغيره وجعل من الاعتراض المقرون بها

# فاسألوا أهل الذكر

# [النحل: 43] ومنه قوله:

# واعلم فعلم المرء ينفعه

# أن سوف يأتي كل ما قدرا

# وقد حقق أنه بالحقيقة نتيجة وقعت بين أجزاء الكلام اهتماما بشأنها
~~فأفادت فائدة الاعتراض وعدت منه والاعتراض بين قوله تعالى

# إنه فكر وقدر

# [المدثر: 18] وقوله سبحانه: { ثم نظر }.

### || [74.21]

# للعطف و(ثم) فيه وفيما بعد على معناها الوضعي وهو التراخي الزماني مع
~~مهلة أي ثم فكر في أمر القرآن مرة بعد أخرى.

### || [74.22]

# { ثم عبس } قطب وجهه لما لم يجد فيه مطعنا وضاقت عليه الحيل ولم
~~يدر ماذا يقول. وقيل ثم نظر في وجوه القوم ثم قطب وجهه. وقيل نظر إلى
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قطب في وجهه عليه الصلاة والسلام.

# { وبسر } أي أظهر العبوس قبل أوانه وفي غير وقته فالبسر الاستعجال
~~بالشيء نحو بسر الرجل لحاجة طلبها في غير أوانها وبسر الفحل الناقة ضربها
~~قبل أن تطلب وماء بسر متناول من غديره قبل سكونه وقيل للجبن الذي ينكأ
~~قبل النضج بسر ومنه قيل لما لم يدرك من الثمر بسر وبهذا فسره الراغب هنا
~~وفسره بعضهم بأشد العبوس من بسر إذا قبض ما بين عينيه كراهة للشيء واسود
~~وجهه منه ويستعمل بمعنى العبوس ومنه قول توبة:

# قد رابني منها صدود رأيته

# وإعراضها عن حاجتي وبسورها

# وقول سعد لما أسلمت راغمتني أمي فكانت تلقاني مرة بالبشر ومرة بالبسر
~~فحينئذ يكون ذكر (بسر) كالتأكيد لعبس ولعله مراد من قال اتباع له وأهل
~~اليمين يقولون بسر المركب وأبسر إذا وقف ولم ms10944 أر من جوز إرادة ذلك هنا ولو
~~على بعد، وفي النفس من ثبوت ذلك لغة صحيحة توقف.

### || [74.23]

# { ثم أدبر } عن الحق أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {
~~واستكبر } عن اتباعه.

### || [74.24]

# أي يروى ويتعلم من سحرة بابل ونحوهم، وقيل أي يختار ويرجح على غيره من
~~السحر وليس بمختار. والفاء للدلالة على أن هذه الكلمة الحمقاء لما خطرت
~~بباله تفوه بها من غير تلعثم وتلبث فهي للتعقيب من غير مهلة ولا مخالفة
~~فيه لما مر من الرواية كما لا يخفى.

### || [74.25]

# وقوله: { إن هذا إلا قول البشر } كالتأكيد للجملة
~~الأولى لأن المقصود منهما نفي كونه / قرآنا ومن كلام الله تعالى وإن
~~اختلفا معنى، ولاعتبار الاتحاد في المقصود لم يعطف عليها، وأطلق بعضهم
~~عليه التأكيد من غير تشبيه والأمر سهل وفي وصف أشكاله التي تشكل بها حتى
~~استنبط هذا القول السخيف استهزاء به وإشارة إلى أنه عن الحق الأبلج
~~بمعزل. ثم إن الذي يظهر من تتبع أحوال الوليد أنه إنما قال ذلك عنادا
~~وحمية جاهلية لا جهلا بحقيقة الحال.

### || [74.26]

# وقوله تعالى: { سأصليه سقر } بدل من

# سأرهقه

# [المدثر: 17] الخ بدل اشتمال لاشتمال السقر على الشدائد وعلى الجبل من
~~النار، والوصف الآتي لا ينافي الإبدال على إرادة الجبل بناء على أن
~~المراد به نحو ما في الحديث. وقال أبو حيان يظهر أنهما جملتان اعتقبت كل
~~واحدة منهما على سبيل توعد العصيان الذي قبل كل واحدة منهما فتوعد على
~~كونه عنيدا لآيات الله تعالى بإرهاق صعود وعلى قوله إن القرآن سحر يؤثر
~~بإصلاء سقر، وفيه بحث لا يخفى على من أحاط خبرا بما تقدم.

### || [74.27]

# أي أي شيء أعلمك ما سقر على أن (ما) الأولى مبتدأ و { أدراك } خبره
~~و(ما) الثانية خبر لأنها مفيدة لما قصد إفادته من التهويل والتفظيع
~~و(سقر) مبتدأ أي أي شيء هي في وصفها فإن (ما) قد يطلب بها الوصف وإن كان
~~الغالب أن يطلب بها الاسم والحقيقة.

### || [74.28]

# وقوله سبحانه: { لا تبقى ولا تذر } بيان لوصفها ms10945 وحالها،
~~فالجملة مفسرة أو مستأنفة من غير حاجة إلى جعلها خبر مبتدأ محذوف، وقيل
~~حال من { سقر } والعامل فيها معنى التعظيم أي أعظم سقر وأهول أمرها
~~حال كونها لا تبقي الخ وليس بذاك، أي لا تبقي شيئا يلقى فيها إلا أهلكته
~~وإذا هلك لم تذره هالكا حتى يعاد. وقال ابن عباس لا تبقى إذا أخذت فيهم
~~لم تبق منهم شيئا وإذا بدلوا خلقا جديدا لم تذر أن تعاودهم سبيل
~~العذاب الأول وروي نحوه عن الضحاك بزيادة ولكل شيء فترة وملالة إلا جهنم،
~~وقيل لا تبقي على شيء ولا تدعه من الهلاك بل كل ما يطرح فيها هالك لا
~~محالة. وقال السدي لا تبقي لهم لحما ولا تذر عظما وهو دون ما تقدم.

### || [74.29]

# قال ابن عباس ومجاهد وأبو رزين والجمهور أي مغيرة للبشرات مسودة للجلود
~~وفي بعض الروايات عن بعض بزياة محرقة، والمراد في الجملة، فلواحة من
~~لوحته الشمس إذا سودت ظاهره وأطرافه قال:

# تقول ما لاحك يا مسافر

# يا ابنة عمي لاحني الهواجر

# والبشر جمع بشرة وهي ظاهر الجلد. وفي بعض الآثار أنها تلفح الجلد لفحة
~~فتدعه أشد سوادا من الليل. واعترض بأنه لا يصح وصفها بتسويدها الظاهر
~~الجلود مع قوله سبحانه

# لا تبقي ولا تذر

# [المدثر: 28] الصريح في الإحراق. وأجيب بأنها في أول الملاقاة تسوده ثم
~~تحرقه وتهلكه، أو الأول حالها مع من دخلها وهذا حالها مع من يقرب منها.
~~وأنت تعلم أنه إذا قيل لا يحسن وصفها بتسويد ظاهر الجلود بعد وصفها بأنها
~~لا تبقي ولا تذر لم يحسن هذا الجواب، وقد يجاب حينئذ بأن المراد ذكر
~~أوصافها المهولة الفظيعة من غير قصد إلى ترق من فظيع إلى أفظع وكونها
~~لواحة وصف من أوصافها ولعله باعتبار أول الملاقاة وقيل الإهلاك وفي ذكره
~~من التفظيع ما فيه لما أن في تسويد الجلود مع قطع النظر عما فيه من
~~الإيلام تشويها للخلق ومثلة للشخص فهو من قبيل التتميم، وفي استلزام
~~الإهلاك تسويد الجلود تردد وإن قيل به فتدبر. وجوز ms10946 على تفسير لواحة بما
~~ذكر كون البشر اسم جنس بمعنى الناس ويرجع المعنى إلى ما تقدم. وقال الحسن
~~وابن كيسان والأصم لواحة بناء مبالغة من لاح إذا ظهر والبشر بمعنى الناس
~~أي تظهر للناس لعظمها وهولها كما قال تعالى

# وبرزت الجحيم لمن يرى

# [النازعات: 36] وقد جاء أنها تظهر لهم من مسيرة خمسمائة عام. ورفع {
~~لواحة } على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي لواحة.

# وقرأ عطية العوفي وزيد بن علي والحسن وابن أبي عبلة (لواحة) بالنصب على
~~الاختصاص للتهويل أي أخص أو أعني، وجوز أن يكون حالا مؤكدة من ضمير {
~~تبقي } أو { تذر } بناء على زعم الاستلزام وأن يكون حالا من

# سقر

# [المدثر: 27] والعامل ما مر.

### || [74.30]

# الظاهر ملكا ألا ترى العرب وهم / الفصحاء كيف فهموا منه ذلك، فقد روي
~~عن ابن عباس أنها لما نزلت { عليها تسعة عشر } قال أبو جهل
~~لقريش ثكلتكم أمهاتكم أسمع أن ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة
~~عشر وأنتم الدهم، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم؟ فقال له أبو
~~الأشد بن أسيد بن كلدة الجمحي وكان شديد البطش أنا أكفيكم سبعة عشر
~~فاكفوني أنتم اثنين فأنزل الله تعالى: { وما جعلنا أصحب
~~النار إلا ملئكة }.

### || [74.31]

# { وما جعلنا أصحب النار إلا ملئكة } أي ما
~~جعلناهم رجالا من جنسكم يطاقون، وأنزل سبحانه في أبي جهل

# أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى

# [القيامة: 3435] والظاهر أن المراد بأصحاب النار هم التسعة عشر ففيه
~~وضع الظاهر موضع الضمير، وكأن ذلك لما في هذا الظاهر من الإشارة إلى أنهم
~~المدبرون لأمرها القائمون بتعذيب أهلها ما ليس في الضمير وفي ذلك إيذان
~~بأن المراد بسقر النار مطلقا لا طبقة خاصة منها. والجمهور على أن المراد
~~بهم النقباء فمعنى كونهم عليها أنهم يتولون أمرها وإليهم جماع زبانيتها
~~وإلا فقد جاء «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون
~~ألف ملك يجرونها» وذهب بعضهم إلى أن التمييز المحذوف صنف وقيل صف والأصل
~~عليها تسعة عشر صنفا ms10947 أو عليها تسعة عشر صفا ويبعده ما تقدم في رواية
~~الحبر وكذا قوله تعالى: { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة
~~للذين كفروا } فإن المتبادر أن افتتانهم باستقلالهم لهم
~~واستبعادهم تولي تسعة عشر لتعذيب أكثر الثقلين واستهزائهم بذلك ومع تقدير
~~الصنف أو الصف لا يتسنى ذلك. وقال غير واحد في تعليل جعلهم ملائكة
~~ليخالفوا جنس المعذبين فلا يرقوا لهم ولا يستروحوا إليهم ولأنهم أقوى
~~الخلق وأقومهم بحق الله تعالى وبالغضب له سبحانه وأشدهم بأسا وفي الحديث

# " كأن أعينهم البرق وكأن أفواههم الصياصي يجرون أشعارهم لهم مثل قوة
~~الثقلين يقبل أحدهم بالأمة من الناس يسوقهم على رقبته جبل حتى يرمي بهم
~~في النار فيرمى بالجبل عليهم "

# ولا يبعد أن يكون في التنوين إشعار إلى عظم أمرهم.

# ومعنى قوله تعالى { وما جعلنا عدتهم } إلى آخره على ما
~~اختاره بعض الأجلة: وما جعلنا عدد أصحاب النار إلا العدد الذي اقتضى فتنة
~~الذين كفروا بالاستقلال والاستهزاء وهو التسعة عشر، فكأن الأصل وما جعلنا
~~عدتهم إلا تسعة عشر، فعبر بالأثر - وهو فتنة الذين كفروا - عن المؤثر وهو
~~خصوص التسعة عشر لأنه كما علم السبب في افتتانهم وقيل { إلا فتنة
~~للذين } بدل إلا تسعة عشر - تنبيها على أن الأثر هنا لعدم انفكاكه
~~عن مؤثره لتلازمهما كانا كشيء واحد يعبر باسم أحدهما عن الآخر، ومعنى جعل
~~عدتهم المطلقة العدة المخصوصة أن يخبر عن عددهم بأنه كذا إذ الجعل لا
~~يتعلق بالعدة إنما يتعلق بالمعدود فالمعنى أخبرنا أن عدتهم تسعة عشر دون
~~غيرها.

# { ليستيقن الذين أوتوا الكتب } أي ليكتسبوا اليقين
~~بنبوته صلى الله عليه وسلم وصدق القرآن لأجل موافقة المذكورين ذكرهم في
~~القرآن بهذا العدد وفي الكتابين كذلك وهذا غير جعل الملائكة على العدد
~~المخصوص لأنه إيجاد، ولا يصح على ما قال بعض المحققين أن يجعل إيجادهم
~~على الوصف علة للاستيقان المذكور لأنه ليس إلا للموافقة.

# وتكلف بعضهم لتصحيحه بأن الإيجاد سبب للإخبار والإخبار سبب للاستيقان
~~فهو سبب بعيد له والشيء كما يسند لسببه البعيد يسند لسببه القريب لكنه
~~كما ms10948 قال لا يحسن ذلك، وإنما احتيج إلى التأويل بالتعبير بالأثر عن المؤثر
~~ولم يبق الكلام على ظاهره لأن الجعل من دواخل المبتدأ والخبر فما يترتب
~~عليه يترتب باعتبار نسبة أحد المفعولين إلى الآخر كقولك جعلت الفضة
~~خاتما لتزين به وكذلك ما جعلت الفضة إلا خاتما لكذا، ولا معنى لترتب
~~الاستيقان وما بعده على جعل عدتهم فتنة للكفار ولا مدخل لافتتانهم بالعدد
~~المخصوص في ذلك وإنما الذي له مدخل العدة بنفسها أي العدة باعتبار أنها
~~العدة المخصوصة والإخبار بها كما سمعت وليس ذلك تحريفا لكتاب الله تعالى
~~ولا مبنيا على رعاية مذهب باطل كما توهم، ومنهم من تكلف لأمر السببية
~~على الظاهر بما تمجه / الأسماع فلا نسود به الرقاع.

# وفي «البحر» { ليستيقن } مفعول من أجله وهو متعلق بجعلنا لا
~~بفتنة فليست الفتنة معلولة للاستيقان بل المعلول جعل العدة سبب الفتنة
~~وفي «الانتصاف» يجوز أن يرجع قوله تعالى { ليستيقن } إلى ما قبل
~~الاستثناء أي جعلنا عدتهم سببا لفتنة الكفار ويقين المؤمنين. وذكر
~~الإمام في ذلك وجهين الثاني ما قدمناه مما اختاره بعض الأجلة والأول أن
~~التقدير وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للكافرين وإلا ليستيقن الذين أوتوا
~~الكتاب قال وهذا كما يقال فعلت كذا لتعظيمك ولتحقير عدوك فالواو العاطفة
~~قد تذكر في هذا الموضع تارة وقد تحذف أخرى. وقال بعض إنه متعلق بمحذوف أي
~~فعلنا ذلك ليستيقن الخ والكل كما ترى.

# وحمل { الذين أوتوا الكتب } على أهل الكتابين مما ذهب إليه
~~جمع، وقيل المراد بهم اليهود فقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه
~~والبيهقي في «البعث» عن البراء أن رهطا من اليهود سألوا رجلا من أصحاب
~~النبي صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم فقال الله تعالى ورسوله صلى الله
~~عليه وسلم أعلم فجاء فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فنزل عليه ساعتئذ

# عليها تسعة عشر

# [المدثر: 30] وأخرج الترمذي وابن مردويه

# " عن جابر قال قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه
~~وسلم هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم فأخبروا ms10949 رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فقال هكذا وهكذا في مرة عشرة وفي مرة تسعة "

# واستشعر من هذا أن الآية مدنية لأن اليهود إنما كانوا فيها وهو استشعار
~~ضعيف لأن السؤال لصحابي فلعله كان مسافرا فاجتمع بيهودي حيث كان وأيضا
~~لا مانع إذ ذاك من إتيان بعض اليهود نحو مكة المكرمة. ثم إن الخبرين لا
~~يعينان حمل الموصول على اليهود كما لا يخفى فالأولى إبقاء التعريف على
~~الجنس وشمول الموصول للفريقين أي ليستيقن أهل الكتاب من اليهود والنصارى.

# { ويزداد الذين ءامنوا إيمنا } أي يزداد إيمانهم كيفية
~~بما رأوا من تسليم أهل الكتاب وتصديقهم أنه كذلك، أو كمية بانضمام
~~إيمانهم بذلك إلى إيمانهم بسائر ما أنزل { ولا يرتاب الذين
~~أتوا الكتب والمؤمنون } تأكيد لما قبله من الاستيقان
~~وازدياد الإيمان ونفي لما قد يعتري المستيقن من شبهة ما للغفلة عن بعض
~~المقدمات أو طريان ما توهم كونه معارضا في أول وهلة ولما فيه من هذه
~~الزيادة جاز عطفه على المؤكد بالواو لتغايرهما في الجملة. وإنما لم ينظم
~~المؤمنين في سلك أهل الكتاب في نفي الارتياب حيث لم يقل ولا يرتابوا
~~للتنبيه على تباين النفيين حالا فإن انتفاء الارتياب من أهل الكتاب
~~مقارن لما ينافيه من الجحود، ومن المؤمنين مقارن لما يقتضيه من الإيمان
~~وكم بينهما، وقيل إنما لم يقل ولا يرتابوا بل قيل { ولا يرتاب }
~~الخ للتنصيص على تأكيد الأمرين لاحتمال عود الضمير في ذلك على المؤمنين
~~فقط، والتعبير عن المؤمنين باسم الفاعل بعد ذكرهم بالموصول والصلة
~~الفعلية المنبئة عن الحدوث للإيذان بثباتهم على الإيمان بعد ازديادهم
~~ورسوخهم في ذلك.

# { وليقول الذين فى قلوبهم مرض } أي شك أو نفاق فيكون
~~بناء على أن السورة بتمامها مكية والنفاق إنما حدث بالمدينة إخبارا عما
~~سيحدث من المغيبات بعد الهجرة { والكفرون } المصرون على التكذيب
~~{ ماذا أراد الله بهذا مثلا } أي أي شيء أراد الله تعالى
~~أو ما الذي أراده الله تعالى بهذا العدد المستغرب استغراب المثل، وعلى
~~الأول { ماذا } منزلة منزلة اسم واحد للاستفهام في ms10950 موضع نصب بأراد وعلى
~~الثاني هي مؤلفة من كلمة (ما) اسم استفهام مبتدأ و(ذا) اسم موصول خبره
~~والجملة بعد صلة والعائد فيها محذوف و { مثلا } نصب على التمييز أو
~~على الحال كما في قوله تعالى

# هذه ناقة الله لكم آية

# [الأعراف: 73].

# والظاهر أن ألفاظ هذه الجملة من المحكي، وعنوا بالإشارة التحقير وغرضهم
~~نفي أن يكون ذلك من عند الله عز وجل على أبلغ وجه لا / الاستفهام حقيقة
~~عن الحكمة ولا القدح في اشتماله عليها مع اعترافهم بصدور الأخبار بذلك
~~عنه تعالى. وجوز أن يكون { أراد الله } من الحكاية وهم قالوا ماذا
~~أريد ونحوه. وقيل يجوز أن يكون المثل بمعناه الآخر وهو ما شبه مضربه
~~بمورده بأن يكونوا قد عدوه لاستغرابه مثلا مضروبا ونسبوه إليه عز وجل
~~استهزاء وتهكما. وإفراد قوله بهذا التعليل مع كونه من باب فتنتهم قيل
~~للإشعار باستقلاله في الشناعة. وفي «الحواشي الشهابية» إنما أعيد اللام
~~فيه للفرق بين العلتين إذ مرجع الأولى الهداية المقصودة بالذات ومرجع هذه
~~الضلال المقصود بالعرض الناشيء من سوء صنيع الضالين، وتعليل أفعاله تعالى
~~بالحكم والمصالح جائز عند المحققين، وجوز في هذه اللام وكذا الأولى كونها
~~للعاقبة.

# { كذلك يضل الله من يشاء } (ذلك) إشارة إلى ما قبله من
~~معنى الإضلال والهداية ومحل الكاف في الأصل النصب على أنها صفة لمصدر
~~محذوف وأصل التقدير يضل الله من يشاء { ويهدى من يشاء } إضلالا
~~وهداية كائنين مثل ما ذكر من الإضلال والهداية فحذف المصدر وأقيم وصفه
~~مقامه ثم قدم على الفعل لإفادة القصر فصار النظم: مثل ذلك الإضلال وتلك
~~الهداية يضل الله تعالى من يشاء إضلاله لصرف اختياره حسب استعداده
~~السيىء إلى جانب الضلال عند مشاهدته لآيات الله تعالى الناطقة بالهدى
~~ويهدي من يشاء هدايته لصرف اختياره حسب استعداده الحسن عند مشاهدة تلك
~~الآيات إلى جانب الهدى لا إضلالا وهداية أدنى منهما، ويجوز أن تكون
~~الإشارة إلى ما بعد كما في قوله تعالى:

# وكذلك جعلنكم أمة وسطا

# [البقرة: 143] على ما حقق في موضعه.

# { وما يعلم جنود ms10951 ربك } جمع جند اشتهر في العسكر اعتبارا
~~بالغلظة من الجند أي الأرض الغليظة التي فيها حجارة ويقال لكل جمع، أي
~~وما يعلم جموع خلقه تعالى التي من جملتها الملائكة المذكورون على ما هم
~~عليه { إلا هو } عز وجل إذ لا سبيل لأحد إلى حصر الممكنات والوقوف
~~على حقائقها وصفاتها ولو إجمالا فضلا عن الاطلاع على تفاصيل أحوالها من
~~كم وكيف ونسبة، وهو رد لاستهزائهم بكون الخزنة تسعة عشر لجهلهم وجه
~~الحكمة في ذلك. وقال مقاتل وهو جواب لقول أبي جهل أما لرب محمد أعوان
~~إلا تسعة عشر وحاصله أنه لما قلل الأعوان أجيب بأنهم لا يحصون كثرة إنما
~~الموكلون على النار هؤلاء المخصوصون لا أن المعنى مايعلم بقوة بطش
~~الملائكة إلا هو خلافا للطيبي فإن اللفظ غير ظاهر الدلالة على هذا
~~المعنى.

# واختلف في أكثر جنود الله عز وجل فقيل الملائكة لخبر

# " أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو
~~راكع أو ساجد "

# وفي بعض الأخبار أن مخلوقات البر عشر مخلوقات البحر والمجموع عشر
~~مخلوقات الجو والمجموع عشر ملائكة السماء الدنيا والمجموع عشر ملائكة
~~السماء الثانية وهكذا إلى السماء السابعة والمجموع عشر ملائكة الكرسي
~~والمجموع عشر الملائكة الحافين بالعرش والمجموع أقل قليل بالنسبة إلى ما
~~لا يعلمه إلا الله وقيل المجموع أقل قليل بالنسبة إلى الملائكة المهيمين
~~الذين لا يعلم أحدهم أن الله تعالى خلق أحدا سواه والمجموع أقل قليل
~~بالنسبة إلى ما يعلمه سبحانه من مخلوقاته. وعن الأوزاعي قال قال موسى
~~عليه السلام يا رب من معك في السماء قال ملائكتي قال كم عدتهم؟ قال اثنا
~~عشر سبطا قال كم عدة كل سبط قال عدد التراب، وفي صحة هذا نظر وإن صح
~~فصدره من المتشابه وأنا لا أجزم بأكثرية صنف فما يعلم جنود ربك إلا هو
~~ولم يصح عندي نص في ذلك بيد أنه يغلب على الظن أن الأكثر الملائكة عليهم
~~السلام.

# وهذه الآية وأمثالها من الآيات والأخبار تشجع على القول باحتمال ms10952 أن يكون
~~في الأجرام العلوية جنود من جنود الله تعالى لا يعلم حقائقها وأحوالها
~~إلا هو عز وجل، ودائرة ملك الله جل جلاله أعظم من أن يحيط بها نطاق الحصر
~~أو يصل إلى مركزها طائر الفكر فأنى وهيهات ولو استغرقت القوى والأوقات.

# هذا واختلف في المخصص لهذا العدد / أعني تسعة عشر فقيل إن اختلاف النفوس
~~البشرية في النظر والعمل بسبب القوى الحيوانية الإثنتي عشرة يعني الحواس
~~الخمسة الباطنة والحواس الخمسة الظاهرة والقوة الباعثة كالغضبية والشهوية
~~والقوة المحركة فهذه اثنتا عشرة والطبيعية السبع التي ثلاث منها مخدومة
~~وهي القوة النامية والغادية والمولدة وأربع منها خادمة وهي الهاضمة
~~والجاذبة والدافعة والماسكة وهذا مع ابتنائه على الفلسفة لا يكاد يتم كما
~~لا يخفى على من وقف على كتبها.

# وقيل إن لجهنم سبع دركات ست منها لأصناف الكفار وكل صنف يعذب بترك
~~الاعتقاد والإقرار والعمل أنواعا من العذاب تناسبها فبضرب الست في
~~الثلاثة يحصل ثمانية عشر وعلى كل نوع ملك أو صنف يتولاه، وواحدة لعصاة
~~الأمة يعذبون فيها بترك العمل نوعا يناسبه ويتولاه ملك أو صنف وبذلك تتم
~~التسعة عشر. وخصت ست منها بأصناف الكفار وواحدة بأصناف الأمة ولم يجعل
~~تعذيب الكفار في خمس منها فيبقى للمؤمنين اثنتان إحداهما لأهل الكبائر
~~والأخرى لأهل الصغائر أو إحداهما للعصاة منهم والأخرى للعاصيات لأنه حيث
~~أعدت النار للكافرين أولا وبالذات ناسب أن يستغرقوها كلية ويوزعوا على
~~جميع أماكنها بقدر ما يمكن لكن لما تعلقت أرادته سبحانه بتعذيب عصاة
~~الأمة بها أفرزت واحدة منها لهم. وقيل إن الساعات أربع وعشرون خمسة منها
~~مصروفة للصلاة فلم يخلق في مقابلتها زبانية لبركة الصلاة الشاملة لمن لم
~~يصل فيبقى تسعة عشر.

# وقيل إن لجهنم سبع دركات ست منها لأصناف الكفار وللاعتناء بأمر عذابهم
~~واستمراره ناسب أن يقوم عليه ثلاثة واحد في الوسط واثنان في الطرفين فهذه
~~ثمانية عشر. وواحدة منها لعصاة المؤمنين ناسب أمر عذابهم أن يقوم عليه
~~واحد وبه تتم التسعة عشر وقيل إن العدد على وجهين قليل وهو من ms10953 الواحد إلى
~~التسعة وكثير وهو من العشرة إلا ما لا نهاية له فجمع بين نهاية القليل
~~وبداية الكثير، وقيل غير ذلك. والذي مال إليه أكثر العلماء أن ذلك مما لا
~~يعلم حكمته على التحقيق إلا الله عز وجل وهو كالمتشابه يؤمن به ويفوض
~~علمه إلى الله تعالى، وكل ما ذكر مما لا يعول عليه كما لا يخفى على من
~~وجه أدنى نظره إليه، والله تعالى الهادي لصوب الصواب والمتفضل على من شاء
~~بعلم لا شك معه ولا ارتياب.

# وقرأ أبو جعفر وطلحة بن سليمان (تسعة عشر) بإسكان العين وهو لغة فيه
~~كراهة توالي الحركات فيما هو كاسم واحد. وقرأ أنس بن مالك وابن عباس وابن
~~قطب وإبراهيم بن قتة (تسعة) بضم التاء وهي حركة بناء، عدل إليها عن الفتح
~~لتوالي خمس فتحات ولا يتوهم أنها حركة إعراب وإلا أعرب عشر. وقرأ أنس
~~أيضا (تسعة) بالضم (أعشر) بالفتح قال صاحب «اللوامح» فيجوز أنه جمع
~~العشرة على أعشر ثم أجراه مجرى تسعة عشر وعنه أيضا تسعة وعشر بالضم وقلب
~~الهمزة واوا خالصة تخفيفا والتاء فيهما مضمومة ضمة بناء لما سمعت آنفا
~~وعن سليمان بن قتة وهو أخو إبراهيم أنه قرأ تسعة أعشر بضم التاء ضمة
~~إعراب والإضافة إلى أعشر وجره منونا وهو على ما قال صاحب «اللوامح» جمع
~~عشرة وقد صرح بأن الملائكة على القراءة بهذا الجمع معربا أو مبنيا
~~تسعون ملكا. وقال الزمخشري جمع عشير مثل يمين وأيمن وروى عنه أنه قال أي
~~تسعة من الملائكة كل واحد منهم عشير فهم مع أشياعهم تسعون والعشير بمعنى
~~العشر فدل على أن النقباء تسعة. وتعقب بأن دلالته على هذا المعنى غير
~~واضحة ولهذا قال ابن جني لا وجه لتلك القراءة إلا أن يعني تسعة أعشر جمع
~~العشير وهم الأصدقاء فليراجع.

# { وما هى } أي سقر كما يقتضيه كلام مجاهد { إلا ذكرى
~~للبشر } إلا تذكرة لهم والعطف قيل على قوله تعالى

# سأصليه سقر

# [المدثر: 26] { وما جعلنا أصحب النار } إلى هنا اعتراض
~~ووجهه أنه لما قيل ms10954

# عليها تسعة عشر

# [المدثر: 30] زيادة في تهويل أمر جهنم عقب بما يؤكد قوتهم وتسلطهم
~~وتباينهم بالشدة عن سائر المخلوقات ثم بما يؤكد الكمية، وما أكد المؤكد
~~فهو مؤكد أيضا، وقيل / الضمير للآيات الناطقة بأحوال سقر وقيل لعدة
~~خزنتها والتذكير والعظة فيها من جهة إن في خلقه تعالى ما هو في غاية
~~العظمة حتى يكون القليل منهم معذبا ومهلكا لما لا يحصى دلالة على أنه
~~عز وجل لا يقدر حق قدره ولا توصف عظمته ولا تصل الأفكار إلى حرم جلاله.
~~وقيل الضمير للجنود وقيل لنار الدنيا وهذا أضعف الأقوال، وأقواها على ما
~~قيل ما تقدم وبين البشر ههنا والبشر فيما سبق أعني قوله تعالى

# لواحة للبشر

# [المدثر: 29] على تفسير الجمهور تجنيس تام لفظي وخطي وقل من تذكر له.

### || [74.32]

# { كلا } ردع لمن أنكرها، وقيل زجر عن قول أبي جهل وأصحابه أنهم
~~يقدرون على مقاومة خزنة جهنم، وقيل ردع عن الاستهزاء بالعدة المخصوصة
~~وقال الفراء هي صلة للقسم وقدرها بعضهم بحقا وبعضهم بألا الاستفتاحية.
~~وقال الزمخشري إنكار بعد أن جعلها سبحانه ذكرى أن يكون لهم ذكرى. وتعقبه
~~أبو حيان بأنه لا يسوغ في حقه تعالى أن يخبر أنها ذكرى للبشر ثم ينكر أن
~~يكون لهم ذكرى. وأجيب بأنه لا تناقض لأن معنى كونها ذكرى أن شأنها أن
~~تكون مذكرة لكل أحد ومن لم يتذكر لغلبة الشقاء عليه لا يعد من البشر ولا
~~يلتفت لعدم تذكره، كما أن حلاوة العسل لا يضرها كونها مرة في فم منحرف
~~المزاج المحتاج إلى العلاج. وحال حسن الوقف على

# كلا

# [المدثر: 16] وعدم حسنه هنا يعلم من النظر إلى المراد بها، وصرح بعضهم
~~بذلك فقال إن كانت متعلقة بالكلام السابق يحسن الوقف عليها وإن كانت
~~متعلقة بالكلام اللاحق لا يحسن ذلك، أي كما إذا كانت بمعنى ألا
~~الاستفتاحية فالوقت حينئذ تام على

# للبشر

# [المدثر: 31] ويستأنف { كلا }  { والقمر }.

### || [74.33]

# أي ولى. وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وعطاء وابن يعمر وأبو جعفر
~~وشيبة وأبو الزناد وقتادة وعمر بن عبد ms10955 العزيز والحسن وطلحة والنحويان
~~والابنان وأبو بكر (إذ) ظرف زمان مستقبل (دبر) بفتح الدال وهو بمعنى أدبر
~~المزيد كقبل وأقبل والمعروف المزيد وحسن الثلاثي هنا مشاكلة أكثر
~~الفواصل، وقيل دبر من دبر الليل النهار إذا خلفه. والتعبير بالماضي مع {
~~إذا } التي للمستقبل للتحقيق، ويجوز أن يقال إنها تقلبه مستقبلا. وقرأ
~~أبو رزين وأبو رجاء والأعمش ومطر ويونس بن عبيد وهي رواية عن الحسن وابن
~~يعمر والسلمي وطلحة (إذا) بالألف (أدبر) بالهمز وكذا هو في مصحف عبد الله
~~وأبي وهو أنسب بقوله تعالى: { والصبح إذا أسفر }.

### || [74.34]

# أي أضاء وانكشف على قراءة الجمهور. وقرأ ابن السميفع وعيسى بن الفضل
~~(سفر) ثلاثيا وفسر بطرح الظلمة عن وجهه.

### || [74.35]

# جواب للقسم وجوز أن يكون

# كلا

# [المدثر: 32] ردعا لمن ينكر أن تكون إحدى الكبر لما علم من أن إن
~~واللام من الكلام الإنكاري في جواب منكر مصر. وهذا تعليل لكلا والقسم
~~معترض للتأكيد لا جواب له أو جوابه مقدر يدل عليه { كلا } وفي التعليل
~~نوع خفاء فتأمل وضمير { إنها } لسقر والكبر جمع الكبرى جعلت ألف
~~التأنيث كتائها فكما جمعت فعلة على فعل جمعت فعلى عليها، ونظيرها السوافي
~~في جمع السافياء والقواصع في جمع القاصعاء فإن فاعلة تجمع على فواعل
~~باطراد لا فاعلاء لكن حمل فاعلاه على فاعلة لاشتراك الألف والتاء في
~~الدلالة على التأنيث وضعا فجمع فيهما على فواعل. وقول ابن عطية الكبر
~~جمع كبيرة وهم كما لا يخفى أي إن سقر لإحدى الدواهي الكبر على معنى أن
~~البلايا الكبيرة كثيرة وسقر واحدة منها قيل فيكون في ذلك إشارة إلى أن
~~بلاءهم غير محصور فيها بل تحل بهم بلايا غير متناهية أو أن البلايا
~~الكبيرة كثيرة وسقر من بينهم واحدة في العظم لا نظير لها وهذا كما يقال
~~فلان أحد الأحدين وهو واحد الفضلاء وهي إحدى النساء وعلى هذا اقتصر
~~الزمخشري ورجح الأول بأنه أنسب بالمقام ولعله لما تضمن من الإشارة وقيل
~~المعنى إنها لإحدى دركات النار الكبر السبع لأنها جهنم ولظى والحطمة وسقر ms10956
~~والسعير والجحيم والهاوية ونقل عن صاحب «التيسير» وليس بذاك أيضا وقيل
~~ضمير (إنها) يحتمل أن يكون للنذارة وأمر الآخرة قال في «البحر» فهو للحال
~~/ والقصة وقيل هو للساعة فيعود على غير مذكور.

# وقرأ نصر بن عاصم وابن محيصن ووهب بن جرير عن ابن كثير (لحدى الكبر)
~~بحذف همزة إحدى وهو حذف لا ينقاس وتخفيف مثل هذه الهمزة أن تجعل بين بين.

### || [74.36]

# قيل تمييز لإحدى الكبر على أن (نذيرا) مصدر بمعنى إنذارا كالنكير
~~بمعنى الإنكار أي إنها لإحدى الكبر إنذارا والمعنى على ما سمعت عن
~~الزمخشري إنها لأعظم الدواهي إنذارا وهو كما تقول هي إحدى النساء
~~عفافا. وقال الفراء هو مصدر نصب بإضمار فعل أي أنذر إنذارا وذهب غير
~~واحد إلى أنه اسم فاعل بمعنى منذرة فقال الزجاج حال من الضمير في {
~~إنها } وفيه مجيء الحال من اسم إن وقيل حال من الضمير في { لإحدى
~~} واختار أبو البقاء كونه حالا مما دلت عليه الجملة والتقدير عظمت أو
~~كبرت نذيرا وهو على ما قال أبو حيان قول لا بأس به وجوزت هذه الأوجه على
~~مصدريته أيضا بتأويله بالوصف وقال النحاس حذفت الهاء من { نذيرا }
~~وإن كان للنار على معنى النسب يعني ذات إنذار وقد يقال في عدم إلحاق
~~الهاء فيه غير ذلك مما قيل في عدم إلحاقها في قوله تعالى

# إن رحمت الله قريب من المحسنين

# [الأعراف: 56] وقال أبو رزين المراد بالنذير هنا هو الله تعالى فهو
~~منصوب بإضمار فعل أي ادع نذيرا أو نحوه وقال ابن زيد المراد به النبي
~~صلى الله عليه وسلم قيل فهو منصوب بإضمار فعل أيضا أي ناد أو بلغ أو
~~أعلن وهو كما ترى ولو جعل عليه حالا من الضمير المستتر في الفعل لكان
~~أولى وكذا لو جعل ينادي والكلام نظير قولك إن الأمر كذا يا فلان وقيل إنه
~~على هذا حال من ضمير { قم } [المدثر: 2] أول السورة وفيه خرم النظم
~~الجليل ولذا قيل هو من بدع التفاسير.

# وقرأ أبي وابن أبي عبلة (نذير) بالرفع ms10957 على أنه خبر بعد خبر لإن أو خبر
~~لمبتدأ محذوف أي هي نذير على ما هو المعول عليه من أنه وصف النار، وأما
~~على القول بأنه وصف الله تعالى أو الرسول عليه الصلاة والسلام فهو خبر
~~لمحذوف لا غير أي هو نذير.

### || [74.37]

# الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور فيما سبق، أعني

# للبشر

# [المدثر: 36] وضمير { شآء } للموصول أي نذيرا للمتمكنين منكم من
~~السبق إلى الخير والتخلف عنه. وقال السدي أن يتقدم إلى النار المتقدم
~~ذكرها أو يتأخر عنها إلى الجنة. وقال الزجاج أن يتقدم إلى المأمورات أو
~~يتأخرعن المنهيات. وفسر بعضهم التقدم بالإيمان والتأخر بالكفر وقيل ضمير
~~{ شآء } لله تعالى أي نذيرا لمن شاء الله تعالى منكم تقدمه أو تأخره،
~~وجوز أن يكون { لمن } خبرا مقدما و { أن يتقدم أو
~~يتأخر } مبتدأ كقولك لمن توضأ أن يصلي ومعناه مطلق لمن شاء التقدم
~~أي السبق إلى الخير أو التأخر أي التخلف عنه أن يتقدم أو يتأخر فيكون
~~كقوله تعالى

# فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر

# [الكهف: 29] ولا يخفى أن اللفظ يحتمله لكنه بعيد جدا.

### || [74.38]

# مرهونة عند الله تعالى بكسبها والرهينة مصدر بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى
~~الشتم لا صفة وإلا لقيل رهين لأن فعيلا بمعنى مفعول لا يدخله التاء
~~ويستوي فيه المذكر والمؤنث ومنه قول عبد الرحمن بن زيد وقد قتل أبوه وعرض
~~عليه سبع ديات فأبى أن يأخذها:

# أبعد الذي بالنعف نعف كويكب

# رهينة رمس ذي تراب وجندل

# أذكر بالبقيا على من أصابني

# وبقياي أني جاهد غير مؤتل

# واختير على رهين مع موازنته ل

# اليمين

# [المدثر: 39] وعدم احتياجه للتأويل لأن المصدر هنا أبلغ فهو أنسب
~~بالمقام فلا يلتفت للمناسبة اللفظية فيه. وقيل الهاء في { رهينة }
~~للمبالغة واختار أبو حيان أنها مما غلب عليه الاسمية كالنطيحة وإن كانت
~~في الأصل فعيلا بمعنى مفعول وهو وجه أيضا وادعى أن التأنيث في البيت
~~على معنى النفس.

### || [74.39]

# وهم المسلمون المخلصون كما قال الحسن وابن كيسان والضحاك ورواه ابن
~~المنذر عن ابن عباس فإنهم ms10958 فاكون رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم كما يفك
~~الراهن رهنه بأداء الدين / وأخرج ابن المنذر وابن جرير وجماعة عن علي كرم
~~الله تعالى وجهه أنهم أطفال المسلمين، وأخرجوه أيضا عن ابن عمر رضي الله
~~تعالى عنهما، ونقل بعضهم عن ابن عباس أنهم الملائكة فإنهم غير مرهونين
~~بديون التكاليف كالأطفال. وتعقب بأن إطلاق النفس على الملك غير معروف
~~وبأنهم لا يوصفون بالكسب أيضا على أن الظاهر سباقا وسياقا أن يراد بهم
~~طائفة من البشر المكلفين، والكثير على تفسيرهم بما سمعت وقيل هم الذين
~~سبقت لهم من الله الحسنى وقيل الذين كانوا عن يمين آدم عليه السلام يوم
~~الميثاق. وقيل الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، ولا تدافع بين هذه الأقوال
~~كما لا يخفى. والاستثناء على ما تقدم وكذا هذه الأقوال متصل وأما على قول
~~الأمير كرم الله تعالى وجهه وما نقل عن ابن عمه فقال أبو حيان هو استثناء
~~منقطع وقيل يجوز الاتصال والانقطاع بناء على أن الكسب مطلق العمل أو ما
~~هو تكليف فلا تغفل.

### || [74.40]

# { في جنت } خبر مبتدأ محذوف والتنوين للتعظيم. والجملة استئناف
~~وقع جوابا عن سؤال نشأ مما قبله من استثناء أصحاب اليمين كأنه قيل ما
~~بالهم فقيل هم في جنات لا يكتنه كنهها ولا يدرك وصفها، وجوز أن يكون
~~الظرف في موضع الحال من أصحاب اليمين أو من ضميرهم في قوله تعالى: {
~~يتساءلون } قدم للاعتناء مع رعاية الفاصلة وقيل ظرف للتساؤل. وليس
~~المراد بتساؤلهم أن يسأل بعضهم بعضا على أن يكون كل واحد منهم سائلا
~~ومسؤولا معا بل وقوع السؤال منهم مجردا عن وقوعه عليهم، فإن صيغة
~~التفاعل وإن وضعت في الأصل للدلالة على صدور الفعل عن المتعدد ووقوعه
~~عليه معا بحيث يصير كل واحد من ذلك فاعلا ومفعولا معا كما في قولك
~~تشاتم القوم أي شتم كل واحد منهم الآخر لكنها قد تجرد عن المعنى الثاني
~~ويقصد بها الدلالة على الأول فقط ويكون الواقع عليه شيئا آخر كما في
~~قولك تراءوا الهلال قال جار الله إذا كان ms10959 المتكلم مفردا يقول دعوته وإذا
~~كان جماعة يقول تداعيناه ونظيره رميته وتراميناه ورأيت الهلال وتراءيناه
~~ولا يكون هذا التفاعل من الجانبين وعلى هذا فالمسؤل محذوف أعني المجرمين
~~والتقدير يتساءلون المجرمين، عنهم أي يسألون المجرمين عن أحوالهم فغير
~~إلى ما في النظم الجليل وقيل يتساءلون.

### || [74.41]

# والمعنى على ذلك وحذف المسؤل لكونه عين المسؤول عنه.

### || [74.42]

# وقوله تعالى: { ما سلككم فى سقر } بيان للتساؤل من غير حاجة
~~إلى إضمار قول أو هو مقدر بقول وقع حالا من فاعل { يتسآءلون } أي
~~يسألونهم قائلين أي شيء أدخلكم في سقر، وقيل المسؤل غير المجرمين كجماعة
~~من الملائكة عليهم السلام و { ما سلككم } الخ حكاية قول المسؤلين
~~عنهم أي لما سأل أصحاب اليمين الملائكة عن حال المجرمين قالوا لهم نحن
~~سألنا المجرمين عن ذلك وقلنا لهم ما سلككم في سقر إلى الآخر وكان يكفيهم
~~أن يقولوا حالهم كيت وكيت لكن أتى بالجواب مفصلا حسب ما سألوه ليكون
~~أثبت للصدق وأدل على حقيقة الأمر ففي الكلام حذف واختصار. وجوز أن تكون
~~صيغة التفاعل على حقيقتها أي يسأل بعضهم بعضا عن المجرمين و { ما
~~سلككم } حكاية قول المسؤل عنهم أيضا ولا يخفى ما في اعتبار الحكاية
~~من التكلف فليس ذاك بالوجه وإن كان الإيجاز نهج التنزيل والحذف كثيرا في
~~كلامه تعالى الجليل.

# والظاهر أن السؤال سؤال توبيخ وتحسير وإلا فهم عالمون ما الذي أدخلهم
~~النار ولو كانوا الأطفال فيما أظن لانكشاف الأمر ذلك اليوم. وروى عبد
~~الله بن أحمد وجماعة عن ابن الزبير أنه قرأ (يتساءلون عن المجرمين يا
~~فلان ما سلككم) ورويت عن عمر أيضا وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن
~~مسعود أنه قرأ (يا أيها الكفار ما سلككم في سقر).

### || [74.43]

# { قالوا } أي المجرمون مجيبين للسائلين { لم نك من
~~المصلين } للصلاة الواجبة.

### || [74.44]

# أي نعطيه ما يجب إعطاؤه والمعنى على استمرار النفي لا نفي الاستمرار.

# واستدل بالآية / على أن الكفار مخاطبون بفروع العبادات لأنهم جعلوا
~~عذابهم لترك الصلاة فلو لم يخاطبوا بها لم يؤاخذوا ms10960 وتفصيل المسألة في
~~الأصول. وتعقب هذا الاستدلال بأنه لا خلاف في المؤاخذة في الآخرة على ترك
~~الاعتقاد، فيجوز أن يكون المعنى من المعتقدين للصلاة ووجوبها فيكون
~~العذاب على ترك الاعتقاد، وأيضا المصلين يجوز أن يكون كناية عن
~~المؤمنين، وأيضا ذاك من كلام الكفرة فيجوز كذبهم أو خطؤهم فيه. وأجيب
~~بأن ذلك عدول عن الظاهر يأباه قوله تعالى: { ولم نك نطعم } الخ
~~والمقصود من حكاية السؤال والجواب التحذير فلو كان الجواب كذبا أو خطأ
~~لم يكن في ذكره فائدة.

### || [74.45]

# أي نشرع في الباطل مع الشارعين فيه. والخوض في الأصل ابتداء الدخول في
~~الماء والمرور فيه، واستعماله في الشروع في الباطل من المجاز المرسل أو
~~الاستعارة على ما قرروه في المشفر ونحوه. وعن بعضهم أنه اسم غالب في
~~الشر. وأكثر ما استعمل في القرآن بما يذم الشروع فيه، وأريد بالباطل ما
~~لا ينبغي من القول والفعل، وعد من ذلك حكاية ما يجري بين الزوجين في
~~الخلوة مثلا وحكاية أحوال الفسقة بأقسامهم على وجه الالتذاذ والاستئناس
~~بها، ونقل الحروب التي جرت بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم لغير غرض
~~شرعي بل لمجرد أن يتوصل به إلى طعن وتنقيص، والتكلم بالكلمة يضحك بها
~~الرجل جلساءه سواء كانت مباحة في نفسها أم لا، نعم التكلم بالكلمة
~~المحرمة لذلك باطل على باطل إلى غير ذلك مما لا يحصى. وكأن ذكر { مع
~~الخآئضين } إشارة إلى عدم اكتراثهم بالباطل ومبالاتهم به فكأنهم
~~قالوا وكنا لا نبالي بباطل.

### || [74.46]

# أي بيوم الجزاء أضافوه إلى الجزاء مع أن فيه من الدواهي والأهوال ما لا
~~غاية له لأنه أدهاها وأهولها وأنهم ملابسوه وقد مضت بقية الدواهي وتأخير
~~جنايتهم هذه مع كونها أعظم من الكل لتفخيمها كأنهم قالوا وكنا بعد ذلك
~~كله مكذبين بيوم القيامة ولبيان كون تكذيبهم به مقارنا لسائر جناياتهم
~~المعدودة مستمرا إلى آخر عمرهم حسبما نطق به قولهم: { حتى أتانا
~~اليقين }.

### || [74.47]

# أي الموت ومقدماته كما ذهب إليه جل المفسرين. وقال ابن عطية اليقين عندي
~~صحة ما كانوا ms10961 يكذبون به من الرجوع إلى الله تعالى والدار الآخرة وقول
~~المفسرين هو الموت متعقب عندي لأن نفس الموت يقين عند الكافر وهو حي فلم
~~يريدوا باليقين إلا الشيء الذي كانوا يكذبون به وهم أحياء في الدنيا
~~فتيقنوه بعد الموت انتهى وفيه نظر ثم الظاهر أن مجموع ما ذكروه سبب لدخول
~~مجموعهم النار فلا يضر في ذلك أن من أهل النار من لم يكن وجب عليه إطعام
~~مسكين كفقراء الكفرة المعدمين. وفي «الكشاف» يحتمل الكلام أن يكون دخول
~~كل منهم النار لمجموع الأربعة ويحتمل أن يكون دخول بعضهم لبعضها كأن يكون
~~ذلك لمجرد ترك الصلاة أو ترك الإطعام. وفيه دسيسة اعتزال وهو تخليد مرتكب
~~الكبيرة من المؤمنين كتارك الصلاة في النار وأنت تعلم أن الآية في الكفار
~~لا في أعم منهم.

### || [74.48]

# لو شفعوا لهم جميعا فالكلام على الفرض واشتهر أنه من باب:

# ولا ترى الضب بها ينجحر

# وحمل التعريف على الاستغراق أبلغ وأنسب بالمقام. والفاء في قوله: {
~~فما لهم عن التذكرة معرضين }.

### || [74.49]

# لترتيب إنكار إعراضهم عن القرآن بغير سبب على ما قبلها من موجبات
~~الإقبال عليه والاتعاظ به من سوء حال المكذبين. و { معرضين } حال
~~لازمة من الضمير في الجار الواقع خبرا لما الاستفهامية أعني { لهم }
~~وهي المقصودة من الكلام و { عن } متعلقة بها. والتقديم للعناية مع
~~رعاية الفاصلة أي فإذا كان حال المكذبين به على ما ذكر فأي شيء حصل لهم
~~معرضين عن القرآن مع تعاضد موجبات الإقبال عليه وتآخذ الدواعي إلى
~~الإيمان به جوز أن يراد بالتذكرة ما يعم القرآن وما بعد يرجح الأول، وهو
~~مصدر بمعنى التذكير أطلق على ما ذكر مبالغة.

### || [74.50]

# وقوله تعالى: { كأنهم حمر مستنفرة } حال من المستكن في

# معرضين

# [المدثر: 49] بطريق التداخل. والحمر جمع حمار والمراد به كما قال ابن
~~عباس حمار الوحش لأنه بينهم مثل بالنفار وشدة الفرار و(مستنفرة) من
~~استنفر بمعنى نفر كعجب واستعجب كما قيل، والأحسن أن استفعل للمبالغة كأن
~~الحمر لشدة العدو تطلب النفار من نفسها، والمعنى مشبهين ms10962 بحمر نافرة جدا.

### || [74.51]

# أي أسد وهي فعولة من القسر وهو القهر والغلبة، وأخرج ذلك ابن جرير وعبد
~~بن حميد وغيرهما عن أبي هريرة، وأخرجه ابن المنذر عن ابن عباس أيضا،
~~بيد أنه قال هو بلسان العرب الأسد وبلسان الحبشة قسورة. وفي رواية أخرى
~~عنه أنها الرجال الرماة القنص وروي نحوه عن مجاهد وعكرمة وابن جبير وعطاء
~~بن أبي رباح وفي رواية أخرى عنه أخرجها ابن عيينة في «تفسيره» أنه ركز
~~الناس أي أصواتهم وعنه أيضا حبال الصيادين وعن قتادة النبل وقال ابن
~~الأعرابي وثعلب القسورة أول الليل أي فرت من ظلمة الليل. وجمهور
~~اللغويين على أنه الأسد. وأيا ما كان فقد شبهوا في إعراضهم عن القرآن
~~واستماع ما فيه من المواعظ وشرادهم عنه بحمر وحشية جدت في نفارها مما
~~أفزعها. وفي تشبيههم بالحمر مذمة ظاهرة وتهجين لحالهم بين كما في قوله
~~سبحانه:

# كمثل الحمار يحمل أسفارا

# [الجمعة: 5] أو شهادة عليهم بالبله وقلة العقل.

# وقرأ الأعمش (حمر) بإسكان الميم وقرأ نافع وابن عامر والمفضل عن عاصم
~~(مستنفرة) بفتح الفاء أي استنفرها فزعها من القسورة و(فرت) يناسب الكسر
~~فعن محمد بن سلام قال سألت أبا سرار الغنوي وكان أعرابيا فصيحا فقلت
~~كأنهم حمر ماذا فقال مستنفرة طردها قسورة ففتح الفاء. فقلت إنما هو فرت
~~من قسورة قال أفرت قلت نعم قال فمستنفرة إذن فكسر الفاء.

### || [74.52]

# وقوله تعالى { بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى
~~صحفا منشرة } عطف على مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل لا يكتفون
~~بتلك التذكرة ولا يرضون بها بل يريد كل واحد منهم أن يؤتى قراطيس تنشر
~~وتقرأ كالكتب التي يتكاتب بها. وجوز أن يراد كتبا كتبت في السماء ونزلت
~~بها الملائكة ساعة كتبت منشرة على أيديها غضة رطبة لم تطو بعد وفيه بعد،
~~وذلك على الوجهين أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن سرك أن
~~نتابعك فأت كل واحد منا بكتب من السماء عنوانها من رب العالمين إلى فلان
~~بن فلان نؤمر فيها باتباعك فنزلت ms10963 ونحوه قوله تعالى:

# لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابا نقرءه

# [الإسراء: 93] وقال:

# ولو نزلنا عليك كتبا فى قرطاس فلمسوه
~~بأيديهم

# [الأنعام: 7] الآية وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي عن أبي صالح
~~قال: قالوا إن كان محمد صادقا فليصبح تحت رأس كل رجل منا صحيفة فيها
~~براءة وأمنة من النار. وقبل كانوا يقولون بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل
~~كان يصبح مكتوبا على رأسه ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك، وهذا من الصحف
~~المنشرة بمعزل إلا أن يراد بالصحف المنشرة الكتابات الظاهرة المكشوفة
~~ونحوه ما روي عن أبي صالح فمآلهما إلى واحد لاشتراكهما في أن المنشر لم
~~يبق على أصله وأن لكل صحيفة مخصوصة به إما لخلاصه من الذنب وإما لوجه
~~خلاصه فالمعول عليه ما تقدم وهو مروى عن الحسن وقتادة وابن زيد.

# وقرأ سعيد بن جبير (صحفا) بإسكان الحاء (منشرة) بالتخفيف على أن أنشر
~~الصحف ونشرها واحد كأنزله ونزله وفي «البحر» المحفوظ في الصحيفة والثوب
~~نشر مخففا ثلاثيا ويقال في الميت (أنشره الله تعالى ونشره ويقال) أنشره
~~الله تعالى فنشر هو أي أحياه فحيي.

### || [74.53]

# { كلا } ردع عن إرادتهم تلك وزجر لهم عن اقتراح الآيات { بل لا
~~يخافون الاخرة } فلذلك يعرضون عن التذكرة لا لامتناع إيتاء الصحف
~~وحصول مقترحهم كما يزعمون.

# وقرأ أبو حيوة (تخافون) بتاء الخطاب التفاتا.

### || [74.54]

# { كلا } ردع لهم عن إعراضهم { إنه } أي القرآن أو التذكرة
~~السابقة في قوله تعالى:

# فما لهم عن التذكرة معرضين

# [المدثر: 49] وكذا الضمير الآتي وذكر لأنه / بمعنى القرآن أو الذكر {
~~تذكرة } وأي تذكرة.

### || [74.55]

# { فمن شاء } أن يذكره { ذكره } وحاز بسببه سعادة الدارين والوقف
~~على { كلا } على ما سمعت في الموضعين وعلى { منشرة } و {
~~الآخرة } إن جعلت كما في «الحواشي» بمعنى إلا.

### || [74.56]

# { وما يذكرون } أي بمجرد مشيئتهم للذكر كما هو المفهوم من ظاهر
~~قوله تعالى:

# فمن شاء ذكره

# [المدثر: 55] إذ لا تأثير لمشيئة العبد وإرادته في أفعاله وهو قوله
~~سبحانه: { إلا أن يشاء الله } استثناء مفرغ من أعم العلل أو ms10964 من
~~أعم الأحوال أي وما يذكرون بعلة من العلل أو في حال من الأحوال إلا بأن
~~يشاء الله تعالى أو حال أن يشاء الله ذلك، وهذا تصريح بأن أفعال العباد
~~بمشيئة الله عز وجل بالذات أو بالواسطة ففيه رد على المعتزلة، وحملهم
~~المشيئة على مشيئة القسر والإلجاء خروج عن الظاهر من غير قسر وإلجاء.

# وقرأ نافع وسلام ويعقوب (تذكرون) بتاء الخطاب التفاتا مع إسكان الذال
~~وروي عن أبي حيوة (يذكرون) بياء الغيبة وشد الذال وعن أبي جعفر
~~(تذكرون) بالتاء الفوقية وإدغامها في الذال.

# { هو أهل التقوى } حقيق بأن يتقى عذابه ويؤمن به ويطاع
~~فالتقوى مصدر المبني للمفعول { وأهل المغفرة } حقيق بأن يغفر
~~جل وعلا لمن آمن به وأطاعه فالمغفرة مصدر المبني للفاعل.

# وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه والنسائي وابن ماجه وخلق آخرون

# " عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية { هو أهل
~~التقوى وأهل المغفرة } فقال قد قال ربكم أنا أهل أن أتقى
~~فلا يجعل معي إله فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها آخر فأنا أهل أن أغفر له
~~"

# وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن دينار عن أبي هريرة وابن عمر وابن
~~عباس مرفوعا ما يقرب من ذلك. وفي حديث أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر
~~الأصول» عن الحسن قال:

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى إني لأجدني أستحي
~~من عبدي يرفع يديه إلي ثم يردهما من غير مغفرة قالت الملائكة إلهنا ليس
~~لذلك بأهل قال الله تعالى: لكني أهل التقوى وأهل المغفرة أشهدكم أني قد
~~غفرت له "

# وكأن الجملة لتحقيق الترهيب والترغيب اللذين أشعر بهما الكلام السابق
~~كما لا يخفى على المتذكر. وعن بعضهم أنه لما سمع قوله تعالى: { هو
~~أهل التقوى وأهل المغفرة } قال: اللهم اجعلني من أهل
~~التقوى وأهل المغفرة على أن أول الثاني كثاني الأول مبنيا للفاعل وثاني
~~الثاني كأول الأول مبنيا للمفعول وإلا فلا يحسن الدعاء وأن تكلف لتصحيحه
~~فافهم والله تعالى أعلم.

### | [75 - سورة القيامة] ms10965

### || [75.1]

# إدخال (لا) النافية صورة على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم قال
~~امرؤ القيس:

# لا وأبيك ابنة العامري

# لا يدعي القوم أني أفر

# وقول غوية بن سلمى يرثي:

# ألا نادت أمامة باحتمال

# لتحزنني فلا بك ما أبالي

# وملخص ما ذهب إليه جار الله في ذلك أن (لا) هذه إذا وقعت في خلال الكلام
~~كقوله تعالى

# فلا وربك لا يؤمنون

# [النساء: 65] فهي صلة / تزاد لتأكيد القسم مثلها في قوله تعالى:

# لئلا يعلم

# [الحديد: 29] لتأكيد العلم وأنها إذا وقعت ابتداء كما في هذه السورة
~~وسورة البلد فهي للنفي لأن الصلة إنما تكون في وسط الكلام، ووجهه أن
~~إنشاء القسم يتضمن الإخبار عن تعظيم المقسم به فهو نفي لذلك الخبر الضمني
~~على سبيل الكناية، والمراد أنه لا يعظم بالقسم لأنه في نفسه عظيم أقسم به
~~أولا ويترقى من هذا التعظيم إلى تأكيد المقسم عليه إذ المبالغة في تعظيم
~~المقسم به تتضمن المبالغة فيه، فما يختلج في بعض الخواطر من أنه يلزم أن
~~يكون على هذا إخبارا لا إنشاء فلا يستحق جوابا وأن المعنى على تعظيم
~~المقسم عليه لا المقسم به مدفوع. ووراء ذلك أقوال فقيل إنها لنفي الإقسام
~~لوضوح الأمر، وقال الفراء لنفي كلام معهود قبل القسم ورده فكأنهم هنا
~~أنكروا البعث فقيل لا أي الأمر كذلك ثم قيل أقسم بيوم القيامة. وقدح
~~الإمام فيه بإعادة حرف النفي بعد. وقيل إنها ليست لا وإنما اللام أشبعت
~~فتحتها فظهر من ذلك ألف والأصل (لأقسم) كما قرأ به قنبل وروي عن البزي
~~والحسن وهي لام الابتداء عند بعض والأصل لأنا أقسم وحذف المبتدأ للعلم به
~~ولام التأكيد دخلت على الفعل المضارع كما في

# إن ربك ليحكم بينهم

# [النحل: 124] والأصل إني لأقسم عند بعض ولام القسم ولم يصحبها نون
~~التوكيد لعدم لزوم ذلك وإنما هو أغلبي على ما حكي عن سيبويه مع
~~الاعتماد على المعنى عند آخرين. وقال الجمهور إنها صلة واختاره جار الله
~~في «المفصل» وما ذكر من الاختصاص غير مسلم لأن الزيادة إذا ms10966 ثبتت في القسم
~~فلا فرق بين أول الكلام وأوسطه لا أنه مسلم لكن القرآن في حكم سورة واحدة
~~متصل بعضه ببعض لأن كونه كذلك بالنسبة إلى التناقض ونحوه لا بالنسبة إلى
~~مثل هذا الحكم، ثم فهم ما ذكره في توجيه النفي من اللفظ بعيد وحال سائر
~~الأقوال غير خفي، وقد مر بعض الكلام في ذلك فتذكر. والكلام في قوله
~~تعالى: { ولا أقسم بالنفس اللوامة }.

### || [75.2]

# والكلام في قوله تعالى: { ولا أقسم بالنفس اللوامة }
~~على ذلك النمط، بيد أنه قيل على قراءة (لأقسم) [القيامة: 1] فيما قبل أن
~~المراد هنا النفي على معنى إني لأقسم بيوم القيامة لشرفه ولا أقسم بالنفس
~~اللوامة لخستها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ما يقتضيه، وحكاه
~~في «البحر» عن الحسن. وقال قتادة في هذه النفس هي الفاجرة الجشعة اللوامة
~~لصاحبها على ما فاته من سعي الدنيا وأعراضها، وجاء نحوه في رواية عن ابن
~~عباس. والحق أنه تفسير لا يناسب هذا المقام ولذلك قيل هي النفس المتقية
~~التي تلوم النفوس يوم القيامة على تقصيرهن في التقوى والمبالغة بكثرة
~~المفعول. وقال مجاهد هي التي تلوم نفسها على ما فات وتندم على الشر لم
~~فعلته وعلى الخير لم لم تستكثر منه فهي لم تزل لائمة وإن اجتهدت في
~~الطاعات، فالمبالغة في الكيف باعتبار الدوام. وقيل المراد بالنفس اللوامة
~~جنس النفس الشاملة للتقية والفاجرة لما روي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم
~~قال

# " ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وتلوم نفسها يوم القيامة إن عملت خيرا
~~قالت كيف لم أزد منه وإن عملت شرا قالت ليتني قصرت "

# وضمها إلى يوم القيامة لأن المقصود من إقامتها مجازاتها وبعثها فيه.
~~وضعف بأن هذا القدر من اللوم لا يكون مدارا للإعظام بالإقسام وإن صدر عن
~~النفس المؤمنة المسيئة فكيف من الكافرة المندرجة تحت الجنس؟ وأجيب بأن
~~القسم بها حينئذ بقطع النظر عن الصفة والنفس من حيث هي شريفة لأنها
~~الروح التي هي من عظيم أمر الله عز وجل، وفيه أنه ms10967 لا يظهر لذكر الوصف
~~حينئذ فائدة، والإمام أوقف الخبر على ابن عباس واعترضه بثلاثة أوجه
~~وأجاب عنها بحمل اللوم على تمني الزيادة وتمني أن لم يكن ما وقع من
~~المعصية واقعا، وما ذكر من توجيه الضم لا يخص هذا الوجه كما لا يخفى.
~~وقيل المراد بها نفس آدم عليه السلام فإنها لم تزل تلوم نفسها على فعلها
~~الذي خرجت به من الجنة.

# وأكثر الصوفية على أن النفس اللوامة فوق الأمارة وتحت المطمئنة وعرفوا
~~الأمارة بأنها هي التي تميل إلى الطبيعة البدنية وتأمر باللذات والشهوات
~~الحسية وتجذب القلب إلى الجهة السفلية وقالوا هي مأوى الشرور ومنبع
~~الأخلاق الذميمة. وعرفوا / اللوامة بأنها هي التي تنورت بنور القلب قدر
~~ما تنبهت عن سنة الغفلة فكلما صدر عنها سيئة بحكم جبلتها الظلمانية أخذت
~~تلوم نفسها ونفرت عنها وعرفوا المطمئنة بأنها التي تم تنورها بنور القلب
~~حتى انخلعت عن صفاتها الذميمة وتخلقت بالأخلاق الحميدة وسكنت عن منازعة
~~الطبيعة. ومنهم من قال في اللوامة هي المطمئنة اللائمة للنفس الأمارة،
~~ومنهم من قال هي فوق المطمئنة وهي التي ترشحت لتأديب غيرها إلى غير ذلك.
~~والمشهور عنهم تقسيم مراتب النفس إلى سبع منها هذه الثلاثة وفي «سير
~~السلوك إلى ملك الملوك» كلام نفيس في ذلك فليراجعه من شاء. وجواب القسم
~~ما دل عليه قوله تعالى: { أيحسب الإنسان ألن نجمع
~~عظامه }.

### || [75.3]

# وهو ليبعثن وقيل هو أيحسب الخ وقيل

# بلى قادرين

# [القيامة: 4] وكلاهما ليسا بشيء أصلا كزعم عدم الاحتياج إلى جواب لأن
~~المراد نفي الإقسام. والمراد بالإنسان الجنس والهمزة لإنكار الواقع
~~واستقباحه والتوبيخ عليه و(أن) مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف
~~أي أيحسب أن الشأن لن نجمع بعد التفرق عظامه، وحاصله لم يكون هذا الحسبان
~~الفارغ عن الأمارة المنافي لحق اليقين وصريحه والنسبة إلى الجنس لأن فيه
~~من يحسب ذلك بل لعله الأكثرون. وجوز أن يكون التعريف للعهد والمراد
~~بالإنسان عدي بن أبي ربيعة ختن الأخنس بن شريق وهما اللذان كان النبي
~~صلى الله عليه وسلم يقول فيهما ms10968

# " اللهم اكفني جاري السوء "

# فقد روي أنه جاء إليه عليه الصلاة والسلام فقال يا محمد حدثني عن يوم
~~القيامة متى يكون وكيف يكون أمره؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فقال لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أؤمن به أو يجمع الله
~~تعالى هذه العظام؟ فنزلت وقيل أبو جهل فقد روي أنه كان يقول أيزعم محمد
~~أن يجمع الله تعالى هذه العظام بعد بلائها وتفرقها فيعيدها خلقا جديدا؟
~~فنزلت وليس كإرادة الجنس وسبب النزول لا يعينه وذكر العظام وإن كان
~~المعنى على إعادة الإنسان وجمع أجزائه المتفرقة لما أنها قالب الخلق.

# وقرأ قتادة (تجمع) بالتاء الفوقية مبنيا للمفعول (عظامه) بالرفع على
~~النيابة.

### || [75.4]

# { بلى } أي نجمعها بعد تفرقها ورجوعها رميما ورفاتا في بطون البحار
~~وفسيحات القفار وحيثما كانت حال كوننا { قدرين } فقادرين حال من
~~فاعل الفعل المقدر بعد { بلى } وهو قول سيبويه، وقيل منصوب على أنه
~~خبر كان أي بلى كنا قادرين في البدء أفلا نقدر في الإعادة وهو كما ترى.
~~وقيل انتصب لأنه وقع في موضع نقدر إذ التقدير بلى نقدر فلما وضع موضع
~~الفعل نصب، حكاه مكي وقال إنه بعيد من الصواب يلزم عليه نصب قائم في قولك
~~مررت برجل قائم لأنه في موضع يقوم فتأمل.

# وقرأ ابن أبي عبلة وابن السميفع (قادرون) أي نحن قادرون.

# { على أن نسوى بنانه } هي اسم جنس جمعي واحده بنانة وفسرها
~~الراغب بالأصابع ثم قال قيل سميت بذلك لأن بها صلاح الأحوال التي يمكن
~~للإنسان أن يبين بها ما يريد أي يقيم غيره بما صغر من عظام الأطراف
~~كاليدين والرجلين وفي «القاموس» البنان الأصابع أو أطرافها فالمعنى نجمع
~~العظام قادرين على تأليف جمعها وإعادتها إلى التركيب الأول وإلى أن نسوي
~~أصابعه التي هي أطرافه وآخر ما يتم به خلقه أو على أن نسوي ونضم سلامياته
~~على صغرها ولطافتها بعضها إلى بعض كما كانت أولا من غير نقصان ولا تفاوت
~~فكيف بكبار العظام وما ليس في الأطراف منها؟ وفي ms10969 الحال المذكورة أعني {
~~قدرين على } الخ بعد الدلالة على التقييد تأكيد لمعنى الفعل لأن
~~الجمع من الأفعال التي لا بد فيها من القدرة فإذا قيد بالقدرة البالغة
~~فقد أكد. والوجه الأول من المعنى يدل على تصوير الجمع وأنه لا تفاوت بين
~~الإعادة والبدء في الاشتمال على جميع الأجزاء التي كان بها قوام البدن أو
~~كماله، والثاني يدل على تحقيق الجمع التام فإنه إذا قدر على جمع الألطف
~~الأبعد عادة عن الإعادة فعلى جمع / غيره أقدر ولعله الأوفق بالمقام ويعلم
~~منهما نكتة تخصيص البنان بالذكر.

# وقيل المعنى بلى نجمعها ونحن قادرون على أن نسوي أصابع يديه ورجليه أن
~~نجعلها مستوية شيئا واحدا كخف البعير وحافر الحمار ولا نفرق بينها فلا
~~يمكنه أن يعمل بها شيئا مما يعمل بأصابعه المفرقة ذات المفاصل والأنامل
~~من فنون الأعمال والبسط والقبض والتأتي لما يريد من الحوائج، وروي هذا عن
~~ابن عباس وقتادة ومجاهد وعكرمة والضحاك. ولعل المراد نجمعها ونحن قادرون
~~على التسوية وقت الجمع فالكلام يفيد المبالغة السابقة لكن من وجه آخر وهو
~~أنه سبحانه إذا قدر على إعادته على وجه يتضمن تبديل بعض الأجزاء فعلى
~~الاحتذاء بالمثال الأول في جميعه أقدر، وأبو حيان حكى هذا المعنى عن
~~الجمهور لكن قيد التسوية فيه بكونها في الدنيا وقال إن في الكلام عليه
~~توعدا ثم تعقب ذلك بأنه خلاف الظاهر المقصود من سوق الكلام، والأمر كما
~~قال لو كان كما فعل فلا تغفل.

# ولا يخفى أن في الإتيان بلا أولا وحذف جواب القسم والإتيان بقوله
~~سبحانه

# أيحسب

# [القيامة: 3] ورعاية أسلوب:

# وثناياك أنها إغريض

# في القسم بيوم البعث والمبعوث فيه، ثم إيثار لفظ الحسبان والإتيان بهمزة
~~الإنكار مسندا إلى الجنس وبحرف الإيجاب والحال بعدها، من المبالغات في
~~تحقيق المطلوب وتفخيمه وتهجين المعرض عن الاستعداد له ما تبهر عجائبه، ثم
~~الحسن كل الحسن في ضمن حرف الإضراب في قوله سبحانه: { بل يريد
~~الإنسن ليفجر أمامه }.

### || [75.5]

# وهو عطف على

# أيحسب

# [القيامة: 3] جىء للإضراب عن إنكار الحسبان إلى الإخبار عن ms10970 حال الإنسان
~~الحاسب بما هو أدخل في اللوم والتوبيخ من الأول، كأنه قيل دع تعنيفه فإنه
~~أشط من ذلك وأنى يرتدع وهو يريد ليدوم على فجوره فيما بين يديه من
~~الأوقات وفيما يستقبله من الزمان لا ينزع عنه، أو هو عطف على { يحسب
~~} منسحبا عليه الاستفهام أو على { أيحسب } مقدرا فيه ذلك أي بل
~~أريد جىء به زيادة إنكار في إرادته هذه وتنبيها على أنها أفظع من الأول
~~للدلالة على أن ذلك الحسبان بمجرده إرادة الفجور كما نقول في تهديد جمع
~~عاثوا في البلد: أيحسبون أن لا يدخل الأمير بل يريدون أن يتملكوا فيه، لم
~~تقل هذا إلا وأنت مترق في الإنكار منزل عبثهم منزلة إرادة التملك وعدم
~~العبء بمكان الأمير، وإلى هذين الوجهين أشار جار الله على ما قرر في
~~«الكشف» والوجه الأول أبلغ لأن هذا على الترقي والأول إضراب عن الإنكار
~~وإيهام أن الأمر أطم من ذلك وأطم وفيهما إيماء إلى أن ذلك الإنسان عالم
~~بوقوع الحشر ولكنه متغاب.

# واعتبر الدوام في { ليفجر } لأنه خبر عن حال الفاجر بأنه يريد
~~ليفجر في المستقبل على أن حسبانه وإرادته هما عين الفجور وقيل لأن {
~~أمامه } ظرف مكان استعير هنا للزمان المستقبل فيفيد الاستمرار. وفي
~~إعادة المظهر ثانيا ما لا يخفى من التهديد والنعي على قبيح ما ارتكبه
~~وأن الإنسانية تأبى هذا الحسبان والإرادة وعود ضمير { أمامه } على
~~هذا المظهر هو الأظهر، وعن ابن عباس ما يقتضي عوده على يوم القيامة
~~والأول هو الذي يقتضيه كلام كثير من السلف لكنه ظاهر في عموم الفجور. قال
~~مجاهد والحسن وعكرمة وابن جبير والضحاك والسدي في الآية إن الإنسان إنما
~~يريد شهواته ومعاصيه ليمضي فيها أبدا قدما راكبا رأسه ومطيعا أمله
~~ومسوفا لتوبته، وهو حسن لا يأبى ذلك الإضراب، وفيه إشارة إلى أن مفعول
~~{ يريد } محذوف دل عليه { ليفجر } وقال بعضهم هو منزل منزلة
~~اللام ومصدره مقدر بلام الاستغراق أي يوقع جميع إرادته ليفجر وعن الخليل
~~وسيبويه ومن تبعهما في مثله أن الفعل مقدر ms10971 بمصدر مرفوع بالابتداء وليفعل
~~خبر فالتقدير هنا بل إرادة الإنسان كائنة ليفجر.

### || [75.6]

# { يسئل } سؤال استهزاء { أيان يوم القيمة } أي متى
~~يكون. والجملة قيل حال وقيل تفسير { ليفجر } وقيل بدل منه، واختار
~~المحققون أنه استئناف بياني جىء به تعليلا لإرادة الدوام على الفجور إذ
~~هو في معنى لأنه أنكر البعث واستهزأ به، وفيه أن من أنكر البعث لا محالة
~~يرتكب أشد / الفجور وطرف من قوله تعالى

# هيهات هيهات لما توعدون * إن هي إلا حياتنا
~~الدنيا

# [المؤمنون: 36-37].

### || [75.7]

# تحير فزعا وأصله من برق الرجل إذا نظر إلى البرق فدهش بصره ومنه قول ذي
~~الرمة:

# ولو أن لقمان الحكيم تعرضت

# لعينيه مي سافرا كاد يبرق

# ونظيره قمر الرجل إذا نظر إلى القمر فدهش بصره، وكذلك ذهب وبقر للدهش من
~~النظر إلى الذهب والبقر فهو استعارة أو مجاز مرسل لاستعماله في لازمه أو
~~في المطلق.

# وقرأ نافع وزيد بن ثابت وزيد بن علي وأبان عن عاصم وهارون ومحبوب كلاهما
~~عن أبي عمرو وخلق آخرون (برق) بفتح الراء فقيل هي لغة في (برق) بالكسر،
~~وقيل هو من البريق بمعنى لمع من شدة شخوصه. وقرأ أبو السمال (بلق) باللام
~~عوض الراء أي انفتح وانفرج يقال بلق الباب أبلقته وبلقته فتحته هذا قول
~~أهل اللغة إلا الفراء فإنه يقول بلقه وأبلقه إذا أغلقه وخطأه ثعلب، وزعم
~~بعضهم أنه من الأضداد. والظاهر أن اللام فيه أصلية، وجوز أن تكون بدلا
~~من الراء فهما يتعاقبان في بعض الكلم نحو نثر ونثل ووجر ووجل.

### || [75.8]

# ذهب ضوءه. وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وزيد بن علي ويزيد بن قطيب (خسف
~~القمر) على البناء للمفعول.

### || [75.9]

# حيث يطلعهما الله تعالى من المغرب على ما روي عن ابن مسعود، ولا ينافيه
~~الخسوف إذ ليس المراد به مصطلح أهل الهيئة وهو ذهاب نور القمر لتقابل
~~النيرين وحيلولة الأرض بينهما بل ذهاب نوره لتجل خاص في ذلك اليوم أو
~~لاجتماعه مع الشمس وهو المحاق. وجوز أن يكون الخسوف بالمعنى الاصطلاحي
~~ويعتبر في ms10972 وسط الشهر مثلا ويعتبر الجمع في آخره إذ لا دلالة على اتحاد
~~وقتيهما في النظم الجليل. وأنت تعلم أن هذا خسوف يزري بحال أهل الهيئة
~~ولا يكاد يخطر لهم ببال كالجمع المذكور.

# وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطاء بن يسار قال يجمعان ثم يقذفان في
~~البحر فيكون نار الله الكبرى، وتوسعة البحر أو تصغيرهما مما لا يعجز الله
~~عز وجل وأحوال يوم القيامة على خلاف النمط الطبيعي، وحوادثه أمور وراء
~~الطبيعة فلا يقال أين البحر من جرم القمر فضلا عن جرم الشمس الذي هو
~~بالنسبة إليها كالبعوضة بالنسبة إلى الفيل ولا كيف يجمعان ويقذفان.

# وقيل يجمعان أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران في النار. وعن علي كرم
~~الله تعالى وجهه وابن عباس يجمعان ويجعلان في نور الحجب. وقيل يجمعان
~~ويقربان من الناس فيلحقهم العرق لشدة الحر. وقيل جمعا في ذهاب الضوء وروي
~~عن مجاهد وهو اختيار الفراء والزجاج، فالجمع مجاز عن التساوي صفة وفيه
~~بعد إذ كان الظاهر عند إرادة ذلك أن يقال من أول الأمر وخسف الشمس والقمر
~~ولا غبار في نسبة الخسوف إليهما لغة وكذا الكسوف. ولم يلحق الفعل علامة
~~التأنيث لتقدمه وكون الشمس مؤنثا مجازيا وفي مثله يجوز الأمران وكان
~~اختيار ترك الإلحاق لرعاية حال القمر المعطوف، وقال الكسائي إن التذكير
~~حمل على المعنى والتقدير جمع النوران أو الضياآن وليس بذاك.

### || [75.10]

# { يقول الإنسن يومئذ } يوم إذ تقع هذه الأمور { أين
~~المفر } أي الفرار يأسا منه، وجوز إبقاؤه على حقيقة الاستفهام
~~لدهشته وتحيره.

# وقرأ الحسن ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن بن زيد وابن
~~عباس ومجاهد وعكرمة وجماعة كثيرة (المفر) بفتح الميم وكسر الفاء اسم مكان
~~قياسي من يفر بالكسر أي أين موضع الفرار وجوز أن يكون مصدرا أيضا
~~كالمرجع. وقرأ الحسن البصري بكسر الميم وفتح الفاء ونسبها ابن عطية
~~للزهري أي الجيد الفرار، وأكثر ما يستعمل هذا الوزن في الآلات وفي صفات
~~الخيل ومنه قوله:

# مكر مفر مقبل مدبر معا

# كجلمود صخر حطه السيل ms10973 من عل

# واختلف في هذا اليوم فالأكثرون على أنه يوم القيامة وهو المنصور. وأخرج
~~ابن المنذر وغيره عن مجاهد أنه قال

# فإذا برق البصر

# [القيامة: 7] عند الموت والاحتضار

# وخسف القمر * وجمع الشمس والقمر

# [القيامة: 89] أي كور يوم القيامة. وجوز أن يكون الأخيران / عند الموت
~~أيضا، ويفسر الخسوف بذهاب ضوء البصر منه { وجمع الشمس
~~والقمر } باستتباع الروح حاسة البصر في الذهاب. والتعبير بالشمس عن
~~الروح وبالقمر عن حاسة البصر على نهج الاستعارة فإن نور البصر بسبب الروح
~~كما أن نور القمر بسبب الشمس، أو يفسر الخسوف بما سمعت و { جمع
~~الشمس والقمر } بوصول الروح الإنسانية إلى من كانت تقتبس منه
~~نور العقل وهم الأرواح القدسية المنزهة عن النقائص، فالقمر مستعار للروح
~~والشمس لسكان حظيرة القدس والملأ الأعلى لأن الروح تقتبس منهم الأنوار
~~اقتباس القمر من الشمس. ووجه الاتصال بما قبل على جعل الكل عند الموت أنه
~~إذ ذاك ينكشف الأمر للإنسان فيعلم على أتم وجه حقيقة ما أخبر به، وأنت
~~تعلم أن هذا على علاته أقرب إلى باب الإشارة على منزع الصوفية وإذا فتح
~~هذا الباب فلا حصر فيما ذكر من الاحتمال عند ذوي الألباب.

### || [75.11]

# { كلا } ردع عن طلب المفر وتمنيه { لا وزر } لا ملجأ وأصله الجبل
~~المنيع وقد كان مفرا في الغالب لفرار العرب، واشتقاقه من الوزر وهو
~~الثقل ثم شاع وصار حقيقة لكل ملجأ من جبل أو حصن أو سلاح أو رجل أو غير
~~ذلك ومنه قوله:

# لعمرك ما للفتى من وزر

# من الموت يدركه والكبر

### || [75.12]

# أي إليه جل وعلا وحده استقرار العباد أي لا ملجأ ولا منجى لهم غيره عز
~~وجل، أو إلى حكمه تعالى استقرار أمرهم لا يحكم فيه غيره سبحانه، أو إلى
~~مشيئته تعالى موضع قرارهم من جنة أو نار فمن شاء سبحانه أدخله الجنة ومن
~~شاء أدخله النار، فتقديم الخبر لإفادة الاختصاص وإن اختلف وجهه حسب
~~اختلاف المراد بمستقر و { كلا لا وزر } يحتمل أن يكون من كلامه
~~تعالى يقال للقائل أين المفر ms10974 يوم يقوله أو هو مقول اليوم على معنى ليرتدع
~~عن طلب الفرار وتمنيه ذلك اليوم ويحتمل أن يكون من تمام قول الإنسان كأنه
~~بعد أن يقول أين المفر يعود على نفسه فيستدرك ويقول كلا لا وزر وأيا ما
~~كان فالظاهر أن قوله تعالى { إلى ربك يومئذ المستقر }
~~استئناف كالتعليل للجملة قبله أو تحقيق وكشف لحقيقة الحال.

# والخطاب فيه لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم ولا يحسن أن يكون من
~~جملة ما يخاطب به القائل ذلك اليوم ولا مما يقوله لنفسه فيه لمكان {
~~يومئذ } وفي «البحر» الظاهر أن قوله تعالى: { كلا لا وزر *
~~إلى ربك يومئذ المستقر } من تمام قول الإنسان وقيل هو
~~من كلام الله تعالى لا حكاية عن الإنسان انتهى وفيه بحث وجوز أن تكون {
~~كلا } بمعنى ألا الاستفتاحية أو بمعنى حقا فتأمل ولا تغفل.

### || [75.13]

# { ينبؤا الإنسان } أي يخبر { يومئذ } وذلك على ما عليه
~~الأكثر عند وزن الأعمال { بما قدم } أي بما عمل من عمل خيرا كان
~~أو شرا فيثاب بالأول ويعاقب على الثاني { وأخر } أي ترك ولم يعمل
~~خيرا كان أو شرا فيعاقب بالأول ويثاب بالثاني، أو بما قدم من حسنة أو
~~سيئة وبما أخر ما سنه من حسنة أو سيئة يعمل بها بعده، أخرج ذلك ابن
~~المنذر وعبد بن حميد وغيرهما عن ابن مسعود وهو رواية عن ابن عباس وقال
~~زيد بن أسلم بما قدم من ماله لنفسه فتصدق به في حياته وبما أخر منه
~~للوارث وزيد أو وقفه أو أوصى به. وقال مجاهد والنخعي بأول عمله وآخره.
~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس بما قدم من المعصية وأخر من الطاعة، وأخرج
~~نحوه عن قتادة وعبد بن حميد نحوه أيضا عن عكرمة، وعليه فالظاهر أنه عنى
~~بالإنسان الفاجر. وفصل هذه الجملة عما قبلها لاستقلال كل منها ومن قوله
~~تعالى:

# يقول

# [القيامة: 10] الخ في الكشف عن شدة الأمر أو عن سوء حال الإنسان.

### || [75.14]

# أي حجة بينة واضحة على نفسه شاهدة بما صدر عنه من الأعمال السيئة ms10975 كما
~~يؤذن به كلمة { على } والجملة الحالية بعد، فالإنسان مبتدأ و { على
~~نفسه } متعلق ببصيرة بتقدير أعمال، أو المعنى عليه من غير تقدير
~~و(بصيرة) خبر وهي مجاز / عن الحجة البينة الواضحة أو بمعنى بينة وهي صفة
~~لحجة مقدرة هي الخبر. وجعل الحجة بصيرة لأن صاحبها بصير بها فالإسناد
~~مجازي أو هي بمعنى دالة مجازا، وجوز أن يكون هناك استعارة مكنية
~~وتخييلية والتأنيث للمبالغة أو لتأنيث الموصوف أعني حجة وقيل ذلك لإرادة
~~الجوارح أي جوارحه على نفسه بصيرة أي شاهدة ونسب إلى القتبي. وجوز أن
~~يكون التقدير عين بصيرة وإليه ذهب الفراء وأنشد:

# كأن على ذي العقل عينا بصيرة

# بمجلسه أو منظر هو ناظره

# يحاذر حتى يحسب الناس كلهم

# من الخوف لا يخفى عليهم سرائره

# وعليه قيل { الإنسان } مبتدأ أول و { بصيرة } بتقدير عين بصيرة
~~مبتدأ ثان و { على نفسه } خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر المبتدأ
~~الأول. واختار أبو حيان أن تكون { بصيرة } فاعلا بالجار والمجرور
~~وهو الخبر عن الإنسان وعمل بالفاعل لاعتماده على ذلك وأمر التأنيث ظاهر و
~~{ بل } للترقي على الوجهين إرادة حجة بصيرة وإرادة عين بصيرة والمعنى
~~عليهما ينبؤ الإنسان بأعماله، بل فيه ما يجزي عن الإنباء لأنه عالم
~~بتفاصيل أحواله شاهد على نفسه بما عملت لأن جوارحه تنطق بذلك

# يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم
~~وأرجلهم بما كانوا يعملون

# [النور: 24] وفي كلا الوجهين كما قيل شائبة التجريد وهي في الثاني أظهر.

### || [75.15]

# وقوله تعالى: { ولو ألقى معاذيره } أي ولو جاء بكل معذرة
~~يمكن أن يعتذر بها عن نفسه، حال من المستكن في

# بصيرة

# [القيامة: 14] أو من مرفوع

# ينبأ

# [القيامة: 13] أي هو على نفسه حجة وهو شاهد عليها ولو أتى بكل عذر في
~~الذب عنها، ففيه تنبيه على أن الذب لارواج له أو ينبؤ بأعماله ويجازى
~~ويعاقب لا محالة ولو أتى بكل عذر فهو تأكيد لما يفهم من مجموع قوله تعالى
~~{ ينبأ الإنسان } الخ.

# والمعاذير جمع معذرة بمعنى العذر على خلاف القياس والقياس معاذر بغير
~~ياء وأطلق عليه الزمخشري ms10976 اسم الجمع كعادته في إطلاق ذلك على الجموع
~~المخالفة للقياس وإلا فهو ليس من أبنية اسم الجمع، وقال صاحب «الفرائد»
~~يمكن أن يقال الأصل فيه معاذر فحصلت الياء من إشباع الكسرة وهو كما ترى،
~~أو جمع معذار على القياس وهو بمعنى العذر وتعقب بأنه بهذا المعنى لم يسمع
~~من الثقات نعم قال السدي والضحاك المعاذير الستور بلغة اليمن واحدها
~~معذار وحكي ذلك عن الزجاج أي ولو أرخى ستوره والمعنى أن احتجابه في
~~الدنيا واستتاره لا يغني عنه شيئا لأن عليه من نفسه بصيرة وفيه تلويح
~~إلى معنى قوله تعالى

# وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم

# [فصلت: 22] الآية وقيل البصيرة عليه الكاتبان يكتبان ما يكون من خير أو
~~شر فالمعنى بل الإنسان عليه كاتبان يكتبان أعماله ولو تستر بالستور، ولا
~~يكون في الكلام على هذا شائبة تجريد كما تقدم، والإلقاء على إرادة الستور
~~ظاهر وأما على إرادة الأعذار فقيل شبه المجيء بالعذر بإلقاء الدلو في
~~البئر للاستقاء به فيكون فيه تشبيه ما يراد بذلك بالماء المروي للعطش
~~ويشير إلى هذا قول السدي في ذلك ولو أدلى بحجة وعذر وقيل المعنى ولو رمى
~~بأعذاره وطرحها واستسلم وقيل ولو أحال بعضهم على بعض كما يقول بعضهم لبعض
~~لولا أنتم لكنا مؤمنين و { لو } على جميع هذه الأقوال إما أن يكون معنى
~~الشرطية منسلخا عنها كما قيل فلا جواب لها وإما أن يكون باقيا فيها
~~فالجواب محذوف يدل عليه ما قبل واستظهر الخفاجي الأول.

# وفي الآية على بعض وجوهها دليل كما قال ابن العربي على قبول إقرار
~~المرء على نفسه وعدم قبول الرجوع عنه والله تعالى أعلم.

# أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وعبد بن حميد
~~والطبراني وأبو نعيم والبيهقي معا في «الدلائل» وجماعة عن ابن عباس قال
~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة فكان يحرك به
~~لسانه وشفتيه مخافة أن ينفلت منه يريد أن يحفظه فأنزل الله تعالى

# لا تحرك به لسانك

# [القيامة: 16] الخ فكان رسول الله ms10977 صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه
~~جبريل عليه السلام أطرق وفي / لفظ استمع فإذا ذهب قرأه كما وعد الله عز
~~وجل.

### || [75.16]

# فالخطاب في قوله تعالى: { لا تحرك به لسانك } للنبي صلى
~~الله عليه وسلم والضمير للقرآن لدلالة سياق الآية نحو

# إنا أنزلناه في ليلة القدر

# [القدر: 1] أي لا تحرك بالقرآن لسانك عند إلقاء الوحي من قبل أن يقضى
~~إليك وحيه { لتعجل به } أي لتأخذه على عجلة مخافة أي ينفلت منك
~~على ما يقتضيه كلام الحبر، وقيل لمزيد حبك له وحرصك على أداء الرسالة
~~وروي عن الشعبي ولا ينافي ما ذكر والباء عليهما للتعدية.

### || [75.17]

# { إن علينا جمعه } في صدرك بحيث لا يذهب عليك شيء من معانيه
~~{ وقرءانه } أي إثبات قراءته في لسانك بحيث تقرأه متى شئت فالقرآن
~~هنا وكذا فيما بعد مصدر كالرجحان بمعنى القراءة كما في قوله:

# ضحوا باشمط عنوان السجود به

# يقطع الليل تسبيحا وقرآنا

# مضاف إلى المفعول وثم مضاف مقدر وقيل { قرءانه } أي تاليفه والمعنى
~~إن علينا جمعه أي حفظه في حياتك وتأليفه على لسانك وقيل قرآنه تأليفه
~~وجمعه على أنه مصدر قرأت أي جمعت ومنه قولهم للمرأة التي لم تلد ما قرأت
~~سلى قط وقول عمرو بن كلثوم.

# ذراعي بكرة أدماء بكر

# هجان اللون لم تقرأ جنينا

# ويراد من جمعه الأول جمعه في نفسه ووجوده الخارجي ومن قرآنه بهذا المعنى
~~جمعه في ذهنه صلى الله عليه وسلم وكلا القولين لا يخفى حالهما وإن نسب
~~الأول إلى مجاهد.

### || [75.18]

# { فإذا قرأنه } أن أتممنا قراءته عليك بلسان جبريل عليه
~~السلام المبلغ عنا فالإسناد مجازي وفي ذلك مع اختيار نون العظمة مبالغة
~~في إيجاب التأتي { فاتبع قرءانه } فكن مقفيا له لا مباريا وقيل
~~أي فإذا قرأناه فاتبع بذهنك وفكرك قرآنه أي فاستمع وأنصت وصح هذا من
~~رواية الشيخين وغيرهما عن ابن عباس وعنه أيضا وعن قتادة والضحاك أي
~~فاتبع في الأوامر والنواهي قرآنه وقيل اتبع قرآنه بالدرس على معنى كرره
~~حتى يرسخ في ذهنك.

### || [75.19]

# أي ms10978 بيان ما أشكل عليك من معانيه وأحكامه على ما قيل. واستدل به القاضي
~~أبو الطيب ومن تابعه على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب لمكان { ثم
~~}. وتعقب بأنه يجوز أن يراد بالبيان الإظهار لا بيان المجمل وقد صح من
~~رواية الشيخين وجماعة عن الحبر أنه قال في ذلك ثم إن علينا أن نبينه
~~بلسانك وفي لفظ علينا أن تقرأه ويؤيد ذلك أن المراد بيان جميع القرآن
~~والمجمل بعضه.

### || [75.20-21]

# { كلا } إرشاد لرسوله صلى الله عليه وسلم وأخذ به عن عادة العجلة
~~وترغيب له عليه الصلاة والسلام في الأناة، وبالغ سبحانه في ذلك لمزيد حبه
~~إياه باتباعه قوله تعالى:

# { بل تحبون العاجلة * وتذرون الأخرة } تعميم
~~الخطاب للكل كأنه قيل بل أنتم يا بني آدم لما خلقتم من عجل وجبلتم عليه
~~تعجلون في كل شيء ولذا تحبون العاجلة وتذرون الآخرة، ويتضمن استعجالك لأن
~~عادة بني آدم الاستعجال ومحبة العاجلة وفيه أيضا أن الإنسان وإن كان
~~مجبولا على ذلك إلا أن مثله عليه الصلاة والسلام ممن هو في أعلى منصب
~~النبوة لا ينبغي أن يستفزه مقتضى الطباع البشرية وأنه إذا نهي صلى الله
~~عليه وسلم عن العجلة في طلب العلم والهدى فهؤلاء ودينهم حب العاجلة وطلب
~~الردى كأنهم نزلوا منزلة من لا ينجع فيهم النهي فإنما يعاتب الأديم ذو
~~البشرة ومنه يعلم أن هذا متصل بقوله سبحانه:

# بل يريد الإنسن ليفجر أمامه

# [القيامة: 5] فإنه ملوح إلى معنى { بل تحبون } الخ وقوله عز وجل

# لا تحرك

# [القيامة: 16] الخ متوسط بين حبي العاجلة حبها الذي تضمنه { بل
~~يريد } تلويحا وحبها الذي آذن به { بل تحبون } تصريحا لحسن
~~التخلص منه إلى المفاجأة والتصريح ففي ذلك تدرج ومبالغة في التقريع
~~والتدرج وإن كان يحصل لو / لم يؤت بقوله سبحانه { لا تحرك } الخ في
~~البين أيضا إلا أنه يلزم حينئذ فوات المبالغة في التقريع وأنه إذا لم
~~تجز العجلة في القرآن وهو شفاء ورحمة فكيف فيما هو فجور وثبور ويزول ما
~~أشير إليه من الفوائد فهو استطراد يؤدي ms10979 مؤدى الاعتراض وأبلغ وأطلق بعضهم
~~عليه الاعتراض.

# وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ومجاهد والحسن وقتادة والجحدري { تحبون } و {
~~يذرون } بياء الغيبة فيهما وأمر الربط عليها كما تقدم، وهي أبلغ من حيث
~~إن فيها التفاتا وإخراجا له عليه الصلاة والسلام من صريح الخطاب بحب
~~العاجلة مضمنا طرفا من التوبيخ على سبيل الرمز لطفا منه تعالى شأنه في
~~شأنه صلى الله عليه وسلم وأما القراءة بالتاء ففيها تغليب المخاطب
~~والالتفات وهو عكس الأول. هذا خلاصة ما رمز إليه جار الله على ما أفيد
~~وقد اندفع به قول بعض الزنادقة وشرذمة من قدماء الرافضة أنه لا وجه لوقوع
~~{ لا تحرك به لسانك } الخ في أثناء أمور الآخرة ولا ربط في
~~ذلك بوجه من الوجوه وجعلوا ذلك دليلا لما زعموه من أن القرآن قد غير
~~وبدل وزيد فيه ونقص منه، وللعلماء حماة المسلمين وشهب سماء الدين في دفع
~~كلام كثير منه ما تقدم. وللإمام أوجه فيه منها الحسن ومنها ما ليس كذلك
~~بالمرة.

# وقال الطيبي إن قوله تعالى { كلا بل تحبون العاجلة }
~~متصل بقوله تعالى

# ولو ألقى معاذيره

# [القيامة: 15] أي يقال للإنسان عند إلقاء معاذيره كلا إن أعذارك غير
~~مسموعة فإنك فجرت وفسقت وظننت أنك تدوم على فجورك وأن لا حشر ولا حساب
~~ولا عقاب وذلك من حبك العاجلة والإعراض عن الآخرة وكان من عادة الرسول
~~صلى الله عليه وسلم أنه إذا لقن القرآن أن ينازع جبريل عليه السلام
~~القراءة وقد اتفق عند التلقين للآيات السابقة ما جرت به عادته من العجلة
~~فلما وصل إلى قوله تعالى

# ولو ألقى معاذيره

# [القيامة: 15] أوحي إلى جبريل عليه السلام بأن يلقي إليه عليه الصلاة
~~والسلام ما يرشده إلى أخذ القرآن على أكمل وجه فألقى تلك الجمل على سبيل
~~الاستطراد ثم عاد إلى تمام ما كان فيه بقوله تعالى { كلا بل
~~تحبون } الخ مثاله الشيخ إذا كان يلقن تلميذه درسا أو يلقي إليه
~~فصلا ورآه في أثناء ذلك يعجل ويضطرب يقول له لا تعجل ولا تضطرب فإني إذ ms10980
~~فرغت إن كان لك إشكال أزيله أو كنت تخاف فوتا فأنا أحفظه ثم يأخذ الشيخ
~~في كلامه ويتممه انتهى فما في البين مناسب لما وقع في الخارج دون المعنى
~~الموحى به. وخصه بعضهم لهذا بالاستطراد وأطلق آخر عليه الاعتراض بالمعنى
~~اللغوي وهذا عندي بعيد لم يتفق مثله في النظم الجليل ولا دليل لمن يراه
~~على وقوع العجلة في أثناء هذه الآيات سوى خفاء المناسبة.

# وقال أبو حيان يظهر أن المناسبة بين هذه الآية وما قبلها أنه سبحانه لما
~~ذكر منكر القيامة والبعث معرضا عن آيات الله تعالى ومعجزاته وأنه قاصر
~~شهواته على الفجور غير مكترث بما يصدر منه ذكر حال من يثابر على تعلم
~~آيات الله تعالى وحفظها وتلقنها والنظر فيها وعرضها على من ينكرها رجاء
~~قبوله إياها ليظهر بذلك تباين من يرغب في تحصيل آيات الله تعالى ومن يرغب
~~عنها وبضدها تتبين الأشياء. انتهى وفيه أن هذا إنما يحسن بعد تمام ما
~~يتعلق بذلك المنكر والظاهر أن

# لا تحرك

# [القيامة: 16] الخ وقع في البين.

# وقال القفال قوله تعالى { لا تحرك } الخ خطاب للإنسان المذكور في
~~قوله تعالى

# ينبؤا الإنسان

# [القيامة: 13] وذلك حال إنبائه بقبائح أفعاله يعرض عليه كتابه فيقال له

# اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا

# [الإسراء: 14] فإذا أخذ في القراءة تلجلج لسانه من شدة الخوف وسرعة
~~القراءة فقيل له { لا تحرك به لسانك لتعجل به } فإنه
~~يجب علينا بحكم الوعد أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك وأن نقرأها عليك {
~~فإذا قرأناه } عليك { فاتبع قرآنه } بالإقرار بأنك فعلت
~~تلك الأفعال أو التأمل فيه { ثم إن علينا بيانه } أي بيان
~~أمره وشرح عقوبته. والحاصل على هذا أنه تعالى يوقف الكافر على جميع
~~أعماله على التفصيل وفيه أشد الوعيد في الدنيا والتهويل في الآخرة انتهى
~~فضمير { به } وكذا الضمائر بعد للكتاب المشعر به قوله تعالى {
~~ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر } وكذا قوله
~~تعالى

# بل الإنسان على نفسه بصيرة

# [القيامة: 14] على قول من يفسر البصيرة بالكتابين ولعل الجملة على هذا ms10981
~~الوجه في موضع الحال من مرفوع { ينبؤا } بتقدير القول كأنه قيل
~~ينبؤ الإنسان يومئذ عند أخذ كتابه بما قدم وأخر مقولا له لا تحرك به
~~لسانك الخ فالربط عليه ظاهر جدا ومن هنا اختاره البلخي ومن تبعه لكنه
~~مخالف للصحيح المأثور الذي عليه الجمهور من أن ذلك خطاب له صلى الله عليه
~~وسلم.

# والظاهر أن التحريك قبل النهي إنما صدر منه عليه الصلاة والسلام بحكم
~~الإباحة الأصلية فلا يتم احتجاج من جوز الذنب على الأنبياء عليهم السلام
~~بهذه الآية. وقال الإمام لعل ذلك الاستعجال إن كان مأذونا فيه عليه
~~الصلاة والسلام إلى وقت النهي، وكأنه أراد بالإذن الإذن الصريح المخصوص
~~وفيه بعدما. وعن الضحاك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاف أن ينسى
~~القرآن فكان يدرسه حتى غلب ذلك وشق عليه فنزل { لا تحرك به } الخ
~~وليس بالثبت ولعل ظاهر الآية لا يساعده.

# ثم إنه ربما يتخيل في الآية وجه غير ما ذكر عن القفال الربط عليه ظاهر
~~أيضا وهو أنه يكون الخطاب في { لا تحرك } الخ لسيد المخاطبين
~~حقيقة أو من باب إياك أعني واسمعي أو لكل من يصلح له وضمير { به }
~~ونظائره ليوم القيامة والجملة اعتراض جيء به لتأكيد تهويله وتفظيعه مع
~~تقاضي السباق له فكأنه لما ذكر سبحانه مما يتعلق بذلك اليوم الذي فتحت
~~السورة بإعظامه ما يتعلق قوي داعي السؤال عن توقيته وأنه متى يكون وفي أي
~~وقت يبين لا سيما وقد استشعر أن السؤال عن ذلك إذا لم يكن استهزاء مما لا
~~بأس به فقيل { لا تحرك به } أي بطلب توقيته { لسانك } وهو
~~نهي عن السؤال على أتم وجه كما يقال لا تفتح فمك في أمر فلان {
~~لتعجل به } لتحصل علمه على عجلة { إن علينا جمعه } ما
~~يكون فيه من الجمع { وقرآنه } ما يتضمن شرح أحواله وأهواله من
~~القرآن { فإذا قرأناه } قرأنا ما يتعلق به { فاتبع
~~قرآنه } بالعمل بما يقتضيه من الاستعداد له { ثم إن علينا
~~بيانه } إظهاره وقوعا بالنفخ في الصور وهو الطامة ms10982 الكبرى، وحاصله لا
~~تسأل عن توقيت ذلك اليوم العظيم مستعجلا معرفة ذلك فإن الواجب علينا
~~حكمة حشر الجمع فيه وإنزال قرآن يتضمن بيان أحواله ليستعد له وإظهاره
~~بالوقوع الذي هو الداهية العظمى وما عدا ذلك من تعيين وقته فلا يجب علينا
~~حكمة بل هو مناف للحكمة فإذا سألت فقد سألت ما ينافيها فلا تجاب انتهى
~~وفيه ما فيه وما كنت أذكره لولا هذا التنبيه. واللائق بجزالة التنزيل
~~ولطيف إشاراته ما أشار إليه ذو اليد الطولى جار الله تجاوز الله تعالى عن
~~تقصيراته فتأمل فلا حجر على فضل الله عز وجل.

# ولما ردع سبحانه عن حب العاجلة وترك الأخرة عقب ذلك بما يتضمن تأكيد هذا
~~الردع مما يشير إلى حسن عاقبة حب الآخرة وسوء مغبة العاجلة فقال عز من
~~قائل.

### || [75.22]

# أي وجوه كثيرة وهي وجوه المؤمنين المخلصين يوم إذ تقوم القيامة بهية
~~متهللة من عظيم المسرة يشاهد عليها نضرة النعيم على أن { وجوه } مبتدأ
~~و { ناضرة } خبره و { يومئذ } منصوب بناضرة. و { ناظرة }
~~في قوله تعالى: { إلى ربها ناظرة }.

### || [75.23]

# خبر ثان للمبتدأ أو نعت لناضرة و { إلى ربها } متعلق بناظرة وصح
~~وقوع النكرة مبتدأ لأن الموضع موضع تفصيل كما في قوله:

# فيوم لنا ويوم علينا

# ويوم نساء ويوم نسر

# لا على أن النكرة تخصصت بيومئذ كما زعم ابن عطية لأن ظرف الزمان لا
~~يكون صفة للجثث، ولا على أن { ناضرة } صفة لها والخبر { ناظرة }
~~كما قيل لما أن المشهور الغالب كون الصفة معلومة الانتساب إلى الموصوف
~~عند السامع وثبوت النظرة للوجوه ليس كذلك فحقه أن يخبر به. نعم ذكر هذا
~~غير واحد احتمالا في الآية، وقال فيه أبو حيان هو قول سائغ.

# ومعنى كونها ناظرة إلى ربها أنها تراه تعالى مستغرقة في مطالعة جماله
~~بحيث تغفل عما سواه وتشاهده تعالى على ما يليق بذاته سبحانه ولا حجر على
~~الله عز وجل وله جل وعلا التنزه الذاتي التام / في جميع تجلياته. واعترض
~~بأن تقديم المعمول يعني { إلى ربها } يفيد الاختصاص ms10983 كما في نظائره
~~في هذه السورة وغيرها وهو لا يتأتى لو حمل ذلك على النظر بالمعنى المذكور
~~ضرورة أنهم ينظرون إلى غيره تعالى، وحيث كان الاختصاص ثابتا كان الحمل
~~على ذلك باطلا، وفيه أن التقديم لا يتمحض للاختصاص كيف والموجب من رعاية
~~الفاصلة والاهتمام قائم، ثم لو سلم فهو باق بمعنى أن النظر إلى غيره
~~تعالى في جنب النظر إليه سبحانه لا يعد نظرا كما قيل في نحو

# ذلك الكتاب

# [البقرة: 2] على أن ذلك ليس في جميع الأحوال بل في بعضها وفي ذلك،
~~الالتفات إلى ما سواه جل جلاله فقد أخرج مسلم والترمذي عن صهيب عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم أنه قال

# " إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى تريدون شيئا أزيدكم فيقولون
~~ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار قال فيكشف الله تعالى
~~الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم "

# وفي حديث جابر وقد رواه ابن ماجه

# " فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا
~~ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم "

# ومن هنا قيل:

# فينسون النعيم إذا رأوه

# فيا خسران أهل الاعتزال

# وكثيرا ما يحصل نحو ذلك للعارفين في هذه النشأة فيستغرقون في بحار الحب
~~وتستولي على قلوبهم أنوار الكشف فلا يلتفتون إلى شيء من جميع الكون:

# فلما استبان الصبح أدرج ضوءه

# بأسفاره أنوار ضوء الكواكب

# وقيل الكلام على حذف مضاف أي إلى ملك أو رحمة أو ثواب ربها ناظرة والنظر
~~على معناه المعروف، أو على حذف مضاف والنظر بمعنى الانتظار فقد جاء لغة
~~بهذا المعنى أي إلى إنعام ربها منتظرة.

# وتعقب بأن الحذف خلاف الظاهر وما زعموا من الداعي مردود في محله وبأن
~~النظر بمعنى الانتظار لا يتعدى بإلى بل بنفسه وبأنه لا يسند إلى الوجه
~~فلا يقال وجه زيد منتظر والمتبادر من الإسناد إسناد النظر إلى الوجوه
~~الحقيقية وهو يأبى إرادة الذات من الوجه وتفصى الشريف المرتضى في
~~«الدرر» عن بعض هذا بأن { إلى } اسم بمعنى النعمة ms10984 واحد الآلاء وهو
~~مفعول به لناظره بمعنى منتظرة فيكون الانتظار قد تعدى بنفسه، وفيه من
~~البعد ما فيه، والزمخشري إذا تحققت كلامه رأيته لم يدع أن النظر بمعنى
~~الانتظار ليتعقب عليه بما تعقب بل أراد أن النظر بالمعنى المتعارف كناية
~~عن التوقع والرجاء فالمعنى عنده أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من
~~ربهم كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلا إياه سبحانه وتعالى،
~~ويرد عليه أنه يرجع إلى إرادة الانتظار لكن كناية والانتظار لا يساعده
~~المقام إذ لا نعمة فيه، وفي مثله قيل الانتظار موت أحمر. والذي يقطع
~~الشغب ويدق في فروة من أخس الطلب ما أخرجه الإمام أحمد والترمذي
~~والدارقطني وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي وعبد بن حميد وابن
~~أبي شيبة وغيرهم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم

# " إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه
~~وسرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم
~~قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { وجوه يومئذ ناضرة *
~~إلى ربها ناظرة } "

# فهو تفسير منه عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أنه أعلم الأولين
~~والآخرين لا سيما بما أنزل عليه من كلام رب العالمين. ومثل هذا فيما ذكر
~~ما أخرجه الدارقطني والخطيب في «تاريخه»

# " عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه { وجوه يومئذ
~~ناضرة * إلى ربها ناظرة } فقال والله ما نسخها منذ
~~أنزلها يزورون ربهم تبارك وتعالى فيطمعون ويسقون ويطيبون ويحلون ويرفع
~~الحجاب بينه وبينهم فينظرون إليه وينظر إليهم عز وجل "

# وهذا الحجاب على ما قال السادة من قبلهم لا من قبله عز وجل وأنشدوا:

# / وكنا حسبنا أن ليلى تبرقعت

# وأن حجابا دونها يمنع اللثما

# فلاحت فلا والله ما ثم حاجب

# سوى أن طرفي كان عن حسنها أعمى

# ثم إن أجهل الخلق عندهم المعتزلة وأشدهم عمى وأدناهم منزلة حيث أنكروا
~~صحة رؤية من لا ظاهر سواه بل لا موجود على الحقيقة ms10985 إلا إياه، وأدلة
~~إنكارهم صحة رؤيته تعالى مذكورة مع ردودها في كتب الكلام وكذا أدلة القوم
~~على الصحة وكأني بك بعد الإحاطة وتدقيق النظر تميل إلى أنه سبحانه وتعالى
~~يرى لكن لا من حيث ذاته سبحانه البحت ولا من حيث كل تجل حتى تجليه بنوره
~~الشعشعاني الذي لا يطاق.

# وقرأ زيد بن علي (وجوه يومئذ نضرة) بغير ألف.

### || [75.24]

# أي شديدة العبوس وباسل أبلغ من باسر فيما ذكر لكنه غلب في الشجاع إذا
~~اشتدت كلوحته فعدل عنه لإيهامه غير المراد. وعنى بهذا الوجوه وجوه
~~الكفرة.

### || [75.25]

# أي داهية عظيمة تقصم فقار الظهر من فقره أصاب فقاره، وقال أبو عبيدة
~~فاقرة من فقرت البعير إذا وسمت أنفه بالنار وفاعل { تظن } ضمير
~~(الوجوه) بتقدير مضاف أي تظن أربابها، وجوز أن يكون الضمير راجعا إليها
~~على أن الوجه بمعنى الذات استخداما وفيه بعد. والظن قيل أريد به اليقين
~~واختاره الطيبي و(أن) المصدرية لا تقع بعد فعل التحقيق الصرف دون فعل
~~الظن أو ما يؤدي معنى العلم فتقع بعده كالمشددة والمخففة على ما نص عليه
~~الرضي، وقيل هو على معناه الحقيقي المشهور والمراد تتوقع ذلك واختاره من
~~اختاره ولا دلالة فيه بواسطة التقابل على أن يكون النظر ثم بالمعنى
~~المذكور كما زعمه من زعمه وتحقيق ذلك أن ما يفعل بهم في مقابلة النظر إلى
~~الرب سبحانه لكون ذلك غاية النعمة وهذا غاية النقمة، وجيء بفعل الظن
~~ههنا دلالة على أن ما هم فيه وإن كان غاية الشر يتوقع بعده أشد منه
~~وهكذا أبدا وذلك لأن المراد بالفاقرة ما لا يكتنه من العذاب فكل ما يفعل
~~به من أشده استدل منه على آخر وتوقع أشد منه وإذا كان ظانا كان أشد عليه
~~مما إذا كان عالما موطنا نفسه على الأمر على أن العلم بالكائن واقع لا
~~بما يتجدد آنا فآنا فهذا وجه الإتيان بفعل الظن ولم يؤت في المقابل
~~بفعل ظن أو علم لأنهم وصلوا إلى ما لا مطلوب وراءه وذاقوه ثم بعد ذلك
~~التفاوت ms10986 في ذلك النظر قوة وضعفا بالنسبة إلى الرائي على ما قرره فلعل
~~هذا حجة على الزاعم لا له أسبغ الله تعالى علينا برؤيته فضله.

### || [75.26]

# { كلا } ردع عن إيثار العاجلة على الآخرة كأنه قيل ارتدعوا عن ذلك
~~وتنبهوا لما بين أيديكم من الموت الذي تنقطع عنده ما بينكم وبين العاجلة
~~من العلاقة { إذا بلغت } أي النفس أو الورح الدال على سياق الكلام
~~كما في قول حاتم:

# أماوى ما يغني الثراء عن الفتى

# إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر

# ونحو قول العرب أرسلت يريدون جاء المطر ولا تكاد تسمعهم يقولون أرسلت
~~السماء. نعم قد يصرح فيما هنا بالفاعل فيقال بلغت النفس { التراقى }
~~أي أعالي الصدر وهي العظام المكتنفة ثغرة النحر عن يمين وشمال جمع ترقوة
~~وأنشدوا لدريد بن الصمة:

# ورب عظيمة دافعت عنهم

# وقد بلغت نفوسهم التراقي

### || [75.27]

# أي قال من حضر صاحبها: من يرقيه وينجيه مما هو فيه من الرقية وهي ما
~~يستشفي به الملسوع والمريض من الكلام المعد لذلك ومنه آيات الشفاء ولعله
~~أريد به مطلق الطبيب أعم من أن يطب بالقول أو بالفعل وروي عن ابن عباس
~~والضحاك وأبو قلابة وقتادة ما هو ظاهر فيه والاستفهام عند بعض حقيقي وقيل
~~هو استفهام استبعاد وإنكار أي قد بلغ مبلغا لا أحد يرقيه كما يقال عند
~~اليأس من ذا الذي يقدر أن يرقي هذا المشرف على الموت وروي / ذلك عن عكرمة
~~وابن زيد. وقيل هو من كلام ملائكة الموت أي أيكم يرقى بروحه أملائكة
~~الرحمة أم ملائكة العذاب؟ من الرقي وهو العروج وروي هذا عن ابن عباس
~~أيضا وسليمان التيمي والاستفهام عليه حقيقي وتعقب بأن اعتبار ملائكة
~~الرحمة يناسب قوله تعالى بعد

# فلا صدق

# [القيامة: 31] الخ ودفع بأن الضمير للإنسان والمراد به الجنس والاقتصار
~~بعد ذلك على أحوال بعض الفريقين لا ينافي العموم فيما قيل.

# ووقف حفص رواية عن عاصم على (من) وابتدأ (راق) وأدغم الجمهور قال أبو
~~علي لا أدري ما وجه قراءته وكذلك قرأ

# بل ران

# [المطففين: 14] وقال ms10987 بعضهم كأنه قصد أن لا يتوهم أنها كلمة واحدة فسكت
~~سكتة لطيفة ليشعر أنهما كلمتان وإلا فكان ينبغي أن يدغم في { من راق
~~} فقد قال سيبويه إن النون تدغم في الراء وذلك نحو من راشد والإدغام بغنة
~~وبغير غنة ولم يذكر الإظهار ويمكن أن يقال لعل الإظهار رأي كوفي فعاصم
~~شيخ حفص يذكر أنه كان عالما بالنحو وأما

# بل ران

# [المطففين: 14] فقد ذكر سيبويه في ذلك أيضا أن إظهار اللام وإدغامها مع
~~الراء حسنان فلعل حفصا لما أفرط في إظهار الإظهار فيه صار كالوقف
~~القليل.

# واستدل بقوله تعالى

# إذا بلغت التراقي

# [القيامة: 26] على أن النفس جسم لا جوهر مجرد إذ لا يتصف بالحركة
~~والتحيز وأجاب بعض بأن هذه النفس المسند إليها بلوغ التراقي هي النفس
~~الحيوانية لا الروح الأمرية وهي الجوهر المجرد دون الحيوانية وآخر بأن
~~المراد ببلوغها التراقي قرب انقطاع التعلق وهو مما يتصف به المجرد إذ لا
~~يستدعي حركة ولا تحيزا ولا نحوهما مما يستحيل عليه وزعم أنه لا يمكن
~~إرادة الحقيقة ولو كانت النفس جسما ضرورة أن بلوغها التراقي لا يتحقق
~~إلا بعد مفارقتها القلب وحينئذ يحصل الموت ولا يقال (من راق) كما هو ظاهر
~~على الوجه الأول فيه ولا يتأتى أيضا ما يذكر بعد على ما ستعلمه إن شاء
~~الله تعالى فيه. والذي عليه جمهور الأمة سلفا وخلفا أن النفس وهي الروح
~~الأمرية جسم لطيف جدا ألطف من الضوء عند القائل بجسميته والنفس
~~الحيوانية مركب لها وهي سارية في البدن نحو سريان ماء الورد في الورد
~~والنار في الفحم وسريان السيال الكهربائي عند القائل به في الأجسام،
~~والأدلة على جسميتها كثيرة وقد استوفاها الشيخ ابن القيم في كتاب «الروح»
~~وأتى فيه بالعجب العجاب.

# ثم الظاهر أن المراد ببلوغ التراقي مشارفة الموت وقرب خروج الروح من
~~البدن سلمت الضرورة التي في كلام ذلك الزاعم أم لم تسلم لقوله تعالى {
~~وقيل من راق }.

### || [75.28]

# أي وظن الإنسان المحتضر أن ما نزل به الفراق من حبيبته الدنيا ونعيمها.
~~وقيل ms10988 فراق الروح الجسد والظن هنا عند أبي حيان على بابه وأكثر المفسرين
~~على تفسيره باليقين قال الإمام ولعله إنما سمي اليقين ههنا بالظن لأن
~~الإنسان ما دامت روحه متعلقة ببدنه يطمع في الحياة لشدة حبه لهذه الحياة
~~العاجلة ولا ينقطع رجاؤه عنها فلا يحصل له يقين الموت بل الظن الغالب مع
~~رجاء الحياة، أو لعله سماه بالظن على سبيل التهكم.

### || [75.29]

# أي التفت ساقه بساقه والتوت عليها عند هلع الموت وقلبه كما روي عن
~~الشعبي وقتادة وأبي مالك، وقال الحسن وابن المسيب هما ساقا الميت عندما
~~لفا في الكفن. وقيل المراد بالتفافهما انتهاء أمرهما وما يراد فيهما يعني
~~موتهما وقيل يبسهما بالموت وعدم تحرك إحداهما عن الأخرى حتى كأنهما
~~ملتفتان فهما أول ما يخرج الروح منه فتبردان قبل سائر الأعضاء وتيبسان
~~فالساق بمعناهما الحقيقي وأل فيها عهدية أو عوض عن المضاف إليه. وقال ابن
~~عباس والربيع بن أنس وإسمعيل بن أبي خالد وهو رواية عن الحسن أيضا
~~التفت شدة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة واختلطتا ونحوه قول عطاء اجتمع
~~عليه شدة مفارقة المألوف من الوطن والأهل والولد والصديق وشدة القدوم على
~~ربه جل شأنه لا يدري بماذا يقدم عليه فالساق عبارة عن الشدة وهو مثل في
~~ذلك والتعريف للعهد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك التفت أسوق
~~حاضريه من الإنس والملائكة، هؤلاء يجهزون / بدنه إلى القبر وهؤلاء يجهزون
~~روحه إلى السماء فكأنهم للاختلاف في الذهاب والإياب والتردد في الأعمال
~~قد التفت أسوقهم وهذا الالتفاف على حد اشتباك الأسنة.

### || [75.30]

# أي إلى الله تعالى وحكمه سوقه لا إلى غيره على أن المساق مصدر ميمي
~~كالمقال وتقديم الخبر للحصر والكلام على تقدير مضاف هو حكم وقيل هو موعد
~~والمراد به الجنة والنار وقيل ليس هناك مضاف مقدر على أن الرب جل شأنه هو
~~السائق أي سوق هؤلاء مفوض إلى ربك لا إلى غيره والظاهر ما تقدم ثم إن كان
~~هذا في شأن الفاجر أو فيما يعمه والبر يراد بالسوق السوق ms10989 المناسب للمسوق.

# وهذه الآية لعمري بشارة لمن حسن ظنه بربه وعلم أنه الرب الذي سبقت رحمته
~~على غضبه.

# قالوا غدا نأتي ديار الحمى

# وينزل الركب بمغناهم

# فقلت لي ذنب فما حيلتي

# بأي وجه أتلقاهم

# قالوا أليس العفو من شأنهم

# لا سيما عمن ترجاهم

# ثم إن جواب (إذ) محذوف دل عليه ما ذكر أي كان ما كان أو انكشفت للمرء
~~حقيقة الأمر أو وجد الإنسان ما عمله من خير أو شر.

### || [75.31]

# { فلا صدق } أي ما يجب تصديقه من الله عز وجل والرسول صلى الله
~~عليه وسلم والقرآن الذي أنزل عليه { ولا صلى } ما فرض عليه أي لم
~~يصدق ولم يصل فلا داخلة على الماضي كما في قوله:

# إن تغفر اللهم تغفر جما

# وأي عبد لك لا ألما

# والضمير في الفعلين للإنسان المذكور في قوله تعالى

# أيحسب الإنسان

# [القيامة: 3] والجملة عطف على قوله سبحانه

# يسأل أيان يوم القيامة

# [القيامة: 6] على ما ذهب إليه الزمخشري، فالمعنى بناء على ما علمت من أن
~~السؤال سؤال استهزاء واستبعاد استبعد البعث وأنكره فلم يأت بأصل الدين
~~وهو التصديق بما يجب تصديقه به ولا بأهم فروعه وهو الصلاة ثم أكد ذلك
~~بذكر ما يضاده بقوله تعالى: { ولكن كذب وتولى }.

### || [75.32]

# نفيا لتوهم السكوت أو الشك أي ومع ذلك أظهر الجحود والتولي عن الطاعة.

### || [75.33]

# يتبختر افتخارا بذلك ومن صدر عنه مثل ذلك ينبغي أن يخاف من حلول غضب
~~الله تعالى به فيمشي خائفا متطامنا لا فرحا متبخترا فثم للاستبعاد و
~~{ يتمطى } من المط فإن المتبختر يمد خطاه فيكون أصله يتمطط قلبت
~~الطاء فيه حرف علة كراهة اجتماع الأمثال كما قالوا تظنى من الظن وأصله
~~تظنن أو من المطا وهو الظهر فإن المتبختر يلوي مطاه تبخترا فيكون معتلا
~~بحسب الأصل وفي الحديث

# " إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم فقد جعل بأسهم بينهم وسلط
~~شرارهم على خيارهم "

# وجعل الطيبي عطف هذه الجملة للتعجب على معنى يسأل أيان يوم القيامة وما
~~استعد له إلا ما يوجب دماره وهلاكه. ms10990 وقال إن قوله تعالى:

# فإذا برق البصر

# [القيامة: 7] الخ جواب عن السؤال أقحم بين المعطوف والمعطوف عليه لشدة
~~الاهتمام وأن قوله سبحانه

# لا تحرك

# [القيامة: 16] الخ استطراد على ما سمعت وجعل { صدق } من التصديق هو
~~المروي عن قتادة وقال قوم هو من التصدق أي فلا صدق ماله ولا زكاه قال أبو
~~حيان وهذا الذي يظهر نفى عنه الزكاة والصلاة وأثبت له التكذيب كما في
~~قوله تعالى:

# قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم
~~المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب
~~بيوم الدين

# [المدثر: 43-46] وحمله على نفي التصديق يقتضي أن يكون ولكن كذب تكرارا
~~ولزم أن يكون استدراكا بعد { ولا صلى } لا بعد

# فلا صدق

# [القيامة: 31] لأنهما متوافقان وفيه نظر يعلم مما قررناه ثم إنه استبعد
~~العطف على قوله تعالى { يسأل } الخ وذكر أن الآية نزلت في أبي جهل
~~وكادت تصرح به في قوله تعالى { يتمطى } فإنها كانت مشيته ومشية
~~قومه بني مخزوم وكان / يكثر منها ولو يبين حال العطف على هذا وأنت تعلم
~~أن العطف لا يأبى حديث النزول في أبي جهل وقد قيل أن قوله تعالى:

# أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه

# [القيامة: 3] نازل فيه أيضا والحكم على الجنس بأحكام لا يضر فيه تعين
~~بعض أفراده في حكم منها. نعم لا شك في بعد هذا العطف لفظا لكن في بعده
~~معنى مقال ولعل فيما بعد ما يقوي جانب العطف على ذاك.

### || [75.34]

# من الولي بمعنى القرب فهو للتفضيل في الأصل غلب في قرب الهلاك ودعاء
~~السوء كأنه قيل هلاكا أولى لك بمعنى أهلكك الله تعالى هلاكا أقرب لك من
~~كل شر وهلاك وهذا كما غلب بعدا وسحقا في الهلاك وفي «الصحاح» عن
~~الأصمعي قاربه ما يهلكه أي نزل به وأنشد:

# فعادى بين هاديتين منها

# وأولى أن نزيد على الثلاث

# أي قارب ثم قال قال ثعلب ولم يقل أحد في (أولى) أحسن مما قاله الأصمعي
~~وعلى هذا أولى فعل مستتر فيه ضمير الهلاك بقرينة السياق واللام مزيدة على
~~ما ms10991 قيل. وقيل هو فعل ماض دعائي من الولي أيضا إلا أن الفاعل ضميره تعالى
~~واللام مزيدة أي أولاك الله تعالى ما تكرهه أو غير مزيدة أي أدنى الله
~~تعالى الهلاك لك وهو قريب مما ذكر عن الأصمعي وعن أبي علي أن (أولى لك)
~~علم للويل مبني على زنة أفعل من لفظ الويل على القلب وأصله أويل وهو غير
~~منصرف للعلمية والوزن فهو مبتدأ و(لك) خبره وفيه أن الويل غير منصرف فيه
~~ومثل يوم أيوم مع أنه غير منقاس لا يفرد عن الموصوف البتة وأن القلب على
~~خلاف الأصل لا يرتكب إلا بدليل وإن علم الجنس شيء خارج عن القياس مشكل
~~التعقل خاصة فيما نحن فيه. وقيل اسم فعل مبني ومعناه وليك شر بعد شر
~~واختار جمع أنه أفعل تفضيل بمعنى الأحسن والأحرى خبر لمبتدأ محذوف بقدر
~~كما يليق بمقامه فالتقدير هنا النار أولى لك أي أنت أحق بها وأهل لها
~~فأولى.

### || [75.35]

# تكرير للتأكيد وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر. والظاهر أن الجملة تذييل
~~للدعاء لا محل لها من الإعراب. وجوز أن تكون في موضع الحال بتقدير القول
~~كأنه قيل ثم ذهب إلى أهله يتمطى مقولا له أولى لك الخ ويؤيده ما أخرج
~~النسائي والحاكم وصححه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن
~~سعيد بن جبير قال سألت ابن عباس عن قول الله تعالى { أولى لك
~~فأولى } أشيء قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه أم أمره
~~الله تعالى به، قال بل قال من قبل نفسه ثم أنزله الله تعالى.

# واستدل بقوله سبحانه

# فلا صدق ولا صلى

# [القيامة: 31] الخ على أن الكفار مخاطبون بالفروع فلا تغفل.

### || [75.36]

# أي مهملا فلا يكلف ولا يجزى وقيل أن يترك في قبره فلا يبعث ويقال إبل
~~سدى أي مهملة ترعى حيث شاءت بلا راع وأسديت الشيء أي أهملته وأسديت حاجتي
~~ضيعتها ولم أعتن بها قال الشاعر:

# فأقسم بالله جهد اليم

# ين ما خلق الله شيئا سدى

# ونصب (سدى) على الحال ms10992 من ضمير { يترك } و { أن يترك } في موضع
~~المفعولين ليحسب والاستفهام إنكاري وكأن تكريره بعد قوله تعالى

# أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه

# [القيامة: 3] لتكرير إنكار الحشر قيل مع تضمن الكلام الدلالة على وقوعه
~~حيث إن الحكمة تقتضي الأمر بالمحاسن والنهي عن القبائح والرذائل والتكليف
~~لا يتحقق إلا بمجازاة وهي قد لا تكون في الدنيا فتكون في الآخرة وجعل
~~بعضهم هذا استدلالا عقليا على وقوع الحشر وفيه بحث لا يخفى.

### || [75.37]

# وقوله تعالى: { ألم يك نطفة من منى يمنى } استئناف
~~وارد لإبطال الحسبان المذكور فإن مداره لما كان استبعادهم للإعادة دفع
~~ذلك ببدء الخلق.

# وقرأ الحسن (ألم تك) بتاء الخطاب على سبيل الالتفات، وقرأ الأكثر { تمنى
~~} بالتاء الفوقية فالضمير للنطفة أي يمنيها الرجل ويصبها في الرحم وعلى
~~قراءة الياء وهي قراءة حفص وأبي / عمرو بخلاف عنه ويعقوب وسلام والجحدري
~~وابن محيصن للمني.

### || [75.38]

# { ثم كان علقة } أي بقدرة الله تعالى كما قال تعالى

# ثم خلقنا النطفة علقة

# [المؤمنون: 14] { فخلق } أي فقدر الله عز وجل بأن جعلها سبحانه
~~مخلقة { فسوى } فعدل وكمل.

### || [75.39]

# { فجعل منه } أي من الإنسان وقيل من المني { الزوجين } أي
~~الصنفين { الذكر والانثى } بدل من (الزوجين) والخنثى لا يعدوهما.
~~وقرأ زيد بن علي (الزوجان) بالألف على لغة بني الحرث بن كعب ومن وافقهم
~~من العرب من كون المثنى بالألف في جميع حالاته.

### || [75.40]

# { أليس ذلك } العظيم الشأن الذي أنشا هذا الإنشاء البديع {
~~بقادر } أي قادرا. وقرأ زيد (يقدر) مضارعا { على أن يحيى
~~الموتى } وهو أهون من البدء في قياس العقل. وقرأ طلحة بن سليمان
~~والفيض بن غزوان (على أن يحيى) بسكون الياء، وأنت تعلم أن حركاتها حركة
~~إعراب لا تنحذف إلا في الوقف وقد جاء في الشعر حذفها بدونه وعن بعضهم
~~(يحيى) بنقل حركة الياء إلى الحاء وإدغام الياء في الياء قال ابن خالويه
~~لا يجيز أهل البصرة سيبويه وأصحابه إدغام يحيى قالوا لسكون الياء
~~الثانية ولايعتدون بالفتحة فيها لأنها حركة إعراب غير لازمة والفراء أجاز
~~ذلك واحتج بقوله ms10993 تمشي بشدة فتعي يريد فتعيا وبالجملة القراءة شاذة.

# وجاء في عدة أخبار

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال سبحانك اللهم
~~وبلى "

# وفي بعضها

# " سبحانك فبلى "

# وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي
~~والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " من قرأ منكم { والتين والزيتون } فانتهى إلى آخرها {
~~أليس الله بأحكم الحكمين } [التين: 1-8] فليقل بلى
~~وأنا على ذلك من الشاهدين ومن قرأ { لا أقسم بيوم القيمة
~~} [القيامة: 1] فانتهى إلى { أليس ذلك بقدر على أن
~~يحيى الموتى } فليقل بلى ومن قرأ { والمرسلت } فبلغ {
~~فبأي حديث بعده يؤمنون } [المرسلات: 50] فليقل آمنا
~~بالله ".

### | [76 - سورة الانسان]

### || [76.1-2]

# أصله على ما قيل أهل على أن الاستفهام للتقرير أي الحمل على الإقرار بما
~~دخلت عليه والمقرر به من ينكر البعث وقد علم أنهم يقولون نعم قد مضى على
~~الإنسان حين لم يكن كذلك فيقال فالذي أوجده بعد أن لم يكن كيف يمتنع عليه
~~إحياؤه بعد موته. و(هل) بمعنى قد وهي للتقريب أي تقريب الماضي من الحال
~~فلما سدت هل مسد الهمزة دلت على معناها ومعنى الهمزة معا ثم صارت حقيقة
~~في ذلك فهي للتقرير والتقريب واستدل على ذلك الأصل بقول زيد الخيل:

# سائل فوارس يربوع بشدتنا

# أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم

# وقيل هي للاستفهام ولا تقريب وجمعها مع الهمزة في البيت للتأكيد كما في
~~قوله:

# ولا للمابهم أبداد واه

# بل التأكيد هنا أقرب لعدم الاتحاد لفظا على أن السيرافي قال الرواية
~~الصحيحة أم هل رأونا؟ على أن أم منقطعة بمعنى بل وقال السيوطي في «شرح
~~شواهد المغني» الذي رأيته في نسخة قديمة من «ديوان زيد» فهل رأونا بالفاء
~~وعن ابن عباس وقتادة هي هنا بمعنى قد وفسرها بها جماعة من / النحاة
~~كالكسائي وسيبويه والمبرد والفراء وحملت على معنى التقريب ومن الناس من
~~حملها على معنى التحقيق وقال أبو عبيدة مجازها قد أتى على الإنسان وليس
~~باستفهام وكأنه أراد ليس ms10994 باستفهام حقيقة وإنما هي للاستفهام التقريري
~~ويرجع بالآخرة إلى قد أتى ولعل مراد من فسرها بذلك كابن عباس وغيره ما
~~ذكر لا أنها بمعنى قد حقيقة وفي «المغني» ما تفيدك مراجعته بصيرة فراجعه.

# والمراد بالإنسان الجنس على ما أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس. والحين
~~طائفة محدودة من الزمان شاملة للكثير والقليل. والدهر الزمان الممتد
~~الغير المحدود ويقع على مدة العالم جميعها وعلى كل زمان طويل غير معين
~~والزمان عام للكل والدهر وعاء الزمان كلام فلسفي. وتوقف الإمام أبو حنيفة
~~في معنى الدهر منكرا أي في المراد به عرفا في الأيمان حتى يقال بماذا
~~يحنث إذا قال والله لا أكلمه دهرا؟ والمعرف عنده مدة حياة الحالف عند
~~عدم النية وكذا عند صاحبيه والمنكر عندهما كالحين وهو معرفا ومنكرا
~~كالزمان ستة أشهر إن لم تكن نية أيضا وبها ما نوى على الصحيح. وما اشتهر
~~من حكاية اختلاف فتاوى الخلفاء الأربعة في ذلك على عهده عليه الصلاة
~~والسلام مستدلا كل بدليل وقوله صلى الله عليه وسلم بعد الرفع إليه

# " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "

# إلا أنه اختار فتوى الأمير كرم الله تعالى وجهه بأن الحين يوم وليلة لما
~~فيه من التيسير لا يصح كما لا يخفى على الناقد البصير، ولو صح لم يعدل عن
~~فتوى الأمير معدن البسالة والفتوة بعد أن اختارها مدينة العلم ومفخر
~~الرسالة والنبوة.

# والمعنى هنا قد أتى أو هل أتى على جنس الإنسان قبل زمان قريب طائفة
~~محدودة مقدرة كائنة من الزمان الممتد لم يكن شيئا مذكورا بل كان شيئا
~~غير مذكور بالإنسانية أصلا أي غير معروف بها، على أن النفي راجع إلى
~~القيد والمراد أنه معدوم لم يوجد بنفسه بل كان الموجود أصله مما لا يسمى
~~إنسانا ولا يعرف بعنوان الإنسانية وهو مادته البعيدة أعني العناصر أو
~~المتوسطة وهي الأغذية أو القريبة وهي النطفة المتولدة من الأغذية
~~المخلوقة من العناصر.

# وجملة { لم يكن } الخ حال من (الإنسان) أي غير مذكور، وجوز أن تكون
~~صفة لحين بحذف العائد ms10995 عليه أي لم يكن فيه شيئا مذكورا كما في قوله
~~تعالى:

# واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا

# [البقرة: 48] وإطلاق الإنسان على مادته مجاز بجعل ما هو بالقوة منزلا
~~منزلة ما هو بالفعل أو هو من مجاز الأول.

# وقيل المراد بالإنسان آدم عليه السلام وأيد الأول بقوله تعالى: { إنا
~~خلقنا الإنسن من نطفة } فإن (الإنسان) فيه معرفة معادة
~~فلا يفترقان كيف وفي إقامة الظاهر مقام المضمر فضل التقرير والتمكين في
~~النفس فإذا اختلفا عموما وخصوصا فاتت الملايمة، ولا شك أن الحمل على
~~آدم عليه السلام في هذا لا وجه له ولا نقض به على إرادة الجنس بناء على
~~أنه لا عموم فيه ولا خصوص نعم دل قوله سبحانه { من نطفة } على أن
~~المراد غيره أو هو تغليب وقيل يجعل ما للأكثر للكل مجازا في الإسناد أو
~~الطرف ورويت إرادته عن قتادة والثوري وعكرمة والشعبي وابن عباس أيضا
~~وقال في رواية أبي صالح عنه مرت به أربعون سنة قبل أن ينفخ فيه الروح
~~وهو ملقى بين مكة والطائف وفي رواية الضحاك عنه أنه خلق من طين فأقام
~~أربعين سنة ثم من حمأ مسنون فأقام أربعين سنة ثم من صلصال فأقام أربعين
~~سنة فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة ثم نفخ فيه الروح، وحكى الماوردي عنه
~~أن الحين المذكور ههنا هو الزمن الطويل الممتد الذي لا يعرف مقداره وروي
~~نحوه عن عكرمة فقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أنه قال إن من الحين
~~حينا لا يدرك وتلا الآية فقال والله ما يدري كم أتى عليه حتى خلقه الله
~~تعالى.

# ورأيت لبعض المتصوفة أن { هل } للاستفهام الإنكاري فهو في معنى النفي
~~أي: ما أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، وظاهره القول
~~بقدم الإنسان في الزمان على معنى أنه لم يكن زمان إلا وفيه إنسان وهو
~~القدم النوعي كما قال به من قال من الفلاسفة وهو كفر بالإجماع ووجه /
~~بأنهم عنوا شيئية الثبوت لقدم الإنسان عندهم بذلك ms10996 الاعتبار دون شيئية
~~الوجود ضرورة أنه بالنسبة إليها حادث زمانا ويرشد إلى هذا قول الشيخ
~~محيي الدين في الباب 358 من " الفتوحات المكية " لو لم يكن في العالم من
~~هو على صورة الحق ما حصل المقصود من العلم بالحق أعني العلم الحادث في
~~قوله سبحانه

# " كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق وتعرفت إليهم فعرفوني "

# فجعل نفسه كنزا والكنز لا يكون إلا مكتنزا في شيء فلم يكن كنز الحق
~~نفسه إلا في صورة الإنسان الكامل في شيئية ثبوته هناك كان الحق مكنوزا
~~فلما ألبس الحق الإنسان ثوب شيئية الوجود ظهر الكنز بظهوره فعرفه الإنسان
~~الكامل بوجوده وعلم أنه كان مكنوزا فيه في شيئية ثبوته وهو لا يشعر به
~~انتهى.

# ولا يخفى أن الأشياء كلها في شيئية الثبوت قديمة لا الإنسان وحده ولعلهم
~~يقولون الإنسان هو كل شيء لأنه الإمام المبين وقد قال سبحانه

# وكل شيء أحصيناه في إمام مبين

# [يس: 12] والكلام في هذا المقام طويل ولا يسعنا أن نطيل بيد أنا نقول
~~كون (هل) هنا للإنكار منكر وإن دعوى صحة ذلك لإحدى الكبر والذي فهمه أجلة
~~من الصحابة رضي الله تعالى عنهم من الآية الإخبار الإيجابي أخرج عبد بن
~~حميد وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه سمع رجلا يقرأ {
~~هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا
~~مذكورا } فقال ليتها تمت وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه سمع
~~رجلا يتلو ذلك فقال يا ليتها تمت فعوتب في قوله هذا فأخذ عمودا من
~~الأرض فقال يا ليتني كنت مثل هذا.

# { أمشاج } جمع مشج بفتحتين كسبب وأسباب أو مشج بفتح فكسر ككتف
~~وأكتاف أو مشيج كشهيد وأشهاد ونصير وأنصار أي أخلاط جمع خلط بمعنى مختلط
~~ممتزج يقال مشجت الشيء إذا خلطته ومزجته فهو مشيج وممشوج وهو صفة لنطفة.
~~ووصف بالجمع وهي مفردة لأن المراد بها مجموع ماء الرجل والمرأة والجمع قد
~~يقال على ما فوق الواحد، أو باعتبار الأجزاء المختلفة فيهما رقة ms10997 وغلظا
~~وصفرة وبياضا وطبيعة وقوة وضعفا حتى اختص بعضها ببعض الأعضاء على ما
~~أراده الله تعالى بحكمته فخلقه بقدرته. وفي بعض الآثار أن ما كان من عصب
~~وعظم وقوة فمن ماء الرجل وما كان من لحم ودم فمن ماء المرأة والحاصل أنه
~~نزل الموصوف منزلة الجمع ووصف بصفة أجزائه. وقيل هو مفرد جاء على أفعال
~~كأعشار وأكياش في قولهم برمة أعشار أي متكسرة وبرد أكياش أي مغزول غزله
~~مرتين واختاره الزمخشري، والمشهور عن نص سيبويه وجمهور النحاة أن أفعالا
~~لا يكون جمعا وحكي عنه أنه ذهب إلى ذلك في أنعام.

# ومعنى نطفة مختلطة عند الأكثرين نطفة اختلط وامتزج فيها الماءان، وقيل
~~اختلط فيها الدم والبلغم والصفراء والسوداء وقيل الأمشاج نفس الأخلاط
~~التي هي عبارة عن هذه الأربعة فكأنه قيل من نطفة هي عبارة عن أخلاط
~~أربعة. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد أنه قال أمشاج أي ألوان أي ذات ألوان
~~فإن ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اختلطا ومكثا في قعر الرحم
~~اخضرا كما يخضر الماء بالمكث وروي عن الكلبي. وأخرج عن زيد بن أسلم أنه
~~قال الأمشاج العروق التي في النطفة وروي ذلك عن ابن مسعود أي ذات عروق
~~وروي عن عكرمة وكذا ابن عباس أنه قال أمشاج أطوار أي ذات أطوار فإن
~~النطفة تصير علقة ثم مضغة وهكذا إلى تمام الخلقة ونفخ الروح.

# وقوله تعالى: { نبتليه } حال من فاعل { خلقنا } والمراد
~~مريدين ابتلاءه واختباره بالتكليف فيما بعد على أن الحال مقدرة أو ناقلين
~~له من حال إلى حال ومن طور إلى طور على طريقة الاستعارة لأن المنقول يظهر
~~في كل طور ظهورا آخر كظهور نتيجة الابتلاء والامتحان بعده وروي نحوه عن
~~ابن عباس وعلى الوجهين ينحل ما قيل إن الابتلاء بالتكليف وهو يكون بعد
~~جعله سميعا بصيرا لا قبل فكيف يترتب عليه قوله سبحانه: {
~~فجعلنه سميعا بصيرا } وقيل الكلام على التقديم والتأخير
~~والجملة استئناف تعليلي أي فجعلناه سميعا بصيرا / لنبتليه وحكي ذلك عن
~~الفراء وعسف لأن التقديم لا ms10998 يقع في حاق موقعه لا لفظا لأجل الفاء ولا
~~معنى لأنه لا يتجه السؤال قبل الجعل والأوجه الأول وهذا الجعل كالمسبب عن
~~الابتلاء لأن المقصود من جعله كذلك أن ينظر الآيات الآفاقية والأنفسية
~~ويسمع الأدلة السمعية فلذلك عطف على الخلق المقيد به بالفاء ورتب عليه
~~قوله تعالى: { إنا هدينه السبيل }.

### || [76.3]

# { إنا هدينه السبيل } لأنه جملة مستأنفة تعليلية في معنى
~~لأنا هديناه أي دللناه على ما يوصله من الدلائل السمعية كالآيات
~~التنزيلية والعقلية كالآيات الأفاقية والأنفسية وهو إنما يكون بعد
~~التكليف والابتلاء.

# { إما شاكرا وإما كفورا } حالان من مفعول (هدينا) و { إما
~~} للتفصيل باعتبار تعدد الأحوال مع اتحاد الذات أي هديناه ودللناه على ما
~~يوصل إلى البغية في حالتيه جميعا من الشكر والكفر أو للتقسيم للمهدي
~~باختلاف الذوات والصفات أي هديناه السبيل مقسوما إليها بعضهم شاكر
~~بالاهتداء للحق وطريقه بالأخذ فيه وبعضهم كفور بالإعراض عنه وحاصله
~~دللناه على الهداية والإسلام فمنهم مهتد مسلم ومنهم ضال كافر. وقيل حالان
~~من (السبيل) أي عرفناه السبيل إما سبيلا شاكرا وإما سبيلا كفورا على
~~وصف السبيل بوصف سالكه مجازا والمراد به لا يخفى. وعن السدي أن السبيل
~~هنا سبيل الخروج من الرحم وليس بشيء أصلا.

# وقرأ أبو السمال وأبو العاج (أما) بفتح الهمزة في الموضعين وهي لغة
~~حكاها أبو زيد عن العرب وهي التي عدها بعض الناس على ما قال أبو حيان في
~~حروف العطف وأنشدوا:

# تلقحها أما شمال عرية

# وأما صبا جنح العشي هبوب

# وجعلها الزمخشري (إما) التفصيلية المتضمنة معنى الشرط على معنى إما
~~شاكرا فبتوفيقنا وإما كفورا فبسوء اختياره وهذا التقدير إبراز منه
~~للمذهب قيل ولا عليه أن يجعله من باب

# يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا

# [البقرة: 26] كأنه قيل إما شاكرا فبهدايتنا أي دعائنا أو إقدارنا على
~~ما فسر به الهداية وإما كفورا فبها أيضا لاختلاف وجه الدعاء لأن
~~الهداية ههنا ليست في مقابلة الضلال وهذا جار على المذهبين وسالم عن حذف
~~ما لا دليل عليه. وجوز في «الانتصاف» أن يكون ms10999 التقدير إما شاكرا فمثاب
~~وإما كفورا فمعاقب. وإيراد الكفور بصيغة المبالغة لمراعاة الفواصل
~~والإشعار بأن الإنسان قلما يخلو من كفران ما وإنما المؤاخذ عليه الكفر
~~المفرط.

### || [76.4]

# { إنا أعتدنا } هيأنا { للكفرين } من أفراد الإنسان
~~الذي هديناه السبيل { سلسل } بها يقادون { وأغللا } بها
~~يقيدون { وسعيرا } بها يحرقون. وتقديم وعيدهم مع تأخرهم للجمع بينهما
~~في الذكر كما في قوله تعالى:

# يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين
~~اسودت وجوههم

# [آل عمران: 106] الآية ولأن الإنذار أنسب بالمقام وحقيق بالاهتمام ولأن
~~تصدير الكلام وختمه بذكر المؤمنين أحسن على أن وصفهم تفصيلا ربما يخل
~~تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم.

# وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر والأعمش (سلاسلا) بالتنوين وصلا وبالألف
~~المبدلة منه وقفا وقال الزمخشري وفيه وجهان. أحدهما: أن تكون هذه النون
~~بدلا عن حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف والثاني أن يكون صاحب
~~القراءة ممن ضري برواية الشعر ومرن لسانه على صرف غير المنصرف. وفي الأول
~~أن الإبدال من حروف الإطلاق في غير الشعر قليل كيف وضم إليه إجراء الوصل
~~مجرى الوقف وفي الثاني تجويز القراءة بالتشهي دون سداد وجهها في العربية
~~والوجه أنه لقصد الازدواج والمشاكلة فقد جوزوا لذلك صرف ما لا ينصرف لا
~~سيما الجمع فإنه سبب ضعيف لشبهه بالمفرد في جمعه كصواحبات يوسف ونواكسي
~~الأبصار ولهذا جوز بعضهم صرفه مطلقا كما قيل:

# والصرف في الجمع أتى كثيرا

# حتى ادعى قوم به التخييرا

# / وحكى الأخفش عن قوم من العرب أن لغتهم صرف كل ما لا ينصرف إلا أفعل من
~~وصرف (سلاسلا) ثابت في مصاحف المدينة ومكة والكوفة والبصرة وفي مصحف
~~أبي وعبد الله بن مسعود، وروى هشام عن ابن عامر (سلاسل) في الوصل
~~و(سلاسلا) بألف دون تنوين في الوقف.

### || [76.5]

# { إن الابرار } شروع في بيان حسن حال الشاكرين إثر بيان سوء حال
~~الكافرين، وإيرادهم بعنوان البر للإشعار بما استحقوا به ما نالوه من
~~الكرامة السنية مع تجديد صفة مدح لهم. والأبرار جمع بر كرب وأرباب أو بار
~~كشاهد وأشهاد بناء على أن فاعلا ms11000 يجمع على أفعال. والبر المطيع المتوسع
~~في فعل الخير وقيل من يؤدي حق الله تعالى ويوفي بالنذر وعن الحسن: هو
~~الذي لا يؤذي الذر ولا يرضى الشر.

# { يشربون } في الآخرة { من كأس } هي كما قال الزجاج الإناء إذا
~~كان فيه الشراب فإذا لم يكن لم يسم كأسا. وقال الراغب الكأس الإناء بما
~~فيه من الشراب ويسمى كل واحد منهما بانفراده كأسا والمشهور أنها تطلق
~~حقيقة على الزجاجة إذا كانت فيها خمر ومجازا على الخمر بعلاقة المجاورة
~~والمراد بها ههنا قيل الخمر فمن تبعيضية أو بيانية وقيل الزجاجة التي
~~فيها الخمر فمن ابتدائية وقوله تعالى: { كان مزاجها كفورا }
~~أظهر ملاءمة للأول والظاهر أن هذا على منوال

# كان الله عليما حكيما

# [النساء: 17] والمجيء بالفعل للتحقيق والدوام. وقيل (كان) تامة من قوله
~~تعالى

# كن فيكون

# [يس: 82] والمزاج ما يمزج به كالحزام لما يحزم به فهو اسم آلة. وكافور
~~على ما قال الكلبي علم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور وعرفه وبرده
~~وصرف لتوافق الآي. والكلام على حذف مضاف أي ماء كافور. والجملة صفة (كأس)
~~وهذا القول خلاف الظاهر ولعله إن لم يصح فيه خبر لا يقبل.

# وقرأ عبد الله (قافورا) بالقاف بدل الكاف وهما كثيرا ما يتعاقبان في
~~الكلمة كقولهم عربي قح وكح.

### || [76.6]

# قوله تعالى: { عينا } بدل من (كافور) وقال قتادة يمزج لهم بالكافور
~~ويختم لهم بالمسك وذلك لبرودة الكافور وبياضه وطيب رائحته فالكافور
~~بمعناه المعروف. وقيل إن خمر الجنة قد أودعها الله تعالى إذ خلقها أوصاف
~~الكافور الممدوحة فكونه مزاجا مجاز في الاتصاف بذلك فعينا على هذين
~~القولين بدل من محل (كأس) على تقدير مضاف أي يشربون خمرا خمر عين، أو
~~نصب على الاختصاص بإضمار أعني أو أخص كما قال المبرد، وقيل على الحال من
~~ضمير

# مزاجها

# [الإنسان: 5] وقيل من (كأس) وساغ لوصفه وأريد بذلك وصفها بالكثرة
~~والصفاء، وقيل منصوب بفعل يفسره ما بعد أعني قوله تعالى: { يشرب
~~بها عباد الله } على تقدير مضاف أيضا أي يشربون ماء عين يشرب ms11001
~~بها الخ وتعقب بأن الجملة صفة { عينا } فلا يعمل فعلها بها وما لا
~~يعمل لا يفسر عاملا. وأجيب بمنع كونها صفة على هذا الوجه. والتركيب عليه
~~نحو رجلا ضربته نعم هي صفة عين على غير هذا الوجه والباء للإلصاق وليست
~~للتعدية وهي متعلقة معنى بمحذوف أي يشرب الخمر ممزوجة بها أي بالعين عباد
~~الله وهو كما تقول شربت الماء بالعسل، هذا إذا جعل كافورا علم عين في
~~الجنة وأما على القولين الآخرين فقيل وجه الباء أن يجعل الكلام من باب:

# يجرح في عراقيبها نصلي

# لإفادة المبالغة. وقيل الباء للتعدية وضمن { يشرب } معنى يروي فعدي
~~بها. وقيل هي بمعنى من وقيل هي زائدة والمعنى يشربها كما في قول الهذلي:

# شربن بماء البحر ثم ترفعت

# متى لجج خضر لهن نئيج

# ويعضد هذا قراءة ابن أبي عبلة (يشربها) وقيل ضمير (بها) للكأس والمعنى
~~يشربون العين بتلك الكأس وعليه يجوز أن يكون { عينا } مفعولا ليشرب
~~مقدما عليه و(عباد الله) المؤمنون أهل الجنة.

# { يفجرونها تفجيرا } صفة أخرى لعينا أي يجرونها حيث شاءوا من
~~منازلهم إجراء سهلا لا يمتنع عليهم، على / أن التنكير للتنويع أخرج عبد
~~الله بن أحمد في «زوائد الزهد» عن ابن شوزب أنه قال معهم قضبان ذهب
~~يفجرون بها فيتبع الماء قضبانهم وفي بعض الآثار أن هذه العين في دار رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم تفجر إلى دور الأنبياء عليهم السلام والمؤمنين.

### || [76.7]

# { يوفون بالنذر } استئناف مسوق لبيان ما لأجله يرزقون هذا
~~النعيم مشتمل على نوع تفصيل لما ينبىء عنه اسم الأبرار إجمالا كأنه قيل
~~ماذا يفعلون حتى ينالوا تلك المرتبة العالية فقيل يوفون الخ وأفيد أنه
~~استئناف للبيان ومع ذلك عدل عن أوفوا إلى المضارع للاستحضار والدلالة على
~~الاستمرار والوفاء بالنذر كناية عن أداء الواجبات كلها العلم ما عداه
~~بالطريق الأولى وإشارة النص، فإن من أوفى بما أوجبه على نفسه كان إيفاء
~~ما أوجبه الله تعالى عليه أهم له وأحرى. وجعل ذلك كناية هو الذي يقتضيه
~~ما روي عن قتادة وعن ms11002 عكرمة ومجاهد إبقاؤه على الظاهر قالا أي إذا نذروا
~~طاعة فعلوها.

# { ويخفون يوما كان شره } عذابه { مستطيرا } فاشيا
~~منتشرا في الأقطار غاية الانتشار من استطار الحريق والفجر وهو أبلغ من
~~طار لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وللطلب أيضا دلالة على ذلك
~~لأن ما يطلب من شأنه أن يبالغ فيه. وفي وصفهم بذلك إشعار بحسن عقيدتهم
~~واجتنابهم عن المعاصي.

### || [76.8]

# { ويطعمون الطعام على حبه } أي كائنين على حب الطعام أي
~~مع اشتهائه والحاجة إليه فهو من باب التتميم ويجاوبه من القرآن قوله
~~تعالى:

# لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون

# [آل عمران: 92] وروي عن ابن عباس ومجاهد، أو على حب الإطعام بأن يكون
~~ذلك بطيب نفس وعدم تكلف وإليه ذهب الحسن بن الفضل وهو حسن، أو كائنين على
~~حب الله تعالى أو إطعاما كائنا على حبه تعالى ولوجهه سبحانه وابتغاء
~~مرضاته عز وجل وإليه ذهب الفضيل بن عياض وأبو سليمان الداراني فعلى حبه
~~من باب التكميل وزيفه بعضهم وقال الأول هو الوجه ويجاوبه القرآن على أن
~~في قوله تعالى:

# لوجه الله

# [الإنسان: 9] بعد غنية عن قوله سبحانه: { لوجه الله } وفيه نظر
~~بل لعله الأنسب لذاك. وذكر الطعام مع أن الإطعام يغني عنه لتعيين مرجع
~~الضمير على الأول ولأن الطعام كالعلم فيما فيه قوام البدن واستقامة
~~البنية وبقاء النفس ففي التصريح به تأكيد لفخامة فعلهم على الأخيرين
~~ويجوز أن يعتبر على الأول أيضا. ثم الظاهر أن المراد بإطعام الطعام
~~حقيقته وقيل هو كناية عن الإحسان إلى المحتاجين والمواساة معهم بأي وجه
~~كان وإن لم يك ذلك بالطعام بعينه فكأنه ينفعون بوجوه المنافع.

# { مسكينا ويتيما وأسيرا } قيل أي أسير كان

# " فعن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض
~~المسلمين فيقول أحسن إليه فيكون عنده اليومين والثلاثة فيؤثره على نفسه "

# وقال قتادة كان أسيرهم يومئذ المشرك وأخوك المسلم أحق أن تطعمه. وأخرج
~~ابن عساكر عن مجاهد أنه قال لما صدر النبي صلى الله عليه وسلم بالأسارى
~~من ms11003 بدر أنفق سبعة من المهاجرين أبو بكر وعمر وعلي والزبير وعبد الرحمن
~~وسعد وأبو عبيدة بن الجراح على أسارى مشركي بدر فقالت الأنصار قتلناهم في
~~الله وفي رسوله صلى الله عليه وسلم وتعينونهم بالنفقة فأنزل الله تعالى
~~فيهم تعسة عشرة آية

# إن الأبرار يشربون

# [الإنسان: 5] إلى قوله تعالى

# عينا فيها تسمى سلسبيلا

# [الإنسان: 18] ففيه دليل على أن إطعام الأسارى وإن كانوا من أهل الشرك
~~حسن ويرجى ثوابه، والخبر الأول قال ابن حجر لم يذكره من يعتمد عليه من
~~أهل الحديث وقال ابن العراقي لم أقف عليه والخبر الثاني لم أره لفرد غير
~~ابن عساكر ولا وثوق لي بصحته وهو يقتضي مدنية هذه الآيات وقد علمت الخلاف
~~في ذلك. نعم عند عامة العلماء يجوز الإحسان إلى الكفار في دار الإسلام
~~ولا تصرف إليهم الواجبات. وقال ابن جبير وعطاء هو الأسير من أهل القبلة
~~قال الطيبي هذا إنما يستقيم إذا اتفق الإطعام في دار الحرب من المسلم
~~لأسير في أيديهم، وقيل هو الأسير المسلم ترك في بلاد الكفار / رهينة وخرج
~~لطلب الفداء وروى محي السنة عن مجاهد وابن جبير وعطاء أنهم قالوا هو
~~المسجون من أهل القبلة وفيه دليل على أن إطعام أهل الحبوس المسلمين حسن
~~وقد يقال لا يحسن إطعام المحبوس لوفاء دين يقدر على وفائه إنما امتنع عنه
~~تعنتا ولغرض من الأغراض النفسانية.

# وعن أبي سعيد الخدري هو المملوك والمسجون وتسمية المسجون أسيرا مجاز
~~لمنعه عن الخروج وأما تسمية المملوك فمجاز أيضا لكن قيل باعتبار ما كان
~~وقيل باعتبار شبهه به في تقييده بأسار الأمر وعدم تمكنه من فعل ما يهوى.
~~وعد الغريم أسيرا لقوله صلى الله عليه وسلم

# " غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك "

# وهو على التشبيه البليغ إلا أنه قيل في هذا الخبر ما قيل في الخبر الأول
~~وقال أبو حمزة الثمالي هي الزوجة وضعفه ههنا ظاهر.

### || [76.9]

# { إنما نطعمكم لوجه الله } على إرادة قول هو في موضع
~~الحال من فاعل

# يطعمون

# [الإنسان: 8] أي قائلين ذلك بلسان الحال لما ms11004 يظهر عليهم من أمارات
~~الإخلاص وعن مجاهد أما أنهم ما تكلموا به ولكن علمه الله تعالى منهم
~~فأثنى سبحانه به عليهم ليرغب فيه راغب، أو بلسان المقال إزاحة لتوهم المن
~~المبطل للصدقة وتوقع المكافأة المنقصة للأجر وعن الصديقة رضي الله تعالى
~~عنها أنها كانت تبعث بالصدقة إلى أهل بيت ثم تسأل الرسول ما قالوا فإذا
~~ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى لها ثواب الصدقة خالصا عند الله عز وجل.
~~وجوز أن يكون قولهم هذا لهم لطفا وتفقيها وتنبيها على ما ينبغي أن
~~يكون عليه من أخلص لله تعالى وليس بذاك.

# وقوله سبحانه: { لا نريد منكم جزاء } بالأفعال { ولا
~~شكورا } ولا شكرا وثناء بالأقوال تقرير وتأكيد لما قبله.

### || [76.10]

# { إنا نخاف من ربنا يوما } أي عذاب يوم فهو على تقدير
~~مضاف أو إن خوفه كناية عن خوف ما فيه { عبوسا } تعبس فيه الوجوه على
~~أنه من الإسناد المجازي كما في نهاره صائم فقد روي عن ابن عباس أن الكافر
~~يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران، أو يشبه الأسد
~~العبوس على أنه من الاستعارة المكنية التخييلية لكن لا يخفى أن العبوس
~~ليس من لوازم الأسد وإنما اشتهر وصفه به ففي التخييلية ضعف ما، وقيل إنه
~~من التشبيه البليغ.

# { قمطريرا } شديد العبوس ويقال شديدا صعبا كأنه التف شره بعضه
~~ببعض وقيل طويلا وهو رواية عن ابن عباس وجاء قماطر وأنشدوا لأسد بن
~~ناعصة:

# واصطليت الحروب في كل يوم

# باسل الشر قمطرير الصباح

# وقول آخر:

# بني عمنا هل تذكرون بلائنا

# عليكم إذا ما كان يوم قماطر

# وإلى الأول ذهب الزجاج فقال القمطرير الذي يعبس حتى يجتمع ما بين عينيه
~~ويقال اقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وزمت بأنفها وجمعت قطريها أي جانبيها
~~كأنها تفعل ذلك إذا لحقت كبرا وقيل لتضع حملها، فاشتقاقه عنده على ما
~~قيل من قطر بالاشتقاق الكبير والميم زائدة وهذا لا يلزم الزجاج فيجوز أن
~~يكون مشتقا كذلك من القمط ويقال قمطه إذا شده وجمع أطرافه وفي «البحر» ms11005
~~يقال اقمطر فهو مقمطر وقمطرير وقماطر إذا صعب واشتد واختلف في هذا الوزن.
~~وأكثر النحاة لا يثبتون أفمعل في أوزان الأفعال.

# وهذه الجملة جوز أن تكون علة لإحسانهم وفعلهم المذكور كأنه قيل نفعل بكم
~~ما نفعل لأنا نخاف يوما صفته كيت وكيت فنحن نرجو بذلك أن يقينا ربنا جل
~~وعلا شره وأن تكون علة لعدم إرادة الجزاء والشكور، أي إنا لا نريد منكم
~~المكافأة لخوف عقاب الله تعالى على طلب المكافأة بالصدقة وإلى الوجهين
~~أشار في «الكشاف» وقال في «الكشف» الثاني أوجه ليبقى قوله

# لوجه الله

# [الإنسان: 9] خالصا غير مشوب بحظ النفس من جلب نفع أو دفع ضر. ولو جعل
~~علة للإطعام المعلل على معنى إنما خصصنا الإحسان لوجهه تعالى لأنا نخاف
~~يوم جزائه ومن خافه لازم الإخلاص لكان وجها.

### || [76.11]

# { فوقهم الله شر ذلك اليوم } بسبب خوفهم وتحفظهم
~~عنه. وقرأ أبو / جعفر (فوقاهم) بشد القاف وهو أوفق بقوله تعالى: {
~~ولقهم نضرة وسرورا } أي أعطاهم بدل عبوس الفجار وحزنهم
~~نضرة في الوجوه وسرورا في القلوب.

### || [76.12]

# { وجزاهم بما صبروا } بصبرهم على مشاق الطاعات ومهاجرة هوى
~~النفس في اجتناب المحرمات وإيثار الأموال مأكلا وملبسا { جنة }
~~بستانا عظيما يأكلون منه ما شاؤا { وحريرا } يلبسونه ويتزينون به.
~~ومن رواية عطاء عن ابن عباس أن الحسن والحسين مرضا فعادهما جدهما محمد
~~صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وعادهما من
~~عادهما من الصحابة فقالوا لعلي كرم الله تعالى وجهه يا أبا الحسن لو نذرت
~~على ولديك فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما إن برآ مما بهما أن يصوموا
~~ثلاثة أيام شكرا فألبس الله تعالى الغلامين ثوب العافية وليس عند آل
~~محمد قليل ولا كثير فانطلق علي كرم الله تعالى وجهه إلى شمعون اليهودي
~~الخيبري فاستقرض منه ثلاثة أصوع من شعير فجاء بها فقامت فاطمة رضي الله
~~تعالى عنها إلى صاع فطحنته وخبزت منه خمسة أقراص على عددهم وصلى علي كرم
~~الله تعالى وجهه مع النبي صلى الله عليه وسلم ms11006 المغرب ثم أتى المنزل فوضع
~~الطعام بين يديه فوقف بالباب سائل فقال السلام عليكم يا أهل بيت محمد صلى
~~الله عليه وسلم أنا مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله تعالى
~~من موائد الجنة فآثروه وباتوا لم يذوقوا شيئا إلا الماء وأصبحوا صياما
~~ثم قامت فاطمة رضي الله عنها إلى صاع آخر فطحنته وخبزته وصلى علي كرم
~~الله تعالى وجهه مع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب ثم أتى المنزل فوضع
~~الطعام بين يديه فوقف يتيم بالباب وقال السلام عليكم يا أهل بيت محمد صلى
~~الله عليه وسلم يتيم من أولاد المهاجرين أطعموني أطعمكم الله تعالى من
~~موائد الجنة فآثروه ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئا إلا الماء
~~القراح وأصبحوا صياما فلما كان يوم الثالث قامت فاطمة رضي الله تعالى
~~عنها إلى الصاع الثالث وطحنته وخبزته وصلى علي كرم الله تعالى وجهه مع
~~النبي صلى الله عليه وسلم المغرب فأتى المنزل فوضع الطعام بين يديه فوقف
~~أسير بالباب فقال السلام عليكم يا أهل بيت محمد صلى الله عليه وسلم أنا
~~أسير محمد عليه الصلاة والسلام أطعموني أطعمكم الله فآثروه وباتوا لم
~~يذوقوا إلا الماء القراح فلما أصبحوا أخذ علي كرم الله تعالى وجهه الحسن
~~والحسين وأقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآهم يرتعشون كالفراخ
~~من شدة الجوع قال يا أبا الحسن ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم وقام فانطلق
~~معهم إلى فاطمة رضي الله تعالى عنها فرآها في محرابها قد التصق بطنها
~~بظهرها وغارت عيناها من شدة الجوع فرق لذلك صلى الله عليه وسلم وساءه ذلك
~~فهبط جبريل عليه السلام فقال خذها يا محمد هناك الله تعالى في أهل بيتك
~~قال وما آخذ يا جبريل فأقرأه

# هل أتى على الإنسان

# [الإنسان: 1] السورة وفي رواية ابن مهران فوثب النبي صلى الله عليه
~~وسلم حتى دخل على فاطمة فأكب عليها يبكي فهبط جبريل عليه السلام بهذه
~~الآية

# إن الأبرار يشربون

# [الإنسان: 5] إلى آخره وفي رواية عن عطاء أن الشعير ms11007 كان عن أجرة سقي نخل
~~وأنه جعل في كل يوم ثلث منه عصيدة فآثروا بها. وأخرج ابن مردويه عن ابن
~~عباس أنه قال في قوله سبحانه:

# ويطعمون

# [الإنسان: 8] الخ نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه وفاطمة بنت رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم ولم يذكر القصة والخبر مشهور بين الناس وذكره الواحدي
~~في كتاب «البسيط» وعليه قول بعض الشيعة:

# إلام إلام وحتى متى

# أعاتب في حب هذا الفتى

# وهل زوجت غيره فاطم

# وفي غيره هل أتى { هل أتى }

# وتعقب بأنه خبر موضوع مفتعل كما ذكره الترمذي وابن الجوزي، وآثار الوضع
~~ظاهرة عليه / لفظا ومعنى. ثم إنه يقتضي أن تكون السورة مدنية لأن بناء
~~علي كرم الله تعالى وجهه على فاطمة رضي الله تعالى عنها كان بالمدينة وهي
~~عند ابن عباس المروي هو عنه على ما أخرج النحاس مكية وكذا عند الجمهور في
~~قول. وأقول أمر مكيتها ومدنيتها مختلف فيه جدا كما سمعت فلا جزم فيه
~~بشيء وابن الجوزي نقل الخبر في «تبصرته» ولم يتعقبه على أنه ممن يتساهل
~~في أمر الوضع حتى قالوا إنه لا يعول عليه في هذا الباب، فاحتمال أصل
~~النزول في الأمير كرم الله تعالى وجهه وفاطمة رضي الله تعالى عنها قائم،
~~ولا جزم بنفي ولا إثبات لتعارض الأخبار ولا يكاد يسلم المرجح عن قيل
~~وقال. نعم لعله يترجح عدم وقوع لكيفية التي تضمنتها الرواية الأولى. ثم
~~إنه على القول بنزولها فيهما لا يتخصص حكمها بهما بل يشمل كل من فعل مثل
~~ذلك كما ذكره الطبرسي من الشيعة في «مجمع البيان»: راويا له عن عبد الله
~~بن ميمون عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه، وعلى القول بعدم النزول
~~فيهما لا يتطامن مقامهما ولا ينقص قدرهما إذ دخولهما في الأبرار أمر جلي
~~بل هو دخول أولى فهما هما وماذا عسى يقول امرؤ فيهما سوى أن عليا مولى
~~المؤمنين ووصي النبي وفاطمة البضعة الأحمدية والجزء المحمدي وأما
~~الحسنان فالروح والريحان وسيدا شباب الجنان وليس هذا من ms11008 الرفض بشيء بل ما
~~سواه عندي هو الغي:

# أنا عبد الحق لا عبد الهوى

# لعن الله الهوى فيمن لعن

# ومن اللطائف على القول بنزولها فيهم أنه سبحانه لم يذكر فيها الحور
~~العين وإنما صرح عز وجل بولدان مخلدين رعاية لحرمة البتول وقرة عين
~~الرسول لئلا تثور غيرتها الطبيعة إذا أحست بضرة وهي في أفواه تخيلات
~~الطباع البشرية ولو في الجنة مرة، ولا يخفى عليك أن هذا زهرة ربيع ولا
~~تتحمل الفرك. ثم التذكير على ذلك أيضا من باب التغليب. وقرأ علي كرم
~~الله تعالى وجهه (جازاهم) على وزن فاعل.

### || [76.13]

# { متكئين فيها على الأرائك } حال من هم في { جزاهم }
~~والعامل جزى وخص الجزاء بهذه الحالة لأنها أتم حالات المتنعم ولا يضر في
~~ذلك قوله تعالى:

# بما صبروا

# [الإنسان: 12] لأن الصبر في الدنيا وما تسبب عليه في الآخرة. وقيل صفة
~~الجنة ولم يبرز الضمير مع أن الصفة جارية على غير من هي عليه فلم يقل
~~متكئين هم فيها لعدم الإلباس كما في قوله:

# قومي ذرى المجد بانوها وقد علمت

# بكنه ذلك عدنان وقحطان

# وأنت تعلم أن هذا رأي الكوفية، ومذهب البصرية وجوب إبراز الضمير في ذلك
~~مطلقا وفي البيت كلام. وقيل يجوز كونه حالا مقدرة من ضمير { صبروا
~~} وليس بذاك.

# والأرائك جمع أريكة وهي السرير في الحجلة من دونه ستر ولا يسمى مفردا
~~أريكة وقيل هو كل ما اتكىء عليه من سرير أو فراش أو منصة وكأن تسميته
~~بذلك لكونه مكانا للإقامة أخذا من قولهم أرك بالمكان أروكا أقام وأصل
~~الأروك الإقامة على رعي الأراك الشجر المعروف ثم استعمل في غيره من
~~الإقامات.

# وقوله تعالى: { لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } إما
~~حال ثانية من الضمير أو حال من المستكن في (متكئين) وجوز فيه كونه صفة
~~لجنة أيضا والمراد من ذلك أن هواءها معتدل لا حر شمس يحمي ولا شدة برد
~~يؤذي وفي الحديث

# " هواء الجنة سجسج لا حر ولا قر "

# فقصد بنفي الشمس نفيها ونفي لازمها معا لقوله سبحانه { ولا ms11009
~~زمهريرا } فكأنه قيل لا يرون فيها حرا ولا قرا وقيل الزمهرير
~~القمر وعن ثعلب أنه في لغة طيء وأنشد:

# وليلة ظلامها قد اعتكر

# قطعتها والزمهرير ما زهر

# وليس هذا لأن طبيعته باردة كما قيل لأنه في حيز المنع بل قيل إنه برهن
~~على أن الأنوار كلها حارة فيحتمل أن ذلك للمعانه أخذا له من ازمهر
~~الكوكب لمع والمعنى على هذا القول أن هواءها مضيء بذاته لا يحتاج إلى شمس
~~ولا قمر وفي الحديث /

# " إن الجنة لا خطر بها هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد
~~"

# الحديث ثم إنها مع هذا قد يظهر فيها نور أقوى من نورها كما تشهد به
~~الأخبار الصحيحة وفي بعض الآثار عن ابن عباس بينا أهل الجنة في الجنة إذ
~~رأوا ضوءا كضوء الشمس وقد أشرقت الجنان به فيقول أهل الجنة يا رضوان ما
~~هذا وقد قال ربنا { لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا }
~~فيقول لهم رضوان ليس هذا بشمس ولا قمر ولكن علي وفاطمة رضي الله تعالى
~~عنهما ضحكا فأشرقت الجنان من نور ثغريهما.

### || [76.14]

# { ودانية عليهم ظللها } عطف على الجملة، وحالها حالها
~~أو صفة لمحذوف معطوف على

# جنة

# [الإنسان: 12] فيما سبق أي وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها، على أنهم
~~وعدوا جنتين كما في قوله تعالى:

# ولمن خاف مقام ربه جنتان

# [الرحمن: 46] وقرأ أبو حيوة (دانية) بالرفع وخرج على أن (دانية) خبر
~~مقدم لظلالها والجملة في حيز الحال على أن الواو عاطفة أو حالية أو في
~~حيز الصفة على أن الواو عاطفة أيضا أو للإلصاق على ما يراه الزمخشري.
~~وقال الأخفش ظلالها مرفوع بدانية على الفاعلية واستدل بذلك على جواز
~~عمل اسم الفاعل من غير اعتماد نحو قائم الزيدون وقد علمت أنه لا يصلح
~~للاستدلال لقيام ذلك الاحتمال على أنه يجوز أن يكون خبرا لمبتدأ مقدر
~~فيعتمد أي وهي دانية عليهم ظلالها.

# وقرأ أبي (ودان) كقاض ولا يتم الاستدلال به للأخفش أيضا وإن كان بينه
~~وبين ما تقدم فرق ما. وقرأ الأعمش (ودانيا ms11010 عليهم) نحو

# خاشعة أبصارهم

# [القلم: 43] والمراد أن ظلال أشجار الجنة قريبة من الأبرار مظلة عليهم
~~زيادة في نعيمهم.

# { وذللت قطوفها تذليلا } أي سخرت ثمارها لمتناولها وسهل
~~أخذها من الذل وهو ضد الصعوبة. قال قتادة ومجاهد وسفيان إن كان الإنسان
~~قائما تناول الثمر دون كلفة وإن كان قاعدا أو مضطجعا فكذلك فهذا
~~تذليلها لا يرد اليد عنها بعد ولا شوك. والجملة حال من ضمير (دانية) أي
~~تدنو ظلالها عليهم مذللة لهم قطوفها أو معطوفة على ما قبلها وهي فعلية
~~معطوفة على اسمية في قراءة (دانية) بالرفع ونكتة التخالف أن استدامة الظل
~~مطلوبة هنالك والتجدد في تذليل القطوف على حسب الحاجة.

### || [76.15]

# { ويطاف عليهم بئانية } جمع إناء ككساء وأكسية وهو ما
~~يوضع فيه الشيء والأواني جمع الجمع { من فضة وأكواب } جمع كوب
~~وهو قدح لا عروة له كما قال الراغب وفي «القاموس» كوز لا عروة له أو لا
~~خرطوم له وقيل الكوز العظيم الذي لا أذن له ولا عروة { كانت } أي تلك
~~الأكواب { قواريرا } جمع قارورة وهي إناء رقيق من الزجاج يوضع فيه
~~الأشربة ونصبه على الحال فإن (كان) تامة وهو كما تقول خلقت قوارير.

### || [76.16]

# وقوله تعالى: { قوارير من فضة } بدل والكلام على التشبيه البليغ
~~فالمراد تكونت جامعة بين صفاء الزجاجة وشفيفها ولين الفضة وبياضها. وأخرج
~~عبد الرازق وسعيد بن منصور والبيهقي عن ابن عباس قال لو أخذت فضة من فضة
~~الدنيا فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم ير الماء من ورائها ولكن
~~قوارير الجنة ببياض الفضة مع صفاء القوارير. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أنه
~~قال ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة.

# وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر بتنوين (قوارير) في الموضعين وصلا وإبداله
~~ألفا وقفا، وابن كثير يمنع صرف الثاني ويصرف الأول لوقوعه في الفاصلة
~~وآخر الآية وقف عليه بألف مشاكلة لغيره من كلمات الفواصل والتنوين عند
~~الزمخشري في الأول: بدل من ألف الإطلاق كما في قوله:

# يا صاح ما هاج ms11011 العيون الذرفن

# وفي الثاني: للاتباع فتذكر. والقراءة بمنع صرفهما لحفص وابن عامر وحمزة
~~وأبي عمرو. وقرأ الأعمش الثاني (قوارير) بالرفع أي هي قوارير.

# { قدروها تقديرا } أي قدروا تلك القوارير في أنفسهم فجاءت حسب
~~ما قدروا لا مزيد على ذلك ولا يمكن أن يقع زيادة عليه وفي معناه قول
~~الطائي:

# ولو صورت نفسك لم تزدها

# على ما فيك من كرم الطباع

# / فإنه ينبىء عن كون نفسه خلقت على أتم ما ينبغي من مكارم الصفات بحيث
~~لا مزيد على ذلك، فضمير { قدروها } للأبرار المطاف عليهم، أو قدروا
~~شرابها على قدر الري وهو ألذ للشارب قال ابن عباس أتوا بها على الحاجة لا
~~يفضلون شيئا ولا يشتهون بعدها شيئا. وعن مجاهد تقديرها أنها ليست
~~بالملأى التي تفيض ولا بالناقصة التي تغيض فالضمير على ما هو الظاهر
~~للسقاة الطائفين بها المدلول عليه بقوله تعالى:

# يطاف عليهم

# [الإنسان: 15] وقد روى عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس أنه قال
~~قدرتها السقاة. وقيل المعنى قدروها بأعمالهم الصالحة فجاءت على حسبها
~~والضمير على هذا قيل للملائكة وقيل للسقاة.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس والسلمي والشعبي وقتادة وزيد
~~بن علي والجحدري والأصمعي عن أبي عمرو وابن عبد الخالق عن يعقوب وغيرهم
~~(قدروها) على البناء للمفعول واختلف في تخريجها فقال أبو علي كأن اللفظ
~~قدروا عليها وفي المعنى قلب لأن حقيقته أن يقال قدرت عليهم فهو نحو قوله
~~تعالى

# مآ إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة

# [القصص: 76] وقول العرب إذا طلعت الجوزاء ارتقى العود على الحرباء. وقال
~~الزمخشري: وجه ذلك أن يكون من قدرت الشيء بالتخفيف أي بينت مقداره فنقل
~~إلى التفعيل فتعدى لاثنين أحدهما: الضمير النائب عن الفاعل والثاني: ها
~~والمعنى جعلوا قادرين لها كما شاؤوا وأطلق لهم أن يقدروا على حسب ما
~~اشتهوا.

# وقال أبو حاتم قدرت الأواني على قدر ريهم ففسر بعضهم هذا بأن في الكلام
~~حذفا وهو أنه كان قدر على قدر ريهم إياها فحذف على فصار قدر نائب الفاعل
~~ثم ms11012 حذف فصار ريهم نائب الفاعل ثم حذف وصاروا والجمع نائب الفاعل واتصل
~~المفعول الثاني بقدر فصار قدروها. وقال أبو حيان الأقرب أن يكون الأصل
~~قدر ريهم منها تقديرا فحذف المضاف وهو الري وأقيم الضمير مقامه فصار
~~قدروا منها ثم اتسع في الفعل فحذفت من ووصل الفعل إلى الضمير بنفسه فصار
~~قدروها فلم يكن فيه إلا حذف مضاف واتساع في المجرور. ولا يخفى أن القلب
~~زيف وما قرره البعض تكلف جدا وفي كون ما اختاره أبو حيان أقرب مما
~~اختاره جار الله نظر ولعله أكثر تكلفا منه.

### || [76.17-18]

# يجري فيه معظم ما جرى في قوله تعالى:

# يشربون من كأس كان مزاجها كفورا

# [الإنسان: 5] الخ من الأوجه. والزنجبيل قال الدينوري نبت في أرض عمان
~~وهو عروق تسري في الأرض وليس بشجرة ومنه ما يحمل من بلاد الزنج والصين
~~وهو الأجود وكانت العرب تحبه لأنه يوجب لذعا في اللسان إذا مزج بالشراب
~~فيلتذون ولذا يذكرونه في وصف رضاب النساء قال الأعشى:

# كأن القرنفل والزنجبيل

# باتا بفيها وأريا مشورا

# وقال المسيب بن علس:

# وكأن طعم الزنجبيل به

# إذ ذقته وسلافة الخمر

# وعده بعضهم في المعربات. وكون الزنجبيل اسما لعين في الجنة مروي عن
~~قتادة وقال يشرب منها المقربون صرفا وتمزج لسائر أهل الجنة والظاهر أنهم
~~تارة يشربون من كأس مزاجها كافور وتارة يسقون من كأس مزاجها زنجبيل ولعل
~~ذكر { ويسقون } هنا دون يشربون لأنه الأنسب بما تقدمه من قوله
~~تعالى:

# ويطاف عليهم

# [الإنسان: 15] الخ ويمكن أن يكون فيه رمز إلى أن هذه الكأس أعلى شأنا
~~من الكأس الأولى. وعن الكلبي يسقى بجامين الأول مزاجه الكافور والثاني
~~مزاجه الزنجبيل والسلسبيل كالسلسل والسلسال قال الزجاج: ما كان من الشراب
~~غاية في السلاسة وسهولة الانحدار في الحلق. وقال ابن الأعرابي لم أسمع
~~السلسبيل إلا في القرآن وكأن العين إنما سميت بذلك لسلاستها وسهولة
~~مساغها قال عكرمة: عين سلسل ماؤها وقال مجاهد: حديرة الجري سلسة سهلة
~~المساغ وقال مقاتل عين يتسلسل عليهم ماؤها في مجالسهم كيف شاؤوا.

# وهي ms11013 على ما روي عن قتادة عين تنبع / من تحت العرش من جنة عدن تتسلسل إلى
~~الجنان وفي «البحر» الظاهر أن هذه العين تسمى سلسبيلا بمعنى توصف بأنها
~~سلسة في الانسياغ سهلة في المذاق ولا يحمل سلسبيل على أنه اسم حقيقة لأنه
~~إذ ذاك كان ممنوع الصرف للتأنيث والعلمية. وقد روي عن طلحة أنه قرأه بغير
~~ألف جعله علما لها فإن كان علما فوجه قراءة الجمهور بالتنوين المناسبة
~~للفواصل كما قيل في

# سلاسلا

# [الإنسان: 4] و

# قواريرا

# [الإنسان: 15] وزعم الزمخشري أن الباء زيدت فيه حتى صارت الكلمة خماسية
~~فإن عنى أنها زيدت حقيقة فليس بجيد لأن الباء ليست من حروف الزيادة
~~المعهودة وإن عنى أنها حرف جاء في سنح الكلمة وليس في سلسل ولا في سلسال
~~صح ويكون مما اتفق معناه وكان مختلفا في المادة انتهى وفي «الكشف» لا
~~يريد الزيادة المصطلحة ألا ترى إلى قوله حتى صارت خماسية وهو أيضا من
~~الاشتقاق الأكبر فلا تغفل. وقال بعض المعربين سلسبيلا أمر للنبي صلى
~~الله عليه وسلم ولأمته بسؤال السبيل إليها وعزوه إلى علي كرم الله تعالى
~~وجهه وهو غير مستقيم بظاهره إلا أن يراد أن جملة قول القائل سلسبيلا جعلت
~~اسما للعين كما قيل تأبط شرا وذرى حبا وسميت بذلك لأنه لا يشرب منها
~~إلا من سأل إليها سبيلا بالعمل الصالح وهو مع استقامته في العربية تكلف
~~وابتداع وعزوه إلى مثل الأمير كرم الله تعالى وجهه أبدع ونص بعضهم على
~~أنه افتراء عليه كرم الله تعالى وجهه وفي شعر ابن مطران الشاشي:

# سلسبيلا فيها إلى راحة النفس

# براح كأنها سلسبيل

# وفيه الجناس الملفق واستعمله غير واحد من المحدثين.

### || [76.19]

# { ويطوف عليهم } أي للخدمة { ولدن مخلدون } أي
~~دائمون على ما هم فيه من الطراوة والبهاء، وقيل مقرطون بخلدة وهي ضرب من
~~القرطة وجاء في حديث أخرجه ابن مردويه عن أنس مرفوعا أنهم ألف خادم وفي
~~بعض الآثار أضعاف ذلك:

# والجود أعظم والمواهب أوسع

# ويختلف ذلك قلة وكثرة باختلاف أعمال المخدومين.

# { إذا رأيتهم حسبتهم ms11014 لؤلؤا منثورا } لحسنهم وصفاء
~~ألوانهم وإشراق وجوههم وانبثاثهم في مجالسهم ومنازلهم وانعكاس أشعة بعضهم
~~إلى بعض. وقيل شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء
~~وعليه هو من تشبيه المفرد لأن الانبثاث غير ملحوظ والخطاب في {
~~رأيتهم } للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل واقف عليه وكذا في قوله
~~تعالى: { وإذا رأيت ثم... }.

### || [76.20]

# { وإذا رأيت ثم } أي هناك يعني في الجنة وهو في موضع النصب
~~على الظرف و { رأيت } منزل منزلة اللازم فيفيد العموم في المقام
~~الخطابي فالمعنى أن بصرك أينما وقع في الجنة { رأيت نعيما
~~وملكا كبيرا } عظيم القدر لا تحيط به عبارة وهو يشمل المحسوس
~~والمعقول. وقال عبد الله بن عمر والكلبي عريضا واسعا يبصر أدناهم
~~منزلة في الجنة في ملك مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه وذلك لما
~~يعطى من حدة النظر أو هو من خصائص الجنة. وقال مجاهد: هو استئذان
~~الملائكة عليهم السلام فلا يدخلون عليهم إلا بإذن. وقال الترمذي: وأظنه
~~كما ظن أبو حيان الحكيم لا أبا عيسى المحدث صاحب «الجامع» هو ملك التكوين
~~والمشيئة إذا أرادوا شيئا كان. وقيل هو النظر إلى الله عز وجل وقيل غير
~~ذلك وقيل الملك الدائم الذي لا زوال له وزعم الفراء أن المعنى: وإذا رأيت
~~ما ثم رأيت الخ وخرج على أنه أراد أن (ثم) ظرف لمحذوف وقع صلة لموصول
~~محذوف هو مفعول { رأيت } والتقدير: وإذا رأيت ما ثم رأيت نعيما الخ
~~فحذف ما كما حذف في قوله تعالى:

# لقد تقطع بينكم

# [الأنعام: 94] أي ما بينكم وتعقبه الزجاج ثم الزمخشري بأنه خطأ لأنه لا
~~يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة وأنت تعلم أن الكوفيين يجيزون ذلك ومنه
~~قوله:

# فمن يهجو رسول الله منكم

# ويمدحه وينصره سواء

# أراد ومن يمدحه فحذف الموصول وأبقى صلته وقد يقال إن ذلك إنما يرد لو
~~أراد أن الموصول مقدر أما لو أراد المعنى وأن الظرف يغني غناء المفعول به
~~فهو كلام صحيح لأن الظرف والمرئي كليهما الجنة.

# وقرأ ms11015 حميد الأعرج (ثم) بضم / الثاء حرف عطف وجواب { إذا } على هذا محذوف
~~يقدر بنحو تحير فكرك أو بنحو رأيت عاملا في نعيما.

### || [76.21]

# { عليهم ثياب سندس خضر وإستبرق } قيل {
~~عليهم } ظرف بمعنى فوقهم على أنه خبر مقدم و { ثياب } مبتدأ
~~مؤخر والجملة حال من الضمير المجرور في { عليهم } فهي شرح لحال
~~الأبرار المطوف عليهم وقال أبو حيان: إن عالي نفسه حال من ذلك الضمير وهو
~~اسم فاعل و { ثياب } مرفوع على الفاعلية به ويحتاج في إثبات كونه
~~ظرفا إلى أن يكون منقولا من كلام العرب عاليك ثوب مثلا ومثله فيما ذكر
~~عالية وقيل حال من ضمير

# لقاهم

# [الإنسان: 11] أو من ضمير

# جزاهم

# [الإنسان: 12] وقيل من الضمير المستتر في

# متكئين

# [الإنسان: 13] والكل بعيد. وجوز كون الحال من مضاف مقدر قبل { نعيما
~~} أو قبل

# ملكا

# [الإنسان: 20] أي رأيت أهل نعيم أو أهل ملك عاليهم الخ وهو تكلف غير
~~محتاج إليه وقيل صاحب الحال الضمير المنصوب في

# حسبتهم

# [الإنسان: 19] فهي شرح لحال الطائفين ولا يخفى بعده لما فيه من لزوم
~~التفكيك ضرورة أن ضمير { سقاهم } فيما بعد كالمتعين عوده على الأبرار
~~وكونه من التفكيك مع القرينة المعينة وهو مما لا بأس به ممنوع. واعترض
~~أيضا بأن مضمون الجملة يصير داخلا تحت الحسبان وكيف يكون ذلك وهم
~~لابسون الثياب حقيقة بخلاف كونهم لؤلؤا فإنه على طريق التشبيه المقتضى
~~لقرب شبههم باللؤلؤ أن يحسبوا لؤلؤا وأجيب بأن الحسبان في حال من
~~الأحوال لا يقتضي دخول الحال تحت الحسبان ورفع { خضر } على أنه صفة {
~~ثياب } و { وإستبرق } على أنه عطف على { ثياب } والمراد
~~وثياب إستبرق.

# والسندس قال ثعلب ما رق من الديباج وقيل ما رق من ثياب الحرير والفرق أن
~~الديباج ضرب من الحرير المنسوج يتلون ألوانا. وقال الليث هو ضرب من
~~البزيون يتخذ من المرعز وهو معرب بلا خلاف بين أهل اللغة على ما في
~~«القاموس» وغيره. وزعم بعض أنه مع كونه معربا أصله سندي بياء النسبة
~~لأنه يجلب من السند فأبدلت الياء سينا كما ms11016 قال في سادي سادس وهو كما
~~ترى.

# والإستبرق قيل ما غلظ من ثياب الحرير وقال أبو إسحاق الديباج الصفيق
~~الغليظ الحسن وقال ابن دريد ثياب حرير نحو الديباج وعن ابن عبادة هو بردة
~~حمراء وقيل هو المنسوج من الذهب وهو اسم أعجمي معرب عند جمع أصله
~~بالفارسية استبره وفي «القاموس» معرب استروه وحكي ذلك عن ابن دريد وأنه
~~قال إنه سرياني وقيل معرب استفره وما في صورة الفاء ليست فاء خالصة وإنما
~~هي بين الفاء والباء وقيل عربي وافقت لغة العرب فيه لغة غيرهم واستصوبه
~~الأزهري. وكما اختلفوا فيه هل هو معرب أو عربي اختلفوا هل هو نكرة أو
~~علم جنس مبني أو معرب أو ممنوع من الصرف وهمزته همزة قطع أو وصل والصحيح
~~على ما قال الخفاجي أنه نكرة معرب مصروف مقطوع الهمزة كما يشهد به
~~القراءة المتواترة وسيعلم إن شاء الله تعالى حال ما يخالفها.

# وفي «جامع التعريب» أن جمعه أبارق وتصغيره أبيرق حذفت السين والتاء في
~~التكسير لأنهما زيدتا معا فأجري مجرى الزيادة الواحدة وفي المسألة خلاف
~~أيضا مذكور في محله. ولم يذكر لون هذا الإستبرق وأشار ناصر الدين إلى
~~أنه الخضرة فخضر وإن توسط بين المعطوف والمعطوف عليه فهو لهما وعلى كل
~~حال هذه الثياب لباس لهم وربما تشعر الآية بأن تحتها ثيابا أخرى وقيل
~~على وجه الحالية من ضمير

# متكئين

# [الإنسان: 13] أن المراد فوق حجالهم المضروبة عليهم ثياب سندس الخ
~~وحاصله أن حجالهم مكللة بالسندس والإستبرق.

# وقرأ ابن عباس بخلاف عنه والأعرج وأبو جعفر وشيبة وابن محيصن ونافع
~~وحمزة { عاليهم } بسكون الياء وكسر الهاء وهي رواية أبان عن عاصم فهو
~~مرفوع بضمة مقدرة على الياء على أنه مبتدأ و { ثياب } خبره وعند
~~الأخفش فاعل سد مسد الخبر وقيل على أنه خبر مقدم و { ثياب } مبتدأ
~~مؤخر وأخبر به عن النكرة لأنه نكرة وإضافته لفظية وهو في معنى الجماعة
~~كما في

# سامرا تهجرون

# [المؤمنون: 67] على ما صرح به مكي ولا حاجة إلى التزامه على رأي الأخفش ms11017
~~وقيل هو باق على النصب والفتحة مقدرة على الياء وأنت تعلم / أن مثله شاذ
~~أو ضرورة فلا ينبغي أن يخرج عليه القراءة المتواترة. وقرأ ابن مسعود
~~والأعمش وطلحة وزيد بن علي { عاليتهم } بالياء والتاء مضمومة وعن الأعمش
~~أيضا وأبان عن عاصم فتح التاء الفوقية وتخريجهما كتخريج { عاليهم }
~~بالسكون والنصب وقرأ ابن سيرين ومجاهد في رواية وقتادة وأبو حيوة وابن
~~أبي عبلة والزعفراني وأبان أيضا (عليهم) جارا ومجرورا فهو خبر مقدم و
~~{ ثياب } مبتدأ مؤخر. وقرأت عائشة (علتهم) بتاء التأنيث فعلا ماضيا
~~فثياب فاعل.

# وقرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة (ثياب سندس) بتنوين ثياب ورفع سندس على
~~أنه وصف لها وهذا كما يقول ثوب حرير تريد من هذا الجنس. وقرأ العربيان
~~ونافع في رواية (واستبرق) بالجر عطفا على (سندس) وقرأ ابن كثير وأبو بكر
~~بجر (خضر) صفة لسندس وهو في معنى الجمع وقد صرحوا بأن وصف اسم الجنس الذي
~~يفرق بينه وبين واحده بتاء التأنيث بالجمع جائز فصيح وعليه

# وينشىء السحاب الثقال

# [الرعد: 12]

# والنخل باسقات

# [ق: 10] وقد جاء سندسة في الواحدة كما قاله غير واحد. وجوز كونه صفة
~~لثياب وجره للجوار وفيه توافق القراءتين معنى إلا أنه قليل. وقرأ الأعمش
~~وطلحة والحسن وأبو عمرو بخلاف عنهما وحمزة والكسائي (خضر واستبرق)
~~بجرهما.

# وقرأ ابن محيصن { واستبرق } بوصل الألف وفتح القاف كما في عامة كتب
~~القراآت ويفهم من «الكشاف» أنه قرأ بالقطع والفتح وأن غيره قرأ بما تقدم
~~وهو خلاف المعروف وخرج الفتح على المنع من الصرف للعلمية والعجمة وغلط
~~بأنه نكرة يدخله حرف التعريف فيقال الاستبرق وقيل إن ذاك كذا والوصل مبني
~~على أنه عربي مسمى باستفعل من البريق يقال برق واستبرق كعجب واستعجب فهو
~~في الأصل فعل ماض ثم جعل علما لهذا النوع من الثياب فمنع من الصرف
~~للعلمية ووزن الفعل دون العجمة.

# وتعقب بأن كونه معربا مما لا ينبغي أن ينكر وقيل هو مبني منقول من جملة
~~فعل وضمير مستتر وحاله لا يخفى.

# واختار أبو حيان أن استبرق على قراءة ms11018 ابن محيصن فعل ماض من البريق كما
~~سمعت وأنه باق على ذلك لم ينقل ولم يجعل علما للنوع المعروف من الثياب
~~وفيه ضمير عائد على السندس أو على الأخضر الدال عليه (خضر) كأنه لما وصف
~~بالخضرة وهي مما يكون فيها لشدتها دهمة وغبش أخبر أن في ذلك اللون بريقا
~~وحسنا يزيل غبشه فقيل (واستبرق) أي برق ولمع لمعانا شديدا ثم قال
~~معرضا بمن غلطه كأبي حاتم والزمخشري وهذا التخريج أولى من تلحين قارىء
~~جليل مشهور بمعرفة العربية وتوهيم ضابط ثقة قد أخذ عن أكابر العلماء
~~انتهى وقيل الجملة عليه معترضة أو حال بتقدير قد أو بدونه.

# { وحلوا أساور } جمع سوار وهو معروف وذكر الراغب أنه معرب
~~دستواره { من فضة } هي فضة لائقة بتلك الدار والظاهر أن هذا عطف على

# ويطوف عليهم

# [الإنسان: 19] واختلافهما بالمضي والمضارعة لأن الحالية مقدمة على
~~الطواف المتجدد ولا ينافي ما هنا قوله تعالى:

# أساور من ذهب

# [فاطر: 33] لإمكان الجمع بتعدد الأساور لكل والمعاقبة بلبس الذهب تارة
~~والفضة أخرى والتبعيض بأن يكون أساور بعض ذهبا وبعض فضة لاختلاف
~~الأعمال. وقيل هو حال من ضمير { عليهم } بإضمار قد أو بدونه فإن
~~كان الضمير للطائفين على أن يكون (عاليهم) حالا من ضمير

# حسبتهم

# [الإنسان: 19] جاز أن يقال الفضة للخدم والذهب للمخدومين. وجوز أن يكون
~~المراد بالأساور الأنوار الفائضة على أهل الجنة المتفاوتة لتفاوت الأعمال
~~تفاوت الذهب والفضة والتعبير عنها بأساور الأيدي لأنه جزاء ما عملته
~~أيديهم ولا يخفى أن هذا مما لا يليق بالتفسير وحري أن يكون من باب
~~الإشارة.

# ثم إن التحلية إن كانت للولدان فلا كلام ويكونون على القول الثاني في

# مخلدون

# [الإنسان: 19] مسورين مقرطين وهو من الحسن بمكان، وإن كانت لأهل الجنة
~~المخدومين فقد استشكل بأنها لا تليق بالرجال وإنما تليق بالنساء
~~والولدان. وأجيب بأن ذلك مما يختلف باختلاف العادات والطبائع، ونشأة
~~الآخرة غير هذه النشأة ومن المشاهد في الدنيا أن بعض ملوكها يتحلون
~~بأعضادهم وعلى تيجانهم وعلى صدورهم ببعض أنواع الحلى مما هو / عند بعض ms11019
~~الطباع أولى بالنساء والصبيان ولا يرون ذلك بدعا ولا نقصا كل ذلك لمكان
~~الألف والعادة فلا يبعد أن يكون من طباع أهل الجنة في الجنة الميل إلى
~~الحلي مطلقا لا سيما وهم جرد مرد أبناء ثلاثين.

# وقيل إن الأساور إنما تكون لنساء أهل الجنة والصبيان فقط لكن غلب في
~~اللفظ جانب التذكير، وهو خلاف الظاهر كما لا يخفى.

# { وسقهم ربهم شرابا طهورا } هو نوع آخر يفوق النوعين
~~السابقين وهما ما مزج بالكافور وما مزج بالزنجبيل كما يرشد إليه إسناد
~~سقيه إلى رب العالمين ووصفه بالطهورية قال أبو قلابة يؤتون بالطعام
~~والشراب فإذا كان آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور فيطهر بذلك قلوبهم وبطونهم
~~ويفيض عرقا من جلودهم مثل ريح المسك. وعن مقاتل هو ماء عين على باب
~~الجنة من ساق شجرة من شرب منه نزع الله تعالى ما كان في قلبه من غش وغل
~~وحسد وما كان في جوفه من قذر وأذى أي إن كان فالطهور عليهما بمعنى المطهر
~~وقد تقدم في ذلك كلام فتذكر.

# وقال غير واحد أريد أنه في غاية الطهارة لأنه ليس برجس كخمر الدنيا التي
~~هي في الشرع رجس لأن الدار ليست دار تكليف أو لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي
~~الوضرة وتدوسه الأقدام الدنسة ولم يجعل في الدنان والأباريق التي لم يعن
~~بتنظيفها أو لأنه لا يؤل إلى النجاسة لأنه يرشح عرقا من أبدانهم له ريح
~~كريح المسك. وقيل أريد بذاك الشراب الروحاني لا المحسوس وهو عبارة عن
~~التجلي الرباني الذي يسكرهم عما سواه:

# صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا

# ونور ولا نار وروح ولا جسم

# ولعل كل ما ذكره ابن الفارض في خمريته التي لم يفرغ مثلها في كأس إشارة
~~إلى هذا الشراب وإياه عنى بقوله:

# سقوني وقالوا لا تغن ولو سقوا

# جبال حنين ما سقوني لغنت

# ويحكى أنه سئل أبو يزيد عن هذه الآية فقال سقاهم شرابا طهرهم به عن
~~محبة غيره ثم قال إن لله تعالى شرابا ادخره لأفاضل عباده يتولى سقيهم
~~إياه فإذا ms11020 شربوا طاشوا وإذا طاشوا طاروا وإذا طاروا وصلوا وإذا وصلوا
~~اتصلوا فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

# وحمل بعضهم جميع الأشربة على غير المتبادر منها فقال إن الأنوار الفائضة
~~من جواهر أكابر الملائكة وعظمائهم عليهم السلام على هذه الأرواح مشبهة
~~بالماء العذب الذي يزيل العطش ويقوي البدن وكما أن العيون متفاوتة في
~~الصفاء والكثرة والقوة فكذا ينابيع الأنوار العلوية مختلفة فبعضها
~~كافورية على طبع البرد واليبس ويكون صاحب ذلك في الدنيا في مقام الحزن
~~والبكاء والانقباض وبعضها يكون زنجبيليا على طبع الحر واليبس ويكون
~~صاحبه قليل الالتفات إلى السوى قليل المبالات بالأجسام والجسمانيات ثم لا
~~يزال الروح البشري منتقلا من ينبوع إلى ينبوع ومن نور إلى نور ولا شك أن
~~الأسباب والمسببات متناهية في ارتقائها إلى واجب الوجود الذي هو النور
~~المطلق جل جلاله فإذا وصل إلى ذلك المقام وشرب ذلك الشراب انهضمت تلك
~~الأشربة المتقدمة بل فنيت لأن نور ما سوى الله يضمحل في مقابلة نور جلال
~~الله سبحانه وكبريائه وذلك آخر سير الصديقين ومنتهى درجاتهم في الارتقاء
~~والكمال ولهذا ختم الله تعالى ذكر ثواب الأبرار بقوله جل وعلا {
~~وسقاهم ربهم شرابا طهورا }.

### || [76.22]

# { إن هذا } الذي ذكر من فنون الكرامات الجليلة الشأن { كان
~~لكم جزاء } بمقابلة أعمالكم الصالحة التي اقتضاها حسن استعدادكم
~~واختياركم. والظاهر أن المجىء بالفعل للتحقيق والدوام وجوز أن يكون
~~المراد كان في علمي وحكمي وكذا في قوله تعالى: { وكان سعيكم
~~مشكورا } أي مرضيا مقبولا أو مجازى عليه غير مضيع. والكلام على ما
~~روي عن ابن عباس على إضمار القول أي ويقال لهم بعد دخولهم الجنة
~~ومشاهدتهم ما أعد لهم إن هذا الخ والغرض أن يزداد سرورهم فإنه يقال
~~للمعاقب هذا بعملك الردىء فيزداد غمه وللمثاب هذا بطاعتك وعملك الحسن
~~فيزداد سروره ويكون ذلك تهنئة له /. وجوز أن يكون خطابا من الله تعالى
~~في الدنيا كأنه سبحانه بعد أن شرح ثواب أهل الجنة قال: إن هذا كان في
~~علمي وحكمي جزاء لكم يا معشر عبادي ms11021 وكان سعيكم مشكورا قيل وهو لا يغني
~~عن الإضمار ليرتبط بما قبله. وقد ذكر سبحانه من الجزاء ما تهش له الألباب
~~وأعقبه جل وعلا بما يدل على الرضا الذي هو أعلى وأغلى لدى الأحباب:

# إذا كنت عني يا منى القلب راضيا

# أرى كل من في الكون لي يتبسم

# وروي من طرق

# " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه السورة وقد أنزلت عليه وعنده
~~رجل من الحبشة أسود فلما بلغ صفة الجنان زفر زفرة خرجت نفسه فقال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم أخرج نفس صاحبكم الشوق إلى الجنة "

# ولما ذكر سبحانه أولا حال الإنسان وقسمه إلى الطائع والعاصي وأمعن جل
~~شأنه فيما أعده للطائع مشيرا إلى عظم سعة الرحمة ذكر ما شرف به نبيه صلى
~~الله عليه وسلم إزالة لوحشته وتقوية لقلبه فقال عز قائلا: { إنا
~~نحن نزلنا عليك القرءان تنزيلا }.

### || [76.23]

# أي أنزلناه مفرقا منجما في نحو ثلاث وعشرين سنة لحكم بالغة مقتضية له
~~لا غيرنا كما يعرب عنه تكرير الضمير مع { إن } سواء كان المنفصل
~~تأكيدا أو فصلا أو مبتدأ.

### || [76.24]

# { فاصبر لحكم ربك } بتأخير نصرك على الكفار فإن له عاقبة
~~حميدة { ولا تطع } قلة صبر منك على أذاهم وضجرا من تأخر نصرك {
~~منهم ءاثما أو كفورا } قيل إن (أو) لأحد الشيئين في جميع
~~مواقعها ويعرض لها معان أخر كالشك والإباحة وغيرهما فيكون أصل المعنى هنا
~~ولا تطع منهم أحد النوعين ولما كان أحد الأغلب عليه في غير الإثبات
~~العموم واحتمال غيره احتمال مرجوح صار المعنى على النهي عن إطاعة هذا
~~وهذا، ولم يؤت بالواو لاحتمال الكلام عليه النهي عن المجموع ويحصل
~~امتثاله بالانتهاء عن واحد دون الآخر، فلا يرد أن لا تطلع أحد النوعين
~~يحصل الامتثال به بترك إطاعة واحد مع إطاعة الآخر، إذ يقال لمن فعل ذلك
~~إنه لم يطع أحدهما ومن هنا قيل إن أو في الإثبات تفيد أحد الأمرين وفي
~~النفي تفيد نفي كلا الأمرين جميعا. ولعل ما ذكر في معنى كلام ms11022 ابن الحاجب
~~حيث قال إن وضع (أو) لإثبات الحكم لأحد الأمرين إلا أنه إن حصلت قرينة
~~يفهم معها أن أحد الأمرين غير حاجر عن الآخر مثل قولك جالس الحسن أو ابن
~~سيرين سمي إباحة وإن حجر فهو لأحد الأمرين. واستشكل بعضهم وقوعها في
~~النهي ك { لا تطع منهم ءاثما أو كفورا } إذ لو انتهى عن
~~أحدهما لم يمتثل ومن ثم حملها بعضهم يعني أبا عبيدة على أنها بمعنى الواو
~~والأولى أن تبقى على بابها وإنما جاء التعميم فيها من وراء ذلك وهو النهي
~~الذي فيه معنى النفي لأن المعنى قبل وجود النهي تطيع آثما أو كفورا أي
~~واحدا منهما فإذا جاء النهي ورد على ما كان ثابتا في المعنى فيصير
~~المعنى ولا تطع واحدا منهما فيجىء التعميم فيهما من جهة النهي وهي على
~~بابها فيما ذكر لأنه لا يحصل الانتهاء عن أحدهما حتى ينتهي عنهما بخلاف
~~الإثبات فإنه قد يفعل أحدهما دون الآخر انتهى وعليه ما قيل إن إفادة
~~العموم في النفي والنهي الذي في معناه لما أن تقيض الإيجاب الجزئي السلب
~~الكلي وقريب من ذلك قول الزجاج إن (أو) ههنا أوكد من الواو لأنك إذا قلت
~~لا تطع زيدا وعمرا فأطاع أحدهما كان غير عاص فإذا أبدلتها بأو فقد دللت
~~على أن كل واحد منهما أهل لأن يعصي ويعلم منه النهي عن إطاعتهما معا كما
~~لا يخفى. وأفاد جار الله أن (أو) باقية على حقيقتها وأن النهي عن
~~إطاعتهما جميعا إنما جاء من دلالة النص وهي المسمى مفهوم الموافقة
~~بقسميه الأولى والمساوي فتأمل.

# والمراد بالآثم والكفور جنسهما وتعليق النهي بذلك مشعر بعلية الوصفين له
~~فلا بد أن يكون النهي عن الإطاعة في الإثم والكفر لا فيما ليس بإثم ولا
~~كفر والمراد ولا تطع مرتكب الإثم الداعي لك إليه أو مرتكب الكفر الداعي
~~إليه أي لا تتبع أحدا من الآثم إذا دعاك إلى الإثم ومن الكفور إذا دعاك
~~إلى الكفر فإنه إذا قيل لا تطع / الظالم فهم منه لا تتبعه ms11023 في الظلم إذا
~~دعاك إليه، ومنع هذا الفهم مكابرة فلا يتم الاستدلال بالآية على عدم جواز
~~الاقتداء بالفاسق إذا صلى إماما، ثم إن التقسيم باعتبار ما يدعوان إليه
~~من الكفر والإثم المقابل له لا باعتبار الذوات حتى يكون بعضهم آثما
~~وبعضهم كفورا فيقال كيف ذلك وكلهم كفرة.

# والمبالغة في كفور قيل لموافقة الواقع وهذا كقوله تعالى

# لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة

# [آل عمران: 130] واعتبار رجوعها إلى النهي كاعتبار رجوعها إلى النفي على
~~ما قيل في قوله تعالى

# وما ربك بظلام للعبيد

# [فصلت: 46] كما ترى.

# وقيل الآثم المنافق والكفور المشرك المجاهر وقيل الآثم عتبة بن ربيعة
~~والكفور الوليد بن المغيرة لأن عتبة كان ركابا للمآثم متعاطيا لأنواع
~~الفسوق وكان الوليد غاليا في الكفر شديد الشكيمة في العتو. وعن مقاتل
~~أنهما قالا له صلى الله عليه وسلم ارجع عن هذا الأمر ونحن نرضيك بالمال
~~والتزويج فنزلت. وقيل الكفور أبو جهل والآية نزلت فيه والأولى ما تقدم.

# وفي النهي مع العصمة إرشاد لغير المعصوم إلى التضرع إلى الله تعالى
~~والرغبة إليه سبحانه في الحفظ عن الوقوع فيما لا ينبغي.

### || [76.25]

# وداوم على ذكره سبحانه في جميع الأوقات أو دم على صلاة الفجر والظهر
~~والعصر فإن الأصيل قد يطلق على ما بعد الزوال إلى المغرب فينتظمهما.

### || [76.26]

# { ومن اليل } أي بعضه { فاسجد } فصل { له } عز وجل على أن
~~السجود مجاز عن الصلاة بذكر الجزء وإرادة الكل، وحمل ذلك على صلاة المغرب
~~والعشاء. وتقديم الظرف للاعتناء والاهتمام لما في صلاة الليل من مزيد
~~كلفة وخلوص.

# { وسبحه ليلا طويلا } وتهجد له تعالى قطعا من الليل طويلا
~~فهو أمر بالتهجد على ما اختاره بعضهم وتنوين { ليلا } للتبعيض وأصل
~~التسبيح التنزيه ويطلق على مطلق العبادة القولية والفعلية، وعن ابن زيد
~~وغيره أن ذلك كان فرضا ونسخ فلا فرض اليوم إلا الخمس، وقال قوم هو محكم
~~في شأنه عليه الصلاة والسلام، وقال آخرون هو كذلك مطلقا على وجه الندب.
~~وفي تأخير الظرف قيل دلالة على أنه ليس بفرض كالذي ms11024 قبله وكذا في التعبير
~~عنه بالتسبيح وفيه نظر. وقال الطيبي الأقرب من حيث النظم أنه تعالى لما
~~نهى حبيبه صلى الله عليه وسلم عن إطاعة الآثم والكفور وحثه على الصبر على
~~أذاهم وإفراطهم في العداوة وأراد سبحانه أن يرشده إلى متاركتهم عقب ذلك
~~بالأمر باستغراق أوقاته بالعبادة ليلا ونهارا بالصلوات كلها من غير
~~اختصاص وبالتسبيح بما يطيق على منوال قوله تعالى

# ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون *
~~فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين

# [الحجر: 9798] انتهى وهو حسن.

### || [76.27]

# { إن هؤلآء } الكفرة { يحبون العاجلة } وينهمكون في
~~لذاتها الفانية { ويذرون وراءهم } أي أمامهم { يوما ثقيلا
~~} هو يوم القيامة وكونه أمامهم ظاهر أو يذرون وراء ظهورهم يوما ثقيلا
~~لا يعبؤن به، فالظرف قيل على الأول حال من { يوما } وعلى هذا ظرف {
~~ويذرون } ولو جعل على وتيرة واحدة في التعلق صح أيضا. ووصف اليوم
~~بالثقيل لتشبيه شدته وهوله بثقل شيء قادح باهظ لحامله بطريق الاستعارة،
~~والجملة كالتعليل لما أمر به ونهى عنه كأنه قيل لا تطعهم واشتغل بالأهم
~~من العبادة لأن هؤلاء تركوا الآخرة للدنيا فاترك أنت الدنيا وأهلها
~~للآخرة. وقيل إن هذا يفيد ترهيب محل العاجل وترغيب محل الآجل والأول علة
~~للنهي عن إطاعة الآثم والكفور والثاني علة للأمر بالعبادة.

### || [76.28]

# { نحن خلقنهم } لا غيرنا { وشددنا أسرهم } أي
~~أحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب والعروق. والأسر في الأصل الشد والربط وأطلق
~~على ما يشد به ويربط كما هنا وإرادة الأعصاب والعروق لشبهها بالحبال
~~المربوط بها ووجه الشبه ظاهر ومن هنا قد يقول العارف من كان أسره من ذاته
~~وسجنه دنياه في حياته فليشك مدة عمره وليتأسف على وجوده بأسره والمراد
~~شدة الخلق وكونه موثقا / حسنا ومنه فرس مأسور الخلق إذا كان موثقه
~~حسنا. وعن مجاهد الأسر الشرج وفسر بمجرى الفضلة وشد ذلك جعله بحيث إذا
~~خرج الأذى انقبض ولا يخفى أن هذا داخل في شدة الخلق وكونه موثقا حسنا.

# { وإذا شئنا بدلنا أمثلهم } أي أهلكناهم وبدلنا
~~أمثالهم في شدة الخلق { تبديلا } بديعا لا ريب ms11025 فيه يعني البعث
~~والنشأة الأخرى فالتبديل في الصفات لأن المعاد هو المبتدأ ولكون الأمر
~~محققا كائنا جيء بإذا وذكر المشيئة لإبهام وقته ومثله شائع كما يقول
~~العظيم لمن يسأله الأنعام إذا شئت أحسن إليه ويجوز أن يكون المعنى وإذا
~~شئنا أهلكناهم وبدلنا غيرهم ممن يطيع فالتبديل في الذوات و(إذا) لتحقق
~~قدرته تعالى عليه وتحقق ما يقتضيه من كفرهم المقتضي لاستئصالهم فجعل ذلك
~~المقدور المهدد به كالمحقق وعبر عنه بما يعبر به عنه ولعله الذي أراده
~~الزمخشري بما نقل عنه من قوله إنما جاز ذلك لأنه وعيد جيء به على سبيل
~~المبالغة كان له وقتا معينا ولا يعترض عليه بقوله تعالى:

# وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم

# [محمد: 38] لأن النكات لا يلزم اطرادها فافهم والوجه الأول أوفق بسياق
~~النظم الجليل.

### || [76.29]

# { إن هذه تذكرة } إشارة إلى السورة أو الآيات القرآنية {
~~فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } أي فمن شاء أن يتخذ إليه
~~تعالى سبيلا أي وسيلة توصله إلى ثوابه اتخذه أي تقرب إليه بالطاعة فهو
~~توصل أيضا السبيل للمقاصد.

### || [76.30]

# { وما تشاءون } أي شيئا أو اتخاذ السبيل { إلا أن يشاء
~~الله } أي إلا وقت مشيئة الله تعالى لمشيئتكم وقال الزمخشري أي وما
~~تشاؤن الطاعة إلا أن يشاء الله تعالى قسركم عليها وهو تحريف للآية بلا
~~دليل ويلزمه على ما في «الانتصاف» أن مشيئة العبد لا يوجد إلا إذا انتفت
~~وهو عن مذهب الاعتزال بمعزل وأبعد منزل، والظاهر ما قررنا لأن المفعول
~~المحذوف هو المذكور أولا كما تقول لو شئت لقتلت زيدا أي لو شئت القتل
~~لا لو شئت زيدا ولا يمكن للمعتزلة أن ينازعوا أهل الحق في ذلك لأن
~~المشيئة ليست من الأفعال الاختيارية وإلا لتسلسلت بل الفعل المقرون بها
~~منها فدعوى استقلال العبد مكابرة وكذلك دعوى الجبر المطلق مهاترة والأمر
~~بين الأمرين لإثبات المشيئتين. وحاصله على ما حققه الكوراني أن العبد
~~مختار في أفعاله وغير مختار في اختياره، والثواب والعقاب لحسن الاستعداد
~~النفس الأمري وسوئه فكل يعمل على شاكلته وسبحان من ms11026 أعطى كل شيء خلقه ثم
~~هدى.

# وفي «التفسير الكبير» هذه الآية من الآيات التي تلاطمت فيها أمواج القدر
~~والجبر فالقدري يتمسك بالجملة الأولى ويقول إن مفادها كون مشيئة العبد
~~مستلزمة للفعل وهو مذهبي، والجبري يتمسك بضم الجملة الثانية ويقول إن
~~مفادها أن مشيئة الله تعالى مستلزمة لمشيئة العبد فيتحصل من الجملتين أن
~~مشيئة الله تعالى مستلزمة لمشيئة العبد وأن مشيئة العبد مستلزمة لفعل
~~العبد كما تؤذن به الشرطية فإذن مشيئة الله تعالى مستلزمة لفعل العبد لأن
~~مستلزم المستلزم مستلزم وذلك هو الجبر وهو صريح مذهبي. وتعقب بأن هذا
~~ليس بالجبر المحض المسلوب معه الاختيار بالكلية بل يرجع أيضا إلى أمر
~~بين أمرين.

# وقدر بعض الأجلة مفعول { يشاء } الاتخاذ والتحصيل ردا للكلام على
~~الصدر فقال إن قوله سبحانه { وما تشاءون } الخ تحقيق للحق ببيان أن
~~مجرد مشيئتهم غير كافية في اتخاذ السبيل كما هو المفهوم من ظاهر الشرطية
~~أي وما تشاؤون اتخاذ السبيل ولا تقدرون على تحصيله في وقت من الأوقات إلا
~~وقت مشيئته تعالى اتخاذه وتحصيله لكم إذ لا دخل لمشيئة العبد إلا في
~~الكسب وإنما التأثير والخلق لمشيئة الله عز وجل وفيه نوع مخالفة للظاهر
~~كما لا يخفى. نعم قيل إن ظاهر الشرطية أن مشيئة العبد مطلقا مستلزمة
~~للفعل فيلزم أنه متى شاء فعلا فعله مع أن الواقع خلافه فلا بد مما قاله
~~هذا البعض وجعل الجملة الثانية تحقيقا للحق. وأجيب بأنها للتحقيق على
~~وجه آخر وذلك أن الأولى أفهمت الاستلزام والثانية بينت أن هذه المشيئة
~~المستلزمة لا تتحقق إلا وقت مشيئة الله تعالى إياها / فكأنه قيل وما
~~تشاؤون مشيئة تستلزم الفعل إلا وقت أن يشاء الله تعالى مشيئتكم تلك
~~فتأمل.

# وأنت تعلم أن هذه المسئلة من محار الأفهام ومزال أقدام أقوام بعد أقوام
~~وأقوى شبه الجبرية أنه قد تقرر أن الشيء ما لم يجب لم يوجد فإن وجب صدور
~~الفعل فلا اختيار وإلا فلا صدور، وبعبارة أخرى أن جميع ما يتوقف عليه
~~الفعل إذا تحقق فإما أن يلزم ms11027 الفعل فيلزم الاضطرار أولا فيلزم جواز تخلف
~~المعلول عن علته التامة بل مع الصدور الترجح بلا مرجح فقد قيل إنها نحو
~~شبهة ابن كمونة في التوحيد يصعب التفصي عنها. وللفقير العاجز جبر الله
~~تعالى فقره ويسر أمره عزم على تأليف رسالة إن شاء الله تعالى في ذلك
~~سالكا فيها بتوفيقه سبحانه أحسن المسالك وإن كان الكوراني قدس سره لم
~~يدع فيها مقالا وأوشك أن يدع كل من جاء بعد فيها بشيء عليه عيالا والله
~~تعالى الموفق.

# وقرأ العربيان وابن كثير (وما يشاؤون) بياء الغيبة وقرأ ابن مسعود (إلا
~~ما يشاء الله) و(ما) فيه مصدرية ك (أن) في قراءة الجماعة وقد أشرنا إلى
~~أن المصدر في محل نصب على الظرفية بتقدير المضاف الساد هو مسده وهو ما
~~اختاره غير واحد. وتعقبه أبو حيان بأنهم نصوا على أنه لا يقوم مقام الظرف
~~إلا المصدر المصرح [به] فلا يجوز أجيئك أن يصيح الديك أو ما يصيح الديك
~~وإنما يجوز أجيئك صياح الديك وكأنه لهذا قيل إن { أن يشاء } بتقدير
~~حرف الجر والاستثناء من أعم الأسباب أي وما تشاؤون بسبب من الأسباب إلا
~~بأن يشاء الله تعالى.

# { إن الله كان عليما } مبالغا في العلم فيعلم مشيئات العباد
~~المتعلقة بالأفعال التي سألوها بألسنة استعداداتهم { حكيما } مبالغا
~~في الحكمة فيفيض على كل ما هو الأوفق باستعداده وما هو عليه في نفس الأمر
~~من المشيئة، أو أنه تعالى مبالغ في العلم والحكمة فيعلم ما يستأهله كل
~~أحد من الطاعة وخلافها فلا يشاء لهم إلا ما يستدعيه علمه سبحانه وتقتضيه
~~حكمته عز وجل وقيل عليما أي يعلم ما يتعلق به مشيئة العباد من الأعمال
~~حكيما لا يشاء إلا على وفق حكمته وهو أن يشاء العبد فيشاء الرب سبحانه
~~وتعالى لا العكس ليتأتى التكليف من غير انفراد لأحد المشيئتين عن الأخرى
~~وفيه بحث.

### || [76.31]

# وقوله تعالى: { يدخل من يشاء فى رحمته } الخ بيان لما
~~تضمنته الجملة قبل، أي يدخل سبحانه في رحمته من يشاء أن يدخله فيها وهو
~~الذي ms11028 علم فيه الخير حيث يوفقه لما يؤدي إلى دخول الجنة من الإيمان
~~والطاعة { والظلمين } أي لأنفسهم وهم الذين علم فيهم الشر {
~~أعد لهم عذابا أليما } متناهيا في الإيلام ونصب (الظالمين)
~~بإضمار فعل يفسره { أعد } الخ وقدر يعذب وقد يقدر أوعد أو كافأ أو
~~شبه ذلك ولم يقدر أعد لأنه لا يتعدى باللام.

# وقرأ ابن الزبير وأبان بن عثمان وابن أبي عبلة (والظالمون) على
~~الابتداء وقراءة الجمهور أحسن وإن أوجبت تقديرا للطباق فيها وذهابه في
~~هذه إذ الجملة عليها إسمية والأولى فعلية، ولا يقال زيادة التأكيد في طرف
~~الوعيد مطلوبة لأنا نقول الأمر بالعكس لو حقق لسبق الرحمة الغضب. وقرأ
~~عبد الله (وللظالمين) بلام الجر فقيل متعلق بما بعد على سبيل التوكيد
~~وقيل هو بتقدير أعد للظالمين أعد لهم والجمهور على الأول.

# ثم إن هذه السورة وإن تضمنت من سعة رحمة الله عز وجل ما تضمنت إلا أنها
~~أشارت من عظيم جلاله سبحانه وتعالى إلى ما أشارت أخرج أحمد والترمذي
~~وحسنه وابن ماجه والضياء في «المختارة» والحاكم وصححه وغيرهم

# " عن أبي ذر قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { هل أتى على
~~الإنسان } [الإنسان: 1] حتى ختمها ثم قال إني أرى ما لا ترون وأسمع ما
~~لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك
~~واضع جبهته ساجدا لله تعالى والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا
~~ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون
~~إلى الله عز وجل "

# وهذا كالظاهر فيما قلنا نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الأبرار والمقربين
~~الأخيار فيرزقنا جنة وحريرا ويجعل سعينا لديه مشكورا بحرمة النبي صلى
~~الله عليه وسلم / وأهل بيته المطهرين من الرجس تطهيرا.

### | [77 - سورة المرسلات]

### || [77.1-5]

# قيل أقسم سبحانه بمن اختاره من الملائكة عليهم السلام على ما أخرجه عبد
~~بن حميد عن مجاهد فقيل المرسلات والعاصفات طوائف، والناشرات والفارقات
~~والملقيات طوائف أخرى، فالأولى طوائف أرسلت بأمره تعالى وأمرن بإنفاذه
~~فعصفن في المضي وأسرعن ms11029 كما تعصف الريح تخففا في امتثال الأمر وإيقاع
~~العذاب بالكفرة إنقاذا للأنبياء عليهم السلام ونصرة لهم والثانية طوائف
~~نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي ففرقن بين الحق والباطل فألقين
~~ذكرا إلى الأنبياء عليهم السلام، ولعل من يلقي الذكر لهم غير مختص
~~بجبريل عليه السلام بل هو رئيسهم، ويرشد إلى هذا حديث الرصد وفي بعض
~~الآثار «نزل إلي ملك بألوكة من ربي فوضع رجلا في السماء وثنى الأخرى
~~بين يدي» فالمرسلات صفة لمحذوف والمراد وكل طائفة مرسلة وكذا الناشرات.
~~ونصب { عرفا } على الحال والمراد متتابعة وكأن الأصل والمرسلات
~~متتابعة كالعرف وهو عرف الدابة كالفرس والضبع أعني الشعر المعروف على
~~قفاها فحذف متتابعة لدلالة التشبيه عليه ثم حذف أداة التشبيه مبالغة، ومن
~~هذا قولهم جاؤوا عرفا واحدا إذا جاؤوا يتبع بعضهم بعضا وهم عليه كعرف
~~الضبع إذا تألبوا عليه. ويؤخذ من كلام بعض أن العرف في الأصل ما ذكر ثم
~~كثر استعماله في معنى التتابع فصار فيه حقيقة عرفية أو على أنه مفعول له
~~على أنه بمعنى العرف الذي هو نقيض النكر أي والمرسلات للإحسان والمعروف
~~ولا يعكر على ذلك أن الإرسال لعذاب الكفار لأن ذلك إن لم يكن معروفا لهم
~~فإنه معروف للأنبياء عليهم السلام والمؤمنين الذين انتقم الله تعالى لهم
~~منهم وعطف (الناشرات) على ما قبل الواو ظاهر للتغاير بالذات بينهما وعطف
~~(العاصفات) على (المرسلات) و(الفارقات) على (الناشرات) وكذا ما بعد
~~بالفاء لتنزيل تغاير الصفات منزلة تغاير الذات كما في قوله:

# يا لهف زيابة للحارث الصابح فالغانم فالآيب

# وهي للدلالة على ترتيب معاني الصفات في الوجود أي الذي صبح فغنم فآب.
~~وترتيب مضي الأمر على / الإرسال به والأمر بانقاذه ظاهر وأما ترتيب إلقاء
~~الذكر إلى الأنبياء عليهم السلام على الفرق بين الحق والباطل مع ظهور
~~تأخر الفرق عن الإلقاء فقيل لتأويل الفرق بإرادته فحينئذ يتقدم على
~~الإلقاء. وقيل لتقدم الفرق على الإلقاء من غير حاجة إلى أن يؤول بإرادته
~~لأنه بنفس نزولهم بالوحي الذي هو الحق المخالف للباطل الذي ms11030 هو الهوى
~~ومقتضى الرأي الفاسد وإنما العلم به متأخر ومن هذا يظهر ترتيب الفرق على
~~نشر الأجنحة إذ الحاصل عليه نشرن أجنحتهن للنزول فنزلن فألقين وهو غير
~~ظاهر على ما قبله لأن إرادة الفرق تجامع النشر وكذا إرادته إذا أول أيضا
~~بحسب الظاهر بل ربما يقال إن تلك الإرادة قبل.

# وقيل إن الفاء في ذلك للترتيب الرتبي ضرورة أن إرادة الفرق أعلى رتبة
~~من النشر وقيل إنها فيه وفيما بعده لمجرد الإشعار بأن كلا من الأوصاف
~~المذكورة أعني النشر والفرق مستقل بالدلالة على استحقاق الطوائف الموصوفة
~~بها للتفخيم والإجلال بالإقسام بهن فإنه لو جيء بها على ترتيب الوقوع
~~لربما فهم أن مجموع الثلاثة المترتبة هو الموجب لما ذكر من الاستحقاق
~~واستعمال العاصفات بمعنى المسرعات سرعة الريح مجاز على سبيل الاستعارة
~~ولا يبعد أن يراد بالعاصفات المذهبات المهلكات بالعذاب الذي أرسلن به من
~~أرسلن إليه على سبيل الاستعارة أيضا أو المجاز المرسل. وعذرا ونذرا في
~~قوله تعالى: { عذرا أو نذرا }.

### || [77.6]

# جوز أن يكونا مصدرين من عذر إذا أزال الإساءة ومن أنذر إذا خوف جاءا على
~~فعل كالشكر والكفر والأول ظاهر لأن فعلا من مصادر الثلاثي وأما الثاني
~~فعلى خلاف القياس لأن قياس مصدر أفعل الأفعال وقيل هو اسم المصدر كالطاقة
~~أو مصدر نذر بمعنى أنذر وتسومح فيما تقدم، وأن يكونا جمع عذير بمعنى
~~المعذرة ونذير بمعنى الإنذار وانتصابهما على العلية والعامل فيهما
~~(الملقيات) أو (ذكرا) وهو بمعنى التذكير والعظة بالترغيب والترهيب أي
~~فالملقيات ذكرا لأجل العذر للمحقين أو لأجل النذر للمبطلين أو على
~~الحالية من (الملقيات) أو الضمير المستتر فيها على التأويل أي عاذرين أو
~~منذرين أو على البدلية من (ذكرا) على أن المراد به الوحي فيكونان بدل
~~بعض أو التذكير والعظة فيكونان بدل كل وأن يكونا وصفين بمعنى عاذرين
~~ومنذرين فنصبهما على الحالية لا غير و(أو) في جميع ذلك للتنويع لا
~~للترديد ومن ثم قال الدينوري في «مشكل القرآن» إنها بمعنى الواو.

# وقيل الثانية طوائف نشرن الشرائع في الأرض ms11031 إلى آخر ما تقدم ووجه العطف
~~بأن المراد أردن النشر فنزلن فألقين واحتيج للتأويل لمكان الإلقاء إلى
~~الأنبياء عليهم السلام وإلا فهو لا يحتاج إليه في النشر والفرق لظهور
~~ترتب الفرق على النشر كذا قيل فلا تغفل. وقيل طوائف نشرن النفوس الموتى
~~بالكفر والجهل بما أوحين ففرقن الخ والنشر على هذا بمعنى الإحياء وفيما
~~قبله بمعنى الإشاعة، وقيل لا مغايرة بين الكل إلا بالصفات وهم جميعا من
~~الملائكة على الأقوال السابقة بيد أنه لم يعتبر هذا القائل تفسير النشر
~~بنشر الأجنحة فقال أقسم سبحانه بطوائف من الملائكة أرسلهن عز وجل بأوامره
~~متتابعة فعصفن عصف الرياح في الامتثال ونشرن الشرائع في الأرض أو نشرن
~~النفوس الموتى بالجهل بما أوحين من العلم ففرقن بين الحق والباطل فألقين
~~إلى الأنبياء ذكرا، وظاهره أيضا أن الإرسال للأنبياء بالشرائع من الأمر
~~والنهي بناء على أن الأوامر جمع جمع مخصوص بالأمر مقابل النهي ففي كلامه
~~الاكتفاء. وخص الأمر بالذكر قيل لأنه أهم مع أنه لا يؤدي ما يراد من
~~النهي بصيغته كدع مثلا.

# وقيل في عطف { الناشرات } بالواو دون الفاء وعطف { فالفارقات
~~} به أن النشر عليه بمعنى الإشاعة للشرائع وهو يكون بعد الوحي والدعوة
~~والقبول ويقتضي زمانا فلذا جيء بالواو ولم يقرن بالفاء التعقيبية وإذا
~~حصل النشر ترتب عليه الفرق من غير مهلة ولا يتوهم أنه كان حق الناشرات
~~حينئذ ثم لأنه لا يتعلق القصد / ههنا بالتراخي ويبقى الكلام في وجه
~~تقديم نشر الشرائع أو نشر النفوس والفرق على الإلقاء مع أنهما بعده في
~~الواقع فقيل الإيذان بكونهما غاية للإلقاء حقيقة بالاعتناء أو الإشعار
~~بأن كلا من الأوصاف مستقل بالدلالة على استحقاق التعظيم كما سمعت على أن
~~باب التأويل واسع فتذكر.

# وقيل أقسم سبحانه بإفراد نوعين من الرياح فيقدر للمرسلات موصوف
~~وللناشرات موصوف آخر ويراد بالمرسلات الرياح المرسلة للعذاب لأن الإرسال
~~شاع فيه وبالناشرات رياح رحمة وحاصله أنه جل وعلا أقسم برياح عذاب أرسلهن
~~فعصفن ورياح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقنه على البقاع فألقين ذكرا ms11032
~~إما عذرا للذين يعتذرون إلى الله تعالى بتوبتهم واستغفارهم إذا شاهدوا
~~آثار رحمته تعالى في الغيث وإما إنذارا للذين يكفرون ذلك وينسبونه إلى
~~الأنواء ونحوها. وإسناد إلقاء الذكر إليهن لكونهن سببا في حصوله إذا
~~شكرت النعمة فيهن أو كفرت فالتجوز في الإسناد. والمراد بعرفا متتابعة أو
~~الناشرات رياح رحمة نشرن النبات وأبرزنه أي صرن سببا لذلك بنشر السحاب
~~وإدراره ففرقن كل صنف منه عن سائر الأصناف بالشكل واللون وسائر الخواص
~~فتسببن ذكرا إما عذرا للشاكرين وإما نذرا للكافرين.

# وقيل أقسم سبحانه أولا بالرياح وثانيا بسحائب نشرن الموات ففرقن بين
~~من يشكر وبين من يكفر كقوله تعالى:

# لأسقينهم ماء غدقا * لنفتنهم فيه

# [الجن: 1617] فتسببن ذكرا إما وإما. وقيل أقسم جل وعلا بآيات القرآن
~~المرسلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلا وإحسانا أو شيئا بعد
~~شيء لأنها نزلت منجمة فعصفن وأذهبن سائر الكتب بالنسخ ونشرن آثار الهدى
~~في مشارق الأرض ومغاربها وفرقن بين الحق والباطل فألقين ذكر الحق في
~~أكناف العالمين. وقيل أقسم جل جلاله برسله من البشر أرسلوا إحسانا
~~وفضلا كما هو المذهب الحق لا وجوبا كما زعم من زعم فاشتدوا وعظم أمرهم
~~ونشروا دينهم وما جاؤا به ففرقوا بين الحق والباطل والحلال والحرام
~~فألقوا ذكرا بين المكلفين، ويجوز أن يراد على هذا بعرفا متتابعة.

# وقيل أقسم تبارك وتعالى بالنفوس الكاملة أي المخلوقة على صفة الكمال
~~والاستعداد لقبول ما كلفت به وخلقت لأجله المرسلة إحسانا إلى الأبدان
~~لاستكمالها فعصفهن وأذهبن ما سوى الحق بالنظر في الأدلة الحقة ففرقن بين
~~الحق المتحقق بذاته الذي لا مدخل للغير فيه وهو واجب الوجود سبحانه وبين
~~الباطل المعدوم في نفسه فرأين كل شيء هالكا إلا وجهه فألقين في القلوب
~~والألسنة ومكن فيها ذكره تعالى فليس في قلوبها وألسنتها إلا ذكره عز وجل
~~أو طرحن ذكر غيره سبحانه عن القلوب والألسنة فلا ذكر فيها لما عداه. وقيل
~~الثلاثة الأول الرياح والأخيرتان الملائكة عليهم السلام وقيل بالعكس
~~والمناسبة باللطافة وسرعة الحركة وقيل الأولتان الملائكة إلا ms11033 أن المرسلات
~~ملائكة الرحمة والعاصفات ملائكة العذاب والثلاثة الأخيرة آيات القرآن
~~النازلة بها الملائكة.

# وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من وجه عن أبي صالح أنه قال: {
~~والمرسلت عرفا } الرسل ترسل بالمعروف { فالعصفت
~~عصفا } الريح { والنشرت نشرا } المطر { فالفرقت
~~فرقا } الرسل ومن وجه آخر { والمرسلت عرفا } الملائكة {
~~فالعصفت عصفا } الرياح العواصف { والنشرت نشرا }
~~الملائكة ينشرون الكتب أي كتب الأعمال كما جاء مصرحا به في بعض الروايات
~~{ فالفرقت فرقا } الملائكة يفرقون بين الحق والباطل {
~~فالملقيت ذكرا } الملائكة أيضا يجيؤون بالقرآن والكتاب {
~~عذرا أو نذرا } منه تعالى إلى الناس وهم الرسل يعذرون وينذرون
~~وعن أبي صالح روايات أخر في ذلك وكذا عن أجلة الصحابة والتابعين فعن ابن
~~مسعود وأبي هريرة ومقاتل { المرسلت } الملائكة أرسلت بالعرف ضد
~~النكر وهو الوحي وفي أخرى عن ابن مسعود أنها الرياح وفسر {
~~العصفت } بالشديدات الهبوب وروي تفسير المرسلات بذلك عن ابن
~~عباس ومجاهد وقتادة وفي أخرى عن ابن عباس / أنها جماعة الأنبياء أرسلت
~~إفضالا من الله تعالى على عباده.

# وعن أبي مسعود { النشرت } الرياح تنشر رحمة الله تعالى ومطره
~~وروى عن مجاهد وقتادة وقال الربيع الملائكة تنشر الناس من قبورهم قال
~~الضحاك الصحف تنشر على الله تعالى بأعمال العباد وعليه تكون {
~~النشرت } على معنى النسب وعن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك
~~{ الفارقات } الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام وقال
~~قتادة والحسن وابن كيسان آيات القرآن فرقت بين ما يحل وما يحرم وعن مجاهد
~~أيضا الرياح تفرق بين السحاب فتبدده وعن ابن عباس وقتادة والجمهور
~~الملقيات الملائكة تلقي ما حملت من الوحي إلى الأنبياء وعن الربيع آيات
~~القرآن ومن الناس من فسر { العصفت } بالآيات المهلكة كالزلازل
~~والصواعق وغيرها ومنهم من فسر { الفارقات } بالسحائب الماطرة على
~~تشبيهها بالناقة الفاروق وهي الحامل التي تجزع حين تضع ومنهم من فسرها
~~بالعقول تفرق بين الحق والباطل والصحيح والفاسد إلى غير ذلك من الروايات
~~والأقوال التي لا تكاد تنضبط. والذي إخاله أظهر كون المقسم به شيئين
~~المرسلات العاصفات والناشرات الفارقات الملقيات ms11034 لشدة ظهور العطف بالواو
~~في ذلك وكون الكل من جنس الريح لأنه أوفق بالمقام المتضمن لأمر الحشر
~~والنشر لما أن الآثار المشاهدة المترتبة على الرياح ترتبا قريبا
~~وبعيدا تنادي بأعلى صوت حتى يكاد يشبه صوت النفخ في الصور على إمكان ذلك
~~وصحته ودخوله في حيطة مشيئة الله تعالى وعظيم قدرته، ومع هذا الأقوال
~~كثيرة لديك وأنت غير مجحود عليك فاختر لنفسك ما يحلو.

# وقرأ عيسى (عرفا) بضمتين نحو { نكر } في

# نكر

# [القمر: 6] وقرأ ابن عباس (فالملقيات) بالتشديد من التلقية وقيل وهي
~~كالإلقاء إيصال الكلام إلى المخاطب يقال لقيته الذكر فتلقاه وذكر المهدوي
~~أنه رضي الله تعالى عنه قرأ (فالملقيات) بفتح اللام وتشديد القاف اسم
~~مفعول أي ملقية من الله عز وجل وقرأ زيد بن ثابت وابن خارجة وطلحة وأبو
~~جعفر وأبو حيوة وعيسى والحسن بخلاف والأعشى عن أبي بكر (عذرا أو نذرا)
~~بضم الذالين وقرأ الحرميان وأبو عامر وأبو بكر وزيد بن علي وشيبة وأبو
~~جعفر أيضا بسكون الذال في (عذرا) وضمها في { نذرا } وقرأ إبراهيم
~~التيمي (ونذرا) بالواو.

### || [77.7]

# وقوله تعالى: { إنما توعدون لوقع } جواب للقسم و(ما) موصولة
~~وإن كتبت موصولة والعائد محذوف أي إن الذي توعدونه من مجيء القيامة كائن
~~لا محالة. وجوز أن يراد بالموصول جميع ما تضمنته السورة السابقة وهو خلاف
~~الظاهر جدا.

### || [77.8]

# أزيل أثرها بإزالة نورها أو بإعدام ذاتها وإذهابها بالكلية. وكل من
~~الأمرين سيكون وليس من المحال في شيء وما زعمه الفلاسفة المتقدمون في أمر
~~تلك الأجرام واستحالة التحلل والعدم عليها أوهن من بيت العنكبوت وما زعمه
~~المعاصرون منهم فيها وإن كان غير ثابت عندنا إلا أن إمكان الطمس عليه في
~~غاية الظهور.

### || [77.9]

# شقت كما قال سبحانه

# إذا السمآء انشقت

# [الانشقاق: 1]

# ويوم تشقق السمآء بالغمام

# [الفرقان: 25] وقيل فتحت كما قال سبحانه

# وفتحت السمآء فكانت أبوابا

# [النبأ: 19] وأنشد سيبويه:

# الفارجي باب الأمير المبهم

# ولا مانع من ذلك أيضا سواء كانت السماء جسما صلبا أو جسما لطيفا،
~~وأدلة استحالة الخرق والالتئام فيها خروق لا ms11035 تلتئم.

### || [77.10]

# جعلت كالحب الذي ينسف بالمنسف ونحوه

# وبست الجبال بسا

# [الواقعة: 5]

# وكانت الجبال كثيبا مهيلا

# [المزمل: 14] قال في «البحر» ((فرقتها الرياح وذلك بعد التسيير، وقيل
~~ذلك جعلها هباء))، وقيل { نسفت } أخذت من مقارها بسرعة من انتسفت
~~الشيء إذا اختطفته.

# وقرأ عمرو بن ميمون (طمست) و(فرجت) بتشديد الميم والراء وذكر في
~~«الكشاف» أن الأفعال الثلاثة قرئت بالتشديد.

### || [77.11]

# أي بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره وهو يوم القيامة، وجوز أن يكون المعنى
~~عين لها الوقت الذي تحضر فيه للشهادة على الأمم وذلك / عند مجيئه وحصوله
~~والوجه هو الأول كما قال جار الله وتحقيقه كما في «الكشف» أن توقيت الشيء
~~تحديده وتعيين وقته فإيقاعه على الذوات بإضمار لأن المؤقت هو الأحداث لا
~~الجثث و يجىء بمعنى جعل الشيء منتهيا إلى وقته المحدود وعلى هذا يقع
~~عليها دون إضمار إذا كان بينها وبين ذلك الوقت ملابسة وإنما كان لوجه لأن
~~القيامة ليست وقتا يتبين فيه وقت الرسل الذي يحضرون فيه للشهادة بل هي
~~نفس ذلك الوقت { وإذا الرسل أقتت } يقتضي ذلك لأنك إذا قلت
~~إذا أكرمتني أكرمتك اقتضى أن يكون زمان إكرام المخاطب للمتكلم هو ما دل
~~عليه { إذا } سواء جعل الظرف معموله أو معمول الجزاء أي فلا بد من
~~التأويل وقد أشير إليه في ضمن التفسير.

# وقرأ النخعي والحسن وعيسى وخالد (أقتت) بالهمزة وتخفيف القاف وقرأ أبو
~~الأشهب وعمرو بن عبيد وأبو عمرو وعيسى أيضا (وقتت) بالواو على الأصل لأن
~~الهمزة مبدلة من الواو المضمومة ضمة لازمة وهو أمر مطرد كما بين في محله
~~وقال عيسى (وقتت) لغة سفلى مضر وقرأ عبد الله والحسن وأبو جعفر (وقتت)
~~بواو واحدة وتخفيف القاف وقرأ الحسن أيضا (ووقتت) بواوين على وزن فوعلت
~~و(إذا) في جميع ما تقدم شرطية.

### || [77.12]

# وقوله تعالى: { لأي يوم أجلت } قيل مقول لقول مقدر هو جواب {
~~إذا } أي يقال: لأي يوم الخ وجعل التأجيل بمعنى التأخير من قولهم دين
~~مؤجل في مقابل الحال والضمير لما يشعر به الكلام والاستفهام للتعظيم
~~والتعجيب ms11036 من هول ذلك اليوم أي إذا كان كذا وكذا يقال لأي يوم أخرت الأمور
~~المتعلقة بالرسل من تعذيب الكفرة وإهانتهم وتنعيم المؤمنين ورعايتهم
~~وظهور ما كانت الرسل عليهم السلام تذكره من الآخرة وأحوالها وفظاعة
~~أمورها وأهوالها. وجوز أن يكون الضمير للأمور المشار إليها فيما قبل من
~~طمس النجوم وفرج السماء ونسف الجبال وتأقيت الرسل وأن يكون للرسل إلا أن
~~المعنى على نحو ما تقدم. وقيل أن يكون القول المقدر في موضع الحال من
~~مرفوع

# أقتت

# [المرسلات: 11] أي مقولا فيها لأي يوم أجلت وأن تكون الجملة نفسها من
~~غير تقدير قول في موضع المفعول الثاني لأقتت على أنه بمعنى أعلمت كأنه
~~قيل وإذا الرسل أعلمت وقت تأجيلها أي بمجيئه وحصوله وجواب { إذا } على
~~الوجهين قيل قوله تعالى الآتي:

# ويل يومئذ للمكذبين

# [المرسلات: 15] وجاء حذف الفاء في مثله وقيل محذوف لدلالة الكلام عليه
~~أي وقع الفصل أو وقع ما توعدون واختار هذا أبو حيان، ويجوز على احتمال
~~كون الجواب { ويل يومئذ للمكذبين } أو تقدير المقدر
~~مؤخرا كون جملة { لأي يوم أجلت } اعتراضا لتهويل شأن ذلك
~~اليوم.

### || [77.13]

# وقوله تعالى: { ليوم الفصل } بدل من

# لأي يوم

# [المرسلات: 12] مبين له، وقيل متعلق بمقدر تقديره أجلت ليوم الفصل بين
~~الخلائق.

### || [77.14]

# أي أي شيء جعلك داريا ما هو، على أن (ما) الأولى مبتدأ و { أدراك }
~~خبره و(ما) الثانية خبر مقدم و(يوم) مبتدأ مؤخر لا بالعكس كما اختاره
~~سيبويه لأن محط الفائدة بيان كون يوم الفصل أمرا بديعا لا يقادر قدره
~~ولا يكتنه كنهه كما يفيده خبرية (ما) لا بيان كون أمر بديع من الأمور يوم
~~الفصل كما يفيده عكسه. ووضع الظاهر موضع الضمير لزيادة التفظيع والتهويل
~~المقصودين من الكلام.

### || [77.15]

# أي في ذلك اليوم الهائل وويل في الأصل مصدر بمعنى هلاك وكان حقه النصب
~~بفعل من لفظه أو معناه إلا أنه رفع على الابتداء للدلالة على ثبات الهلاك
~~ودوامه للمدعو عليه و(يومئذ) ظرفه أو صفته فمسوغ الابتداء به ظاهر
~~والمشهور أن مسوغ ذلك كونه للدعاء ms11037 كما في

# سلام عليكم

# [الرعد: 24].

### || [77.16]

# كقوم نوح وعاد وثمود. وقرأ قتادة (نهلك) بفتح النون على أنه من هلكه
~~بمعنى أهلكه ومنه هالك بمعنى مهلك كما هو الظاهر في قول العجاج:

# ومهمه هالك من تعرجا

# هائلة أهواله من أدرجا

# / لئلا يلزم حذف الضمير مع حرف الجر أعني به أو فيه وليناسب ما في الشطر
~~الثاني.

### || [77.17]

# بالرفع على الاستئناف وهو وعيد لأهل مكة وإخبار عما يقع بعد الهجرة كبدر
~~كأنه قيل ثم نحن نفعل بأمثالهم من الآخرين مثل ما فعلنا بالأولين ونسلك
~~بهم سبيلهم لأنهم كذبوا مثل تكذيبهم ويقويه قراءة عبد الله (ثم سنتبعهم)
~~بسين الاستقبال. وجوز العطف على قوله تعالى:

# ألم نهلك

# [المرسلات: 16] إلى آخره وقرأ الأعرج والعباس عن أبي عمرو (نتبعهم)
~~بإسكان العين فحمل على الجزم والعطف على (نهلك) فيكون المراد بالآخرين
~~المتأخرين هلاكا من المذكورين كقوم لوط وشعيب وموسى عليهم السلام دون
~~كفار أهل مكة لأنهم بعد ما كانوا قد أهلكوا والعطف على (نهلك) يقتضيه.
~~وجوز أن يكون قد سكن تخفيفا كما في

# وما يشعركم

# [الأنعام: 109] فهو مرفوع كما في قراءة الجمهور إلا أن الضمة مقدرة.

### || [77.18]

# { كذلك } مثل ذلك الفعل الفظيع { نفعل بالمجرمين } أي
~~بكل من أجرم والمراد أن سنتنا جارية على ذلك.

### || [77.19]

# { ويل يومئذ } أي يوم إذا أهلكناهم { للمكذبين } بآيات
~~الله تعالى وأنبيائه عليهم السلام. وليس فيه تكرير لما أن الويل الأول
~~لعذاب الآخرة وهذا لعذاب الدنيا وقيل لا تكرير لاختلاف متعلق المكذبين في
~~الموضعين بأن يكون متعلقه هنا ما سمعت وفيما تقدم

# يوم الفصل

# [المرسلات: 13] ونحوه وكذا يقال فيما بعد. وجوز اعتبار الاتحاد والتأكيد
~~أمر حسن لا ضير فيه.

### || [77.20-22]

# من نطفة قذرة مهينة. وليس فيه دليل على نجاسة المني.

# { فجعلناه في قرار مكين } هو الرحم.

# { إلى قدر معلوم } أي مقدار معلوم عند الله تعالى من الوقت
~~قدره سبحانه للولادة تسعة أشهر أو أقل منها أو أكثر.

### || [77.23]

# { فقدرنا } أي فقدرنا ذلك تقديرا { فنعم القدرون } أي
~~فنعم المقدرون له نحن، وجوز أن يكون ms11038 المعنى فقدرنا على ذلك فنعم القادرون
~~عليه نحن، والأول أولى لقراءة علي كرم الله تعالى وجهه ونافع والكسائي
~~(فقدرنا) بالتشديد ولقوله تعالى

# من نطفة خلقه فقدره

# [عبس: 19] ولقوله سبحانه

# إلى قدر معلوم

# [المرسلات: 22] فزاده تفخيما بأن جعلت الغاية مقصودة بنفسها فقيل
~~فقدرنا ذلك تقديرا أي تقديرا دالا على كمال القدرة وكمال الرحمة على
~~أن حديث القدرة قد تم في قوله تعالى:

# ألم نخلقكم

# [المرسلات: 20] وقول الطيبي في ترجيح الثاني إثبات القدرة أولى لأن
~~الكلام مع المنكرين لا وجه له إذ لا أحد ينكر هذه القدرة ولو سلم فقد
~~قرروا بها بقوله تعالى { ألم نخلقكم } فتأمل.

### || [77.24]

# أي بقدرتنا على ذلك أو الإعادة.

### || [77.25]

# الكفات اسم جنس أو اسم آلة لما يكفت أي يضم ويجمع من كفت الشيء إذا ضمه
~~وجمعه كالضمام والجماع لما يضم ويجمع وأنشدوا قول الصمصامة بن الطرماح:

# فأنت اليوم فوق الأرض حي

# وأنت غدا تضمك في كفات

# وعن أبي عبيدة تفسيره بالوعاء.

### || [77.26]

# وقوله تعالى: { أحياء وأموتا } مفعول لفعل محذوف لا لكفاتا لأن
~~اسم الجنس وكذا اسم الآلة كما صرح به النحاة لا يعمل أي ألم نجعلها
~~كفاتا تكفت وتجمع أحياء كثيرة على ظهرها وأمواتا غير محصورة في بطنها.
~~وقيل هو مصدر كالقتال نعت به للمبالغة فلا يحتاج إلى تقدير فعل. وقيل جمع
~~كافت كصيام وصائم فلا يحتاج إلى تقدير أيضا أو جمع كفت بكسر الكاف وسكون
~~الفاء وهو الوعاء كقدح وقداح. وأجري على الأرض مع جمعه وإفرادها باعتبار
~~أقطارها. وجوز انتصاب الجمعين على الحالية من مفعول

# كفاتا

# [المرسلات: 25] المحذوف والتقدير كفاتا إياهم أو إياكم أو كفاتا الإنس
~~أحياء وأمواتا أو من مفعول حذف مع فعله أي كفاتا تكفتهم أو تكفتكم أو
~~تكفت الإنس أحياء وأمواتا وأن يكون انتصابهما على المفعولية لنجعل
~~بتقدير مضاف أي ذات أحياء وأموات أو على أن المراد بأمواتا الأرض الموات
~~على ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد / وبأحياء ما يقابلها وانتصاب {
~~كفاتا } على الحالية من (الأرض) وأنت تعلم أن انتصابهما على ms11039 المفعولية
~~أظهر وبعده انتصابهما على الحالية من محذوف وتنوينهما على ما سمعت أولا
~~للتكثير وجوز أن يكون للتبعيض بإرادة أحياء الإنس وأمواتهم وهم ليسوا
~~بجميع الأحياء والأموات ولا ينافي ذلك التفخيم نظرا إلى أنه بعض غير
~~محصور كثير في نفسه فلا تغفل.

# واستدل إلكيا بالآية على وجوب مواراة الميت ودفنه. وقال ابن عبد البر
~~احتج ابن القاسم بها على قطع النباش لأنه تعالى جعل القبر للميت كالبيت
~~للحي فيكون حرزا ولا يخفى ضعف الاستدلالين.

### || [77.27]

# { وجعلنا فيها رواسى } أي جبالا ثوابت { شمخت }
~~مرتفعات ومنه شمخ بأنفه. ووصف جمع المذكر بجمع المؤنث في غير العقلاء
~~مطرد

# أشهر معلومات

# [البقرة: 197] وتنكيرها للتفخيم، أو للإشعار بأن في الأرض جبالا لم
~~تعرف ولم يوقف عليها فأرض الله تعالى واسعة وفيها ما لم يعلمه إلا الله
~~عز وجل. وقيل للإشعار بأن في الجبال ما لم يعرف وهو الجبال السماوية وهو
~~مما يوافق أهل الفلسفة الجديدة إذ قالوا بوجود جبال كثيرة في القمر وظنوا
~~وجودها في غيره. وتعقب بأنه تفسير بما لم يعرف.

# { وأسقينكم ماء فراتا } أي عذبا وذلك بأن خلقناه في
~~أصولها وأجريناه لكم منها في أنهار وأنبعناه في منابع تستمد مما
~~استودعناه فيها. وقد يفسر بما هو أعم من ذلك والماء المنزل من السماء.

### || [77.28]

# بأمثال هذه النعم العظيمة.

### || [77.29]

# { انطلقوا } أي يقال لهم يومئذ للتوبيخ والتقريع انطلقوا { إلى
~~ما كنتم به تكذبون } في الدنيا من العذاب.

### || [77.30]

# { انطلقوا } أي خصوصا فليس تكرارا للأول وقيل هو تكرار له وإن قيد
~~بقوله تعالى: { إلى ظل } هو ظل دخان جهنم كما قاله جمهور المفسرين
~~فهو كقوله تعالى

# وظل من يحموم

# [الواقعة: 43] وفيه استعارة تهكمية. وقرأ رويس عن يعقوب (انطلقوا) بصيغة
~~الماضي وهو استئناف بياني كأنه قيل فما كان بعد الأمر فقيل انطلقوا إلى
~~ظل { ذى ثلث شعب } متشعب لعظمه ثلاث شعب كما هو شأن الدخان
~~العظيم تراه يتفرق تفرق الذوائب، وفي بعض الآثار يخرج لسان من النار
~~فيحيط بالكفار كالسرادق ويتشعب من دخانها ثلاث شعب فتظلهم ms11040 حتى يفرغ من
~~حسابهم والمؤمنون في ظل العرش.

# وخصوصية الثلاث قيل إما لأن حجاب النفس عن أنوار القدس الحس والخيال
~~والوهم أو لأن المؤدى إلى هذا العذاب هو القوة الوهمية الشيطانية الحالة
~~في الدماغ والقوة الغضبية السبعية التي عن يمين القلب والقوة الشهوية
~~البهيمية التي عن يساره ولذلك قيل تقف شعبة فوق الكافر وشعبة عن يمينه
~~وشعبة عن يساره. وقيل لأن تكذيبهم بالعذاب يتضمن تكذيب الله تعالى وتكذيب
~~رسوله صلى الله عليه وسلم فهناك ثلاثة تكذيبات واعتبر بعضهم التكذيب
~~بالعذاب أصلا والشعب الثلاث التكذيبان المذكوران وتكذيب العقل الصريح
~~فتأمل وعن ابن عباس يقال ذلك لعبدة الصليب فالمؤمنون في ظل الله عز وجل
~~وهم في ظل معبودهم وهو الصليب له ثلاث شعب.

### || [77.31]

# { لا ظليل } أي لا مظلل وهو صفة ثانية لظل. ونفي كونه مظللا عنه
~~والظل لا يكون إلا مظللا للدلالة على أن جعله ظلا تهكم بهم ولأنه ربما
~~يتوهم أن فيه راحة لهم فنفى هذا الاحتمال بذلك. وفيه تعريض بأن ظلهم غير
~~ظل المؤمنين { ولا يغنى من اللهب } وغير مفيد في وقت من
~~الأوقات من حر اللهب شيئا وعد { يغنى } بمن لتضمنه معنى يبعد.

# واشتهر أن هذه الآية تشير إلى قاعدة هندسية وهي أن الشكل المثلث لا ظل
~~له فانظر هل تتعقل ذلك؟

### || [77.32]

# { إنها } أي النار الدال عليها الكلام وقيل الضمير للشعب { ترمى
~~بشرر } هو ما تطاير من النار سمي بذلك لاعتقاد الشر فيه وهو اسم جنس
~~جمعي واحده شررة { كالقصر } كالدار الكبيرة / المشيدة والمراد كل
~~شررة كذلك في العظم ويدل على إرادة ذلك ما بعد ويؤيده قراءة ابن عباس
~~وابن مقسم (بشرار) بكسر الشين وألف بين الراءين فإن الظاهر أنه جمع شررة
~~كرقبة ورقاب فيدل على أن المشبه بالقصر الواحدة وكذا قراءة عيسى (بشرار)
~~بفتح الشين وألف بين الراءين أيضا فقد قيل إنه جمع لشرارة لا مفرد. وجوز
~~على قراءة الكسر أن يكون جمع شر غير أفعل التفضيل كخيار جمع خير وهو
~~حينئذ صفة أقيمت مقام موصوفها ms11041 أي ترمي بقوم شرار وهو خلاف الظاهر. وقيل
~~القصر الغليظ من الشجر واحده قصرة نحو جمرة وجمر وقيل قطع من الخشب قدر
~~الذراع وفوقه ودونه يستعد به للشتاء واحده كذلك فالتشبيه من تشبيه الجمع
~~بالجمع من غير احتياج للتأويل بما مر إلا أن التهويل على القول الأخير
~~دونه على غيره.

# وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن جبير والحسن وابن مقسم (كالقصر) بفتح القاف
~~والصاد وهي أصول النخل وقيل أعناقها واحدها قصرة كشجرة وشجر وفي «كتاب
~~النبات» الحبة لها قشرتان التحتية تسمى قشرة والفوقية تسمى قصرة ومنه
~~قوله تعالى { كالقصر } وهو غريب. وقرأ ابن مسعود (كالقصر) بضمتين
~~جمع قصر كرهن ورهن وفي «البحر» كأنه مقصور من القصور كالنجم من النجوم
~~وهو مخالف للظاهر لأن مثله ضرورة أو شاذ نادر. وقرأ ابن جبير والحسن
~~أيضا (كالقصر) بكسر القاف وفتح الصاد جمع قصرة بفتحتين كحلقة من الحديد
~~وحلق وحاجة وحوج وبعض القراء (كالقصر) بفتح القاف وكسر الصاد وهو بمعنى
~~القصر في قراءة الجمهور.

### || [77.33]

# { كأنه } أي الشرر { جملت } بكسر الجيم كما قرأ به حمزة
~~والكسائي وحفص وأبو عمرو في رواية الأصمعي وهارون عنه وهو جمع جمل والتاء
~~لتأنيث الجمع كما في «البحر» يقال جمل وجمال وجمالة أو اسم جمع له كما
~~قيل في حجر وحجارة والتنوين للتكثير.

# { صفر } فإن الشرار لما فيه من النارية والهوائية يكون أصفر فالصفرة
~~على معناها المعروف وقيل سود والتعبير بصفر لأن سواد الإبل يضرب إلى
~~الصفرة، شبه الشرر حين ينفصل من النار في عظمه بالقصر وحين يأخذ في
~~الارتفاع والانبساط لانشقاقه عن أعداد غير محصورة بالجمال لتصور الانشقاق
~~والكثرة والصفرة والحركة المخصوصة وقد روعي الترتيب في التشبيه رعاية
~~لترتيب الوجود وأفيد أن القصور والجمال يشبه بعضها ببعض ومنه قوله:

# فوقفت فيها ناقتي وكأنها

# فدن لأقضي حاجة المتلوم

# فالتشبيه الثاني بيان للتشبيه الأول على معنى أن التشبيه بالقصر كأن
~~المتبادر منه إلى الفهم العظم فحسب فلما قيل { كأنه جملت
~~صفر } وهو قائم مقام التخصيص في القصر تكثر وجه الشبه كأنه ms11042 قيل كأنه
~~قصر من شأنه كذا وكذا، والتشبيه بالجمال في الكثرة والتتابع وسرعة الحركة
~~أيضا والأول هو التحقيق على ما في «الكشف» وعلى الوجهين ليس التشبيه
~~الثاني من البداء في شيء ولا حاجة في شيء منهما إلى اعتبار كون ضمير {
~~كأنه } للقصر وقد ألم بشيء من حسن ما وقع في الآية من التشبيه وأبو
~~العلاء المعري في قوله في مرثية واحد من الأشراف:

# الموقدي نار القرى الآصال

# والأسحار بالإهضام والإشعاف

# حمراء ساطعة الذوائب في الدجى

# ترمي بكل شرارة كطراف

# وإن كان قد قصد بذلك المعارضة للآية يكون قد أعمى الله تعالى بصيرته عما
~~فيها من المزية كما أعمى سبحانه بصره.

# وقرأ الجمهور ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (جمالات) بكسر
~~الجيم وبالألف والتاء جمع جمال أو جمالة بكسر الجيم فيهما فيكون جمع
~~الجمع أو جمع اسم الجمع والمعنى على ما سمعت. وقرأ ابن عباس وقتادة وابن
~~جبير والحسن وأبو رجاء بخلاف عنهم كذلك إلا أنهم ضموا الجيم على أنه جمع
~~جمالة على ما في «الكشاف» وقال في «البحر» هي حبال السفن / الواحد منها
~~جملة لكونه جملة من الطاقات ثم جمع على جمل وجمال ثم جمع جمال ثانيا جمع
~~صحة فقالوا جمالات وقيل هي قلوس الجسور أي حبالها التي تشد بها وروي ذلك
~~عن ابن عباس وابن جبير قالا إنها إذا اجتمعت مستديرة بعضها إلى بعض جاء
~~منها أجرام عظام وعن ابن عباس أيضا هي قطع النحاس الكبار، والظاهر أن
~~التشبيه على هذا باعتبار اللون وعلى ما سبق باعتبار الامتداد والالتفاف.
~~وقرأ ابن عباس أيضا والسلمي والأعمش وأبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي
~~عبلة ورويس (جمالة) كقراءة حفص ومن معه إلا أنهم ضموا الجيم وهي عند
~~الزمخشري اسم مفرد بمعنى القلس وجمع صفر لإرادة الجنس. وقرأ الحسن (صفر)
~~بضم الفاء.

### || [77.34-35]

# الإشارة إلى وقت دخولهم النار أي هذا يوم لا ينطقون فيه بشيء لعظم
~~الدهشة وفرط الحيرة، ولا ينافي هذا ما ورد في موضع آخر من النطق لأن يوم ms11043
~~القيامة طويل له مواطن ومواقيت ففي بعضها ينطقون وفي بعضها لا ينطقون.
~~وجوز أن يكون المراد هذا يوم لا ينطقون بشيء ينفعهم وجعل نطقهم لعدم
~~النفع كلا نطق.

# وقرأ الأعمش والأعرج وزيد بن علي وعيسى وأبو حيوة وعاصم في رواية (هذا
~~يوم) بالفتح فقيل هو فتح إعراب على أن (هذا) إشارة إلى ما ذكر و(يوم)
~~منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف وقع خبرا لهذا أي هذا الذي ذكر من
~~الوعيد واقع في يوم لا ينطقون. وقيل هو فتح بناء و(يوم) في محل رفع على
~~الخبرية وبني لإضافته للجملة ولما حقه البناء وعن صاحب «اللوامح» قال
~~عيسى: بناء (يوم) على الفتح مع لا لغة سفلى مضر لأنهم جعلوه معها كالاسم
~~الواحد وأنت تعلم أن الجملة المصدرة بمضارع مثبت أو منفي لا يجيز
~~البصريون في الظرف المضاف إليها البناء بوجه وأن ما ذكر مذهب كوفي.

### || [77.36]

# { ولا يؤذن لهم } قيل في النطق مطلقا أو في الاعتذار. وقرأ
~~زيد بن علي كما حكى عنه أبو علي الأهوازي بالبناء للفاعل أي ولا يأذن
~~الله تعالى لهم { فيعتذرون } عطف على { يؤذن } منتظم معه في
~~سلك النفي والفاء للتعقيب بين النفيين في الأخبار في قول ولترتب النفي
~~الثاني نفسه على الأول في آخر ونظر فيه ولم يقل فيعتذروا بالنصب في جواب
~~النفي قيل ليفيد الكلام نفي الاعتذار مطلقا إذ لا عذر لهم ولا يعتذرون
~~بخلاف ما لو نصب وجعل جوابا فإنه يدل على أن عدم اعتذارهم لعدم الإذن
~~فيوهم ذلك أن لهم عذرا لكن لم يؤذن لهم فيه. وقال ابن عطية إنما لم ينصب
~~في جواب النفي للمحافظة على رؤوس الآي والوجهان جائزان وظاهره استواء
~~المعنى عليهما وهو مخالف لكلامهم لقولهم بالسببية في النصب دون الرفع نعم
~~ذهب أبو الحجاج الأعلم إلى أنه قد يرفع الفعل ويكون معناه على قلة معنى
~~المنصوب بعد الفاء وأن النحويين إنما جعلوا معنى الرفع غير معنى النصب
~~رعيا للأكثر في كلام العرب وجعل دليله على ذلك هذه الآية ورد عليه ذلك ms11044
~~ابن عصفور وغيره فتدبر. والظاهر أن نفي الاعتذار باعتبار بعض المواطن
~~والمواقيت كنفي النطق. وجوز أن يكون المنفي حقيقة الاعتذار النافع فلا
~~منافاة بين ما هنا وقوله تعالى

# يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم

# [غافر: 52].

### || [77.37-38]

# { هذا يوم الفصل } بين المحق والمبطل { جمعنكم
~~والأولين } أي من تقدمكم من الأمم. والكلام تقرير وبيان للفصل لأنه
~~لا يفصل بين المحق والمبطل إلا إذا جمع بينهم.

### || [77.39]

# فإن جميع من كنتم تقلدونهم وتقتدون بهم حاضرون، وهذا تقريع لهم على
~~كيدهم للمؤمنين في الدنيا وإظهار لعجزهم.

### || [77.40]

# حيث ظهر أن لا حول لهم ولا حيلة في التخلص مما هم فيه.

### || [77.41]

# { إن المتقين } من الكفر والتكذيب لوقوعه في مقابلة المكذبين
~~بيوم الدين فيشمل عصاة المؤمنين { فى ظلل } جمع ظل ضد الضح وهو أعم
~~من الفيء فإنه يقال ظل الليل وظل الجنة ويقال لكل موضع لم تصل إليه الشمس
~~ظل ولا يقال الفىء إلا لما زال عنه الشمس ويعبر / به أيضا عن الرفاهة
~~وعن العزة والمناعة وعلى هذا المعنى حمل الراغب ما في الآية والمتبادر
~~منه ما هو المعروف ويؤيده ما تقدم في المقابل

# انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب

# [المرسلات: 30] الخ وقراءة الأعمش (في ظلل) جمع ظلة وأيا ما كان
~~فالمراد من قوله تعالى: { إن المتقين فى ظلل وعيون }.

### || [77.42]

# إنهم مستقرون في فنون الترفه وأنواع التنعم.

### || [77.43]

# مقدر بقول هو حال من ضمير

# المتقين

# [المرسلات: 41] في الخبر كأنه قيل مستقرون في ذلك مقولا لهم كلوا
~~واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون في الدنيا من العمل الصالح بالإيمان وغير
~~ذلك.

### || [77.44]

# { إنا كذلك } أي مثل ذلك الجزاء العظيم { نجزى المحسنين
~~} لاجزاء أدنى منه. والمراد بالمحسنين المتقون السابق ذكرهم إلا أنه وضع
~~الظاهر موضع الضمير مدحا لهم بصفة الإحسان أيضا مع الإشعار بعلة الحكم.
~~وجوز أن يراد بالمتقين والمحسنين الصالحون من المؤمنين، ولا دليل فيه
~~للمعتزلة على خلود العصاة أهل الكبائر في النار وغاية الأمر عدم التعرض
~~لحالهم.

### || [77.45]

# حيث نال أعداؤهم هذا الثواب العظيم وهم بقوا ms11045 في العذاب الأليم.

### || [77.46]

# حال من (المكذبين) على ما ذهب إليه غير واحد من الأجلة، أي الويل ثابت
~~لهم في حال ما يقال لهم ذلك تذكيرا لما كان يقال لهم في الدنيا ولما
~~كانوا أحقاء بأن يخاطبوا به حيث تركوا الحظ الكثير إلى النزر الحقير
~~فيفيد التحسير والتخسير وعلى طريقته قوله:

# إخوتي لا تبعدوا أبدا

# وبلى والله قد بعدوا

# فهو دعاء لإخوته بعدم الهلكة بعد هلاكهم تقريرا بأنهم كانوا أحقاء بذلك
~~الدعاء في حياتهم وأن هلاكهم لحينونة الأجل المسمى لا لأنهم كانوا أحقاء
~~بالدعاء عليهم. وذهب أبو حيان إلى أنه كلام مستأنف خوطب به المكذبون في
~~الدنيا والأمر فيه أمر تحسير وتهديد وتخسير ولم يعتبر التهديد على الأول
~~لأنه غير مقصود في الآخرة ورجح بأنه أبعد من التعسف وأوفق لتأليف النظم
~~وفيه نظر. والظاهر أن قوله سبحانه: { إنكم } الخ في موضع التعليل،
~~وفيه دلالة على أن كل مجرم نهايته تمتع أيام قليلة ثم يبقى في عذاب وهلاك
~~أبدا.

### || [77.47-48]

# { وإذا قيل لهم اركعوا } أي أطيعوا الله تعالى واخشعوا
~~وتواضعوا له عز وجل بقبول وحيه تعالى واتباع دينه سبحانه وارفضوا هذا
~~الاستكبار والنخوة { لا يركعون } لا يخشعون ولا يقبلون ذلك ويصرون
~~على ما هم عليه من الاستكبار وقيل أي إذا أمروا بالصلاة أو بالركوع فيها
~~لا يفعلون إذ روي عن مقاتل أن الآية نزلت في ثقيف قالوا للرسول عليه
~~الصلاة والسلام حط عنا الصلاة فإنا لا نجبي فإنها مسبة علينا فقال عليه
~~الصلاة والسلام: «لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود» ورواه أيضا أبو
~~داود والطبراني وغيرهما وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال هذا يوم
~~القيامة يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا
~~يسجدون في الدنيا.

# واتصال الآية على ما نقل عن الزمخشري بقوله تعالى: { للمكذبين }
~~كأنه قيل ويل يومئذ للذين كذبوا والذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون،
~~وجوز أن يكون أيضا بقوله سبحانه:

# إنكم مجرمون

# [المرسلات: 46] على طريقة الالتفات كأنه قيل ms11046 هم أحقاء بأن يقال لهم كلوا
~~وتمتعوا ثم علل ذلك بكونهم مجرمين وبكونهم إذا قيل لهم صلوا لا يصلون.

# واستدل به على أن الأمر للوجوب وأن الكفار مخاطبون بالفروع.

### || [77.49-50]

# { فبأي حديث بعده } أي بعد القرآن الناطق بأحاديث الدارين
~~وأخبار النشأتين على نمط بديع معجز مؤسس على حجج قاطعة وبراهين ساطعة {
~~يؤمنون } إذ لم يؤمنوا به. والتعبير ببعده دون غيره للتنبيه على أنه
~~لا حديث يساويه في الفضل أو يدانيه فضلا أن يفوقه ويعاليه فلا حديث أحق
~~بالإيمان / منه فالبعدية للتفاوت في الرتبة كما قالوا في

# عتل بعد ذلك زنيم

# [القلم: 13] وكأن الفاء لما أن المعنى إذا كان الأمر كذلك وقد اشتمل
~~القرآن على البيان الشافي والحق الواضح فما بالهم لا يبادرون الإيمان به
~~قبل الفوت وحلول الويل وعدم الانتفاع بعسى ولعل وليت. وقرأ يعقوب وابن
~~عامر في رواية (تؤمنون) على الخطاب.

# هذا ولما أوجز في سورة الإنسان في ذكر أحوال الكفار في الآخرة وأطنب في
~~وصف أحوال المؤمنين فيها عكس الأمر في هذه السورة فوقع الاعتدال بذلك بين
~~هذه السورتين والله تعالى أعلم.

### | [78 - سورة النبإ]

### || [78.1]

# { عم } أصله عما على أنه حرف جر دخل على ما الاستفهامية فحذفت الألف
~~وعلل بالتفرقة بينها وبين الخبرية والإيذان بشدة الاتصال وكثرة الدوران،
~~وحال العلل النحوية معلوم، وقد قرأ عبد الله وأبي عكرمة وعيسى بالألف
~~على الأصل وهو قليل الاستعمال، وقال ابن جني / إثبات الألف أضعف اللغتين
~~وعليه قوله:

# على ما قام يشتمني لئيم

# كخنزير تمرغ في رماد

# والاستفهام للإيذان بفخامة شأن المسؤل عنه وهوله وخروجه عن حدود الأجناس
~~المعهودة أي عن أي شيء عظيم الشأن { يتساءلون } الضمير لأهل مكة وإن
~~لم يسبق ذكرهم للاستغناء عنه بحضورهم حسا مع ما في الترك على ما قيل من
~~التحقير والإهانة لإشعاره بأن ذكرهم مما يصان عنه ساحة الذكر الحكيم ولا
~~يتوهم العكس لمنع المقام عنه. وكانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم
~~ويخوضون فيه إنكارا واستهزاء لكن لا على طريقة التساؤل عن حقيقته ومسماه
~~بل ms11047 عن وقوعه الذي هو حال من أحواله ووصف من أوصافه. و(ما) كما مر غير مرة
~~وإن اشتهرت في طلب حقائق الأشياء ومسميات أسمائها لكنها قد يطلب بها
~~الصفة والحال فيقال ما زيد؟ ويجاب بعالم أو طبيب، وقيل كانوا يتساءلون
~~الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين استهزاء فالتساؤل متعد ومفعوله مقدر
~~هنا وحذف لظهوره، أو لأن المستعظم السؤال بقطع النظر عمن سأل أو لصون
~~المسؤل عن ذكره مع هذا السائل.

# وتحقيق ذلك على ما في «الإرشاد» ((أن صيغة التفاعل في الأفعال المتعدية
~~[موضوعة] لإفادة صدور الفعل عن المتعدد ووقوعه عليه بحيث يصير كل واحد من
~~ذلك فاعلا ومفعولا معا لكنه يرفع المتعدد على الفاعلية ترجيحا لجانب
~~فاعليته وتحال مفعوليته على دلالة الفعل كما في قولك تراءى القوم أي رأي
~~كل واحد منهم الآخر، وقد تجرد عن المعنى الثاني فيراد بها مجرد صدور
~~الفعل عن المتعدد عاريا عن اعتبار وقوعه عليه فيذكر للفعل حينئذ مفعول
~~كما في قولك تراأوا الهلال وقد يحذف كما فيما نحن فيه، فالمعنى عن أي شيء
~~يسأل هؤلاء القوم الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وربما تجرد عن
~~صدور الفعل عن المتعدد أيضا فيراد بها تعدده باعتبار تعدد متعلقه مع
~~وحدة الفاعل كما في قوله تعالى:

# فبأى ءالاء ربك تتمارى

# [النجم: 55])) وذكر بعض المحققين أنه قد يكون لصيغة التفاعل على الوجه
~~الأول مفعول أيضا لكنه غير الذي فعل به مثل فعله كما في تعاطيا الكأس
~~وتفاوضا الحديث وعليه قول امرىء القيس:

# فلما تنازعنا الحديث وأسمحت

# هصرت بغصن ذي شماريخ ميال

# فمن قال إن تفاعل لا يكون إلا من اثنين ولا يكون إلا لازما فقد غلط كما
~~قال الطبليوسي في «شرح أدب الكاتب» إن أراد ذلك على الإطلاق، وليت شعري
~~كيف يصح ذلك مع أن مجيء تفاعل بمعنى فعل غير متعدد الفاعل كتواني زيد
~~وتدانى الأمر وتعالى الله عما يشركون كثير جدا وكذا مجيئه متعديا إلى
~~غير الذي فعل به مثل فعله كما سمعت.

# وجوز أن يكون ضمير { يتساءلون ms11048 } للناس عموما سواء كانوا كفار مكة
~~وغيرهم من المسلمين وسؤال المسلمين ليزدادوا خشية وإيمانا وسؤال غيرهم
~~استهزاء ليزدادوا كفرا وطغيانا وهو خلاف ما يقتضيه ظاهر الآيات بعد.
~~وقيل كان التساؤل عن القرآن. وتعقب بأن قوله تعالى:

# ألم نجعل الأرض

# [النبأ: 6] ظاهر في أنه كان عن البعث وهو مروي عن قتادة أيضا لأنه من
~~أدلته وأجيب بأن تساؤلهم عنه واستهزاءهم به واختلافهم فيه بأنه سحر أو
~~شعر كان لاشتماله على الإخبار بالبعث فبعد أن ذكر ما يفيد استعظام
~~التساؤل عنه تعرض لدليل ما هو منشأ لذلك التساؤل وفيه بعد.

### || [78.2]

# بيان لشأن المسؤل عنه إثر تفخيمه بإبهام أمره وتوجيه أذهان السامعين
~~نحوه وتنزيلهم منزلة المستفهمين فإن إيراده على طريقة الاستفهام من علام
~~الغيوب للتنبيه على أنه لانقطاع قرينة وانعدام نظيره خارج عن دائرة علوم
~~الخلق خليق بأن يعتنى بمعرفته ويسأل عنه كأنه قيل عن أي شيء يتساءلون هل
~~أخبركم به ثم قيل بطريق الجواب { عن النبإ العظيم } على /
~~منهاج

# لمن الملك اليوم لله الواحد القهار

# [غافر: 16] فعن متعلقة بما يدل عليه المذكور من مضمر حقه على ما قيل أن
~~يقدر بعدها مسارعة إلى البيان ومراعاة لترتيب السؤال. وإلى تعلقه بما ذكر
~~ذهب الزجاج وهو الذي تقتضيه جزالة التنزيل. وقال مكي إن ذلك بدل من { ما
~~} الاستفهامية بإعادة حرف الجر وتعقبه في «الكشف» بأنه لا يصح فإن معنى
~~الأول عن النبأ العظيم أم عن غيره والبدل لا يطابقه أعيد الاستفهام أو
~~لا، وقال الخفاجي البدلية جائزة ولا يلزم إعادة الاستفهام لأنه غير حقيقي
~~ولا أن يكون البدل عين الأول لجواز كونه بدل بعض.

# وقيل هو متعلق ب { يتساءلون } المذكور و { عم } متعلق بمضمر
~~مفسر به وأيد ذلك بقراءة الضحاك ويعقوب وابن كثير في رواية (عمه) بهاء
~~السكت ووجهه أنه على الوقف وهو يدل على أنه غير متعلق بالمذكور لأنه لا
~~يحسن الوقف بين الجار والمجرور ومتعلقه لعدم تمام الكلام. ولعل من ذهب
~~إلى الأول يقول إن إلحاق الهاء مبني على إجراء الوصل ms11049 مجرى الوقف وقيل
~~(عن) الأولى للتعليل وهي والثانية متعلقتان بيتساءلون المذكور كأنه قيل
~~لم يتساءلون عن النبأ العظيم ونقله ابن عطية عن أكثر النحاة وقيل { عن
~~النبإ } متعلق بمحذوف وهناك استفهام مضمر كأنه قيل عم يتساءلون
~~أيتساءلون عن النبأ العظيم. ووصف النبأ وهو الخبر الذي له شأن بالعظيم
~~لتأكيد خطره ووصفه بقوله سبحانه: { الذى هم فيه مختلفون }.

### || [78.3]

# للمبالغة في ذلك والإشعار بمدار التساؤل عنه. و { فيه } متعلق بمختلفون
~~قدم عليه اهتماما به ورعاية للفواصل وجعل الصلة جملة اسمية للدلالة على
~~الثبات أي هم راسخون في الاختلاف فيه فمن جازم باستحالته يقول

# إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا

# [المؤمنون: 37] الخ وشاك يقول

# ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن
~~بمستيقنين

# [الجاثية: 32] وقيل منهم من ينكر المعادين معا كهؤلاء ومنهم من ينكر
~~المعاد الجسماني فقط كجمهور النصارى وقد حمل الاختلاف على الاختلاف في
~~كيفية الإنكار فمنهم من ينكره لإنكاره الصانع المختار تعالى شأنه ومنهم
~~من ينكره بناء على استحالة إعادة المعدوم بعينه. وقيل الاختلاف بالإقرار
~~والإنكار أو بزيادة الخشية والاستهزاء على أن ضمير { يتساءلون }
~~وضميرهم للناس عامة. وقيل يجوز أن يكون الاختلاف بالإقرار والإنكار على
~~كون ضمير { يتساءلون } للكفار أيضا بأن يجعل ضميرهم للسائلين
~~والمسؤلين والكل كما ترى وإن تفاوتت مراتب الضعف، والمعول عليه الأول.

# وقال مفتي الديار الرومية الذي يقتضيه التحقيق ويستدعيه النظر الدقيق أن
~~يحمل اختلافهم في البعث على مخالفتهم للنبي صلى الله عليه وسلم بأن
~~يعتبر في الاختلاف محض صدور الفعل عن المتعدد حسبما قيل في التساؤل فإن
~~الافتعال والتفاعل صيغتان متآخيتان كالاستباق والتسابق والانتضال
~~والتناضل يجري في كل منهما ما يجري في الأخرى لا على مخالفة بعضهم لبعض -
~~على أن يكون كل من الجانبين مخالفا اسم فاعل ومحالفا اسم مفعول - لأن
~~الكل وإن استحق ما يذكر بعد من الردع والوعيد لكن استحقاق كل جانب لهما
~~ليس لمخالفته للجانب الآخر إذ لا حقية في شيء منهما حتى يستحق من يخالفه
~~المؤاخذة بل لمخالفته [له] ms11050 عليه الصلاة والسلام فكأنه قيل الذي هو فيه
~~مخالفون للنبي صلى الله عليه وسلم انتهى وفيه أنه خلاف الظاهر وما ذكره
~~من التعليل لا يخلو عن شيء.

# وقرأ عبد الله وابن جبير (تساءلون) بغير ياء وشدة السين على أن أصله
~~تتساءلون بتاء الخطاب فأدغمت التاء الثانية في السين.

### || [78.4]

# { كلا } ردع عن التساؤل على الوجهين المتقدمين فيه، وقيل عنه وعن
~~الاختلاف بمعنى مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر البعث. وتعقب
~~بأن الجملة التي تضمنته لم تقصد لذاتها فيبعد اعتبار الردع إلى ما فيها.
~~وقوله سبحانه: { سيعلمون } وعيد لأولئك المتسائلين المستهزئين
~~بطريق الاستئناف وتعليل للردع، والسين للتقريب والتأكيد ومفعول (يعلمون)
~~محذوف وهو ما يلاقونه من فنون الدواهي والعقوبات والتعبير / عن لقائه
~~بالعلم لوقوعه في معرض التساؤل والمعنى ليرتدعوا عما هم عليه فإنهم
~~سيعلمون عما قليل حقيقة الحال إذا حل بهم العذاب والنكال، ومثل هذا تقدير
~~المفعول جزاء التساؤل، وقيل هو ما ينبىء عنه الظاهر وهو وقوع ما يتساءلون
~~عنه على معنى سيعلمون ذلك فيخجلون من تساؤلهم واستهزائهم بين يدي ربهم عز
~~وجل والإ لم يظهر كون ما ذكر وعيدا ومن جعل ضمير { يتساءلون }
~~للناس عامة جعل ما هنا من باب التغليب لأنه لغير المؤمنين بالبعث
~~الجازمين به. وجوز بعضهم كون { كلا سيعلمون } ردعا ووعدا على
~~الارتداع والمراد ليرتدعوا فإنهم سيعلمون مثوبات الارتداع، وأنت تعلم أن
~~ذلك شائع في الوعيد وهو المتبادر منه في أمثال هذه المقامات. وقوله
~~تعالى: { ثم كلا سيعلمون }.

### || [78.5]

# قيل تكرير لما قبله من الردع والوعيد للمبالغة و { ثم } للتفاوت في
~~الرتبة فكأنه قيل لهم يوم القيامة ردع وعذاب شديدان بل لهم يومئذ أشد
~~وأشد وبهذا الاعتبار صار كأنه مغاير لما قبله فعطف عليه، وابن مالك يقول
~~في مثله إنه من التوكيد اللفظي وإن توسط حرف العطف فلا تغفل. وقيل الأول
~~إشارة إلى ما يكون عند النزع وخروج الروح من زجر ملائكة الموت عليهم
~~السلام وملاقاة كربات الموت وشدائده وانكشاف الغطاء والثاني إشارة إلى ما
~~يكون ms11051 في القيامة من زجر ملائكة العذاب عليهم السلام وملاقاة شديد العقاب
~~ف { ثم } في محلها لما بينهما من البعد الزماني ولا تكرار فيه
~~والظاهر أن العطف على هذا وما قبله على مجموع { كلا سيعلمون }
~~وتوهم بعضهم من كلام بعض الأجلة أن العطف على { سيعلمون } وأورد
~~عليه أن (ثم) إذا كانت للتراخي الزماني يلزم الفصل بين المعطوف والمعطوف
~~عليه بأجنبي بخلاف ما إذا كانت للتراخي الرتبي ووجه لدفع التخصيص بلا
~~مخصص أنه على الثاني يفهم تفاوت الرتبة بين الردعين كتفاوتها بين
~~الوعيدين لتبعية الردع للوعيد فلا تكون { كلا } الثانية أجنبية بخلاف
~~الأول فإن التراخي عليه إنما يتحقق فيما يتحقق فيه الزمان وليس هو إلا {
~~سيعلمون } دون { كلا } فتكون هي أجنبية، ثم قال ذلك المتوهم ولا
~~يبعد أن يقال الردع الأول عن التساؤل والثاني عن الإنكار أي الصريح
~~وتفاوت ما بينهما يقتضي العطف بثم والكل كما ترى.

# وقيل متعلق العلم في الأول البعث وفي الثاني الجزاء على إنكاره و {
~~ثم } في محلها أي كلا سيعلمون حقية البعث إذا بعثوا ثم كلا سيعلمون
~~الجزاء على إنكاره إذا دخلوا النار وعوقبوا. وجوز أن يكون المتعلق
~~مختلفا و { ثم } للتراخي الرتبي بأن يكون المعنى سيعلم الكفار
~~أحوالهم ثم سيعلمون أحوال المؤمنين والأول إشارة إلى العذاب الجسماني
~~والثاني إلى العذاب الروحاني الذي هو أشد وأخزى وأن يكون فاعل سيعلم في
~~الموضعين مختلفا بناء على أن ضمير { يتساءلون } للناس عامة و {
~~ثم } لذلك أيضا بأن يكون المعنى سيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم ثم
~~سيعلم الكفار عاقبة تكذيبهم فيكون الأول وعدا للمؤمنين والآخر وعيدا
~~للكافرين وهما متفاوتان رتبة ولا يخفى عليك ما في ذلك.

# وقرأ مالك بن دينار وابن مقسم والحسن وابن عامر (ستعلمون) في الموضعين
~~بالتاء الفوقية على نهج الالتفات إلى الخطاب الموافق لما بعده من
~~الخطابات تشديدا للردع والوعيد لا على تقدير قل لهم كلا ستعلمون الخ
~~فإنه ليس بذاك وإن كان فيه نوع حسن على تقدير كون المراد يسألون النبي
~~صلى الله عليه وسلم. وعن الضحاك ms11052 أنه قرأ الأول بتاء الخطاب والثاني بياء
~~الغيبة. وقوله تعالى: { ألم نجعل الأرض مهدا }.

### || [78.6]

# الخ استئناف مسوق لتحقيق النبأ المتساءل عنه بتعداد بعض الشواهد الناطقة
~~بحقيته إثر ما نبه عليها بما ذكر من الردع. وجوز أن يكون بتقدير قل كأنه
~~قيل قل كيف تنكرون أو تشكون في البعث وقد عاينتم ما يدل عليه من القدرة
~~التامة والعلم المحيط والحكمة الباهرة المقتضية أن لا يكون ما خلق عبثا؟
~~وفيه أن من كان عظيم الشأن باهر القدرة ينبغي أن يخاف ويخشى ويتأثر من
~~زجره ووعيده، والهمزة للتقرير بما بعد النفي.

# والمهاد الفراش الموطأ وفي «القاموس» المهد الموضع الذي يهيأ للصبي /
~~كالمهاد وعليه فالمهد والمهاد بمعنى ويؤيده قراءة مجاهد وعيسى الهمداني
~~(مهدا) وفي الآية حينئذ تشبيه بليغ وكل منهما مصدر سمي به ما يمهد. وجوز
~~أن يكون باقيا على المصدرية والوصف بالمصدر كثير أو التقدير ذات مهاد أو
~~مهد. وقيل كما يمكن أن يكون المهاد مصدرا سمي به المفعول يحتمل أن يكون
~~فعالا أي اسما على زنته يؤخذ للمفعول كالإله والإمام.

# وجعل الأرض مهادا إما في أصل الخلقة أو بعدها وأيا ما كان فلا دلالة
~~في الآية على ما ينافي كريتها كما هو المشهور من عدة مذاهب ومذهب أهل
~~الهيئة المحدثين أنها مسطحة عند القطبين لأنها كانت لينة جدا في مبدأ
~~الأمر لظهور غاية الحرارة الكامنة فيها اليوم فيها إذ ذاك وقد تحركت على
~~محورها فاقتضى مجموع ذلك صيرورتها مسطحة عندهما عندهم، وأهل الشرع لا
~~يقولون بذلك ولا يتم للقائل به دليل حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.

### || [78.7]

# أي كالأوتاد ففيه تشبيه بليغ أيضا، والمراد أرسينا الأرض بالجبال كما
~~يرسى البيت بالأوتاد قال الأفوه:

# والبيت لا يبتنى الإ له عمد

# ولا عماد إذا لم ترس أوتاد

# وفي الحديث

# " خلق الله تعالى الأرض فجعلت تميد فوضع عليها الجبال فاستقرت فقالت
~~الملائكة ربنا هل خلقت خلقا أشد من الجبال قال نعم الحديد فقالت ربنا هل
~~خلقت خلقا أشد من الحديد قال نعم ms11053 النار فقالوا ربنا هل خلقت خلقا أشد
~~من النار قال نعم الماء فقالوا ربنا هل خلقت خلقا أشد من الماء قال نعم
~~الهواء فقالوا ربنا هل خلقت خلقا أشد من الهواء قال نعم ابن آدم يتصدق
~~بيمينه فيخفي ذلك عن شماله "

# وظاهره كغيره أن خلق الجبال بعد خلق الأرض وإليه ذهب الفلاسفة المتقدمون
~~والمحدثون، وهي متفاوتة عندهم في الحدوث تقدما وتأخرا. وجاء في حديث
~~رواه الحاكم وصححه عن ابن عباس أن أول جبل أبو قبيس وفي كيفية حدوثها منذ
~~حدثت خلاف عندهم وقد يتلاشى ما حدث منها بطول الزمان:

# إن الجديدين إذا ما استوليا

# على جديد أسلماه للبلى

# وربما يشاهد حدوث بعض تلاع حجرية من انجماد بعض المياه.

# واستشكل احتياجها للإرساء بالجبال مع طلبها للمركز بثقلها المطلق. وأجيب
~~بأنه قد علم الله تعالى أنها ستكن ويكون عليها من الأثقال ما يكون ومن
~~المعلوم أنها حينئذ يكون لها مركزان مركز جحم ومركز ثقل والذي ينطبق
~~منهما على مركز العالم إنما هو مركز الثقل فيلزم من تحرك ثقيل إلى جهة
~~المشرق أو المغرب مثلا عليها تحركها لاختلاف مركز ثقلها ولزوم انطباقه
~~على مركز العالم فيحصل الميد ولم تكن إذ ذاك بحيث لا يكون لما يكون عليها
~~من أثقال سكنتها قدر يحس به فوضعت عليها الجبال، وانطبق مركز ثقلها على
~~مركز العالم وصار مجموع الأرض والجبال بحيث لا يظهر للمتحرك بعد قدر يحس
~~به. وقيل إنها كانت لخفتها بحيث يحركها أمواج البحر المحيط بها فيحصل
~~الميد فثقلت بالجبال مع ما في الجبال من المنافع الجمة التي لم تخلق
~~الأرض لأجلها بحيث لا تحركها الأمواج. وتمام الكلام في ذلك حسبما كنا
~~واقفين عليه قد مر فتذكر.

# وحكي عن بعض أن جعلها كذلك بمعنى جعلها سببا لانتظام أهل الأرض بما
~~أودع فيها من المنافع ولولاها لمادت بهم أي لما تهيأت للانتفاع بها
~~ولاختل أمر سكناهم إياها وهو تأويل مناف للظواهر لا يحتاج إليه ما لم يقم
~~الدليل القطعي على محالية إرادة الظاهر. نعم قيل إن ms11054 هذا أقرب للتقرير فإن
~~جعلها أوتادا بهذا المعنى أظهر من جعلها كذلك بذلك المعنى وأقرب إلى
~~العلم به وربما يقال إنه أوفق لترك إعادة العامل، ومن لا يراه يجعل
~~النكتة فيه قوة ما بين الأرض والجبال من الاشتراك والارتباط فافهم.

### || [78.8]

# { وخلقنكم } عطف على المضارع المنفي بلم داخل في حكمه فإنه في
~~قوة إما جعلنا الخ أو على ما يقتضيه الإنكار التقريري فإنه في قوة أن
~~يقال قد جعلنا الخ والالتفات إلى الخطاب هنا بناء على القراءة المشهورة
~~في

# سيعلمون

# [النبأ: 4] / للمبالغة في الإلزام والتبكيت.

# { أزوجا } قال الزجاج وغيره مزدوجين ذكرا وأنثى ليتسنى التناسل
~~وينتظم أمر المعاش، وقيل أصنافا في اللون والصورة واللسان، وقيل يجوز أن
~~يكون المراد من الخلق أزواجا الخلق من منيين مني الرجل ومني المرأة
~~والمعنى خلقنا كل واحد منكم أزواجا باعتبار مادته التي هي عبارة عن
~~منيين فيكون خلقناكم أزواجا من قبيل مقابلة الجمع بالجمع وتوزيع
~~الأفراد على الأفراد وهو خلاف الظاهر جدا ولا داعي إليه.

### || [78.9]

# أي كالسبات ففي الكلام تشبيه بليغ كما تقدم. والمراد بالسبات الموت وقد
~~ورد في اللغة بهذا المعنى ووجه تشبيه النوم به ظاهر وعلى ذلك قوله تعالى:

# وهو الذى يتوفكم باليل

# [الأنعام: 60] وهو على بناء الأدواء مشتق من السبت بمعنى القطع لما فيه
~~من قطع العمل والحركة ويقال سبت شعره إذا حلقه وأنفه إذا اصطلمه. وزعم
~~ابن الأنباري كما في «الدرر» أنه لم يسمع السبت بمعنى القطع وكأنه كان
~~أصم. وقيل أصل السبت التمدد كالبسط يقال سبت الشعر إذا حل عقاصه وعليه
~~تفسير السبات بالنوم الطويل الممتد والامتنان به لما فيه من عدم
~~الانزعاج، وجوز بعضهم حمله على النوم الخفيف بناء على ما في «القاموس» من
~~إطلاقه عليه على أن المعنى جعلنا نومكم نوما خفيفا غير ممتد فيختل به
~~أمر معاشكم ومعادكم. وفي «البحر» سباتا أي سكونا وراحة يقال سبت الرجل
~~إذا استراح وزعم ابن الأنباري أيضا عدم سماع سبت بهذا المعنى ورد عليه
~~المرتضى بأنه أريد الراحة اللازمة للنوم ms11055 وقطع الإحساس فإن في ذلك راحة
~~القوى الحيوانية مما عراها في اليقظة من الكلام ومنه سمي اليوم المعروف
~~سبتا لفراغ وراحة لهم فيه، وقيل سمي بذلك لأن الله تعالى ابتدأ بخلق
~~السموات والأرض يوم الأحد فخلقها في ستة أيام كما ذكر عز وجل فقطع عمله
~~سبحانه يوم السبت فسمي بذلك. واختار المحققون كون السبات هنا بمعنى الموت
~~لأنه أنسب بالمقام كما لا يخفى.

### || [78.10]

# { وجعلنا اليل } الذي يقع فيه النوم غالبا { لباسا }
~~يستركم بظلامه كما يستركم اللباس. ولعل المراد بهذا اللباس المشبه به ما
~~يستتر به عند النوم من اللحاف ونحوه فإن شبه الليل به أكمل واعتباره في
~~تحقيق المقصد أدخل، واختار غير واحد إرادة الأعم وأن المعنى جعلناه
~~ساترا لكم عن العيون إذا أردتم هربا من عدو أو بياتا له أو خفاء ما لا
~~تحبون الإطلاع عليه من كثير من الأمور. وقد عد المتنبي من نعم الليل
~~البيات على الأعداء والفوز بزيارة المحبوب واللقاء، مكذبا ما اشتهر من
~~مذهب المانوية من أن الخير منسوب إلى النور والشر إلى الظلمة بالمعنى
~~المعروف فقال:

# وكم لظلام الليل عندي من يد

# تخبر أن المانوية تكذب

# وقاك ردى الأعداء تسري إليهم

# وزارك فيه ذو الدلال المحجب

# وقال بعضهم يمكن أن يحمل كون الليل كاللباس على كونه كاللباس لليوم في
~~سهولة إخراجه ومنه ولا يخفى بعده.

# ومما يقضي منه العجب استدلال بعضهم بهذه الآية على أن من صلى عريانا في
~~ليل أو ظلمة فصلاته صحيحة ولعمري لقد أتى بعري عن لباس التحقيق على من
~~أشرق عليه ضياء الحق الحقيق.

### || [78.11]

# مصدر ميمي بمعنى العيش وهو الحياة المختصة بالحيوان على ما قال الراغب
~~دون العامة لحياة الملك مثلا، ووقع هنا ظرفا كما قيل في نحو أتيتك خفوق
~~النجم وطلوع الفجر. وجوز أن يكون اسم زمان وتعقب بأنه لم يثبت مجيئه كذلك
~~في اللغة. والمعنى وجعلنا النهار وقت معاش أي حياة تبعثون فيه من نومكم
~~الذي هو أخو الموت، وكأنه لما جعل سبحانه النوم موتا مجازا ms11056 جعل جل شأنه
~~اليقظة معاشا كذلك لكن أوثر النهار ليناسب المتوسط وقيل المعنى وجعلنا
~~النهار وقت معاش تتقلبون فيه لتحصيل ما تعيشون به وهو أنسب بجعل السبات
~~فيما تقدم بمعنى القطع عن الحركة على ما قيل. ولا يخفى حسن ذكر جعل الليل
~~لباسا بعد جعل النوم سباتا وهو مشير إلى حكمة جعل النوم / ليلا أيضا
~~لأن النائم معطل الحواس فكان محتاجا لساتر عما يضره فهو أحوج ما يكون
~~للدثار وضرب خيام الاستتار.

# وفي «الكشف» أن المطابقة بين قوله تعالى:

# وجعلنا اليل لباسا

# [النبأ: 10] وقوله سبحانه: { وجعلنا النهار معاشا } مصرحة
~~وفيه مطابقة معنوية أيضا مع قوله تعالى:

# وجعلنا نومكم

# [النبأ: 9] من حيث إن النهار وقت اليقظة والمعاش في مقابلة السبات لأنه
~~حركة الحي ومنه علم أن قوله تعالى: { وجعلنا اليل لباسا }
~~غير مستطرد. ووجه النظم أنه لما ذكر خلقهم أزواجا استوفى أحوالهم
~~مقترنين ومفترقين اه وفيه تعريض بالطيبي حيث زعم الاستطراد إذا أريد
~~بالمعاش اليقظة وبالسبات الموت.

### || [78.12]

# أي سبع سماوات قوية الخلق محكمة لا يسقط منها ما يمنعكم المعاش،
~~والتعبير عن خلقها بالبناء للإشارة إلى تشبيهها بالقباب المبنية على
~~سكنتها، وقيل للإشارة إلى أن خلقها على سبيل التدريج وليس بذاك. وفيه أن
~~السماء خيمية لا سطح مستو وفي الآثار ما يشهد له ولا يأباه جعلها سقفا
~~في آية أخرى وقد صح في العرش ما يشهد بخيمية أيضا. والفلاسفة السالفون
~~على استدارتها ويطلقون عليها اسم الفلك واستدلوا على ذلك حسب أصولهم بعد
~~الاستدلال على استدارة السطح الظاهر من الأرض ولا يكاد يتم لهم دليل عليه
~~قالوا الذي يدل على استدارة السماء هو أنه متى قصدنا عدة مساكن على خط
~~واحد من عرض الأرض وحصلنا الكواكب المارة على سمت الرأس في كل واحدة منها
~~ثم اعتبرنا أبعاد ممرات تلك الكواكب في دائرة نصف النهار بعضها من بعض
~~وجدناها على نسب المسافات الأرضية بين تلك المساكن كذلك وجدنا ارتفاع
~~القطب فيها متفاضلا بمثل تلك النسب فتحدب السماء في العرض مشابه لتحدب
~~الأرض فيه ms11057 لكن هذا التشابه موجود في كل خط من خطوط العرض وكذا في كل خط
~~من خطوط الطول فسطح السماء بأسره مواز لسطح الظاهر من الأرض بأسره وهذا
~~السطح مستدير حسا فكذا سطح السماء الموازي له، وأيضا أصحاب الأرصاد
~~دونوا مقادير أجرام الكواكب وأبعاد ما بينها في الأماكن المختلفة في وقت
~~واحد كما في أنصاف نهار تلك الأماكن مثلا متساوية وهذا يدل على تساوي
~~أبعاد مراكز الكواكب عن مناظر الأبصار المستلزم لتساوي أبعادها عن مركز
~~العالم لاستدارة الأرض المستلزم لكون السماء كرية، وزعموا أن هذين أقرب
~~ما يتمسك بهما في الاستدارة من حيث النظر التعليمي. وفي كل مناقشة أما
~~الثاني فالمناقشة فيه أنه إنما يصح لو كان الفلك عندهم ساكنا والكوكب
~~متحركا إذ لو كان السماء متحركا جاز أن يكون مربعا ويكون مساواة أبعاد
~~مراكز الكواكب عن مناظر الأبصار وتساوي مقادير الأجرام للكواكب حاصلا
~~وأما الأول: فالمناقشة فيه أنه إنما يصح لو كان الاعتدال المذكور موجودا
~~في كل خط من خطوط الطول والعرض وهو غير معلوم، وأما غير ماذكر من أدلتهم
~~فمذكور مع ما فيه في «نهاية الإدراك في دراية الأفلاك» فارجع إليه إن
~~أردته.

# بقي ههنا بحث وهو أن العطف إذا كان على الفعل المنفي بلم داخلا في
~~حكمه يلزم أن يكون بناء سبع سموات شداد فوق معلوما للمخاطبين وهم مشركو
~~مكة المنكرون للبعث كما سمعت ليتأتى تقريرهم به كسائر الأمور السابقة
~~واللاحقة، فيقال إن كون السموات سبعا مما لا يدرك بالمشاهدة وهم
~~المكذبون بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا يصدقونه بمثل ذلك مما معرفته
~~بحسب الظاهر إنما هي من طريق الوحي.

# وأجيب بأنهم علموا ذلك بواسطة مشاهدتهم اختلاف حركات السيارات السبع مع
~~اختلاف أبعادها بعضها عن بعض وذلك أنهم علموا السيارات واختلاف حركاتها
~~وعلموا أن بعضها فوق بعض لخسف بعضها بعضا فقالوا في باديء النظر بسبع
~~سموات كل سماء لكوكب من هاتك الكواكب، ولا يلزمنا البحث عما قالوا في
~~الثواب وفي المحرك لها وللسبع بالحركة اليومية إذ هو وراء ms11058 ما نحن فيه.

# واعترض بأن هذا لا يتم إلا إذا كانوا قائلين بأن السماء / عبارة عن
~~الفلك وأنها تتحرك على الاستدارة ويكون أوجها حضيضا وحضيضها أوجا،
~~ولعلهم لا يقولون بذلك وإنما يقولون كبعض السلف من الصحابة رضي الله
~~تعالى عنهم إن السماء ساكنة والكوكب متحرك والفلك إنما هو مجراه وحينئذ
~~فيجوز أن تكون السبع على اختلاف حركاتها وأبعادها في ثخن سماء واحدة تجري
~~في أفلاك ومجار لها على الوجه المحسوس ويجوز أيضا غير ذلك كما لا يخفى،
~~وأيضا لو كان علمهم بذلك مما ذكر لقالوا بالتداوير ونحوها أيضا كما قال
~~بذلك أهل الهيئة السالفون لأن اختلاف الحركات يقتضيه بزعمهم لا سيما في
~~المتحيرة ولو كان العرب قائلين به لوقع في أشعارهم بل لا يبعد أنه لو ذكر
~~لهم ذاكر التداوير والمتممات الحاوية والمحوية مثلا لنسبوه إلى ما يكره.

# وقيل إنهم ورثوا علم ذلك عن أسلافهم السامعين له ممن يعتقدون صدقه
~~كإسمعيل عليه السلام ويجوز أن يكونوا سمعوه من أهل الكتاب ولما لم يروه
~~منافيا لما هم عليه اعتقدوه ويكفي في صحة التقرير هذا المقدار من العلم.
~~وتعقب بأنه على هذا لا تنتظم المتعاطفات المقرر بها في سل واحد من العلم
~~والأمر فيه سهل. وقيل نزلوا منزلة العالمين به لظهور دليله وهو أخبار من
~~دلت المعجزة على صدقه به وفيه بعد.

# وقيل الخطاب للناس مؤمنيهم ومشركيهم وغلب المؤمنون على غيرهم في التقرير
~~المقتضي لسابقيه العلم وهو كما ترى. واختار بعض أن العطف على ما يقتضيه
~~الإنكار التقريري فيكون الكلام في قوة قد جعلنا الأرض إلى آخره وبنينا
~~فوقكم سبعا شدادا وهو حينئذ ابتداه إخبار منه عز وجل بالبناء المذكور
~~فلا يقتضي سابقية علم. وتعقب بأن العطف على الفعل المنفي بلم أوفق
~~بالاستدلال بالمذكورات على صحة البعث كما لا يخفى فتأمل. وتقديم الظرف
~~على المفعول للتشويق إليه مع مراعاة الفواصل.

### || [78.13]

# { وجعلنا } أي أنشأنا وأبدعنا { سراجا وهاجا } مشرقا
~~متلألئا من وهجت النار إذا أضاءت أو بالغا في الحرارة من الوهج،
~~والمراد به ms11059 الشمس والتعبير عنها بالسراج من روادف التعبير عن خلق
~~السموات بالبناء. ونصب { سراجا } على المفعولية و { وهاجا } على
~~الوصفية له. وجوز بعضهم أن يكونا مفعولين للجعل على أنه هنا مما يتعدى
~~إليهما. وتعقب بأنه مخالف للظاهر للتنكير فيهما وإن قيل السراج الشمس وهي
~~لانحصارها في فرد كالمعرفة.

# واختلف في موضع الجعل والمشهور أنه في السماء الرابعة ولم نر فيه أثرا
~~سوى ما في «البحر» من عبد الله بن عمرو بن العاص قال الشمس في السماء
~~الرابعة إلينا ظهرها ولهبها يضطرم علوا، والمذكور في كتب القوم أنهم
~~جعلوا سبعة أفلاك للسيارات السبع على ترتيب خسف بعضها بعضا أقصاها لزحل
~~والذي تحته للمشتري ثم للمريخ والأدنى للقمر والذي فوقه لعطارد ثم للزهرة
~~إذ وجدوا القمر يكسف الست من السيارات وكثيرا من الثوابت المحاذية
~~لطريقته في ممر البروج وعلى هذا الترتيب وجدوا الأدنى يكسف الأعلى
~~والثوابت تنكسف بالكل ويعلم الكاسف من المنكسف باختلاف اللون فأيهما ظهر
~~لونه عند الكسف فهو كاسف وأيهما خفي لونه فهو منكسف وبقي الشك في أمر
~~الشمس إذ لم يعرف انكساف شيء من الكواكب بها لاضمحلال نورها في ضيائها
~~عند القرب منها ولا انكسافها بشيء من الكواكب غير القمر، فذهب بعض
~~القدماء إلى أن فلكي الزهرة وعطارد فوق فلكها مستدلين عليه بأنهما لا
~~يكسفانها كما يكسفها القمر وهو باطل إذ من شرط كسف السافل العالي أن
~~يكونا معا والبصر على خط واحد مستقيم وإلا لم يكسفه كما في أكثر
~~اجتماعات القمر وإذا كان كذلك فمن المحتمل أن يكون مدارهما بين الشمس
~~والإبصار ولأن جرميهما عندهم صغيران غير مظلمين كجرم القمر حتى يكسفاها
~~ولأنه إذا كسف القمر من جرم الشمس ما مساحته مساوية لجرم أحد هذين
~~الكوكبين أو أكثر لا يظهر المنكسف للابصار على ما نص عليه بطليموس في
~~«الاقتصاص» وذهب بعض من تقادم عهدهم إلى أنهما تحت فلك الشمس وإن لم تكسف
~~بهما استحسانا لما في ذلك من حسن الترتيب وجودة / النظام على ما بين في
~~موضعه ومال إليه ms11060 بطليموس. قال في «المجسطي» ونحن نرى ترتيب من تقادم عهده
~~أقرب إلى الإقناع لأنه أشبه بالأمر الطبيعي لتوسط الشمس بين ما يبعد عنها
~~كل البعد وبين ما لا يبعد عنها إلا يسيرا ثم قوى عزمه لما رأى بعد الشمس
~~المعلوم من الأرض مناسبا لهذا الموضع لأنه لما وجد بين أبعد بعد القمر
~~وأقرب قرب الشمس بعدا يمكن أن يوجد فيه فلكا الزهرة وعطارد وأبعادهما
~~المختلفة قال في «الاقتصاص» مثل هذا الفضاء لا يحسن أن يترك عطلا ولا
~~يحسن أن يكون فيه المريخ فضلا عن غيره فليكونا فيه وتأكد هذا عند بعض
~~المتأخرين بأنه شوهدت الزهرة على قرص الشمس في وقتين بينهما نيف وعشرون
~~سنة وكانت أول الحالين في ذروة التدوير وفي الثاني في أسفله ويبطل به ما
~~ظن من كون عطارد والزهرة مع الشمس في كرة ومركز تدويرهما لاستحالة أن ترى
~~الزهرة في الذروة على هذا الوجه وهذه أمور ضعيفة بعضها خطابي إقناعي
~~وبعضها مبين ما فيه في محله.

# وقد زعم بعض الناس أنه كما وجد في وجه القمر محو فكذا في وجه الشمس فوق
~~مركزها بقليل نقطة سوداء وأهل الأرصاد اليوم على ما سمعنا من غير واحد
~~جازمون بأن في قرصها سوادا وعلامات مختلفة ولهم في ذلك كلام مذكور في
~~كتبهم وعليه ففي تشبيههما بالسراج من الحسن ما فيه. وعن بعضهم أن النور
~~كخيمة عليها، ورأيت في بعض كتبهم أنه ينشق من حوالي جرمها والكلام في
~~مقدار جرمها وبعدها عن الأرض عند كل من المتقدمين والمعاصرين من الفلاسفة
~~مما لا حاجة لنا به في هذا المقام مع ما في ذلك من الاختلاف المفضي بيانه
~~بما له وعليه إلى مزيد تطويل.

### || [78.14]

# { وأنزلنا من المعصرات } هي السحائب على ما روي عن ابن
~~عباس وأبي العالية والربيع والضحاك، ولما كانت معصرة اسم مفعول لا معصرة
~~اسم فاعل قيل إنها جمع معصرة من أعصر على أن الهمزة فيه للحينونة أي حانت
~~وشارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، والإفعال يكون بهذا المعنى كثيرا كأجزر ms11061
~~إذا حان وقت جزاره وأحصد إذا شارف وقت حصاده ومنه أعصرت الجارية إذا دنت
~~أن تحيض قال أبو النجم العجلي:

# تمشي الهوينا مائلا خمارها

# قد أعصرت أو قد دنا إعصارها

# وجوز على تقدير كون الهمزة للحينونة أن يكون المعنى حان لها أن تعصر أي
~~تغيث ومنه العاصر المغيث ولذا قال ابن كيسان سميت السحائب بذلك لأنها
~~تغيث فهي من العصرة كأنه في الأصل بمعنى حان أن تعصر بتخييل أن الدم يحصل
~~منها بالعصر وقيل إنها جمع لذلك أيضا إلا أن الهمزة لصيرورة الفاعل ذا
~~المأخذ كأيسر وأعسر وألحم أي صار ذا يسر وصار ذا عسر وصار ذا لحم.

# وعن ابن عباس أيضا ومجاهد وقتادة أنها الرياح لأنها تعصر السحاب فيمطر
~~وفسرها بعضهم بالرياح ذوات الأعاصير على أن صيغة اسم الفاعل للنسبة إلى
~~الإعصار بالكسر وهي ريح تثير سحابا ذا رعد وبرق ويعتبر التجريد عليه على
~~ما قيل، والمازني اعتبر النسبة أيضا إلا أنه قال المعصرات السحائب ذوات
~~الأعاصير فإنها لا بد أن تمطر معها. وأيد تفسيرها بالرياح بقراءة ابن
~~الزبير وابن عباس وأخيه الفضل وعبد الله بن يزيد وعكرمة وقتادة
~~(بالمعصرات) بياء السببية والآلية فإنها ظاهرة في الرياح فإن بها ينزل
~~الماء من السحاب ولهذه القراءة جعل بعضهم (من) في قراءة الجمهور وتفسير
~~المعصرات بالرياح للتعليل، وذهب غير واحد إلى أنها للتعليل ابتدائية فإن
~~السحاب كالمبدأ الفاعل للإنزال. وتعقب بأن ورود (من) كذلك قليل.

# وعن أبي الحسن وابن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل وقتادة أيضا أنها
~~السموات. وتعقب بأن السماء لا ينزل منها الماء بالعصر فقيل في تأويله أن
~~الماء ينزل من السماء إلى السحاب فكأن السموات يعصرن أي يحملن على عصر
~~الرياح السحاب ويمكن منه. وتعقب بأنه مع بعده إنما يتم لو جاء المعصر
~~بمعنى العاصر أي الحامل على العصر ولو قيل المراد بالمعصر الذي حان له أن
~~يعصر كان تكلفا / على تكلف. والذي في «الكشف» أن الهمزة على التأويل
~~المذكور للتعدية فتدبر ولا تغفل.

# { ماء ثجاجا } أي منصبا ms11062 بكثرة يقال ثج الماء إذا سال بكثرة وثجه
~~أي أساله فثج ورد لازما ومتعديا واختير جعل ما في النظم الكريم من
~~اللازم لأنه الأكثر في الاستعمال وجعله الزجاج من المتعدي كأن الماء
~~المنزل لكثرته يصب نفسه ومن المتعدي ما في قوله صلى الله عليه وسلم

# " أفضل الحج العج والثج "

# أي رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدي والمراد أفضل أعمال الحج التلبية
~~والنحر ولا يأبى الكثرة كون الماء من المعصرات وظاهره أنه بالعصر وهو لا
~~يحصل منه إلا القليل لأن ذلك غير مسلم ولو سلم فالقلة نسبية.

# وقرأ الأعرج (ثجاحا) بجيم ثم حاء مهملة ومثاجح الماء مصابه.

### || [78.15]

# { لنخرج به } أي بذلك الماء وهو على ظاهره عند السلف ومن اقتدى
~~بهم وقالت الأشاعرة أي عنده { حبا ونباتا } ما يقتات به كالحنطة
~~والشعير ويعتلف كالحشيش والتبن. وتقديم الحب مع تأخره عن النبات في
~~الإخراج لأصالته وشرفه لأن غالبه غذاء الإنسان.

### || [78.16]

# { وجنت } جمع جنة وهي كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض من
~~الجن وهو الستر، وقال الفراء الجنة ما فيه النخيل والفردوس ما فيه الكرم
~~وقد تسمى الأشجار الساترة جنة وعليه حمل قول زهير:

# من النواضح تسقى جنة سحقا

# وهو المراد هنا.

# وقوله تعالى: { ألفافا } أي ملتفة تداخل بعضها ببعض قيل لا واحد له
~~كالأوزاع والأخياف للجماعات المتفرقة المختلفة واختاره الزمخشري. وقال
~~ابن قتيبة جمع لف بضم اللام جمع لفاء فهو جمع الجمع واستبعد بأنه لم يجىء
~~في نظائره ذلك فقد جاء خضر جمع خضراء وحمر جمع حمراء ولم يجىء أخضار جمع
~~خضر ولا أحمار جمع حمر وجمع الجمع لا ينقاس ووجود نظيره في المفردات لا
~~يكفي كذا قيل. وقال الكسائي جمع لفيف بمعنى ملفوف وفعيل يجمع على أفعال
~~كشريف وأشراف وإنما اختلف النحاة في كونه جمعا لفاعل. وفي «الكشاف» لو
~~قيل هو جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد لكان قولا وجيها انتهى وإنما يقدر
~~حذف الزوائد وهو الذي يسميه النحاة في مثل ذلك ترخيما لأن قياس جمع
~~ملتفة ملتفات لا ألفاف. ms11063 واعترضه في «الكشف» فقال فيه إنه لا نظير له لأن
~~تصغير الترخيم ثابت أما جمعه فلا لكن قيل إن هذا غير مسلم فإنه وقع في
~~كلامهم ولم يتعرضوا له لقلته. والحق أنه وجه متكلف وجمهور اللغويين على
~~أنه جمع لف بالكسر وهو صفة مشبهة بمعنى ملفوف وفعل يجمع على أفعال باطراد
~~كجذع وأجذاع وعن صاحب «الإقليد» أنه قال أنشدني الحسن بن علي الطوسي:

# جنة لف وعيش مغدق

# وندامى كلهم بيض زهر

# وجوز في «القاموس» أن يكون جمع لف بالفتح.

# هذا وفيما ذكر من أفعاله تعالى شأنه دلالة على صحة البعث وحقيته من أوجه
~~ثلاثة على ما قيل الأول باعتبار قدرته عز وجل فإن من قدر على إنشاء تلك
~~الأمور البديعة من غير مثال يحتذيه ولا قانون ينتحيه كان على الإعادة
~~أقدر وأقوى الثاني باعتبار علمه وحكمته فإن من أبدع هذه المصنوعات على
~~نمط رائع مستتبع لغايات جليلة ومنافع جميلة عائدة إلى الخلق يستحيل حكمة
~~أن لا يجعل لها عاقبة الثالث باعتبار نفس الفعل فإن اليقظة بعد النوم
~~أنموذج للبعث بعد الموت يشاهده كل واحد وكذا إخراج الحب والنبات من الأرض
~~يعاين كل حين فكأنه قيل قد فعلنا أو ألم نفعل هذه الأفعال الآفاقية
~~الدالة بفنون الدلالات على حقية البعث الموجبة للإيمان به فما لكم تخوضون
~~فيه إنكارا وتسألون عنه استهزاء؟ وقوله تعالى: { إن يوم الفصل
~~كان ميقتا }.

### || [78.17]

# شروع في بيان سر تأخير ما يتساءلون عنه ويستعجلون به قائلين

# متى هذا الوعد إن كنتم صادقين

# [يونس: 48] ونوع تفصيل لكيفية وقوعه وما سيلقونه عند ذلك من فنون العذاب
~~حسبما جرى به الوعيد إجمالا. وقال بعض الأجلة إنه لما أثبت سبحانه صحة
~~البعث كان مظنة السؤال عن وقته فقيل { إن } الخ وأكد لأنه مما ارتابوا
~~فيه وليس بذاك أي إن يوم فصل الله تعالى شأنه بين الخلائق كان في علمه عز
~~وجل ميقاتا وميعادا لبعث الأولين والآخرين وما يترتب عليه من الجزاء
~~ثوابا وعقابا لا يكاد يتخطاه بالتقدم والتأخر. وقيل حدا توقت ms11064 به
~~الدنيا وتنتهي إليه أو حدا للخلائق ينتهون إليه لتمييز أحوالهم والأول
~~أوفق بالمقام على أن الدنيا تنتهي على ما قيل عند النفخة الأولى. وأيا
~~ما كان فالمضي في { كان } باعتبار العلم، وجوز أن يكون بمعنى يكون،
~~وعبر عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه.

### || [78.18]

# { يوم ينفخ فى الصور } أي النفخة الثانية و { يوم } بدل
~~من

# يوم الفصل

# [النبأ: 17] أو عطف بيان مفيد لزيادة تفخيمه وتهويله، ولا ضير في تأخر
~~الفصل عن النفخ فإنه زمان ممتد يقع في مبدئه النفخ وفي بقيته الفصل
~~ومباديه وآثاره وتقدم الكلام في الصور. وقرأ أبو عياض (في الصور) بفتح
~~الواو جمع صورة وقد مر الكلام في ذلك أيضا.

# والفاء في قوله تعالى: { فتأتون } فصيحة تفصح عن جملة قد حذفت ثقة
~~بدلالة الحال عليها وإيذانا بغاية سرعة الإتيان كما في قوله تعالى:

# أن اضرب بعصاك البحر فانفلق

# [الشعراء: 63] أي فتحيون فتبعثون من قبوركم فتأتون إلى الموقف عقيب ذلك
~~من غير لبث أصلا.

# { أفواجا } أي أمما كل أمة بإمامها كما قال سبحانه:

# يوم ندعوا كل أناس بإمامهم

# [الإسراء: 71] أو زمرا وجماعات مختلفة الأحوال متباينة الأوضاع حسب
~~اختلاف الأعمال وتباينها، واستدل لهذا بما خرج ابن مردويه

# " عن البراء بن عازب أن معاذ بن جبل قال يا رسول الله ما قول الله تعالى
~~{ يوم ينفخ فى الصور فتأتون أفواجا } فقال يا معاذ
~~سألت عن عظيم من الأمور ثم أرسل عينيه ثم قال عليه الصلاة والسلام عشرة
~~أصناف قد ميزهم الله عز وجل من جماعة المسلمين فبدل صورهم فبعضهم على
~~صورة القردة وبعضهم على صورة الخنازير وبعضهم منكسين أرجلهم فوق وجوههم
~~أسفل يسحبون عليها وبعضهم عمي يترددون وبعضهم صم بكم لا يعقلون وبعضهم
~~يمضغون ألسنتهم وهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم لعابا
~~يتقذرهم أهل الجمع وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم وبعضهم مصلبون على جذوع
~~من نار وبعضهم أشد نتنا من الجيف وبعضهم ملبسون جبابا سابغة من قطران
~~لازقة بجلودهم فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس وأما الذين ms11065
~~على صورة الخنازير فأكلة السحت وأما المنكسون على وجوههم فأكلة الربا
~~وأما العمي فالذين يجورون في الحكم وأما الصم البكم فالمعجبون بأعمالهم
~~وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف أقوالهم أعمالهم
~~وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران وأما المصلبون
~~على جذوع من نار فالساعون بالناس إلى السلطان وأما الذين هم أشد نتنا من
~~الجيف فالذين يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حق الله تعالى من أموالهم
~~وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والخيلاء والفخر "

# وهذا كما قال ابن حجر حديث موضوع وآثار الوضع لائحة عليه وعليه قيل لا
~~بد من التغليب في قوله تعالى { تأتون } إذ لا يمكن الإتيان للمصلوب
~~والمسحوب على الوجه ولا لمن قطعت يداه ورجلاه. وتعقب بأنه ليس بشيء فإن
~~أمور الآخرة لا تقاس على أمور الدنيا والقادر على البعث قادر على جعلهم
~~ماشين بلا أيد وأرجل وأن تمشي بهم عمد النار التي صلبوا عليها مع أنه لا
~~يلزم أن يأتوا بأنفسهم لجواز أن تأتي بهم الزبانية.

### || [78.19]

# { وفتحت السماء } عطف على

# ينفخ

# [النبأ: 18] على ما قيل وصيغة الماضي للدلالة على التحقق وعن الزمخشري
~~أنه معطوف على

# فتأتون

# [النبأ: 18] وليس بشرط أن يتوافقا في الزمان كما يظن من ليس بنحوي وأقره
~~في «الكشف» وقال الشرط في حسنه أن يكون مقربا من الحال أو يكون المضارع
~~حكاية حال ماضية وما نحن فيه مضارع جىء به بلفظ الماضي تفخيما وتحقيقا
~~لوقوعه فهو أقرب / قريب منه ولو جعل حالا على معنى فتأتون وقد فتحت
~~السماء لكان وجها.

# وقرأ الجمهور أي من عدا الكوفيين (فتحت) بالتشديد قيل وهو الأنسب بقوله
~~تعالى: { فكانت أبوبا } وفسر الفتح بالشق لقوله تعالى:

# إذا السماء انشقت

# [الانشقاق: 1] وقوله سبحانه:

# إذا السماء انفطرت

# [الانفطار: 1] إلى غير ذلك والقرآن يفسر بعضه بعضا وجاء الفتح بهذا
~~المعنى كفتح الجسور وما ضاهاها ولعل نكتة التعبير به عنه الإشارة إلى
~~كمال قدرته تعالى حتى كان شق هذا الجرم العظيم كفتح الباب سهولة وسرعة.
~~وكان بمعنى صار ولدلالتها على الانتقال ms11066 من حال إلى أخرى وكون السماء
~~بالشق لا تصير أبوابا حقيقة قالوا إن الكلام على التشبيه البليغ أي
~~فصارت شقوقها لسعتها كالأبواب أو فصارت من كثرة الشقوق كأن الكل أبواب أو
~~بتقدير مضاف أي فصارت ذات أبواب وقيل الفتح على ظاهره والكلام بتقدير
~~مضاف إلى السماء أي فتحت أبواب السماء فصارت كأن كلها أبواب ويجامع ذلك
~~شقها فتشق وتفتح أبوابها. وتعقب بأن شقها لنزول الملائكة كما قال تعالى:

# ويوم تشقق السمآء بالغمام ونزل الملائكة
~~تنزيلا

# [الفرقان: 25] فإذا شققت لا يحتاج لفتح الأبواب وأيضا فتح أبوابها ليس
~~من خواص يوم الفصل وفيه بحث نعم إن الوجه الأول أولى. وقيل المعنى بفتح
~~مكان السماء بالكشط فتصير كلها طرقا لا يسدها شيء وفيه بعد.

# وعلى ما تقدم في الآية رد على زاعمي امتناع الخرق على السماء وفيها على
~~هذا رد لزاعمي كشطها كما هو المشهور عن الفلاسفة المتقدمين وإن حقق الملا
~~صدرا في «الأسفار» أن أساطنتهم على خلاف ذلك والفلاسفة اليوم ينفون
~~السماء المعروفة عند المسلمين ولم يأتوا بشيء تؤل له الآيات والأخبار
~~الصحيحة في صفتها كما لا يخفى على الذكي المنصف.

### || [78.20]

# { وسيرت الجبال } أي في الجو على هيئتها بعد تفتتها وبعد قلعها
~~من مقارها كما يعرب عنه قوله تعالى:

# وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر
~~السحاب

# [النمل: 88] وأدمج فيه تشبيه الجبال بحال السحاب في تخلخل الأجزاء
~~وانتفاشها كما ينطق به قوله تعالى:

# وتكون الجبال كالعهن المنفوش

# [القارعة: 5] { فكانت سرابا } أي فصارت بعد تسييرها مثل سراب
~~فترى بعد تفتتها وارتفاعها في الهواء كأنها جبال وليست بجبال بل غبار
~~غليظ متراكم يرى من بعيد كأنه جبل كالسراب يرى كأنه بحر مثلا وليس به،
~~فالكلام على التشبيه البليغ، والجامع أن كلا من الجبال والسراب يرى على
~~شكل شيء وليس هو بذلك الشيء. وجوز أن يكون وجه الشبه التخلخل إذ تكون بعد
~~تسييرها غبارا منتشرا كما قال تعالى:

# وبست الجبال بسا * فكانت هبآء منبثا

# [الواقعة: 56] والمستفاد من «الأزهار البديعة في علم الطبيعة» لمحمد
~~الهراوي ms11067 أن السراب هواء تسخنت طبقته السفلى التي تلي الأرض لتسخن الأرض
~~من حر الشمس فتخلخلت وصعد جزء منها إلى ما فوقها من الطبقات فكان أكثف
~~مما تحته وخرج بذلك التسخن عن موقعه الطبيعي من الأرض ولانعكاس الأشعة
~~الضوئية وانكسارها فيه على وجه مخصوص مبين في الكتاب المذكور مع انعكاس
~~لون السماء يظن ماء وترى فيه صورة الشيء منقلبة وقد ترى فيه صور سابحة
~~كقصور وعمد ومساكن جميلة مستغربة وأشباح سائرة تتغير هيئتها في كل لحظة
~~وتنتقل عن محالها ثم تزول وما هي إلا صور حاصلة من انعكاس صور مرئية
~~بعيدة جدا، أو متراكبة في طبقات الهواء المختلفة الكثافة فاعتبار
~~التخلخل فقط في وجه الشبه لا يخلو عن نظر. وأيا ما كان فهذا بعد النفخة
~~الثانية عند حشر الخلق فالله عز وجل يسير الجبال ويجعلها هباء منبثا
~~ويسوي الأرض يومئذ كما نطق به قوله تعالى:

# ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا *
~~فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا
~~أمتا * يومئذ يتبعون الداعي

# [طه: 105108] وقوله تعالى:

# يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا
~~لله الواحد القهار

# [إبراهيم: 48] فإن اتباع الداعي الذي هو إسرافيل عليه السلام وبروز
~~الخلق لله تعالى لا يكون إلا بعد النفخة الثانية وأما اندكاك الجبال
~~وانصداعها فعند النفخة الأولى. وقيل إن تسييرها وصيرورتها / سرابا عند
~~النفخة الأولى أيضا ويأباه ظاهر الآية. نعم لو جعلت الجملة حالية أي
~~فتأتون أفواجا وقد سيرت الجبال فكانت سرابا لكان ذلك محتملا. والظاهر
~~أنها تصير سرابا لتسوية الأرض ولا يبعد أن يكون فيه حكم أخرى وقول بعضهم
~~إنها تجري جريان الماء وتسيل سيلانه كالسراب فيزيد ذلك في اضطراب متعطشي
~~المحشر وغلبة شوقهم إلى الماء خلاف الظاهر.

### || [78.21]

# شروع في تفصيل أحكام الفصل الذي أضيف إليه اليوم إثر بيان هوله.
~~والمرصاد اسم مكان كالمضمار للموضع الذي تضمر فيه الخيل، ومفعال يكون
~~كذلك على ما صرح به الراغب والجوهري وغيرهما كما يكون اسم آلة وصفة مشبهة
~~للمبالغة، والظاهر أنه حقيقة في الجميع أي موضع ms11068 رصد وترقب ترصد فيه خزنة
~~النار الكفار ليعذبوهم وقيل ترصد فيه خزنة الجنة المؤمنين ليحرسوهم من
~~فيحها في مجازهم عليها، وقيل ترصد فيه الملائكة عليهم السلام الطائفتين
~~لتعذب إحداهما وهي المؤمنة وتعذب الأخرى وهي الكافرة وجوز أن يكون صيغة
~~مبالغة كمتحار أي مجدة في ترصد الكفرة لئلا يشذ منهم واحد أو مجدة في
~~ترصد المؤمنين لئلا يتضرر أحد منهم من فيحها أو مجدة في ترصد الطائفتين
~~على نحو ما سمعت آنفا. وإسناد ذلك إليها مجاز أو على سبيل التشبيه وفي
~~«البحر» أن مرصادا معنى النسب أي ذات رصد وقد يفسر المرصاد بمطلق الطريق
~~وهو أحد معانيه فيكون للطائفتين ومن هنا قال الحسن كما أخرج عنه ابن جرير
~~وابن المنذر وعبد بن حميد في الآية لا يدخل الجنة أحد حتى يجتاز النار
~~وقال قتادة كما أخرج هؤلاء عنه أيضا اعلموا أنه لا سبيل إلى الجنة حتى
~~تقطع النار.

### || [78.22]

# وقوله تعالى: { للطغين } أي المتجاوزين الحد في الطغيان متعلق
~~بمضمر إما نعت لمرصادا أي كائنا للطاغين وإما حال من قوله تعالى: {
~~مآبا } قدم عليه لكونه نكرة ولو تأخر لكان صفة له أي كانت مرجعا ومأوى
~~كائنا لهم يرجعون إليه ويأوون لا محالة، وجوز أن يكون خبرا آخر لكانت
~~أو متعلقا بمآبا أو بمرصادا، وعليه قيل معنى مرصادا لهم معدة لهم من
~~قولهم أرصدت له أي أعددت وكافأته بالخير أو بالشر { مآبا } قيل بدل من
~~{ مرصادا } على جميع الأوجه بدل كل من كل وقيل هو خبر ثان لكانت أو
~~صفة لمرصادا و { للطغين } متعلق به أو حال منه على بعض التفاسير
~~السابقة في { كانت مرصادا } فتأمل.

# وقرأ أبو عمر والمنقري وابن يعمر (أن جهنم) بفتح الهمزة بتقدير لام جر
~~لتعليل قيام الساعة المفهوم من الكلام والمعنى كان ذلك لإقامة الجزاء.
~~وتعقب بأنه ينبغي حينئذ أن يكون

# إن للمتقين

# [النبأ: 31] أيضا بالفتح ومعطوفا على ما هنا لأنه بكليهما يتم التعليل
~~بإقامة الجزاء إلا أن يقال ترك العطف للإشارة إلى استقلال كل من الجزاءين
~~في ms11069 استدعاء قيام الساعة، وفيه نظر لأنه بذاك يتم الجزاء وأما نفس إقامته
~~فيكفي في تعليلها ما ذكر على أنه لو كان المراد فيما سبق كانت مرصادا
~~للفريقين على ما سمعت لا يتسنى هذا الكلام أصلا.

### || [78.23]

# وقوله تعالى: { لبثين فيها } أي مقيمين في جهنم ملازمين لها،
~~حال مقدرة من المستكن في

# للطاغين

# [النبأ: 22] وقرأ عبد الله وعلقمة وزيد بن علي وابن وثاب وعمرو بن
~~شرحبيل وابن جبير وطلحة والأعمش وحمزة وقتيبة وسورة وروح (لبثين) بغير
~~ألف بعد اللام وفيه من المبالغة ما ليس في (لابثين) وقال أبو حيان: إن
~~فاعلا يدل على من وجد منه الفعل وفعلا يدل على من شأنه ذلك كحاذر وحذر.

# وقوله تعالى: { أحقابا } ظرف للبثهم وهو وكذا أحقب جمع حقب بالضم
~~وبضمتين وهو على ما روي عن الحسن زمان غير محدود ونحوه تفسير بعض
~~اللغويين له بالدهر وأخرج سعيد بن منصور والحاكم وصححه عن ابن مسعود أنه
~~قال الحقب الواحد ثمانون سنة وأخرج نحوه البزار عن أبي هريرة وابن جرير
~~عن ابن عباس / وابن المنذر عن ابن عمر وروي عن جمع من السلف بيد أنهم
~~قالوا: إن كل يوم منه أي هنا مقدار ألف سنة من سني الدنيا. وأخرج البزار
~~وابن مردويه والديلمي عن ابن عمر مرفوعا أنه بضع وثمانون سنة كل سنة
~~ثلثمائة وستون يوما واليوم ألف سنة مما تعدون وقيل أربعون سنة. وأخرج
~~ابن مردويه عن عبادة بن الصامت فيه حديثا مرفوعا وقال بعض اللغويين
~~سبعون ألف سنة واختار غير واحد تفسيره بالدهر وأيا ما كان فالمعنى
~~لابثين فيها أحقابا متتابعة كلما مضى حقب تبعه حقب آخر، وإفادة التتابع
~~في الاستعمال بشهادة الاشتقاق فإنه من الحقيبة وهي ما يشد خلف الراكب
~~والمتتابعات يكون أحدها خلف الآخر فليس في الآية ما يدل على خروج الكفرة
~~من النار وعدم خلودهم فيها لمكان فهم التتابع في الاستعمال، وصيغة القلة
~~لا تنافي عدم التناهي إذ لا فرق بين تتابع الأحقاب الكثيرة إلى ما لا
~~يتناهى وتتابع الأحقاب القليلة ms11070 كذلك. وقيل إن الصيغة هنا مشتركة بين
~~القلة والكثرة إذ ليس للحقب جمع كثرة فليرد بها بمعونة المقام جمع
~~الكثرة. وتعقب بثبوت جمع الكثرة له وهو الحقب كما ذكر الراغب والذي رأيته
~~في «مفرداته» أن الحقب أي بكسر الحاء وفتح القاف الحقبة المفسرة بثمانين
~~عاما نعم قيل إنه ينافيه ما ورد أنه يخرج أناس من أهل النار من النار
~~ويقربون من الجنة حتى إذا استنشقوا ريحها ورأوا ما أعد الله تعالى لعباده
~~المؤمنين فيها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيردون إلى النار
~~بحسرة ما رجع الأولون والآخرون بمثلها. وتعقب بأنه إن صح إنما ينافيه لو
~~كان الخروج حقبا تاما أما لو كان في بعض أجزاء الحقب فلا لبقاء تتابع
~~الأحقاب جملة. سلمنا لكن هذا الإخراج الذي يستعقب الرد لزيادة التعذيب
~~كاللبث في النار أشد والكلام من باب التغليب وليس فيه الجمع بين الحقيقة
~~والمجاز. ثم إن وجد أن في الآية ما يقتضي الدلالة على التناهي والخروج من
~~النار ولو بعد زمان طويل فهو مفهوم معارض بالمنطوق الصريح بخلافه كآيات
~~الخلود وقوله تعالى:

# وما هم بخرجين منها ولهم عذاب مقيم

# [المائدة: 37] إلى غير ذلك. وإن جعل قوله تعالى: { لا يذوقون
~~فيها بردا ولا شرابا }.

### || [78.24-25]

# حالا من المستكن في

# لابثين

# [النبأ: 23] فيكون قيدا للبث فيحتمل أن يلبثوا فيها أحقابا غير ذائقين
~~إلا حميما وغساقا ثم يكون لهم بعد الأحقاب لبث على حال آخر من العذاب
~~وكذا إن جعل { أحقابا } منصوبا بلا يذوقون قيدا له إلا أن فيه
~~بعدا ومثله لو جعل { لا يذوقون فيها } فيها الخ صفة لأحقابا
~~وضمير { فيهآ } لها لا لجهنم لكنه أبعد من سابقه. وقيل المراد بالطاغين
~~ما يقابل المتقين فيشمل العصاة والتناهي بالنظر إلى المجموع وهو كما ترى.
~~وقول مقاتل: إن ذلك منسوخ بقوله تعالى:

# فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا

# [النبأ: 30] فاسد كما لا يخفى.

# وجوز أن يكون { أحقابا } جمع حقب كحذر من حقب الرجل إذا أخطأه الرزق
~~وحقب العام إذا قل مطره وخيره ms11071 والمراد محرومين من النعيم وهو كناية عن
~~كونهم معاقبين فيكون حالا من ضمير { لابثين } وقوله تعالى { لا
~~يذوقون } صفة كاشفة أو جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب وهو على ما
~~ذكر أولا جملة مبتدأة خبر عنهم.

# والمراد بالبرد ما يروحهم وينفس عنهم حر النار فلا ينافي أنهم قد يعذبون
~~بالزمهرير والشراب معروف والحميم الماء الشديد الحرارة والغساق ما يقطر
~~من جلود أهل النار من الصديد أي لا يذوقون فيها شيئا ما من روح ينفس
~~عنهم حر النار ولا من شراب يسكن عطشهم لكن يذوقون ماء حارا وصديدا وفي
~~الحديث

# " إن الرجل منهم إذا أدنى ذلك من فيه سقط فروة وجهه حتى يبقى عظاما
~~تقعقع "

# وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن البرد الشراب البارد المستلذ ومنه
~~قول حسان بن ثابت:

# يسقون من ورد البريص عليهم

# بردا يصفق بالرحيق السلسل

# / وقول الآخر:

# أماني من سعدى حسان كأنما

# سقتك بها سعدى على ظمأ بردا

# فيكون { ولا شرابا } من نفي العام بعد الخاص. وقال أبو عبيدة
~~والكسائي والفضل بن خالد ومعاذ النحوي البرد النوم والعرب تسميه بذلك
~~لأنه يبرد سورة العطش ومن كلامهم منه البرد البرد وقال الشاعر:

# فلو شئت حرمت النساء سواكم

# وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا

# أي وهو مجاز في ذلك عند بعض. ونقل في «البحر» عن كتاب «اللغات في
~~القرآن» أن البرد هو النوم بلغة هذيل وعن ابن عباس وأبي العالية الغساق
~~الزمهرير وهو على ما قيل مستثنى من { بردا } إلا أنه أخر لتوافق رؤوس
~~الآي فلا تغفل. وقرأ غير واحد من السبعة (غساقا) بالتخفيف.

### || [78.26]

# { جزاء } أي جوزوا بذلك جزاء، فجزاء مفعول مطلق منصوب بفعل مقدر،
~~وجعله خبرا آخر لكانت ليس بشيء. وقوله تعالى: { وفقا } مصدر وافقه
~~صفة له بتقدير مضاف أي ذا وفاق أو بتأويله باسم الفاعل أو لقصد المبالغة
~~على ما عرف في أمثاله، وأيا ما كان فالمراد جزاء موافقا لأعمالهم على
~~معنى أنه بقدرها في الشدة والضعف بحسب استحقاقهم كما يقتضيه عدله ms11072 وحكمته
~~تعالى والجملة من الفعل المقدر ومعموله جملة حالية أو مستأنفة. وجوز أن
~~يكون { وفقا } مصدرا منصوبا بفعل مقدر أيضا أي وافقها وفاقا
~~وهذه الجملة في موضع الصفة لجزاء. وقال الفراء: هو جمع وفق ولا يخفى ما
~~في جعله حينئذ صفة لجزاء من الخفاء.

# وقرأ أبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة (وفاقا) بكسر الواو وتشديد
~~الفاء من وفقه يفقه كورثه يرثه وجده موافقا لحاله، وفي «الكشف» وفقه
~~بمعنى وافقه وليس وصف الجزاء به وصفا بحال صاحبه كما لا يخفى، وحكى ابن
~~القوطية وفق أمره أي حسن وليس المعنى عليه.

### || [78.27]

# تعليل لاستحقاق العذاب المذكور أي كانوا لا يخافون أن يحاسبوا بأعمالهم.

### || [78.28]

# { وكذبوا بئايتنا } الناطقة بذلك أو به وبغيره مما يجب
~~الإيمان به { كذابا } أي تكذيبا مفرطا، وفعال بمعنى تفعيل في مصدر
~~فعل مطرد شائع في كلام فصحاء العرب، وعن الفراء أنه لغة يمانية فصيحة
~~وقال لي أعرابي على جبل المروة يستفتيني آلحلق أحب إليك أم القصار؟ ومن
~~تلك اللغة قول الشاعر:

# لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي

# وعن حاجة قضاؤها من شفائيا

# وقال ابن مالك في «التسهيل» إنه قليل.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وعوف الأعرابي وأبو رجاء والأعمش وعيسى
~~بخلاف عنه في التخفيف، قال صاحب «اللوامح» وذلك لغة اليمن يجعلون مصدر
~~كذب مخففا كذابا بالتخفيف مثل كتب كتابا فكذابا بمعنى كذبا وعليه
~~قول الأعشى:

# فصدقتها وكذبتها

# والمرء ينفعه كذابه

# والكلام هنا عليه من باب

# أنبتكم من الأرض نباتا

# [نوح: 17] ففعله الثلاثي إما مقدر أي كذبوا بآياتنا وكذبوا كذابا أو هو
~~مصدر للفعل المذكور باعتبار تضمنه معنى كذب الثلاثي فإن تكذيبهم الحق
~~الصريح يستلزم أنهم كاذبون وأيا ما كان يدل على كذبهم في تكذيبهم وجوز
~~أن يكون بمعنى مكاذبة كقتال بمعنى مقاتلة فهو من باب المفاعلة على معنى
~~أن كلا منهم ومن المسلمين اعتقد كذب الآخر بتنزيل ترك الاعتقاد منزلة
~~الفعل لا على معنى أن كلا كذب الآخر حقيقة. ويجوز أن تكون المفاعلة
~~مجازا مرسلا بعلاقة اللزوم ms11073 عن الجد والاجتهاد في الفعل، ويحتمل
~~الاستعارة فإنهم كانوا مبالغين في الكذب مبالغة المغالبين فيه وعلى
~~المعنيين كونه بمعنى الكذب وكونه بمعنى المكاذبة يجوز أن يكون حالا
~~بمعنى كاذبين أو مكاذبين على اعتبار المشاركة وعدم اعتبارها.

# وقرأ عمر بن عبد العزيز والماجشون (كذابا) بضم الكاف وتشديد الذال وخرج
~~على أنه جمع كاذب كفساق جمع فاسق فيكون حالا أيضا وكذبوا في حال كذبهم
~~نظير إذا جاء حين يأتي على ما قيل في قول طرفة:

# / إذا جاء ما لا بد منه فمرحبا

# به حين يأتي لا كذاب ولا علل

# وفيه بحث ظاهر. وجوز أن يكون مفردا صيغة مبالغة ككبار وحسان فيكون صفة
~~لمصدر محذوف أي تكذيبا كذابا فيفيد المبالغة والدلالة على الإفراط في
~~الكذب لأنه كليل أليل وظلام مظلم والإسناد فيه مجازي.

### || [78.29]

# { وكل شىء } من الأشياء التي من جملتها أعمالهم، وقال أبو حيان أي
~~كل شيء مما يقع عليه الثواب والعقاب فهو عام مخصوص وانتصابه بمضمر يفسره
~~{ أحصينه } أي حفظناه وضبطناه وقرأ أبو السمال بالرفع على
~~الابتداء { كتبا } مصدر مؤكد لأحصيناه فإن الإحصاء والكتب يتشاركان
~~في معنى الضبط فأما أن يؤول { أحصينه } بكتبناه أو كتابا
~~بإحصاء. وجوز الاحتباك على الحذفين من الطرفين أو حال بمعنى مكتوبا في
~~اللوح أو صحف الحفظة. والظاهر أن الكلام على حقيقته وقال بعضهم الظاهر
~~أنه تمثيل لصورة ضبط الأشياء في علمه تعالى بضبط المحصي المجد المتقن
~~للضبط بالكتابة وإلا فهو عز وجل مستغن عن الضبط بالكتابة وهذا التمثيل
~~لتفهيمنا وإلا فالانضباط في علمه تعالى أجل وأعلى من أن يمثل بشيء،
~~والمشهور عند أهل السنة ما قدمنا وليس ذلك للاحتياج وإنما هو لحكم تقصر
~~عنها العقول.

# والجملة اعتراض لتأكيد الوعيد السابق بأن ذلك كائن لا محالة لاحق بهم
~~لأن معاصيهم مضبوطة مكتوبة يكفحون بها يوم الجزاء، وقيل لتأكيد كفرهم
~~وتكذيبهم بالآيات بأنهما محفوظان للجزاء وليس بذاك. وقال البعض الأوجه
~~عندي أن { كل شيء } منصوب بالعطف على اسم أن في

# إنهم كانوا لا يرجون حسابا

# [النبأ: 27] و { أحصينه ms11074 كتبا } عطف على خبره والرفع على
~~العطف على محل اسم ان والجمل بيان لكون الجزاء المذكور موافقا لأعمالهم
~~لأن الجزاء الموافق إنما يكون لصدور أفعال موجبة له عنهم وضبطها وعدم
~~فوتها على المجازي فالجملتان الأوليان لإفادة صدور الموجب وهو الكفر
~~المعبر عنه بعدم رجاء الحساب والتكذيب بالآيات لما أن ذلك كالعلم فيه
~~والأخيرة لإفادة الضبط وعدم الفوت أي مع دماج الإشارة إلى باقي المعاصي
~~فيها وليست اعتراضا انتهى ولا يخفى ما فيه من التكلف.

### || [78.30]

# مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات، وتسبب الذوق والأمر به في غاية
~~الظهور وقيل الأظهر أنه مرتبط بقوله تعالى

# لا يذوقون فيها بردا

# [النبأ: 24] الخ أي إذا ذاقوا الحميم والغساق فيقال لهم ذوقوا فلن
~~نزيدكم الخ وحينئذ الجمل بينهما اعتراضية وفيه أنه في غاية البعد مع ما
~~فيه من كثرة الاعتراض ومجيئه على طريق الالتفات للمبالغة لتقدير إحضارهم
~~وقت الأمر ليخاطبوا بالتقريع والتوبيخ وهو أعظم في الإهانة والتحقير ولو
~~قدر القول فيه لم يكن هناك التفات.

# وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن
~~الحسن قال سألت أبا برزة الأسلمي عن أشد آية في كتاب الله تعالى على أهل
~~النار فقال قول الله تعالى { فذوقوا فلن نزيدكم إلا
~~عذابا } ووجه الأشدية على ما قيل أنه تقريع في يوم الفصل وغضب من أرحم
~~الراحمين وتأييس لهم مع ما في { لن } أي على القول بإفادتها التأبيد من
~~أن ترك الزيادة كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة. وقيل يحتمل أن يكون
~~المراد أنه أشد حجج القرآن على أهل النار فإنه إذا بلغهم في الدنيا هذا
~~الوعيد ولم يخافوا منه فقد قبلوا العذاب الأبدي في مقابلة الكفر فلا عذر
~~لهم يوم القيامة في الحكم عليهم بخلود النار وفيه من البعد ما فيه.

# واستشكل أمر زيادة العذاب بمنافاتها كون الجزء موافقا للأعمال. وأجيب
~~بأنها لحفظ الأصل إذ لولاها لألفوا ما أصابهم من العذاب أول مرة ولم
~~يتألموا به وهو كما ترى. وقيل إن العذاب لما ms11075 كان للكفر والمعاصي وهي
~~متزايدة في القبح في كل آن فالكفر مثلا في الزمن الثاني أقبح منه في
~~الزمن الأول وهكذا وعلم الله تعالى منهم لسوء استعدادهم استمرارهم على
~~ذلك اقتضى ذلك زيادة العذاب وشدته يوما فيوما. وقيل / لما كان كفرهم
~~أعظم كفر اقتضى أشد عذاب والعذاب المزاد يوما فيوما من أشد العذاب وقيل
~~غير ذلك فليتأمل.

### || [78.31]

# شروع في بيان محاسن أحوال المؤمنين إثر بيان سوء أحوال الكافرين. و {
~~مفازا } مصدر ميمي أو اسم مكان أي إن للذين يتقون عمل الكفر فوزا
~~وظفرا بمساعيهم أو موضع فوز وقيل نجاة مما فيه أولئك أو موضع نجاة.

### || [78.32]

# { حدائق } بدل اشتمال من { مفازا } على الأول وبدل البعض على
~~الثاني والرابط مقدر وتقديره حدائق فيه أو هي في محله أو نحو ذلك. وجوز
~~أن يكون بدل كل على الادعاء أو منصوبا بأعني مقدرا وهو جمع حديقة وهي
~~بستان فيها أنواع الشجر المثمر زاد بعضهم والرياحين والزهر، وقال الراغب
~~قطعة من الأرض ذات ماء سميت بذلك تشبيها بحدقة العين في الهيئة وحصول
~~الماء فيها وكأنه أراد ذات ماء وشجر.

# { وأعنبا } جمع عنب ويقال للكرم نفسه ولثمرته، والمتبادر عطفه
~~على { حدائق } قبله وهو بعض منها إذا أريد به الكروم وبها الأشجار
~~وموضعها وخص بالذكر اعتناء به، وأما إن أريد به الكروم وبها الموضع فقط
~~فلا ويتعين الاشتمال كما إذا أريد به ثمرات الكروم وجوز أن يكون هو وكذا
~~ما بعد عطف على { مفازا }.

### || [78.33]

# { وكواعب } جمع كاعب وهي المرأة التي تكعب ثدياها واستدار مع
~~ارتفاع يسير ويكون ذلك في سن البلوغ وأحسن التسوية { أترابا } أي
~~لدات ينشأن معا تشبيها في التساوي والتماثل بالترائب التي هي ضلوع
~~الصدر أو لوقوعهن معا على التراب أي الأرض. وفي بعض التفاسير نساء الجنة
~~كلهن بنات ست عشرة سنة ورجالهن أبناء ثلاث وثلاثين.

### || [78.34]

# أي مترعة يقال دهق فلان الحوض وأدهقه أي ملأه وروى عن ابن عباس أنه فسره
~~بذلك وأنشد قول الشاعر:

# أتانا عامر يبغي قرانا

# فأترعنا له ms11076 كأسا دهاقا

# وفي «البحر» الدهاق الملأى مأخوذ من الدهق وهو ضغط الشيء وشده باليد
~~كأنه لامتلائه انضغط وعن مجاهد وجماعة تفسيره بالمتتابعة وصحح الحاكم عن
~~ابن عباس ما رواه غير واحد أنه قال هي الممتلئة المترعة المتتابعة وربما
~~سمعت العباس يقول يا غلام اسقنا وأدهق لنا وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنه
~~قال أي صافية ولا يخلو عن كدر والجمهور على الأول.

### || [78.35]

# { لا يسمعون فيها } أي في الجنة وقيل في الكأس وجعلت الفاء
~~للسببية { لغوا } هو ما لا يعتد به من الكلام وهو على ما قال الراغب
~~الذي يورد لا عن روية وفكر فيجري مجرى اللغا وهو صوت العصافير ونحوها من
~~الطير وقد يسمى كل كلام قبيح لغوا وكذا ما لا يعتد به مطلقا { ولا
~~كذبا } أي تكذيبا، وقرىء بالتخفيف أي كذابا أو مكاذبة. وقد تضمنت هذه
~~المذكورات أنواعا من اللذات الحسية كما لا يخفى.

### || [78.36]

# { جزآء من ربك } مصدر مؤكد منصوب بمعنى

# إن للمتقين مفازا

# [النبأ: 31] فإنه في قوة أن يقال جازى المتقين بمفازا جزاء كائنا من
~~ربك. والتعرض لعنوان الربوبية للإشارة إلى أن ذلك حصل بترتيبه وإرشاده
~~تعالى. وإضافة الرب إلى ضميره عليه الصلاة والسلام دونهم لتشريفه صلى
~~الله عليه وسلم وقيل لم يقل من ربهم لئلا يحمله المشركون على أصنامهم وهو
~~بعيد جدا ويعلم مما ذكرنا وجه ترك من ربك فيما تقدم من قوله تعالى

# جزآء وفاقا

# [النبأ: 26] وعدم التعرض هناك لنسبة الجزاء إليه تعالى بعنوان آخر قيل
~~من باب «اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك».

# وقوله تعالى: { عطاء } أي تفضلا وإحسانا منه عز وجل إذ لا يجب عليه
~~سبحانه شيء، بدل من { جزآء } فمعنى كونه جزاء أنه كذلك بمقتضى وعده جل
~~وعلا، وجوز أن يكون نصبا بجزاء نصب المفعول به وتعقبه أبو حيان بأن جزاء
~~مصدر مؤكد لمضمون الجملة والمصدر المؤكد لا يعمل بلا خلاف نعلمه عند
~~النحاة لأنه لا ينحل لفعل وحرف مصدري. ورد بأن ذلك إذا كان الناصب
~~للمفعول المطلق مذكور أما ms11077 / إذا حذف مطلقا ففيه خلاف هل هو العامل أو
~~الفعل؟ وقال الشهاب ((الحق ما قال أبو حيان لأن المذكور هنا هو المصدر
~~المؤكد لنفسه أو لغيره والذي اختلف فيه النحاة هو المصدر الآتي بدلا من
~~اللفظ بفعله:

# كندلا زريق المال ندل الثعالب

# وقوله:

# يا قابل التوب غفرانا مآثم قد

# أسلفتها أنا منها خائف وجل

# فليعرف)) وقوله تعالى: { حسابا } صفة { عطاء } بمعنى كافيا على
~~أنه مصدر أقيم مقام الوصف أو بولغ فيه أو هو على تقدير مضاف وهو مأخوذ من
~~قولهم أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال حسبي. وقيل على حسب أعمالهم أي
~~مقسطا على قدرها وروي ذلك عن مجاهد وكان المراد مقسطا بعد التضعيف على
~~ذلك فيندفع ما قيل إنه غير مناسب لتضعيف الحسنات ولذا لم يقل وفاقا كما
~~في السابق ودفع أيضا بأن هذا بيان لما هو الأصل لا للجزاء مطلقا وقيل
~~المعنى عطاء مفروغا عن حسابه لا كنعم الدنيا وتعقب بأنه بعيد عن اللفظ
~~مع ما فيه من الإيهام.

# وقرأ ابن قطيب (حسابا) بفتح الحاء وشد السين قال ابن جني بني فعالا
~~من أفعل كدراك من أدرك فمعناه محسبا أي كافيا ومنع بعضهم مجيء فعالا
~~من الأفعال ودراك من درك فليحرر. وقرأ شريح بن يزيد الحمصي وأبو البرهسم
~~بكسر الحاء وشد السين على أنه مصدر ككذاب. وقرأ ابن عباس (حسنا) بالنون
~~من الحسن، وحكى المهدوي (حسبا) بفتح الحاء وسكون السين والباء الموحدة
~~نحو قولك حسبك كذا أي كافيك.

### || [78.37]

# { رب السموات والأرض وما بينهما } بدل من لفظ

# ربك

# [النبأ: 36] وفي إبداله تعظيم لا يخفى وإيماء على ما قيل إلى ما روي في
~~«كتب الصوفية» من الحديث القدسي

# " لولاك لما خلقت الأفلاك "

# وقوله تعالى: { الرحمن } صفة لربك أو لرب السماوات على الأصح عند
~~المحققين من جواز وصف المضاف إلى ذي اللام بالمعرف بها، وجوز أن يكون عطف
~~بيان وهل يكون بدلا من لفظ { ربك } قال في «البحر» فيه نظر لأن
~~الظاهر أن البدل لا يتكرر وقوله تعالى: { لا يملكون ms11078 منه
~~خطابا } استئناف مقرر لما أفادته الربوبية العامة من غاية العظمة
~~واستقلالا له تعالى بما ذكر من الجزاء والعطاء من غير أن يكون لأحد قدرة
~~عليه والقراءة كذلك مروية عن عبد الله وابن أبي إسحق والأعمش وابن
~~محيصن وابن عامر وعاصم.

# وقرأ الأعرج وأبو جعفر وشيبة وأبو عمرو والحرميان برفع الاسمين فقيل على
~~أنهما خبران لمبتدأ مضمر أي هو رب السماوات الخ وقيل الأول هو الخبر
~~والثاني صفة له أو عطف بيان وقيل الأول مبتدأ والثاني خبره و { لا
~~يملكون منه } خبر آخر أو هو الخبر والثاني نعت للأول أو عطف بيان
~~وقيل لا يملكون حال لازمة وقيل الأول مبتدأ أول والثاني مبتدأ ثان و {
~~لا يملكون } خبره والجملة خبر للأول وحصل الربط بتكرير المبتدأ
~~بمعناه على رأي من يقول به واختير أن يكون كلاهما مرفوعا على المدح أو
~~يكون الثاني صفة للأول و { لا يملكون } استئنافا على حاله لما في
~~ذلك من توافق القراءتين معنى. وقرأ الأخوان والحسن وابن وثاب والأعمش
~~وابن محيصن بخلاف عنهما بجر الأول على ماسمعت ورفع الثاني على الابتداء
~~والخبر مابعده أو على أنه خبر لمبتدأ مضمر وما بعده استئناف أو خبر ثان
~~وضمير { لا يملكون } لأهل السموات والأرض.

# و { منه } بيان لخطابا مقدم عليه أي لا يملكون أن يخاطبوه تعالى من
~~تلقاء أنفسهم كما ينبىء عنه لفظ الملك خطابا ما في شيء ما والمراد نفي
~~قدرتهم على أن يخاطبوه عز وجل بشيء من نقص العذاب أو زيادة الثواب من غير
~~إذنه تعالى على أبلغ وجه وآكده. وجوز أن يكون { منه } صلة {
~~يملكون } و { من } ابتدائية والمعنى لا يملكون من الله تعالى
~~خطابا واحدا أي لا يملكهم الله تعالى ذلك فلا يكون في أيديهم خطاب
~~يتصرفون فيه تصرف الملاك فيزيدون في الثواب أو ينقصون من العقاب وهذا كما
~~تقول ملكت منه درهما وهو أقل تكلفا وأظهر من جعل { منه } حالا من {
~~خطابا } مقدما وإضمار مضاف أي خطابا / من خطاب الله تعالى فيكون
~~المعنى لا يملكون ms11079 خطابا واحدا من جملة ما يخاطب به الله تعالى ويأمر به
~~في أمر الثواب والعقاب. وظاهر كلام البيضاوي حمل الخطاب على خطاب
~~الاعتراض عليه سبحانه في ثواب أو عقاب ومنه على ما سمعت منا أولا أي لا
~~يملكون خطابه تعالى والاعتراض عليه سبحانه في ثواب أو عقاب لأنهم مملوكون
~~له عز وجل على الإطلاق فلا يستحقون عليه سبحانه اعتراضا أصلا، وأيا ما
~~كان فالآية لا تصلح دليلا على نفي الشفاعة بإذنه عز وجل. وعن عطاء عن
~~ابن عباس أن ضمير { لا يملكون } للمشركين وعدم الصلاحية عليه أظهر.

### || [78.38]

# { يوم يقوم الروح والملئكة صفا } قيل الروح خلق
~~أعظم من الملائكة وأشرف منهم وأقرب من رب العالمين، وقيل هو ملك ما خلق
~~الله عز وجل بعد العرش خلقا أعظم منه عن ابن عباس أنه إذا كان يوم
~~القيامة قام هو وحده صفا والملائكة صفا، وعن الضحاك أنه لو فتح فاه
~~لوسع جميع الملائكة عليهم السلام. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في
~~«العظمة» وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

# " الروح جند من جنود الله تعالى ليسوا ملائكة لهم رؤس وأيد وأرجل "

# وفي رواية

# " يأكلون الطعام ثم قرأ { يوم يقوم الروح والملئكة
~~صفا } وقال هؤلاء جند وهؤلاء جند "

# وروي القول بهذا عن مجاهد وأبي صالح. وقيل هم أشراف الملائكة وقيل هم
~~حفظة الملائكة وقيل ملك موكل على الأرواح قال في «الإحياء» الملك الذي
~~يقال له الروح هو الذي يولج الأرواح في الأجسام فإنه يتنفس فيكون في كل
~~نفس من أنفاسه روح في جسم وهو حق يشاهده أرباب القلوب ببصائرهم. وأخرج
~~أبو الشيخ عن الضحاك أنه جبريل عليه السلام وهو قول لابن عباس فقد أخرج
~~هو عنه أيضا أنه قال إن جبريل عليه السلام يوم القيامة لقائم بين يدي
~~الجبار ترعد فرائصه فرقا من عذاب الله تعالى يقول سبحانك لا إله إلا أنت
~~ما عبدناك حق عبادتك وإن ما بين منكبيه كما بين المشرق والمغرب أما سمعت
~~قول ms11080 الله تعالى { يوم يقوم الروح والملئكة صفا }
~~وفي رواية البيهقي في «الأسماء والصفات» عنه أن المراد به أرواح الناس
~~وأن قيامها مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد إلى الأجساد وهو
~~خلاف الظاهر في الآية جدا ولعله لا يصح عن الحبر. وقيل القرآن وقيامه
~~مجازعن ظهور آثاره الكائنة عن تصديقه أو تكذيبه وفيه الجمع بين الحقيقة
~~والمجاز مع ما لا يخفى ولم يصح عندي فيه هنا شيء.

# و { يوم } ظرف للايملكون و { صفا } حال أي مصطفين قيل هما صفان
~~الروح صف واحد أو متعدد والملائكة صف آخر وقيل صفوف وهو الأوفق لقوله
~~تعالى:

# والملك صفا صفا

# [الفجر: 22] وقيل: يوم يقوم الروح والملائكة الكل صفا واحدا وجوز أن
~~يكون ظرفا لقوله تعالى: { لا يتكلمون } وقوله سبحانه: { إلا
~~من أذن له الرحمن وقال صوابا } بدل من ضمير { لا
~~يتكلمون } وهو عائد إلى أهل السماوات والأرض الذين من جملتهم
~~الروح والملائكة، وذكر قيامهم مصطفين لتحقيق عظمة سلطانه تعالى وكبرياء
~~ربوبيته عز وجل وتهويل يوم البعث الذي عليه مدار الكلام من مطلع السورة
~~الكريمة إلى مقطعها.

# والجملة استئناف مقرر لمضمون قوله تعالى: { لا يملكون } الخ
~~ومؤكد له على معنى أن أهل السماوات والأرض إذا لم يقدروا حينئذ أن
~~يتكلموا بشيء من جنس الكلام إلا من أذن الله تعالى له منهم في التكلم
~~مطلقا وقال ذلك المأذون له بعد الإذن في مطلق التكلم قولا صوابا أي
~~حقا من الشفاعة لمن ارتضى فكيف يملكون خطاب رب العزة جل جلاله مع كونه
~~أخص من مطلق الكلام وأعز منه مراما؟

# وجوز أن يكون ضمير { لا يملكون } إلى الروح والملائكة والكلام
~~مقرر لمضمون قوله تعالى: { لا يملكون } الخ أيضا لكن على معنى أن
~~الروح والملائكة مع كونهم أفضل الخلائق وأقربهم من الله تعالى إذا لم
~~يقدروا أن يتكلموا بما هو صواب من الشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه فكيف
~~يملكه غيرهم؟ وذكره بعض أهل السنة فتعقب بأنه مبني على مذهب الاعتزال من
~~كون الملائكة عليهم السلام أفضل من البشر ms11081 مطلقا / وأنت تعلم أن من أهل
~~السنة أيضا من ذهب إلى هذا كأبي عبد الله الحليمي والقاضي أبي بكر
~~الباقلاني والإمام الرازي ونسب إلى القاضي البيضاوي وكلامه في «التفسير»
~~هنا لا يخلو عن إغلاق وتصدى من تصدى لتوجيهه وأطالوا في ذلك على أن
~~الخلاف في أفضليتهم بمعنى كثرة الثواب وما يترتب عليها من كونهم أكرم على
~~الله تعالى وأحبهم إليه سبحانه لا بمعنى قرب المنزلة ودخول حظائر القدس
~~ورفع ستارة الملكوت بالاطلاع على ما غاب عنا والمناسبة في النزاهة وقلة
~~الوسائط ونحو ذلك فإنهم بهذا الاعتبار أفضل بلا خلاف، وكلام ذلك البعض
~~يحتمل أن يكون مبنيا عليه وهذا كما نشاهده من حال خدام الملك وخاصة حرمه
~~فإنهم أقرب إليه من وزرائه والخارجين من أقربائه وليسوا عنده بمرتبة
~~واحدة وإن زادوا في التبسط والدلال عليه.

# وعن ابن عباس أن ضمير { لا يتكلمون } للناس وجوز أن يكون {
~~إلا من أذن } الخ منصوبا على أصل الاستثناء والمعنى لا يتكلمون
~~إلا في حق شخص أذن له الرحمن وقال ذلك الشخص في الدنيا صوابا أي حقا هو
~~التوحيد وقول لا إله إلا الله كما روي عن ابن عباس وعكرمة وعليه قيل يجوز
~~أن يكون { قال صوابا } في موضع الحال من (من) بتقدير قد أو
~~بدونه لا عطفا على { أذن } ومن الناس من جوز الحالية على الوجه الأول
~~أيضا لكن من ضمير { يتكلمون } باعتبار كل واحد أو باعتبار
~~المجموع وظن أن قول بعضهم المعنى لا يتكلمون بالصواب إلا بإذنه لا يتم
~~بدون ذلك وفيه ما فيه. وقيل جملة { لا يتكلمون } حال من الروح
~~والملائكة أو من ضميرهم في { صفا } والجمهور على ما تقدم.

# وإظهار الرحمن في موقع الإضمار للإيذان بأن مناط الإذن هو الرحمة
~~البالغة لا أن أحدا يستحقه عليه سبحانه وتعالى كما أن ذكره فيما تقدم
~~للإشارة إلى أن الرحمة مناط تربيته عز وجل.

### || [78.39]

# { ذلك } إشارة إلى يوم قيامهم على الوجه المذكور وما فيه من معنى
~~البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان بعلو ms11082 درجته وبعد منزلته في
~~الهول والفخامة، ومحله الرفع على الابتداء خبره قوله تعالى: { اليوم
~~} الموصوف بقوله سبحانه: { الحق } أو هو الخبر و { اليوم } بدل أو
~~عطف بيان، والمراد بالحق الثابت المتحقق أي ذلك اليوم الثابت الكائن لا
~~محالة. والجملة مؤكدة لما قبل ولذا لم تعطف.

# والفاء في قوله عز وجل: { فمن شآء اتخذ إلى ربه مآبا }
~~فصيحة تفصح عن شرط محذوف ومفعول المشيئة محذوف دل عليه الجزاء و { إلى
~~ربه } متعلق بمآبا قدم عليه اهتماما به ورعاية للفواصل كأنه قيل
~~وإذا كان الأمر كما ذكر من تحقق الأمر المذكور لا محالة فمن شاء أن يتخذ
~~مرجعا إلى ثواب ربه الذي ذكر شأنه العظيم فعل ذلك بالإيمان والطاعة.
~~وقال قتادة فيما رواه عنه عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن المنذر { مآبا
~~} أي سبيلا وتعلق الجار به لما فيه من معنى الإفضاء والإيصال والأول
~~أظهر. وتقدير المضاف أعني الثواب قيل لاستحالة الرجوع إلى ذاته عز وجل
~~وقيل لأن رجوع كل أحد إلى ربه سبحانه ليس بمشيئته إذ لا بد منه شاء أم لا
~~والمعلق بالمشيئة الرجوع إلى ثوابه تعالى فإن العبد مختار في الإيمان
~~والطاعة ولا ثواب بدونها وقيل لتقدم قوله تعالى:

# للطغين مئابا

# [النبأ: 22] فإن لهم مرجعا لله تعالى أيضا لكن للعقاب لا للثواب ولكل
~~وجهة.

### || [78.40]

# { إنا أنذرنكم } أي بما ذكر في السورة من الآيات الناطقة
~~بالبعث بما فيه وما بعده من الدواهي، أو بها وبسائر القوارع الواردة في
~~القرآن العظيم { عذابا قريبا } هو عذاب الآخرة وقربه لتحقق إتيانه
~~فقد قيل ما أبعد ما فات وما أقرب ما هو آت أو لأنه قريب بالنسبة إليه عز
~~وجل أو يقال البرزخ داخل في الآخرة ومبدؤه الموت وهو قريب حقيقة كما لا
~~يخفى على من عرف القرب والبعد. وعن قتادة هو عقوبة الذنب لأنه أقرب
~~العذابين وعن مقاتل هو قتل قريش يوم بدر وتعقب بأنه يأباه قوله تعالى: {
~~يوم ينظر المرء ما قدمت يداه } فإن الظاهر أنه / ظرف
~~لمضمر هو صفة { عذابا ms11083 } أي عذابا كائنا يوم الخ وليس ذلك اليوم إلا
~~يوم القيامة وكذا على ما قيل من أنه بدل من { عذابا } أو ظرف لقريبا
~~وعلى هذا الأخير قيل لا حاجة إلى توجيه القرب لأن العذاب في ذلك اليوم
~~قريب لا فاصل بينه وبين المرء ونظر فيه بأن الظاهر جعل المنذر به قريبا
~~في وقت الإنذار لأنه المناسب للتهديد والوعيد إذ لا فائدة في ذكر قربه
~~منهم يوم القيامة فإذا تعلق به فالمراد بيان قرب اليوم نفسه فتأمل.

# والظاهر أن (المرء) عام للمؤمن والكافر و(ما) موصولة منصوبة بينظر
~~والعائد محذوف والمراد يوم يشاهد المكلف المؤمن والكافر ما قدمه من خير
~~أو شر وجوز أن تكون (ما) استفهامية منصوبة بقدمت أي ينظر أي شيء قدمت
~~يداه؟ والجملة معلق عنها لأن النظر طريق العلم والكلام في قوة { ينظر
~~} جواب { ما قدمت يداه } وفي الكلام على ما ذكره العلامة
~~التفتازاني تغليب ما وقع بوجه مخصوص على ما وقع بغير هذا الوجه حيث ذكر
~~اليدان لأن أكثر الأعمال تزاول بهما فجعل الجميع كالواقع بهما تغليبا.

# وقرأ ابن أبي إسحق (المرء) بضم الميم وضعفها أبو حاتم ولا ينبغي أن
~~تضعف لأنها لغة بعض العرب يتبعون حركة الهمزة فيقولون مرء ومرأ و مرء
~~على حسب الإعراب.

# { ويقول الكافر يليتنى كنت تربا } تخصيص لأحد
~~الفريقين اللذين تناولهما المرء فيما قبل منه بالذكر وخص قول الكافر دون
~~المؤمن لدلالة قوله على غاية الخيبة ونهاية التحسر ودلالة حذف قول
~~المؤمنين على غاية التبجح ونهاية الفرح والسرور وقال عطاء المرء هنا
~~الكافر لقوله تعالى: { إنا أنذرنكم } وكان الظاهر عليه الضمير
~~فيما بعد إلا أنه وضع الظاهر موضعه لزيادة الذم، وفيه أن تناول الفريقين
~~هو المطابق لما سبق من صف يوم مفصل لما اشتمل على حالهما وهو الوجه لقوله
~~تعالى

# فمن شآء اتخذ إلى ربه مآبا

# [النبأ: 39] و { إنا أنذرنكم } لا يخص الكافر لأن الإنذار
~~عام للفريقين أيضا فلا دلالة على الاختصاص.

# وقال ابن عباس وقتادة والحسن المراد به المؤمن قال الإمام دل ms11084 عليه قول
~~الكافر فلما كان هذا بيانا لحال الكافر وجب أن يكون الأول بيانا لحال
~~المؤمن ولا يخفى ما فيه من الضعف كاستدلال الرياشي بالآية على أن المرء
~~لا يطلق إلا على المؤمن وأراد الكافر بقوله هذا: ليتني كنت ترابا في
~~الدنيا فلم أخلق ولم أكلف أو ليتني كنت ترابا في هذا اليوم فلم أبعث.
~~وعن ابن عمر وأبي هريرة ومجاهد أن الله تعالى يحضر البهائم فيقتص لبعضها
~~من بعض ثم يقول سبحانه لها كوني ترابا فيعود جميعها ترابا فإذا رأى
~~الكافر ذلك تمنى مثله. وإلى حشر البهائم والاقتصاص لبعضها من بعض ذهب
~~الجمهور وسيأتي الكلام في ذلك في سورة التكوير إن شاء الله تعالى.

# وقيل الكافر في الآية إبليس عليه اللعنة لما شاهد آدم عليه الصلاة
~~والسلام ونسله المؤمنين وما لهم من الثواب تمنى أن يكون ترابا لأنه
~~احتقره لما قال

# خلقتني من نار وخلقته من طين

# [الأعراف: 12] وهو بعيد عن السياق وإن كان حسنا. والتراب على جميع ما
~~ذكر بمعناه المعروف والكلام على ظاهره وحقيقته وجوز لا سيما على الأخير
~~أن يكون المراد بقول ليتني كنت في الدنيا متواضعا لطاعة الله تعالى لا
~~جبارا ولا متكبرا والمعول عليه ما تقدم كما لا يخفى.

### | [79 - سورة النازعات]

### || [79.1-5]

# أقسام من الله تعالى بطوائف من ملائكة الموت عليهم السلام الذين ينزعون
~~الأرواح من الأجساد على الإطلاق كما في رواية عن ابن عباس ومجاهد أو
~~أرواح الكفرة على ما أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر عن علي كرم الله
~~تعالى وجهه وجويبر في «تفسيره» عن الحبر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود
~~وعبد بن حميد عن قتادة وروي عن سعيد بن جبير ومسروق، وينشطونها أي
~~يخرجونها من الأجساد من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها ويسبحون في
~~إخراجها سبح الذي يخرج من البحر ما يخرج فيسبقون ويسرعون بأرواح الكفرة
~~إلى النار وبأرواح المؤمنين إلى الجنة فيدبرون أمر عقابها وثوابها بأن
~~يهيؤها لإدراك ما أعد لها من الآلام واللذات.

# ومال بعضهم إلى ms11085 تخصيص النزع بأرواح الكفار والنشط والسبح بأرواح
~~المؤمنين لأن النزع جذب بشدة وقد أردف بقوله تعالى { غرقا } وهو مصدر
~~مؤكد بحذف الزوائد أي إغراقا في النزع من أقاصي الأجساد وقيل هو نوع
~~والنزع جنس أي في هذا المحل، وذلك أنسب بالكفار، قال ابن مسعود تنزع
~~الملائكة روح الكافر من جسده من تحت كل شعرة ومن تحت الأظافر وأصول
~~القدمين ثم تغرقها في جسده ثم تنزعها حتى إذا كادت تخرج يردها في جسده
~~وهكذا مرارا فهذا عملها في الكفار والنشط الإخراج برفق وسهولة وهو أنسب
~~بالمؤمنين وكذا السبح ظاهر في التحرك برفق ولطافة، قال بعض السلف: إن
~~الملائكة يسلون أرواح المؤمنين سلا رقيقا ثم يتركونها حتى تستريح
~~رويدا ثم يستخرجونها برفق ولطف كالذي يسبح في الماء فإنه يتحرك برفق
~~لئلا يغرق فهم يرفقون في ذلك الاستخراج لئلا يصل إلى المؤمن ألم وشدة.
~~وفي «التاج» أن النشط حل العقدة برفق ويقال كما في «البحر» أنشطت العقال
~~ونشطته إذا مددت أنشوطته فانحلت والأنشوطة عقدة يسهل انحلالها إذا جذبت
~~كعقدة التكة فإذا جعلت الناشطات من النشط بهذا المعنى كان أوفق للإشارة
~~إلى الرفق. والعطف مع اتحاد الكل لتنزيل التغاير العنواني منزلة التغاير
~~الذاتي كما مر غير مرة للإشعار بأن كل واحد من الأوصاف المعدودة من
~~معظمات الأمور حقيق بأن يكون على حياله مناطا لاستحقاق موصوفه للإجلال
~~والإعظام بالإقسام به من غير انضمام الأوصاف الأخر إليه، ولو جعلت
~~النازعات ملائكة العذاب والناشطات ملائكة الرحمة كان العطف للتغاير
~~الذاتي على ما هو الأصل والفاء في الأخيرين للدلالة على ترتبهما على ما
~~قبلهما بغير مهلة.

# وانتصاب { نشطا } و { سبحا } و { سبقا } على المصدرية كانتصاب
~~{ غرقا } وأما انتصاب { أمرا } فعلى المفعولية للمدبرات لا على نزع
~~الخافض أي بأمر منه تعالى كما قيل وزعم أنه الأولى. وتنكيره للتهويل
~~والتفخيم وجوز أن يكون { غرقا } مصدرا مؤولا بالصفة المشبهة ونصبه
~~على المفعولية أيضا للنازعات أو صفة للمفعول به لها أي نفوسا غرقة في
~~الأجساد وحمل بعضهم غرقها فيها بشدة تعلقها بها ms11086 وغلبة صفاتها عليها وكأن
~~ذلك مبني على تجرد الأرواح كما ذهب إليه الفلاسفة وبعض أجلة المسلمين.

# هذا ولم نقف على نص في أن الملائكة حال قبض الأرواح وإخراجها هل يدخلون
~~في الأجساد أم لا؟ وظاهر تفسير الناشطات أنهم حالة النزع خارج الجسد
~~كالواقف والسابحات دخولهم فيه لإخراجها على ما قيل، وأنت تعلم أن السبح
~~ليس على حقيقته ولا مانع من أن يراد به مجرد الاتصال ونحوه مما لا توقف
~~له على الدخول.

# وجوز أن يكون المراد بالسابحات وما بعدها طوائف من الملائكة يسبحون في
~~مضيهم فيسبقون فيه إلى ما أمروا به من الأمور الدنيوية والأخروية فيدبرون
~~أمره من كيفيته وما لا بد منه فيه ويعم ذلك ملائكة الرحمة وملائكة
~~العذاب، والعطف عليه لتغاير الموصوفات كالصفات، وأيا ما كان / فجواب
~~القسم محذوف يدل عليه ما بعد من أحوال القيامة ويلوح إليه الأقسام
~~المذكورة والتقدير والنازعات الخ لتبعثن وإليه ذهب الفراء وجماعة.

# وقيل أقسام بالنجوم السيارة التي تنزع أي تسير من نزع الفرس إذا جرى من
~~المشرق إلى المغرب غرقا في النزع وجدا في السير بأن تقطع الفلك على
~~ما يبدو للناس حتى تنحط في أقصى الغرب وتنشط من برج إلى برج أي تخرج، من
~~نشط الثور إذا خرج من مكان إلى مكان آخر ومنه قول هميان بن قحافة:

# أرى همومي تنشط المناشطا

# الشأم بي طورا وطورا واسطا

# وتسبح في الفلك فيسبق بعضها في السير لكونه أسرع حركة فتدبر أمرا نيط
~~بها كاختلاف الفصول وتقدير الأزمنة وظهور مواقيت العبادات والمعاملات
~~المؤجلة. ولما كانت حركاتها من المشرق إلى المغرب سريعة قسرية وتابعة
~~لحركة الفلك الأعظم ضرورة وحركاتها من برج إلى برج بإرادتها من غير قسر
~~لها وهي غير سريعة أطلق على الأولى النزع لأنه جذب بشدة وعلى الثانية
~~النشط لأنه برفق. وروي حمل النازعات على النجوم عن الحسن وقتادة والأخفش
~~وابن كيسان وأبي عبيدة، وحمل الناشطات عليها عن ابن عباس والثلاثة
~~الأول، وحمل السابحات عليها عن الأولين وحملها أبو روق على الليل والنهار ms11087
~~والشمس والقمر منها والمدبرات عليها عن معاذ وإضافة التدبير إليها مجاز.

# وقيل أقسام بالنفوس الفاضلة حالة المفارقة لأبدانها بالموت فإنها تنزع
~~عن الأبدان غرقا أي نزعا شديدا من أغرق النازع في القوس إذا بلغ غاية
~~المد حتى ينتهي إلى النصل لعسر مفارقتها إياها حيث ألفه وكان مطية لها
~~لاكتساب الخير ومظنة لازدياده فتنشط شوقا إلى عالم الملكوت وتسبح به
~~فتسبق إلى حظائر القدس فتصير لشرفها وقوتها من المدبرات أي ملحقة
~~بالملائكة أو تصلح هي لأن تكون مدبرة كما قال الإمام: ((إنها بعد
~~المفارقة قد تظهر لها آثار وأحوال في هذا العالم فقد يرى المرء شيخه بعد
~~موته فيرشده لما يهمه، وقد نقل عن جالينوس أنه مرض مرضا عجز عن علاجه
~~الحكماء فوصف له في منامه علاجه فأفاق وفعله فأفاق))، وقد ذكره الغزالي
~~ولذا قيل - وليس بحديث كما توهم - إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا من
~~أصحاب القبور أي أصحاب النفوس الفاضلة المتوفين ولا شك في أنه يحصل
~~لزائرهم مدد روحاني ببركتهم وكثيرا ما تنحل عقد الأمور بأنامل التوسل
~~إلى الله تعالى بحرمتهم، وحمله بعضهم على الأحياء منهم الممتثلين أمر
~~«موتوا قبل أن تموتوا».

# وتفسير النازعات بالنفوس مروى عن السدي إلا أنه قال هي جماعة النفوس
~~تنزع بالموت إلى ربها، والناشطات بها عن ابن عباس أيضا إلا أنه قال هي
~~النفوس المؤمنة تنشط عند الموت للخروج، والسابقات بها عن ابن مسعود إلا
~~أنه قال هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة عليهم السلام الذين يقبضونها
~~وقد عاينت السرور شوقا إلى لقاء الله تعالى. وقيل أقسام بالنفوس حال
~~سلوكها وتطهير ظاهرها وباطنها بالاجتهاد في العبادة والترقي في المعارف
~~الإلهية فإنها تنزع عن الشهوات وتنشط إلى عالم القدس فتسبح في مراتب
~~الارتقاء فتسبق إلى الكمالات حتى تصير من المكملات للنفوس الناقصة.

# وقيل أقسام بأنفس الغزاة أو أيديهم تنزع القسي بإغراق السهام وتنشط
~~بالسهم للرمي وتسبح في البر والبحر فتسبق إلى حرب العدو فتدبر أمرها
~~وإسناد السبح وما بعده إلى الأيدي عليه مجاز للملابسة وحمل النازعات ms11088 على
~~الغزاة مروي عن عطاء إلا أنه قال هي النازعات بالقسي وغيرها وقيل بصفات
~~خيلهم فإنها تنزع في أعنتها غرقا أي تمد أعنتها مدا قويا حتى تلصقها
~~بالأعناق من غير ارتخائها فتصير كأنها انغمست فيها وتخرج من دار الإسلام
~~إلى دار الكفر وتسبح في جريها فتسبق إلى العدو فتدبر أمر الظفر وإسناد
~~التدبير إليها إسناد إلى السبب وحمل السابحات على الخيل مروي عن عطاء
~~أيضا وجماعة. ولا يخفى أن أكثر هذه الأقوال لا يليق بشأن جزالة التنزيل
~~وليس له قوة مناسبة للمقام.

# ومنها ما فيه قول بما عليه أهل الهيئة المتقدمون / من الحركة الإرادية
~~للكوكب وهي حركته الخاصة ونحوها مما ليس في كلام السلف ولم يتم عليه
~~برهان ولذا قال بخلافه المحدثون من الفلاسفة، وفي حمل المدبرات على
~~النجوم إيهام صحة ما يزعمه أهل الأحكام وجهلة المنجمين وهو باطل عقلا
~~ونقلا كما أوضحنا ذلك فيما تقدم وكذا في حملها على النفوس الفاضلة
~~المفارقة إيهام صحة ما يزعمه كثير من سخفة العقول من أن الأولياء يتصرفون
~~بعد وفاتهم بنحو شفاء المريض وإنقاذ الغريق والنصر على الأعداء وغير ذلك
~~مما يكون في عالم الكون والفساد، على معنى أن الله تعالى فوض إليهم ذلك،
~~ومنهم من خص ذلك بخمسة من الأولياء والكل جهل وإن كان الثاني أشد جهلا.

# نعم لا ينبغي التوقف في أن الله تعالى قد يكرم من شاء من أوليائه بعد
~~الموت كما يكرمه قبله بما شاء فيبرىء سبحانه المريض وينقذ الغريق وينصر
~~على العدو وينزل الغيث وكيت وكيت كرامة له وربما يظهر عز وجل من يشبهه
~~صورة فتفعل ما سئل الله تعالى بحرمته مما لا إثم فيه استجابة للسائل
~~وربما يقع السؤال على الوجه المحظور شرعا فيظهر سبحانه نحو ذلك مكرا
~~بالسائل واستدراجا له ونقل الإمام في هذا المقام عن الغزالي أنه قال: إن
~~الأرواح الشريفة إذا فارقت أبدانها ثم اتفق إنسان مشابه للإنسان الأول في
~~الروح والبدن فإنه لا يبعد أن يحصل للنفس المفارقة تعلق بهذا البدن حتى
~~تصير ms11089 كالمعاونة للنفس المتعلقة بذلك البدن على أعمال الخير فتسمى تلك
~~المعاونة إلهاما ونظيره في جانب النفوس الشريرة وسوسة انتهى ولم أر ما
~~يشهد على صحته في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة وقد ذكر الإمام نفسه في
~~«المباحث» المشرقية استحالة تعلق أكثر من نفس ببدن واحد وكذا استحالة
~~تعلق نفس واحدة بأكثر من بدن ولم يتعقب ما نقله هنا فكأنه فهم أن التعلق
~~فيه غير التعلق المستحيل فلا تغفل.

# وقال في وجه حمل المذكورات على الملائكة إن الملائكة عليهم السلام لها
~~صفات سلبية وصفات إضافية أما الأولى فهي أنها مبرأة عن الشهوة والغضب
~~والأخلاق الذميمة والموت والهرم والسقم والتركيب والأعضاء والأخلاط
~~والأركان بل هي جواهر روحانية مبرأة عن هذه الأحوال فالنازعات غرقا
~~إشارة إلى كونها منزوعة عن هذه الأحوال نزعا كليا من جميع الوجوه على
~~أن الصيغة للنسبة والناشطات نشطا إشارة إلى أن خروجها عن ذلك ليس كخروج
~~البشر على سبيل الكلفة والمشقة بل بمقتضى الماهية فالكلمتان إشارتان إلى
~~تعريف أحوالهم السلبية. وأما صفاتهم الإضافية فهي قسمان الأول: شرح قوتهم
~~العاقلة وبيان حالهم في معرفة ملك الله تعالى وملكوته سبحانه والاطلاع
~~على نور جلاله جل جلاله فوصفهم سبحانه في هذا المقام بوصفين أحدهما:
~~والسابحات سبحا فهم يسبحون من أول فطرتهم في بحار جلاله تعالى ثم لا
~~منتهى لسبحهم لأنه لا منتهى لعظمة الله تعالى وعلو صمديته ونور جلاله
~~وكبريائه فهم أبدا في تلك السباحة. وثانيهما: فالسابقات سبقا وهو إشارة
~~إلى تفاوت مراتبهم في درجات المعرفة وفي مراتب التجلي والثاني: شرح قوتهم
~~العاملة وبيان حالهم فيها فوصفهم سبحانه في هذا المقام بقوله تعالى: {
~~فالمدبرات أمرا } ولما كان التدبير لا يتم إلا بعد العلم قدم
~~شرح القوة العاقلة على شرح القوة العاملة انتهى وهو على ما في بعضه من
~~المنع ليس بشديد المناسبة للمقام.

# ونقل غير واحد أقوالا غير ما ذكر في تفسير المذكورات فعن مجاهد
~~النازعات المنايا تنزع النفوس، وحكى يحيى بن سلام أنها الوحش تنزع إلى
~~الكلأ وعن الأول تفسير الناشطات ms11090 بالمنايا أيضا وعن عطاء تفسيرها بالبقر
~~الوحشية وما يجري مجراها من الحيوان الذي ينشط من قطر إلى قطر وعنه أيضا
~~تفسير السابحات بالسفن وعن مجاهد تفسيرها بالمنايا تسبح في نفوس الحيوان
~~وعن بعضهم تفسيرها بالسحاب وعن آخر تفسيرها بدواب البحر وعن بعض تفسير
~~السابقات بالمنايا على معنى أنها تسبق الآمال وعن غير واحد تفسير
~~المدبرات بجبريل يدبر الرياح والجنود والوحي وميكال / يدبر القطر والنبات
~~وعزرائيل يدبر قبض الأرواح وإسرافيل يدبر الأمر المنزل عليهم لأنه ينزل
~~به ويدبر النفخ في الصور. والأكثرون تفسيرها بالملائكة مطلقا بل قال ابن
~~عطية لا أحفظ خلافا في أنها الملائكة وليس في تفسير شيء مما ذكر خبر
~~صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أعلم وما ذكرته أولا هو
~~المرجح عندي نظرا للمقام والله تعالى أعلم. وقوله سبحانه: { يوم
~~ترجف الراجفة }.

### || [79.6]

# منصوب بالجواب المضمر. والمراد بالراجفة الواقعة أو النفخة التي ترجف
~~الأجرام عندها على أن الإسناد إليها مجازي لأنها سبب الرجف أو التجوز في
~~الطرف بجعل سبب الرجف راجفا. وجوز أن تفسر الراجفة بالمحركة ويكون ذلك
~~حقيقة لأن رجف يكون بمعنى حرك وتحرك كما في «القاموس» وهي النفخة الأولى.
~~وقيل المراد بها الأجرام الساكنة التي تشتد حركتها حينئذ كالأرض والجبال
~~لقوله تعالى:

# يوم ترجف الأرض والجبال

# [المزمل: 14] وتسميتها راجفة باعتبار الأول ففيه مجاز مرسل وبه يتضح
~~فائدة الإسناد. وقوله تعالى: { تتبعها الرادفة }.

### || [79.7]

# أي الواقعة أو النفخة التي تردف وتتبع الأولى وهي النفخة الثانية، وقيل
~~الأجرام التابعة وهي السماء والكواكب فإنها تنشق وتنتثر بعد. والجملة حال
~~من (الراجفة) مصححة لوقوع اليوم ظرفا للبعث لإفادتها امتداد الوقت وسعته
~~حيث أفادت أن اليوم زمان الرجفة المقيدة بتبعية الرادفة لها، وتبعية
~~الشيء الآخر فرع وجود ذلك الشيء فلا بعد من امتداد اليوم إلى الرادفة،
~~واعتبار امتداده مع أن البعث لا يكون [إلا] عند الرادفة أعني النفخة
~~الثانية وبينها وبين الأولى أربعون لتهويل اليوم ببيان كونه موقعا
~~لداهيتين عظيمتين. وقيل

# يوم ترجف

# [النازعات: 6] منصوب باذكر فتكون الجملة ms11091 استئنافا مقررا لمضمون الجواب
~~المضمر كأنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم اذكر لهم يوم النفختين
~~فإنه وقت بعثهم. وقيل هو منصوب بما دل عليه قوله تعالى: { قلوب
~~يومئذ واجفة }.

### || [79.8]

# أي يوم ترجف وجفت القلوب أي اضطربت يقال وجف القلب وجيفا اضطرب من شدة
~~الفزع وكذلك وجب وجيبا. وروي عن ابن عباس أن (واجفة) بمعنى خائفة بلغة
~~همدان وعن السدي زائلة عن مكانها ولم يجعل منصوبا بواجفة لأنه نصب ظرفه
~~أعني { يومئذ } والتأسيس أولى من التأكيد فلا يحمل عليه كيف وحذف
~~المضاف وإبدال التنوين مما يأباه أيضا. ورفع (قلوب) على الابتداء
~~و(يومئذ) متعلق بواجفة وهي الخبر على ما قيل وهو الأظهر كما في قوله
~~تعالى

# وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه
~~يومئذ باسرة

# [القيامة: 22-24] وجاز الابتداء بالنكرة لأن تنكيرها للتنويع وهو يقوم
~~مقام الوصف المخصص. نعم التنويع في النظير أظهر لذكر المقابل بخلاف ما
~~نحن فيه ولكن لا فرق بعد ما ساق المعنى إليه وإن شئت فاعتبر ذلك للتكثير
~~كما اعتبر في شر أهر ذا ناب. وقيل (واجفة) صفة (قلوب) مصححة للابتداء
~~بها. وقوله تعالى: { أبصرها خشعة }.

### || [79.9]

# أي أبصار أهلها ذليلة من الخوف ولذلك أضافها إليها فالإضافة لأدنى
~~ملابسة. وجوز أن يراد بالأبصار البصائر أي صارت البصائر ذليلة لا تدرك
~~شيئا فكنى بذلها عن عدم إدراكها لأن عز البصيرة إنما هي بالإدراك. وبحث
~~في كون القلوب غير مدركة يوم القيامة وأجيب بأن المراد شدة الذهول
~~والحيرة.

# جملة من مبتدأ وخبر في محل رفع على الخبرية لقلوب. وتعقب بأنه قد اشتهر
~~أن حق الصفة أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصوف عند السامع حتى قال غير
~~واحد إن الصفات قبل العلم بها أخبار والأخبار بعد العلم بها صفات فحيث
~~كان ثبوت الوجيف [للقلوب] وثبوت الخشوع لأبصار أصحاب القلوب سواء في
~~المعرفة والجهالة كان جعل الأول عنوان الموضوع مسلم الثبوت مفروغا عنه
~~وجعل الثاني مخبرا به مقصود الإفادة تحكما بحتا، على أن الوجيف الذي
~~هو عبارة عن اضطراب ms11092 القلب وقلقه من شدة الخوف والوجل أشد من خشوع البصر
~~وأهول فجعل أهون الشرين عمدة وأشدهما فضلة مما لا عهد له في الكلام،
~~وأيضا فتخصيص الخشوع بقلوب موصوفة بصفة معينة غير مشعرة بالعموم والشمول
~~/ تهوين للخطب في موقع التهويل انتهى. وأنت تعلم أن المشتهر وما قاله غير
~~واحد غير مجمع على اطراده وأن بعض ما اعترض به يندفع على ما يفهمه كلام
~~بعض الأجلة من جواز جعل المفرد خبرا والجملة بعد صفة لكنه بعيد وما قيل
~~على الأول من أن جعل التنوين للتنويع مع إلباسه مخالف للظاهر وكونه
~~كالوصف معنى تعسف خروج عن الإنصاف.

# وزعم ابن عطية أن النكرة تخصصت بقوله تعالى:

# يومئذ

# [النازعات: 8] وتعقب بأنه لا تتخصص الأجرام بظروف الزمان. وقدر عصام
~~الدين جواب القسم ليأتين وقال نحن نقدره كذلك ونجعل

# يوم ترجف

# [النازعات: 6] فاعلا له مرفوع المحل ونجعل

# تتبعها الرادفة

# [النازعات: 7] صفة للراجفة بجعلها في حكم النكرة لكون التعريف للعهد
~~الذهني نحو أمر على اللئيم يسبني وفيه ما فيه وفيه ما فيه. وقيل إن
~~الجواب { تتبعها الرادفة } و { يوم } منصوب به ولام القسم
~~محذوفة أي ليوم كذا تتبعها الرادفة ولم تدخل نون التأكيد لأنه قد فصل بين
~~اللام المقدرة والفعل وليس بذاك. وقال محمد بن علي الترمذي: إن جواب
~~القسم

# إن في ذلك لعبرة لمن يخشى

# [النازعات: 26] وهو كما ترى ومثله ما قيل هو

# هل أتاك حديث موسى

# [النازعات: 15] لأنه في تقدير قد أتاك. وقال أبو حاتم على التقديم
~~والتأخير كأنه قيل فإذا هم بالساهرة والنازعات وخطأه ابن الأنباري بأن
~~الفاء لا يفتتح بها الكلام وبالجملة الوجه الوجيه هو ما قدمنا. وقوله
~~تعالى: { يقولون أإنا لمردودون في الحافرة }.

### || [79.10]

# حكاية لما يقوله المنكرون للبعث المكذبون بالآيات الناطقة به إثر بيان
~~وقوعه بطريق التوكيد القسمي وذكر مقدماته الهائلة وما يعرض عند وقوعها
~~للقلوب والأبصار، أي يقولون إذا قيل لهم إنكم تبعثون منكرين له متعجبين
~~منه أئنا لمردودون بعد موتنا في الحافرة أي في الحالة الأولى يعنون
~~الحياة كما قال ms11093 ابن عباس وغيره. وقيل إنه تعالى شأنه لما أقسم على البعث
~~وبين ذلهم وخوفهم ذكر هنا إقرارهم بالبعث وردهم إلى الحياة بعد الموت،
~~فالاستفهام لاستغراب ما شاهدوه بعد الإنكار. والجملة مستأنفة استئنافا
~~بيانيا لما يقولون إذ ذاك والظاهر ما تقدم وأن القول في الدنيا. وأيا
~~ما كان فهو من قولهم رجع فلان في حافرته أي طريقته التي جاء فيها فحفرها
~~أي أثر فيها بمشيه والقياس المحفورة فهي إما بمعنى ذات حفر أو الإسناد
~~مجازي أو الكلام على الاستعارة المكنية بتشبيه القابل بالفاعل وجعل
~~الحافرية تخييلا وذلك نظير ما ذكروا

# في عيشة راضية

# [القارعة: 7] ويقال لكل من كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه رجع إلى
~~حافرته وعليه قوله:

# أحافرة على صلع وشيب

# معاذ الله من سفه وعار

# يريد أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل والتصابي بعد أن شبت،
~~معاذ الله من ذاك سفها وعارا. ومنه المثل النقد عند الحافرة فقد قيل
~~الحافرة فيه بمعنى الحالة الأولى وهي الصفقة أي النقد حال العقد، لكن نقل
~~الميداني عن ثعلب أن معناه النقد عند السبق وذلك أن الفرس إذا سبق أخذ
~~الرهن، والحافرة الأرض التي حفرها السابق بقوائمه على أحد التأويلات وقيل
~~الحافرة جمع الحافر بمعنى القدم أي يقولون أئنا لمردودون أحياء نمشي على
~~أقدامنا ونطأ بها الأرض. ولا يخفى أن أداء اللفظ هذا المعنى غير ظاهر.
~~وعن مجاهد الحافرة القبور المحفورة أي لمردودون أحياء في قبورنا وعن زيد
~~بن أسلم هي النار وهو كما ترى.

# وقرأ أبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة (في الحفرة) بفتح الحاء
~~وكسر الفاء على أنه صفة مشبهة من حفر اللازم كعلم مطاوع حفر بالبناء
~~للمجهول يقال حفرت أسنانه فحفرت حفرا بفتحتين إذا أثر الأكال في أسناخها
~~وتغيرت ويرجع ذلك إلى معنى المحفورة. وقيل هي الأرض المنتنة المتغيرة
~~بأجساد موتاها. وقوله تعالى: { أءذا كنا عظما نخرة }.

### || [79.11]

# تأكيد لإنكار البعث بذكر حالة منافية له، والعامل في (إذا) مضمر يدل
~~عليه

# مردودون

# [النازعات: 10] أي ms11094 أئذا كنا عظاما بالية نرد ونبعث مع كونها أبعد شيء
~~من الحياة. وقرأ / نافع وابن عامر (إذا كنا) بإسقاط همزة الاستفهام فقيل
~~يكون خبر استهزاء بعد الاستفهام الإنكاري واستظهر أنه متعلق بمردودون.
~~وقرأ عمر وأبي وعبد الله وابن الزبير وابن عباس ومسروق ومجاهد والأخوان
~~وأبو بكر (ناخرة) بالألف وهو كنخرة من نخر العظم أي بلي وصار أجوف تمر به
~~الريح فيسمع له نخير أي صوت، وقراءة الأكثرين أبلغ فقد صرحوا بأن فعلا
~~أبلغ من فاعل وإن كانت حروفه أكثر وقولهم زيادة المبنى تدل على زيادة
~~المعنى أغلبي أو إذا اتحد النوع لا إذا اختلف كأن كان فاعل اسم فاعل
~~وفعل صفة مشبهة، نعم تلك القراءة أوفق برؤوس الآي واختيارها لذلك لا
~~يفيد اتحادها مع الأخرى في المبالغة كما وهم وإلى الأبلغية ذهب المعظم.
~~وفسرت النخرة عليه بالأشد بلى وقال أبو عمرو بن العلاء النخرة التي قد
~~بليت والناخرة التي لم تنخر بعد ونقل اتحاد المعنى عن الفراء وأبي
~~عبيدة وأبي حاتم وآخرين.

### || [79.12]

# وقوله تعالى: { قالوا } حكاية لكفر آخر لهم متفرع على كفرهم السابق
~~ولعل توسيط { قالوا } بينهما للإيذان بأن صدور هذا الكفر عنهم ليس
~~بطريق الاطراد والاستمرار مثل كفرهم السابق المستمر صدوره عنهم في كافة
~~أوقاتهم حسبما ينبىء عنه حكايته بصيغة المضارع، أي قالوا بطريق
~~الاستهزاء مشيرين إلى ما أنكروه من الرد في الحافرة مشعرين بغاية بعده عن
~~الوقوع: { تلك إذا كرة خسرة } أي ذات خسر أو خاسر أصحابها
~~أي إذا صحت تلك الرجعة فنحن خاسرون لتكذيبنا بها وأبرزوا ما قطعوا
~~بانتفائه واستحالته في صورة ما يغلب على الظن وقوعه لمزيد الاستهزاء.
~~وقال الحسن خاسرة كاذبة أي بكائنة فكأن المعنى تلك إذا كنا عظاما نخرة
~~كرة ليست بكائنة. وقوله تعالى: { فإنما هى زجرة وحدة }.

### || [79.13]

# تعليل لمقدر يقتضيه إنكارهم ذلك فإنه لما كان مداره استصعابهم الكرة رد
~~عليهم ذلك فقيل لا تحسبوا تلك الكرة صعبة فإنما هي صيحة واحدة أي حاصلة
~~بصيحة واحدة وهي النفخة الثانية عبر عنها بها ms11095 تنبيها على كمال اتصالها
~~بها كأنها عينها وقيل هي راجعة إلى

# الرادفة

# [النازعات: 7] وقوله تعالى: { فإذا هم بالساهرة }.

### || [79.14]

# حينئذ بيان لترتب الكرة على الزجرة مفاجأة أي فإذا هم أحياء على وجه
~~الأرض بعد ما كانوا أمواتا في بطنها وعلى الأول بيان لحضورهم الموقف
~~عقيب الكرة التي عبر عنها بالزجرة.

# والساهرة قيل وجه الأرض والفلاة وأنشدوا قول أمية بن أبي الصلت:

# وفيها لحم ساهرة وبحر

# وما فاهوا به أبدا مقيم

# وفي «الكشاف» ((الأرض البيضاء أي التي لا نبات فيها المستوية سميت بذلك
~~لأن السراب يجري فيها من قولهم عين ساهرة جارية الماء وفي ضدها نائمة قال
~~الأشعث بن قيس:

# وساهرة يضحي السراب مجللا

# لأقطارها قد جبتها ملتثما

# أو لأن سالكها لا ينام خوف الهلكة))، وفي الأول مجاز على المجاز وعلى
~~الثاني السهر على حقيقته والتجوز في الإسناد وحكى الراغب فيها قولين
~~الأول: أنها وجه الأرض والثاني: أنها أرض القيامة ثم قال وحقيقتها التي
~~يكثر الوطء بها فكأنها سهرت من ذلك إشارة إلى نحو ما قال الشاعر:

# تحرك يقظان التراب ونائمه

# وروى الضحاك عن ابن عباس أن الساهرة أرض من فضة لم يعص الله تعالى عليها
~~قط بخلقها عز وجل حينئذ، وعنه أيضا أنها أرض مكة وقيل هي الأرض السابعة
~~يأتي الله تعالى بها فيحاسب الخلائق عليها وذلك حين تبدل الأرض غير الأرض
~~وقال وهب بن منبه جبل بالشام يمده الله تعالى يوم القيامة لحشر الناس.
~~وقال أبو العالية وسفيان أرض قريبة من بيت المقدس وقيل الساهرة بمعنى
~~الصحراء على شفير جهنم وقال قتادة هي جهنم لأنه لا نوم لمن فيها. وقوله
~~تعالى: { هل أتاك حديث موسى }.

### || [79.15]

# كلام مستأنف وارد لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم من تكذيب قومه
~~وتهديدهم عليه بأن يصيبهم مثل ما أصاب من كان أقوى منهم وأعظم ومعنى {
~~هل أتاك } إن اعتبر أن هذا أول ما أتاه عليه الصلاة والسلام من
~~حديثه عليه السلام / ترغيب له صلى الله عليه وسلم في استماع حديثه كأنه
~~قيل ms11096 هل أتاك حديثه أنا أخبرك به، وإن اعتبر إتيانه قبل هذا وهو المتبادر
~~من الإيجاز في الاقتصاص أليس قد أتاك حديثه. وليس هل بمعنى قد على شيء من
~~الوجهين. وقوله تعالى: { إذ ناداه ربه بالواد المقدس
~~طوى }.

### || [79.16]

# ظرف للحديث لا للإتيان لاختلاف وقتيهما، وجوز كونه مفعول اذكر مقدرا.
~~وتقدم الكلام في الواد المقدس واختلاف القراء في طوى.

### || [79.17]

# { اذهب إلى فرعون } على إرادة القول، والتقدير وقال له أو
~~قائلا له اذهب الخ وقيل هو تفسير للنداء أي ناداه اذهب وقيل هو على حذف
~~أن المفسرة يدل عليه قراءة عبد الله (أن اذهب) لأن في النداء معنى القول
~~وجوز أن يكون بتقدير أن المصدرية قبلها حرف جر { إنه طغى } تعليل
~~للأمر أو لوجوب الامتثال به.

### || [79.18]

# { فقل } بعد ما أتيته { هل لك إلى أن تزكى } أي هل لك
~~ميل إلى أن تتزكى، فلك في موضع الخبر لمبتدأ محذوف و { إلى أن
~~تزكى } متعلق بذلك المبتدأ المحذوف ونحوه قول الشاعر:

# فهل لكم فيها إلي فإنني

# بصير بما أعيا النطاسي حذيما

# قد يقال هل لك في كذا فيؤتى بفي ويقدر المبتدأ رغبة ونحوه مما يتعدى بها
~~ومنهم من قدره هنا رغبة لأنها تعدى بها أيضا. وقال أبو البقاء لما كان
~~المعنى أدعوك جىء بإلى ولعله جعل الظرف متعلقا بمعنى الكلام أو بمقدر
~~يدل عليه و { تزكى } بحذف إحدى التاءين أي تتطهر من دنس الكفر
~~والطغيان.

# وقرأ الحرميان وأبو عمرو بخلاف (تزكى) بتشديد الزاي وأصله كما أشرنا
~~إليه تتزكى فأدغمت التاء الثانية في الزاي.

### || [79.19]

# { وأهديك إلى ربك } أي أرشدك إلى معرفته عز وجل فتعرفه {
~~فتخشى } إذ الخشية لا تكون إلا بعد معرفته قال الله تعالى:

# إنما يخشى الله من عباده العلماء

# [فاطر: 28] وجعل الخشية غاية للهداية لأنها ملاك الأمر من خشي الله
~~تعالى أتى منه كل خير ومن أمن اجترأ على كل شر ومنه قوله صلى الله عليه
~~وسلم فيما رواه الترمذي عن أبي هريرة

# " من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ms11097 "

# وفي الاستفهام ما لا يخفى من التلطف في الدعوة والاستنزال عن العتو وهذا
~~ضرب تفصيل لقوله تعالى

# فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى

# [طه: 44] وتقديم التزكية على الهداية لأنها تخلية والفاء في قوله تعالى:
~~{ فأراه الأية الكبرى }.

### || [79.20]

# فصيحة تفصح عن جمل قد طويت تعويلا على تفصيلها في موضع آخر كأنه قيل
~~فذهب وكان كيت وكيت فأراه واقتصر الزمخشري في «الحواشي» على تقدير جملة
~~فقال إن هذا معطوف على محذوف والتقدير فذهب فأراه لأن قوله تعالى

# اذهب

# [النازعات: 17] يدل عليه فهو على نحو

# اضرب بعصاك الحجر فانبجست

# [الأعراف: 160] والآراء إما بمعنى التبصير أو بمعنى التعريف فإن اللعين
~~حين أبصرها عرفها وادعاء سحريتها إنما كان إظهارا للتجلد ونسبتها إليه
~~عليه الصلاة والسلام بالنظر إلى الظاهر كما أن نسبتها إلى نون العظمة في
~~قوله تعالى

# ولقد أريناه آياتنا

# [طه: 56] بالنظر إلى الحقيقة.

# والمراد بالآية الكبرى على ما روي عن ابن عباس قلب العصا حية فإنها كانت
~~المقدمة والأصل والأخرى كالتبع لها، وعلى ما روي عن مجاهد ذلك واليد
~~البيضاء فإنهما باعتبار الدلالة كالآية الواحدة وقد عبر عنهما بصيغة
~~الجمع في قوله تعالى:

# اذهب أنت وأخوك بآياتي

# [طه: 42] باعتبار ما في تضاعيفهما من بدائع الأمور التي كل منها آية
~~بينة لقوم يعقلون. وجوز أن يراد بها مجموع معجزاته عليه السلام والوحدة
~~باعتبار ما ذكر والفاء لتعقيب أولها أو مجموعها باعتبار أولها وكونها
~~كبرى باعتبار معجزات من قبله من الرسل عليهم السلام أو هو للزيادة
~~المطلقة ولا يخفى بعده ويزيده بعدا ترتيب حشر السحرة بعد فإنه لم يكن
~~إلا على إراءة تينك الآيتين وإدباره عن العمل بمقتضاهما وأما ما عداهما
~~من التسع فإنما ظهر على يده عليه السلام بعد ما غلب السحرة على مهل في
~~نحو من عشرين سنة. وزعم غلاة / الشيعة أن الآية الكبرى علي كرم الله
~~تعالى وجهه أراه إياه متطورة روحه الكريمة بأعظم طور وهو هذيان وراء طور
~~العقل وطور النقل.

### || [79.21]

# { فكذب } بموسى عليه السلام، وسمى معجزته سحرا. ms11098 { وعصى } الله
~~تعالى بالتمرد بعد ما علم صحة الأمر ووجوب الطاعة أشد عصيان وأقبحه حيث
~~اجترأ على إنكار وجود رب العالمين رأسا وكان اللعين وقومه مأمورين
~~بعبادته عز وجل وترك العظيمة التي يدعيها الطاغية ويقبلها منه فئته
~~الباغية لا بإرسال بني إسرائيل من الأسر والقسر فقط. وفي جعل متعلق
~~التكذيب موسى عليه السلام ومتعلق العصيان الله عز وجل ما ليس في جعلهما
~~موسى كما قيل فكذب موسى وعصاه، من الذم كما لا يخفى.

### || [79.22]

# { ثم أدبر } تولى عن الطاعة { يسعى } أي ساعيا مجتهدا في
~~إبطال أمره عليه السلام ومعارضة الآية و { ثم } لأن إبطال ذلك ونقضه
~~يقتضي زمانا طويلا، وجوز أن يكون الإدبار على حقيقته، أي ثم انصرف عن
~~المجلس ساعيا في إبطال ذلك، وقيل أدبر يسعى هاربا من الثعبان فإنه روي
~~أنه لما ألقى العصا انقلبت ثعبانا أشعر فاغرا فاه بين لحييه ثمانون
~~زراعا فوضع لحيه الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر فهرب فرعون
~~وأحدث وانهزم الناس مزدحمين فمات منهم خمسة وعشرون ألفا من قومه، وفي
~~بعض الآثار أنها انقلبت حية وارتفعت في السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة
~~نحو فرعون وجعلت تقول يا موسى مرني بما شئت ويقول فرعون أنشدك بالذي
~~أرسلك إلا أخذته فأخذه فعاد عصا. وأنت تعلم إن هذا إن كان بعد حشر السحرة
~~للمعارضة كما هو المشهور فلا تظهر صحة إرادته ههنا إذا أريد بالحشر بعد
~~حشرهم وإن كان بعد التكذيب والعصيان وقبل الحشر فلا يظهر تراخيه عن
~~الأولين. نعم قيل إن { ثم } عليه للدلالة على استبعاد إدباره مرعوبا
~~مسرعا مع زعمه الإلهية. وقيل أريد بقوله سبحانه: { ثم أدبر } ثم
~~أقبل من قولهم أقبل يفعل أي أنشأ لكن جعل الإدبار موضع الإقبال تلميحا
~~وتنبيها على أنه كان عليه دمارا وإدبارا.

### || [79.23]

# { فحشر } أي فجمع السحرة لقوله تعالى

# فأرسل فرعون في المدآئن حاشرين

# [الشعراء: 53] وقوله سبحانه

# فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى

# [طه: 60] أي بما يكاد به من السحرة وآلاتهم وقيل جمع جنوده وجوز أن ms11099 يراد
~~جمع أهل مملكته { فنادى } في المجمع نفسه أو بواسطة المنادي وأيد
~~الأول بقوله تعالى: { فقال أنا ربكم الأعلى }.

### || [79.24]

# وعلى الثاني فيه تقدير أي فقال يقول فرعون أنا ربكم الخ مع ما في الثاني
~~من التجوز وفي بعض الآثار أنه قام فيهم خطيبا فقال تلك العظيمة وأراد
~~اللعين تفضيل نفسه على كل من يلي أمورهم.

### || [79.25]

# النكال بمعنى التنكيل كالسلام بمعنى التسليم وهو التعذيب الذي ينكل من
~~رآه أو سمعه ويمنعه من تعاطي ما يفضي إليه، وهو نصب على أنه مصدر مؤكد ك

# وعد الله

# [النساء: 122] و

# صبغة الله

# [البقرة: 138] كأنه قيل نكل الله تعالى به نكال الآخرة والأولى وهو
~~الإحراق في الآخرة والإغراق والإذلال في الدنيا. وجوز أن يكون نصبا على
~~أنه مفعول مطلق لأخذ أي أخذه الله تعالى أخذ نكال الآخرة الخ وأن يكون
~~مفعولا له أي أخذه لأجل نكال الخ وأن يكون نصبا بنزع الخافض أي أخذه
~~بنكال الآخرة والأولى. وإضافته إلى الدارين باعتبار وقوع نفس الأخذ فيهما
~~لا باعتبار أن ما فيه من معنى المنع يكون فيهما فإن ذلك لا يتصور في
~~الآخرة بل في الدنيا فإن العقوبة الأخروية تنكل من سمعها وتمنعه من تعاطي
~~ما يؤدي إليها فيها، وأن يكون في تأويل المشتق حالا وإضافته على معنى في
~~أي منكلا لمن رآه أو سمع به في الآخرة والأولى. وجوز أن تكون الإضافة
~~عليه لامية وحمل الآخرة والأولى على الدارين هو الظاهر.

# وروي عن الحسن وابن زيد وغيرهما وعن ابن عباس وعكرمة والضحاك والشعبي
~~أن الآخرة قولته:

# أنا ربكم الأعلى

# [النازعات: 24] والأولى قولته

# ما علمت لكم من إله غيري

# [القصص: 38] وقيل بالعكس فهما كلمتان / وكان بينهما على ما قالوا أربعون
~~سنة وقال أبو رزين الأولى حالة كفره وعصيانه والآخرة قولته { أنا
~~ربكم الأعلى } وعن مجاهد أنهما عبارتان عن أول معاصيه وآخرها أي
~~نكل بالجميع، والإضافة على جميع ذلك من إضافة المسبب إلى السبب. ومآل من
~~يقول بقبول إيمان فرعون إلى هذه الأقوال وجعل ذلك النكال ms11100 الإغراق في
~~الدنيا وقد قدمنا الكلام في هذا المقام.

### || [79.26]

# { إن فى ذلك } أي فيما ذكر من قصة فرعون وما فعل وما فعل به {
~~لعبرة } عظيمة { لمن يخشى } أي لمن شأنه أن يخشى وهو من شأنه
~~المعرفة، وهذا إما لأن من كان في خشية لا يحتاج للاعتبار أو ليشمل من
~~يخشى بالفعل ومن كان من شأنه ذلك على ما قيل.

### || [79.27]

# وقوله تعالى: { ءأنتم أشد خلقا } خطاب للمخاطبين في جواب
~~القسم أعني لتبعثن من أهل مكة المنكرين للبعث بناء على صعوبته في زعمهم
~~بطريق التوبيخ والتبكيت بعدما بين كمال سهولته بالنسبة إلى قدرة الله
~~تعالى بقوله سبحانه:

# فإنما هي زجرة واحدة

# [النازعات: 13] ونصب (خلقا) على التمييز وهو محول عن المبتدا أي أخلقكم
~~بعد موتكم أشد أي أشق وأصعب في تقديركم؟ { أم السماء } أي أم خلق
~~السماء على عظمها وانطوائها على تعاجيب البدائع التي تحار العقول عن
~~ملاحظة أدناها.

# وقوله تعالى: { بنها } الخ بيان وتفصيل لكيفية خلقها المستفاد من
~~قول تعالى { أم السماء } وفي عدم ذكر الفاعل فيه وفيما عطف [عليه]
~~من الأفعال من التنبيه على تعيينه وتفخيم شأنه عز وجل ما لا يخفى.

### || [79.28]

# وقوله سبحانه: { رفع سمكها } بيان للبناء أي جعل مقدار ارتفاعها
~~من الأرض وذهابها إلى سمت العلو مديدا رفيعا، وجوز أن يفسر السمك
~~بالثخن فالمعنى جعل ثخنها مرتفعا في جهة العلو ويقال للثخن سمك لما فيه
~~من ارتفاع السطح الأعلى عن السطح الأسفل وإذا لوحظ هذا الامتداد من العلو
~~للسفل قيل له عمق ونظير ذلك الدرج والدرك. وقد جاء في الأخبار الصحيحة أن
~~ارتفاع السماء الدنيا عن الأرض خمسمائة عام وارتفاع كل سماء عن سماء وثخن
~~كل كذلك، والظاهر تقدير ذلك بالسير المتعارف وأن المراد بالعدد المذكور
~~التحديد دون التكثير ونحن مع الظاهر إلا أن بمنع عنه مانع.

# { فسواها } أي جعلها سواء فيما اقتضته الحكمة فلم يخل عز وجل قطعة
~~منها عما تقتضيه الحكمة فيها ومن ذلك تزيينها بالكواكب وقيل تسويتها
~~جعلها ملساء ليس في سطحها انخفاض ms11101 وارتفاع وقيل جعلها بسيطة متشابهة
~~الأجزاء والشكل فليس بعضها سطحا بعضها زاوية وبعضها خطا، وهو قول
~~بكريتها الحقيقية وإليه ذهب كثير وقالوا وحكاه الإمام لما ثبت أنها محدثة
~~مفتقرة إلى فاعل مختار فأي ضرر في الدين ينشأ من كونها كرية وقيل تسويتها
~~تتميمها بما يتم به كما لها من الكواكب والمتممات والتداوير وغيرها مما
~~بين في علم الهيئة من قولهم سوى أمره أي أصلحه أو من قولهم استوت الفاكهة
~~إذا نضجت، وأنت تعلم أن هذا مع بنائه على اتحاد السموات والأفلاك غير
~~معروف في الصدر الأول من المسلمين لعدم وروده عن صاحب المعراج رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم وعدم ظهور الدليل عليه والأدلة التي يذكرها أهل
~~الهيئة لتلك الأمور لا يخفى حالها ولذا لم يقل بما تقتضيه مخالفوهم من
~~أهل الهيئة اليوم والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.

### || [79.29]

# { وأغطش ليلها } أي جعله مظلما يقال غطش الليل وأغطشه الله
~~تعالى كما يقال ظلم وأظلمه ويقال أيضا أغطش الليل كما يقال أظلم، وجاء
~~ليلة غطشاء وليل أغطش وغطش، قال الأعشى:

# عقرت لهم ناقتي موهنا

# فليلهم مدلهم غطش

# وفي «البحر» عن كتاب «اللغات في القرآن» أغطش أظلم بلغة أنمار وأشعر.

# { وأخرج ضحها } أي أبرز نهارها والضحى في الأصل على ما يفهم
~~من كلام الراغب انبساط الشمس وامتداد النهار ثم سمي به الوقت / المعروف
~~وشاع في ذلك وتجوز به عن النهار بقرينة المقابلة. وقيل الكلام على حذف
~~مضاف أي ضحى شمسها أي ضوء شمسها وكنى بذلك عن النهار والأول أقرب. وعبر
~~عن النهار بالضحى لأنه أشرف أوقاته وأطيبها وفيه من انتعاش الأرواح ما
~~ليس في سائرها فكان أوفق لمقام تذكير الحجة على منكري البعث وإعادة
~~الأرواح إلى أبدانها وقيل إنه لذلك كان أحق بالذكر في مقام الامتنان.

# وإضافة الليل والضحى إلى السماء لأنهما يحدثان بسبب غروب الشمس وطلوعها
~~وهي سماوية أو وهما إنما يحصلان بسبب حركتها على القول بحركتها لاتحادها
~~مع الفلك أو وهما إنما يحصلان بسبب حركة الشمس في فلكها فيها على ms11102 القول
~~بأن السماء والفلك متغايران والمتحرك إنما هو الكوكب في الفلك كما يقتضيه
~~ظاهر قوله تعالى

# كل في فلك يسبحون

# [الأنبياء: 33] وإن الفلك ليس إلا مجرى الكوكب في السماء وقيل أضيفا
~~إليها لأنهما أول ما يظهران منها إذ أول الليل بإقبال الظلام من جهة
~~المشرق وأول النهار بطلوع الفجر وإقبال الضياء منه.

# وفي «الكشاف» ((أضيف الليل والشمس إلى السماء لأن الليل ظلها والشمس هي
~~السراج المثقب في جوها)) واعترض بأن الليل ظل الأرض وأجيب بأنه اعتبار
~~بمرأى الناظر كذلك كما أن زينة السماء الدنيا أيضا اعتبار بمرأى الناظر.
~~وقيل إضافتهما إليها باعتبار أنهما إنما يحدثان تحتها وشملا بهذا
~~الاعتبار ما لم يكد يخطر في أذهان العرب من ليل ونهار طول كل منهما ستة
~~أشهر وهما ليل ونهار عرض تسعين حيث الدور رحوي. وتعقب بأنهم قالوا إن ظل
~~الأرض لمخروطي ينتهي إلى فلك الزهرة وهي في السماء الثالثة فالحصر غير
~~تام وفيه نظر فتأمل وبالجملة الإضافة لأدنى ملابسة.

### || [79.30]

# { والأرض بعد ذلك } الظاهر أنه إشارة إلى ما تقدم من خلق
~~السماء وإغطاش الليل وإخراج النهار دون خلق السماء فقط وانتصاب (الأرض)
~~بمضمر قيل على شريطة التفسير وقيل تقديره تذكر أو تدبر أو اذكر وستعلم ما
~~في ذلك إن شاء الله تعالى.

# ومعنى قوله تعالى: { دحها } بسطها ومدها لسكنى أهلها وتقلبهم في
~~أقطارها من الدحو أو الدحي بمعنى البسط وعليه قول أمية بن أبي الصلت:

# وبث الخلق فيها إذ دحاها

# فهم قطانها حتى التنادي

# وقيل دحاها سواها وأنشدوا قول زيد بن عمرو بن نفيل:

# وأسلمت وجهي لمن أسلمت

# له الأرض تحمل صخرا ثقالا

# دحاها فلما استوت شدها

# بأيد وأرسى عليها الجبالا

# والأكثرون على الأول وأنشد الإمام بيت زيد فيه.

# والظاهر أن دحوها بعد خلقها وقيل مع خلقها فالمراد خلقها مدحوة وروي
~~الأول عن ابن عباس ودفع به توهم تعارض بين آيتين. أخرج عبد بن حميد وابن
~~أبي حاتم عنه أن رجلا قال له آيتان في كتاب الله تعالى تخالف إحداهما
~~الأخرى فقال ms11103 إنما أتيت من قبل رأيك اقرأ: قال

# قل أئنكم لتكفرون بالذى خلق الأرض فى
~~يومين

# [فصلت: 9] حتى بلغ

# ثم استوى إلى السمآء

# [فصلت: 11] وقوله تعالى: { والأرض بعد ذلك دحها } قال
~~خلق الله تعالى الأرض قبل أن يخلق السماء ثم خلق السماء ثم دحا الأرض
~~بعدما خلق السماء وإنما قوله سبحانه { دحها } بسطها.

# وتعقبه الإمام بأن الجسم العظيم يكون ظاهره كالسطح المستوي ويستحيل أن
~~يكون هذا الجسم العظيم مخلوقا ولا يكون ظاهره مدحوا مبسوطا. وأجيب أنه
~~لعل مراد القائل بخلقها أولا ثم دحوها ثانيا خلق مادتها أولا ثم
~~تركيبها وإظهارها على هذه الصورة والشكل مدحوة مبسوطة وهذا كما قيل في
~~قوله تعالى:

# ثم استوى إلى السمآء وهي دخان

# [فصلت: 11] إن السماء خلقت مادتها أولا ثم سويت وأظهرت على صورتها
~~اليوم.

# وعن الحسن ما يدل على أنها كانت يوم خلقت قبل الدحو كهيئة الفهر ويشعر
~~بأنها لم تكن على عظمها اليوم وتعقبه بعضهم بشيء آخر وهو أنه يأبى ذلك
~~قوله تعالى:

# خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى
~~السمآء

# [البقرة: 29] الآية فإنه يفيد أن خلق ما في الأرض قبل خلق السموات ومن
~~المعلوم أن خلق ما فيها إنما هو بعد الدحو فكيف يكون الدحو بعد خلق
~~السموات. وأجيب بأن { خلق } في الآية بمعنى قدر أو أراد الخلق ولا
~~يمكن أن يراد به فيها الإيجاد بالفعل ضرورة أن جميع المنافع الأرضية
~~يتجدد إيجادها أولا فأولا. سلمنا أن المراد الإيجاد بالفعل لكن يجوز أن
~~يكون المراد خلق مادة ذلك بالفعل.

# ومن الناس من حمل { ثم } على التراخي الرتبي لأن خلق السماء أعجب من
~~خلق الأرض. وقال عصام الدين إن { بعد ذلك } هنا كما في قوله تعالى

# عتل بعد ذلك زنيم

# [القلم: 13] يعني فعل بالأرض ما فعل بعدما سمعت في السماء والمراد
~~التأخير في الإخبار فخلق الأرض ودحوها وإخراج مائها ومرعاها وإرساء
~~الجبال عليها عنده قبل خلق السماء كما يقتضيه ظاهر آية البقرة وظاهر آية
~~الدخان وأيد حمل البعدية على ما ذكر بأن ms11104 حملها على ظاهرها مع حمل الإشارة
~~على الإشارة إلى مجموع ما تقدم مما سمعت يلزم عليه أن إغطاش الليل وإبراز
~~النهار كانا قبل خلق الأرض ودحوها وذلك مما لا يتسنى على تقدير أنها غير
~~مخلوقة أصلا ومما يبعد على تقدير أنها مخلوقة غير عظيمة وأيضا قيل لو
~~لم تحمل البعدية ما ذكر، وقيل بنحو ما قال ابن عباس من تأخر الدحو عن خلق
~~السماء مع تقدم خلق الأرض من غير دحو على خلقها لم تنحسم مادة الاشكال إذ
~~آية الدخان ظاهرة في أن جعل الرواسي في الأرض قبل خلق السماء وتسويتها
~~وهذه الآية إلى آخرها ظاهرة في أن جعل الرواسي بعد.

# وبالجملة إنه قد اختلف أهل التفسير في أن خلق السماء مقدم على خلق الأرض
~~أو مؤخر فقال ابن الطاشكبرى: نقل الواحدي عن مقاتل أن خلق السماء مقدم
~~على خلق الأرض واختاره جمع لكنهم قالوا إن خلق ما فيها مؤخر وأجابوا عما
~~هنا وآية البقرة بأن الخلق فيها بمعنى التقدير أو بمعنى الإيجاد وتقدير
~~الإرادة وأن البعدية ههنا لإيجاد الأرض وجميع ما فيها وعما هنا وآية
~~الدخان بنحو ذلك فقدروا الإرادة في قوله تعالى

# خلق الأرض في يومين

# [فصلت: 9] وكذا في قوله سبحانه

# وجعل فيها رواسي

# [فصلت: 10] وقالوا يؤيد ما ذكر قوله تعالى

# فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ
~~أتينا طآئعين

# [فصلت: 11] فإن الظاهر أن المراد ائتيا في الوجود ولو كانت الأرض موجودة
~~سابقة لما صح هذا فكأنه قال سبحانه أئنكم لتكفرون بالذي أراد إيجاد الأرض
~~وما فيها من الرواسي والأقوات في أربعة أيام ثم قصد إلى السماء فتعلقت
~~إرادته بإيجاد السماء والأرض فأطاعا لأمر التكوين فأوجد سبع سموات في
~~يومين وأوجد الأرض وما فيها في أربعة أيام. ونكتة تقديم خلق الأرض وما
~~فيها في الظاهر في سورتي البقرة والدخان على خلق السموات والعكس ههنا
~~أن المقام في الأولين مقام الامتنان وتعداد النعم على أهل الكفر والإيمان
~~فمقتضاه تقديم ما هو نعمة بالنظر إلى المخاطبين من الفريقين فكأنه ms11105 قال
~~سبحانه هو الذي دبر أمركم قبل السماء، ثم خلق السماء والمقام هنا مقام
~~بيان كمال القدرة فمقتضاه تقديم ما هو أدل انتهى.

# وفي «الكشف» أطبق أهل التفسير أنه تم خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام
~~ثم خلق السماء في يومين إلا ما نقل الواحدي في «البسيط» عن مقاتل أن خلق
~~السماء مقدم على إيجاد الأرض فضلا عن دحوها، والكلام مع من فرق بين
~~الإيجاد والدحو وما قيل إن دحو الأرض متأخر عن خلق السماء لا عن تسويتها
~~يرد عليه { بعد ذلك } فإنه إشارة إلى السابق وهو رفع السمك
~~والتسوية.

# والجواب بتراخي الرتبة لا يتم لما نقل من إطباق المفسرين فالوجه أن يجعل
~~{ الأرض } منصوبا بمضمر نحو تذكر وتدبر واذكر الأرض بعد ذلك وإن جعل
~~مضمرا على شريطة التفسير جعل { بعد ذلك } إشارة إلى المذكور
~~سابقا من ذكر خلق السماء لا خلق السماء نفسه ليدل على أنه متأخر في
~~الذكر عن خلق السماء تنبيها على أنه قاصر في الدلالة عن الأول لكنه
~~تتميم كما تقول جملا ثم تقول بعد ذلك كيت وكيت وهذا كثير في استعمال
~~العرب والعجم وكان { بعد ذلك } بهذا / المعنى عكسه إذا استعمل
~~لتراخي الرتبة وقد تستعمل ثم بهذا المعنى وكذا الفاء وهذا لا ينافي قول
~~الحسن إنه تعالى خلق الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان
~~ملتزق بها ثم أصعد الدخان وخلق منه السموات وأمسك الفهر في موضعها وبسط
~~منها الأرض وذلك قوله تعالى:

# كانتا رتقا ففتقنهما

# [الأنبياء: 30] الآية فإنه يدل على أن كون السماء دخانا سابق على دحو
~~الأرض وتسويتها وهو كذلك بل ظاهر قوله تعالى

# ثم استوى إلى السمآء وهي دخان

# [فصلت: 11] يدل على ذلك وإيجاد الجوهرة النورية والنظر إليها بعين
~~الجلال المبطن بالرحمة والجمال وذوبها وامتياز لطيفها عن كثيفها وصعود
~~المادة الدخانية اللطيفة وبقاء الكثيف هذا كله سابق على الأيام الستة
~~وثبت في الخبر الصحيح ولا ينافي الآيات وأما ما نقله الواحدي عن مقاتل
~~واختاره الإمام فلا إشكال فيه ويتعين ms11106 (ثم) في سورتي البقرة والسجدة على
~~تراخي الرتبة وهو أوفق لمشهور قواعد الحكماء لكن لا يوافق ما روى أنه
~~تعالى خلق جرم الأرض يوم الأحد ويوم الإثنين ودحاها وخلق ما فيها يوم
~~الثلاثاء ويوم الأربعاء وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة
~~وفي آخر يوم الجمعة ثم خلق آدم عليه السلام انتهى.

# والذي أميل إليه أن تسوية السماء بما فيها سابقة على تسوية الأرض بما
~~فيها لظهور أمر العلية في الأجرام العلوية وأمر المعلولية في الأجرام
~~السفلية ويعلم تأويل ما ينافي ذلك مما سمعت وأما الخبر الأخير ففي صحته
~~مقال والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. وقد مر شيء مما يتعلق بهذا المقام
~~وإنما أعدنا الكلام فيه تذكيرا لذوي الأفهام فتأمل والله تعالى الموفق
~~لتحصيل المرام.

### || [79.31]

# وقوله تعالى: { أخرج منها ماءها } بأن فجر منها عيونا وأجرى
~~أنهارا { ومرعها } يقع على الرعي بالكسر وهو الكلأ والرعي بالفتح
~~وهو المصدر وكذا على الموضع والزمان. وزعم بعضهم أنه في الأصل للموضع
~~ولعله أراد أنه أشهر معانيه والمناسب للمقام المعنى الأول لكنه قيل إنه
~~خاص بما يأكله الحيوان غير الإنسان وتجوز به عن مطلق المأكول للإنسان
~~وغيره فهو مجاز مرسل من قبيل المرسن. وقال الطيبي يجوز أن يكون استعارة
~~مصرحة لأن الكلام مع منكري الحشر بشهادة

# أأنتم أشد خلقا

# [النازعات: 27] كأنه قيل أيها المعاندون الملزوزون في قرن البهائم في
~~التمتع بالدنيا والذهول عن الآخرة بيان وتفسير لدحاها وتكملة له فإن
~~السكنى لا تتأتى بمجرد البسط والتمهيد بل لا بد من تسوية أمر المعاش من
~~المأكل والمشرب، أو حال من فاعله بإضمار قد أو بدونه، وكلا الوجهين مقتض
~~لتجريد الجملة عن العاطف.

### || [79.32]

# وقوله تعالى: { والجبال } منصوب بمضمر يفسره قوله سبحانه: {
~~أرسها } أي أثبتها وفيه تنبيه على أن الرسو المنسوب إليها في مواضع
~~كثيرة من التنزيل ليس من مقتضيات ذاتها. وللفلاسفة المحدثين كلام في أمر
~~الأرض وكيفية بدئها لا مستند لهم فيه إلا آثار أرضية يزعمون دلالتها على
~~ذلك هي في أسفل الأرض عن ms11107 ساحة القبول.

# وقرأ عيسى برفع { الأرض } [النازعات: 30] والحسن وأبو حيوة وعمرو بن
~~عبيد وابن أبي عبلة وأبو السمال برفع (الأرض) و(الجبال) وهو على ما قيل
~~على الابتداء وتعقبه الزجاج بأن ذلك مرجوح لأن العطف على فعلية وأورد
~~عليه أن قوله تعالى:

# بنها

# [النازعات: 27] بيان لكيفية خلق السماء وقوله سبحانه:

# رفع سمكها

# [النازعات: 28] بيان للبناء وليس لدحو الأرض وما بعده دخل في شيء من ذلك
~~فكيف يعطف عليه ما هو معطوف على المجموع عطف القصة على القصة والمعتبر
~~فيه تناسب القصتين وهو حاصل هنا فلا ضير في الاختلاف بل فيه نوع تنبيه
~~على ذلك.

# وقيل إن جملة قوله تعالى: { والارض } الخ على القراءتين ليست معطوفة
~~على قوله سبحانه: { رفع سمكها } لأنها لا تصلح بيانا لبناء
~~السماء فلا بد من تقدير معطوف عليه وحينئذ يقدر جملة فعلية على قراءة
~~الجمهور أي فعل ما فعل في السماء وجملة اسمية على قراءة الآخرين أي
~~السماء وما يتعلق بها مخلوق له تعالى. وجوز عطف (الأرض) بالرفع على

# السمآء

# [النازعات: 27] من حيث المعنى كأنه قيل السماء أشد خلقا والأرض بعد ذلك
~~أي والأرض / بعدما ذكر من السماء أشد خلقا فيكون وزان قوله تعالى:

# دحها

# [النازعات: 30] الخ وزان قوله تعالى: { بنها } الخ وحينئذ فلا يكون
~~{ بعد ذلك } مشعرا بتأخر دحو الأرض عن بناء السماء. وقوله تعالى:
~~{ متعا لكم ولأنعمكم }.

### || [79.33]

# قيل مفعول له أي فعل ذلك تمتيعا لكم ولأنعامكم لأن فائدة ما ذكر من
~~الدحو إخراج الماء والمرعى واصلة إليهم ولأنعامهم فإن المرعى كما سمعت
~~مجاز عما يأكله الإنسان وغيره، وقيل مصدر مؤكد لفعله المضمر أي متعكم
~~بذلك متاعا أو مصدر من غير لفظه فإن قوله تعالى:

# أخرج منها ماءها ومرعها

# [النازعات: 31] في معنى متع بذلك. وأورد على الأول أن الخطاب لمنكري
~~البعث والمقصود هو تمتيع المؤمنين فلا يلائم جعل تمتيع الآخرين كالغرض
~~فالأولى ما بعده. وأجيب بأن خطاب المشافهة وإن كان خاصا بالحاضرين إلا
~~أن حكمه عام كما تقرر في الأصول، فالمآل إلى تمتيع الجنس وأيضا ms11108 على
~~المصدرية بفعله المقدر لا يدفع المحذور لكونه استئنافا لبيان المقصود
~~ولا يخفى أن كون المقصود هو تمتيع المؤمنين محل بحث. وقوله سبحانه: {
~~فإذا جاءت الطامة الكبرى }.

### || [79.34]

# الخ شروع في بيان معادهم إثر بيان أحوال معاشهم بقوله عز وجل

# متاعا

# [النازعات: 33] الخ والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها على
~~ما قيل كما ينبىء عنه لفظ المتاع. والطامة أعظم الدواهي لأنه من طم بمعنى
~~علا كما ورد في المثل جرى الوادي فطم على القري وجاء السيل فطم
~~الركي. وعلوها على الدواهي غلبتها عليها فيرجع لما ذكر قيل فوصفها
~~بالكبرى للتأكيد ولو فسر كونها طامة بكونها غالبة للخلائق لا يقدرون على
~~دفعها لكان الوصف مخصصا وقيل كونها طامة باعتبار أنها تغلب وتفوق ما
~~عرفوه من دواهي الدنيا وكونها كبرى باعتبار أنها أعظم من جميع الدواهي
~~مطلقا وقيل غير ذلك. وأنت تعلم أن الطامة الكبرى صارت كالعلم للقيامة
~~وروى كونها اسما من أسمائها هنا عن ابن عباس أيضا وعن الحسن أنها
~~النفخة الثانية وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن القاسم بن الوليد
~~الهمداني أنها الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى
~~النار وأخرجا عن عمرو بن قيس الكندي أنها ساعة يساق أهل النار إلى النار
~~وفي معناه قول مجاهد هي إذا دفعوا إلى مالك خازن جهنم.

### || [79.35]

# بدل كل أو بعض من

# إذا جآءت

# [النازعات: 34] على ما قيل. وقيل بدل من { الطآمة الكبرى }
~~فيكون مرفوع المحل وفتح لإضافته إلى الفعل على رأي الكوفيين وتكون الطامة
~~حقيقة التذكر والبروز لأن حسن العمل يغلب كل لذة وسواه كل مشقة وكذا بروز
~~الجحيم مع الابتلاء به يغلب كل مشقة ومع النجاة عنه كل لذة ولا يخفى
~~تعسفه. وقيل ظرف لجاءت وعليه الطبرسي. واستظهر أنه منصوب بأعني تفسيرا
~~للطامة الكبرى و { ما } موصولة و { سعى } بمعنى عمل والعائد مقدر أي
~~له والمراد يوم يتذكر كل أحد ما عمله من خير أو شر بأن يشاهده مدونا في
~~صحيفته وقد ms11109 كان نسيه من فرط الغفلة أو طول الأمد أو شدة ما لقي أو كثرته
~~التي تعجز الحافظ عن الضبط لقوله تعالى:

# أحصه الله ونسوه

# [المجادلة: 6] ويمكن أن يكون تذكره بوجه آخر وجوز أن تكون { ما }
~~مصدرية أي يتذكر فيه سعيه.

### || [79.36]

# { وبرزت الجحيم } عطف على

# جآءت

# [النازعات: 34] وقيل على

# يتذكر

# [النازعات: 35] وقيل حال من { الإنسان } بتقدير قد أو بدونه والموصول
~~بعد مغن عن العائد وكلا القولين على ما في «الإرشاد» على تقدير الجواب
~~يتذكر الإنسان ونحوه وسيأتي إن شاء الله تعالى فلا تغفل. ومعنى برزت
~~أظهرت إظهارا بينا لا يخفى على أحد { لمن يرى } كائنا من كان.
~~يروى أنه يكشف عنها فتتلظى فيراها كل ذي بصر وخص بعض (من) بالكافر وليس
~~بشيء وقرأت عائشة وزيد بن علي عكرمة ومالك بن دينار (وبرزت) مبنيا
~~للفاعل مخففا (لمن ترى) بالتاء الفوقية على أن فيه ضمير جهنم كما في
~~قوله تعالى:

# إذا رأتهم من مكان بعيد

# [الفرقان: 12] وإسناد الرؤية لها مجازا وهو حقيقة على أن يخلق الله
~~تعالى ذلك فيها ويجوز أن / تكون خطابا لسيد المخاطبين صلى الله عليه
~~وسلم أو لكل راء كقوله تعالى:

# ولو ترى إذ المجرمون

# [السجدة: 12] أي لمن تراه من الكفار. وقرأ أبو نهيك وأبو السمال وهرون
~~عن أبي عمرو (وبرزت) مبنيا للمفعول مخففا. وقوله تعالى: { فأما
~~من طغى }

### || [79.37]

# الخ جواب

# إذا

# [النازعات: 34] على أنها شرطية لا ظرفية كما جوز على طريقة قوله تعالى:

# فإما يأتينكم منى هدى

# [البقرة: 38] الآية وقولك إذا جاءك بنو تميم فأما العاصي فأهنه وأما
~~الطائع فأكرمه واختاره أبو حيان. وقيل جوابها محذوف كأنه قيل فإذا جاءت
~~وقع ما لا يدخل تحت الوصف وقوله سبحانه: { فأما } الخ تفصيل لذلك
~~المحذوف وفي جعله جوابا غموض وهو وجه وجيه بيد أنه لا غموض في ذاك بعد
~~تحقق استقامة أن يقال فإذا جاءت فإن الطاغي الجحيم مأواه وغيره في الجنة
~~مثواه وزيادة (أما) لم تفد إلا زيادة المبالغة وتحقيق الترتب والثبوت على
~~كل تقدير وقيل هو محذوف ms11110 لدلالة ما قبل والتقدير ظهرت الأعمال ونشرت الصحف
~~أو يتذكر الإنسان ما سعى أو لدلالة ما بعد والتقدير انقسم الراؤن قسمين
~~وليس بذاك أي فأما من عتا وتمرد عن الطاعة وجاوز الحد في العصيان حتى
~~كفر.

### || [79.38]

# { وءاثر } أي اختار { الحيوة الدنيا } الفانية التي هي على
~~جناح الفوات فانهمك فيما متع به فيها ولم يستعد للحياة الآخرة الأبدية
~~بالإيمان والطاعة.

### || [79.39]

# { فإن الجحيم } التي ذكر شأنها { هى المأوى } أي مأواه
~~على ما رآه الكوفيون من أن أل في مثله عوض عن المضاف إليه الضمير وبها
~~يحصل الربط، أو المأوى له على رأي البصريين من عدم كونها عوضا ورابطا،
~~وهذا الحذف هنا للعلم بأن الطاغي هو صاحب المأوى وحسنه وقوع المأوى فاصلة
~~وهو الذي اختاره الزمخشري. وهي إما ضمير فصل لا محل له من الإعراب أو
~~ضمير جهنم مبتدأ والكلام دال على الحصر أي كأنه قيل فإن الجحيم هي مأواه
~~أو المأوى له لا مأوى له سواها.

### || [79.40]

# { وأما من خاف مقام ربه } أي مقامه بين يدي مالك أمره يوم
~~الطامة الكبرى يوم يتذكر الإنسان ما سعى على أن الإضافة مثلها في رقود
~~حلب أو وأما من خاف ربه سبحانه على أن لفظ { مقام } مقحم والكلام معه
~~كناية عن ذلك وإثبات للخوف من الرب عز وجل بطريق برهاني بليغ نظير ما قيل
~~في قوله تعالى:

# أكرمى مثواه

# [يوسف: 21] وتمام الكلام في ذلك قد تقدم في سورة الرحمن.

# { ونهى النفس عن الهوى } أي زجرها وكفها عن الهوى المردي
~~وهو الميل إلى الشهوات وضبطها بالصبر والتوطين على إيثار الخيرات ولم
~~يعتد بمتاع الدنيا وزهرتها ولم يغتر بزخارفها وزينتها علما [منه]بوخامة
~~عاقبتها. وعن ابن عباس ومقاتل أنه الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب
~~بين يدي ربه سبحانه فيخاف فيتركها. وأصل الهوى مطلق الميل وشاع في الميل
~~إلى الشهوة وسمي بذلك على ما قال الراغب لأنه يهوى بصاحبه في الدنيا إلى
~~كل داهية وفي الآخرة إلى الهاوية ولذلك مدح مخالفه قال بعض الحكماء إذا
~~أردت ms11111 الصواب فانظر هواك فخالفه وقال الفضيل أفضل الأعمال مخالفة الهوى
~~وقال أبو عمران الميرتلي:

# فخالف هواها واعصها إن من يطع

# هوى نفسه تنزع به شر منزع

# ومن يطع النفس اللجوجة ترده

# وترم به في مصرع أي مصرع

# إلى غير ذلك وقد قارب أن يكون قبح موافقة الهوى وحسن مخالفته ضروريين
~~إلا أن السالم من من الموافقة قليل قال سهل ((لا يسلم من الهوى إلا
~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبعض الصديقين)) فطوبى لمن سلم منه.

### || [79.41]

# له لا غيرها. والظاهر أن هذا التفصيل عام في أهل النار وأهل الجنة. وعن
~~ابن عباس أن الآيتين نزلتا في أبي عزيز بن عمير وأخيه مصعب بن عمير رضي
~~الله تعالى عنه كان الأول طاغيا مؤثر الحياة الدنيا وكان مصعب خائفا
~~مقام ربه ناهيا النفس عن الهوى وقد وقى / رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~بنفسه يوم أحد حين تفرق الناس عنه حتى نفذت المشاقص أي السهام في جوفه
~~فلما رآه عليه الصلاة والسلام متشحطا في دمه قال

# " عند الله تعالى احتسبك وقال لأصحابه لقد رأيته وعليه بردان ما تعرف
~~قيمتهما وإن شراك نعله من ذهب "

# ولما أسر أخوه أبو عزيز ولم يشد وثاقه إكراما له وأخبر بذلك قال ما هو
~~لي بأخ شدوا أسيركم فإن أمه أكثر أهل البطحاء حليا ومالا وفي «الكشاف»
~~أنه قتل أخاه أبا عزيز يوم أحد. وعن ابن عباس أيضا أنهما نزلتا في أبي
~~جهل وفي مصعب وقيل نزلت الأولى في النضر وابنه الحرث المشهورين بالغلو في
~~الكفر والطغيان.

### || [79.42]

# أي متى إرساؤها أي إقامتها يريدون متى يقيمها الله تعالى ويكونها
~~ويثبتها، فالمرسى مصدر ميمي من سار بمعنى ثبت ومنه الجبال الرواسي وحاصل
~~الجملة الاستفهامية السؤال عن زمان ثبوتها ووجودها وجوز أن يكون المرسى
~~بمعنى المنتهى أي متى منتهاها ومستقرها كما أن مرسى السفينة حيث تنتهي
~~إليه وتستقر فيه كذا قيل وتقدير الاستفهام بمتى يقتضي أن المرسى اسم زمان
~~وقوله كما أن الخ ظاهر في أنه اسم مكان ولذا قيل ms11112 الكلام على الاستعارة
~~بجعل اليوم المتباعد فيه كشخص سائر لا يدرك ويوصل إليه ما لم يستقر في
~~مكان فجعل وقت إدراكه مستقرا له فتدبر.

### || [79.43]

# وقوله تعالى: { فيم أنت من ذكراها } إنكار ورد لسؤال المشركين
~~عنها أي في أي شيء أنت من أن تذكر لهم وقتها وتعلمهم به حتى يسألوك
~~بيانها كقوله تعالى:

# يسألونك كأنك حفي عنها

# [الأعراف: 187] فالاستفهام للإنكار و { فيم } خبر مقدم و { أنت }
~~مبتدأ مؤخر و { من ذكراها } على تقدير مضاف أي ذكرى وقتها متعلق بما
~~تعلق به الخبر وقيل { فيم } إنكار لسؤالهم وما بعده استئناف تعليل
~~للإنكار وبيان لبطلان السؤال أي فيم هذا السؤال ثم ابتدىء فقيل أنت من
~~ذكراها أي إرسالك وأنت خاتم الأنبياء المبعوث في نسم الساعة علامة من
~~علامتها ودليل يدلهم على العلم بوقوعها عن قريب فحسبهم هذه المرتبة من
~~العلم فمعنى قوله تعالى: { إلى ربك منتهها }.

### || [79.44]

# على هذا الوجه إليه تعالى يرجع منتهى علمها أي علمها بكنهها وتفاصيل
~~أمرها ووقت وقوعها لا إلى أحد غيره سبحانه وإنما وظيفتهم أن يعلموا
~~باقترابها ومشارفتها وقد حصل لهم ذلك بمبعثك فما معنى سؤالهم عنها بعد
~~ذلك، وأما على الوجه الأول فمعناه إليه عز وجل انتهاه علمها ليس لأحد منه
~~شيء كائنا ما كان فلأي شيء يسألونك عنها.

### || [79.45]

# وقوله تعالى: { إنما أنت منذر من يخشها } عليه تقرير
~~لما قبل من قوله سبحانه

# فيم أنت من ذكراها

# [النازعات: 43] وتحقيق لما هو المراد منه وبيان لوظيفته عليه الصلاة
~~والسلام في ذلك الشأن فإن إنكار كونه صلى الله عليه وسلم في شيء من
~~ذكراها مما يوهم بظاهره أن ليس له عليه الصلاة والسلام أن يذكرها بوجه من
~~الوجوه فأزيح ذلك ببيان أن المنفي عنه صلى الله عليه وسلم ذكراها لهم
~~بتعيين وقتها حسبما كانوا يسألونه عنها فالمعنى إنما أنت منذر من يخشاها
~~ويخاف أهوالها وظيفتك الامتثال بما أمرت به من بيان اقترابها وتفصيل ما
~~فيها من فنون الأهوال كما تحيط به لا معلم بتعيين وقتها الذي لم ms11113 يفوض
~~إليه فما لهم يسألونك عما لم تبعث له ولم يفوض إليك أمره، وعلى الوجه
~~الثاني هو تقرير لقوله تعالى { أنت من ذكراها } ببيان أن إرساله
~~عليه الصلاة والسلام وهو خاتم الأنبياء عليهم السلام منذر بمجيء الساعة
~~كما ينطق به قوله صلى الله عليه وسلم:

# " بعثت أنا والساعة كهاتين إن كادت لتسبقني "

# والظاهر على الأول أن القصر من قصر الموصوف على الصفة والمعنى ما أنت
~~إلا منذر لا معلم بالوقت مبين له وإنما ذكر صلة المنذر إظهارا لكونها
~~ذات مدخل في القصر لكون الكلام في القصر على (منذر) خاص ونفي إعلام خاص
~~يقابله وكونه من قصر الصفة على الموصوف بناء على ما يتبادر إلى الفهم من
~~كلام السكاكي أن المعنى إنما أنت منذر الخاشي دون من لا يخشى أي ما أنت
~~منذر إلا من يخشى دون غيره غير مناسب للمقام على أنه / قيل عليه إن (من
~~يخشى) من صلة (منذر) ليس من متعلق { إنما } في شيء ليجعل الجزء
~~الأخير المقصور عليه الإنذار وهذا إن صح استلزم عدم صحة ما قرر لكن في
~~صحته مقال إذ يستلزم أيضا أن لا يصح إنما هو غلام زيد لا عمرو وإنما هو
~~ضارب عمرا لا زيدا مع شهرة استعمال ذلك من غير نكير فتأمل والظاهر على
~~الثاني أن { إنما } لمجرد التأكيد زيادة في الاعتناء بشأن الخبر
~~وليست للحصر إذ لا يتعلق به غرض عليه بحسب الظاهر على ما قيل.

### || [79.46]

# وقوله تعالى: { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا
~~عشية أو ضحها } إما تقرير وتأكيد لما ينبىء عنه الإنذار من
~~سرعة مجيء المنذر به لا سيما على الوجه الثاني والمعنى كأنهم يوم يرونها
~~لم يلبثوا بعد الإنذار إلا قليلا. وإما رد لما أدمجوه في سؤالهم فإنهم
~~كانوا يسألون عنها بطريق الاستبطاء مستعجلين بها وإن كان على نهج
~~الاستهزاء بها

# ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين

# [يونس: 48] والمعنى كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا بعد الوعيد بها إلا عشية
~~الخ وهذا الكلام على ما نقل عن ms11114 الزمخشري له أصل وهو لم يلبثوا إلا ساعة
~~من نهار عشيته أو ضحاه فوضع هذا المختصر موضعه وإنما أفادت الإضافة ذلك
~~كما في «الكشف» من حيث إنك إذا قلت لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى احتمل أن
~~تكون العشية من يوم والضحى من آخر فيتوهم الاستمرار من ذلك الزمان إلى
~~مثله من اليوم الآخر أما إذا قلت عشيته أو ضحاه لم يحتمل ذلك البتة وفي
~~قولك ضحى تلك العشية ما يغني عن قولك عشية ذلك النهار أو ضحاه. وقال
~~الطيبي إنه من المحتمل أن يراد بالعشية أو الضحى كل اليوم مجازا فلما
~~أضيف أفاد التأكيد ونفي ذلك الاحتمال وجعله من باب رأيته بعيني وهو حسن
~~ولكن السابق أبعد من التكلف ولا منع من الجمع وزاد الإضافة حسنا كون
~~الكلمة فاصلة.

# واعتبر جمع كون اللبث في الدنيا وبعضهم كونه في القبور وجوز كونه فيهما
~~واختار في «الإرشاد» ما قدمنا وقال ((إن الذي يقتضيه المقام اعتبار كونه
~~بعد الإنذار أو بعد الوعيد تحقيقا للإنذار وردا لاستبطائهم والجملة على
~~الوجه الأول حال من الموصول كأنه قيل تنذرهم مشبهين يوم يرونها في
~~الاعتقاد بمن لم يلبث بعد الإنذار بها إلا تلك المدة اليسيرة وعلى الثاني
~~مستأنفة لا محل لها من الإعراب)) هذا ولا يخفى عليك أن الوجه الثاني وإن
~~كان حسنا في نفسه لكنه مما لا يتبادر إلى الفهم وعليه يحسن الوقف على {
~~فيم } ثم يستأنف

# أنت من ذكراها

# [النازعات: 43] لئلا يلبس وقيل إن قوله تعالى: { فيم } الخ متصل
~~بسؤالهم على أنه بدل من جملة

# يسألونك

# [النازعات: 42] الخ أو هو بتقدير القول أي يسألونك عن زمان قيام الساعة
~~ويقولون لك في أي مرتبة أنت من ذكراها أي علمها أي ما مبلغ علمك فيها أو
~~يسألونك عن ذلك قائلين لك في أي مرتبة أنت الخ والجواب عليه قوله تعالى

# إلى ربك منتهها

# [النازعات: 44] ولا يخفى ضعف ذلك.

# وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه عن عائشة
~~قالت ما زال رسول الله صلى ms11115 الله عليه وسلم يسأل عن الساعة حتى أنزل الله
~~تعالى عليه { فيم أنت من ذكراها * إلى ربك منتهها }
~~فانتهى عليه الصلاة والسلام فلم يسأل بعدها.

# وأخرج النسائي وغيره عن طارق بن شهاب قال كان رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم يكثر ذكر الساعة حتى نزلت { فيم أنت من ذكراها * إلى
~~ربك منتهها } فكف عنها وعلى هذا فهو تعجيب من كثرة ذكره صلى
~~الله عليه وسلم لها كأنه قيل في أي شغل واهتمام أنت من ذكراها والسؤال
~~عنها والمعنى أنهم يسألونك عنها فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل
~~عنها. ونظر فيه ابن المنير بأن قوله عز وجل:

# يسألونك كأنك حفي عنها

# [الأعراف: 187] يرده إذ المراد أنك لا تحتفي بالسؤال عنها ولا تهتم بذلك
~~وهم يسألونك كما يسأل الحفي عن الشيء أي الكثير السؤال عنه وأجيب بأنه
~~يحتمل أنه لم يكن منه صلى الله عليه وسلم أولا احتفاء ثم كان وأن سؤالهم
~~هذا ونزول الآية بعد وقوع الاحتفاء وأنت تعلم ما في ذلك من البعد.

# وقرأ أبو جعفر وشيبة وخالد الحذاء وابن هرمز وعيسى وطلحة وابن محيصن
~~وابن مقسم وأبو عمرو في رواية (منذر) بالتنوين والإعمال وهو الأصل في
~~مثله بعد اعتبار / المشابهة والإضافة للتخفيف فلا ينافي أن الأصل في
~~الأسماء عدم الإعمال والإعمال عارض للشبه والوصف عند إعماله وإضافته
~~للتخفيف صالح للحال والاستقبال وإذا أريد الماضي فليس إلا الإضافة كقولك
~~هو منذر زيد أمس وهو هنا على ما قيل للحال لمقارنة (يخشى) ولا ينافي أنه
~~صلى الله عليه وسلم منذر في الماضي والمستقبل حتى يقال المناسب لحال
~~الرسالة الاستمرار ومثله يجوز فيه الإعمال وعدمه ثم المراد بالحال حال
~~الحكم لا حال التكلم وفي ذلك كلام في كتب الأصول فلا تغفل والله تعالى
~~أعلم.

### | [80 - سورة عبس]

### || [80.1-2]

# الخ روي أن ابن أم مكتوم - وهو ابن خال خديجة واسمه عمرو بن قيس بن
~~زائدة بن جندب بن هرم بن رواحة بن حجر بن معيص بن عامر بن لؤي القرشي
~~وقيل عبد ms11116 الله بن عمرو وقتل عبد الله بن شريح بن مالك بن أبي ربيعة
~~الفهري والأول أكثر وأشهر كما في «جامع الأصول» وأم مكتوم كنية أمه
~~واسمها عاتكة بنت عبد الله المخزومية وغلط الزمخشري في جعلها في «الكشاف»
~~جدته وكان أعمى وعمي بعد نور وقيل ولد أعمى ولذا قيل لأمه أم مكتوم - أتى
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة
~~وأبو جهل والعباس بن عبد المطلب وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة يناجيهم
~~ويدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم فقال يا رسول الله
~~أقرئني وعلمني مما علمك الله تعالى وكرر ذلك ولم يعلم تشاغله بالقوم فكره
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت فكان
~~رسول الله عليه الصلاة والسلام يكرمه ويقول إذا رآه مرحبا بمن عاتبني
~~فيه ربي ويقول له هل لك من حاجة. واستخلفه صلى الله عليه وسلم على
~~المدينة فكان يصلي بالناس ثلاث عشرة مرة كما رواه ابن عبد البر في
~~«الاستيعاب» عن أهل العلم بالسير ثم استخلف بعده أبا لبابة وهو من
~~المهاجرين الأولين هاجر على الصحيح قبل النبي صلى الله عليه وسلم ووهم
~~القرطبي في زعمه أنه مدني وأنه لم يجتمع بالصناديد المذكورين من أهل
~~مكة. وموته قيل بالقادسية شهيدا يوم فتح المدائن أيام عمر رضي الله
~~تعالى عنه ورآه أنس يومئذ وعليه درع وله راية سوداء وقيل رجع منها إلى
~~المدينة فمات بها رضي الله تعالى عنه.

# وضمير { عبس } وما بعده للنبي صلى الله عليه وسلم وفي التعبير عنه
~~عليه الصلاة والسلام بضمير الغيبة إجلال له صلى الله عليه وسلم لإيهام أن
~~من صدر عنه ذلك غيره لأنه لا يصدر عنه صلى الله عليه وسلم مثله كما أن في
~~التعبير عنه صلى الله عليه وسلم بضمير الخطاب في قوله سبحانه: { وما
~~يدريك لعله يزكى }.

### || [80.3]

# ذلك لما فيه من الإيناس بعد الإيحاش والإقبال بعد الإعراض. والتعبير عن
~~ابن أم مكتوم بالأعمى للإشعار بعذره ms11117 في الإقدام على قطع كلام الرسول صلى
~~الله عليه وسلم وتشاغله بالقوم. وقيل إن الغيبة أولا والخطاب ثانيا
~~لزيادة الإنكار وذلك كمن يشكو إلى الناس جانيا جنى عليه ثم يقبل على
~~الجاني إذا حمي على الشكاية مواجها بالتوبيخ وإلزام الحجة وفي ذكر
~~الأعمى نحو من ذلك لأنه وصف يناسب الإقبال عليه والتعطف وفيه أيضا دفع
~~إيهام الاختصاص بالأعمى المعين وإيماء إلى أن كل / ضعيف يستحق الإقبال من
~~مثله على أسلوب «لا يقضي القاضي وهو غضبان» و(أن) بتقدير حرف الجر أعني
~~لام التعليل وهو معمول لأول الفعلين على مختار الكوفيين وثانيهما على
~~مختار البصريين وكليهما معا على مذهب الفراء نعم هو بحسب المعنى علة
~~لهما بلا خلاف أي عبس لأن جاءه الأعمى وأعرض لذلك.

# وقرأ زيد بن علي (عبس) بتشديد الباء للمبالغة لا للتعدية وهو والحسن
~~وأبو عمران الجوني وعيسى (ءآن) بهمزة ومدة بعدها وبعض القراء بهمزتين
~~محققتين والهمزة في القراءتين للاستفهام الإنكاري ويوقف على {
~~وتولى } والمعنى إلأن جاء الأعمى فعل ذلك وضمير { لعله }
~~للأعمى.

# والظاهر أن الجملة متعلقة بفعل الدراية على وجه سد مسد مفعوله أي أي شيء
~~يجعلك داريا بحال هذا الأعمى لعله يتطهر بما يتلقن من الشرائع من بعض
~~أوضار الإثم.

### || [80.4]

# { أو يذكر } أي يتعظ { فتنفعه الذكرى } أي ذكراك
~~وموعظتك والمعنى أنك لا تدري ما هو مترقب منه من تزك أو تذكر ولو دريت
~~لما كان الذي كان، والغرض نفي دراية أنه يزكى أو يذكر. والترجي راجع إلى
~~الأعمى أو إلى النبي صلى الله عليه وسلم على ما قيل دلالة على أن رجاء
~~تزكيه أو كونه ممن يرجى منه ذلك كاف في الامتناع من العبوس والإعراض كيف
~~وقد كان استركاؤه محققا ولما هضم من حقه في تعلق الرجاء به لا التحقق
~~اعتبر متعلق التزكي بعض الأوضار ترشيحا لذلك وفيه إظهار ما يقتضي مقام
~~العظمة ههنا من إطلاق التزكي وحمله على ما ينطلق عليه الاسم لا الكامل
~~وقال بعضهم متعلق الدراية محذوف أي ما يدريك أمره وعاقبة حاله ms11118 ويطلعك على
~~ذلك.

# وقوله سبحانه { لعله } الخ استئناف وارد لبيان ما يلوح به ما قبله
~~فإن مع إشعاره بأن له شأنا منافيا للإعراض عنه خارجا عن دراية الغير
~~وإدرائه مؤذن بأنه تعالى يدريه ذلك واعتبر في التزكي الكمال فقال أي لعله
~~يتطهر بما يقتبس منك من أوضار الإثم بالكلية أو يتذكر فتنفعه موعظتك إن
~~لم تبلغ درجة التزكي التام ولعل الأول أبعد مغزى. وقدم التزكي على التذكر
~~لتقدم التخلية على التحلية وخص بعضهم الثاني بما إذا كان يتعلمه من
~~النوافل والأول بما إذا كان سوى ذلك وهو كما ترى.

# وفي الآية تعريض وإشعار بأن من تصدى صلى الله عليه وسلم لتزيكتهم
~~وتذكيرهم من الكفرة لا يرجى منهم التزكي والتذكر أصلا فهي كقولك لمن
~~يقرر مسألة لمن لا يفهمها وعنده آخر قابل لفهمها لعل هذا يفهم ما تقرر
~~فإنه يشعر بأنه قصد تفهيم غيره وليس بأهل لما قصده. وقيل جاء التعريض من
~~جهة أن المحدث عنه كان متزكيا من الآثام متعظا.

# وقيل ضمير { لعله } للكافر والترجي راجع إلى الرسول صلى الله عليه
~~وسلم أي إنك طمعت في تزكيه بالإسلام وتذكره بالموعظة ولذلك أعرضت عن غيره
~~فما يدريك أن ما طمعت فيه كائن وضعف بعدم تقدم ذكر الكافر وبإفراد الضمير
~~والظاهر جمعه أي بناء على المشهور في أن من تشاغل عليه الصلاة والسلام به
~~كان جمعا وجاء في بعض الروايات أنه كان واحدا.

# وقرأ الأعرج وعاصم في رواية (أو يذكر) بسكون الذال وضم الكاف وقرأ
~~الأكثر (فتنفعه) بالرفع عطفا على (يذكر) وبالنصب قرأ عاصم في المشهور
~~والأعرج وأبو حيوة وابن أبي عبلة والزعفراني وهو عند البصريين بإضمار أن
~~بعد الفاء وعند الكوفيين في جواب الترجي وهو كالتمني عندهم ينصب في
~~جوابه. وفي «الكشف» أن النصب يؤيد رجوع ضمير { لعله } على الكافر
~~لإشمام الترجي معنى التمني لبعد المرجو من الحصول أي بالنظر إلى المجموع
~~إذ قد حصل من العباس وعلى السابق وجهه ترشيح معنى الهضم فتذكر.

### || [80.5]

# أي عن الإيمان وعما عندك من ms11119 العلوم والمعارف التي ينطوي عليها القرآن
~~وفي معناه ما قيل استغنى بكفره عما يهديه وقيل أي وأما من كان ذا ثروة
~~وغنى. وتعقب بأنه لو كان كذلك لذكر الفقر في مقابله وأجيب بما ستعلمه إن
~~شاء الله تعالى.

### || [80.6]

# أي تتصدى وتتعرض بالإقبال عليه والاهتمام بإرشاده واستصلاحه وفيه مزيد
~~تنفير له صلى الله عليه وسلم عن مصاحبتهم / فإن الإقبال على المدبر مخل
~~بالمروءة ومن هنا قيل:

# لا أبتغي وصل من لا يبتغي صلتي

# ولا ألين لمن لا يبتغي ليني

# والله لو كرهت كفي مصاحبتي

# يوما لقلت لها عن صحبتي بيني

# وقرأ الحرميان (تصدى) بتشديد الصاد على أن الأصل تتصدى فقلبت التاء
~~صادا وأدغمت. وقرأ أبو جعفر (تصدى) بضم التاء وتخفيف الصاد مبنيا
~~للمفعول أي تعرض ومعناه يدعوك إلى التصدي والتعرض له داع من الحرص ومزيد
~~الرغبة في إسلامه، وأصل تصدى على ما في «البحر» تصدد من الصدد وهو ما
~~استقبلك وصار قبالتك يقال داري صدد داره أي قبالتها وقيل من الصدي وهو
~~العطش وقيل من الصدى وهو الصوت المعروف.

### || [80.7]

# وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام حتى يبعثك الحرص على إسلامه إلى
~~الإعراض عمن أسلم فما نافية والجملة حال من ضمير { تصدى } والممنوع
~~عنه في الحقيقة الإعراض عمن أسلم لا الإقبال على غيره والاهتمام بأمره
~~حرصا على إسلامه. ويجوز أن تكون (ما) استفهامية للإنكار أي أي شيء عليك
~~في أن لا يتزكى ومآله النفي أيضا.

### || [80.8]

# أي حال كونه مسرعا طالبا لما عندك من أحكام الرشد وخصال الخير.

### || [80.9]

# أي يخاف الله تعالى وقيل أذية الكفار في الإتيان وقيل العثار والكبوة إذ
~~لم يكن معه قائد والجملة حال من فاعل { يسعى } كما أن جملة {
~~يسعى } حال من فاعل { جآءك } واستظهر بعض الأفاضل أن النظم الجليل
~~من الاحتباك ذكر الغنى أولا للدلالة على الفقر ثانيا والمجيء والخشية
~~ثانيا للدلالة على ضدهما أولا وكأنه حمل { استغنى } على ما نقل
~~أخيرا واستشعر ما قيل عليه فاحتاج لدفعه إلى هذا التكلف، وعدم ms11120 الاحتياج
~~إليه على ما نقلناه في غاية الظهور.

### || [80.10]

# تتشاغل يقال لهي عنه كرضي ورمى والتهى وتلهى. وفي تقديم ضميره عليه
~~الصلاة والسلام على الفعلين تنبيه على أن مناط الإنكار خصوصيته عليه
~~الصلاة والسلام وتقديم { له } و { عنه } قيل للتعريض بالاهتمام
~~بمضمونهما وقيل للعناية لأنهما منشأ العتاب وقيل للفاصلة وقيل للحصر وذكر
~~التصدي في المستغني دون الاشتغال به وهو المقابل للتلهي عن المسرع الخاشي
~~والتلهي عنه دون عدم التصدي له وهو المقابل للتصدي لذلك: قيل للإشعار بأن
~~العتاب للاهتمام بالأول لا للاشتغال به إذ الاشتغال بالكفار غير ممنوع
~~وعلى الاشتغال عن الثاني لا لأنه لا اهتمام له صلى الله عليه وسلم في
~~أمره إذ الاهتمام غير واجب لأنه عليه الصلاة والسلام ليس إلا منذرا.

# وقرأ البزي عن ابن كثير { عنهو تلهى } بإدغام تاء المضارعة في تاء تفعل
~~وأبو جعفر { تلهى } بضم التاء مبنيا للمفعول أي يشغلك الحرص على دعاء
~~الكافر للإسلام وطلحة (تتلهى) بتاءين وعنه بتاء واحدة وسكون اللام.

### || [80.11]

# { كلا } مبالغة في إرشاده صلى الله عليه وسلم إلى عدم معاودة ما عوتب
~~عليه صلى الله عليه وسلم وقد نزل ذلك كما في خبر رواه ابن جرير وابن
~~مردويه عن ابن عباس بعد أن قضى عليه الصلاة والسلام نجواه وذهب إلى أهله.
~~وجوز كونه إرشادا بليغا إلى ترك المعاتب عليه عليه الصلاة والسلام بناء
~~على أن النزول في أثناء ذلك وقبل انقضائه. وفي بعض الآثار أنه صلى الله
~~عليه وسلم بعد ما عبس في وجه فقير ولا تصدى لغني وتأدب الناس بذلك
~~أدبا حسنا فقد روي عن سفيان الثوري أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء.

# والضمير في قوله تعالى: { إنها } للقرآن العظيم والتأنيث لتأنيث
~~الخبر أعني قوله سبحانه: { تذكرة } أي موعظة يجب أن يتعظ بها ويعمل
~~بموجبها وكذا الضمير في قوله عز وجل: { فمن شاء ذكره }.

### || [80.12]

# والجملة المؤكدة تعليل لما أفادته { كلا } ببيان علو رتبة القرآن
~~العظيم الذي استغنى عنه من تصدى عليه الصلاة والسلام له / والجملة
~~الثانية اعتراض ms11121 جيء به للترغيب في القرآن والحث على حفظه أو الاتعاظ به
~~واقتران الجملة المعترض بها بالفاء قد صرح به ابن مالك في «التسهيل» من
~~غير نقل اختلاف فيه كلام الزمخشري في «الكشاف» عند الكلام على قوله
~~تعالى:

# فاسألوا أهل الذكر

# [النحل: 43] نص في ذلك نعم قيل إنه قيل له { فمن شآء ذكره }
~~اعتراض فقال لا لأن الاعتراض شرطه أن يكون بالواو أو بدونه فأما بالفاء
~~فلا أي وهو استطراد لكن تعقب بأن النقل لمنافاته ذلك ليس بثبت ويمكن أن
~~يكون في القوم من ينكر ذلك فوافقه تارة وخالفه أخرى وما ألطف قول السعدي
~~في «التلويح» الاعتراض يكون بالواو والفاء:

# فاعلم فعلم المرء ينفعه

# هذا وقيل الضمير الأول للسورة أو للآيات السابقة والثاني للتذكرة
~~والتذكير لأنها بمعنى الذكر والوعظ أو لمرجع الأول والتذكير باعتبار كون
~~ذلك قرآنا ورجح بعدم ارتكاب التأويل قبل الاحتياج إليه. وتعقب بأنه ليس
~~بذاك فإن السورة أو الآيات وإن كانت متصفة بما سيأتي إن شاء الله تعالى
~~من الصفات الشريفة لكنها ليست مما ألقي على من استغنى عنه واستحق بسبب
~~ذلك ما سيأتي إن شاء الله تعالى من الدعاء عليه والتعجب من كفره المفرط
~~لنزولها بعد الحادثة. وجوز كون الضميرين للمعاتبة الواقعة وتذكير الثاني
~~لكونها عتابا وفيه أنه يأباه الوصف بالصفات الآتية وإن كان باعتبار أن
~~العتاب وقع بالآيات المذكورة قبل وهي متصفة بما ذكر جاءما سمعت آنفا
~~وقيل لك أن تجعلهما للدعوة إلى الإسلام وتذكير الثاني لكونها دعاء وهذا
~~على ما فيه مما يأباه المقام.

### || [80.13]

# وقوله تعالى: { فى صحف } متعلق بمضمر هو صفة لتذكرة أو خبر ثان لإن
~~أي كائنة أو مثبتة في صحف والمراد بها الصحف المنتسخة من اللوح المحفوظ
~~وعن ابن عباس هي اللوح نفسه وهو غير ظاهر وقيل الصحف المنزلة على
~~الأنبياء عليهم السلام كقوله تعالى:

# وإنه لفى زبر الأولين

# [الشعراء: 196] وقيل صحف المسلمين على أنه إخبار بالغيب فإن القرآن بمكة
~~لم يكن في الصحف وإنما كان متفرقا في الدفاف والجريد ونحوهما ms11122 وأول ما
~~جمع في صحيفة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وهو كما ترى {
~~مكرمة } عند الله عز وجل.

### || [80.14]

# { مرفوعة } أي في السماء السابعة كما قال يحيى بن سلام أو مرفوعة
~~القدر كما قيل { مطهرة } منزهة عن مساس أيدي الشياطين أو عن كل
~~دنس على ما روي عن الحسن وقيل عن الشبه والتناقض والأول قيل مأخوذ من
~~مقابلته بقوله تعالى: { بأيدى سفرة }.

### || [80.15]

# أي كتبة من الملائكة عليهم السلام كما قال مجاهد وجماعة فإنهم ينسخون
~~الكتب من اللوح وهو جمع سافر أي كاتب والمصدر السفر كالضرب وعن ابن عباس
~~هم الملائكة المتوسطون بين الله تعالى وأنبيائه عليهم السلام على أنه جمع
~~سافر أيضا بمعنى سفير أي رسول وواسطة والمشهور في مصدره بهذا المعنى
~~السفارة بكسر السين وفتحها وجاء فيه السفر أيضا كما في «القاموس» وقيل
~~هم الأنبياء عليهم السلام لأنهم سفراء بين الله تعالى والأمة أو لأنهم
~~يكتبون الوحي ولا يخفى بعده فإن الأنبياء عليهم السلام وظيفتهم التلقي من
~~الوحي لا الكتب لما يوحى، على أن خاتمهم صلى الله عليه وسلم لم يكن يكتب
~~القرآن بل لم يكتب أصلا على ما هو الشائع وقد مر تحقيقه وكذا وظيفتهم
~~إرشاد الأمة بالأمر والنهي وتعليم الشرائع والأحكام لا مجرد السفارة
~~إليهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب بن منبه أنهم أصحاب محمد
~~صلى الله عليه وسلم قيل لأنهم سفراء ووسائط بينه عليه الصلاة والسلام
~~وبين سائر الأمة وقيل لأن بعضهم يسفر إلى بعض في الخير والتعليم والتعلم
~~وفي رواية عن قتادة أنهم القراء وكأن القولين ليس بالمعول عليه. وقد
~~قالوا هذه اللفظة مختصة بالملائكة عليهم السلام لا تكاد تطلق على غيرهم
~~وإن جاز الإطلاق بحسب اللغة، ومادتها موضوعة بجميع تراكيبها لما يتضمن
~~الكشف كسفرت المرأة إذا كشفت القناع عن وجهها. والباء قيل متعلقة بمطهرة
~~/ وقيل بمضمر هو صفة أخرى لصحف.

### || [80.16]

# { كرام } أي أعزاء على الله تعالى معظمين عنده عز وجل فهو من الكرامة
~~بمعنى التوقير ms11123 أو متعطفين على المؤمنين يستغفرون لهم ويرشدونهم إلى ما
~~فيه الخير بالإلهام وينزلون بما فيه تكميلهم من الشرائع فهو من الكرم ضد
~~اللؤم.

# { بررة } أي أتقياء وقيل مطيعين لله تعالى من قولهم فلان يبر خالقه
~~أي يطيعه وقيل صادقين من بر في يمينه وهو جمع بر لا غير وأما أبرار فيكون
~~جمع بر كرب وأرباب وجمع بار كصاحب وأصحاب وإن منعه بعض النحاة لعدم
~~اطراده. واختص على ما قيل الجمع الأول بالملائكة والثاني بالآدميين في
~~القرآن ولسان الشارع صلى الله عليه وسلم وكأن ذلك لأن الأبرار من صيغ
~~القلة دون البررة ومتقو الملائكة أكثر من متقي الآدميين فناسب استعمال
~~صيغة القلة وإن لم ترد حقيقتها في الآدميين دونهم.

# وقال الراغب خص البررة بهم من حيث إنه أبلغ من أبرار فإنه جمع بر وأبرار
~~جمع بار وبر أبلغ من بار كما أن عدلا أبلغ من عادل وكأنه عنى أن الوصف
~~ببر أبلغ لكونه من قبيل الوصف بالمصدر من الوصف ببار لكن قد سمعت أن
~~أبرارا يكون جمع بر كما يكون جمع بار وأيضا في كون الملائكة أحق بالوصف
~~بالأبلغ بالنسبة إلى الآدميين مطلقا بحث.

# وقيل إن الأبرار أبلغ من البررة إذ هو جمع بار والبررة جمع بر وبار أبلغ
~~منه لزيادة بنيته ولما كانت صفات الكمال في بني آدم تكون كاملة وناقصة
~~وصفوا بالأبرار إشارة إلى مدحهم بأكمل الأوصاف وأما الملائكة فصفات
~~الكمال فيهم لا تكون ناقصة فوصفوا بالبررة لأنه يدل على أصل الوصف بقطع
~~النظر عن المبالغة فيه لعدم احتياجهم لذلك وإشارة لفضيلة البشر لما في
~~كونهم أبرارا من المجاهدة وعصيان داعي الجبلة وفيه ما لا يخفى. ومن
~~استعمال البررة في الملائكة ما أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود
~~والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم

# " الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأه
~~وهو عليه شاق له أجران ".

### || [80.17]

# { قتل الإنسن } دعاء عليه بأشنع الدعوات وأفظعها { ما
~~أكفره ms11124 } تعجيب من إفراطه في الكفران وبيان لاستحقاقه الدعاء عليه
~~والمراد به إما من استغنى عن القرآن الكريم الذي ذكرت نعوته الجليلة
~~الموجبة للإقبال عليه والإيمان به وإما الجنس باعتبار انتظامه له
~~ولأمثاله من أفراده، ورجح هذا بأن الآية نزلت على ما أخرج ابن المنذر

# " عن عكرمة في عتبة بن أبي لهب غاضب أباه فأسلم ثم استصلحه أبوه وأعطاه
~~مالا وجهزه إلى الشام فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كافر
~~برب النجم إذا هوى فقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم ابعث عليه كلبك حتى
~~يفترسه» فلما كان في أثناء الطريق ذكر الدعاء فجعل لمن معه ألف دينار إن
~~أصبح حيا فجعلوه وسط الرفقة والمتاع حوله فأقبل أسد إلى الرحال ووثب
~~فإذا هو فوقه فمزقه فكان أبوه يندبه ويبكي عليه ويقول ما قال محمد صلى
~~الله عليه وسلم شيئا قط إلا كان "

# وسيأتي إن شاء الله تعالى خبر في هذه القصة أطول من هذا الخبر فلا تغفل.

# ثم إن هذا كلام في غاية الإيجاز وقد قال جار الله ((لا ترى أسلوبا أغلظ
~~منه ولا أدل على سخط ولا أبعد شوطا في المذمة مع تقارب طرفيه ولا أجمع
~~للأئمة على قصر متنه)) حيث اشتمل على ما سمعت من الدعاء مرادا به إذ لا
~~يتصور منه تعالى لازمه وعلى التعجب المراد به لاستحالته عليه سبحانه
~~التعجيب لكل سامع.

# وقال الإمام ((إن الجملة الأولى تدل على استحقاقهم أعظم أنواع العقاب
~~عرفا والثانية تنبيه على أنهم اتصفوا بأعظم أنواع القبائح والمنكرات
~~شرعا)) ولم يسمع ذلك قبل نزول القرآن وما نسب إلى امرىء القيس من قوله:

# يتمنى المرء في الصيف الشتا

# فإذا جاء الشتا أنكره

# فهو لا يرضى بحال واحد

# قتل الإنسان ما أكفره

# / لا أصل له ومن له أدنى معرفة بكلام العرب لا يجهل أن قائل ذلك مولد
~~أراد الاقتباس لا جاهلي. وجوز بعضهم أن يكون قوله تعالى: { قتل
~~الإنسن } خبرا عن أنه سيقتل الكفار بإنزال آية القتال وعبر بالماضي
~~مبالغة في أنه ms11125 سيتحقق ذلك وليس بشيء ونحوه ما قيل إن (ما) استفهامية أي
~~أي شيء أكفره أي جعله كافرا بمعنى لا شيء يسوغ له أن يكفر.

### || [80.18]

# وقوله تعالى: { من أى شىء خلقه } شروع في بيان إفراطه في
~~الكفران بتفصيل ما أفاض عز وجل عليه من مبدأ فطرته إلى منتهى عمره من
~~فنون النعم الموجبة لأن تقابل بالشكر والطاعة مع إخلاله بذلك. والاستفهام
~~قيل للتحقير.

### || [80.19]

# وذكر الجواب - أعني قوله تعالى - { من نطفة خلقه } لا يقتضي
~~أنه حقيقي لأنه ليس بجواب في الحقيقة بل على صورته وهو بدل من قوله
~~سبحانه { من أي شيء خلقه } وجوز أن يكون للتقرير والتحقير
~~مستفاد من { شيء } المنكر وقيل التحقير يفهم أيضا من قوله سبحانه {
~~من نطفة } الخ أي من أي شيء حقير مهين خلقه من نطفة مذرة خلقه {
~~فقدره } فهيأه لما يصلح له ويليق به من الأعضاء والأشكال فالتقدير
~~بمعنى التهيئة لما يصلح ولذا ساغ عطفه بالفاء دون التسوية لأن الخلق
~~بمعنى التقدير بهذا المعنى أو يتضمنه فلا تصلح الفاء. وجوز أن يكون هذا
~~تفصيلا لما أجمل أولا في قوله تعالى: { من أى شىء خلقه } أي
~~فقدره أطوارا إلى أن أتم خلقه.

### || [80.20]

# أي ثم سهل مخرجه من البطن كما جاء في رواية عن ابن عباس بأن فتح فم
~~الرحم ومدد الأعصاب في طريقه ونكس رأسه لأسفل بعد أن كان في جهة العلو
~~وعن ابن عباس أيضا وقتادة وأبي صالح والسدي المراد بالسبيل سبيل النظر
~~القويم المؤدي إلى الإيمان وتيسيره له هو هبة العقل وتمكينه من النظر
~~وقال مجاهد والحسن وعطاء وهو رواية عن الحبر أيضا هو سبيل الهدى والضلال
~~أي سهل له الطريق الذي يريد سلوكه من طريق الخير والهدى وطريق الشر
~~والضلال بأن أقدره عز وجل على كل ومكنه منه والإقدار على المراد نعمة
~~ظاهرة بقطع النظر عن خيريته وشريته فلا يرد عليه أنه كيف يعد تسهيل طريق
~~الشهر والضلال من النعم وقيل إنه عد منها لأنه لو لم يكن مسهلا كسبيل
~~الخير ms11126 لم يستحق المدح والثواب بالإعراض عنه وتركه وهو مبني على القول بأن
~~ترك المحرم كالزنا مع عدم القدرة عليه لعنة مثلا لا يثاب عليه وقيل
~~يثاب ويمدح عليه إذا قدر التارك في نفسه أنه لو تمكن لم يفعل وقال
~~بعضهم العجز عن الشر نعمة وأنشد:

# جكونه شكر ابن نعمت كزارم

# كه زور مردم أزاري ندارم

# ونصب (السبيل) بمضمر يفسره الظاهر وفيه مبالغة في التيسير وتمكين في
~~النفس بسبب التكرير. قيل وفي تعريفه باللام دون الإضافة إشعار بعمومه
~~فإنه لو قيل سبيله أوهم أنه على التوزيع وأن لكل إنسان سبيلا يخصه وخص
~~بعضهم هذه النكتة بالمعنى الأخير للسبيل فتدبر وعلى هذا المعنى قيل إن
~~فيه إيماء إلى أن الدنيا طريق والمقصد غيرها لما أشعرت به الآية من أن
~~الميسر سبيل المكلفين الذي يترتب عليه الثواب والعقاب وفيه خفاء وأيا ما
~~كان فالضمير المنصوب في { يسره } للسبيل وليس في التفكيك لبس حتى
~~يكون نقصا في البيان.

### || [80.21]

# أي جعله ذا قبر توارى فيه جيفته تكرمة له ولم يجعله مطروحا على الأرض
~~يستقذره من يراه وتقتسمه السباع والطير إذا ظفرت كسائر الحيوان. والمراد
~~من جعله إذا قبر أمره عز وجل بدفنه يقال قبر الميت إذا دفنه بيده ومنه
~~قول الأعشى:

# لو أسندت ميتا إلى نحرها

# عاش ولم ينقل إلى قابر

# وأقبره إذا أمر بدفنه أو مكن منه ففي الآية إشارة إلى مشروعية دفن
~~الإنسان وهي مما لا خلاف فيه وأما دفن غيره من الحيوانات فقيل هو مباح لا
~~مكروه وقد يطلب لأمر مشروع يقتضيه كدفع أذى جيفته مثلا. وعد الإماتة /
~~من النعم لأنها وصلة في الجملة إلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم وخصت
~~هذه النعم بالذكر لما فيها من ذكر أحوال الإنسان من ابتدائه إلى انتهائه
~~وما تتضمن من النعم التي هي محض فضل من الله تعالى فإذا تأمل ذلك العاقل
~~علم قبح الكفر وكفران نعم الرب سبحانه وتعالى فشكره جل وعلا بالإيمان
~~والطاعة.

### || [80.22]

# أي إذا شاء إنشاره أنشره على القاعدة المعروفة في ms11127 حذف مفعول المشيئة وفي
~~تعليق الإنشار بمشيئته تعالى إيذان بأن وقته غير معين أصلا بل هو تابع
~~لها وهذا بخلاف الإماتة فإن وقتها معين إجمالا على ما هو المعهود في
~~الأعمار الطبيعية وكذا الحال في وقت الاقبار بل هو أظهر في ذلك.

# وقرأ شعيب بن الحبحاب كما في كتاب «اللوامح» وابن أبي حمزة كما في
~~«تفسير بن عطية» (نشره) بدون همزة وهما لغتان في الأحياء.

### || [80.23]

# وقوله تعالى: { كلا } ردع للإنسان عما هو عليه من كفران النعم البالغ
~~نهايته. وقوله سبحانه: { لما يقض ما أمره } بيان لسبب الردع
~~و(لما) نافية جازمة ونفيها غير منقطع و(ما) موصولة وضمير { أمره }
~~إما للإنسان كالمستتر في { يقض } والعائد إلى الموصول محذوف أي به أو
~~للموصول على الحذف والإيصال والعائد إلى الإنسان محذوف أي إياه، قيل
~~والثاني أحسن لأن حذف المفعول أهون من حذف العائد إلى الموصول.

# والمراد بما أمره جميع ما أمره والمعنى على ما قال غير واحد لم يقض من
~~أول زمان تكليفه إلى زمان إماتته وإقباره أو من لدن آدم عليه السلام إلى
~~هذه الغاية مع طول المدى وامتداده جميع ما أمره فلم يخرج من جميع أوامره
~~تعالى إذ لا يخلو أحد عن تقصير ما ونقل هذا عن مجاهد وقتادة وفيه حمل عدم
~~القضاء على نفي العموم وتعقب بأنه لا ريب في أن مساق الآيات الكريمة
~~لبيان غاية عظم جناية الإنسان وتحقيق كفرانه المفرط المستوجب للسخط
~~العظيم وظاهر أن ذلك لا يتحقق بهذا القدر من نوع تقصير لا يخلو عنه أحد
~~من أفراده واختير أن يحمل عدم القضاء على عموم النفي أما على أن المحكوم
~~عليه هو الإنسان المستغني أوهو الجنس لكن لا على الإطلاق بل على أن مصداق
~~الحكم بعدم القضاء بعض أفراده وقد أسند إلى الكل كما في قوله تعالى:

# إن الإنسان لظلوم كفار

# [إبراهيم: 34] وإما على أن مصداقه الكل من حيث هو كل بطريق رفع الإيجاب
~~الكلي دون السلب الكلي فالمعنى لما يقض جميع أفراده ما أمره بل أخل ms11128 به
~~بعضها بالكفر والعصيان مع أن مقتضى ما فصل من فنون النعماء الشاملة للكل
~~أن لا يتخلف عنه أحد.

# وعن الحسن أن { كلا } بمعنى حقا فيتعلق بما بعده أي حقا لم يعمل
~~بما أمره به وقال ابن فورك الضمير في { يقض } لله تعالى أي لم يقض
~~الله تعالى لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان بل أمره إقامة للحجة عليه
~~بما لم يقض له ولا يخفى بعده والظاهر عليه أن { كلا } بمعنى حقا
~~أيضا. وقوله سبحانه: { فلينظر الإنسن إلى طعامه }.

### || [80.24]

# على معنى إذا كان هذا حال الإنسان وهو أنه إلى الآن لم يقض ما أمره مع
~~أن مقتضى النعم السابقة القضاء فلينظر إلى طعامه الخ لعله يقضي وفي
~~«الحواشي العصامية» لا يخفى ما في قوله تعالى:

# لما يقض ما أمره

# [عبس: 23] من كمال تهييج الإنسان وتحريضه على امتثال ما يعقبه من الأمر
~~بالنظر وتفريع الأمر عليه مبني على أن الائتمار كما ينبغي أن يتيسر بعد
~~الارتداع عما هو عليه.

# والظاهر أن المراد بالإنسان هنا نحو ما أريد به في قوله تعالى:

# قتل الإنسن

# [عبس: 17] ولما جوز صاحب «الحواشي» المذكورة حمل عدم القضاء على السلب
~~الكلي وجعل الكلام في الإنسان المبالغ في الكفر قال فالمراد بضمير {
~~يقض } غير الإنسان الذي أمر بالنظر فإنه عام فلذا أظهر وتضمن ما مر
~~ذكر النعم الذاتية أي ما يتعلق بذات الإنسان من الذات نفسها ولوازمها
~~وهذا ذكر النعم الخارجية المقابلة لذلك. وقيل الأولى نعم خاصة والثانية
~~نعم عامة وقيل تلك نعم متعلقة بالحدوث وهذه نعم متعلقة بالبقاء وفيه نظر.

# والظاهر أن المراد بالطعام المطعوم بأنواعه واقتصر عليه ولم يذكر
~~المشروب لأن آثار القدرة فيه أكثر من آثارها في المشروب واعتبار التغليب
~~لا يخفى ما فيه.

### || [80.25]

# وقوله تعالى: { أنا صببنا الماء } بدل منه بدل اشتمال فإنه
~~لكونه من أسباب / تكونه كالمشتمل عليه والعائد محذوف أي صببنا له وجوز
~~كونه بدل كل من كل على معنى فلينظر الإنسان إلى إنعامنا في طعامه أنا
~~صببنا الخ ms11129 وهو كما ترى وأيا ما كان فالمقصود بالنظر هو البدل وبذلك يضعف
~~ما روي عن أبي وابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم أن المعنى فلينظر إلى
~~طعامه إذا صار رجيعا ليتأمل عاقبة الدنيا وما تهالك عليه أهلها ولعمري
~~إن هذا بعيد الإرادة عن السياق ولا أظن أنه وقع على صحة روايته عن هؤلاء
~~الأجلة الاتفاق.

# وظاهر الصب يقتضي تخصيص الماء بالغيث وهو المروي عن ابن عباس وجوز بعضهم
~~إرادة الأعم وقال إن في كل ماء صبا من الله تعالى بخلق أسبابه على أصول
~~النباتات وأنت تعلم أن إيصال الماء إلى أصول النباتات يبعد تسميته صبا
~~وتأكيد الجملة للاعتناء بمضمونها مع كونها مظنة لإنكار القاصر لعدم
~~الإحساس بفعل من الله تعالى وإنما يعرف الاستناد إليه عز وجل بالنظر
~~الصحيح.

# وقرأ الأكثر (إنا) بالكسر على الاستئناف البياني كأنه لما أمر سبحانه
~~بالنظر إلى ما رزقه جل وعلا من أنواع المأكولات قيل كيف أحدث ذلك وأوجد
~~بعد أن لم يكن فقيل إنا صببنا الخ وقرأ الإمام الحسين بن أمير المؤمنين
~~علي كرم الله تعالى وجههما ورضي سبحانه عنهما { أنى صببنا } بفتح
~~الهمزة والإمالة على معنى فلينظر الإنسان كيف صببنا الماء { صبا }
~~عجيبا.

### || [80.26]

# { ثم شققنا الأرض } أي بالنبات كما قال ابن عباس { شقا }
~~بديعا لائقا بما يشقها من النبات صغرا وكبرا وشكلا وهيئة وقيل شقها
~~بالكراب وإسناده إلى ضميره تعالى مجاز من باب الإسناد إلى السبب وإن كان
~~الله تعالى عز وجل هو الموجد حقيقة فقد تبين في موضعه أن إسناد الفعل
~~حقيقة لمن قام به لا من صدر عنه إيجادا ولهذا يشتق اسم الفاعل له وتعقب
~~بأنه يأباه كلمة { ثم } والفاء في قوله تعالى: { فأنبتنا فيها
~~حبا }.

### || [80.27]

# فإن الشق بالمعنى المذكور لا ترتب بينه وبين الإمطار أصلا ولا بينه
~~وبين إنبات الحب بلا مهلة فإن المراد بالنبات ما نبت من الأرض إلى أن
~~يتكامل النمو وينعقد الحب فإن انشقاق الأرض بالنبات لا يزال يتزايد ويتسع
~~إلى تلك المرتبة. على أن مساق النظم ms11130 الكريم لبيان النعم الفائضة من جنابه
~~تعالى على وجه بديع خارج عن العادات المعهودة كما ينبىء عنه إرداف
~~الفعلين بالمصدرين فتوسيط فعل المنعم عليه في حصول تلك النعم مخل بالمرام
~~وللبحث فيه مجال وقيل عليه أيضا إن الشق بالكراب لا يظهر في العنب
~~والزيتون والنخل وأجيب بأنه ليس من لوازم العطف تقييد المعطوف بجميع ما
~~قيد به المعطوف عليه ويحتمل أن يكون ذكر الكراب في القيل على سبيل
~~التمثيل أو أريد به ما يشمل الحفر. وجوز أن يكون المراد شقها بالعيون على
~~أن المراد بصب الماء إمطار المطر وبهذا إجراء الأنهار وتعقب بأنه يأباه
~~ترتب الشق على صب الماء بكلمة التراخي وأيضا ترتب الإنبات على مجموع
~~الصب والشق بالمعنى المذكور لا يلائم قوله تعالى:

# وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا * لنخرج به
~~حبا

# [النبأ: 1415] الآية لإشعاره باستقلال الصب وإنزال الغيث في ذلك ودفعا
~~بأن ماء العيون من المطر لا من الأبخرة المحتبسة في الأرض ولا يخفى على
~~ذي عين أن هذا الوجه بعيد متكلف. والمراد بالحب جنس الحبوب التي يتقوت
~~بها وتدخر كالحنطة والشعير والذرة وغيرها.

### || [80.28-29]

# { وعنبا } معروف { وقضبا } أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي
~~حاتم عن ابن عباس أنه قال هو الفصفصة وقيدها الخليل بالرطبة وقال إذا
~~يبست فهي القت، وسميت بمصدر قضبه أي قطعه مبالغة كأنها لتكرر قطعها
~~وتكثره نفس القطع. وضعف هذا من فسر الأب بما يشمل ذلك وقيل هو كل ما يقضب
~~ليأكله ابن آدم غضا من النبات كالبقول والهليون وفي «البحر» عن الحبر
~~أنه الرطب وهو يقضب من النخل واستأنس له بذكره مع العنب ولا يخفى ما
~~فيه.

# { وزيتونا ونخلا } هما معروفان.

### || [80.30]

# { وحدائق } رياضا { غلبا } أي عظاما وأصله جمع أغلب وغلباء
~~صفة العنق وقد يوصف به الرجل لكن الأول هو الأغلب ومنه قول الأعشى:

# يمشي بها غلب الرقاب كأنهم

# بزل كسين من الكحيل جلالا

# ووصف الحدائق بذلك على سبيل الاستعارة شبه تكاثف أوراق الأشجار وعروقها
~~بغلظ الأوداج وانتفاخ الأعصاب مع اندماج بعضها في ms11131 بعض في غلظ الرقبة ولا
~~يرد أن الغلظ في الأشجار أقوى لأن الأمر بالعكس نظرا إلى الاندماج وتقوي
~~البعض بالبعض حتى صارت شيئا واحدا وجوز أن يكون هناك مجاز مرسل كما في
~~المرسن بأن يراد بالأغلب الغليظ مطلقا وتجوز في الإسناد أيضا لأن
~~الحدائق نفسها ليست غليظة بل الغليظ أشجارها وقال بعض المراد بالحدائق
~~نفس الأشجار لمكان العطف على ما في حيز

# فأنبتنا

# [عبس: 27] فلا تغفل.

### || [80.31]

# { وفكهة } قيل هي الثمار كلها وقيل بل هي الثمار ما عدا العنب
~~والرمان وأيا ما كان فذكر ما يدخل فيها أولا للاعتناء بشأنه { وأبا
~~} عن ابن عباس وجماعة أنه الكلأ والمرعى من أبه إذا أمه وقصده لأنه يؤم
~~ويقصد أو من أب لكذا إذا تهيأ له متهيء للرعي ويطلق على نفس مكان الكلأ
~~ومنه قوله:

# جذمنا قيس ونجد دارنا

# ولنا الأب بها والمكرع

# وذكر بعضهم أن ما يأكله الآدميون من النبات يسمى الحصيدة والحصيد وما
~~يأكله غيرهم يسمى الأب وعليه قول بعض الصحابة يمدح النبي صلى الله عليه
~~وسلم:

# له دعوة ميمونة ريحها الصبا

# بها ينبت الله الحصيدة والأبا

# وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك أنه التبن خاصة وقيل هو يابس الفاكهة لأنها
~~تؤب وتهيأ للشتاء للتفكه بها.

# وأخرج أبو عبيد في «فضائله» وعبد بن حميد عن إبراهيم التيمي قال سئل أبو
~~بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عن الأب ما هو فقال أي سماء تظلني وأي أرض
~~تقلني إذا قلت في كتاب الله تعالى ما لا أعلم. وأخرج ابن سعد وسعيد بن
~~منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وغيرهم عن أنس
~~أن عمر رضي الله تعالى عنه قرأ على المنبر

# فأنبتنا فيها حبا وعنبا

# [عبس: 27] إلى قوله:

# وأبا

# [عبس: 28] فقال كل هذا قد عرفناه فما الأب ثم رفض عصا كانت في يده فقال
~~هذا لعمر الله هو التكلف فما عليك يا ابن أم عمر أن لا تدري ما الأب
~~ابتغوا ما بين لكم من هذا الكتاب فاعملوا به ms11132 وما لم تعرفوه فكلوه إلى
~~ربه. وفي «صحيح البخاري» من رواية أنس أيضا أنه قرأ ذلك وقال فما الأب
~~ثم قال ما كلفنا أو ما أمرنا بهذا. ويتراءى من ذلك النهي عن تتبع معاني
~~القرآن والبحث عن مشكلاته وفي «الكشاف» ((لم يذهب إلى ذلك ولكن القوم
~~كانت أكبر همتهم عاكفة على العمل وكان التشاغل بشيء من العلم لا يعمل به
~~تكلفا [عندهم] فأراد رضي الله تعالى عنه أن الآية مسوقة في الامتنان على
~~الإنسان بمطعمه واستدعاء شكره وقد علم من فحواها أن الأب بعض ما أنبت
~~سبحانه للإنسان متاعا له أو لأنعامه فعليك بما هو أهم من النهوض بالشكر
~~له عز وجل على ما تبين لك ولم يشكل مما عدد من نعمه تعالى ولا تتشاغل عنه
~~بطلب معنى الأب ومعرفة النبات الخاص الذي هو اسم له واكتف بالمعرفة
~~الجملية إلى أن يتبين لك في غير هذا الوقت ثم وصى الناس بأن يجروا على
~~هذا السنن فيما أشبه ذلك من مشكلات القرآن)) انتهى وهو قصارى ما يقال في
~~توجيه ذلك لكن في بعض الآثار عن الفاروق كما في «الدر المنثور» ما يبعد
~~فيه إن صح هذا التوجيه في شيء وهو أنه ينبغي أن خفاء تعيين المراد من
~~الأب على الشيخين رضي الله عنهما ونحوها من الصحابة وكذا الاختلاف فيه لا
~~يستدعي كونه غريبا مخلا بالفصاحة وأنه غير مستعمل عند العرب العرباء
~~وقد فسره ابن عباس لابن الأزرق بما تعتلف منه الدواب واستشهد به بقول
~~الشاعر:

# ترى به الأب واليقطين مختلطا

# ووقع في شعر / بعض الصحابة كما سمعت ومن تتبع وجد غير ذلك.

### || [80.32]

# قيل إما مفعول له أي فعل ذلك تمتيعا لكم ولمواشيكم فإن بعض النعم
~~المعدودة طعام لهم وبعضها علف لدوابهم ويوزع وينزل كل على مقتضاه،
~~والالتفات لتكميل الامتنان، وإما مصدر مؤكد لفعله المضمر بحذف الزوائد أي
~~متعكم بذلك متاعا أو لفعل مرتب عليه أي فتمتعتم بذلك متاعا أي تمتعا
~~أو مصدر من غير لفظه فإن ما ذكر من الأفعال ms11133 الثلاثة في معنى التمتيع، وقد
~~مر الكلام في نظيره فتذكر.

### || [80.33]

# شروع في بيان أحوال معادهم بعد بيان ما يتعلق بخلقهم ومعاشهم. والفاء
~~للدلالة على ترتب ما بعدها على ما يشعر به لفظ المتاع من سرعة زوال هاتيك
~~النعم وقرب اضمحلالها. والصاخة هي الداهية العظيمة من صخ بمعنى أصاخ أي
~~استمع والمراد بها النفخة الثانية ووصفت بها لأن الناس يصخون لها فجعلت
~~مستمعة مجازا في الظرف أو الإسناد، وقال الراغب الصاخة شدة صوت ذي النطق
~~يقال صخ يصخ فهو صاخ فعليه هي بمعنى الصائحة مجازا أيضا، وقيل مأخوذة
~~من صخه بالحجر أي صكه وقال الخليل هي صيحة تصخ الآذان صخا أي تصمها لشدة
~~وقعتها ومنه أخذ الحافظ أبو بكر بن العربي قوله ((الصاخة هي التي تورث
~~الصمم وأنها لمسمعة وهو من بديع الفصاحة كقوله:

# أصم بك الناعي وإن كان اسمعا

# ثم قال ولعمر الله تعالى إن صيحة القيامة مسمعة تصم عن الدنيا وتسمع
~~أمور الآخرة)) والكلام في جواب { إذا } وفي { يوم } من قوله تعالى:
~~{ يوم يفر المرء من أخيه }.

### || [80.34-36]

# { وصحبته } أي زوجته { وبنيه } على نحو ما تقدم في النازعات
~~فتذكره فما في العهد من قدم أي يوم يعرض عنهم ولا يصاحبهم ولا يسأل عن
~~حالهم كما في الدنيا لاشتغاله بحال نفسه كما يؤذن به قوله تعالى: {
~~لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه }.

### || [80.37]

# فإنه استئناف وارد لبيان سبب الفرار وجعله جواب { إذا } والاعتذار عن
~~عدم التصدير بالفاء بتقدير الماضي بغير قد أو المضارع المثبت أو بالفاء
~~إبدال يوم يفر المرء عنه إياه لأن البدل لا يطلب جزاء لا يخفى حاله على
~~من شرط الإنصاف على نفسه أي لكل واحد من المذكورين شغل شاغل وخطب هائل
~~يكفيه في الاهتمام به.

# وأخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي والحاكم وصححه

# " عن أم المؤمنين سودة بنت زمعة قالت قال النبي صلى الله عليه وسلم:
~~يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم
~~الآذان قلت يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضهم ms11134 إلى بعض قال شغل الناس عن
~~ذلك وتلا { يوم يفر } "

# الآية وجاء في رواية الطبراني عن سهل بن سعد أنه قيل له عليه الصلاة
~~والسلام ما شغلهم فقال صلى الله عليه وسلم:

# " نشر الصحائف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل "

# وقيل يفر منهم لعلمه أنهم لا يغنون عنه شيئا وكلام «الكشاف» يشعر بذلك
~~ويأباه ما سمعت وكذا ما قيل يفر منهم حذرا من مطالبتهم بالتبعات يقول
~~الأخ لم تواسني بمالك والأبوان قصرت في برنا والصاحبة أطعمتني الحرام
~~وفعلت وصنعت والبنون لم تعلمنا ولم ترشدنا ويشعر بذلك ما أخرج أبو عبيد
~~وابن المنذر عن قتادة قال ليس شيء أشد على الإنسان يوم القيامة من أن يرى
~~من يعرفه مخافة أن يكون يطلبه بمظلمة ثم قرأ { يوم يفر } الآية.

# وذكر المرء بناء على أنه الرجل لا الإنسان ليعلم منه حال المرأة من باب
~~أولى وقيل هو من باب التغليب وفيه نظر. وجعل القاضي ذكر المتعاطفات على
~~هذا النمط من باب الترقي على اعتبار عطف الأب على الأم سابقا على عطفهما
~~على الأخ فيكون المجموع معطوفا عليه وكذا في صاحبته وبنيه فقال تأخير
~~الأحب فالأحب للمبالغة كأنه قيل يفر من أخيه بل من أبويه بل من صاحبته
~~وبنيه ولا يخفى تكلفه مع اختلاف الناس والطباع في أمر الحب ولعل عدم
~~مراعاة ترق أو تدل لهذا الاختلاف مع الرمز إلى أن الأمر يومئذ أبعد من
~~أن يخطر بالبال فيه ذلك.

# وروي عن ابن عباس أنه يفر قابيل من أخيه هابيل ويفر النبي صلى الله
~~عليه وسلم من أمه ويفر / إبراهيم عليه السلام من أبيه ويفر نوح عليه
~~السلام من ابنه ويفر لوط عليه السلام من امرأته. وفي خبر رواه ابن عساكر
~~عن الحسن نحو ذلك وفيه فيرون أن هذه الآية أعني { يوم يفر } الخ
~~نزلت فيهم وكلا الخبرين لا يعول عليهما ولا ينبغي أن يلتفت إليهما كما لا
~~يخفى.

# والذي أدين الله تعالى به نجاة أبويه صلى الله عليه وسلم وقد ألفت رسائل
~~في ذلك ms11135 رغما لأنف علي القاري ومن وافقه وأعتقد أن جميع آبائه عليه
~~الصلاة والسلام لا سيما من ولداه بلا واسطة أوفر الناس حظا مما أوتي
~~هناك من السعادة والشرف وسمو القدر:

# كم من أب قد سما بابن ذرى شرف

# كما سما برسول الله عدنان

# وقرأ ابن محيصن وابن أبي عبلة وحميد وابن السميفع (يعنيه) بفتح الياء
~~وبالعين المهملة أي يهمه من عناه الأمر إذا أهمه أي أوقعه في الهم ومنه
~~قوله صلى الله عليه وسلم

# " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه "

# لا من عناه إذا قصده كما زعمه أبو حيان. وقوله تعالى: { وجوه
~~يومئذ مسفرة }.

### || [80.38]

# بيان لمآل أمر المذكورين وانقسامهم إلى السعداء والأشقياء بعد ذكر
~~وقوعهم في داهية دهياء فوجوه مبتدأ وسوغ الابتداء به كونه في حيز التنويع
~~كما مر و(مسفرة) خبره و(يومئذ) متعلق به أي مضيئة متهللة من أسفر الصبح
~~إذا أضاء وعن ابن عباس أن ذلك من قيام الليل وعن الضحاك من آثار الوضوء
~~فيختص ذلك بهذه الأمة أي لأن الوضوء من خواصهم قيل أي بالنسبة إلى الأمم
~~السابقة فقط لا مع أنبيائهم عليهم السلام وقيل من طول ما اغبرت في سبيل
~~الله تعالى.

### || [80.39]

# أي مسرورة بما تشاهد من النعيم المقيم والبهجة الدائمة.

### || [80.40]

# أي غبار وكدورة.

### || [80.41]

# { ترهقها } أي تعلوها وتغشاها { قترة } أي سواد وظلمة ولا ترى
~~أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه وسوى الفيروزابادي والجوهري بين
~~الغبرة والقترة فقيل المراد بالقترة الغبار حقيقة وبالغبرة ما يغشاهم من
~~العبوس من الهم وقيل هما على حقيقتهما والمعنى إن عليها غبارا وكدورة
~~فوق غبار وكدورة وقال زيد بن أسلم الغبرة ما انحطت إلى الأرض والقترة ما
~~ارتفع إلى السماء والمراد وصول الغبار إلى وجوههم من فوق ومن تحت والمعول
~~عليه ما تقدم. وقرأ ابن أبي عبلة (قترة) بسكون التاء.

### || [80.42]

# { أولئك } إشارة إلى أصحاب تلك الوجوه، وما فيه من معنى البعد
~~للإيذان ببعد درجتهم في سوء الحال أي أولئك الموصوفون بما ذكر { هم
~~الكفرة الفجرة ms11136 } أي الجامعون بين الكفر والفجور فلذلك جمع الله
~~تعالى لهم بين الغبرة والقترة وكأن الغبرة للفجور والقترة للكفر نعوذ
~~بالله عز وجل من ذلك.

### | [81 - سورة التكوير]

### || [81.1]

# أي لفت من كورت العمامة إذا لففتها وهو مجاز عن رفعها وإزالتها من
~~مكانها بعلاقة اللزوم فإن الثوب إذا أريد رفعه يلف لفا ويطوى ثم يرفع
~~ونحوه قوله تعالى:

# يوم نطوى السماء

# [الأنبياء: 104] ويجوز أن يراد لف ضوئها المنبسط في الآفاق / المنتشر في
~~الأقطار إما على أن الشمس مجاز عن الضوء فإنه شائع في العرف أو على تقدير
~~المضاف أو على التجوز في الإسناد ويراد من لفه إذهابه مجازا بعلاقة
~~اللزوم كما سمعت آنفا أو رفعه وستره استعارة كما قيل، وقد اعتبر تشبيه
~~الضوء بالجواهر والأمور النفيسة التي إذا رفعت لفت في ثوب ثم تعتبر
~~الاستعارة ويجعل التكوير بمعنى اللف قرينة ليكون هناك استعارة مكنية
~~تخييلية. وكون المراد إذهاب ضوئها مروي عن الحسن وقتادة ومجاهد وهو ظاهر
~~ما رواه جماعة عن ابن عباس من تفسيره { كورت } بأظلمت والظاهر أن
~~ذاك مع بقاء جرمها كالقمر في خسوفه وفي الآثار ما يؤيد ذلك، وقيل إن ذاك
~~عبارة عن إزالة نفس الشمس والذهاب بها للزوم العادي واستلزام زوال اللازم
~~لزوال الملزوم.

# ويجوز أن يكون المراد بكورت ألقيت عن فلكها وطرحت من طعنه فجوره
~~وكوره أي ألقاه مجتمعا على الأرض وإلقاؤها في جهنم مع عبدتها كما يدل
~~عليه بعض الأخبار المرفوعة ويذهب إذ ذاك نورها كما صرح به القرطبي أو في
~~البحر كما يدل عليه خبر ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن
~~ابن عتيك وفيه أن الله تعالى يبعث ريحا دبورا فتنفخه أي البحر حتى يرجع
~~نارا وعظم جرم الشمس اليوم لا يقتضي استحالة إلقائها في البحر ذلك اليوم
~~لجواز اختلاف الحال في الوقتين والله عز وجل على كل شيء قدير لكن جاء في
~~الأخبار الصحيحة أن الشمس تدنو يوم القيامة من الرؤوس في المحشر حتى تكون
~~قدر ميل ويلجم الناس العرق يومئذ ms11137 ولا بحر حينئذ لتلقى فيه بعد فلا
~~تغفل. وعن أبي صالح { كورت } نكست وفي رواية عن ابن عباس تكويرها
~~إدخالها في العرش وعن مجاهد أيضا اضمحلت ومدار التركيب على الإدارة
~~والجمع.

# هذا ولم نقف لأحد من السلف على إرادة لفها حقيقة وللمتأخرين في جواز
~~إرادته خلاف فقيل لا تجوز إرادته لأن الشمس كرية مصمتة وغاية اللف هي
~~الإدارة وهي حاصلة فيها وقيل تجوز لأن كون الشمس كذلك مما لا يثبته أهل
~~الشرع وعلى تسليمه يجوز أن يحدث فيها قابلية اللف بأن يصيرها سبحانه
~~منبسطة ثم يلفها وله عز وجل في ذلك ما له من الحكم ويبعد إرادة الحقيقة
~~فيما أرى كونها كيفما كانت من الأجرام التي لا تلف كالثياب نعم القدرة في
~~كل وقت لا يتعاصاها شيء.

# وارتفاع (الشمس) بفعل مضمر يفسره المذكور عند جمهور البصريين لاختصاص {
~~إذا } الشرطية عندهم بالفعل وعلى الابتداء عند الأخفش والكوفيين لعدم
~~الاختصاص عندهم وكون التقدير خلاف الأصل وكذا يقال في قوله تعالى: {
~~وإذا النجوم انكدرت }.

### || [81.2]

# أي انقضت وسقطت كما أخرجه عبد بن حميد عن مجاهد وقتادة ومنه انكدر
~~البازي إذا نزل بسرعة على ما يأخذه قال العجاج يمدح عمر بن معمر التيمي:

# إذا الكرام ابتدروا الباع بدر

# تقضي البازي إذا البازي كسر

# داني جناحيه من الطود فمر

# أبصر خربان فضاء فانكدر

# وهذا إحدى روايتين عن ابن عباس وروي عنه أنه قال لا يبقى يومئذ نجم إلا
~~سقط في الأرض وعنه أيضا أن النجوم قناديل معلقة بين السماء والأرض
~~بسلاسل من نور بأيدي ملائكة من نور فإذا مات من في السموات والأرض
~~تساقطت من أيديهم. وظاهر هذا أن النجوم ليست في جرم أفلاك لها كما يقول
~~الفلاسفة المتقدمون بل معلقة في فضاء ويقرب منه من وجه قول الفلاسفة
~~المحدثين فإنهم يقولون بكونها في فضاء أيضا لكن بقوى متجاذبة لا معلقة
~~بسلاسل بأيدي ملائكة وليس وراء ما يشاهد منها إلا سماء بمعنى جهة علو لا
~~سماء بالمعنى المعروف وإن صح خبر الحبر وهو في حكم ms11138 المرفوع لم نعدل عن
~~ظاهره إلا إن ظهر استحالته وهيهات ذلك وحينئذ فالأمر سهل وقد ذكر بعض
~~المتألهين أن الملائكة قد تطلق على الأرباب النورية كما في خبر

# " إن لكل شيء ملكا وإن كل قطرة من قطرات المطر ينزل معها ملك "

# وخبر /

# " أتاني ملك الجبال وملك البحار "

# وتسمى المثل الأفلاطونية وهي أنوار مجردة قائمة بنفسها مدبرة بإذن الله
~~تعالى للمربوبات حافظة إياها وهي المنمية والغاذية والمولدة في النباتات
~~والحيوانات ويقال في السلاسل أنه أريد بها القوى التي بها حفظ الأوضاع أو
~~نحو ذلك.

# وقيل انكدرت تغيرت وانطمس نورها كما هو الرواية الأخرى عن ابن عباس من
~~كدرت الماء فانكدر ففيه تشبيه انطماس نورها بتكدر الماء الذي لا يبقى معه
~~صفاؤه ورونق منظره وتكون هي حينئذ على ما في بعض الآثار مع عبدتها في
~~النار وظاهر أن النجوم لا تشمل الشمس وقيل تشملها وذكرها بعدها تعميم بعد
~~تخصيص فلا تغفل.

### || [81.3]

# أي أزيلت عن أماكنها من الأرض بالرجفة الحاصلة على أن التسيير مجاز عن
~~ذلك وقيل سيرت بعد رفعها في الجو كما قال تعالى

# وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر
~~السحاب

# [النمل: 88] وهذا إنما يكون بعد النفخة الثانية.

### || [81.4]

# { وإذا العشار } جمع عشراء كنفاس جمع نفساء وهي الناقة التي أتى
~~عليها من يوم أرسل فيها الفحل عشرة أشهر ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع
~~وقد يقال لها ذلك بعدما تضع أيضا وهي أنفس ما يكون عند أهلها وأعز شيء
~~عليهم.

# { عطلت } تركت مهملة لا راعي لها ولا طالب وقيل عطلها أهلها عن
~~الحلب والصر وقيل عن أن يرسل فيها الفحول وذلك إذا كان قبيل قيام القيامة
~~لاشتغال أهلها بما عراهم مما يكون إذ ذاك وقيل إن هذا التعطيل يوم
~~القيامة فقال القرطبي ((الكلام على التمثيل إذ لا عشار حينئذ والمعنى
~~أنه لو كانت عشار لعطلها أهلها واشتغلوا بأنفسهم وقيل على الحقيقة أي إذا
~~قاموا من القبور وشاهدوا الوحوش والأنعام والدواب محشورة ورأوا عشارهم
~~التي كانت كرائم أموالهم فيها لم ms11139 يعبؤا بها لشغلهم بأنفسهم)) وهو كما
~~ترى.

# وقيل المراد بالعشار السحاب على تشبيه السحابة المتوقع مطرها بالناقة
~~العشراء القريب وضع حملها وفيه استعارة لطيفة مع المناسبة التامة بينه
~~وبين ما قبله فإن السحب تنعقد على رؤوس الجبال وترى عندها ولا ينافيه
~~كونه مناسبا لما بعده على الأول فإنه معنى حقيقي مرجح بنفسه وتعطيلها
~~مجاز عن عدم ارتقاب مطرها لأنهم في شغل عنه وقيل عن عدم إمطارها وقيل هي
~~الديار تعطل فلا تسكن وقيل الأرض التي يعشر زرعها تعطل فلا تزرع.

# وقرأ مضر عن اليزيدي (عطلت) بالتخفيف والبناء للمجهول ونقله في
~~«اللوامح» عن ابن كثير ثم قال ((هو وهم إنما هو عطلت بفتحتين بمعنى تعطلت
~~لأن تشديده للتعدية يقال عطلت الشيء وأعطلته فعطل بنفسه وعطلت المرأة فهي
~~عاطل إذا لم يكن عليها حلي فلعل هذه القراءة لغة استوى فيها فعلت
~~وأفعلت)) أي في التعدي وقيل الأظهر أنه عدي بالحرف ثم حذف وأوصل الفعل
~~بنفسه.

### || [81.5]

# { وإذا الوحوش } جمع وحش وهو حيوان البر الذي ليس في طبعه التأنس
~~ببني آدم والمراد به ما يعم البهائم مطلقا { حشرت } أي جمعت من كل
~~جانب وذلك قبيل النفخة الأولى حين تخرج نار تفر الناس والأنعام منها حتى
~~تجتمع وقيل أميتت من قولهم إذا أجحفت السنة الناس حشرتهم ونحوه ما أخرج
~~عبد بن حميد عن مجاهد أنه قال حشرها موتها وعن ابن عباس تفسير الحشر
~~بالجمع إلا أنه قال كما أخرجه جماعة وصححه الحاكم جمعت بالموت فلا تبعث
~~ولا يحضر في القيامة غير الثقلين وقيل بعثت للقصاص فيحشر كل شيء حتى
~~الذباب وروي ذلك عن ابن عباس أيضا وعن قتادة وجماعة وفي رواية عن الحبر
~~تحشر الوحوش حتى يقتص من بعضها لبعض فيقتص للجماء من القرناء ثم يقال لها
~~موتي فتموت وقيل إذا قضي بينها ردت ترابا فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور
~~لبني آدم وإعجاب بصورته كالطاووس والظبي وقيل يبقى كل ما لم ينتفع به
~~إلا المؤمن كشاة لم يأكل منها إلا هو ويدخل ms11140 ما يبقى الجنة على حال لائقة
~~بها.

# وذهب كثير إلى بعث جميع الحيوانات ميلا إلى هذه الأخبار ونحوها فقد
~~أخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة في هذه الآية قال قال رسول الله صلى
~~الله تعالى عليه وسلم:

# " لتؤدن الحقوق إلى / أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة
~~القرناء "

# وزاد أحمد بن حنبل «وحتى للذرة من الذرة» ومال حجة الإسلام الغزالي
~~وجماعة إلى أنه لا يحشر غير الثقلين لعدم كونه مكلفا ولا أهلا للكرامة
~~بوجه وليس في هذا الباب نص من كتاب أو سنة معول عليها يدل على حشر غيرهما
~~من الوحوش وخبر مسلم والترمذي وإن كان صحيحا لكنه لم يخرج مخرج التفسير
~~للآية ويجوز أن يكون كناية عن العدل التام وإلى هذا القول أميل ولا أجزم
~~بخطأ القائلين بالأول لأن لهم ما يصلح مستندا في الجملة والله تعالى
~~أعلم.

# وقرأ الحسن وعمرو بن ميمون (حشرت) بالتشديد للتكثير.

### || [81.6]

# أي أحميت بأن تغيض مياهها وتظهر النار في مكانها ولذا ورد على ما قيل إن
~~البحر غطاء جهنم، أو ملئت بتفجير بعضها إلى بعض حتى يكون مالحها وعذبها
~~بحرا واحدا من سجر التنور إذا ملأه بالحطب ليحميه، وقيل ملئت نيرانا
~~تضطرم لتعذيب أهل النار وقيل ملئت ترابا تسوية لها بأرض المحشر، وليس له
~~مستند أثر عن السلف ونقل في «البحر» عن كتاب «لغات القرآن» أن سجرت بمعنى
~~جمعت بلغة خثعم ولعل جمعها عليه بالتفجير وقال ابن عطية يحتمل أن يكون
~~المعنى ملكت وقيد اضطرابها حتى لا يخرج عن الأرض من الهول فيكون ذلك
~~مأخوذا من ساجور الكلب وهو خشبة تجعل في عنقه ويقال سجره إذا شده به.

# وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (سجرت) بالتخفيف.

### || [81.7]

# أي قرنت كل نفس بشكلها أخرج جماعة منهم الحاكم وصححه عن النعمان بن بشير
~~عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن ذلك فقال يقرن الرجل الصالح مع
~~الرجل الصالح في الجنة ويقرن الرجل السوء مع الرجل السوء في النار فذلك
~~تزويج الأنفس، وفي ms11141 حديث مرفوع رواه النعمان أيضا ما يقتضي ظاهره ذلك
~~وقال بعض هذا في الموقف أن يقرن بين الطبقات الأنبياء ثم الأولياء ثم
~~الأمثل فالأمثل وقال مقاتل بن سليمان تقرن نفوس المؤمنين بأزواجهم من
~~الحور وغيرهن ونفوس الكافرين بالشياطين وقيل تقرن كل نفس بكتابها وقيل
~~بعملها وجوز أن يراد تقرن كل نفس بخصمها فلا يمكنها الفرار منه وأنت تعلم
~~أن كون كل نفس ذا خصم بين الانتفاء. وأيا ما كان فالنفس بمعنى الذات
~~والتزويج جعل الشيء زوجا أي مقارنا وقال عكرمة والضحاك والشعبي نقرن
~~النفوس بأزواجها وذلك عند البعث والنفس عليه بمعنى الروح.

# وقرأ عاصم (زووجت) على فوعلت.

### || [81.8]

# { وإذا الموءودة } وهي البنت التي تدفن حية من الوأد وهو الثقل
~~كأنها سميت بذلك لأنها تثقل بالتراب حتى تموت وقيل هو مقلوب الأود وحكاه
~~المرتضى في «درره» عن بعض أهل اللغة وهو غير مرتضى عند أبي حيان. وكانت
~~العرب تئد البنات مخافة لحوق العار بهم من أجلهن وقيل مخافة الإملاق
~~ولعله بالنسبة إلى بعضهم ومنهم من يقول الملائكة بنات الله سبحانه عما
~~يقولون فألحقوا البنات به تعالى فهو عز وجل أحق بهن. وذكر غير واحد أنه
~~كان الرجل منهم إذا ولدت له بنت فأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو
~~شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت
~~سداسية فيقول لأمها طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها وقد حفر لها
~~بئرا في الصحراء فيبلغ بها البئر فيقول لها انظري فيها ثم يدفعها من
~~خلفها ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض وقيل كانت الحامل إذا
~~قربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة فإذا ولدت بنتا رمت بها فيها وإن
~~ولدت ابنا حبسته. ورأيت إذ أنا يافع في بعض الكتب أن أول قبيلة وأدت من
~~العرب ربيعة وذلك أنهم أغير عليهم فنهبت بنت لأمير لهم فاستردها بعد
~~الصلح فخيرت برضا منه بين أبيها ومن هي عنده فاختارت من هي عنده وآثرته
~~على أبيها فغضب وسن ms11142 لقومه الوأد ففعلوه غيرة منهم ومخافة أن يقع لهم بعد
~~مثل ما وقع وشاع في العرب غيرهم والله تعالى أعلم بصحة ذلك.

# وقرأ البزي في رواية (المؤدة) كمعونة فاحتمل أن يكون / الأصل الموؤدة
~~كقراءة الجمهور فنقل حركة الهمزة إلى الواو قبلها وحذفت ثم همزت تلك
~~الواو واحتمل أن يكون اسم مفعول من آد والأصل المأوودة فحذف أحد الواوين
~~فصارت المؤدة كما حذف من مقوول فصار مقولا. وقرىء (الموودة) بضم الواو
~~الأولى وتسهيل الهمزة أعني التسهيل بحذفها ونقل حركتها إلى ما قبلها وفي
~~«مجمع البيان» والعهدة عليه روي عن أبي جعفر وأبي عبد الله وابن عباس
~~رضي الله تعالى عنهم أنهم قرؤا (المودة) بفتح الميم والواو والمراد بها
~~الرحم والقرابة وعن أبي جعفر قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم ويراد
~~بقتلها قطعها أو هو على حقيقته والإسناد مجازي والمراد قتل المتصف بها.

# وتوجيه السؤال إلى الموؤدة في قوله تعالى: { سئلت }.

### || [81.9]

# دون الوائد مع أن الذنب له دونها لتسليتها وإظهار كمال الغيظ والسخط
~~لوائدها وإسقاطه عن درجة الخطاب والمبالغة في تبكيته فإن المجني عليه إذا
~~سئل بمحضر الجاني ونسبت إليه الجناية دون الجاني كان ذلك بعثا للجاني
~~على التفكر في حال نفسه وحال المجني عليه فيرى براءة ساحته وأنه هو
~~المستحق للعتاب والعقاب وهذا نوع من الاستدراج واقع على طريق التعريض كما
~~في قوله تعالى

# أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين

# [المائدة: 116].

# وقرأ أبي وابن مسعود والربيع بن خيثم وابن يعمر (سألت) أي خاصمت أو
~~سألت الله تعالى أو قاتلها وإنما قيل { قتلت } لما أن الكلام إخبار
~~عنها لا حكاية لما خوطبت به حين سئلت ليقال قتلت على الخطاب ولا حكاية
~~لكلامها حين سألت ليقال قتلت على الحكاية عن نفسها، وقد قرأ كذلك علي كرم
~~الله تعالى وجهه وابن عباس وابن مسعود أيضا وجابر بن يزيد وأبو الضحى
~~ومجاهد. وقرأ الحسن والأعرج (سيلت) بكسر السين وذلك على لغة من قال { سال
~~} [المعارج: 1] بغير همز. وقرأ أبو جعفر بشد الياء لأن الموؤدة ms11143 اسم جنس
~~فناسب التكثير باعتبار الأشخاص.

# وفي الآية دليل على عظم جناية الوأد وقد أخرج البزار والحاكم في «الكنى»
~~والبيهقي في «سننه» عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال جاء قيس
~~بن عاصم التميمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني وأدت ثمان
~~بنات لي في الجاهلية فقال النبي صلى الله عليه وسلم

# " أعتق عن كل واحدة رقبة قال: إني صاحب إبل قال فاهد عن كل واحدة بدنة "

# وكأن الأمر للندب لا للوجوب لتوقف صحة التوبة عليه فإن الإسلام يجب ما
~~قبله من مثل ذلك. وفيه تعظيم أمر الوأد وكان من العرب من يستقبحه كصعصعة
~~بن ناجية المجاشعي جد الفرزدق كان يفتدي الموؤدات من قومه بني تميم وبه
~~افتخر الفرزدق في قوله:

# وجدي الذي منع الوائدات

# فأحيا الوئيد فلم توأد

# وأخرج الطبراني عنه قال قلت يا رسول الله إني عملت أعمالا في الجاهلية
~~فهل [لي] فيها من أجر [قال: وما عملت؟ قال: ] أحييت ثلثمائة وستين من
~~الموؤدة أشتري كل واحد منهن بناقتين عشراوين وجمل فهل في ذلك من أجر فقال
~~النبي صلى الله عليه وسلم

# " لك أجره إذ من الله تعالى عليك بالإسلام "

# وعد من الوأد العزل لما أخرج الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي
~~والنسائي وابن ماجه والطبراني وابن مردويه عن خدامة بنت وهب قالت

# " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال ذاك الوأد الخفي "

# ومن هنا قيل بحرمته، وأنت تعلم أن المسألة خلافية فقد قال الإمام النووي
~~في «شرح صحيح مسلم» ((العزل وهو أن يجامع فإذا قارب الإنزال نزع وأنزل
~~خارج الفرج [وهو] مكروه عندنا في كل حال وكل امرأة سواء رضيت أم لا لأنه
~~طريق إلى قطع النسل، وأما التحريم فقد قال أصحابنا يعني الشافعية لا يحرم
~~في مملوكته ولا في زوجته الأمة سواء رضيتا أم لا لأن عليه ضررا في
~~مملوكته بمصيرها أم ولد وامتناع بيعها وعليه ضرر في زوجته الرقيقة بمصير
~~ولده رقيقا تبعا لأمه وأما زوجته ms11144 الحرة فإن أذنت فيه لم يحرم وإلا
~~فوجهان أصحهما لا يحرم ثم الأحاديث التي ظاهرها التعارض في هذا المطلب
~~يجمع بينها بأن ما ورد منها في النهي محمول على كراهة التنزيه وما ورد في
~~الإذن في ذلك محمول على أنه ليس بحرام وليس / معناه نفي الكراهة)) انتهى.
~~وأجيب على الحديث السابق بأن تسميته بالوأد الخفي لا يدل على أن حكمه حكم
~~الوأد الظاهر فقد صح أن الرياء شرك خفي ولم يقل أحد بأن حكمه حكمه.

# ولا يبعد أن يكون الاستمناء باليد كالعزل وأدا خفيا وذكر بعضهم أنه
~~إذا لم يخش الزنا حرام وإن خشي لم يحرم وكذا لا يبعد أن يكون التفخيذ مع
~~من يحل له وطؤها كذلك ولم أر قائلا بحرمته وتمام الكلام في هذا المقام
~~في كتب الفقه فلتراجع.

# واستدل الزمخشري بالآية على أن أطفال المشركين لا يعذبون وعلى أن العذاب
~~لا يستحق إلا بالذنب أما الأول فلان تبكيت قاتلها يباين تعذيبها لأن
~~استحقاق التبكيت لبراءتها من الذنب فمتى بكت سبحانه الكافر ببراءتها من
~~الذنب كيف يكر سبحانه عليها فيفعل بها ما ينسى عنده فعل المبكت من العذاب
~~السرمدي وأما الثاني فلإشارة قوله تعالى: { بأى ذنب قتلت } إلى
~~أن القتل إنما يصار إليه بذنب وأنه لا يستحسن ارتكابه دونه ومعلوم أن في
~~معناه كل تعذيب ثم الآية لما دلت على أن الموؤدة لا ذنب لها ليتم التبكيت
~~تضمنت عدم استحقاقها العقاب وزعم أن ابن عباس سئل عن ذلك فاحتج بهذه
~~الآية وتعقب بأن مبنى ما ذكره التحسين والتقبيح وقد بين ما فيهما في
~~موضعه، وعلى التسليم نمنع انحصار سبب التبكيت في البراءة. على أن القتل
~~للباعث المذكور في القرآن بمعنى خشية الإملاق رذيلة يستحق بها التبكيت
~~استحق بها المقتول التعذيب الأخروي أولا وإشارة الآية على أن باعثهم على
~~القتل لم يكن الذنب لا إلى أن الذنب - أعني ما يستحق به الموؤدة التعذيب
~~- معدوم من كل وجه، وما روي عن ابن عباس لا نسلم صحته وفي الأخبار ما
~~ينافيه ms11145 أخرج الإمام أحمد والنسائي وغيرهما عن سلمة بن يزيد الجعفي عن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " الوائدة والموؤدة في النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فيعفو الله
~~تعالى عنها "

# وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس قال

# " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال الله تعالى
~~إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين "

# وتفسيره على ما قيل ما روى أبو داود

# " عن عائشة قلت: يا رسول الله ذراري المؤمنين فقال من آبائهم قلت بلا
~~عمل قال الله تعالى أعلم بما كانوا عاملين قلت يا رسول الله فذراري
~~المشركين فقال من آبائهم قلت بلا عمل قال: الله تعالى أعلم بما كانوا
~~عاملين "

# وفي «مسند الإمام أحمد»

# " سألت خديجة عن ولدين ما بالهما في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم هما في النار "

# وأنت تعلم أن في مسألة الأطفال من هذه الحيثية ما عدا أطفال الأنبياء
~~عليهم السلام فإنهم أجمع على كونهم من أهل الجنة كما قال اللقاني خلافا
~~فقد قال الإمام النووي في «شرح صحيح مسلم» ((أجمع من يعتد به من علماء
~~المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة لأنه ليس
~~مكلفا وتوقف فيه بعض من لا يعتد به لحديث عائشة توفي صبي من الأنصار
~~فقالت طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه قال صلى
~~الله عليه وسلم

# " أو غير ذلك يا عائشة إن الله تعالى خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في
~~أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب أبائهم "

# وأجاب العلماء عنه بأنه لعله عليه الصلاة والسلام نهاها عن المسارعة إلى
~~القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع ويحتمل أنه عليه الصلاة والسلام
~~قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة فلما علم صلى الله عليه
~~وسلم قال ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم

# " ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم ms11146 يبلغوا الحنث إلا أدخله الله
~~تعالى الجنة بفضله ورحمته إياهم "

# وغير ذلك من الأحاديث. وأما أطفال المشركين ففيهم ثلاثة مذاهب قال
~~الأكثرون هم في النار تبعا لآبائهم لحديث

# " سئل عن أولاد المشركين من يموت منهم صغيرا فقال عليه الصلاة والسلام:
~~الله تعالى أعلم بما كانوا عاملين "

# أي وغير ذلك وتوقفت طائفة فيهم وقالت الثالثة وهو الصحيح الذي ذهب إليه
~~المحققون أنهم من أهل الجنة ويستدل له / بأشياء منها

# " حديث إبراهيم الخليل عليه السلام حين رآه النبي صلى الله عليه وسلم
~~في الجنة حوله أولاد الناس قالوا يا رسول الله وأولاد المشركين "

# قال وأولاد المشركين رواه البخاري في «صحيحه» ومنها قوله تعالى:

# وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا

# [الإسراء: 15] ولا يتوجه على المولود التكليف ويلزمه قول الرسول «حتى
~~يبلغ» وهذا متفق عليه والجواب عن حديث

# " الله تعالى أعلم بما كانوا عاملين "

# أنه ليس فيه تصريح بأنهم في النار وحقيقة لفظه الله تعالى أعلم بما
~~كانوا يعملون لو بلغوا ولم يبلغوا والتكليف لا يكون إلا بالبلوغ)) انتهى.

# وتعقب ما ذكره من الاحتمال في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها بأنه
~~يأباه ما ذكره من حديث إبراهيم عليه السلام فإن حديث عائشة كان بالمدينة
~~لأنه في صبي من الأنصار وبناؤه عليه الصلاة والسلام عليها إنما كان فيها
~~وحديث إبراهيم عليه السلام كان بمكة لأن الظاهر أن تلك الرؤية كانت ليلة
~~المعراج وهو قد كان فيها ومنه يعلم أنه صلى الله عليه وسلم قد علم أن
~~الأطفال كلهم في الجنة يومئذ فكيف يحتمل أن يكون ما قاله بعد قاله قبل
~~أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة، وأيضا إذا كان حديث إبراهيم عليه
~~السلام في مكة يضعف الجواب الأول عن حديث عائشة باحتمال أن تكون قالت ما
~~قالت لأنه بلغها ذلك الحديث.

# ثم ما ذكر من أن المذاهب في أطفال المشركين ثلاثة الظاهر أنه مبني
~~على ما وقف عليه وإلا فهي غير منحصرة فيها بل منها أنهم في برزخ بين
~~الجنة والنار ومنها أنهم ms11147 يمتحنون بدخول النار يوم القيامة فمن كتب له
~~السعادة أطاع بدخولها فيرد إلى الجنة ومن كتب له الشقاوة امتنع فيسحب إلى
~~النار كما جاء في بعض الروايات فلا يحكم على معين منهم بجنة ولا نار
~~وعليه حمل «الله تعالى أعلم بما كانوا عاملين». وفي «اختيارات الشيخ ابن
~~تيمية» أن هذا أحسن الأجوبة فيهم، وقال الجلال السيوطي هو الصحيح المعتمد
~~ومنها ما ذكره هذا الجلال واختاره الإمام الرباني الفاروقي السرهندي قدس
~~سره أنهم يحشرون ثم يصيرون ترابا كالوحوش وإن أريد مما تقدم من أنهم في
~~الجنة كونهم فيها كسائر أهلها فهناك قول آخر وهو أنهم فيها خدما لأهلها
~~وقد نقله النسفي في «بحر الكلام» عن أهل السنة والجماعة وفيه أحاديث جمة.

# والظاهر أن المراد بأطفال المشركين الأطفال الذين ولدوا لهم وهم مشركون
~~ولو آمنوا بعد ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام السابق في ولدي خديجة
~~«هما في النار» وهو يعكر على من يقول أطفال الذين ماتوا مشركين في النار
~~وأطفال المشركين الذين آمنوا بعد موتهم في الجنة إكراما لهم. والذي
~~أختاره القول بأن الأطفال مطلقا وكذا فرخ الزنا ومن جن قبل البلوغ في
~~الجنة فهو الأخلق بكرم الله تعالى وواسع رحمته عز وجل والأوفق للحكمة
~~بحسب الظاهر والأكثر تأيدا بالآيات ولا بعد في ترجح الأخبار الدالة على
~~ذلك بما ذكر على الأخبار الدالة على خلافه، والقول بأن ما تضمنته هاتيك
~~الأخبار كان منه عليه الصلاة والسلام قبل علمه صلى الله عليه وسلم بأن
~~الأطفال في الجنة بعيد عندي.

# نعم جوز أن يكون قد أخبر صلى الله عليه وسلم بأنهم من أهل النار بناء
~~على إخبار الوحي به كإخباره بالوعيدات التي يعفو الله تعالى عنها من حيث
~~إنه مقيد بشرط كان لم يشملهم الفضل مثلا لكنه لم يذكر معه كما لو يذكر
~~معها لحكمة ثم أخبر عليه الصلاة والسلام بأنهم من أهل الجنة بناء على
~~إخبار الوحي به أيضا ويكون متضمنا للإخبار بأن شرط كونهم من أهل النار
~~لا يتحقق فضلا من ms11148 الله تعالى وكرما ويكون ذلك كالعفو عما يقتضيه
~~الوعيد، ومثل ذلك إخباره بما ذكر بناء على مشاهدة كونهم في الجنة عند
~~إبراهيم عليه السلام فتأمل.

### || [81.10]

# أي صحف الأعمال أخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال إذا مات الإنسان
~~طويت صحيفته ثم تنشر يوم القيامة فيحاسب بما فيها وقيل نشرت أي فرقت بين
~~أصحابها عن مرثد بن وداعة إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش
~~فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية وتقع صحيفة / الكافر في يده في
~~سموم وحميم أي مكتوب فيها ذلك وهي صحف غير صحف الأعمال.

# وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي (نشرت) بالتشديد للمبالغة في
~~النشر بمعنييه أو لكثرة الصحف أو لشدة التطاير.

### || [81.11]

# قلعت وأزيلت كما يكشف الإهاب عن الذبيحة والغطاء عن الشيء المستور به
~~فأصل الكشط السلخ واستعير هنا للإزالة.

# وقرأ عبد الله (قشطت) بالقاف مكان الكاف واعتقابهما غير عزيز كالكافور
~~والقافور وعربي قح وكح.

### || [81.12]

# أي أوقدت إيقادا شديدا قال قتادة سعرها غضب الله تعالى وخطايا بني
~~آدم.

# وقرأ جمع منهم علي كرم الله تعالى وجهه (سعرت) بالتخفيف.

### || [81.13]

# أي قربت من المتقين كقوله تعالى:

# وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد

# [ق: 31] أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي العالية أنه قال: ست آيات
~~من هذه السورة في الدنيا والناس ينظرون وست في الآخرة

# إذا الشمس كورت

# إلى

# وإذا البحار سجرت

# [التكوير: 1-6] هذه في الدنيا

# وإذا النفوس زوجت

# [التكوير: 7] إلى

# وإذا الجنة أزلفت

# [التكوير: 13] هذه في الآخرة. وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن
~~أبي حاتم عن أبي بن كعب أنه قال: ست آيات قيل يوم القيامة بينما الناس
~~في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس فبينما هم كذلك إذ انكدرت النجوم فبينما هم
~~كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت ففزعت الجن إلى الإنس
~~والإنس إلى الجن واختلطت الدواب والطير والوحش فماجوا بعضهم في بعض
~~وأهملت العشار وقال الجن للإنس نحن نأتيكم بالخبر فانطلقوا إلى ms11149 البحر
~~فإذا هو نار تأجج فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة فبينما هم
~~كذلك إذ جاءتهم ريح فأماتتهم وقال بعضهم: إن الست الأولى فيما بين
~~النفختين وإنه مراد من قال إنها في الدنيا وقيل هي فيما قبل النفخة
~~الأولى وما بعدها إلى النفخة الثانية فلا تغفل.

### || [81.14]

# جواب

# إذا

# [التكوير: 13] على أن المراد بها زمان واحد ممتد يسع الأمور المذكورة
~~مبدؤه قبيل النفخة الأولى أو هي ومنتهاه فصل القضاء بين الخلائق لكن لا
~~بمعنى أن النفس تعلم ما تعلم في كل جزء من أجزاء ذلك الوقت المديد أو عند
~~وقوع داهية من تلك الدواهي بل عند نشر الصحف إلا أنه لما كان بعض تلك
~~الدواهي من مباديه وبعضها من روادفه نسب علمها بذلك إلى زمان وقوع كلها
~~تهويلا للخطب وتفظيعا للحال.

# والمراد بما أحضرت أعمالها من الخير والشر وبحضور الأعمال أما حضور
~~صحائفها كما يعرب عنه نشرها وإما حضور أنفسها على ما قالوا من أن الأعمال
~~الظاهرة في هذه النشأة بصور عرضية تبرز في النشأة الآخرة بصور جوهرية
~~مناسبة لها في الحسن والقبح على كيفيات مخصوصة وهيئات معينة حتى إن
~~الذنوب والمعاصي تتجسم هنالك وتتصور، وحمل على ذلك نحو قوله تعالى:

# إن الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما إنما
~~يأكلون فى بطونهم نارا

# [النساء: 10] وعن ابن عباس ما يؤيده ويؤيده أيضا حديث ذبح الموت ونحوه،
~~قيل ولا بعد في ذلك ألا يرى أن العلم يظهر في عالم المثال على صورة اللبن
~~كما لا يخفى على من له خبرة بأحوال الحضرات الخمس، وقد حكي عن بعض
~~الأكابر أنهم يشاهدون في هذه النشأة الأعمال عند العروج بها إلى السماء
~~وكأن ذلك بنوع من التجسد، وأيا ما كان فإسناد إحضارها إلى النفس مع أنها
~~تحضر بأمر الله تعالى كما تؤذن به قوله تعالى:

# يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا

# [آل عمران: 30] الآية لأنها لما عملتها في الدنيا فكأنها أحضرتها في
~~الموقف، ومعنى علمها بها على التقدير الأول اطلاعها عليها ms11150 مفصلة في الصحف
~~بحيث لا يشذ عنها منها شيء كما ينبىء عنه قولهم

# مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة
~~إلا أحصاها

# [الكهف: 49] وعلى التقدير الثاني أنها تشاهدها على ما هي عليه في
~~الحقيقة فإن كانت صالحة تشاهدها على صور أحسن مما كانت تدركها في الدنيا
~~لأن الطاعات لا تخلو فيها عن نوع مشقة وإن كانت سيئة تشاهدها على خلاف ما
~~كانت عندها في الدنيا كانت مزينة لها موافقة / لهواها.

# وتنكير النفس المفيد لثبوت العلم لفرد من النفوس أو لبعض منها للإيذان
~~بأن ثبوته لجميع أفرادها قاطبة من الظهور والوضوح بحيث لا يكاد يحوم حوله
~~شائبة قطعا يعرفه كل أحد ولو جىء بعبارة تدل على خلافه وللرمز إلى أن
~~تلك النفوس العالمة بما ذكر مع توفر أفرادها وتكثر أعدادها مما تستقل
~~بالنسبة إلى جناب الكبرياء والعظمة الذي أشير إلى بعض بدائع شؤونه
~~المنبئة عن عظم سلطانه عز وجل: وفي «الكشاف» ((أن هذا من عكس كلامهم الذي
~~يقصدون فيه الإفراط فيما يعكس عنه ومنه قوله تعالى:

# ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين

# [الحجر: 2] ومعناه كم وأبلغ وقول القائل:

# قد أترك القرن مصفرا أنامله

# كأن أثوابه مجت بفرصاد

# وتقول لبعض قواد العساكر كم عندك من الفرسان؟ فيقول رب فارس عندي أو لا
~~تعدم عندي فارسا وعنده المقانب وقصده بذلك التمادي في تكثير فرسانه
~~ولكنه أراد إظهار براءته من التزيد وأنه ممن يقلل كثير ما عنده فضلا أن
~~يتزيد فجاء بلفظ التقليل ففهم منه معنى الكثرة على الصحة واليقين)). وبين
~~«بالكشف» أنه يفيد ذلك مع ما في خصوص كل موقع من فائدة خاصة وذكر أن من
~~الفوائد ههنا تهويل اليوم بتقليل الأنفس العالمة وإن كن جميعها وإظهار
~~أنه كلام من غاية العظمة والكبرياء وأن من يغير هذه الأجرام العظام
~~ويبدلها صفات وذوات تستقل الأنفس الإنسانية في جنب قدرته سبحانه أيما
~~استقلال. وتعقب ذلك أبو السعود بما لا يخلو عن نظر كما لا يخفى على ذي
~~نظر جليل فضلا عن ذي نظر ms11151 دقيق.

# وجوز أن يكون ذلك للإشعار بأنه إذا علمت حينئذ نفس من النفوس ما أحضرت
~~وجب على كل نفس إصلاح عملها مخافة أن تكون هي تلك التي عملت ما أحضرت
~~فكيف وكل نفس تعلمه على طريقة قولك لمن تنصحه لعلك ستندم على ما فعلت
~~وربما ندم الإنسان على ما فعل فإنك لا تقصد بذلك أن ندمه مرجو الوجود لا
~~متيقن به أو نادر الوجود بل تريد أن العاقل يجب عليه أن يجتنب أمرا يرجى
~~منه الندم أو قل ما يقع فيه فكيف إذا كان قطعي الوجود كثير الوقوع.

# واشتهر أن النكرة هنا في معنى العموم وهي قد تعم في الإثبات إذا اقتضى
~~المقام أو نحوه ذلك ومنه قول ابن عمر لبعض أهل الشام وقد سأله عن المحرم
~~إذا قتل جرادة أيتصدق بتمرة فدية لها؟! تمرة خير من جرادة، قيل ولهذا
~~العموم ساغ الابتداء بالنكرة فيه وقول بعض إنه لا عموم فيها بل العموم
~~جاء من تساوي نسبة الجزء إلى أفراد الجنس قيل مبني على ظن منافاة العموم
~~للوحدة والإفراد وأنت تعلم أن ذلك إنما ينافي العموم الشمولي دون البدلي.
~~وقال بعض لا يبعد أن يقال استفيد العموم بجعلها في حيز النفي معنى لأن {
~~علمت نفس } في معنى لم تجهل نفس لأن الحكم بالشيء يستلزم نفي ضده
~~ليس بشيء وإلا لعمت كل نكرة في الإثبات بنحو هذا التأويل وعن عبد الله بن
~~مسعود أن قارئا قرأ هذه السورة عنده فلما بلغ { علمت نفس ما
~~أحضرت } قال وانقطاع ظهرياه.

### || [81.15]

# جمع خانس من الخنوس وهو الانقباض والاستخفاء.

### || [81.16]

# { الجوار } جمع جارية من الجري وهو المر السريع وأصله لمر الماء
~~ولما يجري بجريه { الكنس } جمع كانس وكانسة من كنس الوحش إذا دخل
~~كناسه وهو بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر. والمراد بها على ما أخرج
~~الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من
~~طرق عن علي كرم الله تعالى وجهه الكواكب أي جميعها فقيل لأنها تخنس
~~بالنهار فتغيب ms11152 عن العيون وتكنس بالليل أي تطلع في أماكنها كالوحش في
~~كنسها وفي تفسير تكنس بتطلع خفاء وقيل لأنها تخنس نهارا وتخفى عن العيون
~~مع طلوعها وكونها فوق الأفق وتكنس بعد طلوعها في المغيب وتدخل فيه كما
~~تكنس الظباء في الكنس فتكون تحت الأفق بعد أن كانت فوقه وروي تفسيرها /
~~بالكواكب عن الحسن وقتادة أيضا. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأمير كرم الله
~~تعالى وجهه أنه قال: هي خمسة أنجم زحل وعطارد والمشتري وبهرام يعني
~~المريخ والزهرة.

# والخنس الرواجع من خنس إذا تأخر ووصفت بما ذكر في الآية لأنها تجري مع
~~الشمس والقمر وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس فخنوسها رجوعها بحسب الرؤية
~~وكنوسها اختفاؤها تحت ضوئها وتسمى المتحيرة لاختلاف أحوالها في سيرها
~~فيما يشاهد فلها استقامة ورجعة وإقامة فبينما تراها تجري إلى جهة إذا بها
~~راجعة تجري إلى خلاف تلك الجهة وبينما تراها تجري إذا بها مقيمة لا تجري
~~وسبب ذلك على ما قال المتقدمون من أهل الهيئة كونها في تداوير في حوامل
~~مختلفة الحركات على ما بين في موضعه وللمحدثين منهم النافين لما ذكر غير
~~ذلك مما هو مذكور في كتبهم.

# وهي مع الشمس والقمر يقال لها السيارات السبع لأن سيرها بالحركة الخاصة
~~مما لا يكاد يخفى على أحد بخلاف غيرها من الثوابت. وأخرج الخطيب في «كتاب
~~النجوم» وابن مردويه عن ابن عباس أنها المرادة هنا ووصفها بالخنس بمعنى
~~الرواجع قيل من باب التغليب إذ لا رجعة للشمس ولا للقمر وبالخنس
~~لاختفائها في مغيبها وقيل الوصفان باعتبار أنها تغيب عن العيون وتطلع في
~~أماكنها على نحو ما تقدم على تقدير أن يكون المراد بها الكواكب جميعها.

# وكون السيارات هي هذه السبع هو المعروف عند المتقدمين من المنجمين وأما
~~اليوم فقد ضموا إليها كواكب أخر يقال لها وستا وزونوا وبالاس وسرس
~~وأورنوس ويسمى هرشل (HERSCHEL) وهو اسم المنجم الذي ظفر به بالرصد وبينوا
~~مقدار أقطارها وأبعادها وحركاتها ولولا مخافة التطويل لذكرت ذلك وعدوا من
~~جملة السيارات الأرض بناء على زعمهم ms11153 أن لها حركة حول الشمس واشتهر أنهم
~~لم يعدوا القمر منها لكونه من توابع الأرض بزعمهم.

# وأخرج الحاكم وصححه وجماعة من طرق عن ابن مسعود أنها بقر الوحش وأخرج
~~نحوه ابن أبي حاتم عن ابن عباس وعبد بن حميد عن مجاهد وأبي ميسرة
~~والحسن وحكاه في «البحر» عن النخعي وجابر بن زيد وجماعة. وأخرج ابن جرير
~~عن الحبر أنها الظباء وروي ذلك أيضا عن ابن جبير والضحاك قالوا والخنس
~~تأخر الأنف عن الشفة مع ارتفاع قليل من الأرنبة وتوصف به بقر الوحش
~~والظباء ومنه قول بعض المولدين:

# ما سلم الظبي على حسنه

# كلا ولا البدر الذي يوصف

# فالظبي فيه خنس بين

# والبدر فيه كلف يعرف

### || [81.17]

# أي أدبر ظلامه أو أقبل وكلاهما مأثوران عن ابن عباس وغيره وهو من
~~الأضداد عند المبرد وقال الراغب العسعسة والعساس رقة الظلام وذلك في طرفي
~~الليل فهو من المشترك المعنوي عنده وليس من الأضداد وفسر عسعس هنا
~~بأقبل وأدبر معا وقال ذلك في مبدأ الليل ومنتهاه. وقال الفراء أجمع
~~المفسرون على أن معنى عسعس أدبر وعليه [قول] العجاج يصف الخمر أو
~~المفازة:

# حتى إذا الصبح لها تنفسا

# وانجاب عنها ليلها وعسعسا

# وقيل هي لغة قريش خاصة. وقيل كونه بمعنى أقبل ظلامه أوفق بقوله تعالى: {
~~والصبح إذا تنفس }.

### || [81.18]

# فإنه أول النهار فيناسب أول الليل وقيل كونه بمعنى أدبر أنسب بهذا لما
~~بين إدبار الليل وتنفس الصبح من الملاصقة فيكون بينهما مناسبة الجوار.
~~والمراد من تنفس الصبح على ما ذكر غير واحد إضاءته وتبلجه وفي «الكشاف»
~~((أنه إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله روح ونسيم فجعل ذلك نفسا له على
~~المجاز وقيل تنفس الصبح)) وعنى بالمجاز الاستعارة لأنه لما كان النفس
~~ريحا خاصا يفرج عن القلب انبساطا وانقباضا شبه ذلك النسيم بالنفس
~~وأطلق عليه الاسم استعارة وجعل الصبح متنفسا لمقارنته له ففي الكلام
~~استعارة مصرحة وتجوز في الإسناد وظاهر / كلام بعضهم أنه بعد الاستعارة
~~يكون ذلك كناية عن الإضاءة وجوز أن يكون هناك مكنية وتخييلية بأن ms11154 يشبه
~~الصبح بماش وآت من مسافة بعيدة ويثبت له التنفس المراد به هبوب نسيمه
~~مجازا على طريق التخييل كما في

# ينقضون عهد الله

# [البقرة: 27] وقال الإمام النهار بغشيان الليل المظلم كالمكروب وكما أنه
~~يجد راحة بالتنفس كذلك تخلص الصبح من الظلام وطلوعه كأنه تخلص من كرب إلى
~~راحة وهذا أدق مما في «الكشاف» كما لا يخفى. وجوز أن يقال إن الليل لما
~~غشي النهار ودفع به إلى تحت الأرض فكأنه أماته ودفنه فجعل ظهور ضوئه
~~كالتنفس الدال على الحياة وهو نحو مما نقل عن الإمام. وقيل تنفس أي توسع
~~وامتد حتى صار نهارا.

# والظاهر أن التنفس في الآية إشارة إلى الفجر الثاني الصادق وهو المنتشر
~~ضوءه معترضا بالأفق بخلاف الأول الكاذب وهو ما يبدو مستطيلا وأعلاه
~~أضوأ من باقيه ثم يعدم وتعقبه ظلمة أو يتناقص حتى ينغمر في الثاني على
~~زعم بعض أهل الهيئة أو يختلف حاله في ذلك تارة وتارة بحسب الأزمنة
~~والعروض على ما قيل وسمي هذا الكاذب عارضا ففي خبر مسلم

# " لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا العارض لعمود الصبح حتى يستطير "

# أي ينتشر ذلك العموم في نواحي الأفق.

# وكلام بعض الأجلة يشعر بأنه فيها إشارة إلى الكاذب حيث قال يؤخذ من
~~تسمية الفجر الأول عارضا للثاني أنه يعرض للشعاع الناشىء عنه الفجر
~~الثاني انحباس قرب ظهوره كما يشعر به التنفس في قوله تعالى: {
~~والصبح إذا تنفس } فعند ذلك الانحباس يتنفس منه شيء من شبه
~~كوة والمشاهد في المنحبس إذا خرج بعضه دفعة أن يكون أوله أكثر من آخره
~~ويعلم من ذلك سبب طول العمود وإضاءه أعلاه إلى آخر ما قال وفيه بحث.

# ثم الظاهر أن تنفس الصبح وضياءه بواسطة قرب الشمس إلى الأفق الشرقي
~~بمقدار معين وهو في المشهور ثمانية عشر جزءا وقول الإمام: إنه يلزم على
~~ذلك بناء على كرية الأرض واستضاءة أكثر من نصفها من الشمس دائما ظهور
~~الضياء وتنفس الصبح إذا فارقت الشمس سمت القدم من دائرة نصف النهار وذلك
~~بعيد نصف الليل ms11155 والواقع خلافه تشكيك فيما يقرب أن يكون بديهيا وفيه غفلة
~~عن أحوال ظل الأرض وانعكاس الأشعة من إبصار سكنة أقطارها فتأمل ولا تغفل.

# والواو في قوله تعالى { والصبح }  { والليل } على ما نقل عن
~~ابن جني للعطف و { إذا } ليس معمولا لفعل القسم لفساد المعنى إذ
~~التقييد بالزمان غير مراد حالا كان أو استقبالا وإنما هو على ما اختاره
~~غير واحد معمول مضاف مقدر من نحو العظمة لأن الإقسام بالشيء إعظام له
~~كأنه قيل ولا أقسم بعظمة الليل زمان عسعس وبعظمة النهار زمان تنفس على
~~نحو قولهم عجبا من الليث إذا سطا فإنه ليس المعنى على تقييد التعجب من
~~هوله وعظمته في ذلك الزمان. وقال عصام الدين ينبغي أن يجعل تقييدا
~~للمقسم به أي أقسم بالليل كائنا إذا عسعس والحال مقدرة أي مقدرا كونه
~~في ذلك الوقت وصرح العلامة التفتازاني في «التلويح» في مثله أن { إذا }
~~بدل من { الليل } إذ ليس المراد تعليق القسم وتقييده بذلك الوقت
~~ولهذا منع المحققون كونه حالا من { الليل } لأنه أيضا يفيد تقييد
~~القسم بذلك الوقت وسيأتي إن شاء الله تعالى في تفسير سورة الشمس ما يتعلق
~~بهذا المقام أيضا.

### || [81.19]

# { إنه } أي القرآن الجليل الناطق بما ذكر من الدواهي الهائلة وجعل
~~الضمير للإخبار عن الحشر والنشر تعسف { لقول رسول } هو كما قال
~~ابن عباس وقتادة والجمهور جبريل عليه السلام ونسبته إليه عليه السلام
~~لأنه واسطة فيه وناقل له عن مرسله وهو الله عز وجل { كريم } أي عزيز
~~على الله سبحانه وتعالى وقيل متعطف على المؤمنين.

### || [81.20]

# { ذى قوة } أي شديد كما قال سبحانه

# شديد القوى

# [النجم: 5] وجاء في قوته أنه عليه السلام بعث إلى مدائن لوط وهي أربع
~~مدائن وفي كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري فحملها بمن فيها من
~~الأرض السفلى حتى سمع أهل السماء أصوات الدجاج ونباح الكلاب ثم هوى بها
~~فأهلكها. وقيل المراد القوة في أداء طاعة الله تعالى وترك الإخلال / بها
~~من أول الخلق إلى آخر زمان التكليف. وقيل لا ms11156 يبعد أن يكون المراد قوة
~~الحفظ والبعد عن النسيان والخلط.

# { عند ذى العرش مكين } أي ذي مكانة رفيعة وشرف عند الله
~~العظيم جل جلاله عندية إكرام وتشريف لا عندية مكان، فالظرف متعلق بمكين
~~وهو فعيل من المكانة وقد كثر استعمالها كما في «الصحاح» حتى ظن أن الميم
~~من أصل الكلمة واشتق منه تمكن كما اشتق من المسكنة تمسكن. وجوز أن يكون
~~مصدرا ميميا من الكون وأصله مكون بكسر الواو فصار بالنقل والقلب مكينا
~~وأريد بالكون الوجود كأنه من كمال الوجود صار عين الوجود والأول هو
~~الظاهر. وقيل إن الظرف متعلق بمحذوف وقع صفة أخرى لرسول أي كائن عند ذي
~~العرش الكينونة اللائقة وهو كما ترى.

### || [81.21]

# { مطع } فيما بين الملائكة المقربين عليهم السلام يصدرون عن أمره
~~ويرجعون إلى رأيه { ثم } ظرف مكان للبعيد وهو يحتمل أن يكون ظرفا لما
~~قبله وجعل إشارة إلى

# عند ذى العرش

# [التكوير: 20] والمراد بكونه مطاعا هناك كونه مطاعا في ملائكته تعالى
~~المقربين كما سمعت ويحتمل أن يكون ظرفا لما بعده أعني قوله سبحانه: {
~~أمين } والإشارة بحالها وأمانته على الوحي وفي رواية عنه عليه السلام
~~أنه قال:

# " أمانتي أني لم أومر بشيء فعدوته إلى غيره "

# ولأمانته أنه عليه السلام يدخل الحجب كما في بعض الآثار بغير إذن.

# وقرأ أبو جعفر وأبو حيوة وأبو البرهسم وابن مقسم (ثم) بضم الثاء حرف
~~عطف تعظيما للأمانة وبيانا لأنها أفضل صفاته المعدودة وقال صاحب
~~«اللوامح» هي بمعنى الواو لأن جبريل عليه السلام كان بالصفتين معا في
~~حال واحدة ولو ذهب ذاهب إلى الترتيب والمهلة في هذا العطف بمعنى مطاع في
~~الملأ الأعلى على ثم أمين عند انفصاله عنهم حال وحيه إلى الأنبياء عليهم
~~السلام لجاز إن ورد به أثر انتهى والمعول عليه ما سمعت والمقام يقتضي
~~تعظيم الأمانة لأن دفع كون القرآن افتراء منوط بأمانة الرسول.

### || [81.22]

# { وما صحبكم } هو رسول الله صلى الله عليه وسلم { بمجنون
~~} كما تبهته الكفرة قاتلهم الله تعالى. وفي التعرض لعنوان الصحبة مضافة
~~إلى ضميرهم ms11157 على ما هو الحق تكذيب لهم بألطف وجه إذ هو إيماء إلى أنه عليه
~~الصلاة والسلام نشأ بين أظهركم من ابتداء أمره إلى الآن فأنتم أعرف به
~~وبأنه صلى الله عليه وسلم أتم الخلق عقلا وأرجحهم قيلا وأكملهم وصفا
~~وأصفاهم ذهنا فلا يسند إليه الجنون إلا من هو مركب من الحمق والجنون.

# واستدل الزمخشري بالمبالغة في ذكر جبريل عليه السلام وتركها في شأن
~~النبي صلى الله عليه وسلم على أفضليته عليه السلام على النبي صلى الله
~~عليه وسلم وأجابوا بما بحث فيه. والوجه في الجواب على ما في «الكشف» أن
~~الكلام مسوق لحقية المنزل دلالة على صدق ما ذكر فيه من أهوال القيامة وقد
~~علمت أن من شأن البليغ أن يجرد الكلام لما ساق له لئلا يعد الزيادة لكنة
~~وفضولا ولا خفاء أن وصف الآتي بالقول يشد من عضد ذلك أبلغ شد وأما وصف
~~من أنزل عليه فلا مدخل له في البين إلا إذا كان الغرض الحث على اتباعه
~~فلهذا لم تدل المبالغة في شأن جبريل عليه السلام وعد صفاته الكوامل وترك
~~ذلك في شأن نبينا عليه أفضل الصلوات والتسليمات على تفضيله بوجه.

# وقال بعضهم إن المبالغة في وصف جبريل عليه السلام مدح بليغ في حق النبي
~~صلى الله عليه وسلم لأن الملك إذا أرسل لأحد من هو معزز معظم مقرب لديه
~~دل على أن المرسل إليه بمكانة عنده ليس فوقها مكانة وقد علمت أن المقام
~~ليس للمبالغة في مدح المنزل عليه وقيل المراد بالرسول هو نبينا صلى الله
~~عليه وسلم كالمراد بالصاحب وهو خلاف الظاهر الذي عليه الجمهور.

### || [81.23]

# { ولقد رءاه } أي وبالله تعالى لقد رأى صاحبكم رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم الرسول الكريم جبريل عليه السلام على كرسي بين السماء والأرض
~~بالصورة التي خلقه / الله تعالى عليها له ستمائة جناح { بالافق
~~المبين } وهو الأفق الأعلى من ناحية المشرق كما روي عن الحسن وقتادة
~~ومجاهد وسفيان وفي رواية عن مجاهد أنه صلى الله عليه وسلم رآه عليه
~~السلام ms11158 نحو جياد وهو مشرق مكة وقيل إن المراد به مطلع رأس السرطان فإنه
~~أعلى المطالع لأهل مكة وهذه الرؤية كانت فيها بعد أمر غار حراء. وحكى ابن
~~شجرة أنه أفق السماء الغربي وليس بشيء. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن
~~ابن عباس أنه قال في الآية رآه في صورته عند سدرة المنتهى والأفق على هذا
~~قيل بمعنى الناحية وقيل سمي ذلك أفقا مجازا.

### || [81.24]

# { وما هو } أي رسول الله صلى الله عليه وسلم { على الغيب }
~~على ما يخبر به من الوحي إليه وغيره من الغيوب { بضنين } من الضن
~~بكسر الضاد وفتحها بمعنى البخل أي ببخيل لا يبخل بالوحي ولا يقصر في
~~التبليغ والتعليم ومنح كل ما هو مستعد له من العلوم على خلاف الكهنة
~~فإنهم لا يطلعون على ما يزعمون معرفته إلا بإعطاء حلوان.

# وقرأ ابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وابن الزبير وعائشة
~~وعمر بن عبد العزيز وابن جبير وعروة وهشام بن جندب ومجاهد وغيرهم ومن
~~السبعة النحويان وابن كثير (بظنين) بالظاء أي بمتهم من الظنة بالكسر
~~بمعنى التهمة وهو نظير الوصف السابق ب { أمين } [التكوير: 21]. وقيل
~~معناه بضعيف القوة على تبليغ الوحي من قولهم بئر ظنون إذا كانت قليلة
~~الماء والأول أشهر، ورجحت هذه القراءة عليه بأنها أنسب بالمقام لاتهام
~~الكفرة له صلى الله عليه وسلم ونفي التهمة أولى من نفي البخل وبأن التهمة
~~تتعدى بعلى دون البخل فإنه لا يتعدى بها إلا باعتبار تضمينه معنى الحرص
~~ونحوه لكن قال الطبري بالضاد خطوط المصاحف كلها ولعله أراد المصاحف
~~المتداولة فإنهم قالوا بالظاء خط مصحف ابن مسعود ثم إن هذا لا ينافي قول
~~أبي عبيدة إن الظاء والضاد في الخط القديم لا يختلفان إلا بزيادة رأس
~~إحداهما على الأخرى زيادة يسيرة قد تشتبه كما لا يخفى والفرق بين الضاد
~~والظاء مخرجا أن الضاد مخرجها من أصل حافة اللسان وما يليها من الأضراس
~~من يمين اللسان أو يساره ومنهم من يتمكن من إخراجها منهما، والظاء مخرجها
~~من طرف ms11159 اللسان وأصول الثنايا العليا.

# واختلفوا في إبدال إحداهما بالأخرى هل يمتنع وتفسد به الصلاة أم لا؟
~~فقيل تفسد قياسا ونقله في «المحيط البرهاني» عن عامة المشايخ ونقله في
~~«الخلاصة» عن أبي حنيفة ومحمد، وقيل لا استحسانا ونقله فيها عن عامة
~~المشايخ كأبي مطيع البلخي ومحمد بن سلمة. وقال جمع أنه إذا أمكن الفرق
~~بينهما فتعمد ذلك وكان مما لم يقرأ به كما هنا وغير المعنى فسدت صلاته
~~وإلا فلا لعسر التمييز بينهما خصوصا على العجم وقد أسلم كثير منهم في
~~الصدر الأول ولم ينقل حثهم على الفرق وتعليمه من الصحابة ولو كان لازما
~~لفعلوه ونقل، وهذا هو الذي ينبغي أن يعول عليه ويفتى به. وقد جمع بعضهم
~~الألفاظ التي لا يختلف معناها ضادا وظاء في «رسالة صغيرة» ولقد أحسن
~~بذلك فليراجع فإنه مهم.

### || [81.25]

# { وما هو } أي القرآن { بقول شيطن رجيم } أي بقول بعض
~~المسترقة للسمع لأنها هي التي ترجم وهو نفي لقولهم إنه كهانة.

### || [81.26]

# استضلال لهم فيما يسلكونه في أمر القرآن العظيم كقولك لتارك الجادة
~~الذاهب في بنيات الطريق أين تذهب. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها
~~من ظهور أنه وحي.

### || [81.27]

# { إن هو } أي ما هو { إلا ذكر للعلمين } موعظة
~~وتذكير عظيم لمن يعلم وضمير { هو } للقرآن أيضا. وجوز كون الضميرين
~~للرسول عليه الصلاة والسلام أي وما هو ملتبس بقول شيطان رجيم كما هو شأن
~~الكهنة إن هو إلا مذكر للعالمين وقوله تعالى: { فأين } الخ استضلال
~~لهم فيما يسلكونه في أمره صلى الله عليه وسلم وهو كما ترى.

### || [81.28]

# وقوله سبحانه: { لمن شآء منكم } بدل من (العالمين) بدل بعض من كل
~~والبدل هو المجرور وأعيد معه العامل على / المشهور وقيل هو الجار
~~والمجرور. وجوز أن يكون بدل كل من كل لإلحاق من لم يشأ بالبهائم ادعاء
~~وهو تكلف وقوله تعالى: { أن يستقيم } مفعول { شآء } أي لمن شاء
~~منكم الاستقامة بتحري الحق وملازمة الصواب وإبداله من العالمين لأنهم
~~المنتفعون بالتذكير.

### || [81.29]

# { وما تشاءون } أي الاستقامة بسبب من ms11160 الأسباب { إلا أن يشاء
~~الله } أي إلا بأن يشاء الله تعالى مشيئتكم فمشيئتكم بسبب مشيئة الله
~~تعالى { رب العلمين } أي مالك الخلق ومربيهم أجمعين وما تشاءون
~~الاستقامة مشيئة نافعة مستتبعة لها إلا بأن يشاءها الله تعالى فله سبحانه
~~الفضل والحق عليكم باستقامتكم إن استقتم. روي عن سليمان بن موسى والقاسم
~~بن مخيمرة أنه لما نزلت

# لمن شآء منكم أن يستقيم

# [التكوير: 28] قال أبو جهل جعل الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم
~~نستقم فأنزل الله تعالى: { وما تشاءون } الآية.

# و(أن) وما معها هنا على ما ذكرنا، في موضع خفض بإضمار باء السببية وجوز
~~أن تكون للمصاحبة وذهب غير واحد إلى أن الاستثناء مفرغ من أعم الأوقات أي
~~وما تشاءون الاستقامة في وقت من الأوقات إلا وقت أن يشاء الله تعالى شأنه
~~استقامتكم وهو مبني على ما نقل عن الكوفيين من جواز نيابة المصدر المؤول
~~من أن والفعل عن الظرف وفي الباب الثامن من «المغني» أن (أن) وصلتها لا
~~يعطيان حكم المصدر في النيابة عن ظرف الزمان تقول جئتك صلاة العصر ولا
~~يجوز جئتك أن تصلي العصر فالأولى ما ذكرنا أولا وإليه ذهب مكي وذهب
~~القاضي إلى الثاني وقد اعترض عليه أيضا بأن (ما) لنفي الحال و(أن) خاصة
~~للاستقبال فيلزم أن يكون وقت مشيئته تعالى المستقبل ظرفا لمشيئة العبد
~~الحالية. وأجيب بأنا لا نسلم أن (ما) مختصة بنفي الحال ومن ادعى اختصاصها
~~بذلك اشترط انتفاء القرينة على خلافه ولم تنتف ههنا لمكان أن في حيزها
~~أو بأن كون (أن) للاستقبال مشروط بانتفاء قرينة خلافه وههنا قد وجدت
~~لمكان ما قبلها فهي لمجرد المصدرية وقيل يندفع الاعتراض بجعل الاستثناء
~~منقطعا فليجعل كذلك وإن كان الأصل فيه الاتصال وليس بشيء وقد أورد على
~~وجه السببية الذي ذكرناه نحو ذلك وهو أنه يلزم من كون (ما) لنفي الحال
~~و(أن) للاستقبال سببية المتأخر للمتقدم ومما ذكر يعلم الجواب كما لا يخفى
~~فتأمل جميع ذلك والله تعالى الهادي لأوضح المسالك.

# وقال بعض أهل التأويل الشمس ms11161 شمس الروح والنجوم نجوم الحواس والجبال جبال
~~القوالب وهي تسير كل وقت إلا أنه يظهر ذلك للمحجوب إذا كشف له الغطاء
~~والعشار عشار القوى القالبية والوحوش وحوش الأخلاق الذميمة النفسانية
~~والبحار بحار العناصر الطبيعية والنفوس القوى النفسانية وتزويجها قرن كل
~~قوة بعملها والموؤدة الخواطر الإلهامية التي ترد على السالك فيئدها في
~~قبر القالب ويظلمها والصحف على ظاهرها والسماء سماء الصدر والجحيم جحيم
~~النفس وتسعيرها بنيران الهوى والجنة جنة القلب والخنس الأنوار المودعة في
~~القوى القلبية والليل الأنوار الجلالية والصبح الأنوار الجمالية إلى آخر
~~ما قال. ويستدل بحال البعض على البعض وقد حكى أبو حيان شيئا من نحو ذلك
~~وعقبه بتشنيع فظيع وهو لا يتم إلا إذا أنكر إرادة الظاهر وأما إذا لم
~~تنكر وجعل ما ذكر ونحوه من باب الإشارة فلا يتم أمر التشنيع كما حقق ذلك
~~في موضعه.

### | [82 - سورة الإنفطار]

### || [82.1]

# أي انشقت لنزول الملائكة كقوله تعالى:

# ويوم تشقق السمآء بالغمام ونزل الملائكة
~~تنزيلا

# [الفرقان: 25] والكلام في ارتفاع السماء كما مر في ارتفاع

# الشمس

# [التكوير: 1].

### || [82.2]

# أي تساقطت متفرقة وهو استعارة لإزالتها حيث شبهت بجواهر قطع سلكها وهي
~~مصرحة أو مكنية.

### || [82.3]

# فتحت وشققت جوانبها فزال ما بينها من البرزخ واختلط العذب بالأجاج وصارت
~~بحرا واحدا. وروى أن الأرض تنشف الماء بعد امتلاء الجار فتصير مستوية
~~أي في أن لا ماء وأريد أن البحار تصير واحدة أولا ثم تنشف الأرض جميعا
~~فتصير بلا ماء. ويحتمل أن يراد بالاستواء بعد النضوب عدم بقاء مغايض
~~الماء لقوله تعالى:

# لا ترى فيها عوجا ولا أمتا

# [طه: 107].

# وقرأ مجاهد والربيع بن خيثم والزعفراني والثوري (فجرت) بالتخفيف مبنيا
~~للمفعول وعن مجاهد أيضا (فجرت) مبنيا للفاعل بمعنى بغت لزوال البرزخ من
~~الفجور نظرا إلى قوله تعالى:

# لا يبغيان

# [الرحمن: 20] لأن البغي والفجور أخوان.

### || [82.4]

# قلب ترابها الذي حثي على موتاها وأزيل وأخرج من دفن فيها على ما فسر به
~~غير واحد وأصل البعثرة على ما قيل تبديد التراب ونحوه وهو إنما يكون
~~لإخراج شيء ms11162 تحته فقد يذكر ويراد معناه ولازمه معا وعليه ما سمعت وقد
~~يتجوز به عن البعث والإخراج كما في العاديات حيث أسند فيها لما في القبور
~~دونها كما هنا. وزعم بعض أنه مشترك بين النبش والإخراج. وذهب بعض الأئمة
~~كالزمخشري والسهيلي إلى أنه مركب من كلمتين اختصارا ويسمى ذلك نحتا
~~وأصل بعثر بعث وأثير ونظيره بسمل وحمدل وحوقل ودمعز أي قال بسم الله
~~والحمد لله تعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى وأدام لله تعالى عزه
~~إلى غير ذلك من النظائر وهي كثيرة في لغة العرب وعليه يكون معناه النبش
~~والإخراج معا. واعترضه أبو حيان بأن الراء ليست من أحرف الزيادة وهو
~~توهم منه فإنه فرق بين التركيب والنحت من كلمتين والزيادة على بعض الحروف
~~الأصول من كلمة واحدة كما فصل في «المزهر» نقلا عن أئمة اللغة، نعم
~~الأصل عدم التركيب.

### || [82.5]

# جواب { إذا } لكن لا على أنها تعلمه عند البعث بل عند نشر الصحف لما
~~عرفت أن المراد بها زمان واحد مبدؤه قبيل النفخة الأولى أو هي ومنتهاه
~~الفصل بين الخلائق لا أزمنة متعددة بحسب كلمة { إذا } وإنما كررت
~~لتهويل ما في حيزها من الدواهي والكلام فيه كالذي مر في نظيره. ومعنى ما
~~قدم وأخر ما أسلف من عمل خير أو شر وأخر من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها
~~بعده قاله ابن عباس وابن مسعود وعن ابن عباس أيضا ما قدم معصية وأخر
~~طاعة وهو قول قتادة وقيل ما عمل ما كلف به وما لم يعمل منه وقيل ما قدم
~~من أمواله لنفسه وما أخر لورثته وقيل أول عمله وآخره ومعنى علمها بهما
~~علمها التفصيلي حسبما ذكر فيما قدم.

### || [82.6]

# أي أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه تعالى وارتكاب ما لا يليق بشأنه عز
~~شأنه وقد علمت ما بين يديك وما سيظهر من أعمالك عليك. والتعرض لعنوان
~~كرمه تعالى دون قهره سبحانه من صفات الجلال المانعة ملاحظتها عن الاغترار
~~للإيذان بأنه ليس مما يصلح أن يكون مدارا لاغتراره ms11163 حسبما يغويه الشيطان
~~ويقول له افعل ما شئت فإن ربك كريم قد تفضل عليك في الدنيا وسيفعل مثله
~~في الآخرة أو يقول له نحو ذلك مما مبناه الكرم كقول بعض شياطين الإنس:

# تكثر ما استطعت من الخطايا

# ستلقى في غد ربا غفورا

# تعض ندامة كفيك مما

# تركت مخافة الذنب السرورا

# فإنه قياس عقيم وتمنية باطلة بل هو مما يوجب المبالغة في الإقبال على
~~الإيمان والطاعة والاجتناب عن الكفر والعصيان دون العكس ولذا قال بعض
~~العارفين لو لم أخف الله تعالى لم أعصه، فكأنه قيل ما حملك على عصيان ربك
~~/ الموصوف بما يزجر عنه وتدعو إلى خلافه. وقيل إن هذا تلقين للحجة وهو من
~~الكرم أيضا فإنه إذا قيل له ما غرك الخ يتفطن للجواب الذي لقنه ويقول
~~كرمه كما قيل يعرف حسن الخلق والإحسان بقلة الآداب في الغلمان ولم يرتض
~~ذلك الزمخشري وكأن الاغترار بذلك في النظر الجليل وإلا فهو في النظر
~~الدقيق كما سمعت. وعن الفضيل أنه قال غره ستره تعالى المرخي وقال محمد بن
~~السماك:

# يا كاتم الذنب أما تستحي

# والله في الخلوة رائيكا

# غرك من ربك إمهاله

# وستره طول مساويك

# وقال بعضهم:

# يقول مولاي أما تستحي

# مما أرى من سوء أفعالك

# فقلت يا مولاي رفقا فقد

# جرأني كثرة أفضالك

# وقال قتادة غره عدوه المسلط عليه.

# " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآية فقال الجهل "

# وقاله عمر رضي الله تعالى عنه وقرأ

# إنه كان ظلوما جهولا

# [الأحزاب: 72] والفرق بين هذا وبين ماذكروا لا يخفى على ذي علم.

# واختلف في الإنسان المنادى فقيل الكافر بل عن عكرمة أنه أبي بن خلف
~~وقيل الأعم الشامل للعصاة وهو الوجه لعموم اللفظ ولوقوعه بين المجمل
~~ومفصله أعنى

# علمت نفس

# [الانفطار: 5]

# إن الأبرار... وإن الفجار

# [الانفطار: 1314] وأما قوله تعالى:

# بل تكذبون بالدين

# [الانفطار: 9] ففي «الكشف» إما أن يكون ترشيحا لقوة اغترارهم بإيهام
~~أنهم أسوأ حالا من المكذبين تغليظا وإما لصحة خطاب الكل بما وجد فيما
~~بينهم.

# وقرأ ابن جبير والأعمش (ما ms11164 أغرك) بهمزة فاحتمل أن يكون تعجبا وأن تكون
~~ما استفهامية كما في قراءة الجمهور وأغرك بمعنى أدخلك في الغرة.

### || [82.7]

# وقوله سبحانه: { الذى خلقك فسواك فعدلك } صفة ثانية
~~مقررة للربوبية مبينة للكرم مومية إلى صحة ما كذب من البعث والجزاء موطئة
~~لما بعد حيث نبهت على أن من قدر على ذلك بدءا قدر عليه إعادة. والتسوية
~~جعل الأعضاء سوية سليمة معدة لمنافعها وهي في الأصل جعل الأشياء على سواء
~~فتكون على وفق الحكمة ومقتضاها بإعطائها ما تتم به. وعدلها عدل بعضها
~~ببعض بحيث اعتدلت من عدل فلانا بفلان إذا ساوى بينهما أو صرفها عن خلقة
~~غير ملائمة لها من عدل بمعنى صرف، وذهب إلى الأول الفارسي وإلى الثاني
~~الفراء.

# وقرأ غير واحد من السبعة (عدلك) بالتشديد أي صيرك معتدلا متناسب الخلق
~~من غير تفاوت فيه، ونقل القفال عن بعضهم أن عدل وعدل بمعنى واحد.

### || [82.8]

# أي ركبك ووضعك في أي صورة اقتضتها مشيئته تعالى وحكمته جل وعلا من الصور
~~المختلفة في الطول والقصر ومراتب الحسن ونحوها، فالجار والمجرور متعلق
~~بركبك و(أي) للصفة مثلها في قوله:

# أرأيت أي سوالف وخدود

# برزت لنا بن اللوى وزرود

# ولما أريد التعميم لم يذكر موصوفها. وجملة { شآء } صفة لها والعائد
~~محذوف و(ما) مزيدة وإنما لم تعطف الجملة على ما قبلها لأنها بيان لعدلك.
~~وجوز أن يكون الجار والمجرور في موضع الحال أي ركبك كائنا في أي في صورة
~~شاءها وقيل أي موصولة صلتها جملة شاءها كأنه قيل ركبك في الصورة التي
~~شاءها وفيه أنه صرح أبو علي في «التذكرة» بأن أيا الموصولة لا تضاف إلى
~~نكرة وقال ابن مالك في " الألفية " واخصصن بالمعرفة موصولة أيا. وفي
~~«شرحها» للسيوطي مع اشتراط ما سبق يعني كون المعرفة غير مفردة فلا تضفها
~~إلى نكرة خلافا لابن عصفور ويجوز أن تجعل (أي) شرطية والماضي في جوابها
~~في معنى المستقبل إذا نظر إلى تعلق المشيئة وترتب التركيب عليه فجيء
~~بصورة إلى الماضي نظرا إلى المشيئة وأداة الشرط نظرا إلى المتعلق ms11165
~~والترتب. ويجوز أن يكون الجار متعلقا بعدلك وحينئذ يتعين في (أي) الصفة
~~كأنه قيل فعدلك في صورة أي صورة أي في صورة عجيبة ثم حذف الموصوف زيادة
~~للتفخيم والتعجيب وأي هذه منقولة من الاستفهامية لكنها / لانسلاخ معناها
~~عنها بالكلية عمل فيها ما قبلها ويكون { ما شآء ركبك } كلاما
~~مستأنفا و(ما) أما موصولة أو موصوفة مبتدأ أو مفعولا مطلقا لركبك أي ما
~~شاء من التركيب ركبك فيه أو تركيبا شاء ركبك وجوز أن تكون شرطية و {
~~شآء } فعل الشرط و { ركبك } جزاؤه أي إن شاء تركيبك في أي صورة
~~غير هذه الصورة ركبك فيها والجملة الشرطية في موضع الصفة لصورة والعائد
~~محذوف ولم يجوزوا على هذا الوجه تعلق الظرف بركبك لأن معمول (ما) في حيز
~~الشرط لا يجوز تقديمه عليه.

### || [82.9]

# { كلا } ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى وجعله ذريعة إلى الكفر
~~والمعاصي مع كونه موجبا للشكر والطاعة وقوله تعالى: { بل تكذبون
~~بالدين } إضراب عن جملة مقدرة ينساق إليها الكلام كأنه قيل بعد الردع
~~بطريق الاعتراض وأنتم لا ترتدعون عن ذلك بل تجترؤن على أعظم منه حيث
~~تكذبون بالجزاء والبعث رأسا أو بدين الإسلام اللذين هما من جملة أحكامه
~~فلا تصدقون سؤالا ولا جوابا ولا ثوابا ولا عقابا وفيه ترق من الأهون
~~إلى الأغلظ. وعن الراغب (بل) هنا لتصحيح الثاني وإبطال الأول كأنه قيل
~~ليس هنا مقتض لغرورهم ولكن تكذيبهم حملهم على ما ارتكبوه. وقيل تقدير
~~الكلام إنكم لا تستقيمون على ما توجبه نعمي عليكم وإرشادي لكم بل تكذبون
~~الخ. وقيل إن { كلا } ردع عما دل عليه هذه الجملة من نفيهم البعث
~~و(بل) إضراب عن مقدر كأنه قيل ليس الأمر كما تزعمون من نفي البعث والنشور
~~ثم قيل لا تتبينون بهذا البيان بل تكذبون الخ وأدغم خارجة عن نافع (ركبك
~~كلا) كأبي عمرو في إدغامه الكبير. وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة وأبو بشر
~~(يكذبون) بياء الغيبة.

### || [82.10]

# وقوله تعالى: { وإن عليكم لحفظين } حال من فاعل

# تكذبون

# [الانفطار: 9] مفيدة لبطلان تكذيبهم وتحقيق ms11166 ما يكذبون به من الجزاء على
~~الوجهين في الدين أي تكذبون بالجزاء والحال إن عليكم من قبلنا لحافظين
~~لأعمالكم.

### || [82.11]

# { كراما } لدينا { كتبين } لها.

### || [82.12]

# من الأفعال قليلا كان أو كثيرا ويضبطونه نقيرا أو قطميرا، وليس ذلك
~~للجزاء وإقامة الحجة وإلا لكان عبثا ينزه عنه الحكيم العليم. وقيل جيء
~~بهذه الحال استبعادا للتكذيب معها وليس بذاك. وفي تعظيم الكاتبين
~~بالثناء عليهم تفخيم لأمر الجزاء وأنه عند الله عز وجل من جلائل الأمور
~~حيث استعمل سحبانه فيه هؤلاء الكرام لديه تعالى.

# ثم إن هؤلاء الحافظين غير المعقبات في قوله تعالى:

# له معقبت من بين يديه ومن خلفه يحفظونه
~~من أمر الله

# [الرعد: 11] فمع الإنسان عدة ملائكة روي

# " عن عثمان أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم كم من ملك على الإنسان؟
~~فذكر عليه الصلاة والسلام عشرين ملكا "

# قال المهدوي في «الفيصل» وقيل إن كل آدمي يوكل به من حين وقوعه نطفة في
~~الرحم إلى موته أربعمائة ملك ومن يكتب الأعمال ملكان كاتب الحسنات وهو في
~~المشهور على العاتق الأيمن وكاتب ما سواها وهو على العاتق الأيسر والأول
~~أمين على الثاني فلا يمكنه من كتابة السيئة إلا بعد مضى ست ساعات من غير
~~مكفر لها ويكتبان كل شيء حتى الاعتقاد والعزم والتقرير وحتى الأنين في
~~المرض وكذا يكتبان حسنات الصبي على الصحيح ويفارقان المكلف عند الجماع
~~ولا يدخلان مع العبد الخلاء، وأخرج البزار عن ابن عباس قال قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " إن الله تعالى ينهاكم عن التعري فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم
~~الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حاجات الغائط
~~والجنابة والغسل "

# ولا يمنع ذلك من كتبهما ما يصدر عنه ويجعل الله تعالى لهما أمارة على
~~الاعتقاد القلبي ونحوه ويلزمان العبد إلى مماته فيقومان على قبره يسبحان
~~ويهللان ويكبران ويكتب ثوابه للميت إلى يوم القيامة إن كان مؤمنا
~~ويلعنانه إلى يوم القيامة إن كان كافرا واستظهر بعضهم أنهما اثنان
~~بالشخص وقيل بالنوع وقيل كاتب الحسنات ms11167 يتغير دون كاتب السيئات ونصوا على
~~أن المجنون / لا حفظة عليه وورد في بعض الآثار ما يدل على أن بعض الحسنات
~~ما يكتبها غير هذين الملكين والظواهر تدل على أن الكتب حقيقي وعلم الآلة
~~وما يكتب فيه مفوض إلى الله عز وجل.

### || [82.13-14]

# وقوله سبحانه: { إن الأبرار لفى نعيم } استئناف مسوق لبيان
~~نتيجة الحفظ والكتب من الثواب والعقاب. وفي تنكير النعيم والجحيم ما لا
~~يخفى من التفخيم والتهويل.

### || [82.15]

# وقوله تعالى: { يصلونها } إما صفة للجحيم أو حال من ضمير (الفجار)
~~في الخبر أو استئناف مبني على سؤال نشأ من تهويلها كأنه قيل ما حالهم
~~فيها فقيل يقاسون حرها. وقرأ ابن مقسم (يصلونها) مشددا مبنيا للمفعول.
~~{ يوم الدين } يوم الجزاء الذي كانوا يكذبون به استقلالا أو في ضمن
~~تكذيبهم بالإسلام.

### || [82.16]

# طرفة عين فإن المراد استمرار النفي لا نفي الاستمرار وهو كقوله تعالى:

# وما هم بخرجين منها

# [المائدة: 37] في الدلالة على سرمدية العذاب وأنهم لا يزالون محسين
~~بالنار. وقيل معناه وما كانوا غائبين عنها قبل ذلك بالكلية بل كانوا
~~يجدون سمومها في قبورهم حسبما قال النبي صلى الله عليه وسلم

# " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار "

# على أن (غائبين) من حكاية الحال الماضية.

# والجملة قيل على الوجهين في موضع الحال لكنها على الأول حال مقدرة وعلى
~~الثاني من باب

# جآءوكم حصرت صدورهم

# [النساء: 90] وقيل إنها على الأول حالية دون الثاني لانفصال ما بين صلي
~~النار وعذاب القبر بالبعث وما في موقف الحساب بل هي عليه معطوفة على ما
~~قبلها. ويحتمل اسم الفاعل فيها أعني (غائبين) على الحال أي وما هم عنها
~~بغائبين الآن لتغاير المعطوف عليه الذي أريد به الاستقبال والكلام على ما
~~عرف في أخباره تعالى من التعبير عن المستقبل بغيره لتحققه فلا يرد أن بعض
~~الفجار في زمرة الأحياء بعد وبعضهم لم يخلق كذلك وعذاب القبر بعد الموت
~~فكيف يحمل (غائبين) على الحال.

### || [82.17-18]

# وقوله تعالى: { وما أدراك ما يوم الدين } تفخيم لشأن يوم
~~الدين ms11168 الذي يكذبون به إثر تفخيم وتعجيب منه بعد تعجيب. والخطاب فيه عام
~~والمراد أن كنه أمره بحيث [لا] يدركه دراية داري وقيل الخطاب لسيد
~~المخاطبين صلى الله عليه وسلم وقيل للكافر والإظهار في موضع الإضمار
~~تأكيد لهول يوم الدين وفخامته وقد تقدم الكلام في تحقيق كون الاستفهام في
~~مثل ذلك مبتدأ أو خبرا مقدما فلا تغفل.

### || [82.19]

# وقوله سبحانه: { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا
~~والأمر يومئذ لله } بيان إجمالي لشأن يوم الدين إثر إبهامه
~~وإفادة خروجه عن الدائرة الدراية قيل بطريق إنجاز الوعد فإن نفي الإدراء
~~مشعر بالوعد الكريم بالإدراء على ما روي عن ابن عباس من أنه قال كل ما في
~~القرآن من قوله تعالى: { ما أدراك } فقد أدراه وكل ما فيه من قوله
~~عز وجل:

# ما يدريك

# [الأحزاب: 63] فقد طوي عنه.

# و(يوم) منصوب بإضمار اذكر كأنه قيل بعد تفخيم أمر يوم الدين وتشويقه صلى
~~الله عليه وسلم إلى معرفته اذكر يوم لا تملك نفس من النفوس لنفس من
~~النفوس مطلقا لا للكافرة فقط كما روي عن مقاتل شيئا من الأشياء الخ
~~فإنه يدريك ما هو، أو مبني على الفتح محله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف
~~على رأي من يرى جواز بناء الظرف إذا أضيف إلى غير متمكن وهم الكوفيون أي
~~هو يوم لا تملك الخ، وقيل هو نصب على الظرفية بإضمار يدانون أو يشتد
~~الهول أو نحوه مما يدل عليه السياق أو هو مبنى على الفتح محله الرفع على
~~أنه بدل من { يوم الدين } وكلاهما ليسا بذاك لخلوهما عن إفادة ما
~~أفاده ما قبل.

# وقرأ ابن أبي إسحق وعيسى وابن جندب وابن كثير وأبو عمرو (يوم) بالرفع
~~بلا تنوين على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو يوم لا بدل لما سمعت آنفا.
~~وقرأ محبوب عن أبي عمرو (يوم) بالرفع والتنوين فجملة { لا تملك }
~~الخ في موضع الصفة له والعائد محذوف أي فيه.

# والأمر كما قال في «الكشف» واحد الأوامر لقوله تعالى

# لمن الملك اليوم

# [غافر: 16] فإن ms11169 الأمر / من شأن الملك المطاع واللام للاختصاص أي الأمر
~~له تعالى لا لغيره سبحانه لا شركة ولا استقلالا أي إن التصرف جميعه في
~~قبضة قدرته عز وجل لا غير وفي تحقيق قوله تعالى { لا تملك نفس
~~لنفس شيئا } لدلالته على أن الكل مسوسون مطيعون مشتغلون بحال
~~أنفسهم مقهورون بعبوديتهم لسطوات الربوبية. وقيل واحد الأمور أعني الشأن
~~وليس بذاك وقول قتادة فيما أخرجه عنه عبد بن حميد وابن المنذر أي ليس ثم
~~أحد يقضي شيئا ولا يصنع شيئا غير رب العالمين تفسير لحاصل المعنى لا
~~إيثار لذلك.

# هذا وقوله وحده ليس بحجة يترك له الظاهر والمنازعة في الظهور مكابرة،
~~وأيا ما كان فلا دلالة في الآية على نفي الشفاعة يوم القيامة كما لا
~~يخفى والله تعالى أعلم.

### | [83 - سورة المطففين]

### || [83.1]

# قيل الويل شدة الشر وقيل الحزن والهلاك وقيل العذاب الأليم وقيل جبل في
~~جهنم وأخرج ذلك عن عثمان مرفوعا ابن جرير بسند فيه نظر، وذهب كثير إلى
~~أنه واد في جهنم فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي عن أبي سعيد قال قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره "

# وفي «صحيحي ابن حبان والحاكم» بلفظ

# " واد بين جبلين يهوي فيه الكافر "

# الخ وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله أنه واد في جهنم من قيح وفي كتاب
~~«المفردات» للراغب قال الأصمعي ويل قبح وقد يستعمل للتحسر ومن قال ويل
~~واد في جهنم لم يرد أن ويلا في اللغة موضوع لهذا وإنما أراد من قال الله
~~تعالى فيه ذلك فقد استحق مقرا من النار وثبت ذلك له انتهى. والظاهر أن
~~إطلاقه على ذلك كإطلاق جهنم على ما هو المعروف فيها فلينظر من أي نوع ذلك
~~الإطلاق. وأيا ما كان فهو مبتدأ وإن كان نكرة لوقوعه في موقع الدعاء و {
~~للمطففين } خبره.

# والتطفيف البخس في الكيل والوزن لما أن ما يبخس في كيل أو وزن واحد شيء
~~طفيف أي نزر حقير ms11170 والتفعيل فيه للتعدية أو للتكثير ولا ينافي كونه من
~~الطفيف بالمعنى المذكور لأن كثرة الفعل بكثرة وقوعه وهو بتكراره لا بكثرة
~~متعلقه وعن الزجاج أنه من طف الشيء جانبه.

### || [83.2]

# وقوله تعالى: { الذين إذا اكتالوا على الناس
~~يستوفون } الخ صفة مخصصة للمطففين الذين نزلت فيهم الآية أو صفة
~~كاشفة لحالهم شارحة لكيفية تطفيفهم الذي استحقوا به الويل أي إذا أخذوا
~~من الناس ما أخذوا بحكم الشراء ونحوه كيلا يأخذونه وافيا وافرا.
~~وتبديل كلمة (على) هنا بمن قيل لتضمين الاكتيال معنى الاستيلاء أو
~~للإشارة إلى أنه اكتيال مضر للناس لا على اعتبار الضرر من حيث الشرط الذي
~~يتضمنه (إذا) لإخلاله بالمعنى بل في نفس الأمر بموجب الجواب بناء على أن
~~المراد بالاستيفاء ليس أخذ الحق وافيا من غير نقص بل مجرد الأخذ الوافي
~~الوافر حسبما أرادوا بأي وجه يتيسر من وجوه الحيل وكانوا يفعلونه بكبس
~~المكيل ودعدعة المكيال إلى غير ذلك.

# وقيل إن ذلك لاعتبار أن اكتيالهم لما لهم من الحق على الناس فعن الفراء
~~أن من وعلى يعتقبان في هذا الموضع فيقال اكتلت عليه أي أخذت ما عليه
~~كيلا واكتلت منه أي استوفيت منه كيلا وتعقب بأنه ((مع اقتضائه لعدم
~~شمول الحكم لاكتيالهم قبل أن يكون لهم على الناس شيء بطريق الشراء ونحوه
~~مع أنه الشائع فيما بينهم يقتضي أن يكون معنى الاستيفاء أخذ ما لهم على
~~الناس وافيا من غير نقص إذ هو المتبادر منه عند الإطلاق في معرض الحق
~~فلا يكون مدارا لذمهم والدعاء عليهم وحمل ما لهم عليهم على معنى ما
~~سيكون لهم عليهم مع كونه بعيدا جدا مما لا يجدي نفعا فإن اعتبار كون
~~المكيل لهم حالا كان أو مآلا يستدعي كون الاستيفاء بالمعنى المذكور
~~حتما)) انتهى.

# وأقول: إن قطع النظر عن كون الآية نازلة في مطففين صفتهم أخذ مكيل الناس
~~إذا اكتالوا وافرا حسبما يريدون فلا بأس بحملها على ما يدل على أن
~~المأخوذ حق حالا أو مآلا وكون المتبادر حينئذ من الاستيفاء أخذ ما ms11171 لهم
~~وافيا من غير نقص مسلم لكنه لا يضر قوله فلا يكون مدارا لذمهم والدعاء
~~عليهم. قلنا مدار الذم ما تضمنه مجموع المتعاطفين والكلام كقولك فلان
~~يأخذ حقه من الناس تاما ويعطيهم حقهم ناقصا وهي عبارة شائعة في الذم بل
~~الذم بها أشد من الذم بنحو يأخذ ناقصا ويعطي ناقصا وكونه دون الذم بنحو
~~قولك يأخذ زائدا ويعطي ناقصا لا يضر كما لا يخفى ثم قد يقال إن الأغلب
~~في اكتيال الشخص من شخص كون المكيل حقا له بوجه من الوجوه ولعل مبنى
~~كلام الفراء على ذلك فتأمل.

# وجوز على أن تكون (على) متعلقة ب { يستوفون } ويكون تقديمها على
~~الفعل لإفادة الخصوصية أي يستوفون على الناس خاصة فأما أنفسهم فيستوفون
~~لها وتعقب ((بأن القصر بتقديم الجار والمجرور إنما يكون فيما يمكن تعلق
~~الفعل بغير المجرور أيضا حسب تعلقه به فيقصد / بالتقديم قصره عليه بطريق
~~القلب أو الإفراد أو التعيين حسبما يقتضيه المقام ولا ريب في أن
~~الاستيفاء الذي هو عبارة عن الأخذ الوافي مما لا يتصور أن يكون على
~~أنفسهم حتى يقصد بتقديم الجار والمجرور قصره على الناس على أن الحديث
~~واقع في الفعل لا فيما وقع عليه)) انتهى.

# وأجيب بأن المراد بالاستيفاء المعدى بعلى على ذلك الإضرار فكأنه قيل إذا
~~اكتالوا يضرون الناس خاصة ولا يضرون أنفسهم بل ينفعونها والقصر بطريق
~~القلب والإضرار مما يمكن أن يكون لأنفسهم كما يمكن أن يكون للناس وإن كان
~~ما به الإضرار مختلفا حيث إن إضرارهم أنفسهم بأخذ الناقص وإضرارهم الناس
~~بأخذ الزائد ثم ان خصوصية ما وقع عليه الفعل هو مدار الذم والدعاء بالويل
~~وبه يجاب عما في حيز العلاوة انتهى ولا يخفى ما فيه فتدبر. والضمير
~~المنفصل في قوله تعالى: { وإذا كالوهم أو وزنوهم
~~يخسرون }.

### || [83.3]

# للناس وما تقدم في الأخذ من الناس وهذا في الإعطاء فالمعنى وإذا كالوا
~~لهم أو وزنوا لهم للبيع ينقصون وكال تستعمل مع المكيل باللام وبدونه فقد
~~جاء في اللغة على ما قيل كال له وكاله ms11172 بمعنى كال له وجعل غير واحد كاله
~~من باب الحذف والإيصال على أن الأصل كال له فحذف الجار وأوصل الفعل كما
~~في قوله:

# ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا

# ولقد نهيتك عن بنات الأوبر

# وقولهم في المثل الحريص يصيدك لا الجواد أي جنيت لك ويصيد لك. وجوز أن
~~يكون الكلام على حذف المضاف وهو مكيل وموزون وإقامة المضاف مقامه والأصل
~~وإذا كالوا مكيلهم أو وزنوهم. وعن عيسى بن عمر وحمزة أن المكيل له
~~والموزون له محذوف و(هم) ضمير مرفوع تأكيد للضمير المرفوع وهو الواو
~~وكانا يقفان على الواوين وقيفة يبينان بهاما أرادوا. وقال الزمخشري ((لا
~~يصح كون الضمير مرفوعا للمطففين لأنه يكون المعنى عليه إذا أخذوا من
~~الناس استوفوا وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا وهو كلام
~~متنافر لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر)) وذلك على ما في «الكشف»
~~لأن التأكيد اللفظي يدفعه المقام فليس المراد أن يحقق أن الكيل صدر منهم
~~لا من عبيدهم مثلا والتقوى وحده يدفعه ترك الفاء في جواب { إذا } لأن
~~الفصيح إذ ذاك فهم يخسرون فيتعين الحمل على التخصيص ويظهر العذر في ترك
~~الفاء إذا المعنى لا يخسر إلا هم ويلزم التنافر وفوات المقابلة هذا وهم
~~أولا في { كالوهم } مانع من هذا التقدير أشد المنع والحمل على حذف
~~الخبر من أحدهما وهو شطر الجزاء لا نظير له. وقيل إنه يبعد كون الضمير
~~مرفوعا عدم إثبات الألف بعد الواو وقد تقرر في علم الخط إثباتها بعدها
~~في مثل ذلك وجرى عليه رسم المصحف العثماني في نظائره وكونه هنا بالخصوص
~~مخالفا لما تقرر ولما سلك في النظائر بعيد كما لا يخفى.

# ولعل الاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء وذكر الكيل والوزن في
~~صورة الإخسار أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل
~~دون الموازين لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرقة وإذا أعطوا كالوا
~~ووزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين جميعا والحاصل أنه إنما جاء النظم
~~الجليل هكذا ليطابق من نزل فيهم فالصفة تنعي ms11173 عليهم ما كانوا عليه من
~~زيادة البخس والظلم وهذا صحيح جعلت الصفة مخصصة لهؤلاء المطففين كما هو
~~الأظهر أو كاشفة لحالهم فقد أريد بالأول معهود ذهني.

# وقال شيخ مشايخنا العلامة السيد صبغة الله الحيدري في ذلك إن التطفيف في
~~الكيل يكون بشيء قليل لا يعبأ به في الأغلب دون التطفيف في الوزن فإن
~~أدنى حيلة فيه يفضي إلى شيء كثير وأيضا الغالب فيما يوزن ما هو أكثر
~~قيمة مما يكال فإذا أخبرت الآية بأنهم لا يبقون على الناس ما هو قليل
~~مهين من حقوقهم علم أنهم لا يبقون عليهم الكثير الذي لا يتسامح به أكثر
~~الناس بل أهل المروآت أيضا إلا نادرا بالطريق الأولى بخلاف ما إذا /
~~ذكر أنهم يخسرون الناس بالأشياء الجزئية كما يفهم من ذكر الإخسار في
~~الكيل فإنه لا يعلم منه أنهم يخسرونهم بالشيء الكثير أيضا بل ربما يتوهم
~~من تخصيص الجزئية بالذكر أنهم لا يتجرؤن على إخسارهم بكليات الأموال فلا
~~بد في الشق الثاني من ذكر الإخسار في الوزن أيضا فتكون الآية منادية على
~~ذميم أفعالهم ناعية عليهم بشنيع أحوالهم انتهى.

# وتعقب بأنه لا يحسم السؤال لجواز أن يقال لم لم يقل إذا اكتالوا على
~~الناس يستوفون وإذا وزنوهم يخسرون ليعلم من القرينتين أنهم يستوفون
~~الكثير ويخسرون بالنزر الحقير بالطريق الأولى ويكون في الكلام ما هو من
~~قبيل الاحتباك.

# وقال الزجاج المعنى إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل وكذلك إذا
~~اتزنوا استوفوا الوزن ولم يذكر إذا اتزنوا لأن الكيل والوزن بهما الشراء
~~والبيع فيما يكال ويوزن ومراده على ما نص عليه الطيبي أنه استغنى بذكر
~~إحدى القرينتين عن الأخرى لدلالة القرينة الآتية عليها وهو كما ترى.

# وقيل إن المطففين باعة وهم في الغالب يشترون الشيء الكثير دفعة ثم
~~يبيعونه متفرقا في دفعات وكم قد رأينا منهم من يشتري من الزارعين
~~مقدارا كثيرا من الحبوب مثلا في يوم واحد فيدخره ثم يبيعه شيئا
~~فشيئا في أيام عديدة ولما كانت العادة الغالبة أخذ الكثير بالكيل ذكر
~~الاكتيال ms11174 فقط في صورة الاستيفاء ولما كان ما يبيعونه مختلفا كثرة وقلة
~~ذكر الكيل والوزن في صورة الإعطاء أو لما كان اختيار ما به تعيين المقدار
~~مفوضا إلى رأي من يشتري منهم ذكرا معا في تلك الصورة إذ منهم من يختار
~~الكيل ومنهم من يختار الوزن. وأنت تعلم أن كون العادة الغالبة أخذ الكثير
~~في الكيل غير مسلم على الإطلاق ولعله في بعض المواضع دون بعض. وأهل بلدنا
~~مدينة السلام اليوم لا يكتالون ولا يكيلون أصلا وإنما عادتهم الوزن
~~والاتزان مطلقا. وعدم التعرض للمكيل والموزون في الصورتين على ما قال
~~غير واحد لأن مساق الكلام لبيان سوء معاملة المطففين في الأخذ والإعطاء
~~لا في خصوصية المأخوذ والمعطى.

### || [83.4]

# استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والهمزة للإنكار والتعجيب
~~و(لا) نافية فليست (ألا) هذه الاستفتاحية أو التنبيهية بل مركبة من همزة
~~الاستفهام ولا النافية والظن على معناه المعروف و(أولئك) إشارة إلى
~~المطففين ووضعه موضع ضميرهم للإشعار بمناط الحكم الذي هو وصفهم فإن
~~الاشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه وأما الضمير فلا يتعرض
~~للوصف وللإيذان بأنهم ممتازون بذلك الوصف القبيح عن سائر الناس أكمل
~~امتياز نازلون منزلة الأمور المشار إليها إشارة حسية وما فيه من معنى
~~البعد للإشعار ببعد درجتهم في الشرارة والفساد أي ألا يظن أولئك
~~الموصوفون بذلك الوصف الشنيع الهائل أنهم مبعوثون.

### || [83.5]

# لا يقادر قدر عظمه فإن من يظن ذلك وإن كان ظنا ضعيفا لا يكاد يتجاسر
~~على أمثال هذه القبائح فكيف بمن يتيقنه. ووصف اليوم بالعظم لعظم ما فيه
~~كما أن جعله علة للبعث باعتبار ما فيه، وقدر بعضهم مضافا أي لحساب يوم
~~وقيل الظن هنا بمعنى اليقين والأول أولى وأبلغ. وعن الزمخشري أنه سبحانه
~~جعلهم أسوأ حالا من الكفار لأنه أثبت جل شأنه للكفار ظنا حيث حكى
~~سبحانه عنهم

# إن نظن إلا ظنا

# [الجاثية: 32] ولم يثبته عز وجل لهم والمراد أنه تعالى نزلهم منزلة من
~~لا يظن ليصح الإنكار. وقوله تعالى: { يوم يقوم الناس لرب ms11175
~~العلمين }.

### || [83.6]

# أي لحكمه تعالى وقضائه عز وجل منصوب بإضمار أعني وجوز أن يكون معمولا
~~لمبعوثون أو مرفوع المحل خبرا لمبتدأ مضمر أي هو أو ذلك يوم أو مجرور
~~كما قال الفراء بدلا من

# ليوم عظيم

# [المطففين: 5] وهو على الوجهين مبني على الفتح لإضافته إلى الفعل وإن
~~كان مضارعا كما هو رأي الكوفيين وقد مر غير مرة ويؤيد الوجهين قراءة زيد
~~بن علي (يوم) بالرفع وقراءة بعضهم كما حكى أبو معاذ (يوم) بالجر. وفي هذا
~~الإنكار والتعجيب وإيراد الظن والإتيان باسم الإشارة ووصف يوم قيامهم
~~بالعظمة وإبدال { يوم يقوم } الخ منه على القول به ووصفه / تعالى
~~بربوبية العالمين من البيان البليغ لعظم الذنب وتفاقم الإثم في التطفيف
~~ما لا يخفى، وليس ذلك نظرا إلى التطفيف من حيث هو تطفيف بل من حيث إن
~~الميزان قانون العدل الذي قامت به السموات والأرض فيعم الحكم التطفيف
~~على الوجه الواقع من أولئك المطففين وغيره. وصح من رواية الحاكم
~~والطبراني وغيرهما عن ابن عباس وغيره مرفوعا

# " خمس بخمس قيل يا رسول الله وما خمس بخمس قال ما نقض قوم العهد إلا سلط
~~الله تعالى عليهم عدوهم وما حكموا بغير ما أنزل الله تعالى إلا فشا فيهم
~~الفقر وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت ولا طففوا الكيل إلا
~~منعوا النبات وأخذوا بالسنين ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر "

# وعن ابن عمر أنه كان يمر بالبائع فيقول اتق الله تعالى وأوف الكيل فإن
~~المطففين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن حتى إن العرق ليلجمهم. وعن
~~عكرمة أشهد أن كل كيال ووزان في النار فقيل له إن ابنك كيال ووزان فقال
~~أشهد أنه في النار وكأنه أراد المبالغة لما علم أن الغالب فيهم التطفيف
~~ومن هذا القبيل ما روي عن أبي رضي الله تعالى عنه لا تلتمس الحوائج ممن
~~رزقه في رؤس المكاييل وألسن الموازين والله تعالى أعلم.

# واستدل بقوله تعالى: { يوم يقوم } الخ على منع القيام للناس
~~لاختصاصه بالله تعالى وأجاب عنه الجلال السيوطي ms11176 بأنه خاص بالقيام للمرء
~~بين يديه أما القيام له إذا قدم ثم الجلوس فلا. وأنت تعلم أن الآية بمعزل
~~عن أن يستدل بها على ما ذكر ليحتاج إلى هذا الجواب وأرى الاستدلال بها
~~على ذلك من العجب العجاب.

### || [83.7]

# وقوله تعالى: { كلا } ردع عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن
~~البعث والحساب { إن كتب الفجار لفى سجين } الخ تعليل
~~للردع أو وجوب الارتداع بطريق التحقيق. و(كتاب) قيل بمعنى مكتوب أي ما
~~يكتب من أعمال الفجار لفي الخ وقيل مصدر بمعنى الكتابة وفي الكلام مضاف
~~مقدر أي كتابة عمل الفجار لفي الخ والمراد بالفجار هنا على ما قال أبو
~~حيان الكفار وعلى ما قال غير واحد ما يعمهم والفسقة فيدخل فيهم المطففون
~~و(سجين) قيل صفة كسكير واختار غير واحد أنه علم لكتاب جامع وهو ديوان
~~الشر دون فيه أعمال الفجرة من الثقلين كما قال تعالى: { وما أدراك
~~ما سجين }.

### || [83.8-9]

# فإن الظاهر أن { كتاب } بدل من { سجين } أو خبر مبتدا محذوف هو
~~ضمير راجع إليه أي هو كتاب وأصله وصف من السجن بفتح السين لقب به الكتاب
~~لأنه سبب الحبس فهو في الأصل فعيل بمعنى فاعل أو لأنه ملقى كما قيل تحت
~~الأرضين في مكان وحش كأنه مسجون فهو بمعنى مفعول ولا يلزم على جعله علما
~~لما ذكر كون الكتاب ظرفا للكتاب لما سمعت من تفسير كتاب الفجار وعليه
~~يكون الكتاب المذكور ظرفا للعمل المكتوب فيه أو ظرفا للكتابة وقيل
~~الكتاب على ظاهره والكلام نظير أن تقول إن كتاب حساب القرية الفلانية في
~~الدستور الفلاني لما يشتمل على حسابها وحساب أمثالها في أن الظرفية فيه
~~من ظرفية الكل للجزء وعن الإمام لا استبعاد في أن يوضع أحدهما في الآخر
~~حقيقة أو ينقل ما في أحدهما للآخر وعن أبي علي أن قوله تعالى: {
~~كتب مرقوم } أي موضع كتاب فكتاب على ظاهره و(سجين) موضع عنده
~~ويؤيده ما أخرج ابن جرير عن أبي هريرة مرفوعا إن

# " الفلق جب في جهنم مغطى وسجين جب فيها ms11177 مفتوح "

# وعليه يكون سجين لشر موضع في جهنم وجاء في عدة آثار أنه موضع تحت الأرض
~~السابعة ولا منافاة بين ذلك وبين الخبر المذكور بناء على القول بأن جهنم
~~تحت الأرض.

# وفي «الكشف» لا يبعد أن يكون (سجين) علم الكتاب وعلم الموضع أيضا جمعا
~~بين ظاهر الآية وظواهر الأخبار وبعض من ذهب إلى أنه في الآية علم الموضع
~~قال وما أدراك سجين على حذف مضاف أي وما أدراك ما كتاب سجين. وقال ابن
~~عطية من قال بذلك فكتاب عنده مرفوع على أنه خبر (إن) والظرف الذي هو {
~~لفى سجين } ملغى وتعقب بأن إلغاءه لا يتسنى إلا إذا كان معمولا
~~للخبر أعني (كتاب) أو لصفته أعني مرقوم وذلك لا يجوز لأن (كتاب) موصوف
~~فلا يعمل ولأن (مرقوم) الذي هو / صفته لا يجوز أن تدخل اللام في معموله
~~ولا يجوز أن يتقدم معموله على الموصوف وفيه نظر. وقيل (كتاب) خبر ثان لإن
~~وقيل خبر مبتدأ محذوف هو ضمير راجع إلى (كتاب الفجار) ومناط الفائدة
~~الوصف والجملة في البين اعتراضية وكلا القولين خلاف الظاهر.

# وعن عكرمة أن سجين عبارة عن الخسارة والهوان كما تقول بلغ فلان الحضيض
~~إذا صار في غاية الخمول والكلام في { وما أدراك } الخ عليه يعلم
~~مما ذكرنا وهذا خلاف المشهور. وزعم بعض اللغويين أن نونه بدل من لام
~~وأصله سجيل فهو كجبرين في جبريل فليس مشتقا من السجن أصلا و(مرقوم) من
~~رقم الكتاب إذا أعجمه وبينه لئلا يلغو أي كتاب بين الكتابة أو من رقم
~~الكتاب إذا جعله له رقما أي علامة أي كتاب معلم يعلم من رآه أنه لا خير
~~فيه.

# وقال ابن عباس والضحاك مرقوم مختوم بلغة حمير وذكر بعضهم أنه يقال رقم
~~الكتاب بمعنى ختمه ولم يخصه بلغة دون لغة. وفي «البحر» مرقوم أي مثبت
~~كالرقم لا يبلى ولا يمحى وهو كما ترى وشاع الرقم في الكتابة قال أبو حيان
~~وهو أصل معناه ومنه قول الشاعر:

# سأرقم في الماء القراح إليكم

# على بعدكم إن كان للماء ms11178 راقم

# وأما الرقم المعروف عند أهل الحساب فالظاهر أنه بمعنى العلامة وخص
~~بعلامة العدد فيما بينهم وقوله تعالى: { ويل يومئذ
~~للمكذبين }.

### || [83.10]

# متصل بقوله تعالى

# يوم يقوم الناس لرب العالمين

# [المطففين: 6] وما بينهما اعتراض والمراد للمكذبين بذلك اليوم فقوله
~~تعالى: { الذين يكذبون بيوم الدين }.

### || [83.11]

# إما مجرور على أنه صفة ذامة للمكذبين أو بدل منه أو مرفوع أو منصوب على
~~الذم. وجوز أن يكون صفة كاشفة موضحة وقيل هو صفة مخصصة فارقة على أن
~~المراد المكذبين بالحق والأول أظهر لأن قوله تعالى: { وما يكذب
~~به إلا كل معتد }.

### || [83.12]

# { وما يكذب به إلا كل معتد } الخ يدل على أن القصد
~~إلى المذمة أي وما يكذب بيوم الدين إلا كل متجاوز حدود النظر
~~والاعتبار غال في التقليد حتى جعل قدرة الله تعالى قاصرة عن الإعادة
~~وعلمه سبحانه قاصرا عن معرفة الأجزاء المتفرقة التي لا بد في الإعادة
~~منها فعد الإعادة محالة عليه عز وجل { أثيم } أي كثير الآثام منهمك في
~~الشهوات المخدجة الفانية بحيث شغلته عما وراءها من اللذات التامة الباقية
~~وحملته على إنكارها.

### || [83.13]

# { إذا تتلى عليه ءايتنا } الناطقة بذلك { قال } من فرط
~~جهله وإعراضه عن الحق الذي لا محيد عنه { أسطير الأولين } أي
~~هي حكايات الأولين يعني هي أباطيل جاء بها الأولون وطال أمد الإخبار بها
~~ولم يظهر صدقها أو أباطيل ألقيت على آبائنا الأولين وكذبوها ولسنا أول
~~مكذب بها حتى يكون التكذيب منا عجلة وخروجا عن طريق الحزم والاحتياط
~~والأول أظهر. والآية قيل نزلت في النضر بن الحرث وعن الكلبي أنها نزلت
~~في الوليد بن المغيرة وأيا ما كان فالكلام على العموم.

# وقرأ أبو حيوة وابن مقسم (إذا يتلى) بتذكير الفعل وقرىء (أإذا تتلى) على
~~الاستفهام الإنكاري.

### || [83.14]

# { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له فيه وقوله
~~عز وجل { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون }
~~بيان لما أدى بهم إلى التفوه بتلك العظيمة أي ليس في آياتنا ما يصح أن
~~يقال في شأنها مثل ms11179 تلك المقالة الباطلة بل ركب قلوبهم وغلب عليها ما
~~استمروا على اكتسابه من الكفر والمعاصي حتى صار كالصدأ في المرآة فحال
~~ذلك بينهم وبين معرفة الحق فلذلك قالوا ما قالوا.

# والرين في الأصل الصدأ يقال: ران عليه الذنب وغان عليه رينا وغينا
~~ويقال: ران فيه النوم أي رسخ فيه وفي «البحر» ((أصل الرين الغلبة يقال
~~رانت الخمر على عقل شاربها أي غلبت وران الغشي على عقل المريض أي غلب
~~وقال أبو زيد يقال رين بالرجل يران به رينا إذا وقع فيما لا يستطيع منه
~~الخروج)) وأريد به حب المعاصي الراسخ بجامع أنه كالصدأ المسود للمرآة
~~والفضة مثلا المغير عن الحالة الأصلية. وأخرج / الإمام أحمد والترمذي
~~والحاكم وصححاه والنسائي وابن ماجه وابن حبان وغيرهم عن أبي هريرة عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال

# " إن العبد إذا أذنب ذنبا نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ونزع
~~واستغفر صقل قلبه وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي ذكر الله
~~تعالى في القرآن { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا
~~يكسبون } "

# وأخرج ابن المنذر وغيره عن مجاهد أنه قال كانوا يرون أن الرين هو الطبع
~~وذكروا له أسبابا. وفي حديث أخرجه عبد بن حميد من طريق خليد بن الحكم عن
~~أبي المجبر أنه عليه الصلاة والسلام قال

# " أربع خصال مفسدة للقلوب مجاراة الأحمق فإن جاريته كنت مثله وإن سكت
~~عنه سلمت منه وكثرة الذنوب مفسدة للقلوب وقد قال الله تعالى { كلا
~~بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } والخلوة
~~بالنساء والاستمتاع بهن والعمل برأيهن ومجالسة الموتى قيل يا رسول الله
~~من هم قال كل غني قد أبطره غناه "

# وقرىء بإدغام اللام في الراء وقال أبو جعفر بن الباذش أجمهوا يعني
~~القراء على إدغام اللام في الراء إلا ما كان من وقف حفص على { بل }
~~وقفا خفيفا يسيرا لتبيين الإظهار وليس كما قال من الإجماع ففي
~~«اللوامح» عن قالون من جميع طرقه إظهار اللام عند الراء نحو قوله تعالى:

# بل رفعه ms11180 الله إليه

# [النساء: 158]

# بل ربكم

# [الأنبياء: 56] وفي «كتاب ابن عطية» وقرأ نافع (بل ران) غير مدغم وفيه
~~أيضا وقرأ نافع أيضا بالإدغام والإمالة وقال سيبويه في اللام مع الراء
~~نحو أشغل رحمه البيان والإدغام حسنان وقال أيضا فإذا كانت يعني اللام
~~غير لام التعريف نحو لام هل وبل فإن الإدغام أحسن فإن لم تدغم فهي لغة
~~لأهل الحجاز وهي عربية جائزة وفي «الكشاف» قرىء بادغام اللام في الراء
~~وبالإظهار، والإدغام أجود وأميلت الألف وفخمت فليحفظ.

### || [83.15]

# { كلا } ردع وزجر عن الكسب الرائن أو بمعنى حقا { إنهم } أي
~~هؤلاء المكذبين { عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لا يرونه
~~سبحانه وهو عز وجل حاضر ناظر لهم بخلاف المؤمنين فالحجاب مجاز عن عدم
~~الرؤية لأن المحجوب لا يرى ما حجب أو الحجب المنع والكلام على حذف مضاف
~~أي عن رؤية ربهم لممنوعون فلا يرونه سبحانه.

# ((واحتج بالآية مالك على رؤية المؤمنين له تعالى من جهة دليل الخطاب
~~وإلا فلو حجب الكل لما أغنى هذا التخصيص. وقال الشافعي لما حجب سبحانه
~~قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضا. وقال أنس بن مالك لما حجب عز
~~وجل أعداءه سبحانه فلم يروه تجلى جل شأنه لأوليائه حتى رأوه عز وجل)) ومن
~~أنكر رؤيته تعالى كالمعتزلة قال إن الكلام تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم
~~لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين لديهم ولا يحجب عنهم إلا
~~الأدنياء المهانون عندهم كما قال:

# إذا اعتروا باب ذي عبية رجبوا

# والناس من بين مرجوب ومحجوب

# أو هو بتقدير مضاف أي عن رحمة ربهم مثلا لمحجوبون وعن ابن عباس وقتادة
~~ومجاهد تقدير ذلك. وعن ابن كيسان تقدير الكرامة لكنهم أرادوا عموم المقدر
~~لرؤية وغيرها من ألطافه تعالى. والجار والمجرور متعلق بمحجوبون وهو
~~العامل في { يومئذ } والتنوين فيه تنوين عوض والمعوض عنه هنا

# يقوم الناس

# [المطففين: 6] السابق كأنه قيل إنهم لمحجوبون عن ربهم يوم إذ يقوم الناس
~~لرب العالمين.

### || [83.16]

# مقاسو حرها على ما قال الخليل وقيل داخلون فيها و { ثم } قيل لتراخي ms11181
~~الرتبة لكن بناء على ما عندهم فإن صلى الجحيم عندهم أشد من حجابهم عن
~~ربهم عز وجل وأما عند المؤمنين لا سيما الوالهين به سبحانه منهم فإن
~~الحجاب عذاب لا يدانيه عذاب.

### || [83.17]

# { ثم يقال } لهم تقريعا وتوبيخا من جهة الخزنة أو أهل الجنة {
~~هذا الذى كنتم به تكذبون } / فذوقوا عذابه.

### || [83.18]

# { كلا } تكرير للردع السابق في قوله تعالى:

# كلا إن كتب الفجار

# [المطففين: 7] الخ ليعقب بوعد الأبرار كما عقب ذاك بوعيد الفجار إشعارا
~~بأن التطفيف فجور والإيفاء بر، وقيل ردع عن التكذيب فلا تكرار { إن
~~كتاب الأبرار لفي عليين }.

### || [83.19-20]

# الكلام نحو ما مر في نظيره بيد أنهم اختلفوا في عليين على وجه آخر غير
~~اختلافهم في سجين فقال غير واحد هو علم لديوان الخير الذي دون فيه كل ما
~~عملته الملائكة وصلحاء الثقلين منقول من جمع علي فعيل من العلو كسجين من
~~السجن سمي بذلك إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي درجات الجنان أو لأنه
~~مرفوع في السماء السابعة أو عند قائمة العرش اليمنى مع الملائكة المقربين
~~عليهم السلام تعظيما له وقيل هو المواضع العلية واحده علي وكان سبيله أن
~~يقال علية كما قالوا للغرفة علية فلما حذفوا التاء عوضوا عنها الجمع
~~بالواو والنون وحكي ذلك عن أبي الفتح ابن جني وقيل هو وصف للملائكة
~~ولذلك جمع بالواو والنون وقال الفراء هو اسم موضوع على صيغة الجمع ولا
~~واحد له من لفظه كعشرين وثلاثين والعرب إذا جمعت جمعا ولم يكن له بناء
~~واحد ولا تثنية أطلقوه في المذكر والمؤنث بالواو والنون.

### || [83.21]

# صفة أخرى لكتاب أي يحضرونه على أن (يشهد) من الشهود بمعنى الحضور وحضوره
~~كناية عن حفظه في الخارج أو يشهدون بما فيه يوم القيامة على أنه من
~~الشهادة وعلى الوجهين المراد بالمقربين جمع من الملائكة عليهم السلام كذا
~~قالوا. وأخرج عبد بن حميد من طريق خالد بن عرعرة وأبي عجيل أن ابن عباس
~~سأل كعبا عن هذه الآية فقال إن المؤمن يحضره الموت ويحضره رسل ربه ms11182 عز
~~وجل فلا هم يستطيعون أن يؤخروه ساعة ولا يعجلوه حتى تجيء ساعته فإذا جاءت
~~ساعته قبضوا نفسه فدفعوه إلى ملائكة الرحمة فأروه ما شاء الله تعالى أن
~~يروه من الخير ثم عرجوا بروحه إلى السماء فيشيعه من كل سماء مقربوها حتى
~~ينتهوا به إلى السماء السابعة فيضعونه بين أيديهم ولا ينتظرون به صلاتكم
~~عليه فيقولون اللهم هذا عبدك فلان قبضنا نفسه ويدعون له بما شاء الله
~~تعالى أن يدعوا له فنحن نحب أن تشهدنا اليوم كتابه فينشر كتابه من تحت
~~العرش فيثبتون اسمه فيه وهم شهود فذلك قوله تعالى: { كتب مرقوم
~~* يشهده المقربون } وسأله عن قوله تعالى:

# إن كتب الفجار

# [المطففين: 7] الآية فقال إن العبد الكافر يحضره الموت ويحضره رسل ربه
~~سبحانه فإذا جاءت ساعته قبضوا نفسه فدعوه إلى ملائكة العذاب فأروه ما شاء
~~الله تعالى أن يروه من الشر ثم هبطوا به إلى الأرض السفلى وهو سجين وهي
~~آخر سلطان إبليس فأثبتوا كتابه فيها الحديث.

# وفي بعض الأخبار ما ظاهره أن نفس العمل يكون في سجين ويكون في عليين فقد
~~أخرج ابن المبارك عن ضمرة بن حبيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " إن الملائكة يرفعون أعمال العبد من عباد الله تعالى يستكثرونه ويزكونه
~~حتى يبلغوا به إلى حيث شاء الله تعالى من سلطانه فيوحي الله تعالى إليهم
~~إنكم حفظة على عمل عبدي وأنا رقيب على مافي نفسه إن عبدي هذا لم يخلص لي
~~عمله فاجعلوه في سجين ويصعدون بعمل العبد يستقلونه ويستحقرونه حتى يبلغوا
~~به إلى حيث شاء الله تعالى من سلطانه فيوحي الله تعالى إليهم إنكم حفظة
~~على عمل عبدي وأنا رقيب على ما في نفسه إن عبدي هذا أخلص لي عمله فاجعلوه
~~في عليين "

# وبأدنى تأويل يرجع إلى ما تضمنته الآية فلا تغفل.

### || [83.22]

# وقوله تعالى: { إن الأبرار لفى نعيم } شروع في بيان محاسن
~~أحوالهم إثر بيان حال كتابهم. والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا كأنه
~~قيل هذا حال كتابهم فما حالهم فأجيب بما ذكر ms11183 أي إنهم لفي نعيم عظيم.

### || [83.23]

# { على الأرائك } أي على الأسرة في الحجال وقد تقدم تمام الكلام
~~فيها { ينظرون } أي إلى ما شاؤا من رغائب مناظر الجنة وما تحجب
~~الحجال أبصارهم وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد إلى / ما أعد الله تعالى لهم
~~من الكرامات وقال مقاتل إلى أهل النار أعدائهم ولم يرتضه بعض ليكون ما في
~~آخر السورة تأسيسا وقيل ينظر بعضهم إلى بعض فلا يحجب حبيب عن حبيبه وقيل
~~النظر كناية عن سلب النوم فكأنه قيل لا ينامون وكأنه لدفع توهم النوم من
~~ذكر الأرائك المعدة للنوم غالبا وفيه إشارة إلى أنه لا نوم في الجنة كما
~~وردت به الأخبار لما فيه من زوال الشعور وغفلة الحواس إلى غير ذلك مما لا
~~يناسب ذلك المقام وعليه يكون قوله سبحانه: { تعرف فى وجوههم
~~نضرة النعيم }.

### || [83.24]

# أي بهجة النعيم ورونقه لنفي ما يوهمه سلب النوم من الضعف وتغير بهجة
~~الوجه كما في الدنيا وهو وجه لا يعرف فيه الناظر نضرة التحقيق. والخطاب
~~في { تعرف } لكل من له حظ من الخطاب للإيذان بأن مالهم من آثار
~~النعمة وأحكام البهجة بحيث لا يختص براء دون راء.

# وقرأ أبو جعفر وابن أبي إسحق وطلحة وشيبة ويعقوب (تعرف) مبنيا
~~للمفعول (نضرة) رفعا على النيابة عن الفاعل. وجوز بعضهم أن يكون نائب
~~فاعل { تعرف } ضمير

# الأبرار

# [المطففين: 22] و { في وجوههم نضرة } مبتدأ وخبر كأنه قيل
~~تعرف الأبرار بأن في وجوههم نضرة النعيم وليس بشيء كما لا يخفى. وقرأ زيد
~~بن علي كذلك إلا أنه قرأ (يعرف) بالياء إذ تأنيث (نضرة) مجازي.

### || [83.25-26]

# { يسقون من رحيق } قال الخليل هو أجود الخمر وقال الأخفش
~~والزجاج الشراب الذي لا غش فيه قال حسان:

# يسقون من ورد البريص عليهم

# بردى يصفق بالرحيق السلسل

# وفسر ههنا بالشراب الخالص مما يكدر حتى الغول.

# { مختوم * ختمه مسك } أي مختوم أوانيه وأكوابه بالمسك
~~مكان الطين كما روي عن مجاهد وذكر أن طين الجنة مسك معجون والظاهر أن
~~الختام ما يختم به وأن الختم ms11184 على حقيقته وكذا إسناده وقولنا مختوم أوانيه
~~الخ ليس لأن الإسناد مجازي بل لأن الختم على الشيء - أعني الاستيثاق منه
~~بالختم - طريقه ذلك وختم اعتناء به وإظهارا لكرامة شاربه وكأن ذلك بما
~~هو على هيئة الطين ليكون على النهج المألوف ويجوز أن يكون ذلك تمثيلا
~~لكمال نفاسته وإلا فليس ثمة غبار أو ذباب أو خيانة ليصان عن ذلك بالختم.

# وقال ابن عباس وابن جبير والحسن المعنى خاتمته ونهايته رائحة مسك إذا
~~شرب أي يجد شاربه ذلك عند انتهاء شربه وكأن ذلك لأن اشتغال الذائقة بكمال
~~لذته تمنع عن إدراك الرائحة فإذا انقطع الشرب أدركت وإلا فالرائحة لا
~~تختص بالانتهاء وقيل المعنى ذو نهاية نهايته وما يبقى بعد شربه ويشرب في
~~أوانيه مسك وليس كشراب الدنيا نهايته وما يرسب في إنائه طين أو نحوه وهو
~~كما ترى.

# وقيل إن الرحيق يمزج بالكافور ويختم مزاجه بالمسك فالمعنى ذو ختام ختام
~~مزاجه مسك وهو مع كونه خلاف الظاهر وفيما بعد ما يبعده في الجملة يحتاج
~~إلى نقل يعول عليه.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والنخعي والضحاك وزيد بن علي وأبو حيوة
~~وابن أبي عبلة والكسائي (خاتمه) بألف بعد الخاء وفتح التاء والمراد ما
~~يختم به أيضا فإن فاعلا بالفتح يكون أيضا اسم آلة كالقالب والطابع
~~لكنه سماعي وعن الضحاك وعيسى وأحمد بن جبير الأنطاكي عن الكسائي كسر
~~التاء أي آخره رائحة مسك والجمل السابقة أعني

# على الأرآئك ينظرون

# [المطففين: 23] و

# تعرف في وجوههم

# [المطففين: 24] الخ و { يسقون } [المطففين: 25] الخ قيل أحوال
~~مترادفة وقيل مستأنفات كجملة

# إن الأبرار

# [المطففين: 22] الخ وقعت أجوبة للسؤال في حالهم والفصل للتنبيه على
~~استقلال كل في بيان كرامتهم.

# { وفى ذلك } إشارة إلى الرحيق وهو الأنسب بما بعد أو إلى ماذكر من
~~أحوالهم وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو مرتبته وبعد منزلته وجوز أن
~~يكون لكونه في الجنة والجار والمجرور متعلق بقوله تعالى: {
~~فليتنافس } وقدم للاهتمام أو للحصر أي فليتنافس / وليرغب فيه لا
~~في خمور الدنيا أو لا ms11185 في غيره من ملاذها ونعيمها { المتنفسون }
~~أي الراغبون في المبادرة إلى طاعة الله تعالى وقيل أي فليعمل لأجله أي
~~لأجل تحصيله خاصة والفوز به العاملون كقوله تعالى:

# لمثل هذا فليعمل العملون

# [الصافات: 61] أي فليستبق في تحصيل ذلك المتسابقون.

# وأصل التنافس التغالب في الشيء النفيس وأصله من النفس لعزتها قال
~~الواحدي نفست الشيء أنفسه نفاسة والتنافس تفاعل منه كأن كل واحد من
~~الشخصين يريد أن يستأثر به وقال البغوي أصله من الشيء النفيس الذي تحرص
~~عليه نفوس الناس ويريده كل أحد لنفسه ويقال نفست عليه بالشيء أنفس نفاسة
~~إذا بخلت به عليه وفي «مفردات الراغب» ((المنافسة مجاهدة النفس للتشبه
~~بالأفاضل واللحوق بهم من غير إدخال ضرر على غيره)) وهي بهذا المعنى من
~~شرف النفس وعلو الهمة والفرق بينها وبين الحسد أظهر من أن يخفى.

# واستشكل ذلك التعلق بأنه يلزم عليه دخول العاطف على العاطف إذ التقدير
~~وفليتنافس في ذلك وأجيب بأنه بتقدير القول أي ويقولون لشدة التلذذ من غير
~~اختيار في ذلك فليتنافس المتنافسون أي في الدنيا على معنى أنه كان اللائق
~~بهم أن يتنافسوا في ذلك وقيل الكلام على تقدير حرف الشرط والفاء واقعة في
~~جوابه أي وإن أريد تنافس فليتنافس في ذلك المتنافسون. وتقديم الظرف ليكون
~~عوضا عن الشرط في شغل حيزه وهو أنفس مما تقدم.

### || [83.27]

# وقوله تعالى: { ومزاجه من تسنيم } عطف على

# ختمه مسك

# [المطففين: 26] صفة أخرى لرحيق مثله وما بينهما اعتراض مقرر لنفاسته
~~و(تسنيم) علم لعين بعينها في الجنة كما روي عن ابن مسعود وعن حذيفة
~~اليمان أنه قال عين من عدن سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه إما
~~لأن شرابها أرفع شراب في الجنة على ما روي عن ابن عباس أو لأنها تأتيهم
~~من فوق على ما روي عن الكلبي وروي أنها تجرى في الهواء متسنمة فتنصب في
~~أوانيهم وقيل سميت بذلك لرفعة من يشرب بها ولا يلزم من كونه علما لما
~~ذكر منع صرفه للعلمية والتأنيث لأن العين مؤنثة إذ هي قد ms11186 تذكر بتأويل
~~الماء أو نحوه و(من) بيانية أو تبعيضية أي ما يمزج به ذلك الرحيق هو
~~تسنيم أي ماء تلك العين أو بعض ذلك وجوز أن تكون ابتدائية.

### || [83.28]

# { عينا } نصب على المدح وقال الزجاج على الحال من (تسنيم) قيل وصح
~~كونه حالا مع جموده لوصفه بقوله تعالى: { يشرب بها
~~المقربون } أو لتأويله بمشتق كجارية وأنت تعلم أن الاشتقاق غير
~~لازم والباء إما زائدة أي يشربها أو بمعنى من أي يشرب منها أو على تضمين
~~{ يشرب } معنى يروي أي يشرب راوين بها أو يروي بها شاربين المقربون
~~أو صلة الالتذاذ أي يشرب ملتذا بها أو الامتزاج أي يشرب الرحيق ممتزجا
~~بها أو الاكتفاء أي يشرب مكتفين بها، أوجه ذكروها وفي كونها صلة الامتزاج
~~مقال فقد قال ابن مسعود وابن عباس والحسن وأبو صالح يشرب بها المقربون
~~صرفا وتمزج للأبرار ومذهب الجمهور أن الأبرار هم أصحاب اليمين وأن
~~المقربين هم السابقون كأنهم إنما كان شرابهم صرف التسنيم لاشتغالهم عن
~~الرحيق المختوم بمحبة الحي القيوم فهي الرحيق التي لا يقاس بها رحيق
~~والمدامة التي تواصى على شربها ذوو الأذواق والتحقيق:

# على نفسه فليبك من ضاع عمره

# وليس له مها نصيب ولا سهم

# وقال قوم الأبرار والمقربون في هذه السورة بمعنى واحد يشمل كل من نعم في
~~الجنة.

### || [83.29]

# وقوله تعالى: { إن الذين أجرموا } الخ حكاية لبعض قبائح
~~مشركي قريش أبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم. جيء
~~بها تمهيدا لذكر بعض أحوال الأبرار في الجنة { كانوا } أي في الدنيا
~~كما قال قتادة. { من الذين ءامنوا يضحكون } كانوا يستهزؤن
~~بفقرائهم كعمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم من الفقراء. وفي «البحر» روي أن
~~عليا كرم الله / تعالى وجهه وجمعا من المؤمنين معه مروا بجمع من كفار
~~مكة فضحكوا منهم واستخفوا بهم فنزلت { إن الذين أجرموا } قبل
~~أن يصل علي كرم الله تعالى وجهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي
~~«الكشاف» حكاية ذلك عن المنافقين وأنهم قالوا ربنا اليوم الأصلع أي سيدنا ms11187
~~يعنون عليا كرم الله تعالى وجهه وإنما قالوه استهزاء ولعل الأول أصح.
~~وتقديم الجار والمجرور إما للقصر إشعارا بغاية شناعة ما فعلوا أي كانوا
~~من الذين آمنوا يضحكون مع ظهور عدم استحقاقهم لذلك على منهاج قوله تعالى:

# أفى الله شك

# [إبراهيم: 10] لمراعاة الفواصل.

### || [83.30]

# { وإذا مروا } أي المؤمنون { بهم } أي بالذين أجرموا وهم في
~~أنديتهم { يتغامزون } أي يغمز بعضهم بعضا ويشيرون بأعينهم استهزاء
~~بالمؤمنين وإرجاع ضمير { مروا } للمؤمنين وضمير { بهم } للمجرمين
~~هو الأظهر الأوفق بحكاية سبب النزول واستظهر أبو حيان العكس معللا له
~~بتناسق الضمائر.

### || [83.31]

# { وإذا انقلبوا } أي المجرمون ورجعوا من مجالسهم { إلى
~~أهلهم انقلبوا فكهين } ملتذين باتسخفافهم بالمؤمنين وكأن
~~المراد بذلك الإشارة إلى أنهم يعدون صنيعهم ذلك من أحسن ما اكتسبوه في
~~غيبتهم عن أهلهم أو إلى أن له وقعا في قلوبهم ولم يفعلوه مراعاة لأحد
~~وإنما فعلوه لحظ أنفسهم. وقيل فيه إشارة إلى أنهم كانوا لا يفعلون ذلك
~~بمرأى من المارين بهم ويكتفون حينئذ بالتغامز.

# وقرأ المجهور (فاكهين) بالألف قيل هما بمعنى وقيل فكهين أشرين وقيل
~~فرحين وفاكهين قيل متفكهين وقيل ناعمين وقيل مازحين.

### || [83.32]

# { وإذا رأوهم } وإذا رأوا المؤمنين أينما كانوا { قالوا
~~إن هؤلاء لضالون } يعنون جنس المؤمنين مطلقا لا خصوص
~~المرئيين منهم والتأكيد لمزيد الاعتناء بسبهم.

### || [83.33]

# جملة حالية من ضمير { قالوا } أي قالوا ذلك والحال أنهم ما أرسلوا
~~من جهة الله تعالى على المؤمنين موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم
~~ويهيمنون على أعمالهم ويشهدون برشدهم وضلالهم وهذا تهكم واستهزاء بهم
~~وإشعار بأن ما اجترؤا عليه من القول من وظائف من أرسل من جهته تعالى وجوز
~~أن يكون من جملة قول المجرمين والأصل وما أرسلوا علينا حافظين إلا أنه
~~قيل { عليهم } نقلا بالمعنى على نحو قال زيد ليفعلن كذا وغرضهم
~~بذلك إنكار صد المؤمنين إياهم عن الشرك ودعائهم إلى الإيمان.

### || [83.34]

# { فاليوم الذين ءامنوا } أي المعهودين من الفقراء { من
~~الكفار } أي من المعهودين وجوز التعميم من الجانبين { يضحكون }
~~حين يرونهم أذلاء مغلولين قد غشيتهم فنون الهوان ms11188 والصغار بعد العز والكبر
~~ورهقهم ألوان العذاب بعد التنعم والترفه. والظرف والجار والمجرور متعلقان
~~بيضحكون وتقديم الجار والمجرور قيل للقصر تحقيقا للمقابلة أي فاليوم هم
~~من الكفار يضحكون لا الكفار منهم كما كانوا يفعلون في الدنيا. وقوله
~~تعالى: { على الأرائك ينظرون }.

### || [83.35]

# حال من فاعل { يضحكون } أي يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم
~~فيه من سوء الحال وقيل يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم هلم هلم فإذا
~~وصلوا إليها أغلق دونهم يفعل ذلك مرارا حتى إن أحدهم يقال له هلم هلم
~~فما يأتي من إياسه ويضحك المؤمنون منهم. وتعقب بأن قوله تعالى: { هل
~~ثوب الكفار ما كانوا يفعلون }.

### || [83.36]

# يأباه فإنه صريح في أن ضحك المؤمنين منهم جزاء لضحكهم منهم في الدنيا
~~فلا بد من المجانسة والمشاكلة حتما. والحق أنه لا إباء كما لا يخفى.
~~والتثويب والإثابة المجازاة ويقال ثوبه وأثابه إذا جازاه ومنه قول
~~الشاعر:

# سأجزيك أو يجزيك عني مثوب

# وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي

# وظاهر كلامهم إطلاق ذلك على المجازاة بالخير والشر واشتهر بالمجازاة
~~بالخير وجوز حمله عليه هنا على أن المراد التهكم كما قيل به في قوله
~~تعالى:

# فبشرهم بعذاب أليم

# [آل عمران: 21]

# ذق إنك أنت العزيز الكريم

# [الدخان: 49] كأنه تعالى يقول للمؤمنين هل أثبنا هؤلاء على ما كانوا
~~يفعلون كما أثبناكم على ما كنتم تعلمون فيكون هذا القول زائدا / في
~~سرورهم لما فيه من تعظيمهم والاستخفاف بأعدائهم، والجملة الاستفهامية
~~حينئذ معمولة لقول محذوف وقع حالا من ضمير { يضحكون } أو من ضمير {
~~ينظرون } أي يضحكون أو ينظرون مقولا لهم هل ثوب الخ ولم يتعرض لذلك
~~الجمهور. وفي «البحر» الاستفهام لتقرير المؤمنين والمعنى قد جوزي الكفار
~~ما كانوا الخ وقيل هل ثوب متعلق بينظرون والجملة في موضع نصب به بعد
~~إسقاط حرف الجر الذي هو إلى انتهى و(ما) مصدرية أو موصولة والعائد محذوف
~~أي يفعلونه والكلام بتقدير مضاف أي ثواب أو جزاء ما كانوا الخ وقيل هو
~~بتقدير باء السببية أي هل ثوب الكفار بما كانوا. ms11189

# وقرأ النحويان وحمزة وابن محيصن بإدغام اللام في الثاء والله تعالى
~~أعلم.

### | [84 - سورة الإنشقاق]

### || [84.1]

# أي بالغمام كما روي عن ابن عباس وذهب إليه الفراء والزجاج كما في
~~«البحر» ويشهد له قوله تعالى:

# ويوم تشقق السمآء بالغمام

# [الفرقان: 25] فالقرآن يفسر بعضه بعضا وقيل تنشق لهول يوم القيامة
~~لقوله تعالى:

# وانشقت السماء فهى يومئذ واهية

# [الحاقة: 16] وبحث فيه بأنه لا ينافي أن يكون الانشقاق بالغمام. وأخرج
~~ابن أبي حاتم عن علي كرم الله تعالى وجهه أنها تنشق من المجرة وفي
~~الآثار أنها باب السماء وأهل الهيئة يقولون إنها نجوم صغار متقاربة جدا
~~غير متميزة في الحس ويظهر ذلك ظهورا بينا لمن نظر إليها بالأرصاد ولا
~~منافاة على ما قيل من أن المراد بكونها باب السماء أن مهبط الملائكة
~~عليهم السلام ومصعدهم من جهتها وذلك بجامع كونها نجوما صغارا متقاربة
~~غير متميزة في الحس وخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل معاذا إلى
~~أهل اليمن فقال له «يا معاذ إنهم سائلوك عن المجرة فقل هي لعاب حية تحت
~~العرش» ومنه قيل إنها في البحر المكفوف تحت السماء لا يكاد يصح والقول
~~المذكور لا ينبغي أن يحكى إلا لينبه على حاله.

# وقرأ عبيد بن عقيل عن أبي عمرو { انشقت } وكذا مابعد من نظائره
~~بإشمام التاء كسرا في الوقف، وحكى عنه أيضا الكسر أبو عبد الله بن
~~خالويه وذلك لغة طيء على ما قيل. وعن أبي حاتم سمعت أعرابيا فصيحا في
~~بلاد قيس يكسر هذه التاء أي تاء التأنيث اللاحقة للفعل وهي لغة ولعل ذلك
~~لأن الفواصل قد تجري مجرى القوافي فكما أن هذه التاء تكسر في القوافي كما
~~في قول كثير عزة من قصيدة:

# وما أنا بالداعي لعزة بالردى

# ولا شامت إن قيل عزة ذلت

# إلى غير ذلك من أبيات تلك القصيدة تكسر في الفواصل وإجراء الفواصل في
~~الوقف مجرى القوافي مهيع معروف كقوله تعالى في سورة الأحزاب:

# الظنونا

# [الآية: 10] و

# الرسولا

# [الآية: 66] وحمل الوصل على حالة الوقف موجود أيضا في ms11190 الفواصل.

### || [84.2]

# { وأذنت لربها } أي استمعت له تعالى يقال أذن إذا سمع قال
~~الشاعر:

# صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به

# وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا

# وقال قعنب:

# إن يأذنوا ريبة طاروا بها فرحا

# وما هم أذنوا من صالح دفنوا

# والاستماع هنا مجاز عن الانقياد والطاعة أي انقادت لتأثير قدرته عز وجل
~~حين تعلقت إرادته سبحانه / بانشقاقها انقياد المأمور المطواع إذا ورد
~~عليه أمر الآمر المطاع. والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إليها
~~للإشعار بعلة الحكم. وهذه الجملة ونظيرتها بعد قيل بمنزلة قوله تعالى:

# أتينا طائعين

# [فصلت: 11] في الإنباء عن كون ما نسب إلى السماء والأرض من الانشقاق
~~والمد وغيرهما جاريا على مقتضى الحكمة على ما قرروه.

# { وحقت } أي جعلت حقيقة بالاستماع والانقياد لكن لا بعد إن لم تكن
~~كذلك بل في نفسها وحد ذاتها من قولهم هو محقوق بكذا وحقيق به. وحاصل
~~المعنى انقادت لربها وهي حقيقة وجديرة بالانقياد لما أن القدرة الربانية
~~لا يتعاصاها أمر من الأمور لا لأمر اختصت به من بين الممكنات. وذكر بعضهم
~~أن أصل الكلام حق الله تعالى عليها بذلك أي حكم عليها بتحتم الانقياد على
~~معنى أراده سبحانه منها إرادة لا نقض لها وقيل المعنى وحق لها أن تنشق
~~لشدة الهول. والجملة على ما اختاره بعض الأجلة اعتراض مقرر لما قبلها
~~وقيل معطوفة عليه وليس بذاك.

### || [84.3]

# قال الضحاك بسطت باندكاك جبالها وآكامها وتسويتها فصارت قاعا صفصفا لا
~~ترى فيها عوجا ولا أمتا وقال بعضهم زيدت سعة وبسطة من مده بمعنى أمده
~~أي زاده، ونحوه ما قيل جرت فزاد انبساطها وعظمت سعتها. وأخرج الحاكم بسند
~~جيد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال

# " تمد الأرض يوم القيامة مد الأديم ثم لا يكون لابن آدم منها إلا موضع
~~قدميه "

### || [84.4]

# { وألقت ما فيها } أي رمت ما في جوفها من الموتى والكنوز كما
~~أخرج ذلك عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة وإليه ذهب الزجاج واقتصر
~~بعضهم كابن جبير وجماعة على الموتى بناء على ms11191 أن إلقاء الكنوز إذا خرج
~~الدجال وكأن من ذهب إلى الأول لا يسلم إلقاء الكنوز يومئذ ولو سلم يقول
~~يجوز أن لا يكون عاما لجميع الكنوز وإنما يكون كذلك يوم القيامة والقول
~~بأن يوم القيامة متسع يجوز أن يدخل فيه وقت خروج الدجال ينبغي أن يلقى
~~ولا يلتفت إليه.

# { وتخلت } أي وخلت عما فيها غاية الخلو حتى لم يبق فيها شيء من
~~ذلك كأنها تكلفت في ذلك أقصى جهدها فصيغة التفعل للتكلف والمقصود منه
~~المبالغة كما في قولك تحلم الحليم وتكرم الكريم وقيل تخلت ممن على ظهرها
~~من الأحياء وقيل مما على ظهرها من جبالها وبحارها وكلا القولين كما ترى
~~وقد أخرج أبو القاسم الجيلي في «الديباج» عن ابن عمر رضي الله تعالى
~~عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال

# " أنا أول من تنشق عنه الأرض فأجلس جالسا في قبري وإن الأرض تحرك بي
~~فقلت لها مالك فقالت إن ربي أمرني أن ألقي ما في جوفي وأن أتخلى فأكون
~~كما كنت إذ لا شيء في وذلك وقوله تعالى: { وألقت ما فيها
~~وتخلت } "

### || [84.5]

# { وأذنت لربها } في الإلقاء وما بعده { وحقت } الكلام فيه
~~نظير ما تقدم وفيه إشارة إلى أن ما ذكر وإن أسند إلى الأرض فهو بفعل الله
~~تعالى وقدرته عز وجل. وتكرير كلمة (إذا) لاستقلال كل من الجملتين بنوع من
~~القدرة.

### || [84.6]

# { يأيها الإنسان إنك كادح } أي جاهد ومجد جدا في عملك
~~من خير وشر { إلى ربك كدحا } أي طول حياتك إلى لقاء ربك أي إلى
~~الموت وما بعده من الأحوال الممثلة باللقاء. والكدح جهد النفس في العمل
~~حتى يؤثر فيها من كدح جلده إذا خدشه قال ابن مقبل:

# وما الدهر إلا تارتان فمنهما

# أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح

# وقال آخر:

# ومضت بشاشة كل عيش صالح

# وبقيت أكدح للحياة وأنصب

# { فملقيه } أي فملاق له عقيب ذلك لا محالة من غير صارف يلويك
~~عنه. والضمير له عز وجل أي فملاقي جزائه تعالى وقيل هو للكدح أي فملاقي
~~جزاء ms11192 الكدح وبولغ فيه على نحو «إنما هي أعمالكم ترد إليكم» / والظاهر أن
~~{ ملقيه } معطوف على { كادح } على القولين وقال ابن عطية بعد
~~ذكره الثاني فالفاء على هذا عاطفة جملة الكلام على الجملة التي قبلها
~~والتقدير فأنت ملاقيه ولا يظهر وجه التخصيص. والمراد بالإنسان الجنس كما
~~يؤذن به التقسيم بعد وقال مقاتل المراد به الأسود بن هلال المخزومي جادل
~~أخاه أبا سلمة في أمر البعث فقال أبو سلمة أي والذي خلقك لتركبن الطبقة
~~ولتوافين العقبة فقال الأسود فأين الأرض والسماء وما حال الناس وكأنه
~~أراد أنها نزلت فيه وهي تعم الجنس وقيل المراد أبي بن خلف كان يكدح في
~~طلب الدنيا وإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم والإصرار على الكفر ولعل
~~القائل أراد ذلك أيضا، وأبعد غاية الإبعاد من ذهب إلى أنه الرسول عليه
~~الصلاة والسلام على أن المعنى إنك تكدح في إبلاغ رسالات الله عز وجل
~~وإرشاد عباده سبحانه واحتمال الضرر من الكفار فأبشر فإنك تلقى الله تعالى
~~بهذا العمل وهو غير ضائع عنده جل شأنه وجواب { إذا } قيل قوله تعالى: {
~~فأما من أوتى كتبه بيمينه }.

### || [84.7-8]

# الخ كما في قوله تعالى:

# فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف
~~عليهم ولا هم يحزنون

# [البقرة: 38] وقوله تعالى:

# يأيها الإنسان

# [الانشقاق: 6] الخ اعتراض وقيل هو محذوف للتهويل أي كان ما كان مما يضيق
~~عنه نطاق البيان وقدره بعضهم نحو ما صرح به في سورتي التكوير والانفطار
~~وقيل هو ما دل عليه { يأيها الإنسان } الخ وتقديره لاقى الإنسان
~~كدحه وقيل هو نفسه على حذف الفاء والأصل فيا أيها الإنسان أو بتقدير يقال
~~وقال الأخفش والمبرد هو قوله تعالى: { فملقيه } بتقدير فأنت
~~ملاقيه ليكون مع المقدر جملة وعلى هذا جملة { يأيها الإنسان }
~~الخ معترضة وقال ابن الأنباري والبلخي هو

# وأذنت

# [الانشقاق: 2] على زيادة الواو كما قيل في قوله تعالى:

# حتى إذا جاءوها وفتحت أبوبها

# [الزمر: 73] وعن الأخفش أن { إذا } هنا لا جواب لها لأنها ليست بشرطية
~~بل هي في

# إذا السمآء

# [الانشقاق: ms11193 1] متجردة عنها مبتدأ وفي

# وإذا الأرض

# [الانشقاق: 3] خبر والواو زائدة أي وقت انشقاق السماء وقت مد الأرض وقيل
~~لا جواب لها لأنها ليست بذلك بل متجردة عن الشرطية واقعة مفعولا لاذكر
~~محذوفا ولا يخفى ما في بعض هذه الأقوال من الضعف ولعل الأولى منها
~~الأولان.

# والحساب اليسير السهل الذي لا مناقشة فيه كما قيل وفسره عليه الصلاة
~~والسلام بالعرض وبالنظر في الكتاب مع التجاوز فقد أخرج الشيخان والترمذي
~~وأبو داود

# " عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس أحد يحاسب إلا هلك قلت
~~يا رسول الله جعلني الله تعالى فداك أليس الله تعالى يقول: { فأما
~~من أوتى كتبه بيمينه * فسوف يحاسب حسابا
~~يسيرا } قال ذلك العرض يعرضون ومن نوقش الحساب هلك "

# وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن مردويه والحاكم وصححه عن عائشة قالت سمعت
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته اللهم حاسبني حسابا
~~يسيرا فلما انصرف عليه الصلاة والسلام قلت يا رسول الله ما الحساب
~~اليسير قال أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه.

### || [84.9]

# أي عشيرته المؤمنين مبتهجا بحاله قائلا

# هآؤم اقرؤا كتابيه

# [الحاقة: 19] وقيل أي فريق المؤمنين مطلقا وإن لم يكونوا عشيرته إذ كل
~~المؤمنين أهل للمؤمن من جهة الاشتراك في الإيمان وقيل أي إلى خاصته ومن
~~أعده الله تعالى له في الجنة من الحور والغلمان وأخرج هذا ابن المنذر عن
~~مجاهد.

# وقرأ زيد بن علي (ويقلب) مضارع قلب مبنيا للمفعول.

### || [84.10]

# أي يؤتاه بشماله من وراء ظهره. قيل تغل يمناه إلى عنقه وتجعل شماله وراء
~~ظهره فيؤتى كتابه بشماله وروى أن شماله تدخل في صدره حتى تخرج من وراء
~~ظهره فيأخذ كتابه بها فلا تدافع بين ما هنا وما في سورة الحاقة حيث لم
~~يذكر فيه الظهر. ثم هذا إن كان في الكفرة وما قبله في المؤمنين المتقين
~~فلا تعرض هنا للعصاة كما استظهره في «البحر» وقيل لا بعد في إدخال العصاة
~~في أهل اليمين أما لأنهم يعطون كتبهم باليمين بعد ms11194 الخروج من النار كما
~~اختاره ابن / عطية أو لأنهم يعطونها بها قبل لكن مع حساب فوق حساب
~~المتقين ودون حساب الكافرين ويكون قوله تعالى

# فسوف يحاسب حسابا يسيرا

# [الانشقاق: 8] من وصف الكل بوصف البعض وقيل إنهم يعطونها بالشمال وتمييز
~~الكفرة بكون الإعطاء من وراء ظهورهم ولعل ذلك لأن مؤتى الكتب لا يتحملون
~~مشاهدة وجوههم لكمال بشاعتها أو لغاية بغضهم إياهم أو لأنهم نبذوا كتاب
~~الله وراء ظهورهم.

### || [84.11]

# يطلبه ويناديه ويقول يا ثبوراه تعال فهذا أوانك. والثبور الهلاك وهو
~~جامع لأنواع المكاره.

### || [84.12]

# يقاسي حرها أو يدخلها. وقرأ أكثر السبعة وعمر بن عبد العزيز وأبو
~~الشعثاء والحسن والأعرج (يصلي) بضم الياء وفتح الصاد واللام مشددة من
~~التصلية لقوله تعالى

# وتصلية جحيم

# [الواقعة: 94] وقرأ أبو الأشهب وخارجة عن نافع وأبان عن عاصم والعتكي
~~وجماعة عن أبي عمرو (يصلي) بضم الياء ساكن الصاد مخفف اللام مبنيا
~~للمفعول من الإصلاء لقوله تعالى:

# ونصله جهنم

# [النساء:115].

### || [84.13]

# { إنه كان فى أهله } في الدنيا { مسرورا } فرحا بطرا
~~مترفا لا يخطر بباله أمور الآخرة ولا يتفكر في العواقب ولم يكن حزينا
~~متفكرا في حاله ومآله كسنة الصلحاء والمتقين. والجملة استئناف لبيان علة
~~ما قبلها. وقوله تعالى: { إنه ظن أن لن يحور }.

### || [84.14]

# تعليل لسروره في الدنيا أي ظن أن لن يرجع إلى الله تعالى تكذيبا للمعاد
~~وقيل ظن أن لن يرجع إلى العدم أي ظن أنه لا يموت وكان غافلا عن الموت
~~غير مستعد له وليس بشيء. والحور الرجوع مطلقا ومنه قول الشاعر:

# وما المرء إلا كالشهاب وضوئه

# يحور رمادا بعد إذ هو ساطع

# والتقييد هنا بقرينة المقام و(إن) مخففة من الثقيلة سادة ما في حيزها
~~مسد مفعولي الظن على المشهور.

### || [84.15]

# { بلى } إيجاب لما بعد { لن } وقوله تعالى: { إن ربه كان
~~به بصيرا } تحقيق وتعليل له أي بلى يحور البتة أن ربه عز وجل الذي
~~خلقه كان به وبأعماله الموجبة للجزاء بصيرا بحيث لا تخفى عليه سبحانه
~~منها خافية فلا بد من رجعه وحسابه ومجازاته. ms11195

### || [84.16]

# هي الحمرة التي تشاهد في أفق المغرب بعد الغروب وأصله من رقة الشيء يقال
~~شيء شفق أي لا يتماسك لرقته ومنه أشفق عليه رق قلبه والشفقة من الإشفاق
~~وكذلك الشفق قال الشاعر:

# تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا

# والموت أكرم نزال على الحرم

# وقيل البياض الذي يلي تلك الحمرة ويرى بعد سقوطها. وفي تسمية ذلك شفقا
~~خلاف فالجمهور على أنه لا يسمى به وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز
~~وأبوحنيفة رضي الله تعالى عنهم على أنه يسمى وروى أسد بن عمرو عن أبي
~~حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه رجع عن ذلك إلى ما عليه الجمهور وتمام
~~الكلام عليه في «شروح الهداية» وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة أنه
~~هنا النهار كله. وروي ذلك عن الضحاك وابن أبي نجيح وكأنه شجعهم على ذلك
~~عطف الليل عليه وعن عكرمة أيضا أنه ما بقي من النهار. والفاء في جواب
~~شرط مقدر أي إذا عرفت هذا أو إذا تحققت الحور بالبعث فلا أقسم بالشفق.

### || [84.17]

# وما ضم وجمع يقال وسقه فاتسق واستوسق أي جمعه فاجتمع ويقال طعام موسوق
~~أي مجموع وإبل مستوسقة أي مجتمعة قال الشاعر:

# إن لنا قلائصا حقائقا

# مستوسقات لو يجدن سائقا

# ومنه الوسق الأصواع المجتمعة وهي ستون صاعا أو حمل بعير لاجتماعه على
~~ظهره. و(ما) تحتمل المصدرية والموصولة والجمهور على الثاني والعائد محذوف
~~أي والذي وسقه والمراد به ما يجتمع بالليل ويأي إلى مكانه من الدواب
~~وغيرها / وعن مجاهد ما يكون فيه من خير أو شر وقيل ما ستره وغطى عليه
~~بظلمته وقيل ما جمعه من الظلمة وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن
~~جبير أنه قال { وما وسق } وما عمل فيه ومنه قوله:

# فيوما ترانا صالحين وتارة

# تقوم بنا كالواسق المتلبب

# وقيل وسق بمعنى طرد أي وما طرده إلى أماكنه من الدواب وغيرها أو ما طرده
~~من ضوء النهار ومنه الوسيقة قال في «القاموس» وهي من الإبل كالرفقة من
~~الناس فإذا سرقت طردت معا.

### || [84.18]

# أي اجتمع ms11196 نوره وصار بدرا.

### || [84.19]

# خطاب لجنس الإنسان المنادى أولا باعتبار شموله لأفراده والمراد بالركوب
~~الملاقاة والطبق في الأصل ما طابق غيره مطلقا وخص في العرف بالحال
~~المطابقة لغيرها ومنه قول الأقرع بن حابس:

# إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره

# وساقني طبق منه إلى طبق

# و(عن) للمجاوزة وقال غير واحد هي بمعنى بعد كما في قولهم سادوك كابرا
~~عن كابر وقوله:

# ما زلت أقطع منهلا عن منهل

# حتى أنخت بباب عبد الواحد

# والمجاوزة والبعدية متقاربان والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة
~~لطبقا أو حالا من فاعل (تركبن) والظاهر أن نصب { طبقا } على أنه
~~مفعول به أي لتلاقن حالا مجاوزة لحال أو كائنة بعد حال أو مجاوزين لحال
~~أو كائنين بعد حال كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول. وجوز كون
~~الركوب على حقيقته وتجعل الحال مركوبة مجازا وقيل نصب { طبقا } على
~~التشبيه بالظرف أو الحالية.

# وقال جمع الطبق جمع طبقة كتخم وتخمة وهي المرتبة ويقال إنه اسم جنس جمعي
~~واحده ذلك والمعنى لتركبن أحوالا بعد أحوال هي طبقات في الشدة بعضها
~~أرفع من بعض وهي الموت وما بعده من مواطن القيامة وأهوالها، ورجحه
~~الطيبي فقال هذا الذي يقتضيه النظم وترتب الفاء في

# فلا أقسم

# [الانشقاق: 16] على قوله تعالى:

# بلى إن ربه كان به بصيرا

# [الانشقاق: 15] وفسر بعضهم الأحوال بما يكون في الدنيا من كونهم نطفة
~~إلى الموت وما يكون في الآخرة من البعث إلى حين المستقر في إحدى الدارين.
~~وقيل يمكن أن يراد بطبقا عن طبق الموت المطابق للعدم الأصلي والإحياء
~~المطابق للإحياء السابق فيكون الكلام قسما على البعث بعد الموت ويجري
~~فيه ما ذكره الطيبي. وأخرج نعيم بن حماد وأبو نعيم عن مكحول أنه قال في
~~الآية تكونون في كل عشرين سنة على حال لم تكونوا على مثلها وفي رواية ابن
~~المنذر وابن أبي حاتم عنه في كل عشرين عاما تحدثون أمرا لم تكونوا
~~عليه فالطبق بمعنى عشرين عاما وقد عد ذلك في «القاموس» من جملة معانيه
~~وما ذكر بيان ms11197 للمعنى المراد. وقيل الطبق هنا القرن من الناس مثله في قول
~~العباس بن عبد المطلب يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# وأنت لما ولدت أشرقت الأر

# ض وضاءت بنورك الأفق

# تنقل من صالب إلى رحم

# إذا مضى عالم بدا طبق

# وأن المعنى لتركبن سنن من مضى قبلكم قرنا بعد قرن وكلا القولين خلاف
~~الظاهر.

# وقرأ عمر وابن مسعود وابن عباس ومجاهد والأسود وابن جبير ومسروق
~~والشعبي وأبو العالية وابن وثاب وطلحة وعيسى والأخوان وابن كثير {
~~لتركبن } بتاء الخطاب وفتح الباء وروى عن ابن عباس وابن مسعود أنهما
~~أيضا كسرا تاء المضارعة وهي لغة بني تميم على أنه خطاب للإنسان أيضا
~~لكن باعتبار اللفظ لا باعتبار الشمول.

# وأخرج البخاري عن ابن عباس أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وروي عن
~~جماعة وكأن من ذهب إلى أنه عليه الصلاة والسلام هو المراد بالإنسان فيما
~~تقدم يذهب إليه وعليه يراد لتركبن أحوالا شريفة بعد / أخرى من مراتب
~~القرب أو مراتب من الشدة في الدنيا باعتبار ما يقاسيه صلى الله عليه وسلم
~~من الكفرة ويعانيه في تبليغ الرسالة، أو الكلام عدة بالنصر أي لتلاقن
~~فتحا بعد فتح ونصرا بعد نصر وتبشيرا بالمعراج أي لتركبن سماء بعد سماء
~~كما أخرجه عبد بن حميد عن ابن عباس وابن مسعود وأيد بالتوكيد بالجملة
~~القسمية والتعقيب بالإنكارية. وأخرج ابن المنذر وجماعة عن ابن مسعود أنه
~~قال في ذلك يعني السماء تنفطر ثم تنشق ثم تحمر وفي رواية السماء تكون
~~كالمهل وتكون وردة كالدهان وتكون واهية وتشقق فتكون حالا بعد حال فالتاء
~~للتأنيث والضمير الفاعل عائد على السماء.

# وقرأ عمر وابن عباس أيضا (ليركبن) بالياء آخر الحروف وفتح الباء على
~~الالتفات من خطاب الإنسان إلى الغيبة وعن ابن عباس يعني نبيكم عليه
~~الصلاة والسلام فجعل الضمير له صلى الله عليه وسلم والمعنى على نحو ما
~~تقدم وقيل الضمير الغائب يعود على القمر لأنه يتغير أحوالا من سرار
~~واستهلال وإبدار. وقرأ عمر أيضا (ليركبن) بياء الغيبة وضم الباء ms11198 على أن
~~ضمير الجمع للإنسان باعتبار الشمول. وقرىء بالتاء الفوقية وكسر الباء على
~~تأنيث الإنسان المخاطب باعتبار النفس وأمر تقدير الحالية المشار إليها
~~فيما مر على هذه القراآت لا يخفى.

### || [84.20]

# والفاء في قوله تعالى: { فما لهم لا يؤمنون } جوز أن تكون
~~لترتيب ما بعدها من الإنكار والتعجب على ما قبلها من أحوال يوم القيامة
~~وأهوالها المشار إليها بقوله تعالى:

# لتركبن

# [الانشقاق: 19] الخ على بعض الأوجه الموجبة للإيمان والسجود أي إذا كان
~~حالهم يوم القيامة كما أشير إليه فأي شيء لهم حال كونهم غير مؤمنين أي أي
~~شيء يمنعهم من الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وسائر ما
~~يجب الإيمان به مع تعاضد موجباته من الأهوال التي تكون لتاركه يومئذ.
~~وجوز أن يكون لترتيب ذلك على ما قيل من عظيم شأنه عليه الصلاة والسلام
~~المشار إليه بقوله سبحانه: { لتركبن } الخ على بعض آخر من الأوجه
~~السابقة فيه أي إذا كان حاله وشأنه صلى الله عليه وسلم ما أشير إليه فأي
~~شيء يمنعهم من الإيمان به عليه الصلاة والسلام وجوز أن يكون لترتيب ذلك
~~على ما تضمنه قوله سبحانه

# فلا أقسم

# [الانشقاق: 16] الخ مما يدل على صحة البعث من التغييرات العلوية
~~والسفلية الدالة على كمال القدرة وإليه ذهب الإمام أي إذا كان شأنه تعالى
~~شأنه كما أشير إليه من كونه سبحانه وتعالى عظيم القدرة واسع العلم فأي
~~شيء يمنعهم عن الإيمان بالبعث الذي هو من جملة الممكنات التي تشملها
~~قدرته عز وجل ويحيط بها علمه جل جلاله.

### || [84.21]

# عطف على الجملة الحالية فهي حالية مثلها أي فأي مانع لهم حال عدم سجودهم
~~عند قراءة القرآن. والسجود مجاز عن الخضوع اللازم له على ما روي عن قتادة
~~أو المراد به الصلاة وفي قرن ذلك بالإيمان دلالة على عظم قدرها كما لا
~~يخفى أو هو على ظاهره فالمراد بما قبله قرىء القرآن المخصوص أو وفيه آية
~~سجدة وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سجد عند قراءة هذه الآية أخرج ms11199
~~مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن أبي هريرة قال
~~سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في

# إذا السماء انشقت

# [الانشقاق: 1] و

# اقرأ باسم ربك

# [العلق: 1] وأخرج الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي رافع قال «صليت مع
~~أبي هريرة العتمة فقرأ { إذا السماء انشقت } فسجد فقلت له فقال
~~سجدت خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه
~~عليه الصلاة والسلام» وفي ذلك رد على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حيث
~~قال ليس في المفصل - وهو من سورة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل من الفتح
~~وقيل هو قول الأكثر من الحجرات - سجدة وهي سنة عند الشافعي وواجبة عند
~~أبي حنيفة قال الإمام روي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ ذات يوم

# واسجد واقترب

# [العلق: 19] فسجد هو ومن معه من المؤمنين وقريش تصفق فوق رؤسهم وتصفر
~~فنزلت هذه الآية واحتج أبو حنيفة على وجوب السجدة بهذا من وجهين / الأول
~~أن فعله عليه الصلاة والسلام يقتضي الوجوب لقوله تعالى

# اتبعوه

# [الأعراف: 158] الثاني أنه تعالى ذم من يسمعه ولا يسجد وحصول الذم عند
~~الترك يدل على الوجوب انتهى وفيه بحث مع أن الحديث كما قال ابن حجر لم
~~يثبت.

### || [84.22]

# أي بالقرآن وهو انتقال عن كونهم لا يسجدون عند قراءته إلى كونهم يكذبون
~~به صريحا ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالكفر والإشعار بعلة
~~الحكم. وقرأ الضحاك وابن أبي عبلة (يكذبون) مخففا وبفتح الياء.

### || [84.23]

# أي بالذي يضمرونه في صدورهم من الكفر والحسد والبغضاء والبغي فما موصولة
~~والعائد محذوف وأصل الإيعاء جعل الشيء في وعاء وفي «مفردات الراغب»
~~الإيعاء حفظ الأمتعة في وعاء ومنه قوله:

# والشر أخبث ما أوعيت من زاد

# وأريد به هنا الإضمار مجازا وهو المروي عن ابن عباس ولا يلزم عليه كون
~~الآية في حق المنافقين مع كون السورة مكية كما لا يخفى وفسره بعضهم
~~بالجمع وحكي عن ابن زيد وجوز أن يكون المعنى والله تعالى أعلم بما
~~يجمعونه في ms11200 صحفهم من أعمال السوء وأيا ما كان فعلم الله تعالى بذلك
~~كناية عن مجازاته سبحانه عليه وقيل المراد الإشارة إلى أن لهم وراء
~~التكذيب قبائح عظيمة كثيرة يضيق عن شرحها نطاق العبارة وقال بعضهم يحتمل
~~أن يكون المعنى والله تعالى أعلم بما يضمرون في أنفسهم من أدلة كونه أي
~~القرآن حقا فيكون المراد المبالغة في عتادهم وتكذيبهم على خلاف علمهم
~~والظاهر أن الجملة على هذا حال من ضمير

# يكذبون

# [الانشقاق: 22] وكونها كذلك على ما قيل من الإشارة خلاف الظاهر.

# وقرأ أبو رجاء (بما يعون) من وعى يعي.

### || [84.24]

# مرتب على الإخبار بعلمه تعالى بما يوعون مرادا به مجازاتهم به وقيل على
~~تكذيبهم وقيل الفاء فصيحة أي إذا كان حالهم ما ذكر فبشرهم الخ والتبشير
~~في المشهور الإخبار بسار والتعبير به ههنا من باب:

# تحية بينهم ضرب وجيع

# وجوز أن يكون ذلك على تنزيلهم لانهماكهم في المعاصي الموجبة للعذاب وعدم
~~استرجاعهم عنها منزلة الراغبين في العذاب حتى كان الإخبار به تبشيرا
~~وإخبارا بسار والفرق بين الوجهين يظهر بأدنى تأمل وأبعد جدا من قال إن
~~ذلك تعريض بمحبة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم البشارة فيستعار لأمره
~~عليه الصلاة والسلام بالإنذار لفظ البشارة تطييبا لقلبه صلى الله عليه
~~وسلم.

### || [84.25]

# { إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } استثناء
~~منقطع من الضمير المنصوب في

# فبشرهم

# [الانشقاق: 24] وجوز أن يكون متصلا على أن يراد بالمستثنى من آمن وعمل
~~الصالحات من آمن وعمل بعد منهم أي من أولئك الكفرة. والمضي في الفعلين
~~باعتبار علم الله تعالى أوهما بمعنى المضارع ولا يخفى ما فيه من التكلف
~~مع أن الأول أنسب منه بقوله تعالى: { لهم أجر غير ممنون }
~~لأن الأجر المذكور لا يخص المؤمنين منهم بل المؤمنين كافة وكون الاختصاص
~~إضافيا بالنسبة إلى الباقين على الكفر منهم خلاف الظاهر على أن إيهام
~~الاختصاص بالمؤمنين منهم يكفي في الغرض كما لا يخفى.

# والتنوين في { أجر } للتعظيم ومعنى { غير ممنون } غير مقطوع
~~من من إذا قطع أو غير معتد به ومحسوب ms11201 عليهم من من عليه إذا اعتد
~~بالصنيعة وحسبها وجعل بعضهم المن بهذا المعنى من من بمعنى قطع أيضا
~~لما أنه يقطع النعمة ويقتضي قطع شكرها. والجملة على ما قيل استئناف مقرر
~~لما أفاده الاستثناء من انتفاء العذاب عن المذكورين ومبين لكيفيته
~~ومقارنته للثواب العظيم الكثير.

### | [85 - سورة البروج]

### || [85.1]

# أي القصور كما قال ابن عباس وغيره والمراد بها عند جمع البروج الإثنا
~~عشر المعروفة وأصل البرج الأمر الظاهر ثم صار حقيقة للقصر العالي لأنه
~~ظاهر للناظرين ويقال لما ارتفع من سور المدينة برج أيضا وبروج. والسماء
~~بالمعنى المعروف وإن التحقت بالحقيقة فهي في الأصل استعارة فإنها شبهت
~~بالقصور لعلوها ولأن النجوم نازلة فيها كسكانها فهناك استعارة مصرحة
~~تتبعها مكنية وقيل شبهت السماء بسور المدينة فأثبت لها البروج.

# وقيل هي منازل القمر وهذا راجع إلى القول الأول لأن البروج منقسمة إلى
~~ثمانية وعشرين منزلا وقد تقدم الكلام فيها. وقال مجاهد والحسن وعكرمة
~~وقتادة هي النجوم وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى
~~عنه فيه حديثا مرفوعا بلفظ الكواكب بدل النجوم والله تعالى أعلم بصحته.
~~وأخرج ابن المنذر وعبد بن حميد عن أبي صالح أنه قال هي النجوم العظام
~~وعليه إنما سميت بروجا لظهورها وكذا على ما قبله وإن اختلف الظهور ولم
~~يظهر شموله جميع النجوم. وقيل هي أبواب السماء وسميت بذلك لأن النوازل
~~تخرج من الملائكة عليهم السلام منها فجعلت مشبهة بقصور العظماء النازلة
~~أو أمرهم منها أو لأنها لكونها مبدأ للظهور وصفت به مجازا في الطرف وقيل
~~في النسبة.

# والبروج الإثنا عشر في الحقيقة على ما ذكره محققو أهل الهيئة معتبرة في
~~الفلك الأعلى المسمى بفلك الأفلاك والفلك الأطلس وزعموا، أنه العرش بلسان
~~الشرع لكنها لما لم تكن ظاهرة حسا دلوا عليها بما سامتها وقت تقسيم
~~الفلك الأعلى من الصور المعروفة كالحمل والثور وغيرهما التي هي في الفلك
~~الثامن المسمى عندهم بفلك الثوابت وبالكرسي في لسان الشرع على ما زعموا
~~فبرج الحمل مثلا ليس إلا جزءا ms11202 من اثني عشر جزءا من الفلك الأعلى
~~سامتته صورة الحمل من الثوابت وقت التقسيم وبرج الثور ليس إلا جزءا من
~~ذلك سامتته صورة الثور منها ذلك الوقت أيضا وهكذا. وإنما قيل وقت
~~التقسيم لأن كل صورة قد خرجت لحركتها وإن كانت بطيئة عما كانت مسامتة له
~~من تلك البروج حتى كاد يسامت الحمل اليوم برج الثور والثور برج الجوزاء
~~وهكذا فعلى هذا وكون المراد بالبروج البروج الإثني عشر أو المنازل قيل
~~المراد بالسماء الفلك الأعلى وقيل الفلك الثامن لظهور الصور الدالة على
~~البروج فيه ولذا يسمى فلك البروج وقيل السماء الدنيا لأنها ترى فيها
~~بظاهر الحس نظير ما قيل في قوله تعالى:

# ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح

# [الملك: 5] وقيل الجنس الشامل لكل سماء لأن السماوات شفافة فيشارك
~~العليا فيما فيها السفلى لأنه يرى فيها ظاهرا وإذا أريد بالبروج النجوم
~~فقيل المراد بالسماء الفلك الثامن لأنها فيه حقيقة وقيل السماء الدنيا
~~وقيل الجنس على نحو ما مر ولا يراد على ما قيل الفلك الأطلس أعني الفلك
~~الأعلى لأنه كاسمه غير مكوكب وإذا أريد بها الأبواب فقيل المراد بالسماء
~~ما عدا فلك الأفلاك المسمى بلسان الشرع بالعرش فإنه لم يرد أن له
~~أبوابا.

# هذا وأنت تعلم أن أكثر ما ذكر مبني على كلام أهل الهيئة المتقدمين وهو
~~لا يصح له مستند شرعا ولا يكاد تسمع فيه إطلاق السماء على العرش أو
~~الكرسي لكن لما سمع بعض الإسلاميين / من الفلاسفة أفلاكا تسعة وأراد
~~تطبيق ذلك على ما روي في الشرع زعم أن سبعة منها هي السموات السبع
~~والإثنين الباقيين هما الكرسي والعرش ولم يدر أن في الأخبار ما يأبى ذلك
~~وكون الدليل العقلي يقتضيه محل بحث كما لا يخفى ومن رجع إلى كلام أهل
~~الهيئة المحدثين ونظر في أدلتهم على ما قالوه في أمر الأجرام العلوية
~~وكيفية ترتيبها قوي عنده وهن ما ذهب إليه المتقدمون في ذلك، فالذي ينبغي
~~أن يقال البروج هي المنازل للكواكب مطلقا التي يشاهدها الخواص والعوام
~~وما علينا في ms11203 أي سماء كانت أو الكواكب أنفسها أينما كانت أو أبواب السماء
~~الواردة في لسان الشرع والأحاديث الصحيحة وهي لكل سماء ولم يثبت للعرش
~~ولا للكرسي منها شيء. ويراد بالسماء جنسها أو السماء الدنيا في غير القول
~~الأخير على ما سمعت فيما تقدم فلا تغفل.

### || [85.2]

# أي الموعود به وهو يوم القيامة باتفاق المفسرين وقيل لعله اليوم الذي
~~يخرج الناس فيه من قبورهم فقد قال سبحانه

# يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى
~~نصب يوفضون * خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة
~~ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون

# [المعارج: 4344] أو يوم طي السماء كطي السجل للكتب وقيل يمكن أن يراد
~~به يوم شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم على ما أشار إليه قوله تعالى

# عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا

# [الإسراء: 79] ولا يخفى أن جميع ذلك داخل في يوم القيامة.

### || [85.3]

# أي ومن يشهد بذلك اليوم ويحضره من الخلائق المبعوثين فيه وما يحضر فيه
~~من الأهوال والعجائب فيكون الله عز وجل قد أقسم سبحانه بيوم القيامة وما
~~فيه تعظيما لذلك اليوم وإرهابا لمنكريه. وتنكير الوصفين للتعظيم أي
~~وشاهد ومشهود لا يكتنه وصفهما أو للتكثير كما قيل في

# علمت نفس مآ أحضرت

# [التكوير: 14] وأخرج الترمذي وجماعة عن أبي هريرة مرفوعا

# " الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة "

# وروي ذلك عن أبي مالك الأشعري وجبير بن مطعم رضي الله تعالى عنهما
~~مرفوعا أيضا وأخرج جماعة عن علي كرم الله تعالى وجهه وغيره من الصحابة
~~والتابعين. وأخرج الحاكم وصححه عنه مرفوعا أيضا

# " الشاهد يوم عرفة ويوم الجمعة والمشهود يوم القيامة "

# وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن علي كرم الله تعالى وجهه الشاهد يوم
~~الجمعة والمشهود يوم النجم. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن الحسن بن علي
~~رضي الله تعالى عنهما وكرم وجههما أن رجلا سأله عن ذلك فقال هل سألت
~~أحدا قبلي قال نعم سألت ابن عمر وابن الزبير فقالا يوم الذبح ويوم
~~الجمعة قال لا ولكن الشاهد محمد وفي رواية جدي رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم ms11204 ثم قرأ

# وجئنا بك على هؤلاء شهيدا

# [النساء: 41] والمشهود يوم القيامة ثم قرأ

# يوم مجموع له الناس

# [هود: 103] وذلك يوم مشهود. وروى النسائي وجماعة من طرق عن ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما نحوه وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه
~~الشاهد الله عز وجل والمشهود يوم القيامة وعن مجاهد وعكرمة وعطاء بن يسار
~~الشاهد آدم عليه السلام وذريته والمشهود يوم القيامة وعن ابن المسيب
~~الشاهد يوم التروية والمشهود يوم عرفة وعن الترمذي الشاهد الحفظة
~~والمشهود أي عليه الناس وعن عبد العزيز بن يحيى هما رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم وأمته عليه الصلاة والسلام وعنه أيضا هما الأنبياء عليهم
~~السلام وأممهم وعن ابن جبير ومقاتل هما الجوارح وأصحابها وقيل هما يوم
~~الإثنين ويوم الجمعة وقيل هما الملائكة المتعاقبون عليهم السلام وقرآن
~~الفجر، وقيل هما النجم والليل والنهار وقيل الشاهد الله تعالى والملائكة
~~وأولو العلم والمشهود به الوحدانية وأن الدين عند الله تعالى الإسلام
~~وقيل الشاهد مخلوقاته تعالى والمشهود به الوحدانية وقيل هما الحجر الأسود
~~والحجيج وقيل الليالي والأيام وبنو آدم فعن الحسن ما من يوم إلا ينادي
~~إنى يوم جديد وإني على ما يعمل في شهيد فاغتنمني فلو غابت شمسي لم تدركني
~~إلى اليوم القيامة وقيل أمة النبي صلى الله عليه وسلم وسائر / الأمم
~~وجوز أن يراد بهما المقربون والعليون لقوله تعالى:

# كتب مرقوم * يشهده المقربون

# [المطففين: 20-21] وأن يراد بالشاهد الطفل الذي قال يا أماه اصبري فإنك
~~على الحق كما سيجيء إن شاء الله تعالى والمشهود له أمه والمؤمنون لأنه
~~إذا كانت أمه على الحق فسائر المؤمنين كذلك وقيل وقيل.

# وجميع الأقوال في ذلك على ما وقفت عليه نحو من ثلاثين قولا والوصف على
~~بعضها من الشهادة بمعنى الحضور ضد المغيب وعلى بعضها الآخر من الشهادة
~~على الخصم أو له شهادة الجوارح بأن ينطقها الله تعالى الذي أنطق كل شيء
~~وكذا الحجر الأسود ولا بعد في حضوره يوم القيامة للشهادة للحجيج وأما
~~شهادة اليوم فيمكن ms11205 أن تكون بعد ظهوره في صورة كظهور القرآن على صورة
~~الرجل الشاحب إذ يتلقى صاحبه عند قيامه من قبره وظهور الموت في صورة كبش
~~يوم القيامة حتى يذبح بين الجنة والنار إلى غير ذلك.

# وقال الشهاب: الله تعالى قادر على أن يحضر اليوم ليشهد ولم يبين كيفية
~~ذلك فإن كانت كما ذكرنا فذاك وإن كانت شيئا آخر بأن يحضر نفس اليوم في
~~ذلك اليوم فالظاهر أنه يلزم أن يكون للزمان زمان وهو وإن جوزه من جوزه من
~~المتكلمين لكن في الشهادة بلسان القال عليه خفاء ومثلها نداء اليوم الذي
~~سمعته آنفا عن الحسن إن كان بلسان القال أيضا دون لسان الحال كما هو
~~الأرجح عندي.

# واختار أبو حيان من الأقوال على تقدير أن يراد بالشهادة الشهادة بالمعنى
~~الثاني القول بأن الشاهد من يشهد في ذلك اليوم أعني اليوم الموعود يوم
~~القيامة وأن المشهود من يشهد عليه فيه وعلى تقدير أن يراد بها الشهادة
~~بالمعنى الأول القول بأن الشاهد الخلائق الحاضرون للحساب وأن المشهود
~~اليوم ولعل تكرير القسم به وإن اختلف العنوان لزيادة تعظيمه فتأمل.

# وجواب القسم قيل هو قوله تعالى:

# إن الذين فتنوا

# [البروج: 10] وقال المبرد هو قوله تعالى:

# إن بطش ربك لشديد

# [البروج: 12] وصرح به ابن جريج وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن
~~مسعود ما يدل عليه. وقال غير واحد هو قوله تعالى: { قتل أصحب
~~الأخدود }.

### || [85.4]

# على حذف اللام منه للطول والأصل لقتل كما في قوله:

# حلفت لها بالله حلفة فاجر

# لناموا فما ان من حديث ولا صالي

# وقيل على حذف اللام وقد والأصل لقد قتل وهو مبني على ما اشتهر من أن
~~الماضي المثبت المتصرف الذي لم يتقدم معموله تلزمه اللام وقد، ولا يجوز
~~الاقتصار على أحدهما إلا عند طول الكلام كما في قوله سبحانه:

# قد أفلح من زكها

# [الشمس: 9] بعد قوله:

# والشمس وضحها

# [الشمس: 1] الخ والبيت المذكور، ولا يجوز تقدير اللام بدون قد لأنها لا
~~تدخل على الماضي المجرد منها، وتمام الكلام في محله كشروح ms11206 «التسهيل»
~~وغيرها.

# وأيا ما كان فالجملة خبرية. وقال بعض المحققين إن الأظهر أنها دعائية
~~دالة على الجواب كأنه قيل أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش لملعونون أحقاء
~~بأن يقال فيهم قتلوا كما هو شأن أصحاب الأخدود لما أن السورة وردت لتثبيت
~~المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان وتصبيرهم على أذية الكفرة وتذكيرهم
~~بما جرى ممن تقدمهم من التعذيب لأهل الإيمان وصبرهم على ذلك حتى يأنسوا
~~بهم ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم ويعلموا أنهم مثل أولئك عند
~~الله عز وجل في كونهم ملعونين مطرودين، فالقتل هنا عبارة عن أشد اللعن
~~والطرد لاستحالة الدعاء منه سبحانه حقيقة فأريد لازمه من السخط والطرد عن
~~رحمته جل وعلا. وقال بعضهم الأظهر أن يقدر إنهم لمقتولون كما قتل أصحاب
~~الأخدود فيكون وعدا له صلى الله عليه وسلم بقتل الكفرة المتمردين لإعلاء
~~دينه ويكون معجزة بقتل رؤسهم في غزوة بدر انتهى وظاهره إبقاء القتل على
~~حقيقته واعتبار الجملة خبرية وهو كما ترى. وحكى في «البحر» أن الجواب
~~محذوف وتقديره لتبعثن ونحوه وليس بشيء كما لا يخفى.

# والأخدود الخد وهو الشق في الأرض ونحوهما بناء ومعنى الخق والأخقوق ومنه
~~ما جاء في خبر سراقة حين / تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فساخت
~~قوائمه أي قوائم فرسه في أخاقيق جرذان.

# أخرج مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث صهيب يرفعه

# " كان ملك من الملوك وكان لذلك الملك كاهن يكهن له فقال له ذلك الكاهن
~~أنظروا إلي غلاما فهما فأعلمه علمي هذا فإني أخاف أن أموت فينقطع
~~منكم هذا العلم ولا يكون فيكم من يعلمه فنظروا له غلاما على ما وصف
~~فأمروه أن يحضر ذلك الكاهن وأن يختلف إليه فجعل الغلام يختلف إليه وكان
~~على طريق الغلام راهب في صومعته فجعل الغلام يسأل ذلك الراهب كلما مر به
~~فلم يزل به حتى أخبره فقال إنما أعبد الله تعالى فجعل الغلام يمكث عند
~~الراهب ويبطىء على الكاهن فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام أنه لا يكاد
~~يحضرني فأخبر ms11207 الغلام الراهب بذلك فقال له الراهب إذا قال لك الكاهن أين
~~كنت فقل عند أهلي وإذا قال لك أهلك أين كنت فأخبرهم إنك كنت عند الكاهن
~~فبينما الغلام على ذلك إذ مر بجماعة من الناس كثيرة قد حبستهم دابة يقال
~~كانت أسدا فأخذ الغلام حجرا فقال اللهم إن كان ما يقول الراهب حقا
~~فأسألك أن أقتل هذه الدابة وإن كان ما يقوله الكاهن حقا فأسألك أن لا
~~أقتلها ثم رمى فقتل الدابة فقال الناس من قتلها؟ فقالوا الغلام ففزع
~~الناس وقالوا قد علم هذا الغلام علما لم يعلمه أحد فسمع أعمى فجاءه فقال
~~له إن أنت رددت بصري فلك كذا وكذا فقال الغلام لا أريد منك هذا ولكن
~~أرأيت إن رجع عليك بصرك أتؤمن بالذي رده عليك قال نعم [فدعا الله] فرد
~~عليه بصره فآمن الأعمى فبلغ الملك أمرهم فبعث إليهم فأتى بهم فقال لأقتلن
~~كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى
~~فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتله وقتل الآخر بقتلة أخرى ثم أمر
~~بالغلام فقال انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا فألقوه من رأسه فانطلقوا به
~~إلى ذلك الجبل فلما انتهوا به إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يلقوه منه
~~جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل ويتردون حتى لم يبق منهم إلا الغلام ثم رجع
~~الغلام فأمر به الملك أن ينطلقوا به إلى البحر فيلقوه فيه فانطلق به إلى
~~البحر فغرق الله تعالى الذين كانوا معه وأنجاه الله تعالى فقال الغلام
~~للملك إنك لا تقتلني حتى تصلبني وترميني وتقول بسم الله رب الغلام فأمر
~~به فصلب ثم رماه وقال بسم الله رب الغلام فوضع الغلام يده على صدغه حين
~~رمى ثم مات فقال الناس لقد علم هذا الغلام علما ما علمه أحد فإنا نؤمن
~~برب هذا الغلام فقيل للملك أجزعت إن خالفك ثلاثة فهذا العالم كلهم قد
~~خالفوك فخد أخدودا ثم ألقى فيها الحطب والنار ثم جمع الناس فقال من رجع
~~عن دينه ms11208 تركناه ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار فجعل يلقيهم في تلك
~~الأخدود فقال يقول الله تعالى { قتل أصحب الأخدود } حتى بلغ
~~{ العزيز الحميد } [البروج: 8] "

# وفيه فأما الغلام فإنه دفن ثم أخرج فيذكر أنه خرج في زمن عمر بن الخطاب
~~رضي الله تعالى عنه واصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل وفي بعض رواياته

# " فجاءت امرأة بابن لها صغير فكأنها تقاعست أن تقع في النار فقال الصبي
~~يا أمه اصبري فإنك على الحق "

# وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن نجي قال شهدت عليا كرم الله تعالى
~~وجهه وقد أتاه أسقف نجران فسأله عن أصحاب الأخدود فقص عليه القصة فقال
~~علي كرم الله تعالى وجهه أنا أعلم بهم منك بعث نبي من الحبش إلى قومه ثم
~~قرأ رضي الله تعالى عنه

# ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا
~~عليك ومنهم من لم نقصص عليك

# [غافر: 78] فدعاهم فتابعه الناس فقاتلهم فقتل أصحابه وأخذ فأوثق فانفلت
~~فأنس إليه رجال فقاتلهم وقتلوا وأخذ فأوثق فخددوا أخدودا وجعلوا فيها
~~النيران وجعلوا يعرضون الناس فمن تبع النبي رمى به فيها ومن تابعهم ترك
~~وجاءت امرأة في آخر من جاء ومعها صبي لها فجزعت فقال الصبي يا أمه
~~اصبري ولا تماري فوقعت.

# وأخرج عبد بن حميد عنه كرم الله تعالى وجهه أنه قال كان المجوس أهل كتاب
~~وكانوا متمسكين / بكتابهم وكانت الخمرة قد أحلت لهم فتناول منها ملك من
~~ملوكهم فغلبته على عقله فتناول أخته أو ابنته فوقع عليها فلما ذهب عنه
~~السكر ندم وقال لها ويحك ما هذا الذي أتيت وما المخرج منه قالت المخرج
~~منه أن تخطب الناس فتقول أيها الناس إن الله أحل نكاح الأخوات أو البنات
~~فقال الناس جماعتهم معاذ الله تعالى أن نؤمن بهذا أو نقر به أو جاء به
~~نبي أو نزل علينا في كتاب فرجع إلى صاحبته وقال ويحك إن الناس قد آبوا
~~على ذلك قالت إن أبوا عليك فابسط فيهم السوط فبسط فيهم السوط فأبوا أن
~~يقروا ms11209 قالت فجرد فيهم السيف فأبوا أن يقروا قالت فخذ لهم الأخدود ثم أوقد
~~فيها النيران فمن تابعك خل عنه فخد لهم أخدودا وأوقد فيها النيران وعرض
~~أهل مملكته على ذلك فمن أبى قذفه في النار ومن لم يأب خلى عنه. وقيل وقع
~~إلى نجران رجل ممن كان على دين عيسى عليه السلام فأجابوه فسار إليهم ذو
~~نواس اليهودي بجنود من حمير فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا فأحرق منهم
~~اثني عشر ألفا في الأخاديد وقيل سبعين ألفا.

# وذكر أن طول الأخدود أربعون ذراعا وعرضه اثني عشر ذراعا. ولاختلاف
~~الأخبار في القصة اختلفوا في موضع الأخدود فقيل بنجران لهذا الخبر الأخير
~~وقيل بأرض الحبشة لخبر ابن نجي السابق وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن
~~قتادة عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه كان بمذراع اليمن أي قراه وهذا لا
~~ينافي كونه بنجران لأنه بلد باليمن. وكذا اختلفوا في أصحاب الأخدود لذلك
~~فحكي فيه ما يزيد على عشرة أقوال منها أنهم حبشة ومنها أنهم من النبط
~~وروي عن عكرمة ومنها أنهم من بني إسرائيل وروى عن ابن عباس وأصح الروايات
~~عندي في القصة ما قدمناه عن صهيب رضي الله تعالى عنه والجمع ممكن فقد قال
~~عصام الدين لعل جميع ما روي واقع والقرآن شامل له فلا تغفل.

# وقرأ الحسن وابن مقسم (قتل) بالتشديد وهو مبالغة في لعنهم لعظم ما أتوا
~~به. وقد كان صلى الله عليه وسلم على ما أخرج ابن أبي شيبة عن عوف وعبد
~~بن حميد عن الحسن إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ من جهد البلاء.

### || [85.5]

# { النار } بدل اشتمال من { الأخدود } والرابط مقدر أي فيه أو
~~أقيم إلى مقام الضمير أو لأنه معلوم اتصاله به فلا يحتاج لرابط وكذا كل
~~ما يظهر ارتباطه فيما قبل وجوز أبو حيان كونه بدل كل من كل على تقدير
~~محذوف أي أخدود النار وليس بذاك. وقرأ قوم (النار) بالرفع فقيل على معنى
~~قتلتهم النار كما في قوله تعالى:

# يسبح له فيها بالغدو والاصال ms11210 * رجال

# [النور: 3637] على قراءة { يسبح } بالبناء للمفعول وقوله:

# ليبك يزيد ضارع لخصومة

# ويكون أصحاب الأخدود إذ ذاك المؤمنين وليس المراد بالقتل اللعن. وجوز أن
~~يراد بهم الكفرة والقتل على حقيقته بناء على ما قال الربيع بن أنس
~~والكلبي وأبو العالية وأبو إسحق من أن الله تعالى بعث على المؤمنين
~~ريحا فقبضت أرواحهم وخرجت النار فأحرقت الكافرين الذين كانوا على حافتي
~~الأخدود. وأنت تعلم أن قول هؤلاء مخالف لقول الجمهور ولما دلت عليه القصص
~~التي ذكروها فلا ينبغي أن يعول عليه وإن حمل القتل على حقيقته غير ملائم
~~للمقام ولعل الأولى في توجيه هذه القراءة أن (النار) خبر مبتدأ محذوف أي
~~هي أو هو النار ويكون الضمير راجعا على الأخدود وكونه النار خارج مخرج
~~المبالغة كأنه نفس النار.

# { ذات الوقود } وصف لها بغاية العظمة وارتفاع اللهب وكثرة ما
~~يوجبه. ووجه إفادته ذلك أنه لم يقل موقدة بل جعلت ذات وقود أي مالكته وهو
~~كناية عن زيادته زيادة مفرطة لكثرة ما يرتفع به لهبها وهو الحطب الموقد
~~به لأن تعريفه استغراقي وهي إذا ملكت كل موقود به عظم حريقها ولهبها وليس
~~ذلك لأنه لا يقال ذو كذا إلا لمن كثر عنده كذا لأنه غير مسلم وذو النون
~~يأباه وكذا ذو العرش.

# وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو حيوة وعيسى (الوقود) بضم الواو وهو مصدر
~~بخلاف مفتوحه فإنه ما يوقد به. وقد حكى سيبويه أنه مصدر كمضمومه. وقوله
~~تعالى: { إذ هم عليها قعود }.

### || [85.6]

# / ظرف لقتل أي لعنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين حولها في مكان قريب منها
~~مشرفين عليها من حافات الأخدود كما في قول الأعشى:

# تشب لمقرورين يصطليانها

# وبات على النار الندى والمحلق

# وقيل الكلام بتقدير مضاف أي على حافاتها أو نحوه والجمهور على أن المراد
~~ذلك من غير تقدير.

### || [85.7]

# أي يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به أو يشهدون
~~عنده على حسن ما يفعلون واشتماله على الصلاح على ما قيل أو يشهد بعضهم
~~على بعض بذلك ms11211 الفعل الشنيع يوم القيامة أو يشهدون على أنفسهم بذلك يوم
~~تشهد عليهم جوارحهم بأعمالهم وقيل (على) بمعنى مع والمعنى وهم مع ما
~~يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور لا يرقون لهم لغاية قسوة قلوبهم ومن
~~زعمم أن الله تعالى نجى المؤمنين وإنما أحرق سبحانه الكافرين يقول هنا
~~المراد وهم على ما يريدون فعله بالمؤمنين شهود وأيا ما كان ففي المؤمنين
~~تغليب والمراد بالمؤمنين والمؤمنات. ومن الغريب الذي لا يلتفت إليه ما
~~قيل إن أصحاب الأخدود عمرو بن هند المشهور بمحرق ومن معه حرق مائة من بني
~~تميم وضميرهم { على ما يفعلون } لكفار قريش الذين كانوا يفتنون
~~المؤمنين والمؤمنات.

### || [85.8]

# { وما نقموا منهم } أي ما أنكروا منهم وما عابوا وفي «مفردات
~~الراغب» يقال نقمت الشيء إذا أنكرته بلسانك أو بعقوبة. وقرأ زيد بن علي
~~وأبو حيوة وابن أبي عبلة (وما نقموا) بكسر القاف. والجملة عطف على
~~الجملة الاسمية وحسن ذلك على ما قيل كون تلك الاسمية لوقوعها في حيز إذ
~~ماضوية فكان العطف عطف فعلية على فعلية وقيل إن هذه الفعلية بتقدير وهم
~~ما نقموا منهم { إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد
~~} استثناء مفصح عن براءتهم عما يعاب وينكر بالكلية على منهاج قوله:

# ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

# بهن فلول من قراع الكتائب

# وكون الكفرة يرون الإيمان أمرا منكرا والشاعر لا يرى الفلول كذلك لا
~~يضر على ما أرى في كون ذلك منه عز وجل جاريا على ذلك المنهاج من تأكيد
~~المدح بما يشبه الذم، ثم إن القوم إن كانوا مشركين فالمنكر عندهم ليس هو
~~الإيمان بالله تعالى بل نفى ما سواه من معبوداتهم الباطلة وإن كانوا
~~معطلة فالمنكر عندهم ليس إلا إثبات معبود غير معهود لهم لكن لما كان مآل
~~الأمرين إنكار المعبود بحق الموصوف بصفات الجلال والإكرام عبر بما ذكر
~~مفصحا عما سمعت فتأمل. ولبعض الأعلام كلام في هذا المقام قد رده الشهاب
~~فإن أردته فارجع إليه.

# وفي «المنتخب» إنما قال سبحانه { إلا أن يؤمنوا } لأن التعذيب
~~إنما كان ms11212 واقعا على الإيمان في المستقبل ولو كفروا فيه لم يعذبوا على ما
~~مضى فكأنه قال عز وجل إلا أن يدوموا على إيمانهم انتهى وكأنه حمل النقم
~~على الإنكار بالعقوبة. ووصفه عز وجل بكونه عزيزا غالبا يخشى عقابه
~~وحميدا منعما يرجى ثوابه وتأكيد ذلك بقوله سبحانه: { الذى له
~~ملك السموات والأرض }.

### || [85.9]

# { الذى له ملك السموات والأرض } للإشعار بمناط
~~إيمانهم وقوله تعالى: { والله على كل شىء شهيد } وعد لهم
~~ووعيد لمعذبيهم فإن علم الله جل شأنه الجامع لصفات الجلال والجمال بجميع
~~الأشياء التي من جملتها أعمال الفريقين يستدعي توفير جزاء كل منهما،
~~ولكونه تذييلا لذلك واللائق به الاستقلال جيء فيه بالاسم الجليل دون
~~الضمير.

### || [85.10]

# { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنت } أي
~~محنوهم في دينهم ليرجعوا عنه. والمراد بالذين فتنوا وبالمؤمنين والمؤمنات
~~المفتونين إما أصحاب الأخدود والمطرحون فيه خاصة وإما الأعم ويدخل
~~المذكورون دخولا أوليا وهو الأظهر وقيل المراد بالموصول كفار قريش
~~الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات من هذه الأمة بأنواع من العذاب.

# وقوله تعالى: { ثم لم يتوبوا } قال ابن عطية يقوي أن الآية /
~~في قريش لأن هذا اللفظ فيهم أحكم منه في أولئك الذين قد علم أنهم
~~ماتواعلى كفرهم وأما قريش فكان فيهم وقت نزولها من تاب وآمن وأنت تعلم أن
~~هذا على ما فيه لا يعكر على أظهرية العموم والظاهر أن المراد ثم لم
~~يتوبوا من فتنهم.

# { فلهم عذاب جهنم } أي بسبب فتنهم ذلك { ولهم عذاب
~~الحريق } وهو نار أخرى زائدة الإحراق كما تنبىء عنه صيغة فعيل لعدم
~~توبتهم ومبالاتهم بما صدر منهم، وقال بعض الأجلة أي فلهم عذاب جهنم بسبب
~~كفرهم فإن فعلهم ذلك لا يتصور من غير الكافر ولهم عذاب الحريق بسبب فتنهم
~~المؤمنين والمؤمنات وفي جعل ذلك جزاء الفتن من الحسن ما لا يخفى. وتعقب
~~بأن عنوان الكفر لم يصرح به في جانب الصلة وإنما المصرح به الفتن وعدم
~~التوبة فالأظهر اعتبارهما سببين في جانب الخبر على الترتيب.

# وقيل أي فلهم جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في ms11213 الدنيا بناء على ما
~~روى عن الربيع ومن سمعت أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم وقد علمت حاله.
~~وتعقبه أبو حيان بأن { ثم لم يتوبوا } يأبى عنه لأن أولئك
~~المحرقين لم ينقل لنا أن أحدا منهم تاب بل الظاهر أنهم لم يلعنوا إلا
~~وهم قد ماتوا على الكفر وفيه نظر وعليه إنما أخر { ولهم عذاب
~~الحريق } ورعاية للفواصل أو للتتميم والترديف كأنه قيل ذلك وهو
~~العقوبة العظمى كائن لا محالة وهذا أيضا لا يتجاوزونه.

# وفي «الكشف» الوجه أن عذاب جهنم وعذاب الحريق واحد ووصف بما يدل على أنه
~~للمعبودين جدا عن رحمته عز وجل وعلى أنه عذاب هو محض الحريق وهو الحرق
~~البالغ وكفى به عذابا. والظاهر أنه اعتبر الحريق مصدرا والإضافة بيانية
~~ولا بأس بذلك إلا أن الوحدة التي ادعاها خلاف ظاهر العطف وقال بعضهم لو
~~جعل من عطف الخاص على العام للمبالغة فيه لأن عذاب جهنم بالزمهرير
~~والإحراق وغيرهما كان أقرب ولعل ما ذكرناه أبعد عن القال والقيل. وجملة {
~~فلهم عذاب } الخ وقعت خبرا لإن أو الخبر الجار والمجرور و {
~~عذاب } مرتفع به على الفاعلية وهو الأحسن والفاء لما في المبتدأ من
~~معنى الشرط ولا يضر نسخه بإن وإن زعمه الأخفش.

# واستدل بالآية على بعض أوجهها على أن عذاب الكفار يضاعف بما قارنه من
~~المعاصي.

### || [85.11]

# { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } على الإطلاق
~~من المفتونين وغيرهم { لهم } بسبب ما ذكر من الإيمان والعمل الصالح {
~~جنت تجرى من تحتها الأنهر } إن أريد بالجنات الأشجار
~~فجريان الأنهار من تحتها ظاهر وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها
~~فالتحتية باعتبار جزئها الظاهر فإن أشجارها ساترة لساحتها كما يعرب عنه
~~اسم الجنة. وفصل الجملة قيل لأنها كالتأكيد لما أشعرت به الآية قبل من
~~اختصاص العذاب بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا.

# { ذلك } إشارة إلى كون ما ذكر لهم وحيازتهم إياه وقيل للجنات
~~الموصوفة والتذكير لتأويلها بما ذكر وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو
~~الدرجة وبعد المنزلة في الفضل والشرف، ومحله الرفع على ms11214 الابتداء خبره {
~~الفوز الكبير } الذي يصغر عنده الفوز بالدنيا وما فيها من
~~الرغائب والفوز النجاة من الشر والظفر بالخير فعلى الوجه الثاني في
~~الإشارة هو مصدر أطلق على المفعول مبالغة وعلى الأول مصدر على حاله.

### || [85.12]

# استئناف خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم إيذانا بأن لكفار قومه
~~نصيبا موفورا من مضمونه كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع
~~الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام. والبطش الأخذ بصولة وعنف وحيث
~~وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم وهو بطشه عز وجل بالجبابرة والظلمة وأخذه
~~سبحانه إياهم بالعذاب والانتقام.

### || [85.13]

# أي إنه عز وجل هو يبدىء الخلق بالإنشاء وهو سبحانه يعيده بالحشر يوم
~~القيامة كما قال ابن زيد والضحاك أو يبدىء كل ما يبدأ ويعيد كل ما يعاد
~~كما قال ابن عباس من غير دخل لأحد في شيء منهما ومن كان كذلك كان بطشه في
~~غاية الشدة / أو يبدىء البطش بالكفرة في الدنيا ثم يعيده في الآخرة وعلى
~~الوجهين الجملة في موضع التعليل لما سبق ووجهه على الثاني ظاهر وعلى
~~الأول قد أشرنا إليه وقيل وجهه عليه إن الإعادة للمجازاة فهي متضمنة
~~للبطش وليس بذاك وعن ابن عباس يبدىء العذاب بالكفار ويعيده عليهم فتأكلهم
~~النار حتى يصيروا فحما ثم يعيدهم عز وجل خلقا جديدا وفيه خفاء وإن كان
~~أمر الجملة عليه في غاية الظهور واستعمال (بيدىء) مع (يعيد) حسن وإن لم
~~يسمع أبدأ كما بين في محله وحكى أبو زيد أنه قرىء (يبدأ) من بدأ ثلاثيا
~~وهو المسموع لكن القراءة بذلك شاذة.

### || [85.14]

# { وهو الغفور } لمن يشاء من المؤمنين وقيل لمن تاب وآمن والتخصيص
~~عند من يرى رأي أهل السنة إما لمناسبة مقام الإنذار أو لما في صيغة
~~الغفور من المبالغة فأصل المغفرة لا يتوقف على التوبة وزيادتها بما لا
~~يعلمه إلا الله تعالى للتائبين.

# { الودود } المحب كثيرا لمن أطاع ففعول صيغة مبالغة في الواد اسم
~~فاعل ومحبة الله تعالى ومودته عند الخلف بانعامه سبحانه وإكرامه جل شأنه
~~ومن هنا فسر الودود بكثير ms11215 الإحسان وعن ابن عباس أي المتودد إلى عباده
~~تعالى شأنه بالمغفرة وقيل هو فعول بمعنى مفعول كركوب وحلوب أي يوده ويحبه
~~سبحانه عباده الصالحون وهو خلاف الظاهر، وحكى المبرد عن القاضي اسمعيل بن
~~إسحق أن الودود هو الذي لا ولد له وأنشد قوله:

# وأركب في الروع عريانة

# ذلول الجماح لقاحا ودودا

# أي لا ولد لها تحن إليه وحمله مع الغفور على هذا المعنى غير مناسب كما
~~لا يخفى.

### || [85.15]

# { ذو العرش } أي صاحبه والمراد مالكه أو خالقه وهو أعظم المخلوقات
~~وعن علي كرم الله تعالى وجهه لو جمعت مياه الدنيا ومسح بها سطح العرش
~~الذي يلينا لما استوعب منه إلا قليل وجاء في الأخبار من عظمه ما يبهر
~~العقول وقال القفال (ذو العرش) ذو الملك والسلطان كأنه جعل العرش بمعنى
~~الملك بطريق الكناية والتجوز وجوز أن يبقى العرش على حقيقته ويراد بذي
~~العرش الملك لأن ذا العرش لا يكون إلا ملكا.

# وقرأ ابن عامر في رواية (ذي العرش) بالياء على أنه صفة ل

# ربك

# [البروج: 12] وحينئذ يكون قوله تعالى:

# إنه هو

# [البروج: 13] الخ جملة معترضة لا يضر الفصل بها بين الصفة والموصوف وكذا
~~لا يضر الفصل بينهما بخبر المبتدأ لأنه ليس بأجنبي فإن الموصوف هنا من
~~تتمة المبتدأ وقد قال ابن مالك في «التسهيل» يجوز الفصل بين التابع
~~والمتبوع بما لا يتمحض مباينته، نعم قال ابن الحاجب الفصل بين الصفة
~~والموصوف بخبر المبتدأ شاذ كما في قوله:

# وكل أخ مفارقه أخوه

# لعمر أبيك إلا الفرقدان

# { المجيد } العظيم في ذاته عز وجل وصفاته سبحانه فإنه تعالى شأنه
~~واجب الوجود تام القدرة كامل الحكمة.

# وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وابن وثاب والأعمش والمفضل عن عاصم والأخوان
~~(المجيد) بالجر صفة للعرش ومجده علوه وعظمته وحسن صورته وتركيبه فإنه
~~قيل العرش أحسن الأجسام صورة وتركيبا وليس من مجده كون الحوادث الكونية
~~بتوسط أوضاعه كما يزعمه المنجمون فإن ذلك باطل شرعا وعقلا على ما
~~تقتضيه أصولهم وجاز على قراءة (ذي العرش) بالياء أن يكون صفة ms11216 لذي وجوز
~~كونه صفة ل

# ربك

# [البروج: 12] وليس بذاك لأن الأصل عدم الفصل بين التابع والمتبوع فلا
~~يقال به ما لم يتعين.

### || [85.16]

# بحيث لا يتخلف عن إرادته تعالى [مراد] من أفعاله سبحانه وأفعال غيره عز
~~وجل فما للعموم وفي التنكير من التفخيم ما لا يخفى وفيه رد ظاهر على
~~المعتزلة في قولهم إنه سبحانه وتعالى يريد ايمان الكافر وطاعة العاصي
~~ويتخلفان عن إرادته سبحانه والمرفوعات كلها على ما استحسنه أبو حيان
~~أخبار لهو في قوله تعالى:

# هو الغفور

# [البروج: 14] وجوز أن يكون (الودود) و(ذو العرش) و(المجيد) صفات
~~للغفور ومن لم يجوز تعدد الخبر لمبتدأ واحد يقول بذلك أو بتقدير مبتدآت /
~~للمذكورات وأطلق الزمخشري القول بأن { فعال } خبر لمبتدأ محذوف أي هو
~~فعال فقال صاحب «الكشف» إنما لم يحمله على أنه خبر السابق أعني { هو }
~~في قوله تعالى: { هو الغفور } لأن قوله سبحانه: { فعال لما
~~يريد } تحقيق للصفتين البطش بالأعداء والغفر والود للأولياء ولو حمل
~~عليه لفاتت هذه النكتة اه وهو تدقيق لطيف وقوله تعالى: { هل أتاك
~~حديث الجنود }.

### || [85.17]

# استئناف فيه تقرير لكونه تعالى فعالا لما يريد وكذا لشدة بطشه سبحانه
~~بالظلمة العصاة والكفرة العتاة وتسلية له صلى الله عليه وسلم بالإشعار
~~بأنه سيصيب كفرة قومه ما أصاب الجنود وهو جمع جند يقال للعسكر اعتبارا
~~بالغلظة من الجند أي الأرض الغليظة وكذا للأعوان ويقال لصنف من الخلق على
~~حدة وكذا لكل مجتمع. والمراد بالجنود ههنا الجماعات الذين تجندوا على
~~أنبياء الله تعالى عليهم السلام واجتمعوا على أذيتهم.

### || [85.18]

# بدل من { الجنود } بدل كل من كل على حذف مضاف أي جنود فرعون أو على
~~أن يراد بفرعون هو وقومه واكتفى بذكره عنهم لأنهم أتباعه وقيل البدل هو
~~المجموع لا كل من المتعاطفين وهو خلاف الظاهر وقال السمين يجوز كونه
~~منصوبا بأعني لأنه لما لم يطابق ما قبله وجب قطعه وتعقب بأنه تفسير
~~للجنود حينئذ فيعود الإشكال وأجيب بأن المفسر حينئذ المجموع وليس
~~اعتباره مع أعني كاعتباره مع الإبدال والمراد بحديثهم ms11217 ما صدر عنهم من
~~التمادي في الكفر والضلال وما حل بهم من العذاب والنكال والمعنى قد أتاك
~~حديثهم وعرفت ما فعلوا وما فعل بهم فذكر قومك بأيام الله تعالى وشؤونه
~~سبحانه وأنذرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم.

### || [85.19]

# وقوله تعالى: { بل الذين كفروا } أي من قومك { فى تكذيب
~~} إضراب انتقالي عن مماثلتهم لهم وبيان لكونهم أشد منهم في الكفر
~~والطغيان كما ينبىء عنه العدول عن يكذبون إلى { فى تكذيب } المفيد
~~لإحاطة التكذيب بهم إحاطة الظرف بمظروفه أو البحر بالغريق فيه مع ما في
~~تنكيره من الدلالة على تعظيمه وتهويله فكأنه قيل ليسوا مثلهم بل هم أشد
~~منهم فإنهم غرقى مغمورون في تكذيب عظيم للقرآن الكريم فهم أولى منهم في
~~استحقاق العذاب أو كأنه قيل ليست جنايتهم مجرد عدم التذكر والاتعاظ بما
~~سمعوا من حديثهم بل هم مع ذلك في تكذيب عظيم للقرآن الناطق بذلك وكونه
~~قرآنا من عند الله تعالى مع وضوح أمره وظهور حاله بالبينات الباهرة.
~~وقوله تعالى: { والله من ورائهم محيط }.

### || [85.20]

# جوز أن يكون اعتراضا تذييليا وأن يكون حالا من الضمير في الجار
~~والمجرور السابق. والكلام تمثيل لعدم نجاتهم من بأس الله تعالى بعدم فوت
~~المحاط المحيط كما قال غير واحد، وكأن المعنى أنه عز وجل عالم بهم وقادر
~~عليهم وهم لا يعجزونه ولا يفوتونه سبحانه وتعالى. وذكر عصام الدين أن في
~~ذلك تعريضا وتوبيخا للكفار بأنهم نبذوا الله سبحانه وراء ظهورهم
~~وأقبلوا على الهوى والشهوات بكليتهم ولعل ذلك من العدول عن بهم إلى { من
~~ورائهم } وقوله تعالى: { بل هو قرءان مجيد }.

### || [85.21]

# رد لكفرهم وإبطال لتكذيبهم وتحقيق للحق أي بل هو كتاب شريف عالي الطبقة
~~فيما بين الكتب الإلهية في النظم والمعنى لا يحق تكذيبه والكفر به. وقيل
~~إضراب وانتقال عن الإخبار بشدة تكذيبهم وعدم ارعوائهم عنه إلى وصف القرآن
~~للإشارة إلى أنه لا ريب فيه ولا يضره تكذيب هؤلاء والأول أولى وزعم بعضهم
~~أن الإضراب الأول عن قصة فرعون وثمود إلى جميع الكفار والمعنى ms11218 عليه أن
~~جميع الكفار في تكذيب ولم يكن نبي فارغا عن تكذيبهم والله تعالى لا
~~يهمل أمرهم وفيه من تسليته صلى الله عليه وسلم ما فيه ويبعده إرداف ذلك
~~بهذا الإضراب.

# وقرأ ابن السميفع (قرآن مجيد) بالإضافة قال ابن خالويه سمعت ابن
~~الأنباري يقول معناه بل هو قرآن رب مجيد كما قال الشاعر:

# ولكن الغني رب غفور

# أي غنى رب غفور وقال ابن عطية قرأ اليماني بالإضافة على أن يكون المجيد
~~/ هو الله تعالى وهو محتمل للتقدير وعدمه وجوز أن يكون من إضافة الموصوف
~~لصفته قال أبو حيان وهذا أولى لتوافق القراءتين.

### || [85.22]

# { فى لوح } أي كائن في لوح { محفوظ } أي ذلك اللوح من وصول
~~الشياطين إليه. وهذا هو اللوح المحفوظ المشهور وهو على ما روي عن ابن
~~عباس والعهدة على الراوي لوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض
~~وعرضه ما بين المشرق والمغرب وحافتاه الدر والياقوت ودفتاه ياقوتة حمراء
~~وقلمه نور وهو معقود بالعرش وأصله في حجر ملك يقال له ساطريون لله عز وجل
~~فيه في كل يوم ثلثمائة وستون لحظة يحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء
~~وأنه كتب في صدره لا إله إلا الله وحده لا شريك له دينه الإسلام ومحمد
~~عبده ورسوله فمن آمن بالله عز وجل وصدق بوعده واتبع رسله أدخله الجنة.
~~وقال مقاتل إن اللوح المحفوظ عن يمين العرش وجاء فيه أخبار غير ذلك ونحن
~~نؤمن به ولا يلزمنا البحث عن ماهيته وكيفية كتابته ونحو ذلك. نعم نقول إن
~~ما يزعمه بعض الناس من أنه جوهر مجرد ليس في حيز وأنه كالمرآة للصور
~~العلمية مخالف لظواهر الشريعة وليس له مستند من كتاب ولا سنة أصلا.

# وقرأ ابن يعمر وابن السميفع (لوح) بضم اللام وأصله في اللغة الهواء
~~والمراد به هنا مجازا ما فوق السماء السابعة. وقرأ الأعرج وزيد بن علي
~~وابن محيصن ونافع بخلاف عنه (محفوظ) بالرفع على أنه صفة لقرآن و { فى
~~لوح } قيل متعلق به وقيل صفة أخرى لقرآن وتعقب ms11219 بأن فيه تقديم الصفة
~~المركبة على المفردة وهو خلاف الأصل والمعنى عليه قيل محفوظ بعد التنزيل
~~من التغيير والتبديل والزيادة والنقص كما قال سبحانه:

# إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون

# [الحجر: 9] وقيل محفوظ في ذلك اللوح عن وصول الشياطين إليه والله تعالى
~~أعلم.

### | [86 - سورة الطارق]

### || [86.1]

# { والسماء } هي المعروفة على ما عليه الجمهور، وقيل المطر هنا وهو
~~أحد استعمالاتها ومنه قوله:

# إذا نزل السماء بأرض قوم

# رعيناه وإن كانوا غضابا

# ولا يخفى حاله { والطارق } وهو في الأصل اسم فاعل من الطرق بمعنى
~~الضرب بوقع وشدة يسمع لها صوت ومنه المطرقة والطريق لأن السابلة تطرقها
~~ثم صار في عرف اللغة اسما لسالك الطريق لتصور أنه يطرقها بقدمه واشتهر
~~فيه حتى صار حقيقة ثم اختص بالآتي ليلا لأنه في الأكثر يجد الأبواب
~~مغلقة فيطرقها ثم اتسع في كل ما يظهر بالليل كائنا ما كان حتى الصور
~~الخيالية البادية فيه والعرب تصفها بالطروق كما في قوله:

# طرق الخيال ولا كليلة مدلج

# سدكا بأرحلنا ولم يتعرج

# والمراد به ههنا عند الجمهور الكوكب البادي بالليل إما على أنه اسم جنس
~~أو كوكب معهود كما ستعلمه إن شاء الله تعالى. وقوله تعالى: { وما
~~أدراك ما الطارق }.

### || [86.2]

# تنويه بشأنه إثر تفخيمه بالإقسام وتنبيه على أن رفعة قدره بحيث لا
~~ينالها إدراك الخلق فلا بد من تلقيها من الخلاق العليم فما الأولى مبتدأ
~~و(أدراك) خبره و(ما) الثانية / خبر و(الطارق) مبتدأ على ما اختاره بعض
~~المحققين أي أي شيء أعلمك ما الطارق؟ وقوله سبحانه: { النجم
~~الثاقب }.

### || [86.3]

# خبر مبتدأ محذوف والجملة استئناف وقع جوابا عن استفهام نشأ عما قبل
~~كأنه قيل ما هو؟ فقيل هو النجم الخ والثاقب في الأصل الخارق ثم صار بمعنى
~~المضىء لتصور أنه يثقب الظلام وقد يخص بالنجوم والشهب لذلك وتصور أنها
~~ينفذ ضوءها في الأفلاك ونحوها. وقال الفراء: الثاقب المرتفع يقال ثقب
~~الطائر أي ارتفع وعلا. والمراد بالنجم الثاقب الجنس عند الحسن فإن لكل
~~كوكب ضوءا ثاقبا لا محالة وكذا كل ms11220 كوكب مرتفع ولا يضر التفاوت في ذلك.
~~وذهب غير واحد إلى أن المراد به معهود فعن ابن عباس أنه الجدي وأخرج ابن
~~جرير عن ابن زيد أنه الثريا وهو الذي تطلق العرب عليه اسم النجم وروي عنه
~~أيضا أنه زحل وهو أبعد السيارات وأرفعها وما يثقبه ضوؤه من الأفلاك أكثر
~~فيما يزعم المنجمون المتقدمون وإنما قلنا أبعد السيارات لأن الجدي
~~والثريا عندهم أبعد منه بكثير وكذا عند المحدثين.

# وعن الفراء أنه القمر لأنه آية الليل وأشد الكواكب ضوءا فيه وهو زمان
~~سلطانه وأنت تعلم أن إطلاق النجم عليه ولو موصوفا غير شائع. وقيل هو
~~النجم الذي يقال له كوكب الصبح وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه نجم في
~~السماء السابعة لا يسكنها غيره فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط
~~فكان معها ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة فهو طارق حين ينزل وطارق
~~حين يصعد ولا يخفى أن المعروف أن الذي يسكن السماء السابعة أعني الفلك
~~السابع وحده هو زحل فيكون ذلك قولا بأن النجم الثاقب هو لكن لا يعرف له
~~نزول ولا صعود بالمعنى المتبادر وأيضا لا يعقل له نزول إلى حيث تكون
~~النجوم أعني الثوابت لأن المعروف عندهم أنها في الفلك الثامن ويجوز عقلا
~~أن يكون بعضها في أفلاك فوق ذلك بل نص المحدثون لما قام عندهم على
~~تفاوتها في الارتفاع ولم يشكوا في أن كثيرا منها أبعد من زحل بعدا
~~عظيما وإذا اعتبرت الظواهر وقلنا بأنها في السماء الدنيا وإن تفاوتت في
~~الارتفاع فلذلك أيضا مما يأباه أن النجوم قد تأخذ أمكنتها من السماء
~~وليس معها زحل وبالجملة ما يعكر على هذا الخبر كثير وكونه كرم الله تعالى
~~وجهه أراد كوكبا آخر هذا شأنه لا يخفى حاله والذي يقتضيه الإنصاف وترك
~~التعصب أن الخبر مكذوب على الأمير رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه.

# وجوز على إرادة الجنس أن يراد به جنس الشهب التي يرجم بها وليس بذاك وما
~~روي أن أبا طالب كان عند رسول ms11221 الله صلى الله عليه وسلم فانحط نجم فامتلأ
~~ماء ثم نورا ففزع أبو طالب فقال: أي شيء هذا فقال عليه الصلاة والسلام

# " هذا نجم رمي به وهو آية من آيات الله تعالى "

# فعجب أبو طالب فنزلت لا يقتضي ذلك على ما لا يخفى. وزعم ابن عطية أن
~~المراد بالطارق جميع ما يطرق من الأمور والمخلوقات فيعم النجم الثاقب
~~وغيره ويكون معنى { ومآ أدراك ما الطارق } حق الطارق بأن تكون
~~أل في { ما الطارق } مثلها في أنت الرجل، وما أدري ما الطارق على
~~هذا الرجل حتى ركب هذا الطريق الوعر في التفسير. وفي إيراد ذلك عند
~~الإقسام به بوصف مشترك بينه وبين غيره ثم الإشارة إلى أن ذلك الوصف غير
~~كاشف عن كنه أمره وأن ذلك مما لا يبلغه أفكار الخلائق. ثم تفسيره بالنجم
~~الثاقب من تفخيم شأنه وإجلال محله ما لا يخفى على ذي نظر ثاقب ولإرادة
~~ذلك لم يقل ابتداء والنجم الثاقب مع أنه أخصر وأظهر ولله عز وجل أن يفخم
~~شأن ما شاء من خلقه لما شاء.

# ولا دلالة فيه ههنا على شيء مما يزعمه المنجمون في أمر النجوم زحل
~~وغيره من التأثير في سعادة أو شقاوة أو نحوهما. وجواب القسم قوله تعالى:
~~{ إن كل نفس لما عليها حافظ }.

### || [86.4]

# وما بينهما اعتراض جىء به لما ذكر من تأكيد فخامة المقسم به المستتبع
~~لتأكيد مضمون الجملة المقسم عليها. وقيل جوابه قوله سبحانه:

# إنه على رجعه لقادر

# [الطارق: 8] وما في البين اعتراض وهو كما ترى. و(إن) نافية و(لما)
~~بمعنى إلا ومجيئها كذلك / لغة مشهورة كما نقل أبو حيان عن الأخفش في هذيل
~~وغيرهم يقولون أقسمت عليك أو سألتك لما فعلت كذا، يريدون إلا فعلت
~~وبهذا رد على الجوهري المنكر لذلك وقال الرضي: لا تجىء إلا بعد نفي ظاهر
~~أو مقدر ولا تكون إلا في المفرغ أي بخلاف إلا و(كل) لتأكيد العموم لتحقق
~~أصله من وقوع النكرة في سياق النفي، وهو مبتدأ والخبر على المشهور {
~~حافظ } و { عليها } متعلق به ms11222 وعلى ما سمعت عن الرضي محذوف، أي ما
~~كل نفس كائنة في حال من الأحوال إلا في حال أن يكون عليها حافظ أي مهيمن
~~ورقيب وهو الله عز وجل كما في قوله تعالى:

# وكان الله على كل شىء رقيبا

# [الأحزاب: 52]

# إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل

# خلوت ولكن قل علي رقيب

# وقيل هو من يحفظ عملها من الملائكة عليهم السلام ويحصي عليها ما تكسب من
~~خير أو شر كما في قوله تعالى:

# وإن عليكم لحفظين * كراما كتبين

# [الانفطار: 1011] الآية وروي ذلك عن ابن سيرين وقتادة وغيرهما وخصصوا
~~النفس بالمكلفة. وقيل هو من وكل على حفظها والذب عنها من الملائكة كما في
~~قوله تعالى:

# له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه
~~من أمر الله

# [الرعد: 11] وعن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

# " وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل الذباب
~~ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين "

# وقيل هو العقل يرشد المرء إلى مصالحه ويكفه عن مضاره.

# وقرأ الأكثر (لما) بالتخفيف فعند الكوفيين (إن) نافية كما سبق واللام
~~بمعنى إلا و(ما) زائدة وصرحوا هنا بأن (كل) و(حافظ) مبتدأ وخبر فلا تغفل.
~~وعند البصريين (إن) مخففة من الثقيلة و(كل) مبتدأ و(ما) زائدة واللام هي
~~الداخلة للفرق بين إن النافية وإن المخففة و(حافظ) خبر المبتدأ و(عليها)
~~متعلق به وقدر لأن ضمير الشأن. وتعقب بأنه لا حاجة إليه لأنه في غير
~~المفتوحة ضعيف لعدم العمل مع أنه مخل بإدخال اللام الفارقة لأنه إذا كان
~~الخبر جملة فالأولى إدخال اللام على الجزء الأول كما صرح به في «التسهيل»
~~وإدخالها على الجزء الثاني كما صرح به بعض الأفاضل في «حواشيه» عليه ولعل
~~من قال أي إن الشأن كل نفس لعليها حافظ لم يرد تقدير الضمير وإنما أراد
~~بيان حاصل المعنى. وحكى هارون أنه قرىء (إن) بالتشديد و(كل) بالنصب
~~و(لما) بالتخفيف فاللام هي الداخلة في خبر (إن) و(ما) زائدة وعلى جميع
~~القراآت أمر الجوابية ظاهر ms11223 لوجود ما يتلقى به القسم وتلقيه بالمشددة
~~مشهور وبالمخففة

# تالله إن كدت لتردين

# [الصافات: 56] وبالنافية

# ولئن زالتآ إن أمسكهما

# [فاطر: 41] وقوله تعالى: { فلينظر الإنسن مم خلق }.

### || [86.5]

# متفرع على ما قبله وليست الفاء بفصيحة خلافا للطيبي إذ لا يحتاج إلى
~~حذف في استقامة الكلام أما على تقدير أن يكون الحافظ هو الله عز وجل أو
~~الملك الذي وكله تعالى شأنه للحفظ على الوجه الذي سمعت فلأنه لما أثبت
~~سبحانه أن عليه رقيبا منه تعالى حثه على النظر المعرف لذلك مع أوصافه
~~كأنه قيل فليعرف المهيمن عليه بنصبه الرقيب أو بنفسه وليعلم رجوعه إليه
~~تعالى وليفعل ما يسر به حال الرجوع وعبر عن الأول بقوله تعالى: {
~~فلينظر } ليبين طريق المعرفة فهو بسط فيه إيجاز وأدمج فيه الأخيران،
~~وأما على تقدير أن يكون المراد به العقل فلأنه لما أثبت سبحانه أن له
~~عقلا يرشد إلى المصالح ويكف عن المضار حثه على استعماله فيما ينفعه وعدم
~~تعطيله وإلغائه كأنه قيل فلينظر بعقله وليتفكر به في مبدأ خلقه حتى يتضح
~~له قدرة واهبة وأنه إذا قدر على إنشائه من مواد لم تشم رائحة الحياة قط
~~فهو سبحانه على إعادته أقدر وأقدر فيعمل بما يسر به حين الإعادة وقد يقرر
~~التفريع على جميع الأوجه بنحو واحد فتأمل. و { مم خلق } استفهام
~~و(من) متعلقة بخلق والجملة في موضع نصب بينظر وهي معلقة بالاستفهام.
~~وقوله تعالى: { خلق من ماء دافق }.

### || [86.6]

# استئناف وقع جوابا عن استفهام مقدر كأنه قيل مم خلق فقيل: خلق من ماء
~~الخ وظاهر كلام بعض الأجلة أنه جواب الاستفهام / المذكور مع تعلق الجار
~~بينظر وفيه مسامحة وكأن المراد أنه على صورة الجواب، وجعله جوابا له
~~حقيقة على أنه مقطوع عن { ينظر } ليس بشيء عند من له نظر.

# والدفق صب فيه دفع وسيلان بسرعة وأريد بالماء الدافق المني و { دافق
~~} قيل بمعنى مدفوق على تأويل اسم الفاعل بالمفعول وقد قرأ بذلك زيد بن
~~علي رضي الله تعالى عنهما. وقال الخليل وسيبويه هو على النسب ms11224 كلابن وتامر
~~أي ذي دفق وهو صادق على الفاعل والمفعول وقيل هو اسم فاعل وإسناده إلى
~~الماء مجاز وأسند إليه ما لصاحبه مبالغة أو هو استعارة مكنية وتخييلية
~~كما ذهب إليه السكاكي أو مصرحة بجعله دافقا لأنه لتتابع قطراته كأنه
~~يدفق أي يدفع بعضه بعضا.

# وقد فسر ابن عطية الدفق بالدفع فقال الدفق دفع الماء بعضه ببعض يقال
~~تدفق الوادي والسيل إذا جاء يركب بعضه بعضا ويصح أن يكون الماء دافقا
~~لأن بعضه يدفع بعضا فمنه دافق ومنه مدفوق وتعقبه أبو حيان بأن الدفق
~~بمعنى الدفع غير محفوظ في اللغة بل المحفوظ أنه الصب ونقل عن الليث أن
~~دفق بمعنى انصب بمرة فدافق بمعنى منصب فلا حاجة إلى التأويل وتعقب بأنه
~~مما تفرد به الليث كما في «القاموس» وغيره.

# وقيل { من مآء } مع أن الإنسان لا يخلق إلا من ماءين ماء الرجل وماء
~~المرأة ولذا كان خلق عيسى عليه السلام خارقا للعادة لأن المراد به
~~الممتزج من الماءين في الرحم وبالامتزاج صارا ماء واحدا. ووصفه بالدفق
~~قيل باعتبار أحد جزئيه وهو مني الرجل وقيل باعتبار كليهما ومني المرأة
~~دافق أيضا إلى الرحم ويشير إلى إرادة الممتزج على ما قيل قوله تعالى: {
~~يخرج من بين الصلب }.

### || [86.7]

# { يخرج من بين الصلب } أي من بين أجزاء صلب كل رجل أي ظهره
~~{ والترائب } أي ومن بين ترائب كل امرأة أي عظام صدرها جمع تريبة
~~وفسرت أيضا بموضع القلادة من الصدور وروي عن ابن عباس وهو لكل امرأة
~~واحد إلا أنه يجمع كما في قول امرىء القيس:

# مهفهفة بيضاء غير مفاضة

# ترائبها مصقولة كالسجنجل

# باعتبار ما حوله على ما في «البحر» وجاء في المفرد تريب كما في قول
~~المثقب العبدي:

# ومن ذهب يبين على تريب

# كلون العاج ليس بذي غضون

# وحمل الآية على ما ذكر مروي عن سفيان وقتادة إلا أنهما قالا أي يخرج من
~~بين صلب الرجل وترائب المرأة وظاهره كالآية أن أحد الطرفين للبينية الصلب
~~والآخر الترائب وهو غير ما قلناه وعليه ms11225 قيل هو كقولك يخرج من بين زيد
~~وعمرو خير كثير على معنى أنهما سببان فيه. وقيل إن ذلك باعتبار أن الرجل
~~والمرأة يصيران كالشيء الواحد فكان الصلب والترائب لشخص واحد فلا تغفل.
~~ثم إن ما تقدم مبني إما على أن الترائب مخصوصة بالمرأة كما هو ظاهر كلام
~~غير واحد وإما على حمل تعريفها على العهد.

# وقال الحسن وروي عن قتادة أيضا أن المعنى يخرج من بين صلب كل واحد من
~~الرجل والمرأة وترائب كل منهما ولم يفسر الترائب، فقيل عظام الصدر وقيل
~~ما بين الثديين وقيل ما بين المنكبين والصدر وقيل التراقي وقيل أربع
~~أضلاع من يمنة الصدر وأربع من يسرته وعن ابن جبير الأضلاع التي هي أسفل
~~الصلب وحكى مكي عن ابن عباس أنها أطراف المرء رجلاه ويداه وعيناه والأشهر
~~أنها عظام الصدر وموضع القلادة منه، وطعن في ذلك على ما قال الإمام بعض
~~الملاحدة خذلهم الله تعالى بأن المني إنما يتولد من فضلة الهضم الرابع
~~وينفصل من جميع أجزاء البدن فيأخذ من كل عضو طبيعة وخاصية مستعدا لأن
~~يتولد منه مثل تلك الأعضاء، وإن كان المراد أن معظم أجزاء المني تتولد في
~~ذينك الموضعين فهو ضعيف لأن معظمه إنما يتولد في الدماغ ألا ترى أنه في
~~صورته يشبه الدماغ والمكثر منه يظهر الضعف أولا في دماغه وعينيه، وإن
~~كان المراد أن مستقره هناك / فهو ضعيف أيضا لأن مستقره عروق يلتف بعضها
~~بالبعض عند البيضتين وتسمى أوعية المني، وإن كان المراد أن مخرجه هناك
~~فهو أيضا كذلك لأن الحس يدل على خلافه. وأجاب رحمه الله تعالى بأنه لا
~~شك أن أعظم الأعضاء معونة في توليد المني الدماغ وخليفته النخاع في الصلب
~~وشعب نازلة إلى مقدم البدن وهي التريبة فلذا خصا بالذكر، على أن كلامهم
~~في أمر المني وتولده محض الوهم والظن الضعيف وكلام الله تعالى المجيد لا
~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهو المقبول والمعول عليه اه.

# وفي «الكشف» أقول النخاع بين الصلب والترائب ولا يحتاج ms11226 إلى تخصيص
~~التريبة بالنساء فقد يمنع الشعب النازلة على أن تلك الشعب إن كانت فهي
~~أعصاب لا ذات تجاويف. والوجه والله تعالى أعلم أن النخاع والقوى الدماغية
~~والقلبية والكبدية كلها تتعاون في إبراز ذلك الفضل على ما هو عليه قابلا
~~لأن يصير مبدأ الشخص على ما بين في موضعه وقوله سبحانه: { من بين
~~الصلب والترائب } عبارة مختصرة جامعة لتأثير الأعضاء الثلاثة
~~فالترائب يشمل القلب والكبد وشمولها للقلب أظهر والصلب النخاع ويتوسطه
~~الدماغ ولعله لا يحتاج إلى التنبيه على مكان الكبد لظهور ذلك لأنه دم
~~نضيج وإنما احتيج إلى ما خفي وهو أمر الدماغ والقلب في تكون ذلك الماء
~~فنبه على مكانهما وقيل ابتداء الخروج منه كما أن انتهاءه بالإحليل انتهى.

# وقيل لو جعل ما (بين الصلب والترائب) كناية عن البدن كله لم يبعد وكأن
~~تخصيصهما بالذكر لما أنهما كالوعاء للقلب الذي هو المضغة العظمى فيه وأمر
~~هذه الكناية على ما حكى مكي عن ابن عباس في الترائب أظهر وزعم بعضهم جواز
~~كون الصلب والترائب للرجل أي يخرج من بين صلب كل رجل وترائبه فالمراد
~~بالماء الدافق ماء الرجل فقط وجعل الكلام إما على التغليب أو على أنه لا
~~ماء للمرأة أصلا فضلا عن الماء الدافق كما قيل به ولا يخفى ما فيه
~~والقول بأن المرأة لا ماء لها تكذبه الشريعة وغيرها.

# وقرأ ابن أبي عبلة وابن مقسم (يخرج) مبنيا للمفعول وهما وأهل مكة
~~وعيسى (الصلب) بضم الصاد واللام واليماني بفتحهما وروي على اللغتين قول
~~العجاج:

# ريا العظام فخمة المخدم

# في صلب مثل العنان المؤدم

# وفيه لغة رابعة وهي صالب كما في قوله العباس:

# تنقل من صالب إلى رحم

# وهي قليلة الاستعمال.

# واستشهد بعض الأجلة بقوله تعالى:

# خلق من مآء دافق

# [الطارق: 6] على أن الإنسان هو الهيكل المخصوص كما ذهب إليه جمهور
~~المتكلمين النافين للنفس الناطقة الإنسانية المجردة التي ليست داخل البدن
~~ولا خارجه وقال: إنه شاهد قوي على ذلك، وتأويله بأنه على حذف المضاف أي
~~خلق بدن الإنسان لا يسمع ms11227 ما لم يقم برهان على امتناع ظاهره انتهى وأنت
~~تعلم أن القائلين بالنفس الناطقة المجردة قد أقاموا فيما عندهم براهين
~~على إثباتها. نعم إن فيها أبحاثا للنافين وتحقيق ذلك بما لا مزيد عليه
~~في كتاب «الروح» للعلامة ابن القيم عليه الرحمة.

### || [86.8]

# الضمير الأول للخالق تعالى شأنه وكما فخم أولا بترك الفاعل في قوله
~~تعالى:

# مم خلق * خلق

# [الطارق: 56] إذ لا يذهب إلى خالق سواه عز وجل فخم بالإضمار ثانيا،
~~والضمير الثاني للإنسان أي إن ذلك الذي خلقه ابتداء مما ذكر على إعادته
~~بعد موته لبين القدرة وهذا كما في قوله:

# لئن كان تهدي برد أنيابها العلي

# لأفقر مني إنني لفقير

# فإنه أراد لبين الفقر وإلا لم يصح إيراده في مقابلة لأفقر مني والتأكيد
~~البالغ لفظا لما قام عليه البرهان الواضح معنى ولذا فسر (قادر) هنا ببين
~~القدرة كما في «الكشاف» واعتبر فيه أيضا الاختصاص فقال أي على / إعادته
~~خصوصا وكأن ذلك لأن الغرض المسوق له الكلام ذلك فكأن ما سواه مطرح
~~بالنسبة إليه وحينئذ يراد ما ذكر جعل الجار من صلة { لقادر } أو
~~مدلولا على موصوله به على المذهبين وفصل الجملة عما سبق لكونه جواب
~~الاستفهام دونها وقال مجاهد وعكرمة الضمير الثاني للماء أي إنه تعالى على
~~رد الماء في الإحليل أو في الصلب لقادر وليس بشيء ومثله كون المعنى على
~~تقدير كونه للإنسان أنه عز وجل على رده من الكبر إلى الشباب لقادر كما
~~روي عن الضحاك وما ذكرناه أولا مروي عن ابن عباس.

### || [86.9]

# أي يتعرف ويتصفح ما أسر في القلوب من العقائد والنيات وغيرها ومما أخفى
~~من الأعمال ويميز بين ما طاب منها وما خبث. وأصل الابتلاء الاختبار
~~وإطلاقه على ما ذكر إطلاق على اللازم وحمل السرائر على العموم هو الظاهر
~~وأخرج ابن المنذر عن عطاء ويحيى بن أبي كثير أنها الصوم والصلاة والغسل
~~من الجنابة وأخرج البيهقي في «الشعب» عن أبي الدرداء قال قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم:

# " ضمن الله تعالى خلقه أربعا: ms11228 الصلاة والزكاة وصوم رمضان والغسل من
~~الجنابة وهن السرائر التي قال الله تعالى { يوم تبلى السرآئر
~~} "

# وفي «البحر» ضم التوحيد إليها ولعل المراد بيان عظيمها على سبيل
~~المبالغة لا حقيقة الحصر وسمع الحسن من ينشد قول الأخوص:

# سيبقى لها في مضمر القلب والحشا

# سريرة ود يوم تبلى السرائر

# فقال ما أغفله عما في

# والسمآء والطارق

# [الطارق: 1] وكأنه حمل البقاء فيه على عدم التعرف أصلا فليفهم.

# و(يوم) عند جمع من الحذاق ظرف لمحذوف يدل عليه

# رجعه

# [الطارق: 8] أي يرجعه يوم الخ وقال الزمخشري وجماعة: ظرف لرجعه واعترض
~~بأن فيه فصلا بين المصدر ومعموله بأجنبي وأجيب تارة بأنه جائز لتوسعهم
~~في الظروف وأخرى بأن الفاصل هنا غير أجنبي لأنه إما تفسير أو عامل على
~~المذهبين. وقال عصام الدين: إن الفصل بهذا الأجنبي كلا فصل لأن المعمول
~~في نية التقديم عليه وإنما أخر لرعاية الفاصلة وفيه ما لا يخفى وقيل ظرف
~~لناصر بعد وتعقبه أبو حيان بأنه فاسد لأن ما بعد الفاء لا يعمل فيما
~~قبلها وكذلك ما النافية على المشهور المنصور وقيل معمول لاذكر محذوفا
~~وهو كما ترى ويتعين هو أو ما قبله على رأي مجاهد وعكرمة ورأي الضحاك
~~السابقين آنفا وجوز الطبرسي تعلقه بقادر ولم يعلقه جمهور المعربين به
~~لأنه يوهم اختصاص قدرته عز وجل بيوم دون يوم كما قال غير واحد وقال ابن
~~عطية فروا من أن يكون العامل لقادر للزوم تخصيص القدرة في ذلك اليوم وحده
~~وإذا تؤمل المعنى وما يقتضيه فصيح كلام العرب جاز أن يكون العامل وذلك
~~أنه تعالى قال: { على رجعه لقادر } على الإطلاق أولا وآخرا
~~وفي كل وقت ثم ذكر سبحانه من الأوقات الوقت الأعظم على الكفار لأنه وقت
~~الجزاء والوصول إلى العذاب ليجتمع الناس على حذره والخوف منه انتهى وهو
~~على ما فيه لا يدفع الإيهام.

### || [86.10]

# { فما له } أي الإنسان { من قوة } في نفسه يمتنع بها { ولا
~~ناصر } ينتصر به.

### || [86.11]

# { والسماء } وهي المظلة في قول الجمهور { ذات الرجع } أي
~~المطر في قولهم ms11229 أيضا كما في قول الخنساء:

# يوم الوداع ترى دموعا جارية

# كالرجع في المدجنة السارية

# وأصله مصدر رجع المتعدي واللازم أيضا في قول ومصدره الخاص به الرجوع
~~سموا به المطر كما سموه بالأوب - مصدر آب ومنه قوله:

# رباء شماء لا يأوي لقلتها

# إلا السحاب وإلا الأوب والسبل

# - ليرجع أو لأن السحاب يحمله من بحار الأرض ثم يرجعه إلى الأرض وبنى هذا
~~غير واحد على الزعم وفيه بحث وعن أو المراد به فيه النحل لأن الله تعالى
~~يرجعه حينا فحينا وقال الحسن: لأنه يرجع بالرزق كل عام أو أرادوا بذلك
~~التفاؤل [ليرجع] وعن ابن عباس ومجاهد تفسير السماء بالسحاب والرجع بالمطر
~~وقال ابن زيد السماء هي المعروفة والرجع رجوع الشمس والقمر والكواكب من
~~حال إلى حال ومن منزلة إلى منزلة فيها وقيل رجوعها نفسها فإنها ترجع في
~~كل دورة إلى الموضع الذي تتحرك منه وهذا مبني على أن السماء والفلك واحد
~~فهي تتحرك ويصير أوجها حضيضا وحضيضها أوجا وقد سمعت فيما تقدم أن ظاهر
~~كلام السلف أن السماء غير الفلك وأنها لا تدور ولا تتحرك والذي ذكر رأي
~~الفلاسفة ومن تابعهم. وقيل الرجع الملائكة عليهم السلام سموا بذلك
~~لرجوعهم بأعمال العباد.

### || [86.12]

# هو ما تتصدع عنه الأرض من النبات وأصله الشق سمي به النبات مجازا أو هو
~~مصدر من المبني للمفعول فالمراد تشققها بالنبات وروي ذلك عن عطية وابن
~~زيد وقيل تشققها بالعيون. وتعقب بأن وصف السماء والأرض عند الإقسام بهما
~~على حقية القرآن الناطق بالبعث بما ذكر من الوصفين للإيماء إلى أنهما في
~~أنفسهما من شواهده وهو السر في التعبير عن المطر بالرجع وذلك في تشقق
~~الأرض بالنبات المحاكي للنشور حسبما ذكر في مواضع من التنزيل لا في
~~تشققها بالعيون ويعلم منه ما في تفسير الرجع بغير المطر وكذا ما في قول
~~مجاهد الصدع ما في الأرض من شقاق وأودية وخنادق وتشقق بحرث وغيره وما روي
~~عنه أيضا الصدع الطرق تصدعها المشاة وقيل ذات الأموات لانصداعها عنهم
~~للنشور.

### || [86.13]

# { إنه } أي ms11230 القرآن الذي من جملته هذه الآيات الناطقة بمبدأ حال
~~الإنسان ومعاده وهو أولى من جعل الضمير راجعا لما تقدم أي ما أخبرتكم به
~~من قدرتي على إحيائكم لأن القرآن يتناول ذلك تناولا أوليا. وقوله
~~تعالى: { لقول فصل } أنسب به والمراد لقول فاصل بين الحق والباطل
~~قد بلغ الغاية في ذلك حتى كأنه نفس الفصل وقيل مقابلة الفصل بالهزل بعد
~~يستدعي أن يفسر بالقطع أي قول مقطوع به والأول أحسن.

### || [86.14]

# أي ليس في شيء منه شائبة هزل بل كله جد محض فمن حقه أن يهتدي به الغواة
~~وتخضع له رقاب العتاة وفي حديث أخرجه الترمذي والدارمي وابن الأنباري عن
~~الحرث الأعور عن علي كرم الله تعالى وجهه قال سمعت رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم يقول

# " إنها ستكون فتنة قلت فما المخرج منها يا رسول الله قال كتاب الله فيه
~~نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه
~~من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله
~~المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم هو الذي لا تزيغ فيه
~~الأهواء ولا تشبع منه العلماء ولا تلتبس به الألسن ولا يخلق عن الرد ولا
~~تنقضي عجائبه هو الذي لم تنته الجن لما سمعته عن أن قالوا: { إنا
~~سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد } [الجن: 1-2] من
~~قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن هدي به هدى إلى صراط
~~مستقيم "

# وفي هذا من الرد على الذين نبذوه وراء ظهورهم ما فيه.

### || [86.15]

# { إنهم } أي كفار مكة { يكيدون } يعملون المكايد في إبطال أمره
~~وإطفاء نوره أو في إبطال أمر الله تعالى وإطفاء نور الحق والأول أتم
~~انتظاما وهذا قيل أملأ فائدة { كيدا } أي عظيما حسبما تفي به
~~قدرتهم. والجملة تحتمل أن تكون استئنافا بيانيا كأنه قيل إذا كان حال
~~القرآن ما ذكر فما حال هؤلاء الذين يقولون فيه ما يقولون فقيل إنهم
~~يكيدون كيدا.

### || [86.16]

# أي ms11231 أقابلهم بكيد متين لا يمكن رده حيث أستدرجهم من حيث لا يعلمون أو
~~أقابلهم بكيدي في إعلاء أمره وإكثار نوره من حيث لا يحتسبون والفصل لهذا
~~وقيل لئلا يتوهم عطفها على جواب القسم مع أنها غير مقسم عليها.

### || [86.17]

# { فمهل الكفرين } فلا تشتغل بالانتقام منهم ولا تدع عليهم /
~~بالهلاك أو تأن وانتظر الانتقام منهم ولا تستعجل والفاء لترتيب مما بعدها
~~على ما قبلها فإن الإخبار بتوليه تعالى لكيدهم بالذات وعدم إهمالهم مما
~~يوجب إمهالهم وترك التصدي لمكايدتهم قطعا ووضع الظاهر موضع الضمير لذمهم
~~بأبي الخبائث وأمها وقيل للاشعار بعلة ما تضمنه الكلام من الوعيد.

# وقوله تعالى: { أمهلهم } بدل من (مهل) على ما صرح به في «الإرشاد»
~~وقوله سبحانه: { رويدا } إما مصدر مؤكد لمعنى العامل أو نعت لمصدره
~~المحذوف أي أمهلهم إمهالا رويدا أي قريبا كما أخرج ابن المنذر وابن
~~جرير عن ابن عباس أو قليلا كما روي عن قتادة وأخرج ابن المنذر عن السدى
~~أنه قال أي أمهلهم حتى آمر بالقتال ولعله المراد بالإمهال القريب أو
~~القليل واختار بعضهم أن يكون المراد إلى يوم القيامة لأن ما وقع بعد
~~الأمر بالقتال كالذي وقع يوم بدر وفي سائر الغزوات لم يعم الكل وما يكون
~~يوم القيامة يعمهم والتقريب باعتبار أن كل آت قريب وعلى هذا النحو
~~التقليل على أن من مات فقد قامت قيامته والظاهر ما قال السدي وقد عراهم
~~بعد الأمر بالقتال ما عراهم وعدم العموم الحقيقي لا يضر.

# وهو في الأصل على ما قال أبو عبيدة تصغير رود بالضم وأنشد:

# كأنها ثمل تمشي على رود

# أي على مهل. وقال أبو حيان وجماعة تصغير إرواد مصدر أرواد يرود
~~بالترخيم وهو تصغير تحقير وتقليل، وله في الاستعمال وجهان آخران كونه اسم
~~فعل نحو رويد زيدا أي أمهله وكونه حالا نحو سار القوم رويدا أي
~~متمهلين غير مستعجلين ولم يذكر أحد احتمال كونه اسم فعل هنا وصرح ابن
~~الشيخ بعدم جريانه وعلل ذلك بأن الأوامر كلها بمعنى فكأنه قيل أمهل
~~الكافرين أمهلهم ms11232 أمهلهم وفائدة التأكيد تحصل بالثاني فيلغو الثالث. وفي
~~التعليل نظر فقد يسلك في التأكيد بألفاظ متحدة لفظا ومعنى نحو ذلك ففي
~~الحديث

# " أيما امرأة أنكحت نفسها بدون ولي فنكاحها باطل باطل باطل "

# ولا فرق بين الجمل والمفردات نعم هو خلاف الظاهر جدا. وجوز رحمه الله
~~كونه حالا أي أمهلهم غير مستعجل والظاهر أنه حال مؤكدة كما في قوله
~~تعالى

# ولا تعثوا في الأرض مفسدين

# [البقرة: 60] فلا تغفل وهو أيضا بعيد. وظاهر كلام أبي حيان وغيره أن
~~الأمر الثاني توكيد للأول قالوا والمخالفة بين اللفظين في البنية لزيادة
~~تسكينه صلى الله عليه وسلم وتصبيره عليه الصلاة والسلام وإنما دلت
~~الزيادة من حيث الإشعار بالتغاير كأن كلا كلام مستقل بالأمر بالتأني فهو
~~أوكد من مجرد التكرار.

# وقرأ ابن عباس (مهلهم) بفتح الميم وشد الهاء موافقة للفظ الأمر الأول.

### | [87 - سورة الأعلى]

### || [87.1]

# أي نزه أسماءه عز وجل عما لا يليق فلا تؤول مما ورد منها اسما من غير
~~مقتض ولا تبقه على ظاهره إذا كان ما وضع له مما لا يصح له تعالى ولا
~~تطلقه على غيره سبحانه أصلا إذا كان مختصا، كالاسم الجليل أو على وجه
~~يشعر بأنه تعالى والغير فيه سواء إذ لم يكن مختصا فلا تقل لمن أعطاك
~~شيئا مثلا هذا رازقي على وجه يشعر بذلك وصنه عن الابتذال والتلفظ به في
~~محل لا يليق به كالخلاء وحالة التغوط وذكره لا على وجه الخشوع والتعظيم.
~~وربما يعد مما لا يليق ذكره عند من يكره سماعه من غير ضرورة إليه. وعن
~~الإمام مالك رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا لم يجد ما يعطي السائل يقول
~~ما عندي ما أعطيك أو ائتني في وقت آخر أو نحو ذلك ولا يقول نحو ما يقول
~~الناس يرزقك الله تعالى أو يبعث الله تعالى لك أو يعطيك الله تعالى أو
~~نحوه فسئل عن ذلك فقال إن السائل أثقل شيء على سمعه وأبغضه إليه قول
~~المسؤول ما يفيده رده وحرمانه فأنا أجل اسم الله ms11233 سبحانه من أن أذكره لمن
~~يكره سماعه ولو في ضمن جملة، وهذا منه رضي الله تعالى عنه غاية في الورع.
~~وما ذكر من التفسير مبني على الظاهر من أن لفظ { اسم } غير مقحم وذهب
~~كثير إلى أنه مقحم وهو قد يقحم لضرب من التعظيم على سبيل الكناية ومنه
~~قول لبيد:

# إلى الحول ثم اسم السلام عليكما

# فالمعنى نزه ربك عما لا يليق به من الأوصاف. واستدل لهذا بما أخرجه
~~الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة وغيرهم

# " عن عقبة بن عامر الجهني قال لما نزلت { فسبح باسم ربك
~~العظيم } [الواقعة: 74] قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت { سبح اسم ربك الأعلى } قال
~~اجعلوها في سجودكم "

# ومن المعلوم أن المجعول فيهما سبحان ربي العظيم وسبحان ربي الأعلى،
~~وبما أخرج الإمام أحمد وأبو داود والطبراني والبيهقي في «سننه»

# " عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ { سبح
~~اسم ربك الأعلى } قال سبحان ربي الأعلى "

# وروى عبد بن حميد وجماعة أن عليا كرم الله تعالى وجهه قرأ ذلك فقال
~~سبحان ربي الأعلى وهو في الصلاة فقيل له أتزيد في القرآن قال لا إنما
~~أمرنا بشيء ففعلته.

# وفي «الكشاف» ((تسبيح اسمه تعالى تنزيهه عما لا يصح فيه من المعاني التي
~~هي إلحاد في أسمائه سبحانه كالجبر والتشبيه مثلا وان يصان عن الابتذال
~~والذكر لا على وجه الخشوع والتعظيم)) / فجعل المعنيين على ما قيل راجعين
~~إلى الاسم وان كان الأول بالحقيقة راجعا إليه عز وجل لكن كما يصح أن
~~يقال نزه الذات عما لا يصح له من الأوصاف أن يقال أيضا نزه أسماءه تعالى
~~الدالة على الكمال عما لا يصح فيه من خلافه، وليس المعنى الأول مبنيا
~~على أن لفظ (اسم) مقحم ولا على أن المراد به المسمى إطلاقا لاسم الدال
~~على المدلول، نعم قال به بعضهم هنا وهو إن كان للأخبار السابقة كما في
~~دعوى الاقحام فلا بأس وإن كان لظن أن التسبيح لا ms11234 يكون للألفاظ الموضوعة
~~له تعالى فليس بشيء لفساد هذا الظن بظهور أن التسبيح يكون لها كما سمعت.

# وقد قال الإمام إنه كما يجب تنزيه ذاته تعالى وصفاته جل وعلا عن النقائص
~~يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لذلك عن الرفث وسوء الأدب ومن هذا يعلم ما في
~~التعبير عنه تعالى شأنه بنحو ليلى ونعم كما يدعى ذلك في قول ابن الفارض
~~قدس سره:

# أبرق بدا من جانب الغور لامع

# أم ارتفعت عن وجه ليلى البراقع

# وقوله:

# إذا أنعمت نعم علي بنظرة

# فلا أسعدت سعدى ولا أجملت جمل

# إلى غير ذلك من أبياته. وقد عاب ذلك بعض الأجلة وعده من سوء الأدب
~~ومخالفا لقوله تعالى

# ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها

# [الأعراف: 180] الآية وأجاب بعضهم بأن ذلك ليس من الوضع في شيء، وفهم
~~الحضرة الإلهية من تلك الألفاظ إنما هو بطريق الاشارة كما قالوا في فهم
~~النفس الأمارة من البقرة مثلا في قوله تعالى

# إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة

# [البقرة: 67] والمنكر لا يقنع بهذا. والأظهر أن يقال إن الكلام المورد
~~فيه ذلك من قبيل الاستعارة التمثيلية ولا نظر فيها إلى تشبيه المفردات
~~بالمفردات فليس فيه التعبير عنه وجل بليلى ونحوها واستعمال الاستعارة
~~التمثيلية في شأنه تعالى مما لا بأس به حتى إنهم قالوه في البسملة كما لا
~~يخفى على من تتبع رسائلهم فيها هذا ولعل عندهم خيرا منه.

# وقال جمع الاسم بمعنى التسمية والمعنى نزه تسمية ربك بأن تذكره وأنت له
~~سبحانه معظم ولذكره جل شأنه محترم وأنت تعلم أن هذا يندرج في تسبيح الاسم
~~كما تقدم. وعن ابن عباس أن المعنى صل باسم ربك الأعلى كما تقول ابدأ باسم
~~الله تعالى وحذف حرف الجر حكاه في «البحر» ولا أظن صحته. وقال عصام الدين
~~لا يبعد أن يراد الاسم الأثر أي سبح آثار ربك الأعلى عن النقصان فإن أثره
~~تعالى دال عليه سبحانه كالاسم فيكون منعا عن عيب المخلوقات أي من حيث
~~إنها مخلوقة له تعالى وعلى وجه ينافي قوله تعالى

# ما ترى ms11235 في خلق الرحمن من تفاوت

# [الملك: 3] ولا يخفى بعده وإن كان فيما بعد من الصفات ما يستأنس به له.

# وأنا أقول إن كان { سبح } بمعنى نزه فكلا الأمرين من كون (اسم)
~~مقحما وكونه غير مقحم وتعلق التسبيح به على الوجه الذي سمعت محتمل غير
~~بعيد وإذا كان معناه قل سبحان كما هو المعروف فيما بينهم فكونه مقحما
~~متعين إذ لم يسمع سلفا وخلفا من يقول سبحان اسم ربي الأعلى أو سبحان
~~اسم الله والأخبار ظاهرة في ذلك وحمل ما فيها على اختيار الأخصر المستلزم
~~لغيره كما ترى، ويؤيد هذا قراءة أبي بن كعب كما في خبر سعيد بن منصور
~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن جبير (سبحان
~~ربي الأعلى) وأما ما قيل من أن الاسم عين المسمى واستدل عليه بهذه الآية
~~ونحوها فهو مما لا يعول عليه أصلا وقد تقدم الكلام أول الكتاب فارجع
~~إليه ان أردته.

# والأعلى صفة للرب وأريد بالعلو العلو بالقهر والاقتدار لا بالمكان
~~لاستحالته عليه سبحانه، والسلف وإن لم يؤولوه بذلك لكنهم أيضا يقولون
~~باستحالة العلو المكاني عليه عز وجل. وجوز جعله صفة لاسم، وعلوه ترفعه عن
~~أن يشاركه اسم في حقيقة معناه. واستشكل بأن قوله تعالى: { الذى خلق
~~}.

### || [87.2]

# { الذى خلق } الخ إن كان صفة للرب كما هو الظاهر لزم الفصل بين
~~الموصوف وصفته بصفة غيره وهو لا يجوز فلا يقال رأيت غلام هند العاقل
~~الحسنة، وإن كان صفة لاسم أيضا اختل المعنى إذ الاسم لا يتصف بالخلق وما
~~بعده / وأجيب باختيار الثاني ولا اختلال إما لأن الاسم بمعنى المسمى أو
~~لأنه لما كان مقحما كان

# اسم ربك

# [الأعلى: 1] بمنزلة ربك فصح وصفه بما يوصف به الرب عز وجل وفيه نظر،
~~والجواب المقبول أن { الذى } على ذلك التقدير إما مرفوع على أنه خبر
~~مبتدأ محذوف أو منصوب على المدح. ومفعول { خلق } محذوف ولذا قيل
~~بالعموم أي الذي خلق كل شيء { فسوى } أي فجعله متساويا وهو أصل
~~معناه والمراد فجعل خلقه ms11236 كما تقتضيه حكمته سبحانه في ذاته وصفاته وفي
~~معناه ما قيل أي فجعل الأشياء سواء في باب الإحكام والإتقان لا انه
~~سبحانه أتقن بعضا دون بعض.

# ورد - بما دلت عليه الآية من العموم - على المعتزلة في زعمهم أن العبد
~~خالق لأفعاله والزمخشري مع أن مذهبه مذهبهم قال هنا بالعموم ولعله لم يرد
~~العموم الحقيقي أو أراده لكن على معنى خلق كل شيء إما بالذات أو بالواسطة
~~وجعل ذلك في أفعال العباد بإقداره سبحانه وتمكينهم على خلقها باختيارهم
~~وقدرهم الموهوبة لهم. وعن الكلبي خلق كل ذي روح فسوى بين يديه وعينيه
~~ورجليه. وعن الزجاج خلق الإنسان فعدل قامته ولم يجعله منكوسا كالبهائم
~~وفي كل تخصيص لا يقتضيه ظاهر الحذف.

### || [87.3]

# { والذى قدر } أي جعل الأشياء على مقادير مخصوصة في أجناسها
~~وأنواعها وأفرادها وصفاتها وأفعالها وآجالها { فهدى } فوجه كل واحد
~~منها إلى ما يصدر عنه وينبغي له، طبعا أو اختيارا ويسره لما خلق له
~~بخلق الميول والإلهامات ونصب الدلائل وإنزال الآيات، فلو تتبعت أحوال
~~النباتات والحيوانات لرأيت في كل منها ما تحار فيه العقول وتضيق عنه
~~دفاتر النقول، وأما فنون هداياته سبحانه وتعالى للإنسان على الخصوص ففوق
~~ذلك بمراحل وأبعد منه ثم أبعد وأبعد بألوف من المنازل وهيهات أن يحيط بها
~~فلك العبارة والتحرير ولا يكاد يعلمها إلا اللطيف الخبير:

# أتزعم أنك جرم صغير

# وفيك انطوى العالم الأكبر

# وقيل أي والذي قدر الخلق على ما خلقهم فيه من الصور والهيئات وأجرى لهم
~~أسباب معاشهم من الأرزاق والأقوات ثم هداهم إلى دينه ومعرفة توحيده
~~بإظهار الدلالات والبينات. وقيل قدر أقواتهم وهداهم لطلبها وعن مقاتل
~~والكلبي قدرهم ذكرانا وإناثا وهدى الذكر كيف يأتي الأنثى. وعن مجاهد
~~قدر الإنسان والبهائم وهدى الإنسان للخير والشر والبهائم للمراتع وعن
~~السدي قدر الولد في البطن تسعة أشهر أو أقل أو أكثر وهداه للخروج منه
~~للتمام وقيل قدر المنافع في الأشياء وهدى الإنسان لاستخراجها، والأولى ما
~~ذكر أولا ولعل ما في سائر الأقوال من باب التمثيل لا التخصيص. وزعم ms11237
~~الفراء أن في الآية اكتفاء والأصل فهدى وأضل وليس بشيء.

# وقرأ الكسائي (قدر) بالتخفيف من القدرة أو التقدير.

### || [87.4]

# أي أنبت ما ترعاه الدواب غضا رطبا يرف.

### || [87.5]

# { فجعله غثاء } هو ما يقذف به السيل على جانب الوادي من الحشيش
~~والنبات وأصله على ما في «المجمع» الأخلاط من أجناس شتى والعرب تسمي
~~القوم إذا اجتمعوا من قبائل شتى أخلاطا وغثاء، ويقال غثاء بالتشديد وجاء
~~جمعه على أغثاء وهو غريب من حيث جمع فعال على أفعال والمراد به هنا
~~اليابس من النبات أي فجعله بعد ذلك يابسا { أحوى } من الحوة وهي كما
~~قيل السواد وقال الأعلم لون يضرب إلى السواد وفي «الصحاح» الحوة السمرة
~~فالمراد بأحوى أسود أو أسمر والنبات إذا يبس اسود أو اسمر فهو صفة مؤكدة
~~للغثاء وتفسر الحوة بشدة الخضرة وعليه قول ذي الرمة:

# لمياه في شفتيها حوة لعس

# وفي اللثات وفي أنيابها شنب

# ولا ينافي ذلك تفسيرها بالسواد لأن شدة الخضرة ترى في بادىء النظر
~~كالسواد. وجوز كونه حالا من { المرعى } أي أخرج المرعى حال كونه
~~طريا غضا شديد الخضرة فجعله غثاء، والفصل بالمعطوف بين الحال وصاحبها ليس
~~فصلا بأجنبي لا سيما وهو حال يعاقب الأول من غير تراخ وسر التقديم
~~المبالغة في استعقاب حالة الجفاف حالة الرفيف / والغضارة كأنه قبل أن يتم
~~رفيفه وغضارته يصير غثاء ومع هذا هو خلاف الظاهر وهذه الأوصاف على ما قيل
~~يتضمن كل منها التدريج ففي الوصف بها تحقيق لمعنى التربية وهي تبليغ
~~الشيء كماله شيئا فشيئا. وقوله تعالى: { سنقرئك فلا تنسى }.

### || [87.6]

# بيان لهدايته تعالى شأنه الخاصة برسوله صلى الله عليه وسلم أثر بيان
~~هدايته عز وجل العامة لكافة مخلوقاته سبحانه وهي هدايته عليه الصلاة
~~والسلام لتلقي الوحي وحفظ القرآن الذي هو هدى للعالمين وتوفيقه صلى الله
~~عليه وسلم لهداية الناس أجمعين. والسين إما للتأكيد وإما لأن المراد
~~إقراء ما أوحى إليه صلى الله عليه وسلم حينئذ وما سيوحي إليه عليه الصلاة
~~والسلام بعد فهو وعد كريم باستمرار الوحي في ms11238 ضمن الوعد بالإقراء. وإسناد
~~الإقراء إليه تعالى مجازي أي سنقرئك ما نوحي إليك الآن وفيما بعد على
~~لسان جبريل عليه السلام فإنه عليه السلام الواسطة في الوحي على سائر
~~كيفياته فلا تنسى أصلا من قوة الحفظ والإتقان مع أنك أمي لم تكن تدري ما
~~الكتاب وما القراءة ليكون ذلك لك آية مع ما في تضاعيف ما تقرؤه من الآيات
~~البينات من حيث الإعجاز ومن حيث الإخبار بالمغيبات.

# وجوز أن يكون المعنى سنجعلك قارئا بإلهام القراءة أي في الكتاب من دون
~~تعليم أحد كما هو العادة فقد روي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه
~~عليه الصلاة والسلام كان يقرأ الكتابة ولا يكتب ويكون المراد بقوله تعالى
~~{ فلا تنسى } نفي النسيان مطلقا عنه عليه الصلاة والسلام امتنانا
~~عليه صلى الله عليه وسلم بأنه أوتي قوة الحفظ، وفيه أنه مع كونه خلاف
~~المأثور عن السلف في الآية تأباه فاء التفريع. وجوز أيضا أن يكون المراد
~~نفي نسيان المضمون أي سنقرئك القرآن فلا تغفل عنه فتخالفه في أعمالك ففيه
~~وعد بتوفيقه عليه الصلاة والسلام لالتزام ما فيه من الأحكام وهو كما ترى.

# وقيل { فلا تنسى } نهى والألف لمراعاة الفاصلة كما في قوله تعالى

# فأضلونا السبيلا

# [الأحزاب: 67] وفيه أن النسيان ليس بالاختيار فلا ينهى عنه إلا أن يراد
~~مجازا ترك أسبابه الاختيارية أو ترك العمل بما تضمنه المقرأ وفيه ارتكاب
~~تكلف من غير داع وأيضا رسمه بالياء يقتضي أنها من البنية لا للإطلاق
~~وكون رسم المصحف مخالفا [للقياس] تكلف أيضا. نعم قيل رسمت ألف الإطلاق
~~ياء لموافقة غيرها من الفواصل وموافقة أصلها مع أن الإمام المرزوقي صرح
~~بأنه عند الاطلاق ترد المحذوفة وقيل هو نهي لكن لم تحذف الألف فيه إذ قد
~~لا يحذف الجازم حرف العلة وحسن ذلك هنا مراعاة الفاصلة وفيه أيضا ما فيه
~~والأهون للطالب معنى النهي أن يقول هو خبر أريد به النهي على أحد
~~التأويلين السابقين آنفا.

### || [87.7]

# { إلا ما شاء الله } استثناء مفرغ من أعم المفاعيل أي ms11239 لا تنسى
~~أصلا مما سنقرئكه شيئا من الأشياء إلا ما شاء الله أن تنساه، قيل أي
~~أبدا، قال الحسن وقتادة وغيرهما وهذا مما قضى الله تعالى نسخة وأن يرتفع
~~حكمه وتلاوته. والظاهر أن النسيان على حقيقته. وفي «الكشاف» ((أي إلا ما
~~شاء الله فذهب به عن حفظك برفع حكمه وتلاوته)) وجعل النسيان عليه
~~بمعنى رفع الحكم والتلاوة وكناية عنه لأن ما رفع حكمه وتلاوته يترك فينسى
~~فكأنه قيل بناه على إرادة المعنيين في الكتايات سنقرئك القرآن فلا تنسى
~~شيئا منه ولا يرفع حكمه وتلاوته إلا ما شاء الله فتنساه ويرفع حكمه
~~وتلاوته أو نحو هذا، وأنا لا أرى ضرورة إلى اعتبار ذلك والباء في (برفع)
~~الخ للسببية والمراد إما بيان السبب العادي البعيد لذهاب الله تعالى به
~~عن الحفظ فإن رفع الحكم والتلاوة يؤدي عادة في الغالب إلى ترك التلاوة
~~لعدم التعبد بها وإلى عدم إخطاره في البال لعدم بقاء حكمه وهو يؤدي عادة
~~في الغالب أيضا إلى النسيان أو بيان السبب الدافع لاستبعاد الذهاب به عن
~~حفظه عليه الصلاة والسلام وهو كالسبب المجوز لذلك وأيا ما كان فلا حاجة
~~إلى جعل معنى

# فلا تنسى

# [الأعلى: 6] فلا تترك تلاوة شيء منه والعمل به فتأمل.

# ثم إنه لا يلزم من كون ما شاء الله تعالى نسيانه مما قضى سبحانه إن
~~يرتفع / حكمه وتلاوته أن يكون كل ما ارتفع حكمه وتلاوته قد شاء الله
~~تعالى نسيان النبي صلى الله عليه وسلم له فإن من ذلك ما يحفظه العلماء
~~إلى اليوم فقد أخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها «كان فيما أنزل عشر
~~رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات» الحديث وكونه صلى الله عليه وسلم نسي
~~الجميع بعد تبليغه وبقي ما بقي عند بعض من سمعه منه عليه الصلاة والسلام
~~فنقل حتى وصل إلينا بعيد وإن أمكن عقلا. وقيل كان صلى الله عليه وسلم
~~يعجل بالقراءة إذا لقنه جبريل عليه السلام فقيل لا تعجل فإن جبريل عليه
~~السلام مأمور أن يقرأه عليك قراءة مكررة ms11240 إلى أن تحفظه ثم لا تنساه إلا ما
~~شاء الله تعالى ثم تذكره بعد النسيان. وأنت تعلم أن الذكر بعد النسيان
~~وإن كان واجبا إلا أن العلم به لا يستفاد من هذا المقام.

# وقيل إن الاستثناء بمعنى القلة وهذا جار في العرف كأنه قيل إلا ما لا
~~يعلم لأن المشيئة مجهولة وهو لا محالة أقل من الباقي بعد الاستثناء فكأنه
~~قيل فلا تنسى شيئا إلا شيئا قليلا وقد جاء في «صحيح البخاري» وغيره

# " أنه صلى الله عليه وسلم أسقط آية في قراءته في الصلاة وكانت صلاة
~~الفجر فحسب أبي أنها نسخت فسأله عليه الصلاة والسلام فقال نسيتها "

# ثم إنه عليه الصلاة والسلام لا يقر على نسيانه القليل أيضا بل يذكره
~~الله تعالى أو ييسر من يذكره ففي «البحر» أنه صلى الله عليه وسلم قال حين
~~سمع قراءة عباد بن بشير

# " لقد ذكرني كذا وكذا آية في سورة كذا وكذا "

# وقيل الاستثناء بمعنى القلة وأريد بها النفي مجازا كما في قولهم قل من
~~يقول كذا، قيل والكلام عليه من باب:

# ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

# البيت، والمعنى فلا تنسى إلا نسيانا معدوما. وفي «الحواشي العصامية
~~على أنوار التنزيل» أن الاستثناه على هذا الوجه لتأكيد عموم النفي لا
~~لنقض عمومه. وقد يقال الاستثناء من أعم الأوقات أي فلا تنسى في وقت من
~~الأوقات إلا وقت مشيئة الله تعالى نسيانك لكنه سبحانه لا يشاء وهذا كما
~~قيل في قوله تعالى في أهل الجنة

# خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما
~~شآء ربك

# [هود: 107] وقد قدمنا ذلك وإلى هذا ذهب الفراء فقال إنه تعالى ما شاء
~~الله أن ينسي النبي صلى الله عليه وسلم شيئا إلا أن المقصود من
~~الاستثناء بيان أنه تعالى لو أراد أن يصيره عليه الصلاة والسلام ناسيا
~~لذلك لقدر عليه كما قال سبحانه

# ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك

# [الإسراء: 86] ثم انا نقطع بأنه تعالى ما شاء ذلك وقال له صلى الله عليه
~~وسلم

# لئن أشركت ليحبطن عملك ms11241

# [الزمر: 65] مع أنه عليه الصلاة والسلام لم يشرك البتة وبالجملة ففائدة
~~هذا الاستثناء أن يعرفه الله تعالى قدرته حتى يعلم صلى الله عليه وسلم أن
~~عدم النسيان من فضله تعالى وإحسانه لا من فوته أي حتى يتقوى ذلك جدا أو
~~ليعرف غيره ذلك وكأن نفي أن يشاء الله تعالى نسيانه عليه الصلاة والسلام
~~معلوم من خارج ومنه آية

# لا تحرك به لسانك لتعجل به

# [القيامة: 16] الآية وقد أشار أبو حيان إلى ما قاله الفراء وإلى الوجه
~~الذي قبله وأباهما غاية الآباء لعدم الوقوف على حقيقتهما وقال لا ينبغي
~~أن يكون ذلك في كلام الله تعالى بل ولا في كلام فصيح وهو مجازفة منه عفا
~~الله تعالى عنه.

# ثم إن المراد من نفي نسيان شيء من القرآن نفى النسيان التام المستمر مما
~~لا يقر عليه صلى الله عليه وسلم كالذي تضمنه الخبر السابق ليس كذلك وقد
~~ذكروا أنه عليه الصلاة والسلام لا يقر على النسيان فيما كان من أصول
~~الشرائع والواجبات وقد يقر على ما ليس منها أو منها وهو من الآداب والسنن
~~ونقل هذا عن الإمام الرازي عليه الرحمة فليحفظ.

# والالتفات إلى الاسم الجليل على سائر الأوجه لتربية المهابة والإيذان
~~بدوران المشيئة على عنوان الألوهية المستتبعة لسائر الصفات. وربط الآية
~~بما قبلها على الوجه الذي ذكرناه هو الذي اختاره في «الإرشاد» وقال أبو
~~حيان إنه سبحانه لما أمره صلى الله عليه وسلم بالتسبيح وكان لا يتم إلا
~~بقراءة ما أنزل عليه من القرآن وكان صلى الله عليه وسلم يتفكر في نفسه
~~مخافة أن ينسى أزال سبحانه عنه ذلك بأنه عز وجل يقرئه وأنه لا ينسى إلا /
~~ما شاء أن ينسيه لمصلحة وفيه نظر لا يخفى ولو قيل إن

# سنقرئك

# [الأعلى: 6] استئناف واقع موقع التعليل للتسبيح أو للأمر به فيفيد جلالة
~~الإقراء وأنه مما ينبغي أن يقابل بتنزيه الله تعالى وإجلاله كان أهون مما
~~ذكر ونحوه كونه في موقع التعليل على معنى هيىء نفسك للإفاضة عليك بتسبيح
~~الله تعالى لأنا سنقرئك ms11242 فلا تنسى إلا ما شاء الله ويتضمن ذلك الإشارة إلى
~~فضل التسبيح وقد وردت أخبار كثيرة في ذلك وذكر الثعلبي بعضا منها ونقله
~~ابن الشيخ في «حواشيه على تفسير البيضاوي» والله تعالى أعلم بصحته.

# { إنه يعلم الجهر وما يخفى } تعليل لما قبله والجهر
~~هنا ما ظهر قولا أو فعلا أو غيرهما وليس خاصا بالأقوال بقرينة
~~المقابلة أي أنه تعالى يعلم ما ظهر وما بطن من الأمور التي من جملتها
~~حالك وحرصك على حفظ ما يوحي إليك بأسره فيقرئك ما يقرئك ويحفظك عن نسيان
~~ما شاء منه وينسيك ما شاء منه مراعاة لما نيط بكل من المصالح والحكم
~~التشريعية. وقيل توكيد لجميع ما تقدمه وتوكيد لما بعده وقيل توكيد لقوله
~~تعالى: { سنقرئك } الخ على أن الجهر ما ظهر من الأقوال أي يعلم
~~سبحانه جهرك بالقراءة مع جبريل عليه السلام وما دعاك إليه من مخافة
~~النسيان فيعلم ما فيه الصلاح من إبقاء وإنساء أو فلا تخف فإني أكفيك ما
~~تخاف وقيل إنه متعلق بقوله تعالى:

# سبح اسم ربك الأعلى

# [الأعلى: 1] وهذا ليس بشيء كما ترى.

### || [87.8]

# ((عطف على

# سنقرئك

# [الأعلى: 6] كما ينبىء عنه الالتفات إلى الحكاية وما بينهما اعتراض وارد
~~لما سمعت وتعليق التيسير به صلى الله عليه وسلم مع أن الشائع تعليقه
~~بالأمور المسخرة للفاعل كما في قوله تعالى:

# ويسر لى أمرى

# [طه: 26] للإيذان بقوة تمكينه عليه الصلاة والسلام من اليسرى والتصرف
~~فيها بحيث صار ذلك ملكة راسخة له كأنه عليه الصلاة والسلام جبل عليها أي
~~نوفقك توفيقا مستمرا للطريقة اليسرى في كل باب من أبواب الدين علما
~~وتعليما واهتداء وهداية فيندرج فيه تيسير تلقي طريقي الوحي والإحاطة بما
~~فيه من أحكام الشريعة السمحة والنواميس الإلهية مما يتعلق بتكميل نفسه
~~الكريمة صلى الله عليه وسلم وتكميل غيره كما يفصح عنه الفاء فيما بعد))،
~~كذا في «الإرشاد». وقيل المراد باليسرى الطريقة التي هي أيسر وأسهل في
~~حفظ الوحي وقيل هي الشريعة الحنيفية السهلة وقيل الأمور الحسنة في أمر
~~الدنيا والآخرة من النصر ms11243 وعلو المنزلة والرفعة في الجنة وضم إليها بعض
~~أمر الدين وهو مع هذا الضم تعميم حسن وظاهر عليه أيضا أمر الفاء في قوله
~~تعالى: { فذكر إن نفعت الذكرى }.

### || [87.9]

# أي فذكر الناس حسبما يسرناك [له] بما يوحى إليك واهدهم إلى ما في
~~تضاعيفه من الأحكام الشرعية كما كنت تفعله وقيل أي فذكر بعد ما استتب أي
~~استقام وتهيأ لك الأمر فإن أراد فدم على التذكير بعدما استقام لك الأمر
~~من إقرائك الوحي وتعليمك القرآن بحيث لا تنسى منه إلا ما اقتضت المصلحة
~~نسيانه وتيسيرك للطريقة اليسرى في كل باب من أبواب الدين فذاك وإلا فليس
~~بشيء.

# وتقييد التذكير بنفع الذكرى لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد
~~ذكر وبالغ فيه فلم يدع في القوس منزعا وسلك فيه كل طريق فلم يترك مضيفا
~~ولا مهيعا حرصا على الإيمان وتوحيد الملك الديان وما كان يزيد ذلك بعض
~~الناس إلا كفرا وعنادا وتمردا وفسادا فأمر صلى الله عليه وسلم
~~تخفيفا عليه حيث كاد الحرص على إيمانهم يوجه سهام التلف إليه كما قال
~~تعالى

# فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا
~~بهذا الحديث أسفا

# [الكهف: 6] بأن يخص التذكير بمواد النفع في الجملة بأن يكون من يذكره
~~كلا أو بعضا ممن يرجى منه التذكر ولا يتعب نفسه الكريمة في تذكير من لا
~~يورثه التذكير إلا عتوا ونفورا وفسادا وغرورا من المطبوع على قلوبهم
~~كما في قوله تعالى:

# فذكر بالقرءان من يخاف وعيد

# [ق: 45] وقوله سبحانه:

# فأعرض من تولى عن ذكرنا

# [النجم: 29] وعلمه صلى الله عليه وسلم بمن طبع على قلبه بإعلام الله
~~تعالى إياه عليه الصلاة والسلام به فهو صلى الله عليه وسلم بعد التبليغ
~~وإلزام الحجة / لا يجب عليه تكرير التذكير على من علم أنه مطبوع على قلبه
~~فالشرط على هذا على حقيقته. وقيل إنه ليس كذلك وإنما هو استبعاد النفع
~~بالنسبة إلى هؤلاء المذكورين نعيا عليهم بالتصميم كأنه قيل افعل ما أمرت
~~به لتؤجر وإن لم ينتفعوا به وفيه ms11244 تسلية له صلى الله عليه وسلم ورجح الأول
~~بأن فيه إبقاء الشرط على حقيقته مع كونه أنسب بقوله تعالى: {
~~سيذكر من يخشى }.

### || [87.10]

# أي سيذكر بتذكيرك من من شأنه أن يخشى الله تعالى حق خشيته أو من
~~يخشى الله تعالى في الجملة فيزداد ذلك بالتذكير فيتفكر في أمر ما تذكره
~~به فيقف على حقيته فيؤمن به. وقيل إن { إن } بمعنى إذ كما في قوله
~~تعالى:

# وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين

# [آل عمران: 139] أي إذ كنتم لأنه سبحانه لم يخبرهم بكونهم الأعلون إلا
~~بعد إيمانهم وقوله صلى الله عليه وسلم في زيارة أهل القبور

# " وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون "

# وأثبت هذا المعنى لها الكوفيون احتجاجا بما ذكر ونظائره وأجاب النافون
~~عن ذلك بما في «المغني» وغيره. وقيل هي بمعنى قد، وقد قال بهذا المعنى
~~قطرب وقال عصام الدين المراد أن التذكير ينبغي أن يكون بما يكون مهما
~~لمن له التذكير فينبغي تذكير الكافرين بالإيمان لا بالفروع كالصلاة
~~والصوم والحج إذ لا تنفعه بدون الإيمان وتذكير المؤمن التارك للصلاة بها
~~دون الإيمان مثلا وهكذا فكأنه قيل ذكر كل واحد بما ينفعه ويليق به وقال
~~الفراء والنحاس والجرجاني والزهراوي الكلام على الاكتفاء والأصل فذكر إن
~~نفعت الذكرى وإن لم تنفع كقوله تعالى:

# سرابيل تقيكم الحر

# [النحل: 81] والظاهر أن الذين لا يقولون بمفهوم المخالفة سواء كان مفهوم
~~الشرط أو غيره لا يشكل عليهم أمر هذه الآية كما لا يخفى.

### || [87.11]

# { ويتجنبها } أي ويتجنب الذكرى ويتحاماها { الأشقى } وهو
~~الكافر المصر على إنكار المعاد ونحوه الجازم بنفي ذلك مما يقتضي الخشية
~~بوجه وهو أشقى أنواع الكفرة. وقيل المراد به الكافر المتوغل في عداوة
~~الرسول صلى الله عليه وسلم كالوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. وقد روي
~~أن الآية نزلت فيهما فإنه أشقى من غير المتوغل وقيل المراد به الكافر
~~مطلقا فإنه أشقى من الفاسق وقيل المفضل عليه كفرة سائر الأمم فإنه حيث
~~كان المؤمن من هذه الأمة أسعد من مؤمنيهم كان الكافر منها أشقى ms11245 من
~~كافريهم والأوجه عندي في المراد بالأشقى ما تقدم.

### || [87.12]

# أي الطبقة السفلى من أطباق النار كما قال الفراء ولا بعد في تفاضل نار
~~الآخرة وكون بعض منها أكبر من بعض وأشد حرارة. وقال الحسن الكبرى نار
~~الآخرة والصغرى نار الدنيا ففي «الصحيحين» عن أبي هريرة مرفوعا

# " ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم "

# وفي رواية للإمام أحمد عنه مرفوعا أيضا

# " أن هذه النار جزء من مائة جزء من جهنم "

# فلعل السبعين وارد مورد التكثير وهو كثير.

### || [87.13]

# { ثم لا يموت فيها } فيستريح { ولا يحيى } أي حياة تنفعه
~~وقيل إن روح أحدهم تصير في حلقه فلا تخرج فيموت ولا ترجع إلى موضعها من
~~الجسد فيحيا وهو غير غني عن التقييد بنحو حياة كاملة على أنه بعد لا يخلو
~~عن بحث. و(ثم) للتراخي في الرتبة فإن هذه الحالة أفظع وأعظم من نفس الصلي
~~وقال عصام الدين يحتمل أن يكون هذا الكلام كناية عن عدم النجاة لأن
~~النجاة عن العذاب إنما يكون بالعمل في دار يموت فيها العامل ويحيا والنظم
~~أقرب إلى هذا المعنى كيف واللائق بالمعنى السابق ثم لا يكون ميتا فيها
~~ولا حيا فتأمل انتهى وفي كون اللائق بالمعنى السابق ما ذكره دون ما في
~~النظم الجليل منع ظاهر والظاهر أنه لائق به مع تضمنه رعاية الفواصل وكذا
~~في توجيه كون ما ذكر كناية عن عدم النجاة خفاء وكأنه لذلك أمر بالتأمل
~~وقد يقال إن مثل ذلك الكلام يقال لمن وقع في شدة واستمر فيها فلا يبعد أن
~~يكون فيه إشارة إلى خلودهم في العذاب وأمر التراخي الرتبي عليه ظاهر
~~أيضا لظهور أن الخلود في النار الكبرى أفظع من دخولها وصليها.

# واعلم أن عدم الموت في النار على ما صرح به غير واحد مخصوص بالكفرة وأما
~~عصاة المؤمنين الذين يدخلونها / فيموتون فيها واستدل لذلك بما أخرجه مسلم
~~عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم

# " (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ms11246 ولكن
~~ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فأماتهم الله تعالى إماتة حتى
~~إذا كانوا فحما أذن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار
~~الجنة ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم من الماء فينبتون نبات الحبة
~~في حميل السيل "

# قال الحافظ ابن رجب إنه يدل على أن هؤلاء يموتون حقيقة وتفارق أرواحهم
~~أجسادهم وأيد بتأكيد الفعل بالمصدر في قوله عليه الصلاة والسلام

# " فأماتهم الله تعالى إماتة "

# وأظهر منه ما أخرجه البزار عن أبي هريرة مرفوعا

# " إن أدنى أهل الجنة حظا أو نصيبا قوم يخرجهم الله تعالى من النار
~~فيرتاح لهم الرب تبارك وتعالى وذلك أنهم كانوا لا يشركون بالله تعالى
~~شيئا فينبذون بالعراء فينبتون كما ينبت البقل حتى إذا دخلت الأرواح
~~أجسادهم فيقولون ربنا كما أخرجتنا من النار وأرجعت الأرواح إلى أجسادنا
~~فاصرف وجوهنا عن النار فيصرف وجوههم عن النار "

# وهذه الإماتة على ما اختاره غير واحد بعد أن يذوقوا ما يستحقونه من
~~عذابها بحسب ذنوبهم كما يشعر به حديث مسلم وإبقاؤهم فيها ميتين إلى أن
~~يؤذن بالشفاعة لا يجابه تأخير دخولهم الجنة تلك المدة كان تتمة لعقوبتهم
~~بنوع آخر فتكون ذنوبهم قد اقتضت أن يعذبوا بالنار مدة ثم يحبسوا فيها من
~~غير عذاب مدة فهم كمن أذنب في الدنيا ذنبا فضرب وحبس بعد الضرب جزاء
~~لذنبه ولم يبقوا أحياء فيها من غير عذاب كخزنتها إما ليكون أبعد عن أن
~~يهولهم رؤيتها أو لتكون الإماتة وإخراج الروح من تتمة العقوبة أيضا.

# وقال القرطبي يجوز أن تكون إماتتهم عند إدخالهم فيها ويكون إدخالهم
~~وصرف نعيم الجنة عنهم مدة كونهم فيها عقوبة لهم كالحبس في السجن بلا غل
~~ولا قيد مثلا ويجوز أن يكونوا متألمين حالة موتهم نحو تألم الكافر بعد
~~موته وقبل قيام الساعة ويكون ذلك أخف من تألمهم لو بقوا أحياء كما أن
~~تألم الكافر بعد موته في قبره أخف من تألمه إذا أدخل النار بعد البعث وهو
~~كما ترى.

# وفي «مطامح الأفهام» يجوز أن يراد بالإماتة ms11247 المذكورة في الحديث الإنامة
~~وقد سمى الله تعالى النوم وفاة لأن فيه نوعا من عدم الحس وفي الحديث
~~المرفوع

# " إذا أدخل الله تعالى الموحدين النار أماتهم فيها فإذا أراد سبحانه أن
~~يخرجوا أمسهم العذاب تلك الساعة "

# انتهى والمعول عليه ما ذكرناه أولا والله تعالى أعلم.

### || [87.14]

# { قد أفلح } أي نجا من المكروه وظفر بما يرجوه { من تزكى }
~~أي تطهر من الشرك بتذكره واتعاظه بالذكرى. وحمله على ذلك مروي عن ابن
~~عباس وغيره. وأخرج البزار وابن مردويه عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم أنه قال في ذلك

# " من شهد أن لا إله إلا الله وخلع الأنداد وشهد أني رسول الله "

# واعتبر بعضهم أمرين فقال أي تطهر من الكفر والمعصية وعليه يجوز أن يكون
~~ما تقدم من باب الاقتصار على الأهم. وقيل تزكى أي تكثر من التقوى والخشية
~~من الزكاء وهو النماء وقيل تطهر للصلاة وقيل آتى الزكاة وروي هذا عن أبي
~~الأحوص وقتادة وجماعة.

### || [87.15]

# { وذكر اسم ربه } بلسانه وقلبه لا بلسانه مع غفلة القلب إذ مثل
~~ذلك لا ثواب فيه فلا ينبغي أن يدخل فيما يترتب عليه الفلاح والذكر
~~القلبي باستحضار اسمه تعالى في القلب وإن كان ممدوحا بلا شبهة إلا أن
~~إرادته بخصوصه مما ذكر خلاف الظاهر وحكاه في «مجمع البيان» عن بعض وما
~~روى عن ابن عباس من قوله أي ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه عز وجل ظاهر
~~فيه وفي إقحام لفظ (اسم). وذهب بعض الحنفية إلى أن المراد بهذا الذكر
~~تكبيرة الافتتاح كأنه قيل وكبر للافتتاح.

# { فصلى } أي الصلوات الخمس كما أخرجه ابن المنذر وغيره عن ابن عباس
~~وروي ذلك في حديث مرفوع وقيل الصلاة المفروضة وما أمكن من النوافل. واحتج
~~بذلك على وجوب التكبيرة حيث نيط به الفلاح ووقع بين واجبين بل فرضين
~~التزكي من الشرك والصلاة مع أن الاحتياط في العبادات واجب / فلا يضر
~~الاحتمال، وعلى أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه عز وجل وهو ظاهر،
~~وعلى أن ms11248 التكبيرة شرط لا ركن للعطف بالفاء وعطف الكل على الجزء كعطف
~~العام على الخاص وإن جاز لا يكون بها مع أنه لو سلم صحته بتكلف فلا بد من
~~نكتة ليدعى وقوعه في الكلام المعجز فحيث لم تظهر لم يصح ادعاؤه وبناء
~~الركنية عليه، والإنصاف أنه مع ما سمعت احتجاج ليس بالقوي وقيل هو خصوص
~~بسم الله الرحمن الرحيم قبل الصلاة وليس بشيء.

# وعن علي كرم الله تعالى وجهه

# تزكى

# [الأعلى: 14] أي تصدق صدقة الفطر { وذكر اسم ربه } كبر يوم
~~العيد { فصلى } صلاة العيد وعن جماعة من السلف ما يقتضي ظاهره ذلك.
~~وتعقب بأن الصلاة مقدمة على الزكاة في القرآن وأن السورة مكية ولم يكن
~~حينئذ عيد ولا فطر ورد بأن ذلك إذا ذكرت باسمها أما إذا ذكرت بفعل
~~فتقديمها غير مطرد ومنه

# فلا صدق ولا صلى

# [القيامة: 31] على أنه يجوز أن تكون مخالفة العادة ههنا للإرشاد إلى أن
~~هذه الزكاة المقدمة قولا ينبغي تقديمها فعلا على الصلاة ولهذا كانوا
~~يخرجونها قبل أن يصلوا العيد كما جاء في الآثار، وكون السورة مكية غير
~~مجمع عليه وعلى القول بمكيتها الذي هو الأصح يكون ذلك مما تأخر حكمه عن
~~نزوله.

# وأقول يجوز أن يقال { تزكى } أي تطهر من الشرك بأن آمن من بقلبه {
~~وذكر اسم ربه } أي قال لا إله إلا الله { فصلى } أي
~~الصلاة المفروضة وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس
~~ما يؤيده فيكون { تزكى } إشارة إلى التصديق بالجنان { وذكر
~~اسم ربه } إلى النطق باللسان و { صلى } إلى العمل بالأركان لما
~~أن الصلاة عماد الدين وأفضل الأعمال البدنية وناهية عن الفحشاء والمنكر
~~فلا بدع أن تذكر فيراد جمع الأعمال البدنية والعبادات القالبية.

# وقد يقال اقتصر على ذكر الصلاة لأن الفرائض والواجبات البدنية لم تكن
~~تامة يوم نزول السورة وكانت الصلاة أهم ما نزل إن كان نزل غيرها وقد روى
~~عطاء عن ابن عباس ويزيد النحوي عن عكرمة والحسن بن أبي الحسن أن أول ما
~~نزل من القرآن ms11249 بمكة

# اقرأ باسم ربك

# [العلق: 1] ثم

# ن

# [القلم: 1] ثم المزمل ثم المدثر ثم

# تبت

# [المسد: 1] ثم

# إذا الشمس كورت

# [التكوير: 1] ثم { سبح اسم ربك } ثم إن من رداف لا إله إلا
~~الله محمد رسول الله وكان ذكر الله تعالى المطلوب هو مجموع الجملتين فلا
~~بعد في أن يراد من ذكره تعالى في الآية وإذا اعتبر الإتيان باسمه عز وجل
~~في الجملة الثانية على الوجه الذي أتى به ذكرا له تعالى كان أمر الإرادة
~~أقرب وهذا الوجه لا يخلو عن حسن.

# وكلمة

# قد

# [الأعلى: 14] لما أنه عند الإخبار بسوء حال المتجنب عن الذكرى في الآخرة
~~يتوقع السامع الاخبار بحسن حال المتذكر فيها. ولا يبعد أن تكون الجملة
~~مستأنفة استئنافا جوابا لسؤال نشأ عن بيان حال المتجنب والسكوت عن حال
~~المتذكر الذي يخشى فكأنه قيل ما حال من تذكر فقيل { قد أفلح } إلى
~~آخره وكان الظاهر قد أفلح من تذكر إلا أنه وضع { من تزكى } إلى
~~آخره موضع من تذكر إشارة إلى بيان المتذكر بسماته. وقوله تعالى: { بل
~~تؤثرون الحيوة الدنيا }.

### || [87.16]

# إضراب عن مقدر ينساق إليه الكلام كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح:
~~لا تفعلون ذلك بل تؤثرون الخ ولعله مراد من قال إنه إضراب عن

# قد أفلح

# [الأعلى: 14] الخ وقيل إضراب عن بيان حال المتذكر والمتجنب إلى بيان أنه
~~لا ينفع هذا البيان وأضعافه المتمردين على وجه يتضمن بيان سبب عدم النفع
~~وهو إيثار الحياة الدنيا. والخطاب على هذا للكفرة الأشقين من أهل مكة
~~وعلى الأول يحتمل أن يكون لهم فالمراد بإيثار الحياة الدنيا هو الرضاء
~~والاطمئنان بها والإعراض عن الآخرة بالكلية كما في قوله تعالى:

# إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحيوة
~~الدنيا واطمأنوا بها

# [يونس: 7] الآية ويحتمل أن يكون لجميع الناس على سبيل التغليب فالمراد
~~بإيثارها ما هو أعم مما ذكر وما لا يخلو عنه الناس غالبا من ترجيح جانب
~~الدنيا على الآخرة في السعي وترتيب المبادىء، وعن ابن مسعود ما يقتضيه
~~والالتفات على الأول لتشديد ms11250 التوبيخ وعلى الثاني كذلك في حق الكفرة
~~ولتشديد العتاب في / حق المسلمين وقيل لا التفات لأنه بتقدير قل.

# وقرأ عبد الله وأبو رجاء والحسن والجحدري وأبو حيوة وابن أبي عبلة وأبو
~~عمرو والزعفراني وابن مقسم (يؤثرون) بياء الغيبة. وقوله تعالى: {
~~والأخرة خير وأبقى }.

### || [87.17]

# حال من فاعل

# تؤثرون

# [الأعلى: 16] مؤكد للتوبيخ والعتاب أي تؤثرونها على الآخرة والحال أن
~~الآخرة خير في نفسها لما أن نعيمها مع كونه في غاية ما يكون من اللذة
~~خالص عن شائبة الغائلة أبدي لا انصرام له وعدم التعرض لبيان تكدر نعيم
~~الدنيا بالمنغصات وانقطاعه عما قليل لغاية الظهور.

### || [87.18]

# { إن هذا } إشارة على ما أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد
~~إلى قوله تعالى:

# والآخرة خير وأبقى

# [الأعلى: 17] وروي ذلك عن قتادة وقال غير واحد إشارة إلى ما ذكر من قوله
~~سبحانه

# قد أفلح من تزكى

# [الأعلى: 14] الخ وسيأتي إن شاء الله تعالى في الحديث ما يشهد له، وقال
~~الضحاك إشارة إلى القرآن فالآية كقوله تعالى:

# وإنه لفى زبر الاولين

# [الشعراء: 196] وعن ابن عباس وعكرمة والسدي إشارة إلى ما تضمنته السور
~~جميعا وفيه بعد.

# { لفى الصحف الأولى } أي ثابت فيها معناه. وقرأ الأعمش وهرون
~~وعصمة كلاهما عن أبي عمرو بسكون الحاء وكذا فيما بعد وهي لغة تميم على
~~ما في «اللوامح».

### || [87.19]

# بدل من

# الصحف الأولى

# [الأعلى: 18] وفي إبهامها ووصفها بالقدم ثم بيانها وتفسيرها من تفخيم
~~شأنها ما لا يخفى. وكانت صحف إبراهيم عشرة وكذا صحف موسى عليه السلام
~~والمراد بها ما عدا التوراة أخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر عن
~~أبي ذر قال قلت يا رسول الله كم أنزل الله تعالى من كتاب؟ قال مائة كتاب
~~وأربعة كتب أنزل على شيث خمسين صحيفة وعلى إدريس ثلاثين صحيفة وعلى
~~إبراهيم عشر صحائف وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف وأنزل التوراة
~~والإنجيل والزبور والفرقان. قلت يا رسول الله فما كانت صحف إبراهيم؟ قال
~~أمثال كلها أيها الملك المتسلط على المبتلى المغرور لم ms11251 أبعثك لتجمع
~~الدنيا بعضها إلى بعض ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها
~~ولو كانت من كافر وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له
~~ثلاث ساعات ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه ويتذكر فيما صنع
~~وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال فإن في هذه الساعة عونا لتلك الساعات
~~واجتماعا للقلوب وتفريغا لها وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا
~~على شأنه حافظا للسانه فإن من حسب كلامه من عمله أقل الكلام إلا فيما
~~يعنيه وعلى العاقل أن يكون طالبا لثلاث مرمة لمعاش أو تزود لمعاد أو
~~تلذذ في غير محرم. قلت يا رسول الله فما كانت صحف موسى؟ قال كانت عبرا
~~كلها عجبت لمن أيقن بالموت ثم يفرح ولمن أيقن بالنار ثم يضحك ولمن يرى
~~الدنيا وتقلبها بأهلها ثم يطمئن إليها ولمن أيقن بالقدر ثم يغضب ولمن
~~أيقن بالحساب ثم لا يعمل. قلت يا رسول الله هل أنزل عليك شيء مما كان في
~~صحف إبراهيم وموسى؟ قال يا أبا ذر نعم

# قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى * بل
~~تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى

# [الأعلى: 14-17] والله تعالى أعلم بصحة الحديث.

# وقرأ أبو رجاء (أبرهم) بحذف الألف والياء وبالهاء مفتوحة ومكسورة وعبد
~~الرحمن بن أبي بكرة بكسرها لا غير. وقرأ أبو موسى الأشعري وابن الزبير
~~(أبراهام) بألفين في كل القرآن. وقرأ مالك بن دينار (أبراهم) بألف وفتح
~~الهاء وبغير ياء وجاء كما قال ابن خالويه (أبرهم) بضم الهاء بلا ألف ولا
~~ياء وهذا من تصرفات العرب في الأسماء الأعجمية فإن إبراهيم على الصحيح
~~منها، وحكى الكرماني في «عجائبه» أنه اسم عربي مشتق من البرهمة وهي شدة
~~النظر. ونسبه قد تقدم وكذا نسب موسى صلى الله تعالى عليهما وسلم.

### | [88 - سورة الغاشية]

### || [88.1]

# قيل { هل } بمعنى قد وهو ظاهر كلام قطرب حيث قال: أي قد جاءك يا محمد
~~حديث الغاشية والمختار أنه للاستفهام وهو استفهام أريد به التعجيب مما في
~~حيزه ms11252 والتشويق إلى استماعه والإشعار بأنه من الأحاديث البديعة التي حقها
~~أن تتناقلها الرواة ويتنافس في تلقنها الوعاة وأخرج ابن أبي حاتم عن
~~عمرو بن ميمون قال

# " مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تقرأ { هل أتاك حديث
~~الغشية } فقام عليه الصلاة والسلام يستمع ويقول نعم قد جاءني "

# والغاشية القيامة كما قال سفيان والجمهور وأطلق عليها ذلك لأنها تغشى
~~الناس بشدائدها وتكتنفهم بأهوالها. وقال محمد بن كعب وابن جبير هي النار
~~من قوله تعالى:

# وتغشى وجوههم النار

# [إبراهيم: 50] وقوله سبحانه:

# ومن فوقهم غواش

# [الأعراف: 41] وليس بذاك فإن ما سيروى من حديثها ليس مختصا بالنار
~~وأهلها بل ناطق بأحوال أهل الجنة أيضا.

### || [88.2]

# { وجوه يومئذ } المرفوع مبتدأ وجاز الابتداء به وإن كان نكرة
~~لوقوعه في موضع التنويع وقيل لأن تقدير الكلام أصحاب وجوه والخبر ما بعد
~~والظرف متعلق به والتنوين عوض عن جملة أشعرت بها الغاشية أي يوم إذ غشيت.
~~والجملة إلى قوله تعالى:

# مبثوثة

# [الغاشية: 16] استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من الاستفهام التشويقي
~~كأنه قيل من جهته عليه الصلاة والسلام ما أتاني حديثها ما هو فقيل {
~~وجوه } الخ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لم يكن أتاه صلى الله
~~عليه وسلم حديثها فأخبره سبحانه عنها فقال جل وعلا وجوه يومئذ {
~~خشعة } والمراد بخاشعة ذليلة ولم توصف بالذل ابتداء لما في وصفها
~~بالخشوع من الإشارة إلى التهكم وأنها لم تخشع في وقت ينفع فيه الخشوع
~~وكذا حال وصفها بالعمل في قوله سبحانه: { عاملة ناصبة }.

### || [88.3]

# { عاملة } على ما قيل وهو وقوله تعالى: { ناصبة } خبران آخران
~~لوجوه إذ المراد بها أصحابها وفي ذلك الاحتمالات أخر ستأتي إن شاء الله
~~تعالى، أي عاملة في ذلك اليوم تعبة فيه وذلك في النار على ما روي عن ابن
~~عباس والحسن وابن جبير وقتادة وعملها فيها على ما قيل جر السلاسل
~~والأغلال والخوض فيها خوض الإبل في الوحل والصعود والهبوط في تلالها
~~ووهادها وذلك جزاء التكبر عن العمل وطاعة الله تعالى في الدنيا. وعن ms11253 زيد
~~بن أسلم أنه قال أي عاملة في الدنيا ناصبة فيها لأنها على غير هدى فلا
~~ثمرة لها إلا النصب وخاتمته النار وجاء ذلك في رواية أخرى عن ابن عباس
~~وابن جبير أيضا. والظاهر أن الخشوع عند هؤلاء باق على كونه في الآخرة
~~وعليه فيومئذ لا تعلق له بالوصفين معنى بل متعلقهما في الدنيا ولا يخفى
~~ما في هذا الوجه من البعد وظهور أن العمل لا يكون في الآخرة بعد تسليمه
~~لا يجدي نفعا في دفع بعده. وقال عكرمة عاملة في الدنيا ناصبة يوم
~~القيامة والظاهر أن الخشوع على ما مر ولا يخفى ما في جعل المحاط
~~باستقباليين ماضويا من البعد. وقيل الأوصاف الثلاثة في الدنيا والكلام
~~على منوال:

# إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة

# أي ظهر لهم يومئذ أنها كانت خاشعة عاملة ناصبة في الدنيا من غير نفع
~~وأما قبل ذلك اليوم فكانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعا وهؤلاء النساك من
~~اليهود والنصارى كما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ويشمل غيرهم مما
~~شاكلهم من نساك أهل الضلال وهذا الوجه أبعد من أخويه. وقوله تعالى: {
~~تصلى نارا حامية }.

### || [88.4]

# متناهية في الحر من حميت النار إذا اشتد حرها، خبر آخر لوجوه وقيل

# خاشعة

# [الغاشية: 2] صفة لها وما بعد أخبار وقيل الأولان صفتان والأخيران خبران
~~وقيل الثلاثة الأول صفات وهذه الجملة هي الخبر / والكل كما ترى. وجوز أن
~~يكون هذا وما بعده من الجملتين استئنافا مبينا لتفاصيل أحوالها.

# وقرأ ابن كثير في رواية شبل وحميد وابن محيصن

# عاملة ناصبة

# [الغاشية: 3] بالنصب على الذم. وقرأ أبو رجاء وابن محيصن ويعقوب وأبو
~~عمرو وأبو بكر (تصلى) بضم التاء وقرأ خارجة (تصلى) بضم التاء وفتح
~~الصاد مشدد اللام للمبالغة.

### || [88.5]

# بلغت إناها أي غايتها في الحر فهي متناهية فيه كما في قوله تعالى:

# وبين حميم آن

# [الرحمن: 44] وهو التفسير المشهور وقد روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد.
~~وقال ابن زيد أي حاضرة لهم من قولهم أنى الشيء حضر وليس بذاك.

### || [88.6]

# بيان لطعامهم ms11254 إثر بيان شرابهم. والضريع كما أخرج عبد بن حميد عن ابن
~~عباس الشبرق اليابس وهي على ما قال عكرمة شجرة ذات شوك لاطئة بالأرض،
~~وقال غير واحد هو جنس من الشوك ترعاه الإبل رطبا فإذا يبس تحامته وهو سم
~~قاتل قال أبو ذؤيب:

# رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى

# وصار ضريعا بان عنه النحائص

# وقال ابن العيزارة الهذلي يذكر إبلا وسوء مرعاها:

# وحبسن في هزم الضريع فكلها

# حدباء دامية اليدين حرود

# وقال بعض اللغويين الضريع يبيس العرفج إذا انحطم وقال الزجاج نبت
~~كالعوسج وقال الخليل نبت أخضر منتن الريح يرمى به البحر والظاهر أن
~~المراد ما هو ضريع حقيقة وقيل هو شجرة نارية تشبه الضريع وأنت تعلم أنه
~~لا يعجز الله تعالى الذي أخرج من الشجر الأخضر نارا أن ينبت في النار
~~شجر الضريع نعم يؤيد ما قيل ما حكاه في «البحور الزاخرة» عن البغوي عن
~~ابن عباس يرفعه «الضريع شيء في النار شبه الشوك أمر من الصبر وأنتن من
~~الجيفة وأشد حرا من النار» فإن صح فذاك وقال ابن كيسان هو طعام يضرعون
~~عنده ويذلون ويتضرعون إلى الله تعالى طلبا للخلاص منه فسمي بذلك وعليه
~~يحتمل أن يكون شجرا وغيره وعن الحسن وجماعة أنه الزقوم وعن ابن جبير أنه
~~حجارة في النار وقيل هو واد في جهنم أي ليس لهم طعام إلا من ذلك الموضع
~~ولعله هو الموضع الذي يسيل إليه صديد أهل النار وهو الغسلين وعليه يكون
~~التوفيق بين هذا الحصر والحصر في قوله تعالى:

# ولا طعام إلا من غسلين

# [الحاقة: 36] ظاهرا بأن يكون طعامهم من ذلك الوادي هو الغسلين الذي
~~يسيل إليه وكذا إذا أريد به ما قاله ابن كيسان واتحد به وقد يتحد بهما
~~عليه أيضا الزقوم واتحاده بالضريع على القول بأنه شجرة قريب وقيل في
~~التوفيق أن الضريع مجاز أو كناية أريد به طعام مكروه حتى للإبل وغيرها من
~~الحيوانات التي تلتذ رعي الشوك فلا ينافي كونه زقوما أو غسلينا وقيل
~~إنه أريد أن لا ms11255 طعام لهم أصلا لأن الضريع ليس بطعام للبهائم فضلا عن
~~الناس كما يقال ليس لفلان ظل إلا الشمس أي لا ظل له وعليه يحمل قوله
~~تعالى:

# ولا طعام إلا من غسلين

# [الحاقة: 36] وقوله تعالى:

# إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم

# [الدخان: 4344] فلا مخالفة أصلا وقيل إن الغسلين وهو الصديد في القدرة
~~الإلهية أن تجعله على هيئة الضريع والزقوم فطعامهم الغسلين والزقوم
~~اللذان هما الضريع ولا يخفى تعسفه على الرضيع وقد يقال في التوفيق على
~~القول بأن الثلاثة متغايرة بالذات أن العذاب ألوان والمعذبون طبقات فمنهم
~~أكلة لزقوم ومنهم أكلة الغسلين ومنهم أكلة الضريع

# لكل باب منهم جزء مقسوم

# [الحجر: 44].

### || [88.7]

# أما في محل جر صفة لضريع والمعنى إن طعامهم من شيء ليس من مطاعم الإنس
~~وإنما هو شوك والشوك مما ترعاه الإبل وتتولع به وهذا نوع منه تنفر عنه
~~ولا تقربه ومنفعتا الغذاء منتفيتان عنه وهما إماطة الجوع وإفادة القوة
~~والسمن في البدن وإن شئت فقل إنه من شيء مكروه يضرع عنده ويتضرع إلى الله
~~تعالى ويطلب منه سبحانه الخلاص عنه وليس فيه منفعتا الغذاء أصلا، وإما
~~في محل رفع صفة / لطعام المقدر إذ التقدير ليس لهم طعام إلا طعام من ضريع
~~والمعنى قريب مما ذكر، ولا يجوز كونه صفة للمذكور إذ لا يدل حينئذ على
~~أن طعامهم منحصر في الضريع بل يدل على أن ما لا يسمن ولا يغني من طعامهم
~~منحصر فيه ويفسد المعنى، وإما لا محل له من الإعراب على أنه مستأنف
~~والأول أظهر.

# ويروى أن كفار قريش قالوا لما سمعوا صدر الآية إن الضريع لتسمن عليه
~~إبلنا فنزلت { لا يسمن } الخ قيل فلا يخلو إما أن يتكذبوا ويتعنتوا
~~بذلك وهو الظاهر فيرد قولهم بنفي السمن والشبع، وإما أن يصدقوا فيكون
~~المعنى إن طعامهم من ضريع ليس من جنس ضريعكم إنما هو غير مسمن ولا مغن من
~~جوع وعلى الأول هو صفة مؤكدة ردا لما زعموه لا كاشفة إذ لا خفاء وعلى
~~الثاني هو صفة مخصصة وأيا ما ms11256 كان فتنكير الجوع للتحقير أي لا يغني من
~~جوع ما وتأخير نفي الإغناء منه لمراعاة الفواصل والتوسل به إلى التصريح
~~بنفي كلا الأمرين إذ لو قدم لما احتيج إلى ذكر نفي الاسمان ضرورة استلزام
~~نفي الإغناء عن الجوع إياه ولذلك كرر لا لتأكيد النفي.

# وفي «الإرشاد» أن نفي الأمرين عنه ليس على أن لهم استعدادا للشبع
~~والسمن إلا أنه لا يفيد شيئا منهما بل على أنه لا استعداد من جهتهم ولا
~~إفادة من جهته وتحقيق ذلك أن جوعهم وعطشهم ليسا من قبيل ما هو المعهود
~~منهما في هذه النشأة من حالة عارضة للإنسان عند استدعاء الطبيعة لبدل ما
~~يتحلل من البدن مشوقة له إلى المطعوم والمشروب بحيث يلتذ بهما عند الأكل
~~والشرب ويستغني بهما عن غيرهما عند استقرارهما في المعدة ويستفيد منهما
~~قوة وسمنا عند انهضامهما بل جوعهم عبارة عن اضطرارهم عند اضطرام النار
~~في أحشائهم إلى ادخال شيء كثيف يملؤها ويخرج ما فيها من اللهب، وإما أن
~~يكون لهم شوق إلى مطعوم ما والتذاذ به عند الأكل واستغناء به عن الغير
~~واستفادة قوة فهيهات وكذا عطشهم عبارة عن اضطرارهم عند أكل الضريع
~~والتهابه في بطونهم إلى شيء مائع بارد ليطفؤه من غير أن يكون لهم التذاذ
~~بشربه أو استفادة قوة به في الجملة وهو المعني بما روي أنه تعالى يسلط
~~عليهم الجوع بحيث يضطرون إلى أكل الضريع فإذا أكلوه سلط عليهم العطش
~~فاضطروا إلى شرب الحميم فيشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم أعاذنا الله تعالى
~~وسائر المسلمين من ذلك انتهى وهو خلاف الظاهر ومثله لا يقال عن الرأي
~~وليس له فيما وقفنا عليه مستند يؤول لأجله الظواهر، فالحق أن لهم جوعا
~~وعطشا وشهوة إلى الطعام والشراب كما أن للجائع والعطشان في الدنيا شهوة
~~إليهما لكنهما لهم هناك قد بلغا الغاية بتسليط الله تعالى عز وجل بدون
~~سبب عادي على نحو ما في الدنيا فيضطرون لذلك إلى الضريع والحميم كما يضطر
~~من أفرط فيه الجوع والعطش في الدنيا إلى تناول الكريه البشع ms11257 من المطعوم
~~والمشروب لكنهم لا ينتفعون بما يتناولونه بل يزدادون به عذابا فوق
~~العذاب نسأل الله تعالى العفو والعافية بمنه وكرمه.

# وقوله تعالى: { وجوه يومئذ ناعمة }.

### || [88.8]

# شروع في رواية حديث أهل الجنة وتقديم حكاية أهل النار لأنه أدخل في
~~تهويل الغاشية وتفخيم حديثها ولأن حكاية حسن حال أهل الجنة بعد حكاية سوء
~~حال أهل النار مما يزيد المحكي حسنا وبهجة والكلام في إعرابه نظير ما
~~تقدم وإنما لم تعطف هذه الجملة على تلك الجملة إيذانا بكمال تباين
~~مضمونيهما والناعمة إما من النعومة وكنى بها عن البهجة وحسن المنظر أي
~~وجوه يومئذ ذات بهجة وحسن كقوله تعالى:

# تعرف في وجوههم نضرة النعيم

# [المطففين: 24] أو من النعيم أي وجوه يومئذ متنعمة.

### || [88.9]

# { لسعيها } أي لعملها الذي عملته في دار الدنيا وهو متعلق بقوله
~~تعالى: { راضية } والتقديم للاعتناء مع رعاية الفاصلة واللام ليست
~~للتعليل بل مثلها في رضيت بكذا فكأنه قيل: راضية بسعيها وذكر بعض
~~المحققين أنها مقوية لتعدي الوصف بنفسه ولذا قال سفيان في ذلك كما أخرجه
~~عنه ابن أبي حاتم رضيت عملها ورضاها به كناية أو مجاز عن أنه محمود
~~العاقبة مجازى عليه أعظم الجزاء وأحسنه / وقيل في الكلام مضاف مقدر أي
~~لثواب سعيها راضية وجوز كون اللام للتعليل أي لأجل سعيها في طاعة الله
~~تعالى راضية حيث أوتيت ما أوتيت من الخير وليس بذاك.

### || [88.10]

# مرتفعة المحل أو علية القدر فالعلو إما حسي أو معنوي وجمع أبو حيان
~~بينهما.

### || [88.11]

# { لا تسمع } خطاب لكل من يصلح للخطاب أو هو مسند إلى ضمير الغائبة
~~المؤنثة وهو راجع للوجوه على أن المراد بها أصحابها أو الإسناد المجازي
~~وكذا يقال فيما قبل وأشار بعض إلى أن في الآية صنعة الاستخدام اختيارا
~~لأن المراد بالوجوه أولا حقيقتها وعند إرجاع الضمير إليها ثانيا
~~أصحابها فهم الذين لا يسمعون { فيها لغية } أي لغوا فهي مصدر
~~بمعناه ويجوز كونها صفة كلمة محذوفة على أنها للنسب أي كلمة ذات لغو وجوز
~~على تقدير كونها صفة كون الإسناد ms11258 مجازيا لأن الكلمة ملغو بها لا لاغية
~~ويجوز أن تكون صفة نفس محذوفة أي لا تسمع فيها نفسا لاغية وجعلها مسموعة
~~لوصفها بما يسمع كما تقول سمعت زيدا يقول كذا وجوز أن يكون ذلك على
~~المجاز في الإسناد أيضا.

# وقرأ الأعرج وأهل مكة والمدينة ونافع وابن كثير وأبو عمرو بخلاف عنهم
~~(لا تسمع) بتاء التأنيث مبنيا للمفعول (لاغية) بالرفع وابن محيصن وعيسى
~~ابن كثير وأبو عمرو كذلك إلا أنهم قرؤا بالياء التحتية لأن التأنيث مجازي
~~مع وجود الفاصل والجحدري كذلك إلا أنه نصب (لاغية) على معنى لا يسمع فيها
~~أي أحد لاغية من قولك أسمعت زيدا.

### || [88.12]

# قيل يجري ماؤها ولا ينقطع وعدم الانقطاع إما من وصف العين لأنها الماء
~~الجاري فوصفها بالجريان يدل على المبالغة كما في

# نار حامية

# [القارعة: 11] وإما من اسم الفاعل فإنه للاستمرار بقرينة المقام
~~والتنكير للتعظيم واختار الزمخشري كونه للتكثير كما في

# علمت نفس

# [التكوير: 14] أي عيون كثيرة تجري مياهها.

### || [88.13]

# رفيعة السمك أو المقدار وقيل مخبوءة من رفعت لك كذا أي خبأته.

### || [88.14]

# { وأكواب } وقداح لا عرا لها { موضوعة } أي بين أيديهم وقيل
~~على حافات العيون وجوز أن يراد موضوعة عن حد الكبار أوساط بين الصغر
~~والكبر كقوله تعالى:

# قدروها تقديرا

# [الإنسان: 16] ولا يخفى بعده.

### || [88.15]

# { ونمارق } ووسائد قال زهير:

# كهولا وشبانا حسانا وجوههم

# على سرر مصفوفة ونمارق

# جمع نمرقة بضم النون والراء وبكسرهما وفتحهما وبغير هاء { مصفوفة }
~~صف بعضها إلى جنب بعض للاستناد إليها والاتكاء عليها وقال الكلبي وسائد
~~موضوعة بعضها إلى جنب بعض كالشيء الذي جعل صفا أينما أراد أن يجلس
~~المؤمن جلس على واحدة واستند إلى أخرى وعلى رأسه وصائف كأنهن الياقوت
~~والمرجان.

### || [88.16]

# { وزرابي } وبسط فاخرة كما قال غير واحد وقال الفراء هي الطنافس
~~التي لها خمل رقيق وقال الراغب: إنها في الأصل ثياب محبرة منسوبة إلى
~~موضع ثم استعيرت للبسط واحدها زربية مثلثة الزاي ولم يفرق في «الصحاح»
~~بين الزرابي والنمارق والظاهر الفرق نعم قيل قد جاء نمارق بمعنى ms11259
~~الزرابي ومنه:

# نحن بنات طارق

# نمشي على النمارق

# لظهور أن الوسائد لا يمشي عليها عادة { مبثوثة } مبسوطة أو مفرقة
~~في المجالس.

### || [88.17]

# استئناف مسوق لتقرير ما فصل من حديث الغاشية وما هو مبني عليه من البعث
~~الذي هم فيه مختلفون بالاستشهاد عليه بما لا يستطيعون إنكاره. وأخرج عبد
~~بن حميد وغيره عن قتادة قال لما نعت الله تعالى ما في الجنة عجب من ذلك
~~أهل الضلالة فأنزل سبحانه وتعالى: { أفلا ينظرون } الخ ويرجع هذا
~~في الآخرة إلى إنكار البعث كما لا يخفى. والهمزة للإنكار والتوبيخ والفاء
~~للعطف على مقدر / يقتضيه المقام. وكلمة (كيف) منصوبة بما بعدها على أنها
~~حال من مرفوع { خلقت } كما في قوله تعالى:

# كيف تكفرون بالله

# [البقرة: 28] معلقة لفعل النظر. والجملة بدل اشتمال من (الإبل) وقد تبدل
~~الجملة وفيها الاستفهام من الاسم الذي قبلها كقولهم: عرفت زيدا أبو من
~~هو؟ على أصح الأقوال على أن العرب قد أدخلت إلى على (كيف) بلا واسطة
~~إبدال كما أدخلت عليها على فحكي عنهم أنهم قالوا: انظر إلى كيف يصنع؟ كما
~~حكي عنهم أنهم قالوا على كيف تبيع الأحمرين؟ وذكر أبو حيان في «البحر»
~~و«التذكرة» وغيرهما أنه إذا علق الفعل عما فيه الاستفهام لم يبق
~~الاستفهام على حقيقته. وقيل (كيف) بدل من (الإبل) وتعقبه في «المغني» بما
~~في بعضه نظر وجوز في «مجمع البيان» كونها في موضع نصب على المصدر وهو كما
~~ترى.

# والإبل يقع على البعران الكثيرة ولا واحد له من لفظه وهو مؤنث ولذا إذا
~~صغر دخلته التاء فقالوا أبيلة وقالوا في الجمع آبال وقد اشتقوا من لفظه
~~فقالوا أبل وتأبل الرجل وتعجبوا من هذا الفعل على غير قياس فقالوا ما آبل
~~زيدا ولم يحفظ سيبويه فيما قيل اسما جاء على فعل بكسر الفاء والعين غير
~~إبل. أي أينكرون ما أشير إليه من البعث وأحكامه ويستبعدون وقوعه من قدرة
~~الله عز وجل فلا ينظرون إلى الإبل التي هي نصب أعينهم يستعملونها كل حين
~~كيف خلقت خلقا بديعا معدولا به ms11260 عن سنن خلق أكثر أنواع الحيوانات في
~~عظم جثتها وشدة قوتها وعجيب هيآتها اللائقة بتأتي ما يصدر عنها من
~~الأفاعيل الشاقة كالنوء بالأوقار الثقيلة وهي باركة وإيصالها الأثقال
~~الفادحة إلى الأقطار النازحة وفي صبرها على الجوع والعطش حتى إن؟أظماءها
~~ليبلغ العشر بكسر فسكون وهو ثمانية أيام بين الوردين وربما يجوز ذلك
~~وتسمى حينئذ الحوازى بالحاء المهملة والزاي واكتفائها باليسير ورعيها
~~لكل ما يتيسر من شوك وشجر وغير ذلك مما لا يكاد يرعاه سائر البهائم وفي
~~انقيادها مع ذلك للإنسان في الحركة والسكون والبروك والنهوض حيث يستعملها
~~في ذلك كيف يشاء ويقتادها بقطارها كل صغير وكبير وفي تأثرها بالصوت الحسن
~~على غلظ أكبادها إلى غير ذلك.

# وخصت بالذكر لأنها أعجب ما عند العرب من الحيوانات التي هي أشرف
~~المركبات وأكثرها صنعا ولهم على أحوالها أتم وقوف. وعن الحسن أنها خصت
~~بالذكر لأنها تأكل النوى والقت وتخرج اللبن وقيل له الفيل أعظم في
~~الأعجوبة فقال العرب بعيدة العهد بالفيل ثم هو خنزير لا يؤكل لحمه ولا
~~يركب ظهره أي على نحو ما يركب ظهر البعير من غير مشقة في ترييضه ولا يحلب
~~دره.

# وقال أبو العباس المبرد الإبل هنا السحاب لأن العرب قد تسميها بذلك إذ
~~تأتي أرسالا كالإبل وتزجى كما تزجى الإبل وهي في هيآتها أحيانا تشبه
~~الإبل يعني أن إرادته منها هنا على طريق التشبيه والمجاز، وكأنه كما قال
~~الزمخشري لم يدع القائل بذلك إلا طلب المناسبة بين المتعاطفات على ما
~~يقتضيه قانون البلاغة وهي حاصلة مع بقاء الإبل في عطنها.

# قال الإمام التناسب فيها أن الكلام مع العرب وهم أهل أسفار على الإبل في
~~البراري فربما انفردوا فيها والمنفرد يتفكر لعدم رفيق يحادثه وشاغل يشغله
~~فيتفكر فيما يقع عليه طرفه فإذا نظر لما معه رأى الإبل وإذا نظر لما فوقه
~~رأى السماء وإذا نظر يمينا وشمالا رأى الجبال وإذا نظر لأسفل رأى الأرض
~~فأمر بالنظر في خلوته لما يتعلق به النظر من هذه الأمور فبينها مناسبة
~~بهذا الاعتبار.

# وقال ms11261 عصام الدين: إن خيال العرب جامع بين الأربعة لأن مالهم النفيس
~~الإبل ومدار السقي لهم على السماء ورعيهم في الأرض وحفظ مالهم بالجبال
~~وما ألطف ذكر الإبل بعد ذكر الضريع فإن خطورها بعده على طرف الثمام وإذا
~~صح ما روي من كلام قريش عند نزول تلك الآية كان ذكرها ألطف وألطف.

# وقرأ الأصمعي عن أبي عمرو (إلى الإبل) بسكون الباء وقرأ علي كرم الله
~~تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما (إبل) بتشديد اللام ورويت عن
~~أبي عمرو وأبي جعفر والكسائي وقالوا إنها السحاب عن قوم من أهل اللغة.

### || [88.18]

# { وإلى السماء } التي يشاهدونها ليلا ونهارا { كيف رفعت
~~} رفعا سحيق المدى بلا عماد ولا مساك بحيث لا يناله الفهم والإدراك.

### || [88.19]

# { وإلى الجبال } التي ينزلون في أقطارها وينتفعون بمائها
~~وأشجارها { كيف نصبت } وضعت وضعا ثابتا يتأتى معه ارتقاؤها فلا
~~تميل ولا تميد ويمكن الرقي إلى دارها.

### || [88.20]

# { وإلى الأرض } التي يضربون فيها ويتقلبون عليها { كيف
~~سطحت } سطحا بتوطئة وتمهيد وتسوية وتوطيد حسبما يقتضيه صلاح أمور
~~أهلها ولا ينافي ذلك القول بأنها قريبة من الكرة الحقيقية لمكان عظمها.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وأبو حيوة وابن أبي عبلة (خلقت) (رفعت)
~~(نصبت) (سطحت) بتاء المتكلم مبنيا للفاعل والمفعول ضمير محذوف وهو
~~العائد إلى المبدل منه بدل اشتمال أي خلقتها رفعتها نصبتها سطحتها. وقرأ
~~الحسن وهارون الرشيد (سطحت) بتشديد الطاء.

# والمعنى أفلا ينظرون نظر التدبر والاعتبار إلى كيفية خلق هذه المخلوقات
~~الشاهدة بحقية البعث والنشور ليرجعوا عما هم عليه من الإنكار والنفور
~~ويسمعوا إنذارك ويستعدوا للقائه بالإيمان والطاعة وجوز أن يحمل النظر على
~~الإبصار ويكون فيه دعوى ظهور المطلوب بحيث يظهر بمجرد إبصار هذه
~~المخلوقات وهو خلاف الظاهر.

### || [88.21]

# الفاء في قوله تعالى { فذكر } لترتيب الأمر بالتذكير على ما ينبىء
~~عنه الإنكار السابق من عدم النظر أي فاقتصر على التذكير ولا تلح عليهم
~~ولا يهمنك أنهم لا ينظرون ولا يتذكرون وقوله تعالى: { إنما أنت
~~مذكر } تعليل للأمر وقوله سبحانه: { لست عليهم ms11262 بمصيطر
~~}.

### || [88.22]

# تقرير له وتحقيق لمعنى الإنذار أي لست بمتسلط عليهم تجبرهم على ما تريد
~~كقوله تعالى:

# ومآ أنت عليهم بجبار

# [ق: 45].

# وقرأ الجمهور (بمصيطر) بالصاد وكسر الطاء والأصل السين والصاد بدل منه
~~فإنه من السطر بمعنى التسلط يقال سطر عليه إذا تسلط. وقرأ حمزة في رواية
~~بإشمام الصاد زايا وهارون بفتح الطاء وهي لغة تميم وسيطر متعد عندهم
~~ويدل عليه قولهم تسيطر لمكان المطاوعة وقوله تعالى: { إلا من
~~تولى وكفر }.

### || [88.23]

# قيل استثناء منقطع و(إلا) فيه بمعنى لكن و(من) موصولة مبتدأ وما بعدها
~~صلة والعائد الضمير المستتر فيه وقوله تعالى: { فيعذبه الله
~~العذاب الأكبر }.

### || [88.24]

# خبر المبتدأ والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط نحو الذي يأتيني فله درهم
~~وجعل (من) شرطية يبعده وجود الفاء فيما يصلح لجوابيتها بدونها وتقدير
~~فهو يعذبه تكلف مستغنى عنه وأيا ما كان فمن المنقطع ما يقع بعد (إلا)
~~فيه جملة أي لكن من أعرض وأقام على الكفر منهم يعذبه الله تعالى العذاب
~~الأكبر وهذا عذاب الآخرة في النار فإنه الأكبر وعذاب الدنيا بالنسبة إليه
~~أصغر. وجعل الزمخشري الانقطاع على معنى لست بمستول عليهم لكن من تولى
~~وكفر منهم فإن لله تعالى الولاية عليه والقهر فيعذبه في نار جهنم ولم
~~يجعل على ما قيل متصلا لأنه يلزم عليه كونه صلى الله عليه وسلم مستوليا
~~على من تولى وقد حصرت الولاية به تعالى.

# وجوز اتصاله بأن يكون (من) ضمير (عليهم) فيكون (من) في محل جر
~~تابعا له وتسلطه صلى الله عليه وسلم على المتولي باعتبار جهاده وقتله
~~الذي وعد به عليه الصلاة والسلام ولا ينافي حصر الولاية به تعالى لأنه
~~بأمره عز وجل فكأنه قيل لست عليهم بمسيطر إلا على من تولى وأقام على
~~الكفر فإنك متسلط عليه بما يؤذن لك من جهاده وقتله وسبيه وأسره وبعد ذلك
~~يعذبه الله تعالى في جهنم فيكون في الآية إيعاد لهم بالجهاد في الدنيا
~~وعذاب النار في الآخرة. وجوز أن يكون إبعادا بالجهاد فقط على أن المراد
~~بالعذاب الأكبر القتل ms11263 وسبي النساء والأولاد وسائر ما يترتب على الجهاد
~~من البلايا فيكون فيه إشارة إلى أن هذه الأمة أكبر عذابهم في الدنيا ذلك
~~لا ما كان في الأمم السابقة من الخسف والمسخ ونحوهما وأقيم {
~~فيعذبه } الخ مقام فتكون عليه / متسلطا إيذانا بأن ذلك من قبله
~~عز وجل حتى كأنه صلى الله عليه وسلم لا دخل له فيه.

# وقال عصام الدين في كون الاستثناء منقطعا إشكال لأن المستثنى المنقطع
~~هو المذكور بعدا لا غير مخرج عن متعدد قبله لعدم دخوله فيه مخالف له في
~~الحكم وليس { من تولى وكفر } خارجا عن قوله تعالى { عليهم
~~} وليس حكمهم مخالفا له، ثم أجاب بأن الاستثناء المنقطع قد يكون لدفع
~~توهم ناشىء مما سبق من غير أن يخالف المستثنى منه في الحكم فالواجب ذكر
~~حكم له ليعلم أنه ليس حكمه مخالفا لحكم المستثنى منه فكأنه ههنا لدفع
~~توهم التعذيب فتأمل.

# وجوز كون الاستثناء متصلا من قوله تعالى

# فذكر

# [الغاشية: 21] و(من) موصولة لا غير والمراد بالعذاب استحقاق العذاب أي
~~فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى فاستحق العذاب الأكبر وقوله: {
~~إنما أنت } الخ على هذا اعتراض ورجح الانقطاع بأن ابن عباس وزيد بن
~~علي وقتادة وزيد بن أسلم قرؤا (ألا) حرف تنبيه واستفتاح. وقوله تعالى: {
~~إن إلينا إيابهم }.

### || [88.25]

# تعليل لتعذيبه تعالى إياهم بالعذاب الأكبر. وإياب مصدر آب أي رجع أي، إن
~~إلينا رجوعهم بالموت والبعث لا إلى أحد سوانا لا استقلالا ولا اشتراكا
~~وجمع الضمير فيه وفيما بعده باعتبار معنى (من) كما أن افراده فيما سبق
~~باعتبار لفظها.

# وقرأ أبو جعفر وشيبة (إيابهم) بتشديد الياء قال البطليوسي في كتاب
~~«المثلثات» هذه القراءة تحتمل تأويلين أحدهما أن يكون إياب بالتشديد
~~فعالا من أوب على زنة فعل ككذب كذابا وأصله أواب فلم يعتد
~~بالواو الأولى حاجزا لضعفها بالسكون فأبدل من الواو الثانية ياء لانكسار
~~الهمزة فصار في التقدير أويابا ثم قلبت الأولى ياء أيضا لاجتماع ياء
~~وواو وسكون إحداهما ولأن الواو الأولى إذا لم تمنع من انقلاب ms11264 الثانية فهي
~~أجدر بالانقلاب والثاني أن يكون فيعالا وأصله إيوابا فأعل إعلال
~~سيد، وفعله على هذا أيب على وزن فيعل كحوقل حيقالا من الإياب
~~وأصله أيوب فأعل كما ذكرنا، والوجه الأول أقيس لأنهم قالوا في مصدره
~~التأويب والتفعيل مصدر فعل لا فيعل ومع ذلك فقد قالوا هو سريع الأوبة
~~والأيبة فكأنهم آثروا الياء لخفتها انتهى.

# وقد ذكر هذين الوجهين الزمخشري إلا أنه في الأول منهما يجوز أن يكون
~~أصله أوابا فعالا من أوب ثم قيل إيوابا كديوان في دوان ثم فعل به ما
~~فعل بأصل سيد وظاهره أن الواو الأولى هي التي قلبت أولا ياء. واعترض بأن
~~المقرر أن الواو الأولى إذا كانت موضوعة على الإدغام وجاء ما قبلها
~~مكسورا لا تقلب ياء لأجل الكسر كما في اخرواط مصدر اخروط وأن ديوانا
~~إذا كان مذكورا للقياس عليه لا للتنظير لا يصلح لذلك لنصهم على شذوذه
~~وكأن البطليوسي عدل إلى ما عدل لذلك. وفي «الكشف» لو جعل مصدر فاعل من
~~الأوب فقد جاء فيه فيعال حتى قال بعضهم: إن فعالا مخفف عنه لكان أظهر
~~لأن فيعل لا يثبت إلا بثبت والأول كالمنقاس ومعنى المفاعلة حينئذ إما
~~المبالغة وإما مسابقة بعضهم بعضا في الأوب وأما جعله فعالا على ما قرر
~~الزمخشري فأبعد إلى آخر كلامه.

# وكونه من فاعل جوزه ابن عطية أيضا لكنه قال ويصح أن يكون من آوب فيجىء
~~إيوابا سهلت همزته وكان اللازم في الإدغام يردها أوابا لكن استحسنت فيه
~~الياء على غير قياس فاعترضه أبو حيان بأن قوله وكان اللازم الخ ليس بصحيح
~~بل اللازم إذا اعتبر الإدغام أن يكون إيابا لأنه قد اجتمعت ياء وهي
~~المبدلة من الهمزة بالتسهيل وواو وهي عين الكلمة وإحداهما ساكنة فتقلب
~~الواو ياء وتدغم فيها الياء فيصير إيابا فلا تغفل.

### || [88.26]

# في المحشر لا على غيرنا و(ثم) للتراخي الرتبي لا الزماني فإن الترتيب
~~الزماني بين إيابهم وحسابهم لا بين كون إيابهم إليه تعالى وحسابهم عليه
~~سبحانه فإنهما أمران مستمران وفي تصدير الجملتين بإن ms11265 وتقديم خبرها
~~والإتيان بضمير العظمة وعطف الثانية على الأولى بثم المفيدة لبعد منزلة
~~الحساب في الشدة من الإنباء عن غاية السخط الموجب لشديد العذاب ما لا
~~يخفى.

# وفي الآية رد على كثير من الشيعة حيث زعموا أن حساب الخلائق على الأمير
~~/ كرم الله تعالى وجهه واستدلوا على ذلك بما افتروه عليه وعلى أهل بيته
~~رضي الله تعالى عنهم أجمعين من الأخبار ومعنى قوله كرم الله تعالى وجهه
~~أنا قسيم الجنة والنار إن صح أن الناس من هذه الأمة فريقان فريق معي فهم
~~على هدى وفريق علي فهم على ضلال فقسم معي في الجنة وقسم في النار
~~ولعلهم عنوا أن عليا كرم الله تعالى وجهه يحاسب الخلائق بأمره عز وجل
~~كما يقول غيرهم بأن الملائكة عليهم السلام يحاسبونهم بأمره جل وعلا وهو
~~معنى لا ينافي الحصر الذي تقتضيه الآية لكنه لم يثبت، وأي خصوصية في
~~الأمير - كرم الله تعالى وجهه من بين جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة
~~المقربين عليهم الصلاة والسلام أجمعين - تقتضيه ولا نقص له كرم الله
~~تعالى وجهه في نفي ذلك عنه ويكفيه رضي الله تعالى عنه من ظهور شرفه يوم
~~القيامة أنه يزف إلى الجنة بين النبي وإبراهيم عليهما وعليه الصلاة
~~والسلام كما جاء في الحديث إلى غير ذلك مما يظهر في ذلك اليوم والله
~~تعالى أعلم.

### | [89 - سورة الفجر]

### || [89.1]

# أقسم سبحانه بالفجر كما أقسم عز وجل بالصبح في قوله تعالى

# والصبح إذا تنفس

# [التكوير: 18] فالمراد به الفجر المعروف كما روي عن علي كرم الله تعالى
~~وجهه وابن عباس وابن الزبير وغيرهم رضي الله تعالى عنهم وقيل المراد
~~عموده وضوءه الممتد وأصله شق الشيء شقا واسعا وسمى الصبح فجرا لكونه
~~فاجر الليل وهو كاذب لا يتعلق به حكم الصوم والصلاة وصادق به يتعلق
~~حكمهما وقد تكلموا في سبب كل بما يطول وتقدم بعض منه ولعل المراد به هنا
~~الصادق فهو أحرى بالقسم به والمراد عند كثير جنس الفجر لا فجر يوم مخصوص
~~وعن ابن عباس ومجاهد فجر يوم ms11266 النحر وعن عكرمة فجر يوم الجمعة وعن الضحاك
~~فجر ذي الحجة وعن مقاتل فجر ليلة جمع وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في
~~«الشعب» عن ابن عباس أنه قال هو فجر المحرم فجر السنة وروي نحوه عن قتادة
~~وعن الحبر أيضا أنه النهار كله وأخرج ابن جرير عنه أيضا أنه قال يعني
~~صلاة الفجر وروي نحوه عن زيد بن أسلم فهو إما على تقدير مضاف أو على
~~إطلاقه على الصلاة مجازا وهو شائع وقيل المراد فجر العيون من الصخور
~~وغيرها.

### || [89.2]

# هن العشر الأول من الأضحى كما أخرجه الحاكم وصححه وجماعة على ابن عباس
~~وروي عن ابن الزبير ومسروق ومجاهد وقتادة وعكرمة وغيرهم وأخرج ذلك أحمد
~~والنسائي والحاكم وصححه والبزار وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في
~~«الشعب» عن جابر يرفعه ولها من الفضل ما لها وقد أخرج أحمد والبخاري عن
~~ابن عباس مرفوعا «ما من أيام فيهن العمل أحب إلى الله عز وجل وأفضل من
~~أيام العشر قيل يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في
~~سبيل الله إلا رجل جاهد في سبيل الله بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء».

# وأخرج ابن المنذر وابن أبي / حاتم عن ابن عباس أنهن العشر الأواخر من
~~رمضان وروي أيضا عن الضحاك بل زعم التبريزي الاتفاق على أنهن هذه العشر
~~وأنه لم يخالف فيه أحد واستدل له بعضهم بالحديث المتفق على صحته قالت
~~عائشة رضي الله تعالى عنها «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل
~~العشر تعني العشر الأواخر من رمضان شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله»
~~وتعقبه بعضهم بأن ذلك محتمل لأن يحظى عليه الصلاة والسلام بليلة القدر
~~لأنها فيها لا لكونها العشر المرادة هنا. وعن ابن جريج أنهن العشر الأول
~~من رمضان.

# وعن يمان وجماعة أنهن العشر الأول من المحرم وفيها يوم عاشوراء وقد ورد
~~في فضله ما ورد أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال «قدم النبي صلى
~~الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم يوم ms11267 عاشوراء فقال عليه الصلاة
~~والسلام ما هذا اليوم الذي تصومونه قالوا هذا يوم عظيم أنجى الله تعالى
~~فيه موسى وأغرق آل فرعون فيه فصامه موسى عليه السلام شكرا فقال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فنحن أحق بموسى منكم فصامه صلى الله عليه وسلم
~~وأمر بصيامه» وصح في «الصحيحين» أنه عليه الصلاة والسلام أرسل غداة
~~عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة «من كان أصبح صائما فليتم
~~يومه ومن كان أصبح مفطرا فليصم بقية يومه فكان الصحابة بعد ذلك يصومونه
~~ويصومونه صبيانهم الصغار ويذهبون بهم إلى المسجد ويجعلون لهم اللعبة من
~~العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطوه إياها حتى يكون الإفطار» وأخرج
~~أحمد وغيره عن الحبر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود وصوموا قبله يوما وبعده يوما
~~"

# وجاء في الأمر بالتوسعة فيه على العيال عدة أحاديث ضعيفة لكن قال
~~البيهقي: هي وإن كانت ضعيفة إذا ضم بعضها إلى بعض أحدث قوة.

# وأياما كان فتنكيرها للتفخيم وقيل للتبعيض لأنها بعض ليالي السنة أو
~~الشهر والتفخيم أولى قيل ولولا قصد ما ذكر كان الظاهر تعريفها كأخواتها
~~لأنها ليال معهودة معينة وقدر بعضهم على إرادة صلاة الفجر فيما مر مضافا
~~هنا أي وعبادة ليال ويقال نحوه فيما بعد على بعض الأقوال فيه وليس بلازم
~~ولا أثر فيه.

# وقرأ ابن عباس بالإضافة فضبطه بعضهم (وليال عشر) بلام دون ياء وبعضهم
~~(وليالي عشر) بالياء وهو القياس والمراد وليالي أيام عشر فحذف الموصوف
~~وهو المعدود وفي مثل ذلك يجوز التاء وتركها في العدد ومنه «وأتبعه بست من
~~شوال» وما حكاه الكسائي صمنا من الشهر خمسا والمرجح للترك ههنا وقوعه
~~فاصلة. وجوز أن تكون الإضافة بيانية وهو خلاف الظاهر.

### || [89.3]

# هما: على ما في حديث جابر المرفوع الذي أشرنا إليه فيما تقدم: يوم النحر
~~ويوم عرفة وقال الطيبي روينا عن الإمام أحمد والترمذي

# " عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الشفع
~~والوتر ms11268 فقال الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر ثم قال هذا هو التفسير الذي لا
~~محيد عنه انتهى "

# وقد رواه عن عمران أيضا عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه
~~وابن أبي حاتم وصححه لكن في «البحر» أن حديث جابر أصح إسنادا من حديث
~~عمران بن حصين ووراء ذلك أقوال كثيرة فأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه
~~قال: أقسم ربنا بالعدد كله منه الشفع ومنه الوتر وأخرج عبد الرزاق عن
~~مجاهد أنه قال: الخلق كله شفع ووتر فأقسم سبحانه بخلقه وأخرج ابن المنذر
~~وجماعة عنه أنه قال الله تعالى الوتر وخلقه سبحانه الشفع الذكر والأنثى
~~وروي نحوه عن أبي صالح ومسروق وقرآ

# ومن كل شيء خلقنا زوجين

# [الذاريات: 49] وقيل المراد شفع تلك الليالي ووترها وقيل الشفع أيام عاد
~~والوتر لياليها وقيل الشفع أبواب الجنة والوتر أبواب النار وقيل غير ذلك.

# وقد ذكر في كتاب «التحرير والتحبير» مما قيل فيهما ستا وثلاثين قولا
~~وفي «الكشاف» ((قد أكثروا في الشفع والوتر حتى كادوا يستوعبون أجناس ما
~~يقعان فيه وذلك قليل الطائل جدير / بالتلهي عنه)) وقال بعض الأفاضل لا
~~إشعار للفظ الشفع والوتر بتخصيص شيء مما ذكروه وتعيينه بل هو إنما يدل
~~على معنى كلي متناول لذلك ولعل من فسرهما بما فسرهما لم يدع الانحصار
~~فيما فسر به بل أفرد بالذكر من أنواع مدلولهما ما رآه أظهر دلالة على
~~التوحيد أو مدخلا في الدين أو مناسبة لما قبل أو لما بعد أو أكثر منفعة
~~موجبة للشكر أو نحو ذلك من النكات وإذا ثبت من الشارع عليه الصلاة
~~والسلام تفسيرهما ببعض الوجوه فالظاهر أنه ليس مبنيا على تخصيص المدلول
~~بل وارد على طريق التمثيل بما رأى في تخصيصه بالذكر فائدة معتدا بها
~~فحينئذ يجوز للمفسر أن يحمل اللفظ على بعض آخر من محتملاته لفائدة أخرى
~~انتهى وهو ميل إلى أن أل فيهما للجنس لا للعهد والظاهر أن ما تقدم من
~~الحديثين من باب القطع بالتعيين دون التمثيل لكن يشكل أمر التوفيق بينهما
~~حينئذ ms11269 وإذا صح ما قال في «البحر» كان المعول عليه حديث جابر رضي الله
~~تعالى عنه والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.

# وقرأ حمزة والكسائي والأغر عن ابن عباس وأبو رجاء وابن وثاب وقتادة
~~وطلحة والأعمش والحسن بخلاف عنه (والوتر) بكسر الواو وهي لغة تميم،
~~والجمهور على فتحها وهي لغة قريش وهما لغتان كالحبر والحبر بمعنى العالم
~~على ما قال صاحب «المطلع» في الوتر المقابل للشفع وأما في الوتر بمعنى
~~الترة أي الحقد فالكسر هو المسموع وحده والأصمعي حكى فيه أيضا اللغتين.
~~وقرأ يونس عن أبي عمرو بفتح الواو وكسر التاء وهو إما لغة أو نقل حركة
~~الواو في الوقف لما قبلها.

### || [89.4]

# أي يمضي كقوله تعالى:

# واليل إذا أدبر

# [المدثر: 33]

# واليل إذا عسعس

# [التكوير: 17] والظاهر أنه مجاز مرسل أو استعارة ووجه الشبه كالنهار و {
~~إذا } على ما صرح به العلامة التفتازاني في «التلويح» بدل من {
~~اليل } وخروجها عن الظرفية مما لا بأس به أو ظرف متعلق بمضاف مقدر
~~وهو العظمة على ما اختاره بعضهم والإقسام بذلك الوقت أو تقييد العظمة به
~~لما فيه من وضوح الدلالة على كمال القدرة ووفور النعمة أو يسري فيه على
~~ما نقل أبو حيان عن الأخفش وابن قتيبة كقولهم صلى المقام أي صلى فيه على
~~أنه تجوز في الإسناد بإسناد ما للشيء للزمان كما يسند للمكان وأيا ما
~~كان فالمراد بالليل جنسه وقال مجاهد وعكرمة والكلبي المراد به ليلة
~~النحر وهي يسري الحاج فيها إلى المزدلفة بعد الإفاضة من عرفات وليس بذاك
~~والإقسام والتقييد على الوجه الأخير لما في السير في الليل من نعمة الحفظ
~~من حر الشمس وشر قطاع الطريق غالبا وحذفت الياء عند الجمهور وصلا
~~ووقفا من آخر { يسر } مع أنها لام مضارع غير مجزوم اكتفاء عنها
~~بالكسرة للتخفيف ولتتوافق رؤوس الآي ولذا رسمت كذلك في المصاحف ولا ينبغي
~~أن يقال إنها حذفت لسقوطها في خطها فإنه يقتضي أن القراءة باتباع الرسم
~~دون رواية سابقة عليه وهو غير صحيح وخص نافع وأبو عمرو في ms11270 رواية هذا
~~الحذف بالوقف لمراعاة الفواصل ولم يحذف مطلقا ابن كثير ويعقوب وفي
~~«تفسير البغوي» سئل الأخفش عن علة سقوط ياء (يسر) فقال الليل لا يسري
~~ولكن يسرى فيه وهو تعليل كثيرا ما يسئل عنه لخفائه والجواب أنه أراد أنه
~~لما عدل عن الظاهر في المعنى وغير عما كان حقه معنى غير لفظه لأن الشيء
~~يجر جنسه لإلفه به:

# إن الطيور على أمثالها تقع

# وهذا كما قيل في قوله تعالى

# ما كانت أمك بغيا

# [مريم: 28] أنه لما عدل عن باغية أسقطت منه التاء ولم يقل بغية ومثله من
~~بدائع اللغة العربية ويمكن التعليل بنحوه على تفسير { يسر } بيمضي لما
~~فيه من العدول عن الظاهر في المعنى أيضا علمت من أنه مجاز في ذلك.

# وقرأ أبو الدينار الأعرابي { والفجر }  { والوتر }  { ويسر } بالتنوين
~~في الثلاثة قال ابن خالويه هذا كما روي عن بعض العرب أنه وقف على أواخر
~~القوافي بالتنوين وإن كانت أفعالا أو فيها أل نحو قوله:

# أقلي اللوم عاذل والعتابن

# وقولي إن أصبت لقد أصابن

# / انتهى وهذا كما قال أبو حيان ذكره النحويون في القوافي المطلقة يعني
~~المحركة إذا لم يترنم الشاعر وهو أحد وجهين للعرب إذا لم يترنموا والوجه
~~الآخر الوقف فيقولون العتاب وأصاب كحالهم إذا وقفوا على الكلمة في النثر
~~وهذا الأعرابي أجرى الفواصل مجرى الوقف وعاملها معاملة القوافي المطلقة
~~ويسمى هذا التنوين تنوين الترنم ولا اختصاص له بالاسم ويغلب على ظني أنه
~~قيل يكتب نونا بخلاف أقسام التنوين المختصة بالاسم.

### || [89.5]

# وقوله تعالى: { هل فى ذلك } الخ تحقيق وتقرير لفخامة الأشياء
~~المذكورة المقسم بها وكونها مستحقة لأن تعظم بالإقسام بها فيدل على تعظيم
~~المقسم عليه وتأكيده من طريق الكناية فذلك إشارة إلى المقسم به وما فيه
~~من معنى البعد لزيادة تعظيمه أي هل فيما ذكر من الأشياء { قسم } أي
~~مقسم به { لذى حجر } أي هل يحق عنده أن يقسم به إجلالا وتعظيما
~~والمراد تحقيق أن الكل كذلك وإنما أوثرت هذه الطريقة هضما للحق وإيذانا
~~بظهور الأمر وهذا ms11271 كما يقول المتكلم بعد ذكر دليل واضح الدلالة على مدعاه
~~هل دل هذا على ما قلناه؟ وجوز أن يكون التحقيق أن ذوي الحجر يؤكدون بمثل
~~ذلك المقسم عليه فيدل أيضا على تعظيمه وتأكيده فذلك إشارة إلى المصدر
~~أعني الإقسام هل في إقسامي بتلك الأشياء إقسام لذي حجر مقبول عنده يعتد
~~به ويفعل مثله ويؤكد به المقسم عليه وحاصل الوجهين فيما يرجع إلى تأكيد
~~المقسم عليه واحد إلا أن الوجه مختلف كما لا يخفى ولعل الأول أظهر.

# والحجر العقل لأنه يحجر صاحبه أي يمنعه من التهافت فيما لا ينبغي كما
~~سمي عقلا ونهية لأنه يعقل وينهى وحصاة من الإحصاء وهو الضبط وقال الفراء
~~يقال: إنه لذو حجر إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها والمقسم عليه محذوف
~~وهو ليعذبن كما ينبىء عنه قوله تعالى شأنه: { ألم تر كيف فعل
~~ربك بعاد }.

### || [89.6]

# الخ فإنه استشهاد بعلمه صلى الله عليه وسلم بما يدل عليه من تعذيب عاد
~~وأضرابهم المشاركين لقومه عليه الصلاة والسلام في الطغيان والفساد على
~~طريقة

# ألم تر إلى الذى حاج إبرهيم فى ربه

# [البقرة: 258] الآية وقوله سبحانه:

# ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون

# [الشعراء: 225] وقال أبو حيان الذي يظهر أنه محذوف يدل عليه ما قبله من
~~آخر سورة الغاشية وهو قوله تعالى:

# إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم

# [الغاشية: 2526] وتقديره لإيابهم إلينا وحسابهم علينا وأخرج ابن المنذر
~~عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قرأ

# والفجر

# [الفجر: 1] إلى قوله سبحانه:

# إذا يسر

# [الفجر: 4] فقال هذا قسم على أن ربك لبالمرصاد وإلى أنه هو المقسم عليه
~~ذهب ابن الأنباري وعن مقاتل أنه

# هل فى ذلك

# [الفجر: 5] الخ وهل بمعنى إن وهو باطل رواية ودراية إذ يبقى عليه قسم
~~بلا مقسم عليه.

# والمراد بعاد أولاد عاد بن عاص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام قوم
~~هود عليه السلام سموا باسم أبيهم كما سمي بنو هاشم هاشما وإطلاق الأب
~~على نسله مجاز شائع حتى ألحق بعضه بالحقيقة وقد ms11272 قيل لأوائلهم عاد الأولى
~~ولأواخرهم عاد الآخرة قال عماد الدين بن كثير كلما ورد في القرآن خبر عاد
~~فالمراد بعاد فيه عاد الأولى إلا ما في سورة الأحقاف. ويقال لهم أيضا
~~إرم تسمية لهم باسم جدهم والتسمية بالجد شائعة أيضا وهو اسم خاص بالأولى
~~وعليه قول ابن الرقيات:

# مجدا تليدا بناه أوله

# أدرك عادا وقبلها إرما

# ونحوه قول زهير:

# وآخرين ترى الماذي عدتهم

# من نسج داود أو ما أورثت إرما

### || [89.7]

# فقوله تعالى: { إرم } عطف بيان لعاد للإيذان بأنهم عاد الأولى وجوز
~~أن يكون بدلا ومنع من الصرف للعلمية والتأنيث باعتبار القبيلة وصرف
~~(عاد) باعتبار الحي وقد يمنع من الصرف باعتبار القبيلة أيضا وقرأ الضحاك
~~بذلك في إحدى الروايتين عنه ورجح اعتبار الصرف فيه بخفته لسكون وسطه.
~~وقدر بعضهم مضافا / في الكلام أي سبط إرم وجعل إرم عليه اسم أمهم وهو
~~قول فيه حكاه في «القاموس» ووجه منع الصرف فيه ظاهر وأبى بعضهم إلا جعله
~~اسم جدهم ومعنى كونهم سبطه أنهم ولد ولده ولا يظهر على هذا علة منع صرفه
~~ولعل ذلك هو الذي دعا إلى جعله اسم أمهم لكن رأيت في «تعليقات بعض
~~الأفاضل على الحواشي العصامية على تفسير البيضاوي» أن إرم إنما منع من
~~الصرف سواء كان اسما للقبيلة أم لجدها للعلمية والعجمة وقال إنهما
~~موجودتان في عاد أيضا إلا أنه لكونه ثلاثيا ساكن الوسط يجوز فيه
~~الأمران الصرف وعدمه وزعم أن هذا هو الحق وبكونه اسم القبيلة قال مجاهد
~~وقتادة وابن اسحق ولا حاجة معه إلى تقدير مضاف فقوله تعالى: { ذات
~~العماد } صفة لإرم نفسها والمراد ذات القدود الطوال على تشبيه
~~قاماتهم بالأعمدة ومنه قولهم رجل معمد وعمدان إذا كان طويلا وروي هذا عن
~~ابن عباس ومجاهد واشتهر أنه كان قد أحدهم اثنى عشر ذراعا وأكثر وفي
~~«تفسير الكواشي» قالوا كان طول الطويل منهم أربعمائة ذراع وكان أحدهم
~~يأخذ الصخرة العظيمة فيقلبها على الحي فيهلكهم. وعن قتادة وابن عباس في
~~رواية عطاء المراد ذات الخيام والأعمدة وكانوا ms11273 سيارة في الربيع فإذا هاج
~~النبت رجعوا إلى منازلهم وقال غير واحد كانوا بدويين أهل عمد وخيام
~~يسكنونها حلا وارتحالا وقيل المراد ذات الرفعة أو ذات الوقار أو ذات
~~الثبات وطول العمر والكل على الاستعارة. وقوله تعالى: { التى لم
~~يخلق مثلها فى البلد }.

### || [89.8]

# صفة أخرى لها أي لم يخلق مثلهم في عظم الأجرام والقوة في بلاد الدنيا
~~وقد سمعت ما نقل عن الكواشي آنفا وما ذكر فيه من أنه كان أحدهم الخ جاء
~~في حديث مرفوع أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه عن المقدام بن معد يكرب.
~~وقيل إرم اسم مدينة لهم قال محمد بن كعب هي الإسكندرية وقال ابن المسيب
~~والمقبري هي دمشق وقيل اسم أرضهم وهي بين عمان وحضرموت وهي أرض رمال
~~وأحقاف فقد قال سبحانه وتعالى

# واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف

# [الأحقاف: 21] وبهذا اعترض القول بأن مدينتهم الإسكندرية والقول بأنها
~~دمشق حيث إنهما ليستا من بلاد الأحقاف والرمال إلا أن يقال ما هنا عاد
~~الأولى وما في آية الأحقاف عاد الآخرة ويلتزم عدم اتحاد منازلهما وعلى
~~القول بكونه اسم مدينتهم أو اسم أرضهم فهو بتقدير مضاف لتصحيح التبعية أي
~~أهل إرم وقيل يقدر مضاف في جانب المتبوع أي بمدينة أو بأرض عاد إرم وهو
~~كما ترى ومنع الصرف على الوجهين لما سمعت والأكثرون على أنها اسم مدينة
~~عظيمة في أرض اليمن والوصفان لها والمراد ذات البناء الرفيع أو ذات
~~الأساطين التي لم يخلق مثلها سعة وحسن بيوت وبساتين في بلاد الدنيا.

# ويروى أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا ثم مات شديد وخلص
~~الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة فقال أبني
~~مثلها فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة
~~وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت
~~وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة ولما تم بناؤها سار إليها بأهل
~~مملكته فلما كان منها مسيرة يوم وليلة بعث الله تعالى عليهم صيحة ms11274 من
~~السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها
~~فحمل ما قدر عليه مما ثم وبلغ خبره معاوية فاستحضره فقص عليه فبعث إلى
~~كعب فسأله فقال هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك
~~أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال يخرج في طلب إبل له ثم التفت
~~فأبصر ابن قلابة فقال هذا والله ذلك الرجل وخبر شداد المذكور، أخوه في
~~الضعف بل لم تصح روايته كما ذكره الحافظ ابن حجر فهو موضوع كخبر ابن
~~قلابة.

# وروي عن مجاهد أن إرم مصدر أرم يأرم إذا هلك فإرم بمعنى هلاك منصوب على
~~نحو نصب المصدر التشبيهي مضاف إلى (ذات) و(التي) صفة لذات العماد مرادا
~~بها المدينة

# كيف فعل

# [الفجر: 6] في / قوة كيف أهلك فكأنه قيل ألم تر كيف أهلك ربك عادا
~~كهلاك ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وهو قول غريب غير قريب.

# وقرأ الحسن (بعاد إرم) بإضافة عاد إلى إرم فجاز أن يكون إرم جدا
~~والوصفان لعاد وأن يكون مدينة والوصفان لازم وجوز أن يكونا لعاد وقرأ ابن
~~الزبير بعاد إرم بالإضافة أيضا إلا أن أرم بفتح الهمزة وكسرة الراء قيل
~~وهي لغة في المدينة لا غير وعن الضحاك أنه قرأ (بعاد) مصرروفا وغير
~~مصروف (أرم) بفتح الهمزة وسكون الراء للتخفيف وأصله أرم كفخذ وقرىء (إرم
~~ذات) بإضافة إرم إلى ذات فقيل الإرم عليه العلم والمعنى بعاد أعلام ذات
~~العماد وهي مدينتهم و(التي) صفة لذات العماد على الأظهر وعن ابن عباس أنه
~~قرأ (أرم) بالتشديد فعلا ماضيا (ذات) بالنصب على المفعول به أي جعل
~~الله تعالى ذات العماد رميما ويكون أرم على ما في «البحر» بدلا من
~~(فعل) أو تبيينا له والمراد بذات العماد عليه اما عاد نفسها ويكون فيه
~~وضع المظهر موضع المضمر والنكتة فيه ظاهرة وإما مدينتهم ويكون جعلها
~~رميما أي إهلاكها كناية عن جعلهم كذلك وقرأ ابن الزبير (لم يخلق) مبنيا
~~للفاعل وهو ضميره ms11275 عز وجل (مثلها) بالنصب على المفعولية وعنه أيضا (لم
~~نخلق) بنون العظمة.

### || [89.9]

# { وثمود } عطف على

# عاد

# [الفجر: 6] وهي قبيلة مشهورة سميت باسم جدهم ثمود أخي جديس وهما ابنا
~~عابر بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام كانوا عربا من العاربة يسكنون
~~الحجر بين الحجاز وتبوك وكانوا يعبدون الأصنام. ومنع الصرف للعلمية
~~والتأنيث. وقرأ ابن وثاب بالتنوين صرفه باعتبار الحي كذا قالوا. وظاهره
~~أنه عربي وقد صرح بذلك فقيل هو فعول من الثمد وهو الماء القليل الذي لا
~~مادة له ومنه قيل فلان مثمود ثمدته النساء أي قطعن مادة مائة لكثرة
~~غشيانه لهن ومثمود إذا كثر عليه السؤال حتى نفدت مادة ماله. وحكى الراغب
~~أنه عجمي فمنع الصرف للعلمية والعجمة.

# { الذين جابوا الصخر } أي قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها
~~بيوتا نحتوها من الصخر كقوله تعالى

# وتنحتون من الجبال بيوتا

# [الشعراء: 149] قيل أول من نحت الحجارة والصخور والرخام ثمود وبنوا
~~ألفا وسبعمائة مدينة كلها بالحجارة ولا أظن صحة هذا البناء.

# { بالواد } هو وادي القرى وقرىء بالياء آخر الحروف والباء للظرفية
~~والجار والمجرور متعلق بجابوا أو بمحذوف هو حال من الفاعل أو المفعول
~~وقيل الباء للآلة أو السببية متعلقة بجابوا أي جابوا الصخر بواديهم أو
~~بسببه أي قطعوا الصخر وشقوه جهلوه واديا ومحلا لمائهم فعل ذوي القوة
~~والآمال وهو خلاف الظاهر وأيا ما كان فالجواب القطع والظاهر أنه حقيقة
~~فيه تقول جبت البلاد أجوبها إذا قطعتها قال الشاعر:

# ولا رأيت قلوصا قبلها حملت

# ستين وسقا ولا جابت بها بلدا

# ومنه الجواب لأنه يقطع السؤال. وقال الراغب ((الجوب قطع الجوبة وهي
~~الغائط من الأرض ثم يستعمل في قطع كل أرض وجواب الكلام وهو ما يقطع الجوب
~~فيصل من فم القائل إلى سمع المستمع لكنه خص بما يعود من الكلام دون
~~المبتدأ من الخطاب)) انتهى فاختر لنفسك ما يحلو.

### || [89.10]

# وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي يضربون أوتادها في منازلهم أو لأنه
~~كان يدق للمعذب أربعة أوتاد ويشده بها مبطوحا على الأرض فيعذبه ms11276 بما يريد
~~من ضرب أو إحراق أو غيره وقد تقدم الكلام في ذلك.

### || [89.11]

# إما مجرور على أنه صفة للمذكورين، عاد ومن بعده أو منصوب أو مرفوع على
~~الذم أي طغى كل طاغية منهم في بلاده وكذا الكلام في قوله تعالى: {
~~فأكثروا فيها الفساد }.

### || [89.12]

# أي بالكفر وسائر المعاصي.

### || [89.13]

# { فصب عليهم ربك } أي أنزل سبحانه إنزالا شديدا على كل
~~طائفة من أولئك الطوائف عقيب ما فعلت من الطغيان والفساد { سوط
~~عذاب } أي سوطا من عذاب على أن الإضافة بمعنى / من والعذاب بمعنى
~~المعذب به والمراد بذلك ما حل بكل منهم من فنون العذاب التي شرحت في سائر
~~السور الكريمة.

# والسوط في الأصل مصدر من ساط يسوط إذا خلط قال الشاعر:

# أحارث إنا لو تساط دماؤنا

# تزايلن حتى لا يمس دم دما

# وشاع في الجلد المضفور الذي يضرب به وسمي به لكونه مخلوط الطاقات بعضها
~~ببعض أو لأنه يخلط اللحم بالدم. والتعبير عن إنزاله بالصب للإيذان بكثرته
~~وتتابعه واستمراره فإنه عبارة عن إراقة شيء مائع أو جار مجراه في السيلان
~~كالحبوب والرمل وإفراغه بشدة وكثرة واستمرار، ونسبته إلى السوط مع أنه
~~على ما سمعت ليس من هذا القبيل باعتبار تشبيهه في سرعة نزوله بالشيء
~~المصبوب وتسمية ما أنزل سوطا قيل للإيذان بأنه على عظمه بالنسبة إلى ما
~~أعد لهم في الآخرة كالسوط بالنسبة إلى سائر ما يعذب به.

# وفي «الكشف» أن إضافة السوط إلى العذاب تقليل لما أصابهم منه ولا يأبى
~~ذلك التعبير بالصب المؤذن بالكثرة لأن القلة والكثرة من الأمور النسبية
~~وجوز أن يراد بالعذاب التعذيب والإضافة حينئذ على معنى اللام وأمر
~~التعبير بالصب والتسيمة بالسوط على ما تقدم والآية من قبيل قوله تعالى

# فأذاقها الله لباس الجوع

# [النحل: 112] وجوز أن تكون الإضافة كالإضافة في لجين الماء أي فصل عليهم
~~ربك عذابا كالسوط على معنى أنواعا من العذاب مخلوطا بعضها ببعض اختلاط
~~طاقات السوط بعضها ببعض وأن يكون السوط مصدرا بمعنى المفعول والإضافة
~~كالإضافة في جرد قطيفة أي فصب ms11277 عليهم ربك عذابا مسوطا أي مخلوطا ومآله
~~فصب أنواعا من العذاب خلط بعضها ببعض وفي «الصحاح» سوط عذاب أي نصيب
~~عذاب ويقال شدته لأن العذاب قد يكون بالسوط وأراد أن الغرض التصوير
~~والأليق بجزالة التنزيل ما تقدم.

### || [89.14]

# تعليل لما قبله وإيذان بأن كفار قومه صلى الله عليه وسلم سيصيبهم مثل ما
~~أصاب أضرابهم المذكورين من العذاب كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية
~~مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام. والمرصاد المكان الذي يقوم به
~~الرصد ويترقبون فيه، مفعال من رصده كالميقات من وقته وفي الكلام استعارة
~~تمثيلية شبه كونه تعالى حافظا لأعمال العصاة على ما روي عن الضحاك
~~مترقبا لها ومجازيا على نقيرها وقطميرها بحيث لا ينجو منه سبحانه أحد
~~منهم بحال من قعد على الطريق مترصدا لمن يسلكها ليأخذه فيوقع به ما يريد
~~ثم أطلق لفظ أحدهما على الآخر. والآية على هذا وعيد للعصاة مطلقا وقيل
~~هي وعيد للكفرة وقيل وعيد للعصاة ووعد لغيرهم وهو ظاهر قول الحسن أي يرصد
~~سبحانه أعمال بني آدم.

# وجوز ابن عطية كون المرصاد صيغة مبالغة كالمطعام والمطعان وتعقبه أبو
~~حيان بأنه لو كان كما زعم لم تدخل الباء لأنها ليست في مكان دخولها لا
~~زائدة ولا غير زائدة وأجيب بأنها على ذلك تجريدية نعم يلزمه إطلاق
~~المرصاد على الله عز وجل وفيه شيء.

### || [89.15]

# وقوله تعالى: { فأما الإنسن } الخ متصل بما عنده كأنه قيل إنه
~~سبحانه لبالمرصاد من أجل الآخرة فلا يطلب عز وجل إلا السعي لها فأما
~~الإنسان فلا يهمه إلا الدنيا ولذاتها فإن نال منها شيئا رضي وإلا سخط
~~وكان اللائق أن لا يهمه إلا ما يطلبه الله عز وجل ولا يكون حاله ذلك.
~~وقيل هو متصل به متفرع عليه على معنى فالإنسان يؤاخذ لا محالة لأنه بين
~~غني مهلك موجب للتكبر والافتخار بالدنيا وبين فقر لا يصبر عليه ويكفر
~~لأجله بالجزع والقول بما لا ينبغي وهو كما ترى.

# { إذا ما ابتلاه ربه } أي عامله معاملة من يبتليه بالغنى
~~واليسار ms11278 ليرى هل يشكر أم لا؟ والفاء في قوله سبحانه: { فأكرمه
~~ونعمه } تفسيرية فإن الإكرام والتنعيم عين المراد بالابتلاء ولما
~~كان الإكرام والتنعيم في حكم شيء واحد اقتصر على قوله (أكرمن) في قوله
~~سبحانه: { فيقول ربى أكرمن } ولم يضم إليه ونعمني وهذه الجملة
~~خبر للمبتدأ الذي هو (الإنسان) والفاء لما في (أما) من معنى الشرط والظرف
~~أعني (إذا) متعلق بيقول وهو / على نية التأخير ولا تمنع الفاء من ذلك كما
~~صرح به الزمخشري وغيره من متقدمي النحاة وتبعهم من بعدهم كأبي حيان
~~والسمين والسفاقسي مع جمع غفير من المفسرين وهو كما قال الشهاب الحق الذي
~~لا محيد عنه وخالفهم في ذلك الرضي ومن تبعه كالبدر الدماميني في «شرح
~~المغنى» فقالوا إنما يجوز تقديم ما بعد الفاء عليها إذا كان المقدم هو
~~الفاصل بين أما والفاء لما يتعلق بتقديمه من الأغراض فإن كان ثمت فاصل
~~آخر امتنع تقديم غيره فيمتنع أما زيد طعامك فآكل وإن جاز أما طعامك فزيد
~~آكل وقالوا في ذلك إنهم لما التزموا حذف الشرط لزم دخول أداته على فاء
~~الجواب وهو مستكره فدعت الضرورة للفصل بينهما بشيء مما بعد الفاء والفاصل
~~الواحد كاف فيه فيجب الاقتصار عليه وزعم الجلبي محشي «المطول» أن هذا
~~متفق عليه فرد به على المفسرين إعرابهم السابق وقال إنه خطأ والصواب أن
~~يجعل الظرف متعلقا بمقدر وهو المبتدأ في الحقيقة والتقدير فأما شأن
~~الإنسان إذا الخ فالظرف من تتمة (الخبر المفصول به وليس) فاصلا ثانيا
~~كقولك أما إحسان زيد إلى الفقير فحسن، ويرد على تقديره أنه لا يصح وقوع
~~جملة (يقول) خبرا عن الشأن إلا بتعسف كأن يكون الفعل بتأويل المصدر وإن
~~لم تكن معه في اللفظ أن المصدرية كما قيل في

# تسمع بالمعيدي خير من أن تراه

# وهو فرار من السحاب إلى الميزاب. وذهب أبو البقاء إلى أن { إذا }
~~شرطية وقوله تعالى { فيقول } جوابها والجملة الشرطية خبر (الإنسان)
~~ويلزمه حذف الفاء بدون القول وقد قيل إنه ضرورة.

### || [89.16]

# وقوله عز وجل: { وأما إذا ms11279 ما ابتله } عامله معاملة من
~~يبتليه ويختبره بالحاجة والفقر ليرى هل يصبر أم لا؟ { فقدر عليه
~~رزقه فيقول ربى أهانن } بتقدير وأما هو أي الإنسان إذا ما
~~ابتلاه الخ ليصح التفصيل ويتم التوازن, وبقية الكلام فيه كما في سابقه.
~~والظاهر أن كلتا الجملتين متضمنة لإنكار قول الإنسان الذي تضمنته وإنكار
~~قوله إذا ضيق عليه رزقه ربي أهانن لدلالته على قصور نظره وسوء فكره حيث
~~حسب أن تضييق الرزق إهانة مع أنه قد يؤدي إلى كرامة الدارين ولعدم كونه
~~إهانة أصلا لم يقل سبحانه في تفسير الابتلاء فأهانه وقدر عليه رزقه نظير
~~ما قال سبحانه أولا

# فأكرمه ونعمه

# [الفجر: 15] وإنكار قوله إذا أكرم ربي أكرمني مع قوله تعالى {
~~فأكرمه } أولا من حيث إنه أثبت إكرام الله تعالى له على خلاف ما
~~أثبت الله تعالى وهو قصد أن الله تعالى أعطاه ما أعطاه إكراما له
~~مستحقا ومستوجبا قصدا جاريا على ما كانوا عليه من افتخارهم وزعمهم
~~جلالة أقدارهم. والحاصل أن المنكر كونه عن استحقاق لحسب أو نسب وفي
~~«المفصل» ما يدل على أن أصل الإكرام منكر لا كونه عن استحقاق وإنكار أصل
~~الإهانة يعضده ووجهه ما أثبته تعالى من الإكرام أن الله عز وجل أثبت
~~الإكرام بإيتاء المال والتوسعة وهو جعله إكراما كليا مثبتا للزلفى
~~عنده تعالى فأنكر أنه ليس من ذلك الإكرام في شيء. وجوز أن يكون الإنكار
~~إنكارا للإهانة فقط يعني أنه إذا تفضل عليه بالخير وأكرم به اعترف بتفضل
~~الله تعالى وإكرامه وإذا لم يتفضل عليه سمي ترك التفضل هوانا وليس به.
~~قيل ويعضده ذكر الإكرام في قوله تعالى { فأكرمه } وفي الآية مع ما
~~بعد شمة من أسلوب قوله تعالى

# إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا *
~~وإذا مسه الخير منوعا

# [المعارج: 19-21] ولا يخفى أن الوجه هو الأول.

# وقرأ ابن كثير { أكرمني } و { أهانني } بإثبات الياء فيهما ونافع
~~بإثباتها وصلا وحذفها وقفا وخير في الوجهين أبو عمرو وحذفها باقي
~~السبعة فيهما وصلا ووقفا ومن حذفها وقفا سكن ms11280 النون فيه. وقرأ أبو جعفر
~~وعيسى وخالد والحسن بخلاف عنه وابن عامر (فقدر) بتشديد الدال للمبالغة.

### || [89.17]

# { كلا } ردع للإنسان عن قوليه المحكيين وتكذيب له فيهما لا عن الأخير
~~فقط كما في الوجه الأخير وقد نص الحسن على ما قلنا وقال ابن عباس رضي
~~الله تعالى عنهما المعنى لم أبتله بالغنى لكرامته علي / ولم أبتله
~~بالفقر لهوانه علي بل ذلك لمحض القضاء والقدر.

# وقوله سبحانه: { بل لا تكرمون اليتيم } الخ انتقال وترق من
~~ذمه بالقبيح من القول إلى الأقبح من الفعل والالتفات إلى الخطاب لتشديد
~~التقريع وتأكيد التشنيع وقيل هو بتقدير قل فلا التفات نعم فيه من الإشارة
~~إلى تنقيصهم ما فيه. والجمع باعتبار معنى الإنسان إذ المراد هو الجنس أي
~~بل لكم أفعال وأحوال أشد شرا مما ذكر وأدل على تهالككم على المال حيث
~~يكرمكم الله تعالى بكثرة المال فلا تؤدون ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم
~~بالمبرة به والإحسان إليه وفي الحديث

# " أحب البيوت إلى الله بيت فيه يتيم مكرم "

# وقرأ الحسن ومجاهد وأبو رجاء وقتادة والجحدري وأبو عمرو (لا يكرمون)
~~بياء الغيبة.

### || [89.18]

# { ولا تحاضون } بحذف إحدى التاءين من تتحاضون أي ولا يحض ويحث
~~بعضكم بعضا { على طعام المسكين } أي على إطعامه فالطعام مصدر
~~بمعنى الإطعام كالعطاء بمعنى الإعطاء وزعم أبو حيان أن الأولى أن يراد به
~~الشيء المطعوم ويكون الكلام على حذف مضاف أي على بذل طعام المسكين.
~~والمراد بالمسكين ما يعم الفقير.

# وقرأ عبد الله وعلقمة وزيد بن علي وعبد الله بن المبارك والشيرزي عن
~~الكسائي كقراءة الجماعة إلا أنهم ضموا تاء (تحاضون) من المحاضة. وقرأ أبو
~~عمرو ومن سمعت الحسن ومن معه (ولا يحضون) بياء الغيبة ولا ألف بعد الحاء
~~وباقي السبعة بتاء الخطاب كذلك وكذا الفعلان بعد، والفعل على القراءتين
~~جوز أن يكون متعديا ومفعوله محذوف فقيل أنفسهم أو أنفسكم وقيل أهليهم أو
~~أهليكم وقيل أحدا وجوز وهو الأولى أن يكون منزلا منزلة اللازم للتعميم.

### || [89.19]

# { وتأكلون التراث } أي الميراث وأصله وراث فابدلت ms11281 الواو تاء
~~كما في تخمة وتكأة ونحوهما. { أكلا لما } أي ذا لم أو هو نفس اللم
~~على المبالغة واللم الجمع ومنه قول النابغة:

# ولست بمستبق أخا لا تلمه

# على شعث أي الرجال المهذب

# والمراد به هنا الجمع بين الحلال والحرام وما يحمد وما لا يحمد ومنه قول
~~الخطيئة:

# إذا كان لما يتبع الذم ربه

# فلا قدس الرحمن تلك الطواحنا

# يعني أنكم تجمعون في أكلكم بين نصيبكم من الميراث ونصيب غيركم. ويروى
~~أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا صغار الأولاد فيأكلون نصيبهم ويقولون لا
~~يأخذ الميراث إلا من يقاتل ويحمي الحوزة. هذا وهم يعلمون من شريعة
~~إسمعيل عليه السلام أنهم يرثون فاندفع ما قيل إن السورة مكية وآية
~~المواريث مدنية ولا يعلم الحل والحرمة إلا من الشرع فإن الحسن والقبح
~~العقليين ليسا مذهبا لنا.

# وقيل يعني تأكلون ما جمعه الميت المورث من حلال وحرام عالمين بذلك
~~فتلمون في الأكل بين حلاله وحرامه. وفي «الكشاف» يجوز أن يذم الوارث الذي
~~ظفر بالمال سهلا مهلا من غير أن يعرق فيه جبينه فيسرف في إنفاقه ويأكله
~~أكلا واسعا جامعا بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه
~~ونحوها كما يفعله الوراث البطالون وتعقب بأنه غير مناسب للسياق.

### || [89.20]

# أي كثيرا كما قال ابن عباس وأنشد قول أمية:

# إن تغفر اللهم تغفر جما

# وأي عبد لك لا ألما

# والمراد أنكم تحبونه مع حرص وشره.

### || [89.21]

# { كلا } ردع لهم عن ذلك وقوله تعالى: { إذا دكت الأرض
~~دكا دكا } إلى آخره استئناف جيء به بطريق الوعيد تعليلا للردع
~~والدك: قال الخليل كسر الحائط والجبل ونحوهما وتكريره للدلالة على
~~الاستيعاب فليس الثاني تأكيدا للأول بل ذلك نظير الحال في نحو قولك
~~جاؤوا رجلا رجلا وعلمته الحساب بابا بابا أي / إذا دكت الأرض دكا
~~متتابعا حتى انكسر وذهب كل ما على وجهها من جبال وأبنية وقصور وغيرها
~~حين زلزلت المرة بعد المرة وصارت هباء منثورا. وقال المبرد الدك حط
~~المرتفع بالبسط والتسوية واندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره وناقة ms11282 دكاء
~~إذا كانت كذلك والمعنى عليه إذا سويت تسوية بعد تسوية ولم يبق على وجهها
~~شيء حتى صارت كالصخرة الملساء وأيا ما كان فهو على ما قيل عبارة عما عرض
~~للأرض عند النفخة الثانية.

### || [89.22]

# { وجاء ربك } قال منذر بن سعيد معناه ظهر سبحانه للخلق هنا لك
~~وليس ذلك بمجيء نقلة وكذلك مجيء الطامة والصاخة وقيل الكلام على حذف
~~المضاف للتهويل أي وجاء أمر ربك وقضاؤه سبحانه واختار جمع أنه تمثيل
~~لظهور آيات اقتداره تعالى وتبين آثار قدرته عز وجل وسلطانه عز سلطانه
~~مثلت حاله سبحانه في ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار
~~الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم
~~وأنت تعلم ما للسلف في المتشابه من الكلام.

# { والملك } أي جنس الملك فيشمل جمع ملائكة السماوات عليهم السلام {
~~صفا صفا } أي مصطفين أو ذوي صفوف فإنه قيل ينزل يوم القيامة ملائكة
~~كل سماء فيصطفون صفا بعد صف بحسب منازلهم ومراتبهم محدقين بالجن والإنس
~~وقيل يصطفون بحسب أمكنة أمور تتعلق بهم وهو قريب مما ذكر وروي أن ملائكة
~~كل سماء تكون صفا حول الأرض فالصفوف سبعة على ما هو الظاهر. وقال بعض
~~الأفاضل الظاهر أن الملك أعم من ملائكة السماوات وغيرها وتعريفه
~~للاستغراق وادعى أن اصطفافهم بحسب مراتبهم اصطفاف أهل الدنيا في الصلاة
~~وظاهره أنه اصطفاف من غير تحديق ورأيت غير أثر في أنهم يصطفون محدقين.

### || [89.23]

# { وجىء يومئذ بجهنم } قيل هو كقوله تعالى

# وبرزت الجحيم لمن يرى

# [النازعات: 36] على أن يكون مجيؤها متجوزا به عن إظهارها واختير أنه
~~على حقيقته فقد أخرج مسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم
~~وابن مردويه عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك
~~يجرونها "

# وفي رواية بزيادة

# " حتى تنصب عن يسار العرش لها تغيظ وزفير "

# وجاء في بعض الآثار

# " أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي صلى ms11283 الله عليه وسلم فناجاه ثم
~~قام النبي عليه الصلاة والسلام منكسر الطرف فسأله علي كرم الله تعالى
~~وجهه فقال صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل عليه السلام بهذه الآية {
~~كلا إذا دكت الأرض } [الفجر: 21] الآية فقال له علي كرم الله
~~تعالى وجهه كيف يجاء بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تقاد بسبعين
~~ألف زمام كل زمام يقوده سبعون ألف ملك فبينما هم كذلك إذ شردت عليهم شردة
~~انفلتت من أيديهم فلولا أنهم أدركوها فأخذوها لأحرقت من في الجمع "

# وفي رواية

# " لولا أن الله تعالى حبسها لأحرقت السماوات والأرض "

# وتأويل كل ما ذكر ونحوه مما ورد وحمله على المجاز لا يدعو إليه إلا
~~استحالة الانتقال الذي يقتضيه المجيء الحقيقي على جهنم وهو لعمري غير
~~مستحيل فيجوز أن تخرج وتنتقل من محلها في المحشر ثم تعود إليه والحال في
~~ذلك اليوم وراء ما تتخيله الأذهان.

# { يومئذ } بدل من { إذا دكت } وظاهر كلام الزمخشري أن العامل
~~فيه هو العامل نفسه في المبدل منه أعني قوله تعالى: { يتذكر
~~الإنسن } وهو قول قد نسب إلى سيبويه وفي «البحر» ((المشهور خلافه
~~وهو أن البدل على نية تكرار العامل)) والظاهر عندي الأول و { يتذكر
~~} من الذكر ضد النسيان أي يتذكر الإنسان ما فرط فيه بتفاصيله بمشاهدة
~~آثاره وأحكامه أو بإحضار الله تعالى إياه في ذهنه وإخطاره له وإن لم
~~يشاهد بعد أثرا أو بمعاينة عينه بناء على أن الأعمال تتجسم في النشأة
~~الآخرة فتبرز بما يناسبها من الصور حسنا وقبحا أو من / التذكر بمعنى
~~الاتعاظ أي يتعظ بما يرى من آثار قدرة الله عز وجل وعظيم عظمته تعالى
~~شأنه.

# وقوله تعالى: { وأنى له الذكرى } اعتراض جيء به لتحقيق أنه ليس
~~يتذكر حقيقة لعرائه عن الجدوى لعدم وقوعه في أوانه و { أنى } خبر مقدم
~~و(الذكرى) مبتدأ و(له) متعلق بما تعلق به الخبر أي ومن أين تكون له
~~الذكرى وقد فات أوانها.

# وقيل هناك مضاف محذوف أي وأنى له منفعة الذكرى ولا بد من تقديره لئلا
~~يكون ms11284 تناقض وقد علمت أن هذا يتحقق بما قرر أولا على أنه إذا جعل اختصاص
~~اللام مقصورا على النافع استقام من غير تقدير ويكون إنكار أن تكون
~~الذكرى له لا عليه وأما كونه حكاية لما كان عليه في الدنيا من عدم
~~الاعتبار والاتعاظ فليس بشيء.

# واستدل بالآية على أن التوبة من حيث هي توبة غير واجبة القبول عقلا كما
~~زعم المعتزلة بناء على وجوب الأصلح عندهم. وقيل في توجيهه أنه لو وجب
~~قبولها لوجب قبول هذا التذكر فإنه توبة إذ هي كما بين في محله الندم على
~~المعصية من حيث هي معصية والعزم على أن لا يعود لها إذا قدر عليها، ولم
~~يعتبر أحد في تعريفها كونها في الدنيا وإن كانت النافعة منها لا تكون إلا
~~فيها. وهذا التذكر هو عين الندم المذكور وقد صرح الضحاك كما أخرجه عنه
~~ابن أبي حاتم بأنه توبة ولم تقبل لعدم ترتب المنفعة عليه التي هي من
~~لوازم القبول واعترض بأن المعتزلة إنما يقولون بوجوب قبولها بشرط عدم رفع
~~التكاليف. وقيل إن تذكره ليس من التوبة في شيء فإنه عالم بأنها إنما تكون
~~في الدنيا كما يعرب عنه قوله تعالى: { يقول يليتنى قدمت
~~لحياتى }.

### || [89.24]

# ويعلم ما فيه مما تقدم من توجيه الاستدلال فلا تغفل. وهذه الجملة بدل
~~اشتمال من

# يتذكر

# [الفجر: 23] أو استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ منه كأنه قيل ماذا يقول
~~عند تذكره فقيل يقول يا ليتني الخ واللام للتعليل والمراد بحياته حياته
~~في الآخرة ومفعول { قدمت } محذوف فكأنه قال يا ليتني قدمت لأجل
~~حياتي هذه أعمالا صالحة أنتفع بها فيها. وقيل اللام للتعليل إلا أن
~~المعنى يا ليتني قدمت أعمالا صالحة لأجل أن أحيا حياة نافعة وقال ذلك
~~لأنه لا يموت ولا يحيا حينئذ وهو كما ترى. ويجوز أن تكون اللام توقيتية
~~مثلها في نحو كتبته لخمس عشرة ليلة مضين من المحرم وجئت لطلوع الشمس
~~ويكون المراد بحياته حياته في الدنيا أي يا ليتني قدمت وعملت أعمالا
~~صالحة وقت حياتي في ms11285 الدنيا لأنتفع بها اليوم.

# وليس في هذا التمني شائبة دلالة على استقلال العبد بفعله وإنما يدل على
~~اعتقاد كونه متمكنا من تقديم الأعمال الصالحة وأما أن ذلك بمحض قدرته
~~تعالى أو بخلق الله عز وجل عند صرف قدرته الكاسبة إليه فكلا. وزعمه
~~الزمخشري دليلا على الاستقلال ورد به على المجبرة - وهم عنده غير
~~المعتزلة - زعما منه المنافاة بين التمني والحجر وقد علمت أنه لا دلالة
~~على ذلك. وفي «الكشف» أن التمني قد يقع على المستحيل على أنه حالتئذ
~~كالغريق. هذا وأهل الحق لا يقولون بسلب الاختيار بالكلية.

### || [89.25]

# { فيومئذ } أي يوم إذ يكون ما ذكر من الأحوال والأقوال. { لا
~~يعذب عذابه أحد }.

### || [89.26]

# الهاء إما لله عز وجل أي لا يتولى عذاب الله تعالى ووثاقه سبحانه أحد
~~سواه عز وجل وكأنه قيل لا يفعل عذاب الله تعالى ووثاقه ولا يباشرهما أحد
~~وذلك لأن الفعل في ضمن كل فعل خاص واستعمل ذلك استعمالا شائعا في مثل:

# وقد حيل بين العير والنزوان

# و

# إن نظن إلا ظنا

# [الجاثية: 32] فالعذاب مفعول به وكذا الوثاق وفيه تعظيم عذاب الله تعالى
~~ووثاقه سبحانه لهذا الإنسان الذي شرح من أحواله ما شرح على طريق الكناية
~~فما ادعاه ابن الحاجب من عدم قوة المعنى على تقدير عود الضمير إليه تعالى
~~بناء على فوات التعظيم الذي يقتضيه السياق فللغفول عن نكتة الكناية.

# وإما للإنسان الموصوف والإضافة إلى المفعول أي لا يعذب ولا يوثق أحد من
~~الزبانية أحدا من أهل النار مثل ما يعذبونه ويوثقونه كأنه أشدهم عذابا
~~ووثاقا لأنه أشدهم سيئات أفعال وقبائح أحوال وهو وجه / حسن بل هو أرجح
~~من الأول على ما سنشير إليه إن شاء الله تعالى.

# وقرأ ابن سيرين وابن أبي إسحق وأبو حيوة وابن أبي عبلة وأبو بحرية
~~وسلام والكسائي ويعقوب وسهل وخارجة عن أبي عمرو (لا يعذب... ولا يوثق)
~~بالبناء للمفعول فالهاء في { عذابه } و { وثاقه } للإنسان
~~الموصوف أي لا يعذب أحد مثل عذابه ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه
~~لتناهيه في ms11286 كفره وشقاقه ونصب العذاب على المصدرية واقع موقع التعذيب إما
~~لأنه بمعناه في الأصل كالسلام بمعنى التسليم ثم نقل إلى ما يعذب به أو
~~لأنه وضع موضعه كما يوضع العطاء موضع الإعطاء وكذلك الوثاق. وجوز أن يكون
~~المعنى لا يحمل عذاب الإنسان أحد ولا يوثق وثاقه أحد كقوله تعالى

# ولا تزر وازرة وزر أخرى

# [الأنعام: 164] والعذاب عليه جار على المتعارف والنصب على تضمين التعذيب
~~معنى التحميل والأول أنسب بمقام التغليظ على هذا الإنسان المفرط أوان
~~التمكن والوجه الثاني للقراءة الأولى مطابق لهذا كما لا يخفى.

# والمراد من أنه لا يعذب أحد مثل عذابه أنه لا يعذب أحد من جنسه كالعصاة
~~كذلك فلا يلزم كونه أشد عذابا من إبليس ومن في طبقته ثم إن الظاهر أن
~~المراد جنس المتصف بما ذكر وقيل المراد به أمية بن خلف وقيل أبي بن خلف
~~وهو خلاف الظاهر وإن قيل إن الآية نزلت فيمن ذكر وأما القول بأن هذا
~~المعذب الموثق إبليس عليه اللعنة فليس بشيء إذ لا يقال له إنسان وكون
~~الضمير له وإن لم يسبق له ذكر للإنسان المذكور في قوله تعالى

# يومئذ يتذكر الإنسان

# [الفجر: 23] الخ مما لا ينبغي أن يلتفت إليه.

# وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بخلاف عنه (وثاقه) بكسر الواو. وقوله تعالى:
~~{ يأيتها النفس المطمئنة }.

### || [89.27]

# الخ حكاية لأحوال من اطمأن بذكر الله تعالى وطاعته عز وجل إثر حكاية من
~~اطمأن بالدنيا وسكن إليها، وذكر أنه على إرادة القول أي يقول الله تعالى
~~يا أيتها النفس الخ إما بالذات كما كلم سبحانه موسى عليه السلام أو على
~~لسان الملك واستظهر أن ذلك القول عند تمام الحساب ولينظر التفاوت ما بين
~~ذلك الإنسان وهذه النفس ذاك يقول

# يليتني قدمت لحياتي

# [الفجر: 24] وهذه يقول الله تعالى لها { يأيتها النفس
~~المطمئنة } الخ وكأنه للإيذان بغاية التباين لم يذكر القول وتعطف
~~الجملة على الجملة السابقة.

# والنفس قيل بمعنى الذات ووصفت بالاطمئنان بذلك لأنها لترقى بقوتها
~~العاقلة في معارج الأسباب والمسببات إلى المبدأ المؤثر بالذات ms11287 جلت صفاته
~~وأسماؤه فتضطرب وتقلق قبل الوصول إلى معرفته تعالى فإذا وصلت إليه عز وجل
~~اطمأنت واستغنت به سبحانه عن وجودها وسائر شؤونها ولم تلتفت إلى ما سواه
~~جل وعلا بالكلية. وقيل هي النفس المؤمنة المطمئنة إلى الحق الواصلة إلى
~~ثلج اليقين وبرودته بحيث لا يخالطها شك ما ولا بمازجها سخونة اضطراب
~~القلب في الحق أصلا وهو وجه حسن والارتباط عليه أن هذه النفس هي المتعظة
~~الذاكرة على خلاف الإنسان الموصوف فيما قبل فإن التذكر على قدر قوة
~~اليقين ألا ترى إلى قوله تعالى

# إنما يتذكر أولوا الألباب

# [الرعد: 19]. وقيل هي الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن يوم القيامة
~~أعني النفس المؤمنة اليوم المتوفاة على الإيمان وأيد بقراءة أبي (يا
~~أيتها النفس الآمنة المطمئنة) وكأنه لأن الوصفين يعتبر تناسبهما في
~~الأكثر وهي على هذا أيضا تقابل السابق وهو المتحسر المتحزن.

# وقرأ زيد بن علي (يا أيها) بغير تاء وذكر صاحب «البديع» أن أيا قد
~~تذكر مع المنادى المؤنث قيل ولذلك وجه من القياس وذلك أنها كما لن تثن
~~ولم تجمع في نداء المثنى والمجموع فكذلك لم تؤنث في نداء المؤنث، واعتبار
~~النفس ههنا مذكرة ثم مؤنثة مما لا تلتفت إليه النفس المطمئنة.

### || [89.28]

# { ارجعى } أي من حيث حوسبت { إلى ربك } أي إلى محل عنايته
~~تعالى وموقف كرامته عز وجل لك أولا وهذا لأن للسعداء قبل الحساب كما
~~يفهم من الأخبار موقفا في المحشر مخصوصا يكرمهم الله تعالى به لا يجدون
~~فيه ما يجده غيرهم في مواقفهم من النصب ومنه ينادى الواحد بعد الواحد
~~للحساب فمتى كان هذا القول عند تمام الحساب / اقتضى أن يكون المعنى ما
~~ذكر. ويجوز أن يكون المعنى ارجعي بتخلية القلب عن الأعمال والالتفات
~~إليها والاهتمام بأمرها أتقبل أم لا أي إلى ملاحظة ربك والانقطاع إليه
~~وترك الالتفات إلى ما سواه عز وجل كما كنت أولا كأن النفس المطمئنة لما
~~دعيت للحساب شغل فكرها وإن كانت مطمئنة بمقتضى الطبيعة وحال اليوم بأمر
~~الحساب وما ينتهى إليه ms11288 وأنه ماذا يكون حال أعمالها أتقبل أم لا فلما تم
~~حسابها وقبلت أعمالها قيل لها ذلك تطييبا لقلبها بأن الأمر قد انتهى
~~وفرغ منه وليس بعد الأكل خير. ونداؤها بعنوان الاطمئنان لتذكيرها بما
~~يقتضي الرجوع نظير قولك لشجاع مشهور بالشجاعة أحجم في بعض المواقف، يا
~~أيها الشجاع أقدم ولا تحجم والظاهر أنه على الأول لا يناسبها ولا يخفى ما
~~في قوله سبحانه { إلى ربك } على الوجهين من مزيد اللطف بها ولذا لم
~~يقل نحو ارجعي إلى الله تعالى أو إلي { راضية } أي بما تؤتينه من
~~النعم التي لا تتناهى وقد يقال راضية بما نلتيه من خفة الحساب وقبول
~~الأعمال وليس بذاك { مرضية } أي عند الله عز وجل وقيل المراد
~~راضية عن ربك مرضية عنده وزعم أنه الأظهر واعترض بأنه غير مناسب للسياق
~~وفيه نظر. والوصفان منصوبان على الحال والظاهر أن الحال الأولى مقدرة
~~وقيل مقارنة وذكر الحال الثانية من باب الترقي فقد قال سبحانه وتعالى

# ورضوان من الله أكبر

# [التوبة: 72].

### || [89.29-30]

# في زمرة عبادي الصالحين المخلصين لي وانتظمي في سلكهم وكوني في جملتهم.

# { وادخلى جنتى } عطف على الجملة قبلها داخلة معها في حيز الفاء
~~المفيدة لكون ما بعدها عقيب ما قبلها من غير تراخ وكأن الأمر بالدخول في
~~جملة عباد الله تعالى الصالحين إشارة إلى السعادة الروحانية لكمال
~~استئناس النفس بالجليس الصالح والأمر بدخول الجنة إشارة إلى السعادة
~~الجسمانية ولفضل الأولى على الثانية قدم الأمر الأول وجيء بالثاني على
~~وجه التتميم ونكتة الالتفات فيهما ظاهرة بأدنى التفات. وتعدي الدخول
~~أولا بفي وثانيا بدونها قال أبو حيان ((لأن المدخول فيه إن كان غير ظرف
~~حقيقي تعدى إليه في الاستعمال بفي تقول دخلت في الأمر ودخلت في غمار
~~الناس وإذا كان ظرفا حقيقيا تعدى إليه في الغالب بغير وساطتها)) فلا
~~تغفل. وقيل المراد ارجعي إلى موعد ربك. واستظهر أن المراد بموعده تعالى
~~على تقدير كون القول المذكور بعد تمام الحساب ما وعده سبحانه من الجنة
~~والكون مع عباده تعالى الصالحين والفاء تفسيرية. ms11289

# واستشكل عليه الأمر بالرجوع إذ يقتضي أن تكون الجنة مقرا للنفس قبل ذلك
~~وأجيب بتحقق هذا المقتضي بناء على وجودها بالقوة في ظهر آدم عليه السلام
~~حين كان في الجنة وقد قيل نحو هذا في قوله تعالى:

# إن الذي فرض عليك القرآن لرآدك إلى معاد

# [القصص: 85] على ما روي عن أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه وعن
~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن المراد بالمعاد الجنة دون مكة. وأنت
~~تعلم أن هذا على ما فيه لا يتم إلا على القول بأن جنة آدم عليه السلام هي
~~الجنة التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة لا جنة أخرى كانت في الأرض
~~والخلاف في ذلك قوي كما لا يخفى على من راجع كتاب «مفتاح السعادة»
~~للعلامة ابن القيم واطلع على أدلة الطرفين.

# وقيل المراد ارجعي إلى أمر ربك واستظهر أن المراد بالأمر على ذلك
~~التقدير واحد الأمور ويفسر بمعاملة الله تعالى إياها بما ليس فيه ما يشغل
~~بالها أو بتمييزها بموقف كريم أو بنحو ذلك مما يتحقق معه ما يقتضيه ظاهر
~~الرجوع. وقيل المراد ارجعي إلى كرامة ربك ويراد جنس كرامته سبحانه
~~والرجوع إليه باعتبار أنها كانت بعد الموت في البرزخ أو بعد البعث وقبل
~~الحساب في نوع منه والفاء عليه قيل تفسيرية أيضا وعن عكرمة والضحاك أن
~~ذلك القول عند البعث فقيل النفس بمعنى الذات أيضا والمراد بالرب هو الله
~~عز وجل والكلام على حذف مضاف ولا يقدر محل كرامته تعالى مرادا به الموقف
~~الخاص على ما سمعت لأنه إنما يكون لها بعد.

# وقيل النفس بمعنى الروح والمراد بالرب الصاحب / وفسر بالجسد وباقي الآية
~~على حاله أي ارجعي إلى جسدك كما كنت في الدنيا فادخلي بعد الرجوع إليه في
~~جملة عبادي وادخلي دار ثوابي. وقيل المراد بالنفس والرب ما ذكر وقوله
~~تعالى: { فى عبادى } [الفجر: 29] على حذف مضاف أي فادخلي في أجساد
~~عبادي وجاء هذا في رواية عن ابن عباس وابن جبير ولا يضر الإفراد أولا
~~والجمع ثانيا لأن المعنى ms11290 على الجنس وقال ابن زيد وجماعة إن ذلك القول
~~عند الموت وأيد بما أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن
~~مردويه وأبو نعيم في «الحلية» عن ابن جبير قال

# " قرئت عند النبي صلى الله عليه وسلم { يأيتها النفس
~~المطمئنة } [الفجر: 27] الآية فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه،
~~إن هذا لحسن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إن الملك سيقولها لك
~~عند الموت "

# وجاء نحو هذا من رواية الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» من طريق ثابت
~~بن عجلان عن سليم بن عامر عن الصديق رضي الله تعالى عنه والنفس عليه
~~بمعنى الروح والمعنى على ما قيل ارجعي بالموت إلى عالم قدس ربك راضية بما
~~تؤتين من النعيم أو راضية عن ربك مرضية عنده تعالى فادخلي في زمرة عبادي
~~المقربين سكنة حظائر القدس وادخلي جنتي التي أعددتها لذوي النفوس
~~المطمئنة وهذان الدخولان يعقبان الرجوع إلا أن الدخول الأول يعقبه بلا
~~تراخ قبل يوم القيامة والثاني يعقبه بتراخ لأنه يوم القيامة إن أريد
~~بدخول الجنة دخولها على وجه الخلود إلا أن الأمر لتحققه يجوز تعقيبه
~~بالفاء.

# وجوز أن يكون تعقيب الأمرين على هذا النمط إن أريد بالدخول في عباده
~~تعالى انتظامها في سلك العباد الصالحين المخلصين من جنسها ويجوز على
~~إرادة هذا التعقيب أن يراد فادخلي في أجساد عبادي وجوز أن يكون تعقيب
~~الأمرين بلا تراخ إن أريد بالدخول في العباد الدخول في زمرة المقربين من
~~سكنة حظائر القدس وبالدخول في الجنة الدخول لا على وجه الخلود بل لنوع من
~~التنعم إلى أن تقوم الساعة ففي الحديث

# " أن أرواح المؤمنين في حواصل طيور في الجنة "

# وفي بعض الآثار «إذا مات المؤمن أعطي نصف الجنة» أي نصف جنته التي وعد
~~دخولها يوم القيامة وذكر في وجه إدخالها مع الأرواح القدسية كالمرايا
~~المصقولة فإذا انضم بعضها إلى بعض تعاكست أشعة أنوار المعارف فيظهر لكل
~~منها ما يكملها فيكون سببا أنها لتكامل السعادات وتعاظم الدرجات وهو
~~عندي كلام خطابي.

# وعن ms11291 بعض السلف ما يؤيد بعض هذه الأوجه أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن
~~أبي حاتم عن أبي صالح أنه قال في الآية

# ارجعى إلى ربك

# [الفجر: 28] هذا عند الموت ورجوعها إلى ربها خروجها من الدنيا فإذا كان
~~يوم القيامة قيل لها ادخلي في عبادي وادخلي جنتي وقيل إن هذا القول بعد
~~الموت وقبل القيامة والمراد برجوعها إلى ربها رجوعها إلى جسدها لسؤال
~~الملكين أخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي أنه قال في الآية إن
~~المؤمن إذا مات أري منزله من الجنة فيقول تبارك وتعالى: يا أيتها
~~النفس المطمئنة عندي ارجعي إلى جسدك الذي خرجت منه راضية بما رأيت من
~~ثوابي مرضيا عنك حتى يسألك منكر ونكير».

# وقيل إنه في مواطن ثلاثة أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم
~~أنه قال في الآية: بشرت بالجنة عند الموت وعند البعث يوم الجمع وتفسر
~~عليه بما ينطبق على الجميع. وقيل يجوز أن يكون ذلك في سائر أوقات النفس
~~في حياتها الدنيا والمراد بالأمر بالرجوع إلى الرب الأمر بالرجوع إليه
~~تعالى في كل أمر من الأمور والمراد بالأمر بالدخول في العباد الأمر
~~بالدخول في زمرة العباد الخلص الذين ليس للشيطان عليهم سلطان بالإكثار من
~~العمل الصالح وبالأمر بالدخول في الجنة الأمر بالدخول فيها بالقوة
~~القريبة فكأنه سبحانه بعد أن بالغ جل وعلا في سوء حال الأمارة ووعيدها
~~خاطب المطمئنة بذاك وأرشدها سبحانه إلى ما فيه صلاحها ونجاتها ولا يخفى
~~ما فيه فلا ينبغي أن يعد وجها.

# وأيا ما كان من الأوجه فالظاهر العموم فيها وإن أخرج ابن أبي حاتم من
~~/ طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في عثمان بن عفان رضي الله
~~تعالى عنه حين اشترى بئر رومة وجعلها سقاية للناس وقيل إنها نزلت في حمزة
~~بن عبد المطلب وقيل نزلت في خبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة وجعلوا وجهه
~~إلى المدينة فقال اللهم إن كان لي عندك خير فحول وجهي نحو قبلتك فحول
~~الله ms11292 تعالى وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يحوله بعد فتفسير النفس المذكور
~~بأحد هؤلاء المذكورين كما نقل عن بعض من باب التمثيل وأن صورة السبب
~~قطعية الدخول وينبغي أن يحمل قول ابن عباس في تلك النفس كما أخرجه عنه
~~ابن مردويه هو النبي صلى الله عليه وسلم على نحو ذلك.

# وأشعرت الآية على بعض أوجهها بأن الأرواح مخلوقة قبل الأبدان ومقرها إذ
~~ذاك في عالم الملكوت والخلاف في المسألة شهير وجمهور المتكلمين على أنها
~~مخلوقة عند استعداد الأبدان لها وكذا أفلاطون وأصحابه.

# وقرأ ابن عباس وعكرمة والضحاك ومجاهد وأبو جعفر وأبو صالح وأبو شيخ
~~واليماني (في عبدي) على الإفراد واستظهر أن المراد الجنس كما في النفس.

# وللسادة الصوفية قدست نفوسهم كلام طويل في تقسيم مراتب النفس وقالوا إن
~~الآية متضمنة لمراتب ثلاث منها المطمئنة والراضية والمرضية وفسروا كلا
~~بما فسروه فمن أراده فليرجع إليه في كتبهم وأنا أقول كما علم رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة على ما أخرج الطبراني وابن عساكر عن أبي
~~أمامة رضي الله تعالى عنه

# " اللهم إني أسألك نفسا مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك
~~".

### | [90 - سورة البلد]

### || [90.1]

# أقسم سبحانه بالبلد الحرام - أعني مكة فإنه المراد بالمشار إليه
~~بالإجماع - وما عطف عليه على الإنسان خلق مغمورا في مكابدة المشاق
~~ومعاناة الشدائد. وقوله تعالى: { وأنت حل بهذا البلد }

### || [90.2]

# على ما اختاره في «الكشاف» اعتراض بين القسم وجوابه وفيه تحقيق مضمونه
~~بذكر بعض المكابدة على نهج براعة الاستهلال وإدماج لسوء صنيع المشركين
~~ليصرح بذمهم على أن الحل بمعنى المستحل بزنة المفعول الذي لا يحترم فكأنه
~~قيل: ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمته يستحل بهذا البلد الحرام ولا
~~يحترم كما يستحل الصيد في غير الحرم. عن شرحبيل بن سعد يحرمون أن يقتلوا
~~به صيدا ويعضدوا شجره ويستحلون إخراجك وقتلك. وفي تأكيد كون الإنسان في
~~كبد بالقسم تثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث على أن يطأ من نفسه
~~الكريمة على احتماله فإن ms11293 ذلك قدر محتوم.

# وجوز أن يكون الحل بمعنى الحلال ضد الحرام قال ابن عباس فيما أخرجه عنه
~~ابن جرير وغيره: وأنت يا محمد يحل لك أن تقاتل به وأما غيرك فلا. وقال
~~مجاهد أحله الله تعالى له عليه الصلاة والسلام ساعة من نهار وقال سبحانه
~~له ماصنعت فيه من شيء فأنت في حل / لا تؤاخذ به وروي نحو ذلك عن أبي
~~صالح وقتادة وعطية وابن زيد والحسن والضحاك ولفظه يقول سبحانه أنت حل
~~بالحرم فاقتل إن شئت أو دع وذلك يوم الفتح وقد قتل صلى الله عليه وسلم
~~يومئذ عبد الله بن خطل وهو الذي كانت قريش تسميه ذا القلبين قدمه أبو
~~برزة سعد بن حرب الأسلمي فضرب بأمره صلى الله عليه وسلم عنقه وهو
~~متعلق بأستار الكعبة وكان قد أظهر الإسلام وكتب لرسول الله صلى الله عليه
~~وسلم شيئا من الوحي فارتد وشنع على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ما
~~يمليه من القرآن منه عليه الصلاة والسلام لا من الله تعالى وقتل غيره
~~أيضا كما هو مذكور في كتب السير ثم قال عليه الصلاة والسلام

# " إن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم
~~الساعة لا تحل لأحد قبلي ولن تحل لأحد بعدي ولم تحل لي إلا ساعة من نهار
~~فلا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد
~~فقال العباس يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقيوننا وقبورنا وبيوتنا فقال
~~عليه الصلاة والسلام إلا الإذخر "

# وتقديم المسند إليه على هذا للاختصاص كما أشير إليه في خبر ابن عباس وحل
~~على معنى الاستقبال بناء على أن نزول السورة قبل الهجرة التي هي قبل
~~الفتح بكثير. وفي خبر رواه عبد بن حميد عن ابن جبير ما هو ظاهر في أن
~~الآية نزلت بعد أن ضرب أبو برزة عنق ابن خطل يوم الفتح فإن صح لا يكون في
~~معنى الاستقبال لكن الجمهور على الأول.

# وفي تعظيم المقسم به وتوكيد ms11294 المقسم عليه بالإقسام توكيد لما سيق له
~~الكلام وهو على ما ذكر أن عاقبة الاحتمال والمكابدة إلى الفتح والظفر
~~والغرض تسليته صلى الله عليه وسلم ثم ترشيحها بالتصريح بما سيكون من
~~الغلبة وتعظيم البلد يدل على تعظيم من أصل له وفي الإقسام به توطئة
~~للتسلية لأن تعظيم البلد تعظيم للساكن فيه. وجوز أن يكون الحل على نحو ما
~~ذكر في هذا الوجه لكن المعنى وأنت حل بهذا البلد مما يقترفه أهله من
~~المآثم متحرج بريء منها والمعنى في الإقسام بالبلد تعظيمه وفي الاعتراض
~~ترشيح التعظيم والتشريف بكون مثله صلى الله عليه وسلم في جلالة القدر
~~ومنصب النبوة ساكنا فيه مباينا لما عليه الغاغة والهمج والفائدة فيه
~~تأكيد المقسم عليه بأنهم من أهل الطبع فلا ينفعهم شرف مكان والمتمكن فيه
~~كأنه قيل أقسم بهذا البلد الطيب بنفسه وبمن سكن فيه أن أهله لفي مرض قلب
~~وشك لا يقادر قدره.

# وقيل الحل صفة أو مصدر بمعنى الحال يقال حل أي نزل يحل حلا وحلولا
~~ويقال أيضا هو حل بموضع كذا كما يقال حال به، والقول بأن الصفة من
~~الحلول حال لا حل ومصدر حل بمعنى نزل الحلول والحل بفتح الحاء والحلل فقط
~~ناشيء من قلة التتبع والاعتراض لتشريفه صلى الله عليه وسلم بجعل حلوله
~~عليه الصلاة والسلام مناطا لإعظام البلد بالإقسام به وجعل بعض الأجلة
~~الجملة على هذا الوجه حالا من (هذا البلد) وكذا جعلها بعضهم حالية على
~~الوجهين قبل إلا أن الحال على ثانيهما مقارنة وعلى أولهما مقدرة أو
~~مقارنة إن قيل إن النزول ساعة أحلت مكة وجعلها ابن عطية حالا على الوجه
~~الأول أيضا أعني كون الحل بمعنى المستحل لكن قيده بكون (لا) نافية غير
~~زائدة فتأمل. وأيا ما كان ففي الإشارة وإقامة الظاهر مقام الضمير من
~~تعظيم البلد ما فيهما.

### || [90.3]

# { ووالد } عطف على

# بهذا البلد

# [البلد: 1] المقسم به وكذا قوله تعالى: { وما ولد } والمراد بالأول
~~آدم عليه السلام وبالثاني جميع ولده على ما أخرج الحاكم وصححه من طريق ms11295
~~مجاهد عن ابن عباس ورواه جماعة أيضا عن مجاهد وقتادة وابن جبير وقيل
~~المراد آدم عليه السلام والصالحون من ذريته وقيل نوح عليه السلام وذريته
~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عمران أنهما إبراهيم عليه السلام
~~وجميع ولده وقيل إبراهيم عليه السلام وولده إسمعيل عليه السلام والنبي
~~صلى الله عليه وسلم، ادعى أنه ينبىء عن ذلك المعطوف عليه فإنه حرم
~~إبراهيم ومنشأ إسماعيل ومسقط رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم
~~أجمعين.

# وقال الطبري / والماوردي يحتمل أن يكون الوالد النبي صلى الله عليه
~~وسلم لتقدم ذكره و(ما ولد) أمته لقوله عليه الصلاة والسلام

# " إنما أنا لكم بمنزلة الوالد "

# ولقراءة عبد الله (وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) [الأحزاب: 6] وفي القسم
~~بذلك مبالغة في شرفه عليه الصلاة والسلام وهو كما ترى. وقيل المراد كل
~~والد وولده من العقلاء وغيرهم ونسب ذلك لابن عباس وأخرج ابن أبي حاتم
~~وغيره من طريق عكرمة عنه أنه قال: الوالد الذي يلد وما ولد العاقر الذي
~~لا يلد من الرجال والنساء ونسب إلى ابن جبير أيضا فما عليه نافية فيحتاج
~~إلى تقدير موصول يصح به المعنى الذي أريد كأنه قيل ووالد والذي ما ولد
~~وإضمار الموصول في مثله لا يجوز عند البصريين ومع هذا هو خلاف الظاهر
~~ولعل ظاهر اللفظ عدم التعيين في المعطوفين وظاهر العطف على { هذا
~~البلد } إرادة من له دخل فيه وشهرة بنسبة البلد إليه والمشهور في ذلك
~~إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

# وتنكير (والد) على ما اختاره غير واحد للتعظيم وإيثار (ما) على من بناء
~~على أن المراد بما ولد العاقل لإرادة الوصف فتفيد التعظيم في مقام المدح
~~وأنه مما لا يكتنه كنهه لشدة إبهامها ولذا أفادت التعجب أو التعجيب وإن
~~لم تكن استفهامية كما في قوله تعالى:

# والله أعلم بما وضعت

# [آل عمران: 36] أي أي مولود عظيم الشأن وضعته والتعظيم والتعجيب على
~~تقدير أن يراد بما ولد ذرية آدم عليه السلام مثلا قيل باعتبار التغليب
~~وقيل باعتبار الكثرة وما خص ms11296 به الإنسان من خواص البشر كالعقل وحسن الصورة
~~ومن تأمل في شؤون الإنسان من حيث هو إنسان يعلم أنه من تلك الحيثية
~~معظم يتعجب منه.

### || [90.4]

# أي في تعب ومشقه فإنه لا يزال يقاسي فنون الشداد من وقت نفخ لروح إلى
~~حين نزعها وما وراءه، يقال كبد الرجل كبدا فهو أكبد إذا وجعته
~~كبده وانفتخت فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة ومنه اشتقت المكابدة
~~لمقاساة الشدائد كما قيل كبته بمعنى أهلكه، وأصله كبده إذا أصاب كبده
~~قال لبيد يرثي أخاه:

# يا عين هلا بكيت أربد إذ

# قمنا وقام الخصوم في كبد

# أي في شدة الأمر وصعوبة الخطب. وعن ابن عمر يكابد الشكر على السراء
~~ويكابد الصبر على الضراء وعن ابن عباس وعبد الله بن شداد وأبي صالح
~~والضحاك ومجاهد أنهم قالوا أي خلقناه منتصب القامة واقفا ولم نجعله
~~منكبا على وجهه وقال ابن كيسان أي منتصبا رأسه في بطن أمه فإذا أذن له
~~في الخروج قلب رأسه إلى قدمي أمه وهذه الأقوال كلها ضعيفة لا يعول عليها
~~بخلاف الأول وقد رواه الحاكم وصححه وجماعة عن ابن عباس وروي عن غير واحد
~~من السلف.

# نعم جوز أن يكون المعنى لقد خلقناه في مرض شاق وهو مرض القلب وفساد
~~الباطن وهذا بناء على الوجه الثالث من الأوجه الأربعة السابقة في قوله
~~تعالى:

# لا أقسم بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد

# [البلد: 12] والمراد بالإنسان عليه الذين علم الله تعالى منهم حين
~~خلقهم أنهم لا يؤمنون ولا يعملون الصالحات والظاهر أن المراد على ما عداه
~~جنس الإنسان مطلقا وقال ابن زيد المراد بالإنسان آدم عليه السلام
~~وبالكبد السماء وشاع في وسط السماء كالكبيداء والكبيداة والكبداء والكبد
~~بفتح فسكون وليس بشيء أصلا.

### || [90.5]

# والضمير في قوله تعالى: { أيحسب } على ما عدا ذلك راجع إلى ما دل
~~عليه السياق ممن يكابد منه صلى الله عليه وسلم ما يكابد من كفار قريش
~~وينتهك حرمة البيت وحرمته عليه الصلاة والسلام و { عليه } للإنسان
~~والتهديد مصروف لمن ms11297 يستحقه وقيل على إرادة البعض هو أبو الأشد أسيد بن
~~كلدة الجمحي وكان شديد القوة مغترا بقوته وكان يبسط له الأديم العكاظي
~~فيقوم عليه ويقول من أزالني عنه فله كذا فيجذبه عشرة فينقطع قطعا ويبقى
~~موضع قدميه وقيل عمرو بن عبد ود وقيل الوليد بن المغيرة وقيل أبو جهل بن
~~هشام وقيل الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ويجوز أن يكون كل من هؤلاء
~~سبب النزول فلا تغفل.

# وجعل عصام الدين الاستفهام / للتعجيب على معنى أيظن { أن لن يقدر
~~عليه } أي على الانتقام منه ومكافأته بما هو عليه { أحد } مع أنه
~~لا يتخلص من المكابدة ومقاساة الشدائد و(أن) مخففة من الثقيلة ولعل في
~~ذلك إدماج عدم الإيمان بالقيامة.

### || [90.6]

# أي كثيرا من تلبد الشيء إذا اجتمع أي يقول ذلك وقت الاغترار فخرا
~~ومباهاة وتعظما على المؤمنين وأراد بذلك ما أنفقه رياء وسمعة وعبر عن
~~الإنفاق بالإهلاك إظهارا لعدم الاكتراث وأنه لم يفعل ذلك رجاء نفع فكأنه
~~جعل المال الكثيرة ضائعا. وقيل يقول ذلك إظهارا لشدة عداوته لرسول الله
~~صلى الله عليه وسلم مريدا بالمال ما أنفقه في معاداته عليه الصلاة
~~والسلام وقيل يقول ذلك إيذاء له عليه الصلاة والسلام فعن مقاتل أن الحرث
~~بن نوفل كان إذا أذنب استفتى الرسول صلى الله عليه وسلم فيأمره عليه
~~الصلاة والسلام بالكفارة فقال لقد أهلكت مالا لبدا في الكفارات
~~والتبعات منذ أطعت محمدا صلى الله عليه وسلم وقيل المراد ما تقدم أولا
~~إلا أن هذا القول وقت الانتقام منه وذلك يوم القيامة. والتعبير عن
~~الإنفاق بالإهلاك لما أنه لم ينفعه يومئذ.

# وقرأ أبو جعفر (لبدا) بشد الباء وعنه وعن زيد بن علي (لبدا) بسكون
~~الباء وقرأ مجاهد وابن أبي الزناد (لبدا) بضم اللام والباء.

### || [90.7]

# أي حين كان ينفق ما ينفق رئاء الناس أو حرصا على معاداته صلى الله عليه
~~وسلم يعني أن الله تعالى كان يراه وكان سبحانه عليه رقيبا فهو عز وجل
~~يسأله عنه ويجازيه عليه وفي الحديث

# " لا ms11298 تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أفناه
~~وعن ماله مم جمعه وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل به "

# وجوز أن يكون المعنى ان لم يجده أحد على المراد بالرؤية الوجدان اللازم
~~له و(لم) بمعنى لن وعبر بها لتحقق الوقوع يعني أنه تعالى يجده يوم
~~القيامة فيحاسبه على ذلك. وعن الكلبي أن هذا القائل كان كاذبا لم ينفق
~~شيئا فقال تعالى: أيظن أن الله تعالى ما رأى ذلك منه فعل أو لم يفعل
~~أنفق أو لم ينفق بل رآه عز وجل وعلم منه خلاف ما قال وقرر سبحانه القدرة
~~على مجازاته ومحاسبته والاطلاع على حاله بقوله جل وعلا: { ألم نجعل
~~له عينين }.

### || [90.8]

# يبصر بهما.

### || [90.9]

# { ولسانا } يفصح به عما في ضميره { وشفتين } يستر بهما فاه
~~ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك والمفرد شفة
~~وأصلها شفهة حذفت منها الهاء ويدل عليه شفيهة وشفاه وشافهت وهي مما لا
~~يجوز جمعه بالألف والتاء وإن كان فيه تاء التأنيث على ما في «البحر».

### || [90.10]

# أي طريقي الخير والشر كما أخرجه الحاكم وصححه والطبراني وغيرهما عن ابن
~~مسعود وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس وروي عن عكرمة والضحاك
~~وآخرين وأخرجه الطبراني عن أبي امامة مرفوعا، والنجد مشهور في الطريق
~~المرتفع قال امرؤ القيس:

# فريقان منهم جازع بطن نخلة

# وآخر منهم قاطع نجد كبكب

# وسميت نجد به لارتفاعها عن انخفاض تهامة والامتنان المحدث عنه بأن هداه
~~سبحانه وبين له تعالى شأنه ما إن سلكه نجا وما أن سلكه هلك ولا يتوقف
~~الامتنان على سلوك طريق الخير وقد جعل الإمام هذه الآية كقوله تعالى:

# إنا هدينه السبيل إما شاكرا وإما كفورا

# [الإنسان: 3] ووصف سبيل الخير بالرفعة والنجدية ظاهر بخلاف سبيل الشر
~~فإن فيه هبوطا من ذروة الفطرة إلى حضيض الشقاوة فهو على التغليب أو على
~~توهم المتخيلة له صعودا ولذا استعمل الترقي في الوصول إلى كل شيء
~~وتكميله كذا قيل.

# وأخرج ابن جرير وابن أبي ms11299 حاتم من طرق عن ابن عباس أنهما الثديان وروي
~~ذلك عن ابن المسيب أي ثديي الأم لأنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه
~~والارتفاع فيهما ظاهر والبطن تحتهما كالغور والعرب تقسم بثديي الأم فتقول
~~أما ونجديها ما فعلت ونسب هذا التفسير لعلي كرم الله / تعالى وجهه أيضا
~~والمذكور في «الدر المنثور» من رواية الفريابي وعبد بن حميد وكذا في
~~«مجمع البيان» أنه كرم الله تعالى وجهه أن أناسا يقولون إن النجدين
~~الثديان فقال لا هما الخير والشر ولعل القائل بذلك رأى أن اللفظ يحتمله
~~مع ظهور الامتنان عليه جدا.

### || [90.11]

# الاقتحام الدخول بسرعة وضغط وشدة ويقال قحم في الأمر قحوما رمى نفسه
~~فيه من غير روية. والعقبة الطريق الوعر في الجبل وفي «البحر» هي ما صعب
~~منه وكان صعودا والجمع عقب وعقاب وهي هنا استعارة لما فسرت به من
~~الأعمال الشاقة المرتفعة القدر عند الله تعالى والقرينة ظاهرة وإثبات
~~الاقتحام المراد به الفعل والكسب ترشيح ويجوز أن يكون قد جعل فعل ما ذكر
~~اقتحاما وصعودا شاقا وذكره بعد النجدين جعل الاستعارة في الذروة
~~العليا من البلاغة والمراد ذم المحدث عنه بأنه مقصر مع ما أنعم الله
~~تعالى به عليه من النعم العظام والأيادي الجليلة الجسام كأنه قيل فقصر
~~ولم يشكر تلك النعم العظيمة والأيادي الجسيمة بفعل الأعمال الصالحة بل
~~غمط النعمة وكفر بالمنعم واتبع هوى نفسه. وقوله تعالى: { وما أدراك
~~ما العقبة }.

### || [90.12]

# أي أي شيء أعلمك ما هي، تعظيم لشأن العقبة المفسرة بقوله سبحانه: {
~~فك رقبة }.

### || [90.13]

# الخ وتفسيرها بذلك بناء على الادعاء والمجاز وهو مما لا شبهة في صحته
~~وإن لم يتحد العقبة والفك حقيقة فلا حاجة إلى تقدير مضاف كما زعمه الإمام
~~ليصح التفسير أي وما أدراك ما اقتحام العقبة فك الخ وقال بعضهم يحتمل أن
~~يراد بالعقبة نفس الشكر عبر بها عنه لصعوبته ولا يأباه { وما أدراك
~~} الخ لأنه بمنزلة ما أدراك ما الشكر فك رقبة وهو كما ترى. وأخرج ابن
~~أبي حاتم وابن جرير وابن أبي شيبة ms11300 عن ابن عمر أن العقبة جبل زلال في
~~جهنم وأخرج ابن جرير عن الحسن نحوه وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنها
~~النار وفي رواية عبد بن حميد عنه أنها عقبة بين الجنة والنار وعن مجاهد
~~والضحاك والكلبي أنها الصراط وقد جاء في صفته ما جاء ولعل المراد بعقبة
~~بين الجنة والنار هذا وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي رجاء أنه
~~قال بلغني أن العقبة التي ذكر الله تعالى في القرآن مطلعها سبعة آلاف سنة
~~ومهبطها سبعة آلاف سنة.

# وهذه الأقوال إن صحت يتعين عليها أن يراد بالاقتحام المرور والجواز
~~بسرعة وأن يقدر المضاف أي وما أدراك ما اقتحام العقبة فك الخ وجعل الفك
~~وما عطف عليه نفس الاقتحام على سبيل المبالغة في سببيته له حتى كأنه نفسه
~~ومآل المعنى فلا فعل ما ينجو به ويجوز بسببه العقبة الكؤد يوم القيامة
~~وبهذا يندفع ما نقله الإمام عن الواحدي بعد نقله تفسيرها بجبل زلال في
~~جهنم وبالصراط ونحو ذلك وهو قوله وفي هذا التفسير نظر لأن من المعلوم أن
~~هذا الإنسان وغيره لم يقتحموا عقبة جهنم ولا جاوزوها فحمل الآية عليه
~~يكون إيضاحا للواضحات ثم قال ويدل عليه أنه لما قال سبحانه { وما
~~أدراك ما العقبة } فسرها جل شأنه بفك الرقبة والإطعام انتهى
~~نعم أنا لا أقول بشيء من ذلك حتى تصح فيه تفسيرا للآية رواية مرفوعة.

# والفك تخليص شيء من شيء قال الشاعر:

# فيا رب مكروب كررت وراءه

# وعان فككت الغل منه ففداني

# وهو مصدر فك وكذا الفكاك بفتح الفاء كما نص عليه الفراء والمشهور أن
~~المراد به هنا تخليص رقبة الرقيق من وصف الرقية بالإعتاق. وأخرج أحمد
~~وابن حبان وابن مردويه والبيهقي

# " عن البراء رضي الله تعالى عنه أن أعرابيا قال يا رسول الله علمني
~~عملا يدخلني الجنة قال أعتق النسمة وفك الرقبة قال أو ليسا بواحد؟ قال
~~لا إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في عتقها "

# الحديث وعليه يكون نفي العتق ms11301 عن المحدث عنه متحققا من باب أولى.

# ومن الفك بهذا المعنى إعطاء المكاتب ما يصرفه في جهة فكاك نفسه.

# وجاء في فضل الإعتاق أخبار كثيرة منها ما أخرجه أحمد والشيخان والترمذي
~~وغيرهم / عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار حتى
~~الفرج بالفرج "

# وهو أفضل من الصدقة عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وعند صاحبيه
~~الصدقة أفضل. والآية على ما قيل أدل على قول الإمام لمكان تقديم الفك على
~~الإطعام. وعن الشعبي تفضيل العتق أيضا على الصدقة على ذي القرابة فضلا
~~عن غيره. وقال الإمام [الرازي] ((في الآية وجه آخر حسن وهو أن يكون
~~المراد أن يفك المرء رقبة نفسه بما يكلفه من العبادة التي يصير بها إلى
~~الجنة فهي الحرية الكبرى)) وعليه قيل يكون ما بعد من قبيل التخصيص بعد
~~التعميم وفيه بعد كما لا يخفى.

### || [90.14]

# مصدر ميمي بمعنى السغب قال أبو حيان وهو الجوع العام وقد يقال سغب الرجل
~~إذا جاع وقال الراغب هو الجوع مع التعب وربما قيل في العطش مع التعب
~~وفسره ابن عباس هنا بالجوع من غير قيد وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم
~~عن إبراهيم أنه قال في يوم فيه الطعام عزيز وليس بتفسير بالمعنى الموضوع
~~له. ووصف اليوم بذي مسغبة نحو ما يقول النحويون في قولهم هم ناصب ذو نصب
~~وليل نائم ذو نوم ونهار صائم ذو صوم.

### || [90.15]

# أي قرابة فهو مصدر ميمي أيضا من قرب في النسب يقال فلان ذو قرابتي وذو
~~مقربتي بمعنى، قال الزجاج وفلان قرابتي قبيح لأن القرابة مصدر قال:

# يبكي الغريب عليه ليس يعرفه

# وذو قرابته في الحي مسرور

# وفيه بحث وفي إطعام هذا جمع بين الصدقة والصلة وفيهما من الأجر ما فيهما
~~وقيل إنه لا يخص القريب نسبا بل يشمل من له قرب بالجوار.

### || [90.16]

# أي افتقار وهو مصدر ميمي كما تقدم من ترب إذا افتقر ومعناه ms11302 التصق
~~بالتراب وأما أترب فاستغنى أي صار ذا مال كالتراث في الكثرة كما قيل أثرى
~~وعن ابن عباس أنه فسره هنا بالذي لا يقيه من التراب شيء وفي رواية أخرى
~~هو المطروح على ظهر الطريق قاعدا على التراب لا بيت له وهو قريب مما
~~أخرجه ابن مردويه عن ابن عمر مرفوعا «هو الذي مأواه المزابل» فإن صح لا
~~يعدل عنه وفي رواية أخرى عن ابن عباس هو الذي يخرج من بيته ثم يقلب وجهه
~~إليه مستيقنا أنه ليس فيه إلا التراب وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر
~~وابن أبي حاتم عنه أنه قال في ذلك يعني بعيد التربة أي بعيدا من وطنه
~~وهو بعيد. والصفة على بعض هذه التفاسير صفة كاشفة وبعض آخر مخصصة و(أو)
~~على ما في «البحر» للتنويع وقد استشكل عدم تكرار لا هنا مع أنها دخلت على
~~الماضي وهم قالوا يلزم تكرارها حينئذ كما في قوله تعالى:

# فلا صدق ولا صلى

# [القيامة: 31] وقول الحطيئة:

# وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها

# وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا

# وشذ قوله:

# لا هم أن الحرث بن جبله

# جنى على أبيه ثم قتله

# وكان في جاراته لا عهد له

# فأي أمر سيىء لا فعله

# وأجيب بأن اللازم تكرارها لفظا أو معنى وهي هنا مكررة معنى لأن تفسير
~~العقبة بما فسرت به من الأمور المتعددة يلزم منه تفسير الاقتحام فيكون

# فلا اقتحم العقبة

# [البلد: 11] في معنى فلا فك رقبة ولا أطعم يتيما الخ وقد يقال في البيت
~~نحو ذلك بأن يقال إن العموم فيه قائم مقام التكرار ويلزمه على ما قيل
~~جواز لا جاءني زيد وعمرو لأنه في معنى لا جاءني زيد ولا جاءني عمرو ومنعه
~~بعضهم وقال الزجاج والفراء يجوز أن يكون منه قوله تعالى: { ثم كان
~~من الذين ءامنوا }.

### || [90.17]

# { ثم كان من الذين ءامنوا } فإن عطف على المنفي أعني

# اقتحم

# [البلد: 11] فكأنه قيل فلا اقتحم ولا آمن ولا يلزم منه كون الإيمان غير
~~داخل في مفهوم العقبة لأنه يكفي ms11303 في صحة العطف والتكرار كونه جزءا أشرف
~~خص بالذكر عطفا فجاءت صورة التكرار ضرورة إذ الحمل على غير ذلك / مفسد
~~للمعنى ويلزمه جواز لا أكل زيد وشرب على العطف على المنفي والبعض المتقدم
~~يمنعه وقيل إن (لا) للدعاء والكلام دعاء على ذلك الكافر أن لا يرزقه الله
~~تعالى ذلك الخير وقيل (لا) مخفف ألا للتحضيض كهلا فكأنه قيل فهلا اقتحم
~~أو الاستفهام محذوف والتقدير أفلا أقتحم ونقل ذلك عن ابن زيد والجبائي
~~وأبي مسلم وفيه أنه لم يعرف تخفيف ألا التحضيضية وأنه كما قال المرتضى
~~يقبح حذف حرف الاستفهام في مثل هذا الموضع وقد عيب على عمر بن أبي ربيعة
~~قوله:

# ثم قالوا تحبها قلت بهرا

# عدد الرمل والحصى والتراب

# وقولهم لو أريد النفي لم يتصل الكلام ليس بشيء لظهور (كان) تحت النفي
~~واتصال الكلام عليه قيل الكلام إخبار عن المستقبل فليس مما يلزم فيه
~~التكرير أي فلا يقتحم العقبة لأن ماضيه معلوم بالمشاهدة فالأهم الإخبار
~~عن حاله في الاستقبال لكن لتحقق الوقوع عبر بالماضي ونقل الطيبي عن أبي
~~علي الفارسي عدم وجوب تكريرها رادا على الزجاج في زعمه ذلك وقال هي كلم
~~والتكرر في نحو

# فلا صدق ولا صلى

# [القيامة: 31] لا يدل على الوجوب كما في

# لم يسرفوا ولم يقتروا

# [الفرقان: 67] وعلى عدم التكرر جاء قول أمية السابق:

# إن تغفر اللهم تغفر جما

# وأي عبد لك لا ألما

# والمتيقن عندي أكثرية التكرر وأما وجوبه فليس بمتيقن والله تعالى أعلم.

# وقرأ ابن كثير والنحويان (فك) فعلا ماضيا (رقبة) بالنصب (أو أطعم)
~~فعلا ماضيا أيضا وعلى هذه القراءة ففك مبدلة من (اقتحم) وما بينهما
~~اعتراض ومعناه أنك لم تدر كنه صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله عز
~~وجل. وقرأ أبو رجاء كذلك إلا أنه قرأ (ذا مسغبة) بالألف على أن (ذا)
~~منصوب على المفعولية بأطعم أي أطعم في يوم من الأيام إنسانا ذا مسغبة
~~ويكون (يتيما( بدلا منه أو صفة له وقرأ هو أيضا والحسن (أو إطعام في
~~يوم ذا) ms11304 بالألف أيضا على أنه مفعول به للمصدر وقرأ بعض التابعين (فك
~~رقبة) بالإضافة (أو أطعم) فعلا ماضيا وهو معطوف على المصدر لتأويله به
~~والتراخي المفهوم من (ثم) في قوله تعالى: { ثم كان } الخ رتبي
~~فالإيمان فوق جميع ما قبله لأنه يستقل بكونه سببا للنجاة وشكرا بدون
~~الأعمال كما فيمن آمن بشرطه ومات في يومه قبل أن يجب عليه شيء من الأعمال
~~فإن ذلك ينفعه ويخلصه بخلاف ما عداه فإنه لا يعتد به بدونه.

# وقوله سبحانه: { وتواصوا بالصبر } عطف على { ءامنوا } أي
~~أوصى بعضهم بعضا بالصبر على الإيمان والثبات عليه أو بذلك والصبر على
~~الطاعات أو به والصبر عن المعاصي وعلى المحن التي يبتلى بها الإنسان {
~~وتواصوا بالمرحمة } أي بالرحمة على عباده عز وجل ومن ذلك
~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو تواصوا بأسباب رحمة الله تعالى وما
~~يؤدي إليها من الخيرات على أن المرحمة مجاز عن سببها أو الكلام على تقدير
~~مضاف وذكر أن { تواصوا بالصبر } إشارة إلى تعظيم أمر الله
~~تعالى وتواصوا بالمرحمة إشارة إلى الشفقة على خلق الله تعالى وهما أصلان
~~عليهما مدار الطاعة وهو الذي قاله بعض المحققين: الأصل في التصوف أمران
~~صدق مع الحق وخلق مع الخلق.

### || [90.18]

# { أولئك } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز صلته وما
~~فيه من معنى البعد مع قرب المشار إليه لما مر غير مرة أي أولئك الموصوفون
~~بالنعوت الجليلة المذكورة { أصحاب الميمنة } أي جهة اليمين
~~التي فيها السعداء أو اليمن لكونهم ميامين على أنفسهم وعلى غيرهم.

### || [90.19]

# { والذين كفروا بئايتنا } بما نصبناه دليلا على الحق
~~من كتاب وحجة أو بالقرآن { هم أصحب المشئمة } أي جهة
~~الشمال التي فيها الأشقياء أو الشؤم على أنفسهم وعلى غيرهم.

### || [90.20]

# { عليهم نار } عظيمة { مؤصدة } مطبقة من آصدت / الباب إذا
~~غلقته وأطبقته وهي لغة قريش على ما روي عن مجاهد وظاهر كلام ابن عباس عدم
~~الاختصاص بهم ومن ذلك قول الشاعر:

# تحن إلى أجبال مكة ناقتي

# ومن دونها أبواب صنعاء مؤصدة

# ويجوز أن يكون ms11305 من أوصدت بمعنى غلقت أيضا، وهمز على حد من قرأ { بالسؤق
~~} [ص: 33] مهموزا وقرأ غير واحد من السبعة (موصدة) بغير همز فيظهر أنه
~~من أوصدت وقيل يجوز أن يكون من آصدت وسهلت الهمزة وقال الشاعر:

# قوما يعالج قملا أبناؤهم

# وسلاسلا ملسا وبابا موصدا

# والمراد مغلقة أبوابها وإنما أغلقت لتشديد العذاب والعياذ بالله تعالى
~~عليهم وصرح بوعيدهم ولم يصرح بوعد المؤمنين لأنه الأنسب بما سيق له
~~الكلام والأوفق بالغرض والمرام ولذا جىء بضمير الفصل معهم لإفادة الحصر
~~واعتبروا غيبا كأنهم بحيث لا يصلحون بوجه من الوجوه لأن يكونوا مشارا
~~إليهم ولم يسلك نحو هذا المسلك في الجملة الأولى التي في شأن المؤمنين
~~ونقل عن الشمني أنه قال الحكمة في ترك ضمير الفصل في الأولين والإتيان
~~بدله باسم الإشارة أن اسم الإشارة يؤتى به لتمييز ما أريد به أكمل تمييز
~~كقوله:

# هذا أبو الصقر فردا في محاسنه

# من نسل شيبان بين الضال والسلم

# ولا كذلك الضمير فإن اسم الإشارة البعيد يفيد التعظيم لتنزيل رفعة محل
~~المشار به إليه منزلة بعد درجته فاسم الإشارة للتعظيم والإشارة إلى
~~تمييزهم واستحقاقهم كمال الشهرة بخلاف أصحاب المشأمة والضمير لا يفيد ذلك
~~انتهى وفيه أن اسم الإشارة كما يفيد التعظيم يفيد التحقير كما في قوله
~~تعالى

# فذلك الذي يدع اليتيم

# [الماعون: 2] وكمال الشهرة كما يكون في الخير يكون في الشر فأي مانع من
~~اعتبار استحقاقهم كمال الشهرة في الشر، وبالجملة ما ذكره ليس بشيء ولعل
~~ما ذكرناه هو الأولى فتدبر.

### | [91 - سورة الشمس]

### || [91.1]

# أي ضوئها كما أخرجه الحاكم وصححه عن ابن عباس والمراد إذا أشرقت وقام
~~سلطانها. وقال بعض المحققين ((حقيقة الضحى تباعد الشمس عن الأفق الشرقي
~~المرئي وبروزها للناظرين ثم صار حقيقة في وقته ثم إنه قيل لأول الوقت
~~ضحوة ولما يليه ضحى ولما بعده إلى قريب الزوال ضحاء بالفتح والمد فإذا
~~أضيف إلى الشمس فهو مجاز عن إشراقها كما هنا)). ونقل عن المبرد أن الضحى
~~مشتق من الضح وهو نور الشمس والألف مقلوبة من ms11306 الحاء الثانية وكذلك الواو
~~من ضحوة مقلوبة منها. وتعقبه أبو حيان بقوله ((لعله مختلق عليه لأن
~~المبرد أجل من أن يذهب إلى هذا وهذان مادتان مختلفتان لا تشتق إحداهما من
~~الأخرى)). وأجيب بأنه لم يرد الاشتقاق الصغير ولا يخفى حاله على الصغير
~~والكبير. وعن مقاتل أن ضحاها حرها وهو تفسير باللازم وعن مقاتل المراد به
~~النهار كله وفيه أنه تعالى أقسم به بعيد ذلك.

### || [91.2]

# أي تبعها فقيل باعتبار طلوعه وطلوعها أي إذا تلا طلوعه طلوعها بأن طلع
~~من الأفق الشرقي بعد / طلوعها وذلك أول الشهر فإن الشمس إذا طلعت من
~~الأفق الشرقي أول النهار يطلع بعدها القمر لكن لا سلطان له فيرى بعد
~~غروبها هلالا ومناسبة ذلك للقسم به لأنه وصف له بابتداء أمره فكما أن
~~الضحى كشباب النهار فكذا غرة الشهر كولادته وقيل باعتبار طلوعه وغروبها
~~أي إذا تلا طلوعه غروبها وذلك في ليلة البدر رابع عشر الشهر فإنه حينئذ
~~في مقابلة الشمس والبعد بينهما نصف دور الفلك فإذا كانت في النصف
~~الفوقاني منه أعني ما يلي رؤوسنا كان القمر في التحتاني منه أعني ما يلي
~~أقدامنا فإذا غربت طلع من الأفق الشرقي وهو المروي عن قتادة. وقولهم سمي
~~بدرا لأنه يسبق طلوعه غروب الشمس فكأنه بدرها بالطلوع لا ينافيه لأنه
~~مبني على التقريب ومناسبة ذلك للقسم به لأنه وقت ظهور سلطانه فيناسب
~~تعظيم شأنه.

# وقال ابن زيد تبعها في الشهر كله ففي النصف الأول تبعها بالطلوع وفي
~~الآخر بالغروب ومراده ما ذكر في القولين. وقيل المراد تبعها في الإضاءة
~~بأن طلع وظهر مضيئا عند غروبها آخذا من نورها وذلك في النصف الأول من
~~الشهر فإنه فيه يأخذ كل ليلة منه قدرا من النور بخلافه في النصف الثاني
~~وهو مروي عن ابن سلام واختاره الزمخشري. وقال الحسن والفراء كما في
~~«البحر» أي تبعها في كل وقت لأنه يستضىء منها فهو يتلوها لذلك. وأنكر بعض
~~الناس ذهاب أحد من السلف إلى أن نور القمر مستفاد من ضوء الشمس وزعم ms11307 أنه
~~رأي المنجمين لا غير، وما ذكر حجة عليه، والحجة عن أصل المسألة أظهر من
~~الشمس وهي اختلاف تشكلاته النورية قربا وبعدا منها مع ذهاب نوره عند
~~حيلولة الأرض بينه وبينها وكون الاختلاف لاحتمال أن يكون أحد نصفيه
~~مضيئا والنصف الآخر غير مضىء وأنه يتحرك على محوره حركة وضعية حتى يرى
~~كل نصف منهما تدريجا، وكون ذهاب النور عند الحيلولة لاحتمال حيلولة جسم
~~كثيف بيننا وبينه لا نراه أضعف من حبال القمر كما لا يخفى. وقال الزجاج
~~وغيره تلاها معناه امتلأ واستدار فكان تابعا لها في الاستدارة وكمال
~~النور.

### || [91.3]

# أي جلى النهار الشمس أي أظهرها فإنها تنجلي وتظهر إذا انبسط النهار ومضى
~~منه مدة فالإسناد مجازي كالإسناد في نحو صام نهاره وقيل الضمير المنصوب
~~يعود على الأرض وقيل على الدنيا والمراد بها وجه الأرض وما عليه وقيل
~~يعود على الظلمة و { جلاها } حينئذ بمعنى أزالها وعدم ذكر المرجع
~~على هذه الأقوال للعلم به والأول أولى لذكر المرجع واتساق الضمائر وجوز
~~بعضهم أن يكون الضمير المرفوع المستتر في { جلاها } عليه عائدا على
~~الله عز وجل كأنه قيل والنهار إذا جلى الله تعالى الشمس فيكون قد أقسم
~~سبحانه بالنهار في أكمل حالاته وهو كما ترى.

### || [91.4]

# أي الشمس فيغطي ضوءها والإسناد كما مر وقيل أي الأرض وقيل أي الدنيا
~~وجيء بالمضارع هنا دون الماضي كما في السابق بأن يقال إذا غشيها قال أبو
~~حيان رعاية للفاصلة ولم يقل غشاها لأنه يحتاج إلى حذف أحد المفعولين
~~لتعديه إليهما فإنه يقال غشيته كذا كما قال الراغب كذا قيل. وقال بعض
~~الأجلة جيء بالمضارع للتنبيه على استواء الأزمنة عنده تعالى شأنه وقال
~~الخفاجي ((الأولى أن يقال المراد بالليل الظلمة الحادثة بعدم الضوء لا
~~العدم الأصلي والظلمة الأصلية فإن هذه أظهر في الدلالة على القدرة وهي
~~مستقبلة بالنسبة لما قبلها فلا بد من تغيير التعبير ليدل على المراد)).

# واستصعب الزمخشري الأمر في نصب (إذا) بأن ما سوى الواو الأولى إن كانت
~~عاطفة لزم العطف على ms11308 معمولي عاملين مختلفين كعطف النهار مثلا على الشمس
~~المعمول لحرف القسم وعطف الظرف أعني إذا في

# إذا جلاها

# [الشمس: 3] على نظيرتها في

# إذا تلاها

# [الشمس: 2] المعمولة لفعل القسم وإن كانت قسمية لزم اجتماع المقسمات
~~المتعددة على جواب واحد وقد استكرهه الخليل وسيبويه وأجاب باختيار الشق
~~الأول ونفى ما لزمه فقال ((إن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل اطراحا
~~كليا فكان لها شأن / خلاف شأن الباء حيث أبرز معها الفعل تارة وأضمر
~~أخرى فكانت الواو قائمة مقام فعل القسم وباؤه سادة مسدهما معا والواوات
~~العواطف نوائب عن هذه الواو فهي عاملة الجر وعاملة النصب فالعطف من قبيل
~~العطف على معمولي عامل واحد وهذا كما تقول ضرب زيد عمرا وبكر خالدا
~~فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملها)) انتهى.

# وأنت تعلم أن أول الواوات العواطف ههنا ليس معها ما تعمل فيه النصب
~~فلعله أراد أنها تعمل ذلك إن كان هناك منصوب أو هي عاملة باعتبار أن معنى

# والشمس وضحاها

# [الشمس: 1] والشمس وضوئها إذا أشرقت وفيه أيضا أنه لم يقل أحد بأن
~~الحروف العواطف عوامل وأيضا الإشكال مبني على امتناع العطف على معمولي
~~عاملين مطلقا حتى لو جوز مطلقا أو بشرط كون المعطوف مجرورا على ما ذهب
~~إليه جمع كما في قولك في الدار زيد والحجرة عمرو لم يكن إشكال وأيضا هو
~~مبني على قبول هذا الاستكراه وعدم إمكان التخلص من الاجتماع بتقدير جواب
~~لكل من المقسمات حتى إذا لم يقبل أو قبل وقدر لكل جواب لم يبق إشكال
~~وأيضا هو مبني على أن { إذا } ظرفية وهو ممنوع لجواز أن تكون قد تجردت
~~عن الظرفية وحينئذ تكون بدلا مما بعد الواو كما قيل في قوله:

# وبعد غد يا لهف نفسي من غد

# إذا راح أصحابي ولست برائح

# إن إذا بدل من غد وعلى تسليم أنها ظرفية يجوز أن يقدر مع كل مضاف تتعلق
~~به كأن يقدر وتلو القمر إذا تلاها وتجلية النهار إذا جلاها وغشيان الليل
~~إذا يغشاها أو تجعل متعلقة ms11309 بمحذوف وقع حالا مقدرة مما تليه أي أقسم
~~بالقمر كائنا إذا تلاها وبالليل كائنا إذا جلاها كما زعمه بعضهم وفيه
~~بحث وأيضا يرد على الزمخشري مثل قوله تعالى:

# واليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس

# [التكوير: 1718] لأن الواو هنالك عاطفة وقد تقدم صريح فعل القسم كما
~~ذكره الشيخ ابن الحاجب على أن التحقيق كما قال بعض المحققين أن الظرف ليس
~~معمولا لفعل القسم لفساد المعنى إذ التقييد بالزمان غير مراد، حالا كان
~~أو استقبالا وإنما هو معمول مضاف مقدر من نحو العظمة لأن الإقسام بالشيء
~~إعظام له فكأنه أقسم بعظمة زمان كذا وما قيل عليه من أن إقسامه تعالى
~~بشيء مستعار لإظهار عظمته وإبانة شرفه فيجوز تقييده باعتبار جزء المعنى
~~المراد يعني الإظهار وأيضا إذا كان الإقسام إعظاما لغا تقديره فلو سلم
~~فالاستعارة إما تبعية أو تمثيلية وعلى كل حال فليس ثمت ما يكون متعلقا
~~به بحسب الصناعة والتقدير ليتعلق به وليظهر ما أريد منه مؤكدا فلا
~~لغوية.

### || [91.5]

# أي ومن بناها وإيثار (ما) على من لإرادة الوصفية تفخيما على ما تقدم في

# وما ولد

# [البلد: 3] كأنه قيل والقادر العظيم الشأن الذي بناها ودل على وجوده
~~وكمال قدرته بناؤهما والمراد به إيجادها بحيث تدل على ذلك ويستدل بها
~~عليه وهو أولى من تفسيره بيانيها لإشعاره بالمراد من البناء وكذا الكلام
~~في قوله تعالى: { والأرض وما طحها }.

### || [91.6]

# أي بسطها من كل جانب ووطأها كدحاها ويكون طحا بمعنى ذهب كقول علقمة:

# طحا بك قلب في الحسان طروب

# بعيد الشباب عصر حان مشيب

# وبمعنى أشرف وارتفع، ومن أيمانهم لا والقمر الطاحي ويقال طحا يطحو طحوا
~~وطحى يطحي طحيا وقوله سبحانه: { ونفس وما سواها }.

### || [91.7]

# أي أنشأها وأبدعها مستعدة لكمالها وذلك بتعديل أعضائها وقواها الظاهرة
~~والباطنة. والتنكير للتكثير وقيل للتفخيم، على أن المراد بالنفس آدم عليه
~~السلام والأول أنسب بجواب القسم الآتي ومن ذهب إلى ذلك جعله من
~~الاستخدام. وذهب الفراء والزجاج والمبرد وقتادة وغيرهم إلى أن (ما) في
~~المواضع الثلاث مصدرية أي / وبنائها ms11310 وطحوها وتسويتها وتعقبه الزمخشري
~~بأنه ليس بالوجه لقوله تعالى: { فألهمها فجورها وتقواها
~~}.

### || [91.8]

# وما يؤدي إليه من فساد النظم وذلك على ما في «الحواشي» لما يلزم من عطف
~~الفعل على الاسم وأنه لا يكون له فاعل لا ظاهر وهو ظاهر ولا مضمر لعدم
~~مرجعه. واعترض بأن الأخير منتقض بالأفعال السابقة أعني { بناها }  {
~~طحاها }  { سواها } على أن دلالة السياق كافية في صحة الإضمار
~~وأما الأول ففيه أن عطف الفعل على الاسم ليس بفاسد وإن كان خلاف الظاهر
~~على أنه عطف على ما بعد (ما) كأنه قيل ونفس وتسويتها فإلهامها فجورها
~~وتقواها. واعترض هذا بأن الفاء يدل على الترتيب من غير مهلة والتسوية قبل
~~نفخ الروح والإلهام بعد البلوغ. وأجيب بأن التسوية تعديل الأعضاء والقوى
~~ومنها المفكرة والإلهام عبارة عن بيان كيفية استعمالها في النجدين في هذا
~~المحل وهو غير مفارق عنه منذ سوي. نعم يزداد بحسب ازدياد القوى كيفية لا
~~وجودا على أن المهلة في نحوها عرفي وقد يعد متعقبا دون تراخ ثم إنه
~~مشترك الإلزام ولا معنى لقول الطيبي النظم السري يوجب موافقة القرائن
~~فلا يجوز ونفس وتسويتها فألهمها الله فهي حاصلة وإنما ذلك بناء على توهم
~~أن قوله تعالى: { فألهمها } جملة وبالجملة لا يلوح فساد هذا الوجه.

# وأبى القاضي عبد الجبار إلا المصدرية دون الموصولية قال لما يلزم منها
~~تقديم الإقسام بغير الله تعالى على إقسامه سبحانه بنفسه عز وجل. وأجاب
~~عنه الإمام بأن أعظم المحسوسات الشمس فذكرها الله تعالى مع أوصافها
~~الأربعة الدالة على عظمها ثم ذكر سبحانه ذاته المقدسة ووصفها جل وعلا
~~بصفات ثلاث ليحظى العقل بإدراك جلال الله تعالى وعظمته سبحانه كما يليق
~~به جل جلاله ولا ينازعه الحس فكان ذلك طريقا إلى جذب العقل من حضيض عالم
~~المحسوسات إلى بيداء أوج كبريائه جل شأنه. وجوز أن تكون (ما) عبارة عن
~~الأمر الذي له بنيت السماء وطحيت الأرض وسويت النفس من الحكم والمصالح
~~التي لا تحصى ويكون إسناد الأفعال إليها مجازا وفاعل (ألهمها) يجوز أن
~~يكون ms11311 ذلك أمر ويكون الإسناد مجازا أيضا وهو كما ترى.

# والفجور والتقوى على ما أخرج عبد بن حميد وغيره عن الضحاك المعصية
~~والطاعة مطلقا قلبيين كانا أو قالبيين وإلهامهما النفس على ما أخرج هو
~~وابن جرير وجماعة عن مجاهد تعريفهما إياها بحيث تميز رشدها من ضلالها
~~وروي ذلك عن ابن عباس كما في «البحر» وقريب منه قول ابن زيد {
~~ألهمها فجورها وتقواها } بينهما لها وأخرج ابن المنذر وابن
~~أبي حاتم وغيرهما نحوه عن قتادة والآية على ذلك نظير قوله تعالى:

# وهدينه النجدين

# [البلد: 10] وقدم الفجور على التقوى لأن إلهامه بهذا المعنى من مبادىء
~~تجنبه وهو تخلية والتخلية مقدمة على التحلية وقيل قدم مراعاة للفواصل،
~~وأضيفا إلى ضمير النفس قيل إشارة إلى أن الملهم للنفس فجور وتقوى قد
~~استعدت لهما فهما لها بحكم الاستعداد وقيل رعاية للفواصل أيضا. وقوله
~~تعالى: { قد أفلح من زكها }.

### || [91.9]

# جواب القسم على ما أخرجه الجماعة عن قتادة وإليه ذهب الزجاج وغيره وحذف
~~اللام كثير لا سيما عند طول الكلام المقتضي للتخفيف أو لسده مسدها وفاعل
~~{ زكاها } ضمير { من } والضمير المنصوب للنفس وكذا في قوله تعالى: {
~~وقد خاب من دسها }.

### || [91.10]

# وتكرير (قد) فيه لإبراز الاعتناء بتحقيق مضمونه والإيذان بتعلق القسم به
~~أصالة. والتزكية التنمية والتدسية الإخفاء وأصل دسى دسس فأبدل من ثالث
~~التماثلات ياء ثم أبدلت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وأطلق بعضهم فقال
~~أبدل من ذلك حرف علة كما قالوا في تقضض تقضى ودسس مبالغة في دس بمعنى
~~أخفى قال الشاعر:

# ودسست عمرا في التراب فأصبحت

# حلائله منه أرامل ضيعا

# وفي «الكشاف» التزكية الإنماء والإعلاء والتدسية النقص والإخفاء أي لقد
~~فاز بكل مطلوب ونجا من كل مكروه من أنمى نفسه وأعلاها بالتقوى علما
~~وعملا ولقد خسر من نقصها وأخفاها بالفجور / جهلا وفسوقا. وجوز أن تفسر
~~التزكية بالتطهير من دنس الهيولى والتدسية بالإخفاء فيه والتلوث به.
~~وأيا ما كان ففي الوعد والوعيد المذكورين مع إقسامه تعالى عليهما بما
~~أقسم به مما يدل على العلم بوجوده تعالى ms11312 ووجوب ذاته سبحانه وكمال صفاته
~~عز وجل ويذكر عظائم آلائه وجلائل نعمائه جل وعلا من اللطف بعباده ما لا
~~يخفى. وقوله تعالى: { كذبت ثمود بطغواها }.

### || [91.11]

# استئناف وارد لتقرير مضمون قوله تعالى:

# وقد خاب من دسها

# [الشمس: 10] وجعل الزمخشري قوله تعالى:

# قد أفلح

# [الشمس: 9] الخ تابعا لقوله تعالى:

# فألهمها

# [الشمس: 8] الخ على سبيل الاستطراد وأبى أن يكون جواب القسم وجعل
~~الجواب محذوفا مدلولا عليه بهذا كأنه قيل ليدمدمن الله تعالى على كفار
~~مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دمدم على ثمود لتكذيبهم
~~صالحا عليه السلام فقيل إن ذلك لما يلزم من حذف اللام وإنه لا يليق
~~بالنظم المعجز أن يجعل أدنى الكمالين - أعني التزكية لاختصاصها بالقوة
~~العملية - المقصود بالإقسام ويعرض عن أعلاهما أعني التحلية بالعقائد
~~اليقينية التي هي لب الألباب وزبدة ما مخضته الأحقاب، ولو سلم عدم
~~الاختصاص فهي مقدمة التحلية في البابين وأما حذف المقسم عليه فكثير شائع
~~لا سيما في الكتاب العزيز. وتعقب بأن حذف اللام كثير لا سيما مع الطول
~~وهو أسهل من حذف الجملة بتمامها وقد ذكره في

# قد أفلح المؤمنون

# [المؤمنون: 1] فما حدا مما بدا وأن التزكية مرادا بها الإنماء لا
~~اختصاص لها وليست مقدمة بل مقصودة بالذات ولو سلم فلا مانع من الاعتناء
~~ببعض المقدمات أحيانا لتوقف المقاصد عليها فتدبر.

# وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه قال
~~في { فألهمها } ألزمها وأخرجه الديلمي عن أنس مرفوعا وعلى ذلك قال
~~الواحدي وصاحب «المطلع» الإلهام أن يوقع في القلب التوفيق والخذلان فإذا
~~أوقع سبحانه في قلب عبد شيئا منهما فقد ألزمه سبحانه ذلك الشيء ويزيد
~~ذلك قوة ما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود

# " عن عمران بن حصين أن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فقالا يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس [اليوم] ويكدحون فيه أشيء
~~قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به
~~نبيهم ms11313 وثبتت الحجة عليهم فقال عليه الصلاة والسلام لا بل شيء قضى عليهم
~~ومضى فيهم وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: { ونفس وما سواها *
~~فألهمها فجورها وتقواها } [الشمس: 78] "

# ولا يقتضي ذلك أن لا يكون لقدرة العبد واختياره مدخل في الفجور والتقوى
~~بالكلية وإن قيل إن مآله إلى خلق الله تعالى إياهما ليقال يأباه حينئذ
~~قوله تعالى:

# قد أفلح من زكها

# [الشمس: 9] الخ حيث جعل فيه العبد فاعل التزكية بالتقوى والتدسية
~~بالفجور لأن الإسناد يقتضي قيام المسند ويكفي فيه المدخلية المذكورة ولا
~~يتوقف صحة الإسناد حقيقة إلى العبد على كون فعله الإيجاد فالاستدلال بهذا
~~الإسناد على كونه متمكنا من اختيار ما شاء من الفجور والتقوى وإيجاده
~~إياه بقدرة مستقلة فيه على خلاف ما يقوله الجماعة ليس بشيء، على أن
~~الضمير المستتر في { زكها } وكذا في { دسها } لله عز وجل
~~والبارز لمن بتأويل النفس فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم
~~عن ابن عباس أنه قال في ذلك يقول الله تعالى: قد أفلح من زكى الله تعالى
~~نفسه فهداه وقد خاب من دسى الله تعالى نفسه فأضله بل أخرج عنه ابن أبي
~~حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي أنه قال سمعت رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم يقول في قوله تعالى: { قد أفلح من زكها } الآية

# " أفلحت نفس زكاها الله تعالى وخابت نفس خيبها الله تعالى من كل خير "

# وأخرج الإمام أحمد وابن أبي شيبة ومسلم والنسائي عن زيد بن أرقم قال
~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

# " اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها "

# وفي رواية الطبراني وغيره عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام إذا تلا
~~هذه الآية وقف وقال ذلك. ولهذه الأخبار ونحوها قال بعضهم: إن ذلك هو /
~~المرجح ورجحه صاحب «الانتصاف» بأن الضمائر في

# والسمآء وما بناها

# [الشمس: 5] الخ تكون عليه متسقة عائدة كلها إلى الله تعالى وبأن قوله
~~تعالى

# قد أفلح من تزكى

# [الأعلى: 14] أوفق به لأن تزكى مطاوع ms11314 زكى فيكون المعنى قد أفلح من زكاه
~~الله تعالى فتزكى ومع هذا كله لا ينبغي أن ينكر أن المعنى السابق هو
~~السابق إلى الذهن وما ذكر من الأخبار ليس نصا في تعيين المعنى الآخر،
~~نعم هو نص في تكذيب الزمخشري في زعمه أنه من تعكيس القدرية يعني بهم أهل
~~السنة والجماعة فتأمل.

# والطغوى مصدر من الطغيان بمعنى تجاوز الحد في العصيان فصلوا بين الاسم
~~والصفة في فعلى من بنات الياء بأن قلبوا الياء واوا في الاسم وتركوا
~~القلب في الصفة فقالوا في الصفة امرأة صديا وخزيا وفي الاسم تقوى وطغوى
~~كذا في «الكشاف» وغيره، وكلام الراغب يدل على أن طغى واوي ويائي حيث قال
~~يقال: طغوت وطغيت طغوانا وطغيانا فلا تغفل.

# والباء عند الجمهور للسببية أي فعلت التكذيب بسبب طغيانها كما تقول
~~ظلمني الخبيث بجراءته على الله تعالى وجعلها الزمخشري للاستعانة والأمر
~~سهل. وجوز أن تكون صلة للتكذيب على معنى كذبت بما أوعدت به في لسان نبيها
~~من العذاب ذي الطغوى أي التجاوز عن الحد والزيادة ويوصف العذاب بالطغيان
~~بهذا المعنى كما في وقوله تعالى:

# فأهلكوا بالطاغية

# [الحاقة: 5] وقد يوصف بالطغوى مبالغة كما يوصف بسائر المصادر لذلك فلا
~~يكون هناك مضاف محذوف.

# وقرأ الحسن ومحمد بن كعب وحماد بن سلمة (طغواها) بضم الطاء وهو مصدر
~~أيضا كالرجعى والحسنى في المصادر إلا أنه قيل كان القياس الطغيا كالسقيا
~~لأن فعلى بالضم لا يفرق فيه بين الاسم والصفة كأنهم شذوا فيه فقلبوا
~~الياء واوا، وأنت تعلم أن الواو عند من يقول طغوت أصلية.

### || [91.12]

# { إذ انبعث } متعلق بكذبت أو بطغوى وانبعث مطاوع بعثه بمعنى أرسله
~~والمراد إذ ذهب لعقر الناقة { أشقها } أي أشقى ثمود وهو قدار بن
~~سالف أو هو ومن تصدى معه لعقرها من الأشقياء اثنان على ما قال الفراء أو
~~أكثر فإن أفعل التفضيل إذا أضيف إلى معرفة يصلح للواحد والمتعدد والمذكر
~~والمؤنث وفضل شقاوتهم على من عداهم لمباشرتهم العقر مع اشتراك الكل في
~~الرضا به ولخبائث غير ذلك يعلمها ms11315 الله تعالى فيهم هي فوق خبائث من عداهم.

### || [91.13]

# { فقال لهم } أي لثمود أو لأشقاها على ما قيل بناء أن المراد به
~~جمع ولا يأباه { وسقيها } كما لا يخفى { رسول الله } هو
~~صالح عليه السلام وعبر عنه بعنوان الرسالة إيذانا بوجوب طاعته وبيانا
~~لغاية عتوهم وتماديهم في الطغيان وهو السر في إضافة الناقة إليه تعالى في
~~قوله سبحانه: { ناقة الله } وهو نصب على التحذير وشرطه ليس تكرير
~~المحذر منه أو كونه محذرا بما بعده فقط ليقال هو منصوب بتقدير ذروا أو
~~احذروا لا على التحذير بل شرطه ذاك أو العطف عليه كما هنا على ما نص عليه
~~مكي. والكلام على حذف مضاف أي احذروا عقر ناقة الله أو المعنى على ذلك
~~وإن لم يقدر في نظم الكلام وجوز أن يكون التقدير عظموا أو الزموا ناقة
~~الله وليس بشيء.

# { وسقيها } أي واحذروا سقياها فلا تتعرضوا بمنعها عنها في نوبتها
~~ولا تستأثروا بها عليها وقيل الواو للمعية والمراد ذروا ناقة الله مع
~~سقياها ولا تحولوا بينهما وهو كما ترى.

# وقرأ زيد بن علي (ناقة الله) بالرفع فقيل أي همكم ناقة الله وسقياها فلا
~~تعقروها ولا تستأثروا بالسقيا عليها.

### || [91.14]

# { فكذبوه } أي في وعيده إياهم كما حكي عنه بقوله تعالى:

# ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم

# [الأعراف: 73] فالتكذيب لخبر مقدر ويجوز أن يكون لخبر تضمنه الأمر
~~التحذيري السابق وهو الخبر بحلول العذاب إن فعلوا ما حذرهم منه. وقيل إن
~~ما قاله لهم من الأمر قاله ناقلا له عن الله تعالى كما يؤذن بذلك
~~التعبير عنه عليه السلام بعنوان الرسالة ومآل ذلك أنه قال لهم: إنه قال
~~الله تعالى / ناقة الله وسقياها فالتكذيب لذلك وهو وجه لا بأس به.

# { فعقروها } أي فنحروها أو فقتلوها وضمير الجمع للأشقى وجمعه على
~~تقدير وحدته لرضا الكل بفعله. قال قتادة بلغنا أنه لم يعقرها حتى تابعه
~~صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم.

# { فدمدم عليهم ربهم } فأطبق عليهم العذاب وقالوا دمدم
~~عليه القبر أي أطبقه وهو مما تكرر فيه الفاء فوزنه ms11316 فعفل لا فعلل من قولهم
~~ناقة مدمومة إذا لبسها الشحم وغطاها وقال في «القاموس» معناه أتم العذاب
~~عليهم وقال مؤرج الدمدمة إهلاك باستئصال وفي «الصحاح» دمدمت الشيء ألزقته
~~بالأرض وطحطحته. وقرأ ابن الزبير (فدهدم) بهاء بين الدالين والمعنى كما
~~تقدم.

# { بذنبهم } بسبب ذنبهم المحكي والتصريح بذلك مع دلالة الفاء عليه
~~للإنذار بعاقبة الذنب ليعتبر به كل مذنب { فسواها } الضمير للدمدمة
~~المفهومة من دمدم أي فجعل الدمدمة سواء بينهم أو جعلها عليهم سواء فلم
~~يفلت سبحانه منهم أحدا لا صغيرا ولا كبيرا أو هو لثمود والتأنيث
~~باعتبار القبيلة كما في { بطغواهآ } و { أشقاها } والمعنى ما
~~ذكر أيضا أو فسواها بالأرض.

### || [91.15]

# { ولا يخاف } أي الرب عز وجل { عقبها } أي عاقبتها وتبعتها
~~كما يخاف المعاقبون من الملوك عاقبة ما يفعلونه وتبعته وهو استعارة
~~تمثيلية لإهانتهم وأنهم أذلاء عند الله جل جلاله. والواو للحال أو
~~للاستئناف وجوز أن يكون ضمير { لا يخاف } للرسول والواو للاستئناف لا
~~غير على ما هو الظاهر أي ولا يخاف الرسول عقبى هذه الفعلة بهم إذ كان قد
~~أنذرهم وحذرهم وقال السدي والضحاك ومقاتل والزجاج وأبو علي الواو للحال
~~والضمير عائد على { أشقاها } أي انبعث لعقرها وهو لا يخاف عقبى فعله
~~لكفره وطغيانه وهو أبعد مما قبله بكثير.

# وقرأ أبي والأعرج ونافع وابن عامر (فلا يخاف) بالفاء وقرىء (ولم يخف)
~~بواو وفعل مجزوم بلم.

# هذا واختلف في هؤلاء القوم هل آمنوا ثم كفروا أو لم يؤمنوا أصلا؟
~~فالجمهور على الثاني وذهب بعض إلى أنهم آمنوا وبايعوا صالحا مدة ثم
~~كذبوه وكفروا فأهلكوا بما فصل في موضع آخر. وقال الشيخ الأكبر محيي
~~الدين قدس سره في «فصوصه» إنهم وقوم لوط عليه السلام لا نجاة لهم يوم
~~القيامة بوجه من الوجوه ولم يساو غيرهم من الأمم المكذبة المهلكة في
~~الدنيا كقوم نوح عليه السلام بهم. ولكلامه قدس سره أهل يفهمونه فارجع
~~إليهم في فهمه إن وجدتهم.

# وذكر بعض أهل التأويل أن الشمس إشارة إلى ذات واجب الوجود سبحانه وتعالى
~~وضحاها إشارة ms11317 إلى الحقيقة المحمدية والقمر إشارة إلى ماهية الممكن
~~المستفيدة للوجود من شمس الذات والنهار إشارة إلى العالم بسائر أنواعه
~~الذي ظهرت به صفات جمال الذات وجلاله وكماله والليل إشارة إلى وجود ما
~~يشاهد من أنواع الممكنات الساتر في أعين المحجوبين للوجود الحق والسماء
~~إشارة إلى عالم العقل والأرض إشارة إلى عالم الجسم والنفس معلومة وناقة
~~الله إشارة إلى راحلة الشوق الموصلة إليه سبحانه وسقياها إشارة إلى
~~مشربها من عين الذكر والفكر.

# وقال بعض آخر الشمس إشارة إلى الوجود الحق الذي هو عين الواجب تعالى فهو
~~أظهر من الشمس

# الله نور السماوات والأرض

# [النور: 35] وقال شيخ مشايخنا البندنيجي قدس سره:

# ظاهر أنت ولكن لا ترى

# لعيون حجبتها النقط

# وضحاها إشارة إلى أول التعينات بأي اسم سميته والقمر إشارة إلى الأعيان
~~الثابتة المفاضة بالفيض الأقدس أو الشمس إشارة إلى الذات وضحاها إشارة
~~إلى وجودها والإضافة للتغاير الاعتباري والقمر إشارة إلى أول التعينات
~~والنهار إشارة إلى الممكنات المفاضة بالفيض المقدس والليل إشارة إليها
~~أيضا باعتبار نظر المحجوبين أو النهار إشارة إلى صفة الجمال والليل
~~إشارة إلى صفة القهر والجلال والسماء إشارة إلى عالم اللطافة وذكر النفس
~~بعد مع دخولها في هذا العالم للاعتناء بشأنها والأرض إشارة إلى عالم
~~الكثافة وناقة الله إشارة إلى الطريقة وسقياها / مشربها من عين الشريعة.
~~وقيل غير ذلك والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

### | [92 - سورة الليل]

### || [92.1]

# أي حين يغشى الشمس كقوله تعالى

# والليل إذا يغشاها

# [الشمس: 4] أو النهار كقوله تعالى

# يغشي الليل النهار

# [الأعراف: 54] أو كل ما يواريه في الجملة بظلامه والمقسم به في الأوجه
~~الثلاث الليل كله.

### || [92.2]

# ظهر بزوال ظلمة الليل أو تبين وانكشف بطلوع الشمس والأول على تقدير كون
~~المغشى النهار أو كل ما يواري إذ مآلهما اعتبار وجود الظلام والثاني على
~~تقدير كونه الشمس إذ مآله اعتبار غروبها فيحسن التقابل بين القرينتين على
~~ذلك. واختلاف الفعلين مضيا واستقبالا قد تقدم الكلام فيه.

# وقرأ عبد الله بن عبيد بن عمير (تتجلى) بتاءين على أن ms11318 الضمير للشمس
~~وقرىء (تجلى) بضم التاء وسكون الجيم على أن الضمير لها أيضا.

### || [92.3]

# أي والقادر العظيم القدرة الذي خلق صنفي الذكر والأنثى من الحيوان
~~المتصف بذلك وقيل من بني آدم وقال ابن عباس والحسن والكلبي المراد
~~بالذكر آدم عليه السلام وبالأنثى حواء رضي الله تعالى عنها وأيا ما
~~كان فما موصولة بمعنى من و أوثرت عليها لإرادة الوصفية على ما سمعت
~~وتحتمل المصدرية وليس بذاك.

# وقرىء (والذي خلق) وقرأ ابن مسعود (والذكر والأنثى) وتبعه ابن عباس كما
~~أخرج ذلك ابن النجار في «تاريخ بغداد» من طريق الضحاك عنه ونسبت لعلي كرم
~~الله تعالى وجهه. وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن علقمة
~~«أنه قدم الشام فجلس إلى أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه فقال له أبو
~~الدرداء فمن أنت فقال من أهل الكوفة قال كيف سمعت رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم يقرأ { والليل إذا يغشى } قال علقمة (والذكر
~~والأنثى) فقال أبو الدرداء أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~يقرأ هكذا وهؤلاء يريدوني على أن أقرأ { وما خلق الذكر
~~والأنثى } والله لا أتابعهم» وأنت تعلم أن هذه قراءة شاذة منقولة
~~آحادا لا تجوز القراءة بها. لكنها بالنسبة إلى من سمعها من النبي عليه
~~الصلاة والسلام في حكم المتواترة تجوز قراءته بها وذكر ثعلب أن من السلف
~~من قرأ (وما خلق الذكر) بجر الراء وحكاها الزمخشري عن الكسائي وخرجوا
~~ذلك على البدل من / ما بمعنى وما خلقه الله أي ومخلوق الله الذكر والأنثى
~~قيل وقد يخرج على توهم المصدر بناء على مصدرية (ما) أي وخلق الذكر
~~والأنثى كما في قوله:

# تطوف العفاة بأبوابه

# كما طاف بالبيعة الراهب

# بجر الراهب على توهم النطق بالمصدر أي كطواف الراهب بالبيعة.

### || [92.4]

# { إن سعيكم } أي مساعيكم فإن المصدر المضاف يفيد العموم فيكون
~~جمعا معنى ولذا أخبر عنه بجمع أعني قوله تعالى: { لشتى } فإنه جمع
~~شتيت بمعنى متفرق ويجوز أن لا يعتبر سعيكم في معنى الجمع ويكون شتى
~~مصدرا مؤنثا كذكرى وبشرى ms11319 خبرا له بتقدير مضاف أي ذو شتى أو بتأويله
~~بالوصف أي شتيت أو بجعلها عين الافتراق مبالغة وأيا ما كان فالجملة
~~جواب القسم كما أخرجه ابن جرير عن قتادة وجوز أن يكون الجواب مقدرا كما
~~مر غير مرة والمراد بتفرق المساعي اختلافها في الجزاء.

### || [92.5-6]

# وقوله تعالى: { فأما من أعطى } الخ تفصيل مبين لتفرقها
~~واختلافها في ذلك وجوز أن يراد باختلافها كون البعض طالبا لليوم المتجلي
~~والبعض طالبا لليل الغاشي وبعضها مستعانا بالذكر وبعضها مستعانا
~~بالأنثى فيكون الجواب شديد المناسبة بالقسم ولا يخفى بعده وركاكته.
~~والظاهر أن المراد بالإعطاء بذل المال ومن هنا قال ابن زيد المراد إنفاق
~~ماله في سبيل الله تعالى وقال قتادة المعنى أعطى حق الله تعالى وظاهره
~~الحقوق المالية.

# { واتقى } أي واتقى الله عز وجل كما قال ابن عباس وفي معناه قول
~~قتادة واتقى ما نهي عنه وفي رواية محارم الله تعالى وقال مجاهد واتقى
~~البخل وهو كما ترى.

# { وصدق بالحسنى } أي بالكلمة الحسنى وهي كما قال أبو عبد
~~الرحمن السلمي وغيره وروي ذلك عن ابن عباس لا إله إلا الله أو هي ما دلت
~~على حق كما قال بعضهم وتدخل كلمة التوحيد دخولا أوليا أو بالملة الحسنى
~~وهي ملة الإسلام وقال عكرمة وجماعة وروي عن ابن عباس أيضا هي المثوبة
~~بالخلف في الدنيا مع المضاعفة وقال مجاهد الجنة وقيل المثوبة مطلقا
~~ويترجح عندي أن الإعطاء إشارة إلى العبادة المالية والاتقاء إشارة إلى ما
~~يشمل سائر العبادات من فعل الحسنات وترك السيآت مطلقا والتصديق بالحسنى
~~إشارة إلى الإيمان بالتوحيد أو بما يعمه وغيره مما يجب الإيمان به وهو
~~تفصيل شامل للمساعي كلها.

# وتقديم الإعطاء لما أنه سبب النزول ظاهرا فقد أخرج الحاكم وصححه عن
~~عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال قال أبو قحافة لأبي بكر رضي
~~الله تعالى عنه أراك تعتق رقابا ضعافا فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت
~~رجالا جلدا يمنعونك ويقيمون دونك فقال يا أبه إنما أريد ما أريد فنزلت ms11320
~~{ فأما من أعطى واتقى } [الليل: 5] إلى

# وما لأحد عنده من نعمة تجزى

# [الليل: 19] وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن ابن مسعود
~~قال أن أبا بكر اشترى بلالا من أمية بن خلف ببردة وعشرة أواق فأعتقه
~~فأنزل الله تعالى

# والليل إذا يغشى

# [الليل: 1] إلى قوله سبحانه

# إن سعيكم لشتى

# [الليل: 4] وكذا على القول بأنها نزلت في أبي الدحداح. ولما كان
~~الإيمان أمرا معتنى به في نفسه أخر عن الاتقاء ليكون ذكره بعده من باب
~~ذكر الخاص بعد العام مع ما في ذلك من رعاية الفاصلة.

# وقيل المراد أعطى الطاعة واتقى المعصية وصدق بالكلمة الدالة على الحق
~~ككلمة التوحيد وفيه أن المعروف في الإعطاء تعلقه بالمال خصوصا وقد وقع
~~في مقابلة ذكر البخل والمال وأمر تأخير الإيمان عليه بحاله وقيل آخر لأن
~~من جملة إعطاء الطاعة الإصغاء لتعلم كلمة التوحيد التي لا يتم الإيمان
~~إلا بها ومن جملة الاتقاء الاتقاء عن الإشراك وهما مقدمان على ذلك وليس
~~بشيء.

### || [92.7]

# فسنهيئه للخصلة التي تؤدي إلى يسر وراحة كدخول الجنة ومباديه من يسر
~~الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها. ووصفها / باليسرى إما على الاستعارة
~~المصرحة أو المجاز المرسل أو التجوز في الإسناد.

### || [92.8]

# { وأما من بخل } بما له فلم يبذله في سبيل الخير وقيل أي بخل
~~بفعل ما أمر به وفيه ما فيه { واستغنى } أي وزهد فيما عنده عز وجل
~~كأنه مستغن عنه سبحانه فلم يتقه جل وعلا أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم
~~العقبى لأنه في مقابلة

# واتقى

# [الليل: 5] كما أن قوله تعالى: { وكذب بالحسنى }.

### || [92.9]

# في مقابلة

# وصدق بالحسنى

# [الليل: 6] والمراد بالحسنى فيه ما مر في الأقوال قبل.

### || [92.10]

# أي للخصلة المؤدية إلى العسر والشدة كدخول النار ومباديه ووصفها بالعسرى
~~على نحو ما ذكر. وأصل التيسير من اليسر بمعنى السهولة لكن أريد التهيئة
~~والإعداد للأمر أعني ما يفضي إلى راحة وما يفضي إلى شدة والسين في {
~~سنيسره } قيل للتأكيد وقيل للدلالة على أن الجزاء الموعود معظمه
~~يكون في الآخرة التي ms11321 هي أمر منتظر متراخ وتقديم البخل فالاستغناء
~~فالتكذيب يعلم وجهه مما تقدم.

# وفي «الإرشاد» ((لعل تصدير القسمين بالإعطاء والبخل مع أن كلا منهما
~~أدنى رتبة مما بعد في استتباع التيسير لليسرى والتيسير للعسرى للإيذان
~~بأن كلا منهما أصل فيما ذكر [لا تتمة] لما بعدهما من التصديق والتقوى
~~والتكذيب والاستغناء)) وقيل التيسير أولا بمعنى اللطف وثانيا بمعنى
~~الخذلان واليسرى والعسرى الطاعة لكونها أيسر شيء على المتقي وأعسره على
~~غيره والمعنى أما من أعطى فسنلطف به ونوفقه حتى تكون الطاعة عليه أيسر
~~الأمور وأهونها من قوله تعالى

# فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام

# [الأنعام: 125] وأما من بخل الخ فسنخذله ونمنعه الالطاف حتى تكون الطاعة
~~أعسر شيء عليه وأشد من قوله تعالى

# يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في
~~السمآء

# [الأنعام: 125] وأصل هذا فسنيسره للطاعة العسرى ثم أريد ما ذكر على أن
~~الوصف هو المقصود بتعلق التيسير أعني التعسير لا الموصوف أعني الطاعة ومع
~~هذا إطلاق التيسير للعسرى مشاكلة.

# وجوز أن يراد باليسرى طريق الجنة وبالعسرى طريق النار وبالتيسير في
~~الموضعين معنى الهداية وهو في الآخرة وعدا ووعيدا وأمر المشاكلة فيه
~~على حاله. وجوز أن يراد بالتيسير التهيئة والإعداد واليسرى والعسرى
~~الطاعة والمعصية ومباديهما من الصفات المحمودة والمذمومة وهو وجه حسن غير
~~بعيد عن الأول وكلاهما حسن الطباق لما صح في الأخبار أخرج الإمام أحمد
~~والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن علي بن
~~أبي طالب كرم الله تعالى وجهه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~في جنازة فقال

# " ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار فقالوا يا
~~رسول الله أفلا نتكل؟ فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل
~~السعادة فييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل
~~أهل الشقاء ثم قرأ عليه الصلاة والسلام { فأما من أعطى
~~واتقى } [الليل: 5] "

# الآيتين وكان حاصل ما أراده صلى الله عليه وسلم بقوله ms11322

# " اعملوا "

# الخ عليكم بشأن العبودية وما خلقتم لأجله وأمرتم به وكلوا أمور الربوبية
~~المغيبة إلى صاحبها فلا عليكم بشأنها وأيا ما كان فالمراد بمن أعطى
~~الخ وبمن بخل الخ المتصف بعنوان الصلة مطلقا وإن كان السبب خاصا إذ
~~العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب نعم هو قطعي الدخول.

# وقيل { من أعطى } أبو بكر رضي الله تعالى عنه و { من بخل }
~~أمية بن خلف وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس أن
~~الأول أبو بكر رضي الله تعالى عنه والثاني أبو سفيان بن حرب ونحوه عن عبد
~~الله بن أبي أوفى، وفي هذا نظر لأن أبا سفيان أسلم وقوي إسلامه في آخر
~~أمره عند أهل السنة وفي رواية الطستي عنه أن

# وأما من بخل

# [الليل: 8] الخ نزل في أبي جهل ولعل كل ما قيل من التخصيص فهو من باب
~~التنصيص على بعض أفراد العام لتحقق دخوله فيه عند من خصص.

### || [92.11]

# { وما يغنى عنه ماله } أي ولا يغني عنه على أن (ما) نافية،
~~أو أي شيء يغنى عنه / ماله الذي يبخل به على أنها استفهامية { إذا
~~تردى } أي هلك تفعل من الردى وهو الهلاك قاله مجاهد وقيل تردى في
~~حفرة القبر وقال قتادة وأبو صالح تردى في جهنم أي سقط وقال قوم تردى
~~بأكفانه من الرداء وهو كناية عن موته وهلاكه.

### || [92.12]

# استئناف مقرر لما قبله أي إن علينا بموجب قضائنا المبني على الحكم
~~البالغة حيث خلقنا الخلق للعبادة أي ندلهم ونرشدهم إلى الحق أو أن نبين
~~لهم طريق الهدى وما يؤدي إليه من طريق الضلال وما يؤدي إليه وقد فعلنا
~~ذلك بما لا مزيد عليه فلا يتم الاستدلال بالآية على الوجوب عليه عز وجل
~~بالمعنى الذي يزعمه المعتزلة. وقيل المراد أن الهدى موكول علينا لا على
~~غيرنا كما قال سبحانه

# إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من
~~يشآء

# [القصص: 56] وليس المعنى أن الهدى يجب علينا حتى يكون بظاهره دليلا على
~~وجوب الأصلح عليه، تعالى ms11323 عن ذلك علوا كثيرا. وفيه أن تعلق الجار بالكون
~~الخاص أعني موكولا خلاف الظاهر ومثله ما قيل إن المراد ثم إن علينا
~~طريقة الهدى على معنى أن من سلك الطريقة المبينة بالهدى والإرشاد إليها
~~يصل إلينا كما قيل في قوله تعالى

# وعلى الله قصد السبيل

# [النحل: 9] أي من سلك السبيل القصد أي المستقيم وصل إليه سبحانه.

### || [92.13]

# أي التصرف الكلي فيهما كيفما نشاء فنفعل فيهما ما نشاء من الأفعال التي
~~من جملتها ما ذكرنا فيمن أعطى وفيمن بخل أو إن لنا ذلك فنثيب من اهتدى
~~وأنجع فيه هدانا أو إن لنا كل ما في الدارين فلا يضرنا ترككم الاهتداء
~~وعدم انتفاعكم بهدانا أو فلا ينفعنا اهتداؤكم كما لا يضرنا ضلالكم

# فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل
~~فإنما يضل عليها

# [يونس: 108].

### || [92.14]

# قيل متفرع على كون الهدى عليه سبحانه أي فهديتكم بالإنذار وبالغت في
~~هدايتكم و { تلظى } بمعنى تتلهب وأصله تتلظى بتاءين فحذفت منه
~~إحداهما وقد قرأ بذلك ابن الزبير وزيد بن علي وطلحة وسفيان بن عيينة
~~وعبيد بن عمير.

### || [92.15]

# المراد به الكافر فإنه أشقى من الفاسق ويفصح بذلك وصفه بقوله تعالى: {
~~الذى كذب وتولى }.

### || [92.16]

# { الذى كذب } أي بالحق { وتولى } وأعرض عن الطاعة.

### || [92.17]

# { وسيجنبها } أي سيبعد عنها { الأتقى } المبالغ في اتقاء
~~الكفر والمعاصي فلا يحوم حولها. واستشكل بأن صلى النار دخولها أو مقاساة
~~حرها وهو لازم دخولها على المشهور فالحصر السابق يقتضي أن لا يصلى المؤمن
~~العاصي النار لأنه ليس داخلا في عموم الأشقى الموصوف بما ذكر وأن {
~~وسيجنبها الأتقى } يقتضي بمفهومه أن غير الأتقى أعني التقى في
~~الجملة وهو المؤمن العاصي لا يجنبها بل يصلاها فبين الحصرين مخالفة.

# وأجيب بأن الصلي ليس مطلق دخول النار ولا مطلق مقاساة حرها بل هو
~~مقاساته على وجه الأشدية فقد نقل ابن المنير عن أئمة اللغة أن الصلي أن
~~يحفروا حفيرة فيجمعوا فيها جمرا كثيرا ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه
~~بين أطباقه فالمعنى لا يعذب بين أطباقها ولا يقاسي ms11324 حرها على وجه الأشدية
~~إلا الأشقى وسيبعد عنها الأتقى فلا يدخلها فضلا عن مقاساة ذلك فيلزم من
~~الأول أن غير الأشقى وهو المؤمن العاصي لا يعذب بين أطباقها ولا يقاسي
~~حرها على وجه الأشدية ولا يلزم منه أن لا يدخلها ولا يعذب بها أصلا
~~فيجوز أن يدخلها ويعذب بها على وجهها عذابا دون ذلك العذاب ويلزم من
~~الثاني أن غير الأتقى لا يجنبها ولا يلزم منه أن غيره أعني التقي في
~~الجملة وهو المؤمن العاصي يصلاها ويعذب بين أطباقها أشد العذاب بل غايته
~~أنه لا يجنبها فيجوز أن يدخلها ويعذب بها على وجهها عذابا ليس بالأشد
~~فلا مخالفة بين الحصرين. واعتبر بعضهم في الصلي الأشدية لما ذكر واللزوم
~~هنا لمقابلته بقوله تعالى { وسيجنبها } كذا قيل واستحسن جعل
~~السين للتأكيد ليكون المعنى يجنبها الأتقى ولا بد فيفيد على القول
~~بالمفهوم أن غيره وهو المؤمن العاصي / لا يجنبها ولا بد على معنى أنه
~~يجوز أن يجنبها ويجوز أن لا يجنبها بل يدخلها غير صال بها.

# وقرر الزمخشري الاستشكال بأنه قد علم أن كل شقي بصلاها وكل تقي يجنبها
~~لا يختص الصلي بأشقى الأشقياء ولا التجنب والنجاة بأتقى الأتقياء وظاهر
~~الجملتين ذلك وأجاب بما حاصله أن الحصر حيث كانت الآية واردة للموازنة
~~بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين ادعائي مبالغة لا حقيقي
~~كأن غير هذا الأشقى غير صال وغير هذا الأتقى غير مجنب بالكلية واستحسنه
~~في «الكشف» فقال هو معنى حسن وأنت تعلم أن مبنى ما قاله على الاعتزال
~~وتخليد العصاة في النار.

# وقال القاضي إن قوله تعالى

# لا يصلاهآ

# [الليل: 15] لا يدل على أنه تعالى لا يدخل النار إلا الكافر كما يقول
~~المرجئة وذلك لأنه تعالى نكر النار فيها فالمراد أن نارا من النيران لا
~~يصلاها إلا من هذه حاله والنار دركات على ما علم من الآيات فمن أين عرف
~~أن هذه النار لا يصلاها قوم آخرون؟ وتعقبه الزمخشري بأنه ما يصنع عليه
~~بقوله تعالى { وسيجنبها الأتقى } فقد علم أن ms11325 أفسق المسلمين
~~يجنب تلك النار المخصوصة لا الأتقى منهم خاصة وأجيب بأنه لعل هذا القائل
~~لا يقول بمفهوم الصفة ونحوها فلا تفيد الآية المذكورة عنده الحصر ويكون
~~تمييز هذا الأتقى عنده بمجموع التجنب وما سيذكر بعد ولعل كل من لا يقول
~~بالمفهوم لا يشكل عليه الأمر إلا أمر الحصر في { لا يصلاهآ } الخ
~~فإنه كالنص في بادىء النظر فيما يدعيه المرجئة لحملهم الصلي فيه على مطلق
~~الدخول وأيدوه بما أخرج الإمام أحمد وابن ماجه وابن مردويه عن أبي هريرة
~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " لا يدخل النار إلا من شقى قيل ومن الشقي قال الذي لا يعمل لله تعالى
~~طاعة ولا يترك لله تعالى معصية "

# وهذا الخبر ونحوه من الأخبار مما يستندون إليه في تحقيق دعواهم وأهل
~~السنة يؤولون ما صح من ذلك للنصوص الدالة على تعذيب بعض ممن ارتكب
~~الكبيرة على ما بين في موضعه.

# وقيل في الجواب أن المراد بالأشقى والأتقى الشقي والتقي وشاع أفعل في
~~مثل ذلك ومنه قول طرفة:

# تمنى رجال أن أموت فإن أمت

# فتلك سبيل لست فيها بأوحد

# فإنه أراد بواحد. واعترض بأنه لا يحسم مادة الإشكال إذ ذلك الشقي في
~~الآية ليس إلا الكافر فيلزم الحصر أن لا يدخل النار أو لا يعذب بها غيره
~~مع أنه خلاف المذهب الحق وأيضا إن ذلك التقي فيها قد وصف بما وصف فعلى
~~القول بالمفهوم يلزم أن لا يجنبها التقي الغير الموصوف بذلك كالتقي الذي
~~لا مال له وكغير المكلفين من الأطفال والمجانين مع أن الحق أنهم يجنبونها
~~وقيل غير ذلك ولعلك بعد الاطلاع عليه وتدقيق النظر في جميع ما قيل
~~واستحضار ما عليه الجماعة في أهل الجمع تستحسن إن قلت بالمفهوم ما
~~استحسنه صاحب «الكشف» مما مر عن الزمخشري وإن لم تكن ممن يقول بتخليد أهل
~~الكبائر من المؤمنين فتأمل.

# وجنب يتعدى إلى مفعولين فالضمير ههنا المفعول الثاني والأتقى المفعول
~~الأول وهو النائب عن الفاعل ويقال جنب فلان خيرا وجنب شرا وإذا ms11326 أطلق
~~فقيل جنب فلان فمعناه على ما قال الراغب أبعد عن الخير وأصل جنبته كما
~~قيل جعلته على جانب منه وكثيرا ما يراد منه التبعيد ومنه ما هنا ولذا
~~قلنا أي سيبعد عنها الأتقى.

### || [92.18]

# { الذى يؤتى ماله } أي يعطيه ويصرفه { يتزكى } طالبا أن
~~يكون عند الله تعالى زاكيا ناميا لا يريد به رياء ولا سمعة أو متطهرا
~~من الذنوب فالجملة نصب على الحال من ضمير { يؤتى } وجوز أن تكون بدلا
~~من الصلة فلا محل لها من الإعراب وجوز أيضا أن يكون الفعل وحده بدلا من
~~الفعل السابق وحده واعترض كلا الوجهين بأن البدل من قسم التابع المعرف
~~بكل ثان أعرب بإعراب سابقه ولا إعراب للصلة حتى يثبت لها تابع فيه وسبب
~~الإعراب وهو الرفع في الفعل متوفر مع قطع النظر عن التبعية وهو على
~~المشهور تجرده عن الناصب والجازم فليس معربا بإعراب سابقه لظهور / ذلك
~~في كون إعرابه للتبعية وهو هنا ليس لها بل للتجرد. وأجيب مع الإغماض عما
~~في ذلك التعريف مما نبه على بعضه الرضي أما عن الأول فبأن المراد أعرب
~~بإعراب سابقه إن كان له إعراب أو بأن المراد أعرب بإعراب سابقه وجودا
~~وعدما وقيل إطلاق التابع على ذلك ونحوه من الحرف والفعل الغير المعرب
~~مجاز من حيث إنه مشابه للتابع لموافقته لسابقه فيما له. وأما عن الثاني
~~فبأن الشيء قد يقصد لشيء وإن كان متحققا قبل ذلك الشيء لأمر آخر كألف
~~التثنية وواو الجمع فإنه يؤتى بهما للدلالة على التثنية والجمع فيتحققان
~~ويأتي عامل الرفع على المثنى والمجموع وهما فيهما قبله فيقصدان له. وقال
~~السيد عيسى المراد بقولهم كل ثان أعرب الخ كل ثان أعرب لو لم يكن معربا
~~فتدبر ولا تغفل. وجوز أن يكون { يتزكى } بتقدير لأن يتزكى متعلقا
~~بيؤتي علة له ثم حذفت اللام وحذفها من أن وإن شائع ثم حذفت أن فارتفع
~~الفعل أو بقي منصوبا كما في قول طرفة:

# ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغي

# فقد روي برفع أحضر وبنصبه وقيل إنه ms11327 بتقدير لأن أو عن أن أحضر فصنع فيه
~~نحو ما سمعت وأيا ما كان يدل الكلام على أن المراد بإيتائه صرفه في
~~وجوه البر والخير.

# وقرأ الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم {
~~يزكى } بإدغام التاء في الزاي.

### || [92.19]

# استئناف مقرر لما أفاده الكلام السابق من كون إيتائه للتزكي خالصا لله
~~تعالى أي ليس لأحد عنده نعمة من شأنها أن تجزى وتكافأ فيقصد بإيتاء ما
~~يؤتي مجازاتها. ويعلم مما ذكر أن بناء (تجزى) للمفعول لأن القصد ليس
~~لفاعل معين وقيل إن ذلك لكونه فاصلة وأصله يجزيه إياها أو يجزيها إياه.

### || [92.20]

# منصوب على الاستثناء المنقطع من

# نعمة

# [الليل: 19] لأن الابتغاء لا يندرج فيها فالمعنى لكنه فعل ذلك لابتغاء
~~وجه ربه سبحانه وطلب رضاه عز وجل لا لمكافأة نعمة.

# وقرأ يحيى بن وثاب (ابتغاء) بالرفع على البدل من محل { من نعمة
~~} فإنه الرفع إما على الفاعلية أو على الابتداء و(من) مزيدة والرفع في
~~مثل ذلك لغة تميم وعليها قوله:

# وبلدة ليس بها أنيس

# إلا اليعافير وإلا العيس

# وروي بالرفع والنصب على ما في «البحر» قول بشر بن أبي خازم:

# أضحت خلاء قفارا لا أنيس بها

# إلا الجآذر والظلمان تختلف

# وجوز أن يكون نصبه على أنه مفعول له على المعنى لأن معنى الكلام لا يؤتي
~~ماله لأجل شيء من الأشياء إلا لأجل طلب رضا ربه عز وجل لا لمكافاة نعمة
~~فهو استثناء مفرغ من أعم العلل والأسباب وإنما أول لأن الكلام أعني

# يؤتي ماله

# [الليل: 18] موجب والاستثناء المفرغ يختص بالنفي عند الجمهور لكنه لما
~~عقب بقوله تعالى

# وما لأحد

# [الليل: 19] وقد قال سبحانه أولا { يتزكى } متضمنا نفي الرياء
~~والسمعة دل على المعنى المذكور.

# وقرأ بن أبي عبلة (إلا ابتغا) مقصور وفيه احتمال النصب والرفع.

# وهذه الآيات على ما سمعت نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه لما أنه
~~كان يعتق رقابا ضعافا فقال له أبوه ما قال وأجابه هو بما أجاب وقد
~~أوضحت ما ms11328 أبهمه رضي الله تعالى عنه في قوله فيه إنما أريد ما أريد وفي
~~رواية ابن جرير وابن عساكر أنه قال أي أبه إنما أريد ما عند الله تعالى
~~وفي رواية عطاء والضحاك عن ابن عباس أنه رضي الله تعالى عنه اشترى بلالا
~~وكان رقيقا لأمية بن خلف يعذبه لإسلامه برطل من ذهب فأعتقه فقال
~~المشركون ما أعتقه أبو بكر إلا ليد كانت له عنده فنزلت وهو رضي الله
~~تعالى عنه أحد الذين عذبوا لإسلامهم فاشتراهم الصديق وأعتقهم فقد أخرج
~~ابن أبي حاتم عن عروة أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أعتق سبعة
~~كلهم يعذب في الله عز وجل بلال وعامر بن فهيرة والنهدية وابنتها ودنيرة
~~وأم عبيس وأمة بني المؤمل وفيه نزلت

# وسيجنبها الأتقى

# [الليل: 17] / إلى آخر السورة.

# واستدل بذلك الإمام علي أنه رضي الله تعالى عنه أفضل الأمة وذكر أن في
~~الآيات ما يأبى قول الشيعة إنها في علي كرم الله تعالى وجهه وأطال
~~الكلام في ذلك وأتى بما لا يخلو عن قيل وقال.

### || [92.21]

# وقوله تعالى: { ولسوف يرضى } جواب قسم مضمر أي وبالله لسوف
~~يرضى والضمير فيه للأتقى المحدث عنه وهو وعد كريم بنيل جميع ما يبتغيه
~~على أكمل الوجوه وأجملها إذ به يتحقق الرضا وجوز الإمام كون الضمير للرب
~~تعالى حيث قال بعد أن فسر الجملة على رجوعه للأتقى وفيه عندي وجه آخر وهو
~~أن المراد أنه ما أنفق إلا لطلب رضوان الله تعالى ولسوف يرضى الله تعالى
~~عنه وهذا عندي أعظم من الأول لأن رضا الله سبحانه عن عبده أكمل للعبد من
~~رضاه عن ربه عز وجل وبالجملة فلا بد من حصول الأمرين كما قال سبحانه:

# راضية مرضية

# [الفجر: 28] انتهى والظاهر هو الأول.

# وقد قرىء { ولسوف يرضى } بالبناء للمفعول من الإرضاء وما أشار
~~إليه في معنى { راضية مرضية } غير متعين كما سمعت وفي هذه
~~الجملة كلام يعلم مما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى.

### | [93 - سورة الضحى]

### || [93.1]

# تقدم الكلام فيه. والمراد به هنا ms11329 وقت ارتفاع الشمس الذي يلي وقت بروزها
~~للناظرين دون ضوئها وارتفاعها لأنه أنسب بما بعد، وتخصيصه بالإقسام به
~~لأنه شباب النهار وقوله فيه قوة غير قريبة من ضدها ولذا عد شرفا يوميا
~~للشمس وسعدا ولأنه على ما قالوا الساعة التي كلم الله تعالى فيها موسى
~~عليه السلام وألقي فيه السحرة سجدا لقوله تعالى:

# وأن يحشر الناس ضحى

# [طه: 59] ففيه مناسبة للمقسم عليه وهو أنه تعالى لم يترك النبي صلى
~~الله عليه وسلم ولم يفارقه إلطافه تعالى وتكليمه سبحانه.

# وقيل المراد به النهار كما في قوله تعالى:

# أن يأتيهم بأسنا ضحى

# [الأعراف: 98] واعترض بالفرق فإنه وقع هناك في مقابلة البيات وهو مطلق
~~الليل وهنا في مقابلة الليل مقيدا معنى باشتداد ظلمته فالمناسب أن يراد
~~به وقت ارتفاعه وقوة إضاءته وأجيب بمنع دلالة القيد على الاشتداد وستسمع
~~إن شاء الله تعالى ما في ذلك وأيا ما كان فالظاهر أن المراد الجنس أي
~~وجنس الضحى.

### || [93.2]

# { واليل } أي وجنس الليل { إذا سجى } أي سكن أهله على أنه من
~~السجو وهو السكون مطلقا كما قال غير واحد والإسناد مجازي أو هو على
~~تقدير المضاف كما قيل ونحوه ما روي عن قتادة أي سكن الناس والأصوات فيه
~~وهذا يكون في الغالب فيما بين طرفيه أو بعد مضي برهة من أوله أو ركد
~~ظلامه من سجا البحر سكنت أمواجه قال الأعشى:

# / وما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمكم

# وبحرك ساج لا يواري الدعامصا

# فالسجو قيل على هذا في الأصل سكون الأمواج ثم عم والمراد بسكون ظلامه
~~عدم تغيره بالاشتداد والتنزل أي فيما يحس ويظهر وذلك إذا كمل حسا بوصول
~~الشمس إلى سمت القدم وقبيله وبعيده وصرح باعتبار الاشتداد ابن الأعرابي
~~حيث قال سجا الليل اشتد ظلامه وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن جبير أنه
~~قال أي إذا أقبل فغطى كل شيء وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي
~~عن ابن عباس تفسير سجا بأقبل بدون ذكر التغطية وأخرجاهما وابن المنذر
~~وابن أبي حاتم عنه أيضا ms11330 أنه قال سجا إذا ذهب وكلا التفسيرين خلاف
~~المشهور وشاع ليل ساكن أو ساج لما لا ريح فيه ووصفه بذلك أعني السكون قيل
~~على الحقيقة كما إذا قيل ليل لا ريح فيه ولا يقال إن الساكن هو الريح
~~بالحقيقة لأن السكون عليها حقيقة محال لأنه هواء متحرك ثم إنهم يقولونه
~~لما لا ريح فيه لا لما سكن ريحه والتحقيق أن يقال إن السكون على تفسيريه
~~أعني عدم الحركة عما من شأنه الحركة أو كونين في حيز واحد لا يصح على
~~الليل لأنه زمان خاص لكن لما كان سكون الهواء بمنزلة عدم له في العرف
~~العامي لعدم الإحساس أو لتضمنه عدم الريح لا الهواء قيل ليل ساج وساكن
~~وصف الليل على الحقيقة أي لا إسناد فيه إلى غير ملائم، على أنه يحتمل أن
~~يجعل السكون بهذا المعنى حقيقة عرفية وجوز حمل ما في الآية على هذا
~~الشائع ولعل التقييد بذلك لأن الليل الذي لا ريح فيه أبعد عن الغوائل وقد
~~ذكر بعض الفقهاء أن الريح الشديدة ليلا عذر من أعذار الجماعة.

# ونقل عن قتادة ومقاتل أن المراد بالضحى هو الضحى الذي كلم الله تعالى
~~فيه موسى عليه السلام وبالليل ليلة المعراج ومن الناس من فسر الضحى بوجهه
~~صلى الله عليه وسلم والليل بشعره عليه الصلاة والسلام كما ذكر الإمام
~~وقال لا استبعاد فيه وهو كما ترى ومثله ما قيل الضحى ذكور أهل بيته عليه
~~الصلاة والسلام والليل إناثهم وقال الإمام يحتمل أن يقال الضحى رسالته
~~صلى الله عليه وسلم والليل زمان احتباس الوحي فيه لأن في حال النزول حصل
~~الاستئناس وفي زمان الاحتباس حصل الاستيحاش أو الضحى نور علمه تعالى الذي
~~يعرف المستور من الغيوب والليل عفوه تعالى الذي به يستر جميع العيوب أو
~~الضحى إقبال الإسلام بعد أن كان غريبا والليل إشارة إلى أنه سيعود
~~غريبا أو الضحى كمال العقل والليل حال الموت أو الضحى علانيته عليه
~~الصلاة والسلام التي لا يرى الخلق عليها عيبا والليل سره صلى الله عليه ms11331
~~وسلم لا يعلم عالم الغيب عليها عيبا انتهى ولا يخفى أنه ليس من التفسير
~~في شيء وباب التأويل والإشارة يدخل فيه أكثر من ذلك.

# وتقديم الضحى على الليل بناء على ما قلنا أولا لرعاية شرفه لما فيه من
~~ظهور زيادة النور وللنور شرف ذاتي على الظلمة لكونه وجوديا أو لكثرة
~~منافعه أو لمناسبته لعالم الملائكة فإنها نورانية وتقديم الليل في السورة
~~السابقة لما فيه من الظلمة التي هي لعدميتها أصل للنور الحادث بإزالتها
~~لأسباب حادثة وقيل تقديمه هناك لأن السورة في أبي بكر وهو قد سبقه كفر
~~وتقديم الضحى هنا لأن السورة في رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو صلى
~~الله عليه وسلم لم يسبقه ذلك وتخصيصه تعالى الوقتين بالإقسام قيل ليشير
~~سبحانه بحالهما إلى حال ما وقع له عليه الصلاة والسلام ويؤيد عز وجل نفي
~~ما توهم فيه فكأنه تعالى يقول الزمان ساعة فساعة ساعة ليل وساعة نهار ثم
~~تارة تزداد ساعات الليل وتنقص ساعات النهار وأخرى بالعكس فلا الزيادة
~~لهوى ولا النقصان لقلى بل كل لحكمة وكذا أمر الوحي مرة إنزال وأخرى حبس
~~فلا كان الانزال عن هوى ولا الحبس عن قلى بل كل لحكمة وقيل ليسلى عز وجل
~~بحالهما حبيبه عليه الصلاة والسلام كأنه سبحانه يقول انظر إلى هذين
~~المتجاورين لا يسلم أحدهما من الآخر بل الليل يغلب تارة والنهار أخرى
~~فكيف تطمع أن تسلم من الخلق والقولان مبنيان على أن المراد بالضحى /
~~النهار كله وبالليل إذا سجى جميع الليل وتخصيص الضحى على ما سمعت أولا
~~لما سمعت وتخصيص الليل بناء على أن المراد وقت اشتداد الظلمة قيل لأنه
~~وقت خلو المحب بالمحبوب والأمن من كل واش ورقيب.

# وقال الطيبي طيب الله تعالى ثراه في ذلك أنه تعالى أقسم له صلى الله
~~عليه وسلم بوقتين فيهما صلاته عليه الصلاة والسلام التي جعلت قرة عينه
~~وسبب مزيد قربه وأنسه أما الضحى فلما رواه الدارقطني في «المجتبى» عن ابن
~~عباس مرفوعا

# " كتب علي النحر ولم يكتب عليكم وأمرت بصلاة ms11332 الضحى ولم تؤمروا بها "

# وأما الليل فلقوله تعالى

# ومن الليل فتهجد به نافلة لك

# [الإسراء: 79] إرغاما لأعدائه وتكذيبا لهم في زعم قلاه وجفائه فكأنه
~~قيل وحق قربك لدينا وزلفاك عندنا إنا اصطفيناك ما هجرناك وقليناك فهو
~~كقوله:

# وثناياك إنها إغريض

# وهو مما تستطيبه أهل الأذواق. ويمكن أن يكون الإقسام بالليل على ما نقل
~~عن قتادة من باب وثناياك أيضا وكذا الإقسام بهما على بعض الأوجه المارة
~~كما لا يخفى.

# وعلى كون المراد بالضحى الوقت المعروف من النهار وبالليل جميعه قيل إن
~~التفرقة للإشارة إلى أن ساعة من النهار توازي جميع الليل كما أن النبي
~~عليه الصلاة والسلام يوازي جميع الأنبياء عليهم السلام وللإشارة لكون
~~النهار وقت السرور والليل وقت الوحشة والغم إلى أن هموم الدنيا وغمومها
~~أدوم من سرورها وقد روي أن الله تعالى لما خلق العرش أظلت عن يساره غمامة
~~فنادت ماذا أمطر؟ فأمرت أن تمطر الغموم والأحزان فأمطرت مائة سنة ثم
~~انكشفت فأمرت مرة أخرى بذلك وهكذا إلى إتمام ثلثمائة سنة ثم أظلت عن يمين
~~العرش غمامة بيضاء فنادت ماذا أمطر؟ فأمرت أن تمطر السرور ساعة فلذا ترى
~~الغموم والأحزان أدوم من المسار في الدنيا والله تعالى أعلم بصحة الخبر
~~وقيل غير ذلك.

### || [93.3]

# وقوله تعالى: { ما ودعك ربك } الخ جواب القسم وودع من التوديع
~~وهو في الأصل من الدعة وهو أن تدعو للمسافر بأن يدفع الله تعالى عنه كآبة
~~السفر وأن يبلغه الدعة وخفض العيش كما أن التسليم دعاء له بالسلامة ثم
~~صار متعارفا في تشييع المسافر وتركه ثم استعمل في الترك مطلقا وفسر به
~~هنا أي ما تركك ربك وفي «البحر» و«الكشاف» التوديع مبالغة في الودع أي
~~الترك لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك قيل وعليه يلزم أن يكون
~~المنفي الترك المبالغ فيه دون أصل الترك مع أن الظاهر نفي ذلك فلا بد من
~~أن يقال إنه إنما نفى ذلك لأنه الواقع في كلام المشركين الذي نزلت له
~~الآية أو أن المبالغة تعود على ms11333 النفي فيكون المراد المبالغة في النفي لا
~~نفي المبالغة وقد ذكروا نظير هذين الوجهين في قوله تعالى:

# وماربك بظلم للعبيد

# [فصلت: 46] فتدبر.

# وقيل: إن المعنى ما قطعك قطع المودع على أن التوديع مستعار استعارة
~~تبعية للترك وفيه من اللطف والتعظيم ما لا يخفى فإن الوداع إنما يكون بين
~~الأحباب ومن تعز مفارقته كما قال المتنبي:

# حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا

# فلم أدر أي الظاعنين أشيع

# وحقيقة التوديع المتعارف غير متصورة ههنا. وتعقب بأنه على هذا لا يكون
~~ردا لما قاله المشركون لأنهم لم يقولوا ودعه ربه على هذا المعنى كيف وهم
~~بمعزل عن اعتقاد كونه عليه الصلاة والسلام بالمحل الذي هو صلى الله عليه
~~وسلم فيه من ربه سبحانه وقيل في الجواب إنه يجوز أن يدل ودعه ربه على ذلك
~~إلا أنهم قاتلهم الله تعالى قالوه على سبيل التهكم والسخرية وحين رد
~~عليهم قصد ما يشعر به اللفظ على التحقيق وقيل إن الترك مطلق في كلامهم.

# والظاهر من حالهم أنهم لم يريدوا الماهية من حيث هي ولا من حيث تحققها
~~في ضمن ما لا يخل بشريف مقامه عليه الصلاة والسلام بل الماهية من حيث
~~تحققها في ضمن ما يخل بذلك ولما كان المقصود إيناسه صلى الله عليه وسلم
~~وإزالة وحشته عليه الصلاة والسلام جيء بما يتضمن نفي ما زعموه على أبلغ
~~وجه كأنه قيل إن هذا / النوع الغير المخل بمقامك من الترك لم يكن فضلا
~~عما زعموه من الترك المخل بعزيز مقامك. وعندي أن الظاهر أن ذلك القول بأي
~~معنى كان صادر على سبيل التهكم إذا كان المراد بالرب هو الله عز وجل وكان
~~القائل من المشركين كما لا يخفى على المتأمل.

# وقرأ عروة بن الزبير وابنه هشام وأبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة
~~(ما ودعك) بالتخفيف وهي على ما قال ابن جني قراءة النبي صلى الله عليه
~~وسلم وخرجت على أن ودع مخفف ودع ومعناه معناه قال في «القاموس»
~~((ودعه كوضعه وودع بمعنى)) وقيل ليس بمخففة بل هو ms11334 فعل
~~برأسه بمعنى ترك وأنه يعكر على قول النحاة أماتت العرب ماضي يدع ويذر
~~ومصدرهما واسم فاعلهما واسم مفعولهما واستغنوا بما ليترك من ذلك وفي
~~«المغرب» أن النحاة زعموا أن العرب أماتت ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم
~~أفصحهم وقد قال عليه الصلاة والسلام

# " لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات وقرأ (ما ودعك) "

# وقال أبو الأسود:

# ليت شعري عن خليلي ما الذي

# غاله في الحب حتى ودعه

# ومثله قول آخر:

# وثم ودعنا آل عمرو وعامر

# فرائس أطراف المثقفة السمر

# وهو دليل أيضا على استعمال ودع وهو بمعنى ترك المتعلق بمفعولين فلا
~~تغفل وفي الحديث

# " اتركوا الترك ما تركوكم ودعوا الحبشة ما ودعوكم "

# وفي «المستوفي» أن كل ذلك قد ورد في كلام العرب ولا عبرة بكلام النحاة
~~وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل نعم وروده نادر وقال الطيبي بعد أن ذكر
~~وروده نظما ونثرا إنما حسن هذه القراءة الموافقة بين الكلمتين - يعني
~~هذه وما بعدها كما في حديث الترك والحبشة - لأن رد العجز على الصدر وصنعة
~~الترصيع قد جبرا منه وقيل إن القائلين إنما قالوا ودعه ربه بالتخفيف
~~فنزلت فيكون المحسن له قصد المشاكلة لما قالوه وهم تكلموا بغير المعروف
~~طيرة منهم كأن غير المعروف من اللفظ مما يتشاءم به من الفأل الرديء أو
~~أنهم لما قصدوا السخرية حسن استعمال اللفظ وقد قالوا يحسن استعمال
~~الألفاظ الغريبة ونحوها في الهجاء فلا يبعد أن يكون في السخرية كذلك.
~~والحق أنه بعد ثبوت وروده لا يحتاج إلى تكلف محسن له. والظاهر أن
~~المراد بالرب هو الله عز وجل وفي التعبير عنه بعنوان الربوبية وإضافته
~~إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من اللطف ما لا يخفى فكأنه قيل ما تركك
~~المتكفل بمصلحتك والمبلغ لك على سبيل التدريج كمالك اللائق بك.

# { وما قلى } أي وما أبغضك وحذف المفعول لئلا يواجه عليه الصلاة
~~والسلام بنسبة القلي وإن كانت في كلام منفي لطفا به صلى الله عليه وسلم
~~وشفقة عليه عليه الصلاة والسلام أو لنفي صدوره عنه ms11335 عز وجل بالنسبة إليه
~~صلى الله عليه وسلم ولأحد من أصحابه ومن أحبه صلى الله عليه وسلم إلى يوم
~~القيامة أو للاستغناء عنه بذكره من قبل مع أن فيه مراعاة للفواصل.

# واللغة المشهورة في مضارع قلى يقلي كيرمي وطيىء تقول يقلى بفتح العين
~~كيرضى وتفسير القلي بالبغض شائع وفي «القاموس» ((من الواوي قلا زيدا
~~إقلا وقلاه أبغضه ومن اليائي قلاه كرماه ورضيه قلى وقلاء ومقلية أبغضه
~~وكرهه غاية الكراهة فتركه أو قلاه في الهجر وقليه في البغض)) وفي «مفردات
~~الراغب» ((القلي شدة البغض يقال قلاه يقلوه ويقليه فمن جعله من الواوي
~~فهو من القلو أي الرمي من قولهم قلت الناقة براكبها قلوا وقلوت بالقلة
~~فكأن المقلو هو الذي يقذفه القلب من بغضه فلا يقبله ومن جعله من اليائي
~~فمن قليت البسر والسويق على المقلاة)) انتهى وبينهما مخالفة لا تخفى.

# وعلى اعتبار شدة البغض فالظاهر أن ذلك في الآية ليس إلا، لأنه الواقع في
~~كلامهم قال المفسرون أبطأ جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه
~~وسلم فقال المشركون قد قلاه ربه وودعه فأنزل الله تعالى ذلك وأخرج الحاكم
~~عن زيد بن أرقم قال لما نزلت

# تبت يدا أبى لهب

# [المسد: 1] الخ قيل لامرأة أبي لهب أم جميل إن محمدا صلى الله عليه
~~وسلم / قد هجاك فاتته عليه الصلاة والسلام وهو صلى الله عليه وسلم جالس
~~في الملأ فقالت يا محمد علام تهجوني؟

# " قال إني والله ما هجوتك ما هجاك إلا الله تعالى "

# فقالت هل رأيتني أحمل حطبا أو في جيدي حبلا من مسد؟ ثم انطلقت فمكث
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينزل عليه فأتته فقالت ما أرى صاحبك إلا
~~قد ودعك وقلاك فأنزل الله تعالى ذلك وأخرج الترمذي وصححه وابن أبي حاتم
~~واللفظ له

# " عن جندب البجلي قال رمي صلى الله عليه وسلم بحجر في أصبعه فقال: "

# ما أنت إلا اصبع دميت

# وفي سبيل الله ما لقيت

# فمكث ليلتين أو ثلاثا لا يقوم فقالت له امرأة ما أرى ms11336 شيطانك إلا قد
~~تركك وفي رواية للترمذي أيضا والإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي
~~وجماعة بلفظ اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثا
~~فأنزل الله تعالى { والضحى * والليل إذا سجى * ما
~~ودعك ربك وما قلى } وليس فيه حديث المرأة ولا الحجر والرجز
~~وذلك لا يطعن في صحته. وقال جمع من المفسرين إن اليهود سألوه عليه الصلاة
~~والسلام عن أصحاب الكهف وعن الروح وعن قصة ذي القرنين فقال عليه الصلاة
~~والسلام سأخبركم غدا ولم يستثن فاحتبس عنه الوحي فقال المشركون ما قالوا
~~فنزلت وقيل

# " إن عثمان أهدى إليه صلى الله عليه وسلم عنقود عنب وقيل عذق تمر فجاء
~~سائل فأعطاه ثم اشتراه عثمان بدرهم فقدمه إليه عليه الصلاة والسلام
~~ثانيا ثم عاد السائل فأعطيه وهكذا ثلاث مرات فقال عليه الصلاة والسلام
~~ملاطفا لا غضبان أسائل أنت يا فلان أم تاجر؟ "

# فتأخر الوحي أياما فاستوحش فنزلت ولعلهم أيضا قالوا ما قالوا.

# وأخرج ابن أبي شيبة في «مسنده» والطبراني وابن مردويه من حديث خولة
~~وكانت تخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " أن جروا دخل تحت سرير رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات ولم نشعر به
~~فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي فقال
~~يا خولة ما حدث في بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام جبريل لا يأتيني
~~فقلت يا نبي الله ما أتى علينا يوم خير من اليوم فأخذ برده فلبسه وخرج
~~فقلت في نفسي لو هيأت البيت وكنسته فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا بشيء
~~ثقيل فلم أزل به حتى بدا لي الجرو ميتا فأخذته بيدي فألقيته خلف الدار
~~فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ترعد لحيته وكان إذا نزل عليه الوحي
~~أخذته الرعدة فقال يا خولة دثريني فأنزل الله تعالى { والضحى *
~~واليل } إلى قوله سبحانه: { فترضى } [الضحى: 1-5] "

# وهذه الرواية تدل على أن الانقطاع كان أربعة أيام وعن ابن جريج أنه كان
~~اثني عشر يوما وعن الكلبي خمسة عشر يوما وقيل ms11337 بضعة عشر يوما وعن ابن
~~عباس خمسة وعشرين يوما وعن السدي ومقاتل أربعين يوما وأنت تعلم أن مثل
~~ذلك مما يتفاوت العلم بمبدئه ولا يكاد يعلم على التحقيق إلا منه عليه
~~الصلاة والسلام والله تعالى أعلم.

# وفي بعض الروايات ما يدل على أن قائل ذلك هو النبي عليه الصلاة والسلام
~~فعن الحسن أنه قال

# " أبطأ الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لخديجة إن ربي
~~ودعني وقلاني يشكو إليها فقالت كلا والذي بعثك بالحق ما ابتدأك الله
~~تعالى بهذه الكرامة إلا وهو سبحانه يريد أن يتمها لك فنزلت "

# واستشكل هذا بأنه لا يليق بالرسول صلى الله عليه وسلم أن يظن أن الله
~~تعالى شأنه ودعه وقلاه وهل إلا نحو من العزل وعزل النبي عن النبوة غير
~~جائز في حكمته عز وجل والنبي عليه الصلاة والسلام أعلم بذلك ويعلم صلى
~~الله عليه وسلم أيضا أن إبطاء الوحي وعكسه لا يخلو كل منهما عن مصلحة
~~وحكمة وأجيب بأن مراده عليه الصلاة والسلام إن صح أن يجربها ليعرف قدر
~~علمها أو ليعرف الناس ذلك فقال ما قال صلى الله عليه وسلم بضرب من
~~التأويل كأن يكون قد قصد إن ربي ودعني وقلاني بزعم المشركين أو أن
~~معاملته سبحانه إياي بإبطاء الوحي تشبه صورة معاملة المودع والقالي وأنت
~~تعلم أن هذه الرواية شاذة لا يعول عليها ولا يلتفت إليها فلا ينبغي إتعاب
~~الذهن بتأويلها / ونحوها ما دل على أن قائل ذاك خديجة رضي الله تعالى
~~عنها أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عروة قال أبطأ جبريل عليه السلام عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم فجزع جزعا شديدا فقالت خديجة أرى ربك قد
~~قلاك مما أرى من جزعك فنزلت { والضحى * واليل } إلى آخرها
~~والقول بأنها رضي الله تعالى عنها أرادت أن هذا الجزع لا ينبغي أن يكون
~~إلا من قلي ربك إياك وحاشى أن يقلاك فما هذا الجزع بعيد غاية البعد
~~والمعول ما عليه الجمهور وصحت به الأخبار أن القائل هم المشركون وأنه ms11338
~~عليه الصلاة والسلام إنما أحزنه بمقتضى الطبيعة البشرية تعييرهم وعدم
~~رؤية جبريل عليه السلام مع مزيد حبه إياه.

# وفي بعض الآثار أنه صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام

# " ما جئتني حتى اشتقت إليك فقال جبريل عليه السلام كنت أنا إليك أشوق
~~ولكني عبد مأمور وتلا { وما نتنزل إلا بأمر ربك }
~~[مريم: 64] "

# وفي رواية أنه عاتبه عليهما الصلاة والسلام فقال «أما علمت أنا لا ندخل
~~بيتا فيه كلب ولا صورة» وراوي هذا يروي أن السبب في إبطاء الوحي وجود
~~جرو في بيته عليه الصلاة والسلام والروايات في ذلك مختلفة. وجوز بعضهم أن
~~يكون الإبطاء لتجمع الأسباب ثم إنه قد زعم بعض بناء على بعض الروايات
~~السابقة جواز أن يكون المراد بربك في { ما ودعك ربك } دون ما
~~بعد صاحبك والمراد به جبريل عليه السلام وهو كما ترى.

# ((وحيث تضمن ما سبق من نفي التوديع والقلي أنه عز وجل لا يزال يواصله
~~عليه الصلاة والسلام بالوحي والكرامة في الدنيا بشر صلى الله عليه وسلم
~~بأن ما سيؤتاه في الآخرة أجل وأعظم من ذلك فقيل: { وللآخرة خير
~~لك من الأولى }.

### || [93.4]

# لما أنها باقية صافية عن الشوائب على الإطلاق وهذه فانية مشوبة بالمضار
~~وما أوتي عليه الصلاة والسلام من شرف النبوة وإن كان مما لا يعادله شرف
~~ولا يدانيه فضل لكنه لا يخلو في الدنيا عن بعض العوارض القادحة في تمشية
~~الأحكام مع أنه عندما أعد له عليه الصلاة والسلام في الآخرة من السبق
~~والتقدم على كافة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يوم الجمع يوم
~~يقوم الناس لرب العالمين وكون أمته صلى الله عليه وسلم شهداء على سائر
~~الأمم ورفع درجات المؤمنين وإعلاء مراتبهم بشفاعته صلى الله عليه وسلم
~~وغير ذلك من الكرامات السنية التي لا تحيط بها العبارات (وتقصر دونها
~~الإشارات) بمنزلة بعض المبادي بالنسبة إلى المطالب)) كذا في «الإرشاد».

# والاختصاص الذي تقتضيه اللام قيل إضافي على معنى اختصاصه عليه الصلاة
~~والسلام بخيرية الآخرة دون من آذاه وشمت بتأخير الوحي ms11339 عنه صلى الله عليه
~~وسلم ولا مانع من عمومه لجميع الفائزين كيف وقد علم بالضرورة أن الخير
~~المعد له عليه الصلاة والسلام خير من المعد لغيره على الإطلاق ويكفي في
~~ذلك اختصاص المقام المحمود به صلى الله عليه وسلم. على أن اختصاص اللام
~~ليس قصريا كما قرر في موضعه.

# وحمل الآخرة على الدار الآخرة المقابلة للدنيا والأولى على الدار الأولى
~~وهي الدنيا هو الظاهر المروي عن أبي إسحق وغيره وقال ابن عطية وجماعة
~~يحتمل أن يراد بهما نهاية أمره صلى الله عليه وسلم وبدايته فاللام فيهما
~~للعهد أو عوض عن المضاف إليه أي لنهاية أمرك خير من بدايته لا تزال
~~تتزايد قوة وتتصاعد رفعة وفي بعض الأخبار المرفوعة ما هو أظهر في الأول
~~أخرج الطبراني في «الأوسط» والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " عرض علي ما هو مفتوح لأمتي بعدي فسرني فأنزل الله تعالى {
~~وللآخرة خير لك من الأولى } "

# ثم إن ربط الآية بما قبلها على الوجه الذي سمعت هو ما اختاره غير واحد
~~من الأجلة وجوز أن يقال فيه إنه لما نزل

# ما ودعك ربك وما قلى

# [الضحى: 3] حصل له عليه الصلاة والسلام به تشريف عظيم فكأنه صلى الله
~~عليه وسلم استعظم ذلك فقيل له { وللآخرة خير لك من
~~الأولى } على معنى أن هذا التشريف وإن كان عظيما إلا أن ما لك عند
~~الله تعالى في الآخرة خير وأعظم / وجوز أيضا أن يكون المعنى أن انقطاع
~~الوحي لا يجوز أن يكون لما يتوهمون لأنه عزل عن النبوة وهو مستحيل في
~~الحكمة بل أقصى ما في الباب أن يكون ذلك لأنه حصل الاستغناء عن الرسالة
~~وذلك أمارة الموت فكأنه تعالى قال انقطاع الوحي متى حصل دل على الموت لكن
~~الموت خير لك فإن ما لك عند الله تعالى في الآخرة أفضل مما لك الدنيا
~~وهذا كما ترى دون ما قبله بكثير والمتبادر مما قرروه أن الجملة مستأنفة
~~واللام ms11340 فيها ابتدائية وقد صرح جمع بأنها كذلك في قوله تعالى: {
~~ولسوف يعطيك ربك فترضى }.

### || [93.5]

# وقالوا فائدتها تأكيد مضمون لجملة وبعدها مبتدأ محذوف أي ولأنت سوف
~~يعطيك الخ وأورد عليه أن التأكيد يقتضي الاعتناء والحذف ينافيه ولذا قال
~~ابن الحاجب إن المبتدأ المؤكد باللام لا يحذف وإن اللام مع المبتدأ كقد
~~مع الفعل وإن مع الاسم فكما لا يحذف الفعل والاسم ويبقيان بعد حذفهما
~~كذلك لا يحذف المبتدأ وتبقى اللام وأنه يلزم التقدير والأصل عدمه وأن
~~اللام لتخلص المضارع الذي في حيزها للحال كتأكيد مضمون الجملة وهو هنا
~~مقرون بحرف التنفيس والتأخير فيلزم التنافي ورد بأن المؤكد الجملة لا
~~المبتدا وحده حتى ينافي تأكيده حذفه وكلام ابن الحاجب ليس حجة على
~~الفارسي وأمثاله وأن يحذف معها الاسم كثيرا كما ذكره النحاة وكذا قد
~~يحذف بعدها الفعل كقوله:

# أزف الترحل غير أن ركابنا

# لما تزل برحالنا وكأن قد

# مع أنه لو سلم فقد يفرق كما قال الطيبي بين أن وقد وهذه اللام بأنهما
~~يؤثران في المدخول عليه مع التأكيد بخلاف هذه اللام فإن مقتضاه أن تؤكد
~~مضمون الجملة لا غير وهو باق وإن حذف المبتدأ فالقياس قياس مع الفارق
~~والنحويون يقدرون كثيرا في الكلام كما قدروا المبتدأ في نحو قمت وأصك
~~عينه وهو لأجل الصناعة دون المعنى كما فيما نحن فيه، واللام المؤكدة لا
~~نسلم أنها لتلخيص المضارع للحال أيضا بل هي لمطلق التأكيد فقط ويفهم
~~معها الحال بالقرينة لأنه أنسب بالتأكيد وعلى تسليم أنها لتخليصه للحال
~~أيضا يجوز أن يقال إنها تجردت للتأكيد هنا بقرينة ذكر (سوف) بعدها
~~والمراد تأكيد المؤخر أعني الإعطاء لا تأكيد التأخير فالمعنى أن الإعطاء
~~كائن لا محالة وإن تأخر لحكمة وعلى تسليم أنها للأمرين ولا تجرد يجوز أن
~~يقال نزل المستقبل أعني الإعطاء الذي يعقبه الرضا لتحقق وقوعه منزلة
~~الواقع الحالي نظير ما قيل في قوله تعالى:

# إن ربك ليحكم بينهم يوم القيمة

# [النحل: 124] وقيل يحسن هذا جدا فيما نحن فيه على القول بأن الإعطاء ms11341 قد
~~شرع فيه عند نزول الآية بناء على أحد أوجهها الآتية بعد إن شاء الله
~~تعالى.

# وذهب بعضهم بأن اللام الأولى للقسم وكذا هذه اللام وبقسميتها جزم غير
~~واحد فالواو عليه للعطف فكلا الوعدين داخل في المقسم عليه ويكون الله
~~تعالى قد أقسم على أربعة أشياء اثنان منفيان واثنان مثبتان وهو حسن في
~~نظري. واعترض بأن لام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع النون المؤكدة
~~فلو كان للقسم لقيل لسوف يعطيك ربك ولا يخفى أن هذا أحد مذهبين للنحاة
~~والآخر أنه يستثنى ما قرن بحرف تنفيس كما هنا ففي «المغني» أنه تجب اللام
~~وتمتنع النون فيه كقوله:

# فوربي لسوف يجزى الذي

# أسلف المرء سيئا أو جميلا

# وكذا مع فصل معمول الفعل بين اللام والفعل نحو

# ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون

# [آل عمران: 158] ومع كون الفعل للحال نحو لاقسم وقد يمتنعان وذلك مع
~~الفعل المنفي نحو

# تالله تفتؤا

# [يوسف: 85] وقد يجبان وذلك فيما بقي نحو

# وتالله لأكيدن أصنامكم

# [الأنبياء: 57] وعليه لا يتجه الاعتراض مع أن الممنوع بدون النون في
~~جواب القسم لا في المعطوف عليه كما هنا فإنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر
~~في المتبوع وإنما ذكرت اللام تأكيدا للقسم وتذكيرا به وبالجملة هذا
~~الوجه أقل دغدغة من الوجه السابق ولا يحتاج فيه إلى توجيه جمع اللام مع
~~(سوف) إذ لم يقل أحد من / علماء العربية بأن اللام القسمية مخلصة المضارع
~~للحال كما لا يخفى على من تتبع كتبهم.

# وظاهر كلام الفاضل الكلنبوي أن كلا من اللامين موضوع للدلالة على الحال
~~ووجه الجمع على تقدير كونها في الآية قسمية بأنها محمولة على معناها
~~الحقيقي و(سوف) محمولة على تأكيد الحكم ولذا قامت مقام إحدى النونين عند
~~أبي علي الفارسي وقد أطال رحمه الله تعالى الكلام فيما يتعلق بهذا
~~المقام وأتى على غزارة فضله بما يستبعد صدوره من مثله.

# وقال عصام الدين الأظهر أن جملة

# ما ودعك

# [الضحى: 3] حالية أي ما ودعك ربك وما قلاك والحال أن الآخرة خير ms11342 لك من
~~الأولى وأنت تختارها عليها ومن حاله كذلك لا يتركه ربه ففيه إرشاد
~~للمؤمنين إلى ما هو ملاك قرب العبد إلى الرب عز وجل وتوبيخ للمشركين بما
~~هم فيه من التزام أمر الدنيا والإعراض عن الآخرة وحينئذ معنى قوله
~~سبحانه: { ولسوف يعطيك } أنه سوف يعطيك الآخرة ولا يخفى حينئذ
~~كمال اشتباك الجمل انتهى وفيه أن دخول اللام عليها مع دخوله على الجملة
~~بعدها وسبقهما بالقسم يبعد الحالية جدا وأيضا المعنى ذكره على تقديرها
~~غير ظاهر من الآية وكان الظاهر عليه عندك بدل لك كما لا يخفى عليك.

# واختلف في قوله تعالى { ولسوف } الخ فقيل هو عدة كريمة شاملة لما
~~أعطاه الله عز وجل في الدنيا من كمال النفس وعلوم الأولين والآخرين وظهور
~~الأمر وإعلاء الدين بالفتوح الواقعة في عصره صلى الله عليه وسلم وفي أيام
~~خلفائه عليه الصلاة والسلام وغيرهم من الملوك الإسلامية وفشو الدعوة
~~والإسلام في مشارق الأرض ومغاربها ولما ادخر جل وعلا له عليه الصلاة
~~والسلام في الآخرة من الكرامات التي لا يعلمها إلا هو جل جلاله وعم
~~نواله. وقيل عدة بما أعطاه سبحانه وتعالى في الدنيا من فتح مكة وغيره.

# والجمهور على أنه عدة أخروية فأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال هي
~~الشفاعة وروي نحوه عن بعض أهل البيت رضي الله تعالى عنهم أخرج ابن المنذر
~~وابن مردويه وأبو نعيم في «الحلية» من طريق حرب بن شريح قال قلت لأبي
~~جعفر محمد بن علي بن الحسين على جدهم وعليهم الصلاة والسلام أرأيت هذه
~~الشفاعة التي يتحدث بها أهل العراق أحق هي؟ قال أي والله حدثني محمد بن
~~الحنفية عن علي كرم الله تعالى وجهه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال

# " أشفع لأمتي حتى ينادي ربي أرضيت يا محمد فأقول نعم يا رب رضيت "

# ثم أقبل علي فقال إنكم تقولون يا معشر أهل العراق إن أرجى آية في كتاب
~~الله تعالى

# قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا
~~تقنطوا من رحمة الله إن ms11343 الله يغفر الذنوب
~~جميعا

# [الزمر: 53] قلت إنا لنقول ذلك قال فكلنا أهل البيت نقول إن أرجى آية في
~~كتاب الله تعالى { ولسوف يعطيك ربك فترضى } وقال هي
~~الشفاعة.

# وقيل هي أعم من الشفاعة وغيرها ويرشد إليه ما أخرجه العسكري في
~~«المواعظ» وابن مردويه وابن النجار عن جابر بن عبد الله قال

# " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة وهي تطحن بالرحا وعليها
~~كساء من جلد الإبل فلما نظر إليها قال يا فاطمة تعجلي مرارة الدنيا بنعيم
~~الآخرة غدا فأنزل الله تعالى: { ولسوف يعطيك ربك
~~فترضى } "

# وقال أبو حيان ((الأولى العموم لما في الدنيا والآخرة على اختلاف
~~أنواعه)) والخبر المذكور لو سلم صحته لا يأبى ذلك نعم عطايا الآخرة أعظم
~~من عطايا الدنيا بكثير فقد روى الحاكم وصححه وجماعة عن ابن عباس أنه قال
~~أعطاه الله تعالى في الجنة ألف قصر من لؤلؤ ترابه المسك في كل قصر ما
~~ينبغي له من الأزواج والخدم وأخرج ابن جرير عنه أنه قال في الآية من رضا
~~محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار وأخرج البيهقي
~~في «شعب الإيمان» عنه أنه قال رضاه صلى الله عليه وسلم أن يدخل أمته كلهم
~~الجنة وفي رواية الخطيب في «تلخيص المتشابه» من وجه آخر عنه لا يرضى محمد
~~صلى الله عليه وسلم وأحد من أمته في النار وهذا ما تقتضيه / شفقته
~~العظيمة عليه الصلاة والسلام على أمته فقد كان صلى الله عليه وسلم حريصا
~~عليهم رؤوفا بهم مهتما بأمرهم وقد أخرج مسلم كما في «الدر المنثور» عن
~~ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم عليه
~~السلام

# فمن تبعني فإنه مني

# [إبراهيم: 36] وقوله تعالى في عيسى:

# إن تعذبهم فإنهم عبادك

# [المائدة: 118] الآية فرفع عليه الصلاة والسلام يديه وقال

# " اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله تعالى يا جبريل اذهب إلى محمد صلى
~~الله عليه وسلم فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك "

# وفي إعادة ms11344 اسم الرب مع إضافته إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى
~~أيضا من اللطف به صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: { ألم يجدك
~~يتيما فاوى }.

### || [93.6]

# تعديد لما أفاض عليه صلى الله عليه وسلم من أول أمره إلى وقت النزول من
~~فنون النعماء العظام ليستشهد بالحاضر الموجود على المترقب الموعود فيزداد
~~قلبه الشريف وصدره الرحيب طمأنينة وسرورا وانشراحا وحبورا ولذا فصلت
~~الجملة. والهمزة لإنكار النفي وتقرير النفي على أبلغ وجه كأنه قيل قد
~~وجدك الخ ووجدته على ما قال الرضي بمعنى أصبته على صفة ويراد بالوجود فيه
~~العلم مجازا بعلاقة اللزوم وفي «مفردات الراغب» ((لوجود أضرب وجود
~~بالحواس الظاهرة ووجود بالقوى الباطنة ووجود بالعقل وما نسب إلى الله
~~تعالى من الوجود فبمعنى العلم المجرد إذ كان الله تعالى منزها عن الوصف
~~بالجوارح والآلات)) وقد فسره بعضهم هنا بالعلم وجعل مفعوله الأول الضمير
~~ومفعوله الثاني { يتيما } وبعضهم بالمصادفة وجعله متعديا لواحد و {
~~يتيما } حالا وأنت تعلم أن المصادفة لا تصح في حقه تعالى لأنها
~~ملاقاة ما لم يكن في علمه سبحانه وتقديره جل شأنه فلا بد من التجوز بها
~~عن تعلق علمه عز وجل بذلك.

# واليتم انقطاع الصبي عن أبيه قبل بلوغه والإيواء ضم الشيء إلى آخر يقال
~~آوى إليه فلانا أي ضمه إلى نفسه أي ألم يعلمك طفلا لا أبا لك فضمك إلى
~~من قام بأمرك. روي أن عبد المطلب بعث ابنه عبد الله أبا رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم يمتار تمرا من يثرب فتوفي ورسول الله صلى الله عليه وسلم
~~جنين قد أتت عليه ستة أشهر فلما وضعته كان في حجر جده مع أمه فماتت وهو
~~عليه الصلاة والسلام ابن ست سنين ولما بلغ عليه الصلاة والسلام ثماني
~~سنين مات جده فكفله عمه الشفيق الشقيق أبو طالب بوصية من أبيه عبد المطلب
~~وأحسن تربيته صلى الله عليه وسلم وفي «الكشاف» ماتت أمه عليه الصلاة
~~والسلام وهو ابن ثماني سنين فكفله عمه وكان شديد الاعتناء بأمره إلى أن ms11345
~~بعثه الله تعالى وكان يرى منه صلى الله عليه وسلم في صغره ما لم ير من
~~صغير روي أنه قال يوما لأخيه العباس ألا أخبرك عن محمد صلى الله عليه
~~وسلم بما رأيت منه فقال بلى قال: إني ضممته إلي فكنت لا أفارقه ساعة من
~~ليل ولا نهار ولم أئتمن عليه أحدا حتى أني كنت أنومه في فراشي فأمرته
~~ليلة أن يخلع ثيابه وينام معي فرأيت الكراهية في وجهه وكره أن يخالفني
~~فقال يا عماه اصرف وجهك عني حتى أخلع ثيابي إني لا أحب أن تنظر إلى جسدي
~~فتعجبت من قوله وصرفت بصري حتى دخل الفراش فلما دخلت معه الفراش إذا بيني
~~وبينه ثوب والله ما أدخلته في فراشي فإذا هو في غاية اللين وطيب الرائحة
~~كأنه غمس في المسك فجهدت لأنظر إلى جسده فما كنت أرى شيئا وكثيرا ما
~~كنت أفقده من فراشي فإذا قمت لأطلبه ناداني ها أنا يا عم فارجع وكنت
~~كثيرا ما أسمع منه كلاما يعجبني وذلك عندما مضى بعض الليل وكنا لا نسمي
~~على الطعام والشراب ولا نحمد وكان يقول في أول الطعام بسم الله الأحد
~~فإذا فرغ من طعامه قال الحمد لله فكنت أعجب منه ولم أر منه كذبة ولا
~~ضحكا ولا جاهلية ولا وقف مع الصبيان وهم يلعبون وهذا لعمري غيض من فيض:

# في المهد يعرب عن سعادة جده

# أثر النجابة ساطع البرهان

# / وقيل المعنى ألم يجدك يتيما أبتك المراضع فآواك من مرضعة تحنو عليك
~~بأن رزقها بصحبتك الخير والبركة حتى أحبتك وتكفلتك والأول هو الظاهر وقيل
~~غير ذلك مما ستعلمه بعد إن شاء الله تعالى.

# ((ومن بدع التفاسير على ما قال الزمخشري أن يتيما من قولهم درة يتيمة
~~والمعنى ألم يجدك واحدا في قريش عديم النظير فآواك)) والأولى عليه أن
~~يقال ألم يجدك واحدا عديم النظير في الخليقة لم يحو مثلك صدف الا مكان
~~فآواك إليه وجعلك في حق اصطفائه.

# وقرأ أبو الأشعث (فأوى) ثلاثيا فجوز أن يكون من أواه بمعنى آواه ms11346 وأن
~~يكون من أوى له أي رحمه ومصدره أياواية ومأوية ومأوية وتحقيقه على ما قال
~~الراغب أي رجع إليه بقلبه ومنه قوله:

# أراني ولا كفران لله أية

### || [93.7]

# عطف على ما يقتضيه الإنكار السابق كما أشير إليه أو على المضارع المنفي
~~بلم داخل في حكمه كأنه قيل أما وجدك يتيما فآوى ووجدك غافلا عن الشرائع
~~التي لا تهتدي إليها العقول كما في قوله تعالى:

# ما كنت تدرى ما الكتب

# [الشورى: 52] وقوله سبحانه:

# وإن كنت من قبله لمن الغفلين

# [يوسف: 3] فهداك إلى مناهجها في تضاعيف ما أوحى إليك من الكتاب المبين
~~وعلمك ما لم تكن تعلم، وعلى هذا كما قال الواحدي أكثر المفسرين وهو
~~اختيار الزجاج.

# وروى سعيد بن المسيب أنه صلى الله عليه وسلم سافر مع عمه أبي طالب إلى
~~الشام فبينما هو راكب ناقة ذات ليلة ظلماء وهو نائم جاءه إبليس فأخذ
~~بزمام الناقة فعدل به عن الطريق فجاءه جبريل عليه الصلاة والسلام فنفخ
~~إبليس نفخة وقع منها بالحبشة ورده إلى القافلة فما في الآية إشارة إلى
~~ذلك على ما قيل، وقيل إشارة إلى ما روي عن ابن عباس من أنه صلى الله عليه
~~وسلم ضل وهو صغير عن جده في شعاب مكة فرآه أبو جهل منصرفا من أغنامه
~~فرده لجده وهو متعلق بأستار الكعبة يتضرع إلى الله تعالى في أن يرد إليه
~~محمدا وذكر له أنه لما رآه أناخ الناقة وأركبه من خلفه فأبت أن تقوم
~~فأركبه أمامه فقامت فكانت الناقة تقول يا أحمق هو الإمام فكيف يقوم خلف
~~المقتدي. وفي إرجاعه عليه الصلاة والسلام إلى أهله على يد أبي جهل وقد
~~علم سبحانه منه أنه فرعونه يشبه إرجاع موسى عليه السلام إلى أمه على يد
~~فرعون. وقيل ضل عليه الصلاة والسلام مرة أخرى وطلبوه فلم يجدوه فطاف عبد
~~المطلب بالكعبة سبعا وتضرع إلى الله تعالى فسمعوا مناديا ينادي من
~~السماء يا معشر الناس لا تضجوا فإن لمحمد ربا لا يخذله ولا يضيعه وإن
~~محمدا بوادي تهامة عند ms11347 شجرة السمر فسار عبد المطلب وورقة بن نوفل فإذا
~~النبي صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يلعب بالأغصان والأوراق.

# وقيل أضلته مرضعته حليمة عند باب مكة حين فطمته وجاءت به لترده على عبد
~~المطلب، فضالا على هذه الروايات من ضل في طريقه إذا سلك طريقا غير
~~موصلة لمقصده، وضعف حمل الآية على ذلك بأن مثله بالنسبة إلى ما تقدم لا
~~يعد من نعم الله تعالى على مثل نبيه صلى الله عليه وسلم التي يمتن سبحانه
~~بها عليه. وقيل الضال الشجرة المنفردة في البيداء ليس حولها شجر والمراد
~~أما وجدك وحدك ليس معك أحد فهدى الناس إليك ولم يتركك منفردا وقال
~~الجنيد قدس سره أي وجدك متحيرا في بيان الكتاب المنزل عليك فهداك لبيانه
~~وفيه قرب ما من الأول.

# وقال بعضهم وجدك غافلا عن قدر نفسك فأطلعك على عظيم محلك وقيل وجدك
~~ضالا عن معنى محض المودة فسقاك كأسا من شراب القربة والمودة فهداك به
~~إلى معرفته عز وجل وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه كنت ضالا عن
~~محبتي لك في الأزل فمننت عليك بمعرفتي وهو قريب من سابقه وقال الحريري أي
~~وجدك مترددا في غوامض معاني المحبة فهداك لها وهو أيضا كذلك وكل ذلك
~~منزع صوفي. ورأى أبو حيان في منامه أن الكلام على حذف مضاف والمعنى ووجد
~~رهطك ضالا فهدى بك وهو كما ترى في يقظتك.

### || [93.8]

# وقوله تعالى: { ووجدك عآئلا فأغنى } على نمط سابقه والعائل
~~المفتقر من ((عال يعيل عيلا وعيلة وعيولا ومعيلا افتقر)) أي وجدك عديم
~~المقتنيات فأغناك بما حصل لك من ربح التجارة وذلك في سفره صلى الله عليه
~~وسلم مع ميسرة إلى الشام وبما وهبته لك خديجة رضي الله تعالى عنها من
~~المال وكانت ذا مال كثير فلما تزوجها عليه الصلاة والسلام، وهبته جميعه
~~له صلى الله عليه وسلم لئلا يقول قائل ما يثقل على سمعه الشريف عليه
~~الصلاة والسلام وبمال أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وكان أيضا ذا
~~مال فأتى به ms11348 كله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام

# " ما تركت لعيالك "

# فقال تركت الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. وقيل بما أفاء عليك من
~~الغنائم وفيه أن السورة مكية والغنائم إنما كانت بعد الهجرة. وقيل المراد
~~قنعك وأغنى قلبك فإن غنى القلب هو الغنى وقد قيل من عدم القناعة لم يفده
~~المال غنى وقيل أغناك به عز وجل عما سواه وهذا الغنى بالافتقار إليه
~~تعالى وفي الحديث

# " اللهم أغنني بالافتقار إليك ولا تفقرني بالاستغناء عنك "

# وبهذا ألم بعض الشعراء فقال:

# ويعجبني فقري إليك ولم يكن

# ليعجبني لولا محبتك الفقر

# وشاع حديث «الفقر فخري» وحمل الفقر فيه على هذا المعنى، وهو على ما قال
~~ابن حجر باطل موضوع وأشد منه وضعا وبطلانا ما يذكره بعض المتصوفة «إذا
~~تم الفقر فهو الله» سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا وقد خاضوا في
~~بيان المراد به بما لا يدفع بشاعته بل لا يقتضي استقامته. وقيل عائلا أي
~~ذا عيال من عال يعول عولا وعيالة كثر عياله ويحتمل المعنيين قول جرير:

# الله نزل في الكتاب فريضة

# لابن السبيل وللفقير العائل

# ولعل الثاني فيه أظهر ورجح الأول في الآية بقراءة ابن مسعود (عديما)
~~وأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن ذا عيال في أول أمره صلى الله عليه وسلم
~~وقرأ اليماني (عيلا) كسيد بشد الياء المكسورة.

# هذا وذكر عصام الدين في هذه الآيات أنه يحتمل أن يراد باليتيم فاقد
~~المعلم فإن الآباء ثلاثة من علمك ومن زوجك ومن ولدك ويناسبه حمل الضلال
~~على الضلال عن العلم وحمل العيال أي على تفسير (عائلا) بذا عيال على
~~عيال الأمة الطالبة منه معرفة مصالح الدين مع احتياجه إلى المعرفة فأغناه
~~الله تعالى بالوحي إليه عليه الصلاة والسلام ولا يخفى ما فيه. وحذف
~~المفعول في الأفعال الثلاثة لظهور المراد مع رعاية الفواصل وقيل ليدل على
~~سعة الكرم والمراد آواك وآوى لك وبك وهداك ولك وبك وأغناك ولك وبك وظاهر
~~الفاء مع تلك الأفعال تأبى ذلك. وأطال الإمام ms11349 الكلام في الآيات وأتى
~~فيها بغث وسمين ولولا خشية الملل لذكرنا ما فيه.

### || [93.9]

# فلا تستذله كما قال ابن سلام وقريب منه قول مجاهد لا تحتقره وقال سفيان
~~لا تظلمه بتضييع ماله وفي معناه ما قيل لا تغلبه على ماله ولعل التقييد
~~لمراعاة الغالب والأولى حمل القهر على الغلبة والتذليل معا بأن يراد به
~~التسلط بما يؤذي أو باستعمال المشترك في معنييه على القول بجوازه. وفي
~~«مفردات الراغب» ((القهر الغلبة والتذليل معا ويستعمل في كل واحد
~~منهما)) وقرأ ابن مسعود والشعبي وإبراهيم التيمي (فلا تكهر) بالكاف بدل
~~القاف ومعناه على ما في «البحر» فلا تقهر وفي «تهذيب الأزهري» ((الكهر
~~القهر والكهر عبوس الوجه والكهر الشتم)) واختار بعضهم هنا أوسطها فالمعنى
~~فلا تعبس في وجهه وهو نهي عن الشتم والقهر على ما سمعت من معناه من باب
~~الأولى.

# وأيا ما كان ففي الآية دلالة على الاعتناء بشأن اليتيم وعن ابن مسعود
~~مرفوعا

# " من مسح على رأس يتيم كان له بكل شعرة تمر عليها يده نور يوم
~~القيامة "

# وعن عمر رضي الله تعالى عنه مرفوعا أيضا

# " إن اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن فيقول الله تعالى
~~لملائكته: يا ملائكتي من أبكى هذا اليتيم / الذي غيب أبوه في التراب
~~فيقول الملائكة أنت أعلم فيقول الله تعالى: يا ملائكتي إني أشهدكم أن علي
~~لمن أسكته وأرضاه أن أرضيه يوم القيامة "

# فكان عمر رضي الله تعالى عنه إذا رأى يتيما مسح رأسه وأعطاه شيئا ولم
~~يصح في كيفية مسحه شيء والرواية عن ابن عباس في ذلك قد قيل فيها ما قيل.
~~وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:

# " أنا وكافل اليتيم كهاتين إذا اتقى الله عز وجل وأشار بالسبابة والوسطى
~~"

# إلى غير ذلك من الأخبار.

### || [93.10]

# أي فلا تزجره ولكن تفضل عليه بشيء أو رده بقول جميل وأريد به عند جمع
~~السائل المستجدي الطالب لشيء من الدنيا وتدل الآية على الاعتناء بشأنه
~~أيضا وعن إبراهيم بن أدهم نعم القوم السؤال يحملون زادنا إلى ms11350 الآخرة وعن
~~إبراهيم النخعي السائل يريد الآخرة يجىء إلى باب أحدكم فيقول أتبعثون إلى
~~أهليكم بشيء وشاع حديث

# " للسائل حق وإن جاء على فرس "

# وقد قال فيه الإمام أحمد كما في «تمييز الطيب من الخبيث» لا أصل له
~~وأخرجه أبو داود عن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما موقوفا وسكت عنه
~~وقال العراقي سنده جيد وتبعه غيره وقال ابن عبد البر إنه ليس بالقوي وعول
~~كثير على ما قال الإمام أحمد، وفي معناه احتمالان كل منهما يؤذن
~~بالاهتمام بأمر السائل وروي من طرق عن عائشة وغيرها (لو صدق السائل ما
~~أفلح من رده) وهو أيضا على ما قال ابن المديني لا أصل له وقال ابن عبد
~~البر جميع أسانيده ليست بالقوية نعم أخرج الطبراني في «الكبير» عن أبي
~~أمامة مرفوعا ما يقرب منه وهو

# " لولا أن المساكين يكذبون ما أفلح من ردهم "

# ولم أقف على من تعقبه. ثم النهي على النهر على ما قالوا إذا لم يلح في
~~السؤال فإن ألح ولم ينفع الرد اللين فلا بأس بالزجر.

# وقال أبو الدرداء والحسن وسفيان وغيرهم المراد بالسائل هنا السائل عن
~~العلم والدين لا سائل المال ولعل النهي عن زجره على القول الأول يعلم
~~بالأولى ويشهد للأولوية أنه لا وعيد على ترك إعطاء المستجدي لمن يجد ما
~~يستجديه بخلاف ترك جواب سائل العلم لمن يعلم ففي الحديث

# " من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار "

# وسيأتي إن شاء الله تعالى ما قيل من أن الظاهر الثاني من القولين.

### || [93.11]

# فإن التحدث بها شكر لها كما قال عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة
~~والفضيل بن عياض. وأخرج البخاري في «الأدب» وأبو داود والترمذي وحسنه
~~وأبو يعلى وابن حبان والبيهقي والضياء عن جابر بن عبد الله مرفوعا

# " من أعطي عطاء فوجد فليجز به فإن لم يجد فليثن به فمن أثنى به فقد
~~شكره ومن كتمه فقد كفره ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور "

# ولذا استحب بعض السلف التحدث بما ms11351 عمله من الخير إذا لم يرد به الرياء
~~والافتخار وعلم الاقتداء به بل بعض أهل البيت رضي الله تعالى عنهم حمل
~~الآية على ذلك أخرج ابن أبي حاتم عن مقسم قال لقيت الحسن بن علي بن أبي
~~طالب رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما فقلت أخبرني عن قول الله تعالى {
~~وأما بنعمة ربك فحدث } فقال الرجل المؤمن يعمل عملا
~~صالحا فيخبر به أهل بيته. وأخرج ابن أبي حاتم عنه رضي الله تعالى عنه
~~أنه قال فيها: إذا أصبت خيرا فحدث إخوانك.

# والظاهر أن المراد بالنعمة ما أفاضه الله تعالى على نبيه صلى الله عليه
~~وسلم من فنون النعم التي من جملتها ما تقدم وأخرج ابن المنذر وغيره عن
~~مجاهد تفسيرها بالنبوة ورووا عنه أيضا تفسيرها بالقرآن ووافقه في الأول
~~محمد بن إسحاق وفي الثاني الكلبي وعليهما المراد بالتحديث التبليغ ولا
~~يخفى أن كلا التفسيرين غير مناسب لما قبل وهذه الجمل الثلاث مرتبة على ما
~~قبلها فقيل على اللف والنشر المشوش. وحاصل المعنى أنك كنت يتيما وضالا
~~وعائلا فآواك وهداك وأغناك فمهما يكن من شيء فلا تنس نعمة الله تعالى
~~عليك في هذه الثلاث واقتد بالله تعالى فتعطف على اليتيم وترحم على السائل
~~فقد ذقت اليتم والفقر وقوله تعالى: { وأما بنعمة } الخ في
~~مقابلة قوله سبحانه:

# ووجدك ضآلا فهدى

# [الضحى: 7] لعمومه وشموله لهدايته عليه الصلاة والسلام من / الضلال
~~بتعليم الشرائع وغير ذلك من النعم ولم يراع الترتيب لتقديم حقوق العباد
~~على حقه عز وجل فإنه سبحانه وتعالى غني عن العالمين، وقيل لتقديم التخلية
~~على التحلية أو للترقي أو لمراعاة الفواصل ونظر في كل ذلك.

# وقال الطيبي: الظاهر أن المراد بالسائل طالب العلم لا المستجدي وعليه
~~لا مانع من كون التفصيل على الترتيب فيقال إنه تعالى ذكر أحواله صلى الله
~~عليه وسلم على وفق الترتيب الخارجي بأن يراد بهدايته عليه الصلاة والسلام
~~ما يعم توفيقه للنظر الصحيح في صباه فقد كان صلى الله عليه وسلم موفقا
~~لذلك ولذا لم يعبد عليه الصلاة والسلام ms11352 صنما أو يراد بإغنائه ما كان بعد
~~البعثة ثم فصل سبحانه على ذلك الترتيب فجعل عدم قهر اليتيم في مقابلة
~~إيوائه تعالى له عليه الصلاة والسلام في يتمه وعدم زجر السائل طالب العلم
~~والمتعلم منه في مقابلة هدايته له والتحدث بالنعمة في مقابلة الغنى وإن
~~كانت النعمة شاملة له ولغيره وآثر سبحانه { فحدث } على فخبر
~~قيل ليكون ذكر النعمة منه عليه الصلاة والسلام حديثا لا ينساه ويوجده
~~ساعة غب ساعة والله تعالى أعلم.

# وندب التكبير عند خاتمة هذه السورة الكريمة وكذا ما بعدها إلى آخر
~~القرآن العظيم فقد أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في «الشعب» من
~~طريق أبي الحسن البزي المقري قال سمعت عكرمة بن سليمان يقول قرأت على
~~إسماعيل بن قسطنطين فلما بلغت { والضحى } قال كبر عند خاتمة كل سورة
~~حتى تختم فإني قرأت على عبد الله بن كثير فلما بلغت { والضحى } قال
~~كبر حتى تختم وأخبره عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك
~~وأخبره أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أمره بذلك وأخبره أن أبي بن
~~كعب رضي الله تعالى عنه أمره بذلك وأخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم
~~أمره بذلك وكان ذلك منه عليه الصلاة والسلام فرحا بنزول الوحي بعد تأخره
~~وبطئه حتى قيل ما قيل. هذا وعلى ذلك عمل الناس اليوم والحمد لله رب
~~العالمين.

### | [94 - سورة الشرح]

### || [94.1]

# الشرح في الأصل الفسح والتوسعة وشاع استعماله / في الإيضاح ومنه شرح
~~الكتاب إذا أوضحه لما أن فسح الشيء وبسطه مستلزم لإظهار باطنه وما خفي
~~منه، وكذا شاع في سرور النفس حتى لو قيل إنه حقيقة عرفية فيه لم يبعد
~~وذلك إذا تعلق بالقلب كأن قيل شرح قلبه بكذا أي سره به لما أن القلب
~~كالمنزل للنفس ويلزم عادة من فسح المنزل وتوسعته سرور النازل فيه وكذا
~~إذا تعلق بالصدر الذي هو محل القلب وربما يؤذن ذلك بسعة القلب لما أن
~~العادة كالمطردة في أن توسعة ما حوالي المنزل إنما تكون إذا ms11353 كان المنزل
~~واسعا فيوسع ما حواليه لتحصيل زيادة بهجة ونحوها فيه فينتقل منه إلى
~~سرور النفس بالواسطة وقد يراد به إذا تعلق بالقلب أو الصدر أيضا تكثير
~~ما فيه من المعلومات فقيل يتخيل أنها تحتاج إلى فضاء تكون فيه وأن ذلك
~~محل لها فمتى كانت كثيرة اقتضت أن يكون محلها واسعا ليسعها وقد يراد بها
~~تكثير ما في النفس من ذلك فقيل أيضا بتخيل أن تكثير معلوماتها يستدعي
~~توسيعها وتوسيعها يستدعي توسيع ذلك لتنزيله منزلة محلها وقد يراد به
~~تأييد النفس بقوة قدسية وأنوار إلهية بحيث تكون ميدانا لمواكب
~~المعلومات وسماء لكواكب الملكات وعرشا لأنواع التجليات وفرشا لسوائم
~~الواردات فلا يشغله شأن عن شأن ويستوي لديه يكون وكائن وكان.

# ووجه نسبته إلى الصدر على نحو ما مر وإرادة القلب من الصدر والنفس من
~~القلب بعلاقة المحلية ونحوها مما لا تميل إليه النفس وإرادة كل مما ذكر
~~بقرينة المقام والأنسب بمقام الامتنان هنا إرادة هذا المعنى الأخير وجوز
~~غيره فالمعنى ألم نفسح صدرك حتى حوى عالمي الغيب والشهادة وجمع بين ملكتي
~~الاستفادة والإفادة فما صدك الملابسة بالعلائق الجسمانية عن اقتباس أنوار
~~الملكات الروحانية وما عاقك التعلق بمصالح الخلق عن الاستغراق في شؤون
~~الحق وقيل المعنى ألم نزل همك وغمك بإطلاعك على حقائق الأمور وحقارة
~~الدنيا فهان عليك احتمال المكاره في الدعاء إلى الله تعالى. ونقل عن
~~الجمهور أن المعنى ألم نفسحه بالحكمة ونوسعه بتيسيرنا لك نلقي ما يوحى
~~إليك بعد ما كان يشق عليك.

# وعن ابن عباس وجماعة أنه إشارة إلى شق صدره الشريف في صباه عليه الصلاة
~~والسلام وقد وقع هذا الشق على ما في بعض الأخبار وهو عند مرضعته حليمة
~~فقد روي عنها أنها قالت في شأنه عليه الصلاة والسلام لم نزل نتعرف من
~~الله تعالى الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته فكان يشب شبابا لا
~~يشبه الغلمان فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا فقدمنا به على
~~أمه ونحن أحرص شيء على بقائه عندنا لما نرى من بركته ms11354 فقلنا لأمه لو
~~تركتيه عندنا حتى يغلظ فإنا نخشى عليها وباء مكة فلم نزل بها حتى ردته
~~معنا فرجعنا به فوالله إنه لبعد مقدمنا به بشهر أو ثلاثة مع أخيه من
~~الرضاعة لفي بهم لنا خلف بيوتنا جاء أخوه يشتد فقال ذاك أخي القرشي قد
~~جاءه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه وشقا بطنه فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه
~~فوجدناه قائما منتقعا لونه فاعتنقه أبوه وقال: أي بني ما شأنك قال
~~جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني فشقا بطني ثم استخرجا منه شيئا
~~فطرحاه ثم رداه كما كان فرجعنا به معنا فقال أبوه يا حليمة لقد خشيت أن
~~يكون ابني قد أصيب فانطلقي فرديه إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوفه قالت
~~فاحتملناه إلى أمه فقالت ما ردكما به فقد كنتما حريصين عليه قلنا نخشى
~~[عليه] الأتلاف والأحداث فقالت ما ذلك بكما فأصدقاني شأنكما فلم تدعنا
~~حتى أخبرناها خبره فقالت أخشيتما عليه الشيطان كلا والله ما للشيطان عليه
~~سبيل وإنه لكائن لابني هذا شأن فدعاه عنكما.

# وفي حديث لأبي يعلى وأبي نعيم وابن عساكر ما يدل على تكرر وقوع ذلك له
~~عليه الصلاة والسلام وهو عند حليمة وقد وقع له صلى الله عليه وسلم أيضا
~~بعد بلوغه صلى الله عليه وسلم ففي «الدر المنثور» أخرج عبد الله بن أحمد
~~في «زوائد المسند» عن أبي بن كعب

# " أن أبا هريرة قال يا رسول الله ما أول ما رأيت من أمر النبوة فاستوى
~~رسول / الله صلى الله عليه وسلم جالسا وقال لقد سألت أبا هريرة أني لفي
~~صحراء ابن عشرين سنة وأشهر إذا بكلام فوق رأسي وإذا رجل يقول لرجل أهو هو
~~فاستقبلاني بوجوه لم أرها بخلق قط وأرواح لم أجدها من خلق قط وثياب لم
~~أجدها على أحد قط فأقبلا إلي يمشيان حتى إذا دنيا أخذ كل واحد منهما
~~بعضدي لا أجد لأخذهما مسا فقال أحدهما لصاحبه افلق صدره فهوى أحدهما إلى
~~صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع فقال ms11355 له أخرج الغل والحسد فأخرج
~~شيئا كهيئة العلقة ثم نبذها فقال له أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي
~~أخرج شبه الفضة ثم حز إبهام رجلي اليمنى وقال اغد وأسلم فرجعت أغدوا بها
~~رأفة على الصغير ورحمة على الكبير "

# والذي رأيته في «شرح الهمزية» لابن حجر المكي رواية هذا الخبر بلفظ آخر
~~وفيه أني لفي صحراء واسعة ابن عشر حجج إذا أنا برجلين فوق رأسي يقول
~~أحدهما لصاحبه أهو هو إلى آخر ما فيه فيكون الشق عليه قبل البلوغ أيضا
~~والله تعالى أعلم.

# ثم إنه على الروايتين ليس نصا على نفي وقوع شق قبله لجواز أن يكون الذي
~~استشعر منه النبوة هو هذا لا ما قبله ووقع له عليه الصلاة والسلام أيضا
~~عند مجىء جبريل عليه السلام بالوحي في غار حراء وممن روى ذلك الطيالسي
~~والحرث في «مسنديهما» وكذا أبو نعيم ولفظه إن جبريل وميكائيل عليهما
~~السلام شقا صدره وغسلاه ثم قال

# اقرأ باسم ربك

# [العلق: 1] الآيات ووقع أيضا مرة أخرى تواترت بها الروايات خلافا لمن
~~أنكرها ليلة الإسراء به صلى الله عليه وسلم روى البخاري ومسلم والترمذي
~~والنسائي عن قتادة قال حدثنا أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال

# " بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان فأتيت بطست من ذهب فيها ماء
~~زمزم فشرح صدري إلى كذا وكذا قال قتادة قلت يعني لأنس ما تعني قال: إلى
~~أسفل بطني قال فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم ثم أعيد مكانه ثم حشي
~~إيمانا وحكمة ثم أتى بدابة دون البغل وفوق الحمار البراق فانطلقت مع
~~جبريل عليه السلام حتى أتينا السماء الدنيا "

# الحديث.

# وطعن القاضي عبد الجبار في ذلك بما حاصله أنه يلزم على وقوعه في الصغر
~~وقبل النبوة تقدم المعجزة على النبوة وهو لا يجوز ووقوعه بعد النبوة وإن
~~لم يلزم عليه ما ذكر إلا أن ما ذكر معه من حديث الغسل وإدخال الرأفة
~~والرحمة وحشو الإيمان والحكمة يرد عليه أن الغسل مما لا أثر ms11356 له في
~~التكميل الروحاني وإنما هو لإزالة أمر جسماني وإنه لا يصح إدخال ما ذكر
~~وحشوه فإنما هو شيء يخلقه الله تعالى في القلب وليس بشيء فإن تقدم الخارق
~~على النبوة جائز عندنا ونسميه إرهاصا والأخبار كثيرة في وقوعه له عليه
~~الصلاة والسلام قبل النبوة والغسل بالماء كان لإزالة أمر جسماني ولا يبعد
~~أن يكون إزالته وغسل المحل بماء مخصوص - كماء زمزم على ما صح في بعض
~~الروايات ولذا قال البلقيني: إنه أفضل من ماء الكوثر - موجبا لتبديل
~~المزاج وهو مما له دخل في التكميل الروحاني ولذا يأمر المشايخ السالكين
~~لديهم بالرياضة التي يحصل بها تبديل المزاج ويرشد إلى ذلك تغير أحوال
~~النفس وأخلاقها صبا وكهولة وشيخوخة والمراد من إدخال الرأفة وحشو الإيمان
~~مثلا إدخال ما به يحصل كمال ذلك وكثيرا ما يسمى المسبب باسم السبب
~~مجازا ويحتمل أن يكون على حقيقته وتجسم المعاني جائز.

# وقال العارف بن أبي جمرة كما في «المواهب اللدنية» للعسقلاني ما حاصله:
~~إن ما دل كلام النبي صلى الله عليه وسلم على جوهريته وجسميته من أعيان
~~المخلوقات التي ليس للحواس إلى إدراكها سبيل هو كما دل عليه كلامه عليه
~~الصلاة والسلام في نفس الأمر وأن الحكم من المتكلم أو نحوه عليها
~~بالعرضية إنما هو باعتبار ما ظهر له بعقله وللعقل حد يقف عنده والحقيقة
~~في الحقيقة ما دل عليه خبر الشارع المؤيد بالوحي الإلهي والنور القدسي
~~المحلق بجناحيهما في جو الحقائق إلى حيث لا يسمع لنحلة العقل دندنة ولا
~~للرواة عنه عنعنة فالإيمان والحكمة ونحوهما مما دل عليه كلام النبي صلى
~~الله عليه وسلم على / جوهريتها جواهر محسوسة لا معان وإن حسبها من حسبها
~~كذلك انتهى والأمر فيه اعتقادا وإنكارا إليك ولا ألزمك الاعتقاد فما
~~أريد أن أشق عليك.

# وقال بعض الأجلة لعل ذلك من باب التمثيل إذ تمثيل المعاني قد وقع كثيرا
~~كما مثل له عليه الصلاة والسلام الجنة والنار في عرض حائط مسجده الشريف
~~وفائدته كشف المعنوي بالمحسوس وهو ميل إلى عدم الوقوع ms11357 حقيقة وقد قال غير
~~واحد جميع ما ورد من الشق وإخراج القلب وغيرهما يجب الإيمان به وإن كان
~~خارقا للعادة ولا يجوز تأويله لصلاحية القدرة له ومن زعم ذلك وقع في هوة
~~المعتزلة في تأويلهم نصوص سؤال الملكين وعذاب القبر ووزن الأعمال والصراط
~~وغير ذلك بالتشهي. وأما حكمة ذلك مع إمكان إيجاد ما ترتب عليه بدونه فقد
~~أطالوا الكلام في بيانها في موضعه نعم حمل الشرح في الآية على ذلك الشق
~~ضعيف عند المحققين.

# والتعبير عن ثبوت الشرح بالاستفهام الإنكاري عن انتفائه للإيذان بأن
~~ثبوته من الظهور بحيث لا يقدر أحد أن يجيب عنه بغير بلى وإسناد الفعل إلى
~~ضمير العظمة للإيذان بعظمته وجلالة قدره وزيادة الجار والمجرور مع توسيطه
~~بين الفعل ومفعوله للإيذان من أول الأمر بأن الشرح من منافعه عليه الصلاة
~~والسلام ومصالحه مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه الشريف صلى الله عليه
~~وسلم وتشويقا له عليه الصلاة والسلام إلى ما يعقبه ليتمكن عنده وقت
~~وروده فضل تمكن.

# وقرأ أبو جعفر المنصور (ألم نشرح) بفتح الحاء وخرجه ابن عطية وجماعة
~~على أن الأصل ألم نشرحن بنون التأكيد الخفيفة فأبدل من النون ألفا ثم
~~حذفها تخفيفا كما في قوله:

# اضرب عنك الهموم طارقها

# ضربك بالسيف قونس الفرس

# ولا يخفى أن الحذف هنا أضعف مما في البيت لأن ذلك في الأمر وهذا في
~~النفي ولهذا روى ابن جني في «المنتقى» عن أبي مجاهد أنه غير جائز أصلا
~~فنون التوكيد أشبه شيء به الإسهاب والإطناب لا الإيجاز والاختصار والبيت
~~يقال إنه مصنوع والأولى في التمثيل ما أنشده أبو زيد في «نوادره»:

# من أي يومي من الموت أفر

# أيوم لم يقدر أم يوم قدر

# وقال غير واحد لعل أبا جعفر بين الحاء وأشبعها في مخرجها فظن السامع أنه
~~فتحها وفي «البحر» أن لهذه القراءة تخريجا أحسن مما ذكر وهو أن الفتح
~~على لغة بعض العرب من النصب بلم فقد حكى اللحياني في «نوادره» أن منهم من
~~ينصب بها ويجزم بلن عكس المعروف ms11358 عند الناس وعلى ذلك قول عائشة بنت الأعجم
~~تمدح المختار بن أبي عبيد:

# في كل ما هم أمضى رأيه قدما

# ولم يشاور في الأمر الذي فعلا

# وخرجها بعضهم على أن الفتح لمجاورة ما بعدها كالكسر في قراءة

# الحمد لله

# [الفاتحة: 2] بالجر وهو لا يتأتى في بيت عائشة ويتأتى فيما عداه مما مر.
~~وقوله تعالى: { ووضعنا عنك وزرك }.

### || [94.2]

# عطف على ما أشير إليه من مدلول الجملة السابقة كأنه قيل قد شرحنا لك
~~صدرك ووضعنا الخ و { عنك } متعلق بوضعنا وتقديمه على المفعول الصريح
~~لما مر من القصد إلى تعجيل المسرة والتشويق إلى المؤخر ولما أن في وصفه
~~نوع طول فتأخير الجار والمجرور عنه مخل بتجاوب أطراف النظم الكريم.
~~والوزر الحمل الثقيل أي وحططنا عنك حملك الثقيل.

### || [94.3]

# أي حمله على النقيض وهو صوت الانتقاض والانفكاك أعني الصرير ولا يختص
~~بصوت المحامل والرحال بل يضاف إلى المفاصل فيقال نقيض المفاصل ويراد
~~صوتها فتقيض الظهر ما يسمع من مفاصله من الصوت لثقل الحمل وعليه قول عباس
~~بن مرداس:

# وأنقض ظهري ما تطويت منهم

# وكنت عليهم مشفقا متحننا

# / وإسناد الإنقاض للحمل إسناد للسبب الحامل مجازا والمراد بالحمل
~~المنقض هنا ما صدر منه صلى الله عليه وسلم قبل البعثة مما يشق عليه صلى
~~الله عليه وسلم تذكره لكونه في نظره العالي دون ما هو عليه عليه الصلاة
~~والسلام بعد أو غفلته عن الشرائع ونحوها مما لا يدرك إلا بالوحي مع تطلبه
~~صلى الله عليه وسلم له أو حيرته عليه الصلاة والسلام في بعض الأمور كأداء
~~حق الرسالة أو الوحي وتلقيه فقد كان يثقل عليه صلى الله تعالى عليه وسلم
~~في ابتداء أمره جدا أو ما كان يرى صلى الله عليه وسلم من ضلال قومه مع
~~العجز عن إرشادهم لعدم طاعتهم له وإذعانهم للحق أو ما كان يرى من تعديهم
~~في إيذائه عليه الصلاة والسلام أو همه عليه الصلاة والسلام من وفاة أبي
~~طالب وخديجة بناء على نزول السورة بعد وفاتهما ويراد بوضعه على الأول ms11359
~~مغفرته وعلى الثاني إزالة غفلته عليه الصلاة والسلام عنه بتعليمه إياه
~~بالوحي ونحوه على الثالث إزالة ما يؤدي للحيرة وعلى الرابع تيسيره له صلى
~~الله عليه وسلم بتدربه واعتياده له وعلى الخامس توفيق بعضهم للإسلام
~~كحمزة وعمر وغيرهما وعلى السادس تقويته صلى الله عليه وسلم على التحمل
~~وعلى السابع إزالة ذلك برفعه إلى السماء حتى لقيه كل ملك وحياه وفوزه
~~بمشاهدة محبوبه الأعظم ومولاه عز وجل.

# وأيا ما كان ففي الكلام استعارة تمثيلية والوضع ترشيح لها وليس فيه
~~دليل لنا في العصمة كما لا يخفى. واختار أبو حيان كون وضع الوزر كناية عن
~~عصمته صلى الله عليه وسلم عن الذنوب وتطهيره من الأدناس عبر عن ذلك
~~بالوضع على سبيل المبالغة في انتفاء ذلك كما يقول القائل رفعت عنك مشقة
~~الزيارة لمن لم يصدر منه زيارة على طريق المبالغة في انتفاء الزيارة منه
~~له والتمثيل عليه بحاله على ما قيل.

# وقيل المراد وزر أمتك وإنما أضيف إليه صلى الله عليه وسلم لاهتمامه
~~بشأنه وتفكره في أمره والمراد بوضعه رفع غائلته في الدنيا من العذاب
~~العاجل ما دام صلى الله عليه وسلم فيهم وما داموا يستغفرون فقد قال
~~سبحانه

# وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان
~~الله معذبهم وهم يستغفرون

# [الأنفال: 33] ولا يخفى بعد هذا الوجه.

# وقرأ أنس (وحططنا) (وحللنا) مكان «وضعنا» وقرأ ابن مسعود (وحللنا عنك
~~وقرك).

### || [94.4]

# بالنبوة وغيرها وأي رفع مثل أن قرن اسمه عليه الصلاة والسلام باسمه عز
~~وجل في كلمتي الشهادة وجعل طاعته طاعته وصلى عليه في ملائكته وأمر
~~المؤمنين بالصلاة عليه وخاطبه بالألقاب كيا أيها المدثر يا أيها المزمل
~~يا أيها النبي يا أيها الرسول وذكره سبحانه في كتب الأولين وأخذ على
~~الأنبياء عليهم السلام وأممهم أن يؤمنوا به صلى الله عليه وسلم وروي عن
~~مجاهد وقتادة ومحمد بن كعب والضحاك والحسن وغيرهم أنهم قالوا في ذلك لا
~~أذكر إلا ذكرت معي وفيه حديث مرفوع أخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر
~~وابن أبي حاتم ms11360 وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم في «الدلائل» عن أبي
~~سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال

# " أتاني جبريل عليه السلام فقال إن ربك يقول أتدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت
~~الله تعالى أعلم قال إذا ذكرت ذكرت معي "

# وكان ذلك من الاقتصار على ما هو أعظم قدرا من إفراد رفع الذكر ويشير
~~إلى عظم قدره قول حسان:

# أغر عليه للنبوة خاتم

# من الله مشهود يلوح ويشهد

# وضم الإله اسم النبي إلى اسمه

# إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

# ولا يخفى لطف ذكر الرفع بعد الوضع. والكلام في العطف وزيادة { لك }
~~كالذي سلف.

### || [94.5]

# والفاء في قوله عز وجل: { فإن مع العسر يسرا } على ما في
~~«الكشاف» فصيحة والكلام وعد له صلى الله عليه وسلم مسوق للتسلية والتنفيس
~~قال ((كان المشركون يعيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم / والمؤمنين
~~بالفقر والضيقة حتى سبق إلى ذهنه الشريف عليه الصلاة والسلام أنهم رغبوا
~~عن الإسلام لافتقار أهله واحتقارهم فذكره سبحانه ما أنعم به عليه من
~~جلائل النعم ثم قال تعالى شأنه { إن مع العسر يسرا } كأنه
~~قال سبحانه خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله تعالى فإن مع العسر
~~الذي أنتم فيه يسرا)) وهو ظاهر في أن أل في (العسر) للعهد وأما التنوين
~~في (يسرا) فللتفخيم كأنه قيل إن مع العسر يسرا عظيما وأي يسر والمراد
~~به ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يسر
~~الدنيا مطلقا.

### || [94.6]

# { إن مع العسر يسرا } يحتمل أن يكون تكريرا للجملة السابقة
~~لتقرير معناها وفي النفوس وتمكينها في القلوب كما هو شأن التكرير ويحتمل
~~أن يكون وعدا مستأنفا وال والتنوين على ما سبق بيد أن المراد باليسر
~~هنا ما تيسر لهم في أيام الخلفاء أو يسر الآخرة واحتمال الاستئناف هو
~~الراجح لما علم من فضل التأسيس على التأكيد كيف وكلام الله تعالى محمول
~~على أبلغ الاحتمالين وأوفاهما والمقام كما تقدم مقام التسلية والتنفيس
~~والاستئناف نحوى وتجرده ms11361 عن الواو أكثر من أن يحصى ولا يحتاج إلى بيان
~~نكتة لأنه الأصل وقال عصام الدين لا يبعد أن تكون نكتة الفصل كونه في
~~صورة التكرير فاحفظه فإنه من البدائع. وتعقب بنحو ما ذكرنا.

# وكأن الظاهر على ما سمعت من المراد باليسر تعريفه إلا أنه أوثر التنكير
~~للتفخيم وقد يقال إن فائدته الظهور في التأسيس لأن النكرة المعادة ظاهرها
~~التغاير والإشعار بالفرق بين العسر واليسر ويظهر مما ذكر وجه ما أخرجه
~~عبد الرزاق وابن جرير والحاكم والبيهقي عن الحسن قال

# " خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فرحا مسرورا وهو يضحك ويقول
~~لن يغلب عسر يسرين { فإن مع العسر يسرا * إن مع
~~العسر يسرا } "

# وأفاد بعض الأجلة أن الكلام تقرير لما قبله وعدة له صلى الله عليه وسلم
~~بتيسير كل عسير فالفاء قيل سببية ودخلت على السبب وإن تعارف دخولها على
~~المسبب لتسبب ذكره عن ذكره فإن ذكر أحدهما يستدعي ذكر الآخر.

# وال في (العسر) للاستغراق فيدخل فيه سبب النزول والتنوين في { يسرا }
~~على ما سبق كأنه قيل فعلنا لك كذا وكذا لأن مع كل عسر كضيق الصدر والوزر
~~المنقض للظهر والخمول يسرا عظيما كالشرح والوضع ورفع الذكر فلا تيأس من
~~روح الله تعالى إذا عراك ما يغمك.

# وقال بعضهم الفاء للتفريع وهو من قبيل تفريع الحكم على الدليل في صورة
~~الاستدلال بالجزئي على الكلي وذلك كما تقول أما ترى إلى الإنسان والفرس
~~والغنم كلها تحرك الفك الأسفل عند المضغ فأعلم بذلك أن كل حيوان يفعل
~~كذلك فتدبر وفي الجملة الثانية الاحتمالان السابقان والاستئناف أيضا هو
~~الراجح لما تقدم وعلى اتحاد العسر وتعديد اليسر يكون الحاصل من الجملتين
~~أن مع كل عسر يسرين عظيمين والظاهر أن المراد بذينك اليسرين يسر دنيوي
~~ويسر أخروي وقيل الظاهر أن الجملة الثانية تكرير للأولى وتأكيد لها
~~فاليسر فيها عين اليسر في الأولى كما أن العسر كذلك والكلام نظير قولك إن
~~مع الفارس رمحا إن مع الفارس رمحا وهو ظاهر وحدة الفارس والرمح

# " ولن ms11362 يغلب عسر يسرين "

# ليس نصا في الحمل على الاستئناف إذ يصح على التأكيد أيضا بأن يكون
~~مبنيا على كون التنوين في { يسرا } للتفخيم فحمل لقوة الرجاء على يسر
~~الدارين وذلك يسران في الحقيقة ويشهد لذلك أنه ليس في مصحف ابن مسعود
~~الجملة الثانية مع أنه جاء عنه أيضا (لن يغلب عسر يسرين) وقيل يمكن أن
~~يحمل الخبر على أنه لن يغلب فرد من أفراد العسر ذكر اليسر مرتين وتكريره
~~في مقام الوعد وهو كما ترى والمشهور على جميع الأوجه أنه شبه التقارب
~~بالتقارن فاستعير لفظ مع لمعنى بعد وذلك للمبالغة في معاقبة اليسر العسر
~~واتصاله به.

# واستشكل أمر الاستغراق بأن من العسر ما لا يعقبه يسر دنيوي كالفقر
~~والمرض الدائمين إلى الموت ولا أراك ترضى القول بأن الموت يسر دنيوي وإن
~~من العسر / ما لا يعقبه يسر أخروي أيضا كعسر الكافر. والجواب بأن الحكم
~~بالنسبة للمؤمنين كما يقتضيه مقام التسلية والتنفيس ويشعر به ما رواه
~~مالك في «الموطأ» عن زيد بن أسلم قال «كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب
~~رضي الله عنهما يذكر له جموعا من الروم وما يتخوف منهم فكتب إليه عمر
~~رضي الله تعالى عنه أما بعد فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن شدة يجمل الله
~~تعالى بعده فرجا ولن يغلب عسر يسرين» لا يحسم الإشكال إذ يبقى معه أن من
~~عسر المؤمن ما لا يعقبه يسر دنيوي كما هو ظاهر بل منه ما لا يعقبه يسر
~~أخروي أيضا وذلك كعسر المؤمن الجازع فإنه لا يثاب عليه في الآخرة
~~والظاهر من اليسر الأخروي هو الثواب فيها على ذلك العسر وإرادة المؤمن
~~الصابر يبقى معها إن من عسره أيضا ما لا يعقبه اليسر الدنيوي.

# وأجاب بعض على وجه التأكيد بأن الاستغراق عرفي ويكفي فيه أن العسر في
~~الغالب يعقبه يسر وعلى وجه التأسيس بهذا مع كون الحكم بالنسبة للمؤمن
~~الصابر وآخر بأن الحكم مشروط بمشيئته تعالى وإن لم تذكر قيل ويشعر بذلك
~~ما أخرجه عبد بن حميد وابن جرير ms11363 عن قتادة في الآية قال ذكر لنا أن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم بشر بهذه الآية أصحابه فقال عليه الصلاة والسلام

# " لن يغلب عسر إن شاء الله تعالى يسرين "

# ويفهم من كلام بعض الأفاضل أنه يجوز على وجه التأكيد أن يكون (مع) على
~~ظاهرها.

# والتنوين في { يسرا } للنوعية ولا إشكال في الاستغراق إذ لا يخلو
~~المرء في حال العسر عن نوع من اليسر وأقله دفع ما هو أعظم مما أصابه عنه
~~ويجوز أن يكون التنوين للتفخيم أيضا ويكون اليسر العظيم المقارن للعسر
~~هو دفع ذلك الأعظم وما من عسر إلا وعند الله تعالى أعظم منه وأعظم وأنه
~~لا يأبى ذلك «لن يغلب عسر يسرين» إما لأن المعنى لن يغلب فرد من أفراد
~~العسر ذكر اليسر مرتين في مقام التسلية أو لأن الآية أفادت أن مع العسر
~~يسرا وقد علم أن بعده آخر على ما جرت به العادة الغالبة أو فهم من قوله
~~تعالى

# سيجعل الله بعد عسر يسرا

# [الطلاق: 7] إن كان نزوله متقدما.

# وذكر بعضم أن المعية على حقيقتها عند الخاصة على معنى أن كل ما فعل
~~المحبوب محبوب كما يشير إليه قول الشيخ عمر بن الفارض قدس سره:

# وتعذيبكم عذب لدي وجوركم

# علي بما يقضي الهوى لكم عدل

# وقول الآخر:

# برجا تم أزتوهرجه

# رسد جاي منت است

# كدناوك جفا ست

# وكر خنجر ستم

# وتسمية ذلك عسرا لأنه في نفسه وعند العامة كذلك لا بالنسبة إلى من
~~أصابه من المحبين المستعذبين له والكل كما ترى.

# ثم إنه يبعد إرادة المعية الحقيقية ما أخرجه البزار وابن أبي حاتم
~~والطبراني في «الأوسط» والحاكم والبيهقي في «الشعب» عن أنس بن مالك قال

# " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا وحياله حجر فقال عليه الصلاة
~~والسلام لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه
~~فأنزل الله تعالى { إن مع العسر يسرا } "

# الخ ولفظ الطبراني

# " وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { فإن مع العسر يسرا }
~~"

# وإرادة العهد أسلم ms11364 من القيل والقال وكأن من اختاره اختاره لذلك مع
~~الاستئناس له بسبب النزول لكن الذي يقتضيه الظواهر ومقاماتها الخطابية
~~الاستغراق فإذا قيل به فلا بد من التقييد بكون من أصابه العسر واثقا
~~بالله تعالى حسن الرجاء به عز وجل منقطعا إليه سبحانه أو بنحو ذلك من
~~القيود فتدبر والله تعالى الميسر لكل ما يتعسر.

# وقرأ ابن وثاب وأبو جعفر وعيسى (العسر) و(يسرا) في الموضعين بضم السين.

### || [94.7]

# { فإذا فرغت } أي من عبادة كتبليغ الوحي { فانصب } فاتعب في
~~عبادة أخرى شكرا لما عددنا عليك من النعم السالفة ووعدناك من الآلاء
~~الآنفة كأنه عز وجل لما عدد عليه ما عدد ووعده صلى الله عليه وسلم بما
~~وعد بعثه على الشكر والاجتهاد في العبادة وأن لا يخلي وقتا من أوقاته
~~منها فإذا فرغ من / عبادة أتبعها بأخرى.

### || [94.8]

# { وإلى ربك } وحده { فارغب } فاحرص بالسؤال ولا تسأل غيره
~~تعالى فإنه القادر على الإسعاف لا غيره عز وجل وأخرج ابن جرير وغيره من
~~طرق عن ابن عباس أنه قال أي إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء وروي
~~نحوه عن الضحاك وقتادة وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود أي إذا فرغت من
~~الفرائض فانصب في قيام الليل وعن الحسن أي إذا فرغت من الغزو فاجتهد في
~~العبادة وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم نحوه وأخرج ابن نصر وجماعة
~~عن مجاهد أي إذا فرغت من أسباب نفسك وفي لفظ من دنياك فصل وفي رواية أخرى
~~عنه نحو ما روي عن ابن عباس والأنسب حمل الآية على ما تقدم وأما قول ابن
~~عباس ومن معه فهو تخصيص لبعض العبادات فراغا وشغلا إما مثالا - لا أن
~~اللفظ خاص وهو الأظهر وكذا يقال فيما روي عن ابن مسعود - وإما لأن الصلاة
~~أم العبادات البدنية والدعاء مخ العبادة فهما هما وقول الحسن فيه ما شاع
~~من قوله صلى الله عليه وسلم

# " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر "

# وهو قريب إلا أنه قيل عليه إن السورة مكية والأمر ms11365 بالجهاد بعد الهجرة
~~ولعله يقول بمدنيتها أو مدنية هذه الآية أو أنها مما تأخر حكمه عن نزوله
~~كآيات أخر وقول مجاهد نظر فيه إلى أن الفراغ أكثر ما يستعمل في الخلو عن
~~الأشغال الدنيوية كما في قوله صلى الله عليه وسلم

# " اغتنم فراغك قبل شغلك "

# وهو أضعف الأقوال لبعده عما يقتضيه السياق وتؤذن به الفاء وقال عصام
~~الدين الأنسب أن يراد فإذا فرغت من يسر فانصب بعسر آخر طلبا لليسرين
~~فإذا كنت كذلك فكن راغبا إلى ربك يعني لا تتحمل عسر الدنيا طمعا في
~~يسرين فيها بل تحمل عسر طلب الرب وقربه جل شأنه لليسرين انتهى ولعمري إنه
~~خلاف ما يفهمه من لا سقم في ذهنه من اللفظ.

# وأشعرت الآية بأن اللائق بحال العبد أن يستغرق أوقاته بالعبادة أو بأن
~~يفرغ إلى العبادة بعد أن يفرغ من أمور دنياه على ما سمعت من قول مجاهد
~~فيها وذكروا أن قعود الرجل فارغا من غير شغل أو اشتغاله بما لا يعنيه في
~~دينه أو دنياه من سفه الرأي وسخافة العقل واستيلاء الغفلة وعن عمر رضي
~~الله تعالى عنه إني لأكره أن أرى أحدكم فارغا سبهللا لا في عمل دنياه
~~ولا في عمل آخرته وروي أن شريكا مر برجلين يصطرعان فقال ما بهذا أمر
~~الفارغ.

# وقرأ أبو السمال (فرغت) بكسر الراء وهي لغة قال الزمخشري ليست بفصيحة
~~وقرأ قوم (فانصب) بشد الباء مفتوحة من الانصباب والمراد فتوجه إلى
~~عبادة أخرى كل التوجه ونسب إلى بعض الإمامية أنه قرأ (فانصب) بكسر الصاد
~~فقيل أي فإذا فرغت من النبوة فانصب عليا للإمامة وليس في الآية دليل على
~~خصوصية المفعول فللسنى أن يقدره أبا بكر رضي الله تعالى عنه فإن احتج
~~الإمامي بما وقع في غدير خم منع السني دلالته على ما ثبت عنده على النصب
~~وصحته على ما يرويه الإمامي واحتج لما قدره بقوله صلى الله عليه وسلم

# " مروا أبا بكر فليصل بالناس "

# وقال إنه أوفق بإذا فرغت لما أنه صدر منه عليه الصلاة والسلام ms11366 في مرض
~~وفاته قيل وفاته صلى الله عليه وسلم بخلاف ما كان في الغدير فإنه لا يظهر
~~أن زمانه زمان فراغ من النبوة ظهور كون زمان الأمر كذلك وإن رجع وقال
~~المراد فإذا فرغت من الحج فانصب عليا ورد عليه أمر مكية السورة مع ما لا
~~يخفى. وقال في «الكشاف» ((لو صح ذلك للرافضي لصح للناصبي أن يقرأ هكذا
~~ويجعله أمرا بالنصب الذي هو بغض علي كرم الله تعالى وجهه وعداوته)) وفيه
~~نظر. ومن الناس من قدر المفعول خليفة والأمر فيه هين وقال ابن عطية إن
~~هذه القراءة شاذة ضعيفة المعنى لم تثبت عن عالم. وقرأ زيد بن علي وابن
~~أبي عبلة (فرغب) أمر من رغب بشد الغين أي فرغب الناس إلى طلب ما
~~عنده عز وجل.

### | [95 - سورة التين]

### || [95.1-3]

# إقسام ببقاع مباركة شريفة على ما ذهب إليه كثير فأما البلد الأمين فمكة
~~حماها الله تعالى بلا خلاف وجاء في حديث مرفوع وهو مكان البيت الذي هو
~~هدى للعالمين ومولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبعثه. والأمين فعيل
~~إما بمعنى فاعل أي الآمن من أمن الرجل بضم الميم أمانة فهو أمين وجاء
~~أمان أيضا كما جاء كريم وكرام ولم يسمع آمن اسم فاعل وسمع على معنى
~~النسب كما في قوله تعالى

# حرما آمنا

# [القصص: 57] بمعنى ذي أمن، وأمانته أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما
~~يؤتمن عليه ففيه تشبيه بالرجل الأمين وإما بمعنى مفعول أي المأمون من
~~أمنه أي لم يخفه ونسبته إلى البلد مجازية والمأمون حقيقة الناس أي لا
~~تخاف غوائلهم فيه أو الكلام على الحذف والإيصال أي المأمون فيه من
~~الغوائل. وإقحام اسم الإشارة للتعظيم.

# وأما طور سينين فالجبل الذي كلم الله تعالى شأنه موسى عليه السلام عليه
~~ويقال له طور سيناء بكسر السين والمد وبفتحها والمد وقد قرأ بالأول هنا
~~بدل (سينين) عمر بن الخطاب وعبد الله وطلحة والحسن وبالثاني عمر أيضا
~~وزيد بن علي (وطور سينين) بفتح السين وهي لغة بكر وتميم وقد ms11367 قرأ بها ابن
~~أبي إسحق وعمرو بن ميمون وأبو رجاء وفي «البحر» أنه لم يختلف في أنه
~~جبل بالشام وتعقبه الشهاب ((بأنه خلاف المشهور فإن المعروف اليوم بطور
~~سينا ما هو بقرب التيه بين مصر والعقبة)) وسينين قيل اسم للبقعة التي
~~فيها الجبل أضيف إليه الطور ويعامل في الإعراب معاملة بيرون ونحوه فيعرب
~~بالواو والياء ويقر على الياء وتحرك النون بحركات الإعراب. وقال الأخفش
~~سينين جمع بمعنى شجر واحدته سينة فكأنه قيل طور الأشجار وأخرج ابن أبي
~~حاتم وابن المنذر وعبد بن حميد عن ابن عباس أنه قال سينين هو الحسن وأخرج
~~عبد بن حميد نحوه عن الضحاك وكذلك أخرج هو وجماعة عن عكرمة بزيادة بلسان
~~الحبشة وأخرج هو أيضا وابن جرير وابن عساكر وغيرهما عن قتادة أنه قال
~~سينين مبارك حسن ذو شجر والإضافة على ما ذكر من إضافة الصفة إلى الموصوف.

# وأما التين والزيتون فروى جماعة عن قتادة أن الأول منهما الجبل الذي
~~عليه دمشق والثاني الجبل الذي عليه بيت المقدس ويقال على ما أخرج سعيد بن
~~منصور وابن أبي حاتم عن أبي حبيب الحرث بن محمد للأول طور تينا وللثاني
~~طور زيتا وذلك لأنهما منبتا التين والزيتون وكأن الكلام على هذا إما على
~~حذف مضاف أو على التجوز بأن يكون قد تجوز بالتين والزيتون عن منبتيهما
~~وشاع ذلك وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبد الله الفارسي أن التين مسجد دمشق
~~والزيتون بين المقدس ولعل إطلاقهما عليهما لأن فيهما شجرا من جنسهما وعن
~~كعب الأحبار أنهما دمشق وإيلياء بلد بيت المقدس وكأن تسميتهما بذلك من
~~تسمية المحل باسم الحال فيه وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن محمد بن
~~كعب أنهما / مسجد أصحاب الكهف ومسجد إيلياء وأخرج ابن جرير وابن مردويه
~~عن ابن عباس أنهما مسجد نوح عليه السلام الذي بني على الجودي وبيت المقدس
~~وعن شهر بن حوشب أنهما الكوفة والشام وتعقب بأن الكوفة بلدة إسلامية
~~مصرها سعد بن أبي وقاص في أيام أمير المؤمنين ms11368 عمر رضي الله تعالى
~~عنه ولعله أراد الأرض التي تسمى اليوم بالكوفة فقد كانت كما في «القاموس»
~~وغيره منزل نوح عليه السلام وقال بعضهم إن الكوفة بلد كانت قبل لكنها
~~خربت فجددت في أيام عمر رضي الله تعالى عنه وقيل هما جبال ما بين حلوان
~~وهمذان وجبال الشام لأنهما منابتهما وأيا ما كان فالمتعاطفات متناسبة في
~~أن المراد بها أماكن مخصوصة.

# وقيل المراد بهما الشجران المعروفان وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه
~~عن ابن عباس أنه قال التين والزيتون الفاكهة التي يأكلها الناس وأخرج ابن
~~جرير وابن المنذر وغيرهما عن مجاهد نحوه وحكاه في «البحر» أيضا عن
~~إبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومقاتل والكلبي وعكرمة
~~والحسن وخصهما الله تعالى على هذا القول بالإقسام بهما من بين الثمار
~~لاختصاصهما بخواص جليلة فإن التين فاكهة طيبة لا فضل لها وغذاء لطيف سريع
~~الانهضام بل قيل إنه أصح الفواكه غذاء إذا أكل على الخلاء ولم يتبع بشيء
~~وهو دواء كثير النفع يفتح السدد ويقوي الكبد ويذهب الطحال وعسر البول
~~وهزال الكلى والخفقان والربو وعسر النفس والسعال وأوجاع الصدر وخشونة
~~القصبة إلى غير ذلك وعن علي الرضا بن موسى الكاظم على جدهما وعليهما
~~السلام أنه يزيل نكهة الفم ويطول الشعر وهو أمان من الفالج وروى أبو ذر
~~أنه

# " أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه
~~كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم
~~فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس "

# ولم أقف للمحدثين على شيء في هذا الحديث لكن قال داود الطبيب بعد سرد
~~نبذة من خواص التين وفي نفعه من البواسير حديث حسن وذكر أن نفعه من
~~النقرس إذا دق مع دقيق الشعير أو القمح أو الحلبة وذكر أنه حينئذ ينفع من
~~الأورام الغليظة وأوجاع المفاصل وله مفردا ومركبا خواص أخرى كثيرة وكذا
~~لشجرته كما لا يخفى على من راجع كتب الطب وما أشبه شجرته ms11369 بمؤثر على نفسه
~~وبكريم يفعل ولا يقول.

# وأما الزيتون فهو إدام ودواء وفاكهة فيما قيل وقالوا إن المكلس منه لا
~~شيء مثله في الهضم والتسمين وتقوية الأعضاء ويكفيه فضلا دهنه الذي عم
~~الاصطباح به في المساجد ونحوها مع ما فيه من المنافع كتحسين الألوان
~~وتصفية الأخلاط وشد الأعصاب وكفتح السدد وإخراج الدود والإدرار وتفتيت
~~الحصى وإصلاح الكلى شربا بالماء الحار كقلع البياض وتقوية البصر
~~اكتحالا إلى غير ذلك وشجرته من الشجرة المباركة المشهود لها في التنزيل
~~وإذا تتبعت خواص أجزائها ظهر لك أنها أجدى من تفاريق العصا وعن معاذ بن
~~جبل أنه مر بشجرة زيتون فأخذ منها سواكا فاستاك به وقال سمعت النبي صلى
~~الله عليه وسلم يقول

# " نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفرة "

# وسمعته عليه الصلاة والسلام يقول

# " هو سواكي وسواك الأنبياء عليهم السلام قبلي "

# وقال بعضهم أن تفسيرهما بما ذكر هو الصحيح وكان المراد عليه تين تلك
~~الأماكن المقدسة وزيتونها.

# والغرض من القسم بتلك الأشياء الإبانة عن شرف البقاع المباركة وما ظهر
~~فيها من الخير والبركة ويرجع إلى القسم بالأرض المباركة وبالبلد الأمين
~~وفيه رمز إلى فضل البلد كما يشعر به كلام صاحب «الكشاف» وبين ذلك في
~~«الكشف» بقوله وذلك أنه فصل بركتي الأرض المقدسة الدنيوية والدينية بذكر
~~الشجرتين أو ثمرتيهما والطور الذي نودي منه موسى عليه السلام وناب
~~المجموع مناب والأرض المباركة على سبيل الكناية فظهر التناسب في العطف
~~على وجه بين إذ عطف البلد على مجموع الثلاثة لأنها / كالفرد بهذا
~~الاعتبار كأنه قيل والأرض التي باركنا فيها دينا ودنيا والبلد الآمن من
~~دخله في الدارين وذلك بركة يتضاءل دونها كل بركة يتضاءل دونها كل بركة
~~ويتضمن ذلك أن شرف تلك البقاع بمناجاة موسى عليه السلام ربه عز وجل
~~أياما معدودة وكم نوجيت في البلد الأمين ثم قال والحمل على الظاهر أريد
~~المنابت أو الشجر أن يفوته المناسبة بين الأولين والبلد الأمين لأن
~~مناسبة طور سينين للبلد غير مناسبته لهما والكلام مسوق للأول ms11370 انتهى فتأمل
~~فإنه دقيق.

### || [95.4]

# وأيا ما كان فجواب القسم قوله تعالى: { لقد خلقنا الإنسن }
~~الخ وأريد بالانسان الجنس فهو شامل للمؤمن والكافر لا مخصوص بالثاني
~~واستدل عليه بصحة الاستثناء وأن الأصل فيه الاتصال وقوله تعالى: { فى
~~أحسن تقويم } في موضع الحال من الإنسان أي كائنا في تقويم أحسن
~~تقويم والتقويم التثقيف والتعديل وهو فعل الله عز وجل فمعنى كون الإنسان
~~كائنا في ذلك على ما قيل إنه ملتبس به نظير قولك فلان في رضا زيد بمعنى
~~أنه مرضي عنه وقال الخفاجي هو مؤول بمعنى القوام أو المقوم وفيه مضاف
~~مقدر أي قوام أحسن تقويم أو (في) زائدة وما بعدها في موضع المفعول المطلق
~~وقد ناب فيه عن المصدر صفته والتقدير قومناه تقويما أحسن تقويم والمراد
~~بذلك جعله على أحسن ما يكون صورة ومعنى فيشمل ماله من انتصاب القامة وحسن
~~الصورة والإحساس وجودة العقل وغير ذلك ومن أمعن نظره في أمره وأجال فكره
~~في دقائق ظاهره وسره رآه كما قال بعض الأجلة مجمع مجرى الغيب والشهادة
~~ومطلع نيري فلكي الإفادة والاستفادة والنسخة الجامعة لما في «رسائل إخوان
~~الصفا» وسائر المتون والشارح بسطورطروس العجائب الإلهية المودعة فيه لما
~~كان وسيكون وظهر له صدق ما قيل ونسب لعلي كرم الله تعالى وجهه:

# دواؤك فيك ولا تشعر

# وداؤك منك وما تبصر

# وتزعم انك جرم صغير

# وفيك انطوى العالم الأكبر

# ومما يدل على أحسنية تقويمه أن الله تعالى رسم فيه من الصفات ما تذكره
~~صفاته عز وجل وتدله عليها فجعله عالما مريدا قادرا إلى غير ذلك وقال
~~تعالى تخلقوا بأخلاق الله لئلا يتوهم أن ما للسيد على العبد حرام ويكفي
~~في هذا الباب وهو القول الفصل إن الله تعالى خلقه بيديه وأمر سبحانه
~~ملائكته عليهم السلام بالسجود له وهم المكرمون لديه وجاء «إن الله تعالى
~~خلق آدم على صورته» وفي رواية على صورة الرحمن وهي تأبى احتمال عود
~~الضمير على آدم على معنى خلقه غير متنقل في الأطوار كينية ولكونه النسخة
~~الجامعة قال يحيى ms11371 بن معاذ الرازي «من عرف نفسه فقد عرف ربه» والناس
~~يزعمونه حديثا وليس - كما قال النووي - بثابت.

# وعن يحيى بن أكثم وبعض الحنفية أنهما أفتيا من قال لزوجته إن لم تكوني
~~أحسن من القمر فأنت طالق بعد وقوع الطلاق واستدلا بهذه الآية في قصة
~~مشهورة. وللشعراء في تفضيل معشوقهم على القمر ليلة تمه ما يضيق عنه نطاق
~~الحصر والحق أن الفرق مثل الصبح ظاهر. و(ثم) في قوله تعالى: { ثم
~~رددنه أسفل سفلين }.

### || [95.5]

# و(ثم) في قوله تعالى: { ثم رددنه أسفل سفلين }
~~للتراخي الزماني أو الرتبي والرد إما بمعنى الجعل فينصب مفعولين أصلهما
~~المبتدأ والخبر كما في قوله:

# فرد شعورهن السود بيضا

# ورد وجوههن البيض سودا

# فأسفل مفعول ثان له هنا والمعنى ثم جعلناه من أهل النار الذين هم أقبح
~~من كل قبيح وأسفل من كل سافل خلقا وتركيبا لعدم جريه على موجب ما
~~خلقناه عليه من الصفات وجوز أن يكون المراد بالرد / تغيير الحال فهو متعد
~~لواحد و { أسفل } حال من المفعول أي رددناه حال كونه أقبح من قبح
~~صورة وأشوهه خلقة وهم أصحاب النار وأن يكون الرد بمعناه المعروف و {
~~أسفل } منصوب بنزع الخافض وجعل الأسفل عليه صفة لمكان. وأريد
~~بالسافلين الأمكنة السافلة أي رددناه إلى مكان أسفل الأمكنة السافلة وهو
~~جهنم أو الدرك الأسفل من النار ويعكر على هذا جمعها جمع العقلاء وكونه
~~للفاصلة أو التنزيل منزلة العقلاء ليس مما يهتش له ولعل الأولى على ذلك
~~أن يراد إلى أسفل من سفل من أهل الدركات وقال عكرمة والضحاك والنخعي
~~وقتادة في رواية المراد بذلك رده إلى الهرم وضعف القوى الظاهرة والباطنة
~~أي ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل
~~حيث نكسناه في خلقه فقوس ظهره بعد اعتداله وابيض شعره بعد سواده وتشنن
~~جلده وكان بضا، وكل سمعه وبصره وكانا حديدين، وتغير كل شيء منه
~~فمشيه دليف وصوته خفات وقوته ضعف وشهامته خرف والآية على هذا نظير قوله
~~تعالى

# ومنكم من يرد إلى ms11372 أرذل العمر

# [النحل: 70] وقوله سبحانه

# ومن نعمره ننكسه في الخلق

# [يس: 68] وهو باعتبار الجنس فلا يلزم أن يكون كل الإنسان كذلك.

# وفي إعراب { أسفل } قيل الأوجه السابقة والأوجه منه غير خفي. ثم
~~المتبادر من السياق الإشارة إلى حال الكافر يوم القيامة وأنه يكون على
~~أقبح صورة وأبشعها بعد أن كان على أحسن صورة وأبدعها لعدم شكره تلك
~~النعمة وعمله بموجبها وإرادة ما ذكر لا يلائمه ومن هنا قيل إنه خلاف
~~الظاهر والظاهر ما لاءم ذلك كما هو المروي عن الحسن ومجاهد وأبي العالية
~~وابن زيد وقتادة أيضا.

# وقرأ عبد الله (السافلين) مقرونا بأل.

### || [95.6]

# وقوله تعالى: { إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت
~~} على ما تقدم استثناء متصل من ضمير

# رددناه

# [التين: 5] العائد على الإنسان فإنه في معنى الجمع فالمؤمنون لا يردون
~~أسفل سافلين يوم القيامة ولا تقبح صورهم بلا يزدادون بهجة إلى بهجتهم
~~وحسنا إلى حسنهم وقوله تعالى: { فلهم أجر غير ممنون } أي
~~غير مقطوع أو غير ممنون به عليهم مقرر لما يفيده الاستثناء من خروجهم عن
~~حكم الرد ومبين لكيفية حالهم وعلى الأخير الاستثناء منقطع والموصول مبتدأ
~~وجملة (لهم أجر) خبره والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط والكلام على معنى
~~الاستدراك كأنه قيل لكن الذين آمنوا لهم أجر الخ وهو لدفع ما يتوهم من أن
~~التساوي في أرذل العمر يقتضي التساوي في غيره فلا يرد أنه كيف يكون
~~منقطعا والمؤمنون داخلون في المردودين إلى أرذل العمر غير مخالفين
~~لغيرهم في الحكم وقال بعض المحققين الانقطاع لأنه لم يقصد إخراجهم من
~~الحكم وهو مدار الاتصال والانقطاع كما صرح به في الأصول لا الخروج
~~والدخول فلا تغفل.

# وحمل غير واحد هؤلاء المؤمنين على الصالحين من الهرمى كأنه قيل لكن
~~الذين كانوا صالحين من الهرمى لهم ثواب دائم غير منقطع أو غير ممنون به
~~عليهم لصبرهم على ما ابتلوا به من الهرم والشيخوخة المانعين إياهم عن
~~النهوض لاداء وظائفهم من العبادة أخرج أحمد والبخاري وابن حبان عن أبي
~~موسى قال قال رسول الله صلى ms11373 الله عليه وسلم

# " إذا مرض العبد أو سافر كتب الله تعالى له من الأجر مثل ما كان يعمل
~~صحيحا مقيما "

# وفي رواية عنه

# " ثم قرأ صلى الله عليه وسلم { فلهم أجر غير ممنون } "

# أخرج الطبراني عن شداد بن أوس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~يقول

# " إن الله تبارك وتعالى يقول إذا ابتليت عبدا من عبادي مؤمنا فحمدني
~~على ما ابتليته فإنه يقوم من مضجعه كيوم ولدته أمه من الخطايا ويقول الرب
~~عز وجل أني أنا قيدت عبدي هذا وابتليته فأجروا له ما كنتم تجرون له قبل
~~ذلك "

# وهو صحيح وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في الآية إذا كبر
~~العبد وضعف عن العمل كتب له أجر ما كان يعمل في شبيبته.

# ومن الناس من حملهم على قراء القرآن وجعل الاستثناء متصلا مخرجا لهم
~~عن حكم الرد إلى أرذل العمر بناء على ما أخرج الحاكم / وصححه والبيهقي في
~~«الشعب» عن الحبر قال من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر وذلك قوله
~~تعالى { ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين
~~آمنوا } قال إلا الذين قرؤوا القرآن وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن
~~عكرمة نحوه وفيه أنه لا ينزل تلك المنزلة يعني الهرم كي لا يعلم من بعد
~~علم شيئا أحد من قراء القرآن ولا يخفى أن تخصيص { الذين آمنوا }
~~بما خصص به خلاف الظاهر وفي كون أحد من القراء لا يرد إلى أرذل العمر
~~توقف فليتتبع. والخطاب في قوله تعالى: { فما يكذبك بعد
~~بالدين }.

### || [95.7]

# عند الجمهور للإنسان على طريقة الالتفات لتشديد التوبيخ والتبكيت والفاء
~~لتفريع التوبيخ عن البيان السابق والباء للسببية والمراد بالدين الجزاء
~~بعد البعث أي فما يجعلك كاذبا بسبب الجزاء وإنكاره بعد هذا الدليل
~~والمعنى أن خلق الإنسان من نطفة وتقويمه على وجه يبهر الأذهان ويضيق عنه
~~نطاق البيان أو هذا مع تحويله من حال إلى حال من أوضح الدلائل على قدرة
~~الله عز وجل على البعث والجزاء فأي شيء يضطرك أيها ms11374 الإنسان بعد هذا
~~الدليل القاطع إلى أن تكون كاذبا بسبب تكذيبه فإن كل مكذب بالحق فهو
~~كاذب.

# وقال قتادة والأخفش والفراء الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أي فأي
~~شيء يكذبك بالجزاء بعد ظهور دليله وهو من باب الإلهاب والتعريض بالمكذبين
~~أي إنه لا يكذبك شيء ما بعد هذا البيان بالجزاء لا كهؤلاء الذين لا
~~يبالون بآيات الله تعالى ولا يرفعون بها رأسا فالاستفهام لنفي التكذيب
~~وإفادة أنه عليه الصلاة والسلام لاستمرار الدلائل وتعاضدها مستمر على ما
~~هو عليه من عدم التكذيب وفيه من اللطف ما ليس في الأول وجوز على هذا
~~الوجه كون الباء بمعنى في وكونها للسببية وتقدير مضاف عليهما والمعنى أن
~~أي شيء ينسبك إلى الكذب في إخبارك بالجزاء أو بسبب إخبارك به بعد هذا
~~الدليل وكونها صلة التكذيب والدين بمعناه والمعنى أي شيء يجعلك مكذبا
~~بدين الإسلام وروي هذا عن مجاهد وقتادة والاستفهام على ما سمعت وجوز كون
~~الدين بمعناه على الوجه الأول أيضا وبعض من ذهب إلى كون الخطاب لسيد
~~المخاطبين صلى الله عليه وسلم جعل (ما) بمعنى من لأن المعنى عليه أظهر
~~وضعف بأنه خلاف المعروف في ما فلا ينبغي ارتكابه مع صحة بقائها على
~~المعروف فيها.

### || [95.8]

# أي أليس الذي فعل ما ذكر بأحكم الحاكمين صنعا وتدبيرا حتى يتوهم عدم
~~الإعادة والجزاء، وحيث استحال عدم كونه سبحانه أحكم الحاكمين تعين
~~الإعادة والجزاء والجملة تقرير لما قبلها وقيل الحكم بمعنى القضاء فهي
~~وعيد للكفار وأنه عز وجل يحكم عليهم بما هم أهله من العذاب وأيا ما كان
~~فالاستفهام على ما قيل تقرير بما بعد النفي ويدل على ذلك ما أخرجه
~~الترمذي وأبو داود وابن مردويه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم

# " من قرأ منكم { والتين والزيتون } [التين: 1] فانتهى إلى قوله
~~تعالى: { أليس الله بأحكم الحكمين } فليقل: بلى وأنا
~~على ذلك من الشاهدين، "

# وجاء في بعض الروايات أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا أتى على هذه
~~الآية

# " سبحانك ms11375 فبلى "

# وقد تقدم ما يتعلق بهذا في تفسير سورة { لا أقسم بيوم
~~القيمة } [القيامة: 1] فتذكر.

### | [96 - سورة العلق]

### || [96.1]

# { اقرأ } أي ما يوحى إليك من القرآن فالمفعول مقدر بقرينة المقام كما
~~قيل وليس الفعل منزلا منزلة اللازم ولا أن مفعوله قوله تعالى: { باسم
~~ربك } على أن الباء زائدة كما قال / أبو عبيدة وزعم أن المعنى {
~~اذكر ربك } بل هي أصلية ومعناها الملابسة وهي متعلقة بما عندها أو
~~بمحذوف وقع حالا كما روي عن قتادة والمعنى اقرأ مبتدئا أو مفتتحا لاسم
~~ربك أي قل بسم الله ثم اقرأ وهو ظاهر في أنه لو افتتح بغير اسمه عز وجل
~~لم يكن ممتثلا. واستدل بذلك على أن البسملة جزء من كل سورة وفيه بحث
~~وكذا الاستدلال به على أنها ليس من القرآن للمقابلة إذ لقائل أن يقول
~~إنها تخصص القرآن المقدر مفعولا بغيرها ((وبعضهم استدل على أنها ليست
~~بقرآن في أوائل السور بأنها لم تذكر فيما صح من أخبار بدء الوحي الحاكية
~~لكيفية نزول هذه الآيات كذا أفاده النووي عليه الرحمة ثم قال وجواب
~~المثبتين [لها] أنها لم تنزل أولا بل نزلت في وقت آخر كما نزل باقي
~~السورة كذلك)) وهذا خلاف ما أخرج الواحدي عن عكرمة والحسن أنهما قالا أول
~~ما نزل من القرآن

# بسم الله الرحمن الرحيم

# [الفاتحة: 1] وأول سورة { اقرأ } وكذا خلاف ما أخرجه ابن جرير وغيره
~~من طريق الضحاك عن ابن عباس أنه قال أول ما نزل جبريل عليه السلام على
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال يا محمد استعذ ثم قل { بسم الله
~~الرحمن الرحيم } وقد عد القول بأنها أول ما نزل أحد الأقوال
~~في تعيين أول منزل من القرآن وقال الجلال السيوطي إن هذا القول لا يعد
~~عندي قولا برأسه فإنه من ضرورة نزول السورة نزول البسملة معها فهي أول
~~آية نزلت على الإطلاق وفيه منع ظاهر كما لا يخفى. وجوز كون الباء
~~للاستعانة متعلقة بما عندها أو بمحذوف وقع حالا ورجحت الملابسة بسلامتها
~~عن إيهام كون ms11376 اسمه تعالى آلة لغيره وقد تقدم ما يتعلق بذلك أول الكتاب.

# ثم إنه ليس في الأمر المذكور تكليف بما لا يطاق سواء دل الأمر على الفور
~~أم لا لأنه صلى الله عليه وسلم علم أن ما أوحي قرآن فهو المكلف بقراءته
~~عليه الصلاة والسلام ولا محذوف في كون { اقرأ } الخ مأمورا بقراءته
~~لصدق المأمور بقراءته عليه وهذا كما تقول لشخص اسمع ما أقول لك فإنه
~~مأمور بسماع هذا اللفظ أيضا.

# وقد ذكر جمع من الأصوليين أن هذا بيان للمأمور به في قول جبريل عليه
~~السلام { اقرأ } المذكور في حديث بدء الوحي المتفق عليه قال الآمدي
~~عند ذكر أدلة جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب الذي ذهب إليه جماعة من
~~الحنفية وغيرهم ((ومن الأدلة ما روي أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى
~~الله عليه وسلم { اقرأ } قال وما أقرأ؟ كرر عليه ثلاث مرات ثم قال له
~~{ اقرأ باسم ربك الذى خلق } فأخر بيان ما أمره به أولا
~~مع إجماله إلى ما بعد ثلاث مرات من أمر جبريل عليه السلام وسؤال النبي
~~صلى الله عليه وسلم مع إمكان بيانه أولا وذلك دليل جواز التأخير)) إلى
~~آخر ما قال سؤالا وجوابا لا يتعلق بهما غرضنا.

# ولا يخفى أن كون هذا بيانا للمراد على الوجه الذي ذكرناه ظاهر وكونه
~~كذلك بجعل { اقرأ باسم ربك } إلى آخر ما نزل أو { بسم
~~الله الرحمن الرحيم * اقرأ } الخ ما ادعاه الجلال
~~معمولا لإقرأ المكرر في كلام جبريل عليه السلام مما لا أظن أن أصوليا
~~يقول به ومثله كونه كذلك بحمل الآية على ما سمعت عن أبي عبيدة وأما بناء
~~الاستدلال على ما في بعض الآثار من أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي
~~صلى الله عليه وسلم وهو بحراء بنمط من ديباج مكتوب فيه { اقرأ باسم
~~ربك } [العلق: 1] إلى

# ما لم يعلم

# [العلق: 5] فقال له اقرأ فقال عليه الصلاة والسلام ما أنا بقارىء قال {
~~اقرأ باسم ربك } بأن يكون { اقرأ } الخ بيانا وتلاوة من
~~جبريل عليه ms11377 السلام لما في النمط المنزل لعدم العلم بما فيه وإن كان
~~مشاهدا منزلة المجمل الغير المعلوم فلا يخفى حاله فتأمل. ثم إن في كلام
~~الآمدي من حيث رواية الخبر ما فيه فلا تغفل.

# والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إلى الكمال اللائق
~~شيئا فشيئا مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم للإشعار بتبليغه
~~عليه الصلاة والسلام إلى الغاية القاصية من الكمالات البشرية بإنزال
~~الوحي المتواتر. ووصف الرب بقوله تعالى: { الذى خلق } لتذكيره عليه
~~الصلاة والسلام أول النعماء الفائضة عليه صلى الله عليه وسلم / منه
~~سبحانه مع ما في ذلك من التنبيه على قدرته تعالى على تعليم القراءة بألطف
~~وجه وقيل لتأكيد عدم إرادة غيره تعالى من الرب فإن العرب كانت تسمي
~~الأصنام أربابا لكنهم لا ينسبون الخلق إليها والفعل إما منزل منزلة
~~اللازم أي الذي له الخلق أو مقدر مفعوله عاما أي الذي خلق كل شيء والأول
~~يفيد العموم أيضا فعلى الوجهين يكون وجه تخصيص الإنسان بالذكر في قوله
~~تعالى: { خلق الإنسن }.

### || [96.2]

# { خلق الإنسن } إنه أشرف المخلوقات وفيه من بدائع الصنع
~~والتدبير ما فيه فهو أدل على وجوب العبادة المقصودة من القراءة مع أن
~~التنزيل إليه ويجوز أن يراد خلق الإنسان إلا أنه لم يذكر أولا وذكر
~~ثانيا قصدا لتفخيمه بالإبهام ثم التفسير وعن الزمخشري أن المناسب أن
~~يراد خلق الإنسان بعد الأمر بقراءة القرآن تنبيها على أنه تعالى خلقه
~~للقراءة والدراية كما أن ذكر خلق الإنسان عقيب تعليم القرآن أول سورة
~~الرحمن لنحو ذلك.

# وقوله تعالى: { من علق } أي دم جامد لبيان كمال قدرته تعالى بإظهار
~~ما بين حالتيه الأولى والآخرة من التباين البين وأتى به دالا على الجمع
~~لأن الإنسان مراد به الجنس فهو في معنى الجمع فأتى بما خلق منه كذلك
~~ليطابقه مع ما في ذلك من رعاية الفواصل ولعله على ما قيل السر في تخصيص
~~هذا الطور من بين سائر أطوار الفطرة الإنسانية مع كون النطفة والترب أدل
~~على كمال القدرة لكونهما أبعد ms11378 منه بالنسبة إلى الإنسانية.

# وفي «البحر» لم يذكر سبحانه مادة الأصل يعني آدم عليه السلام وهو التراب
~~لأن خلقه من ذلك لم يكن متقررا عند الكفار فذكر مادة الفرع وخلقه منها
~~وترك مادة أصل الخلقة تقريبا لأفهامهم وهو على ما فيه لا يحسم مادة
~~السؤال. وقيل خص هذا الطور تذكيرا له عليه الصلاة والسلام لما وقع من
~~شرح الصدر قبل النبوة وإخراج العلق منه ليتهيأ تهيئا تاما لما يكون له
~~بعد فكأنه قيل الذي خلق الإنسان من جنس ما أخرجه من صدرك الشريف ليهيئك
~~بذلك لمثل ما يلقى إليك الآن وبهذا تقوى مناسبة هذه السورة لسورة الشرح
~~قبلها أتم مناسبة لا سيما على تفسير الشرح بالشق فتدبره. ومن الناس من
~~زعم أن المراد بالإنسان آدم عليه السلام وأن المعنى خلق آدم من طين يعلق
~~باليد وهو مما لا تعلق به يد القبول.

# ولما كان خلق الإنسان أول النعم الفائضة عليه منه تعالى وأقدم الدلائل
~~الدالة على وجوده عز وجل وكمال قدرته وعلمه وحكمته سبحانه وصف ذاته تعالى
~~بذلك أولا ليستشهد عليه الصلاة والسلام به على تمكينه تعالى له من
~~القراءة ثم كرر جل وعلا الأمر بقوله تعالى: { اقرأ }.

### || [96.3]

# { اقرأ } أي افعل ما أمرت به تأكيدا للإيجاب وتمهيدا لما يعقبه من
~~قوله تعالى { وربك الاكرم } الخ فإنه كلام مستأنف وارد لإزاحة
~~ما بينه صلى الله عليه وسلم من العذر بقوله عليه الصلاة والسلام لجبريل
~~عليه السلام حين قال له

# " { اقرأ } ما أنا بقارىء "

# يريد أن القراءة شأن من يكتب ويقرأ وأنا أمي فقيل وربك الذي أمرك
~~بالقراءة مفتتحا ومبتدأ باسمه الأكرم.

### || [96.4]

# أي علم ما علم بواسطة القلم لا غيره تعالى فكما علم سبحانه القارىء
~~بواسطة الكتابة بالقلم يعلمك بدونها وحقيقة الكرم إعطاء ما ينبغي لا لغرض
~~فهو صفة لا يشاركه تعالى في إطلاقها أحد فافعل للمبالغة وجوز أن لا يكون

# اقرأ

# [العلق: 3] هذا تأكيدا للأول وإنما ذكر ليوصل به ما يزيح العذر فجملة

# وربك

# [العلق: 3] الخ في موضع الحال ms11379 من الضمير المستتر فيه.

### || [96.5]

# وقوله تعالى: { علم الإنسان ما لم يعلم } بدل اشتمال من

# علم بالقلم

# [العلق: 4] أي علمه به وبدونه من الأمور الكلية والجزئية والجلية
~~والخفية ما لم يخطر بباله وفي حذف المفعول أولا وإيراده بعنوان عدم
~~المعلومية ثانيا من الدلالة على كمال قدرته تعالى وكمال كرمه عز وجل
~~والإشعار بأنه تعالى يعلمه عليه الصلاة والسلام من العلوم ما لا يحيط به
~~العقول ما لا يخفى قاله في «الإرشاد».

# وقدر بعضهم مفعول { علم } الخط وجعل { بالقلم } متعلقا به
~~وأيد بقراءة / ابن الزبير الذي (علم الخط بالقلم) حيث صرح فيها بذلك وقال
~~الجبائي إن

# اقرأ

# [العلق: 1] الأول أمر بالقراءة لنفسه وقيل مطلقا والثاني أمر بالقراءة
~~للتبليغ وقيل في الصلاة المشار إليها فيما بعد وجملة { وربك } الخ
~~تحتمل الحالية والاستئنافية وحاصل المعنى على إرادة القراءة للتبليغ في
~~قول بلغ قومك وربك الأكرم الذي يثيبك على عملك بما يقتضيه كرمه ويقويك
~~على حفظ القرآن لتبلغه وأولى الأوجه وأظهرها التأكيد وأبعد بعضهم جدا
~~فزعم أن (بسم) في البسملة متعلق باقرأ الأول و { باسم ربك } متعلق
~~باقرأ الثاني ليفيد التقديم اختصاص اسم الله تعالى بالابتداء وجوز أيضا
~~أن يبقى باسم الله على ما هو المشهور فيه و { اقرأ } أمر بإحداث
~~القراءة و { باسم ربك } متعلق باقرأ الثاني لذلك ولا يخفى أن
~~الظاهر تعلق { باسم ربك } بما عنده وتقديم الفعل ههنا أوقع لأن
~~السورة المذكورة على ما سبق من التصحيح أول سورة نزلت فالقراءة فيها أهم
~~نظرا للمقام وقيل إنه لو سلم كون غيرها نازلا قبلها لا يضر في حسن
~~تقديم الفعل لأن المعنى كما سمعت عن قتادة اقرأ مفتتحا باسم ربك أي قل
~~باسم الله ثم اقرأ فلو افتتح بغير البسملة لم يكن ممتثلا فضلا عن أن
~~يفتتح بما يضادها من أسماء الأصنام ولو قدم الجار أفاد معنى آخر وهو أن
~~المطلوب عند القراءة أن يكون الافتتاح باسم الله تعالى لا باسم الأصنام
~~ولا تكون القراءة في نفسها مطلوبة لما علم أن مقتضى ms11380 التقديم أن يكون أصل
~~الفعل مسلما على ما هو عليه من زمان طلبا كان أو خبرا وأجاب من علق
~~الجار بالثاني بأن مطلوبية القراءة في نفسها استفيدت من { اقرأ }
~~الأول فلا تغفل.

# والظاهر أن المعلم بالقلم غير معين وقيل هو كل نبي كتب وقال الضحاك هو
~~إدريس عليه السلام وهو أول من خط وقال كعب هو آدم عليه السلام وهو أول من
~~كتب وقد نسبوا لآدم وإدريس عليهما السلام نقوشا مخصوصة في كتابة حروف
~~الهجاء والذي يغلب على الظن عدم صحة ذلك وقد أدمج سبحانه وتعالى التنبيه
~~على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة ونيل الرتب الفخيمة
~~ولولاه لم يقم دين ولم يصلح عيش ولو لم يكن على دقيق حكمة الله تعالى
~~ولطيف تدبيره سبحانه دليل إلا أمر القلم والخط لكفى به وقد قيل فيه:

# لعاب الأفاعي القاتلات لعابه

# وأرى الجني اشتارته أيد عواسل

# ومما نسبه الزمخشري في ذلك لبعضهم وعنى على ما قيل نفسه:

# ورواقم رقش كمثل أراقم

# قطف الخطى نيالة أقصى المدى

# سود القوائم ما يجد مسيرها

# إلا إذا لعبت بها بيض المدى

# ولهم في هذا الباب كلام فصل يضيق عنه الكتاب.

# وظاهر الآثار أن الكتابة في الأمم غير العرب قديمة وفيهم حادثة لا سيما
~~في أهل الحجاز وذكر غير واحد أن الكتابة نقلت إليهم من أهل الحيرة وأنهم
~~أخذوها من أهل الأنبار وذكر الكلبي والهيثم بن عدي أن الناقل للخط
~~العربي من العراق إلى الحجاز حرب بن أمية وكان قد قدم الحيرة فعاد إلى
~~مكة به وأنه قيل لابنه أبي سفيان ممن أخذ أبوك هذا الخط؟ فقال من أسلم
~~بن أسدرة وقال سألت أسلم ممن أخذت هذا الخط؟ فقال من واضعه مرامر بن مرة.
~~وقيل كان لحمير كتابة يسمونها المسند منفصلة غير متصلة وكان لها شأن
~~عندهم فلا يتعاطاها إلا من أذن له في تعلمها.

# وأصناف الكتابة كثيرة وزعم بعضهم أن جل كتابات الأمم اثنا عشر صنفا
~~العربية والحميرية والفارسية والعبرانية واليونانية والرومية والقبطية
~~والبربرية ms11381 والأندلسية والهندية والصينية والسريانية ولعل هذا إن صح
~~باعتبار الأصول وإلا فالفروع توشك أن لا يحصيها قلم كما لا يخفى والله
~~تعالى أعلم.

# ولم ير بعض العلماء من الأدب وصف غيره تعالى بالأكرم كما يفعله كثير من
~~الناس في رسائلهم فيكتبون إلى فلان الأكرم ومع هذا يعدونه وصفا نازلا
~~ويستهجنونه بالنسبة للملوك ونحوهم من الأكابر وقد يصفون / به اليهودي
~~والنصراني ونحوهما مع أنه تعالى يقول

# وربك الاكرم

# [العلق: 3] فعلى العبد أن يراعي الأدب مع مولاه شاكرا كرمه الذي أولاه.

### || [96.6]

# { كلا } ردع لمن كفر من جنس الإنسان بنعمة الله تعالى عليه بطغيانه
~~وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه وذلك لأن مفتتح السورة إلى هذا المقطع
~~يدل على عظيم منته تعالى على الإنسان فإذا قيل كلا كان ردعا للإنسان
~~الذي قابل تلك النعم الجلائل بالكفران والطغيان وكذلك التعليل بقوله
~~تعالى: { إن الإنسن ليطغى } أي ليتجاوز الحد في المعصية
~~واتباع هوى النفس ويستكبر على ربه عز وجل وقال الكلبي أي ليرتفع عن
~~منزلة إلى منزلة في اللباس والطعام وغيرهما وليس بذاك وقدر بعضهم بعد
~~قوله تعالى:

# ما لم يعلم

# [العلق: 5] ليشكر تلك النعم الجليلة فطغى وكفر كلا وقيل (كلا) بمعنى
~~حقا لعدم ما يتوجه إليه الردع والزجر ظاهرا فقوله سبحانه: { إن
~~الإنسن } الخ بيان لما أريد إحقاقه.

# وهذا إلى آخر السورة قيل نزل في أبي جهل بعد زمان من نزول الآيات
~~السابقة وهو الظاهر ومع نزوله في ذلك اللعين المراد بالإنسان الجنس.

### || [96.7]

# وقوله سبحانه: { أن رآه استغنى } مفعول من أجله أي يطغى لأن
~~رأى نفسه مستغنيا على أن جملة { استغنى } مفعول ثان لرأى لأنه
~~بمعنى علم ولذلك ساغ كون فاعله ومفعوله ضميري واحد نحو علمتني فقد قالوا
~~إن ذلك لا يكون في غير أفعال القلوب وفقد وعدم وذهب جماعة إلى أن رأي
~~البصرية قد تعطى حكم القلبية في ذلك وجعلوا منه قول عائشة «لقد رأيتنا مع
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان» وأنشدوا:

# ولقد أراني للرماح ms11382 دريئة

# من عن يميني تارة وأمامي

# فإذا جعلت رأى هنا بصرية فالجملة في موضع الحال. وتعليل طغيانه برؤيته
~~لا بنفس الاستغناء كما ينبىء عنه قوله تعالى:

# ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الأرض

# [الشورى: 27] للإيذان بأن مدار طغيانه زعمه الفاسد على الأول ومجرد
~~رؤيته ظاهر الحال من غير روية وتأمل في حقيقته على الثاني وعلى الوجهين
~~المراد بالاستغناء الغنى بالمال أعني مقابل الفقر المعروف وقيل المراد أن
~~رأى نفسه مستغنيا عن ربه سبحانه بعشيرته وأمواله وقوته وهو خلاف الظاهر
~~ويبعده ظاهر ما روي أن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتزعم
~~أن من استغنى طغى فاجعل لنا جبال مكة ذهبا وفضة لعلنا نأخذ منها فنطغى
~~فندع ديننا ونتبع دينك فنزل جبريل عليه السلام فقال إن شئت فعلنا ذلك ثم
~~إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب المائدة فكف رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم عن الدعاء إبقاء عليهم.

# وقرأ قنبل بخلاف عنه (أن رأه) بحذف الألف التي بعد الهمزة وهي لام الفعل
~~وروى ذلك عنه ابن مجاهد وغلطه فيه وقال إن ذلك حذف لا يجوز وفي «البحر»
~~((ينبغي أن لا يغلطه بل يتطلب له وجها وقد حذفت الألف في نحو من هذا
~~قال:

# وصاني العجاج فيمن وصني

# يريد وصاني فحذف الألف وهي لام الفعل وقد حذفت في مضارع رأى في قولهم
~~أصاب الناس جهد لو تر أهل مكة وهو حذف لا ينقاس لكن إذا صحت الرواية
~~وجب القبول فالقراآت جاءت على لغة العرب قياسها وشاذها.

### || [96.8]

# تهديد للطاغي وتحذير له من عاقبة الطغيان والخطاب قيل للإنسان والالتفات
~~للتشديد في التهديد وجوز أن يكون الخطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه
~~وسلم والمراد أيضا تهديد الطاغي وتحذيره ولعله الأظهر نظرا إلى
~~الخطابات قبله والرجعى مصدر بمعنى الرجوع كالبشرى والألف فيها للتأنيث
~~وتقديم الجار والمجرور عليه للقصر أي أن إلى ربك رجوع الكل بالموت والبعث
~~لا إلى غيره سبحانه استقلالا أو اشتراكا فترى حينئذ عاقبة الطغيان.

# وفي هذه ms11383 الآيات على ما قيل ادماج التنبيه على مذمة المال كما أن في
~~الآيات الأول إدماج التنبيه على مدح العلم وكفى ذلك مرغبا في الدين
~~والعلم ومنفرا عن الدنيا والمال.

### || [96.9-10]

# وقوله تعالى: { أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى }
~~ذكر لبعض آثار الطغيان ووعيد عليها ولم يختلف المفسرون كما قال ابن عطية
~~في أن العبد المصلي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم والناهي هو اللعين
~~أبو جهل فقد أخرج أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة أن أبا جهل
~~حلف باللات والعزى لئن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ليطأن على
~~رقبته وليعفرن وجهه فأتى رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يصلي ليفعل
~~فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه فقيل له مالك فقال إن
~~بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم

# " لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا "

# وأنزل الله تعالى

# كلا إن الإنسان

# [العلق: 6] إلى آخر السورة وقول الحسن هو أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن
~~الصلاة لا يكاد يصح لأنه لا خلاف في أن إسلام سلمان رضي الله تعالى عنه
~~كان بالمدينة بعد الهجرة كما أنه لا خلاف في أن السورة مكية نعم حكم
~~الآية عام فإن كان ما حكي عن أمية واقعا فحكمها شامل له.

# والصلاة التي أشارت إليها الآية كانت على ما حكى أبو حيان صلاة الظهر
~~وحكى أيضا أنها كانت تصلي جماعة وهي أول جماعة أقيمت في الإسلام وأنه
~~كان معه عليه الصلاة والسلام أبو بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما فمر أبو
~~طالب ومعه ابنه جعفر فقال له يا بني صل جناح ابن عمك وانصرف مسرورا
~~وأنشأ يقول:

# إن عليا وجعفرا ثقتي

# عند ملم الزمان والكرب

# والله لا أخذل النبي ولا

# يخذله من يكون من حسبي

# لا تخذلا وانصرا ابن عمكما

# أخي لأمي من بينهم وأبي

# وفي هذا نظر لأن الصلاة فرضت ليلة الإسراء بلا خلاف وادعى ابن حزم
~~الإجماع ms11384 على أنه كان قبل الهجرة بسنة وجزم ابن فارس بأنه كان قبلها بسنة
~~وثلاثة أشهر وقال السدي بسنة وخمسة أشهر وموت أبي طالب كان قبل الهجرة
~~بنحو ثلاث سنين لأنه كان قبل وفاة خديجة بثلاثة وقيل بخمسة أيام وكانت
~~وفاتها بعد البعثة بعشر سنين على الصحيح فأبو طالب على هذا لم يدرك فرضية
~~الصلاة نعم حكى القاضي عياض عن الزهري ورجحه النووي والقرطبي أن الإسراء
~~كان بعد البعث بخمس سنين لكن قيل عليه ما قيل فليراجع.

# والنهي قيل بمعنى المنع وعبر به إشارة إلى عدم اقتدار اللعين على غير
~~ذلك وفي بعض الأخبار ما ظاهره أنه حصل منه نهي لفظي فقد أخرج أحمد
~~والترمذي وصححه وغيرهما عن ابن عباس قال

# " كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فجاء أبو جهل فقال ألم أنهك عن
~~هذا ألم أنهك عن هذا "

# الحديث والتعبير بما يفيد الاستقبال لاستحضار الصورة الماضية لنوع
~~غرابة. والرؤية قيل قلبية وكذا في قوله تعالى: { أرأيت إن كان
~~على الهدى }.

### || [96.11-13]

# { أرأيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى
~~}. وقوله عز وجل: { أرءيت إن كذب وتولى } والمفعول الأول
~~للأول الموصول وللثاني والثالث محذوف وهو ضمير يعود عليه أو اسم إشارة
~~يشار به إليه، والمفعول الثاني للثالث قوله سبحانه: { ألم يعلم
~~بأن الله يرى }.

### || [96.14]

# والأولان متوجهان إليه أيضا وهو مقدر عندهما وترك إظهاره اختصارا
~~ونظير ذلك أخبرني عن زيد إن وفدت عليه أخبرني عنه إن استخبرته أخبرني عنه
~~إن توسلت إليه اما يوجب حقي وليس ذلك من التنازع لأن الجمل لا يصح
~~إضمارها وإنما هو من الطلب المعنوي والحذف في غير التنازع وجواب الشرط في
~~الجملتين محذوف لدلالة { ألم يعلم } عليه ويقدر حسبما تقتضيه
~~الصناعة وقيل يدل عليه { أرأيت } مرادا به ما سيذكر قريبا إن شاء
~~الله تعالى ويقدر كذلك والكلام عليه أيضا نظير ما مر آنفا والضمائر
~~المستترة في { كان } [العلق: 1] وما بعد من الأفعال للناهي.

# والمراد من { أرأيت } أخبرني / فإن الرؤية لما كانت سببا للعلم
~~أجري الاستفهام ms11385 عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها والاستفهام الواقع موقع
~~المفعول الثاني هو متعلق الاستخبار هنا وهذا الإجراء على ما يفهم من كلام
~~بعض الأئمة يكون مع الرؤية البصرية والرؤية القلبية وللنحاة فيه قولان
~~والخطاب في الكل على ما اختاره جمع لكل من يصلح أن يكون مخاطبا ممن له
~~مسكة وقيل للإنسان كالخطاب في

# إلى ربك

# [العلق: 8] وتنوين

# عبدا

# [العلق: 10] على ما هو ظاهر كلام البعض للتنكير وتقييد النهي بالظرف
~~يشعر بأن النهي عن الصلاة حال التلبس بها وفصل بين الجمل للاعتناء بأمر
~~التشنيع والوعيد حيث أشعر أن كل جملة مقصودة على حيالها فشنع سبحانه على
~~الناهي أولا بنهيه عن الصلاة وأوعد عليه مطلقا بقوله تعالى:

# أرءيت الذى

# [العلق: 9] الخ أي أخبرني يا من له أدنى تمييز أو أيها الإنسان عمن ينهى
~~عن الصلاة بعض عباد الله تعالى ألم يعلم بأن الله تعالى يرى ويطلع
~~فيجازيه على ذلك النهي وشنع سبحانه عليه ثانيا بنهيه عن ذلك وأوعده عليه
~~أيضا على تقدير أنه على زعمه على هدى ورشد في نفس النهي أو أنه أمر
~~بواسطته بالتقوى لأن النهي عن الشيء أمر بضده أو مستلزم له فقال تعالى
~~شأنه:

# أرءيت إن كان

# [العلق: 11] الخ أي أخبرني عن ذلك الناهي ألم يعلم أن الله يطلع فيجازيه
~~إن كان على هدى ورشد في نفس النهي أو كان أمرا بواسطته بالتقوى كما يزعم
~~وشنع جل شأنه عليه ثالثا بذلك وأوعده عليه أيضا على تقدير أنه في نفس
~~الأمر وفيما يقوله تعالى مكذبا بحقية الصلاة متوليا عنها معرضا عن
~~فعلها بقوله تعالى:

# أرءيت إن كذب

# [العلق: 13] الخ أي أخبرني عن ذلك الناهي ألم يعلم بأن الله تعالى يطلع
~~على أحواله إن كذب بحقية ما نهى عنه وأعرض عن فعله على ما نقول نحن
~~والحاصل أنه تعالى شنع وأوعد على النهي عن الصلاة بدون تعرض لحال الناهي
~~الزعمي أو الحقيقي ثم شنع وأوعد جل وعلا عليه مع التعرض لحاله الزعمي ثم
~~شنع عز وجل وأوعد عليه مع التعرض لحاله ms11386 الحقيقي وهذا كالترقي في التشنيع
~~والجمهور على عدم تقييد ما في حيز الشرطيتين بما ذكرنا حيث قالوا إن كان
~~على طريقة سديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله تعالى أو كان أمرا
~~بالمعروف والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يزعم أو كان مكذبا
~~للحق ومتوليا عن الصواب كما نقول وذكر أن الشرط الثاني تكرار للأول لأن
~~معنى الأول أنه ليس على الهدى وأوضح بأن إدخال حرف الشرط في الأول لإرخاء
~~العنان صورة والتهكم حقيقة إذ لا يكون في النهي عن عبادته تعالى والأمر
~~بعبادة الأصنام هدى البتة وفي الثاني لذلك والتهكم على عكس الأول إذ لا
~~شك أنه مكذب متول فمآلهما إلى واحد.

# وقيل إن الرؤية في الجملة الأولى بصرية فلا تحتاج إلى مفعول ثان وفي
~~الثانية والثالثة قلبية والمفعول الأول على ما تقدم والمفعول الثاني سد
~~مسده الجملة الشرطية بجوابها وهو في الأخيرة { ألم يعلم } الخ
~~المذكور وفيما قبلها محذوف دل هو عليه ولم تعطف الأخيرة على ما قبلها
~~للإيذان باستقلالها بالوقوع في نفس الأمر وباستتباع الوعيد الذي ينطق به
~~الجواب وأما ما قبلها فأمر الشرط فيه ليس إلا لتوسيع الدائرة وهو السر في
~~تجريده عن الجواب والإحالة به على جواب الشرطية بعده والخطاب في الكل لمن
~~يصلح له والتنوين في { عبدا } لتفخيمه عليه الصلاة والسلام واستعظام
~~النهي وتأكيد التعجيب منه والمعنى أخبرني عن ذلك الناهي إن كان على الهدى
~~فيما ينهى عنه من عبادة الله تعالى الخ ما ذكر آنفا ألم يعلم أن الله
~~يرى ويطلع على أحواله فيجازيه بها حتى اجترأ على ما فعل.

# وقيل إن { أرأيت } في الجمل الثلاث من الرؤية القلبية والمفعول
~~الأول للأولى الموصول ومفعولها الثاني الجملة الشرطية الأولى بجوابها
~~المحذوف اكتفاء عنه بجواب الشرطية الثانية إذ علم من ضرورة التقابل و {
~~أرأيت } الثانية تكرارا للأولى و { أرأيت } الثالثة ومفعولها
~~الأول محذوف للقرينة مستقلة لأنها تقابل الأولى للتقابل بين الشرطين يعني
~~قوله تعالى: { إن كان } الخ وقوله سبحانه: / { إن كذب } الخ وفي ms11387
~~الإتيان بالجملة الأخيرة من دون العطف ترشيح للكلام المبكت وتنبيه على
~~حقية الشرط ولهذا صرح بجوابه ليتمحض وعيدا والخطاب على ما تقدم أولا
~~والكلام من قبيل الكلام المنصف وإرخاء لعنان ولذا قيل { عبدا } ولم
~~يقل نبيا مجتبى فكأنه قيل أخبرني يا من له أدنى تمييز عن حال هذا الذي
~~ينهى بعض عباد الله تعالى فضلا عن النبي المجتبى عن صلاته إن كان ذلك
~~الناهي على هدى فيما ينهى عنه من عبادة الله تعالى أو كان آمرا بالتقوى
~~فيما يأمر به من عبادة الأصنام كما يزعم وكذلك إن كان على التكذيب للحق
~~والتولي عن الدين الصحيح كما تقول: { ألم يعلم } الخ.

# وقيل { أرأيت } في الجملتين الثانية والثالثة تكرار للأولى
~~والشرطيتان بجوابهما سادتان مسد المفعول الثاني للأولى و { ألم
~~يعلم } الخ جواب الشرط الثاني وجواب الأول محذوف لدلالته عليه ولم يقل
~~أو إن كذب الخ لأنه ليس بقسيم لما قبله على ما قيل والمعنى على نحو ما
~~سمعت.

# وأورد على جميع هذه الأقوال أن في تجويز الإتيان بالاستفهام في جزاء
~~الشرط من غير الفاء - وإن صرح به الزمخشري في «كشافه» وارتضاه الرضي
~~واستشهد له بقوله تعالى:

# قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو
~~جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون

# [الأنعام: 47] - بحثا لأن ظاهر نقل الزمخشري نفسه في «المفصل» ونقل
~~غيره وجوب الفاء إذا كان الجزاء جملة إنشائية والاستفهام وإن لم يبق على
~~الحقيقة لم يخرج على ما في «الكشف» من الإنشاء.

# وقال أبو حيان إن وقوع جملة الاستفهام جوابا للشرط بغير فاء لا أعلم
~~أحدا أجازه بل نصوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلبا بوجه ما ولا
~~يجوز حذفها إلا في ضرورة أو شعر. وقال الدماميني في «شرح التسهيل» إن جعل
~~{ هل يهلك } جزاء مشكل لعدم اقترانه بالفاء والاقتران بها في مثل
~~ذلك واجب واعترض أيضا جعل الجملة الشرطية في موضع المفعول الثاني لأرأيت
~~بأن مفعولها الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كمانص عليه أبو حيان
~~وجماعة أو قسمية ms11388 كما في «الإرشاد».

# وقال الخفاجي ((إن جعل الشرطية في موقع المفعول والجملة الاستفهامية
~~في موقع جواب الشرط إما على ظاهره أو على أنهما لدلالتهما على ذلك جعلا
~~كأنهما كذلك لسدهما مسد المفعول والجواب وبما ذكر صرح الرضي والدماميني
~~في «شرح التسهيل» في باب اسم الإشارة فما قيل من أن المفعول الثاني
~~لأرأيت لا يكون إلا جملة استفهامية مخالف لما صرحوا بأنه مختار سيبويه
~~فلا يلتفت إليه)) ولم يجعلوا فيما ذكر الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم
~~ولا للكافر الناهي لأن السياق مقتض لخروج الناهي والمنهي عن مورد الخطاب
~~واستظهر في «البحر» جعله للنبي صلى الله عليه وسلم وجوز غيره جعله
~~للكافر والمراد تصوير الحال بعنوان كلي وهو كما ترى وقيل الضميران في {
~~إن كان } و { أمر } للعبد المصلي والضمائر في { كذب
~~وتولى } و { يعلم } للذي ينهى وحاصل المعنى على ما قال الفراء
~~أرأيت الذي ينهى عبدا يصلي والمنهي على الهدى وآمر بالتقوى والناهي مكذب
~~متول فما أعجب من ذا والظاهر أن جواب الشرط عليه محذوف وهو فما أعجب من
~~ذا بقرينة { أرأيت } فإنه يفيد التعجب والرؤية فيه قيل علمية
~~والمفعول الثاني محذوف نحو هذا الجواب وقيل بصرية و { ألم يعلم }
~~الخ جملة مستأنفة لتقرير ما قبلها وتأكيده و { أو } تقسيمية بمعنى
~~الواو.

# وقيل الخطاب في { أرأيت } الثانية للكافر وفي الثالثة للنبي صلى
~~الله عليه وسلم فهو عز وجل كالحاكم الذي حضر الخصمان يخاطب هذا مرة
~~والآخر أخرى وكأنه سبحانه قال يا كافر أخبرني إن كانت صلاته هدى ودعاؤه
~~إلى الله تعالى أمر بالتقوى أتنهاه وأخبرني أيها الرسول إن كان الناهي
~~مكذبا بالحق متوليا عن الدين الصحيح ألم يعلم بأن الله تعالى يجازيه
~~وسكت هذا القائل عن الخطاب في { أرأيت } الأول فقيل لكل من يصلح له
~~وقيل للإنسان وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم كالخطاب في الثالث وقوله
~~أتنهاه يحتمل أنه جعله مفعولا لرأيت ويحتمل أنه جواب الشرط و { أو } كما
~~في سابقه ولعل ذكر الأمر بالتقوى في الجملة الثانية لأن ms11389 / النهي على ما
~~قيل كان عن الصلاة والأمر بها وكان الظاهر عليه أن يذكر في الجملة الأولى
~~أيضا بأن يقال أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أو أمر بالتقوى لكنه حذف
~~اكتفاء بذكره في الثانية واقتصر على ذكر الصلاة ولم يعكس لأن الأمر
~~بالتقوى دعوة قولية والصلاة دعوة فعلية والفعل أقوى من القول وإنما كانت
~~دعوة وأمرا لأن المقتدى به إذا فعل فعلا كان في قوة قوله افعلوا هذا
~~وقيل المذكور أولا ليس النهي عن الصلاة بل النهي حين الصلاة وهو محتمل
~~أن يكون لها أو لغيرها وعامة أحوال الصلاة لما انحصرت في تكميل نفس
~~المصلي بالعبادة وتكميل غيره بالدعوة فنهيه في تلك الحالة يكون عن الصلاة
~~والدعوة معا فلذا ذكرا في الجملة الثانية انتهى فلا تغفل.

# وجوز الإمام كون الخطاب في الكل له عليه الصلاة والسلام وقال في بيان
~~معنى { أرءيت إن كان } الخ أرأيت إن صار على الهدى واشتغل بأمر
~~نفسه أما كان يليق به ذلك إذ هو رجل عاقل ذو ثروة فلو اختار الرأي الصائب
~~والاهتداء والأمر بالتقوى أما كان ذلك خيرا له من الكفر بالله تعالى
~~والنهي عن خدمته سبحانه وطاعته عز وجل كأنه تعالى يقول تلهف عليه كيف فوت
~~على نفسه المراتب العلية وقنع بالمراتب الردية.

# واعتبر عصام الدين هذه الجملة توبيخا على تفويت ما ينفع وما بعدها
~~توبيخا على كسب ما يضر فقال إن قوله تعالى: { أرءيت الذى } الخ
~~استشهاد لطغيان الإنسان أن رآه مستغنيا والرؤية بمعنى الإبصار أي أشاهدت
~~الذي ينهى عبدا إذا صلى وعرفت طغيان الإنسان المستغني وأنه لا يكفي
~~بكفرانه ويتجاوز إلى تكليف العبد الذي أرسل للمنع عن الكفران بالكفران
~~وقوله سبحانه: { أرءيت إن كان } الخ توبيخ له على فوت ما لا يعلم
~~كنهه بفوت الهدى والأمر بالتقوى يعني أعلمت أنه على أي فوز إن كان على
~~الهدى أو أمر بالتقوى وقوله عز وجل: { أرءيت إن كذب } الخ توبيخ
~~له بما كسب من استحقاق العذاب والبعد عن رب الأرباب أي أعلمت ms11390 أنه على أي
~~عقوبة ومؤاخذة وقوله تعالى: { ألم يعلم } الخ تهديد ووعيد شديد بعد
~~التوبيخ على كسب حال الشقي وفوت حال السعيد انتهى وهو كما ترى فتأمل جميع
~~ما تقدم والله تعالى بمراده أعلم.

# ثم إن الآية وإن نزلت في أبي جهل عليه اللعنة لكن كل من نهى عن الصلاة
~~ومنع منها فهو شريكه في الوعيد ولا يلزم على ذلك المنع عن النهي عن
~~الصلاة في الدار المغصوبة والأوقات المكروهة لأن المنهي عنه في الحقيقة
~~ليس عن الصلاة نفسها بل عن وصفها المقارن ولشدة الاحتياط تحاشى بعضهم عن
~~النهي مطلقا فروي عن أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه أنه رأى في
~~المصلى أقواما يصلون قبل صلاة العيد فقال ما رأيت رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم يفعل ذلك فقيل له رضي الله تعالى عنه ألا تنهاهم فقال رضي الله
~~تعالى عنه أخشى أن أدخل تحت وعيد قوله تعالى: { أرأيت الذى
~~ينهى * عبدا إذا صلى } وفي رواية لا أحب أن أنهي عبدا إذا
~~صلى ولكن أحدثهم بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد سلك نحو
~~هذا المسلك أبو حنيفة عليه الرحمة فقد روي أن أبا يوسف قال له أيقول
~~المصلي حين يرفع رأسه من الركوع اللهم اغفر لي فقال يقول ربنا لك الحمد
~~ويسجد ولم يصرح بالنهي. ويقاس على النهي عن الصلاة النهي عن غيرها من
~~أنواع العبادة ولا فرق بين النهي القالي والنهي الحالي ومنه أن يشغل
~~المرء المرء عن ذلك وقد ابتلي به كثير من الناس.

### || [96.15]

# { كلا } ردع للناهي اللعين وزجر له واللام في قوله تعالى: { لئن
~~لم ينته } موطئة للقسم أي والله لئن لم ينته عما هو عليه ولم ينزجر
~~{ لنسفعا بالناصية } أي لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى
~~النار يوم القيامة. والسفع قال المبرد الجذب بشدة وسفع بناصية فرسه جذب
~~قال عمرو بن معد يكرب:

# قوم إذ كثر الصياح رأيتهم

# ما بين ملجم مهره أو سافع

# / وقال مؤرج السفع الأخذ بلغة قريش والناصية شعر ms11391 الجبهة وتطلق على مكان
~~الشعر وأل فيها للعهد واكتفى بها عن الإضافة وهو معنى كونها عوضا عن
~~المضاف إليه في مثله والكلام كناية عن سحبه إلى النار وقول أبي حيان إنه
~~عبر بالناصية عن جميع الشخص لا يخفى ما فيه وقيل المراد لنسحبنه على وجهه
~~في الدنيا يوم بدر وفيه بشارة بأنه تعالى يمكن المسلمين من ناصيته حتى
~~يجروه إن لم ينته وقد فعل عز وجل فقد روي أنه لما نزلت سورة الرحمن قال
~~صلى الله عليه وسلم:

# " من يقرؤها على رؤساء قريش فقام ابن مسعود وقال: أنا يا رسول الله فلم
~~يأذن له عليه الصلاة والسلام لضعفه وصغر جثته حتى قالها ثلاثا وفي كل
~~مرة كان ابن مسعود يقول أنا يا رسول الله فأذن له صلى الله عليه وسلم
~~فأتاهم وهم مجتمعون حول الكعبة فشرع في القراءة فقام أبو جهل فلطمه وشق
~~أذنه وأدماه فرجع وعيناه تدمعان فنزل جبريل عليه السلام ضاحكا فقال له
~~صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال عليه السلام ستعلم فلما كان يوم بدر قال
~~عليه الصلاة والسلام التمسوا أبا جهل في القتلى فرآه ابن مسعود مصروعا
~~يخور فارتقى على صدره ففتح عينه فعرفه فقال لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا
~~رويعي الغنم فقال ابن مسعود: الإسلام يعلو ولا يعلى عليه فعالج قطع رأسه
~~فقال اللعين دونك فاقطعه بسيفي فقطعه ولم يقدر على حمله فشق أذنه وجعل
~~فيها خيطا وجعل يجره حتى جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء
~~جبريل عليه السلام يضحك ويقول يا رسول أذن بأذن والرأس زيادة "

# وكأن تخصيص الناصية بالذكر لأن اللعين كان شديد الاهتمام بترجيلها
~~وتطييبها أو لأن السفع بها غاية الإذلال عند العرب إذ لا يكون إلا مع
~~مزيد التمكن والاستيلاء ولأن عادتهم ذلك في البهائم.

# وقرأ محبوب وهارون كلاهما عن أبي عمرو (لنسفعن) بالنون الشديدة وقرأ
~~ابن مسعود (لأسفعن) كذلك مع إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم وحده وكتبت
~~النون الخفيفة في قراءة الجمهور ألفا اعتبارا بحال ms11392 الوقف فإنه يوقف
~~عليها بالألف تشبيها لها بالتنوين وقاعدة الكتابة مبنية على حال الوقف
~~والابتداء ومن ذلك قوله:

# ومهما تشأ منه فزارة تمنعا

# وقوله:

# يحسبه الجاهل ما لم يعلما

### || [96.16]

# وقوله تعالى: { ناصية } بدل من

# الناصية

# [العلق: 15] وجاز إبدالها عن المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت بقوله سبحانه:
~~{ كذبة خاطئة } فاستقلت بالإفادة وقد ذكر البصريون أنه يشترط
~~لإبدال النكرة من المعرفة الإفادة لا غير ومذهب الكوفيين أنها تبدل منها
~~بشرطين اتحاد اللفظ ووصف النكرة وليشمل بظاهره كل ناصية هذه صفتها وهذا
~~مما يتأتى على سائر المذاهب ووصف الناصية بما ذكر مع أنه صفة صاحبها
~~للمبالغة حيث يدل على وصفه بالكذب والخطأ بطريق الأولى ويفيد أنه لشدة
~~كذبه وخطئه كأن كل جزء من أجزائه يكذب ويخطأ وهو كقوله تعالى

# تصف ألسنتهم الكذب

# [النحل: 62] وقولهم وجهها يصف الجمال فالإسناد مجازي من إسناد ما للكل
~~إلى الجزء.

# وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وزيد بن علي (ناصية كاذبة خاطئة) بنصب
~~الثلاثة على الشتم والكسائي في رواية برفعها أي هي ناصية الخ.

### || [96.17]

# النادي المجلس الذي ينتدي فيه القوم أي يجتمعون للحديث ويجمع على أندية
~~والكلام على تقدير المضاف أي فليدع أهل ناديه أو الإسناد فيه مجازي أو
~~أطلق اسم المحل على من حل فيه ومثله في هذا المجلس ونحوه كما قال جرير أو
~~ذو الرمة:

# لهم مجلس صهب السبال أذلة

# سواسية أحرارها وعبيدها

# وقال زهير:

# وفيهم مقامات حسان وجوههم

# وأندية ينتابها القول والفعل

# وهذا إشارة إلى ما صح من أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وهو يصلي فقال ألم أنهك فأغلظ عليه الصلاة والسلام له فقال أتهددني وأنا
~~أكثر أهل الوادي ناديا. والأمر على ما في «البحر» للتعجيز والإشارة إلى
~~أنه لا يقدر / على شيء.

### || [96.18]

# أي ملائكة العذاب ليجروه إلى النار وهو في الأصل الشرط أي أعوان
~~الولاة واختلف فيه فقيل جمع لا واحد له من لفظه كعباديد وقال أبو عبيد
~~واحده زبنية بكسر فسكون كعفرية وقال الكسائي واحده ms11393 زبني بالكسر كأنه نسب
~~إلى الزبن بالفتح وهو الدفع ثم غير للنسب وكسر أوله كإمسي وأصل الجمع
~~زباني فقيل زبانية بحذف إحدى ياءيه وتعويض التاء عنها وقال عيسى بن عمر
~~والأخفش واحده زابن والعرب قد تطلق هذا الاسم على من اشتد بطشه وإن لم
~~يكن من أعوان الولاة ومنه قوله:

# مطاعيم في القصوى مطاعين في الوغى

# زبانية غلب عظام حلومها

# وسمى ملائكة العذاب بذلك لدفعهم من يعذبونه إلى النار وهذا الدعاء في
~~الدنيا بناء على ما روي من أنه لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا
~~والظاهر أن { سندع } مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم ورسم في المصاحف
~~بدون واو لاتباع الرسم للفظ فإنها محذوفة فيه عن الوصل لالتقاء الساكنين
~~أو لمشاكلة { فليدع } وقيل إنه مجزوم في جواب الأمر وفيه نظر.

# وقرأ ابن أبي عبلة (سيدعى الزبانية) بالبناء للمفعول ورفع (الزبانية).

### || [96.19]

# { كلا } ردع لذلك اللعين بعد ردع وزجر له إثر زجر { لا تطعه }
~~أي دم على ما أنت عليه من معاصاته { واسجد } وواظب غير مكترث به على
~~سجودك وهو على ظاهره أو مجاز عن الصلاة { واقترب } وتقرب بذلك إلى
~~ربك وفي «صحيح مسلم» وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعا

# " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء "

# وفي «الصحيح» وغيره أيضا من حديث ثوبان مرفوعا

# " عليك بكثرة السجود فإنه لا تسجد لله تعالى سجدة إلا رفعك الله تعالى
~~بها درجة وحط عنك بها خطيئة "

# ولهذه الأخبار ونحوها ذهب غير واحد إلى أن السجود أفضل أركان الصلاة.
~~ومن الغريب أن العز بن عبد السلام من أجلة أئمة الشافعية قال بوجوب
~~الدعاء فيه.

# وفي «البحر» ((ثبت في «الصحيحين» أنه عليه الصلاة والسلام سجد في

# إذا السمآء انشقت

# [الانشقاق: 1] وفي هذه السورة وهي من العزائم عند علي كرم الله تعالى
~~وجهه، وكان مالك يسجد فيها في خاصة نفسه)) والله تعالى الموفق.

### | [97 - سورة القدر]

### || [97.1]

# الضمير عند الجمهور للقرآن وادعى الإمام فيه إجماع المفسرين وكأنه لم
~~يعتد بقول من قال منهم برجوعه ms11394 لجبريل عليه السلام أو غيره لضعفه قالوا
~~وفي التعبير عنه بضمير الغائب مع عدم تقدم ذكره تعظيم له أي تعظيم لما
~~أنه يشعر بأنه لعلو شأنه كأنه حاضر عند كل أحد فهو في قوة المذكور وكذا
~~في إسناد إنزاله إلى نون العظمة مرتين وتأكيد الجملة، وأشار الزمخشري إلى
~~إفادة الجملة اختصاص الإنزال به سبحانه بناء على أنها من باب أنا سعيت في
~~حاجتك مما قدم فيه الفاعل المعنوي على الفعل وتعقب بأن ما ذكروه في
~~الضمير المنفصل دون المتصل كما في اسم (إن) هنا نعم الاختصاص يفهم من
~~سياق الكلام وفيه أنهم لم يصرحوا باشتراط ما ذكر وكذا في تفخيم وقت
~~إنزاله بقوله تعالى: { وما أدراك ما ليلة القدر }.

### || [97.2]

# لما فيه من الدلالة على أن علوها خارج عن دائرة دراية الخلق لا يعلم ذلك
~~ولا يعلم به إلا علام الغيوب كما يشعر به قوله سبحانه: { ليلة
~~القدر خير من ألف شهر }.

### || [97.3]

# فإنه بيان إجمالي لشأنها إثر تشويقه عليه الصلاة والسلام إلى درايتها
~~فإن ذلك معرب عن الوعد بإدرائها. وعن سفيان بن عيينة أن كل ما في القرآن
~~من قوله تعالى:

# ما أدراك

# [الحاقة: 3] أعلم الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم وما فيه من
~~قوله سبحانه

# وما يدريك

# [الأحزاب: 63] لم يعلمه عز وجل به. وقد مر بيان كيفية إعراب الجملتين
~~وفي إظهار ليلة القدر في الموضعين من تأكيد التعظيم والتفخيم ما لا يخفى.

# والمراد بإنزاله فيها إنزاله كله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى
~~السماء الدنيا فقد صح عن ابن عباس أنه قال أنزل القرآن في ليلة القدر
~~جملة واحدة إلى السماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان الله تعالى ينزله
~~على رسوله صلى الله عليه وسلم بعضه في إثر بعض وفي رواية بدل وكان بمواقع
~~الخ ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة وفي رواية أخرى عنه أيضا أنزل القرآن
~~جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ونزل به جبريل عليه
~~السلام على محمد ms11395 صلى الله عليه وسلم بجواب كلام العباد وأعمالهم وفي أخرى
~~أنه أنزل في رمضان ليلة القدر جملة واحدة ثم أنزل على مواقع النجوم رسلا
~~في الشهور والأيام. وكون النزول بعد في عشرين سنة قول لهم وقال بعضهم وهو
~~الأشهر في ثلاث وعشرين وقال آخر في خمس وعشرين وهذا للخلاف في مدة إقامته
~~صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعث. وقال الشعبي المراد ابتدأنا بإنزاله
~~فيها. والمشهور أن أول ما نزل من الآيات

# اقرأ

# [العلق: 1] وأنه كان نزولها بحراء نهارا نعم في «البحر» روي أن نزول
~~الملك في حراء كان في العشر الأواخر من رمضان فإن صح وكان المراد كان
~~ليلا فذاك وإلا فظاهر كلام الشعبي غير مستقيم اللهم إلا أن يقال إنه
~~أراد ابتداء إنزاله إلى السماء الدنيا فيها ولا يلزم أن يتحد ذلك وابتداء
~~إنزاله عليه صلى الله عليه وسلم في الزمان ثم إن في { أنزلناه } على
~~ما ذكر تجوزا في الإسناد لأنه أسند فيه ما للجزء إلى الكل، أو مجازا
~~الطرف أو تضمينا.

# وقيل المراد إنزاله من اللوح إلى السماء الدنيا مفرقا في ليالي قدر على
~~أن المراد بليلة الجنس فقد قيل إن القرآن أنزل إلى السماء الدنيا في
~~عشرين ليلة قدر أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين وكان ينزل في كل ليلة ما
~~يقدر الله تعالى إنزاله في كل السنة ثم ينزله سبحانه منجما في جميع
~~السنة وهذا القول ذكره الإمام احتمالا ونقله القرطبي كما قال ابن كثير
~~عن مقاتل لكنه مما لا يعول عليه والصحيح المعتمد عليه كما قال / ابن حجر
~~في «شرح البخاري» أنه أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في
~~السماء الدنيا بل حكى بعضهم الإجماع عليه نعم لا يبعد القول بأن السفرة
~~هناك نجموه لجبريل عليه السلام في الليالي المذكورة.

# وأجاب السيد عيسى الصفوي بأنه لا محذور في ذلك بناء على جواز مثل أتكلم
~~مخبرا به عن التكلم بقولك أتكلم وفي ذلك اختلاف بين الدواني وغيره ذكره
~~في «رسالته التي ms11396 ألفها في الجواب عن مسألة الحذر الأصم» أو يقال يرجع
~~الضمير للقرآن باعتبار جملته وقطع النظر عن أجزائه فيخبر عن الجملة بإنا
~~أنزلناه وإن كان من جملته { إنا أنزلناه } المندرج في جملته من
~~غير نظير له بخصوصه وقد ذكروا أن الجزء من حيث هو مستقل مغاير له من حيث
~~هو في ضمن الكل. وفي «الإتقان» عن أبي شامة فإن قلت { إنا
~~أنزلناه } إن لم يكن من جملة القرآن الذي نزل جملة فما نزل جملة وإن
~~كان من الجملة فما وجه هذه العبارة؟ قلت لها وجهان أحدهما أن يكون المعنى
~~إنا حكمنا بإنزاله في ليلة القدر وقضينا به وقدرناه في الأزل والثاني أن
~~لفظ { أنزلناه } ماض ومعناه على الاستقبال أي تنزله جملة في ليلة
~~القدر انتهى ولم يظهر لي في كلا وجهيه رحمه الله تعالى شامة حسن
~~فأجل في ذلك نظرا فلعلك ترى.

# وقيل المعنى إنا أنزلناه في فضل ليلة القدر أو في شأنها وحقها فالكلام
~~على تقدير مضاف أو الظرفية مجازية كما في قول عمر رضي الله تعالى عنه
~~«خشيت أن ينزل في قرآن» وقول عائشة رضي الله تعالى عنها «لأنا أحقر في
~~نفسي من أن ينزل في قرآن» وجعل بعضهم (في) في ذلك للسببية والضمير قيل
~~للقرآن بالمعنى الدائر بين الكل والجزء وقيل بمعنى السورة ولا يأباه كون
~~{ إنا أنزلناه } فيها لما مر آنفا فلا حاجة إلى أن يقال المراد
~~بها ما عدا { إنا أنزلناه في ليلة القدر } وقيل يجوز أن
~~يراد به المجموع لاشتماله على ذلك وأيا ما كان فحمل الآية على هذا
~~المعنى غير معول عليه وإنما المعول عليه ما تقدم. والمراد بالإنزال إظهار
~~القرآن من عالم الغيب إلى عالم الشهادة أو إثباته لدى السفرة هناك أو نحو
~~ذلك مما لا يشكل نسبته إلى القرآن.

# واختلفوا في تلك الليلة فقيل إنها رفعت لخبر في ذلك وهو كما قال
~~الكرماني غلط لأن آخر الخبر يرده والمراد رفع تعيينها فيه وعن عكرمة أنها
~~ليلة النصف من شعبان وهو قول ms11397 شاذ غريب كما في «تحفة المحتاج» وظاهر ما
~~هنا مع ظاهر قوله تعالى:

# شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن

# [البقرة: 185] يرده وعن ابن مسعود أنها تنتقل في ليالي السنة فتكون في
~~كل سنة في ليلة ونسبه النووي إلى أبي حنيفة وصاحبيه والأكثرون على أنها
~~في شهر رمضان فعن ابن رزين أنها الليلة الأولى منه وعن الحسن البصري
~~السابعة عشر لأن وقعة بدر كانت في صبيحتها وحكي عن زيد بن أرقم وابن
~~مسعود أيضا وعن أنس مرفوعا التاسعة عشر وحكي موقوفا على ابن مسعود
~~أيضا وعن محمد بن إسحق الحادية والعشرون لما في «الصحيحين» وغيرهما من
~~حديث أبي سعيد الخدري أنه عليه الصلاة والسلام قال

# " قد رأيت هذه الليلة - يعني ليلة القدر ثم نسيتها وقد رأيتني أسجد من
~~صبيحتها في ماء وطين قال أبو سعيد فمطرت السماء من تلك الليلة فوكف
~~المسجد فأبصرت عيناي رسول الله وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من
~~صبيحة إحدى وعشرين "

# وفي «مسلم»

# " من صبيحة ثلاث وعشرين "

# ومنه مع ما قبله مال الشافعي عليه الرحمة إلى أنها الليلة الحادية أو
~~الثالثة والعشرون وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن أنيس أنه سئل
~~عن ليلة القدر فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

# " التمسوها الليلة "

# وتلك الليلة ليلة ثلاث وعشرين وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وغيرهم عن
~~بلال قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " ليلة القدر ليلة أربع وعشرين "

# وفي «الإتقان» وغيره أنها الليلة التي أنزل فيها القرآن وأخرج ابن أبي
~~شيبة عن أبي ذر أنه سئل عن ليلة القدر فقال كان عمر وحذيفة وناس من
~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشكون أنها ليلة سبع وعشرين وأخرج
~~ابن نصر وابن جرير في «تهذيبه» عن معاوية قال قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم

# " التمسوا ليلة القدر / في آخر ليلة من رمضان "

# وفي رواية أحمد عن أبي هريرة مرفوعا أنها آخر ليلة. وقيل هي في العشر
~~الأوسط تنتقل فيه ms11398 وقيل في أوتاره وقيل في أشفاعه.

# وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن عائشة قالت قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم

# " تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من شهر رمضان "

# وفي حديث أخرجه أحمد وجماعة عن عبادة بن الصامت مرفوعا وحديثين أخرجهما
~~ابن جرير وغيره عن جابر بن سمرة وعن عبد الله بن جابر كذلك ما يدل على ما
~~ذكر أيضا بل الأخبار الصحيحة الدالة عليه كثيرة وبالجملة الأقوال فيها
~~مختلفة جدا إلا أن الأكثرين على أنها في العشر الأواخر لكثرة الأحاديث
~~الصحيحة في ذلك وأكثرهم على أنها في أوتارها لذلك أيضا وكثير منهم ذهب
~~إلى أنها الليلة السابعة من تلك الأوتار وصح من رواية الإمام أحمد ومسلم
~~وأبي داود والترمذي والنسائي وابن حبان وغيرهم أن زر بن حبيش سأل أبي
~~بن كعب عنها فحلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين فقال له بم تقول ذلك يا
~~أبا المنذر؟ فقال بالآية والعلامة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " إنها تصبح من ذلك اليوم تطلع الشمس ليس لها شعاع، "

# وبعض الأخبار عن ابن عباس ظاهرة في ذلك وفي بعضها الاستئناس له بما يدل
~~على جلالة شأن السبعة التي قالوا فيها إنها عدد تام من كون السموات
~~سبعا والأرضين سبعا والأيام سبعا والجمار سبعا والطواف بالبيت سبعا
~~والسجود على سبع إلى غير ذلك مما ذكره لما علمت من الأخبار الصحيحة
~~المتظافرة وهو زمان ضعف البدن وفيه يزيد أجر العمل ووقت قوة الاستعداد
~~للتجليات لمزيد التصفية، وأنها في الأوتار أرجى للأحاديث أيضا مع أن
~~الله تعالى وتر يحب الوتر.

# وقال ابن حجر الهيتمي ((اختار جمع أنها لا تلزم ليلة بعينها من العشر
~~الأواخر بل تنتقل في لياليه فعاما أو أعواما تكون وترا إحدى أو ثلاثا
~~أو غيرهما وعاما أو أعواما تكون شفعا اثنتين أو أربعا أو غيرهما
~~قالوا ولا تجتمع الأحاديث المتعارضة فيها إلا بذلك وكلام الشافعي رضي
~~الله تعالى عنه في الجمع بين الأحاديث يقتضيه)) انتهى ولا يخفى ms11399 أن الجمع
~~بذلك بين الأحاديث المتعارضة فيها مطلقا مما لا يتسنى وإنما يتسنى الجمع
~~بذلك بين الأحاديث المتعارضة فيها بالنظر إلى العشر.

# وقيل في الجمع مطلقا إنها تنتقل وما صح من التعيين في الجملة أو على
~~التحقيق محمول على ليلة قدر في شهر رمضان مخصوص بأن يكون قد علم صلى الله
~~عليه وسلم أنها في أول شهر رمضان فرض ليلة كذا فقال عليه الصلاة والسلام
~~هي ليلة كذا أي في هذا الشهر رمضان المخصوص وعلم عليه الصلاة والسلام
~~أنها في شهر رمضان بعده ليلة كذا غير تلك الليلة التي ذكرها قبل فقال صلى
~~الله عليه وسلم هي ليلة كذا وعلم صلى الله عليه وسلم أنها في آخر في
~~العشر الأخير منه فقال هي في العشر الأخير أي من هذا الشهر المخصوص وهكذا
~~وهو كما ترى. وعلى القول بانتقالها ادعى بعضهم أنه إذا كان أول الشهر
~~ليلة كذا فهي الليلة السابعة والعشرون وإن كانت ليلة كذا فهي الليلة
~~الحادية والعشرون إلى آخر ما قال وقد ذكرناه مع نظمه في «الطراز المذهب»
~~وليس في ذلك ما يقوم حجة على الغير.

# وفي بعض الأخبار ذكر علامات لها ففي حديث الإمام أحمد والبيهقي وغيرهما
~~عن عبادة بن الصامت من إماراتها أنها ليلة بلجة صافية ساكنة لا حارة ولا
~~باردة كأن فيها قمرا ساطعا لا يرمى فيها بنجم حتى الصباح وأخرج نحوا
~~منه ابن جرير في «تهذيبه» وابن مردويه عن جابر بن عبد الله مرفوعا وحمل
~~ذلك إن صح على ليلة قدر من شهر رمضان مخصوص كالمتعين لعدم اطراده ولا
~~أغلبيته فيما يظهر والحكمة في إخفائها أن يجتهد من يطلبها في العبادة في
~~غيرها ليصادفها كأن يحيي ليالي شهر رمضان كلها كما كان دأب السلف
~~وللإمام في هذا المقام كلام يجل مثله عن التكلم بمثله ولعمري لقد سها فيه
~~سهوا بينا وأتى فيه بما يوشك أن يدل على جهله.

# ومعنى ليلة القدر ليلة التقدير وسميت بذلك لما روي عن ابن عباس وغيره
~~أنه يقدر / فيها ms11400 ويقضي ما يكون في تلك السنة من مطر ورزق وإحياء وإماتة
~~إلى السنة القابلة والمراد إظهار تقديره تعالى ذلك للملائكة عليهم السلام
~~المأمورين بالحوادث الكونية وإلا فتقديره تعالى جميع الأشياء أزلي قبل
~~خلق السماوات والأرض.

# لكن قال بعض الأجلة كون التقدير في هذه الليلة يشكل عليه قول كثير إنه
~~ليلة النصف من شعبان وهي المراد بالليلة المباركة التي قال الله تعالى
~~فيها

# فيها يفرق كل أمر حكيم

# [الدخان: 4] وأجاب بأن ههنا ثلاثة أشياء الأول نفس تقدير الأمور أي
~~تعيين مقاديرها وأوقاتها وذلك في الأزل والثاني إظهار تلك المقادير
~~للملائكة عليهم السلام بأن تكتب في اللوح المحفوظ وذلك في ليلة النصف من
~~شعبان والثالث إثبات تلك المقادير في نسخ وتسليمها إلى أربابها من
~~المدبرات فتدفع نسخة الأرزاق والنباتات والأمطار إلى ميكائيل عليه السلام
~~ونسخة الحروب والرياح والجنود والزلازل والصواعق والخسف إلى جبريل عليه
~~السلام ونسخة الأعمال إلى إسرافيل عليه السلام ونسخة المصائب إلى ملك
~~الموت وذلك في ليلة القدر وقيل يقدر في ليلة النصف الآجال والأرزاق وفي
~~ليلة القدر الأمور التي فيها الخير والبركة والسلامة وقيل يقدر في هذه ما
~~يتعلق به إعزاز الدين وما فيه النفع العظيم للمسلمين وفي ليلة النصف يكتب
~~أسماء من يموت ويسلم إلى ملك الموت والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.

# وقال الزهري المعنى ليلة العظمة والشرف من قولهم رجل له قدر عند فلان أي
~~منزلة وشرف وسميت بذلك لأن من أتى بفعل الطاعات فيها صار ذا قدر وشرف عند
~~الله عز وجل أو لأن الطاعات لها فيها ذلك. وقيل لأنه نزل فيها كتاب ذو
~~قدر بواسطة ملك ذي قدر على رسول ذي قدر لأمة ذات قدر وقيل لأنه يتنزل
~~فيها ملائكة ذوات قدر.

# وقال الخليل بن أحمد المعنى ليلة الضيق من

# قدر عليه رزقه

# [الطلاق: 7] ضيق وسميت بذلك لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة عليهم
~~السلام. وخيريتها من ألف شهر باعتبار العبادة عند الأكثرين على معنى أن
~~العبادة فيها خير من العبادة في ألف شهر ولا يعلم ms11401 مقدار خيريتها منها إلا
~~هو سبحانه وتعالى وهذا تفضل منه تعالى وله عز وجل أن يخص ما شاء بما شاء
~~ورب عمل قليل خير من عمل كثير ولا ينافي هذا قاعدة أن كل ما كثر وشق كان
~~أفضل لخبر مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله تعالى عنها

# " أجرك على قدر نصبك "

# لأنها أغلبية على ما قال غير واحد ولا شك أن العمل القليل قد يفضل
~~الكثير باعتبار الزمان وباعتبار المكان وباعتبار كيفية الأداء كصلاة
~~واحدة أديت بجماعة فإنها تعدل خمسا وعشرين مرة صلاة مثلها أديت على
~~الانفراد إلى غير ذلك. نعم هذه الأفضلية قد تعقل في بعض وقد لا كما فيما
~~نحن فيه ولا حجر على الله عز وجل ولا يعلم ما عنده سبحانه إلا هو جل
~~شأنه.

# وتخصيص الألف بالذكر قيل إما للتكثير كما في قوله تعالى:

# يود أحدهم لو يعمر ألف سنة

# [البقرة: 96] وكثيرا ما يراد بالأعداد ذلك. وفي «البحر» حكاية أن
~~المعنى عليه خير من الدهر كله، أو لما أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم
~~والبيهقي في «سننه» عن مجاهد

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في
~~سبيل الله تعالى ألف شهر فعجب المسلمون من ذلك وتقاصرت إليهم أعمالهم
~~فأنزل الله تعالى السورة "

# وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن عروة

# " قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أربعة من بني إسرائيل
~~عبدوا الله تعالى ثمانين عاما لم يعصوه طرفة عين فذكر أيوب وزكريا
~~وحزقيل بن العجوز ويوشع بن نون فعجب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~من ذلك فأتاه جبريل عليه السلام فقال يا محمد عجبت أمتك من عبادة هؤلاء
~~النفر ثمانين سنة فقد أنزل الله تعالى عليك خيرا من ذلك فقرأ عليه {
~~إنا أنزلنه } الخ ثم قال هذا أفضل مما عجبت أنت وأمتك منه فسر
~~بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم "

# وقيل إن الرجل فيما مضى ما كان يقال له ms11402 عابد حتى يعبد الله تعالى ألف
~~شهر فأعطوا ليلة إن أحيوها كانوا أحق / بأن يسموا عابدين من أولئك
~~العباد. وقال أبو بكر الوراق كان ملك كل من سليمان وذي القرنين خمسمائة
~~شهر فجعل الله تعالى العمل في هذه الليلة لمن أدركها خيرا من ملكهما وفي
~~هذا نظر لأنه إن أريد بذي القرنين الأول فهو على القول به قد ملك أكثر من
~~ذلك بكثير وإن أريد به الثاني أعني قاتل دارا فهو قد ملك أقل من ذلك
~~بكثير. وقيل أري صلى الله عليه وسلم أعمار الأمم كافة فاستقصر أعمار أمته
~~فخاف عليه الصلاة والسلام أن لا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول
~~العمر فأعطاه الله تعالى ليلة القدر وجعلها خيرا من ألف شهر لسائر الأمم
~~وذكره الإمام مالك في «الموطأ».

# وقد سمعت ما يدل على أن الألف إشارة إلى ملك بني أمية وكان على ما قال
~~القاسم بن الفضل ألف شهر لا يزيد يوم ولا ينقص يوم على ما قيل ثمانين سنة
~~وهي ألف شهر تقريبا لأنها ثلاثة وثمانون سنة وأربعة أشهر ولا يعكر عل
~~ذلك ملكهم في جزيرة الأندلس بعد لأنه ملك يسير في بعض أطراف الأرض وآخر
~~عمارة العرب ولذا لم يعد من ملك منهم هناك من خلفائهم وقالوا بانقراضهم
~~بهلاك مروان الحمار. وطعن القاضي عبد الجبار في كون الآية إشارة لما ذكر
~~بأن أيام بني أمية كانت مذمومة أي باعتبار الغالب فيبعد أن يقال في شأن
~~تلك الليلة أنها خير من ألف شهر مذمومة:

# ألم تر أن السيف ينقص قدره

# إذا قيل إن السيف خير من العصا

# وأجيب بأن تلك الأيام كانت عظيمة بحسب السعادات الدنيوية فلا يبعد أن
~~يقول الله تعالى أعطيتك ليلة في السعادات الدينية أفضل من تلك في
~~السعادات الدنيوية فلا تبقى فائدة.

# واختلف في أن تلك الليلة تستتبع يومها أم لا فقال الشعبي نعم يومها
~~مثلها وقيل لعل الوجه فيه أن ذكر الليالي يستتبع الأيام ومنه إذا نذر
~~اعتكاف ليلتين لزمتاه ms11403 بيوميهما والكثير لا لكن قيل يسن الاجتهاد في يومها
~~كما يسن فيها ولذا جاء في وصفها أن الشمس تطلع صبيحتها وليس لها شعاع كما
~~تقدم أي لعظم أنوار الملائكة الصاعدين والنازلين فيها فإنه لا فائدة فيه
~~سوى معرفة يومها ولا فائدة فيها لو لم يسن الاجتهاد فيه. ومنع بأنه يجوز
~~أن تكون الفائدة معرفتها نفسها ليجتهد فيها من قابل بناء على أنها لا
~~تنتقل.

# وظاهر الآية أنها أفضل من ليلة الجمعة والمسألة خلافية وأكثر الأئمة على
~~أنها أفضل منها للآية ولأن الله تعالى أنزل فيها القرآن وهو هو ولم ينزله
~~في غيرها ولأنه سبحانه أمر بطلبها فعن ابن عباس [وأنس] أنه قال في قوله
~~تعالى:

# وابتغوا ما كتب الله لكم

# [البقرة: 187] ليلة القدر ولأنه عز وجل جعلها ليلة الفرق والحكم فقال جل
~~شأنه

# فيها يفرق كل أمر حكيم

# [الدخان: 4] وسماها جل وعلا ليلة القدر أي التقدير ولما روي عن كعب أنه
~~قال إن الله تعالى اختار الساعات فاختار ساعات أوقات الصلاة واختار
~~الأيام فاختار يوم الجمعة واختار الشهور فاختار شهر رمضان واختار الليالي
~~فاختار ليلة القدر فهي أفضل ليلة في أفضل شهر ولأن النبي صلى الله عليه
~~وسلم حث على العمل فيها فقد صح

# " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه "

# وفي رواية

# " وما تأخر "

# ونهى عليه الصلاة والسلام أن يخص ليلة الجمعة بقيام ويومها بصيام ولأنه
~~سبحانه وتعالى أخفاها ولم يعينها كما أخفى سبحانه أعظم أسمائه عز وجل
~~وكما أخفى جل شأنه أفضل الصلوات وهي الصلاة الوسطى إلى غير ذلك.

# وذهب أكثر الحنابلة كأبي الحسن الجزري [البغدادي] وعبد الله بن بطة
~~وأبي حفص البرمكي وغيرهم إلى أن ليلة الجمعة أفضل لما أخرج مقاتل عن
~~الضحاك عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " يغفر الله تعالى ليلة الجمعة لأهل الإسلام أجمعين "

# وهذه فضيلة لم تجيء لغيرها ونحوه ما روى عن ابن مسعود قال قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم

# " ما ms11404 من ليلة جمعة إلا وينظر الله تعالى إلى خلقه ثلاث مرات فيغفر لمن
~~لا يشرك بالله تعالى شيئا "

# ولأنه روى ابن بشكوال في كتابه / «القربة إلى رب العالمين» بسنده إلى
~~عمر رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال

# " أكثروا الصلاة علي في الليلة الغراء واليوم الأزهر ليلة الجمعة ويوم
~~الجمعة "

# والغرة من الشيء خياره ولأنه قد روى كثيرون منهم الإمام أحمد أن يومها
~~سيد الأيام وأعظمها وأعظم عند الله تعالى من يوم الفطر ويوم الأضحى وصحح
~~ابن حبان خبر

# " لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة "

# فهي لذلك سيدة الليالي وأعظمها وأفضلها ولأنها معينة مشهودة يشهدها
~~الخاص والعام من ذكر وأنثى وصغير وكبير وبصير وضرير وتصل بركتها إلى
~~الأحياء والأموات وليلة القدر غير معينة فلا ينتفع بها إلا قليل إلى غير
~~ذلك.

# وأجاب هؤلاء عن الآية بأنه لما أريد فيها أنها خير من ألف شهر ليس فيها
~~ليلة القدر كما قال قتادة وغيره فليرد أيضا أنها خير من ألف شهر ليس
~~فيها ليلة جمعة ويدل للأمرين أن أكثر أسباب النزول السابقة تدل على أن
~~المراد بالشهور شهور من تقدمنا وهي ليس فيها ليلة قدر ولا ليلة جمعة وعن
~~سائر المستندات بأن بعضها معارض وبعضها لا يدل على أكثر من فضلها وهو ما
~~لم ينكره أحد. والأولون أجابوا عن مستنداتهم بنحو ما أجابوا وللتعارض قال
~~أحمد بن الحسين بن يعقوب بن قاسم المقري من الحنابلة إن القولين في
~~المسألة قولان شائعان بين الأصحاب ولكل دلائل تدل على صوابيته فلا ينبغي
~~لأحد أن يطلق الخطأ على قائل كل منهما وأنت بعد التأمل في أدلة الطرفين
~~والوقوف على أحوالها يتعين عندك أفضلية ليلة القدر وتعين ليلة الجمعة
~~وههنا قول متوسط بين القولين حكى القاضي أبو يعلى أن أبا الحسن التميمي
~~من الحنابلة أيضا كان يقول ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن أفضل من
~~ليلة الجمعة لما حصل فيها من الخير الكثير الذي لم يحصل في غيرها ms11405 فأما
~~أمثالها من ليالي القدر فليلة الجمعة أفضل منها وقيل نظيره في ليلة
~~المعراج مع ليلة الجمعة ونحوها.

# ثم إن ظاهر كلام بعض الحنفية كصاحب «الجوهرة» أن ليلة النحر أفضل من
~~ليلة القدر وسائر ليالي السنة ويرد عليه ظاهر الآية أيضا ولعله يجيب
~~بنحو ما سبق آنفا ونقل الطحطاوي عليه الرحمة في «حواشي الدر المختار» عن
~~بعض الشافعية أن أفضل الليالي ليلة مولده عليه الصلاة والسلام ثم ليلة
~~القدر ثم ليلة الإسراء والمعراج ثم ليلة عرفة ثم ليلة الجمعة ثم ليلة
~~النصف من شعبان ثم ليلة العيد وأنا لا أرى أن له ما يعول عليه في ذلك
~~والله تعالى أعلم.

# وما أشير إليه من كونها من خصائص هذه الأمة هو الذي يقتضيه أكثر الأخبار
~~الواردة في سبب النزول وصرح به الهيتمي وغيره. وقال القسطلاني ((إنه
~~معترض بحديث أبي ذر عند النسائي حيث قال فيه

# " يا رسول الله أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رفعت قال بل هي باقية "

# ثم ذكر أن عمدة القائلين بذلك الخبر الذي قدمناه في سبب النزول من رؤيته
~~صلى الله عليه وسلم تقاصر أعمار أمته عن أعمار الأمم وتعقبه بقوله هذا
~~محتمل للتأويل فلا يدفع الصريح في حديث أبي ذر كما قاله الحافظان ابن
~~كثير في «تفسيره» وابن حجر في «فتح الباري»)) انتهى والحق الأول والصراحة
~~في حيز المنع وقد أخرج الديلمي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال

# " إن الله تعالى وهب لأمتي ليلة القدر لم يعطها من كان قبلهم "

# فتأمل ولا تغفل.

### || [97.4]

# وقوله تعالى: { تنزل الملئكة والروح فيها } استئناف
~~مبين لمناط فضلها على تلك المدة المديدة فضمير { فيها } لليلة وزعم
~~بعضهم أن الجملة صفة لألف شهر والضمير لها وليس بشيء وجوز بعضهم كون
~~الضمير للملائكة على أن (الروح) مبتدأ لا معطوف على (الملائكة) و(فيها)
~~خبره لا متعلق بتنزل والجملة حال من (الملائكة) وهو خلاف الظاهر.

# و(الروح) عند الجمهور هو جبريل عليه السلام وخص بالذكر لزيادة شرفه مع
~~أنه النازل بالذكر وقيل ملك ms11406 عظيم لو التقم السماوات والأرض كان ذلك له
~~لقمة واحدة وذكر في «التيسير» من وصفه ما يبهر العقول والله تعالى أعلم
~~بصحة الخبر. وقال كعب ومقاتل الروح طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة
~~إلا تلك الليلة كالزهاد الذين / لا تراهم إلا يوم العيد أو الجمعة وقيل
~~حفظة على الملائكة كالملائكة الحفظة علينا وقيل خلق من خلق الله تعالى
~~يأكلون ويلبسون ليسوا من الملائكة ولا من الإنس

# ويخلق ما لا تعلمون

# [النحل: 8]

# وما يعلم جنود ربك إلا هو

# [المدثر: 31] ولعلهم على ما قيل خدم أهل الجنة. وقيل هو عيسى عليه
~~السلام ينزل لمطالعة هذه الأمة وليزور النبي صلى الله عليه وسلم وقيل
~~أرواح المؤمنين ينزلون لزيارة أهليهم وقيل الرحمة كما قرىء { ولا تيأسوا
~~من روح الله } [يوسف: 87] بالضم وعلى الأول المعول.

# والظاهر الذي تشهد له الأخبار أن التنزل إلى الأرض فقيل إن ذلك لما
~~ذكر الله تعالى بعد وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام فيه وقيل ينزلون
~~إليها للتسليم على المؤمنين وقيل لأن الله تعالى جعل فضيلة هذه الليلة في
~~الاشتغال بطاعته في الأرض فهم ينزلون إليها لتصير طاعاتهم أكثر ثوابا
~~كما أن الرجل منا يذهب إلى مكة لتصير طاعته كذلك فيكون المقصود من
~~الأخبار بذلك ترغيب الإنسان في الطاعة. وقال عصام الدين يحتمل أن يكون
~~تنزلهم لإدراكها إذ ليس في السماء ليل والجملة حينئذ مقررة لما سبق لا
~~مبينة لمناط الفضل وفيه نظر لا يخفى وقيل غير ذلك مما سنشير إليه إن شاء
~~الله تعالى.

# وقيل المراد تنزلهم إلى السماء الدنيا وهو خلاف المتبادر وأنزل منه
~~بكثير كون المراد بتنزلهم تنزلهم عن مراتبهم العلية من الاشتغال بالله
~~تعالى والاستغراق بمطالعة جلاله عز وجل ليسلموا على المؤمنين. واستظهر أن
~~المراد بالملائكة عليهم السلام جميعهم واستشكل بأن لهم كثرة عظيمة لا
~~تتحملها الأرض وكذا السماء الدنيا لأنها قبل نزولهم مملوءة «أطت السماء
~~وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم»
~~وأجيب بأنهم ينزلون فوجا ms11407 فوجا فمن نازل وصاعد كالحجاج فإنهم على كثرتهم
~~يدخلون الكعبة مثلا بأسرهم لكن لا على وجه الاجتماع بل هم بين داخل
~~وخارج وفي التعبير بتنزل المفيد للتدريج دون نزل رمز إليه وقيل إنهم
~~لكونهم أنوارا لا تزاحم بينهم فالنور إذا ملأ حجرة مثلا لا يمنع من
~~إدخال ألف نور عليه وهو كما ترى.

# ومن الناس من خص الملائكة ببعض فرقهم وهم سكان سدرة المنتهى أو بعض
~~منهم.

# وفي «الغنية» للقطب الرباني الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره ((عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنه قال إذا كان ليلة القدر يأمر الله تعالى جبريل
~~عليه السلام أن ينزل إلى الأرض ومعه سكان سدرة المنتهى [وهم] سبعون ألف
~~ملك ومعهم ألوية من نور فإذا هبطوا إلى الأرض ركز جبريل عليه السلام
~~لواءه والملائكة عليهم السلام ألويتهم في أربعة مواطن: عند الكعبة وقبر
~~النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد بيت المقدس ومسجد طور سيناء ثم يقول
~~جبريل عليه السلام [للملائكة] تفرقوا فيتفرقون ولا يبقى دار ولا حجرة ولا
~~بيت ولا سفينة فيها مؤمن أو مؤمنة إلا دخلته الملائكة عليهم السلام إلا
~~بيتا فيه كلب أو خنزير أو خمر أو جنب من حرام أو صورة تماثيل فيسبحون
~~ويقدسون ويهللون ويستغفرون لأمة محمد صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان وقت
~~الفجر، ثم يصعدون إلى السماء فيستقبلهم سكان سماء الدنيا فيقولون لهم من
~~أين أقبلتم؟ فيقولون كنا في الدنيا لأن الليلة ليلة القدر لأمة محمد صلى
~~الله عليه وسلم فيقول سكان السماء الدنيا ما فعل الله تعالى بحوائج أمة
~~محمد صلى الله عليه وسلم؟ فيقول جبريل عليه السلام إن الله تعالى غفر
~~لصالحهم وشفعهم في طالحهم فترفع ملائكة سماء الدنيا أصواتهم بالتسبيح
~~والتقديس والثناء على رب العالمين شكرا لما أعطى الله تعالى هذه الأمة
~~من المغفرة والرضوان ثم تشيعهم ملائكة السماء الدنيا إلى الثانية كذلك
~~وهكذا إلى السابعة ثم يقول جبريل عليه السلام يا سكان السموات ارجعوا
~~فيرجع ملائكة كل سماء إلى مواضعهم فإذا وصلوا ms11408 إلى سدرة المنتهى يقول لهم
~~سكانها أين كنتم؟ فيجيبونهم مثل ما أجابوا أهل السموات فيرفع سكان سدرة
~~المنتهى أصواتهم بالتسبيح والتهليل والثناء فتسمع جنة المأوى ثم جنة
~~النعيم وجنة عدن والفردوس ويسمع عرش الرحمن فيرفع / العرش صوته بالتسبيح
~~والتهليل والثناء على رب العالمين شكرا لما أعطى هذه الأمة ويقول إلهي
~~بلغني عنك إنك غفرت البارحة لصالحي أمة محمد صلى الله عليه وسلم وشفعت
~~صالحها في طالحها فيقول الله عز وجل: صدقت يا عرشي ولأمة محمد عليه
~~الصلاة والسلام عندي من الكرامة ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على
~~قلب بشر، وفي رواية عن كعب نزول جميع ملائكة سدة المنتهى مع جبريل عليهم
~~السلام ولا يعلم عددهم إلا الله تعالى وأن جبريل عليه السلام لا يدع
~~أحدا من الناس إلا صافحه وفي رواية لا يدع مؤمنا ولا مؤمنة إلا سلم
~~عليه إلا مدمن الخمر وآكل لحم الخنزير والمتضمخ بالزعفران وإن علامة
~~مصافحته عليه السلام اقشعرار الجلد ورقة القلب ودمع العينين)) وروي في
~~نزوله مع الملائكة عليهم السلام وعروجه معهم غير ذلك وقد ذكر بعضا من
~~ذلك الإمام وغيره ونسأل الله تعالى صحة الأخبار.

# وذكر بعضهم أن جبريل عليه السلام يقسم تلك الليلة ما ينزل من رحمة الله
~~تعالى حتى يستغرق أحياء المؤمنين فيقول يا رب بقي من الرحمة كثير فما
~~أصنع به فيقول الله عز وجل قسم على أموات أمة محمد صلى الله عليه وسلم
~~فيقسم حتى يستغرقهم فيقول يا رب بقي من الرحمة كثير فما أصنع به فيقول
~~سبحانه وتعالى: قسمه على الكفار فيقسمه عليهم فمن أصابه منهم شيء من تلك
~~الرحمة مات على الإيمان.

# { بإذن ربهم } متعلق بتنزل أو بمحذوف هو حال من فاعله أي
~~ملتبسين بإذن ربهم أي بأمره عز وجل والتقييد بذلك لتعظيم أمر تنزلهم وقيل
~~الإشارة إلى أنهم يرغبون في أهل الأرض من المؤمنين ويشتاقون إليهم
~~فيستأذنون فيؤذن لهم وفيه نوع ترغيب في الاجتهاد في الطاعة. واستشكل أمر
~~هذه الرغبة مع كثرة المعاصي ms11409 وأجيب بأنهم غير واقفين على تفاصيلها أو لم
~~يعتبروها مانعة من ذلك لأنهم يرون من أنواع الطاعات ما لا يرونه في
~~السماء أو ليسمعوا أنين العصاة التائبين ففي الحديث القدسي

# " لأنين المذنبين أحب إلي من زجل المسبحين "

# أو ليجتمعوا مع من بينه وبينهم مناسبة من الصديقين أداء لمراسم المحبة
~~فإن أرواح الصديقين المتجردة عن جلابيب الأبدان لم تزل تزور الملائكة
~~عليهم السلام في مواضعهم بعروجها إليهم فناسب أن تزورهم الملائكة عليهم
~~السلام في زواياهم وإن اقتضى ذلك الاجتماع مع غيرهم ممن ليسوا كذلك فإنه
~~أمر تبعي:

# ولأجل عين ألف عين تكرم

# { من كل أمر } أي من أجل كل أمر تعلق به التقدير في تلك السنة إلى
~~قابل وأظهره سبحانه وتعالى لهم، قاله غير واحد فمن بمعنى اللام
~~التعليلية متعلقة بتنزل. قال عصام الدين فإن قلت المقدرات لا تفعل في تلك
~~الليلة بل في تمام السنة فلماذا تنزل الملائكة عليهم السلام فيها لأجل
~~تلك الأمور؟ قلت لعل تنزلهم لتعيين إنفاذ تلك الأمور لهم وتنزلهم لأجل كل
~~أمر ليس على معنى تنزل كل واحد لأجل كل أمر ولا تنزل كل واحد لأمر بل على
~~معنى تنزل الجميع لأجل جميع الأمور حتى يكون في الكلام تقسيم العلل على
~~المعلولات انتهى وأقول يمكن أن يكون تنزلهم لإعداد القوابل لقبول ما
~~أمروا به وأشار بما ذكره من التقسيم إلى أنه يجوز أن يكون نزول الواحد
~~منهم لعدة أمور وقولهم: من أجل كل أمر تعلق الخ قد تقدم ما فيه من البحث
~~فتذكر.

# وقال أبو حاتم (من) بمعنى الباء أي تنزل بكل أمر فقيل أي من الخير
~~والبركة وقيل من الخير والشر وجعلت الباء عليه للسببية فيرجع المعنى إلى
~~نحو ما مر. ومنهم من جعلها للملابسة والمراد بملابستهم له ملابستهم للأمر
~~به فكأنه قيل تنزل الملائكة وهم مأمورون بكل أمر يكون في السنة وكونهم
~~يتنزلون وهم كذلك لا يستدعي فعلهم جميع ما أمروا به في تلك الليلة
~~والظاهر على ما قالوا أن المراد بالملائكة المدبرات إذ ms11410 غيرهم لا تعلق له
~~في الأمور التي تعلق بها التقدير ليتنزلوا لأجلها على المعنى السابق وهو
~~خلاف ما تدل عليه الآثار من عدم اختصاصهم بالمدبرات فتدبر وكأنه لذلك قيل
~~إن { من كل أمر } متعلق بقوله تعالى: { سلم... }.

### || [97.5]

# { سلام } وهو مصدر بمعنى السلامة خبر مقدم وقوله تعالى: { هي }
~~مبتدأ أي هي سلام من كل أمر مخوف وتعلقه بذلك على التوسع في الظرف وإلا
~~فمعمول المصدر لا يتقدم عليه في المشهور وقيل هو متعلق بمحذوف مقدم يفسره
~~المذكور ومن وقف على كلام العلامة التفتازاني في أوائل «شرح التلخيص» في
~~مثل ذلك استغنى عما ذكر. وقيل

# من كل أمر

# [القدر: 4] متعلق بتنزل لكن على معنى تنزل إلى الأرض منفصلة من كل أمر
~~لها في السماء وتاركة له وفيه إشارة إلى مزيد الاهتمام بالتنزل إلى الأرض
~~وفيه من البعد ما فيه وتقديم الخبر للحصر كما في تميمي أنا والإخبار
~~بالمصدر للمبالغة أي ما هي إلا سالمة جدا حتى كأنها عين السلامة.

# قال الضحاك في معنى ذلك إنه تعالى لا يقدر ولا يقضي فيها إلا السلامة
~~قيل أي لا ينفذ تقديره تعالى ويتعلق قضاؤه إلا بذلك وحاصله لا يوجد إلا
~~ذلك وقال مجاهد: إنها سالمة من الشيطان وأذاه وروي أن الشيطان لا يخرج في
~~ليلة القدر حتى يضىء فجرها ولا يستطيع أن يصيب فيها أحدا بخبل أو داء أو
~~ضرب من ضروب الفساد ولا ينفذ فيها سحر ساحر ولعل ما يصدر من المعاصي على
~~هذا من النفس الأمارة بالسوء لا بواسطة الشيطان.

# واستشكل كلام الضحاك بناء على ما قيل فيه بأنه لا تخلو ليلة من الشر
~~والأمر المخوف ولا موجد إلا الله عز وجل فلعله أراد ما تقدم نقله غير
~~بعيد من أن الله تعالى إنما يقدر في هذه الليلة السلامة والخير أي لا
~~يظهر سبحانه للملائكة عليهم السلام إلا تقديره عز وجل ذلك.

# وقيل ما هي إلا سلامة على نحو ما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رحمة
~~والمراد أنها سبب تام ms11411 للسلامة والنجاة من المهالك يوم القيامة حيث إن من
~~قامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. وقيل السلام مصدر بمعنى
~~التسليم أي ما هي إلا تسليم لكثرة التسليم والمسلمين من الملائكة على
~~المؤمنين فيها وروي ذلك عن الشعبي ومنصور وجعلها عين التسليم للمبالغة
~~أيضا.

# وقوله تعالى: { حتى مطلع الفجر } غاية تبين تعميم السلامة
~~أو التسليم كل الليلة فالجار متعلق بسلام و(مطلع) اسم زمان وقد صرحوا أنه
~~من يفعل ويفعل بفتح العين وضمها على مفعل مفتوح العين وجوز كونه
~~مصدرا ميميا بمعنى الطلوع ويحتاج إلى تقدير مضاف قبله هو وقت أو ما في
~~معناه لتتحد الغاية والمغيا فيكونان من جنس واحد وصح تعلق الجار بذلك مع
~~الفصل لأنه ليس بمصدر نظرا للحقيقة وأفاد الطبرسي وغيره أنه لا بد من
~~تأويله بسالمة أو مسلمة ليصح التعلق أما لو أبقى على مصدريته فلا يصح
~~للزوم الفصل بين الصلة والموصول وذهب بعضهم إلى أن الفصل بين المصدر
~~ومعموله بالمبتدأ مغتفر وجوز أن تتعلق الغاية بتنزل على معنى أنه لا
~~ينقطع تنزلهم فوجا بعد فوج إلى وقت طلوع الفجر وتعقب بأنه تعسف لأن {
~~سلام هي } أجنبي وليس باعتراض فلا يحسن الفصل به وجعله حالا من
~~الضمير المجرور في قوله تعالى

# فيها

# [القدر: 4] أي ذات سلامة أو سلام لا يخفى حاله وقيل يجوز أن يكون الوقف
~~على { سلام } وهو خبر لمحذوف و

# من كل أمر

# [القدر: 4] متعلق به و { هي } مبتدأ و { حتى مطلع الفجر }
~~خبره ولم يجوز ذلك الطيبي والطبرسي وغيرهما قالوا لعدم الفائدة بالإخبار
~~عنها بأنها حتى مطلع الفجر إذ كل ليلة بهذه الصفة وأجيب بأنه لما أخبر
~~عنها بأنها خير من ألف شهر وفهم أنها مخالفة لسائر الليالي في الصفة وكان
~~ذلك مظنة توهم أن ذاتها في المقدار مغايرة لذوات الليالي فيه أيضا دفع
~~ذلك بقوله تعالى: { هى حتى مطلع الفجر } أي لم تخالف سائر
~~الليالي في ذلك وإن خالفتها في الفضل والخيرية.

# وقرأ ابن عباس وعكرمة والكلبي (من كل امرىء) ms11412 بهمز في آخره أي تنزل من
~~أجل كل إنسان أي من أجل ما يتعلق به مما قدر في تلك الليلة ويرجع إلى نحو
~~ما تقدم أو من أجل مصلحته من الاستغفار له ونحوه على أن المراد بذلك كل
~~امرىء مؤمن على ما قيل وقيل الجار متعلق بسلام والمراد بكل امرىء
~~الملائكة عليهم السلام أي سلام وتحية هي على المؤمنين من كل ملك وأنكر
~~كما قال ابن جني هذه القراءة أبو حاتم.

# وقرأ أبو رجاء والأعمش وابن وثاب وطلحة وابن / محيصن والكسائي وأبو عمرو
~~بخلاف عنه (مطلع) بكسر اللام على أنه مصدر كالمرجع ويقدر مضاف كما سمعت
~~أو اسم زمان على غير قياس كالمشرق فإن مفعلا بالكسر قياس يفعل مكسور
~~العين وفي «البحر» قيل مطلع ومطلع بالفتح والكسر مصدران في لغة تميم وقيل
~~المصدر بالفتح وموضع الطلوع بالكسر عند أهل الحجاز انتهى وإرادة الموضع
~~ههنا لا موضع لها كما لا يخفى.

# هذا واعلم أنه يسن الدعاء في هذه الليلة المباركة وهي أحد أوقات الإجابة
~~وأخرج الإمام أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن عائشة
~~رضي الله تعالى عنها قالت قلت يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر فما أقول
~~قال

# " قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني "

# ويجتهد فيها بأنواع العبادات من صلاة وغيرها وقال سفيان الثوري الدعاء
~~في تلك الليلة أحب من الصلاة ثم أفاد أنه إذا قرأ أو دعا كان حسنا. وكان
~~صلى الله عليه وسلم يجتهد في ليالي شهر رمضان ويقرأ فيها قراءة مرتلة لا
~~يمر بآية رحمة إلا سأل ولا بآية عذاب إلا تعوذ.

# وذكر ابن رجب أن الأكمل الجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكر وقد
~~كان عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك كله لا سيما في العشر الأواخر. ويحصل
~~قيامها على ما قال البعض بصلاة التراويح وأخرج البيهقي عن أنس بن مالك
~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " من صلى المغرب والعشاء في جماعة حتى ينقضي شهر رمضان فقد أصاب من ليلة
~~القدر ms11413 بحظ وافر "

# وأخرج مالك وابن أبي شيبة وابن زنجويه والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال
~~من شهد العشاء ليلة القدر في جماعة فقد أخذ بحظه منها.

# وفي «تحفة المحتاج» لابن حجر الهيتمي عليه الرحمة ((يسن لرائيها كتمها
~~ولا ينال فضلها أي كماله إلا من أطلعه الله تعالى عليها)) انتهى والظاهر
~~أنه عنى برؤيتها رؤية ما يحصل به العلم له بها مما خصت به من الأنوار
~~وتنزل الملائكة عليهم السلام أو نحوا من الكشف المفيد للعلم مما لا يعرف
~~حقيقته إلا أهله وهو كالنص في أنها يراها من شاء الله تعالى من عباده
~~وقال أبو حفص بن شاهين على ما حكاه ابن رجب إن الله تعالى لم يكشفها لأحد
~~من الأولين والآخرين ولا النبيين والمرسلين في يوم ولا ليلة إلا نبينا
~~صلى الله عليه وسلم فإنه لما أنزلها عليه وعرفه قدرها أراه عليه الصلاة
~~والسلام إياها في منامه وعرفه في أي ليلة تكون فأصبح عالما بها وأراد أن
~~يخبر بها الناس لسروره فتلاحى بين يديه رجلان فأنسيها صلى الله عليه وسلم
~~وأمر بطلبها في ليالي العشر الأواخر لأنهم لا يرونها مكاشفة أبدا ولا
~~يراها أحد بعده صلى الله عليه وسلم أصلا فأمروا بذلك ليلتمس فضلها في
~~الليالي المسماة انتهى وحديث أنه صلى الله عليه وسلم رآها ونسيها قد رواه
~~الإمام مالك والإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم وهو مما لا تردد في صحته
~~لكن في دلالته على أنه لم يعلم عليه الصلاة والسلام بها ولم يرها بعد ولا
~~يراها أحد من أمته صلى الله عليه وسلم أبدا ترددا ولعل الأمر بالتماسه
~~في العشر الأواخر مثلا يشير إلى رجاء رؤيتها فيها إذ ما لا يرجى في زمان
~~أو مكان لا يحسن أن يؤمر أحد بالتماسها فيه عادة وفي بعض الأخبار ما يدل
~~على أن رؤيتها مناما وقعت لغيره صلى الله عليه وسلم ففي «صحيح مسلم»
~~وغيره عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رجالا من أصحاب النبي صلى
~~الله عليه وسلم أروا ms11414 ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر فقال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم:

# " أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في
~~السبع الأواخر "

# وحكي نحو قول ابن شاهين عن غيره أيضا وغلط ففي «شرح الصحيح» للنووي
~~((اعلم أن ليلة القدر موجودة وأنها ترى ويتحققها من شاء الله تعالى من
~~بني آدم كل سنة في رمضان كما تظاهرت عليه الأحاديث وأخبار الصالحين بها
~~ورؤيتهم لها أكثر من أن تحصى وأما قول القاضي عياض عن المهلب بن أبي
~~صفرة لا يمكن رؤيتها حقيقة فغلط فاحش نبهت عليه لئلا يغتر به)) انتهى.

# / بقي في الكلام على هذه الليلة بحث مهم وهو أنه على قول المعتبرين
~~لاختلاف المطالع يلزم القول بتعددها في رمضان وكونها وترا من لياليه عند
~~قوم وشفعا عند آخرين فلا يصح إطلاق القول بأحدهما وكذا لا يصح إطلاق
~~القول بأنها ليلة كذا كليلة السابع والعشرين أو الحادي والعشرين مثلا من
~~الشهر على ذلك أيضا بل لا يصح إطلاق القول بأن وقت التقدير وتنزل
~~الملائكة ليل فالليلة عند قوم نهار في الجهة المسامتة لأقدامهم وهي قد
~~تكون مسكونة ولو بواسطة سفينة تمر فيها وربما يكون زمان الليل عند قوم
~~بعضه ليلا وبعضه نهارا عند آخرين كاهل بعض العروض البعيدة عن خط
~~الاستواء بل قد تنقضي أشهر بليل ونهار على قوم ولم ينقض يوم واحد في بعض
~~العروض بل لا يصح أيضا إطلاق القول بأنها في رمضان وأنها الليلة الأولى
~~أو الأخيرة منه إذ الشهر دخولا وخروجا مختلف بالنسبة إلى سكان البسيطة.

# وأجاب بعض بالتزام أن ما أطلق من القول فيها ليس على إطلاقه فيكون القول
~~بوتريتها بالنسبة إلى قوم وبشفعيتها بالنسبة إلى آخرين وهكذا القول بأنها
~~ليلة كذا من الشهر وبالتزام أنها ليلة بالنسبة إلى قوم نهار بالنسبة إلى
~~آخرين وأن التعبير بالليلة لرعاية مكان المنزل عليه القرآن عليه الصلاة
~~والسلام وغالب المؤمنين به فإن ما هو سمت أقدامهم مما ليلهم نهاره لم
~~يعمر بالمسلمين بل لا ms11415 يكاد يعمر بهم حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها
~~وقال: إنها حيث كانت نهارا عند قوم لا يبعد أن يعطي الله تعالى أجرها من
~~اجتهد من غيرهم في ليلة ذلك النهار وأن يعطي سبحانه ذلك أيضا من اجتهد
~~منهم ليلا وهي عندهم نهار وعلى نحو هذا يقال في الصور التي ذكرت في
~~البحث وادعى أن هذا نوع من الجمع بين الأحاديث المتعارضة وأن في قولهم
~~يسن الاجتهاد في يومها رمزا ما لشيء من ذلك وهو كما ترى. وأجاب آخر بما
~~يستحي القلم من ذكره ويرى تركه هو الحري بقدره. وسمعت من بعض أحبابي أن
~~الشيخ إسماعيل العجلوني عليه الرحمة تعرض فيما شرح من «صحيح البخاري»
~~لشيء من هذا البحث والجواب عنه ولم أقف عليه.

# وعندي أن البحث قوي والأمر مما لا مجال لعقلي فيه ومثل ليلة القدر فيما
~~ذكر وقت نزوله سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا من الليل كما صحت به
~~الأخبار وكذا ساعة الإجابة من يوم الجمعة إلى أمثال أخر وللشيخ ابن تيمية
~~رحمه الله تعالى كلام طويل في الأول لم يحضرني منه الآن ما يروي الغليل،
~~ولغيره كابن حجر كلام مختصر في الثاني وهو مشهور.

# وربما يقال إنها لكل قوم ليلتهم وإن اختلفت دخولا وخروجا بالنسبة إلى
~~آفاقهم كسائر لياليهم فتدخل الليلة مطلقا في بغداد مثلا عند غروب الشمس
~~فيها وبعد نصف ساعة منه تدخل في إسلامبول مثلا وذلك أول وقت الغروب فيها
~~وهكذا والخروج على عكس ذلك فكأن الليلة راكب يسير إلى جهة فيصل إلى كل
~~منزل في وقت ويلتزم أن تنزل الملائكة حسب سيرها ولا يبعد أن يتنزل عند كل
~~قوم ما شاء الله تعالى منهم عند أول دخولها عندهم ويعرجون عند مطلع فجرها
~~عندهم أيضا أو يبقى المتنزل منهم هناك إلى أن تنقضي الليلة في جميع
~~المعمورة فيعرجون معا عند انقضائها، ويلتزم القول بتعدد التقدير حسب
~~السير أيضا بأن يقدر الله تعالى في أي جزء شاء سبحانه منها بالنسبة إلى
~~من هي عندهم أمورا ms11416 تتعلق بهم ومناط الفضل لكل قوم تحققها بالنسبة إليهم
~~وقيامهم فيها. ومثل هذه الليلة فيما ذكر سائر أوقات العبادة كوقت الظهر
~~والعصر وغيرهما وهذا غاية ما يخطر بالبال فيما يتعلق بهذا الإشكار وأمر
~~ما يعكر عليه من أخبار الآحاد سهل على أن الكثير منها في صحته مقال فتأمل
~~في ذاك والله عز وجل يتولى هداك.

# ثم إن ليلة القدر عند السادة الصوفية ليلة يختص فيها السالك بتجل خاص
~~يعرف به قدره ورتبته بالنسبة إلى محبوبه وهي وقت ابتداء وصول السالك إلى
~~عين الجمع ومقام البالغين في المعرفة وما ألطف قول الشيخ عمر بن الفارض
~~قدس سره:

# / وكل الليالي ليلة القدر إن دنت

# كما كل أيام اللقاء يوم جمعة

# هذا والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

### | [98 - سورة البينة]

### || [98.1]

# { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتب } أي اليهود
~~والنصارى وإيرادهم بذلك العنوان قيل لإعظام شناعة كفرهم وقيل للإشعار
~~بعلة ما نسب إليهم من الوعد باتباع الحق فإن مناط ذلك وجدانهم له في
~~كتابهم وهو مبني على وجه يأتي إن شاء الله تعالى في الآية بعد. وإيراد
~~الصلة فعلا لما أن كفرهم حادث بعد أنبيائهم عليهم السلام بالإلحاد في
~~صفات الله عز وجل.

# و(من) للتبعيض كما قال علم الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدي في
~~«التأويلات» لا للتبيين لأن منهم من لم يكفر بعد نبيه وكان على الاعتقاد
~~الحق حتى توفاه الله تعالى وعد من ذلك الملكانية من النصارى فقيل إنهم
~~كانوا على الحق قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتبيين يقتضي
~~كفر جميعهم قبل البعث والظاهر خلافه وأيد إرادة التبعيض بما روي عن ابن
~~عباس رضي الله تعالى عنهما من أن المراد بأهل الكتاب اليهود الذين كانوا
~~بأطراف المدينة من بني قريظة والنضير وبني قينقاع. وقال بعض لا نسلم أن
~~التبيين يقتضي كفر جميعهم قبل البعث لجواز أن يكون التعبير عنهم بالذين
~~كفروا باعتبار حالهم بعد البعثة كأنه قيل لم يكن هؤلاء الكفرة وبينوا
~~بأهل الكتاب { والمشركين } وهم من ms11417 اعتقدوا لله سبحانه شريكا،
~~صنما أو غيره وخصهم بعض بعبدة الأصنام لأن مشركي العرب الذين بمكة
~~والمدينة وما حولهما كانوا كذلك وهم المقصودون هنا على ما روي عن الحبر.
~~وأيا ما كان فالعطف على (أهل الكتاب) ولا يلزم على التبعيض أن لا يكون
~~بعضهم كافرين ليجب العدول عنه للتبيين لأنهم بعض من المجموع كما أفاده
~~بعض الأجلة واحتمال أن يراد بالمشركين أهل الكتاب وشركهم لقولهم المسيح
~~ابن الله وعزير ابن الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا والعطف لمغايرة
~~العنوان ليس بشيء.

# وقرىء (والمشركون) بالرفع عطفا على الموصول وحمل قراءة الجمهور على /
~~ذلك واعتبار أن الجر للجوار لا يخفى حاله والجار والمجرور في موضع الحال
~~من ضمير { كفروا }.

# وقوله تعالى: { منفكين } خبر { يكن } والانفكاك في الأصل افتراق
~~الأمور الملتحمة بنوع مزايلة وأريد به المفارقة لما كانوا عليه مما
~~ستعرفه إن شاء الله تعالى فالوصف اسم فاعل من انفك التامة دون الناقصة
~~الداخلة على المبتدأ والخبر، وزعم بعض النحاة أنه وصف منها والخبر محذوف
~~أي واعدين اتباع الحق أو نحوه وتعقب مع كونه خلاف الظاهر بأن خبر كان
~~وأخواتها لا يجوز حذفه في السعة لا اقتصارا ولا اختصارا وحين ليس مجير
~~أي في الدنيا ضرورة.

# وقوله تعالى: { حتى تأتيهم البينة } متعلق بمنفكين
~~والبينة صفة بمعنى اسم الفاعل أي المبين للحق أو هي بمعناها المعروف وهو
~~الحجة المثبتة للمدعي ويراد بها المعجز وعلى الوجهين.

### || [98.2]

# فقوله تعالى: { رسول } بدل منها بدل كل من كل أو خبر لمقدر أي هي
~~رسول وتنوينه للتفخيم والمراد به نبينا صلى الله عليه وسلم وقوله سبحانه:
~~{ من الله } في موضع الصفة له مفيد للفخامة الإضافية فهو مؤكد لما
~~أفاده التنوين من الفخامة الذاتية وقوله تعالى: { يتلوا صحفا
~~مطهرة } صفة أخرى له أو حال من الضمير في صفته الأولى.

### || [98.3]

# كما أن قوله سبحانه: { فيها كتب قيمة } صفة ثانية لصحفا أو
~~حال من الضمير في صفتها الأولى أعني

# مطهرة

# [البينة: 2] ويجوز أن يكون الصفة أو الحال هنا الجار ms11418 والمجرور فقط
~~و(كتب) مرتفعا على الفاعلية وإطلاق البينة عليه عليه الصلاة والسلام على
~~المعنى الأول ظاهر وعلى المعنى الأخير باعتبار أن أخلاقه وصفاته صلى الله
~~عليه وسلم كانت بالغة حد الإعجاز كما قال الغزالي في «المنقذ من الضلال»
~~وأشار إليه البوصيري بقوله:

# كفاك بالعلم في الأمي معجزة

# في الجاهلية والتأديب في اليتم

# ويعلم منه حكمة جعله عليه الصلاة والسلام يتيما، أو باعتبار كثرة
~~معجزاته صلى الله عليه وسلم غير ما ذكر وظهورها. وجوز أن يراد بالبينة
~~القرآن لأنه مبين للحق أو معجز مثبت للمدعي وروي ذلك عن قتادة وابن زيد و

# رسول

# [البينة: 2] عليه قيل بدل اشتمال أو بدل كل من كل أيضا بتقدير مضاف أي
~~بينة أو وحي أو معجز أو كتاب رسول أو هو خبر مبتدأ مقدر أي هي رسول ويقدر
~~معه مضاف كما سمعت. وجوز أن يكون { رسول } مبتدأ لوصفه وخبره جملة {
~~يتلوا } الخ وجملة المبتدأ وخبره مفسرة للبينة وقيل اعتراض لمدحها
~~وقيل صفة لها مرادا بها القرآن ويراد بالصحف المطهرة البينة وقد وضعت
~~موضع ضميرها فكانت الرابط.

# وقرأ أبي وعبد الله (رسولا) بالنصب على الحالية من (البينة).

# والصحف جمع صحيفة وكذا الصحاف القراطيس التي يكتب فيها وأصلها المبسوط
~~من الشيء والمراد بتطهيرها تنزيهها عن الباطل على سبيل الاستعارة المصرحة
~~ويجوز أن يكون في الكلام استعارة مكنية أو تطهير من يمسها على التجوز في
~~النسبة فكأنه قيل صحفا لا يمسها إلا المطهرون. والمراد بالكتب المكتوبات
~~وبالقيمة المستقيمة واستقامتها نطقها بالحق وفي «التيسير» هي كتب
~~الأنبياء عليهم السلام والقرآن مصدق لها فكأنها فيه.

# ووصفه عليه الصلاة والسلام بتلاوة الصحف المذكورة - بناء على المشهور
~~من أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يقرأ الكتاب كما أنه صلى الله عليه
~~وسلم لم يكن يكتب - من باب التجوز في النسبة إلى المفعول لأنه صلى الله
~~عليه وسلم لما قرأ ما فيها فكأنه قرأها وقيل على تقدير مضاف أي مثل صحف
~~وقيل في ضمير { يتلوا } استعارة مكنية بتشبيهه عليه الصلاة والسلام
~~لتلاوته مثل ms11419 ما فيها بتاليها أو الصحف مجاز عما فيها بعلاقة الحلول ففي
~~ضمير { فيها } استخدام لعوده على الصحف بالمعنى الحقيقي. وقيل المراد
~~بالرسول جبريل عليه السلام وبالصحف صحف الملائكة عليهم السلام المنتسخة
~~من اللوح المحفوظ وبتطهيرها ما سبق والمراد بتلاوته عليه الصلاة والسلام
~~إياها ظاهر وجعلها / مجازا عن وحيه إياها غير وجيه والأولى حمل الرسول
~~على النبي صلى الله عليه وسلم وهو المروى عن ابن عباس ومقاتل وغيرهما.

# وقد اختلفوا في المعنى المراد بالآية اختلافا كثيرا حتى قال الواحدي
~~في كتاب «البسيط» إنها من أصعب ما في القرآن نظما وتفسيرا وبين ذلك
~~بناء على أن الكفر وصف لكل من الفريقين قبل البعثة بأن الظاهر أن المعنى
~~لم يكن الذين كفروا من الفريقين منفكين عما هم عليه من الكفر حتى يأتيهم
~~الرسول صلى الله عليه وسلم و { حتى } لانتهاء الغاية فتقتضي أنهم
~~انفكوا عن كفرهم عند إتيان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو خلاف الواقع
~~ويناقضه قوله تعالى: { وما تفرق الذين أتوا الكتب
~~إلا من بعد ما جاءتهم البينة }.

### || [98.4]

# فإنه ظاهر في أن كفرهم قد زاد عند ذلك فقال جار الله ((كان الكفار من
~~الفريقين يقولون قبل المبعث لا ننفك عما نحن فيه من ديننا حتى يبعث الله
~~تعالى النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل وهو محمد صلى
~~الله عليه وسلم فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه ثم قال سبحانه: { وما
~~تفرق } الخ يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق
~~إذا جاءهم الرسول ثم ما فرقهم عن الحق وأقرهم على الكفر إلا مجيئه ونظيره
~~في الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه لست بمنفك مما أنا فيه حتى
~~يرزقني الله تعالى الغنى فيرزقه الله عز وجل ذلك فيزداد فسقا فيقول
~~واعظه لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد
~~اليسار يذكره ما كان يقوله توبيخا وإلزاما)) وحاصله أن الأول من باب
~~الحكاية لزعمهم.

# وقوله سبحانه: { وما تفرق } الخ إلزام عليهم حكى ms11420 الله تعالى
~~كلامهم على سبيل التوبيخ والتعيير فقال هذا هو الثمرة وظاهره أنه أراد
~~بتفرقهم تفرقهم عن الحق وحمل على الثبات على الكفر والباطل لاستلزامه
~~إياه، وعدم التعرض للمشركين في قوله تعالى: { وما تفرق } الخ لعلم
~~حالهم من حال الذين أوتوا الكتاب بالأولى وقيل - وهو قريب من ذاك من وجه
~~- وفيه إيضاح له من وجه أي لم يكونوا منفكين عما كانوا عليه من الوعد
~~باتباع الحق والإيمان بالرسول المبعوث في آخر الزمان إلى أن أتاهم ما
~~جعلوه ميقاتا للاجتماع والاتفاق فاجعلوه ميقاتا للانفكاك والافتراق كما
~~قال سبحانه: { وما تفرق } الخ وفي التعبير بمنفكين إشارة إلى
~~وكادة وعدهم وهو من أهل الكتاب مشهور حتى أنهم كانوا يستفتحون ويقولون
~~اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان ويقولون
~~لأعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه
~~قتل عاد وإرم، ومن المشركين لعله وقع من متأخريهم بعد ما شاع من أهل
~~الكتاب واعتقدوا صحته مما شاهدوا مثلا من بعض من يوثق به بينهم من قومهم
~~كزيد بن عمرو بن نفيل فقد كان يتطلب نبيا من العرب ويقول قد أظل زمانه
~~وإنه من قريش بل من بني هاشم بل من بني عبد المطلب ويشهد لذلك أنهم قبيل
~~بعثته عليه الصلاة والسلام سمى منهم غير واحد ولده بمحمد رجاء أن يكون
~~النبي المبعوث

# الله أعلم حيث يجعل رسالته

# [الأنعام: 124] والتعبير عن إتيانه بصيغة المضارع باعتبار حال المحكي لا
~~باعتبار حال الحكاية كما في قوله تعالى:

# واتبعوا ما تتلوا الشيطين

# [البقرة: 102] أي تلت.

# وقوله تعالى: { وما تفرق } الخ ((كلام مسوق لمزيد التشنيع على
~~أهل الكتاب خاصة ببيان أن ما نسب إليهم من الانفكاك لم يكن لاشتباه في
~~الأمر بل بعد وضوح الحق وتبين الحال وانقطاع الأعذار بالكلية وهو السر في
~~وصفهم بإيتاء الكتاب المنبىء عن كمال تمكنهم من مطالعته والإحاطة بما في
~~تضاعيفه من الأحكام والأخبار التي من جملتها ما يتعلق بالنبي عليه
~~الصلاة والسلام وصحة بعثته بعد ذكرهم فيما ms11421 سبق بما هو جار مجرى اسم الجنس
~~للطائفتين ولما كان هؤلاء والمشركون باعتبار اتفاقهم على الرأي المذكور
~~في حكم فريق واحد عبر عما صدر منهم عقيب الاتفاق عند الإخبار بوقوعه
~~بالانفكاك وعند بيان كيفية وقوعه بالتفرق اعتبارا لاستقلال كل من /
~~فريقي أهل الكتاب وإيذانا بأن انفكاكهم عن الرأي المذكور ليس بطريق
~~الاتفاق على رأي آخر بل بطريق الاختلاف القديم)) وتعقب التقريران بأنه
~~ليس في الكلام ما يدل على أنه حكاية ولا على إرادة منفكين عن الوعد
~~باتباع الحق.

# وقال القاضي عبد الجبار المعنى لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم وإن
~~جاءتهم البينة وتعقبه الإمام بأن تفسير لفظ { حتى } بما ذكر ليس من
~~اللغة في شيء ولعله أراد أن المراد استمرار النفي وإن في الكلام حذفا أي
~~لم يكونوا منفكين عن كفرهم في وقت من الأوقات حتى وقت أن تأتيهم البينة
~~إلا أنه عبر بما ذكر لأنه أخصر وفيه أيضا ما لا يخفى.

# وقيل المعنى لم يكونوا منفكين عن ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم
~~بالمناقب والفضائل إلى أن أتاهم فحينئذ تفرقوا فيه وقال كل منهم فيه
~~عليه الصلاة والسلام قولا زورا وتعقب بأنه لا دلالة على إرادة ما قدر
~~متعلق الانفكاك. وقيل المعنى لم يكونوا منفكين عن كفرهم إلى وقت مجىء
~~الرسول صلى الله عليه وسلم فلما جاءهم تفرقوا فمنهم من آمن ومنهم من أصر
~~على كفره ويكفي ذلك في العمل بموجب حتى وتعقب بأن ظاهر { وما تفرق
~~} الخ ذم لجميعهم وتشنيع عليهم ويؤيده قوله سبحانه بعد:

# إن الذين كفروا من أهل الكتب

# [البينة: 6] الخ ويبعد ذلك على حمل التفرق على إيمان بعض وإصرار بعض.

# وقيل المعنى لم يكونوا منفكين عن كفرهم بأن يترددوا فيه بل كانوا جازمين
~~به معتقدين حقيته إلى أن أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعند ذلك
~~اضطربت خواطرهم وأفكارهم وتشكك كل في دينه ومقالته وفيه ما لا يخفى. وقيل
~~معنى { منفكين } هالكين من قولهم انفك صلا المرأة عند الولادة وهو
~~أن ينفصل فلا ms11422 يلتئم والمعنى لم يكونوا معذبين ولا هالكين إلا بعد قيام
~~الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب وقريب منه معنى ما قيل لم يكونوا
~~منفكين عن الحياة بأن يموتوا ويهلكوا حتى تأتيهم البينة وهو كما ترى وقيل
~~المراد أنهم لم ينفكوا عن دينهم حقيقة إلى مجىء الرسول التالي للصحف
~~المبينة نسخة وبطلانه ولما جاء وتبين ذلك انفكوا عنه حقيقة وإن بقوا عليه
~~صورة وفيه ما فيه.

# وقال أبو حيان ((الظاهر أن المعنى لم يكونوا منفكين أي منفصلا بعضهم عن
~~بعض بل كان كل منهم مقرا الآخر على ما هو عليه مما اختاره لنفسه، هذا من
~~اعتقاده بشريعته وهذا من اعتقاده بأصنامه وحاصله أنه اتصلت مودتهم
~~واجتمعت كلمتهم إلى أن أتتهم البينة { وما تفرق الذين
~~أوتوا } أي من المشركين وانفصل بعضهم من بعض فقال كل ما يدل عنده على
~~صحة قوله { إلا من بعد ما جاءتهم البينة } وكان يقتضي
~~عند مجيئها أن يجتمعوا على اتباعها)) ولا يخفى أن قوله: بل كان كل منهم
~~الخ في حيز المنع وأيضا حمل { وما تفرق } على ما حمله عليه غير
~~ظاهر.

# وقال ابن عطية ((ههنا وجه بارع المعنى وذلك أن يكون المراد لم يكن
~~هؤلاء القوم منفكين من أمر الله تعالى وقدرته ونظره سبحانه حتى يبعث عز
~~وجل إليهم رسولا منذرا يقيم تعالى عليهم به الحجة ويتم على من آمن به
~~النعمة فكأنه قال ما كانوا ليتركوا سدى ولهذا نظائر في كتاب الله جل
~~جلاله)) هذا ما ظفرنا به سؤالا وجوابا وجرحا وتعديلا.

# ثم إني أقول: ما تقدم في تقرير الإشكال مبني على مذهب القائلين بمفهوم
~~الغاية وهم أكثر الفقهاء وجماعة من المتكلمين كالقاضي أبي بكر والقاضي
~~عبد الجبار وأبي الحسين البصري وغيرهم دون مذهب الغير القائلين به وهم
~~أصحاب الإمام أبي حنيفة وجماعة من الفقهاء والمتكلمين واختاره الآمدي
~~واستدل عليه بما استدل ورد ما يعارضه من أدلة المخالف، وعليه يمكن أن
~~يقال إنه سبحانه وتعالى بين أولا حال الذين كفروا من الفريقين إلى وقت
~~إتيان ms11423 الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله عز وجل:

# لم يكن الذين كفروا من أهل الكتب
~~والمشركين منفكين

# [البينة: 1] أي عما هم عليه من الدين حسب اعتقادهم فيه إلى أن يأتيهم
~~الرسول ولما لم يتعرض في ذلك على ذلك المذهب لحالهم بعد إتيان الرسول
~~عليه الصلاة والسلام بينه سبحانه بقوله / جل وعلا: { وما تفرق
~~الذين أوتوا الكتب } الخ أي وما تفرقوا فعرف بعض منهم الحق
~~وآمن وعرفه بعض آخر منهم وعاند فلم يؤمن في وقت من الأوقات إلا من بعد ما
~~جاءتهم البينة وطوى سبحانه ذكر حال المشركين لعلمه بالأولى من حالهم ثم
~~إنه تعالى ذكر بعد حال كل من الفريقين المؤمن والكافر وماله في الآخرة
~~بقوله سبحانه:

# إن الذين كفروا

# [البينة: 6] الخ وقوله تعالى:

# إن الذين ءامنوا

# [البينة: 7] الخ.

# والذي أميل إليه مما تقدم كون الانفكاك عن الوعد باتباع الحق ولعل
~~القرينة على اعتباره حالية ويحتمل نحوا آخر من التوجيه وذلك بأن يجعل
~~الكلام من باب الإعمال فيقال إن { منفكين } يقتضي متعلقا هو المنفك
~~عنه و { تأتيهم } يقتضي فاعلا وليس في الكلام سوى (البينة) فكل
~~منهما يقتضيه فأعمل فيه { تأتيهم } وحذف معمول { منفكين }
~~لدلالته عليه فكأنه قيل لم يكن الذين كفروا من الفريقين منفكين عن البينة
~~حتى تأتيهم البينة وحيث كان المراد بالبينة الرسول كان الكلام في قوة لم
~~يكونوا منفكين عن الرسول حتى يأتيهم ويراد بعدم الانفكاك عن الرسول حيث
~~لم يكن موجودا إذ ذاك عدم الانفكاك عن ذكره والوعد باتباعه ويكون باقي
~~الكلام في الآية على نحو ما سبق على تقدير إرادة منفكين عما كانوا عليه
~~من الوعد باتباع الحق، وإن شئت قلت في قوله تعالى: { وما تفرق }
~~الخ إنه على معنى وما تفرق الذين أوتوا الكتاب عن الرسول ما انفكوا عنه
~~بالإصرار على الكفر إلا من بعد ما جاءهم فتأمل جميع ما أتيناك به والله
~~تعالى أعلم بأسرار كتابه.

### || [98.5]

# وقوله تعالى: { وما أمروا إلا ليعبدوا الله } جملة
~~حالية مفيدة لغاية قبح ما فعلوا. والمراد بالأمر مطلق ms11424 التكليف ومتعلقه
~~محذوف واللام للتعليل والكلام في تعليل أفعاله تعالى شهير. والاستثناء
~~مفرغ من أعم العلل، أي والحال أنهم ما كلفوا في كتابهم بما كلفوا به لشيء
~~من الأشياء إلا لأجل عبادة الله تعالى وقال الفراء العرب تجعل اللام موضع
~~أن في الأمر: ك

# وأمرنا لنسلم

# [الأنعام: 71] وكذا في الإرادة:

# يريد الله ليبين لكم

# [النساء: 26] فهي هنا بمعنى أن أي إلا بأن يعبدوا الله وأيد بقراءة عبد
~~الله (إلا أن يعبدوا) فيكون عبادة الله تعالى هي المأمور بها والأمر على
~~ظاهره والأول هو الأظهر وعليه قال علم الهدى أبو منصور الماتريدي هذه
~~الآية علم منها معنى قوله تعالى:

# وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

# [الذاريات: 56] أي إلا لأمرهم بالعبادة فيعلم المطيع من العاصي وهو كما
~~قال الشهاب كلام حسن دقيق.

# { مخلصين له الدين } أي جاعلين دينهم خالصا له تعالى فلا
~~يشركون به عز وجل فالدين مفعول لمخلصين وجوز أن يكون نصبا على إسقاط
~~الخافض ومفعول { مخلصين } محذوف أي جاعلين أنفسهم خالصة له تعالى في
~~الدين وقرأ الحسن (مخلصين) بفتح اللام وحينئذ يتعين هذا الوجه في
~~(الدين) ولا يتسنى الأول. نعم جوز أن يكون نصبا على المصدر والعامل {
~~ليعبدوا } أي ليدينوا الله تعالى بالعبادة الدين.

# { حنفاء } أي مائلين عن جميع العقائد الزائغة إلى الإسلام وفيه من
~~تأكيد الإخلاص ما فيه فالحنف الميل إلى الاستقامة وسمي مائل الرجل إلى
~~الاعوجاج أحنف للتفاؤل أو مجاز مرسل بمرتبتين. وعن ابن عباس تفسير حنفاء
~~هنا بحجاجا وعن قتادة بمختتنين محرمين لنكاح الأم والمحارم وعن أبي
~~قلابة بمؤمنين بجميع الرسل عليهم السلام وعن مجاهد بمتبعين دين إبراهيم
~~عليه السلام وعن الربيع بن أنس بمستقبلين القبلة بالصلاة وعن بعض بجامعين
~~كل الدين وحال الأقوال لا يخفى.

# { ويقيموا الصلوة ويؤتوا الزكوة } إن أريد بهما ما
~~في شريعتهم من الصلاة والزكاة فالأمر بهما ظاهر وإن أريد ما في شريعتنا
~~فمعنى أمرهم بهما في كتابهم أن أمرهم باتباع شريعتنا أمر لهم بجميع
~~أحكامها التي هما من جملتها.

# { وذلك } إشارة إلى ms11425 ما ذكر من عباد الله تعالى بالإخلاص وإقامة
~~الصلاة وإيتاء الزكاة وما فيه من البعد للإشعار بعلو رتبته وبعد منزلته
~~في الشرف { دين القيمة } أي الكتب القيمة / فأل للعهد إشارة إلى ما
~~تقدم في قوله تعالى:

# فيها كتب قيمة

# [البينة: 3] وإليه ذهب محمد بن الأشعث الطالقاني وقال الزجاج أي الأمة
~~القيمة أي المستقيمة وقال غير واحد أي الملة القيمة والتغاير الاعتباري
~~بين الدين والملة يصحح الإضافة وبعضهم لم يقدر موصوفا ويجعل القيمة
~~بمعنى الملة وقيل أي الحجج القيمة.

# وقرأ عبد الله رضي الله تعالى عنه (الدين القيمة) فقيل التأنيث على
~~تأويل الدين بالملة وقيل الهاء للمبالغة.

### || [98.6]

# { إن الذين كفروا من أهل الكتب والمشركين
~~فى نار جهنم } قيل بيان لحال الفريقين في الآخرة بعد بيان حالهم
~~في الدنيا وذكر المشركين لئلا يتوهم اختصاص الحكم بأهل الكتاب حسب اختصاص
~~مشاهدة شواهد النبوة في الكتاب بهم فالمراد بهؤلاء الذين كفروا هم
~~المتقدمون في صدر السورة وفي ذلك احتمال أشرنا إليه فلا تغفل. ومعنى
~~كونهم في نار جهنم أنهم يصيرون إليها يوم القيامة لكن لتحقق ذلك لم يصرح
~~به وجيء بالجملة اسمية أو يقدر متعلق الجار بمعنى المستقبل أو أنهم فيها
~~الآن على إطلاق نار جهنم على ما يوجبها من الكفر مجازا مرسلا بإطلاق
~~اسم المسبب على السبب وجوزت الاستعارة وقيل إن ما هم فيه من الكفر
~~والمعاصي عين النار إلا أنها ظهرت في هذه النشأة بصورة عرضية وستخلعها في
~~النشأة الآخرة وتظهر بصورتها الحقيقية وقد مر نظيره غير مرة.

# { خلدين فيها } حال من المستكن في الخبر واشتراك الفريقين في
~~دخول النار بطريق الخلود لا ينافي تفاوت عذابهما في الكيفية فإن جهنم
~~والعياذ بالله تعالى دركات وعذابها ألوان فيعذب أهل الكتاب في درك منها
~~نوعا من العذاب والمشركون في درك أسفل منه بعذاب أشد لأن كفرهم أشد من
~~كفر أهل الكتاب وكون أهل الكتاب كفروا بالرسول صلى الله عليه وسلم مع
~~علمهم بنعوته الشريفة وصحة رسالته من كتابهم ولم يكن للمشركين علم بذلك ms11426
~~كعلمهم لا يوجب كون عذابهم أشد من عذاب المشركين ولا مساويا له فإن
~~الشرك ظلم عظيم وقد انضم إليه من أنواع الكفر في المشركين مما ليس عند
~~أهل الكتاب. وقد استدل بالآية على خلود الكفار مطلقا في النار.

# { أولئك } إشارة إليهم باعتبار اتصافهم بما هم فيه من القبائح
~~المذكورة وما فيه من معنى البعد لبعد منزلتهم في الشر أي أولئك البعداء
~~المذكورون { هم شر البرية } أي الخليقة وقيل أي البشر والمراد
~~قيل هم شر البرية أعمالا فتكون الجملة في حيز التعليل لخلودهم في النار
~~وقيل شرها مقاما ومصيرا فتكون تأكيدا لفظاعة حالهم، ورجح الأول بأنه
~~الموافق لما سيأتي إن شاء الله تعالى في حق المؤمنين.

# وأيا ما كان فالعموم على ما قيل مشكل فإن إبليس وجنوده شر منهم أعمالا
~~ومقاما وكذا المشركون المنافقون حيث ضموا إلى الشرك النفاق وقد قال
~~سبحانه

# إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار

# [النساء: 145] وقال بعض لا يبعد أن يكون في كفار الأمم من هو شر منهم
~~كفرعون وعاقر الناقة وأجاب بأن المراد بالبرية المعاصرون لهم، ولا يخفى
~~أنه يبقى معه الإشكال بإبليس ونحوه وأجيب بأن ذلك إذا كان الحصر حقيقيا
~~وأما إذا كان إضافيا بالنسبة إلى المؤمنين بحسب زعمهم فلا إشكال إذ يكون
~~المعنى أولئك هم شر البرية لا غيرهم من المؤمنين كما يزعمون قالا أو
~~حالا.

# وقيل يراد بالبرية البشر ويراد بشريتهم شريتهم بحسب الأعمال ولا يبعد أن
~~يكونوا بحسب ذلك هم شر جميع البرية لما أن كفرهم مع العلم بصحة رسالته
~~عليه الصلاة والسلام ومشاهدة معجزاته الذاتية والخارجية ووعد الإيمان به
~~عليه الصلاة والسلام ومع إدخالهم به الشبهة في قلوب من يأتي بعدهم
~~وتسببهم به ضلال كثير من الناس إلى غير ذلك مما تضمنه واستلزمه من
~~القبائح شر كفر وأقبحه لا يتسنى مثله لأحد من البشر إلى يوم القيامة وكذا
~~سائر أعمالهم من تحريف الكلم عن مواضعه وصد الناس عنه صلى الله عليه وسلم
~~ومحاربتهم إياه عليه الصلاة والسلام. وكون كفر فرعون ms11427 وعاقر الناقة
~~وفعلهما بتلك المثابة غير مسلم ويلتزم دخول المنافقين في عموم {
~~الذين كفروا } أو كون كفرهم وأعمالهم دون كفر وأعمال / المذكورين
~~وفيه شيء لا يخفى فتأمل. وقيل ليس المراد بأولئك الذين كفروا أقواما
~~مخصوصين وهم المحدث عنهم أولا بل الأعم الشامل لهم ولغيرهم من سالف
~~الدهر إلى آخره وهو على ما فيه لا يتم بدون حمل البرية على البشر فلا
~~تغفل.

# وقرأ الأعرج وابن عامر ونافع (البريئة) هنا وفيما بعد بالهمزة فقيل هو
~~الأصل من برأهم الله تعالى بمعنى ابتدأهم واخترع خلقهم فهي فعيلة بمعنى
~~مفعولة لكن عامة العرب إلا أهل مكة التزموا تسهيل الهمزة بالإبدال
~~والإدغام فقالوا البرية كما قالوا الذرية والخابية. وقيل ليس بالأصل
~~وإنما البرية بغير همز من البرى المقصور يعني التراب فهو أصل برأسه
~~والقراءتان مختلفتان أصلا ومادة ومتفقتان معنى في رأي وهو أن يكون
~~المراد عليهما البشر ومختلفان فيه أيضا في رأي آخر وهو أن يكون المراد
~~بالمهموز الخليقة الشاملة للملائكة والجن كالبشر وبغير المهموز البشر
~~المخلوقون من التراب فقط وأيا ما كان فليست القراءة بالهمز خطأ كيف وقد
~~نقلت عمن ثبتت عصمته مع أن الهمز لغة قوم من أنزل عليه الكتاب صلى الله
~~عليه وسلم.

### || [98.7]

# { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } بيان لمحاسن
~~أحوال المؤمنين إثر بيان سوء حال الكفرة جريا على السنة القرآنية من شفع
~~الترهيب بالترغيب أو هو على ما أشرنا إليه سابقا وقال عصام الدين إن
~~قوله تعالى

# إن الذين كفروا

# [البينة: 6] الخ كالتأكيد لقوله تعالى

# وذلك دين القيمة

# [البينة: 5] إذ لا تحقيق لكونها الملة القيمة فوق أن يكون جزاء المعرض
~~هذا وجزاء الممتثل ذلك إلا أن ذلك اقتضى قوله تعالى { إن الذين
~~كفروا } الخ وكأنه فصل لتخييل عدم المناسبة بين الجملتين لا في
~~المسند إليه ولا في المسند.

# { أولئك } أي المنعوتون بما هو الغاية القاصية من الشرف والفضيلة
~~من الإيمان والطاعة { هم خير البرية } وقرأ حميد وعامر بن عبد
~~الواحد (هم خيار البرية) وهو جمع خير كجياد وجيد.

### || [98.8] ms11428

# { جزآؤهم } بمقابلة ما لهم من الإيمان والطاعات { عند ربهم
~~جنت عدن تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها
~~أبدا } تقدمت نظائره. وفي تقديم مدحهم بخير البرية وذكر الجزاء المؤذن
~~بكون ما منح في مقابلة ما وصفوا به وبيان كونه من عنده تعالى والتعرض
~~لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إلى الكمال مع الإضافة إلى
~~ضميرهم وجمع الجنات وتقييدها بالإضافة وبما يزيدها نعيما وتأكيد الخلود
~~بالأبود من الدلالة على غاية حسن حالهم ما لا لا يخفى. والظاهر أن جملة

# هم خير البرية

# [البينة: 7] خبر اسم الإشارة وكذا ما بعد وزعم بعض الأجلة أن الأنسب
~~بالعديل السابق أن تجعل معترضة ويكون الخبر ما بعدها وفيه نظر.

# وقوله تعالى: { رضى الله عنهم } استئناف نحوي وإخبار عما
~~تفضل عز وجل به زيادة على ما ذكر من أجزية أعمالهم ويجوز أن يكون بيانيا
~~جوابا لمن يقول ألهم فوق ذلك أمر آخر؟ وجوز أن يكون خبرا بعد خبر أو
~~حالا بتقدير قد أو بدونه وجوز أن يكون دعاء لهم من ربهم وهو مجاز عن
~~الإيجاد مع زيادة التكريم وهو خلاف الظاهر ويبعده عطف قوله تعالى: {
~~ورضوا عنه } عليه وعلل رضاهم بأنهم بلغوا من المطالب قاصيتها ومن
~~المآرب ناصيتها وأتيح لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب
~~بشر.

# { ذلك } أي ما ذكر من الجزاء والرضوان { لمن خشى ربه } فإن
~~الخشية ملاك السعادة الحقيقية والفوز بالمراتب العلية إذ لولاها لم تترك
~~المناهي والمعاصي ولا استعد ليوم يؤخذ فيه بالأقدام والنواصي. وفيه إشارة
~~إلى أن مجرد الإيمان والعمل الصالح ليس موصلا إلى أقصى المراتب

# ورضوان من الله أكبر

# [التوبة: 72] بل الموصل له خشية الله تعالى و

# إنما يخشى الله من عباده العلماء

# [فاطر: 28] ولذا قال الجنيد قدس سره الرضا على قدر قوة العلم والرسوخ في
~~المعرفة وقال عصام الدين الأظهر أن ذلك إشارة إلى ما يترتب عليه الجزاء
~~والرضوان من الإيمان والعمل الصالح وتعقب بأن فيه غفلة عما ذكر وعن أنه
~~لا يكون حينئذ / لقوله ms11429 تعالى { ذلك } الخ كبير فائدة والتعرض لعنوان
~~الربوبية المعربة عن المالكية والتربية للإشعار بعلة الخشية والتحذير من
~~الاغترار بالتربية.

# واستدل بقوله تعالى

# إن الذين ءامنوا

# [البينة: 7] الخ على أن البشر أفضل من الملك لظهور أن المراد بالذين
~~آمنوا المؤمنون من البشر وفي الآثار ما يدل على ذلك أخرج ابن أبي حاتم
~~عن أبي هريرة مرفوعا

# " أتعجبون لمنزلة الملائكة من الله تعالى والذي نفسي بيده لمنزلة العبد
~~المؤمن عند الله تعالى يوم القيامة أعظم من منزلة الملك واقرؤا إن شئتم {
~~إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم
~~خير البرية } "

# وأخرج ابن مردويه عن عائشة

# " قالت قلت يا رسول الله من أكرم الخلق على الله تعالى؟ قال يا عائشة
~~أما تقرئين { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات
~~أولئك هم خير البرية } "

# وأنت تعلم أن هذا ظاهر في أن المراد بالبرية الخليقة مطلقا ليتم
~~الاستدلال.

# ثم إنه يحتاج أيضا إلى إدخال الأنبياء عليهم السلام في عموم {
~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات } بأن لا يراد بهم قوم
~~بخصوصهم إذ لو لم يدخلوا لزم تفضيل عوام البشر - أي الذين ليسوا بأنبياء
~~منهم - على خواص الملائكة أعني رسلهم عليهم السلام - وذلك مما لم يذهب
~~إليه أحد من أهل السنة بل هم يكفرون من يقول به فليتفطن، والإمام قد ضعف
~~الاستدلال في «تفسيره» بما لا يخلو عن بحث. ولعل الأبعد عن القيل والقال
~~جعل الحصر إضافيا بالنسبة إلى ما يزعمه أهل الكتاب والمشركون قالا أو
~~حالا من أنهم هم خير البرية وكذا يجعل الحصر السابق بالنسبة إلى ما
~~يزعمونه من أن المؤمنين هم شر البرية وصحة ما سبق من الآثار في حيز
~~المنع.

# ثم الظاهر أن المراد بالذين آمنوا الخ مقابل

# الذين كفروا

# [البينة: 6] لا قوم من الذين أنصفوا بما في حيز الصلة بخصوصهم وزعم بعض
~~أنهم مخصوصون فقد أخرج ابن مردويه

# " عن علي كرم الله تعالى وجهه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~ألم تسمع قول الله تعالى { إن الذين آمنوا وعملوا
~~الصالحات أولئك هم ms11430 خير البرية } هم أنت وشيعتك
~~وموعدي وموعدكم الحوض إذا جثت الأمم للحساب يدعون غرا محجلين "

# وروى نحوه الإمامية عن يزيد بن شراحيل الأنصاري كاتب الأمير كرم الله
~~تعالى وجهه وفيه أنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك له عند الوفاة ورأسه
~~الشريف على صدره رضي الله تعالى عنه.

# وأخرج ابن مردويه أيضا عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية

# إن الذين ءامنوا

# [البينة: 7] الخ

# " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه
~~هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين "

# وذلك ظاهر في التخصيص وكذا ما ذكره الطبرسي الإمامي في «مجمع البيان» عن
~~مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال في الآية نزلت في علي كرم
~~الله تعالى وجهه وأهل بيته. وهذا إن سلمت صحته لا محذور فيه إذ لا يستدعي
~~التخصيص بل الدخول في العموم وهم بلا شبهة داخلون فيه دخولا أوليا وأما
~~ما تقدم فلا تسلم صحته فإنه يلزم عليه علي كرم الله تعالى وجهه خيرا من
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والإمامية وإن قالوا إنه رضي الله تعالى
~~عنه خير من الأنبياء حتى أولي العزم عليهم السلام ومن الملائكة حتى
~~المقربين عليهم السلام لا يقولون بخيريته من رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فإن قالوا بأن البرية على ذلك مخصوصة بمن عداه عليه الصلاة والسلام
~~للدليل الدال على أنه صلى الله عليه وسلم خير منه كرم الله تعالى وجهه
~~قيل إنها مخصوصة أيضا بمن عدا الأنبياء والملائكة ومن قال أهل السنة
~~بخيريته للدليل الدال على خيريتهم وبالجملة لا ينبغي أن يرتاب في عدم
~~تخصيص { الذين آمنوا وعملوا الصالحات } بالأمير كرم
~~الله تعالى وجهه وشيعته ولا به رضي الله تعالى عنه وأهل بيته وان دون
~~إثبات صحة تلك الأخبار خرط القتاد والله تعالى أعلم.

# ثم إن الروايات في أن هذه السورة قد نسخ منها كثير كثيرة منها ما أخرج
~~الإمام أحمد والترمذي والحاكم وصححه عن أبي أن رسول الله ms11431 صلى الله عليه
~~وسلم قال

# " إن الله تعالى أمرني أن أقرأ عليك / القرآن فقرأ عليه الصلاة والسلام
~~{ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب } [البينة: 1]
~~فقرأ فيها ولو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه يسأل ثانيا ولو سأل
~~ثانيا فأعطيه يسأل ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله
~~على من تاب وإن الدين عند الله الحنيفية غير الشركة ولا اليهودية ولا
~~النصرانية ومن يفعل ذلك فلن يكفره "

# وفي بعض الآثار أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه هكذا

# " (ما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم
~~البينة رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة فيها كتب قيمة إن أقوم الدين
~~لحنيفية مسلمة غير مشركة ولا يهودية ولا نصرانية ومن يعمل صالحا فلن
~~يكفره وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة إن
~~الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وفارقوا الكتاب لما جاءهم أولئك عند الله
~~شر البرية ما كان الناس إلا أمة واحدة ثم أرسل الله النبيين مبشرين
~~ومنذرين يأمرون الناس يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويعبدون الله وحده
~~أولئك عند الله خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها
~~الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه "

# أخرج ذلك ابن مردويه عن أبي رضي الله تعالى عنه وهو مخالف لما صح عنه
~~فلا يعول عليه كما لا يخفى على العارف بعلم الحديث.

### | [99 - سورة الزلزلة]

### || [99.1]

# { إذا زلزلت الأرض } أي حركت تحريكا عنيفا متداركا متكررا
~~{ زلزالها } أي الزلزال المخصوص بها الذي تقتضيه بحسب المشيئة
~~الإلهية المبنية على الحكم البالغة وهو الزلزال الشديد الذي ليس بعده
~~زلزال فكأن ما سواه ليس زلزالا بالنسبة إليه أو زلزالها العجيب الذي لا
~~يقادر قدره فالإضافة على الوجهين للعهد ويجوز أن يراد الاستغراق لأن
~~زلزالا مصدر مضاف فيعم أي زلزالها كله وهو استغراق عرفي قصد به المبالغة
~~وهو مراد من قال أي زلزالها الداخل في حيز الإمكان أو ms11432 عنى بذلك العهد
~~أيضا.

# وقرأ الجحدري وعيسى (زلزالها) بفتح الزاي وهو عند ابن عطية مصدر
~~كالزلزال بالكسر وقال الزمخشري المكسور مصدر والمفتوح / اسم للحركة
~~المعروفة وانتصب ههنا على المصدر تجوزا لسده مسد المصدر وقال أيضا ليس
~~في الأبنية فعلال بالفتح إلا في المضاعف وذكروا أنه يجوز في ذلك الفتح
~~والكسر إلا أن الأغلب فيه إذا فتح أن يكون بمعنى اسم الفاعل كصلصال بمعنى
~~مصلصل وقضقاض بمعنى مقضقض ووسواس بمعنى موسوس وليس مصدرا عند ابن مالك،
~~وأما في غير المضاعف فلم يسمع إلا نادرا سواء كان صفة أو اسما جامدا
~~وبهرام وبسطام معربان إن قيل بصحة الفتح فيهما، ومن النادر خزعال
~~بمعجمتين وهو الناقة التي بها ظلع، ولم يثبت بعضهم غيره وزاد ثعلب
~~قهقارا وهو الحجر الصلب وقيل هو جمع وقيل هو لغة ضعيفة والفصيحة قهقر
~~بتشديد الراء وزاد آخر قسطالا وهو الغبار. وهذا الزلزال على ما ذهب إليه
~~جمع عند النفخة الثانية لقوله تعالى: { وأخرجت الأرض
~~أثقالها }.

### || [99.2]

# فقد قال ابن عباس أي موتاها وقال النقاش والزجاج ومنذر بن سعيد أي
~~كنوزها وموتاها وروي عن ابن عباس أيضا وهذه الكنوز على هذا القول غير
~~الكنوز التي تخرج أيام الدجال على ما وردت به الأخبار وذلك بأن تخرج
~~بعضا في أيامه وبعضا عند النفخة الثانية ولا بعد في أن تكون بعد الدجال
~~كنوز أيضا فتخرجها مع ما كان قد بقي يومئذ وقيل هو عند النفخة الأولى
~~وأثقالها ما في جوفها من الكنوز أو منها ومن الأموات ويعتبر الوقت ممتدا
~~وقيل يحتمل أن يكون إخراج الموتى كالكنوز عند النفخة الأولى وإحياؤها في
~~النفخة الثانية وتكون على وجه الأرض بين النفختين وأنت تعلم أنه خلاف ما
~~تدل عليه النصوص وقيل أنها تزلزل عند النفخة الأولى فتخرج كنوزها وتزلزل
~~عند الثانية فتخرج موتاها وأريد هنا بوقت الزلزال ما يعم الوقتين واقتصر
~~بعضهم على تفسير الأثقال بالكنوز مع كون المراد بالوقت وقت النفخة
~~الثانية وقال تخرج الأرض كنوزها يوم القيامة ليراها أهل الموقف فيتحسر
~~العصاة ms11433 إذا نظروا إليها حيث عصوا الله تعالى فيها ثم تركوها لا تغني عنهم
~~شيئا وفي الحديث «تلقي الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوانات من الذهب
~~والفضة فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت
~~رحمي ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي ثم يدعونه فلا يأخذون منه
~~شيئا» وقيل إن ذلك لتكوى بها جباه الذين كنزوا وجنوبهم وظهورهم وأيا ما
~~كان فالأثقال جمع ثقل بالتحريك وهو على ما في «القاموس» ((متاع
~~المسافر وكل نفيس مصون)) وتجوز به ههنا على سبيل الاستعارة عن الثاني
~~ويجوز أن يكون جمع ثقل بكسر فسكون بمعنى حمل البطن على التشبيه
~~والاستعارة أيضا كما قال الشريف المرتضى في «الدرر» وأشار إلى أنه لا
~~يطلق على ما ذكر إلا بطريق الاستعارة ومنهم من فسر الأثقال ههنا
~~بالأسرار وهو مع مخالفته للمأثور بعيد.

# وإظهار الأرض في موقع الاضمار لزيادة التقرير وقيل للإيماء إلى تبديل
~~الأرض غير الأرض أو لأن إخراج الأرض حال بعض أجزائها والظاهر أن اخراجها
~~ذلك مسبب عن الزلزال كما ينفض البساط ليخرج ما فيه من الغار ونحوه وإنما
~~اختيرت الواو على الفاء تفويضا لذهن السامع كذا قيل ولعل الظاهر انه لم
~~ترد السببية والمسببية بل ذكر كل مما ذكر من الحوادث من غير تعرض لتسبب
~~شيء منها على الآخر.

### || [99.3]

# { وقال الإنسن } أي كل فرد من أفراد الإنسان لما يبهرهم من
~~الطامة التامة ويدهمهم من الداهية العامة { ما لها } تزلزلت هذه
~~المرتبة من الزلزال وأخرجت ما فيها من الأثقال استعظاما لما شاهدوه من
~~الأمر الهائل وقد سيرت الجبال في الجو وصيرت هباء. وذهب غير واحد إلى أن
~~المراد بالإنسان الكافر غير المؤمن بالبعث والاظهر هو الأول على أن
~~المؤمن يقول ذلك بطريق الاستعظام والكافر بطريق التعجب.

### || [99.4]

# { يومئذ } بدل من

# إذا

# [الزلزلة: 1] وقوله تعالى: { تحدث أخبارها } أي الأرض واحتمال
~~كون الفاعل المخاطب كما زعم الطبرسي لا وجه له عامل فيهما وقيل العامل
~~مضمر يدل عليه مضمون الجمل بعد والتقدير يحشرون إذا زلزلت ms11434 و { يومئذ
~~} متعلق / بتحديث و(إذ) عليه لمجرد الظرفية وقيل هي نصب على المفعولية
~~لأذكر محذوفا أي اذكر ذلك الوقت فليست ظرفية ولا شرطية وجوز أن تكون
~~شرطية منصوب بجواب مقدر أي يكون ما لا يدرك كنهه أو نحوه والمراد يوم إذ
~~زلزلت زلزالها وأخرجت أثقالها وقال الإنسان ما لها تحدث الخلق ما عندها
~~من الأخبار وذلك بأن يخلق الله تعالى فيها حياة وإدراكا وتتكلم حقيقة
~~فتشهد بما عمل عليها من طاعة أو معصية وهو قول ابن مسعود والثوري وغيرهما
~~ويشهد له الحديث الحسن الصحيح الغريب. أخرج الإمام أحمد والترمذي عن أبي
~~هريرة قال:

# " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { يومئذ تحدث
~~أخبارها } ثم قال أتدرون ما أخبارها؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال
~~فإن اخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها تقول عمل يوم كذا
~~كذا فهذه أخبارها. "

# والباء في قوله تعالى: { بأن ربك أوحى لها }.

### || [99.5]

# الباء في قوله تعالى: { بأن ربك أوحى لها } للسببية أي
~~تحدث بسبب إيحاء ربك لها وأمره سبحانه إياها بالتحديث واللام بمعنى إلى
~~أي أوحى إليها لأن المعروف تعدي الوحي بها كقوله تعالى:

# وأوحى ربك إلى النحل

# [النحل: 68] لكن قد يتعدى باللام كما في قول العجاج يصف الأرض:

# أوحى لها القرار فاستقرت

# وشدها بالراسيات الثبت

# ولعل اختيارها لمراعاة الفواصل وجوز أن تكون اللام للتعليل أو المنفعة
~~لأن الأرض بتحديثها بعمل العصاة يحصل لها تشف منهم بفضحها إياهم بذكر
~~قبائحهم والموحى إليه هي أيضا.

# والوحي يحتمل أن يكون وحي إلهام وان يكون وحي إرسال بأن يرسل سبحانه
~~إليها رسولا من الملائكة بذلك وقال الطبري وقوم التحديث استعارة أو مجاز
~~مرسل لمطلق دلالة حالها والإيحاء إحداث ما تدل به فيحدث عز وجل فيها من
~~الأحوال ما يكون به دلالة تقوم مقام التحديث باللسان حتى ينظر من يقول ما
~~لها إلى تلك الأحوال فيعلم لم زلزلت ولم لفظت الأموات وأن هذا ما كانت
~~الأنبياء عليهم السلام ينذرونه ويحذرون منه وما يعلم ms11435 هو أخبارها.

# وقيل الإيحاء على تقدير كون التحديث حقيقيا أيضا مجاز عن إحداث حالة
~~ينطقها سبحانه بها كإيجاد الحياة وقوة التكلم والأخبار على ما سمعت آنفا
~~وقال يحيى بن سلام تحدث بما أخرجت من أثقالها ويشهد له ما في حديث ابن
~~ماجة في «سننه»

# " تقول الأرض يوم القيامة يا رب هذا ما استودعتني "

# وعن ابن مسعود تحدث بقيام الساعة إذا قال الإنسان مالها فتخبر أن أمر
~~الدنيا قد انقضى وأمر الآخرة قد أتى فيكون ذلك جوابا لهم عند سؤالهم.

# وقال الزمخشري ((يجوز أن يكون المعنى [يومئذ] تحدث بتحديث أن ربك أوحى
~~لها أخبارها على أن تحديثها بأن ربك أوحى لها تحديث بأخبارها كما تقول
~~نصحتني كل نصيحة بأن نصحتني في الدين)) فإخبارها عليه هو أن ربك أوحى لها
~~والباء تجريدية مثلها في قولك لئن لقيت فلانا لتلقين به رجلا متناهيا
~~في الخبر وكان الظاهر تحدث بخبرها بالإفراد وكذا على ما قبله من الوجهين
~~لكن جمع للمبالغة كما يشير إليه المثال ونحوه قول الشاعر:

# فأنالني كل المنى بزيارة

# كانت مخالسة كخطفة طائر

# فلو استطعت خلعت على الدجى

# لتطول ليلتنا سواد الناظر

# ولا يخفى بعده وبالغ أبو حيان في الحط عليه فقال هو عفش ينزه القرآن عنه
~~وأراد بالعفش بعين مهملة وفاء وشين معجمة ما يدنس المنزل من الكناسة وهي
~~كلمة تستعملها في ذلك عوام أهل المغرب وليس كما قال.

# وجوز أيضا أن يكون { بأن ربك } الخ بدلا من

# أخبارها

# [الزلزلة: 4] كأنه قيل يومئذ تحدث بأن ربك أوحى لها لأنك تقول حدثته كذا
~~وحدثته بكذا فيصح إبدال بأن الخ من أخبارها وأن أحدهما مجرور والآخر
~~منصوب لأنه يحل محله في بعض الاستعمالات وليس ذلك في الامتناع خلافا
~~لأبي حيان كاستغفرت الذنب العظيم بنصب الذنب وجر العظيم على أنه نعت
~~له باعتبار قولهم استغفرت من الذنب لأن/ البدل هو المقصود فهو في قوة
~~عامل آخر بخلاف النعت.

# نعم هو أيضا خلاف الظاهر وبعد كل ذلك اللائق أن لا يعدل عن المأثور لا
~~سيما ms11436 إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

# بقي ههنا بحث وهو أنهم اختلفوا في نحو حدثت هل هو متعد إلى مفعول واحد
~~أو إلى أكثر؟ فذهب الزمخشري وغيره ونقل عن سيبويه إلى الثاني وهو عندهم
~~ملحق بأفعال القلوب فينصب مفعولين كحدثت زيدا الخبر أو ثلاثة كحدثته
~~عمرا قائما فأخبارها عليه هو المفعول الثاني والمفعول الأول محذوف كما
~~أشرنا إليه ولم يذكر لأنه لا يتعلق بذكره غرض إذ الغرض تهويل اليوم وأنه
~~مما ينطق به الجماد بقطع النظر عن المحدث كائنا من كان.

# وقال الشيخ ابن الحاجب إنما هو متعد لواحد وما جاء بعده لتعين المفعول
~~المطلق فعمرا قائما في: حدثت زيدا عمرا قائما منصوب لوقوعه موقع
~~المصدر لا لكونه مفعولا ثانيا وثالثا ولا يقال كيف يصح أن يقع ما ليس
~~بفعل في المعنى أعني عمرا قائما مصدرا لأنه لم يكن مصدرا باعتبار
~~كونه عمرا قائما ولكن باعتبار كونه حديثا مخصوصا فالوجه الذي صحح
~~الإخبار به عن الحديث إذا قلت حديث زيد عمرو قائم هو الذي صحح وقوعه
~~مصدرا فإخبارها عليه في موقع المفعول والمفعول به محذوف لما تقدم بل قال
~~بعضهم إنك إذا قلت حدثته حديثا أو خبرا فلا نزاع في أنه مفعول مطلق
~~والظاهر أن الأخبار في زعمه كذلك وتعقب ذلك في «الكشف» بأن ما ذكره الشيخ
~~غير مسلم فإنه لم يفرق بين التحديث والحديث والأول هو المفعول المطلق كيف
~~وهو يجر بالباء فتقول حدثته الخبر وبالخبر ومعلوم أن ما دخل عليه الباء
~~لا يجوز أن يكون مفعولا مطلقا وقد يقال كون الشيخ لم يفرق في حيز المنع
~~وكيف يخفى مثل ذلك على مثله لكنه قائل بأن أثر المصدر ومتعلقه قد سد مسده
~~فيما ذكر كما سد مسده آلته في نحو ضربته سوطا ولعل ما قرره في غير ما
~~دخلته الباء. وقال الطيبي يمكن أن يقال إن حدث وأخواتها متعديات إلى
~~مفعول واحد حقيقة وجعلها متعديات إلى ثلاثة أو إلى اثنين تجوز أو تضمين
~~لمعنى الإعلام واستأنس ms11437 له بكلام نقله عن «المفصل» وكلام نقله عن صاحب
~~«الإقليد» فتأمل.

# وقرأ ابن مسعود (تنبىء أخبارها) وسعيد بن جبير (تنبىء) بالتخفيف.

### || [99.6]

# { يومئذ } أي يوم إذ ما ذكر وهو يقع ظرف لقوله تعالى: { يصدر
~~الناس } يخرجون من قبورهم بعد أن دفنوا فيها إلى موقف الحساب {
~~أشتاتا } متفرقين بحسب طبقاتهم بيض الوجوه آمنين وسود الوجوه فزعين
~~وراكبين وماشين ومقيدين بالسلاسل وغير مقيدين وعن بعض السلف متفرقين إلى
~~سعيد وأسعد وشقي وأشقى وقيل إلى مؤمن وكافر وعن ابن عباس أهل الإيمان على
~~حدة وأهل كل دين على حدة وجوز أن يكون المراد كل واحد وحده لا ناصر له
~~ولا عاضد كقوله تعالى

# ولقد جئتمونا فرادى

# [الأنعام: 94] وقيل متفرقين بحسب الأقطار.

# { ليروا أعملهم } أي ليبصروا جزاء أعمالهم خيرا كان أو
~~شرا فالرؤية بصرية والكلام على حذف مضاف أو على أنه تجوز بالأعمال عما
~~يتسبب عنها من الجزاء وقدر بعضهم كتب أو صحائف وقال آخر لا حاجة إلى
~~التأويل والأعمال تجسم نورانية وظلمانية بل يجوز رؤيتهما مع عرضيتها وهو
~~كما ترى. وقيل المراد ليعرفوا أعمالهم ويوقفوا عليها تفصيلا عند الحساب
~~فلا يحتاج إلى ما ذكر أيضا. وقال النقاش الصدور مقابل الورود فيردون
~~المحشر ويصدرون منه متفرقين فقوم إلى الجنة وقوم إلى النار ليروا جزاء
~~أعمالهم من الجنة والنار وليس بذاك وأيا ما كان فقوله تعالى: {
~~ليروا } متعلق بيصدر وقيل هو متعلق بأوحى لها وما بينهما اعتراض.

# وقرأ الحسن والأعرج وقتادة وحماد بن سلمة والزهري وأبو حيوة وعيسى ونافع
~~في رواية (ليروا) بفتح الياء.

### || [99.7-8]

# تفصيل

# ليروا

# [الزلزلة: 6] والذرة نملة صغيرة حمراء رقيقة ويقال إنها تجري إذا مضى
~~لها حول وهي علم في القلة / قال امرؤ القيس:

# من القاصرات الطرف لو دب محول

# من الذر فوق الأتب منها لأثرا

# وقيل الذر ما يرى في شعاع الشمس من الهباء وأخرج هناد عن ابن عباس أنه
~~أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها وقال كل واحدة من هؤلاء مثقال
~~ذرة وانتصاب { خيرا } و { شرا } على ms11438 التمييز لأن { مثقال
~~ذرة } مقدار وقيل على البدلية من { مثقال }.

# والظاهر أن (من) في الموضعين عامة للمؤمن والكافر وأن المراد من رؤية
~~ما يعادل مثقال ذرة من خير أو شر مشاهدة جزائه بأن يحصل له ذلك. واستشكل
~~بأن ذلك يقتضي إثابة الكافر بحسناته وما يفعله من الخير مع أنهم قالوا
~~أعمال الكفرة محبطة وادعى في «شرح المقاصد» الإجماع على ذلك كيف وقد قال
~~سبحانه

# وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء
~~منثورا

# [الفرقان: 23] وقال عز وجل:

# أولئك الذين ليس لهم في الأخرة إلا النار
~~وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون

# [هود: 16] وقال تعالى:

# مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد

# [إبراهيم: 18] الآية وكون خيرهم الذي يرونه تخفيف العذاب يدفعه قوله
~~تعالى:

# فلا يخفف عنهم العذاب

# [البقرة: 86] وقوله سبحانه:

# زدنهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون

# [النحل: 88] ويقتضي أيضا عقاب المؤمن بصغائره إذا اجتنب الكبائر مع
~~أنهم قالوا إنها مكفرة حينئذ لقوله تعالى:

# إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم
~~سيئاتكم

# [النساء: 31] وقول ابن المنير: ((إن الاجتناب لا يوجب التكفير عند
~~الجماعة بل التوبة أو مشيئة الله تعالى)) ليس بشيء لأن التوبة والاجتناب
~~سواء في حكم النص ومشيئة الله تعالى هي السبب الأصيل فالتزم بعضهم كون
~~المراد بمن الأولى السعداء وبمن الثانية الأشقياء بناء على أن {
~~فمن يعمل } الخ تفصيل ليصدر الناس أشتاتا وكان مفسرا بما حاصله
~~فريق في الجنة وفريق في السعير فالمناسب أن يرجع كل فقرة إلى فرقة لتطابق
~~المفصل المجمل ولأن الظاهر قوله سبحانه: { فمن يعمل } و { من
~~يعمل } بتكرير أداة الشرط يقتضي التغاير بين العاملين.

# وقال آخرون بالعموم إلا أن منهم من قال في الكلام قيد مقدر ترك لظهوره
~~والعلم به من آيات أخر فالتقدير فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره إن لم يحبط
~~ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره إن لم يكفر ومنهم من جعل الرؤية أعم مما
~~تكون في الدنيا وما تكون في الآخرة فالكافر يرى جزاء خيره في الدنيا
~~وجزاء شره ms11439 في الآخرة والمؤمن يرى جزاء شره في الدنيا وجزاء خيره في
~~الآخرة فقد روى البغوي وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن محمد بن كعب
~~القرظي أنه قال: فمن يعمل مثال ذرة من خير وهو كافر فإنه يرى ثواب ذلك في
~~الدنيا في نفسه وأهله وماله حتى يبلغ الآخرة وليس له فيها خير ومن يعمل
~~مثقال ذرة من شر وهو مؤمن كوفىء ذلك في الدنيا في نفسه وأهله وماله حتى
~~يبلغ الآخرة وليس عليه فيها شر.

# وأخرج الطبراني في «الأوسط» والبيهقي في «الشعب» وابن أبي حاتم وجماعة
~~عن أنس قال

# " بينما أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يأكل مع النبي صلى الله
~~عليه وسلم إذ نزلت عليه: { فمن يعمل مثقال ذرة } الآية
~~فرفع أبو بكر يده وقال يا رسول الله إني لراء ما عملت من مثقال ذرة من شر
~~فقال عليه الصلاة والسلام يا أبا بكر أرأيت ما ترى في الدنيا مما تكره
~~فبمثاقيل ذر الشر ويدخر لك مثاقيل ذر الخير حتى توفاه يوم القيامة "

# وفي رواية ابن مردويه

# " عن أبي أيوب أنه صلى الله عليه وسلم قال له إذ رفع يده من عمل منكم
~~خيرا فجزاؤه في الآخرة ومن عمل منكم شرا يره في الدنيا مصيبات وأمراضا
~~ومن يكن فيه مثقال ذرة من خير دخل الجنة "

# ومنهم من قال المراد من رؤية ما يعادل ذلك من الخير والشر مشاهدة نفسه
~~عن غير أن يعتبر معه الجزاء ولا عدمه بل يفوض كل منهما إلى سائر الدلائل
~~الناطقة بعفو صغائر المؤمن المجتنب عن الكبائر وإثابته بجميع حسناته
~~وبحبوط حسنات الكافر ومعاقبته بجميع معاصيه وبه يشعر ما أخرج ابن جرير
~~وابن المنذر والبيهقي في «البعث» عن ابن عباس من قوله في الآية ليس مؤمن
~~ولا كافر عمل خيرا وشرا في / الدنيا إلا أراه الله تعالى إياه فأما
~~المؤمن فيرى حسناته وسيئاته فيغفر له من سيئاته ويثيبه بحسناته وأما
~~الكافر فيريه حسناته وسيئاته فيرد حسناته ويعذبه بسيئاته، واختار هذا
~~الطيبي فقال إنه يساعده ms11440 النظم والمعنى والأسلوب أما النظم فإن قوله
~~تعالى: { فمن يعمل } الخ تفصيل لما عقب به من قوله سبحانه:

# يصدر الناس أشتاتا ليروا أعملهم

# [الزلزلة: 6] فيجب التوافق والأعمال جمع مضاف يفيد الشمول والاستغراق و
~~{ يصدر الناس } مفيد بقول عز وجل: { أشتاتا } فيفيد أنهم على
~~طرائق شتى للنزول في منازلهم من الجنة والنار بحسب أعمالهم المختلفة ومن
~~ثم كانت الجنة ذات درجات والنار ذات دركات وأما المعنى فإنها وردت لبيان
~~الاستقصاء في عرض الأعمال والجزاء عليها كقوله تعالى:

# ونضع الموزين القسط ليوم القيمة فلا تظلم
~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا
~~بها وكفى بنا حاسبين

# [الأنبياء: 47] وأما الأسلوب فإنها من الجوامع الحاوية لفوائد الدين
~~أصلا وفرعا روينا عن البخاري ومسلم عن أبي هريرة

# " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر - أي عن صدقتها - قال لم
~~ينزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة "

# أي المتفردة في معناها فتلاها عليه الصلاة والسلام وروى الإمام أحمد عن
~~صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه
~~الآية فقال حسبي لا أبالي أن لا أسمع من القرآن غيرها انتهى.

# وأقول الظاهر عموم (من) وكون المراد رؤية الجزاء كما تقدم وكذا الظاهر
~~كون ذلك في الآخرة ولا إشكال وذلك لأن الفقرة الأولى وعد والثانية وعيد
~~ومذهبنا أن الوعد لازم الوقوع تفضلا وكرما والوعيد ليس كذلك فيفوض أمر
~~الشر في الثانية على الدلائل وهي ناطقة بأنه إن كان كفرا لا يغفر وإن
~~كان صغيرة من مؤمن مجتنب الكبائر يكفر وإن كان كبيرة من مؤمن أو صغيرة
~~منه وهو غير مجتنب الكبائر فتحت المشيئة وخبرا أنس وأبي أيوب
~~السابقان لا يأبيان ذلك بعد التأمل ولا يبعد فيما أرى أن يكون ما عدا
~~الكفر من الكافر كذلك وأما أمر الخير فباق على ما يقتضيه الظاهر وهو
~~بالنسبة إلى المؤمن ظاهر وأما بالنسبة إلى الكافر فتخفيف العذاب للأحاديث
~~الصحيحة فقد ورد أن حاتما يخفف الله تعالى عنه لكرمه وأن ms11441 أبا لهب كذلك
~~لسروره بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وإعتاقه لجاريته ثويبة حين
~~بشرته بذلك والحديث في تخفيف عذاب أبي طالب مشهور وما يدل على عدم تخفيف
~~العذاب فالعذاب فيه محمول على عذاب الكفر بحسب مراتبه فهو الذي لا يخفف
~~والعذاب الذي دلت الأخبار على تخفيفه غير ذلك ومعنى إحباط أعمال الكفار
~~أنها لا تنجيهم من العذاب المخلد كأعمال غيرهم وهو معنى كونها سرابا
~~وهباء ودعوى الإجماع على إحباطها بالكلية غير تامة كيف وهم مخاطبون
~~بالتكاليف في المعاملات والجنايات اتفاقا والخلاف إنما هو في خطابهم في
~~غيرها من الفروع ولا شك أنه لا معنى للخطاب بها إلا عقاب تاركها وثواب
~~فاعلها وأقله التخفيف وإلى هذا ذهب العلامة شهاب الدين الخفاجي عليه
~~الرحمة ثم قال ((وما في «التبصرة» و«شرح المشارق» و«تفسير الثعلبي» من
~~أن أعمال الكفرة الحسنة التي لا يشترط فيها الإيمان كإنجاء الغريق وإطفاء
~~الحريق وإطعام ابن السبيل يجزون عليها في الدنيا ولا تدخر لهم في الآخرة
~~كالمؤمنين بالإجماع للتصريح به في الأحاديث فإن عمل أحدهم في كفره حسنات
~~ثم أسلم اختلف فيه هل يثاب عليها في الآخرة أم لا؟ بناء على أن اشتراط
~~الإيمان في الاعتداد بالأعمال وعدم إحباطها هل هو بمعنى وجود الإيمان عند
~~العمل أو وجوده ولو بعد لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث

# " أسلمت على ما سلف لك من خير "

# غير مسلم ودعوى الإجماع فيه غير صحيحة لأن كون وقوع جزائهم في الدنيا
~~دون الآخرة كالمؤمنين مذهب لبعضهم وذهب آخرون إلى الجزاء بالتخفيف وقال
~~الكرماني: إن التخفيف واقع لكنه ليس بسبب عملهم بل لأمر آخر كشفاعة
~~النبي صلى الله عليه وسلم ورجائه ومنه ما يكون / لأبي لهب كما قال
~~الزركشي)) انتهى ولقائل أن يقول إن الشفاعة من آثار عمل المشفوع الخير
~~أيضا فتأمل.

# وسبب نزول الآية على ما أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه لما نزل

# ويطعمون الطعام على حبه

# [الإنسان: 8] كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا ms11442
~~أعطوه فيجىء المسكين إلى أبوابهم فيستقلون أن يعطوه التمرة والبسرة
~~فيردونه ويقولون ما هذا بشيء إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه وكان آخرون
~~يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير الكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك
~~ويقولون إنما وعد الله تعالى النار على الكبائر فنزلت الآية ترغبهم في
~~القليل من الخير أن يعملوه وتحذرهم اليسير من الشر أن يعملوه وفيها من
~~دلالة الخطاب ما لا يخفى وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعدها
~~يتصدقون بما قل وكثر فقد روي أن عائشة رضي الله تعالى عنها بعث إليها ابن
~~الزبير بمائة ألف وثمانين ألف درهم في غرارتين فدعت بطبق وجعلت تقسمها
~~بين الناس فلما أمست قالت لجاريتها هلمي وكانت صائمة فجاءت بخبز وزيت
~~فقالت ما أمسكت لنا درهما نشتري به لحما نفطر عليه فقالت لو ذكرتيني
~~لفعلت وجاء في عدة روايات أنها أعطت سائلا يوما حبة من عنب فقيل لها في
~~ذلك فقالت هذه أثقل من ذر كثير ثم قرأت الآية وروي نحو هذا عن عمر وعبد
~~الرحمن بن عوف وسعد بن مالك رضي الله تعالى عنهم وكان غرضهم تعليم الناس
~~أنه لا بأس بالتصدق بالقليل ولهم بذلك أسوة برسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فقد أخرج الزجاجي في «أماليه»

# " عن أنس بن مالك أن سائلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه تمرة
~~فقال السائل نبي من الأنبياء يتصدق بتمرة فقال عليه الصلاة والسلام أما
~~علمت فيها مثاقيل ذر كثيرة "

# وجاء أنه عليه الصلاة والسلام قال

# " اتقوا النار ولو بشق ثمرة "

# ثم قرأ الآية.

# وتقديم عمل الخير لأنه أشرف القسمين والمقصود بالأصالة لا يخفى حسن
~~موقعه ويعلم منه أن هذا الإحصاء لا ينافي كرمه عز وجل المطلق وما يحكى من
~~أن أعرابيا أخر { خيرا يره } فقيل له قدمت وأخرت فقال:

# خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه

# كلا جانبي هرشى لهن طريق

# فغفلة عن اللطائف القرآنية أو لعله أراد أنه فيما يتعلق بالعمل لا بأس
~~به قدم أو أخر لا ms11443 أن القراءة به جائزة.

# وقرأ الحسين بن علي على جده وعليهما الصلاة والسلام وابن عباس رضي الله
~~تعالى عنهما وعبد الله بن مسلم وزيد بن علي وأبو حيوة والكلبي وخليد بن
~~نشيط وأبان عن عاصم والكسائي في رواية حميد بن الربيع عنه (يره) بضم
~~الياء في الموضعين وقرأ هشام وأبو بكر (يره) بسكون الهاء فيهما وأبو عمرو
~~بضمها مشبعة وباقي السبعة بالإشباع في الأول والسكون في الثاني والإسكان
~~في الوصل لغة حكاها الأخفش ولم يحكها سيبويه وحكاها الكسائي أيضا عن بني
~~كلاب وبني عقيل وقرأ عكرمة (يراه) بالألف فيهما وذلك على لغة من يرى
~~الجزم بحذف الحركة المقدرة على حرف العلة كما حكى الأخفش أو على ما يقال
~~في غير القرآن من توهم أن (من) موصولة لا شرطية كما قيل في قوله تعالى:

# إنه من يتق ويصبر

# [يوسف: 90] في قراءة من أثبت ياء (يتق) وجزم (يصبر) وجوز أن تكون الألف
~~للإشباع والوجه الأول أولى والله تعالى أعلم.

### | [100 - سورة العاديات]

### || [100.1]

# { والعديت } الجمهور على أنه قسم بخيل الغزاة في سبيل الله
~~تعالى التي تعدو - أي تجري بسرعة - نحو العدو وأصل العاديات العادوات
~~بالواو فقلبت ياء لانكسار ما قبلها.

# وقوله تعالى: { ضبحا } مصدر منصوب بفعله المحذوف أي تضبح أو يضبحن
~~ضبحا والجملة في موضع الحال وضبحها صوت أنفاسها عند عدوها وأخرج ابن
~~جرير وابن المنذر عن ابن عباس الخيل إذا عدت قالت أح أح فذلك ضبحها وأخرج
~~ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه الضبح من الخيل الحمحمة ومن الإبل
~~التنفس وفي «البحر» ((تصويت جهير عند العدو الشديد ليس بصهيل ولا رغاء
~~ولا نباح بل هو غير الصوت المعتاد من صوت الحيوان الذي ينسب هو إليه))
~~وعن ابن عباس ليس يضبح من الحيوان غير الخيل والكلاب ولا يصح عنه فإن
~~العرب استعملت الضبح في الإبل والأسود من الحيات والبوم والأرنب والثعلب
~~وربما تسنده إلى القوس أنشد أبو حنيفة في صفتها:

# حنانة من نشم أو تألب

# تضبح في الكف ضباح الثعلب ms11444

# وذكر بعضهم أن أصله للثعلب فاستعير للخيل كما في قول عنترة:

# والخيل تكدح حين تض

# بح في حياض الموت ضبحا

# وأنه من ضبحته النار غيرت لونه ولم تبالغ فيه ويقال انضبح لونه تغير إلى
~~السواد قليلا وقال أبو عبيدة الضبح وكذا الضبع بمعنى العدو الشديد وعليه
~~قيل إنه مفعول مطلق للعاديات وليس هناك فعل مقدر وجوز على تفسيره بما
~~تقدم أن يكون نصبا على المصدرية به أيضا لكن باعتبار أن العدو مستلزم
~~للضبح فهو في قوة فعل الضبح ويجوز أن يكون نصبا على الحال مؤولا باسم
~~الفاعل بناء على أن الأصل فيها أن تكون غير جامدة أي والعاديات ضابحات.

### || [100.2]

# الإيراء إخراج النار والقدح هو الضرب والصك المعروف يقال قدح فأورى إذا
~~أخرج النار وقدح فاصلد إذا قدح ولم يخرجها والمراد بها الخيل أيضا أي
~~فالتي توري النار من صدم حوافرها للحجارة وتسمى تلك النار نار الحباحب
~~وهو اسم رجل بخيل كان لا يوقد إلا نارا ضعيفة مخافة الضيفان فضربوا بها
~~المثل حتى قالوا ذلك لما تقدحه الخيل بحوافرها والإبل بأخفافها. وانتصاب
~~{ قدحا } كانتصاب

# ضبحا

# [العاديات: 1] على ما تقدم وجوز كونه على التمييز المحول عن الفاعل أي
~~فالموري قدحها ولعله أميز وأبعد عن القدح وعن قتادة الموريات مجاز في
~~الخيل توري نار الحرب وتوقدها وهو خلاف الظاهر.

### || [100.3]

# { فالمغيرت } من أغار على العدو هجم عليه بغتة بخيله لنهب أو قتل
~~أو إسار فالإغارة صفة أصحاب الخيل وإسنادها إليها إما بالتجوز فيه أو
~~بتقدير المضاف والأصل فالمغير أصحابها أي فالتي يغير أصحابها العدو عليها
~~وقيل بسببها.

# { صبحا } أي في وقت الصبح فهو نصب على الظرفية وذلك هو المعتاد في
~~الغارات كانوا يعدون ليلا لئلا يشعر بهم العدو ويهجمون صباحا ليروا ما
~~يأتون وما يذرون وكانوا يتحمسون بذلك ومنه قوله:

# / قومي الذين صبحوا الصباحا

# يوم النخيل غارة ملحاحا

### || [100.4]

# { فأثرن به } من الإثارة وهي التهييج وتحريك الغبار ونحوه والأصل
~~أثورن نقلت حركة الواو إلى ما قبلها وقلبت ألفا وحذفت لاجتماع الساكنين
~~والفعل ms11445 عطف على الاسم قبله وهو { العاديات } أو ما بعده لأنه اسم
~~فاعل وهو في معنى الفعل خصوصا إذا وقع صلة فكأنه قيل فاللاتي عدون
~~فأورين فأغرن فأثرن ولا شذوذ في مثله لأن الفعل تابع فلا يلزم دخول أل
~~عليه ولا حاجة إلى أن يقال هو معطوف على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه
~~والحكمة في مجىء هذا فعلا بعد اسم فاعل على ما قال ابن المنير تصوير هذه
~~الأفعال في النفس فإن التصوير يحصل بإيراد الفعل بعد الاسم لما بينهما من
~~التخالف وهو أبلغ من التصوير بالأسماء المتناسقة وكذلك التصوير بالمضارع
~~بعد الماضي كقول ابن معد يكرب:

# بأني قد لقيت الغول يهوى

# بسهب كالصحيفة صحصحان

# فآخذه فأضربه فخرت

# صريعا لليدين وللجران

# وخص هذا المقام من الفائدة على ما قال الطيبي أن الخيل وصفت بالأوصاف
~~الثلاثة ليرتب عليها ما قصد من الظفر بالفتح فجىء بهذا الفعل الماضي وما
~~بعده مسببين عن أسماء الفاعلين فأفاد ذلك أن تلك المداومة أنتجت هاتين
~~البغيتين ويفهم منه أن الفاء لتفريع ما بعدها عما قبلها وجعله مسببا عنه
~~وسيأتي الكلام فيها قريبا إن شاء الله تعالى. وضمير { به } للصبح
~~والباء ظرفية أي فهيجن في ذلك الوقت.

# { نقعا } أي غبارا وتخصيص إثارته بالصبح لأنه لا يثور أو لا يظهر
~~ثورانه بالليل وبهذا يظهر أن الإيراء الذي لا يظهر في النهار واقع في
~~الليل. وفي ذكر إثارة الغبار إشارة بلا غبار إلى شدة العدو وكثرة الكر
~~والفر وكثيرا ما يشيرون به إلى ذلك ومنه قول ابن رواحة:

# عدمت بنيتي إن لم تروها

# تثير النقع من كنفي كداء

# وقال أبو عبيدة النقع رفع الصوت ومنه قول لبيد:

# فمتى ينقع صراخ صادق

# يحلبوه ذات جرس وزجل

# وقول عمر رضي الله تعالى عنه وقد قيل له يوم توفي خالد بن الوليد إن
~~النساء قد اجتمعن يبكين على خالد: ما على نساء بني المغيرة أن يسفكن على
~~أبي سليمان دموعهن وهن جلوس ما لم يكن نقع ولا لقلقة والمعنى عليه فهيجن
~~في ms11446 ذلك الوقت صياحا وهو صياح من هجم عليه وأوقع به والمشهور المعنى
~~الأول. وجوز كون ضمير { به } للعدو الدال عليه العاديات أو للإغارة
~~الدال عليها المغيرات والتذكير لتأويلها بالجري ونحوه والباء للسببية أو
~~للملابسة وجوز كونها ظرفية أيضا والضمير للمكان الدال عليه السياق
~~والأول أظهر وألطف ومثله ضمير { به } في قوله عز وجل: { فوسطن به
~~جمعا }.

### || [100.5]

# { فوسطن به } أي فتوسطن في ذلك الوقت { جمعا } من جموع
~~الأعداء وجوز فيه وفي بائه نحو ما تقدم في { به } [العاديات: 4] قبله
~~وجوز أيضا كون الضمير للنقع والباء للملابسة أي فتوسطن ملتبسات بالنقع
~~جمعا أو هي على ما قيل للتعدية إن أريد أنها وسطت الغبار، والفاآت كما
~~في «الإرشاد» للدلالة على ترتيب ما بعد كل منها على ما قبله فتوسط الجمع
~~مترتب على الإثارة المترتبة على الإيراء المترتب على العدو.

# وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة (فأثرن) و(فوسطن) بتشديد الثاء والسين وقرأ
~~علي كرم الله تعالى وجهه وزيد بن علي وقتادة وابن أبي ليلى الأول:
~~كالجمهور والثاني: كذين والمعنى على تشديد الأول فأظهرن به غبارا لأن
~~التأثير فيه معنى الإظهار وعلى تشديد الثاني على نحو ما تقدم فقد نقلوا
~~أن وسط مخففا ومثقلا بمعنى واحد وأنهما لغتان وقال ابن جني: المعنى
~~ميزن به جمعا أي / جعلنه شطرين أي قسمين وشقين. وقال الزمخشري التشديد
~~فيه للتعدية والباء مزيدة للتأكيد كما في قوله تعالى

# وأتوا به

# [البقرة: 25] في قراءة وهي مبالغة في (وسطن) وجوز أن يكون قلب ثورن
~~إلى وثرن ثم قلبت الواو همزة فالمعنى على ما مر وهو تمحل مستغنى عنه.

# وعن السدي ومحمد بن كعب وعبيد بن عمير أنهم قالوا العاديات هي الإبل
~~تعدو ضبحا من عرفة إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى منى ونسب إلى علي كرم
~~الله تعالى وجهه فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب
~~«الأضداد» وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عباس قال بينما أنا في الحجر
~~جالس إذ أتاني رجل فسألني عن العاديات ضبحا فقلت ms11447 الخيل حين تغير في سبيل
~~الله تعالى ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم ويورون نارهم فانفتل عني
~~فذهب إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وهو جالس تحت سقاية زمزم
~~فسأله عن العاديات ضبحا فقال سألت عنها أحدا قبلي؟ قال نعم سألت عنها
~~ابن عباس فقال هي الخيل حين تغير في سبيل الله تعالى فقال اذهب فادعه لي
~~فلما وقفت على رأسه قال تفتي الناس بما لا علم لك به والله إن كانت لأول
~~غزوة في الإسلام لبدر وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد بن
~~الأسود فكيف تكون العاديات ضبحا؟ إنما العاديات ضبحا الإبل تعدو من
~~عرفة إلى المزدلفة فإذا أووا إلى المزدلفة أوروا النيران والمغيرات صبحا
~~من المزدلفة إلى منى فذلك جمع وأما قوله تعالى: { فأثرن به
~~نقعا } فهو نقع الأرض حين تطؤها بخفافها قال ابن عباس فنزعت عن قولي
~~إلى قول علي كرم الله تعالى وجهه ورضي الله تعالى عنه.

# واستشكل رده كرم الله تعالى وجهه كون المراد بها الخيل بما كان من أمر
~~غزوة بدر بأن ابن عباس لم يدع أن أل في (العاديات) للعهد وأنها إشارة إلى
~~عاديات بدر ولا أن السورة نزلت في شأن تلك الغزوة ليلزم تحقق ذلك فيها
~~ودخولها تحت العموم بل ظاهر كلامه حمل ذلك على جنس الخيل التي تعدو في
~~سبيل الله عز وجل وإن حملت على العهد.

# وقيل إن المعهود هو الخيل التي بعثها عليه الصلاة والسلام للغزو على ما
~~سمعت صدر السورة وكذا على ما روي من أنه عليه الصلاة والسلام بعث إلى
~~أناس من بني كنانة سرية واستعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري وكان أحد
~~النقباء فأبطأ عليه صلى الله عليه وسلم خبرها شهرا فقال المنافقون إنهم
~~قتلوا فنزلت السورة إخبارا له عليه الصلاة والسلام بسلامتها وبشارة له
~~صلى الله عليه وسلم بإغارتها على القوم لم يبعد.

# وأجيب بأنه كرم الله تعالى وجهه أراد أن غزوة بدر هي أفضل غزوات الإسلام
~~وبدرها الذي ms11448 ليس فيه انثلام فيتعين أن لا تكون المراد ذلك ويسلك في الآية
~~ما يناسبها من المسالك ولا يخفى أن هذا الجواب لا يتحمل لمزيد ضعفه
~~الإغارة عليه وإطلاق أعنة عاديات الأفكار إليه والأحرى أن الخبر لا صحة
~~له وتصحيح الحاكم محكوم عليه عند أهل الأثر بكثرة التساهل فيه وأنه غير
~~معتبر ثم إن النقل عنه رضي الله تعالى عنه في المراد بالعاديات متعارض
~~فما تقدم أنه إبل الحجاج ونقل صاحب «التأويلات» أنه كرم الله تعالى
~~وجهه فسرها بإبل بدر وأن ابن مسعود هو الذي فسرها بإبل الحجاج ويرجح
~~إرادة الخيل أن إثارة النقع فيها أظهر منها في الإبل ثم إن ذلك الخبر
~~يقتضي أن للقسم به نوعان الخيل والإبل وجماعة الغزاة أو الحجاج الموقدة
~~نارا لطعامها أو نحوه وفي بعض الآثار عن ابن عباس ما هو أصرح مما تقدم
~~في تفسير الموريات بما يغاير العاديات بالذات ففي «البحر» عنه أنها
~~الجماعة التي توري نارها بالليل لحاجتها وطعامها وفي رواية أخرى عنه تلك
~~جماعة الغزاة تكثر النار إرهابا ورويت المغايرة عن آخرين أيضا فعن
~~مجاهد وزيد بن أسلم وهي رواية أخرى عن ابن عباس هي الجماعة تمكر في الحرب
~~فالعرب تقول إذا أرادت المكر بالرجل والله لأورين له. ومن الغريب ما روي
~~عن عكرمة أنها ألسنة الرجال توري النار من عظيم ما يتكلم به ويظهر من
~~الحجج والدلائل وإظهار الحق وإبطال الباطل وهو كما ترى.

# ومن البطون والإشارات أن / يكون المقسم به النفوس العادية أثر كمالهن
~~الموريات بأفكارهن أنوار المعارف والمغيرات على الهوى والعادات إذا ظهر
~~لهن مثل أنوار القدس فأثرن به شوقا فوسطن بذلك الشوق جمعا من جموع
~~العليين ومثله ما قيل إن ذلك قسم بالهمم القالبية التي تعدو في سبيل الله
~~تعالى خارجا من جوف اشتياقها صوت الدعاء من شدة العدو وغاية الشوق بحيث
~~يسمع الروحانيون ضجيج دعائها وتضرعها والتماسها تسهيل سلوك الطريق الوعر
~~الذي يتعلق بجبال القالب الموريات بحوافر الذكر نار الهداية المستكنة في
~~حجر القالب وقت تخمير ms11449 اللطيفة والمغيرات بعد سلوكها في جبال القالب
~~الراسية في ظلام الليل القالبي وعبورها عنها إلى أفق عالم النفس وتنفس
~~صبح النفس على الخواطر النفسية وشؤونها فهيجن بذلك الجري غبار الخواطر
~~وأثرنه لئلا يختفي خاطر من الخواطر فوسطن بذلك جمعا من جنود القوى
~~القلبية وحزب الخواطر الذكرية التي هي حزب الرحمن في وسط عالم النفس ولهم
~~في هذا الباب غير ذلك وأيا ما كان فالمقسم عليه قوله تعالى: { إن
~~الإنسن لربه لكنود }.

### || [100.6]

# أي لكفور جحود من كند النعمة كفرها ولم يشكرها وأنشدوا:

# كنود لنعماء الرجال ومن يكن

# كنودا لنعماء الرجال يبعد

# وعن ابن عباس ومقاتل الكنود بلسان كندة وحضرموت العاصي وبلسان ربيعة
~~ومضر الكفور وبلسان كنانة البخيل السيء الملكة ومنه الأرض الكنود التي لا
~~تنبت شيئا وقال الكلبي نحوه إلا أنه قال وبلسان بني مالك البخيل ولم
~~يذكر حضرموت بل اقتصر على كندة وتفسيره بالكفور هنا مروي عن ابن عباس
~~والحسن وأخرجه ابن عساكر عن أبي أمامة مرفوعا إلى رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم وفي رواية أخرى عن الحسن أنه قال هو اللائم لربه عز وجل يعد
~~السيآت وينسى الحسنات وروى الطبراني وغيره بسند ضعيف عن أبي أمامة قال
~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

# " أتدرون ما الكنود قالوا الله تعالى ورسوله أعلم قال هو الكفور الذي
~~يضرب عبده ويمنع رفده ويأكل وحده "

# وأخرج البخاري في «الأدب المفرد» والحكيم الترمذي وغيرهما تفسيره بالذي
~~يمنع رفده وينزل وحده ويضرب عبده موقوفا على أبي أمامة والجمهور على
~~تفسيره بالكفور وكل مما ذكر لا يخلو عن كفران والكفران المبالغ فيه يجمع
~~صنوفا منه.

# وأل في (الإنسان) للجنس والحكم عليه بما ذكر باعتبار بعض الأفراد وقيل
~~المراد به كافر معين لما روي عن ابن عباس أنها نزلت في قرط بن عبد الله
~~بن عمرو بن نوفل القرشي وأيد بقوله تعالى بعد:

# أفلا يعلم

# [العاديات: 9] الخ لأنه لا يليق إلا بالكافر وفي الأمرين نظر وقيل
~~المراد به كل الناس على معنى أن طبع ms11450 الإنسان يحمله على ذلك إلا إذا عصمه
~~الله تعالى بلطفه وتوفيقه من ذلك واختاره عصام الدين وقال فيه مدح للغزاة
~~لسعيهم على خلاف طبعهم.

# و { لربه } متعلق بكنود واللام غير مانعة من ذلك وقدم للفاصلة مع
~~كونه أهم من حيث إن الذم البالغ إنما هو على كنود نعمته عز وجل وقيل
~~للتخصيص على سبيل المبالغة.

### || [100.7]

# { وإنه } أي الإنسان كما قال الحسن ومحمد بن كعب { على ذلك }
~~أي على كنوده { لشهيد } لظهور أثره عليه فالشهادة بلسان الحال الذي
~~هو أفصح من لسان المقال وقيل هي بلسان المقال لكن في الآخرة وقيل (شهيد)
~~من الشهود لا من الشهادة بمعنى أنه كفور مع علمه بكفرانه وعمل السوء مع
~~العلم به غاية المذمة والظاهر الأول وقال ابن عباس وقتادة ضمير (إنه)
~~عائد على الله تعالى أي وإن ربه سبحانه شاهد عليه فيكون الكلام على سبيل
~~الوعيد واختاره التبريزي فقال هو الأصح لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب
~~مذكور قبله وفيه أن الوجوب ممنوع واتساق الضمائر وعدم تفكيكها يرجح الأول
~~فإن الضمير السابق أعني ضمير { لربه } [العاديات: 6] للإنسان ضرورة
~~وكذا الضمير اللاحق أعني الضمير في قوله تعالى: { وإنه لحب
~~الخير لشديد }.

### || [100.8]

# { وإنه لحب الخير } أي المال / وورد بهذا المعنى في القرآن
~~كثيرا حتى زعم عكرمة أن الخير حيث وقع في القرآن هو المال وخصه بعضهم
~~بالمال الكثير وفسر به في قوله تعالى:

# إن ترك خيرا الوصية

# [البقرة: 180] وإطلاق كونه خيرا باعتبار ما يراه الناس وإلا فمنه ما هو
~~شر يوم القيامة واللام للتعليل أي أنه لأجل حب المال { لشديد } أي
~~لبخيل كما قيل وكما يقال للبخيل شديد يقال له متشدد كما في قول طرفة:

# أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي

# عقيلة مال الفاحش المتشدد

# وشديد فيه يجوز أن يكون بمعنى مفعول كأن البخيل شد عن الإفضال ويجوز أن
~~يكون بمعنى فاعل كأنه شد صرته فلا يخرج منها شيئا وجوز غير واحد أن يراد
~~بالشديد القوي ولعله الأظهر وكأن اللام عليه بمعنى في أي وإنه ms11451 لقوي مبالغ
~~في حب المال والمراد قوة حبه له وقال الزمخشري ((المعنى وإنه لحب المال
~~وإيثار الدنيا وطلبها قوي مطيق وهو لحب عبادة الله تعالى وشكر نعمته
~~سبحانه ضعيف متقاعس تقول هو شديد لهذا الأمر وقوي له إذا كان مطيقا له
~~ضابطا)) وجعل النيسابوري اللام على هذا التعليل وليس بظاهر فتأمل.

# وقال الفراء يجوز أن يكون المعنى وإنه لحب الخير لشديد الحب يعني أنه
~~يحب المال ويحب كونه محبا له إلا أنه اكتفى بالحب الأول عن الثاني كما
~~قال تعالى:

# اشتدت به الريح في يوم عاصف

# [إبراهيم: 18] أي في يوم عاصف الريح فاكتفى بالأولى عن الثانية وقال
~~قطرب أي إنه شديد لحب الخير كقولك إنه لزيد ضروب في إنه ضروب لزيد وظاهر
~~لتمثيل أنه اعتبر حب الخير مفعولا به لشديد وأن (شديد) اسم فاعل جيء به
~~على فعيل للمبالغة وأن اللام في (لحب) للتقوية وفيه ما فيه وقيل يجوز أن
~~يعتبر أن شديدا صفة مشهبة كانت مضافة إلى مرفوعها وهو حب المضاف إلى
~~الخير إضافة المصدر إلى مفعوله ثم حول الإسناد وانتصب المرفوع على
~~التشبيه بالمفعول به ثم قدم وجر باللام، وفيه مع قطع النظر عن التكلف أن
~~تقدم معمول الصفة عليها لا يجوز وكونه مجرورا في مثل ذلك لا يجدي نفعا
~~إذ ليس هو فيه نحو زيد بك فرح كما لا يخفى ويفهم من كلام الزمخشري في
~~«الكشاف» جواز أن يراد به ما هو عنده تعالى من الطاعات على أن المعنى إنه
~~لحب الخيرات غير هش منبسط ولكنه شديد منقبض.

### || [100.9]

# وقوله تعالى: { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور }
~~الخ تهديد ووعيد والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام
~~ومفعول { يعلم } محذوف وهو العامل في { إذا } وهي ظرفية أي أيفعل
~~ما يفعل من القبائح أو ألا يلاحظ فلا يعلم الآن مآله إذا بعثر من في
~~القبور من الموتى وإيراد (ما) لكونهم إذ ذاك بمعزل من رتبة العقلاء وقال
~~الحوفي العامل في { إذا } الظرفية { يعلم } وأورد عليه أنه ms11452 لا يراد
~~منه العلم في ذلك الوقت بل العلم في الدنيا وأجيب بأن هذا إنما يرد إذا
~~كان ضمير { يعلم } راجعا إلى الإنسان وذلك غير لازم على هذا القول
~~لجواز أن يرجع إليه عز وجل ويكون مفعولا { يعلم } محذوفين والتقدير
~~أفلا يعلمهم الله تعالى عاملين بما عملوا إذا بعثر على أن يكون العلم
~~كناية عن المجازاة والمعنى أفلا يجازيهم إذا بعثر ويكون الجملة المؤكدة
~~بعد تحقيقا وتقريرا لهذا المعنى وهو كما ترى. وقيل إن (إذا) مفعول به
~~ليعلم على معنى أفلا يعلم ذلك الوقت ويعرف تحققه وقيل إن العامل فيها {
~~بعثر } بناء على أنها شرطية غير مضافة قالوا ولم يجوز أن يعمل فيها

# لخبير

# [العاديات: 11] لأن ما بعد (إن) لا يعمل فيما قبلها وأوجه الأوجه ما
~~قدمناه وتعدي العلم إذا كان بمعنى المعرفة لواحد شائع وتقدم تحقيق معنى
~~البعثرة فتذكر.

# وقرأ عبد الله (بحثر) بالحاء والثاء المثلثة وقرأ الأسود بن زيد (بحث)
~~بهما بدون راء وقرأ نصر بن عاصم (بحثر) كقراءة عبد الله لكن بالبناء
~~للفاعل.

### || [100.10]

# { وحصل ما فى الصدور } أي جمع ما في القلوب من العزائم
~~المصممة وأظهر كإظهار اللب من القشر وجمعه أو ميز خيره من شره فقد استعمل
~~حصل الشيء بمعنى ميزه من غيره كما في «البحر» وأصل التحصيل إخراج اللب من
~~القشر كإخراج الذهب من حجر المعدن / والبر من التبن وتخصيص ما في القلوب
~~لأنه الأصل لأعمال الجوارح ولذا كانت الأعمال بالنيات وكان أول الفكر آخر
~~العمل فجميع ما عمل تابع له فيدل على الجميع صريحا وكناية.

# وقرأ ابن يعمر ونصر بن عاصم ومحمد بن أبي معدان (وحصل) مبنيا
~~للفاعل وهو ضميره عز وجل وقرأ ابن يعمر ونصر أيضا (حصل) مبنيا
~~للفاعل خفيف الصاد فما عليه هو الفاعل.

### || [100.11]

# { إن ربهم } أي المبعوثين كنى عنهم بعد الإحياء الثاني بضمير
~~العقلاء بعدما عبر عنهم قبل ذلك بما بناء على تفاوتهم في الحالين {
~~بهم } بذواتهم وصفاتهم وأحوالهم بتفاصيلها { يومئذ } أي يوم إذ
~~يكون ما عد من بعث ms11453 ما في القبور وتحصيل ما في الصدور والظرفان متعلقان
~~بقوله تعالى: { لخبير } أي عالم بظواهر ما عملوا وبواطنه علما
~~موجبا للجزاء متصلا به كما يبنىء عنه تقييده بذلك اليوم وإلا فمطلق
~~علمه عز وجل بما كان وما سيكون.

# وقرأ أبو السمال والحجاج (أن ربهم بهم يومئذ خبير) بفتح همزة (أن)
~~وإسقاط لام التأكيد فأن وما بعدها في تأويل مصدر معمول ليعلم على ما
~~استظهره بعضهم وأيد به كون { يعلم } معلقة عن العلم في { إن
~~ربهم } الخ على قراءة الجمهور لمكان اللام و(إذا) على هذا لا يجوز
~~تعلقها بخبير أيضا لكونه في صلة (أن) المصدرية فلا يتقدم معموله عليها
~~ويعلم أمره مما تقدم وقيل الكلام على تقدير لام التعليل وهي متعلقة
~~بحصل كأنه قيل وحصل ما في الصدور لأن ربهم بهم يومئذ خبير والأول
~~أظهر والله تعالى أعلم وأخبر.

### | [101 - سورة القارعة]

### || [101.1-3]

# الجمهور على أنها القيامة نفسها ومبدؤها النفخة الأولى ومنتهاها فصل
~~القضاء بين الخلائق وقيل صوت النفخة وقال الضحاك هي النار ذات التغيظ
~~والزفير وليس بشيء وأيا ما كان فهي من القرع وهو الضرب بشدة بحيث يحصل
~~منه صوت شديد وقد تقدم الكلام فيها وكذا ما يعلم منه إعراب ما ذكر في
~~الكلام على قوله تعالى:

# الحاقة * ما الحاقة * وما أدراك ما الحاقة

# [الحاقة: 1-3] وقرأ عيسى (القارعة) بالنصب وخرج على أنه بإضمار فعل أي
~~اذكر القارعة.

### || [101.4]

# قيل أيضا منصوب بإضمار اذكر كأنه قيل بعد تفخيم أمر القارعة وتشويقه
~~عليه الصلاة والسلام إلى معرفتها: اذكر يوم يكون الناس الخ فإنه يدريك ما
~~هي وقال الزمخشري ظرف لمضمر دلت عليه القارعة أي تقرع يوم وقال الحوفي
~~ظرف تأتي مقدرا وبعضهم قدر هذا الفعل مقدما على القارعة وجعلها فاعلا
~~له أيضا وقال ابن عطية ظرف للقارعة نفسها من غير تقدير ولم يبين أي
~~القوارع أراد وتعقبه أبو حيان بأنه إن أراد اللفظ الأول ورد عليه الفصل
~~بين العامل وهو في صلة أل والمعمول بالخبر وهو لا يجوز وإن أراد الثاني ms11454
~~أو الثالث فلا يلتئم معنى الظرف معه وأيد بقراءة زيد بن علي (يوم) بالرفع
~~على ذلك وقدر بعضهم المبتدأ وقتها.

# والفراش قال في «الصحاح» جمع فراشة التي تطير وتهافت في النار وهو
~~المروي عن قتادة وقيل هو طير رقيق يقصد النار ولا يزال يتقحم على المصباح
~~ونحوه حتى يحترق وقال الفراء هو غوغاء الجراد الذي ينتشر في الأرض ويركب
~~بعضه بعضا من الهول وقال صاحب «التأويلات» اختلفوا في تأويله على وجوه
~~لكن كلها ترجع / إلى معنى واحد وهو الإشارة إلى الحيرة والاضطراب من هول
~~ذلك اليوم واختار غير واحد ما روي عن قتادة وقالوا شبهوا في الكثرة
~~والانتشار والضعف والذلة والمجيء والذهاب على غير نظام والتطاير إلى
~~الداعي من كل جهة حين يدعوهم إلى المحشر بالفراش المتفرق المتطاير قال
~~جرير:

# إن الفرزدق ما علمت وقومه

# مثل الفراش غشين نار المصطلى

### || [101.5]

# { وتكون الجبال كالعهن } أي الصوف مطلقا أو المصبوغ كما
~~قيده الراغب به وقد تقدم الكلام فيه في المعارج وكان بمعنى صار أي وتصير
~~جميع الجبال كالعهن { المنفوش } المفرق بالإصبع ونحوها في تفرق
~~أجزائها وتطايرها في الجو حسبما ينطق به غير آية.

### || [101.6]

# إلى آخره بيان إجمالي لتحزب الناس حزبين وتنبيه على كيفية الأحوال
~~الخاصة بكل منهما إثر بيان الأحوال الشاملة للكل وهذا إشارة إلى وزن
~~الأعمال - وهو مما يجب الإيمان به حقيقة ولا يكفر منكره ويكون بعد تطاير
~~الصحف وأخذها بالأيمان والشمائل وبعد السؤال والحساب كما ذكره الواحدي
~~وغيره وجزم به صاحب «كنز الأسرار» - بميزان له لسان وكفتان كأطباق
~~السموات والأرض والله تعالى أعلم بماهيته وقد روى القول به عن ابن عباس
~~والحسن البصري وعزاه في «شرح المقاصد» لكثير من المفسرين ومكانه بين
~~الجنة والنار كما في «نوادر الأصول» وذكر يتقبل به العرش يأخذ جبريل عليه
~~السلام بعموده ناظرا إلى لسانه وميكائيل عليه السلام أمين عليه والأشهر
~~الأصح أنه ميزان واحد كما ذكرنا لجميع الأمم ولجميع الأعمال فقوله تعالى
~~{ موازينه } - وهو جمع ميزان وأصله موزان بالواو لكن قلبت ياء ms11455
~~لسكونها وانكسار ما قبلها - قيل للتعظيم كالجمع في قوله تعالى:

# كذبت عاد المرسلين

# [الشعراء: 123] في وجه أو باعتبار أجزائه نحو شابت مفارقة أو باعتبار
~~تعدد الأفراد للتغاير الاعتباري كما قيل في قوله:

# لمعان برق أو شعاع شموس

# وزعم الرازي على ما نقل عنه أن فيه حديثا مرفوعا وقال آخرون يوزن نفس
~~الأعمال فتصور الصالحة بصور حسنة نوارنية ثم تطرح في كفة النور وهي
~~اليمنى المعدة للحسنات فتثقل بفضل الله تعالى وتصور الأعمال السيئة بصور
~~قبيحة ظلمانية ثم تطرح في كفة الظلمة وهي الشمال فتخف بعدل الله تعالى
~~وامتناع قلب الحقائق في مقام خرق العادات ممنوع أو مقيد ببقاء آثار
~~الحقيقة الأولى وقد ذهب بعضهم إلى أن الله تعالى يخلق أجساما على عدد
~~تلك الأعمال من غير قلب لها وادعى أن فيه أثرا والظاهر أن الثقل والخفة
~~مثلهما في الدنيا فما ثقل نزل إلى أسفل ثم يرتفع إلى عليين وما خف طاش
~~إلى أعلى ثم نزل إلى سجين وبه صرح القرطبي وقال بعض المتأخرين هما على
~~خلاف ما في الدنيا وإن عمل المؤمن إذا رجح صعد وثقلت سيآته وإن الكافر
~~تثقل كفته لخلو الأخرى من الحسنات ثم تلا

# والعمل الصالح يرفعه

# [فاطر: 10] وفي كونه دليلا نظر وذكر بعضهم أن صفة الوزن أن يجعل جميع
~~أعمال العباد في الميزان مرة واحدة الحسنات في كفة النور عن يمين العرش
~~جهة الجنة والسيآت في كفة الظلمة جهة النار ويخلق الله تعالى لكل إنسان
~~علما ضروريا يدرك به خفة أعماله وثقلها وقيل نحوه إلا أن علامة الرجحان
~~عمود من نور يثور من كفة الحسنات حتى يكسو كفة السيآت وعلامة الخفة عمود
~~ظلمة يثور من كفة السيآت حتى يكسو كفة الحسنات فالكيفيات أربع وستظهر
~~حقيقة الحال بالعيان وهو قال القرطبي لا يكون في حق كل أحد لما في
~~الحديث الصحيح

# " فيقال يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن "

# الحديث وأحرى الأنبياء عليهم السلام وقوله سبحانه:

# يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي ms11456
~~والأقدام

# [الرحمن: 41] وإنما يبقى الوزن لمن شاء الله تعالى من الفريقين وذكر
~~القاضي منذر بن سعيد البلوطي أن أهل الصبر لا توزن أعمالهم وإنما يصب لهم
~~/ الأجر صبا والظاهر أنه يدرج المنافق في الكافر والحق أن أعمالهم
~~مطلقا توزن لظواهر الآيات والأحاديث الكثيرة والمراد في الآية وزنا
~~نافعا والصحيح أن الجن مؤمنهم وكافرهم كالإنس في هذا الشأن كما قرر في
~~محله والتقسيم فيما نحن فيه على ما سمعت عن القرطبي بالنسبة إلى من توزن
~~أعماله لا بالنسبة إلى الناس مطلقا وأنكر المعتزلة الوزن حقيقة وجماعة
~~من أهل السنة والجماعة منهم مجاهد والضحاك والأعمش قالوا إن الأعمال
~~أعراض إن أمكن بقاؤها لا يمكن وزنها فالوزن عبارة عن القضاء السوي والحكم
~~العادل وجوزوا فيما هنا أن تكون الموازين جمع موزون وهو العمل الذي له
~~وزن وخطر عند الله تعالى وأن معنى ثقلها رجحانها وروي هذا عن الفراء أي
~~فمن ترجحت مقادير حسناته ورتبها.

### || [101.7]

# المشهور جعل ذلك من باب النسب أي ذات رضا وجوز أن تكون { راضية }
~~بمعنى المفعول أي مرضية على التجوز في الكلمة نفسها وأن يكون الإسناد
~~مجازيا وهو حقيقة إلى صاحب العيشة وجوز أن يكون في الكلام استعارة مكنية
~~وتخييلية على ما قرر في كتب المعاني لكن ذكر بعض الأجلة ههنا كلاما
~~نفيسا وهو أن ((ما كان للنسب يؤول بذي كذا فلا يؤنث لأنه لم يجر على
~~موصوف فألحق بالجوامد ونقل عن السيرافي أنه قال يقدح فيما عللوا به
~~[عدم] سقوط الهاء في { عيشة راضية } وفيه وجهان. أحدهما: أن تكون
~~بمعنى أنها راضية أهلها فهي ملازمة لهم راضية بهم والآخر أن تكون الهاء
~~للمبالغة كعلامة وراوية ووجه بإن الهاء لزمت لئلا تسقط الياء فيخل
~~بالبنية كناقة مشلية وكلبة مجرية وهم يقولون ظبية مطفل ومشدن وباب مفعل
~~ومفعال لا يؤنث وقد أدخلوا الهاء في بعضه كمصكة انتهى ثم قال إن هذا حقيق
~~بالقبول ومحصله الجواب بوجوه: أحدها: أن راضية هنا فيه ليس من باب النسب
~~بل هو اسم فاعل أريد ms11457 به لازم معناه لأن من شاء شيئا ورضى به لازمه فهو
~~مجاز مرسل أو استعارة ويجوز أن يراد أنه مجاز في الإسناد وما ذكر بيان
~~لمعناه الثاني: أن الهاء للمبالغة ولا تختص بفعال ولذا مثل برواية أيضا
~~والثالث: أنه يجوز إلحاق الهاء في المعتل لحفظ البنية ومصكة إما شاذ
~~ولتشبيه المضاعف بالمعتل)) انتهى فاحفظه فإنه نفيس خلا عنه أكثر الكتب.

### || [101.8]

# بأن لم يكن له حسنة يعتد بها أو ثقلت سيئآته على حسناته.

### || [101.9]

# { فأمه } أي فمأواه كما قال ابن زيد وغيره { هاوية } أريد بها
~~النار كما يؤذن به قوله تعالى: { ومآ أدراك ما هيه * نار
~~حامية }.

### || [101.10-11]

# فإنه تقرير لها بعد إبهامها والإشعار بخروجها عن المعهود للتفخيم
~~والتهويل وذكر أن إطلاق ذلك عليها لغاية عمقها وبعد مهواها فقد روي أن
~~أهل النار تهوي فيها سبعين خريفا وخصها بعضهم بالباب الأسفل من النار
~~وعبر عن المأوى بالأم على التشبيه بها فالأم مفزع الولد ومأواه وفيه تهكم
~~به وقيل شبه النار بالأم في أنها تحيط به إحاطة رحم الولد بالأم. وعن
~~قتادة وأبي صالح وعكرمة والكلبي وغيرهم المعنى فأم رأسه هاوية في قعر
~~جهنم لأنه يطرح فيها منكوسا وفي رواية أخرى عن قتادة هو من قولهم إذا
~~دعوا على الرجل بالهلكة هوت أمه لأنه إذا هوى أي سقط وهلك فقد هوت أمه
~~ثكلا وحزنا ومن ذلك قول كعب بن سعد الغنوي:

# هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا

# وماذا يرد الليل حين يؤب

# وفي «الكشف» أن هذا أحسن ليطابق قوله سبحانه:

# فى عيشة راضية

# [القارعة: 7] وما فيه من المبالغة وقال الطيبي إنه الأظهر وللبحث فيه
~~مجال والضمير أعني هي عليه للداهية التي دل عليها الكلام وعلى ما قدمنا
~~لهاوية وعلى الوجه الثاني لما يشعر به الكلام كأنه قيل فأم رأسه هاوية في
~~نار وما أدراك ماهيه الخ والهاء الملحقة في (هيه) هاء السكت وحذفها في
~~الوصل ابن أبي إسحق والأعمش وحمزة وأثبتها الجمهور ورفع (نار) على أنها
~~خبر / مبتدأ محذوف أي هي ms11458 نار و(حامية) نعت لها وهو من الحمى اشتداد الحر
~~قال في «القاموس» حمي الشمس والنار حميا وحميا وحموا اشتد حرهما وجعله
~~بعضهم على ما قيل من حميت القدر فهي محمية ففسره بذات حمى وهو كما ترى.

# وقرأ طلحة (فإمه) بكسر الهمزة قال ابن خالويه ((وحكى ابن دريد أنها لغة
~~وأما النحويون فيقولون لا يجوز كسر الهمزة إلا أن يتقدمها كسرة أو ياء))
~~والله تعالى أعلم.

### | [102 - سورة التكاثر]

### || [102.1]

# { ألهكم } أي شغلكم وأصل اللهو الغفلة ثم شاع في كل شاغل وخصه
~~العرف بالشاغل الذي يسر المرء وهو قريب من اللعب ولذا ورد بمعناه كثيرا
~~وقال الراغب اللهو ما يشغلك عما يعني ويهم وقيل وليس بذاك المراد به هنا
~~الغفلة والمعنى جعلكم لاهين غافلين { التكاثر } أي التباري في
~~الكثرة والتباهي بها بأن يقول هؤلاء نحن أكثر وهؤلاء نحن أكثر.

### || [102.2]

# حتى إذا استوعبتم عدد الأحياء / صرتم إلى المقابر وانتقلتم إلى ذكر من
~~فيها فتكاثرتم بالأموات فالغاية داخلة في المغيا وقد تقدم من سبب النزول
~~ما يوضح ذلك. وعن الكلبي ومقاتل أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا أيهم
~~أكثر عددا فكثرتهم بنو عبد مناف فقالت بنو سهم إن البغي أهلكنا في
~~الجاهلية فعادونا بالأحياء والأموات فكثرتهم بنو سهم وزيارة المقابر على
~~ما تقدم على ظاهرها وأما على هذا فقد عبر بها عن بلوغهم ذكر الموتى كناية
~~أو مجازا واستحسن جعله تمثيلا وفي «الكشاف» عبر بذلك عما ذكر تهكما
~~بهم ووجهه بعض بأنه كأنه قيل أنتم في فعلكم هذا كمن يزور القبور من غير
~~غرض صحيح وبعض آخر بأن زيارة القبور للاتعاظ وتذكر الموت وهم عكسوا
~~فجعلوها سببا للغفلة وهذا أولى والمعنى ألهاكم ذلك وهو لا يعنيكم
~~ولايجدي عليكم في دنياكم وآخرتكم عما يعنيكم من أمر الدين الذي هو أهم
~~وأعنى من كل مهم وحذف الملهى عنه للتعظيم المأخوذ من الإبهام بالحذف
~~والمبالغة في الذم حيث أشار إلى أن ما يلهي مذموم فضلا عن الملهي عن أمر
~~الدين وقيل المراد: ألهاكم التكاثر ms11459 بالأموال والأولاد إلى أن متم وقبرتم
~~منفقين أعماركم في طلب الدنيا والاشتياق إليها والتهالك عليها إلى أتاكم
~~الموت لا هم لكم غيرها عما هو أولى بكم من السعي لعاقبتكم والعمل لآخرتكم
~~وصدره قد أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس وهو ابن أبي حاتم وابن أبي شيبة
~~عن الحسن وزيارة المقابر عليه عبارة عن الموت كما قال الشاعر:

# إني رأيت الضمد شيئا نكرا

# لن يخلص العام خليل عشرا

# ذاق الضماد أو يزور القبرا

# وقال جرير:

# زار القبور أبو مالك

# فأصبح ألأم زوارها

# وفي ذلك إشارة إلى تحقيق البعث. يحكى أن أعرابيا سمع ذلك فقال بعث
~~القوم للقيامة ورب الكعبة فإن الزائر منصرف لا مقيم وعن عمر بن عبد
~~العزيز أنه قال لا بد لمن زار أن يرجع إلى جنة أو نار وفيه أيضا إشارة
~~إلى قصر زمن اللبث في القبور. والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع أو لتغليب
~~من مات أولا أو لجعل موت آبائهم بمنزلة موتهم. ومما يقضي منه العجب قول
~~أبي مسلم إن الله عز وجل يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييرا للكفار
~~وهم في ذلك الوقت قد تقدمت منهم زيارة القبور وقيل هذا تأنيب على الإكثار
~~من زيارة القبور تكثرا بمن سلف ومباهاة وتفاخرا به لا اتعاظا وتذكرا
~~للآخرة كما هو المشروع ويشير إليه خبر أبي داود «نهيتكم عن زيادة القبور
~~فزوروها فإنها تذكركم الآخرة» ولا يخفى أن الآية بمعزل عن ذلك نعم لا
~~كلام في ذم زيارة القبور للتفاخر بالمزور أو للتباهي بالزيارة كما يفعل
~~كثير من الجهلة المنتسبين إلى المتصوفة في زياراتهم لقبور المشايخ عليهم
~~الرحمة هذا مع ما لهم فيها من منكرات اعتقدوها طاعات وشنائع اتخذوها
~~شرائع إلى أمور تضيق عنها صدور السطور.

# وقرأ ابن عباس وعائشة ومعاوية وأبو عمران الجوني وأبو صالح ومالك بن
~~دينار وأبو الجوزاء وجماعة (آلهاكم) بالمد على الاستفهام وروي عن أبي
~~بكر الصديق رضي الله عنه وابن عباس أيضا والشعبي وأبي العالية وابن
~~أبي عبلة والكسائي في رواية (أألهاكم) بهمزتين والاستفهام للتقرير. ms11460

### || [102.3]

# { كلا } ردع عن الاشتغال بما لا يعنيه عما يعنيه وتنبيه على الخطأ
~~فيه لأن عاقبته وخيمة { سوف تعلمون } سوء مغبة ما أنتم عليه إذا
~~عاينتم عاقبته والعلم بمعنى المعرفة المتعدية لواحد.

### || [102.4]

# تكرير للتأكيد و { ثم } للدلالة على أن الثاني أبلغ، كما يقول العظيم
~~لعبده أقول لك ثم أقول لك لا تفعل قيل ولكونه أبلغ نزل منزلة المغايرة
~~فعطف وإلا فالمؤكد لا يعطف على المؤكد لما بينهما من شدة الاتصال وأنت
~~تعلم أن المنع هو رأي اللغويين وقد صرح المفسرون والنحاة بخلافه. وقال
~~علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه الأول في القبور والثاني في النشور
~~فلا تكرير والتراخي على ظاهره ولا كلام في العطف وقال الضحاك الزجر الأول
~~ووعيده / للكافرين وما بعد للمؤمنين وهو خلاف الظاهر.

### || [102.5]

# أي لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر المتيقن أي كعلمكم ما تستيقنونه
~~من الأمور فالعلم مضاف للمفعول واليقين بمعنى المتيقن صفة لمقدر وجوز أبو
~~حيان كون الإضافة من إضافة الموصوف إلى صفته أي العلم اليقين وفائدة
~~الوصف ظاهرة بناء على أن العلم يطلق على غير اليقين وجواب { لو } محذوف
~~للتهويل أي لو تعلمون كذلك لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه أو لشغلكم ذلك عن
~~التكاثر وغيره أو نحو ذلك.

### || [102.6]

# جواب قسم مضمر أكد به الوعيد وشدد به التهديد وأوضح به ما أنذروه بعد
~~إبهامه تفخيما ولا يجوز أن يكون جواب (لو) الامتناعية لأنه محقق الوقوع
~~وجوابها لا يكون كذلك وقيل يجوز ويكون المعنى سوف تعلمون الجزاء ثم قال
~~سبحانه لو تعلمون الجزاء علم اليقين الآن لترون الجحيم يعني تكون الجحيم
~~دائما في نظركم لا تغيب عنكم وهو ترى.

### || [102.7]

# { ثم لترونها } تكرير للتأكيد و { ثم } للدلالة على
~~الأبلغية وجوز أن تكون الرؤية الأولى إذا رأتهم من بعيد والثاني إذا
~~وردوها أو إذ دخلوها أو الأولى إذا وردوها والثانية إذا دخلوها أو الأولى
~~المعرفة والثانية المشاهدة والمعاينة وقيل يجوز أن يكون المراد لترون
~~الجحيم غير مرة إشارة إلى الخلود ms11461 وهذا نحو التثنية في وقوله تعالى

# ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر
~~خاسئا وهو حسير

# [الملك: 4] وهو خلاف الظاهر جدا.

# { عين اليقين } أي الرؤية التي هي نفس اليقين فإن الانكشاف
~~بالرؤية والمشاهدة فوق سائر الانكشافات فهو أحق بأن يكون عين اليقين فعين
~~بمعنى النفس مثله في نحو جاء زيد نفسه وهو صفة مصدر مقدر أي رؤية عين
~~اليقين والعامل فيه { لترونها } وجوز أن يكون متنازعا فيه
~~للفعلين قبله وفي إطلاقه كلام لا أظنه يخفى عليك.

# واليقين في اللغة على ما قال السيد السند العلم الذي لا شك فيه وفي
~~الاصطلاح اعتقاد الشيء أنه كذا مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا اعتقادا
~~مطابقا للواقع غير ممكن الزوال وقال الراغب ((اليقين من صفة العلم فوق
~~المعرفة والدراية وأخواتهما يقال علم يقين ولا يقال معرفة يقين وهو سكون
~~النفس مع ثبات الفهم)) وفسر السيد اليقين بما سمعت ونقل عن أهل الحقيقة
~~عدة تفسيرات فيه وعلم اليقين بما أعطاه الدليل من إدراك الشيء على ما هو
~~عليه وعين اليقين بما أعطاه المشاهدة والكشف وجعل وراء ذلك حق اليقين
~~وقال على سبيل التمثيل علم كل عاقل بالموت علم اليقين وإذا عاين الملائكة
~~عليهم السلام فهو عين اليقين وإذا ذاق الموت فهو حق اليقين ولهم غير ذلك
~~ومبنى أكثر ما قالوه على الاصطلاح فلا تغفل.

# وقرأ ابن عامر والكسائي (لترون) بضم التاء وقرأ علي كرم الله تعالى
~~وجهه وابن كثير في رواية وعاصم كذلك بفتحها في (لترون) وضمها في
~~(لترونها) ومجاهد وأشهب وابن أبي عبلة بضمها فيهما وروي عن الحسن وأبي
~~عمرو بخلاف عنهما أنهما همزا الواوين ووجه بأنهم استثقلوا الضمة على
~~الواو فهمزوا للتخفيف كما همزوا في { وقتت } [المرسلات: 11] وكان القياس
~~ترك الهمز لأن الضمة حركة عارضة لالتقاء الساكنين فلا يعتد بها لكن لما
~~لزمت الكلمة بحيث لا تزول أشبهت الحركة الأصلية فهمزوا وقد همزوا من
~~الحركة العارضة التي تزول في الوقف نحو

# اشتروا الضلالة

# [البقرة: 16] فالهمز من هذه أولى.

### || [102.8]

# قيل الخطاب ms11462 للكفار وحكي ذلك عن الحسن ومقاتل واختاره الطيبي والنعيم
~~عام لكل ما يتلذذ به من مطعم ومشرب ومفرش ومركب وكذا قيل في الخطابات
~~السابقة وقد روي عن ابن عباس أنه صرح بأن الخطاب في

# لترون الجحيم

# [التكاثر: 6] للمشركين وحملوا الرؤية عليه على رؤية الدخول وحملوا
~~السؤال هنا على سؤال التقريع والتوبيخ لما أنهم لم يشكروا ذلك بالإيمان
~~به عز وجل والسؤال قيل يجوز أن يكون / بعد رؤية الجحيم ودخولها كما
~~يسألون كذلك عن أشياء أخر على ما يؤذن به قوله تعالى

# كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم
~~يأتكم نذير

# [الملك: 8] وقوله سبحانه

# ما سلككم في سقر

# [المدثر: 42] وذلك لأنه إذ ذاك أشد إيلاما وأدعى للاعتراف بالتقصير فثم
~~على ظاهرها وأن يكون في موقف الحساب قبل الدخول فتكون (ثم) للترتيب
~~الذكري.

# وقيل الخطاب مخصوص بكل من ألهاه دنياه عن دينه والنعيم مخصوص بما شغله
~~عن ذلك لظهور أن الخطاب في { ألهاكم } الخ للملهين فيكون قرينة على ما
~~ذكر وللنصوص الكثيرة كقوله تعالى

# قل من حرم زينة الله

# [الأعراف: 32] و

# كلوا من الطيبات

# [المؤمنون: 51] وهذا أيضا يحمل السؤال على سؤال التوبيخ ويدخل فيما ذكر
~~الكفار وفسقة المؤمنين.

# وقيل الخطاب عام وكذا السؤال يعم سؤال التوبيخ وغيره والنعيم خاص واختلف
~~فيه على أقوال فأخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» عن ابن مسعود
~~مرفوعا هو الأمن والصحة وأخرج البيهقي عن الأمير على كرم الله تعالى
~~وجهه قال النعيم العافية وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء مرفوعا أكل
~~خبز البر والنوم في الظل وشرب ماء الفرات مبردا وأخرج ابن جرير عن ثابت
~~البناني مرفوعا النعيم المسؤول عنه يوم القيامة كسرة تقوته وماء
~~يرويه وثوب يواريه وأخرج الخطيب

# " عن ابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسره قال الخصاف
~~والماء وفلق الكسر "

# وروي عنه وعن جابر أنه ملاذ المأكول والمشروب وقال الحسين بن الفضل هو
~~تخفيف الشرائع وتيسير القرآن.

# ويروى عن جابر الجعفي من الإمامية قال دخلت على الباقر رضي ms11463 الله تعالى
~~عنه قال ما يقول أرباب التأويل في قوله تعالى { لتسئلن
~~يومئذ عن النعيم } فقلت يقولون الظل والماء البارد فقال لو
~~أنك أدخلت بيتك أحدا وأقعدته في ظل وسقيته أتمن عليه قلت لا قال فالله
~~تعالى أكرم من أن يطعم عبده ويسقيه ثم يسأله عنه قلت ما تأويله قال
~~النعيم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم أنعم الله تعالى به على أهل
~~العالم فاستنقذهم به من الضلالة أما سمعت قوله تعالى

# لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا

# [آل عمران: 164] ومن رواية العياشي من الإمامية أيضا أن أبا عبد الله
~~رضي الله تعالى عنه قال لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه في الآية ما
~~النعيم عندك يا نعمان فقال القوت من الطعام والماء البارد فقال أبو عبد
~~الله لئن أوقفك الله تعالى بين يديه حتى يسألك عن كل أكلة أكلتها أو شربة
~~شربتها ليطولن وقوفك بين يديه فقال أبو حينفة فما النعيم قال نحن أهل
~~البيت النعيم أنعم الله تعالى بنا على العباد وبنا ائتلفوا بعد أن كانوا
~~مختلفين وبنا ألف الله تعالى بين قلوبهم وجعلهم إخوانا بعد أن كانوا
~~أعداء وبنا هداهم إلى الإسلام وهو النعمة التي لا تنقطع والله تعالى
~~سائلهم عن حق النعيم الذي أنعم سبحانه به عليهم وهو محمد وعترته عليه
~~وعليهم الصلاة والسلام وكلا الخبرين لا أرى لهما صحة وفيهما ما ينادي عن
~~عدم صحتهما كما لا يخفى على من ألقى السمع وهو شهيد.

# والحق عموم الخطاب والنعيم بيد أن المؤمن لا يثرب عليه في شيء ناله منه
~~في الدنيا بل يسئل غير مثرب وإنما يثرب على الكافر كما ورد ذلك في حديث
~~رواه الطبراني عن ابن مسعود ويدل على عموم الخطاب ما أخرج مسلم وأبو داود
~~والترمذي والنسائي وابن ماجه وآخرون عن أبي هريرة قال

# " خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فإذا هو بأبي بكر وعمر رضي
~~الله تعالى عنهما فقال ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة قالا ms11464 الجوع يا
~~رسول الله قال [وأنا] والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما فقوموا
~~فقاموا معه عليه الصلاة والسلام فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في
~~بيته فلما رأته المرأة قالت مرحبا [وأهلا] فقال النبي صلى الله عليه
~~وسلم أين فلان قالت انطلق يستعذب لنا الماء إذ جاء الأنصاري فنظر إلى
~~النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فقال الحمد لله ما أحد اليوم أكرم
~~أضيافا مني فانطلق فجاء بعذق فيه بسر وتمر [ورطب] فقال كلوا من هذا وأخذ
~~المدية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إياك والحلوب فذبح لهم
~~فأكلوا من الشاة ومن ذلك / العذق وشربوا فلما شبعوا ورووا قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم
~~يوم القيامة "

# وفي رواية ابن حبان وابن مردويه عن ابن عباس

# " أن النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه انطلقوا إلى منزل أبي أيوب
~~الأنصاري فقالت امرأته مرحبا بنبي الله صلى الله عليه وسلم ومن معه
~~فجاء أبو أيوب فقطع عذقا فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما أردت أن
~~تقطع لنا هذا ألا جنيت من تمره قال أحببت يا رسول الله أن تأكلوا من تمره
~~وبسره ورطبه ثم ذبح جديا فشوى نصفه وطبخ نصفه فلما وضع بين يدي النبي
~~صلى الله عليه وسلم أخذ من الجدي فجعله في رغيف وقال يا أبا أيوب أبلغ
~~هذا فاطمة رضي الله تعالى عنها فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام فذهب به
~~أبو أيوب إلى فاطمة رضي الله تعالى عنها فلما أكلوا وشبعوا قال النبي
~~صلى الله عليه وسلم خبز ولحم وتمر وبسر ورطب ودمعت عيناه عليه الصلاة
~~والسلام والذي نفسي بيده إن هذا لهو النعيم الذي تسألون عنه قال الله
~~تعالى { ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم } فهذا النعيم
~~الذي تسألون عنه يوم القيامة فكبر ذلك على أصحابه فقال عليه الصلاة
~~والسلام بلى إذا أصبتم مثل هذا فضربتم بأيديكم فقولوا بسم الله فإذا
~~شبعتم فقولوا ms11465 الحمد لله الذي أشبعنا وأنعم علينا وأفضل فإن هذا كفاف بذاك
~~"

# وليس المراد في هذا الخبر حصر النعيم مطلقا فيما ذكر بل حصر النعيم
~~بالنسبة إلى ذلك الوقت الذي كانوا فيه جياعا وكذا فيما يصح من الأخبار
~~التي فيها الاقتصار على شيء أو شيئين أو أكثر فكل ذلك من باب التمثيل
~~ببعض أفراد خصت بالذكر لأمر اقتضاه الحال ويؤيد ذلك قوله عليه الصلاة
~~والسلام في غير رواية عند ذكر شيء من ذلك

# " هذا من النعيم الذي تسألون عنه "

# بمن التبعيضية.

# وفي «التفسير الكبير» الحق أن السؤال يعم المؤمن والكافر عن جميع النعم
~~سواء كان ما لا بد منه أولا لأن كل ما يهب الله تعالى يجب أن يكون
~~مصروفا إلى طاعته سبحانه لا إلى معصيته عز وجل فيكون السؤال واقعا عن
~~الكل ويؤكده قوله عليه الصلاة والسلام

# " لا تزول قدما العبد حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم
~~ابلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل به "

# لأن كل نعيم داخل فيما ذكره عليه الصلاة والسلام ويشكل عليه ما أخرجه
~~عبد الله بن الإمام أحمد في «زوائد الزهد» والديلمي عن الحسن قال قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم

# " ثلاث لا يحاسب بهن العبد ظل خص يستظل به وكسرة يشد بها صلبه وثوب
~~يواري به عورته "

# وأجيب بأنه إن صح فالمراد لا يناقش الحساب بهن وقيل المراد ما يضطر
~~العبد إليه من ذلك لحياته فتأمل ورأيت في بعض الكتب أن الطعام الذي يؤكل
~~مع اليتيم لا يسأل عنه وكأن ذلك لأن في الأكل معه جبرا لقلبه وإزالة
~~لوحشته فيكون ذلك بمنزلة الشكر فلا يسأل عنه سؤال تقريع وفي القلب من صحة
~~ذلك شيء والله تعالى أعلم.

### | [103 - سورة العصر]

### || [103.1]

# قال مقاتل أقسم سبحانه بصلاة العصر لفضلها لأنها الصلاة الوسطى عند
~~الجمهور لقوله عليه الصلاة والسلام

# " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر "

# ولما في مصحف / حفصة (والصلاة الوسطى صلاة العصر) وفي الحديث ms11466

# " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله "

# وروي أن امرأة كانت تصيح في سكك المدينة دلوني على رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فرآها عليه الصلاة والسلام فسألها ماذا حدث فقالت يا رسول الله
~~إن زوجي غاب فزنيت فجاءني ولد من الزنا فألقيت الولد في دن خل فمات ثم
~~بعت ذلك الخل فهل لي من توبة فقال عليه الصلاة والسلام أما الزنا فعليك
~~الرجم بسببه وأما القتل فجزاؤه جهنم وأما بيع الخل فقد ارتكبت كبيرا لكن
~~ظننت أنك تركت صلاة العصر ذكر ذلك الإمام وهو لعمري إمام في نقل مثل ذلك
~~مما لا يعول عليه عند أئمة الحديث فإياك والاقتداء به. وخصت بالفضل لأن
~~التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار
~~واشتغالهم بمعايشهم.

# وقيل أقسم عز وجل بوقت تلك الصلاة لفضيلة صلاته أو لخلق آدم أبي البشر
~~عليه السلام فيه من يوم الجمعة وإلى هذا ذهب قتادة فقد روي عنه أنه قال
~~العصر العشي أقسم سبحانه به كما أقسم بالضحى لما فيهما من دلائل القدرة
~~وقال الزجاج العصر اليوم والعصر الليلة وعليه قول حميد بن ثور:

# ولم يلبث العصران يوم وليلة

# إذا طلبا أن يدركا ما تيمما

# وقيل العصر بكرة والعصر عشية وهما إلابرادان وعليه وعلى ما قبله يكون
~~القسم بواحد من الأمرين غير معين وقيل المراد به عصر النبوة وكأنه عني به
~~وقت حياته عليه الصلاة والسلام فإنه أشرف الأعصار لتشريف النبي صلى الله
~~عليه وسلم وقيل هو زمان حياته صلى الله عليه وسلم وما بعده إلى يوم
~~القيامة ومقداره فيما مضى من الزمان مقدار وقت العصر من النهار ويؤذن
~~بذلك ما رواه البخاري عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه سمع النبي صلى
~~الله عليه وسلم يقول

# " إنما بقاؤكم فيمن سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب
~~الشمس "

# وشرفه لكونه زمان النبي صلى الله عليه وسلم وأمته التي هي خير أمة
~~أخرجت للناس ولا يضره تأخيره كما لا يضر ms11467 السنان تأخره عن أطراف مرانه
~~والنور تأخره عن أطراف أغصانه.

# وقال ابن عباس هو الدهر أقسم عز وجل به لاشتماله على أصناف العجائب ولذا
~~قيل له أبو العجب وكأنه تعالى يذكر بالقسم به ما فيه من النعم وأضدادها
~~لتنبيه الإنسان المستعد للخسران والسعادة ويعرض عز وجل لما في الإقسام به
~~من التعظيم بنفي أن يكون له خسران أو دخل فيه كما يزعمه من يضيف الحوادث
~~إليه وفي إضافة الخسران بعد ذلك للإنسان إشعار بأنه صفة له لا للزمان كما
~~قيل:

# يعيبون الزمان وليس فيه

# معايب غير أهل للزمان

# وتعقب بأن استعمال العصر بذلك المعنى غير ظاهر.

### || [103.2]

# أي خسران في متاجرهم ومساعيهم وصرف أعمارهم في مباغيهم التي لا ينتفعون
~~بها في الآخرة بل ربما تضر بهم إذا حلوا الساهرة. والتعريف للاستغراق
~~بقرينة الاستثناء والتنكير قيل للتعظيم أي في خسر عظيم ويجوز أن يكون
~~للتنويع أي نوع من الخسر غير ما يعرفه الإنسان.

### || [103.3]

# { إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } فإنهم في
~~تجارة لن تبور حيث باعوا الفاني الخسيس واشتروا الباقي النفيس واستبدلوا
~~الباقيات الصالحات بالغاديات الرائحات فيا لها من صفقة ما أربحها ومنفعة
~~جامعة للخير ما أوضحها والمراد بالموصول كل من اتصف بعنوان الصلة لا علي
~~كرم الله تعالى وجهه وسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه فقط كما يتوهم من
~~اقتصار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الذكر عليهما بل هما داخلان في
~~ذلك دخولا أوليا ومثل ذلك اقتصاره في الإنسان الخاسر على أبي جهل وهو
~~ظاهر. وهذا بيان لتكميلهم لأنفسهم وقوله تعالى: { وتواصوا
~~بالحق } الخ بيان لتكميلهم / لغيرهم أي وصى بعضهم بعضا بالأمر
~~الثابت الذي لا سبيل إلى إنكاره ولا زوال في الدارين لمحاسن آثاره وهو
~~الخير كله من الإيمان بالله عز وجل واتباع كتبه ورسله عليهم السلام في كل
~~عقد وعمل.

# { وتواصوا بالصبر } عن المعاصي التي تشتاق إليها النفس بحكم
~~الجبلة البشرية وعلى الطاعات التي يشق عليها أداؤها وعلى ما يبتلي الله
~~تعالى به عباده من المصائب. والصبر ms11468 المذكور داخل في (الحق) وذكر بعده مع
~~إعادة الجار والفعل المتعلق هو به لإبراز كمال العناية به ويجوز أن يكون
~~الأول عبارة رتبة العبادة التي هي فعل ما يرضي الله تعالى والثاني عبارة
~~عن رتبة العبودية التي هي الرضا بما فعل الله تعالى فإن المراد بالصبر
~~ليس مجرد حبس النفس عما تتوق إليه من فعل أو ترك بل هو تلقي ما ورد منه
~~عز وجل بالجميل والرضا به باطنا وظاهرا.

# وقرأ سلام وهرون وابن موسى عن أبي عمرو (والعصر) بكسر الصاد و(الصبر)
~~بكسر الباء قال ابن عطية وهذا لا يجوز إلا في الوقف على نقل الحركة وروي
~~عن أبي عمرو (بالصبر) بكسر الباء إشماما وهذا كما قال لا يكون أيضا
~~إلا في الوقف وقال صاحب «اللوامح» قرأ عيسى البصرة (بالصبر) بنقل حركة
~~الراء إلى الباء لئلا يحتاج إلى أن يؤتى ببعض الحركة في الوقف ولا إلى أن
~~يسكن فيجمع بين ساكنين وذلك لغة شائعة وليست بشاذة بل مستفيضة وذلك دلالة
~~على الإعراب وانفصال من التقاء الساكنين وتأدية حق الموقوف عليه من
~~السكون انتهى ومن هذا كما في «البحر» قوله:

# أنا جرير كنيتي أبو عمرو

# اضرب بالسيف وسعد في العصر

# وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن علي كرم الله تعالى
~~وجهه أنه كان يقرأ (والعصر ونوائب الدهر إن الإنسان لفي خسر وإنه لفيه
~~إلى آخر الدهر) وأخرج عبد بن حميد وابن أبي داود في «المصاحف» عن ميمون
~~بن مهران أنه قرأ (والعصر إن الإنسان لفي خسر وإنه لفيه إلى آخر الدهر
~~إلا الذين آمنوا) الخ وذكر أنها قراءة ابن مسعود.

# هذا واستدل بعض المعتزلة بما في هذه السورة على أن مرتكب الكبيرة مخلد
~~في النار لأنه لم يستثن فيها عن الخسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
~~الخ وأجيب عنه بأنه لا دلالة في ذلك على أكثر من كون غير المستثنى في خسر
~~وأما على كونه مخلدا في النار فلا كيف والخسر عام فهو إما بالخلود إن
~~مات ms11469 كافرا وإما بالدخول في النار إن مات عاصيا ولم يغفر وإما بفوت
~~الدرجات العاليات إن غفر وهو جواب حسن وللشيخ الماتريدي رحمه الله تعالى
~~في التفصي عن ذلك تكلفات مذكورة في «التأويلات» فلا تغفل.

# وفي السورة من الندب إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن يحب المرء
~~لأخيه ما يحب لنفسه ما لا يخفى.

### | [104 - سورة الهمزة]

### || [104.1]

# تقدم الكلام على إعراب مثل هذه الجملة. والهمز والكسر كالهزم، واللمز
~~الطعن كاللهز شاعا في الكسر من أعراض الناس والغض منهم واغتيابهم والطعن
~~فيهم وأصل ذلك كان استعارة لأنه لا يتصور الكسر والطعن الحقيقيان [إلا]
~~في الأجسام فصار حقيقة عرفية [في] ذلك، وبناء فعلة يدل على الاعتياد
~~فلا يقال ضحكة ولعنة إلا للمكثر المتعود قال زياد الأعجم:

# إذا لقيتك عن شحط تكاشرني

# وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه

# / وأخرج ابن جرير وابن المنذر وجماعة عن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فقال
~~هو المشاء بالنميمة المفرق بين الجمع المغري بين الإخوان وأخرج ابن أبي
~~حاتم وعبد بن حميد وغيرهما عن مجاهد الهمزة الطعان في الناس واللمزة
~~الطعان في الأنساب وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية الهمز في الوجه
~~واللمز في الخلف وأخرج البيهقي في «الشعب» عن ابن جريج الهمز بالعين
~~والشدق واليد واللمز باللسان وقيل غير ذلك وما تقدم أجمع.

# وقرأ الباقر رضي الله تعالى عنه (لكل همزة لمزة) بسكون الميم
~~فيهما على البناء الشائع في معنى المفعول، وهو المسخرة الذي يأتي
~~بالأضاحيك فيضحك منه ويشتم ويهمز ويلمز.

# ونزل ذلك على ما أخرج بن أبي حاتم من طريق ابن إسحق عن عثمان بن عمر
~~في أبي بن خلف وعلى ما أخرج عن السدي في أبي بن عمرو الثقفي الشهير
~~بالأخنس بن شريق فإنه كان متغتابا كثير الوقيعة وعلى ما قال ابن إسحق
~~في أمية بن خلف الجمحي وكان يهمز النبي صلى الله عليه وسلم ويعيبه وعلى
~~ما أخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد في جميل بن عامر وعلى ما قيل في الوليد ms11470
~~بن المغيرة واغتيابه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وغضه منه وعلى قول في
~~العاص بن وائل ويجوز أن يكون نازلا في جميع من ذكر لكن استشكل نزولها في
~~الأخنس بأنه على ما صححه ابن حجر في «الإصابة» أسلم وكان من المؤلفة
~~قلوبهم فلا يتأتى الوعيد الآتي في حقه فإما أن لا يصح ذلك أو لا يصح
~~إسلامه وأيضا استشكلت قراءة الباقر رضي الله تعالى عنه بناء على ما سمعت
~~في معناها وكون الآية نازلة في الوليد بن المغيرة ونحوه من عظماء قريش
~~وبه اندفع ما في «التأويلات» من أنه كيف عيب الكافر بهذين الفعلين مع أن
~~فيه حالا أقبح منهما وهو الكفر وأما ما أجاب به من أن الكفر غير قبيح
~~لنفسه بخلافهما فلا يخفى ضعفه لأن فوت الاعتقاد الصحيح أقبح من كل شيء
~~قبيح.

### || [104.2]

# وقوله تعالى: { الذى جمع مالا } بدل من { كل } [الهمزة: 1]
~~بدل كل وقيل بدل بعض من كل وقال الجاربردي يجوز أن يكون صفة له لأنه
~~معرفة على ما ذكره الزمخشري في قوله تعالى

# وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد

# [ق: 21] إذ جعل جملة { معها سآئق } حالا من { كل نفس }
~~لذلك ولا يخفى ما فيه ويجوز أن يكون منصوبا أو مرفوعا على الذم وتنكير
~~{ مالا } للتفخيم والتكثير وقد كان عند القائلين إنها نزلت في الأخنس
~~أربعة آلاف دينار وقيل عشرة آلاف وجوز أن يكون للتحقير والتقليل باعتبار
~~أنه عند الله تعالى أقل وأحقر شيء.

# وقرأ الحسن وأبو جعفر وابن عامر والأخوان (جمع) بشد الميم للتكثير
~~وهو أوفق بقوله تعالى: { وعدده } أي عده مرة بعد أخرى حبا له
~~وشغفا به وقيل جعله أصنافا وأنواعا كعقار ومتاع ونقود حكاه في
~~«التأويلات» وقال غير واحد أي جعله عدة ومدخرا لنوائب الدهر ومصائبه.
~~وقرأ الحسن والكلبي و(عدده) بالتخفيف فقيل معناه وعده فهو فعل ماض فك
~~إدغامه على خلاف القياس كما في قوله:

# مهلا أعاذل هل جربت من خلقي

# أني أجود لأقوام وإن ضننوا

# وقيل هو اسم بمعنى العدد المعروف ms11471 معطوف على { ماله } أي جمع ماله وضبط
~~عدده وأحصاه وليس ذلك على ما في «الكشف» من باب:

# علفتها تبنا وماء باردا

# لأن جمع العدد عبارة عن ضبطه وإحصائه فلا يحتاج إلى تكلف وعلى الوجهين
~~أيد بالقراءة المذكورة المعنى الأول لقراءة الجمهور وقيل هو اسم بمعنى
~~الأتباع والأنصار يقال فلان ذو عدد وعدد إذا كان له عدد وافر من الأنصار
~~وما يصلحهم وهو معطوف على { ماله } أيضا أي جمع ماله وقومه الذين
~~ينصرونه.

### || [104.3]

# جملة حالية أو استئنافية وأخلده وخلده بمعنى أي تركه خالدا أي ماكثا
~~مكثا لا يتناهى أو مكثا طويلا جدا والكلام من باب الاستعارة
~~التمثيلية والمراد أن المال طول أمله ومناه الأماني البعيدة فهو يعمل من
~~تشييد البنيان وغرس الأشجار وكرى / الأنهار ونحو ذلك عمل من يظن أنه ماله
~~أبقاه حيا والإظهار في مقام الإضمار لزيادة التقرير والتعبير بالماضي
~~للمبالغة في المعنى المراد وجوز أن يراد أنه حاسب ذلك حقيقة لفرط غروره
~~واشتغاله بالجمع والتكاثر عما أمامه من قوارع الآخرة أو لزعمه أن الحياة
~~والسلامة عن الأمراض والآفات تدور على مراعاة الأسباب الظاهرة وأن المال
~~هو المحور لكرتها والملك المطاع في مدينتها. وقيل المراد أنه يحسب المال
~~من المخلدات ولا نظر فيه إلى أن الخلود دنيوي أو أخروي ذكرا أو عينا
~~إنما النظر في إثبات هذه الخاصة للمال والغرض منه التعريض بأن ثم مخلدا
~~ينبغي للعاقل أن يكب عليه وهو السعي للآخرة وهو بعيد جدا ولذا لم يجعل
~~بعض الأجلة التعريض وجها مستقلا. وزعم عصام الدين أنه يحتمل أن يكون
~~فاعل (أخلد) الحاسب ومفعوله المال أن يظن أن يحفظ ماله أبدا ولا يعرف
~~أنه معرض للحوادث أو للمفارقة بالموت كما قيل بشر مال البخيل بحادث أو
~~وارث وهو لعمري مما لا عصام له.

### || [104.4]

# { كلا } ردع له عن ذلك الحسبان الباطل أو عنه وعن جمع المال وحبه
~~المفرط على ما قيل. واستظهر أنه ردع عن الهمز واللمز وتعقب بأنه بعيد
~~لفظا ومعنى. وأنا لا أرى بأسا في كون ms11472 ذلك ردعا له عن كل ما تضمنته
~~الجمل السابقة من الصفات القبيحة. وقوله تعالى: { لينبذن } جواب
~~قسم مقدر والجملة استئناف مبين لعلة الردع أي والله ليطرحن بسبب أفعاله
~~المذكورة { فى الحطمة } أي في النار التي من شأنها أن تحطم كل من
~~يلقى فيها وبناء فعلة لتنزيل الفعل لكونه طبيعيا منزلة المعتاد.
~~والحطم كسر الشيء كالهشم ثم استعمل لكل كسر متناه وأنشدوا:

# إنا حطمنا بالقضيب مصعبا

# يوم كسرنا أنفه ليغضبا

# ويقال رجل حطمة أي أكول تشبيها له بالنار ولذا قيل في أكول: كأنما في
~~جوفه تنور، وفسر الضحاك الحطمة هنا بالدرك الرابع من النار وقال الكلبي
~~هي الطبقة السادسة من جهنم وحكى القشيري عنه أنها الدرك الثاني وقال
~~الواحدي هي باب من أبواب جهنم وزعم أبو صالح أنها النار التي في قبورهم
~~وليس بشيء.

### || [104.5]

# لتهويل أمرها ببيان أنها ليست من الأمور التي تنالها عقول الخلق.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والحسن بخلاف عنه وابن محيصن وحميد وهرون
~~عن أبي عمرو { لينبذان } [الهمزة: 4] بضمير الاثنين العائد على الهمزة
~~وماله وعن الحسن أيضا (لينبذن) بضم الذال وحذف ضمير الجمع فقيل هو راجع
~~{ لكل همزة } باعتبار أنه متعدد وقيل له ولعدده أي أتباعه
~~وأنصاره بناء على ما سمعت في قراءته هناك وعن أبي عمرو (لننبذنه) بنون
~~العظمة وهاء النصب ونون التأكيد. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنه (في
~~الحاطمة * وما أدراك ما الحاطمة).

### || [104.6]

# { نار الله } خبر مبتدأ محذوف والجملة لبيان شأن المسؤول عنها أي
~~هي نار الله { الموقدة } بأمر الله عز وجل وفي إضافتها إليه سبحانه
~~ووصفها بالإيقاد من تهويل ما لا مزيد عليه.

### || [104.7]

# أي تعلو أوساط القلوب وتغشاها وتخصيصها بالذكر لما أن الفؤاد ألطف ما في
~~الجسد وأشده تألما بأدنى أذى يمسه أو لأنه محل العقائد الزائغة والنيات
~~الخبيثة والملكات القبيحة ومنشأ الأعمال السيئة فهو أنسب بما تقدم من
~~جميع أجزاء الجسد وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب أنه
~~قال في الآية ms11473 تأكل كل شيء منه حتى تنتهي إلى فؤاده فإذا بلغت فؤاده ابتدأ
~~خلقه وجوز أن يراد الإطلاع العلمي والكلام على سبيل المجاز وذلك أنه لما
~~كان لكل من المعذبين عذاب من النار على قدر ذنبه المتولد من صفات قلبه
~~قيل إنها تطالع الأفئدة التي هي معادن الذنوب فتعلم ما فيها فتجازي كلا
~~بحسب ما فيه من الصفة المقتضية للعذاب. وأرباب الإشارة يقولون إن / ما
~~ذكر إشارة إلى العذاب الروحاني الذي هو أشد العذاب.

### || [104.8]

# أي مطبقة وتمام الكلام مر في سورة البلد [20].

### || [104.9]

# { فى عمد } جمع عمود كما قال الراغب والفراء وقال أبو عبيدة جمع
~~عماد وفي «البحر» وهو اسم جمع الواحد عمود وقرأ الأخوان وأبو بكر (عمد)
~~بضمتين وهرون عن أبي عمرو بضم العين وسكون الميم وهو في القراءتين جمع
~~عمود بلا خلاف.

# وقوله تعالى: { ممددة } صفة { عمد } في القراآت الثلاث أي
~~طوال والجار والمجرور في موضع الحال من الضمير المجرور في { عليهم }
~~أي كائنين في عمد ممددة أي موثقين فيها مثل المقاطر وهي خشب أو جذوع كبار
~~فيها خروق يوضع فيها أرجل المحبوسين من اللصوص ونحوهم، أو خبر لمبتدأ
~~محذوف أي هم كائنون في عمد موثقون فيها وهي والعياذ بالله تعالى على ما
~~روي عن ابن زيد عمد من حديد وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أنها من
~~نار واستظهر بعضهم أن العمد تمدد على الأبواب بعد أن تؤصد عليهم تأكيدا
~~ليأسهم واستيثاقا في استيثاق.

# وفي حديث طويل أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» عن أبي هريرة
~~مرفوعا

# " أن الله تعالى بعد أن يخرج من النار عصاة المؤمنين وأطولهم مكثا فيها
~~من يمكث سبعة آلاف سنة يبعث عز وجل إلى أهل النار ملائكة بأطباق من نار
~~ومسامير من نار وعمد من نار فيطبق عليهم بتلك الأطباق ويشد بتلك المسامير
~~وتمدد تلك العمد ولا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح ولا يخرج منه غم وينساهم
~~الجبار عز وجل على عرشه ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم ولا يستغيثون بعدها
~~أبدا ms11474 وينقطع الكلام فيكون كلامهم زفيرا وشهيقا وفيه فذلك قوله تعالى {
~~إنها عليهم مؤصدة * في عمد ممددة } "

# اللهم أجرنا من النار يا خير مستجار. وعلى هذا يكون الجار والمجرور
~~متعلقا بمؤصدة حالا من الضمير فيها كما قال صاحب «الكشف» وحكان الطيبي
~~وفي «الإرشاد» عن أبي البقاء أنه صفة لمؤصدة وقال بعض لا مانع عليه أن
~~يكون صلة { مؤصدة } على معنى أن الأبواب أوصدت بالعمد وسدت بها
~~وأيد بما أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال في الآية أدخلهم في عمد
~~وتمددت عليهم في أعناقهم السلاسل فسدت بها الأبواب ثم إن ما ذكر لإشعاره
~~بالخلود وأشدية العذاب يناسب كون المحدث عنهم كفارا همزوا ولمزوا خير
~~البشر صلى الله عليه وسلم وما تقدم من حمل العمد على المقاطر قيل يناسب
~~العموم لأن المغتاب كأنه سارق من أعراض الناس فيناسب أن يعذب بالمقاطر
~~كاللصوص فلا يلزم الخلود.

# وقد يقال من تأمل في هذه السورة ظهر له العجب العجاب من التناسب فإنه
~~لما بولغ في الوصف في قوله تعالى

# همزة لمزة

# [الهمزة: 1] قيل

# الحطمة

# [الهمزة: 5] للتعادل ولما أفاد ذلك كسر الأعراض قوبل بكسر الأضلاع
~~المدلول عليه بالحطمة وجيء بالنبذ المنبىء عن الاستحقار في مقابلة ما ظن
~~الهامز اللامز بنفسه من الكرامة ولما كان منشأ جمع المال استيلاء حبه على
~~القلب جيء في مقابله

# تطلع على الأفئدة

# [الهمزة: 7] ولما كان من شأن جامع المال المحب له أن يأصد عليه قيل في
~~مقابله { إنها عليهم مؤصدة } ولما تضمن ذلك طول الأمل قيل
~~{ في عمد ممددة } وقد صرح بذلك بعض الأجلة فليتأمل والله
~~تعالى أعلم.

### | [105 - سورة الفيل]

### || [105.1]

# الظاهر أن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والهمزة لتقرير رؤيته
~~عليه الصلاة والسلام بإنكار عدمها، وهي بصرية تجوز بها عن العلم على سبيل
~~الاستعارة التبعية أو المجاز المرسل لأنها سببية ويجوز جعلها علمية من
~~أول الأمر إلا أن ذاك أبلغ وعلمه صلى الله عليه وسلم بذلك لما أنه سمعه
~~متواترا و { كيف } في محل نصب على ms11475 المصدرية بفعل والمعنى أي فعل فعل
~~وقيل على الحالية من الفاعل والكيفية حقيقة للفعل لا بألم تر لمكان
~~الاستفهام والجملة سادة مسد المفعولين لتر وجوز بعضهم نصب { كيف } بتر
~~لانسلاخ معنى الاستفهام عنه كما في «شرح المفتاح الشريفي» وصرح أبو حيان
~~بامتناعه لأنه يراعي صدارته إبقاء لحكم أصله. وتعليق الرؤية بكيفية فعله
~~تعالى شأنه لا بنفسه بأن يقال: ألم تر ما فعل ربك الخ لتهويل الحادثة
~~والإيذان بوقوعها على كيفية هائلة وهيئة عجيبة دالة على عظم قدرة الله
~~تعالى وكمال علمه وحكمته وعزة بيته وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم فإن
~~ذلك كما قال غير واحد من الإرهاصات لما روي أن القصة وقعت في السنة التي
~~ولد فيها النبي صلى الله عليه وسلم قال إبراهيم بن المنذر شيخ البخاري
~~لا يشك في ذلك أحد من العلماء وعليه الإجماع وكل ما خالفه وهم - أي من
~~أنها كانت قبل بعشر سنين أو بخمس عشرة سنة أو بثلاث وعشرين سنة أو
~~بثلاثين سنة أو بأربعين سنة أو بسبعين سنة -الأقوال المذكورة في كتب
~~السير وعلى الأول المرجح الذي عليه الجمهور قيل ولادته عليه الصلاة
~~والسلام في اليوم الذي بعث الله تعالى فيه الطير على أصحاب الفيل من ذلك
~~العام وهو المذكور في «تاريخ ابن حبان» وهو ظاهر قول ابن عباس ولد عليه
~~الصلاة والسلام يوم الفيل وذهب السهيلي أنه صلى الله عليه وسلم ولد بعدها
~~بخمسين يوما وكانت في المحرم والولادة في شهر ربيع الأول وقال الحافظ
~~الدمياطي بخمسة وخمسين يوما وقيل بأربعين وقيل بشهر والمشهور ما ذهب
~~إليه السهيلي وفي قوله تعالى: { ربك } نوع رمز إلى الإرهاص وكون ذلك
~~لشرف البيت ودعوة الخليل عليه السلام لا ينافي الإرهاص وكذا لا ينافيه
~~قوله صلى الله عليه وسلم في الحديبية لما بركت ناقته وقال الناس: خلأت أي
~~حزنت ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل إذ لم يدع أن ما كان للإرهاص لا غير
~~ومثل هذه العلل لا يضر تعددها ويؤيد الإرهاص قصة القرامطة وغيرهم. ms11476

# وتفصيل القصة أن أبرهة الأشرم بن الصباح الحبشي كما قال ابن إسحاق وغيره
~~- وهو الذي يكنى بأبي يكسوم بالسين المهملة ولا يأباه التسمية بأبرهة
~~بناء على أن معناه بالحبشة الأبيض الوجه كما لا يخفى وقيل إنه الحميري -
~~خرج على ارباط ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بكسر النون بعد سنتين من
~~سلطانه فتبارزا وقد أرصد الأشرم خلفه غلامه عتورة فحمل عليه أرباط بحربة
~~فضربه يريد يافوخه فوقعت على جبهته فشرمت حاجبه وأنفه وعينه وشفته ولذا
~~سمي الأشرم فحمل عتورة من خلف أبرهة فقتله وملك مكانه فغضب النجاشي
~~فاسترضاه فرضي فأثبته.

# ثم إنه بنى بصنعاء كنيسة لم ير مثلها في زمانها سماها القليس - بقاف
~~مضمومة ولام مفتوحة مشددة كما في «ديوان الأدب» أو مخففة كما قيل وبعدها
~~ياء مثناة سفلية ثم سين مهملة - وكان ينقل إليها الرخام المجزع والحجارة
~~المنقوشة بالذهب على ما يقال من قصر بلقيس زوج سليمان عليه السلام وكتب
~~إلى النجاشي إنني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها قبلك ولست
~~بمنته حتى أصرف إليها حجر العرب فلما تحدثت العرب بكتابه ذلك غضب رجل من
~~النسأة أحد بني فقيم بن عدي من كنانة فخرج حتى أتاها فقعد فيها أي أحدث
~~ولطخ قبلتها بحدثه ثم خرج ولحق بأرضه فأخبر أبرهة / فقال من صنع هذا؟
~~فقيل رجل من أهل هذا البيت الذي تحج إليه العرب بمكة غضب لما سمع قولك
~~أصرف إليها حج العرب ففعل ذلك فاستشاط أبرهة غضبا وحلف ليسيرن إلى البيت
~~حتى يهدمه وقيل أججت رفقة من العرب نارا حولها فحملتها الريح
~~فأحرقتها فغضب لذلك فأمر الحبشة فتهيأت وتجهزت فخرج في ستين ألفا على ما
~~قيل منهم ومعه فيل اسمه محمود وكان قويا عظيما واثنا عشر فيلا غيره
~~وقيل ثمانية وروي ذلك عن الضحاك وقيل ألف فيل وقيل معه محمود فقط وهو قول
~~الأكثرين الأوفق بظاهر الآية - فسمعت العرب بذلك فأعظموه وقلقوا به ورأوا
~~جهاده حقا عليهم فخرج إليه رجل من أشراف اليمن وملوكهم يقال له ms11477 ذو نفر
~~بمن أطاعه من قومه وسائر العرب فقاتله فهزم وأخذ أسيرا فأراد قتله فقال
~~أيها الملك لا تقتلني فعسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من قتلي فتركه
~~وحبسه عنده حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي بمن معه
~~من قومه وغيرهم فقاتله فهزم وأخذ أسيرا فهم بقتله فقال نحو ما سبق فخلى
~~سبيله وخرج به يدله حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب بن
~~مالك الثقفي في رجال من ثقيف فقال له أيها الملك إنما نحن عبيدك سماعون
~~لك مطيعون ليس لك عندنا خلاف وليس بيتنا هذا الذي تريد يعنون بيت اللات
~~إنما تريد البيت الذي بمكة ونحن نبعث معك من يدلك عليه فتجاوز عنهم
~~فبعثوا معه أبا رغال فخرج ومعه أبو رغال حتى أنزله المغمس - كمعظم موضع
~~بطريق الطائف معروف - فلما نزله مات أبو رغال ودفن هناك فرجمت قبره العرب
~~كما قال ابن إسحاق وقيل القبر الذي هناك لأبي رغال رجل من ثمود وهو أبو
~~ثقيف كان بالحرم يدفع عنه فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه
~~بالمغمس فدفن فيه واختاره صاحب «القاموس» ذاكرا فيه حديثا رواه أبو
~~داود في «سننه» وغيره عن ابن عمر مرفوعا وقال فيما تقدم بعد نقله عن
~~الجوهري ليس بجيد وجمع بعض بجواز أن يكون قبران لرجلين كل منهما أبو رغال
~~ثم إن أبرهة بعث وهو بالمغمس رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصور
~~حتى انتهى إلى مكة فساق أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم وأصاب فيها مائتي
~~بعير وقيل أربعمائة بعير لعبد المطلب وكان يومئذ سيد قريش فهمت قريش
~~وكنانة وهذيل ومن كان بالحرم بحربه فعرفوا أن لا طاقة لهم به فكفوا وبعث
~~أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وقال قل لسيد أهل هذا البلد إن الملك يقول:
~~إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا
~~حاجة لي بدمائكم فإن هو لم يرد حربي فأتني به فلما ms11478 دخل حناطة دل على
~~عبد المطلب فقال له ما أمر به فقال عبد المطلب والله ما نريد حربه وما
~~لنا به طاقة هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام فإن
~~يمنعه منه فهو بيته وحرمه وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه ثم
~~انطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر وكان
~~صديقه فدخل عليه فقال له هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ فقال وما غناء
~~رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوا وعشيا ما عندي غناء في شيء مما
~~نزل بك إلا أن أنيسا سائس الفيل سأرسل إليه فأوصيه بك وأعظم عليه
~~حقك وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما بدا لك ويشفع لك عنده بخير
~~إن قدر على ذلك فقال حسبي فبعث إليه فقال له: إن عبد المطلب سيد قريش
~~وصاحب عين مكة ويطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال وقد أصاب الملك
~~له مائتي بعير فاستأذن له عليه وأنفعه عنده بما استطعت فقال افعل فكلم
~~أبرهة ووصف عبد المطلب بما وصفه به ذو نفر فأذن له وكان عبد المطلب أوسم
~~الناس وأجملهم فلما رآه أكرمه عن أن يجلس تحته وكره أن تراه الحبشة يجلسه
~~معه على سرير ملكه فنزل عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى
~~جنبه والقول بأنه أعظمه لما رأى من نور النبوة الذي كان في وجهه ضعيف لما
~~فيه من الدلالة على كون / القصة قبل ولادة عبد الله وهو خلاف ما علمت من
~~القول المرجح اللهم إلا أن يقال إنه تجلى فيه ذلك النور وإن كان قد انتقل
~~ثم قال لترجمانه قل له ما حاجتك فقال حاجتي أن يرد علي الملك إبلي فقال
~~أبرهة لترجمانه: قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين
~~كلمتني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت
~~لهدمه فلا تكلمني فيه فقال عبد المطلب: إني ms11479 رب الإبل وإن للبيت ربا
~~سيمنعه قال ما كان ليمنع مني قال أنت وذاك، وفي رواية أنه دخل عليه مع
~~عبد المطلب ثفانة بن عدي سيد بني بكر وخويلد بن واثلة سيد هذيل فعرضا
~~عليه ثلث أموال أهل تهامة على أن يرجع ولا يهدم البيت فأبى فرد الإبل
~~على عبد المطلب فانصرف إلى قريش فأخبرهم الخبر فتحرزوا في شعف الجبال
~~تخوفا من معرة الجيش ثم قام فأخذ بحلقة باب الكعبة ومعه نفر من قريش
~~يدعون الله عز وجل ويستنصرونه فقال وهو آخذ بالحلقة:

# لا هم إن المرء يم

# نع رحله فامنع حلالك

# وانصر على آل الصلي

# ب وعابديه اليوم آلك

# لا يغلبن صليبهم

# ومحالهم غدوا محالك

# جروا جموع بلادهم

# والفيل كي يسبوا عيالك

# عمدوا حماك بكيدهم

# جهلا وما رقبوا جلالك

# إن كنت تاركهم وكعب

# تنا فأمر ما بدا لك

# وقال أيضا:

# يا رب لا أرجو لهم سواكا

# يا رب فامنع عنهم حماكا

# أن عدو البيت من عادا كا

# امنعهم أن يخربوا فناكا

# ثم أرسل الحلقة وانطلق هو ومن معه إلى شعف الجبال ينتظرون ما أبرهة فاعل
~~بمكة إذا دخلها فلما أصبح تهيأ للدخول وعبى جيشه وهيأ الفيل فلما وجهوه
~~إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنبه فأخذ بإذنه فقال ابرك محمود
~~وارجع راشدا من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام ثم أرسل اذنه فبرك أي
~~سقط وخرج نفيل يشتد حتى أصعد في الجبل فضربوا الفيل وأوجعوه ليقوم فأبى
~~ووجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول إلى الشام ففعل مثل ذلك فوجهوه إلى
~~مكة فبرك فسقوه الخمر ليذهب تمييزه فلم ينجع ذلك وقيل إن عبد المطلب هو
~~الذي عرك أذنه وقال له ما ذكر وكان ذلك عند وادي محسر وأرسل الله تعالى
~~طيرا من البحر قيل سودا وقيل خضرا وقيل بيضا مثل الخطاطيف مع كل طائر
~~منها ثلاثة أحجار يحملها حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص
~~والعدس لا تصيب أحدا منهم إلا هلك ويروى أنه يلقيها ms11480 على رأس أحدهم فتخرج
~~من دبره ويتساقط لحمه فخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاؤا يسألون
~~عن نفيل ليدلهم على الطريق إلى اليمن فقال نفيل حين رأى ما نزل بهم:

# أين المفر والاله الطالب

# والأشرم المغلوب ليس الغالب

# وقال أيضا:

# ألا حييت عنا يا ردينا

# نعمناكم عن الإصباح عينا

# ردينة لو رأيت ولا تريه

# لدى جنب المحصب ما رأينا

# إذا لعذرتني وحمدت أمري

# ولا تأسى على ما فات بينا

# فكل القوم تسأل عن نفيل

# كأن عليه للحبشان دينا

# وجعلوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون في كل منهل وأصيب أبرهة في جسده
~~وخرجوا به معهم تسقط أنملة أنملة كلما سقطت أنملة تبعها منه مدة ثم دم
~~وقيح حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر فما مات / حتى انصدع صدره عن
~~قلبه وقد أشار إلى ذلك ابن الزبعرى بقوله من أبيات يذكر فيها مكة:

# سائل أمير الحبش عنا ما ترى

# ولسوف ينبي الجاهلين عليمها

# ستون ألفا لم يؤبوا أرضهم

# بل لم يعش بعد الإياب سقيمها

# ولهم في ذلك شعر كثير ذكر ابن هشام جملة منه في «سيره» وفيها أن الطير
~~لم تصب كلهم وذكر بعضهم أنه لم ينج منهم غير واحد دخل على النجاشي فأخبره
~~الخبر والطير على رأسه فلما فرغ ألقى عليه الحجر فخرقت البناء ونزلت على
~~رأسه فألحقته بهم وقيل إن سائس الفيل وقائده تخلفا في مكة فسلما فعن
~~عائشة أنها قالت: أدركت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان
~~الناس وعن عكرمة أن من أصابه الحجر جدرته وهو أول جدري ظهر أي بأرض العرب
~~فعن يعقوب بن عتبة أنه حدث أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك
~~العام وأنه أول ما رؤي بها مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعشر ذلك العام
~~أيضا ويروى أن عبد المطلب لما ذهب إلى شعف الجبال بمن معه بقي ينتظر ما
~~يفعل القوم وما يفعل بهم فلما أصبح بعث أحد أولاده على فرس له سريع ينظر
~~ما لقوا فذهب فإذا القوم مشدخين جميعا ms11481 فرجع رافعا رأسه كاشفا عن فخذه
~~فلما رأى ذلك أبوه قال ألا إن ابني أفرس العرب وما كشف عن عورته إلا
~~بشيرا أو نذيرا فلما دنا من ناديهم قالوا ما وراءك قال هلكوا جميعا
~~فخرج عبد المطلب وأصحابه إليهم فأخذوا أموالهم وقال عبد المطلب:

# أنت منعت الحبش والأفيالا

# وقد رعوا بمكة الأحبالا

# وقد خشينا منهم القتالا

# وكل أمر منهم معضالا

# شكرا وحمدا لك ذا الجلالا

# هذا ومن أراد استيفاء القصة على أتم مما ذكر فعليه بمطولات كتب السير.

# وقرأ السلمي (ألم تر) بسكون الراء جدا في إظهار أثر الجازم لأن
~~جزمه بحذف آخره فإسكان ما قبل الآخر للاجتهاد في إظهار أثر الجازم قيل
~~والسر فيه هنا الإسراع إلى ذكر ما يهم من الدلالة على أمر الألوهية
~~والنبوة أو الإشارة إلى الحث في الإسراع بالرؤية إيماء إلى أن أمرهم على
~~كثرتهم كان كلمح البصر [وأن] من لم يسارع إلى رؤيته لم يدركه حق إدراكه
~~وتعقب هذا بأن تقليل البنية يدل على قلة المعنى وهو الرؤية لا على قلة
~~زمانه وقيل لعل السر فيه الرمز من أول الأمر إلى كثرة الحذف في أولئك
~~القوم فتدبر.

### || [105.2]

# وقوله تعالى: { ألم يجعل كيدهم فى تضليل } الخ بيان
~~إجمالي لما فعل الله تعالى بهم والهمزة للتقرير كما سبق ولذلك عطف على
~~الجملة الاستفهامية ما بعدها كأنه قيل قد جعل كيدهم في تعطيل الكعبة
~~وتخريبها وصرف شرف أهلها لهم في تضييع وإبطال بأن دمرهم أشنع تدمير. وأصل
~~التضليل من ضل عنه إذا ضاع فاستعير هنا للإبطال ومنه قيل لامرىء القيس
~~الضليل لأنه ضلل ملك أبيه وضيعه.

### || [105.3]

# أي جماعات جمع إبالة بكسر الهمزة وتشديد الباء الموحدة وحكى الفراء
~~إبالة مخففا وهي حزمة الحطب الكبيرة شبهت بها الجماعة من الطير في
~~تضامها وتستعمل أيضا في غيرها ومنه قوله:

# كادت تهد من الأصوات راحلتي

# إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل

# وقيل واحده إبول مثل عجول وقيل إبيل مثل سكين وقيل أبال وقال
~~أبو عبيدة والفراء لا واحد له من ms11482 لفظه كعباديد: الفرق من الناس الذاهبون
~~في كل وجه والشماطيط القطع المتفرقة.

# وجاءت هذه الطير على ما روي عن جمع من جهة البحر ولم تكن نجدية ولا
~~تهامية ولا حجازية وزعم بعض أن حمام / الحرم من نسلها ولا يصح ذلك ومثله
~~ما نقل عن «حياة الحيوان» من أنها تعشش وتفرخ بين السماء والأرض وقد تقدم
~~الخلاف في لونها وعن عكرمة كأن وجهوهها مثل وجوه السباع لم تر قبل ذلك
~~ولا بعده.

### || [105.4]

# { ترميهم بحجارة } صفة أخرى لطير وعبر بالمضارع لحكاية الحال
~~واستحضار تلك الصورة البديعة.

# وقرأ أبو حنيفة وأبو يعمر وعيسى وطلحة في رواية (يرميهم) بالياء التحتية
~~والضمير المستتر للطير أيضا والتذكير لأنه اسم جمع وهو على ما حكى
~~الخفاجي لازم التذكير فتأنيثه لتأويله بالجماعة وقيل يجوز الأمران وهو
~~ظاهر كلام أبي حيان وقيل الضمير عائد على

# ربك

# [الفيل: 1] وليس بذاك ونسبة القراءة المذكورة لأبي حنيفة رضي الله
~~تعالى عنه حكاها في «البحر» وعن صاحب «النشر» أنه رضي الله تعالى عنه لا
~~قراءة له وأن القراآت المنسوبة له موضوعة.

# { من سجيل } صفة حجارة أي كائنة من طين متحجر معرب سنك كل وقيل هو
~~عربي من السجل بالكسر وهو الدلو الكبيرة ومعنى كون الحجارة من الدلو
~~أنها متتابعة كثيرة كالماء الذي يصب من الدلو ففيه استعارة مكنية
~~وتخييلية وقيل من الإسجال بمعنى الإرسال والمعنى من مثل شيء مرسل و(من)
~~في جميع ذلك ابتدائية وقيل من السجل وهو الكتاب أخذ منه السجين وجعل
~~علما للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار والمعنى من جملة العذاب المكتوب
~~المدون فمن تبعيضية.

# واختلف في حجم تلك الطير وكذا في حجم تلك الحجارة فمن [قائل] إنها مثل
~~الخطاطيف وإن الحجارة أمثال الحمص والعدس وأخرج أبو نعيم عن نوفل بن أبي
~~معاوية الديلمي أنه قال رأيت الحصى التي رمى بها أصحاب الفيل حصى مثل
~~الحمص وأكبر من العدس حمر بحتمة كأنها جزع ظفار وأخرج أبو نعيم في
~~«الدلائل» عن ابن عباس أنه قال حجارة مثل البندق وفي رواية ms11483 ابن مردويه
~~عنه مثل بعر الغنم وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبيد
~~بن عمير أنه قال في الآية هي طير خرجت من قبلة البحر كأنها رجال السند
~~معها حجارة أمثال الإبل البوارك وأصغرها مثل رؤوس الرجال لا تريد أحدا
~~منهم إلا أصابته ولا أصابته إلا قتلته والمعول عليه أن الطير في الحجم
~~كالخطاطيف وأن الحجارة منها ما هو كالحمصة ودوينها وفويقها وروى ابن
~~مردويه وأبو نعيم عن أبي صالح أنه مكتوب على الحجر اسم من رمى به واسم
~~أبيه وأنه رأى ذلك عند أم هانىء.

### || [105.5]

# كورق زرع وقع فيه الأكال وهو أن يأكله الدود أو أكل حبه فبقي صفرا منه
~~والكلام على هذا على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أو على الإسناد
~~المجازي والتشبيه بذلك لذهاب أرواحهم وبقاء أجسادهم أو لأن الحجر بحرارته
~~يحرق أجوافهم وذهب غير واحد إلى أن المعنى كتبن أكلته الدواب وراثته
~~والمراد كروث إلا أنه لم يذكر بهذا اللفظ لهجنته فجاء على الآداب
~~القرآنية فشبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزاء الروث ففيه إظهار تشويه حالهم
~~وقيل المعنى كتبن تأكله الدواب وتروثه والمراد جعلهم في حكم التبن الذي
~~لا يمنع عنه الدواب أي مبتذلين ضائعين لا يلتفت إليهم أحد ولا يجمعهم ولا
~~يدفنهم كتبن في الصحراء تفعل به الدواب ما شاءت لعدم حافظ له إلا أنه وضع
~~(مأكول) موضع أكلته الدواب لحكاية الماضي في صورة الحال وهو كما ترى
~~وكأنه لما أن مجيئهم لهدم الكعبة ناسب إهلاكهم بالحجارة ولما أن الذي
~~أثار غضبهم عذرة الكناني شبههم فيما فعل سبحانه بهم على القول الأخير
~~بالروث أو لما أن الذي أثاره احتراقها بما حملته الريح من نار العرب على
~~ما سمعت شبههم عز وجل فيما فعل جل شأنه بهم بعصف أكل حبه على ما أشرنا
~~إليه أخيرا.

# وقرأ أبو الدرداء فيما نقل ابن خالويه (مأكول) بفتح الهمزة اتباعا
~~لحركة الميم وهو شاذ وهذا كما أتبعوا في قولهم محموم فتح الحاء لحركة
~~الميم والله ms11484 تعالى أعلم.

### | [106 - سورة قريش]

### || [106.1]

# الإيلاف على ما قال الخفاجي مصدر ألفت الشيء وآلفته من الإلف وهو كما
~~قال الراغب اجتماع مع التئام وقال الهروي في «الغريبين» الإيلاف عهود
~~بينهم وبين الملوك فكان هاشم يؤالف ملك الشام والمطلب كسرى وعبد شمس
~~ونوفل يؤالفان ملك مصر والحبشة قال ومعنى يؤالف يعاهد ويصالح وفعله آلف
~~على وزن فاعل ومصدره إلاف بغير ياء بزنة قبال أو ألف الثلاثي ككتب كتابا
~~ويكون الفعل منه أيضا [آلف] على وزن أفعل مثل آمن ومصدره إيلاف كإيمان.
~~وحمل الإيلاف على العهود خلاف ما عليه الجمهور كما لا يخفى على المتتبع
~~وفي «البحر» إيلاف مصدر آلف رباعيا وآلاف مصدر ألف ثلاثيا يقال ألف
~~الرجل الأمر إلفا وإلافا وآلف غيره إياه وقد يأتي آلف متعديا لواحد
~~كآلف ومنه قوله:

# من المؤلفات الرمل أدماء حرة

# شعاع الضحى في جيدها يتوضح

# وسيأتي إن شاء الله تعالى ما في ذلك من القراآت.

# وقريش ولد النضر بن كنانة وهو أصح الأقوال وأثبتها عند القرطبي قيل
~~وعليه الفقهاء لظاهر ما روي

# " أنه عليه الصلاة والسلام سئل من قريش؟ فقال من ولد النضر وقيل ولد فهر
~~بن مالك بن النضر "

# وحكي ذلك عن الأكثرين بل قال الزبير بن بكار أجمع النسابون من قريش
~~وغيرهم على أن قريشا إنما تفرقت عن فهر واسمه عند غير واحد قريش وفهر
~~لقبه ويكنى بأبي غالب وقيل ولد مخلد بن النضر وهو ضعيف وفي بعض السير
~~أنه لا عقب للنضر بن كنانة إلا مالك وأضعف من ذلك بل هو قول رافضي يريد
~~به نفي حقية خلافة الشيخين أنهم ولد قصي بن حكيم وقيل عروة المشهور بلقبه
~~كلاب لكثرة صيده أو لمكالبته أي مواثبته في الحرب للأعداء نعم قصي
~~جمع قريشا في الحرم حتى اتخذوه مسكنا بعد أن كانوا متفرقين في غيره
~~وهذا الذي عناه الشاعر بقوله:

# / أبونا قصي كان يدعى مجمعا

# به جمع الله القبائل من فهر

# فلا يدل على ما زعمه أصلا. وهو في الأصل تصغير قرش بفتح ms11485 القاف اسم
~~لدابة في البحر أقوى دوابه تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى وبذلك أجاب ابن
~~عباس معاوية لما سأله لم سميت قريش قريشا وتلك الدابة تسمى قرشا كما هو
~~المذكور في كلام الحبر وتسمى قريشا وعليه قول تبع كما حكاه عنه أبو
~~الوليد الأزرقي وأنشده أيضا الحبر لمعاوية إلا أنه نسبه للجمحي:

# وقريش هي التي تسكن البح

# ر بها سميت قريش قريشا

# تأكل الغث والسمين ولا تت

# رك يوما لذي جناحين ريشا

# هكذا في البلاد حي قريش

# يأكلون البلاد أكلا كميشا

# ولهم آخر الزمان نبي

# يكثر القتل فيهم والخموشا

# وقال الفراء هو من التقرش بمعنى التكسب سموا بذلك لتجارتهم وقيل من
~~التقريش وهو التفتيش ومنه قول الحرث بن حلزة:

# أيها الشامت المقرش عنا

# عند عمرو فهل لنا إبقاء

# سموا بذلك لأن أباهم كان يفتش عن أرباب الحوائج ليقضي حوائجهم وكذا
~~كانوا هم يفتشون على ذي الخلة من الحاج ليسدوها وقيل من التقرش وهو
~~التجمع ومنه قوله:

# اخوة قرشوا الذنوب علينا

# في حديث من دهرهم وقديم

# سموا بذلك لتجمعهم بعد التفرق والتصغير إذا كان من المزيد تصغير ترخيم
~~وإذا كان من ثلاثي مجرد فهو على أصله وأيا ما كان فهو للتعظيم مثله في
~~قوله:

# وكل أناس سوف تدخل بينهم

# دويهية تصفر منها الأنامل

# والنسبة إليه قرشي وقريشي كما في «القاموس» وأجمعوا على صرفه هنا راعوا
~~فيه معنى الحي ويجوز منع صرفه ملحوظا فيه معنى القبيلة للعلمية والتأنيث
~~وعليه قوله:

# وكفى قريش المعضلات وسادها

# وعن سيبويه أنه قال في نحو معد وقريش وثقيف هذه للأحياء أكثر وإن جعلت
~~أسماء للقبائل فجائز حسن.

# واللام في { لإيلاف } للتعليل والجار والمجرور متعلق عند الخليل
~~بقوله

# فليعبدوا

# [قريش: 3] والفاء لما في الكلام من معنى الشرط إذ المعنى أن نعم الله
~~تعالى غير محصورة فإن لم يعبدوا لسائر نعمه سبحانه فليعبدوا لهذه النعمة
~~الجليلة ولما لم تكن في جواب شرط محقق كانت في الحقيقة زائدة فلا يمتنع
~~تقديم معمول ما بعدها عليها.

### || [106.2]

# وقوله تعالى: { إيلافهم ms11486 رحلة الشتآء والصيف } بدل من

# لإيلف قريش

# [قريش: 1] و(رحلة) مفعول به لإيلافهم على تقدير أن يكون من الألفة أما
~~إذا كان من المؤالفة بمعنى المعاهدة فهو منصوب على نزع الخافض أي
~~معاهدتهم على أو لأجل رحلة الخ وإطلاق لإيلاف ثم أبدل المقيد منه للتفخيم
~~وروي عن الأخفش أن الجار متعلق بمضمر أي فعلنا ما فعلنا من إهلاك أصحاب
~~الفيل لإيلاف قريش وقال الكسائي والفراء كذلك إلا أنهما قدرا الفعل
~~بدلالة السياق أعجبوا كأنه قيل أعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف
~~وتركهم عبادة الله تعالى الذي أعزهم ورزقهم وآمنهم فلذا أمروا بعبادة
~~ربهم المنعم عليهم بالرزق والأمن عقبه، وقرن بالفاء التفريعية وعن الأخفش
~~أيضا أنه متعلق ب

# فجعلهم كعصف

# [الفيل: 5] في السورة قبله والقرآن كله كالسورة الواحدة فلا يضر الفصل
~~بالبسملة خلافا لجمع. والمعنى أهلك سبحانه من قصدهم من الحبشة ولم
~~يسلطهم عليهم ليبقوا على ما كانوا عليه من إيلافهم رحلة الشتاء والصيف أو
~~أهلك عز وجل من قصدهم ليعتبر الناس ولا يجترىء عليهم أحد فيتم لهم الأمن
~~في رحلتهم ولا ينافي هذا كون إهلاكهم / لكفرهم باستهانة البيت لجواز
~~تعليله بأمرين فإن كلا منهما ليس علة حقيقية ليمتنع التعدد. وقال غير
~~واحد أن اللام للعاقبة.

# وكان لقريش رحلتان رحلة في الشتاء إلى اليمن ورحلة في الصيف إلى بصرى
~~من أرض الشام كما روي عن ابن عباس وكانوا في رحلتيهم آمنين لأنهم أهل حرم
~~الله تعالى وولاة بيته العزيز فلا يتعرض لهم والناس بين متخطف ومنهوب وعن
~~ابن عباس أيضا أنهم كانوا يرحلون في الصيف إلى الطائف حيث الماء والظل
~~ويرحلون في الشتاء إلى مكة للتجارة وسائر أغراضهم. وأفردت الرحلة مع أن
~~المراد رحلتا الشتاء والصيف لأمن اللبس وظهور المعنى ونظيره قوله:

# حمامة بطن الواديين ترنمي

# حيث لم يقل بطني الواديين وقوله:

# كلوا في بعض بطنكم تعفوا

# فإن زمانكم زمن خميص

# حيث لم يقل بطونكم بالجمع لذلك وقول سيبويه: إن ذلك لا يجوز إلا في
~~الضرورة فيه نظر. وقال النقاش كانت لهم ms11487 أربع رحل وتعقبه ابن عطية بأنه
~~قول مردود وفي «البحر» لا ينبغي أن يرد فإن أصحاب الإيلاف كانوا أربعة
~~إخوة وهم بنو عبد مناف هاشم كان يؤالف ملك الشام أخذ منه خيلا فأمن به
~~في تجارته إلى الشام وعبد شمس يؤالف إلى الحبشة والمطلب إلى اليمن ونوفل
~~إلى فارس فكان هؤلاء يسمون المتجرين فيختلف تجر قريش بخيل هؤلاء الإخوة
~~فلا يتعرض لهم.

# قال الأزهري الإيلاف شبه الإجارة بالخفارة فإن كان كذلك جاز أن يكون لهم
~~رحل أربع باعتبار هذه الأماكن التي كانت التجارة في خفارة هؤلاء الأربعة
~~فيها فيكون (رحلة) هنا اسم جنس يصلح للواحد وللأكثر وفي هؤلاء الإخوة
~~يقول الشاعر:

# يا أيها الرجل المحول رحله

# هلا نزلت بآل عبد مناف

# الآخذون العهد من آفاقها

# والراحلون لرحلة الإيلاف

# والرائشون وليس يوجد رائش

# والقائلون هلم للأضياف

# والخالطون غنيهم بفقيرهم

# حتى يصير فقيرهم كالكافي

# انتهى وفيه مخالفة لما نقلناه سابقا عن الهروي ثم إن إرادة ما ذكر من
~~الرحل الأربع غير ظاهرة كما لا يخفى.

# وقرأ ابن عامر (لإلاف قريش) بلا ياء ووجه ذلك ما مر ولم تختلف السبعة في
~~قراءة (إيلافهم) بالياء كما اختلف في قراءة الأول ومع هذا رسم الأول في
~~المصاحف العثمانية بالياء ورسم الثاني بغير ياء كما قاله السمين وجعل ذلك
~~أحد الأدلة على أن القراء يتقيدون بالرواية سماعا دون رسم المصحف وذكر
~~في وجه ذلك أنها رسمت في الأول على الأصل وتركت في الثاني اكتفاء بالأول
~~وهو كما ترى فتدبر. وروي عن أبي بكر عن عاصم أنه قرأ بهمزتين فيهما
~~الثانية ساكنة وهذا شاذ وإن كان الأصل وكأنهم إنما أبدلوا الهمزة التي هي
~~فاء الكلمة لثقل اجتماع همزتين وروى محمد بن داود النقار عن عاصم
~~(ائيلافهم) بهمزتين مكسورتين بعدهما ياء ساكنة ناشئة عن حركة الهمزة
~~الثانية لما أشبعت والصحيح رجوعه عن القراءة بهمزتين وأنه قرأ كالجماعة
~~وقرأ أبو جعفر فيما حكى الزمخشري (لإلف قريش) وقرأ فيما حكى ابن عطية
~~(إلفهم) وحكيت عن عكرمة وابن كثير وأنشدوا:

# زعمتم ms11488 أن إخوتكم قريش

# لهم إلف وليس لكم إلاف

# وعن أبي جعفر أيضا وابن عامر (إلافهم) على وزن فعال وعن أبي جعفر
~~أيضا (ليلاف) بياء ساكنة بعد اللام ووجه بأنه لما أبدل الثانية ياء حذف
~~الأولى حذفا على غير قياس وعن عكرمة (ليألف قريش) على صيغة المضارع
~~المنصوب بأن مضمرة بعد اللام ورفع (قريش) على الفاعلية وعنه أيضا
~~(لتألف) على الأمر وعنه وعن هلال بن فتيان بفتح لام / الأمر والظاهر أن
~~(إيلافهم) على جميع ذلك منصوب على المصدرية ولم أر من تعرض له.

# وقرأ أبو السمال (رحلة) بضم الراء وهي حينئذ بمعنى الجهة التي يرحل
~~إليها وأما مكسور الراء فهو مصدر على ما صرح به في «البحر».

### || [106.3]

# هو الكعبة التي حميت من أصحاب الفيل وعن عمر أنه صلى بالناس بمكة عند
~~الكعبة فلما قرأ { فليعبدوا رب هذا البيت } جعل يومي
~~بإصبعه إليها وهو في الصلاة بين يدي الله تعالى.

### || [106.4]

# { الذى أطعمهم } بسبب تينك الرحلتين اللتين تمكنوا منهما بواسطة
~~كونهم من جيرانه { من جوع } شديد كانوا فيه قبلهما وقيل أريد به القحط
~~الذي أكلوا فيه الجيف والعظام { وآمنهم من خوف } عظيم لا يقادر
~~قدره وهو خوف أصحاب الفيل أو خوف التخطف في بلدهم ومسايرهم أو خوف الجذام
~~كما أخرج ذلك ابن جرير وغيره عن ابن عباس فلا يصيبهم في بلدهم فضلا منه
~~تعالى كالطاعون وعنه أيضا أنه قال أطعمهم من جوع بدعوة إبراهيم عليه
~~السلام حيث قال

# وارزقهم من الثمرات

# [إبراهيم: 37] وآمنهم من خوف حيث قال إبراهيم عليه السلام

# رب اجعل هذا البلد آمنا

# [إبراهيم: 35].

# و(من) قيل تعليلية أي أنعم عليهم وأطعمهم لإزالة الجوع عنهم ويقدر
~~المضاف لتظهر صحة التعليل أو يقال الجوع علة باعثة ولا تقدير وقيل بدلية
~~مثلها في قوله تعالى:

# أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة

# [التوبة: 38] وحكى الكرماني في «غرائب التفسير» أنه قيل في قوله تعالى:
~~{ وآمنهم من خوف } أن الخلافة لا تكون إلا فيهم وهذا من
~~البطلان بمكان كما لا يخفى.

# وقرأ المسيبي عن نافع (من ms11489 خوف) بإخفاء النون في الخاء وحكي ذلك عن
~~سيبويه وكذا إخفاؤها مع العين نحو من على مثلا والله تعالى أعلم.

### | [107 - سورة الماعون]

### || [107.1]

# استفهام أريد بن تشويق السامع إلى تعرف المكذب وأن ذلك مما يجب على
~~المتدين ليحترز عنه وعن فعله وفيه أيضا تعجيب منه. والخطاب لرسول الله
~~صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له. والرؤية بمعنى المعرفة المتعدية
~~لواحد وقال الحوفي يجوز أن تكون بصرية وعلى الوجهين يجوز أن يتجوز بذلك
~~عن الإخبار فيكون المراد بأرأيت أخبرني وحينئذ تكون متعدية لاثنين أولهما
~~الموصول وثانيهما محذوف تقديره من هو أو أليس مستحقا للعذاب والقول بأنه
~~لا تكون الرؤية المتجوز بها إلا بصرية فيه نظر وكذا إطلاق القول بأن كاف
~~الخطاب لا تلحق البصرية إذ لا مانع من ذلك بعد التجوز فلا يرجح كونها
~~علمية قراءة عبد الله (أرأيتك) بكاف الخطاب المزيدة لتأكيد التاء.

# والدين الجزاء وهو أحد معانيه ومنه «كما تدين تدان» وفي معناه قول مجاهد
~~الحساب أو الإسلام كما هو الأشهر ولعله مراد من فسره بالقرآن وكذا من
~~فسره كابن عباس بحكم الله عز وجل.

# وقرأ الكسائي (أريت) بحذف الهمزة كأنه حمل الماضي في حذف همزته على
~~مضارعه / المطرد فيه حذفها وهذا كما ألحق تعد بيعد في الإعلال ولعل تصدير
~~الفعل هنا بهمزة الاستفهام سهل أمر الحذف فيه لمشابهته للفظ المضارع
~~المبدوء بالهمزة ومن هنا كانت هذه القراءة أقوى توجيها مما في قوله:

# صاح هل رأيت أو سمعت براع

# رد في الضرع ما قرى في الحلاب

# وقيل ألحق بعد همزة الاستفهام بأرى ماضي الأفعال لشدة مشابهته به وعدم
~~التفاوت إلا بفتحة هي لخفتها في حكم السكون وليس بذاك وإن زعم أنه
~~الأوجه. والفاء في قوله تعالى: { فذلك الذى يدع اليتيم }.

### || [107.2]

# الفاء في قوله تعالى: { فذلك الذى يدع اليتيم } قيل
~~للسببية وما بعدها مسبب عن التشويق الذي دل عليه الكلام السابق وقيل
~~واقعة في جواب شرط محذوف على أن { ذلك } مبتدأ والموصول خبره والمعنى
~~هل عرفت ms11490 الذي يكذب بالجزاء أو بالإسلام إن لم تعرفه فذلك الذي يكذب بذلك
~~هو الذي يدع اليتيم أي يدفعه دفعا عنيفا ويزجره زجرا قبيحا ووضع اسم
~~الإشارة موضع الضمير للدلالة على التحقير وقيل للإشعار بعلة الحكم أيضا
~~وفي الإتيان بالموصول من الدلالة على تحقق الصلة ما لا يخفى.

# وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والحسن وأبو رجاء واليماني (يدع) بالتخفيف
~~أي يترك اليتيم لا يحسن إليه ويجفوه.

### || [107.3]

# { ولا يحض } أي ولا يبعث أحدا من أهله وغيرهم من الموسرين {
~~على طعام المسكين } أي بذل طعام المسكين وهو ما يتناول من
~~الغذاء والتعبير بالطعام دون الإطعام مع احتياجه لتقدير المضاف كما أشرنا
~~إليه للإشعار بأن المسكين كأنه مالك لما يعطى له كما في قوله تعالى:

# فى أمولهم حق للسائل والمحروم

# [الذاريات: 19] فهو بيان لشدة الاستحقاق وفيه إشارة للنهي عن الامتنان
~~وقيل الطعام هنا بمعنى الإطعام وكلام الراغب محتمل لذلك فلا يحتاج إلى
~~تقدير لمضاف.

# وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما (ولا يحاض) مضارع حاضضت وهذه
~~الجملة عطف على جملة الصلة داخلة معها في حيز التعريف للمكذب فيكون
~~سبحانه وتعالى قد جعل علامته الإقدام على إيذاء الضعيف وعدم بذل المعروف
~~على معنى أن ذلك من شأنه ولوازم جنسه.

### || [107.4-5]

# أي غافلون غير مبالين بها حتى تفوتهم بالكلية أو يخرج وقتها أو لا
~~يصلونها كما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف ولكن ينقرونها
~~نقرا ولا يخشعون وينجدون فيها ويتهمون وفي كل واد من الأفكار الغير
~~المناسبة لها يهيمون فيسلم أحدهم منها ولا يدري ما قرأ فيها إلى غير ذلك
~~مما يدل على قلة المبالاة بها. وللسلف أقوال كثيرة في المراد بهذا السهو
~~ولعل كل ذلك من باب التمثيل فعن أبي العالية هو الالتفات عن اليمين
~~واليسار وعن قتادة عدم مبالاة المرء أصلى أم لم يصل وعن ابن عباس وجماعة
~~تأخيرها عن وقتها وفيه حديث أخرجه غير واحد عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا
~~وقال الحاكم والبيهقي وقفه أصح وعن أبي ms11491 العالية هو أن لا يدري المرء عن
~~كم انصرف عن شفع أو عن وتر وفسر بعضهم السهو عنها بتركها وقال المراد
~~بالمصلين المتسمون بسمة أهل الصلاة إن أريد بالترك الترك رأسا وعدم
~~الفعل بالكلية أو المصلون في الجملة إن أريد بالترك الترك أحيانا.

### || [107.6]

# الناس فيعملون حيث يروا الناس ويرونهم طلبا للثناء عليهم.

### || [107.7]

# أي الزكاة كما جاء عن علي كرم الله تعالى وجهه وابنه محمد بن الحنفية
~~وابن عباس وابن عمر وزيد بن أسلم والضحاك وعكرمة ومنه قول الراعي:

# أخليفة الرحمن انا معشر

# حنفاء نسجد بكرة وأصيلا

# عرب نرى لله من أموالنا

# حق الزكاة منزلا تنزيلا

# قوم على الإسلام لما يمنعوا

# ما عونهم ويضيعوا التهليلا

# وعن محمد بن كعب والكلبي المعروف كله وأخرج جماعة عن ابن مسعود تفسيره
~~بما يعاوره الناس بينهم من القدر والدلو والفأس ونحوها من متاع البيت
~~وجاء ذلك عن ابن عباس أيضا في خبر رواه عنه الضياء في / «المختارة»
~~والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم ورووا فيه عدة أحاديث مرفوعة. ومنع ذلك قد
~~يكون محظورا في الشريعة كما إذا استعير عن اضطرار وقبيحا في المروءة
~~كما إذا استعير في غير حال الضرورة وهو على ما أخرج ابن أبي شيبة عن
~~الزهري المال بلسان قريش وقال أبو عبيدة والزجاج والمبرد هو في الجاهلية
~~كل ما فيه منفعة من قليل أو كثير وأريد به في الإسلام الطاعة.

# واختلف في أصله فقال قطرب أصله فاعول من المعن وهو الشيء القليل وقالوا
~~ماله معنة أي شيء قليل وقيل أصله معونة والألف عوض من الهاء فوزنه مفعل
~~في الأصل كمكرم فتكون الميم زائدة ووزنه بعد زيادة الألف عوضا مافعل
~~وقيل هو اسم مفعول من أعان يعين وأصله معوون فقلبت فصارت عينه مكان فائه
~~فصار موعون ثم قلبت الواو ألفا فصار ماعونا فوزنه معفول بتقديم العين
~~على الفاء.

# والفاء في قوله تعالى: { فويل } الخ جزائية والكلام ترق من ذلك
~~المعرف إلى معرف أقوى أي إذا كان دع اليتيم والحض بهذه المثابة فما بال ms11492
~~المصلي الذي هو ساه عن صلاته التي هي عماد الدين والفارق بين الإيمان
~~والكفر مرتكب للرياء في أعماله الذي هو شعبة من الشرك ومانع للزكاة التي
~~هي شقيقة الصلاة وقنطرة الإسلام أو مانع لإعارة الشيء الذي تعارف الناس
~~إعارته فضلا عن إخراج الزكاة من ماله فذاك العلم على التكذيب الذي لا
~~يخفى والمعرف له الذي لا يوفي والغرض التغليظ في أمر هذه الرذائل التي
~~ابتلي بها كثير من الناس وأنها لما كانت من سيماء المكذب بالدين كان على
~~المؤمن المعتقد له أن يبعد عنها بمراحل ويتبين أن أم كل معصية التكذيب
~~بالدين.

# والمراد بالمكذب على هذا الجنس والإشارة لا تمنع منه كما لا يخفى. وقيل
~~هو أبو جهل وكان وصيا ليتيم فأتاه عريانا يسأله من مال نفسه فدفعه
~~دفعا شنيعا وقال ابن جريج هو أبو سفيان نحر جزورا فسأله يتيم لحما
~~فقرعه بعصاه وقيل الوليد بن المغيرة وقيل العاص بن وائل وقيل عمرو بن
~~عائد وقيل منافق بخيل وعلى جميع هذه الأقوال يكون معينا وحينئذ فالقول
~~بأن الساهين عن الصلاة المرائين أيضا معرف قال صاحب «الكشف» غير ملائم
~~بل يكون شبه استطراد مستفاد من الوصف المعرف أعني دع اليتيم على معنى أن
~~الدع إذا كان حاله أنه علم المكذب فما حال السهو عن الصلاة وما عطف عليه
~~وهما أشد من ذلك وأشد وإنما جعل شبه استطراد على ما قال لأن الكلام في
~~التكذيب لا في التحذير من الدع بالأصالة والمراد الجنس الصادق بالجمع
~~وكون ذلك تكلفا واضحا كما قيل غير واضح فكأنه قيل أخبرني ما تقول فيمن
~~يكذبون بالدين وفيمن يؤذون اليتيم أحسن حالهم وما يصنعون أم قبيح والغرض
~~بت القول بالقبح على أسلوب قوله تعالى:

# فهل أنتم منتهون

# [المائدة: 91] ثم قيل { فويل للمصلين } على معنى إذا علم أن
~~حالهم قبيح فويل لهم فوضع المصلين موضع الضمير دلالة على أنهم مع الاتصاف
~~بالتكذيب متصفون بهذه الأشياء أيضا وجعل بعضهم الفاء في { فويل }
~~على العطف المذكور للسببية وهذا الوجه يقتضي اتحاد ms11493 المصلين والمكذبين
~~وعليه قيل المراد بهم المنافقون بل روي إطلاق القول بأنهم المرادون عن
~~ابن عباس ومجاهد والإمام مالك وقال في «البحر» يدل عليه { الذين هم
~~يرآءون } ويصح أن يراد بالمصلين على الاتحاد المكلفون بالصلاة ولو
~~كفارا غير منافقين وبسهوهم عن الصلاة تركهم إياها بالكلية ويلتزم القول
~~بأن الكفار مكلفون بالفروع مطلقا واعترض أبو حيان ذلك الوجه بأن التركيب
~~عليه تركيب غريب وهو كقولك أكرمت الذي يزورني فذاك الذي يحسن إلي
~~والمتبادر إلى الذهن منه أن { فذلك } مرفوع بالابتداء وعلى تقدير
~~النصب بالعطف يكون التقدير أكرمت الذي يزورني فأكرمت ذلك الذي يحسن إلي
~~واسم الإشارة فيه غير متمكن تمكن ما هو فصيح إذ لا حاجة إليه بل الفصيح
~~أكرمت الذي يزورني فالذي يحسن إلي أو أكرمت الذي يزورني فيحسن إلي وقيل
~~إن اسم الإشارة هنا مقحم للإشارة إلى بعد المنزلة في الشر والفساد فتأمل
~~وجوز أيضا أن يكون العطف عطف ذات / على ذات فالاستخبار عن حال المكذبين
~~وحال الداعين أحسن هو أم قبيح على قياس ما مر وتعقبه في «الكشف» بأنه لا
~~يلائم المقام رجوع الضمير إلى الطائفتين حتى يوضع موضع المصلين فافهم.

# وقرأ ابن إسحق والأشهب (يرؤون) بالقصر وتشديد الهمزة وفي رواية أخرى عن
~~ابن إسحق أنه قرأ بالقصر وترك التشديد والله تعالى أعلم.

### | [108 - سورة الكوثر]

### || [108.1]

# { إنا أعطينك } وقرأ الحسن وطلحة وابن محيصن والزعفراني
~~(أنطيناك) بالنون وهي على ما قال التبريزي لغة العرب العرباء من أولي
~~قريش وذكر غيره أنها لغة بني تميم وأهل اليمن وليست من الإبدال الصناعي
~~في شيء ومن كلامه صلى الله عليه وسلم

# " اليد العليا المنطية واليد السفلى المنطاة "

# وكتب عليه الصلاة والسلام لوائل

# " أنطوا الثبجة أي الوسط في الصدقة "

# { الكوثر } فيه أقوال كثيرة فذهب أكثر المفسرين إلى أنه نهر في
~~الجنة لقوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث المتقدم آنفا المروي عن
~~الإمام أحمد ومسلم ومن معهما

# " هل تدرون ما الكوثر قالوا الله تعالى ورسوله أعلم قال هو نهر أعطانيه
~~ربي ms11494 في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد
~~الكواكب يختلج العبد منهم فأقول يا رب إنه من أمتي فيقال إنك لا تدري ما
~~أحدث بعدك "

# وقوله عليه الصلاة والسلام على ما أخرجه الإمام أحمد والشيخان والترمذي
~~والنسائي وابن ماجه وآخرون عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم

# " دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي إلى ما يجري
~~فيه الماء فإذا مسك إذفر قلت ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذي أعطاكه
~~الله تعالى "

# وجاء في حديث عن أنس أيضا قال

# " دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قد أعطيت الكوثر قلت يا
~~رسول الله وما الكوثر قال نهر في الجنة عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب
~~لا يشرب منه أحد فيظمأ ولا يتوضأ منه أحد فيشعث أبدا لا يشرب منه من
~~أخفر ذمتي ولا من قتل أهل بيتي. "

# وروي عن عائشة أنها قالت هو نهر في الجنة عمقه سبعون ألف فرسخ ماؤه أشد
~~بياضا / من اللبن وأحلى من العسل شاطئاه الدر والياقوت والزبرجد خص الله
~~تعالى به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من بين الأنبياء عليهم الصلاة
~~والسلام وقالت ليس أحد يدخل أصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر وهو
~~على التشبيه البليغ.

# وقيل هو حوض له عليه الصلاة والسلام في المحشر. وقول بعضهم الاختلاف في
~~الروايات سببه ملاحظة اختلاف سرعة السير وعدمها وهو قبل الميزان والصراط
~~عند بعض وبعدهما قريبا من باب الجنة حيث يحبس أهلها من أمته صلى الله
~~عليه وسلم ليتحاللوا من المظالم التي بينهم عند آخرين ويكون على هذا في
~~الأرض المبدلة. وقيل له صلى الله عليه وسلم حوضان حوض قبل الصراط وحوض
~~بعده ويسمى كل منهما على ما حكاه القاضي زكريا كوثرا وصحح رحمه الله
~~تعالى أنه بعد الصراط وأن الكوثر في الجنة وأن ماءه ينصب فيه ولذا يسمى
~~كوثرا وليس هو من خواصه عليه الصلاة والسلام كالنهر السابق بل يكون
~~لسائر الأنبياء ms11495 عليهم الصلاة والسلام يرده مؤمنو أممهم ففي حديث الترمذي

# " إن لكل نبي حوضا وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة وإني أرجو أن أكون
~~أكثرهم واردة "

# وهو كما قال حديث حسن غريب.

# وهذه الحياض لا يجب الإيمان بها كما يجب الإيمان بحوضه عليه الصلاة
~~والسلام عندنا خلافا للمعتزلة النافين له لكون أحاديثه بلغت مبلغ
~~التواتر بخلاف أحاديثها فإنها آحاد بل قيل لا تكاد تبلغ الصحة ورأيت في
~~بعض الكتب أن الكوثر هو النهر الذي ذكره أولا وهو الحوض وهو على ظهر ملك
~~عظيم يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث يكون فيكون في المحشر إذ
~~يكون عليه الصلاة والسلام فيه وفي الجنة إذ يكون عليه الصلاة والسلام
~~فيها ولا يعجز الله تعالى شيء.

# وقيل هو أولاده عليه الصلاة والسلام لأن السورة نزلت ردا على من عابه
~~صلى الله عليه وسلم وهم والحمد لله تعالى كثيرون قد ملؤا البسيطة وقال
~~أبو بكر بن عباس ويمان بن وثاب أصحابه وأشياعه صلى الله عليه وسلم إلى
~~يوم القيامة وقيل علماء أمته صلى الله عليه وسلم وهم أيضا كثيرون في كل
~~قطر وإن كانوا اليوم في بعض الأقطار والأمر لله تعالى أقل قليل وعن الحسن
~~أنه القرآن وفضائله لا تحصى وقال الحسين بن الفضل هو تيسير القرآن وتخفيف
~~الشرائع وقيل هو الإسلام وقال هلال هو التوحيد وقال عكرمة هو النبوة وقال
~~جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه هو نور قلبه صلى الله عليه وسلم وقيل هو
~~العلم والحكمة وقال ابن كيسان هو الإيثار وقيل هو الفضائل الكثيرة المتصف
~~بها عليه الصلاة والسلام وقيل المقام المحمود وقيل غير ذلك وقد ذكر في
~~«التحرير» ستة وعشرين قولا فيه وصحح في «البحر» قول النهر وجماعة أنه
~~الخير الكثير والنعم الدنيوية والأخروية من الفضائل والفواضل ورواه ابن
~~جرير وابن عساكر عن مجاهد وهو المشهور عن الحبر ابن عباس رضي الله تعالى
~~عنهما وقد أخرج البخاري وابن جرير والحاكم من طريق أبي بشر عن سعيد بن
~~جبير عنه رضي الله ms11496 تعالى عنه أنه قال الكوثر الخير الذي أعطاه الله تعالى
~~إياه عليه الصلاة والسلام قال أبو بشر قلت لسعيد فإن ناسا يزعمون أنه
~~نهر في الجنة قال النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله عز وجل
~~إياه صلى الله عليه وسلم وحكى هذا الجواب عن ابن عباس نفسه أيضا وفيه
~~إشارة إلى أن ما صح في الأحاديث من تفسيره صلى الله عليه وسلم إياه
~~بالنهر من باب التمثيل والتخصيص لنكتة وإلا فبعد أن صح الحديث في ذلك بل
~~كاد يكون متواترا كيف يعدل عنه إلى تفسير آخر وكذا يقال في سائر ما في
~~الأقوال السابقة وغيرها.

# وهو فوعل من الكثرة صيغة مبالغة الشيء الكثير كثرة مفرطة قيل لأعرابية
~~رجع ابنها من السفر بم آب ابنك قالت بكوثر وقال الكميت:

# وأنت كثير يا ابن مروان طيب

# وكان أبوك ابن العقائل كوثرا

# / وفي حذف موصوفه ما لا يخفى من المبالغة على ما أشار إليه شيخ الإسلام
~~ابن تيمية.

# وفي إسناد الإعطاء إليه دون الإيتاء إشارة إلى أن ذلك إيتاء على جهة
~~التمليك فإن الإعطاء دونه كثيرا ما يستعمل في ذلك ومنه قوله تعالى
~~لسليمان عليه السلام:

# هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك

# [ص: 39] بعد قوله

# هب لى ملكا

# [ص: 35] وقيل فيه إشارة إلى أن المعطي وإن كان كثيرا في نفسه قليل
~~بالنسبة إلى شأنه عليه الصلاة والسلام بناء على أن الإيتاء لا يستعمل إلا
~~في الشيء العظيم كقوله تعالى:

# وآته الله الملك

# [البقرة: 251]

# ولقد آتينا داوود منا فضلا

# [سبأ: 10]

# ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم

# [الحجر: 87] والإعطاء يستعمل في القليل والكثير كما قال تعالى

# وأعطى قليلا وأكدى

# [النجم: 34] ففيه من تعظيمه عليه الصلاة والسلام ما فيه. وقيل التعبير
~~بذلك لأنه بالتفضل أشبه بخلاف الإيتاء فإنه قد يكون واجبا ففيه إشارة
~~إلى الدوام والتزايد أبدا لأن التفضل نتيجة كرم الله تعالى الغير
~~المتناهي وفي جعل المفعول الأول ضمير المخاطب دون الرسول أو نحوه إشعار
~~بأن الإعطاء غير معلل هو من محض ms11497 الاختيار والمشيئة وفيه أيضا من تعظيمه
~~عليه الصلاة والسلام بالخطاب ما لا يخفى. وجوز أن يكون في إسناد الإعطاء
~~إلى نا إشارة إلى أنه مما سعى فيه الملائكة والأنبياء المتقدمون عليهم
~~السلام. وفي التعبير بالماضي قيل إشارة إلى تحقق الوقوع وقيل إشارة إلى
~~تعظيم الإعطاء وأنه أمر مرعى لم يترك إلى أن يفعل بعدو قيل إشارة إلى
~~بشارة أخرى كأنه قيل إنا هيأنا أسباب سعادتك قبل دخولك في الوجود فكيف
~~نهمل أمرك بعد وجودك واشتغالك بالعبودية وقيل إشارة إلى أن حكم الله
~~تعالى بالإغناء والإفقار والإسعاد والإشقاء ليس أمرا محدثا بل هو حاصل
~~في الأزل. وبنى الفعل على المبتدأ للتأكيد والتقوي وجوز أن يكون للتخصيص
~~على بعض الأقوال السابقة في الكوثر وفي تأكيد الجملة بإن ما لا يخفى من
~~الاعتناء بشأن الخبر وقيل لرد استبعاد السامع الإعطاء لما أنه لم يعلل
~~والمعطى في غاية الكثرة وجوز أن يكون لرد الإنكار على بعض الأقوال في
~~الكوثر أيضا والفاء في قوله تعالى: { فصل لربك وانحر }.

### || [108.2]

# الفاء في قوله تعالى: { فصل لربك وانحر } لترتيب ما بعدها
~~على ما قبلها فإن إعطاءه تعالى إياه عليه الصلاة والسلام ما ذكر من
~~العطية التي لم يعطها أحدا من العالمين مستوجب للمأمور به أي استيجاب أي
~~فدم على الصلاة لربك الذي أفاض عليك ما أفاض من الخير خالصا لوجهه عز
~~وجل خلاف الساهين عنها المرائين فيها أداء لحق شكره تعالى على ذلك فإن
~~الصلاة جامعة لجميع أقسام الشكر ولذا قيل { فصل } دون فاشكر {
~~وانحر } البدن التي هي خيار أموال العرب باسمه تعالى وتصدق على
~~المحاويج خلافا لمن يدعهم ويمنع عنهم الماعون كذا قيل، وجعل السورة
~~عليه كالمقابلة لما قبلها كما فعل الإمام ولم يذكروا مقابل التكذيب
~~بالدين. وقال الشهاب الخفاجي ((إن الكوثر بمعنى الخير الكثير الشامل
~~للأخروي يقابل ذلك لما فيه من إثباته ضمنا وكذا إذا كان بمعنى النهر
~~والحوض)) والأمر على تفسيره بالإسلام وتفسير الدين به أيضا في غاية
~~الظهور.

# والمراد بالصلاة عند أبي مسلم ms11498 الصلاة المفروضة وأخرج ذلك ابن جرير وابن
~~أبي حاتم عن الضحاك وأخرجه الأول وابن المنذر عن ابن عباس وذهب جمع إلى
~~أنها جنس الصلاة وقيل المراد بها صلاة العيد وبالنحر التضحية أخرج ابن
~~جرير وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال كانت هذه الآية يوم الحديبية أتاه
~~جبريل عليهما الصلاة والسلام فقال انحر وارجع فقام رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فخطب خطبة الأضحى ثم ركع ركعتين ثم انصرف إلى البدن فنحرها
~~فذلك قوله تعالى: { فصل لربك وانحر } واستدل به على وجوب
~~تقديم الصلاة على التضحية وليس بشيء. وأخرج عبد الرزاق وغيره عن مجاهد
~~وعطاء وعكرمة أنهم قالوا المراد صلاة الصبح بمزدلفة والنحر بمنى
~~والأكثرون على أن المراد بالنحر نحر الأضاحي واستدل به بعضهم على وجوب
~~الأضحية لمكان الأمر مع قوله تعالى

# واتبعوه

# [الأعراف: 158] وأجيب بالتخصص بقوله صلى الله عليه وسلم

# " ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم الضحى / والأضحية والوتر "

# وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الأحوص أنه قال { وانحر } أي استقبل
~~القبلة بنحرك وإليه ذهب الفراء وقال يقال منازلهم تتناحر أي تتقابل وأنشد
~~قوله:

# أبا حكم هل أنت عم مجالد

# وسيد أهل الأبطح المتناحر

# وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في «سننه» عن علي كرم
~~الله تعالى وجهه أنه قال

# " لما نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم { إنا
~~أعطينك } الخ قال رسول الله عليه الصلاة والسلام لجبريل عليه
~~السلام ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي فقال إنها ليست بنحيرة ولكن
~~يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك
~~من الركوع فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذي هم في السماوات السبع وإن
~~لكل شيء زينة وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة "

# وأخرج ابن جرير عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه أنه قال في ذلك ترفع
~~يديك أول ما تكبر في الافتتاح وأخرج البخاري في «تاريخه» والدارقطني في
~~«الأفراد» وآخرون عن الأمير كرم الله تعالى وجهه أنه قال ms11499 ضع يدك اليمنى
~~على ساعد اليسرى ثم ضعهما على صدرك في الصلاة وأخرج نحوه أبو الشيخ
~~والبيهقي في «سننه» عن أنس مرفوعا ورواه جماعة عن ابن عباس وروى عباس
~~وروي عن عطاء أن معناه اقعد بين السجدتين حتى يبدو نحرك وعن الضحاك
~~وسليمان التيمي أنهما قالا معناه ارفع يديك عقيب الصلاة عند الدعاء إلى
~~نحرك ولعل في صحة الأحاديث عند الأكثرين مقالا وإلا فما قالوا الذي
~~قالوا وقد قال الجلال السيوطي في حديث علي كرم الله تعالى وجهه الأول إنه
~~أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم في «المستدرك» بسند ضعيف وقال فيه ابن كثير
~~إنه حديث منكر جدا بل أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» وقال الجلال في
~~الحديث الآخر عن الأمير كرم الله تعالى وجهه أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم
~~بسند لا بأس به ويرجح قول الأكثرين إن لم يصح عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم ما يخالفه أن الأشهر استعمال النحر في نحر الإبل دون تلك المعاني
~~وإن سنة القرآن ذكر الزكاة بعد الصلاة وما ذكر بذلك المعنى قريب منها
~~بخلافه على تلك المعاني وأن ما ذكروه من المعاني يرجع إلى آداب الصلاة أو
~~أبعاضها فيدخل تحت { فصل لربك } ويبعد عطفه عليه دون ما عليه
~~الأكثر مع أن القوم كانوا يصلون وينحرون للأوثان فالأنسب أن يؤمر صلى
~~الله عليه وسلم في مقابلتهم بالصلاة والنحر له عز وجل. هذا واعتبار
~~الخلوص في { فصل } الخ كما أشرنا إليه لدلالة السياق عليه وقيل لدلالة
~~لام الاختصاص وفي الالتفات عن ضمير العظمة إلى خصوص الرب مضافا إلى
~~ضميره عليه الصلاة والسلام تأكيد لترغيبه صلى الله عليه وسلم في أداء ما
~~أمر به على الوجه الأكمل.

### || [108.3]

# { إن شانئك } أي مبغضك كائنا من كان { هو الأبتر } الذي
~~لا عقب له حيث لا يبقى منه نسل ولا حسن ذكر وأما أنت فتبقى ذريتك وحسن
~~صيتك وآثار فضلك إلى يوم القيامة ولك في الآخرة ما لا يندرج تحت البيان.
~~وأصل البتر القطع وشاع في قطع الذنب وقيل ms11500 لمن لا عقب له أبتر على
~~الاستعارة شبه الولد والأثر الباقي بالذنب لكونه خلفه فكأنه بعده وعدمه
~~بعدمه وفسره قتادة بالحقير الذليل وليس بذاك كما يفصح عنه سبب النزول
~~وفيها عليه دلالة على أن أولاد البنات من الذرية كما قال غير واحد.

# واسم الفاعل أعني شانىء ههنا قيل بمعنى الماضي ليكون معرفة بالإضافة
~~فيكون (الأبتر) خبره ولا يشكل ذلك بمن كان يبغضه عليه الصلاة والسلام قبل
~~الإيمان من أكابر الصحابة رضي الله تعالى عنهم ثم هداه الله تعالى
~~للإيمان وذاق حلاوته فكان صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه وأعز عليه
~~من روحه ولم يكن أبتر لما أن الحكم على المشتق يفيد علية مأخذه فيفيد
~~الكلام إن الأبترية معللة / بالبغض فتدور معه وقد زال في أولئك الأكابر
~~رضي الله تعالى عنهم. واختار بعضهم في دفع ذلك حمل اسم الفاعل على
~~الاستمرار فهم لم يستمروا على البغض. والظاهر أنه انقطع نسل كل من كان
~~مبغضا له عليه الصلاة والسلام حقيقة وقيل انقطع حقيقة أو حكما لأن من
~~أسلم من نسل المبغضين انقطع انتفاع أبيه منه بالدعاء ونحوه لأنه. لا عصمة
~~بين مسلم وكافر.

# وما أشرنا إليه من أن { هو } ضمير فصل هو الأظهر وجوز أن يكون مبتدأ
~~خبره { الأبتر } والجملة خبر { شانئك } وحينئذ يجوز صناعة أن
~~يكون بمعنى الحال أو الاستقبال وحمل { شانئك } على الجنس الظاهر
~~وخصه بعضهم بمن جاء في سبب النزول واحدا أو متعددا وفيه روايات أخرج
~~ابن سعد وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال كان
~~أكبر ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم ثم زينب ثم عبد الله ثم أم
~~كلثوم ثم فاطمة ثم رقية فمات القاسم عليه السلام وهو أول ميت من ولده
~~عليه الصلاة والسلام بمكة ثم مات عبد الله عليه السلام فقال العاص بن
~~وائل السهمي قد انقطع نسله فهو أبتر فأنزل الله تعالى { إن شانئك
~~هو الأبتر } وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن شمر بن ms11501 عطية قال كان
~~عقبة بن أبي معيط يقول إنه لا يبقى للنبي صلى الله عليه وسلم عقب وهو
~~أبتر فأنزل الله فيه { إن شانئك هو الأبتر } وأخرج الطبراني
~~وابن مردويه عن أبي أيوب قال لما مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم مشى المشركون بعضهم إلى بعض فقالوا إن هذا الصابىء قد بتر
~~الليلة فأنزل الله تعالى { إنا أعطينك } السورة.

# وأخرج عبد بن حميد وغيره عن ابن عباس أنه قال في الآية هو أبو جهل أي
~~لأنها نزلت فيه وهذا المقدار في الرواية عن ابن عباس لا بأس به وحكاية
~~أبي حيان عنه أنه لما مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج
~~أبو جهل إلى أصحابه فقال بتر محمد عليه الصلاة والسلام فأنزل الله تعالى:
~~{ إن شانئك هو الأبتر } لا تكاد تصح لأن هلاك اللعين أبي
~~جهل على التحقيق قبل وفاة إبراهيم عليه السلام وعن عطاء أنها نزلت في
~~أبي لهب والجمهور على نزولها في العاص بن وائل وأيا ما كان فلا ريب في
~~ظهور عموم الحكم والجملة كالتعليل لما يفهمه الكلام فكأنه قيل: إنا
~~أعطيناك ما لا يدخل تحت الحصر من النعم فصل وانحر خالصا لوجه ربك
~~ولا تكترث بقول الشانيء الكريه فإنه هو الأبتر لا أنت وتأكيدها قيل
~~للاعتناء بشأن مضمونها وقيل هو مثله في نحو قوله تعالى:

# واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في
~~الذين ظلموا إنهم مغرقون

# [هود: 37] وذلك لمكان فلا تكترث الخ المفهوم من السياق.

# وفي التعبير بالأبتر دون المبتور على ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ما
~~لا يخفى من المبالغة وعمم هذا الشيخ عليه الرحمة كلا من جزأي الجملة
~~فقال إنه سبحانه يبتر شانيء رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل خير
~~فيبتر أهله وماله فيخسر ذلك في الآخرة ويبتر حياته فلا ينتفع بها ولا
~~يتزود فيها صالحا لمعاده ويبتر قلبه فلا يعي الخير ولا يؤهله لمعرفته
~~تعالى ومحبته والإيمان برسله عليهم السلام ويبتر أعماله فلا يستعمله ms11502
~~سبحانه في طاعته ويبتره من الأنصار فلا يجد له ناصرا ولا عونا ويبتره
~~من جميع القرب فلا يذوق لها طعما ولا يجد لها حلاوة وإن باشرها بظاهره
~~فقلبه شارد عنها وهذا جزاء كل من شنأ ما جاء به الرسول صلى الله عليه
~~وسلم لأجل هواه كمن تأول آيات الصفات أو أحاديثها على غير مراد الله
~~تعالى ومراد رسوله عليه الصلاة والسلام أو تمنى أن لا تكون نزلت أو قيلت
~~ومن أقوى العلامات على شنآنه نفرته عنها إذا سمعها حين يستدل بها السلفي
~~على ما دلت عليه من الحق وأي شنآن للرسول عليه الصلاة والسلام أعظم من
~~ذلك وكذلك أهل السماع الذين يرقصون على سماع الغناء والدفوف والشبابات
~~فإذا سمعوا القرآن يتلى أو قرىء في مجلسهم استطالوه واستثقلوه وكذلك من
~~آثر كلام الناس وعلومهم على القرآن والسنة إلى غير ذلك ولكل نصيب من
~~الانبتار على قدر شنآنه.

# وفي بعضه نظر لا يخفى.

# وقرأ ابن عباس (شنيك) بغير / ألف فقيل مقصور من شاني كما قالوا برد في
~~بارد وبر في بار وجوز أن يكون بناء على فعل.

# هذا واعلم أن هذه السورة الكريمة على قصرها وإيجازها قد اشتملت على ما
~~ينادي على عظيم إعجازها وقد أطال الإمام فيها الكلام وأتى بكثير مما
~~يستحسنه ذوو الأفهام وذكر أن قوله تعالى: { وانحر } متضمن الإخبار
~~بالغيب وهو سعة ذات يده صلى الله عليه وسلم وأمته وقيل مثله في ذلك {
~~إن شانئك هو الأبتر }. وذكر أنه روي أن مسيلمة الكذاب
~~عارضها بقوله: إنا أعطيناك الزماجر فصل لربك وهاجر إن مبغضك رجل كافر. ثم
~~بين الفرق من عدة أوجه وهو لعمري مثل الصبح ظاهر ومن أراد الاطلاع على
~~أزيد مما ذكر فليرجع إلى «تفسير الإمام» [الرازي] والله تعالى ولي
~~التوفيق والإنعام.

### | [109 - سورة الكافرون]

### || [109.1]

# قال أجلة المفسرين المراد بهم كفرة من قريش مخصوصون قد علم الله تعالى
~~أنهم لا يتأتى منهم الإيمان أبدا أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن
~~الأنباري في «المصاحف» عن سعيد بن ms11503 ميناء مولى أبي البختري قال لقي
~~الوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد هلم فلتعبد ما نعبد ونعبد ما
~~تعبد ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله فإن كان الذي نحن عليه أصح من الذي
~~أنت عليه كنت قد أخذت منه حظا وإن كان الذي أنت عليه أصح من الذي نحن
~~عليه كنا قد أخذنا منه حظا فأنزل الله تعالى: { قل يأهل أيها
~~الكفرون } حتى انقضت السورة. وفي رواية

# " أن رهطا من عتاة قريش قالوا له صلى الله عليه وسلم هلم فاتبع ديننا
~~ونتبع دينك تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة فقال عليه الصلاة والسلام
~~معاذ الله تعالى أن أشرك بالله سبحانه غيره فقالوا فاستلم بعض آلهتنا
~~نصدقك ونعبد إلهك فنزلت فعدا صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام وفيه
~~الملأ من قريش فقام عليه الصلاة والسلام على رؤوسهم فقرأها عليهم فأيسوا
~~"

# ولعل نداءهم بيا أيها للمبالغة في طلب إقبالهم لئلا يفوتهم شيء مما يلقى
~~إليهم وبالكافرون دون الذين كفروا لأن الكفر كان دينهم القديم ولم يتجدد
~~لهم أو لأن الخطاب مع الذين يعلم استمرارهم على الكفر فهو كاللازم لهم أو
~~للمسارعة إلى ذكر ما يقال لهم لشدة الاعتناء به، وبه دون المشركين مع
~~أنهم عبدة أصنام والأكثر التعبير عنهم بذلك لأن ما ذكر أنكى لهم فيكون
~~أبلغ في قطع رجائهم الفارغ. وقيل هذا للإشارة إلى أن الكفر كله ملة واحدة
~~ولا يبعد أن / يكون في هذه الإشارة إنكاء لهم أيضا. وفي ندائه عليه
~~الصلاة والسلام بذلك في ناديهم ومكان بسطة أيديهم دليل على عدم اكتراثه
~~عليه الصلاة والسلام بهم إذ المعنى قل يا محمد والمراد حقيقة الأمر
~~خلافا لصاحب «التأويلات» للكافرين يا أيها الكافرون.

### || [109.2-5]

# يتراءى أن فيه تكرارا للتأكيد فالجملة الثالثة المنفية على ما في
~~«البحر» توكيد للأولى على وجه أبلغ لإسمية المؤكدة والرابعة توكيد
~~للثانية وهو الذي اختاره الطيبي وذهب إليه الفراء وقال إن ms11504 القرآن نزل
~~بلغة العرب ومن عادتهم تكرار الكلام للتأكيد والإفهام فيقول المجيب بلى
~~بلى والممتنع لالا وعليه قوله تعالى:

# كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون

# [التكاثر: 34] وأنشد قوله:

# كائن وكم عندي لهم من صنيعة

# أيادي سنوها علي وأوجبوا

# وقوله:

# نعق الغراب ببين ليلى غدوة

# كم كم وكم بفراق ليلى ينعق

# وقوله:

# هلا سألت جموع كن

# دة يوم ولوا أين أينا

# وهو كثير نظما ونثرا، وفائدة التأكيد ههنا قطع أطماع الكفار وتحقيق
~~أنهم باقون على الكفر أبدا واعترض بأن تأكيد الجمل لا يكون مع العاطف
~~إلا بثم وكأن القائل بذاك قاس الواو على ثم والظاهر أن من قال بالتأكيد
~~جعل الجملة الرابعة معطوفة على الثالثة وجعل المجموع معطوفا على مجموع
~~الجملتين الأوليين فهناك مجموعان متعاطفان يؤكد ثانيهما أولهما ولمغايرة
~~الثاني للأول بما فيه من الاستمرار عطف عليه بالواو فلا يرد ما ذكر
~~ويتضمن ذلك معنى تأكيد الجزء الأول من الثاني للجزء الأول من الأول
~~وتأكيد الجزء الثاني من الثاني للجزء الثاني من الأول وإلا فظاهر ما في
~~«البحر» مما لا يكاد يجوز كما لا يخفى.

# والذي عليه الجمهور أنه لا تكرار فيه لكنهم اختلفوا فقال الزمخشري { لا
~~أعبد } أريد به نفي العبادة فيما يستقبل لأن (لا) لا تدخل إلا على
~~مضارع في معنى الاستقبال كما أن (ما) لا تدخل إلا على مضارع في معنى
~~الحال والمعنى لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم ولا
~~أنتم فاعلون فيه ما أطلب منكم من عبادة إلهي وما كنت عابدا قط فيما سلف
~~ما عبدتم فيه وما عبدتم في وقت ما أنا على عبادته. والظاهر أنه اعتبر في
~~الجملة الأخيرة استمرار النفي وأنه حمل المضارع فيها على إفادة الاستمرار
~~والتصوير وفي الثانية استغرق النفي للأزمنة الماضية.

# وقال الطيبي إنه جعل القرينتين للأوليين للاستقبال والآخريين للماضي
~~واعترض عليه بأن الحصرين اللذين ذكرهما في (لا) و(ما) غير صحيح وإن كانا
~~يشعر بهما ظاهر كلام سيبويه. وقال الخفاجي ما ذكر أغلبي أو مقيد بعدم ms11505
~~القرينة القائمة على ما يخالفه أو هو كلي ولا حجر في التجوز والحمل على
~~غيره لمقتض كدفع التكرار هنا وإن قيل بتحقق الاستغراب على القول باشتراطه
~~في الحكاية في (عابد) الأول وعدم ضرر فقده في الثاني لأن النصب به
~~للمشاكلة.

# وقيل القرينتان الأوليان للاستقبال كما مر والأخريان للحال واختاره أبو
~~حيان أي ولست في الحال بعابد معبوديكم ولا أنتم في الحال بعابدي معبودي
~~وقيل بالعكس وعليه كلام الزجاج ومحي السنة.

# وقيل الأوليان للماضي والأخريان للمستقبل نقله ابن كثير عن حكاية
~~البخاري وغيره ونقل أيضا عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن المراد بقوله
~~سبحانه: { لا أعبد ما تعبدون } نفي الفعل لأنها جملة فعلية
~~وبقوله تعالى: { ولا أنا عابد ما عبدتم } نفي قبوله صلى
~~الله عليه وسلم لذلك بالكلية لأن النفي بالجملة الإسمية آكد فكأنه نفى
~~الفعل وكونه عليه الصلاة والسلام قابلا لذلك ومعناه نفي الوقوع ونفي
~~إمكانه الشرعي ونوقش في إفادة الجملة الإسمية نفي القبول ولا يبعد أن
~~يقال إن معنى الجملة الفعلية نفي الفعل في زمان معين والجملة الإسمية
~~معناها نفي الدخول تحت هذا المفهوم مطلقا / من غير تعرض للزمان كأنه قيل
~~أنا ممن لا يصدق عليه هذا المفهوم أصلا وأنتم ممن لا يصدق عليه ذلك
~~المفهوم فتدبر.

# وقيل الأوليان لنفي الاعتبار الذي ذكره الكافرون والأخريان للنفي على
~~العموم أي لا أعبد ما تعبدون رجاء أن تعبدوا الله تعالى ولا أنتم عابدون
~~رجاء أن أعبد صنمكم ثم قيل ولا أنا عابد صنمكم لغرض من الأغراض بوجه من
~~الوجوه وكذا أنتم لا تعبدون الله تعالى لغرض من الأغراض وإيثار (ما) في {
~~مآ أعبد } قيل على جميع الأقوال السابقة على من لأن المراد الصفة
~~كأنه قيل ما أعبد من المعبود العظيم الشأن الذي لا يقادر قدر عظمته وجوز
~~أن يقال لما أطلقت (ما) على الأصنام أولا وهو إطلاق في محزه أطلقت على
~~المعبود بحق للمشاكلة ومن يقول أن (ما) يجوز أن تقع على من يعلم ونسب إلى
~~سيبويه لا يحتاج إلى ما ms11506 ذكر.

# وقال أبو مسلم (ما) في الأوليين بمعنى الذي مفعول به والمقصود المعبود
~~أي لا أعبد الأصنام ولا تعبدون الله تعالى وفي الآخريين مصدرية أي ولا
~~أنا عابد مثل عبادتكم المبنية على الشك وإن شئت قلت على الشرك المخرج لها
~~عن كونها عبادة حقيقة ولا أنتم عابدون مثل عبادتي المبنية على اليقين وإن
~~شئت قلت على التوحيد والإخلاص وعليه لا يكون تكرار أيضا.

# وقال بعض الأجلة في هذا المقام إن قوله تعالى: { لا أعبد ما
~~تعبدون } وقوله سبحانه: { ولا أنا عابد ما عبدتم } إما
~~كلاهما نفي الحال أو كلاهما نفي الاستقبال أو أحدهما للحال والآخر
~~للاستقبال وعلى التقادير فلفظ (ما) إما مصدرية في الموضعين وإما موصولة
~~أو موصوفة فيهما وإما مصدرية في أحدهما وموصولة أو موصوفة في الآخر وهذه
~~ستة احتمالات حاصلة من ضرب الثلاثة في الاثنين ولم يلتفت إلى تقسيم صورة
~~الاختلاف إلى الفرق بين الأولى والأخرى ولا إلى الفرق بين الموصولة
~~والموصوفة لتكثر الأقسام لأن صور الاختلاف متساوية الأقدام في دفع
~~التكرار ومؤدى الموصولة والموصوفة متقاربان فيكتفي بإحداهما وكذا الحال
~~في قوله تعالى: { ولا أنتم عبدون ما أعبد } في الموضعين
~~ومعلوم أنه لا تكرار في صورة الاختلاف سواء كان باعتبار الحال والاستقبال
~~أو باعتبار كون ما في أحدهما موصولة أو موصوفة وفي الآخر مصدرية ونفى
~~عبادتهم في الحال أو الاستقبال معبوده عليه الصلاة والسلام بناء على عدم
~~الاعتداد بعبادتهم لله تعالى مع الإشراك المحبط لها وجعلها هباء منثورا
~~كما قيل:

# إذا صافى صديقك من تعادى

# فقد عاداك وانقطع الكلام

# ومن هنا قال بعض الأفاضل في إخراج الآية عن التكرار يحتمل أن يكون
~~المراد من قوله تعالى: { لا أعبد ما تعبدون } نفي عبادة
~~الأصنام ومن قوله تعالى: { ولا أنتم عبدون ما أعبد } نفى
~~عبادة الله تعالى من غير تعرض لشيء آخر ولما كان مظنة أن يقولوا لغفلة عن
~~المراد أو نحوها كيف يسوغ لك أن تنفي عنك عبادة ما نعبد وعنا عبادة ما
~~تعبد ونحن أيضا نعبد الله تعالى، ms11507 غاية ما في الباب أنا نعبد معه غيره
~~أردف ذلك بقوله سبحانه: { ولا أنا عابد ما عبدتم } الخ
~~للإشارة إلى أنهم ما عبدوا الله حقيقة وإنما عبدوا شيئا قالوا إنه الله
~~والله عز وجل وراء ذلك أي ولا أنا عابد في وقت من الأوقات الإله الذي
~~عبدتم لأنكم عبدتم شيئا تخيلتموه وذلك بعنوان ما تخيلتم ليس بالإله
~~الذي أعبده ولا أنتم عابدون في وقت من الأوقات ما أنا على عبادته لأني
~~إنما أعبد الإله المتصف بالصفات التي قام البرهان على أنها صفات الإله
~~النفس الأمري ويعلم منه وجه غير ما تقدم للتعبير بالكافرون دون المشركون
~~وكأنه لم يؤت بالقرينتين الأوليين بهذا المعنى ويكتفى بهما عن الأخريين
~~لأنهما أوفق بجوابهم مع أن هذا الأسلوب أنكى لهم فلا تغفل.

# ومن الناس من اختار كون ما في القرينتين الأوليين موصولة مفعولا به لما
~~قبلها والمراد بها أولا آلهتهم وثانيا إلهه عليه الصلاة والسلام
~~والمراد نفي العبادة ملاحظا معها / التعلق بما تعلقت به من المفعول بل
~~هو المقصود ومحط النظر كما يقتضي ذلك وقوع القرينتين في الجواب ويعتبر
~~الاستقبال رعاية للغالب في استعمال (لا) داخلة على المضارع مع كونه أوفق
~~بالجواب أيضا ويكون قد تم بهما فكأنه قيل لا أعبد في المستقبل ما تعبدون
~~في الحال من الآلهة أي لا أحدث ذلك حسبما تطلبونه مني وتدعوني إليه ولا
~~أنتم عابدون في المستقبل ما أعبد في الحال وكونها في الأخريين مصدرية
~~مؤولة مع ما بعدها بمصدر وقع مفعولا مطلقا لما قبل كما فعل أبو مسلم
~~ليتضمن الكلام الإشارة إلى بيان حال العبادة في نفسها من غير نظر إلى
~~تعلقها بالمفعول وإن كانت لا تخلو عنه في الواقع أثر الإشارة إلى بيان
~~حالها مع ملاحظة تعلقها بالمفعول ويراد استمرار النفي في كلتيهما كما في
~~قوله تعالى:

# لا خوف عليهم ولا هم يحزنون

# [يونس: 62] وفي ذلك من إنكائهم ما ليس في الاقتصار على ما تم به الجواب
~~فكأنه قيل ولا أنا عابد على الاستمرار عبادة مثل عبادتكم ms11508 التي أذهبتم بها
~~أعماركم لأن عبادتي مأمور بها وعبادتكم منهي عنها ولا أنتم عابدون على
~~الاستمرار عبادة مثل عبادتي التي أنا مستمر عليها لأنكم الذين خذلهم الله
~~تعالى وختم على قلوبهم وإني الحبيب المبعوث بالحق فلا زلتم في عبادة منهي
~~عنها ولا زلت في عبادة مأمور بها ولك أن تعتبر الفرق بين العبادتين بوجه
~~آخر واعتبار الاستمرار في { مآ أعبد } يشعر به العدول عن ما عبدت
~~الذي يقتضيه { ما عبدتم } قبله إليه وعن العدول في الثانية إلى
~~ذلك لأن أنواع عبادته عليه الصلاة والسلام لم تكن تامة بعد بل كانت تتجدد
~~لها أنواع أخر فأتى بما يفيد الاستمرار التجددي للإشارة إلى حقية جميع ما
~~يأتي به صلى الله عليه وسلم من ذلك.

# وقال الزمخشري لم يقل ما عبدت كما قيل { ما عبدتم } لأنهم كانوا
~~يعبدون الأصنام قبل البعث وهو عليه الصلاة والسلام لم يكن يعبد الله
~~تعالى في ذلك الوقت. وتعقب بأن فيه نظرا لما ثبت أنه عليه الصلاة
~~والسلام كان يتحنث في غار حراء قبل البعثة ونص أبو الوفاء علي بن عقيل
~~على أنه صلى الله عليه وسلم كان متدينا قبل بعثه بما يصح عنه أنه من
~~شريعة إبراهيم عليه السلام، وأما بعد البعث فقال ابن الجوزي في كتاب
~~«الوفاء» فيه روايتان عن الإمام أحمد إحداهما أنه كان متعبدا بما صح من
~~شرائع من قبله بطريق الوحي لا من جهتهم ولا نقلهم ولا كتبهم المبدلة
~~واختارها أبو الحسن التميمي وهو قول أصحاب أبي حنيفة الثانية أنه لم يكن
~~متعبدا إلا بما يوحى إليه من شريعته وهو قول المعتزلة والأشعرية ولأصحاب
~~الشافعي وجهان كالروايتين. والقائلون بأنه عليه الصلاة والسلام متعبد
~~بشرع من قبله اختلفوا في التعيين كان متعبدا بشريعة إبراهيم السلام
~~وعليه أصحاب الشافعي وقيل بشريعة موسى عليه السلام إلا ما نسخ في شرعنا
~~وظاهر كلام أحمد أنه صلى الله عليه وسلم كان متعبدا بكل ما صح أنه شريعة
~~لنبي قبله ما لم يثبت نسخه لقوله تعالى:

# أولئك الذين هدى ms11509 الله فبهداهم اقتده

# [الأنعام: 90] وقال ابن قتيبة لم تزل العرب على بقايا دين إسماعيل عليه
~~السلام كالحج والختان وإيقاع الطلاق الثلاث والدية والغسل من الجنابة
~~وتحريم المحرم بالقرابة والصهر وكان عليه الصلاة والسلام على ما كانوا
~~عليه من الإيمان بالله تعالى والعمل بشرائعهم انتهى.

# والمعتزلة لم يجوزوا ذلك لزعمهم أن فيه مفسدة وهو إيجاب النفرة نعم من
~~أصولهم وجوب التعبد العقلي بالنظر في آيات الله تعالى وأدلة توحيده
~~سبحانه ومعرفته عز وجل ولا يمكن أن يخل صلى الله عليه وسلم بذلك.

# وفي «الكشف» العبادة قد تطلق على أعمال الجوارح الواقعة على سبيل القربة
~~فالإيمان والنية والإخلاص شروط ومنه «لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف
~~عابد» واختلف أنه عليه الصلاة والسلام كان متعبدا بهذا المعنى قبل نبوته
~~بشرع أولا فميل الإمام فخر الدين وجماعة من الشافعية وأبي الحسين
~~البصري وأتباعه إلى أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن متعبدا وأجابوا عن
~~الطواف والتحنث / وغيرهما من المكارم أنها لا تحرم من غير شرع حتى يقال
~~الآتي بها لا بد أن يكون متعبدا بل هي من اقتضاء العادات المستمرة
~~والمكارم الغريزية دون نظر إلى قربة والزمخشري اختار ذلك القول وعليه بنى
~~تفسيره وقد ظهر أنه لم يخالف أصله في وجوب التعبد العقلي بالنظر في
~~الآيات وأدلة التوحيد والمعرفة ثم قال والظاهر حمل { ما أعبد } على
~~إفادة الاستمرار والتصوير على أنهم ما كانوا ينكرون ما كان عليه صلى الله
~~عليه وسلم فيما مضى عبادة كانت أو لا بل كانوا يعظمونه ويلقبونه بالأمين
~~إنما كان المنكر ما كان عليه بعد النبوة فلذلك قيل ثانيا { ولا
~~أنتم عبدون ما أعبد } إذ لو قيل ما عبدت لم يطابق المقام.
~~وفيه أن ما كانوا يتوهمونه من موافقته عليه الصلاة والسلام قبل النبوة لم
~~يكن صحيحا بل إنما كان ذلك لأنه لم يكن صلى الله عليه وسلم مأمورا
~~بالدعوة انتهى فتدبره.

# وزعم بعضهم أن تغاير الأساليب في هذه السورة لتغاير أحوال الفريقين وليس
~~بشيء وفي تكليف مثل هؤلاء ms11510 المخاطبين بما ذكر على القول بإفادته الاستمرار
~~على الكفر بالإيمان بحث مذكور في كتب الأصول إن أردته فارجع إليه وسيأتي
~~إن شاء الله تعالى في سورة { تبت } إشارة ما إلى ذلك.

### || [109.6]

# وقوله تعالى: { لكم دينكم } هو عند الأكثرين تقرير لقوله تعالى:

# لا أعبد ما تعبدون

# [الكافرون: 2] وقوله تعالى:

# ولا أنا عابد ما عبدتم

# [الكافرون: 4] كما أن قوله تعالى: { ولي دين } عندهم تقرير لقوله
~~تعالى:

# ولا أنتم عبدون ما أعبد

# [الكافرون: 3] والمعنى أن دينكم وهو الإشراك مقصور على الحصول لكم لا
~~يتجاوزه إلى الحصول لي كما تطمعون فيه فلا تعلقوا به أمانيكم الفارغة فإن
~~ذلك من المحالات وإن ديني الذي هو التوحيد مقصور على الحصول لي لا
~~يتجاوزه إلى الحصول لكم أيضا لأن الله تعالى قد ختم على قلوبكم لسوء
~~استعدادكم أو لأنكم علقتموه بالمحال الذي هو عبادتي لآلهتكم أو استلامي
~~لها أو لأن ما وعدتموه عين الإشراك وحيث إن مقصودهم شركة الفريقين في
~~كلتا العبادتين كان القصر المستفاد من تقديم المسند قصر إفراد حتما.
~~وجوز أن يكون هذا تقريرا لقوله تعالى: { ولا أنا عابد ما
~~عبدتم }.

# والآية على ما ذكر محكمة غير منسوخة كما لا يخفى أو المراد المتاركة
~~على معنى أني نبي مبعوث إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة فإذا لم تقبلوا
~~مني ولم تتبعوني فدعوني كفافا ولا تدعوني إلى الشرك فهي على هذا كما قال
~~غير واحد منسوخة بآية السيف.

# وفسر الدين بالحساب أي لكم حسابكم ولي حسابي لا يرجع إلى كل منا من عمل
~~صاحبه أثر، وبالجزاء أي لكم جزاؤكم ولي جزائي. قيل والكلام على الوجهين
~~استئناف بياني كأنه قيل فما يكون إذا بقينا على عبادة آلهتنا وإذا بقيت
~~على عبادة إلهك فقيل { لكم } الخ والمراد يكون لهم الشر ويكون له عليه
~~الصلاة والسلام الخير لكن أتى باللام في { لكم } للمشاكلة وعليه لا
~~نسخ أيضا ويحتمل أن يكون المراد غير ذلك مما تكون عليه الآية منسوخة
~~ولعله لا يخفى. وقد يفسر الدين بالحال كما هو أحد معانيه ms11511 حسبما ذكره
~~القالي في «أماليه» وغيره أي لكم حالكم اللائق بكم الذي يقتضيه سوء
~~استعدادكم ولي حالي اللائق بي الذي يقتضيه حسن استعدادي والجملة عليه
~~كالتعليل لما تضمنه الكلام السابق فلا نسخ والأولى أن تفسر بما لا تكون
~~عليه منسوخة لأن النسخ خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا عند الضرورة.

# وللإمام الرازي أوجه في تفسيرها لا يخلو بعضها عن نظر وذكر عليه الرحمة
~~أنه جرت العادة بأن الناس يتمثلون بهذه الآية عند المتاركة وذلك لا يجوز
~~لأن القرآن ما أنزل ليتمثل به بل ليهتدى به وفيه ميل إلى سد باب الاقتباس
~~والصحيح جوازه فقد وقع في كلامه عليه الصلاة والسلام وكلام كثير من
~~الصحابة والأئمة والتابعين، وللجلال السيوطي رسالة وافية كافية في إزالة
~~الالتباس عن وجه جواز الاقتباس عن وجه جواز الاقتباس وما ذكر من الدليل
~~فأظهر من أن ينبه على ضعفه.

# وقرأ سلام ويعقوب (ديني) بياء وصلا ووقفا وحذفها القراء السبعة والله
~~تعالى أعلم.

### | [110 - سورة النصر]

### || [110.1]

# { إذا جاء نصر الله } أي إعانته تعالى وإظهاره إياك على عدوك
~~وهذا معنى النصر المعدي بعلى وفسر به لأنه أوفق بقوله تعالى: {
~~والفتح } وجوز أن يراد به المعدى بمن ومعناه الحفظ والفتح يتضمن
~~النصر بالمعنى الأول فحينئذ يكون الكلام مشتملا على إفادة النصرين
~~والأول هو الظاهر و { إذا } منصوب ب { سبح } والفاء غير مانعة على
~~ما عليه الجمهور في مثل ذلك وأبو حيان على أنها معمولة للفعل بعدها وليست
~~مضافة إليه وسيأتي إن شاء الله تعالى قول آخر.

# والمراد بهذا النصر ما كان في أمر مكة من غلبته عليه الصلاة والسلام على
~~قريش وذكر النقاش عن ابن عباس أن النصر هو صلح الحديبية وكان في آخر سنة
~~ست وأما الفتح فقد أخرج جماعة عنه وعن عائشة أن المراد به فتح مكة وروي
~~ذلك عن مجاهد وغيره وصححه الجمهور وكان في السنة الثامنة وقال ابن شهاب
~~لثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان على رأس ثمان سنين ونصف من الهجرة وخرج
~~عليه الصلاة ms11512 والسلام - على ما أخرجه أحمد بسند صحيح عن أبي سعيد -
~~لليلتين خلتا من شهر رمضان وفي رواية أخرى عن أحمد لثمان عشرة وفي أخرى
~~لثنتي عشرة وعند مسلم لست عشرة وقال الواقدي خرج صلى الله عليه وسلم يوم
~~الأربعاء لعشر خلون من رمضان بعد العصر وضعفه القسطلاني. وكان المسلمون
~~في تلك الغزوة عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وطوائف من العرب وفي
~~«الإكليل» اثني / عشر ألفا وجمع بأن العشرة خرج بها عليه الصلاة والسلام
~~من المدينة ثم تلاحق الألفان والأولى أن يحمل النصر على ما كان مع الفتح
~~المذكور فإن كانت السورة الكريمة نازلة قبل ذلك فالأمر ظاهر وتتضمن
~~الإعلام بذلك قبل كونه وهو من أعلام النبوة وإذا كانت نازلة بعده فقال
~~الماتريدي في «التأويلات» إن (إذا) بمعنى إذ التي للماضي ومجيئها بهذا
~~المعنى كثير في القرآن وعليه تكون متعلقة بمقدر ككمل الأمر أو أتم النعمة
~~على العباد أو نحو ذلك لا بسبح لأن الكلام حينئذ نحو أضرب زيدا أمس.

# وقال بعض الأجلة هي لما يستقبل كما هو الأكثر في استعمالها وحينئذ لم
~~يكن بد من أن يجعل شيء من ذلك مستقبلا مترقبا باعتبار أن فتح مكة كان
~~أم الفتوح والدستور لما يكون من بعده فهو مترقب باعتبار ما يدل عليه وإن
~~كان متحققا باعتباره في نفسه وجوز أن يكون الاستقبال باعتبار مجموع ما
~~في حيز (إذا) فمنه ما هو مستقبل وهو ما تضمنه قوله سبحانه: { ورأيت
~~الناس يدخلون فى دين الله أفوجا }.

### || [110.2]

# ولو باعتبار آخر داخل وهو مما لا بأس به إن لم يكن النزول بعد تمام
~~الدخول وقيل المراد جنس نصر الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام
~~والمؤمنين وجنس الفتح فيعم ما كان في أمر مكة زادها الله تعالى شرفا
~~وغيره وأمر الاستقبال عليه ظاهر وأيا ما كان فالمراد بالمجىء الحصول وهو
~~حقيقة فيه على ما يقتضيه ظاهر كلام الراغب وقال القاضي مجاز.

# والظاهر أن الخطاب في { رأيت } للنبي عليه الصلاة والسلام والرؤية
~~بصرية أو علمية متعدية لمفعولين ms11513 و(الناس) العرب و(دين الله) ملة الإسلام
~~التي لا دين له تعالى يضاف إليه غيرها والأفواج جمع فوج وهو على ما قال
~~الراغب الجماعة المارة المسرعة ويراد به مطلق الجماعة قال الحوفي وقياس
~~جمعه أفوج ولكن استثقلت الضمة على الواو فعدل إلى أفواج وفي «البحر» قياس
~~فعل صحيح العين أن يجمع على أفعل لا على أفعال ومعتل العين بالعكس
~~فالقياس فيه أفعال كحوض وأحواض وشذ فيه أفعل كثوب وأثوب. ونصب {
~~أفواجا } على الحال من ضمير { يدخلون } وأما جملة { يدخلون
~~} فهي حال من (الناس) على الاحتمال الأول في الرؤية ومفعول ثان على
~~الاحتمال الثاني فيها وكونها حالا أيضا بجعل { رأيت } بمعنى عرفت
~~كما قال الزمخشري تعقبه أبو حيان بقوله لا نعلم أن رأيت جاءت بمعنى عرفت
~~فيحتاج في ذلك إلى استثبات.

# والمراد بدخول الناس في دينه تعالى أفواجا أي جماعات كثيرة، إسلامهم من
~~غير قتال وقد كان ذلك بين فتح مكة وموته عليه الصلاة والسلام وكانوا قبل
~~الفتح يدخلون فيه واحدا واحدا واثنين اثنين أخرج البخاري عن عمرو بن
~~سلمة قال «لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة فيقولون دعوه وقومه
~~فإن ظهر عليهم فهو نبي» وعن الحسن قال «لما فتح رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم مكة قالت الأعراب أما إذ ظفر بأهل مكة وقد أجارهم الله تعالى من
~~أصحاب الفيل فليس لكم به يدان فدخلوا في دين الله تعالى أفواجا» وقال
~~أبو عمر بن عبد البر لم يتوف رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي العرب رجل
~~كافر بل دخل الكل في الإسلام بعد حنين والطائف منهم من قدم ومنهم من قدم
~~وافده وتأول ذلك ابن عطية فقال المراد والله تعالى أعلم العرب عبدة
~~الأوثان فإن نصارى بني تغلب ما أراهم أسلموا في حياة رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم ولكن أعطوا الجزية ونص بعضهم على أنهم لم يسلموا إذ ذاك
~~فالمراد بالناس عبدة الأوثان من العرب ms11514 كأهل مكة والطائف واليمن وهوازن
~~ونحوهم.

# وقال عكرمة ومقاتل المراد بالناس أهل اليمن وفد منهم سبعمائة رجل
~~وأسلموا واحتج له بما أخرجه ابن جرير من طريق الحصين بن عيسى عن معمر عن
~~الزهري عن أبي حازم عن ابن عباس قال

# " بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة إذ قال: الله أكبر
~~الله أكبر جاء نصر الله والفتح وجاء أهل اليمن قيل يا رسول الله وما أهل
~~اليمن قال قوم رقيقة قلوبهم / لينة طاعتهم، الإيمان يمان والفقه يمان
~~والحكمة يمانية "

# وأخرجه أيضا من طريق عبد الأعلى عن معمر عن عكرمة مرسلا وقوله عليه
~~الصلاة والسلام

# " الإيمان يمان "

# جاء في حديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ

# " أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا الإيمان يمان والحكمة
~~يمانية "

# فقيل قال صلى الله عليه وسلم ذلك لأن مكة يمانية ومنها بعث صلى الله
~~عليه وسلم وفشا الإيمان وقيل أراد عليه الصلاة والسلام مدح الأنصار لأنهم
~~يمانون وقد تبوؤا الدار والإيمان وقول ابن عباس في الخبر في المدينة
~~يعارض قول من قال إن ذلك إنما قاله صلى الله عليه وسلم بتبوك وكان بينه
~~وبين اليمن مكة والمدينة وهما دارا الإيمان ومظهراه ويحتمل تكرر القول.
~~والظاهر أنه ثناء على أهل اليمن لإسراعهم إلى الإيمان وقبولهم له بلا سيف
~~ويشمل الأنصار من أهل اليمن وغيرهم فكأن الإيمان كان في سنخ قلوبهم
~~فقبلوه كما أنهى إليهم كمن يجد ضالته ومثله في الثناء عليهم قوله عليه
~~الصلاة والسلام

# " أجد نفس ربكم من قبل اليمن "

# وقال عصام الدين يحتمل أن يكون الخطاب في { ورأيت الناس } عاما
~~لكل مؤمن ثم قال ومما يختلج في القلب أن المناسب بقوله تعالى {
~~يدخلون فى دين الله أفوجا } أن يحمل قوله سبحانه {
~~والفتح } على فتح باب الدين عليهم انتهى وكلا الأمرين كما ترى.

# وقرأ ابن عباس كما أخرج أبو عبيدة وابن المنذر عنه (إذا جاء فتح الله
~~والنصر) وقرأ ابن كثير في رواية (يدخلون) بالبناء للمفعول.

### || [110.3]

# { فسبح ms11515 بحمد ربك } أي فنزهه تعالى بكل ذكر يدل على التنزيه
~~حامدا له جل وعلا زيادة في عبادته والثناء عليه سبحانه لزيادة إنعامه
~~سبحانه عليك فالتسبيح التنزيه لا التلفظ بكلمة سبحان الله، والباء
~~للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال والحمد مضاف إلى المفعول والمعنى
~~على الجمع بين تسبيحه تعالى وهو تنزيهه سبحانه عما لا يليق به عز وجل من
~~النقائص وتحميده وهو إثبات ما يليق به تعالى من المحامد له لعظم ما أنعم
~~سبحانه به عليه عليه الصلاة والسلام، وقيل أي نزهه تعالى عن العجز في
~~تأخير ظهور الفتح واحمده على التأخير وصفه تعالى بأن توقيت الأمور من
~~عنده ليس إلا لحكمة لا يعرفها إلا هو عز وجل وهو كما ترى، وأيد ذلك بما
~~في «الصحيحين» عن مسروق عن عائشة

# " قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده
~~سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن "

# تعني هذا مع قوله تعالى: { واستغفره } أي اطلب منه أن يغفر لك
~~وكذا بما في «مسند الإمام أحمد» و«صحيح مسلم» عن عائشة أيضا قالت

# " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر في آخر أمره من قول سبحان الله
~~وبحمده استغفر الله وأتوب إليه وقال إن ربي كان أخبرني أن سأرى علامة في
~~أمتي وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده واستغفره "

# الخ وروى ابن جرير من طريق حفص بن عاصم عن الشعبي عن أم سلمة

# " قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد
~~ولا يذهب ولا يجيء إلا قال سبحان الله وبحمده قال إني أمرت بها وقرأ
~~السورة "

# وهو غريب وفي «المسند» عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال

# " لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا جآء نصر
~~الله والفتح } [الفتح: 1] كان يكثر إذا قرأها وركع أن يقول
~~سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم ثلاثا "

# وجوز أن تكون الباء للاستعانة والحمد ms11516 مضاف إلى الفاعل أي سبحه بما حمد
~~سبحانه به نفسه قال ابن رجب إذ ليس كل تسبيح بمحمود فتسبيح المعتزلة
~~يقتضي تعطيل كثير من الصفات وقد كان بشر المريسي يقول سبحان ربي الأسفل
~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا والظاهر الملابسة.

# وجوز أن يكون التسبيح مجازا عن التعجب بعلاقة السببية فإن من رأى أمرا
~~عجيبا قال سبحان الله أي فتعجب لتيسير الله تعالى ما لم يخطر ببالك وبال
~~أحد من أن يغلب أحد على أهل الحرم واحمده تعالى على صنعه وهذا التعجب
~~تعجب / متأمل شاكر يصح أن يؤمر به وليس الأمر بمعنى الخبر بأن هذه القصة
~~من شأنها أن يتعجب منها كما زعم ابن المنير والتعليل بأن الأمر في صيغة
~~التعجب ليس أمرا بين السقوط نعم هذا الوجه ليس بشيء.

# والأخبار دالة على أن ذلك أمر له صلى الله عليه وسلم بالاستعداد للتوجه
~~إلى ربه تعالى والاستعداد للقائه بعد ما أكمل دينه وأدى ما عليه من
~~البلاغ وأيضا ما ذكرناه من الآثار آنفا لا يساعد عليه.

# وقيل المراد بالتسبيح الصلاة لاشتمالها عليه ونقله ابن الجوزي عن ابن
~~عباس أي فصل له تعالى حامدا على نعمه وقد روي صلى الله عليه وسلم لما
~~دخل مكة صلى في بيت أم هانىء ثمان ركعات وزعم بعضهم أنه صلاها داخل
~~الكعبة وليس بالصحيح وأيا ما كان فهي صلاة الفتح وهي سنة وقد صلاها سعد
~~يوم فتح المدائن وقيل صلاة الضحى وقيل أربع منها للفتح وأربع للضحى وعلى
~~كل ليس فيها دليل على أن المراد بالتسبيح الصلاة والأخبار أيضا تساعد
~~على خلافه.

# واستغفاره صلى الله عليه وسلم لأنه كان دائما في الترقي فإذا ترقى إلى
~~مرتبة استغفر لما قبلها وقيل مما هو في نظره الشريف خلاف الأولى بمنصبه
~~المنيف وقيل عما كان من سهو ولو قبل النبوة وقيل لتعليم أمته صلى الله
~~عليه وسلم وقيل هو استغفار لأمته عليه الصلاة والسلام أي واستغفره لأمتك.

# وجوز بعضهم كون الخطاب في { رأيت } عاما وقال ههنا يجوز حينئذ ms11517 أن
~~يكون الأمر بالاستغفار لمن سواه عليه الصلاة والسلام وإدخاله صلى الله
~~عليه وسلم في الأمر تغليب وهذا خلاف الظاهر جدا وأنت تعلم أن كل أحد
~~مقصر عن القيام بحقوق الله تعالى كما ينبغى وأدائها على الوجه اللائق
~~بجلاله جل جلاله وعظمته سبحانه وإنما يؤديها على قدر ما يعرف والعارف
~~يعرف أن قدر الله عز وجل أعلى وأجل من ذلك فهو يستحي من عمله ويرى أنه
~~مقصر وكلما كان الشخص بالله تعالى أعرف كان له سبحانه أخوف وبرؤية تقصيره
~~أبصر وقد كان كهمس يصلي كل يوم ألف ركعة فإذا صلى أخذ بلحيته ثم يقول
~~لنفسه قومي يا مأوى كل سوء فوالله ما رضيتك لله عز وجل طرفة عين وعن مالك
~~بن دينار لقد هممت أن أوصي إذا مت أن ينطلق بي كما ينطلق بالعبد الآبق
~~إلى سيده فإذا سألني قلت يا رب إني لم أرض لك نفسي طرفة عين فيمكن أن
~~يكون استغفاره عليه الصلاة والسلام لما يعرف من عظيم جلال الله تعالى
~~وعظمته سبحانه فيرى أن عبادته وإن كانت أجل من عبادة جميع العابدين دون
~~ما يليق بذلك الجلال وتلك العظمة التي هي وراء ما يخطر بالبال فيستحي
~~ويهرع إلى الاستغفار وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام كان يستغفر الله في
~~اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة.

# وللإشارة إلى قصور العابد عن الإتيان بما يليق بجلال المعبود وإن بذل
~~المجهود شرع الاستغفار بعد كثير من الطاعات فذكروا أنه يشرع لمصلي
~~المكتوبة أن يستغفر عقبها ثلاثا وللمتهجد في الأسحار أن يستغفر ما شاء
~~الله تعالى وللحاج أن يستغفر بعد الحج فقد قال تعالى

# ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا
~~الله إن الله غفور رحيم

# [البقرة: 199] وروي أنه يشرع لختم الوضوء وقالوا يشرع لختم كل مجلس وقد
~~كان صلى الله عليه وسلم يقول إذا قام من المجلس

# " سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك "

# ففي الأمر بالاستغفار رمز من هذا الوجه على ما قيل إلى ما فهم من النعي
~~والمشهور أن ms11518 ذلك للدلالة على مشارفة تمام أمر الدعوة وتكامل أمر الدين
~~والكلام وإن كان مشتملا على التعليق لكن ذلك واقع في معرض الوعد، ووعد
~~الكريم يدل على قرب الموعود به، لأن أهنأ البر عاجله، ولذا قال بعض
~~البلغاء: جعل الله عمر عداتك كعمر عداتك.

# وتقديم التسبيح ثم الحمد على الاستغفار قيل على طريقة النزول من الخالق
~~إلى الخلق كما قيل ما رأيت شيئا إلا ورأيت / الله تعالى قبله لأن جميع
~~الأشياء مرايا لتجيله جل جلاله وذلك لأن في التسبيح والحمد توجها بالذات
~~لجلال الخالق وكماله وفي الاستغفار توجها بالذات لحال العبد وتقصيراته
~~ويجوز أن يكون تأخير الاستغفار عنهما لما أشرنا إليه في مشروعية تعقيب
~~العبادة بالاستغفار وقيل في تقديمها عليه تعليم أدب الدعاء وهو أن لا
~~يسأل فجأة من غير تقديم الثناء على المسؤول منه.

# { إنه كان توابا } أي منذ خلق المكلفين أي مبالغا في قول
~~توبتهم فليكن المستغفر التائب متوقعا للقبول فالجملة في موضع التعليل
~~لما قبلها واختيار { توابا } على غفارا مع أنه الذي يستدعيه {
~~استغفره } ظاهرا للتنبيه كما قال بعض الأجلة على أن الاستغفار
~~إنما ينفع إذا كان مع التوبة وذكر ابن رجب أن الاستغفار المجرد هو التوبة
~~مع طلب المغفرة بالدعاء والمقرون بالتوبة فأستغفر الله تعالى وأتوب إليه
~~سبحانه هو طلب المغفرة بالدعاء فقط وقال أيضا إن المجرد طلب وقاية شر
~~الذنب الماضي بالدعاء والندم عليه ووقاية شر الذنب المتوقع بالعزم على
~~الإقلاع عنه وهذا الذي يمنع الإصرار كما جاء «ما أصر من استغفر ولو عاد
~~في اليوم سبعين مرة» و«لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار»
~~والمقرون بالتوبة مختص بالنوع الأول فإن لم يصحبه الندم على الذنب الماضي
~~فهو دعاء محض وإن صحبه ندم فهو توبة انتهى والظاهر أن ذلك الدعاء المحض
~~غير مقبول وفيه من سوء الأدب مع الله تعالى ما فيه.

# وقال بعض الأفاضل إن في الآية احتباكا والأصل واستغفره إنه كان غفارا
~~وتب إليه إنه كان توابا وأيد بما قدمناه من حديث الإمام ms11519 أحمد ومسلم عن
~~عائشة رضي الله تعالى عنها.

# وحمل الزمان الماضي على زمان خلق المكلفين هو ما ارتضاه غير واحد
~~وقال الماتريدي في «التأويلات» أي لم يزل توابا لا أنه سبحانه تواب بأمر
~~اكتسبه وأحدثه على ما يقوله المعتزلة من أنه سبحانه صار توابا إذ أنشأ
~~الخلق فتابوا فقبل توبتهم فأما قبل ذلك فلم يكن توابا ورد عليه بأن قبول
~~التوبة من الصفات الإضافية ولا نزاع في حدوثها واختار بعضهم ما ذهب إليه
~~الماتريدي على أن المراد أنه تعالى لم يزل بحيث يقبل التوبة ومآله قدم
~~منشأ قبولها من الصفات اللائقة به جل شأنه وفي ذلك مما يقوي الرجاء به عز
~~وجل ما فيه وصح

# " لو لم تذنبوا لذهب الله تعالى بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون
~~فيغفر لهم "

# وفي الاستغفار خير الدنيا والآخرة أخرج الإمام أحمد من حديث عطية عن
~~أبي سعيد مرفوعا

# " من قال حين يأوي إلى فراشه أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي
~~القيوم وأتوب إليه غفر له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر وإن كانت مثل رمل
~~عالج وإن كانت عدد ورق الشجر "

# وأخرج أيضا من حديث ابن عباس

# " من أكثر من الاستغفار جعل الله تعالى له من كل هم فرجا "

# وأنا أقول سبحان الله وبحمده استغفر الله تعالى وأتوب إليه وأسأله أن
~~يجعل لي من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا بحرمة كتابه وسيد أحبابه صلى
~~الله تعالى عليه وسلم.

### | [111 - سورة المسد]

### || [111.1]

# { تبت } أي هلكت كما قال ابن جبير وغيره ومنه قولهم أشابة أم تابة؟
~~يريدون أم هالكة من الهرم والتعجيز أي خسرت كما قال ابن عباس وابن عمر
~~وقتادة وعن الأول أيضا خابت وعن يمان بن وثاب صفرت من كل خير وهي على ما
~~في «البحر» أقوال متقاربة وقال الشهاب إن مادة التباب تدور على القطع وهو
~~مؤد إلى الهلاك.

# ولذا فسر به وقال الراغب هو الاستمرار في الخسران ولتضمنه الاستمرار قيل
~~استتب لفلان كذا أي استمر ويرجع هذا ms11520 المعنى إلى الهلاك.

# { يدا أبى لهب } هو عبد العزى بن عبد المطلب عم رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم وكان شديد المعاداة والمناصبة له عليه الصلاة والسلام ومن
~~ذلك ما في «المجمع» عن طارق المحاربي قال بينا أنا بسوق ذي المجاز إذا
~~أنا برجل حديث السن يقول أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وإذا
~~رجل خلفه يرميه قد أدمي ساقيه وعرقوبيه ويقول يا أيها الناس إنه كذاب فلا
~~تصدقوه فقلت من هذا فقالوا هو محمد صلى الله عليه وسلم يزعم أنه نبي
~~وهذا عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب وأخرج الإمام أحمد والشيخان والترمذي عن
~~ابن عباس قال

# " لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } [الشعراء: 214] صعد
~~النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي يا بني فهر يابني عدي
~~لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا
~~لينظر ما هو فجاء أبو لهب وقريش فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا
~~بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا نعم ما جربنا عليك إلا
~~صدقا قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد "

# فقال أبو لهب تبا لك سائر الأيام ألهذا جمعتنا فنزلت ويروى أنه مع ذلك
~~القول أخذ بيديه حجرا ليرمي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هذا
~~يعلم وجه إيثار التباب على الهلاك ونحوه مما تقدم وإسناده إلى يديه وكذا
~~مما روى البيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس أيضا أن أبا لهب قال لما خرج
~~من الشعب وظاهر فريشا إن محمدا يعدنا أشياء لا نراها كائنة يزعم أنها
~~كائنة بعد الموت فماذا وضع في يديه ثم نفخ في يديه ثم قال تبا لكما ما
~~أرى فيكما شيئا مما يقول محمد صلى الله عليه وسلم فنزلت { تبت يدآ
~~أبي لهب } ومما روي عن طارق يعلم وجه الثاني فقط فاليدان على المعنى
~~المعروف والكلام دعاء بهلاكهما.

# وقوله سبحانه { وتب } دعاء بهلاك كله وجوز أن يكونا إخبارين بهلاك
~~ذينك الأمرين والتعبير بالماضي في ms11521 الموضعين لتحقق الوقوع وقال الفراء
~~الأول دعاء بهلاك جملته على أن اليدين إما كناية عن الذات والنفس بما
~~بينهما من اللزوم في الجملة أو مجاز من إطلاق الجزء على الكل كما قال محي
~~السنة والقول في رده أنه يشترط أن يكون الكل يعدم بعدمه كالرأس والرقبة
~~واليد ليست كذلك غير مسلم لتصريح فحول بخلافه هنا وفي قوله تعالى

# ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة

# [البقرة: 195] أو المراد على ما قيل بذلك الشرط يعدم حقيقة أو حكما كما
~~في إطلاق العين على الربيئة واليد على المعطي أو المتعاطي لبعض الأفعال
~~فإن الذات من حيث اتصافها بما قصد اتصافها به تعدم بعدم ذلك العضو
~~والثاني إخبار بالحصول أي وكان ذلك وحصل كقول النابغة:

# جزاني جزاه الله شر جزائه

# جزاء الكلاب العاويات وقد فعل

# واستظهر أن هذه الجملة حالية وقد مقدرة على المشهور كما قرأ به ابن
~~مسعود وفي «الصحيحين» وغيرهما من حديث ابن عباس / في سبب النزول فنزلت
~~هذه السورة (تبت يدا أبي لهب وقد تب) وعلى هذه القراءة يمتنع أن يكون ذلك
~~دعاء لأن قد لا تدخل على أفعال الدعاء وقيل الأول إخبار عن هلاك عمله حيث
~~لم يفده ولم ينفعه لأن الأعمال تزاول بالأيدي غالبا والثاني أخبار عن
~~هلاك نفسه وفي «التأويلات» اليد بمعنى النعمة وكان يحسن إلى النبي صلى
~~الله عليه وسلم وإلى قريش ويقول إن كان الأمر لمحمد فلي عنده يد وإن كان
~~لقريش فكذلك فأخبر أنه خسرت يده التي كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم
~~بعناده له ويده التي عند قريش أيضا بخسران قريش وهلاكهم في يد النبي
~~عليه الصلاة والسلام فهذا معنى { تبت يدآ أبي لهب } والمراد
~~بالثاني الإخبار بهلاكه نفسه.

# وذكر بكنيته لاشتهاره بها وقد أريد تشهيره بدعوة السوء وأن تبقى سمة له
~~وذكره بأشهر علميه أوفق بذلك ويؤيد ذلك قراءة من قرأ (يدا أبو لهب) كما
~~قيل علي بن أبو طالب ومعاوية بن أبو سفيان لئلا يغير منه شيء فيشكل على
~~السامع أو لكراهة ms11522 ذكر اسمه القبيح أو لأنه كما روي عن مقاتل كان يكنى
~~بذلك لتلهب وجنتيه وإشراقهما فذكر بذلك تهكما به وبافتخاره بذلك أو
~~لتجانس ذات لهب ويوافقه لفظا ومعنى والقول بأنه ليس بتجنيس لفظي لأنه
~~ليس في الفاصلة وهم فإنهم لم يشترطوه فيه أو لجعله كناية عن الجهنمي
~~فكأنه قيل تبت يدا جهنمي وذلك لأن انتسابه إلى اللهب كانتساب الأب إلى
~~الولد يدل على ملابسته له وملازمته إياه كما يقال هو أبو الخير وأبو الشر
~~وأخو الفضل وأخو الحرب لمن يلابس هذه الأمور ويلازمها وملازمته لذلك
~~تستلزم كونه جهنميا لزوما عرفيا فإن اللهب الحقيقي هو لهب جهنم
~~فالانتقال من أبي لهب إلى جهنمي انتقال من الملزوم إلى اللازم أو بالعكس
~~على اختلاف الرأيين في الكناية فإن التلازم بينهما في الجملة متحقق في
~~الخارج والذهن إلا أن هذا اللزوم إنما هو بحسب الوضع الأول أعني الإضافي
~~دون الثاني أعني العلمي وهم يعتبرون في الكنى المعاني الأصلية فأبو لهب
~~باعتبار الوضع العلمي مستعمل في الشخص المعين وينتقل منه باعتبار وضعه
~~الأصلي إلى ملابس اللهب وملازمه لينتقل منه إلى أنه جهنمي فهو كناية عن
~~الصفة بالواسطة وهذا ما اختاره العلامة الثاني فعنده كناية بلا واسطة لأن
~~معناه الأصلي أعني ملابس اللهب ملحوظ مع معناه العلمي والحق مع العلامة
~~لأن أبا لهب يستعمل في الشخص المعين والمتكلم بناء على اعتبارهم المعاني
~~الأصلية في الكنى ينتقل منه إلى المعنى الأصلي ثم ينتقل منه إلى الجهنمي
~~ولا يلاحظ معه معناه الأصلي وإلا لكان لفظ (أبي لهب) في الآية مجازا
~~سواء لوحظ معه معناه الأصلي بطريق الجزئية أو التقييد لكونه غير موضوع
~~للمجموع وما قيل إن المعنى الحقيقي لا يكون مقصودا في الكناية وإن مناط
~~الفائدة والصدق والكذب فيها هو المعنى الثاني وههنا قصد الذات المعين
~~فليس بشيء لأن الكناية لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادته معه فيجوز
~~ههنا أن يكون كلا المعنيين مرادا وفي «المفتاح» تصريح بأن المراد في
~~الكناية هو المعنى الحقيقي ولازمه جميعا ms11523 وزعم السيد أيضا أن الكناية في
~~(أبي لهب) لأنه اشتهر بهذا الاسم وبكونه جهنميا فدل اسمه على كونه
~~جهنميا دلالة حاتم على أنه جواد فإذا أطلق وقصد به الانتقال إلى هذا
~~المعنى يكون كناية عنه وفيه أنه يلزم منه أن تكون الكناية في مثله موقوفة
~~على اشتهار الشخص بذلك العلم وليس كذلك فإنهم ينتقلون من الكنية إلى ما
~~يلزم مسماها باعتبار الأصل من غير توقف على الشهرة قال الشاعر:

# قصدت أنا المحاسن كي أراه

# لشوق كاد يجذبني إليه

# فلما أن رأيت رأيت فردا

# ولم أر من بنيه ابنا لديه

# / على أن فيه بعدما فيه.

# وقرأ ابن محيصن وابن كثير (أبي لهب) بسكون الهاء وهو من تغيير
~~الأعلام على ما في «الكشاف» وقال أبو البقاء الفتح والسكون لغتان وهو
~~قياس على المذهب الكوفي.

### || [111.2]

# { ما أغنى عنه ماله } أي لم يغن عنه ماله حين حل به التباب
~~على أن (ما) نافية ويجوز أن تكون استفهامية في محل نصب بما بعدها على
~~أنها مفعول به أو مفعول مطلق أي أي إغناه أو أي شيء أغنى عنه ماله {
~~وما كسب } أي والذي كسبه على أن (ما) موصولة وجوز أن تكون مصدرية أي
~~وكسبه وقال أبو حيان إذا كان (ما) الأولى استفهامية فيجوز أن تكون هذه
~~كذلك أي وأي شيء كسب أي لم يكسب شيئا وقال عصام الدين يحتمل أن تكون
~~نافية والمعنى ما أبعد عنه ماله مضرة وما كسب منفعة وظاهره أنه جعل فاعل
~~{ كسب } ضمير المال وهو كما ترى واستظهر في «البحر» موصوليتها فالعائد
~~محذوف أي والذي كسبه به من الأرباح والنتائج والمنافع والوجاهة والأتباع
~~أو ما أغنى عنه ماله الموروث من أبيه والذي كسبه بنفسه أو ماله والذي
~~كسبه من عمله الخبيث الذي هو كيده في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم
~~كما قال الضحاك أو من عمله الذي يظن أنه منه على شيء كقوله تعالى

# وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء
~~منثورا

# [الفرقان: 23] كما قال قتادة وعن ابن ms11524 عباس ومجاهد ما كسب من الولد أخرج
~~أبو داود عن عائشة مرفوعا

# " إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه "

# وروي أنه كان يقول إن كان ما يقول ابن أخي حقا فأنا أفتدي منه نفسي
~~بمالي وولدي وكان له ثلاثة أبناء عتبة ومعتب وقد أسلما يوم الفتح وسر
~~النبي عليه الصلاة والسلام بإسلامهما ودعا لهما وشهدا حنينا والطائف
~~وعتيبة بالتصغير ولم يسلم وفي ذلك يقول صاحب كتاب «الألباء»:

# كرهت عتيبة إذ أجرما

# وأحببت عتبة إذ أسلما

# كذا معتب مسلم فاحترز

# وخف أن تسب فتى مسلما

# وكانت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عتيبة ورقية أختها
~~عند أخيه عتبة فلما نزلت السورة قال أبو لهب لهما رأسي ورأسكما حرام إن
~~لم تطلقا ابنتي محمد صلى الله عليه وسلم فطلقاهما إلا أن عتيبة المصغر
~~كان قد أراد الخروج إلى الشام مع أبيه فقال لآتين محمدا عليه الصلاة
~~والسلام وأوذينه فأتاه فقال يا محمد إني كافر بالنجم إذا هوى وبالذي دنا
~~فتدلى ثم تفل تجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصبه عليه الصلاة
~~والسلام شيء وطلق ابنته أم كلثوم فأغضبه عليه الصلاة والسلام بما قال
~~وفعل فقال صلى الله عليه وسلم

# " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك "

# وكان أبو طالب حاضرا فكره ذلك وقال له ما أغناك يا ابن أخي عن هذه
~~الدعوة فرجع إلى أبيه ثم خرجوا إلى الشام فنزلوا منزلا فأشرف عليهم راهب
~~من دير وقال لهم إن هذه أرض مسبعة فقال أبو لهب أغيثوني يا معشر قريش في
~~هذه الليلة فإني أخاف على ابني دعوة محمد صلى الله عليه وسلم فجمعوا
~~جمالهم وأناخوها حولهم خوفا من الأسد فجاء أسد يتشمم وجوههم حتى أتى
~~عتيبة فقتله وفي ذلك يقول حسان:

# من يرجع العام إلى أهله

# فما أكيل السبع بالراجع

# وهلك أبو لهب نفسه بالعدسة بعد وقعة بدر لسبع ليال فاجتنبه أهله مخافة
~~العدوى وكانت قريش تتقيها كالطاعون فبقي ثلاثا حتى أنتن فلما ms11525 خافوا
~~العار استأجروا بعض السودان فاحتملوه ودفنوه وفي رواية حفروا له حفرة
~~ودفعوه بعود حتى وقع فيها فقذفوه بالحجارة حتى واروه وفي أخرى أنهم لم
~~يحفروا له وإنما أسندوه لحائط وقذفوا عليه الحجارة من خلفه حتى توارى
~~فكان الأمر كما أخبر به القرآن.

# وقرأ عبد الله (وما اكتسب) بتاء الافتعال.

### || [111.3]

# { سيصلى نارا } سيدخلها لا محالة في الآخرة ويقاسي حرها / والسين
~~لتأكيد الوعيد والتنوين للتعظيم أي نارا عظيمة { ذات لهب } ذات
~~اشتعال وتوقد عظيم وهي نار جهنم وجملة

# مآ أغنى

# [المسد: 2] الخ قال في «الكشف» استئناف جوابا عما كان يقول أنا أفتدي
~~بمالي ويتوهم من صدقه وفيه تحسير له وتهكم بما كان يفتخر به من المال
~~والبنين وهذه الجملة تصوير للهلاك بما يظهر معه عدم إغناء المال والولد
~~وهو ظاهر على تفسير { ما كسب } بالولد. وقال بعض الأفاضل الأولى
~~إشارة لهلاك عمله وهذه إشارة لهلاك نفسه وهو أيضا على بعض الأوجه
~~السابقة فتذكر ولا تغفل.

### || [111.4]

# وقوله تعالى: { وامرأته } عطف على المستكن في

# سيصلى

# [المسد: 3] لمكان الفصل بالمفعول وقوله تعالى: { حمالة الحطب }
~~نصب على الشتم والذم وقيل على الحالية بناء على أن الإضافة غير حقيقية
~~للاستقبال على ما ستسمعه إن شاء الله تعالى. وهي أم جميل بنت حرب أخت
~~أبي سفيان أخرج ابن عساكر عن جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر رضي الله
~~تعالى عنهما أن عقيل بن أبي طالب دخل على معاوية فقال معاوية له أين ترى
~~عمك أبا لهب من النار؟ فقال له عقيل إذا دخلتها فهو على يسارك مفترش عمتك
~~حمالة الحطب والراكب خير من المركوب ولا أظن صحة هذا الخبر عن الصادق لأن
~~فيه ما فيه وكانت على ما في «البحر» عوراء ووسمت بذلك لأنها على ما أخرج
~~ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن زيد كانت تأتي بأغصان الشوك تطرحها
~~بالليل في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل كانت تحمل حزمة الشوك
~~والحسك والسعدان فتنثرها بالليل في طريقه عليه الصلاة والسلام وكان رسول ms11526
~~الله صلى الله عليه وسلم يطؤه كما يطأ الحرير وروي عن قتادة أنها مع كثرة
~~مالها كانت تحمل الحطب على ظهرها لشدة بخلها فعيرت بالبخل وأخرج ابن جرير
~~وابن أبي حاتم عنه وعن مجاهد أنها كانت تمشي بالنميمة وأخرجه ابن أبي
~~حاتم عن الحسن أيضا وروي عن ابن عباس والسدى ويقال لمن يمشي بها يحمل
~~الحطب بين الناس أي يوقد بينهم النائرة ويؤرث الشر فالحطب مستعار للنميمة
~~وهي استعارة مشهورة ومن ذلك قوله:

# من البيض لم تصطد على ظهر لامة

# ولم تمش بين الحي بالحطب الرطب

# وجعله رطبا ليدل على التدخين الذي هو زيادة في الشر ففيه إيغال حسن
~~وكذا قول الراجز:

# إن بني الأدرم حمالو الحطب

# هم الوشاة في الرضاء والغضب

# وقال ابن جبير حمالة الخطايا والذنوب من قولهم فلان يحطب على ظهره إذا
~~كان يكتسب الآثام والخطايا والظاهر أن الحطب عليه مستعار للخطايا بجامع
~~أن كلا منها مبدأ للإحراق وقيل الحطب جمع حاطب كحارس وحرس أي تحمل
~~الجناة على الجنايات وهو محمل بعيد.

# وقرأ أبو حيوة وابن مقسم (سيصلي) بضم الياء وفتح الصاد وشد اللام
~~(ومريئته) بالتصغير والهمز وقرىء (ومريته) بالتصغير وقلب الهمزة ياء
~~وإدغامها وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق (سيصلي) بضم الياء وسكون الصاد.
~~واختلس حركة الهاء في (امرأته) أبو عمرو في رواية وقرأ أبو قلابة (حاملة
~~الحطب) على وزن فاعلة مضافا وقرأ الأكثرون (حمالة الحطب) بالرفع
~~والإضافة وقرىء (حمالة للحطب) بالتنوين رفعا ونصبا وبلام الجر في
~~(الحطب).

### || [111.5]

# وقوله تعالى: { في جيدها حبل من مسد } جملة من خبر مقدم
~~ومبتدأ مؤخر في موضع الحال من الضمير في { حمالة } وقيل من {
~~امرأته } المعطوف على الضمير وقيل الظرف حال منها و { حبل }
~~مرتفع به على الفاعلية وقيل هو خبر لامرأته وهي مبتدأ لا معطوفة على
~~الضمير و { حبل } فاعل وعلى قراءة { حمالة } بالرفع قيل { امرأته
~~} مبتدأ و { حمالة } خبر وفي { جيدها حبل } خبر ثان أو حال من ضمير
~~{ حمالة } أو الظرف كذلك و { حبل } مرتفع به على الفاعلية ms11527 أو { امرأته }
~~مبتدأ و { حمالة } صفته لأنه للماضي فيتعرف بالإضافة والخبر على ما سمعت
~~أو { امرأته } عطف على الضمير و { حمالة } خبر مبتدأ محذوف أي هي حمالة
~~وما بعد خبر ثان أو حال من ضمير { حمالة } على نظير ما مر. وفي التركيب
~~غير ذلك من أوجه الإعراب سيذكر إن شاء الله تعالى وبعض ما ذكرناه ههنا
~~غير مطرد على / جميع الأوجه في معنى الآية كما لا يخفى عند الاطلاع عليها
~~على المتأمل.

# والمسد ما مسد أي فتل من الحبال فتلا شديدا من ليف المقل على ما قال
~~أبو الفتح ومن أي ليف على ما قيل وقيل من لحاء شجر باليمن يسمى المسد
~~وروي ذلك عن ابن زيد وقد يكون كما في «البحر» من جلود الإبل أو أوبارها
~~ومنه قوله:

# ومسد أمر من أيانق

# ليست بأنياب ولا حقائق

# أي في عنقها حبل مما مسد من الحبال والمراد تصويرها بصور الحطابة التي
~~تحمل الحزمة وتربطها في جيدها تخسيسا لحالها وتحقيرا لها لتمتعض من ذلك
~~ويمتعض بعلها إذ كانا في بيت العز والشرف وفي منصب الثروة والجدة ولقد
~~عير بعض الناس الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب بحمالة الحطب فقال:

# ما ذا أردت إلى شتمى ومنقصتي

# أم ما تعير من حمالة الحطب

# غراء شادخة في المجد غرتها

# كانت سليلة شيخ ثاقب الحسب

# وقد أغضبها ذلك فيروى أنها لما سمعت السورة أتت أبا بكر رضي الله تعالى
~~عنه وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وبيدها فهر فقالت
~~بلغني أن صاحبك هجاني ولأفعلن وأفعلن وإن كان شاعرا فأنا مثله أقول:

# مذمما أبينا

# ودينه قلينا

# وأمره عصينا

# وأعمى الله تعالى بصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فروي أن أبا
~~بكر قال لها هل ترى معي أحدا؟ فقالت أتهزأ بي لا أرى غيرك فسكت أبو بكر
~~ومضت وهي تقول قريش تعلم أني بنت سيدها فقال رسول الله عليه الصلاة
~~والسلام

# " لقد حجبني عنها ملائكة فما رأتني وكفى الله تعالى ms11528 شرها. "

# وقيل إن ذلك ترشيح للمجاز بناء على اعتباره في

# حمالة الحطب

# [المسد: 4] وفي «الكشاف» ((يحتمل أن يكون المعنى تكون في نار جهنم على
~~الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل حزمة الشوك فلا تزال على ظهرها
~~حزمة من حطب النار من شجرة الزقوم أو من الضريع وفي جيدها حبل مما مسد من
~~سلاسل النار كما يعذب كل مجرم بما يجانس حاله في جرمه)) وعليه فالحبل
~~مستعار للسلسلة وروي هذا عن عروة بن الزبير ومجاهد وسفيان.

# وأمر الإعراب على ما في «الكشف» أنه إن نصب { حمالة } يكون حالا هو
~~والجملة أعني { في جيدها حبل } عن المعطوف على ضمير { سيصلى } أي ستصلي
~~امرأته على هذه الحالة أو يكون { حمالة } نصبا على الذم والجملة وحدها
~~حالا أو { امرأته... في جيدها حبل } جملة وقعت حالا عن الضمير ويحتمل
~~عطف الجملة على الجملة على ضعف وعلى الرفع يحتمل أن تكون الجملة حالا
~~وأن يكون (امرأته) عطفا على الفاعل و { حمالة الحطب * في جيدها } جملة
~~لا محل لها من الإعراب وقعت بيانا لكيفية صليها أي هي حمالة الحطب انتهى
~~فتأمل ولا تغفل.

# وعلى جميع الأوجه والاحتمالات إنما لم يقل سبحانه في عنقها والمعروف أن
~~يذكر العنق مع الغل ونحوه مما فيه امتهان كما قال تعالى

# في أعناقهم أغلالا

# [يس: 8] والجيد مع الحلي كقوله:

# وأحسن من جيد المليحة حليها

# ولو قال عنقها كان غثا من الكلام قال في «الروض الأنف» لأنه تهكم نحو

# فبشرهم بعذاب أليم

# [آل عمران: 21] أي لا جيد لها فيحلى ولو كان لكانت حليته هذه ولتحقيرها
~~قيل { امرأته } ولم يقل زوجه انتهى وهو بديع جدا إلا أنه يعكر على
~~آخره قوله تعالى

# وامرأته قآئمة

# [هود: 71] ولعله استعان ههنا على ما قال بالمقام.

# وعن قتادة أنه كان في جيدها قلادة من ودع وفي معناه قول الحسن من خرز
~~وقال ابن المسيب كانت قلادة فاخرة من جوهر وأنها قالت واللات والعزى
~~لانفقنها على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم ولعل المراد على هذا أنها
~~تكون ms11529 في نار جهنم ذات قلادة من حديد ممسود بدل قلادتها التي كانت تقول
~~فيها / لأنفقنها الخ وعلى ما قبله تهجين أمر قلادتها لتأكيد ذمها بالبخل
~~الدال عليه قوله تعالى:

# حمالة الحطب

# [المسد: 4] على ما نقلناه سابقا عن قتادة ويحتمل غير ذلك. ووجه التعبير
~~بالجيد على ما ذكر مما لا يخفى وزعم بعضهم أن الكلام يحتمل أن يكون دعاء
~~عليها بالخنق بالحبل وهو عن الذهن مناط الثريا نعم ذكر أنها ماتت يوم
~~ماتت مخنوقة بحبل حملت به حزمة حطب لكن هذا لا يستدعي حمل ما ذكر على
~~الدعاء.

# هذا، واستشكل أمر تكليف أبي لهب بالإيمان مع قوله تعالى:

# سيصلى

# [المسد: 3] الخ بأنه بعد أن أخبر الله تعالى عنه بأنه سيصلى النار لا بد
~~أن يصلاها ولا يصلاها إلا الكافر فالإخبار بذلك يتضمن الإخبار بأنه لا
~~يؤمن أصلا فمتى كان مكلفا بالإيمان بما جاء به النبي صلى الله عليه
~~وسلم ومنه ما ذكر لزم أن يكون مكلفا بأن يؤمن بأن لا يؤمن أصلا وهو جمع
~~بين النقيضين خارج عن حد الإمكان.

# وأجيب عنه بأن ما كلفه هو الإيمان بجميع ما جاء به النبي عليه الصلاة
~~والسلام إجمالا لا الإيمان بتفاصيل ما نطق به القرآن الكريم حتى يلزم أن
~~يكلف الإيمان بعدم إيمانه المستمر. ويقال نحو هذا في الجواب عن تكليف
~~الكافرين المذكورين في قوله تعالى:

# قل يأيها الكفرون

# [الكافرون: 1] الخ بالإيمان بناء على تعينهم مع قوله تعالى:

# ولا أنتم عبدون ما أعبد

# [الكافرون: 3] الخ بناء على دلالته على استمرار عدم عبادتهم ما يعبد
~~عليه الصلاة والسلام.

# وأجاب بعضهم بأن قوله تعالى: { سيصلى } الخ ليس نصا في أنه لا
~~يؤمن أصلا فإن صلي النار غير مختص بالكفار فيجوز أن يفهم أبو لهب منه أن
~~دخوله النار لفسقه ومعاصيه لا لكفره ولا يجري هذا في الجواب عن تكليف
~~أولئك الكافرين بناء على فهمهم السورة إرادة الاستمرار.

# وأجاب بعض آخر بأن من جاء فيه مثل ذلك وعلم به مكلف بأن يؤمن بما عداه
~~مما جاء ms11530 به صلى الله عليه وسلم. وأجاب الكعبي وأبو الحسين البصري وكذا
~~القاضي عبد الجبار بغير ما ذكر مما رده الإمام. وقيل في خصوص هذه الآية
~~أن المعنى سيصلى نارا ذات لهب ويخلد فيها إن مات ولم يؤمن. فليس ذلك مما
~~هو نص في أنه لا يؤمن وما لهذه الأجوبة وما عليها يطلب من مطولات كتب
~~الأصول والكلام.

# واستدل بقوله تعالى: { وامرأته } على صحة أنكحة الكفار والله
~~تعالى أعلم.

### | [112 - سورة الإخلاص]

### || [112.1]

# { قل هو الله أحد } المشهور أن { هو } ضمير الشأن ومحله
~~الرفع على الابتداء خبره الجملة بعده ومثلها لا يكون لها رابط لأنها عين
~~المبتدأ في المعنى والسر في تصديرها به التنبيه من أول الأمر على فخامة
~~مضمونها مع ما فيه من زيادة التحقيق والتقرير فإن الضمير لا يفهم منه من
~~أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر جليل فيبقى الذهن مترقبا لما أمامه مما
~~يفسره ويزيل إبهامه فيتمكن عند وروده له فضل تمكن وقول الشيخ عبد القاهر
~~في «دلائل الإعجاز» إن له مع أن حسنا بل لا يصح بدونها غير مسلم. نعم
~~قال الشهاب القاسمي إن ههنا إشكالا لأنه إن جعل الخبر مجموع معنى
~~الجملة المبين في باب القضية أعني مجموع { الله } ومعنى { أحد }
~~والنسبة بينهما ففيه أن الظاهر أن ذلك المجموع ليس هو الشأن وإنما الشأن
~~مضمون الجملة الذي هو مفرد أعني الوحدانية وإن جعل مضمون الجملة الذي هو
~~مفرد فتخصيص عدم الرابط بالجملة المخبر بها عن / ضمير الشأن غير متجه إذ
~~كل جملة كذلك لأن الخبر لا بد من اتحاده بالمبتدأ بحسب الذات ولا يتحد به
~~كذلك إلا مضمون الجملة الذي هو مفرد.

# وأجيب باختيار الشق الأول كما يرشد إليه تعبيرهم عن هذا الضمير أحيانا
~~بضمير القصة ضرورة أن مضمون الجملة الذي هو مفرد ليس بقصة وإنما القصة
~~معناها المبين في باب القضية وأيضا هم يعدون مثل قوله صلى الله عليه
~~وسلم

# " أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما ms11531 منعت
~~ولا ينفع ذا الجد منك الجد "

# من الجمل التي هي عين المبتدأ في المعنى الغير المحتاجة إلى الضمير لذلك
~~ومن المعلوم أن ما يقال ليس المضمون الذي هو مفرد بل هو الجملة بذلك
~~المعنى ولذا تراهم يوجبون كسر همزة إن بعد القول وكذا تمثيلهم لها بنطقي
~~الله حسبي وكفى أي منطوقي الذي أنطق به ذلك إذ من الظاهر أن ما نطق به
~~هو الجملة بالمعنى المعروف وقد دل كلام ابن مالك في «التسهيل» على المراد
~~يكون الجملة التي لا تحتاج إلى رابط عين المبتدأ أنها وقعت خبرا عن مفرد
~~مدلوله جملة وهو ظاهر فيما قلنا أيضا وكون ذلك شأنا أي عظيما من الأمور
~~باعتبار ما تضمنه، ووصف الكلام بالعظم ومقابله بهذا الاعتبار شائع
~~ذائع.

# وقال العلامة أحمد الغنيمي إن أريد أنها عينه بحسب المفهوم فهو مشكل
~~لعدم الفائد وإن أريد عينه بحسب المصدق مع التغاير في المفهوم كما هو شأن
~~سائر الموضوعات مع محمولاتها فقد يقال إنه مشكل أيضا إذ ما صدق ضمير
~~الشأن أعم من { الله أحد } والخاص لا يحمل على العام في القضايا
~~الكلية ودعوى الجزئية في هذا المقام ينبو عنه تصريحهم بأن ضمير الشأن لا
~~يخلو عن إبهام وبعبارة أخرى وهي أن ما صدق عليه ضمير الشأن مفرد وما صدق
~~الجملة مركب ولا شيء من المفرد بمركب ولذا تراهم يؤولون الجملة الواقعة
~~خبرا بمفرد صادق على المبتدأ ليصح وقوعها خبرا والتزام ذلك في الجملة
~~الواقعة خبرا عن ضمير الشأن ينافيه تصريحهم بأنها غير مؤولة بالمفرد وإن
~~كانت في موقعه.

# وأجيب بأن معنى قولهم { هو } ضمير الشأن إنه ضمير راجع إليه وموضوع
~~موضعه وإن لم يسبق له ذكر للإيذان بأنه من الشهرة والنباهة بحيث يستحضره
~~كل أحد وإليه يشير كل مشير وعليه يعود كل ضمير. وقولهم في عد الضمائر
~~التي ترجع إلى متأخر لفظا ورتبة منها ضمير الشأن فإنه راجع إلى الجملة
~~بعده، مسامحة ارتكبوها لأن بيان الشأن وتعيين المراد به بها فما صدق
~~الضمير هو بعينه ms11532 ما صدق الشأن الذي عاد هو عليه فيختار الشق الثاني فإما
~~أن يراد بالشأن الشأن المعهود ادعاء وتجعل القضية شخصية نظير هذا زيد
~~وإما أن يراد المعنى الكلي وتجعل القضية مهملة وهي في قوة الجزئية كأنه
~~قيل بعض الشأن الله أحد وجاء الإبهام الذي ادعى تصريحهم به من عدم تعين
~~البعض قبل ذكر الجملة وحملها عليه وما صدق عليه الشأن كما يكون مفردا
~~يكون جملة فليكن هنا كذلك واستمجد الأول واحتمال الكلية مبالغة نحو «كل
~~الصيد في جوف الفرا» كما ترى فليتأمل.

# وجوزوا أن يكون { هو } ضمير المسؤول عنه أو المطلوب صفته أو نسبته فقد
~~أخرج الإمام أحمد في «مسنده» والبخاري في «تاريخه» والترمذي والبغوي في
~~«معجمه» وابن عاصم في «السنة» والحاكم وصححه وغيرهم عن أبي بن كعب أن
~~المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم يا محمد انسب لنا ربك فأنزل
~~الله تعالى: { قل هو الله أحد } السورة وأخرج ابن جرير وابن
~~المنذر والطبراني في «الأوسط» والبيهقي بسند حسن وآخرون عن جابر قال

# " جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال انسب لنا ربك فأنزل
~~الله تعالى: { قل هو الله أحد } الخ وفي «المعالم» عن ابن عباس
~~أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال
~~عامر إلام تدعونا يا محمد؟ قال إلى الله قالا صفه لنا أمن ذهب هو أم من
~~فضة أو من حديد أو من خشب؟ فنزلت هذه السورة فأهلك الله تعالى أربد
~~بالصاعقة وعامرا بالطاعون "

# وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عباس أن
~~اليهود جاءت إلى النبي عليه الصلاة / والسلام منهم كعب بن الأشرف وحيى
~~بن أخطب فقالوا يا محمد صف لنا ربك الذي بعثك فأنزل الله تعالى السورة.

# وكون السائلين اليهود مروي عن الضحاك وابن جبير وقتادة ومقاتل وهو ظاهر
~~في أن السورة مدنية وجاز رجوع الضمير إلى ذلك للعلم به من السؤال وجرى
~~ذكره فيه و { هو } عليه مبتدأ والاسم الجليل خبره و ms11533 { أحد } خبر بعد
~~خبر وأجاز الزمخشري أن يكون بدلا من الاسم الجليل على ما هو المختار من
~~جواز إبدال النكرة من المعرفة وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو أحد وأجاز
~~أبو البقاء أن يكون الاسم الأعظم بدلا من { هو } و { أحد } خبره.

# و { الله } تعالى وتقدس علم على الذات الواجب الوجود كما ذهب إليه
~~جمهور الأشاعرة وغيرهم خلافا للمعتزلة حيث قالوا العلم في حقه سبحانه
~~محال لأن أحدا لا يعلم ذاته تعالى المخصوص بخصوصية حتى يوضع له وإنما
~~يعلم بمفهومات كلية منحصرة في فرد فيكون اللفظ موضوعا لأمثال تلك
~~المفهومات الكلية فلا يكون علما. ورد بأنه تعالى عالم بخصوصية ذاته
~~فيجوز أن يضع لفظا بإزائه بخصوصه فيكون علما وهذا على مذهب القائلين
~~بأن الواضع هو الله تعالى ظاهر إلا أنه يلزم أن يكون ما يفهم من لفظ {
~~الله } غير ما وضع له إذ لا يعلم غيره تعالى خصوصية ذاته تعالى التي
~~هي الموضوع له على هذا التقدير والقول بأنه يجوز أن يكون المفهوم الكلي
~~آلة للوضع ويكون الموضوع له هو الخصوصية التي يصدق عليها المفهوم الكلي
~~كما قيل في هذا ونظائره يلزم عليه أيضا أن يكون وضع اللفظ لما لا يفهم
~~منه فإنا لا نفهم من أسمائه تعالى إلا تلك المفهومات الكلية والظاهر أن
~~الملائكة عليهم السلام كذلك لاحتجاب ذاته عز وجل عن غيره سبحانه ومن هنا
~~استظهر بعض الأجلة ما نقل عن حجة الإسلام أن الأشبه أن الاسم الجليل جار
~~في الدلالة على الموجود الحق الجامع لصفات الإلهية المنعوت بنعوت
~~الربوبية المنفرد بالوجود الحقيقي مجرى الأعلام أي وليس بعلم وقد مر ما
~~يتعلق بذلك أول الكتاب فارجع إليه.

# بقي في هذا المقام بحث وهو أن الأعلام الشخصية كزيد إما أن يكون كل منها
~~موضوعا للشخص المعين كما هو المتبادر المشهور فإذا أخبر أحد بتولد ابن
~~له فسماه زيدا مثلا من غير أن يبصره يكون ذلك اللفظ اسما للصورة
~~الخيالية التي حصلت في مخيلته وحينئذ إذا لم يكن المولود ms11534 بهذه السورة لم
~~يكن إطلاق الاسم عليه بحسب ذلك الوضع ولو قيل بكونه موضوعا للمفهوم
~~الكلي المنحصر في ذلك الفرد لم يكن علما كما سبق ثم إذا سمعنا علما
~~من تلك الأعلام الشخصية ولم نبصر مسماه أصلا فإنا لا نفهم الخصوصية التي
~~هو عليها بل ربما تخيلناه على غير ما هو عليه من الصور، وإما أن يكون
~~جميع تلك الصور الخالية موضوعا له فيكون من قبيل الألفاظ المشتركة بين
~~معان غير محصورة، وإما أن يكون الموضوع له هو الخصوصية التي هو عليها فقط
~~فيكون غيرها خارجا عن الموضوع له فيكون فهم غيرها من الخصوصيات منه
~~غلطا فإما أن يترك دعوى كون تلك الأعلام جزئيات حقيقية ويقال إنها
~~موضوعات للمفهومات الكلية المنحصرة في الفرد أو يلتزم أحد الاحتمالات
~~الأخر وكلا الوجهين محل تأمل كما ترى فتأمل.

# و { أحد } قالوا همزته مبدلة من الواو وأصله وحد وإبدال الواو
~~المفتوحة همزة قليل ومنه قولهم امرأة أناة يريدون وناة لأنه من الونى وهو
~~الفتور وهذا بخلاف (أحد) الذي يلازم النفي ونحوه. ويراد به العموم كما في
~~قوله تعالى:

# فما منكم من أحد عنه حجزين

# [الحاقة: 47] وقوله عليه الصلاة والسلام

# " أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي "

# وقوله تعالى:

# هل تحس منهم من أحد

# [مريم: 98] وقوله سبحانه:

# فلا تدعوا مع الله أحدا

# [الجن: 18] وقوله عز وجل:

# وإن أحد من المشركين استجارك

# [التوبة: 6] فإن همزته أصلية وقيل الهمزة فيه أصلية كالهمزة في الآخر
~~والفرق بينهما قال الراغب إن المختص بالنفي منهما لاستغراق جنس الناطقين
~~ويتناول القليل والكثير على طريق الاجتماع والافتراق نحو ما في الدار /
~~أحد أي لا واحد ولا اثنان فصاعدا لا مجتمعين ولا مفترقين ولهذا لم يصح
~~استعماله في الإثبات لأن نفي المتضادين يصح ولا يصح إثباتهما فلو قيل في
~~الدار أحد لكان فيه إثبات واحد منفرد مع إثبات ما فوق الواحد مجتمعين
~~ومفترقين وذلك ظاهر الإحالة ولتناول ذلك ما فوق الواحد يصح أن يقال ما من
~~أحد فاضلين وعليه الآية المذكورة آنفا والمستعمل ms11535 في الإثبات على ثلاثة
~~أوجه الأول أن يضم إلى العشرات نحو أحد عشر وأحد وعشرون والثاني أن
~~يستعمل مضافا أو مضافا إليه بمعنى الأول كما في قوله تعالى:

# أما أحدكما فيسقى ربه خمرا

# [يوسف: 41] وقولهم يوم الأحد أي يوم الأول والثالث أن يستعمل مطلقا
~~وصفا وليس ذلك إلا في وصف الله تعالى وهو وإن كان أصله واحدا إلا أن
~~وحدا يستعمل في غيره سبحانه نحو قول النابغة:

# كأن رحلي وقد زال النهار بنا

# بذي الجليل على مستأنس وحد

# انتهى.

# وقال مكي أصل (أحد) واحد فأبدلوا الواو همزة فاجتمع ألفان لأن الهمزة
~~تشبه الألف فحذفت إحداهما تخفيفا وفرق ثعلب بين أحد وواحد بأن أحدا لا
~~يبنى عليه العدد ابتداء فلا يقال أحد واثنان كما يقال واحد واثنان ولا
~~يقال رجل أحد كما يقال رجل واحد ولذلك اختص به سبحانه. وفرق بعضهم بينهما
~~أيضا بأن الأحد في النفي نص في العموم بخلاف الواحد فإنه محتمل للعموم
~~وغيره فيقال ما في الدار أحد ولا يقال بل اثنان ويجوز أن يقال ما في
~~الدار واحد بل اثنان.

# ونقل عن بعض الحنفية أنه قال في التفرقة بينهما إن الأحدية لا تحتمل
~~الجزئية والعددية بحال والواحدية تحتملها لأنه يقال مائة واحدة وألف واحد
~~ولا يقال مائة أحد ولا ألف أحد وبنى على ذلك مسألة الإمام محمد بن الحسن
~~التي ذكرها في «الجامع الكبير» إذا كان لرجل أربع نسوة فقال والله لا
~~أقرب واحدة منكن صار موليا منهن جميعا ولم يجز أن يقرب واحدة منهن إلا
~~بكفارة ولو قال والله لا أقرب إحداكن لم يصر موليا إلا من إحداهن
~~والبيان إليه.

# وفرق الخطابي بأن الأحدية لتفرد الذات والواحدية لنفي المشاركة في
~~الصفات ونقل عن المحققين التفرقة بعكس ذلك ولما لم ينفك في شأنه تعالى
~~أحد الأمرين من الآخر قيل الواحد الأحد في حكم اسم واحد وفسر الأحد هنا
~~ابن عباس وأبو عبيدة كما قال ابن الجوزي بالواحد وأيد بقراءة الأعمش { قل
~~هو الله الواحد } وفسر بما لا ms11536 يتجزأ ولا ينقسم.

# وقال بعض الأجلة إن الواحد مقول على ما تحته بالتشكيك فالمراد به هنا
~~حيث أطلق المتصف بالواحدية التي لا يمكن أن يكون أزيد منها ولا أكمل فهو
~~ما يكون منزه الذات عن أنحاء التركيب والتعدد خارجا وذهنا وما يستلزم
~~أحدهما كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة وخواصها كوجوب الوجود
~~والقدرة الذاتية والحكمة التامة المقتضية للألوهية وهو مأخوذ من كلام
~~الرئيس أبي علي بن سينا في «تفسيره السورة الجليلة» حيث قال إن أحدا
~~دال على أنه تعالى واحد من جميع الوجوه وأنه لا كثرة هناك أصلا لا كثرة
~~معنوية وهي كثرة المقومات والأجناس والفصول وكثرة الأجزاء الخارجية
~~المتمايزة عقلا كما في المادة والصورة والكثرة الحسية بالقوة أو بالفعل
~~كما في الجسم وذلك يتضمن لكونه سبحانه منزها عن الجنس والفصل والمادة
~~والصورة والأعراض والأبعاض والأعضاء والأشكال والألوان وسائر ما يثلم
~~الوحدة الكاملة والبساطة الحقة اللائقة بكرم وجهه عز وجل عن أن يشبهه شيء
~~أو يساويه سبحانه شيء وقال ابن عقيل الحنبلي الذي يصح لنا من القول مع
~~إثبات الصفات أنه تعالى واحد في إلهيته لا غير. وقال غيره من السلفيين
~~كالحافظ ابن رجب هو سبحانه الواحد في إلهيته / وربوبيته فلا معبود ولا
~~رب سواه عز وجل واختار بعد وصفه تعالى بما ورد له سبحانه من الصفات أن
~~المراد الواحدية الكاملة وذلك على الوجهين كون الضمير للشأن وكونه
~~للمسؤول عنه ولا يصح أن يراد الواحد بالعدد أصلا إذ يخلو الكلام عليه من
~~الفائدة.

# وذكر بعضهم أن الاسم الجليل يدل على جميع صفات الكمال وهي الصفات
~~الثبوتية ويقال لها صفات الإكرام أيضا والأحد يدل على جميع صفات الجلال
~~وهي الصفات السلبية ويتضمن الكلام على كونهما خبرين الإخبار بكون المسؤول
~~عنه متصفا بجميع الصفات الجلالية والكمالية.

# وتعقب بأن الإلهية جامعة لجميع ذلك بل كل واحد من الأسماء الحسنى كذلك
~~لأن الهوية الإلهية لا يمكن التعبير عنها لجلالتها وعظمتها إلا بأنه هو
~~هو، وشرح تلك الهوية بلوازم منها ثبوتية ومنها سلبية واسم الله تعالى ms11537
~~متناول لهما جميعا فهو إشارة إلى هويته تعالى والله سبحانه كالتعريف لها
~~فلذا عقب به. وكلام الرئيس ينادي بذلك وسنشير إليه إن شاء الله تعالى.

# وقرأ عبد الله وأبي { هو الله أحد } بغير قل وقد اتفقوا على أنه لا بد
~~منها في

# قل يأيها الكفرون

# [الكافرون: 1] ولا تجوز في

# تبت

# [المسد: 1] فقيل لعل ذلك لأن سورة الكافرين مشاقة الرسول صلى الله عليه
~~وسلم أو موادعته عليه الصلاة والسلام لهم ومثل ذلك يناسب أن يكون من الله
~~تعالى لأنه صلى الله عليه وسلم مأمور بالإنذار والجهاد وسورة { تبت }
~~معاتبة لأبي لهب والنبي عليه الصلاة والسلام على خلق عظيم وأدب جسيم
~~فلو أمر بذلك لزم مواجهته به وهو عمه صلى الله عليه وسلم وهذه السورة
~~توحيد وهو يناسب أن يقول به تارة ويؤمر بأن يدعو إليه أخرى. وقيل في وجه
~~{ قل } في سورة الكافرون إن فيها ما لا يصح أن يكون من الله تعالى ك

# لا أعبد ما تعبدون

# [الكافرون: 2] فلا بد فيها من ذكر قل وفيه نظر لأنه لا يلزم ذكره بهذا
~~اللفظ فافهم.

# وقال الدواني في وجه ترك قل في { تبت } لا يبعد أن يقال إن القول
~~بمعاتبة أبي لهب إذا كان من الله تعالى كان أدخل في زجره وتفضيحه وقيل
~~فيه رمز إلى أنه لكونه على العلات عمه صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن
~~يهينه بمثل هذا الكلام إلا الذي خلقه إذ لا يبعد أن يتأذى مسلم من أقاربه
~~لو سبه أحد غيره عز وجل فقد أخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن جعفر بن
~~محمد عن أبيه رضي الله تعالى عنهما قال مرت درة ابنة أبي لهب برجل فقال
~~هذه ابنة عدو الله أبي لهب فأقبلت عليه فقالت ذكر الله تعالى أبي
~~بنباهته وشرفه وترك أباك بجهالته ثم ذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم
~~فخطب فقال

# " لا يؤذين مسلم بكافر "

# ثم إن إثبات { قل } على قراءة الجمهور في المصحف والتزام قراءتها في
~~هذه السورة ونظائرها مع ms11538 أنه ليس من دأب المأمور بقل أن يتلفظ في مقام
~~الائتمار إلا بالمقول قال الماتريدي في «التأويلات» لأن المأمور ليس
~~المخاطب به فقط بل كل أحد ابتلي بما ابتلي به المأمور فأثبت ليبقى على مر
~~الدهور منا على العباد. وقيل يمكن أن يقال المخاطب بقل نفس التالي
~~كأنه تعالى أعلم به أن كل أحد عند مقام هذا المضمون ينبغي أن يأمر نفسه
~~بالقول به وعدم التجاوز عنه فتأمل والله تعالى الموفق.

### || [112.2]

# وقوله تعالى: { الله الصمد } مبتدأ وخبر وقيل الصمد نعت والخبر
~~ما بعده وليس بشيء. والصمد قال ابن الأنباري لا خلاف بين أهل اللغة أنه
~~السيد الذي ليس فوقه أحد الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم وقال
~~الزجاج هو الذي ينتهي إليه السودد ويصمد إليه أي يقصد كل شيء وأنشدوا:

# لقد بكر الناعي بخير بني أسد

# بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد

# وقوله:

# علوته بحسام ثم قلت له

# خذها حذيف فأنت السيد الصمد

# وعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال هو السيد الذي قد كمل في
~~سودده والشريف الذي قد كمل في شرفه والعظيم / الذي قد كمل في عظمته
~~والحليم الذي قد كمل في حلمه والعليم الذي قد كمل في علمه والحكيم الذي
~~قد كمل في حكمته وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسودد. وعن أبي هريرة
~~هو المستغني عن كل أحد المحتاج إليه كل أحد وعن ابن جبير هو الكامل في
~~جميع صفاته وأفعاله وعن الربيع هو الذي لا تعتريه الآفات وعن مقاتل بن
~~حيان هو الذي لا عيب فيه وعن قتادة هو الباقي بعد خلقه ونحوه قول معمر هو
~~الدائم وقول مرة الهمداني هو الذي لا يبلى ولا يفنى وعنه أيضا هو الذي
~~يحكم ما يريد ويفعل ما يشاء لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه وأخرج ابن جرير
~~وابن أبي حاتم عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال لا أعلمه إلا قد رفعه
~~قال الصمد الذي لا جوف له وروى عن الحسن ms11539 ومجاهد ومنه قوله:

# شهاب حروب لا تزال جياده

# عوابس يعلكن الشكيم المصمدا

# وعن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود قال الصمد الذي ليس له أحشاء
~~وهو رواية عن ابن عباس وعن عكرمة هو الذي لا يطعم وفي رواية أخرى الذي لم
~~يخرج منه شيء وعن الشعبي هو الذي لا يأكل ولا يشرب وعن طائفة منهم أبي
~~بن كعب والربيع بن أنس أنه الذي لم يلد ولم يولد كأنهم جعلوا ما بعده
~~تفسيرا له والمعول عليه تفسيره بالسيد الذي يصمد إليه الخلق في الحوائج
~~والمطالب، وتفسيره بالذي لا جوف له وما عداهما إما راجع إليهما أو هو مما
~~لا تساعد عليه اللغة وجعل معنى كونه تعالى سيدا أنه مبدأ الكل وفي معناه
~~تفسيره بالغنى المطلق المحتاج إليه ما سواه وقال يحتمل أن يكون كلا
~~المعنيين مرادا فيكون وصفا له تعالى بمجموع السلب والإيجاب وهو ظاهر في
~~جواز استعمال المشترك في كلا معنييه كما ذهب إليه الشافعي والذي أختاره
~~تفسيره بالسيد الذي يصمد إليه الخلق وهو فعل بمعنى مفعول من صمد بمعنى
~~قصد فيتعدى بنفسه وباللام، وإطلاق الصمد بمعنى السيد عليه تعالى مما لا
~~خلاف فيه وإن كان في إطلاق السيد نفسه خلاف والصحيح إطلاقه عليه عز وجل
~~كما في الحديث «السيد الله» وقال السهيلي لا يطلق عليه تعالى مضافا فلا
~~يقال سيد الملائكة والناس مثلا وقصد الخلق إياه تعالى بالحوائج أعم من
~~القصد الإرادي والقصد الطبيعي والقصد بحسب الاستعداد الأصلي الثابت لجميع
~~الماهيات إذ هي كلها متوجهة إلى المبدأ تعالى في طلب كمالاتها منه عز
~~وجل.

# وتعريفه دون

# أحد

# [الإخلاص: 1] قيل لعلمهم بصمديته تعالى دون أحديته وتعقب بأنه لا يخلو
~~عن كدر لأن علم المخاطب بمضمون الخبر لا يقتضي تعريفه بل إنما يقتضي أن
~~لا يلقى إليه إلا بعد تنزيله منزلة الجاهل لأن إفادة لازم فائدة الخبر
~~بمعزل عن هذا المقام فالأولى أن يقال إن التعريف لإفادة الحصر كقولك زيد
~~الرجل ولا حاجة إليه في الجملة السابقة بناء على أن ms11540 مفهوم { أحد }
~~المنزه عن أنحاء التركيب والتعدد مطلقا إلى آخر ما تقدم مع أنهم لا
~~يعرفون أحديته تعالى ولايعترفون بها واعترض بأنه يقتضي أن الخبر إذا كان
~~معلوما للمخاطب لا يخبر به إلا بتنزيله منزلة الجاهل أو إفادته لازم
~~فائدة الخبر أو إذا قصد الحصر وهو ينافي ما تقرر في المعاني من أن كون
~~المبتدأ والخبر معلومين لا ينافي كون الكلام مفيدا للسامع فائدة مجهولة
~~لأن ما يستفيده السامع من الكلام هو انتساب أحدهما للآخر وكونه هو هو
~~فيجوز أن يقال هنا إنهم يعرفونه تعالى بوجه ما ويعرفون معنى المقصود سواء
~~كان هو الله سبحانه أو غيره عندهم ولكن لا يعرفون أنه هو سواء كان بمعنى
~~الفرد الكامل أو الجنس فعينه الله تعالى لهم وقيل إن { أحد } في غير
~~النفي والعدد لا يطلق على غيره تعالى فلم يحتج إلى تعريفه بخلاف الصمد
~~فإنه جاء في كلامهم إطلاقه على غيره عز وجل أي كما في البيتين السابقين
~~فلذا عرف.

# وتكرار الاسم الجليل دون الإتيان بالضمير قيل للإشعار بأن من لم يتصف
~~بالصمدية لم يستحق الألوهية وذلك على ما صرح به الدواني مأخوذ من إفادة
~~تعريف الجزأين للحصر فإذا قلت السلطان العادل أشعر بأن من لم يتصف /
~~بالعدل لم يستحق السلطنة وقيل ذلك لأن تعليق الصمد بالله يشعر بعلية
~~الألوهية للصمدية بناء على أنه في الأصل صفة وإذا كانت الصمدية نتيجة
~~للألوهية لم يستحق الألوهية من لم يتصف بها وبحث فيه بأن الألوهية فيما
~~يظهر للصمدية لأنه إنما يعبد لكونه محتاجا إليه دون العكس إلا أن يقال
~~المراد بالألوهية مبدؤها وما تترتب عليه لا كونه معبودا بالفعل وإنما لم
~~يكتف بمسند إليه واحد لأحد والصمد هو الاسم الجليل بأن يقال الله الأحد
~~الصمد للتنبيه على أن كلا من الوصفين مستقل في تعيين الذات وترك العاطف
~~في الجملة المذكورة لأنها كالدليل عليه فإن من كان غنيا لذاته محتاجا
~~إليه جميع ما سواه لا يكون إلا واحدا وما سواه لا يكون إلا ممكنا
~~محتاجا ms11541 إليه أو لأنها كالنتيجة لذلك بناء على أن الأحدية تستلزم الصمدية
~~والغنى المطلق وبالجملة هذه الجملة من وجه تشبه الدليل ومن وجه تشبه
~~النتيجة فهي مستأنفة أو مؤكدة.

# وقرأ أبان بن عثمان وزيد بن علي ونصر بن عاصم وابن سيرين والحسن وابن
~~أبي إسحق وأبو السمال وأبو عمرو في رواية يونس ومحبوب والأصمعي
~~واللؤلؤي وعبيد (أحد الله) بحذف التنوين لالتقائه مع لام التعريف وهو
~~موجود في كلام العرب وأكثر ما يوجد في الشعر كقول أبي الأسود الدؤلي:

# فألفيته غير مستعتب

# ولا ذاكر الله إلا قليلا

# وقول الآخر:

# عمرو الذي هشم الثريد لضيفه

# ورجال مكة مسنتون عجاف

# والجيد هو التنوين وكسره لالتقاء الساكنين.

### || [112.3]

# وقوله تعالى: { لم يلد } الخ على نحو ما سبق. ونفي ذلك عنه تعالى
~~لأن الولادة تقتضي انفصال مادة منه سبحانه وذلك يقتضي التركيب المنافي
~~للصمدية والأحدية أو لأن الولد من جنس أبيه ولا يجانسه تعالى أحد لأنه
~~سبحانه واجب وغيره ممكن ولأن الولد على ما قيل يطلبه العاقل إما لإعانته
~~أو ليخلفه بعده وهو سبحانه دائم باق غير محتاج إلى شيء من ذلك. والاقتصار
~~على الماضي دون أن يقال لن يلد لوروده ردا على من قال إن الملائكة بنات
~~الله سبحانه أو المسيح ابن الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ويجوز
~~أن يكون المراد استمرار النفي وعبر بالماضي لمشاكلة قوله تعالى: { ولم
~~يولد } وهو لا بد أن يكون بصيغة الماضي. ونفي المولودية عنه سبحانه
~~لاقتضائها المادة، فيلزم التركيب المنافي للغنى المطلق والأحدية الحقيقية
~~أو لاقتضائها سبق العدم ولو بالذات أو لاقتضائها المجانسة المستحيلة على
~~واجب الوجود.

# وقدم نفي الولادة لأنه الأهم لأن طائفة من الكفار توهموا خلافه بخلاف
~~نفي المولودية أو لكثرة متوهمي خلاف الأول دون خلاف الثاني بناء على أن
~~النصارى يلزمهم بواسطة دعوى الاتحاد القول بالولادة والمولودية فيمن
~~يعتقدونه إلها وذلك على ما تضمنته كتبهم أنهم يقولون الأب هو الأقنوم
~~الأول من الثالوث والابن هو الثاني الصادر منه صدورا أزليا مساويا
~~بالأزلية له وروح ms11542 القدس هو الثالث الصادر عنهما كذلك والطبيعة الإلهية
~~واحدة وهي لكل من الثلاثة، وكل منها متحد معها ومع ذلك هم ثلاثة جواهر لا
~~جوهر واحد فالأب ليس هو الابن والابن ليس هو الأب وروح القدس ليس هو الأب
~~ولا الابن وهما ليسا روح القدس ومع ذا هم إله واحد إذ لهم لاهوت واحد
~~وطبيعة واحدة وجوهر واحد وكل منهم متحد مع اللاهوت وإن كان بينهم تمايز
~~والأول هو الوجود الواجد الجوهري والثاني هو العقل الجوهري ويقال له
~~العلم والثالث هو الإرادة الجوهرية ويقال لها المحبة فالله ثلاثة أقانيم
~~جوهرية وهي على تمايزها تمايزا حقيقيا - وقد يطلقون عليه إضافيا أي
~~بإضافة بعضها إلى بعض - جوهر وطبيعة واحدة هو الله وليس يوجد فيه غيره بل
~~كل ما هو داخل فيه عين ذاته ويقولون إن فيه - تعالى عما يقولون - أربع
~~إضافات أولاها فاعلية التعقيل في الأقنوم الأول ثانيتها مفعولية التعقل
~~في الأقنوم الثاني / الذي هو صورة عقل الأب ثالثتها فاعلية الانبثاق في
~~الأقنوم الأول والثاني اللذين لهما الإرادة رابعتها مفعولية هذا الانبثاق
~~في الأقنوم الثالث الذي هو حب الإرادة الإلهية التي للأقنوم الأول
~~والثاني.

# وزعموا أن التعبير بالفاعلية والمفعولية في الأقانيم الإلهية على سبيل
~~التوسع وليست الفاعلية في الأب نحو الابن إلا الأبوة وفيه وفي الابن نحو
~~روح القدس ليست إلا بدء صدوره منهما وليست المفعولية في الابن وروح القدس
~~إلا البنوة في الابن والانبثاق في الروح، ويقولون كل ذلك مما يجب الإيمان
~~به وإن كان فوق الطور البشري.

# ويزعمون أن لتلك الأقانيم أسماء تلقوها من الحواريين فالأقنوم الأول في
~~الطبع الإلهي يدعى أبا والثاني ابنا وكلمة وحكمة ونورا وضياء وشعاعا
~~والثالث روح القدس ومغريا وهو معنى قولهم باليونانية اراكليط وقالوا في
~~بيان وجه الإطلاق إن ذلك لأن الأقنوم الأول بمنزلة ينبوع ومبدأ أعطى
~~الأقنوم الثاني الصادر عنه بفعل يقتضي شبه فاعله وهو فعل العقل طبيعته
~~وجوهره كله حتى إن الأقنوم الثاني الذي هو صورة الأول الجوهرية الإلهية
~~مساو له كمال المساواة وحد ms11543 الإيلاد هو صدور حي من حي بآلة ومبدأ مقارن
~~يقتضي شبه طبيعته وهنا كذلك بل أبلغ لأن للثاني الطبيعية الإلهية نفسها
~~فلا بدع إذا سمي الأول أبا والثاني ابنا.

# وإنما قيل للثاني كلمة لأن الإيلاد ليس على نحو إيلاد الحيوان والنبات
~~بل يفعل العقل أي يتصور الأب لاهوته وفهمه ذاته ولا شك أن تلك الصورة
~~كلمة لأنها مفهومية العقل ونطقه وقيل لها حكمة لأنه كان مولودا من الأب
~~بفعل عقله الإلهي الذي هو حكمة وقيل له نور وشعاع وضياء لأنه حيث كان
~~حكمة كان به معرفة حقائق الأشياء وانكشافها كالمذكورات.

# وقيل للثالث روح قدس لأنه صادر من الأب والابن بفعل الإرادة التي هي
~~واحدة للأب والابن ومنبثق منهما بفعل هو كهيجان الإرادة بالحب نحو
~~محبوبها فهو حب الله والله نفسه هو الروح الصرف والتقدس عينه ولكل من
~~الأول والثاني وجه لأن يدعى روحا لمكان الاتحاد لكن لما دعي الأول باسم
~~يدل على رتبته وإضافته إلى الثاني والثاني كذلك اختص الثالث بالاسم
~~المشاع ولم يدع ابنا وإن كان له طبيعة الأب وجوهره كالابن لأنه لم يصدر
~~من الأب بفعل يقتضي شبه فاعله يعني بفعل العقل بل صدر منه فعل الإرادة
~~فالثاني من الأول كهابيل من آدم والثالث كحواء منه والكل حقيقة واحدة لكن
~~يقال لهابيل ابن ولا يقال لها بنت. وقيل له مغري لأنه كان عتيدا لأن
~~يأتي الحواريين فيغريهم لفقد المسيح عليه السلام وأما الفاعلية
~~والمفعولية فلأنهما غير موجودين حقيقة والأبوة والبنوة ههنا لا تقتضيهما
~~كما في المحدثات ولذا لا يقال هنا للأب علة وسبب لابنه وإن قيل هناك
~~فالثلاثة متساوية في الجوهر والذات واستحقاق العبادة والفضل من كل وجه.

# ثم إنهم زعموا تجسد الأقنوم الثاني وهو الكلمة واتحاده بأشرف أجزاء
~~البتول من الدم بقوة روح القدس فكان المسيح عليه السلام المركب من
~~الناسوت والكلمة، والكلمة مع اتحادها لم تخرج عن بساطتها ولم تتغير لأنها
~~الحد الذي ينتهي إليه الاتحاد فلا مانع في جهتها من الاتحاد وكذا لا مانع
~~في ms11544 جانب الناسوت منه فلا يتعاصى الله تعالى شيء زعموا أن المسيح عليه
~~السلام كان إلها تاما وإنسانا تاما ذا طبيعتين ومشيئتين قائمتين
~~بأقنوم إلهي وهو أقنوم الكلمة ومن ثم تحمل عليه الصفات الإلهية
~~والبشرية معا لكن من حيثيتين.

# ثم إنهم زادوا في الطنبور رنة وقالوا إن المسيح أطعم يوما الحواريين
~~خبزا وسقاهم خمرا فقال أكلتم لحمي وشربتم دمي فاتحدتم معي وأنا متحد مع
~~الأب إلى رنات أخر هي أشهر من أن تذكر.

# ويعلم مما ذكرنا أنه لا فرق عندهم بين أن يقال إن الله تعالى هو المسيح
~~وبين أن يقال إن المسيح ابنه وبين أن يقال إنه سبحانه ثالث ثلاثة ولذا
~~جاء في التنزيل كل من هذه الأقوال منسوبا إليهم ولا حاجة إلى جعل كل قول
~~لقوم منهم كما قال غير واحد / من المفسرين والمتكلمين. ثم لا يخفى منافاة
~~ما ذكروه للأحدية والصمدية وقولهم إن الأقانيم مع كونها ثلاث جواهر
~~متمايزة تمايزا حقيقيا جوهر واحد لبداهة بطلانه لا يسمن ولا يغني وما
~~يذكرونه من المثال لإيضاح ذلك فهو عن الإيضاح بمعزل وبعيد عن المقصود
~~بألف ألف منزل. وكنا ذكرنا في ضمن هذا الكتاب ما يتعلق ببعض عقائدهم مع
~~رده إلا أنه كان قبل النظر في كتبهم وقد اعتمدنا فيه ما ذكره المتكلمون
~~عنهم واليوم لنا عزم على تأليف رسالة تتضمن تحرير اعتقاداتهم في الواجب
~~تعالى وذكر شبههم العقلية والنقلية التي يستندون إليها ويعولون في
~~التثليث عليها حسبما وقفنا عليه في كتبهم مع ردها على أكمل وجه إن شاء
~~الله تعالى ونسأل الله تعالى التوفيق لذلك وأن يسلك سبحانه بنا في جميع
~~أمورنا أقوم المسالك فهو سبحانه الجواد الأجود الذي لم يجبه من توجه إليه
~~بالرد.

### || [112.4]

# أي لم يكافئه أحد ولم يماثله ولم يشاكله من صاحبة وغيرها. وقيل هو نفي
~~للكفاءة المعتبرة بين الأزواج وهو كما ترى. و { له } صلة { كفوا }
~~على ما ذهب إليه المبرد وغيره والأصل أن يؤخر إلا أنه قدم للاهتمام لأن
~~المقصود نفي المكافاة عن ذاته ms11545 عز وجل وللاهتمام أيضا قدم الخبر مع ما
~~فيه من رعاية الفواصل، قيل له إن الظرف هنا وإن لم يكن خيرا مبطل سقوطه
~~معنى الكلام لأنك لو قلت لم يكن كفوا أحد لم يكن له معنى فلما احتيج
~~إليه صار بمنزلة الخبر فحسن ذلك. وقال أبو حيان كلام سيبويه في الظرف
~~الذي يصلح أن يكون خبرا وهو الظرف التام وما هنا ليس كذلك. وقال ابن
~~الحاجب قدم الظرف للفواصل ورعايتها ولم يقدم على { أحد } لئلا يفصل
~~بين المبتدا وخبره وفيه نظر ظاهر وجوز أن يكون الظرف حالا من { أحد }
~~قدم عليه رعاية للفاصلة ولئلا يلتبس بالصفة أو الصلة وأن يكون خبرا ليكن
~~ويكون { كفوا } حالا من { أحد } قدم عليه لكونه نكرة أو حالا من
~~الضمير في الظرف الواقع خبرا وهذا الوجه نقله أبو علي في «الحجة» عن بعض
~~النحاة ورد بأنه كما سمعت آنفا عن أبي حيان ظرف ناقص لا يصح أن يكون
~~خبرا فإن قدر له متعلق خاص وهو مماثل ونحوه مما تتم به الفائدة يكون {
~~كفوا } زائدا ولعل وقوع الجمل الثلاث متعاطفة دون ماعداها من هذه
~~السورة لأنها سيقت لمعنى وغرض واحد وهو نفي المماثلة والمناسبة عنه تعالى
~~بوجه من الوجوه وما تضمنته أقسامها لأن المماثل إما ولد أو والد أو نظير
~~غيرهما فلتغاير الأقسام واجتماعها في المقسم لزم العطف فيها بالواو كما
~~هو مقتضى قواعد المعاني.

# وفي { كفوا } لغات ضم الكاف وكسرها وفتحها مع سكون الفاء وضم الكاف مع
~~ضم الفاء. وقرأ حمزة ويعقوب ونافع في رواية { كفؤا } بالهمز والتخفيف
~~وحفص بالحركة وإبدال الهمزة واوا وباقي السبعة بالحركة مهموزا وسهل
~~الهمزة الأعرج وأبو جعفر وشيبة ونافع في رواية وفي أخرى عنه (كفى) من غير
~~همز نقل حركة الهمزة إلى الفاء وحذف الهمزة. وقرأ سليمان بن علي بن عبد
~~الله بن عباس (كفاء) بكسر الكاف وفتح الفاء والمد كما في قول النابغة:

# لا تقذفني بركن لا كفاء له

# أي لا مثل له كما قال الأعلم.

# وهذه السورة الجليلة ms11546 قد انطوت مع تقارب قطريها على أشتات المعارف
~~الإلهية والعقائد الإسلامية ولذا جاء فيها ما جاء من الأخبار وورد ما
~~ورد من الآثار. ودل على تحقيق معنى الآلهة بالصمدية التي معناها وجوب
~~الوجود أو المبدئية لوجود كل ما عداه من الموجودات ثم عقب ذلك ببيان أنه
~~لا يتولد عنه غيره لأنه غير متولد عن غيره وبين أنه تعالى وإن كان إلها
~~لجميع الموجودات فياضا للوجود عليها / فلا يجوز أن يفيض الوجود على مثله
~~كما لم يكن وجوده من غيره ثم عقب ذلك ببيان أنه ليس في الوجود ما يساويه
~~في قوة الوجود فمن أول السورة إلى

# الصمد

# [الإخلاص: 2] في بيان ماهيته تعالى ولوازم ماهيته ووحدة حقيقته وأنه غير
~~مركب أصلا ومن قوله تعالى { لم يلد } إلى { أحد } في بيان أنه
~~ليس ما يساويه من نوعه ولا من جنسه لا بأن يكون سبحانه متولدا ولا بأن
~~يكون متولدا عنه ولا بأن يكون موازي في الوجود وبهذا المبلغ يحصل تمام
~~معرفة ذاته عز وجل انتهى.

# وأشار فيه إلى أن { ولم يولد } كالتعليل لما قبله وكأن قد قال قبل
~~إن كل ما كان ماديا أو كان له علاقة بالمادة يكون متولدا عن غيره فيصير
~~تقدير الكلام لم يلد لأنه لم يتولد والإشارة إلى دليله بهو أول السورة
~~فإنه لما لم يكن له ماهية واعتبار سوى أنه هو لذاته وجب أن لا يكون
~~متولدا عن غيره إلا لكانت هويته مستفادة عن غيره فلا يكون هو لذاته.
~~وظاهر العطف يقتضي عدم اعتبار ما أشار إليه من العلية وقد علمت فيما سبق
~~وجه ذكره وجعل بعضهم العطف فيه قريبا من عطف

# لا يستقدمون

# [الأعراف: 34] على

# لا يستأخرون

# [الأعراف: 34] وأشار بعض السلف إلى أن ذكر ذلك لأنه جاء في سبب النزول
~~أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه سبحانه من أي شيء هو أمن
~~كذا أم من كذا وممن ورث الدنيا ولمن يورثها.

# وقال الإمام إن { هو الله أحد } ثلاثة ألفاظ وكل واحد منها
~~إشارة ms11547 إلى مقام من مقامات الطالبين فالمقام الأول مقام المقربين وهو أعلى
~~مقامات السائرين إلى الله تعالى وهؤلاء نظروا بعيون عقولهم إلى ماهيات
~~الأشياء وحقائقها من حيث هي فما رأوا موجودا سوى الحق لأنه الذي يجب
~~وجوده لذاته وما عداه ممكن لذاته فهو من حيث ذاته ليس فقالوا { هو }
~~إشارة إلى الحق إذ ليس هناك في نظرهم موجود يرجع إليه سواه عز وجل ليحتاج
~~إلى التمييز والمقام الثاني لأصحاب اليمين وهؤلاء شاهدوا الحق سبحانه
~~موجودا وكذا شاهدوا الخلق فحصلت كثرة في الموجودات في نظرهم فلم يكن {
~~هو } كافيا في الإشارة إلى الحق بل لا بد من مميز فاحتاجوا إلى أن
~~يقرنوا لفظة { الله } بلفظ فقيل لأجلهم { هو الله } والمقام
~~الثالث مقام أصحاب الشمال الذين يجوزون أن يكون واجب الوجود أكثر من واحد
~~والإله كذلك فجيء بأحد ردا عليهم وإبطالا لمقالتهم انتهى.

# وبعض الصوفية عد لفظة { هو } من عداد الأسماء الحسنى بل قال إن هاء
~~الغيبة هي اسمه تعالى الحقيقي لدلالته على الهوية المطلقة مع كونه من
~~ضروريات التنفس الذي به بقاء حياة النفس وإشعار رسمه بالإحاطة ومرتبته من
~~العدد إلى دوامه وعدم فنائه. ونقل الدواني عن الإمام أنه قال علمني بعض
~~المشايخ يا هو يا من هو يا من لا إله إلا هو وعلى ذلك اعتقاد أكثر
~~المشايخ اليوم ولم يرد ذلك في الأخبار المقبولة عند المحدثين والله تعالى
~~أعلم.

### | [113 - سورة الفلق]

### || [113.1]

# { قل أعوذ } أي ألتجيء وأعتصم وأتحرز { برب الفلق } فعل
~~بمعنى مفعول صفة مشبهة كقصص بمعنى مقصوص من فلق شق وفرق وهو يعم جميع
~~الموجودات الممكنة فإنه تعالى فلق [ظلمة العدم] بنور الإيجاد عنها سيما
~~ما يخرج من أصل كالعيون من الجبال والأمطار من السحاب والنبات من الأرض
~~والأولاد من الأرحام، وخص عرفا بالصبح وإطلاقهم المفلوق عليه مع قولهم
~~فلق الله تعالى الليل عن الصبح على نحو إطلاق المسلوخ على الشاة مع قولهم
~~سلخت الجلد من الشاة وتفسيره بالمعنى العام أخرجه ابن جرير وابن المنذر
~~وابن أبي حاتم ms11548 عن ابن عباس ولفظه الفلق الخلق وأخرج الطستي عنه أنه فسره
~~بالصبح وأنشد رضي الله تعالى عنه قول زهير:

# الفارج الهم مسد ولا عساكره

# كما يفرج غم الظلمة الفلق

# وهو مروي عن جابر بن عبد الله ومجاهد وقتادة وابن جبير والقرطبي وابن
~~زيد، وعليه فتعليق العياذ باسم الرب المضاف إلى الفلق المنبىء عن النور
~~عقيب الظلمة والسعة بعد الضيق، والفتق بعد الرتق عدة كريمة بإعاذة العائذ
~~مما يعوذ منه وإنجائه / منه وتقوية لرجائه بتذكير بعض نظائره ومزيد ترغيب
~~له في الجد والاعتناء بقرع باب الالتجاء إليه عز وجل. وقيل إن في تخصيص
~~الفلق بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة فالدور كالقبور والنوم أخو
~~الموت والخارجون من منازلهم صباحا منهم من يذهب لنضرة وسرور ومنهم من
~~يكون من مطالبة ديون في غموم وشرور إلى أحوال أخر تكون للعباد هي أشبه
~~شيء بما يكون لهم في المعاد.

# وفي «تفسير القاضي» ((أن لفظ الرب ههنا أوقع من سائر الأسماء - أي التي
~~يجوز إضافتها إلى (الفلق) على ما قيل - لأن الإعاذة من المضار تربية))
~~وهو على تعميم الفلق ظاهر لشموله للمستعيذ والمستعاذ منه وعلى تخصيصه
~~بالصبح قيل لأنه مشعر بأنه سبحانه قادر مغير للأحوال مقلب للأطوار فيزيل
~~الهموم والأكدار.

# وقال الرئيس بن سينا بعد أن حمل (الفلق) على ظلمة العدم المفلوقة بنور
~~الوجود: إن في ذكر الرب سرا لطيفا من حقائق العلم وذلك أن المربوب لا
~~يستغني في شيء من حالاته عن الرب كما يشاهد في الطفل ما دام مربوبا ولما
~~كانت الماهيات الممكنة غير مستغنية عن إفاضة المبدأ الأول لا جرم ذكر لفظ
~~الرب للإشارة إلى ذلك، وفيه إشارة أخرى من خفيات العلوم وهو أن العوذ
~~والعياذ في اللغة عبارة عن الالتجاء إلى الغير فلما أمر بمجرد الالتجاء
~~إلى الغير وعبر عنه بالرب دل ذلك على أن عدم الحصول ليس لأمر يرجع إلى
~~المستعاذ به المفيض للخيرات بل لأمر يرجع إلى قابلها فإن من المقرر أنه
~~ليس شيء من الكمالات وغيرها مبخولا به ms11549 من جانب المبدأ الأول سبحانه بل
~~الكل حاصل موقوف على أن يصرف المستعد جهة قبوله إليه وهو المعنى بالإشارة
~~النبوية

# " إن لربكم في أيام دهركم نفحات من رحمته ألا فتعرضوا لها "

# بين أن نفحات الألطاف دائمة وإنما الخلل من المستعد انتهى.

# وفي رواية عن ابن عباس أيضا وجماعة من الصحابة والتابعين أن (الفلق) جب
~~في جهنم وأخرج ابن مردويه والديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال

# " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل { قل أعوذ
~~برب الفلق } قال هو سجن في جهنم يحبس فيه الجبارون والمتكبرون وإن
~~جهنم لتعوذ بالله تعالى منه "

# وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن عنبسة قال

# " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ: { قل أعوذ برب
~~الفلق } فقال يا ابن عنبسة أتدري ما الفلق؟ قلت الله ورسوله أعلم قال
~~بئر في جهنم فإذا سعرت البئر فمنها تسعر جهنم وإن جهنم لتتأذى منه كما
~~يتأذى ابن آدم من جهنم "

# وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن كعب قال الفلق بيت في جهنم إذا فتح
~~صاح أهل النار من شدة حره وعن الكلبي أنه واد في جهنم وقيل هو جهنم.

# وهو على ما في «الكشاف» ((من قولهم لما اطمأن من الأرض الفلق والجمع
~~فلقان)) كخلق وخلقان وتخصيصه بالذكر قيل لأنه مسكن اليهود فعن بعض
~~الصحابة أنه قدم الشام فرأى دور أهل الذمة وما هم فيه من خفض العيش وما
~~وسع عليهم من دنياهم فقال لا أبالي أليس من ورائهم الفلق؟ وفسر بما روى
~~آنفا عن كعب، ومنهم الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم ففي تعليق
~~العياذ بالرب مضافا إليه عدة كريمة بإعاذته صلى الله عليه وسلم من شرهم
~~ولا يخفى أن هذا مما لا يثلج الصدر وأظن ضعف الأخبار السالفة ويترجح في
~~نظري المعنى الأول للفلق.

### || [113.2]

# أي من شر الذي خلقه من الثقلين وغيرهم كائنا ما كان من ذوات الطباع
~~والاختيار. والظاهر عموم الشر للمضار البدنية وغيرها. ms11550 وزعم بعضهم أن
~~الاستعاذة ههنا من المضار البدنية وأنها تعم الإنسان وغيره مما ليس بصدد
~~الاستعاذة ثم جعل عمومها مدار إضافة الرب إلى الفلق بالمعنى العام وهو
~~كما ترى. نعم الذي يتبادر إلى الذهن أن عمومه لشرور الدنيا. وقال بعض
~~الأفاضل هو عام لكل شر في الدنيا والآخرة وشر الإنس والجن والشياطين وشر
~~السباع والهوام وشر النار وشر الذنوب والهوى وشر النفس وشر العمل وظاهره
~~تعميم { ما خلق } بحيث يشمل / نفس المستعيذ ولا يأبى ذلك نزول السورة
~~ليستعيذ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجوز بعضهم جعل { ما } مصدرية
~~مع تأويل المصدر باسم المفعول وهو تكلف مستغنى عنه.

# وإضافة الشر إلى { ما خلق } قيل لاختصاصه بعالم الخلق المؤسس على
~~امتزاج المواد المتباينة المستتبعة للكون والفساد، وأما عالم الأمر الذي
~~أوجد بمجرد أمر { كن } من غير مادة فهو خير محض منزه عن شوائب الشر
~~بالمرة. والظاهر أنه عنى بعالم الأمر عالم المجردات وهم الملائكة عليهم
~~السلام وأورد عليه - بعد غض الطرف عن عدم ورود ذلك في لسان الشرع - أن
~~منهم من يصدر منه شر كخسف البلاد وتعذيب العباد وأجيب بأن ذلك بأمره
~~تعالى فلم يصدر إلا لامتثال الأمر لا لقصد الشر من حيث هو شر فلا إيراد
~~نعم يرد أن كونهم مجردين خلاف المختار الذي عليه سلف الأمة ومن تبعهم بل
~~هم أجسام لطيفة نورية ولو سلم تجردهم قلنا بعدم حصر المجردات فيهم كيف
~~وقد قال كثير بتجرد الجن فقالوا إنها ليست أجساما ولا حالة فيها بل هي
~~جواهر مجردة قائمة بأنفسها مختلفة بالماهية بعضها خيرة وبعضها شريرة
~~وبعضها كريمة حرة محبة للخيرات وبعضها دنية خسيسة محبة للشرور والآفات،
~~وبالجملة { ما خلق } أعم من المجرد على القول به وغيره والكل مخلوق
~~له تعالى أي موجد بالاختيار بعد العدم إلا أن المراد الاستعاذة مما فيه
~~شر من ذلك.

# وقرأ عمرو بن فائد على ما في «البحر» (من شر) بالتنوين وقال ابن عطية
~~هي قراءة عمرو بن عبيد وبعض المعتزلة القائلين بأن ms11551 الله تعالى لم يخلق
~~الشر وحملوا (ما) على النفي وجعلوا الجملة في موضع الصفة أي من شر ما
~~خلقه الله تعالى ولا أوجده وهي قراءة مردودة مبنية على مذهب باطل انتهى
~~وأنت تعلم أن القراءة بالرواية ولا يتعين في هذه القراءة هذا التوجيه بل
~~يجوز أن تكون { ما } بدلا من { شر } على تقدير محذوف قد حذف لدلالة ما
~~قبله عليه أي من شر شر ما خلق.

### || [113.3]

# { ومن شر غاسق } تخصيص لبعض الشرور بالذكر مع اندراجه فيما قبل
~~لزيادة مساس الحاجة إلى الاستعاذة منه لكثرة وقوعه ولأن تعيين المستعاذ
~~منه أدل على الاعتناء بالاستعاذة وأدعى إلى الإعاذة. والغاسق الليل إذا
~~اعتكر ظلامه وأصل الغسق الامتلاء يقال غسقت العين إذا امتلأت دمعا وقيل
~~هو السيلان وغسق الليل انصباب ظلامه على الاستعارة وغسق العين سيلان
~~دمعها. وإضافة الشر إلى الليل لملابسته له لحدوثه فيه على حد نهاره صائم،
~~وتنكيره لعموم شمول الشر لجميع أفراده ولكل أجزائه.

# { إذا وقب } أي إذا دخل ظلامه في كل شيء وأصل الوقب النقرة والحفرة
~~ثم استعمل في الدخول ومنه قوله:

# وقب العذاب عليهم فكأنهم

# لحقتهم نار السموم فأخمدوا

# وكذا في المغيب لما أن ذلك كالدخول في الوقب أي النقرة والحفرة وقد فسر
~~هنا بالمجيء أيضا. والتقييد بهذا الوقت لأن حدوث الشر فيه أكثر والتحرز
~~منه أصعب وأعسر ومن أمثالهم الليل أخفى للويل وتفسير الغاسق بالليل
~~والوقوب بدخول ظلامه أخرجه ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ومجاهد وابن
~~أبي حاتم عن الضحاك وروي عن الحسن أيضا وإليه ذهب الزجاج إلا أنه جعل
~~الغاسق بمعنى البارد وقال أطلق على الليل لأنه أبرد من النهار وقال محمد
~~بن كعب هو النهار ووقب بمعنى دخل في الليل وهو كما ترى.

# وقيل القمر إذا امتلأ نورا على أن الغسق الامتلاء ووقوبه دخوله في
~~الخسوف واسوداده وقيل التعبير عنه بالغاسق لسرعة سيره وقطعه البروج على
~~أن الغسق مستعار من السيلان وقيل التعبير عنه بذلك لأن جرمه مظلم وإنما
~~يستنير من ضوء الشمس ms11552 ووقوبه على القولين المحاق في آخر الشهر والمنجمون
~~يعدونه نحسا ولذلك لا تشتغل السحرة بالسحر المورث للمرض إلا في ذلك
~~الوقت قيل وهو المناسب لسبب النزول. واستدل على تفسيره بالقمر بما أخرجه
~~/ الإمام أحمد والترمذي والحاكم وصححه وغيرهم عن عائشة قالت

# " نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما إلى القمر لما طلع فقال يا
~~عائشة استعيذي بالله تعالى من شر هذا فإن هذا الغاسق إذا وقب "

# ومن سلم صحة هذا لا ينبغي له العدول إلى تفسير آخر.

# وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب أنه قال الغاسق إذا وقب الشمس إذا غربت
~~وكأن إطلاق الغاسق عليها لامتلائها نورا ونقل ابن زيد عن العرب أن
~~الغاسق الثريا ووقوبها سقوطها وكانت الأقسام والطواعين تكثر عند ذلك وروى
~~تفسيره بذلك غير واحد عن أبي هريرة مرفوعا وفي الحديث

# " إذا طلع النجم ارتفعت العاهة "

# وفي بعض الروايات زيادة

# " عن جزيرة العرب "

# وفي بعضها

# " ما طلع النجم ذات غداة إلا رفعت كل آفة أو عاهة أو خفت "

# وفيه روايات أخر فليراجع «شرح المناوي الكبير للجامع الصغير».

# وقيل أريد بذلك الحية إذا لدغت وإطلاق الغاسق عليها لامتلائها سما وقيل
~~أريد سمها إذا دخل في الجسد وأطلق عليه الغاسق لسيلانه من نابها وكلا
~~القولين لا يعول عليه. وقيل هو كل شر يعتري الإنسان والشر يوصف بالظلمة
~~والسواد ووقوبه هجومه. وذكر المجد الفيروزابادي في «القاموس» في مادة وقب
~~قولا في معنى الآية زعم أنه حكاه الغزالي وغيره عن ابن عباس ولا أظن صحة
~~نسبته إليه لظهور أنه عورة بين الأقوال.

### || [113.4]

# أي ومن شر النفوس السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها
~~فالنفاثات صفة للنفوس واعتبر ذلك لمكان التأنيث مع أن تأثير السحر إنما
~~هو من جهة النفوس الخبيثة والأرواح الشريرة وسلطانه منها. وقدر بعضهم
~~النساء موصوفا والأول أولى ليشمل الرجال ويتضمن الإشارة السابقة ويطابق
~~سبب النزول فإن الذي سحره صلى الله عليه وسلم كان رجلا على المشهور كما
~~ستسمع إن شاء الله تعالى وقيل أعانه ms11553 بعض النساء ولكون مثل ذلك من عمل
~~النساء وكيدهن غلب المؤنث على المذكر هنا وهو جائز على ما فصله الخفاجي
~~في «شرح درة الغواص».

# والنفث والنفخ مع ريق كما قال الزمخشري وقال صاحب «اللوامح» هو شبه
~~النفخ يكون في الرقية ولا ريق معه فإن كان بريق فهو تفل والأول هو الأصح
~~لما نقله ابن القيم من أنهم إذا سحروا استعانوا على تأثير فعلهم بنفس
~~يمازجه بعض أجزاء أنفسهم الخبيثة.

# وقرأ الحسن (النفاثات) بضم النون وقرأ هو أيضا وابن عمر وعبد الله بن
~~القاسم ويعقوب في رواية (النافثات) وأبو الربيع والحسن أيضا (النفثات)
~~بغير ألف كالحذرات.

# وتعريفها إما للعهد أو للإيذان بشمول الشر لجميع أفرادهن وتمحضهن فيه.
~~وتخصيصه بالذكر لما روى البخاري ومسلم وابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى
~~عنها قالت

# " سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء
~~ولم يكن فعله حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة دعا الله ثم دعا ثم دعا ثم
~~قال أشعرت يا عائشة أن الله تعالى قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ قلت وما
~~ذاك يا رسول الله فقال جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي
~~فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي ما وجع
~~الرجل؟ قال مطبوب قال من طبه؟ قال لبيد بن الأعصم قال في أي شيء؟ قال في
~~مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر قال فأين هو؟ قال في بئر ذي أروان قالت
~~فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه ثم قال يا عائشة
~~والله لكأن ماءها نقاعة الحناء ولكأن نخلها رؤس الشياطين قالت فقلت يا
~~رسول الله أفلا أحرقته قال لا أما أنا فقد عافاني الله تعالى وكرهت أن
~~أثير على الناس شرا فأمرت بها فدفنت "

# وهذان الملكان على ما يدل عليه رواية ابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن
~~عباس هما جبريل وميكائيل عليهما السلام.

# ومن حديثها في «الدلائل» للبيهقي ms11554 بعد ذكر حديث الملكين

# " فما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا ومعه أصحابه إلى البئر
~~فدخل رجل فاستخرج جف طلعة من تحت الراعوثة فإذا فيها مشط رسول / الله صلى
~~الله تعالى عليه وسلم ومن مشاطة رأسه وإذا تمثال من شمع تمثال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم وإذا فيها إبر مغروزة وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة
~~فأتاه جبريل عليه السلام بالمعوذتين فقال يا محمد { قل أعوذ برب
~~الفلق } [الفلق: 1] وحل عقدة { من شر ما خلق } وحل عقدة حتى فرغ
~~منهما وحل العقد كلها وجعل لا ينزع إبرة إلا وجد لها ألما ثم يجد بعد
~~ذلك راحة فقيل يا رسول الله لو قتلت اليهودي قال قد عافاني الله تعالى
~~وما يراه من عذاب الله تعالى أشد "

# وفي رواية أن الذي تولى السحر لبيد بن الأعصم وبناته فمرض النبي صلى
~~الله عليه وسلم فنزل جبريل بالمعوذتين وأخبره بموضع السحر وبمن سحره وبم
~~سحره فأرسل صلى الله عليه وسلم عليا كرم الله تعالى وجهه والزبير
~~وعمارا فنزحوا ماء البئر وهو كنقاعة الحناء ثم رفعوا راعوثة البئر
~~فأخرجوا أسنان المشط ومعها وتر قد عقد فيه إحدى عشرة عقدة مغرزة بالإبر
~~فجاؤا بها النبي صلى الله عليه وسلم «فجعل يقرأ المعوذتين عليها فكان
~~كلما قرأ آية انحلت عقدة ووجد عليه الصلاة والسلام خفة حتى انحلت العقدة
~~الأخيرة عند تمام السورتين فقام صلى الله عليه وسلم كأنما أنشط من عقال»
~~الخبر والرواية الأولى أصح من هذه.

# وقال الإمام المازري ((قد أنكر ذلك الحديث [بعض] المبتدعة من حيث إنه
~~يحط منصب النبوة ويشكك فيها وإن تجويزه يمنع الثقة بالشرع وأجيب بأن
~~الحديث صحيح وهو غير مراغم للنص ولا يلزم عليه حط منصب النبوة والتشكيك
~~فيها لأن الكفار أرادوا بقولهم مسحور أنه مجنون وحاشاه ولو سلم إرادة
~~ظاهره فهو كان قبل هذه القصة أو مرادهم أن السحر أثر فيه وأن ما يأتيه من
~~الوحي من تخيلات السحر وهو كذب أيضا لأن الله تعالى عصمه فيما ms11555 يتعلق
~~بالرسالة وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث عليه الصلاة
~~والسلام بسببها وهي مما يعرض للبشر فغير بعيد أن يخيل إليه من ذلك ما لا
~~حقيقة له وقد قيل إنه إنما كان يخيل إليه أنه وطىء زوجاته وليس بواطىء
~~وقد يتخيل الإنسان مثل هذا في المنام فلا يبعد تخيله في اليقظة وقيل إنه
~~يخيل إنه فعله وما فعله ولكن لا يعتقد صحة ما تخيله فتكون اعتقاداته عليه
~~الصلاة والسلام على السداد)).

# وقال القاضي عياض ((قد جاءت روايات حديث عائشة مبينة أن السحر إنما تسلط
~~على جسده الشريف صلى الله عليه وسلم وظواهر جوارحه لا على عقله عليه
~~الصلاة والسلام وقلبه واعتقاده ويكون معنى ما في بعض الروايات - حتى يظن
~~أنه يأتي أهله ولا يأتيهن وفي بعض «أنه يخيل إليه أنه» الخ - أنه يظهر له
~~من نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن فإذا دنا منهن أخذته أخذة السحر فلم
~~يأتهن ولم يتمكن من ذلك كما يعتري المسحور وكل ما جاء في الروايات من أنه
~~عليه الصلاة والسلام يخيل إليه فعل شيء ولم يفعله ونحوه فمحمول على
~~التخيل بالبصر لا لخلل تطرق إلى العقل وليس في ذلك ما يدخل لبسا على
~~الرسالة ولا طعنا لأهل الضلالة)) انتهى.

# وبعضهم أنكر أصل السحر ونفى حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة
~~لا حقائق لها. ومذهب أهل السنة وعلماء الأمة على إثباته وأن له حقيقة
~~كحقيقة غيره من الأشياء لدلالة الكتاب والسنة على ذلك ولا يستنكر في
~~العقل أن الله تعالى يخرق العادة عند النطق بكلام ملفق أو تركيب أجسام
~~مخصوصة والمزج بين قوى على ترتيب لا يعرفه إلا الساحر وإذا شاهد الإنسان
~~بعض الأجسام، منها قاتلة كالسموم ومنها مسقمة كالأدوية المحادة ومنها
~~مصحة كالأدوية المضادة للمرض لم يستبعد عقله أن ينفرد الساحر بعلم قوى
~~قتالة أو كلام مهلك أو مؤد / إلى التفرقة، ومع ذلك لا يخلو من تأثير
~~نفساني.

# ثم إن القائلين به اختلفوا في القدر الذي يقع به فقال بعضهم ms11556 لا يزيد
~~تأثيره على قدر التفرقة بين المرء وزوجه لأن الله تعالى إنما ذكر ذلك
~~تعظيما لما يكون عنده وتهويلا له فلو وقع به أعظم منه لذكره لأن المثل
~~لا يضرب عند المبالغة إلا بأعلى أحوال المذكور ومذهب الأشاعرة أنه يجوز
~~أن يقع به أكثر من ذلك وهو الصحيح عقلا لأنه لا فاعل إلا الله وما يقع
~~من ذلك فهو عادة أجراها الله تعالى ولا تفترق الأفعال في ذلك وليس بعضها
~~بأولى من بعض ولو ورد الشرع بقصوره عن مرتبة لوجب المصير إليه ولكن لا
~~يوجد شرع قاطع يوجب الاقتصار على ما قاله القائل الأول وذكر التفرقة بين
~~الزوجين في الآية ليس بنص في منع الزيادة وإنما النظر في أنه ظاهر أم لا.
~~والفرق بين الساحر وبين النبي والولي على قول الأشاعرة بأنه يجوز خرق
~~العادة على يد الساحر مبين في الكتب الكلامية وغيرها من شروح «الصحاح».

# وقيل في الآية المراد بالنفث في العقد إبطال عزائم الرجال بالحيل مستعار
~~من تليين العقد بنفث الريق ليسهل حلها وهو يقرب من بدع التفاسير.

### || [113.5]

# أي إذا أظهر ما في نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه بترتيب مقدمات الشر
~~ومبادي الإضرار بالمحسود قولا وفعلا، ومن ذلك على ما قيل النظر إلى
~~المحسود وتوجيه نفسه الخبيثة نحوه على وجه الغضب فإن نفس الحاسد حينئذ
~~تتكيف بكيفية خبيثة ربما تؤثر في المحسود بحسب ضعفه وقوة نفس الحاسد شرا
~~قد يصل إلى حد الإهلاك ورب حاسد يؤذي بنظره بعين حسده نحو ما يؤذي بعد
~~الحيات بنظرهن وذكروا أن العائن والحاسد يشتركان في أن كلا منهما تتكيف
~~نفسه وتتوجه نحو من تريد أذاه إلا أن العائن تتكيف نفسه عند مقابلة العين
~~والمعاينة والحاسد يحصل حسده في الغيبة والحضور وأيضا العائن قد يعين من
~~لا يحسده من حيوان وزرع وإن كان لا ينفك من حسد صاحبه. والتقييد بذلك إذ
~~لا ضرر قبله بل قيل إن ضرر الحسد إنما يحيق بالحاسد لا غير كما قال علي
~~كرم الله تعالى وجهه ms11557 لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله وقال ابن
~~المعتز:

# اصبر على حسد الحسو

# د فإن صبرك قاتله

# فالنار تأكل بعضها

# إن لم تجد ما تأكله

# وليعلم أن الحسد يطلق على تمني زوال نعمة الغير وعلى تمني استصحاب عدم
~~النعمة ودوام ما في الغير من نقص أو فقر أو نحوه والإطلاق الأول هو
~~الشائع والحاسد بكلا الإطلاقين ممقوت عند الله تعالى وعند عباده عز وجل
~~آت بابا من الكبائر على ما اشتهر بينهم لكن التحقيق أن الحسد الغريزي
~~الجبلي إذا لم يعمل بمقتضاه من الأذى مطلقا بل عامل المتصف به أخاه بما
~~يحب الله تعالى مجاهدا نفسه لا إثم فيه بل يثاب صاحبه على جهاد نفسه
~~وحسن معاملته أخاه ثوابا عظيما لما في ذلك من مشقة مخالفة الطبع كما لا
~~يخفى.

# ويطلق الحسد على الغبطة مجازا وكان ذلك شائعا في العرف الأول وهي تمني
~~أن يكون له مثل ما لأخيه من النعمة من غير تمني زوالها وهذا مما لا بأس
~~به ومن ذلك ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم «لا حسد إلا في اثنتين رجل
~~آتاه الله تعالى مالا وسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله تعالى
~~الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس» وقال أبو تمام:

# هم حسدوه لا ملومين مجده

# وما حاسد في المكرمات بحاسد

# وقال أيضا:

# وأعذر حسودك فيما قد خصصت به

# إن العلا حسن في مثلها الحسد

# هذا وقال الرئيس ابن سينا الغاسق القوة الحيوانية فهي ظلمة غاسقة منكدرة
~~على خلاف النفس الناطقة التي هي المستعيذة فإنها خلقت في جوهرها نقية
~~صافية مبرأة عن كدورات المادة وعلائقها قابلة لجميع الصور والحقائق وإنما
~~تتلوث من الحيوانية.

# والنفاثات في العقد إشارة إلى القوى النباتية / من حيث إنها تزيد في
~~المقدار من جميع جهاته الطول والعرض والعمق فكأنها تنفث في العقد الثلاث
~~ولما كانت العلاقة بين النفس الإنسانية والقوى النباتية بواسطة الحيوانية
~~لا جرم قدم ذكر القوى الحيوانية على القوى النباتية والشر اللازم من
~~هاتين القوتين ms11558 في جوهر النفس هو استحكام علائق البدن وامتناع تغذيها
~~بالغذاء الموافق لها اللائق بجوهرها وهو الإحاطة بملكوت السموات والأرض
~~والانتقاش بالنقوش الباقية وعنى بقوله تعالى: { ومن شر حاسد إذا
~~حسد } النزاع الحاصل بين البدن وقواه وبين النفس، فالحاسد هو البدن من
~~حيث له القوتان والمحسود هو النفس فالبدن وبال عليها فما أحسن حالها عند
~~الإعراض عنه وما أعظم لذتها بالمفارقة إن لم تكن تلوثت منه. وقيل الغاسق
~~إشارة إلى المعدن والنفاثات إلى النباتات والحاسد إلى الحيوان ولما كان
~~الإنسان لا يتضرر عن الأجسام الفلكية وإنما يتضرر عن الأجسام العنصرية -
~~وهي إما معدن أو نبات أو حيوان - أمر بالاستعاذة من شر كل منها، وكلا
~~القولين كما ترى والله تعالى أعلم.

### | [114 - سورة الناس]

### || [114.1]

# { قل أعوذ } وقرىء في السورتين بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام
~~كما قرىء

# فخذ أربعة

# [البقرة: 260] { برب الناس } أي مالك أمورهم ومربيهم بإفاضة ما
~~يصلحهم ودفع ما يضرهم وأمال (الناس) هنا أبو عمرو والدوري عن الكسائي
~~وكذا في كل موضع وقع فيه مجرورا.

### || [114.2]

# عطف بيان على ما اختاره الزمخشري جيء به لبيان أن تربيته تعالى إياهم
~~ليست بطريق تربية سائر الملاك لما تحت أيديهم من مماليكهم بل بطريق الملك
~~الكامل والتصرف الكلي والسلطان القاهر.

### || [114.3]

# وكذا قوله تعالى: { إله الناس } فإنه لبيان أن ملكه تعالى ليس
~~بمجرد الاستيلاء عليهم والقيام بتدبير أمور سياستهم والتولي لترتيب
~~مبادىء حفظهم وحمايتهم كما هو قصارى أمر الملوك بل هو بطريق المعبودية
~~المؤسسة على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكلي فيهم
~~إحياء وإماتة وإيجادا وإعداما. وجوزت البدلية أيضا وأنت تعلم أنه لا
~~مانع منه عقلا ثم ماهنا وإن لم يكن جامدا فهو في حكمه ولعل الجزالة دعت
~~إلى اختياره ((وتخصيص الإضافة إلى (الناس) مع انتظام جميع العالم في سلك
~~ربوبيته تعالى وملكوته وألوهيته على ما في «الإرشاد» للإرشاد إلى منهاج
~~الاستعاذة الحقيقة بالإعاذة فإن توسل العائذ بربه وانتسابه إليه
~~بالمربوبية والمملوكية والعبودية في ضمن جنس هو فرد من أفراده من ms11559 دواعي
~~مزيد الرحمة والرأفة وأمره تعالى بذلك من دلائل الوعد الكريم بالإعاذة لا
~~محالة ولأن المستعاذ منه شر الشيطان المعروف بعداوتهم ففي التنصيص على
~~انتظامهم في سلك عبوديته تعالى وملكوته رمز إلى إنجائهم من ملكة الشيطان
~~وتسلطه عليهم حسبما ينطبق به قوله تعالى:

# إن عبادى ليس لك عليهم سلطن

# [الإسراء: 65])) واقتصر بعض الأجلة في بيان وجه التخصيص على كون
~~الاستعاذة هنا من شر ما يخص النفوس البشرية وهي الوسوسة كما قال تعالى: {
~~من شر الوسواس }.

### || [114.4]

# { من شر الوسواس } وبحث فيه بعد الإغماض عما فيه من القصور في
~~توفية المقام حقه بأن شر الموسوس كما يلحق النفوس يلحق الأبدان أيضا
~~وفيه شيء سنشير إن شاء الله تعالى إليه. واختار هذا الباحث في ذلك أنه /
~~لما كانت الاستعاذة فيما سبق من شر كل شيء أضيف الرب إلى كل شيء أي بناء
~~على عموم الفلق ولما كانت هنا من شر الوسواس لم يضف إلى كل شيء وكان
~~النظر إلى السورة السابقة يقتضي الإضافة إلى الوسواس لكنه لم يضف إليه
~~حطا لدرجته عن إضافة الرب إليه بل إلى المستعيذ وكأن في هذا الحط رمزا
~~إلى الوعد بالإعاذة وهو الذي يجعل لما ذكر حظا في أداء حق المقام. وربما
~~يقال إن في إضافة الرب إلى الناس في آخر سورة من كتابه تذكيرا الأول أمر
~~عرفوه في عالم الذر وأخذ عليهم العهد بالإقرار به فيما بعد كما أشار إليه
~~قوله تعالى:

# وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم
~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم
~~قالوا بلى

# [الأعراف: 172] الآية فيكون في ذلك تحريض على الاستعاذة من شر الوسواس
~~لئلا يتدنس أمر ذلك العهد، وفيه أيضا رمز إلى الوعد الكريم بالإعاذة.

# وذكر القاضي أن في النظم الجليل إشعارا بمراتب الناظر المتوجه لمعرفة
~~خالقه فإنه يعلم أولا بما يرى عليه من النعم الظاهرة والباطنة أن له
~~ربا ثم يتغلغل في النظر حتى يتحقق أنه سبحانه غني عن الكل وذات كل شيء
~~له ومصارف أمره منه فهو الملك ms11560 الحق ثم يستدل به على أنه المستحق للعبادة
~~لا غير ويندرج في وجوه الاستعاذة المعتادة تنزيلا لاختلاف الصفات منزلة
~~اختلاف الذات فإن عادة من ألم به هم أن يرفع أمره لسيده ومربيه كوالديه
~~فإن لم يقدرا على رفعه رفعه لملكه وسلطانه فإن لم يزل ظلامته شكاه إلى
~~ملك الملوك ومن إليه المشتكي والمفزع وفي ذلك إشارة إلى عظم الآفة
~~المستعاذ منها ولابن سينا ههنا كلام تتحرج منه الأقلام كما لا يخفى على
~~من ألم به وكان له بالشريعة المطهرة أدنى إلمام.

# وتكرير المضاف إليه لمزيد الكشف والتقرير والتشريف بالإضافة وقيل لا
~~تكرار فإنه يجوز أن يراد بالعام بعض أفراده فالناس الأول بمعنى الأجنة
~~والأطفال المحتاجين للتربية والثاني الكهول والشبان لأنهم المحتاجون لمن
~~يسوسهم والثالث الشيوخ المتعبدون المتوجهون لله تعالى وهو على ما فيه
~~يبعده حديث إعادة الشيء معرفة وإن كان أغلبيا.

# والوسواس عند الزمخشري اسم مصدر بمعنى الوسوسة والمصدر بالكسر وهو صوت
~~الحلي والهمس الخفي ثم استعمل في الخطرة الردية وأريد به ههنا الشيطان
~~سمي بفعله مبالغة كأنه نفس الوسوسة أو الكلام على حذف مضاف أي ذي
~~الوسواس.

# وقال بعض أئمة العربية إن فعلل ضربان صحيح كدحرج وثنائي مكرر كصلصل
~~ولهما مصدران مطردان فعللة وفعلال بالكسر وهو أقيس والفتح شاذ لكنه كثر
~~في المكرر كتمتام وفأفاء ويكون للمبالغة كفعال في الثلاثي كما قالوا
~~وطواط للضعيف وثرثار للمكثر والحق أنه صفة فليحمل عليه ما في الآية
~~الكريمة من غير حاجة إلى التجوز أو حذف المضاف. وقد تقدم في سورة الزلزال
~~ما يتعلق بها المبحث فتذكر فما في العهد من قدم.

# والظاهر أن المراد الاستعاذة من شر الوسواس من حيث هو وسواس ومآله إلى
~~الاستعاذة من شر وسوسته وقيل المراد الاستعاذة من جميع شزوره ولذا قيل من
~~شر الوسواس ولم يقل من شر وسوسة الوسواس قيل وعليه يكون القول بأن شره
~~يلحق البدن كما يلحق النفس أظهر منه على الظاهر وعد من شره أنه كما في
~~«صحيح البخاري» «يعقد على قافية رأس ms11561 العبد إذا هو نام ثلاث عقد» مراده
~~بذلك منعه من اليقظة وفي عد هذا من الشر البدني خفاء وبعضهم عد منه
~~التخبط إذ الحق عند أهل السنة أنه قد يكون من مسه كما تقدم في موضعه.

# وقوله تعالى: { الخناس } صيغة مبالغة أو نسبة أي الذي عادته أن
~~يخنس ويتأخر إذا ذكر الإنسان ربه عز وجل أخرج الضياء في «المختارة»
~~والحاكم وصححه وابن المنذر وغيرهم عن ابن عباس قال «ما من مولود يولد إلا
~~على قلبه الوسواس فإذا عقل فذكر الله تعالى خنس فإذا غفل وسوس» وله على
~~ما روي عن قتادة خرطوم كخرطوم الكلب ويقال إن رأسه كرأس الحية وأخرج ابن
~~شاهين عن أنس قال سمعت رسول الله / صلى الله عليه وسلم يقول

# " إن للوسواس خطما كخطم الطائر فإذا غفل ابن آدم وضع ذلك المنقار في
~~أذن القلب يوسوس فإن ذكر الله تعالى نكص وخنس فلذلك سمي الوسواس الخناس
~~".

### || [114.5]

# قيل أريد قلوبهم مجازا وقال بعضهم إن الشيطان يدخل الصدر الذي هو
~~بمنزلة الدهليز فيلقى منه ما يريد إلقاءه إلى القلب ويوصله إليه ولا مانع
~~عقلا من دخوله في جوف الإنسان وقد ورد السمع به كما سمعت فوجب قبوله
~~والإيمان به ومن ذلك «إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم» ومن الناس
~~من حمله على التمثيل وقال في الآية إنها لا تقتضي الدخول كما ينادي عليه
~~البيان الآتي. وقال ابن سينا الوسواس القوة التي توقع الوسوسة وهي القوة
~~المتخيلة بحسب صيرورتها مستعملة للنفس الحيوانية ثم إن حركتها تكون
~~بالعكس فإن النفس وجهتها إلى المبادي المفارقة فالقوة المتخيلة إذا
~~أخذتها إلى الاشتغال بالمادة وعلائقها فتلك القوة تخنس أي تتحرك بالعكس
~~وتجذب النفس الإنسانية إلى العكس فلذلك تسمى خناسا، ونحوه ما قيل إنه
~~القوة الوهمية فهي تساعد العقل في المقدمات فإذا آل الأمر إلى النتيجة
~~خنست وأخذت توسوسه وتشككه ولا يخفى أن تفسير كلام الله تعالى بأمثال ذلك
~~من شر الوسواس الخناس، والقاضي ذكر الأخير عن سبيل التنظير لا على وجه ms11562
~~التمثيل والتفسير بناء على حسن الظن به.

# ومحل الموصول إما الجر على الوصف وإما الرفع والنصب على الذم والشتم،
~~ويحسن أن يقف القارىء على أحد هذين الوجهين على

# الخناس

# [الناس: 4] وأما على الأول ففي «الكواشي» أنه لا يجوز الوقف وتعقبه
~~الطيبي بأن في عدم الجواز نظرا للفاصلة وفي «الكشف» أنه إذا كان صفة
~~فالحسن غير مسلم اللهم إلا على وجه وهو أن الوقف الحسن شامل لمثله
~~في فاصلة خاصة.

### || [114.6]

# بيان للذي يوسوس، على أنه ضربان جني وإنسي كما قال تعالى:

# شيطين الإنس والجن

# [الأنعام: 112] أو متعلق بيوسوس و(من) لابتداء الغاية أي يوسوس في
~~صدورهم من جهة الجن مثل أن يلقي في قلب المرء من جهتهم أنهم ينفعون
~~ويضرون ومن جهة الناس مثل أن يلقي في قلبه من جهة المنجمين والكهان أنهم
~~يعلمون الغيب وجوز فيه الحالية من ضمير { يوسوس } والبدلية من قوله
~~تعالى:

# من شر

# [الناس: 4] بإعادة الجار وتقدير المضاف والبدلية من { الوسواس }
~~على أن { من } تبعيضية.

# وقال الفراء وجماعة هو بيان للناس بناء على أنه يطلق على الجن أيضا
~~فيقال كما نقل عن الكلبي ناس من الجن كما يقال نفر ورجال منهم وفيه أن
~~المعروف عند الناس خلافه مع ما في ذلك من شبه جعل قسم الشيء قسيما له
~~ومثله لا يناسب بلاغة القرآن وإن سلم صحته وتعقب أيضا بأنه يلزم عليه
~~القول بأن الشيطان يوسوس في صدور الجن كما يوسوس في صدور الإنس ولم يقم
~~دليل عليه ولا يجوز جعل الآية دليلا لما لا يخفى.

# وأقرب منه على ما قيل أن يراد بالناس الناسي بالياء مثله في قراءة بعضهم

# من حيث أفاض الناس

# [البقرة: 199] بالكسر ويجعل سقوط الياء كسقوطها في قوله تعالى:

# يوم يدعو الداع

# [القمر: 6] ثم يبين بالجنة والناس فإن كان كل فرد من أفراد الفريقين
~~مبتلى بنسيان حق الله تعالى إلا من تداركه شوافع عصمته وتناوله واسع
~~رحمته جعلنا الله ممن نال من عصمته الحظ الأوفى وكال له مولاه من رحمته
~~فأوفى.

# ثم إنه قيل ms11563 أن حروف هذه السورة غير المكرر اثنان وعشرون حرفا وكذا حروف
~~الفاتحة وذلك بعدد السنين التي أنزل فيها القرآن فليراجع وبعد أن يوجد
~~الأمر كما ذكر لا يخفى أن كون سني النزول اثنتين وعشرين سنة قول لبعضهم
~~والمشهور أنها ثلاث وعشرون اه ومثل هذا الرمز ما قيل إن أول حروفه الباء
~~وآخرها السين فكأنه قيل بس أي حسب ففيه إشارة إلى أنه كاف عما سواه ورمز
~~إلى قوله تعالى:

# ما فرطنا في الكتاب من شيء

# [الأنعام: 38] وقد نظم ذلك بعض الفرس فقال:

# / أول وآخر قرآن زجه با آمد وسين

# يعني اندرد وجهان رهبر ما قرآن بس

# ومثله من الرموز كثير لكن قيل لا ينبغي أن يقال إنه مراد الله عز وجل.
~~نعم قد أرشد عز وجل في هذه السورة إلى الاستعانة به، تعالى شأنه كما أرشد
~~جل وعلا إليها في الفاتحة بل لا يبعد أن يكون مراده تعالى على القول بأن
~~ترتيب السور بوحيه سبحانه من ختم كتابه الكريم بالاستعاذة به تعالى من شر
~~الوسواس الإشارة كما في الفاتحة إلى جلالة شأن التقوى والرمز إلى أنها
~~ملاك الأمر كله وبها يحصل حسن الخاتمة فسبحانه من ملك جليل ما أجل
~~كلمته ولله در التنزيل ما أحسن فاتحته وخاتمته. ms11564